######OpenITI# #META# URI: 1379MuhammadAscadTalas.TarikhUmmaCasrInbithaq.Hindawi83863050 #META# Tags: history #META# ID: 83863050 #META# Title: عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) #META# AuthorID: 35030937 #META# Author: محمد أسعد طلس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عصر الانبثاق‏ # تاريخ دنيا العرب قبل الإسلام‏ # توطئة‏ # دول الحضارات الشمالية‏ # حضارات الوسط‏ # حضارات الجنوب‏ # أيام النبي صلى الله عليه وسلم‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثانى‏ # عصر الانبثاق‏ # تاريخ دنيا العرب قبل الإسلام‏ # توطئة‏ # دول الحضارات الشمالية‏ # حضارات الوسط‏ # حضارات الجنوب‏ # أيام النبي صلى الله عليه وسلم‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثانى‏ # | عصر الانبثاق # | عصر الانبثاق # | تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول) # تأليف # محمد أسعد طلس # | عصر الانبثاق # | توطئة # انبثق سيل تاريخ الأمة العربية في حوالي القرن الأربعين قبل الميلاد في دنيا العرب ~~الممتدة ما بين جبال زاغروس، وطوروس، واليمن، وجبال الأطلس. # ويدخل في حدود هذه «الدنيا العربية» جميع البلاد المعروفة اليوم بأسماء: اليمن، الحجاز، ~~نجد، قطر، البحرين، الكويت، الشام، العراق، مصر، السودان، ليبيا، تونس، الجزائر، ~~مراكش. # وقد كان قلب هذه «الدنيا» هو بلاد نجد والحجاز وبادية الشام، ومن هذا القلب كانت الموجات ~~العربية تخرج، وتفيق على ما حولها من الديار والأقاليم، وأقدم هذه الموجات الموجات الإحدى ~~عشرة الآتية: ~~(1) # موجات ما قبل التاريخ الحضري التي انساحت نحو وادي النيل، وما بين نهري دجلة ~~والفرات، وبلاد اليمن. ~~(2) # موجة القبائل الأكادية التي انساحت إلى ما بين النهرين في أواسط الألف الرابع ~~قبل الميلاد. ~~(3) # موجة الكنعانيين التي انساحت إلى بلاد الشام في أواسط الألف الثالث قبل ~~الميلاد. ~~(4) # موجة الآشوريين التي انساحت إلى ما بين النهرين حوالي النصف الثاني من الألف ~~الثالث قبل الميلاد. ~~(5) # موجة الرعاة «الهكسوس» التي انساحت إلى وادي النيل في أوائل الألف الثاني قبل ~~الميلاد. ~~(6) # موجة الآراميين التي انساحت إلى بلاد الشام في أواسط الألف الثاني قبل ~~الميلاد. ~~(7) # موجة العبرانيين التي انساحت إلى أرض فلسطين في النصف الثاني من الألف الثاني ~~قبل الميلاد. ~~(8) # موجة اليمنيين التي انساحت إلى شمالي الجزيرة العربية في فجر الألف الأول قبل ~~الميلاد. ~~(9) # موجة الأدوميين التي انساحت إلى جنوبي الشام في أواسط الألف الأول قبل ~~الميلاد. ~~(10) # موجة اليمانيين من الغساسنة والمناذرة التي انساحت إلى الشام والعراق في ~~النصف الثاني من القرن الأول بعد الميلاد. ~~(11) # موجة المسلمين التي انساحت ms001 في أواسط الألف الأول بعد الميلاد إلى الشام ~~والعراق. # وقد اختلف العلماء في البقعة الأولى التي خرجت منها هذه الموجات، ولكن الأكثرين قالوا على ~~أنها قلب الجزيرة العربية. يقول الدكتور جواد علي: تصور العلماء الذين قالوا إن الجزيرة ~~العربية هي مهد الجنس السامي، بلاد العرب كخزان هائل يفيض في حقب متعاقبة، تبلغ الواحدة ~~منها زهاء ألف عام، بما يزيد عن طاقته من البشر إلى الخارج، يقذف بهم على صورة موجات قالوا ~~لها: «الموجات السامية»، وقد علل القائلون بهذه النظرية الهجرات السامية من بلاد العرب سبب ~~هذه الهجرات، بعدم استطاعة شبه الجزيرة قبول عدد كبير من السكان يزيد على طاقتها، فلا يبقى ~~غير سلوك طريق الهجرات إلى الأماكن الخصيبة في الشمال، وقد كانت الطرق الساحلية من أهم ~~الطرق التي أوصلت المهاجرين إلى أهدافهم. # رأى المستشرق الإيطالي المشهور كيتاني أن الجفاف الذي حل ببلاد العرب فحول أكثر ~~أراضيها إلى صحاري جرد؛ كان العامل الأول في هذه الهجرات، رأى أن جو بلاد العرب قبل ~~ألفي سنة أو ثلاثة آلاف أو أكثر من ذلك، لم يكن على الشكل الذي نلاحظه الآن، وأن تغيرات ~~وتطورات طبيعية طرأت على الجزيرة كان نتيجتها ظهور هذا الجفاف، وهي تطورات استغرقت أمدا ~~طويلا، وقد أيد هذا الرأي ودافع عنه السير توماس أرنولد، ورأت المس ألينور كردنر التي ~~قامت بأبحاث جيولوجية في حضرموت في عامي 1937، 1938م؛ أنه لم تحدث في الأقسام الجنوبية من ~~شبه الجزيرة العربية تغيرات طبوغرافية وجيولوجية وجوية كبيرة منذ زمن الباليوزوسي، وينتهي ~~حوالي 10000 قبل الميلاد؛ حيث كان الجو مشبعا بالرطوبة. # 1 # وقد لفت الأستاذ كيتاني أنظار العلماء إلى هذه الظاهرة المهمة؛ ظاهرة التغير الذي طرأ على ~~جو بلاد العرب، والجفاف الذي حل بها في أواخر الدورة الجليدية الأخيرة، ففي الوقت الذي ~~كان فيه معظم النواحي الأوروبية وشمالي آسيا تغطي أرضها الثلوج؛ كانت جزيرة العرب ذات جو ~~معتدل، وأمطار غزيرة، وأشجار وزروع، وكانت هضبة إيران تغطيها الثلوج ... ثم أخذ الجو يتغير في ~~بلاد العرب، ففقد الجو رطوبته، ms002 وسار بصورة مستمرة وبطيئة نحو الجفاف منذ أكثر من أربعة عشر ~~ألف سنة، فأثر ذلك بالطبع في حياة سكانها، وفي حياة حيوانها ونباتها؛ فانقرض ما لم يتمكن ~~من تكييف نفسه مع المحيط، وظهرت الحاجة إلى هجرات ... # 2 # وهذه الموجات أو الهجرات التي اندفعت من قلب دنيا العرب إلى البلاد المحيطة بها، فأقامت ~~حضارات عريقة وأصيلة، قد أثبت البحث العلمي الحديث أنها كلها ترجع إلى أرومة واحدة وعرق ~~واحد؛ هما: الأرومة العربية، والعرق العربي الممتازين بطابع واحد وسمة واحدة، وملامح ~~متشابهة، وأفكار متماثلة، ولغات متقاربة، وأنظمة وقوانين وتشريعات متساوية، وعقليات دينية ~~متناظرة. # وقد اصطلح المستشرقون وعلى رأسهم العلامة الألماني اللغوي شلوتسر # Schloser # في بحث له نشره سنة 1781م، على تسمية الأقوام الذين قاموا بهذه ~~الموجات بالساميين لا العرب، وهي في رأينا تسمية خاطئة؛ فإنهم حين بحثوا في أصول اللغات ~~العربية والعبرانية والآرامية والسريانية والحبشية والفينيقية والآشورية والبابلية و... ~~ووجدوا الصلات القوية بينها، وقد نسبوا إلى «سام بن نوح» لأن التوراة ذكرت في سفر التكوين # 3 # أن هذه الأمم كلها سامية، وأنها من نسله، وهذا خطأ لا يعتمد على واقعة تاريخية ~~أو علمية، وإنما هو مبني - على فرض صحة هذا النسب الذي هو موضع شك كبير - على الظن، وإن ~~الظن لا يغني من الحق شيئا. ثم إننا لو جاز لنا أن نقبل ذلك من حيث الاصطلاحات اللغوية، ~~وأنهم إنما سموها سامية من قبيل الاصطلاح؛ فلا علاقة أصلا بين الأمور العرقية الأتنولوجية ~~وبين هذه التسمية. # ولا يصح في رأينا إذن أن نطلق كلمة «سامي» أو «حامي» أو «آري»، ونحن نريد بها عرقا ~~بعينه؛ لأنها اصطلاح لغوي بحت، وإنما يجب أن نقول إن هؤلاء الجماعات من البشر قد تحدروا ~~من أصل واحد، سكن بقعة واحدة، هي في أصح الأقوال قلب جزيرة العرب، وإن اللغة التي يتكلم ~~بها سكان تلك البقعة هي اللغة الأم، وإن اللغة العربية الفصيحة هي أقرب اللغات إلى تلك ~~اللغة الأم، وقد قال بهذا القول جماعة من أئمة المستشرقين، وعلى رأسهم ms003 العلماء: سبرنجر، ~~وشريد، وونكلر الألمانيون، وروبرت سميث الإنكليزي، وغويدي الإيطالي، ولهم على ذلك أدلة ~~عديدة وجيهة؛ بعضها لغوي، وبعضها اجتماعي وأخلاقي. # 4 # فالتقسيم الذي قال به شلوتسر واتبعه الناس من بعده لا يعتمد على حقيقة تاريخية ثابتة؛ ~~لأنه عد من بين الشعوب السامية جماعة لا يعتبرها العلماء الثقات من الساميين، وهم ~~العيلاميون، واللوديون، كما أنه أبعد جماعات كان يجب أن يدخلهم في الساميين؛ وهم الفينيقيون ~~والكنعانيون. # وعلى هذا فالتقسيم المذكور في التوراة تقسيم «مصنوع»، حتى قال بعض العلماء الألمان - وهو ~~المستشرق المرحوم بروكلمان: إن واضعي التوراة العبرانيين قد تعمدوا إقصاء الكنعانيين ~~والفينيقيين عن سلسلة النسب السامي لأسباب دينية وسياسية، مع علمهم الأكيد بأنهم على اتصال ~~واشج بهم، # 5 # فهذا يدلك على سوء طوية علماء اليهود منذ الأزل، وعلى أنهم قوم لا يرعون حق ~~قرابة أو علم أو دين، وأن الكذب والتلفيق من طبائعهم، وأن ما يتجدد اليوم في فلسطين العربية ~~الذبيحة من المآسي المادية، واغتصاب الأراضي، وإفساد الحرث والنسل، والتعدي على الحريات، ~~وهتك المقدسات؛ هو أمر متوارث في أصحاب التوراة منذ أقدم عصورهم إلى الآن. # | تاريخ دنيا العرب قبل الإسلام # | توطئة # يقول العلماء الجيولوجيون إن دنيا العرب في آسيا وأفريقيا كانت في العصر الجليدي تنعم ~~بجو دافئ، وإن الأمطار كانت تهطل فيها بغزارة، وإن سهولها كانت مغطاة بالأعشاب ~~والغائل، وإنه قد كان فيها عدد كبير من الحيوانات الأليفة المفيدة ... وإن هذا كله هو سبب ~~قيام الحضارات العريقة التي قامت في ربوعها. # ولكن ما عتم العصر الجليدي أن انزاح عن أوروبا حتى هجم الجفاف على آسيا، وكان نصيب ~~دنيا العرب منه كبير؛ فجفت بقاع كثيرة في ديارهم، وأخذ كثير من سكان أرضهم يزحفون إلى ~~الشمال، ويحتلون الأراضي الطيبة الصالحة للسكنى، وقد كان لظهور عصر الجفاف هذا أثر كبير ~~في نفوس الناس وأوضاعهم؛ فتبدلت أخلاقهم، وظهر الفقر والبؤس في صفوفهم، واضطروا إلى ~~الرحيل والمهاجرة ... وبهذا يفسر حدوث العدد الكثير من الموجات التي خرجت من قلب دنيا ~~العرب إلى ما حولها من البقاع، ms004 فذهب الهكسوس إلى مصر، وزحف الأكديون والآشوريون إلى ~~العراق ، ودخل الآراميون إلى سوريا، وقصد الكنعانيون والعبرانيون فلسطين، وتوجه المناذرة ~~والغساسنة إلى سوريا والعراق و... # 1 # وقد ظهرت الحضارات في دنيا العرب أيام كانت تتمتع بالجو الدافئ الطيب الممطر الصالح ~~الباعث للنشاط والعمل، وأقدم هذه الحضارات هي: ~~(1) # حضارات الشمال: وهي حضارة الدول السومرية، والأكدية، والبابلية، ~~والآشورية، والكلدانية، والفينيقية، والمصرية، والتدمرية. ~~(2) # حضارات الوسط: وهي حضارة الدول النبطية والتموذية والجندبية، والتيماوية، ~~والحجازية، والنجدية، والتهامية. ~~(3) # حضارات الجنوب: وهي حضارة دول معين، وسبأ، وقتبان، وحضرموت، وأوسان. # هذه ~~هي حضارات دنيا العالم العربي التي قامت منذ فجر تاريخهم، وفي الحين الذي ~~انبثق فيه سيل تاريخهم الخضم إلى أن ظهر فجر الإسلام؛ فشيد تلك الحضارة ~~الخالدة، ووحد بين أقطارهم جميعا، وأقام تلك الإمبراطورية العظيمة التي ~~سيطرت على حدود دنيا العرب من أقصاها إلى أقصاها، ووطدت دعائم الملك ~~العربي. # وفي الفصول الآتية سيرى القارئ موجزا دقيقا - على الرغم من قلة إسهابه - لتاريخ هذه ~~الدول، والحضارات التي قامت في دنيا العرب قبل الإسلام. # | دول الحضارات الشمالية # (1) الدول السومرية # قطن العراق في أواسط الألف الرابع قبل الميلاد جماعات عرفت بالسومرية؛ وهم ~~من العرق العربي «السامي»، ويزعم بعض المؤرخين أنهم جيل آري؛ لأن رءوسهم مستديرة، ~~وعيونهم واسعة، وأنهم كانوا يحلقون لحاهم، وأنهم قد دخلوا العراق من الجبال ~~الفارسية؛ أي من جهة الشرق، ولكن هذه المزاعم - وإن صح بعضها - لا تقوم دليلا على ~~أنهم (ومثلهم في ذلك مثل الأكديين) كانوا من أصل آري؛ فإن أخلاقهم، وطبائعهم، ~~وعاداتهم، وتراثهم، وأسلوب حضارتهم، وطراز عيشهم، وآدابهم، ولغاتهم التي خلفوها ~~لنا؛ تدل دلالة قوية على شدة شبههم بالبابليين المقطوع بكونهم من العرق العربي ~~«السامي». # والسومريون قوم سكنوا وادي الفرات الشرقي في الألف الرابع قبل الميلاد، بالقرب من ~~أرض السماوة وما حولها، وأسسوا عدة مدن تكون كل مدينة دويلة مستقلة بتاريخها، ~~وكانوا يتنازعون السلطة، فقد تتوسع دويلة وتضعف دويلة، وقد تعظم سلطة بعض الدويلات ~~على الأخرى، ولكن لم يتح لهذه أن تتحد وتشكل دولة واحدة تحت سلطان ms005 واحد إلا بعد ~~أن سيطر عليها الملك الأكدي العظيم سرجون ، في حدود منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ~~على ما سنراه بعد. # وما تزال معلوماتنا العلمية الصحيحة عن هذه الدويلات جد ضئيلة، ولعل التنقيبات ~~الأثرية الجديدة تكشف لنا عن معلومات أوفى وأوضح. # 1 # وأشهر تلك الدويلات هي: # دويلة لكش. # دويلة الوركاء. # دويلة أور. # دويلة أوما. # وقد كشفت التنقيبات عن حضارة عريقة لهؤلاء القوم، أول مظاهرها: كتابتهم، وتنظيمهم ~~شئون الزراعة والتجارة والصناعة والحرب، والحياة الاجتماعية، وتقدم الفنون الجميلة، ~~والمعارف العامة. # أما كتابتهم، فكانت تتألف من صور وعلامات خاصة عرفت بالكتابة المسمارية؛ لأن ~~أحرفها تشبه شكل المسامير، وكانوا يكتبون هذه الصور والعلامات بقلم من القصب على ~~قطع من الطين الطري الذي يجفف بالشمس أو بالنار، وتعود أقدم هذه الآثار المكتوبة ~~بهذه اللغة إلى الألف الرابع قبل الميلاد، ولم تلبث هذه الكتابة التصويرية أن تحولت ~~إلى كتابة صوتية في حضارة دولة «أوغاريت» التي اكتشفت آثارها مؤخرا قرب مدينة ~~اللاذقية عند رأس الشمرة، وكان هذا التحول مقدمة لاختراع الفينيقيين حروف الكتابة ~~التي نشروها في العالم المتمدن كله فيما بعد. # وأما تنظيم شئون الزراعة، فقد دل عليه عنايتهم بشئون الري، وتجفيف المستنقعات، ~~وردم الأهوار، وإقامة السدود، واختراع الآلات المتقنة للحراثة، ومن بينها آلة تشق ~~الأرض وتلقي البذور في آن واحد، كما أنهم اعتنوا بزراعة النخيل، وتنويعه، وتحسين ~~أجناسه، وقد عثر على بعض الألواح السومرية التي تحض الناس على الاهتمام بتنظيم ~~شئون الزراعة ووقاية المزروعات، والعناية بتحسين أنواعها وأجناسها. # وأما رقي الصناعة والتجارة عندهم، فيدل عليه ما اكتشف من الآثار المصنوعة من ~~النحاس والذهب والفضة والبرونز، فقد صنعوا من هذه المعادن آلات الزراعة والحراثة، ~~وأدوات المنازل والزينة، وعدد الحرب والقتال، وقد كان للسومريين علاقات تجارية ~~واسعة مع سكان سائر العالم العربي والخارجي في الشام والجزيرة وشمال أفريقيا وآسيا ~~الصغرى وبلاد فارس والهند. # وأما تفوقهم في فنون الحرب وصناعة القتال وتعبئة الجيوش، فيدل عليه ما عثر في ~~مدنهم من آلات القتال المتقنة والخناجر والدروع، والرماح والسيوف والخوذ ~~والتروس، ms006 وقد كشفت التنقيبات في مدينة «لكش» عن معلومات جد قديمة تتعلق بالأسلحة، ~~وتنظيم حركات الجيوش، وحركات الكر والفر، وعربات القتال. # وأما تقدمهم في الحياة الاجتماعية، فيتجلى ذلك في تقسيم المجتمع عندهم إلى طبقات: # أعلاها: # طبقة الكهنة، ورجال الدين، وقادة الدولة، ورجال السياسة. # وثانيها: # طبقة كبار الموظفين، وعظماء الأحرار، وملاك الأرض، وأصحاب ~~الأطيان. # وثالثها: # طبقة الصناع، والفلاحين، والعبيد. # وقد كان الملك أركاجينا مشهورا بإصلاحاته الاجتماعية والقانونية، ويعد أول ~~مشرع عادل قبل حامورابي لقرون عديدة، وقد كانت قوانينه العادلة تهدف إلى إزالة ~~الظلم عن الطبقات الفقيرة، ونشر العدل بين الطبقات العامية من أرباب الصناعة ~~والفلاحة والرق، وتمنع كبار الموظفين وملاك الأرض وأصحاب الأطيان ورجال الدين ~~والكهنة والقادة ورجال الدولة من ابتزاز أموال الطبقة الثالثة. # وأما تقدم الفنون الجميلة، فلا أدل عليه من التماثيل الرخامية المدهشة التي عثر ~~عليها في مدنهم، كما يدل عليه تقدمهم في فن الريازة وزخرفة المعابد والقصور ~~والقلاع زخرفة فائقة، وقد كانوا على جانب عظيم في علم الهندسة وبخاصة المعمارية، ~~وقد ظهرت آثار ذلك في تخطيط مدنهم وتنظيم شوارعها ومرافقها العامة وقلاعهم، وهم ~~أول من استعمل أسلوب «العقد» في البناء، كما أنهم أول من اخترعوا طرائق صنع ~~«القباب» في العمران. # وتدل ملحمة «جلجامش» أحد ملوكهم في مدينة الوركاء على مبلغ تقدمهم في الفنون ~~الجميلة من نحت وحفر، وصياغة وأدب من شعر ونثر وخطابة، وقد وجدت في المقبرة ~~الملكية في «أور» كنوز ثمينة في تفوقها الفني ونقوشها البارعة، سواء في الرسم، أو في ~~الحفر، أو في النقش، أو في التكفيت. # وأما معارفهم الثقافية العامة، فقد كانت جد مدهشة بالنسبة لزمانهم؛ لأنهم برعوا ~~بالحساب وعلم الفلك، وكانوا يوقتون بالشهر القمري، ويقسمون السنة إلى اثني عشر ~~شهرا قمريا، وكان نظام التعداد عندهم يقوم على الأساس الستيني. # والحق أن الحضارة السومرية هي حضارة جد عريقة، وجد مدهشة، تبهر المرء، وتدل على ~~ما وصل إليه العقل في وادي الرافدين من التقدم، كما تدل على أن العرب قد كان لهم ~~قبل ذلك العصر تاريخ أعمق، ms007 ولعل التنقيبات ستكشف عن ذلك. ويذهب بعض المؤرخين ~~المدققين إلى أن هذه الحضارة تفوق الحضارة المصرية القديمة وتسبقها. # 2 # ويقول البروفسور ديورانت في كتابه القيم عن «قصة الحضارة»: ويمكن أن ~~نلخص الحضارة السومرية تلخيصا موجزا في هذا التناقض بين خزفها العج الساذج وحليها ~~إلى أن أوفت على الغاية في الجمال والإتقان، لقد كانت هذه الحضارة مزيجا مركبا من ~~بدايات خشنة، وإتقان بارع في بعض الأحيان، في تلك البلاد (على قدر ما وصل إليه ~~علمنا في الوقت الحاضر) نجد أول ما أسسه الإنسان من دول وإمبراطوريات، وأول تنظيم ~~الري، وأول استخدام للذهب والفضة في تقويم السلع، وأول العقود التجارية، وأول نظام ~~للائتمان، وأول كتب القوانين، وأول استخدام للكتابة في نطاق واسع، وأول قصص ~~الخلق والطوفان، وأول المدارس والمكتبات، وأول الأدب والشعر، وأول أصباغ التجميل ~~والحلي، وأول النحت والنقش البارز، وأول القصور والهياكل، وأول استعمال للمعادن في ~~الترصيع والتزيين، وهنا نجد في البناء أول العقود والأقواس وأول القباب، وهنا كذلك ~~تظهر لأول مرة في التاريخ المعروف بعض مساوئ الحضارة في نطاق واسع؛ يظهر الرق ~~والاستبداد، وتسلط الكهنة، وحروب الاستعمار، ولقد كانت الحياة في تلك البلاد ~~متنوعة مهذبة موفورة النعم متعددة، وهنا بدأت الفوارق الطبيعية بين الناس تنتج ~~حياة جديدة من الدعة والنعم للأقوياء، وحياة من الكدح والعمل المتواصل لسائر الناس، ~~وفي تلك البلاد كانت بداية ما نشأ في تاريخ العالم من اختلافات يحيطها الحصر ... # 3 # وبعد، فهذه هي الحضارة السومرية، وهي أول حضارة عربية عريقة بلغت الأوج، ودلت على ~~أن مثل هذه الحضارة بواكير حضارات أعرق ستكشف عنها التنقيبات الدائبة التي يعمل ~~العراق الحديث على كشفها. ~~(2) الدولة الأكادية # خرج الأكاديون (الأكديون) من قلب الجزيرة العربية إلى وادي الرافدين في العراق، ~~وجاوروا السومريين في حوالي بداية الألف الثالث قبل الميلاد، وكونوا دولتهم فيه، ~~وقد عاشوا في بادئ أمرهم إلى جانب السومريين، واقتبسوا منهم حضارتهم وعلمهم ~~وثقافتهم، ثم أخذوا يتكتلون حتى تمكنوا من التغلب عليهم في منتصف الألف الثالث ~~قبل الميلاد، حين نبغ فيهم ms008 الملك المصلح سرجون، فقضى على الدويلات السومرية، ووحد ~~العراق كله، ثم توسع في ملكه حتى غدا ملكه إمبراطورية واسعة، كانت أول إمبراطورية ~~في تاريخ حضارة الإنسان؛ فقد استولى على كافة الهلال الخصيب، وديار عيلام، وآسيا ~~الصغرى، وشيد مدينة عظيمة جعلها عاصمة ملكه الواسع سماها «أكد»، وبها سميت ~~الدولة. # وقد خلف الملك «سرجون» العظيم ملوك كبار، ساروا في سبيل رفع شأن أمتهم وتعزيز ~~مكانتها، ومن أجل هؤلاء الملوك «نرام سن» الذي سار سيرة سرجون في الفتح حتى ~~بلغت جيوشه إلى قبرص، ولكنه ما لبث أن مات فتقهقرت الدولة الأكدية، وأخذ نفوذها ~~يتقلص بهجوم «الكوتيين» عليها؛ وهم أقوام من برابرة الجبال الشمالية والشرقية في ~~العراق، فقضوا على الدولة الفتية القوية السائرة في سبيل الحضارة، واستولى على ~~ديارهم ملوك الكوتيين الجهال الحفاة؛ فاختل حبل الأمن، وعمت مساوئ الجهالة ~~مدة حكمهم التي دامت نحوا من قرن، وكادت شعلة الحضارة الأكدية بجذورها السومرية أن ~~تنطفئ لولا قيام دويلة سومرية في مدينة «لكش» وما حولها، وقد خلفت لنا «لكش» ~~آثارا جليلة في الأدب السومري، ومآثر جليلة في المعابد والقصور والمحلات العامة، ~~وقد كان أحد ملوك هذه الدويلة وهو الملك «كودية» من عظماء الملوك لآثاره الجليلة، ~~وقد حفظ لنا الدهر نماذج رائعة من الأدب السومري من عهد «كودية». # ولما اشتد ضغط الكوتيين على أهل المدن الأكدية تجمعوا بزعامة البطل «أوتو ~~جكال»، فقضى على الكوتيين، وأسس مملكة جديدة في مدينة «وركاء»، ولكن عهده لم يطل؛ ~~إذ ثار عليه أحد أتباعه، وهو حاكم مدينة «أور»، فأسس أسرة حاكمة دامت فترة غير قصيرة ~~من الزمن، عرفت بأسرة «أور الثالثة». # وقد كان عهد هذه الأسرة الحاكمة من أزهى عصور الأكديين؛ لما بلغوه في عهدها من ~~التقدم العلمي والاجتماعي والسياسي، وقد كان عدد ملوك هذه الأسرة خمسة، اشتهروا ~~كلهم بالعمل المثمر والعمران الراقي، والسير في سبيل الحضارة، وخلفوا آثارا فنية ~~قيمة، كما شادوا كثيرا من القصور الفخمة، والمعابد المدرجة الضخمة (الزكورات)، ~~والتي ما تزال أطلالها ماثلة إلى أيامنا هذه. # وعلى الرغم من ms009 عظمة ملوك هذه الأسرة، فإنهم لم يستطيعوا إعادة الدولة إلى ما كانت ~~عليه من قبل من القوة والوحدة والسلطان. # ومما هو جدير بالذكر أنهم فكروا جديا بالتآلف مع إخوانهم السومريين، فاتحدت ~~الدولتان وامتزجت حضارتاهما، فكونتا حضارة عظيمة خالدة عرفت بالحضارة ~~السومرية-الأكدية، وقد ظلت في ازدهار نحوا من عشرين قرنا، وهيئت الجو ~~للحضارة البابلية العظيمة، وما جاء بعدها في وادي الرافدين من حضارات. ~~(3) الدولة البابلية # دخل العراق في الألف الثالث قبل الميلاد جيل من العرب يعرف بالعموريين، زحفوا من ~~غربي الجزيرة العربية في سوريا إلى العراق، ويظهر أن الأكديين حين فقدوا نفوذهم ~~السياسي، واشتد خلافهم مع السومريين، ورأوا اضمحلال دولتهم استنجدوا بالعموريين؛ ~~فقدم هؤلاء عليهم بسيول جرارة، سائرين مع الفرات مخلين سهل شنعار بمدنه وقراه، ~~وفي سنة 2050 قبل الميلاد احتلوا بابل، وكانت قرية لطيفة أعجبتهم بحسن موقعها وطيب ~~مناخها، فاعتنوا بها، وجعلوها عاصمة مملكتهم حتى عدت في فترة قصيرة مدينة عظيمة، ~~وتتابع على بابل نفر من الأملاك كان أعظمهم سادسهم الملك حمورابي الذي حكم البلاد ~~من سنة 1948 إلى سنة 1905 قبل الميلاد، فوحد العراق، وقضى على العيلايين الذين ~~احتلوا بلاد السومريين، كما استولى على أراضي آشور والفرات، ووصل إلى البحر الأبيض ~~المتوسط، وكان عهده الذي دام ثلاثة وأربعين عاما من أزهر عصور بلاد الرافدين، ثم ~~خلف من بعده ملوك لم يستطيعوا أن يتمموا ما بدأ به وما شيد، فأخذت الإمبراطورية ~~البابلية تنحدر قليلا فقليلا حين ثار الكاشيون من سكان سواحل الخليج العربي وجبال ~~إيران على الدولة البابلية، واقتطعوا منها جزءا، كما تقدم الحثيون من سكان آسيا ~~الصغرى إليها، واستولوا على جزء آخر منها، ولم يستطع الملك شمسوديتاثا الوقوف أمام ~~الغزو الحثي؛ فسقطت بابل في يد الحثيين القساة، وأمعنوا فيها تخريبا ~~وسلبا. # وقد اغتنم الكاشيون في الجنوب فرصة انشغال الحثيين في الشمال بالسلب والنهب ~~والتخريب، فأغاروا عليهم، واستولوا على بابل، وطردوهم من البلاد، وأقاموا أنفسهم ~~حكاما على الديار البابلية في سنة 1750 قبل الميلاد. وكان استيلاء الكاشيين ~~هؤلاء سببا من ms010 أهم أسباب التأخر العمراني والانحطاط السياسي في البلاد، وخسرت بابل ~~مركزها العالمي الذي لم تستطع أن تسترده إلا في أيام الكلدانيين بعد عصور. # وقد ظل الكاشيون مسيطرين على البلاد إلى أن طردهم الآشوريون منها، وضموها إلى ~~مملكتهم، وعلى الرغم من أن بابل قد حاولت عدة مرات التخلص من النفوذ الآشوري، فإنها ~~لم تستطع الإفلات من أيدي الآشوريين، وظلت خاضعة لحكمهم إلى أن سقطت مدينة ~~نينوى. # وقد بلغت بلاد الرافدين في عهد البابليين حدا رفيعا في العلم والحضارة تممت ~~به ما بدأه السومريون والأكديون من قبل، وغدت هذه الديار سيدة دول الدنيا، وركيزة ~~حضارات آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ فقد وجد البابليون قبلتهم في بلاد الرافدين حضارة ~~راقية في عمرانها وعلمها وفنها وهندستها وزراعتها وصناعتها وتجارتها وقوانينها ~~وأنظمة حكومتها، فأكملوا ذلك وتمموا من عندهم ما لم يجدوه عن أسلافهم من السومريين ~~والأكديين، ولولا الحضارتان القديمتان في «أكد» و«سومر»، لما استطاع البابليون أن ~~يبدعوا ذلك الإبداع الخلاق في حضارتهم خلال أربعة قرون؛ لأن دولتهم قامت - كما ~~رأينا - حوالي أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، وبلغت أوجها في عهد حمورابي أوائل ~~الألف الثاني قبل الميلاد. # وإن أجل آثار البابليين في حضارتهم هو العلم بمظاهره كلها، من تأليف وبحث ~~وتطور وترجمة وكتابة. # يقول جرجي زيدان في وصف أقدم مكتبة في العالم عثر عليها في بابل: عثر ~~النقابون على قرميدة بابلية عليها كتابة مسمارية فيها قائمة بأسماء ملوك بابل منذ ~~أكثر من ستين قرنا، ويدل ذلك على قدم التمدن في ذلك البلد المبارك، وفي جملة ~~أولئك الملوك ملك اسمه «شرجينا»، وكان محبا للعلم والعلماء، راغبا في العمارة، ~~أنشأ مكتبة في «الوركاء» من أعمال العراق سماها مدينة الكتب، وعهد إلى رجال من ~~خاصته في جمع الكتب قديمها وحديثها، وأن يفسروا بعضها بالترجمة أو التعليق، ~~واستعان بالعلماء من سائر الأقطار لينقلوا علوم الآخرين إلى لسانهم وتدوين علومهم، ~~واشتغل آخرون بالشرح والتعليق، كما فعل بطليموس فيلادلفوس بالإسكندرية في القرن ~~الثالث قبل الميلاد، وكسرى أنوشروان في جنديسابور في القرن الخامس للميلاد، وكما ms011 ~~فعل الرشيد والمأمون في بغداد في القرن الثاني والثالث للهجرة. # وقد دون «شرجينا» هذه العلوم بالحرف المسماري نقشا على الطين، وهي القراميد ~~الآشورية المعروفة، فكانت مكتبة «وركاء» هذه مملوءة بالكتب اللغوية والفلكية ~~والشرعية والأدبية وغيرها، ثم نسخت بعد إنشائها بخمسة عشر قرنا بأمر من أمير ~~آشوري، وحفظت في دار خاصة بها كما تحفظ المكاتب اليوم، وعثر النقابون بالأمس على ~~بقايا هذه المكتبة بين النهرين، ونقلوها إلى المتحف البريطاني في لندن، فهي هناك ~~إلى هذه الغاية ... # 4 # فمكتبة «وركاء» هذه أول مكتبة بل دار كتب في العالم، اهتم بها الملوك والعلماء ~~البابليون، فزودوها بنتائج تراثهم العلمي، وخير بحثهم العقلي، ونقلوا إليها مباحث ~~قرائح العالم القديم، ولا ريب في أنه قد كان إلى جانب هذه الدار العمومية دور كتب ~~خصوصية جمعها علماء الدولة وكتابها ومؤلفوها وأغنياؤها وأمراؤها، ولا عجب إذن أن ~~نقول إن بحوث الأدب والعلم والتشريع قد ازدهرت في أيام البابليين ازدهارا ~~مدهشا. # أما الأدب، فقد ضربوا فيه بسهم كبير، وخلفوا لنا آثارا رائعة من الأدب ~~الديني، من شعر ونثر، ومن القصص الوعظي المنظوم على ألسنة الحيوان، الذي انتقل إلى ~~اليونان عن طريق أيسوب؛ ذلك الأسير الشرقي الذي عاش في البيئة اليونانية، ومن القصص ~~الشعري المسرحي الذي يتجلى بأروع مظاهره في «ملحمة جلجامش». # وأما العلم، فقد أبدعوا فيه أشياء كثيرة؛ منها «علم التاريخ» وسير الأولين، وقد ~~برعوا في هذا العلم، وعرفوا كثيرا من تاريخ الإنسانية الأولى من بدء الخليقة ~~وتكون العالم، وأحوال كثير من الأمم والشعوب والمدن والأقوام، وأحوالهم ممن ~~سبقوهم أو عاصروهم في شتى بقاع الأرض؛ ومنها «علم اللغة»، فقد اهتموا بدراسة سنون ~~لغتهم من نحو وصرف وعروض وبيان وما إلى ذلك؛ ومنها «علم الطب»، فقد توصلوا فيه ~~إلى معرفة كثير من العلل ومداواتها، ومعرفة النباتات والأدوية والعقاقير والأطعمة ~~الصحية المفيدة والأطعمة الضارة، وقد تضمنت شريعة حمورابي كثيرا من آداب الطب ~~وشرائط الأطباء، وما يجب للمرضى وعليهم؛ ومنها «علم الفلك»، فقد ازدهر على أيديهم ~~وتقدم تقدما باهرا، واعترف اليونان لهم ms012 بهذا العلم والتقدم فيه، وبأنهم أصحاب ~~الفضل في معرفة كثير من نظرياته، ولا تزال الإنسانية تتمتع بفضل مكتشفاتهم وبحوثهم ~~فيه، فهم الذين عرفوا النجوم الثابتة، والنجوم المتحركة، ورسموا لها الخرائط ~~والمخططات، وبنوا طرائق سيرها، وحددوا مواضع الفلك، وأمكنة الكواكب، وعرفوا الأبراج ~~الاثني عشر، وأدركوا الفرق بين الدورة الشمسية والسنة القمرية، وقسموا الشهر إلى ~~أربعة أسابيع، واليوم إلى اثنتي عشرة ساعة، والساعة إلى ستين دقيقة. # وأما التشريع، فقد بلغوا فيه درجة رفيعة جد سامية تدل على ما وصلوا إليه من سعة ~~في الثقافة وتنظيم في العقل، وسمو في التشريع؛ وأوضح دليل على ذلك هو قانون حمورابي، # 5 # وإن الإنسان ليدهش أمام ذلك العقل العربي الذي أبدع هذا القانون ~~الرفيع، الذي إذا قورن بقوانين الرومان التي صيغت في أزهى عصورهم في القرن الثالث ~~قبل الميلاد، تبين الفرق الشاسع بينه وبين القوانين الرومانية السطحية، على الرغم ~~من الزمن السحيق الذي صيغت فيه مواد قانون حمورابي، وهو القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد. # 6 ~~(4) الدولة الآشورية # قدم الآشوريون إلى وادي الرافدين في الألف الثالث قبل الميلاد، من قلب الجزيرة ~~العربية، واستوطنوا المنطقة الواقعة على جانبي نهر دجلة شمالي نهر «الهضيم»، ~~واتخذوا لأنفسهم مدينة سموها باسم إلههم «آشور»، وبنوها بالحجارة الضخمة، وهي ~~معروفة اليوم باسم «شرقاط»، وقد شادوا حولها عددا من المدن والقلاع، وأشهرها ~~«كالح» و«نينوى». # وينقسم تاريخهم إلى قسمين: # الأول: # هو العهد الذي سبق تاريخهم لتأسيس الإمبراطورية. # والثاني: # هو العهد الإمبراطوري. # أما العهد الأول، فيمتاز بأنهم أخذوا يهيئون أنفسهم تهيئة عسكرية قوية يستطيعون ~~بها التغلب على خصومهم «الحثيين» الذين كانوا يقطنون في شماليهم، والميتانيين الذين ~~كانوا يقطنون في غربيهم، و«الأكدين» و«العموريين» الذين كانوا يسكنون في شرقيهم، ~~وقد نبغ منهم في هذا العهد جمهرة من الأمراء، أشهرهم «شلم نصر الأول» الذي نظم ~~صفوفهم، وأفاد من الحضارة السومرية فوائد كثيرة؛ فجعل شعبه شعبا قويا، واستطاع ~~أن يستولي على بابل وما حولها من أملاك السومريين، كما استطاع أن يتغلب على ~~الأكديين حتى لقب نفسه «ملك سومر وأكد». ثم ms013 خلفه الملك «تكلات بيلاسر الأول»، وقد ~~بلغت الدولة في عهده مبلغا ساميا في القوة والرقي ، والتمهيد للعهد الإمبراطوري، ~~ولكن ما عتم أن مات حتى خلفه ملوك ضعفاء، وتوقفت حملات الفتح، ودب الانحلال إلى ~~الدولة، واستطاع خصومها من «الآراميين» أن يستولوا على بعض أجزائها، إلى أن ظهر ~~الملك «شلم نصر الثالث» الذي جدد عهد سميه الأول، فقام بعدة حملات موفقة جعلته ~~الآمر المطاع في كل آسيا الغربية، من حدود فارس حتى أرمينية حتى البحر الأبيض ~~المتوسط، وقد دون فتوحاته في المسلة الخالدة التي نصبها في عاصمته «كالح» ~~المعروفة اليوم باسم مدينة «نمرود»، وقد سجل على هذه المسلة أسماء الملوك الذين ~~أخضعهم، وأخذ منهم الجزية. ثم خلفه الملك «تكلات بيلاسر الثالث»، وكان كسميه الأول؛ ~~محاربا قويا وفاتحا موفقا، وقد توصلت الدولة في عهده إلى أسمى درجات المجد، ~~وبلغت فتوحه إلى دمشق وفلسطين وسائر أجزاء الهلال الخصيب والمشرق وغيرهما من العالم ~~المتمدن القديم. # وأما العهد الثاني، فيبدأ بعهد الملك «سرجون الثاني» المعروف بلقب «شيروكين»؛ أي ~~الملك الصالح، وقد ارتقى عرش الدولة في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد، وظل فيه ~~سبعة عشر عاما (722-705 قبل الميلاد) أخضع فيها بلاد بابل إخضاعا كليا، كما ~~استولى على مملكة إسرائيل في فلسطين، واستولى على عاصمتها مدينة السامرة. # ولم يستقر «سرجون» في عاصمة واحدة؛ فاتخذ مدينة «آشور» عاصمة له، ثم انتقل إلى ~~«كالح» ثم إلى «نينوى»، ثم بنى مدينة جديدة سماها «دور شيروكين» أي مدينة الملك ~~الصالح شمالي مدينة نينوى، وقد تفنن في بنائها على شكل مربع ضلعه ألفا ياردة، وجعل ~~لها سورا ذا أبراج عالية تنيف على المائة والخمسين، وجعل لها ثمانية أبواب كبرى، ~~كل باب يحمل اسما من أسماء الآلهة الآشورية، وزين جوانب الأبواب بصور ثيران ~~مجنحة ذات رءوس بشرية، وجعل شوارع مدينته مستقيمة واسعة، وشيد في وسطها قصره ~~الفخم العظيم، وبجواره ثلاثة معابد صغيرة، وصرح مدرج «زقوره»، ولكنه لم يتمتع بذلك ~~طويلا؛ إذ اغتيل بعد سنتين، فخلفه ابنه «سنحاريب»، وكان فتى عسكريا صارما ~~عاقلا، وأول ms014 عمل قام به هو عودته إلى «نينوى» العاصمة القديمة إرضاء لرجال الدين ~~الذين نقموا على أبيه لانتقاله عنهم، وما استقر في نينوى حتى أخذ يرتب أموره، ~~وينظم شئون الدولة، ويعمر المدينة، ويبني لنفسه قصرا ضخما زينه بكثير من النقوش ~~والتماثيل الجليلة التي نقلها من مدينة أبيه «دور شيروكين»، كما شاد كثيرا من ~~الأمكنة العامة التي جعلت عاصمته زينة مدن الدنيا في عهده، ولكنه لم يتمتع بالأمن ~~والسكينة طويلا؛ إذ فوجئ بقيام الثائر «مردوخ بلادان» عليه وإعلان الثورة في بابل، ~~فخرج سنحاريب لمحاربته، واحتل بابل، ولاحق مردوخ الذي التجأ إلى إقليم الأهوار حتى ~~قضى عليه، ثم قضى على الفتن التي قامت في الأقاليم الخاضعة لسلطانه في بلاد قليقية، ~~وفينيقية، وسوريا، وفلسطين، وكان سنحاريب شديد العنف والقسوة في أعماله الحربية، ~~وبخاصة في حرب بابل ويهودا بفلسطين، فقد لاقى أهل هذين البلدين منه ظلما ~~شديدا. # ولما هلك خلفه ابنه «أسر حدون» وكان سياسيا حكيما، فاتبع طريقة الحكمة واللطف ~~والسياسة، وأعاد بناء بابل، ونظم البلاد تنظيما عمرانيا حسنا، حتى استقرت ~~الأوضاع العامة في عهده استقرارا جعله يفكر في توسيع ملكه، وفتح ديار مصر التي ~~تنافسه في فينيقية وسوريا وفلسطين، فسار يريد الاستيلاء عليها، ومر بطريقه على ~~صيدا التي أعلنت ثورتها عليه فدمرها، ثم سار نحو مصر في سنة 674 قبل الميلاد، ولكنه ~~لم يوفق في حملته هذه؛ فرجع وأخذ يهيئ نفسه لحملات أكبر، وظل ثلاث سنوات يهيئ ~~نفسه وجيشه، وسار إليها في سنة 671 قبل الميلاد، فدخل أرض مصر، واستولى على عاصمتها ~~«منفيس»، وألحق الدولة المصرية بالإمبراطورية الآشورية. # ولما مات خلفه ابنه «آشور بانيبال» العظيم الذي وطد أقدام الإمبراطورية، وأخمد ~~ثورات المصريين، وأعاد جميع بلادهم إلى سلطته بعد أن قل نفوذه في بعض بلادهم، ~~واستولى على مصر من الدلتا إلى أعالي النيل، واحتل مدينتي «طيبة» و«الأقصر» في ~~الجنوب، وغنم غنائم كثيرة، ثم رجع إلى مصر الشمالية، ورحل إلى بلاده بعد أن أقام في ~~مصر جيشا كبيرا، ولكن تكاليف هذا الجيش الضخم والثورات العديدة التي ms015 كانت تقوم في ~~أنحاء الإمبراطورية الواسعة أضعفت مركزه؛ فأخذت الدولة تتقلص، وكان لحملات ~~«الماديين» في الشرق، و «الكلدانيين» في الغرب أثر قوي في ضعضعة الإمبراطورية ~~وانكسارها. # وقد استطاع ملك الكلدانيين «بنو يولاسر» في سنة 612 قبل الميلاد أن يستولي على ~~نينوى، ويقضي على الإمبراطورية الآشورية العظمى. # إن الآشوريين خلفوا من ورائهم حضارة جليلة لا تقل عن أخواتها السابقات اللواتي ~~قمن في وادي الرافدين، وقد كان لملوك هذه الدولة وبخاصة «آشور بانيبال» أثر قوي ~~في نشر روح العلم وإحياء العرفان؛ لما كان يتمتع به من حب الأدب والمعرفة، وقد جمع ~~في قصره كثيرا من الآثار الأدبية، والكتب العلمية المختلفة، وقد عثر النقابون في ~~سنة 1853م في حضائر قصره الفخم الذي شيده في نينوى على خزانة كتبه المملوءة ~~بالسجلات والوثائق والبحوث العلمية والأدبية المدونة على رقم الطين، والتي يبلغ ~~عددها عشرات الآلاف، كما عثروا على كثير من المنحوتات والتماثيل الفنية الرائعة، ~~وأواني الزينة والتجميل والحلي البديعة. قال البروفسور ديورانت في الفصل النفيس ~~الذي عقده في كتابه قصة الحضارة عن مكتبة آشور بانيبال: أهم ما يخلد ذكر آشور ~~في تاريخ الحضارة هو مكتباتها؛ فقد كانت مكتبة آشور بانيبال تحتوي على ثلاثين ألف ~~لوحة من الطين مصنفة ومفهرسة، وعلى كل واحدة منها رقعة يسهل الاستدلال بها عليها، ~~وكان على كثير منها تلك العبارة التي كانت من شارات الملك الخاصة: «فليحل غضب آشور ~~وبليت ... على كل من ينقل هذا اللوح من مكانه ... وليمحوا اسمه واسم أبنائه من على ~~ظهر الأرض.» وكثير من هذه الألواح منسوخة من أخرى أقدم منها لم يبين تاريخها، ~~وتكشف أعمال الحفر في كل يوم. # وقد أعلن آشور بانيبال أنه أنشأ مكتبة ليمنع الآداب ~~البابلية أن يجر عليها النسيان ذيله، ولكن الألواح التي يصح أن تسمى الآن ~~أدبا لا تتجاوز عددا قليلا منها، أما معظمها فسجلات رسمية وأرصاد يقصد بها ~~التنجيم والفأل والطيرة والتنبؤ بالمستقبل، ووصفات طبية، وتقارير ورقى سحرية، ~~وترانيم وصلوات، وأنساب الملوك والآلهة. وأقل هذه الألواح مدعاة إلى الملل لوحان ms016 ~~يعترف فيهما آشور بانيبال بحب الكتب والمعرفة، وهو اعتراف يزري به في أعين مواطنيه، ~~والغريب أن يكرر فيهما هذا الاعتراف، ويعبر عليه إصرارا: «أنا آشور بانيبال، فهمت ~~حكمة نابو، ووصلت إلى فهم جميع فنون كتابة الألواح، وعرفت كيف أضرب القوس، وأركب ~~الخيل والعربات، وأمسك أعنتها ... وحباني مردوخ حكيم الآلهة بالعلم والفهم هدية ~~منه، ووهب لي إثورت وشرجال الرجولة والقوة والبأس الذي لا نظير له، وعرفت صنعة آداب ~~الحكم، وما في فن المكتبة كله من أسرار خفية، وقرأت في بناء الأرض والسماء وتدبرته، ~~وشهدت اجتماعات الكتبة، وراقبت البشائر والنذر، وشرحت السموات مع الكهنة ~~العلماء، وسمعت عمليات الضرب والقسمة المعقدة التي لا تتضح لأول وهلة. وكان من ~~أسباب سروري أن أكرر الكتابات الجميلة الغامضة المدونة باللغة السومرية، والكتابات ~~الأكدية التي تصعب قراءتها، وامتطيت الأمهار، وأطلقت السهم، وتلك سمة المحارب، ~~ورميت الحراب المرتجفة كأنها رماح قصيرة ... وأمسكت بالأعنة كسائق المركبات ... ووجهت ~~ناسجي دروع الغاب وبحنانه، كما يفعل الرائد، وعرفت العلوم التي يعرفها الكتبة على ~~اختلاف أصنافهم حينما يحين وقت نضجهم، وتعلمت في الوقت نفسه ما يتفق مع السيطرة ~~والسيادة، وسرت في طرائقي الملكية ...» # 7 # ولم يكن آشور بانيبال وحده من ملوك آشور الذين سلكوا مسلك العلم وإحياء الفنون، ~~بل كان أكثر ملوك هذه الدولة من أهل المعرفة وحب الفضائل، وقد قربوا العلماء، ~~وساروا على النهج الصالح الذي سنه البابليون في علوم الدين والسياسة والآداب ~~والفنون، والتشريع والنسخ والترجمة. # وليس هذا وحده ما خلفه الآشوريون من أثر علمي، بل إنهم اشتغلوا أشغالا علمية ~~ميزت حضارتهم، ويمكننا إجمال ذلك بالنقاط الآتية: ~~(1) # اعتنوا عناية شديدة بعلم الطب وعقاقيره ونباتاته، وقد حفظت لنا ~~الرقم الطينية التي خلفوها كثيرا من بحوثهم في هذا الباب، وتجاربهم في ~~العلاج، وقد كان عملهم هذا البداية الصالحة لعلم التاريخ الطبيعي، وقد ~~أفاد اليونان والرومان أجل الفوائد من بحوثهم هذه. ~~(2) # بحثوا بحوثا عميقة في علم اللاهوت، فقد كانوا يعرفون بوجود إله أعظم ~~هو رب السموات والأرضين، وأنه سبحانه قد خلق آلهة من دونه ms017 يتسلسلون في ~~القوة والإمكانيات حتى بلغ عددهم في القرن التاسع قبل الميلاد خمسة ~~وستين ألف إله # 8 # وأن لهؤلاء الآلهة أنسابا وتواريخ، وأنهم يتناسلون، ~~ويكونون مجمعا خاصا له نظامه وسياسته، وقد انتقلت أكثر هذه ~~المعلومات اللاهوتية والميثولوجية إلى اليونان والرومان، فبنوا عليها ~~عقائدهم، ولا شك في أن الصلة قوية بين الآلهة اليونانيين المتعددين ~~وبين الآلهة الآشوريين الذين لا يكادون يحصون. # 9 ~~(3) # تفوقوا تفوقا خاصا في علوم الهندسة والفلك والتشريع، وقد ضارعوا ~~بذلك إخوانهم البابليين، وهم وإن لم يبدعوا في هذه العلوم إبداع ~~البابليين فإنهم قد أكثروا من التأليف فيها، وتمموا بعض بحوثها. ~~(4) # ولقد بذوا البابليين بالإكثار من الكتب، وجعل الخزائن لها، وتأسيس ~~المكتبات، وإنشاء دور العلم، ووضع الفهارس للكتب، وتنظيم القوانين ~~الخاصة بالمكتبات وبحفظها، وتسهيل مراجعتها، وتشجيع العلماء على وضع ~~الكتب، والمتعلمين على المطالعة. ~~(5) # اهتموا اهتماما شديدا بنسخ آثار من قبلهم من علماء السوريين ~~والبابليين، فقد كان آشور بانيبال شبيها بحمورابي في هذا الاهتمام، ~~فإنه كان يبعث البعوث العلمية إلى أقاصي الإمبراطورية والعالم الخارجي ~~ينسخون له الكتب ويترجمونها. ~~(5) الدولة الكلدانية # رأينا في الفصل السابق أن نهاية الآشورية في سنة 612 قبل الميلاد كانت على يد ملك ~~الكلدانيين «بنو بولاسر» الكلداني الذي ولاه الآشوريون فانتهز ضعف دولتهم، وقضى ~~عليها وأسس الدولة الكلدانية. # وقد ظل حكم الأسرة الكلدانية في وادي الرافدين نحو قرن، نبغ فيه عدد من الملوك ~~العظام، أجلهم «نابولاصر»، وابنه «نابوخذ نصر»، و«نابونائيد». # والكلدانيون هم من الآراميين العرب الذين اتجهوا إلى شرقي وادي الرافدين، وأسسوا ~~لهم مدينة في الجزء الجنوبي من وادي الرافدين سموها «كلدة» وإليها نسبتهم، وقد كان ~~ذلك في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد، وظل نفوذهم يقوى حتى اضطر الآشوريون أن ~~يولوا الملك الكلداني عليهم، فلم يلبث أن قضى على دولتهم، وأسس الدولة الكلدانية ~~كما سلف. # وقد اغتنم الفراعنة المصريون سقوط الدولة الآشورية، فحاولوا غزو سوريا الشمالية ~~والجنوبية، إلا أن «نابوبولاصر» جهز حملة قوية برئاسة ابنه «نابوخذ نصر»، والتحم ~~الجيشان الفرعوني والكلداني عند قرقميش «جرابلس»، وانكسر الجيش الفرعوني، ms018 وهكذا ظل ~~سلطان الكلدانيين نافذا على بلاد الرافدين وسوريا بجزأيها، واحتل الملك نابوخد ~~نصر مدينة أورشليم، وأمعن في أهلها قتلا وتخريبا، وأسر ملكها، وسبى أهلها وساقهم ~~أسرى أرقاء إلى بابل، وظلت الدولة الكلدانية في عهده ترفل في ثياب العزة ثلاثة ~~وأربعين سنة. # فلما هلك خلفه ابنه، وكان ضعيفا؛ استولى عليه رجال الدين، وتداخلوا في إدارة ~~الملك، واستطاعوا أن يجعلوا أحدهم «نابونائيد» ملكا، ولكنه لم يوفق للإمساك ~~بزمام الأمور، فتضعضعت الدولة، وأحس الفرس بضعضعتها؛ فأغاروا عليها بزعامة ملكها ~~قورش في سنة 538 قبل الميلاد، وسقطت الدولة، وبسقوطها انتهى حكم العرب في بلاد ~~الرافدين، وانتقلت السلطة والسيادة إلى الآريين الذين ظلوا يتحكمون فيها إلى ظهور ~~الدولة العربية الكبرى في ظل الإسلام. ~~••• # أما آثار هذه الدولة العظيمة في ميادين الحضارة والعلم، فلم تكن أقل من آثار ~~سابقاتها في وادي الرافدين، فلقد كان الكلدانيون أصحاب عناية شديدة بالفلك والتنجيم ~~والرياضيات والهندسة والطب والزراعة والطبيعيات والإلهيات، وقد انتفعوا بالحضارة ~~البابلية القديمة، وأضافوا إليها كثيرا من بحوثهم الخاصة، وقد كان للكلدانيين ~~هؤلاء أثر قوي جدا في تثقيف عرب قلب الجزيرة قبل الإسلام، فإن صلاتهم بهم كانت ~~جد قوية، وقد أفادوا منهم كثيرا من معلوماتهم في الأنواء والنجوم والطب والطبيعيات ~~والإلهيات، ولا أدل على ذلك من قصة إبراهيم - عليه السلام - وأبيه اللذين كانا من ~~هؤلاء الكلدانيين، والتي ذكرها القرآن الكريم مفصلة. # 10 # ومن آثار الكلدانيين الخالدة على حضارة وادي الرافدين تأثيرها في لغات أهل هاتيك ~~الأقاليم، فقد أثرت اللغة الكلدانية في اللغات التي كانت منتشرة في ذلك الوادي، ~~وطبعته بطابعها؛ النحوي والصرفي والبياني والأدبي، بل إنها تغلبت على تلك اللغات ~~جميعا، وغدت لغة التخاطب في الوادي وسوريا وفينيقية وشبه جزيرة سيناء وبعض ديار ~~مصر، والسر في ذلك أن هذه الكلدانية كانت لغة غنية في مفرداتها، سهلة في تعبيراتها، ~~مرنة باستعمالاتها، غنية في آدابها من شعر ونثر، منيعة في نحوها وصرفها، منطقية في قواعدها. # 11 ~~(6) الدولة الفينيقية # الفينيقيون هم من الكنعانيين والآراميين الذين تركوا قلب الجزيرة العربية، ~~وانساحوا ms019 إلى بلاد الشام في فجر الألف الثالث قبل الميلاد أو قبل ذلك بقليل، وكانوا ~~قبائل رحلا يقطنون السهول الخصبة في ديار الشام، ولما توطدت أقدامهم في تلك ~~الديار أسسوا لهم في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد دولة عريقة ذات حضارة، فبنى ~~الكنعانيون مدينة صور في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، وبنى الآراميون مدينة ~~جبيل في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، كما بنوا مدينة بيروت (بيريت) في القرن ~~الثاني والعشرين ق.م. # وكانت حدود دولتهم تبدأ من حدود جبال طوروس شمالا إلى نهر الدامور جنوبا، وفي ~~أوائل القرن الأول من الألف الثاني اتحد الشعبان من الكنعانيين والآراميين، وكونا ~~دولة واحدة هي الدولة الفينيقية العظمى الممتدة من شمالي سوريا إلى جنوبيها. # وقد كانت هذه الدولة مؤلفة من عدة مدن، وكل مدينة تكون مملكة مستقلة عن الأخرى، ~~وأجل هذه الممالك مملكة جزيرة أرواد، ومملكة مدينة جبيل، ومملكة مدينة بيروت، ~~ومملكة مدينة صيدا، ومملكة مدينة صور، وكانت مملكتا صور وصيدا في عراك دائم، ~~وتنافس قوي على السيادة. # وكانت حكومة صيدا في أيام قوتها تحكم الأهلين حكما مطلقا استبداديا إلا في ~~بعض الفترات؛ فإنها كانت تتقيد بمجلسين؛ أحدهما للشيوخ، والآخر للنواب، كما كانت ~~حكومة صور في أول أمرها حكومة مستبدة، ثم تقيدت بمجالس عامة مؤلفة من أغنياء الشعب، ~~ومرتبطة بمشورة رجال الدين والقضاء، ويذكر بعض المؤرخين أنها كانت جمهورية خلال ~~فترة من الزمن، وستظل هذه الأمور غير واضحة إلى أن يكتشف ما يثبتها. # ومن أشهر ملوك هذه الدولة الملك «حيرام»، الذي كان في حوالي القرن العاشر قبل ~~الميلاد، وكان حليفا للنبي سليمان الحكيم - عليه السلام - وهانيبال بطل قرطاجة، ~~وقد كان لهذه الدولة سلطان عظيم في البحر، واتصلوا عن طريق سفنهم وتجاراتهم بأوروبا ~~وأفريقيا وآسيا. # أما في أوروبا، فقد اتصلوا ببلاد الغال في فرنسة، وحملوا إليها تجاراتهم، كما ~~اتصلوا بإيطالية وإسبانية واليونان، وكثير من جزائر البحر الأبيض المتوسط، كقبرص ~~وأقريطش وصقلية ورودوس، وكان لهم في موانئ هذه البلاد مستعمرات ومتاجر وأسواق ~~وممثليات، وأما في أفريقيا فقد اتصلوا ms020 بمصر، ولكن المصريين أقصوهم عنها، فساروا ~~إلى تونس، وأسسوا فيها مدينة عظيمة هي مدينة قرطاجة التي ضارعت مدائن صور وصيدا ~~وجبيل، ولعبت دورا هاما في تجارة البحر الأبيض المتوسط، وفي السيطرة على أسواق ~~أوروبا وأفريقيا. # وأما في آسيا، فقد استولوا على أكثر موانئ آسيا الصغرى، واتخذوها مراكز ~~لتجاراتهم، ونقلوا إليها منتجات بلاد الشام وشمال أفريقيا، واستبدلوها بمنتجات آسيا ~~الصغرى وموانيها، من المنسوجات والأوائل البيتية، وقد ظلوا كذلك إلى أن تغلب ~~عليهم اليونان، وتفوق أسطولهم التجاري عليهم. # لقد ضرب الفينيقيون بسهم وافر في الرقي والسلطان، وكانت مملكتهم مشتهرة بالملاحة ~~وعلم البحر، ومعرفة السواحل في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، واجتاز ملاحوها ~~جبل طارق، وصعدوا في المحيط الأطلسي حتى وصلوا إلى جزر «القصدير» جنوبي إنكلتره، ~~وكانوا حوالي أفريقيا من البحر الأحمر إلى مضيق جبل طارق، وأسسوا المستعمرات ~~العديدة في المراكز التي وطئوها، وبرعوا في الصناعات، وبخاصة الزجاج الشفاف الملون، ~~والأنسجة الجميلة الملونة المصبوغة بالأرجوان. # وكانت بلادهم ممتدة على الساحل السوري، الممتد من مصب الدجى شمالي مدينة أوغاريت ~~العظيمة إلى جنوبي مدينة عكا. وأصل مدنهم أوغاريت «رأس الشمرة» و«صيدا» و«صور» ~~و«جبيل» و«أرواد» و«طرابلس» و«جبيل» وبيروت و«عكا». # وكانت مملكتهم على جانب عظيم من المعرفة والتفوق في العلوم والآداب والصناعة ~~والتجارة؛ أما العلوم والآداب فقد ضربوا فيها بسهم عظيم، ووضعوا الحروف الهجائية، ~~واختصروها إلى اثنين وعشرين حرفا بعد أن كانت عند البابليين والمصريين تعد ~~بالمئات، ونشروا ذلك في العالم المتمدن القديم، فأخذها عنهم اليونان وسائر دول ~~أوروبا وآسيا؛ وأما الصنائع والفنون فقد أتقنوهما، وبخاصة فنون التجارة البحرية، ~~والحدادة، والنجارة، وبخاصة نجارة السفن والأساطيل، واستطاعوا أن يؤسسوا أسطولا ~~تجاريا ضخما جابوا به البحار، ووصلت سفنهم إلى شمال أوروبا، وأقصى موانئ الهند ~~والصين، والمحيط الأطلسي، وبحر البلطيق، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا يعرفون ~~«البوصلة» ولا «الخرائط الجغرافية»، فإنهم كانوا يهتدون في أسفارهم بالنجوم ~~والكواكب لبراعتهم في علمي الفلك والنجوم. # وقد برع الفينيقيون بالتعدين، ولا زالت الحفائر والتنقيبات الأثرية التي تجري في ~~الجمهوريتين السورية واللبنانية، تثبت أنهم ms021 كانوا يقومون بحفريات يستخرجون بها ~~الذهب والفضة والحديد والنحاس في بلادهم وفي جزائر البحر الأبيض المتوسط التي ~~سيطروا عليها، أو أقاموا لهم فيها ممثليات. # وأجل آثار الفينيقيين على الحضارة الإنسانية هي في نقلهم العلم والحضارة ~~والصناعة الراقية من الشرق إلى الغرب؛ فهم الذين نقلوا صناعات النسيج والصباغة ~~والتعدين، وعمل الزجاج، والفخار الملون من ديارهم إلى أوروبا، وكان ذلك بذرة حضارة ~~الدوحة الحضارية الأولى في أوروبا. # وقد كشفت حفريات «أوغاريت» في ديارهم قرب اللاذقية عند رأس الشمرة عن تقدم فائق ~~في الهندسة وفنون البناء، وعن الأبجدية التي يرجع عهدها إلى القرن الرابع عشر قبل ~~الميلاد، وهي أبجدية فينيقية بحروف مسمارية، كما كشفت حفريات جبيل (بيبلوس) شمالي ~~بيروت عن أقدم المدن الفينيقية، عن المقبرة الملكية بسراديبها المحفورة في الصخر ~~حفرا رائعا، وقد عثر فيها على ناووس الملك «حيرام»، نقشت على جوانبه كتابة ~~بحروف فينيقية ترجع إلى عام 1250ق.م، كما عثر في المدينة على مسرح تمثيلي عظيم، ~~كما كشفت حفريات صور (تير) عن أنها كانت مدينة منذ الألف الثالث قبل الميلاد مدينة ~~محصنة، وأنها قسمان؛ أحدهما الجزيرة المحصنة، وثانيهما الساحل التجاري، وأنها ~~كانت ذات صلات تجارية عريقة متينة مع مصر الفرعونية، وأن أزهر عصورها كان حوالي ~~سنة 1100ق.م، وأن منها هاجرت الملكة «إليسا» إلى شمال أفريقيا، وأسست مدينة ~~قرطاجة حوالي سنة 800ق.م، وقد حاول الآشوريون والبابليون القضاء عليهم فردتهم على ~~أعقابهم. وكشفت حفريات على أنها كانت مدينة كبيرة منذ القرن الخامس عشر ق.م، وأن ~~الآشوريين فتحوها ودمروها سنة 840ق.م. كما دمروها في سنة 677ق.م، ثم صارت تحت النفوذ ~~البابلي، ثم الفرس، ثم استعادت مجدها الغابر في استقلال داخلي إداري إلى أن استسلمت ~~للإسكندر المقدوني في سنة 333ق.م. ~~(7) الدولة المصرية # قامت في وادي النيل حضارة راقية حين توحدت إماراتها المتفرقة في الشمال والجنوب ~~تحت تاج واحد في أواسط الألف الخامس قبل الميلاد، على يد الملك «مينا الأول» مؤسس ~~الأسرة المصرية الأولى والأسر التي تعاقبت بعدها وبنت الأهرام، والتي نبغ منها ملوك ~~عظماء أمثال «خوفو» ms022 و«خفرع» و«رمسيس» و«إخناتون» وغيرهم من عظماء الملوك الذين ~~تعاقبوا على حكم مصر من سنة 4400ق.م. إلى سنة 2266ق.م. # وكانت المملكة المصرية على جانب عظيم من الرقي والحضارة في العلم والعمران ~~والفنون، ثم أخذت تنحط قليلا فقليلا إلى أن استولى على الأمر ملوك الأسرة الثانية ~~عشرة، فضعف أمرها بسبب الخلاف الداخلي بين الملوك والأمراء والنبلاء من أصحاب ~~الإقطاعات. وقد حكمت الأسرة الثانية عشرة من سنة 2466ق.م. إلى عهد الملك «أمنمهات ~~الرابع» سنة 2200ق.م، وقد استغل هذا الضعف أمراء العمالقة المعروفين باسم الشاسو ~~(أي الرعاة) وباسم «الهكسوس» أي أمراء الصحراء، وقد كان هؤلاء الأمراء من عرب شبه ~~جزيرة سيناء الأقوياء البارعين بالحرب، فاستولوا على أرض مصر، وأخضعوها لنفوذهم، ~~وأدخلوا إليها ما كان عندهم من أسباب الحضارة؛ كالعربات الحربية، والخيول، وعدد ~~القتال وما إليها من شئون الحرب والتجارة، وقد حكم هؤلاء الأمراء أرض مصر نحوا من ~~خمسة قرون. يقول المؤرخ جورج دالس يدج في كتابه تاريخ سكان أرض النيل: وكان آخر ~~ملوك الدولة الثانية عشرة أمنمها الرابع، ومن عصره [...] وذلك في نحو سنة 2200ق.م. إلى ~~عصر الدولة الثامنة عشرة نحو خمسمائة سنة، ملك مصر فيها الهكسوس أو الملوك الرعاة، ~~وهؤلاء هاجروا إلى مصر من الشرق، وأقاموا بمنفيس، وتسلطوا على كل البلاد المصرية ... # 12 # ولم يكن هؤلاء الملوك جفاة بداة كما يزعم بعض المؤرخين، بل كانت لهم ~~حضارة وكان لهم تاريخ عريق، وحكومة منظمة؛ فقد جاء في آثار بابل أن الملك «نرام سن ~~بن سرجون» حارب بعض سكان جزيرة سيناء، وأراد الاستيلاء على مدينة «معان»، وأنه أسر ~~أميرها، وحمل بعض آثارها الجميلة إلى بلاده حين عاد إليها، # 13 # وجاء أيضا في بعض النصوص: أن عرب شبه جزيرة سيناء كانوا يحترفون ~~التجارة، ونقلها من الشمال إلى الجنوب، وأنه كانت لهم صلات تجارية كبيرة مع بابل ~~ومصر في سنة 2500ق.م. # 14 # فسكان شبه جزيرة سيناء في ذلك العصر من هؤلاء الرعاة كانوا على جانب من الحضارة ~~منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وإنهم لما احتلوا مصر كانت ms023 لهم من القوة ما يمكنهم ~~من الاحتلال؛ من تنظيم عسكري، وتدريب حربي. ولا يمكن أن يوصفوا بأنهم بدو جفاة أجلاف ~~مخربون، وأنهم قد أخروا مصر حين احتلوها، ثم إن هؤلاء القوم لم يدخلوا مصر إلا ~~حين أراد الفراعنة الاستيلاء على مملكتهم في شبه جزيرة سيناء، فتغلبوا هم على ~~المصريين، وأخضعوهم لسلطانهم في أواخر عهد الأسرة الثانية عشرة؛ # 15 # وذلك أنه لما مات الملك «أمنمهات الأول» في سنة 2466ق.م. وتملك ابنه ~~«بوسرتسن الأول» لجأ أخوه «سنهات» إلى كنف الملك «عم وانشي» ملك سيناء؛ فأكرمه ~~وزوجه ابنته، وعهد إليه بإمارة بعض المقاطعات التابعة له، ولما كبر سنهات رجع إلى ~~مصر، وقويت العلاقات بين مصر وسيناء، وفي عهد الملك «يوسرتسن الثاني» شخص إلى مصر ~~«الملك الجاشع» ملك سيناء، ونزل ضيفا معززا على الملك «ختو ممنت» أمير مصر ~~الوسطى، وقويت صلات الود والقربى بين الأسرتين في مصر وسيناء، وما تزال آثار هذه ~~الصلات مسجلة منقوشة على قبر هذا الملك. وفي عهد الملك «يوسرتسن الثالث» سنة ~~2333ق.م. طمع المصريون في الاستيلاء على شبه جزيرة سيناء، فغضب ملكها، وزحف على مصر، ~~فاستولى عليها، وأسس العمالقة الهكسوس ملكهم في مصر سنة 2266ق.م. إلى سنة 1700ق.م، ~~وكونوا الأسرة الرابعة عشرة، والخامسة عشرة، والسادسة عشرة، والسابعة عشرة في ~~أسر التاريخ المصري العريق. # 16 # فلم يكن العمالقة الهكسوس إذن طغاة ولا جفاة ولا غاصبين، ولكنهم كانوا ~~ملوكا حلفاء أوفياء للفراعين، ولكنهم حين أرادوا السيطرة على ديارهم فتحوا أرض مصر ~~كما فتحها عمرو بن العاص من بعدهم. # يقول المؤرخ يوسيفوس اليهودي المتوفى في ~~أواخر القرن الأول للميلاد، نقلا عن المؤرخ الإسكندري المتوفى في أواسط القرن ~~الثالث قبل الميلاد، أثناء كلامه عن نشوء دولة الهكسوس، ما ترجمته: واتفق على عهد ~~تيماوس أحد ملوكنا أن الإله غضب علينا، فأذن لقوم لا يعرف أصلهم جاءوا من الشرق، ~~وتجاسروا على محاربتنا، وغلبونا على بلادنا، وأذلوا ملكونا، وأحرقوا مدننا، وهدموا ~~هياكلنا وآلهتنا، وساموا الناس ذلا وخسفا، فقتلوا الرجال، وسبوا النساء ~~والأولاد، ثم نصبوا عليهم ملكا اسمه ms024 سلاطيس أقام في منفيس، وضرب الجزية على مصر ~~أعلاها وأسفلها، وأقام الحامية في المعاقل لدفع الآشوريين عن وادي النيل إذا طمعوا ~~فيه، وبنى مدينة «أوراس» في ولاية «صان» لهذه الغاية، وحصنها بالأبراج والقلاع ~~والأسوار، وأكثر من حاميتها حتى بلغ عددهم «240000»، وكان سلاطيس يأتي إليها في ~~الصيف؛ لجمع الحنطة، ودفع رواتب الجند، وتمريسهم بالحرب، وبعد ثلاث عشرة سنة من ~~حكمه خلفه ملك اسمه بيون، وحكم أربعا وأربعين سنة، وجاء بعده «أبا خناس» وحكم ~~ستا وثلاثين سنة، ثم «أيوفيس» وحكم إحدى وستين سنة وشهرين، وهؤلاء الستة هم أول ~~من حكم من ملوكهم، ولم يكفوا عن محاربة المصريين؛ لأنهم كانوا يلتمسون إبادتهم. ~~وكانت هذه الأمة تسمى هكسوس # Hyksos ~~؛ أي الملوك ~~الرعاة لأنها مؤلفة من: هيك # Hyk # ومعناه باللغة ~~المقدسة المصرية «الهيروغليفية»: «ملك»، و # Sos # ومعناه: «راع»، ولكن البعض يقول إنهم عرب. # 17 # ولقد تعمق في دراسة تاريخهم المستشرق البروفسور بروغش # Brugcsh # بك في كتابه القيم عن الفراعنة، # 18 # وخلاصة رأيه فيهم أن الأقوام الذين يسميهم الفراعنة في آثارهم منتى، ~~والذين حكموا مصر أحقابا طويلة هم الهكسوس، وأنهم شيدوا بمصر مدنا أجلها «زوان» ~~و«هواز» و«أوارس»، وجعلوا فيها حصونا وقلاعا، وأنهم كانوا أذكياء عقلاء، أعجبوا ~~بحضارة المصريين وعلمهم ولغتهم؛ فاقتبسوها وتكلموا اللسان المصري وكتبوه، واقتبسوا ~~من الحضارة المصرية ما لاءمهم، وأنهم كانوا يحبون العمارة والبناء، فاستخدموا ~~المصريين في بناء المدن على الأسلوب المصري، وأمروهم أن يجعلوا لهم التماثيل وأن ~~يميزوها عن تماثيل ملوكهم الفراعنة؛ فميزوهم بإبقاء شعر الرأس واللحية، وبثيابهم ~~الخاصة وحليهم، ولم يقبلوا أن يعبدوا آلهة المصريين، بل عبدوا آلهتهم «نوت» ~~و«ست» و«سوتخ»، وبنوا لهذه الآلهة معابد ضخمة، وأقاموا لها تماثيل فخمة في مدينتي ~~«زوان» و«أوارس»، وكانوا يؤرخون بزمن ملكهم العظيم «نوب»، ودام عهد حكمهم من عهده ~~إلى أن انقرضوا أربعمائة سنة. # وقد أفاد الفراعنة المصريون فهم أشياء كثيرة، أهمها التغيير في طراز البناء ~~الفرعوني القديم، ويعد بناء أبي الهول المجنح من مبتكرات الهكسوس، ويقول ~~بروغش بك: إن الآثار التي عثر عليها مما يتعلق ms025 بهم هي آثار قليلة جدا، والسبب في ~~ذلك هو أن الفراعنة بعد أن تغلبوا عليهم محوا أسماءهم عن تلك الآثار، إلا اسمين ~~اثنين تمكن النقابون المحدثون من قراءتهما، وهما «دوعاكنن» و«نوبتي». # ويقول بروغش بك أيضا: أن النبي يوسف - عليه السلام - جاء إلى مصر في زمن الملك ~~الهكسوسي نوبتي، وكان ذلك في سنة 1750ق.م. # وقد ظل هؤلاء الملوك يحكمون ديار مصر إلى سنة 1700ق.م، ثم تمكن الفرعون أحمس ملك ~~طيبة أن يقضي على آخر ملوكهم، وحكم مصر اثنين وعشرين سنة، حاول فيها أن يطمس كل آثارهم. # 19 # وبعد القضاء على حكم الهكسوس ظهرت أسر قوية أعظمها الأسرتان التاسعة عشرة ~~والعشرين، وأشهر ملوكها «رعمسيس الأول» رأس الأسرة التاسعة عشرة، وكان حوالي سنة ~~1315ق.م؛ و«رعمسيس الثاني» حفيده، وابن «بسامانيك الأول»، وحكم من سنة 1292ق.م. إلى ~~سنة 1225ق.م، وقد حارب الحثيين في سوريا، وكسرهم في قادش، وكان عظيما ميالا إلى ~~العمران فشيد القصور الفخمة، والهياكل الجبارة، وأعظمها في بلاد النوبة، وطيبة، ~~والأقصر، والكرنك؛ و«رعمسيس الثالث» الذي حكم مصر من سنة 1200ق.م. إلى سنة 1179ق.م، ~~وقد حارب أهل ليبيا، وصد هجمات شعوب البحر. # ثم جاءت الأسرة الحادية والعشرون، وحكمت من سنة 1110ق.م. إلى سنة 980ق.م، وأولها ~~الكاهن صرصور الذي اختلس الملك من الأسرة العشرين بأسلوب دنيء منقوش على هيكل ~~«خوفو» بطيبة، وتولى بعده أبيه الكاهن «يعن خي»، فتزوج بابنة ملك سوريا، ووطد ~~العلائق بين الأسرتين، وفي عهد هذه الأسرة قصد غرود ملك آشور في وادي الرافدين أرض ~~مصر مدافعا عن أسرة رعمسيس، فطرد أسرة الكهنة، واستولى على مصر، وتلقب بملك آشور ~~ومصر، واتخذ مدينة «تنيس» عاصمة له، وتأسست به الأسرة الثانية والعشرون، وأول ~~ملوكها ابنه «ششنق بن نمرود» أو «شيشق» كما في التوراة، وقد ولد في مصر، وتربى ~~على التقاليد المصرية، وأسس لنفسه عاصمة في «تل بسطة» بالشرقية قرب مدينة الزقازيق ~~الحالية، ودامت هذه الأسرة من سنة 980ق.م. إلى سنة 810ق.م، وقد خلفت آثارا جليلة ~~في البناء والفتوح. # وفي سنة 810ق.م. تغلب الأمير «بتوباستيس» على ms026 الحكم، وأسس الأسرة الثالثة ~~والعشرين، وفي أيامه انقسمت ديار مصر إلى عشرين إقليما، فتوزع السلطان، وضعفت ~~البلاد ، ودام ذلك إلى سنة 721ق.م. حين قام الأمير «تفن خت» أحد أمراء الأقاليم، ~~فاستولى على مصر كلها بحريها وشرقيها، وخلفه ابنه «باكوريس»، وكان ملكا حازما ~~عالما فاضلا، أراد النهوض بالبلاد، ولكن الأحباش تغلبوا عليه في سنة 715، ~~وأسسوا الأسرة الخامسة والعشرين، وكان أولهم الملك «سباقون»، فاستولى على البلاد ~~كلها، ونظم أمورها، وأبقى حكام البلاد الأصليين بإضافة مشاورين أحباش، وكادت ~~البلاد أن تستقر لولا قيام شلم نصر ملك آشور بالهجوم على الفينيقيين والفلسطينيين، ~~فاستنجد هؤلاء بالمصريين، فقدم إليهم سباقون وجنوده، ولكنهم انهزموا أمام ~~الآشوريين، ورجع إلى مصر، وتعاقب الملك في أبنائه إلى سنة 665ق.م. # وفي سنة 665ق.م. حكمت مصر أسرة قوية عرفت بالأسرة الصاوية، وأولها الملك ~~«بساماتيك الأول»، وقد تولى على الأمر والبلاد تئن من العنف والفوضى؛ لما قاسته من ~~الحروب الطويلة مع الآشوريين والأحباش، فعمل على إحياء معالمها، وجدد معابدها ~~ومعاهدها، وحصن قلاعها، وظفر على أعدائها، وحبب إليه الناس في الداخل والخارج؛ ~~فقصدها العلماء والفنانون من البلدان المجاورة، وبخاصة اليونان الذين أعجبتهم مصر، ~~وطاب لهم المقام فيها، فتعلموا لغتها وعلومها، واعتنقوا ديانتها، واصطنعوا لهم آلهة ~~على نمط الآلهة الفرعونية، ونبغ منهم علماء فلاسفة عظام كان لهم أثر خالد في ~~الحضارة الإنسانية وتاريخ العقل البشري؛ مثل: أفلوطن، وفيثاغورس، وصولون، وغيرهم، ~~وكان بساماتيك يحبهم ويقربهم، وخلفه ابنه «نخاو» فوسع رقعة البلاد، وتعاقب ~~الأملاك من بعده إلى سنة 527ق.م. # ثم استولى على الحكم قمبيز الفارسي، فأسس الأسرة السابعة والعشرين في سنة 527 حين ~~سيطر على مصر، ودام حكم هذه الأسرة إلى سنة 406ق.م. حين استرد المصريون بلادهم ~~وطردوا الفرس، وقامت الأسرة الثانية والعشرون والتاسعة والعشرون والثلاثون من سنة ~~406ق.م. إلى سنة 340ق.م، حين استولى على مصر «أوخوس» الفارسي فأعاد النفوذ الفارسي ~~على البلاد، إلى أن كانت سنة 332ق.م. فاستولى اليونان على مصر وطردوا الفرس، وكان ~~ذلك على يد الإسكندر المقدوني العظيم. # ولما تغلب الإسكندر الأكبر على الفرس، ms027 وأخرجهم من مصر، واستولى عليها؛ شيد ~~مدينة الإسكندرية، وأسس الأسرة الثانية والثلاثين، وقام بأعمال عمرانية وثقافية ~~إصلاحية في البلاد إلى أن هلك سنة 323ق.م. # فلما مات الإسكندر تولى بطليموس الأول على مصر، وأسس أسرة البطالسة، وهي الأسرة ~~الثالثة والثلاثون، وقد دام سلطانها في مصر من سنة 323ق.م. إلى سنة 30ق.م، وقد ~~كان عهد البطالسة عهدا ميمونا مباركا عمرانيا، ازدهرت فيه البلاد، واختلطت ~~الثقافة المصرية بالثقافة اليونانية، فأنتجت أطيب النتائج. ومن مآثر هذه الأسرة: ~~مدرسة الإسكندرية العظيمة، وخزانتها الكتبية الخالدة، وعدد لا يحصى من المعابد ~~والهياكل الرائعة. # وفي سنة 30ق.م. استولى الرومان على مصر، وألحقوها بإمبراطوريتهم في روما، ودام ~~سلطانهم على مصر إلى سنة 380م. وفي عهد الأسرة الرومانية - وهي الأسرة الرابعة ~~والثلاثون - دخلت المسيحية إلى مصر، وكان ذلك في سنة 381م، وظل ذلك إلى الفتح ~~الإسلامي. ~~(8) الدولة التدمرية # تنسب الدولة التدمرية إلى مدينة تدمر (بالميرا) الواقعة في أطراف البادية التي ~~تفصل الشام عن العراق، على بعد مائة وخمسين ميلا عن دمشق نحو الشمال الشرقي، وهي ~~من المدن القديمة، ذكرتها التوراة باسم «تدمر» أو «تدمورا»، # 20 # وقد اشتهر أمرها في النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، حين كانت ~~القوافل التجارية تجتاز بها حين تخرج من الحبشة واليمن إلى العراق، فتمر بها، ثم ~~تقصد العراق ففارس، وكانت مدينة الحجر (بطرا) تنافسها، ولم يلمع نجمها إلا بعد أفول ~~نجم الحجر في أوائل القرن الثاني للميلاد، فتحولت التجارة العربية إليها وحدها، ~~وأخذت شهرتها تطبق الآفاق في المشرق كله منذ ذلك الحين، وتسامع الرومان بها، فطمعوا ~~في السيطرة عليها، وإدخالها تحت حوزتهم، وتم ذلك للإمبراطور أدريان من سنة 130 ~~للميلاد، وذهب إليها، وبدل اسمها، فسماها باسمه «أدريا بوليس»، وقد عثر في ~~التنقيبات التي أجريت فيها على نقوش مؤرخة بسنة 137 للميلاد، ذكر فيها تفصيل ~~الضرائب والمكوس التي وضعتها الحكومة الرومانية المحتلة على التجار وأرباب الصنائع ~~فيها. # وكان في تدمر حكومة منظمة لها مجلس شيوخ، ورئيس، و... ولما نشبت الحروب العظمى بين ~~الفرس والرومان عظم ms028 أمر تدمر، وأصبحت مدينة كبرى ذات ثروة ضخمة، حتى صارت سيدة ~~مدن المشرق الرومانية، وتولى زعامتها بنو نصر الذين أسسوا فيها أول دولة عربية ~~قوية عرفت بالدولة التدمرية، وكان أول ملوك هذه الدولة الملك أذينة بن حيران بن ~~وهب اللات بن نصر، ولكن هذه الدولة لم تستطع أن تتخلص من النفوذ الروماني، ولما ~~أراد أذينة إقصاء الرومان عن بلاده عملوا على قتله، وتم لهم ذلك في أواسط القرن ~~الثالث للميلاد. # وخلفه من بعده ابناه أذينة الثاني وحيران، وكان أذينة الثاني شديد التحمس لقومه ~~ينتقص الرومان، ويعمل على الانتقام من قتلة أبيه، فجمع نخبة كبيرة من شبان العرب ~~ورجالات القبائل العربية المجاورة لتدمر، وجعل منهم فرقا محاربة قوية، واتخذ فرصة ~~خروج فاليريان الروماني لمحاربة سابور الفارسي، فهيأ نفسه للانقضاض على الرومان، ~~على الرغم من أن فاليريان أنعم عليه بلقب قنصل؛ وهو من أكبر ألقاب الدولة ~~الرومانية، فتغلب عليه، وما زال أمره يعظم حتى صار سيد الشرق، وامتدت سلطته إلى ~~سوريا كلها وجميع مدن آسيا، وفي سنة 264م منحته روما لقب حاكم عام على المشرق، من ~~حدود أرمينية إلى جزيرة العرب، كما منحت امرأته السيدة الجليلة الزباء «زينوبيا» ~~لقب «سبتيما»؛ وهو من أجل ألقاب التشريف والسلطان لدى الرومان. # في سنة 267 مات الملك أذينة، فخلفه ابنه وهب اللات الذي يسميه الرومان «أثينو ~~دوروس»، وكانت أمه السيدة الجليلة الزباء هي التي تدير أمره، وتدير شئون الدولة، ~~وتداري إمبراطور روما، ولكنها لما علمت هي وابنها أن روما تمر بفترة اضطراب داخلية ~~في سنة 271م، خلعت الطاعة، وثارت على أورليان إمبراطور الرومان، وأزالت اسمه من ~~نقودها، ونصبت نفسها قائدة عليا على الجيش العربي في المشرق، ولقبت ابنها ~~بلقب ملك الملوك ومحيي الدولة، وسمته باسم «أغسطس»، وسارت على رأس جيش كبير فاستولت ~~على العراق والشام ومصر وآسيا الصغرى حتى بلغت أنقرة، فلما سمعت تجمع الرومان ~~عليها، اضطرت إلى الرجوع للشام، ولحق بها الرومان، والتقى الجيشان عند أنطاكية، ~~فتغلب الرومان عليها، ثم جددت عزمها فلقيتهم ثانية عند ms029 حمص، ولكنها لم تستطع ~~قهرهم، فكتبت إلى أورليان تعلمه أنها لم تخسر أحدا من رجالاتها؛ لأن الذين ~~قتلوا من جندها كانوا من الرومان الذين انضووا تحت لوائها، فأثار هذا القول غيظ ~~أورليان، وبعث إليها جيشا قويا وحاصرها في تدمر، فاضطرت أن تنجو بنفسها، وهربت ~~إلى فارس، فلحق بها الرومان، وأمسكوا بها، وأخذوها أسيرة، واضطر التدمريون إلى ~~الاستسلام في سنة 272م، وقبض أورليان على خزائن تدمر، وأذن للزباء أن تعيش أسيرة في ~~كنفه، وهكذا قضي على الدولة التدمرية وهي في إبان فتائها. ~~••• # إن لهذه الدولة الفتية آثارا جليلة في العمران والحضارة، وبخاصة في البناء ~~والزخرفة، فقد اكتشف النقابون في أطلال تدمر الفخمة الضخمة العظيمة تماثيل ونقوشا ~~رائعة، كما وجدوا فيها كثيرا من الهياكل والتماثيل، وأجمل هذه الهياكل هيكل الشمس ~~العظيم في بنائه وهندسته وزخرفته ونقوشه. # وقد خلفت هذه الدولة كثيرا من النقوش والكتابات المسطورة باللغة التدمرية، وهي ~~من بنات اللغة الآرامية الغنية في نحوها وصرفها وقواعدها، وتضمنت هذه النقوش بعض ~~القوانين الشرعية والأنظمة التجارية؛ لأن عاصمتها كانت مركزا من أهم مراكز التجارة ~~في الشرق، كما كانت سوقا من أعظم أسواق الاقتصاد في تلك البقعة، وكان تجارها ~~يحملون من جزيرة العرب والحبشة ومصر ما تخرجه أرضوها من الذهب والطيوب والأنسجة ~~الفاخرة، ويستجلبون من العراق والمشرق لآلئ البحرين وتحف الهند، وأنواع العطور ~~والبخور والتوابل والفولاذ والعاج وغيرها، وكانوا ينقلونها إلى الشام ومصر ~~وأوروبا. # | حضارات الوسط # (1) الدولة النبطية # قامت هذه الدولة في جنوبي الشام وشمالي شبه جزيرة سيناء، وكان اليونان يسمونها ~~الدولة العربية الحجرية # Arabia Petro ~~، وأول من سكن ~~تلك الديار من العرب هم «الحوريون» الذين كانوا يسكنون الكهوف، وهم الذين يسميهم ~~اليونان «تروغلوديت # Troglodytes ~~»، وكانوا على جانب ~~عظيم من القوة؛ ينحتون من الجبال بيوتا، ويتخذون الكهوف مساكن وهياكل، وليست لدينا ~~معلومات مفصلة عن تاريخهم وأحوالهم السياسية والعلمية. # 1 # وقد انقرضوا وضاعت أخبارهم، وخلفهم في تلك الديار «الأدوميون»؛ وهم من أبناء ~~أدوم، وهو عيصو بن إسحاق - عليه السلام - بعد أن غلبوهم، ولا نعرف بالضبط ms030 الزمان ~~الذي استولوا فيه على ديارهم، إلا أن في التوراة إشارات إلى ذلك؛ ففي سفر التكوين # 2 # آيات تدل على أن هؤلاء الأدوميين قد حاربوا الإسرائيليين في عهد الملك ~~شاوول (طالوت)، وكان ذلك في القرن العاشر ق.م، ولكن طالوت لم يستطع التغلب، فلما ~~تولى أمر بني إسرائيل «داود» - عليه السلام - حمل عليهم، وأغار على بلادهم وأخضعهم، ~~ورجع إلى فلسطين بعد أن أقام في بلادهم حامية، ولكن زعيم الأدوميين جمع قواه، وأراد ~~التخلص منهم، وإقصاء النفوذ اليهودي فلم يفلح. قال جرجي زيدان: «وهم قائد من ~~الأدوميين في عهد سليمان بخلع الطاعة فلم يفلح، فما زالوا تحت سيطرة الإسرائيليين ~~إلى أيام «يهو شافاط» فحالفوا أعداءه، وأعانوهم على حربه، فلم يفوزوا، ولكنهم ~~اغتنموا ضعف الإسرائيليين، وعادوا إلى الاستقلال ... حتى إذا حمل نبوخذ نصر على ~~أورشليم كان الأدوميون عونا له على أهلها، واشتركوا في نهبها وذبح أهلها؛ فكافأهم ~~نبوخذ نصر على نصرته بتأييد سلطتهم في أدوم وتوسيعها إلى حدود مصر وشواطئ البحر ~~المتوسط ...» # 3 # فقوي منذ ذلك الحين نفوذهم، وأخذوا يتوسعون حتى بلغوا حوران ودمشق ~~وحدود العراق ومصر، ولكنهم فوجئوا بزحف إخوانهم الأنباط على ديارهم، فتفاهموا ~~وإياهم، واندمجوا في صفوفهم، وكان ذلك في القرن الرابع قبل الميلاد. # وبهذا الاندماج تم تأليف الدولة النبطية القوية التي ظلت إلى أوائل القرن الثاني ~~للميلاد، حين استولى الرومان عليها في سنة 106م، فأصبحت خاضعة لنفوذهم. # وقد خلفت دولة الأنباط هذه حضارة عريقة وعمرانا، وكانت عاصمتهم مدينة سلع ~~(بطرا - البتراء) في وادي موسى عند ملتقى الطرق التجارية بين تدمر وغزة وأورشليم، ~~واليمن والخليج العربي. # وما تزال أطلال هذه المدينة الجبارة، وبخاصة في «الحجر»، شاهدا على ما بلغه أهلها ~~من الرقي العمراني والهندسي والفني، وأجل هذه الأطلال القصر المعروف اليوم ~~ب «خزينة فرعون»؛ وهو بناء شامخ منقور في الصخور ذات اللون الوردي البديع، وقد نقشت ~~واجهة هذا القصر نقشا بديعا، وزينت بالكتابات النبطية الجميلة، # 4 # وأقيم إلى جانب القصر مدرج صخري كان يتخذ مسرحا للألعاب العامة، ~~يذكرنا بمسارح روما وأثينا. ms031 ومن آثارها أيضا «قصر الدير» وهو كهف ضخم بارع ~~الهندسة، كثير النقوش، غني الزخارف. # وقد ظلت عاصمتهم «سلع» مركزا تجاريا عظيما بين الشرق والغرب والشمال والجنوب ~~منذ عهد ملكهم الحارث الأول الذي حكم من سنة 169ق.م. إلى عهد آخر ملوكهم مالك الثالث، ~~الذي حكم إلى سنة 106م، # 5 # وفي تلك السنة جرد الإمبراطور تراجان إمبراطور الرومان حملة على الدولة ~~النبطية؛ فخضعت لنفوذه من ذلك الحين. # وقد وصف المؤرخ ديودوروس الصقلي في القرن الأول قبل الميلاد هؤلاء القوم، وما ~~كانوا عليه من حضارة، وما شاهده بنفسه في ديارهم فقال: «إن الأنباط يعيشون في ~~البادية الجرداء التي لا أنهار فيها ولا سيول ولا ينابيع، ومن أمهات قوانينهم: منع ~~زراعة الحبوب أو استثمار الأشجار، وتحريم الخمر، وبناء المنازل، ويعاقبون من يخالف ~~ذلك بالقتل مع التشديد في العمل بهذه القوانين، ويقتات بعضهم بلحوم الإبل وألبانها، ~~وبعضهم بالماشية أو الغنم، وإنهم يشربون الماء المحلى بالمن، ومنهم قبائل عديدة ~~تقيم في البادية، ولكن النبطيين أغنى تلك القبائل، وإن كان رجالهم لا يزيد عددهم ~~على عشرة آلاف، وثروتهم من الاتجار بالأطياب والمر وغيرهما من العطريات يحملونها من ~~اليمن وغيرها إلى مصر وشواطئ البحر الأبيض المتوسط، ولم تكن تمر تجارة في أيامهم ~~بين الشرق والغرب إلا على يدهم، ويحملون إلى مصر - على الخصوص - القار لأجل ~~التحنيط، وهم ضنينون بحريتهم؛ فإذا دهمهم عدو يخافون بطشه فروا إلى الصحراء، وهي ~~أمنع حصن؛ لأنها خالية من الماء، فلا يدخلها سواهم إلا مات عطشا، أما هم فيشربون ~~من صهاريج سرية مربعة الشكل منقورة في الصخر تحت الأرض يخزنون الماء فيها ...» # 6 # وكان للقوم عناية شديدة بالآداب من شعر ونثر وحكمة، وكانوا يعظمون الشعراء وأهل ~~المعرفة، ولكن آثارهم قد ضاعت، وإن كانت النقوش الحجرية التي أبقوها تدل على شيء من ~~ذلك. # أما لغتهم فهي اللغة العربية، ولا تكاد تختلف عنها، وبخاصة عن لغة الشعر الجاهلي ~~إلا قليلا، على ما تقتضيه سنن النشوء والارتقاء، إلا أنهم لم يكونوا يكتبون ~~بالحروف العربية، وإنما كانوا يكتبون ms032 بحروف أبناء عمومتهم الآراميين؛ لأن حروف ~~هؤلاء كانت أشهر. # 7 # وقد خلفوا مدنا خالدة أجلها سلع، وتسمى بطرا والبتراء، وهي عاصمتهم، وموقعها بين بحيرة لوط والبحر الأحمر، ~~وفيها آثار عريقة تبين عن مقدار المدنية النبطية، وبخاصة مدافنها ومعابدها ~~ومعاهدها. # ومن مدنهم الغنية التي بقيت عامرة إلى العصور المتأخرة؛ مدينتا بصرى الشام، ~~وصلخد، وكانت هذه المدن حصونا وملاجئ ومخازن لتجاراتهم الكبيرة. ~~(2) الدولة الثمودية # قامت الدولة الثمودية في فجر الألف الأول قبل الميلاد من شمالي الحجاز إلى جنوبي ~~ديار الأنباط، وقد أشار القرآن الكريم إلى شيء من تاريخهم وأحوالهم، فقال تعالى: # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة ~~من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في ~~أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم * واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا ~~وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا ~~في الأرض مفسدين * قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما ~~أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا ~~إنا بالذي آمنتم به كافرون * فعقروا ~~الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا ~~بما تعدنا إن كنت من المرسلين * ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ~~... إلخ ~~تلك الآيات # 8 # التي تدل على أن القوم كانوا أشداء ذوي حضارة وبناء ونعم وآلاء، وقد ~~ظل تاريخ الثموديين مجهولا حتى قامت حركة الاكتشافات والتنقيبات الأثرية في القرن ~~التاسع عشر، فأثبتت أن سلطانهم كان ممتدا من جنوبي الشام إلى ساحل البحر الأحمر، ~~وأنهم كانوا ذوي حضارة وعلم ورقي، واهتمام كبير بشئون التجارة ونقلها من ممالك ~~جنوب العالم المتمدن القديم إلى ممالك الشمال الممقدنة، وقد عثر على كتابات ~~ثمودية يرجع تاريخها إلى القرن السابع ق.م. في اليمن والحجاز ونجد. # 9 # ولكن معلوماتنا - مع الأسف الشديد - عن هؤلاء القوم جد قليلة، فإن النقوش الكثيرة ~~التي اكتشفت لا تدلنا مع ms033 أهميتها على أحوالهم السياسية، وإنما تدل على أحوالهم ~~الشخصية والدينية والاقتصادية واللغوية، وقد قسم علماء الآثار هذه الآثار ~~المكتوبة بالقلم الثمودي إلى قسمين: # الأول: # المكتوب باللسان الثمودي القديم. # والثاني: # المكتوب باللسان الثمودي الحديث. # وقد درس علماء المشرقيات هذه اللغة دراسة دقيقة، وأثبتوا أنها كانت لغة رفيعة في ~~نحوها وصرفها وآدابها، وأنها كانت متناشرة بالخطين المسند الجنوبي، والآرامي الشمالي، # 10 # وقد كان الثموديون خلفاء لقوم عاد الذين سكنوا ديارهم، وضاعت عنا ~~تفصيلات أخبارهم، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، وقال إن الله سبحانه قد أحل ~~الثموديين محل قوم عاد لما طغوا وعبدوا الأصنام، وخرجوا عن طاعة الله، واستبدوا ~~فبوأهم وأعزهم حتى بلغوا درجة رفيعة في الحضارة، وشيدوا القصور في السهول، ~~ونحتوها في الجبال. # وقد عبد الثموديون الأصنام وألهوها، ومن أصنامهم المشهورة «ود» الذي أشار إليه ~~القرآن الكريم، وقد كانت له مكانة رفيعة عند جميع قبائل العرب الشمالية والجنوبية، ~~والظاهر أنه كان من الآلهة القديمة جدا، ولعله كان من آلهة العرب العظمى في ~~الألف الثاني قبل الميلاد، وذهب المستشرق الألماني البروفسور هومل إلى أنه هو الإله ~~«هدد» أو «أدد» الذي عبد في الشمال أيضا، وأنه هو القمر، وقد ظل هذا معبودا إلى ~~ما بعد ظهور الإسلام عند العرب الجاهلية حتى حطمه الإسلام، ومن أصنامهم أيضا ~~الإلهة «شمس» التي كانوا يعبدونها، وقد كانت معبودة أيضا في الشمال عند البابليين، ~~وفي الجنوب عند اليمنيين، ومن أصنامهم أيضا الآلهة «مناف» و«مناة» و«كاهل» و«بعلت» و«يهو». # 11 # والحضارة الثمودية حضارة تتجلى اليوم أكثر ما تتجلى في آثارها الكتابية وخطوطها، ~~وبخاصة الخط المتأثر بالخطين المسند والآرامي، أما عدا الآثار الكتابية وبعض ~~الآثار العمرانية فإنها تكاد تكون مجهولة حتى الآن. # وقد خلفوا مدنا خالدة، أجلها «الحجر»، وهي مدينة عظيمة جنوبي مدينة تيماء، وعلى بعد يوم من وادي القرى، ويقال ~~لها اليوم: «الخريبة» و«فج الناقة»، وهي التي يسميها بطليموس بدنتا # Badanta ~~، ولما احتل سرجون الثاني بلاد العرب في سنة ~~715ق.م. احتلها وأراد تهديمها، ولكنه لم يتمكن، ثم تركها بعد أن ms034 جلا عن البلاد ~~العربية جمعاء. # وقد ظل الثموديون معروفين إلى القرن الخامس للميلاد، فقد ورد في بعض المصادر ~~التاريخية الرومانية أن الجيش الروماني في هذا القرن كان يحتوي على فرقة عرفت باسم ~~الثموديين، وأنها كانت من سكان تلك المدينة. # 12 # وصفوة القول أن تاريخ ثمود ما يزال بعد غامضا، ولكن التنقيبات الأثرية ~~المستقبلة تكشف لنا عن الكنوز المدفونة المجهولة عن تاريخهم. ~~(3) المملكة الجنوبية # قامت المملكة في فجر القرن التاسع قبل الميلاد جنوبي شرقي دمشق، ولا نكاد نعرف ~~شيئا مفصلا حقيقيا عن هذه المملكة ولا عن أحوالها السياسية، وإنما تذكر ~~المصادر التاريخية أن ملك آشور «شلم نصر» لما زحف إلى سوريا وأراد احتلالها، تجمع ~~ملوكها وأمراؤها بزعامة الملك بر أردي # 13 ~~«بن هدد» الثاني ملك دمشق الآرامي؛ للوقوف في وجه الملك الآشوري، وكان ~~من بين هؤلاء الملوك «جنديبو ملك عريبي»؛ أي جنوب ملك العرب، ولما انتصر «شلم نصر» ~~على خصومه هؤلاء، ودمر ديار الشام وبخاصة مدينة قرقر الواقعة شمالي حماة؛ سجل ~~هذا الانتصار، وصار في ذلك التسجيل ذكر اسم اثني عشر ملكا كان ملك دمشق الآرامي ~~استغاث بهم لنصرته على شلم نصر، وكان من بينهم ابن «جنديبو»، ولكن الملك «بن هدد» ~~لم يستكن للآشوريين، وظل يقاومهم حتى غلبهم، واستطاعوا أن يحتلوا سوريا ثانية في ~~عهد «تكلات بيلاسر الأول» 745-727ق.م، # 14 # وهذه أول مرة نجد في الوثائق والآثار التاريخية لفظ: «عربي» أو «عرب» ~~أو «عريبي». # يقول المحقق الدكتور جواد علي في الفصل القيم الذي ذكر فيه صلات العرب ~~بالآشوريين: إن أول إشارة إلى العرب وردت صراحة في النصوص هي الإشارة التي وردت في ~~كتابات الملك سلمناصر (شلم نصر الثالث) ملك آشور، عن معركة قرقر التي وقعت حوالي سنة ~~853ق.م، فقد قاد هذا الملك في السنة السادسة من حكمه حملة على ملك دمشق الآرامي، ~~وعلى حليفيه آخاب ملك إسرائيل، وجنديبو # Zundibu # جندب ملك عريبي (أريبي) الذي انضم إلى صاحبيه، وقدم إليهما ألف جمل، واشترك في ~~الحرب. انتصر شلم نصر الثالث كما يظهر من ms035 كلماته التي سجلها لهذه المناسبة على ~~ملك دمشق وعلى حلفائه، فأحرق ودمر مدينة قرقر ودكها دكا، وأوقع بالجيوش ~~الحليفة خسائر كبيرة، وقد جاء في كتابته ذكر اثني عشر ملكا استقدمهم ملك دمشق ~~لمعونته، وملك دمشق الذي ألف الحلف للوقوف في وجه الآشوريين هو الملك بيرادري # Biridri # المعروف في التوراة باسم بنهدد # Ben Hadad # الثاني، وقد هاله توسع الآشوريين، وتدخلهم ~~في شئون الممالك الصغيرة والمشيخات، ودخولهم مملكة حلب التي خشيت المصير السيئ ~~الذي لاقته المدن والممالك التي قاومت جيوش شلم نصر الثالث؛ فقررت الإذعان للأمر ~~الواقع وتأدية الجزية والاعتراف بسيادة آشور عليها، فعزم على الوقوف أمام ~~الآشوريين، وتأليف حلف من الملوك السوريين ومشايخ البادية؛ لدرء هذا الخطر الداهم ~~من اثني عشر ملكا من ملوك سوريا إليه، وهم في الواقع مشايخ إقطاعيون وأمراء مدن ~~انضم إليهم ملك حماة الذي جثم الخطر أمام مملكته، وأحآب ملك إسرائيل، وأمراء ~~الفينيقيين ومشايخهم، وجندب ملك العرب الذي أمن الحلف بألف جمل؛ فأغرقت هذه القوة ~~سبيل الآشوريين ... أما النصر فكان حليف شلم نصر، انتصر عليهم على حد روايته بسهولة ~~ويسر، وأوقع فيهم 140000 إصابة أو 25500 على رواية أخرى، وغنم منهم غنائم ~~كثيرة، وتفرق الشمل ... # تبين من كتابة سلم نصر هذه أن الملك أحرز انتصارا باهرا ~~حاسما على الحلفاء، وأنه أوقع بينهم خسائر جسيمة، غير أن أخبار الحروب التي قام ~~بها فيما بعد على سوريا ومقاومة «بنهدد» له مرارا، كل هذه لا تؤيد أقوال ملك آشور ~~في جسامة الخسائر وفي النصر الحاسم العظيم على الآراميين ومن انضم إليهم من مشيخات ~~ورؤساء، وعلى المؤرخ الحديث ألا يثق بهذه الأرقام والكتابات التي يسجلها ~~الملوك عامة عن انتصاراتهم وأعمالهم، فقد عودنا الملوك تدوين المبالغات ~~والزيادات في أخبارهم، والغض من تدوين أخبار الانتكاسات أو الهزائم التي تقع بهم ... ~~و«جنديبو» الذي ملك دمشق وحلفاءه بألف جمل هو أول ملك «عربي» يصل إلينا خبره، ~~وجنديبو هو «جندب»، وجندب من الأسماء المعروفة عند الإسلاميين، ومهما يكن من أمر ~~فإن جندبا هذا كان من الملوك ms036 الأقوياء الذين شادوا ملكا في الجنوب الشرقي من ~~مملكة دمشق على ما يحدثنا به المؤرخ موزيل النمسوي الذي جاب البادية العربية، ~~واتصل بأعرابها اتصالا قويا، وعرف أخبارهم، وأخبار ديارهم، وعرف بينهم ~~باسمه الشيخ موسى الرويلي؛ لأنه أقام طويلا في قبائل الرولة، فعرف بهم ... # 15 # ولم يكن جندب هذا هو الملك «العربي» الوحيد الذي ورد اسمه في الحملات التي قام ~~بها الملوك الآشوريون على الشام، وإنما هناك اسم لملكة عربية تسميها المصادر ~~القديمة زبيبى (زبيبه)، وإنها كانت ملكة أرض «عريبي»، وإنها اضطرت أن تدفع الجزية ~~أيضا للملك «تكلات بيلاسر الثالث» لما زحف إلى سوريا في سنة 738ق.م. كما نجد اسم ~~ملكة عربية أخرى اسمها «شمسة» في تسجيل زحفه على سوريا في سنة 732ق.م، وإن هذه ~~الملكة قد عوقبت عقابا شديدا من قبل الآشوريين؛ لأنها حنثت بيمينها ألا تتعرض ~~للآشوريين، ولكنها حنثت، وكفرت بالعهد الذي قطعته على نفسها، فاستولى الملك الآشوري ~~على ديارها، وأخذ منها الجزية، وأقام في ديارها مندوبا عنه الأمير كيبو # Kepu ~~، وكان هذا المندوب يرسل تقارير عن حالة هذه ~~الملكة إلى الحاكم الآشوري العام الذي أقامه الآشوريون في سوريا، ويذكر النص ~~الآشوري الذي تحدث عن هذه الحملة: أن الملكة شمسة قد أصيبت بخسائر فادحة جدا، وهي ~~مائة ألف رجل، وثلاثون ألف جمل، وعشرون ألفا من الماشية، وقد صور على اللوحة التي ~~ذكر فيها هذا الخبر منظر فارسين آشوريين يحملان رمحين يتعقبان بدويا راكبا ~~جملا، وتحت أقدام الفارسين وأمامهما جثث القتلى من العرب قد صوروا بشعورهم ~~الطويلة المعقوصة إلى الخلف، ولحاهم الكثة، وأجسامهم العارية إلا من مئزر يستر ~~عورتهم، وقد حرص الفنان الآشوري على تصوير العربي الراكب قريبا من الفارسين، وهو ~~يمد يده اليمنى إليهما متوسلا، وصورت الملكة شمسة حافية ناشرة شعرها، تحمل ~~جرة، وقد أضناها الجوع، وخارت قواها. # 16 # والخلاصة أن تاريخ هذه الأسرة ما يزال غامضا، فلعل الحفريات القادمة تكشف ~~شيئا حقيقيا عن تاريخها. ~~(4) مملكة تيماء # إن تيماء هي على الطريق التجاري الذي كان يقع بين مدن العرب ms037 التجارية في الجنوب ~~والمدن التجارية في الشمال، وقد ذكر في التوراة «تيماء» على أنه اسم أحد أبناء ~~إسماعيل الاثني عشر، # 17 # وبه سميت المدينة التي سكنها هو وأبناؤه من بعده، وعرف أهل هذه ~~المدينة بالتجارة منذ القديم، وكانت لأهلها علاقات تجارية قوية مع أهل سبأ كما ~~يفهم من أقوال التوراة: «نظرت قوافل تيماء سيارة سبأ رجوها، خزوا فما كانوا ~~مطمئنين، جاءوا إليها فخجلوا، فالآن قد صرتم مثلها رأيتم خربة ففزعتم.» # 18 # وكان إلى جانب تيماء هذه مدينة أخرى تذكر كثيرا معها في التوراة، وهي ~~مدينة «ددان»، وهي المعروفة اليوم بالعلا، # 19 # وأنها كانت تتاجر مع مدينة صور عاصمة الفينيقيين بالعاج والآبنوس ~~وطنافس الركوب. # 20 # أما المصادر العربية فتذكر تيماء على أنها بليدة معروفة في الجاهلية وصدر ~~الإسلام، يقول ياقوت: تيماء بليدة في أطراف الشام بين الشام ووادي القرى على طريق ~~حاج الشام ودمشق، والأبلق الفرد حصن السموأل بن عادياء اليهودي مشرف عليها، فلذلك ~~كان يقال لها تيماء اليهودي ... ولما بلغ أهل تيماء في سنة 9 للهجرة وطء النبي ~~وادي القرى، أرسلوا إليه وصالحوه على الجزية، وأقاموا ببلادهم وأرضهم، فلما أجلى ~~عمر اليهود عن جزيرة العرب أجلاهم معهم، وقال الأعشى: # ولا عاديا لم يمنع الموت ماله # وورد بتيماء اليهود أبلق # وقال بعض العرب: # إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني # بتيماء تيماء اليهود غريب # 21 # فهذا يذلك على أنها في الجاهلية كانت بلدا يهوديا سكنه اليهود أو متهودة ~~العرب. # وأما المصادر التاريخية القديمة فتحدثنا أن الملك «بنويند» ملك بابل (555-538ق.م.) ~~قد قدم ديار العرب، واتخذ تيماء مقرا له في سنة 551ق.م. # 22 # بعد أن قتل ملكها، وفتك بأهلها، وجعل لنفسه قصرا فيها، كالقصر الذي ~~بناه ببابل، # 23 # وقد أقام بنويند في قصره هذا مدة من الزمن، ثم اضطره الملك قورش أن ~~يترك ديار العرب حوالي سنة 539ق.م، فلا شك في أن هذه الإقامة التي أقامها بنويند في ~~تيماء قد قوت الصلات بين البابليين وأهل تيماء، كما أنها نقلت إليهم كثيرا من ms038 ~~الثقافة والديانة والحضارة البابلية، ولا ريب في أن الدافع الذي دفع الملك بنويند ~~إلى احتلال هذه المدينة وما إليها، واتخاذه إياها عاصمة لملكه بدل عاصمته في وادي ~~الرافدين - بابل - هو ما كانت تتمتع به من مكانة تجارية هامة في الشرق كله، فضلا ~~عن مكانتها السياسية وموقعها الحربي المهم من مدن الشرق والغرب. ~~(5) دول الحجاز وتهامة ونجد # أقدم ما عثرنا عليه في المصادر الموثوقة عن تاريخ تحضر الحجاز هو ما تذكره ~~المصادر العربية القديمة من أن قلب الجزيرة العربية كانت تسكنه بعض القبائل من ~~العرب العرباء المعروفين ببني جرهم، وأن إسماعيل بن إبراهيم وأمه هاجر قد هاجرا من ~~فلسطين في القرن التاسع عشر ق.م. إلى الحجاز، وتختلف المصادر العربية والتوراة في ~~المكان الذي قصداه بعد أن هاجرا من فلسطين؛ فالتوراة تقول إنهما خرجا حتى بئر ~~السبع، وإنه قد نفد ما عندهما من الماء، وكادا أن يموتا عطشا، فهدى ملك الله ~~هاجر إلى بئر فملأت القربة، وسقت ابنها، وإن إسماعيل شب في برية فاران، # 24 # والمصادر العربية تقول إنهما قد قصدا الحجاز، وإن برية فاران هذه ليست ~~إلا مكة، وإن إسماعيل - عليه السلام - شب بين قبيلة جرهم، وتعلم من أبنائها ~~العربية، وأعجبهم فزوجوه رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، وإن الماء الذي اهتدت ~~إليه هاجر إنما هو بئر زمزم في مكة المكرمة، وإن إسماعيل بن إبراهيم قد ولد اثني ~~عشر ولدا منهم نابت (نبيت) وقيدار، وهما أبوا العرب المستعربة. # يقول جرجي زيدان بعد أن ذكر قصة سفر إسماعيل وأمه: «يؤخذ من القرائن التي تقدمت ~~أن عرب الشمال في الطور الثاني، تتصل أخبارهم بأقدم تاريخ تلك الجزيرة، ولا سيما ~~إذا اعتبرنا حكاية إسماعيل تاريخية، وعددناها بدء تاريخ جديد لأولئك العرب؛ لأن ~~الإسماعيلية يبدأ تاريخهم في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ومع ذلك فليس لدينا من ~~أخبارهم القديمة ما يعول عليه، كأن هؤلاء العرب كانوا في سبات لم يستيقظوا إلا ~~حوالي التاريخ المسيحي، والغالب أنهم كانوا خاملي الذكر؛ لأنهم لم ينشئوا دولا، ~~وكانت دول ms039 العرب الأخرى في اليمن ومشارف الشام والعراق وغيرها تستخدمهم في نقل ~~التجارة على القوافل بين ممالك ذلك التمدن، ويعبرون عنهم تارة بالإسماعيلية، وطورا ~~بقيدار أو غيرهما ...» # 25 # وقول زيدان هذا لا يعتمد على نصوص منقولة، وإنما هو بحث شخصي، فلماذا ~~لا نعتبر قصة هجرة إسماعيل قصة تاريخية واقعية جاءت بها التوراة ثم القرآن، ~~وأثبتتها المصادر العربية القديمة ، وأن فاران التي ذكرتها التوراة ليست إلا اسما ~~من أسماء مكة، أو هي على الأصح اسم جبل مكة، قال ياقوت: «فاران كلمة عبرانية ~~معربة، وهي من أسماء مكة ذكرها في التوراة، وقيل هو اسم لجبال مكة.» وقال ابن ~~ماكولا أبو نصر بن القاسم بن قضاعة القضاعي الفاراني الإسكندراني: «سمعت أن ذلك ~~نسبة إلى جبال فاران، وهي جبال الحجاز.» وفي التوراة: «جاء الله من سيناء، وأشرق من ~~ساعير، واستعلن من فاران»، ومجيئه من سيناء: تكليمه لموسى، وإشراقه من ساعير - وهي ~~جبال فلسطين - هو إنزاله الإنجيل على عيسى، واستعلانه من جبال فاران: إنزاله القرآن.» # 26 # فهذا يدل على أن فاران هي مكة أو جبالها، وقد وفق بين الروايتين جرجي زيدان، ~~حيث يقول: «فالتوراة تقول إنه برية فاران، أو جبل فاران، وكلاهما عند العقبة شمالي ~~جزيرة سيناء، والعرب يقولون إنه مكة بالحجاز، ويسهل تطبيق الروايتين متى علمنا أن ~~جبال مكة أو جبال الحجاز تسمى أيضا فاران، فيكون المراد أن البرية التي أقام فيها ~~إسماعيل برية الحجاز، أو أنه أقام حينا في سيناء، ثم خرج إلى الحجاز، وسكن هناك ~~وتزوج، والتوراة لم يذكر إسماعيل بعد خروجه من بيت أبيه إلا عند حضوره دفنه هناك ~~على عادتها من الاختصار فيما يخرج عن تاريخ أمة اليهود وأديانها، وليس لدينا مصادر ~~أخرى تنافي هذه الرواية أو تؤيدها، ولا فائدة من الأخذ والرد فيها، فنتركها، ~~ونعول على الثابت من أخبار عرب الشمال، أو المتواتر الذي لا يخالف العقل أو ~~النقل ...» # 27 # والعرب من قحطانيين وعدنانيين قبل الإسلام وبعده ما زالوا يعتقدون أن إبراهيم هو ~~أبو العرب، وأن ابنه إسماعيل هو جدهم، ms040 وأنهما قد بنيا الكعبة، ففي القرآن الكريم: # وما جعل عليكم في الدين من حرج ~~ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين ~~، # 28 # وتجمع المصادر العربية على أن إبراهيم هو الذي بنى الكعبة، وأن ابنه ~~إسماعيل قد تزوج من جرهم التي كانت تتولى سدانة الكعبة، والتي ظلت السدانة فيها ~~حقبا طويلة إلى أن انتزعتها خزاعة منها، ثم انتقلت السدانة إلى قريش. # 29 # وقد كان لهؤلاء العرب المستعربة الذين ولدوا من أم عربية هي السيدة رعلة بنت ~~مضاض بن عمرو الجرهمية، ومن أب هو النبي إسماعيل بن الخليل إبراهيم؛ أعمال جليلة في ~~إقامة مشيخة سامية ترعى الكعبة وتؤمن سبل الحج إليها، كما تؤمن طريق التجارة، ~~وتعمل على إقامة مدن وقرى في ذلك الوادي المقفر غير ذي الزرع، كما أنهم كانوا ~~يعملون على نقل التجارة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس، وقد ضاعت تواريخ هؤلاء ~~القوم؛ لأن العلماء لم يقوموا بعد بدراسات أثرية أو علمية صحيحة في الحجاز، كما ~~قامت الدراسات في اليمن والعراق والشام ومصر، ولا شك في أن التنقيبات الأثرية ستكشف ~~حين وقوعها عن آثار حضارة لا تقل عن حضارات الجنوب والشمال، وليس لدينا اليوم من ~~المصادر التي يمكن أن يعتمد عليها في تفهم تاريخهم إلا التوراة والقرآن، أما ~~القرآن فمعلوماته جد قليلة؛ لأنه لم يهتم بالنواحي التاريخية، وإنما اهتم بالنواحي ~~الدينية وما إليها، وأما التوراة فمعلوماتها عنهم تكاد تنحصر فيما يلي: ذكر سفر التكوين شيئا عن نسب أولاد إسماعيل، كما أشرنا إليه آنفا، وقلنا رأينا ~~فيه، كما ذكر أيضا قصة يوسف وإخوته، وأنهم «أخذوه وطرحوه في البئر، وأما البئر ~~فكانت فارغة ليس فيها ماء، ثم جلسوا ليأكلوا طعاما، فرفعوا عيونهم ونظروا وإذا ~~قافلة إسماعيليين مقبلة من جلعاد، وجمالهم حاملة كثيراء وبلسانا ولاذنا ذاهبين ~~لينزلوا بها إلى مصر.» # 30 # وكان هذا الحادث في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وهؤلاء الإسماعيليون ~~الذين أشارت إليهم التوراة، ثم الذين كانوا قادمين من ديار العرب إلى مصر للتجارة، ~~وأنهم الذين اشتروا يوسف وباعوه بمصر كما هو معروف، ms041 وتذكر التوراة أيضا في سفر القضاة ~~بعد هذا الحادث بنحو ستة قرون هؤلاء الإسماعيليين وتسميهم: «بني المشرق»، # 31 # وتذكرهم بعد ذلك بخمسة قرون في سفر أشعياء باسم «قيدار» بن إسماعيل، ~~وتتنبأ بأن مجدهم سيزول، # 32 # ومنذ عهد أشعياء تذكر التوراة أن الإسماعيليين قد انقسموا قسمين: ~~«أحدهما» بنو قيدار (قيذر)، والثاني بنو بنيت (بنايوت)، وبعد عهد أشعياء بقرن ونصف، ~~حوالي القرن السادس قبل الميلاد - أي في عهد أرمياء - جاء الملك نبوخذ نصر، واكتسح ~~ديار العرب، وغلب بني إسماعيل (أو بني المشرق)، وقد جاء هذا الجزء في التوراة على ~~سبيل التحذير والوعظ مما أصاب أهل دمشق وحماة وبلاد العرب من النبلاء بسبب عصيانهم ~~«... ارتجت دمشق، والتفتت للهرب، أمسكتها الرعدة، وأخذها الضيق والأوجاع كماخض، ~~كيف لم تترك المدينة الشهيرة قرية فرحى؛ لذلك تسقط شبانها في شوارعها، وتهلك كل ~~رجال الحرب، في ذلك اليوم يقول رب الجنود، وأشعل نارا في سور دمشق فتأكل قصور بن ~~هدد، عن قيدار وعن ممالك صور، التي ضربها نبوخذ نصر ملك بابل، هكذا قال الرب: قوموا ~~اصعدوا إلى قيدار ودمروا أبناء المشرق، إنهم يأخذون أخبيتهم وغنمهم، ويستولون على ~~شققهم وجميع أدواتهم وإبلهم، وينادون عليهم بالخوف من كل جانب. # 33 # هذا كل ما تذكره التوراة من تاريخ بني إسماعيل، أما المصادر العربية فتنقل ذلك عن ~~التوراة، وتضيف إليه معلومات تناقلها العرب في الجاهلية، وهي معلومات ممزوجة ~~بالأساطير وكثير من الخرافات. # ويظهر أن هؤلاء العرب قد ظلوا بداة، وأن سلطانهم قد امتد من الحجاز إلى اليمن ~~ومشارف الشام، وأنهم جعلوا مكة مقر دولتهم أو مشيختهم لما لها من المكانة القدسية ~~الرفيعة. # ويظهر أنهم قد ضعفوا بعد الغزو البابلي، فإنه قد كان ظالما شديدا، ولا شك في ~~أنهم قد استعادوا استقلالهم بتلك الديار، وتكاثروا وعادوا إلى الظهور قبيل الميلاد ~~المسيحي المجيد، فقد تناقل المؤرخون طرفا من أخبارهم في ذلك الحين، وذكروا بعض ~~قبائلهم بالقوة والمنعة، وامتدوا إلى تهامة ونجد وبلاد الشام، وأصل هذه القبائل هو ~~عدنان، وقد اختلف النسابون في عدد من ms042 كان بين إسماعيل وعدنان من الآباء، فبعضهم ~~يعدهم أربعين جدا، وبعضهم يجعلهم عشرين، وبعضهم خمسة عشر، ويقول آخرون إن المدة ~~بين الاثنين هي طويلة؛ فلذلك يصعب ضبط العدد تماما. # 34 # وقد ولد عدنان أولادا عديدين أشهرهم: معد، وعك، ويقول ابن خلدون: إن معدا عاش ~~أيام نبوخذ نصر (بختنصر)، وإنه خلص إلى حيران حينما هاجم أهل حضورا في اليمن، # 35 # وأما عدنان والده فلقي بختنصر فيمن اجتمع به أهل «حضورا» وغيرهم بذات ~~عرق، فهزمهم بختنصر، ومات عدنان في أيامه، فلما هلك بختنصر خرج معد من حران إلى ~~مكة، فوجد أخويه وعمومته قد لحقوا بطوائف اليمن وتزوجوا منهم، فرجع بهم إلى ~~بلادهم. # وتذكر المصادر العربية أن معدا قد ولد ثلاثة نفر، وهم: نزار، وقضاعة، وقنص، ~~ويجعلهم بعض المصادر أربعة فيضيف إليهم: إيادا. # 36 # على أن الأكثرين على أن إيادا هو ابن نزار لا أخوه. # ومن أولاد معد تسلسلت القبائل العدنانية أو النزارية في تهامة ونجد والحجاز ~~ومشارف الشام، وأصلهم القبائل الآتية: # قضاعة: # وأكبر بطونها جهينة، وبلي، وتنوخ، وسليخ. # وإياد: # وأكبر بطونها أفصى، ودعمى، وغاره. # وربيعة: # وأكبر بطونها أسد، وبكر، وتغلب، وحنيفة، وسجل، وشيبان. # ومضر: # وأكبر بطونها قيس، وأسد، وكنانة، وتميم، وثقيف. # قد أقام بنو سليخ الذين نزلوا الشام دولة في بلاد مؤاب من أرض البلقاء، ومن ~~مشاهير ملوكها: النعمان بن عمرو بن مالك، وابنه مالك بن النعمان، وابنه عمرو بن ~~مالك، ولما غلبوا على أمرهم في الشام ارتحلوا إلى العراق، وشادوا دولة الحضر # Atra # قرب تكريت التي قامت منها حضارة عظيمة، ~~ستكشف التنقيبات عن جلائل آثارها. # كما أقام بنو تنوخ دولتين: «إحداهما» في مشارق الشام وجنوبي العراق، وهي دولة ~~جذيمة الأبرش التي قامت على أنقاضها دولة المناذرة اللخميين أملاك الحيرة؛ ~~و«الثانية» في الشام، وهي التي قامت على أنقاضها دولة الغساسنة في منطقة حوران ~~ودمشق. # وقد كان للقبائل الأخرى كبني أسد وتميم وبكر وتغلب وشيبان وقيس وثقيف دويلات أو ~~مشيخات أو إمارات ازدهرت بعض الوقت، ولكن معلوماتنا عنها ما تزال جد ضئيلة، فلعل ms043 ~~الزمن يكشف عن حقائق تاريخها. # | حضارات الجنوب # (1) الدولة المعينية # هي أقدم دول العرب في الجنوب، وقد ازدهرت حضارتها في زمن سحيق جدا قبل ~~الميلاد، واختلف العلماء المحققون في تحديد زمان نشوئها، فذهب البروفسور إدوارد ~~كلاسر # Glasser # إلى أنها كانت في الألف الثالث ~~قبل الميلاد، # 1 # وذهب المستشرقون جوزيف هاليفي # Halevy # ومولر # Müller # وشبرنجر # Sprenger # 2 # إلى أنها كانت في أواخر الألف الثاني وأوائل الألف الأول قبل الميلاد. ~~وقالفلبي Philby # إنها حكمت من سنة 112 إلى ~~سنة 63ق.م، # 3 # وحجة معارضي رأي كلاسر أن الكتابة المعينية كانت ذات ألفباء وهي ~~المعروفة بألفباء المسند، وقد اتفق العلماء على أن الألف باء الفينيقية أو ألفباء ~~رأس الشمرة لا يتجاوز تاريخها القرن الثاني عشر قبل الميلاد، فكيف يمكن جعل ألفباء ~~المسند أقدم من الألفباء الفينيقية؟ فلا بد إذن من القول إنها قد ظهرت في أواخر ~~الألف الثاني قبل الميلاد، أما قبل ذلك التاريخ فلا يعقل، وهو قول مقبول في ~~رأينا. # وإن أقدم منطقة قامت فيها هذه الحضارة المعينية هي منطقة الجوف التي تقع فيها ~~معظم خرائب المعينيين، وأطلال مدنهم، مثل: «معين» و«براقش» و«قرن» و«نشق» وغيرها. # 4 # وقد ظلت أخبار هذه الحضارة مجهولة أو كالمجهولة حتى زار ديارها العلماء ~~الآثاريون والنقابون الأوروبيون في القرن الماضي، وفي طليعتهم المستشرق الفرنسي ~~آرنود # Arnaud # الذي زار اليمن، وجمع عدة نقوش ~~من منطقة سبأ في عام 1843، ثم جاء من بعده المستشرق الفرنسي جوزيف هاليفي الذي ~~استطاع أن يدخل اليمن في سنة 1869م ويقوم برحلته المشهورة الهامة، فدخل مناطق الجوف ~~ونجران وسبأ بتكليف من الأكاديمية الفرنسية، واستطاع أن يجمع في زيارته هذه ستمائة ~~وخمسة وثمانين نقشا أثريا من النقوش العربية الجنوبية المكتوبة بالقلم المسند، ~~وكانت رحلته تلك من أعظم الرحلات العلمية؛ لأنه اكتشف في تلك النصوص كثيرا من آثار ~~المدن وأسماء الملوك، وعادات البلاد، وعبادات السكان ... وغير ذلك. # وفي سنة 1882 ذهب إلى اليمن العلامة النمسوي كلاسر، فزار سبأ وظفار، وتوغل في ~~اليمن بمساعدة الحكومة العثمانية، وظل إلى سنة 1892، وجمع ms044 نقوشا عديدة صححت بعض ~~أخطاء هاليفي. # ولم تجر بحوث صحيحة، ولا رحلات اكتشاف علمية، بعد هذا التاريخ إلا في سنة 1942، ~~ثم في سنة 1945 حينما زار اليمن العالم المصري محمد توفيق؛ فإنه زارها موفدا من ~~جامعة فؤاد الأول بمصر - جامعة القاهرة اليوم - ودخل بلاد الجوف، فكان أول عالم ~~وصفها وصفا علميا دقيقا، وأعطانا معلومات عن أطلالها وآثارها. # 5 # والمصادر العربية القديمة تكاد تجهل هذه الدولة وأخبارها، أما المؤرخون ~~والجغرافيون اليونان فقد ذكروا بعض المعلومات الهامة، مثل: سترابون وبلينوس ~~وسربيلوس وبطليموس وديودوروس، # 6 # أما المعلومات الحقيقية فهي التي اكتشفها المستشرقون المحدثون الذين ~~أسلفنا الحديث عنهم قبلا. # وقد توصل هؤلاء المستشرقون إلى بعض الحقائق التاريخية عن الدولة، وإليك مجمل ~~ذلك: استطاع المؤرخون المستشرقون أن يثبتوا بعض أسماء الملوك المعينيين والسبئيين ~~وأحوالهم السياسية والاجتماعية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يؤرخوا أزمنتهم واحدا بعد ~~واحد، كما أنهم لم يستطيعوا ترتيبهم ترتيبا منتظما متسلسلا. وقد حاول بعض ~~العلماء أن يصنفهم إلى أسر وطبقات فلم يوفق، وأرى أن الوقت لم يحن بعد لتقرير ~~ذلك ولا بد من إتمام الحفريات حتى يستطاع عمل تصنيف عملي صحيح. # وقد كانت لهذه الدولة آثار جليلة في العمران والحضارة، على الرغم من أن آثارها لم ~~يتح لها أن تدرس بعد درسا علميا؛ فإن ما اكتشف وكتب عنه إلى اليوم ليدلنا ~~على تقدمهم في مضمار العمران والحضارة تقدما ظاهرا؛ فقد كانت لهم قدم راسخة في ~~هندسة المباني وزخرفتها، وبناء القصور والجسور والحصون والقلاع والأسوار، وتنظيم ~~الخنادق والأقنية، وغير ذلك من الأبنية العامة، كما كان لهم شرائع عادلة في فرض ~~الضرائب وتوزيعها، وفي تنظيم العقود والبيوع والإيجار، والميراث، والتجارة ~~والاقتصاد. # وكانت للمعينيين صلات تجارية قوية مع المصريين، فقد اكتشفت بعض الكتابات التي تدل ~~على أن بعض الجوالي المعينية قصدت إلى مصر للتجارة، كما لهم صلات تجارية وسياسية مع ~~سيناء والحجاز ومشارف الشام ولبنان وسوريا. # وكان نظام الحكم عندهم ملكيا، ويجوز أن يتولى الملك أكثر من ملك واحد، وكان ~~النظام في الولايات لا مركزيا تتولى ms045 الحكم في ولاية أو مدينة حكومة مستقلة لها ~~آلهتها وكهونتها الذين كان يقال لهم «عم»، ولها نائب ملك يسمى «كبر»، ولها مجلس ~~نيابي يقال له «مسود» يدير شئونها، ويجتمع فيه الأشراف للحكم بين الناس وإعلان ~~الحروب، وتقرير القوانين والضرائب، وكانت الضرائب عندهم على ثلاثة ~~أنواع: ~~(1) # ضرائب لمنفعة خزانة الملك. ~~(2) # ضرائب لمنفعة الكهنة والمعابد ومن يلحق بها. ~~(3) # ضرائب لمنفعة الشيوخ والحكام، وكان هؤلاء مع الإقطاعيين هم الذين ~~يتولون جمع هذه الضرائب؛ لتقديمها إلى الملك أو الكهنة أو للقيام ~~بالإنفاق على المؤسسات العامة ، وقد كانت للإقطاع أنظمة، فلا تسلم ~~لصاحبها إلا بعد أن تحدد حدودها، وتذكر شروطها، وما يجب على مستغلها ~~من الضرائب. # كما كان لسكان البادية الملحقين بالدولة أنظمة خاصة، وكان شيوخهم يبنون لأنفسهم ~~دورا في الصحراء يتخذونها مجالس، ويجتمع فيها الوجوه والنبلاء للبحث في شئون ~~القبيلة. ~~(2) دولة سبأ وحمير # هذه الدولة هي من أقدم دول الجنوب العربية، ويكاد المؤرخون الثقاة يجهلون إلى ~~اليوم مبدأ نشوئها، إلا أنهم يجمعون على أن كلمة «سابو» أو «سابوم» الواردة في بعض ~~النقوش السومرية، والتي ترجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد؛ أي حوالي سنة 2500ق.م، ~~يراد بها دولة سبأ اليمنية، # 7 # ولكن معلوماتنا عن هذه الدولة وتاريخها وتطورها معلومات لا تكاد تفيد؛ ~~لعدم القيام بالحفريات الدقيقة. # ولعل أقدم فترة يمكننا تأريخها تأريخا صحيحا لهذه الدولة هي فترة «المكارب» جمع ~~«مكرب»، ومعناه «الأمير الكاهن»، فقد سيطر هؤلاء المكارب على ديار سبأ منذ سنة ~~820ق.م. إلى سنة 115ق.م. # 8 # وأقدم مكرب عرفنا اسمه هو «المكرب سمه علي ذمر علي» الذي حكم حوالي سنة ~~820ق.م، ثم خلف من بعده عدة مكارب اختلف المؤرخون في تعدادهم وترتيبهم ومدد ~~ملكهم، وقد بلغ عددهم سبعة عشر، وكانوا يتخذون مدينة صرواح عاصمة لهم. # 9 # وقد كانوا على جانب عظيم من الرقي الصناعي والزراعي والعمراني والثقافي والسياسي، ~~وإنهم ظلوا يقوون أنفسهم ودولتهم حتى استطاعت ابتلاع دولة معين التي كانت ~~تجاورهم. # وكان نظامهم السياسي نظاميا دينا ومدنيا، وكان لكل مدينة وقرية إلهها، وأعظم ~~آلهتهم ms046 اسمه «المقه»، وكانت كتاباتهم على الطريقة الحلزونية # Boustrophedon ~~؛ أي إنها تبدأ من اليمين إلى الشمال، فإذا انتهى ~~الكاتب من السطر الأول وأراد كتابة السطر الثاني، كتب من الشمال إلى اليمين، وهكذا ~~دواليك. وقد عثر على طائفة من الكتابات الحلزونية المنقوشة على الحجارة والطين أو ~~الجص، وهي ما تزال موضع دراسة العلماء الاختصاصيين. وقد كانت للغتهم السبئية نحو ~~وصرف وبيان رفيع ودقيق، وأجل ما روي عن هذه الدولة هو بناء السدود والقلاع، وأجل ~~سدودها وأعظمها شهرة هو سد مأرب، الدال على براعتهم بعلم الهندسة، وعلم تنظيم الري، ~~وحسن الاستفادة من مياه المطر، وهو من أهم المشروعات العالمية التي قام بها العالم ~~في ذلك الحين، وإنه لثورة في عالم الهندسة والفكر مكنت الإنسان من الاستفادة من ~~الطبيعة، وقد ظل هذا المشروع قرونا عدة مصدر خير ورفاه، ولسنا نجد في التاريخ ~~القديم سوى ممالك قليلة فكرت في مثل هذا المشروع، # 10 # وقد توسع ملك السبئيين حتى سيطروا على أكثر بقاع الجزيرة العربية، ~~فاستولوا على مملكتي حضرموت، وقتبان. # 11 # ومهما يكن من أمر، فإن تاريخ هذه الدولة ما يزال محتاجا إلى توسع في ~~دراساته. ~~(3) الدولة القتبانية # هي دولة عربية جنوبية، ولكن أخبارها ما تزال مجهولة، ولم يتفق العلماء الأثريون ~~حتى الآن على تعيين مبدئها ونهايتها، ولكنهم أجزموا بأنها قد عاصرت دولتي «معين» ~~و«سبأ»، وذهب المستشرق الأثري هومل إلى أنها وجدت في الألف الأول قبل الميلاد، # 12 # ويرى المستشرق كلاسر أن نهايتها كانت بين سنتي 200 و24ق.م، # 13 # ويرى المؤرخ الأثري الرابت: «أن بداية القتبانيين كانت في القرن السادس ~~ق.م، ونهايتها على أثر خراب مدينة «تمنع» المعروفة الآن بكخلان، حوالي سنة 50ق.م.» ~~ويرى الدكتور جواد علي: «أن الوقت لم يحن بعد للحكم بأن المكرب الفلاني أو الملك ~~الفلاني قد حكم في سنة كذا أو قبل هذا أو ذاك؛ لأننا لا نزال نطمع في العثور على ~~أخبار حكام لم تصل أسماؤهم إلينا، لعلها لا تزال في باطن الأرض ... وإن خير ما ~~يستطاع عمله في الوقت الحاضر ms047 هو جمع كل ما يمكن جمعه من أسماء حكام «قتبان» على ~~أساس الصلة والقرابة؛ وذلك بأن يضم الأبناء والأخوة إلى الآباء على هيئة جمهرات، ثم ~~تدرس علاقة هذه الجمهرات بعضها ببعض، وترتب على أساس دراسات نماذج الخطوط التي ~~وردت فيها أسماء الحكام وطبيعة الأحجار التي حفرت الحروف فيها ... ولانتفاء ذلك ~~أصبحت القوائم التي وضعها علماء العربيات الجنوبية لحكام قتبان أو حضرموت أو معين ~~هي في نظري قوائم غير مستقرة.» # 14 # وكان حكام «قتبان» - لا قطبان كما ورد في تاريخ العرب المطول # 15 ~~- يلقبون بلقب «مكرب» ثم بلقب «ملك»، ومعنى كلمة «مكرب»: الوسيط ~~والشفيع والمقرب الذي يتوسط بين الآلهة والناس، وهكذا كان أولئك المكارب وسطاء ~~بين الناس والآلهة، ولما قوي سلطان هؤلاء المكارب، وتعدى حدود قبائلهم إلى القبائل ~~والمدن المجاورة تلقبوا بلقب «ملك». # وأقدم مكارب القتبانيين هو «سمه علي وثر»، وابنه «هون عم يهنعم» الذين حكما في ~~حوالي القرن التاسع قبل الميلاد، # 16 # وقد عثر في حفريات اليمن على كتابات حلزونية # Boustrophedon ~~؛ أي يبدأ السطر فيها من جهة اليمين ~~فينتهي في جهة اليسار، ثم يبدأ السطر الثاني من جهة اليسار وينتهي في جهة اليمين، ~~وهكذا ... # ويظهر أن هذه الدولة قد عاصرت حكومة «معين»، وقد ذكرها بطليموس، وقال إنها تقع ~~على ساحل تهامة، ويقول سترابون - نقلا عن إيراتو ستينس الذي كان في سنة 194ق.م: إن ~~القتبانيين كانوا يقطنون في الأقسام الغربية من العربية الجنوبية، وفي جنوب أرض السبئيين. # 17 # أما المؤرخون العرب فلا يذكرون شيئا موثوقا عنهم، ويقول ياقوت الحموي في معجم ~~البلدان: إن قتبان موضع في نواحي عدن. # 18 # ويقول الفيروزآبادي: إن قتبان بالكسر موضع بعدن. وينقل الزبيدي في تاج ~~العروس عن مراصد الاطلاع أن قتبان بعدن تبعا للبكري. ويقول في موضع آخر: إن قتبان ~~بالكسر بطن من رعين من حمير، كذا في كتب الأنساب. # 19 # وهذا قول غير صحيح؛ لأنه لا صلة في النسب بين حمير وقتبان، وقد كان ~~للقتبانيين أصنام ومعابد وهياكل شيدوها على اسم تلك الأصنام، ومنها: «عشتر» ms048 و«ابنى» ~~و«ود» و«عم»، كما كانت لهم مجالس وندوات سياسية يجتمعون فيها لدراسة قوانين الحرب، ~~وإدارة الحروب، وقوانين التجارة والزراعة والقتل والضرائب، وكانوا يسمون هذه ~~المجالس «مشود»، وكان أعظم هذه المجالس في عاصمتهم «تمنع»، على أن المدن الأخرى لم ~~تكن تخلو من هذه المجالس. وقد ارتفعت الفنون عندهم، وبلغت درجة رفيعة لا تقل عن ~~الفنون الإغريقية، وبخاصة فن النحت، وقد عثر في خرائب العاصمة «تمنع» على تمثالين ~~لأسدين كتب على قاعدتيهما كتابات قتبانية، ورد فيها اسم الفنان «ثوبم»، وهذان ~~التمثالان مصنوعان بأسلوب لا يقل روعة عن الأسلوب اليوناني، ويرجع عهدهما إلى القرن ~~الثاني قبل الميلاد. # 20 # ومن عظم نفوذ قتبان السياسي والعسكري أنها سيطرت حوالي سنة 820ق.م. على الدولة السبئية، # 21 # كما عظم تقدمها الزراعي، وقد وضعت قوانين خاصة لاستغلال الأرض، وقد ~~وصل إلينا بعض الوثائق أو الإعلانات التي كان يعلنها الملوك القتبانيون للشعب في ~~العاصمة أو غيرها، فيما يتعلق بإدارة الأراضي في وادي لبخ، وهو من الأودية الخصيبة ~~عندهم، وكذلك وصل إلينا صور اتفاقيات معقودة لاستثمار بعض الأراضي الزراعية. # 22 # وأما أعظم مدنهم فهي مدينتا: # تمنع: # وتقع في وادي بيجان الخصيب المنظم في ريه وتقسيم أراضيه، وتعرف ~~الآن باسم كحلان، ولا تزال أطلال الأقنية ونظم الري موجودة، كما ~~لا تزال الحفريات فيها تكشف عن كثير من النقود الذهبية، والتماثيل، ~~والخزفيات الجميلة، التي جعلت علماء الآثار يقولون إن الصلة بين ~~«تمنع» والهيلينية والرومانية كانت قوية، وإن الرومان قد أثروا ~~في العرب، وأرى العكس قد يكون صحيحا؛ فالقتبانيين كانوا قوما ~~بارعين جدا في الفنون كما رأيت، وقد عثر في حفريات «تمنع» على ~~آثار رائعة من المرمر والنحاس والبرونز. # 23 # شوم: # أو «شور»، وهي مدينة كبيرة كانت تسكنها قبيلة «هرية»، وقد بنت ~~فيها حصونا وقلاعا وسورا ومعابد، وذلك في عهد الملك «دروال ~~غيلان بهنعم». # 24 # وكان نظام الحكم في قتبان مثله في معين؛ أي إنه نظام ملكي ديني وراثي، وكان يدير ~~شئون المملكة حكام نيابة عن الملك، كما يسمى أحدهم: كبر أو كبير، ms049 وكانوا يجتمعون في ~~«المشود»، وإن ملوكهم كانوا عادلين ديمقراطيين، بل كانوا يشاورون الشعب في المجالس ~~والمشاود. أما نهاية عهد الدولة فلا نستطيع تحديدها بالضبط كما قلنا، وإنما نستطيع ~~أن نجزم بأن الدولة السبئية قد استولت عليها كما استولت على الدولة المعينية ~~والحضرمية بعد أن جرت حروب عديدة بين القتبانيين والسبئيين. ~~(4) الدولة الحضرمية # حضرموت هي دولة عربية عريقة، عاصرت دولتي معين وقتبان، وذكرها في كتاب ~~إيراتوستينس وإسترابون باسم # Ehatromotitae ~~، # 25 # وفي كتاب التوراة باسم حضرموت، على أنها سميت باسم حضرموت بن يقظان ~~بن عابر بن شالخ، # 26 # وليست معلوماتنا عن بداية هذه الدولة ونهايتها جزءا من معلوماتنا عن ~~دولة قتبان؛ فإن الدراسات العلمية التي جرت حتى الآن دراسات محدودة ضيقة، وقد عكف ~~بعض المستشرقين الاختصاصيين بدراسات تاريخ جنوب الجزيرة العربية على دراسات تاريخ ~~الدولة الحضرمية، وتوصل البروفسور «ألبرايت» أن يحصي قائمة بأسماء ملوكها، وأن ~~يجعل في طليعتها اسم الملك «يدع إيل» الذي حكم حضرموت حوالي نصف القرن الخامس ق.م، # 27 # ويعارضه المستشرق فيلبي، فيقول: إن طليعة ملوك هذه الدولة هو «صدق ~~أبل»، وإنه قد حكم في سنة 1020ق.م، # 28 # ومن مشاهير ملوك هذه الدولة: «معدي كرب» الملك القوي، العمراني، أخو ~~الملك «أب يدع يثع» الذي كان ملكا على معين، ويظهر أنه في عهد هذه الأسرة القوية ~~خضعت الدولتان الحضرمية والمعينية لها، وكان ذلك حوالي سنة 980ق.م، ومن أشهر ~~ملوكها: العذيلط الأول. # قد كانت مدينة شبوة العاصمة الجديدة لهذه الدولة، وكانت زاخرة بالمعابد الفخمة، ~~والقصور الشامخة، وقد كانت في الأصل مقرا للمكاربة، ثم صارت مقرا للملوك، وهي ~~معروفة عن المؤرخين القدماء باسم # Sabratho # أو # Sabato ~~، وقد ورد اسمها في التوراة باسم سبت، # 29 # وقد ذكرها الهمداني في صفة جزيرة العرب، وعدها من حصون حضرموت ومحافدها، # 30 # وقد زارها المستشرق فيلبي، وعثر على آثار معابدها وقصورها القديمة ~~وسدود واديها، وذكر المؤرخ القديم بلينوس: أن في اليمن توجد # Ostramitae ~~، وأنها منطقة من أرض شبوة # Saboei ~~، وأن عاصمتها مدينة شبوة # Saboei ~~، وتسمى أيضا # Sariba ~~، وأنها ms050 ~~غنية بمناطق كثيرة الغابات ... ومنها يصدر اللبان، وأن شعب # Minaei # هو الشعب العربي الذي احتكر تجارة ~~اللبان والطيب. # 31 # أما العاصمة القديمة للدولة فهي «ميفعة»، وهي المعروفة عند اليونان باسم # Mapharites ~~، وقد كانت مدينة محصنة ذات ~~معابد وقصور. # وقد كانت الدولة الحضرمية دولة قوية بريا وبحريا وتجاريا، وكانت تعبد ~~الأوثان، وتقيم لها المعابد، وأجلها عندهم هو الإله «سين»، وهناك آلهة غيره منها: ~~عشتر، وصول، وحويل، وشمس. # ومن أشهر ملوك هذه الدولة: # معدي يكرب بن اليفع، الذي حكم البلاد حوالي سنة 980ق.م. # ديدع أبي غيلان، الذي حكم البلاد حوالي سنة 140ق.م. # العزيلط، الذي حكم البلاد حوالي سنة 29ب.م. ~~(5) دولة أوسان # كانت أرض أوسان جزءا من المملكة القتبانية، ثم انفصلت عنها، وكونت دولة ~~مستقلة ، وهي على الرغم من صغر الرقعة التي كانت تحتلها كانت دولة غنية عريقة في ~~الحضارة، وقد خلفت لنا عددا من التماثيل الرخامية الرائعة التي تمثل لنا ملوك ~~تلك الدولة، وهي من أروع ما عثر عليه من نفائس التحف الفنية في جزيرة العرب، وقد ~~كتب على قاعدة كل تمثال اسم الملك الذي يعلوها، ونحن على الرغم من عدم عثورنا على ~~كتابات أثرية تكشف لنا النقاب عن تاريخ هذه المملكة وأحوال ملوكها، فإننا قد أفدنا ~~فوائد جليلة من طراز لباس الناس في ذلك العهد، وطرائق زينتهم وتنظيم شعورهم وحلق ~~لحاهم، كما عثر في الحفريات على عدد من التماثيل الذهبية، والآثار الخزفية ~~الرائعة. # وعلى الرغم من قلة المعلومات الآن، فإن الآمال معقودة على كشف تاريخ هذه الدولة ~~وآثارها في العمران والسياسة، وقد ظلت هذه الدولة إلى وقت ظهور الإسلام، حتى إن ~~الجغرافي العربي الهمداني ذكر لنا في الإكليل أنه نقل بعض أخبار اليمن وتاريخه ~~القديم من محمد بن أحمد الأوساني، وزعم أنه كان يحسن قراءة العربية الجاهلية ~~المدونة بالقلم المسند. # 32 # ولا نعرف من أحوال هذه الدولة إلا معلومات قليلة، منها أن الملك «كرب آل وتر» ~~بعد أن استولى على مدينة شرجب بين الحوف ونجران، ساق جيوشه إلى أوسان، فقتل من ms051 ~~رعاياها ستة عشر ألف رجل، وأسر أربعين ألفا، واحتل أماكن من المملكة الأوسانية ~~وهي: حمان، وانضم، وجن، ودياب، ورشا، وجردان، ودتنت، وتفذ إلى ساحل البحر، وأن ~~قتبان كانت حليفة لسبأ في هذه الحرب، وأن السبئيين احتلوا ديار أوسان بعد انتهاء ~~الحرب، وقد استعادت الدولة الأوسانية سلطتها، واستمرت إلى وقت ظهور الإسلام، ولكن ~~معلوماتنا عنها جد ضئيلة. # | أيام النبي صلى الله عليه وسلم # قبل البعثة # | مقدمة # انبثق سيل تاريخ الأمة العربية قبل عصر النبي الكريم محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فلما جاء محمد ~~وخلفاؤه الراشدون «انطلق» العرب من جزيرتهم ينشرون دينهم ولغتهم وحضارتهم في أرجاء ~~المعمورة، ولم ينقض عصر الخلفاء الراشدين حتى «اتسق» نور الأمة العربية - في عهد بني ~~أمية - يشع في الخافقين، وينشر نوره في المشرقين، وامتد سلطان العرب من أقصى بلاد ~~المشرق إلى أقصى بلاد المغرب، فحكموا العالم، وساسوا الشعوب، ونفذوا مطامع أمتهم ~~وآمالها، وفرضوا على أهل الخافقين احترامها، ثم جاء بنو العباس «فازدهرت» بهم الحضارة ~~العربية، وتم على أيديهم تكوين السيادة الإسلامية. # ثم خلف من بعدهم خلف فرطوا بالقيام ~~بأعباء الملك، وانصرفوا إلى اللهو واللعب، فانكسف نور الحضارة، وركدت حركة التقدم ~~والرقي، «فانحلت» الدولة، ثم توالت المحن، واشتدت ظلم الليل وحنادسه عليهم، وتمكن ~~أعداؤهم منهم فقضوا على ملكهم وأذلوا بني قومهم، «فاندحروا» وزحف إليهم الليل بعساكره، ~~وضرب عليهم بخيله ورجاله، وتمطى بصلبه وناء بكلكله، وخرب بجرانه، وقضى العرب ردحا من ~~الزمن الطويل وهم يغطون في نوم طويل وليل مسود، وجهل مظلم، وتعصب مدلهم، وتفرق ~~مطلخم، حتى ذاقوا من الذل ألوانا، وشربوا من كئوس المهانة والعار أقداحا، ثم نبغ فيهم ~~من نفضوا عن عيونهم غبار الوسن، وأحسوا بوطأة الذل والمحن، فدعوا قومهم بدعوة الصلاح، ~~وحثوهم على الانعتاق من ربق العبودية، والعمل على استعادة المجد القديم وإحياء الماضي ~~الأثيل، فكدوا وجدوا حتى ابتسم لهم الدهر، وأشرق نور الفجر، وآن أوان «الانبعاث» ~~فقاموا قومة رجل واحد، آخذين بأسباب العمل والنشاط والفلاح، وهم بحول الله بالغون ~~غايتهم، واصلون إلى أهدافهم بمدد الله ms052 وقوته، وبمعونته وبركته. # | الفصل الأول # (1) في البيئة العربية قبل البعثة النبوية # كانت بلاد الحجاز (ويراد بها الحجاز وتهامة معا) قبل البعث النبوي قلب البيئة ~~العربية في جزيرة العرب؛ ففيها الكعبة مهوى قلوب العرب أجمعين، وموضع عزهم، وفيها ~~مكة، أم القرى العربية، ومسكن قريش سيدة القبائل العربية وأعزها سلطانا في الدين ~~والدنيا، وفيها يثرب أخصب أراضي الجزيرة وأطيبها تربة وأعمرها بقعة، وفيها جدة ~~والجار خير فرض الجزيرة وأغناها تجارة وربحا، وفيها الطائف مدينة العلم والنشاط ~~الفكري والتجارة، وفيها أفصح قبائل العرب وأكثرها شعرا، وفيها أجل أسواق العرب ~~شهرة كعكاظ ومجنة وذي المجاز. # والحجاز بلد عريق في استقلاله وسيادته منذ أقدم العصور؛ لمكانه الحصين، وحرمته ~~المقدسة، وصموده أمام النكبات والاحتلال الأجنبي، وما ذلك إلا لمكانة مكة المكرمة؛ ~~قال ياقوت: إنها - أي مكة - كانت لقاحا لا تدين لدين الملوك، ثم لو يؤد أهلها ~~إتاوة، ولا ملكها ملك قط من سائر البلدان، تحج إليها ملوك حمير وكندة وغسان ولخم ~~فيدينون للحمس من قريش، ويرون تعظيمهم والاقتداء بآثارهم مفروضا وشرفا عندهم ~~عظيما، وكان أهله - أي البيت - آمنين يغزون ولا يغزون، ويسبون ولا يسبون، ~~ولم تسب قرشية قط فتوطأ قهرا. # 1 # وسكان الحجاز هم العرب واليهود؛ وأما العرب فهم سكانه الأصليون، وهم منتشرون في ~~جميع مدن الحجاز، قراه وبواديه، ومن أشهر القبائل الساكنة فيه: بطون قريش، ~~وسليم، ومزينة، وهوازن، وثقيف، وخثعم، وطي، وأشجع، وغفار، وفزارة، وغطفان، والأوس، ~~والخزرج. وأما اليهود فكانوا يسكنون في يثرب وخيبر والطائف ووادي القرى، ومن أشهر ~~القبائل اليهودية: بنو النضير، وبنو القينقاع، وبنو قريظة، وبنو هدل. # وأجل مدن الحجاز «مكة»، وهي من أقدم مدن بلاد العرب؛ سكنها العمالقة، ثم ~~خلفتهم قبيلة جرهم عليها، وفي عهدها قصدها إبراهيم - عليه السلام - وبنى الكعبة، ~~وصاهر ابنه إسماعيل بني جرهم، وسكن الحجاز، واستمر أولاده فيها من بعده. # 2 # وكانت سدانة البيت لآل مضاض بن عمرو الجرهمي خال ولد إسماعيل، إلى أن بغوا ~~واستحلوا أموال الكعبة، فغلبتهم خزاعة عليها، وهي قبيلة يمنية قدمت الحجاز إثر ~~سيل العرم. ms053 # 3 # ووليت البيت نحوا من ثلاثمائة سنة إلى أن نبغ قصي بن كلاب بن مرة، وكان يقيم ~~هو وأبناؤه حوالي مكة، فعظم سلطانه، وانتزع حماية الكعبة من خزاعة، وتملك مكة، ~~وبنى بها دار الندوة، ونظم أمور أهلها؛ فلا تزوج امرأة إلا في دار الندوة، ولا ~~يعقد لواء ولا يعذر غلام ولا تدرع جارية إلا فيها، وكأنه أراد بذلك تسجيل حوادث ~~الأحوال الشخصية، وجعل تلك الدار مقرا للقوم يتشاورون فيه في كافة شئونهم من خير ~~وشر، وكانت قبائل قريش تؤدي الرفادة إلى قصي؛ وهي أموال يؤدونها إليه يترافدون ~~فيها، فكان يصنع الأطعمة والأشربة للحجاج أيام الموسم، ورتب سائر أمور مكة من ~~حجابة وسقاية ولواء وما إلى ذلك مما فيه تنظيم شئون المدينة، كما سترى تفصيل ذلك ~~فيما بعد. # ومن مدن الحجاز الكبيرة «يثرب»، وهي مدينة قديمة سماها المعينيون «يثرة»، ~~والبيزنطيون «يثريبا»، وهي مدينة حصينة كثيرة القلاع والآطام، كثيرة الخيرات ~~والمزارع، عذبة المياة وافرة النخيل. # 4 # نقل الألوسي عن كتاب نشر المحاسن اليمانية ما نصه: «كانت مدينة يثرب ~~للعرب، فخرج إليها قوم من بني إسرائيل في زمن موسى بن عمران فغنموها من العرب ~~العاربة، وقتلوا ملكا لهم يسمى الأرقم، وأقاموا فيها ما شاء الله حتى افترقت ~~الأزد من مأرب في حادثة سيل العرم، فنزل الأوس والخزرج يثرب على الإسرائيليين.» # 5 # ثم جرت بين الأوس والخزرج والإسرائيليين حروب انتهت بانخذال اليهود، ~~وفي الكتب العربية واليهودية تفاصيل وأقاصيص عن أحوال هؤلاء اليهود، فليرجع إليها ~~من يريد التوسع في هذا. # 6 # وقد كان لليهود حين هجرة النبي إلى المدينة أثر كبير سنرى آثاره فيما ~~بعد. وأشهر البطون اليهودية «بنو القينقاع»، وكانوا يسكنون المدينة ويمتهنون ~~الصياغة والصيرفة، كما كانوا ذوي نفوذ كبير في المدينة؛ و«بنو قريظة»، وكانوا ~~زراعا يسكنون في وادي مهزوز ووادي بطحان، وهما واديان يهبطان من حرة يهبط فيها ~~مياه عذبة؛ # 7 # و«بنو النضير» وكانوا زراعا في وادي بطحان، ويقول اليعقوبي: إنهم ~~في الأصل من بني جذام، ثم تهودوا. # ولكن بعض المؤرخين يذكرون أن ms054 السيدة صفية أم المؤمنين - وهي من بني النضير - كانت ~~منحدرة من نسل هارون بن عمران، وقد كانت لهم معابد ومدراسات وربانيون، وكان إلى جانب ~~هؤلاء اليهود متهودون من العرب. # ولم يكن المتهودون في خصومتهم للنبي # صلى الله عليه وسلم # مثل اليهود في خصومتهم إياه، وقد ~~اكتسب هؤلاء اليهود جميع التقاليد والأخلاق والأسماء واللهجات العربية، كما ثقفوا ~~اللغة العربية إلى جانب لغتهم الأصلية، وظهر منهم شعراء وخطباء بالعربية، وتقول ~~الروايات العربية إن هؤلاء اليهود كانوا هم المسيطرين على المدينة المنورة، وإنهم ~~كانوا ملوكها، وإن آخرهم كان يسمى القيطون أو القيطوان أو الفيطون (بالقاف، ~~والفاء)، وإنه كان عاتيا جبارا قتله مالك بن العجلان الخزرجي، ثم اضمحل أمر ~~اليهود من بعده، وصارت السيادة للعرب. # 8 # ولكن الخلافات ما عتمت أن نشبت بين العرب - أي الأوس والخزرج - فاستفاد ~~اليهود من ذلك، وأصبحوا يرجحون كفة أحد الجانبين على الآخر، ويظهر أن عرب ~~المدينة من الأوسيين والخزرج كانوا أقل ثقافة من عرب مكة، فقد كان اليهود المدنيين ~~مسيطرين على الأحوال المالية في المدينة، أما عرب مكة فقد كان منهم كتاب ~~ومعلمون وتجار وأغنياء. # ومن مدنه «الطائف»، وهي بطن من جبل غزوان بشرقي مكة، نزه كثير المياه والفواكه ~~والبساتين، وسكانها من ثقيف، ومن قرى الطائف «وج» و«النخب» و«العرج» و«ليه» ~~و«جلدان» و«عكاظ» و«ذو المجاز» و«مجنة»، وكلها قرى كثيرة النخل والفواكه، وللعرب ~~فيها أسواق مشهورة ومواسم مسماة. # ومن مدنه «خيبر»، وهي مدينة كبيرة كثيرة الحصون والمزارع، قال أبو عبيد البكري: ~~إنها باسم أحد العماليق وأهلها يهود، وكانت لبني غزة بن أسد، ومن قراها المشهورة: ~~«فدك». # ومن مدنه «جدة»، وهي الفرضة الكبرى للقطر، وهي تابعة لمكة المكرمة. # ومنها «الجار»، وهي فرضة حسنة تابعة للمدينة المنورة. # ومنها ينبع، وهي مدينة صغيرة قريبة من الساحل آلت لبني الحسن. # ومنها تبوك، وهي مدينة تجارية حسنة الأسواق. # وفي الحجاز كثير من الجبال أشهرها: «خندمة» و«أجياد» و«أبو قبيس»، و«ثور» و«ثبير» ~~و«عرفات»، وكلها قرب مكة. ~~(1-1) الحالة الدينية # كانت الحالة الدينية في بلاد الحجاز قبل البعثة ms055 النبوية متعددة النواحي؛ ~~ففيها الحمس الحنفاء، وفيها المشركون، وفيها الزنادقة، وفيها المعطلون، وكان ~~لكل فريق طقوسه وتقاليده التي أخذها عن رجال دينه وأسلافه، إلا أنهم كانوا ~~جميعا يجمعون على شيء واحد وهو تقديس الكعبة واحترام مشاعرها، فقد جعلوا لها ~~حرما مقدسا يحيط بمكة من دخله كان آمنا، وحده من جهة المدينة دون ~~«التنعيم» عند بيوت بني نفار على ثلاثة أميال، ومن جهة العراق على ثنية جبل ~~بالمنقطع على سبعة أميال، ومن طريق «الجعرانة» بشعب أبي عبد الله بن خالد على ~~تسعة أميال، ومن طريق «الطائف» على عرفة، ومن بطن «غرة» على سبعة أميال، ومن ~~طريق «جدة» عند منقطع العشائر على عشرة أميال، # 9 # وقد كان الناس منذ أقدم عصور «الجاهلية» يقدسون هذه البقعة فلا ~~يسفكون فيها الدماء، ولا يقطعون الشجر والقصب، ولا يطردون الصيد، ولا يقتلون ~~الطير. قال ياقوت: ومن شرفها أنها كانت لقاحا لا تدين لدين الملوك ... ومما زاد ~~في فضلها أهلها ومباينتهم للعرب أنهم كانوا حلفاء متآلفين ومتمسكين بكثير من ~~شريعة إبراهيم، ولم يكونوا كالأعراب الأجلاف، ولا كمن لا يوقره دين ولا ~~يزينه أدب. # 10 # والحمس هم المتشددون في الدين وحفظ التقاليد الموروثة عن إبراهيم - عليه ~~السلام - وهم: بنو «خزاعة» و«كنانة» و«جديلة قيس»، و«ثقيف» و«عامر بن صعصعة»، ~~وكان من سنة الحمس أن لا يخرجوا أيام المواسم إلى عرفات، وإنما يكتفون بالوقوف ~~عند المزدلفة، ولا يشتكون ولا يأقطون ولا يرتبطون عنزا ولا بقرة، ولا يغزلون ~~صوفا ولا وبرا، ولا يدخلون بيتا من الشعر والمدر، إنما يكتنون بالقباب ~~الحمر في الأشهر الحرم، ثم إنهم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحل ~~إذا دخلوا الحرم، وأن يخلوا ثياب الحل ويستبدلوها بثياب الحرم، إما شرى وإما ~~عارية وإما هبة، فإن وجدوا ذلك وإلا طافوا بالبيت عرايا، وفرضوا على نساء العرب ~~مثل ذلك، وكلفوا العرب أن تفيض من مزدلفة، وكانت تفيض من عرفة أيام كان الملك ~~في جرهم وخزاعة، وصدرا من أيام قريش، فلولا أنهم أمنع حي في العرب لما ~~أقرتهم على ms056 هذا العز والإمارة مع نخوة العرب في إبائها. # 11 # يقول العلامة الألوسي: كانت قريش ابتدعت رأي الحمس رأيا رأوه ~~وأرادوه، فقالوا عن بني إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وسكانها، ~~فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف ~~لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت ~~العرب بحرمتكم، وقالوا قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم، فتركوا الوقوف ~~بعرفة والإفاضة منها، وهم يعترفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ~~ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل ~~الحرم، فليس ينبغي لنا أن تخرج من الحرمة ولا تعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس. # 12 # وقد كانت قريش وبطونها والحمس وقبائلها يقومون بالشعائر الدينية التي كانت ~~تربط جميع من كانوا يقصدون البيت الحرام برباط ديني وثيق على اختلاف قبائلهم، ~~وما ذلك إلا لمكانة مكة وقدسية الكعبة واحترامهم لقريش التي كانت تتمتع بمكانة ~~مرموقة بينهم، وكان للعرب أشهر مقدسة حرم يعقدون فيها الأسواق التجارية حول ~~الحرم، وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فكان لا يجرؤ أحد على ~~الإخلال بحرمة تلك الأشهر. # ومما تجدر الإشارة إليه أن العرب على الرغم من احتفاظهم ببعض الطقوس الدينية ~~الحنيفية الموروثة عن إبراهيم وإسماعيل، فإن الوثنية قد دخلت عليهم وامتزجت ~~بديانتهم، ويقال إن عمرو بن لحي الخزاعي هو أول من أدخل عبادة الأوثان مع ~~الطقوس الدينية العربية، وإنه نقلها حينما زار الشام، وإنه وضع بعض الأصنام في ~~الكعبة. يقول الشهرستاني في الملل والنحل: «أول من وضع فيه - أي في البيت ~~الحرام - الأصنام؛ عمرو بن لحي لما ساد قومه بمكة، واستولى على أمر البيت، ثم ~~سار إلى مدينة البلقاء بالشام، فرأى قوما يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فقالوا: ~~هذه أرباب نتخذها على شكل الهياكل العلوية والأشخاص البشرية، نستنصر بها ~~فننصر، ونستسقي فنسقى. فأعجبه ذلك، وطلب منهم صنما من أصنامهم، فدفعوا ~~إليه «هبل»، فسار به إلى ms057 مكة ووضعه في الكعبة.» ويقال إن هبل كان من العقيق ~~على هيئة إنسان، وقد كثرت الأصنام في بلاد العرب عامة وفي الكعبة خاصة، حتى ~~إن المسلمين أخرجوا منها يوم فتح مكة (360) صنما. # 13 # وكان إلى جانب هؤلاء «نصارى» جاءتهم النصرانية من بلاد الشام وشبه جزيرة ~~سيناء، وأشهر القبائل التي دخلتها النصرانية: بنو تغلب، وطي، وبعض عرب الحجاز، ~~وقد أثرت النصرانية في البيئة العربية تأثيرات واضحة، وأوجدت بعض الفكرات ~~التي كان لها علاقة بالنصرانية، مثل فكرة اتخاذ الله البنين والبنات، ومثل فكرة ~~الشفاعة والشفعاء، ومثل فكرة الرهبنة وطقوسها. # وكان في العرب نفر من المتهودة كانوا يسكنون في «فدك» و«وادي القرى»، ~~و«تيماء»، و«المدينة»، # 14 # وقد أثر هؤلاء المتهودة في بعض العرب، فأخذوا عنهم بعض الطقوس ~~الدينية كالختان واعتزال النساء في المحيض، وبعض المعلومات التاريخية والدينية ~~والأخبار والقصص. # وكان في العرب مجوس أخذوا المجوسية عن الفرس في رحلاتهم التجارية إلى فارس، ~~وكان فيهم «الحنفاء» أو «الصابئة» الذين نزهوا أنفسهم عن أوضار الوثنية، ~~واستخلصوا لأنفسهم مذهبا نقيا أخذوه من اليهودية والنصرانية والحنيفية، ~~فكانوا يستقبحون عبادة الأصنام ووأد البنات وشرب الخمر ولعب الميسر والمقامرة، ~~ويؤمنون بوجود إله واحد عادل يحاسب الناس على أعمالهم في يوم القيامة، ومن ~~هؤلاء: أمية بن أبي الصلت الشاعر، وورقة بن نوفل، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو ~~بن نفيل، وعثمان بن الحويرث وغيرهم. # 15 # وكان فيهم معطلون دهريون يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ونحيى، ~~وما يهلكنا إلا الدهر؛ فأنكروا الخالق سبحانه، ونفوا البعث، ولم يقروا بالحشر، ~~وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني. # وكان فيهم زنادقة وثنوية، وكانت الزندقة منتشرة في قريش، قال ابن قتيبة في ~~كتاب المعارف: «وقد كانت الزندقة في قريش أخذوها من الحيرة.» # 16 # والمراد بزندقة قريش أن الزنادقة فيها كانوا ينكرون الحشر، ولا يؤمنون ~~بالآخرة، ويثبتون أكثر من إله، وقد ينكرون الألوهية. # وعلى الرغم من هذا التعدد الديني عند العرب قبل الإسلام، فقد كانوا مشتركين في ~~أمور، وكأنهم قد ورثوها عن أبيهم إبراهيم، فمن ذلك: تعظيم ms058 الكعبة - كما أسلفنا ~~- ومن ذلك تقديس الأشهر الحرم، ومنه محافظتهم على طهارات الفطرة التي ابتلي ~~بها إبراهيم، وهي: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والفرق، والسواك، ~~والاستنجاء، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، ومنه الاغتسال ~~من الجنابة، وتغسيل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ورثاؤهم، وصوم عاشر المحرم، ~~والحج، والعمرة، والإحرام، والطواف، ومسح الحجر الأسود، والسعي بين الصفا ~~والمروة، والتلبية، وكانوا يقفون المواقف كلها، ويهدون الهدي، ويرمون الحجار ~~وغير ذلك من مشاعر الحج، وكانوا يصلبون قاطع الطريق، ويقطعون السارق، ويحكمون ~~باعتزال الحائض ... وأمور أخرى كثيرة أقرها الإسلام. # 17 # وهناك أمور دينية أخرى اشترك العرب جميعا في الاعتقاد بها على الرغم من ~~تباين مذاهبهم الدينية، ويمكننا إجمال ذلك في النقاط الآتية: # الملائكة: # اعتقد العرب بوجود الملائكة، وقالوا إنها بنات الله، وإن الله ~~سبحانه قد أصهر إلى الجن فكانت الملائكة بناته منهم، وإنهم ~~أجسام نورانية يرسلها الله إلى الناس رسلا مبشرين ومنذرين، ~~وقد غالى بعض العرب فعبد الملائكة تقربا إلى الله. وذهب ~~آخرون إلى أنهم أجسام كاللات والعزى ومناة، وأنها رموز وهياكل ~~مادية تجسدت فيها الملائكة، وقد أشار القرآن إلى بعض هذه ~~الاعتقادات الجاهلية بقوله: # ويوم ~~يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من ~~دونهم ~~، # 18 # وقوله: # وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب ~~شهادتهم ويسألون ~~. # 19 # الجن: # كان العرب يعتقدون بوجود الجن والمردة، # 20 # ويزعمون أنهم مخلوقات هوائية لطيفة قادرة على ~~التشكل بما تريد، ويرون أنهم أقوياء يفعلون ما يعجز عنه ~~البشر كأنهم شركاء الله، فخافوهم وعبدوهم، وفي القرآن الكريم ~~والشعر القديم كثير من الأقوال التي تؤيد اعتقاد العرب بالجن، ~~وتبين طرفا من اعتقاداتهم فيهم، ففي القرآن: # وجعلوا لله شركاء الجن ~~وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات ~~بغير علم سبحانه ~~، # 21 # وفيه: # ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ~~، # 22 # وقال راجزهم: # من قد استعذنا بعظيم الوادي # من شر ما ms059 فيه من الأعادي # فلم يجرنا من هزبر عادي # وكان من عاداتهم في «الجاهلية» إذا ركب أحدهم مفازة، وخاف ~~على نفسه من الجن والشياطين أن ينيخ راحلته إلى واد ذي شجر، ~~ويقول: أعوذ بصاحب هذا الوادي أو عظيمه. وقال آخر: # قد بت ضيفا بعظيم الوادي # المانعي من سطوة الأعادي # راحلتي في جاره وزادي # وكانوا يعتقدون أن الجن والشياطين هم أصحاب نفوذ قوي وأعمال ~~عجيبة، وأن لهم صلات ببعض بني الأنس من السحرة والكهان ~~والشعراء، وأنهم كانوا يفعلون الأعمال الخارقة، ويعلمون ~~الأمور المغيبة، وربما سمى العرب الملائكة «جنا» لاستتارهم، ~~كما يسمونهم «حنا» بالحاء، وفي القرآن الكريم والأدب ~~الجاهلي، والخرافات والأساطير الموروثة، كثير من أخبار الجن ~~والشياطين والمردة وأحوالهم واعتقادات العرب فيهم. # 23 ~~(1-2) الحالة السياسية # لم يعرف أن الحجاز خضع لحاكم أجنبي طول عهده، ولم يعبث بحريته الملوك ~~الفاتحون، في الوقت الذي عبث فيه كيرش وقمبيز وغيرهما من ملوك الفرس باستقلال ~~كثير من الأمم، كذلك ظل محافظا على استقلاله أيام الإسكندر المقدوني حين ~~أغار على دارا ملك الفرس، وكان من أثر تمتع أهل الحجاز بالاستقلال طول حياتهم ~~أن ظهرت فيهم طبائع خاصة بهم من حيث عراقة أصلهم وشرف أهلهم وآبائهم وشهامتهم ~~التي كانت ولا تزال مضرب الأمثال، ولغتهم التي حافظت على نقائها وصفائها، # 24 # وكان النظام القبلي يسيطر على الحالة العامة في الحجاز، فكان لكل ~~قبيلة كيانها السياسي المستقل، ولكل قبيلة شيخها وأهل العقد والحل، كما كان لها ~~حكيمها وحكمها وكاهنها وشاعرها، وكان لأهل مكة وقريش بصفة خاصة مكانة مقدسة ~~رفيعة تجعلهم يمتازون عن بقية العرب بأنهم أهل بيت الله وأهل الحكم المسموع ~~في القبائل العربية جميعا. وقد نبغ في العرب قبل الإسلام عدد من العقلاء ~~والحكام والنبلاء الذين فرضوا طاعتهم على القبائل العربية كبني سهم، وبني ~~هاشم، وبني عبد مناف، # 25 # وكان بنو سهم هم أصحاب الحكومة قبل الإسلام، ويظهر أن المراد بذلك ~~أنهم كانوا أصحاب القول والفصل في المشاكل والخصومات التي تقع بين ~~العرب. # ولما سيطر قصي بن كلاب على ms060 مكة نظم أمور البلد ورتب شئونه، وكان حازما ~~داهية، نقل السيوطي عن ابن سعد قال: روي عن عباس أن قصي بن كلاب أول ولد لكعب ~~بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكان شريف أهل مكة لا ينازع فيها، فابتنى ~~دار الندوة وجعل بابها إلى البيت، ففيها كان يكون أمر قريش كله وما أرادوا من ~~نكاح أو حرب أو مشورة فيما ينوء بهم تشريفا له وتيمنا برأيه ومعرفة بفضله، ~~ويتبعون أمره كالدين المتبع لا يعمل بغيره، فكان إليه الحجابة والسقاية ~~والرفادة واللواء والندوة وحكم مكة كله، وقد قام بأمر مكة بعد قصي ابنه عبد ~~مناف، ثم ابنه هاشم، ثم ابنه عبد المطلب، وفي عهده أراد أبرهة الأشرم الحبشي ~~صاحب الفيل أن يستعمر الحجاز ومكة، فخذله الله ورجع خاسرا عن مكة والبيت ~~الحرام، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحادثة بقوله: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ~~. # يذكر المؤرخ الفرنسي سديو أن أبرهة الأشرم الحبشي المتغلب على اليمن أراد ~~فرض سيطرته على الحجاز وسائر الجزيرة، ورأى أن حرمة الكعبة هي التي تجعل العرب ~~أجمعين يخضعون لصاحب مكة، فأراد السيطرة عليه، وقد كاتب قيصر الروم أنه يرى أن ~~يبني كنيسة كبرى في صنعاء فهو يسأله المعونة، وأن يبعث إليه الصناع ~~والعمال والفسيفساء والرخام، فبعث إليه بما أراد - لما كان بينهما من رابطة ~~النصرانية - ولما تم ما أراد كتب إلى النجاشي أنه يريد أن يحول حجاج العرب ~~إلى صنعاء، وبذلك تنحصر تجارة الجزيرة في اليمن، وشاع ذلك بين العرب فثارت ~~حفيظتهم، وخرج رجل من بني مالك بن كنانة فقدم اليمن ودخل كنيسة صنعاء، وعبث ~~فيها، وانتهك حرمتها، وأفسد أثاثها، فلما علم أبرهة بذلك غضب وآلى ليهدمن ~~الكعبة، ثم جرد جيشا يذكر المؤرخ سديو أن قوامه أربعين ألفا، ويقول ~~آخرون بل ستين ألفا، # 26 # ولما وصل أبرهة المنمس - وهو مكان على ثلثي فرسخ من مكة في طريق ~~الطائف - بعث القائد الأسود بن مقصود فأتى مكة، وأخذ أموال أهلها من قريش ~~وغيرهم، وأصاب ms061 مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، فأراد أهلها قتاله، ولكنهم ~~وجدوا أنفسهم ضعافا أمامه، ثم إن أبرهة بعث رسولا اسمه حناطة الحميري إلى مكة ~~وقال له: سل عن سيد هذا البلد، ثم قل له إن الملك يقول لكم إني لم آت لحربكم ~~إنما جئت لهدم البيت؛ فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن لم ~~يرد حربي فأتني به. # فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له هو ~~عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فخابره وقال له ما أمره بقوله أبرهة، فقال عبد ~~المطلب: والله ما نريد قتاله وما لنا بذلك طاقة، هذا بيت الله وبيت خليله ~~إبراهيم. فقال له حناطة: فانطلق معي إلى الملك فإنه قد أمرني أن آتيه بك، ~~فانطلق معه هو وبعض بنيه، فلما أتى المعسكر، وتقابل مع أبرهة، قال لترجمانه: قل ~~له قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني؛ أتكلمني في مائة بعير قد ~~أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! فقال ~~عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيحميه. ثم إنه عرض على أبرهة ~~ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن مكة ولا يهدم البيت فأبى، فخرج عبد المطلب ~~حانقا، وجاء إلى الكعبة، ومعه جماعة من قريش، وقال: # يا رب لا أرجو لهم سواكا # يا رب فامنع منهم حماكا # إن عدو البيت من عاداكا # امنعهم أن يخربوا قراكا # ثم إن أبرهة صمم على دخول مكة وهدم الكعبة، فسار نحو مكة وعلى رأس جيشه ~~فيله - وكان اسمه محمودا فيما رووا - فلما وجه الفيل نحو مكة برك ولم ~~يتحرك، فضربوه فلم يقم، ثم وجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه ~~إلى الشام فقعد مثل ذلك، فطاش صواب أبرهة، ثم إن الله أرسل عليه وعلى جنده ~~طيرا من جانب البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طائر ثلاثة أحجار يحملها؛ حجر في ~~منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، وأخذت الطير تلقيها ms062 عليها، فكانت ~~لا تصيب أحدا إلا هلك، # 27 # فتراجع أبرهة وجيشه، ووقف عبد المطلب على باب الكعبة وهو ~~يقول: # لاهم إن العبد يم # نع رحله فامنع رجالك # لا يغلبن صليبهم # ومحالهم عدوا محالك # فلئن فعلت فربما # أولى فأمر ما بدالك # ولئن فقلت فإنه # أمر تتم به مقالك # وكانت سنة الفيل حدثا تاريخيا كبيرا حفظه العرب، وأرخوا به، ولو أتيح ~~لأبرهة النصر لانتشر دين الأحباش في الجزيرة، وانصرف الناس عن مكة إلى صنعاء، ~~ويأبى الله إلا أن تتم رسالته. # قال الطبري: ولما رد الله الحبشة عن مكة عظمت العرب قريشا، وقالوا أهل ~~الله قاتل عنهم الله فكفاهم مئونة عدوهم، # 28 # والحق أن الحالة السياسية في الحجاز قبل عصر النبي كانت حالة بسيطة ~~غير معقدة، ليس لها ما للدول من مشكلات سياسية أو قضايا دولية، هي حالة قريبة ~~الشبه بالنظام الجمهوري الشوري الذي يعتمد على النظام القبلي، ويحكم البلاد ~~حكما يديره شيوخ قريش ووجوه القبائل الكبرى في الحجاز، وأن هذه القبائل ~~وقريشا كانت تتوارث الحكم، ولعل أبرز هؤلاء الشيوخ في الجاهلية هو: قصي وعبد ~~مناف وهاشم وعبد المطلب وأبو سفيان في مكة، وعبد الله بن أبي في ~~المدينة. ~~(1-3) الحالة الاقتصادية # الحجاز بلد فقير، وصفه إبراهيم - عليه السلام - بقوله: # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون ~~(سورة إبراهيم: آية 37)، على ~~أن فيه بقاعا خصبة هي يثرب ورياضها، والطائف وضواحيها، ففي هذه البقاع سهول ~~خضرة وبساتين مثمرة وجنات وارفة ونخيل وأثمار وزرع، كما أن فيه مدنا ساحلية ~~اتصلت بالعالم الخارجي، فكثرت تجاراتها، وربت خيراتها. كما أن مواسم الحجاز ~~وأسواقه جعلت منه بقعة تجارية يقصدها العرب أجمعون؛ ليشهدوا منافع لهم، وقد ~~كانت لقريش رحلتان تجاريتان إحداهما: في الصيف إلى الشام، وثانيتهما: في ~~الشتاء إلى اليمن: # لإيلاف قريش * ~~إيلافهم رحلة الشتاء والصيف * ~~فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم ~~من جوع وآمنهم من خوف ~~، وقد رأينا سبب ms063 حملة أحباش ~~اليمن؛ كانت حملة تجارية الأهداف، فقد رأى أبرهة وصحبه ما لقريش من أثر في حياة ~~الجزيرة العربية الاقتصادية، فأراد تحويل ذلك إلى اليمن وحصره فيه، ولكنه فشل ~~وظلت لمكة خاصة والحجاز عامة سيطرته التجارية ومكانته المالية. # فقد كانت مكة مقر حركة تجارية واسعة تمتد إلى اليمن ومصر والحبشة وسواحل ~~أفريقيا، كما تسير إلى الشام والعراق وفارس والمشرق البعيد، وكان تجار مكة ~~يذهبون بالبضائع ويجيئون بالسلع، وقد كان بنو عبد مناف جميعا يهتمون بشئون ~~التجارة والاقتصاد، والمورخون يذكرون أن هاشما كان يتوجه إلى الشام، وعبد ~~شمس كان يقصد الحبشة، والمطلب كان يتاجر إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكان تجار ~~قريش الآخرون يختلفون مع بني عبد مناف إلى هذه البلاد ولا يتعرض لهم أحد بسوء، # 29 # وكل واحد منهم يأخذ من البلد الذي يقصد بلاده أمانا له ولقومه، ~~فكان عملهم هذا أشبه بالمعاهدات التجارية بين أمراء مكة وتجارها وبين ملوك تلك ~~الأقطار، وقد كانت هذه التجارات احتكارا للقريشيين؛ لمكانتهم ووجاهتهم عند ~~العرب أجمعين، ولأن أراضي الجزيرة وعرة صعبة المسالك لا يتيسر ورودها على من ~~ليس أهلها، فلذلك لم ينافسهم أهل تلك الديار من فرس وروم وأحباش فيها، وقد ~~أثرت قريش بهذه التجارات إثراء عظيما، ومن أشهر من عرف بذلك: أبو سفيان، ~~والوليد بن المغيرة، وعبد الله بن جدعان، وخديجة بنت خويلد ... وغيرهم، وقد كان ~~كثير من الناس يوفدون عنهم من يتاجر بأموالهم إذا هم لم يقدروا على ذلك، أو ~~كن نساء، كما فعلت السيدة خديجة في إرسال النبي # صلى الله عليه وسلم # قبل البعثة متاجرا ~~بأموالها، وقد كانت قوافل القرشيين معروفة في البلاد التي تمر بها كما كانت ~~محترمة المكانة مرهوبة الجانب؛ لمكانتهم الاجتماعية، وحمايتهم للكعبة التي ~~يقصدها العرب أجمعون، وكانت لهذه القوافل محطات في كل من الأمكنة التي كانوا ~~يقصدون في غزة هاشم وحوران ودمشق وبيت المقدس في الشمال، وصنعاء وعدن وعمان ~~وحضرموت في الجنوب. أما البضائع التي كانوا يتاجرون بها فهي: التوابل والطيب ~~والبخور والمنسوجات الحريرية والأسلحة والجلد، ms064 يأتون بها من موانئ عمان وأسواق ~~الحبشة وأفريقيا وصنعاء إلى بلاد الشام التي كانوا يأخذون منها الحبوب من القمح ~~والشعير وزيت الزيتون والأخشاب والفواكه والمصنوعات النحاسية والحديدية ~~والزجاجية. كانوا يشترون من الموانئ اليمنية بضائع الهند والصين وغيرهما من ~~أقطار أقصى المشرق، وأهمها: المنسوجات الحريرية، والمعادن النفيسة، والحجارة ~~الكريمة، والتوابل، والعاج، وقد استفادت قريش من هذه التجارات فوائد جليلة ~~مادية ومعنوية؛ أما المادية: فجعلتهم ينعمون بحياة رخصة رخية، وأما المعنوية: ~~فجعلتهم أصحاب ثقافة وأفق عقلي واسع، ولا غرو فإن مخالطتهم لأرباب تلك المتاجر ~~من روم وفرس وأحباش وأنباط وهنود وصين وغيرهم من أرباب الحضارات القديمة ~~والعلوم العريقة قد جعلتهم أوسع مدارك من غيرهم، وأعظم مفكورات، وأجل نظرات، ~~كما جعلتهم على اطلاع واسع بكثير من آداب التجارة والسياسة وأنظمة العلاقات ~~التجارية، كما عرفتهم بكثير من أحوال المكاييل والموازين، ودقائق علم الحساب ~~التجاري. # ثم إن يهود الحجاز قد لعبوا دورا تجاريا هاما في الحياة الاقتصادية ~~الحجازية؛ فكانت لهم مزارع وحصون وآطام وقصور وثروات، وكانت لهم متاجر ومصارف ~~وحوانيت ومصانع، وكان منهم الصناع والصياغ والصياقلة والحدادون ~~والنجارون وغيرهم من أرباب الحرف، ولا شك في أن هذا كله قد رفع من مستوى ~~الحجاز الاقتصادي، وجعل أهله يتمتعون بحياة رخصة وحركة اقتصادية نشيطة، وقد عرف ~~العرب في الحجاز كثيرا من ضروب المتاجرة؛ من الصيرفة والربا والنسيء والتطفيف ~~في البيع والحيل التجارية، ولا شك في أن العرب قد أخذوا كثيرا من هذه الأمور ~~عن اليهود المقيمين بين ظهرانيهم أو من تجار الشام والعراق واليمن ومصر حينما ~~كانوا يرحلون إليها متاجرين، وفي القرآن الكريم كثير من الآيات التي تشير إلى ~~هذه الأمور، وإلى تحريم الإسلام إياها، وتهديد من يتعاطاها من المسلمين. # وكما كانت التجارة مزدهرة فكذلك كان شأن الصناعة والزراعة، أما الصناعة: فقد ~~ورد في الشعر الجاهلي والقرآن الكريم أشياء كثيرة عن صناعات العرب وحرفهم، ~~وتفننهم في بعض أنواعها؛ من نسيج ونقش وحدادة وصياغة وبناء وتجارة ودباغة ... ~~وما إلى ذلك، قال تعالى: # والله جعل لكم من ~~بيوتكم سكنا ms065 وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين ~~(سورة النحل: 80)، وقال: # يحلون ~~فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من ~~سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك ~~(سورة الكهف: 31)، وقال: # يعملون له ما يشاء من ~~محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور ~~راسيات ~~(سورة سبأ: 13). # وأما الزراعة: فقد كانت في المدينة والطائف وخيبر وما إليها، وكانوا يعنون ~~بالزروع والكروم والنخيل والفواكه والبقول وغير ذلك مما أشار إليه الشعر ~~الجاهلي والقرآن، ولا غرو فإن للجوالي اليهودية ورحلات العرب إلى الشام واليمن ~~وغيرهما من الأقطار الزراعية أثرا كبيرا في تقدم الزراعة الحجازية، وقد أشار ~~ابن هشام في السيرة إلى أن بعض أهالي العراق كان يعمل في بستان أحد زعماء الطائف، # 30 # وقد يكون هناك آخرون غير هذا يعملون في حدائق الحجاز ~~وبساتينه. ~~(1-4) الحالة الاجتماعية # إن معلوماتنا عن الحياة الاجتماعية في العصر الذي سبق البعثة المحمدية يمكن ~~استقاؤها من الشعرين الجاهلي والإسلامي، والقرآن والحديث، ويمكننا إجمال تلك ~~الحياة بالأمور الآتية: # العصبية القبلية # فقد كان الفرد متعصبا لقبيلته في البادية والحاضرة، وكانت القبيلة ~~شديدة التعصب لأفرادها، وقد استمرت هذه الروح التعصبية في الإسلام على ~~الرغم من محاولة الرسول # صلى الله عليه وسلم # القضاء على التعصب القبلي الأعمى الذي ~~كان يسيطر على الحياة الاجتماعية أملا في إيجاد وحدة أممية مشتركة بين ~~المسلمين بقطع النظر عن مصلحة القبيلة أو العشيرة أو البطن أو الفخذ، قال ~~تعالى: # إن الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء ~~بعض ~~(سورة الأنفال: آية 72)، وقال: # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين ~~(سورة التوبة: آية 11)، وفي ~~القرآن والحديث أقوال كثيرة تنهى المسلمين عن العودة إلى العصبية القبلية ~~الجاهلية المقيتة، وقد استطاع الرسول وخلفاؤه الراشدون؛ وخصوصا أبا بكر ~~وعمر أن يقصوا العرب عن هذه الروح، ولكن هذا لم يدم طويلا، فرجع الوضع ~~إلى ما كان عليه في الجاهلية بعدهما. # كان العرب في الجاهلية ms066 يعتبرون القبيلة هي المرجع الأساسي الذي يرجعون ~~إليه في الدفاع عن حقوقهم، والاستنصار على عدوهم، والتعاون على أعداء بني ~~قبيلتهم سواء كان محقا أو مبطلا، ولم يكن الدين ليحول بين هذا ~~التناصر، ولما قدم الرسول بدعوته نصره كثير من قرابته لا لأنهم آمنوا به ~~وصدقوه في دعوته حقا بل انتصارا له؛ لأنه فرد من أفراد قبيلتهم، وبذلك ~~استطاع أن يبقى في مكة على الرغم من شدة خصومه عليه، وكان شذوذ عم النبي # صلى الله عليه وسلم # عبد العزي الملقب بأبي لهب شذوذا فرديا، على أن ابن هاشم ~~يروي أن أبا لهب قد ثارت عصبيته لأخيه أبي طالب، وهدد زعماء قريش بأنه ~~سينضم إلى أخيه إذا هم لم يحترموا شيخوخته وجواره، وأنه جاء إلى الرسول # صلى الله عليه وسلم # بعد موت أبي طالب، وقال له: امض لما أردت، وما كنت صانعا إذ ~~كان أبو طالب حيا فاصنعه، وحلف له بأنه لا يوصل إليه حتى يموت، # 31 # وقد أقر الإسلام بعض تقاليد الجاهلية التي تمت إلى العصبية ~~القبلية بسبب، فمن ذلك أنه أبقى لولي القتيل حقه في طلب دم صاحبه؛ قال ~~تعالى: # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان ~~منصورا ~~(سورة الإسراء: آية 33)، ولا يشترط في هذا الولي أن ~~يكون ابن القتيل أو أخاه أو من ذوي قرباه، بل ربما كان شيخ القبيلة، أو ~~رئيس العشيرة، ومن ذلك حق «العقل»، وهو توزيع دية القتيل على القبيلة بسبب ~~الصلح أو القضاء، كما أن مستحقي حق العقل هم الذين يجب عليهم الدفع فيما لو ~~انعكست الآية، ومن ذلك بعض حقوق الميراث وحقوق أولي الأرحام واليتامى ~~والمساكين في الأسرة، وقد كانت للعصبية القبلية درجات يتلو بعضها بعضا، ~~فأولها العصبية للأسرة، ثم العصبية للقبيلة، ثم العصبية للأحلاف؛ أما ~~العصبية للأسرة: فقد رأينا بعض أحوالها فيما سبق، وأما العصبية للقبيلة ~~فتتجلى في أن أفراد القبيلة الواحدة تتضامن أمام القبائل الأخرى في الحروب ~~أو المصالح المشتركة، وتتعاون في المغانم والمغارم، وأما العصبية ms067 للأحلاف: ~~فهي أن يتعصب الفرد لأحلاف قبيلته، فيحارب معهم ويتعاون وإياهم ويتحمل تبعة ~~أعمالهم، ومن أمثلة ذلك ما يروى من أن بعض يهود المدينة كانوا أحلافا ~~للأوس وبعضهم كان أحلافا للخزرج، وكان كل فريق ينصر حليفه، وقد استمر هذا ~~إلى ما بعد الإسلام، وإليه الإشارة في الآية: # لا ~~يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في ~~شيء ~~(سورة آل عمران: آية 28)، وتحالف اليهود مع قريش ضد ~~النبي فكونوا حزبا واحدا مقابل الجبهة الإسلامية. # وقد كان لهذه الأحلاف والأحزاب طرق متبعة في عقدها وفي فسخها، ومما ~~يلحق بالعصبية القبلية عصبيات أخرى يمكننا إجمالها فيما يلي: عصبية الولاء، ~~وعصبية الجوار، وعصبية الأجيال، أما عصبية الولاء: فهي أن يلحق فرد أو بطن ~~أو فخذ أو قبيلة بقبيلة أخرى فيكونون مواليهم، ويقطعون صلاتهم بقبيلتهم ~~السابقة ، وليس هذا الولاء كولاء الرق والعبودية، ولكنه ولاء الاستنصار ~~والاعتزاز والتقوى، وقد كان لهؤلاء الموالي كافة الحقوق التي للقبيلة، وأما ~~عصبية الجوار: فهي أن يلتحق فرد أو بطن ضعيف بآخر قوي، ويستجير به، ويطلب ~~حمايته، ودفع الظلم عنه، فإذا قبل المستجار ذلك أعلنه في المواسم على ~~الأشهاد، وأصبح المستجير في حمى المجير كأنه فرد من أفراد عشيرته، ويظل ~~حق الجوار محفوظا إلى أن يتخلى المستجير عنه على الملأ، وأما عصبية ~~الأجيال: فهي التعصب للتقاليد والموروثات التي وصلت إلى الأخلاف عن ~~الأسلاف من أمور الدين والدنيا وتقاليدها، وقد تجلى هذا واضحا في عزوف ~~كثير من عرب الجاهلية عن الدعوة الإسلامية لبعض التقاليد الموروثة لا غير، ~~ولما قوي أمر الإسلام ودخل العرب في دين الله، وجاء نصر الله والفتح؛ أبقى ~~الرسول جزءا من هذه التقاليد التي كان يتعصب لها العرب؛ لتغلغلها في ~~النفوس من جهة، وعدم معارضتها للمبادئ الإسلامية الرئيسية كبعض تقاليد الحج ~~من رمي الجمار والطواف بين الصفا والمروة واستلام الحجر الأسود وتقبيله ~~والوقوف بعرفة، وذبح الضحايا والقرابين وتحريم لبس المخيط وتحريم الصيد، ~~ومن تقاليد الأجيال التي نص عليها الإسلام؛ حرمة الأشهر الحرم، والإبقاء ms068 ~~على الرضيعة، والتسري بالإماء بدون تحديد، والزواج بأربعة نساء. # ومما حرمته من تقاليد الأجيال: الزواج بامرأة الأب، والجمع بين الأختين، ~~والزنا، والسفاح، والمخادنة، وطواف العاري حول الكعبة، والذبح على الأنصاب ~~والأزلام، واعتزال النساء في المحيض، ودخول الرجال إلى بيوت النساء بدون ~~إذنهن، والتبرج وكشف الزينة لغير المحارم، والتبني. # أحوال الأسرة # كان الرجل هو القائم بأمر الأسرة، وصاحب المنزلة الممتازة فيها، والمسئول ~~عن أسباب الحياة والمعيشة والحماية لها، وهو الذي يعول الأهل والمحارم، ~~وهو المسئول عن حفظ كيان الأسرة، أما المرأة فهي ثانوية المكانة عليها ~~القيام بخدمة البيت وربه وأولاده، ولم تكن حالتها حسنة ولا حقوقها مصانة ~~إلا قليلا، وكانت مغبونة في المواريث والحقوق والمكانة، قال تعالى: # وقالوا ما في بطون هذه الأنعام ~~خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن ~~يكن ميتة فهم فيه شركاء ~~(سورة الأنعام: 139)، ~~وقال: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون ~~أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ~~(سورة النحل: 58-59)، وفي القرآن والشعر الجاهلي شواهد تبرهن عن سوء حالة ~~المرأة، وعلى وأد البنات، وحرمانهن حقوقهن في الحياة والمال والمكانة، على ~~أن هذا لا يمنع من بروز بعض النوابغ منهن ممن أوتين بسطة في العقل والجسم؛ ~~ففرضن احترامهن على الرجال ولمع اسمهن في البيئة العربية من الحكيمات ~~والشواعر والنبيلات. # وهناك أمور تتعلق بأحوال الأسرة في العصر الجاهلي، نجملها في النقاط ~~التالية: ~~(1) # الزواج والنكاح: كان للعرب ~~طرق للازدواج «منها»: أن يخطب أحدهم الفتاة إلى وليها، فإن ~~قبلوا به زوجوه على مهر مسمى، وهذا هو الطريق المتعارف، ~~وهو الذي أقره الإسلام، و«منها»: أن يقول الرجل لامرأته إذا ~~طهرت من حيضها: اذهبي إلى الشريف فلان واستبضعي منه، فتذهب ~~إليه ولا يقربها زوجها حتى يتبين أنها حملت، وإنما يفعل ذلك ~~رغبة في نجابة الولد، و«منها»: أن يجتمع الرهط دون العشرة ~~فيدخلون على المرأة، فإذا حملت ووضعت سمت من أحبت أن تلحق ~~ولدها به وتصبح له زوجا، و«منها»: أن ms069 يأتي الرجال بعض ذوات ~~الرايات - وهن البغايا - فإذا ولدت ذهبت إلى القائف فألحق ~~ولدها بالذي يراه شبيها بأبيه، و«منها»: أن يتبادل الرجلان ~~زوجتيهما، فيتنازل الواحد للثاني وتصبح زوجته، و«منها»: أن ~~يزوج الرجل ابنته أو أخته على أن يزوج أخته أو ابنته مقابل ذلك ~~بلا مهر، وهو المسمى: نكاح الشغار، # 32 # و«منها» نكاح المتعة؛ وهو زواج مؤجل ... وقد حرم ~~الإسلام هذه الأنكحة كلها، واعتبرها من الفواحش، وكان العرب في ~~الجاهلية يحرمون نكاح الأمهات والبنات والخالات والعمات، ~~وقد كانت للجاهليين أحوال في زواجهم «فمن ذلك»: التماس الأبكار ~~والشواب والأصيلات والجميلات، و«البعد» عن زواج الأقارب ~~الشديدات القرابة: # فمن لم تلده بنت عم قريبة # فيضوى وقد يضوى رذيل الأقارب ~~(2) # الطلاق والفراق: كانت عقدة ~~الزواج بيد الرجل، يمسك المرأة إن شاء ويسرحها متى شاء، ~~وكان بعض الأزواج يتخذون ذلك وسيلة إلى ابتزاز الأموال من ~~النساء والتنازل عن حقوقهم المفروضة، كما كان منهم من «يظاهر» ~~زوجته فيقول لها: أنت علي كظهر أمي؛ فتحرم عليه مجامعتها ~~ولكنها لا تطلق، ويظهر أنهم كانوا يفعلون ذلك إذا ولدت ~~المرأة بنتا، وأنهم لا يريدون أن تتزوج المرأة بعدهم برجل ~~آخر، ومنهم من كان «يهجر» زوجته إذا ما أتت بعمل لا يرضيه، ~~وكان من عادة عقلاء العرب وحكمائهم في الطلاق أن يجعلوه ثلاثا ~~متفرقات، ويقولون إن إسماعيل - عليه السلام - هو أول من فعل ~~ذلك، ومن عاداتهم في ذلك «الخلع»؛ وهو فراق الزوجة على مال ~~يأخذونه منها، وقد أقره الإسلام؛ لأنه من نوع من الشرط، ومن ~~عاداتهم «الإيلاء»؛ وهو الحلف على ترك قربانها مدة، قال ابن ~~عباس: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، فوقت الله لهم ~~أربعة أشهر فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء، # 33 # وكانت النساء في الجاهلية تعتد من الطلاق والموت، ~~وكن يبالغن في احترام حق الزوج القديم، وكانت المرأة إذا ~~مات زوجها تربصت سنة بشر ثيابها وحفش بيتها ولم تمس ~~طيبا ولا ماء ولا تقلم ظفرا ولا تزيل شعرا، وقد جعل ~~الإسلام العدة أربعة أشهر وعشرا، ومن ms070 العادات الذميمة التي ~~كان العرب في الجاهلية يفعلونها وحرمها الإسلام؛ أنهم كانوا ~~إذا قرب موعد عدة الطلاق «راجعوهن» لا عن حاجة ولا لمحبة؛ بل ~~لقصد تطويل مدة العدة، وتوسيع مدة الانتظار؛ إضرارا بهن، وكان ~~أحدهم يطلق أو يتزوج ثم يقول: عدلت عن هذا، أو إني كنت أمزح أو ~~ألعب، فحرم الإسلام ذلك، وفي الحديث النبوي: «ثلاث جدهن ~~جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة.» ومن عادات ~~أشرافهم أنهم كانوا يمنعون مطلقاتهم أن تتزوجن بعدهم من ~~آخر، وقد حرم الإسلام هذا الأمر إلا لنساء النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~(3) # البنوة: كان العرب في ~~الجاهلية يرعون حق البنوة؛ لأنه حق طبيعي بشري، قال قائلهم: ~~وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض، ولكنهم كانوا ~~يفضلون في الغالب الذكور على البنات، كما كان منهم من يقتلون ~~أولادهم ويئدون بناتهم خوف الفقر والعار، قال تعالى: # ولا تقتلوا أولادكم من ~~إملاق نحن نرزقكم وإياهم ~~(سورة الأنعام: 151)، وقال تعالى: # وإذا ~~الموءودة سئلت * بأي ذنب ~~قتلت ~~(سورة التكوير: 8-9)، وكان من عاداتهم ~~استرضاع أبنائهم في البوادي؛ ليتاح لأطفال المدن وأبناء ~~سراتها أن يعيشوا في جو البادية الصافي الصحيح الفصيح، قال ~~تعالى: # وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم ~~(سورة البقرة: 233)، كما كان من ~~عاداتهم أن لا يستعجلوا في فطم أبنائهم، قال تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة ~~(سورة البقرة: 233)، ومن عاداتهم: ~~التبني، وهو أن يستلحق الرجل ابن غيره بنسبه، فيصبح بمثابة ~~ابنه فيرثه ويعطى كافة الحقوق، وقد تبنى الرسول # صلى الله عليه وسلم # زيد بن حارثة فصار يدعى زيد بن محمد حتى قال الله: # وما جعل أدعياءكم أبناءكم ~~ ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول ~~الحق وهو يهدي السبيل * ادعوهم ~~لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم ~~تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم ~~(سورة الأحزاب: آية 4-5). ~~(4) # الميراث: لم يكن للعرب ~~نظام محدود في الميراث يعرف به صاحب كل سهم مقدار حصته؛ ~~فالزوجات والبنات والأخوات لم يكن لهن حق في الميراث تبعا ~~للقاعدة العامة في ms071 حقوق المرأة الجاهلية، وكان الأولاد هم أول ~~من يستولي على التركة، ثم الأجداد والأعمام وذوو القرابة ~~وأخيرا النساء، على أن وصية الميت كانت تلعب دورا خطيرا في ~~الأمر، وصاحب المال هو أحق الناس به يوزعه كيفما شاء، ولكن ~~الورثة قد لا يقيدون بالوصية، فيتصرفون كيفما يشاءون، ~~وسبب ذلك كله: هو عدم وجود الوازع الديني والقانوني، ونحن إذا ~~ما تتبعنا آيات الميراث في القرآن نخلص إلى ما ~~أسلفنا. # الحج # ذكرنا بعض شئون الحج في الفصل الخامس بالحياة الدينية، ونتوسع هنا في ~~بيان أحوال الحج، ومناسكه، وتقاليده؛ لأنها تتعلق بالحياة الاجتماعية ~~تعلقا قويا، لأن الحج لم يكن مقصورا على طائفة بعينها أو نحلة ~~مخصوصة؛ وإنما كان للعرب أجمعين على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، وكانوا ~~يتخذون موسمه فرصة للاجتماع والاتجار والتعارف والتشاور والتفاخر والتناصر ~~والتناصح وحل المشكلات، وكان العرب أجمعون يقصدون مكة يمارسون مناسك الحج، ~~ويشهدون منافع لهم مشاة ورجالة، نساء ورجالا، وكان لمكة وحرمها قدسية عامة ~~عندهم كما كان لأهلها مكانة خاصة عندهم؛ لمجاورتهم البيت الحرام، وكان ~~أهلها بالمقابل يحسنون إلى الحجاج، ويكرمونهم؛ لأنهم ضيوف الله، وكان ~~الحجاج يحرمون على أنفسهم أعمال الشر والفسوق والرفث والجدال في ~~الموسم، وكانت أشهر الحج هي: شهر شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، وقد ابتدع ~~العرب بدعة إنساء أشهر الحج؛ أي تأخيرها أو تحريم بعضها وتحليل بعضها؛ ~~فتارة يصبح شهر ذي القعدة مكان شهر ذي الحجة، وشهر ذي الحجة مكان المحرم، ~~والمحرم مكان صفر، أو يصبح شوال مكان ذي القعدة، وقد حارب الإسلام هذه ~~البدعة فقال: # إنما النسيء زيادة في ~~الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله ~~فيحلوا ما حرم الله ~~(سورة التوبة: آية 37). # وأجل شعائر الحج: الإحرام وخلع المخيط والوقوف في عرفة في اليوم التاسع ~~من ذي الحجة، وعرفة أرض منبسطة محاطة بجبال يقف فيها الناس يصلون ~~ويكبرون ويدعون الله سبحانه ويستغفرونه، ويخطبهم رئيس الموسم فيعلن ما ~~يريد إعلانه، وينسئ إذا أراد النسيء، # 34 # ثم يفيض الناس من عرفات إلى ms072 المزدلفة، ويظلون هناك إلى الفجر، ~~ثم يفيضون إلى منى، وهاتان الإفاضتان قد أبقاهما الإسلام، وكان الحمس ~~يرون لأنفسهم امتيازا على سائر الحجاج فلا يفيضون من حيث أفاض الناس، ~~ويكتفون بالوقوف بمزدلفة، وقد حرم الإسلام ذلك، وأمرهم بالإفاضة من حيث ~~أفاض الناس (سورة البقرة: آية 198-199). # ومن التقاليد الجاهلية التي أقرها الإسلام؛ رمي الجمرات بالحصى في منى ~~بعد الإفاضة من عرفات والمشعر الحرام، والجمرات هي ثلاثة أمكنة: الجمرة ~~الأولى، والجمرة الوسطى، وجمرة العقبة، ويجب على الحاج أن يرميها في ثلاثة ~~أيام، ففي كل يوم سبع حصي، ثم ينصرف من مكة إلى منى، وسبب ذلك فيما نقلوا: ~~أن إبراهيم - عليه السلام - فعله ليرمي الشيطان الذي جاء ليشوشه على ~~المناسك. # ومن أجل مناسك الحج: الطواف حول الكعبة في أوقات متعددة؛ منها طواف ~~القدوم أو التحية - والواجب على كل قادم إلى مكة أن يطوف حولها طواف التحية ~~سواء أكان في موسم الحج أو غيره، ويسمى طواف غير الموسم «العمرة» - ~~ومنها: الطواف قبل الوقوف بعرفة، ثم الطواف بعد ذلك، وهو دوران الحاج سبعة ~~أشواط حول الكعبة يبدأ كل شوط من ركن الحجر الأسود، فيستلم الحجر ثم يطوف ~~بها، و«الحجر» هو حجر من النوع الصواني اللامع، تذكر العرب أنه نزل من ~~السماء، وإذا أتم المرء أداء المناسك المشار إليها تحلل من إحرامه ~~بذبح هديه إلى الله تعالى، ثم يقص شعره، ويلبس المخيط، وأقر الإسلام ~~ذلك كله. # ومن تقاليد الحج: «الطواف» بين الصفا والمروة، وهما هضبتان قريبتان من ~~الكعبة تبتعدان عن بعضهما نحو أربعمائة متر، وكان للجاهليين عندها أصنام ~~يقربون لها القرابين عندهما، وقد أبقى الإسلام هذا الطواف، وعده من ~~شعائر الله. # ومن تقاليد الحج: «إهداء» البدن والهدي إلى الله، ومن تقاليده: «تحريم ~~الصيد» حالة الإحرام، وتحريم القتال في الأشهر الحرم، وهي رجب وذو القعدة ~~وذو الحجة والمحرم، والأشهر الثلاثة الأخيرة هي أوقات الحج، وأما رجب فهو ~~شهر مقدس عندهم، واسمه مشتق من الترجيب؛ أي من التقديس، وقد كان لهم فيه ~~عيد يحتفلون به، وكانت مضر أكثر ms073 العرب احتفالا به حتى سمي «رجب مضر»، ~~وقد أقر الإسلام هذه التقاليد، وحفظ لهذه الأشهر حرمتها. # وأرى قبل أن أنتقل من الكلام عن الحج أن أبين بإيجاز طقوس الحج ~~الإسلامي؛ ليتبين القارئ هل كانت ثمة فروق بين الحج في الجاهلية والحج في ~~الإسلام، قال المسلمون: إن الحج واجب في العمر مرة على كل مسلم أو مسلمة ~~حر بالغ صحيح مالك للنصاب، وله فروض وواجبات وآداب؛ أما فروضه، فهي: ~~الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيارة، وأما واجباته: فالوقوف بمزدلفة ~~والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار وطواف الصدر والحلق، وأما آدابه فما ~~عدا ذلك. وكل من يريد الحج عليه بالإحرام؛ وهو دخول الحرم المكي في الموسم، ~~ولبس إزار ورداء طاهرين غير مخيطين، وأن يتقي الرفث والفسوق والجدال ~~وقتل الصيد والتطيب وقلم الأظفار وقص الشعر، ويكثر التلبية وإذا دخل ~~مكة كبر وهلل واستقبل الحجر الأسود واستلمه ثم طاف طواف التحية، ثم ~~يصعد نحو الصفا ويدعو ربه، ثم يسعى نحو المروة فيصعدها ويدعو بفعل ذلك ~~سبع مرات، ثم يسكن بمكة محرما، ثم يطوف بالبيت نفلا متى شاء، وفي ثامن ~~ذي الحجة يخرج إلى منى فيمكث إلى فجر يوم عرفة، ثم يذهب إلى عرفة في اليوم ~~التاسع، وعند الغروب يأتي المزدلفة، فإذا أسفر الصبح أتى منى ورمى جمرة ~~العقبة بسبع حصوات، وكبر لكل حصاة، ثم حلق شعره، وحل له كل شيء إلا ~~النساء، ثم يطوف طواف الصدر فطواف الزيارة بعد طلوع فجر يوم النحر، وبه تحل ~~له النساء، ثم يأتي منى ويرمي الجمرات الثلاث بسبع حصوات بعد زوال ثاني ~~يوم من أيام النحر، ثم يأتي مكة فيطوف طواف الوداع، وهكذا ينتهي. # فأنت ترى أن الإسلام قد أبقى على كثير من التقاليد التي كان العرب ~~يفعلونها قبل الإسلام، وذلك مما توارثوه عن أبيهم إسماعيل، كما أنه ألغى ما ~~اخترعوه مما لا أصل ديني له. # القضاء # ليست لدينا معلومات وافرة ثابتة عن أحوال القضاء والخصومة لدى العرب في ~~العصر الذي سبق عصر النبي، وإنما نستطيع أن نفهم من ms074 بعض الأخبار المنشورة ~~في تاريخ الجاهلية القليل المضطرب، وشعرها، وبعض نصوص القرآن وحكاياته ~~لأحوال القوم قبل عصر الإسلام؛ أن الناس كانوا يتحاكمون في حل مشكلاتهم ~~القضائية والجنائية إلى قضاة سمتهم البيئة العربية إلى هذا المنصب؛ لما ~~امتازوا به من علم وعقل وحكمة وحنكة، وقد كان هؤلاء الحكام الحكماء يقضون ~~في القضايا الحقوقية والقضايا الاجتماعية من ميراث ونكاح وديون وديات ~~ودماء وأموال وأنساب ومفاخرات ومناظرات، وقد حفظ لنا التاريخ أسماء نفر من ~~قضاتهم وحكمائهم وحكيماتهم، أمثال: أكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة، وجمعة ~~بنت حابس، وخصيلة بنت عامر. # نظام الطبقات الاجتماعية # العرب ديمقراطيون لطبيعة البداوة، ولكن هذا لم يمنع من وجود نظام طبقي، ~~فهناك طبقة الأرقاء، وطبقة الموالي، وطبقة العامة، وطبقة الأشراف، وطبقة ~~الحمس، وطبقة الحكام، وطبقة الزعماء، أما الأرقاء: فهم العبيد والإماء ~~المسبيون أو المجلوبون، وكانوا يعاملون بقسوة، وقد أبقى الإسلام الرق، ~~ولكنه دعا إلى رحمته وفك رقبته، وأما الموالي: فهم طبقة من العرب ~~المستضعفين الذين التجئوا لبعض القبائل القوية كما أسلفنا، وأما العامة: ~~فهم سواد الأمة العربية كالرعاة والعمال والزراع، وأما الأشراف: فهم ~~الرؤساء والشيوخ والسراة، وقد كانت لهم الوجاهة على الطبقة العامة، ولهم ~~تمثيلها في النوادي والمجالس، ولهم الحقوق والمزايا التي توارثوها كابرا ~~عن كابر، وأما الحمس أو الأحماس: فهم رجال كانوا من أشرف القبائل العربية ~~توارثوا عن آبائهم بعض الخصائص الدينية، فترفعوا عن الناس في المواسم ~~الدينية في مكة والطائف في الطواف والإفاضة والإنساء، وأما طبقة الحكام: ~~فهم عقلاء القبائل وحكماؤها وقضاتها يدين الناس بفضلهم وعقلهم، ويخضعون ~~لحكوماتهم وأمرائهم، ويقدمون إليهم الهدايا والعطايا، وأما طبقة ~~الزعماء: فهم السادة الأعلون توارثوا زعامة قبائلهم، وفرضوا طاعتهم على ~~قبيلتهم وعلى أحلافهم، وذاع صيتهم في الجزيرة العربية. ~~(1-5) الحالة العقلية # مقدمة # إن معلوماتنا عن الحركات العقلية في «الجاهلية» هي معلومات ضئيلة لأسباب ~~كثيرة، «منها»: أنه لم يصلنا أي أثر مكتوب موثوق عن ذلك العصر، وعن مدارك ~~أهله في النواحي العقلية أو العلمية إلا الشعر وبعض الأقوال والحكم المنثورة ~~التي لا تغني ms075 كثيرا في هذا الباب، «ومنها»: أن كل من كتبوا عنه من المسلمين ~~أو أكثرهم صوروا ذلك العصر صورة قبيحة مغرقة في الجهالة؛ ليبينوا فضل ~~الإسلام، وعمق أثر الحركة الإسلامية، «ومنها»: أن دراسات علمية صحيحة تعتمد ~~على علوم الأركولوجيا والأتتوغرافيا والفيلولوجيا لم توجد بعد، «ومنها»: طول ~~العهد وامتزاج التاريخ العربي بالأساطير والخرافات، مما جعل تمييز الصحيح من ~~المدخول أمرا عسيرا، «ومنها»: أن كتابات المستشرقين كتابات لم تخل من الغرض ~~- ككتاب المسلمين - ولم يكتب من كتب منهم في هذا الموضوع إلا وهو مغرض، ~~وعلى رأسهم كاتبان: وغولدزبير وماسينيون وديمومبين وغيرهم من أعلام المستشرقين؛ ~~لهذا كله أرى أن القرآن هو خير ما يمكن الاعتماد عليه - الآن - في تبيين الحياة ~~العقلية قبل البعثة النبوية عند العرب قبل الإسلام، كما أرى أن نتريث الآن في ~~أحكامنا على تاريخ العرب قبل الإسلام إلى أن توجد الأدلة والبحوث الصحيحة، ~~ونكتفي الآن بدراسة القرآن والتنقيب داخل سطوره وتحتها، والاستعانة بما نقل ~~إلينا من شعر الجاهلية وشعر صدر الإسلام؛ لأنه قوي الارتباط «بالجاهلية»، معتمد ~~على ثقافتها، قائم بمقوماتها، وسيرى القارئ لهذا البحث أن أكثر الصور التي ~~صورها المؤرخون والباحثون «للجاهلية» هي صور مغلوطة خاطئة، وإن من الجناية على ~~الحقيقة والتاريخ أن نسمي هذا العصر «بالجاهلية»؛ لأنه بعيد كل البعد عن ~~«الجهل» و«الجهالة». # يذهب بعض الباحثين من المستشرقين مثل البروفسور كولذريهم في كتابه «العقيدة ~~والشريعة في الإسلام»، # 35 # ومثل «البرنس كابتاني» في كتابه «سني الإسلام»؛ # 36 # إلى أن نمو الإسلام وتكونه متأثران تأثرا عميقا ~~بالأفكار والآراء الهيلينية، وأن نظامه التشريعي متأثر بالفقه الروماني، وأن ~~تصوفه وفلسفته ليس إلا تمثلا لتيارات الأفكار الهندية والأفلاطونية ~~الحديثة، وأن الإسلام قد صهر ذلك كله، وأخرج للناس مجموعة أفكار نشرها بين ~~الناس باسم دين جديد. ويغالي كولدزيهر فيقول: إن تبشير النبي العربي ليس إلا ~~مزيجا منتخبا من معارف وآراء دينية عرفها أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر ~~اليهودية أو المسيحية وغيرها التي تأثر بها تأثرا عميقا، والتي رآها ~~جديرة بأن توقظ عاطفة دينية حقيقية عند بني ms076 وطنه ... لقد تأثر بهذه الأفكار ~~تأثرا وصل إلى أعماق نفسه، وأدرك بإيحاء قوته التأثرات الخارجية، فصارت ~~عقيدة انطوى عليها قلبه، كما صار يعتبر هذه التعاليم وحيا إلهيا، وأصبح - ~~بإخلاص - على يقين بأنه أداة لهذا الوحي. # 37 # ويقول المستشرق الفرنسي البارون كارا دي فو: «يرى المسلمون أن التشريع ~~الإسلامي - الفقه - ذو علاقة قوية بالدين، بل هم يذهبون إلى أنه جزء منه، وأن ~~الفقه مأخوذ كله من الوحي - أي القرآن - كسائر أجزاء الدين، ولما كان في القرآن ~~شيء من الإيجاز فقد عمدوا إلى توضيحه بالآثار - أي بسنة النبي والصحابة ~~والتابعين - هذه هي النظرية الأساسية، وبناء عليها ذكر الفقه في الكتب ~~الإسلامية على أنه بعد القرآن والآثار الإسلامية من غير إشارة إلى أصولها ~~الأجنبية قط. وهذه النظرية لا تثبت عند النقد، وإذا قرأ إنسان بعض آيات ~~الأحكام، ثم قرأ صحيفتين من أصل مبسوطات الفقه رأى الفرق الواضح بين الاثنين، ~~فذلك نص ساذج عليه مسحة البداوة، وهذا تحليل منطقي علمي دقيق عليه آثار ~~الثقافة، ذاك شبه مسودة جافة بالية قائمة في الصحراء، وهذا بحث ممحص ~~معقول متسق مع التطور المدني. هاتان هما حالتا الإسلام اللتان ينبغي ~~شرحهما، فمن أين جاءت قوانين القرآن؟ ومن أين جاءت قوانين الفقهاء؟ ... ولست أريد ~~أن أنكر - بادئ الرأي - طرافة القرآن، ولكني لا أرى مساغا من الإشارة إلى أن ~~تلك القوانين الفقهية متأثرة بالتلمود والقانون المسيحي، وقد تكون بقايا ~~العادات العربية القديمة قد وجدت لها منفذا في بعض الأحوال.» # 38 # وهناك أقوال لمستشرقين آخرين، أمثال: ديموين في كتابه: «النظم الإسلامية»، ~~وكولدزير في مقاله عن الفقه الإسلامي في دائرة المعارف الإسلامية، وساتتلانا ~~المستشرق الإيطالي في مشروعه للقانون المدني التونسي الذي وضعه سنة 1899، وفون ~~كرامر في «مباحثه الإسلامية» وواضح من هذه الأقوال أن روح التعصب المقيت السخيف ~~قد أملتها؛ لأن صلات النبي # صلى الله عليه وسلم # وصحابته - رضي الله عنهم - باليهود ~~والنصارى لم تكن صلات قوية بحيث يتدارس النبي وصحابته مع اليهود والنصارى، ~~ويفيدون منهم هذه الفوائد العقلية التي تجلى أمرها في ms077 القرآن والحديث ~~والآثار، ثم إن يهود الجزيرة ونصاراها كانوا يهودا مستعربين أو بداة، يعيشون ~~مثل معيشة العرب ويفكرون مثل تفكيرهم، ولم يكونوا أرقى منهم مستوى ولا أفضل ~~منهم درجة، وإذا قرأنا الشعر اليهودي العربي الذي خلفه يهود الجاهلية أو صدر ~~الإسلام نرى أنه شقيق الشعر العربي الذي قاله العرب في أفكاره وألفاظه ومعانيه، ~~وفي هذا دليل على أن القوم - من عرب ويهود بل ونصارى - كانوا على صعيد فكري ~~واحد، وإن تمسك اليهود والنصارى بدينهم ولم يكن تمسكا مشينا ولا معرفتهم ~~بدينهم إلا معرفة ضحلة، وإلا ظهر ذلك في أقوالهم وأشعارهم وحكمهم. # هذه مذاهب المستشرقين في تبيين العقلية العربية الإسلامية، ولم يفكر واحد ~~منهم بدراسة أوضاع العرب قبل الإسلام، والفحص عن حالتهم العقلية ومستواهم ~~الفكري، وإنه من المعقول جدا أن يتأثر النبي # صلى الله عليه وسلم # وكبار صحابته ببيئتهم ~~العربية قبل أن يتأثر بالبيئات الأجنبية الغريبة عنهم؛ لهذا كله نرى أن من ~~واجب الباحثين أن ينصرفوا إلى دراسة عصر ما قبل الإسلام؛ ليبينوا حقيقة ما كان ~~عليه القوم والدرجة الثقافية والعقلية التي كانوا عليها. إن أركان الدين ~~المحمدي هي خمسة: الشهادة بالتوحيد، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج. # أما التوحيد: فقد عرفه العرب في الجاهلية لا خاصتهم فحسب مثل: خالد بن ~~حسان العبسي الحكيم المتأله (40 ق.ه)، # 39 # وأكثم بن صيفي الواعظ الراشد (9ه) ... بل عامتهم، وليس هذا بالقول ~~العجيب؛ فإن الحقيقة التي جاء بها إبراهيم وابنه إسماعيل - عليهما السلام - ~~والنبي تقول بتوحيد الله، وتصفه بالكمال والجلال والقدرة، وغير ذلك من صفات ~~التنزيه؛ كانت معروفة بل وشائعة بين العرب، وإن الأصنام والأوثان والآلهة ~~المتعددة وما اخترعته عقول العرب ما كانت إلا لتقربهم إلى الله زلفى، و # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم ~~(سورة الزخرف: آية9)، و # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ~~ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ~~(سورة يونس: آية 18)، و # هو الذي يسيركم في ~~البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ~~بهم بريح طيبة ms078 وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف ~~وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين ~~(سورة يونس: آية ~~22). # ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ~~فأنى يؤفكون * الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء ~~عليم * ولئن سألتهم من نزل من ~~السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعقلون ~~(سورة العنكبوت: آية 61-63)، فهذه الآيات تدل على ~~إيمانهم بالله القوي الجبار الخالق الضار النافع الخالق الأعظم الرزاق، وأن هذه ~~الأصنام والتماثيل وسائط وشفعاء لديه. # وأما الصلاة فما هي إلا أدعية وحركات تعبدية مع التوجه إلى الكعبة، وقد ~~كانت للعرب قبل الإسلام صلوات ذات طقوس وحركات وأدعية كما تدل عليه الآية: # وما كان صلاتهم عند البيت إلا ~~مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون ~~(سورة الأنفال: آية 35)، قالوا: والمكاء هو التصفير ~~والتصدية هي التصفيق، وكلمة «الصلاة» في هذه الآية تعني أن العرب كانت لهم في ~~جاهليتهم صلاة ذات طقوس دينية معينة، وليس هذا صحيحا ما يقرره الفقهاء من أن ~~كلمة «الصلاة» كانت تعني في الجاهلية الدعاء وحسب وأنها خصصت في الإسلام ~~فقط لهذا النوع من العبادة، ثم إن ذكر المكاء والتصدية يفهم منه أنه كانت لهم ~~حركات وأنغام في صلواتهم، وليس هذا غريبا فقد أمر الله إبراهيم وإسماعيل - ~~عليهما السلام - أن يطهرا بيته للطائفين والعاكفين والركع السجود (سورة ~~البقرة: آية 125، وسورة الحج: آية 26)، فلعل بعض هذه الطقوس الصلاتية قد بقيت ~~عند عرب الجاهلية؛ بل تكاد تؤكد ذلك؛ لما روي من أن زيد بن عمرو بن نفيل أحد ~~العباد الموحدين الحنفاء في الجاهلية كان «يسجد» أمام الكعبة. # وأما الصوم: فهو الإمساك عن الطعام والشراب والحديث، وقد روينا سابقا أن ~~العرب في الجاهلية كانوا يصومون في العاشر من المحرم، ونصيف هنا ما رواه الإمام ~~الخازن في تقريره أن عائشة روت في حديث لها أن قريشا كانت تصوم في الجاهلية ~~يوم عاشوراء؛ ms079 أي اليوم العاشر من المحرم، وأنه كان يوم ستر الكعبة، وأن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يصومه كذلك قبيل بعثه، ويروي السيوطي أن أول من صام آدم - عليه ~~السلام - صام ثلاثة أيام في كل شهر، وعن ابن أبي حاتم عن الضحاك: أن الصوم ~~الأول صامه نوح فمن دونه حتى صامه النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه، وكان صومهم في ~~كل شهر ثلاثة أيام إلى العشاء، وهكذا صامه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # 40 # وأما الزكاة: فهي صدقة، وتعطى لبيت المال، كما تعطى للفقراء والأيتام ~~وأبناء السبيل بشرائط معينة، وقد كانت للعرب قبل الإسلام أنواع من الصدقات ~~يعطونها للفقراء أو الحكام، قال المجد الفيروز آبادي في القاموس: «مكس في ~~البيع إذا جبى مالا، والمكس: الظلم، ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في ~~الأسواق في الجاهلية، أو دراهم يأخذها المصدق بعد فراغه من الصدقة.» وقال ابن ~~الأثير في النهاية «في شرح قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه.» أي إن ~~وجدتم من يأخذ العشر على ما كان يأخذه أهل الجاهلية مقيما على دينه.» # 41 # وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن زيد أنه قال: سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «يا معشر العرب، احمدوا الله الذي وضع عنكم العشور.» وقال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «ليس على المسلم عشور، إنما على اليهود والنصارى.» # 42 # وفي هذا دليل على أن العرب في الجاهلية كانوا يدفعون جزءا من ~~أموالهم للحكام. # وأما الحج: فقد رأينا مفصلا ما كان عليه في الجاهلية، وما أخذه الإسلام ~~واستبقاه من طقوسه. # وبعد، فإذا كانت هذه حال أركان الإسلام الخمسة تبين ضعف نظرية هؤلاء ~~المستشرقين المغرضين الذين يريدون أن ينسبوا كل شيء جاء به الرسول العربي إلى ~~تقليد اليهود والنصارى، ومن كان من الأمم السالفة؛ ناسين أو متناسين أنه نشأ في ~~إقليم وتربى في بيئة، فيجب أن يظهر أثر إقليمه في تعاليمه، كما يجب أن يتجلى ~~طابع بيئته في طقوس ديانته، وليس في ms080 هذا ما يضر الدين الجديد، ولا يضع من مكانة ~~النبي الكريم، فإن لله سننا ونواميس لا تخالف. # بعد هذه المقدمة ننقل إلى بيان الحالة العقلية عند العرب قبل الإسلام، ~~فنقول: إن أبرز ما تتجلى فيه العقلية العربية هو الأمور الآتية: ~~(1) # الألوهية وما يتعلق بها: قد بينا مفصلا في المقدمة أنهم كانوا يؤمنون بإله قاهر نافع ضار، ~~ولكنهم كانوا «يشركون» به فيعبدون آلهة متعددة، شاركوا «الله الأعظم» في ~~ألوهيته وربوبيته، وقد اختلف العرب في هؤلاء الشركاء؛ فبعضهم جعلهم ~~«الملائكة»، وبعضهم جعلهم «الشياطين»، وبعضهم جعلهم «الشمس والقمر»، وبعضهم ~~جعلهم «الأصنام والتماثيل»، وبعضهم جعلهم غير ذلك، وقد جعلوا لهؤلاء ~~«الشركاء» أو «الأنداد» أو «الآلهة» ما لله سبحانه من صفات القدرة ~~والربوبية، وقد ذكر القرآن الكريم كثيرا من عقائد هؤلاء المشركين، وحمل ~~عليهم لهذا الاعتقاد السخيف، وأنذرهم بسوء العاقبة، ومما تجد الإشارة إليه ~~أن العرب لم يكونوا متساوين في شركهم، فقد كان للعقلاء والخاصة اعتقاد ~~يخالف اعتقاد العامة والبدو، فالأولون كانوا يعتقدون بأن الله هو المعبود ~~الأعظم، وأن شركاء من الأصنام أو المخلوقات الأخرى ليسوا إلا وسائل ووسائط ~~بينهم وبينه، وأن هؤلاء الشركاء ليسوا إلا أولياء أو شفعاء يشفعون له عنده، ~~ولا شك عندنا في أن لأهل الكتاب من اليهود والنصارى والبقايا الحنيفية ~~تأثيرا في إيجاد هذه العقيدة أو بعضها. أما العامة من سكان البادية ~~والحواضر فقد انحطت قواهم العقلية إلى درجة اعتقدوا معها أن هذه الأصنام ~~والتماثيل والمعبودات الأخرى من روحية ومادية هي التي تضر وتنفع، وهي التي ~~تمنع الشر وتمنح الخير، وهي التي تحيي وتميت، ومن أشهر هذه الأصنام «عم ~~أنسى» وكان لبني خولان، «وسعد» لبني ملكان، «والعزى» لقريش وكنانة، ~~«واللات» لثقيف بالطائف، «ومناة» بيثرب للأوس والخزرج، و«ذو الخلعة» لدوس ~~وخثعم وبجيلة، «والفلس» لطي، «وذو الكعبات» لبكر بن وائل، «وإساف ونائلة» ~~لقريش في الكعبة، «وهبل» وهو أعظم أصنام الكعبة لقريش جميعها ... # وهناك ~~أصنام أخرى غير هذه عددها ابن الكلبي، # 43 # وقال: إن أجل الأصنام مكانة عندهم؛ «مناة، واللات، والعزى»، ~~أما مناة فكانت ms081 منصوبة على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد بين المدينة ~~ومكة، ويليها في المكانة «اللات»، فكانت صخرة مربعة في الطائف، ثم «العزى»، ~~وهو أحدث الثلاثة، وهي شجرة بوادي نخلة على بعد تسعة أميال من مكة، وكانت ~~أعظم أصنام قريش ينذرون لها، ويذبحون عندها، # 44 # وهناك رواية تقول: إن هذه الأصنام الثلاثة كانت منصوبة في فناء الكعبة، # 45 # وكانوا يستفتحون عندها ويستقسمون بالأقداح لديها لحل مشاكلهم ~~أو الاستخارة وما إلى ذلك، ويظهر أن أكثر أصنام الكعبة حظوة في الاستخارة ~~هو «هبل»، # 46 # ويظهر أن العرب أخذوا - من أواسط القرن الخامس للميلاد حينما ~~قوي اتصالهم بأهل الكتاب - يتحسسون بحطة الوثنية المادية التي كانوا ~~عليها، ويحاولون السمو بأفكارهم إلى تنزيه الإله الأعظم، وقد كان «لليهود» ~~والنصارى وحنفاء العرب أثر فعلي في إيجاد هذه الروح، ويفهم من تتبع آي ~~القرآن وبعض الأحاديث النبوية والروايات والأخبار الجاهلية أن مجادلات ~~ومناقشات كانت تقوم بين العرب وأهل الكتاب، وأن شيئا من التبجح ~~والخيلاء كان يبدو من أهل الكتاب وبخاصة اليهود على العرب، وقد أثارت هذه ~~الأمور غيرة العرب وعزتهم، وأذلت فيهم روح الحماسة الدينية، وجعلتهم ~~يتطلعون إلى رسالة من السماء ترفع من قدرهم، وتعلمهم الكتاب: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ~~(سورة ~~البقرة: آية 129)، وقد كان اليهود يخبرون العرب بقرب بعثة نبي منهم، ~~ويقولون لهم إنه سيكون منهم نبي، ولكنهم أخذتهم العزة حين جاءهم على يد ~~محمد: # ولما جاءهم كتاب من عند الله ~~مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين ~~، وصفوة القول أن العرب في ~~جاهليتهم كانوا على مستوى عقلي رفيع، وبرهان ذلك ما رأيناه في نظرتهم إلى ~~الألوهية، وما سنراه في لغتهم الرفيعة وحكمتهم الموروثة وأشعارهم المتناقلة ~~وأمثالهم المتداولة. ~~(2) # تفوقهم اللغوي: إن من يدرس اللغة العربية بنحوها وصرفها واشتقاقها وعروضها وفنونها ~~البلاغية يرى أن القوم قد بلغوا درجة رفيعة في الرقي والمستوى ~~اللغوي. ms082 # اللغة العربية هي إحدى اللغات المعروفة باللغات السامية، وهي: الآشورية، ~~والبابلية، والكنعانية، والفينيقية، والسريانية، والآرامية، والعبرية، ~~والحميرية، والحبشية - وعلى الرغم من كون هذه اللغات توالدت من أم واحدة في ~~عصور متباعدة - أقدمها الآشورية والبابلية التي ترجع إلى الألف الثالث قبل ~~الميلاد، وأحدثها العربية التي ترجع إلى ما قبل القرن الثالث بعد الميلاد، ~~فإنها تختلف اختلافا كبيرا فيما بينها، كما أنها تختلف فصاحة ورقا، ~~ويظهر أن أرقى اللغات السامية وأفصحها وأوسعها هي اللغة العربية، وأن أقدم ~~النصوص العربية الفصيحة التي عثر عليها ترجع إلى الفترة التي تمتد من ~~القرن الثالث بعد الميلاد إلى القرن الخامس، وهذه النصوص هي الشعر الجاهلي ~~والحكم الجاهلية، ولكن من يدقق في هذه النصوص يجدها كاملة مهذبة ذات ~~نمو متسق وصرف منظم وقواعد عروضية وشعرية راقية، ولا شك في أن اللغة ~~العربية قد مرت بأطوار بعيدة العهد تطورت فيها، وتدرجت إلى هذا الكمال ~~الذي وجدناه في الشعر الجاهلي، ثم في القرآن، ومما يؤيد هذا أن المستندات ~~الكتابية الحجرية التي عثر عليها الأستاذ ليتمان # Littmann ~~- في جبل الصفا بحوران - والبرفسور وتسيتين # Wetzstein # قنصل ألمانيا في أواسط القرن ~~الماضي بالشام، # 47 # وهي نصوص تتعلق بتاريخ تلك البقعة وسكانها وأنسابهم وقبائلهم ~~وعقائدهم، وهي مكتوبة بلغة عربية قريبة جدا من الفصحى ومسطرة بحروف ~~الخط الصفوي المشتق من الخط السيئي في القرن الثاني والثالث بعد الميلاد، ~~والذين كتبوا هم قوم من القبائل العربية من إخوان الغساسنة، وأكثرها يتعلق ~~بأنسابهم وأعمالهم المجيدة وحياتهم وطريق رعيهم للإبل والماشية، وحروبهم مع ~~الرومان والفرس، كما أنها تضمنت كثيرا من عقائدهم الدينية وآرائهم في ~~الآلهة والملائكة والجن وما إلى ذلك، ولغة هذه النصوص عربية تشبه لغة الشعر ~~الجاهلي مع وجود بعض الاختلافات النحوية التي تجمع بينها وبين اللغات ~~السامية الأخرى، # 48 # ويظهر أن هذه النصوص هي صورة لما كانت عليه اللغة العربية في ~~هذه العصور، وأنها ما زالت تتطور وتترقى حتى بلغت تمامها في الشعر الجاهلي ~~أيام امرئ القيس ومن بعده، وهذا طبيعي فإن اللغة كسائر الكائنات ms083 الحية تمر ~~بأدوار كثيرة، ويدخلها كثير من أحوال الحياة من نشوء ونمو وارتقاء وتفرع ~~وانقسام، وإن أرقى عصور اللغة العربية كان في القرن السادس وفي الحجاز، فقد ~~ارتقت فيه اللغة، وزادت المفردات، واتسعت أخيلتها، ودخلها كثير من الألفاظ ~~الأجنبية مما اقتضته الحضارة العالمية والتقدم ونظام النشوء على النمط الذي ~~نراه في شعر المعلقات وغيرها من عيون الشعر الجاهلي الإسلامي. # ولما ظهر الإسلام اتسعت اللغة العربية لتعاليمه وسعة مصطلحاته ومعانيه، ~~وقد كانت هذه اللغة متحضرة في جزيرة العرب وجزيرة سيناء وديار الشام ~~وبادية الجزيرة وما بين النهرين، وقد كان لسكان هذه الديار الواسعة لهجات ~~ولهيجات تختلف قربا وبعدا عن اللغة الأم الفصيحة؛ فلهجات أواسط الجزيرة ~~كانت أفصح اللهجات لبعدها عن الأعاجم من فرس وأحباش وروم وقبط ونبط، ~~ويليها في الفصاحة لهجات عرب مشارف الشام، قال الأستاذ جرجي زيدان: «أكثر ~~سكان أواسط جزيرة العرب من قبائل مضر، وكانت أعظمها يومئذ «تميم» في شرقي ~~نجد وشمالها، و «غطفان» عبس وذبيان، و«سليم» وغيرهما في نجد، وأرقاها قريش ~~في مكة، وكان من القبائل القحطانية هناك طي في نجد، ومذحج في أطراف الحجاز، ~~وأكثر سكانها في الشمال من ربيعة، وفيهم «بكر» و«تغلب» في بادية العراق في ~~الجزيرة، فلغات هذه القبائل كانت تختلف بعضها عن بعض باختلاف أحوالها ~~ومساكنها، وكان الاختلاف على معظمه بين لغات اليمن ولغات الحجاز ونجد؛ أي ~~بين جنوب الجزيرة وشمالها، وأحسن مثال للغات الجنوبية ما خلفه الحميريون ~~من الآثار بالحرف المسند، وأحسن مثال للغة الحجاز لغة القرآن وشعر ~~الجاهلية، والفرق بين اللغتين كبير.» # 49 # ولا شك في أن الرقي اللغوي دليل على الرقي العقلي، ونحن إذا ~~دققنا لغة الشعر الجاهلي نجدها لغة ممتازة في نحوها وصرفها وأفكارها ودقة ~~تعبيرها. ~~(3) # مستواهم العلمي والأدبي: النظرية الشائعة لدى أكثر من كتب عن عرب الجاهلية هي وصفهم بالأمية، ~~وجهلهم الكتابة والقراءة، # 50 # وانحطاطهم العلمي، وقلة بضاعتهم في المعرفة؛ لأنهم كانوا بداة ~~جفاة أميين يعيشون في الصحراء، لا حضارة ولا مدنية عندهم، وغاية ما امتازوا ~~به هو إجادتهم ms084 في القول من شعر وخطابة، وبراعتهم في رصف الجمل المتناسقة، ~~والأسجاع الموفقة، وهذا الوصف على الرغم من تناقضه وتهافته لا يستند على ~~حقيقة، ولا يقوم أمام المناقشة؛ فلا يعقل أن يكونوا فصحاء شعراء إذا لم ~~يكونوا مثقفين كتابا ذوي مستوى علمي حسن، وتفكير منطقي معقول، وذوق فني ~~راق، أما أميتهم فوصف خاطئ لا ينطبق على الحقيقة، وتنقضه نصوص ~~موثوقة قديمة وأدلة علمية حديثة، أما النصوص العلمية القديمة: فأجلها ما في ~~القرآن الكريم من آيات كثيرة تذكر الكتاب والكتابة وأدوات الكتابة والصحف ~~والسجل والمداد والأقلام وما إليها مما يتعلق بالخط، حتى إن الأستاذ ~~العلامة محمد عزة دروزه قد أحصى كلمات الكتابة ومشتقاتها في القرآن ~~الكريم فوجدها أكثر من ثلاثمائة كلمة، كما أحصى كلمات القراءة ومشتقاتها ~~فوجدها نحو تسعين مرة ونيف بأساليب متنوعة، وقد علق الأستاذ العلامة على ~~هذا بقوله: «فورود هذه الآيات الكثيرة في القرآن تحتوي أسماء ووسائل وأدوات ~~القراءة والكتابة، وتحتفي بالقراءة والكتابة هذه الحفاوة الكبيرة؛ دليل ~~واهن على أن العرب في بيئة النبي # صلى الله عليه وسلم # وعصره قد عرفوا تلك الوسائل ~~والأدوات واستعملوها، وعلى أن القراءة والكتابة فيهم كانتا منتشرتين في ~~نطاق غير ضيق، فكثرة الترديد تدل على الألفة، وهذه لا تكون إلا حيث يكون ~~المألوف ذائعا ذيوعا غير يسير، وإذا لاحظنا أن أولى آيات القرآن هي ... # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * ~~اقرأ وربك الأكرم * الذي علم ~~بالقلم # بأسلوب يدل على حفاوة عظيمة، وأن ثانية آيات نزلت ~~بعدها على ما عليه كثير من الرواة هي آيات سورة القلم الأولى التي أقسم ~~الله فيها بالقلم والكتابة: # ن والقلم وما ~~يسطرون ~~، مما يدل كذلك على حفاوة بالغة ازداد قولنا قوة وتأييدا.» # 51 # فهذا يدلك على كثرة الكتاب بين الناس في صدر الإسلام، وأن ~~الأمر لم يكن كما ذهب إليه المؤرخون القدامى من أن كتاب مكة يوم جاء ~~الإسلام لم يتجاوزوا السبعة عشر. # وأما الأدلة العلمية الحديثة فقد بحثها ~~المستشرق المؤرخ الإيطالي البرنس كايثاني في الفصل الذي ms085 كتبه، نشأة الخط ~~العربي، وأثبت فيه بالأدلة المادية والاكتشافات النقشية والوثائق الخطية، ~~وبخاصة في الشام والجزيرة، أن الخط العربي قديم الوضع، وأن الكتابة كانت ~~رائجة في الجزيرة ومشارف الشام قبل البعثة النبوية بكثير، # 52 # ثم إن وجود الكتابيين بكثرة في الحجاز واليمن ومشارف الشام من ~~يهود ونصارى، وصلتهم القديمة بالعرب؛ يجعل العرب من متهودين ومتنصرين ~~يفيدون من إخوانهم وجيرانهم، فيتعلمون الكتابة والقراءة حتى الكتابة غير ~~العربية من عبرانية وسريانية ورومية، وقد أمر النبي # صلى الله عليه وسلم # كاتبه زيد بن ~~ثابت - رضي الله عنه - بتعلم العبرية، كما روى البخاري في صحيحه في كتاب ~~بدء الوحي أن ورقة بن نوفل كان قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب العبرانية، ~~ويظهر أن الكتاتيب كانت معروفة في الجاهلية في البدو كما كانت معروفة في ~~الحضر، فالمؤرخون يذكرون أن يوسف الثقفي أبا الحجاج كان معلم كتاب في الطائف، # 53 # ونقل السيد الكتاني عن الماوردي في أدب الدنيا والدين نقلا عن ~~ابن قتيبة : «أن العرب كانت تعظم قدر الخط، وتعده أجل نافع حتى قال ~~عكرمة: بلغ قراء أهل مكة أربعة آلاف، حتى إن الرجل ليغاوي على أنه يعلم ~~الخط لما هو مستقر في نفوسهم عن عظم خطره، وظهور نفعه وأثره، قال الله ~~لنبيه: # اقرأ وربك الأكرم * ~~الذي علم بالقلم ~~، فوصف نفسه بأنه علم بالقلم كما ~~وصف نفسه بالكرم، عد ذلك من نعمه العظام ومن آياته الجسام حتى أقسم به في ~~كتابه، فقال: # ن والقلم وما يسطرون ~~، فأقسم بالقلم ~~وما يخط بالقلم ...» هذا يبطل ما قاله ابن خلدون من جهلهم بالخط، فإن عكرمة ~~كان يتكلم عن مشاهدة، وابن خلدون قال ما قال عن تخمين، # 54 # ويشير السيد الكتاني بهذا إلى ما قاله ابن خلدون من أن الخط ~~والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية، وأن العرب كانوا بعيدين عنها؛ لأنهم ~~كانوا بداة بعيدين عن الحضارة غير مجيدين لها، شأن الصنائع إذا وقعت ~~بالبدو فلا تكون محكمة المذاهب ولا مائلة إلى الإتقان والتنميق # 55 # إلى آخر ذلك الكلام الطويل المبني ms086 على التخمين والزعم البعيد ~~عن التحقيق العلمي الصحيح. هذا وقد كان للنبي كتاب بلغ عددهم ما ينيف ~~على الأربعين، # 56 # وكان أكثرهم من الشبان المكيين والمدنيين، ولا شك في أنهم قد ~~تعلموا الخط والقراءة وما إليها في بعض كتاتيب البلدين، والكتاتيب كانت ~~معروفة في بلاد الشام ومصر والعراق قبل الإسلام، فلا غرابة إذا نقل ~~القريشيون ذلك عنهم في رحلاتهم التجارية، كما أن الجوالي النصرانية واليهود ~~في الجزيرة قد كانت تعلم أبناءها في مدارسها وكنائسها، وليس بعيدا أن ~~يكون جيرانهم العرب قد أفادوا ذلك منهم. # أما ما كان يعلم للأطفال في الكتاتيب فليست لنا به أية معرفة جازمة ~~به، ولم ترمز آثار إليه، ولكن بالقياس على ما كانت عليه الكتاتيب في العصر ~~الإسلامي نذهب إلى أنهم كانوا يتعلمون مع القراءة والكتابة شيئا من مبادئ ~~الحساب، ورواية الشعر القديم، والحكم المأثورة، وأخبار الماضين وقصصهم، ~~وأنساب العرب الأقدمين وأحوالهم. # 57 # بعد أن بينا أن الكتابة والقراءة كانتا منتشرتين انتشارا ملموسا في ~~الجاهلية في الحواضر ، وأن بعض أهل البادية كانوا قد ألموا بها بعض ~~الإلمام، وأن العرب كانت لهم في جاهليتهم كتاتيب يعلمون فيها أبناءهم؛ ~~ننتقل إلى بيان علوم العرب وثقافتهم، فنقول إنها كانت: # معرفة أخبار الماضين وأنسابهم من العرب والأعجميين # ففي القرآن والشعر الجاهلي وكتب الأخبار كثير من النصوص التي تعرفنا ~~شيئا عن معرفة أهل الجاهلية بأخبار الأمم الماضية، وبخاصة أخبار عرب ~~الجزيرة من ملوك اليمن وحضرموت ومدائن صالح وشبه جزيرة سيناء والأحقاف وعرب ~~العراق والشام وقصص الأنبياء والرسل وتواريخ الأمم والشعوب، وقد قص ~~القرآن من هذه المعلومات، وفصل في أخبارها وأحوالها وحضاراتها وغيرها، ~~والقصص القرآني التاريخي رائع بأسلوبه دال على سمو منزلة القصة عند ~~العرب، وقد احتوت كتب السيرة الشريفة والحديث النبوي والتفاسير كثيرا من ~~الروايات والقصص التفصيلية التي أجملها القرآن أو أشار إليها إشارات خفيفة، ~~على الرغم من أن بعضها قد وضع بعد الإسلام إلا من الكثرة الكاثرة التي ~~تشتمل عليها هذه الكتب؛ لتدل على أن العرب كانوا ملمين بهذه الأخبار ms087 ~~مطلعين على أحوالها وأمورها، وفي القرآن إشارات إلى معرفة العرب قبل ~~الإسلام بهذه الأخبار؛ ففي سورة هود آية (49) جاء ما يلي - بعد أن سرد ~~أخبار قصة نوح: # تلك من أنباء الغيب ~~نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من ~~قبل هذا ~~، وفي سورة يوسف آية (102): # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ أجمعوا أمرهم ~~، وقال ابن هشام في ~~السيرة: إن النضر بن الحارث كان ذهب إلى فارس وتعلم قصص إسفنديار ورستم، ثم ~~رجع إلى الحجاز وأخذ يقصها على الناس، # 58 # ويظهر أن العرب كانوا قد دونوا بعض هذه الأخبار والتواريخ ~~القديمة، ومن عبارة القرآن # أساطير الأولين ~~اكتتبها # و # إذا تتلى عليه ~~آياتنا قال أساطير الأولين # 59 # يفهم ذلك، وقال ابن هشام إن سويد بن صامت لقي النبي # صلى الله عليه وسلم # في موسم فدعاه إلى الإسلام، فأجابه: لعلك تدعو إلى ما في هذه المجلة، ثم ~~أخرج «مجلة لقمان» وعرضها عليه. # 60 # ومما يتعلق بهذا الباب من العلم أخبار العرب وحروبهم وأيامهم وفرسانهم ~~وأسماؤهم، ومن أشهر قصصهم المتوارثة قصص مأرب، وسيرة أصحاب الأخدود، وقصة ~~الفيل، وقصة ذي يزن الحميري، وقصة عمرو بن لحي صاحب عبادة الأصنام في ~~الجزيرة، وقصص عاد وثمود وبلقيس وما إليها، ومما يتعلق بهذا الباب أيضا: ~~أخبار أنساب العرب، وقد كان للناس بها عناية شديدة، منذ أقدم العصور ~~للتناصر والتفاخر، وكثر النسابون في الجاهلية، ولم تخل قبيلة أو بطن، أو ~~فخذ، أو فصيلة من عالم أو نسابة، ومن أشهر علماء النسب: عميرة أبو ضمضم، ~~وابن لسان الحمزة التميمي، وزيد بن الكيس النمري، والتمار بن أوس القضاعي، ~~وصعصعة بن صوحان، وعبد الله بن الحجر، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب. # 61 # معلومات جغرافية # كان للعرب في جاهليتهم رحلات وأسفار برية وبحرية يقوم بها الحجازيون ~~واليمانيون، وقد كانت رحلاتهم البرية تبدأ من اليمن إلى الشمال فمشارف ~~الشام ووادي الكنانة وديار الرافدين، ولا غرو في أنهم كانوا يعرفون دروب ~~هذه البلاد وطرقاتها كما كانوا يعرفون المعلومات الضرورية ms088 عن أحوال البلاد ~~التي يزورونها، ويدل سفر المسلمين حين ضاق عليهم الأمر في مكة في أول ~~الدعوة الإسلامية على أن الصلات كانت طيبة بين الجزيرة العربية وبلاد ~~الحبشة النصرانية، وأن هناك روابط تجارية كانت تربط بين البلدين، ثم إن هذه ~~الرحلات البحرية تقضي بأن يكون أصحابها عارفين بأحوال البحر مطلعين على ~~أمور الملاحة، فاهمين لأحوال الجو والرياح والأنواء. # معلومات فلكية وطبيعية # ذكر الأقدمون من المؤرخين أن العرب كانوا ذوي معرفة بأحوال النجوم ومنازل ~~الشمس والقمر والأفلاك وحركاتها والاهتداء بها في البر والبحر والأسفار ~~الليلية والنهارية، كما ذكروا أنهم كانوا ملمين بالأحوال الجوية ومهاب ~~الرياح، وكانوا ينسبون ذلك إلى طلوع بعض الكواكب وغروبها، ويسمون هذا «علم ~~الأنواء»، وكانوا يعتقدون أن الأنواء أو النجوم التي تسبب الأمطار والرياح ~~والحر والبرد هي «28» نجما، ولكل واحد اسم، في الشعر الجاهلي والأمثال ~~والخرافات المتوارثة عن الجاهلية شيء كثير عن معلوماتهم بأحوال الجو ~~والفلك والفصول، ولا ريب في أن كثيرا من معلوماتهم الفلكية والجوية قد ~~استفادوه من الأقوام الذين رحلوا إليهم من كلدان وصابئة، وقد أخذ العرب ~~أسماء النجوم والشمس والقمر واصطلاحاتها ومنازلها من الكلدانيين، # 62 # وفي القرآن الكريم كثير من الآيات التي تدل على هذا ~~العلم. # الطب والبيطرة والصيدلة # كانت للعرب معارف طبية توارثوها عن أسلافهم أو اقتبسوها من جيرانهم ~~وبخاصة الكلدان، أو اهتدوا إليها بتجاربهم، والطب العربي ذو شقين؛ شق يعتمد ~~على العقاقير والأشربة والمداواة المادية من حجامة وفصد أو كي وقطع وبتر ~~وجراحة، والشق الآخر: يعتمد على الرقى والعزائم والتمائم، ومن أشهر ~~أطبائهم: لقمان الحكيم، وقصصه وأخباره أقرب إلى الخرافة منها إلى الحقيقة ~~حتى أدرك زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # فكان يوصي من مرض أن يستوصفه، ومن ~~الجراحين المشهورين: ابن أبي رومية التميمي. وأما البيطرة والبيزرة فقد ~~برعوا فيها، ونبغ فيها جماعة من أطباء الحيوان والطير أمثال العاص بن وائل، ~~وكذلك علم الصيدلة؛ وهو من متعلقات الطب، وقد تفننوا في معرفة العقار ~~العربي، كما عرفوا الحشائش التي تنبت في بلادهم وفوائد كل ms089 حشيشة مع الخصائص ~~لكل نبات، وفي كتب الطب القديم والحيوان والأدب أخبار منثورة كثيرة عن ~~معرفة العرب بالعقاقير والنبات والمفردات الطبية، وأجمع كتاب فيها «مفردات» ~~ابن البيطار الأندلسي المغربي. # علوم الأدب # من نثر وشعر وقصص وأمثال وخطب وغير ذلك مما كانوا يلقونه في المجامع ~~والأسواق والمسامرات من الأخبار والأشعار، وقد تفنن العرب في هذا كثيرا، ~~وليس هاهنا مجال القول فيه. # الكهانة والسحر والعرافة # فالكهانة: هي البحث في أمور المستقبل والتنبؤ، والعرافة: ادعاء علم ~~الماضي وكشفه، والسحر: هو تخييل الأشياء على غير حقيقتها، والتظاهر بخلق ~~الخوارق، أما الكهانة والعرافة فقد كانتا فاشيتين في البيئة العربية منذ ~~زمن سحيق، وقد كان العرب ينظرون إلى الكاهن والعارفة نظرات تقدير واحترام ~~زائدين، وكانوا يفزعون إليهما لحل مشاكلهما الروحية والنفسانية ولتعبير ~~الرؤى، وكان للكهان والكواهن سجع يرددونه في جلساتهم، فبعضه حلو مقبول ~~وبعضه سخيف مرذول يوهمون به الناس حين يدسون فيه بعض الكلمات الغريبة ~~والألفاظ الواسعة المعنى، # 63 # وكان الكاهن والعارفة العربي يقابل الحبر اليهودي والراهب ~~النصراني، ومن أقدمهم: شق وسطيع وخنافر بن التوأم الحميري وسواد بن ~~قارب. # وأما السحر فكان أمره أقل فشوا من الكهانة، وكان العرب يزعمون أن بين ~~السحرة والشياطين صلات روحية، وأن الساحر قادر على أشياء خارقة، وكان بعض ~~اليهود في الحجاز يتعاطى هذه المهنة، ويقوم بعقد العقد، والنفث عليها، ~~وتلاوة بعض الكلمات السرية أو الغريبة المعاني. # القيافة والفراسة والريافة # فالقيافة: هي تتبع الآثار والاستدلال منها على الأعيان، وهي نوعان: قيافة ~~الأثر، وقيافة البشر، وقيافة الأثر: هي آثار الأقدام والحوافر والأخفاف ~~للاستدلال عليها، وقيافة البشر: هي الاستدلال بهيئات أعضاء الشخص على ~~المشاركة والاتحاد بينهما في النسب، والفراسة: هي الاستدلال بهيئة الشخص ~~وأشكاله وأقواله وحركاته وأعضائه على أخلاقه ومناقبه، ولا شك في أن الذكاء ~~الفطري والسياحة تلعبان دورا كبيرا في هذه المعرفة، وأما الريافة: فهي ~~الاستدلال من تراب الأرض وأعشابها على المياه الجوانية وأمكنتها ~~فيها. # معرفة اللغات الأجنبية # كانت بعض اللغات الأجنبية من كلدانية وسريانية وعبرانية ورومية وحبشية ~~وفارسية معروفة لدى العرب ms090 في عصر النبي، وقد أوصى صحابته بتعلمها للترجمة ~~والكتابة بها إلى أصحابها، ويظهر أن هذه اللغات كانت منتشرة بين النصارى ~~واليهود والصابئة المقيمين بين ظهراني العرب، أو عند العرب الذين اعتنقوا ~~تلك الديانات؛ لأن كتبهم الدينية كانت غير مترجمة إلى العربية. # 64 # ثم إن الرحلات إلى فارس والحبشة والشام وبلاد آشور دفعت العرب ~~إلى تعلم هذه اللغات؛ للتفاهم مع أهلها، وقد ظهر أثر هذه اللغات من ~~آشورية وآرامية وحبشية وقبطية وفارسية ورومية في بعض مفردات الشعر الجاهلي ~~والحديث النبوي والقرآن الكريم. # | الفصل الثانى # في المبعث النبوي ~~(1) في البيئة النبوية ومولده وطفولته # صلى الله عليه وسلم # كان عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف (127ق.م.) من أشرف بني قومه، وأجلهم قدرا، ~~وكانت إليه السقاية والرفادة؛ وهي أعظم وظائف الحرم المكي مكانة، وما زالت مكانته ~~تنبل في قومه وفي العرب أجمعين حتى لم يعدل به أحد منهم، وهو الذي كشف عن بئر زمزم، بئر إسماعيل، واستخرج ما كان مدفونا فيها؛ ~~وهي: غزلان من ذهب كانت قد دفنتها جرهم حين أخرجت من مكة، وأسياف قلعية ~~نفيسة، وأدراع ثمينة القيمة، فجعل من الأسياف بابا للكعبة، وجعل الغزالين صفائح ~~ذهبية كسى بها باب الكعبة، # 1 # وهو الذي خذل الله على يديه أبرهة الأشرم، ودمر أصحاب الفيل، فازداد ~~قدره لدى العرب أجمعين، وكان عبد المطلب مثل أبيه جوادا كريما؛ فقديما سمى ~~العرب أباه هاشما؛ لهشمه الثريد لهم، وإطعامهم إياه في سنوات القحط، ولم يكن عبد ~~المطلب أقل من أبيه سماحة يد ورجاحة عقل وشرف نفس وعلو مكانة. # كانت قريش بيضة فتفلقت # فالمح خالصة لعبد مناف # وكان لعبد المطلب عشرة بنين وعشرة بنات؛ هم: العباس، وحمزة، وعبد الله، وأبو طالب، ~~والزبير، والحارث، وحجل، والمقوم، وضرار، وعبد العزي، وأبو لهب (2ه)، وحنيفة، ~~وأم حكيم البيضاء وعاتكة، وأمية، ووبرة، وكلهم نبيل وجيه لم يؤثر عنه ما يشينه ولا ~~ما يحط قدره، حتى أبو لهب الذي كان يكره محمدا فقد كان من الأشراف الشجعان ~~والكرماء الباذلين والأقوياء المعتزين بمكانتهم ونبلهم، ms091 ولذلك عز عليه أن ~~يغير دينه ويتبع دين ابن أخيه، فعارضه إلى أن قتل بعد وقعة بدر بأيام، ولا بد ~~لنا من وقفة أمام أعمام النبي الآخرين؛ لنبين مكانتهم، وشرف نفوسهم، والبيئة ~~الطيبة التي كانوا فيها. # فالعباس (51ق.ه/32ه) وصفه النبي بقوله: أجود قريش كفا وأوصلها رحما، هذا بقية ~~آبائي، وكان من الأجواد المحسنين، سديد الرأي، واسع العقل، مغرى بإعتاق العبيد، ~~كارها للرق؛ اشترى ثمانين عبدا ورقيقة فأعتقهم، وهو الذي تولى سقاية الحجاج ~~ورفادة البيت بعد أبيه، كما أنه كان يتولى عمارة البيت؛ وهي أن لا يدع أحدا يسب ~~آخر في المسجد الحرام أو يقول هجرا. أسلم في السنوات الأولى من الدعوة، وكتم ~~إسلامه، وأقام بمكة يكتب للنبي أخبار المشركين. # وحمزة (54ق.ه/3ه) هو صنديد قريش وسيدها الجواد القوي النبيل، ولما ظهر الإسلام ~~تردد في الدخول فيه، ثم علم أن أبا جهل بن هشام قد أخذ يتعرض للنبي وينال منه، ~~فقصده وضربه، وأعلن إسلامه، فقالت الناس: اليوم عز محمد وإن حمزة سيمنعه، وكفوا ~~عن الإساءة للمسلمين. # وأبو طالب - واسمه عبد مناف - (3ق.ه )، وكان من أبطال قريش ورؤسائهم وخطبائهم ~~وفصحائهم وعقلائهم وآبائهم، وكان يعيش من التجارة، وهو الذي ربى النبي وحماه، له ~~أياد بيض على الإسلام. # والزبير: كان أكبر أعمامه، وكان وجيها نبيلا فصيحا، رووا أنه كان يرقص النبي ~~في طفولته، ومما كان يقوله له: # محمد بن عيدم عشت بعيش النعم # في دولة ومغنم دام سجيس الأزم # 2 # والحارث: كان أول ولد ولد لعبد المطلب، ولكنه هلك صغيرا. # وحجل: وكان يسمى المغيرة، وقيل مصعب، ويلقب بالغيداق؛ لكثرة خيره وسعة ماله، ~~وكان أجود قريش وأكثرها طعاما ومالا. # المقوم: وكان من وجوههم وعقلائهم وفصحائهم. # ضرار: وكان فتى قريش وأكثرها نبلا وكرما. # ولم يسلم من أعمامه سوى الحمزة والعباس، # 3 # وأما بنات عبد المطلب فكن عفيفات شريفات فاضلات شاعرات شجاعات؛ # 4 # أسلمت منهن صفية أم الزبير، وشهدت وقعة الخندق، وقتلت رجلا من اليهود، ~~وضرب لها النبي بسهم. # 5 # هؤلاء هم أبناء عبد المطلب وبناته، ولم يكن ms092 فيهم إلا الجواد الشجاع الفاضل، ~~وأما عبد الله أبو النبي فكان من أنجب أولاده وأحبهم إليه؛ لعقله وأدبه، والرواة ~~يذكرون أن عبد المطلب لما رأى ضيق أهل مكة بقلة الماء أخذ يفتش عن موضع زمزم ~~الذي طمره عمرو بن الحارث الجرهمي؛ لما اضطر إلى مغادرة مكة فارا إلى اليمن، فلما ~~بلغ يسر الله على يديه الكشف عن موضع زمزم، وحفرها، واستخرج كنوز ~~الكعبة. # نذر لئن جاءه عشرة بنين فليذبحن أحدهم لله قربانا، حتى إذا تكامل بنوه عشرا أتى ~~هبل في جوف الكعبة ومعه أولاده، ثم أعطى كل واحد قدحا - وهو سهم بلا نصل - وكتب ~~كل اسمه على سهمه، ثم أخذ عبد المطلب القداح وأعطاها إلى قيم الكعبة؛ ليضرب بها ~~عند هبل، فضربها القيم فخرج على عبد الله، فقبض أبوه على يده، وأخذ الشفرة، وأقبل ~~إلى إساف ونائلة بين الصفا والمروة؛ لينحره حيث تنحر النسائك، فقام إليه سادة قريش ~~وقالوا لا تذبحه، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه وتكون سنة، ~~وأشارت عليه الكاهنة بخيبر أن يقرع بين ابنه وبين ما يدفعون دية للواحد منهم من ~~الإبل وهو عشرة، فقالت له: ارجع إلى بلدك وقرب ولدك، ثم قرب عشرة من الإبل، ثم اضرب ~~عليه وعليها قدحا، فإن خرجت على صاحبه فزد في الإبل، ثم اضرب ثانية، وهكذا حتى ~~يرضى ربك، فإذا خرجت على الإبل فانحرها فقد رضي ربك وتخلص ابنك، وضرب بالقداح إلى ~~أن بلغت الإبل مائة فنحرها # 6 # وازداد تعلقه بابنه الحبيب، ولما جاء أبرهة إلى الكعبة بفيله ورده الله ~~ابتهج عبد المطلب أعظم الابتهاج، واهتبل ذلك الحين فرصة للاحتفال بزواج ابنه ~~الحبيب، فأخذ يختار له النساء حتى أتى وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهو يومئذ سيد بني ~~زهرة نسبا وشرفا، فخطب إليه وتزوج عبد الله آمنة ابنة وهب، وهي يومئذ أفضل نساء ~~عصرها حسبا وموضعا، وكان ذلك في المدينة في آب (570 للميلاد) وهي السنة المعروفة ~~بعام الفيل، ولكن عبد الله لم يلبث طويلا بعد زواجه، ms093 وقد اختلفت الروايات في ذلك؛ ~~فقيل إنه بعد شهرين، وقيل إنه مات بعد سبعة أشهر، وقيل: غير ذلك، # 7 # ومهما يكن من شيء فإن السيدة آمنة وضعت طفلها صبيحة يوم الاثنين التاسع ~~من ربيع الأول المصادف لليوم العشرين من نيسان (571)، فلما وضعته أمه أرسلت إلى جده ~~أن قد ولدت لك غلاما فأته فانظر إليه، فأتاه ونظر إليه فأخذه ودخل به الكعبة، ~~فقام يدعو الله ويشكره على ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، وسماه ~~محمدا، ثم استرضعه في بني سعد، وأعطاه لحليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، فأحبته ~~وعنيت به، وكانت تلاعبه وترقصه، ومن مأثور قولها فيه: # يارب إذ أعطيته فأبقه # وأعله إلى العلا وأرقه # وادحض أباطيل العدى بحقه # 8 # فلما مضت عليه سنتان جاءت به حليمة إلى أمه، فقالت لها: لو تركت ابني حتى يغلظ، ~~فأنا أخشى عليه وباء مكة، ولم تزل بها حتى ردته معها، فرجعت به وبقي عندها إلى أن ~~بلغ خمس سنوات وشهرا، # 9 # قال حليمة: وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، # 10 # ولما بلغ ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة ~~تزورهم ومعه أم أيمن حاضنته، فنزلت به «دار التبابعة» فأقامت به عندهم شهرا ثم ~~رجعت به، فلما كانت في طريقها إلى مكة هلكت بالأبواء، فكفله جده ورعاه، وهذبه ~~أحسن تهذيب، ولما أحس بدنو أجله - وكان لمحمد ثماني أعوام - أوصى أبناءه ~~به، وبخاصة أبا طالب، ومما قال في وصيته: # أوصيك يا عبد مناف بعدي # بمؤتم بعد أبيه فرد # فأرقه وهو ضجيع المهد # 11 # ولما مات عبد المطلب في السنة الثامنة لعام الفيل ارتجت مكة لفقده، وأكثر ~~الشعراء من رثائه وتعديد مناقبه، وفدح المصاب بفقده، # 12 # وأجمع أبناؤه ووجوه قريش على إسناد السقاية، وهي أجل رئاسات قريش، إلى ~~ابنه العباس، وهو يومئذ أحدث أبنائه، كما عهدوا بكفالة ابن أخيهم عبد الله إلى ~~أخيهم أبي طالب، فتولى أمر تربية محمد وتهذيبه والعطف عليه حتى ألفه محمد، ~~وأصبح لا يطيق مفارقته، ويذكر ms094 الرواة أن أبا طالب أراد في السنة التاسعة لعام الفيل ~~أن يخرج للاكتساب والتجارة، وأحس محمد بأن عمه وكافله يريد أن يبتعد عنه، فتعلق به ~~وألح عليه في الذهاب معه؛ فأخذه في رحلة الشام، ويقال إن الركب لما بلغ بصرى ~~الشام، ونزلوا بصرى بقرب صومعة راهب اسمه بحيرا رأى محمدا، فتوسم فيه الخير، ~~ودعا له، وأوصى عمه به، # 13 # فاشتد حرص أبي طالب على ابن أخيه، وأصبح لا يفارقه إلى أن عاد من ~~رحلته، وكان محمد يشب ويترعرع وهو متخلق بأفضل الأخلاق متصف بأنبل السجايا بعيد ~~عن أوضار الجاهلية، ويجمع الرواة والمؤرخون على أنه اشترك في هذه الفترة من عمره ~~بحادثتين؛ «أولاهما»: شهود حلف الفضول الذي عقدته قريش بينها على نصرة كل مظلوم ~~بمكة. «وثانيهما»: خروجه مع أعمامه في حرب الفجار التي وقعت بين قبائل قريش وكنانة ~~وبين قيس وعيلان، # 14 # وقد كان محمد يذكر حرب الفجار ويقول: «كنت أنبل على أعمامي.» أي: إنه ~~كان يرد عنهم سهام الأعداء، كما كان يذكر حلف الفضول، ويقول: «لقد شهدت في دار ~~عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إليه في الإسلام ~~لأجبت.» أي لما كان عليه ذلك الحلف من المبادئ الإنسانية السامية والأخلاق ~~الرصينة. # وبعد، فهذه لمحة عن بيئة محمد، وشيء عن طفولته، وهي كما ترى بيئة رفيعة رضية، ~~وطفولة طاهرة مرضية. ~~(2) في سيرة محمد # صلى الله عليه وسلم # قبل البعثة # نشأ الطفل النبيل محمد في تلك البيئة النبيلة متحليا بالأخلاق الفاضلة، ~~والسجايا العربية الشريفة والمزايا القدسية الحسنة، فلما أدرك سن البلوغ ظهرت ~~كمالاته، ففحص ما حوله، ودقق فيما كان عليه قومه، فرأى بعقله السديد أن العرب في ~~جهالة جهلاء، وأنهم قد ابتعدوا عن الدين الحنيفي القويم، وسلكوا مسالك الزيغ ~~والضلال؛ بما أشركوا مع الله وما أفسدوا من شعائر دين الله، على أنه قد رأى فيما ~~كان عليه آباؤه من حلم ونبل وأخلاق وعقل؛ شيئا من ديانة إبراهيم وابنه إسماعيل، ~~فأعجبته وتمسك بها. # ثم رأى ms095 أن في العرب من سكان الحجاز نفرا قد نفروا عن الإشراك بالله، وتخلوا عن ~~التقاليد الوثنية إما إلى النصرانية أو اليهودية أو إلى الحنيفية، فأعجبه ذلك، وأخذ ~~يلتمس الحنيفية، ويبحث عن الطريق السوي، ولكنا لا نعرف بوجه يقين ما كانت عليه ~~حقيقة أمره في تلك الفترة من حياته، وعلى أن هناك بعض آيات قرآنية نستطيع أن نفهم ~~منها ما كانت عليه نفسه في تلك الفترات من عمره من التفتيش عن دين الله والاهتداء ~~إلى الصراط المستقيم، كقوله تعالى: # قل إنني هداني ~~ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين * قل إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين ~~(سورة الأنعام: 161-163)، ولم يكن عمل محمد هذا بدعا، ~~فقد تواردت الأخبار في القرآن والسنة والشعر الجاهلي وكتب السيرة عن جماعات من ~~العرب في مكة ويثرب والطائف وسائر الحجاز والجزيرة تخلوا عن الشرك وقدسوا الله ~~ووحدوه، واتبعوا ما بقي من ديانة إبراهيم أو ما ظنوه من بقايا ديانة إبراهيم: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ~~ولم يك من المشركين * شاكرا لأنعمه ~~اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم * ~~وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين * ثم أوحينا إليك أن اتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~(سورة النحل: آية: 120-123). # ولم نعثر فيما بين أيدينا من نصوص قرآنية وتاريخية وشعرية على شيء يبين كيف كان ~~يتعبد محمد، أو كيف كان يقضي أوقاته في التحنث، فهل كان يمارس الطقوس الدينية ~~التي كان يمارسها العرب من السجود أمام الكعبة أو القيام بطقوس الحج أو ما إلى ذلك؟ ~~وهل كان يجاري قومه في القيام ببعض الشعائر الدينية الأخرى مما عرفناه سابقا! الحق ~~أن معلوماتنا في هذا الصدد قليلة جدا، ولا نرى ما رآه الأستاذ عزة دروزة في كتابه ~~القيم «سيرة الرسول» حيث يقول: «أن ليس في القرآن ما يمكن الاستدلال به على كيفية ~~تعبد النبي # صلى الله عليه وسلم # لربه ms096 قبل البعثة، ولقد استدللنا في كتابنا «عصر النبي» ~~وبيئته قبل البعثة # صلى الله عليه وسلم # على أن أهل هذه البيئة من العرب كانوا يعرفون أن الصلاة ~~مظهر من مظاهر العبادة لله أو إلههم، وأنهم كانوا يقومون بصلاة تعبدية، وأن حالات ~~الركوع والسجود كانت معروفة وممارسة ككيفيات تعبدية عند العرب والكتابيين، ~~وعند العرب أمام الكعبة بنوع خاص، وبناء على هذا فإننا نستطيع أن نقرر أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يعرف هذه الكيفيات، وأنه كان يمارسها جهرا عند الكعبة وفي صلواته ~~كعمليات تعبدية قبل بعثته لله وحده.» # 15 # ولا أدري حجة الأستاذ في هذا القول، فإن أحدا ممن كتب في سيرة الرسول ~~من القدامى الموثوق بأقوالهم لم يذكر شيئا من كيفية تعبد محمد قبل البعثة، ~~والقرآن الكريم على الرغم من تقصيه لأحوال النبي لم يشر إلى شيء من هذا القبيل ~~كما رأينا، وإنما ذكر أنه كان يتطلب الهداية من ربه إلى أن هداه إلى الصراط ~~المستقيم دين أبيه إبراهيم، على أنهم رووا أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء، وأن ~~النبي كان يصومه، وهو يوم تجديد أستار الكعبة. # وهنا أمور لابد من الإشارة إليها، وهي تتعلق بمعرفة النبي القراءة والكتابة، ~~وبعلمه وثقافته واطلاعه على ديانات الأقدمين، وما إلى ذلك. ~~(2-1) كتابة النبي وأميته # يذهب جمهور المسلمين من علماء دين ومؤرخين إلى وصف النبي بالأمية، ونفي ~~اكتسابه العلوم، وتوكيد ذلك، والإصرار عليه تصحيحا لجلال نبوته، وتفخيما ~~لحركته؛ ظنا منهم أن أمية النبي وجهله للكتابة والقراءة يرفع من قدره، وأن ~~القول بكتابته يحط من قدره، وسنعرض فيما يلي لبيان هذا الأمر حسبما توصلنا ~~إليه. # يستند القائلون «بأمية النبي» # صلى الله عليه وسلم # على الآية القائلة: # وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا ~~تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ~~(سورة ~~العنكبوت: آية 48)، والآية القائلة: # وقالوا أساطير ~~الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة ~~وأصيلا ~~(سورة الفرقان: آية 5)، أما الآية الأولى فهي في أن ~~النبي كان قبل البعثة النبوية لا يقرأ ولا يخط، وأما الآية الثانية ms097 فتقول ~~كذلك بأميته وأنه كان يستكتب بعض القصص، وأنها كانت تملى عليه فيستمع إلى من ~~يتلوها صبحا ومساء حتى يحفظها، ثم يقصها زاعما أن الله أوحاها إليه، # 16 # وليس في القرآن الكريم أو كتب السنة الصحيحة حجة على أميته أقوى من ~~هاتين الآيتين، وما يقال من أن هناك آية ثالثة تؤيد ذلك وهي وصف الله له ~~«بالنبي الأمي» (في سورة الأعراف: 157) فقول مردود؛ لأن كلمة «الأمي» يراد ~~بها في القرآن الكريم من لم يكن كتابيا؛ أي يهوديا أو نصرانيا ذا كتاب. ~~«والأميون» في القرآن هم يقابلون «أهل الكتاب»؛ ففي سورة آل عمران: # وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا ~~، قال ابن جرير ~~الطبري في تفسيرها: قل يا محمد للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ~~والأميين الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب أأسلمتم؟ ... ومثلها قوله تعالى: # هو الذي بعث في الأميين ~~رسولا ~~(سورة الجمعة)، وقوله: # ليس ~~علينا في الأميين سبيل ~~(آل عمران: 75) ... على أن في ~~القرآن آية واحدة يفهم منها أن المراد بالأميين هم الذين لا يقرءون ولا ~~يكتبون، أو الضعفاء في القراءة والكتابة، وهي آية (البقرة: 78): # ومنهم أميون لا يعلمون ~~الكتاب ~~. # وبعد، فإذا صح أن «النبي الأمي» أنه لم يكن من أهل الكتاب، وهذا أمر لا شك ~~فيه، لم يبق هناك دليل يمنع من وصف النبي بأنه كان يكتب ويقرأ، وخصوصا بعد ~~الهجرة تماشيا مع آية العنكبوت، فليس من المستبعد أن يكون محمد قد عرف شيئا ~~من الكتابة والقراءة بعد البعثة أو الهجرة؛ فقد وردت عدة شواهد في كتب السيرة ~~والحديث تفيد أنه كان يكتب ويقرأ شيئا قليلا، فقد أجمع المؤرخون ورجال السيرة ~~على أنه لما عقد مع كبار قريش صلح الحديبية دعا عليا كما في صحيح مسلم، وقال: ~~«اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.» فقال زعيم قريش سهيل بن عمرو بن عبد شمس: # 17 # لا أعرف هذا ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال: اكتب. فكتبها، ثم قال: ~~اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: ms098 لو شهدت أنك رسول الله لما ~~قاتلتك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال محمد لعلي: امح محمد رسول الله. قال: ~~لا والله لا أمحوك، فأخذ رسول الله الكتاب فكتب: ابن عبد الله، # 18 # وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عتيبة بن مسعود قال: ما مات ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # حتى كتب وقرأ، قال عجالة: فذكرت ذلك للشافعي فقال: صدق، سمعنا ~~قوما يذكرون ذلك. # 19 # وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمة أن منده بسنده إلى عوف بن ~~عبد الله بن عتيبة عن أبيه قال: «ما مات النبي # صلى الله عليه وسلم # حتى قرأ وكتب.» # 20 # وروى البخاري في باب عمرة القضاء: «فأخذ رسول الله الكتاب، وليس ~~يحسن، فكتب: هذا ما قاضى محمد بن عبد الله.» # 21 # فنحن نرى من أقوال البخاري ومسلم في صحيحيهما وابن أبي شيبة في مسنده والذهبي ~~في تذكرته أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يكتب، وقد بحث هذه القضية كثير من أئمة ~~المؤلفين القدامى، وناقشوها، ولم يجدوا في القول بها ما يحط من قدر ~~النبي. # ومن أقدم من بحث في أمر «كتابة النبي» الإمام المؤلف المؤرخ المحدث الراوية ~~عمر بن شبة بن عبيد النميري البصري (262)، فقد ألف كتابا «في الكتاب» ذكر فيه ~~هذه القضية، وقال: كتب النبي # صلى الله عليه وسلم # بيده يوم الحديبية. # 22 # ثم جاء الإمام أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي المالكي ~~الفقيه المحدث (474) فجزم بأنه # صلى الله عليه وسلم # كان يكتب، وقد حمل عليه بسبب ذلك ~~جماعات من الفقهاء حتى إن بعضهم كفره، قال برهان الدين بن فرحون في الديباج ~~المذهب: إن الذي أنكر على الباجي وكفره هو أبو بكر بن الصائغ الزاهد، وتكلم في ~~ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه اللعن، فلما رأى ذلك الباجي ألف رسالته ~~المسماة «بتحقيق المذهب» بين فيها المسألة لمن يفهمها، وأنها لا تقدح في ~~المعجزة، كما لا تقدح القراءة في ذلك، فوافقه أهل التحقيق بأسرار العلم، وكتب ~~بها لشيوخ ms099 صقلية، فأنكروا على ابن الصائغ، ووافقوا أبا الوليد على ما ذكره، # 23 # وقال ابن التلمساني في شرح الشفاء الشريف بعد ذكر مذهب أبو الوليد ~~الباجي: وصوب أهل الحق مقالته، وإنه لا يقدح في المعجزة كونه كتب مرة، وقد ~~ألف الفقيه الزاهد أبو محمد عبد الله بن منصور المعاقري جزءا انتصر فيه لابن ~~الصائغ ورد على الباجي. # 24 # وجاء القاضي الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعافري المشهور بابن العربي ~~الإشبيلي المحدث الفقيه الأديب (543) فذكر في كتابه «سراج المريدين» حين ~~تكلم على «الغربة» وقال: وأشد أنواعها فقد النظير وعدم المساعد، والاضطرار إلى ~~مصاحبة الجاهل، وذكر بقي بن مخلد ومحسن بن موهب، وما لقيا من أهل بلدهما ~~بعد الرجوع من الرحلة حسدا على ما رجعا به، ثم قال ... وهذا أبو الوليد الباجي ~~رحل وأبعد، وجلب علما جما، وقرئ عليه البخاري وفيه أن النبي محا وكتب، فقيل ~~له: على من يعود قوله «وكتب»؟ فقال: على النبي، فقيل له: وكتب بيده؟ فقال: نعم، ~~ألا ترونه يقول في الحديث: «فأخذ رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الكتاب، وليس يحسن ~~الكتابة، فكتب: «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله»، فقولوا عليه، وحملوا كل ~~تكذيب وتعطيل عليه، وانتدب جاهل من المقرئين - فأخبرني أبو محمد عن ابن أبي ~~عصام - بالمسجد الأقصى قال: رأيته يصيح في المسجد الجامع ويعلن بالزندقة إليه، ~~بيد أن الأمير كان متشبثا فدعا بالفقهاء، فاتفقوا على أن هذا القول كفر، ~~فاستظهر الباجي ببعض الحجة في ذلك، وقال للأمير: هؤلاء جهلة، ولكن اكتب إلى ~~علماء الآفاق، فكتب إلى أفريقيا وصقلية، فجاء الجواب: أن يكتب بعد أميته ~~فيكون ذلك من معجزته، لا يطعن أحد بذلك عليه؛ لأنهم تحققوا أميته، ثم شاهدوا ~~معجزته، فوقفوا ولم يطعنوا.» # 25 # ثم جاء الإمام أبو الفرج بن الجوزي (597) فقال في كتابه «المشكل»: ~~إن إطلاق يده # صلى الله عليه وسلم # بالكتابة ولم يحسنها كالمعجزة، ولا ينافي هذا كونه ~~أميا لا يحسن الكتابة؛ لأنه ما حرك يده تحريك من يحسن ms100 الكتابة، إنما حركها ~~فجاء المكتوب. # 26 # ثم جاء الحافظ الحجة الإمام عمر بن الحسن بن دحية الكلبي الأديب الكاتب ~~المحدث (633) فقال بذلك، ونقله عنه قطب الدين محمد بن محمد الحضيري محدث الشام ~~(894) وقال: إن جماعة من العلماء وافقوه على ذلك فيهم شيخه أبو زر الهروي ~~وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء أفريقيا. # 27 # ثم جاء الإمام المحدث الفقيه الحجة مؤرخ الإسلام محمد بن أحمد ~~الذهبي (748) وتعرض لهذه القضية، فقال في ترجمة أبي الوليد الباجي: إن الباجي ~~لما ألف رسالته التي بين فيها أن ذلك - أي كون النبي كان كاتبا - غير قادح ~~في المعجزة رجع عنها جماعة، ثم قال: ما كل من عرف أن يكتب اسمه فقط بخارج عن ~~كونه أميا؛ لأنه لا يسمى كاتبا، وجماعة من الملوك قد أدمنوا على كتابة ~~العلامة - أي توقيعهم وإشارات ملكهم - وهم أميون، والحكم للغلبة لا للصورة ~~النادرة، فقد قال عليه السلام: «إنا أمة أمية» أي: أكثرهم كذلك، لندور ~~الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: # هو الذي بعث في ~~الأميين رسولا منهم ~~، # 28 # وقال في ترجمة الحافظ ابن منده: إنه روى بسنده إلى عوف بن عبد الله ~~بن عتيبة عن أبيه قال: «ما مات النبي حتى قرأ وكتب.» ثم علق على هذا الحديث ~~بقوله: قلت: وما المانع من جواز تعلم النبي # صلى الله عليه وسلم # يسير الكتابة بعد أن كان ~~أميا لا يدري ما الكتابة؟ فلعله لكثرة ما أملى من كتاب الوحي وكتاب السنن ~~والكتب إلى الملوك هذه عرف من الخط وفهمه، وكتب الكلمة والكلمتين، كما كتب اسمه ~~الشريف يوم الحديبية «محمد بن عبد الله»، وليست كتابته لهذا القدر اليسير مما ~~يخرجه عن كونه أميا ككثير من الملوك أميين يكتبون العلامة، # 29 # وقال أبو عيسى المهدي بن أحمد الفاسي في كتابه «سمط الجوهر الفاخر ~~في مفاخر سيد الأوائل الأواخر»: كتب # صلى الله عليه وسلم # بيده كتبا لأهل الإسلام في ~~الشرائع والأحكام، منها كتابه # صلى الله عليه وسلم # في الصدقات، كان عند أبي بكر، وكتابه # صلى الله ms101 عليه وسلم # في نصاب الزكاة وغيرها الذي كان عند عمر، وكتابه # صلى الله عليه وسلم # إلى أهل ~~اليمن في أنواع من الفقه وأبواب مختلفة، وهو كتاب جليل احتج الفقهاء كلهم بما ~~فيه من مقادير الديات. # 30 # وقال الإمام عبد الله بن الحسن بن أحمد القرطبي المحدث القارئ ~~المفسر (611) في مختصره عن شرح البخاري عند حديث «عمرة القضاء» قوله: فأخذ ~~الكتاب فكتب «ظاهر قوي في أنه عليه السلام كتب بيده، وقد أنكر قوم تمسكا ~~بقوله تعالى: # وما كنت تتلو ~~... إلخ.» قال: ~~«ولا نكرة فيه؛ الخط المنفي الخط المكتسب عن التعليم، وهذا خط خارق للعادة ~~أجراه الله على أنامل النبي مع بقائه لا يحسن الكتابة المكتسبة، وهذا زيادة في ~~صحة نبوته.» # 31 # وقال الشهاب أحمد بن محمد الخفاجي قاضي القضاة الأديب العلامة ~~(1069) في شرح الشفاء بعد أن لخص ابن العربي السابق علق عليه بقوله: ورأيت في ~~بعض الكتب أنه مما يدل على ذلك - أي على معرفته الكتابة - أنه # صلى الله عليه وسلم # قال ~~لكاتبه طول السينات، وقوله تعالى: # وما كنت تتلو من ~~قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~، فقوله # من قبله # يدل على أنه # صلى الله عليه وسلم # بعد ذلك كان يكتب نادرا. # 32 # وعقد السيد عبد الحي الكتاني فصلا في كتابه التراتيب الإدارية النفيس الذي ~~اعتمدنا عليه كثيرا من فصول هذه البحوث، عنونه بقوله: «هل كتب عليه السلام ~~بنفسه شيئا، وأمضى بعد كتبه بيمينه الشريفة أم لا؟» # 33 # وبعد أن أورد أكثر النصوص السابقة، وأيد وجهة نظر القائلين بأنه # صلى الله عليه وسلم # كان يكتب ويقرأ، وأن ذلك لا يطعن في معجزاته # صلى الله عليه وسلم ~~، وأنه يرى أن ~~مذهب الذهبي هو أحسن المذاهب، وقد علق عليه بعد أن أورده بما نصه: كلام ~~الذهبي وهو وجيه لا غبار عليه ... وما أشار إليه الذهبي أقوى صدمة للمعارضين من ~~كون كتابته # صلى الله عليه وسلم # كانت معجزة، وقال بعد أن أورد كلام القرطبي: قلت أحسن منه ~~ما سبق عن الذهبي في ترجمة ابن ms102 بنده، ثم قال الكتاني: ووقفت في المدينة المنورة ~~على رسالة حافلة للعلامة المحقق الشمس محمد بن عبد الرسول البزرنجي الشافعي ~~المدني في إثبات الكتابة والقراءة لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # ولم يتيسر لي تلخيصها. ~~وعندي جزء للفقيه الزاهد محمد بن عبد الله بن مفوز المعافري في نحو كراسة ~~عنوانه: جزء فيه التحرير من ترك الواضحة والتنبيه على غلط القائل «كتب» في يوم ~~الحديبية النبي الأمي، وفي آخره سماعات لأعلام أندلسيين وتونسيين، وموضوعه ~~الانتصار لابن الصائغ في المسألة، والرد على الباجي والله أعلم، وسيأتي في ~~القسم العاشر عن «سمط الجوهر الفاخر» أنه # صلى الله عليه وسلم # كتب عدة كتب بيده الشريفة، # 34 # وأورد الكتاني في الجزء الثاني من كتابه نص كلام صاحب سمط الجوهر ~~كما أوردناه سابقا، ويمكننا إجمال أقوال الأئمة العلماء الذين قالوا إن النبي ~~كان يكتب بما يلي: ~~(أ) # أنه # صلى الله عليه وسلم # كان يكتب اسمه فقط، وهو قول الذهبي. ~~(ب) # أنه # صلى الله عليه وسلم # كان يكتب الكلمة والكلمتين، وهو قول الذهبي ~~أيضا. ~~(ج) # أنه # صلى الله عليه وسلم # كان يكتب ولكنه لا يحسن الكتابة، وهو قول ابن ~~الجوزي. ~~(د) # أنه # صلى الله عليه وسلم # كان يكتب ولكن كتابته لا بالتعليم والاكتساب بل ~~معجزة، وهو قول القرطبي. ~~(ه) # أنه # صلى الله عليه وسلم # كان يكتب ولكن ذلك كان نادرا، وهو قول ~~الخفاجي. ~~(و) # أنه # صلى الله عليه وسلم # كان يكتب كل شيء ويحسن الكتابة، وأنه كتب بيده عدة ~~كتب، وهو صاحب سمط الجوهر. # أما المحدثون من المسلمين فقد تحيروا في هذا الأمر، وخبطوا فيه خبطا ظانين ~~أن البحث في هذا الأمر الحرج مخرج للمرء عن دينه مثير للعامة عليه، وخير من ~~بحث فيه هو الأستاذ العلامة الصديق: محمد عزة دروزة في كتابه «سيرة الرسول»، ~~فهو بعد أن أورد آية العنكبوت (48) قال: إنها تضمنت نصا صريحا على أن النبي ~~لم يكن يكتب أو يقرأ قبل البعثة ... ثم أورد آية الفرقان، فقال: وهذا يؤيد أنه ~~كان لا يقرأ ms103 ولا يكتب ... وننبه أولا إلى أن هاتين الآيتين هما اللتان تفيدان أن ~~النبي لم يكن يقرأ أو يكتب لا كلمة «الأمي» ... إذ إن هذه الكلمة قد استعملت ... ~~بمعنى «غير كتابي» ... وثانيا إلى أن آية العنكبوت إنما تنفي معرفة القراءة ~~والكتابة عن النبي قبل البعثة، ولقد وردت روايات تفيد أنه # صلى الله عليه وسلم # كان بعد ~~بعثته يكتب اسمه، وأنه محا كتابة معينة بيده في أثناء مفاوضات صلح الحديبية، ~~وكتاب عقد الصلح، وبقطع النظر عن سند ومضمون تلك الروايات، فليس من المستبعد ~~أن يكون قد تعلم القراءة والكتابة بعد بعثته، كما أن الآية لا تنفي ذلك، غير أن ~~هذا إن كان وقع قد ظل فيما نعتقد في دائرة محدودة لا تتعدى كتابة الاسم أو ~~قراءة بعض الجمل؛ لأنه لو تعدى هذه الدائرة لأثر في الروايات والأحاديث على الأقل، # 35 # ويتجلى من هذا أن الأستاذ دروزة يميل إلى مذهب الذهبي في أن الرسول ~~قد تعلم القراءة والكتابة بعد البعثة؛ لكثرة ما أملى، واتصل بالكتاب، ولكن علمه ~~لم يتجاوز الجملة أو بعض الجمل. # أما المستشرقون فقد بحثوا في الأمر مفصلا، وأفضل من بحث فيه هو شيخ ~~المستشرقين في هذا القرن، وهو البرنس كايثاني، فقد ذهب إلى: «أنه من غير ~~المعقول أبدا ألا يكون النبي قارئا وكاتبا، وحجة ذلك ما في القرآن من ~~المعارف والعلوم والأخبار، وأحوال الكتابة والكتاب، فمن المستحيل أن يصدر عن ~~رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، وأن فتيان قريش وشبابها من لداته وبيئته وأبناء ~~عمومته وخئولته كانوا يقرءون ويكتبون، وأن الفترة التي كان بها محمد كانت فترة ~~تتجه نحو الثقافة والتكامل العقلي، فلا يعقل أن يشب محمد أميا في هذه ~~البيئة، ولكن محمدا - إظهارا لكون حركته حركة إلهية ومعجزة - كان يخفي علمه ~~بالكتابة والقراءة، ويكتم ذلك على الناس وعن أصدقائه.» # 36 # أما الشق الأول من كلام المستشرق كايثاني فلا غبار عليه، ولكنا نخالفه في ~~الشق الثاني؛ وهو دعواه أن النبي كان يكتم أمره ويتظاهر بالأمية؛ ليكون ذلك ~~أوقع في قلوب ms104 سامعيه، وهو أمر يأباه ما أثر عنه # صلى الله عليه وسلم # من خلق نبيل وصدق ~~متوافر مقطوع به، كما يجل على أن يتصف ذلك «الأمين» الذي خبره قومه، وعرفوا ~~سمو خلقه، ونبل نفسه، وصدق حديثه، ثم إن سورة العنكبوت لتدل دلالة صريحة على ~~كون النبي أميا لم يتعلم الكتابة كما كان يتعلمها لداته؛ لأن القرآن كان ~~منتشرا بين الناس يقرءونه ويعونه، فلو كان فيهم من عرف أن محمدا قد تعلم معه ~~أو فيهم ما قد يدل على تعلمه الكتابة والقراءة لأنكر عليه مضمون تلك الآية، ~~ولكن شيئا من ذلك لم يكن. # وصفوة القول في هذه القضية - وهو الذي نرتئيه - هو أن محمدا كان قبل البعثة ~~لا يقرأ ولا يكتب، ولم يؤثر عنه أنه تعلم في كتاب، ولا درس في مدارس، ولا ~~لازم شخصا من لداته أو شيوخه تعلم منه الكتابة والقراءة، وإنما كان واسع ~~الإدراك ذكيا فطنا لبيبا، ولما أوحى الله إليه أن يبشر بدينه ويدعو إلى ~~تقديسه كثر اختلاطه بالناس من كتاب وقراء في مكة والمدينة اللتين كانتا ~~تعجان بالقراء والكتاب، وكان لأماليه على كتابه، وقراءاتهم أمامه وتدقيقه ~~في رسائلهم وأوراقهم ووثائقهم وشدة تعمقه في تتبع كل جليل ودقيق، وبخاصة في أمر ~~الرسائل - كما سنرى ذلك مفصلا فيما بعد - أثر كبير في تعلمه الكتابة ~~والقراءة، وإحاطته ببعض متعلقاتها ، ومعرفته ببعض قواعد الخط وأصوله، ولسنا نرى ~~في هذا أيه غضاضة على معجزاته، فإن العلي القدير قد حباه بمواهب انفرد بها، ~~ومزايا كانت موضع الغرابة والعجب والفخر # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~(2-2) مواهبه وثقافته # كان لمحمد اطلاع واسع على تاريخ قومه وآدابهم، ويظهر لنا ذلك مما نجده في ~~كتب السنة من رسائله ومعاهداته ومواثيقه وخطبه وحكمه ومواعظه، كما تتجلى لنا من ~~مطالعة آثاره فصاحة معجزة، ولا غرو فإن مواهب محمد # صلى الله عليه وسلم # مواهب انفرد بها ~~من بين لداته سواء منهم من كان خطيبا أو حكيما أو شاعرا، فقد نشأ في بيت ~~عرف أهله بالعقل الرجيح، والقول الفصيح، والحكمة البليغة، ms105 واللهجة الفصيحة، ~~ثم إنه نشأ في بني سعد، فقد أجمع كل من كتب عن فصاحته ومواهبه أنه كان ذا ~~اطلاع واسع على لهجات عرب الحجاز وسائر بقاع الجزيرة، وكان يكلم كل قوم بلهجتهم ~~وفصيح عبارتهم، وكان يعيد أقواله، ويكرر كلماته ليعقل عنه، وكان يكره التشادق ~~والتفاصح والتحلف والتقعر، ويقول: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي ~~يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها.» وكان يكره سجع الكهان المصنوع الثقيل ~~على الأسماع، أما السجع المستساغ المحبوب المطبوع الصادر عن السليقة الطبيعية؛ ~~فإنه كان يحب قوله وسماعه كما كان يحب الشعر الجيد، ويطرب له، ويجيز عليه، ~~ولما سمع قول لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكل نعيم لا محالة زائل # طرب له وقال إنها أصدق كلمة قالها شاعر، ولما سمع بعض شعر أمير الشعراء ~~الجاهليين وسيد فحولهم امرئ القيس، قال إنه صاحب لواء الشعر، ولكنه كان لا يرضى ~~عن عهره وفسقه في شعره، فيقول: «إنه صاحب لواء الشعراء إلى النار.» وكان يطرب ~~لشعراء الإسلام الداعين إلى محاسن الأخلاق ومكارم الشيم، والمنافحين عن الدين ~~الجديد أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وكان يستحسن أشعارهم، ويردد ~~جميل أقوالهم، ويدرك مواطن الفصاحة ومواضع سحر القول وجماله، ولا عجب فإنه ~~أفصح العرب، وصاحب جوامع الكلم، ومالك أعنة القول، حسن المنطق، سليم ~~اللهجة، خال من عيوب اللفظ، بارع الإشارة، وقد وصفت السيدة عائشة طريقه في ~~القول، فقالت: «ما كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلم ~~بكلام بين فصل، يحفظه من يجلس إليه.» # وقد قضى محمد سني شبابه وهو يفكر فيما حوله، ويدرس هذا الكون في أرضه وسمائه ~~وحيوانه، وأناسه وشجره وزهره، فيحلل كل شيء يراه، ويستخلص منه العبر. # أما اطلاع محمد على أخبار النبوات السابقة فلا شك في أنه قد عرفه مما كان ~~يسمعه من أقوال أحبار اليهود أو متهودة العرب وحنفائهم، أما أنه كان يتدارس ذلك ~~ويتلقاه كما زعم بعضهم حتى في زمن النبي فأمر لم يثبت، وقد ms106 رد القرآن على ~~هؤلاء فقال: # ولقد نعلم أنهم يقولون ~~إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي وهذا لسان عربي مبين ~~(سورة النحل آية: ~~103)، فقد زعم بعض مشركي قريش أن محمدا إنما كان يتردد على بعض الحدادين ~~النصارى في مكة واسمه «جبرا»، وأنه كان يتعلم منه ويطلع على أخبار النبوات ~~السابقة، فردت عليهم الآية وهي وإن لم تنكر التردد على الرجل أصلا، وإنما ~~أنكرت عليهم أن يقولوا إن محمدا كان يتعلم من هذا الأعجمي، إن ما يجيء به عربي ~~مبين، وقد أورد المفسرون في تأويل هذه الآية أن محمدا كان يتردد قبل البعثة ~~إلى رجل نصراني فيسمع منه، وليس هذا بالغريب ولا بالمستحيل ولا بالطاعن في ~~النبوة، ومثل هذه الآية آية الفرقان: # وقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ~~آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا ~~، والآية لا تنفي كون ~~محمد قد اتصل قبل البعثة أو بعدها بفرد أو جماعة آخرين تذاكر وإياهم ببعض ~~أمور الحياة الأخرى والدين؛ أمثال سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، ~~وأبي بكر الصديق، وعثمان، وإنما تنفي مزاعم الكفار أن ما جاء به محمد هو إفك ~~وباطل. ~~(2-3) شخصيته # كان محمد # صلى الله عليه وسلم # فتى عربيا أصيلا لم يطعن أحد في حسبه أو نسبه، وكانت ~~له أسرة محترمة وجيهة من أعمام وعمات وأخوال وخالات وأبناء عمومة وخئولة، وقد ~~نشأ منشأ متواضعا في حضانة رحيمة على يد أمه وجده وعمه - رضي الله عنهم - وكان ~~منذ نعومة أظفاره رهيف الإحساس، يتطلع إلى ما يتطلع إليه لداته، وقد أفاد معارف ~~كثيرة في العلم من اتصاله ببعض النبهاء الأجانب كسلمان وبلال وصهيب وجبرا، أو ~~العرب أمثال أبي بكر الصديق وعثمان وسعد وسعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن ~~عوف وأبي عبيدة وغيرهم من أصدقائه في الجاهلية وأوائل المسلمين، وكلهم عرف عنه ~~الفضل والعقل، وليس في هذا أي مطعن عليه فإنه بشر، وهذه سنة البشر. # وقد اشتهر ~~محمد # صلى الله عليه وسلم # في قومه قبل البعثة بالأمانة والعقل والصدق ms107 وعدم الفضول وحب ~~الخير والبعد عن مساوئ الأخلاق، وكانوا يلقبونه «بالأمين»، وقد فرحوا لما رأوه ~~مقبلا عليهم حين اختلفوا في يوم بناء الكعبة في من يضع «الحجر الأسود»، فحل ~~المشكلة أحسن حل ووضعه في مكانه، وفي القرآن والشعر الإسلامي شواهد كثيرة ~~تنطق بسمو شخصيته، وتعدد مزاياه وفضائله، وتعطينا صورة نضرة عنه تهدم كل ما ~~بناه المستشرقون والمبشرون من التهجم عليه، ووصفه بمرذول السجايا قبل الطعن في ~~شرفه وأصالته، ووصفه بالجنون والسفه والصرعة، وما إلى ذلك، # 37 # على الرغم مما كان عليه من الخلق العظيم والأمانة والصدق والزهد ~~والثقافة في الله، والأخلاق التعبدية: # وإنك ~~لعلى خلق عظيم ~~(القلم: 4)، # الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته ~~(الأنعام: 124)، # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك ~~(سورة آل عمران: آية 159)، # لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ~~حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ~~(التوبة: 128). # ولم يكن محمد على شيء من عنجهية الشباب المغرورين بجاههم ومكانتهم، بل ~~كان متواضعا متفانيا في دعوته؛ ليسهل كل شيء في سبيلها، ويستوي عنده الغنى ~~والفقر والجوع والشبع والنوم والسهر في الوصول إليها، وكان ناصرا للحق صابرا ~~على المكروه آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر داعيا بالموعظة، مسالما وقت ~~السلم محاربا وقت الحرب، وصفوة القول أن شخصيته تتحلى بما أودعه الله في ~~القرآن من السجايا النبيلة والصفات الكاملة، ولقد صدقت عائشة حينما سئلت عن ~~أخلاق النبي وشخصيته وما كان يتحلى به فقالت: إنها كانت أخلاق القرآن، وهو جواب ~~صادق. ~~(3) في الحوادث الكبرى قبل البعث ~~(3-1) زواجه من السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي # كان محمد في شبابه يعيش في كنف عمه أبي طالب، وربما رعى الغنم لبعض أهل مكة ~~على قراريط كما ذكر ذلك البخاري وابن إسحاق، # 38 # ولما جاوز العشرين بعثت إليه خديجة بنت خويلد - التي رأت فيه ~~الأمانة والثقة - غلامها ميسرة، فعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرا في رحلة ~~الصيف على أن تعطيه أفضل ما كانت تعطي التجار، وكانت امرأة تاجرة ذات مال ms108 وشرف، ~~تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، فقبل محمد وخرج سنة 594م ~~ومعه ميسرة حتى قدم الشام فتاجر، ثم قفل إلى مكة فباعت ما جاء به وربحت، ثم ~~إنها بعثت إليه قائلة: يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك، ~~وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك، فانشرح صدره لذلك لما كانت عليه من الشرف ~~والنبل والجاه. # ولدت خديجة في أواسط القرن السادس، وكان لها - لما خطبها محمد - نحو من ~~أربعين سنة، وهي من أعرق أسر قريش شرفا وأكثرهم مالا؛ فأبوها خويلد كان ممن ~~قاد قريشا في حرب الفجار، وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم من بني عامر بن لؤي، ~~ويذكر الذهبي أن جدها عمرو بن خنثر المزني كان من أبطال الجاهلية وشيوخها، ~~وعمها عمرو بن أسد كان من سادات قومه ووجوههم وأثريائهم، وأخوها العوام بن ~~خويلد كان من عقلاء قريش، وأما جدها وهو والد الزبير بن العوام [...] وأبناء ~~عمومتها حكيم بن حزام، وورقة بن نوفل، وقتيلة بنت نوفل. فأما حكيم فقد كان من ~~أنبل الرجال وأكرمهم، وكان له موقف مجيد يوم حاصرت قريش بني هاشم في الشعب؛ ~~فإنه لم يتأخر عن خدمتهم ومعونتهم بكل ما يستطيع، وورقة بن نوفل كان من ~~الحنفاء والعقلاء في الجاهلية؛ قرأ التوراة والإنجيل وكتب العبرانية، وقتيلة ~~أخته كانت نبيلة عاقلة نظرت في الكتب القديمة ودرستها . # تزوجت خديجة قبل محمد رجلين؛ أولهما: النباش بن أبي زرارة، لم يلبث أن مات، ~~فتزوجت بعده عتيق بن عائد المخزومي، # 39 # وقد ورثت عن أبيها وزوجها مالا كثيرا كانت تستعمله في الاتجار، ~~ولما عرضت خديجة على محمد الزواج شاور أعمامه فقبلوا، وخرج هو وعمه الحمزة حتى ~~أتيا وليها - أباها وفي رواية أخاها - فخطبها إليه، ووافق على ذلك، فاحتفل ~~القوم بهذا، وخطب أبو طالب في ذلك الحفل فقال: «الحمد لله الذي جعلنا من ~~ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل ضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا ~~حفظة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا حرما محجوجا، وبيتا آمنا، ~~وجعلنا الحكام على الناس، ms109 ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا ~~يوزن برجل إلا يرجح عليه، فإن كان في المال فلا فإن المال ظل زائل، وأمر ~~حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من ~~الصداق ما آجله وعاجله اثني عشر أوقية ونش (النش نصف أوقية والأوقية ~~أربعون درهما)، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل.» ثم تمت ~~الخطوبة والزواج، وحضره رؤساء مضر وشيوخ قريش. # 40 # ولما تزوجها نحر جزورا أو جزورين وأطعم الناس، وهي أول وليمة أولمها محمد، # 41 # وكانت به برة رحيمة وفية، تعطف عليه وتحنو وتفديه بمالها ~~وجاهها، وقد استطاع محمد بجانبها أن يجد السكينة والهدوء، وينصرف عن ~~التكسب للمعاش إلى التفكير والتحنث، ودراسة الكون، والتطلع إلى السماء، ~~ولولاها للقي من دهره عنتا، فقد كانت - رضوان الله وسلامه عليها - على جانب ~~كبير من الحنان والعطف، وقد أحست بنبل قلب محمدها وعظم نفسه، فهيأت له ~~الأسباب للهدوء والطمأنينة لما قرأت في عينيه من الإخلاص والإيمان، وما وجدت ~~في قلبه من سمو الأخلاق والفضل، وكان هو يقدر فيها هذا الحنو والحب ~~فبادلها حبه وإعجابه، ولم يكن محمد كسائر رجال العرب، فهو فذ في أفكاره، فذ ~~في طعامه، فذ في شرابه، فذ في حركاته وسكناته، وكان لا يفكر بما يفكرون، ~~ولا يأكل كما يأكلون، ولا يشرب كما يشربون، ولا يتحرك كما يتحركون ، كان ~~ميالا إلى العزلة، يطيل الانفراد والخلو بنفسه بعيدا عن ضوضاء المجتمع ~~المكي الصاخب، فهيأت له ما يحب ويتمنى، وكان يشتهي أكلات خاصة من الدباء، ~~والعسل، والخزبر، والثريد، والخزيرة، # 42 # والخبيص والشواء ولحم الدجاج، والكبد، والسمك، والسلق، والتمر، ~~والمنقوع باللبن المخلوط بالقثاء، # 43 # ويكره الثوم، والبصل، وكل كريه الرائحة، فتكثر له ما يحب، ~~وتبعده عما يكره، وكانت تعنى بلباسه وطيبه ونظافته. # وقد رأت رغبة محمد في الانزواء والتحنث في غار حراء، فكانت تهيئ له ما ~~يحتاج إليه في خلوته الإلهية من زاد وماء، كما كانت تتعهده إذا طالت غيبته ~~عنها، ولكنها كانت ms110 رفيقة به لطيفة معه لا تقطع عليه تأملاته، ولا تكدر صفو ~~تحنثه. # وكما كانت زوجة برة، كانت أما صالحة تعتني بأولادها منه، وتحنو عليهم، وقد ~~ولدت له كل أولاده ما عدا إبراهيم ابن مارية القبطية، فقد رزق منها: القاسم، ~~فزينب، فرقية، ففاطمة، فأم كلثوم، وهؤلاء جميعا قد ولدتهم قبل الإسلام، ثم ~~ولدت له بعد الإسلام: عبد الله الطيب، وأخاه الطاهر، وقد ماتا صغيرين، أما ~~البنات فقد أدركن الإسلام، وتزوجن وهاجرن معه، وقد ضم محمد إلى أسرته ابن ~~عمه علي بن أبي طالب برا بعمه أبي طالب وتكريما لعلي، وكانت خديجة حفية ~~بأبنائها وبناتها تنشئهم أحسن تنشئة، وتعق للغلام منهم بشاتين والفتاة ~~بشاة، وتسترضع لهم أحسن المراضع على الطريقة العربية القديمة. «وبعد»، فإن عظمة ~~هذه السيدة الفاضلة تتجلى في تثبيت قلب محمد بعد الدعوة، وإعانته على تحمل ~~أعبائها، وبخاصة في السنوات الأولى من البعثة حين تألب الناس عليه # صلى الله عليه وسلم # فأنكره الأقربون وآذاه المشركون، فوقفت هي وقفة السيدة الكبيرة العاقلة ~~المفكرة، تمتن فؤاد محمد، وتسكن خاطره بقولها: «والله لا يخزيك الله ~~أبدا؛ إنك لتصل الرحم، إلخ ...» تلك الأقوال الجميلة الجليلة التي سنعرض إليها ~~فيما بعد، وقد شاطرت هذه السيدة الفاضلة النبي كل ما تحمله في سني الدعوة ~~الأولى من المحن، وعملت على نصر دين الله، ولما اشتدت خصومة قريش على النبي وآل ~~البيت الهاشمي وحصروهم في الشعب، ومنعوهم من وصول الطعام والماء إليهم أنفقت ~~خديجة كل أموالها في سبيل تأمين معيشتهم، وقاست هذه السيدة المرفهة في أواخر ~~عمرها ظروفا قاسية، فأضر ذلك الحصار بجسمها، ولم تعش طويلا بعد أن خرج ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # وآل البيت من الشعب، ماتت في عاشر رمضان من السنة العاشرة ~~لمبعثه # صلى الله عليه وسلم ~~،ولها من العمر خمسة وستون عاما، فدفنها الرسول في الحجون، ~~وكان كثير البر بها والذكر لها. ~~(3-2) اشتراكه في بنيان الكعبة ووضع الحجر الأسود # كانت الكعبة أقدس مكان لدى العرب منذ جاهليتهم الأولى، توارثوا تقديسها ~~كابرا عن كابر ms111 منذ أيام إبراهيم، ولقد بنيت الكعبة خمس مرات «أولاهما» أيام ~~النبي شيت # صلى الله عليه وسلم # في العهد الغابر، «والثانية» أيام إبراهيم وكانت أول أمرها ~~رضما فوق القامة؛ أي حجارة تتجاوز قليلا طول الإنسان، وقيل إنها كانت تسعة ~~أذرع، وقد استمرت على ذلك إلى ما قبل البعثة النبوية بخمس سنوات، «والثالثة» ~~أيام قريش؛ قال ابن إسحاق: اجتمعت قريش قبل مبعث النبي # صلى الله عليه وسلم # بخمس سنوات ~~لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها - إذ لم يكن لها سقف من قبل - ~~ولكنهم يهابون ذلك، ثم أقدموا عليه، «والرابعة» حين احترقت أيام ابن الزبير، ~~«والخامسة» أيام عبد الملك بن مروان، ولما استخلف أبو جعفر المنصور أراد ~~هدمها وبناءها من جديد فقال له مالك بن أنس: أنشدك بالله يا أمير المؤمنين أن ~~لا تجعل هذا البيت ملعبة الملوك من بعدك. # 44 # أما البناء الذي اشترك فيه محمد # صلى الله عليه وسلم # فقد كان في السنة الخامسة والثلاثين ~~من عام الفيل، حين رأت قريش أن كنوزها قد سرقت، وأن اللصوص قد عاثوا فيها؛ ~~لأنها لم تكن مسقوفة ففكروا في سقفها، ولكنهم خافوا مغبة ذلك أول الأمر، ثم قال ~~الحكماء: ليس في هذا بأس، فأقدموا على هدمها، وباشر ذلك الوليد بن المغيرة، ~~وأحضروا لها الخشب من سفينة ألجأتها الرياح إلى ساحل جدة، وعهدوا بها إلى نجار ~~قبطي أن يقوم بذلك، فأخذ يهيؤه وهم يبنون، وكان المشرف على ذلك أبو وهب بن ~~عمرو بن عائذ المخزومي خال النبي، وقال لقريش: لا تدخلوا في بنائها من كسبكم ~~إلا طيبا حلالا، ولا تدخلوا فيه مهر بغي أو بيع ربا ولا مظلمة أحد من ~~الناس، ثم إن قريشا تجزأت الكعبة؛ فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ~~ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، ~~وكان ظهر الكعبة لبني جمع وسهم، وكان شق الحجر وهو المعروف بالحطيم لبني عبد ~~الدار بن قصي، وبني أسد بن عبد العزى، وبني عدي بن كعب. # قال ابن ms112 هشام: ولما أرادوا هدمها قال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في ~~هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، اللهم إنا نريد ~~الخير، ثم هدم من ناحية الركن، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: انتظروا فإن ~~أصيب لم نهدم شيئا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله صنعنا ~~فهدمنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديا إلى عمله، فهدم وهدم الناس معه حتى إذا ~~انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسمنت آخذ ~~بعضها بعضا، # 45 # ولما شرعوا في البناء، وبلغوا موضع الركن اختصموا فيه؛ كل قبيلة ~~تريد أن ترفعه إلى موضعه حتى تحاوروا وتخالفوا، وأعدوا للقتال أنفسهم، فقربت ~~بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، وتعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت، ~~وأدخلوا أيديهم في الدم، ومكثت قريش أربع ليال أو خمسا وهم مختلفون، ثم إنهم ~~اجتمعوا في المسجد وتشاوروا، فقال أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله المخزومي - ~~وكان أسن قريش: يا معشر قريش، اجعلوني بينكم فيم تختلفون فيه؛ إن أول من يدخل ~~من باب هذا المسجد يقضي بينكم، ففعلوا فكان أول من دخل محمدا، فلما رأوه ~~قالوا: هذا الأمين رضينا به هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال: ~~هلم إلي ثوبا؛ فأتي له، فأخذ الركن فوضعه بيده فيه، ثم قال: لتأخذ كل ~~قبيلة ناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه ~~بيده، ثم بنى عليه، فلما فرغوا من البنيان من ذلك قال الزبير بن عبد المطلب ~~قصيدة منها: # فقمنا حاشدين إلى بناء # لنا منه القواعد والتراب # غداة نرفع التأسيس منه # وليس على مسوينا ثياب # أقر به المليك بني لؤي # فليس لأصله منهم ذهاب # وقد حشدت هناك بنو عدي # ومرة قد تقدمها كلاب # فبوأنا المليك بذاك عزا # وعند الله يلتمس الثواب # وكان بناؤها هذا ثماني عشر ذراعا، وجعلوا لها كسوة من القباطي ~~والبرود. ~~(3-3) الوحي # مقدمة في الوحي والنبوة. الوحي هو في اللغة الإلهام الغريزي، ms113 أو الإشارة ~~الخفية السريعة، والإلقاء في الروع، وفي الاصطلاح: هو الإلهام الذي يقذفه الله ~~في قلب النبي أو الرسول، وقد استعملت هذه الكلمة في القرآن سبعين مرة؛ «تارة» ~~بمعنى الإشارة والقول: # فخرج على قومه من ~~المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة ~~وعشيا ~~(سورة مريم: 11)، «وتارة» بمعنى الوسوسة: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ~~الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~، «وتارة» ~~بمعنى الإلهام الغريزي: # وأوحى ربك إلى ~~النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ~~(سورة النحل ~~آية: 68)، «وتارة» بمعنى الفزع والروع: # وإذ أوحيت ~~إلى الحواريين أن آمنوا ~~(المائدة: آية 111)، «وتارة» ~~بمعنى الإلهام للأنبياء والرسل، وهو الأكثر: # وأوحي ~~إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~(الأنعام: آية 19)، ~~ولكن أكثر استعمالاتها في القرآن هو المعنى الأخير؛ أي الإلهام للرسل، ووحي ~~الله يكون بطرق، منها: القذف في القلب، ومنها: إنزال الملائكة كجبريل وغيره ~~رسلا بين الله وبين أنبيائه، ومنها: سماع صوت الله لمن يريد بواسطة شيء ما، ~~قال تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم ~~(الشورى: آية ~~51)، وجمهور المسلمين يرون أن جبريل الروح الأمين كان ينزل إلى محمد # صلى الله عليه وسلم # فلا يراه أحد غيره، وقد ورد في بعض الأحاديث أنه كان ينزل إلى النبي في صورة ~~دحية الكلبي، فيراه غير النبي على صورة رجل، أو يأتي إلى مجلس النبي على صورة ~~رجل ما فيراه الناس جميعا. # أما كيفية بدء النبوة فقد حدثتنا به السيدة عائشة؛ فقد روى عنها البخاري: أن ~~أول ما بدئ رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا ~~جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء؛ وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه، ~~والتحنث التحنف والتعبد في الليالي ذات العدد، حتى جاءه الحق وهو في غار ~~حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ: قال: فأخذني فغطني حتى بلغ ~~بي الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ: قال: فأخذني ms114 فغطني ~~الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني ~~فغطني الثالثة ثم قال: # اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق * خلق الإنسان من علق * ~~اقرأ وربك الأكرم # فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، ~~فدخل على خديجة وأخبرها الخبر، وقال: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا ~~والله ما يخزيك ربك أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري ~~الضيف، وتعين على نوائب الحق، وانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد ~~بن عبد العزى ابن عمها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب ~~العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا ~~قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن ~~أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله # صلى الله عليه وسلم # خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس ~~الأعظم الذي أنزله الله على موسى، يا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أو مخرجي هم؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به ~~إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ... # 46 # وقد كان الرسول يقول عن هذا الوحي إنه يأتيه مرة بعنف مثل صلصلة الجرس، ومرة ~~بغير عنف فيكلمه كما يكلم الرجل، فيعي منه ما يقول، وقالت عائشة: ولقد رأيته ~~ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فينفصل عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. # 47 # وهناك أحاديث وأخبار كثيرة بلغت مبلغ التواتر تبين أن النبي كان يأتيه ~~الوحي الإلهي، فينصرف عن هذا الكون، ويصبح في عالم ثان، ثم ينفصل عنه الوحي ~~فيملي الرسول على كتاب الوحي ما أوحاه الله إليه، وقد اختلفت الأقوال في ~~أول ما أوحي به إلى محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فالقول المشهور أنه أول «سورة العلق»، ~~وفي قول آخر أنه «سورة الفاتحة»، وقول ثالث أنه «سورة الضحى»، وفي قول أنه ~~«سورة المدثر» وفي خامس أنه «أول سورة المزمل»، ms115 ولكن الأشهر هو ما ذكرناه ~~أولا من أنه أول «سورة العلق»، وعلى هذا جرى المصحف العثماني ومن نقلوا عنه، ~~ثم إن السورة الثانية هي سورة «القلم»، والثالثة هي «المزمل»، والرابعة هي ~~«المدثر»، وعلى هذا جرى إجماع كافة أصحاب التراتيب والمصاحف، والخلاف يبدأ بين ~~أصحاب التراتيب عند السورة الخامسة، فالأكثر على أنها: «الفاتحة»، وقال ناس بل ~~هي «سورة المسد»، وقال آخرون: بل هي «سورة التكوير»، ونحن إذا أمعنا في هذه ~~السور وجدناها تدور حول الدعوة والإنذار والتبشير بالدين الجديد، وبما قوبل # صلى الله عليه وسلم # من التكذيب والارتياب في دعوته؛ فقد نزلت سور القرآن تحتوي على الردود ~~والحملات الشديدة على المكابرين، والوعظ والإرشاد للتائهين، ولما سار الرسول ~~شوطا في دعوته انقطع عنه الوحي، فاضطربت نفسه، وظن أن ربه ودعه وقلاه، ~~فنزلت سورة الضحى بعد فترة قصيرة من الوحي، وفيها يخاطبه ربه بقوله: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * ~~وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى ~~، ثم تعاقب الوحي في مكة ~~والمدينة. ms116