######OpenITI# #META# URI: 1379MuhammadAscadTalas.TarikhUmmaCasrInhidar.Hindawi40837420 #META# Tags: history #META# ID: 40837420 #META# Title: عصر الانحدار: تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) #META# AuthorID: 35030937 #META# Author: محمد أسعد طلس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تاريخ الأمم العربية‏ # 1 - العراق في القرن السابع للهجرة‏ # 2 - العراق في القرن الثامن للهجرة‏ # 3 - العراق والكارثة التيمورية‏ # 4 - العراق في القرن الثامن‏ # 5 - العراق من القرن العاشر حتى القرن ~~الثالث عشر‏ # 6 - الشام منذ القرن السابع للهجرة‏ # 7 - الشام من ابتداء دولة المماليك الشراكسة إلى الفتح العثماني‏ # 8 - الشام منذ فتح الأتراك العثمانيين إلى فجر القرن الثالث عشر للهجرة‏ # 9 - مصر منذ القرن السابع للهجرة حتى نهاية عصر المماليك البحرية‏ # 10 - مصر في عهد المماليك الشراكسة‏ # 11 - مصر منذ عهد الأتراك العثمانيين إلى فجر القرن الثالث عشر للهجرة‏ # 12 - الجزيرة العربية منذ القرن السابع للهجرة حتى فجر القرن الثالث عشر‏ # 13 - المغرب العربي في شمال إفريقية منذ القرن الثامن للهجرة حتى فجر القرن الثالث ~~عشر‏ # عصر الانحدار‏ # 1 - الحالة الاجتماعية في العراق بعد سقوط بغداد‏ # 2 - الحالة الثقافية في العراق بعد سقوط بغداد‏ # 3 - الحالة الإدارية في العراق بعد سقوط بغداد‏ # 4 - الحالة الثقافية والاجتماعية في الشام ومصر بعد سقوط بغداد‏ # 5 - الحالة الإدارية في الشام ومصر وشمال إفريقية بعد سقوط بغداد ووقوعها تحت السيطرة ~~العثمانية‏ # 6 - الحالة الاجتماعية والثقافية والإدارية في الجزيرة العربية بعد سقوط بغداد‏ # 7 - الحالة الثقافية والاجتماعية في المغرب العربي‏ # 8 - الحالة الإدارية في المغرب العربي‏ # تاريخ الأمم العربية‏ # 1 - العراق في القرن السابع للهجرة‏ # 2 - العراق في القرن الثامن للهجرة‏ # 3 - العراق والكارثة التيمورية‏ # 4 - العراق في القرن الثامن‏ # 5 - العراق من القرن العاشر حتى القرن ~~الثالث عشر‏ # 6 - الشام منذ القرن السابع للهجرة‏ # 7 - الشام من ابتداء دولة المماليك الشراكسة إلى الفتح العثماني‏ # 8 - الشام منذ فتح الأتراك العثمانيين إلى فجر القرن الثالث عشر للهجرة‏ # 9 - مصر منذ القرن السابع للهجرة حتى نهاية عصر المماليك البحرية‏ # 10 - مصر في عهد المماليك الشراكسة‏ # 11 - مصر منذ عهد الأتراك العثمانيين إلى فجر القرن الثالث عشر للهجرة‏ # 12 - الجزيرة العربية منذ القرن السابع للهجرة حتى فجر القرن الثالث عشر‏ # 13 - المغرب العربي في شمال إفريقية ms001 منذ القرن الثامن للهجرة حتى فجر القرن الثالث ~~عشر‏ # عصر الانحدار‏ # 1 - الحالة الاجتماعية في العراق بعد سقوط بغداد‏ # 2 - الحالة الثقافية في العراق بعد سقوط بغداد‏ # 3 - الحالة الإدارية في العراق بعد سقوط بغداد‏ # 4 - الحالة الثقافية والاجتماعية في الشام ومصر بعد سقوط بغداد‏ # 5 - الحالة الإدارية في الشام ومصر وشمال إفريقية بعد سقوط بغداد ووقوعها تحت السيطرة ~~العثمانية‏ # 6 - الحالة الاجتماعية والثقافية والإدارية في الجزيرة العربية بعد سقوط بغداد‏ # 7 - الحالة الثقافية والاجتماعية في المغرب العربي‏ # 8 - الحالة الإدارية في المغرب العربي‏ # | عصر الانحدار # | عصر الانحدار # | تاريخ الأمة العربية (الجزء السابع) # تأليف # محمد أسعد طلس # | تاريخ الأمم العربية # | توطئة # كان العالم العربي عامة، والعراق خاصة، في فجر القرن السابع للهجرة، على حالة ~~مزعجة من الاضطراب والفوضى، والسر في ذلك يرجع إلى أن الخلفاء الذين أضحوا ألعوبة في ~~يد الأعاجم من الأتراك والسلاجقة، يتصرفون بالبلاد كما يشاءون، ويقضون على القومية ~~العربية بما يريدون. ولما آلت الخلافة إلى المستنصر بالله ثم إلى المستعصم بالله، ~~ازدادت الفوضى، واضطرب حبل الأمن، وبخاصة في عهد المستعصم، فقد كان ضعيف الرأي، لا ~~يسمع له قول، منصرفا إلى اللهو وسفاسف الأمور، ولم يكن حاشيته ورجال بلاطه أفضل ~~منه. # ولما أخذ خطر التتر يقوى وشرعت أخبارهم تصل إلى بغداد، حاول بعض العقلاء من رجال ~~الدولة تقويم اعوجاج الخليفة، وإصلاح حال الحاشية، والدعوة إلى الأخذ بأسباب النهوض ~~بالبلاد، والدفاع عنها من الخطر الداهم، ولكن الخليفة الأخرق وحاشيته الخبيثة ظلوا ~~سادرين في غيهم، لا يسمعون لنصح المخلصين، ولا يعملون على إصلاح حال البلاد، وإنقاذها ~~مما هي فيه من الاضطراب والفساد، واختلال الإدارة، ونظام المصادرة، والتعدي على الناس، ~~والقضاء على الحريات، ومحو العدل والمساواة. # ولم تكن حال الشعب أفضل من حال الخليفة ورجالات قصره، فقد كان عامة الناس على جانب ~~عظيم من التفسخ الخلقي والفساد الاجتماعي؛ لأن العناصر الدخيلة قد دخلت بينهم وأعملت ~~فسادا وتمزيقا، حتى انقسموا على أنفسهم شيعا، كل شيعة تناصر إحدى الدول الأجنبية ~~المجاورة أو الأحزاب ms002 والفرق الداخلية المتناصرة، حتى فقدت العصبية العربية تماما، ~~وكان لدسائس الفرس والترك أثر كبير في هذا التفرق والفساد، وبخاصة ملاحدة الباطنيين، ~~وأتابكة الترك، ومفسدي المغول والتركمان، أضف إلى هذا انتشار طائفة من المفاسد والأمراض ~~الاجتماعية التي ما دخلت أمة إلا أهلكتها، وسلبت عنها عزتها وكرامتها القومية من ~~الخلاعة البالغة، والشرف العجيب، واستيلاء الخصيان والمماليك والجواري على زمام الأمور، ~~هذا إلى طائفة من الأمراض والأوبئة المادية التي استوطنت العراق كالحميات والطواعين ~~والأوبئة، التي لا يكاد العراق يخلو منها في كل سنة من سني القرون الأخيرة. # وإذا كانت هذه حال العراق - وهو مهد الخلافة العباسية ومحط رجال العالم الإسلامي - ~~فكيف تكون حالة سائر ممالك الخلافة التابعة لها، والحق أنها كانت في حالة مزعجة، سواء ~~من حيث من التفكك أو الجهل أو الفساد أو الاضطراب على سنراه فيما بعده. # ولقد بلغت هذه الأمور مسامع عظيم التتار «مفكو» أخي هولاكو، فتاقت نفسه إلى السيطرة ~~على القطر العراقي وما إليه، وعزم على أن يبعث بجيش كبير يحتل هذه الديار بعد أن احتل ~~فارس وفتك بأهلها أشد الفتك، وهكذا كان، فقد أرسل أخاه هولاكو في سنة 655ه إلى البلاد ~~العراقية، بعد أن استولى على فارس كلها كما سنفصله. # ولما أن تم السلطان لهؤلاء التتار على العراق، وقضوا على الدولة العباسية، أخذت ~~النكبات تترى على العالم العربي ودوله واحدة تلو الأخرى، ولم تعرف البلاد طعم الحرية ~~والعزة القومية خلال سبعة قرون ذاقت فيها كئوس الذل ألوانا وأشكالا، وحكم فيها ~~المغولي والتركماني والتركي والفارسي حكما أمات الروح العربية، وحاول أن يقضي على كل ~~ما فيها من كرامة قومية، ولولا نفحات كانت تهب في الفينة بين الفينة فتبعث بعض العزة ~~والكرامة العربيتين الأصيلتين من شعر شاعر مكلوم، أو نفثة أديب مصدور، أو خطبة خطيب ~~متألم، لانمحت روح العروبة، ودرست آثارها - لا قدر الله. # إن في النهضة العربية التي نراها اليوم بين صفوف الشعوب العربية من مراكش إلى العراق ~~لبشارة طيبة تؤكد أن الله سبحانه قد أذن لهذه الأمة الكريمة ms003 أن تستعيد مجدها، وتعمل في ~~سبيل عزها وكرامتها، حقق الله ذلك، وسلك بنا مسالك الخير والفلاح، والوحدة ~~والسداد. # الفصل الأول # | العراق في القرن السابع للهجرة # اضطربت الحالة العامة في العراق اضطرابا شديدا منذ فجر القرن السابق، واستمر هذا ~~الاضطراب إلى هذا القرن، ففي القرن الماضي كان الأمر كله بيد الأعاجم من الفرس ~~والأتابكة والترك، ولكنهم كانوا على شيء من معرفة الإدارة والاطلاع على السياسة وخشية ~~الجانب العربي، أما في هذا القرن فقد ساءت حالة أولي الأمر، وبخاصة الخلفاء، إلى درجة ~~أصبح معها من المستحيل بقاء الحكم في أيديهم ولو اسميا؛ لأنهم استسلموا للمماليك ~~والخصيان والجواري الذين سيطروا على قصورهم، وتحكموا فيهم كل تحكم، حتى أصبح ~~الخليفة ووزيره ورجال قصره كالدمى يتلاعب بها المستبدون من الأعاجم. وإن من البديهي أن ~~يكون الخلفاء العباسيون قد أحسوا بالخطر الذي سيجلبه عليهم تسلط الفرس على أمور الدولة؛ ~~ولذلك حاولوا التخلص منهم فجاءوا بالترك وسلطوهم عليهم، وكان هذا بلاء جديدا ومرضا ~~أفتك من المرض الأول دخل جسم الأمة العربية؛ لأن الفرس كانوا قوما ذوي حضارة قديمة ~~وعلم موروث، فلما توطدت أركانهم في الدولة العربية نشروا علمهم، وبعثوا حضارتهم، أما ~~الترك فقوم لم يعرفوا بحضارة، ولا روي عنهم علم موروث، فلما استولوا على زمام أمر ~~الدولة العربية سيطر عليها الجهل، وعمت الفوضى، وفشا الفساد، وأصبح من الطبيعي أن تصل ~~الدولة العربية إلى حالة مزعجة من الفساد. # لقد كان لهولاكو عيون يراقبون وضع الدولة العربية في البلاد ويقدمون إليه الرسائل ~~والتقارير، فيحيط علما بكل دقيقة وجليلة، كما أنه كان من المعقول جدا أن يكون بعض ~~الأمراء والحكام يأتمرون بأمره، وينفذون خططه، كما كان نفر منهم يأتمر بأمره وهو في ~~الظاهر يعمل باسم الخليفة أو وزيره، ولعل أكبر دواعي تمكن المغول في البلاد العراقية ~~بهذه السرعة العجيبة أن الترك المنبثين في كافة الأقطار كانوا يعملون للقضاء على ~~السلطان العباسي، وتوطيد ملك المغول. ~~••• # ذكر جمهور المؤرخين أن المغول قد ظهر أمرهم في أوائل القرن السابع للهجرة حينما ~~استولوا بقيادة ms004 زعيمهم «جنكيز خان» على بخارى، وسمرقند، وبلخ، وفتكوا بأهلها المسلمين ~~شر فتك، وكان ذلك في سنة 616-617ه، وقد فعلوا بالأهلين أفاعيل فظيعة من حرق مدنهم، ~~وبقر بطونهم، وهتك أعراض نسائهم، والتمثيل بأطفالهم وشيوخهم، ثم انساحوا إلى إيران ~~فتملكوها بعد أن خربوا العواصم والمدن الكبرى كمدينة «الري» و«أصفهان»، وكثير من مدن ~~إقليمي أذربيجان وخراسان، ثم أخذوا يعدون العدة لغزو العراق، ففي سنة 633ه/1236م ~~هاجموا مدينة «إربل»، وساروا إلى «نينوى»، ولكنهم ردوا على أعقابهم، ثم عادوا في ~~السنة التي بعدها فهاجموا مدينة «إربل» ثانية وحاصروها مدة حتى افتدى أهلها أنفسهم ~~بالمال، ثم عادوا إليها ثالثة في سنة 635ه، ففتكوا بالسكان واحتلوا المدينة ثم ساروا ~~حتى بلغوا تخوم بغداد، فخرج إليهم الجند العباسي وعلى رأسه الأميران شرف الدين إقبال ~~الشرابي ومجاهد الدين الدوبدار فهزماهم، ولكنهما خافا من عودتهم؛ فنصبا المنجنيقات على ~~سور بغداد، وفي أواخر هذه السنة عادت جيوش المغول إلى العراق فوصلت «خانقين»، فلقيها ~~الجيش العباسي وحمي الوطيس، ثم دارت الدائرة على الجيش العباسي، ورجعت فلوله إلى ~~العاصمة بعد أن قتل منه مقتلة عظيمة، وغنم المغول غنائم جمة في كل هذه المعارك، ~~وبخاصة معركة «خانقين»، فقد روى المؤرخان «ابن الغوطي» و«ابن العبري» أنهم قد رجعوا ~~بغنائم كبيرة وأسلاب وفيرة، وأن الأهلين لاقوا منهم بلاء عظيما. # 1 # وقد استمر المغول في هجماتهم هذه نحو خمس عشرة سنة كاملة يغيرون على البلاد في كل سنة ~~فيفتكون بالأهلين، ويبثون العيون، ويثيرون الذعر، ويعملون على الفت في عضد الدولة، ~~وتخويف أهلها، وإيجاد الشغب بين الناس، ويرجعون بالغنائم والأسلاب، إلى أن تولى أمرهم ~~«مفكوقان» أخو «هولاكوقان» في سنة 648ه/1251م وكان ذا آمال كبيرة، وطموح عظيم، فعزم ~~على القضاء على الخلافة العباسية، والاستيلاء على ممتلكاتها، وأخذ يرتب أموره ترتيبا ~~قويا، وينظم جنده تنظيما عسكريا، ويعمل على تأسيس دولة كبرى بالمعنى الصحيح بعد أن ~~كان الأمراء المغول قبله يسيرون سيرة رؤساء العشائر، وقد تفرس في أخيه «هولاكوقان» ~~أنه يستطيع مساعدته في تدويل قبائله، ونشر سلطانها على العالم، وهكذا كان؛ ms005 ففي سنة ~~651ه/1523م بعث بأخيه هولاكو لفتح إيران والعراق وبلاد الروم، فدخل إيران، وخرب ~~قلعة آلوت حصن الإسماعليين، وقضى على آخر ملوكهم، والمؤرخون يذكرون أنه بينما كان يحارب ~~الإسماعليين بعث رسولا إلى الخليفة يطلب إليه أن يساعده على الإسماعليين، وقد أراد ~~الخليفة إنفاذ جيش لمعونته، ولكن رجال الدولة حالوا دون ذلك، فغضب هولاكو غضبا ~~شديدا، وقال: ما لهذا يدعي أنه خليفة المسلمين ولا يتقدم لحماية عقيدة الإسلام من ~~هؤلاء الملاحدة؟! وعزم منذ ذلك الحين على الفتك بالخليفة، ولما تم له القضاء على ~~الإسماعيليين سار بقواه إلى بغداد في أوائل عام 655ه/1257م، وكان قد أرسل إلى ~~الخليفة المستعصم بالله قبل زحفه على بغداد رسالة يتوعده فيها، ويهدده ويستنكر عدم ~~مناصرته وتسيير جيوشه لمعونته في حرب الملاحدة أعداء الإسلام، فلما وصلت الرسالة إلى ~~الخليفة اضطرب وجمع رجاله، وأخذ يشاورهم فيما يفعل، فاختلف أمرهم، والخليفة متحير لعلمه ~~بفساد بطانته واختلال جنده وتفرق قادته، وعلمه بأن أكثرهم منطو على الغدر والخيانة، ~~وقد تأكدت ظنونه هذه لما بلغه أن حاكم مقاطعة «درتنك» # 2 # على الحدود الإيرانية، الأمير حسام الدين، قد ذهب إلى هولاكو، وعرض عليه ~~ولاءه، فأعاده إلى مقاطعته، وولاه إياها مع أعمال أخرى، ولما عزم هولاكو الزحف على ~~بغداد تهيب الأمر، ولكنه صمم على ذلك وتوجه إليها، كما بعث إلى قادة الجيوش التي كان ~~بعث بها إلى بلاد الروم أن تغير وجهتها وتسير إلى بلاد الموصل وتحاصرها في الوقت الذي ~~يكون فيه قد حاصر بغداد، وحدد لهم مواعد يلتقون معه فيها حول بغداد، ثم بعث إلى بعض ~~الفرق المرابطة في إيران أن تسير إليه أيضا حتى تجعل بغداد محاطة ب «كماشة» من ميمنتها ~~ومن ميسرتها، وكان ذلك في أواخر المحرم سنة 655ه، ثم إنه سار نحو العراق فدخله من طريق ~~قرميسين (كرمنشاه) في جمهرة كبيرة من القواد والعلماء والأفاضل، وفيهم نصير الدين ~~الطوسي العالم الشهير، والصاحب عطا ملك الجوني العالم الكاتب المعروف. # ولما وصل إلى حدود «حلوان» علم أن الجيوش العباسية قد خرجت للقائه ms006 في «بعقوبا»، ~~و«باجسرى» بقيادة الأمير مجاهد الدين أيبك الدواتدار، والأمير فتح الدين بن كر، والأمير ~~قراسنقر القبجاقي، ولما التقى الجيشان حمل المغول حملة صادقة، فتفرق الجند العباسي، ~~وقتل قراسنقر وفتح الدين، وتفرقت الجنود، وهلك قسم كبير منهم غرقا في دجلة، أما ~~ابن الدواتدار فإنه استطاع الرجوع إلى بغداد منهزما ، وأحاط المغول ببغداد في منتصف ~~المحرم سنة 656ه/1258م، وأخذوا يضربونها بالمجانيق حتى ضاق الناس ذرعا بالحصار واشتدت ~~الحالة، وخاف القائد ابن الدواتدار مغبة الأمر فحاول الفرار من دجلة، ولكن المغول ~~أخذوا يقذفونه بقوارير النفط الملتهب حتى اضطروه إلى العودة فعاد إلى بغداد، وأحس ~~الخليفة بسوء العاقبة، فبعث في أواخر المحرم من تلك السنة بابنه الأمير أبي الفضل عبد ~~الرحمن ومعه الوزير، وجمع من عظماء المدينة مع هدايا كثيرة إلى هولاكو، ولكن هذا رفض ~~استقبالهم، وطلب إليهم أن يبعثوا إليه بالخليفة نفسه ليفاوضه، وأمر جنده بالكف عن ~~القتال حتى يسمع من الخليفة، ولكن الخليفة لم يذهب وبعث إليه بابن الدواتدار ومعه ~~سليمان شاه بن برجم وهو من كبار القادة فقتلهما هولاكو، وأخذ الرعب يدب في قلوب ~~البغداديين، وسادت الفوضى في المدينة الجميلة، وعزم الخليفة على أن يخرج هو وأولاده ~~الثلاثة أبو الفضل عبد الرحمن، وأبو العباس أحمد، وأبو المناقب المبارك، في عدد كبير من ~~الأمراء العباسيين والعلويين إلى لقاء هولاكو، وعرض الخضوع عليه، فلما وصلوا إليه ~~أحسن استقبالهم أول الأمر وطيب خواطرهم، ثم طلب إليهم أن يبعثوا إلى الخليفة بأن ~~يأمر الجند بإلقاء السلاح والتسليم، فأمرهم بذلك واستسلمت المدينة، فدخل هولاكو وجنده ~~إليها، وتولوا زمام الأمر فيها، ثم إن هولاكو أمر بوضع الخليفة والأمراء والأشراف ~~في مكان خاص محجورا عليهم، ثم شرعت سيول الجنود تنحدر نحو المدينة، ولما ملئوا ~~شوارعها وأسواقها أمرهم هولاكو بالفتك وقتل الناس، وسلب أموالهم، وهدم بيوتهم. # وقد اختلف قول المؤرخين في عدد قتلى أهل بغداد، فروى ابن الغوطي أن عددهم بلغ ~~ثمانمائة ألف نسمة عدا من ألقى نفسه في الأنهار، وعدا من هلك من الأطفال، ومن هلك ~~بالقنوات ms007 والآبار والسراديب فمات جوعا وخوفا. # 3 # وروى الجلال السيوطي أنهم بلغوا ألف ألف نسمة، وقال آخر: بل إنهم قاربوا ثلاثة آلاف ألف، # 4 # ولم يسلم أحد من الناس إلا من كان مختبئا في الآبار والقنوات والسراديب، ~~وإلا من كان لاجئا إلى إحدى الدور الثلاث التي قال هولاكو: إن من دخلها كان آمنا ، ~~وهي دار مؤيد الدين بن العلقمي الوزير، ودار فخر الدين بن الدامغاني صاحب الديوان، ودار ~~تاج الدين بن الدوامي صاحب الباب. ويظهر أن هؤلاء الثلاثة كانوا متآمرين مع هولاكو ~~على الخليفة، وقد نودي بعد ذلك بالأمان، فخرج المختبئون ووجوههم مصفرة، وحلومهم طائشة، لما ~~شاهدوا من الأهوال والويلات التي يعجز القلم عن وصفها، والفكر عن وعيها. # وفي اليوم الجمعة تاسع صفر سنة 656ه دخل هولاكو المدينة وقصد دار الخلافة واستدعى ~~إليه الخليفة، فقدم عليه وهو مندهش ذاهل، فقال له هولاكو: طب نفسا ولا تضطرب. ثم طلب ~~إليه أن يظهر ما لديه من الثياب والأموال والرياش والكنوز، ففعل، وكانت أشياء لا يقدر ~~ثمنها نفاسة مما كان الخلفاء الأقدمون قد ادخروه منذ تأسيس الخلافة العباسية، فاستولى ~~هولاكو على ذلك كله، وأمر بحمله إلى ركابه. # وترك بغداد لفساد هوائها من كثرة الجيف وانتشار الأوبئة والأمراض، وطلب إلى بعض ~~رجاله أن يتولوا الإشراف على الخليفة ويسيئوا معاملته هو وأهل بيته، ثم يقتلوهم جميعا ~~ويقضوا على البيت العباسي، وهكذا فعلوا حتى إذا كان يوم 14 صفر سنة 656ه قتل الخليفة ~~وأولاده الثلاثة، ثم في اليوم التالي قتل جميع الأمراء العباسيين والعلويين حتى لم تبق ~~منهم باقية. # وهكذا زالت الخلافة العباسية التي استمرت من يوم 12 ربيع الأول سنة 132ه/749م إلى ~~أوائل صفر سنة 656ه/1258م، وبزوالها زال الحكم العربي وانقرضت الخلافة العباسية، ونتج ~~من هذا نتائج جد خطيرة لا في العراق وحسب، بل في العالمين الإسلامي والعربي كما سنرى ~~تفصيل ذلك بعد. # ولما استقر المغول في بغداد خضعت لهم كافة الديار العراقية، وعهد هولاكو إلى ~~الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي آخر وزراء الدولة العباسية ms008 بأن يهتم بشئون بغداد ~~وما إليها، وقد استعان مؤيد الدين بطائفة من رجالات الإدارة في العهد العباسي، فأعاد ~~فخر الدين بن الدامغاني صاحب الديوان السابق إلى وظيفته، وعهد للأمير علي بهادر بوظيفة ~~الشحنة، وللأمير نجم الدين أحمد بن عمران بكافة الأعمال الشرقية، ولتاج الدين علي بن ~~الدوامي بالأعمال الفراتية، وللقاضي نظام الدين عبد المنعم بالقضاء، ولعز الدين بن أبي ~~الحديد بالكتابة، ولطائفة أخرى من رجالات العهد الماضي بالوظائف الكبرى الأخرى، فأخذت ~~الطمأنينة تعود شيئا فشيئا إلى البلاد، واستطاع من بقي من الناس أن يفتشوا عن أموالهم ~~وأعمالهم، وشرع الموظفون ورجال الإدارة الجدد بترميم ما يمكن ترميمه من المساجد ~~والمدارس والربط والقصور والدور والجسور والشوارع والأسواق. # وصفوة القول: أن المحتل لم يبدل نظام الحكم - كما هي السنة - بل استبقى الحالة ~~على ما هي عليه، وحفظ التراتيب الإدارية على سابق عهدها، إلا أنه جعل رئاسة الأمور ~~مربوطة دائما برؤساء من المغول يرجع إليهم الوزير ممن دونه، ويتصرفون بالبلاد كما يوحي ~~إليهم، واستمر الوزير ابن العلقمي في عمله وسيطا بين المغول وأهل البلاد حتى هلك في ~~جمادى الأولى من السنة نفسها، فخلفه ابنه عز الدين أبو الفضل في منصب الوزارة، وسار ~~بالناس سيرة أبيه، ولم يأت بشيء جديد سوى أنه طلب إليه أن يحصي أهل بغداد فأحصاهم، ~~وجعل عليهم أمراء ألوف، وأمراء مئات، وأمراء عشرات، وقرر على كل إنسان - ما خلا ~~الأطفال والشيوخ - مبلغا مسمى من المال يدفعه في كل سنة، واستمرت هذه الضريبة حتى ~~أزالها الوزير الذي جاء من بعده، ولم يطل عهد ابن العلقمي فهلك وله من العمر أربعون ~~عاما في سنة 657ه، فخلفه الوزير علاء الدين عطاء ملك الجوني في ذي الحجة سنة 657ه، ~~وجعل علاء الدين عمر بن محمد القزويني معاونا له، وقاسى الناس في هذه الفترة ويلات من ~~تأدية الضرائب الكثيرة التي كانت تفرض عليهم، وتؤخذ منهم بالقوة. # وفي هذه الفترة جاء العراق موفدا من قبل هولاكو العالم نصير الدين الطوسي للتفتيش ~~على أحوالها، والبحث عن أمور أوقافها ms009 وأحوال أجنادها ومماليكها، وقد جمع في أثناء رحلته ~~هذه كثيرا من الكتب العلمية وأخذها من العراق، وكان أكثر هذه الكتب متعلقا بعلوم ~~الفلك والرياضيات لعزمه على إقامة رصد في مدينة «مراغة» تنفيذا لأمر هولاكو، وقد ~~أقام في العراق مدة وهو يفتش مصالحها، ثم رحل إلى «مراغة» حيث يقيم هولاكو، ولما عاد ~~نصير الدين من رحلته هذه قدم تقريرا مفصلا عن أحوال البلاد العراقية، وبين لهولاكو ~~سوء الحالة وفساد السياسة الخرقاء التي تسير عليها الولاة، فوعده بعد تلاوته بإصلاح ~~الحالة، ولكنه فوجئ بالمرض وهلك في ربيع الآخر سنة 663ه، ولم يقم بأي إصلاح، واستمرت ~~الفوضى حين ولي ابنه إباقا خان، فعهد بالعراق إلى الصاحب علاء الدين عطاء ملك الجوني، ~~وأوصاه بحسن السيرة، والعمل على تعمير البلاد، وإحياء المدارس والربط، وإصلاح شئون ~~الحج، ففعل الجوني ذلك كله، واطمأن الناس على أنفسهم وأموالهم بعض الاطمئنان، وفي سنة ~~667ه/1268م زار إباقا خان بغداد لمراقبة الحالة عن كثب، ثم خرج منها وقد رتب ~~الأمور، ثم عاد إليها ثانية في سنة 672ه/1273م ومعه جمهرة من القواد والعلماء، وعلى ~~رأسهم النصير الطوسي، ففتش المصالح الديوانية، وأمر بالإصلاح والإحسان وتخفيف الضرائب ~~عن كاهل الناس، وكتب ذلك على حيطان المدرسة المستنصرية الكبرى، وطلب إلى النصير الطوسي ~~أن يتصفح أحوال الأوقاف وشئون طلاب العلوم والمتصوفة، ثم زارها للمرة الثالثة في سنة ~~680ه/1281م ليكون قريبا من الشام، حيث بعث بأخيه الأمير «منكوتمر» مع جيش عظيم لفتح ~~الشام ومصر، وقد بلغه أن صاحب دمشق الأمير «سنقر الأشقر» قد فتك بجيشه فتكا ذريعا، ~~فطلب إلى الباقية أن تعود من الشام إلى العراق، ولما وصلوا العراق ودخلوا بغداد لقيت ~~الأهالي منهم بلاء عظيما إلى أن رحلوا عن بغداد في أواخر هذه السنة قاصدين إيران، ~~ولما وصلوا إلى «همدان» مرض هناك إباقا خان وأحس بدنو أجله، فعهد بالأمر بعده لابنه ~~أرغون، ولكن الأمراء اجتمعوا على تسليم الأمر إلى الأمير تكودار بن هولاكو، وقد كان ~~أول من أسلم من أولاد هولاكو وتسمى باسم أحمد، فقام بالأمر ms010 أحسن قيام، ونظم حالة ~~العراق وكتب إلى السلطان الملك المنصور الألفي صاحب الشام ومصر رسالة يقول له فيها: «إن ~~الله سبحانه حبانا بالأبلخانية، وأمرنا بالعدل وحقن الدماء، فإن أردت الموادعة فنحن نكف ~~عسكرنا عن قصد بلادك، ونفسح للتجار في السفر كيف شاءوا، فإن فعلت ذلك، وإلا فعين ~~للقتال موضعا، واعلم أن الله سبحانه يطالبك بما يسفك بيننا من الدماء.» # 5 # وقد لقيت هذه الرسالة أذنا صاغية من الملك المنصور، فكتب إليه أن يوادعه، وهكذا استتب ~~الأمن في الشام وعادت التجارة إلى سابق عهدها فترة غير قصيرة، وعاد الأمن والسلام إلى ~~العراق في هذه الفترة التي كان يتولى أموره فيها حاكم عالم عاقل هو الصاحب علاء الدين ~~عطاء ملك الجوني، # 6 # ثم من بعده ابن أخيه الصاحب شرف الدين هارون بن الصاحب شمس الدين الجوني، ~~فقد كان كل منهما على جانب من العلم عظيم، كما كان بارعا بالإدارة وحسن التصرف، ولولا ~~الفتنة التي وقعت بين السلطان أحمد وبين أرغون خان لاستراح الناس قليلا، ولكن هذه ~~الفتنة أزعجت الناس إلى أن قضي على السلطان أحمد، وتم الأمر لأرغون خان، فأول ما قام به ~~هو أنه عهد في 10 جمادى الأولى سنة 683ه/1284م إلى أخيه أروق بإدارة شئون العراق، فسار ~~إليه وقبض على الصاحب شرف الدين هارون وجماعته وقتلهم بعد أن عاملهم شر معاملة واستخلص ~~أموالهم، ثم رحل عن العراق وأناب عنه فيه الأميرين عز الدين الإربلي ومجد الدين إسماعيل ~~بن إلياس، وطلب إليهما أن يهتما بجمع الضرائب وإدارة الأمور وتصريفها، وقد قاسى أهل ~~العراق وبغداد خاصة ويلات شدادا من كثرة غلاء القوت وانتشار الأمراض، ومن جراء تحكم ~~سعد الدولة بن الصفي اليهودي الحكيم، الذي كان يتولى أمور الإشراف على ديوان العراق، ~~وكان يهوديا خبيثا داهية استطاع ببراعته في علم الطب أن يتوصل إلى هذه الوظيفة ~~السامية ويتحكم في رقاب الناس، وظل الأمر على هذا الحال إلى أن تولى أمور العراق «قطلغ ~~شاه» في سنة 686ه/1287م، فأول عمل قام به هو أنه طلب ms011 من السلطان إبعاد هذا اليهودي ~~الخبيث عن عمله، فأبعد عنه، ولكنه رحل إلى «الأردو» حيث يقيم السلطان وسعى للتقرب منه ~~والخلوة به، فكان له ما أراد، ثم أرسله السلطان إلى بغداد، فلما وصلها أراد أن يتقرب ~~من الناس، ويستعيد مكانته، فكتب إلى السلطان يقول له: إن «قطلغ شاه» قد فرض على الناس ~~أموالا على سبيل الاقتراض، وثقل عليهم في استيفائها، وإن الناس قد ضاقوا ذرعا به، ~~فأمره السلطان بإسقاط ما قرره على الناس من القروض، وحمد الناس لصفي الدين هذه المنقبة، ~~ثم توصل على استعادة وظيفته وهي الإشراف على ديوان العراق، ثم زادت مكانته حتى سمي ~~«صاحب ديوان الممالك العراقية»، وسمى أخاه فخر الدولة، ومهذب الدولة نصر بن الماشيري ~~اليهودي ليقوما بأعمال الديوان، وأمر بالقبض على زين الدين الحظائري ضامن التمغات، وعلى ~~مجد الدين إسماعيل بن إلياس ضامن أعمال «الحلة» ونائب الديوان ببغداد، بعد أن اتهمهما ~~بالاختلاس، وصادر أموالهما، وشهرهما في السوق ثم قتلهما، وكان الزين الحظائري من ~~محاسن الزمان، عالما فاضلا أديبا جوادا، # 7 # ولكن هذا المجرم اليهودي حنق عليه فقتله أشنع قتلة. # وقد ظل نجم سعد الدولة اليهودي في صعود حتى إنه بعث بأخيه أمين الدولة حاكما للموصل ~~وما إليها، وكان شريرا فأساء إلى الناس، وضاقوا به وبأخيه ذرعا حتى إنهم اجتمعوا في ~~المساجد يحملون على اليهود ويدعون عليهم، واجتمع نفر من أعيان الناس وكتبوا محضرا ~~يتضمن طعنا في سعد الدولة وأهل بيته وأعوانه من اليهود، وضمنوا هذا المحضر طرفا من ~~الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تنص على أن اليهود قوم أذلهم الله، وأن من ~~يحاول إعزازهم أذله الله، ورفعوا ذلك إلى السلطان أرغون، فبعث السلطان بالمحضر إلى سعد ~~الدولة، وحكمه في الذين وقعوا في أدناه، ولكنه خاف مغبة الفتك بهم فلم يؤاخذ واحدا ~~منهم، سوى أنه صلب جمال الدين بن الحلاوي ضامن تمغات بغداد، واضطرب الناس لهذه ~~الحادثة وسكنوا فترة حتى إذا أجمعوا أمرهم قاموا بثورة عنيفة أحرقوا فيها دور اليهود، ~~ونهبوا أملاكهم، ولم تسلم من هذا ms012 العمل مدينة من مدن العراق، وفتك الناس بسعد الدولة ~~وإخوته، وكثير من أعيان اليهود وأوباشهم؛ لأنهم أساءوا التصرف، وعاملوا الناس شر ~~معاملة، وبخاصة سعد الدولة فإنه أضر بالمسلمين وبنفقات جوامعهم وأوقافهم، فتألم الكل ~~منه، ومما قيل من التألم منه ومن توقع زواله: # يهود هذا الزمان قد بلغوا # مرتبة لا ينالها فلك # الملك فيهم والمال عندهم # ومنهم المستشار والملك # يا معشر الناس قد نصحت لكم # تهودوا قد تهود الفلك # فانتظروا صيحة العذاب لهم # فعن قليل ترونهم هلكوا # وقد جرى على اليهود من المصاب عند قتله والوقيعة بهم ما لا يحصيه قلم أو يسعه كتاب. # 8 # كل هذه النكبات حلت بالعراق من جراء تساهل السلطان أرغون وواليه على العراق قطلغ ~~شاه، وقد ظلت هذه الفظائع تحل بالشعب المسكين حتى هلك سعد الدولة اليهودي، وقتل قطلغ ~~شاه، ومات السلطان أرغون في سنة 690ه. # ففي تلك السنة مات أو سم أرغون خان وجلس كيخاتو خان على سرير المغول، وكان ~~صاحب أهواء وفسق عجيبين، كما أنه كان مسرفا شديد الإسراف، وقد لقيت البلاد منه شرا ~~مستطيرا فقلت الأموال وانعدم النضار واللجين من أيدي الناس حتى إنه اضطر إلى ~~أن يصدر عملة ورقية عرفت باسم «الجاو»، فقد ذكر المؤرخ وصاف في تاريخه أن في هذه ~~السنة 693ه وضع صدر الدين صاحب ديوان الممالك بتبريز، عاصمة الإمبراطورية المغولية، ~~«الجاو» وهو كاغد مستطيل الشكل عليه ختم السلطان (تمغة) عوض السكة على الدنانير ~~والدراهم، وفي أعلاه كلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وأمر الناس أن يتعاملوا ~~به، وقد حبب بعض الشعراء هذه العملة للناس، وجعلها فاتحة خير ويسر، واتخذوا الصنعة دار ~~سك، كما سموا بعض الموظفين لطبعه وتمغه، # 9 # وقد كانت هذه العملة الورقية الجديدة متنوعة القيم من العشرة دنانير إلى ~~الدرهم ونصف الدرهم وربع الدرهم، وقد لقي الناس كثيرا من المصائب بسببها واضطربت ~~أحوالهم بها جدا، حتى كان الرجل يضع الدرهم في يده تحت «الجاو» ويعطيه الخياط أو ~~اللحام، ويأخذ حاجته خوفا من أعوان السلطان. # وفي ms013 عهد كيخاتو تولى العراق الأمير جمال الدين الدستجرداني، فكان أول عمل قام به هو ~~أنه جمع أموالا جمة من الأهلين، كما أنه أخذ كثيرا من السلاح والكراع منهم وتوجه به ~~إلى مقر السلطان، فاستحسن السلطان ذلك منه، وأقره على ولايته، وأعاده إلى العراق مع ~~أمير مغولي يدعى ينطاق ليتولى إدارة الأمور معه. # وفي سنة 694ه، عزل كيخاتو الأمير جمال الدين وولى محله شمس الدين محمد السكورجي ~~التركستاني، وكان رجلا حازما عاقلا مدبرا، فأحسن تصريف الأمور وأزال عن الناس ~~بلواهم، وصرف عن أهل العراق ما كان حدده عليهم جمال الدين الدستجرداني من الضرائب ~~الظالمة، والمكوس الكبيرة، ولما هلك السلطان كيخاتو في سنة 694ه، وتولى بايدو خان عزل ~~السكورجي عن العمل وأعاد الدستجرداني إلى العراق، فكان أول ما صنعه هو أنه عمد إلى جمع ~~أموال الناس واستصفائها، وأخذ الضرائب الديوانية، كما طلب من التجار بعض أموالهم على وجه ~~المساعدة، وسار بما جمعه من الأموال إلى السلطان بايدو خان فأكرمه هذا غاية التكريم، ~~وأنعم عليه بلقب «مدبر الملك»، وكان بايدو خان عاتيا ظالما فتآمر عليه أمراؤه وشتتوا ~~شمله وولوا محله السلطان محمود غازان بن أرغون في سنة 694ه، وكان رجلا مسلما حازما ~~داعية للإسلام بين المغول، ذا سيرة طيبة، فلقي العراق في عهده شيئا من الهناء والراحة ~~والأمن، وخصوصا حينما زار بغداد في المحرم من سنة 696ه/1297م، فقد روى المؤرخون ~~أنه توجه إلى العراق بجيش كبير، وأنه لم يؤذ أحدا من الأهلين، كالعادة حين يدخل المغول ~~العراق، بل كان هو وجنده لا يأخذون من أحد شيئا من ماله إلا بالابتياع الشرعي، ~~والكرامة واللطف، وما ذلك إلا لأن السلطان غازان كان شديد المراقبة لجنده، ولما دخلوا ~~بغداد لم يجلوا أحدا عن داره بالقوة، كما كان يفعل السلاطين السابقون، بل أحسنوا ~~معاملة الناس، وأول ما قام به السلطان حين دخوله بغداد هو زيارته للمدرسة المستنصرية ~~الكبرى، وإكرامه لطلابها وأساتذتها، وكان لا يصدر في جميع أعماله إلا عن فكر صائب ورأي ~~حازم على صغر سنه، ولم ms014 يؤخذ عليه شيء من العنف والطيش والبطش خلال سلطانه الذي دام عشر ~~سنوات سوى شدته في حرب بلاد الشام، فقد كانت حروبا طاحنة لقيت الشام منها ويلات على ما ~~سنبينه بعد. # أما أعماله العمرانية فكانت كثيرة في العراق وإيران من حفر للترع والأقنية والأنهار، ~~وبناء للحدائق والربط والمدارس، وإشادة لدور العلم والحديث والقرآن، والجوامع، ومكاتب ~~الأيتام، قال الأستاذ عباس العزاوي: «وعلى كل حال كانت خيراته عميمة، وعماراته في ~~العراق والخارج كثيرة، واتخذ له مدفنا في ظاهر تبريز، وهو ما تعجز العبارة عن بيانه، ~~وجعل فيه من أبواب البر ما لا يوصف من مدرسة، وخانقاه، ودار الحديث، ودار القرآن، ~~ومستشفى، ومكتب للأيتام، وله عمارات أخرى منها رباط سبيل في حدود همذان، ومن أهم ~~إصلاحاته أن لا يصدر «برليغ» أو «بايزه» # 10 # إلا بنظام خاص، وأصدر «برليغا» في إصلاح المرافعات، وانتخاب القضاة، ~~والاعتناء بالعدل، وتثبيت ما يجب أن تسير عليه المحاكم، ومراعاة مرور الزمان في ~~القضايا وفي ملكية العقارات، وتوحيد الموازين والمكاييل، وقرر العقوبات على من يظهر ~~في حالة السكر في المحال العامة، ومنع التعديات على التجار والمارة باسم «تسيير» ~~أو «أجرة محافظة طرق»، إلى آخر ما هنالك من المآثر الجميلة النافعة.» # 11 # ومن أعظم مآثره حسن ترتيبه الأعمال الإدارية في العراق، فقد كانت البلاد في عهد ~~أسلافه من السلاطين المغول طعمة لمن يختارونه من الرؤساء والولاة والنواب والقضاة، وكان ~~الأهالي يلقون من جراء ذلك تعديا فادحا، وقد كان السلطان «يضمن» البلاد إلى الوالي ~~أو الرئيس أو النائب على مبالغ معينة يؤديها إليه، فإذا جاء هذا الوالي أو الرئيس أو ~~النائب إلى البلاد عسف وظلم، وجمع من الضرائب أضعاف المبلغ المطلوب، فيبعث ما يبعث ~~ويستبقي لنفسه ما يريد، ويلقى الأهلون في ذلك من الويلات أشدها، فلما جاء غازان منع ذلك ~~كله وفرض على الناس ضرائب محددة ضمن القواعد الشرعية، وأوجب على واليه أن يأخذها من ~~الناس على أقساط، وفي مواعيد معينة، # 12 # وفي عهد غازان قضي على البدو الذين كانوا يعيشون في ms015 البوادي والديار ~~العراقية، ولا تكاد تخلو سنة من سني تاريخ العراق في هذه الحقبة من ثورة يقومون بها أو ~~غارة يغيرونها، وقد كانت الفتكة التي فتكها بهم في سنة 698ه درسا قاسيا ~~ومؤدبا. # هذا موجز ما مر على العراق من حوادث في القرن السابع للهجرة بعد سقوط الخلافة ~~العباسية، ويرى المتأمل أن العراق كان في حالة فاسدة، ولم يكن هذا الفساد منحصرا في ~~النواحي السياسية والإدارية وحسب، بل كان عاما في كافة مرافق الحياة من اجتماعية ~~ودينية وأدبية وعلمية، وسنرى تفصيل هذا في الفصل الخاص به. # وإذا كان العراق قد فقد الخلافة ومظاهرها وما تستتبعه من تكاليف، فإن الولاة والحكام - ~~وأكثرهم من الفرس أو المغول - كانوا يحاولون التشبه بهذه المظاهر ويفرضون على الناس من ~~سوقة وعامة وخاصة أن يلبوا طلباتهم، ويعطوا عن يد وهم صاغرون. أما حالة الشعب العامة ~~فقد كانت - كما رأينا - جد سيئة في الغالب، ولم تكن حال أهل الذمة - من نصارى ويهود - ~~أحسن حالا من المسلمين، بل كان الكل سواسية في تحمل ظلم هذا السلطان العاتي، غير أن ~~اليهود بدهائهم وخبثهم وحيلهم كانوا يستطيعون - على قلة عددهم - التسلط على نفوس ~~الحكام، والوصول إلى قلوبهم، ويستتبع هذا جر المغانم إليهم، وفرض نفوذهم على ~~الآخرين. # الفصل الثاني # | العراق في القرن الثامن للهجرة # أطل القرن الثامن على العراق ومحمود غازان هو سلطان على إيران والعراق، وهو طامع في ~~السيطرة على الديار الشامية، وطرد المماليك المصريين منها، وقد تم له فتح قسم من بلاد ~~الشام، وكان يطمع في فتحها كلها وضمها إلى مملكته، ولكن جيشه كسر في سنة 702ه/1302م، ~~وقتل منهم مقتلة عظيمة، كما أسر منهم جماعات، وقد اهتم غازان لهذه الحادثة كثيرا ~~فلحقته من ذلك حمى حادة، ومات مكمودا، # 1 # وكان قد أوصى بالملك من بعده لأخيه السلطان ألجايتو، فتولى الأمر في الثاني ~~من ذي الحجة سنة 703ه، وكان أول عمل قام به هو أنه أعلن إسلامه وتسمى محمدا وتلقب ~~بغياث الدين خدابنده ومعناها «عبد الله»، ثم انصرف إلى ترتيب ms016 أمور ممالكه وخاصة ~~العراق، فإنها قد كانت مضطربة بعد الكسرة التي مني بها الجيش المغولي في الديار ~~الشامية. # ولم يمض وقت طويل حتى عادت المياه إلى مجاريها، وانتظم حبل الأمن وخمدت الثورات ~~واستقرت له الحالة في كافة الولايات؛ لأنه أعلن أن من تحدثه نفسه بشق عصا الطاعة فسينال ~~أقصى العقوبة، ثم أرجع الأمور إلى ما كانت عليه أيام أخيه، فانتظمت الأحوال واستقرت، ~~لولا أنه قام بعمل ضاق الناس به ذرعا ولم يتحملوه وثاروا عليه من أجله، وهو أنه في سنة ~~707ه/1307م أظهر التشيع ودعا الناس إليه بعنف، وكان قبل هذا التاريخ جاريا على منهج ~~أهل السنة، أما في هذه السنة فإنه أمر بحمل الناس على التشيع وكتب بذلك إلى العراقين، ~~وفارس، وأذربيجان، وأصفهان، وكرمان، وخراسان، وبعث الرسل إلى البلاد، فكان أول بلاد وصل ~~إليها ذلك بغداد وشيراز وأصفهان، فأما أهل بغداد فامتنع أهل باب الأزج منهم، وهم ~~أهل السنة - وأكثرهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل - وقالوا: لا سمع ولا طاعة، وأتوا ~~المسجد الجامع يوم الجمعة في السلاح، وبه رسول السلطان، فلما صعد الخطيب المنبر قالوا ~~له: نحن اثنا عشر ألفا في سلاحهم، وهم حماة بغداد والمشار إليهم فيها، فحلفوا له أنه ~~إن غير الخطبة المعتادة أو زاد فيها أو نقص منها فإنهم قاتلوه، وقاتلو رسول الملك ~~ومستسلمون بعد ذلك لما شاء الله. وكان السلطان قد أمر بأن تسقط أسماء الخلفاء وسائر ~~الصحابة من الخطبة، ولا يذكر إلا اسم علي ومن تبعه كعمار رضي الله عنه، فخاف الخطيب من ~~القتل وخطب الخطبة المعتادة. # 2 # ولما رأى الرسول شدة حصاة العراقيين رجع وأخبر السلطان بما رأى، فتساهل معهم ~~ولم يقسرهم على شيء، إلا أنه ظل يفضل آل البيت عليهم السلام ويكرمهم، وكانت سيرته في ~~الغالب سيرة حسنة، وقد سعى في نشر الدين بين قبائل التتار حتى دخلوا فيه أفواجا، وقد ~~كان شديد التعصب لإسلاميته، مضيقا على أهل الذمة، وقد احتال اليهود في عهده كثيرا ~~وقاموا بأعمال إجرامية، وتستر بعضهم بستار الإسلام ms017 وهو يبطن اليهودية، ومن أخبث اليهود ~~الذين لعبوا دورا هاما في هذه الفترة امرأة أظهرت الإسلام وتزوجت الخواجة سعد الدين ~~الوزير، واتفقت هي والطبيب اليهودي نجيب الدولة الذي أظهر الإسلام أيضا، وأخذا يلعبان ~~أدوارا أقضت مضجع الأهلين، وفتكا بطائفة كبيرة من الأعيان والأشراف، وقد كانت هذه ~~العصابة المجرمة، وعلى رأسها نجيب الدولة وتلك المرأة الخبيثة، سبب نكبة طائفة من ~~الأغنياء والوجوه. # ومن يلاحظ في عهد السلطان محمد أن الأعراب وسكان البادية قد قوي أمرهم، وأضحوا أصحاب ~~نفوذ، وتدخلوا في شئون الحاضرة، ومن العشائر الكبيرة التي كان لها نفوذ في سورية ~~والعراق هذه الفترة آل الفضل، ورئيسهم مهنا بن عيسى، وزميله أحمد بن عميرة، وهذه ~~العشيرة كان لها نفوذ كبير، وهي من أفخاذ بني طي، وقد تملكت رحبة مالك بن طوق وما إليها، ~~وربما تملكت الموصل، فقد روى المؤرخون أن أحمد بن عميرة ذهب إلى السلطان في تبريز، وطلب ~~إليه أن يوليه على الموصل وما إليها فولاه إياها، وكان مهنا بن عيسى يلقب ملك العرب، ~~وقد لعب دورا خطيرا لما وقعت الفتنة في العراق وسورية بين الملك الناصر وبين أمرائه ~~في سورية قراسنقر المضوري وعز الدين الزردكاش وبلبان الدمشقي، فإن هؤلاء كانوا شقوا عصا ~~الطاعة على الملك الناصر، وتركوا ولاياتهم في الشام، وذهبوا إلى مهنا بن عيسى طالبين ~~إليه أن يعينهم بعشيرته، فوافقهم على ذلك وسار الجميع إلى ملك المغول خدابنده وأطمعوه ~~في السيطرة على الديار الشامية والمصرية والقضاء على دولة المماليك، وأنهم سيساعدونه ~~على الوصول إلى ذلك، فاقتنع بفكرتهم، وتوجه بنفسه على رأس جيش كبير إلى رحبة مالك، ~~وكان ذلك في شعبان سنة 712ه. # ولما طال حصاره للمدينة، وتعذر عليه فتحها، ووقع المرض في ~~جنده، وقلت المواد الغذائية عنده؛ اضطر إلى أن يرجع إلى بلاده بعد أن حاصرها شهرا. أما ~~قراسنقر وعيسى بن مهنا وجماعتهم فقد اضطروا إلى أن يرجعوا معه إلى العراق، ولما وصلوا ~~العراق أقطعهم بعض الولايات، فكان نصيب عيسى مدينة الحلة وما إليها، ثم إنه عاد إلى ms018 خدمة ~~الملك الناصر بعد أن أخذ مواثيق، فأذن له في أن يستمر في إقطاعه ببلاد الشام وهو مدينة ~~سرمين وما إليها من أعمال حلب، وهكذا استطاع أن يمتلك إقطاعين أحدهما في العراق والآخر ~~في الشام، فأقام ولده سليمان نائبا عنه في مدينة الحلة، وأقام ولده الثاني موسى نائبا ~~عنه في مدينة سرمين، وظل هو يتردد بين البلدين وينال الخلع والعطايا من الجانبين. وكان ~~يحرك أولاده وعشيرته فيثورون إذا ما تأخر ملوك الشام أو العراق عن تقديم العطايا والمنح ~~إليه، وكانت أعظم هذه الثورات الثورة التي قام بها ابنه سليمان في سنة 715ه/1315م، ~~فقد أغار مع عشيرته في أواخر ذي الحجة من تلك السنة مع جماعات من المغول على القبائل ~~العربية المرابطة في تدمر، وفتكوا بهم وخربوا بيوتهم وغنموا منهم مغانم كثيرة، ثم قفلوا ~~إلى العراق، وقد شجعهم السلطان خدابنده كثيرا على ذلك، كما شجع عرب الحجاز على ~~الثورة حينما قصد إليه أميرهم الشريف حميضة بن أبي نمي مستنصرا إياه على أخيه الشريف ~~رميثة أمير مكة، وقد أرسل خدابنده مع حميضة حاكم البصرة مع عدد كبير من المغول وبني ~~خفاجة للسيطرة على الحجاز وإقصاء رميثة التابع لنفوذ مماليك مصر، وقد وقعت بين الجانبين ~~مواقع كثيرة، ولولا أن جاء الخبر بموت خدابنده لما قضي على هذه الفتنة. # ولما مات خدابنده في سنة 717ه/1317م، تولى الأمر من بعده ابنه بهادر خان وهو طفل ~~لم يتجاوز العاشرة، فقام بالأمر جوبان وكان أميرا داهية ذا سيرة سيئة، سلك مسلك السلطان ~~خدابنده وتمم مشاريعه. وفي سنة 718ه حضر إليه الأمير فضل بن عيسى بن مهنا، وقدم إليه ~~تقدمة من الخيول العربية والهدايا النفيسة، فعهد إليه بإمارة البصرة وما حولها، واستمرت ~~له إقطاعاته التي كانت بالشام، ويظهر أن سلطان مصر المملوكي قد أحس بالدور الخطير الذي ~~يلعبه هؤلاء الأعراب، فأراد أن يسلط عليهم بعض العشائر البدوية، وعمل على إغراء بني ~~عقيل عليهم، كما أثار أعراب الأحساء والقطيف ضدهم، ولقيت مدينة البصرة منهم جميعا ~~ويلات ومحنا شدادا، حتى ms019 قيل إن بني عقيل أخذوا من بني مهنا ومن أهل البصرة ما يزيد ~~على العشرة آلاف بعير. # 3 # ولولا أن فتنة وقعت بين أمراء المغول أنفسهم، لاستمر جوبان على إغرائه بين ~~العرب. وتفصيل أمر هذه الفتنة أن أمراء المغول كرهوا انفراد جوبان بالأمر من دونهم، ~~وخصوصا بعد أن وزع نيابة السلطنة في الممالك العراقية والإيرانية بين أولاده. # فلما رأوا ذلك عزموا على الثورة عليه، ووقعت الفتنة بين الجانبين، وقتل منهما قرابة ~~ثلاثين ألفا، # 4 # حتى كاد أن يزول ملك المغول لولا أن جوبان أظهر براعة عظيمة فقضى على ~~خصومه، واستتب له الأمر. # 5 # ثم إنه رأى أن أول ما يجب عليه عمله هو أن يهادن سلطان مصر الملك الناصر ~~ويتقرب إليه، ففي سنة 720ه/1320م بعث رسلا من قبله ومن قبل بهادر خان، ومن قبل ~~الوزير علي شاه إلى سلطان مصر الناصر، وهم يحملون الهدايا والتحف والجواري والمماليك ~~مما قيمته خمسون تومانا، وكانت قيمة التومان وقتئذ عشرة آلاف درهم، # 6 # ولما وصلوا إلى مصر أكرمهم السلطان الناصر، ومما قاله له رئيس الوفد: «إن ~~أخاك الملك أبا سعيد يسلم عليك ويقول إن أباه خدابنده كان يقول: أنا والسلطان الملك ~~الناصر شيء واحد، والمسلمون جيش واحد، ونسكن الفتن القديمة، ونقيم الملة الإسلامية.» ~~وقد أجابه الملك الناصر جوابا لطيفا دل على استحسانه واستجابته، ثم عقد بين الجانبين ~~عهد صلح تضمن النقاط الآتية: ~~(1) # أن يمنع ملك المغول حضور الفداوية من بلاده، فلا يدخل أحد منهم. ~~(2) # أن من حضر من مصر إلى بلاد ملك المغول يكون لاجئا ولا يطلب، وأن من حضر ~~من بلاد المغول إلى بلاد مصر فلا يعود إلا أن يكون ذلك برضاه. ~~(3) # ألا يدخل بلاد ملك المغول مغير من العرب أو التركمان. ~~(4) # أن تكون الطريق بين البلادين مفتوحة يدخل فيها التاجر وغيره، فلا ~~يعارض. ~~(5) # أن يكون لملك المغول سنجق سلطاني يحمل في الركب الذي يخرج إلى مكة أثناء ~~موسم الحج. ~~(6) # ألا يطلب قراسنقر ولا يذكر بشر؛ لأنه لاجئ إلى ملك المغول، ونزيل ~~عنده ms020 فوجبت عليه حرمته. ~~(7) # أن يبعث السلطان الملك الناصر إلى الملك المغولي رجلا معروفا بالجودة ~~والأمانة ممن يوثق به في الأمور، وتكون معه نسخة يمين من السلطان، وأن ~~الملك المغولي يحلف على ذلك، ويستمر هذا الصلح، ويصير الإقليمان إقليما ~~واحدا. # وهكذا تم الاتفاق بين الطرفين وعاد الوفد من مصر بعد أن أنعم عليهم السلطان بالهدايا ~~والخلع، وكتب كتابا إلى ملك المغول بإقرار العقد، وأن العرب من آل مهنا قد كثر فسادهم ~~في البلاد وأنهم خارجون عن طاعة السلطان المصري، فيجب على السلطان المغولي ألا يمكنهم ~~من بلاده أيضا، ومما جاء في الجواب: «وإن العرب آل عيسى بن مهنا قد كثر فسادهم في ~~البلاد وخرجوا عن طاعتي، وقد أخرجتهم من بلادي وأريد أنا أيضا ألا تمكنوهم من الدخول ~~إلى بلادكم وتمنعوهم، وأنا أخرج عسكرا من عندي وأنتم أخرجوا عسكرا من عندكم، فنشيل ~~سائر العرب.» # 7 # ويظهر أن الجانبين كانا يلاقيان ضروبا من الفتن بسبب هؤلاء الأعراب المنتشرين في ~~بادية الشام، وعلى سيف الصحراء، وعلى الحدود الشامية العراقية، وقد مر بنا قبلا ما كان ~~نصيبهم في الفتنة التي وقعت بين سلطاني مصر والعراق، ومما يلاحظ أيضا في عهد الصلح ~~السابق أن الفداوية (الفدائية) كانوا يحتمون في مصر ويقومون بأعمال العنف المزعجة في ~~الديار العراقية؛ ولذلك كان أول شرط شرطه أبو سعيد ملك المغول والأمير جوبان هو منع ~~هؤلاء من الإقامة بأرض مصر، وأن يفرق شملهم، ويظهر أن المصريين كانوا قد شجعوا نفرا ~~منهم لاغتيال بعض أمراء المغول أو قتل نفر من المماليك المصريين الذين لجئوا إلى العراق ~~بعد حصول الفتنة بين سنقر وعز الدين الزردكاش وبلبان الدمشقي. # وقد استمرت مكاتبات الصلح هذه حتى سنة 723ه/1323م، فقد ذكر أبو الفداء أن في هذه ~~السنة ذهبت رسل السلطان أبي سعيد ورسل نائبه الأمير جوبان وتوجهوا إلى سلطان مصر ~~بالقاهرة ثم عادوا إلى بلادهم، # 8 # وهدأ العراقان وبلاد الشرق ومصر بعد فترة طويلة من الفوضى والاضطراب، وقد ~~زار العراق في هذا الوقت الرحالة العربي ابن بطوطة، ms021 وكان السلطان أبو سعيد هناك، فوصفه ~~وتحدث عن بعض مجالسه ولهوه وأحواله وأحوال صاحب دولة جوبان وأحوال ابنه دمشق خواجه، ~~وكيف كانت نهاية جوبان وأولاده جميعا مما سنراه مفصلا بعد. # إن من المؤكد أن العراق وجميع البلاد الخاضعة لحكم المغول كانت في الربع الأول من هذا ~~القرن تحت سيطرة جوبان وأولاده يتحكمون فيها كما يشاءون، وليس للسلطان أبي سعيد إلا ~~الاسم والمظاهر السلطانية، وقد ضاق السلطان بهذا الأمر ذرعا فعمل على التخلص من دمشق ~~خواجه فقتله، ثم أراد الفتك بأبيه فالتجأ إلى ملك هراة غياث الدين شاه فأكرمه أول الأمر ~~ثم دبر قتله وبعث برأسه إلى أبي سعيد، وتفرقت بقية أولاده في البلاد، ثم ألقي القبض ~~عليهم وقتلوا جميعا، # 9 # وقد تولى الوزارة بعده غياث الدين محمد بن الخواجة رشيد الدين، وكان رجلا ~~عاقلا اعتمده السلطان فأحسن سياسة الأمور، وأبطل كثيرا من المكوس والضرائب الظالمة، ~~وحسنت أحوال الناس في عهده، وقويت تجارة العراق مع البلاد المجاورة وخاصة الشام وإيران ~~والروم، وكانت البلاد العراقية على حالة حسنة؛ لأن واليها علي باش كان على جانب من ~~الكياسة والدين، وظلت أحوال البلاد حسنة طول عهد السلطان إلى أن فتك به داء الصرعة في ~~ربيع الآخر سنة 736ه/1335م وله من العمر بضع وثلاثون سنة، # 10 # فلما مات وقعت الفتنة في البلاد؛ لأنه لم يكن له ولد، وطمع في الملك بعده ~~خصومه وأمراء مملكته، فقد كان علي باش أمير بغداد طامعا في ذلك، وكان الأمير أربا خان ~~- وهو من كبار رجال الدولة - يحلم بذلك، وهو امرؤ قوي النفوذ والشكيمة، فنادى بنفسه ~~ملكا على البلاد، واستولى على إيران والعراق واشتعلت نار الفتن في البلاد جميعها، ~~وخصوصا حين غلب علي باش على أمره، وذهب إلى السيدة دل شاو زوجة السلطان أبي سعيد وطلب ~~إليها أن تذهب معه إلى بغداد وكانت حاملا، فذهبت معه وأعلن للناس أن الملك ينبغي أن ~~يكون لمن ستلده هذه السيدة، وبعث الدعاة بذلك إلى البلاد، ثم إنه أخذ يضيق على ~~البغداديين وسائر العراقيين، ms022 ويطلب إليهم أن يدفعوا إليه الأموال للدفاع عنهم من غارات ~~«أربا خان»، فجمع أموالا جساما، حتى قيل إنه لم يبق مع الأعيان والأغنياء شيئا، ~~ثم سير جيشه إلى مدينة سلطانية عاصمة المغول، وعمت الفوضى في البلاد، وتحكم فيها ~~الفساد والمتمردون، وقطعت الدروب وعمت الفتن، ثم وردت الأخبار بقتل أربا خان في سنة ~~736ه، وتسلطن بعده موسى خان، فلم تطل مدته سوى شهرين، وكانت مملوءة بالشرور ~~والثورات. # ويمكننا أن نعتبر أن سلطان المغول قد انقرض بتولي هذا السلطان، وكان ذلك على يد الشيخ ~~حسن الكبير الأبلخاني أمير بلاد الروم، فقد زحف على البلاد العراقية، ووقعت بينه وبين ~~موسى خان وعلي باش معركة كبيرة في تبريز، انتهت بتفرق جند علي باش، وهروب موسى خان، ~~وأسر علي باش وقتله. # 11 # وهكذا انقرضت الدولة المغولية في العراق والمشرق كله سنة 738ه/1336م، على الرغم من ~~بقاء بعض الأمراء المتغلبة المغول الذين أخذوا يعلنون سلطنتهم واستيلاءهم على بعض بقاع ~~الدولة مثل: سلطان محمد، وطفا تيمور، وصاتي بك، وسليمان خان، وجيهان تيمور، وغيرهم من ~~الأمراء الذين كان لا يدوم ملك أحدهم أكثر من شهرين أو ثلاثة، وقد لقي العراق منهم في ~~هذا القرن فتنا وويلات عظيمة، كما مرت به سنوات قحط شديدات إلى أن توطدت الأمور للدولة ~~الأبلخانية الجلايرية الجديدة على يد رئيسها الشيخ حسن الكبير. # انتظمت أمور هذه الدولة الجديدة بعد القضاء على المغول واستقرار الشيخ حسن الكبير في ~~بغداد وتنصيبه ابنه السلطان أويس حاكما على العراق، ولكن الأمور لم تستتب إلا في سنة ~~740ه/1339م، فقد استولت الدولة الجلايرية على الحلة وكانت تحت نفوذ الشريف أحمد بن ~~رميثة بن أبي نمي صاحب الحجاز، سلمه إياها السلطان أبو سعيد كما سلمه أمر عرب العراق، ~~فأحسن الشريف أحمد الإدارة فترة من الزمن، ولكنه فوجئ بمجيء الشيخ حسن الجلايري واضطر أن ~~يستسلم إليه، ولكن هذا قتله بعد أن أمنه، وكانت زوجته «دل شاه» بنت دمشق خواجه ملكة ~~العراق، وصاحبة الحل والعقد فيه، وكان أمرها نافذا في الممالك العراقية كلها، ms023 وكانت ~~امرأة ذكية تحب فعل الخيرات، وتعطف على أهل العلم والأدب والصلاح، وتعنى بإشادة ~~العمارات، وهي والدة السلاطين: أويس، وقاسم، وزاهد، ودوندي، وقد لعب كل واحد من هؤلاء ~~أدوارا هامة في تاريخ العراق خلال هذه الفترة، وفي عهدهم رجع إلى بغداد بعض رونقها ~~الذي كان لها أيام الدولة العباسية، فقامت العمائر الضخمة وشيدت المدارس الجليلة، وكثر ~~الأدباء والعلماء والشعراء، ومن أشهرهم الخواجة سليمان الساوجي، وكان شاعرا مجيدا ~~بالفارسية والعربية، وقد مدح السلطان أويس واختص به؛ لأنه رباه وعلمه الشعر، وفي ديوان ~~الساوجي هذا كثير من وصف حالة بغداد وأخبار فتوحات السلطان أويس الذي تولى الملك بعد ~~أبيه في رجب سنة 757ه/1356م، وأقام في الملك ثلاث سنوات عمرت فيها البلاد بالمدارس ~~والربط والقصور الفخمة، لولا الطوفان الكبير الذي غرقها في سنة 757ه، وأهلك نحو أربعين ~~ألفا من أهلها. # ومن الأمراء الكبار في هذا العهد الخواجة مرجان بن عبد الله الأولجاني أمير بغداد، ~~وقد كان من أهل الفضل، وقف وقوفا جليلة على أهل العلم، وشاد مدرسة على غرار المدرسة ~~النظامية الكبرى التي بناها الوزير الأعظم السلجوقي نظام الملك، ولا تزال مدرسة مرجان ~~ماثلة إلى يومنا هذا شاهدة بما بلغته في العهد الجلايري من العظمة والرقي، ومن آثار ~~مرجان أيضا دار الشفاء التي شادها لتكون معهدا ومستشفى، كما بنى كثيرا من الخانات ~~والأسواق الضخمة، وقد استمر مرجان هذا في ولايته حتى عصى على السلطان في سنة 765ه، ~~وحاول الاستقلال ببغداد فبعث إليه السلطان من أخضعه فاستسلم وسلم المدينة، ثم عزله ~~السلطان وعهد إلى سلطان شاه بولاية بغداد في سنة 766ه، فدخلها هذا وبعث جنده إلى ~~الموصل فأخضعها، واستمر في بغداد إلى أن مات في سنة 769ه، فطلب مرجان من السلطان أن ~~يعيده إلى ولاية بغداد بعد أن حلف له على الطاعة، فقبل منه وأعاده عليها للمرة ~~الثانية، فسار بالناس سيرة حسنة وأتم ما كان شرع فيه من الأعمال والمشاريع العامة، وحمد ~~الناس له سيرته، وكمل في ولايته الثانية هذه ست سنوات ومات في ms024 سنة 774ه/1372م، فوليها ~~بعده الخواجة سرور، ولم يقم فيها إلا أشهرا قليلة حتى أصيبت بالغرق العظيم، فطفا الماء ~~على بغداد وما حولها، وتهدمت أكثر قصورها وآثارها، كما تهدمت الآلاف من دورها، ومات ~~جمع غفير من أهلها، وكانت الخسارة عظيمة، فلما بلغت أخبارها إلى السلطان وهو بتبريز ~~تأثر جدا فسأل أمراءه عمن يريد أن يتولى إيالة بغداد وينقذها من الخراب الذي أحاط ~~بها، ويكون مدة خمس سنوات مطلق اليد في خراجها، على أن يعمرها فقبل الأمير إسماعيل بن ~~زكريا الدامغاني بذلك، ودخلها في سنة 775ه/1373م، وحدب عليها وعطف على أهلها، وحفر ~~الأنهار، ونظم المجاري، واعتنى بالزراعة، ونظم شئون البلاد حتى ازدهرت، وفي هذه الفترة ~~مات السلطان أويس وولي ابنه جلال الدين حسين مكانه في سنة 776ه/1374م، فأقر ~~الأوضاع كما كانت في عهد أبيه، ومرت الممالك العراقية بفترة استقرار لولا حادثتان، ~~أولاهما أن الخواجة بيرام بك ثار في الموصل وتغلب عليها في سنة 777ه/1375م كما تملك ~~بلاد سنجار، وقوي أمره، واشتد بطشه؛ والثانية وقوع فتنة في بغداد في سنة 780ه/1378م ~~ذهب بسببها الأمير الدامغاني قتيلا بسبب ثورة الجند عليه، وقد أسف الناس لمقتله لما ~~كان عليه من الصفات النبيلة والعدل، وإعادة السكينة والرخاء إلى بغداد خاصة، والبلاد ~~العراقية عامة. # ولما قتل الأمير إسماعيل الدامغاني اضطربت الأحوال ووقعت فتن كثيرة بين السلطان حسين ~~وإخوته الطامعين في الملك والسيطرة على بغداد، إلى أن كانت سنة 782ه/1380م فتمت ~~فيها الغلبة للشيخ علي أخي السلطان حسين، وتولى على بغداد قسرا بمعاونة نفر من ~~أهلها؛ لأنه كان أميرا عادلا صالحا على عكس ما كان أخوه السلطان حسين. # وفي هذه الفترة أحب السلطان حسين التقرب من سلطان مصر والشام وأن يقوي نفوذه عنده، ~~فبعث إليه بالقاضي زين الدين علي بن العبايقي الآمدي قاضي بغداد وتبريز، وبالصاحب شرف ~~الدين بن عز الدين الواسطي وزير السلطان، ومعهما نفر من الوجوه والأعيان، ولما وصلوا ~~إلى الديار الشامية أكرمهم أهلها إكراما كثيرا، ولما وصلوا إلى الديار المصرية تلقاهم ~~السلطان برقوق أحسن تلق، ms025 وقد قوت هذه الوفادة أواصر المودة بين العراق وبين الشام ~~ومصر وحكامهما. ويذكر المؤرخون أن القاضي زين الدين لما رجع إلى العراق كان يكثر من ~~الثناء على أهل الشام ومصر، ويظهر أن السلطان حسينا لم يفد كثيرا من هذه الوفادة؛ فإن ~~النزاع قد قوي بينه وبين إخوته، فإنهم غاروا من ذلك، وأخذوا يفسدون عليه خططه التي هدف ~~إليها من وراء هذه الوفادة، وفي سنة 784ه/1382م تغلب عليه الأمير أحمد وقتله واستقل ~~بالأمر بعده، ثم انصرف أحمد لقتال سائر إخوته، وابتدأ بقتال الشيخ علي صاحب بغداد ~~الذي نادى بنفسه سلطانا عليها بعد مقتل أخيه السلطان حسين، ووقعت بين الطرفين معارك ~~عديدة قتل فيها الشيخ علي واضطربت حالة بغداد، وتسلط الأوباش والسوقة على المدينة، ~~واجتمع وجوهها وبعثوا إلى أمير يسمى «عادل آغا» وصاحب نفوذ كبير في مدينة تبريز طالبين ~~إليه أن يبعث إليهم واليا يضبط أحوال المدينة وينظم فوضاها، فبعث إليهم بالأمير طورسن ~~ليتولى بغداد، وبقوام الدين النجفي ليتولى وزارة بغداد، فلما وصلا إلى المدينة لم ~~يستطيعا وضع الأمور في نصابها، ولم تتبدل الحالة بل ازدادت سوءا على سوء؛ لأنهما شرعا ~~في جمع الأموال ومصادرة الأهلين، وخصوصا حين بلغ الناس خوف السلطان أحمد من تيمورلنك ~~الذي أخذ نجمه يظهر في هذه السنة، 786ه/1384م، والذي سيطر على المشرق كله من تركستان ~~إلى بخارى وسائر بلاد ما وراء النهر، وأنه متجه الآن لفتح الأراضي الغربية في خراسان ~~وسائر المماليك الإيرانية والعراقية والشامية والمصرية. # وفي سنة 786ه/1384م زحفت جيوش تيمورلنك على تبريز وأذربيجان فاستولى عليهما وفتك ~~بأهلهما، وفر السلطان أحمد إلى بغداد فتخاوف الناس، وتذكروا أيام هولاكو وجنكيز ~~خان، وبينما كان تيمورلنك يريد الزحف على العراق، إذا بالأخبار ترد إليه أن بعض ~~الثوار ظهروا في بلاده، وخرجوا عليه، فرجع إليهم من حيث أتى واستقر هنالك فترة وطد فيها ~~أركانه، وقضى عليهم، ثم عاد إلى العراق فلقيه جيش العراق على ما سنفصله فيما يلي. # الفصل الثالث # | العراق والكارثة التيمورية # ظهر تيمورلنك عام 773ه/1371م في بلاد سمرقند ms026 فاستولى عليها، ثم استولى على بلاد ~~بخارى جميعها، ثم قصد بلاد هراة وما إليها فضمها إلى مملكته، ولم تأت سنة 777ه حتى كان ~~مستوليا على جميع بلاد ما وراء النهر وتركستان وخوارزم، وفي سنة 784ه قوي نفوذه جدا، ~~وخرج بجموع كثيرة من المغول والتتار ودخل بلاد خراسان ففتحها، ثم اتجه إلى بلاد ~~أذربيجان فخربها، واستولى على أموالها وفعل الأفاعيل بأهلها؛ لأنهم حاولوا مقاومته، ثم ~~سار نحو أصفهان فأخضعها، واتجه نحو تبريز فاجتاحها، واضطر السلطان أحمد بن أويس أن يهرب ~~بنفسه على ما بيناه في الفصل الثاني. # وبلغت أخبار تيمورلنك إلى العراق فخاف أهله خوفا شديدا، وأخذ كل واحد يعد ~~العدة للهروب بنفسه والنجاة بأولاده وماله. أما السلطان أحمد فإنه رأى أن يكتب إلى ~~صديقه سلطان مصر مستنجدا، ومحذرا من فتك هذا الطاغية الجبار ، وأخذ السلطان أحمد ~~يجهز نفسه فأعد عسكرا عظيما وتلاقى جيش العراق بجيش تيمورلنك عند مدينة سلطانية، ~~ولكن الجيش العراقي العربي لم يستطع الوقوف طويلا أمام الجيش التيموري، وتفرق جنده، ~~وعمت الفوضى بين رؤسائه وقادته، ثم اتجه الجيش التيموري صوب بغداد، وأخذ جنده ~~يفتكون بالقرى والمدن التي تعترض طريقهم، وكانوا يستخلصون الأموال ويعذبون الأهلين، ~~ويقتلون كل حي حتى النساء والأطفال والشيوخ، ويهدمون الدور والقصور ويحرقون الزرع ~~والشجر، ويسبون الغلمان والفتيات. أما السلطان أحمد، فإنه جمع أمواله ونفائس قصوره ~~وكنوزه وأهل بيته، وأرسلهم في صحبة ابنه الأمير ظاهر إلى قلعة جد حصينة يقال لها «قلعة ~~النجاء» في بلاد شروان، ثم فر هو وبعض قادته وأمرائه إلى بلاد الشام في يوم 20 شوال سنة ~~795ه، ودخل تيمورلنك مدينة بغداد وبعث جنده إثر السلطان أحمد، فساروا إلى «الحلة» ~~وفتكوا بأهلها، وكادوا يلحقون بالسلطان أحمد ويفتكون به، ولكنه استطاع أن ينجو بنفسه ~~بعد أن سبى المغول حريمه واستولوا على جنده، وركض هو مسرعا ناجيا بنفسه حتى دخل مدينة ~~«الرحبة» واستجار بأميرها نصير أمير عرب الفضل فأكرمه، ثم نصحه أن يتجه نحو حلب فسار ~~إليها وأكرمه نائبها، ثم كتب إلى السلطان في مصر ms027 يعلمه بمقدمه ويخبره أن السلطان أحمد ~~راغب في السفر إلى مصر، فجاءه الجواب بالموافقة وسار السلطان إلى مصر. # أما تيمورلنك فإنه بعد أن استولى على بغداد وفتك بأهلها أفظع الفتك، وأتلف تحفها ~~وذخائرها ودورها وقصورها ومكاتبها ومرافقها ومدارسها وجوامعها وحماماتها، واستولى على ~~كنوزها وتحفها وغالي أثاثها ورياشها، بعث جنوده فاستولوا على سائر النواحي المحيطة ~~بالعاصمة، وقد لقي الناس منهم أشد الويلات حتى أقفرت المدن، وأضحى جميع أهلها فقراء أو ~~كالفقراء، ومات ناس كثيرون من التعذيب والجوع والأوبئة. # وفي سنة 796ه/1393م توجه نحو ديار بكر وتكريت فاستولى عليهما وفتك بأهلها فتكا ~~ذريعا، حتى قيل إنه بنى من رءوس القتلى من أهلهما مئذنتين وثلاث قباب عاليات، وجعل ~~مدينة تكريت خرابا يبابا، ثم اتجه نحو «إربل» فحاصرها أشد حصار حتى جعل صاحبها الشيخ ~~علي يخضع له فقبل خضوعه، وأبقاه أميرا على المدينة على أن يقدم له في كل سنة جعلا ~~مسمى، ثم بعث بولده على رأس جيش كبير من المغول والتتار إلى بلاد البصرة وجزائر ~~البحرين، فالتقى بأميرها صالح بن صيلان، فقاومه صالح أشد المقاومة، وفتك بالجيش ~~التتاري، وأسر ابن تيمورلنك، ولما سمع تيمورلنك بذلك غضب أشد الغضب، وغادر بغداد ~~بعد أن ولى عليها الخواجة مسعود الخراساني، ولما وصل إلى البصرة دحر أميرها وفتك ~~بأهلها واستنقذ ولده، ثم اتجه صوب «رأس العين» فدخلها وانساح جنوده في الجزيرة والموصل ~~فسيطر على كل تلك الأقاليم، وكان في عزمه أن يتجه صوب حلب فعدل عن ذلك؛ لأن الأخبار ~~جاءته معلنة أن الأمير «طقتمش خان» صاحب بلاد الدشت والقفجاق قد مشى من بلاده يريد غزو ~~بلاد تيمورلنك، فرجع هذا إلى تبريز، ثم اتجه لقتال الأمير طقتمش خان، فالتقيا ودام ~~القتال مدة ثم انهزم طقتمش خان وأخذ تيمورلنك ينظم أمور بلاده، ويوزع إدارتها على ~~أولاده وقادته، ولما أتم ذلك كله كتب إلى السلطان الملك الظاهر برقوق صاحب مصر والشام ~~يطلب إليه أن يسلمه السلطان أحمد بن أويس، وبعث إليه بكتاب طويل أرغى فيه وأزبد، وهدد وأوعد، # 1 # فأجابه ms028 السلطان برقوق بكتاب أطول أنشأه الكاتب الأشهر ابن فضل الله العمري، ~~وقد رد فيه على تيمورلنك توعده وإنذاره. # ثم إن السلطان برقوق جهز السلطان أحمد بجيش كبير، فسار إلى دمشق وأقام فيها مدة أتم ~~فيها استعداداته، ثم توجه إلى العراق سنة 797ه/1394م مع طائفة من القواد والأمراء، ~~فبلغ بغداد وأميرها حينئذ الخواجة مسعود الخراساني، فحاربه حتى اضطره إلى الهرب، ~~وتسلم المدينة في مطلع عام 800ه/1397م، ثم أخذ ينظم أمور المدينة حتى أعادها إلى ~~رونقها وسالف مجدها، ولما بلغت هذه الأخبار مسامع تيمورلنك غضب أشد الغضب ونظم حيلة ~~لاغتيال السلطان أحمد، فبعث الأمير شروان إلى بغداد طالبا إليه أن يتظاهر بالالتجاء ~~إلى السلطان أحمد، ولما دخل هذا إلى بغداد أكرمه السلطان أحمد، ثم أخذ الأمير شروان ~~يعمل في الخفاء على إثارة الفتنة، ويوزع الأموال على الأمراء والأعيان، وأحس السلطان ~~أحمد بالحيلة ففتك به وبطائفة كبيرة من الأمراء والأعيان المتآمرين معه، ولكنه ظل على ~~الرغم من ذلك خائفا من دسائس تيمورلنك وعيونه. وفي سنة 802ه/1399م عزم على ترك ~~العراق والذهاب إلى بلاد الروم والالتجاء إلى ملوكها الأتراك العثمانيين، فقد بلغه أن ~~تيمورلنك عازم على الإغارة على بغداد بجيش كبير، فاتجه السلطان أحمد نحو بلاد الروم ~~والتجأ إلى السلطان بايزيد العثماني، بعد أن أبقى في بغداد حاكما عليها يدعى الأمير ~~فرج، ولما بلغ ذلك تيمورلنك توجه إلى بغداد فدخلها في سنة 803ه، وفتحها للمرة ~~الثانية، وأعمل في أهلها سيفه حتى لم يكد يبقى من أهلها إنسان، ولا من بنائها آثار، ~~وأحرق الزرع والشجر، وأهلك كل ما لم يستطع جنوده على سرقته وحمله. # قال المؤرخ ابن العماد الحنبلي في «شذرات الذهب»: «سار على بغداد وحاصرها أيضا حتى ~~أخذها عنوة يوم عيد النحر من هذه السنة 803ه، ووضع السيف في أهلها وألزم جميع من معه أن ~~يأتي كل واحد برأسين من رءوس أهلها، فوقع القتل حتى سالت الدماء أنهارا، وقد أتوه بما ~~التزموه، فبنى من هذه الرءوس مائة وعشرين مئذنة، ثم جمع أموالها وأمتعتها، وسار ms029 إلى ~~قراباغ فجعلها خرابا بلقعا.» # 2 # وقال الرحالة ابن بطوطة في رحلته: «أخبرنا شيخنا قاضي القضاة أبو البركات بن الحاج ~~أعزه الله قال: سمعت الخطيب أبا عبد الله بن رشيد يقول: لقيت بمكة نور الدين بن الزجاج ~~من علماء العراق ومعه ابن أخ له، فتفاوضنا الحديث، فقال لي: هلك في فتنة التتار بالعراق ~~أربعة وعشرون ألف رجل من أهل العلم، ولم يبق منهم غيري وغير ذلك، وأشار إلى ابن أخيه.» # 3 # ولما أتم الطاغية تيمورلنك فعلته النكراء هذه ترك بغداد بعد أن ولى عليها أبا ~~بكر بن ميران شاه، ثم توجه إلى بلاد الروم، ووقعت بينه وبين السلطان بايزيد حروب طال ~~أمرها، أما السلطان أحمد فإنه حاول الرجوع إلى بغداد فرجع إليها، ووقعت بينه وبين أبي ~~بكر واليها حرب شديدة، ثم وقعت بينه وبين ابنه الأمير طاهر حرب، وانتهت كل هذه الفتن ~~بسيطرة السلطان أحمد من جديد على بغداد في مطلع عام 806ه بعد موت تيمورلنك، ولما ~~هلك تيمورلنك استراحت الدنيا من شروره وتدميره ومزعجاته، وعادت السكينة بعض الشيء إلى ~~الديار العراقية، ولكن السلطان أحمد عاد إلى سيرته الأولى، فأخذ يزعج الناس ويصادر ~~أغنياءهم، ثم طمع في استرداد تبريز فجهز جيشا كبيرا استرد به مدينة تبريز عام ~~809ه/1406م، ولما دخلها فرح الناس بدخوله وظنوا أنه مقلع عن غيه وظلمه لما ناله من ~~التشريد والبؤس وصروف الدهر، ولكنه خيب آمالهم ورجع إلى ضلاله القديم، فلما ضاق الناس ~~ذرعا به ثاروا عليه وسعوا لدى الميرزا أبي بكر أن يعلن ثورته عليه وأطمعوه في التغلب ~~على السلطان، فقدم إلى تبريز وأخرج السلطان منها واستولى عليها، فرجع السلطان إلى ~~بغداد واتخذها مقرا له، ثم وقعت بينه وبين الأمير قرا يوسف صاحب التركماني مشاحنات ~~وحروب انتهت بوقوع السلطان أسيرا بيد قرا يوسف، فطلب إليه أن يتنازل له عن السلطنة وأن ~~يفوض إيالة أذربيجان إلى ابنه الأمير بير بوداق، وإيالة بغداد إلى الشاه محمد، فقبل ~~ووقع له المراسيم المتعلقة بذلك، ولكن هذا لم يمنعه من الاغتيال، ms030 وكان ذلك في سنة ~~813ه، وبموته قضي على ملك من أكبر ملوك العراق في هذه الحقبة، فقد عاش قرابة ثلاثين سنة ~~وهو ملك على العراق يحاول بسط نفوذه على إيران والعراقين وأذربيجان، وكان لا يعرف ~~الكلال ولا الملل، وهو بحق آخر الملوك الجلايرية العظام، وسنرى فيما بعد أن من خلفه لم ~~يكونوا شيئا مذكورا، ولم تمض على وفاته إلا فترة حتى انقرضت هذه الدولة تماما كما ~~سنرى تفصيل ذلك فيما بعد. # الفصل الرابع # | العراق في القرن الثامن # الدولة البارانية - والدولة البايندرية # رأينا في الفصل السابق أن تيمورلنك قد اجتاح العراق في العشر الأخير من القرن ~~الماضي، وأن حكمه قد استمر طوال حياته، وأن السلطان أحمد الجلايري صاحب العراق وآخر ~~ملوك الدولة الجلايرية قد لقي منه ويلات شدادا، وأنه حاول القضاء عليه فلم يتمكن منه، ~~ولما مات تيمورلنك واضمحل أمر مملكته وعاد السلطان أحمد إلى العراق كما بيناه في ~~الفصل الماضي، وتلقاه أهل العراق بالفرح الشديد والابتهاج مؤملين للبلاد على يديه كل ~~خير، راجين أن يكون قد أقلع عن غيه القديم وعسفه، فقدموا له الأموال، وتفانوا في خدمته، ~~ولكنه ظل سادرا في لهوه ولعبه، مسترسلا في غيه وضلاله حتى قتل في سنة 813ه، كما ~~ذكرناه قبلا. # فلما قتل بعد أن تنازل عن الملك للأمير محمد شاه بن قرا يوسف الباراني رحل محمد شاه ~~هذا إلى العراق للاستيلاء عليه في سنة 814ه، ولما وصل بغداد قاومه واليها من قبل ~~السلطان أحمد كما قاومته زوجة السلطان أحمد، وكانت امرأة ذات دهاء وخبث فأذاعت في ~~المدينة أن السلطان أحمد ما يزال حيا، وأنه عما قريب عائد إلى مقر ملكه، ثم عمدت إلى ~~الوالي فقتلته، وأخذت تعمل على الانفراد بالأمر والاستيلاء على الحكم، ولكنها خذلت، ~~واضطرت أن تنهزم، أما الشاه محمد فدخل هذا إلى بغداد في أوائل سنة 814ه/1411م ~~واستقرت الأمور له فيها. # وبانقضاء عهد السلطان أحمد وزوجته انقضى عهد الدولة الجلايرية الحقيقي، على أنه قد ~~بقي هناك بعض الأمراء الجلايريين ظلوا يتحكمون في بعض ms031 المناطق العراقية والإيرانية مثل ~~السلطان محمود بن شاه ولد، فقد حكم مدينة تستر وما إليها مدة سنتين، ومثل أخيه أويس ~~الثاني الذي حكم تستر وخوزستان نحوا من خمس سنوات، ومثل أخيه السلطان محمد الذي حكم ~~خوزستان ثلاث سنوات، ومثل ابن عمهم السلطان حسين الذي تولى الأهواز إلى سنة 835ه، وفي ~~هذه السنة انتهى الحكم الجلايري تماما، وتمكن الأمراء البارانية من توطيد أركان الدولة ~~الجديدة البارانية المعروفة باسم دولة «قرا قويونلو». ~~(1) الدولة البارانية # تنتسب هذه الدولة - المعروفة أيضا «بالدولة القرا قويونلية» ومعنى «قرا ~~قويونلو»: الأغنام السود؛ لأنها كانت شعارهم - إلى باران أحد رؤساء التركمان الذين ~~هاجروا من بلاد تركستان إلى خراسان، ثم تفرقوا في جميع الأراضي الفارسية والعراقية، ~~وقد كانوا قوما أشداء استعان بهم السلطان أويس الجلايري على قهر خصومه، وتوطيد ~~أركان مملكته، وقرب رئيسهم بيرام خجا بن تورمش، وعهد إليه ببعض أموره الحربية، ~~وأخذ أمره يقوى يوما فيوما حتى مات السلطان أويس فطمع بيرام خجا في السيطرة، ثم ~~تم له ما أراد واستولى على ديار الموصل وسنجار في سنة 776ه/1374م، وأخذ أمره يقوى ~~منذ ذلك الحين إلى أن مات في سنة 782ه، فتولى الأمر من بعده أخوه مراد خجا فلم يبق ~~إلا مدة حتى هلك، فتولى الأمر من بعده قرا محمد بن تورمش بن مراد خجا، وكان شابا ~~ذا قوة ودهاء، وسع ملك أسلافه وامتد سلطانه إلى ماردين، وعظم نفوذه في كافة هاتيك ~~الأصقاع حتى إن السلطان أحمد الجلايري تزوج ابنته، ولما هلك في سنة 791ه/1390م ~~تولى الأمر من بعده الأمير قرا يوسف الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لهذه الدولة، وكان ~~من الرجال الأذكياء الأقوياء، وقد استطاع بذكائه وقوة إرادته التسلط على المملكة ~~العراقية بكاملها وطرد الجلايريين منها، واستخلاصها لنفسه، ولما استقل قرا يوسف ~~بالأمر بعث ابنه شاه محمد إلى بغداد فقضى على بقايا الجلايريين، أما هو فإنه اتخذ ~~تبريز عاصمة له، وعادت بغداد من جديد تابعة لتبريز، ثم شرع في توطيد أركان مملكته ~~وتوسيعها في البلاد الإيرانية والتركية، ففي سنة ms032 818ه بعث ابنه شاه محمد صاحب ~~بغداد إلى بلاد «سيس» ففتحها وضمها إلى مملكته، وظل يعمل على توسيع رقعة مملكته ~~إلى أن هلك في سنة 823ه/1420م، وقد امتد سلطانه إلى الشرق والغرب، ولقيت البلاد ~~العراقية منه ومن ابنه شدة وويلات حتى قال صاحب «المنهل الصافي»: «ومات في ذي الحجة ~~... وأراح الله الناس منه، نسأل الله أن يلحق به من بقي من ذريته؛ فإنه هو وأولاده ~~الزنادقة الكفرة كانوا سببا لخراب بغداد وغيرها من العراق، وهم شر عصبة، لا زالت ~~الفتن في أيامهم ثائرة والحروب قائمة إلى يومنا هذا، وطالت مدتهم بتلك البلاد التي ~~كانت كرسي الإسلام ومنبع العلم ومدفن الأئمة الأعلام»، # 1 # وبعد موت قرا يوسف وقعت الاختلافات بين أولاده وتقارعوا بالسيوف، ~~فاستولى أحدهم وهو «شاه رخ» على «تبريز»، واستقل الإسكندر بمدينة كركوك، واستولى ~~«أسبهان» على بغداد، ثم تلاقى «شاه رخ» والإسكندر في ميادين القتال، وانهزم «شاه ~~رخ» فارا إلى أرض الفرات، أما الإسكندر فإنه رجع إلى خراسان، واستقل بها وببلاد ~~تبريز، وأما «أسبهان» فإنه استولى على بغداد، ووقعت بينه وبين أخيه محمد شاه ~~اختلافات طويلة حتى أقام هو في الجانب الغربي من المدينة في عمارة السلطان أحمد، ~~وأقام أخوه محمد شاه في الجانب الشرقي، واستمرت الحالة على ذلك مدة، والناس يقاسون ~~ويلات من الأميرين حتى اضطر «أسبهان» إلى أن ينسحب ويستقل بلواءي دبالى، والحلة، ~~وما إليهما. # ومما هو جدير بالذكر أن بعض الأمراء الجلايرية قد طمعوا في استعادة سلطانهم بعد ~~موت قرا يوسف ورؤيتهم اختلاف أولاده، ففي سنة 824ه هاجم الأمير أويس الثاني ~~بغداد، ولكنه رد عنها خائبا، وفي سنة 825ه عاد إليها ثانية فهاجمها ورد عنها ~~خائبا، ولكنه استطاع الاستيلاء على الحلة، وفي سنة 827ه هاجم الأمير علاء الدين ~~ابن السلطان أحمد مدينة الحلة، واستولى عليها وطرد الأمير أويس، وفي سنة 830ه عاد ~~السلطان أويس فطرده واستولى على الحلة، وحارب محمد شاه ببغداد وفيها قتل. ~~••• # إلى هذا الأمر صار حال العراق بعد موت قرا يوسف، ولم تمض سنوات ms033 قليلة حتى توسعت ~~الأمور اضطرابا، وزادت الانقسامات والفتن بين أولاد قرا يوسف حتى تفانوا، ولم يبق ~~منهم إلا الأمير «أسبهان»، فإنه استولى على أكثر البلاد، ولكنه لم يكن حسن السيرة، ~~وقد لقي العراق منه مثل ما لقي من أخويه، وقد رووا أنه كان مهملا للبلاد، معذبا ~~للناس، مستوليا على أموالهم، ولم تكد البلاد تستعيد شيئا من نضارتها بسبب جودة ~~المواسم حتى أقبل عليها بخيله ورجله ففتك بأهلها، وصادر تجارها في سنة 842ه، وشرع ~~في هذا العام يجمع الأموال ويصادر الرجال ليتوجه بهم إلى قتال الأمير حمزة سلطان ~~البايندرية المعروفين باسم «آق قويونلو»، ولما تم له ما أراد توجه إلى بلاد سنجار ~~لقتال الأمير حمزة فقهره هذا، وفرق جنده، واضطره إلى أن يعود إلى بغداد ليستعد من ~~جديد لقتال البايندرية، فأقام سنة يستعد لهم، ولما تمت له أسباب القوة ذهب إلى بلاد ~~«ماردين» و«إربل» للانتقام من البايندرية ففتك بطائفة منهم، وأنزل بإربل شر ~~البلاء ثم رجع إلى بغداد، وفي هذه الفترة ذاع أمر ظهور المهدي المشعشع في سنة ~~844ه/1440م في أرض واسط، وكان هذا رجلا يعرف شيئا من السحر وعلم المخاريق، ~~فالتف الأعراب حوله في واسط والخوزستان والحويزة وجزائر البحرين، ولما رأى كثرة ~~تابعيه طمع في التملك وجهز جيشا حارب به حاكم الحويزة وقهره، وتسلط على كافة هاتيك ~~الأصقاع، ثم استولى على البصرة، وانتشرت جماعته التي عرفت بالمشعشعين تنشر دعوتها ~~في العراق كله، حتى خاف الأمير «أسبهان» منه ووجه إليه جيشا تغلب على المشعشع، ~~واستمرت دعوته في الانتشار، ولما مات الأمير «أسبهان» في سنة 848ه/1444م خلا له ~~الجو فازداد نفوذه، وخصوصا حين وقعت الفتنة بين خلفاء «أسبهان» وأمرائه؛ لأن كلا ~~منهم كان يطمع في التملك، كما أن أخاه جهان شاه أراد الاستيلاء على بغداد فوقعت ~~الحروب والفتن بينهم جميعا، وانتشر أمر المشعشع وابنه علي انتشارا عظيما، ووقعت ~~حرب كبيرة بين المشعشع وبين جهان شاه الذي استولى على بغداد في سنة 850ه، ثم ~~استولى على البصرة وطرد المشعشع، وبعد أن وطد جهان ms034 شاه ملكه في هاتين العاصمتين رجع ~~إلى تبريز بعد أن أقام في العاصمتين نائبين عنه، وفي سنة 857ه/1454م هاجم علي بن ~~المشعشع بغداد، بعد أن حاصر واسطا والحلة، وقطع نخلهما، وضيق الأمر على ~~أهلهما، وهدم المشاهد والأضرحة، وفي سنة 860ه توجه علي بن المشعشع إلى «مهروز» ~~و«بعقوبا» فنهبهما، وقتل أهلهما، وأسر عددا كبيرا، ثم رجع إلى الحويزة فأقام فيها ~~قليلا، ثم توجه إلى «بهبهان»، فحاصرها وقتل في أثناء الحصار سنة 861ه. # أما أبوه المشعشع، فقد كان يزعم للناس أنه على خلاف مع ابنه وأنه لا يقره ~~على أعمال العنف التي يقوم بها، وأنه يحمد الله على موته؛ لأن دعوته يجب أن تقوم ~~بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالسيف والعنف، وقد استمر المشعشع في دعوته إلى سنة ~~866ه وفيها مات فخلفه ابنه المحسن، وكان رجلا حازما مدبرا تمكن من الاستيلاء على ~~جزائر البحرين كلها، وعلى أكثر أنحاء بغداد وبلاد البختيارية في فارس. # أما الأمير «أسبهان» فإنه أخذ يقوي نفسه ويعمل على القضاء على المشعشعين حتى ~~اكتسح أكثر نواحي بغداد ، ثم انحدر إلى واسط وهي من معاقلهم فاستولى عليها، ثم عاد ~~ثانية إلى بغداد فحاصرها وفيها أخوه شاه محمد فتغلب عليه، ودخل المدينة وفر ~~أخوه إلى الموصل، وقد لقيت بغداد ما اعتادت عليه من المآسي في مثل هذه المحن ~~المتكررة عليها، ولما وصل شاه محمد إلى الموصل تسلطن فيها وامتد سلطانه إلى بلاد ~~«إربل» وكركوك، ثم طمع في استعادة بغداد من أخيه فتوجه إليها، وقتل في أثناء ~~المعركة، وقد دام ملكه نحوا من ثلاث وعشرين سنة لم يعمل خلالها عملا صالحا، بل ~~خرب البلاد وبخاصة بغداد، قال صاحب «المنهل الصافي»: «كان فاسقا زنديقا، لا ~~يتدين بدين، وأبطل بتلك الممالك شعائر الإسلام، وقتل العلماء، وكان سماطه في رمضان ~~يمد في ضحوة النهار، كما يمد في الإفطار، على رءوس الأشهاد، والويل لمن كان لا ~~يأكل منه، وأبطل صلاة الجمعة والجماعة، وفسدت السابلة، ورحلت الناس عن بغداد ~~فوجا فوجا، وانقطع ركب الحاج من بغداد سنين، ونفرت ms035 القلوب، إلى أن غلبه أخوه ~~«أسبهان»، وكان أكفر من أخيه شاه محمد وأظلم، وأولاد قرا يوسف بأجمعهم هم أوحش خلق ~~الله، وفي أيامهم خربت ممالك العراق، وأطراف العجم، ودار السلام، وهدمت تلك المساجد ~~والمعاهد الجليلة، فالله تعالى يلحق بهم من بقي من آخرتهم وأقاربهم؛ فإنهم عار على ~~بني آدم لما اجتمع فيهم من المساوئ والقبائح.» # 2 # والحق أن صاحب «المنهل الصافي» لم يبالغ في أقواله؛ فقد كان هؤلاء من شرار ~~الحكام، وبخاصة شاه محمد؛ فقد لقيت البلاد منه في عهده كل شر وسوء، كما لقيت من ~~إخوته مثل ذلك، فقد رأينا سوء أعمالهم قبل موت شاه محمد، أما بعد وفاته فإن الأمير ~~«أسبهان» زحف على «إربل» بعد موت أخيه فقاتل صاحبها وهو ابن أخيه علي شاه، وهدم ~~المدينة، ولم يتركها إلا بعد أن ألقى السم في مياهها، ومات من أهلها خلق كثير، ثم ~~إنه رحل إلى الموصل فاستولى عليها في سنة 839ه/1345م، ثم قصد بغداد واستولى ~~عليها، وأخذ ينظم أموره فيها، ومما هو جدير بالذكر أنه أهمل حالة المدينة فعمت فيها ~~الأمراض والأوبئة، حتى قيل: إنه حصل وباء في سنة 841ه/1347م هلك بسببه ناس ~~كثيرون، وكان العمل الوحيد الذي قام به هو تركه المدينة ونجاته بنفسه وبجنده، ولم ~~يرجع إليها إلا بعد أن قضى الوباء على أكثر سكانها، قال المقريزي في السلوك: «وخربت ~~المدينة، ولم يبق بها جمعة ولا جماعة، ولا أذان ولا سوق وجف معظم نخلها، وانقطع ~~أكثر أنهارها بحيث لا يطلق اسم مدينة بعد أن كانت سوق العالم.» # 3 # وأما الأمير جهان شاه فإنه لم يكن أحسن حالا من «أسبهان»، وقد وقعت الفتنة بينه ~~وبين ابنه بير بوداق «بير بضغ» صاحب بغداد لما بلغه أنه يقسو على الناس، ويجمع ~~أهل الفسق والإلحاد ويقربهم، فكتب إليه ينصحه أن يقلع عن فساده فسخر بالكتاب وبأبيه ~~أمام الرسول، فلما علم الأب بذلك جهز جيشا كبيرا، وزحف على بغداد في سنة 869ه ~~لتأديب ابنه ووقعت بين الاثنين معركة عنيفة قاست بغداد من ms036 جرائها ويلات، ولقي ~~سكانها شرا عظيما؛ لأن الحصار دام نحوا من سنة ونصف السنة إلى أن قتل «بير ~~بوداق»، ودخل أبوه المدينة سنة 870ه، ففتك جنده بأهلها، ولم يكن حالهم مع الأب أحسن ~~من حالهم من الابن. # 4 # ولما استتبت الأمور لجهان شاه أقام في بغداد نائبا عنه اسمه بير محمد الطواشي ~~ورجع هو إلى تبريز، وما بقي فيها قليلا حتى توجه عزمه على قتال السلطان حسن الطويل ~~البايندري صاحب ديار بكر، فسار إليه في جمع من الجنود، ولكن الدائرة دارت عليه وعلى ~~كثير من جنوده فقتل في سنة 872ه/1467م كما قتل عدد من الأمراء والقادة البارانية ~~أمثال محمد ميرزا، وأبي يوسف ميرزا ولدي جهان شاه وبير زادة، ولما أصيب الجيش ~~الباراني بهذه النكبة تفرقت فلوله في البلاد، وفكر بعض قادتهم في لم الشمل، وقر ~~رأيهم على أن يذهب الأميران شاه علي وشاه إبراهيم، ويعملا على إنقاذ أحد أولاد جهان ~~شاه واسمه حسن علي من قلعة كان محبوسا فيها، فأنقذوه وساروا به إلى تبريز فدخلوها، ~~وأخذوا يهيئون أنفسهم للانتقام من السلطان حسن الطويل والتقى جمعاهما عند تبريز في ~~سنة 873ه/1468م، فانكسر الأمير حسن وجماعته وتفرق جنده واستولى السلطان حسن ~~الطويل على تبريز، فلما بلغت هذه الأخبار مسامع والي بغداد بير محمد الطواشي أخذ ~~يستعد للقاء السلطان حسن الطويل، ولكنه فوجئ بمرض هلك على إثره، فعمد الأمراء في ~~بغداد إلى تسليم المدينة إلى أحدهم واسمه حسن علي بن زينل، وكان أميرا حسن ~~السيرة رقيق القلب، ولكنه لم يلبث في حكمه طويلا حتى مات، فتسلم الأمر من بعده ~~أخوه منصور بن زينل وكان جبارا فاتكا فكره الناس عهده وعملوا على التخلص منه ~~فقتلوه وبموته انتهت الدولة البارانية، وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة 874ه/1369م، ~~وقد حكمت الأسرة البارانية العراق وما إليه قرابة نصف قرن، لقي العراق فيها أشد ~~الويلات على الرغم من أنه كان مستقلا شبه استقلال عن العاصمة تبريز، فقد كان والي ~~بغداد يتولى أمرها مستقلا بنفسه، وخصوصا في عهد شاه ms037 محمد وأسبهان وبير بوداق، ~~ولكن حالة بغداد وسائر المدن العراقية كانت تنتقل من سيئ إلى أسوأ، وخصوصا حين ~~ازداد الطنبور نغمة بظهور المشعشع الذي اتخذ الدين شعارا، ولحقه عدد من الغوغاء ~~والأعراب، وأخذوا يفتكون بالناس من أهل الحاضرة، ويدكون القصور، ويخربون المساجد ~~والمعاهد والأماكن العامة، ويعملون على تقطيع أوصال البلاد. ~~(2) الدولة البايندرية # تنتسب هذه الدولة إلى «بايندر بن كون» أحد زعماء التركمان الذين جاءوا لمعاونة ~~أمراء الدولة البارانية من بلاد التركستان إلى البلاد الإيرانية، على ما أسلفناه، ~~ثم ما زال أمرهم يقوى إلى أن ظهر تيمورلنك، فذاع صيت أحدهم واسمه قرا عثمان ~~فقربه تيمورلنك لشجاعته وفتكه، وظهرت منه بطولات نادرة في حروب تيمورلنك ~~فقربه هذا إليه، ولما هلك تيمورلنك طمع بايندر في السلطان، وفي تأسيس دولة كدولة ~~بني جلدته البارانيين، وطمع في القضاء عليهم واستصفاء أراضيهم، وأخذ يعمل لذلك حتى ~~تم له ما أراد وأسس دولته بعد أن تملك ديار بكر وبلاد «إربل» والموصل وماردين، ~~واتخذ مدينة آمد عاصمة له، وأطلق اسم «آمد قويونلو» على دولته؛ لأنها اتخذت الأغنام ~~البيض شعارا لها بمقابلة «قرا قويونلو» الذين كانوا يتخذون الأغنام السود شعارا ~~لهم، وظل قرا عثمان يعمل طوال حياته على تقوية أمر دولته، وتوسيع رقعتها إلى أن ~~مات. # فلما مات وقع الاختلاف بين أولاده وأحفاده فتفرقوا شيعا، ولكن أحدهم وهو حفيد ~~جهان كير بن علي بيك، كان فتى هماما داهية أحبه أبناء جلدته، والتفوا حوله، واتخذ ~~آمد مقرا منذ عام 848ه، ثم أخذ سلطانه يقوى إلى أن مات فخلفه أخوه السلطان حسن ~~الملقب بالطويل، وكان رجلا قويا استطاع ترتيب أمور الدولة وتنظيم جيش كبير لها، ~~وفي سنة 871ه جمع جهان شاه ملك الدولة البارانية جيشا أراد به القضاء على السلطان ~~حسن الطويل، فاستعد هذا للقائه، ولما التقى الجمعان تغلب جيش السلطان حسن وتفرق جند ~~جهان شاه في البلاد، وخاف هذا سوء العاقبة ففر بنفسه، ولكن أحد جنود السلطان حسن ~~استطاع اللحاق به وقتله في سنة 872ه كما أسلفنا تفصيل ذلك. # ولما ms038 قتل جهان شاه ذهب جنده شذر مذر، أما حسن الطويل فإنه جمع جموعه وتوجه إلى ~~الموصل ففتحها ثم سار إلى تبريز، وبعث بجنوده ليفتحوا له الحصون والقلاع المحيطة ~~بها ففتحوها، ولما وصل إلى تبريز علم أن السلطان أبا سعيد ميرزا صاحب خراسان قد ~~تجهز للمسير إلى العراق فجمع سراياه وبعوثه وأرسل موفدا إلى السلطان أبي سعيد ~~يستعطفه، فرد السلطان رسوله، ولما نشب القتال انتصرت جنود السلطان حسن وجمعت من ~~الأسلاب والغنائم ما لا يقدر، وكانت هذه المعركة في سنة 877ه، وتم له الاستيلاء ~~على إيران جميعها، وبعد أن وطد أقدامه وزع البلاد بين أولاده ورجع إلى العراق وحاصر ~~بغداد ودخلها كما مر في كلامنا عن الدولة البارانية. # ولما استولت جيوش السلطان حسن الطويل على بغداد خاف أهلها خوفا عظيما لما قد ~~بلغهم من عسف البايندرية وقتلهم للنساء والأطفال والأبرياء، ولكن الأمير مقصود بيك ~~ابن السلطان حسن الطويل طمأنهم، وأعلن للملأ أنه نصب نفسه واليا على بغداد، ~~وهكذا توطدت أركان الدولة البايندرية في إيران وكرجستان والعراق. # وفي سنة 878ه/1473م بعث المحمل العراقي إلى الحجاز ودخل المدينة المنورة وفيه ~~جمهرة كبيرة من أهل الدين والعلم والقضاء، فلما وصلوها طلبوا من خطباء مساجدها أن ~~يخطبوا للسلطان «الملك العادل حسن الطويل»، وأنه خدم الحرمين الشريفين، وبلغت هذه ~~الأخبار مسامع سلطان مصر، فغضب لهذا أشد الغضب، وكادت أن تقع فتنة بين الطرفين، ~~ولكن وسطاء السلام توسطوا بينهما فانتهت الأزمة بسلام. # 5 # وفي هذه السنة أيضا وقيل بل في السنة التي تلتها وقعت بين السلطانين العثماني ~~والبايندري حرب في مدينة قيسارية انهزم البايندري على أثرها، وكانت إحدى الحروب ~~العظيمة التي قام بها السلطان حسن، وكان انكساره فيها انكسارا قويا جعله يقلع ~~تماما عن التفكير في محاربة العثمانيين. # وفي سنة 882ه/1477م مرض السلطان حسن مرض الموت، وهلك بعد أن حكم العراق مدة غير ~~قصيرة كان فيها ملكا خيرا محبا للرعية رءوفا بها، وكان يحب العلم وأهله، كما ~~كان يحب إشادة المساجد والمدارس والمرافق العامة، ولما شاع خبر ms039 موته طمع محسن ~~المشعشع في الاستيلاء على بغداد، ولكن السلطان البايندري الجديد خليل بيك بعث ~~إليه من وقف في سبيله ورده، ولم تمض فترة طويلة حتى ثار يعقوب بيك أخو خليل بيك ~~على أخيه، ووقعت فتنة بين الأخوين، قتل على أثرها السلطان خليل بيك وتولى الملك ~~بعده أخوه يعقوب بيك في سنة 883ه، وساس البلاد سياسة لا بأس بها، وعم الأمن في ~~الديار العراقية وانتشر العدل بين الناس، ولكنهم لم يكادوا يستريحون من الفتن ~~والحروب حتى فاجأهم محسن المشعشع بغارة شعواء، ووصل إلى حدود العاصمة ونهب وأسر، ~~واضطر الجيش البايندري إلى التقهقر، ولكن السطان يعقوب عاد فنظم جنده، وطرد ~~المشعشع، وأخذت الأمور تستقر له، وفي سنة 888ه شرع في بناء عمارته المشهورة بالجنات ~~الثمان «هشت بهشت» فجاءت آية في روعتها وعظمتها، وفيما احتوت عليه من ضروب اللذات، ~~وروائع الجنات، وكان يقضي فيها معظم أوقاته يستمع إلى الشعراء، ويشجع العلماء، وظل ~~على هذا إلى أن هلك في سنة 896ه. # اضطربت الأحوال العامة في البلاد بعد موته ووقعت الفتن من جديد بين أمراء ~~التركمان، حتى استطاع ابنه الأمير بايسنقر أن يستولي على زمام الأمر، وهدأت الفتن ~~قليلا، ثم عادت إلى الاضطراب ثانية، وصار الأمراء شيعا وأحزابا، واختل حبل ~~الأمن، وثار الأمراء عليه، واضطروه إلى الهرب، وسلطنوا الأمير رستم بيك، وكان ذلك ~~في سنة 897ه، وكان رستم رجلا خيرا، استطاع أن ينظم الأمور ويوطد دعائم المملكة ~~بعد القضاء على خصمه بايسنقر، وقتله في سنة 898ه، ولم يكد يستقر قليلا حتى فوجئ ~~بالسلطان علي بن حيدر الصفوي صاحب بلاد أربيل يهاجمه، ووقعت بين الجانبين معركة ~~قتل فيها السلطان علي وأولاده إلا الشاه إسماعيل الصفوي فإنه استطاع أن يهرب ويلجأ ~~إلى بلاد كيلان عند أميرها الميرزا علي، فكتب هذا إلى السلطان رستم بيك يطلب الأمان ~~له والصفح، ثم استقرت الأمور في بلاد العراقين وفارس لرستم بيك إلا أنه لم يكن ~~ملكا صالحا، فانصرف إلى اللهو والعبث؛ واختل نظام البلاد في عهده، وتحكمت النساء ~~في تصريف ms040 أمور الدولة؛ لأنه كان هو وأكثر قادته منصرفين إلى الفساد، حتى ضاق الناس ~~بهم وكاتبوا الأمير أحمد ميرزا بن محمد بن حسن الطويل الذي كان لاجئا إلى السلطان ~~«بايزيد» العثماني أن يجيء إليهم وينقذهم، فجاء على رأس جيش، والتقى الجمعان عند ~~نهر أرس، وقتل رستم بيك في سنة 902ه، واستولى الأمير أحمد ميرزا على زمام السلطنة، ~~وشرع في ترتيب الدولة، ورام أن يجري في هذه البلاد نظام نواب وساسة الملك على ما ~~شاهده في بلاد العثمانيين، فلم يرق ذلك أمراءه المطبوعين على الظلم، وثقل عليهم ~~أمره، فاتفقوا على خلعه، وكاتبوا مراد بيك بن شاه يعقوب، وتآمروا معه على قتل ~~السلطان أحمد ميرزا، فتم لهم ما أرادوا، وقتل أحمد في سنة 903ه ولم تطل مدته إلا ~~نحوا من سنة، # 6 # والحق أن أحمد كان على سنن صالح، محبا للخير، ساهرا على شئون ~~الرعية، عاملا على نشر العلم والفضيلة والتنظيم على غرار ما شاهده في بلاد الدولة ~~العثمانية الفتية الناشئة، ولكن الأشرار من أمراء دولته الذين طاب لهم أن يستمروا ~~في العبث بحرية الشعب، وابتزاز أمواله قضوا عليه. # وحين قضي على السلطان أحمد ميرزا التفت الأمراء فلم يجدوا من نسل السلطان حسن ~~الطويل مؤسس الدولة البايندرية سوى ثلاثة أطفال هم مراد بن يعقوب، وكان في شروان، ~~وألوند بن يوسف، وكان في أذربيجان، وأخوه محمدي، وكان في يزد، فانقسم الأمراء ثلاثة ~~أقسام كل يريد تنصيب واحد، ولم تنته الحالة إلا حين تغلب جماعة محمدي فسلطنوه، ~~وكان ذلك في سنة 904ه، ولكن لم يمض عليه عهد طويل حتى عادت الفتن بين أنصار ألوند ~~ومراد، واضطربت الأمور وقتل محمدي في سنة 905ه، وانقسم الأمراء قسمين: قسم مع ~~ألوند، وقسم مع مراد، وانتهوا بعدئذ إلى تقسيم البلاد بينهما، فاستقل أنصار ألوند ~~بأذربيجان، واستقل أنصار مراد بالعراق وفارس، وأخذ نجم الدولة يخبو منذ ذلك الحين ~~حتى كانت سنة 914ه، وتغلب الشيخ إسماعيل الصفوي عليهم جميعا كما سنراه في الفصل ~~الآتي. # الفصل الخامس # | العراق من القرن العاشر حتى ms041 القرن ~~الثالث عشر # رأيت في آخر الفصل الرابع كيف أن الدولة البايندرية قد ~~اضمحلت في أخريات القرن الماضي، وبخاصة في أيام رستم بيك 898-902ه، روى المؤرخ القرماني ~~أن في أوائل شهور سنة 898ه أطلق السلطان رستم بيك أولاد الشيخ حيدر الصفوي من السجن على ~~شريطة أن يقاتلوا معه خصمه بايسنقر، ولما قضى على بايسنقر تنمر الصفويون لرستم بيك، ~~فحاول أن يفتك بزعيمهم الشيخ علي الصفوي الذي تحصن بأردبيل واتخذها دار ملك له، فبعث ~~رستم بيك إليه من قتله وشرد إخوته، فلجأ أحدهم - واسمه شاه إسماعيل - إلى صاحب بلاد ~~كيلان الميرزا علي، ولما بلغت أخباره إلى رستم بيك بعث إلى الميرزا علي يطلب إليه أن ~~يسلمه الشاه إسماعيل فاعتذر عن ذلك، وضاق السلطان رستم بيك وعزم على أن يتوجه لقتاله ~~بنفسه، ولكنه فوجئ بثورة بعض أمرائه عليه وعلمه بأنهم كاتبوا الأمير أحمد بن محمد حسن ~~الطويل أن يحضر إليهم وينقذهم من ظلم رستم بيك، وكان الأمير أحمد مقيما لدى السلطان ~~«بايزيد» العثماني، وقد حضر الأمير أحمد فعلا على رأس فرقة كبيرة، والتقى الجمعان، ~~ووقع رستم بيك أسيرا بيده فقتله واستولى على البلاد، وكان الأمير أحمد رجلا حازما ~~مصلحا فأراد أن ينقذ البلاد مما كانت عليه من الفوضى وسوء الإدارة، وأن يطبق النظام ~~الذي وجده في المملكة العثمانية الفتية، ولكن الأمراء لم يعجبهم ذلك فثاروا عليه ~~وقتلوه، وانقسموا فيما بينهم على من سيولونه كما بيناه في آخر الفصل الماضي. # وانتهى أمر العراق إلى أن استولى عليه مراد بيك في سنة 904ه/1498م، وأخذت نيران ~~الفتن والاضطرابات تشتعل في العراق لسوء إدارة القائمين بالأمر، فرأى الشاه إسماعيل ~~الصفوي أن الفرصة سانحة له، فجمع جموعه وسار إلى العراق في سنة 907ه/1501م، فلاقى ~~جماعة ألوند بيك في بلاد النخجوان، ففرق شملهم ثم استولى على بلاد أذربيجان، وفرح الناس ~~بمقدمه لتخليصهم من ظلم البايندرية، ثم سار نحو العراق في سنة 914ه/1508م للقضاء على ~~مراد بيك وجماعته، وفر مراد بيك إلى ديار بكر، وكان ببغداد وال يسمى باريك ms042 بيك، فلما ~~سمع بزحف قوة الشاه إسماعيل عليه بعث إليه يسترضيه بالهدايا، وعرض عليه خضوعه في ~~الظاهر، وأخذ يستعد للقائه في الباطن فمتن قلاعه، وحصن عاصمته، وجمع الذخائر والميرة ~~وفرض على الأهلين ضرائب باهظة، وحصر الأقوات كلها تحت تصرفه ليقوى على تحمل الحصار، ~~وألقى القبض على نقيب الأشراف السيد محمد بن كمونة الذي كان هواه مع الشاه الصفوي ~~فسجنه، وبينما هو كذلك إذ بلغه أن الشاه إسماعيل قد بعث في مقدمة جيشه فرقة على رأسها ~~حسين بك لاله، وكان مشهورا ببطشه، فلما سمع باريك بيك اضطرب أشد الاضطراب وخاف مغبة ~~الأمر؛ فجمع ذخائره ونفائسه وأهله، وفر إلى بلاد الشام، ودخل حلب لاجئا إلى صاحبها، ~~أما أهل بغداد فإنهم لما عرفوا بهروبه أطلقوا النقيب ابن كمونة من سجنه، وسلموا إليه ~~مقاليد أمورهم، ولما وصلت طلائع الجيش الصفوي الإيراني خرج ابن كمونة لاستقباله ومعه ~~وجوه المدينة مرحبين. # وكان أول عمل قام به الشاه في بغداد زيارته مراقد آل البيت وترتيبه لشئون المدينة ~~وتسميته الأمير خادم بيك أميرا على المدينة بعد أن لقبه بلقب «خليفة الخلفاء»، ~~وأوصاه برعاية أهل الخير، ثم رجع الشاه إلى الجنوب، فحارب المشعشع وجماعته وفرق جنده ~~واستولى على خوزستان والحويزة، وعمل على محو مذهب المشعشعين، ونشر مذهب الجعفريين ~~والطريقة الصفوية، # 1 # ويظهر أن الأتراك العثمانيين قد أحسوا بخطر الشاه إسماعيل وقوته، واعتبروا ~~ظهوره منافسة قوية تحول دون امتداد سلطانهم إلى العراق بعد أن كانوا ينتظرون انحلال ~~الدولة البايندرية، ويعملون على تفكيك أوصالها، ولما اعتلى عرشهم السلطان ياوز سليم ~~أحس بقوة الشاه إسماعيل فعزم على أن يفاجئه بالمهاجمة في عقر داره، وأخذ يهيئ للأمر ~~عدته، وعلم الشاه إسماعيل بالأمر فأخذ يهيئ نفسه أيضا للقائه، ولا شك في أن العراق ~~المسكين سيكون ميدان هذا العراك، وهكذا كان، فلاقى العراق ويلات شديدات فترة طويلة من ~~الزمن كما سنرى. # رأينا أن الشاه إسماعيل قد سمى الأمير حازم بيك خليفة الخلفاء، واليا على بغداد، ~~وثبت ابن كمونة من نقابة الأشراف، فأخذ الاثنان يعملان بنشاط ms043 على تثبيت أقدام الدولة ~~الصفوية في العراق، وكان السلطان ياوز سليم العثماني يعمل على نشر نفوذه في العراق، ~~فبث عيونه وهيأ نفسه لقتال الصفويين، وكان التقاء الطرفين عام 920ه/1514م في تبريز ~~وفي الموقع المعروف باسم «جالديران»، وكان في الجيش الإيراني الصفوي حاكم بغداد ونقيب ~~أشرافها وعدد من الأعيان، ولم تطل الموقعة حتى تم النصر فيها للعثمانيين وقتل حاكم ~~بغداد والنقيب، وبضعة آلاف من العراقيين، وكانت هذه الكسرة مبدأ تفوق الجيش العثماني، ~~وانتشار فتوحاته في العالم الإسلامي، وكان من نتائج هذه المعركة أن أهل آمد كتبوا إلى ~~السلطان سليم يخبروه أنهم طردوا واليهم الإيراني الصفوي، وأنهم يسلمونه مدينتهم ويرجونه ~~أن يبعث إليهم واليا عثمانيا، فبعث إليهم ببقلو محمد بيك، وجعله أميرا على كل هاتيك ~~الأصقاع، فجاءها وفتح بلاد ماردين والموصل وسنجار حتى بلغ جزيرة ابن عجر، # 2 # وكان ذلك في عام 921ه، ولما اطمأن السلطان سليم العثماني إلى بسط نفوذه في ~~هاتيك الديار عزم على المسير إلى الشام ومصر لفتحهما، ومحاربة «قانصوه الغوري» سلطانهما ~~المملوكي، الذي بلغه أنه يتآمر عليه مع الشاه إسماعيل الصفوي، فتم له ما أراد وكان ذلك ~~في مطلع عام 922ه كما سنفصله فيما بعد في الفصل الخاص بسورية ومصر. # ولما تم للسلطان سليم فتح الديار الشامية والمصرية، قويت في نفسه آمال السيطرة على ~~العراق العربي والعراق العجمي، وخصوصا بعد أن أعلن نفسه خليفة للمسلمين، وشرع في ~~الاستعداد للقضاء على الصفويين، وأخذ يبعث الدعاة إلى العراق يطعنون في عقيدة الصفويين، ~~ويهدمون طريقتهم الصوفية، ويقولون إن هذه الطريقة «القزل باشية» ليست سوى طريقة أهل ~~الضلال والمارقين عن الإسلام، حتى أصبحنا نجد على الشاه إسماعيل في كتب معاصريه من ~~الأتراك والشاميين والمصريين حملات جد عنيفة، ونضرب على ذلك مثلا بما ذكره ابن العماد ~~الحنبلي المؤرخ الكبير في كتابه «شذرات الذهب» حيث يقول: «وفي أيامه - أي أيام السلطان ~~سليم العثماني - ظهر إسماعيل شاه، واستولى على سائر ملوك العجم، وملوك خراسان، ~~وأذربيجان، وتبريز، وبغداد، وعراق العجم، وقهر ملوكهم، وقتل عساكرهم بحيث قتل ms044 ما يزيد ~~على ألف ألف، وكان عسكره يسجدون له، ويأتمرون بأمره، وكان يدعي الربوبية، وقتل العلماء ~~وأحرق كتبهم ومصاحفهم، ونبش قبور المشايخ من أهل السنة وأخرج عظامهم وأحرقها، وكان إذا ~~قتل أميرا أباح زوجته وأمواله لشخص آخر، فلما بلغ السلطان سليم ذلك تحركت همته لقتاله، ~~وعد ذلك من أفضل الجهاد، فالتقى معه بقرب تبريز بعسكر جرار، وكانت وقعة عظيمة فانهزم ~~جيش شاه إسماعيل»، # 3 # ويقول المؤرخ قطب الدين صاحب: «الإعلام بأعلام بيت الله الحرام» عن الشاه ~~إسماعيل: «قتل خلقا لا يحصون ... وقتل عدة من أعاظم العلماء بحيث لم يبق أحدا من ~~أهل العلم في بلاد العجم، وأحرق جميع كتبهم ومصاحفهم ... وكلما مر بقبور المشايخ نبشها ~~وأخرج عظامها وأحرقها، وإذا قتل أميرا، أباح زوجته وأمواله لشخص آخر.» # 4 # فأنت تحس من هذه العبارات أن السلطان سليما قد أحسن نشر الدعاوة ضد الصفويين، وعمل ~~على تنفير الناس منهم، مع أنهم لم يكونوا على الشكل الفظيع الذي وصفهم به ابن العماد ~~والقطب، ولكنها السياسة ما دخلت شيئا إلا أفسدته. # أما الشاه إسماعيل فإنه بعد أن تلقى تلك الصفعة القوية في معركة جالديران رجع إلى ~~بلاده، وأخذ يعد نفسه للانتقام، ولكنه لم يلبث قليلا حتى مات في سنة 930ه/1523م، ~~فخلفه ابنه طهماسب الأول 930-984ه، وكان شجاعا داهية، خلف له أبوه مملكة واسعة فأحسن ~~تصريف أمورها، ووقعت بينه وبين العثمانيين عدة حروب لقي العراق العزيز منها، وبسبب ~~هاتين الأسرتين الحاكمتين، ويلات وضوائق، وخلاصة ذلك أن العراق بعد أن هلك الشاه ~~إسماعيل تسلط عليه أمير من أمراء الأكراد اسمه ذو الفقار، فطرد الأمراء الصفويين واستقل ~~به لنفسه، وكان رجلا داهية شجاعا جوادا فأحبه العراقيون وأذعنوا له، وحين أحس بأن ~~طهماسب الصفوي يريد مبادهته كتب إلى السلطان سليمان بن سليم العثماني يعرض عليه خضوعه، ~~وأنه يضرب الدراهم باسمه، ويخطب له على المنابر، فلما بلغت هذه الأخبار أسماع الشاه ~~طهماسب جهز جيشا قويا، وأم العراق في سنة 936ه وحاصر بغداد، وكانت مقاومة ذي ~~الفقار أميرها شديدة، حتى تم ms045 له النصر على الجيش الفارسي، ولكن الشاه طهماسب استطاع أن ~~يخدع أخوي ذي الفقار، ويغريهما على الوقوف في وجه أخيهما وقتله فقتلاه، ودخلت الجيوش ~~الفارسية إلى بغداد من جديد بعد أن انقطعت صلتها بهم فترة قصيرة، ولم يخرج طهماسب من ~~العراق حتى أعاد ترتيب إدارة البلاد إلى نظامها الفارسي القديم، وسمى حكاما في كل ~~مقاطعة، وجعل في بغداد الأمير محمد خان تقلو آل شرف الدين واليا، فظل هذا في ولايته ~~إلى أن دخلت جيوش السلطان سليمان القانوني العثماني في سنة 941ه/1534م. # وهكذا قضي على النفوذ الفارسي في العراق، وكان عهد الدولة الصفوية - على الأغلب - ~~عهدا أسود مظلما، تركوا فيه لولاتهم الحبل على الغارب، يفعلون فيه ما يشاءون، ~~ويسخرون الأهلين في سبيل مصالحهم الخاصة ومطامعهم الشخصية، حتى ضاقوا بهم، وتمنوا ~~نصرة العثمانيين عليهم، وأعانوهم على ذلك. # ولما استولى الأتراك العثمانيون على العراق عمدوا إلى تنظيمه، والعناية بشئونه ~~واستقرت أحواله طوال قرن تتعاقب عليه الولاة، الذين كان فيهم الصالح، ومنهم الطالح، ولم ~~ينس الملوك الفرس العراق، بل ظلوا يطمحون إلى السيطرة عليه؛ لأن فيه العتبات المقدسة ~~التي تضم رفاة الأئمة، والمشاهد المقدسة في النجف والكوفة وكربلاء وبغداد، وظل النفوذ ~~التركي، والنفوذ الفارسي يسيطران على العراق إلى أن كانت سنة 1032ه/1623م، فاستطاع ~~شاه فارس الصفوي أن يحتل بغداد بسبب خيانة أحد العصاة الانكشارية، وخضع العراق كله من ~~جديد للنفوذ الفارسي الصفوي خمس عشرة سنة، ثم استرده العثمانيون، وطردوا الفرس، وقاسى ~~الأهلون ويلات وشدائد بهذه الفتن، # 5 # ولم يصف جو البلاد إلا في عهد نفر من الولاة المصلحين، وفي طليعتهم حسن ~~باشا الأيوبي الذي تولى العراق سنة 1116ه/1704م، وكان مصلحا عمرانيا محبا للعلم ~~وأهله رءوفا بالناس، وخلفه من بعده ابنه أحمد باشا بعد وفاة أبيه في سنة 1136ه/1723م ~~على بغداد، ودام ~~حصار العاصمة سبعة أشهر لقي الناس أثناءها بلاء عظيما، وتم الاتفاق بين نادر شاه وبين ~~أحمد باشا على المصالحة وعقد معاهدة تقضي بجعل منطقة حرام بين العراق وفارس، ورأت ~~الدولة العثمانية نقل واليها ms046 أحمد باشا من بغداد، فبعثت به إلى حلب وأرسلت إلى العراق ~~في سنة 1147ه/1734م إسماعيل باشا والي طرابزون، فتأسف الناس لسفر أحمد باشا؛ لما ~~كان عليه من حسن الإدارة والإصلاح، وعملوا لدى الباب العالي على إعادته إليهم، وتم لهم ~~ما أرادوا في سنة 1149ه/1736م فسار بهم سيرة حميدة، وعمل للقضاء على النفوذ الفارسي ~~والفساد الانكشاري والثورات البدوية إلى أن توفي سنة 1160ه/1747م، وتعاقب على العراق ~~بعده ولاة قساة إلى أن كانت سنة 1182ه/1773م وجرت الحرب بين الدولتين العثمانية ~~والإيرانية، واستولى الإيرانيون على العراق ولقي الأهلون منهم مآسي فظيعة، ثم استعاد ~~العثمانيون البلاد وتعاقب عليها ولاة لم يكن في أعمالهم ولا في تصرفاتهم ما يستحق الذكر ~~إلى أن أطل القرن الثالث عشر للهجرة. # الفصل السادس # | الشام منذ القرن السابع للهجرة # من العسير جدا على المؤرخ أن يفرق في هذه الفترة بين تاريخ الشام وتاريخ مصر؛ فإن ~~القطرين كانا في الحقيقة يكونان وحدة سياسية، كما سنفصله في المباحث المتعلقة بمصر، ~~ولكن هناك حوادث ذات بال، وذات طابع مخصوص جرت في الشام، فلا بد لنا من الإشارة إليها ~~والوقوف عندها طويلا، وبخاصة فيما يتعلق بحملات الصليبيين. # أطل القرن السابع للهجرة وبعض بلاد الشام خاضعة للسلطان الأيوبي وبعضها الآخر خاضع ~~للنفوذ الصليبي وبخاصة السواحل الشامية، وكانت الحرب تكون دوما سجالا بين الملك ~~العادل وبين الصليبيين، ومن أعظم المعارك التي جرت في سنة 603ه هجوم الملك العادل على ~~عكا وقبول حاكمها وأهلها بمصالحته، وإطلاق من في أيديهم من أسرى المسلمين، وفي سنة 604ه ~~كثرت غارات الصليبيين من طرابلس، وحصن الأكراد على المدن الداخلية الشامية، وبخاصة ~~مدينة حمص وما إليها، وقد حصل في سنة 607ه حادث اضطربت له بلاد الشام جميعا، وخلاصته ~~أن نساء دمشق قصص شعورهن وضفرن منها حبالا تستعمل في حبال المنجنيق وعدد الجهاد ضد ~~الصليبيين، وكن قد بعثن بهذه الحبال إلى علامة الشام ومصلحها وواعظها في ذلك الحين ~~سبط ابن الجوزي، # 1 # فلما رآها هاجت دموعه وبكى، ولما صعد على المنبر يوم الجمعة ms047 ليخطب ويعظ ~~الناس في جامع بني أمية أمر بإحضار تلك الشعور المجزوزة فحملت على الأعناق، وكانت ~~ثلاثمائة شكال - وهو الحبل الغليظ الذي تشد به قوائم الدابة - فلما رآها الناس ~~تصايحوا، وضجوا ضجة عظيمة، وتقاسموا أن يقاتلوا الصليبيين صفا واحدا أو يهلكوا عن ~~آخرهم، ثم أخذت الجيوش تستعد للقتال بقيادة الأمراء الأيوبيين وتتعاهد على الجهاد وقطع ~~دابر الصليبيين الذين يعيثون في الديار الإسلامية فسادا، وبخاصة في فلسطين المقدسة، ~~وسارت جموعهم من دمشق إلى نابلس حيث كان يقيم الملك المعظم، والتقى الجمعان، وكتب الله ~~النصر للمسلمين، فخربوا ديار الفرنجة، وأسروا جماعات من ملوكهم وأمرائهم وقادتهم حتى ~~اضطروهم إلى الاحتماء بحصون عكا، والكتابة إلى الملك العادل يرجونه أن يعقد معهم كتاب ~~صلح ويهادنهم ففعل، وأمنهم إلى حين. # وأخذ الصليبيون في الخفاء يعدون أنفسهم للقاء المسلمين في دمشق، ويهيئون للقيام بحملة ~~شديدة إلى أن كانت سنة 614ه فهاجم الصليبيون سورية بحملة قاسية، وهي الحملة الخامسة من ~~حملاتهم، وتم لهم النصر وتوغلوا في البلاد إفسادا ونهبا وقتلا حتى وصلوا بلاد بيسان ~~ونابلس، وكادوا يستولون على دمشق، ومما قوى عزائمهم في ذلك وفاة الملك العادل في سنة ~~615ه، وبوفاته تضعضعت أركان البيت الأيوبي، فقد كان رحمه الله حازما متيقظا غزير ~~الفهم حسن السياسة، وكاد الصليبيون أن يسيطروا على سائر مدن الشام لولا أن اتفق أولاد ~~الملك العادل وتراصوا «فلا جرم زاد ملكهم ورأوا من نفاذ الأمر والحكم ما لم يره ~~أبوهم ، ولعمري أنهم نعم الملوك، وفيهم الحلم والجهاد، والذب عن الإسلام.» # 2 # وفي سنة 626ه/1228م حمل الصليبيون حملتهم السادسة على الشام بزعامة ~~الأنيرور فريدريك الثاني ملك صقلية، وكان سياسيا داهية، استطاع بمكره أن يقنع الملك ~~الكامل الأيوبي بالتفاوض مهه، وتسليم بيت المقدس وبيت لحم والناصرة لمدة عشر سنوات، على ~~أن لا يتعرض هو وسائر ملوك الصليبيين لقبة الصخرة والمسجد الأقصى بأي أذى، فقبل الملك ~~الكامل منه ذلك، واضطربت بلاد الإسلام لهذه النكبة العظمى، وكانت هذه القصة سببا في ~~إيغار صدور أهل دمشق على الملك الكامل ومن ms048 معه، وخصوصا حين ازدادت قوة الصليبيين، ~~وحاربوا دمشق وحاصروها، وكادوا أن يدخلوها لولا وقفة أهل دمشق الجبارة، وردهم عنها أشنع ~~رد، ثم زاد الأمر اضطرابا وقوع الوحشة بين الملك الكامل وبين إخوته وسائر أمراء ~~البيت الأيوبي، ولقيت البلاد من هذه الوحشة عنتا كبيرا، وبلاء عظيما إلى أن هلك ~~الكامل في سنة 635ه. # وقد ازدادت أمور الفوضى بين أمراء البيت الأيوبي فانقسموا على أنفسهم وتحاربوا ~~وتجالدوا وقسموا البلاد بينهم، وخربت الدور والقصور والمعاهد والمدارس والمساجد بسبب ~~ذلك في أكثر مدن الشام العزيز، وانتهز الملوك والقادة الصليبيون هذا الانقسام فأغاروا ~~على المدن وشتتوا أهلها، وخصوصا حين التجأ بعض الملوك والأمراء الأيوبيين إلى ~~الصليبيين يستعينون بهم على إخوتهم أو أبناء عمومتهم، وتفصيل ذلك أن الملك الجواد بن ~~مورود بن الملك العادل الأيوبي ذهب إلى مدينة عكا لاجئا إلى صاحبها الصليبي، وحافزا ~~إياه على قتال ابن عمه الملك الصالح أيوب صاحب مصر وقتال الملك الصالح إسماعيل صاحب ~~دمشق، وقد وعد الملك الجواد صاحب عكا بأن يقره على جميع ما في يده من البلاد إن هو ~~نصره على صاحبي مصر ودمشق، ولكن الملك الصالح صاحب دمشق كان أكثر دهاء من الملك الجواد ~~فإنه بعث رسولا من قبله إلى صاحب عكا الصليبي ومعه هدايا وتحف ثمينة وكتاب يطلب فيه ~~تسليم الملك الجواد، فما كان من الصليبي إلا أن أخذ الهدايا، وسلم الملك الجواد إلى رسل ~~الملك الصالح إسماعيل، فلما وصل إلى دمشق اعتقله، ثم خنقه في سجنه في سنة 638ه، ولما ~~تخلص الملك الصالح إسماعيل من الملك الجواد، أراد التخلص من ابن أخيه الملك الصالح أيوب ~~صاحب مصر، فاتفق هو وصاحب عكا الصليبي على أن يسلمه صفد والشقيف إذا هو أعانه على قتال ~~الملك الصالح أيوب صاحب مصر. # واضطربت دمشق لهذا العمل الإجرامي الذي قام به الملك الصالح إسماعيل كما اضطربت له ~~سائر المدن الشامية والمصرية، وقام القاضيان الشافعي والمالكي في دمشق - وهذان أكبر ~~رجال الدين في البلد منصبا - يلعنان من أقدم على هذا الأمر، ويعلنان ms049 سخطهما على هذا ~~العمل الحاط من شرف العروبة والإسلام، فما كان من الملك الصالح إسماعيل إلا أن عزلهما ~~وسجنهما في قلعة دمشق، فسكنت المدينة على مضض، وتم الاتفاق بين إسماعيل والصليبيين على ~~تنفيذ ما وعدهم به، وسلم إليهم بيت المقدس وعسقلان وطبرية، ثم التقت جيوش الملك الصالح ~~أيوب بجيوش الملك الصالح إسماعيل ومن معه من الصليبيين، ولكن الله كتب للجيش المصري ~~نصره، وتأييده وانخذل الملك الصالح إسماعيل ومن معه من الفرنجة حتى قال ابن أبي أسامة: ~~«وكسرت الفرنج ومن انضم إليهم من منافقي المسلمين، وقتل منهم مقتلة عظيمة، واستولى ~~الملك الصالح أيوب صاحب مصر على غزة والسواحل والقدس، ثم أرسل باقي عسكر مصر مع معين ~~الدين بن الشيخ، واجتمع إليه من بالشام من عسكر مصر والخوارزمية وساروا إلى دمشق ~~وحاصروها وبها صاحبها الملك الصالح إسماعيل وإبراهيم بن شيركوه صاحب حمص، ولما ضاق صاحب ~~دمشق ذرعا بحصار صاحب مصر له سير الملك الصالح إسماعيل وزيره أمين الدولة على العراق ~~مستشفعا بالخليفة ليصلح بينه وبين ابن أخيه فلم يجب الخليفة إلى ذلك، وتسلم عسكر الملك ~~الصالح أيوب دمشق من الصالح إسماعيل على أن يستقر بيد الصالح إسماعيل بعلبك وبصرى ~~والسواد، وتستقر حمص وما هو مضاف إليها بيد صاحبها، ثم إن الخوارزمية خرجوا عن طاعة ~~الصالح أيوب، فإنهم كانوا يعتقدون أنهم إذا كسروا الصالح إسماعيل وفتحوا دمشق يحصل لهم ~~من البلاد والإقطاعات ما يرضي خواطرهم، فلما لم يحصل لهم ذلك خرجوا عن طاعة الملك أيوب، ~~وصاروا مع الملك الصالح إسماعيل وانضم إليهم الناصر داود صاحب الكرك، وساروا إلى دمشق ~~وحاصروها فقاسى أهلها شدة عظيمة»، # 3 # والحق أن دمشق لقيت من هذه الفئة عناء كبيرا، كما لقيت من هذا الحصار بلاء ~~عظيما، وقد احترقت محلات العقيبة وقصر حجاج والشاغور وحكر السماق، وهي من أعظم محلات ~~دمشق، وأكثرها آثارا وقصورا، وقد دام الحصار نصف سنة حتى هلك فيه الناس جوعا، وأكلوا ~~الموتى والأطفال ولم ينكشف البلاء عنهم ولم ينجوا من بلاء الخوارزمية والملك الصالح ~~إسماعيل ms050 إلا بعد أن استنجدوا بالحلبيين، فقدموا إليهم، وأعانوهم على طرد الخوارزمية عن ~~دمشق، وشتتوا شملهم في سنة 644ه. # وفي سنة 647ه مات الملك الصالح أيوب صاحب بلاد مصر وأكثر بلاد الشام، وكان قد استكثر ~~في حياته من المماليك الترك والصقالبة لحراسته، وتقوية نفوذه، فلما مات قوي أمرهم واشتد ~~سلطانهم حتى تملكوا البلاد من بعده على ما سنفصله، والحق أن هؤلاء المماليك قد استغلوا ~~سلطانهم أيام الملك الصالح أيوب، ولما هلك ولم يكن له ولد تولت الأمر بعده زوجته شجرة ~~الدر، وأعانها على ذلك نفر من المماليك، وكتبوا بذلك إلى أهل الشام، فأبى هؤلاء أن ~~يخضعوا لامرأة، وولوا عليهم الملك الناصر يوسف بن أيوب صاحب، وتمت له السيطرة على سورية ~~من حلب إلى دمشق إلى بعلبك فعجلون. # ولما اتفق المماليك في مصر على خلع شجرة الدر وتولية أحدهم وهو المملوك أيبك ~~الجاشنكير، كتبوا بذلك إلى أهل الشام، فرفض هؤلاء ذلك إلا أن يولوا أحد الأمراء ~~الأيوبيين، ثم جمعوا جموعهم، وتوجهوا إلى مصر لقتال هؤلاء المماليك، والتقى الجيشان ~~الشامي والمصري عند مدينة العباسة، وبعد قتال مرير بينهما تم الاتفاق على عقد صلح بين ~~الملك الناصر يوسف بن أيوب صاحب دمشق وبين المماليك البحرية على أن يكون للمماليك ما ~~وراء حدود نهر الأردن وللناصر ما بعد ذلك، ولكن هذا الصلح لم يدم طويلا؛ فإن بعض ~~المماليك انشقوا عن إخوانهم في مصر وجاءوا إلى الملك الناصر في دمشق يطمعونه في السيطرة ~~على مصر، فسار معهم بجيوشه حتى إذا وصل إلى غور الأردن وقعت فتنة بينه وبين المماليك ~~اضطر الناصر بعدها أن يرجع إلى دمشق، ولم يكد يستقر فيها حتى جاءته الأخبار بأن جيوش ~~هولاكو تزحف نحو الشام. # ولما بلغته أخبار زحف هولاكو اضطرب لها، ولكنه أخذ يهيئ نفسه، وفي سنة 657ه قدم ~~هولاكو إلى مشارف الفرات واستولى على الجزيرة الفراتية، ثم توجه إلى حلب وفتك بالقرى ~~المجاورة لها فتكا عظيما، ولما بلغت أخباره إلى دمشق جمع الملك الناصر جموعه في مطلع ~~عام 658ه للتوجه ms051 إلى حلب، ولكن جماعة من مماليكه أرادوا اغتياله فاشتعلت نار الفتنة، ~~واضطربت البلاد، ودخل هولاكو مدينة حلب وذبح من أهلها مذبحة عظيمة حتى قيل: إن عدد من ~~قتل بها من الناس كان أكثر ممن قتلوا في بغداد، # 4 # وقال ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة»: «وإن هولاكو حاصر حلب ستة أيام، ~~ثم أوقع بها خمسة أيام حتى لم يبق بها أحد، ووصل إلى هولاكو على حلب الملك الأشرف ~~صاحب حمص فأكرمه هولاكو، وأعاد إليه حمص، ثم رحل هولاكو إلى حارم، فقتل أهلها عن ~~آخرهم، وسبى النساء، وأمر بخراب أسوار قلعة حلب وأسوار المدينة فخربت عن آخرها، وأمر ~~الأشرف موسى صاحب حمص بإخراب سور قلعة حماه فخربت وأحرقت زردخانتها ... وأما دمشق فإن ~~نائب هولاكو قدم إلى أهلها بالفرمان والأمان فتلقاه كبراء المدينة وأنفذت مفاتيح دمشق ~~إلى هولاكو.» # 5 # وعلى الرغم من ذلك هدم التتار أسوار مدينة دمشق والقلعة، وخربوا ما فيها من ~~مصانع السلاح والزردخانات، ثم توجهوا إلى فلسطين ففتحوا قلاعها في نابلس وعجلون والصلت ~~وصلخد وبصرى وسائر بلاد حوران وجنوبي فلسطين حتى بلغوا غزة هاشم، وقد كانوا يودون الزحف ~~على مصر، ولكنهم انشغلوا بالملك الناصر يوسف الذي حاول تفريق جمعهم فتغلبوا عليه، ~~وقتلوه، وفرقوا جنده، ولقد لقيت الديار الشامية من التتار بلاء عظيما وفر بقايا ~~الأيوبيين ومماليكهم إلى مصر يستنجدون بأهلها وبأمرائها، فجمع المصريون جموعهم لنصرتهم ~~وقدموا إلى الشام بقيادة الملك المظفر قطز، والتقوا بالتتار عند غور الأردن، وجرت معركة ~~كبيرة عند عين الجالوت، وهزم الله التتار على الوجه الذي سنبينه في الفصل الخاص ~~بمصر. # ولما رجع الملك المظفر قطز إلى مصر لم تستقم له الأمور بل فوجئ بثورة عنيفة قام بها ~~عليه المماليك، وقتلوه وولوا على سلطنة مصر محله الملك الظاهر بيبرس البندقداري، ولما ~~بلغ هذا الخبر إلى نائب السلطنة المصرية في الشام الأمير سنجر جمع الناس، وطلب إليهم أن ~~يبايعوه بالسلطنة على الشام، فأجابوه إلى ما أراد، وهكذا استقلت الديار الشامية عن ~~الإدارة المصرية، ولم يخرج عن طاعة ms052 الأمير سنجر من ولاة الشام ونوابه إلا الملك المنصور ~~صاحب حماه، وبينما كان سنجر يهيئ نفسه للذهاب إليه وإخضاعه علم أن جيوش التتار زاحفة من ~~جديد نحو الشام، وقد علم بذلك الملك الظاهر بيبرس فاهتبل هذه الفرصة وبعث جيشا من مصر ~~في سنة 659ه لقتال سنجر، فقهره وأعاد سلطانه على الشام ووحد القطرين، وعبأ البلاد ~~للقاء التتار، ولما علم التتار بذلك توقف زحفهم، ولكن خطرا آخر داهم البلاد وهو خطر ~~الصليبيين المقيمين في السواحل الشامية وأنطاكية، فإنهم نقضوا العهود، وحاولوا الإغارة ~~على دمشق وما إليها، فهب للقائهم، وتم له النصر عليهم، وفتح الله على المسلمين كثيرا ~~من المدن والقرى، ولكنهم لم يستطيعوا الوصول إلى أنطاكية فرجعوا إلى حلب وهم ينوون ~~الزحف مجددا على أنطاكية، وفي هذه الفترة بعث الملك الظاهر جيشا قويا أغار على ~~الصليبيين في مدينة الناصرة وما إليها، ثم سار هو بنفسه في سنة 663ه فأغار على عكا، ثم ~~نازل قيسارية وفتحها، وأمر بهدم أسوارها وأسواقها، ثم سار في سنة 664ه إلى صفد فاستردها ~~من الصليبيين، ثم أغار في سنة 666ه على يافا ففتحها وهدم قلعتها، وسار نحو طرابلس فهدم ~~كثيرا من القرى الصليبية، وطهر الديار منهم، ثم جمع جموعه واتجه نحو أنطاكية فأيده ~~الله بفتحها، وفتك بالصليبيين وملوكهم شر فتكة، وأخذ يطهر كافة الديار الشامية من ~~بقاياهم، وكان هذا أعظم فتح بعد الفتح الأيوبي. # ولما أتم الله له هذا النصر عزم على الجهاد، فجهز جيشا كبيرا في سنة 673ه توجه به ~~إلى بلاد الأرمن، وتوغل في ديارهم، وغنم المسلمون مغانم كثيرة، ثم رجع إلى دمشق، ووطد ~~الأمن في هذه الديار وفي الديار المصرية حتى وافاه أجله في سنة 676ه بعد أن فتك ~~بالصليبيين، وطهر الأرض من أوضارهم، وقضى على آمال التتار في الاستيلاء على الشام ~~ومصر. # ولما مات تولى الأمر بعده السلطان قلاوون، ولكنه فوجئ بثورة تقوم في الشام بقيادة ~~أميرها سنقر الأشقر الذي أعلن انفصاله، فبعث إليه قلاوون من قهر جنده واضطره إلى الفرار ~~ومكاتبة التتار ms053 يغريهم في الحضور إلى الشام، فلبى التتار دعوته وزحفوا على حلب في مطلع ~~عام 679ه فعاثوا فيها فسادا، وأحرقوا الجوامع والمدارس والدور، ثم رأى السلطان أن ~~يصالح سنقر الأشقر لعله يفل من عضد التتار، وتم الاتفاق بينه وبين سنقر الأشقر على أن ~~يستقر سنقر في بلاد الشفر من أرض حلب، وتخلى عن معاونة التتار، وانضم بجنده إلى السلطان ~~قلاوون، ثم وقعت الواقعة بين العرب والتتار في ظاهر حمص، ونكب التتار نكبة شديدة، ~~وتفرقت جموعهم، فهربوا من البلاد، واستراح الناس من جرائمهم. # وفي سنة 684ه علم الشاميون بأن التتار يريدون الاستيلاء على بلادهم وأنهم قادمون ~~إليهم بجيوش كثيرة فاستعدوا لهم، والتقى الجمعان في وادي التيم، وأظهر العرب بطولة ~~نادرة تمكنوا بها من طرد التتار، وكانت هذه الأعمال هي أجل الأعمال العسكرية التي قام ~~بها الملك قلاوون منذ توليه السلطنة إلى أن مات. # ولما تولى الأمر من بعده ابنه السطان الأشرف خليل سار على خطى أبيه في الحزم والضرب ~~على أيدي التتار والصليبيين، وأول أعمال قام بها في الديار الشامية توجهه بنفسه في سنة ~~689ه على رأس حملة لفتح مدينة عكا بعد أن حاصرها بشدة ففتحت أبوابها المنيعة أمام ~~إرادته وأعمل في الصليبيين قتلا وفتكا، ولما فتحت عكا اضطرب الصليبيون وأخلوا مدينة ~~صيدا فاستولى عليها، ثم سار نحو بيروت، فهدم أسوارها، وكانت جد منيعة، وبالسيطرة عليها ~~تمت له السيطرة على الساحل الشامي كله من الإسكندرونة حتى الإسكندرية بعد أن بقي حقبا ~~طويلة تحت يد الصليبيين، ولم ير الصليبيون حملة شديدة بعد حملة صلاح الدين - رحمه الله ~~- إلا حملة الظاهر بيبرس، وحملة الأشرف خليل. # ولما رأى الصليبيون في أوروبة سوء حالة إخوانهم في ديار الشام جهزوا حملة جديدة ~~لنصرتهم وهي الحملة الصليبية السابعة والأخيرة، وقد كانت بقيادة القديس لويس ملك فرنسة، ~~وانتهت بأسره وتشتيت شمل حملته على الشكل الذي سنبينه فيما بعد، أما الصليبيون فقد ذهب ~~قسم منهم بحرا إلى حيث أتوا، وبقي قسم منهم في بلاد الشام لاجئين إلى الجبال في سورية ms054 ~~ولبنان، وكان هذا القسم سببا في قيام عدة حملات على أهل السهول والمدن المجاورة، ~~فكانوا يقومون بأعمالهم الإجرامية ويهربون إلى قمم الجبال، ولو لم يقم المماليك وعلى ~~رأسهم الملك الأشرف خليل بتأديبهم للقيت جميع ديار الشام منهم شرا عظيما. # وفي سنة 693ه قتل الملك الأشرف واضطربت بلاد الشام لاختلاف المماليك فيمن يولونه، ~~وكان من مصائب الشام العظيمة في هذه الفترة هجوم التتار بقيادة غازان، ودخولهم إلى دمشق ~~في سنة 696ه، وفتكهم الذريع بأهل البلد حتى إنهم كانوا يريدون القضاء على السكان جميعهم ~~لولا أنهم افتدوا أنفسهم بأموالهم، وقد ظل التتار القساة يعيثون في الشام فسادا إلى أن ~~كانت سنة 699ه، فرجع غازان عن دمشق ودخل حماه وحلب، وفعل بأهلهما ما فعله بدمشق، وقد ~~احترقت في هذه الفتنة مساجد وجوامع ومدارس ودور عبادة كثيرة كدار الحديث الأشرفية، ~~والمدرسة العادلية الصغرى، والمدرسة العادلية الكبرى، ودار السعادة وغيرها من معاهد ~~دمشق العلمية، ولما علم السطان بخروج غازان، وجماعته من دمشق، وأنه قصد الشمال بعث بجيش ~~كبير إلى الشام، ولكن جيوش غازان فتكت به، ودخلت حلب في سنة 700ه، واضطر نائب السطان ~~فيها أن ينجو بنفسه، وعاث المغول فسادا كبيرا، وانتهز الفرنج الصليبيون المقيمون في ~~أعالي جبال لبنان ومنطقة الكسروان هذه الفرصة، فأخذوا يغيرون على المدن الداخلية ~~ويفتكون بأهلها، وبخاصة أهل صيدا وصور وبيروت، الذين استغاثوا بصاحب دمشق الأمير آقوش ~~الأفرم، فبعث إليهم من أعانهم عليهم وجرت بين الطرفين معركة تاريخية عند مدينة جبيل، ~~ولكنهم استطاعوا التغلب على الجيش الشامي واغتنموا كافة أسلحته وأمتعته، قال المؤرخ ~~صالح بن يحيى صاحب «تاريخ بيروت»: «وإن السبب في قتالهم أن الهاربين من وجه التتار من ~~العسكر تفرقوا سنة 699ه، فحصل لهم أذية من المفسدين، وخصوصا من أهل كسروان وجزين ~~للهاربين، أما أهل كسروان فإنهم بلغوا أن أمسكوا بعضا منهم وباعوهم للفرنج، وأما السلب ~~والقتل فكان كثيرا.» # 6 # ولما بلغت الأعمال الفظيعة التي قام بها الفرنجة والكسروانيون إلى مسامع ~~السطان الناصر جهز جيشا قويا في سنة 703ه لقتالهم ms055 والفتك بهم، وقد أعانه عليهم ~~الأمراء التنوخيون أصحاب غربي لبنان، وفي سنة 704ه رأى الأمير آقوش الأفرم صاحب دمشق أن ~~يبعث إلى الكسروانيين وأهل الجبال جماعة تدعوهم إلى الصلح والاستسلام، وعلى رأسهم ~~الشريف زين الدين عدنان، ثم بعث إليهم الإمام المصلح الشيخ ابن تيمية ولكنهم أبوا إلا ~~الاستمرار في إعلان العصيان، فجهز عليهم حملة عنيفة، انتهى أمرها بفتح بلاد كسروان، ~~وخضد شوكة الفرنجة، وهدأت البلاد حتى كانت سنة 708ه، ففيها خلع السلطان الناصر ابن ~~قلاوون نفسه من السلطنة؛ لما رأى من قيام بيبرس الجاشنيكر، وثورته عليه، فأحب أن لا ~~تسفك الدماء بسببه وأوى إلى مدينة الكرك، ولكن أهل الشام وكثيرا من أهل مصر ثاروا على ~~السلطان الجديد بيبرس الجاشنيكر، وطلبوا إلى السلطان الناصر أن يعود وألحوا عليه ~~بذلك، فقبل وتوجه إلى دمشق، وجمع جموعه وسار بهم إلى غزة، ولم يصلها حتى قدمت عليه ~~جيوش مصر خاضعة مبايعة، وعادت السكينة من جديد إلى البلاد، وهدأ الناس فترة طويلة إلى ~~أن وقعت حادثة اضطربت لها البلاد جميعها، وهي الفتنة بين اليمنيين والقيسيين سنة 709ه ~~في حوران التي قتل فيها قرابة ألف رجل، وكادت هذه الحرب الأهلية الجاهلية تعصف بالبلاد ~~لولا تدخل أهل الحكمة والدين، فعادت السكينة إلى البلاد وعم الخير، وبخاصة في منطقة ~~حماه وما إليها، وهي التي كان عليها السلطان العالم الصالح الملك المؤيد أبو الفداء ~~إسماعيل، وقد دام ملكه نحوا من ربع قرن، استكان له الناس لعدله ورحمته وعلمه، وحب نشر ~~الفضيلة بين الناس إلى أن مات سنة 632ه. # ومن الأعمال الجليلة الجديرة بالذكر في هذه الفترة قيام الجيوش الشامية والمصرية لفتح ~~بلاد الأرمن في آسية الصغرى، والاستيلاء على عدة مدن وقلاع كالمصيصة والهارونية وباناس ~~والنقير وآذنة وطرسوس، وقد عادت الجيوش العربية من رحلاتها هذه ظافرة موفقة، وفرح الناس ~~بنشوة النصر، وعم الخبر، وارتفع شأن الحكام الصالحين، وانتشر الأمن، لولا الأزمات ~~التي سببها اضطراب حبل السلطنة في مصر، وعصيان بعض المماليك في بعض الجهات على سلطان ~~مصر كعصيان نواب حلب ms056 وحماه وطرابلس وصفد، مما سبب اضطراب الأمن اضطرابا لم يهدأ إلا ~~بقدوم سلطان مصر الملك الصالح صلاح الدين ومعه الخليفة وبعض الأمراء والقضاة ~~الأربعة. # وفي سنة 770ه تولى نيابة السلطنة المصرية في الشام الأمير سيف الدين منجك، وكان رجلا ~~حازما شديدا على إقامة الأحكام الشرعية، وقطع دابر المفسدين، وعمارة البلاد، وإزالة ~~أماكن اللهو والمنكرات، قال ابن طولون: «فعل الخيرات وبنى المحطات في الدروب، وبنى ~~زاوية بالكسوة، وعمل لها سماطا، وعزل الطرقات، وعدل في الرعايا.» # 7 # واستقامت أحوال البلاد في أيامه، وكان محبا للعلم وأهله، فأحيا كثيرا من ~~دارس المدارس، وعمل على الإكثار من حلقات التدريس في جامع بني أمية. # وفي سنة 779ه تولى نيابة الشام بيدمر الخوارزمي وكان ظالما كثير الاستبداد والأطماع ~~حاول فصل الشام عن مصر، حتى تم له ما أراد في سنة 780ه فخرج عن طاعة السلطان، ولكن هذا ~~بعث إليه فرقة من الجيش المصري ردته عن غرضه، وحاول الهرب إلى بلاد التركمان فلم يستطع ~~وألقي القبض عليه، فأرسل إلى مصر، ثم أعلن توبته، فأعيد إلى منصبه، وانتهز الفرنجة هذه ~~الفرصة فأغاروا على الشام وبخاصة جهات ساحل طرابلس، ولكنهم ردوا عنها خائبين، فعادوا ~~إليها ثانية في سنة 784ه وهاجموا ساحل بيروت في عشرين مركبا حربيا، وتقاعس نائب ~~السلطنة في دمشق عن قتالهم فقام بعض الغزاة في سبيل الله وعلى رأسهم الأمير الصالح ~~إينال اليوسفي وتوجه لرد الفرنجة فشتت جموعهم، واحتجز ستة عشر مركبا وفرح الناس بذلك، ~~ولكن هذا الفرح لم يدم طويلا حتى ظهرت بوادر الانشاق في صفوف أمراء الشام من جديد، ~~وأخذ بعضهم يعلنون استقلالهم عن مصر، واستمرت هذه الفوضى إلى أن تبدلت الدولة، وحلت ~~دولة المماليك الشراكسة محل دولة المماليك البحرية، على ما سنفصله في الفصل الخاص ~~بتاريخ مصر. # الفصل السابع # | الشام من ابتداء دولة المماليك الشراكسة إلى الفتح العثماني # 784-922ه/ 1382-1516م # منذ أن استولى السلطان برقوق على السلطة في مصر والشام أخذ يسعى لتوطيد أركان الدولة ~~المضطربة، والحق أنه كان ملكا قويا ذا دهاء وسياسة، ms057 فإنه بعد أن تم له الأمر في ~~مصر وجه نظره إلى الشام؛ لتثبيت أقدامه فيها، والضرب على أيدي مناوئيه من ولاتها الذين ~~طمعوا في الاستقلال وإقصاء نفوذ مصر وحكامها عن بلادهم، ولكن برقوقا كان ذا إدارة ~~حازمة استطاع بها إعادة نفوذ مصر على الشام، ورأى أن الواجب يقضي عليه بأن يوجه نواب ~~الشام إلى غزو بلاد آسية الصغرى؛ ليأمن شرهم من جهة، ويكسب بلاده قوة وهيبة من جهة ~~ثانية. # وقد تم له ما أراد حتى وفد عليه رسول ملك بلاد «سيس» ومعه كتاب يعلن فيه خضوعه، ~~ويخبره أن ملك بلاد الأرمن قد مات، وأن رؤساء هاتيك الديار يطلبون من السلطان برقوق أن ~~يختار هو لهم من يولونه عليهم، فبعث إليهم السلطان أحد الأرمن اللاجئين إليه ليتولى ~~أمورهم، ثم جاءته في سنة 785ه رسل من صاحب بلاد سنجار وصاحب بلاد قيصرية، وصاحب تكريت، ~~يعرضون عليه خضوعهم، ويعلنون له أنهم سيخطبون باسمه على المنابر، ويسكون العملة باسمه، ~~ويدفعون له مبالغ سموها، فهذا يدل على القوة التي بلغتها دولة المماليك الشراكسة في ~~عهده، ومن الأمور الجليلة الدالة على قوة هذه الدولة: قيام الجيوش الشامية في ذلك الحين ~~بحملة شديدة ضد الغزاة الفرنجة الذين حاولوا احتلال الموانئ الشامية في بيروت وصيدا ~~وصور، ومن ذلك عزم السلطان على قتال التركمان؛ فإنه جهز جيشا في سنة 787ه وبعث به إلى ~~بلاد آذنه لقتال الأمير سولي بن ذلغادر ومن معه من التركمان، وقد التقت الجيوش الشامية ~~بسولي وفرقت شمله وقتلت أخاه، ثم تمكنت منه فقتلته أيضا، وتم للسلطان برقوق ~~الاستيلاء على أكثر بلاد آسية الصغرى، واتسعت رقعة الدولة وعظمت مواردها، واستقرت ~~البلاد حقبة من الزمن لولا الفتن العارمة التي كانت تقع بين القيسية واليمانية، ولولا ~~تآمر بعض المماليك على برقوق لقتله على ما سنفصله فيما بعد، وقد ظل سلطان برقوق قويا ~~ودولته مرهوبة إلى أن هلك في سنة 801ه حين كان يعد العدة للقاء جيوش تيمورلنك. # ولما مات تسلطن بعده ابنه السلطان فرج، فلم يخضع له أمراء ms058 الشام ونوابه، وجرت حوادث ~~وفتن مزعجة، وانتهزت جيوش تيمورلنك ذلك، فزحفت على الديار الشامية وأذاقتها الشرور ~~والفتك، حتى قال المرحوم المؤرخ أستاذنا الشيخ كامل الغزي: إن جيش تيمورلنك لما دخل ~~حلب نهب وأحرق وسبى وقتل، وصاروا يأخذون المرأة ومعها ولدها على يدها فيلقونه من يدها ~~ويفعلون بها ما لا يليق، فلجأ النساء عند ذلك إلى جامعها ظنا منهن أن هذا يقيهن من ~~أيدي الغزاة الكفرة، وصارت المرأة تطلي وجهها بطين أو بشيء حتى لا ترى بشرتها من حسنها، ~~فيأتي عدو الله إليها ويغسل وجهها ويجامعها في الجامع، وحكى بعض من حضر الوقائع بأن ~~تيمورلنك عرض الأسرى من بلاد الشام ونواحيها، فكانوا ثلاثمائة ألف أسير وستين ألف أسير، # 1 # واستولى على الكنوز والذخائر التي كانت في قلعة حلب، ولما تم له الاستيلاء ~~التام توجه نحو حماه وسلمية وفعل بأهلهما ما فعل بأهل حلب من القتل والسلب والإحراق حتى ~~لم يبق من مدينة حماه إلا شيء قليل، ولما سار إلى حمص استسلم له أهلها فلم يفعل بهم ~~شيئا، وقال: إنه يهبهم إلى خالد بن الوليد، ثم سار إلى دمشق وأصر نائبها على ~~مناجزته، وجرت بين الطرفين معركة كبيرة، ولكن الدماشقة أحسوا بضعفهم فبعثوا في الخفاء ~~قاضيهم تقي الدين بن مفلح الحنبلي إلى تيمورلنك؛ ليفاوضه في الصلح فقبل، ولكن نائب ~~السلطنة أصر على القتال، وحمي وطيسه بين الجانبين، ثم تم النصر لتيمورلنك؛ فدخل ~~المدينة، وفرض على أهلها مبالغ جسيمة، وأعمل جنده فيها السلب والإحراق، وحل بها ما ~~حل بأختها حلب، وبخاصة ما لقي مسجدها وقصورها وحماماتها، فإنها ذهبت طعمة للنيران، ~~وكانت دمشق قبل هذه النكبة من أجمل مدن الدنيا وأفخمها، وقد أكثر الشعراء والكتاب من ~~رثائها ووصف هذه النكبة، فمن ذلك قول بهاء الدين البهائي: # لهفي على تلك البروج وحسنها # صفت بهن طوارق الحدثان # لهفي على وادي دمشق ولطفه # وتبدل الغزلان بالثيران # جناتها في الماء منها أضرمت # فعجبت للجنات في النيران # كانت معاصم نهرها فضية # فتخضبت منها بأحمر قان # لو عاينت عيناك جامع ms059 تنكز # والبركتين بحسنها الفتان # وتعطش المرجين من أورادها # وتهدم المحراب والإيوان # لأتت جفونك بالدموع ملونا # دمعا حكى اللولو على المرجان # لهفي على تلك العلوم ودرسها # صارت مغانيها بغير بيان # أعروسنا لك أسوة بحماتنا # في ذا المصاب فأنتما أختان # غابت بدور الحسن عن هالاتها # فاستبدلت من عزها بهوان # ناحت نواعير الرياض لفقدها # فكأنها الأفلاك في الدوران # وقال بعض أدباء الشهباء يرثيها، ويصف ما حل بها: # يا عين جودي بدمع منك منسكب # طول الزمان على ما حل في حلب # من العدو الذي قد أم ساحتها # ناح الغراب على ذاك الحمى الحرب # ويلاه ويلاه يا شهبا عليك وقد # كسوتني ثوب عز غير منسلب # من بعد ذاك العلا والعز قد حكمت # بالذل فيك يد الأغيار والنوب # وأصبح المغل حكاما عليك ولم # يرعوا لجارك ذي القربى ولا الجنب # وفرقوا أهلك السادات وانتشروا # في كل قطر من الأقطار بالحوب # وخربوا ربعك المعمور حين غدوا # يسعون في كل نحو منك بالنكب # وخربوا من بيوت الله معظمها # وحرقوا ما بها من أشرف الكتب # لكن مصيبتك الكبرى التي عظمت # سبي الحريم ذوات الستر والحجب # يأتي إليها عدو الله يفضحها # ويجتليها على لاه ومرتقب # 2 # وقال المؤرخ ابن عربشاه: «وبينا كان رجال تيمورلنك يحاصرون قلعة دمشق أخذ هو يتطلب ~~الأفاضل وأصحاب الحرف والصنائع وأرباب الفضائل، واستمر نهب عسكر تيمورلنك لدمشق ثلاثة ~~أيام، وارتحل هو وجماعته، وقد أخذوا من نفائس الأموال فوق طاقتهم، وتحملوا من ذلك ما ~~عجزت عنه قوى استطاعتهم، فجعلوا يطرحون ذلك في الدروب والمنازل ... وأصبحت القفار ~~والبراري والجبال والصحاري من الأمتعة والأقمشة كأنها سوق الدهشة # 3 ~~... وأخذ تيمورلنك معه من الدماشقة أكثر أهل الفضل وأرباب الصنائع، وكل ماهر ~~في فن من الفنون أو صناعة من الصناعات من النساجين والخياطين والنجارين والأقباعية ~~والبياطرة والخيمية والنقاشين والقواسين والباز دارية، وبالجملة فإنه أخذ أهل كل فن، ~~كما أخذ جملة من العلماء وربما أخذ ناسا من الأعيان والسادة النبلاء، وكذلك فعل كل ~~أمير من أمرائه وزعيم من زعمائه.» # 4 # ولم يرحل عن ms060 دمشق إلا بعد أن تركها أطلالا، ثم رجع ثانية إلى حلب فأتم ~~إحراق ما لم يحرق من قصورها ودورها وأسواقها ومساجدها، وهدم أبراج قلعتها، وقتل من بقي ~~من أهليها، وأخذ معه من أرباب الصناعات والحرف والعلم من بقي حيا، قال المرحوم محمد ~~كرد علي: «خرجت حلب وحماه ودمشق خصوصا من بين مدن الشام بعد فتنة تيمور كالهيكل العظمى ~~لا لحم ولا دم، وأصيبت بنقص في الأنفس وخراب في العمران يبكي لها كل من عرف ما كانت ~~عليه قبل تلك الحقبة المشئومة من العمران وكثرة السكان، ولم يقيض للبلاد سلطان عاقل قوي ~~يداوي جراحاتها، فبقيت نافرة نفارة.» # 5 # ولما غادر تيمور وأجناده ديار الشام رجع إليها المماليك يحاولون أن يعيدوا إليها ~~شيئا من نضارتها، ويحاولون أن تدب الحياة من جديد في جسمها على الرغم من سوء إدارة السلطان الملك الناصر، ولكن ~~وجود هذا الرأس الفاسد كان يحول دون كل تقدم، ولذلك عمل عقلاء الأمراء المماليك إلى ~~خلعه على الشكل الذي سنفصله في القسم الخاص بتاريخ مصر، ولم تتحسن الأمور بعد خلعه؛ بل ~~مرت بفترات سوداء وأحداث مزعجات انتهت بسلطنة الملك المؤيد شيخ، ثم بهلاكه وتولية ابنه ~~وهو طفل في المهد، ثم خلعوه وولوا مكانه الأمير ططر، ولم يكن أفضل حالا من سابقيه، ~~وعاشت البلاد حقبة كلها بلاء ومصائب إلى أن تولى عرش البلاد في الشام ومصر رجل عاقل ~~عامل مصلح هو الأشرف برسباي؛ فاستقامت أحوال البلاد، وانتعش العباد. # تسلطن الملك الأشرف برسباي في سنة 825ه وظل في الملك إلى سنة 841ه فعادت البلاد إلى ~~شيء من الرخاء والحضارة، ولما توفي تملك ابنه الملك العزيز يوسف فعادت الفوضى إلى ~~البلاد إلى تملك الملك «قايتباي» 872-901ه وكان من أحزم السلاطين وأميلهم إلى العمران، ~~وفي أيامه تحرك السلطان حسن الطويل صاحب العراقين وسار نحو حلب، فانتدب «قايتباي» ~~الأمير يشيك الدوادار نائب السلطنة في حلب للقائه فرده شر رد، وفي عهد «قايتباي» ~~أيضا تحرش الأتراك العثمانيون بالشام لأول مرة في سنة 889ه ولكنهم ردوا على ms061 أعقابهم، ~~ولما مات «قايتباي» عادت الفوضى، وتولى على العرش ملوك ضعفاء سخفاء حتى كان الملك ~~الأشرف «قانصوه» الغوري 906-922ه، وكانت الديار الشامية كلها قد وصلت إلى حالة مزرية من ~~الفوضى، على عكس ما صارت إليه بلاد آسية الصغرى العثمانية، فإن الأتراك العثمانيين ~~كانوا قد سيطروا على أرجائها، ونظموا أمورها، وقضوا على مملكة دلغادر «ذي القدرية» ~~وسيطروا على المدن الخاضعة له مثل مرعش والبستان وملاطية، ولما رأى سلطانهم السلطان ~~سليم العثماني ضعف نواب السلطنة المصرية في الشام، وعدم قدرتهم على الدفاع عنها، ~~والوقوف في وجه جيوشه، عزم في سنة 922ه على الاستيلاء عليها، ونفذ عزمه بعد أن شتت ~~الدولة الصفوية على ما بيناه آنفا. # الفصل الثامن # | الشام منذ فتح الأتراك العثمانيين إلى فجر القرن الثالث عشر للهجرة # لما أحس السلطان المملوكي «قانصوه الغوري» صاحب الشام ومصر بضعف نوابه في الشام عن ~~لقاء السلطان سليم العثماني جمع جموعه، وسار من مصر إلى حلب، ونزل في مرج دابق، وأخذ ~~يستعد للقاء الجيش التركي العثماني، ثم ترددت الرسل بين السلطانين، وأوعز سليم إلى رسله ~~أن يتظاهروا بطلب السلامة والصلح، فانخدع قانصوه، وبينما كانت جموعه مطمئنة إذا هم ~~بالجيش العثماني يحدق بهم ويفتك فتكته القوية، وقد أعان سليما على التغلب على «قانصوه» ~~خيانة بعض أمراء «قانصوه» وانضمامهم إلى سليم مثل الأمير خاير بك صاحب حلب، وجان بردي ~~الغزالي صاحب دمشق، وقد استطاع سليم أن يقضي على الجيش المصري في مرج دابق، ثم دخل إلى ~~حلب. # واضطربت المدن السورية لذلك أشد الاضطراب، وهرب المماليك، ووثب أهل دمشق بعضهم على ~~بعض، وتسلط الغوغاء والسوقة على الأشراف والأعيان، واضطربت المدن فترة من الزمن إلى أن ~~تم للعثمانيين أمر السيطرة على البلاد كلها، ودخل سليم حماه وحمص ودمشق في مستهل ~~رمضان سنة 922ه وظل في الشام حتى شهر ذي القعدة، ثم سار نحو القاهرة ففتحها كما سنفصله، ~~وبعد أن بقي في القاهرة نحو سنة رجع إلى الشام في رجب سنة 923ه فولى جان بردي الغزالي ~~على دمشق، وأبقى النظام ms062 الذي كانت عليه البلاد أيام المماليك، ثم رجع إلى بلاده حيث هلك ~~في شوال سنة 926ه فتولى بعده ابنه سليمان القانوني، ويظهر أن جان بردي أحس باضطراب ~~الأحوال في الدولة العثمانية بعد موت سليم، فعزم على الانفصال، وقد أعانه على ذلك أمراء ~~لبنان وبدو الشام، فتسلطن وسمى نفسه الملك الأشرف، وخطب له على منابر دمشق، وضربت ~~العملة باسمه، وكتب إلى خاير بك في حلب أن يفعل مثله ويعلن انفصاله فلم يقبل، ثم جاءت ~~الجيوش العثمانية ففتكت به وأخضعت أهل دمشق، قال محمد بن جمعة المقار يصف هذه الفتنة: ~~«وارتجف الناس رجفة عظيمة وقتل من شبان الصالحية - إحدى محلات دمشق - نحو الخمسين، ومن ~~كل حارة نحو المائة، وكذا من القرى، وقيل إن عدة القتلى سبعة آلاف وسبعين، وغط العسكر ~~على الصالحية وجميع الحارات والقرى التي على مسيرة يوم وليلة، فكسروا الأبواب وحواصلها، ~~وعروا النساء فضلا عن الرجال، وأخذوا بعض نساء وجواري وعبيد وصبيان، وعدوا هذه الكائنة ~~على دمشق ككائنة التمرلنك بل كيوم القيامة.» # 1 # وبعد هذه الحملة العنيفة رأى العثمانيون وجوب تغيير سياستهم في بلاد الشام ~~فولوا رجلا حازما عاقلا هو أياس باشا في دمشق، كما ولوا فرحات بك على طرابلس، وقره ~~موسى على غزة، وأمروهم بحسن السيرة والأخذ بالقوة. # وفي سنة 930ه تولى دمشق خرم باشا وكان جبارا ظالما، وقد صرف همته إلى قتال الدروز ~~في بلاد الشوف، وأحرق ثلاثة وأربعين قرية من قراهم، كما بعث أربعة أحمال من رءوسهم؛ ~~لتعليقها على قلعة دمشق، ورجع من هناك ومعه مجلدات من كتبهم، # 2 # ثم أخذ الولاة العثمانيون يسيئون السيرة، فتسرع الحكومة العثمانية في ~~نقلهم، حتى لم يبق وال أكثر من سنة، وربما بقي شهرا أو شهرين، فكان هم الواحد منهم ~~سلب الناس، وتفريق كلمتهم، والقضاء على الدروز والموارنة، وإيقاع الفتن بين سكان ~~البلاد، وتمنى الناس رجوع عهد المماليك على ما كان عليه من الفساد لما صاروا يلاقونه من ~~ظلم الولاة العثمانيين وعسفهم، واستلابهم أموال الناس بالباطل، وأخذهم الرشى، وخصوصا ~~حين مات ms063 السلطان سليمان القانوني وتولى سليم الثاني، وفي أواخر عهده سنة 980ه وزع ~~القشلق - أي العساكر المشتية على بلاد الشام - ونهب عسكر الدولة بلاد لبنان وما إليها، ~~وسلبوا سائمتها، وأسرفوا في الظلم حتى كادت الناس تسأل الموت لنفوسها، وأقفرت في لبنان ~~قرى كثيرة، وقتل من الموارنة في تلك المعمعة نحو ثلاثين ألفا، # 3 # وفي سنة 991ه تولى السلطنة مراد الثالث وعهد بسورية إلى حسن باشا، فكان أول ~~أعماله أن وجه جيشا كبيرا إلى لبنان لحرب موارنته والفتك بهم، وفي سنة 993ه وقعت ~~حادثة سرقة الخزنة السلطانية المصرية في عكا أثناء الذهاب بها إلى الأستانة، فسار حاكم ~~طرابلس جعفر باشا إلى هاتيك الديار، وأعلن الحرب عليها، وأحرق بلاد عكا جميعها، وشتت ~~شمل أمرائها ووجوهها كبني معن وبني عساف وبني سيف، كما فتك بالدروز، وقد لاقى أهل الشام ~~في هذا القرن من الولاة العثمانيين أشد أنواع العسف. # فلما دخل القرن العاشر ازدادت نكباتهم، وكثر تعاقب الولاة عليهم، وكل واحد منهم يسرق ~~وينهب ثم يترك البلاد أو يخلع عنها، وقد بلغ عدد ولاة دمشق خلال هذا القرن واحدا ~~وثمانين واليا، كما بلغ ولاة حلب تسعة وأربعين، وازداد الاضطراب في البلاد حتى أصبحت ~~رتبة الولاية تباع وتشرى كالسلع، وأصبح الوالي جابيا لا غير، والوالي الأفضل عند ~~السلطان العثماني والصدر الأعظم العثماني - أي رئيس الوزراء - هو الذي يزيد في جمع ~~الأموال عن سابقه، يكثر تقديم الهدايا والتقاديم، وقد ازداد البلاء على الأهلين حينما ~~اشتدت حملة العساكر العثمانية المعروفة باسم «الانكشارية» الذين انساحوا في البلاد ~~يفسدونها، ويظهر أن الأعيان والأهالي المساكين الذين ضاقوا ذرعا بالعساكر العثمانية ~~أخذوا يفكرون في التخلص منهم، فنظموا أمورهم، وعزموا على الإفلات من ربقة الأتراك، وكان ~~أول هؤلاء هو أمير بني معن فخر الدين الثاني، فإنه رأى ما تلاقيه بلاده من ظلم الأتراك؛ ~~فشرع في إعداد حملة للتخلص منهم، وقد أحس الولاة العثمانيون بذلك فراقبوا أعماله ~~وحركاته، وأخذوا يضيقون عليه خوفا من امتداد سلطته ونفوذه من جبل لبنان إلى سائر أصقاع ~~الشام، إلى ms064 أن كانت سنة 1020ه فطلبت الدولة العثمانية إلى والي دمشق أحمد حافظ باشا أن ~~يتوجه للقضاء على الأمير المعني، كما طلبت إلى ولاة ديار بكر حلب وطرابلس أن يؤازروا ~~والي دمشق، فتوجه الجميع لقتاله في جيش يبلغ ثلاثين ألفا، واستطاع الأمير المعني أن ~~يصمد أمامهم نحوا من تسعة أشهر، ثم رأي أن يترك البلاد مؤقتا ويذهب إلى إيطاليا، ~~فأقام فيها نحوا من خمس سنوات تعرف خلالها إلى النهضة الأوروبية الحديثة، ثم عاد إلى ~~بلاده، وقد أحضر معه بعض المهندسين الحربيين وكثيرا من أهل الصناعات الحربية، وشرع يعد ~~العدة للقضاء على نفوذ الولاة العثمانيين الذين اشتدت مخاوفهم منه بعد أن خضعت له كافة ~~قبائل الدروز والنصيرية والموارنة في الساحل والداخل، وامتد سلطانه من أنطاكية إلى بلاد ~~صفد وبعلبك، # 4 # وقد حاولت الدولة العثمانية مرات القضاء عليه فلم توفق إلى أن كانت سنة ~~1043ه فبعثت الدولة والي دمشق أحمد باشا الأرناءوط لقتاله فظفر به وقتل ابنه وأخاه، ~~وسيره أسيرا إلى الباب العالي في الأستانة، فاعتذر للسلطان وعفا عنه وأبقاه عنده، ~~ولكن لما ثار الأمير ملحم في لبنان وكسر الجيش العثماني صدر أمر السلطان بقتل الأمير ~~فخر الدين، وبقتله قضي على فكرة الاستقلال والتخلص من النفوذ التركي، وقد كان هذا ~~الأمير من محاسن الدهر؛ لحسن سياسته وكياسته، وحبه للسير في مواكب الحضارة ~~والتطور. # وفي سنة 1071ه عهدت الدولة العثمانية بولاية سورية إلى أحمد باشا الكوبرلي ابن الصدر ~~الأعظم محمد باشا الكوبرلي، فقدمها، وكان شابا شديد الحماسة، فأغار على بقايا ~~المعنيين وآل شهاب فشردهم من ديارهم، وهدم قصورهم في حاصبيا وراشيا، وقطع نحوا من ~~خمسين ألف شجرة توت كانت مصدر ثروة للبلاد؛ لاستعمالها في إنتاج الحرير الطبيعي، فكسدت ~~الأسواق وفسدت أحوال البلاد، ويظهر أن الدولة العثمانية قد أحست بالفساد وسوء حالة ~~البلاد لسوء إدارة الولاة، وللإقطاعات التي كان يسيطر عليها كثير من الأمراء المحليين، ~~مثل آل شهاب، وآل معن، وآل الحرفوش، وآل سيفا، وآل سرحان، وآل حيمور، فحاوت التخلص ~~منهم، إما بمحاربتهم والقضاء عليهم ms065 أو بإيقاع الشر فيما بينهم، وقد استمرت هذه الأحوال ~~القلقة حتى نهاية القرن الحادي عشر للهجرة، فلما جاء القرن الثاني عشر وتولى عرش ~~السلطنة العثمانية الملك مصطفى الثاني 1106-1115ه، وكان رجلا كيسا، رأى سوء الحالة ~~التي صارت إليها الإمبراطورية العثمانية، فأمر بالقيام بإصلاحات واسعة في سائر أنحائها، ~~ولكن ولاته في الشام لم يبدلوا خطتهم، وظلت البلاد على حالتها السيئة، وفي هذه الفترة ~~لمع في الشام نجم أمير من بني شهاب هو بشير الشهابي، وكان على جانب عظيم من الدهاء ~~والذكاء والسياسة، فولاه قبلان باشا والي الشام في سنة 1110ه على إيالة صيدا، فسار ~~بالبلاد سيرة حسنة، وسعى في تقوية السلطان العربي، وامتد سلطانه من حدود بلاد صفد إلى ~~حدود المعاملتين حتى أصبح السيد المطاع في الديار الشامية كلها، ويعتبر عهده من أزهى ~~العصور في هذه الفترة، إلى أن مات في سنة 1119ه. # وفي سنة 1120 تولى الشام نصوح باشا، وكان شديد الفتك والعنف، وظل في ولايته إلى سنة ~~1126ه، وفي هذه الفترة كثر اللصوص في البلاد، وعمت الفوضى، واضطرب حبل الأمن في أكثر ~~مدن الشام، وخصوصا في لبنان؛ للفتن التي وقعت بين مشايخ المتاولة والأمراء الشهابيين ~~والانكشارية، إلى أن تولى الشام إسماعيل باشا العظم في سنة 1137ه وكان حاكما عادلا ~~فأحبه الناس، وتولى إمرة الحج عدة مرات، وانتهى به الأمر أن غضب عليه الباب العالي في ~~سنة 1143ه فحبس في قلعة دمشق، واستأصلت الدولة العثمانية أمواله وأموال أهله، ثم أفرج ~~عنه فاستقر في دمشق، وأعقب الباشوات أسعد وسعد الدين ومصطفى، وكلهم تولى الوزارة أو ~~الولاية في دمشق أو حماه أو صيدا أو طرابلس، حتى جاء زمن صاروا فيه وحدهم حكام الديار ~~الشامية جميعها، قال المرحوم الأستاذ محمد كرد علي: «عظمت دولتهم؛ لأنهم أخلصوا في ~~الغالب للدولة كل الإخلاص، حتى أمنتهم ووسدت إليهم الأحكام في الشام، وتركتهم يعملون ما ~~يشاءون، وجاء دور وهم حكامها من أقصاها إلى أقصاها، وكان بنو العظم كسائر الأسر القديمة ~~التي تغلبت على بعض أصقاع الشام أمثال ms066 بني معن، وبني شهاب، وبني الحرفوش، وبني سيفا، ~~وبني طرابيه، ومنهم الصالح والطالح، وهل هم إلا نموذج من عصرهم، ولا شك أنهم جمعوا ~~أموالا كثيرة؛ لأن حكوماتهم طالت أيامها، والولاية بالالتزام، فكان الوالي منهم كسائر ~~الولاة يرضي الأستانة بمبلغ ويبقي له بعد كل إسراف مبلغ كبير، وهو الحاكم المتحكم في ~~ثروة البلاد والأفراد.» # 5 # وفي سنة 1174ه قتل أسعد باشا العظم، وضبطت الدولة العثمانية داره وأمواله، وأخبر ~~مولاه عثمان آغا الكرجي عن ذخائره المخبوءة، فأنعمت الدولة عليه برتبة الباشوية وبتولي ~~دمشق، فتولاها إحدى عشرة سنة، وسار بالناس سيرة حسنة، وفي هذه الفترة ظهر في ديار الشام ~~رجل قوي ذو مطامع وهو الشيخ ظاهر العمر، عهد إليه والي صيدا بجمع الضرائب؛ فقسا على ~~الناس في جمعها، وهابوه فقوي نفوذه، فجمع شيوخ المتاولة والأعراب من حوله، وأغدق عليهم ~~المال فأحبوه، وعظم سلطانه فسمت نفسه إلى الولاية، وطرد والي عكا، ثم والي صيدا، ~~وأخذ يسعى سرا للاتصال بالدولة الروسية، فاتصل بها وحالفته ضد الدولة العثمانية، ~~وأغرته على الاستقلال بالشام كله، وطرد بقايا الولاة العثمانيين، فأخذ يعد لذلك عدته، ~~ويعمل على طردهم من الشام، وضاق عثمان باشا الكرجي والي دمشق به ذرعا، واستنجد بأمير ~~مصر علي بك، وجرت بين الطرفين معارك عنيفة استمرت إلى سنة 1185ه واستولى الجيش المصري ~~بقيادة أبي الذهب على جميع البلاد الشامية من الجنوب حتى حلب، وعظم نفوذ الشيخ ظاهر إلى ~~أن وقع الخلاف بينه وبين المصريين، واضطر أبو الذهب أن يرجع إلى مصر، فاغتنم عثمان باشا ~~الكرجي هذه الفرصة، وأعاد الكرة على الشيخ ظاهر فكسره وكاد أن يفتح عكا، ولكن الشيخ ~~ظاهر وجماعته استطاعوا أن يطردوه عن مدينتهم، ولما استقرت الأمور للشيخ ظاهر كتب إلى ~~علي بك صاحب مصر يخبره بسوء حالة أبي الذهب وخيانته، ثم كتب إلى الإمبراطورة كاترينة ~~ملكة روسية يطلب إليها أن تنجده بأسطول يحارب به الأسطول العثماني، فبعثت إليه بمراكب ~~عسكرية استطاع الشيخ ظاهر أن يحاصر بها الأسطول العثماني، فكسره شر كسرة، وفتكت المراكب ~~الروسية ms067 بمدينتي بيروت وصيدا، وأحرقت قسما من الساحل السوري، وهدمت كثيرا من أبراجه ~~بمدافعها الثقيلة حتى ضاق الناس بما حل ببلادهم، واستسلموا للمراكب الروسية، وترك كثير ~~من أهالي بيروت بيوتهم هربا إلى الداخل. # وما زال أمر الشيخ ظاهر العمر منذ ذلك الحين في صعود حتى بعثت الدولة العثمانية ~~بأسطول بحري بقيادة حسن باشا الجزائري في سنة 1189ه، وكتبت إلى كل من محمد باشا العظم ~~والي صيدا وأحمد باشا الجزار أمير السواحل السورية بقتال الشيخ ظاهر العمر، وحين أحس ~~بالخطر أراد أن ينجو بنفسه فلم يستطع، وقتله أحد عبيده المغاربة، وتسلم أحمد باشا ~~الجزار ولاية عكا وصيدا وما إليهما، وأخذ يفتك بآل العمر وأولاده وأنصاره حتى شردهم، ~~وامتد سلطانه من بلاد صفد وأربد ونابلس إلى حيفا ويافا وصيدا وعكا، ولما تم له تطهير ~~البلاد منهم ومن أنصارهم شرع في ترتيب أمور دولته، ثم سيطر على بيروت وبعلبك في سنة ~~1181ه، ثم عهدت إليه الدولة بولاية دمشق في سنة 1189ه حتى سيطر على الشام كله إلى أن ~~جاء نابليون الفرنسي بحملته على مصر - كما سنفصله في موضعه - وأحس نابليون باجتماع ~~الجيوش العثمانية عليه في الشام وعزمها على محاربته، وقرر أن يفاجئها؛ فاحتل مدينتي ~~حيفا ويافا، ثم قصد عكا وكانت كسرته المشهورة عندها، ورجع خاسرا إلى مصر، ولم يبق ~~فيها طويلا حتى اضطرته الأحوال القلقة في فرنسة إلى العودة من حيث أتى. # وظل أحمد باشا الجزار في ولاية دمشق والجنوب، أما الشمال فكان مستقلا بولاته، وقد ~~تعاقب على حلب في هذا القرن سبعون واليا تركيا قضى أكثرهم في الولاية أشهرا معدودة، ~~ولم يتجاوز بعضهم الخمس سنوات، وكان ولاة دمشق ستة وأربعين واليا في هذا القرن، كان ~~منها نحو نصف قرن تحت حكم آل العظم، وكان لبنان يعيش تحت حكم المتغلبين من الأمراء، ~~وقلما استطاعت الدولة العثمانية القضاء على سلطتهم، أو تمكنت من فرض هيبتها بشكل بارز، ~~وإنما كانت تستعين بإثارة الجار على جاره، وابن العم على ابن عمه ، وكان الولاة في ~~الأغلب يتمتعون بسلطان ms068 استقلالي. # الفصل التاسع # | مصر منذ القرن السابع للهجرة حتى نهاية عصر المماليك البحرية # أطل القرن السابع الهجري على الديار المصرية والديار الشامية، وهما في أشد حالات ~~الاضطراب والفوضى كما أشرنا إلى ذلك في الفصل الخاص بتاريخ الشام في ذلك الحين؛ وذلك ~~لأن الأسرة الأيوبية الحاكمة في القطرين قد فقدت بأسها بعد أن هلك الملك العادل ~~596-615ه/1200-1218م الذي استطاع أن يعيد مملكة أخيه الملك صلاح الدين إلى وحدة ~~أجزائها بعد أن تقاسمها أبناؤه وإخوته، ومزقوا شملها، فانتهز الصليبيون هذا التفرق، ~~وجمعوا جموعهم في عكا، وساروا نحو مصر، وحاصروا مدينة دمياط، وفتكوا بأهلها فتكة مات ~~الملك العادل على أثرها مكمودا مكبودا، وعادت الفوضى من جديد إلى صفوف الأيوبيين بعد ~~وفاته، فقد تملك بعده ابنه الملك الكامل في مصر، وتملك كل من إخوته الفائز والمعظم ~~والأشرف في الشام والجزيرة، والصليبيون ما زالوا محاصرين دمياط. # وقد عم البلاء كافة الديار المصرية، والملك الكامل يراسل إخوته وأعمامه، ويستحث ~~أمراء الإسلام طرا لمعاونته على طرد الصليبيين الذين ضيقوا عليه الخناق فلم ينصره ~~أحد، وسقطت دمياط بعد حصار ستة عشر شهرا هلك به من أهلها خلق كثير، وغنم الصليبيون ما ~~لا يقدر من الأموال والذخائر، وقد ظل الصليبيون يحتلون ذلك الجزء من القطر المصري ثلاث ~~سنوات وأربعة أشهر، ثم عقد الملك الكامل معهم معاهدة صلح ظهر فيها بمظهر المستخزي ~~الضعيف، وزاد في استخزائه أنه طلب إليهم أن يعاونوه على الفتك بأخويه الملك الأشرف ~~والملك المعظم، وأغرى الإمبراطور فريدريك الثاني ملك الصليبيين على اغتيال أخيه الملك ~~المعظم وإخراج دمشق من سلطانه، فتم له ما أراد، ورجع - أي فريدريك - إلى فلسطين، وسيطر ~~على القدس وما حولها، ثم توجه إلى عكا وصور فاستولى عليهما، واستقر في ملك فلسطين خمسة ~~عشر عاما وهو السيد المطاع في كافة أرجائها. # أما الملك الكامل فإنه رضي بخزيه، وظل في مصر إلى أن هلك في رجب سنة 635ه/1238م ~~فتولى الأمر بعده ابنه الملك العادل الثاني، ولم يطل عهده أكثر من سنتين لم يأت فيهما ~~بعمل ms069 صالح ذي قيمة، ثم تآمر عليه أخوه الملك الصالح في سنة 637ه/1240م فخلعه عن ~~العرش، واستولى على الشام ومصر، وحاول توطيد أركان دولته، والقضاء على من يناوئونه من ~~الأمراء، ففر الملك الجواد يونس صاحب ما بين النهرين لاجئا إلى الصليبيين في عكا، وسعى ~~في التوفيق بينهم وبين الملك إسماعيل صاحب دمشق والملك إبراهيم صاحب حمص، وألف الجميع ~~جبهة واحدة ضد الملك الصالح صاحب مصر، والتقت الجيوش المصرية بالجيوش الصليبية ومن ~~معهم، ودارت الدائرة على الصليبيين فردوا على أعقابهم خاسرين، وبلغت أخبار هذا ~~الانكسار إلى أوروبة؛ فخجلت من انكسارات جيوشها الصليبية المتواصلة، وعزم ملوكها ~~وأمراؤها ورجال الكنيسة فيها أن يغسلوا عار هذه الانكسارات بحملة قوية يرأسها الملك ~~القديس لويس التاسع صاحب فرنسة، فجمعوا جيشا كبيرا قوامه خمسون ألف مقاتل مزودين بشيء ~~كثير من الذخيرة والعدد والمراكب، فلما علم الملك الصالح بذلك حصن مدينة دمياط، وأعد ~~أسطولا كبيرا قويا للقائهم، والتقى الفريقان، وانتصرت الجيوش العربية، وأسرت الملك ~~لويس التاسع، ومات الملك الصالح ولم يكن له من البنين إلا ابنه طوران شاه، ولم يكن ~~حازما فلم تطل مدته وقتله الأمراء، وتولت الأمر من بعده شجرة الدر زوجة الملك الصالح، ~~وكانت سيدة ذكية سياسية، فنظمت الجيوش المصرية خير تنظيم، وقاتلت الصليبيين، وكسرت ~~جموعهم عند مدينة فارسكور وانخذل الصليبيون تماما، وكانت هذه الحملة آخر حملاتهم على ~~بلاد الإسلام، وكفى الله المؤمنين شرهم. ~~••• # كان الملك طوران شاه ابن الملك الصالح آخر الملوك الأيوبيين، فتولى الملك سنة ~~647ه/1249م بعد أن مات أبوه وهو ببلاد الشام، فلما علم بوفاته قدم إلى «المنصورة» حيث ~~كانت ترابط الجيوش المصرية الظافرة، وتقدم الصليبيون يطلبون المصالحة وفداء الملك لويس، ~~فقبل طوران شاه بفدائه مقابل مبلغ عظيم من الذهب، ولكن الأمراء المماليك غضبوا لهذه ~~العملة وثاروا عليه ثم قتلوه في سنة 648ه/1250م واختلفوا فيمن يولونه، ثم اتفقوا على ~~تولية شجرة الدر، واتفقت مع المملوك عز الدين أيبك أن يعينها في مهمتها فتم لها ما ~~أرادت، وتلقبت بعصمة الدين أم خليل المستعصمية، وكان ذلك ms070 في صفر سنة 648ه وخطب باسمها ~~على المنابر، وسمت المملوك عز الدين أيبك أتابكا أي مربيا لولي العهد الطفل، ولم ينكر ~~أحد عليها أن تتولى عرش الأيوبيين؛ لما كانت عليه من الحزم والكرم والسياسة إلا أن نقطة ~~واحدة كانت تزعجهم وهي كونها امرأة، ومن هنا قام بعض الأمراء يستفتون خليفة بغداد في ~~هذا الأمر، فأجابهم بكتاب فيه: «... أعلمونا إن كانت الرجال عدمت عندكم حتى نسير إليكم ~~رجلا يصلح للسلطنة، أما سمعتم في الحديث عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: لا يفلح قوم ~~ولوا أمرهم امرأة ...» ولما بلغت هذه الرسالة القاهرة اضطربت شجرة الدر، وأخذت فكرة ~~التملك تخامر نفوس نفر من كبار المماليك، كما عزم قوم منهم على تولية بعض بقايا ~~الأيوبيين، فاختاروا الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز صاحب حلب، ولكنهم ~~لم يفلحوا في ذلك واستطاع جماعة الأمير عز الدين أيبك أن يكرهوا شجرة الدر على التنازل ~~لأيبك، فتنازلت له على أن يتزوجها، وكان لها ما أرادت، ونودي بالأمير عز الدين أيبك ~~الجاشنيكر المملوك التركماني الأصل ملكا على البلاد في آخر ربيع الثاني سنة 648ه، ~~ويظهر أن هذا الحل لم يرق سائر المماليك؛ فاجتمع رؤساؤهم أمثال: فارس الدين آق طاي، ~~وركن الدين بيبرس، وسنقر الرومي، وعزموا على أن يولى الأمر إلى أحد الأمراء الأيوبيين ~~على أن يكون أيبك «أتابكا» للمملكة، واختاروا لذلك الملك الأشرف الأيوبي، وكان فتى لم ~~يتجاوز العشرين من عمره، فخطب لهما على المنابر معا، هذا سلطان وذاك أتابك، والحل ~~والربط لا لهذا ولا لذاك؛ بل لشخص ثالث هو السيدة شجرة الدر. # هذا ما كان من أمر السلطنة في ديار مصر، أما في الشام فإن الملك الناصر صاحب حلب أخذ ~~يعد نفسه للاستيلاء على الشام، فزحف إلى دمشق واستولى عليها، وجمع حوله من بقي من أمراء ~~الأيوبيين؛ لمعاونته في استعادة ملك مصر، وكتب إلى الملك لويس التاسع المقيم في عكا ~~يستمده العون على المصريين، ويعده أن يسلمه بيت المقدس إذا ما تم لهما ms071 النصر ، فانتهز ~~لويس هذه الفرصة، وكتب إلى مصر يهدد مماليكها بأنه سينضم إلى الملك الناصر إذا لم ~~يجيبوه إلى عقد معاهدة صلح جديدة تتضمن البنود الستة الآتية: ~~(1) # إلغاء معاهدة «المنصورة» التي أطلق بموجبها الملك لويس من أسره. ~~(2) # إعادة الأطفال الفرنسيين والنصارى الذين أكرهوا على اعتناق الإسلام إلى ~~دينهم. ~~(3) # إعادة رءوس النصارى الصليبيين التي كانت مطمورة في متاريس ~~القاهرة. ~~(4) # إلغاء مبلغ المائتي ألف دينار التي يتعهد الملك لويس بدفعها بعد فكاك ~~أسره كل سنة. ~~(5) # أن تعاد إليه مدينة القدس. ~~(6) # اتفاق الجيشين الصليبي والمملوكي ضد الملك الناصر. # ولما وصل رسوله بكتابه إلى القاهرة وجد المماليك فيها أن لا مندوحة لهم من قبول هذه ~~البنود وعقد هذا العقد فقبلوه، ويظهر أن أمر هذه المراسلة بين المماليك وبين لويس قد ~~علم بها الناصر؛ فبعث بجيش كبير حال دون التقاء الجيش الصليبي بالجيش المملوكي، ثم توجه ~~لقتال المماليك، فالتقى بهم في غزة، ثم في بلبيس، وكادت الدائرة تدور على المماليك، ~~ولكنهم ظفروا أخيرا على الملك الناصر وأصحابه، واضطر أن يخضع لهم، وأن يعود إلى بلاد ~~الشام، وألا يتعدى حدود الأردن، وصفا الملك بعدئذ لمعز الدين أيبك، فخلع الملك الأشرف ~~موسى، واستأثر بالملك دون سائر المماليك، وأخذت نفسه تتعاظم وتستعلي حتى على شجرة الدر، ~~فلم تطق احتمال ذلك، وأمرت بعض جواريها ومماليكها فقتلوه وهو في الحمام، وبلغ خبر ~~اغتياله إلى أصدقائه وزملائه من المماليك، فاحتالوا على شجرة الدر وعملوا على قتلها ~~وتولية الأمير علي بن معز الدين أيبك ولما يبلغ الخامسة عشرة في سنة 655ه/1257م وسموا ~~الأمير قطز «أتابكا» عليه ونائبا للسلطنة، وكان قطز داهية؛ فساس البلاد خير سياسة، ~~وفي عهده كان الهجوم التتري على بغداد، ولما بلغت مصر أخبار التتار وأعمال هولاكو ~~وما فعله بالخليفة وبالعاصمة الإسلامية، وما يبيته لمصر والشام رأى الأمراء المماليك ~~وجوب تمليك رجل قوي على العرش؛ فاختاروا قطزا، والتفوا من حوله. # تولى الملك المظفر سيف الدين قطز عرش مصر والشام؛ فعمل على توطيد أركان الأمن في ~~البلاد، والقضاء على الفوضى ومسببيها، ms072 ورأى أن العدو الأول الذي يجب القضاء عليه هو ~~أولئك الشذاذ من الصليبيين الأوروبيين الذين أزعجوا البلاد، وتبين له أن أول ما يجب ~~عمله هو أن يردم مصب النيل من جهة دمياط؛ ليعيق مراكبهم من العبور في مياهه التي كانوا ~~يحتلون الشواطئ المصرية عن طريقها، ثم إنه أتم تخريب أسوار المدينة التي كان المماليك ~~قد هدموها في أيام الملك أيبك سنة 648ه خوفا من مسير الإفرنج إليها، ومحيت بروج ~~المدينة وأسوارها وما فيها، ولم يبق منها إلا جامع يعرف بجامع الفتح وبعض غرف ~~للفقراء، ثم انصرف إلى تحصين القاهرة، وترتيب أمورها، والعناية بحالة البلاد عامة، ~~وبينا هو منشغل بهذا العمل جاءه رسول هولاكو بكتاب ينذره فيه بزحفه، ويحذر الذين ~~يخالفون أمره أن يصيبهم ما أصاب أهل بغداد، ومما قال فيه: ~~... ويا أهل مصر أنتم قوم ضعاف، فصونوا أنفسكم ودماءكم مني، ولا تقاتلوني ~~فتندموا. # ولما قرأ قطز كتاب هولاكو غضب بشدة، وقتل رسول هولاكو، ورد عليه بكتاب يتوعده ~~فيه، فلما بلغ الرسول إلى سورية رأى أن هولاكو قد رحل عنها إلى بلاده، وسلم أمر الجيش ~~إلى قائده كتبغا، ولم يلبث قطز أن جمع زعماء المماليك ورجالات البلاد، وخطب فيهم مبينا ~~لهم سوء معاملة المغول وقسوتهم، ومعددا لهم سوء أحوالهم وأعمالهم الوحشية التي ~~ارتكبوها في دار الخلافة وعواصم الشام، وذكر لهم أن الخطر محدق بهم إذا ما تهاونوا في ~~قتال عدوهم، فعاهدوه على الاستماتة في سبيل البلاد والذود عن حياضها، ثم أخذ ينظم جيشه، ~~ويعد عدته، وسار نحو فلسطين حيث التقى الجيشان في عين جالوت، ودارت الدائرة ~~على المغول، وقتل قائدهم كتبغا، وأسر ابنه، وتفرق جنده، وغنم المصريون غنائم عظيمة، ~~وعاد الجيش المصري وعلى رأسه الملك قطز إلى مصر وهو مرفوع الرأس، ولكن لم يتم له الفرح؛ ~~فقد تآمر عليه بعض مماليكه وقتلوه وهو في الطريق، ولم يدم حكمه إلا نحوا من سنة، وولوا ~~مكانه المملوك بيبرس البندقداري 658-676ه/1260-1272م وكان رجلا حازما بطلا سار ~~بالناس خير سيرة؛ ففرحوا به، وأول عمل قام ms073 به هو أنه اتخذ الأمير الصالح بلباي ~~الخارتدار نائبا للسلطنة؛ لما يعرفه عنه من الإقدام والإخلاص والدهاء، وسلمه إدارة ~~شئون البلاد، فأطلق من كان في السجون من المماليك، ووزع عليهم الأموال والهدايا، وأحسن ~~إليهم فأحبوه، ودعاهم إلى الالتفاف حوله للدفاع عن بلادهم من غارات الصليبيين والمغول، ~~ثم التفت إلى العامة فأزال عنهم كثيرا من الضرائب والمكوس الظالمة، وأخذ أموال الزكاة ~~بحسب الفريضة الشرعية، وفتح باب قصره لاستماع شكاوى الناس، وأرسل كتبا ورسلا إلى عمال ~~الولايات والممالك يوصيهم بأن يسيروا بسيرته، ويحذرهم من الظلم، فعم الخير وانتشرت ~~الطمأنينة. # ولما رأى التتار في الديار الشامية هذه السياسة الجديدة التي يتبعها الملك بيبرس ~~خافوا مغبتها، وسعوا إلى إيقاع الفتنة بينه وبين عماله، وتمكنوا من إثارة الأمير سنجر ~~صاحب الديار الشامية ضده، فشق عصا الطاعة ونادى بنفسه سلطانا، وتلقب بالملك ~~المجاهد، فسار إليه بيبرس، ولكن جيوش التتار تلقت بيبرس، فتغلب عليهم وسار نحو سنجر، ~~وعلم بذلك سنجر فاعتصم بدمشق التي قنطت من فوزه، ففتحت أبوابها لبيبرس، ونال المماليك ~~الموالون لسنجر ما يستحقون، ورجع بيبرس إلى مصر وقد انتظمت له أمور الشام ومصر، وهدأت ~~البلاد؛ فعكف على الإصلاح وإشادة المدارس العظيمة والمدارس الضخمة التي ما تزال آثارها ~~ماثلة إلى أيامنا. # وفي السنة الثانية لولايته 659ه فكر في إعادة الخلافة الإسلامية العباسية إلى سابق ~~مكانتها؛ ليقوي عرشه، ويرفع من شأن مصر في العالم الإسلامي، وكان قد علم أن أحدا من ~~بني العباس قد نجا من مذبحة هولاكو، واسمه الإمام أحمد، وهو ابن الخليفة الظاهر ابن ~~الخليفة الناصر ابن الخليفة المستنصر، فكتب إليه يدعوه إلى مصر، وخرج للقائه بنفسه من ~~المطرية في كوكب مهيب، ثم توجها إلى القاهرة معا، ودخلاها من باب النصر، واستقبلا ~~استقبالا لم يسمع بمثله، ولما وصلا القلعة حيتهما أمراؤها ووجوه البلدة، وبعد أيام ~~أراد بيبرس أن يثبت نسب الإمام أحمد، فعقد لذلك مجلسا شرعيا أثبتت فيه صحة نسبه، ثم ~~بايعه بالخلافة، وتلقب بالخليفة المستنصر بالله، ولم يكن لهذا الخليفة أي نفوذ سياسي أو ms074 ~~عسكري، وإنما كان سلطانه دينيا ، وهذا ما كان يهدف إليه بيبرس. # ولما استقرت الأمور لبيبرس في مصر والشام، رغب في العراق وجهز جيشا أنفذه مع ~~الخليفة لإخراج التتار من بغداد، وقد بلغت أخبار هذا الجيش إلى العراق، فجمع التتار ~~جموعهم، والتقوا بالجيش المصري ففرقوه وقتلوا الخليفة، فتولى الخلافة من بعده أحد بنيه، ~~وتلقب بالحاكم لأمر الله، وما أن بلغ الصليبيين خبر انكسار الجيش المصري طمعوا في مصر ~~من جديد، وعلم بهذا عيون بيبرس في الشام فكتبوا إليه، فاستعد لهم، وكتب إلى صاحب بلاد ~~القفجاق عدو أبقا خان ملك التتار يطلب إليه أن يحالفه ضدهم، كما كتب إلى القيصر صاحب ~~القسطنطينية يحالفه ضد الصليبيين والبابا خصم القيصر، فقويت أواصر المودة بين القيصر ~~وبيبرس حتى شاد القيصر في القسطنطينية مسجدا للمسلمين في حاضرته، واستحصل من بيبرس على ~~إذن بالسماح لبطريك الطائفة الملكانية في دولته، # 1 # ولم تقتصر مساعي بيبرس على هذا؛ بل إنه قوى صلاته بالعالم وعظماء ملوكه ~~كملك إسبانيا، وملك نابولي، وسلاجقة آسيا الصغرى فحالفوه ضد التتار الطغاة الذين طبقت ~~قساوتهم الآفاق. # ولما رتب بيبرس أموره الداخلية والخارجية عزم على قتال الصليبيين الذين لا يزالون ~~يتحكمون في بعض بقاع فلسطين؛ فهاجم مدينة قيصرية، وهدم أسوارها المنيعة، واشترك هو ~~بالمعارك، وهدم الأسوار، وتحمس الجنود المصريون، وأعملوا سيوفهم في بقايا الصليبيين ~~فأثاروا في قلوبهم الرعب، ثم توجهوا إلى دمشق ففتحت لهم أبوابها، ولم يجدوا فيها ~~عدوا؛ لأن هولاكو كان قد مات؛ فتشتت شمل جنوده المغول، ثم رجعوا إلى القاهرة ~~فاستقبلهم أهلها أجل استقبال، ولم يستقر بيبرس في القاهرة حتى وجه حملة قوية إلى ~~أرمينية ففتح بلادها وهدم عاصمتها «سيس» واستولى على غنائم كثيرة، وفي سنة 666ه استأنف ~~حروبه مع بقايا الصليبيين؛ فاستولى على يافا وأنطاكية وصافيتا ومرقب، ثم جهز أسطولا ~~قويا لفتح جزيرة قبرص التي كان الصليبيون يستعملونها قاعدة لهم ولتموينهم، ولكنه لم ~~يوفق في حملته فقد تحطم الأسطول بعواصف شديدة لاقته في طريقه، ولم يفل هذا من عزمه في ~~القضاء على الصليبيين ms075 في سورية وما جاورها، فقد جمع جيوشه واتجه من جديد نحو قلاع ~~الصليبيين في سورية؛ فحطمها حصنا حصنا، وبعد أن تم له الاستيلاء على كافة قلاعهم في ~~الساحل السوري، وفي سنة 670ه سار لمحاربة الباطنيين الملاحدة في شمال سورية والعراق؛ ~~فقضى عليهم، ثم توجه لقتال التتار الذين حاولوا غزو سورية من جديد، والتقى الجيشان ~~عند مدينة البيرة، وانكسر التتار، ثم توجه إلى أرمينية ففتحها من جديد بعد أن نقض ~~الأرمن عهدهم. # وفي سنة 674ه قام بحملة على بلاد النوبة الذين شرعوا في مهاجمة جنوب مصر فأدبهم، ~~وتعهدوا له بدفع الجزية مع عدد من الفيلة والزراف والتحف، وفي سنة 675ه وافته الأخبار ~~بأن التتار أغاروا على آسية الصغرى وشمالي الشام، فتوجه إلى حلب والتقى بجمعهم، وكان ~~له النصر، ولحق بسلطانهم الفار أباقا خان عند الأبلستين، وكانت معركة هلك فيها من ~~الطرفين عدد كبير وانكسر التتار، وفي سنة 676ه سار نحو أنطاكية لزيارة جنده المرابطين ~~في الثغور، وبينا هو في رحلته هذه إذ شعر بالحمى، فقصد دمشق، وأدركه الأجل وهو في طريقه ~~إليها، فكتم الأمراء خبره إلى أن وصلوا إلى دمشق فدفنوه في الثامن عشر من المحرم سنة ~~676ه تحت قبة المدرسة الظاهرية الكبرى، وبموته انطوت صفحة خالدة فيها كثير من أنباء ~~البطولة والصلاح وحب الخير وحماية الإسلام والعروبة ونشر الفضل والعلم، وقد امتد نفوذه ~~من جنوبي بلاد مصر إلى أقاصي الفراتين، ومن تخوم آسية إلى سيف البحر الأحمر، وقد شاد في ~~عواصم هذا الملك كثيرا من القصور والمساجد والمدارس والبيمارستانات والخوانق والربط ~~والخانات التي ما يزال أكثرها مزدهيا بجماله العمراني وحسن ريازته، ومن أجمل هذه ~~الآثار دار الكتب الظاهرية التي تضم رفاته في دمشق. # ولما توفي الظاهر بيبرس اتفق الأمراء جميعا على مبايعة ابنه الأمير محمد بركة خان في ~~سنة 676ه/1277م وتلقب بالملك السعيد في حفلة جد فخمة، وكان الملك السعيد فتى لم ~~يتجاوز التاسعة عشرة، وكان فيه كثير من نزق الشباب وطيشه، ولكنه ورث عن أبيه شيئا من ~~الشدة والحزم، ms076 وما أن اعتلى أريكة الملك حتى أقصى الأمراء والمماليك الذين كانوا مقربين ~~في عهد أبيه، وقرب إليه طائفة من المماليك الشباب الأغرار؛ فتباعدت عنه رجالات الحل ~~والعقد والحكمة والكياسة، وتألم زعماء البلاد من هذا التصرف الأخرق، وعزموا على التخلص ~~منه، ولكن فتنة وقعت في دمشق جعلتهم يغضون النظر عن الملك السعيد وتصرفاته، فقد وردت ~~أخبار من بلاد الشام بأن الأمير سنجر الأشقر صاحب دمشق قد أعلن عصيانه على مصر وسمى ~~نفسه سلطانا وتلقب بالملك الكامل كما أسلفنا، واضطر الملك السعيد أن يسير إليه، وبينا ~~كان يحاصره في دمشق وجد أحد أمرائه أن الجند أخذوا يتسللون هربا فأعلمه بذلك، وعلم أن ~~جنده سيخذلونه فرجع إلى القاهرة، ولكن جنده منعوه من دخولها، فلجأ إلى قلعة الجبل، ولكن ~~الجند حاصروه، فاضطر أن يسلم نفسه، وكادوا أن يقتلوه لولا أن الخليفة الحاكم بأمر الله ~~منعهم من ذلك، فخلعوه في ربيع الأول سنة 678ه/1279م ونفوه إلى قلعة الكرك، ولم يطل ~~عمره بعد ذلك إلا فترة قصيرة، ثم ولوا أخاه الأمير بدر الدين سلامس، ولم يكن له من ~~العمر إلا سبع سنوات وأشهرا، وأقاموا الأمير سيف الدين قلاوون الألفي أكبر الأمراء ~~«أتابكا» عليه، فلم يلبث قلاوون أن خلع سلامس، ونادى بنفسه سلطانا في أواخر سنة 678ه ~~وتلقب بالملك المنصور، ولم يلبث قليلا حتى داهمت جيوش المغول بلاد الشام، وأخذت تفتك ~~بالأهلين وتحرق المدن، وقد لقيت الديار الحلبية وحلب نفسها من فظائعها ما يضيق القلم عن ~~ذكره، ولما بلغت أخبارهم دمشق هاج أهلها، وسار قلاوون على رأس جيش إلى الشام فالتقى ~~الجيشان، وتشتت شمل المغول وقتل أميرهم منكو تمر، ومما هو جدير بالذكر في هذه الفترة أن ~~فلول الصليبيين الذين كانوا في بعض ثغور الشام انتهزوا فرصة هجوم التتار فأغاروا على ~~البلاد، وفتكوا ببعض المدن والقرى، فلما انتهى السلطان قلاوون من تشتيت المغول زحف على ~~أولئك الصليبيين فأخضعهم، وعقد معه البرنس بومنت ملك طرابلس هدنة أعلن فيها خضوعه، ثم ~~رجع السلطان إلى مصر، وأخذ ينظم أمور البلاد ms077 الداخلية، وعهد بولاية عهده إلى ابنه علي ~~الصالح، ولكن عليا قضى في سنة 687ه، فحزن عليه أبوه أشد الحزن، وآلى على نفسه أن يخرج ~~في حملة قوية ضد الصليبيين يفرج بها عن كرهه، فزحف على رأس جيش كبير إلى طرابلس الشام، ~~وكانت تحت نفوذ الصليبيين منذ أكثر من قرن ونصف قرن فافتتحها، وذبح من الصليبيين مذبحة ~~عظيمة ثم رجع إلى مصر، ولكن حرقته على ابنه ما زالت مسيطرة عليه إلى أن أدركه أجله في ~~سنة 685ه/1290م فحزن الناس لموته، ودفن في البيمارستان العظيم الذي شاده في القاهرة، ~~وكان قلاوون ملكا عادلا شجاعا مقداما، وطد الأمن في البلاد الشامية والمصرية ~~والحجازية، وأذاق الصليبيين والمغول مر العذاب، وله آثار عمرانية جليلة أهمها: ~~البيمارستان القلاووني، والمدرستان في القاهرة، وكثير من الخانات والربط والجوامع، كما ~~أنه كان مغرما بالاستكثار من المماليك حتى قيل إنه كان يملك اثني عشر ألف مملوك جركسي ~~ومغولي، وقد أسكن نحوا من أربعة آلاف واحد منهم في بروج القلعة، وقد عرفوا بالمماليك ~~البرجية تمييزا لهم عن المماليك البحرية، وقد لعبوا بعد وفاته دورا هاما في تاريخ ~~مصر والشام. # ولما مات قلاوون تولى الملك بعده ابنه السلطان صلاح الدين خليل 689ه/1290م وتلقب ~~بالملك الأشرف، وكان سلطانا حازما جهز في سنة 690ه . حملة بقيادته على الصليبيين في ~~عكا التي كانت الحصن الحصين الوحيد الذي بقي بيد الصليبيين، فدكه وشرد جموعهم على ~~الرغم من نجدة أهالي جزيرة قبرص لهم، # 2 # وعلى أثر سقوط عكا خاف الصليبيون من المسلمين على أنفسهم؛ فتركوا سائر ~~قلاعهم وحصونهم في بيروت وصيدا وصور، وفر قسم كبير منهم من البلاد، وعاد السلطان إلى ~~القاهرة ظافرا وبين يديه آلاف من الأسري الصليبيين، وبسيفه البتار قضى عليهم قضاء ~~مبرما، ولم ترتفع لهم عقيرة بعدئذ. # ثم وجه السلطان خليل همته إلى قتال المغول؛ ففي سنة 692ه اتجه نحو حلب ومنها إلى ~~آسية الصغرى حيث أعمل السيف فيهم وفيمن معهم من الأرمن، وفتح بلاد أرزن الروم، وذاع ~~صيته في البلاد الشمالية والشرقية كلها ms078 وهابه الناس، ثم رجع إلى القاهرة، ولم يلبث ~~طويلا حتى فاجأه أحد المماليك بضربة خنجر أردته قتيلا في سنة 693ه/1293م ونادى هذا ~~القاتل - وكان اسمه بيدار - بنفسه سلطانا، وتلقب بالملك القاهر، فلم يلبث إلا يوما ~~واحدا حتى قتله أحد مماليك السلطان خليل، وبايعوا أخاه محمد بن قلاوون ملكا ولقبوه ~~بالملك الناصر، وكان هذا فتى لم يتجاوز التاسعة من سنيه، فأقاموا الأمير زين الدين ~~كتبغا قيما عليه و«أتابكا»، وكان من مماليك أبيه، ولكنه لم يلبث أن خلع الناصر ونفاه ~~إلى الكرك، ونادى بنفسه سلطانا، وتلقب بالملك العادل في سنة 694ه/1294م، وفي عهده ~~أصابت الديار المصرية مصائب عظام من طاعون وقحط وبؤس، وهلك من أهلها خلق كثير لسوء ~~إدارته، وكانت ثالثة الأثافي في عهده حادثة العويراتية وهم قبيلة من المغول فرت من ~~بلادها لاجئة إلى الديار الشامية، فلما بلغ خبرها إلى كتبغا استقدم أكابرها إلى مصر؛ ~~لأنهم من جنسه، وكانوا نحوا من ثلاثمائة رجل، فأنعم على رئيسهم طرغاي برتبة عالية ~~وعليهم، ومكنهم من وظائف الدولة فعاثوا فيها فسادا حتى قال محمد بن دينار الشاعر يصف ~~حالة البلاد بسببهم: ~~ربنا اكشف العذاب عنا فإنا # قد تلفنا في الدولة المغلية # جاءنا المغل والغلا فانسلقنا # وانطبخنا في الدولة المغلية # ولكن السلطان سكت عنهم وشجعهم على الرغم من كل أعمالهم الظالمة، فغضب أهالي مصر وكثير ~~من أمراء المماليك، وثاروا على السلطان وجماعته المغول، فاضطر إلى الهرب والنجاة بنفسه، ~~وذهب إلى دمشق، ولكنه فوجئ بأن نائبه فيها الأمير حسام الدين لاجين قد خلع طاعته، ونادى ~~بنفسه سلطانا، فأذعن له، وأشهد على خلع نفسه، ثم إن لاجين نادى بنفسه سلطانا على مصر ~~والشام في سنة 696ه/1296م وتلقب بالملك المنصور، وسمح لكتبغا أن يقيم في صلخد، وأمسك ~~طرغاي وكثيرا من أمراء العويراتية وسجنهم في الإسكندرية، ثم انصرف إلى تنظيم شئون ~~البلاد، ومحو كثير من الضرائب الظالمة، وتقوية الجيش حتى تمكن من تسيير حملة قوية إلى ~~آسية الصغرى فتحت بلاد «سيس» وآدنة. # وفي سنة 698ه/1299م بعث الأمير قفجاق على رأس ms079 فرقة عسكرية إلى حلب، فقد بلغه أن ~~المغول ينوون مهاجمتها، وسارت الحملة إلى حلب، ولكن الأمير قفجاق تآمر مع المغول، وانضم ~~إلى ملكهم غازان ، فغضب السلطان من مقلته اللئيمة هذه، وعزم على التوجه بنفسه إلى حلب، ~~ولكن بعض أنصار الأمير قفجاق انقض عليه وقتله وهو يلعب بالشطرنج في أواخر تلك السنة، ثم ~~تولى الأمير سيف الدين طقجي على السلطنة، وتلقب بالملك القاهر، ولم يلبث إلا يوما ~~واحدا؛ إذ قتله أنصار الملك الناصر بن قلاوون، وأعادوا صاحبهم من منفاه في قلعة الكرك ~~تلك السنة 698ه وكان عمره خمس عشرة سنة فسلطنوه، وأقاموا أحدهم الأمير سلار المنصوري ~~نائبا للسلطنة، كما أقاموا الأمير بيبرس الجاشنيكر رئيسا للقصر، واشتد التنافس بين ~~هذين، وكادت الفتنة أن تقع بينهما لولا أن الخطر المغولي داهم البلاد، فإن غازان عاد من ~~جديد يريد الاستيلاء على الشام فلاقته جيوش مصر سنة 698ه عند مدينة سلمية، وكان عدد ~~المغول نحوا من مائة ألف مقاتل، والجيش المصري يبلغ ثلث هذا العدد، فدحر الجيش المصري ~~بعد أن أبلى بلاء حسنا. # ونكبت البلاد من جديد بالمغول؛ فتهدمت مدنها، واحترقت زروعها، وأخذ الناس يهجرونها، ~~ولما قارب وصول غازان إلى دمشق خرجت إليه وفود من أهلها تعلن خضوعها، فأمنهم على ~~أنفسهم وأهليهم، ثم دخل المدينة، وأعلن من على منبر جامع بني أمية أنه لن يؤذي أحدا ~~مسالما، وأنه يكفل للناس جميعا من مسلمين وأهل ذمة حقوقهم ما داموا مسالمين، ثم إنه ~~سمى نائبا عنه في المدينة وغادرها، ولما بلغت أخبار دخوله إلى الملك الشاب ثارت ~~ثائرته، وجمع جمعه وسار نحو الشام، والتقى بالمغول فشتت شملهم، ودخل دمشق، وطهر البلاد ~~من المغول، ثم قفل راجعا إلى مصر، ثم علم أن بعض أعراب الصعيد في مصر السفلى قد عصوا، ~~فبعث إليهم من أخضعهم، وهدأت له البلاد، وأخذ نجمه يعلو على الرغم من حداثة سنه، وبينا ~~كان منصرفا إلى تنظيم أمور الدولة جاءته أخبار من عيونه في الشام أن غازان المغولي ~~قادم إلى سورية من جديد، وأنه كتب ms080 إلى الصليبيين في إيطالية وإنكلترة يستنفرهم على ~~قتاله، فكتب إليه منذرا موبخا على استنصاره بالكفار مع أنه مسلم، # 3 # ويظهر أن غازان قد استحى من عمله، فكتب إلى السلطان الناصر يعتذر ويهادن، ~~واستراحت البلاد فترة ما، فانتهز السلطان الفرصة وجهز حملة بحرية على الصليبيين في ~~جزيرة أرواد ففتحها، واستولى على بعض القلاع التي كانت باقية في أيديهم. # وفي سنة 703ه/1303م زحف المغول من جديد على الشام بجيش فيه نحو مائة ألف مقاتل وعلى ~~رأسهم قطلو شاه، فلاقاه السلطان، وكادت الدائرة تدور على الجيش المصري لولا أن السلطان ~~الشاب سار في الطليعة فنصره الله، وجهز في سنتي 704-705ه حملتين إلى آسية الصغرى التي ~~كان أهلوها من الأرمن لا يفتئون يعبثون بمن حولهم من المسلمين، وكانت هاتان الحملتان ~~درسين قويين للأرمن، ووقع صاحب مدينة «سيس» عاصمة الأرمن في حصار شديد، واضطر أن يدفع ~~كل ما كان متأخرا عليه من الجزية للملك الشاب. # وفي سنة 708ه شجر خلاف قوي بين الأمير سلار نائب السلطنة وبين الأمير بيبرس رئيس ~~القصر، وانقسمت البلاد قسمين، فأراد الملك الناصر التخلص منهما جميعا، واتفق هو وأمير ~~القلعة على قتلهما، ولكنهما أحسا بالأمر فاتفقا عليه، وأرادا الفتك به، فاستطاع أن ~~يفلت من حبالتهما، وتوجه يريد الحجاز، فلما بلغ الكرك، وكان له فيها أموال وعقار، ~~فاستولى عليه وهيأ نفسه للقائهما، ويظهر أنه لم ير بدا من التخلي عن الملك مؤقتا، ~~فأعلن تنازله عنه، وبعث بالختم السلطاني إلى أهل مصر، واجتمع أهل الحل والعقد فيها سنة ~~708ه وأجمعوا أمرهم على انتخاب بيبرس سلطانا عليهم ولقبوه بالملك المظفر، وكان رجلا ~~كيسا صالحا، فجمع حوله الأمراء والمماليك، وأبان لهم الخطر المحدق بالبلاد، واقترح ~~عليهم إقامة جسر من القاهرة إلى دمياط خوفا من قدوم الصليبيين بحرا في أيام الفيضان ~~فيتعذر الوصول إلى دمياط فوافقوه على ذلك، واشترك في العمل أكثر من 30 ألف رجل و600 رأس ~~بقر، وتم ذلك في قرابة شهر، وكان طوله من دمياط إلى قليون، وعرضه أربع قصبات من أعلاه ~~وست ms081 من أسفله، تمشي عليه ستة رءوس من الخيل صفا واحدا، # 4 # ثم انصرف إلى إدارة البلاد بحزم وكياسة، وشيد بعض المساجد والقصور، ولكنه ~~فوجئ بتحرك أنصار الملك السلطان الناصر بن قلاوون وعملهم على إقصائه وإعادة زعيمهم، ~~وزاد نشاطهم حينما بلغهم أن الناصر قد غادر الكرك إلى دمشق، وأن أمراءها بايعوه ونبذوا ~~عهد بيبرس، وأنه عما قريب قادم إليهم في مصر، فثاروا على بيبرس واضطروه إلى أن يخلع ~~نفسه ويفر إلى الصعيد في سنة 709ه/1309م ولم يمض غير فترة حتى دخل الناصر مصر فرحب ~~به أهلها، وبايعوه للمرة الثانية على عرش مصر، فلم يلبث طويلا حتى قتل الأمير سلار، ~~وصادر أمواله وكنوزه، # 5 # ثم انصرف إلى تهيئة جيش لمحاربة الأعداء التقليديين في آسية الصغرى، وبلغ ~~الجيش ملاطية وفتك بأهلها، ثم كتب إلى السلطان أبي سعيد ملك المغول فعقد صلحا على ما ~~بيناه في أخبار العراق، وعاشت البلاد الشامية والمصرية في هدوء ومأمن من المغول إلى أن ~~كانت نكبة تيمورلنك. # وفي عهد الملك الناصر عمرت بلاد الحجاز، واستتب فيها الأمن، وبعثت البعوث إلى جنوب ~~وادي النيل حتى بلغت سواكن، وفي عهده بلغت دولة المماليك أوجها، واستكثر هو من المماليك ~~حتى قيل إنه كان يقدم لهم كل يوم ستة وثلاثين ألف رطل دقيق، وأن عددهم كان اثني عشر ألف مملوك، # 6 # وظل هو في الملك ثلاثا وثلاثين سنة، ومات سنة 741ه/1341م فتولى الأمر من ~~بعده ابنه سيف الدين أبو بكر وتلقب بالملك المنصور، ولكنه لم يلبث طويلا حتى عزله ~~المماليك ونفوه إلى «قوص» في مصر العليا إلى أن مات في سنة 742ه/1342م وولوا أخاه ~~علاء الدين كجك، فتلقب بالملك الأشرف، وله من العمر ست سنوات، ولم يبقوه إلا خمسة أشهر ~~حبسوه بعدها في القلعة ثم قتلوه، وبايعوا أخاه شهاب الدين أحمد الملك الناصر، الذي كان ~~منفيا في الكرك، ولم يبقوه كثيرا حتى أعادوه إلى منفاه في سنة 743ه ثم بايعوا أخاه ~~عماد الدين أبا الفداء إسماعيل الملك الصالح، فظل في الملك ثلاث سنوات، ms082 قتل خلالها أخاه ~~الملك الناصر، وفي سنة 746ه بايعوا أخاه الخامس زين الدين شعبان الملك الكامل، ولم يبق ~~أكثر من سنة وبضعة أشهر عزلوه بعدها وولوا أخاه السادس زين الدين حاجي الملك المظفر، ~~وكان سفاحا شريرا، ولم يبق أكثر من سنة وبضعة أشهر ذبحوه بعدها في سنة 748ه، وبايعوا ~~أخاه السابع ناصر الدين حسن الملك الناصر، فحكم ثلاث سنوات وعشرة أشهر خلعوه بعدها ~~وسجنوه، وولوا في سنة 752ه أخاه الثامن صلاح الدين الملك الصالح فحكم ثلاث سنوات وثلاثة ~~أشهر خلعوه بعدها في شوال سنة 755ه، ثم أطلقوا سراح الملك الناصر من سجنه وأعادوه إلى ~~العرش فبقي ست سنوات وسبعة أشهر ثم قتلوه في سنة 762ه، وله آثار عمرانية منها: مسجده ~~العظيم المعروف في القاهرة بجامع السلطان حسن، ثم بايعوا ابن أخيه محمد ابن الملك ~~المظفر وله أربع عشرة سنة ولقبوه بالملك المنصور في سنة 764ه/1362م، ولم يبق طويلا ~~حتى اضطروه إلى أن يتنازل لابن عمه شعبان بن حسن وله من العمر سنوات عشر ولقبوه بالملك ~~الأشرف، وجعلوا الأمير يلبغا العمري نائبا للسلطنة، وكان رجلا حازما مدبرا، وكانت ~~أيامه أيام سكينة لولا أن سنة 764ه كانت سنة قحط اضطر الناس فيها إلى أكل لحوم الكلاب ~~والقطط، وفي سنة 776ه وقعت فتنة أهلية؛ فقد قتل بعض المماليك الأمير يلبغا العمري، ~~وكادوا أن يقتلوا السلطان نفسه، ولكن أنصاره تمكنوا من إنقاذه، ووقعت البلاد في هرج ~~ومرج عظيمين، ولم تنته هذه الفتنة حتى تمكن المماليك خصومه من قتله خنقا في سنة 778ه، ~~وولوا ابنه علي علاء الدين ولقبوه بالملك المنصور، وأقاموا عليه الأمير سيف الدين برقوق ~~وصيا إلى أن مات علي في سنة 783ه فبايعوا أخاه زين الدين حاجي الملك الصالح وكان ~~طفلا له ست سنوات، واستمر برقوق في وصايته، ولكنه عزم أخيرا القضاء على هذه الأسرة من ~~المماليك البحرية أو التركمانية، ونصب نفسه ملكا لأسرة من المماليك جديدة هي أسرة ~~المماليك الشراكسة المعروفة بالبرجية. # الفصل العاشر # | مصر في عهد المماليك الشراكسة # رأينا أن ms083 سيف الدين برقوق الوصي على العرش المصري في آخر عهد المماليك البحرية كان قد ~~ضاق ذرعا بما هي عليه الحالة في مصر من اضطراب وقلق في أواخر عهد البحريين، وأنه عزم ~~على خلع الملك الطفل حاجي، وتغيير الوضع جذريا؛ لأن البلاد أصبحت في حالة يرثى لها من ~~ثورة الأهلين، واضطراب أمر المماليك، وسوء الحالة الإدارية العامة؛ فلذلك جمع في آخر ~~عام 784ه مجلسا ضم الأمراء والوجوه والشيوخ في حضرة الخليفة العباس المتوكل على الله، ~~وأعلن لهم أنه يجب وضع حد لهذه المهازل، وأن يتولى أمر مصر رجل قوي يستطيع حفظ البلاد ~~وسد ثغورها، ويستقر أمنها وسلامها في الداخل، وترتفع رايتها في الخارج، فوافقوه على ~~ذلك، وقبلوا به هو ليكون سلطانا عليهم، وأقر الخليفة هذا القبول فبايعه، ثم تعاقبوا ~~على مبايعته بالسلطنة، ولقبوه بالملك الظاهر، ولم يلبث طويلا حتى اكتشف في سنة 787ه أن ~~الخليفة يحاول خلعه وتولية أحد المماليك على عرش مصر؛ فتمكن من الخليفة، وأقصاه عن ~~الخلافة، وسمى أخاه الواثق بالله في مكانه، ولم يلبث الواثق بالله أن مات في سنة 788ه ~~فخلفه ابنه زكريا. # وعمد الملك الظاهر إلى أنصار الخليفة المتوكل عليه من الشيوخ والمماليك ففتك بهم حتى ~~ضاق الناس به، ووقعت في البلاد عدة فتن؛ فمن ذلك أن الأمير يلبغا الناصري صاحب حلب ~~والأمير منطاش صاحب ملاطية هاجما دمشق، ودحرا صاحبها الموالي للسلطان الملك الظاهر، ~~واستوليا على المدينة، ثم زحفا على القاهرة، واضطر الملك الظاهر إلى الهرب واللجوء إلى ~~الكرك، ودخل يلبغا القاهرة، وأعاد السلطان حاجي آخر المماليك البحرية إلى السلطنة في ~~سنة 791ه وأصبح هو صاحب الحول، أما منطاش فإنه لم يلبث أن ثار على يلبغا، والتف حوله ~~أتباع السلطان برقوق، ونشب قتال عنيف بين الطرفين انتهى بفوز أنصار منطاش، فسيطر هذا ~~على الديار المصرية، وسعى في تنصيب نفسه سلطانا، ولم يمنعه من ذلك إلا ما بلغه من أن ~~برقوقا ترك الكرك والتفت حوله جماهير من أهل الشام، فسار منطاش إلى الشام والتقى ~~ببرقوق وجيوشه قرب ms084 غزة، وكانت الغلبة لبرقوق، ثم رجع إلى مصر وأحسن سياسته مع الرعية، ~~وأعاد المتوكل على الله إلى الخلافة، وفي سنة 794ه كتب إليه السلطان قره يوسف صاحب ~~العراقين أنه يقدم إليه مدينة تبريز، ففرح بذلك برقوق، وفوض إليه أن يفتتح ما يستطيع ~~من البلاد الفارسية باسمه على أن يكون هو المتصرف بها، وفي سنة 795ه قدم قره يوسف إلى ~~مصر فارا من غزو تيمورلنك، ثم قدمت إليه رسل تيمورلنك تحمل رسائل التهديد ~~والوعيد، فأخذ برقوق يعد العدة للقائه، ولكنه مرض في تلك الأثناء ومات في شوال سنة ~~801ه/1399م، وكان قبل موته قد عهد لابنه فرج، وأقام الأمير تغري بردي وصيا ~~و«أتابكا»، فلما مات اجتمع الأمراء ونصبوا فرجا سلطانا ولقبوه بالملك الناصر، ولكنه ~~لم يستقر طويلا حتى هاجم الأتراك العثمانيون بقيادة سلطانهم «بايزيد» مدينة ملاطية وما ~~إليها من حدود المملكة الشمالية فاضطربت، وزاد من اضطرابها تلك الثورة الداخلية التي ~~وقعت في دمشق وسائر المدن السورية، وأدت إلى خلع طاعة هذا الملك الفتى، ولكن الملك سار ~~نحوهم بجيش قوي من مصر وفتك بزعماء الثورة، وفتك بصاحب دمشق، وأعاد البلاد إلى سلطنته، ~~ولم يكد يستريح حتى فاجأته جماهير المغول بقيادة تيمورلنك زاحفة عليه بعد أن دمرت ~~بغداد وسائر المشرق، ولقيت حلب وسائر المدن الشمالية من الويلات ما ذكرناه، وسار هو ~~لإنقاذ الشام، والتقى الجيشان المصري والمغولي قرب دمشق، وانتهت المعركة باندحار الجيش ~~المصري، ولقيت دمشق من الفظائع والحرائق ما تشيب لهوله الأطفال، ولم يتركها المغول حتى ~~أضحت كومة رماد وجيف على ما بيناه آنفا. # ثم توجه تيمورلنك إلى آسية الصغرى لقتال الأتراك العثمانيين؛ فأسر السلطان «بايزيد» ~~في سنة 804ه في وقعة أنقرة، وبلغت أخبار هذه المعارك مسامع السلطان فرج فاضطرب لها ~~جدا، ولم يلبث أن جاءه كتاب من تيمورلنك يطلب إليه فيه خضوعه، كما يطلب إليه تسليم ~~أحمد بن أويس وقره يوسف، فرد على كتابه هذا بكتاب لطيف وبهدية جزيلة وأعلن خضوعه، ولكنه ~~لم يقبل بتسليم أحمد بن أويس وقره يوسف باعتبارهما لاجئين ms085 سياسيين، ولكنه وعد بأن ~~يسجنهما، فقبل تيمورلنك، وكف بلاءه عن مصر، وهكذا استطاع فرج أن ينقذ القطر المصري من ~~زحف الطاغية عليه وتهديمه كما فعل في العراق والشام. # وفي سنة 806ه هلك تيمورلنك وتخاصم أبناؤه، فاستطاع السلطان فرج أن ينجو من الخطر ~~المغولي تماما، ثم أخذ يستعد لإنقاذ الشام منه، لكنه فوجئ بقيام المصريين عليه، ~~وإعلانهم عدم رضاهم عن تصرفاته، وعمت البلاد ثورة عارمة انتهت بخلعه، وتنصيب أخيه عبد ~~العزيز سلطانا في سنة 808ه/1405م، ولكن فرجا استطاع أن يتغلب على خصومه، ويعود إلى ~~الملك ثانية في أوائل سنة 809ه فسار بالناس سيرة حسنة، ولما أراد استرجاع الديار ~~الشامية أعانوه على ذلك وتم له ما أراد، ولكن لم يلبث مماليك الشام أن أعلنوا عصيانهم ~~وعلى رأسهم جم، فأعلن عصيانه على الشكل الذي أسلفنا تفصيله في القسم الماضي بتاريخ ~~الشام. # وفي سنة 813ه اتفق المملوك أبو النصر شيخ المحمودي مع الخليفة المستعين بالله على خلع ~~السلطان فرج وإقامة الخليفة سلطانا أيضا، وأيدت العامة هذا الخلع لسوء سيرة فرج، ~~وأذاع الخليفة بذلك منشورا قال فيه: «من الإمام أبي الفضل المستعين بالله أمير ~~المؤمنين إلى أهل مصر، اعلموا أننا قد خلعنا فرج بن برقوق عن سلطنة مصر والشام؛ لأن ~~سيدهما الحقيقي إنما هو الخليفة خليفة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فويل لمن خالفه»، وأذيع هذا ~~المنشور بين أنصار فرج وجنوده فتخلوا عنه، وحاول هو أن ينجو بنفسه فقبض عليه، واقتيد ~~إلى مجلس الخلافة، فحوكم وحكم عليه بالقتل في سنة 815ه/1412م، ثم أجمع القواد ~~والأمراء والأعيان على تسمية الخليفة المستعين بالله سلطانا وخليفة، فسار بالناس سيرة ~~حسنة، وعمل على إصلاح الأحوال واكتساب قلوب الأمراء، واستبشر الناس به خيرا؛ لأنهم ~~أملوا الخلاص من حكم المماليك الأجانب، وعودة الخلافة الإسلامية إلى عهدها، فسلم ~~العرب زمام الأمر، ولكن المماليك أحسوا بالخطر وبخاصة الأمير شيخ المحمودي، فإنه أدرك ~~مغبة هذا الأمر، وأخذ يسعى في الخفاء لإيقاع الخليفة في أشراك دسائسه مستعينا على ذلك ~~بالدس وفض المماليك عن الخليفة، ms086 ولما تم له ذلك جهر بفكرته، ودعا الخليفة إلى أن يخلع ~~نفسه، ولم يكن له في الملك إلا نحوا من سنة، فرأى نفسه لا يستطيع المقاومة، واضطر إلى ~~أن يقبل، ونودي بشيخ المحمودي سلطانا في أوائل عام 815ه/1412م وتلقب بالملك المؤيد ~~أبي النصر، ولم يزل حانقا على الخليفة حتى تمكن أن ينفيه إلى الإسكندرية سنة 818ه ~~وأقام أخاه داود مكانه فلقب بالإمام المعتضد بالله ، ولما بلغت هذه الأنباء أهالي الشام ~~ثاروا على شيخ المحمودي بزعامة الأمير نوروز، وأعلنوا الحرب على شيخ وجماعته، والتقى ~~الجيشان المصري بقيادة شيخ نفسه والشامي بقيادة نوروز، وكانت الحرب سجالا، وهزم نوروز ~~أخيرا، ودخل شيخ إلى دمشق، واقتيد نوروز أسيرا إلى القاهرة، وحاول شيخ أن يهدئ دمشق ~~فسكنت، ولكنها لم تلبث أن أعلنت عصيانها من جديد بعد أن غادرها شيخ، فاضطر إلى العودة ~~إليها ثانية، وفتك بعدد كبير من أمرائها وأعيانها، ولم تهدأ حتى استعمل الشدة، ولما ~~هدأت أخذ يهيئ حملة على آسية الصغرى التي انتهز أصحابها العثمانيون وقوع الحوادث في ~~سورية فأخذوا يعبثون بالحدود الشمالية، وزحف السلطان من مصر في حملة قوية ربيع عام ~~817ه/1414م على طرطوس وما إليها، واستردها ونصب فيها حاكما من قبله، ثم زار بيت ~~المقدس، ودخل القاهرة دخول الظافرين، ولكنه لم يلبث طويلا أن جاءته الأخبار بأن ~~التركمان قد هاجموا الشام، وأن أهالي حلب اضطروا إلى تركها خوفا من فتك هؤلاء القساة، ~~فبعث السلطان بابنه إبراهيم لاسترجاع ما أخذ التركمان من شمالي الشام فاسترجعه في غزوة ~~موفقة، ثم توغل في فتوحاته حتى بلغ مدينة قيسارية، ثم رجع الجيش المصري إلى القاهرة ~~ظافرا، وأمامه مئات من الأسرى. # وفي سنة 824ه/1421م مرض السلطان وهلك بعد أن شاد عدة أبنية ضخمة، من أجلها مسجده ~~في القاهرة المعروف بمسجد المؤيد قرب باب زويلة، ولما مات خلفه ابنه أحمد الملك المظفر، ~~ولم يكن عمره يزيد على سنة ونصف، وتولى الوصاية عليه الأمير ططر، فلم يلبث أن خلع أحمد، ~~وأعلن نفسه سلطانا، ولكنه لم يلبث طويلا حتى ms087 مات فخلفه ابنه محمد في الملك، ولم يلبث ~~إلا بضعة أشهر حتى خلعه وصيه برسباي، ونادى بنفسه سلطانا في مطلع عام 825ه/1422م ~~وتلقب بالملك الأشرف وكان عهده عهد خير، وفاض النيل في أول سنة تولاها فيضانا عظيما، ~~واستبشر الناس به، وشبع الفقراء والمعوزون، وكان رجلا حكيما محبا للعمران ونشر ~~الفضل، فشاد عددا من الدور والقصور والأبنية العامة، ومن أجمل آثاره التي خلفها: ~~جامعه، وقد عمت الخيرات في عهده أنحاء القطرين، ومن أعماله الخالدة: تجهيزه أسطولا ~~ضخما لفتح جزيرة قبرص التي كانت موطنا للقراصنة الذين لا يفتئون يغيرون على سواحل ~~الديار الشامية والمصرية، وقد توجه هذا الأسطول القوي واستولى على فيماغوسطة ولارناقة ~~وليما صول من مدن الجزيرة، وعاد بعدد كبير من الغنائم والأسرى، ومن بينهم الملك جان ~~لوسينيان الثالث ملك الجزيرة، ولما وصل الأسطول الإسكندرية دخلها بأبهة واحتفال مهيب، ~~وكانت الغنائم محملة على الجمال، ومن بينها تاج ملك قبرص من ورائه جواده وأعلامه منكسة، ~~ومن ورائهم الملك نفسه وهو راسف في الأغلال، فلما بلغ حضرة السلطان قبل الأرض وخر ~~مغشيا عليه، فحمل إلى القلعة وتوسطه قنصل مملكة البندقية لفدائه وإطلاق سراحه، فقبل ~~السلطان، وأنعم عليه بثوب ملكي وجواد، وسمح له بمغادرة البلاد إلى جزيرته بعد أن دفع ~~مقدار الفدية وقدره ثلاثمائة ألف دينار، وتعهد بدفع جزية سنوية قدرها عشرون ألفا، وكان ~~المؤرخ المصري أبو المحاسن بن تغري بردي من شهود هذا الاحتفال العظيم. # 1 # وقد عقد السلطان عدة معاهدات سياسية مع بعض ملوك الصليبيين والعثمانيين، كما أنه حارب ~~التركمان ملوك العراق، وقضى على هجماتهم المتعاقبة على الشام، والحق أنه كان من أعظم ~~ملوك المماليك عامة، قال بعض المؤرخين: «إن الملك الأشرف برسباي أحد الملوك الشراكسة، ~~وأجدرهم بالمدح؛ لأنه كان أعلاهم همة، وأشدهم عزيمة، وأكثرهم تدربا في الأحكام»، # 2 # وقد استمر في حكمه نحوا من ثمانية عشر سنة كان أكثرها عهد يمن وخير، وفي ~~سنة 841ه/1437م مات وخلفه ابنه أبو المحاسن يوسف الملك العزيز، وله من العمر خمسة عشر ~~عاما، ولم يلبث ms088 إلا ثلاثة أشهر حتى ثار عليه المماليك بزعامة سيف الدين جقمق «أتابك» ~~الجيش، وخلعوه وولوا زعيم الجيش جقمق في سنة 842ه/1438م فكان أول عمل قام به بعد أن ~~أخضع الثوار المماليك في الشام أنه بعث بحملة قوية على القرصان الفرنجة الذين كانوا ~~يهاجمون السواحل الشامية والمصرية، كما لقيت جزيرة رودس من الأسطول المصري في عهده ما ~~لقيته جزيرة قبرص في عهد برسباي، وكانت صلات جقمق حسنة مع سائر الممالك الإسلامية ~~المجاورة في فارس والعراق وآسية الصغرى، كما أنه كان محبا للعلم وأهله ولإشادة دوره ~~ومعاهده، وقد ازدهرت التجارة في عهده، ولما أحس بالشيخوخة طلب من الخليفة والأمراء ~~المماليك أن يعفوه من السلطنة ويقبلوا تنازله لابنه عثمان فقبلوا، ونودي بعثمان سلطانا ~~على مصر والشام في سنة 857ه/1453م ولم يلبث سوى أيام مات بعدها. # ولما تولى عثمان تلقب بالملك المنصور، وقد ابتدأ عهده بالقسوة وسلط مماليكه على الناس ~~فلقوا منه بلاء عظيما، وثار الخليفة عليه فخلعه وولى الأمير إينال قائد الأسطول، ولقبه ~~بالملك الأشرف، وكان رجلا مدربا حاذقا، فشرع منذ تولي السلطنة بترتيب أمور المماليك ~~وتنظيم شئون البلاد، ولكنه فوجئ بثورة أهلية دبرها الخليفة القائم بأمر الله الذي كان ~~يطمع في السلطنة، ولكنه استطاع أن يقضي على الثورة وينفي الخليفة، وساءت حالة البلاد ~~وتدهورت، وظلت على ذلك إلى أن مات في سنة 865ه/1460م فخلفه ابنه الشهاب أحمد الملك ~~المؤيد، واستبشر الناس به خيرا؛ لأنه كان فتى قويا حازما تمرس بالملك والإدارة في ~~عهد أبيه، وكان له من العمر ثلاثون سنة، فقام بالإصلاح، وقضى على المماليك المفسدين، ~~فتكاتفوا ضده بزعامة أميرهم خوش قدم الرومي صاحب دمشق، وحاصروه في قصره، واضطروه إلى أن ~~يخلع نفسه بعد أربعة أشهر من سلطنته ونفوه إلى الإسكندرية سجينا، وتسلطن خوش قدم، ~~وتلقب بالملك الظاهر، وكان قويا فانصرف إلى ترتيب شئون الإدارة، وإقصاء العناصر ~~الفاسدة عن الدواوين، وتخليص الدولة من المماليك المشاغبين وفي طليعتهم المماليك ~~الظاهرية الذين كانوا قد ملئوا البلاد فوضى، وعلى رأسهم جاني بك، ثم استطاع أن ms089 يلقي ~~القبض على جاني بك وقتله ظانا أن البلاد ستصفو من الدسائس، ولكن شيئا من ذلك لم يقع، ~~واستمر الفساد لوجود زمر أخرى من المماليك كانوا ينشرون الفوضى والرعب في ~~البلاد. # وهكذا فسدت الأحوال الإدارية وتبعتها الأحوال الاقتصادية، فرأى أن يجهز بعض الحملات ~~العسكرية لعله يشغل المماليك بها ويقصيهم عن البلاد؛ فبعث عدة حملات إلى جزيرة قبرص، ~~ولكن ذلك لم يفد، إلى أن وافاه أجله في سنة 872ه، فلما مات عمد كبار المماليك وزعماؤهم ~~إلى تولية الأمير أبي سعيد بلباي ولقبوه بالملك الظاهر في سنة 872ه/1467م فاستبد ~~بالناس والمماليك، وحاولوا خلعه بعد شهرين فلم يستطيعوا أول الأمر، ثم تمكنوا من تولية ~~الأمير أبي سعيد تمربغا الظاهري، ولقبوه بالملك الأشرف أيضا، ولم يبقوه إلا نحوا من ~~شهرين أيضا لسوء سيرته، فخلعوه، وولوا الأمير «قايتباي» الظاهري، وكان هذا رجلا ~~حازما قويا يملك عددا كبيرا من المماليك استطاع بهم أن يقضي على نفوذ منافسيه ~~ويخضد شوكة الأحزاب المتناحرة حتى استتب له الأمر فشرع في تقوية الجيش، فقد بلغه أن ~~السلطان محمد الثاني العثماني قد قهر الملك السلطان حسن الطويل صاحب فارس، وكان بين ~~المصريين وبين الفرس اتفاق وتحالف، وتأكد أن العثمانيين لا بد أن يفاجئوه ويهاجموا ~~الشام، فبعث بحملة قوية رابطت في الحدود الشامية الشمالية، وحدث في تلك الأثناء أن ~~اختلف ابنا محمد الثاني العثماني على السلطنة وهما «بايزيد الثاني» و«جم»، واضطر «جم» ~~إلى أن يلتجئ إلى «قايتباي»، فأكرم وفادته، وأرسل إلى قائد الحملة المصرية المرابطة على ~~الحدود الشامية أن يناجز الجيش العثماني، فاستولى على طرسوس وآذنة وما حولهما، وانكسر ~~الأتراك العثمانيون أمام الجيش المصري، وأسر المصريون قائد الأتراك أحمد خان صهر ~~السلطان «بايزيد» أسيرا إلى القاهرة، فاستشاط «بايزيد» غضبا، وجند جندا كثيرا ~~بقيادة علي باشا للزحف على المصريين، وتم له ذلك في سنة 893ه، فلما علم «قايتباي» بذلك ~~خاف مغبة الأمر فأطلق سراح الأمير أحمد خان، وبعث به على رأس بعثة لعقد هدنة بينه وبين ~~السلطان العثماني، فرفض «بايزيد»، وصمم على محاربة ms090 «قايتباي» فاسترد مدينتي طرسوس ~~وآذنة، ولكن المصريين عادوا فاستطاعوا أخذ المدينتين ثانية بعد حرب طاحنة، وخشي ~~«قايتباي» أن تتأزم الحالة بينه وبين العثمانيين، فترك المدينتين، وكتب إلى «بايزيد» ~~يطلب إليه أن يهادنه فتم له ذلك في سنة 896ه. # وكان «قايتباي» مثل بيبرس؛ ملكا حازما مولعا بنشر سلطانه، محبا لرعيته حدبا على ~~المسلمين، ولما بلغه ما يقاسيه أهل الأندلس من النصارى بعث وفدا من رهبان القدس إلى ~~الملك فرديناند يتودد إليه ويتوعده إن هو استمر في تعديه على مسلمي الأندلس، ومما قال ~~لهم: قولوا له إن لم يبق على غرناطة وأهلها فإن كنائس المشرق جميعا ستهدم، ويعطل ~~الحج إلى كنسية القيامة وبيت لحم وسائر الأمكنة المقدسة عند النصارى، ولم يستمر ~~«قايتباي» طويلا بعد ذلك؛ بل أدركته منيته في سنة 901ه بعد أن حكم نحوا من ثلاثين سنة ~~شاد فيها كثيرا من الدور والقصور وأماكن العبادة والعلم، والمشافي والقلاع والحصون، ~~وقد بكى لما بلغه انهدام المسجد النبوي في المدينة، وأنفق على إعادته نحوا من مائة ألف ~~دينار. # ولما هلك تولى الأمر من بعده ابنه أبو السعادة محمد الملك الناصر، وكان فتى أخرق أحمق ~~لا هم له إلا الانغماس في شهواته، وقد خلعه الناس بعد ستة أشهر من توليه، وبايعوا ~~الأمير «قانصوه خمسمائة» ولقبوه بالملك الأشرف، ولكنه كان عاجزا فلم يثبت إلا نحوا من ~~خمسة أشهر، ثم تنازل عن الملك للناصر محمد بن «قايتباي» في سنة 902ه فعاد هذا إلى لهوه ~~وفسقه وجوره حتى ضاق المماليك به فخلعوه بعد ثمانية عشر شهرا في سنة 904ه وولوا عمه ~~«قانصوه» على الرغم منه، فلم يلبث إلا أن خلعوه بعد نحو سنتين، وولوا الأمير جان بلاط، ~~ولقبوه بالملك الأشرف في سنة 905ه/1500م ولم يحكم إلا سبعة أشهر. # وفي سنة 906ه/1501م زحف الأمير طومان باي صاحب الشام على القاهرة فاستولى على ~~القلعة، وخلع السلطان، ونصب نفسه، وبعث جان بلاط أسيرا إلى الإسكندرية، وكان طومان ~~باي ظالما فاجرا، ولم يلبث أن قام عليه المماليك والزعماء فهرب منهم، ولحقوا ms091 به ~~فقتلوه في سنة 906ه، ثم أجمعوا أمرهم على اختيار الأمير «قانصوه الغوري» سلطانا، ~~ولقبوه بالملك الأشرف، وكان رجلا تقيا صالحا، بعيدا عن الدسائس، محبا للخير، ~~قويا حازما على الرغم من سنينه الستين، فانصرف أول الأمر إلى تدبير أمور الدولة ~~فاجتمعت له مبالغ ضخمة أنفقها في سبيل الإصلاحات العامة، وتحصين الإسكندرية ورشيد ~~ودمياط، وتنظيم مجاري القاهرة، وإصلاح الزراعة، وإشادة عدة أبنية ضخمة في مكة والمدينة ~~والقاهرة ومن أجلها مسجده العظيم في القاهرة، وفي أيامه أعد أسطول عظيم لحماية ~~البحار العربية الشرقية من غارات القراصنة البرتغاليين الذين أخذوا يهددون سواحل مصر ~~والحجاز واليمن، وبعث كتابا إلى البابا في رومية مع وفد كبير من رؤساء الكنائس ~~المسيحية في القدس ينذر فيه زعماء البرتغال أنهم إن عادوا يحملون على الموانئ العربية ~~والحجازية بصفة خاصة فإنه سيفتك بالنصارى، كما أنذر البابا بأنه إن لم يفعل ما يستطيع ~~في سبيل ذلك فإنه سيعاقب نصارى البلاد بقسوة وعنف شديدين. # وفي سنة 918ه جاء الأمير كركود أخ السلطان سليم الأول إلى مصر لاجئا، فرحب به ~~«قانصوه» الغوري وجهزه بعشرين بارجة، ولكن الأسطول العثماني استطاع أن يفتك بالبوارج ~~المصرية، وزحف السلطان سليم على الشام فاحتل حدوده الشمالية، وبعث برسالة تهديد إلى ~~«قانصوه» فكاتب هذا الشاه إسماعيل الصفوي يدعوه للاتفاق معه على قتال سليم، ولكن سليما ~~كان أقوى منهما كليهما، فقد زحفت الجيوش العثمانية على الشام، وأحس «قانصوه» بالخطر ~~فسار بجيش من مصر للقائه، واجتمعا عند «مرج دابق» قرب حلب، وكاد الظفر يتم للمصريين؛ ~~لما أبدوه من الشجاعة، وبخاصة السلطان «قانصوه» نفسه، ولكن المدافع العثمانية أخرست ~~الرماح والحراب والسيوف المصرية، فاختل نظام الجيش المصري، وهزمت جموعه بعد أن قتل ~~«قانصوه» في رجب سنة 922ه/أغسطس 1516م، وتفرق الجيش المصري، ووصلت الجيوش العثمانية ~~إلى الديار الحلبية، ولما بلغت هذه الأخبار إلى القاهرة اضطرب أمرها، وكان المشرف عليها ~~الأمير طومان باي، فخاف مغبة الأمر، وجمع من بقي من الأمراء والأعيان وشاورهم، فاتفقوا ~~على أن يولي نفسه سلطانا، وأن يحصن القاهرة، وكان رجلا ms092 داهية فأخذ ينظم جنده، ويعد ~~حملة للقاء العثمانيين، وبينا هو كذلك إذ جاءه كتاب السلطان سليم وفيه حملة على ~~السلطانين «قانصوه» والشاه إسماعيل، وتهديد لطومان باي، فلما قرأ الكتاب استشاط غيظا ~~وعزم على القتال، أما سليم فإنه بعد استيلائه على الديار الشامية كلها سار نحو مصر، ~~ولما بلغ حدودها أعلمه جواسيسه أن طومان باي قد حصن الصالحية فتركها عن يمينه، وسار ~~حتى أتى الخانكاه على بضع ساعات من القاهرة، فلما علم طومان باي لحق به، والتقى الجمعان ~~بالقرب من بركة الحج، وقاتل طومان باي بضراوة، وقذف بنفسه مع بعض الفدائية في قلب الجيش ~~التركي حتى بلغ خيمة السلطان سليم، ولكن فرقة من العثمانيين استطاعت أن تدخل القاهرة، ~~وتستولي على القلعة، ثم استولت على المدينة كلها، واستدعى السلطان سليم الخليفة، فحضر ~~إليه وقدمه للصلاة بعد أن خطب باسمه، وأصاب القاهرة من البلاء والنهب شيء عظيم، ولقي ~~المماليك من ضروب القتل والفتك ألوانا، وفروا إلى جنوب القاهرة، وعلى رأسهم طومان ~~باي، والتف حولهم جماهير من الأعراب، ونشبت معركة ثانية بين المصريين والعثمانيين ~~فانتصر الأتراك، والتجأ طومان باي إلى أحد أمراء الأعراب فسلمه إلى السلطان سليم فقتله، ~~وبموته انتهت دولة المماليك بعد أن حكمت مصر والشام مائة وتسع وثلاثين سنة، ومنذ ذلك ~~الحين أضحت مصر إحدى الإيالات التابعة للدولة العثمانية. # شجرة المماليك الشراكسة # الملك الظاهر برقوق 1382م. # الملك الصالح حاجي البحري 1389-1390م. # الناصر فرج 1398م أولا، 1406م ثانيا. # المنصور عبد العزيز 1405م. # الخليفة العادل المستعين 1412م. # المؤيد شيخ 1412م. # المظفر أحمد 1421م. # الظاهر ططر 1421م. # الصالح محمد 1421م. # الأشرف برسباي 1422م. # العزيز يوسف 1438م. # الظاهر جقمق 1438م. # المنصور عثمان 1453م. # الأشرف إينال 1453م. # المؤيد شهاب 1460م. # الظاهر خشقدم 1461م. # الظاهر بلباي 1467م. # الظاهر تمربغا 1467م. # الأشرف «قايتباي» 1468م. # الناصر محمد 1495م. # الظاهر «قانصوه» 1498م. # الأشرف جان بلاط 1499م. # الأشرف «قانصوه الغوري» 1500م. # الأشرف طوماي باي 1516-1517م. # الفصل الحادي عشر # | مصر منذ عهد الأتراك العثمانيين إلى فجر القرن الثالث عشر للهجرة # بعد أن استولى ms093 السلطان سليم العثماني على مصر أخذ يجمع الأسلاب، ويقال إنه قد حمل معه ~~إلى الأستانة ألف جمل محملة ذهبا وفضة ونفائس وكتب، بعد أن فوض القاهرة إلى خاير بك ~~أحد المماليك، وكان قد انحاز إليه ضد «قانصوه» في معركة «مرج دابق» كما أبقى في القلعة ~~واليا تركيا، واستصحب معه الخليفة المتوكل على الله آخر الخلفاء العباسيين في ~~القاهرة، وجمعا غفيرا من أبناء السلاطين والأمراء والعلماء والصناع، حتى انحطت ~~القاهرة من الوجهة العلمية والصناعية انحطاطا ظاهرا، وخصوصا بعد أن تحكمت فيها ~~العساكر الأتراك وجموع «الانكشارية» الذين كانوا يفسدون البلاد ويؤذون العباد. # أما السلطان سليم فإنه لما وصل القسطنطينية ومعه الخليفة أكرمه أول الأمر، ثم لم يلبث ~~أن تغير وضعه معه ، وألقى به في السجن إلى أن مات، فلما ولي ابنه السلطان سليمان في سنة ~~926ه أخرج الخليفة من سجنه، وسمح له بالعودة إلى مصر على شريطة أن يتنازل للعثمانيين عن ~~حقه في الخلافة، فقبل وظل في القاهرة إلى أن مات، وأضحت مصر في عهد السلطان سليمان إحدى ~~إيالات الدولة الثانوية يديرها خاير بك والباشا التركي، ويعاونهما نفر من القضاة ~~والموظفين الأتراك على الشكل الذي سنفصله، ولما مات خاير بك استقل بمصر مصطفى باشا في ~~سنة 926ه إلى أن عزل بأحمد باشا في سنة 930ه، ولما بلغه أن الصدر الأعظم «رئيس الوزارة» ~~في الأستانة يريد عزله والفتك به، أعلن عصيانه على الباب العالي، وأمر أن يخطب له في ~~مصر، وأن تضرب النقود باسمه، وأساء معاملة الأهلين، فثاروا عليه، وقتلوه، وعلقوه على ~~باب زويلة في سنة 931ه، فأرسل السلطان العثماني قاسم باشا واليا على مصر، ولم يبقه ~~فيها طويلا خشية من أن يعلن استقلاله بالبلاد، بل استبدله بعد تسعة أشهر بإبراهيم ~~باشا، وكان هذا رجل خير وإصلاح ونظام، فأراد تنظيم البلاد ونشر العدل، ولكن قصر مدته ~~حال دون ذلك، فإنه عزل في سنة 933ه وأقيم سليمان باشا مقامه، وكان السلطان واثقا به ~~كل الثقة فأبقاه في مصر نحوا من عشر سنوات أصلح فيها ms094 شأن البلاد، وشاد كثيرا من الدور ~~والأبنية العامة، ومن جملتها جامع سارية في القلعة. # وفي سنة 941ه أمر السلطان بإيفاده على إيران والهند، فأناب عنه خسرو باشا، ثم عاد إلى ~~ولايته حتى عام 945ه فتولى باشوية مصر داود باشا وأقام فيها اثنتي عشرة سنة، وكان ~~حاكما فاضلا ورجلا خيرا محبا للعلم وللأفاضل، حريصا على نشر الفضائل والآداب، ~~وقد جمع خزانة كتب نفيسة من الكتب النادرة المخطوطة، وغدت مصر في عهده على أحسن حالة ~~إلى أن مات في سنة 956ه، فتولى مكانه علي باشا، وكان عمرانيا شاد عدة بنايات، ورمم ~~كثيرا من القصور والمساجد العتيقة، واقتدى به الأهلون فجعلوا يشيدون المساجد ودور ~~العلم، وفي سنة 961ه خلفه محمد باشا وكان ظالما جبارا شريرا، فلقيت مصر في عهده ~~ويلات ومصائب ، وكثرت شكاوى المصريين عليه للباب العالي فعزل وحوكم، وحكم عليه بالقتل ~~في سنة 963ه وأخذت بعده الباشوات تتوالى على ولاية مصر، ولا يلبث أحدهم إلا فترة قصيرة ~~حتى يعزل، فاضطربت أحوال البلاد، وغصت باللصوص والأشرار، وعمها الفساد، إلى أن كانت ~~سنة 973ه فتولى مصر محمود باشا وهو آخر من تولاها في أيام السلطان سليمان فزاد في ~~الطنبور نغمة، وجاء من الأستانة بموكب عظيم، فلما وصل القاهرة استقبله متولي الصيد محمد ~~بن عمر على قارب فيه كثير من الهدايا مع خمسين ألف دينار، فأخذ الباشا كل ذلك ثم أمر ~~بخنقه، كما أمر بعد فترة بخنق القاضي يوسف العبادي؛ لأنه لم يأت لملاقاته ولم يقدم ~~إليه هدية، واستمر على هذه الطريقة الظالمة حتى قتل كثيرا من الأعيان والأهلين، وكان ~~لا يسير في القاهرة إلا ومعه «الشوباصي» وهو رئيس الجلادين، فإذا مر بأحد الناس وأراد ~~قتله أمر «الشوباصي» فهجم عليه وفتك به حتى ضاق الناس به، وبينا كان مرة يوما بين ~~بساتين القاهرة فاجأته جماعة فقتلته، فلما بلغ خبره إلى السلطان سليم الثاني بن سليمان ~~سنة 972ه أمر بنقل سنان باشا من ولاية حلب إلى القاهرة، فأقام فيها فترة ثم جاءه الأمر ~~بالتوجه إلى اليمن ms095 سنة 976ه وأن ينيب عنه إسكندر باشا الجركسي، ثم سار هو إلى اليمن ~~ففتحها، ورجع في سنة 979ه فأخذ ينظم أمور مصر، ويعمل على نشر العدل والعلم، وإشادة كثير ~~من دور العبادة والخانات والحمامات، وما يزال مسجده الشامخ في القاهرة شاهدا على ذلك، ~~وفي سنة 980ه تولى مصر حسين باشا وكان كذلك من خيار الولاة محبا للعدل والعلم والأدب، ~~ولم يكن يعاب عليه شيء إلا تساهله في إقامة الحدود؛ فقد كثرت اللصوص في عهده، وفي أيامه ~~تسلطن مراد بن سليم 982-1003ه/1574-1594م فعزله وبعث مسيح باشا إلى مصر وكان خاندار ~~السلطان سليم، فلما قدم مسيح باشا وجه عنايته إلى القضاء على اللصوص حتى قيل إنه قتل ~~منهم نحو عشرة آلاف وأراح البلاد منهم، ثم عكف على إصلاح شأنها، ورعاية زراعتها، وتنمية ~~تجارتها، وإشادة العمائر، ومنها مسجده الضخم في القرافة. # وفي سنة 988ه عزل بحسن باشا الخادم، وكان سيئ الإدارة انصرف إلى جمع الأموال وقبول ~~الرشى، ولما عزل من القاهرة فرح الناس بذلك، وتولى مصر بعده إبراهيم باشا، وكان رجلا ~~عادلا أقام موظفا خاصا في مسجد السلطان فرج بن برقوق لاستماع شكاوى المظلومين من ~~الباشا السابق، فاطلع على مظالم فظيعة لا تحصى، وكتب بذلك إلى السلطان فأمر بخنق حسن ~~باشا، وأخذ إبراهيم باشا يطوف في أرجاء القطر ويتفقد أحوال الناس إلى أن كانت سنة 992ه ~~فاستقال من منصبه، وتوالت من بعده الباشوات، ولم يكن في أعمالهم شيء يذكر حتى تولى ~~السلطنة محمد الثالث بن مراد 1003-1012ه/1594-1603م فبعث إلى مصر قورت باشا، وكان ~~الناس يحبونه لحسن سيرته وكياسته وتنشيطه لأهل العلم والفضل، وخلف آثارا جليلة في ~~«الجامع الأزهر» والمشهد الحسيني، وفي سنة 1006ه تولى مصر خضر باشا، وكان شديدا عنيفا ~~أمر بقطع الجرايات عن العلماء، وحرم حقوق الكثيرين من الجند والانكشارية فثاروا عليه، ~~وعزل فتولى مصر بعده علي باشا السلاصدار، وكان جبارا سفاحا قتل من الأهالي عددا ~~كبيرا، وأصاب البلاد في عهده قحط، وظل في ولايته حتى توفي السلطان محمد وخلفه ابنه ~~أحمد ms096 الأول 1012-1026ه/1603-1617م فبعث إلى مصر إبراهيم باشا، وقد أراد منذ وصوله أن ~~يقف أمام طلبات الجند والانكشارية فثاروا عليه، ووقعت في البلاد أثناء ذلك فتنة عظيمة ~~انتهت بقتله وإقامة القاضي مصطفى أفندي واليا، فلما علمت الأستانة بذلك بعثت محمد بك ~~الكرجي الخادم واليا على مصر، فلما وصلها شرع في التفتيش على مثيري الفتنة فقبض على ~~نفر وقتلهم وسكن البلاد، ولم يلبث فترة حتى عزل، وتوالت على مصر بعده عدة باشوات كان ~~الواحد منهم لا يبقى في الولاية إلا شهرا، وكانت البلاد لا تكاد تخلو كل سنة من فتنة ~~أو ثورة يقوم بها «الانكشارية» أو الجنود أو بعض المتغلبين، إلى أن تولى مصر في سنة ~~1016ه الوزير محمد باشا، وكان شريفا حازما، فشرع منذ وصوله إلى مصر في تثبيت دعائم ~~الحكم وإنصاف الرعية، وفي سنة 1017ه ثار عليه الجنود والانكشارية؛ لأنه لم يوافقهم على ~~إبقاء الضرائب الجائرة فأعلنوا عصيانهم، وولوا على البلاد واليا منهم، ونادوا به ~~سلطانا، وساروا إلى الدلتا يعيثون فيها فسادا، وسار إليهم محمد باشا في جمع من الجند، ~~والتقى الطرفان، واستطاع الباشا أن يقضي عليهم فاستسلموا، ولما استتب الأمر قتل ~~زعماءهم، وانصرف إلى إصلاح حال البلاد، ومراقبة جباة الضرائب بنفسه، والإشراف على أحوال ~~الأسواق، ففرح الناس به كثيرا، وعادت الطمأنينة إلى النفوس، وكان عهده على قصره عهد ~~يمن وبركة، ولما نقل من ولاية القاهرة تسابق الناس إلى تكريمه وتقديم الهدايا إليه، ~~وخلفه في سنة 1020ه محمد باشا الصوفي وكان كذلك رجلا صالحا حازما، وفي سنة 1022ه ~~جاءه أمر من السلطان يطلب ألف جندي مصري؛ لينضموا إلى الجيش العثماني الذاهب إلى إيران ~~فبعث بهم. # ثم توالت الولاة على مصر بعده خلال سنوات عشر، وكان الوالي لا يلبث أكثر من أشهر ~~قليلة، والسر في ذلك أن كرسي الخلافة قد تقلب عليه في هذه الفترة ثلاثة خلفاء هم: ~~مصطفى الأول وعثمان الثاني ثم مصطفى الأول ثانية، إلى أن كانت سنة 1022ه/1623م فتولى ~~السلطنة مراد الرابع، وبعث إلى مصر علي باشا، وقبل ms097 وصوله إليها اجتمع الجنود، وساروا ~~إلى القائمقام عيسى بك يطلبون إليه عطاءهم الذين يعطونه بمناسبة تعيين الولاة الجدد ~~فانتهرهم القائمقام وقال لهم: أفي كل ثلاثة أشهر تجددون هذه الطلبات، فقالوا: وما ~~المانع والسلطان يغير كل ثلاثة أشهر واليا؟! وإذا أراد أن يولي كل يوم واليا فنحن ~~نطلب عطاءنا، فحاول القائمقام صرفهم ولم ينجح، فقالوا له: إننا نصر على طلبنا إلا إذا ~~بقي الوالي السابق مصطفى باشا، وكان الوالي الجديد قد وصل الإسكندرية فبعثوا إليه ~~يبلغونه قرارهم، وأنهم لا يقبلونه إلا إذا دفع إليهم عطاءهم، فكتب إليهم الوالي ~~يسترضيهم فلم يقبلوا، فثار عليهم وقبض على وفدهم وسجنهم في قلعة الإسكندرية، وعلم الجند ~~في القاهرة بذلك فأعلنوا الثورة واضطروه على مغادرة الإسكندرية، وأنزلوه في قارب ~~وأخرجوه من الميناء، ولما صار في عرض البحر أطلقوا عليه المدافع فغادر البلاد، وبعد ~~فترة وصلت رسالة من السلطان بتثبيت مصطفى باشا في الولاية، وفي هذه الفترة أصيبت البلاد ~~بوباء هلك به خلق كثير، قيل: إن عددهم بلغ ثلاثمائة ألف نسمة، وكان مصطفى باشا ينصب ~~نفسه وريثا شرعيا على أموال الأغنياء من الموتى حتى ضاق الناس به، فاشتكوا إلى الباب ~~العالي فعزله، وأرسل بيرام باشا ليحاكم مصطفى باشا على أعماله، وفي سنة 1036ه قدم ~~بيرام باشا ليحاكم مصطفى باشا وحكم عليه باستصفاء أمواله وإعادة المسروقات إلى أصحابها، ~~وحكم عليه بالموت، ولما استقرت الأمور لبيرام باشا شرع في زيارة الأقاليم والمديريات ~~ومراقبة أحوالها ونشر العدل بين أهلها، وتعميم التعليم، وتنشيط التجارة، وإقامة ~~المشروعات العامة المفيدة، وتنظيم الضرائب، ثم عزل محمد باشا في سنة 1039ه وكان هذا ~~محبا للخير والعدل فحمد الناس سيرته، وفي سنة 1040ه استدعي من القاهرة، وسمي موسى ~~باشا مكانه، فأساء السيرة، وأفسد أحوال البلاد، ولقي منه الناس شرورا، وطلبوا من ~~السلطان أن يبعده عنهم، فاستبدله في سنة 1041ه بخليل باشا، وأخذت الولاة تترى على مصر، ~~والنكبات والمظالم تتوالى عليها حتى تسلطن إبراهيم بن أحمد خان 1049-1059ه/1640-1648م ~~فتفاءل الناس بالخير لما اشتهر عنه، ولكن شيئا من ms098 ذلك لم يحصل؛ فقد كانت ولاته على نمط ~~ولاة سابقيه من السلاطين عسفا وتعديا، وزاد الطين بلة كثرة الأوبئة والطواعين ~~التي لم يخل منها تاريخ مصر في تلك الآونة، وكان من أعظم تلك الطواعين طاعون سنتي ~~1052 و1053ه فقد هلك فيهما آلاف مؤلفة حتى دفن الناس موتاهم بدون صلاة، ويقال: إن نحوا ~~من 230 قرية وبليدة خربت في ذلك الطاعون، كل هذا والولاة ساهون منصرفون إلى جمع الأموال ~~واختلاسها، ويظهر أن الوالي مقصود باشا الذي تولى في سنة 1053ه قد حاول إصلاح الأمور، ~~ولكنه عزل في سنة 1054ه، وتردد على مصر نفر من الولاة أكثرهم ظالم مخرب أو جماع ~~أموال، حتى صار الوالي التركي لا هم له إلا اكتساب المال عن أي طريق كان، وتسليم ~~النفوذ إلى البكوات المماليك، وذلك طوال عهد محمد الرابع 1059-1099ه/1648-1687م وعهد ~~سليمان الثاني وأحمد الثاني ومصطفى الثاني 1099-1115ه/1687-1703م وعهد أحمد الثالث ~~1115-1143ه/1703-1730م. # وفي سنة 1119ه تولى مصر حسن باشا، فلما دخلها كان شيخ البلد قاسم عوض «عيواظ» بك ~~فأحسن استقباله، وقدم له من الهدايا ما جعله يركن إليه، ويتركه يتصرف في البلد تصرف ~~المالك، وعظم نفوذه، والوالي لا هم له إلا جمع المال وقبول الهدايا والرشى، وفي زمنه ~~وقعت الفتنة بين مماليكه المعروفين بالقاسمية والمماليك الفقارية التابعين لذي الفقار ~~بك أحد كبار المماليك، فتضاربوا وأفسدوا البلاد وعم البلاء، وانتشر الغلاء فترة طويلة ~~إلى أن مات قاسم عوض، وتولى مشيخة البلد مكانه ابنه إسماعيل، فأحسن التصرف بعض الشيء، ~~واتفق مع المماليك الفقارية ضد الباشا التركي، وضد الباشوات الذين تعاقبوا على مصر إلى ~~أن قتل في سنة 1136ه فتولى المشيخة بعده شركس بك، ولم يلبث أن قتل فتولاها ذو الفقار ~~بك إلى سنة 1142ه وأصاب مصر في تلك الفترة طاعون أتى على كثير من سكانها، وفي سنة ~~1143ه/1730م تولى السلطنة محمود الأول، وتوالت ولاته على مصر إلى سنة 1168ه/1754م، ~~ولم يكن هؤلاء أحسن حالا من أسلافهم، وظلت السلطة الحقيقية في مصر بيد مشايخ البلد من ~~المماليك، وفي ms099 هذه الآونة نبغ في مصر من البكوات المماليك فتى كان له أثر كبير في تاريخ ~~مصر، واسمه علي بك الكبير. # نشأ علي بك الكبير في كنف أحد مشايخ البلد إبراهيم كتخدا، وكان فتى شجاعا فيه كثير ~~من مزايا الزعماء والقادة، وحدث في سنة 1165ه أن قدم إلى مصر واليا راغب محمد باشا ~~وكان رجلا فاضلا خيرا، سار بالناس سيرة حسنة فأحبوه، ويظهر أن الباب العالي قد أحس ~~بخطر مشايخ البلد والبكوات، فأراد التخلص منهم وكتب إلى الوالي بذلك، وقد تردد الوالي ~~في أمرهم، ثم قرر قتلهم، فاستدعاهم وطلب إلى رجاله أن يفتكوا بهم بعد أن يستقروا عنده، ~~ففعلوا وقتلوهم جميعهم إلا إبراهيم كتخدا، فعمد إلى إثارة الفتن في القاهرة وسائر ~~البلاد، واختصم هو وإبراهيم بك الشركسي، فقتله الشركسي، وعظم ذلك على مولاه علي بك، ~~فأخذ يعمل للانتقام لمولاه، وشرع في شراء المماليك وتدريبهم على القتال، ويظهر أن بعض ~~البكوات واسمه حسين كش كش بك قد شعر بما يهيئ علي بك فناصبه العداء، واضطر علي بك أن ~~يفر بطائفة من مماليكه إلى الصعيد، فلما استقر هناك أخذ ينظم أمره حتى اجتمع لديه جمع ~~كبير، فزحف على القاهرة، وطرد حسين كش كش بك، وحاول أن يفتك بشيخ البلد خليل ففر هذا ~~إلى طنطا، فبعث إليه علي بك كاشفه محمد بك أبا الذهب، واستطاع أن يقبض عليه وينفيه إلى ~~الإسكندرية، وهكذا قوي نفوذ علي بك ابتداء من سنة 1177ه فتسلم مشيخة البلد، وقتل ~~إبراهيم الشركسي انتقاما لسيده إبراهيم كتخدا، ولكن مماليك الشركسي غضبوا له، وحاولوا ~~الانتقام لمولاهم، فاضطر علي بك أن ينجو بنفسه، ويفر إلى عكا لاجئا إلى أميرها الشيخ ~~ظاهر العمر، فأكرم هذا وفادته، وسعى في إعادته إلى القاهرة ظافرا قويا إلى أن كانت ~~سنة 1180ه فثار بعض أعراب الصعيد، وبعث إليهم مملوكه أحمد بك على رأس حملة قوية فقتل من ~~الأعراب مقتلة عظيمة حتى لقب بالجزار، وهو الذي تولى عكا فيما بعد، وعرف بأحمد باشا ~~الجزار، ثم انصرف علي بك إلى ms100 تنظيم أموره في سائر القطر فأحسن تدبيره، ونمى تجارته ~~وزراعته، ورأى فساد حال الموظفين الذين كانت الدولة العثمانية تبعث بهم فعزل أكثرهم، ~~وأقصى كثيرا من العساكر العثمانية عن مراكزهم، ووضع محلهم جماعة من مماليكه، وحظر على ~~البكوات والكشاف أن يقتني أحدهم أكثر من مملوك واحد أو اثنين. # وفي سنة 1182ه أعلنت الحرب بين الدولة العثمانية وروسيا، فبعثت الدولة العثمانية إلى ~~علي تستمده، فأخذ يجمع الجند ويرسلهم إلى الأستانة حتى نفى من البلد أكثر من كان يخشى ~~مناوأتهم، فلما تم له ذلك أعلن عصيانه بمصر، وكتب إلى الوالي التركي ينذره بلزوم ~~مغادرة مصر في مدى يومين وإلا قتله وأن مصر أضحت بلدا مستقلا، وكتب بذلك إلى حليفه ~~الشيخ ظاهر العمر أمير عكا ففرح به وآزره وكتب إليه يهنئه، فلما بلغت هذه الأخبار مسامع ~~الخليفة في الأستانة كتب إلى واليه في دمشق أن يزحف نحوه فسار في خمسة وعشرين ألف ~~مقاتل، حتى إذا بلغ بلاد عكا تلقاه ظاهر العمر ورده شر ردة، ثم انشغلت الدولة ~~العثمانية بحربها مع روسيا ، فشرع علي بك ينظم أموره، ويوطد أركان دولته، ويصلح شئونها، ~~ويرعى زراعتها وتجارتها، وفي سنة 1183ه ثار عليه الشيخ هامان زعيم قبائل الهوارة في ~~الصعيد، فبعث إليه محمد بك أبا الذهب ففرق جموعه، ثم شرع في الزحف على اليمن حتى استولى ~~عليه وعلى سواحل البحر الأحمر، وتوغلت جنوده في أرض جزيرة العرب فاستولى عليها، وخطب ~~له في مكة وضربت النقود باسمه، وأراد الاستيلاء على الشام فأخذ يستعد له، وسعى في عقد ~~محالفات مع البلاد التي تضمر عداء للعثمانيين كملك البندقية وملكة روسيا، ثم سير ~~جيوشه إلى الشام بقيادة أبي الذهب ومعاونة ظاهر العمر فحاصرت دمشق ودخلتها، وأخذت دولة ~~الأستانة تعمل بدسائسها ففرقت بينه وبين أبي الذهب، وأراد أبو الذهب الاستيلاء على مصر ~~وطرد علي بك، فقفل راجعا إلى مصر فاستولى على أسيوط في سنة 1185ه، وسار نحو القاهرة ~~فاستولى عليها، واضطر علي بك إلى الفرار منها إلى عكا ومعه كنوزه وأمواله، فلما وصلها ms101 ~~زوده الشيخ ظاهر العمر بجيش عليه علي بك الطنطاوي؛ لاسترجاع ما استولى عليه أبو الذهب، ~~والتقى الجيشان في محرم سنة 1187ه وخذل علي بك جنوده بانضمام قسم كبير منهم إلى أبي ~~الذهب، وقتل عدد كبير من رجالات علي بك، وقاتل هو نفسه قتال المستميت على الرغم من ~~مرضه، ثم جرح وسيق أسيرا إلى أبي الذهب، فأمر بسجنه في القاهرة حيث مات، وحزن الناس ~~عليه لحسن سيرته وبطولته، ولكثرة آثاره الحميدة في القاهرة وطنطا، ومن أجلها مسجده ~~العظيم وقبته على مقام السيد أحمد البدوي مع المضبأة الكبيرة والمنارتان الشامختان ~~والسبيل، وقبته على ضريح الإمام الشافعي، والحق أن خسارة مصر بموته كانت جليلة؛ فقد ~~اضطرت إلى الخضوع من جديد للدولة العثمانية، واستسلم أبو الذهب للوالي الذي بعثت به ~~الأستانة، وعاد من جديد نفوذ الإقطاعيين من البكوات المماليك، ورجعت الفوضى إلى البلاد، ~~وأضحى منصب شيخ البلد بيد المماليك البكوات يتصرفون فيه بما يشاءون ولا هم لهم إلا ~~جمع الأموال وتقديم الرشى للوالي التركي، وعم الفساد إلى أن كانت سنة 1200ه فضاق ~~السلطان عبد الحميد بما عليه حالة مصر، وأرسل عمارة بحرية لتأديب البكوات والمشايخ ففر ~~كثير منهم إلى الصعيد، ولكنهم لم يلبثوا أن رجعوا إلى القاهرة بعد سفر العمارة البحرية، ~~وقد لمع في هذه الفترة نجم مملوكين لقيت مصر منهما ضررا بالغا وهما مراد بك وإبراهيم ~~بك، فظلا يفسدان فيها ويختلسان الأموال إلى أن استولى نابليون بونابرت عليها سنة 1213ه/1798م. # 1 # الفصل الثاني عشر # | الجزيرة العربية منذ القرن السابع للهجرة حتى فجر القرن الثالث عشر # أطل القرن السابع للهجرة على الجزيرة العربية وهي غارقة في سبات عميق وجهل مطبق، ~~فقد أهملها خلفاء بغداد، إلا مكة والمدينة فإنهم قد وجهوا إليهما بعض العناية؛ لما ~~لهما من المكانة الدينية، والقداسة التاريخية، أما سائر المدن في الحجاز ونجد واليمن ~~وحضرموت وغيرها من بقاع الجزيرة الواسعة فقد كانت الفوضى ضاربة أطنابها فيها، وكانت ~~أخلاق الناس في بلاد العرب سائرة نحو الانحلال، وكانت تلك البلاد مقسمة إلى دويلات ms102 ~~وإمارات يحكم كلا منها حاكم مستبد مستقل، ولا سلطان لأحد عليه حتى ليخيل للمرء أن ~~الجزيرة العربية قد عادت إلى جاهليتها الأولى أو كادت. # هكذا كانت الحاضرة العربية، أما البادية فحدث عن فوضاها وتناحر قبائلها ما شئت، ~~وإذا كانت نفس البدوي في طبيعتها لا تقبل النظام حتى في عصور القوة والحكومات الرشيدة ~~والإمارات الفاضلة، فأحرى بها أن لا تقبل شيئا من النظام في عصور الضعف والحكومات ~~الفاسدة والإمارات الجاهلة، وإذا كانت هذه حالة الجزيرة فمن الطبيعي أن تنقطع الصلات ~~التاريخية بينها وبين كثير من أجزاء العالم العربي، وهكذا كان الأمر فقد أضحت أخبارها ~~شبه مجهولة، وتاريخها غامضا أو كالغامض، ولذلك صار علمنا عنها قليلا، وأضحى عملنا ~~الآن جد عسير حين أردنا أن نؤرخ ذلك العهد لتلك البقعة، ولكننا مع هذا تقصينا الأخبار، ~~وتتبعنا المظان والآثار، محاولين أن نؤرخ هذه البقعة الغالية من الوطن العربي الأكبر ~~على ما في ذلك من صعوبة. # وها نحن أولاء نعرض للقارئ الكريم ما استطعنا العثور عليه من تاريخ هاتيك الديار، ~~وأحوال أهلها وأخبارهم التاريخية، سالكين في ذلك الطريقة العلمية التي سرنا عليها في ~~الأجزاء السابقة. # جاءت المائة السابعة وبلاد الحجاز، وهي أعظم أقاليم الجزيرة العربية، وأميرها هو ~~المسيطر على شئون سائر الأقاليم في الجزيرة، خاضعة للشريف أبي عزيز قتادة بن إدريس بن ~~مطاعن الحسيني القرشي، وكان قد استولى عليها بعد أن طرد الشرفاء الهواشم الذين كانوا ~~يحكمونها، فتغلب عليهم، وقضى على آخر أمرائهم وهو الشريف مكثر بن عيسى بن فليتة القرشي ~~الهاشمي في سنة 601ه، # 1 # ولما تمت له السيطرة الكاملة على مكة توجه نحو المدينة فتملكها وطرد صاحبها ~~الشريف سالم بن قاسم الحسيني القرشي، وجرت بين الطرفين معارك تغلب فيها أبو عزيز، ثم ~~توجه إلى الطائف فسيطر عليها، وتم له السلطان على الحجاز برمته حتى بلغ حدود اليمن، ~~وعظم سلطانه فسيطر على كثير من أجزاء الجزيرة، وطلب إليه الخليفة العباسي الناصر لدين ~~الله أن يزوره في بغداد فسار إليه في موكب عظيم، ولما وصل ms103 إلى النجف الأشرف بعث ~~الخليفة إليه عددا كثيرا من القادة والجند، وفيهم بعض العلماء والأعيان، فأوجس أبو ~~عزيز على نفسه خيفة؛ لأنه كان شديد الحذر، وعدل عن الذهاب إلى بغداد محتجا بمرضه، ~~وكر راجعا إلى الحجاز، فكتب إليه الخليفة الناصر ثانية معاتبا ومستزيرا، ولما وصل ~~كتاب الناصر إليه جمع أهله وعظماء قومه واستشارهم في الأمر، وانتهوا إلى أن لا يذهب هو ~~بنفسه؛ بل يبعث إليه بابنه الشريف راجح، فذهب هذا في نفر من العلماء والشيوخ والشرفاء، ~~ولما وصلوا إلى بغداد أكرمهم الخليفة وأعادهم إلى الحجاز بكثير من الهدايا والخلع، ~~إلا أنه ما لبث بعد فترة حتى جهز جيشا كثيفا وسيره لاحتلال الحجاز، فلقيه أبو عزيز ~~بجيش كبير، وفرق جموعه وظل مسيطرا على الحجاز وما إليه. # ولما مات أبو عزيز تولى الأمر من بعده ابنه الأمير الشريف الحسن، وكان قائدا جريئا ~~شجاعا، ولكنه على الرغم من ذلك لم يستطع الصمود أمام الجيش الأيوبي الذي بعث به صاحب ~~اليمن الملك الكامل ابن الملك العادل ابن أيوب، وما أن استقر الجند الأيوبي في الديار ~~المقدسة ووطدوا الأمن فيها حتى عهد قائدهم بالبلاد إلى الأمير نور الدين علي بن عمر بن ~~رسول صاحب الدولة الرسولية، وقد حاول الشريف الحسن أن يعود ثانية، ويخرج نور الدين، ~~ولكنه فشل وطرد من الحجاز. # وفي سنة 626ه عهد الملك المسعود بإمارة الحجاز إلى عتيقة صارم الدين ياقوت، فتولاه ~~باسم مولاه، وفي تلك السنة مات الملك المسعود، فاستولى ياقوت على اليمن والحجاز، وتسمى ~~باسم الملك المنصور، وأخذ يوسع سلطانه حتى سيطر على أكثر بقاع الجزيرة، ثم بعد فترة بعث ~~الملك الكامل مولاه طغتكين أميرا على الحجاز، وهكذا خضعت الجزيرة إلى الأيوبيين أو إلى ~~مواليهم على الأصح. # وفي سنة 629ه كان الشريف راجح بن قتادة قد جمع جيشا لاستعادة الحجاز من الأيوبيين، ~~فزحف نحو اليمن، وأغرى نور الدين الرسولي على أن يتعاونا على الاستيلاء على الحجاز، ~~فقبل نور الدين وسارا فطردا طغتكين، وحكم راجح البلاد باسم الدولة الرسولية، وظل حكمه ms104 ~~إلى أواخر سنة 630ه. # وفي أوائل سنة 631ه عادت الجيوش الأيوبية من جديد فطردت راجحا، ولكنه لم يلبث طويلا ~~حتى استردها وأقام فيها إلى سنة 637ه، وفي هذه السنة أرسل الملك الصالح الأيوبي صاحب ~~مصر ألف فارس بقيادة الشريف شيحة بن قاسم أمير المدينة لقتال صاحب اليمن، فتلقته الجيوش ~~اليمانية وهزمته. # وفي سنة 639ه أرسل صاحب مصر جندا كثيرا للاستيلاء على مكة، فلما بلغت أخبارهم إلى ~~صاحب اليمن خرج للقائهم، والتقى الجمعان، فهرب المصريون بعد أن أحرقوا دار السلطنة ~~بمكة، ودخل صاحب اليمن إلى مكة، فأبطل كثيرا من المكوس والظلامات، وعزل الشريف راجحا، ~~وولى الشريف أبا سعد الحسن بن علي بن قتادة، فذهب راجح إلى المدينة، واستنجد بأخواله ~~فبعثوا معه جماعة، والتقى الجمعان، ففاز جمع أبي سعد، وكان على رأسهم الشريف أبو نمي، ~~ودخل أبو نمي مكة، وأقام أبو سعد في ولاية الحجاز إلى سنة 651ه، وفي أوائل هذه السنة ~~بعث الخليفة الناصر جيشا لاستخلاص الحجاز بقيادة الشريف جماز بن الحسن بن قتادة من ~~دمشق، فدخل الجيش مكة واستولى عليها وقتل أبا سعد، ولكنه لم يلبث أن نقض عهده مع ~~الخليفة الناصر ، وخطب للملك المظفر ابن الملك المنصور الرسولي، واستمر ذلك إلى موسم ~~الحج حين قدم عليه عمه راجح مقاتلا، فاستولى على مكة وطرد جمازا، وظل أميرا على ~~البلاد إلى سنة 652ه حين ثار عليه ابنه غانم وطرده، وظل غانم أميرا إلى شوال من السنة ~~نفسها، حين ثار عليه الشريفان أبو نمي وإدريس بن علي بن قتادة، واشتد القتال بين ~~الثلاثة، وبينا كانوا جميعا مشتبكين إذا هم بالملك المظفر الرسولي يبعث جيشا بقيادة ~~المبارزين علي بن برطاس لنجدة غانم، ولكن أبا نمي وإدريس تغلبا عليه وطرداه، ولم يستطع ~~أحد من المسلمين القيام بفريضة الحج هذه السنة. # وفي سنة 654ه اختلف أبو نمي وإدريس، ثم تصالحا، واستمر هذا الصلح إلى سنة 657ه، حين ~~عادا من جديد إلى الاختلاف، وطرد أبو نمي عمه إدريس، وخطب لصاحب مصر السلطان بيبرس، وحج ~~بيبرس هذه ms105 السنة فعظمه أبو نمي كثيرا، ورأى السلطان أن يصلح بين العم وابن أخيه فتم ~~ذلك، وعادت السكينة إلى الديار المقدسة، ولكن إدريس أخذ ينفرد بإدارة البلاد فسكت أبو ~~نمي على مضض إلى أن جمع جموعا كثيرة قاتل بها إدريس، وعادت الفتنة من جديد جذعة، ولم ~~تنته إلا بعد قتل إدريس في فجر سنة 669ه، ولما قتل إدريس لجأ ابنه غانم إلى الشريف ~~جماز في المدينة فأنجده بجماعة ذهب بهم لقتال أبي نمي، ولكن هذا فرق تلك ~~الجموع. # وفي سنة 683ه، وأثناء الموسم، وقعت فتنة جديدة بين أبي نمي وأولاد أخيه، وكان مع ~~هؤلاء جند من اليمن فطردهم أبو نمي، ثم قدم الحاج المصري ومعه ثلاثة آلاف فارس لمقاتلة ~~أبي نمي، فتحصن بالمدينة وأغلق أسوار مكة عليه، فأحرق المصريون السور ودخلوا المدينة، ~~فنادى منادي أبي نمي: «من قتل من المصريين أحدا فله سلبه وفرسه»، ففتك جنده بالمصريين، ~~وأخذوا خيلهم وسلاحهم، واستطاع نفر من الجند أن يرجعوا إلى مصر، ويخبروا السلطان بما ~~جرى، فعزم على أن يرسل جيشا كبيرا لقتال أهل الحجاز، ولكن أهل الرأي والدين أشاروا ~~عليه بأن يتلافى الأمر، ويقبل بإمارة أبي نمي على الحجاز حقنا للدماء وإجلالا لتلك ~~الديار المقدسة، فقبل وبعث إليه بألقاب الإمارة. # وفي سنة 688ه ولى السلطان قلاوون على الحجاز الشريف جماز بن شيحة أمير المدينة فدخل ~~مكة بعد أن طرد أبا نمي، ولكن هذا استطاع أن يجيش جيشا من أنصاره ومن الأعراب، وأن ~~يهجم على مكة ويفتك بمن فيها، واستمر أبو نمي مستقلا بمكة إلى سنة 701ه وكأنه قد أحس ~~بثقل الأيام على كاهله فنزل عن الملك لولديه حميضة ورميثة، ولم يلبث بعد ذلك حتى مات ~~بعد أن حكم الديار المقدسة نحوا من نصف قرن استقلالا أو بالمشاركة مع أبيه ~~وعمه. # ولما حج بيبرس في سنة 702ه، وكان أيامئذ أميرا على الكرك، اشتكى إليه الشريفان عطيفة ~~وأبو الغيث ابنا أبي نمي أنهما مظلومان فولاهما على مكة، ونفى حميضة ورميثة إلى مصر، ~~ولكنهما لم يلبثا أن ms106 عادا إلى مكة في سنة 703ه أميرين، فسارا بالناس سيرة حسنة أول ~~الأمر ثم أخذا يظلمان الناس، ولم ينقذهم منهما إلا أبو الغيث بن نمي الذي قدم في سنة ~~713ه بجيش من المصريين فهرب حميضة وأخوه إلى اليمن، ودخل أبو الغيث إلى مكة، ثم بعث ~~سرية إلى اليمن للفتك بحميضة ورميثة فلم تظفر بطائل، ولما رجع العساكر المصريون إلى مصر ~~رجع حميضة من اليمن، وانتزع مكة، وقتل أبا الغيث في أوائل سنة 714ه، واستقل بمكة حتى ~~أخذها أخوه رميثة منه، واضطر حميضة أن يفر إلى العراق لاجئا إلى السلطان خذابنده، ~~فأكرمه، ثم حسن له حميضة أن يزحف على الحجاز ويستولي عليها؛ لأن من يستولي على البلاد ~~المقدسة ينال شرفا عظيما، فجهز خذابنده جيشا في عشرة آلاف، وبعث الشريف حميضة معهم، ~~وبينا كانوا في الطريق هلك خذابنده فاضطرب أمر الجند وتفرقوا، وعزم حميضة على أن يسير ~~بنفسه فلم يصل إلى الحجاز حتى لم يبق معه إلا نحو ثلاثين فارسا، فكتب إلى أخيه ~~مستعطفا طالبا إليه الإذن بدخول مكة، فاعتذر رميثة وكتب إلى سلطان مصر الملك الناصر ~~يستأذنه بذلك فلم يسمح له بدخول مكة، بل قال له: إذا أراد المجيء إلى مصر قبلناه ولا ~~يسمح له بدخول مكة، وبعث السلطان إلى الشريف حميضة بالأمان، فلم يقبل حميضة بالسفر إلى ~~مصر، وذهب إلى قبائل الحجاز مستنصرا فأعانته على الدخول إلى مكة في سنة 718ه فدخلها ~~وخطب لأبي سعيد بن خذابنداه؛ فغضب الملك الناصر، وبعث بجيش لجب فقتل حميضة. # وفي سنة 719ه حج الملك الناصر صاحب مصر، وولى على الديار المكية الشريف عطيفة بن أبي ~~نمي، واستمر إلى سنة 721ه، وفيها وقع قحط كبير بالحجاز فتوجه عطيفة إلى مصر، فرسم ~~السلطان الملك الناصر بنقل الحبوب والبقول إلى الحجاز، ورتب لمكة كل سنة شيئا من القمح ~~يحمل إليها من الصعيد على شريطة أن يسقط أمير مكة المكوس والضرائب التي يفرضها على ~~الحجيج. # وفي سنة 734ه طلب إليه السلطان أن يشرك معه أخاه رميثة في الحكم ms107 فقبل، ووقعت بعد ذلك ~~منافسات بين الأخوين، واستمرا يتناوبان الحكم فيها إلى سنة 737ه، وفيها اعتقل السلطان ~~عطيفة بمصر إلى أن مات سنة 743ه واستقل أخوه رميثة في الحكم إلى سنة 745ه وفيها نزل ~~رميثة لولديه ثقبة وعجلان عن الحكم. # وفي سنة 751ه حج الملك المجاهد صاحب اليمن فوقع بينه وبين الشريف عجلان فساد، فأغرى ~~الشريف المصريين فقبضوا على الملك المجاهد وهو بمنى، فقيدوه وذهبوا به إلى مصر، وفسدت ~~أحوال الحجاج ولقي الناس أهوالا وويلات شدادا. # وفي سنة 760ه استدعى السلطان الناصر حسن ملك مصر الأميرين ثقبة وعجلان إلى مصر، فلم ~~يلبيا دعوته، فعزلهما وولى الشريف سند بن رميثة ومحمد بن عطيفة، وجهز جيشا كبيرا ~~لنصرتهما، وفي سنة 761ه وقعت فتنة بين الجيش المصري والأشراف، وقتل كثير من المصريين، ~~وأسر كثيرون وبيعوا بيع الرقيق في ينبع، حتى إذا بلغت هذه الأخبار إلى صاحب مصر غضب ~~وجيش جيشا كثيفا لقتال الأشراف واستئصالهم، وقال: لا حاجة لنا بهم، ولم يلبث السلطان ~~أن عزل وتولى مكانة السلطان الملك المنصور محمد فعهد للشريف عجلان بإمارة الحجاز، ~~ودخلها ثم شاركه في الحكم ابنه أحمد، وجعل له ربع المتحصل، واستمر عجلان وابنه في الحكم ~~إلى سنة 764ه ثم انفرد بها أحمد لسؤال أبيه له، وذلك على شروط؛ منها: أن لا يقطع اسمه ~~في الخطبة والدعاء بأعلى زمزم، وكان أحمد شجاعا منظما جماعا للأموال والخيل ~~والنفائس حتى قالوا إنه جمع ما لم يجمعه أحد قبله من الأموال والخيول. # 2 # وفي سنة 766ه طلب السلطان في مصر إلى أمير البلاد الحجازية أن يسقط المأخوذ بمكة من ~~الحجاج على أن يعوضه عنه في كل سنة مائة وستين ألف درهم من بيت المال وألف أردب من ~~القمح، وقرر ذلك في ديوان السلطان شعبان صاحب مصر، ونقش ذلك على دعائم المسجد ~~الحرام. # وفي سنة 775ه وقعت فتنة بين حجاج التكرور والمغاربة وبين حجاج العراق واليمن، قتل ~~فيها نحو ألف رجل من الحجيج، وكان بلاء عظيم بالديار المقدسة ضج منه الناس. # وفي ms108 سنة 777ه أشرك أحمد بن عجلان معه في الحكم ابنه محمدا، واستمرا في الحكم إلى أن ~~مات أحمد، فاستقل محمد بالحكم وحده وجار على الناس، فغضب سلطان مصر، وبعث مع الحاج ~~المصري الشريف عنان بن مغامس بن رميثة، وطلب إلى أمير الحج المصري أن يحتفل بمحمد ~~احتفالا عظيما، فلما وصل الحاج المصري خرج الشريف للقائه، فلما حضر عند المحمل وثب ~~عليه اثنان فجرحاه جراحا مات على أثرها في سنة 788ه في ميعة الشباب لم يتجاوز العشرين ~~من عمره، ولما قتلوه أعلن أمير الحج المصري إمارة عنان بن مغامس وأشرك معه في الحكم ابن ~~عمه أحمد بن ثقبة، وكان من أجل بني الحسن، وأكثرهم مالا وخيولا ورجالا. # وفي سنة 789ه عزل السلطان عنانا وولاها علي بن عجلان، فثار عنان وطرد عليا إلى ~~مصر، فأعاده السلطان إلى الحجاز وأشركه في الحكومة مع عنان بشرط أن يخدم المحمل المصري ~~ويكرم أهله، واستمر عنان في الحكم إلى سنة 804ه وفيها أصابه رمد شديد اضطره أن يجيء إلى ~~مصر ومات سنة 805ه، واستقل علي بن عجلان بالحكومة إلى أن اضطربت أحوال الحجاز وخاصة في ~~مكة وجدة، وتمكن الرعاع من أمور البلاد، وهرب التجار إلى ينبع ولحق أهل مكة من ذلك عناء ~~شديد، وانتهت هذه الفتنة بقتل علي، فتولى الأمر أخوه الحسن بن عجلان، وأشرك معه ولديه ~~بركات وأحمد، ثم أنعم السلطان على حسن سنة 811ه بنيابة السلطنة في جميع الحجاز. # وفي سنة 817ه وقعت فتنة كبيرة بين المصريين والقواد، وانتهكت حرمة المسجد الحرام لما ~~حصل فيه من القتل وتلويث الخيل بسبب طول بقائها في المسجد حتى قال بعضهم: إنها أعظم ~~فتنة وقعت في المسجد الحرام بعد فتنة القرامطة، وقد استمر الشريف حسن وأولاده في الحكم ~~إلى سنة 829ه، وكان الحسن يحب الخير، ويرغب في فعل الجميل، وله آثار حسان في مكة وحرمها، # 3 # ولما مات الحسن سنة 829ه استدعى السلطان برسباي ولديه بركات وإبراهيم فقدما ~~عليه في مصر وأكرمهما، وأنعم على بركات بالإمارة وعلى إبراهيم ms109 بنيابته، وأمر السلطان في ~~سنة 832ه أن يعطي ثلث ما يحتصل من عشور المراكب التجارية الهندية لأمير مكة المكرمة ~~ويرسل الثلثان إلى مصر، وأمر في سنة 840ه أن يكون نصف عشور جدة من المراكب الهندية ~~لأمير مكة، وفي سنة 843ه وردت مراسيم من سلطان مصر بإعفاء الشريف من تقبيل خف المحمل ~~المصري، وكان ذلك عادة قديمة جرى الأشراف عليها. # وفي سنة 845ه عزل السلطان المصري الشريف بركات، ففر إلى اليمن وتولى أخوه علي مكانه، ~~وتتابعت الأشراف على ولاية الديار الحجازية، وفي سنة 851ه استدعى سلطان مصر السلطان ~~جقمق الشريف بركات إلى مصر وخرج للقائه، وبالغ في إكرامه، واجتمع إليه علماء مصر، ~~وازدحموا على القراءة عليه؛ لما كان له من الفضل وسعة الرواية، وبخاصة في علوم الحديث، ~~ثم رجع إلى مكة وظل بها إلى أن مات في سنة 859ه، فلما مات خلفه ابنه محمد في ولاية مكة، ~~وكان محمد على جانب كبير من الفضل والعدل، وقد ازدهرت الحجاز في عهوده، واستمر في ~~ولايته ثلاثا وأربعين سنة عاش فيها الناس بالخيرات واليمن والهدوء إلى أن مات سنة ~~903ه، فتولى مكة بعده ابنه الشريف بركات، وكان فاضلا تلقى العلم على شيوخه بمصر، وقد ~~وقعت فتنة بينه وبين أخيه هزاع من أجل الولاية، فانكسر هزاع وقتل جمع من أصحابه، ثم ~~نصره أمير الحج المصري في سنة 904ه، فدخل مكة وهرب أخوه بركات إلى بدر فجمع جموعا أغار ~~بها على مكة واحتلها، وفي سنة 907ه مات الشريف هزاع، فوردت المراسيم السلطانية من ~~«قانصوه الغوري» سلطان مصر بالاعتذار إلى الشريف بركات مما حصل، وأن ذلك كان من قبل ~~أمير الحج المصري بدون مشورة السلطان، واستتب الأمر للشريف بركات فترة، ثم ثار عليه ~~أخوه الشريف أحمد الملقب بالجازاني في سنة 908ه واضطر بركات إلى الهرب إلى ~~اليمن. # وكان الشريف أحمد ظالما؛ صادر أموال الناس، وأخذ عقاراتهم، وسبى أرقاءهم، ومرت أيام ~~شداد على مكة في عهده، ولما ضاق الحجازيون بظلمه ذرعا استنجدوا بالشريف بركات، وأعانوه ~~على قتال أخيه ms110 أحمد، فكسره واضطره أن يفر إلى جدة، فلما وصلها استنجد بأمير ينبع فأعانه ~~بجيش، ووقعت قتلة كبيرة بين الطرفين أبذخ فيها الشريف أحمد، وشرع بركات بتنظيم أمور ~~الحجاز، وامتد نفوذه إلى اليمن، وبينا كان في اليمن يقوم ببعض مصالح دولته انتهز أحمد ~~فرصة غيابه فدخل المدينة، وأذل أهلها، وعاقبهم أشد العقاب، وقتل منهم خلقا كثيرا، ~~ونهب بيوتهم، وسبى الأرقاء وأمهات الأولاد ثم رجع إلى ينبع، وعلم أن تجريدة قدمت من مصر ~~فذهب إلى قائدها، واتفق معه على أن يعينه على خلع أخيه بركات مقابل ستين ألف دينار شرقي ~~أحمر، وكان بركات قد رجع من اليمن ورأى ما فعل أخوه في غيبته فتألم أشد الألم، وأخذ ~~يستعد لمحاربته، ولما علم بقدوم التجريدة المصرية خرج للقائها وهو لا يعلم ما قد خبأ له ~~القدر، فلما وصل أمير التجريدة خلع عليه، ثم لم يلبث أن ألقى القبض عليه، وجعله في ~~الحديد، ونهبت بيوته وبيوت أنصاره، ونودي بالإمارة للشريف أحمد، ولما تم الحج ورجع ~~المصريون أخذوا الشريف بركات معهم إلى مصر حيث جعل في بيت محظورا عليه السفر، وأخذ ~~ينتهز شتى الفرص حتى فر إلى مكة في أواخر سنة 908ه، ولما حان موعد سفر الحجيج المصري ~~خاف السلطان الغوري أن يفتك الشريف بركات بالمصريين فبعث معهم جيشا كثيفا، ولكن ~~الشريف بركات بعث برسائل إلى أمير الحج المصري يؤمنه ويطمئنه، فلما بلغ ذلك مسامع ~~الغوري رضي عنه وعفا، وفي عهد السلطان الغوري شيدت عدة مآثر وعمائر جليلة في طريق الحج ~~وفي مكة وفي جدة. # 4 # وفي أيام الغوري تولى ثغر جدة الأمير حسن الكردي، وكان سفاحا ظالما قال عنه صاحب ~~الأعلام: «أقام جلادين للقتل والتوسيط والضرب والبهدلة، فأي مسكين وقع في يده قتله ~~بأدنى سبب أو عذبه بالمقارع أو صلب إظهارا للناموس الفرعوني.» # 5 # وفي سنة 911ه ولد ابن للشريف بركات سماه أبا نمي، وفي سنة 918ه استدعى السلطان ~~الغوري الشريف بركات إلى مصر فاعتذر عن سفره، وبعث ابنه أبا نمي مع السيد عرار بن ms111 عجل ~~وقاضي مكة الشافعي الصلاح بن ظهيرة والمالكي النجم بن يعقوب مع جمهرة من القواد ~~والوجوه، فلما وصلوا إلى مصر استقبلهم السلطان الغوري وأكرمهم، ثم أعادهم وقد ولى ~~الديار الحجازية لأبي نمي مشاركا لأبيه، فكان يدعى لهما معا على منابر الحجاز، وفي ~~سنة 920ه حجت زوج السلطان الغوري وولدها محمد فأكرمهم الشريف بركات إكراما عظيما، ~~وكانت هذه آخر الاحتفالات الكبرى التي جرت في الحجاز للمماليك. ~~(1) الحجاز وسائر الجزيرة بعد استيلاء العثمانيين # بعد أن استولى السلطان سليم على مصر سنة 923ه أراد أن يجهز جيشا للاستيلاء على ~~الحجاز وطرد بقايا المماليك منه، وكان قد وطد لنفسه في الحجاز بما كان يبعث لأهله ~~وللأشراف من الهدايا والتحف والخيرات في كل سنة أثناء الحج والمواسم. # وبينا كان السلطان سليم يهيئ عدته للاستيلاء على الحجاز حربا كتب القاضي صلاح ~~الدين بن أبي السعود بن ظهيرة إلى وزير السلطان أن يخبر سيده بأن أهل الحجاز يحبون ~~العثمانيين، وأن صاحب الحجاز ممن يميلون بقلوبهم إلى آل عثمان، والأفضل أن يكتب ~~إليه كتابا يطلب فيه منه إعلان الخطبة للعثمانيين، لا إرسال جيش لقتاله، وهكذا ~~أرسل إلى الشريف بركات توقيع من السلطان سليم بدل توقيع السلطان الغوري على أن ~~يكون ابنه أبو نمي شريكه في الولاية، وكتب القاضي صلاح الدين محمد بن أبي السعود بن ~~إبراهيم بن ظهيرة إلى الشريف بركات يقص عليه ما جرى، ويطلب إليه أن يبعث بابنه إلى ~~السلطان سليم، فلبى الشريف الطلب، وبعث بابنه أبي نمي إلى مصر فأكرمه السلطان سليم، ~~وكان سنه لا يتجاوز الثانية عشرة، وأعاده بالإحسان ومعه أمر سلطاني بقتل حسين ~~الكردي صاحب «جدة» من قبل السلطان الغوري، ثم ولى على جدة الخواجا قاسم الشرواني، ~~وأرسل مصلح بك بالصدقات والكسوة، والمحمل الرومي، كما أرسل المحمل المصري والصدقات ~~المصرية على ما كانت عليه الحال أيام المماليك، ولم يجئ المحمل الشامي في تلك السنة، # 6 # واستمر الشريف بركات في إمارته حتى سنة 931ه وفيها هلك فتولى الديار ~~الحجازية ابنه الشريف محمد أبو نمي ms112 وله عشرون سنة، وكان فتى حازما ذا علم وفضل، ~~وقد فرح الناس بتوليه لما كان عليه من الخلق الوديع، وفي سنة 945ه أشرك السلطان ~~العثماني معه في الولاية ولده الشريف أحمد، وفي سنة 949ه قدمت ميناء جدة مراكب ~~إفرنجية تحاول الاستيلاء عليها، فتوجه إليهم أبو نمي في جمع كبير وجيش قوي تعاضده ~~بعض المدفعية، واضطر المراكب الفرنجية على العودة خاسرة، # 7 # وفي سنة 958ه وقعت فتنة بين أبي نمي وبين أمير الحج العثماني محمود ~~باشا، فقد سولت نفس الباشا له أن يقبض على أبي نمي لما رآه من نفوذه، ولكن أبا نمي ~~تغلب عليه، ووقعت كارثة كبيرة، وكاد الأعراب أن يفتكوا بالحجيج، ولكن أبا نمي تدارك ~~ذلك بالحكمة، وبلغت هذه الأخبار إلى الباب العالي في إستانبول فكتب السلطان إلى أبي ~~نمي معتذرا عما فعل الباشا، وفي سنة 974ه طلب أبو نمي إعفاءه من الولاية لكبر سنه ~~ولرغبته في الانقطاع للعبادة، فقبل السلطان طلبه وجعل الشريف حسنا مستقلا بالأمر ~~في مكة وجدة والمدينة وينبع وخيبر وسائر مدن الحجاز ونجد. # وفي سنة 993ه مات أبو نمي، وقد دامت ولايته على الحجاز استقلالا ومشاركة اثنين ~~وسبعين سنة وهي أطول مدة حكمها حاكم في الحجاز، # 8 # وقد سار ابنه الشريف الحسن بالبلاد سيرة حسنة، وفي سنة 1010ه توجه ~~لإخماد ثورة في نجد فمات هناك، وتولى الولاية من بعده ابنه الشريف أبو طالب، وكان ~~فتى شجاعا حازما طهر البلاد من المفسدين، وضرب على أيدي الأعراب وأهل الفتن، ~~وظل في الولاية إلى أن مات سنة 1012ه. # فتولى من بعده أخوه الشريف إدريس أبو عون، وكان شجاعا فاتحا، امتدت فتوحه إلى ~~أقصى شرق الجزيرة حتى بلغت الأحساء، وفي سنة 1034ه اجتمع بعض الأشراف والعلماء ~~والفقهاء في الحجاز، وتدارسوا الأوضاع ورأوا أن الشريف إدريس لم يعد صالحا للبقاء ~~في الولاية فطلبوا إليه أن يعتزل ويولي ابن أخيه الشريف محسنا، وكتبوا بذلك إلى ~~الباب العالي فأقرهم على ذلك، # 9 # ثم وقعت فتنة بين الأشراف فانقسموا فريقين، واضطر الشريف محسن ms113 أن يفر ~~إلى اليمن حيث لاقى حتفه في سنة 1038ه وتولى الأمر من بعده الشريف أحمد بن عبد ~~المطلب بن الحسن، وفتك بكثير من جماعة الشريف محسن ومنهم المفتي الشيخ عبد الرحمن ~~بن عيسى المرشدي، وساءت سيرة أحمد بالناس، وضاقوا به ذرعا، ولما قدم «قانصوه» باشا ~~قاصدا اليمن بلغته أخباره فعمد إلى الحجاز وقتل أحمد في سنة 1039ه وعمل على توطيد ~~الأمن فيها وتولية الشريف مسعود بن إدريس مكانه، وكان جوادا كريما حسن التدبير، ~~ولكنه لم يلبث طويلا حتى مات في سنة 1040ه فتولى بعده الشريف عبد الله بن حسن بن ~~أبي نمي، جد الأشراف المعروفين بآل عون، وقد أجمع الأشراف على ولايته فأقرتهم دار ~~الخلافة على ذلك، # 10 # ولكنه لم يلبث أن خلع نفسه في سنة 1041ه تعففا وديانة، ونزل عن ~~الولاية لولده محمد، فلم يلبث محمد أن مات، فقام ابنه محمد بأعباء الولاية خير ~~قيام. # وفي عهده جرت وقعة الجلالية، وخلاصتها: أن عسكر اليمن خرجوا على طاعة «قانصوه» ~~باشا، وذهبوا إلى القنفذة، فاستمالهم الشريف ناجي بن عبد المطلب وذهب بهم إلى مكة، ~~فلما بلغوا حدودها بعثوا كتابا إلى الشريف محمد يطلبون الإذن لهم بدخول مكة فرفض ~~الشريف محمد ذلك، وبينما كانوا يتأهبون للقتال أقبل عليهم الجنود العثمانيون، ~~والتقى الجمعان، وقتل من الطرفين مقتلة عظيمة، وكان من القتلى الشريف محمد نفسه، ~~فتولى الأمر من بعده في سنة 1041ه الشريف نامي، وما أن استتبت له الأمور حتى أرسل ~~إلى دلاور آغا أمير جدة يطلب إليه أن يسلمه الثغر فأبى، وكانت معركة كبيرة بين ~~الطرفين، نهبت فيها جدة، واضطرب حبل الأمان في الحجاز كله ، فقام الشريف زيد بن ~~محسن بثورة عنيفة مستعينا بجماعة من الجنود المصريين الذين قدموا مع المحمل ~~المصري، واضطر نامي أخيرا إلى الهرب من مكة، فلحق به الجنود وقتلوه وحرقوه وأذروه ~~رمادا، واستقرت الأمور لزيد، وكان حاكما عادلا فاضلا، وفي عهده ورد أمر سلطاني ~~من إستانبول بمنع الحجاج الإيرانيين من الحج والزيارة، ونادى المنادي في السابع عشر ~~من ms114 ذي الحجة سنة 1047ه بوجوب خروج الحجاج الإيرانيين من بين جموع الحجاج المسلمين، ~~وظل زيد في الولاية إلى أن مات في سنة 1077ه فاختلف أولاده على الولاية، وكادت أن ~~تقع فتنة كبيرة بينهم، فتدخل في الأمر عماد الدين أفندي التركي شيخ الحرم، واستقرت ~~الأمور على أن يتولى الشريف سعد بن زيد على أنه قائم مقام أخيه محمد يحيى، ثم وقعت ~~فتن كثيرة بين الأشراف، واضطرب أمر البلاد، وبخاصة في سنة 1079ه، فقد عم الجزيرة ~~ضنك شديد، وأصابتها سنة قاحلة اضطر الناس فيها إلى أكل لحوم الكلاب والقطط والرمم، ~~ولما ورد الحاج الشامي قدم معه الوزير حسن باشا، وقد فوضت إليه الدولة أمر جدة ~~ومشيخة الحرم والنظر في شئون مكة، وما أن وصل إلى المدينة حتى أغراه الناس بجماعة ~~الشريف سعد فأراد الفتك بهم، فثار الشريف عليه، ثم سويت الأمور حتى وصل حسن باشا ~~إلى مكة واتفق مع الشريف سعد، وسارت الأوضاع العامة سيرة حسنة، وفي سنة 1082ه رجع ~~حسن باشا إلى الحجاز، ولما بلغ جدة أعلن أنه قادم لتنحية الشريف سعد وتولية الشريف ~~أحمد بن محمد الحارث، فوقعت فتنة كبيرة بين جماعة الشريفين، واضطر الشريف سعد إلى ~~مغادرة البلاد، واللجوء إلى الديار الرومية. # وفي سنة 1083ه اجتمع الأشراف ومن بينهم الشريف أحمد بن محمد الحارث، وجاء حسن ~~باشا معلنا ولاية الشريف بركات بن محمد، ففرح الناس بذلك لما كان يتحلى به وهنئوه ~~بالشرافة، واطمأن الوضع في أيامه، وكان موضع ثقة الباب العالي، قال صاحب خلاصة ~~الأثر: وحظي عند السلطنة، وكان مقبول الكلمة عندهم لما كان لكثيره من مداراتهم، ~~وكان كثير الإحسان للأشراف كثير التعطف بهم، وتقووا في زمنه وقويت شوكتهم وكثرت ~~أموالهم، وبسبب ذلك بقي كبار الأشراف وصغارهم تحت طوعه، وحمدت طريقته، وأمنت في ~~زمنه السبل، وربحت التجار، وانتظم الأمر خصوصا للحجاج. # وقد ظل على سيرته الحميدة هذه إلى أن توفي سنة 1094ه، فتولى بعده ابنه الشريف ~~سعيد، وألبسه القاضي خلعة الاستمرار بموجب أمر السلطان الذي بيده، والذي يتضمن كونه ms115 ~~ولي عهد أبيه، ولم ينازعه أحد من الأشراف، ثم وصلته خلعة الاستمرار من صاحب مصر، ~~ووردت بعدها من السلطان العثماني، ولم تمض فترة حتى جاءت إرادة سلطانية من ~~إستانبول تقضي بجعل الولاية أرباعا؛ ربع للشريف سعيد، والأرباع الثلاثة الباقية ~~لسائر الأشراف، فوقعت الاختلافات بينهم وفسدت أمور البلاد، وصار عبيد كل شريف ~~وجماعته يجمعون الأموال، ولاقى الناس منهم بلاء عظيما، واستمرت هذه الحالة إلى أن ~~حان وقت الحج، فاجتمع الشريف سعيد وحاكم مكة القائد أحمد بن جوهر وأمير الحاج ~~الشامي وأمير الحاج المصري، وتداولوا هذا الأمر فلم يصلوا إلى قرار تستتب به ~~الأوضاع، وزاد الفساد واضطرب حبل الأمن وانقطعت السبل، ولم يعد يأمن الناس على ~~أنفسهم من السير بعد الغروب، وكثرت القتلى والتعديات، وازدادت أضرار عبيد الأشراف ~~ومماليكهم وجماعاتهم، وفسد الأمر حتى اضطر الشريف سعيد أن يرسل إلى الباب العالي ~~ترجمانه، ويذكر فساد الحالة في مكة، وأنها خربت، فمن الواجب إرسال جند نظاميين ~~يضبطون أحوالها، فلما بلغ الترجمان إلى الباب العالي شاور السلطان أولي الأمر، وكان ~~في الأستانة يومئذ الشريف أحمد بن زيد، فتم الاتفاق على إرساله إلى مكة، وذهب في ~~مطلع عام 1095ه فاستأنس الناس به، وعادت المياه إلى مجاريها شيئا فشيئا؛ لما كان ~~يتمتع به من الحزم والعقل، وظل في الولاية إلى أن مات في سنة 1099ه فاجتمع أركان ~~البلاد واتفقوا على إقامة ابن أخيه الشريف سعيد بن سعد، فعارضه بذلك الشريف أحمد بن ~~غالب، ووقعت فتنة بين الاثنين انتهت بانكسار الشريف أحمد وجماعته، واضطر إلى أن يفر ~~إلى اليمن، أما الشريف محسن فإنه دخل مكة في فجر عام 1101ه وأخذت تأتيه رسائل من ~~الشريف أحمد كلها تهديد وإنذار، كما أتت رسائل إلى أعيان الحجاز ومنها تهديد وإنذار ~~بغارة قوية أثناء الموسم، وذاع خبر هذه الرسائل بين الناس فاضطربوا لها، وترقبوا ~~زحف الشريف أحمد بن غالب مع جماعات من اليمن، # 11 # ولم ير الشريف محسن بدا من الاستنجاد بصاحب مصر، ولكن لما مضى موسم ~~الحج ولم يجئ أحد تبين ms116 للشريف محسن أن الرسائل مكذوبة من بعض الأشراف في الحجاز ~~فهدأت الحالة. # وفي سنة 1102ه تفرقت كلمة الأشراف في الحجاز، وخرجوا إلى الطرقات العامة، وأكثروا ~~النهب والسلب وبخاصة في جهات جدة، واشتدت الحالة على الناس حتى أجمع أمرهم أخيرا ~~على الكتابة إلى السلطان يشكون إليه سوء الحالة وما يقع من الأشراف، وأن العساكر ~~السلطانية لا تطيع أوامر الشريف لتهدئة الحالة، فلم يكترث الباب العالي للأمر، ~~واضطر الشريف محسن أن يتنازل للشريف سعيد بن سعد في سنة 1103ه، فتولى الشرافة للمرة ~~الثانية فسار سيرة عنيفة لا يهاب سلطانا ولا يخضع لقانون، ولم يلبث قليلا حتى ~~جاءه الفرمان من الباب العالي بإقراره في الشرافة، وقد وقعت في البلاد فتن كثيرة من ~~جراء قسوته وسوء معاملته للناس والأشراف، ولما ضج العامة من سوء تصرفه رأى العقلاء ~~أن يكتبوا للباب العالي باستبداله، فوردت عليهم البشائر بتفويض أمر الديار الحجازية ~~لأبيه الشريف سعد بن زيد وأن يكون ابنه الشريف سعيد نائبا عنه، فهدأت الأحوال ~~هدوءا نسبيا. # وفي سنة 1105ه كثر الأشقياء والمفسدون في البلاد فانقطعت الطرق وتفاقم الأمر حتى ~~اضطر الشريف سعد أن يعس في الليل بنفسه مع العساكر إلى أن انقطعت أسباب الفتن، ~~ولم تهدأ الحالة إلا حين جاءت الأخبار بأن الشريف أحمد بن غالب قد هجم على مدينة ~~القنقذة واستولى عليها، وأنه في طريقه إلى مكة، فاستنجد الشريف سعد بالباب العالي ~~فبعث إليه بجيش عليه إسماعيل باشا ومعه محمد باشا صاحب جدة، ولما علم الشريف أحمد ~~بقدومهما كتب إلى الشريف سعد يعلمه بخضوعه للدولة وأنه قادم للحج، وهدأت الأحوال من ~~جديد إلى أن وقعت واقعة بين الشريف سعد وبين محمد باشا صاحب جدة، فكتب هذا إلى ~~الباب العالي يطلب عزل الشريف وتولية الشرافة لعبد الله بن هاشم، ووافق الباب ~~العالي على ذلك، ووقعت حروب وفتن طويلة بين الجانبين انتهت بانهزام الشريف سعد ~~وتولية الشريف عبد الله، وكان هذا على جانب من الحزم والسياسة، وقد أراد أن يسير ~~بالبلاد سيرة رشيدة، ويقضي على الفتن ms117 والثورات كما يقضي على سلطة الأشراف، ولكنه لم ~~يلبث أن هلك في سنة 1113ه بعد أن قضى أربعة أشهر في الحكم، فلما مات طلب الأهلون من ~~الباشا أن يكفيهم شر الشريف أحمد بن غالب الذي أعلن العصيان والفتنة، وبعث يتهدد ~~وجهاء الأهلين، فقال لهم الباشا: دعوا الأشراف يجمعون على واحد منهم يتولى شرافة ~~البلاد، فقالوا له: كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يتفقوا على واحد وكل فرد منهم يطمع في ~~هذا المنصب، والرأي الصواب هو أن يعود الشريف سعد، وهكذا كان، فقد دخل الشريف سعد ~~إلى مكة وتولاها للمرة الثالثة، واستقرت الأمور فترة، ثم عاد الأشراف إلى فتنتهم ~~السابقة، مطالبين برواتبهم وجامكياتهم ومعاليمهم مدعين بأن الشريف سعدا قد حرمهم ~~من ذلك، وساروا نحو الطائف يعيثون فيها فسادا، فضاق بهم الشريف سعد ذرعا، ثم ~~استدعى رؤساءهم وأعطاهم ما يريدون، فهدأت الحالة بعد أن لقي الناس منها عناء ~~كبيرا. # وفي أواخر عام 1113ه رأى الشريف سعد أن يتخلى عن منصبه لابنه سعيد، وكتب بذلك إلى ~~الباب العالي في الأستانة، فجاءته الموافقة، واستقرت الحالة بعض الشيء إلى أن كانت ~~سنة 1115ه فانتفض الأشراف على الشريف سعيد، وتدخل أبوه بينه وبينهم فلم يقبلوا، ~~وبعثوا بعبيدهم ومماليكهم يفسدون في الأرض، وينهبون الأموال ويقطعون السبل، فعاد ~~الشريف سعد للسعي بين ابنه وبينهم وتم له ذلك، وتعهد بأن يدفع لهم من ماله بعض ~~استحقاقاتهم فقبلوا ذلك على شريطة أن يتغاضى عما وقع منهم من أعمال السلب والنهب، ~~فلم يرض الشريف سعد إلا بمحاسبتهم على أعمالهم التي اقترفوها وإقامة الحد الشرعي ~~ورد ما سلبوه، فلما علموا بذلك خرجوا من مكة إلى أن حان الموسم، وأرادوا أن يعبثوا ~~بالحجاج فتصدى لهم سليمان باشا أمير جدة، ونهاهم عن الفساد، ووعدهم بأعطياتهم على ~~شريطة أن يحفظوا الطرق ويؤمنوا قوافل الحجيج، وأبلغ الشريف في مكة ما تعهد لهم به، ~~فوافق الشريف على ذلك، ولكنهم لم يلتزموا ما تعهدوا به. # وقضى الحجاج مناسكهم وهم في غاية الخوف، ولم يستطع أهل مكة أن يحجوا ذلك ms118 العام؛ ~~لأنهم خافوا من الأشراف ومماليكهم الذين شيعوا أنهم سيدخلون مكة ويفتكون بأهلها، ثم ~~إن الشريف بعث إليهم يستدعيهم، فأرسلوا إليه وفدا، وتناقشوا واتفقوا على إنهاء هذه ~~الفتنة التي طال أمدها في محرم سنة 1116ه، ولكن لم يمض وقت طويل حتى عاد الأشراف ~~وعبيدهم ومماليكهم إلى ما كانوا عليه من الفساد، وكيف يستقيم قوم جعلوا الشر ديدنهم ~~والفساد طويتهم، وهم يدعون أنهم أبناء الرسول # صلى الله عليه وسلم # وأنهم رحماء بينهم، وأنهم ~~حملة الخير والحكمة والاستقامة وحفظ الدين؟! وقد كان بلاؤهم في هذه المرة شديدا، ~~وتداخل الجند والأسباهية والانكشارية والأعراب في الحرب واشتد سعيرها، واضطر الشريف ~~سعيد إلى إرسال الوسطاء، وتعهد بدفع مشاهرات الأشراف، فلم يقبلوا وعزموا على الثورة ~~بعد أن ولوا أمورهم الشريف عبد المحسن بن أحمد بن زيد، ووقعت معركة كبيرة بين ~~الطرفين حتى احتمى جماعة الشريف سعيد بمكة، وضاق عليهم الأمر، واضطر الشريف إلى ~~الهرب بنفسه، ودخل الثوار مكة، وأجبروا الشريف سعيدا على أن يتنازل لابن عمه ~~الشريف عبد الكريم بن محمد، وأقره على ذلك جميع الأشراف ما عدا الشريف سعيدا وأباه ~~سعدا؛ فإنهما خرجا مغاضبين، وأخذا يجمعان الأعراب حولهما لمحاربة الشريف عبد ~~الكريم وجماعته، فتمكنا من الاستيلاء على مكة، وتسلط الشريف سعد من جديد على ولاية ~~الحجاز للمرة الرابعة، ولكنه لم يلبث في هذه المرة إلا أياما حتى عاد الشريف عبد ~~الكريم فتغلب عليه، وهلك الناس مهلكة عظيمة من جراء هذه المآسي حتى قتل في إحدى ~~المعارك التي وقعت بين الطرفين نحو من ألف ومائتي رجل، # 12 # وظلت الأمور قلقة حتى أواخر سنة 1116ه حين مات الشريف سعد، واستقر ابنه ~~الشريف سعيد في الشرافة للمرة الرابعة، واستقامت له الأمور فترة، ثم رجع الأشراف ~~ومماليكهم إلى السلب والنهب وكثرت الاضطرابات، وكثيرا ما كانت تتعطل الشعائر ~~الدينية من صلوات وحج، وربما قتل الناس في المسجد الحرام، وباتوا في خوف ووجل ~~شديدين، ومما زاد الأمر اضطرابا حركات «الانكشارية» التي كانت تؤرج النار ضراما ~~وتفسد البلاد، ولا أحد يستطيع الوقوف ms119 في سبيلهم والحد من ظلمهم. # وفي سنة 1117ه رجع الشريف عبد الكريم إلى مكة ومعه عساكر مصر وعساكر الوزير ~~سليمان باشا، ولما وصلوا المسجد الحرام، وفتحت الكعبة، وجدوا القاضي والمفتي ~~والأعيان وأهل المناصب في محلهم على العادة المألوفة، ولما استقر الشريف في مكانه ~~قدموا إليه الكسوة السلطانية وهي مكونة من قفطان - أي جبة بالسمور والفرو - ثم ~~أخذ ينعم على الحاضرين بالكسى والقفاطين والتشاريف، وقرئ الأمر السلطاني بتسمية ~~الشريف عبد الكريم، وهذه هي المرة الثالثة التي يتولى فيها، ولما تمت المراسيم جمع ~~الأشراف وسليمان باشا وشيخ الحرم والقاضي والمفتي وكبار المفتين والعلماء وآغوات ~~العساكر والأعيان، وقال لهم فيما قال: قد شاهدتم ما وقع من التعب والشقاق حتى آل الأمر إلى الحرب، وتعبنا نحن والرعايا، وعمت الفتن، وأصيب فيها الغني والفقير، وذهب ~~بسببها الأموال والرجال، والموجب لهذا كله زيادة المعالم الخارجة عن المعتاد التي ~~عجز عن تحصيلها العباد والبلاد، فكل ملك يتولى، يحصل بينكم وبينه التعب والمشقة ~~بسبب المعلوم، فالقصد منكم أن تنظروا في مدخول البلاد، وتوزعوه أرباعا؛ فثلاثة ~~أرباع تكون بينكم، والربع لي ولجماعتي وعسكري ومهمات البلد، فرضي الجميع بما قاله، ~~وسجل القاضي كلامه في حجة شرعية، # 13 # وتم الصلح وانصرف الجميع إلى أعمالهم، ولم تمض فترة حتى وردت الأنباء ~~بأن الشريف سعيدا قد جمع جموعا من البدو والمماليك يريد بهم مكة، فاستعد له ~~الشريف عبد الكريم، والتقى الجمعان، فتفرق جماعة الشريف سعيد، ورجع الشريف عبد ~~الكريم إلى مكة، وبعث بعض جنده للحاق بالشريف سعيد الذي فر إلى الطائف، فردهم ووطد ~~أمره في الطائف، وجمع جمعا أراد به الزحف إلى مكة، وعلم بذلك الشريف عبد الكريم ~~فعاجله وشتت جموعه واستولى على الطائف، ولكن سعيدا تمكن من أن يستعيدها بعد أن ~~غادرها عبد الكريم، فلم يبق فيها إلا مدة فرض فيها على أهلها بعض المال فأخذه ~~وهرب، وفي سنة 1120ه انضم إليه بعض الأشراف الذين غضبوا من الشريف عبد الكريم، وعزم ~~على الاستيلاء على مكة فردهم الشريف عبد الكريم، إلى أن كانت ms120 سنة 1123ه فجمع جموعه ~~واتجه نحو مكة فدخلها، ووردت الرسل بأن السلطان العثماني قد أنعم عليه بالشرافة ~~فخرج عبد الكريم إلى مصر، أما سعيد فإنه شرع بعد دخوله إلى مكة في توطيد أركانه ~~وإصلاح ما فسد، وسار بالناس سيرة حسنة كأنه يريد التكفير عن سيئاته، وظل على ذلك ~~إلى أن مات في سنة 1129ه، فتولى الأمر من بعده ابنه عبد الله، وسار بالناس في مبدأ ~~أمره أحسن سيرة، ثم ما لبث أن عدل عن النهج القويم، وأفسد البلاد، فتجمع الناس، ~~ونادوا بعزله وتولية أخيه علي في فجر عام 1130ه وكتبوا بذلك إلى السلطان العثماني ~~فوافقهم وهدأت الحالة، ولكنها ما لبثت أن اضطربت للخلاف الذي نشب بين الشريف علي ~~وسائر الأشراف الذين خرجوا من مكة مغاضبين لقطع معاليمهم وعوائدهم المقررة، فلما ~~قدم الحجيج الشامي وأميرهم الوزير الحاج رجب باشا شكوا إليه أمرهم، وأنهم يريدون ~~عزل علي وتولية الشريف يحيى بن بركات، فلما طلبهم وعهد بالأمر إلى الشريف ~~يحيى. # وكان يحيى رجلا حازما قويا سار بالبلاد سيرة حسنة إلى أن كانت سنة 1132ه ~~فتغلب عليه الشريف مبارك بن أحمد، وفي عهده في سنة 1134ه وقعت الفتنة الكبرى بين ~~آغوات الحرم المدني وبين أهل المدينة حتى تحصن الآغوات في المسجد، وأخذوا يطلقون ~~النار على الأهلين من المنائر فتعطلت الصلاة، وقتل من الأهلين جماعات إلى أن عزل ~~الشريف مبارك وتولى الشريف يحيى للمرة الثانية، ولم يلبث في شرافته هذه إلا مدة حتى ~~تنازل عنها لولده الشريف بركات في سنة 1135ه فغضب الأشراف من هذا التصرف وأعلنوا ~~عصيانهم، وذهبوا إلى الشريف مبارك، وانضموا إليه، وحرضوه على إعلان الثورة، فعزم ~~الشريف بركات على تأديبهم وخرج هو وإسماعيل باشا أمير جدة للقائهم والتقى الجمعان ~~في المحرم سنة 1136ه، فانهزم الشريف بركات وجماعته، وانتصر الشريف مبارك، ولقيت ~~البلاد بلاء عظيما من هذه المحنة، وغلت أسعارها، وثارت العامة على الشريف مبارك ~~طالبة إليه أن يترك منصبه، فخرج من مكة وتولاها الشريف عبد الله للمرة الثانية، ~~فأساء السيرة وظلم الرعية، ms121 وفرض على التجار من سكان مكة وجدة والطائف والواردين من ~~جميع الأقطار أموالا جسيمة وضرائب باهظة، وقاسى الناس منه ومن الأشراف ويلات حتى ~~كانت سنة 1140ه فهطلت أمطار كثيرة، ورخصت الأسعار، وكثرت الخيرات، واستراح الناس، ~~واستعادوا بعض نشاطهم، واستمرت الأمور إلى سنة 1143ه وفيها هلك الشريف عبد الله، ~~وتولى مكانه ابنه الشريف محمد، واستمر إلى سنة 1145ه، وكان رجلا حسن الإدارة ~~والسيرة فتصرف بالبلاد وأحسن إلى الحجاج، ولكن الأشراف لم يرضوا عنه فتخلى عن منصبه ~~للشريف مسعود بن سعيد، ولم يبق إلا فترة حتى تنازل عنه للشريف محمد بن عبد الله، ~~ثم اضطر هذا إلى أن يخلع نفسه ويتولى الشريف مسعود، فلقيت البلاد من هذا التنقل ~~بلاء وفوضى، ولما رأى ذلك زعيم الأشراف محسن بن عبد الله تألم له أشد تألم، فسافر ~~إلى الشام مهاجرا مع أمير الحاج الشامي سليمان باشا العظم وهناك مات. # 14 # وقد ظل مسعود في شرافته إلى سنة 1165ه وفيها مات، فتولى الولاية من بعده أخوه ~~الشريف مساعد، وسار بالناس سيرة مضطربة إلى أن جاء الحجاز عبد الله باشا أمير الحاج ~~الشامي في سنة 1172ه فبلغه سوء سيرته وما تقاسيه الناس منه فعزله وولى أخاه جعفرا، ~~فلم يقبل جعفر وظل الشريف مساعد إلى سنة 1184ه فتولى الأمر من بعده أخوه الشريف عبد ~~الله، ولم يطل عهده بل تنازل لأخيه الشريف أحمد، وفي أيامه وقعت الفتنة الكبرى بين ~~الشريف أحمد وبين محسن بك أبي الذهب الذي بعثه صاحب مصر ليعزله الشريف أحمد، ويولي ~~الشريف عبد الله مكانه، فوقعت البلاد في فوضى، وكثر السلب والنهب، وانتشر البدو ~~الذين جاءوا مع الشريف عبد الله في البلاد، وهم يعيثون فيها الفساد وينهبون ~~الأهلين، إلى أن انتصر الجند المصري مع أبي الذهب، ودخلوا مكة والشريف عبد الله ~~يتقدمهم في سنة 1184ه، ولقد لقي الحجاز من أبي الذهب وجنوده تعبا ومشقة؛ فإنهم ~~نهبوا الدور والقصور، وأساءوا معاملة العلماء والوجوه، ولم يتركوا البلاد إلا بعد ~~أن ساءت أحوالها، ولما غادروها اجتمع الأهلون، وخلعوا ms122 الشريف عبد الله وأعادوا ~~الشريف أحمد، وأول عمل قام به هو إحراقه بعض دور الأشراف الذين اتهمهم بإحراق قصر ~~دار السعادة، وهو مقر الشرافة، وبهدم بعض قصور البلد وأبوابها، ولم يكن الشريف أحمد ~~أحسن سيرة من سلفه؛ فقد أباح لجنده نهب بيوت الناس والاستيلاء على أموالهم في مكة ~~وجدة والمدينة، فأفسدوا الحرث والنسل واشتد كرب الأهلين، وعم الغلاء حتى أكل الناس ~~القطط، وشربوا الدماء، ولم تكن حال البوادي خيرا من حال الحواضر، فقد ضج أهلها، ~~وظلت الأمور قلقة إلى سنة 1185ه حين قدم الحجيج المصري الشامي، وأحضرا معهما ~~الأقوات والأقمشة فانفرجت الأزمة، وفي سنة 1186ه ثار الشريف مسرور بن مساعد على عمه ~~الشريف أحمد وأخرجه من مكة بعد أن هزم جنده، واستولى على الشرافة، فذهب عمه يستصرخ ~~القبائل ليعود إلى ولايته، ووقعت بينه وبين ابن أخيه خمس عشرة موقعة # 15 # أهلكت الناس، ولم تنته هذه المواقع إلا في سنة 1193ه حين تغلب مسرور ~~على عمه، وفرق جنده، وقبض عليه أسيرا مهانا في ينبع حيث لم يبق إلا أياما مات ~~بعدها هو وولده، واستقرت الأمور للشريف مسرور فأخذ يعمل على تهدئة الحالة، والضرب ~~على أيدي العتاة والمفسدين وقطاع الطرق، ولما استتب له الأمر عزم على الزواج، فخطب ~~ابنة مولاي محمد سلطان المغرب الأقصى، وزفت إليه في سنة 1193ه مع كثير من ~~الهدايا والتحف، وكانت سنة خير على الأهلين. # وفي سنة 1194ه عزم الشريف على زيارة المدينة المنورة، وكان معه ثلاثة آلاف ~~وخمسمائة جمل ومائتان وخمسون خيالا وخمسة آلاف من العربان وخمسمائة من الأشراف، ~~وكثير من الكراع والأموال، فلما وصل إلى «بدر» ثار أهلها وحاولوا الفتك به وبجماعته ~~فتغلب عليهم وقتل نفرا منهم، ثم سار حتى المدينة فخاف أهلها منه، وأضمروا له الشر ~~لما بلغهم عن قسوته على الرغم من كثرة الأموال التي نثرها عليهم، ووقعت فتنة بين ~~الأهلين والجنود، واضطر الشريف أن يترك المدينة إلى مكة، وساد الهرج والمرج وعمت ~~الفوضى إلى أن هلك في سنة 1202ه. # الفصل الثالث عشر # | المغرب ms123 العربي في شمال إفريقية منذ القرن الثامن للهجرة حتى فجر القرن الثالث ~~عشر # ذكرنا في تأريخ «عصر الاتساق» شيئا عن تاريخ المغرب العربي، والدول التي ظهرت فيه، ~~كما ألممنا بشيء من تاريخ بلاد الأندلس، والدول التي ظهرت فيها منذ الفتح العربي إلى أن ~~خرج منها المسلمون. # 1 # أما بلاد المغرب العربي في القرن السابع للهجرة والقرن الثالث عشر للميلاد، وما ~~يتبعها من جزائر الباليار، فقد كان يتنازع الحكم فيها دولتان عظيمتان، هما: دولة ~~الموحدين ودولة المرينيين، ودولة الحفصيين، فجزائر الباليار كانت خاضعة للملوك ~~الموحدين، وبلاد مراكش كانت تحت سيطرة الموحدين، ثم أخذها منهم المرينيون بعد سنة ~~668ه/1269م، وبلاد الجزائر الغربية كانت تحت سيطرة الموحدين حتى سنة 634ه/1236م، ثم ~~سيطر عليها الحفصيون فالمرينيون بعد سنة 669ه/1270م، وبلاد الجزائر الشرقية وتونس ~~وطرابلس كانت تحت سيطرة الموحدين إلى سنة 628ه/1230م، ثم في سنة 628ه/1230م اختص ~~الحفصيون بتونس. # وما أن جاء القرن الثامن للهجرة، الرابع عشر للميلاد حتى غدت السلطة في تلك الديار ~~كما يلي: # بلاد مراكش: # كانت خاضعة للمرينيين، وقد استطاع الإسبان أن يقتطعوا منها منطقة ~~تطوان في سنة 802ه/1399م. # وبلاد الجزائر الغربية: # كانت منقسمة بين بني زيان، وبني مرين في تلمسان. # وبلاد الجزائر الشرقية وتونس وطرابلس: # كانت خاضعة لسيطرة الحفصيين حتى سنة 748ه/1347م، وفي هذه السنة ~~فتحها المرينيون. # وبلاد برقة: # كانت خاضعة لنفوذ المماليك المصريين. # ولما أطل القرن التاسع للهجرة، الخامس عشر للميلاد كانت بلاد مراكش ~~ما تزال تحت سيطرة المرينيين إلى سنة 870ه/1465م حين سيطر عليها بنو ~~وطاس، وفي سنة 875ه/1470م اقتطع الإسبان منها مدن طنجة وسبتة ~~ومليلة. # وأما بلاد الجزائر: # فكانت موزعة بين بني زيان في إقليم تلمسان، وبني حفص في بعض ~~أقاليمها، ثم استطاع بنو زيان السيطرة عليها كلها. # وأما تونس وطرابلس: # فقد كانت تحت سيطرة الحفصيين. # وأما بلاد برقة: # فكانت خاضعة لبعض شيوخ البدو. # ولما جاء القرن العاشر للهجرة، السادس عشر للميلاد كانت بلاد مراكش ~~كلها خاضعة لبني وطاس، وظلت كذلك حتى سنة 916ه/1510م ثم استطاع ~~الأشراف السعديون ms124 أخذها منهم إلى سنة 962ه/1554م، واستطاع الإسبان ~~السيطرة على عدد من المدن والموانئ. # وأما بلاد الجزائر: # فكانت تحت سيطرة الزيانيين إلى سنة 964ه/1556م، ثم خضعت للنفوذ ~~العثماني التركي. # وأما بلاد تونس: # فظلت خاضعة للحفصيين حتى سنة 941ه/1534م، ثم أخذ يتنازعها نفوذ ~~الإسبان والأتراك العثمانيين إلى أن استطاع الأتراك السيطرة عليها ~~تماما بعد سنة 982ه/1574م. # وأما بلاد طرابلس: # فظلت تحت سيطرة الحفصيين حتى سنة 916ه/1510م، ثم استولى عليها ~~الإسبان إلى سنة 958-959ه/1551م حين استولى عليها الأتراك ~~العثمانيون. # وفي القرن الحادي عشر للهجرة، السابع عشر للميلاد ظلت مراكش خاضعة ~~لنفوذ الأشراف السعديين حتى سنة 1658م، ثم استطاع الأشراف الغلالية ~~السيطرة عليها بعد سنة 1075ه/1664م، كما اقتطع البرتغاليون والإسبان ~~والإنكليز أجزاء منها. # وأما بلاد الجزائر: # فقد ظلت خاضعة للنفوذ التركي إلى أن كانت سنة 1082ه/1671م فاستولى ~~الفرنسيون على مدينة الجزائر، والإسبان على مدينة وهران. # وأما تونس وطرابلس وبرقة: # فخضعت للأتراك العثمانيين تماما. # وفي القرن الثاني عشر للهجرة، الثامن عشر للميلاد، كانت بلاد مراكش ~~خاضعة للأشراف الغلالية في منطقتي فاس ومراكش، كما كانت مناطق مليلة ~~وسبتة خاضعتين للإسبانيين، ومناطق آسفي ومازكان تحت السيطرة ~~البرتغالية. # أما بلاد الجزائر: # فكانت خاضعة للسيطرة العثمانية، ثم استقل «داياتها» بالحكم بعد سنة ~~1122ه/1710م. # وأما بلاد تونس: # فكانت تحت سيطرة البايات الخاضعين للنفوذ العثماني حتى سنة ~~1117ه/1705م، ثم استطاعت الاستقلال عن الدولة العثمانية تحت لواء ~~الأسرة الحسينية منذ عام 1117ه/1705م. # وأما بلاد طرابلس: # فكانت تحت سلطان الأتراك إلى أن كانت سنة 1126ه/1714م فاستقلت بها ~~أسرة القره مانلي تحت إشراف العثمانيين. # وفي فجر القرن الثالث عشر للهجرة، التاسع عشر للميلاد كانت بلاد شمال إفريقية كما يلي: # بلاد مراكش: # كانت تحت سلطان الأشراف الفلالية إلى أن هاجمها الفرنسيون في سنة ~~1260ه/1844م، ثم طردهم الأشراف عنها إلى أن كانت سنة 1912م ففرضوا ~~عليها حمايتهم، وكانت بلاد سبتة ومليلة تحت السيطرة الإسبانية. # بلاد الجزائر: # تحت سيطرة «داياتها» إلى أن كانت سنة 1265ه/1848م فاحتلها ~~الفرنسيون. # بلاد تونس: # كانت تحت سيطرة باياتها إلى أن فتحها الفرنسيون ms125 ~~1301ه/1883م. # وبلاد طرابلس وبرقة: # كانتا تحت سيطرة أسرة القره مانلي، ثم وطد الأتراك العثمانيون ~~سلطانهم فيها إلى أن كانت سنة 1911م فاحتلها الإيطاليون. # هذه نظرة عجلى في أوضاع شمال إفريقية حتى فجر القرن الثالث عشر للهجرة، وسنفصل بعض ~~الحوادث في الجزء الخاص بعصر «الانبعاث» من تاريخ الأمة العربية. # | عصر الانحدار # في التاريخ الاجتماعي والثقافي والأدبي للأقطار الآتية: العراق، الشام، مصر، الجزيرة ~~العربية، المغرب العربي # الفصل الأول # | الحالة الاجتماعية في العراق بعد سقوط بغداد # اضطربت الحالة الاجتماعية في أواخر العهد العباسي تبعا للاضطراب السياسي؛ فقصر ~~الخليفة أضحى مجمعا لأقوام من الحثالات الترك والكرد والفرس والروم والصقالبة، كل ~~يتكلم بلغته ويعمل على بسط نفوذه والقضاء على خصومه، والخليفة المسكين بينهم كالدمية ~~يتلاعبون به ويسيرونه كما يشاءون. # وإذا كانت هذه هي الحالة في القرنين الخامس والسادس للهجرة والخلافة هي الخلافة، ~~والسلطان العباسي على جانب عظيم من القوة، فماذا تكون الحالة في أواخر القرن السابع، ~~وقد اضمحل كل نفوذ عربي أو كاد، وأصبح الخليفة قانعا بمطعمه وملبسه ونسائه وجواريه ~~وغلمانه، ولقد أدى هذا الأمر إلى انزواء المرأة العربية الشريفة ذات الماضي المجيد، ~~والنشاط القوي، وحلت محلها السريات والجاريات من بنات الأتراك والروم والفرس ~~والكرد والصقالبة، وتولى أمر قصور الخلافة وقصور الأمراء والأعيان - وراء ذلك - شراذم ~~من المماليك الترك، فعلت كلمتهم على كل كلمة، وارتفع صوتهم على صوت أسيادهم، واستمر ~~نفوذهم في تعمق حتى صاروا يولون الخليفة ويعزلونه ويقتلونه، وأصبح ولاة العهد وشبان ~~البيت المالك العباسي عشراء المماليك والخدم، فتخلقوا بأخلاقهم، وأفضوا إليهم بأسرارهم ~~وأحوال قصورهم، وصار هؤلاء المماليك سادة القصور وأمراءها الحقيقيين، وكان بلاء هؤلاء ~~القوم يزداد حينما يتولى أحد من هؤلاء الشبان الخلافة أو غيرها من كبار أعمال الدولة، ~~فإنهم كانوا يتصرفون بأعمال هؤلاء الشبان، والخليفة والأمير لا حول له ولا طول، يقضي ~~أوقاته في الصيد واللهو واللعب؛ فهذا الخليفة المستعصم بالله كان حينما تولى الخلافة ~~شابا شديد الكلف باللهو واللعب وسماع الأغاني، لا يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة، ~~وكان ندماؤه ms126 وحاشيته جميعهم منهمكين معه في التنعم والملذات لا يراعون له صلاحا، وكتبت ~~له الرقاع، في أبواب دار الخلافة، فمن ذلك: # قل للخليفة مهلا # أتاك ما لا تحب # ها قد دهتك فنون # من المصائب غرب # فانهض بعزم وإلا # غشاك ويل وحرب # كسر وهتك وأسر # ضرب ونهب وسلب # كل ذلك وهو عاكف على سماع الأغاني، # 1 # وإذا كانت هذه حال الخليفة فإن حالات الأمراء والوزراء والأعيان أقبح ~~وأشنع. # أما مظاهر الترف فقد بلغت حدا يفوق الوصف؛ لأن الأموال التي كانت تجبى لمصالح ~~العامة، أضحت أموالا يتصرف بها الخليفة ومماليكه وأمراؤه، ولا ينفقونها في السبيل التي ~~جمعت من أجلها من كري الأنهار، وفتح الطرق، وعمارة المؤسسات العامة، وخدمة مصالح ~~الشعب، بل أخذوا ينفقونها في شراء الألبسة الثمينة والفراء الغالي والرياش الفاخرة، ~~ويتأنقون في الأطعمة والأشربة وأدواتهما، كما كانوا يغالون في استحضار ما اشتهر بطيبه ~~من ألوان الفاكهة والطيوب والعطور واللحوم والطيور، وكانوا يكنزون الذهب والفضة ~~والحجارة الكريمة، مع أن جماعة الشعب في أشد حالات الضيق والبؤس والعري والمرض والجهل، ~~وقد ذكر المؤرخون أن هولاكو حينما دخل قصر الخلافة وطلب من الخليفة أن يحضر إليه ~~كنوزه ونفائس رياشه وذخائره، كان الخليفة «يرجف من الخوف، ومندهشا لدرجة أنه عاد لا ~~يعلم مفاتيح خزائنه، فأمر أن تكسر الأقفال، فأخرجوا ما يقدر بألفين من الثياب، وعشرة ~~آلاف دينار، ونفائس مرصعات، وجواهر عديدة، فلم يلتفت هولاكو إلى هذه الأشياء، ووزعها ~~على الأمراء الحاضرين، ثم خاطب الخليفة: بأن الأموال الموجودة في سطح الأرض ظاهرة، ~~فنريد أن تبين الدفائن وموضعها وماهيتها، فاعترف الخليفة بوجود حوض مملوء من الذهب في ~~وسط السراي، فأخذوا يحفرون المكان الذي عينه فوجدوه مملوءا من الذهب الإبريز، وكانت ~~كل قطعة منه بزنة مائة مثقال، ثم أمر أن يحصوا حرم الخليفة فوجدوا سبعمائة من النساء ~~والسرايا، وألفا من الخدم.» # 2 # وقد يكون هذا العدد مبالغا فيه، ولكنه على أي حال عدد مخيف، فإن أمة ~~كتب عليها أن تنحط إلى الحضيض يفعل خلفاؤها مثل هذا الفعل، ويقتنون هذه ms127 المئات ~~العديدة من السرايا والخدم والنساء، ويروي المؤرخون أنه كان للخلفاء أسرة مرصعة ~~بالجواهر والآبنوس المنزل بالعاج، وأنهم كانوا ينصبون منائر الذهب وقد أوقدت فيها ~~الشموع، كما أنهم كانوا يزينون غرف قصورهم بالحصر المنسوجة بخيوط الذهب المكللة بالدر ~~والياقوت و... # أما عامة الشعب فكانوا على أسوأ حالة من الفقر والجوع والنقص في الأموال والأنفس ~~والثمرات، يحكم فيهم المماليك والعبيد من شذاذ الآفاق، ويقصى عن الحكم الأشراف وأهل ~~الفضل والعلم، حتى صار من الطبيعي المعتاد أن يصل إلى مناصب الدولة الكبيرة الخطيرة ~~أبناء الأرقاء والسوقة، فقد رووا أن ابن الدرنوس كان حمالا جاهلا توصل إلى أن يكون ~~براجا في بعض أبراج قصر الخليفة المستنصر بالله، وما يزال يرتفع في وظائف الدولة، ~~وما زال يحسن التوصل إلى ولد المستنصر بالله - وهو المستعصم بالله - وكان في زمن أبيه ~~محبوسا، ويتعهده بالخدمة إلى أن جلس على سرير الخلافة، فعرف له حق الخدمة، ورتبه مقدم ~~البراجين، ثم استحجبه، حتى بلغ أن صار إذا دخل الوزير ينهض له ويخلي له المجلس لعله ~~جاء في مشافهة من عند الخليفة، # 3 # وما زال يعظم نفوذه حتى لقبه الخليفة ب «نجم الدين الخاص»، وأرسله الخليفة ~~رسولا عنه إلى هولاكو قبل دخوله بغداد. # فإذا كانت أمور الدولة بين البراجين والسجانين، ومن يعتمدون عليهم من طبقتهم من ~~الحمالين والسوقة، فترقب الزوال القريب لهذه الدولة العجيبة، وليت الأمور وقفت عند ~~إسناد مناصب الدولة إلى المسلمين والنصارى ممن رأيت؛ بل إنها تعدتها إلى اليهود ~~المجرمين، فقد أسند إليهم في عهد الخليفة المستنصر بالله كثير من مناصب الدولة، كما ~~أسند إليهم في عهد ابنه المستعصم عدد من أمهات الوظائف الجليلة، ومن أشهر هؤلاء اليهود ~~ذلك اليهودي الخبيث المعروف بابن صفي الذي لقبه الخليفة ب «سعد الدولة» وسلمه الأمور ~~المالية في الخلافة، وقد استمر هذا اليهودي الماهر في أعماله حتى بعد الاحتلال المغولي، ~~وتقرب من السلطان أرغون بعد أن طرده والي العراق «قطلغ شاه» من وظيفته، فقد رووا أنه ~~بعد أن طرده والي العراق رحل ms128 إلى السلطان أرغون، وما زال يتقرب منه حتى قربه إليه ثم ~~أعاده إلى العراق، ودخل بغداد، وتسلم ديوان الممالك ، وتحكم في أهلها بقسوة وعنف، ~~وسمى أخويه فخر الدولة وأمين الدولة في منصبين من أكبر مناصبها، وقد بلغ من تدجيل سعد ~~الدولة اليهودي مما يرويه عنه بعض المؤرخين المنافقين أنه زار في سنة 688ه مشهد الإمام ~~موسى بن جعفر - رضي الله عنه - وفتح المصحف الموجود في المشهد متفائلا فخرجت له الآية: # يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ~~وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن ~~والسلوى # وأنه استبشر كثيرا بهذه الآية، وأطلق للعلويين والقوام ~~على المشهد مائة دينار، وفي سنة 687ه وصل بغداد جماعة من اليهود من أهل تفليس وقد ~~رتبوا ولاة على تركات المسلمين، فأجروا الأمر على أن لا يورثوا ذوي الأرحام، وأنكر ذلك ~~عليهم الأمير أروق والي العراق، وأمر أن يعمل بمذهب الإمام الشافعي كما كان قديما، # 4 # ولما ضاق الناس ذرعا بتحكم اليهود اجتمع أهل العاصمة في سنة 689ه وكتبوا ~~محضرا بعثوه إلى السلطان أرغون وقد ملئوه طعنا شديدا على سعد الدولة واليهود، ~~وضمنوه آيات من القرآن والأحاديث مما جاء ضد اليهود، وختموا ذلك المحضر بقولهم: وإن ~~اليهود طائفة قد أذلهم الله تعالى، ومن حاول إعزازهم أذله الله عز وجل، ولما علم سعد ~~الله بالمحضر بعث إلى السلطان أرغون يطلبه، فأرسله إليه، ثم شرع في التنكيل بمن وقعه من ~~الأعيان والوجوه والأشراف. # وقد ظل نفوذ اليهود قويا إلى أن هلك أرغون وقتل سعد الدولة وقبض على إخوته ~~وقتلوا شر قتلة، ولما تم هذا العمل، وتخلص الناس من شرورهم انتهزت العامة هذه الفرصة ~~فأقدمت على دكاكين اليهود وبيوتهم فأحرقتها، وبلغت هذه الأخبار سائر مدن العراق؛ ففعل ~~الناس فيها ما فعله أهل العاصمة بيهودها، وقد حفظ لنا التاريخ مقطوعات تتضمن استياء ~~عامة الناس وخاصتهم من أعمال هؤلاء المجرمين، وإليك بعض هذه المقطوعات: # يهود هذا الزمان قد بلغوا # مرتبة لا ينالها فلك # الملك فيهم والمال عندهم # ومنهم المستشار والملك # يا معشر ms129 الناس قد نصحت لكم # تهودوا قد تهود الفلك # فانتظروا صيحة العذاب لكم # فعن قليل تراهم هلكوا # فأنت تقرأ من وراء كلمات هذه المقطوعة شدة نقمة الناس، لا على اليهود؛ بل على أولئك ~~القادة والأمراء والملوك الذين قدموهم، واستعانوا بهم، وأبلغوهم معالي الأمور وأعالي ~~الرتب حتى صار الملك ومستشاره وقواده طوع أيديهم، فلا سبيل للناس إلا أن يتهودوا بعد أن ~~تهود الكون والفلك نفسه، ولكن أنى لهم أن يعلوا والله سبحانه قد أذلهم، ولا بد للناس ~~من أن يأتيهم نصره، ويأخذ اليهود المجرمين أخذ عزيز مقتدر، فقد كتب عليهم الذل والمسكنة ~~وباءوا بغضب منه، ولن يكون حالهم اليوم في دويلتهم الهزيلة التي أوجدوها في فلسطين ~~الحبيبة، إلا كحالهم بالأمس فلن يقوم لهم ملك، ولن تنتظم لهم دولة مهما تعالوا ومهما ~~سموا. # ذلك ما كانت عليه العاصمة الإسلامية - بغداد - وذلك ما كانت عليه مدن الدولة ~~العباسية من أقصاها إلى أقصاها قبل دخول التتار، وعقبه من تحكم السوقة واليهود وأبناء ~~الجمالين والبراجين في أمور الدولة. # أما حالة الشعب من عري ونوائب صحية وطواعين وأوبئة وفقر وجهل، فحدث بها بما شئت ~~ولا حرج، وقلما كانت تمضي خمس سنوات دون أن يحدق بالبلاد جميعها طاعون أو وباء، أو أن ~~تصيبها جائحة سماوية تأتي على الأخضر واليابس، وترتفع الأسعار، ومن أفظع ما حدثنا ~~التاريخ به عن هذه الحقبة ما حدث سنة 684ه فقد غلت أسعار الخبر غلاء فاحشا حتى بيع كل ~~ثلاثة أرطال بدرهم، وحتى باع الفقراء أولادهم وبناتهم، وألقت النساء بنفوسهن في دجلة من ~~الجوع، وقد حدثنا التاريخ أيضا أن امرأة جاعت وجاع أولادها، وسألت الناس فلم يعطوها ~~شيئا، فوضعت نفسها وأولادها في جوالق ودفعته إلى دجلة فالتهمه، وقد استمرت هذه الحال ~~نحوا من سنة حتى أكل الناس عروق القصب والبردي وأوراق الحلفاء وأعشاب الأرض، # 5 # وقد قاسى العامة بل الخاصة من الويلات ما يشيب الطفل من روايته فكيف ~~بالوقوع فيه، ولم تكن تلك حالة عابرة مرت على العراق أيام فتنة هولاكو ثم ذهبت ~~بذهابه، ms130 بل إنها كانت كثيرا ما تقع بين الفينة والفينة، وليس هذا بغريب بعد أن تحكم ~~التتار في البلاد، واستولوا على خيراتها، وقضوا على موارد الثروة فيها، ولما ذهبوا عن ~~البلاد خلفهم التركمان، ولم يكونوا إلا أسوأ حالا وشرا في أفعالهم، فقد رأيت في ~~القسم السياسي من هذا الكتاب أن كثرة السلاطين التركمان من البايندرية والبارانية كانت ~~لا تعرف الرحمة ولا تحس بآلام الشعب، وإنما كان همها أن تأكل في صحاف الذهب، وتتمتع بما ~~تستطيع من المتع، وعلى الشعب العربي النبيل أن يتحمل، وأن يقدم لها ولأمرائها وحاشيتها ~~من شذاذ الآفاق الذهب والفضة والطعام والشراب والكساء والزينة، ولو حرم الشعب من ~~ضروريات الحياة، فكم ماتت أطفال من الجوع، وكم استعبدت شريفات من الفاقة، وكم اشتغل ~~فلاحون وحصادون حتى يقدموا للأمير أو الوزير المغولي أو التركماني أو العجمي الطعام ~~الشهي، والكساء البهي والعيش الهني، فقد روى أكثر مؤرخي العراق في هذه الحقبة أنه في ~~سنة 670ه لمع نجم الخواجة شرف الدين هارون ابن الصاحب شمس الدين الجوني، وهو شاب عجمي ~~من أسرة خدمت الدولة المغولية، وسمت به وظائف الدولة حتى صار يلقب بحاجب ديوان ~~الممالك في العراقين، وطمحت نفسه إلى أن يتزوج بحفيدة الخليفة المستعصم بالله، فتم له ~~ما أراد، ويقال: إنه قد عرض عليها مهرا لا يكاد يصدق العقل وقوعه، وهو مائة ألف دينار ~~فقبلت أمها به على شريطة أن يكف عن شرب الخمر فقبل بذلك، وقد عجب المؤرخون لهذه الحادثة ~~حتى قال ابن أبي عذيبة في تاريخ دول الأعيان وكان صداقها مائة ألف دينار، وهذا ما سمع ~~بمثله إلا لملك، فإن القائم بأمر الله أصدق خديجة السلجوقية مائة ألف دينار، وكذلك ~~المكتفي بالله زوج ابنته زبيدة بالسلطان مسعود بن محمد ملكشاه على صداق مائة ألف دينار، # 6 # فهل جمعت هذه الآلاف المؤلفة من دنانير الذهب من غير الفلاحين والبائسين، ~~والسوقة المعوزين الذين كانوا يعطون أموالهم عن يد وهم صاغرون. # ومن الأمور التي يلاحظها المرء أثناء تتبعه لحوادث العراق في هذه ms131 الفترة أن الأخلاق ~~العامة قد فسدت فسادا بارزا على وجه العموم، فقد كثر الدجالون والأفاكون والأشرار ~~والمفسدون، وخصوصا الذين كانوا يسمون أنفسهم «الشطار» الذين كانوا يعيثون في ~~البلاد فسادا، وينضم إليهم طبقات من الجهال وأهل الاحتيال فيزداد شرهم، ويلقى ~~المستورون وأصحاب السكينة والفضيلة منهم كل شر، وربما فرضوا على بعض الناس الفرائض، ~~وطالبوهم بجعالات وضرائب، فإن دفعوها نجوا من شرهم، وإلا هددوهم بالقتل والحرق، وسلب ~~الأولاد والتعدي عليهم، وكم حرقوا من بيوت وأفسدوا من زروع، ورجال الشرطة وضابطة الأمن ~~وأهل الاحتساب لاهون ساهون، أو أنهم كانوا يخافونهم فلا يستطيعون إيقاف أعمالهم المريبة ~~أو الشائنة، أو الحيلولة دون جرائمهم الشيطانية الغريبة التي كانوا يؤذون بها الناس ~~ويفسدون عليهم أعمالهم، والحق أن موجة الفساد قد انتشرت في البلاد عامة بعد احتلال ~~المغول، فكثر الغش وعم الفساد ومرضت الضمائر، وهذا أمر طبيعي بعد أن تحكم الأشرار في ~~أمور الدولة، وصار الأمناء والمخلصون منزوين، وأضحى الموظفون الشرفاء لا يستطيعون ~~الاستمرار في أعمالهم بما تقتضيه المصلحة العمومية، ولا يستطيعون البقاء في عملهم؛ إما ~~خوفا من الأشرار أو مجاراة لهم، والعواصم والمدن الكبرى في العادة تكون مألفا لهم ~~ولأمثالهم في أيام العزة والسلطان القوي النفوذ، فكيف بها في أيام الفتن والويلات ~~والحروب والسلطان الضعيف الذي يتحكم فيه من لا أخلاق لهم ولا دين يردعهم؟! # أما حالة الأسرة فلم تكن أفضل من غيرها، وقد أخذت كثير من عراها تتفكك، وتسوء بانحطاط ~~شأن المرأة العربية بعد أن حلت محلها الجواري، وطغت عليهن طغيانا فظيعا، وعلى الرغم ~~من أن الجواري قد كن سيطرن على المنزل العربي منذ العهد العباسي الأول بسبب كثرة ~~الرقيق، فإنه قد كان أيامئذ شيء من العزة القومية وقوة الدولة يمنع الناس من الانصهار ~~المطلق في البوتقة الأعجمية، أما في هذا العصر الذي نؤرخه فقد انحل كل شيء عربي حتى لم ~~يكد يبقى له من أثر، وساءت الأسرة، وانحطت عقلية المرأة، وبانحطاطها انحط مستوى ~~أولادها، وفسدت حالاتهم العامة. # أما من ناحية العلم والمعرفة والمشاركة في التوجيهات ms132 الاجتماعية والثقافية: فلم تكن ~~حالة المرأة أفضل، بعد أن كانت لها مكانة مرموقة في ذلك منذ فجر العصر العباسي حتى ~~أواخر القرن السادس للهجرة، فكم ظهرت منهن فواضل بوارع في الأدب والعلم والسياسة ~~والحرب، أما في هذا العصر فقد ساءت أحوالها بشكل خطير، وانحصر علمها في حفظ شيء من كتاب ~~الله وبعض المعلومات الساذجة، والإلمام بكثير من الخرافات والجهالات، وهكذا انحط ~~مستواها العقلي، وفقدت سجاياها العربية الكريمة من عزة النفس والاستقلال في التفكير، ~~وصار الرجل يقسو في معاملتها، ويمنعها من الخروج إلى المجامع العامة، ويسدل عليها ستار ~~الجهل، ويشدد عليها في الحجاب والانزواء عن مجالس العلم، وحلقات الأدب، التي كانت ~~تغشاها في العصور السابقة منذ عصر الانبثاق. # الفصل الثاني # | الحالة الثقافية في العراق بعد سقوط بغداد # معلوم أن الثقافة العربية الإسلامية قد ارتقت في العصر العباسي رقيا عظيما في كافة ~~الفروع من دين وفلسفة وطب وأدب وخطابة كما بينا في الجزء الخاص بتاريخ تلك الحقبة ~~الزاهرة، فلقد كانت الجوامع والمدارس ومجالس الخلفاء مهوى قلوب الأئمة العلماء، كما كان ~~للخلفاء العباسيين الأولين فضل كبير في نشر العلم لا في العاصمة الإسلامية الكبرى ~~بغداد وحسب؛ بل في كافة أرجاء دولة الخلافة، أما بغداد: فقد غدت في عهدهم طوال خمسة ~~قرون جنة العالم، سواء في حضارتها أو في معاهدها أو في رجالاتها العلماء الأفذاذ الذين ~~خرجتهم وفاخرت بهم في كافة نواحي العلم والأدب والفن. # ولقد استمرت هذه الثقافة تسير صعدا منذ القرن الثالث للهجرة على الرغم من الضعف ~~الذي كان يعتور الأمور السياسية في القرنين العباسيين الرابع والخامس حين غلب الأعاجم ~~والأتراك على أمور الدولة؛ لأنهم اعتنقوا الإسلام، وتعلموا لغته، وأتقنوا آدابها، ~~واهتموا بالثقافة العربية على اعتبار أنها ثقافة إسلامية، فبذلوا وسعهم في ترقيتها، ~~وتوسيع أطرافها، وظلت الحركة العلمية قوية نشيطة حتى في أواخر العهد العباسي، كما ~~أسلفنا، سواء في نواحي العلم أو في الأدب أو في الفنون، فلما نكبت البلاد بالغزو ~~الجاهلي المغولي، واجتاحتها سيوله المخيفة الحمقى، أصاب بغداد ما أصابها من ms133 هولاكو ~~وصحبه؛ من تقتيل العلماء، وإحراق دور الكتب، وتهديم مدارس العلم ومعاهد الأدب، على أن ~~هذا الطاغية قد استبقى بعض العلماء ممن كانوا يجيدون لغته أو يتقنون علوم الفلسفة ~~والرياضة والطبيعة التي كانت تعجبه، فأخذهم معه إلى عاصمة ملكه، وأمرهم أن يرصدوا له ~~الكواكب، ويؤلفوا له في الحكمة والفلسفة والعلوم العقلية، ولولا أن رحم الله العلوم ~~العربية والإسلامية برجل فاضل كان معه في حملته، وهو نصير الدين الطوسي الفيلسوف ~~المعروف، لكانت نكبة العراق والإسلام جد فظيعة، فقد اهتم هذا العالم الفيلسوف الفارسي ~~بدور العلم في العراق وحماها، وصان كثيرا من أهلها من الإبادة، وكان كثيرا ما يتردد ~~عليها، ويتصفح أحوال أوقافها، وأمور مساجدها، ودور العلم والربط، # 1 # ففي سنة 672ه، أقام النصير الطوسي ببغداد فترة ينظر في أمور الوقوف ~~الإسلامية، وإعادة توزيع الطعام على الفقهاء والمدرسين والصوفية المنقطعين لطلب العلم ~~والزهد، وقد أطلق لهم المشاهرات، وقرر القواعد في أمور الأوقاف، وأصلحها بعد اختلالها، # 2 # على أن هناك شخصا ثانيا اهتم بالنواحي العلمية بعد نكبة بغداد وهو ~~الوزير مؤيد الدين العلقمي، وهو الوزير الذي سقطت بغداد في عهده وعلى يديه، ولعله ~~أراد بهذا الاهتمام العلمي أن يكفر عن بعض ذنبه، ويبعد عنه المزاعم التي شاعت عن ~~مشاركته في المؤامرة ضد الخلافة الإسلامية، فقد رووا أنه أخذ يهتم بدور العلم، وينفق ~~على من بقي من أهله، ويعمر ما تهدم من دوره، ويروي ابن الغوطي في تاريخه عنه أنه عين ~~شهاب الدين بن عبد الله صدرا للوقوف، وتقدم إليه بعمارة جامع الخليفة وكان قد أحرق، ~~وكذا مشهد موسى الجواد، ثم فتح المدارس والربط وأثبت فيها الفقهاء والصوفية، وأجرى ~~عليهم الأخباز والمشاهرات. # 3 # وقد كان ابن العلقمي هذا أديبا عالما بارعا بالآداب العربية والدين، وكانت عنده ~~خزانة كتب كبيرة فيها عشرة آلاف مجلد، وكان يجمع حوله العلماء ويحسن إليهم، ومن أشهرهم ~~موفق الدين عبد القاهر بن الغوطي مؤرخ بغداد المشهور، وموفق الدين القاسم بن أبي ~~الحديد الأديب الكاتب شارح نهج البلاغة، وقد ألفه باسمه، ms134 والإمام الصاغاني اللغوي ~~الأديب المعروف وقد ألف كتابه «العباب» باسمه، والمؤرخ المشهور علي بن أنجب السلامي ~~المعروف بابن الساعي خازن دار كتب المستنصرية، وأحد كبار مؤرخي بغداد، وغيرهم من ~~الأئمة الأجلاء . # ومن الفضلاء الذين أعادوا إلى العراق شيئا من نشاطه العلمي في هذه الحقبة المظلمة: ~~الوزير العالم علاء الدين عطاء ملك بن محمد الجوني، وقد تولى العراق في ذي الحجة سنة ~~657ه وهو من أسرة فارسية عريقة عالمة، وهو أخو الصاحب شمس الدين الجوني وزير هولاكو، ~~وقد استقر في ولاية العراق نحوا من اثنتين وعشرين سنة 657-681ه فرعى أهل العلم، وحاول ~~إعادة الحياة الثقافية الزاهرة إلى العراق في عهده، وكان بالإضافة إلى هذا عالما ~~ومؤرخا ومؤلفا، من أجل آثاره كتابه الفارسي المشهور «جهان كشاي جوني» وهو من أوثق ~~مصادر تاريخ المغول ودولتهم في العراق. # أما المدارس ودور العلم وخزائن الكتب وربط الصوفية فقد أصابها بلاء كبير، وأضحت في ~~بغداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة بعد أن كانت تتجاوز المئات؛ لأن الناس كانوا منذ ~~عصر الازدهار يتقربون إلى الله وإلى أولي الأمر ببناء دور العبادة والعلم، أو وقف خزائن ~~الكتب، وإشادة دور الحكمة والمدارس ووقف الوقوف عليها، وعلى طلاب العلم فيها، ومن ~~المدارس العظيمة التي بقيت في تلك الحقبة ولم يصبها تلف كبير: النظامية الكبرى، ~~والمستنصرية والبشيرية، وهي من أجل مدارس الإسلام، وقد رأينا عناية نصير الدين الطوسي ~~بأمر هذه المدارس وأوقافها، وتوليته أهل الخير والفضيلة عليها، ومما هو جدير بالذكر ~~أيضا أنه لم يمض وقت حتى عادت حركة إشادة المدارس والربط من جديد بعد النكبة بفترة غير ~~طويلة، فقد شيدت مدارس جليلة منها: المدرسة العصمتية، التي أمرت ببنائها السيدة عصمة ~~الدين زوج الصاحب علاء الدين عطا ملك الجوني بجوار مشهد عبيد الله في ظاهر بغداد، ~~وجعلتها للطلاب على المذاهب الأربعة، ورتبت إلى جوارها رباطا للصوفية، وقد تكامل ~~بناؤها في عام 671ه وغدت من أجل مدارس الإسلام فخامة وأوقافا. # وفي سنة 666ه أمر الصاحب علاء الدين نفسه ببناء رباط كبير جوار ms135 مشهد الإمام علي رضي ~~الله عنه، وشرط أن يجاور فيه زوار المشهد المبارك، ووقف عليه الوقوف، ومنح المجاوزين ~~هبات ومنحا كثيرة، وفي سنة 680ه أمر «قطلغ شاه» ببناء رباط للصوفية جوار المشهد الخاص ~~لسلمان الفارسي، وشرط أن يقيم فيه المجاوزون بالمشهد السلماني، ووقف عليه وقوفا، وجعل ~~له أموالا كثيرة ... وهكذا أخذت بغداد تستعيد حركتها العلمية والدينية على الرغم من ~~قسوة ما أصابها من هدم المعاهد، وفقدان المكاتب، ومهاجرة العلماء إلى الأقطار المجاورة ~~كالشام ومصر، ومما هو جدير بالذكر أن العلوم قد انتعشت بعد فترة قصيرة من النكبة، كما ~~ازدهرت الفلسلفة والفنون والصناعات؛ لأن بعض ملوك الدولة المغولية كانوا يحبون الفنون ~~ويشجعون أهلها، يذكر ابن الغوطي في تاريخه في حوادث سنة 683ه أن فيما اشتهر ببغداد أن ~~عز الدولة اليهودي - وهو الفيلسوف المعروف بابن كمونة - صنف كتابا سماه: «الأبحاث عن ~~الملل الثلاث» تعرض فيه لذكر النبوات، وقال ما نعوذ بالله من ذكره، فثار العوام وهاجوا ~~واجتمعوا لكبس داره وقتله، فركب الأمير تمسكاي شحنة العراق - أي صاحب الشرطة - ومجد ~~الدين بن الأثير وجماعة من الحكام إلى المدرسة المستنصرية، واستدعوا قاضي القضاة ~~والمدرسين لتحقيق هذه الحال، وطلبوا ابن كمونة، واتفق ذلك اليوم يوم جمعة، فركب قاضي ~~القضاة للصلاة، فمنعه العوام فعاد إلى المستنصرية، فخرج ابن الأثير ليسكن العوام ~~فأسمعوه أقبح الكلام، ونسبوه إلى التعصب لابن كمونة والذب عنه، فأمر الشحنة بالنداء في ~~بغداد بالمباكرة في غد إلى ظاهر السور لإحراق ابن كمونة، فسكن العوام، ولم يتجدد بعد ~~ذلك له ذكر، أما ابن كمونة فإنه وضع في صندوق مجلد وحمل إلى المحلة، وكان ولده كاتبا ~~بها فأقام أياما وتوفي هناك، # 4 # فلا شك في أن رجال الدولة وعلماءها قد أقلقهم أن يصاب هذا العالم الفيلسوف ~~أو أن تفتك به العامة؛ فلذلك لجئوا إلى هذه الحيلة فأنقذوا حياته، وفي هذا دليل الحرص ~~على العلماء من أي المذاهب والنحل كانوا، ولو كانت في مؤلفاتهم مخالفة لعقائد الجمهور، ~~وإذا كان هذا حرص رجال الدولة على عالم من ms136 علماء اليهود فكيف يكون مع العلماء المسلمين ~~الذين نبغ في هذه الآونة منهم: المهندس البارع نور الدين علي بن تغلب بن أبي الضياء ~~البعلبكي الساعاتي 601-683، وكان مشهورا بعلم الهيئة والنجوم وعمل الساعات الفلكية، ~~والمباحث الهندسية، وهو الذي عمل الساعات المشهورات على باب المدرسة المستنصرية. # والطبيب البارع الأشهر شمس الدين بن الصباغ (؟-683)، وكان فاضلا في علم الطب ~~والحيوان والنبات، وقد مات وله من العمر 106 سنوات وخلف كتبا كثيرة في فنونه. # والفيلسوف المتأله برهان الدين محمد بن محمد النسقي 600-687، وكان أوحد رجال زمانه في ~~علمي الخلاف والفلسفة، وقد أقام ببغداد يفيد أهلها بعد النكبة، وتخرج به جمهرة من ~~رجالاتها كابن الغوطي المؤرخ، وهارون بن الصاحب الوزير الجوني وغيرهما، وله آثار ~~عديدة. # والرياضي الفقيه مظفر الدين أحمد بن نور الدين البعلبكي الساعاتي (؟-694)، وهو ابن ~~المهندس السابق ذكره، وكان مثل أبيه في علوم الرياضة والهندسة، كما كان بارعا بعلوم ~~الخلاف والأصول والفقه، وله كتاب مشهور هو «مجمع البحرين»، وقد ألفه في الفقه على ~~قواعد لم يسبقه إليها مؤلف. # ونحن إذا رحنا نتتبع سيرة الفضلاء من أئمة العلوم الحكمية والفلسفية في هذه الفترة ~~عددنا الكثير، ولكننا نكتفي بهذا الذي أوردنا، أما العلوم الإسلامية: فقد حفظ لنا ~~التاريخ ذكر جمهرة من الفحول السنة أو الشيعة أمثال: أبي المناقب محمود بن أحمد ~~الزنجاني (؟-656)، وكان رئيس الفقهاء الشافعية ببغداد وقاضي قضاتها، برع في علوم الفقه ~~والخلاف والأصوليين والتفسير والحديث. # وعز الدين عبد الرزاق بن أبي بكر الرسغي 589-661 شيخ الحنابلة، وكان بارعا بعلوم ~~الحديث والتفسير، وصنف تفسيرا للقرآن جيدا سماه رموز الكنوز، وكان شيخ الجزيرة في ~~عهده، وولي مشيخة دار الحديث بالموصل. # وعفيف الدين علي بن عدلان الربعي الموصلي 583-666، وكان علامة زمانه في الدين ~~والعربية، وكان من أذكياء بني آدم، وأحد الأئمة الأعلام في كل الفنون، وله مؤلفات وآثار ~~مشهورة. # وجمال الدين يوسف بن عبد المحمود المقرئ البغدادي (؟-726)، وكان أديبا فقيها ~~ونحويا متقنا، وكان يلقب بنحوي العراق، وكان من أعظم أهل زمانه في علوم ms137 العربية ~~والشعر والرواية والفقه. # والعلامة ابن المطهر الحلي الحسن بن يوسف 648-726، وكان إمام الشيعة في زمانه، ~~وعليه معولهم في الفقه والكلام والأخبار، ومؤلفاته عندهم في الأوج، وهو الذي حبب المذهب ~~الشيعي إلى السلطان المغولي خدابنده فاعتنقه. # وجمال الدين عبد الله بن محمد بن العاقولي الواسطي 638-727، وكان محدثا فقيها ~~بارعا بالعربية، درس في المدرسة المستنصرية مدة طويلة وتولى قضاء القضاة، وأفتى إحدى ~~وسبعين سنة، وإليه انتهت رياسة الفقهاء في عصره، ولا يزال جامعه في بغداد إلى أيامنا ~~هذه. # وتقي الدين عبد الله بن محمد الزريراتي البغدادي الحنبلي 668-729، وكان فقيه العراق، ~~ومفتي الآفاق في زمانه، برع في أصول الدين والحديث والتاريخ والعربية، وكان الفقهاء من ~~سائر المذاهب يستفيدون منه حتى ابن المطهر الحلي. # هؤلاء نفر من أئمة العلم في هذه الحقبة من العصر المغولي، وإليهم يرجع الفضل في إعادة ~~العراق إلى شيء من رونقه الثقافي القديم. # هذا ما كان عليه الوضع في العصر المغولي، أما في عهد الجلايرية: فقد تقهقرت الحالة ~~السياسية تقهقرا ملموسا، كما رأيت في الفصل الخاص بذلك، وكذلك تقهقرت الحالة العلمية، ~~ومن المعروف أنه لا علاقة قوية بين السياسة والعلم، فقد تكون السياسة مضطربة مع أن ~~النواحي العلمية مزدهرة، كما كان الحال في عصري الانحلال والانحدار، ولكن يجب أن نلاحظ ~~أن النشاط العلمي في تلك العصور كان نشاطا امتداديا لحركة علمية قوية سابقة، فلم ~~تستطع السياسة أن تؤثر في ذلك النشاط، أما الحالة في العصر الجلايري: فقد كانت مختلفة ~~عما ذكرنا؛ لأن النشاط العلمي كان ضعيفا في أواخر العصر المغولي، فلما جاء العصر ~~الجلايري، واضطربت السياسة اضطربت بها الحالة العلمية، بل أخذت تتدهور بشكل مزر ومؤلم؛ ~~لأن الناس أخذوا يفتشون عن الأمن والغذاء والكساء قبل أن يفتشوا عن الفلسفة والعلم ~~والحكمة والأدب، على أن الدين الإسلامي كان له الفضل في الإبقاء على شيء من الحركة ~~العلمية والنشاط الأدبي، فقد ازدهرت علومه من فقه وحديث وأصول وخلاف، وعمرت بعض المدارس ~~الدينية والجوامع، واستتبع ذلك نشاط نسبي في ms138 علوم العربية، ومن المعاهد العلمية ~~المشهورة في هذا العصر: مدرسة الوالي الخواجة مرجان بن عبد الله، وكان من الولاة ~~الفضلاء الأخيار، شاد في بغداد سنة 758ه مدرسة عظيمة ما تزال آثارها باقية في ~~بغداد، وهي من آيات الفن المعماري والريازة العربية البارعة، وقد كانت أشبه بالجامعات ~~الكبرى ، وشيد إلى جانبها دار شفاء للمرضى وسمى لها الأطباء والكحالين. # 5 # ومدرسة الخواجة مسعود بن سديد الدولة منصور بن أبي هارون الشافعي، وكان من وجوه ~~بغداد، شيد هذه المدرسة لأهل المذاهب الأربعة على نمط المدرسة المستنصرية، وما تزال ~~إلى أيامنا هذه تشهد بعظمة بنائها. # وهناك عدد من الجوامع والربط والخوانق التي شادها أهل الفضل، ووقفوا عليها الوقوف ~~الدارة، وسموا لها الأساتذة والمدرسين والمعيدين، ومما هو جدير بالذكر أن الآداب ~~الفارسية والتركية قد ازدهرت في العراق، كما دخلت بعض الكلمات الفارسية والتركية بكثرة ~~في اللغتين الخاصية والعامية، وقد كان للشاعر الفارسي المشهور خواجو الكرماني كمال ~~الدين محمود بن علي (؟-753ه) أثر كبير في نشر الآداب الفارسية، فقد قدم إلى العراق، ~~وأقام في بغداد فترة، التف حوله فيها الأدباء والمتصوفة، وتعلموا الفارسية ونظموا ~~بها. # ومن الفضلاء الفرس الذين قدموا العراق في هذه الفترة الخواجة سلمان الساوجي (؟-777ه)، ~~وهو من الشعراء المعروفين، ولحوادث العراق وأخبار رجاله في هذه الحقبة ذكر كثير في ~~ديوانه. # وقد ظهر في هذا العصر نفر من العلماء المشهورين أمثال: صفي الدين عبد المؤمن بن عبد ~~الحق البغدادي الحنبلي (؟-739ه)، وجلال الدين محمد بن عبد الرحمن العجلي القزويني ~~(؟-739ه)، ونجم الدين سليمان بن عبد الرحمن النهرماوي (؟-748ه)، وصفي الدين عبد العزيز ~~بن سرايا الحلي الشاعر (؟-750ه)، وتاج الدين علي بن سنجر ابن السباك البغدادي (؟-750ه)، ~~ومحمد بن الحسن بن يوسف المطهر الحلي (؟-771ه)، ومحمد بن محمد غياث الدين العاقولي ~~(؟-797ه)، وزين الدين عبد الرحيم بن الحسن العراقي الكردي (؟-806ه). # هؤلاء هم النفر المشهورون في بغداد والبلاد العراقية في القرن الثامن من علماء ~~العربية والدين والأدب، أما في القرن التاسع: فقد أصاب العراق جهالة ms139 طخياء، ولولا بعض ~~المدارس القديمة والأئمة الأعلام من شيعة وسنة لما بقي للعلم أثر ولا للثقافة خبر، ولم ~~نعد نرى في هذا العصر أثرا للفنانين أو الخطاطين الذين كنا نجدهم من قبل، كما لم نعد ~~نرى جماعة تعني ببناء المدارس العلمية والمعاهد الدينية اللهم إلا نادرا. # والحق أن العراق العزيز لم يمر بفترة قضي فيها على النشاط العلمي طوال تاريخه، مثل ~~أواخر القرن التاسع، فقد تحكم فيه الأعاجم تحكما فظيعا كما رأيت، وكسدت سوق العلم ~~والأدب والفنون، وكيف يعمل قوم على نشر العلم والعربية وهم جهال سخفاء، يكرهون ~~العروبة. # ولقد زادت نكبة العراق حينما انتشر أمر المشعشعين، وسيطروا على العامة، وهم قوم ~~جهال مفسدون عطلوا شعائر الإسلام، وتعلقوا ببعض الأقوال المبرقشة، حتى ادعى أحد ~~شيوخهم أن روح الإمام علي عليه السلام قد حلت فيه، وأنه هو الله تعالى ... إلى آخر ما ~~هنالك من الأباطيل التي أقصت الناس عن النهج العقلي القويم، أضف إلى ذلك انتشار طائفة ~~من الباطنية المخربين الذين يعرفون بالفرقة «الحروفية» التي جعلت نصوص القرآن عبارة عن ~~رموز وإشارات وحروف، وحرفت ألفاظ القرآن عما وردت فيه، وبدلوا معاني كلماته، فرفعوا ~~التكاليف وألغوا الفرائض والأحكام الشرعية، وطغت على الناس بسببهم أمواج من الجهل ~~المطبق، والمنطق الأخرق. # ولا يعرف العراق في القرن الثامن مدة اشتنشق فيها عبير العلم، ونعم بتنشيط أمرائه ~~سوى فترة قصيرة هي أيام السلطان حسن الطويل، فقد كان كما أسلفنا - سلطانا عادلا ~~عالما، محبا للعلم ولأهله، مجالسا للعلماء والأدباء. # ومما هو جدير بالذكر أن للمذهب الشيعي ولمدارسه العديدة في النجف الأشرف والحلة ~~الفيحاء أثرا كبيرا في حفظ تراث الأدب والعربية وعلوم الإسلام في هذه الحقبة، ومن ~~أفاضل العلماء والأدباء الذين كان لهم فضل كبير في إحياء الجذوة الأدبية: أبو عبد الله ~~المقداد بن عبد الله الأسدي الحلي (؟-829) وأحمد بن محمد بن فهد الحلي (؟-841). # أما بعد، فهذه حالة العراق العلمية، وهي كما ترى حالة لا تسر كثيرا، ولولا أن الله ~~قد حفظ العلم والأدب والعربية في هذا العصر ms140 بأقطار أخرى كالشام ومصر والمغرب لكانت ~~النكبة أعظم، ولكن الله سلم. # الفصل الثالث # | الحالة الإدارية في العراق بعد سقوط بغداد # دخل هولاكو بغداد وفعل فيها ما فعل، فانقرضت الدولة العباسية، واندكت أركان ~~حكومتها وتراتيبها الإدارية، وتبلبلت حالتها الوظائفية، وفر من ولاتها وقضاتها وكبار ~~موظفيها إلى البلاد المجاورة نفر غير قليل، وقد ظلت بغداد وسائر مدن العراق دون ما ~~حكومة منظمة حتى تم استيلاء المغول على العراق كله، وعهد هولاكو بالوزارة إلى مؤيد ~~الدين محمد بن العلقمي الذي كان يتولى إسقادارية قصر الخلافة في عهد المستعصم ثم ولاه ~~الوزارة، وكان على جانب من حسن الإدارة والدهاء، إلا أن جميع موظفي القصر كانوا ~~يكرهونه، ولما دخل المغول عهد إليه هولاكو بزمام الأمور، وفوض إليه شأن البلاد يدبر ~~أمورها كما يشاء، ويسمي في وظائفها من يريد، وبهذا استدل بعض المؤرخين على اتهام ابن ~~العلقمي بالخيانة والتآمر مع المغول ضد الخليفة العباسي. # ولما أسند المغول إليه أمر البلاد اختار من يثق بهم من العمال والولاة، وطلب إليهم أن ~~يسلكوا السبيل التي كانت عليها الدولة العباسية، على أنه يجب أن نعلم أن وظيفة الوزير ~~وسائر كبار الموظفين الذين نصبهم كانت وظيفة وهمية، أما الوظيفة الحقيقية فقد كانت ~~بيد المغول، وبيد من نصبوه من أبناء جلدتهم ممن وزعوهم في دواوين الوزارة والشرطة ~~والمال، وهؤلاء هم أصحاب الحل والعقد، يتصرفون بالبلاد كما يريدون، ويوقع الوزير ~~وأضرابه لهم المراسيم والتراتيب التي يقترحونها عليهم، فتذاع بين الناس على أنها صادرة ~~عن الوزير أو الشحنة أو القاضي، وليس لهم في الحقيقة إلا التوقيع والمصادقة. # ومما هو جدير بالذكر أن كثيرين من العمال أو التجار من أهل البلاد قد عهد إليهم ~~بوظائف كبيرة في الدولة، والسر في ذلك - فيما يظهر - أنهم كانوا من قبل الاحتلال على ~~اتصال بالمغول وتأييد لسياساتهم، ومن هؤلاء نجم الدين أحمد بن عمران وهو من أهل ~~«باجسرى»، وقد سماه الخليفة عاملا على بعض المقاطعات فكان يتجسس للمغول، ويكتب إليهم ~~بأخبار البلاد وأحوالها، ولم وقعت الواقعة أكرمه هولاكو ms141 وأحسن إليه ومنحه لقب «ملك» ~~وعهد إليه بإدارة شئون البلاد مع الوزير ابن العلقمي وصاحب الديوان فخر الدين بن ~~الدامغاني. # أما التشكيلات الإدارية في العراق، فكانت على الشكل التالي: قسموا العراق إلى ثماني ~~عمالات، وجعل على كل عمالة عاملا، وهي: # عمالة بغداد: # وفيها الوزير ويعاونه في عمله مشرف ونائب، وصاحب ديوان وشحنة ونائب ~~شرطة، وخازن ديوان، وتشتمل على بغداد وما حواليها. # العمالة الشرقية: # وتشتمل على منطقة الخالص وطريق خراسان والبندنيجين. # العمالة الفراتية: # وتشتمل على سقي الفرات. # العمالة الواسطية: # وتشتمل على إقليمي البصرة وواسط. # العمالة الدجيلية: # وتشتمل على إقليم نهري دجيل والمستنصري. # العمالة الكوفية: # وتشتمل على إقليم الكوفة والحلة. # العمالة الأنبارية: # وتشتمل على إقليم الأنبار وما حوله. # العمالة الدقوقية: # وتشتمل على إقليم دقوقا وما حوله. # ولم يدخلوا إقليم «إربل» وما إليه فكان إقليما مستقلا، وجعلوا له إدارة مستقلة ~~خاصة. # وكانوا يسمون لكل عمالة «صدرا» أو «ملكا» من أهل البلاد يعهدون إليه بالرئاسة ~~العليا في العمالة وإدارة شئونها، ومن تحته نفر من المغول هم: النائب والناظر وعدد من ~~المعاونين والموظفين الكبار والصغار بحسب الحاجة وسعة الإقليم وصغره. # وكان في كل عمالة قاض ومحتسب وصاحب شرطة وصاحب أوقاف، أما بغداد: فكان فيها قاضي ~~القضاة ومقره في الجانب الشرقي، أما الجانب الغربي من العاصمة: ففيه قاض تابع لقاضي ~~القضاة، وهذا ترتيب عباسي أبقوه، وكانوا يخلعون على قاضي القضاة أكسية وخلعا عقب ~~توليته منصبه، كما كانوا يجعلون للأشراف العلويين الطالبيين نقابة، ويولون نقابتها إلى ~~أكبر آل علي، وهذا أيضا ترتيب من التراتيب العباسية. # وقد استمرت هذه العمالات والوظائف الكبيرة بيد صدور عراقيين في عهد الوزير ابن ~~العلقمي (؟-656ه) وكان عهده جد قصير، فلما هلك وأسندت الوزارة إلى علاء الدين الجوني ~~الفارسي انقطعت هذه الوظيفة وأكثر الوظائف الكبيرة عن العراقيين وصارت للمغول أو لمن هم ~~في حكمهم من صنائعهم ومماليكهم من الإيرانيين والتركمان الذين كانوا يعملون بإخلاص على ~~توطيد الملك للمغول وشد أزره، وكان أكثرهم من القساة الغلاظ الجفاة الذين أذاقوا البلاد ~~ويلات شدادا وهدموا معالم ms142 الحضارة فيها، وأحلوا الأنظمة المغولية والطقوس الأعجمية محل ~~الأنظمة العربية والطقوس والتقاليد والتراتيب العربية. # ولم يقتصر عمل الدولة المحتلة على محو التراث العربي القديم وتراتيبه الإدارية، بل ~~حاولت إفقار الناس حينما فرضت عليهم أن يتعاملوا بعملة من المعادن الرخيصة بدل العملة ~~الفضية والذهبية التي أخذت الحكومة المغولية تجمعها وتبدلها بالعملة الرخيصة الجديدة ~~التي ضربتها، وقد كانت هذه الفعلة تتكرر كل خمس سنوات أو عشر، ففي سنة 666ه أيام ~~السلطان أباقا أمر بضرب فلوس من المس وهو أردأ النحاس ليتعامل بها الناس، وجعل كل ~~أربعة وعشرين فلسا بدرهم، ثم في سنة 682ه أبطلت الفلوس النحاسية وضربت عوضها فلوس ~~جديدة من الفضة، وجعل كل اثني عشر فلسا بدرهم وسموها دناكش، ثم أبطلت في سنة 683ه ~~وأعيدت الفلوس المس، وتعامل الناس بها كل ثلاثين فلسا بدرهم، وتضرروا أضرارا بالغة، ~~وفي سنة 684ه أبطلت الفلوس المس وتعطلت أمور العالم لذلك، وبطلت معايشها، وضربت دراهم ~~غيرها وقرر سعرها ثمانية مثاقيل بدينار، واختلفت قيمة الدراهم الأولى، فكان منها كل ~~عشرة مثاقيل بدينار، ومنها اثنا عشر مثقالا بدينار، فذهب من الناس شيء كثير ... ثم غلت ~~الأسعار فبلغ الكر من الحنطة مائة وعشرين دينارا وكر الشعير مائة دينار، # 1 # وفي سنة 698ه حينما دخل غازان إلى العراق أمر بالإحسان إلى الرعية، وزاد في ~~العدل والرأفة بهم، وأمر أن يصفى الذهب والفضة من الغش ويبالغ في ذلك، وتضرب الدراهم ~~متساوية الوزن؛ ليتعامل بها الناس عددا، ويكون وزن الدرهم نصف مثقال، وعملت دراهم وزن ~~الدرهم ثلاثة مثاقيل، وضرب من الذهب أشياء مختلفة الوزن خمسة مثاقيل، وثلاثة مثاقيل، ~~ومثقالان، ومثقال، ونصف مثقال، وربع مثقال، وأمر أن يعمل ذلك في جميع الممالك، فعمل ~~وانتفع الناس به، # 2 # ولكن هذا العدل لم يدم طويلا فقد أمر بتغيير التعامل بهذه العملة بعد ~~فترة، واغتم الناس لذلك غما كثيرا، وزيفت العملة من جديد، وزاد في البلاء أن جماعة ~~من اليهود وغيرهم قد أخذوا يزيفون العملة، وينشرونها في الأسواق، ففي سنة 678ه نسب إلى ~~جماعة من ms143 أهل بغداد ويهودها أنهم زيفوا العملة، فأخذ بعضهم وضرب فأقر على جماعته، ~~ومنهم حيدر بن الأيسر وكان من أعيان البلد المتصرفين، ومنهم ابن الأخضر الذي كان ينقش ~~العملة، فأمر الصاحب عطاء ملك الجوني بقطع أيدي جماعة منهم ابن الأخضر، وقرر على ابن ~~الأيسر مالا مسمى فأداه، ومما زاد في الطنبور نغمة أن أمراء المغول وأذنابهم أظهروا في ~~سنة 693ه عملة ورقية نقدية سموها الچاو، بالجيم الفارسية المثلثة، وهي نوع من الورق ~~المستطيل الشكل وضعوا عليه نقش «تمغة» السلطان أي شعاره، وكتبوا عليها كلمتي الشهادة، ~~وأمروا الناس أن يتعاملوا بها، # 3 # وقد ضاق الناس بهذه العملة ذرعا، وحملت عدة أحمال منها من تبريز إلى ~~العراق ليتعامل الناس بها، فامتنعوا أول الأمر، ثم ألح السلطان عليهم وكاد الأمر أن ~~يؤدي إلى ثورة، فرجع السلطان عن ذلك مؤقتا، ثم أكرههم على استعمالها في سنة 697ه، ~~وأصابهم بذلك ضرر كبير حين كان يستبدل الورق بالذهب والفضة؛ فبطلت كثرة المعاملات ~~وتعطلت الأمور، وكان الناس إذا أرادوا شراء أقواتهم دفعوها إلى الخبازين أو القصابين، ~~ووضعوا تحتها العملة الفضية أو الذهبية فيأخذها الخباز أو القصاب وغيرهما، ويأخذ صاحب ~~الحاجة حاجته خوفا من أعوان السلطان. # وهكذا قاسى الناس ويلات من هذا الظالم، ولقيت البلاد شرورا وآثاما. # الفصل الرابع # | الحالة الثقافية والاجتماعية في الشام ومصر بعد سقوط بغداد # نضجت العلوم والآداب والفنون في العصر الفاطمي والعصر الأيوبي - كما رأينا - وكانت ~~هذه الحركة الثقافية الرفيعة امتدادا للحركة الثقافية في العصر العباسي، وقد تنافس ~~الخلفاء والملوك والأمراء في نشر العلم وبناء دوره، وتشجيع أصحابه، واقتناء كتبه، ~~وتأسيس خزائنه، وفتح مدارسه ومعاهده، والإكثار من دور القرآن والحديث خاصة، وكان ~~الخلفاء والملوك والأمراء يرعون هذه الحركة بأنفسهم، ويشيدون المعاهد برعايتهم، ويقتنون ~~الكتب لخزائنهم والخزائن العامة، ويجزلون العطاء للكتاب والمؤلفين والخطاطين ~~والنساخين، ويرعون طلاب العلم بالإنفاق عليهم، ولما جاء عهد المماليك استمرت هذه ~~الحركة؛ لأنهم كانوا على الرغم من بعدهم عن العروبة يؤمنون بالإسلام ويخلصون له، ~~ويتحمسون لعلومه وآدابه ولغته، وقد أبقوا لنا مدارس ms144 كثيرة في الشام ومصر والحجاز ما ~~تزال شاهدة على حرصهم الشديد على نشر العلم وتعميمه، ولم يخل عصر أحدهم من إشادة ~~مدرسة أو بناء جامع فيه مدرسة أو خزانة كتب، أو تأسيس كتاب للأطفال، أو دار قرآن ~~للأيتام، أو دار حديث للطلاب، وقد ألفت كتب كثيرة في تاريخ هذه المعاهد والمدارس ~~وأحوالها، وبخاصة في العصرين الأيوبي والمملوكي، ومن أشهر هذه الكتب كتاب «الدراس في ~~المدارس» لابن حجي الحسباني وهو مفقود فيما أعرف، وكتاب «تنبيه الدارس» للقمي، وقد نشره ~~المجمع العلمي العربي بدمشق، ومختصره للعلموي، و«مساجد دمشق» لابن عبد الهادي، وقد ~~نشرته. # ومما هو جدير بالذكر أن بعض المماليك كان على جانب عظيم من العلم والمعرفة والفضل، ~~فكان طبيعيا جدا أن يشجع العلم وأهله، ويهتم بإشادة المدارس وعمارة بيوت العلم ~~أمثال الملك المنصور قلاوون، فقد بنى في مصر بناء ضخما اشتمل على «بيمارستان» مستشفى ~~ومدرسة، ومكتبة، وجعل في البيمارستان عدة غرف واسعة مفروشة بالأسرة للمرضى الفقراء ~~والأغنياء على السواء، وجعل فيه غرفا خاصة بالنساء، وسمى فيه عدة أطباء وكحالين ~~وممرضين ومدرسين يدرسون فنون الطب والكحالة، وجعل إلى جانبه معملا كيماويا جهزه ~~بكل أنواع المعدات والآلات الطبية، وبنى إلى جانبه خزانة كتب ضخمة فتح أبوابها للجمهور، ~~وملأ خزائنها وأدراجها بالنفائس من مخطوطات الطب والعلم والأدب والدين من كل فن، وعهد ~~إلى جماعة من أهل العلم بالإشراف عليها ومساعدة روادها وطلاب العلم، وجعل إلى جانب ذلك ~~مدرسة واسعة، سمى فيها المدرسين والفقهاء على المذاهب الأربعة، وبنى إلى جانب ذلك ~~مكتبا لتعليم الأطفال، ودار قرآن لتعليم القراءات، وميتما واسعا لتربية الأيتام، ولا ~~تزال آثار هذه الجامعة العظمى شاخصة إلى أيامنا هذه تشهد لبانيها الملك الصالح العادل ~~العالم بالفضل والخير وحب الإصلاح. # ومن المماليك الأفاضل البارعين بعلوم العربية والدين: الملك الناصر بن قلاوون، فقد ~~كان مثل أبيه، ورووا أنه كان بارعا بعلوم الفقه والحديث والأصول، كما كان عارفا ~~بالآداب العربية وعلومها، وكان يجلب العلماء إلى مجلسه ويناقشهم في مسائله، ويقرب ~~أفاضلهم، ويجزل عطاءهم، وهو الذي ms145 بنى كثيرا من دور العلم، وهو الذي أعاد إلى المؤرخ ~~العالم الجليل إسماعيل بن علي المشهور بأبي الفداء مملكة حماه، وما ذلك إلا لفضله، وقد ~~خلف لنا كثيرا من دور العبادة والتدريس، ومن أعظمها: مسجده المعروف بالجامع الجديد ~~في القاهرة، وبنى جامعا آخر بجانب جامع أبيه العظيم في شارع النحاسين بالقاهرة، كما ~~بنى دار العدل العظمى وعددا كبيرا من المدارس في كثير من المدن الشامية ~~والمصرية. # وكان الملك الظاهر جقمق محبا للعلم والفنون الجميلة، كما كان حريصا على بناء دور ~~العلم، وتزويدها بالمصاحف المتقنة الجميلة، والكتب النادرة، والتحف النفيسة. # 1 # ومما هو جدير بالملاحظة أن الديار المصرية والشامية كانتا حافلتين منذ القديم بمعاهد ~~العلم من مدارس ودور كتب، ومن أشهر هاتيك المعاهد في القديم: دار الحكمة التي أنشأها ~~الحاكم بأمر الله بن العزيز بالله في سنة 395ه وحمل إليها الكتب من خزائن القصور ~~الملكية والمساجد القديمة، ووقف عليها ما تحتاج إليه، وعهد بإدارتها إلى جماعة من أهل ~~الفضل يتعهدونها، ويعملون على تثقيف الناس فيها، سواء بمحاضراتهم يلقونها فيها، أو ~~بمناظراتهم بين المترددين إليها، وقد ظلت هذه الدار عامرة بالعلم وأهله حتى دخل صلاح ~~الدين إلى مصر وحولها إلى مدرسة للشافعية. # ومن آثار الفاطميين في مصر أيضا: خزانة كتب الخليفة العزيز بالله، فقد كان محبا ~~للعلم حريصا على تثقيف الناس، ولذلك بنى دارا عظيمة ملحقة بقصره، جمع فيها كثيرا من ~~المؤلفات القيمة في الأدب والتاريخ والحكمة والفلسفة والفقه، وقالوا: إن عدد كتبها بلغ ~~نحوا من مليون وستمائة ألف كتاب، وذكروا أنه كان من بينها كتاب «العين» للخليل بن أحمد ~~الفراهيدي، ونيف وثلاثون نسخة متقنة، منها نسخة عليها خط المصنف، كما كان فيها نيف ~~وعشرون نسخة من «تاريخ الطبري»، ونسخة من كتاب «الجمهرة في اللغة» لابن دريد، وكان ~~العزيز بالله يتردد إليها ويتحدث إلى قيمها، ويناقشه في مسائل العلم وأحوال ~~الكتب. # وأعظم أثر علمي خلد اسم الفاطميين على الدهر هو «الجامع الأزهر» المعمور الذي بناه ~~الأمير جوهر الصقلي بأمر الخليفة المعز لدين ms146 الله في سنة 363ه وجعله مدرسة كبرى لتعليم ~~العلم وتهذيب النفس، وأقام إلى جانبه خزانة كتب غنية، وقد ظلت هذه المؤسسة الضخمة عامرة ~~بالعلم، عاملة على نشر المذهب الفاطمي الشيعي إلى أن جاء الناصر صلاح الدين الأيوبي، ~~فحولها إلى مدرسة شافعية، وما زال شأنها يسمو في عصر الأيوبيين حتى درست فيها ~~المذاهب الأربعة واللغة والآداب والرياضيات والفلك، فلما استولى المماليك على مصر زادوا ~~العناية بها، وأكثروا مواردها وعظموا عدد طلابها وشيوخها، كما أنهم وسعوا بناءها، ~~وزادوا أروقتها وبخاصة في عهد الملك الظاهر بيبرس والملك «قايتباي» والملك «قانصوه» ~~الغوري، وقد أضحت هذه المدرسة بل الجامعة العظمى الملجأ الحصين للغة والدين في عصور ~~الانحلال والانحدار، ولم يكن أثر الأزهر الشريف مقصورا على أهل مصر وحدها؛ بل كان ~~المسلمون يقصدونه منذ العصر الأيوبي من كافة أنحاء العالم الإسلامي حتى من بلاد المغرب ~~واليمن والهند وأواسط أفريقيا، وأخذت هذه الصلة تقوى بين الأزهر وبين البلاد الإسلامية ~~حتى أضحى في العصر العثماني مأوى المسلمين وحصنهم المتين في كافة بقاع الإسلام من بلاد ~~الشركس والقفقاس إلى بلاد الهند والأفغان، وقد بلغ عدد طلابه في القرن التاسع للهجرة ~~نحوا من ألف طالب. # 2 # هذا وقد وقف الأمراء والمماليك كثيرا من دور العلم والعبادة منذ عهد صلاح الدين في ~~الشام ومصر، وقد أكثر هو نفسه من بناء هذه المعاهد في مصر والإسكندرية والقدس ودمشق ~~وحلب وحماه، وخلفه أبناؤه ورجال أسرته فساروا على غراره، ولما جاءت دولة المماليك بعدهم ~~أكثروا من بناء المدارس كثرة واضحة حتى قال المقريزي في خططه: إن مدارس المماليك في ~~الشام ومصر قد بلغت نحوا من سبعين مدرسة ومعهدا للتدريس، ويقال: إن مثل ذلك العدد كان ~~في الأصقاع والولايات التابعة لهم. # وهكذا ازدهرت المدارس، وارتفع شأن العلم في عصر المماليك على الرغم من انحطاط شأن ~~العرب السياسي، فلما جاء الأتراك العثمانيون، واحتلوا الشام ومصر تأخرا من الناحية ~~الثقافية، وبخاصة الناحية الأدبية بشكل بارز، فقد نكب الأدباء والشعراء وتفرقوا في ~~البلاد، وفشت الجهالة وعلى الأخص حين ms147 وقعت الفتن والحروب بين الأتراك وبقايا المماليك، ~~فتأخر الأزهر، وانحطت مدارس الشام الكبرى، وهدم أكثر معاهد العلم، وظلت حالة الجهل ~~متفشية في عهد السلطان محمد الثالث، ففي سنة 1004ه بعث إلى مصر محمد باشا واليا عليها؛ ~~فاهتم بالمعاهد الدينية، وأحيا شعائرها، وأعاد بناء «الجامع الأزهر» إلى ما كان عليه، ~~وجعل فيه وظائف يومية من العدس المطبوخ تفرق على الطلبة الفقراء، كما رمم المشهد ~~الحسيني، وأخذ الأزهر منذ ذلك الحين يستعيد نشاطه الفكري، كما شرع رجاله يعنون بنشر ~~العلم والتأليف والوعظ والإرشاد، واستمرت هذه الحالة حتى جاء نابليون وأوجد تلك النهضة ~~المعروفة التي سنتحدث عنها فيها بعد. # ومما يجدر بنا ذكره هنا أن اللغة العربية وعلومها كانت مزدهرة في العصر المملوكي؛ لأن ~~المماليك كانوا يتعلمونها ويعلمونها أبناءهم ومماليكهم ويشجعونهم على إتقانها والبراعة ~~فيها وفي آدابها وعلومها، كما أسلفنا، فلما جاء العهد التركي ضعفت اللغة العربية، ~~وانحطت آدابها، وتدنت أساليب تدريسها، وسفلت طرائق كتابتها، وقد زعم بعض المؤرخين أن ~~السلطان سليما العثماني أراد حين فتح الشام ومصر أن يجعل اللغة العربية هي اللغة ~~الرسمية بدلا من اللغة التركية وأنه كان مصمما على ذلك، ولكن المنية عاجلته قبل إتمام ~~هذا المشروع الهام حتى قال المرحوم الأستاذ محمد كرد علي: «والغالب أنه نشأ له هذا ~~الفكر يوم افتتح مصر والشام، وخطب له في الحرمين الشريفين؛ فسمي فاتح ممالك العرب، ~~فرأى أن العرب في مملكته أصبحوا قوة لا يستهان بها، وأن الترك وهم عنصر الدولة الأصلي ~~لا يشق عليهم أن يستعربوا، ولو وفق السلطان سليم إلى إنفاذ هذه الأمنية لخلصت الدولة ~~العثمانية في القرون التالية من مشاكل عظيمة، ودخلت في جملة العرب عناصر كثيرة مهمة، ~~ولارتقت اللغة العربية فأضحت الأستانة موطنا لها كما كانت بغداد ودمشق والقاهرة ~~وقرطبة وغرناطة.» # 3 ~~••• # أما عن الحالة الاجتماعية: فقد بلغت في مصر أثناء العصر الفاطمي وأوائل العصر الأيوبي ~~درجة رفيعة في الحضارة والرقي والسمو الاجتماعي حتى صارت زعيمة البلاد الشامية ~~والحجازية، وكانت ثروتها نعم المعين لها على نشر هذه ms148 الحضارة وتعميم أسباب العلم، ولكن ~~انشقاق الأيوبيين بعد وفاة زعيمهم صلاح الدين وانقسامهم وتقسيمهم مملكة صلاح الدين ~~الواسعة الممتدة من مصر إلى الشام والموصل واليمن والحجاز قد ضعضع تلك الدولة، فاختل ~~التوازن الاجتماعي حينا من الدهر بعد هذه التجزئة، واضطرب حبل الأمن، وباضطرابه اختلت ~~القيم الأخلاقية، وكثرت الدسائس في البلاط الملكي وفي قصور الأمراء، ووصلت هذه الدسائس ~~والفتن إلى صفوف الوجهاء وطبقات الشعب، ولم يأت القرن السابع للهجرة إلا وأسرة صلاح ~~الدين قد جعلت بأسها بينها، فضعفت عصبيتها، واختل نظامها، ورأت أن تستمد قوة من بعض ~~العناصر الأجنبية كالشركس والروم والأتراك والصقالبة ممن دخلوا في الدين الحنيف، وأخذوا ~~يتحينون الفرص لاستعادة سلطانهم المفقود عن طريق الدس أو الاحتيال أو إيقاع الفتن بين ~~صفوف رجال الأسرة الحاكمة أو بين الشعب وطبقاته. # وقد كان لهؤلاء الأجانب أثرهم القوي في الحياة الاجتماعية، وخصوصا حين قوي أمرهم، ~~وأضحى الملوك والأمراء الأيوبيون ألعوبة في أيديهم يصرفونهم كما يشاءون، كما أضحى الشعب ~~مدفوعا إلى تقليدهم والاقتباس من أحوالهم وأخلاقهم، على أن هؤلاء المماليك الأجانب كما ~~أثروا في أهل البلاد، قد تأثروا بهم واقتبسوا كثيرا من أخلاقهم وأوضاعهم، وأحبوا ~~البلاد التي نزلوا فيها، ونذروا على أنفسهم الدفاع عنها من الغزاة الذين أرادوا القضاء ~~عليها كما قضوا على العراق وفارس، والحق أن هؤلاء المماليك كانوا حماة بلاد الشام ومصر ~~من أن يفعل بها المغول ما فعلوه في إيران والعراق، وبخاصة بغداد قلب الإسلام وعروس ~~بلاده، ولهؤلاء المماليك الفضل الأكبر في الإبقاء على سلامة البلاد وإنقاذها من شرور ~~الصليبيين الذين أرادوا أن يفرضوا نظمهم وقوانينهم وأحوالهم الاجتماعية على البلاد، ~~ولكن المماليك أقصوهم وردوهم شر رد. # ولا يسعنا الأمر أن نترك الحديث عن أبناء الشعب على الرغم من قلة المعلومات التي ~~لدينا عنهم في هذه الحقبة، وأغلب الظن أنهم كانوا مسوقين كالقطعان، يعملون على تقليد ~~أمرائهم من الأيوبيين والمماليك؛ لأنهم في نظرهم قد غدوا القدوة الصالحة، على الرغم مما ~~هم فيه من السوء وفساد الخلق، إلا من رحم ربك، وسلمه ms149 الحظ إلى مالك كريم النفس علمه ~~الدين والخلق وبعث به إلى حلقات الذكر أو مدارس العلم فتهذبت نفسه وسما عقله، وقد كان ~~لهؤلاء المماليك تقاليد وأحكام وشارات يتميزون بها عن غيرهم، كما كان بطبقتهم أنظمة ~~خاصة بها، وكان لهم طبقات؛ فطبقة شاراتها صور بعض الحيوانات كالأسد والفهد والنمر ~~والصقر والطاووس، وطبقة شاراتها صور الزهور كالزنبق والأقحوان والياسمين والقرنفل، ~~وطبقة شاراتها صور بعض الأدوات الحربية كالسيوف والسناجق والكئوس والمغافر، وكان لكل ~~طبقة قرطق خاص تلبسه ومناطق معينة تتخصص بها في ألوان جميلة مختلفة اختصت كل طبقة بلون ~~خاص. # ومما هو جدير بالذكر أن كثرة هؤلاء الأمراء من الأيوبيين ثم من المماليك كانت تميل ~~إلى نشر الرخاء بين طبقات الشعب، وإلى تعميم أسباب الحضارة فازدهرت مصر والشام في ~~عهدهم، وارتقتا من الوجهة الاجتماعية رقيا ملحوظا، والسبب في ذلك - على ما نرى - هو ~~أن هؤلاء الأمراء من أيوبيين ومماليك كانوا يحبون أن يجاروا الخلفاء الفاطميين ~~والعباسيين الذين ورثوا أرضهم وملكهم، ومن المعلوم أن مصر بلغت في عهد الفاطميين درجة ~~شامخة في الحضارة والرقي الاجتماعي، فقد كان للفاطميين في القاهرة دور وقصور ومدارس ~~ومعاهد ومكاتب وخانات وحمامات وأسواق وإسطبلات، حشوها بالكثير من مظاهر الرقي والترف من ~~أقداح البلور الصافي، والصحوف الفضية والذهبية والبلورية الفاخرة، والأواني الخزفية ~~والخشبية، والأقمشة البارعة من حريرية وقطنية وكتانية وصوفية، ومن عدد الخيل والحرب ... ~~وما إلى ذلك من ضروب الحضارة والرقي، ومن الطبيعي جدا أن يكون الأيوبيون ثم المماليك ~~قد توارثوا هذه الحضارة عن أسلافهم من أملاك هذه الديار، وأن يتمتعوا بها في حياتهم ~~الاجتماعية، كما أنهم كانوا قدوة للخاصة والعامة في ديارهم، يقلدونهم في أعمالهم، ~~ويتخذون طريقتهم قدوة لهم، ويظهر أن الترف قد بلغ حدا بعيدا في أيام المماليك؛ لأن ~~مصر والشام كانتا أرضا غنية تجتمع فيهما أسواق العالم من الشرق والغرب، وتتوافد إليهما ~~التجار من كافة أصقاع الدنيا؛ ولهذا نجد الناس قد تفننوا في البذخ والترف والشراء، فقد ~~رووا أن المماليك قد رصعوا عصائب شعور نسائهم وثيابهن وخفافهن ms150 بالجواهر واللآلئ، كما ~~رصعوا آنية شرابهم وطعامهم بالذهب والحجارة الكريمة، واتخذوا من مجالس شرابهم ولهوهم ~~آنية وتماثيل ودمى من الذهب المرصع بالحجارة الكريمة واللؤلؤ، ولبسوا الثياب المزخرفة، ~~وتمنطقوا بالشال الهندي، وتسربلوا بالحرير، وافترشوا الدمقس والخز والديباج والمخمل، ~~واستعملوا آلات الشطرنج والنرد المصنوعة من الذهب والفضة والآبنوس والعاج والعود، ووجد ~~في خزائن بعضهم من أصناف الثياب والحلي والرياش والأثاث ما يقدر بملايين ~~الدنانير. # وقد استتبع هذا الأمر أن فشت بينهم كثرة من الأمراض الاجتماعية التي تنتج عن الترف ~~الزائد كشرب المكسرات، وتدخين الحشيش، وفعل الموبقات، والتفنن في المنكرات، حتى اضطر ~~الملك بيبرس سنة 665ه في القاهرة، حين عزم على القيام بإحدى غزواته الحربية، أن ينظم ~~داخليته، ويصدر مراسيم بإبطال تدخين الحشيش وإبطال ضمانه، ويأمر بإراقة الخمور، وإبطال ~~المنكرات وتعفية بيوت المنكرات، ومنع الحانات والخواطي في المحلات العمومية بمصر والشام ~~جميعا حتى قال بعض الشعراء: # ليس لإبليس عندنا أرب # غير بلاد الأمير مأواه # حرفته الخمر والحشيش معا # حرمتا ماءه ومرعاه # ويظهر أن الملك قد عرف بأن بعض الرعية لم يأتمر بأمره، وظل يعاقر الخمور، ويعمل ما ~~اعتاده من الفواحش، فأمر بمنع النساء الخواطئ من التعرض للبغاء، وأمر بنهب الخانات التي ~~كانت معدة لذلك وسلب أهلها جميع ما كان لهم ونفى بعضهم، وحبس النساء حتى تزوجن، وكتب ~~بجميع ذلك توقيعا سلطانيا قرئ على المنابر في الجوامع. # 4 # والحق أن الأخلاق قد اضطربت في أواخر القرن السابع اضطرابا ظاهرا، وانتشرت المسكرات ~~والموبقات انتشارا مخيفا، حتى اضطر الملك بيبرس إلى الوقوف من أصحابها هذا الموقف ~~الخشن، وفي عهده أيضا أمر عماله في كافة المقاطعات بتنظيم نظام الحسبة، والتشديد على ~~أهل الغش، والضرب على أيدي الدجاجلة، كما أمر عماله أن يكثروا عدد موظفي الحسبة في ~~البلاد؛ ليراقبوا أحوال الناس والباعة، وليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويراقبوا ~~الموازين والمكاييل بعد أن فشا التطفيف، ولينظروا في أمر الأسعار ويتشددوا في مراقبتها، ~~وفي تحديد الأرباح بالإنصاف والعدل بين المشتري والبائع، ويجدر بنا أن نلاحظ هاهنا أن ~~رجال الأخلاق وأهل ms151 الوعظ والإرشاد لما شاهدوا الحالة الاجتماعية المنحطة التي صار إليها ~~الناس، وخصوصا في الأحوال المعاشية، أخذوا يكتبون الكتب والرسائل - وهي بمثابة الصحافة ~~في أيامنا - لدعوة الناس إلى سبيل الخير والإقلاع عن جادة الشر، ومن هذه الرسائل ~~والكتب كتب الحسبة ورسائل الإصلاح الاجتماعي العديدة، وقد حفظ لنا التاريخ أسماء نفر من ~~المؤلفين كتبوا في هذه الفتن عن هذه الأمور أمثال: عبد الرحمن بن نصر الشيرزي (؟-589) ~~صاحب كتاب «نهاية الرتبة في طلب الحسبة»، وهو من أمتع الكتب التي ألفت في الاحتساب، ~~تعرض فيه مؤلفه إلى كثير من مسائل المحتالين، وأنواع غشهم، وطريقة احتيالهم على الناس ~~في دكاكينهم من حلوانيين، وطباخين، وسمانين، وعطارين، وبزازين، وقطانين، وصباغين، ~~وبياطرة، وصيادلة، وأطباء، وكحالين، و... وقد أحصى في كتابه كثيرا من أخبار الحيل، ~~وطرائقها، وأنواع الغش الغريبة التي كان الباعة في القرن السادس يعمدون إليها؛ ليوهموا ~~الناس ويغشوهم. # 5 # ومنهم أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي مؤلف كتاب «الإشارة إلى محاسن التجارة»، وقد ~~ضمن رسالته فصولا قيمة بحث فيها عن التجارة ومحاسنها ومعرفة قيم الأشياء، وطريقة ~~تمييز جيد المتاع من رديئه، وتبيين تدليس المدلسين، وأنواع حيلهم. # 6 # ومنهم عبد الرحمن بن أبي بكر الدمشقي الجوبري الذي كان عائشا في سنة 618ه، وله كتاب ~~ممتع اسمه «المختار في كشف الأسرار وهتك الأستار»، وقد ضمنه بحوثا قيمة جدا عن حيل ~~البائعين، وغشهم، وكشف أسرارهم، وهتك حيلهم وتدليساتهم في البضائع. # 7 # ومنهم الإمام الكبير تقي الدين بن تيمية الحراني الدمشقي (؟-728ه)، وفي كتبه وفتاويه ~~بحوث قيمة عن هذا الأمر، وله رسالة عنوانها: «الحسبة في الإسلام»، وقد ضمنها كثيرا ~~من البحوث المفيدة التي دعت إلى مكارم الأخلاق، وصيانتها، والعناية بأحوال الباعة ~~والسوقة، ومراقبة الطبقة العامة وأحوالها المعاشية. # 8 # ومنهم الإمام نجم الدين أحمد بن محمد بن علي بن الرفعة المصري الشافعي (؟-710ه)، وكان ~~محتسبا في القاهرة، وله كتاب سماه «الرتبة في الحسبة»، وقد ضمنه بحوثا قيمة، وقد ~~فقد فلم نعثر على ذكر له في فهارس الخزائن. # ونحن إذا رحنا نعدد الآثار ms152 الباقية أو التي فقدت مما كتبه المصريون أو الشاميون في ~~انتقاد الوضع الاجتماعي أثناء هذه الفترة جئنا بالشيء الكثير، فقد كثرت التآليف؛ لكثرة ~~المحتالين وأهل الذمم الفاسدة، ومن شر هؤلاء المحتالين: محتالو الصيادلة، فقد ذكر صاحب ~~نهاية الرتبة في الباب السابع عشر في الحسبة على الصيادلة: أكد تدليس هذا الباب والذي ~~بعده - أي باب تدليس العطارين - كثير لا يمكن حصر معرفته على التمام، فرحم الله من نظر ~~فيه وعرف استخراج غشوشه فكتبها في حواشيه تقربا إلى الله، فهي على الخلق أشد خطرا ~~من غيرها ، فالواجب عليهم أن يراقبوا الله تعالى في ذلك، وينبغي للمحتسب أن يخوفهم ~~ويعظهم وينذرهم العقوبة والتغرير، ويعتبر عليهم عقاقيرهم في كل أسبوع، ثم سرد طائفة من ~~أنواع حيلهم وعشوشهم الخبيثة، وختم هذا الفصل بقوله: وقد أعرضت عن أشياء كثيرة في هذا ~~الباب لم أذكرها؛ لخفاء غشها، وامتزاجها بالعقاقير، ومخافة أن يتعلمها من لا دين له ~~فيدلس بها على المسلمين. # وقد اهتم الناس في هذا العصر بتربية الخيول والبغال وما إليها من عدد القتال والأسفار ~~والقوافل والتجارات، وكانت للأيوبيين والمماليك عناية شديدة بهذه الأمور، وبخاصة فنون ~~البيطرة وأمراض الخيل ومداواتها وعلاجات عللها، وكان كثير من أمرائهم ورجالات دولتهم ~~يهتمون بإقامة أسواق الخيل وحلبات السباق، وبخاصة الملك الظاهر بيبرس فإنه كان فارسا ~~للخيل مهتما برعاية أحوالها، وخصوصا الجياد العربيات، كما كان مهتما برمي النبال، ~~وقد كانوا ينشئون الميادين العامة، والحلبات الخاصة للتسابق والمران، ومن الميادين ~~المشهورة لذلك في مصر: الميدان القبق، والميدان الأسود، وميدان العبد، والميدان الأخضر، ~~ومن ميادين دمشق وحلب عدد كبير قد خصص لذلك، ولا يزال عدد من هذه الميادين محافظا على ~~اسمه ووضعه، وقد كانوا يبنون إلى جانب هذه الميادين مصاطب يجلسون عليها ويشاهدون ~~اللاعبين، قال الأستاذ جرجي زيدان في تاريخه للسلطان بيبرس: «وكان محبا لركوب الجياد ~~ورمي النبال فأنشأ ميدانا سماه ميدان القبق، وميدانا للسباق، وكان شاغلا بقعة من ~~الأرض تمتد بين النقرة التي ينزل إليها من قلعة الجبل وبين قبة النصر التي هي ms153 تحت الجبل ~~الأحمر، وبني فيه مصطبة سنة 666ه للاحتفال برمي النشاب والتمرين على الحركات العسكرية، ~~وكان يحث الناس على لعب الرمح ورمي النشاب ونحو ذلك، فكان ينزل كل يوم إلى هذه المصطبة ~~من الظهر فلا يركب منها إلى العشاء، وهو يرمي ويحرض الناس على الرمي والنضال والرهان، ~~فما بقي أمير ولا مملوك إلا وهذا شغله، وما برح من بعده أولاده ومن بعدهم يمارسون في ~~هذا الميدان جميع الألعاب الحربية.» # 9 # وقد اهتم المماليك اهتماما خاصا بالفروسية وما إليها؛ لأنهم قوم وصلوا ~~الملك والإمارة عن طريق الفروسية ، ولذلك كان أكثر همهم أن يعتنوا باقتناء المماليك ~~ويمرنونهم على ركوب الخيل، ورمي النبال، وأعمال الفروسية، والحروب. # ومما ينبغي الإشارة إليه مسألة الملابس وتعدد هيئاتها، وتنوع ألوانها، وكثرة التألق ~~فيها، فقد كان الناس في صدر الإسلام يلبسون ما تصل إليه أيديهم من اللباس الساذج، وكذلك ~~كان الأمر في عصر بني أمية إلا في أواخره وأوائل العصر العباسي، فلما تعمق العباسيون في ~~الملك تفننوا في التأنق والتبرج، وبخاصة النساء والغلمان، وقد حذا الفاطميون في مصر حذو ~~العباسيين والأندلسيين، فلما انقرض هؤلاء وجاء عصر الأيوبيين والمغول والمماليك، اضطربت ~~الأزياء والأشكال اضطرابا واضحا، فكثرت الألوان وتعددت الهيئات، وأخذ الناس يلبسون في ~~رءوسهم أنواعا غريبة من لباس الرأس بعد أن كانت السذاجة في العصور السابقة واضحة، ~~فلبسوا في هذه العصور: الكلوتات، والطواقي، والكلاهات، والدنباكيات، والأقباع، وما إلى ~~ذلك من ألبسة الرأس العديدة من دون أن يضعوا عليها الشاش التقليدي أو الطيلسان القديم، ~~وكانوا يطيلون شعورهم، ويجعلونها في أكياس من الحرير الأحمر أو الأصفر إلى خلفهم، ~~وكانوا يشدون في أوساطهم بنودا من صنع مدينة بعلبك، كما كانوا يشدون فوق قماشهم ~~إبزيم جلد وفيه نحاس، وفي ذلك الإبزيم ملعقة من الخشب كبيرة وسكين كبيرة، وكانت لهم ~~مناديل من الخام بمقدار فوطة كبيرة لمسح أيديهم، وقد ظلت هذه الهيئات حتى استقبحها ~~بعضهم، ولكن أحدا لم يجرؤ على الدعوة إلى تغييرها ولبس الثياب الساذجة ذات الألوان ~~البسيطة والهيئات العادية حتى تولى الملك ms154 السلطان قلاوون، وكان من عظماء ملوك المماليك، ~~فأمر بمنع لبس هذه الثياب المضحكة الشنيعة. # 10 # وقد لاحظ بعض هذه الأمور مؤلف كتاب «نهاية الرتبة» فعقد فصلا مطولا ~~لطيفا في الحسبة على الخياطين قال فيه: يؤمرون بجودة التفصيل، وحسن فتح الجيب، وسعة ~~التخاريس، واعتدال الكمين والأطراف، واستواء الذيل، والأجود أن تكون الخياطة درزا لا ~~شلا، والإبرة دقيقة والخيط في الخرم قصيرا؛ لأنه إذا طال اتسخ، ومما ذكره من طريف ~~حيل الخياطين في ذلك الوقت قوله: فمنهم من إذا خاط ثوبا حريرا أو نحوه وقف كفه ~~وحشاه رملا وأشراسا ، ويسرق كقدره من الثوب إذا كان موزونا عليه، ومما ذكره في الكلام ~~عن الرفائين: أن يحلفهم - صاحب الحسبة - على أن لا يرفوا لأحد من الخياطين والقصارين ~~ثوبا مخرقا إلا بحضرة صاحبه، ولا ينقل المطرز أو الرقام رقم ثوب إلى ثوب ~~آخر. # وبعد، فتلك هي نبذة من أحوال الناس الاجتماعية في العصر الذي نؤرخه، وهي، كما ترى، ~~أحوال غلب عليها الشر، وسيطرت عليها الدناءة في الغالب، ولذلك كثر المصلحون ودعا ~~الداعون إلى الخير واتباع نهج الفلاح. # الفصل الخامس # | الحالة الإدارية في الشام ومصر وشمال إفريقية بعد سقوط بغداد ووقوعها تحت السيطرة ~~العثمانية # من المعلوم أن إدارة البلاد في الشام ومصر قد بقيت في العصر الأيوبي على النمط الذي ~~كانت عليه في العصر الفاطمي، فإن الأيوبيين كانوا قوما أصحاب دولة حديثة غلبوا قوما ~~هم أصحاب دولة عريقة في النظام والإدارة، ولذلك كان طبيعيا أن يحافظ هؤلاء على أسلوب ~~الإدارة القديمة إلا ما اقتضته طبيعة السياسة الجديدة من إقصاء بعض العناصر الحاكمة أو ~~الطرق المخالفة لمذهب الدولة الجديدة، فأقصوا الموظفين الشيعيين، وغيروا خطط القضاء، ~~وأحلوا المذهب الشافعي محل المذهب الفاطمي. # وكان السلطان أو نائبه في أيام الأيوبيين هو الحاكم المطلق المتصرف بشئون البلاد، ~~وكان إلى جانبه في القاهرة أو إلى جانب نائبه في الشام جماعة من الموظفين والقضاة ~~يساعدونه في إدارة البلاد من النواحي المدنية أو القضائية، وكان الملك العادل نور الدين ~~محمود قد أنشأ في ms155 دمشق حين تملكها دارا ضخمة سماها «دار العدل»، كان يجلس فيها للفصل ~~في القضايا الواقعة بين الناس وللقيام بالأعمال الإدارية والإصلاحية، ولما احتل السلطان ~~صلاح الدين ديار مصر بنى لنفسه فيها «دار عدل» للنظر في المظالم والعمل على إحقاق ~~الحقوق، وكان يجلس في تلك الدار في أيام مخصوصة ومن حوله قضاة المذاهب الأربعة، ومعهم ~~صاحب بيت المال وأمراء الجيش، ومن ورائهم جمهرة من أرباب الوظائف الكبرى، والحرس وموظفي ~~الإدارة، وكانت الظلامات والقصص تتلى عليه فيراجع القضاة وكبار الموظفين، ويناقش القضية ~~معهم ثم يحكم فيها، وهكذا كان يفعل نوابه في الأقاليم في دور العدل التي شادوها على ~~غرار داره، وكانت للأمراء والملوك الأيوبيين عناية شديدة وحرص زائد على إحقاق الحقوق، ~~ورفع الظلم عن المظلومين، وكان للمحتسب في عهدهم شأن كبير؛ فهو الذي يفتش عن أهل المنكر ~~والمفسدين وأهل الغش، ويؤدبهم ويقمع مفاسدهم، ويعمل على مراقبة الطرق وتنظيفها ~~وتوسيعها، والحكم على أهل المباني المتداعية بإزالتها، وكان محتسب القاهرة يجلس في ~~جامعي القاهرة والفسطاط يوما بعد يوم، ويبعث نوابه ووكلاءه إلى الشوارع والمنعطفات ~~يفتشون أحوال المدينة، وأوضاع الباعات والسوقية، ويقدمون إليه التقارير عما رأوا من ~~المنكر فيزيله، وكان صاحب الشرطة يعاونه، كما كان القاضي يعاونه في تنفيذ العقوبات، ~~وإقامة التعزيزات، وتأديب أهل المنكرات، وكان صاحب الشرطة أيضا من كبار رجال الدولة ~~وأكثرهم نفوذا وجاها، وكان له مقر خاص يجلس فيه ويبعث أعوانه ووكلاءه لإقامة الحدود ~~وتنفيذ الأحكام. # ومن الوظائف الإدارية الرفيعة لديهم: وظيفة الحاجب، وهو الموظف الكبير الذي يتولى أمر ~~باب السلطان أو النائب فلا يأذن لأحد في الدخول عليه إلا إذا استأذنه. # وكان الأيوبيون يكثرون من الحجاب والمماليك الأتراك والجراكسة للجندية وحفظ الحدود ~~والثغور وإدارة شئون البلاد، فلما ضعف الأيوبيون استولى هؤلاء المماليك على الدولة، كما ~~رأيت، وقد قسم هؤلاء المماليك الأمور الإدارية في دولتهم على النمط الأيوبي، ولكنهم ~~زادوا في شعب الإدارة، ونظموا أحوال المماليك؛ لأنهم كانوا عماد الدولة، وكان رأس ~~المماليك هو السلطان نفسه، فإذا كان طفلا تولى الأمر عنه ms156 قيم يسمونه «أتابكا» أو ~~«وصيا» وله التصرف في أمور المملكة، # 1 # ويليه رأس الجيش وهو كبير الأمراء ويسمى «أتابك» العسكر، وهو الذي يتولى ~~أمور الجيش وله شأن عظيم عندهم، ويليه «مقدمو الألوف»، وكان عددهم في مصر أربعا ~~وعشرين، وفي خدمة كل واحد منهم مائة مملوك، وهو مقدم على ألف جندي، وتدق على بابه ~~طبول وزمور يوميا بشكل معروف وأوقات معروفة، ومن وظائف مقدمي الألوف: إمارة السلاح، ~~وإمارة المجلس، وإمارة الدواتدار الأولى، وإمارة الآخور السلطاني، وإمارة الحجاب، ~~وإمارة الحج. # ويلي مقدمي الألوف طبقة «أمراء الطلبخانات» ولهم وظائف معينة هي : إمارة الدواتدار ~~الثانية، ونيابة القلعة، ونيابة الآخور السلطاني، وتليهم طبقة «أمراء العشراوات» وعدتهم ~~خمسون، ثم طبقة أمراء الخمسات وعددهم ثلاثون، ومنهم: أمير الطبر، وشاد القصر، وشاد ~~الأحباس والوقوف، وشاد دور الضرب، وشاد الأسواق، هؤلاء هم كبار موظفي الدولة ~~المماليك العسكريون. # أما كبار موظفي الدولة الدينيون: فهم رجال الوظائف الدينية، ورأسهم «قاضي القضاة» وهو ~~أكبر رجال الدين مكانة، وعليه مدار مصالح الأمة، ويليه «القضاة» الأربعة، وأجلهم ~~مكانة الشافعي ثم الحنفي ثم المالكي ثم الحنبلي، ويليهم «النواب» وهم الذين ينوبون عنهم ~~في القضاء، ويحكمون في الأقاليم والمقاطعات، وقد بلغوا في القرن التاسع نحوا من نيف ~~ومائة نائب، ويليهم «نقيب الأشراف» وهو أجل السادة الأشراف وأعلاهم مكانة، وبه يرتبط ~~مشايخ الصوفية وأرباب الطرق والزوايا. # وأما كبار موظفي الدولة المدنيين: فأعظمهم «الوزير» وهو المنصوب لمهمات أمور الدولة، ~~وإليه يعهد السلطان بتنظيم الممالك إداريا، وله الإشراف على «الديوان» و«بيت المال» ~~و«المواريث»، وهو الذي يتولى أمور رواتب الموظفين التي كانوا يطلقون عليها اسم ~~«العلوفات» كما يتولى جميع أمور نفقات الدولة وخرجها، وقد بلغت في زمان السلطان برقوق ~~في كل شهر خمسين ألف دينار، أما في زمن السلطان خليل الظاهري فقد بلغت أقل من ذلك بشيء يسير، # 2 # ويليه في المرتبة «ناظر الإنشاء» وهو كاتب السر وكاتمه، وفي ديوانه عدة ~~موقعين يكتبون الرسائل، وتحت هؤلاء الموقعين عدد من الكتاب والمراقبين، ومن ~~الوظائف الإدارية الكبرى: المشرف على أبراج الحمام الزاجل، ms157 وأول ما أنشئ عمله في الموصل ~~أيام العباسيين، وحافظ عليه الفاطميون، وبالغوا في أمره حتى أفردوا له ديوانا خاصا، ~~وجعلوا له جرائد معينة بأنساب الحمام وأحواله، وللشيخ محيي الدين بن عبد الظاهر كتاب ~~خاص بأبحاثه سماه: «تمائم الحمائم»، ثم اعتنى به الملكان نور الدين وصلاح الدين، إلى أن ~~كانت الدولة الأيوبية ثم الدولة المملوكية، فازدادت العناية به؛ لما فيه من فوائد ربط ~~البلاد ببعضها وتنظيم أخبارها. # ومنها: الحاجب المشرف على مراكز الثلج من دمشق إلى القاهرة، وقد اعتنوا بتحميل الثلج ~~عناية شديدة في أيام المماليك، وخصوصا أيام الملك برقوق فقد أمر بحمله على الهجن، ورتب ~~له ترتيبات خاصة، وكان قبل ذلك يحمل في البحر من بيروت إلى بولاق في النيل، ثم ينقل ~~على البغال إلى الشراب خانة، ويخزن في صهريج، أما في عهد السلطان خليل الظاهري فقد ~~كانوا يحملونه من حزيران إلى تشرين الثاني في عدة نقلات تبلغ 71 نقلة، ويجهز مع كل ~~نقلة بريدي ومعه ثلاج خبير بحمله ومداراته. # 3 # ومنها: وظيفة حاجب الخزانة الشريفة، التي كانت تحتوي على عدة خزائن وصناديق مملوءة ~~بالحلي والجواهر والأواني من ذهب وفضة وأمتعة حسنة. # ومنها: وظيفة صاحب السلاح خانة، التي كانت تحتوي على جميع آلات الحرب وعدده، وما ~~يتعلق بها. # ومنها: وظيفة صاحب الأهراء والشون، وتحتوي على الحبوب والأتبان المخزونة، وما إلى ~~ذلك. # ومنها: وظيفة صاحب الشكاركاه، وهي تتعلق بطيور الصيد وحيواناته وأسلحته وما شابه ~~ذلك. # ومنها: وظيفة صاحب الشراب خانة، وهي تتعلق بالأشربة والسكر والحلواء والعقاقير ~~والفواكه وما شابه ذلك. # ومنها: وظيفة صاحب الطشت خانة، وهي تتعلق بالملبوسات الملكية والأقمشة والكسوات وما ~~يتعلق بها. # ومنها: وظيفة صاحب الفراش خانة المتعلقة بالبسط والمفروشات والخيام والأسمطة ~~والقناديل والسرادقات وما شابه ذلك. # ومنها: وظيفة صاحب الطبل خانة، وهي تتعلق بالكوسات والطبول والزمور والنفر وسائر ~~الآلات الموسيقية التي تستعمل على باب السلطان وكبار المماليك والجيش وما شابه ذلك. # 4 # وفي أيام المماليك كانت الدولة منقسمة إلى تسعة ممالك: # أولاها: # المملكة المصرية، وحاضرتها القاهرة المعزية، وهي ms158 مقر الخليفة ~~والسلطان وكبار رجال المماليك، وفيها الديوان الشريف، ومنه تصدر كافة ~~التعيينات، وتسير الجيوش، وتنظم الغزوات والفتوح. # وثانيتها: # المملكة الشامية، وبها كافل الديار الشامية وهو الذي ينوب عن ~~السلطان، وله عظمة تحاكي عظمته، وتحت يده آلاف من المماليك؛ قسم منهم ~~ملكه الخاص، وقسم ملك للدولة، وعلى رأس هؤلاء المماليك جميعا مملوك ~~يسمى «أمير كبير»، ومملوك يسمى «حاجب الحجاب»، وتقسم هذه المملكة إلى ~~عدة مراكز في كل مركز وال ينصبه الكافل. # وثالثتها: # المملكة الكركية، وتشتمل على بلاد الكرك وقلعتها وما حولها، ويتولاها ~~في العادة «أتابك» العساكر. # ورابعتها: # المملكة الحلبية، وهي تلي المملكة الشامية في العظمة، وكافلها من ~~أعظم الكفال، ويعاونه في الإدارة ناظر الجيش ونائب القلعة وأربعة قضاة ~~وأمير كبير، وتقسيمها الإداري هو نفس تقسيم المملكة الشامية. # وخامستها: # المملكة الطرابلسية، وكافلها من أعيان الكفال، ويكون فيها أربعة قضاة ~~وأمير كبير. # وسادستها: # المملكة الحماوية، وتكون في الغالب تابعة للمملكة الطرابلسية، ~~وتقاسيمها هي تقاسيم طرابلس. # وسابعتها: # المملكة السكندرية، وتكون في تراتيبها وتقسيماتها وموظفيها كالمملكة ~~الطرابلسية. # وثامنتها: # المملكة الصفدية، وتكون في تقاسيمها كالمملكة الطرابلسية. # وتاسعتها: # المملكة الغزاوية، وكافلها مقدم العساكر، وترتيبها الإداري هو ترتيب ~~المملكة الصفدية. # أما أرض مصر: فقد كانت مقسمة إلى أربعة وعشرين قيراطا، يختص السلطان منها بأربعة ~~قراريط، والمماليك والأجناد يختصون بعشرة، والباقي وقدره عشرة موزع بين الأهلين جميعا، ~~وقد ساءت حالة الأجناد قبيل تولي السلطان لاجين، فإن كبار المماليك كانوا يستولون على ~~الأراضي ولا يعطون الأجناد إلا الشيء القليل من غلالها أو ثمن غلالها. # وأما الضرائب: فكانت تختلف باختلاف السلاطين، فإن كان السلطان ظالما أكثر منها ~~وأرهق المكلفين من الأهلين، وإن كان رحيما خفف من وطأتها، ومن المماليك السلاطين الذين ~~كانوا يرأفون بالأهلين: الملك الناصر، فقد قضى على إقطاعات المماليك التي كانت تنقص دخل ~~بيت المال، ومسح الأراضي المصرية، وأعاد النظر في مصروفات الدواوين، # 5 # وعمل على الإقلال من الضرائب المفروضة على الأسواق وصغار الباعة، وفي عهد ~~برسباي صدر قرار مؤداه أن التجارة الخارجية في البلاد كلها يجب أن ms159 تأتي إلى ميناء ~~المملكة السكندرية ثم إلى القاهرة حيث تفرض عليها الضرائب، ثم تنقل منها إلى سائر ~~الممالك، قال المؤرخ المستر موير في الفصل الذي خصصه للسلطان برسباي: إن الحكومة قد ~~احتكرت التوابل الشرقية وخاصة الفلفل، فحدا ذلك دول أوروبة إلى الشكوى والانتقام، وقد ~~أثقل كاهل الناس عبء آخر، وبخاصة في زمن الوباء، وهو التضييق على صناعة السكر بل على ~~زراعة قصب السكر، والحقيقة إن الحكومة دخلت في كل فرع من فروع التجارة وكانت تراقب ~~الأسواق، حتى أسواق اللحم والقمح، مراقبة أدت إلى أن هجرها الناس أحيانا هجرا نجم عنه ~~الهياج والثورة. # 6 # هذا ما كان عليه الأمر في أيام المماليك، فلما استولى العثمانيون تبدلت الأمور تبدلا ~~كليا، وفقدت مصر استقلالها، وفقد الشام استقلاله، وأضحيا خاضعين للباب العالي في ~~الأستانة؛ يرسل إليهما الولاة، ويتحكمون فيهما على الشكل الذي رأينا في القسم ~~السياسي. # ومن أظهر معالم التغير الذي طرأ بعد الاحتلال العثماني: انقضاء عهد الخلافة العباسية ~~التي أحياها المماليك في القاهرة كما أسلفنا بيانه، فقد قضى العثمانيون الأتراك على ~~الخلافة العباسية في مصر والشام، وتغلبوا عليها، فإن السلطان سليمان خلع آخر الخلفاء ~~العباسيين في القاهرة، ونادى بنفسه سلطانا وخليفة للمسلمين على الرغم من كونه غير ~~عربي، والخلافة إنما هي في قريش، ووجد من رجال الدين من زور له نسبا قرشيا ~~عربيا، وقد قسم السلطان سليم السلطة في مصر إلى ثلاثة أقسام: # أولاها: # سلطة الباشا، وهو الوالي المرسل من قبله. # وثانيتها: # سلطة الوجاقات - أي الفرق العسكرية - وهي مؤلفة من الأجناد ~~والعساكر العثمانية التي تقيم في مصر وسائر القطر، وهي ستة وجاقات وهي: ~~(1) وجاق المتفرقة للمراسم وهم نخبة من حرس السلطان. (2) وجاق ~~الجاويشية لجمع الخراج والضرائب. (3) وجاق الهجانة. (4) وجاق التفكجية ~~وهم أرباب البنادق المحاربون. (5) وجاق «الانكشارية» وهم عامة الأجناد ~~الأخلاط. (6) وجاق العرب وهم الأجناد العرب من سكان البلاد، وعلى كل ~~وجاق «آغة» و«كيخية» و«دفتردار» و«خزندار» و«رزنامجي»، ومن رؤساء ~~الوجاقات يتألف مجلس شورى الباشا. # وثالثتها: # سلطة المماليك الذين استبقاهم السلطان سليم من بقايا المماليك ms160 ~~السابقين حفظا للتوازن بين الباشا والوجاقات، وقد قسم السلطان سليم ~~الديار المصرية إلى اثنتي عشر «سنجقلية»، يحكم كل واحدة منها سنجق من ~~المماليك يسميه الديوان - أي مجلس شورى الباشا التركي. # وقد نتج عن هذا التقسيم الإداري الجديد أن اضطربت البلاد وقاست ويلات، ولكن الباب ~~العالي أصر على تنفيذه فنفذ، وبذلك استطاع الأتراك السيطرة على البلاد وحكمها حكما ~~مباشرا. # أما أرباب الإقطاعات القديمة: فقد ظلوا في الشام ومصر بعد الفتح العثماني على الحالة ~~التي كانوا عليها من قبل في أيام المماليك، وقد ظهرت في أيام الأتراك العثمانيين في كلا ~~القطرين أسر حكمت بعض المقاطعات حكما استقلاليا، مثل أسرة «الشهابي» و«المعني» ~~و«الحرفوش» وغيرهم، وكان زعماء هذه الأسر يجمعون الأموال من الأهلين، ويقدمون بعضها إلى ~~الوالي التركي، وبعضها إلى الباب العالي، ويحتفظون لأنفسهم بحصة الأسد، وكثيرا ما كان ~~يغضب الوالي التركي على أحد أصحاب الإقطاعات فيبعث إلى فرقة من «الانكشارية» أو الأجناد ~~«القبوقول» فيحرقون داره، ويسبون أهله، ويقطعون الشجر في بلاده حتى يخضع للوالي. # ومما هو جدير بالذكر في العهد العثماني أن كثيرا من الولاة والحكام كانوا يشترون ~~مناصبهم بالمال، وربما نالوها بالمزايدة، وينقل الأستاذ كرد علي عن تقرير لأحد القناصل ~~البندقيين أن منصب الوالي كان في الأستانة يكلف من «80 إلى 100» ألف دوكا، ومنصب ~~الدفتردار كان يباع ب «40 أو 50» ألف دوكا، ومنصب القاضي كان يساوي أقل من هذه القيم، ~~وكلهم إذا جاءوا البلد الذي عينوا له كانوا يسلبون النعمة ويعرقون اللحم، ويكسرون العظم، # 7 # وكان من الطبيعي أن هذا الوالي أو الدفتردار أو القاضي الذي وصل إلى منصبه ~~بالمزايدة أو الشراء، يعمل على استرداد مبلغه من الأهلين، ويهلك حرثهم ونسلهم، ويسلب ~~قوتهم، وقد ساعد هؤلاء الموظفين المرتشين بعدهم عن دار السلطنة - إستانبول - من جهة، ~~وتعامي السلطان وأهل الحل والعقد في العاصمة عن سماع أصوات المتظلمين من جهة ثانية، قال ~~المرحوم كرد علي نقلا عن المؤرخ التركي جودت: إن الدولة العلية لما انتقلت من دور ~~البداوة إلى الحضارة لم يتخذ رجالها الأسباب ms161 اللازمة لهذا الانتقال، وحصروا أوقاتهم في ~~حظوظ أنفسهم وشهواتهم، يقيمون في العاصمة القصور الفخمة، ويفرشونها بأنواع الأثاث ~~والرياش مما لا يتناسب مع رواتبهم، فاضطروا إلى الارتشاء وبيع المناصب بالمال وتلزيم ~~البلاد وأقطاعها بالأثمان الفاحشة، فضاق ذرع الأهلين، واضطر كثير من أهل الذمة أن ~~يهجروا الأرض العثمانية إلى البلاد الخارجية، وترك غيرهم القرى وجاء إلى الأستانة ~~فرارا من الظلم، فلم يبق مكان في الأستانة، وتلاصقت الدور وتضايقت أنفاس الناس وكثر ~~الحريق والأوبئة، # 8 # وإذا كانت هذه حال الدولة وهي في أوج عزها، فإنها حين ضعفت في القرن الثاني ~~عشر أضحت بحالة يرثى لها من الانحدار الخلقي والإداري، على الرغم من اتساع رقعة بلادها ~~من ڤيننا إلى أقصى بلاد العرب، ومن إيران إلى المغرب الأقصى، وماذا تعني سعة الرقعة ~~والبلاد يعمها الجهل، وينتشر فيها المرض، وتفتك بها الثورات الداخلية، والولاة تسلب ~~الحكام، والحكام تسلب الأهالي، والجند يعيثون في الأرض فسادا على اختلاف طبقاتهم ~~وأنواع وجاقاتهم من قبوقولية، وانكشارية، ولاوند، وسكبان، وغير ذلك من الفرق والطبقات ~~التي كانت كل واحدة منها حربا على أختها من جهة، وحربا على الأهلين من جهة ~~ثانية. # أما جباية الأموال فكانت على غير قاعدة، ولا في سبيل الفائدة العامة، وكان هم ~~الولاة والقضاة وسائر الحكام أن يجمعوا الضرائب والفرائض من الأهلين على اختلاف طبقاتهم ~~بالقوة، وإذا ما رفع أحدهم صوته أو اشتكى خنقوه أو قتلوه أو نفوه أو صادروه، والويل كل ~~الويل لمن يجرؤ على العصيان، ومخالفة أمر أولي الطاعة والسلطان، فإنهم حاكمون بأمرهم ~~وبأمر السلطان ظل الله على الأرض، وصاحب الكلمة المطلقة، الذي لا يسأل عما يفعل، وله ~~وحده الطول والحول والقوة. # ولقد قاست بلاد الشام ومصر ويلات شدادا لسوء إدارة ولاتهما وفساد الحكم ~~فيهما. # الفصل السادس # | الحالة الاجتماعية والثقافية والإدارية في الجزيرة العربية بعد سقوط بغداد # كانت أكثر بقاع الجزيرة العربية في أواخر العصر الأيوبي خاضعة لحكم هذه الأسرة ~~المسلمة المحافظة التي أعادت إلى الديار المقدسة والجزيرة العربية برمتها رونقها، ورفعت ~~من شأن سكان هذه البلاد ms162 الكريمة، وأغدقت عليهم الأموال، وبعثت إليهم بالخيرات وفاخر ~~الأثاث، وجعلتهم يشعرون بعناية الدولة بهم وبتقديرها إياهم، وقد كان أكثر الأمراء ~~الأيوبيين يتنافسون في تقديم الوقوف والهدايا والعطايا لسكان الحرمين خاصة، والمدن ~~الحجازية عامة، وكانوا يحبسون الأحباس الدارة عليهم، حتى عاش أهل هذه البقاع في نعيم ~~وخير، أضف إلى ذلك أن الأمن المستتب كان يسهل انتقال خيرات اليمن السعيدة ونجد ~~الميمون إلى الحجاز، فعاش أهله عيشة هنية، وكثر سكانه، وأخذ كثير من مسلمي الدنيا ~~يؤمونه، ويعيشون في ظلال البيت الحرام والروضة النبوية. # فلما جاء عهد المماليك بعدهم، واضطربت أحوال العالم الإسلامي، أصاب الحجاز ونجدا ~~واليمن ما أصاب سائر الأقطار المجاورة لها، فاشتد الضيق على الأهلين وساءت أحوالهم، ~~ولما أطل القرن السابع، ونكب العراق والشام ومصر بالتتار والصليبيين واضطربت أحوال هذه ~~الديار - امتدت الفوضى والاضطرابات إلى الجزيرة العربية، وبخاصة إلى الحجاز، فإن أهله ~~أخذوا يقاسون الويلات من المعيشة الضنكة والتجارة الكاسدة، وقد نتج عن هذا الفساد ~~الاقتصادي فساد اجتماعي؛ فساءت أخلاق الناس، وكثرت حوادث السلب والنهب، ولاقت قوافل ~~الحجاج وزوار الحرمين من بدو الحجاز وسائر الجزيرة أمورا مقلقة، وكثيرا ما فتك البدو ~~الأشرار بحجاج بيت الله وسلبوهم أموالهم، وملكوا نساءهم وأطفالهم، ولم تمر الجزيرة ~~العربية بعصر أسوأ من هذا العصر؛ فقد تفشت الأمراض الاجتماعية في البادية، وانتقلت منها ~~إلى الحاضرة، وتحكم الأشرار من الولاة والأشراف بالأهلين وساموهم سوء العذاب، وكثرت ~~الفتن وعم الغلاء، وامتلأت صفحات تاريخ الجزيرة بذكر حوادث الغلاء الشديد والبؤس ~~المخيف، ومن أفظع حوادث الغلاء والبؤس والفتن الداخلية حوادث سنة 817ه، فقد اضطر الناس ~~فيها إلى بيع أولادهم كالعبيد ليقتاتوا، وقال بعض المؤرخين: إن هذه السنة كانت سنة ~~فظيعة لما لقي الناس فيها من الغلاء والضيق، ولم يمر بالحجاز عام سوء مثلها سوى عام ~~هجوم القرامطة عليها، وقال أحمد بن زيني دحلان: ولا أعلم فتنة أعظم منها بعد فتنة ~~القرامطة، وكان القائد الذي وقعت الفتنة بسببه يقال له جراد، واتفق أن تلك السنة كانت ~~سنة غلاء، فقال بعض الأدباء في ms163 ذلك: # وقع الغلاء بمكة # والناس أضحوا في جهاد # والخير قل فهاهم # يتقاتلون على جراد # 1 # وفي سنة 815ه أيضا وقع غلاء شديد، وبيعت غرارة الحنطة وهي حمل جمل بعشرين دينارا ~~ذهبا، وكان عاما في جميع المأكولات بحيث بيعت البطيخة بدينار ذهب، # 2 # ونحن إذا رحنا نحدثك عن حوادث الغلاء والقحط اللذين لقيهما الحجاز أو نجد ~~أو اليمن - الغني بخيراته - جئناك بالمزعج المؤلم، الذي لا تكاد تصدقه، ويظهر أن هذا ~~البؤس قد أثر في أخلاق الناس وأحوالهم الاجتماعية فساءت أخلاقهم، وفسدت نفوسهم، ~~فأضحوا كالأنعام لا يحللون شيئا ولا يحرمون، وديدنهم هو جمع الأموال، ومصادرة أهل ~~الحقوق والغش والخداع والكذب، وقد نجم عن ذلك كله أن ساءت نفوس الناس، وانتشرت بينهم ~~أمراض اجتماعية مفسدة كالسرقة وقطع الطرقات والاحتيال وعدم رد الأمانات إلى أهلها، أضف ~~إلى ذلك أمراضا أخرى يجب أن تتنزه عنها أرض الحرمين الشريفين، ولكن الجوع كافر كما ~~يقولون، فقد زاد البلاء حينما أخذ الناس يفرون من ديارهم في العراق والشام ومصر خوفا ~~من الصليبيين والتتار قاصدين الحجار وسائر الجزيرة العربية طمعا في السكينة والأمن ~~والعيش الهادئ والنجاة بأموالهم وأنفسهم وألادهم، ولكن شيئا من ذلك لم يحصل، بل الذي ~~حصل هو العكس، فقد كبرت نفوس أهل مكة حتى اضطر صاحبها الشريف أن يخرج الناس منها ~~ويسفرهم إلى بلادهم، وأمر أحد الأشراف وهو الشريف مسعود أن ينادى في سنة 1149ه على جميع ~~الغرباء المقيمين بمكة من جميع الأجناس أن يتركوها ويتوجهوا إلى بلدانهم، # 3 # ولما لم يلبوا نداءه أمر بتكرار النداء، ثم أغلظ في العقوبة، وقال أحمد بن ~~زيني دحلان: «وسبب ذلك كثرة الغرباء بمكة حتى اتخذوها دار سكنى، فقطعوا بذلك عن أهلها ~~الحسنى، وصاروا يتعاطون بيع الأقوات، واستولوا على أغلب ما في الدفاتر السلطانية من ~~المرتبات، فتوجه بعد ندائه هذا خلق كثير». # 4 # ويظهر أن السبب في ذلك هو أن الحجاز بلد فقير لا يكاد يكفي أهله ونفرا ~~محدودا من الناس، فلما كثروا هذه الكثرة المخيفة اضطر الشريف المكي إلى إخراجهم ms164 منها، ~~ثم إن أهل الحجاز عامة وأهل مكة والمدينة خاصة قوم يعيشون على هبات أهل الخير في العالم ~~الإسلامي، وكل من جاء إلى حرم الله أو جاور قبر رسوله وجب على أولي الأمر إطعامه ~~وإسكانه وكساؤه، وقد جاء هؤلاء الدخلاء يشاركون الأهلين في أقواتهم وملبوسهم ومسكنهم، ~~فعمد الشريف إلى إخراجهم من الأرض المقدسة. # ومما يجب أن نذكره هنا أن أهل الحجاز كانوا يعتمدون في أمورهم المعاشية على ما يجيئهم ~~من الأموال والصدقات مع المحمل الشامي والمحمل المصري والمحمل اليمني، وما يبعث به ~~إليهم أمراء العالم الإسلامي وملوكه من الهند والمغرب وجاوه، وقد كانت هذه الصدقات تبلغ ~~أرقاما ضخمة ، قال أحمد بن زيني دحلان: «ووردت في هذه السنة صدقة لأهل مكة من الهند ~~وقدرها أربعة وعشرون ألف مشخص، وصدقة أخرى من سلطان المغرب، وصدقة ثالثة من الهند من ~~محمد علي، وفرقت جميع الصدقات وانتفع بها الكبير والصغير والغني والفقير.» # 5 # وإذا كانت هذه حالة القوم من الناحية المعاشية، فليس من المنتظر أن يكونوا أعضاء ~~عاملين في المجتمع البشري، أو يكون لهم نشاط في النواحي الاقتصادية والتجارية ~~والثقافية، والحق أن الوحيدين الذين كانوا يعيشون في الحجاز عيشة هنية هم الأشراف ~~وحواشيهم وأتباعهم، وكانت موارد الحجاز موزعة بينهم وبين الشريف صاحب مكة، فقد كان هو ~~يأخذ الربع ويوزع الثلاثة الأرباع، وكثيرا ما كانت تقع الحروب والفتن بينه وبينهم بسبب ~~الأموال، كما أسلفنا في القسم السياسي، وقلما خلا عهد شريف من الفتن، قال أحمد بن زيني ~~دحلان: «وفي سنة 1085ه خرج جماعة من السادة الأشراف مغاضبين لمولانا الشريف بركات يدعون ~~عليه أنه أخذ ما وصل إليهم من الإنعامات السلطانية فنزلوا بوادي مر الظهران، فبعث إليهم ~~السيد بشير بن سليمان بن لؤي بن بركات، فما زال بهم حتى رجعوا ففرق عليهم الإنعام ~~الواصل بينهم بالسوية، وذلك نحو أربعة آلاف دينار وألفي أردب حب. # وفي سنة 1085ه ورد مرسوم من السلطنة مضمونه قسمة مدخول مكة أربعة أقسام، الربع ~~لمولانا الشريف وثلاثة الأرباع للسادة الأشراف على السوية.» ms165 # 6 # وقد كان هؤلاء الشرفاء يتمتعون هم وأتباعهم بخيرات الحجاز، وأنهم كانوا سبب ~~الفتن والثورات التي تقع في الحجاز واليمن ونجد، وكانوا أيضا يبذرون فيما يحصلون عليه ~~من الأموال بشكل عجيب في حفلاتهم الخاصة أو ولائمهم العامة، ويتفننون في التبذير تفننا ~~لا يكاد يصدقه المرء، فقد رووا أن الشريف سرورا أنفق على ختان أولاده أموالا باهظة، ~~وأجرى في ذلك الفرح ما لم يسبق مثله، فألبس الملابس الفاخرة لكل من حضر الختان، ونثر ~~الذهب والفضة أعظم النثار، وعرض عليه أهل الحارات وأنعم عليهم بالملابس والعطايا ~~الجزيلة، ومن بعد صلاة المغرب ينتصب الديوان بالعساكر والنوبة تضرب، وعرض عليه السادة ~~الأشراف فألبسهم الملابس الفاخرة وأعطاهم من العطايا ما تقر به العين، وكذا حضر كثير من ~~أهل البادية وعرضوا عليه وأنعم عليهم بالملابس والعطايا، وأولم للسادة الأشراف ~~والعلماء وأعيان الناس وليمة منظمة، ووضع فيها أنفس المآكل وخيار الأطعمة، ثم أولم ~~لبقية الناس ولائم متعددة، وأولم أيضا للعساكر وأشياعه وعبيده، ثم أطلق في الولائم ولم ~~يخص أحدا، فما بقي أحد إلا وحضر تلك الولائم، واستمر هذا الفرح من عشرة من ربيع الأول ~~إلى السابع والعشرين منه، وفي السابع والعشرين أمر جميع عساكره وخيالته أن يحضروا بباب ~~دولته وإمارته، وأمرهم أن يطوفوا بأكناف البلاد في موكب عظيم وألاي منظم؛ فخرجوا بأفخر ~~الملابس ركبانا على الخيل المسومة مصطفين كل أربعة خلف أربعة، مقدما أمام الجيش سبعة ~~من المدافع تسير معه، ولم يبق أحد من أهل البلد إلا خرج يوم الزينة، ولما رجعوا إلى ~~داره العامرة ألبسهم الملابس الفاخرة، ونثر يومها من الدراهم ما اغتنى به كل صعلوك، وفي ~~غرة ربيع الثاني جعل فرحا عظيما للنساء وصنع لهن وليمة، ودعا فيها المغنيات وكساهن ~~أفخر الكساء، فهرع نساء البلد متفرجات، وأكل من الوليمة من حضرها من بواديها وحضرها، ~~والمغنيات يغنين بأنواع الألحان كتغريد الطيور على الأغصان، واستمر فرح النساء على هذا ~~النسق ثلاثة أيام، وتم في هذا الختان ما لم يتم لغيره من السرور، # 7 # فهذا الكلام يبين لنا ms166 أنواع الإسراف الذي ظهر في هذه الحفلات، وليس هذا ~~عجيبا ولا غريبا، فإن أهل الحجاز قوم مشهورون منذ القديم بميلهم إلى الإسراف في ~~الإنفاق، وكثرة العطاء، والميل إلى السرور وحب اللهو إذا ما تيسر لهم ذلك وواتاهم ~~الحظ. # تلك هي حالة الأشراف وحواشيهم، أما سواد الشعب فقد كان في وضع اجتماعي عجيب؛ يأكلون ~~ما تيسر، ويشربون ما وجد، ويقضون أوقاتهم في النوم والعبادة أو في الخصومات التي كانت ~~كثيرا ما تقع بين الأشراف وأمير مكة، أو بين الباشا التركي والجند، فينصرون جانبا على ~~جانب طمعا فيما يعدهم به، وإذا ما حدثت في البلاد حادثة أو زارها زائر جاءهم ما يشغلهم ~~أو يسليهم فترة من الزمن، ويجعلهم يقضون كثيرا من لياليهم في أسمار وأخبار، وخصوصا ~~إذا كان ما وقع يتعلق بأخبار السحرة والمشعوذين، وأكثرهم كان من المغاربة الذين كانوا ~~يجيئون إليهم فيحتالون عليهم ويبتزون أموالهم تحت ستار استخراج الكنوز المخبوءة أو قلب ~~المعادن الرخيصة إلى ذهب وفضة وما إلى ذلك، ومن أفظع هؤلاء الدجالين شخص مغربي قدم إلى ~~الجزيرة العربية في الثاني عشر للهجرة، فأخذ يفتن الناس ويقوم بأعمال غريبة، حتى اتصل ~~بالشريف محمد في سنة 1146ه فقربه إليه وعظمه لما اعتقد فيه من المقدرة والعلم ~~بالفنون السحرية والأسرار الطلسمية، والقوة العجيبة، وقد أراد أن يستعين به وبعلمه على ~~القضاء على خصمه ومنافسه الشريف مسعود الذي كان يكيد له، ولعب السحر والساحر في هذه ~~الفتنة أدوارا مدهشة ذكرها المؤرخ أحمد بن زيني دحلان، فارجع إليها إذا شئت. # 8 # ومن المشاكل الاجتماعية التي منيت بها الجزيرة في هذه الحقبة: مشكلة التدخين، فقد ~~انقسم الناس في شأنه ما بين محلل ومحرم، وبلغ أمره إلى الأشراف، وأخذ بعضهم يستغل أمره، ~~ويرهق الناس بسببه، ومن هؤلاء الشريف مسعود فقد قرر في سنة 1155ه أن يحرم على الناس ~~تعاطيه في المحلات العامة وبيوت القهوة، وأمر رجاله أن يقبضوا على كل من يرونه يدخن ~~ويضعوه في الأطواق والحديد والسلاسل، وقد اختلف الفقهاء والناس في سبب تشدد الشريف ms167 ~~مسعود بأمره، فقال بعضهم: إنه إنما فعل ذلك لأن شربه حرام، وقال آخرون: إنه فعل ذلك وإن ~~لم يكن محرما؛ لأنه انتشر انتشارا عظيما وتعاطاه الناس والسوقة والأراذل والأسافل، ~~وكانوا لا يرفعونه إذا مر عليهم الشريف أو العالم أو الفاضل؛ فلذلك أمر بعدم التظاهر ~~بشربه لذلك، # 9 # وقد انقسم الفقهاء في أمره؛ فذهبوا إلى مذاهب متناقضة فحرمه بعضهم، ~~وأباحه بعضهم، وكرهه آخرون، وقد وقعت بسببه مشاكل وفتن في الحجاز، بل وفي بعض أجزاء ~~العالم الإسلامي، وأكثر هذه المشاكل وقوعا في الحجاز فقد كان الأشراف يعتقدون بأن لهم ~~سلطانا روحيا وقداسة دينية، وأنهم حماة الشرع، وأنهم أصحاب التحليل والتحريم؛ فلذلك ~~حرمه بعضهم، فقامت طائفة من الفقهاء ترد عليهم وتبين خطأهم حتى قال بعض الفقهاء: من أين ~~جاءوا بهذه الأقوال، ولفقوا هذه الأقاويل، وما أشبههم بقوله تعالى: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا ~~حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على ~~الله الكذب لا يفلحون ~~. # والحق أن الأشراف قد أخذوا في تلك الحقبة يسمون بأنفسهم عن مصاف البشر، ويضعون ~~طبقتهم في مواضع لا يقرهم عليها شرع ولا يوافقهم فيها كتاب ولا سنة، ومن أغرب هذه ~~الأمور ما رواه لنا المؤرخون من أن أحدهم كان إذا مات طاف به الأشراف سبعة أيام حول ~~الكعبة وهو محمول على أعناق الناس، ثم يلحدونه ويبنون فوقه قبة يحجون إليها، # 10 # وما ندري من أين جاءوا بمثل هذه البدع السخيفة التي لا يقرهم عليها شرع ولا ~~عرف، ولكنهم قوم أحبوا أن يتساموا عن طبقة الناس فاخترعوا لأنفسهم هذه الأباطيل؛ ~~ليوهموا العامة أنهم من طينة غير طينتهم، ولم يكتفوا بما وقر في نفوس الناس لهم من الحب ~~والاحترام، وكفاهم شرفا أنهم من نسل الإمام علي عليه السلام ومن البضعة النبوية ~~الطاهرة. ~~••• # أما الحالة الثقافية في الجزيرة العربية، فمن المعروف أن أكثر بلاد الجزيرة فقير قاحل ~~يجلب إليه كل ما يحتاج، ويعتمد في حياته على ما يأتيه من الخارج، والجزيرة مقسمة ~~طبيعيا إلى ثلاثة أقسام: ms168 # أولها: # القسم الغربي، ويشتمل على الحجاز واليمن، أما الحجاز: فمن أشد بلاد ~~الجزيرة فقرا وحرا إذا ما استثنينا مدينتي الطائف والمدينة المنورة، ~~فإنهما نديتان بالحدائق النضرة والبساتين المثمرة، وأما اليمن: فهي ~~بلاد العرب السعيدة، وأغنى الجزيرة خصبا وخيرات ومعادن. # وثانيها: # القسم الجنوبي، ويشتمل على بلاد حضرموت وعمان، وهي بلاد جبلية فيها ~~بعض الأودية الصالحة للزراعة، والسواحل الغنية بالأسماك والدر. # وثالثها: # القسم الشرقي، وينتظم بلاد البحرين والأحساء والكويت، وهي بلاد حسنة ~~فيها بعض الأراضي الزراعية، وبخاصة النخيل، وفيها مغاصات للدر ومصايد ~~للأسماك. # أما قلب الجزيرة، فهو قسم من بلاد الحجاز وبلاد نجد، وهو على الأغلب تلال بركانية ~~ومرتفعات رملية وصحاري مقفرة يتخللها بعض الواحات، والجزيرة العربية كثيرة الصحاري ~~المقفرة الموحشة، وأكبر هذه الصحاري الربع الخالي والجوف والدهناء والنفود، وقد أثرت ~~هذه الصحاري المقفرة والأقاليم القاحلة في حالة السكان، سواء من حيث الزراعة وما إليها، ~~أو من حيث الحضارة وأسبابها، كما أثر هذا المناخ على الناس فأصبح أكثرهم بدوا ~~رحلا، وانصرف الحضريون منهم عن العلم والأخذ بأسباب الثقافة لخشونة العيش وصعوبة ~~الحياة، ولولا ما كان يجلبه موسم الحج أو ما تصدره الجزيرة وبخاصة اليمن ونجد وبعض مدن ~~الحجاز من اللؤلؤ والخيول والنخيل والثمرات لعاش أهل هذه البقعة من الأرض في ضنك ما ~~بعده ضنك. # وإذا كانت هذه حالة الطبيعة، وتلك موارد الجزيرة قبل أن يسيل في وديانها الذهب ~~الأسود، فليس من المعقول أن نجد فيها ثقافة رفيعة أو حضارة خطيرة، كالذي نجده في العراق ~~والشام ومصر، وإذا استطاعت هذه البلاد أن تقوى على الوقوف أمام النكبات الكبرى التي حلت ~~بها بعد انكساف شمس الخلافة من بغداد وهجمات المغول والصليبيين، فإن الجزيرة العربية ~~لم تقو على ذلك كله أو بعضه؛ لضعفها، ولبعدها عن المراكز التي انتقلت إليها الحضارة ~~بعد سقوط بغداد، والحق أن الفترة الوحيدة التي ازدهرت فيها الجزيرة العربية في القديم ~~القريب هي فترة ظهور الإسلام أيام النبي الكريم # صلى الله عليه وسلم # وأيام الخلفاء الراشدين حتى ~~كانت قلوب العالم الإسلامي تهفو ms169 إليها، تتعلم منها الهدى والعلم والأدب، فلما حل عصر ~~ضحى الإسلام وظهره أهمل الناس أمرها، ما عدا المدينة ومكة؛ لما لهما من القداسة، ولكثرة ~~زيارة المسلمين إياهما، أما سائر مدن الحجاز والجزيرة حتى اليمن السعيد فقد أضحت قرى أو ~~كالقرى يعيش أهلها في حكم إداري ساذج، ونظام اجتماعي فقير، وتراتيب سياسية بسيطة، ~~أكثرهم فقراء، لا مورد لهم إلا ما تجود به الطبيعة الشحيحة أو ما يبتزونه من الناس ~~حياء واقتدارا. # وقد نتج عن هذا التقهقر المعاشي تقهقر فكري فظيع، فانتشر الجهل حتى في الدين، وعمت ~~الضلالات والسخافات، وبخاصة في الأمكنة النائية عن الحرمين الشريفين ومواطن الحجاج ~~والزوار، وأخذت شمس الإسلام تغرب عن البقعة المنيرة التي فيها أشرقت، وانغمس الناس ~~عامتهم وخاصتهم في عقائد وعبادات كلها إلى الخرافة تمت، وعن طريق المنطق والدين ~~تحيد، وعمت الفوضى، وانتشرت الضلالة والخرافة محل الهدى والعلم، وأخذ العوام يتعبدون ~~الله على حرف، ويبتعدون عن روح الإسلام وتعاليمه، وعادت الجزيرة إلى حالة من الجاهلية ~~المقيتة حتى قال المؤرخ الأديب أمين الريحاني: وأهمل الناس الصلاة والزكاة والحج، ~~وكانوا لا يعرفون حتى مركز الكعبة، # 11 # ولولا الحجاز بطبيعة موقعه وقصد المسلمين ربوعه من كافة أرجاء العالم ~~الإسلامي، لكانت حالته كحالة سائر أقطار الجزيرة العربية، فقد كان له من العلماء ~~المسلمين الذين يقصدونه للحج أو مجاورة الحرمين الشريفين نبراس يضيء أرجاءه، وينشر فيها ~~العلم بعض الشيء، وكان بعض الأشراف من ولاته يهتمون بأمور الدين وتعليمه أمثال الشريف ~~بركات، فقد رووا أن سلطان مصر استدعاه في سنة 851ه إلى الديار المصرية، وخرج السلطان ~~للقائه، وبالغ في إكرامه، وقابله بالإجلال والتعظيم، ودعا علماء مصر ليأخذوا عنه، ~~فازدحم العلماء في حلقته، وأخذوا يقرءون عليه علوم الحديث والرواية؛ لأنه كان عالي ~~الإسناد، وقد أجاز نفرا منهم ثم رجع إلى مكة، # 12 # ومن أشراف مكة الأفاضل العلماء أيضا: الشريف حسن، وكان صاحب خيرات وعلم، ~~أجازه كثير من شيوخ العلم في عصره من شاميين ومصريين وعراقيين، وخرج له الشيخ تقي ~~الدين بن فهد المكي أربعين ms170 حديثا نبويا، ومدحه كثير من الشعراء والعلماء مثل شرف ~~الدين إسماعيل بن المقري صاحب «الروض والإرشاد»، وقد شيد هذا الشريف الفاضل بعض دور ~~العلم والعبادة، ومن أشهرها: رباط في مكة للرجال وآخر للنساء في المدينة. # ومن أشراف مكة الأفاضل أيضا: الشريف حسن بن أبي نمي، فقد كان محبا للعلماء معظما ~~لهم كثير الإنعام عليهم، وكانوا يتقربون إليه بالتآليف والرسائل فيجزل عطاءهم، وقد ~~ألف له الشيخ عبد القادر الطبري شرحا على المقصورة الدريدية فأجازه عليه بألف ~~دينار. # ومما هو جدير بالذكر أن بعض الأمراء والأشراف وبعض أهل الخير قد شيدوا عددا من ~~المعاهد والرببة من مدارس وربط وخوانق، ومن أشهر الأمراء الذين بنوا هذه المعاهد: ~~السلطان «قايتباي»، فإنه حين زار الحجاز في سنة 882ه أكرم أهله إكراما كبيرا، وبنى ~~لهم مدرسة كبرى عند باب النبي بمكة، وجعلها لأهل العلم من أرباب المذاهب الأربعة، وجعل ~~فيها كراسي لتدريس العربية والآداب والحساب، قال صاحب الأعلام: «في سنة 882ه أمر ~~السلطان وكيله وتاجره الخواجا شمس الدين محمد بن عمر الشهير بابن الزمن أن يشيد له ~~مدرسة يدرس فيها علماء المذاهب الأربعة، ورباطا يسكنه الفقراء، ويعمر له ربوعا ~~ومسقفات يحصل منها ريع كثير يصرف منه على المدرسين وعلى الفقراء، وأن يقرأ له ربعة في ~~كل يوم يحضرها القضاة الأربعة والمتصوفون، ويقرر لهم وظائف، ويعمل مكتبا للأيتام وغير ~~ذلك من جهات الخير، فاستبدل رباط السدرة ورباط المراغي وكانا متصلين، وكان إلى جانب ~~رباط المراغي دار للشريفة شمسية من شرائف بني حسن اشتراها منها، وهدم ذلك جميعه، وجعل ~~فيها اثنتين وعشرين خلوة، ومجمعا كبيرا ومشرفا على الحرم الشريف وعلى المسعى ~~الشريف، ومكتبا ومئذنة، وصير المجمع المذكور مدرسة بناها بالرخام الملون والسقف ~~المذهب، وقرر فيه أربعة مدرسين على المذاهب الأربعة وأربعين طالبا، وأرسل خزانة كتب ~~وقفها على طلبة العلم، وجعل مقرها المدرسة المذكورة، وجعل فيها خازنا، وعين له مبلغا، ~~وقد استولت على كتبها أيدي المستعيرين، وضيعوا منها جانبا كبيرا، وبقي منها ثلاثمائة مجلد.» # 13 # وقد ظلت هذه المدرسة ms171 إلى الأعصر المتأخرة معهدا يتلقى فيه طلاب العلم ~~الفقه وعلوم الدين إلى أن اضمحلت في العهد العثماني، ومن المدارس التي شيدت في عهد ~~الشريف حسن بن عجلان مدرسة ياقوت الغياثي، فقد ذكر صاحب الأعلام أنه قدم الحجاز في سنة ~~811ه واشترى دارين بقرب باب أم هانئ وهدمهما وجعلهما مدرسة ورباطا للصوفية، وجعل في ~~المدرسة مدرسين من أهل المذاهب الأربعة، وستين طالبا، ووقف عليهم الوقوف. # 14 # وهناك بعض الأمراء والمماليك والأشراف الذين شيدوا دور علم وكتاتيب ومدارس، وقد ظلت ~~هذه الدور المنبع العلمي الوحيد الذي كان يستقي منه أهل الحجاز. # ومن الأمور الجديرة بالذكر أن بعض الأسر العلمية الحجازية كبني فهد المكيين وبني ~~ظهيرة المدنيين كانوا كثيرا ما يهتمون بتعليم علوم الدين، وقد جمع صاحب كتاب «النور ~~السافر» تراجم نفر من الأفاضل الذين أفادت البلاد منهم في هذه الحقبة، وإذا كانت هذه ~~حالة الحجاز، وهو قلب الجزيرة العربية، فما قولك بحالة بقية أنحاء الجزيرة مثل نجد ~~واليمن وحضرموت؟ الحق أن الجهالة كانت متفشية، ولولا الأئمة العلويون الذين كانوا في ~~اليمن والذين كانون يهتمون شخصيا بالعلم الديني بعض الاهتمام لكانت الحالة أسوأ، ~~ولكنهم كانوا رجالا أفاضل يهتمون بالناحية العلمية، فعمموا حلقات الفقه، وأكثروا من ~~دروس العربية، وكذلك كانت حالة نجد والأحساء فقد انتشر فيها الجهل وعمت الفوضى، ولولا ~~اهتمام أئمة نجد بأمور الدين لظلت تلك البلاد أيضا في جهالة، ولكن ظهور المصلح محمد بن ~~عبد الوهاب التميمي (؟-1115ه) في نجد قد أنقذ الموقف، وأحيا معالم الدين، وسعى إلى نشر ~~العلم بكل قواه، وأعاد إلى نجد ما كان عليه في صدر الإسلام من حركة تهذيبية وأخلاق ~~إسلامية. # الفصل السابع # | الحالة الثقافية والاجتماعية في المغرب العربي # كان للحضارة الأندلسية أثر كبير في الحالات الثقافية والاجتماعية بأوربة منذ القرون ~~الوسطى، وكذلك كان الأمر في المغرب العربي، فقد ازدهرت الثقافة ازدهارا رائعا في كافة ~~أقطار المغرب من علوم وآداب وفنون بفضل الحضارة الأندلسية. # ولعل وقوع المغرب العربي بين بلاد الشام ومصر إلى الشرق، وبين بلاد الأندلس ms172 وأوربة ~~إلى الشمال قد حباها مزية لم تتمتع بها بقعة من بقاع الدنيا العربية؛ ولهذا نجد ~~للحياتين الثقافية والاجتماعية طابعا خاصا رائعا يجمع طابعي الغرب والشرق. # وقد كان لملوك الطوائف وبخاصة بني عباد والمرابطين والموحدين أثر واضح في طبع ~~الثقافة المغربية بطابع خاص. # ولقد لعب أدباء المغرب العربي وعلماؤه من مسلمين ونصارى دورا هاما في تاريخ ~~الحضارة العالمية؛ إذ إنهم نقلوا الحضارة العربية إلى أوربة، وترجموا كثيرا من الكتب ~~العربية إلى اللغات الأوربية كاللاتينية والإسبانية والبرتغالية، ومن أجل هذه الكتب ~~كتاب «كليلة ودمنة» الذي نقل إلى الإسبانية، ثم إلى اللاتينية بقلم عالم مغربي من أصل ~~يهودي، ومن هذه الترجمة أفاد «لافونتين» كثيرا في أمثاله وأقاصيصه، وهناك كتب الطب ~~والفلسفة التي نقلوها، وأفاد منها الغرب الأوربي في حضارته الفلسفية والعقلية. # وكان من أعمال المغاربة من ناحيتي الثقافة والصناعة: ازدهار صناعة الورق في المغرب ~~العربي، وقد كانت هذه الصناعة من أجل الصناعات التي أسداها المغرب إلى أوربة، ولولاها ~~لما اخترعت الطباعة، فقد انتقلت صناعة الورق من مراكش إلى إسبانية في منتصف القرن ~~السادس للهجرة، الثاني عشر للميلاد، ويذكر ياقوت الحموي أن هذه الصناعة كانت مزدهرة في ~~مدينة شاطبة الأندلسية في زمانه، ومن إسبانية انتقلت إلى إيطالية ما بين سنتي ~~1268-1276م، وكان هذا بفضل المغاربة من سكان جزيرة صقلية، ومن إيطاليا انتقلت إلى ~~ألمانيا فسائر مدن أوربة، وفي ألمانيا وجدت الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر للميلاد ~~بفضل وجود الورق، ولولا الورق لما وجدت المطبعة، ولولا المطبعة لما وجدت الحضارة ~~الأوربية الحديثة. # أما في حقل العلوم الطبيعية والفلكية والرياضية: فقد كان نصيب المغاربة نصيبا ~~وافرا، فقد ازدهرت هذه العلوم في ديارهم ونقلوها إلى الأندلسيين الذين ظهر منهم علماء ~~أجلاء كالقرطبي المجريطي (؟-1007م)، والرزقالي الطليطلي (؟-1087م)، وجابر بن أفلح ~~الإشبيلي (؟-1150م)، وريموند المرسيلي (؟-1140م)، ونور الدين أبو إسحاق البطروجي ~~(؟-1204م) تلميذ الفيلسوف ابن الطفيل. # وفي حقل التاريخ الطبيعي والصيدلة والطب نبغ نفر من المغاربة كان من أبرزهم أحمد بن ~~محمد الغافقي (؟-1165م) الذي ألف ms173 معجما نفيسا أحصى فيه نباتات الصيدلة والطب والعطارة ~~مما ينبت في إسبانية وشمال إفريقية، وقد سمى كل نوع منها بالعربية واللاتينية ~~والبربرية، وذكر فوائد كل نبات ووصفه وصفا علميا دقيقا، ويعتبر كتابه هذا من أدق ~~ما ألف في اللغة العربية، وله أيضا «الأدوية المفردة». # ومن العلماء المغاربة البارزين: عبد الله بن أحمد المشهور بابن البيطار، وهو أشهر ~~علماء النبات والصيدلة في الأندلس والمغرب، ويعتبر كتابه «المفردات» أجل كتاب علمي ~~في النبات والصيدلة والطب. # ومنهم أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (؟-1013م)، وكان طبيبا للحكم الثاني، وهو ~~صاحب كتاب «التصريف لمن عجز عن التأليف» الذي أورد فيه معلومات عن التشريح والجراحة، ~~كان هو أول من اخترعها، وبخاصة ما يتعلق بمباحث كي الجروح وسحق الحصاة في المثانة ~~وتشريح الأعضاء الميتة والحية، وقد نقل كتابه هذا إلى اللاتينية العالم الطبيب جرار ~~الكرموني، وطبع عدة مرات أقدمها طبعة سنة 1497م في البندقية، ثم طبعة سنة 1541م في ~~مدينة بازل، ثم طبعة سنة 1778م في أكسفورد. # وقد كان هذا الكتاب من الكتب العلمية التي لعبت دورا خطيرا في تاريخ علم الجراحة في ~~معاهد الطب الأوربية. # ومنهم الطبيب العالم ابن زهر عبد الملك بن أبي العلاء (؟-1162م) صاحب أكبر شخصية ~~علمية طبية برزت في الأندلس والمغرب العربي، وطبيب عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين، الذي ~~أثنى عليه الفيلسوف ابن رشد وقال عنه إنه «أعظم طبيب عرفه العالم بعد جالينوس.» # وقد خلف للخزانة العربية آثارا جليلة في الطب منها كتاب «التيسير في المداواة ~~والتدبير» الذي نقل إلى العبرية، ثم إلى لهجة البندقية العامية، ثم إلى اللاتينية في ~~سنة 1280م وطبع مرارا، وكتاب «الكليات» في الطب، وأنجب عبد الملك بن زهر جماعة من ~~الأطباء الفحول داموا ستة أجيال متواليات. # وكما أتقن المغاربة والأندلسيون هذه العلوم والآداب، أتقنوا فنون الهندسة والزخرفة ~~والبناء والنسيج، وخلفوا قصورا رائعة في الحمراء وغرناطة ومراكش وفاس وتونس ~~والقيروان. # وقد ظلت آثار هذه الحضارة في دول المغرب العربي من مراكش حتى برقة إلى أن جلا العرب ms174 ~~عن الأندلس، فلما نزلوا المغرب العربي، وهاجر إليه من هاجر من العلماء والأدباء ~~والفنانين والبنائين ازدادت جذور الحضارة عراقة في الشمال الإفريقي إلى أن وقع الاحتلال ~~العثماني فالاحتلال الأوربي، وأخذت وطأة الاستعمار تفتك بالأهلين وتعمل فيهم يد التخريب ~~والتجهيل. # الفصل الثامن # | الحالة الإدارية في المغرب العربي # لما احتل العثمانيون المغرب العربي في القرن العاشر للهجرة، السادس عشر للميلاد، أضحت ~~بلاد الجزائر محكومة من قبل «داي» وبلاد تونس محكومة من قبل «باي» وطرابلس الغرب محكومة ~~من قبل «باشا»، يقومون بالحكم في بلادهم تحت النفوذ العثماني مع شيء من الاستقلال ~~الإداري والمالي، وكانت الإدارة تسير في البلاد كلها من سيئ إلى أسوأ، وطمع الأجانب من ~~فرنسيين وإسبانيين وبرتغاليين وإيطاليين في السيطرة عليها واحتلالها، وكان ما كان من ~~احتلال جزء كبير منها على ما أطلعناك عليه في الكتاب الأول من هذا الكتاب. # ولما ضاق الناس ذرعا بالحكام الأجانب المحتلين وبأذنابهم من الحكام المحليين من ~~بايات ودايات وباشات عزموا على الثورة على هذا النظام. # وكان أول هذه البلاد ثورة بلاد الجزائر؛ لأنها منيت بالاستعمار قبل الأقطار المجاورة ~~الأخرى، وكان قائد هذه الثورة هو الفتى الشريف المرابط السيد عبد القادر بن محي الدين ~~الحسني القرشي 1808-1883م، فإنه بعد أن حج وزار المشرق، وكان عمره وقتئذ لا يتجاوز ~~الثانية والعشرين، ثم رجع إلى بلاده ورأى طغيان الفرنسيين، فأعلن الجهاد المقدس عليهم، ~~وظل يحاربهم بلا هوادة حتى غدا اسمه في شمال أفريقيا «حامي الإسلام والعروبة ومنقذهما ~~من براثن الاستعمار والنصرانية». # ثم تكاثرت عليه قوى الفرنسيين، واضطرته إلى الاستسلام بعد جهاد دام ستة عشر عاما ~~1831-1847م. # وما أن قضى الفرنسيون على عبد القادر حتى قامت ثورة السيدة لالا فاطمة سنة 1857م، ثم ~~ثورة سي سليمان سنة 1864م. # ولم يستطع الفرنسيون أن يفرضوا سلطانهم الكامل على البلاد وفرض نظام الإداري عليها ~~تماما إلا بعد سنة 1884م فأخمدوا كل نفس، وفرضوا على البلاد ضرائب باهظة أفقرتها، ~~واستولى الفرنسيون المستعمرون على نصف مليون هكتار من الأرض الطيبة، إلى أن كانت ~~الانتفاضة ms175 الأخيرة التي لا بد أن يلفظ الاستعمار الفرنسي أنفاسه فيها. # أما بلاد تونس: فإنها لقيت بعد الاحتلال الفرنسي عنتا وشدائد؛ لأن الفرنسيين أبقوا ~~هيكل الحكم القديم، واضطروا الباي أن يتخلى عن واجباته الإدارية، وأخذوا يفسدون الحرث ~~والنسل، حتى غدا أكثر من ثلث البلاد مقفرا لا زرع فيه ولا ضرع، وقد احتل البلاد ~~بالإضافة إلى المستعمرين الفرنسيين جماعة من الإيطاليين الزراع والتجار، استولوا على كل ~~شيء في البلاد، وأخذوا يعملون في حضارتها هدما، وعمد الفرنسيون إلى القضاء على الأوقاف ~~والمدارس، ومعاهد العلم حتى أقفرت البلاد من المثقفين وعم الجهل والبؤس كافة ~~أرجائها. # أما البلاد المراكشية: فإنها ظلت في منأى عن الاحتلال العثماني، ولكن الاستعمار ~~الفرنسي الإسباني والبرتغالي مد مخالبه إليها، وحاول أن يفسد أوضاعها، ويقضي على ~~حضارتها وثقافتها، ويهدم عرش أسرة بني سعد العلوية الحسينية أو أسرة بني فلال العلوية ~~الحسينية، ولكنه لم يفلح إلى حد ما، وبقي قسم من البلاد المراكشية بمنأى عن أن تطاله يد ~~الاستعمار؛ لأن ملوكها وضعوا ستارا حديديا بينهم وبين أوربا، فلم يسمحوا لدولها ~~بالاختلاط بهم، ولا أذنوا لقناصلهم بالإقامة في بلادهم؛ لأنهم شاهدوا نتائج ذلك في ~~البلاد المجاورة لهم كتونس والجزائر وطرابلس، وقد قسمت البلاد المراكشية إداريا إلى ~~قسمين؛ أولهما: بلاد المخزن وهي المقاطعات الخاضعة لسلطان الحكومة، فتؤدي لها الضرائب، ~~وتقدم لها الجنود، وثانيهما: بلاد السائبة وهي المقاطعات المستقلة ذاتيا وغير الخاضعة ~~لنفوذ السلطان المراكشي، وكانت بلاد الأطلس كلها ضمن هذه المقاطعات المستقلة رغم ~~إقرارها للسلطان اسميا. # وكان السلطان يمارس سلطانه بوساطة قواد يحملون لقب «باشا» ويقيمون في المدن الأربع ~~الكبرى، وهي: فاس، ومراكش، ورباط الفتح، ومكناسة. # وقد كان من نتائج الاستعمار التركي ثم الأوربي في الشمال الإفريقي أن انحطت الحياة ~~الثقافية والاجتماعية انحطاطا بارزا، ولولا المدارس الإسلامية القديمة، وحلقات ~~الجوامع والزوايا، لعم الجهل وانتشرت الأمية. # وقد كانت لجامع الزيتونة والقرويين والكتبية أثرها الواضح في حفظ التراث العربي، ~~والوقوف أمام سيل الجهالة الذي كانت دول الاستعمار تقذف به إلى البلاد كلها. # أما العلماء الذين نبغوا ms176 في المغرب العربي في هذه العصور فمنهم: المؤرخ أبو الحسن علي ~~نور الدين بن موسى بن محمد بن عبد الملك المشهور بابن سعيد المغربي الغرناطي (؟-673ه)، ~~وله «المغرب في حلى المغرب»، وهو من أمهات كتب التاريخ والأدب، وعنوان «المرقصات ~~والمطربات» في الأدب و«نشوة الطرب» في تاريخ الجاهلية. # وابن أبي زرع علي بن عبد الله الفاسي (؟-726ه)، وله من الآثار كتاب «الأنيس المطرب، ~~وروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس» وهو يشتمل على تاريخ الدول ~~الإدريسية والزناتية والمرابطية والموحدية والمرينية. # ومحمد بن الناجي التنوخي (؟-800ه) خطيب جامع الزيتونة في مدينة القيروان، وله كتاب ~~«معالم الإيمان» في وصف المساجد القديمة، وتاريخ بناء القيروان. # وأحمد بن الحسين بن الخطيب المعروف بابن قنفود القسنطيني من أوائل القرن التاسع ~~للهجرة، وله كتاب «الفارسية» في تاريخ دولة الحفصيين والمرنين، و«شرح الطالب في أسنى ~~المطالب». # وإمام المؤرخين وعلامتهم عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي التونسي (؟-808ه) ~~صاحب «المقدمة»، و«العبر». # وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد المكناسي العثماني (؟-919ه) المؤرخ الفقيه الأديب ~~صاحب «الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون»، و«تفصيل الدرر في القراءات». # والرحالة أبو عبد الله محمد بن محمد اللوائي الطنجي المشهور بابن بطوطة (؟-779ه)، وله ~~«الرحلة المشهورة» وهي من أمتع ما ألف في الخزانة العربية. # والفقيه الحسن بن مسعود اليوسي المراكشي البربري (؟-1111ه)، وكان من قبيلة بربرية ~~تعرف ببني يوسي، تفقه في سجلماسة ومراكش، وتولى التدريس في فاس، وله آثار منها «زهر ~~الأكم في الأمثال والحكم» وكتاب «المحاضرات». # والمؤرخ المحدث أبو عبد الله اللؤلؤي الزركشي (؟-932ه) وله كتاب «تاريخ الدولتين ~~الموحدية والحفصية» إلى سنة 932ه. # والمؤرخ الأديب ابن أبي دينار الرعيثي (؟-1110ه) وله «كتاب المؤنس في أخبار إفريقية ~~وتونس». # والمؤرخ السيد محمد الصغير بن محمد بن عبد الله الإفرائيني المراكشي (؟-1112ه) وله ~~كتاب: «نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي»، و«صفوة من انتشر من أخبار صلحاء القرن ~~الحادي عشر». # والمؤرخ الثقة محمد بن عبد الله بن أبي مريم المتوفي بعد سنة 1019ه ms177 وله كتاب «البستان ~~في تراجم علماء المسلمين في تلمسان». # والوزير المؤرخ ابن السراج (؟-1138ه) صاحب «الحلل السندسية في الأخبار التونسية»، وهو ~~تاريخ مفصل لتونس منذ الفتح العربي حتى سنة 1137ه. # ومنهم محمد بن خليل بن غلبون (؟-1150ه) وله «التذكرة» فيمن ملك طرابلس وما كان بها من ~~الأخبار، وفيه شرح قصيدة مدح طرابلس لأحمد بن عبد الدائم الأنصاري وتتضمن تاريخ طرابلس ~~من الفتح الإسلامي إلى القرن الثاني عشر للهجرة. # ومنهم المؤرخ الأديب المعروف بابن عبد الرحمن التلمساني (؟-1193ه)، وله كتاب: «الزهرة ~~الثائرة فيما جرى على الجزائر حين أغارت عليها الجنود الكافرة»، وفيه وصف دقيق لحوادث ~~الجزائر من زمن الوزير خير الدين إلى سنة 1189ه. # ومنهم الأمير المجاهد عبد القادر الجزائري 1300ه/1888م، فقد أضاف إلى خدمة أمته ~~بالجهاد أنه ألف بعض الآثار العلمية، ومنها: كتاب «وشاح الكاتب وزينة العسكر المحمدي ~~الغالب» في نظام الجيش وتدريبه. # وكانت له حلقات علمية وجلسات أدبية. # ومنهم السيد محمد بيرم التونسي 1307ه/1889م، وقد تفقه في تونس ، وأعان الوزير ~~المصلح خير الدين التونسي في حركته الإصلاحية التثقيفية، ولما توطدت أقدام فرنسة في ~~بلاده هاجر إلى مصر يحاربها بقلمه، وله آثار منها: رده على رينان الفرنسي، و«صفوة ~~الاعتبار بمستودع الأمصار» في وصف رحلته إلى أوربة ومصر والشام والحجاز. # ومنهم الوزير المصلح خير الدين التونسي 1308ه/1890م، كان من المقربين إلى الباي ~~أحمد لثقافته وعلمه واطلاعه على اللغات العربية والتركية والفارسية، بلغ أسمى المناصب ~~العسكرية في بلاده، وانتدبه الباي لمهمات سياسية في فرنسة فأحسن القيام بخدمة بلاده، ~~ومن آثاره: «أقوم المسالك في معرفة أصول الممالك» في وصف البلاد الأوربية. ms178