######OpenITI# #META# URI: 1379MuhammadAscadTalas.TarikhUmmaCasrInhilal.Hindawi46426308 #META# Tags: history #META# ID: 46426308 #META# Title: عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) #META# AuthorID: 35030937 #META# Author: محمد أسعد طلس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عصر الانحلال الأول‏ # الدولة العباسية في دوري انحلالها ~~وسقوطها‏ # 1 - في عصر الانحلال الأول، وعرض شئون ~~الخلافة‏ # 2 - في بيان مظاهر الضعف والانحلال في ~~الدولة ونتائج ذلك‏ # 3 - مجالي الانحلال في جسم الدولة‏ # 4 - في نتائج الانحلال‏ # 5 - الوضع الإداري والوزاري‏ # 6 - وضع الجيش ومشاهير القادة في هذا ~~العصر‏ # 7 - الوضع العلمي والثقافي في تلك الفترة ~~من عهد الانحلال‏ # 8 - الوضع الاجتماعي في هذا العصر‏ # عصر الانحلال الثاني‏ # 1 - عرض موجز لشئون الخلافة وأحوال الخلفاء منذ عهد المقتدر ~~إلى نهاية عهد الطائع‏ # 2 - مظاهر الضعف ومجالي الانحلال في ~~الدولة ونتائج ذلك‏ # 3 - ظهور دويلات جديدة‏ # 4 - الوضع الوزاري والإداري في عصر ~~الانحلال الثاني‏ # 5 - وضع الجيش في هذا العهد‏ # 6 - الوضع العلمي والثقافي في هذا ~~العهد‏ # 7 - في الوضع الاجتماعي‏ # عصر السقوط‏ # 1 - عرض موجز لشئون الخلافة وأحوال ~~الخلفاء من عهد القادر إلى عهد المستنصر ~~آخر الخلفاء‏ # 2 - مظاهر الانحلال وأسباب السقوط في الدولة‏ # 3 - في نتائج الانحلال وظهور دول جديدة‏ # 4 - أحوال البلاد الداخلية‏ # 5 - في الأحوال الخارجية‏ # 6 - الوضع العلمي والثقافي‏ # 7 - في الوضع الاجتماعي‏ # عصر الانحلال الأول‏ # الدولة العباسية في دوري انحلالها ~~وسقوطها‏ # 1 - في عصر الانحلال الأول، وعرض شئون ~~الخلافة‏ # 2 - في بيان مظاهر الضعف والانحلال في ~~الدولة ونتائج ذلك‏ # 3 - مجالي الانحلال في جسم الدولة‏ # 4 - في نتائج الانحلال‏ # 5 - الوضع الإداري والوزاري‏ # 6 - وضع الجيش ومشاهير القادة في هذا ~~العصر‏ # 7 - الوضع العلمي والثقافي في تلك الفترة ~~من عهد الانحلال‏ # 8 - الوضع الاجتماعي في هذا العصر‏ # عصر الانحلال الثاني‏ # 1 - عرض موجز لشئون الخلافة وأحوال الخلفاء منذ عهد المقتدر ~~إلى نهاية عهد الطائع‏ # 2 - مظاهر الضعف ومجالي الانحلال في ~~الدولة ونتائج ذلك‏ # 3 - ظهور دويلات جديدة‏ # 4 - الوضع الوزاري والإداري في عصر ~~الانحلال الثاني‏ # 5 - وضع الجيش في هذا العهد‏ # 6 - الوضع العلمي والثقافي في هذا ~~العهد‏ # 7 - في الوضع الاجتماعي‏ # عصر السقوط‏ # 1 - عرض موجز لشئون الخلافة وأحوال ~~الخلفاء من عهد القادر إلى ms001 عهد المستنصر ~~آخر الخلفاء‏ # 2 - مظاهر الانحلال وأسباب السقوط في الدولة‏ # 3 - في نتائج الانحلال وظهور دول جديدة‏ # 4 - أحوال البلاد الداخلية‏ # 5 - في الأحوال الخارجية‏ # 6 - الوضع العلمي والثقافي‏ # 7 - في الوضع الاجتماعي‏ # | عصر الانحلال # | عصر الانحلال # | تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) # تأليف # محمد أسعد طلس # | عصر الانحلال الأول # من سنة 232ه إلى سنة 320ه # | الدولة العباسية في دوري انحلالها ~~وسقوطها # | الكتاب الأول # عصر الانحلال من سنة 232ه إلى سنة 320ه. # عرض موجز لشئون الخلافة وأحوال الخلفاء من عهد المتوكل ~~إلى نهاية عهد المقتدر. # الفصل الأول # | في عصر الانحلال الأول، وعرض شئون ~~الخلافة # يعتبر عهد المتوكل على الله جعفر بن المعتصم ~~(232-247ه/847-861م) بداية دور الانحلال في الدولة العباسية؛ فقد ~~كان ضعيف الإرادة، محدود الفكر، يكره البحث والمناظرة، ويميل إلى ~~التقليد والتسييب، وحب اللعب واللهو، والحياة اللينة والمضاحك، هذا ~~إلى ما كان عليه من سذاجة وتسييب لأمور الدولة، والاعتماد في ~~إدارتها على كبار القادة الأتراك، الذين قوي سلطانهم في عهده، ~~وامتد نفوذهم إلى كل مرافق الدولة، حتى بلغ بهم أن تآمروا عليه مع ~~ولي عهده محمد المنتصر، فقتلوه شر قتلة، وقد تولى كبر ذلك بغا ~~الصغير المعروف بالشرابي ووصيف وباغر ففتكوا به، وولوا ابنه محمدا ~~المنتصر صبيحة مقتل أبيه، وقد أراد الخليفة الجديد أن يحافظ على ~~عرشه، ولكن جهوده ذهبت سدى، ولم يطل عهده أكثر من ستة أشهر، ~~سمه المتغلبون الأتراك بعدها، ثم أجمع أمر قادتهم على ألا يولوا ~~أحدا من أولاد المتوكل لئلا يطالبهم بدم أبيه، فولوا المستعين ~~أحمد بن المعتصم (سنة 248)، ثم لم يلبث الأتراك أن استولوا على أمر ~~المستعين كله وتولى وزارته أتامش أحد القواد، فكان هو صاحب الحل ~~والعقد، حتى إذا حكم أربع سنوات، مل القواد حكمه، واضطروه على أن ~~يخلع نفسه ثم قتلوه سنة 252، وولوا بعده المعتز بالله محمد ~~بن المتوكل، وكان عاقلا حازما، أراد أن يستعيد للسلطان أبهته، ~~فلم يمكنه القادة الأتراك، ومن أطرف ما يروى في هذا المقام ما ~~حكاه ابن طباطبا في ms002 الفخري قال: «لم يكن بسيرته ورأيه وعقله بأس، ~~إلا أن الأتراك كانوا قد استولوا منذ قتل المتوكل على المملكة، ~~واستضعفوا الخلفاء؛ فكان الخليفة في يدهم كالأسير، إن شاءوا ~~أبقوه، وإن شاءوا خلعوه، وإن شاءوا قتلوه. ولما جلس المعتز على ~~سرير الخلافة، قعد خواصه وأحضروا المنجمين وقالوا لهم: انظروا كم ~~يعيش وكم يبقى في الخلافة؟ وكان بالمجلس بعض الظرفاء، فقال: أنا ~~أعرف من هؤلاء بمقدار عمره وخلافته. فقالوا له: فكم تقول إنه يعيش ~~وكم يملك؟ قال: مهما أراد الأتراك. فلم يبق في المجلس إلا من ~~ضحك.» # وقد حاول المعتز بالله أن يتخذ حرسا من عنصر جديد غير الأتراك، ~~لعلهم يقفون في وجههم، فاتخذ حرسا من المغاربة، وأمر بإسقاط اسمي ~~وصيف وبغا من قوائم القادة، وكتب بذلك إلى الأقاليم، ولكنهم ~~استطاعوا أن يتغلبوا عليه وتآمروا مع الجنود المغاربة على خلعه، ~~فدخلوا عليه باب حجرته وهو مريض، قد أخذ الدواء، فجروه برجله ثم ~~خرقوا جسم المريض بالدبابيس وأقاموه في الشمس حتى مات عطشا بسر ~~من رأى 255ه/869م، ثم ولوا بعده المهتدي بالله محمد بن الواثق، ~~وكان متدينا ناهجا على منهج الخلفاء الراشدين، ورووا عنه أنه قال ~~(كما في تاريخي النبراس، والفخري): إني أستحيي من الله ألا يكون ~~في بني العباس مثل عمر بن عبد العزيز في بني أمية، وقد أراد أن ~~يسير بالناس سيرة حسنة، ويعيد للخلافة مجدها، ويقضي على نفوذ ~~الأتراك، فأمر بقتل زعيمهم «بايكباك» التركي فلما قتل هاجت ~~الأتراك، ووقعت الحرب بينهم وبين المغاربة، وقتل من الفريقين عدد ~~كبير، واشتدت الفتنة حتى خرج المهتدي فيها والمصحف في عنقه، وهو ~~يدعو الناس إلى نصرته والقضاء على الأتراك المتغلبين، وقد أبلى ~~الجنود المغاربة والفراغنة في ذلك بلاء حسنا، ولكن القائد «طببغا» ~~أخا «بايكباك» استطاع أن يتغلب عليهم، وانهزم الخليفة والسيف في ~~يده وجراحه تسيل دما، فلحق به بعض الأتراك وقتلوه شر قتلة وولوا ~~مكانه المعتمد بن المتوكل سنة 256 وكان ضعيفا. # وفي تلك الأيام طمع أصحاب المطامع بالاستقلال بالأقاليم لما ~~رأوا ما في ms003 العاصمة من الفوضى والاضطراب، فقويت في نفوسهم فكرة ~~القيام بالثورات؛ ففي سنة 249 ثار عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد ~~بن علي في الكوفة، واجتمعت إليه الزيدية ودعا إلى «الرضا من آل ~~محمد». وفي سنة 250 ثار الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن ~~بن زيد بن علي في طبرستان ، فتملكها، كما تملك جرجان إلى سنة ~~270، ثم قام أخوه محمد بن زيد من بعده فضم إليه مملكة الديلم ~~أيضا، وبقي يحكمها إلى أن قضى عليه السامانيون سنة 287. وفي سنة ~~255 كانت ثورة صاحب الزنج التي أقلقت بال الخليفة، وقلقلت أركان ~~الدولة وكاد الثوار أن يفوزوا على جيش الخليفة، ولكن أخا الخليفة ~~الموفق طلحة استطاع سنة 270ه/883م أن يقضي على تلك الثورة التي ~~دامت أكثر من أربع عشرة سنة، وتركت وراءها ويلات وآثارا مخيفة من ~~التدمير والفساد. # 1 # ولما مات المعتمد بالله سنة 279ه تولى الأمر المعتضد أحمد بن ~~الموفق بن المتوكل، وكان فتى شجاعا نبيلا عاقلا حازما، ولكنه ~~ولي الأمر والدنيا خراب والثغور مهملة، فقام قياما مرضيا، حتى ~~عمرت مملكته، وكثرت الأموال وضبطت الثغور، وكان قوي السياسة، ~~شديدا على أهل الفساد، حاسما لمراد أطماع عساكره عن أذى الرعية ... ~~وكانت أيامه أيام فتوق وخوارج كثيرين، منهم: عمرو بن الليث الصفار ~~الذي كان قد عظم شأنه واستولى على أكثر بلاد العجم # 2 # كما سنرى تفصيل ذلك بعد. # ولما مات المعتضد سنة 289 تولى الأمر ابنه المكتفي بالله، وكان ~~من أفاضل الخلفاء، وقد أراد أن يعيد للخلافة عزها، ولكنه لم ~~يفلح؛ ففي أيامه خرج القرامطة، وكانت فتنتهم عظيمة، لقي الإسلام ~~بها بلاء جسيما. وفي أيامه استقر الأمر للدولة الساسانية في بلاد ~~خراسان، فاقتطع جزء كبير من أملاك الخلافة، ولما مات المكتفي سنة ~~295 تولى الأمر بعده المقتدر بن المعتضد، وكان فتى لم يتجاوز ~~الثالثة عشرة، وقد أثار توليه ~~الخلافة - وهو غير بالغ - بعض ~~الاضطراب بين أهل الرأي، وانقسم الفقهاء والمحدثون في جواز ذلك أو عدمه، # 3 # ولم ينته هذا الاضطراب ms004 إلا بعزله وتولية عبد الله بن ~~المعتز، ولكنه لم يلبث إلا يوما وليلة، ثم استطاع أنصار المقتدر، ~~وعلى رأسهم القائد «مؤنس» المظفر أن يعيدوه إلى دست الخلافة، وفي ~~أيام المقتدر قوي شأن القرامطة وضعف شأن الخلافة ضعفا لا مزيد ~~عليه؛ فقد كان شابا غرا لا يعرف شيئا من الكياسة ولا السياسة، ~~وكانت تدير الأمر أمه السيدة «شغب» وقهرمانة (ثمل)، فهما اللتان ~~كانتا تقومان بشئون الدولة، وتأخذان الرشى، وهو لاه ساه كما ~~كان مواليه من الأتراك، كمؤنس ومحمد بن ياقوت هم الذين يدبرون ~~الدولة، والحق أن أيامه كانت أسوأ عهد مرت به الدولة العباسية منذ ~~تأسيسها؛ لأن النساء والخدم والأشرار كانوا هم المسيطرين، وقد ~~استمرأ هؤلاء الأشرار لذة الحكم في عهد هذا الصبي الذي انصرف - حتى ~~بعد أن بلغ سن الرشد - إلى اللهو والإسراف والانغماس في الشهوات، ~~ومن سوء حظ الأمة أن عهده قد دام طويلا، فاستشرى الفساد، وأخذ ~~الوزراء والكتاب والقادة يتناطحون ويتآمرون، حتى عم البلاء ~~وانتشر الشر ووقعت الفتنة في البلاد داخلها وخارجها، وكان خاتمة ~~ذلك كله مقتل الخليفة سنة 320ه/932م، وبقتله عمت الفوضى، وطغت ~~على الدولة العباسية موجة فتن وجراح لم تلتئم إلا بعد فترة ~~طويلة. # الفصل الثاني # | في بيان مظاهر الضعف والانحلال في ~~الدولة ونتائج ذلك # الواقع أن التعمق في دراسة التاريخ العباسي في هذه الفترة ما ~~بين سنة 232 و320ه له شأن كبير في تفهم تاريخ هذه الدولة بصورة ~~خاصة، وتفهم التاريخ الإسلامي بصورة عامة؛ فإن الهزات التي حلت ~~بالعالم الإسلامي في ذلك القرن كانت هزات عميقة الأثر، قوية ~~النتائج، وما يزال العرب والمسلمون حتى الآن يتحملون نتائج تلك ~~الهزات، وإن الأحداث السياسية والاجتماعية والدينية والعقائدية ~~التي وقعت في هذه الفترة هي أحداث خطيرة، غيرت كثيرا من مجرى ~~التاريخ الإسلامي وطورته بشكل خاص، ويتجلى لنا ذلك في النقاط ~~الخمس الآتية: ~~(1) # إن استكثار الخلفاء من العنصر التركي في الدولة، قد ~~كان عاملا أساسيا في زعزعة أركانها، وقلقلة دست ~~الخلافة، وقد كان عمل الواثق بالله، الذي استكثرهم ~~وقربهم ms005 وسلطهم، عملا أحمق، كان من نتائجه تسلط ~~هذا العنصر الهدام الغريب على مرافق الدولة والتطويح ~~بالمبادئ السامية التي قامت الدعوة العباسية من أجلها، ~~من سياسية، وإدارية، وثقافية، ودينية. ~~(2) # برز في هذا العصر عنصر جديد، كان له أثر كبير في ~~تهديم أركان الدولة، ألا وهو عنصر النساء الجاهلات، من ~~أمهات الخلفاء وقهرماناتهم، وجواري قصورهم، أمثال: ~~أم المستعين، وأم المعتز، وأم المقتدر، وقهرمانته ~~«ثمل» وغيرهن من النساء الغريبات عن البيئة العربية، ~~واللواتي ما كان يهمهن سوى أغراضهن الخاصة وحب ~~السلطان والحكم والمال. ~~(3) # كان من نتائج هذا الضعف في الإدارة والاستكثار من ~~الأتراك وسيطرة النساء والانحلال في مقر الخلافة أن ~~قويت مطامع الطامعين في الأمصار والأقاليم النائية ~~والقريبة، واشتدت رغبات الطامحين إلى الحكم والاستقلال ~~ببلادهم، وفصلها عن جسم الدولة العباسية، وقوي تذمر ~~المتذمرين فانسلخ عن جسم الدولة كثير من الأقاليم، ~~كانسلاخ اليمن على يد يعفر بن عبد الرحيم، وانسلاخ ~~سجستان على يد الأسرة الصفارية، واستقلال خراسان وما ~~وراء النهر بزعامة الطاهريين والسامانيين، وانفصال مصر ~~أيام بني طولون والإخشيد، وتقلص الموصل وشمالي الشام ~~وديار بكر وما إليها بزعامة بني حمدان، أو كسيطرة نفر ~~على مركز الخلافة نفسه، كما فعل فيما بعد البويهيون ~~والسلاجقة ثم المغول. ~~(4) # رأى العلويون على اختلاف فرقهم من جعفرية، وزيدية، ~~وإسماعيلية، ضعف الدولة، فقاموا يطالبون بحقهم السليب ~~بقوة وعلنية، وكان من نتائج ذلك أن قام الإمام الحسن ~~بن زيد الأطروش بحركته الزيدية في جرجان وطبرستان، تلك ~~الحركة التي قوي نشاطها حتى امتدت إلى بغداد، وقام ~~صاحب الزنج بحركته في البصرة وما إليها، وثار ~~الإسماعيلية والقرامطة على مغتصبي حقوقهم، وكان من ~~أمرهم ما هو معروف. ~~(5) # حين قوي الانقسام بين القادة من الأجناد الأتراك، ~~وضعف أمرهم بعض الشيء وأراد الخلفاء إيجاد عنصر قوي ~~في مجال السياسة، برز عنصر جديد هو عنصر الكتاب ~~والوزراء، وقد كان لهذا العنصر القوي من رجال العلم ~~أثر واضح في إدارة البلاد، أمثال بني خاقان، وبني ~~الفرات، وبني وهب، وبني مقلة، وبني مخلد، وقد كان ~~هؤلاء الكتاب الوزراء يختصمون ms006 فيما بينهم، ففسدت ~~أمور الدولة من جديد فسادا لا يقل عن فسادها بالقادة ~~الأتراك؛ لأن طمعهم بجمع الأموال والسيطرة على مرافق ~~الدولة قد أفسد الأمر، وسار بالدولة نحو الخراب ~~والإفلاس. # هذه هي بعض مظاهر الضعف الخطيرة التي حلت بالدولة ~~العباسية في الفترة التي نؤرخها، وهي كما نرى مظاهر ~~ذات أثر واضح في السير بالدولة في طريق الانحلال ~~فالانهيار، ولو لم يسبغ العباسيون على خلافتهم ذلك ~~الثوب الإلهي والرداء الديني المحمدي لاضمحل أمرها ~~سريعا، ولم تستطع البقاء ولو بذلك المظهر الصوري إلى ~~أن قضى عليها هولاكو. # الفصل الثالث # | مجالي الانحلال في جسم الدولة # لم تتبدل أكثر الأوضاع العامة من إدارية واجتماعية وفكرية ~~وسياسية في هذا العصر، عما كانت عليه في العصر العباسي الأول ~~تبدلا ذا معالم بارزة، ولكن هناك مجالي جديدة ظهرت في تلك الحقبة، ~~ولا بد لنا من وقفة أمام بعض الأوضاع التي تبدلت لتبين حقيقة ما ~~كانت عليه وما طرأ عليها من تطور، أو ما حدث ولم يكن من قبل، وإن ~~من أبرز ما يلحظ المرء في هذه الفترة من مجالي انحلال الدولة ~~وتبدلها عما كانت عليه، يمكن إجماله في النقاط السبع ~~الآتية: ~~(1) ضعة شأن الخلافة وانحطاط مركز الخليفة انحطاطا ~~ملموسا # لقد كان لتدخل القواد الأتراك، ثم الوزراء والكتاب، ثم ~~النساء أثر واضح في إيجاد تلك الضعة؛ فكثير من الخلفاء قتل ~~وأهين، وكثير منهم سملت عيناه وعذب، وكثير منهم خلع، ~~حتى أصبح الخليفة شبحا يؤمر فيطيع، ويطلب إليه أن يولي ~~من يريده القادة أو الوزراء، فيوليه دون أية مناقشة، ويأمرونه ~~أن يعزل من لا يرضون عنه فيعزله، وقد يكون كارها لذلك. ويحفظ ~~لنا التاريخ كلمة للخليفة الراضي تبين سوء حال مركز الخليفة، ~~قال: وكأني بالناس تقول: «رضي هذا الخليفة بأن يدبر أمره ~~عبد تركي حتى يتحكم في المال، وينفرد بالتدبير، ولا يدرون أن ~~هذا الأمر قد فسد قبلي، وأدخلني فيه قوم بغير شهوتي، فسلمت ~~إلى ساجية وحجرية، # 1 # يتسحبون علي، ويجلسون في اليوم مرات، ويقصدونني ~~ليلا، ويريد كل واحد ms007 منهم أن أضعه دون صاحبه وأن يكون له بيت ~~المال، وكنت أتوقى الدماء في تركي الحبل عليهم إلى أن كفاني ~~الله أمرهم، ثم دبره ابن رائق فدبره أشد تسحبا في باب ~~المال وانفرد بشربه ولهوه.» # فإننا نرى أن الراضي كان ضاق ذرعا مما صارت إليه منزلة ~~الخلافة، وأنه يتبرأ أن يكون هو الذي تساهل فأوصل منزلة ~~الخلافة إلى ذلك الدرك، فيقول: إن هذا أمر كان منذ القديم، ~~فهو لا يستطيع أن ينجي الخلافة منه. ~~(2) ظهور منصب «إمارة الأمراء» # وهي وظيفة استخلصها لنفسه «زعيم القادة الأتراك»، وصار ~~بموجبها أكبر رئيس في الدولة الإسلامية، يتولى أمورها فعلا، ~~ويترك المظاهر الشكلية للخليفة، وأول من تولى هذا المنصب هو ~~ابن رائق آمر الجيش وقائده الأعلى؛ فقد اتفق هو والقواد الكبار ~~سنة 304ه، على أن يتولى هو بنفسه إدارة الدولة ورئاسة الجيش، ~~ويدير المملكة فكان له ذلك، وخطب له مع الخليفة على جميع ~~منابر الممالك التابعة للدولة، واستطاع أن يسيطر على أموال ~~الدولة، بينما صار الخليفة شبه موظف يتسلم راتبه آخر الشهر، ~~وينقش اسمه على السكة مع اسم أمير الأمراء، وقد استمر هذا ~~الأمر حتى دخول بني بويه إلى بغداد سنة 334ه، كما سنرى تفصيل ~~ذلك. ~~(3) اضطراب شأن «ولاية العهد» # لم يبق لولاية العهد إلا شكلها الظاهري بعد أن استقر الأمر ~~نهائيا على أن يكون الترشيح لمنصب الخلافة بيد المتنفذين من ~~قادة الجيش وكبار الوزراء، يولون الأمر من يشاءون ويخلعون من ~~يشاءون، ويسمون لولاية العهد من يشاءون، ثم يبدلونه حين ~~يريدون، فهم أصحاب السلطة الحقيقية، وهم الذين يبدءون بمبايعة ~~الخليفة (البيعة الخاصة)، فإذا انتهوا من ذلك، أذنوا للناس أن ~~تبايعه (البيعة العامة). ~~(4) على الرغم من ضعة شأن الخلافة بقيت بعض المزايا ~~للخليفة # يلاحظ أنه على الرغم من ضعة شأن الخلافة وظهور أمير ~~الأمراء قد بقيت بعض المزايا الخاصة بالخليفة، مثل تمتعه ~~باحترام جمهور المسلمين، وولائهم له، والنظر إليه على أنه ~~مرجعهم الديني الأعلى، يلجئون إليه في الملمات ويتوسلون به إلى ~~الله؛ ولذلك حرص أمير الأمراء، ms008 الذي استحوذ على السلطة ~~الفعلية، على أن يحفظ للخليفة من المظاهر الشكلية بما لا يجرح ~~شعور العامة أو يطعن عواطفهم تجاه هذا المنصب الديني الرفيع؛ ~~ولهذا ظلت المراسيم والقوانين والمشاريع كلها تصدر باسم ~~الخليفة. بينما كانت يداه مغلولتين، وهو مغلوب على أمره، وقد ~~كان لهذا الأمر أثره في بقاء نوع من التماسك في كيان الدولة ~~الإسلامية على تفكك أوصالها، كما أشرنا إليه فيما مضى؛ فقد ظل ~~كل المسلمين في كافة أجزاء الدولة المتفككة، المستغلة أجزاؤها، ~~ينظرون إلى الخليفة كأنه هو القوة الجامعة لهم جميعا، الموحدة ~~لآمالهم، وشعورهم الديني؛ لأنه إمامهم الديني وحامي حمى ~~عقيدتهم. ~~(5) قوة نفوذ منصب الوزارة # فقد كان الوزير في السابق كاتبا، يتلقى أوامر الخليفة ~~فيبلغها من يريد أو يستكتبه فيكتب له، أو يستشيره فيشير عليه، ~~وحيثما كان يحس الخليفة بتعاظم نفوذ وزيره أو يشعر بأية ريبة ~~منه يقصيه عن منصبه أو يصادره ويقتله، أما في هذه الفترة فقد ~~صارت الوزارة إلى مكانة سامية، وربما نافست صاحب السلطة ~~العسكرية نفسه، أمير الأمراء، وخصص لصاحبها دار ومقر إلى ~~جانب دار الخلافة، إن لم يكن في دار الخلافة نفسها، يتصرف بما ~~يريد، ويحكم بما يشاء، ووجدت فترة أصبحت الوزارة فيها وراثية ~~في بعض البيوتات أو كالوراثية، يتناقلها آل بيت واحد، كابرا ~~عن كابر، كآل الفرات، وبني وهب، وبني متلة، وغيرهم ممن سبق ~~ذكرهم، وقد أضفي على الوزارة في هذه الفترة كثير من ألقاب ~~التضخيم والإطناب، ومنح صاحبها أسمى الرتب، وأعلى الامتيازات ~~والشارات، التي كان بعضها قبلئذ من خصائص الخليفة. ~~(6) ظهور نوع من الدواوين الجديدة # ظهر نوع من الدواوين الجديدة التي اقتضتها تطورات الحالة ~~العامة في البلاد مثل «ديوان الاستخراج»، شقيق «ديوان ~~المصادرات» وهو الديوان الذي كان يتولى صاحبه التحقيق عن ~~الأموال المصادرة للكتاب والوزراء والقادة، الذين يفصلون عن ~~أعمالهم، وقد عظم شأن هذا الديوان في أخريات هذا العصر لكثرة ~~المصادرات، واضطراب الأمور، وحاجة الدولة إلى الأموال لقلة ~~الوارد وكثرة النفقات، وسوء الإدارة وكثرة ارتشاء العمال ~~والقادة والوزراء ومن إليهم، ومثل ms009 «ديوان ضريبة الإرث» التي ~~أحدثت في خلافة المعتمد فيما يظهر. ~~(7) قوة شأن أصحاب العقائد والأفكار ~~الدينية والاجتماعية ~~والفلسفية # كانت الدولة في العصر الماضي تحمل على هذه الأفكار بقوة ~~كالزنادقة والقرامطة والخوارج؛ فقد تنفس هؤلاء القوم ~~الصعداء، لضعف شأن الخلافة وانصراف أهل الحل والعقد فيها عن ~~الاهتمام بالأمور العقائدية والفكرية والدينية والاجتماعية، ~~إلى مصالحهم الشخصية، وجمع الأموال وبناء القصور، وتقوية ~~النفوذ والسلطان، فإذا تعرض أصحاب العقائد والحركات إلى شيء ~~من مصالح أولي الحل والربط، قاموا عليهم وفتكوا بهم، وإلا ~~ألقوا حبلهم على غاربهم. # الفصل الرابع # | في نتائج الانحلال # نتج من انحلال الدولة العباسية في هذا الحين أمران خطيران ~~رئيسيان؛ الأول: انقسام الدولة إلى دويلات. والثاني: قوة أمر أصحاب ~~العقائد والمذاهب المخالفة لمذهب الخلافة. # وإليك تفصيل هذين الأمرين: ~~(1) ظهور الدويلات الجديدة وهي ~~(1) الدولة الطاهرية. (2) الدولة الزيادية. (3) الدولة ~~الزيدية. (4) الدولة الصفارية. (5) الدولة السامانية. (6) ~~الدولة الساجية. (7) دولة الأدارسة. (8) دولة الأغالبة. ~~(9) دولة الطولونيين. (10) دولة الإخشيديين. # فقد كان طبيعيا، بعد هذا الانحلال الذي رأينا مظاهره ~~ومجاليه، أن تتجزأ الدولة الكبرى وتنفصل عنها دويلات ترتبط بها ~~اسما، وما هي في الحقيقة إلا دولة مستقلة، استقل أصحابها ~~ببلادهم، وتمتعوا بخيراتها وأبقوا للخليفة الاسم الوهمي الذي ~~لا طائل تحته، ولم يبقوا له إلا النفوذ الروحي والأثر الديني، ~~والحق أن أولى هذه الدويلات التي استقلت في المشرق استقلالا ~~حقيقيا عن دولة الخلافة، هي الدولة الصفارية، أما الدولة ~~الطاهرية، التي يرجع عهدها إلى ما قبل العصر الذي نؤرخه، فقد ~~أبقت بعض العلائق القوية بينها وبين المركز في بغداد، وإنما ~~نذكرها ها هنا؛ لأنها هي أولى الدول التي ابتدعت بدعة ~~الانفصال، وقد أشرنا إلى بعضها في «عصر الازدهار». ~~(1-1) الدولة الطاهرية (205-259ه/820-872م) # أول من أسس هذه الدولة هو الأمير طاهر بن الحسين ~~بن مصعب الخراساني، وهو من بيت عريق في إيران، ولد ~~ببوشنج من أعمال مرو سنة 159ه، وكان جده مصعب بن زريق ~~بن ماهان، واليا عليها وعلى هراة، وكان قبل ذلك كاتبا ~~وصاحب سر سليمان بن كثير الخزاعي أحد دعاة الدولة ms010 ~~العباسية. # نشأ طاهر ببوشنج كما ينشأ أبناء الوجوه، وكان شجاعا ~~أديبا، وهو أحد قواد المأمون، لعب دورا هاما في الفتنة ~~بين الأمين والمأمون، وكانت له يد كبيرة في فوز المأمون ~~على أخيه، فكافأه المأمون على بلائه الحسن لما تم له ~~النصر على الأمين، وذاعت شهرته وسمت مكانته، فولاه ~~الجزيرة وجانبي بغداد، وأحسن القيام بأعماله هذه. وفي سنة ~~205ه ولاه أمر خراسان، وما إليها إلى أقصى المشرق فسار ~~بالناس أحسن سيرة، وحمد له المأمون والأهلون دهاءه وعقله ~~وأمانته، قال ابن طيفور في تاريخ بغداد، نقلا عن يحيى ~~بن أكثم إن المأمون قال: «ما حابى طاهر في جميع ما كان فيه ~~أحدا، ولا مالأ أحدا، ولا داهن ولا وهن ولا وني ولا ~~قصر في شيء، وفعل في جميع ما ركن إليه ووثق به أكثر مما ~~ظن له وأمله، وأنه لا يعرف أحدا من نصحاء الخلفاء وكفاتهم ~~فيمن سلف عصره ومن بقي في دولته، على مثل طريقته ومناصحته ~~وغنائه وإجزائه.» ويظهر أن الثقة التي وثقها المأمون ~~بعامله، جعلت طاهرا يغتر بنفسه بعد أن أقام فترة في ~~خراسان؛ فقد طمحت نفسه إلى الانفصال عن الدولة، وأعلن ~~عصيانه على الخليفة سنة 207ه، ولما كتب إليه الخليفة ~~بغضه على بعض ما بلغه عنه، أجابه طاهر بن الحسين جوابا ~~أغلظ فيه، ثم تطور الأمر بين الخليفة وطاهر، فقطع طاهر في ~~الخطبة للخليفة، وساءت الأمور. روى صاحب بريد المأمون في ~~مرو قال: حضرت مرة صلاة الجمعة فصعد طاهر المنبر، فخطب، ~~فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له وقال: اللهم ~~أصلح أمة محمد # صلى الله عليه وسلم # بما أصلحت به أولياءك، # 1 # ولما وصل صاحب البريد إلى المأمون وأخبره بخبر ~~طاهر غضب، وأراد أن يفتك به، ولكنه أدرك قوة سلطانه في ~~إقليمه، فأحجم عن ذلك، ثم إن طاهرا لقي حتفه فجأة، وعلى ~~الرغم من اضطراب أقوال المؤرخين في سبب وفاته، فيظهر أن ~~المأمون قد سلط عليه من دس له السم فهلك. # قال صاحب الفخري، ص199: «كان المأمون، ms011 لما ولى طاهر بن ~~الحسين خراسان استشار فيه أحمد بن أبي خالد الأحول وزيره، ~~فضرب أحمد الرأي في توليته طاهر، فقال المأمون لأحمد: إني ~~أخاف أن يغدر ويخلع ويفارق الطاعة. فقال أحمد: الدرك في ~~ذلك علي. فولاه المأمون. فلما كان بعد مدة أنكر ~~المأمون عليه أمورا، وكتب إليه كتابا يتهدده، فكتب طاهر ~~جوابا أغلظ فيه للمأمون، ثم قطع اسمه من الخطبة ثلاث ~~جمع، فبلغ ذلك المأمون، فقال لأحمد: أنت الذي أشار ~~بتولية طاهر، وضمنت ما يصدر منه، وقد ترى ما صدر منه من ~~قطع الخطبة ومفارقة الطاعة، فوالله لئن لم تتلطف لهذا ~~الأمر وتصلحه كما أفسدته، وإلا ضربت عنقك. فقال أحمد: يا ~~أمير المؤمنين طب نفسا، فبعد أيام يأتيك البريد بهلاكه، ~~ثم إن أحمد أهدى لطاهر هدايا فيها كوامخ # 2 # مسمومة، وكان طاهر يحب الكامخ فأكل منها فمات ~~من ساعته.» # وقد رأى المأمون ألا يقصي آل طاهر عن الحكم لما رآه من ~~قوة سيطرتهم على تلك البلاد، فولى طلحة بن طاهر موضع ~~أبيه، وقد احتفظ أبناء طاهر بسلطانهم على تلك الديار فترة ~~غير قصيرة، وكان هذا أول حدث في تجزئة الإمبراطورية ~~الإسلامية. # وأبرز أمراء آل طاهر هو عبد الله بن طاهر، وكان عمره حين ~~لمع اسم أبيه في حوادث الأمين نحو ست عشرة سنة، وتربى في ~~كنف المأمون، وكان يحبه ويحسن إليه، فلما كبر ولاه ~~محاربة شيث بن ربعي، ثم ولاه شرطة بغداد، ثم بعث به إلى ~~مصر لما ثار أميرها عبيد الله بن السري، فوضع الأمن في ~~نصابه، لما كان عليه من الدهاء والسياسة والإدارة. وفي سنة ~~213ه ولاه خراسان وما إليها من بلاد المشرق، فثبت ~~أركان الدولة كما وطد دعائم حكم الأسرة الطاهرية فيها. ثم ~~تتابع على الحكم جماعة من آل طاهر، كانوا يدينون للخلافة ~~اسما وهم مستقلون بالبلاد فعلا، يستغلونها لأنفسهم، ~~ويوسعون حدودها، حتى بلغت تخومهم الهند، ونقلوا عاصمتهم من ~~مرو إلى نيسابور وظلوا في الحكم إلى أن أجلاهم الصفارون ~~واستولوا على بلادهم. # 3 # وهكذا انتهت أيام ms012 هذه الدولة، التي هي أولى الدول ~~الفارسية المنفصلة عن جسم الإمبراطورية الإسلامية، والتي ~~شجعت أصحاب المطامع من الفرس وغيرهم عن الانفصال، واستطاع ~~الطاهريون بمواهبهم وذكائهم أن يستمروا في الحكم عهدا ~~طويلا، لما كانوا يتمتعون به من مواهب وكفايات وحب للعلم ~~وأهله، ولما لهم من مكانة محلية بين أهل تلك الديار، ~~ولما عزم المعتصم، الذي كان يكره عبد الله بن طاهر، على ~~أن ينقله من خراسان إلى ولاية أخرى لم يستطع تنفيذ ~~إرادته، بل عمل على قتله في الخفاء، وحين هلك عبد الله ~~وأراد الواثق أن يولي إسحق بن إبراهيم المصعبي لم ينفذ ~~فكرته لخشيته من ألا تتم. ولو لم يكن آخر الطاهريين - وهو ~~محمد بن طاهر - ضعيف الإرادة، ميالا إلى اللهو، لما ~~استطاع يعقوب بن الليث الصفار أن يقصيه عن إمارته ويقضي ~~على دولته. # ويجب أن نعلم أن عهد الطاهريين في خراسان كان على العموم ~~عهدا طيبا؛ فقد كانوا - وخصوصا عبد الله - على جانب ~~عظيم من الثقافة وحسن الإدارة، وحب الخير، فنشروا العلم ~~وقربوا العلماء، وأحيوا الأرض الموات، ونظموا الري ~~والسقاية، وجمع عبد الله جماعة من أئمة الفقهاء وأهل ~~الرأي وطلب إليهم دراسة أوضاع الري ومشاكله من الناحية ~~الفقهية والقضائية، فألفوا له كتاب «القني» ولكن فقد مع ~~الأسف. # ولم تكن صلات ~~الطاهريين بالخليفة في بغداد - على الغالب - صلات جفاء، بل ~~كانوا حسني الصلة مع المركز، يقدمون ما عليهم لبيت ~~المال، ويذكر قدامة بن جعفر أن مقدار الخراج الذي كان ~~يدفعه الطاهريون بلغ «48 ألف ألف درهم»، وكان الطاهريون ~~على استقلالهم بإمارتهم لا يقطعون صلتهم ببغداد وأهلها، ~~وهذا ما جعلهم يحرصون على استبقاء ولاية الشرطة في بغداد ~~بأيديهم، حتى بعد أن أجلاهم الصفارون عن ولايتهم في ~~خراسان والري وطبرستان وجرجان وكرمان وسجستان، كما سنرى ~~تفصيل ذلك بعد. ~~(1-2) الدولة الزيادية (203-253ه) # كان أهل اليمن منذ نشأة دولة بني العباس لا يقرون ~~بدولتهم؛ لأنهم يميلون إلى «آل علي» ويرون أن «آل العباس» ~~قد ظلموا العلويين وفتكوا بهم؛ فلذلك لم يخضعوا لحكمهم ~~خضوعا ms013 تاما، وكانوا يتحينون الفرص لخلع طاعتهم وتأسيس ~~دولة علوية مستقلة، فكانت الثورات في اليمن لا تهدأ؛ ولذلك ~~بعث إليهم المأمون بقائد عربي قوي هو محمد بن إبراهيم ~~الزيادي، أحد أبناء زياد بن أبي سفيان، فولاه اليمن في ~~سنة 203ه، وكان إنسانا قويا فاتكا، فتوجه إلى مكة ~~للحج، ثم قصد اليمن ففتح تهامة، واختط مدينة زبيد، ثم ~~شرع في تتمة فتح بلاد اليمن حتى أخضعها جميعها، وقضى على ~~روح الثورة، وأرجع الخطبة للعباسيين، وما زال أمر الزيادي ~~هذا في نمو، وسلطانه في قوة، حتى صار كالملك المستقل، إلا ~~أنه استمر في ولائه للعباسيين، وفي حمل الهدايا والخراج ~~إليهم. # وقد طال ملكه إلى سنة 245ه، ثم انتقل الأمر إلى أبنائه ~~وأحفاده فمواليهم إلى سنة 253ه، وهذه الدولة هي أولى الدول ~~التي انفصلت عن بغداد في الجزيرة العربية، ولم يعد ~~للخلفاء العباسيين ومن بعدهم من حكام العراق وغيره، سيطرة ~~على اليمن منذ ذلك الحين؛ فقد قامت بعد الدولة الزيادية ~~دول علوية الهوى زيدية المذهب، استمرت في السيطرة على ~~اليمن إلى أيام الفتح العثماني. ~~(1-3) الدولة الزيدية (250-355ه) # كان العلويون ينتهزون كل فرصة للقيام بحركات طلبا ~~لحقهم في الخلافة؛ ففي أيام الفتنة بين «الأمين والمأمون»، ~~قاموا يطالبون بحقوقهم، ويعلنونها ثورة على العباسيين، ~~وكانت لهم حركات أخرى، منها حركة أبي السرايا السري بن ~~منصور، الذي ثار بالكوفة ومعه ابن طباطبا سنة 199ه وهو ~~محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن، وامتد ~~نفوذه حتى بلغ واسطا والحجاز، ولولا موت ابن طباطبا، ثم ~~موت أبي السرايا نفسه سنة 201ه، لكان لهذه الحركة العلوية ~~شأن آخر. وفي أيام المعتصم ثار منهم محمد بن القاسم ~~بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي في الكوفة، وعظم ~~أمره إلى الطالقان في خراسان، وهو يدعو إلى «الرضا من ~~آل محمد» فاجتمع إليه خلق كثير، ووقعت بينه وبين عبد الله ~~بن طاهر أمير خراسان وقعات، ثم أسر محمد، وسيق إلى ~~المعتصم، فحبسه بسامراء سنة 219ه، ثم تمكن من ms014 الهرب ولم ~~يعرف له خبر، ويعتقدون أنه حي غائبا، وأنه يعود ويملأ ~~الأرض عدلا. # وفي أيام المتوكل، الذي كان يعلن عداءه لآل علي وشدة ~~كراهيته لهم، وهدم قبر الحسين وما حوله، ثار يحيى بن عمر ~~بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين، فتمكن المتوكل منه ~~وحبسه في سجن المطبق ببغداد، ثم تمكن من الفرار، فتجمع ~~حوله نفر كبير من الزيدية والأعراب، ولكنه لم يوفق إلى ~~الوصول لهدفه وقضى على حركته سهل بن هارون. وفي أيام ~~المستعين خرج ثانية وتمكن من الاستيلاء على الكوفة، ~~وبلغت دعوته بغداد، فانضم إليه كثير من أهلها وقوي سلطانه ~~إلى أن كانت سنة 250ه فخرج وبعث إليه الخليفة بالحسين ~~بن إبراهيم المصعبي، والتقى جمعاهما ظاهر الكوفة، ودارت ~~الدائرة على يحيى فقتل ومثل به، فلما بلغت أخباره ~~الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن ~~ثار بطبرستان واستولى على عاصمتها آمل، ثم على سارية ~~وسائر بلاد طبرستان والديلم، واستطاع بما أوتي من قوة ~~وعلم أن يؤسس دولة قوية دامت نحو قرن، تولى فيها الحسن ~~بن زيد 250-270ه، ومحمد بن زيد القائم بالحق 270-278ه، ~~وحكم فترة طويلة استطاع فيها أن يقوي نفسه، ويرتب بعوثه ~~ودعاته لنشر دعوته الزيدية حتى تغلب السامانيون عليها، كما ~~سنرى. وفي سنة 301ه تمكن الحسن الأطروش بن علي بن الحسين ~~بن علي بن عمر بن زين العابدين أن يعيد سلطان الزيدية من ~~جديد على بلاد طبرستان والديلم وظل إلى سنة 304ه، ثم خلفه ~~الحسن بن القاسم بن علي بن عبد الرحمن، ومعه أولاد الأطروش ~~من سنة 304 إلى سنة 355 وفي هذه السنة انتهى أمر الدولة ~~الزيدية. ~~(1-4) الدولة الصفارية (247-289ه) # كان الخوارج قد استقروا في سجستان وثبتوا أقدامهم فيها ~~منذ زمن بعيد، ويظهر أنهم منذ أوائل القرن الثالث قد ~~انقلبوا إلى عصابات تفتك بالناس، وتقطع السبيل، حتى لقي ~~الأهلون منهم عناء كبيرا، فألفوا فرقا متطوعة للدفاع ~~عن أنفسهم، ومحاربة هؤلاء الخوارج القساة، الذين لم تتمكن ~~الدولة من ms015 إخضاعهم، وقد استطاع صالح بن النضر الكناني، أحد ~~قادة هذه الفرق المتطوعة، أن يستولي على العاصمة، ويطرد ~~عامل آل طاهر عنها، وكان بين أجناد صالح أخوان كانا ~~يشتغلان في حداثتهما بعمل الصفر، وهما يعقوب بن الليث ~~وأخوه عمرو بن الليث، وقد استطاع يعقوب بذكائه ودهائه أن ~~يتقرب من صالح وتسمو مكانته بين الجند، لما كان له من ~~بلاء حسن في قتال ~~الخوارج وقطع دابر المفسدين. وحدث في سنة 247ه أن مات ~~صالح، وتولى إمرة المتطوعة رجل ضعيف اسمه درهم بن الحسين، ~~وكان درهم هذا لا يساوي شيئا ولا يصلح للإمرة، فرأى ~~المتطوعة أن يعزلوه ويولوا يعقوب بن الليث مكانه، فلما أن ~~تولى قيادتهم، وكان ذلك في 6 محرم سنة 247، أبلى أحسن ~~البلاء في قتال الخوارج والشراة، واستولى على هراة وبوشنج ~~وما إليهما سنة 253ه، ثم وجه همته إلى قتال أمراء ~~الترك والديالم بتخوم سجستان فانتصر على كثير من ديارهم، ~~وأذعن له أمراء الملتان وذابلستان والسند ومكران، وفي سنة ~~256ه استولى على كرمان، وكان الخليفة المعتز بالله قد ~~أعطاها له، ولوالي فارس علي بن الحسين، وقد حاول علي أن ~~يسبق يعقوب إلى احتلال كرمان، ولكن يعقوب سبقه فتغلب عليها ~~وهزم جنده، وما زال يطارده حتى ألجأه إلى شيراز عاصمة ~~إقليم فارس، وانتهز يعقوب مناسبة نصره هذا فبعث بحلائل ~~الهدايا إلى الخليفة يؤكد له ولاءه، ويرجوه أن يوليه على ~~بلاد فارس، وأن يعزل عنها علي بن الحسين، على أن يقرر عليه ~~خمسة عشر ألف درهم، ثم شخص على أثر كتابته بذلك للخليفة ~~متوجها إلى كرمان فاستولى عليها، ثم توجه إلى شيراز ~~فحاصر الحسين بن علي واستولى عليها في جمادى الأولى سنة ~~255ه، وضم إقليم فارس إلى دولته فارتفع ذكره، وسما قدره، ~~وفي سنة 259ه قصد نيسابور عاصمة آل طاهر فاستسلم له محمد ~~بن طاهر، وهكذا انتهت الدولة الطاهرية، فانتهز يعقوب هذه ~~الفرصة لإرسال وفد إلى الخليفة المعتمد في سامراء مع كتاب ~~إلى الخليفة يذكر فيه ما تناهى إليه من حال أهل خراسان، ms016 ~~وأن الخوارج والشراة المخالفين قد استولوا عليها، وأن محمد ~~بن طاهر قد غلب على أمره، وأن أهل خراسان قد سألوه القدوم ~~عليهم، وأنه سار إليهم وأقر نصاب العدل والأمن فيها؛ ولذلك ~~جاء يطلب من الخليفة تأميره عليها، وكان المدبر لشئون ~~الخلافة وقتئذ الموفق طلحة أبو أحمد، فقال لرئيس وفد ~~يعقوب: إن الخليفة لا يقر يعقوب على ما فعل، وأنه يأمره ~~بالانصراف إلى عمله الذي ولاه إياه - وهو إقليم فارس فقط ~~- فلما بلغت هذه الرسالة يعقوب لم يأبه لها، واستمر في ~~عمله وتوطيد سلطانه في إقليم فارس وخراسان كلها. وفي سنة ~~260ه سار يعقوب بجنده إلى طبرستان جنوبي بحر قزوين يريد ~~طرد الحسن بن زيد منها، فافتتح مدينتي ساري وآمل، وهرب ~~الحسن أمامه فلحقه إلى جبال طبرستان، ولكن قسوة الإقليم ~~وبرده الشديد منعاه من الاستمرار في وقوفه أمام يعقوب، ~~فرجع إلى خراسان، ولكنه فوجئ بعمل أزعجه، وهو أن رجال ~~الخلافة، وعلى رأسهم الموفق طلحة في سامراء، أصبحوا ~~يتخوفون من حركة يعقوب ~~ونفوذه، فأمر الموفق عبيد الله بن طاهر أن يجمع في بغداد ~~حجاج خراسان والري وطبرستان وجرجان، ويقرأ عليهم كتابا ~~للخليفة، يذكر فيه أنه لم يول يعقوب على ما استولى عليه ~~ظلما، ويأمرهم بالبراءة منه والثورة عليه، ولما بلغت هذه ~~الأخبار يعقوب لم يأبه لها، أول الأمر، ثم خاف على نفسه، ~~فأخذ يعمل على تقوية جيشه استعدادا للطوارئ، وبلغ ذلك ~~الخليفة، فاضطر أن يعترف بالأمر الواقع، ويبعث إلى يعقوب ~~بتوليه خراسان وما إليها من بلاد المشرق، ولكن يعقوب كان ~~قد غضب مما عومل به سابقا، فعزم على الثورة، وأنه لا بد ~~له من الاستيلاء على العراق أيضا، وعلى بغداد نفسها، ولم ~~يتأخر عن تنفيذ عزمه، فجمع جيوشه واتجه نحو العراق، فلما ~~رأى الخليفة المعتمد ذلك، خرج إليه بنفسه وعليه بردة ~~الرسول وفي يده القضيب، والتقى الجيشان بالقرب من دير ~~العاقول، وكانت الغلبة أول الأمر لجيش يعقوب، ثم تغلب ~~الجيش العباسي، واستطاع محمد بن طاهر أن ينجو من أسر ~~يعقوب فأحضره الخليفة ms017 مجلسه وخلع عليه، وثبته في ولايته، ~~وقرئ على الناس في يوم 11 رجب سنة 262ه كتاب من أمير ~~المؤمنين فيه مثالب يعقوب، وخبر مشاققته لله ورسوله ~~وخليفته وعزله. # أما يعقوب فقد قفل منهزما إلى خراسان وأخذ يرتب أموره ~~ويقوي جنده، وجرت له وقائع مع رجال صاحب الزنج إلى أن ~~مات في 15 شوال سنة 265ه بالأهواز بعد أن ثبت أركان ~~مملكته في خراسان وجنوبي إيران. ومهما يكن من أمر فإن ~~يعقوب، كان عصاميا تطلع إلى معالي الأمور فبلغها، ولكن ~~منشأه الدنيء، وتفكيره الساذج، وعدم معرفته بالسياسة لم ~~تمكنه من توسيع دولته؛ فقد كان جنديا قويا بارعا، ~~وحسب، ولو أنه جمع إلى القوة عقلا وحزما لاستطاع أن يصل ~~بدولته إلى منزلة سامية. # ولما هلك يعقوب بايع الجند أخاه عمرا (265-287) لما كان ~~عليه من القوة فكان أول عمل عمله أن طلب رضاء الخليفة ~~والاعتذار إليه عما قام به أخوه، فرضي عنه الخليفة وولاه ~~على خراسان وفارس وأصفهان وسجستان وكرمان والسند، وسماه ~~حاكما عسكريا لبغداد، وسامراء، تشريفا له، ولكن ما ~~عتمت الأمور أن فسدت بينه وبين بغداد من جديد، حينما ~~أراد طلحة الموفق منه أن يتنازل عن خراسان سنة 272، فرفض ~~وأعلن عصيانه، فجمع الموفق بأمر المعتمد حجاج خراسان وقرأ ~~عليهم كتابا من الخليفة بإقالة عمرو، وبلغه على المنابر، ~~وجهز الموفق طلحة جيشا فتح به بلاد فارس وهزم عمرا، ولكن ~~عمرا استطاع أن يسترد ولايته بحد حسامه، وظل إلى أن توفي ~~المعتمد. # ولما تولى المعتضد في سنة 279 أقر عمرا في ولايته، ~~واستقرت بلاد المشرق لعمرو فطمع في بلاد ما وراء النهر، ~~وطلب من الخليفة أن يوليه إياها، فكانت تلك الولاية سبب ~~القضاء عليه. روى الطبري أن عمرا طلب إلى الخليفة أن ~~يوليه ما وراء النهر، فولاه ذلك، وقرئ في بغداد كتاب من ~~الخليفة بعزل إسماعيل بن أحمد الساماني عن ما وراء النهر ~~وتولية عمرو مكانه، وأرسل رسولا إلى عمرو في نيسابور يحمل ~~إليه الخلع والعهد، فلما وضع العهد بين يدي عمرو قال: ms018 ~~ما هذا؟ فقال الرسول: هذا الذي سألت. فقال عمرو: وما أصنع ~~به؟ فإن إسماعيل بن أحمد لا يسلم إلي ذلك إلا بمائة ~~ألف سيف! فقال الرسول: أنت سألته، فشمر الآن لتتولى ~~العمل في ناحيته. وفي ربيع سنة 287ه حطم السامانيون جند ~~عمرو قرب مدينة بلخ، ووقع عمرو أسيرا، ثم أرسله ~~السامانيون إلى بغداد فقتل، وبذلك انتهى عهد هذه الأسرة ~~العسكرية التي حكمت، وهي لا تستند على شيء سوى السيف ~~والقوة، على أن عمرا كان خيرا من أخيه؛ فقد وصفوه بأنه ~~كان على جانب من الدهاء والإدارة، ورووا أنه كان شديد ~~الاهتمام بضبط موارد دولته، وأنه كانت له ثلاثة بيوت ~~للمال؛ أولها بيت المال الوارد من الخراج والضرائب الأخرى، ~~ومنه كان ينفق على الجيش، وثانيها بيت المال الوارد من ~~الضياع والأملاك الخاصة، ومنه تصرف نفقات البلاطات ~~والحاشية، وثالثهما بيت المال الوارد من المكوس والصادرات، ~~ومنه كانت تصرف المنح والهدايا. ورووا عنه أيضا أنه ~~كان عادلا في حكومته، عاملا على المساواة بين ~~رعيته. # وصفوة القول أن هذه الدولة التي ظلت قرابة نصف قرن كانت ~~دولة قوية لم يحاول أمراؤها قطع كل الصلات بالخليفة، وإن ~~كانوا قد استمتعوا باستقلال مملكتهم، وتلقبوا بألقاب ~~الملك، وخطب لهم على المنابر مقرونا اسمهم مع اسم ~~الخليفة، وسكت الدراهم والدنانير باسمهم، ولولا فترات ~~الجفاء التي وقعت بين يعقوب وأخيه، وبين رجالات العاصمة ~~بغداد، لكانت هذه الدولة على أحسن حال. ~~(1-5) الدولة السامانية (261-389ه/874-999م) # كان سامان خداه جد هذه الأسرة، أميرا ينتسب إلى ~~بهرام جور، صاحب كسرى هرمز، أسلم على يد أسد بن عبد الله ~~القسري الأمير الأموي ووالي بلخ، واتصل به وسمى ابنه ~~الأكبر باسمه، وكان لأسد بن سامان أربعة بنين وهم: نوح ~~وأحمد ويحيى وإلياس، وقد ارتفعت أقدارهم في دولة المأمون، ~~فولاهم والي خراسان غسان بن عباد ~~تلبية لأمر الخليفة ~~على بعض المقاطعات، فكان نوح أميرا على سمرقند، وأحمد ~~أميرا على الشاش وأسروشنة، وإلياس أميرا على هراة. ~~وعمر أحمد أكثر من إخوته فصار إليه حكم سمرقند وهراة ms019 ~~والشاش وأسروشنة إضافة إلى بلاد فرغانة، وأخذ سلطانه يتسع ~~حتى امتد إلى بلاد الصفد. وفي 261ه/864م مات أحمد فخلفه ~~ابنه نصر وهو أول من حكم استقلالا من رجال هذه الدولة، ~~وكان مقره في سمرقند، واضطر الخليفة المعتمد أن يبعث إليه ~~تقليدا بولايته على كافة بلاد ما وراء النهر. # وفي سنة 271ه اضطربت بخارى، وعاث المفسدون فيها فطلب ~~أهلها من نصر أن ينقذهم من تلك الفوضى، فبعث إليهم أخاه ~~إسماعيل فوطد الأمن فيها، وحكمها بالنيابة عن أخيه. وفي ~~سنة 272ه عهد الخليفة المعتمد بولاية كافة بلاد بخارى ~~والمشرق إلى نصر. وقد استطاع إسماعيل أن يقضي على الثورات ~~المحلية، وينقذ الفلاحين من ظلم أصحاب الأراضي واستبدادهم، ~~فأحبه الناس وقويت مكانته في البلاد، فطمع إلى الاستقلال ~~بها، ووقعت بينه وبين أخيه نصر خطوب وفتن وحروب دامت مدة ~~طويلة. وفي سنة 275 تغلب جيش إسماعيل على جيش نصر، فأخذ ~~أسيرا، ولما التقى الأخوان تصافيا، ورجع نصر حاكما إلى ~~سمرقند إلى أن مات سنة 279، فأوصى لأخيه من بعده بالملك، ~~وقد كان إسماعيل على جانب عظيم من حسن السياسة والدهاء ~~والإدارة، فتوطدت أركان الدولة في عهده، واتسع نطاقها حتى ~~بلغت أقصى حدود المشرق، وقضى على عمرو بن الليث الصفار ~~أمير خراسان، كما قضى على محمد بن يزيد العلوي صاحب ~~طبرستان، وإسماعيل هذا هو أعظم أمراء هذه الدولة، وهو الذي ~~أسس قواعدها ووسع رقعتها، وقضى على خصومها، ولما هلك ~~في سنة 295ه تعاقب الأمراء عليها إلى سنة 389 حين انتهى ~~أمرها على يد دولة آل سبكتكين الغزنوية والأتراك ~~الخاقانية، كما سنرى بعد. # ويجب أن نلاحظ أنه لم يظهر أمير كفء من هذه الأسرة بعد ~~إسماعيل، ولكن متانة الحكم الساماني وحسن الإدارة التي ~~وطدها إسماعيل مكنت أولاده وأحفاده من الاستمرار في ~~الحكم طول تلك المدة. وعلى يد السامانيين هؤلاء، تم ~~للإسلام إخضاع بلاد ما وراء النهر نهائيا، وكادت بخارى ~~عاصمتهم وسمرقند سيدة حواضرهم أن تسبقا بغداد في ميادين ~~العلم والعرفان والحضارة والتأليف، ولم تخلص هذه الدولة من ~~عناصر ms020 التخريب وإشاعة الفوضى على الرغم من عناية أمرائها ~~لتوطيد ملكهم على قواعد العدل والعلم والإصلاح، وقد كان ~~السامانيون مسلمين متعصبين لإسلامهم ولسنيتهم، وحدث أن ~~اتهم أحدهم، وهو نصر الثاني بن أحمد (295-301) بأن هواه مع ~~الإسماعيلية، فاضطر إلى أن يتنازل عن الملك لابنه نوح، ~~وكان نوح فتى حدثا لم يستطع أن يضبط الدولة، وكان ~~للمماليك الأتراك، الذين سيطروا على البلاط، نفوذ كبير ~~عليه، ولم يكن الأمراء الذين خلفوه خيرا منه، فتعاظم نفوذ ~~الحرس التركي في البلاد، وأصبح قادته أصحاب الحل والربط، ~~يتداخلون في السياسة، ويسقطون هيبة الوزارة والإمارة، ~~وقد حدثت عوامل أخرى أضعفت شأن الدولة، وهي ظهور آل بويه ~~في الغرب والأتراك القرخانيين في الشرق، وهم الذين نراهم ~~لأول مرة في التاريخ الإسلامي، يبرزون إلى ميدان السياسة ~~بقبائلهم الطورانية الجرارة القادمة من آسيا الوسطى ~~للسيطرة على مقدرات العالم الإسلامي. # وفي سنة 351ه/962م تمكن ألب تكين التركي، أحد قواد ~~السامانيين أن ينفصل عن جسم الدولة السامانية، ويؤسس دويلة ~~مستقلة في غزنة، ثم خلفه في سنة 366ه/977م مولاه سبكتكين ~~فأعلن ولاءه للسامانيين، وفي سنة 384ه/994م استطاع ابنه ~~محمود أن يخمد بعض الفتن التي قامت على السامانيين ~~فكافئوه بتسميته أميرا على خراسان، وكان ذلك مبدأ دولة ~~محمود بن سبكتكين. # وفي سنة 386ه/996م أراد الأتراك (الإيلاق خاينون) ~~(القرخانيون) الانسيال على الأراضي السامانية، فاستنجد ~~السامانيون بسبكتكين وابنه، واستطاعا أن يوقفا سيل ~~القرخانيين، وعقد صلح بين الطرفين على أن تكون منطقة سهول ~~قطوان، منطقة فاصلة بين الحدودين، وتسلط سبكتكين على ~~كافة الأراضي الواقعة جنوب نهر جيحون، وأخذت دولته تنمو. ~~ولما مات سبكتكين 387ه/997م وانشغل ابنه محمود بتوطيد ~~أركان دولته في غزنة، أراد السامانيون إعادة الجزء الذي ~~سلبهم إياه سبكتكين وابنه، ولكنهم فشلوا في محاولتهم، ثم ~~تراجعوا وجيشهم مشتت، فتمكن محمود من الاستيلاء على ~~خراسان كلها سنة 389ه، وقد انتهز الأتراك القرخانيون ~~تضعضع الدولة السامانية، فهاجموا بخارى عاصمتهم، ~~واستطاعوا السيطرة عليها في سنة 389ه، وهكذا قضي على ~~الدولة السامانية. # وصفوة القول في هذه الدولة، أنها كانت دولة ms021 سنية ~~متعصبة، انفصلت عن جسم الإمبراطورية الإسلامية، ولكنها ظلت ~~روحيا متصلة بخلافة بغداد، وكانت حملات أمرائها على ~~الإسماعيلية حملات قوية، أقرت عين الخليفة، وقد رأينا أنه ~~لما دخل الأتراك بلاد ما وراء النهر سنة 291ه واستطاع ~~إسماعيل أن يطردهم وبعث إلى الخليفة كتابا يبشره ~~بالقضاء على فتنة الأتراك، فسر بذلك ولقي كتابه أحسن ~~القبول لدى الخليفة. # وعلى الرغم من أن الدولة السامانية كانت دولة سنية ~~متعصبة، إلا أنها أحيت الآداب والثقافة الفارسية، وجعلت ~~اللغة الفارسية اللغة الرسمية للدولة، وشجع أفرادها ~~الشعراء والكتاب، فألفوا بالفارسية، ويعتبر عصر ~~السامانيين هو العصر الذي نشأ فيه الأدب الفارسي الحديث؛ ~~ففيه نظم الفردوسي «الشاهنامة»، وفيه نقل الوزير العالم ~~البلعمي «كتاب تاريخ الطبري» إلى اللغة الفارسية، وهذان ~~الكتابان هما اليوم من أقدم نصوص النثر الفارسي. # يقول بروكلمان: «... وفي هذا الوقت تفتح الوعي القومي ~~عند الفرس من جديد، بعد أن استعبدتهم سيادة العرب السياسية ~~والدينية زمنا طويلا، ~~ومع أن الفرس تفوقوا على العرب في إدارة الدولة وفي ~~النواحي الثقافية تفوقا كبيرا، منذ ابتداء الدولة ~~العباسية؛ فقد كانت خدماتهم ذات فائدة للعرب فيما بعد؛ إذ ~~لم يعد من الممكن إقصاء لغة التنزيل عن الشئون العامة ~~وعن الأدب جميعا، بيد أن الفرس تذكروا - هنا في الشرق ~~لأول مرة - شرف لسانهم القومي وعظمته، وعلى الرغم من أن ~~أشراف الفرس من أصحاب الأراضي لم ينقطعوا يوما عن العناية ~~بمضافرهم القومية في سير ملوكهم وأبطالهم، وعلى الرغم من ~~أن الشعب لم ينس - غير شك - فن إنشاد الشعر، فالحق أن ~~تلقيح هذا الإرث الروحي من جديد لم يتم إلا في بلاط ~~السامانيين، وعلى أيديهم؛ ففي ظل نصر الثاني لمع «رودكي» ~~أول شاعر غنائي فارسي، وصلتنا عنه أخبار على شيء من ~~التفصيل، وعلى الرغم من أن شعره لم يخل من الكلمات ~~العربية، وعلى الرغم من أن الأوزان التي اصطنعها كانت ~~كأوزان جميع شعراء الفرس من بعده مفرغة في القوالب ~~العربية، فقد دعا في منظومته إلى فلسفة في الحياة بعيدة عن ~~الهم والغم ناضجة بالحبور ms022 مستوحاة، على الرغم من وصايا ~~الإسلام، لا من حيث النساء والغناء فحسب، بل من حيث الخمر ~~أيضا، وكان رودكي إلى ذلك مؤسس الملحمة التعليمية، وهي ~~أخصب فروع الأدب الفارسي على الإطلاق ... وفي بلاط ~~السامانيين بلغت الجغرافية العربية أوجها العلمي أيضا ... ~~وفي بلاط إسماعيل ألف الوزير الجيهاني كتابا لم يصلنا، ~~استطرد فيه من بحث الضرائب إلى وصف البلدان المجاورة، ثم ~~إن أبا زيد البلخي، وكان في خدمة إسماعيل ببلخ، وضع ~~مصورا جغرافيا وجعله ذيلا لأطلس إسلامي قديم موضوع ~~على أساس اقتبسه كتاب الخوارزمي قبل سنة 846 عن جغرافية ~~بطليموس.» # لقد اعتنوا بالعلوم الإسلامية عامة، وشجعوا العلماء على ~~الكتابة، فوصف عهدهم بأنه من أزهر العصور العلمية. وقد ~~عرف حبهم للعلم وعنايتهم بأهله فقصدهم العلماء من الأرجاء ~~وأفادوا منهم، وقدموا إليهم كتبهم. ومن كبار علماء ~~دولتهم الطبيب الفيلسوف الرازي الأشهر الذي ألف كتابه ~~الطبي المعروف بالمنصوري نسبة للأمير أبي صالح منصور ~~الساماني، ومنهم الفيلسوف ابن سينا الذي زار نوح الثاني ~~فكرمه وفتح له أبواب خزانته الملكية، فأفاد من ~~كنوزها. ~~(1-6) الدولة الساجية # من تلك الدول الدولة الساجية التي حكمت من سنة 266 إلى ~~سنة 318ه، ورأس هذه الدولة هو يوسف بن أبي الساج عامل ~~أرمينية وأذربيجان في عهد المقتدر، وكان يوسف داهية حازما ~~تولى أرمينية وأذربيجان سنة 266ه، وقوي مركزه في عماله ~~فثار على بغداد وأعلن انفصاله عنها، فاضطر علي بن الفرات ~~وزير الخليفة أن ينفق كثيرا من موارد الدولة في سبيل ~~القضاء على ثورة ابن أبي الساج، فلم يفلح، ووقعت الدولة في ~~أزمة مالية كبرى، وتمكن ابن أبي الساج من القضاء على ~~جيش مؤنس التركي، واتهم ابن الفرات بممالأة ابن أبي ~~الساج، فغضب عليه المقتدر، وحاول تبرئة نفسه من ذلك، فأرسل ~~جيشا جديدا للقضاء على ثورة أذربيجان فلم يفلح، واضطرب ~~الخليفة وعزل ابن الفرات ثم سجنه، ولكن ذلك لم يمنع من ~~انفصال ابن أبي الساج ومصادرة أموال الدولة، وقوي نفوذ ~~الساجية في أرمينية وأذربيجان والري، وجرت بينهم وبين ~~أعدائهم المجرية معارك وحروب ms023 لاقت البلاد من ويلاتها ~~كثيرا، وقد استمر الحكم في يد الساجية على بلاد أذربيجان ~~إلى سنة 318 حين قضي عليهم نهائيا. # ومن الدول التي ظهرت في هذه الفترة وانسلخت عن جسم ~~الإمبراطورية العباسية: ~~(1-7) دولة الأدارسة في المغرب العربي # وتنسب إلى الأمير العلوي إدريس بن عبد الله من أحفاد ~~الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب؛ فقد أسس ملكا دام ~~قرابة قرنين (172-364ه/788-974م)، وكانت مدينة فاس عاصمتهم ~~وهي أول دولة شيعية قوية في التاريخ. ~~(1-8) دولة الأغالبة # وتنسب إلى الأمير إبراهيم بن الأغلب الذي ولاه هارون ~~الرشيد على إفريقية (أي بلاد تونس)، ولكنه ما لبث أن استقل ~~وأسس دولة عاصمتها القيروان دامت طوال قرن ~~(184-297ه/800-909م)، وقد كانت لهم حملات في إيطالية ~~وفرنسة وقورشيقة وسردينية ومالطة. ~~(1-9) دولة الطولونيين # وتنسب إلى الأمير أحمد بن طولون التركي الذي ولاه ~~المأمون على مصر، فاستقل بها وأسس دولة دامت من ~~254-292ه/868-905م بعد أن خلفت حضارة رائعة وآثارا ~~جليلة. ~~(1-10) دولة الإخشيديين # وتنسب إلى الأمير محمد بن طغج الإخشيد الذي ولاه ~~الخليفة الراضي على مصر فأسس فيها دولة مستقلة دامت من ~~324-359ه/935-969م. ~~(2) قوة أمر أصحاب العقائد المخالفة لمذهب الخلافة ~~(1) الحركات العقائدية. (2) الإسماعيلية. (3) ~~القرامطة. ~~(2-1) الحركات العقائدية # كان الخلفاء الأمويون من حيث العقيدة «مسلمين سنيين» ~~يميلون إلى البساطة في اعتقادهم، ولا غرو في ذلك؛ فإنهم ~~عرب تغلب عليهم الفطرة العربية الساذجة، وفي أيامهم نجمت ~~بعض الفرق التي أرادت تعقيد العقيدة التي جاء بها الإسلام ~~كالمعتزلة مثلا، والجبرية فحاربوها، ووقفوا ضد أربابها ~~وحاربوهم بشدة وعنف. يقول ديمومبين: «وقف المعتزلة ضد ~~الأمويين على طول الخط، واعترفوا بأحقية علي في خلافة محمد ~~بعد وفاته، لكنهم مع هذا اعترفوا بشرعية الخلفاء الراشدين ~~الثلاثة الأول وأجلوهم لما قاموا به من أعمال، وهذا ~~ما قلدهم فيه معتدلة الشيعة # 4 # وبعض الخوارج.» إن هذا الاتجاه الوسط والأموي ~~معا هو الذي أدى إلى توحيد قوى المفكرين، بحسب رأي نيبرج، ~~في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة لإسقاط الدولة ~~الأموية، والعمل على إحلال ذرية علي ms024 محلهم، تلك الذرية ~~التي اعتقد المتطرفون من المفكرين بأن النور الإلهي قد حل ~~في آل الرسول، بل لإحلال العباسيين الذين يتميزون بالإضافة ~~إلى حذقهم السياسي، بالحكمة الصائبة، والحكم الصحيح، ومهما ~~يكن من أمرها فإن مذهب المعتزلة قد تبنته الخلافة العباسية ~~منذ البداية حتى مجيء المتوكل # 5 # وهذا حق؛ فإن بساطة العقيدة لدى الخليفة ~~الأموي من جهة، وكرهه للمذاهب المعقدة، وللمواقف العنيفة ~~التي وقفها المعتزلة من القرآن وخلافة الرسول، وصفات الله ~~من جهة أخرى، جعله يحارب أصحاب هذه الفكرة ومن ~~إليهم. # أما الخلفاء العباسيون فقد كان الوضع عندهم غير ذلك؛ ~~فإنهم أيدوا فكرة المعتزلة تأييدا صارخا، وأجبروا الناس ~~على الاعتقاد بها، ولاحقوا أصحاب الأفكار المناوئة، منذ ~~أيام المهتدي (198-218ه) الذي ضيق على كل أصحاب الميول ~~المنحرفة عن مذهب أهل السنة وسمى عمر الكلواذي سنة 167 ~~موظفا مخصصا لتعقيب الزنادقة والمتزندقة من راوندية ~~وخرمية وبابكية للفتك بهم. # 6 # أما الراوندية: # ففرقة ظهرت في «راوند» بالقرب من ~~«أصبهان» في عهد المنصور كانت تهدف إلى ~~إحياء التقاليد الفارسية من دينية ~~ودنيوية، وخلاصة مذهبهم أنهم يقدسون ~~الملوك ويرفعونهم إلى مرتبة الآلهة، ~~ويعملون على إباحة المحرمات، وقد زعموا أن ~~المنصور هو إلههم، فلما بلغه ذلك تتبعهم ~~وفتك بهم. # وأما المقنعة: # فهي حركة أخرى تشابه الراوندية، سميت ~~بذلك نسبة لصاحب دعوتها «المقنع ~~الخراساني» الذي اتخذ لوجهه قناعا من ~~ذهب، وادعى الألوهية، وأسقط الصوم والزكاة ~~والحج، وأباح أموال الآخرين ونساءهم، ودعا ~~إلى تعاليم «مزدك» الإباحية، وقد فشا ~~أمرهم في عهد المهدي مما اضطره إلى أن ~~يشدد عليهم ويبيدهم. # وأما الخرمية: # فهي طائفة ترجع مبادئها إلى «مزدك» ~~الإباحي أيضا، واسمهم مأخوذ من كلمة ~~«خرم دينان» الفارسية، ومعناها الدين ~~الفرح، وقد مزجوا بين تعاليم الإسلام ~~والمزدكية، من تناسخ، واشتراكية في المال ~~والنساء، والحلول، ومن زعمائهم خداشي ~~الخرمي. # وأما البابكية: # فنسبتهم إلى بابك، وقد كانت حركة من أخطر ~~حركات العقائدية التي قامت في إيران أيام ~~العباسيين، وهي استمرار للحركة الخرمية، # 7 # والحق أن هذه الحركات كان لها ~~غرضان رئيسان هما: هدم ms025 الإسلام أولا، ~~وإرجاع الملك إلى الفرس ثانيا كما ~~فصلناه في تاريخ العصر العباسي الأول من ~~كتابنا هذا، وقد كانت حركتا الإسماعيلية ~~والقرامطة في هذا العصر حركتين لهما تأثير ~~كبير؛ فلذلك خصصناهما بالبحث. ~~(2-2) الإسماعيلية # كان من نتائج الانحلال الذي منيت به الدولة في هذا ~~العصر ظهور حركة الشيعة الإسماعيلية التي ابتدأت بالظهور ~~منذ أوائل القرن الثاني للهجرة وقويت في القرنين الثالث ~~والرابع واستمرت إلى ما بعد، حتى أيامنا هذه. # ولعل الأسباب التي مكنت تلك الحركة من الظهور يمكن ~~إجمالها في النقاط العشرة التالية: ~~(1) # ضعف سلطان الخلافة العباسية وتقلص نفوذها ~~الزمني والديني تقلصا واضحا عن كثير من ~~أجزاء المملكة. ~~(2) # فشل «آل علي» في الوصول إلى الخلافة التي ~~كانوا يأملون في الوصول إليها بعد انقضاء عهد ~~آل أمية، ويبينهم خداع «العباسيين» لهم وعدم ~~إعطائهم حقهم. ~~(3) # فشل العناصر غير العربية في الوصول إلى ~~أهدافهم التي أملوا الوصول إليها في عهد ~~الدولة الجديدة، بعد أن عملوا على هدم الدولة ~~الأموية أملا في أن يعيدوا نفوذهم ~~القديم. ~~(4) # خيبة آمال تلك العناصر غير العربية في الحكم ~~العربي الذي لم يمكنهم، في العهد الأموي ثم ~~في أوائل العهد العباسي، من استعادة تقاليدهم ~~وسلطاتهم التي كانت لهم قبل الإسلام. ~~(5) # انتشار الترجمة والتدوين وإحياء ذكر ~~الحضارات والعقائد القديمة التي أحيت الغرور ~~القومي عند الأمم المفتوحة غير ~~العربية. ~~(6) # انتشار الفلسفات القديمة، وبخاصة الفلسفتان ~~اليونانية والسريانية، انتشارا جعل الناس ~~يفتحون عيونهم وقلوبهم لمناقشة ما جاء به ~~الإسلام والتطلع إلى آفاق جديدة بعيدة عن ~~بساطة الإسلام. ~~(7) # البعد عن روح الإسلام الحقيقية السمحة ~~بانتشار الإسرائيليات والخرافات الفارسية وغير ~~الفارسية، مما جعل العامة تتقبل بسهولة كل ~~فكرة روحية غريبة. ~~(8) # تدخل الخلافة تدخلا عمليا في عقائد ~~الناس ومحاسبتهم عليها، والتضييق على من يعلن ~~زندقة أو هرطقة أو انحرافا عن المذهب الرسمي ~~للدولة وهو الإسلام وطريقة أهل السنة ~~والجماعة، وخاصة حين أخذ المهدي والهادي ~~يضيقان على الناس في محاسبتهم على عقائدهم، أو ~~حين أخذ المأمون يحاسب الناس على عدم اعتناق ~~مذهب المعتزلي القائل بخلق القرآن وغير ms026 ذلك، ~~وبإنشاء «ديوان المحنة» لامتحان من أنكر تلك ~~العقيدة. ~~(9) # تبدل المجتمع الإسلامي من مجتمع زراعي ~~وتجاري ساذج إلى مجتمع زراعي وتجاري معقد، ~~ووجود طبقة أرستقراطية مالية، سواء أكان أهلها ~~عربا أو موالي، وقد أحست الطبقات الفقيرة ~~العاملة، من موالي وعرب، بالبؤس المحيط بها ~~من جهة، ~~كما أحس الأغنياء، من موالي وعرب بوجوب ~~اتحادهم حماية لمصالحهم؛ فلذلك حصلت التكتلات ~~من الجانبين، وكان لهذه التكتلات أثرها الواضح ~~في الحركات العقلية والاجتماعية التي ترمي إلى ~~توحيد أهداف المتذمرين على اختلاف نحلهم ~~وعقائدهم وعناصرهم. ~~(10) # تعقد الحياة، وظهور المغالاة في كل شيء من ~~نواحيها؛ فبعد أن كانت في العصر الأموي عربية ~~ساذجة، تعقدت في العصر العباسي جدا وبدا ~~الغلو في كل شيء. # ولقد كان من نتائج هذه الأسباب أن نشأت في البيئة ~~الإسلامية فئة من الرجال اتخذت ذلك ذريعة للقيام بحركة ~~سترتها بفكرة «الانتصار لحق آل علي» واتخذتها وسيلة ~~للدعاية لفكرتها، وقد اتخذ هؤلاء الرجال مدينة الكوفة ~~مقرا لبذر فكرتهم؛ لأنها كانت مركزا فكريا وسياسيا ~~تجمعت فيه الثقافات القديمة من كل صوب، وكل نوع، ولأنها ~~كانت مقر نفر من الأئمة العلويين الذين أحيطت أسماؤهم ~~بكثير من الروايات المتعلقة بمثل هذه الحركات في القديم، ~~ويظهر أنه يمكن تقسيم العلويين الذين قامت حولهم هذه ~~الحركات إلى فريقين: ~~(1) فريق الحنفية. (2) فريق الحسنية والحسينية. # أما الحنفية: # فنسبتها إلى الإمام محمد بن الإمام علي ~~(عليه السلام) المعروف بابن الحنفية، ويذكر ~~المؤرخون وأرباب الفرق أن المختار الثقفي حين ~~قام بحركته الثورية في الكوفة سنة 66ه/685م ~~ادعى أن ابن الحنفية هو «المهدي المنتظر»، ~~وعلى الرغم من القضاء على المختار وموت ابن ~~الحنفية؛ فإن الحركة الشيعية المهدية الحنفية ~~انتشرت بسرعة بعدهما وانقسم أربابها بعدها ~~فرقا ثلاثا، قالت «أولاها» إن الإمام لم يمت ~~بل اختفى، وإنه سيعود ويملأ الأرض عدلا كما ~~ملئت جورا. وقالت «الثانية»: إنه عهد إلى ~~ابنه أبي هاشم للأمر من بعده، ثم انقسموا إلى ~~فرق؛ «فرقة» قالت إن أبا هاشم أوصى إلى أخيه ~~علي بن محمد، وإن عليا هذا أوصى بالإمامة ms027 ~~إلى بني العباس. و«فرقة» قالت إنه أوصى إلى ~~عبد الله بن معاوية من آل علي. وقد اختفت ~~الحركة الحنفية وأربابها بعد أن سيطر ~~العباسيون على الحكم لأنهم ضيقوا عليهم ~~وخنقوا أصواتهم. # وأما الحسنية، الحسينية: # فنسبتها إلى الإمامين «الحسن» و«الحسين» ~~ابني علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد ثار ~~من ذريتهما جماعات على الخلافة منهم: زيد ~~بن علي المعروف بزين العابدين، وولداه يحيى ~~وعيسى من أئمة الفرقة الزيدية ~~التي ما ~~تزال في اليمن، ومنهم محمد بن علي بن زين ~~العابدين، الذي نادى بنفسه إماما وتبعته ~~جماعات، منهم أبو منصور العجلي زعيم الفرقة ~~المنصورية التي لاحقها يوسف بن عمر الثقفي، ~~وقتل زعيمها أبا منصور سنة 125ه، ولما مات ~~الباقر افترق أتباعه إلى فرق لا مجال ~~لتعدادها، ومنهم محمد بن عبد الله بن الحسن ~~بن الحسن بن علي المعروف بذي النفس الزكية ~~الذي أعلن أنه هو المهدي، ولم تكن سنه يومئذ ~~تجاوز التاسعة عشرة، وقد حبذ له هذه الدعوة ~~المغيرة بن سعيد العجلي ، ولما مات محمد ادعى ~~المغيرة أنه قد غاب وأنه سيرجع، وقد كذبه ~~الإمام جعفر الصادق ورفض هو وأتباعه مؤازرة ~~الداعين إلى هذه الفكرة وقالوا إن الإمامة ~~لجعفر، وكان من أبرز أتباعه رجل اسمه ~~أبو الخطاب أو محمد بن أبي الخطاب، مؤسس ~~الفرقة الخطابية، والتي تعتبر أول حركة باطنية ~~قوية، وقد كان أبي الخطاب داعية لمحمد الباقر ~~ثم لجعفر الصادق، وقد غلا في دعوته لهما، وزعم ~~أن جعفرا قد جعله وصيه من بعده، ثم زعم أنه ~~(أي جعفر) إله ونبي، فأحل المحارم، وقال ~~بالتقية وأول آيات القرآن، فقال: إن ~~الجنة والنار والصلاة والصوم ما هي إلا أسماء ~~رجال بعينهم، وقال بنظرية «النور» و«التناسخ»، ~~ولما قتل ابن أبي الخطاب سنة 138 تحول ~~أصحابه إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ~~حتى تبرأ جعفر الصادق من ابنه إسماعيل ومن أبي الخطاب # 8 # ولما مات جعفر الصادق سنة 148 ~~انقسم أصحابه إلى ثلاث فرق: ~~(1) # فرقة الناووسية التي زعمت أنه لم ~~يمت وأنه سيرجع. ~~(2) # الاثنا ms028 عشرية، وهم أتباع ابنه موسى ~~الكاظم، وهم المعتدلون منهم. ~~(3) # الإسماعيلية: وهم القائلون بإمامة ~~ابنه إسماعيل ثم ابنه محمد ~~بن إسماعيل. # وقد نظرت المصادر السنية والاثنا عشرية ~~إلى إسماعيل نظرة استخفاف؛ لأنه لم يكن في نظرهم على ~~جانب من الاستقامة والأمانة والنبل، # 9 # أما المصادر الباطنية والإسماعيلية فإنها ~~رفعته إلى مرتبة الألوهية، وقالت: إن خليفته من بعده ~~هو ميمون القداح، وقد ~~اختلفت المصادر السنية والشيعية والباطنية أيضا في أمر ~~خليفته ميمون هذا وابنه عبد الله؛ فالمصادر السنية تقول: ~~إن ميمونا القداح هو ابن رجل ثنوي ديصاني، وأنه من أصحاب ~~العقائد الغالية التي تكيد الإسلام، وأنه لما مات خلفه ~~ابنه عبد الله الذي كان شرا من أبيه لسعة اطلاعه على ~~الأديان وقوة مكره، وبراعته في الدس، وقد ادعى النبوة ~~واستعمل الشعوذات وأباح المحرمات، وأنه اتخذ سلمية آخر مقر ~~له، وأنه كان يدعو في الظاهر إلى مذهب محمد بن إسماعيل وهو ~~في الباطن يدعو إلى هدم الإسلام. # 10 # وأما المصادر الشيعية فتقول: إن ميمونا كان راوية جعفر ~~وتلميذه الروحي، وأن ابنه عبد الله كان من المحدثين الثقات ~~والمجتهدين، وأنهما لم يكونا ديصانيين ولا ثنويين أو ما ~~شابه ذلك كما يقول أهل السنة. # 11 # وأما المصادر الإسماعيلية المعروفة إلى الآن، فلا تعطينا ~~صورة واضحة عنهما لفقدان المصادر الإسماعيلية الكافية، ~~وإنما يعثر الباحث على معلومات عنهما في بعض الكتب السنية ~~أو الكتب الدرزية التي استطاع الباحثون اكتشافها في الآونة ~~الأخيرة، وهي تقول: إن محمد بن إسماعيل هو الناطق السابع، ~~وأن ميمونا القداح هو أساسه، # 12 # والحق أن القداح قد غمض أمره، واختلفت ~~الروايات فيه اختلافا يصعب تفهم وضعه معه على الرغم من ~~المعلومات المفيدة التي نجدها في مخطوطة «الفرق الإسلامية» ~~المخطوطة في خزانة الأوقاف ببغداد. # 13 # أما العقيدة الإسماعيلية فمستورة مخفية؛ ولذلك قل ~~العارفون بخفاياها من الباحثين، سواء في ذلك المتقدمون أو ~~المتأخرون، إلا أنه يمكن إجمال المعلومات المعروفة عنها ~~بالنقاط الست الآتية: ~~(1) # إن المذهب الإسماعيلي هو مذهب شمولي في ~~العقيدة # Inter ~~Confessionalism # وهو مذهب ms029 ~~متسامح لا يحارب العقائد مزدكية أو مانوية أو ~~صابئية أو نصرانية أو يهودية، أو إسلامية ~~مخالفة لهم. ~~(2) # إن المذهب الإسماعيلي هو مذهب اشتراكي في ~~الأموال، وقد ذكر لنا الكاتب الفارسي ~~الإسماعيلي ناصر خسرو # 14 # الذي زار البحرين في القرن الخامس ~~للهجرة بعض أحوال الإسماعيلية الذين زار ~~عاصمتهم الأحساء، فرأى عندهم نظاما يشبه ~~النظام الاشتراكي. ~~(3) # إن المذهب الإسماعيلي - على اختلاف فرقه - ~~من قرامطة وسبعية وتعليمية وغيرها، مذهب ~~باطني، أي إن لكل ظاهر عندهم باطنا مستورا، ~~ولكل تنزيل تأويلا، وأن جميع ما استعبد الله ~~به عباده مما ظهر في الكتاب والسنة، إنما هو ~~أمثال مضروبة تحتوي معاني باطنية، عليها العمل # 15 # وأن هذا الباطن لا يعرفه إلا عدد ~~قليل هم الأئمة المعصومون ومن يعلمونهم ~~بذلك. ~~(4) # إنهم يقسمون تاريخ البشرية إلى حلقات نبوة ~~عددها سبعة، وإن العقل الكلي يتجسد بين حين ~~وآخر في شخص بعينه يعرف ب «الناطق» يخلف هذا ~~النبي الناطق سبعة أئمة يعرف كل واحد منهم ب ~~«الصامت»، وكل نبي يعلم الناس الحقائق ~~الروحية اللازمية لسيادتهم وهدايتهم بشكل ~~أكمل مما كان عليه سلفه، كما يقضي بذلك نظام ~~التطور الكوني، وإن آخر حلقة نبوة هي حلقة ~~محمد بن إسماعيل، وهو خاتم الأنبياء. # 16 ~~(5) # إن الأئمة لا يكونون ظاهرين أبدا، بل منهم ~~من يظهر ومنهم من يستتر؛ ولهذا نجد سلسلة من ~~الأئمة المستورين بين «محمد بن إسماعيل» وبين ~~«ظهور الأئمة الفاطمية»، ولكنه لا بد من وجود ~~دعاة ظاهرين يبشرون بدعوة الإمام المستور، ~~أما الأئمة المستورون فهم صنفان: صنف من أبناء ~~علي جسمانيا، وصنف من أبنائه روحانيا وهم ~~القداحون وإليك رسم شجرتي النسب نقلا عن ~~الأستاذ المستشرق برنارد لويس: # 17 # وفكرة تقسيم المستورين إلى مستقرين ~~ومستودعين نجدها عند لويس، ولكن مستشرقا آخر ~~هو الأستاذ إيفانوف ينقدها ويفسدها إفسادا لا ~~مجال لذكره هنا، # 18 # وقد ناقش رأيهما الدكتور عبد ~~العزيز الدوري في كتابه «دراسات عن العصور ~~العباسية المتأخرة» # 19 # مناقشة قيمة فارجع إليها إذا ~~شئت. ~~(6) # يذهب مؤرخو الفرق الإسلامية القدماء إلى أن ~~المذهب الإسماعيلي مذهب ms030 ثنوي، فيقول البغدادي: ~~«وذكر علماء الباطنية في كتبهم أن الإله خلق ~~النفس، فالإله هو الأول والنفس هي الثاني، ~~وهما مدبرا هذا العالم، وسموها «الأول» ~~و«الثاني»، وربما سموها العقل والنفس، ~~وقولهم إن «الأول» و«الثاني» يدبران العالم ~~هو بعينه قول المجوس بإضافة الحوادث إلى ~~صانعين أحدهما قديم، والآخر محدث، إلا أن ~~الباطنية عبرت عن الصانعين ب «الأول» ~~و«الثاني» وعبر المجوس عنهما ب «يزدان» ~~و«أهرمن».» # قلت: وتتجلى هذه الآراء لمن قرأ رسائل إخوان ~~الصفا. # وأهم ما يجب أن يلحظه دارس الحركة الإسماعيلية هو حسن ~~تنظيمها من جهة، ثم ترتيب الدعاية لها من جهة ثانية؛ فقد ~~كان «الداعي» يتظاهر بإحدى المهن من تجارة أو طب، أو كحالة ~~أو نجارة، فإذا ما أحس ممن يدعون سكونا إليه وانصياعا، ~~أظهر له زهده في الدنيا وتقواه، فإذا اطمأن إليه أكثر ~~أمامه من حب الخير والإحسان إلى الفقراء، فإذا ازداد ~~الاطمئنان إليه أخذ يحدثه عن آل الرسول والمظالم التي ~~حاقت بهم، ولا ينسى بهذه المناسبة أن يستغل عواطفه وعقائده ~~فيخاطبه بما يلائم ذلك # 20 # فإذا كان المدعو مسلما عظم له الإسلام، ~~وأبان له ظلم آل علي، وإن كان نصرانيا أو صابئا أو ~~يهوديا استدرجه بعقائده إلى أن يجعله يعتنق ~~فكرته. # وقد جعل الدعاة دعوتهم وكتبهم درجات على حسب المدعوين ~~وقواهم العقلية؛ «فكتاب البلاغ الأول للعامة، وكتاب البلاغ ~~الثاني لنفر أفضل من هؤلاء قليلا، والبلاغ الثالث لمن ~~دخل المذهب سنة، والرابع لمن دخل المذهب سنتين، والخامس ~~لمن دخله ثلاث سنين، والسادس لمن دخله أربع سنين، والسابع ~~فيه نتيجة المذهب والكشف الأكبر.» # 21 # ويظهر أنه بمرور الزمن اضطروا إلى جعل الطبقات ~~تسعا بدلا من سبع # 22 # تسهيلا للدعوة وتقريبا للأذهان، وإليك خلاصة ~~أحوال هذه الطبقات التسع: ~~(1) # يبدأ الداعي دعوته ويحذر في عرض آرائه على ~~المدعو لئلا يشوش، ويحاول إثارة روح ~~السؤال، وطلب الإجابة بشكل يجعله يقتصر فيه ~~(أي في الداعي) سعة التفكير ورحابة الصدر وسمو ~~العقل، وأول ما يبدأه، هو تأويل الآيات، ~~ومعاني القرآن ومسائل الشرع مبينا له أن ~~لظواهر ms031 الشرع باطنا، وأن من تمسك بالظواهر ~~هلك، ومن كان على الباطنيين نجا، وأن الناس لن ~~يضلوا ما تقبلوا علم الباطن من الأئمة الذين ~~بعث بهم الله لهداية البشر، وأن «إمام الزمان» ~~وصاحبه هو ممثل الله وصاحب علمه، وأن على ~~المدعو أن يقسم أغلظ الأيمان على ولائه التام ~~لصاحب الزمان، وعدم إفشاء أسرار الدعوة، ~~والإخلاص للإسماعيلية، ومقاومة خصومها، ودفع ~~الضريبة المطلوبة، وتسمى هذه الطبقة «طبقة ~~الأزرق»، أو «التفرس» أي التفرس في تعرف ~~شخصية المدعو وقوة استعداده لتقبل الدعوة ~~وأسرارها. ~~(2) # يعلم المدعو أن رضا الله ودخول جنته لا ~~يكونان بمجرد اتباع ظواهر أحكام الإسلام، بل ~~لا بد له من معرفة علم الباطن من الأئمة ~~المنصورين بحفظ الشريعة، وتسمى هذه الطبقة ~~«طبقة التأنيس»؛ أي إن المدعو يعلم ما يأنس به ~~إلى الدعوة. ~~(3) # يجب أن يؤمن بأن الأئمة سبعة، وأن خاتمهم هو ~~محمد بن إسماعيل الذي أحاط بعلم الله وسره، ~~وتسمى هذه الطبقة «طبقة التشكيك»؛ إذ فيها ~~يبدأ بغرس فكرة الشك في قلب المدعو وزعزعة ~~عقائده السابقة. ~~(4) # يعلم المدعو أدوار النبوات السبعة، وطبيعة ~~النبي الناطق، والأئمة الستة الصامتين الذين ~~خلفوه، وأن محمد بن إسماعيل خاتم الأنبياء، ~~وتسمى هذه الطبقة «طبقة التعليق»؛ أي أخذ ~~القسم. ~~(5) # يجب على المدعو أن يعلم أسرار العددين «7» ~~و«12»، والحجج الاثني عشر الذين يسيرون دعوة ~~كل إمام، وأن هؤلاء الحجج منتشرون في جزر ~~الأرض الاثني عشر، وتسمى هذه الطبقة «طبقة ~~الربط»، وأظن أن القوم قد أخذوا فكرة تقديس ~~«العدد سبعة» أيضا من الفيثاغورثية التي ~~قدست هذا العدد، وهم يجعلون التجليات سبعة: ~~(1) الله. (2) العقل. (3) النفس. (4) المادة ~~الأساسية. (5) القضاء. (6) الزمن. (7) عالم ~~الأرض والبشر. وربما أطلق اسم السبعية على ~~الإسماعيلية نفسها، ويمكننا أن نلاحظ أنها قد ~~استقت بعض أفكارها الفلسفية من الفلسفة ~~الغنوصية القائمة إلى حد كبير على الفلسفة ~~الأفلاطونية الحديثة. ~~(6) # يعلم المدعو تفسير معاني الشريعة ~~الإسلامية والمقصود من كلمات: صيام وصلاة ~~وزكاة وحج وطهارة وغير ذلك، ويفهم معاني: ~~الجنة والنار والعذاب، وأن الاكتفاء بظواهر ~~هذه هو للعوام والجهلة، أما الخواص فإنهم ~~يعلمون علم ms032 الباطن المراد منها، وهو علم لا ~~يؤتاه إلا من اطلع على كتب الحكمة والفلسفة، ~~وهنا يحثه الداعي على قراءة كتب الفلسفة ~~القديمة والحكمة الصحيحة، وتسمى هذه الطبقة ~~«طبقة التدليس». ~~(7) # لا يبلغ الدرجة السابعة إلا الدعاة الذين ~~أوتوا علم المذهب وأسراره، وفي هذه الدرجة ~~معلومات تشبه المبدأ الثنوي، وهدم عقيدة ~~التوحيد، وتسمى هذه الطبقة «طبقة ~~التأسيس». ~~(8) # يطلع فيها على تأويل بعض الكلمات كالقيامة ~~والحشر أو الثواب والعقاب، والمعجزات، ~~وتسمى هذه الطبقة «طبقة الخلع» ... ~~(9) # هذه مرتبة الكمال، فإذا ما وصلها الإنسان ~~أبيح له أن يفكر كما يشاء فيما يشاء، وأن ~~يتبع أي مذهب بعينه، أو يخترع لنفسه مذهبا ~~يرتئيه، وتسمى هذه الطبقة طبقة «المسخ» أو السلخ. # 23 ~~«وبعد»، فهذه معلومات عن هذه الطائفة الإسماعيلية ~~استخلصناها لكم من المصادر السنية والشيعية والإسماعيلية ~~والأوروبية القديمة والحديثة، ولكنها لم تبلغ بعد درجة ~~التمام، وفيها كثير من النقاط التي تحتاج إلى المناقشة ~~والشرح، ولكن ما العمل، والمصادر تعوزنا والمعلومات جد ~~عزيزة، وأظن أن تفهم حقيقة هذه الحركة وأسرارها محتاج ~~إلى زمن أطول يتمكن فيه من العثور على مخطوطات جديدة، ~~تكشف المجهولات عن هذه الحركة وأسرارها. ~~(2-3) القرامطة # الحق أن منشأ هذه الفرقة غامض، وأن المعلومات التي عندنا ~~ناقصة جدا، وأن العلاقة بينها وبين الإسماعيلية مضطربة، ~~وسنحاول استخلاص بعض الحقائق من المعلومات المعروفة إلى الآن. # 24 # يرى كثير من المؤرخين المسلمين القدماء ومؤرخي الفرق، ~~وعلى رأسهم أبو عبد الله بن رزام (أو زرام) وهو مؤلف ~~سني عاش في أوائل القرن الرابع للهجرة، ألف في ~~العقائد الإسلامية كتابا قيما ضاع، ولكن نقلت لنا عنه ~~بعض المصادر الباقية في كتب الفرق الإسلامية، أن حركة ~~القرامطة والإسماعيلية من معدن واحد، وأن ميمونا القداح ~~وابنه عبد الله اللذين رأينا أثرهما في الحركة الإسماعيلية ~~هما اللذان لعبا دورا هاما في خلق مذهب القرامطة أيضا، ~~وأن عبد الله لما صار إلى البصرة من الأهواز، أخذ يدعو ~~لمحمد بن إسماعيل، وكان بصحبته رجل يدعى حسين الأهوازي، ~~ولما طارده جنود العباسيين فر إلى «سلمية» واتخذها ms033 له ~~مقرا، وأخذ يبعث دعاته منها إلى العراق، فأجابه رجل من ~~أهل «الطالقان» في سنة 261ه اسمه حمدان بن الأشعث، ~~ويلقب بقرمط، وأن قرمط هذا قد قوي أمره، وذاعت نحلته، ~~فأجابه كثير، ومنهم رجل اسمه أبو سعيد الحسن بن بهرام ~~الخبابي بالبحرين، هو الذي قام المذهب على يديه، حتى ~~صارت البحرين مقر الدعوة ومركز الحركة. # أما كلمة «قرمط» التي نسب إليها القرامطة، فقد اختلفت ~~الأقوال فيها؛ فالكتاب العرب يقولون إنها عربية من قولك: ~~قرمط الرجل في مشيته، إذا قارب الخطوات # 25 # كما ذكر البغدادي (ص171)، وابن النديم (ص117)، ~~والسمعاني (ص448)، ويقول الباحثون من المستشرقين إن كلمة ~~القرامطة غير عربية ويختلفون في مصدرها؛ فيرى إيفانوف أنها ~~كلمة عراقية جنوبية وأنها مأخوذة من «كرامته أو كرموته»، ~~وأنها عربت، فقيل: قرمط، ومعناها الفلاح أو القروي، # 26 # ويقول آخرون: إنها آرامية ومعناها «معلم» سري # 27 # ويقول آخرون: إن اللفظة نبطية، وأن «كرميته» ~~معناها الأحمر العينين؛ # 28 # لأن حمدان قرمط كان نبطيا من أهل ~~السواد. # أما منشأ هذه الحركة وتطورها فخلاصة ما قيل فيه ~~روايتان: ~~(1) # أنه بعد وفاة عبد الله بن ميمون قام بالأمر ~~بعده ابنه أحمد، وأن أحمد هذا بعث الداعي ~~الحسين الأهوازي إلى الكوفة، وأنه لقي في ~~طريقه، في منطقة النهرين من سواد الكوفة، ~~حمدان قرمط ودعاه للمذهب فاستجاب، وأنزل ~~الحسين في داره، فأقام هذا يدعو الناس فاستجاب ~~له أهل المنطقة، وكان يعيش من الحياكة وحراسة ~~البساتين، ولما حضرته الوفاة عهد بالأمر بعده ~~إلى حمدان. ~~(2) # أن رجلا متعبدا من أهل الأهواز قدم ~~الكوفة، فأخذ يدعو لآل علي فأجابه كثيرون، ~~وأنه كان يأخذ من كل منهم دينارا للإمام، ~~ورتب للدعوة اثني عشر نقيبا من الأهلين، ~~وفرض على أتباعه خمسين صلاة بدل الخمس، ثم أنه ~~رحل إلى الشام ونزل في «سلمية» واستخلف حمدان ~~قرمط. # ونخلص من هاتين الروايتين إلى أن الأهوازي قد استطاع أن ~~ينشر دعوته في الكوفة وسوادها، وأنه عند وفاته أو سفره عهد ~~بالأمر إلى حمدان الملقب بقرمط. # ويصف دي ساسي حمدان هذا ms034 بأنه كان رجلا ذا طموح وقريحة ~~خصبة، وأنه قام بالدعوة بهمة وحماسة شديدة، وأنه كان ~~لحركة الزنج من التخريب والفوضى والبؤس أثر كبير في نجاح ~~دعوة قرمط، ويذكر الطبري (في التاريخ 1: 338) أن حمدان قد ~~أراد التحالف مع صاحب الزنج حين قام بحركته، ولكن ذلك لم ~~يتم بينهما، وقد اتخذ حمدان منطقة «كلواذي» مقرا لدعوته ~~لتكون بين العاصمة بغداد من جهة، وبين إيران من جهة ~~ثانية. وقد دخل في دعوة حمدان كثير من الأنباط السواديين، ~~كما دخلها بعض الأعراب الذين خدعوا بالدعوة وظنوها دعوة ~~علوية خالصة، وقد وفق حمدان إلى معاونين نشطاء أذكياء ~~ساعدوه كثيرا على نشر دعوته، ومن أجلهم خطرا قريبه ~~«الفقيه عبدان» # 29 # الذي ألف كتبا فقهية للحركة، وأبو سعيد ~~الجنابي، الذي عهد إليه بالإشراف على الحركة في إيران، وقد ~~نجح أبو سعيد في نشر فكرته وخصوصا حين ضرب على وتر أن ~~الله قد كسر العرب؛ لأنهم قتلوا الحسين، وأحب الأكاسرة ~~لأنهم طالبوا بحقوق الحسين، ولما وفق في نشر الدعوة في ~~إيران وجهه عبدان إلى منطقة أخرى لنشر الدعوة، فذهب إلى ~~البحرين ونجح نجاحا كبيرا كما سنرى ذلك. # وقد كان حمدان عاقلا حصيفا منظما، فوضع الأسس ~~المنظمة للدعوة، وبخاصة التراتيب المالية، وقد ابتدأ سنة ~~277ه بأخذ ضريبة قليلة أول الأمر، سماها «ضريبة الفطر» ~~على الرجال والنساء والأطفال، ثم ثنى بوضع ضريبة سماها ~~ضريبة «الهجرة» وهي دينار على كل بالغ لإنشاء «دار الهجرة» ~~التي ابتناها بجوار الكوفة، # 30 # ثم ثلث بوضع ضريبة سماها ضريبة «البلغة» ~~وقدرها سبعة دنانير يدفعها كل من أراد الاشتراك في عشاء ~~المحبة. # وقد عظم عدد أتباعه، وكان أكثرهم من الأنباط، الفلاحين ~~والصناع والبدو الأعراب، ولما قوي سلطانهم أخذ يبث فيهم ~~روح الثورة على مخالفيهم في العقيدة وقتل من لا يقبلها، ~~وقد أباح المحرمات لأتباعه وأسقط عنهم الفروض الشرعية، ~~ودفع بهم إلى الانطلاق والثورة، واستطاع بالمبادئ ~~الاشتراكية في المال أن يسيطر على قلوبهم. ولم تكن تلك ~~الحركة حركة سلمية، بل كانت تدعو إلى الثورة وحمل السلاح ~~في ms035 وجه الدولة، ويظهر أن أول حملة مسلحة قاموا بها كانت في ~~سنة 284ه وقد أحست بغداد بخطورة الحركة وقوتها، فبعث ~~الخليفة إليها من يقف في وجهها ولكنه لم ينجح؛ لأن بغداد ~~نفسها كانت تحتوي عددا كبيرا من أنصار الحركة ومؤيديها. # 31 # وفي سنة 287 قاموا بحركة قوية مسلحة في جنبلا بين واسط ~~والكوفة، ويذكر الطبري أنهم: قتلوا من المسلمين جمعا فيهم ~~النساء والصبيان وأحرقوا المنازل، # 32 # وفي السنة نفسها هاجم الحنابي البصرة، فأرسل ~~الخليفة المعتضد جيشا بقيادة العباس بن عمرو الغنوي فتغلب ~~عليه الجنابي وأسره وفتك بجنده، ثم سار إلى هجر، وفي ~~سنة 288ه ثاروا في الكوفة، وتمكن جيش الخليفة من أسر أحد ~~رؤسائهم وهو المدعو بأبي الفوارس وقتله، وقد حفظ لنا ابن ~~الأثير محاورة جرت بين أبي الفوارس هذا وبين الخليفة ~~المعتضد، قال له المعتضد: هل تزعمون أن روح الله تعالى ~~وأرواح أنبيائه تحل في أجسادكم، فتعصمكم من الزلل وتوفقكم ~~لصالح العمل؟ فقال للخليفة: يا هذا، إن حلت روح الله فينا ~~فما يضرك، وإن حلت روح إبليس فما ينفعك، فلا تسأل عما لا ~~يعنيك وسل عما يخصك. فقال له الخليفة: ما تقول فيما يخصني؟ ~~قال: أقول إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مات، وأبوكم العباس حي، ~~فهل طالب بالخلافة أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك؟ ثم ~~مات أبو بكر فاستخلف عمر وهو يرى موضع العباس ولم يوص ~~إليه، ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة أنفس، ولم يوص إليه، ~~ولا أدخله فيهم، فبماذا تستحقون أنتم الخلافة؟ وقد اتفق ~~الصحابة على دفع جدك عنها ... فأمر الخليفة به أن يقتل ~~فورا فقتل، # 33 # ويذكر المسعودي: أن أبا الفوارس وعد أصحابه ~~بالرجوع بعد أربعين يوما، وأن العامة كانت تتجمهر لتشهد ~~ذلك اليوم، وأن رجال الشرطة ببغداد كانوا يفرقونهم. # وفي سنة 316ه سار أبو طاهر سلمان بن أبي سعيد الجنابي ~~إلى جهة البصرة فوصلها وفتك بأهلها ونهب المدينة، ثم خرج ~~متوجها إلى طريق الحج ففتك بالحجاج وأسر عددا كبيرا من ms036 ~~وجوههم وساقهم إلى هجر، وكتب إليه الخليفة المقتدر يطلب ~~إليه أن يطلق الأسرى، فأطلقهم، وطلب ولاية البصرة، فلم ~~يجبه الخليفة، فتوجه إلى الكوفة وفتك بأهلها، ووقعت ~~وقائع بينه وبين جيش بغداد فقهره، وبلغت أخباره بغداد فخاف ~~أهلها من فظائع القرامطة وقسوتهم، ثم سار أبو طاهر إلى ~~الأنبار فدخلها وسيطر على الجزيرة، ودخل قسم كبير من ~~أهلها في نحلته. # وفي سنة 317ه سار أبو طاهر بجنده إلى مكة فوافاها يوم ~~التروية، فنهب الحجاج واقتلع «الحجر الأسود» وأنفذه إلى ~~هجر، وأخذ الكسوة وحليها وملأ المسجد الحرام بالقتلى، فضج ~~العالم الإسلامي لذلك، حتى إن المهدي عبيد الله العلوي كتب ~~إليه ينكر عليه ذلك ويلومه ويقول له: «قد حققت على شيعتنا ~~ودولتنا اسم الكفر، وإن لم ترد على أهل مكة ما أخذت ~~منهم، وإن لم ترد الحجر الأسود فأنا بريء منك.» وفي ~~سنة 322ه أرسل محمد بن ياقوت رسولا إلى أبي طاهر يدعوه ~~إلى طاعة الخليفة ليقره على ما بيده من البلاد على شريطة ~~أن يرد الحجر الأسود، فلم يأبه لذلك، ومنع الحجاج من ~~الذهاب إلى مكة وظل على فساده إلى أن هلك ودفن بالكوفة، ~~وقد ظل الحجر الأسود بعيدا عن مكة قرابة ثلاثين سنة في ~~عاصمتهم بالأحساء. # وفي سنة 291ه نسمع لأول مرة عن القرامطة في الشام؛ ~~فالمؤرخون يذكرون أن أحد دعاة قرمط واسمه زكرويه بن مهدويه ~~(زكريا بن المهدي الكوفي)، استطاع إغواء بني كلب فأجابه ~~بعض بطونها إلى اعتناق المذهب وبايعوا يحيى بن زكرويه الذي ~~زعم لهم أنه محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق، فسار بهم حتى بلغ الرصافة، ففتكوا بها وأحرقوا ~~مسجدها، ثم دخلوا الشام وكانت إذ ذاك تابعة لخمارويه بن ~~أحمد بن طولون وكان نائبه فيها طغج بن جف، فاشتبك معهم، ~~ولكنهم استطاعوا أن يقهروا جيشه ويحاصروا دمشق وابتدأ ~~أمرهم يشتد في الشام. # 34 # وفي الوقت الذي أخذ أمر القرامطة يشتد في الشام، نجده قد ~~أخذ يضعف في العراق؛ فإن زعيمهم في العراق، وهو حمدان ms037 ~~قرمط، قد أعلن انفصاله عن حركة القداحي في سلمية؛ لأنه أخذ ~~يلاحظ لديه تعابير غير مألوفة في رسائله، فساوره الشك في ~~أمره، وأرسل عبدان ليتحرى له الأمر، فلما وصل عبدان إلى ~~سلمية وجد أن أحمد بن عبد الله القداحي قد مات، وأن ابنه ~~حسين قد حل محله، وأن حسينا لا يدعو لمحمد بن إسماعيل ~~بن جعفر صاحب الزمان، وإنما يدعو لأبيه عبد الله القداح، ~~فأدرك عبدان أن القداحين إنما هم قوم خداعون اتخذوا اسم ~~الإمام محمد بن إسماعيل ذريعة للدعوة إلى أنفسهم، ولما علم ~~حمدان قرمط بالأمر، جمع الدعاة وأخبرهم الخبر فقطعوا صلتهم ~~بسلمية. # يروي المستشرق المحقق دي خويه «أن انفصال حمدان وعبدان ~~كان نتيجة للاختلاف بين عبيد الله المهدي الفاطمي وداعيته ~~أبي عبد الله الشيعي، وأن المهدي لما علم أن الداعية عبد ~~الله الشيعي قد شك في شخصية المهدي وأخذ يتآمر ضده أمر ~~بقتله، وكتب إلى أتباعه في المشرق أن عبد الله الشيعي قد ~~ضل فطهره بالسيف، وأن حمدان وعبدان قد فهما من هذه ~~الحادثة، أن المهدي ليس إلا رئيس أصحاب الدعوة المعروف ~~بسعيد عبيد الله الذي هرب من سلمية ... وأن قصة الإمام ~~المستور قصة قد خدعا بها؛ فلذلك انفصلا عن الدعوة، وتلا ~~ذلك اختفاء حمدان الغريب، ومقتل عبدان، وأن مقتل عبدان ~~واختفاء حمدان ربما كانا من تدبير عبيد الله المهدي.» # 35 # ولا شك في أن الحركة القرمطية قد فقدت كثيرا من نشاطها ~~وحيويتها بعد انفصال حمدان عنها؛ فقد انتقلت الحركة إلى ~~الشام بزعامة زكرويه الذي كان ذا مواهب عديدة وذكاء وهيبة، ~~ولكنه مات عاجلا، فخلفه أبناؤه: يحيى، وأبو القاسم محمد، ~~وأبو العباس الحسين، وأبو الفضل محمد الأصغر، وكانت ~~الزعامة لأكبرهم، وهو يحيى، الذي ادعى أنه من نسل الإمام ~~محمد بن إسماعيل وأنه صاحب معجزات، وإن له لآيات، وذكر أنه ~~كان إذا أشار بيده إلى ناحية من النواحي التي فيها محاربوه ~~انهزم أهل تلك الناحية فاستغوى بذلك الأعراب. # 36 # وقد قوي أمر القرامطة في عهده، ولما مات خلفه ~~أخوه ms038 الحسين المشهور بصاحب الشامة، لشامة كانت في وجهه ~~ادعى أنها آيته، وادعى أنه أحمد بن عبيد الله بن محمد بن ~~إسماعيل، وأنه المهدي المنتظر، وقد اشتدت سيطرته في بلاد ~~الشام، فبعث إليه الخليفة المكتفي سنة 290ه بجيش قائده ~~أبو الأغر ففتك بجيش الحسين في وادي بطنان قرب حلب، ثم ~~توجه الحسين إلى دمشق فصالحه أهلها على خراج يدفعونه ~~إليه، ثم افتتح حمص وحماة والمعرة وسلمية التي كانت مقر ~~القداحين وفتك بكافة أهلها حتى الأطفال، وضاق أهل الشام ~~به، فاستنجدوا ببغداد، فبعث إليهم المكتفي القائد محمد بن ~~سليمان الكاتب، على رأس جيش كبير، التقى بالقرامطة بين ~~حماة وسلمية، فتفرق القرامطة وهرب أبو الشامة أول الأمر، ~~ثم أسر وجيء به إلى بغداد، فقتل شر قتلة. # 37 # ثم خلفه أخوه أبو الفضل محمد الأصغر، فجمع ~~جماعته وأخذ يغير على مدن الشام، وعاث في فلسطين فسادا، ~~ثم دخل الصحراء بعد أن اضمحل أمره في الشام، وهكذا أخذت ~~الحركة القرمطية تضمحل في الشام شيئا فشيئا. # ويمكننا أن نجمل ما عثرنا عليه فيما بقي من الآثار ~~القرمطية أن عقيدتهم تدور حول النقاط الأربع ~~الآتية: ~~(1) # تنظيم أحوال الفلاحين وأرباب الصناعات ~~الصغيرة ورفع مستواهم وتنظيم أمورهم المالية ~~وتعاون بعضهم مع البعض الآخر، وإيجاد نقابات ~~لهم. ~~(2) # الانعتاق من قيود الدين الإسلامي ~~وتقاليده . ~~(3) # الانعتاق من فكرة النبوات على ~~العموم. ~~(4) # نشر الفلسفة المانوية واليونانية وما إليها، ~~والاكتفاء بفكرة الإمام المستتر مما نجده ~~واضحا في «رسائل إخوان الصفا» و«الرسالة ~~الجامعة» للمجريطي. # 38 # وصفوة القول أن حركة القرامطة، حركة قامت في بيئة معينة ~~لأسباب اقتصادية واجتماعية وعقلية، واتخذت المبادئ ~~الاشتراكية سببا لتعميم نشاطها، ولكن لم يكتب لها الفوز ~~لأن عمدتها كانوا بدوا مخربين. # الفصل الخامس # | الوضع الإداري والوزاري # كان الوضع الإداري والوزاري في عصر الانحلال هذا متقلقلا ~~مضطربا تبعا للاضطراب العام في الدولة؛ فالخلافة ضعيفة، والناس ~~في فوضى، وأصحاب الأغراض والمطامع يعملون في الخفاء على زعزعة ~~أركان الدولة وتجزئتها، والقواد والوزراء وأصحاب الدواوين يتنازعون ~~الأمر فيما بينهم، وقد تقدم الكلام في الفقرة الخامسة ms039 من الفصل ~~الثالث، وفي الفقرتين الخامسة والسادسة من الفصل الرابع في الكتاب ~~الأول من هذا الجزء عن شيء من هذه الفوضى الإدارية والوزارية، ~~ونريد هنا أن نبين نبذة عن الوزراء وأعمالهم الإدارية وأحوالهم في ~~خلال تلك الفترة؛ أي منذ عهد المتوكل إلى آخر زمن المقتدر. ~~(1) عهد المتوكل # ابتدأ التصادم بين سلطة الخليفة ووزيره منذ عهد المعتصم؛ فقد ~~ولى المعتصم وزارته لكاتبه قبل الخلافة، الفضل بن مروان، ~~فتسلط هذا على الخليفة وعلى أموره كثيرا، قال صاحب كتاب ~~«العيون والحدائق بأخبار الحقائق»، ص17: «فلما أفضت الخلافة ~~إلى المعتصم صار الفضل هذا صاحب الخلافة والأمر والنهي ~~والدواوين بحكمه.» ولم يكن الفضل سوى عامي لا علم عنده ولا ~~معرفة، وكان رديء السيرة جهولا بالأمور، # 1 # ولما غضب عليه الخليفة وزر له أحمد بن عمار، ~~وكان طحانا غنيا جاهلا بآداب الوزارة، قال عنه ابن ~~طباطبا: «مكث مدة في وزارة المعتصم حتى ورد كتاب من بعض العمال ~~يذكر فيه «خصب الناحية وكثرة الكلأ» فسأل المعتصم أحمد بن عمار ~~عن «الكلأ»، فلم يدر ما يقول، فدعا محمد بن عبد الملك الزيات، ~~وكان أحد خواصه وأتباعه، فسأله عن «الكلأ» فقال: أول النبات، ~~يسمى بقلا، فإذا طال قليلا فهو الكلأ، فإذا يبس وجف فهو ~~الحشيش. فقال المعتصم لأحمد: انظر أنت في الدواوين، وهذا يعرض ~~علي الكتب. ثم استوزره، وصرف ابن عمار صرفا جميلا. وقد ~~أعاد الزيات للوزارة عهدها الزاهر لفضله وعقله، ولكنه كان ~~جبارا فظا مبغضا إلى الناس، وزر للواثق والمتوكل بعد ~~المعتصم، وكانت خاتمته من أفجع الخواتم، وخلفه في الوزارة محمد ~~بن الفضل الجرجرائي، وكان شيخا ظريفا منصرفا إلى الأدب ~~والغناء مشهورا بهما، ولما ضاق الناس به وبلهوه عزله الخليفة ~~وقال: ضجرت من المشايخ فأريد حدثا. فاستوزر عبيد الله ~~بن خاقان، وكان كاتبا حاسبا، إلا أنه كان مخلطا كثير ~~العيوب، ولكن كرمه غطى على ذلك، وفي عهده حسنت الصلات بينه ~~وبين القادة، للتركية التي تجمع بينهما، ولما قتل الخليفة ~~اجتمع الجند الأتراك على بابه، وحرسوه من أن يصيبه ms040 أي أذى.» # 2 ~~(2) عهد المنتصر # كان عهده قصيرا كثير الاضطرابات، ومنذ عصر هذا الخليفة ضاعت ~~هيبة الخلافة، واضطرب حال الوزارة بين الخليفة الضعيف والقائد ~~المتسلط، وكانت الوزارة في الغالب إلى جانب الخلافة ضد ~~القيادة، وكانت الخصومة قوية بينها وبين القيادة حتى كادت - أي ~~الوزارة - أن تزول بعد زمن المتوكل إلى زمن المعتمد، أما في ~~عهد إمرة الأمراء، فقد أصبحت كالخلافة، لا سلطان لها ولا ~~شأن. # وزر للمنتصر كاتبه قبل الخلافة أحمد بن الخصيب، وكان ~~أحمد هذا سخيفا مطعونا في عقله، طائشا أحمق، إلا أنه كان ذا ~~مروءة ولم يكن بالرجل الصالح لتولي هذا المنصب. ~~(3) عهد المستعين # ظل ابن الخصيب وزيرا له ثم عزله، وولى أبا صالح عبد الله ~~بن محمد بن يزداد، وكان أديبا عاقلا فاضلا، وكانت أجوبته ~~وتوقيعاته من أحسن التوقيعات، فانضبطت الأمور بعض الشيء بعد ~~فسادها، وحسنت أحوال البلاد، ولكن القادة الأتراك ضاقوا به ~~ذرعا، فتهددوه بالقتل فهرب. ثم اضطربت الأحوال وخلا منصب ~~الوزارة فترة لا يجرؤ واحد على توليه، كان المستعين يستكتب ~~خلالها تارة محمد بن الفضل الجرجرائي، وتارة شجاع بن القاسم، ~~ولكن أحدا لم يتسم باسم الوزارة. ~~(4) عهد المعتز # كان عهده عهد فوضى وفتن، استولى الجنود الأتراك فيه على كل ~~شيء، وخلا منصب الوزارة، ممن يحتله أول الأمر، ثم عهد إلى أبي ~~الفضل جعفر بن محمود الإسكافي بالوزارة، وكان هذا عاميا ~~جاهلا ولكنه كان يستميل الناس والأجناد بالعطايا والأموال، ثم ~~إن المعتز عزله وولى عيسى بن فرخان شاه، ولم تكن له ميزة سوى ~~الكرم، وظل في الوزارة حتى غضب عليه الأتراك، فعزله الخليفة، ~~وولى أبا جعفر أحمد بن إسرائيل الأنباري، وكان ذكيا فاضلا ~~حاذقا مدبرا، أحسن تصريف الأمور، فلم يعجب الأتراك، فأخذوه ~~واستصفوا أمواله، فشفع فيه المعتز وأمه إلى متقدم الأتراك صالح ~~بن وصيف، فلم يلتفت إليهما وحبسه وضربه، وظل مسجونا أيام ~~المهتدي. ولما فعل بأحمد بن إسرائيل ما فعل عاد المعتز ~~فولى الإسكافي من جديد. ~~(5) عهد المهتدي # أبقى المهتدي أبا الفضل الإسكافي في وزارته ثم ms041 استبدله ~~بسليمان بن وهب وهو من أسرة نصرانية نبيلة، حذقت في الدواوين، ~~وكان أديبا نابغا في الكتابة والأدب وحسن الحظ، قال ابن ~~طباطبا (في الفخري، ص218): «كان أبو أيوب سليمان بن وهب، أحد ~~كتاب الدنيا ورؤسائها فضلا وأدبا وكتابة في الدرج ~~والدستور، وأحد عقلاء العلم وذوي الرأي، وكان بنو وهب من رؤساء ~~الناس وحذاقهم وفضلائهم وكرمائهم، وكانت دولتهم ناضرة، ~~والأدب في زمانهم قائم المواسم واضح المعالم.» وخلع المهتدي ~~وهو وزيره. ~~(6) عهد المعتمد على الله # كان أخو الخليفة أبو أحمد الموفق هو على المتولي الخلافة ~~والوزارة، فكان يعزل من يريد من الوزراء، ويولي من يريد، ~~ولما تولى المعتمد اتفقت الآراء على استيزار عبيد الله بن يحيى ~~بن خاقان، فضبط الأحوال وأحسن الإدارة إلى أن مات، فاستوزر ~~المعتمد الحسن بن مخلد كاتب الموفق، فاجتمعت له وزارة المعتمد ~~وكتابة الموفق، وكان الحسن أحد الكتاب الكبار قالوا: كان له ~~دفتر صغير يحمله بيده فيه أصول الممالك ومحمولاتها بتواريخها، ~~فلا ينام كل ليلة حتى يقرأه، ويتحقق ما فيه بحيث لو سئل في ~~الغد عن أي شيء كان فيه، أجاب من خاطره بغير توقف، ولا مراجعة ~~دستور، ثم إن المعتمد عزله وولى سليمان بن وهب، وكان عالما ~~فاضلا، وفي عهده ذاع صيت آل وهب وسمت مكانتهم، ولكن لم ~~يلبث أن عزل وولي أبو الصقر إسماعيل بن بلبل مكانه، وكان ~~فاضلا جمع بين السيف والقلم، وحمد عهده حتى سمي الوزير ~~المشكور، مدحه البحتري وابن الرومي، وسمت مكانته وذاع فضله، ~~إلا أن المعتمد عزله واستصفى أمواله، ثم قتله، بإشارة أخيه ~~الموفق، ثم طلب إليه تولية أحمد بن صالح بن شيرازد القطري بلي، ~~مولاه، وكان أحمد أديبا فاضلا عارفا بصناعته، ولم يلبث في ~~وزارته أكثر من شهر ثم مات سنة 266، فولي عبيد الله بن سليمان ~~بن وهب، وكان فاضلا بارعا حاذقا استمر في وزارته إلى عهد ~~المعتضد إلى أن مات سنة 288. ~~(7) عهد المعتضد # وزر له عبيد الله بن سليمان، ولما مات عزم المعتضد على أن ~~يستصفي أمواله، ويقتل أولاده، ms042 فجاء ابنه القاسم واستعان ~~بالقائد بدر المعتضدي، وكتب على نفسه صكا بمليوني دينار، ~~فاستوزره المعتضد، وكان القاسم من الدهاة الأفاضل الأذكياء ~~الفضلاء، ولكنه كان جبارا سفاحا وهو الذي سم ابن الرومي، ~~ومات المعتضد وهو وزيره. ~~(8) عهد المكتفي بالله # لما مات المعتضد كان المكتفي بالرقة، فقام الوزير القاسم ~~بأخذ البيعة للمكتفي بالله وكتب إليه كتابا أرسله مع البردة ~~والقضيب، فحضر المكتفي وأقره على الوزارة ولقبه ألقابا ~~فخمة، وظل في الوزارة على عهد المكتفي إلى أن حضرته الوفاة، ~~فأوصى الخليفة باستيزار العباس بن الحسن، فاستوزره، وكان ~~أديبا داهيا ولكنه كان ضعيفا في الحساب، منصرفا إلى اللهو ~~والملذات، وكان يقول لنوابه في الأعمال: أنا أوقع إليكم، ~~وأنتم افعلوا ما فيه المصلحة. وقد اضطربت الأمور في عهده، ~~وساءت أحوال البلاد حتى قتل الخليفة. ~~(9) عهد المقتدر # أقر المقتدر بالله العباس بن الحسن على الوزارة، ولكن ~~الأجناد كانوا غير راضين عنه، فقتلوه، وساءت إدارة الدولة في ~~هذا العهد جدا، من جراء السياسة الخرقاء التي اتبعها الخليفة ~~في تعيين وزراء وعزلهم، فقد ولي الوزارة في عهده نحو اثني عشر ~~وزيرا، وعزل بعضهم مرارا وأعيد. # وبعد، فنحن نرى من هذه النظرة الخاطفة إلى الوزارة أن الصفة ~~الغالبة على أكثر هؤلاء الوزراء هي العسف والظلم والجهل وسياسة ~~الدولة بالمكر والحيل، وأن من كان فيهم قويا نبيلا مخلصا ~~في عمله، محبا لخليفته، مدبرا لدولته، حريصا على مصالح ~~الأمة، قتلوه أو عزلوه، ومن كان منهم ضعيفا أو سخيفا أو ~~ظالما متهتكا تركوه وساموا الرعية به. # وهكذا ساءت إدارة الدولة وفشت الرشوة والفوضى فيها، وعمت ~~أسباب الانحلال، ولا أدل على ذلك من كلمة العباس بن الحسن ~~لنوابه ورؤساء أعماله: «أنا أوقع وأنتم اعملوا ما فيه ~~المصلحة.» وليست تلك المصلحة طبعا مصلحة الشعب ولا مصلحة ~~الدولة، ولكنها مصلحة الوزير ومصلحة نوابه ومصلحة ~~جيوبهم. # الفصل السادس # | وضع الجيش ومشاهير القادة في هذا ~~العصر # كان المعتصم شجاعا محبا ~~للجندية والأجناد، فأراد تقوية الجيش الذي أخذ يضعف بعد فتنة ~~الأمين والمأمون، ورأى أن الأجناد من الأبناء ms043 الخراسانيين قد فسدوا ~~وترفوا ولم يعد يثق بهم، وأن أفضل من يحل محلهم هم الأتراك الذين ~~يسكنون المناطق الواقعة بين بلاد التبت والصين شرقا، وسيبريا ~~شمالا، وبلاد الشعوب الفنلاندية الأوغرية غربا، وهم من الرجال ~~الممتازين بحبهم للحرب والشجاعة، فعمد إلى تكوين جيش كبير منهم ~~استعان به على القضاء على نفوذ الأبناء الخراسانيين، واستغنى به عن ~~الجنود العرب إلا نفرا قليلا أبقاه خارج العراق في مصر واليمن، ~~وانتخب كثيرا من الفراغنة والأشروسينية، فكثر بهم جيشه حتى أخذ ~~يضايق أهل العاصمة، فعزم على اختطاط «سامراء» لتكون مقرا لهؤلاء ~~الأتراك، والفراغنة والأشروسينية وهكذا كان، فكان المعتصم يسخو على ~~هؤلاء الأجناد في العطاء والكساء، فيلبسهم الحرير والمناطق المذهبة ~~ويرفع من أقدارهم، ثم تتابع الخلفاء من بعده، يتتبعون خطته، حتى ~~قوي سلطان هؤلاء الأجناد، وكان منهم ما عرفنا ومن أشهرهم ~~ذكرا: ~~(1) الإفشين # حيدر بن كاوس، وهو تركي من أسرة أشروسنية عريقة تولى مصر ~~والشام نيابة عن المعتصم وهو أمير، فلما استخلف عظمت مكانة ~~الإفشين، وكان لنجاحه في القضاء على ثورة بابك الخرمي أثر ~~محمود، كان سبب شهرته وإعطائه مكافأة عظيمة، وكان له ذكر في ~~حملات المعتصم على عمورية حتى ملأ الغرور نفسه، وطمع بالملك ~~والاستقلال في أشروسنة، ولما تحقق المعتصم ذلك منه حبسه، ثم ~~صلبه وأحرقه، وقيل بل إنه مات صبرا. ~~(2) إيتاخ # هو من أهل الخزر اشتراه المعتصم سنة 199ه وعظمت مكانته عنده ~~حتى جعله جلاده، وأولاه إحدى الفرق التي حاربت في بلاد الروم ~~مع الإفشين، وسمت مكانته في عهد الواثق حتى تولى الجيش والبريد ~~والحجابة ودار الخلافة، وأخذ خطره يظهر في عهد المتوكل فقتله ~~سنة 235ه. ~~(3) أشناس # تركي، اشتراه المعتصم وقربه لشجاعته وولاه في غزوة ~~عمورية لقيادة إحدى الفرق، فبرزت مواهبه العسكرية، ثم سماه ~~أميرا على سامراء حين غادرها، وفي سنة 255ه، رفع قدره، وزاده ~~سلطانا حتى أجلسه في حضرته على كرسي، كما يجلس أمراء ~~آل العباس، وتوجه ووشحه، وأشرف على زواج ابنته «أترنجة» ~~للحسن بن الإفشين، ودعا إلى عرسه أهل سامراء، وكان الخليفة ms044 ~~يباشر بنفسه تفقد الحاضرين إلى العرس، وفي عهد الواثق زادت ~~مكانته سموا حتى أنه توجه سنة 228 ووشحه وشاحي جوهر وضلع ~~عليه لقب سلطان إلى أن مات سنة 230ه. ~~(4) وصيف # هو غلام تركي اشتراه المعتصم وعظمت مكانته جدا، في أيامه، ~~فلما مات أشناس خلفه وصيف، وقد كان بمقدور هذا الغلام أن ~~يولي من يشاء الخلافة ويعزله، ولعب دورا هاما في استخلاف ~~جماعته من العباسيين، ولما عظم خطره أراد المتوكل تقليم ~~أظافره ومصادرة أمواله، فتآمر وصيف مع ابن المنتصر وقتله، ~~وكانت له في فتنة المستعين والمعتز يد طولى أيضا. ~~(5) بغا # هو من علماء المعتصم كان له ضلع كبير في مؤامرة قتل ~~المتوكل. # هؤلاء نفر من أولئك الأتراك الذين سيطروا على البلاد ~~ومواردها وأصبحوا كل شيء في الدولة، بينما ظل الخلفاء أشباحا ~~لا رأي لهم، ولا يسمع لهم رأي إن أبدوه. # الفصل السابع # | الوضع العلمي والثقافي في تلك الفترة ~~من عهد الانحلال # نشأت الحركة العقلية والعلمية القوية في العصر العباسي الأول، ~~ونبغ في الإسلام طبقة من العلماء الأعلام، وضعوا أسس العلم ~~الإسلامي، وصنفوا فيه التصانيف الرئيسية في كل فن من فنون ~~العلم المعروفة وقتئذ من دين وأدب ولغة وعربية وفلسفية وحكمة ~~وتاريخ، وكان من أعلام تلك الحركة وقادتها جماعة نذكر في مقدمتهم: ~~الخليل بن أحمد الفراهيدي والكسائي وسيبويه وأبا حنيفة النعمان ~~ومالكا والأوزاعي، والحسن البصري، وأبا محنف لوط بن يحيى، وسيف ~~بن عمر، ومحمد بن إسحاق، والحجاج بن مطر، وثابت بن قرة، وحنين، ~~وأبا نواس، ومسلم بن الوليد، وبشارا وإبراهيم الموصلي وغيرهم، ممن ~~تشهد آثارهم بفضلهم ومقدار جهدهم في وضع أسس البناء العقلي والعلمي ~~والأدبي الإسلامي، ولؤلؤة هذه الفترة عصر المأمون، كما فصلناه في ~~تاريخ «عصر الازدهار». # أما في الفترة الانحلالية التي نؤرخها فقد ظل النشاط العلمي ~~والأدبي استمراريا مزدهرا، ولم يتأثر قط بالانحلال السياسي، ~~وعلى الرغم من انفصال بعض أجزاء الإمبراطورية واستقلالها عن البلد ~~الأم، كانفصال شمال الشام والموصل في عهد بني حمدان؛ فإن الحركة ~~العلمية كانت قوية بل اعتبرت تلك ms045 الفترة من تاريخ الشام أزهر عصر ~~علمي ثقافي رفيع، وصلت إليه، فكان بلاط أمير الحمدانيين سيف الدولة ~~مألفا لأكابر علماء المسلمين وأدبائهم وشعرائهم وفلاسفتهم على ما ~~فصلناه، وكذلك نقول في مصر أيام الطولونيين، وفي المشرق أيام ~~السامانيين، وقد نبغ في العالم الإسلامي ~~في تلك الحقبة من عصر الانحلال ~~العباسي السياسي طبقة من المؤلفين في كافة فروع العلم لا تقل مكانة ~~آثارها عن مكانة الطبقة التي وجدت في العصر العباسي الأول (عصر ~~الازدهار) من حيث الثقة العلمية، وجودة التأليف، بل ربما فاقتها من ~~حيث الإتقان التأليفي، وحسن جمع المعلومات وتبويبها، تبعا لنصوص ~~التطور الزمني. # ففي علوم الحديث: نبغ الأئمة الستة: البخاري (256ه/892م)، ومسلم ~~(261ه/875م)، وأبو داود (275ه/888م)، والترمذي (279ه/892م)، ~~والنسائي (303ه/915م)، وابن ماجه (273ه/886م)، وغيرهم من الأئمة ~~الذين وطدوا أركان الحديث النبوي وعلومه، وما تزال كتبهم إلى ~~يومنا هذا هي المراجع الصحيحة الموثوقة الحافظة للإسلام ودينه ~~وآدابه. # وفي الفقه والتشريع: نبغ أحمد بن حنبل (241ه/855م)، وداود ~~الظاهري (815م)، وطبقة جليلة من تلاميذ أبي حنيفة النعمان، ومحمد ~~بن إدريس الشافعي ومالك بن أنس والأوزاعي، فرعوا الفروع التي جاء ~~بها شيوخهم، وصنفوا في ذلك تصانيف ما تزال إلى أيامنا هذه، ~~المرجع الأسمى لمباحث التشريع والفقه الإسلامي. # أما في علوم الطب والحكمة والفلسفة، فقد ظهرت في هذه الفترة ~~ثمرات الغرسة الطيبة التي بذرها المأمون، وخطا العرب في هذه الفترة ~~خطوات في علوم النبات والحيوان والفيزياء، والكيمياء، والعقاقير، ~~والأقرباذين، والعناية بأحوال الأطباء، والكحالين، والصحة العامة ~~عناية مدهشة، على الرغم من ذلك الانحطاط السياسي، وهو أمر لم تبلغه ~~أمة من الأمم السابقة فيما نعلم، يقول الأستاذ فيليب حتي، في ~~كتابه: «تاريخ العرب المطول»، ص446 نقلا عن ابن أبي أصيبعة: «أوعز ~~علي بن عيسى وزير المقتدر إلى سنان بن ثابت بن قرة الطبيب العالم، ~~بأن ينفذ جماعة من الأطباء يطوفون البلاد ومعهم خزانة للأدوية ~~والأشربة ويعالجون من يرونهم من المرضى، وأن ينفذ آخرين لزيارة ~~المرضى في السجون، وتظهر لنا هذه المعلومات اهتمام أولياء الأمر ~~بالصحة العامة، وهو ms046 أمر لم يكن معروفا في سائر العالم ~~آنذاك.» # ولا بد لنا أن نذكر بعض من قاموا بتلك الحركة، فمن أئمة النهضة ~~العلمية والحكمة في هذه الفترة: علي بن ربن (ربان) الطبري، صاحب ~~كتاب «فردوس الحكمة»، # 1 # ومحمد بن زكريا الرازي (320ه/925م) الذي ألف ~~للساماني منصور الكتاب ~~المنصوري، ويعقوب بن إسحاق الكندي الكوفي فيلسوف العرب، # 2 # والفارابي محمد بن محمد بن طرخان (340ه/950م)، وأبو ~~عبد الله محمد بن جابر البتاني الحراني (949م) وكان أعظم فلكيي ~~العصر، ومحمد بن موسى الخوارزمي (237ه/850م) إمام رياضيي العرب ~~وصاحب الآثار الجليلة. # وأما الجغرافيا ودراسة الشعوب وعلوم الطبوغرافية وما إليها فقد ~~اهتم الخلفاء والأمراء بها، وحرضوا العلماء على إتقان هذا الصنف من ~~العلم المفيد في تخطيط البلاد ودراساتها وطبوغرافيتها، ومن ~~النابغين في هذه الفترة من أهل هذا العلم: ابن خرداذبة (232ه/846م) ~~صاحب كتاب «المسالك والممالك»، وكتابه من خير ما ذخرت به الخزانة ~~العربية إلى اليوم، وقد استعان كثيرا بأبحاث بطليموس، وفي الكتاب ~~معلومات طبوغرافية وتاريخية مهمة جدا، ومما يدلنا على عناية ~~الخلفاء بتقويم البلدان، أن الخليفة الواثق أرسل بين سنة 227 و232ه ~~(سنة 841-846م) بعثة إلى بلاد يأجوج ومأجوج (الصين) لدراسة ~~أحوالها. # وفي سنة 309ه سار الرحالة الجغرافي أحمد بن فضلان # 3 # إلى بلاد البلغار ودرس أحوالهم، وكتب عنهم بيانا ~~مفصلا، تلبية لرغبة الخليفة المذكور، وقد حفظ لنا ياقوت في «معجم ~~البلدان» هذا البيان الذي يعتبر أقدم بيان جغرافي موثوق عن البلاد ~~الروسية. ومن نابغي الجغرافيين أبو زيد البلخي (322ه/924م) الذي ~~كان من علماء البلاط الساماني. # وأما في السيرة والتاريخ، وعلم الرجال والأنساب فقد نبغ أئمة من ~~كبار العلماء الموثوق بهم أمثال ابن هشام (218ه/823م) صاحب مختصر ~~سيرة النبي # صلى الله عليه وسلم # لمحمد بن إسحاق (151ه)، والواقدي (207ه/823م) ~~وتلميذه ابن سعد كاتب الواقدي (230ه/845م) وتلميذه البلاذري ~~(279ه/892م) صاحب فتوح البلدان وأنساب الأشراف، ومحمد بن جرير ~~الطبري (310ه/923م)، والمدائني (225-839)، وقد ذكر له ابن النديم ~~في الفهرست مائتين وأربعين كتابا ضاعت، ولم يبق سوى ما اقتبس ms047 ~~منها، وهشام بن الكلبي (204ه/819م) وله مائة وأربعون كتابا ضاعت ~~ولم يبق منها سوى كتابي «الأصنام» و«المثالب». # وأما ما في الأدب فقد تقدم فنا الكتابة والشعر، ولمع اسم ~~كتاب كبار على رأسهم الجاحظ (255ه)، وابن قتيبة (276ه)، وابن ~~دريد (321ه)، ومما تجب ملاحظته، ظهور بحوث أدبية سياسية كالبحوث ~~التي قامت حول فكرة الشعوبية التي كان من مناهضيها الجاحظ، وابن ~~دريد، وابن قتيبة، ومن مؤيديها حمزة الأصفهاني (350ه)، والبيروني ~~(430ه)، وقد خلف كل من هؤلاء بحوثا ومقالات ورسائل أدبية ~~رائعة في تأييد وجهة نظره. # أما الشعر فكان من أئمة أصحابه في هذه الفترة أبو تمام الطائي ~~الشاعر الحكيم العالم (231ه)، والبحتري الشاعر العالم الأديب ~~(284ه)، وابن المعتز الخليفة المؤلف العالم (269ه)، والمتنبي ~~الحكيم (354ه)، وأبو فراس (357ه)، وغيرهم وهم من نعرفهم مكانة ~~وسموا وآثارا وشهرة. # وأما الخطابة فقد انحطت عما كانت عليه في السابق في العصر الأموي ~~والعصر العباسي الأول الذي نبغ فيه كثير من الخلفاء، كالمنصور، ~~والمهدي، والرشيد، والأمين، ومن غيرهم كداود بن علي بن عبد الله بن ~~العباس، وخالد بن صفوان، أما في هذا العصر، فلم ينبغ من خطيب بارز ~~المكانة من الخلفاء، أما غيرهم فكانوا من الخطباء المتوسطي ~~المكانة. # وأما العربية وعلومها فقد نبغ فيها جمهرة كبيرة كأبي عبيدة ~~(209ه/824م)، والأصمعي (213ه/828م)، وأبي زيد الأنصاري ~~(214ه/829م)، والفراء ~~(207ه/822م)، وغيرهم من كبار ~~أئمة اللغة والنحو والعروض. # الفصل الثامن # | الوضع الاجتماعي في هذا العصر # تطور الوضع الاجتماعي في العصر العباسي عما كان عليه في العصر ~~الأموي، كما عرفنا ذلك؛ فقد كانت البيئة الاجتماعية للدولة الأموية ~~بيئة عربية متحضرة تأخذ من مظاهر حضارة البلاد المفتوحة ما يلائم ~~طبعها، ويوافق مزاجها العربي، أما في العصر العباسي وخصوصا العصر ~~الذي نبحث فيه، فقد تبدلت تلك الأوضاع تبدلا ظاهرا، وإليك مجالي ~~ذلك التبدل: ~~(1) الأسرة # كانت نظم الأسرة في العصر العباسي نظما عربية خالصة، أو ~~كالخالصة، وكان القوم يقيمون وزنا كبيرا للدم العربي، أما في ~~العصر العباسي، وهذا العصر الذي نبحث فيه بصورة خاصة، فقد ms048 ~~تبدلت الأحوال، وغزت النساء الأعجميات من رقيقات وغيرهن بيوت ~~الطبقة العليا والطبقة الوسطى؛ فأمهات الخلفاء العباسيين كلهن ~~غير عربيات، حاشا أم السفاح، والمهدي، والأمين، والبلاط ~~العباسي ودور الأمراء وكبار الوزراء والقادة كانت تعج ~~بالجواري من روميات، وأرمنيات، وفارسيات، وحبشيات، وتركيات، ~~وبذلك ضاع الدم العربي النقي، وضاعت تلك الطبقة العربية، التي ~~تعتز بدمها العربي في العصر الأموي، وحلت محلها طبقة من ~~الهجناء الذين لا تهمهم عراقة الأنساب ولا نقاوة الدماء، ~~وخصوصا في عصر الانحلال؛ فقد انحطت الأسرة العربية انحطاطا ~~مريعا، وسقط مستوى الأخلاق، وضاعت تقاليد عربية وإسلامية ~~كثيرة لكثرة انغماس الناس في الشهوات والموبقات التي جاءتهم ~~بها فارس وغيرها. وهكذا تدنت المرأة إلى درك بعيد، فتبعها ~~المجتمع. ~~(2) المسكن # ليست عندنا معلومات دقيقة عن وضعية البيت العربي في هندسته ~~ومفروشاته وآنيته في العصر الأموي، ولا العصر العباسي الأول، ~~وإنما هي معلومات متفرقة ليست ذات غناء كبير، ويظهر أن البيت ~~أو الدار الإسلامية في العصر العباسي، ظلت كما كانت عليه في ~~العهد الإسلامي وما قبل الإسلامي؛ لأن العرب ليسوا أصحاب بناء ~~ولا لهم في ذلك قدم راسخة، وإن كانت الأبنية العالية ذات ~~الطبقات الكثيرة قد عرفت في الحجاز واليمن منذ الجاهلية، كما ~~عرفت السراديب التي تقي من الحر، وأغلب الظن أنهم لما دخلوا ~~البلاد المفتوحة أعجبهم نمط البيوت التي كانت في الشام والعراق ~~ومصر، فاستساغوها بعد أن غيروا فيها بعض التغيير الذي اقتضته ~~البيئة الإسلامية من جعل محلات خاصة بالنساء بعيدة عن أمكنة ~~الرجال، وما زال هذا الأمر يتطور حتى وجد فيما بعد نظام ~~«الحرملك» و«السلاملك». # وقد وصف المستشرق «ديمومبين» البيت العربي وصفا نظن أنه ~~جاء مطابقا للواقع، حيث يقول: «عرفت بلاد العرب منذ الجاهلية ~~بيوتا ذات عدة طبقات، وقلاعا من السهل أن تقاوم ضد أسلحة ~~البدو البسيطة، وتكون الغرف المشيدة تحت الأرض ملجأ في حالات ~~تطرف درجات الحرارة، وبين النماذج المتعددة للبيوت التي يسكنها ~~المسلم الوسط، نجد أن بيوت البحر الأبيض المتوسط، ذات الطابق ~~الواحد هي الشائعة: صالة صغيرة تفتح على المدخل ms049 حيث يجد الزائر ~~دكة يستريح عليها منتظرا أحد أفراد المنزل، أو تقوده خادم ~~عجوز خلال ممر إلى فناء المنزل المستطيل الذي يحوي في وسطه ~~بركة ماء وتزينه بضع شجيرات، ويحيط بالمنزل ممرات تتدلى فيها ~~الكروم، وعليها تفتح الأبواب والشبابيك الضيقة للغرف، وأحدها ~~أوسع من الآخر، وتمتد وتتسع في بيوت الأغنياء مكونة من الإيوان ~~على هيئة حرف # T ~~، وفي كل مكان ~~فجوات في الجدران وهي الرواشن التي تكون كخزائن أو تصنع عليها ~~رفوف، وفي إحدى الزوايا سلم يؤدي إلى السطح حيث توجد غالبا ~~غرفة عليا، والسطح هو مجال النساء وملجأهن في ليالي الصيف، أما ~~الجدران من الخارج فعارية، فيها على الغالب بضع نوافذ لا ~~تفتح، وأما الداخل فمحجوب تماما عن أعين المارة ومحمي ضد ~~حوادث السطو، والأثاث قليل بضعة صناديق غطاها النجار والرسام ~~برسوم بسيطة، وبعض المغارس والحصر والسجاجيد، وعدد من ~~المعلقات على الجدران والأبواب، وأدوات شتى وأوان معدنية ~~وأخرى فخارية، وكلها سواء كانت متقنة أو عادية اكتسبت شكلا ~~قديما نبيلا. # 1 # هذا ما يقول أستاذنا المستشرق العلامة ديمومبين، ~~ولكنه قد أهمل ذكر ديوان الجلوس الذي يوضع في الدواوين، وغرف ~~الجلوس التي تحيط بها من ثلاث جهات وقد فرشت عليها المراتب، ~~ومن ورائها النمارق والوسائد والطراريح، كما أهمل ذكر نظام ~~الإضاءة، وهو في الغالب الشموع، أو قناديل الزيت التي توضع في ~~المشاكي، وربما استعمل النفط في البلاد التي كان معروفا ~~فيها. # هذه هي حال دور الطبقة الوسطى، أما الطبقة الدنيا فكانت ~~أقرب إلى دور البداوة، ساحة صغيرة قد جزئت أربعة أو ثلاثة ~~أجزاء، رفع في كل جزء منها حيطان من طين، سقفت بالخوص أو ~~أوراق الشجر، بلا شبابيك ولا كوى غالبا، وفي هذه «الغرف» ~~يسكن الإنسان وإلى جانبه ماشيته وحيواناته في الغالب. أما ~~الطبقة العليا فكانت تسكن في قصور فخمة في الداخل حصينة في ~~الخارج، منها ذو الطبقة الواحدة، ومنها ذو الطبقتين، أو ~~الثلاث، وهي في الغالب صورة طبق الأصل عن القصور الساسانية أو ~~البيزنطية، لها ساحة ضخمة فيها بركة ماء، ms050 ولها إيوان أو ~~إيوانان أو أربعة، أحاطت بها الغرف من جهاتها الأربع، وإلى ~~جانب الغرف مستتبعات القصر وحمامه، وربما جعل فيه فرن ~~وطاحون وأحواض وما إلى ذلك من متممات الرفاهية وأسباب ~~النعيم. ~~(3) الطعام والشراب والطيب # لا نعرف كثيرا عن الأطعمة في العصر العباسي، ولا شك في أن ~~انتقال العاصمة الإسلامية إلى العراق، القريب من فارس، قد أدخل ~~كثيرا من الأطعمة الفارسية في المطبخ العربي، وقد كتب بعض ~~كتاب هذه الفترة رسائل وكتبا في وصف الأطعمة والأشربة ~~والطيوب، ومن أجلها كتاب «أبي الحسن علي بن هارون بن المنجم» ~~وإبراهيم بن المهدي، وجخطة البرمكي، وقد ضاعت كلها، وإنما ~~وصلنا كتب ألفت بعد هذا العهد. # وقد جعلوا للطعام آدابا وآينا، # 2 # وأخذوا أكثره من التقاليد الفارسية، وقد حفظ لنا ~~الأديب الكاتب الوشاء في كتابه الثمين «الموشى»، طرفا ذات ~~قيمة عن آداب الطعام وصفات الظرفاء والمؤدبين (الجنتلمان)، كما ~~نجد في بعض الكتب الأدبية والتاريخية والدينية نتفا ومعلومات ~~تبين طرفا من آداب الطعام والشراب ومجالسهما؛ ففي «كتاب ~~الوزراء للجهشياري» أن «الوزير ابن الفرات كان يدعو إلى طعامه ~~في كل يوم تسعة من الكتاب من آداب الطعام والشراب ومجالسهما، ~~ففي «كتاب الوزراء للحر شياري، ص241» أن «الوزير ابن الفرات ~~كان يدعو إلى طعامه في كل يوم تسعة من الكتاب الذين اختص ~~بهم، وكان منهم أربعة نصارى كانوا يقعدون إلى جانبه وبين يديه، ~~ويقدم إلى كل واحد منهم طبقا فيه أصناف الفاكهة الموجودة في ~~الوقت من خير شيء، ثم يجعل في الوسط طبقا كبيرا يشتمل على ~~جميع الأصناف، وكل طبق فيه سكين يقطع بها صاحبها ما يحتاج إلى ~~قطعه ... ومعه طست زجاج يرمي فيه التفل ، فإذا بلغوا من ذلك ~~حاجتهم واستوفوا كفايتهم، شيلت الأطباق وقدمت الطسوت ~~والأباريق فغسلوا أيديهم وأحضرت المائدة مغشاة بدبيقي تحتها ~~سفرة أدم، وحواليها مناديل الغمر ... فلا تزال الألوان توضع ~~وترفع أكثر من ساعتين.» # وأما الشراب فقد عظم تعاطيه في هذا العصر، وصار كثير من ~~الخلفاء يشربون الخمر، وعرف ذلك عنهم، فلم يأنفوا منه، ms051 وجدد ~~العباسيون نظم مجالس الشراب الساسانية وآداب الندمان على ~~الطريقة الفارسية، وصرنا نجد في بيوت الكبراء إلى جانب ~~الطباخين والخدمة، رجالا يسمون الشرابيين، عملهم العناية ~~بالشراب وآلته وفاكهته وريحانه، وكان الساقون في الغالب من أهل ~~الذمة، ولم يتورع عن الشراب كثير من كبار الدولة على الرغم من ~~تحريمه، حتى القضاة! فقد روى الثعالبي أن جماعة من الكبراء ~~«كانوا ينادمون الوزير المهلبي في مجالس لهوه وشرابه ومن بينهم ~~القضاة: ابن قريعة، والتنوخي، وما منهم إلا أبيض اللحية ~~طويلها، وكانوا يحضرون وعليهم المصبغات، فإذا أصبحوا عادوا ~~إلى عادتهم من التزمت والتوقر والتحفظ بأبهة القضاة ~~وحشمة المشايخ الكبراء.» وكان شرب الخمر مقللا لانتشار ~~المخدرات الأخرى من حشيش، وأفيون، على الرغم من أن الحنفية قد ~~أباحوها كما يفهم من كلام العاملي # 3 # ولم تصر بعد لهذين المخدرين المكانة التي كانت ~~لهما في أواخر القرن الرابع والقرن الخامس. # | عصر الانحلال الثاني # من سنة 320ه إلى سنة 422ه # الفصل الأول # | عرض موجز لشئون الخلافة وأحوال الخلفاء منذ عهد المقتدر ~~إلى نهاية عهد الطائع # وقف بنا الكلام في عرضنا لشئون الخلافة وأحوال الخلفاء في الكتاب ~~الأول عند مقتل الخليفة المقتدر، وقلنا إن مقتله كان بداية عهد ~~الفوضى التي طغت على الدولة، وإن موجة الفتن والجراح التي طغت على ~~جسم الأمة لم يلتئم جرحها بعدئذ. # والحق أن مقتل المقتدر كان فاجعة ضعضعت شأن الخلافة وزلزلت ~~أركانها، ولما قتل المقتدر أخرج أخوه أبو منصور محمد القاهر ~~بالله من السجن واستخلف، فوجد الخزائن خاوية والخلافة مزعزعة ~~الأركان، وكان مهيبا مقداما على سفك الدماء، فأراد أن يجمع ~~الأموال فصادر جماعة من رجال الدولة، وأمهات أولاد المقتدر وأم ~~المقتدر، وعذبها عذابا مؤلما حتى استخرج منها أموالها، وساءت ~~سيرته في الناس حتى كرهوه، وولى وزارته إلى اثنين عرفا بالبخل ~~- مثله - وفساد السياسة وضعف الرأي، وقلة الخير، وحض الخليفة ~~على سفك الدماء، وهما أبو جعفر الكرخي، وأبو علي بن مقلة، فساءت ~~أحوال الدولة، وعم فساد الأجناد، وعمت الفوضى حتى حرض ابن مقلة ~~الأتراك على ms052 خلع الخليفة فخلعوه سنة 322 وسملوا عيونه، ثم حبس ~~وأفرج عنه، ثم أعيد إلى الحبس إلى أن مات في سنة 337ه. # ولما خلع القاهر سنة 322 استخلف أبو العباس محمد الراضي بالله ~~بن المقتدر، وكان عالما أديبا شاعرا وسياسيا قادرا وحازما، ~~فأراد إعادة عز الخلافة، وأحسن انتقاء رجاله، ووصل العلماء ~~والعقلاء، وهو آخر خليفة عباسي كان للخلافة في عهده شيء من ~~السلطان، قال ابن طباطبا في تاريخ الفخري (ص246): «ختم الخلفاء في ~~أشياء، منها أنه آخر خليفة دون له شعر، وآخر خليفة انفرد بتدبير ~~الملك، وآخر خليفة خطب على منبر يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس ~~الندماء، ووصل إليه العلماء، وآخر خليفة كانت مراتبه وجوائزه ~~وخدمه وحجابه تجري على قواعد الخلفاء المتقدمين.» وهذه كلها ~~أعراض لا طائل تحتها، أما الجواهر فكانت بيد القادة والوزراء وهم ~~الذين يديرون الأمور دونه «ولا يقدر هو لضعفه أن يغيره، فتقسمت ~~البلاد، وظهر الفساد، واسترجع الروم عامة الثغور، ووزر له كل ~~فجور، وهم وزراء القاهر، فأفسدوا دولته وفرقوا كلمته.» # 1 # والحق أن أمور الدولة قد فسدت في عهده إلى حد بعيد، ~~ويتجلى هذا الفساد في أمور، منها: أن ابن مقلة وزيره كتب إلى بجكم ~~التركي يطمعه في الاستيلاء على بغداد، ولما علم الراضي بذلك قطع ~~يده، ثم قطع لسانه حتى قرب بجكم من بغداد، ومنها أنه في سنة 322ه ~~عظم أمر مرداويج صاحب أصفهان فعزم على إزالة الدولة العباسية، وقد ~~اضطرب الراضي لهذا، ولكن الله كفاه إياه بعد أن تآمر عليه غلمان له ~~وقتلوه، ومنها أن أمراء الأقاليم قد قطعوا كل صلة لهم بالعاصمة، ~~فبلاد فارس في يد علي بن بويه، وأخوه الحسن بن بويه يسيطر على بلاد ~~الري وأصفهان والجبل، والموصل وديار بكر وديار ربيعة ومضر في أيدي ~~الحمدانيين، ومصر والشام تحت سلطان ابن طغج، وبلاد خراسان والمشرق ~~بيد نصر بن أحمد الساماني. # ولما مات الراضي سنة 328ه استخلف أخوه أبو إسحاق إبراهيم المتقي ~~بالله، وكان عابدا زاهدا كثير الصوم والصلاة منزها عن النقائص ~~حسن ms053 الخلق، إلا أنه لم يكن عارفا بأساليب السياسة وإدارة الملك، ~~فازدادت البلاد اضطرابا في عهده، وقوي نفوذ الأتراك والديالمة ~~والوزراء، واضطربت الأمور في العاصمة واستولى عليها توزون الديلمي، ~~فهرب الخليفة إلى الموصل بأهله وأمواله، ونهبت دار الخلافة، ثم ~~كتب توزون إلى الخليفة يحلف له أغلظ الأيمان ويؤمنه على نفسه، ~~وكان الأمير محمد بن طغج قدم إليه من حلب يقدم إليه الهدايا ~~والأموال الجليلة، ويسأله أن يترك العراق إلى الشام ومصر، فأبى ~~الخليفة ذلك، ثم قفل راجعا إلى بغداد، فتلقاه توزون وأعلن خضوعه ~~ظاهرا، ثم إنه أوعز إلى طائفة من الديالمة أن يقبضوا عليه ويسملوا ~~عينيه، ثم خلعه توزون سنة 333، ومات المتقي سنة 350ه، وفي عهد ~~المتقي سيطر الحمدانيون على الجزيرة والشام كله. # ولما خلع المتقي استخلف أبو القاسم عبد الله المستكفي ~~بن المكتفي سنة 333ه، وكان الديالمة هم المسيطرون على الدولة، ولم ~~يكد يستقر في دست الخلافة حتى وردت إليه الأخبار بأن ابن بويه قادم ~~على بغداد، فاضطرب الخليفة جدا، وانهلعت قلوب البغداديين، ولما ~~دخل أحمد بن بويه استقبله الخليفة وخلع عليه وسلمه الطوق والسوار ~~وآلة السلطة وعقد له اللواء، ولقبه بمعز الدولة، ولقب أخاه ~~عماد الدولة، وأمر أن تضرب ألقابهم على السكة، ونزل الديالمة ~~البويهيون في دور الناس، ولقي البغداديون منهم أشد العنت ~~والإرهاق، قال ابن دحية (في كتابه: النبراس في تاريخ بني العباس، ~~ص121): «صارت الخلافة بعد خلعه (أي المتقي) إلى ابن عمه المستكفي ~~في الوقت الذي سملت فيه عينا المتقي فاستولت الديلم على البلاد، ~~وسملت عيناه ... وذلك على يد معز الدولة، بل مذلها ابن بويه ~~الديلمي.» ولما أن تملك البويهيون دخل رجلان منهم على الخليفة ~~فجذباه من السرير، ووضعا عمته في عنقه وسحباه على الأرض، ثم ~~حمل إلى دار معز الدولة فاعتقل فيها وسملت عيناه، وخلع في ~~سنة 334، ومات في سنة 338. # ولما خلع استخلف معز الدولة ابن عمه المطيع، ولم يكن له من ~~الخلافة إلا الاسم، والأمر كله لبني بويه، وقد أقام معز الدولة ~~لنفقة الخليفة كل ms054 يوم مائتي دينار، وكان المطيع يسير في ركاب معز ~~الدولة أينما سافر، ذهب معه إلى البصرة ثم الأهواز، ثم إلى ~~الموصل. # وقد انحصر عمل المطيع على الطاعة والعبادة والإحسان إلى أهل بيته ~~الفقراء، وفي أيامه رد القرامطة الحجر الأسود إلى الكعبة، ففرح ~~بذلك، وكان ينفذ إلى الكعبة كل سنة قناديل ذهب وفضة، كما كان ~~ينفذ إلى الحجرة النبوية طيبا كثيرا وخداما. # وفي أيامه استقل كافور الإخشيدي بمصر والشام، ومنع عن الخليفة ما ~~كان أنوجور الإخشيدي يقدمه إليه من الأموال، وظل المطيع لله في ~~خلافته هذه إلى أن فلج، فخلع نفسه وعهد لابنه الطائع في سنة ~~363ه، ولم يلبث طويلا حتى مات. # بويع أبو بكر عبد الكريم الطائع لله سنة 363ه بعد أن استخلفه ~~أبوه، وكان مثل أبيه خليفة صوريا، طال عهده في الخلافة، وزاد ~~امتهان البويهيين للخليفة، فكان لا يحرك ساكنا، ودخل عليه بهاء ~~الدولة البويهي سنة 381ه وجذبه عن السرير، ثم خلعه، وأقام معتقلا ~~فقيرا إلى أن مات سنة 393ه، ورثاه الشريف الرضي بقصيدة من عيون ~~شعره. # ولما خلع سنة 381ه استخلف البويهيون أبا العباس أحمد القادر ~~بالله، وكان من أفاضل الخلفاء وعقلائهم، رأى أن الأمر بيد آل بويه، ~~وأن من الحزم أن يصهر إليهم، فتزوج بنت بهاء الدولة بن عضد ~~الدولة على صداق قدره مائة ألف دينار، وبذلك رجع للخلافة العباسية ~~شيء من رونقها وحاول أن يعيد قوتها، فتوصل إلى شيء من ذلك، وظهر ~~شأن العرب بعض الشيء، وأعيدت الجزيرة والشام إلى الحظيرة ~~العباسية، وفي عهده ارتفع قدر العلم وأهله، واطمأن الناس على ~~أموالهم وأولادهم، قال ابن دحية (في النبراس، ص127): «هو الخليفة ~~الزاهد العابد القادر بالله، آخر خليفة من بني العباس، حكم وأسجل ~~على نفسه وأشهد الشهود، وكان يجلس اثنين وخميس للناس، وصحب العلماء ~~ورفض الدنيا ولم ينازع فيها، ولم يدخر دينارا ولا درهما، ولم ~~يرد سائلا، وأكرم الحديث وأهله، ومنحهم عطاءه وبذله، وظهرت ~~العرب، وقام الإسلام، وملكت الجزيرة والشام، وبيعت مصنفات الحديث ~~بأغلى الأثمان، وملأ الدنا ms055 بالعدل والأمان.» # وفي أيامه فتحت السند والهند - على يد آل سبكتكين - وقال ابن ~~طباطبا (في الفخري، ص254): «من أفاضل خلفائهم، حسن الطريقة والسمت، ~~كثير الخير والدين والمعروف ... وفي أيامه تراجع وقار الدولة ~~العباسية ونما رونقها.» ومكث القادر في الخلافة إلى أن مات سنة ~~42. # وقد كانت تلك الصحوة التي منحتها الدولة العباسية في عهد ~~القادر، هي صحوة النزاع إلى أن تغلب السلجوقيون على الخلافة، كما ~~سنرى تفصيل ذلك بعد. # الفصل الثاني # | مظاهر الضعف ومجالي الانحلال في ~~الدولة ونتائج ذلك # استمرت في هذا الدور مظاهر الضعف ومجالي الانحلال التي رأيناها ~~في الدور الماضي؛ فسرير الخلافة متزعزع الأرجل، والخليفة ظل لا ~~حقيقة له، وانحلال الإدارة باد في كل دواوين الدولة، والوزراء ~~والقادة هم المسيطرون، وأصحاب النحل والمبادئ الهدامة يسرحون ~~ويمرحون ويفعلون بالدولة وأقاليمها ما يشاءون، ولكن يجدر بنا أن ~~نلاحظ أن هناك بعض المظاهر الجديدة التي يمكن إجمالها في النقاط ~~السبع التالية: ~~(1) # انهارت الخلافة انهيارا مزريا في هذا الدور، أكثر ~~مما كانت عليه في السابق؛ فقد رأينا في الدور السابق ~~أنها قد استعادت بعض هيبتها في زمني المعتضد والمكتفي، ~~أما في هذا الدور، وخاصة في أيام البويهيين، فقد أصبح ~~الخليفة موظفا لدى السلطان البويهي يخصص له راتبا ~~مسمى، ويحمله معه في رحلاته وجولاته، ويمكننا اعتبار ~~فترة البويهيين استمرارا لفترة عهد إمارة الأمراء، ~~ونلاحظ في هذه الفترة أن ظاهرة سمل عيون الخلفاء ~~وتكحيلهم بميل قد أصبحت شبه مطردة، والسر في ذلك هو ~~أن من شرائط الخلافة عدم النقص البدني، والعمى نقص ~~بدني، فمتى سمل الخليفة أصبح غير صالح لخلافة ~~المسلمين، فلذلك يجب أن يخلع نفسه وإلا يخلع، وقد كان ~~لدخول البويهيين بغداد فاتحين، ضعضعة واضحة لأركان ~~الخلافة؛ لأن البويهيين كانوا شيعة زيدية لا يعترفون ~~بحكم العباسيين الغاصبين، ولم يبق البويهيون شبح ~~الخلافة العباسي إلا لضرورات سياسية قدروها، ولقد ~~أراد معز الدولة البويهي نقل الخلافة إلى الإمام أبي ~~الحسن محمد بن يحيى الزيدي فحذره كبار قومه من ثورة ~~الناس عليه، يقول البيروني: ~~«لأن زعماء الأمصار ms056 ~~قد اعتادوا الدولة العباسية، ودانوا بدولتهم وأطاعوهم ~~طاعة الله ورسوله، ورأوهم أولي الأمر.» # 1 # ويظهر أن هذا لم يكن السبب الحقيقي، وإنما ~~السبب هو ما يذكره ابن الأثير (في تاريخه 7: 149) # 2 # من أن معز الدولة لما عزم على ذلك قال له ~~أصحابه: «إنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ~~ليس من أهل الخلافة، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين ~~دمه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد ~~أنت وأصحابك خلافته، فلو أمرهم بقتلك لفعلوه ...» ~~(2) # كان للخليفة وزير حتى في الفترات التي انحطت الخلافة ~~إلى أدنى الدرجات فيها، فلما جاء البويهيون ألغوا ~~منصب الوزارة، واكتفوا بتسمية «كاتب» للخليفة واختصوا ~~هم بلقب الوزارة لأنفسهم، وتدخلوا في تعيين هذا ~~الكاتب. ~~(3) # كان الخليفة في العهد السابق هو المشرف على بيت ~~المال كما جاء بذلك الشرع والعرف المتوارث منذ العهد ~~الإسلامي، أما في أيام بني بويه فقد صار الحل والربط ~~ببيت المال للسلطان البويهي، والخليفة هو أحد ~~المستحقين من بيت المال ليس غير، ويذكر ابن الأثير «في ~~التاريخ، ص7-148» أن «معز الدولة قد خصص للمستكفي خمسة ~~آلاف درهم في اليوم»، ثم خفض هذا المبلغ للمطيع إلى ~~ألفي درهم في اليوم (كما في تاريخ مسكويه، ص2-87)، ~~ولما افتتح معز الدولة البويهي البصرة سنة 360ه قطع ~~الراتب وأقطع الخليفة ضياعا تدر مائتي ألف دينار في السنة. # 3 ~~(4) # لم يكتف البويهيون بأخذ سلطات الخلافة موضوعا، بل ~~أخذوها شكلا أيضا، وذلك بأن طلبوا من الخليفة أن ~~يفوض إليهم سلطات الخلافة؛ فقد ذكر مسكويه، في ~~تاريخه أن الخليفة الطائع قال في سنة 369 لعضد الدولة: ~~«قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله تعالى إلي من ~~أمور الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع ~~جهاتها سوى خاصتي وأسبابي، فتول ذلك مستخيرا بالله.» # 4 ~~(5) # لم يكتف البويهيون بأخذ سلطات الخلافة موضوعا ~~وشكلا، بل أخذوا تقاليدها ورسومها وشاراتها أيضا، ~~فقد كان من حق الخليفة وحده أن تقرع له على أبواب ~~دار الخلافة الطبول في أوقات الصلوات الخمس، فأراد معز ms057 ~~الدولة أن يكون له مثل هذا الحق فلم يقبل الخليفة، ~~ولكن عضد الدولة أجبر الطائع سنة 368ه على أن يكون له ~~ذلك، فكان له ذلك ثلاث مرات يوميا في أوقات «الغداء ~~والمغرب والعشاء». # 5 ~~(6) # طمع البويهيون في الخلافة نفسها؛ فقد ذكر مسكويه (في ~~تاريخه 2: 412) ما نصه: «دبر عضد الدولة سنة 369 ~~أن يقع بينه وبين الطائع لله بابنته الكبرى، ففعل ذلك، ~~وعقد العقد بحضرة الطائع لله وبمشهد من أعيان الدولة ~~والقضاة على صداق مائة ألف دينار، وبني الأمر فيه على ~~أن يرزق ولدا ذكرا منها فيولى العهد وتصير ~~الخلافة في بيت بني بويه، ويصير الملك والخلافة ~~مشتملين على الدولة البويهية.» ~~(7) # أشرنا قبل إلى أن منصب الوزارة قد ألغي من دار ~~الخلافة، وقام «الكاتب» مقام وزير الخليفة واختص ~~السلطان البويهي «بالوزير»، ويجب أن نضيف هنا إلى ذلك ~~أن الصفة الحربية قد أصبحت للوزير، مع أنه كان من طبقة ~~الكتاب، وقد استتبع هذا أن أصبح للوزراء ألقاب تفخيم ~~كسعد الدولة، وشرف الملك، وما إلى ذلك مما لم يكن ~~معروفا من قبل، ومما يجب أن نشير إليه هنا أن عضد ~~الدولة اتخذ وزيرين أحدهما نصراني، وهذا أمر لم يحدث ~~قبلئذ. # الفصل الثالث # | ظهور دويلات جديدة # ظهرت في هذه الحقبة دويلات جديدة هي: ~~(1) دولة آل بويه. (2) دولة الحمدانيين. (3) دولة ~~الغزنويين. ~~*** ~~(1) دولة آل بويه (من 334 إلى 447ه/945-1055م) ~~(1-1) أوليتها # كان أبو شجاع بويه تركيا مغمورا يصيد السمك ببلاد الديلم # 1 # وكان له ثلاثة أولاد هم أبو الحسن علي، وأبو ~~علي الحسن، وأبو الحسين أحمد، وقد انخرطوا ثلاثتهم جنودا ~~في خدمة «مرداويج بن زيار»، صاحب الدولة الزيارية، وبرزت ~~مواهبهم العسكرية الفائقة فاعتمد عليهم مرداويج، فولى ~~عليا على مدينة «كرج» (بين أصفهان وهمدان)، وكان ~~حازما عاقلا حسن التصرف، فأحبه أهل الكرج، وأخذ قدره ~~ينبل حتى خاف منه مرداويج على نفسه فاستدعاه إليه، ولكن ~~عليا رفض المثول بين يديه، وأعلن عصيانه عليه، وسار إلى ~~«أصفهان» فاستولى عليها، واشتد قلق «مرداويج»، فكتب إليه ~~يعاتبه ويستميله ويطلب إليه أن ms058 يعود إلى طاعته حتى يمده ~~بالجند والمال ليوسع ملكه، ولا يطلب منه مقابل ذلك إلا ~~الخطبة له في تلك البلاد، وفي الوقت الذي كتب إلى علي، كتب ~~إلى أخيه «وشميكر بن زيار» أن ينقض على علي ويفتك به، ~~فأحس علي بذلك، ورحل عن أصفهان قاصدا بلاد «أرجان» ~~فاستولى عليها سنة 321ه/933م، ثم استولى على بلاد ~~«النوبندجان»، ثم سار إلى «أصطخر» فامتلكها، ثم سار إلى ~~«شيراز» فهرب أميرها ياقوت واستولى على أمواله، ولما رأى ~~سعة ملكه وقوة سلطانه، كتب إلى الخليفة الراضي بالله، وإلى ~~وزيره ابن مقلة، يطلب أن يعهد إليه بما في يده من البلاد، ~~وبعث إليه بألف ألف درهم، فأجيب إلى طلبه وبعث إليه ~~الخليفة بالخلعة واللواء. # ولما بلغت هذه الأخبار «مرداويج» ثار ثائره، وسار إلى ~~«أصبهان» وبها أخوه «وشميكر»، فاتفقا على أن يسير بعسكر ~~كثيف إلى «أصطخر» للاستيلاء عليها، وقطع الطريق بين علي بن ~~بويه وبين الخليفة، ولما تم لهما النصر في «الأهواز» رأى ~~ابن بويه أن يصالح «مرداويج»، وتم الصلح بينهما في سنة ~~322ه. ولما فتح «مرداويج» بلاد الأهواز، فكر في السير ~~إلى بغداد والقضاء على الدولة العباسية وإنشاء مملكة ~~فارسية ساسانية مركزها «طيسفون»، وهي عاصمة الدولة ~~الكسروية قبل الفتح العربي، وكان يقول: أنا أرد دولة ~~العجم وأبطل ملك العرب. # 2 # ولكن عهد «مرداويج» لم يطل بعدئذ، فقتله ~~مماليكه لسوء إدارته في «عيد السذق» سنة 323ه، وانهار ~~بموته مشروعه، وقوي أمر آل بويه، فسيطروا على الري وأصفهان ~~سنة 326ه، وما زال أمرهم يسمو حتى إن عليا فكر في احتلال ~~بغداد، ولم يفعل ذلك آئنذ، ولكنه أخذ يعد عدته، فلما أنس ~~ضعف الخلافة، ومات أمير الأمراء توزون، عظم طمعه ~~بالاستيلاء على المملكة العباسية، وهو يومئذ أمير فارس ~~وأخوه الحسن أمير على الجبال وأخوهما الصغير أحمد لا عمل ~~له، فسيره علي إلى الأهواز فتملكها بعد حروب بينه وبين ~~بجكم الرائقي، الذي انهزم إلى واسط، فرأى أحمد بن بويه أن ~~يتآمر مع عامل واسط على احتلال العاصمة، وكان له ما ms059 أراد ~~في 11 جمادى الأولى سنة 334ه/17 كانون الثاني سنة 946. # 3 ~~(1-2) معز الدولة # لما دخل أحمد بغداد استقبله المستكفي بالله وخلع عليه، ~~وحلف كل منهما لصاحبه هذا بالخلافة وذاك بالسلطة، ولقبه ~~الخليفة أحمد بصاحب العراق معز الدولة، كما لقب أخويه ~~عليا بعماد الدولة، والحسن بركن الدولة، وأمر أن تضرب ~~ألقابهم وكناهم على النقود. وهكذا سقط السلطان العباسي ~~سقوطا رسميا، وأصبح الخليفة رئيسا دينيا لا غير، ولم ~~يعد له وزن ولا هيبة، وإنما سمح له معز الدولة البويهي ~~بتسمية كاتب يدير إقطاعاته وإخراجاته كما رأينا. # وقد حاول معز الدولة أن يخلع الخلافة عن العباسيين ~~ويوليها بعض آل علي، وكان شيعيا زيديا متعصبا، ولكن ~~بعض خواصه حذروه من ذلك فعدل، كما تقدم، ولم يمكث ~~المستكفي في الخلافة بعدئذ أكثر من نصف شهر، خلعه بعدها ~~معز الدولة سنة 334ه متهما إياه بالتآمر عليه، مع قواده ~~والاستنجاد بالحمدانيين. # وقد أراد معز الدولة أن ينقل الخلافة إلى العلويين ~~الزيديين، وعدل عن ذلك للأسباب التي قدمناها، ولكنه أظهر ~~المذهب الشيعي وتعصب له، وأعلن الاحتفال بالمواسم ~~الشيعية، واستهان بالخليفة العباسي. يقول ابن الأثير (في ~~تاريخه 7: 149): «وكان من أعظم الأسباب في ذلك أن الديلم ~~كانوا يتشيعون، ويغالون في التشيع، ويعتقدون أن ~~العباسيين قد غصبوا الخلافة، وأخذوها من مستحقيها، فلم يكن ~~عندهم باعث ديني يحثهم على الطاعة، ولما نزل «المستكفي» عن ~~الخلافة ولى معز الدولة «المطيع لله».» # وفي سنة 335ه قدم جيش ناصر الدولة بن حمدان للانتقام ~~للمستكفي، ولكنه أخفق في حملته، فسجن معز الدولة المستكفي ~~ثم قتله. # ولم يكن حال «المطيع» مع البويهيين خيرا من «المستكفي»، ~~فقد استخلفه معز الدولة على ألا يبغيه سوءا، ولا يمالئ ~~عليه عدوا، فقبل «المطيع» بذلك، ولكن ذلك لم يمنع بهاء ~~الدولة سنة 381ه/991م من أن يصادر الخليفة ويستصفي أمواله، ~~ويهينه في مجلس الخلافة ويضربه ويخلعه على ما قدمنا ~~سابقا. # ومعز الدولة هو الذي وطد ملك البويهيين في العراق، ولم ~~يكن بارعا في الإدارة براعته في الجندية ، ففسدت البلاد في ~~عهده، وساءت ms060 الإدارة المالية وعم الفقر، وكثرت نوائب ~~الناس في زمنه، فصادر الأموال، واستخلص الأراضي فوزعها ~~على الجند إقطاعا، ولم يكونوا أصحاب زراعة، فأهملوا مشارب ~~القرى وطرق الري؛ لأن غرضهم كان الاستثمار ليس غير، ~~وتسلطوا على الفلاحين فاستعمروهم وعمت الفوضى، ووقعت ~~المجاعات حتى أكل الناس الميتة والسنانير والكلاب، وكانت ~~ثالثة الأثافي، أن جنده اختلفوا فيما بينهم ووقعت حروب ~~أهلية بين عنصريهم «الديلم» و«الأتراك»، ولقي الناس من ذلك ~~عنتا كبيرا، وقد كادت هذه الفتنة أن تؤدي إلى خلع المعز ~~سنة 335ه بيد الديالمة لما رأوه يميل إلى الأتراك، ولكن ~~الأتراك تمكنوا من القضاء على تلك الفتنة، فأقطعهم بلاد ~~واسط والبصرة، وساروا إليها وأخربوا البلاد ونهبوا الأموال ~~ولقي الناس منهم شرا مستطيرا # 4 # حتى اضطر معز الدولة أن يعيد نظره في الأمر ~~ليخفف وطأة الخراب، فاهتم بالري وسد بثوق الأنهار، وعني ~~بالأقنية ونظم أحوالها؛ ففي سنة 334ه سد بثق نهر الرفيل، ~~وخرج بنفسه لسد البثوق في نهر بادوريا النهروانان، واهتم ~~بإصلاح شئون الزراعة في السواد، وعهد إلى أبي الفرج بن أبي ~~هشام بذلك، وكان فاضلا في هذه الصناعة، عارفا بشئونها ~~فانصلحت الأحوال وأخذت البلاد تنتعش قليلا قليلا. # وفي سنة 337ه أراد معز الدولة توسيع رقعة ملكه، وتوجه ~~إلى الموصل فدخلها وهرب ناصر الدولة الحمداني منه إلى ~~نصيبين، وأراد اللحاق به، ولكن أخاه ركن الدولة كتب إليه ~~يخبره بأن جيوش الدولة السامانية خرجت باتجاه جرجان والري، ~~فاضطر إلى أن يصالح ناصر الدولة الحمداني ليمد جيش أخيه، ~~وكان الصلاح بين معز الدولة وناصر الدولة على أن يؤدي ~~الحمداني للمعز كل سنة ثمانية آلاف درهم عن بلاد الموصل ~~والجزيرة كلها والشام، ويخطب لآل بويه الثلاثة، ولم يستمر ~~هذا الاتفاق طويلا، فهاجم معز الدولة الموصل واحتلها ~~ثانية، وهرب ناصر الدولة الحمداني إلى «نصيبين» ثم إلى ~~«ميتا فارقين» فلحق به معز الدولة، واضطر ناصر الدولة أن ~~يلحق بأخيه سيف الدولة الحمداني بحلب، ثم عقد صلح جديد في ~~محرم سنة 348 بين معز الدولة البويهي وسيف الدولة ~~الحمداني، وضمن سيف ms061 الدولة أن يدفع ألفي ألف وتسعمائة ألف ~~درهم لناصر الدولة، وعاد ناصر الدولة إلى الموصل، ولم يكد ~~معز الدولة ينتهي من مشكلة بني حمدان، حتى وقعت بالعراق ~~فتنتان عظيمتان: # أولاهما: # أن عامله في البصرة أبا القاسم البريدي ~~أعلن استقلاله سنة 339، وامتنع عن تأدية ~~الخراج لمعز الدولة ووقعت حروب وفتن كثيرة ~~بين الجانبين انتهت بالقضاء على البريدي، ~~وقد انتهز قرامطة «البحرين» و«هجر» هذه ~~الفتن فجددوا عزمهم على مهاجمة البصرة ~~واستطاعوا في سنة 341ه أن يحاصروا البصرة، ~~ولكن الوزير المهلبي وزير معز الدولة ~~قاومهم وردهم على أعقابهم بعد أن أفسدوا ~~البلاد إفسادا عظيما. # وثانيتهما: # أن عمران بن شاهين استقل بأرض ~~«البطيحة»، في العراق، وعمران هذا كان ~~جابيا للخراج، جمع أموال الخراج وهرب إلى ~~البطيحة في سنة 329ه فأقام بين أهلها بين ~~القصب والآجام متحصنا بها، مقتصرا على ~~ما يصيدون من الأسماك والطيور والأوز، ثم ~~أخذ يقطع الطريق على من يسلك البطيحة، ~~ولما قام أبو القاسم البريدي بثورته تعاون ~~معه، واتفقا معا على معز الدولة، فبعث ~~إليه معز الدولة وزيره أبا جعفر الصيمري ~~على رأس جيش كثيف، كاد أن يتغلب به على ~~عمران، ولكنه فشل واستمر عمران وأولاده ~~ووزراؤه يستقلون بالبطيحة من سنة 329ه إلى ~~سنة 408ه. # ودولة عمران بن شاهين: هي إحدى الدويلات التي انفصلت عن ~~جسم الدولة العباسية، وظلت كذلك إلى أيام السلاجقة، وكان ~~سبب فشل معز الدولة بالقضاء على هذه الدولة أنه انشغل كذلك ~~بعد وفاة أخيه الأكبر عماد الدولة بالثورة في شيراز، فطلب ~~إلى وزيره الصيمري أن يترك البطيحة ويتوجه إلى شيراز، ~~فتنفس عمران الصعداء، وأخذ يجمع قواه ويعيث فسادا في تلك ~~المناطق، فاضطر معز الدولة أن ينفذ إليه جيشا ثانيا ~~فالتقى به عمران وفرق شمله وغنم منه سلاحا وجندا، ثم ~~قطع الطريق بين بغداد والبصرة فلم يستطع أحد العبور من ~~منطقته إلا إذا دفع إليه مالا، فضاق الناس به واضطر معز ~~الدولة أن يأمر وزيره المهلبي فسار إلى البطيحة ولم يكن ~~نصيبه خيرا من القواد الذين سبقوه، واضطر ms062 المهلبي إلى ~~النجوة بنفسه، واضطر معز الدولة إلى مصالحة عمران وتقليده ~~إمارة البطيحة، واستمر ملك عمران ومن بعده في البطيحة إلى ~~سنة 408ه حين صارت البطيحة كلها بؤرة فساد وسلب وإجرام، ~~إلى انقضاء عهد الدولة السلجوقية، ثم عادت إلى حوزة خلفاء ~~بغداد. ~~(1-3) عز الدولة بن معز الدولة (256-367ه) # هو عز الدولة بختيار بن معز الدولة أحمد، ولي العراق بعد ~~أبيه في 13 ربيع الآخر سنة 356ه إلى أن خلعه عمه عضد ~~الدولة سنة 367ه، فكانت سلطنته إحدى عشرة سنة قضى سبعا ~~منها في عهد الخليفة المطيع، والباقي في عهد الطائع، وكانت ~~البلاد في عهده على شر حال؛ فقد انصرف هو إلى اللهو ~~واللعب، وأساء معاملة وزرائه وقواده، وسلط الجند وكبار ~~الديلم على أصحاب الأرضين، قال مسكويه (في تاريخه، ~~ص302-307): «وكان لا ينظر في دخل ولا خرج، وإنما يلزم ~~وزيره تمشية الأمور؛ حيث لا يعنيه ولا ينصره، ولا يمنع ~~أحدا من جنده شيئا، فإذا وقفت أموره على وزيره واستبدل ~~به، فلا يلبث الأمر أن يعود من الالتياث والانحلال إلى ~~أسوأ ما كان.» وصار كل طامح إلى الوزارة يتعهد لبختيار بسد ~~نفقاته وجمع الأموال له ينال وزارته. وفي عهده لقي ~~المسلمون وأهل الذمة أسوأ المعاملة وصودرت أموالهم، حتى ~~بطلت الأسواق وانقطعت المعايش (كما في تاريخ مسكويه، ~~ص302-308) إلى أن فرج الله الغمة عن البلاد حين خلعه ابن ~~عمه عضد الدولة ثم قتله في سنة 367ه. ~~(1-4) عضد الدولة (366-372ه) # هو عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة الحسن بن ~~بويه، كان أبوه ركن الدولة أميرا على الري وطبرستان ~~وجرجان والجبل وفارس والأهواز، فلما مات سنة 366ه خلفه ~~ابنه عضد الدولة، وكان قويا حازما سيطر على مملكة أبيه، ~~وعزم على السيطرة على بغداد فسار إليها، وخلع ابن عمه ~~بختيار في سنة 367ه، ثم سار نحو الموصل فطرد أبا تغلب ~~الحمداني منها، واستولى على ملك الحمدانيين، وبث سراياه في ~~طلب أبي تغلب، فهرب أبو تغلب إلى بلاد الروم، وسيطر عضد ~~الدولة على ms063 ديار ربيعة، وديار بكر، وديار مصر، وبذلك سيطر ~~عضد الدولة على إيران والعراق والجزيرة والجبال والري ~~والحجاز وما إليها من البلاد، وأضحى سيد المشرق، ولا غرو ~~فإن ما امتاز به من حزم وجرأة وإدارة وعقل قد وطد ~~ملكه. # هذا مع علم غزير وأدب وفير وحكمة وفضل. ولعضد الدولة ~~محاسن وأعمال جليلة، منها: أنه بنى على مدينة الرسول # صلى الله عليه وسلم # سورا قويا لحمايتها من الغارات والأعداء، ~~ومنها أنه أظهر منبر الإمام علي (عليه السلام) بالكوفة ~~وبنى على المشهد، وهو الذي صنف له أبو علي الفارسي كتابي ~~«الإيضاح» و«التكملة» في النحو، وفي عهده تحسنت أحوال ~~البلاد الزراعية من تنظيم للري، وعدل في الجباية، وهو الذي ~~أمر ببناء القناطر، وبحفر كثير من الأنهر والأقنية ~~المندرسة، وإعادة بنائها وإصلاحها. # 5 # وهو الذي أخر ابتداء أخذ الخراج إلى وقت ~~النيروز المعتضدي الذي تنضج فيه الغلال، وكان الخراج يؤخذ ~~سلفا قبل إدراك الغلال، وشجع الزراع على عرض مظالمهم ~~من الإقطاعيين والعسكريين. # 6 # وهو الذي شرع في سنة 369ه بعمارة بغداد وكانت ~~قد خربت بتوالي الفتن فيها، فعمر مساجدها وأسواقها ~~وأدر الأموال على الأئمة والمؤذنين والعلماء والقراء ~~والغرباء والضعفاء الذين يأوون إلى المساجد، وألزم أصحاب ~~الأملاك الخربة بعمارتها وجدد ما دثر منها، وأطلق مكوس ~~الحجاج، وأصلح الطريق من العراق إلى مكة، وأطلق الصلات ~~لأهل البيوتات والشرف والضعفاء المجاورين بمكة والمدينة، ~~وفعل مثل ذلك بمشهد «علي» و«الحسين» (عليهما السلام)، ~~وأجرى الجرايات على الفقهاء والمتكلمين والمفسرين والنحاة ~~والشعراء والنسابين والأطباء والحساب والمهندسين، وأذن ~~لوزيره نصر بن هارون النصراني في عمارة البيع والأديرة ~~وإطلاق الأموال على فقرائهم. # 7 # وهو الذي بنى البيمارستان العضدي ببغداد في ~~سنة 367ه/978م ووقف عليه مبلغ مائة ألف دينار، وكان يشرف ~~على الطبابة فيه 24 طبيبا وكحالا، يعلمون الطب ~~ويداوون الناس ويدرسون الفلسفة. # 8 # كما كانت له مساوئ، منها: أنه أحدث في أواخر أيامه ~~رسوما ظالمة، منها رسوم بيع الدواب والأمتعة، وأنه منع من ~~عمل الثلج والقز وجعل ذلك تجارة خاصة به، ومات عضد ms064 الدولة ~~في شوال سنة 372ه ببغداد، وحمل إلى مشهد الإمام علي فدفن ~~عنده. ~~(1-5) صمصام الدولة وعقبه إلى انقراض الدولة # صمصام الدولة هو أبو كاليجار المرزبان ابن عضد الدولة، ~~تولى الأمر بعد أبيه بإجماع القواد، وكان إخوته وبنو ~~أعمامه متفرقين في الولايات، وهو في العراق، ولكنه لم يكن ~~حازما مثل أبيه، فوقعت الفتنة بينه وبين إخوته وأبناء ~~عمومته، فانتهز الأكراد، بقيادة شجاع دوستك، هذه الفرصة ~~فاستولوا على الموصل، وحاولوا الاستيلاء على بغداد ولكنهم ~~فشلوا، وتم الصلح بينهم وبين البويهيين، واستمر أمر صمصام ~~الدولة في اضطراب حتى استطاع أخوه شرف الدولة أن يدخل ~~بغداد ويقضي عليه في رمضان سنة 376ه. # استولى شرف الدولة على بغداد سنة 376ه فلم يطل عهده ~~فيها؛ لأن جنوده من ترك وديلم، كانوا لا ينفكون متحاربين ~~إلى أن مات في سنة 379. # ويجب ألا ننسى أن عهد شرف الدولة على الرغم من اضطرابه ~~السياسي كان عهد علم؛ فقد رعى شرف الدولة ما كان ابتدأ به ~~أبوه من تعضيد العلم وحب أهله والإحسان إليهم، # 9 # وقد اقتدى شرف الدولة بالمأمون في مساعدة ~~العلماء على الترجمة والتأليف وإنشاء المرصد ~~الكبير. # ولما مات سنة 379 خلفه أخوه بهاء الدولة أبو نصر بن عضد ~~الدولة، ولم يكن عهده من الناحية السياسية خيرا من عهد ~~أخيه؛ فإن الأتراك والديلم عادوا من جديد إلى التصادم، ثم ~~نشبت فتن كثيرة بينه وبين أهل بيته، وفي سنة 381ه قبض بهاء ~~الدولة أبو نصر فيروز بن عضد الدولة، على الخليفة الطائع ~~طمعا في أمواله وخلعه، وولى القادر الخلافة، وكان عهده ~~عهدا مضطربا كثرت فيه الحروب بينه وبين أهل بيته إلى أن ~~مات سنة 403ه، وكان سلطانه على العراق والأهواز وفارس ~~وكرمان. # وفي عهد بهاء الدولة استمرت الحركة العلمية التي أسس ~~نواتها أبوه، ورعاها أخوه، وقد كان وزيره سابور بن أردشير ~~العالم الفاضل يرعى العلم وأهله، وهو الذي بنى «دار ~~الحكمة» في بغداد وجعل فيها خزانة كتب ضخمة، يذكر ابن الأثير، # 10 # أن عدد كتبها نحو عشرة آلاف ms065 مخطوطة نفيسة، ~~وإلى هذه الدار تردد أبو العلاء المعري أيام زيارته بغداد ~~وذكرها في شعره. # ولما مات خلفه ابنه سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء ~~الدولة، ولم يكن عهده خيرا من عهد أبيه، وكان جنوده لا ~~يطيعونه، فأفسدوا البلاد، وثار عليه أخوه شرف الدولة أبو ~~علي بن بهاء الدولة، فانتزع منه الملك في المحرم سنة 412ه ~~ونفاه عن العراق، ثم تصالح الأخوان على أن يكون لشرف ~~الدولة العراق، ولسلطان الدولة فارس وكرمان، إلى أن مات ~~سلطان الدولة سنة 415 بشيراز فخلفه ابنه أبو كاليجار ~~بن سلطان الدولة. وفي سنة 416ه مات شرف الدولة فخلت سدة ~~السلطنة من وجود سلطان، وسيطر الأجناد، وخطبوا أول الأمر ~~لجلال الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة، صاحب البصرة ثم ~~قطعوا خطبته، وخطبوا لابن أخيه أبي كاليجار صاحب الأهواز ~~وطلبوه إلى بغداد فوعدهم أن يجيء، ولكنه تأخر لما كان ~~بينه وبين عمه أبي الفوارس صاحب كرمان من الحروب، فازدادت ~~الفتن ببغداد لعدم وجود سلطان فيها، وكثر شر الجند ~~الأتراك فكتب عقلاء البلاد إلى جلال الدولة بن بهاء الدولة ~~يستدعونه إلى بغداد وخطبوا له في سنة 418ه، ولكنه لم يستطع ~~ضبط الأمر طويلا، وكثر شغب الجند عليه. وفي سنة 426ه فسد ~~أمر الخلافة والسلطة البويهية معا في بغداد، وسيطر ~~الأجناد والأكراد على البلاد، إلى سنة 435ه حين مات جلال ~~الدولة بعد أن ملك 17 سنة إلا شهرا، ولما مات خلفه ابن ~~أخيه أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة ولقبه ~~الخليفة بمحيي الدولة، ولم يكن عهده حسنا، ولما مات سنة ~~440، خلفه ابنه أبو نصر فيروز الملقب بالملك الرحيم، وأقام ~~ملكا إلى سنة 447ه حين قدم السلطان طغرل بك السلجوقي ~~مستوليا على بغداد. # وهكذا انقرضت الدولة البويهية، التي حكمت قرابة قرن ~~وسيطرت على العراق وفارس واتخذت شيراز عاصمة لها، وبغداد ~~مقرا لأمرائها، فقد كان لهم فيها قصور تسمى دار المملكة. # 11 # وبلغ أوج هذه الدولة في عهد عضد الدولة الذي ~~سيطر على أرجاء الإمبراطورية الإسلامية، واستطاع أن يتزوج ~~ابنة ms066 الخليفة الطائع، ويزوجه ابنته مؤملا أن تصل الخلافة ~~إليه، وهو أول من لقب بشاهنشاه، أي ملك الملوك. وفي عهد ~~هذه الدولة ازدهرت المعرفة والحكمة، كما نبغ إخوان الصفا ~~في عهده. ~~(2) الحمدانيون (293-402ه) # ينتسب الحمدانيون إلى حمدان بن حمدون بن الحارث التغلبي ~~الوائلي العدوي، حوالي «؟-300» ومؤسس هذه الدولة، وهو أبو ~~الهيجاء عبد الله بن حمدان، وكان من القادة المقدمين في ~~الدولة العباسية، ولاه المكتفي بالله إمرة الموصل وأعمالها ~~سنة 293 فأقام فيها وتوسط سلطانه هو وإخوته على هاتيك ~~الديار. # وفي سنة 303 أمر المقتدر بالقبض على أبي الهيجاء وإخوته وحبسهم # 12 # ثم عفا عنهم. وأقام أبو الهيجاء في بغداد، وولى ~~ابنه ناصر الدولة الحسن أميرا على الموصل، وكانت له عدة وقعات ~~مع الأكراد الجلالية الذين اشتدت شوكتهم فأخضعهم وانقادوا ~~لدولته سنة 314ه. # وفي سنة 318ه عزل ناصر الدولة عن الموصل، ووليها عماه ~~سعيد ونصر ابنا حمدان، وولي ناصر الدولة ديار ربيعة ونصيبين ~~وسنجار والخابور ورأس عين، وميافارقين، وارزن. # 13 # وفي سنة 322ه أعيد ناصر الدولة إلى الموصل فعظم ~~سلطانه. وفي سنة 323ه عزل الخليفة الراضي ناصر الدولة عن ~~الموصل، وولاها أبا العلاء بن حمدان، فلما ذهب إليها مظهرا ~~أنه إنما جاء ليطلب مال الخليفة، وكان ناصر الدولة يعلم بأمره، ~~فبعث إليه من قتله، ولما بلغ ذلك الخليفة بعث وزيره ابن مقلة ~~في جيش كبير فهرب ناصر الدولة، وأقام الوزير بالموصل مدة ثم ~~لما قفل عنها رجع ناصر الدولة وكتب إلى الخليفة الراضي يعتذر ~~منه فعفا عنه. # ولما مات الخليفة الراضي، وتولى المتقي، ووقعت الفتنة بين ~~أبي عبد الله البريدي وابن رائق كما ذكرنا، واضطر الخليفة على ~~السفر إلى الموصل، بعد استيلاء البريدي على بغداد، كان المتقي ~~قد أنفذ إلى ناصر الدولة يستمده على البريديين، فأرسل أخاه سيف ~~الدولة نجدة له في جيش كثيف، فلقي الخليفة المتقي وابن رائق ~~بتكريت قد انهزما من بغداد، وخدم سيف الدولة الخليفة خدمة ~~عظيمة، وسار في ركابه إلى الموصل، ثم إن الخليفة المتقي خلع ~~على ناصر ms067 الدولة وجعله أمير الأمراء في شعبان سنة 330ه وبعث ~~أخاه سيف الدولة في ملاحقة البريديين الذين تسلطوا على واسط، ~~فأخرجهم منها، وكان يريد الانحدار إلى البصرة لأخذها من ~~البريديين، ولكنه لم يتمكن من ذلك لقلة المال عنده، فكتب إلى ~~الخليفة يستمده، ولما تأخر المال أخذ سيف الدولة يستميل القادة ~~الأتراك أن يسيروا معه للاستيلاء على الشام ومصر، فلم يتفقوا ~~معه على ذلك، واضطر إلى الرجوع إلى بغداد، ثم انحدر إلى ~~الموصل. # وفي سنة 330ه اتفق توزون وناصر الدولة بن حمدان أن يقتسما ~~المملكة، فيكون للأول أعمال البصرة وما إليها، وللثاني الموصل ~~وما إليها شمال الشام والعواصم وحمص، وبعث ناصر الدولة أبا بكر ~~محمد بن علي بن مقاتل أميرا على قنسرين وحلب، ثم استبدله بابن ~~عمه أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان، فقدم حلب وطرد ~~أميرها يأنس المؤنس المولى عليها من قبل الإخشيد أبي بكر ~~محمد بن طغج، وحين علم الإخشيد بذلك، قدم على حلب بجيش لجب، ~~فهرب الحسين الحمداني إلى الرقة، ولما وصلها كان فيها الخليفة ~~المتقي، فلم يأذن له بدخولها، واستدعى الخليفة الإخشيد، فجاءه ~~وأكرمه، وثبت ملكه على الشام ومصر، ورجع الإخشيد إلى مصر بعدما ~~ولى حلب أبا الفتح عثمان بن سعيد الكلابي، فحسده إخوته ~~الكلابيون واستدعوا سيف الدولة فقدمها بموافقة أخيه ناصر ~~الدولة واستولى عليها سنة 333ه وهو الاستيلاء الأول، واستمر ~~أمر الدولة الحمدانية يقوى حتى سيطرت على الموصل وحلب ~~ودمشق. # وبقي ناصر الدولة في إمارته على الموصل والجزيرة والشام، على ~~أن يؤدي عنها الأموال للبويهيين ويخطب لهم، وعلى الرغم من أنه ~~أراد أن يقطع صلته بالبويهيين مرات؛ فإنهم استطاعوا أن يفسدوا ~~عليه خططه باتفاقهم مع ابنه أبي تغلب فضل الله الذي حجر على ~~أبيه وسجنه واستولى هو على الموصل وأطرافها سنة 356ه، وجرت له ~~مع عضد الدولة البويهي حوادث انتهت بزحف عضد الدولة على ~~الموصل، فغزا أبو تغلب ونزل بظاهر دمشق وانتقل منها إلى الرملة ~~وقتل بظاهرها سنة 369ه. # أما سيف الدولة فإنه ما لبث ms068 أن استقر بحلب منذ سنة 333ه حتى ~~وافاه الإخشيد وخادمه كافور، فالتقى بهما عند الرستن، وفرق ~~جمعهما، ثم سار إلى دمشق، فلم يوفق إلى فتحها، ورجع إلى حلب، ~~فلحق به الإخشيد واسترد حلب، فهرب سيف الدولة إلى الرقة. وفي ~~سنة 334ه عاد فاستولى عليها، وتم الاتفاق بينه وبين الإخشيد ~~على أن تكون حلب وحمص وأنطاكية لسيف الدولة، ودمشق للإخشيد، ~~ولكن سيف الدولة لم يلبث أن استولى على دمشق، ثم اضطر إلى ~~مغادرتها بعد أن قدم عليه كافور الإخشيدي، فاكتفى سيف الدولة ~~بسورية الشمالية، واتخذها له مقرا وملكا، وكان سيف الدولة ~~لا يفتأ يغزو الروم ويفتك ببلادهم وجيشهم، وكانت غزواته لبلاد ~~الروم على الشكل الآتي: # في سنة 333ه غزا سيف الدولة بلدة الصفصاف وعرسوس ~~فغنم وعاد. # وفي سنة 335ه كان الفداء بين المسلمين والروم ~~على يد عامل سيف الدولة في الثغور، وكان عدد ~~الأسرى 2480 أسيرا، وفضل للروم على المسلمين ~~230 فوفاهم سيف الدولة من ماله. # وفي سنة 337ه غزا الروم فانكسر وأخذ الروم مرعش ~~وأوقعوا بأهل طرسوس، ثم غزاهم سيف الدولة فملك حصن ~~برزية، وفي ذلك يقول المتنبي قصيدته: # وفاؤكما كالربع أشجاه ~~طاسمه # وفي سنة 339ه غزاهم وأوغل وفتح حصونا كثيرة ~~وغنم وسبى، ثم ضيقوا على جيشه، فلم ينج إلا هو ~~وقليل، وفي سنة 431 غزا الروم سروج فخربوا مساجدها ~~وانصرفوا، فتبعهم سيف الدولة وفتك وعمر ما خربوا ~~وأعاد بناء مرعش، وفي ذلك يقول المتنبي ~~قصيدته: # فديناك من ربع وإن زدتنا ~~كربا # وفي سنة 342ه خرج سيف الدولة إلى ديار مصر وأوقع ~~بالدمستق وأسر ابنه قسطنطين، وفي ذلك يقول المتنبي ~~قصيدته: # ليالي بعد الظاعنين ~~شكول # وفي سنة 343ه سار إلى الحدث وأوقع بالدمستق الذي ~~جاءه بجموع الروم والأرمن والروس والبلغر والصقلب ~~والخزرية، فهزمهم وأسر صهر الدمستق نوذس البطريق، ~~وأقام في الحدث حتى بناها ووضع بيده آخر شرافة، ~~فقال أبو الطيب قصيدته: # على قدر أهل العزم تأتي ~~العزائم # وقد غلط ابن ~~الأثير فذكر أسر ابن الدمستق في هذه الوقعة، كما ~~غلط ms069 بعض المؤرخين في هاتين الوقعتين (هذه الوقعة ~~والتي قبلها) فتوهموا أنها وقعة واحدة مع أنهما ~~اثنتان. # وفي سنة 344ه ورد عليه رسول الروم مع فرسان ~~طرطوس وأذنة والمصيصة في طلب الهدنة والفداء، فقال ~~أبو الطيب قصيدته: # أراع كذا كل الأنام ~~همام # وفي سنة 345ه سار سيف الدولة ومعه المتنبي لغزو ~~الروم إلى تل بطريق فأحرقه، وفتك بالروم ووصل آمد ~~وأنشده فيها المتنبي قصيدته: # الرأي قبل شجاعة الشجعان # وفي سنة 349ه بلغ خرشنة ولكن الروم ردوه، ~~واستردوا جميع ما أخذه وفرقوا جنده، واستطاع هو أن ~~يهرب منهم، وفيها يقول المتنبي قصيدته: # غيري بأكثر هذا الناس ~~ينخدع # وفي سنة 351ه غزا دمستق الروم الديار، واستولى ~~على عين زربة، ففتك بأهلها ثم دخل حلب، ~~وانهزم سيف الدولة، فأخذ الدمستق كنوز سيف الدولة ~~وأحرقوا الجامع ومكتبته، وفي هذه المعركة أسر أبو ~~فراس الحمداني في معركة منبج، وكان متقلدا لها، ~~ثم رجع الدمستق إلى بلاده فعاد سيف الدولة إلى ~~حلب. # وفي سنة 354ه هاجم نقفور الرومي المصيصة وفتحها، ~~وأسر من أهلها عددا عظيما. # وفي سنة 355ه تم الفداء بين الروم وسيف الدولة، ~~فسار سيف الدولة بالبطارقة الذين هم في أسره إلى ~~الفداء، ففدى أبا فراس وجماعة من أكابر ~~الحلبيين. # وفي سنة 356ه مات سيف الدولة بحلب ونقل إلى ~~ميافارقين، فخلفه ابنه سعد الدولة أبو المعالي ~~شريف، ولم يقم بعمل إلى أن مات سنة 381ه/991م، ~~فتولى بعده ابنه أبو الفضائل سعيد الدولة، وكان ~~سعيد صغيرا فتولى الأمر مولاه لؤلؤ، فطمع الخليفة ~~العزيز الفاطمي، بتملك حلب، فجهز جيشا بقيادة ~~منجوتكين، فاستنجد لؤلؤ بملك الروم فأنجده بجيش ~~كبير ولكنه انخذل أمام الجيش المصري، وصالح لؤلؤ ~~منجوتكين فقبل، ولكن الخليفة الفاطمي لم يرض ~~بالصلح، وأمر منجوتكين أن يعود إلى حلب فاستنجد ~~لؤلؤ بالروم ثانية فقدموا بجيش عظيم، وهزموا ~~الجيش المصري، وجاء ملك الروم إلى حلب، فاستقبله ~~أبو الفضائل بالإكرام. # وفي سنة 339ه مات لؤلؤ فخلفه ابنه مرتضى الدولة ~~ابن لؤلؤ، وكان ظالما عسوفا أفسد البلاد، فتمنى ~~أهلها زواله. # وفي ms070 سنة 402ه أغار صالح بن مرداس في 500 فارس ~~على حلب واستولى عليها وقضى على دولة الحمدانيين، ~~وطرد ابن لؤلؤ القائم بأمر ولدي سعيد الدولة، وهما ~~أبو الحسن علي وأبو المعالي شريف، وبذلك انتهت ~~دولتهم وسيطرت الدولة المرداسية. ~~(2-1) العلم والأدب في عهد البويهيين والحمدانيين # كان القرن الذي نبغت فيه دولة الحمدانيين من أزهر عصور ~~الإسلام، إن لم يكن أزهرها في العلم والأدب؛ ففي هذا ~~العصر، وجدت دور التعليم في المشرق: العراق والشام ومصر ~~والمغرب ، وفيه أسست دور الحكمة؛ فقد ذكر ياقوت الحموي ~~أن أبا القاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه ~~الشافعي (323) أسس دارا للعلم في بلده، وجعل فيها خزانة ~~كتب من جميع العلوم، وقفا على كل طالب علم، ~~لا يمنع أحدا من ~~دخولها، وإذا جاءها غريب يطلب الأدب وكان معسرا أعطاه ~~ورقا وورقا، وكان ابن حمدان يجلس فيها ويجتمع إليه ~~الناس، فيملي عليهم من شعره وشعر غيره، ثم يملي حكايات ~~مستطابة، وطرفا من الفقه وما يتعلق به. ويذكر ابن ~~النديم (في الفهرست، ص139)، أن أبا علي بن سواد الكاتب ومن ~~رجال عضد الدولة أنشأ داري كتب؛ «إحداهما» بالقصر ~~و«الأخرى» برامهرمز، وجعل فيهما إجراء (راتبا) على كل ~~من قصدهما، ولزم القراءة والنسخ، وكان في الثانية أستاذ ~~يدرس الكلام على مذهب المعتزلة. وفي سنة 383ه أسس ~~الوزير أبو نصر سابور بن أردشير، وزير بني بويه، «دار ~~العلم» في الكرخ ببغداد، ونقل إليها آلاف الكتب والمجلدات ~~ومعظمها بخط أصحابها، وجعل النظر فيها لاثنين من العلويين، ~~وقد احترقت هذه الدار عام 450ه/1058م. # 14 # وفي حلب جعل سيف الدولة من جامعها ومن قصره داري علم ~~يجتمع فيهما أئمة الأدب والدين في عصره، ويجري عليهم ~~أمواله ويرفع شأنهم. يذكر أبو الفداء (في تاريخه 2: 458) ~~أن سيف الدولة أجرى على أبي نصر الفارابي الفيلسوف المشهور ~~(339ه) أربعة دراهم كل يوم، كما كان سيف الدولة يحضر مجالس ~~العلماء ويتنافس وإياهم، وربما تطور النقاش العلمي إلى وثب ~~وضرب؛ فقد روى ابن خلكان (في الوفيات 1: 65)، أن ابن ~~خالويه ms071 النحوي كان خشنا، فوقع بينه وبين المتنبي كلام في ~~مجلس سيف الدولة، فوثب ابن خالويه على أبي الطيب وضرب وجهه ~~بمفتاح كان معه، فخرج من المجلس ودمه يسيل على وجهه. وقد ~~ضمت حلقات سيف الدولة في قصره ومسجد حلب أئمة فحولا في ~~كل فنون العلم، نذكر منهم سيد شعراء العربية أبا الطيب ~~المتنبي الذي جل عن أن يعرف لقدره وفضله وأدبه وعلمه ~~وشعره، ومنهم أبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني، الكتاب ~~الأدبي الأشهر، ومنهم ابن نباتة الخطيب اللسن. ومن ~~الأئمة الذين كانوا يحضرون مجلس سيف الدولة، أبو الفتح ~~عثمان بن جني الموصلي (؟-392ه) مخترع مباحث الاشتقاق ~~الأكبر، ومؤلف سر الصناعة والخصائص. # ومنهم العالم الشاعر الفحل أبو بكر محمد بن أحمد ~~الصنوبري الأنطاكي (؟-334ه) # 15 # أمين خزانة كتب سيف الدولة الذي يصفه ~~كشاجم بأنه «بحر ما له ~~شط»، ويقول عنه ميتز: # 16 ~~«إنه أول شاعر للطبيعة في الأدب العربي ...» وقد ~~ترك آثارا قوية في الأدب العربي، وكان الوزير المهلبي يحب ~~شعره فنشره ببغداد. # 17 # ومنهم كشاجم الملقب بريحانة أهل الأدب في ~~الموصل وحلب، ومنهم أبو فراس الحمداني ... # والحق أن سيف الدولة مدين في شهرته في التاريخ العربي ~~أولا لمناصرته للعلم والأدب، ثم لجهاده في مناضلة الروم ~~بعد أن أعيا قواد الإسلام أمرهم، وإن حلقة الأدب التي ~~رعاها الأمير الحمداني الشاعر لتعيد إلى الذهن ذكرى الرشيد ~~والمأمون. ~~(3) الدولة الغزنوية (351-582ه/862-1186م) # ينسب تأسيس هذه الدولة إلى «ألب تكين» التركي أحد موالي ~~السامانيين، الذين ارتفع شأنهم في الدولة السامانية، حتى صار ~~أحد أفراد الحرس الملكي، ثم رئيسا لهذا الحرس، ثم نال إمرة ~~خراسان سنة 350، ولكنه لم يلبث فيها طويلا لأن السلطان ~~الساماني عزله عن ولاية خراسان، فصار إلى أطراف المملكة في ~~الشرق، واستطاع أن يجمع جموعا من أفراد جيشه ويستولي على غزنة ~~من حكامها الأصليين وجعلها سنة 351 نواة مملكته التي سنراها ~~تسيطر على إقليمي أفغانستان وفارس والبنجاب حتى بشاور. # ولما مات آل تكين خلفه مولاه وصهره سبكتكين جد ملوك هذه ~~الأسرة السادسة عشرة الذين ms072 حكموها بعده. # وقد أوجزنا في كلامنا على الدولة السامانية ذكر الدور الذي ~~لعبه سبكتكين، وابنه محمود في وقف سيل الأتراك القرخانيين لما ~~أرادوا الانسيال على الدولة السامانية. # وكيف أنهم استطاعوا منذ ذلك الحين أن يوطدوا أقدامهم في ~~منطقة «جيحون» حتى «خراسان»، وإليك تفصيل ما أوجزناه ~~هناك. # في سنة 366ه لمع اسم سبكتكين # 18 # ناصر الدولة (صاحب غزنة) لعقله ودينه ومروءته ~~وإدارته وجهاده، فالتف الغزنويون والأتراك حوله، حتى استطاع أن ~~يكون جيشا عظيما، غزا به بلاد الهند، فنشر فيها الإسلام ~~بعد معارك وحروب كثيرة، وصفها ابن الأثير بقوله (في التاريخ 8: ~~227): «جرى بينه وبين الهنود حروب يشيب لها الوليد، وكشف ~~بلادهم.» ثم سيطر على قصدار وبست في سجستان، وتوغل في فتوحاته ~~في البنجاب، واضطر ملكها جيبال أن يتخلى له عن إقليم كابل ~~المؤدية إلى سهول الهند، فتوغل فيها حتى لقب ببطل الإسلام ~~وهازم الكفرة، إلى أن مات ابنه إسماعيل سنة 387ه ولم يكن ~~حازما مدبرا كأبيه، فنازعه أخوه محمود وطلب إليه التخلي عن ~~الرس فلم يقبل، ثم اضطره إلى التخلي فتم ذلك سنة 388ه، وتولى ~~محمود عرش الدولة الغزنوية، وفي هذه السنة مات السلطان نوح ~~الساماني وخلفه ابنه منصور فأصدر محمود إليه أمرا بلزوم ~~التخلي له عن خراسان، ولكن منصورا خلع قبل أن يتم ذلك، وتولى ~~أخوه عبد الملك، فانتحل محمود صفة الدفاع عن منصور، وتمكن من ~~طرد عبد الملك الذي لجأ إلى بخارى، فقوي نفوذ محمود وكاتب ~~الخليفة فاعترف بسلطانه ولقبه بيمين الدولة، وأذن له بنقش ~~اسمه على السكة، وتوسعت مملكة يمين الدولة فشملت إقليم ~~البنجاب ولاهور وملتان والعراق العجمي وخراسان وطخارستان وبلخ ~~وما وراء النهر وسجستان، واتخذ محمود مدينة «غزنة» مقرا ~~لمملكته، وغزا محمود بلاد الهند نحوا من سبع عشرة غزوة كان في ~~أكثرها موفقا ناجحا، وسيطر محمود على ذخائر بلاد الهند ~~وهياكل الهندوس، وحطم أصنامها وكان استيلاؤه على صنم سومنات ~~سنة 416 في كجرات، وهو أعظم أصنام الهند. قال ابن الأثير (في ~~تاريخه 9: 118-119): «وهذا الصنم كان أعظم أصنام ms073 الهند وهم ~~يحجون إليه ... ويعطون سدنته كل مال جزيل، وله من الوقوف ما ~~يزيد على عشرة آلاف قرية، وقد اجتمع في البيت الذي هو فيه من ~~نفيس الجوهر ما لا تحصى قيمته، وأما البيت الذي فيه «سومنات» ~~فهو مبني على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص، وكان ~~بيت الصنم مظلما، وإنما الضوء الذي عنده من قناديل الجوهر ~~الفائق، وكان عنده سلسلة ذهب فيها جرس وزنتها مائتا من.» ~~وظل محمود يغزو ويتوغل في بلاد الهند حتى سنة 420ه، وفيها ~~مرض وأقعده المرض عن الغزو إلى أن مات سنة 421ه. كان محمود ~~عاقلا حازما فاضلا محبا للعلم وأهله، ألف له كثير من ~~الكتب في فنون العلم، وقصده العلماء من أنحاء الممالك، ولم يكن ~~له في سيرته شيء يعاب عليه سوى أخذه الأموال بكل طريق، وهو ~~الذي جدد عمارة مشهد طوس، وكان أبوه خربه، ولما أدركته ~~الوفاة أوصى بالملك بعده لابنه محمد جلال الدولة مع أنه أصغر ~~من ابنه مسعود، وكان محمد ببلخ ~~فكتب إليه أعيان الدولة ~~يستدعونه إلى «غزنة» فقدمها، وأما أخوه مسعود فقد كان في ~~أصفهان فلما بلغه خبر موت أبيه سار إلى خراسان، ولم تلبث ~~الأمور أن فسدت بين الأخوين فتحاربا، وكان الفوز لمسعود، ~~فاستولى على غزنة في سنة 422ه واجتمع له ملك «غزنة» و«خراسان» ~~وبلاد «الهند» و«السند» و«سجستان» و«كرمان» و«الري» و«أصبهان» ~~و«بلاد الجبل». # وفي سنة 432ه اختلف مسعود وأخوه محمد فاقتتلا وخلع مسعود ~~واستولى محمد، ثم إن مودود بن مسعود ثار وقتل عمه محمدا، ~~واستمر أمراء هذه الأسرة يتنازعون الملك بينهم حتى انقسمت ~~دولتهم إلى إمارات وضاعت هيبة الغزنوية التي أوجدها سبكتكين ~~وابنه محمود، فتسلط عليهم الأجانب، مثل خانات التركستان، ~~وسلاجقة فارس، واستطاع الفوريون أصحاب أفغانستان أن يصوبوا ~~للدولة ضربة مسددة، أتت عليها في سنة 582ه/1186م، ومات آخر ~~الغزنويين، في لاهور. # ومما يجب أن نذكره، أن ظهور هذه الدولة كان أول نصر للعنصر ~~التركي على العنصر الإيراني في ميدان زعامة العالم ~~الإسلامي. # والحق أن هذه الدولة لا تختلف ms074 عن الدولتين؛ السامانية ~~والصفارية من حيث أساليب الحكم التي لا تعتمد إلا على القوة، ~~حتى إذا ما زالت القوة دب الضعف في جسم الدولة، وهذا ما جرى ~~على الدولة الغزنوية؛ فإنها حين ضعفت أمام السلاجقة أخذت تنهار ~~حتى سقطت. ~~(3-1) العلم في عهد الغزنويين # كان محمود بن سبكتكين وأبوه يحبان العلم وأهله، حتى عدت ~~«غزنة» في أيام محمود كعبة طلاب العلم والحكمة في العالم ~~الإسلامي، وقد أسس محمود فيها معهدا علميا راقيا، ~~وقف عليه جليل الأوقاف، كما جعل بلاطه موئل العلماء ~~والحكماء والفلاسفة والشعراء، نذكر منهم المؤرخ العربي ~~«العتبي» الذي ألف لمحمود تاريخا جليلا امتدح به ~~محمودا، وسجل عهده. # ومن رجال محمود، المؤرخ الفيلسوف العالم الجليل أبو ~~الريحان محمد البيروني الذي قام بعدة رحلات علمية في ~~الديار الهندية، وكان يعرف السنسكريتية، فاستطاع أن يعرف ~~كثيرا من مغاليق الثقافة الهندية، التي سجلها لنا في ~~كتابيه القيمين؛ «تحقيق ما للهند من مقولة» و«الآثار ~~الباقية عن القرون الخالية». # وكان محمود تركيا سنيا؛ فلذلك رعى الأدب العربي وعني ~~به أكثر من عنايته بالأدب الفارسي، كما أنه وقف وقفة قوية ~~أمام حركات الإسماعيلية والباطنية على العموم. # ومن الرجال الذين رعاهم السلطان محمود، الشاعر الفردوسي ~~الطوسي، الذي نظم له ملحمة الشاهنامة الكبرى، وقدمها إلى ~~سلطان البلاد محمود بعد أن مجده كثيرا في مواطن عديدة ~~منها. # الفصل الرابع # | الوضع الوزاري والإداري في عصر ~~الانحلال الثاني # ساء الوضع الإداري والوزاري في المملكة الإسلامية إبان هذا ~~العهد سوءا ظاهرا فاضحا؛ فقد كان الخلفاء ضعافا كما رأينا، ~~وكان السلاطين والمتغلبون يتحكمون بأهوائهم، وقلما نجد سلطانا ~~عاقلا عادلا، سواء في الأسر التي حكمت استقلالا عن العاصمة أو ~~في العاصمة نفسها، وبذلك لقي الناس عنتا ما بعده عنت، ففسدت ~~الأمور وساءت أحوال البلاد. ونريد ها هنا أن نعرض للوزراء البارزين ~~في هذه الفترة؛ أي منذ زمن الخليفة القاهر إلى زمن الخليفة ~~القائم. ~~(1) عهد القاهر # استوزر القاهر أول الأمر محمد بن علي بن مقلة الكاتب الخطاط ~~المشهور، وكان عالما مدبرا إلا أنه كان ms075 طماعا استغل ~~نفوذه كثيرا، وتدخل في شئون الدولة تدخلا معيبا طمعا في ~~المال، ولكن على الرغم من ذلك، فإنه كان من الوزراء الأكفاء؛ ~~فقد اضطربت أحوال الوزارة بعده في عهد القاهر، فقد كان أحمق ~~سخيفا، محبا للمال. ولما عزل ابن مقلة، استوزر محمد بن ~~القاسم بن عبد الله بن سليمان بن وهب، ولم يبقه إلا قليلا، ~~ثم قبض عليه ونكبه، ولم يطل عهده بعده كثيرا. ~~(2) عهد الراضي # أعيد ابن مقلة إلى الوزارة للمرة الثالثة، وقد بذل خمسمائة ~~ألف دينار حتى استوزره طمعا في أن يجمع ضعفها، ولكنه لم يلبث ~~أن شغب عليه الجند فعزله، واستوزر عبد الرحمن بن عيسى بن داود ~~الحراج، واختلت الأمور في أيامه فاستعفى من الوزارة، فقبض ~~عليه، ثم استوزر أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، وفي عهده ~~ازداد الأمر فسادا واضطربت الأحوال، فاختفى، ثم اكتشف أمره، ~~وصودر، وخلفه في الوزارة سليمان بن الحسن بن مخلد، فلم يستطع ~~أن يفعل شيئا لتغلب الجند، واضطر الخليفة أن يستميل ابن رائق ~~أكبر الأمراء فسماه أمير الأمراء وكلفه تدبير المملكة ~~وإدارتها، فكان يجلس فوق الوزير يولي ويعزل ويتصرف، وليس ~~للوزير إلا الاسم، قال ابن طباطبا (في الفخري، ص248): «لم يبق ~~للوزير - في ذلك العهد - سوى الاسم من غير حكم ولا تدبير، ومن ~~تلك الأيام اضطهدت الخلافة العباسية وخرجت الأمور منها، ~~واستولى الأعاجم والأمراء وأرباب السيوف على الدولة، وجبوا ~~الأموال وكفوا يد الخليفة، وقرروا له شيئا يسيرا وبلغة ~~قاصرة.» وقد أشار ابن رائق أن يعزل سلمان بن الحسن ويوليه أبا ~~الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات ظنا منه أن يجتذب له الأموال، ~~وكان ابن الفرات رجلا متهورا كما يقول ابن طباطبا (ص249) ثم ~~عزله الراضي وولاها سلمان بن الحسن مرة ثانية إلى آخر ~~عهده. ~~(3) عهد المتقي # تولى أمور الخلافة في عهده توزون الديلمي، وتولى الوزارة ~~سلمان بن الحسن مدة أربعة أشهر، ثم عزله وولاها أحمد بن محمد ~~بن ميمون، وكان ضعيفا ليس له من الأمر شيء، ولم يطل عهده حتى ~~قبض ms076 عليه واستوزر أبا عبد الله البريدي، وكان بعده أبو إسحاق ~~محمد إبراهيم الإسكافي القراريطي، فلم يبق أكثر من أربعين ~~يوما، صرفه توزون بعدها، ثم أعاد البريدي ثانية، فلم يطل عهده ~~لفساد سيرته، وفيه يقول أبو الفرج الأصبهاني قصيدته ~~ومنها: # يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي # قد تولى الوزارة ابن البريدي # ولما خلع تولاها أحمد بن عبيد الله الأصفهاني، ولم يمكث ~~أكثر من خمسين يوما، وكان ضعيفا أحمق جاهلا، فعزل ~~وتولاها علي بن أبي علي بن مقلة، ولم يطل عهده حتى ~~عزل. ~~(4) عهد المستكفي # أول وزرائه السامري أبو الفرج محمد بن علي، لم تطل أيامه حتى ~~قبض عليه، وفي أيامه اضطربت أمور الخلافة كثيرا، وملك ~~البويهيون، وصارت الوزارة لهم، وحل محل الوزير «كاتب» عينه ~~الخليفة الذي لم يبق له من الأمر شيء، على ما بينا ~~سابقا. ~~(5) عهد المطيع # الطائع، والقادر، والمقتدر، والقائم «لم يستوزروا ~~أحدا». # الفصل الخامس # | وضع الجيش في هذا العهد # سيطر الجيش في هذا العهد سيطرة بارزة؛ فبعد قتل المقتدر كان في ~~الجيش قائدان، هما مؤنس المظفر القائد العام، ومحمد بن ياقوت صاحب ~~الشرطة والحسبة، وكان بين الرجلين تنافس، فاضطربت أمور الدولة ~~وأعلن مؤنس عصيانه واستولى على الموصل واستقل بها، وأراد الانقضاض ~~على بغداد، فرده محمد بن ياقوت، ثم عظم أمر مؤنس وكان شريرا، ~~فأفسد البلاد، ودامت الفتن بينه وبين محمد بن ياقوت مدة ~~طويلة. # وبرز اسم قائد ثالث هو محمد بن رائق، وكان داهية بارعا، فاستطاع ~~أن يسير دفة السياسة في البلاد، ويصرف الأمور حتى تولى إمرة ~~الأمراء، إلى أن استولى معز الدولة البويهي على بغداد في عهد ~~المستكفي فانحل أمر الجيش العباسي، ومنحه الخليفة آلات السلطنة، ~~ورد إليه إمارة الأمراء، ولم يبق منذ ذلك الحين شأن يذكر للجيش ~~العباسي؛ فقد سيطرت الدولة البويهية، وتسلط جيشها، وانحل الجيش ~~العباسي ما عدا الحرس القليل الذي أبقي إلى جانب الخليفة، أما من ~~كانوا فيه من العرب فقد رجعوا إلى قبائلهم في ديار الشام والعراق، ~~وأما غير العرب فقد تفرقوا في ms077 البلاد يعيثون فيها فسادا، ~~ويعملون على الاستقلال ببعض المناطق. # الفصل السادس # | الوضع العلمي والثقافي في هذا ~~العهد # توزع النشاط العلمي الذي كان متحضرا في بغداد إلى العواصم ~~التي اتخذتها الدول المستقلة مستقرا لها؛ ففي عهد البويهيين قوي ~~النشاط العلمي في إيران ولم تحرم بغداد من عناية عضد الدولة، وفي ~~عهد بني حمدان نبغ اسم حلب كما رأينا، وفي عهد الغزنوية برزت غزنة ~~وبخارى في ميادين العلم، وقد بينا ذلك مفصلا فيما سبق. # الفصل السابع # | في الوضع الاجتماعي # (1) السكان # برز بين سكان الإمبراطورية الإسلامية في هذا العصر، عنصر ~~جديد هو عنصر الأتراك، وقد كان لهذا العنصر أثر كبير في حياة ~~الأمة الإسلامية وتاريخها، وكان مبدأ ظهور هذا العنصر على مسرح ~~الحياة العباسية منذ زمن المعتصم؛ فقد استقدم في سنة 220 قوما ~~من بخارى وسمرقند وأشروسنة وغيرها من بلاد ما وراء النهر ~~فألبسهم ثياب الديباج ومناطق الذهب وسلطهم، وأخذ يزيد عددهم ~~حتى صاروا ثمانية عشر ألفا، # 1 # فاضطر أن يخرج بهم عن بغداد، حتى أكثر الناس من ~~التهجم عليهم وعليه، قال دعبل يخاطب المعتصم في ذلك: # لقد ضاع أمر الناس حيث ~~يسوسهم # وصيف وأشناس وقد عظم ~~الخطب # وإني لأرجو أن ترى من ~~مغيبها # مطالع شمس قد يغص بها ~~الشرب # وهمك تركي عليه ~~مهانة # فأنت له أم وأنت له ~~أب # وأخذ الناس يضعون الأحاديث على لسان النبي وصحابته في ذم ~~«ليكونن الملك في ولدي حتى يغلب على عزهم الحمر الوجوه ~~الذين كأن وجوههم المجان المطرقة.» # 2 # وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على مقدار كره ~~الناس لهم حتى صاروا يحنون إلى أيام سيطرة الفرس وصرنا نسمع ~~شاعرا كالبحتري يقول: # أتسلى عن الخطوب وآسى # لمحل من آل ساسان ~~درس # أذكرتنيهم الخطوب التوالي # ولقد تذكر الخطوب ~~وتنسي # أيدوا ملكنا وشدوا قواه # بكماة تحت السنور ~~حمس # وأراني من بعد أكلف ~~بالأش # راف طرا من كل سنخ ~~وأس # وليس البحتري في هذه القصيدة شعوبيا، ولكنه رأى سوء حال ~~البلاد في عصر الأتراك فتأسف على عهد الفرس. # أما ms078 الفرس في هذا العصر فقد رأوا أن مكانتهم في الدولة قد ~~انحطت فأخذوا يوجهون قواهم إلى الاستقلال ببلادهم عن جسم ~~الدولة مثل مرداويج الزياري، وطاهر بن الحسن، ويعقوب الصفار ~~والساماني، وابن بويه، وصار شعراؤهم وكتابهم يعلنون سخطهم ~~لهذا العهد كمهيار الديلمي وحمزة الأصفهاني. # وأما العرب فقد رأوا تسلط الترك أيضا بعد تسلط الفرس، ~~فانطووا على أنفسهم، ورجعوا إلى قبائلهم يستعينون بهم على ~~إيجاد سلطة لهم، فلما قووا أخذوا يحتلون القلاع والمدن ويؤسسون ~~الدويلات كالعقيليين والحمدانيين والمرداسيين والمزيدين، وقد ~~نبغ منهم شعراء اعتزوا بعروبتهم كالمتنبي والمعري وابن أبي حصينة. # 3 # هؤلاء هم سكان الإمبراطورية الإسلامية، وهناك بعض العناصر ~~الأخرى «كالروم» من مسلمين ونصارى ولم يكن لهم نفوذ عسكري، أما ~~في النواحي الثقافية والاجتماعية فقد لعبوا دورا هاما، نذكر ~~منهم ابن الرومي الشاعر، وابن جني النحوي وغيرهما، و«كالسودان» ~~من زنج وأحباش وقد لعبوا دورا هاما في الحياة الإسلامية ~~وكانوا يجلبون من أفريقية أرقاء فيخدمون في الأرض والبيوت، ~~وكان لهم آثار في البيت الإسلامي والبيئة الإسلامية، وما ننسى ~~لا ننسى حركتهم في البصرة، وما أعقبها من فتن ومشاكل، ~~و«كاليهود» و«النصارى» المنتشرين في أرجاء الدولة، وكانوا ~~يمتهنون الجهبذة والصياغة والصيرفة والحساب والطب ~~والصيدلة. # تبع الانحلال السياسي انحلال خلقي بارز، فكثر شرب الخمر، ~~وجاهر الناس به، ولم يعد للخليفة ولا القاضي ولا المحتسب تلك ~~الهيبة التي كانت له من قبل، وفشا الزنا في الناس عامتهم ~~وخاصتهم، وعمت الموبقات الأخرى، وتناقش الفقهاء في هذا العصر ~~في اللواط، واختلفوا في أمره، فأراد بعضهم أن يعتبره مثل الزنا ~~يرجم صاحبه ويقتل، وقال آخرون: لا، بل يعزر إذا فعل ~~بغلامه المملوك، ويحد إذا كان بغيره. # 4 # ويقول المستشرق ميتز (في كتابه: الحضارة الإسلامية ~~في القرن الرابع 2: 135): إن هذا اللواط أتى من المشرق مع جيوش ~~العباسيين الذين جاءوا من خراسان، على أن بلاد الأفغان كانت ~~مشهورة بذلك في القرن الثالث والرابع للهجرة، ثم شاع واستقر في ~~القرن الرابع، ويذكر الثعالبي (في اليتيمة 1: 483): «أنه كان ~~على شاطئ دجلة مكان للهو فيه ms079 إلى جانب الخمار والخمر «ظبي ~~غرير» أو «ظبية غريرة»، وقاصده لا يدفع لهذا كله في الليلة إلا ~~درهمين، وقد اتخذ المجان بعض الأديرة مواطن لعبثهم ولهوهم، ~~كما نجد ذلك مفصلا في كتاب «الديارات» للشابشي، وقد عم البلاد ~~بهذا الداء، بالزنا والفسق وشرب الخمر، في بغداد إلى درجة ~~اضطرت الفقهاء الحنابلة إلى الثورة لمطاردة هؤلاء الفساق، وكسر ~~أوائل الغناء ودنان الخمر، وتخريب دور اللهو والمجانة. # 5 # وفي سنة 321ه أمر الخليفة الظاهر بتحريم الخمر ~~والغناء وسائر الأنبذة وأمر ببيع الجواري المغنيات على أنهن ~~سواذج لا يعرفن الغناء، ثم وضع من يشتري له كل حاذقة في صنعة ~~الغناء فاشترى منهن ما أراد بأرخص الأثمان. # 6 # ومن مظاهر الانحلال الاجتماعي ما يحدثنا به المؤرخون من ~~وقوع بعض الأعمال الوحشية من فظاعات التعذيب والقسوة وامتهان ~~الكرامة على الخوارج وأصحاب العقائد المخالفة لمذهب الحاكم؛ ~~فقد روى صاحب زبدة الفكرة (مخطوط باريز 5: 179) أن الحسين بن ~~حمدان القرمطي وابنه حين قبض عليهما مؤنس وجاء بهما إلى بغداد ~~ألبسا برانس طوالا من اللبود وقمصانا من الشعر الأحمر. ~~وقال المسعودي (في مروج الذهب 8: 169): «لما قبض على القرمطي ~~ببغداد ألبسوه دراعة ديباج وبرنس خز طويل.» ويقول عريب (في ~~ذيله على الطبري، ص57): «إنهم ألبسوه برنسا طويلا بشفاشج ~~وجلاجل.» وقال ابن الأثير ~~(في تاريخه 8: 205): «بل ألبسوه برنسا بأذيال الثعالب.» وقال ~~مسكويه (في تجارب الأمم 6: 501): «بل برنسا طويلا كما يلبس ~~النساء.» ولما هزم ابن أبي الساج وأدخل بغداد ألبس برنسا ~~طويلا بشفاشج وجلاجل وحمل على الفالج، وقد ذكر عريب (في ذيله ~~على تاريخ الطبري) أن الناس لما رأوه كذلك استاءوا، ولما ~~اتهم الحلاج الصوفي بالكفر صلب حيا إلى أن مات، وهي من ~~أفظع العقوبات، وقد ضاعت المثل الأخلاقية، ودرست المبادئ ~~الإسلامية فأهين الخليفة، وسقي السم، وسملت عيونه، وضرب ~~وجر برجله وعذب وشتم وحبس حتى يموت جوعا وعطشا. # 7 # ولا شك في أن هذا كله آت من الانحلال الخلقي ~~والنفسي. ~~(2) الأسرة # تكلمنا في الكتاب الأول عن شيء من أحوال الأسرة في العصر ~~العباسي ms080 الأول، وعن دخول العناصر غير العربية من فارسية ورومية ~~وحبشية وتركية إلى البيت الإسلامي، وعن انحطاط الأسرة واضطراب ~~شأنها بذلك الخليط من الجواري، ونضيف ها هنا أن البيت الإسلامي ~~أضحى يعج بالزوجات المتعددات، عدد غير محدود من السريات، ~~وقد تبع الناس في ذلك خلفاءهم؛ فقد عج قصر الخلافة في هذا ~~العصر، بعدد كبير من الجواري والخصيان حتى صار الخلفاء كلهم ~~إلا قليلا أبناء جوار. قال ابن حزم في نقط العروس: «لم يل ~~الخلافة في الصدر الأول من أمه أمة، حاشا يزيد وإبراهيم ~~ابني الوليد، ولا وليها من بني العباس من أمه حرة حاشا ~~السفاح والمهدي والأمين.» # 8 # وإذا كان هذا حال الخلفاء، فما قولك بأسر الوجوه ~~والأعيان، أما السوقة والرعاع فقد تاهوا في تلك البيئة المنحلة ~~المضطربة. ومما يجب أن نلاحظه ها هنا أن الجواري في هذا العصر ~~قد كثرن وصارت لهم دور للهو والفسق، ويقول أبو حيان التوحيدي: # 9 # أحصينا ونحن جماعة في الكرخ أربعمائة وستين جارية ~~في الجانبين، ومائة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان من ~~البدور، يجمعون بين الحسن والحذق والظرف والعشرة، هذا سوى من ~~كنا لا نظفر به ولا نصل إليه لعزته وحرسه ورقبائه، وسوى ما ~~كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء والضرب إلا إذا نشط في وقت، ~~أو ثمل في حال، أو خلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه.» ونحن ~~نرى هذا سر انحطاط المجتمع وفساد الأسرة، وإلا ما معنى وجود ~~هؤلاء «الصبيان البدور» الخمسة والتسعين الذين ذكرهم أبو حيان ~~التوحيدي، ووصفهم أبو حيان في موضع آخر فقال: «خمسة وتسعون ~~غلاما جميلا يغنون للناس، # 10 # وإنه كان بها غلام موصلي ممن ملأ الدنيا عيارة ~~وخسارة، وافتضح أصحاب التستر والوقار، وأصناف الناس من الصغار ~~والكبار بوجهه الحسن وثغره المبتسم وحديثه الساحر وطرفه الفاتر ~~وقده المديد، ولفظه الحلو ودله الخلوب ... يسرقك منك ويردك عليك ~~... فحاله حالات، وهدايته ضلالات، وهو فتنة الحاضر والبادي.» وقد ~~تفنن القوم في أسماء هؤلاء الغلمان فسموهم الأسماء ~~المخنثة، مثل: نسيم ومؤنس ووصيف وفاتن ms081 وجميلة (لغلام ذكر)، ~~ولا شك في أن هذا كان انحطاطا وانحلالا لأفراد الأسرة ما ~~بعده انحطاط، وأبو حيان حجة في قوله أمين في نقله. وفي هذا ~~العصر نبغ في بغداد شعراء فسقة مجان غطوا على أبي نواس ~~وفسقه وعهره وبذوه، ولم يتركوا في هذا الحال مزيدا لمستزيد، ~~وعلى رأسهم ابن حجاج وابن سكرة الشاعران الفاسقان العاهران ~~اللذان ملأا شعرهما قحة وسوء خلق عجيبين. ~~(3) المسكن # تحدثنا في الباب الخاص بالمسكن في الكتاب الأول عن شيء من ~~البيت العربي وطرزه وأوضاعه، ونضيف ها هنا أن حفائر مدينة ~~سامراء قد كشفت لنا، كما يحدثنا الأستاذان الأثريان ~~«ساره»، و«هرتسفيلد» عن طريقة بناء المسكن العربي في القرن ~~الثالث حيث يقول: «كانت الدور بسامراء تبنى على مثال واحد ~~يصل بينها وبين الشارع أو الدرب دهليز مسقوف يفضي إلى صحن ~~واسع قائم الزوايا، يبلغ عرضه ثلثي طوله في العادة، ويتصل له ~~من جانب العرض القاعة الكبرى وصورتها هكذا ( ) وفي أركانها ~~غرف صغيرة، ويحيط بالصحن أيضا غرف متجاورات مربعة للسكنى ~~والحدائق المنزلية، وفي معظم الدور أقنية صغرى ثانوية، تشتمل ~~على أماكن للمرافق المنزلية أيضا، ولا تخلو الدور قط من ~~حمامات ومجار تحت الأرض، وكثيرا ما يكون فيها آبار وتشتمل ~~أحيانا على صحون ذات طارمات وعلى سراديب للسكنى مهيأة بوسائل ~~التهوية، والدور كلها من طابق واحد، وإذا كانت الأرض ~~المحيطة بها غير مستوية اتخذ منها أصحاب الدور مسطحات مرتفعة ~~بمهارة، وقد تبلغ الغرف في الدار الواحدة «60» غرفة، وبها ~~شبابيك تقفل بألواح من الزجاج المتنوع الألوان، ويتراوح عرض ~~اللوح بين «20» و«50» سنتمترا، وهكذا كانت قصور الخلافة إلا ~~أنها أوسع وأضخم وأفخم.» ويقول الإصطخري (ص83) نقلا عن رجل ~~زار دار الخلافة عامرها وغامرها حوالي أواخر القرن الرابع، ~~فقال: «إنها مثل مدينة شيراز، وكانت زخارف هذه القصور فائقة حد ~~الوصف من رياض وأشجار زينة وأزهار وفرش وتحف، ومن أروع هذه ~~التحف ما كان في قصر المقتدر من تحف أجلها الشجرة الفضية ~~التي كان وزنها خمسمائة ألف درهم، وهي تقوم وسط بركة مدورة ms082 ~~صافية الماء، وللشجرة ثمانية عشر غصنا، لكل غصن شاحنات كثيرة ~~عليها الطيور والعصافير من كل نوع مذهبة ومفضضة، وأكثر قضبان ~~الشجرة فضة وبعضها مذهب وهي تتمايل في أوقات لها، وللشجرة ورق ~~مختلف الألوان يتحرك كما تحرك الريح ورق الشجر، وكل من هذه ~~الطيور يصفر ويهدر، وقد أدخل الخليفة رسل الروم إلى هذه الدار، ~~فكان تعجبهم منها أكثر من تعجبهم من جميع ما شاهدوه.» # 11 ~~(4) الطعام والشراب # ذكرنا شيئا من هذا في الفصل الخاص به في الكتاب الأول، ~~ونضيف هنا أن الترف والرفاهية، قد ازدادت على سفر الأغنياء، ~~وجعلوا لذلك آدابا وتقاليد؛ فقد روى الثعالبي عن أبي رياش أنه ~~كان آية في حفظ أيام العرب وأنسابها وأشعارها، ولكنه كان وسخ ~~اللبسة قليل التنظيف، شرها على الطعام، سيئ المؤاكلة، دعاه ~~والي البصرة أبو يوسف اليزيدي إلى مائدته يوما، فلما أخذ في ~~الأكل مد يده إلى بضعة لحم فانتهشها ثم ردها إلى القصعة، فكان ~~بعد ذلك إذا حضر مائدته أمر أن يهيأ له طبق ليأكل عليه على حدة.» # 12 # ولا شك في أن هذه الآداب والتقاليد الطعامية، قد ~~دخلت بيوت الأعيان والطبقة البرجوازية، كما أن الغاية بتنويع ~~الطعام قد بلغت أوجها في ذاك العصر؛ فقد روي أن ابن مسكويه ~~خازن كتب عضد الدولة البويهي ألف كتابا في تركيب الباجات من ~~الأطعمة، وأنه أحكمه غاية الأحكام وأتى فيه من أصول علم الطبخ ~~بكل غريب حسن، # 13 # أما الحلوى فقد تفننوا فيها تفننا لا من حسن ~~الطعم بل من حسن الشكل والصورة؛ ففي ديوان المتنبي (ص18) ~~مقطوعة لطيفة قالها في شكر رجل أهدى إليه سمكا مصنوعا من ~~السكر واللوز مطبوخا بالعسل. وكما أننا نجد في هذا العصر ~~آدابا وتقاليد، كان أهل الظرف والترف يتقيدون بها، وقد أحصاها ~~الوشاء في كتابه الطريف «الموشى»، وفيه فصل لنا آداب مجالس ~~الشراب وآداب موائد الطعام، كما يحدثنا أنهم كانوا يكرهون ~~أنواعا من الأطعمة، ويبتعدون عن طعامها مثل الهندباء والفجل ~~والحرف لنتنها، والكراث والبصل لرائحتها، والثوم والبصل ~~لمغبة أكلها، كما ms083 أنهم كانوا يمتنعون عن أكل الزيتون والتمر ~~والمشمش والنبق والصاب والخوخ والأجاص وغيرها مما له نوى لما ~~في إخراج نواه أمام الحاضرين من نقص في المروءة، وأنهم كانوا ~~لا يأكلون السمسم المقلي والزبيب الأسود؛ لأنهم يشبهونه ~~بالبعر، ولا الباقلي والبلوط والخرنوب الشامي وغير ذلك مما ~~يرون في أكله على مجالس الشراب نقصا في آداب الشراب، وإنما ~~كانوا يأكلون مع الشراب مملوح البندق ومقشر الفستق وتفاح الشام ~~وسفرجل بلخ وقصب السكر المغسول بماء الورد، ويطيبون مجالسه ~~بالعود الهندي والطين الخراساني، والملح الصنعاني. # 14 # ولا شك في أن هذا كان نوعا من الرفاهية والترف لم ~~تصل إليه مجالس اللهو والشراب في أرقى عصورها في ~~أوروبا. ~~(5) مستوى المعيشة # لا نعرف شيئا حقيقيا عن مستوى المعيشة في هذا العصر، وعن ~~أحوال الطبقات فيه، غير أنه لا شك في أن الناس يمكن تقسيمها ~~إلى خمس طبقات: ~~(1) # الحكام من خليفة وسلطان وأمير وعامل ومن ~~إليهم. ~~(2) # طبقة كبار التجار والزراع والملاكين والموظفين ~~البارزين ومن إليهم. ~~(3) # طبقة عامة التجار والزراع وكبار السوقة، والجنود ~~المرتزقة. ~~(4) # طبقة العامة من صغار السوقة وعمال الحوانيت ~~والباعة والكتبة والمحترفين والفلاحين ورجال ~~العلم. ~~(5) # طبقة المكدين والمتصوفة والمتفقهة. ~~(1) # أما أهل الطبقة الأولى فقد كانت مواردهم الواسعة ~~سببا في أن يحيوا حياة بذخ وترف لا حد لهما؛ ~~فقصورهم تعج بالخدم والحشم والرقيق والطرف والتحف، ~~أما ما ينفقونه على بناء قصورهم فشيء لا يصدق. ~~قالوا إن المتوكل بنى قصره «العروس» بثلاثين مليون ~~درهم، و«الجعفري» بعشرة ملايين و«العزيب» بعشرة ~~أيضا، و«الشيدان» بعشرة كذلك و«البرخ» بعشرة ~~أيضا، و«الصبح» بخمسة ملايين ... إلى آخر ما ~~يرويه مؤرخو العصر عن قصور هذا الخليفة. ~~(2) # وأما طبقة كبار التجار والزراع والملاك ~~والموظفين، فكانت كذلك طبقة مترفة لا تقل فخامة ~~قصورها ورياشها عن قصور الطبقة الأولى، نذكر من ~~هؤلاء آل الجصاص التجار الجوهريين الذين بلغت ~~ثروتهم حدا مدهشا. # 15 ~~(3) # وأما طبقة عامة التجار والزراع وصغار الملاكين ~~والموظفين فكانت أحوالهم متوسطة يتبلغون هم وأهلهم ~~بطعام جيد، وسكن حسن وخدم محدودين. ~~(4) # وأما طبقة العامة من صغار السوقة ms084 والباعة وعمال ~~الحوانيت والباعة والكتبة والمحترفين والفلاحين، ~~فإنهم كانوا يعيشون في شدة وضنك على الرغم من ~~تعبهم وكدهم؛ لأن الطبقات الثلاث الأولى استنزفت ~~موارد الدولة واستغلت خيراتها، وليست لدينا ~~معلومات عن مقدار موارد هؤلاء البؤساء، ولكنا ~~عثرنا على بعض النتف التي تعطينا صورة عن حالهم ~~ومقدار ما كانوا يتبلغون به؛ فقد روى التنوخي (في ~~كتاب: الفرج بعد الشدة 2: 155): «أن رجلا فقيرا ~~جاء إلى البصرة في القرن الرابع وطلب عملا من ~~صاحب حانوت، فاستخدمه الحانوتي كاتبا لحساباته ~~مقابل نصف درهم في اليوم إلى طعامه وكسوته، ثم ~~زيدت الأجرة إلى درهم في اليوم.» ويقول مسكويه (في ~~تجارب الأمم 2: 198) في سنة 352ه: قال إن أبروتها ~~الطبيب كان يدور من باب إلى آخر ليعالج المرضى، ~~ويأخذ دانقا ونصفا أو ربع درهم عن كل مريض.» ~~فإذا كان هذا حال كاتب الحسابات والطبيب، فما ~~قولكم بالعمال والفلاحين والباعة ~~المتجولين! # أما رجال العلم فقد وضعناهم في عداد هذه الطبقة ~~لأنهم كانوا دوما في شر حالة؛ فكتب الأدب ~~والتاريخ والطبقات مليئة بأخبار هؤلاء البائسين، ~~وإليكم ببعض النتف التي تؤيد ما ذكرناه: # كان أبو حيان التوحيدي الإمام الأديب الكاتب ~~الفيلسوف البليغ الصوفي يعيش من نسخ الكتب ~~والوراقة والتأليف، وإليك وصف حاله: «ولقد اضطررت ~~بينهم بعد العشرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى ~~أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند ~~الخاصة والعامة، وإلى الدين والمروءة، وإلى ~~تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يحسن ~~بالحر أن يرسمه بالقلم.» # 16 # وقد ملأ كتبه «الإمتاع» و«الصداقة» ~~و«المقايسات» بشكوى الزمان من سوء الحال والفقر، ~~واضطر آخر عمره - ولا شك في أنه أصيب بنوع من ~~الجنون - إلى أن يحرق كل كتبه. # وكان أبو علي القالي الإمام اللغوي الأديب، يشكو ~~البؤس والفقر فلا يجد أحدا يعطيه قوته حتى اضطر ~~أن يبيع كتبه ليعيش، ثم عزم أن يهاجر إلى الأندلس ~~فهاجر إليها ولقي الحياة الهنية بقرب أميرها ~~الكريم الحكم الأموي. # وكان الفقيه الشاعر اللغوي الأديب الأبيوردي ~~مضرب المثل في البؤس والحاجة، وقد حكى عنه ~~الخطيب البغدادي ms085 أنه مكث سنتين لا يقدر على شراء ~~جبة يلبسها في الشتاء. # وهناك مئات من الآدميين ومن العمال والفلاسفة ~~والأطباء وأهل الحكمة والفن عاشوا في شظف وبؤس ما ~~بعدهما مزيد، ونختم هذا الكلام بهذه القصة، بل ~~الفاجعة التي يرويها أبو حيان فيقول: ~~«شاهدنا في هذه الأيام شيخا من أهل العلم ساءت ~~حاله وضاق رزقه، واشتد نفور الناس عنه، ومقت ~~معارفه له، فلما تولى هذا عليه دخل يوما منزله ~~ومد حبلا إلى سقف البيت واختنق به، فلما عرفنا ~~حاله جزعنا وتوجعنا وتناقلنا حديثه وتصرفنا فيه.» # 17 # وهذا بلاء ما بعده بلاء. والحق أن ~~العلماء كانوا نوعين؛ «نوع» تمكن من الاتصال ~~بالخليفة أو السلطان أو الأمير، أو بعض رجال ~~الدولة، أو الأغنياء الرحماء، فهم في حالة ~~ميسورة، بل ربما بلغوا طبقة الأغنياء، ولكنهم قلة. ~~و«نوع» لم تمكنه ظروفه من الاتصال بالخليفة، أو ~~رجال دولته، أو أنهم لم يرضوا ذلك، فهم في بؤس ~~وعنت أو في كفاف وتقشف. ~~(5) # طبقة المكدين والمتصوفة والمتفقهة: كان المكدون ~~من شحاذين محترفين أو بؤساء عاجزين أو مقعدين ~~يعيشون من صدقات الناس وإحسانهم، وكانوا يتخذون ~~المساجد والطرقات العامة وأبواب المساجد والحمامات ~~محلات لهم، يسألون الناس فيها الإحسان والتصدق، ~~وكان العربي يأنف من أن يهوي إلى هذه الطبقة، بل ~~يفضل أن يرجع إلى البادية يسرق أو يغزو. # أما المتصوفة والمتفقهة فهم الذين كانوا يعيشون ~~من ريع الأوقاف وإحسان المحسنين ويقنعون بما يرد ~~إليهم من جامكيات الأوقاف، وأعطيات المحسنين، وقد ~~ظهر في هذا العصر نوع من «الزوايا» التي يجد فيها ~~المتصوف و«المدارس» التي يجد فيها الفقيه طعامه ~~وشرابه ولباسه. # | عصر السقوط # من سنة 422ه إلى سنة 656ه # الفصل الأول # | عرض موجز لشئون الخلافة وأحوال ~~الخلفاء من عهد القادر إلى عهد المستنصر ~~آخر الخلفاء # وقف بنا الكلام في عرضنا لشئون الخلافة وأحوال الخلفاء في الكتاب ~~الثاني عند نهايته عن الخليفة القادر أبي العباس أحمد، ورأينا أنه ~~كان من أفاضل الخلفاء حسن الطريقة، وأنه أراد إرجاع مظاهر العزة ~~للخلافة، ولكنه لم يفلح إلا بعض ms086 الشيء، فحييت رسوم الخلافة، ورجع ~~وقار الدولة لطول عهده، ولكن تلك الحياة كانت صحوة الموت كما ~~قلنا. # ولما مات في سنة 422ه بويع ابنه عبد الله جعفر وتلقب بالقائم ~~بأمر الله، وكان حسن الطريقة كأبيه، صالحا عاقلا، فاستطاع أن ~~يتم خطوة أبيه، فأمر بالمعروف وعدل في الناس. وكان سلطان العراق في ~~عهده جلال الدولة البويهي، ولم يكن هذا حازما، فشغب عليه جنوده، ~~واضطرب أمر السلطنة فاضطرب أمر الخلافة معها تبعا، وعاث الجنود ~~الفساد في البلاد والقرى، حتى في ممتلكات الخليفة فلم يستطع ~~السلطان أن يمنعهم، وانتشر البدو في البلاد يفسدون وينهبون، فلما ~~مات جلال الدولة تسلطن ابن أخيه أبو كاليجارين سلطان الدولة، ~~ولقبه الخليفة بمحيي الدولة (الدين)، ولم تكن حال البلاد في عهده ~~خيرا من حالها في عهد عمه إلى أن مات، فخلفه ابن خسرو فيروز الملك ~~الرحيم، ولم يكن خيرا من سلفه إلى أن طرده طغرل بك السلجوقي وقضى ~~على دولة آل بويه، وابتدأت دولة آل سلجوق. # وتفصيل ذلك أن حالة العراق قد ساءت في أواخر عهد خسرو فيروز، حتى ~~إن أبا الحارث أرسلان البساسيري أحد مماليك بهاء الدولة البويهي قد ~~قوي نفوذه وأراد أن يزيل الخلافة العباسية وكاتب الخليفة المستنصر ~~الفاطمي صاحب مصر بذلك، ولما علم الخليفة في بغداد بهذا، كتب إلى ~~طغرل بك يستغيث به، فقدم هذا على بغداد في محرم سنة 447ه وأسر ~~فيروز، أما البساسيري فقد فر وأخذ يجمع جموعه لاسترداد بغداد، ~~فبعث إليه طغرل بك ابن عمه قتلمش فتغلب البساسيري، واضطر طغرل بك ~~أن يقابله بنفسه، والتقى جمعهما وانهزم البساسيري، وسيطر طغرل بك ~~على الديار الموصلية، ثم رجع إلى بغداد سنة 449ه، وقابل الخليفة ~~ففوض إليه إدارة البلاد وخلع عليه سبع خلع، وتوجه وعممه ~~ولقبه بملك المشرق والمغرب، فقبل يد الخليفة مرتين، وبالغ في ~~احترام الخليفة. # وفي سنة 450ه بينما كان السلطان طغرل بك غائبا عن بغداد، استطاع ~~البساسيري أن يدخلها بجنده ويخطب للمستنصر العلوي، واضطر القائم ~~إلى الهرب واللجوء إلى مهارش بن مجلي ms087 العقيلي في حديثة عانة فأكرم ~~وفادته. أما البساسيري فإنه تسلط على بغداد وسار بالناس سيرة ~~حسنة وامتد نفوذه إلى واسط والبصرة حيث خطب للمصريين أيضا. # وفي سنة 451ه توجه طغرل بك إلى بغداد فهرب البساسيري منها، ~~وبعث السلطان الإمام أبا بكر أحمد بن محمد المعروف بابن فورك إلى ~~قريش بن بدران يشكره ويستدعي الخليفة، ولما وصل الخليفة إلى ~~النهروان خرج طغرل بك لاستقباله ودخلوا بغداد جميعا في أواخر سنة ~~451ه، وأنفذ السلطان جيشا لملاحقة البساسيري فأمسك به وقتله شر ~~قتلة، ثم رجع السلطان إلى الري عاصمة ملكه، وأقام فيها نائبا ~~سماه «الشحنة» بعد أن تزوج السلطان بابنة الخليفة ومات بالري في ~~سنة 455ه. # ولما مات خلفه عضد الدولة أبو شجاع ألب أرسلان محمد بن داود بن ~~ميكائيل بن سلجوق، وكان أميرا حازما عاقلا مدبرا، استعان ~~بالوزير العظيم نظام الملك الطوسي على إدارة دولته، فصدقه نظام ~~الملك في الخدمة وحسنت الدولة في أيامهم، ولما مات ألب أرسلان خلفه ~~جلال الدولة أبو الفتح ملكشاه، ولأوائل حكمه توفي الخليفة القائم ~~في 13 شعبان سنة 467ه. # خلف بعد القائم حفيده أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة أبي العباس ~~محمد بن الخليفة القائم ولم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه؛ فإن ~~«الذخيرة» مات أيام أبيه، وكان للذخيرة جارية أرمنية فولدت بعد موت ~~سيدها بستة أشهر غلاما سماه جده عبد الله وولاه عهده وأحسن ~~تربيته ورعايته، فشب قوي النفس، متن الخلق، عظيم الهمة، أحسن ~~إدارة البلاد، ومنع الفتيات المفسدات من البغاء في بغداد، وأشرف ~~على أمور الناس بنفسه، فحسنت الأحوال؛ لأنه كان حسن السيرة، ذا ~~فضل وحزم وعفة وجهاد أيضا، فتوسعت رقعة البلاد في عهده وامتدت من ~~الصين إلى اليمن، ووضع في النواحي التي افتتحها وخطب للخليفة فيها ~~من بلاد الروم خمسين منبرا، وامتد سلطانه إلى سمرقند والمشرق، وما ~~ذلك كله إلا لحسن إدارته وبراعة سياسته واستماعه لإرشادات الوزير ~~الصالح العالم نظام الملك، فلما مات ملكشاه وكان له بنون أربعة: ~~بركياروق، ومحمد، وسنجر، ومحمود، وهو طفل، ms088 فطلبت أمه من الخليفة أن ~~يسمي ولدها للسلطنة فأجابها، إلا أن جنود نظام الملك سلطنوا ~~بركياروق، وبعثوا إلى الخليفة تقليد السلطنة فمات فجأة والتقليد ~~بين يديه في 15 محرم سنة 487ه فلم يتم ذلك. # وخلفه ابنه أحمد المستظهر بالله، وكان صالحا عادلا حسن الأخلاق ~~طيب السيرة، وكانت أيامه أيام هدوء وسكينة، لولا فساد السلطان ~~بركياروق؛ إذ لم يكن حسن الإدارة، فاختل أمر السلطنة في عهده، وطمع ~~عمه تتش بن ألب أرسلان صاحب دمشق بالسلطنة، وجرت بين الاثنين ~~معارك، إلى أن مات العم، فصفا الجو لبركياروق واستقامت أموره ~~بإدارة وزيره العاقل مؤيد الملك عبد الله بن نظام الملك وكان ~~حازما عاقلا مدبرا. ولما مات مؤيد الملك عادت الفتن بين ~~بركياروق وأخيه محمد، واتقدت نيران الحرب بين أفراد آل البيت ~~السلجوقي من سنة 492ه إلى سنة 497ه، وفي هذه الفترة تحرك الفرنج ~~لأول مرة مغيرين على المملكة الإسلامية، ثم مات بركياروق سنة 498ه ~~فتسلطن أخوه محمد إلى سنة 511ه، ثم تولى ابنه مغيث الدنيا والدين ~~محمود بن محمد بن ملكشاه ولقبه الخليفة المستظهر «يمين أمير ~~المؤمنين»، وخطب له ببغداد في 13 محرم سنة 512ه، ولم يلبث الخليفة ~~طويلا بعد محمد بن ملكشاه حتى مات في 16 ربيع الآخر سنة 512ه. وفي ~~عهد المستظهر حدثت في الدولة أحداث جليلة في الشرق والغرب، أما ~~الشرق فقد ظهرت فيه الباطنية بشكل رهيب، أما في الغرب فقد بدت فيه ~~بوادر الحروب الصليبية. # ولما مات خلفه ابنه المسترشد بالله أبو منصور الفضل في 16 ربيع ~~الآخر سنة 512ه وكان رجلا فاضلا، وكان سلطان العراق في عهده هو ~~السلطان محمود بن محمد، وكان السلطان سنجر بن ملكشاه ملك خراسان ~~وما وراء النهر وهو زعيم البيت السلجوقي، فلما مات أخوه محمد طلب ~~من الخطباء أن يذكروا محاسن أخيه في خطبهم ويبينوا أعماله في قتال ~~الباطنية، وكان يلقب بناصر الدين فاستبدله بمعز الدين، وعزم على ~~قصد الجبل والعراق، ووقعت عدة معارك بين السلطان محمود وعمه سنجر، ~~ثم بين السلطان وبين ms089 أخيه مسعود صاحب الموصل وأذربيجان، وكان ~~الخليفة المسترشد قد استعاد شيئا من نشاط الخلفاء العباسيين ~~الأولين، فقاد بعض الجيوش لمحاربة مخالفيه، مثل دبيس بن صدقة صاحب ~~الحلة، ولكن السلطان مسعود لم يستحسن ذلك الأمر، وأفضى الحال إلى ~~الحرب بينهما، فتقدم الخليفة جيشه لقتال مسعود، ولما كسر جيش ~~الخليفة ووقع الخليفة أسيرا، وبلغت هذه الأخبار السلطان سنجر كتب ~~إلى مسعود يأمره بأن يتلافى الحال ويعتذر إلى الخليفة، ويرده إلى ~~بغداد معززا، وبينما كان يهيئ أمر عودته على أحسن حال، هجم ~~الباطنية على الخليفة فقتلوه في سنة 529ه، ويقال إن الذي دفع إلى ~~قتله هو مسعود (كما في الفخري، ص265). # ولما قتل وبويع ابنه الراشد بالله أبو جعفر المنصور في 27 ذي ~~القعدة سنة 529ه عقب وصول الخبر بموت أبيه، جهز جيشا كثيفا ~~لقتال مسعود، ولكن مسعودا سبقه ودخل بغداد فكف الراشد وهرب إلى ~~الموصل وجمع مسعود العلماء والوجوه وأخذ خطوطهم بالقدح في الراشد، ~~وخلعه ثم إن جماعة من الملاحدة والباطنة قتلوا الراشد في ~~أصفهان. # ولما خلعه مسعود ولى عمه المقتفي لأمر الله أبا عبد الله محمد ~~بن المستظهر في 8 ذي القعدة سنة 530ه، واستمر مسعود في سلطانه إلى ~~أن مات سنة 547ه، وبموته أفل نجم السلاجقة؛ فقد خلفه ابن أخيه ~~ملكشاه بن محمود، ولم يكن ذا سياسة وإدارة، أما الخليفة فإنه لما ~~بلغه موته، طرد شحنة السلجوقية من بغداد، واستولى على داره وجمع ~~الأموال وجيش الجنود وبعثهم فاستولوا على الحلة وواسط، وتقسم ~~الأمراء في الأقاليم أملاك السلجوقيين في «حصن كيفا» و«ماردين» ~~و«دمشق» و«الموصل» و«حلب» و«سنجار» و«الجزيرة» و«إربل»، ~~و«أذربيجان» و«فارس»، و«لورستان»، وقامت في هذه المدن والأقاليم ~~دول أو دويلات متعددة تقسمت أسلاب الدولة السلجوقية التي شادها ~~طغرل بك وألب أرسلان وملكشاه ووزيرهم العظيم نظام الملك ~~الطوسي. # واستمر المقتفي مستقلا بأمر العراق إلى ربيع الأول سنة 555ه ~~حين مات، فخلفه ابنه المستنجد، وكان حسن السيرة صالحا أزال ~~المظالم ومنع الفساد، وحل المقاطعات وأعادها إلى الخراج، وكان ملك ~~السلاجقة بعهدة أرسلان شاه بن ms090 محمد بن ملكشاه، ولم يكن له نفوذ في ~~العراق، واستمر في حكمه إلى سنة 566ه حين خنق في الحمام، فخلفه ~~ابنه المستضيء بالله أبو محمد الحسن، وكان حسن السيرة عادلا ~~كريما حليما، وفي عهده قضى صلاح الدين بن يوسف بن أيوب على ~~الفاطميين في محرم سنة 567ه، وخطب للمستضيء وظل كذلك إلى أن ~~هلك. # ثم استخلف الإمام الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء ~~في ذي القعدة سنة 575ه، وكان إماما ذكيا سياسيا حازما عادلا ~~بليغا عاقلا شجاعا مدبرا، وهو أطول العباسيين عهدا؛ فقد حكم ~~46 سنة وأحد عشر شهرا. # قال ابن طباطبا (في الفخري، ص280): «طالت مدته وصفا له الملك، ~~وأحسن مباشرة أحوال الرعية بنفسه حتى كان يتمشى في الليل في دروب ~~بغداد ليعرف أخبار الرعية.» وفي أيامه انقرضت الدولة السلجوقية ~~بالكلية. # وكان للناصر من أعمال البر والخير والعرفان ما يفوت الحصر، ومات ~~في سنة 622ه، وفي عهده حدثت حوادث جسام، كإغارة المغول والتتر على ~~البلاد، فاستولوا على أقاليم المشرق من الصين إلى العراق، وعاثوا ~~بالبلاد فسادا، والخليفة لا يستطيع الوقوف أمامه إلى أن أدركه ~~أجله فمات في رمضان سنة 622ه. # فخلفه ولده أبو نصر محمد الظاهر بأمر الله في سنة 622ه، ولم تطل ~~أيامه ولم يكن في أعماله شيء ذو خطر، ومات سنة 623ه فخلفه ولده أبو ~~جعفر المنصور المستنصر بالله سنة 623ه، وكان شهما جوادا عاقلا ~~عالما فاضلا محبا للعمران وتأسيس دور العلم، وكانت أيامه ~~طيبة، والبلاد هانئة، وفي عهده تم للمغول السيطرة على بلاد إيران ~~إلى حدود العراق، والخلفاء ساكتون واجمون، والنكبة محدقة بهم. وفي ~~سنة 640ه مات المستنصر فخلفه ابنه المستعصم بالله أبو أحمد ~~عبد الله آخر الخلفاء العباسيين على يد هولاكو المغولي، وكان ذلك ~~في 20 محرم سنة 656ه. # قال ابن طباطبا في وصف المستعصم الفخري: «كان رجلا حرا ~~متدينا، لين الجانب، سهل العريكة عفيف اللسان والفرج ... قليل ~~الخبرة بأمور المملكة مطموعا فيه ... وكان زمانه ينقضي بسماع ~~الأغاني والتفرج على المساخر، وبعض الأوقات ms091 بخزانة الكتب للتسلي، ~~وكان أصحاب دولته من الجهال الأراذل إلا وزيره مؤيد الدين محمد ~~بن العلقمي، فإنه كان فاضلا عاقلا نبيلا، ففسدت الأمور واضطربت ~~أحوال الدولة، وطمع فيها التتر، وكان جنكيز خان قد هلك في سنة ~~624ه/1227م في عهد الخليفة المستنصر بعد أن استولى على أكثر بلاد ~~المملكة الإسلامية في المشرق والمغرب، فلما هلك اضطربت الدولة ~~المغولية فترة، ثم أجمع قوادها وأمراؤها أمرهم على انتخاب آكتاي بن ~~جنكيز خاقان عليهم في سنة 426ه، فجهز جيشا من 30 ألف مقاتل ~~ولى قيادته إلى شيرماجون وبيدشو لقتال السلطان جلال الدين ~~منكوبرتي ملك الدولة الخوارزمية فقضوا عليه.» # 1 # وكانت الدولة الخوارزمية حاجزا عن البلاد الإسلامية ~~التي سيطر عليها جنكيز وبين الدولة العباسية، فلما سيطروا على ~~الدولة الخوارزمية، سهل عليهم القضاء على أملاك الخلافة العباسية، ~~ويظهر أن المسلمين قد كانوا يعرفون هذا؛ فقد روى ابن تغري بردي «أن ~~بعض الناس دخلوا على السلطان الملك الأشرف موسى صاحب دمشق وهنئوه ~~بمقتل عدوه، منكوبرتي، فقال لهم: «تهنوني وتفرحون، وسوف ترون ~~عنه، والله لتكونن هذه الكسرة سببا لدخول التتر إلى بلاد الإسلام، ~~ما كان الخوارزمي إلا مثل السد الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج».» ~~وهكذا كان؛ فإن مانجو خان (مانكو) الذي خلف آكتاي سنة 649ه جهز ~~جيشين؛ أحدهما بقيادة أخيه كوبلاي لإتمام فتح الصين، والثاني ~~بقيادة أخيه الأصغر هولاكو للقضاء على الإسماعيلية في فارس، ~~والسيطرة على بغداد، فشرع هولاكو يجهز جيشه ويعد العدة ~~ويكاتب الملوك والأمراء المسيحيين وغير المسيحيين من أعداء خلافة ~~بغداد للقضاء على الخليفة. وتمكن هولاكو في سنة 653ه من السيطرة ~~على بلاد الإسماعيلية واحتلال حصنهم «قلعة الموت» في سنة 654ه، ثم ~~كتب إلى الخليفة المستعصم في 9 ربيع الثاني سنة 655ه/21 أيلول سنة ~~1257م رسالة يدعوه فيها إلى الاستسلام والخضوع والحضور إلى حضرته ~~لإعلان ذلك، فلم يهتم بالرسالة كما لم يهتم بأمر الدفاع عن بلاده ~~على الرغم من تحذير وزيره ابن العلقمي له، فسارت جيوش المغول قاصدة ~~العراق حتى طوقت بغداد سنة 656ه، وأراد الخليفة ms092 في تلك الساعة ~~المصالحة والذهاب بنفسه إلى معسكر هولاكو مع أولاده الثلاثة ليسلم ~~إليه بغداد التي أعمل فيها التتر التخريب والفساد مدة أسبوع، على ~~أن يؤمنه على أهله ونفسه بعد أن قدم جواهر الخلافة ونفائس ~~المملكة إلى هولاكو، فأخذ ذلك منه، ولم يمهله إلا عشرة أيام حتى ~~قتله هو وابنه الأكبر في الرابع عشر من صفر سنة 656ه بعد أن كان ~~خرج عن بغداد ومعه الخليفة فقتله في الطريق، رفسا على باب ~~كلواذي. # وقد حل ببغداد من التقتيل وفظائع التتر أمور مخيفة أطنب ~~المؤرخون في وصفها، وإليك موجز ما يقوله السيوطي (في تاريخ ~~الخلفاء، ص363)، عن ذلك، حين يذكر أنه قد قدر عدد من قتل من ~~أهلها في الحصار وبعده ما يقرب من مليون نسمة، ولم يترك هولاكو ~~أحدا من العلماء والأمراء والحجاب وكبار الموظفين والتجار ~~والوجوه والأشراف على قيد الحياة، ولم يسلم من أهل المدينة إلا من ~~اختفى في بئر أو في قناة، وقد انتهبت دورها وقصورها وأرسلت ~~نفائسها إلى أذربيجان، وكان لسقوط بغداد أثر كبير في خضوع أمراء ~~آسيا الغربية مثل بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل والأتابك أبو بكر ~~بن سعد صاحب فارس، وسلاجقة الروم، كما كان من آثار هذا السقوط أن ~~انتقلت الخلافة العباسية إلى مصر. # الفصل الثاني # | مظاهر الانحلال وأسباب السقوط في الدولة # فسدت أمور الدولة العباسية في هذه الفترة فسادا بارزا، وبخاصة ~~في الفترة الأخيرة منها؛ فقد كان الخلفاء منصرفين إلى توافه ~~الأمور، أما تقوية كيان الدولة والتيقظ لما قد يصيبها من بلاء ~~فقد كانوا في معزل عنه، وكان السلاطين السلاجقة هم المفكرون بشئون ~~الدولة والبلاد، وقد عاشت البلاد فترات رخاء وأمن، حين كان ~~السلاجقة أقوياء منصفين، فلما ضعفوا وظلموا فسدت الحالة وعم ~~البلاء إلى أن كانت الكارثة العظمى. ويمكننا إجمال مظاهر الانحلال ~~في الدولة العباسية حين سقوطها بالنقاط الأربع عشرة ~~الآتية: ~~(1) # سقطت مكانة الخليفة في هذه الفترة، وذلت الخلافة ~~ذلا واضحا في أواخر عهد بني بويه، وتسلط على ~~الخلفاء مماليكهم، وعلى رأسهم البساسيري مملوك ms093 بهاء ~~الدولة بن عضد الدولة. وقد صور لنا ابن العميد (في ~~كتابه: تاريخ المسلمين، ص271) نفوذ البساسيري وضعف ~~الخليفة بقوله: «كان قد عظم قدره بالعراق واستفحل، ~~فطار اسمه، وعظمت هيبته، وخافته أمراء العجم، وخطب له ~~على منابر العراق، ولم يبق للملك الرحيم بن بويه، ~~إلا مجرد الاسم، ثم بلغ الخليفة القائم بأمر الله أن ~~البساسيري قصد دار الخلافة للقضاء عليه ... وقد استطاع ~~أن يقضي عليه ويسجنه في قلعة الحديثة، ثم استنجد ~~الخليفة بطغرل بك السلجوقي لطرد البساسيري، فكان له ما ~~أراد، وقد ظن أن سيطرة السلاجقة ستعيد له مكانته، ~~وللخلافة سلطانها، ولكن ظنه خاب؛ فإنهم أعادوا له ~~مظاهر الاحترام، واستبدوا بالأمر دونه، وأقطعوه بعض ~~الأراضي ليستغلها. ~~(2) # لأن السلطان الأجنبي الذي كان يضفي عليها شيئا من ~~المهابة، قد ضعف هو نفسه، وصار الأجناد من ديالمة وكرد ~~لا يسمعون للسلطان البويهي، وقد رأينا أنهم لما أفسدوا ~~بعض قرى الخلافة شكا الخليفة ذلك إلى السلطان جلال ~~الدولة فلم يقدر أن يصنع شيئا لضعفه ، ولما سقطت ~~الدولة البويهية وخلفتها السلجوقية استعاد الخلفاء بعض ~~هيبتهم، حين كان السلاجقة أقوياء، فلما ضعفوا عادت ~~الخلافة من جديد إلى الانحطاط والضعف، وهذا شأن كل من ~~لا يعتمد على نفسه في حماية بلاده، بل ينتظر من الغريب ~~أن يحميها عنه. # ولما ضعف السلاجقة وكان الخلفاء قد لاقوا من ~~المهانة والمذلة ألوانا، عزم أحدهم أن يثور لكرامته ~~ويعيد للخلافة مكانتها بعد ما رآه من تعسف السلاجقة ~~وظلمهم حتى قال المسترشد: # 1 ~~«فوضنا أمورنا إلى آل سلجوق فبغوا علينا، ~~فطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون.» ~~وقد أعلن هذا الخليفة عداءه للسلطان محمد السلجوقي في ~~سنة 520ه، وأخذ الخليفة يقوي نفسه ويعمل على إقصاء ~~السلاجقة من بغداد، وقطع في سنة 529ه الخطبة لمسعود، # 2 # فتحاربا وكان الفوز لمسعود، وأسر ~~الخليفة. ~~(3) # كان من جراء سقوط الهيبة العباسية أن انزوى ~~الخلفاء في قصورهم يعيشون عيشة ترف ودعة، وبالغوا في ~~الاحتجاب عن الناس. ويذكر المستشرق لسترنج # 3 # نقلا عن الرحالة اليهودي توديلا الذي ms094 زار ~~بغداد حوالي سنة 555ه، وكان ذلك في عهد المقتفي أو ~~المستنجد، أن الخليفة كان لا يخرج من قصره إلا مرة ~~واحدة؛ أي ليؤم الناس في صلاة عيد الفطر. ~~(4) # كان الخلفاء لا يستطيعون الوقوف أمام رغبات السلاجقة ~~أو وزرائهم؛ فالسلطان البويهي يعزل وزير الخليفة على ~~الرغم منه، لا لشيء إلا تنفيذا لرغبة عميد الدولة ~~البويهي، كما أنه عزل وزيره أبا شجاع تنفيذا لرغبة ملكشاه؛ # 4 # بل إن ملكشاه صمم على طرد هذا الخليفة ~~نفسه من بغداد سنة 485ه لأنه رأى منه ميلا إلى التدخل ~~في أمور الدخل، فبعث إليه من يقول له: «لا بد أن تترك ~~لي بغداد، وتذهب إلى أي بلد شئت، فانزعج الخليفة ~~وقال: أمهلني ولو شهرا. فقال: ولا ساعة واحدة. فأرسل ~~الخليفة إلى وزير السلطان يطلب المهلة إلى عشرة أيام، ~~فاتفق أن مرض السلطان ومات، وعد ذلك كرامة للخليفة.» # 5 ~~(5) # كان انحلال ~~الدولة السلجوقية مؤذنا بسقوط الخلافة العباسية؛ لأن ~~ضعف السلاطين، جعل الدولة العباسية مطمعا للأجانب من ~~شرقيين وغربيين، فاستطاع الصليبيون أن يسيطروا على ~~الشام، ويوطدوا أقدامهم فيه، واستطاع التركستانيون ~~(الخطا) أن يسيطروا على الممالك الإسلامية في بلاد ما ~~وراء النهر، وقد حسب الخلفاء أن زوال سلطة السلاجقة ~~يعيد إليهم سلطانهم، فلما زالوا لم تعد سلطتهم ~~وتسلط عليهم الخوارزميون الذين ورثوا أملاك السلاجقة ~~في المشرق، ولا شك في أن الناصر العباسي قد أخطأ خطأ ~~كبيرا حينما استنجد بخوارزمشاه تكش للقضاء على عدوه ~~طغرل بك السلجوقي، ووقع الخلفاء من جديد تحت سلطان ~~الخوارزمية، فعاد الخصام والتنافس من جديد بين الخلفاء ~~والخوارزمية، ولم ينته ذلك التنافس إلا بهلاك الطرفين ~~على يد التتر. ~~(6) # كان من نتائج ضعف الخلافة والسلطنة أن قويت جهود ~~الإسماعيلية والباطنية عموما في فرض سلطانهم والعمل ~~على تقويض أركان الخلافة العباسية، ولقد لعب الخلفاء ~~الفاطميون في مصر دورا كبيرا في نشر الإسماعيلية، ~~كما سنرى ذلك، وقد كان هذا أحد الأسباب التي أدت إلى ~~سقوط الدولة. ~~(7) # كان من نتائج ~~ضعف الخلافة والسلطنة أن تقوى الصليبيون وسيطروا على ~~بلاد ms095 الشام وعلى جزء من بلاد مصر، ووطدوا أقدامهم في ~~تلك البلاد حتى مكن الله لصلاح الدين الأيوبي أن ~~يقضي عليهم ويقضي على الفاطميين ويعيد للخلافة ~~الإسلامية بعض هيبتها. ~~(8) # كان من نتائج انخذال العرب وبعدهم عن الدولة، ~~وانحلال العصبية العربية، وسيطرة الأعاجم أن سارت في ~~طريق السقوط. يقول ابن خلدون (في المقدمة، ص183): ~~«وهذا ما وقع لبني العباس؛ فإن عصبية العرب كانت فسدت ~~بعد دولة المعتصم وابنه الواثق، واستظهارهم بعد ذلك، ~~إنما كان بالموالي من العجم والترك والديلم والسلجوقية ~~وغيرهم، ثم تغلب العجم الأولياء على النواحي وتقلص ظل ~~الدولة، فلم تكن تعدو أعمال بغداد، حتى زحف إليها ~~الديلم وملكوها، ثم صار حكمهم ثم انقرض أمرهم، وزحف ~~أخيرا التتر، فقتلوا الخليفة ومحوا اسم الدولة.» وهذه ~~نظرة صادقة؛ فإن تخلي الخلفاء عن عصبيتهم واعتمادهم ~~على هؤلاء الدخلاء، قد أفسد دولتهم ثم قضى عليها. وإذا ~~قارنا هذا الوضع المخزي للعرب يوم سقوط بغداد بالوضع ~~الذي كانوا عليه حينما سار الرسول # صلى الله عليه وسلم # وخلفاؤه من ~~راشدين وأمويين إلى غزو العالم وفتحه، تبينا أي ذل ~~حاق بهم، وأي سقوط خلقي واجتماعي وصلوا إليه، # إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ~~، وصدق الله فإن الأرض لله ~~يرثها عباده الصالحون. ~~(9) # كان لجهل المستعصم وسوء إدارته وتقريبه الجهال ~~والفسقة أثر فعال في سقوط الدولة، وقد وصف لنا صاحب ~~الفخري أحوال سقوط بغداد، وتحذير ابن العلقمي للمستعصم ~~من الاستمرار في غيه، فقال: «كان المستعصم رجلا ~~خيرا متدينا، لين الجانب لين العريكة عفيف ~~اللسان ... إلا أنه كان مستضعف الرأي، ضعيف البطش، قليل ~~الخبرة بأمور المملكة، مطموعا فيه، غير مهيب في ~~النفوس، ولا مطلع على حقائق الأمور، وكان زمانه ~~ينقضي أكثره بسماع الأغاني والتفرج على المساخر، وبعض ~~الأوقات يجلس بخزانة الكتب جلوسا ليس فيه كبير فائدة، ~~وكان أصحابه مستولية عليه، وكلهم جهال من أرذال ~~القوم إلا وزيره مؤيد الدين محمد بن العلقمي فإنه كان ~~من أعيان الناس وعقلاء الرجال، وكان مكتوف اليد مردود ~~القول يترقب العزل صباح ms096 مساء ... وفي أواخر أيامه، قويت ~~الأراجيف بوصول عسكر المغول صحبة هولاكو فلم يحرك منه ~~عزما، ولم ينبه منه همة، ولا أحدث عنده هما، ~~وكان كلما سمع عن السلطان من الاحتياط والاستعداد شيء، ~~ظهر من الخليفة نقيضه من التفريط والإهمال، ولم يكن ~~يتصور حقيقة الحال في ذلك، ولا يعرف هذه الدولة.» فإذا ~~كان هذا وضع الخليفة ورجاله، فالسقوط أمر طبيعي جدا ~~ومفهوم. ~~(10) # كان لانقسام الأمة وتجزيء سكانها واختلاف وجهة نظر ~~كل من سكانها من عرب وترك وديلم وروم وأحباش وفرس ~~ونصارى ويهود، قد كان كالسوس ينخر في جسم الإمبراطورية ~~حتى انهارت وهوت هذا الهوى الفظيع. ~~(11) # كان سوء إدارة الخلفاء العباسيين المالية والإدارية ~~وضياع العدل، وسيطرة الظالمين والأشرار والأوباش وسوء ~~معاملة أهل الذمة، وفقدان الوازع الخلقي والديني سببا ~~قويا في الانحلال، فالسقوط. ~~(12) # كان لتقوي الفرق العقائدية الهدامة، من قرامطة ~~وباطنية، وغلاة من كل قبيل، وتقاتل هؤلاء الفرقاء ~~بالأقلام والسيوف، وعمل كل واحد على تهديم خصمه بكل ~~الطرق، ولو بالاستعانة بالأجنبي، تأثير قوي في ضعضعة ~~الدولة وسقوطها. ~~(13) # كان لفساد الأسرة والبيت العربيين، بانتشار الجواري ~~والسريات والغلمان والخصيان، أثر قوي في تقويض ~~معنويات الأمة الخلقية، ومقوماتها الاجتماعية، وتقويض ~~هذه المعنويات والمقومات من أجل أسباب ~~السقوط. ~~(14) # كان لاضطراب الأحوال الاقتصادية وفساد أمور الزراعة، ~~وكثرة الضرائب، وكثرة المصادرات، وانتشار الفقر والبؤس ~~يد قوية في تهديم الدولة والعمل على سقوطها. # الفصل الثالث # | في نتائج الانحلال وظهور دول جديدة # هي: (1) دولة السلاجقة. (2) دولة الخوارزمية. (3) دولة ~~الأتابكية. ~~*** ~~(1) دولة السلاجقة # ينتسب السلاجقة إلى سلجوق بن دقاق (تقاق أو أديقاق) # 1 # أحد رؤساء التركمان (الغز) الساكنين سهول تركستان ~~فيما وراء النهر، وكان ذا طموح فتقرب من ملوك السامانيين، ~~وأخذ قدره يسمو، حتى هابه الأتراك وقربه السامانيون وبخاصة ~~بعد أن اتخذ مدينته مستقرا، ولما مات خلف ثلاثة أولاد، ~~ميكائيل وموسى وأرسلان، فأخذوا يوسعون رقعة بلادهم ويعظم ~~سلطانهم إلى أن هلكوا، فبرز أولاد ميكائيل وهم: بيغو، وطغرل ~~بك، وجفري بك، ولما انقرضت الدولة السامانية سنة 389ه طمعوا في ~~الاستيلاء على أراضيها، فأخذوا يحتلون ms097 بعض بقاعها وعظم ملكهم، ~~واستطاع طغرل بك أن يستولي على خراسان. وفي سنة 429ه استولى ~~على مرو، ونيسابور، وبلخ، وجرجان، وطبرستان، وخوارزم، وهمذان، ~~والري، وأصفهان، وتخاذل بنو بويه أمامه، ولمع اسم السلاجقة في ~~العالم الإسلامي. ولما ثار البساسيري أبو الحارث أرسلان على ~~الخليفة، رأى هذا أن يستنجد بطغرل بك لإنقاذه فكتب إليه طغرل ~~بك يلبي رغبته، ويظهر له العبودية والطاعة، ودخل طغرل بغداد، ~~وخطب له في جوامعها يوم الجمعة في 22 محرم، وقبض على الملك ~~الرحيم البويهي وقضى على آل بويه، وأخذ أمر السلاجقة يسمو حتى ~~سيطروا على العراق والمشرق كله. ولما مات طغرل بك خلفه ألب ~~أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل، وكان حازما عاقلا مدبرا ~~استطاع أن يوسع حدود المملكة الإسلامية على حساب الدولة ~~الرومانية الشرقية، وامتدت أملاكه من أقصى الشرق إلى جزيرة ~~العرب وإلى بحر مرمرة بعد أن هزم الإمبراطور البيزنطي رومانوس ~~وأسره في موقعة ملاذكرد سنة 464ه، ولم تقم للروم بعدها قائمة. ~~وكان عهد ألب أرسلان عهد عز ورخاء وعلم، بفضل حزمه وإدارة ~~وزيره العالم العظيم نظام الملك الطوسي مؤسس المدارس النظامية # 2 # ومدبر الدولة، واستمرت الدولة في السمو أيام هذين ~~العاقلين، إلى أن مات ألب أرسلان وخلفه ابنه أبو الفتح ملكشاه، ~~فظل نظام الملك يدير الدولة، وقيض الله إتمام الفتوح والقضاء ~~على الباطنية. بلغت الدولة في عهد ملكشاه أقصى حدود الصين في ~~الشرق وبلاد الشام والجزيرة العربية وبلاد الروم إلى بلاد ~~جورجيا، وكان يعين نظام الملك أيضا في تدبيره فاضلان آخران ~~هما: كمال الدولة أبو الرضى فضل الله بن محمد صاحب ديوان ~~الإنشاء والطغراء، ومشرف الملك أبو سعيد محمد بن منصور صاحب ~~ديوان الذمام والاستيفاء، وكلاهما حازم مدبر داهية جواد، ~~ولما مات ملكشاه أخذت الأمور تضطرب بعض الاضطراب لاختلاف أولاد ~~ملكشاه الأربعة، واشتداد أمر الباطنية، فانقسمت الدولة إلى ~~دويلات عرفت بدول الأتابكية. # بعد موت ملكشاه وانقسام أولاده، تجزأت الإمبراطورية ~~السلجوقية إلى أربعة فروع سلجوقية، وهي: ~~(1) # سلاجقة العراق وفارس. ~~(2) # سلاجقة سورية في حلب ودمشق. ~~(3) # سلاجقة كرمان. ms098 ~~(4) # سلاجقة الروم في آسيا الصغرى. # وذلك بعد أن مرت بعهود ثلاثة. ~~(1-1) العهد الأول، عقب موت ملكشاه # فقد مات ملكشاه وله أربعة أولاد هم: بركياروق وله «12 ~~سنة» ومحمد وله «11 سنة ونصف» وسنجر وله «8 سنوات»، ومحمود ~~وله «4 سنوات»، وكان لكل واحد من هؤلاء الأبناء أم ~~مختلفة وحاشية تعمل على أن يتولى هو السلطنة، فوقع الخلاف ~~بينهم وتوسعت شقة الفتنة بين الأطراف، ويظهر أن جماعة ~~بركياروق كانوا أقوى، فاستطاعوا أن يسيطروا أول الأمر، ثم ~~تغلبت جماعة محمد إلى أن هلك بركياروق سنة 498ه فتولى بعده ~~ابن ملكشاه الثاني ووقعت الفتنة من جديد بين محمد وابن ~~أخيه، فانتصر محمد بعد حروب دامت أكثر من ثلاثة عشر ~~عاما، ضعف فيها الشرق الإسلامي أمام الصليبيين في الخارج ~~والإسماعيليين في الداخل. ~~(1-2) العهد الثاني # مات محمد في سنة 511ه/1117م وكان قد عهد بالأمر بعده ~~لابنه محمود، فثار عمه سنجر عليه ووقعت بين الجانبين ~~معارك، انتهت بتصالحهما واقتسام أجزاء المملكة، ولم تكن ~~سيطرتهم على بلاد الشام إلا سيطرة اسمية، فتمكن ~~الصليبيون من انتزاعها من أيديهم، وكونوا فيها إمارات ~~صليبية أربع في بيت المقدس، وأنطاكية، وطرابلس، والرها، ~~ولم يبق بيد المسلمين سوى دمشق ومصر، أما آسيا الصغرى فقد ~~انفصلت تماما، وتكونت فيها أسرة مستقلة، وكذلك حال ~~الجزيرة وفارس وأذربيجان وديار بكر. ~~(1-3) العهد الثالث # مات محمود سنة 525ه/1130م فانقسم السلاجقة ثلاثة أقسام؛ ~~«الأول» على رأسه داود بن محمود الذي نودي به بعد أبيه. ~~«الثاني» على رأسه الأخوان مسعود وسلجوق شاه ابنا ملكشاه. ~~«الثالث» بقيادة طغرل بك بن محمود وعمه سنجر، وقد وقعت ~~عدة معارك بين كل من الأقسام، إلى أن استقر مسعود على ~~العرش سنة 532ه/1137م وهو آخر سلطان سلجوقي قوي، ولما مات ~~سنة 547ه/1152م أخذت الأسرة السلجوقية في السقوط، فوجدها ~~الخوارزميون لقمة سائغة للازدراد. ~~(2) الدولة الخوارزمية # تنتسب هذه الدولة إلى القائد التركي «توشتكين» أحد رجال ~~ملكشاه السلجوقي، وكان لتوشتكين هذا ولد اسمه قطب الدين محمد، ~~وعرف بالإدارة والعلم والعقل، فعهد إليه بركياروق السلجوقي ms099 ~~بإقليم خوارزم ولقبه خوارزمشاه، ولما أخذت الدولة السلجوقية ~~في الانهيار بعد موت ملكشاه وتفرق رجالها، أخذ قطب الدين ~~خوارزمشاه يطمع في الاستقلال بولايته وتوسيع رقعتها، ولكن لم ~~يبدأ التوسيع الفعلي إلا في عهد ابنه أتسز بن خوارزمشاه حينما ~~أعلن أتسز عصيانه على سنجر السلجوقي، فقدم هذا عليه في سنة ~~533ه وفرق شمله ووطد نفوذه في خوارزم وولى ~~عليها غياث الدولة سلمان ~~شاه ابن أخيه محمد. فأخذ أتسز يجمع جموعه وهاجم غياث الدين ~~فأخرجه من خوارزم، ثم تحالف هو وملك بلاد الخطا على محاربة ~~سنجر، فاستطاعوا أن يفتكوا بالجيش السنجري في سنة 536ه/1141م ~~ويستولوا على بلاد ما وراء النهر، # 3 # وعلى مرو عاصمة سنجر، ثم تمكن سنجر من إخراجهم ~~منها صلحا، ثم وقعت الحرب من جديد بينهم، ولم تقتصر الحرب بين ~~السلجوقية والخوارزمية على السيف بل تعدتها إلى القلم، فكان ~~لكل فريق شعراؤه وأدباؤه الذين يهاجمون الفريق الآخر، # 4 # ثم رجحت كفة الخوارزمية على أيام «إيل أرسلان بن ~~أتسز» الذي أخذ يفتك بالسلاجقة، ولما مات إيل أرسلان سنة ~~562ه/1172م تولى العرش ابنه سلطان شاه محمود، بمساعدة أمه التي ~~أقصت ابن إيل أرسلان الأكبر وهو علاء الدين تكش، فسار علاء ~~الدين وطرد أخاه، ووقعت بين الأخوين فتن انتهت باستقرار علاء ~~الدين وسيطرته على المملكة وتوسيعها حتى بلغت أخباره مسامع ~~الخليفة الناصر لدين الله العباسي، فأراد الاستعانة به على ~~طرد ملك آخر سلجوقي في العراق وهو طغرل بك، وكانت هذه ~~الفرصة مواتية لأغراض تكش، فجيش جيشا والتقى بالسلاجقة قرب ~~الري في سنة 590ه/1193م وانتصر عليهم. وهكذا سيطر تكش على ~~ملك سلاجقة العراق، ثم على همذان وأصفهان والري ورجع إلى ~~خوارزم يوطد فيها أركان دولته، ويعمل على توسيعها، فحارب ~~بلاد «الخطا» واستولى على إحدى مدنهم الكبرى، وهي بخارى سنة ~~594ه/1197م، وحارب الإسماعيلية وفتك بهم في سنة 593ه/1196م ~~وسيطر على قلعتهم «الموت» عاصمتهم. # ولما مات في سنة 596ه/1199م وخلفه ابنه قطب الدين محمد الذي ~~ترك لقبه، وتلقب بلقب أبيه علاء الدين، وسار على خطته في ms100 ~~الغزو والفتح، على الرغم من تألب المجاورين عليه مثل شهاب ~~الدين ملك الدولة الغورية، واستطاع في سنة 602ه/1205م أن يقطع ~~مدينتي بلخ وهراة عن الدولة الغورية. وفي سنة 606ه/1209م سيطر ~~على بلاد ما وراء النهر، وفي سنة 611ه/1214م سيطر على كرمان ~~ومكران وسواحل المحيط الهندي والبلاد الواقعة غربي نهر السند. ~~وفي سنة 612ه/1215م أحاط بغزنة عاصمة الدولة الغورية، فاضطر ~~صاحبها «قتلغ تكين» أن يخطب وده ويضرب السكة باسمه. ومما هو ~~جدير بالذكر أن علاء الدين قد عثر أثناء ~~احتلاله لغزنة على رسائل ~~كان الخليفة الناصر بعث بها إلى الغوريين لمعاونته على الفتك ~~بالخوارزمية، فكانت هذه الرسائل سببا في سنة 614ه/1217م لبعض ~~الحملات على بلاد الخليفة فسار يريد العراق، ولكنه لم يتمكن ~~من إتمام حملته، لما بلغه من قيام الخطر المغولي، فرجع إلى ~~عاصمته لاتخاذ الاحتياطات الضرورية. # ولما مات علاء الدين سنة 617ه تولى الأمر بعده ابنه جلال ~~منكوبرتي، فاستمر إلى سنة 628ه حين حاربه التتر وقضوا على ~~الدولة الخوارزمية. ~~(3) دولة الأتابكية والشاهات # هي عدة دول زاحمت الدولة السلجوقية، وسميت بهذا الاسم لا ~~لنسبتها إلى بيت واحد أو إلى أتابك # 5 # واحد، ولكنها كانت متصلة بالبيت السلجوقي بصلة ~~«الأتابكية» نسبة إلى «الأتابك» ومعناه الأمير الوالد، وهو كل ~~من يربي الملك ويهتم بتدبير شئونه، فكان آل سلجوق كلما برز ~~شخص عظيم من مربي رجالات أسرتهم سموه «أتابكا» تكرمة له ~~وتعظيما، وقد استطاع هؤلاء الأتابكية أن يصلوا إلى الولايات ~~والإمارات ثم تمكنوا أن يستقلوا بولاياتهم وإماراتهم ~~وأورثوها أبناءهم من بعدهم، أما «الشاهات» فمفردها «شاه» ~~ومعناه الأمير، وقد أطلقه السلاجقة على من كان مولى لهم ثم ~~ولوه بعض الولايات فعظم سلطانه فيها واستقل عنها. # و«الأتابكية» ~~و«الشاهات» حكموا مناطق مختلفة وأسسوا دويلات متعددة انفصلت عن ~~الدولة السلجوقية؛ فقد كان الأمير السلجوقي إذا ولي إمارة ~~استصحب معه مربيه، فكان ذلك المربي هو صاحب النفوذ الفعلي ~~للدولة، وربما عمل لحسابه الخاص، منفصلا عن سياسة سلاجقة ~~بغداد، ولما مات ملكشاه، استقل كل أمير بما تحت يده، سواء أكان ms101 ~~ذلك إقليما أو بلدة، وتسابقوا للإغارة على جيرانهم، فاشتبكوا ~~ببعضهم وانتهزت القبائل التركية هذه الفرصة، فأخذت تغير على ~~سهول آسية العربية. وفيما يلي إلماع إلى هذه الدويلات: ~~(3-1) دويلة الشاهات الأرتقية # تنتسب هذه الدويلة ~~إلى أرتق بن أكسب التركماني، أحد مماليك ملكشاه وقواده، ~~وقد استطاع معين الدولة سقمان بن أرتق أن يستولي على حصن ~~كيفا سنة 495ه، ويستقل بها في عهد بركياروق، ثم ضم إلى ~~دولته مدينة ماردين وما إليها، وفي سنة 502ه انقسمت هذه ~~الدويلة إلى مملكتين؛ إحداهما بالحصن والأخرى بماردين، أما ~~مملكة الحصن فاستمرت إلى سنة 620ه وانتهت على يد ~~الأيوبيين، وأما مملكة ماردين فاستمرت إلى سنة 811ه، أي ~~بعد ظهور المملكة العثمانية بمائة وإحدى عشرة سنة، على يد ~~دولة القره قيونلي. ومما يجب ذكره أن وجود هذه الدولة في ~~هذا الحيز الجغرافي الحساس الذي كانت عنده كان من العوامل ~~التي أضعفت وحدة المسلمين بسبب كثرة ما وقع بشأنها من ~~منازعات. ~~(أ) سلسلة ملوك ماردين # نجم الدين غازي بن أرتق 502-516ه. # حسام الدين تيمور تاس بن غازي سنة ~~547ه. # نجم الدين ألبي بن تيمور ناس سنة ~~517ه. # قطب الدين غازي بن ألبي سنة 580ه. # حسام الدين يوسف بن أرسلان سنة 597ه. # ناصر الدين أرتق أرسلان بن غازي سنة ~~637ه. # نجم الدين غازي بن أرتق أرسلان سنة ~~658ه. # قره أرسلان بن غازي سنة 661ه. # داود بن قره أرسلان سنة 693ه. # غازي بن قره أرسلان سنة 712ه. # صالح بن غازي سنة 765ه. # أحمد بن صالح سنة 769ه. # محمود بن أحمد سنة 769ه. # داود بن صالح سنة 778ه. # عيسى بن داود سنة 809ه. # صالح بن داود سنة 811-908ه. ~~(ب) سلسلة ملوك حصن كيفا # معين الدين سقمان بن أرتق سنة ~~495-498ه. # إبراهيم بن سقمان سنة 502ه. # ركن الدين داود بن سقمان سنة 543ه. # فخر الدين قره أرسلان سنة 570ه. # نور الدين محمد بن أرسلان سنة 581ه. # قطب الدين سقمان بن محمد سنة 597ه. # ناصر الدين محمود بن محمد سنة 619ه. # ركن الدين ms102 مودود بن محمود سنة 620ه. ~~(3-2) دويلة أتابكية دمشق (497-549ه/1103-1154م) # أسسها طغتكين ~~مملوك تتش بن ألب أرسلان والي دمشق عندما توفي ملكشاه، # 6 # وقد امتد نفوذه إلى حلب والجزيرة وديار بكر ~~وأذربيجان وهمذان، وأقيمت له الخطبة في بغداد، وقد استمرت ~~هذه الدولة إلى أن قضي عليها سنة 549ه بزعامة نور الدين ~~محمود بن زنكي، ثم انتقلت إلى الأيوبيين فوليها الملك ~~الأفضل في حياة صلاح الدين ثم الملك العادل. ~~(3-3) دولة أتابكية الموصل (516-660ه/1122-1262م) # كانت هذه أعظم دول ~~الأتابكية؛ فقد امتد سلطانها مما بين النهرين إلى بلاد ~~الشام، ومؤسسها هو عماد الدين زنكي بن آق سنقر، وكان ~~أبوه أحد مماليك ملكشاه، فلما تولى ملكشاه السلطنة كان ~~لآق سنقر قدر رفيع في الدولة فسماه قسيم الدولة، وأقطعه ~~حلب، وأعمالها، وحماة ومنبج واللاذقية وتكريت إلى أن قتله ~~تتش السلجوقي في سنة 487ه، فلما قتل تتش في سنة 488ه ~~تمكن عماد الدين زنكي بن آق سنقر من استرجاع مملكة أبيه، ~~ولمع نجمه فسيطر على واسط والبصرة بالإضافة إلى مملكته في ~~الموصل والجزيرة ونصيبين، ولما استفحل أمر الصليبيين في ~~سورية، ولم يبق بأيدي المسلمين فيها سوى حمص وحماة ودمشق، ~~تطلع المسلمون إلى عماد الدين لإنقاذهم من براثن ~~الصليبيين، فتمكن من استرداد حلب في سنة 522ه كما استولى ~~على حماة، وظلت الحروب بينه وبين الصليبيين إلى أن قتل ~~سنة 541ه/1146م، وكان من أهدافه أن يسلط أصحاب الأطراف على ~~السلطان مسعود السلجوقي ليصفو له الجو في مملكته ويتمكن ~~من إتمام حروبه مع الصليبيين، واستطاع أن يستولي على الرها ~~وينقذها من الصليبيين سنة 539ه/1144م، وكان استيلاؤه عليها ~~فوزا كبيرا للمسلمين؛ لأن سقوطها كان بداية نهاية النفوذ ~~الصليبي في المشرق كما يقول «باركر» # 7 # وقد حاول عماد الدين أن يستولي على دمشق، ولكن ~~الصليبيين كانوا يعينون أتابكة دمشق عليه فيرتد عنها فاشلا # 8 # إلى أن تمكن من الاستيلاء عليها سنة ~~549ه/1154م. ولما مات عماد الدين خلفه ابنه سيف الدين غازي ~~على القسم الشرقي من المملكة، واتخذ الموصل مقرا له، ms103 كما ~~خلفه ابنه نور الدين محمود على القسم الغربي واتخذ مدينة ~~حلب مقرا له، واتفق الأخوان على محاربة الصليبيين ~~فحارباهم بعنف إلى أن تمكن صلاح الدين من الاستيلاء على ~~الدولة الأتابكية وضم شملها إلى دولته. ~~(3-4) دولة أتابكية سنجار (566-617ه/1170-1220م) # أسس هذه الأتابكية عماد الدين زنكي الثاني ~~بن قطب الدين مودود من 566ه إلى 594ه في الموصل، ولما مات ~~خلفه ابنه قطب الدين محمد، وظل من سنة 594ه إلى 616ه، ثم ~~خلفه ابنه شاهنشاه، وقد استمرت دولته إلى سنة 617ه حين ~~استولى عليها الأيوبيون في عهد الملك الأشرف موسى ~~بن أيوب. ~~(3-5) دولة أتابكية الجزيرة (576-648ه/1180-1250م) # ابتدأت في سنة 576ه بوفاة سيف الدين غازي بن مودود صاحب ~~الموصل؛ فإن بلاده انقسمت بين ولديه؛ عز الدين مسعود ملك ~~الموصل، وسنجر شاه ملك جزيرة ابن عمر، وقد استمرت هذه ~~الأتابكية إلى أن أخذها الأيوبيون سنة 648ه. ~~(3-6) دولة أتابكية الإربل (539-630ه/1144-1232م) # أسسها زين الدين علي بن بكتكين أحد مماليك عماد الدين ~~زنكي، لما عينه حاكما على الموصل سنة 539ه/1144م، وفي ~~سنة 544ه ضم إلى مملكته سنجار وحران وإربل، إلا أنه تنازل ~~عن أملاكه كلها لسيده، ولم يبق له إلا إربل، فحكمها هو ~~وأبناؤه من بعده حتى أخضعها المغول. ~~(3-7) دولة أتابكية أرمينية (493-604ه/1100-1207م) # أسسها سقمان القطبي مملوك قطب الدين إسماعيل السلجوقي ~~سنة 493ه في بلدة «مرند» من بلاد أذربيجان، وامتد سلطان ~~سقمان إلى «خلاط»، فجعلها عاصمة ملكه، وقد تعاقب عليها ~~أبناؤه إلى أن آلت في سنة 604ه إلى الملك الأوحد نجم الدين ~~أيوب ابن الملك العادل الأيوبي إلى أن استولى عليها ~~الخوارزميون ثم استولى عليها المغول. ~~(3-8) دولة أتابكية أذربيجان (531-622ه/1136-1225م) # أسسها إيل ركز مملوك السلطان مسعود السلجوقي حين ~~ولاه على إقليم الران شمال أذربيجان سنة 531ه، ثم أخذ ~~يوسع ملكه حتى استولى على جميع أذربيجان وبلاد الجبل ~~وهمدان وأصفهان والري وتغليس ومكران، ولما مات سنة 568ه ~~خلفه أبناؤه إلى سنة 622ه حين استولى عليها هولاكو، ويظهر ~~أن مناعة هذه البلاد قد ms104 جعلت هولاكو يتخذها مستودعا ~~للأسلاب والنفائس التي سطا عليها في فتوحاته. ~~(3-9) دولة أتابكية فارس (543-686ه/1148-1287م) # أسسها سنقر بن مودود بن سلغر التركماني في شيراز سنة ~~543ه، وامتد نفوذها إلى كرمان وأصفهان والعراق العجمي في ~~عهد سعد بن زنكي بن سنقر، ثم خضعت لجنكيز خان، فلم يفسدها ~~ولم يعمل فيها تخريبا كما فعل في غيرها من المناطق ~~الإسلامية. # الفصل الرابع # | أحوال البلاد الداخلية # (1) الخلافة # أصبحت الخلافة في هذا العهد رئاسة دينية تشريفية! وقد انزوى ~~الخلفاء في قصورهم يحاولون استعادة مكانتهم الدينية ~~والاجتماعية، وتعاقب على الخلافة خلفاء انصرفوا إلى إقامة ~~الشعائر الإسلامية وحماية تعاليمه، إلى أن قضى هولاكو عليهم ~~وقتل آخرهم، فوجم المسلمون في أرجاء الإمبراطورية الإسلامية ~~حتى اعتقد فريق بدنو يوم القيامة، وصاروا ينظرون إلى كل حدث ~~رهيب أنه سخط من الله، وأن خلو العالم الإسلامي من خليفة ~~دليل على سوء المصير، وأنه لا بد لهم من خليفة يحمي الإسلام، ~~إلى أن كانت سنة 658ه وتولى الملك الظاهر بيبرس سلطة مصر، ~~فاستقدم الإمام أحمد بن الإمام الظاهر بالله العباسي أحد من ~~نجوا من مذابح المغول، واستقبله بمظاهر الإجلال، وبايعه هو ~~والعلماء والأمراء والعظماء بالخلافة، وتلقب بالمستنصر ~~بالله. واستمرت الخلافة العباسية في مصر إلى أن قضى عليها ~~السلطان سليم العثماني. ~~(2) الوزارة # من الأمور الغريبة التي يلاحظها المرء أن أكثر الوزراء في ~~هذا العهد، سواء أكانوا وزراء الخليفة أو وزراء السلطان، كانوا ~~من خيرة الناس خلقا ودينا وإصلاحا وتعميرا. # فمن وزراء الخلفاء: ابن جهير فخر الدولة محمد بن محمد، وكان ~~من عقلاء الرجال ودهاتهم، أرسله القائم بأمر الله إلى ملك ~~الروم، فأحسن الرسالة، ولما عزل وأعيد ثانية فرح الناس ~~بعودته فرحا شديدا، ويقال أن سقاء ذبح ثورا له لم يكن ~~يملك غيره، وتصدق بلحمه، فأعطاه الوزير بغلا بآلته، وأعطاه ~~شيئا من الذهب. # 1 # ومنهم ابنه عميد الدولة محمد بن محمد بن محمد ~~بن جهير وزير القائم والمقتدي، وكان رجلا فاضلا حصيفا، وكان ~~نظام الملك وزير السلطان يعجب منه ويقول وددت أني ولدت ms105 مثله، ~~ثم زوجه ابنته واستوزره المقتدي وفوض إليه الأمور، ثم عزله ~~الخليفة فشفع له نظام الملك وأعاده. # ومنهم أبو علي الحسن بن علي بن صدقة، وكان فاضلا نحريرا ~~عالما بشئون القوانين، لقبه الخليفة المسترشد بجلال الدين، ~~سيد الوزراء، صدر الشرق والغرب ظهير أمير المؤمنين، وكانت له ~~معرفة بالحساب وأعمال السواد، ومنهم نقيب النقباء علي بن طبرزد ~~الزيبي، وكان فاضلا مشرعا عالما بالقوانين وأسباب الرئاسة، ~~ومنهم الوزير العالم الجليل مؤيد الدين محمد بن محمد العلقمي، ~~وكان أديبا بارعا راوية فاضلا خطاطا، وقد أطنب ابن طباطبا ~~في مديحه وقال: «اتهمه الناس بأنه خامر، وليس ذلك بصحيح، ومن ~~أقوى الأدلة على عدم مخامرته سلامته في هذه الدولة؛ فإن ~~السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة سلم البلد إلى ~~الوزير وأحسن إليه، وحكمه، فلو كان خامر على الخليفة لما وقع ~~الوثوق إليه.» # 2 # ومن وزراء السلاطين: نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق ~~الطوسي (سنة 485ه)، وكان وزيرا حازما عالي الهمة مدبرا ~~برع في الآداب العربية والفارسية وألف فيهما وسمع الحديث ~~النبوي، وكان ألب أرسلان لا يقطع أمرا دون رأيه، ولما مات ~~وتسلطن ملكشاه صار نظام الملك كأنه السلطان، فأقام على تدبير ~~الدولة عشرين سنة، وكان من حسنات الدهر، فهو أول من أسس ~~المدارس في الإسلام وبغداد والمشرق وأجرى الجرايات على الفقهاء ~~والمتصوفة، وأسقط في زمانه كثيرا من الضرائب الجائرة، وهو ~~الذي أزال لعن الأشاعرة ومنع سب عقيدتهم من المنابر، وكان ~~عميد الملك الكندري قد حسن للسلطان طغرل بك أن يلعن ~~الأشعرية، وهو الذي فتك بالباطنية وأفسد دسائسهم وأمورهم إلى ~~أن قتلوه قرب نهاوند. # ومنهم عميد الملك محمد بن منصور الكندري أول وزراء الدولة ~~السلجوقية استوزره طغرل بك، وكان فصيحا باللغتين العربية ~~والفارسية، ذا ثقافة واسعة وعلم وأدب ونبل، وكان يقوم بالترجمة ~~بين الخليفة والسلطان. # ومنهم كمال الدين محمد بن الخازن الرازي # 3 # وزير السلطان غياث الدين مسعود، وكان من أحسن ~~الوزراء تدبيرا وعقلا، وقد اطمأنت البلاد في عهده ~~وهدأت. # والحق أن وزراء السلاطين ms106 الأول، كانوا من خير الناس، فلما ~~هلك ملكشاه واضطرب أمر الأسرة السلجوقية بعده، فسدت الأمور، ~~وكان من توابع هذا الفساد أن الوزارة قد انحطت، وإليك ما يقول ~~بعض الكتاب عن حق السلطان محمد: «قد كثر تعجبي من السلطان ~~يتأنق في تخير كلاب الصيد وفهوده، وإنما يقتني منها ما يراه ~~موافقا لمقصوده، فيسأل عن فروعه وأصوله وانقطاعه ووصوله، فما ~~باله لا يتخير لإيوانه ومراتب سلطانه من الكفاة الأفاضل ~~والصدور الأماثل!» ~~(3) أحوال الباطنية # نظم الإسماعيليون، الذين عرفنا أمرهم فيما مضى، طريقة سرية ~~للدعوة إلى مذهبهم في أرجاء العالم الإسلامي، وقد كانت هذه ~~الطريقة تعتمد على كثير من الأسرار والأمور المحجوبة، وتفسير ~~القرآن الكريم والآثار الإسلامية تفسيرات لا تعتمد على ظواهر ~~النصوص، بل على الباطن، والمجازات، والاستعارات، والكنايات، ~~وزعموا أن كثيرا من هذه النصوص لا تفهم إلا بالمعلومات ~~المكتومة التي تناقلها الخلف عن السلف عن الأئمة، وأنها لا ~~تعطى إلا لمن يقسم على أن يحفظ في باطنه؛ لأن في هذه ~~العقيدة تعاليم لا يجيزها عامة المسلمين، وأفكارا تخالف ما ~~أجمع عليه أهل السنة والجماعة، كفكرة حلول الألوهية في ~~«إسماعيل»، وانتظار رجعته مهديا، وفكرة تناسخ الأرواح، وفكرة ~~نشوء الكون متجليا عن ذات الله سبحانه، وفكرة المراتب السبعة ~~أو التسعة التي يتدرج فيها المريد حتى يصل إلى درجة الكمال ~~المطلق، وغير ذلك من الأفكار التي ينبغي أن تظل طي الكتمان، ~~ولا يطلع على أسرارها وبواطن دقائقها إلا المخصوصون ~~المأمونون. # وقد رأينا أن عبد الله القداح وأباه ميمونا قد اتخذا مدينة ~~«سلمية» مقرا لحركتهما السرية، بعد مقرها الأول في «البصرة»، ~~وأن هذين المقرين صارا بؤرة للنشاط الإسماعيلي في سائر أنحاء ~~العالم الإسلامي. # ولما كان أصحاب هذه الفكرة ضعافا أول الأمر، لم تأبه بهم ~~الخلافة العباسية، فتركتهم وشأنهم، أو وكلت بهم رجال العقائد ~~وأصحاب المقالات الإسلامية، يبينون عوار عقيدتهم ويشنعون ~~عليهم وعلى ما انطوت عليه فكرتهم من مخالفات شرعية وعقلية، ~~ويظهر أنهم أنفسهم قد انزووا يعملون في الخفاء على نشر دعوتهم ~~حتى يتيح لها الزمن أن تخرج ms107 قوية قاهرة. # ولما كانت الدعوتان، الإسماعيلية والفاطمية، تشربان من معين ~~واحد، وكان نجاح الفاطمية في المغرب ومصر والشام قويا، رأى ~~الإسماعيليون أن الفرصة مواتية لهم لنشر دعوتهم والدعاية لها ~~في سائر أرجاء الإسلام، وكان من عادة الفاطميين أن يبعثوا ~~الدعاة لنشر مذهبهم والدعوة لهم سرا، وكان للدعاة في مصر ~~رئيس هو «داعي الدعاة» الذي يلي «قاضي القضاة» في المكانة ~~والمرتبة، وكان يجمع الدعاة، ويطلعهم على أسرار الدعوة، ويبثهم ~~في الأقطار الإسلامية. وقد اهتم الفاطميون بنشر دعوتهم في ~~العراق وإيران لأن الإيرانيين والعراقيين يميلون إلى آل علي. ~~وكان غرض الفاطميين هو نشر عقيدتهم أولا، والقضاء على ~~العباسيين ثانيا. # ومما تجدر الإشارة إليه أن أصحاب هذه الدعوة قد انقسموا منذ ~~زمن الخليفة المستنصر (487ه/1094م) إلى قسمين؛ قسم يقول إن ~~المستنصر أوصى بالأمر بعده لابنه نزار، وقسم قال بل إنه أوصى ~~بها لابنه المستعلي، واتخذت الفرقة الأولى بلاد المشرق مركزا ~~لها برعاية الحسن بن الصباح، وبقيت الثانية في مصر والمغرب. # 4 # وتفصيل ذلك أن الحسن بن الصباح قدم إلى مصر ~~لدراسة الدعوة وتتبع أحوالها، وأعطاه المستنصر أموالا وبعثه ~~للدعوة في المشرق، ورأى بعد وفاة المستنصر أن ابنه نزارا أولى ~~من أخيه المستعلي بولاية أبيه لكفايته، ورأى وزير المستنصر، ~~وهو بدر الجمالي، أن المستعلي أفضل، واختلف الرجلان واضطر ~~الحسن أن يستقل بفكرته، ومنذ ذلك الحين انقسمت الفاطمية إلى ~~هذين القسمين. أما معلوماتنا عن الحسن بن الصباح وأحواله فهي ~~أنه كاتب ذكي، نشأ في خدمة ألب أرسلان ولمع اسمه في عهد ~~ملكشاه، وكان شيعيا متحمسا، ولكنه كان يكتم فكرته لتعصب ~~السلاجقة ولسنيتهم، فلما اكتشفوا أمره طردوه من خدمتهم، فأعلن ~~اعتناقه المذهب الإسماعيلي، وبعثه عبد الملك بن عطاش رئيس ~~الدعوة الإسماعيلية في العراق داعية إلى أصفهان فذهب إليها، ~~ثم رأى أن يسافر إلى مصر ليتعمق في دراسة العقيدة الفاطمية على ~~يد فلاسفتها وعلمائها في القاهرة، فخرج من أصفهان سنة ~~469ه/1076م عن طريق أذربيجان وميافارقين وعكا، ومنها ركب البحر ~~متخفيا في زي تاجر إلى أن بلغ مصر، ms108 وما زال قدره يسمو هناك ~~ويتغلغل في شئون الدعوة والدولة إلى أن مات الخليفة المستنصر، ~~وأريد تسمية الخليفة الجديد، فقال الوزير بدر الجمالي: إن ~~المستنصر قد عهد بالأمر إلى ابنه الأصغر وهو المستعلي، وما ذلك ~~إلا لأنه جده لأمه، ولأنه يريد إبقاء نفوذه وسيطرته على ~~الدولة، وخالفه الحسن بن الصباح في ذلك وقال: لا، إن الولاية ~~للابن الأكبر وهو الأمير نزار، # 5 # وهكذا اضطر الحسن بن الصباح أن ينشق عن المذهب ~~الفاطمي المصري ويؤسس حركته الباطنية الجديدة، وقد قويت حركة ~~الحسن بن الصباح في عهد السلاجقة حتى أضحت خطرا يهدد سلامة ~~البلاد، قال البنداري: «وكان بينهم (أي الإسماعيلية) رجل من ~~أهل الري - هو الحسن بن الصباح - ساح في العالم، وكانت صناعته ~~الكتابة، فخفي أمره حتى ظهر وقام، فأقام من الفتنة كل قيامة ~~واستولى في مدينة قريبة على حصون وقلاع منيعة، وبدأ من القتل ~~والفتك بأمور شنيعة، وخفيت عن الناس أحوالهم، ودامت حتى ~~استتبعت على الاستتار بسبب أنه لم يكن للدولة صاحب أخبار، وكان ~~الرسم في أيام الديلم (البويهيين) ومن قبلهم من الملوك أنهم ~~لم يخلوا جانبا من صاحب بريد، فلم يخف عندهم أخبار الأقاصي ~~والأداني، وحال الطائع والعاصي، حتى ولي أمر الدولة السلجوقية ~~ألب أرسلان محمد بن داود، ففاوضه نظام الملك في هذا الأمر، ~~فأجابه أنه لا حاجة بنا إلى صاحب خبر؛ فإن الدنيا لا تخلو كل ~~بلد فيها من أصدقاء لنا وأعداء ... فلم يشعر إلا بظهور القوم، ~~وقد استحكمت قواعدهم واستوثقت معاقدهم وأخافوا السبل، وأجالوا ~~على الأكابر الأجل.» # 6 # والحق أن الحسن قد استطاع أن ينشر في برهة وجيزة دعوته في ~~أرجاء المشرق من فارس إلى العراق، كما استطاع أن يستولي على ~~بعض الحصون والقلاع، ويتخذها مقرا لرجاله، وكان استيلاؤه سنة ~~483ه على قلعة الموت # 7 # التي كان بناها ملكشاه بداية لقوة حركته، ومركزا ~~استطاع منه أن يستولي على كثير من بلاد خوزستان وقوهستان ... ~~وكان ابن الصباح مغرما ببناء القلاع على رأس الجبال متباعدا ~~عن المدن متحصنا بها لئلا ms109 يسهل الوصول إلى جماعته، وقد ألف ~~حوله جماعة من الأشداء المتعصبين فأمرهم بالفتك بمخالفيهم، ~~ومما هو جدير بالذكر أن الحسن نظم الدعوة الفاطمية تنظيما ~~جديدا، فسمى نفسه «داعي الدعاة» أو «رئيس الدعوة»، ثم يأتي ~~من بعده «طبقة ثانية» هي طبقة كبار الدعاة، ويختص كل واحد منهم ~~بإقليم من أقاليم الدعوة الثلاثة وهي «العراق» و«قوهستان» ~~و«الشام»، ثم تليهم طبقة ثالثة هي «طبقة الدعاة» وهم الذين ~~تدربوا في قلعة الموت، وتفرقوا في الأقاليم الثلاثة تحت إشراف ~~«رئيس الدعوة»، وكانوا متفقهين بالمذهب الإسماعيلي عارفين ~~بأسراره، ثم تليهم «طبقة رابعة» وهي «طبقة الرفاق» وهم الذين ~~يطلعون على الأسرار ولا يطلب إليهم نشرها، ثم تليهم طبقة ~~خامسة وهي «طبقة اللاصقين» وهم طبقة لم تتعمق في معرفة أسرار ~~الدعوة وأصولها، ولكنهم ممن يتعهدون تنفيذ كل ما يطلب إليهم، ~~ثم تليهم «طبقة سادسة» هم «طبقة الفدائيين» الذين باعوا أنفسهم ~~من داعي الدعاة، وهم الشبان المتحمسون الذين استعان بهم الحسن ~~على تنفيذ خططه وقتل خصومه، ثم تليهم «طبقة سابعة» وهم «طبقة ~~المستجيبين» أو العوام الذين يدخلون في الدعوة. # وأبرز هؤلاء الطبقات نشاطا هم الفدائيون الذين كان الحسن ~~يختارهم من الشبان الأقوياء المتحمسين البارعين في الاحتيال ~~والتخفي واستعمال الأسلحة المتعددة، ومعرفة اللغات الكثيرة، ~~وكان أبرز أمكنة نشاطهم المساجد والكنائس وقتل خصومهم فيها ~~أيام الجمع والآحاد، وكان من عادتهم أن يكونوا من ثلاثة، حتى ~~إذا ما فشل الواحد في خطته وقتل، قام الآخران بإتمام العمل، ~~وهكذا تمكن للدعوة من قتل كثير من خصومها كالخليفتين ~~المسترشد والراشد، الوزير ونظام الملك وغيرهم كثير، ولا شك في ~~أن براعة الدعاة بإغراء هؤلاء الشبان هي التي جعلتهم يتحمسون ~~بشدة لحركتهم ويتفانون في نشرها. # وقد نقل لنا المستشرق إدوار براون (في تاريخ الآداب الفارسية ~~2: 207) فصلا عن الرحالة الإيطالي ماركو بولو # 8 # الذي زار البلاد في القرن السابع، وكتب عن هؤلاء ~~الفدائيين فصلا قال فيه: «إن زعيم الإسماعيلية، الحسن بن ~~الصباح أمر بإنشاء حديقة متسعة غناء، في واد بين جبلين ~~وملأها بأشجار الفاكهة المختلفة، كما أقام ms110 فيها القصور الجميلة ~~وزينها بالذهب، وحفر فيها أقنية وفساقي ملأها خمرا ولبنا ~~وعسلا وماء صافيا، وكان يسميها الجنة، وقد حشر فيها الجواري ~~الحسان المغنيات الراقصات، وإن الحسن كان يخدر هؤلاء الشبان ~~بالحشيش، ثم يحملهم إلى الجنة جماعات جماعات تتراوح بين ~~الأربعة والعشرة، فإذا أفاقوا من تحشيشهم اعتقدوا أنهم في ~~الجنة التي وعد الله المتقين، ثم يحملون إلى قصره بعد أن ~~يخدروا ثانية، فإذا أفاقوا آمنوا بقدرته وتفانوا في طاعته، ~~ويقصون ما رأوه على الآخرين، فيتوقون بدورهم إلى دخول الجنة.» ~~ويقول بروكلمان (في تاريخ الشعوب الإسلامية 2-138): «إن ما ~~أورده ماركو بولو هو مجرد خرافة.» ولكن ابن خلكان يورد لنا ~~شيئا شبيها بذلك عن حصن مصياف، # 9 # وقد نشر الحسن بن الصباح هؤلاء الفدائيين في كافة ~~أرجاء العالم، فخافه الأمراء والكبراء ودفعوا له الضرائب دفعا ~~لشره، وخصوصا بعد موت ملكشاه، وانقسام الأسرة السلجوقية من ~~بعده، وظهور الصليبيين في الشام، وقد قدر عدد الفدائيين في ~~زمن ملكشاه بنحو مائة وستين ألف رجل # 10 # فإذا كان هذا عددهم في زمن ملكشاه السلطان القوي ~~الذي فتك بهم مرات، وحاول مرات أن يحتل قلعتهم «الموت» فلم ~~يفلح، وكان وزيره نظام الملك أعدى أعدائهم لا يترك فرصة للفتك ~~بهم، وقد ملأ رسالته «سياستنامة» كثيرا من التهجم عليه ~~والتحريض على قتلهم، أقول إذا كان هذا عددهم في ذلك الزمان فما ~~قولك بالأزمنة التالية، حين اقتتل السلاجقة فيما بينهم، حتى ~~استعان بعضهم، وهو بركياروق، على خصومه بالإسماعيلية. # 11 # وقد ازداد نفوذهم أيام سنجر الذي اضطر إلى مصالحة ~~الحسن بن الصباح، وفي أيامه قتلوا الخليفة المسترشد ثم ابنه ~~الراشد من بعده، فخافهم الخلفاء في قصورهم. # ولما مات الحسن بن الصباح سنة 518ه/1124م، أخذت أحوال ~~الباطنية تختلف قوة وضعفا، ولما فشلوا في الاستيلاء على ~~البلاد الإسلامية، عمدوا إلى السلب والنهب، وإثارة حروب ~~العصابات، ثم اضطروا أثناء الحروب الصليبية في سورية، أن ~~يحاربوا الصليبيين عدة مرات، واستطاعوا في سنة 533ه/1140م أن ~~يستعيدوا احتلال قلعة مصياف - على السفح الشرقي لجبل النصيرية ~~- التي ms111 كانت مقرا لنائب زعيمهم راشد الدين سنان سنة ~~692ه/1192م، وذلك بعد أن استطاعوا استمالة رضوان بن السلطان ~~تتش أمير حلب السلجوقي إلى مذهبهم، كما استطاعوا الاستيلاء على ~~حصن كيف والقدموس والعليقة، # 12 # وكان راشد الدين الملقب «شيخ الجبل» من أشد خصوم ~~الصليبيين، وله معهم عدة معارك، ولما فتح المغول مصياف (مصياد، ~~مصياث) سنة 658ه/1260م قدم بيبرس فأوقع ضربة قاضية بالحشاشين ~~سنة 670ه/1272م. # وتولى زعامة الإسماعيلية بين سنة 607-618ه/1210-1221م جلال ~~الدين حسن، ورأى أنهم لم يصبحوا قادرين على مهاجمة خصومهم ~~الأقوياء، وهم رجال الدولة الخوارزمية، والأتابكية، والخلفاء ~~العباسيين، فرأى أن خير وسيلة هي أن يطلب إلى جماعة منهم أن ~~يظهروا شعائر الإسلام، وترك ما كانوا عليه، وأرسلهم سفراء ~~عنه إلى الخليفة في بغداد، وإلى علاء الدين بن محمد خوارزمشاه، ~~وإلى الأتابكية، يعلنون رجوعهم إلى الحق والإسلام، فاستقبلت ~~رسله بالاحترام، وخلعت عليهم الخلع، وطلب جلال الدين من ~~بعض فقهاء المسلمين، بعد أن أحرق كتب الإسماعيلية، أن يفقهوا ~~جماعة الإسماعيلية بتعاليم الحنيفية، # 13 # ولم تطل حركة جلال الدين هذه طويلا؛ فإنه بعدما ~~مات، خلفه ابنه علاء الدين محمد، فرجع عما كان سار عليه أبوه ~~حينما اكتسح المغول الدولة الخوارزمية، فوقف منكوبرتي ضده وفتك ~~بالإسماعيلية سنة 624ه، ولكن هولاكو فتك بهم سنة 654ه/1256م ~~قبل مسيره إلى بغداد، # 14 # وأسر هولاكو زعيمهم ركن الدين خورشاه. وهكذا انتهى ~~أمر الإسماعيلية في النهاية بعد استيلاء هولاكو على قلعة ~~الموت، ولم يبق في أيديهم إلا قلاعهم الشامية، ومنذ ذلك الحين ~~تشتتوا ما بين شمالي سورية وفارس وعمان وزنجبار والهند على ~~الأخص؛ حيث يقيم منهم حوالي مائة وخمسين ألفا يعرف واحدهم ~~بالخوجة أو المولى، وهم اليوم خاضعون لسلطة آغا خان الذي ينتسب ~~إلى آخر داعي دعاة في الموت، # 15 # ولا يزال قسم منهم موجودا في مدينة سلمية ~~والقدموس ومصياف في سورية، كما أن في سورية اليوم صنفا آخر ~~منهم يعرف باسم «النصيرية» أو «العلوية» وهم إسماعيليون في ~~الأصل، يرجع اسمهم إلى محمد بن نصير الذي ظهر في الشطر الثاني ms112 ~~من القرن التاسع، ويبلغ عددهم نحوا من ثلاثمائة ألف في سورية، ~~ويقيمون في محافظة اللاذقية. # الفصل الخامس # | في الأحوال الخارجية # (1) الحروب الصليبية. (2) التجارة الخارجية. ~~*** ~~(1) الحروب الصليبية ~~(1-1) الحملة الأولى # تبتدئ الحملة الصليبية الأولى بين المسلمين ونصارى ~~أوروبا في سنة 1095م/488ه، أما النضال بين المسلمين ~~والنصارى، فيرجع إلى عهد أقدم؛ أي حين تمكن المسلمون أن ~~يسيطروا على ما كان بيد دولة الروم الشرعية من أقاليم حوض ~~البحر الأبيض المتوسط في الشرق، وحين سيطر على شبه جزيرة ~~إيبريا في أوروبا؛ فقد تركت المسيحية للإسلام تلك الديار ~~وفي نفسها حسرة، وكانت تفكر دوما في استعادتها حتى ~~استطاعت استعادة شبه جزيرة إيبريا، وقضت على الإسلام في ~~المغرب العربي (بديار الأندلس). أما في المشرق فإن سلسلة ~~الحروب والغزوات التي كانت بين المسلمين والروم منذ أيام ~~عمر بن الخطاب إلى عهد ريكاردوس قلب الأسد في الحروب ~~الصليبية، ثم في عهد الجنرالين اللنبي وغورو في الاحتلال ~~البريطاني والفرنسي للشرق الأوسط، ثم في حملة قنال السويس ~~الأخيرة وضرب مدينة بورسعيد من قبل القوات الفرنسية ~~والإنكليزية سنة 1956م، ما هي إلا رد على حملات الإسلام ~~الأولى التي أقضت تمضجع النصرانية. # لم تنقطع الحروب بين المسلمين والروم في آسية الصغرى منذ ~~أيام بني أمية وبني العباس إلى عهد سيف الدولة، وكانت هذه ~~الحروب سجالا بين الجانبين، وقد اشتدت هذه الحملات قوة ~~في عهد سيف الدولة ونقفور فوكاس؛ فقد كان لسيف الدولة ~~حملات قاسية كما كان لخصمه نقفور حملات مشابهة، وقد استطاع ~~إمبراطور الروم نقفور في سنة 964م/322ه طرد المسلمين من ~~جزيرة إقريطس (كريت) # 1 # وقد هدأت حملات الإمبراطورية البيزنطية فترة، ~~حين وقعت الحرب الأهلية بينهم، فخلع الإمبراطور نقفور وحل ~~محله حنا الشمشيق # John ~~Zimiskes # المعروف بالدمستق، وقد كان ~~هذا جبارا ذا مطامع، وضع بيت المقدس أمام عينيه ولكنه مات ~~ولم يصل إلى مطمحه لقوة الدفاع الإسلامي. # ويظهر أن الإمبراطورية الرومانية البيزنطية، قد وجدت ~~نفسها محتاجة إلى الاستعانة بالغرب الكاثوليكي ضد المسلمين ~~فعمدت إلى ذلك. ويذكر بعض المؤرخين أن الإمبراطور ~~«ألكسيس ms113 ~~كومنين» # Alexés Comnène # استنجد بروبرت كونت الفلاندر سنة ~~1071-1093م حينما مر به في سنة 1087م وهو عائد من حجه ~~إلى الأراضي المقدسة # 2 # ثم إنه كتب إليه رسالة بهذا الخصوص، # 3 # كما كتب إلى البابا إربان الثاني يستنجد به ~~لتجهيز حملة ضد المسلمين. # والحق أن الحملة الصليبية الأولى في سنة 488ه/1095م لم ~~تكن إلا حجا مسلحا، شجع عليه البابا، وأثار عواطف ~~النصارى على ما يلقاه النصارى في المشرق، وبخاصة بيت ~~المقدس، وذلك حين دعا إلى مؤتمر «كلير مونت» يوم الأحد في ~~18 كانون الأول سنة 1095م/488ه، واتخذ المؤتمرون من نصارى ~~أوروبا الكاثوليك قرارا بإنفاذ الحملة الصليبية الأولى ~~للأراضي المقدسة، وأخذ «المؤمنون» ينخرطون في الحملة، ولم ~~يكتف البابا بذلك بل راح يطوف في أرجاء فرنسة وإيطالية ~~داعيا إلى الجهاد في سبيل إنقاذ مهد المسيح من ~~المشركين. # وهناك شخصان قد ~~لعبا دورا هاما في حض الناس على المشاركة بهذه الحملة، ~~وهما «بطرس» الناسك الذي جن جنونه في الدعوة لهذه الحملة ~~المقدسة، و«غوتيه المعدم» # Gautier ~~sans avoir # ولما تم جمع المؤمنين ~~خرج بطرس الناسك في نيسان سنة 1096 ومعه خمسة عشر ألف ~~صليبي، فساروا إلى القسطنطينية ووصلوها في 20 تموز سنة ~~1096م ثم تتابعت الحملات الأخرى كحملة «كودفروا دي ~~بويون» # Gaudfroi de Gouillon # 4 # التي وصلت في 23 كانون الأول سنة 1096، وحملة ~~«ريموند» كونت «تولوز» # 5 # وحملة «تنكريدو # 6 # بوهيمند النرماندي» أمير «تارنت» في 15 نيسان ~~سنة 1097، وحملة الكونت «روبرت كورتهوز بن وليم» الفاتح ~~وأخو «هنري الأول» ملك إنكلترا، وكان فيها عدد كبير من ~~الأشراف والأساقفة والمؤرخ «فوشيه # Fouchet ~~» الذي خلف لنا تاريخا يبين ~~فيه كثيرا من أحوال حملته وصورا مشرفة عن استقبال الروم ~~للصليبيين، وقد اعترفت كل هاته الحملات الصليبية بولائها ~~للإمبراطور البيزنطي، ووعدها بتسليم كل ما تسيطر عليه ~~إليه، واسترجاع الأراضي التي اقتطعها المسلمون من ~~مملكته. # ويقول ابن القلانسي مؤرخ دمشق، إن «الإفرنج عند ظهورهم ~~عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن يسلموا إليه أول بلد ~~يفتحونه، ففتحوا «نيقية».» # 7 # وهكذا خرجت هذه ms114 القوات الصليبية بقيادة ~~«تنكريدو» و«كودفروا دي بويون» كما أنفذ معها الإمبراطور ~~فرقة بيزنطية بقيادة ثاتيكبوس، فحاصروا نيقية ففتحوها ~~وكسروا القوات السلجوقية، ثم ساروا جنوبا، واصطدموا بجيش ~~الأمير قيلج أرسلان السلجوقي فشتت شملهم في 20 رجب سنة ~~490ه/تموز سنة 1097م ثم أعادوا تجميع قواهم وكسروا ~~المسلمين. ثم اتجهوا نحو «قونية» ووجدوها خالية، فاحتلوها ~~ثم انقسموا ثلاثة أقسام؛ «أحدها» وجهته قيلقيا، «والثاني» ~~إلى أنطاكية، «والثالث» إلى بلاد أرمينية. # أما حملة أرمينية فقد كانت بزعامة «بلدوين دي بويون»، ~~ولا شك في أن اتجاهه ذلك الاتجاه هو انحراف عن الهدف ~~الرئيسي للحملة التي جاءت ل «إنقاذ» بيت المقدس، وما ذلك ~~إلا لأن بلدوين كانت له مطامع شخصية في بلاد ~~أرمينية. # وأما حملة أنطاكية وكانت بقيادة بوهيمند فقد وصلها، ~~وكانت مدينة محصنة فيها أكثر من أربعمائة برج وحصن قائمة ~~على الجبال المحيطة بها، وكان عليها القائد التركي «ياغي ~~سيان»، ولما علم بمقدمهم حصنها واستغاث بدقاق أمير دمشق، ~~وبكر بغا أمير الموصل، وبالسلطان بركياروق، واستطاع أن ~~يصمد أمام الصليبيين إلى أن جاءه الغوث بقيادة دقاق أمير ~~دمشق، والتحم الفريقان واشتد الأمر على الصليبيين واضطر ~~بطرس الناسك إلى الهرب، ولكن «تانكريدو» أرجعه، وباء ~~الصليبيون بفشل مريع، جعلهم يتراجعون ويجمعون قواهم من ~~جديد، ومما زاد في قوتهم أن الأفضل شاهنشاه بن بدر ~~الجمالي الوزير الفاطمي قد بعث رسولا إلى الصليبيين لعقد ~~اتفاقية بينه وبينهم ضد السلاجقة المخالفين له في العقيدة، ~~على أن يستقلوا هم بأنطاكية وتكون لهم الحرية الكاملة ~~بإقامة شعائرهم في القدس، وقد رحب الصليبيون بهذه ~~الاتفاقية، وأدركوا ما ينطوي عليه العالم الإسلامي من ~~انقسام. ولما بلغت هذه الأخبار مسامع الملك رضوان السلجوقي ~~صاحب حلب، تناسى خصومته لياغي سيان التركي، وقدم إليه ~~منجدا بقوى كثيرة، والتقى الجيشان وكانت الغلبة ~~للصليبيين لمعاونة الأرمن والنصارى السوريين إياهم في ~~حملتهم، واستمر تقدم الصليبيين إلى حلب والمعرة ~~والبارة. # وقد فرحت الدولة الفاطمية بهذا الانتصار الصليبي ~~لسببين؛ «أولهما» الشماتة بالخلافة العباسية التي تؤيد ~~السلاجقة، و«ثانيهما» اعتقادهم بأن حملة الصليبيين إنما ~~هدفها القدس ms115 فقط. واستمر الصليبيون يتقدمون في الديار ~~الشامية حتى سيطروا على بيت المقدس وقضوا على الأمير ~~افتخار الدولة حاكم القدس المصري في 13 تموز سنة 1099 / 23 ~~شعبان سنة 492 بقيادة «تانكريدو» و«غودفروا» بعد معارك ~~دامية، استحال فيها المسجد الأقصى إلى بركة من الدماء؛ # 8 # مما جعل هذه الوقعة لطخة في تاريخ الصليبيين ~~كما يقول المؤرخ # Grousset ~~. # 9 # وقد بلغت أخبار هذه الفظائع دمشق، فبعث أميرها ~~وفدا إلى بغداد برئاسة زين الدين إلى سعد الهروي مستغيثين ~~بالخليفة والسلطان السلجوقي، وأخذ الشعراء يصورون للناس ~~فظاعة هذه النكبة الكبرى حتى قال قائلهم: # أحل الكفر بالإسلام ضيما # يطول عليه للدين النحيب # فحق ضائع وحمى مباح # وسيف قاطع ودم حبيب # وكم من مسجد جعلوه ديرا # على محرابه نصب الصليب # دم الخنزير فيه لهم خلوق # وتحريق المصاحف فيه طيب # 10 # على أن تملك ~~الصليبيين للقدس قد أثار بينهم مشاكل داخلية استمرت قرنين ~~حتى تهيأ للمسلمين استردادها، ولم تكن القدس هي المملكة ~~الصليبية الوحيدة في ديار الشام، بل كان لهم هناك ثلاث ~~ممالك أخرى في «أنطاكية» و«الرها» و«طرابلس»، كما قسم ~~الصليبيون المدن الكبرى في الساحل الشامي إلى مستعمرات ~~أوروبية أنشأت فيها «مارسيلية» و«البندقية» وغيرها من ~~المدن الإيطالية أحياء برمتها. # 11 # وهكذا انتهت الحملة الصليبية الأولى التي ~~يقال إن عدد رجالها يقارب المليون. ~~(1-2) الحملة الثانية # لما استشهد عماد الدين الزنكي أمير الشام، الذي كان شجى ~~في حلوق الصليبيين، طمع هؤلاء في استرداد ما أخذه منهم ~~كالرها، ولكن ابنه محمودا وقف أمامهم وقفة قوية خيبت ~~آمالهم، فاستنجدوا بأوروبا فبعثت إليهم في سنة 542ه ~~بالحملة الثانية؛ وكانت مؤلفة من فرنسيين بقيادة الملك ~~لويس السابع، وألمان بزعامة الملك كونراد الثالث، ومعهم ~~عدد كبير من الفلامنديين والطليان، وقد كان عدد أفراد هذه ~~الحملة مليونا، # 12 # ولما وصلت مراكبهم في سنة 543ه ساحل صور وعكا، ~~ووصل المسافرون برا التقوا في بيت المقدس فحجوا ~~وصلوا صلاة الموت وعزموا السير إلى دمشق، ولم يشعر أهل ~~دمشق إلا وملك الألمان وملك الفرنسيس احتاطا بدمشق فلقيهم ms116 ~~الجيش الإسلامي وهزمهم وفرق جموعهم، وكان بقيادة مجير ~~الدين أرتق بن محمد، ومعين الدين أتسز، وكانت الجيوش ~~الموصلية بقيادة سيف الدين غازي، والجيوش الحلبية بقيادة ~~نور الدين محمود، فسدد الجميع ضربات قاضية على رأس الجيش ~~الصليبي، فتفرق أصحابه شذر مذر، ولكنهم عبثوا بالساحل ~~الشامي بعد أن رحلوا عن دمشق. # واستطاع نور الدين أن يسيطر على الشام ومصر ويوحد ~~إمارتها بقيادته، فخافه الصليبيون وحسبوا له حسابا، ~~وتقهقروا إلى السواحل، فلما مات سنة 569ه خلفه ابنه الملك ~~الصالح إسماعيل. # ولكن صلاح يوسف بن أيوب صاحب مصر، رأى أنه من المتعذر ~~إدارة البلاد إذا لم يحكمها رجل واحد قوي، فعزم على توحيد ~~القطرين (مصر والشام) كما كان الحال أيام نور الدين، فتم ~~له ذلك في سنة 578ه حين قصد الشام من مصر، ففتح طبرية ~~وجنين والغور، وحاصر بيروت وعكا وفتحها، ثم سار نحو غرب ~~الفرات حتى وصل آمد ثم رجع ففتح حلب، وبلغه أن الفرنج ~~المقيمين بالقدس قصدوا دمشق، كما أن الفرنج المقيمين ~~بالكرك والشوبك قصدوا المسير إلى المدينة المنورة لنبش قبر ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # فرجع سريعا وطردهم عن دمشق، ثم حاصر ~~الكرك سنة 580ه وفتح نابلس. وفي سنة 583ه تجمع الصليبيون ~~عليه فسار إليهم والتقى جمعاهما في «حطين» قرب طبرية، ~~فأباد جموعهم وأسر ملك الفرنج الكبير، وصاحب الكرك، وصاحب ~~جبيل، وقتل منهم أربعين ألفا، ولم يبق منهم إلا خمسة ~~آلاف أسلم منهم قسم فأطلقه، ومن لم يسلم أسره. ثم سار ~~إلى عكا ففتحها، ثم فتح الناصرة وقيسارية وحيفا وصفورية ~~ودبورية وأكثر مدن فلسطين، وحاصر عسقلان والرملة وغزة ~~والجليل واللد فاستسلمت جميعها. ثم نازل القدس وفيها رءوس ~~النصرانية - الصليبية وملوكها - وضيق عليهم الخناق ~~فطلبوا الأمان فقال: على شريطة أن يؤدي كل رجل عشرة ~~دنانير، وكل امرأة خمسة، وكل طفل دينارين، ومن عجز أسر؛ ~~فقبلوا وتسلم المدينة، وكان فيها ستون ألف رجل ما عدا ~~النساء والأطفال، فوفى لهم بعهده وأجلوه وقدسوه، ~~وكان فتح القدس هذا فتحا مبينا مخلدا، أعاد الله على ~~العرب ms117 مثله اليوم ليفتحوا الأراضي المحتلة من فلسطين ~~ويطهروها من أوضار الصهيونيين الظالمين. # وفي ذلك اليوم الأغر يوم فتح القدس، يقول عبد المنعم ~~الحلباني في قصيدته التي قالها مهنئا صلاح الدين، رضي ~~الله عنه: # وفيت لهم حتى أحبوك ساطيا # بهم ووفاء العهد قيد ~~المخاصم # فخافوا فخابوا فانتدوا ~~فتلاوموا # فقالوا خذلنا بارتكاب ~~الجرائم # وخص صلاح الدين بالنصر إذ ~~أتى # بقلب سليم راحما ~~للمسالم # فخطوا بأرجاء الهياكل ~~صورة # لك اعتقدوها كاعتقاد ~~الأقانم # يدين لها قس ويرقى بوصفها # ويكتبه يشفى به في ~~التمائم ~~(1-3) الحملة الثالثة # بينما كان صلاح الدين على أسوار عكا سنة 586ه جاءته ~~الأخبار من بلاد الروم أن ملوك أوروبا قادمون لينجدوا ~~الصليبيين في الشام ومعهم مائة ألف صليبي، فحزن الناس ~~وكانت هذه الحملة مؤلفة من ثلاثة ملوك هم «فريدريك ~~باربروس» ملك ألمانيا الذي غرق في الطريق، و«فيليب أوغست» ~~ملك فرنسة، و«ريكاردوس» قلب الأسد ملك إنكلترا، وقد وصلت ~~الحملة إلى عكا، بعد أن فتحت قبرص، فتلقتها جيوش المسلمين ~~في عكا فردوهم عنها، ثم ساروا إلى يافا فأخلاها المسلمون ~~ورأى السلطان تخريب عسقلان والرملة واللد، وسار إلى القدس، ~~وراسله الصليبيون على الصلح، فلم يقبل ووقعت بين الجانبين ~~معارك، ثم طلب ملك الإنكتار (الإنكليز) الصلح، فصالحه صلاح ~~الدين بعد فشل المسلمين في الاستيلاء على عكا، وعقدت ~~الهدنة بين الجانبين في البر والبحر لثلاث سنوات وثلاثة ~~أشهر، على أن تستقر بيد الفرنج موانئ يافا وعكا وقيسارية ~~وأرسوف وحيفا، وتظل عسقلان خرابا. واشترط السلطان دخول ~~بلاد الإسماعيلية في الهدنة، واشترط الفرنج دخول أنطاكية ~~وطرابلس في الهدنة، وأن تكون اللد والرملة مناصفة بينهما ~~فتم ذلك. وكانت وفاة صلاح الدين بعد الهدنة بيسير، تغمده ~~الله برحمته. ~~(1-4) الحملة الرابعة # لما مات صلاح الدين واضطرب الأمر بين أولاده وابن أخيه ~~الملك العادل، قوي الصليبيون وأخذوا يجمعون جموعهم لغزو ~~المسلمين، ولكن ما عتم الملك العادل أن وضع يده على ~~المملكة الأيوبية كلها، وتخلص من أولاد أخيه صلاح الدين، ~~الأفضل، والظاهر، وتم له ملك الشام ومصر. وحدث في سنة ~~595ه ms118 أن تجمع الفرنجة في حصن الأكراد والمرقب وأغاروا ~~على حماة. ثم في سنة 600ه خرجوا إلى بيت المقدس فهرع ~~إليهم الملك العادل، واضطروا إلى مهادنته، وتم الصلح على ~~أن يسلم إليهم مدن يافا والناصرة واللد والرملة. ~~(1-5) الحملة الخامسة # وفي سنة 602ه/1204م قدم على سواحل عكا جمع عظيم من ~~الصليبيين الألمان والنمساويين والمجر والهنكر فدخلوها، ~~وانثالوا على المدن المجاورة والأيوبيون لاهون بالمشاكل ~~بينهم، وقد غنم الصليبيون من المسلمين مغانم كثيرة، وكان ~~في هذه الحملة كثير من الصليبيين الشبان المتحمسين من ~~فرنسة وألمانية حتى سميت هذه الحملة بحملة الشبان. ولما ~~مات الملك العادل في سنة 615ه ازداد البلاء ~~على المسلمين وطمعت ~~الفرنج فيهم، واستولوا على كثير من ديار الشام ومصر، ولما ~~استولى الفرنج على دمياط واتجهوا نحو المنصورة عظم الأمر ~~على بني أيوب وطلبوا إلى الفرنج الصلح على أن يتنازلوا لهم ~~عن القدس وعسقلان وطبرية واللاذقية وجبلة وجميع ما فتح ~~صلاح الدين من الساحل، ما عدا الكرك والشوبك، فلم يرض ~~الفرنج، وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار لقاء تخريب سور القدس ~~وقالوا لا بد من تسليم الكرك والشوبك. فجمع الأيوبيون ~~صفوفهم وعزموا على لقاء عدوهم، وتم لهم النصر على الفرنج ~~وأسر ملكهم القديس وثلاثون ألفا من رجاله. # وقال ابن أبي شامة: «وبلغني أن النصارى ببعلبك سودوا ~~وسخموا وجوه الصور في كنيستهم حزنا على ما جرى على ~~الفرنج.» ولم يكن سبب تسليم القدس ثانية للصليبيين آتيا ~~من ضعف القوى الإسلامية، بل للخلاف بين الملكين الكامل ~~والمعظم؛ فقد كان الكامل يخشى إن توجه لمقاتلة ~~الإمبراطور فريدريك قائد الحملة السادسة أن يفاجئه الملك ~~المعظم؛ ففضل تسليم القدس إلى فريدريك، ولله في خلقه ~~شئون. ~~(1-6) الحملة السادسة # قاد هذه الحملة الإمبرور فريدريك الثاني صاحب صقلية سنة ~~1228م/624ه؛ فقد كان داهية سياسيا، لم يدخل في حرب، ~~ولكنه فاوض الملك الكامل الأيوبي على استلام القدس وبيت ~~لحم والناصرة، وهي المحلات المقدسة عند المسيحيين، فأجابه ~~إلى ذلك لمدة عشر سنوات، على ألا يتعرضوا لقبة الصخرة ولا ~~المسجد الأقصى، ويكون الحكم ms119 في الرساتيق المجاورة إلى والي ~~المسلمين. # ولما بلغت هذه الأخبار إلى العالم الإسلامي قامت قيامة ~~الناس على سوء تصرف الملك الكامل، وأقيمت المآتم، فحدقت ~~قلوب أهل دمشق على الملك الكامل وفسد أمره من ذلك الحين، ~~وساءت أمور الأيوبيين حتى استمد بعضهم بالفرنج ، # 13 # وظلت البلاد في اضطراب حتى الزحف ~~المغولي. # ولما جاء هولاكو سنة 657ه قضى على الجميع، وظلت القدس ~~بأيدي الصليبيين إلى أن استردها الملك الصالح أيوب في سنة ~~637-647ه بمساعدة الخوارزميين. ~~(1-7) الحملة السابعة # في سنة 690ه/1270م عزم الملك القديس لويس التاسع، ملك ~~فرنسة بعد أن خرج من الأسر وعاد إلى بلاده، على أن يسترجع ~~بيت المقدس وينتقم لنفسه من المسلمين الذين أسروه في ~~المنصورة، ولم يتخلص منهم إلا بمبلغ جسيم، فأخذ هو وأخوه ~~يجمعان جموعهما لفتح تونس ومصر والشام واحتلال القدس، ولكن ~~ذلك لم يتم؛ فقد مات في تونس بالطاعون سنة 1270م/690ه، ~~وقضي على الحروب الصليبية. وهكذا انتهت هذه الحروب بعد أن ~~دامت قرنين من سنة 491ه إلى سنة 690ه، وقد كان لها نتائج ~~خطيرة نجمل بعضها بالنقاط الآتية: ~~(1) # إن حملات الصليبيين عاقت المسلمين عن التقدم ~~والسير في سبيل الحضارة التي كانوا يسيرون ~~إليها بخطوات سريعة في العصر العباسي الأول، ~~ثم بخطوات بطيئة في العصر الثاني ~~والثالث. ~~(2) # أفادت تلك الحملات الصليبيين فوائد جليلة ~~لأنها أطلعتهم على مقدار الحضارة والتقدم في ~~ديار الإسلام والروم معا. ~~(3) # نقل الصليبيون بعد هذه الحملات صناعات كثيرة ~~عن بلاد الشام ومصر، كصناعة الورق والنسيج ~~والحديد والأسلحة والزيوت. ~~(4) # أفاد الأوروبيون الصليبيون وبخاصة الطليان ~~من بنادقة وجنويين وبيسيين، فوائد مادية ~~جلى في التجارة والاقتصاد من المشرق حتى ~~بعد انتهاء هذه الحروب. ~~(5) # كان من جراء هذه الحروب إيقاد روح التعصب ~~المقيت بين المسلمين ومن في بلادهم من أهل ~~الذمة بعد أن كادت هذه الروح تنمحي، وقد لقيت ~~منها بلاد الإسلام شرا مستطيرا. ~~(6) # استفاد الصليبيون كثيرا من ثقافة العرب ~~والمسلمين فدخلت لغاتهم كثير من الكلمات ~~العربية، وتطعمت آدابهم بالآداب العربية، ~~ونقلوا كثيرا من كتب العلم والفن والحكمة، ms120 من ~~شرح فلسفة أرسطو إلى كتب علم الطبخ والموسيقى ~~والأزياء والأقمشة والزهور والبقول ~~والنبات. ~~(7) # نقل الصليبيون كثيرا من أصول الهندسة ~~البنائية وريازة العمران # Architecture # وتجلى ذلك في كثير من الأبنية من قصور ~~وكنائس التي زخرفوها بالأرابسكا # Arabesques ~~. ~~(8) # نقل الصليبيون كثيرا من عادات أهل الشام ~~ومصر إلى ديارهم، كما تأثر المسلمون ~~بالصليبيين في كثير من عاداتهم في البيوع ~~والتجارة واللباس والطعام. # 14 ~~(2) التجارة الخارجية # قويت في هذه الفترة الصلات التجارية الخارجية بين المسلمين ~~وبين الروم وأوروبة وجزر البحر الأبيض المتوسط قوة واضحة، ~~وكانت تجارات العراق والمشرق تقلع من موانئ صور وطرابلس - أكبر ~~موانئ الساحل الشرقي - إلى سواحل القسطنطينية في بحر إيجة ~~وخليج البندقية، وبحر تيطس (الأسود) وجزر قبرص ورودس ~~وإقريطس. # كان هذا كله قبل الحملات الصليبية، أما بعد أن كانت هذه ~~الحملات، فقد ازدادت الصلات التجارية الخارجية، وتوثقت جدا، ~~ويقول بيكولوتي: «إن أربع موانئ هي: عكا، وبيروت، وطرابلس، ~~واللاذقية، وخمس مدن داخلية هي: الرملة، ودمشق، وحماة، ~~وأنطاكية، وحلب، قد استفادت من التجارة مع اللاتين ولا سيما ~~البيسيين، والجنويين، والطسقانيين، وكلهم إيطاليون، وهذه ~~الجمهوريات الأربع، بيزة وجنوة والبندقية وطسقان، التي كانت ~~تقتسم إيطاليا، هي أول من اتجر مع الشام من أمم الغرب وجاراهم ~~بعض تجار من أهل بلجيكا وإنكلترا، ثم عدلوا لبعد بلادهم. وكان ~~لهؤلاء الطليان والفرنسيين من التجار - أمالفي ومارسيليا - ~~مكاتب تجارة في الإسكندرية، وفي المدن الساحلية والداخلية في ~~الشام يقايضون بواسطتها حاصلات الشرق مع حاصلات الغرب، ولما ~~فتح الجنويون ثم البنادقة جزيرة قبرص، زادت صلات الشام مع هذه ~~الجزيرة التي هي على بعد 93 كيلومترا من ساحل الشام.» # 15 # وعقد صلاح الدين في 15 صفر سنة 569ه/1172م معاهدة ~~تجارية بينه وبين جمهورية بيزا منح البيسيين عدة امتيازات، ~~وتقاضى منهم مقابلها ضرائب معينة. # وكان لأهل الجمهوريات الإيطالية مزايا كثيرة في ديار الشام، ~~كما كانت لهم مراكز في مصر، واعتاد الأوروبيون بعد الحروب ~~الصليبية على كثير من بضائع الشرق الإسلامي وأغذيته، فقويت ~~الصلات بين الجانبين، وأصبحت جزيرة قبرص بمكانة رفيعة لأنها ~~النقطة ms121 المتوسطة بين أوروبة وديار الشام ومنافذ النيل. # قال المؤرخ صالح بن يحيى صاحب تاريخ بيروت: «إن مراكب ~~البنادقة أخذت تتردد إلى بيروت بعد الحروب الصليبية بالمتاجر ~~قليلا قليلا، وكانت مراكب البنادقة تحضر إلى قبرص، فيرسل ~~صاحب قبرص بضائعهم في شونتين # 16 # كانتا له إلى بيروت نقلة بعد أخرى، وكان للقبارصة ~~جماعة فيها، ولهم فيها خانات وحمامات وكنائس ثم بطل ذلك.» وكان ~~على ميناء بيروت دواوين وعمال ومشارفون وشاد # 17 # يوليهم نائب دمشق.» يقول الأب لامنس: «في سنة ~~1136م جاءت مراكب فرنسية وعليها تجار فرنسيون من مرسيليا، ثم ~~أخذت بعض مرافئ فرنسة كمونبيليه وآرل تبعث بسفنها إلى الشرق، ~~وبذلت جنوة جهدها لتبقى لها الأفضلية في التجارة مع الشام، ~~وكانت عكا المرفأ الأعظم أولا بين موانئ الشام وقاعدة التجارة ~~ومركز القناصل العامين، ثم مرافئ صور وطرابلس والسويدية التي ~~كانت تسمى ميناء مارسمعان ثم بيروت، ومنذ القرن الخامس عشر ~~تقدمت بيروت سائر موانئ الشام، أما البضائع التي كان التجار ~~الفرنج ينقلونها إلى بلادهم، فأهمها الحرير والقطن والكتان ~~والأنسجة من حريرية وقطنية ومزركشات ومذهبات وشغوف ومناديل مما ~~يصنع في معامل الموصل وحلب وحماة وحمص ودمشق، وكان الزجاج ~~العراقي والصوري والطرابلسي موضع إعجاب الأوروبيين، فكان ينقل ~~إليهم. وكان للسكر ومصنوعاته والبهارات والتوابل وغير ذلك ~~مما تستورده أسواق حلب من الهند والعجم سوق رائجة في أوروبا. ~~أما السفن التي كانت ترد من أوروبا إلى المشرق فكانت تحمل جوخ ~~الفلاندر والآلاف من حجاج بيت المقدس.» # ومما تجدر الإشارة إليه أن الأوروبيين بدءوا منذ ذلك الحين ~~يقيمون قنصليات لهم في هذه الديار، ويقال إن أول قنصل كان ~~للبنادقة هو «فرنسيسكو واندللو» وكان في دمشق سنة 1384ه، ويقول ~~الأب لامنس: «إن أول ما ورد اسم القنصل في حملة النزالة ~~الجنوبية التي كانت في عكا أواسط القرن الثاني عشر، وأنهم قد ~~دعوه أولا نائب القومص أو القومس # Vicont ~~Vicecong # ثم انتشرت هذه الرتبة في أماكن ~~شتى في النصف الثاني من ذلك القرن، وعرف أصحابها بالقناصل، ~~وأطلق أولا على الإيطاليين، وبعد ms122 زمن طويل صار للفرنسيين ~~قنصل.» ويذكر # Rey # في كتابه: # Les Colonies Francaises en ~~Syrie ~~، ص7 «أن قناصل فرنسة في مدن صور ~~وجبيل وأنطاكية كان لهم الإشراف على الفنادق الموسومة باسمهم، ~~وقد بالغت بعض الجوالي الأجنبية فأقامت لها محاكم خاصة للنظر ~~في قضاياهم التجارية، كما أقاموا سجونا لتنفيذ عقوبات من ~~يحكم عليه من رعاياهم.» # 18 # الفصل السادس # | الوضع العلمي والثقافي # كان هذا العهد - على الرغم من اضطراب السياسة فيه - عهدا زاهيا ~~بالعلم والثقافة والعرفان؛ فقد بلغت مرو وشيراز وبغداد والموصل ~~وحلب ودمشق والقدس والقاهرة درجات رفيعة من العلم في القرنين ~~الخامس والسادس، وكان الخلفاء والسلاطين والأمراء يشجعون أهل العلم ~~ويكرمونهم ويقتنون الكتب ويحسنون إلى مؤلفيها، ويغدقون العطاء ~~عليهم، ولم يكن هذا الإحسان وتلك العناية خاصة بعلماء الدين ~~والعربية والحكمة، بل كان يشمل أهل الفنون والصناعات، وقد رووا أن ~~المعتضد العباسي لما أراد بناء قصره ببغداد استزاد فيه في الذرع ~~بعد أن فرغ من تقدير ما أراد فسئل عن ذلك، فذكر أنه يريده ليبني ~~فيه دورا ومساكن ومقاصير، يرتب في كل موضع رؤساء كل صناعة ومذهب ~~من مذاهب العلوم النظرية والعملية، ويجري عليهم الأرزاق السنية ~~ليقصد كل من اختار علما أو صناعة رئيس ما يختاره، فيأخذ عنه.» # 1 # ولا شك أن في ذلك عناية ما بعدها عناية لأهل الفنون ~~والصنائع من نظرية وعملية، وقد كانت للمعتضد أعمال كثيرة تدل على ~~حسن رعايته لأهل الفنون والعلم. # أما دور العلم ومراكز الثقافة التي وجدت في هذين العنصرين ~~فأجل من أن تحصى في أية بقعة من بقاع الإسلام، ويقال إن أول ~~من حفظ عنه أنه أسس مدرسة في الإسلام هم أهل نيسابور، حيث ~~بنيت «المدرسة البيهقية» ثم «مدرسة الأمير نصر بن سبكتكين»، وكان ~~السلاجقة ووزراؤهم منذ عهد ألب أرسلان من أكثر الناس عناية ببناء ~~المدارس، ومعاهد العلم، لتخريج الفقهاء والعلماء والحكماء ~~والمتكلمين، وقد كانت للوزير العالم الأجل نظام الملك الطوسي تلك ~~المسيرة التي زين بها تاريخ السلجوقية، وهي تأسيس المدارس ~~النظامية في إيران والعراق. # 2 ms123 # وقد زود تلك المدارس بكل ما تحتاج إليه لتخريج ~~الأئمة والعلماء في الدين والأدب والحكمة، ثم تتابع على ذلك أولاده ~~وخلفاؤه من الوزراء حتى عمت إيران والعراق المدارس ودور الكتب. ~~ويقول المستشرق روبن ليفي: «إن المدارس والجامعات الأوروبية الأولى ~~اقتبست بعض تراتيبها التعليمية عن المدرسة النظامية.» # 3 # وقد كان لهذه المدرسة مدرس كبير واحد يختار من كبار ~~أئمة العلم في العصر، ويعينه مدرسان آخران يطلق عليهما اسم ~~«معيد» لتلاوة المحاضرات بعد انتهاء الدرس، وقد وصف لنا الرحالة ~~ابن جبير درسا من دروس النظامية حضره حين زار بغداد سنة 580، # 4 # فممن درس فيها: الإمام أبو إسحاق الشيرازي إمام ~~الشافعية في عصره، والإمام الغزالي، وابن شداد المؤرخ، وقد نجت ~~النظامية من نكبة هولاكو واستمرت تؤدي رسالتها إلى القرن التاسع، ~~ولم نعد بعد هذا الوقت نسمع بأخبارها. # 5 # أما الشام فيظهر أن طرابلس كانت أقدم بلد فيه أسست المدارس؛ ~~فقد رووا أن الأمير القاضي علي بن محمد بن عمار صاحب طرابلس في ~~النصف الثاني من القرن الخامس سنة 472، أسس أول دار حكمة لبث ~~الفقه الشيعي، وكانت البلدة في عهده كعبة العلماء في العصر. # وقالوا إن نور الدين محمود بن زنكي لما استولى على الشام أسس ~~المدارس لأهل السنة والجماعة، وأخذ يستدعي الفقهاء والصوفية ويقيم ~~لهم المدارس والربط في دمشق، وأنه بنى المدرسة العصرونية في حلب ~~لشرف الدين بن أبي عصرون عالم سنجار في سنة 545ه/1127م، وبنى له ~~مدارس أخرى في دمشق ومنبج وحمص وبعلبك، كما بنى لقطب الدين ~~النيسابوري الحكيم الرياضي المفسر، المدرسة العادلية بدمشق # 6 # ويذكر ابن جبير الذي زار دمشق سنة 580ه/1184م أنه كان ~~بها نحو من عشرين مدرسة تقوم بالإنفاق على من يدخل فيها طلبا ~~للعلم، كما ذكر أن مارستاناتها ورباطاتها كانت من مفاخر الإسلام، ~~ويقول إن بها مدرسة للهندسة وثلاث مدارس للطب، # 7 # وبلغت حجرات المدرسة الفخرية بها 360 حجرة، كما يذكر ~~أن عدد مدارس بغداد كان نحوا من «30» مدرسة لشتى أنواع العلم ~~والأدب. # وقد نبغ في الدولة الإسلامية ms124 في هذه الفترة طوائف من الأئمة في ~~علوم الدين والدنيا كانوا وما زالوا مفاخر الإسلام، ممن أنتجتهم ~~هذه المدارس أمثال: # الإمام الغزالي: # الذي تعلم في نظامية نيسابور، ثم قدم بغداد ~~فعكف على التعلم والتعليم في نظامية بغداد نحوا ~~من خمس سنوات، ولما قتل الباطنيون نظام الملك عكف ~~الغزالي على دراسة أحوال هؤلاء القوم وانتقد ~~عقائدهم، وطاف العالم الإسلامي يحاربهم، ثم رجع ~~إلى نيسابور مدرسا في نظاميتها فترة، تلبية ~~لرجاء الوزير فخر الملك بن نظام الملك، ثم اعتزل ~~التدريس قاصدا مسقط رأسه طوس، منصرفا إلى ~~العبادة والتأليف إلى أن مات سنة 505ه. # الرئيس ابن سينا: # الحسين بن عبد الله سنة 428ه/1037م، الإمام ~~الفيلسوف صاحب التآليف في الطب والمنطق والطبيعيات ~~والإلهيات، وأشهرها القانون والشفاء ~~والإشارات. # الحكيم الخيام: # الرياضي الفلكي الشاعر الذي عهد إليه ملكشاه ~~جلال الدين أن يصلح التقويم، فوضع التقويم ~~الجلالي، وله في الفقه والفلسفة والرياضيات آثار ~~جليلة، فضلا عن رباعياته. # الإمام الرازي: # فخر الدين محمد بن عمر سنة 606ه/1210م إمام ~~المفسرين الفيلسوف، وهو عربي قرشي، ولد بالري ~~ورحل إلى خوارزم وألف في التفسير والرياضيات ~~والحكمة والأدب والتصوف. # العالم البيروني: # محمد بن أحمد، أبو الريحان الخوارزمي سنة ~~440ه/1048م الفيلسوف الرياضي المؤرخ أقام في الهند ~~واطلع على فلسفتها وفلسفة اليونان، وله «الآثار ~~الباقية» و«الجماهر» و«تحقيق ما للهند من مقولة» ~~وغيرها. # أبو العلاء المعري: # أحمد بن عبد الله التنوخي 449ه/1057م الشاعر ~~الفيلسوف الأديب الأشهر صاحب الآثار والدواوين ~~الكثيرة الموجود منها: «السقط» و«اللزوم» ~~و«الغفران» و«الملائكة» و«عبث الوليد» و«شرح ديوان ~~ابن أبي حصينة». # الأمير ابن أبي حصينة: # الحسن بن عبد الله 457ه/1065م الأمير الشاعر ~~الأديب المعري شاعر بني مرداس، وقد جمع أبو العلاء ~~ديوانه وشرحه. # الأديب الحريري: # القاسم بن علي أبو محمد 516ه/1122م وهو الأديب ~~الكبير، والإمام اللغوي، صاحب «المقامات» ~~المشهورة، له «درة الغواص» و«ملحة الإعراب» ~~وغيرهما. # الكاتب عبد الرحيم: # بن علي بن السعيد المشهور بالقاضي الفاضل ~~596ه/1200م وزير صلاح الدين وكاتبه ومترجمه، له ~~رسائل عديدة وإنشاءات سياسية وتاريخية لا تزال ~~مخطوطة. # المؤرخ حمزة بن ms125 أسيد: # بن علي التميمي ابن القلانسي 555ه/1160م مؤرخ ~~الشام الثقة، كان أديبا كاتبا شاعرا محدثا، ~~طبع له «ذيل تاريخ دمشق». # المؤرخ غريغوريوس: # بن هارون بن العبري 685ه/1286م مؤرخ سرياني ~~تعلم في أنطاكية، واشتغل بالفلاسفة واللاهوت، ~~وتولى أسقفية حلب، وله «تاريخ الدول»، وكتب في ~~الطب وتفسير الكتاب المقدس. # القاضي يوسف بن رافع: # بن تميم بن شداد الأسدي 632ه/1234م القاضي ~~المؤرخ الأديب، ولاه صلاح الدين قضاء القدس ~~والعسكر وحلب، ومن آثاره النوادر السلطانية في ~~سيرة صلاح الدين. وغيرهم كثير ممن خرجوا من هذه ~~المدارس أو درسوا فيها، وقد كانت هذه المدارس على ~~أنواع، منها للفقه على مذهب واحد من المذاهب ~~الأربعة أو على مذهبين، ومن مدارس المذهبين، وهي ~~في الغالب، الحنفي والشافعي كالمدرسة الأسدية التي ~~بناها في دمشق أسد الدين شيركوه، والمدرسة ~~العذراوية التي بنتها السيدة عذراء بنت صلاح ~~الدين، هناك مدارس للمذاهب الأربعة: كالمستنصرية ~~الكبرى ببغداد والصالحية بمصر. # 8 # ولم تخل حركة من الحركات الفكرية في الإسلام، ولا مذهب من ~~المذاهب العقائدية من وجود مدارس تروج له، وتغذي حركته؛ فقد كانت ~~للقرامطة مدارس وحلقات، كما كانت للباطنية مدارس، ومكاتب ~~ومراصد. # يقول المستشرق «بارتولد» (في تاريخ الحضارة الإسلامية، ص87): «لم ~~تكن حصون الإسماعيليين لتدبير الاغتيالات السياسية فحسب، بل ~~دبرت فيها أمور حضرية، فكانت لمكتبة «آلموت» ومرصدها شهرة ~~واسعة، ونشأ من هذه القلعة عدة علماء قاموا بخدمات جليلة في إيران ~~في العهد المغولي، ومن هؤلاء العلماء نصير الدين الطوسي، صاحب ~~المؤلفات في الفلسفة والهيئة والرياضة، وفي العقائد الشيعية، ورشيد ~~الدين المؤرخ اليهودي الأصل.» # 9 # وكتاب رشيد الدين: «جامع التواريخ» قد ألفه بأمر ~~السلطان غياث الدين خدا بنده محمد، وطلب إليه أن يجمع فيه الروايات ~~والأخبار التاريخية الخاصة بجميع الأمم من الصينيين إلى الإفرنج، ~~وكان يعاونه في عمله هذا رجل مغولي مؤرخ واثنان صينيان عالمان، ~~وراهب بوذي من كشمير، وعدة إيرانيين وراهب فرنسي، وقد حاول رشيد ~~الدين تسجيل الروايات التاريخية كما سمعها بدون تحريف. # 10 # وأما دور الكتب فقد كانت موجودة قديما، ولم يكن ms126 مسجد من ~~المساجد الجامعة منذ القرن الثاني للهجرة (القرن الثامن للميلاد) ~~في العواصم الإسلامية يخلو من خزائن كتب العلم والدين والحكمة، ~~وكان كثير من أهل العلم يوقفون كتبهم على الجوامع كالخطيب ~~البغدادي وأبي نصر المنازي # 11 # وغيرهما، وقد كانت هذه الجوامع تحتوي آلاف الكتب، ولا ~~بأس أن نقف ها هنا وقفة لنقارن بين دور الكتب في الجامع الإسلامي ~~في القرن الثامن للميلاد، وبين خزانة الكتب في الكتدرائية الغربية ~~في أوروبة؛ فقد روى المستشرق متز أنه كان في مكتبة الكاتدرائية ~~بمدينة «كنستانزا» في القرن التاسع «356» كتابا، وفي مكتبة دير ~~«البندكتين » سنة 1032م ما يزيد على «100» كتاب بقليل، وفي خزانة ~~كتب الكاتدرائية في مدينة «بامبرخ» سنة 1130ه «96» كتابا فقط. # 12 # أما في العهد الذي نؤرخه فقد كثرت خزائن الكتب ~~كثرة مدهشة في الجوامع والمدارس والزوايا والربط والبيوت، ~~ويروى أن شرف الملك أبا سعيد محمد بن منصور الخوارزمي بنى خزانة ~~كتب في مدرسة أبي حنيفة سنة 459ه وكانت تحتوي على كتب كثيرة من ~~آثار الجاحظ، وأن الخليفة الناصر نقل إلى المدرسة النظامية سنة ~~589ه قسما من خزانة كتبه ووضعها تحت تصرف الطلاب، كما أن ~~المؤرخين ابن الساعي وابن النجار وقفا كتبهما على هذه ~~المدرسة. # ولم تكن هذه الحركات الثقافية خاصة بدولة السلاجقة؛ فإن الدول ~~الأخرى كالخوارزمية والأتابكية كانت كثيرة العناية بالنواحي ~~الثقافية، على الرغم من انشغالها بالحروب، وقد نبغ تحت رعاية هاتين ~~الدولتين جمهرة من الأدباء والعلماء والشعراء، نذكر منهم: زين ~~الدين أبا إبراهيم إسماعيل بن حسن الجرجاني الذي قصد خوارزم سنة ~~504ه/1110م إثر الدعوة الكريمة التي وجهها إليه قطب الدين ~~خوارزمشاه، وظل هناك إلى أن مات، ومن آثاره كتاب «ذخيرة خوارزمشاه» ~~وهو من كتب الطب والسموم. ومنهم رشيد الدين محمد عبد الجليل البلخي ~~المعروف بالوطواط الأديب الكاتب باللغتين، وقد خدم الخوارزميين ~~أيام أتسز خوارزمشاه سنة 521، وكان يؤلف القصائد والرسائل في هجو ~~السلاجقة خصوم الخوارزمية، كما كان أوحد الدين محمد الأنوري العالم ~~الفلكي والشاعر الأديب، يرد على هذه القصائد والرسائل ويكيل ~~المدح للسلطان ms127 سنجر السلجوقي ويهجو أتسز. # وفي عهد علاء الدين خوارزمشاه سنة 596-617ه نبغ جمهرة من العلماء ~~والأدباء، نذكر منهم: محمد بن قبيس مؤلف «المعجم في معايير أشعار ~~العجم» كتبه بالعربية، ثم ترجمه إلى الفارسية، وكان ابن قبيس من ~~أهالي الري، وقد خدم الدولة الخوارزمية، ثم انتقل إلى خدمة الأتابك ~~سعد بن زنكي سنة 632ه/1225م، ثم إلى ابنه أبي بكر من بعده، # 13 # ثم في عهد جلال الدين منكوبرتي اللذين كانا يشجعان ~~العلم وأهله، على الرغم من اضطراب الوضع السياسي. # ومن هؤلاء العلماء نصرة الدين حمزة بن محمد العالم الأديب الذي ~~ارتقى إلى ولاية تسا، وأسرة الجويني التي نبغ منها بهاء الدين ~~متولي الإدارة المالية في عهد مانجوخان، وعلاء الدين بن بهاء الدين ~~المعروف بعطا ملك، الكاتب العالم الأديب المؤرخ المشهور مؤلف «جهان ~~كشا»، وشمس الدين بن بهاء الدين، وكلهم عالم أديب ومؤرخ أريب. # 14 # ومما تجب الإشارة إليه أن الفنون الجميلة من تزيين المباني ~~والنقش والرسم والنحت والتصوير والخط والموسيقى، قد ارتقت في هذا ~~العصر رقيا ملموسا، وقد ألف المقريزي المؤرخ المشهور كتابا ~~أرخ فيه مصوري المسلمين، ولكن كتابه فقد مع الأسف، ولقد عني ~~المسلمون في هذا العصر بالفنون الجميلة، نظرا لميل أمراء هذا ~~العصر من سلاجقة وخوارزمية وأتابكية إلى هذه الفنون، وممن نبغ في ~~الخط ياقوت المستعصمي، وإليه ينسب الخط الياقوتي، ومن آثاره بعض ~~المصاحف والكتب الرائعة في خطها. # الفصل السابع # | في الوضع الاجتماعي # (1) العاصمة. (2) السكان. (3) الأخلاق. (4) ~~الملابس. ~~*** ~~(1) العاصمة # تعددت العواصم في هذه الفترة، فذهبت عن بغداد نضارتها، ~~وعمتها الكآبة والخراب لما مر عليها من صروف الدهر ونكبات ~~الأيام. وقد صورها لنا الرحالة ابن جبير الذي زارها في سنة ~~580ه، فقال: «هذه المدينة العتيقة، وإن لم تزل حضرة الخلافة ~~العباسية ومثابة الدعوة الإمامية القرشية الهاشمية، قد ذهب ~~أكثر رسمها ولم يبق منها إلا شهير اسمها، وهي بالإضافة إلى ~~ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها، والتفات أعين النوائب ~~إليها، كالطلل الدارس والأثر الطامس، فلا حسن فيها يستوقف ~~البصر، ويستدعي من ms128 المستوفز العقلة والنظر، إلا دجلتها التي ~~هي بين شرقيها وغربيها منها كالمرآة المجلوة بين صفحتين أو ~~العقد المنتظم بين لبتين ... أما الجانب الغربي فقد عمه ~~الخراب، واستولى عليه، وكان المعمور أولا، وعمارة الجانب ~~الشرقي محدثة لكنه مع استيلاء الخراب عليه، يحتوي على سبع عشرة ~~محلة، كل محلة منها مدينة مستقلة، في كل واحدة منها الحمامان ~~والثلاثة، والثماني منها بجوامع يصلي الجمعة، فأكبرها القرية، ~~ثم الكرخ وهي مدينة مسورة، ثم محلة باب البصرة، وهي أيضا ~~مدينة وبها جامع المنصور، ثم الشارع وهي أيضا مدينة، فهذه ~~الأربع أكبر محلات ... وأما الشرقية فهي دار الخلافة ... قد اتخذ ~~فيها المناظر المشرفة، والقصور الرائعة، ~~والبساتين الأنيقة، ~~والشرقية حصينة الأسواق، عظيمة الترتيب، وبها من الجوامع ~~ثلاثة: جامع الخليفة، وجامع السلطان، وجامع الرصافة، وحماماتها ~~لا تحصى عدة، ذكر لنا أحد أشياخ البلد أنه بين الشرقية ~~والغربية نحو الألفي حمام، وأكثرها مطلية بالقار مسطحة به، ~~فيخيل للناظر أنه رخام أسود صقيل لكثرة القار عندهم، والمدارس ~~بها نحو الثلاثين، وهي كلها بالشرقية، وما منها مدرسة إلا وهي ~~يقصر القصر البديع عنها، وأعظمها وأشهرها «النظامية».» # 1 ~~(2) السكان # كان سكان بلاد الإمبراطورية الإسلامية في هذا العهد هم ~~سكانها الذين حدثناك عنهم في العهد السابق، إلا أن العناصر ~~البارزة منهم هي العناصر الطورانية؛ فالسلاجقة والخوارزمية ~~والأتابكية هم من التركمان والأتراك الطورانيين الذين كانت ~~ديارهم في تركستان مما وراء النهر، ثم انثالوا منه إلى إيران ~~فالشرق الأوسط، وهم قوم أشداء محاربون، عرفوا بذلك منذ زمن ~~الجاحظ، فقد أطنب في رسالته التي ألفها عنهم في تفضيلهم، ~~وبيان مزاياهم وشجاعتهم حتى يقول: «ومزية الأتراك في الحروب، ~~وهم كذلك أصحاب عمد، وسكان فياف، وأرباب مواش، وهم أعراب ~~العجم، كما أن هذيلا أكراد العرب، لم تشغلهم الصناعات ولا ~~التجارات ولا الطب والفلاحة والهندسة ولا غراس ولا بنيان، ولا ~~شق أنهار ولا جباية غلات، ولم يكن همهم غير الغزو والغارة ~~والصيد وركوب الخيل ومقارعة الأبطال وطلب الغنائم، وتدويخ ~~البلاد، ولذتهم في الحروب، وهي فخرهم وحديثهم وسمرهم، وقد ~~اتصفوا ms129 بالصفات التي تستتبع النجدة والفروسية من الكرم وبعد ~~الهمة وطلب الغاية والحزم والعزم والصبر.» وعلى الجملة فقد كان ~~لهؤلاء الأتراك - من تركمان وديلم وخوارزم - سلطان كبير في هذا ~~العهد الذي نؤرخه. # ومن سكان الإمبراطورية الإسلامية في هذا العهد الصليبيون من ~~أمم أوروبا فقد أقاموا في الشام قرنين، اختلطوا فيها بالسكان، ~~وعلى الرغم من الفتن والحروب بين الطرفين؛ فإن كلا من ~~الجانبين قد أثر في الجانب الآخر، وأفاد من مزاياه وتضرر ~~بعيوبه، وقد فصلنا ذلك في كلامنا على نتائج الحملات ~~الصليبية. يقول ابن جبير إنه كان بين الجانبين حد يعرف بحد ~~المقايسة، فهم يتشاطرون الغلة على استواء ومواشيهم مختلطة لا ~~حيف يجري بينهم فيها. # 2 # وقد كان هؤلاء الصليبيون ثلاث طبقات: ~~(1) # طبقة العبيد الذين كان يحضرهم التجار الجنويون ~~والبنادقة إلى الشام من جورجيا وروسيا وأرمينية، ~~وكان هؤلاء على شر حالة، ولم يكن الصليبيون يسمحون ~~ببيع الرقيق المسيحي إلى المسلم، والعكس بالعكس، ~~وكان الأسرى من الجانبين، المسلمين والصليبيين، ~~يعاملون معاملة الرقيق، إلا في حالات خاصة كأن ~~يكون الأسير شريفا أو شخصية معروفة. ~~(2) # طبقة التجار والزراع والموظفين، وقد كان هؤلاء ~~موضع احترام الجانبين من مسلمين وصليبيين. ~~(3) # طبقة الأشراف والنبلاء ورجال الكنيسة وهؤلاء ~~كانوا يعيشون في ترف ويسر، ولهم إقطاعات وقد ~~جمعوا ثروات ضخمة، وكانت لهم قصور فخمة لا تقل عن ~~قصور أمراء المسلمين رونقا وفخامة. # 3 # ومن طرائف أخبار الصليبيين والمسلمين أنهم كثيرا ما كانوا ~~يتناسون أحقادهم وتراثهم في الحروب ويجتمعون معا في الحفلات ~~العامة من أعراس وولائم، وقد حفظ لنا أسامة بن منقذ الأديب ~~الشاعر والكاتب المعاصر، وأحد فرسان المسلمين وأدبائهم في أيام ~~الصليبيين في «كتاب الاعتبار» صورا رائعة من الصلات ~~الاجتماعية بين الجانبين، كما يذكر الرحالة ابن جبير أنه حضر ~~إحدى حفلات لزواج صليبي في صور، ووصفها لنا وصفا دقيقا، ~~فقال: «إن الرجال والنساء قد اصطفوا صفين عند باب العروس وراحت ~~الأبواق والمزامير وجميع الآلات اللهوية حتى خرجت العروس ~~تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال، كأنهما من ذوي ~~أرحامها، وهي ms130 في أبهى زي وأفخر لباس، تسحب أذيال الحرير المذهب ~~سحبا على الهيئة المعهودة من لباسهم، وعلى رأسها عصابة من ذهب ~~قد حفت بشبكة ذهب منسوجة، وعلى لبتها مثل ذلك منتظم، وهي ~~رافلة في حليها وحللها تمشي فترا في فتر، وأمامها جلة رجالها ~~من النصارى في أفخر ملابسهم، ووراءها أكفاؤها ونظراؤها من ~~النصرانيات، يتهادين في أنفس الملابس، وقد تقدمهم المسلمون ~~وسائر النصارى من النظار قد عادوا في طريقهم محاطين يتطلعون ~~ولا ينكرون عليهم، فساروا حتى أدخلوها في دار بعلها. # 4 # وكان جمهور المسلمين يؤاخي الصليبيين وربما صلوا ~~في بقعة واحدة كل يقوم بشعائره. # 5 # ويحدثنا أسامة بن منقذ: أنه وجد في بيت المقدس ~~أيام أخذ النصارى إياه، أنهم بنوا في أحد أجزائه كنيسة لهم، ~~وأن أسامة زارها، وكان المسجد الأقصى تحت حماية الداوية من ~~الصليبيين، وكانت بين أسامة وبينهم مودة، فإذا زارهم أكرموه، # 6 # وكانت له معهم ومع أمرائهم أخبار وقصص تدل على ~~الصداقة والمودة الصحيحة، وقد ضمن ذلك في كتابه «الاعتبار». # 7 ~~(3) الأخلاق # ضعف الوازع الديني هذه الفترة في الإمبراطورية الإسلامية ~~لتكالب الناس على الدنيا، وتلبية الشهوات النفسية، وفشو ~~الباطنية المشككين في الأديان الداعين إلى الانسلاخ من تعاليم ~~الإسلام وشعائره، وقد رأينا طرفا من ذلك فيما مضى. # تجدر الإشارة ها هنا إلى أن وجود الملاحدة قد قوى من جانب ~~آخر الروح الدينية عند جماعة من المسلمين حينما رأت فساد هؤلاء ~~وبعدهم عن الدين، فازدادت تعلقا به، وغالت في عبادة الله ~~والانصياع لأوامره وإقامة شعائره، وهم الصوفية والزهاد الذين ~~قويت حركتهم في أواخر العصر العباسي، وبخاصة تحت ظل الخوارزمية ~~والأتابكية. وكان على رأس هؤلاء المتصوفة جماعة منهم الشيخ عبد ~~الكريم بن هوازن القشري 437ه/1045م (مؤلف الرسالة القشرية)، ~~والإمام الغزالي، ومحيي الدين بن عربي، والجيلي، وابن الفارض، ~~وسعدي، وحافظ الشيرازيان. # ومن مظاهر الأخلاق التي أراد المصلحون تقويمها بها «حركة ~~الفتوة» التي رعاها الخليفة الناصر لدين الله وشجع عليها ~~ووجه الشبان إليها ليتركوا حياة الترف والفساد، ويتمرنوا على ~~جهاد النفس، وينخرطوا في فرق ms131 الجندية التي تقوي أجسادهم ~~وتهيئهم للقاء العدو بعد تلك الميوعة والتخنث والفساد الذي ~~صاروا إليه. ~~(4) الملابس # كان من نتائج اتصال الشرق بالغرب بعد الحملات الصليبية أن ~~تشبه الصليبيون بالمسلمين في ملابسهم، كما أن كثيرا منهم ~~تزوجوا نصرانيات أرمنيات أو عربيات، ولا شك في أن ذلك البيت ~~المختلط قد أصبح أثاثه ولباس أهله مختلطا كذلك، فقد أخذ ~~الصليبيون عن المسلمين استعمال «الكوفية» ووضعوها حول القبعة ~~القصيرة الجوانب وعمدوا إلى إطالة ملابسهم وتحليتها بالجواهر ~~والأحجار الكريمة على عادات الشرقيين، وصاروا يلبسون ~~«الكلوتة»، وهي نوع من ألبسة الرأس تشبه الطربوش ويؤثر عن ~~«بلدوين» الأول (سنة 1110-1118م) أنه كان على الرغم من قرب ~~عهده ببلاده كان يؤثر الألبسة الإسلامية، # 8 # وكانت السيدات الصليبيات يأخذن عن النساء المسلمات ~~كثيرا من ألبستهن وأنماط زينتهن، فكن يطلن الثياب ويجرجرن ~~أذيالهن، حتى إن بعض الأسر الصليبية صارت تفرض على بناتها إذا ~~بلغن الحلم، أن يضربن بخمرهن على وجوههن، ويمنعنهن أن يخرجن ~~سافرات، بل إنهم ما كانوا يسمحون لهم بالخروج من البيوت إلا ~~للضرورة كالذهاب إلى الكنيسة والحمام، كما كان حال المسلمات ~~اللواتي لم تكن تسمح لهم إلا بالذهاب إلى المساجد والحمامات. ~~وربما نقل بعض الصليبيين عادات المسلمين إلى بلادهم؛ فقد روى ~~المؤرخ روي # Rey ~~: أن نساء ~~الطبقة الوسطى من أهل البندقية كن يعشن عيشة شرقية خالصة، بل ~~إنهن ما كان يسمح لهن بالخروج إلى الكنائس نظرا لوجودها ~~ملحقة في قصورهن. # 9 # وأخذ الصليبيون من المسيحيين صناعة السيوف والأسلحة الأخرى، ~~وصاروا يتزينون بهذه الأسلحة، وكانت دمشق والقاهرة مشهورتين ~~بصنع السيوف والرماح. # 10 # أما بعد؛ فهذه صورة مجملة عن الأمة العربية الإسلامية في ~~العصر الذي نؤرخه، وهي كما ترى صورة قاتمة من بعض النواحي ~~مشرقة من بعضها الآخر، ولكنها على كل حال صورة واضحة الملامح ~~بقيت فيه الشخصية العربية الإسلامية ظاهرة القسمات. # أما فيما بعد هذا العصر، وهذا ما سنكشفه لك في الجزء المقبل، ~~فقد تبدلت الأحوال من سيئ إلى أسوأ. ms132