######OpenITI# #META# URI: 1379MuhammadAscadTalas.TarikhUmmaCasrIntilaq.Hindawi70427368 #META# Tags: history #META# ID: 70427368 #META# Title: عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) #META# AuthorID: 35030937 #META# Author: محمد أسعد طلس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الباب الأول‏ # 1 - القسم الأول من العهد المكي‏ # 2 - القسم الثاني من العهد المكي‏ # 3 - في القرآن المكي‏ # 4 - في العبادات والمعاملات والواجبات التي شرعت في العهد ~~المكي‏ # الباب الثاني‏ # 1 - في خروج النبي من مكة واستقراره بالمدينة‏ # 2 - في الأحداث العسكرية لسنوات الهجرة الخمس الأولى‏ # 3 - في الأحداث السياسية والعسكرية منذ السنة السادسة للهجرة إلى ~~وفاة النبي‏ # 4 - في شعائر الإسلام وأحكامه‏ # الباب الثالث‏ # 1 - اليهود‏ # 2 - النصارى‏ # 3 - المنافقون‏ # الباب الرابع‏ # 1 - في مبادئ الإسلام‏ # 2 - في أحكام الإسلام‏ # الباب الخامس‏ # 1 - الوثيقة المدنية وتحليلها‏ # 2 - في التراتيب الإدارية‏ # الباب السادس‏ # 1 - في أحوال النبي الخاصة‏ # 2 - في زوجاته وأولاده‏ # الباب الأول‏ # 1 - القسم الأول من العهد المكي‏ # 2 - القسم الثاني من العهد المكي‏ # 3 - في القرآن المكي‏ # 4 - في العبادات والمعاملات والواجبات التي شرعت في العهد ~~المكي‏ # الباب الثاني‏ # 1 - في خروج النبي من مكة واستقراره بالمدينة‏ # 2 - في الأحداث العسكرية لسنوات الهجرة الخمس الأولى‏ # 3 - في الأحداث السياسية والعسكرية منذ السنة السادسة للهجرة إلى ~~وفاة النبي‏ # 4 - في شعائر الإسلام وأحكامه‏ # الباب الثالث‏ # 1 - اليهود‏ # 2 - النصارى‏ # 3 - المنافقون‏ # الباب الرابع‏ # 1 - في مبادئ الإسلام‏ # 2 - في أحكام الإسلام‏ # الباب الخامس‏ # 1 - الوثيقة المدنية وتحليلها‏ # 2 - في التراتيب الإدارية‏ # الباب السادس‏ # 1 - في أحوال النبي الخاصة‏ # 2 - في زوجاته وأولاده‏ # | عصر الانطلاق # | عصر الانطلاق # | تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) # تأليف # محمد أسعد طلس # يشتمل على سيرة النبي الكريم # صلى الله عليه وسلم ~~. # | الباب الأول # البعثة النبوية # ينقسم عهد النبوة إلى قسمين، يتميز كل قسم منها بطابع خاص؛ ~~فالأول منذ البعثة إلى إسلام حمزة وعمر، والثاني منذ إسلام حمزة ~~وعمر إلى الهجرة. ويتميز كل من القسمين بطابع خاص، ونبدأ كلامنا ~~عن القسم الأول فنقول ... # الفصل الأول # | القسم الأول من العهد المكي # كانت البعثة النبوية المحمدية وأول نزول الوحي في رمضان من السنة ~~الثالثة عشرة قبل الهجرة، الموافقة لسنة 570م، وكان له # صلى الله عليه وسلم # من ~~العمر ms001 أربعون سنة؛ قال محمد بن إسحق: # 1 # لما بلغ محمد رسول الله أربعين سنة بعثه الله تعالى ~~رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا، وأول ما بدئ به الرؤيا ~~الصادقة، وحبب إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو ~~وحده ... وكان يجاور في غار حراء في كل سنة شهرا، وكان ذلك مما ~~تتحنث به قريش في الجاهلية ... وكان رسول الله يجاور ذلك الشهر في ~~كل سنة يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره كان ~~أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره أن يأتي الكعبة قبل أن يدخل ~~بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، ~~حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته من السنة ~~التي بعثه الله تعالى فيها، وذلك بشهر رمضان، خرج رسول الله إلى ~~حراء كما كان يخرج لجواره، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله ~~فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله تعالى. # قال رسول الله: «فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، ~~فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم ~~أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه ~~أن يعود لي بمثل ما صنع بي. فقال: # اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق * خلق ~~الإنسان من علق * اقرأ وربك ~~الأكرم * الذي علم ~~بالقلم ~~. فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عني، وهببت من ~~نومي فكأنها كتبت في قلبي كتابا، فخرجت حتى إذا كنت وسط الجبل ~~سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. ~~قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف ~~قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. ~~قال: فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في ~~آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت ~~واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي، ms002 حتى بعثت خديجة رسلها ~~في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا واقف مكاني، ثم انصرف ~~عني، فانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها ~~مصغيا إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله ، لقد بعثت ~~رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي. ثم حدثتها بالذي ~~رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني ~~لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم ~~انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به الرسول أنه رأى ~~وسمع، فقال: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن صدقتني يا خديجة ~~فلقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه ~~الأمة، فقولي له أن يثبت.» # فرجعت خديجة إلى رسول الله فأخبرته بقول ورقة، فلما قضى رسول ~~الله جواره وانصرف صنع كما كان يصنع؛ بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ~~ورقة ابن نوفل وهو يطوف بالكعبة، فقال له: يا ابن أختي، أخبرني بما ~~رأيت. فأخبره، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد ~~جاءك الناموس الأكبر، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه، ~~ولئن أنا أدركت ذلك اليوم فلأنصرن الله نصرا يعلمه. # 2 # وشرع رسول الله في تبليغ رسالته إلى من يثق به من أهله ~~وخاصته؛ فأول من أسلم به السيدة خديجة وعلي بن أبي طالب وزيد بن ~~حارثة مولى محمد، وأول ما فرض الله على المسلمين الوضوء والصلاة، ~~وكانت في اليوم صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل الغروب، وكانت ~~الصلاة ركعتين ركعتين، ولم تجعل أربعة إلا بعد الإسراء. ثم أسلم ~~أبو بكر الصديق وكان رجلا محببا في قومه فاضلا ناسبا خيرا ~~تاجرا، وكان الرجال يقصدونه، فجعل أبو بكر يدعو الناس إلى ~~الإسلام، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد ~~الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فكان هؤلاء ~~الثمانية الذين سبقوا بالإسلام، فصلوا وصدقوا رسول الله. # ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن الجراح، والأرقم بن أبي الأرقم، وأبو ~~مسلمة عبد ms003 الله بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد ~~الله، ثم تتابع الناس يدخلون في دين الله، حتى فشا الإسلام في مكة ~~بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية. ولم يتعرض أهل مكة للمسلمين ~~أول الأمر إلى أن جهر محمد بالدعوة تلبية لقوله تعالى: # فاصدع بما تؤمر ~~، فأخذ يصدع ~~بدعوته، ثم لما نزلت الآية: # وأنذر ~~عشيرتك الأقربين * واخفض ~~جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ~~، فدعا ~~الرسول بني عبد المطلب إلى طعام صنعه علي بن أبي طالب، وتكلم ~~الرسول فقال: «يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا في ~~العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة.» # 3 # ثم دعا بطون قريش من فوق جبل الصفا بظاهر مكة، فلما ~~اجتمعت إليه قال: «لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير ~~عليكم، أكنتم تصدقونني؟» قالوا: نعم. فقال: «إني نذير لكم بين ~~يدي عذاب شديد.» فقال أبو لهب: تبا لك! ألهذا جمعتنا؟ # ثم تفرقوا، فأخذ الرسول يسفه أحلامهم وينتقد أصنامهم وينكر ~~آلهتهم فيعيبها، فناكروه وأجمعوا أمرهم على خلافه وعداوته، فمضى ~~محمد على أمر الله مظهرا لدينه لا يرده عنه شيء، فلما رأت ~~قريش أن الرسول لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من عيب آلهتهم، ورأوا ~~أن عمه أبا طالب حدب عليه وقام دونه، جاء رجال من أشراف قريش إلى ~~أبي طالب؛ وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وأبو ~~البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، وأبو جهل بن هشام، والوليد بن ~~المغيرة، والعاص بن وائل، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد ~~سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن ~~تكفه عنا أو أن تخلي بيننا وبينه، فأنت على مثل ما نحن عليه ~~من خلافه فنكفيكه. فقال لهم قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، ~~ثم إنهم عادوا إليه ثانية فقالوا له: إن لك شرفا وسنا ومنزلة ~~فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله ~~لا نصبر على هذا من شتم ms004 آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى ~~تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. ثم ~~انصرفوا، فعظم ذلك على أبي طالب، وكره فراق قومه وعداوتهم، فبعث ~~إلى محمد وقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا وكذا، ~~فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن ~~الرسول أنه قد بدا فيه بدو، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف ~~عن نصرته والقيام معه، فقال له: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في ~~يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو ~~أهلك فيه ما تركته.» ثم بكى وقام، فناداه أبو طالب فقال: يا ابن ~~أخي. فأقبل عليه فقال له: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله ~~لا أسلمك لشيء أبدا. # وعلمت قريش بذلك فمشت إليه بعمارة بن الوليد، فقالت: هذا أنهد ~~فتى في قريش وأجمله، فاتخذه ولدا وأسلم إلينا ابن أخيك الذي ~~خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك فنقتله. فقال: لبئسما ~~تسومونني! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا ~~والله ما لا يكون. ثم حميت الفتنة بين الجانبين، وطلبت قريش من ~~قبائل الرجال الذين أسلموا أن يعذبوا أولئك الرجال ويفتنوهم عن ~~دينهم، واتفقت كلمة قريش والقبائل على بني هاشم وبني المطلب، إلا ~~أبا لهب؛ فإنه خرج عن قومه، وتحملت بنو هاشم وبنو المطلب كثيرا ~~في سبيل نصرتهم. # ثم إن نفرا من قريش اجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا ~~سن ومكانة فيهم، فقالوا له: قد حضر موسم الحج، وإن وفود العرب ~~ستقدم إليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فأجمعوا على رأي ولا تختلفوا ~~فيكذب بعضكم بعضا؛ فماذا تقول يا وليد؟ فقال: قولوا أسمع. ~~قالوا: نقول كاهن. قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان ~~فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول مجنون. قال: ما هو ~~بمجنون. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر ~~كله رجزه وهزجه، وقريضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: ms005 فنقول ~~ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ~~ولا عقدهم. قالوا: فما نقول يا أبا عبد الشمس. قال: والله إن لقوله ~~حلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وإن أقرب القول فيه أن ~~تقولوا هو ساحر. فجعلوا لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا ~~لهم أمره. وشاع أمر رسول الله يومئذ بعد رجوع الناس من الموسم؛ ~~ولا سيما في «يثرب». # ثم إن قريشا ضاقت ذرعا بمحمد وأصحابه، فأخذت تؤذيه بالقول ~~وتسلط عليه سفهاءها يغمزونه ببذيء القول ويسخرون منه، وهو صامد ~~في دعوته مؤمن برسالته يستغفر لقبيلته، ويقول: «اللهم اغفر لقومي ~~فإنهم لا يعلمون.» ثم إن قريشا أخذت تقسو في مجابهتها للنبي ~~وجماعته، فأخذوا يعذبون فقراء المسلمين ويضربون مستضعفيهم ~~ويجيعونهم ويعطشونهم، وممن عذبوهم آل عمار بن ياسر هو وأبوه ~~وأمه؛ فكانوا يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء، فيمر بهم ~~الرسول فيقول: «صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.» # 4 # وكان أبو جهل إذا سمع بإسلام رجل من ذوي الشرف أنبه ~~وأهانه في المجالس العامة، أما الفقراء والمستضعفون فقد لقوا منه ~~ومن أمثاله عناء كبيرا، ولكن المسلمين لم يكونوا يحفلون بهذا ~~الأذى، بل ظلوا يتابعون القيام بصلواتهم علنا في فناء الكعبة # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن ~~إلى ربك الرجعى * أرأيت الذي ~~ينهى * عبدا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * ~~أو أمر بالتقوى * أرأيت إن ~~كذب وتولى * ألم يعلم بأن ~~الله يرى * كلا لئن لم ينته ~~لنسفعن بالناصية * ناصية ~~كاذبة خاطئة * فليدع ناديه ~~* سندع الزبانية * كلا لا تطعه واسجد واقترب ~~(سورة ~~العلق: 6-19). فنحن نرى من هذه الآيات الكريمات عتابا شديدا ~~وتهديدا مقذعا لمن يمنعون المسلمين من الصلاة في حمى الله، ~~واستهانة بمن يظنون أنفسهم قادرين على منع المسلمين من الوقوف بين ~~يدي الله في بيت الله، ولو كانوا وجهاء أو أشرافا أو أغنياء أو ~~زعماء. # وقد لقي النبي نفسه من سفهاء مكة مزعجات كثيرة؛ منها أن سفهاءهم ~~حثوا التراب على رأسه، ومنها أنهم ms006 كانوا ينضدون الفرث والأرواث ~~والدماء على ثيابه، ومنها بصق أمية بن خلف في وجهه، ومنها وطء عقبة ~~بن أبي معيط على رقبته وهو ساجد عند الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان، ~~ومنها أخذ بعض سفهائهم برقبته وخنقه خنقا شديدا حتى أنقذه أبو ~~بكر فجذبوا رأسه ولحيته وسقط أكثر شعره. أما السب والشتم والهجو ~~الذي كان يسمعه إياه سفهاؤهم، فشيء كثير جدا. # 5 # وكان شر هؤلاء السفهاء عليه أبو جهل (أبو الحكم) بن ~~هشام، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. ومن شر ما قام به أبو ~~جهل أنه مر مرة برسول الله وهو عند الصفا يدعو إلى دين الله ~~ويبتهل إليه أن يهدي قومه، فآذاه وشتمه ونال منه بما يكره، وشتم ~~دينه، فلم يكلمه رسول الله وانصرف لطيته، وشهد الأمر مولاة لعبد ~~الله بن جدعان، فحزنت لما أصاب محمدا من أبي جهل، ولم تمض فترة ~~حتى جاء حمزة بن عبد المطلب متوشحا قوسه راجعا من قنص له، ~~وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى ~~أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من ~~قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش وأشدهم ~~شكيمة، فلما مر بالمرأة قالت: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن ~~أخيك آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده هنا جالسا فآذاه وسبه ~~وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد. # فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى ولم ~~يقف على أحد، معدا لأبي جهل، فلما دخل المسجد نظر إليه فوجده ~~جالسا في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه ~~به فشجه شجا منكرا، ثم قال: أوتشتمه وأنا على دينه أقول ما ~~يقول؟ فرد ذلك علي إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم إلى ~~حمزة ينصرون أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد ~~سببت ابن أخيه سبا قبيحا. ثم ms007 أقبل إلى حمزة يلاطفه، فتركه ~~وانصرف. قال حمزة: ولما قلت لأبي جهل ما قلت أدركني الندم على ~~مفارقتي دين آبائي وقومي، وبت من الشك في أمر عظيم، لا أكتحل ~~بنوم، ثم أتيت الكعبة وتضرعت إلى الله سبحانه أن يشرح صدري للحق ~~ويذهب عني الريب، فما استتممت دعائي حتى زاح عني الباطل وامتلأ ~~قلبي إسلاما، فغدوت إلى رسول الله فأخبرته بما كان من أمري، فدعا ~~لي بأن يثبتني الله. # 6 # فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن محمدا قد عز وامتنع، وأن حمزة ~~سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. ثم إن أكابر قريش ~~أجمعوا أمرهم بعد أن رأوا من إسلام حمزة ما أرغمهم على أن يفاوضوا ~~محمدا، فقال عتبة بن ربيعة، وكان من عقلائهم ووجوههم: ألا أقوم ~~إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل فنعطيه ما يشاء ~~ويكف عنا؟ ثم إنه أتى رسول الله فقال له: يا ابن أخي، إنك منا ~~حيث علمت من البسط في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت ~~قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به ~~آلهتهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا ~~انظر فيها لعلك ترضى ببعضها. فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «قل يا أبا ~~الوليد أسمع.» فقال: يا ابن أخي، إن كنت تريد بما جئت به من هذا ~~الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت ~~تريد به شرفا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك، وإن ~~كان هذا الذي يأتيك تابعا ورئيسا من الجن لا تستطيع رده عن ~~نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب ~~التابع على الرجل حتى يداوى منه. فقال رسول الله: «قد فرغت يا أبا ~~الوليد؟» قال: نعم. قال: «استمع مني: بسم الله الرحمن ~~الرحيم. # حم * تنزيل ~~من الرحمن الرحيم * كتاب ~~فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ~~* بشيرا ونذيرا فأعرض ~~أكثرهم فهم لا يسمعون * ~~وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا ms008 ~~إليه ~~...» ثم مضى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقرؤها، وعتبة ~~قد أنصت وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما، ثم انتهى رسول الله ~~إلى السجدة فسجد، وقال: «لقد سمعت يا أبا الوليد، فأنت وذاك.» فقام ~~عتبة ولم يتكلم، ثم قصد قومه حتى إذا رأوه قالوا لبعضهم: نحلف بأنه ~~لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قال: ~~لقد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا ~~السحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين ~~هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، والله ليكونن لقوله الذي ~~سمعته نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على ~~العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم به أسعد الناس. فقالوا: ~~سحرك والله يا أبا الوليد. فقال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم. # 7 # ثم إن الإسلام أخذ يفشو وعظماء قريش يتميزون من الغيظ، ثم إن ~~قريشا اجتمعت وتشاورت في أمر محمد وعزمت على التخلص منه، فقال أبو ~~جهل: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ~~وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا ~~بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني ~~عند ذلك أو امنعوني. فقالوا: والله لا نسلمك أبدا، فامض لما ~~تريد. فلما أصبح أخذ حجرا وقصد الكعبة، وكان الرسول يصلي بين ~~الركنين البراني والأسود ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، ~~فلما سجد محمد احتمل أبو جهل الحجر وهجم نحو محمد، فلما دنا منه ~~رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا، وقد يبست يداه حتى قذف الحجر من ~~يده، وقامت إليه قريش فسألته عما به، فقال: لما دنوت منه عرض لي ~~دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا أنيابه، فهم ~~بي أن يأكلني فتراجعت. # ثم إن قريشا فكرت تفكيرا آخر، فطلبت إلى النضر بن الحارث - ~~وكان من شياطين قريش كان قدم الجبرة وتعلم أحاديث ملوك الفرس ~~وقصص إسفنديار، ms009 وكان إذا سمع القرآن قام فقال: يا معشر قريش، هلم ~~إلي أحدثكم حديثا أحسن من حديثه - فطلبت إليه قريش أن يتوجه ~~إلى أحبار يهود المدينة ومعه عقبة بن أبي معيط، فلما وصلا المدينة ~~ووصفا محمدا للأحبار وأسمعاهم بعض قوله، قال لهم الأحبار: سلوه عن ~~ثلاث، فإن أخبركم بهن فهو نبي: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر ~~الأول ما كان أمرهم، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ~~ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح. ثم جاءوا رسول الله فسألوه ~~عن الأسئلة الثلاثة، فقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «أجيبكم غدا.» ثم إنه مكث خمس ~~عشرة ليلة لا يأتيه الوحي، فأخذت قريش تتقول الأقاويل، فحزن رسول ~~الله حتى جاءه جبريل بسورة الكهف، وفيها معاتبة من الله على حزنه ~~وتفصيل جواب ما سألوه عنه. ولكن سفهاء قريش وزعماءها وأحلافهم ~~استمروا في خصومتهم العنيفة، وأخذت كل قبيلة تنابذ من أسلم من ~~أبنائها وتؤذيهم بعنف وقسوة؛ وبخاصة المستضعفون؛ فإنهم كانوا ~~يلبسونهم أدراع الحديد حتى ينطقوا بكلمة الكفر وقلبهم مفعم ~~بالإيمان، إلا نفرا تحملوا الأذى الشديد ولم ينطقوا بكلمة ~~الكفر؛ ومنهم بلال مولى أبي بكر الذي قبض عليه أمية بن خلف وأخذ ~~يعذبه بقسوة ووحشية يريده أن يكفر بالله ويعبد اللات والعزى، ~~فيرفض وهو متحمل لأشد العذاب. وممن لقي أشد البلاء أيضا عمار بن ~~ياسر وأمه وأبوه، وأم عميس، وعامر بن فهيرة، وزنيرة وأعتق النهدية ~~وابنتها. ~~(1) الهجرة إلى الحبشة # لما رأى الرسول تعذيب هؤلاء المستضعفين وأنه لا يقدر على ~~نصرتهم، قال للمسلمين: «من أراد أن يخرج بنفسه مهاجرا إلى ~~أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، حتى يجعل الله ~~لنا فرجا.» فخرج نفر من المسلمين إلى الحبشة مهاجرين، وكان ~~ذلك في السنة السادسة للبعثة، وهي أول هجرة في الإسلام، وكان ~~فيها من الوجوه عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت الرسول، وأبو ~~حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام، ~~ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو مسلمة بن عبد الأسد ms010 ~~المخزومي، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وأبو سبرة بن أبي ~~رهم، وسهيل بن بيضاء، وجعفر بن أبي طالب، وزوجه أسماء بنت ~~عميس، وغيرهم. فودعهم الرسول وجعل عليهم عثمان بن مظعون، # 8 # وبلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلا، فرحب بهم ~~النجاشي وأمنهم وأحسن إليهم، فاستقروا هناك واطمأنوا. ولكن ~~هذا الأمر أقض مضاجع قريش، فبعثت وفدا إلى النجاشي ~~وبطارقته، فذهب، وكان قوامه عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن ~~العاص، وحملا هدايا كثيرة إلى النجاشي وبطارقته، فلما وصلا ~~إليه قالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء ~~فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه ~~لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا فيهم إليك أشراف قومهم ~~لتردهم عليهم؛ فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوه عليهم ~~وعاتبوهم. فقالت البطارقة: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم ~~عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم. فلما سمع النجاشي ~~كلامهم غضب، ثم قال: لا والله لا أسلمهم حتى أدعوهم وأسألهم. ~~ثم أرسل إليهم فجاءوا، فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه ~~قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الملل؟ فكلمه ~~جعفر بن أبي طالب، فقال: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية ~~نعبد الأصنام، حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرفه ونعرف نسبه ~~وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ~~ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، ~~وأمرنا بالصدق والأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن ~~المحارم والدماء، ونهانا عن الفحش وقول الزور وأكل مال اليتيم ~~وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، ولا نشرك به شيئا، ~~وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه، فعدا علينا قومنا ~~فخرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ~~ورجونا ألا نظلم عندك. فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن ~~الله شيء؟ فقال جعفر: نعم. ثم قرأ صدرا من «سورة كهيعص»، ~~وترجمت للنجاشي، فبكى حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفه، وقال: ~~إن هذا الذي جاء به عيسى. ثم ms011 التفت إلى الرسولين وقال: انطلقا، ~~فلا والله لا أسلمهم. فرجعا أخيب ما يكون الرجوع. ولما ~~قدما مكة ودخلاها وعلما بإسلام عمر سقط في يديهما، وتتابع ~~فشل المشركين منذ يومئذ. # 9 ~~(2) إسلام عمر بن الخطاب # كان عمر أشد الفتيان في قريش على الإسلام وأهله، وكان رجلا ~~ذا شكيمة، وكان يكره محمدا ودعوته الجديدة، ويناوئ أصحابه، ~~ولكنه لما رأى خروج المسلمين من ديارهم إلى الحبشة تأثر ~~بذلك؛ فقد روى ابن إسحق عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ~~ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت حثمة، قالت: والله إنا لنترحل ~~إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر حتى ~~وقف علي وهو على شركه، وكنا نلقى منه البلاء، فقال: إنه ~~الانطلاق يا أم عبد الله. فقلت: نعم، والله لنخرجن في أرض ~~الله؛ آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله مخرجا. فقال: صحبكم ~~الله. ورأيت له رقة لم أكن أراها، وقد أحزنه فيما أرى خروجنا. # 10 # ثم إن عمر خرج يوما وقد آلمه ما جاء به محمد، ~~ففرق جمع قريش وشتت أبناءها، وعلم أنه وصحابته في دار عند ~~الصفا، فذهب إليه متوشحا سيفه ليؤذيه على ما فعل بقريش، فلقيه ~~في الطريق نعيم بن عبد الله، فقال له: إلى أين يا ابن الخطاب؟ ~~فقال: أريد محمدا هذا الصبائي الذي فرق أمر قريش وسفه ~~أحلامها فأقتله. فقال نعيم: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم ~~أمرهم. قال: فأي أهل بيتي صبأ؟ قال: ختنك وابن عمك وأختك، فقد ~~والله أسلما. فرجع عمر إلى بيت أخته وزوجها وعندها خباب بن ~~الأرت ومعه صحيفة يقرأ فيها القرآن، ولما وصل سمع هيمنة فقال: ~~ما هذه الهيمنة؟ فقالا له: لا شيء. فقال: بلى والله لقد سمعت ~~أنكما تابعتما محمدا. وبطش بختنه فأدماه، فقالت أخته: أسلمنا ~~فاصنع ما بدا لك. ولما رأى الدم بختنه وأخته ندم على ما فعل، ~~وقال: أعطني الصحيفة التي سمعتكم تقرءون فيها. فقالت أخته: يا ~~أخي، إنك نجس على شركك ولا يمسها إلا الطاهر. ms012 فاغتسل وأعطته ~~الصحيفة وفيها سورة طه، فقرأها وقال: ما أحسن هذا الكلام ~~وأكرمه! فلما سمع خباب كلامه خرج وقال له: والله إني سمعت رسول ~~الله يقول أمس: اللهم أيدني وأيد الإسلام بأبي الحكم بن ~~هشام أو بعمر بن الخطاب؛ فالله الله يا عمر. فقال له: دلني ~~على موضعه أذهب إليه. فدله فأتى رسول الله وهو وأصحابه في ~~البيت عند الصفا، ثم طرق الباب، فرآه القوم متوشحا سيفه، ~~ففتح له الباب ولقيه رسول الله، فأخذ بحجرته وجبذه جبذة ~~شديدة وقال له: «ما بك يا ابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي ~~حتى ينزل الله بك قارعة.» فقال عمر: جئتك لأومن بالله ورسوله. ~~فكبر رسول الله وكبر القوم مبتهجين بذلك. ثم تفرق أصحاب ~~رسول الله من مكانهم وقد عز ما في أنفسهم حين أسلم عمر مع ~~إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ينتصفون ~~بهما من عدوهم، # 11 # وكان إسلام عمر في السنة الخامسة للبعثة. # الفصل الثاني # | القسم الثاني من العهد المكي # لما أسلم حمزة وعمر تنفس المسلمون الصعداء، فقويت نفوسهم ~~واطمأنوا على إخوانهم في الحبشة وأن النجاشي لن يسلمهم، فأخذوا ~~يعلنون شعائرهم، وقريش تتميز من الحنق، فأجمعت رؤساؤهم وائتمرت في ~~أمر النبي وأصحابه، فاتفق رأي أهل العقد والحل منهم على مقاطعة بني ~~هاشم وبني عبد المطلب، وعلى ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا ~~يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا كتبوا ذلك في صحيفة، ~~ثم علقوا تلك الصحيفة في الكعبة توكيدا منهم على أنفسهم. وكان ~~كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر، ويقال النضر بن الحارث، ~~فلما فعلت قريش ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى شعب أبي ~~طالب، سوى أبي لهب فإنه انفصل عنهم، وأقاموا على ذلك سنتين، أو ~~ثلاثا، حتى جهدوا، وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا، وقد كان أبو ~~جهل من أشد من ضيق عليهم الخناق، حتى إنه لقي مرة حكيم بن حزام ~~بن خويلد ومعه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة ms013 بنت خويلد، ~~فقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا ترجع أنت وطعامك حتى ~~أفضحك بمكة. فجاء أبو البختري بن هشام فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل ~~الطعام إلى بني هاشم! فقال أبو البختري: طعام كان لعمته عنده ~~بعثت إليه تطلبه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟! خل سبيل الرجل. ~~فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحي بعير ~~فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا، وحمزة قريب يرى ذلك، وهم يكرهون ~~أن يبلغ ذلك الرسول فيشمتوا بهم، ورسول الله يدعو قومه ليلا ~~ونهارا، سرا وجهرا، وقريش مستمرة في عنادها، والقرآن الكريم ~~ينزل في هجاء قريش، ويهاجم معتقداتها الفاسدة، ويدعو إلى الإسلام ~~وتوحيد الله. # ومما هو جدير بالذكر أن القرآن نزل في هذه الفترة بتهديد نفر من ~~وجوه قريش؛ منهم أبو لهب وزوجه، وأمية بن خلف الجمحي، والعاص بن ~~وائل السهمي، والنضر بن الحارث، وعبد الله بن الزبعرى، والأخنس بن ~~شريق، والوليد بن المغيرة. وفي هذه الفترة رجع مهاجرو الحبشة إلى ~~مكة، فقد بلغتهم قوة الإسلام ودخول أكثر أهل مكة فيه، فلما وصلوا ~~مكة علموا أن الأمر على العكس، فلم يستطيعوا أن يدخلوها إلا ~~مستخفين أو داخلين في جوار بعض زعمائها. ثم إن بعض زعماء قريش - ~~وعلى رأسهم هاشم بن عمر بن ربيعة، وزمعة بن الأسود، والبختري بن ~~هشام، والمطعم بن عدي، وزهير بن أبي أمية - رأوا أن ما فعلوه مع ~~إخوانهم وأبناء عمومتهم بني هاشم وعبد المطلب هو عمل شائن لا يليق، ~~فعزموا على نقض الصحيفة، ثم إن هؤلاء الخمسة من زعماء قريش ذهبوا ~~إلى الكعبة فطافوا بالبيت سبعا، ثم قام زهير بن أبي أمية فقال: يا ~~أهل مكة، نأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا ~~يبتاع منهم! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة ~~الظالمة. فقال أبو جهل: كذبت، والله لا تشق. فقال زمعة بن الأسود: ~~أنت والله الأكذب، ما رضينا كتابها. فقام أبو البختري فقال مثل ~~قولهما، فقام الباقون فقالوا مثل ذلك، وأبو ms014 طالب جالس في ناحية ~~المسجد، فقام المطعم فمزق الصحيفة وصرف الله ذلك البلاء عن بني ~~هاشم وبني عبد المطلب. # ثم أخذت وفود كثيرة من القبائل تقدم على مكة، فيعرض النبي ~~عليها الإسلام، فكان بعضها يدخل فيه وبعضها يعرض عنه، وكان ممن ~~قدم على النبي في تلك الفترة وفد أهل الحبشة، وهم عشرون رجلا، ~~فجلسوا إلى النبي وسألوه عن بعض المسائل، فقرأ عليهم بعض القرآن، ~~فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم مبشرين بالإسلام داعين إليه ذاكرين ~~فضائل محمد وحسن طريقته. # 1 ~~(1) وفاة أبي طالب وخديجة، وخروج النبي إلى الطائف # استمر الرسول في دعوته لا يحجزه عن العمل لنشر الإسلام ~~حاجز، فكان يعرض نفسه على القبائل، ويلقاهم في المواسم فيعرض ~~عليهم ما أوحى إليه ربه، وينفرهم من عبادة الأوثان، فكان ~~منهم من يجيب، ومنهم من يكفر، وقريش لا تفتر تخاصمه وتصد عن ~~سبيل الله، وهو صامد مجاهد، إلى أن حلت السنة العاشرة ~~للبعثة، وقد انتشر الإسلام في أكثر القبائل، والرسول قرير ~~العين مشروح الصدر، إلى أن فوجئ بوفاة عمه أبي طالب ثم بوفاة ~~خديجة، فحزن لفقدهما أشد الحزن، وتتابعت عليه المصائب؛ فقد كان ~~أبو طالب خير عون وعضد، وكانت خديجة خير ناصر وركن يلجأ إليه ~~ويسكن عنده، فلما هلك أبو طالب نالت قريش منه بعد أن فاوضوه في ~~المهادنة، وأن يتركهم وعبادتهم وآلهتهم فأبى، فأخذت تهينه ~~وتؤذيه، فاضطر إلى أن يخرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ~~ثقيف. # فلما وصلها قصد أبناء عمرو بن عمير، وهم وجوه الطائف، فدعاهم ~~إلى الإسلام، فأبوا وأغروا به سفهاءهم يسبونه، فلجأ إلى ~~بستان لعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة بن ربيعة، وجلس تحت ظل كرمة ~~وأبناء ربيعة ينظران إليه ويسمعان قوله وهو يخاطب ربه قائلا: ~~«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا ~~أرحم الراحمين، أنت رب العالمين، إلى من تكلني؟ إلى بعيد ~~يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب ~~فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت ms015 ~~له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، ~~أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا ~~بك.» فلما سمعا ذلك ورأيا سوء حاله تحركت رحمهما، فدعوا ~~غلاما لهما نصرانيا اسمه عداس فقالا له: خذ قطفا من العنب ~~فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ~~ففعل عداس ثم أقبل بين يدي رسول الله فقدم إليه الطبق، ~~فقال: «باسم الله.» ثم أكل، فقال عداس: والله إن هذا الكلام ما ~~يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول الله: «ومن أهل أي بلاد ~~أنت؟» فقال: أنا نصراني من أهل نينوى. فقال رسول الله: «من ~~قرية الرجل الصالح يونس بن متى.» فقال عداس: وما يدريك ما يونس ~~بن متى؟ فقال رسول الله: «ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي.» ~~فأكب عداس على الرسول يقبل رأسه ويديه وقدميه. ثم إن رسول ~~الله لما رأى سوء وضع أهل الطائف رجع إلى مكة ودأب على الدعوة ~~إلى الله، وعرض نفسه على القبائل كلما قدمت إلى الحج. ~~(2) إسلام الأوس والخزرج # في سنة 11 للبعثة قدم من يثرب أنس بن رافع وإياس بن معاذ ~~الخزرجيان في نفر من قومهما، على قريش في مكة يلتمسون الحلف ~~مع قريش على قومهم من الخزرج، فسمع بهم الرسول، وجلس إليهم، ~~فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ورجعوا إلى يثرب، فجرت بينهم ~~وبين الأوس وقعة «يوم بعاث». ثم إن قوما من الخزرج قدموا إلى ~~مكة، فلقيهم الرسول ودعاهم إلى الإسلام، وقرأ عليهم القرآن ~~فأسلموا، ووعدوه أن يدعوا قومهم إلى دينه إذا رجعوا إلى يثرب، ~~وأنهم سيقدمون عليه، فلما فارقوا المدينة دأبوا على الدعوة إلى ~~الإسلام، فدخل كثير من الأوس والخزرج، ولم تبق دار في يثرب ~~إلا دخلها الإسلام. فلما كان العام المقبل وافى من مسلمي يثرب ~~اثنا عشر رجلا منهم من لقيهم النبي بالعقبة - وهي المعروفة ~~بالعقبة الأولى - فبايعوه ببيعة النساء - وذلك قبل أن يفترض ~~الحرب - على ألا يشركوا بالله شيئا ms016 ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا ~~يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه من بين أيديهم ~~وأرجلهم، ولا يعصون الله والرسول في معروف. # ثم إنهم لما انصرفوا إلى قومهم بعث معهم الرسول مصعب بن عمير ~~المقرئ ليعلمهم القرآن، فكان يصلي بهم ويقرئهم، فلما كان ~~الموسم القادم في السنة الثانية خرج في نفر منهم إلى مكة، ~~فقدم على رسول الله ومعه وجوه أهل يثرب، فبايعوا رسول الله ~~بيعة العقبة الثانية، وهي بيعة الحرب بعد أن كانت الأولى بيعة ~~النساء، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين، فبايعوا على أن ~~يمنعوا رسول الله مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم، وقال لهم ~~الرسول: «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على ~~قومهم.» فأخرجوا أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن ~~رواحة، ورافع بن مالك، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو، ~~وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت، والمنذر بن عمرو من الخزرج، ~~وأسيد بن خضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر من الأوس، ~~وبعضهم يعد أبا الهيثم بن التيهان ولا يعد رفاعة. ثم إن الرسول ~~قال لهم: «أنتم على قومكم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن ~~مريم، وأنا كفيل على قومي.» ثم إن القوم قدموا إلى المدينة ~~وأظهروا الإسلام بها. # قال ابن إسحق: فلما أذن الله له # صلى الله عليه وسلم # في الحرب، وتابعه ~~هذا الحي من الأنصار - الأوس والخزرج - على الإسلام والنصرة له ~~ولمن اتبعه، أمر رسول الله أصحابه من أهل مكة بالهجرة إلى ~~المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: «إن الله عز وجل ~~قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها.» فخرجوا أرسالا، وأقام ~~رسول الله بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج، ولم يتخلف ~~معه إلا علي وأبو بكر وبعض من لم يخف على نفسه من إيذاء ~~قريش التي رأت ما تم من أمر الهجرة، فائتمرت يوما في دار ~~الندوة واتفق رأي زعمائها على قتل محمد، وعرف الرسول بذلك، ~~فطلب إلى علي أن ينام في منزله وعلى فراشه، وعزم هو # صلى الله عليه ms017 وسلم # على أن يهاجر تلك الليلة من المدينة إلى مكة. # الفصل الثالث # | في القرآن المكي # لقد كان للهجرة النبوية إلى المدينة تأثير في سيرة الإسلام وفي ~~أسلوب القرآن ومضامينه، وقد انطبع النمط القرآني في كل من ~~المدينتين بأسلوب خاص تبعا للظروف الزمانية والمكانية؛ ففي مكة ~~كان الرسول يدعو قريشا إلى نبذ ما هي عليه من عبادات وتقاليد ~~يأباها العقل السليم والإيمان الصحيح، ويناقشها في مزاعمها، وينكر ~~عليها قولها بتعدد الآلهة، وإفسادها جو الكعبة والحرم الأقدس بهذه ~~التماثيل والنصب، ويخوفها عذاب يوم شديد، ويرهبها من نتائج ~~أعمالها وأقوالها، وينذرها بعاقبة وخيمة وبيوم حساب لم تحسب له ~~حسابا، ويطالبها بإنصاف المرأة والرقيق، والإحسان إلى العبد ~~والصديق، والمساواة بين الغني والفقير في أمور الدنيا ~~والدين. # وكان أسلوبه في هذا الحين أسلوبا خطابيا ذا فقرات قصيرة، ~~مقفاة، ذات فواصل، ومقاطع قوية. أما القرآن المدني - بعدئذ - فهو ~~ذو أسلوب تفصيلي طويل الآيات، قليل الفقرات، القصيرة، خال من ~~الأسلوب الخطابي، طويل النفس في الشرح والتحليل والتعليل. ولا غرو؛ ~~فإن الوحي قد أخذ في المدينة يفصل ما أجمل في مكة من أمور ~~العبادات والمعاملات ومبادئ الحكمة والأخلاق بما أحله الله وما ~~حرمه. وقد كان القرآن في حجاجه مع العرب والكتابيين من يهود ~~ونصارى مختلف الأسلوب والفكرة، يخاطب كلا حسب منطقه وعقله وعلمه، ~~ويناقشه بما يدرك ويتسع له فهمه. # ويمتاز القرآن المكي - كما قلت - بأنه أسلوب خطابي، مسجوع، شديد ~~في نطقه، وأحكامه، وتهديده، ووعيده، وهو أسلوب حث واستثارة ووعد ~~وترهيب ومناقشة ومحادثة، أكثر منه أسلوب مداراة وملاطفة وتشريع ~~وتطويل وتفصيل، كما هي الحال في القرآن المدني. وكان القرآن المكي ~~مليئا بحكاية أقوال المشركين ومناقشتهم في آرائهم واعتقاداتهم في ~~الجن والملائكة والآلهة المتعددة وأحوال الأنبياء ومجادلات أممهم ~~له. أما القرآن المدني فقد نحا فيه منحى آخر في مناقشة الناس من ~~موالين وكفار، ومتقين وفجار، ومناقشتهم ومجادلتهم. ومن يدقق في ~~السور الأولى التي نزلت في مكة يجدها تنظم أمورا تتعلق بالدعوة ~~إلى الدين والوعد والوعيد اللطيف، ولكن هذا الوعيد ما ms018 لبث أن اشتد ~~حين قويت خصومات النبي، واشتدت معاكسة المشركين - ولا سيما زعماء ~~قريش وأغنياؤها - لدعوته كما في سورة العلق (6-19): # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن ~~إلى ربك الرجعى * أرأيت الذي ~~ينهى * عبدا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * ~~أو أمر بالتقوى * أرأيت إن ~~كذب وتولى * ~~ألم يعلم بأن الله يرى * كلا ~~لئن لم ينته لنسفعن بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة * فليدع ناديه * سندع ~~الزبانية * كلا لا تطعه ~~واسجد واقترب ~~. # وفي سورة القلم (7-16): # إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين * فلا تطع ~~المكذبين * ودوا لو تدهن ~~فيدهنون * ولا تطع كل حلاف ~~مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا ~~تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ~~* سنسمه على ~~الخرطوم ~~. # وفي سورة المدثر (11-25): # ذرني ومن ~~خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ~~ممدودا * وبنين شهودا * ومهدت له تمهيدا * ~~ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه ~~كان لآياتنا عنيدا * سأرهقه ~~صعودا * إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ~~ثم قتل كيف قدر * ثم نظر ~~* ثم عبس وبسر * ~~ثم أدبر واستكبر * فقال إن ~~هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا ~~إلا قول البشر ~~... فقد احتوت هذه الآيات ~~وأمثالها بأسلوبها الخطابي وفقرها القصيرة، صورا للمكذبين الذين ~~لم تعجبهم حركة النبي فأخذوا يناوئونه، فلم يقف أمامهم مكتوف ~~اليدين، وإنما خاطبهم في هذا الأسلوب القوي العنيف، كما أنه في ~~الوقت نفسه خاطب المؤمنين بألفاظ كلها رحمة وحنان؛ كقوله تعالى: # فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * ~~فسنيسره لليسرى * وأما من ~~بخل واستغنى * وكذب بالحسنى ~~* فسنيسره للعسرى * وما يغني عنه ماله إذا تردى ~~* إن علينا للهدى * وإن لنا للآخرة والأولى * فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى * ~~وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ~~ماله يتزكى * وما لأحد عنده ~~من نعمة تجزى * إلا ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى * ولسوف ~~يرضى ~~(سورة الليل: 5-21). # وفي القرآن المكي إيراد لكثير من تقاليد الجاهلية الدينية، ومن ~~شبه زعماء قريش ms019 في الدين وسخرهم به وتهجمهم على النبي وتسفيههم ~~والرد على ذلك؛ ففي سورة الفرقان: # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ~~ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا ~~نشورا * وقال الذين كفروا إن ~~هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ~~آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا * ~~وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي ~~تملى عليه بكرة وأصيلا * قل ~~أنزله الذي يعلم السر في السماوات ~~والأرض إنه كان غفورا رحيما * ~~وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا * أو يلقى ~~إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ~~وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا * انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ~~(سورة الفرقان: آية 3-9). # كما نجد في القرآن المكي صدى واضحا لما كان يلقاه أكثر ~~المسلمين من أذى المشركين، منذ ابتداء الدعوة إلى وقت الهجرة؛ ~~أمثال آيات سورة البروج (10-14)، ومنها قوله تعالى: # إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب ~~جهنم ولهم عذاب الحريق * إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز ~~الكبير * إن بطش ربك لشديد ~~* إنه هو يبدئ ويعيد * وهو الغفور الودود ~~، وقال ~~تعالى في سورة النحل (41-42): # والذين ~~هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ~~لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم ~~يتوكلون ~~. وقال تعالى: # ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما ~~فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم ~~(سورة النحل: آية 110). ~~وفي سورة الأنفال (آية 30): # وإذ يمكر ~~بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو ~~يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير ~~الماكرين ~~. وفي سورة الفرقان (آية 41-42): # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا ~~هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن ~~صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب من أضل سبيلا ~~. وفي القرآن المكي ~~كثير من الصور التي تصور ms020 حزن النبي وتأثره من عنف هؤلاء ~~المشركين؛ وبخاصة أهله وأقرباؤه، كقوله تعالى: # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق ~~به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه ~~كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير ~~والله على كل شيء وكيل ~~(سورة هود آية ~~12)، وقال تعالى: # قد نعلم إنه ~~ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون ~~. # ومما تجدر بنا ملاحظته في القرآن المكي أن ذكر اليهود والنصارى ~~وكتبهم المقدسة كان دوما مشفوعا بالإجلال لإيمانهم ولتصديق ~~كتابهم، وقد سرد النبي في كثير من السور المكية شواهد على توافق ~~الدين الإسلامي والنصراني، وأن القرآن ما جاء إلا تصديقا لما سبقه ~~من الكتب السماوية من صحف إبراهيم، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، ~~وتفصيلا لها لا ريب فيه من رب العالمين؛ «سورة يونس» (37) و«سورة ~~الأنعام» (92) و«سورة فاطر» (31-32)، وغيرها كثير مثل قوله تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى ~~به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ~~ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه ~~(سورة الشورى: آية 13)، وقال ~~تعالى: # الذين آتيناهم الكتاب ~~من قبله هم به يؤمنون * وإذا ~~يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق ~~من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين ~~بما صبروا ~~(سورة القصص: آية 52-54). # الفصل الرابع # | في العبادات والمعاملات والواجبات التي شرعت في العهد ~~المكي # شرع الله الإسلام أركانا خمسة؛ هي: الشهادة بتوحيده والإقرار ~~بنبيه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والحج. # أما الصلاة فشرعت في مكة، ولكن كيفية إقامتها وتنظيم عدد ~~ركعاتها وما إلى ذلك من الطقوس، فقد شرع في المدينة، وما شرعت ~~الصلاة إلا للاتجاه إلى الله تعالى ورجائه والانصراف إليه، وشكره ~~على ما أنعم. هذا ولم يرد في القرآن مكيه ومدنيه تحديد كيفية ~~الصلاة وأوقاتها، وإنما جاءت السنة بذلك، وفي روايات جعلها خمس ~~مرات في ليلة الإسراء في أواسط العهد المكي. وقد اشترط للصلاة ~~وجوب التطهير بالوضوء والخلو من الجنابة وطهارة الثوب وصفاء النية ~~وخلوص ms021 القلب. ويظهر أن صلاة يوم الجمعة كانت مشروعة منذ فجر ~~الإسلام، وأن الأنصار كانوا يجمعون قبل هجرة النبي. # وأما الصوم فقد شرع في السنة الثانية للهجرة، والروايات متواترة ~~على أن النبي كان يصوم في الجاهلية والإسلام يوم عاشوراء، وأما صوم ~~رمضان وتحديده بشهر وشرائط معلومة، فقد شرع في السنوات الأولى من ~~العهد المدني. # وأما الزكاة فقد شرعت فرضيتها في مكة حين نزل قوله تعالى: # والذين في أموالهم حق ~~معلوم * للسائل ~~والمحروم ~~، ولكن بيان مقاديرها وحقها ومصاريفها ~~فلم يشرع إلا في المدينة، وقد حدد النبي في مكة مقادير معينة ~~على أموال القادرين على إعطاء الفقراء، ولكن تلك المقادير لم تكسب ~~شكلها النهائي إلا بعد الهجرة. # وأما الحج فقد شرع في السنة السادسة للهجرة، بعد صلح الحديبية، ~~وعلى الرغم من أن هذه الشعيرة كانت معروفة في الجاهلية، فإن ~~الإسلام لم يفرضها على متابعيه إلا بعد قوتهم في العهد المدني، ~~ولم يحتو القرآن المكي إلا على إشارات إلى الحرم وأمنه، وذكر ~~البيت وقدسيته، وعلاقة إبراهيم به، وما إلى ذلك. على أن آية في ~~سورة الكوثر، وهي # فصل لربك ~~وانحر ~~، جعلت بعض الباحثين يقولون إن النبي كان ~~يقوم ببعض المناسك الحجية قبل الهجرة. ومما شرعه الله للمسلمين ~~في مكة: الإيمان بالبعث والنشور، وتقبيح الزنا والنهي عنه، وعن ~~القتل والفساد في الأرض، والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون ~~على الإثم والعدوان، والنهي عن الظلم والفساد، والحض على التخلق ~~بالفضائل النبيلة، والقيام بكل ما فيه إصلاح البيئة ~~الإسلامية. # ومما شرعه الله أيضا في مكة: وجوب طاعة النبي وأولي الأمر، ~~والإخلاص والأمانة للدعوة الإسلامية، والتضامن والاتحاد بين أفراد ~~المسلمين، والإحسان إلى الفقراء، والعطف على الرقيق، وعدم التبذير ~~والإسراف والتقتير، وإيفاء الكيل والميزان، وعدم أكل مال اليتيم ~~إلا بالتي هي أحسن، والتعاطف بين الناس والإحسان إلى الوالدين، وما ~~إلى ذلك من نبيل الأخلاق وفاضلها. # | الباب الثاني # في حياة النبي الكريم من الهجرة إلى الوفاة # الفصل الأول # | في خروج النبي من مكة واستقراره بالمدينة # قلنا في ‫[البعثة النبوية: إسلام ms022 الأوس والخزرج]‬: إن المسلمين ~~بعد أن دخل الأنصار في الإسلام فعز بهم، أخذوا يهاجرون إلى ~~المدينة، ولم يبق فيها إلا نفر قليل جدا على رأسهم الرسول وأبو ~~بكر، وإن جماعة كفار قريش قد ائتمرت بالنبي وعزمت على قتله ذات ~~ليلة والتخلص منه، وأنها قد اتفق رأيها أن تبعث من كل قبيلة شابا ~~جلدا، فيضربوا النبي ضربة واحدة يقتلونه بها، فيتفرق دمه في ~~القبائل، ولا يقدر بنو عبد مناف على العرب جميعا. ولكن الله أطلع ~~نبيه على أمر قريش، فلما كانت العتمة من ذلك الليل اجتمعوا على ~~بابه فترصدوه، فلما رأى ذلك قال لعلي: «نم يا علي على فراشي، ~~واتشح ببردي الحضرمي الأخضر فنم فيه؛ فإنه لا يخلص إليك شيء ~~تكرهه، وإن أتاك ابن أبي قحافة فقل له إني توجهت إلى ثور ~~فليلحق بي، وأرسل إلي بطعام، واستأجر لي دليلا يدلني على ~~الطريق، واشتر لي راحلة.» # ثم مضى رسول الله، وأعمى الله أبصار القوم عنه، # 1 # ثم جاء أبو بكر فلحق برسول الله، وأدركه في الطريق، ~~حتى انتهيا إلى الغار مع الصبح فدخلاه، وأصبح الرهط الذين كانوا ~~يرصدون النبي، فدخلوا الدار، وقام إليهم علي، فقالوا له: أين ~~صاحبك؟ فقال: لا أدري. فجن جنونهم، وذهبوا إلى الملأ من قريش ~~فأخبروهم، فقال أبو جهل: لقد هرب، فاذهبوا وترقبوا أبا بكر. ~~فوقفوا على بابه، فخرجت إليهم أسماء ابنته، فساءلوها عن أبيها، ~~فقالت: لا أدري. فرفع أبو جهل يده ولطمها لطمة طرح منها ~~قرطها. # وكان أبو بكر أمر ابنه عبد الله أن يسمع ما يقوله الناس في مكة ~~ويأتيهما في الغار، وكانت أسماء تأتيهما بالطعام، فأقاما في الغار ~~ثلاثة أيام. ثم إن قريشا حلت مائة ناقة تامة لمن يدلهم عليهما. ~~وكان عامر مولى أبي بكر يرعى غنما لأبي بكر مع رعيان مكة، فإذا ~~جن الليل أتاه وأخبره بخبر القوم، فلما مضت ثلاثة أيام وسكنت ~~قريش، ارتحل الرسول وصاحبه، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة ~~خلفه يخدمهما في الطريق، وكان دليلهما عبد الله بن أرقد، ms023 فمر بهم ~~على عسفان، ثم على إمج، ثم على قديد، ثم على الخرار، ثم على ~~الجداجد، ثم على العرج، ثم على قباء، # 2 # ولم يكن هذا الطريق المسلوك، وإنما هو طريق آخر أطول ~~ولكنه آمن. ولما بلغوا قباء ظلوا بها أربعة أيام، فأسس الرسول ~~مسجده هناك في بني عمرو بن عوف، ثم دخل المدينة في 16 ربيع الأول ~~المصادف ل 20 أيلول 622م، ونزل في دار أبي أيوب خالد بن زيد إلى أن ~~بنى مسجده ومساكنه، وباشر البناء بنفسه في نفر من أصحابه المهاجرين ~~والأنصار. ثم إن عليا لم يلبث أن لحق بالرسول بعدما رد ودائع ~~النبي التي كانت لأصحابها من أهل مكة، ولم يبق بمكة إلا مفتون أو ~~محبوس بأمر قريش، وغلقت كثير من الدور، وعدا أبو سفيان وغيره ~~من زعماء قريش على بعض دور المهاجرين فاغتصبوها وباعوها. وقد بلغت ~~أنباء هذه الأعمال إلى المهاجرين، فشكوا ذلك إلى الرسول فقال: ~~«احتسبوها عند الله.» ثم بعد أن أتم الرسول بناء مسجده، شرع في ~~تنظيم أمور المسلمين وتأسيس إدارة المدينة، وأول عمل عمله أن نشر ~~الدين في المدينة، فلم يبق بيت إلا دخله الإسلام، وأصلح ذات بينهم ~~على كثرة العداوات التي بينهم في الجاهلية، وعقد حلفا بين ~~المهاجرين وبين أهل المدينة من المسلمين واليهود وغيرهم من ~~المشركين. وقد أورد لنا ابن هشام صورة ذلك الحلف، وإليك بعض فقراته: # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين المسلمين ~~من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم؛ أنهم أمة ~~واحدة من دون الناس، المهاجرين من قريش على ربعتهم - أي ~~جميعهم - يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف ~~والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون على ~~معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط ~~بين المؤمنين ... ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن ~~المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو انتقى وسيعة (أي ~~طبيعة) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن ~~أيديهم عليه جميعا، ولو ms024 كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن ~~مؤمنا في كافر، ولا ينتصر كافر على مؤمن، وأن ذمة الله ~~واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض ~~دون الناس، وأن من يتبعنا من اليهود فإن له النصر والأسوة ~~غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. وإن سلم المؤمنين واحد، ~~لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء ~~وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت معنا تعقب بعضها بعضا، وأن ~~المؤمنين يبيء (يرجع) بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل ~~الله، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وأنه لا ~~يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه مؤمن، وأنه ~~من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلى أن يرضى ~~ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا ~~قيام عليه، وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ~~وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وأنه ~~من نصره وآواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ... وأن ~~اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن يهود بني ~~عوف أمة مع المؤمنين؛ لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، ~~مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم ... وأنه لا يخرج منهم ~~أحد إلا بإذن محمد ... وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة ~~وأبره، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وأن بينهم ~~النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ~~ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ~~ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين على كل ~~أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وأن يهود الأوس ~~مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر ~~الحسن ... # 3 # وإن من يدقق في هذه المعاهدة يجدها تدور حول النقاط ~~الآتية: ~~(1) # أن الرسول يريد أن يوحد بين جميع سكان المدينة ~~فيجعلهم أمة واحدة، وهذا أمر لم يكونوا يقرون به في ~~الجاهلية. ~~(2) # أن الرابطة القوية التي تربط سكان المدينة هي الدين ~~الحنيف. ~~(3) # أن ms025 لليهود من سكان المدينة وأهل ذمتها كافة الحقوق ~~التي للمسلمين ما داموا محافظين على حقوق ~~الذمية. ~~(4) # أن المسلمين أضحوا كيانا واحدا ذا شخصية موحدة في ~~شئونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا مظهر ~~من مظاهر الوحدة لم تعرفه العرب من قبل. ~~(5) # أن المعاهدة تتضمن كثيرا من مبادئ العدل والإنصاف ~~والمصلحة العامة، وهذه أمور لم يعرفها العرب من ~~قبل. # بعد عقد هذه المعاهدة عمد الرسول إلى شيء آخر وثق به بين قلوب ~~المسلمين؛ وهو المؤاخاة بين الصحابة من المهاجرين والأنصار، وقال: ~~«تآخوا في الله أخوين أخوين.» ثم إنه أخذ بيد علي بن أبي طالب ~~فقال: «هذا أخي.» وتآخى حمزة وزيد بن حارثة مولى رسول الله، وتآخى ~~جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل، وتآخى أبو بكر وخارجة بن زهير. وفي ~~كتب السيرة تفصيل هذه المؤاخات، # 4 # ولكن على الرغم من ذلك فقد تآخى نفر من اليهود وزعماء ~~الأوس والخزرج ممن لم يسلموا أو ممن أسلموا ونافقوا ضد النبي، ~~وأخذوا يكيدون للإسلام ويحرجون النبي بالدسائس والأسئلة، فيكشف ~~النبي دسائسهم، ويجيب على أسئلتهم. وكان من زعماء هؤلاء المجرمين ~~حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر، وسلام بن مشكم، والربيع بن الربيع بن ~~أبي الحقيق، وغيرهم من زعماء اليهود، فآذوه # صلى الله عليه وسلم # بأسئلتهم، ~~وأرادوا إحراجه وتخجيله، ولكن الله خذلهم وكسفهم ... ثم إن أحد ~~زعمائهم؛ وهو لبيد بن الأعصم، أراد أن يؤذي النبي، فسحره وجعل ~~يتخيل أنه فعل الأمر وهو لم يفعله. # 5 # الفصل الثاني # | في الأحداث العسكرية لسنوات الهجرة الخمس الأولى # (1) في السنة الأولى # كان أجل الأحداث: بناء الرسول بالسيدة عائشة، وكان ~~تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة. زيادة ~~صلاة الحضر ركعتين أخريين، فصارت أربعا، وبقيت صلاة السفر ~~ركعتين. إرسال أول سرية بقيادة عبيد بن الحارث في ستين راكبا ~~من المهاجرين، وليس فيهم من الأنصار أحد، فسار حتى بلغ ماء ~~بالحجاز بأسفل ثنية المرة، فلقي جمعا عظيما من قريش، ولم يكن ~~بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص رمى يومئذ بسهم؛ ms026 فهو أول ~~سهم رمي به في الإسلام، وكان على المشركين عكرمة بن أبي جهل، ~~وانصرف القوم عن القوم. سرية حمزة بن عبد المطلب بعثها الرسول ~~إلى سيف البحر في ثلاثين راكبا من المهاجرين، فلقوا أبا جهل ~~بذلك الساحل في 300 راكب من أهل مكة، فحجز بينهم مجدي بن عمرو ~~الجهيني، وكان موادعا للفريقين، فانصرف القوم عن ~~بعضهم. ~~(2) وفي السنة الثانية # غزا الرسول ودان؛ وهي أول غزوة قام بها، واستخلف على ~~المدينة سعد بن عبادة، وكان صاحب لوائه حمزة، وكان لواؤه أبيض، ~~فأقام بها خمس عشرة ليلة، ووادع بني ضمرة على ألا يغزوهم ولا ~~يغزونه ولا يعينون عليه، وكتب بذلك كتابا. # 1 # ثم غزا بواط في مائتين من الصحابة، يعترض عيرا ~~لقريش فيها أمية بن خلف، ثم رجع ولم يلق كيدا، وكان يحمل ~~لواءه سعد بن أبي وقاص، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ، ثم ~~غزا غزوة العشيرة، قال البخاري: هي أول غزواته # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد ~~علم بقدوم عير لقريش متوجهة إلى الشام، يقال إن قريشا جمعت ~~جميع أموالها في تلك العير، فيقال إن فيها خمسين ألف دينار ~~وألف بعير، وكان قائدها أبا سفيان، وكانت هذه الغزاة سبب غزوة ~~بدر الكبرى، وقد استخلف النبي # صلى الله عليه وسلم # على المدينة أبا سلمة ~~بن عبد الأسد، وكان عمه حمزة يحمل اللواء، وكان أبيض، فلما ~~وصلوا إلى العشيرة وجدوا العير قد مضت، فرجع النبي وأصحابه ~~ووادع بني مدلج. ~~(2-1) غزوة بدر الأولى، ويقال لها غزوة سفوان # وسببها أن النبي حين قدم من العشيرة لم يقم بالمدينة ~~إلا ليالي حتى خرج غازيا كرز بن جابر الفهري الذي أغار ~~على سرح المدينة، فخرج إليه النبي يطلبه حتى بلغ وادي ~~سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز، وقد استعمل على المدينة ~~زيد بن حارثة، وحمل اللواء علي. ~~(2-2) سرية عبد الله بن جحش # ولما رجع الرسول من طلب كرز إلى المدينة بعث عبد الله بن ~~جحش ومعه ثمانية رهط من المهاجرين، ومعه كتاب أمره ألا ms027 ~~ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، ثم يمضي إلى ما ~~أمره، ولا يستكره أحدا من أصحابه، فلما سار وفتح الكتاب ~~وقرأه قال: سمعا وطاعة. ثم أخبر أصحابه بما أمره به ~~الرسول من المسير إلى العير، فساروا جميعهم وأسروا من في ~~العير وقدموا بهم إليه # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~(2-3) غزوة بدر الكبرى # لما رجعت عير قريش التي كان الرسول خرج للقائها في ~~العشيرة ولم يظفر بها، انتظر عودتها من الشام، فلما سمع ~~بقفولها ندب المسلمين وقال: «هذه عير قريش، فيها أموالهم، ~~فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها.» ثم خرج إلى بدر، ~~فلما دنا أبو سفيان بالعير بلغه أن رسول الله قد استنفر ~~أصحابه للعير، فبعث إلى أهل مكة يستنفرهم، فخرج منهم جمع ~~عظيم، وغير أبو سفيان طريقه وتوجه إلى البحر، وسار ~~بحذائه لئلا يمر بموضع المسلمين، واستطاع أن يصل إلى مكة ~~دون أن تمس تجارة قريش بسوء، والتقى جمع المسلمين بجمع ~~قريش عند بدر، فنصر الله المسلمين وقتل من وجوه قريش ~~سبعون رجلا ومن المسلمين أربعة عشر. وقد كان لهذه الغزاة ~~أثر عميق في تاريخ الإسلام؛ فقد كانت الحرب الحقيقية ~~الأولى بين النبي وخصومه، وكان انتصار النبي وتماسك ~~المسلمين على الرغم من قلتهم وكثرة عدوهم دليلا على ~~تمسكهم بعقيدتهم وتفانيهم في الإخلاص لها. وكان لرجال ~~بدر اسم مخلد في تاريخ الإسلام، كما أن قريشا لما عرفت ~~قوة المسلمين آلت أن ترصد أموال هذه العير كلها لقتال ~~المسلمين. واشتدت المعارك بين المسلمين والكفار منذ ذلك ~~اليوم إلى أن كتب الله للإسلام النصر المؤزر، ولم ~~تنكس بعدها راية للإسلام، إذا ما استثنينا غزوة أحد كما ~~سنرى. ~~(2-4) غزوة بني سليم # لم يلبث الرسول بعد عوده من بدر إلا تسع ليال حتى ~~غزا بني سليم، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري ~~- وقيل بل ابن أم مكتوم، وقيل بل جعله على الصلاة فقط لأنه ~~كان أعمى - فلما بلغ مياه بني سليم أقام ثلاثة أيام ثم ~~رجع. ~~(2-5) غزوة بني القينقاع # هم ms028 أشجع اليهود وأعزهم بأسا، وكأنهم لما رأوا فوز ~~المسلمين ببدر نبذوا العهد الذي عاهدوا المسلمين عليه - ~~لأن النبي كان عاهدهم وبني قريظة وبني النضير على ألا ~~يظاهروا عليه - وحدث مرة أن جاءت امرأة بعض الأنصار إلى ~~صائغ يهودي من بني القينقاع فتعدى عليها وأهانها، فصاحت، ~~فقام إليه أنصاري فقتله، وشد اليهود على الأنصاري ~~فقتلوه. وبلغ ذلك الرسول فدعا إلى غزوهم، وسار إليهم، ~~واستخلف على المدينة أبا لبابة، وحاصرهم خمس عشرة ليلة، ~~فقذف الله في قلوبهم الرعب، وكانوا أربعمائة حاسر ~~وثلاثمائة دارع، ولما اشتد عليهم الحصار سألوا الرسول أن ~~يخليهم على أن يجلوا من المدينة وله أموالهم ~~وسلاحهم. ~~(2-6) غزوة السويق # لما أصاب قريشا ما أصابها في بدر، نذر أبو سفيان ألا ~~يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا، إلى أن خرج في ~~مائتي محارب من قريش، ونزل بمحل بينه وبين المدينة نحو ~~بريد، ثم أتى بني النضير من يهود خيبر فعاهدهم، ثم عمد هو ~~وقومه إلى نخل المدينة، فخربوا بعضه وقتلوا بعض الأنصار ~~وهربوا، فخرج الرسول في طلبهم، واستعمل على المدينة بشير ~~بن عبد المنذر، فوجدهم قد غابوا وتركوا سويقهم وأزوادهم، ~~فغنمها المسلمون ورجعوا. ~~(3) وفي السنة الثالثة # غزا النبي بني غطفان عند ذي أمر لما بلغه أن زعيمهم دعثور ~~بن الحارث جمع جموعه يريد الإغارة على المدينة. واستخلف النبي ~~على المدينة عثمان بن عفان، وكان عدد المسلمين 450 رجلا، فلما ~~سمع الغطفانيون بقدومهم تفرقوا في جبالهم بنجد، فلحق بهم ~~الرسول، وتغلب عليهم، فأسلم زعيمهم دعثور وجماعته. ~~(3-1) غزوة بحران # خرج النبي إلى بني سليم للمرة الثانية، واستخلف على ~~المدينة ابن أم مكتوم حتى بلغ بني سليم ببحران، فتفرقت ~~بنو سليم ورجع الرسول. ~~(3-2) سرية محمد بن مسلمة الأشهلي # بلغ الرسول أن كعب بن الأشرف الطائي وأمه من بني النضير ~~أخذ يحرض الناس على حرب المسلمين، وينشد الأشعار في ذلك، ~~ويأتي مكة فيبكي أصحاب القليب ويذكر نساء المسلمين بشر، ~~فقال النبي: «من يأتيني برأسه؟» فقال محمد بن مسلمة: أنا ~~له ms029 يا رسول الله. ثم سار إلى كعب بالسرية التي بعثها ~~الرسول معه، فلما قرب من داره بعث إليه أبا نائلة سلكان بن ~~سلامة، فأتاه وقال له: ويحك يا ابن الأشرف، إني قد جئتك ~~لحاجة، لقد كان قدوم هذا الرجل - يعني محمدا - بلاء، ~~عادتنا العرب وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت ~~الأنفس، وأردت أن تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق لك. فقال ~~كعب: ترهنوني أبناءكم. فقال محمد: لقد أردت أن تفضحنا، إن ~~معي أصحابا لي على مثل رأيي ، قد أردت أن آتيك بهم ~~فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة - السلاح - ما ~~تشاء. ثم إن أبا نائلة أحضر أصحابه فقالوا لكعب: هلم ~~نتماشى إلى شعب الفجور فنتحدث بقية ليلتنا. وبينما هم في ~~الطريق حمل عليه محمد فقتله وأتى النبي برأسه. ~~(3-3) غزوة أحد # أرادت قريش أن تثأر لنفسها من غزوة بدر، فجمعت الرجال، ~~وأعدت الأموال، وكان أبو سفيان يتولى ذلك، حتى اجتمع ~~قريب من الثلاثة آلاف من قريش وكنانة وتهامة والأحابيش - ~~وهم جند مرتزقون من بني الحارث والهوان والمصطلق استأجرتهم ~~قريش لحماية تجارتها - فخرج لهم أبو سفيان واصطحب معه ~~القيان والمزاهر والخمر، وتوجه تلقاء المدينة، فلما علم ~~الرسول بخروجهم استشار الصحابة، فأشار عليه الشبان بلقائهم ~~خارج المدينة، وأشار الكبار بالبقاء في المدينة لحصانتها، ~~فقبل الرسول الرأي الأول وسار يجمع المسلمين. وبينما هم ~~في الطريق رجع المنافق عبد الله بن أبي بن سلول بمن معه ~~قائلا: إن محمدا قد عصانا واتبع الولدان. وكادت كلمة ~~المسلمين أن تتفرق، وفي آيات سورة آل عمران (118-122) ~~بيان الوضع الذي كان عليه المسلمون مع المنافقين، وهي قوله ~~تعالى: # يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد ~~بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي ~~صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ~~إن كنتم تعقلون * ها ~~أنتم أولاء تحبونهم ولا ~~يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله ~~وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا ~~عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل ~~موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات ~~الصدور ms030 * إن تمسسكم ~~حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا إن الله بما ~~يعملون محيط * وإذ ~~غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين ~~مقاعد للقتال والله سميع عليم * إذ همت طائفتان منكم ~~أن تفشلا والله وليهما وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون ~~. ثم إن الرسول ~~نزل شعب جبل أحد وعسكر على سفحه المقابل للمدينة والمتجه ~~إلى بطن الوادي، وجعل الرماة في أعلاه ليحموا مؤخرة الجيش، ~~وأوصاهم ألا يتركوا أمكنتهم سواء أكانت الغلبة للمسلمين أو ~~عليهم، ثم عرض الجيش، ولما التحم القتال أظهر كل من ~~الجانبين قوة وحزما، واتبع المسلمون أوامر الرسول فكان ~~النصر في جانبهم. ولما رأى الرماة من على الجبل فوز ~~إخوانهم المسلمين أهملوا الوصية التي أوصاها الرسول وتركوا ~~منازلهم، وانكفئوا يجمعون الغنائم والأسلاب، فانتهز خالد ~~بن الوليد، وكان على خيل المسلمين، فرصة خلو الجبل من ~~الرماة، وأن المسلمين من خلفهم، أعمل الرماح في ظهورهم ~~فشتت شملهم وتفرق جمعهم وجرح الرسول، وصاح ابن قميئة: ~~ألا إن محمدا قد قتل. فانخذل المسلمون واستولى عليهم ~~اليأس إلا نفرا أحاطوا بالرسول يحمونه ويتلقون السهام ~~عنه، على أن خبر قتل الرسول وإن كان سببا في بلبلة جمع ~~المسلمين، فإنه كان سببا في نجاته من أيدي المشركين؛ فقد ~~انخدع جمعهم بذلك الخبر الكاذب، وفطن الرسول لذلك، فنهى ~~كعب بن مالك من أن يصيح أن الرسول لم يمت. وقتل من جمع ~~المسلمين ما يقارب السبعين شخصا، مثلت نساء قريش بقتلى ~~المسلمين؛ ومنهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان، فإنها بقرت ~~بطن حمزة وأرادت أكل كبده. ورجع المسلمون إلى المدينة، وقد ~~أفادوا من هذا الانكسار فوائد جليلة، كما أنهم عرفوا ~~كثيرا من المنافقين الذين كانوا يضمرون الكفر ويتظاهرون ~~بدين الله. ~~(4) وفي السنة الرابعة ~~(4-1) سرية الرجيع # قدم على الرسول وفد من بني عضل والقارة، وقالوا له: يا ~~رسول الله، إن فينا إسلاما وخيرا، فابعث معنا نفرا من ~~أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن. فبعث ~~معهم ستة من أصحابه، فلما أتوا الرجيع - وهو ماء لهذيل ms031 ~~بين مكة والطائف - غدروا بهم وأخذوا أسيافهم ~~وقتلوهم. ~~(4-2) سرية بئر معونة # قدم على الرسول أبو براء عامر بن مالك، فعرض عليه ~~الإسلام فلم يسلم، وقال له: لو بعثت رجلا من أصحابك إلى ~~أهل نجد يدعونهم إلى الإسلام. فقال الرسول: «إني أخشى ~~عليهم أهل نجد.» فقال أبو براء: أنا جار لهم فابعثهم ~~فليدعوا الناس. فبعث الرسول المنذر بن عمرو في أربعين ~~رجلا فساروا حتى بئر معونة، وبعثوا أحدهم بكتاب رسول الله ~~إلى عامر بن الطفيل فلم ينظر فيه وعدا على الرجل فقتله، ثم ~~خرج بجماعة من قومه إلى المسلمين عند بئر معونة فقتلوهم عن ~~آخرهم، وكان فيهم نفر من مشهوري القراء ~~والحفاظ. ~~(4-3) غزوة بني النضير وإجلاؤهم عن المدينة # اشتد تآمر بني النضير على الرسول وأصحابه، فعزم على ~~حربهم، فحاصروا بيوتهم وآطامهم، فأحاط بهم المسلمون وألقى ~~الله في قلوبهم الرعب، فسألوا الرسول أن يجليهم ويكف عن ~~دمائهم على أن يأخذوا معهم ما تحمل الإبل من المال إلا ~~الدروع، فأجابهم إلى ذلك، فخرج بعضهم إلى خيبر وبعضهم إلى ~~الشام. ~~(5) وفي السنة الخامسة ~~(5-1) غزوة الأحزاب والخندق # لما أجلى الرسول اليهود عن المدينة ودخلوا خيبر، عزموا ~~على الانتقام، فأخذوا يؤلبون العرب ويحزبون الأحزاب ضد ~~النبي، ويبذلون في ذلك المال والنفوذ، وكانت قريش قد خرجت ~~منتصرة من حرب أحد، فلما جاءها اليهود يدعونها لقتال النبي ~~حبذت الفكرة، وبلغ ذلك محمدا وأصحابه فخرج للقائهم، ~~وأمر بحفر خندق حول المدينة فحصنها. وأقبلت قريش ~~والأحزاب من أعراب كنانة وتهامة فنزلوا جانب أحد، وخرج ~~الرسول في ثلاثة آلاف وجعلوا ظهرهم إلى جبل سلع، وجعل ~~النساء والأطفال في الآطام والخندق بينهم وبين المشركين، ~~وجاء حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد القرظي يراوده في نقض ~~ما بينه وبين الرسول من عهد، فنقض العهد، واشتد خوف ~~المسلمين من نقض بني قريظة عهدهم وفشوا أمر المنافقين ~~بينهم، وأقام الرسول والمشركون قريبا من شهر لا يكون ~~بينهم إلا المراماة بالنبل والحصار، فلما اشتد الأمر على ~~المسلمين بعث الرسول إلى زعيمي غطفان ms032 مسعر بن رخيلة ~~وعيينة بن حصن يفاوضهما في قبول ثلث غلة المدينة على أن ~~يرجعا بمن معهما، فقبلا، وكتب نص المحالفة خلوا من ~~أسماء الشهود؛ إذ لم يتم الصلح ولم يكن ذلك إلا للمراوضة. ~~ثم إن الرسول تحدث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة سيدي ~~الأوس والخزرج، وذكر لهما ما وصل إليه مع غطفان، فلم ~~يوافقاه على عقد المحالفة، وعاد الموقف بين المسلمين ~~والمشركين إلى ما كان عليه من قبل، واشتد البلاء على ~~الجانبين، وفتك بهم الجوع والبرد، فلجأ الرسول إلى الخدعة، ~~وأمر نعيم بن مسعود يخذل عن المسلمين؛ فإن الحرب خدعة، ~~فذهب مسعود إلى بني قريظة وحذرهم إن هزمت قريش فنجت ~~بنفسها تركتهم تحت رحمة محمد، ثم أشار عليهم ألا يطمئنوا ~~إلى قريش إلا إذا أعطتهم رهائن من أشرافها. ثم ذهب إلى ~~قريش وغطفان وأوهمهم أن بني قريظة قد ندموا على نقض العهد ~~مع محمد، ثم طلبت قريظة الرهائن، فتأكد لقريش وغطفان قول ~~نعيم، فتزعزع أمر المشركين، واضطرت قريش أن ترجع إلى مكة، ~~ثم أحاط الرسول ببني قريظة فخارت قواهم وأيقنوا بالموت بما ~~ارتكبوه من غدر وإجرام، فسألوا الرسول الصفح والعفو فأبى ~~عليهم، وحاصرهم 25 يوما حتى نزلوا على حكمه، فحكم فيهم ~~سعد بن معاذ، فأمر بقتل الرجال وسبي النساء وتقسيم ~~الأموال، وكانوا قرابة 700 يهودي. ~~(5-2) غزوة دومة الجندل # خرج الرسول فيها بألف رجل يريد جمعا من الأعراب بلغه ~~أنهم يظلمون الناس قرب دومة الجندل على بعد خمس عشرة ليلة ~~عن المدينة على طريق الشام، فلما دنت منهم جموع المسلمين ~~هربوا، فتركوا ماشيتهم فاستاقها المسلمون ورجعوا ~~سالمين. ~~(5-3) غزوة بني المصطلق # وتسمى غزوة المريسيع. كان بنو المصطلق ينزلون قرب ~~المريسيع، وهو ماء خزاعة، وكانوا قد ساعدوا قريشا يوم ~~أحد، فقدم الرسول على حربهم وسار حتى وصل المريسيع، ~~فترامى المسلمون والمشركون بالنبال، وحمل المسلمون على ~~المشركين حملة شتتت شملهم، فهربوا وأسر عدد من الرجال ~~والنساء، واستولوا على الماشية والمال، وكان في السبايا ~~برة بنت الحارث سيد القوم، فتزوجها ms033 الرسول وسماها ~~جويرية، وبسببها قال المسلمون: لا ينبغي إسراحها يا رسول ~~الله. فأطلقوا الأسرى، وأسلم جميع بني المصطلق، وكان ذلك ~~من حسن سياسة الرسول. # الفصل الثالث # | في الأحداث السياسية والعسكرية منذ السنة السادسة للهجرة إلى ~~وفاة النبي # (1) في السنة السادسة # كان أجمل الأحداث العسكرية في هذه السنة غزوة الحديبية وبيعة ~~الرضوان. والحديبية على مقربة من مكة، خرج إليها الرسول أول ذي ~~القعدة في ألف وخمسمائة رجل، فلما وصلها بعث عثمان بن عفان ~~رسولا ليعرفهم أن الرسول لم يأت إلا للزيارة والعمرة، ~~فاحتبسته قريش عن الدخول إلى الكعبة، وشاع أن قريشا قتلت ~~عثمان، فدعا الرسول الناس إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة على ~~الموت والشهادة في سبيل الله وألا يفروا. ثم خافت قريش، وجاء ~~رسول من أهل مكة، وهو سهيل بن عمرو، فوادع النبي على صلح ~~عشرة أعوام، وأن يرد الرسول من يأتيه من قريش مسلما بدون إذن ~~وليه، وألا تلزم قريش برد من يأتي إليها من عند محمد، ~~وأن من أحب الدخول في عهد محمد فليدخل، ومن أحب الدخول في عهد ~~قريش فله ذلك، وأن يرجع الرسول هذا العام من غير عمرة، وأن ~~يأتي في العام المقبل بعد أن تخرج منها قريش، ويقيم المسلمون ~~بها ثلاثة أيام وليس معهم سلاح إلا السيوف في قرابها. # 1 # وقد صعب هذا الأمر على المسلمين وكبر عليهم أن ~~يعودوا من غير اعتمار، وكاد الشيطان أن يفرق كلمة المسلمين؛ ~~فإن الرسول لما أمرهم بالنحر لم يقم منهم أحد، ثم دخل على ~~أم سلمة فشكى إليها ما لقي من المسلمين، فقالت له: يا نبي ~~الله، اخرج ولا تكلم أحدا حتى تنحر بدنتك وتحلق. ففعل ما ~~قالته، فقام الناس ففعلوا مثله، ثم عاتب المسلمين ورجع إلى ~~المدينة، وانتهز هذه الفرصة لنشر الإسلام وتبليغ الرسالة ~~والعمل على تنظيم شئون المدينة. وقد عد الزهري هذا الصلح ~~فتحا عظيما للإسلام؛ إذ يقول: «فما فتح في الإسلام فتح ~~قبله أعظم منه ... فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وآمن ~~الناس كلهم بعضهم بعضا ms034 فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ~~فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه؛ فلقد دخل في ~~تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو ~~أكثر ...» # 2 # وفي هذه الغزوة نزل قوله تعالى: # إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله يد الله فوق أيديهم # وقوله: # لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة ~~. وفي هذه الغزوة نزلت سورة الفتح ~~فتسلى المسلمون بها بعد أن ضايقتهم شروط الصلح القاسية، وعلموا ~~أنها إيذان بفتح مكة، وأنهم لا بد داخلوها آمنين ~~محلقين. ~~(1-1) مراسلة الملوك # بعد عودة الرسول إلى المدينة راسل الملوك في أنحاء ~~العالم المتمدن، واتخذ خاتما من فضة نقشه «محمد رسول ~~الله»، فكتب إلى قيصر الروم، ولأمير بصرى الشام، وأمير ~~دمشق الحارث بن أبي شمر الغساني، والمقوقس صاحب مصر، ~~والنجاشي صاحب الحبشة، وكسرى ملك الفرس، والمنذر بن ساوى ~~هوذة بن علي ملك اليمامة، وجعيفر وعبد ابني الجلندي ملك ~~عمان، فأسلم من أسلم، وكفر من كفر، ورد بعضهم ردا ~~لطيفا، ورد بعضهم ردا قبيحا، وكان شرهم ملك الفرس؛ فقد ~~مزق الكتاب استكبارا. # 3 ~~(2) وفي السنة السابعة # غزا الرسول خيبر، وهي مدينة ذات حصون ومزارع تبعد ثمانمائة ~~بريد عن المدينة جهة الشام، وكانت حصونها ثلاثة، وسكانها بنو ~~النضير الذين كانوا أعظم مهيج للأحزاب والقبائل ضد النبي يوم ~~الخندق. وقد رأى الرسول أن بقاءهم في الجزيرة مما يفسد عليه ~~أمره، فخرج إليهم في المحرم ومعه ألف وستمائة رجل، فلما ~~أتاهم حاصرهم ستة أيام، ثم قال في الليلة السابعة: «لأعطين ~~الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويفتح على يديه المدينة.» ~~فلما كان الصباح أعطاها عليا، فأبلى أحسن بلاء، وشدد ~~الحصار حتى فتحها الله على يديه، وغنم المسلمون غنائم عظيمة، ~~وطلب أهل فدك أن يصالحوا النبي ويساقوه بنصف الثمار ويخرجهم ~~متى شاء، وأن يتركوا الأموال، وأن يحقن دماءهم، وجعلت موارد ~~فدك للرسول خالصة من دون المؤمنين؛ لأنه فتحها بلا إيجاف. ~~وانصرف الرسول بعد ذلك إلى وادي القرى وفتحه عنوة، ثم ذهب إلى ms035 ~~المدينة فقدم نفر من المسلمين الذين كانوا في الحبشة وفيهم ~~جعفر بن أبي طالب، فقال الرسول مرحبا به؛ ما أدري بأيهما ~~أسر؛ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ وفي هذه السنة أمر الرسول ~~أصحابه أن يعمروا عمرة القضاء قضاء لعمرتهم التي صدهم ~~المشركون عنها يوم الحديبية، وألا يتخلف أحد ممن شهد ~~الحديبية، فلما وصل مر الظهران على مرحلة من مكة وعلمت قريش ~~بمقدمه، بعثت إليه من قال له: يا محمد، ما عرفت بالغدر ~~صغيرا ولا كبيرا، وإنا لم نحدث حدثا ونحن على عهد معك. ~~فأخبرهم أنه لا يريد إلا العمرة. ولما قرب المسلمون من مكة خرج ~~المشركون إلى رءوس الجبال خشية أن يلتقوا بالمسلمين، فدخل ~~الرسول مكة واعتمر ورجع إلى المدينة بعد أن أقام بمكة ثلاثة ~~أيام. ~~(3) وفي السنة الثامنة # كانت وقعة مؤتة، وهي من عمل البلقاء بالشام، وقد كان النبي ~~بعث رسولا إلى أمير بصرى الشام، فلما وصل مؤتة قتله أهلها، ~~فجهز النبي جيشا من ثلاثة آلاف رجل بإمارة زيد بن حارثة ~~وقال لهم: «سيروا على بركة الله، فإن قتل زيد فالأمير جعفر، ~~وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة.» ثم قال لهم إنهم سيجدون ~~رجالا حبسوا أنفسهم في الصوامع فلا يتعرضوا لهم، ولا يقتلوا ~~امرأة ولا صغيرا ولا شيخا فانيا، ولا يقطعوا شجرا. ثم سار ~~زيد بالجيش حتى وصلوا مؤتة، فوجدوا الروم قد جمعوا لهم جموعا ~~في مائة ألف مقاتل، فقاتلوهم وقتل زيد، فأخذ الراية جعفر فقاتل ~~حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله فقطعت، فاحتضنها ثم ~~قتل، فأخذها عبد الله فقتل، وعند ذلك اضطرب المسلمون وخافوا ~~من الانكسار، فأمروا عليهم خالد بن الوليد، فقاتل حتى قتل من ~~الأعداء مقتلة عظيمة، وأصاب من الغنائم الكثيرة، وأنقذ هذا ~~الجيش الصغير من الوقوع بمخالب الروم الأشداء الكثيرين، ورجع ~~إلى المدينة، فأثنى النبي عليه. # 4 ~~(3-1) فتح مكة # وفي تلك السنة أيضا فتح الله مكة، وذلك أن قريشا نقضت ~~شروط صلح الحديبية؛ لأنهم أعانوا بني بكر التي دخلت في ~~حلفهم على بني خزاعة ms036 التي دخلت في حلف مع الرسول، وذلك أن ~~رجلا خزاعيا ضرب آخر بكريا؛ لأنه سمعه يسب الرسول، ~~فقررت بكر محاربة خزاعة وطلبوا النجدة من قريش، فأعانتهم ~~سرا، ثم دهموا خزاعة على حين غفلة فقتلوا منهم نحوا من ~~عشرين رجلا، فلما خبروا الرسول بذلك قال: «لأمنعنكم ~~مما أمنع منه نفسي.» ثم إن قريشا ندمت على ما فعلت حين لا ~~ينفعها الندم، فأرسلوا أبا سفيان إلى المدينة ليجدد عهد ~~الحديبية ويمدده، فأتى الرسول وهو في المسجد فقال له: ~~«هل من حدث؟» فقال: لا. فقال الرسول: «فنحن على مدتنا ~~وصلحنا.» ورجع أبو سفيان إلى المدينة فاشلا. أما الرسول ~~فإنه تجهز للسفر إلى مكة في عشرة آلاف مجاهد من أهل ~~المدينة وقبائل أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، ~~وسليم، وبينما كان في طريقه جاءه عمه العباس وأبو سفيان ~~بن حرب فأسلما، وأكرمهما الرسول، ودخل الرسول مكة فطاف ~~الكعبة سبعا، ثم أمر بإزالة الأصنام والتماثيل والأنصاب ~~من الكعبة والمشاعر المقدسة والصور، ومنها صورتا إبراهيم ~~وإسماعيل، وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا.» وأمن الرسول أهل مكة ونادى مناديه: «من دخل ~~المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق ~~بابه فهو آمن ...» # وكان فتح مكة من أكبر العوامل على إنجاح الدعوة ~~الإسلامية لمكانة الكعبة لدى العرب أجمعين، فسارع كثير ~~منهم إلى الدخول في الإسلام. ولما استقر الرسول في مكة جلس ~~في المسجد الحرام والأبصار خاشعة إليه لترى ماذا سيفعل ~~بمشركي قريش وأعداء الدين الذين آذوه وأخرجوه من بلده ~~الحبيب، فخطب الناس وقال: «أيها الناس، إن الله حرم ~~مكة يوم خلق السماوات والأرض؛ فهي حرام بحرمة الله إلى يوم ~~القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك ~~بها دما أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص فيها لقتال ~~رسول الله فقولوا إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم. ~~أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها ~~بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب ... يا معشر قريش، ما ترون أني ms037 ~~فاعل بكم؟» قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: ~~«اذهبوا فأنتم الطلقاء.» ثم أخذ الناس يتوافدون عليه ~~مبايعين مسلمين، ومن أعيان من أسلم في ذلك اليوم معاوية ~~وأبو قحافة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أبي أمية، ~~والحارث بن هشام، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهند زوج ~~أبي سفيان، وكعب بن زهير. ~~(3-2) غزوة حنين # وفي تلك السنة سار الرسول قبل أن يرجع من فتح مكة ومعه ~~عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من أهل مكة يريد قبيلتي ~~ثقيف وهوازن، ولما وصلوا حنينا سمع الرسول بعض المسلمين ~~يقول: لن نغلب اليوم من قلة. وأعجب المسلمون من كثرة ~~عددهم، فصعب ذلك على الرسول، ولما التقوا بعدوهم قابلهم ~~بعدد كثير وحزم وقوة، فانهزم المسلمون، ولم يثبت مع الرسول ~~إلا جماعة منهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس وأبو سفيان بن ~~الحارث ابن عم الرسول، ثم نادى العباس الأنصار أن ينعطفوا ~~إلى النبي، فتراجعوا وقاتلوا أشد قتال وأصدقه، وأنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودا لم يروها، ~~وقتل من المشركين أكثر من سبعين وأسر منهم الكثير، وأخذ ~~المسلمون نساءهم وذراريهم، وقتل من المسلمين ~~أربعة. ~~(3-3) غزوة الطائف # سار الرسول بمن معه بعد غزوة حنين إلى الطائف لطلب ~~الفارين، فوجدهم قد تحصنوا فيها وتزودوا زادا ~~كثيرا، فلما رأوا المسلمين نضحوهم بالنبال، وأصيب كثير من ~~المسلمين ومات اثنا عشر رجلا، وبقي الحصار تسعة عشر ~~يوما، فلم يفد ذلك شيئا، واضطر المسلمون إلى الرجوع ~~عنهم، ومر النبي في رجوعه بالجعرانة حيث ترك سبي حنين، ~~فأقام فيها ثلاثة عشر يوما، ثم أحرم بعمرة ودخل مكة ~~ليلا، فطاف واستلم الحجر، ورجع بالجيش من ليلته إلى ~~المدينة، وكان غيابه عنها هذه المرة شهرين وستة عشر ~~يوما. ~~(4) وفي السنة التاسعة # كانت سرية علي إلى طي: وقد أرسله الرسول في مائة وخمسين ~~مقاتلا إلى طي، فقاتلهم وغنم سبيا وغنما وهدم الفلس؛ وهو ~~صنم كبير لهم، وكان في السبي سفانة بنت حاتم الطائي، فأكرمها ~~الرسول، فقالت له فيما ms038 قالت: شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا ~~ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك ~~إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة كريم إلا وجعلك سببا لردها عليه ~~... وقدم عليه عدي بن حاتم فأسلم. ~~(4-1) غزوة تبوك أو غزوة العسرة # سببها أن الرسول بلغه أن الروم قد جمعوا جموعا في ~~الشام بزعامة هرقل يريدون غزو المسلمين في ديارهم، فجمع ~~من عرب المدينة ومكة والقبائل العربية جموعا كبيرة، وطلب ~~من الميسورين أن يجهزوا جيشا، فتبرع عثمان بعشرة آلاف ~~دينار وثلاثمائة بعير وخمسين فرسا، وتبرع أبو بكر بكل ~~ماله؛ وهو أربعة آلاف درهم، وجاء عمر بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية، وجاء العباس وطلحة بمال كثير، ~~وتبرع عاصم بن عدي بتسعين وسقا من التمر، وأرسل نساء ~~المسلمين بكل ما قدرن عليه من حليهن، ولما تأهب الجيش ~~للخروج قال نفر من المنافقين: لا تنفروا في الحر. فأنزل ~~الله تعالى فيهم قوله: # وقالوا لا ~~تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد ~~حرا لو كانوا يفقهون ~~، وجاءه ~~المعذرون من الأعراب يستأذنونه فأذن لهم، وقعد آخرون من ~~المنافقين لأسباب واهية ورئيسهم عبد الله بن أبي، فنزل ~~فيهم قوله تعالى: # وقعد الذين ~~كذبوا الله ورسوله ~~، واستأذن نفر من ~~المنافقين في التخلف فأذن لهم، فنزلت الآية: # عفا الله عنك لم أذنت لهم ~~حتى يتبين لك الذين صدقوا ~~وتعلم الكاذبين * لا ~~يستأذنك الذين يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم والله عليم ~~بالمتقين * إنما ~~يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم ~~في ريبهم يترددون * ~~ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ~~وقيل اقعدوا مع القاعدين * لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا ~~خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم ~~الفتنة وفيكم سماعون لهم والله ~~عليم بالظالمين ~~. وقد استخلف الرسول ~~في هذه الغزوة عليا على أهله، ومحمد بن مسلمة على ~~المدينة، ثم سار في ثلاثين ألفا، فلما وصل تبوك لم يجد ~~أحدا، وقبل انصرافه من تبوك جاءه يوحنا صاحب أيلة ومعه ms039 ~~أهل جرباء وأزرح وميناء من بلاد الشام، فصالحوه وأعطوه ~~الجزية، وكتب لهم كتاب الأمان لهم ولأموالهم ما داموا على ~~العهد، ثم استشار الرسول أصحابه في أن يجاوز تبوك، فقال ~~عمر: إن كنت أمرت بالسير فسر. فقال الرسول: «لو أمرت ~~لم أستشر.» ثم اتفق رأيهم على العودة بعد أن أقاموا في ~~تبوك عشرين يوما، وبنى الرسول في طريقه عدة مساجد، ولما ~~دنا من المدينة قال الرسول تطييبا لقلوب المعذرين: «إن في ~~المدينة قوما ما سرتم سيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا ~~معكم حبسهم العذر.» ولما دخل المدينة سأله العباس أن ~~يمدحه، فقال له: «قل، لا يفضض الله فاك.» فقال قصيدته التي ~~فيها: # وأنت لما ولدت أشرقت ال # أرض وضاءت بنورك الأفق # فنحن في ذلك الضياء وفي ال # نور وسبل إرساله تخترق ~~(4-2) وفود ثقيف # وفي هذه السنة أيضا وفدت ثقيف فأسلمت ورجعت إلى الطائف ~~راضية مرضية. ~~(5) وفي السنة العاشرة # كانت البعثة إلى اليمن؛ فقد أرسل الرسول إلى اليمن بعثة في ~~ثلاثمائة فارس إلى قبيلة مذحج، وعلى رأسها الإمام علي، وقال ~~له: «سر حتى تنزل في ساحتهم فادعهم إلى قول لا إله إلا الله، ~~فإن قالوا نعم فمرهم بالصلاة ولا تبغ منهم غير ذلك، ولأن ~~يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس، ولا ~~تقاتلهم حتى يقاتلوك.» فسار علي حتى وصل إلى مذحج فدعاها إلى ~~الإسلام فأبت فحمل عليها، ثم جاءه شيوخها فعرض عليهم الإسلام ~~فأجابوه ثم قفل راجعا. # ثم بعث الرسول معاذ بن جبل إلى الكورة العليا من عدن، وأبا ~~موسى الأشعري إلى الكورة السفلى منها، وأمرهما أن يدعوا ~~الناس للإسلام وييسرا ولا يعسرا ويبشرا ولا ينفرا، ~~وقال لمعاذ: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى ~~أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن ~~أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات كل يوم ~~وليلة، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة ~~تؤخذ من أغنيائهم ms040 وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك ~~فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنها ليس بينها ~~وبين الله حجاب.» ثم انطلق كل منهما إلى عمله، فمكث معاذ ~~باليمن إلى أن مات رسول الله، وسار أبو موسى وعاد فشهد حجة ~~الوداع. ~~(5-1) إسلام جمهرة العرب في هذه السنة # في هذه السنة جاءت إلى رسول الله وفود العرب من أقاصي ~~الجزيرة تطلب الإسلام فاعتنقته، ودخل جماهير الناس في دين ~~الله أفواجا بعد ما جاء النصر والفتح. ~~(5-2) حجة الوداع # وفي هذه السنة أيضا حج الرسول حجة الوداع، فأتى مكة ~~يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة، وفي الثامن منه ذهب إلى ~~منى، وفي التاسع توجه إلى عرفة، وفيها خطب خطبته ~~المشهورة بخطبة الوداع وخطبة البلاغ التي فيها يقول: ~~«الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله ~~فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده، لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أوصيكم ~~عباد الله بتقوى الله، وأوصيكم على طاعته، وأستفتح بالذي ~~هو خير. أما بعد: أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم، فإني ~~لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها ~~الناس: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن ~~تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ~~ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها ~~إلى من ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع، ولكن لكم ~~رءوس أموالكم ولا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أن لا ~~ربا، وإن أول ربا أبدأ به هو عمي العباس بن عبد ~~المطلب. # وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به هو دم ~~عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وإن مآثر الجاهلية ~~موضوعة غير السدانة والسقاية. # والعمد قود، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه ~~مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية، ألا هل بلغت ~~اللهم فاشهد. # أما ms041 بعد: أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد في ~~أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما ~~تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم. # أيها الناس، إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به ~~الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا ~~عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل ~~الله. وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات ~~والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب ~~الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم؛ ثلاثة ~~متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب ~~مضر الذي بين جمادى وشعبان ، ألا هل بلغت اللهم ~~فاشهد. # أما بعد: أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقا، ولكم ~~عليهن حق، لكم عليهم أن لا يوطئن فرشكم غيركم ولا ~~يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين ~~بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن ~~في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم ~~فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرا، ~~فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما ~~أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا ~~الله في النساء، استوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت اللهم ~~فاشهد. # أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال ~~أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت اللهم فاشهد. فلا ~~ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت ~~فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ~~ألا هل بلغت اللهم فاشهد. # أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم ~~وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على ~~عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.» # قالوا: نعم. # قال: «فليبلغ الشاهد الغائب.» ~~«أيها الناس، إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ~~ولا يجوز لوارث وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، ~~والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادعى لغير أبيه أو ms042 تولى ~~غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا ~~يقبل منه صرف ولا عدل. # أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم ~~وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعجمي ~~على عربي إلا بالتقوى.» # 5 # وقد بين في هذه الخطبة أصول الدين وفروعه. وفي هذا ~~اليوم أنزل الله عليه # صلى الله عليه وسلم # قوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ~~، ثم رجع الرسول إلى ~~المدينة. ~~(6) السنة الحادية عشرة ~~(6-1) بعثة أبنى # لما رجع الرسول من حجة الوداع جهز حملة بقيادة أسامة ~~بن زيد بن حارثة إلى أبنى بالبلقاء ، بالقرب من مؤتة، حيث ~~قتل زيد بن حارثة، وكان في الجيش بعض كبار صحابة الرسول ~~كأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقاص، وكان أسامة ~~شابا لم يتجاوز السابعة عشرة، ولم يتم لهذه البعثة أن ~~تسافر لمرض الرسول # صلى الله عليه وسلم # واشتداد وطأة المرض ~~عليه. ~~(6-2) مرض الرسول # لم يمض على حجة الوداع ثلاثة أشهر حتى مرض الرسول ~~بالحمى، فلما اشتد المرض استأذن نساءه أن يمرض في بيت ~~عائشة، وأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ولما وجد في يوم بعض ~~النشاط خرج متوكئا على علي والفضل، والعباس أمامهم والنبي ~~معصوب الرأس يخط برجليه حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر، ثم ~~نهض فحمد الله وأثنى عليه وقال: «أيها الناس، بلغني أنكم ~~تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبي من قبلي فيمن بعث ~~فأخلد فيكم؟ ألا وإني لاحق بربي وإنكم لاحقون بي، ~~فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا، وليوصي المهاجرين فيما ~~بينهم؛ فإن الله يقول: # والعصر ~~* إن الإنسان لفي ~~خسر ~~. وإن الأمور تجري بإذن الله، ولا ~~يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله؛ فإن الله عز وجل لا ~~يعجل بعجلة أحد. ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه: # فهل عسيتم إن ~~توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم ~~. وأوصيكم ~~بالأنصار خيرا، فإنهم الذين تبوءوا الدار والإيمان من ~~قبلكم، أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم ms043 في الثمار؟ ألم ~~يوسعوا لكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم ~~الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من ~~محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا ~~وإني فرط لكم وأنتم لاحقون بي، ألا فإن موعدكم الحوض، ألا ~~فمن أحب أن يرده علي فليكف يده ولسانه، إلا فيما ~~ينبغي.» # ولما كان يوم الأحد اشتد الوجع عليه # صلى الله عليه وسلم ~~، ولما ~~دخل يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول المتمم عشر ~~سنين للهجرة، فارق الرسول الكريم هذه الدنيا الفانية ~~واختار الرفيق الأعلى، وكان ذلك حين زاغت الشمس، وصادف ذلك ~~يوم 8 حزيران من سنة 632 للميلاد، وهو في الثالثة والستين ~~من عمره. # ولما علم المسلمون بنبأ وفاة الرسول طاش حلمهم، ووقف عمر ~~رافعا سيفه مهددا بالقتل من يقول بموت النبي، ولكنه ~~ذهب كما ذهب موسى، وإنه ليرجعن. ثم أقبل أبو بكر وعمر ~~يتكلم في الناس، فلم يلتفت إليه حتى دخل على الرسول وهو ~~مغطى بثوبه، فكشف عنه وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيا ~~وطبت ميتا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من ~~الأنبياء من النبوة، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، ~~وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، ولو أن ~~موتك كان اختيارا منك لجدنا لموتك بالنفوس، ولولا أنك ~~نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشئون، فأما ما لا ~~نستطيع نفيه عنا فكمد وإدناف يتحالفان ولا يبرحان، اللهم ~~فأبلغه عنا السلام، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من ~~بالك، فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من ~~الوحشة. اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا. # ثم خرج إلى الناس وهم يموجون حزنا وعويلا، فخطب فيهم ~~هذه الخطبة الحكيمة التي أرجعتهم إلى الصواب، وأثابتهم إلى ~~رشدهم، حين قال: الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا ~~عبده ورسوله، وأشهد أن الكتاب كما نزل، وأن الدين كما ~~شرع، وأن الحديث كما ms044 حدث، وأن القول كما قال، وأن ~~الدين هو الحق المبين. أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن ~~محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ~~وإن الله قد تقدم إليكم في أمره، فلا تدعوه جزعا، وإن ~~الله قد اختار لنبيه عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، ~~وخلف فيكم كتابه، وسنة نبيه، فمن أخذ بهما عرف، ومن ~~فرق بينهما أنكر. يا أيها الذين آمنوا، كونوا قوامين ~~بالقسط، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يفتننكم ~~عن دينكم، فعاجلوه بالذي تعجزونه، ولا تستنظرونه فيلحق بكم. # 6 # ودفن الرسول يومي الثلاثاء والأربعاء، وصلى الناس ~~عليه أفواجا: الرجال، والنساء، والأطفال، لا يؤمهم أحد. ~~ودفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، ودفن في ~~المكان الذي توفي فيه في جوف الليل، ودخل القبر عليه علي ~~والعباس وولده الفضل وقثم ومولاه شقران، وهم الذين تولوا ~~غسله وتكفينه وأمره كله، وحضرهم أوس بن خولي، ولم يكن ~~شيئا سوى حمل الماء. وكان غسله في قميص من بئر يقال لها ~~قوس ثلاث غسلات بماء وسدر، وجعل علي على يده خرقة ~~وأدخلها تحت القميص، وحفر له أبو طلحة الأنصاري، ورش ~~قبره الطاهر بالماء بلال مؤذنه، ووضع شقران في حفرته قطيفة ~~نجرانية حمراء أصابها يوم خيبر، وكان رسول الله يلبسها ~~ويفرشها، فطرحها تحته، وقال: لا يلبسها أحد بعدك. وبنى في ~~قبره اللبن، يقال تسع لبنات، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر. # 7 # ولما فرغوا من دفنه خرجت فاطمة فقالت لعلي: يا ~~أبا الحسن، دفنتم رسول الله؟ قال: نعم. قالت: كيف طابت ~~قلوبكم أن تحثوا التراب عليه، أليس كان نبي الرحمة؟ قال: ~~نعم، ولكن لا مرد لأمر الله. فقعدت تندب على رسول الله ~~وتقول: وا أبتاه، وا رسول الله، وا نبي الرحمتاه، الآن لا ~~يأتي الوحي، الآن ينقطع عنا جبريل، اللهم ألحق روحي بروحه، ~~واشفعني بالنظر إلى وجهه، ولا تحرمني أجره وشفاعته يوم ~~القيامة. وأخذت تربة من تراب رسول الله فشمته وأنشأت ~~تقول: # ماذا على من شم ms045 تربة أحمد # أن لا يشم مدى الزمان ~~غواليا # صبت علي مصائب لو أنها # صبت على الأيام صرن ~~لياليا # ومما قالته عائشة في ذلك اليوم: يا من لم يشبع من خبز ~~الشعير، يا من اختار الحصير على السرير، يا من لم ينم ~~الليل كله من خوف السعير. # ومما قالته صفية بنت عبد المطلب: # ألا يا رسول الله كنت رجاءنا # وكنت بنا برا ولم تك ~~جافيا # وكنت رحيما هاديا ومعلما # ليبك عليك اليوم من كان ~~باكيا # كأن على قلبي بذكر محمد # وما خفت من بعد النبي ~~المكاويا # فدى لرسول الله أمي وخالتي # وعمي وآبائي ونفسي وماليا # فلو أن رب العرش أبقى نبينا # سعدنا ولكن أمره كان ~~ماضيا # لعمرك ما أبكي النبي لفقده # ولكن لما أخشى من الهرج ~~آتيا # أفاطم صلى الله رب محمد # على جدث أمسى بيثرب ~~ثاويا # صدقت وبلغت الرسالة صادقا # ومت صليب العود أبلج ~~صافيا # عليك من الله السلام تحية ... # وأدخلت جنات من العدن راضيا # 8 # الفصل الرابع # | في شعائر الإسلام وأحكامه # كملت شعائر الإسلام خلال السنوات العشر التي قضاها الرسول ~~الكريم في دار الهجرة؛ فقد شرع منذ وصوله إليها في إقامة مسجده ~~للقيام بشعائر الإسلام وتعليم المسلمين آداب الدين وتعاليمه، ~~والقضاء بينهم فيما يقع بينهم من المشكلات الدينية والاجتماعية ~~والاقتصادية والقضائية، والمشاورة في كل أمر يحزب بالمسلمين ويتعلق ~~بجماعتهم، أو استقبال الوفود والرسل الذين يفدون على النبي ممثلين ~~بلادهم أو مستنيرين بالهدي المحمدي، وفيما يلي بيان أجل شعائر ~~الإسلام: ~~(1) الأذان # أول شعيرة دينية نظمها الرسول في المدينة هي الأذان؛ فقد كان ~~المسلمون يجتمعون للصلاة لا يناديهم إليه أحد، هم أنفسهم ~~يعرفون المواعيد، ولكن لما كثروا وكثرت مشاكلهم تكلموا يوما ~~في حضرة الرسول في اتخاذ وسيلة لجمع المسلمين للصلاة، فاقترح ~~بعضهم اتخاذ ناقوس النصارى، وقال الآخرون باتخاذ بوق - قرن - ~~اليهود. ولكن لم يعجب الرسول هذان الاقتراحان، فقال لبلال، ~~وكان حسن الصوت جهوريا: قم فناد بالناس للصلاة. فكان بلال ~~ينادي بالناس: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة. وكان يصعد أطول بيت ~~في المدينة ms046 فينادي الناس بذلك، إلى أن بني المسجد النبوي فصار ~~ينادي من فوقه. # 1 # وقد اختلف الفقهاء والمؤرخون في الأذان المعروف ~~كيف وجد؛ فقال بعضهم: إنما جاء به الوحي إلى النبي. وقال ~~آخرون: بل جاءت به رؤيا رآها عبد الله بن زيد بن ثعلبة ~~الأنصاري؛ فقد رووا أنه: بينما كان بين اليقظان والنائم إذ رأى ~~شخصا يلقنه الأذان، فحفظه وأتى الرسول وقص عليه الخبر، ~~فقال له: إنها لرؤيا حق، ولقن ذلك بلالا. فلما سمعه عمر ~~ثاني يوم، قدم إلى النبي وهو يقول: والله لقد رأيت مثله يا ~~رسول الله. # 2 ~~(2) تحويل القبلة # كان الرسول يجعل قبلته منذ الإسلام إلى بيت المقدس، ولكنه ~~كان يجعل الكعبة بينه وبين المقدس، وكان كثيرا ما يقلب نظره ~~في السماء ينتظر الوحي من عند ربه بتحويل القبلة إلى الكعبة. ~~وقد ظل الرسول يصلي إلى بيت المقدس حتى شعبان من السنة الثانية ~~للهجرة، واليهود يجادلونه بما يعلمون وما لا يعلمون، ويفتنون ~~المسلمين ويتخذون من مسألة القبلة والتوجه إلى البيت المقدس ~~وسيلة للمحاجة أو سبيلا لإقناع الرسول في مماشاتهم في ~~دينهم، فلعله يفعل وتصبح الجزيرة العربية كلها جزيرة يهودية؛ ~~نظرا لما كانوا يرونه من النبي من المداراة أول الأمر، فلما ~~خابت أمانيهم ونزل قوله تعالى: # قد نرى ~~تقلب وجهك في السماء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم وما ~~الله بغافل عما يعملون ~~(سورة البقرة: ~~آية 114)، فتحول الرسول عن بيت المقدس إلى الكعبة، واطمأنت ~~قلوب العرب بذلك، وانشرحت صدورهم لما للكعبة المقدسة في نفوسهم ~~من مكانة في جاهليتهم وإسلاميتهم، وكل ذلك كان خذلا لليهود ~~وتهوينا من شأنهم. ~~(3) الصلاة # كانت شرائط الصلاة وأوقاتها وأنواعها وأحكامها مقررة ~~مفصلة في العهد المكي، ولم يحدث في العهد المدني تشريع ~~للصلاة سوى ما كان متعلقا بصلاتي الجمعة والخوف. أما الصلاة ~~الجمعية فلم يعرف أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يصليها في مكة، بل إنه ~~أول ما ms047 صلاها في المدينة كما تؤيد لك آيات سورة الجمعة، ~~المدنية (7-9): # يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون ~~، على أن بعض الروايات والآثار تذكر أن ~~الرسول كان يصلي بالمسلمين صلاة الجمعة في مكة منذ عهد مبكر، ~~وأن الأنصار كانوا يجمعون قبل ذهاب الرسول إليهم. وأما صلاة ~~الخوف فقد شرعت حين أذن الله بالقتال بعد الهجرة، قال ~~تعالى: # وإذا ضربتم في ~~الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم ~~عدوا مبينا * وإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم ~~طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ~~ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم ~~(سورة النساء: 101-102). ~~(4) التطهير للصلاة # روى الفقهاء والمفسرون أن المسلمين كانوا يتطهرون من الحدثين ~~الأصغر والأكبر للصلاة منذ العهد المكي، ولكن الآيات القرآنية ~~المتضمنة لذلك هي آيتان مدنيتان في «سورة النساء (43)، وفي ~~سورة المائدة (6)»، قال تعالى: # يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا ~~، وقال: # يا ~~أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ~~إلى الكعبين وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا ~~. ~~(5) الصوم # فرض الله الصوم على المسلمين في السنين الأولى من العهد ~~المدني، والمشهور أنه فرض بعد تحويل القبلة بشهر؛ أي في ~~الثالث من السنة الثالثة للهجرة، وقد تضمنت آيات سورة البقرة ~~(183-187) بعض أحكامه، حيث يقول الله سبحانه: # يا أيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون * ~~أياما معدودات فمن كان منكم مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر ~~. ~~(6) الحج # هو من أقدم الشعائر التي كان العرب والمسلمون يفعلونها في ~~الجاهلية والعهد المكي، وقد تضمن العهد المدني بيان المناسك ~~وكيفية الأداء وكيفية الاعتمار والطواف، وغير ذلك من الآداب. ~~انظر آيات سورة البقرة ms048 (158، 189، 196-203) وسورة آل عمران ~~(96-97)، وسورة المائدة (1-2، 94، 97)، وسورة الحج (25-37)، ~~وهي كلها آيات مدنية بين فيها سبحانه آداب الحج وكيفيته ~~وأحكامه وطقوسه. ~~(7) الزكاة # كانت الزكاة مشروعة منذ العهد المكي، ولكن مواردها ومصارفها ~~لم تنظم إلا في العهد المدني؛ فقد كانت الزكاة في العهد ~~المكي نوعا من الصدقة يعطيه المرء إلى الفقراء إحسانا إليهم ~~وتطهيرا لماله، أما في هذا العهد فقد أضحت ضريبة رسمية يجب ~~إعطاؤها ودفعها لتنظيم الدولة الجديدة، التي هي وحدها تعرف ~~المصارف الواجب إنفاق ذلك المال فيها. قال تعالى: # إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ~~فريضة من الله والله عليم حكيم ~~(سورة التوبة: آية 60). ~~(8) الأنفال # النفل والغنيمة هو ما ينفله الله على المسلمين من أموال أهل ~~الحرب بعد هزيمتهم، والفيء هو ما يفيئه الله على المسلمين من ~~أموال صلح المقاتلين. وقد اختلف المسلمون في الأنفال التي ~~ساقها الله تعالى إلى المسلمين في غزوة بدر، فقد ادعاها ~~الذين أخذوها، وادعاها المقاتلون ومن أحاطوا بالرسول يحرسونه ~~خشية قتله، وتضاربت أقوال المسلمين في ذلك حتى نزل قوله تعالى: # يسألونك عن الأنفال قل ~~الأنفال لله والرسول فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ~~ورسوله إن كنتم مؤمنين ~~(سورة ~~الأنفال: الآية الأولى). ولقد قسمه الرسول أربعة أخماس ~~الأنفال في المحاربين، وجعل الخمس الباقي للرسول وذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وأبناء السبيل. # 3 ~~(9) الإرث والوصية وأموال اليتامى # أنزل الله في الآيات المدنية المبكرة أحكام الوصايا ~~والمواريث للحاجة الملحة إلى معرفة أحكام الله في هذه الأمور ~~الهامة؛ فقد كانوا في الجاهلية يخبطون خبط عشواء، ويحكمون ~~أحكاما عجيبة في تقسيم المواريث، وأحوال الوصايا، وأموال ~~اليتامى، وكانوا يقسمون أموال الميت تقسيمات غريبة، ولم ~~يتح للإسلام في عهده المكي أن يهتم بهذا الأمر الحيوي، فلما ~~انتظمت أمور الدولة في العهد المدني نظمها، وفي آيات سورة ~~البقرة (180-182) وسورة النساء (7، 8، 12، 32، 33، 127، 176) ~~تفصيل دقيق للأحكام الشرعية المتعلقة بهذه القضايا وبالقضايا ~~المالية الأخرى. ~~(10) الجهاد # ليس في القرآن المكي شيء ذو غناء يتعلق ms049 بالجهاد وأحكامه، ~~وجميع الآيات الواردة في الجهاد وتشريعاته ووقائعه هي آيات ~~مدنية، وهذا أمر طبيعي؛ لأنه ملائم لروح الحركة الإسلامية؛ فقد ~~كانت في مكة ضعيفة ساذجة تحاول أن تتقوى وتقوم على رجليها، ~~فلما أتيح لها ذلك في العهد المدني أمر الرسول بالجهاد وجعله ~~شعيرة من شعائر الدين. ولما بايع الرسول الأنصار بايعهم على ~~الجهاد والاستماتة في سبيل الله ونشر الدين الحنيف. والآيات ~~القرآنية المدنية التي تحض على الجهاد والاستماتة في سبيل ذلك ~~قد شغلت أكبر حيز في القرآن، وما ذلك إلا لأهميتها وارتكاز ~~الحركة عليها، وجعله فرضا على كل مسلم قادر في بدنه وماله ~~وعقله. # | الباب الثالث # في أهل الكتاب والمنافقين في العهد المدني # | مقدمة # أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وقد كان لهم ذكر كثير في العهد ~~المدني، سواء في معاونتهم للحركة المحمدية أو معاكستها، وقد كان ~~لهم بعض الأثر في العهد المكي أيضا، سواء من كان منهم من العرب ~~أو من غير العرب، فقد عرف الحجازيون أهل الكتاب من يهود ونصارى في ~~بلادهم، وعرفوا خارجها في رحلاتهم إلى الشام واليمن والحبشة وبلاد ~~الروم ومصر، وقد رأينا بعض ذلك في الفصول السابقة مما له علاقة ~~بالعهد المكي، ونريد في هذا الباب أن نبين تأثيرهم على الدعوة ~~الإسلامية في العهد المدني، سواء أكانوا يهودا أو نصارى أو ~~منافقين. # الفصل الأول # | اليهود # نزل اليهود الشام والحجاز منذ عهد بعيد، وكان لهم أثر بارز في ~~النواحي التجارية والاجتماعية والدينية في تلك النواحي، كما كان ~~لهم تأثير كبير في العرب قبل الإسلام للقرابة الإسماعيلية التي ~~تجمع بينهم، وللدين الإلهي والكتاب المقدس الذي عندهم. وقد كان ~~العرب في جاهلية وسذاجة يسترشدون بما عند أهل الكتاب من علم وحكمة، ~~ويفيدون بما يسمعون من أقوال حكمائهم وعقلاء أحبارهم. # وكان العرب يحترمون عقلاء اليهود ويقدرونهم، ويجلون كبار ~~رجالاتهم من أهل المال والدين والكهانة. وقد استغل اليهود هذا ~~التقدير والاحترام، فسيطروا على التجارة العربية، ورسخت أقدامهم في ~~كل ناحية من نواحي ديار العرب، وفي القرآن الكريم آثار وشواهد تؤيد ms050 ~~هذا. # وقد كان اليهود يبشرون بمبعث نبي عربي، ويستفتحون به على ~~العرب، فلما بعث الله محمدا اطمأنت قلوب اليهود وجلت مكانتهم ~~لتحقق نبوءتهم من جهة، ولاستشهاد النبي # صلى الله عليه وسلم # بهم في كثير من ~~الأمور التي كانت قريش تعاكسه فيها. ولما دخل النبي إلى المدينة، ~~وكانوا ذوي سلطان فيها، كتب لهم عهدا، وحالفهم والعرب، وأمنهم ~~على طقوسهم الدينية، ومعاهدهم المقدسة، وحقوقهم المشروعة، مشترطا ~~عليهم أن يحفظوا للجوار حقوقه، فلا يغدروا، ولا يفجروا، ولا ~~يتجسسوا، ولا يعينوا عدوا، ولا يمدوا الأعداء، ولا يبدءوا ~~المسلمين بأذى. وقد رحب اليهود بالنبي أول مقدمه إلى المدينة، ~~ولكن شياطينهم ومفسديهم أخذوا يتآمرون عليه ويستهزئون به، ويخذلون ~~دعوته، وينقضون عهده الذي عاهدوه عليه، وأخذوا يلبسون الحق ~~بالباطل. فأنزل الله سبحانه على رسوله فيما أنزل قوله: # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ~~التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم وإياي فارهبون * ~~وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا ~~تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا وإياي فاتقون * ~~ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق ~~وأنتم تعلمون ~~(سورة البقرة: آية ~~40-42). # ويظهر أن اليهود - والنصارى أيضا - إنما جاروا محمدا أول ~~الأمر ظنا منهم أنه سيجنح إليهم، ويتبع ملتهم، أو يهادنهم ~~على الدوام، كما أشارت إلى ذلك الآية الكريمة: # ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى ~~تتبع ملتهم ~~(سورة البقرة: آية 120). # ولكن الرسول لم يفعل شيئا يحلمون به، بل أخذ يدعوهم إلى الدخول ~~في دعوته الجديدة، فثارت ثائرتهم، وبخاصة حين سمعوا قوله تعالى: # يا أهل الكتاب قد جاءكم ~~رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ~~أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ~~فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل ~~شيء قدير ~~(سورة المائدة: آية 19)، ولما لم ~~يدخلوا في دين الله ولم يأبهوا لإنذار الرسول وتبشيره، أنزل الله ~~سبحانه فيهم آيات العتاب واللوم، والتحذير والوعيد، حيث يقول ~~سبحانه: # أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب ~~أفلا تعقلون ~~(سورة البقرة: آية 44). # ولعل أخطر دور قام به هؤلاء الناس ms051 هو أنهم شجعوا أهل الحجاز ~~وغيرهم من العرب على النفاق والتظاهر بالدخول في الإسلام مع الكيد ~~له في الباطن، وقد لقي رسول الله وصحابته من هؤلاء المنافقين - من ~~اليهود والعرب على حد سواء - عنتا كبيرا، وعناء كثيرا، ولما ~~ضاق ذرع النبي الكريم بهم وبفسادهم، أخذ يهددهم، ويذكر عوارهم ~~ويبين سوء مصيرهم إن هم بقوا على هذا الضلال المبين، وفي ذلك ~~نزلت الآية: # وإذ تأذن ربك ~~ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من ~~يسومهم سوء العذاب ~~(سورة الأعراف: آية ~~167)، والآية الأخرى: # ضربت عليهم ~~الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله ~~وضربت عليهم المسكنة ~~(سورة آل عمران: ~~آية 112). # ولما يئس الرسول منهم وعرف أن إيمان من آمن من بينهم إن هو إلا ~~كذب ونفاق، دعا الله سبحانه أن يكشف أمرهم ويبين للناس سوء ~~حالهم، فاستجاب له ونزلت آيات: # أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق ~~منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من ~~بعد ما عقلوه وهم يعلمون * ~~وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم ~~بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ~~ربكم أفلا تعقلون * أولا ~~يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون * ومنهم أميون لا ~~يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا ~~يظنون * فويل للذين يكتبون ~~الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ~~الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم ~~مما كتبت أيديهم وويل لهم مما ~~يكسبون * وقالوا لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم ~~عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم ~~تقولون على الله ما لا تعلمون ~~(سورة ~~البقرة: آية 75-80). ولما رأى اليهود موقف النبي منهم أخذوا ~~يحاجونه ويحاولون إثارة الشبه في قلوب المسلمين، ويزعمون أنهم ~~وحدهم على الحق، وأن الجنة لهم وحدهم، وأن اليهودية هي دين الله ~~الذي أوحاه إلى أبيهم إبراهيم - عليه السلام - وأن الأنبياء هم من ~~بني إسرائيل وحدهم و... وقد فند القرآن الكريم كل هذه الأقوال ~~الباطلة، وأبان أن اليهود ms052 قد ضلوا عن دين إبراهيم حين قالوا إن ~~عزيرا هو ابن الله سبحانه، وحين حرفوا الكتاب المقدس، وضلوا عما ~~كان عليه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط. والحق أن ~~إبراهيم - عليه السلام - ما كان يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين، وأن النبوة فضل من الله ~~سبحانه يمنحها من يشاء من عباده، ويخص بفضله من يشاء، وأنهم يعرفون ~~ذلك كله، ولكنهم يكتمونه، وأن مثلهم في ذلك كمثل الحمار الذي لا ~~ينتفع بما يحمل من أسفار العلم والهدى ... فلما سمع اليهود تلك ~~الأقوال طاش صوابهم، وضلت أحلامهم، وأخذوا يهاجمون النبي وشخصه، ~~ويسخرون منه ومن صحابته أشد السخرية، وقوي الخصام بين الجانبين، ~~وفي القرآن آيات كثيرة تبين لنا ذلك وترد على بني إسرائيل أقطع ~~رد. # أما الأمور التي اشتد الحجاج حولها بين اليهود والنبي فهي: ~~غرور اليهود بدينهم، وتبجحهم بأنهم وحدهم على الحق، ومن عداهم من ~~الناس في ضلال وجهل وكفر، وأن دين الله هو دينهم وحدهم، وأن ~~الأنبياء هم منهم لا من غيرهم، وأنهم يستنكرون تحويل القبلة عن ~~البيت المقدس إلى الكعبة، وما إلى ذلك من الأمور التي جرت على ~~خلاف ما يريدون، كبعض قضايا الحج، وشئون الكعبة، وأحوال جبريل، ~~ومباحث الوحي ... # وقد كانت لليهود دسائس فظيعة حاولت دك صرح الإسلام، والتآمر ~~على المسلمين، وقد تجلت هذه الدسائس على أشكال متعددة: منها ~~إيقاعهم الفتنة بين المسلمين أنفسهم، وإلباسهم الحق بالباطل، ~~وكتمان الحق وهم يعلمونه، وقد أشارت سورة البقرة إلى ذلك (آيات ~~41-45). # ومنها التظاهر باعتناق الإسلام، وإبطان الدس عليه، والكيد له ~~والعمل سرا على تقويض عرى الدين الجديد ومعاونة المنافقين من ~~ضعفاء الدين، وتشجيعهم على أعمالهم الباطلة، وقد أشارت إلى ذلك بعض ~~آيات سورة البقرة (اقرأ الآيات 75-76، و172-176)، وسورة آل عمران ~~(اقرأ الآيات 69-73). # ومنها التدليس على المسلمين، واختراع الأباطيل والأكاذيب ونسبتها ~~إلى دين الله سبحانه، وإلصاق ذلك بالمسلمين، وأنهم يصدقون بتلك ~~الأكاذيب. وقد كذب القرآن ذلك كله، وأشار إليه في الآيات (77-78) ~~من سورة آل عمران ms053 ... # ومنها صد الناس عن الدخول في الدين، ومنعهم من إعلان إيمانهم ~~بالرسالة المحمدية، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وقد وضحت ذلك ~~آيات سورة آل عمران (98-100)، وسورة التوبة (آيات 32-34). # ولما ضاق الرسول الكريم بهم وبدسائسهم ونقضهم العهد، نكل بهم، ~~ثم أمر بإجلائهم عن المدينة المنورة وما حولها من القرى، كما رأينا ~~تفصيل ذلك في الباب الماضي. # الفصل الثاني # | النصارى # كان في الحجاز خاصة والجزيرة العربية عامة كثير من النصارى من ~~غير العرب أو العرب، وكانت صلتهم بالعرب من غير النصارى حسنة في ~~الغالب، وعلى الرغم من أن القرآن حمل عليهم لبعض مواقفهم العدائية ~~معه واعتقاداتهم الباطلة، فإنه كثيرا ما كان يثني عليهم لأخلاقهم ~~الطيبة وحسن معاملتهم للمسلمين، وخلوصهم من الكيد والدس والحقد ~~الذي يغلي في قلوب اليهود والمتهودين من العرب. # إن في القرآن والأحاديث المنقولة عن النبي وعن كبار الصحابة آيات ~~وأحاديث كثيرة تبين أحوال النصارى في عهد النبي، ويمكننا إجمالها ~~في المواقف الآتية: ~~(1) موقف التحبب والموادعة # وبخاصة في أول أمر الدعوة الإسلامية، وحين هاجر المسلمون إلى ~~الحبشة النصرانية، فأكرم النجاشي وفادتهم وسمع بعض آيات القرآن ~~الحكيم واطمأنت إليها نفسه، وآمن نفر من حاشيته وبطانته. ~~ويتجلى لنا هذا الأمر في قوله تعالى من سورة المائدة (آيات ~~82-86): # لتجدن أشد الناس ~~عداوة للذين آمنوا اليهود والذين ~~أشركوا ولتجدن أقربهم مودة ~~للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ~~ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ~~وأنهم لا يستكبرون * وإذا ~~سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين * وما لنا لا نؤمن ~~بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن ~~يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين * فأثابهم الله بما قالوا ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها وذلك جزاء المحسنين * ~~والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب الجحيم ~~. ~~(2) موقف المناظرة والنقاش # على أن موقف التحبب والموادعة لم يدم طويلا، فإن قسما ~~من النصارى قد حادوا عن الطريق السوي، إما بالنسبة إلى ~~النصرانية نفسها، وإما بالنسبة إلى ms054 الإسلام، فاضطر النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى محاجتهم ومناقشتهم، وفي آيات سورة النساء بيان ~~شيء من ذلك: # يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله ~~إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ~~ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم ~~إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون ~~له ولد له ما في السماوات وما في ~~الأرض وكفى بالله وكيلا * ~~لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف ~~عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم ~~إليه جميعا * فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم ~~عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون ~~الله وليا ولا نصيرا ~~(سورة النساء: آيات ~~171-173). ~~(3) موقف التهجم # بعد أن وقف الإسلام موقف المناظرة والنقاش الذي رأيت، ورأى ~~سوء طوية القوم، عمد إلى موقف جديد، وعمدوا إلى التهجم عليهم ~~وإفساد باطلهم لبعدهم عن الدين، وروحه القويمة، واتخاذهم ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، قال تعالى: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ~~وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون * يريدون أن يطفئوا نور الله ~~بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون * ~~هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون * يا أيها ~~الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار ~~والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم ~~(سورة التوبة: آية 31-34). ~~(4) موقف الدعوة إلى الإسلام # ولما أن رأى الرسول بعد النصارى عن الدين الحقيقي، ~~وتخبطهم في مذاهبهم وناظرهم فبين لهم ضلالهم، وتغييرهم ~~للدين الإلهي السماوي، أخذ يدعوهم إلى حظيرة الإسلام، الذي ~~يؤمن بجوهر دينهم؛ فآمن من آمن، وكفر من كفر، وإن أهم مواقف ~~الهول في دعوة النصارى إلى الإسلام هو ما كان بينه وبين وفد ~~نصارى نجران ms055 الذين قدموا عليه من اليمن في الربيع الأول من سني ~~الهجرة، وكان وفدهم هذا مؤلفا من ستين رجلا، فيهم وجوه القوم ~~وأحبارهم وعلماؤهم، فلما اجتمعوا بالرسول، وجرت بينه وبينهم ~~مناظرة مطولة في مولد عيسى - عليه السلام - وحقيقة صلته ~~بالخالق سبحانه، وفي رسالته، ودعاهم الرسول إلى الإسلام فلم ~~يجيبوه، زاعمين أنهم على الحق فيما يعتقدون؛ طلب إليهم ~~المباهلة بأن تكون لعنة الله على الكاذب الضال من أي الجانبين، ~~فلم يجيبوه أيضا إلى هذا، ووادعوه وانصرفوا راجعين إلى ~~ديارهم. وفي سورة آل عمران تفصيل هذه القصة، وإليك بعض ما ورد ~~فيها: # إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له ~~كن فيكون * الحق من ربك ~~فلا تكن من الممترين * فمن ~~حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ~~فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ~~ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على ~~الكاذبين * إن هذا لهو ~~القصص الحق وما من إله إلا الله ~~وإن الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا فإن الله عليم ~~بالمفسدين * قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون ~~(سورة آل عمران: ~~آيات 59-64). # ولكن على الرغم من هذه المحاجة والدعوة الحكيمة، فإنهم ~~ظلوا في عنادهم وكفرهم، ولكنهم اضطروا أن يوادعوه # صلى الله عليه وسلم # ويرجعوا إلى بلادهم منخذلين، على الرغم من حرص النبي على ~~المباهلة. والدعوة إلى تنزيه عيسى بن مريم عما يعتقده النصارى ~~فيه من الباطل؛ فما عيسى بن مريم إلا عبد الله ونبيه، آتاه ~~الله الإنجيل فيه رحمة ونور مصدقا لما بين يديه من التوراة ~~وهدى وموعظة للمتقين (راجع سورة المائدة، آية 46). # وكان موقف نصارى الجزيرة العربية ونصارى الشام من الدعوة ~~الإسلامية مختلفا؛ فنصارى الجزيرة كانوا دمثي الأخلاق ~~ليني الجانب، أما نصارى الشام فقد كانوا عنيفين في خصوماتهم ~~شديدين في تهجمهم، حتى إنهم قتلوا بعض رسل النبي ms056 # صلى الله عليه وسلم # ودعاته، فاضطر إلى أن يغزوهم أو يبعث إليهم بعض السرايا ~~المقاتلة، كسرية دومة الجندل وغزوة مؤتة اللتين فصلنا أمرهما ~~فيما سلف. وقد أشرنا إلى ما لقي المسلمون فيهما من عنف نصارى ~~الشام، وقد نزلت آيات كريمة تحض النبي على مقاتلتهم، كقوله ~~تعالى: # قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون ~~... # يا أيها ~~الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار ~~والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم ~~(سورة التوبة: الآيتان 29 و34). # الفصل الثالث # | المنافقون # النفاق هو أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن، وقد استعملت هذه ~~اللفظة في الآيات المكية كما في آيات سورة الحج (11-13) و(سورة ~~العنكبوت 11-13) ... وهذا يدل على أن المنافقين كانوا موجودين منذ ~~العهد المكي، ولكنهم لم يكثروا إلا بعد أن هاجر النبي إلى المدينة ~~وقوي أمره، فاضطر بعض الناس إلى إظهار الإسلام وإبطان غيره؛ إما ~~لضعف نفوسهم أو لسوء طويتهم، وإما للعمل على تهديم الدين وإدخال ~~القلق والاضطراب إلى نفوس أصحابه، وإما حسدا للنبي وكبار رجال ~~دعوته. ولم يكن الرسول وكبار صحابته يجهلون أمر هؤلاء المنافقين، ~~بل إن بعض مواقفهم كانت تكشف للملأ، وفي القرآن الكريم والسور ~~المدنية بصورة خاصة تفصيل أخبارهم وكشف لعوارهم. وقد كان لهؤلاء ~~المنافقين مواقف أتعبت النبي # صلى الله عليه وسلم # وآذت الإسلام، وخصوصا في ~~السنوات الأولى من الدعوة الإسلامية في مكة، والسنوات الأولى في ~~المدينة بعد الهجرة. وقد تعاون هؤلاء المنافقون مع المشركين من أهل ~~مكة وأهل المدينة، وتربصوا الدوائر بالنبي وصحابته، وكادوا لهم ~~الشر كيدا، ودسوا عليهم أقبح الدسائس. # ويمكننا إجمال ما ورد عن المنافقين في القرآن والسنة بالنقاط ~~الأربع الآتية: ~~(1) أحوالهم وصفاتهم # وصفهم القرآن بأنهم قوم في قلوبهم مرض، أضلهم الله فكفروا ~~بقلوبهم وإن أظهرت ألسنتهم الإسلام: # ومن الناس من يقول ms057 آمنا بالله ~~وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا ~~وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~* في قلوبهم مرض فزادهم ~~الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون * وإذا قيل لهم لا ~~تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن ~~مصلحون * ألا إنهم هم ~~المفسدون ولكن لا يشعرون * ~~وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس ~~قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا ~~إنهم هم السفهاء ولكن لا ~~يعلمون ~~(البقرة 8-13)، ويقول تعالى عنهم: # وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون ~~الله إلا قليلا * مذبذبين ~~بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ~~ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا ~~(سورة النساء: 142-143). # وقد كان الرسول يعرفهم وينظر إليهم نظرته إلى الكافرين، وهم ~~أنفسهم ما كانوا يخفون ذلك؛ فإن أعمالهم في التخلف في الجهاد ~~مع المسلمين، وفي نصرة الضعفاء والإحسان إلى من يستحقون ~~الإحسان، وامتناعهم عن أداء شعائر الإسلام، لتكشف عنهم. ~~(2) إضرارهم بالإسلام وأهله # في القرآن والسنة كثير مما قام به المنافقون، فإنهم لم ~~يتورعوا عن القيام بأفظع الإجرام والإساءة إلى المسلمين، ~~وكانوا إذا ما عوتبوا على ذلك اعتبروا ذلك إهانة لهم، فإذا ~~انكشفت حقيقة إجرامهم اعتذروا بالجهل، وإذا لم تنكشف اتخذوا ~~ذلك وسيلة إلى الإيغال في الفساد ونشر الرعب والفتنة بين صفوف ~~المسلمين، وسعوا في الأرض فسادا: # ومن ~~الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه ~~وهو ألد الخصام * وإذا ~~تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ~~ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد * وإذا قيل له اتق ~~الله أخذته العزة بالإثم فحسبه ~~جهنم ولبئس المهاد ~~(البقرة ~~204-206)، # ويحلفون بالله ~~إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم ~~قوم يفرقون * لو يجدون ~~ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا ~~إليه وهم يجمحون ~~(التوبة ~~56-57). # وقد كان لتخلفهم عن نصرة إخوانهم المسلمين الذاهبين إلى ~~جهاد العدو يوم تبوك ومؤتة والأحزاب أثر كبير في بلبلة ~~أفكارهم وإثارة الرعب في قلوبهم، ولكن الله رد كيدهم في ~~نحورهم وأعز جنده وهزم الباطل ms058 وحده. ~~(3) استهزاؤهم بالإسلام وأهله # أكثر المنافقون من الكيد للإسلام والنبي والمسلمين في ~~الخفاء، واستهزءوا بالإسلام ونبيه في العلن، واتهموا النبي ~~تهما باطلة؛ فزعموا أنه محاب في توزيعه الصدقات، كما اتهموا ~~زوجات النبي تهما لا أصل لها، ونشروا الشوائع الباطلة عن ~~المسلمين، وأرجفوا في حق أهل البيت وكبار رجال الإسلام وهم ~~برآء: # ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون ~~(التوبة: 58)، و # إن الذين يؤذون ~~الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا * والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا * يا أيها النبي قل لأزواجك ~~وبناتك ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن ~~يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا ~~رحيما * لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ~~ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا ~~(الأحزاب: 57-61)، و # الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين في الصدقات والذين لا ~~يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم ~~سخر الله منهم ولهم عذاب أليم ~~(التوبة: 79). ~~(4) تثبيطهم عزائم المسلمين عن الجهاد # ورد في القرآن الكريم وأخبار السيرة النبوية أن لهؤلاء ~~المنافقين مواقف كثيرة في تثبيط عزائم المسلمين وتخويفهم من ~~الذهاب لقتال العدو: # يا أيها ~~الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ~~وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ~~أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا ~~وما قتلوا ~~(آل عمران: 156)، # الذين قالوا لإخوانهم ~~وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل ~~فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم ~~صادقين ~~(آل عمران: 168)، و # وإذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله ~~إلا غرورا * وإذ قالت ~~طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام ~~لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم ~~النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما ~~هي بعورة إن يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من ~~أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما ~~تلبثوا بها إلا يسيرا * ~~ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا ~~يولون الأدبار وكان ms059 عهد الله مسئولا ~~* قل لن ينفعكم الفرار ~~إن فررتم من الموت أو القتل وإذا ~~لا تمتعون إلا قليلا * قل ~~من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد ~~بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا ~~نصيرا * قد يعلم الله ~~المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم ~~هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا ~~قليلا * أشحة عليكم فإذا ~~جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ~~تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من ~~الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم ~~بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك ~~لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ~~ذلك على الله يسيرا * يحسبون ~~الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب ~~يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ~~يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ~~ما قاتلوا إلا قليلا ~~(الأحزاب: ~~12-20). # وقد نجح هؤلاء المنافقون في إدخال الرعب إلى قلوب المؤمنين ~~يوم الأحزاب كما قدمنا ذلك، وقد تعرض المؤمنون في هذه الغزوة ~~لأذى شديد ، وكاد أن يتضعضع الإسلام لولا ثبات النبي وبعض ~~صحابته. # | الباب الرابع # الفصل الأول # | في مبادئ الإسلام # الإسلام في اللغة: الطاعة والانقياد والمسالمة والمتابعة، ويطلق ~~في الاصطلاح على استسلام المرء إلى الله، وانقياده لأوامره، ~~واجتناب نواهيه، ومتابعته لما جاء به النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # خاتم ~~النبيين. وليس في الإسلام بدع لم يكن معروفا من قبل، فأركانه ~~الخمسة مقررة جاء بها الأنبياء والرسل قبل، لكن الشيء الجديد الذي ~~جاء به الرسول العربي هو تعميم الرسالة المحمدية لأهل الكون جميعه ~~تحت راية واحدة هي راية الدين الإسلامي. نعم إن الإسلام هو تجديد ~~للنبوات السماوية القديمة وتقويم لما حرفه الناس من ديانات ~~السماء التي أوحاها الله إلى رسله، فأحيت قلوبهم وقومت اعوجاجهم، ~~حتى بعث الله محمد بن عبد الله العربي القريشي الأمي بدينه الجديد ~~لإصلاح ما أفسد الناس من ديانات الأنبياء الأقدمين الذين قص ~~علينا أمرهم في القرآن الكريم أو لم يقصص، قال تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا ms060 الدين ولا ~~تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ~~ويهدي إليه من ينيب * وما ~~تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك ~~إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين ~~أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه ~~مريب * فلذلك فادع واستقم ~~كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت ~~بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل ~~بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ~~الله يجمع بيننا وإليه ~~المصير ~~. # وللإسلام أركان وقواعد، أما ~~الأركان فخمسة؛ وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام. ~~وأما القاعدة الأساسية التي يقوم عليها بنيانه قد بينها الله في ~~قوله: # وقالوا كونوا هودا أو نصارى ~~تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين * قولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون * فإن ~~آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن ~~تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم ~~الله وهو السميع العليم * ~~صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن ~~له عابدون * قل أتحاجوننا في ~~الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ~~ولكم أعمالكم ونحن له ~~مخلصون ~~. # هذه هي القاعدة الأساسية التي بني عليها الإسلام، وهي كما نرى ~~قاعدة تعتمد على أن الإسلام هو الدين الأول الذي بعث به الله ~~أنبياءه ثم حرفه الضالون من بعد، فجاء محمد به خالصا من ~~الشوائب، ورسالة سيدنا محمد هي رسالة عامة للبشر أبيضهم وأصفرهم ~~وأسودهم وأحمرهم، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، ولا امتيازات ~~لعنصر على عنصر ولا لجماعة على جماعة إلا بالصلاح، وأن الإنسان أخو ~~الإنسان والبشر كلهم أبناء أسرة واحدة، وأنها ما صارت قبائل ~~وشعوبا للتخاصم والتشاجر، بل للتعارف والتراحم: # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر ms061 وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم ~~. # وللإسلام شعائر وطقوس تعبدية من حج وصلاة وصوم وزكاة وغير ~~ذلك، ولكل منها حكمة ومزايا يفهمها أهل العلم والزكانة، كما أن ~~للإسلام مبادئ يمكننا إجمالها في النقاط التالية: ~~(1) # الاعتقاد بوجود الله وحده، لا شريك له ولا صاحبة ولا ~~ولد، وهو خالق لكل شيء عالم بكل شيء، يحيي ويميت، ~~قديم باق، قادر قوي، سميع بصير، منتقم، حكيم في ~~أفعاله، عادل في قضائه. ~~(2) # وجوب تحكيم العقل ودراسة الكون والتفكر في آثار ~~الله للوصول إلى الإيمان الصحيح؛ فإن المقلد الجاهل ~~بعيد كل البعد عن روح الإسلام والإيمان الكامل. ~~(3) # تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض؛ فقد قال ~~الإمام محمد عبده: اتفق أهل مكة الإسلامية إلا قليلا ~~ممن لا ننظر إليه، على أنه إذا تعارض العقل والنقل ~~أخذ بما يدل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان؛ ~~الطريق الأولى: هي طريق التسليم لصحة المنقول من ~~الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في ~~فهمه. والطريق الثانية: تأويل النقل مع المحافظة على ~~قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل. # 1 ~~(4) # لا سلطان على مسلم إلا سلطان الله والعقل الصحيح ~~والعلم الثابت عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولا وسطاء بينه ~~وبين الله، والمسلم عبد الله فقط، حر من كل عبودية ~~لما سوى الله سبحانه. ~~(5) # العمل واجب لكل قادر عليه، وأن لكل نفس # ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت ~~، # فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره ~~، وأباحه لكل واحد. ~~(6) # أباح الإسلام لمعتنقيه كل شيء طيب خالص نافع للإنسان ~~من مشرب ومطعم وملبس، كما أباح له أن يتناول من ~~الطيبات ما شاء أكلا وشربا ولباسا وزينة، ولم يحظر ~~عليه إلا ما كان ضارا بنفسه، أو بمن يدخل ولايته، أو ~~ما تعدى ضرره إلى غيره. # 2 ~~(7) # عبادات الإسلام كلها تتفق مع ما يليق بجلال الله ~~وسمو وجوده عن الأشباه والنظائر، ويلتئم مع المعروف ~~عند العقول السليمة؛ فالصلاة ركوع وسجود ودعاء وتضرع، ms062 ~~والصوم حرمان يعظم به أمر الله في النفس، وتعرف به ~~مقادير النعم عند فقدها ومكانة الإحسان الإلهي في ~~التفضل بها، والحج تذكير للإنسان بأوليات حاجاته، ~~وتعهد له بتمثيل المساواة بين أفراده ولو مرة في ~~العمر يرتفع فيها الامتياز بين الغني والفقير والصعلوك والأمير، # 3 # والزكاة تطهير للمال بالإحسان إلى الفقراء ~~والإنعام على المعوزين. ~~(8) # واجب على المسلم تدارس القرآن وطلب العلم من ديني ~~ودنيوي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ~~(9) # واجب على المسلم عمل الخير والإحسان، وغير ذلك من ~~الأخلاق الفاضلة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: # قل تعالوا أتل ما ~~حرم ربكم عليكم ألا تشركوا ~~به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق نحن ~~نرزقكم وإياهم ولا تقربوا ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون * ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ~~هي أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ~~لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا ~~قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ~~وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تذكرون ~~. ~~(10) # إن للنيات والأعمال الباطنة الخفية ما للأعمال ~~المكشوفة من ثواب وعقاب، فيجب على المسلم أن يحسن ~~سريرته كما يحسن ظاهره: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما ~~لكل امرئ ما نوى.» ~~(11) # إن المسلم محاسب على أعماله كلها إن خيرا أو ~~شرا، وإنه مبعوث بعد موته لهذا الحساب، وليس ذلك على ~~قدرة الله بعزيز. ~~(12) # القرآن هو كتاب الإسلام، وفيه قواعده وأسسه ~~وتعاليمه، وهي قواعد تختص بالعبادات والمعاملات ~~والتشريع والأخلاق والواجبات، وليست هذه القواعد قواعد ~~مفصلة، ولكنها أصول أولية وقواعد كلية ترك فيها الشارع ~~الجزئيات لاجتهاد الفقهاء والمجتهدين، يستنبطونها منه ~~بحسب مستواهم العلمي والفكري ومقتضيات ظروفهم ~~الحيوية. ~~(13) # وجوب اتباع ما أمر به النبي # صلى الله عليه وسلم # وما نقله ~~الثقات عنه مما يتعلق بمسائل الدين. أما مسائل الدنيا، ~~فالناس أعلم بمصالح دنياهم. ~~(14) # الفطرة السليمة والعقل الصحيح هما المرجع الديني ~~فيما لم يذكره القرآن وموثوق السنة، فكل ما أقرته ~~الفطرة السليمة والعقل الصحيح والقلب السليم ms063 فهو من ~~الإسلام. ~~(15) # القصد والاعتدال في كل شيء؛ فإن الله لا يكلف نفسا ~~إلا وسعها، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه. ~~(16) # لا ضرر ولا ضرار؛ فإن الإسلام لم يفرض على أهله ما ~~فيه ضرر عليهم، كما أنه لم يبح لهم أن يضروا غيرهم، ~~والضرر يزال قطعا. ~~(17) # ما تعارف عليه الناس، وما أجمعوا على استحسانه ورأوه ~~حسنا فهو عند الشرع حسن ولو لم ينص عليه. ~~(18) # الرجل والمرأة متساويان في جميع التكاليف الدينية ~~والمدنية إلا في أحوال قليلة؛ فقد أباح للمرأة ما دامت ~~من أهل التصرف أن تتزوج بنفسها، وأن توكل غيرها، ~~ولها أن تشترط طلاق نفسها. ~~(19) # لا إكراه في الدين؛ فقد قال سبحانه: # لست عليهم ~~بمسيطر ~~، ما لم يؤذ الآخرين أو ~~يتعدى عليهم وعلى حقوقهم. ~~(20) # الجهاد واجب على المسلم، وكذلك إعداد كل ما يحتاج ~~إليه من عدة ودراسات وخطط. # الفصل الثاني # | في أحكام الإسلام # ذكرنا في الباب الخامس الطرف الهام من مبادئ الإسلام ، ونبين في ~~هذا الباب طرفا من الأحكام الشرعية المنبعثة عن تلك المبادئ، ~~ويمكننا إجمال ذلك في النقاط الآتية: ~~(1) # حرم الإسلام القيام بكل ما يخل بالشرف والمروءة ~~من السرقة والرشوة والزنا وما إلى ذلك. ~~(2) # حرم الإسلام سفك الدماء وقتل الأنفس إلا بالحق، ~~وللإمام أو القاضي وحدهما حق إقامة الحدود ~~والقصاص. ~~(3) # نهى الإسلام عن أكل مال الآخرين ظلما، وأخذ مال ~~اليتيم، واستحلال الربا، وكل ما فيه تعد على أموال ~~الناس. ~~(4) # نهى الإسلام عن السب والشتم وقذف المحصنات ~~والفجر. ~~(5) # أمر الإسلام بصلة الأرحام وبر الوالدين وحسن الجوار، ~~قال - عليه الصلاة والسلام: «يقول الله تعالى: أنا ~~الرحمن الرحيم، وهذه الرحمة شققت لها اسما من اسمي، ~~فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته.» وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ~~سيورثه.» ~~(6) # أمر الإسلام بأداء الأمانات والمحافظة على أموال ~~القاصرين وحفظ حقوق الآخرين. ~~(7) # أوجب المسلمون أمورا وأحكاما في مسائل البيوع ~~والشراء والإجارة والرهن والدين والصلح والحوالة ~~والشركة والوكالة والشفعة والإجارة والفرائض والوصايا ~~والودائع، وأجمعوا على العمل بها والاستحسان لها، ms064 وقد ~~استنبط تلك الأمور والأحكام أئمة ومجتهدون شهد لهم ~~رجال أزمانهم والذين جاءوا من بعدهم بالعقل والعلم ~~والأمانة والإخلاص. وليس ما أوجبوه من صلب الشرع، ولكن ~~اجتهادهم أداهم إلى ذلك، فإذا أدى اجتهاد من بعدهم ~~ممن أجمعت لهم الشروط المطلوبة في الاجتهاد كان ذلك ~~حسنا؛ لأن ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله ~~حسن. ~~(8) # درس الأئمة والمجتهدون من المسلمين قضايا القضاء ~~والنكاح والطلاق والرضاع والعتاق والنفقات والجنايات ~~والقسامة والقتال والجهاد والحدود والحظر والإباحة، ~~فأجمع رأيهم على أشياء توصلوا إليها باجتهادهم فعمل ~~بها جمهور الأمة، ولكن هذا لا يمنع أن تتبدل هذه ~~الأحكام بتبدل الأوقات. ~~(9) # أوجب الإسلام تعلم العلم وطلب المعرفة على كل مسلم ~~ومسلمة، وليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور ~~يقذف في القلب. ~~(10) # حض الإسلام على النظافة الجسدية والروحية، فقد قال ~~- عليه الصلاة والسلام: «الدين النظافة.» وليست ~~النظافة مرادة في الثياب، بل وفي القلب. # 1 ~~(11) # أوجب الإسلام على متابعيه كثيرا من الأخلاق ~~الفاضلة؛ كالتواضع، والشفقة، والنصح، ومعرفة آداب ~~الطعام والشراب والضيافة والجوار، وصلة الرحم، وفك ~~الأسير، وإشباع الجائع، وإفشاء السلام، وقضاء حاجات ~~ذوي الحاجات، ولين الكلام، وعيادة المرضى، وتشييع ~~الجنائز، والجود، وكظم الغيظ، والبعد عن اللعب واللهو ~~والفحش والحقد والحسد والطيرة والبغي والعدوان. وجاء ~~في ذلك أحاديث: منها قوله - عليه السلام - لمعاذ: ~~«أوصيك باتقاء الله تعالى، وصدق الحديث، والوفاء ~~بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وحفظ الجار، ~~ورحمة اليتيم، ولين الكلام، وبدء السلام، وحسن العمل، ~~وقصر الأمل، ولزوم الإيمان، والتفقه في القرآن، وحب ~~الآخرة، والجزع من الحساب، وخفض الجناح. وأنهاك أن ~~تسب حكيما، أو تكذب صادقا، أو تطيع آثما، أو ~~تعصي إماما عادلا، أو تفسد أرضا. وأوصيك باتقاء ~~الله عند كل حجر وشجر ومدر، وأن تحدث لكل ذنب توبة ~~السر بالسر والعلانية بالعلانية.» # 2 ~~(12) # عني الإسلام بالأسرة عناية كبيرة، فدعا إلى الزواج، ~~وأباح الطلاق على أنه ضرورة، وفرض النفقات للزوجة ~~والأولاد والأصول، وخص للمرأة على زوجها حقوقا ~~كثيرة، وحرم التزوج بنساء ذكرهن في الآية (23) من ~~النساء وهي: # حرمت عليكم ~~أمهاتكم ms065 وبناتكم وأخواتكم ~~وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ ~~وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ~~وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح ~~عليكم وحلائل أبنائكم الذين ~~من أصلابكم وأن تجمعوا بين ~~الأختين إلا ما قد سلف إن الله ~~كان غفورا رحيما ~~. وأباح الإسلام ~~التزوج بأكثر من واحدة شريطة العدل بينهن، وليس العدل ~~بينهن من الأمور السهلة: # ولن ~~تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ~~ولو حرصتم فلا تميلوا كل ~~الميل ~~(النساء: 129). ~~(13) # أباح الإسلام الاسترقاق، جريا على تقاليد الحروب ~~والأوضاع الاجتماعية التي كان عليها الناس في ذلك ~~الوقت، ولكنه عني بالأسرى عناية شديدة، وفرض إعتاق ~~الرقاب، وجعله من أجل القرب من الله، كما جعل إعتاق ~~الرقاب كفارة لبعض الذنوب والخطايا الشرعية، وفي ذلك ~~رأفة بهم ورحمة. # | الباب الخامس # في حكومة النبي وإدارته # الفصل الأول # | الوثيقة المدنية وتحليلها # إن المبادئ الإدارية التي جاء بها الرسول هي إيجاد مجتمع فاضل ~~منظم في حكومته وشئون إدارته، وقد حاول النبي إيجاد ذلك أيام كان ~~في مكة، ولكن معارضة قريش له وسوء معاملتهم إياه وأصحابه اضطراه ~~إلى أن يأمر أصحابه بالهجرة، ثم هاجر هو بنفسه إلى المدينة، فوجد ~~الجو صالحا لإقامة حكومة ذات أنظمة وقوانين وتعاليم ترعى الدين ~~الجديد وتحميه. وأول عمل يتجلى فيه التنظيم هو تلك الوثيقة التي ~~كتبها في المدينة المنورة وأذاعها على أهاليها فور استقراره، وهي ~~بمثابة القانون الأساسي للدولة الإسلامية الجديدة، وهذا ~~نصها: ~~(1) الوثيقة المدنية ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب # 1 # من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين ~~من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: ~~(1) # أنهم أمة واحدة من دون الناس. # 2 ~~(2) # المهاجرون من قريش على ربعتهم # 3 # يتعاقلون # 4 # بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف ~~والقسط بين المؤمنين. ~~(3) # وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، ~~وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين ~~المؤمنين. ~~(4) # وبنو الحارث من الخزرج على ربعتهم يتعاقلون ~~معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف ~~والقسط بين ms066 المؤمنين. ~~(5) # وبنو جشم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة ~~تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ~~(6) # وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم ~~الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط ~~بين المؤمنين. ~~(7) # وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم ~~الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط ~~بين المؤمنين. ~~(8) # وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم ~~الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط ~~بين المؤمنين. ~~(9) # وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، ~~وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين ~~المؤمنين. ~~(10) # وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا # 5 # بينهم أن يعطوه بالمعروف في ~~فداء. ~~(11) # وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. ~~(12) # وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم ~~أو ابتغى دسيعة ظلم # 6 # أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين ~~المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد ~~أحدهم. ~~(13) # وألا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا ~~على مؤمن. ~~(14) # وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن ~~المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. ~~(15) # وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير ~~مظلومين ولا متناصرين عليهم. ~~(16) # وأن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن ~~في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل ~~بينهم. ~~(17) # وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا. # 7 ~~(18) # وأن المؤمنين يبيء بعضهم # 8 # عن بعض بما ينال دماءهم في سبيل ~~الله. ~~(19) # وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي ~~وأقومه. ~~(20) # وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا ~~يحول دونه على مؤمن. ~~(21) # وأنه من اعتبط # 9 # مؤمنا قتلا عن بينة فإنه # 10 # قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول ~~بالعقل، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا ~~قيام عليه. ~~(22) # وأنه لا يحل لمؤمن أقر بهذه الصحيفة وآمن بالله ~~واليوم الآخر أن ينصر محدثا # 11 # أو يؤذيه، وأنه من نصره وآواه فإن ~~عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه ~~صرف ولا عدل. # 12 ~~(23) # وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى ~~الله وإلى محمد. ~~(24) # وأن ms067 اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا ~~محاربين. ~~(25) # وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم ~~وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو ~~أثم، فإنه لا يوتغ # 13 # إلا نفسه وأهل بيته. ~~(26) # وأن ليهود بني النجار ما ليهود بني عوف. ~~(27) # وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني ~~عوف. ~~(28) # وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني ~~عوف. ~~(29) # وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف. ~~(30) # وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني ~~عوف. ~~(31) # وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا ~~من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل ~~بيته. ~~(32) # وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم. ~~(33) # وأن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وأن ~~البر دون الإثم. ~~(34) # وأن موالي ثعلبة كأنفسهم. ~~(35) # وأن بطانة يهود كأنفسهم. # 14 ~~(36) # وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد. ~~(37) # وأنه لا ينحجز # 15 # على ثأر جرح، وأنه من فتك # 16 # فبنفسه وأهل بيته إلا من ظلم، وأن ~~الله على أبر هذا. ~~(38) # وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، ~~وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن ~~بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم. ~~(39) # وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر ~~للمظلوم. ~~(40) # وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا ~~محاربين. ~~(41) # وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. # 17 ~~(42) # وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. ~~(43) # وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها. ~~(44) # وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار # 18 # يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى ~~محمد، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة ~~وأبره. ~~(45) # وأنه لا تجار قريش ومن نصرها. ~~(46) # وأن بينهم النصر على من دهم يثرب. # 19 ~~(47) # وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه # 20 # فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا ~~دعوا إلى أقل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من ~~حارب في الدين. ~~(48) # على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم. ~~(49) # وأن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل ms068 ~~هذه الصحيفة مع أبر المحض من أهل هذه الصحيفة، ~~وأن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، ~~وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة ~~وأبره. ~~(50) # وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه ~~من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم ~~وأثم، وأن الله ومحمد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # جار لمن ~~بر واتقى.» # 21 ~~(2) تحليل هذه الوثيقة # إن هذه الوثيقة من أقدم الوثائق السياسية العربية المعروفة، ~~إن لم تكن أقدمها، وقد سميت تارة «كتابا»، وتارة «صحيفة». ~~أما «الكتاب» فمأخوذ من قولهم: «كتب الله الصيام والصلاة.» قال ~~تعالى: # إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا ~~، وقال: # كتب عليكم القتال ~~؛ أي ~~فرض. فمعناها إذن: «الفريضة» التي يجب على الناس ألا يتهاونوا ~~بما تضمنته. وأما «الصحيفة» فمعناها: «ورقة» تضمنت شيئا ~~مقدسا، مثل «صحف إبراهيم وموسى» أو «عهد مكتوب» بين فرقاء، ~~مثل الصحيفة التي كتبتها قريش في مقاطعة بني هاشم وعلقتها في ~~الكعبة. وليس المراد «بالكتاب والصحيفة» هنا «الاتفاقية» ~~المعقودة بين طرفين تعاهدا على أمر ووثقاه بتوقيعهما، وإنما ~~المراد بها أنها «إعلان» أو «نشرة» تصدرها السلطة القوية إلى ~~رعيتها للعمل بما تضمنته. وأسلوب هذه الوثيقة سهل بسيط، كثير ~~التكرار، قصير الجمل، يستعمل الكلمات والمصطلحات العربية ~~القديمة في القضايا المتعلقة بمثل هذا الأمر. ولم تنص هذه ~~الوثيقة كسائر الوثائق النبوية أو أكثرها على اسم كاتبها أو ~~شهودها، كما أنها لم تنص على تاريخ كتابتها، إلا أن الإمام ~~أبا داود في سننه يذكر أن هذه الصحيفة قد كتبت بعد وقعة بدر ~~الكبرى. وهذه الرواية معقولة؛ لأنها تصور لنا قوة النبي # صلى الله عليه وسلم # ومواقفه من اليهود الذين كانوا أقوياء يومئذ، فأراد ~~الرسول أن يحول دونهم ودون نشاطهم ضده أو معاونتهم عدوه ~~عليه، تنتظم هذه الوثيقة الحديث عن فرقاء ثلاثة: المسلمين ~~واليهود والمشركين. # أما ما يتعلق بالمسلمين فهي تنص على أنهم أصبحوا «أمة» واحدة ~~يؤمنون بإله واحد، ويطيعون رسولا واحدا، ويخضعون لأحكام ~~دينية متوحدة، وأن المرجع الأول ms069 لهذه الأمة هو «الله»، وأن ~~رسوله ووسيطه بين خلقه هو «محمد» الذي إليه مرد أمور المسلمين ~~بعد «الله»، وأنه بعد الله أجار من بر واتقى (المادة 44، ~~50)، وأن المؤمنين والمسلمين من أهل يثرب ومكة أمة واحدة لها ~~أنظمة تقوم على الأسس الإسلامية لا على الأسس الجاهلية، إلا ~~أنه لم يمح تلك الأسس، فأبقى بعضها مجاراة لسنن الحياة، ~~فأبقى النظام القبلي وحق الجوار والديات وما إلى ذلك. وقد ~~اعتبرت الوثيقة المهاجرين قبيلة واحدة والأنصار قبيلتين؛ وهما ~~الأوس والخزرج، أما الأوس فقبيلتان: بنو الأوس وطوائفهم قبيلة، ~~وبنو النبيت وطوائفهم قبيلة، وأما الخزرج فست قبائل: عوف، ~~والحارث، وساعدة، وجشم، والنجار، وعمرو. ولا ندري السر في ~~تعداد هذه القبائل الخزرجية والاكتفاء بذكر الأوس والنبيت؛ ~~ولعل ذلك راجع إلى كثرة القبائل الخزرجية وقلة الأوسية، أو ~~لعله راجع إلى كثرة من أسلم من أولئك وقلة من أسلم من ~~هؤلاء. # وأما اليهود، فهم داخلون فيما دخل فيه أحلافهم من الأوس ~~والخزرج؛ فاليهود والمحالفون للأوس ومواليهم، واليهود ~~المحالفون لبني عوف هم داخلون معهم، وكذلك اليهود المحالفون ~~لبني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم وبني الأوس وبني ثعلبة، وكذلك بنو الشطيبة، وكذلك اليهود خارج المدينة ~~(البطانة)؛ فإنهم داخلون معهم، وأن كل هؤلاء اليهود ممن اتبع ~~الإسلام دخل في حلفهم لهم النصر والأسوة غير مظلومين ولا ~~متناصرين عليهم (المادة 51)، وأنهم ينفقون مع المؤمنين فيما ~~يجب على المؤمن إنفاقه ما داموا محاربين (المادة 24)، وأن على ~~اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من ~~حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والبر دون الإثم (مادة ~~38). # وأما المشركون، فلا يقتل مؤمن في قتل واحد منهم ولا ينصر ~~مؤمن كافرا على مؤمن (مادة 13)، وأنه لا يجير مشرك - من أهل ~~هذا الحلف - مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن ~~(مادة 20)، ولا يحل لمؤمن أن ينصر قاتلا أو يؤويه (مادة ~~22)، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها (45). # وقد أثبتت هذه الوثيقة المبادئ الآتية: ~~(1) # إبقاء نظام الديات والعقل كما كان أيام الجاهلية ~~(مادة ms070 2). ~~(2) # إبقاء نظام فك الأسرى كما كان أيام الجاهلية (مادة ~~2). ~~(3) # إبقاء نظام وفاء دين المدين (المفرج) الذي لا يجد ما ~~يفي به دينه (مادة 10). ~~(4) # ألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دون موافقته (مادة ~~11). ~~(5) # أنه لا يحق لأحد المؤمنين وحلفائهم حماية من بغى ~~وظلم أو أثم أو تعدى أو فسد، وأنه لا يحق لأحد أن يسعى ~~تخليصه ولو كان ولده (مادة 12). ~~(6) # وأنه لا يقتل مؤمن في كافر قتله (مادة 13). ~~(7) # وأنه لا ينصر كافر على مؤمن (مادة 13). ~~(8) # الإبقاء على نظام الإجارة الجاهلي، وأن أهل هذا ~~الحلف يجير عليهم أدناهم (مادة 14). ~~(9) # أن سلم المؤمنين ومحالفيهم هو سلم واحد (مادة ~~16). ~~(10) # إبقاء نظام التعاقب في الغزو، فإنه إذا خرجت طائفة ~~إلى الغزو ثم عادت لم تكلف الخروج ثانية حتى تعقبها ~~أخرى (مادة 17). ~~(11) # أن المؤمنين متساوون في هذا الحلف، فإن لأحدهم الحق ~~في قتل كل من قتل مؤمنا منهم (مادة 18)، وأن من قتل ~~مؤمنا فهو مقتول به إلا إذا رضي ولي المقتول بالعقل ~~والدية، وأن على المؤمنين أن يؤيدوه في رأيه (مادة ~~21). ~~(12) # لا يجوز لمؤمن أن ينصر ظالما أو قاتلا أو يؤويه ~~(مادة 22). ~~(13) # أن من تعدى على غيره بفتك أو جرح فعليه مثل ما فعل ~~(مادة 37). ~~(14) # أن ليثرب حرمة فلا يجوز انتهاكها (مادة 41)، وأن على ~~أهل هذا الحلف حرب من دهم يثرب (مادة 46). ~~(15) # أن الجار والحليف كالنفس (مادة 39، 42)، وأنه لا ~~تجار حرمة إلا بإذن أهلها (مادة 43). ~~(16) # أن من يدعى إلى الصلح ويقبله فعليه أن ينفذه كما ~~قبله (مادة 47). ~~(17) # أن أصحاب هذه الوثيقة كتلة واحدة مسلمين ويهود ~~يتعاونون في تنفيذ موادها، وهم كلهم يد واحدة على من ~~بغى. ~~(18) # أن لكل واحد من أهل الوثيقة دينه وكتابه (مادة 25)؛ ~~فللمسلمين كتابهم ودينهم، ولليهود دينهم وأحكامهم وحفظ ~~حقوق مواليهم، أما ما يتعلق بالحرب فإن الأمر في يد ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~(19) # أن من قام بجرم انحصر أمره فيه وفي أهل بيته، ولا ~~يمتد ذلك إلى عشيرته كما كان الأمر في ~~الجاهلية. ~~(20) # قطع العلاقات من اقتصادية أو اجتماعية مع العدو سواء ~~أكان ms071 ذا قرابة أو علاقة كائنة ما كانت مع العدو (مادة ~~20). # الفصل الثاني # | في التراتيب الإدارية # نريد بالتراتيب الإدارية نظام الإدارة والخطط التي سار عليها ~~الرسول الكريم في تنظيم شئون دولته، وقد استعرنا هذا التعبير من ~~عنوان كتاب العلامة السيد عبد الحي الكتاني الفاسي الذي نشر جزأه ~~الأول في سنة 1346ه بالرباط تحت اسم: «كتاب التراتيب الإدارية ~~والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد ~~تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية». وهو كتاب ~~قيم بذل فيه مؤلفه جهدا محمودا، وكشف عن علم غزير واطلاع عميق ~~واسع على الثقافة الإسلامية والخزانة العربية، وقد أراد المؤلف ~~الفاضل أن يبين للناس ما كانت عليه أوضاع الإدارة الإسلامية في عهد ~~النبي الكريم، فقد ذكر في مقدمته: «أن الذين اعتنوا بتدوين المدنية ~~العربية والتراتيب الإدارية لخلفاء المملكة الإسلامية، وذكروا ما ~~كان لأمراء الإسلام على عهد الدولة الأموية والخلافة العباسية من ~~الرتب والوظائف والعمالات والعمال، أهملوا ما كان من ذلك على عهد ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، مع أنه - عليه الصلاة والسلام - حيث كان يشغل ~~منصب النبوة الديني على قاعدة جمع دينه القويم بين سياسة الدين ~~والدنيا جمعا مزج بين السلطتين، بحيث كادا أن يدخلا تحت مسمى واحد ~~وهو «الدين». وكذلك وقع. كانت الإدارات اللازمة للسياستين على عهده ~~صولجانها دائر، والعمالات بأتم ~~أعمالها إلى الترقي والعمل سائر، بحيث يجد المتتبع وظائف حاشية ~~الملك اليوم الخاصة بشخصه من صاحب الوضوء والفراش والنعال والإصطبل ~~والحاجب، وغير ذلك، كانت موجودة عند النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولعل عن ذلك ~~العهد أخذها ملوك الإسلام، كما إذا التفت إلى ما يتعلق بالمراتب ~~الإدارية من وزارة بأنواعها، وكتابة بأنواعها، والرسائل، ~~والإقطاعات، وكتابة العهود والصلح، والرسل والترجمان، وكتاب الجيش ~~والقضاة، وصاحب المظالم، وفارض النفقات، وفارض المواريث، وصاحب ~~العسس في المدينة، والسجان، والعيون، والجواسيس، والمارستان، ~~والمدارس، والزوايا، ونصب الأوصياء، والممرضات، والجراحين، ~~والصيارفة، وصاحب بيت المال، ومتولي خراج الأرض، وقاسم الأرض، ~~وصانع المنجنيقات، والرامي بها، وصاحب الدبابات، وحافر الخنادق ~~الصواغين، وأنواع المتاجر والحرف ms072 - تجد أن مدته - عليه الصلاة ~~والسلام - مع قصرها لم تخل عن أعمال هذه الوظائف وإدارة هذه ~~العمالات، وتجد أنها كانت مسندة للأكفاء من أصحابه وأعوانه. وربما ~~يستغرب السامع هذا القدر على البديهة إذا سمعه ممن اقتصر على ~~مطالعة بعض كتب السير للمتأخرين، وظن أنها خالية عن أمثال هذه ~~الأمور؛ فإنه ربما يحيص حيصة الاستغراب، ولكن لا ضير فإن أكثر ~~الذين يتعاطون السير اليوم غاية ما يقرءون من كتبها الهمزية.» # 1 # والحق أن السيد الكتاني قد بذل جهودا جبارة وطالع مئات المؤلفات ~~من مطبوع ومخطوط في الفحص عن حكومة عهد النبي وتراتيبه الإدارية، ~~وقد أوفقه الله إلى العثور على الكتاب النفيس المسمى «تخريج ~~الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من الحرف ~~والصنائع والعمالات الشرعية» لأبي الحسن علي بن محمد بن أحمد بن موسى بن أبي غفرة الخزاعي (710-789)، فقرأه واستدرك عليه وشرحه ~~ونشره في مجلدين ضخمين بعنوان «التراتيب الإدارية». ولا شيء يؤخذ ~~على كتاب الكتاني سوى سوء ترتيبه واضطراب بحوثه وضعف تأليفه، فإن ~~المؤلف الجليل على الرغم من الجهد لم يستطع أن يرتب كتابه ترتيبا ~~علميا حديثا يفيد منه كل من يريد الاطلاع على حكومة النبي وأصول ~~نظمه الإدارية، ولكنه جهد عظيم وعمل نافع جزى الله صاحبه عن ~~الإسلام والعروبة خيرا. # ونحن إذا رحنا ندرس شئون التراتيب الإدارية التي كانت في عهد ~~حكومة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، نجدها تنحصر في الشئون الآتية: ~~(1) الشئون الدينية # كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # هو المشرف الأعظم على كافة مرافق الدولة ~~الإسلامية وبخاصة الشئون الدينية، فهو المرجع الأول للمسلمين، ~~وهو الموجه للدولة، وهو المشرع للمسلمين، فإمامة الصلاة ~~وأذانها وتوقيتها وإمارة الحج وحجابة البيت والسقاية وتولي ~~أمور الزكاة وصدقات الصوم؛ كان الرسول يشرف عليها بنفسه، أو ~~يعهد إلى من يراه كفئا للقيام بها. ~~(1-1) إمامة الصلاة # هي من حقوق النبي، وقد كان يقوم بها بنفسه إلا في حال ~~مرضه أو غيبته، فكان يأذن أن يتولاها غيره، وكان الرسول ms073 ~~إذا بعث أميرا في سرية أو فتح جعل إليه الصلاة، ولما مرض ~~مرض موته فوض الصلاة لأبي بكر، فصلاها طول مدة مرضه إلى ~~أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~(1-2) مؤذن الصلاة # اتخذ الرسول سبعة يؤذنون للناس ويدعونهم في أوقات ~~الصلاة، «فأول» مؤذن له # صلى الله عليه وسلم # هو بلال الحبشي، وكان ~~إذا أذن وقف على باب رسول الله فيقول: السلام عليك يا ~~رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة. و«الثاني» هو عبد ~~الله بن أم مكتوم، وكان يؤذن في الفجر يتوخاه فلا ~~يخطئه. «والثالث» هو أبو مخدورة، فقد كان رتبه لأذانه في ~~مكة منصرفه من حنين، فلم يزل يؤذن بها إلى أن مات. ~~«والرابع» هو سعد القرظ، أذن له بقباء ثلاث مرات. ~~«والخامس» هو زياد بن الحارث الصدائي، أذن مرة لما كان ~~بلال غائبا، وأقام في صلاة الصبح. «والسادس» هو عبد ~~العزيز بن الأصم، أذن مرة. «والسابع» هو ثوبان مولى ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. ويقال إن عثمان بن عفان كان يؤذن للنبي. # 2 # كما يقال إن أول من أذن بمكة هو حبيب بن عبد ~~الرحمن. ذكره الأزرقي في تاريخ مكة. # 3 ~~(1-3) موقت الصلاة # أمر النبي # صلى الله عليه وسلم # بلالا بحفظ أوقات الصلاة؛ ففي ~~«الموطأ» عن سعيد بن المسيب أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين قفل ~~من خيبر أسرى، حتى إذا كان من آخر الليل عرس وقال لبلال: ~~اكلأ لنا الصبح. ونام رسول الله وكلأ بلال. ~~(1-4) أمير الحج # أول من قام للمسلمين بأمور الحج عتاب بن أسيد سنة ثمان ~~للهجرة حين ولاه النبي على مكة بعد فتحها، وكان عمره ~~إذ ذاك عشرين سنة. أسلم يوم الفتح فولاه النبي # صلى الله عليه وسلم # عليها لما سار إلى حنين، وفي سنة تسع حج بالناس أبو ~~بكر، وفي السنة العاشرة حج النبي وخطب خطبة ~~الوداع. ~~(1-5) حجابة البيت الحرام # هذه إحدى الوظائف في عهد الجاهلية، وكان يتولاها عثمان ~~بن أبي طلحة وشيبة بن ms074 عثمان قبيل الفتح، فلما فتح الرسول ~~مكة دفع إليهما مفتاح الكعبة ثاني يوم الفتح بعد أن طلبه ~~العباس وعلي، فقال لعثمان وشيبة: إنها لكما خالدة تالدة لا ~~ينزعها منكم إلا ظالم. ~~(1-6) سقاية البيت الحرام # هذه أيضا إحدى الوظائف في عهد الجاهلية، وكانت لبني عبد ~~المطلب، فأقرها النبي # صلى الله عليه وسلم # في الإسلام، حتى قال لهم ~~- عليه السلام - وقد أتى على بني عبد المطلب وهم يسقون ~~الناس على زمزم: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم ~~الناس على سقايتكم لنزعت معكم.» فناولوه دلوا فشرب. قال ~~ابن باديس: طرح عليه الصلاة والسلام كل مأثرة كانت ~~الجاهلية تتكبر بها ... واستثنى من ذلك السدانة، وهي حجابة ~~البيت، والسقاية؛ لأن فيهما تعظيم حرمات الله من حفظ البيت ~~والقيام عليه. # 4 ~~(1-7) المساجد ووظائفها وما يتعلق بها # قال الخزاعي في التخريج نقلا عن الروض الأنف: إن مساجد ~~المدينة تسعة مساجد سوى مسجد رسول الله، وكانوا كلهم ~~يصلون بأذان بلال. # 5 # وهذه المساجد هي: مسجد بني عمرو بن النجار ~~الخزرجي، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني رابح ~~من بني عبد الله الأشهل، ومسجد بني زريق، ومسجد غفار، ~~ومسجد أسلم، ومسجد جهينة ، والتاسع مسجد سالم. # أما أول مسجد خطه النبي في المدينة بعد مسجده فهو مسجد ~~بني جهينة، قدموا إليه # صلى الله عليه وسلم # فخط لهم مسجدهم. وأول ~~مسجد قرئ فيه القرآن هو مسجد بني زريق. # 6 # وأول جمعة صلاها النبي في المدينة هي في ~~مسجد بني أسلم ببطن الوادي، نقله السيوطي عن الزبير بن ~~بكار في تاريخ المدينة. # 7 # أما مسجد النبي فقد بناه عقب وصوله إلى ~~المدينة وقال: «ابنوا لي عريشا كعريش موسى، ابنوه لي من ~~لبن، له ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل ذلك.» ~~قيل له: وما ظلة موسى؟ قال: «كان إذا قام أصاب رأسه ~~السقف.» وعمل فيه بنفسه ترغيبا لهم، # 8 # وطفق # صلى الله عليه وسلم # ينقل معهم اللبن في ثيابه ~~ويقول وهو ينقل: # هذا الحمال # لا حمال خيبر ms075 # هذا أبر # ربنا وأطهر # 9 # وجعلوا أساسه بالحجارة ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللبن، وجعل ~~يقول # صلى الله عليه وسلم ~~: لاهم إن الأجر أجر الآخرة، فارحم ~~الأنصار والمهاجرة. # 10 # فأخذوا في بنائه وجعلوا عضادتيه من حجارة، ~~وبنوه بالرهص، وهو الطين الذي يتخذ منه الجدار، ورفعوا ~~جداره سبعة أذرع، وقيل: خمسة. # 11 # وجعلوه سبعين في ستين ذراعا، وقيل: مائة في ~~مائة مربعة. # 12 # وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعلوا أوسطه ~~رحبة، وبنى بيتين لزوجتيه # 13 # عائشة وسودة، ثم زادها حتى بلغت تسعا، ولم ~~يجعل له سطحا أول الأمر، ولما شكوا الحر إليه # صلى الله عليه وسلم # جعل له سطحا من خشب وسوارية جذوعا وظللوه بالجريد ثم ~~بالخصف، ولما وكف عليهم طينوه. # 14 # وقيل: إنهم لما قالوا له أن يطينه قال: لا، ~~عريش كعريش موسى. ولم يزل كذلك حتى قبض. # 15 # وكان له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب ~~عاتكة وهو باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه، وهو باب ~~عثمان، ولما حولت القبلة سد الباب الذي خلفه. # 16 # ولما ضاق المسجد بأهله وكثر المسلمون وسعه ~~بإضافة المربد الذي كان بجانبه، اشتراه عثمان ووهبه للنبي، # 17 # وقد جعله مسجدا بسيطا خاليا من الزخرف ~~والتزيين. ولما جمع الأنصار مالا أتوا به النبي فقالوا ~~له : ابن هذا المسجد وزينه، إلى متى نصلي تحت هذا ~~الجريد؟ فقال: «ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى.» # 18 # ويظهر أن المسجد النبوي لم يكن له محراب، فإني ~~لم أعثر على أحد أشار إلى ذلك، وإنما ذكر السيوطي أن عمر ~~بن عبد العزيز هو أول من أوجد المحراب المجوف حينما بنى ~~المسجد النبوي، ونقل ذلك عن الواقدي. # 19 # والمحراب كلمة عربية قديمة تطلق على صدر ~~البيت، ومنها أخذت لصدر المسجد، وقيل: إن أصله محرام (من ~~الإحرام) ثم أبدلت الميم الثانية باء. وقيل: إن الكلمة ~~عبرية، ومحاريب اليهود هي كنائسهم. قال المجد الفيروزآبادي ~~في القاموس: المحراب الغرفة، وصدر البيت، ومقام الإمام من ~~المسجد، والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن ms076 الناس، ومحاريب ~~بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يجلسون بها. أما المئذنة ~~أو المنارة، فلم يذكر أحد من المؤرخين أنها كانت مبنية في ~~عهد الرسول، وإنما ذكروا أن امرأة من بني النجار قالت: كان ~~بيتي أطول بيت حذاء المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر كل ~~غداة، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه ~~تمطى ثم قال: اللهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا ~~دينك، ثم يؤذن. وذكر أهل السير أن بلالا كان يؤذن على ~~أسطوان في قبلة المسجد، يرقى إليها بأقتاب فيها، وكانت ~~خارجة من المسجد. # 20 # وفي أسد الغابة: أن النوار أم زيد بن ثابت هي ~~التي قالت: إن بيتي كان أطول بيت حول المسجد الحرام، فكان ~~بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن إلى أن بنى رسول الله ~~مسجده، فكان يؤذن بعد على ظهر المسجد وقد رفع له شيء ~~فوق ظهره. # 21 # وقيل إن بلالا كان يؤذن من دار حفصة بنت عمر ~~قرب المسجد. # 22 # وقال الكتاني: لم يكن منار في زمانه # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وإنما هو من سنة الصحابة، وكانوا في عهده يؤذنون عند باب ~~المسجد وبين يدي الإمام. # 23 # وأما المنبر فقد ذكروا أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يخطب ~~بالناس يوم الجمعة في مسجده إلى جذع شجرة أو نخلة، ثم إنهم ~~اتخذوا لهم منبرا من خشب يخطب عليه، # 24 # فقد روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن امرأة ~~من الأنصار قالت لرسول الله: يا رسول الله، ألا أجعل لك ~~شيئا تقعد عليه؛ فإن لي غلاما نجارا؟ قال: «إن شئت ~~فعلت.» فعملت له منبرا، # 25 # فلما كان يوم الجمعة قعد النبي # صلى الله عليه وسلم # على ~~المنبر الذي صنع له، وقد جعلوا له ثلاث درجات أو أربعا. # 26 # وكان ذلك في السنة السابعة للهجرة، وقيل: بل ~~في السنة الثامنة. وقيل: في التاسعة. # 27 # وكان موضع المنبر عن يمين مصلى النبي لاصقا ~~بجدار المسجد القبلي. # 28 # وقد كان هذا المسجد مفروشا بالحصى، وربما ms077 وضعت فيه ~~الخمرة، وهي حصير من سعف النخل مضفور بالسيور ونحوها بقدر ~~الوجه والكفين من المصلي. وقيل: هي السجادة التي يسجد ~~عليها المصلي. وروى البخاري عن عائشة قالت: قال لي رسول ~~الله: «ناوليني الخمرة من المسجد.» وروى النسائي عن ميمونة ~~قالت: كان رسول الله يضع رأسه في حجر إحدانا فيتلو القرآن ~~وهي حائض، وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد وتبسطها وهي ~~حائض. كما روي أن المسجد كان مفروشا بالحصير. # 29 # وقد كان المسجد ينظف ويخلق بالطيب؛ فقد ~~رووا أن عثمان بن مظعون تفل في القبلة فأصبح كئيبا لذلك، ~~فسألته امرأته فأخبرها، فعمدت إلى القبلة فغسلتها ~~وخلقتها، فكانت أول من خلق القبلة. وقيل: إن الذي رأى ~~ذلك هو النبي فحكها ثم أمر بخلوق فلطخ به مكانها، ثم ~~خلق الناس المساجد. أما إضاءة المسجد النبوي، فقد رووا ~~أنهم أول الأمر كانوا يوقدون المشاعل من سعف النخل، ثم إن ~~تميما الداري حمل معه من الشام قناديل وزيتا ومقطا، ~~ولما انتهى إلى المدينة وافق ذلك يوم الجمعة، فأمر غلاما ~~له يقال له أبو البراد، فقام فشد المقط - وهو الحبل - ~~وعلق القناديل وصب الماء فيها وجعل المفتل فيها، فلما ~~غربت الشمس أسرجها، فخرج رسول الله إلى المسجد فإذا هو ~~يزهر، فقال: «من فعل هذا؟» قالوا: تميم يا رسول الله. ~~فقال: «نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا ~~والآخرة .» وفي الاستيعاب في ترجمة سراج مولى تميم: قدم على ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # في خمسة غلمان لتميم وأنه سرج للنبي # صلى الله عليه وسلم # بقنديل الزيت، وكانوا لا يسرجون قبل ذلك إلا سعف ~~النخل، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «ما اسمه؟» قال: فتح. قال ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «بل اسمه سراج.» قال: فسماني رسول الله سراجا. # 30 # وقد كان للمسجد صفة، وهي ظلة في آخر المسجد، قال ~~القاضي عياض: هي ظلة في مؤخرة المسجد النبوي يأوي إليها ~~المساكين، وينسب إليها أهل الصفة. وقال الذهبي: إن القبلة ~~قبل أن تحول كانت في شمالي المسجد، فلما ms078 حولت القبلة ~~بقي حائط القبلة قبل الأعلى مكان أهل الصفة، # 31 # وكان أهل الصفة جماعة من فقراء الصحابة ~~وغربائهم يأوون في المسجد النبوي، وربما بلغ عددهم المائة ~~يزيدون وينقصون. ومن مشهوريهم عمار بن ياسر، وسلمان ~~الفارسي، وأبو هريرة، وابن أم مكتوم، وصهيب، وخباب. وقد ~~طلب النبي # صلى الله عليه وسلم # من أغنياء المسلمين أن يطعموهم، وطلب ~~إليهم أن يبعثوا بأقناء من نخلهم للمساكين، فبعث الناس ~~ذلك، واستعمل على الأقناء معاذ بن جبل، فكان يمد حبلا بين ~~جذعين ويعلق عليه الأقناء، وكان يحفظها ويقسمها. # 32 # وقد كان للمسجد النبوي امرأة تعتني بتنظيفه وتطهيره؛ فقد ~~روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم ~~المسجد، ففقدها الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فسأل عنها، فقالوا: ماتت. ~~فقال: «أفلا آذنتموني؟» قال: فكأنهم صغروا أمرها، فقال: ~~«دلوني على قبرها.» فدلوه فصلى عليها. وروى ابن ~~خزيمة في صحيحه أنه قال: «إن امرأة كانت تلقط الخرق ~~والعيدان من المسجد.» وروى ابن ماجه أنها كانت تقم ~~المسجد، فماتت ليلا، فلما أصبح رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أخبر ~~بها فقال: «ألا آذنتموني؟» فخرج بأصحابه فوقف على قبرها ~~فكبر عليها والناس خلفه ودعا لها ثم انصرف. واسم تلك ~~المرأة أم محجن، وقيل: محجنة. وهي من أهل الحبشة. # 33 # وكان في المسجد النبوي مجمر يطيبه ويبخره، ~~وكان النبي يقول: جمروا مساجدكم. ويقال: إن مجمر مسجد ~~النبي كان نعيم بن عبد الله المزني، وكذلك كان أبوه. وكان ~~عبد الله مولى عمر بن الخطاب يباشر ذلك أيضا. وفي سنن أبي ~~داود عن عائشة قالت: أمر رسول الله ببناء المساجد في ~~الدور، وأن تطيب وتنظف، ونقل الخزاعي عن كتاب «الجامع ~~من البيان والتحصيل» لابن رشد: أن رسول الله قال: «جمروا ~~مساجدكم.» وفي «التمهيد» أن عبد الله المجمر مولى عمر بن ~~الخطاب، كان يجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر. وقيل إنه ~~كان من الذين يجمرون الكعبة. # 34 ~~(1-8) صاحب الصلاة # كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يقوم بدعوة الناس إلى صلاة ms079 الجماعة، ~~ويشتد عليهم في تركها لغير عذر مشروع، قال الخزاعي: كان # صلى الله عليه وسلم # يباشر ذلك بنفسه، حتى إنه هم بحرق الدور على ~~الذين لم يشهدوا معه الجماعات كما في الصحيحين وغيرهما. ~~وذكر الزمخشري في الكشاف: أن المصطفى استعمل عتاب بن ~~أسيد على أهل مكة، وقال له: «... فقد استعملتك على أهل ~~الله.» فكان شديدا على المنافقين هينا على المؤمنين، ~~وقال لهم: والله لا أعلم متخلفا عن الصلاة في جماعة إلا ~~ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا المنافق. # 35 # وزاد الكتاني على ذلك قوله: إن أبا زياد ~~الجاجي في شرحه على مختصر ابن أبي جمرة ذكر غير واحد ممن ~~ألف في السير أن عمر بن الخطاب وعليا كانا من عاداتهما ~~إذا طلع الفجر خرجا يوقظان الناس لصلاة الصبح، وأن ذلك سبب ~~قتلهما، فيؤخذ منه أن إيقاظ الناس ليس بمكروه ولا محرم، بل ~~هو من باب التعاون على البر. # 36 ~~(1-9) مرتب صفوف المصلين # كان من وظائف بلال عند الأذان أن يسوي صفوف الصلاة، ~~ويضرب عراقيب المصلين بالدرة حتى يستووا؛ فقد نقل الكتاني ~~عن الإمام أحمد في كتاب الصلاة (ص14): أن بلالا كان ~~يسوي الصفوف ويضرب عراقيبهم بالدرة حتى يستووا. وقال بعض ~~العلماء: قد يشبه أن يكون هذا من بلال على عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عند إقامته قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الحديث ~~جاء عن بلال أنه لم يؤذن لأحد بعد النبي # صلى الله عليه وسلم # إلا ~~يوما واحدا بعد مرجعه من الشام مدة أبي بكر. # 37 ~~(2) الشئون السياسية # اهتم الرسول الكريم بالشئون السياسية، فعني بنفسه بالشئون ~~الخارجية لحكومته، وكان يراقب أحوال العرب واليهود والنصارى ~~خارج العاصمة، وكان أمله الأول هو الاستيلاء على مكة قلب ~~الجزيرة العربية، فعمل كل ما في وسعه، وحالف من حالف ضد قريش ~~حتى تمكن من القضاء عليها. وقد رأينا في الوثيقة المدنية ~~شيئا من العمل السياسي الحكيم الذي قام به من التحالف مع ~~اليهود ضد قريش، ثم إنه - عليه السلام ms080 - انصرف إلى عمل كل ما ~~في وسعه لحصر قريش التضييق عليها، وقد رأينا طرفا من أعماله ~~الحربية التي قام بها للقضاء على قريش وأحلافها. ونريد هنا أن ~~نبين بعض الأعمال السياسية التي قام بها - عليه الصلاة ~~والسلام: فمن ذلك أنه بعث عبد الله بن جحش الأسدي الصحابي ~~السياسي الداهية العاقل (-3ه) يترصد قريشا ومعه سرية، وقد كتب ~~له كتابا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ~~فيمضي لما أمره، ولا يستكره من أصحابه أحدا، وكان في ذلك ~~الكتاب: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة ~~والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم.» # 38 # وهذه سياسة حكيمة بارعة سلكها النبي # صلى الله عليه وسلم # خوفا من عيون قريش في مكة ومن المنافقين المقيمين بين ~~ظهرانيه، ولو أشهر أنه فعل ذلك لعلمت قريش بمقدم هذه السرية ~~وفتكت بأصحابها، فقد قال الواقدي: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # أمر عبد ~~الله أن يسلك طريقا بعينه وهو طريق النجدية-ركية، فسار فلما ~~بلغ بئر بني خميرة نشر الكتاب وقرأه فسار بمن معه، ولم يتخلف ~~منهم أحد، ورجع سالما مطمئنا بأطيب الأخبار. # ومن أعمال النبي السياسية في تلك الفترة جوابه على كتاب جاءه ~~من أبي سفيان يقول له فيه: «أما بعد، فإنك قد قتلت أبطالنا، ~~وأيتمت أطفالنا، ورملت نساءنا، والآن قد اجتمعت القبائل ~~والعشائر يطلبون قتالك وقلع آثارك، وقد أنفذنا إليك نريد منك ~~نصف نخل المدينة؛ فإن أجبتنا إلى ذلك، وإلا أبشر بخرب الديار ~~وقلع الآثار.» # تجاوبت القبائل من نزار # لنصر اللات في بيت الحرام # وأقبلت الضراغم من قريش # على خيل مسومة ضرام # فطلب النبي من علي أن يكتب الجواب، فكتب: # بسم الله الرحمن الرحيم، وصل كتاب أهل الشرك والنفاق ~~والكفر والشقاق، وفهمت مقالكم، فوالله ما لكم عندي ~~جواب إلا أطراف الرماح وأشفار الصفاح، فارجعوا - ويلكم ~~- عن عبادة الأصنام، وأبشروا بضرب الحسام وبفلق الهام ~~وخراب الديار وقلع الآثار، والسلام على من اتبع ~~الهدى. # ألا أبلغ عني قريشا # من ms081 لسان كالحسام # أن هلموا كي تلاقوا ما لقيتم # من الصمصام في بدن وهام # 39 # ونحن نرى من رسالة أبي سفيان سوء أدبه وضيق عطنه، كما ~~نستشف منه اضطراب وضع مكة وأهلها حتى لجأ أبو سفيان إلى تلك ~~العبارات الشديدة ليخيف النبي ويهدده ثم يوعده، وكان من أحزم ~~الحزم ومن السياسة الرشيدة والكياسة الحميدة أن يجيبه النبي ~~بما أجابه من القوة، وأن الجواب ما سيراه لا ما سيسمعه، فإن ~~القول والقلم لا يغنيان في موضع السيف والحسام. # ومن سياسات النبي الحكيمة أيضا: ما رواه ابن هشام والطبري ~~من مراوضة لغطفان حتى تخذل قريشا أثناء غزوة الخندق، وقد ~~أشرنا إلى ذلك في كلامنا عن تلك الغزوة حين أقام المسلمون ~~والمشركون كل جانب يتربص بصاحبه، حتى ضاق أمر الرسول وصحابته ~~وقريش وأحلافها من غطفان وأحلافهم، وقد فكر الرسول مليا في ~~الأمر، فلم ير سياسة أحكم من أن يفل صفوف قريش ويحتال عليها ~~بعد أن أتى البلاء على الناس في المدينة، فإنه - عليه الصلاة ~~والسلام - كتب إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف زعيمي غطفان ~~يعدهما بإعطائهما ثلث ثمار المدينة وأموالها على أن يرجفا عنه ~~بمن معهما، وجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم ~~يوقع ولم يشهد عليه إلا المراوضة - المداراة والمداورة - حتى ~~مكنه الله وخذل قريشا وفرق جموعها. # ومن سياسات النبي الحكيمة: صلح الحديبية والعقد الذي عقده مع ~~أهل مكة، وهو هذا: # باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ~~سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشرين ~~سنة يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من ~~قدم مكة من أصحاب مكة حاجا أو معتمرا أو يبتغي من ~~فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من ~~قريش مجتازا إلى مصر والشام يبتغي من فضل الله فهو ~~آمن على دمه وماله، على أنه من أتى محمدا من قريش ~~بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع ~~محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا ms082 عيبة مكفوفة، وأنه لا ~~إسلال ولا إغلال، # 40 # وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده ~~دخله، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ~~(فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده. وقالت ~~بنو بكر: نحن في عقد قريش وعهدهم)، وإنك ترجع علينا ~~عامك فلا تدخل مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها ~~فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب، ~~السيوف في القرب، ولا تدخلها بغيرها. وأشهد على هذا ~~الصلح رجال المسلمين ورجال المشركين وهم: أبو بكر ~~الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمان بن عوف، وعبد ~~الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن ~~مسلمة، ومكرز بن حفص و... من المشركين وعلي بن أبي طالب ~~وكتب ... # 41 # وهذه المعاهدة تدل على أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # إنما هادن القوم ~~وقبل بما تضمنه بعض بنودها من القسوة على المسلمين؛ لأنه رأى ~~أن الكفة راجحة وقتئذ مع قريش، فجاراهم ليأمن على أموال ~~المسلمين ودمائهم. ونحن إذا دققنا في رسائله السياسية التي بعث ~~بها إلى الملوك والأمراء والتي سنراها بعد، نطلع على جانب من ~~السياسة العملية التي سلكها النبي الكريم في خارج الجزيرة ~~العربية بعد أن استقرت له الأمور في بلاد العرب. # ومن مظاهر سياسة النبي الكريم اعتناؤه ببعض الشئون التي ~~تتعلق بالسياسة، كأعمال التوثيق والمعاهدات والمبايعات وانتقاء ~~السفراء ورسل الصلح أو الرسل عامة، والتراجمة ... وما إلى ذلك من ~~شئون السياسة، مما سنبينه بعد! ~~(2-1) التوثيق ... والمبايعة # التوثيق أو التثبيت: هو أن يعمد المتعاهدان إلى تثبيت ~~تعاهدهما وتحالفهما بالكتابة والتوقيع. والمبايعة: هي أن ~~يتعاهد الرجلان على أمر يتفقان على الإخلاص له والتفاني ~~فيه. قال ابن الأثير في شرح قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «ألا تبايعوني ~~على الإسلام؟» إن المبايعة هي عبارة عن المعاهدة على ~~الإسلام، والمعاهدة كأن كل واحد منهما باع ما عنده من ~~صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. # 42 # وقد كان الرسول يبايع الرجال والنساء، يضع يده ~~في أيدي الرجال ms083 يعاهدهم ويعاهدونه على الإسلام ونصرته ~~والتفاني في تأييده والجهاد والهجرة والنصر والثبات ~~والاستماتة في رعاية الدين وأهله، وحفظ عهد الله وميثاقه، ~~قال تعالى: # إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ~~ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد ~~عليه الله فسيؤتيه أجرا ~~عظيما ~~. وقال: # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات ~~يبايعنك على أن لا يشركن بالله ~~شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا ~~يقتلن أولادهن ولا يأتين ~~ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن ولا يعصينك في معروف ~~فبايعهن واستغفر لهن الله إن ~~الله غفور رحيم ~~. # والمبايعة والتعاقد والتحالف أمور كانت تعرفها العرب في ~~الجاهلية، وكان لهم أصول وقواعد يتبعونها في تحالفهم، فلما ~~جاء الإسلام ودعا الرسول الكريم العرب إلى الدخول في دين ~~الله، كون دولة وحدت متفرقي العرب، ونظمت شملهم، وسعت ~~إلى خلق كيان سياسي لهم لا يقل عن كيان الدول القوية ~~المعروفة وقتئذ في بلاد فارس والروم والأحباش. وقد عقد ~~النبي الكريم مبايعات وعقودا من رؤساء القبائل العربية ~~حفظ لنا التاريخ بعض نصوصها، وقد مر بنا بعض ذلك. كما ~~يروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان عنده ملء صندوق ~~فيه نسخ العهود والمواثيق التي عقدها النبي وأبو بكر، ~~ولكنها احترقت لما احترق الديوان يوم الجماجم سنة 82 ~~للهجرة، ولم يبق من تلك الوثائق إلا قليل جدا. # وقد حفظ لنا الدهر بعض تلك الوثائق الهامة، كالوثيقة ~~التي وجدها المستشرق الفرنسي بارتيلمي في كنيسة قرب إخميم ~~في مصر، وهي التي بعث بها النبي إلى المقوقس، والوثيقة ~~التي نشرها المستشرق الألماني فلايشر، ونشرها وهي تتضمن ~~كتاب الرسول إلى المنذر بن ساوي، والوثيقة التي عثر عليها ~~المستشرق الإنكليزي دنلوب وهي تتضمن رسالة النبي إلى النجاشي. # 43 # على أن كتب الوثائق والتاريخ والحديث والسيرة قد حفظت ~~لنا نصوص كثير من الوثائق، وقد جمعها الأستاذ المحقق ~~الهندي محمد حميد الله الحيدرأبادي في كتابه القيم ~~«مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة». # 44 # ومما جاء في مقدمة هذا الكتاب قوله: كان ms084 عصر ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # قبل الهجرة عصر تمهيد وتجربة، ولا يصح أن ~~يقال: إن الجماعة الإسلامية بمكة كانت حينئذ دولة من ~~الدول؛ فإنه لم يكن لها كيان سياسي ولا نظام إداري، ولا ~~تصادف في هذا العهد ما يطلق عليه اسم السياسة الخارجية سوى ~~بيعتي العقبة اللتين أسستا بنيان الدولة الإسلامية، وكان ~~لهما أثر عظيم فيما بعد، إلا أنهما لم تكتبا في قرطاس، ولم ~~تؤخذا إلا سرا. وهاتان البيعتان تتعلقان بروابط المسلمين ~~مع أهل المدينة، وكان فيهما وضع الدستور الأساسي (يريد ~~بذلك وثيقة المدينة التي ذكرناها في الباب الخامس). ولما ~~هاجر الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة وجد هناك عدة قبائل ~~يهودية فعاهدهم فدخلوا في دولة وفاقية # Fédération # تحت رياسة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~... وكانت هجرة مسلمي مكة وإقامة دولة إسلامية في ~~المدينة سببا لتوتر العلائق بين المسلمين وقريش، فنشأت ~~بينهما وقائع بدر وأحد والخندق والحديبية وفتح مكة ... ولم ~~تبدأ علائق المسلمين السياسية مع الروم والفرس ومن تحتهم ~~من الحبشة والغساسنة وأهل البحرين وعمان واليمن، والبحرين ~~ونجران وحضرموت ومهرة وغيرها إلا بعد الحديبية ... ومن ~~المعروف أن قيصر الروم وكسرى الفرس لما دعاهما الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى الإسلام أبيا وردا دعوته، فكتب النبي # صلى الله عليه وسلم # رأسا إلى الملوك والأمراء الذين تحت سيطرة هذين ~~العظيمين، فمنهم من أجاب فأفلح، ومنهم من أدبر فهلك. # 45 # وقد ضمن الأستاذ الحيدرأبادي وثائق النبي ~~ومعاهدات الدعوة الإسلامية وتجديد المعاهدات القديمة، وذكر ~~عهود تولية العمال مع ذكر واجباتهم، كما ذكر عهود الأراضي ~~وكتب الأمان والتوصيات، وبذل في جمع ذلك جهدا يدل على فضل ~~وإيمان. وقد كشف لنا بعمله هذا - جزاه الله خيرا - عن ~~كثير من النواحي السياسية والطرق التي اتبعها الرسول ~~الكريم في كتابة وثائقه وعهود مبايعته ورسائله. ~~(2-2) السفارة # كان الرسول يختار لسفارته أناسا من أعقل الصحابة ~~وأجملهم صورة وأحسنهم حديثا وأطلقهم لسانا وقوة حجة، ~~وكان إذا أرسل سفيرا قال لهم: «بشروا ولا تنفروا، ويسروا ~~ولا تعسروا، وتشاوروا وتطاوعوا.» ms085 # 46 # ومن سفراء الرسول الذين بعثهم إلى ملوك عصره وأمرائه: ~~دحية بن خليفة الكلبي (-45) وكان عاقلا لبيبا جميل ~~الصورة بعثه إلى قيصر، فلما دخل عليه قال له: يا قيصر، ~~أرسلني من هو خير منك، والذي أرسله هو خير منه ومنك، فاسمع ~~بذل ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل لم تفهم، وإن لم تنصح ~~لم تنصف. قال: هات. قال: هل تعلم أكان المسيح يصلي؟ قال: ~~نعم. قال: فإني أدعوك إلى من كان المسيح يصلي له، وأدعوك ~~إلى من دبر خلق السماوات والأرض والمسيح في بطن أمه، ~~وأدعوك إلى هذا النبي الأمي الذي بشر به موسى، وبشر به ~~عيسى بن مريم، وعندك من ذلك أثارة من علم تكفي عن العيان، ~~وتشفي من الخبر، فإن أجبت كانت لك الدنيا والآخرة، وإلا ~~ذهبت عنك الآخرة وشوركت في الدنيا، واعلم أن لك ربا يقصم ~~الجبابرة ويغير النعم. # فأخذ القيصر الكتاب ووضعه على عينيه ورأسه وقبله، ثم ~~قال: أما والله ما تركت كتابا إلا وقرأته، ولا عالما إلا ~~وسألته، فما رأيت إلا خيرا، فأمهلني حتى أنظر من كان ~~المسيح يصلي له، فإني أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غدا ~~ما هو أحسن فأرجع عنه فيضرني ذلك ولا ينفع، أقم حتى أنظر. ~~فلم يلبث أن أتاه وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # ومما قاله دحية حين قدومه على القيصر: # ألا هل أتاها على نأيها # فإني قدمت على قيصر # فغررته بصلاة المسي # ح وكانت من الجوهر الأحمر # وتدبير ربك أمر السما # ء والأرض فأغضى ولم ينكر # وقلت تقر ببشرى المسي # ح فقال سأنظر قلت انظر # فكاد يقر بأمر الرسو # ل فمال إلى البدل الأعور # فشك فجاشت له نفسه # وجاشت نفوس بني الأصفر # على وضعه بيديه الكتاب # على الرأس والعين والمنخر # فأصبح قيصر من أمره # بمنزلة الفرس الأشقر # 47 # حاطب بن أبي بلتعة اللخمي (-30ه) # كان من فرسان قريش وشعرائها ورماتها وتجارها، بعثه ~~الرسول إلى المقوقس جريج بن ميناء ملك مصر بكتابه ~~إليه، فلما قدم عليه قال له: ms086 إنه قد كان رجل قبلك يزعم ~~أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، ~~فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر ~~غيرك بك. فقال له: هات. قال: إن لك دينا لن تدعه إلا ~~لما هو خير منه؛ وهو الإسلام ... فقال المقوقس: إني قد ~~نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ~~ينهى إلا عن مرغوب عنه، ولم أجده بالساحر الضال ولا ~~الكاهن الكاذب ... وسأنظر. # وأهدى للنبي أم إبراهيم القبطية واسمها «مارية بنت ~~شمعون»، وأختها «سيرين» أم عبد الرحمن بن حسان بن ~~ثابت، وغلاما اسمه «مابور» وبغلة اسمها «دلدل»، وكسوة ~~وقدحا من قوارير كان يشرب فيه النبي وكاتبه. # 48 # والعلاء بن عبد الله الحضرمي (-21ه) # وكان عاقلا مقداما أبلى بلاء عظيما في الفتوح، ~~بعثه الرسول إلى المنذر بن ساوي العبدي ملك البحرين، ~~فقال له: يا منذر، إنك عظيم العقل في الدنيا، فلا ~~تصغرن عن الآخرة، إن هذه المجوسية شر دين ليس فيه تكرم ~~العرب، ولا أعلم أهل الكتاب ينكحون من يستحى من ~~نكاحه، ويأكلون ما يتكرم على أكله، ويعبدون في الدنيا ~~نارا تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا رأي، ~~فانظر هل ينبغي لمن لا يكذب ألا تصدقه، ولمن لا يخون ~~ألا تأمنه، ولمن لا يخلف ألا تثق به، فإن كان هذا هكذا ~~فهو هذا النبي الأمي الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن ~~يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به، ~~أو ليته زاد في عفوه أو نقص في عقابه ... فقال المنذر: ~~قد نظرت في هذا الأمر الذي في فوجدته للدنيا دون ~~الآخرة، ونظرت في دينكم فوجدته للآخرة والدنيا ... وسأنظر. # 49 # وعمرو بن العاص السهمي (-43ه) # العاقل الداهية الحكيم الأشهر، بعثه # صلى الله عليه وسلم # إلى ~~جيفر وعبد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان، فقال له: ~~يا جلندي، إنك وإن كنت منا بعيدا فإنك من الله غير ~~بعيد، إن الذي تفرد بخلقك أهل أن تفرده بعبادتك، وألا ~~تشرك به من لم ms087 يشركه فيك. اعلم أنه يميتك الذي أحياك، ~~ويعيدك الذي بداك، فانظر في هذا الأمي الذي جاء ~~بالدنيا والآخرة، فإن كان يريد أجرا فامنعه، أو يميل ~~به هوى فدعه، ثم انظر فيما يجيء به هل يشبه ما يجيء ~~به الناس، فإن كان يشبهه فسله العيان، وتخبر عليه في ~~الخبر، وإن كان لا يشبهه فاقبل ما قال وخف ما وعد. ~~فقال الجلندي: إنه والله لقد دلني على هذا النبي ~~الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به، ولا ~~ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وإنه يغلب فلا يبطر، ~~ويغلب فلا يضجر، وإنه يفي بالعهد وينجز الموعود، وإنه ~~لا يزال سر قد اطلع عليه يساوي فيه أهله، وأشهد أنه نبي. # 50 # شجاع بن وهب (وهبه) بن ربيعة الغنمي (-12ه) # وكان من العقلاء الشجعان النبلاء، بعثه النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى جبلة بن الأيهم بن الحارث بن أبي شمر ~~الغساني بغوطة دمشق، فقال له: يا جبلة، إن قومك نقلوا ~~هذا النبي من داره إلى دارهم - يعني الأنصار - فآووه ~~ومنعوه، وإن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك، ~~ولكنك ملكت الشام وجاورت بها الروم، ولو جاورت كسرى ~~دنت بدين الفرس لملك العراق، وقد أقر بهذا النبي ~~الأمي من أهل دينك من إن فضلناه عليك لم يغضبك، وإن ~~فضلناك عليه لم يرضك. فإن أسلمت أطاعتك الشام وهابتك ~~الروم، وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا ولك الآخرة، ~~وكنت قد استبدلت المساجد بالبيع، والأذان بالناقوس، ~~والجمع بالشعانين، والقبلة بالصليب، وكان ما عند ~~الله خير وأبقى . # فقال له جبلة: إني والله لوددت أن الناس أجمعوا على ~~هذا النبي الأمي اجتماعهم على خالق السماوات والأرض، ~~ولقد سرني اجتماع قومي له، وأعجبني قتله أهل الأوثان ~~واليهود، واستبقاؤه النصارى، ولقد دعاني قيصر إلى قتال ~~أصحابه يوم مؤتة فأبيت عليه، فانتدب مالك بن ناقلة من ~~سعد العشيرة فقتله الله، وسأنظر. # 51 # المهاجر بن أبي أمية المخزومي (-؟) # وكان من عقلاء العرب ودهاتهم وشجعانهم وتجارهم. ~~بعثه إلى الحارث ms088 بن عبد كلال الحميري ملك اليمن، فلما ~~قدم عليه قال له: يا حارث، إنك كنت أول من عرض عليه ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # نفسه فخطئت عنه، وأنت أعظم الملوك ~~قدرا، فإذا نظرت في غلبة الملوك فانظر في غالب ~~الملوك، وإذا سرك يومك فخف غدك، وقد كان قبلك ملوك ~~ذهبت آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلا وأملوا ~~بعيدا وتزودوا قليلا، منهم من أدركه الموت، ومنهم من ~~أكلته النقم، وإني أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى ~~لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعه منك، وأدعوك إلى النبي ~~الأمي الذي ليس له شيء أحسن مما يأمر به، ولا أقبح مما ~~ينهى عنه. واعلم أن لك ربا يميت الحي ويحيي الميت، ~~ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. # فقال الحارث: قد كان هذا النبي عرض نفسه علي فخطئت ~~عنه، وكان ذخرا لمن صار إليه، وكان أمره أمرا سبق ~~فحضره اليأس وغاب عنه الطمع، ولم يكن لي قرابة أحتمله ~~عليها، ولا لي فيه هوى أتبعه، غير أني أرى أمرا لم ~~يوسوسه الكذب ولم يسنده الباطل، له بدء سار وعاقبة ~~نافعة، وسأنظر. # 52 # وهناك سفراء آخرون تطول أخبارهم منهم: # عبد الله بن حذافة السهمي: # بعثه إلى كسرى ملك الفرس. # وعمرو بن أمية الضمري: # بعثه إلى النجاشي. # وسليط بن عمرو السليطي: # بعثه إلى ثمامة بن أثال ملك ~~اليمامة. # شجاع الأسدي: # بعثه إلى الحارث الغساني ملك ~~البلقاء. # وكان بعث الرسول هؤلاء السفراء في محرم من السنة ~~السابعة للهجرة. # 53 ~~(2-3) الرسالة # كما كان للرسول سفراء بعث بهم إلى الملوك والأمراء في ~~عصره، كانت له رسل بعث بهم لتبليغ بعض رسائله التي تتضمن ~~الدعوة إلى الإسلام، أو إلى عقد الصلح، أو تبليغ بعض ~~الأخبار الدينية أو السياسية. ومن رسله حراش بن أمية ~~الخزاعي؛ بعث به إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له، وأمره ~~أن يبلغ أشرافهم ما جاء به؛ فعقروا جمل الرسول وأرادوا ~~قتله، فمنعهم الأحابيش وخلوا سبيله، ثم أرسل المصطفى # صلى الله عليه وسلم # في ذلك عثمان بن عفان ms089 بإشارة عمر بن الخطاب، فبلغ ~~ما أراد ونجا. # 54 # وروى ابن عبد البر في الاستيعاب أن النبي # صلى الله عليه وسلم # أرسل ~~عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان، وبعث معه بهدية إلى ~~مكة، ويروي أبو عبيد القاسم بن سلام أن هذه الهدية كانت ~~تمر عجوة، وأن النبي كتب إلى أبي سفيان يستهديه أدما، ~~فأهداه إليه أبو سفيان، وكان ذلك أيام الهدنة بين الرسول # صلى الله عليه وسلم # وبين أهل مكة قبل فتحها. # 55 # وهذا يدلنا على حسن سياسة النبي، وأنه على ~~الرغم من الخصومة الشديدة التي كانت بين النبي وبين قريش، ~~فإن هذا لم يمنعه من أن يتلطف مع أبي سفيان رئيس قريش، ~~فيهدي إليه ويستهديه، وفي هذا ما فيه من براعة النبي ~~الكريم وكياسته. وقد كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # يحسن استقبال ~~الرسل الذين يجيئون إليه ويتلطف معهم؛ فقد روى ابن حجر ~~في الإصابة في ترجمة مسعود بن سعد الجذامي أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست، أرسل ~~رسله إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام ... ثم ذكر القصة، ~~وفيها: أن فروة كان عاملا لقيصر على عمان من البلقاء، ~~فكتب فروة إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بإسلامه، وأرسل إليه ~~بهدية مع رجل من قومه يقال له مسعود بن سعد، فقرأ ~~الرسول كتابه وقبل هديته، وأجاز رسوله بخمسمائة درهم. # 56 # وهذا يدلنا على حسن تلقي النبي لرسل غيره ~~وإجازتهم. ~~(2-4) الترجمة # وكما اهتم الرسول بأمر السفراء والرسل، كذلك اهتم ~~باللغات الأجنبية للكتابة إلى أربابها بلغاتها، وإبلاغهم ~~رسالة ربه تعالى بها. وفي كتاب التراتيب الإدارية بحث ~~مفصل في معرفة النبي للغات الأجنبية ومناقشة النظرية ~~القائلة بأن النبي # صلى الله عليه وسلم # أرسل إلى جميع البشر، وأن ~~القرآن يقول: # وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ~~. فهذا يقضي ~~كونه - عليه الصلاة والسلام - يعرف غير اللغة العربية. ~~ونحن - على الرغم من ضعف حجج القائلين بمعرفة النبي ~~للغات الأقوام والملوك الذين كاتبهم ودعاهم ms090 إلى ~~الإسلام - نعتقد بأن النبي - عليه السلام - قد أوصى بعض ~~أصحابه بتعلم بعض اللغات الأجنبية من فارسية ورومية ~~وحبشية وعبرية وسريانية؛ لشدة حاجة الدعوة الإسلامية ~~إليها، وقد احتاج النبي إلى تراجمة يترجمون له ما يكتب ~~إليه بهذه اللغات. وقد تواترت الأقوال أنه # صلى الله عليه وسلم # طلب ~~إلى زيد بن ثابت أن يتعلم كتابة العبرية أو السريانية؛ ~~فقد ذكر ابن حجر في ترجمة زيد: أن زيدا كان من علماء ~~الصحابة وفضلائهم، وأنه الذي جمع القرآن الكريم في عهد أبي ~~بكر حين قال له: إنك شاب عاقل لا نتهمك. وإنه أتى النبي # صلى الله عليه وسلم # حين قدم المدينة، فقرأ عليه سبع عشرة سورة من ~~القرآن كان يحفظها، فأعجبه وقربه، ثم قال له: «تعلم ~~كتاب اليهود؛ فإني ما آمنهم على كتابي.» قال زيد: ففعلت، ~~فما مضى نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا ~~كتبوا إليه قرأت له. # 57 # ويروى أنه أمره بتعلم السريانية أيضا، ~~وأنه تعلمها في سبعة عشر يوما؛ ففي الاستيعاب لابن عبد ~~البر أنه كانت ترد على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كتب ~~بالسريانية، فأمر زيد بن ثابت بتعلمها فتعلمها في بضعة ~~عشر يوما. وفي مختصر الطحاوي: عن زيد بن ثابت قال: قال لي ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أتحسن السريانية؟ إنه تأتيني ~~كتب.» قال: قلت: لا. قال: فتعلمتها في تسعة عشر يوما. ~~وفي الأحكام الصغرى ذكر أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن ~~زيد بن ثابت قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إنه تأتيني ~~كتب من أناس لا أحب أن يقرأهن كل واحد، فهل تستطيع أن ~~تتعلم السريانية؟» قال: قلت: نعم. فتعلمتها في سبعة عشر يوما. # 58 # ويذكر الكتاني والخزاعي # 59 # أن زيد بن ثابت الأنصاري النجاري كان يكتب ~~للملوك ويجيب بحضرة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان ترجمانه ~~بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، تعلم ذلك ~~بالمدينة من أهل هذه الألسن، وقد نقل ذلك التلمساني في ~~«العمدة»، وابن هشام في «البهجة»، ويذكر ms091 صاحب العقد أن ~~زيدا تعلم الفارسية من رسول كسرى، والرومية من حاجب ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، والحبشية من خادم النبي، والقبطية من خادمته. # 60 # ويذكر ابن عساكر في تاريخه: أن الرسول قال له: ~~«إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل واحد، فهل تستطيع ~~أن تتعلم كتاب العبرانية؟» أو قال: السريانية. فقلت: ~~نعم. قال: فتعلمتها في سبع عشر ليلة. # 61 # وتخلص من هذه الأقوال والروايات كلها أن زيدا ~~تعلم بعض اللغات الأجنبية بأمر الرسول، وأكثر الروايات ~~على أنها عبرية، وأنه تعلمها في مدراس يهودي يسمى ~~مدراس ماسكة. # 62 # ومهما يكن من شيء، فإن الرسول اهتم بهذه الناحية ~~لحاجته الشديدة إلى الكتابة باللغات الأجنبية، ولا شك في ~~أنه كان يستعين ببعض صحابته من أرباب تلك اللغات؛ كصهيب ~~الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي، وأنه أمر بعض الشبان ~~من أذكياء الصحابة أن يتعلموا بعض اللغات الأجنبية التي ~~لم يكن بين الصحابة من يعرفها أو يحسن الكتابة بها؛ ~~كالعربية أو السريانية. ~~(3) الشئون الديوانية الإدارية # نظم الرسول الكريم شئون حكومته الإدارية والديوانية ~~تنظيما كاملا بعد أن استقر أمره في المدينة، وقد اتخذ ~~المسجد مقر حكومته يحكم فيه، ويتقبل زيارة الوفود، ويفصل ~~فيه بين الناس، ويعلمهم أمور دنياهم، ويفقههم في أمور ~~دينهم. ولم يكن تنظيم النبي الكريم لأمور الدولة تنظيما ~~ناقصا كما يزعم ابن خلدون في مواضع كثيرة من مقدمته، ومنها ~~قوله في الفصل الذي عنوانه (انتقال الدولة من البداوة إلى ~~الحضارة): اعلم أن هذه الأطوار طبيعية للدول؛ فإن الغلب ~~الذي يكون به الملك إنما هو بالعصبية وما يتبعها من شدة البأس ~~وتعود الافتراس، ولا يكون ذلك غالبا إلا مع البداوة؛ فطور ~~الدولة من أولها بداوة، ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه واتساع ~~الأحوال. والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع ~~المستعملة في وجوهه ومذاهبه ... ومثل هذا وقع للعرب لما كان ~~الفتح، وملكوا فارس والروم، واستخدموا بناتهم وأبناءهم، ولم ~~يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة حتى حكي أنه قدم لهم ~~المرقق، فكانوا يحسبونه ms092 رقاعا، وعثروا على الكافور في ~~خزائن كسرى فاستعملوه في عجينهم ملحا ... # 63 # إلخ تلك الأقوال السخيفة التي لا تقوم على شاهد، ~~وإنما هي من تلفيق الشعوبيين وأعداء العرب والإسلام، مع أن ~~الدولة الإسلامية المحمدية كانت وليدة نهضة عربية قوية أخذت ~~من حضارة العرب القديمة خير ما فيها، وجاء محمد مكملا ~~لنواقص تلك الحضارة بما حباه الله من عقل وعلم، وحكمة وعرفان. ~~وإن من يدقق في سيرة النبي وأصحابه وأخبار الأمة العربية في ~~صدر الإسلام، يجد أن القوم كانوا متمتعين بنوع من الحكم ~~الراقي المنظم، وأن النبي الكريم قد عمل خلال سنيه العشرة ~~التي أقامها في المدينة على تأسيس حكومة كاملة المصالح ~~مرتبة الشئون والإدارات والتراتيب والعمالات. يقول القاضي ~~أبو القاسم صاعد بن أحمد الأندلسي: وأما الأمة السابعة، وهي ~~الأمة العربية، فهم فرقتان: فرقة بائدة وفرقة باقية ... وأما ~~الباقية فهي متفرعة من جدين: قحطان وعدنان، ويضمهما جميعا ~~حالان: حال الجاهلية وحال الإسلام؛ فأما حال الجاهلية فمشهورة ~~عند الأمم من العز والمنعة ... وكانوا طبقتين: أهل مدر ~~وأهل وبر؛ فأما أهل المدر، فهم أهل الحضر وسكان القرى، وكانوا ~~يحاولون المعيشة من الزرع والنخل والكرم والماشية والضرب في ~~الأرض للتجارة ... وكانت عبادة الأوثان فاشية في العرب حتى جاء ~~الإسلام. وجميع عبدة الأوثان من العرب موحدة الله تعالى، ~~وإنما كانت عبادتهم ضربا من التدين بدين الصابئة ... وأما علمها ~~الذي كانت تفاخر به وتباري فيه، فعلم لسانها وإحكام لغتها ~~ونظم الأشعار وتأليف الخطب، وكانت مع ذلك أصل علم الأخبار، ~~ومعدن معرفة السير والأمصار ... وكانوا يدخلون البلاد للتجارة ~~فيعرفون أخبار الناس، وكذلك من سكن الحيرة وجاور الأعاجم ... ~~والعرب أصحاب حفظ ورواية لخفة الكلام عليهم ورقة ألسنتهم ... ~~وكانت للعرب مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها، وعلم ~~بأنواء الكواكب وأقطارها على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول ~~التجربة؛ لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة، لا على ~~طريق تعلم الحقائق، ولا على سبيل التدرب في العلوم ... وأما ~~حال العرب في الإسلام ... كانت العرب حين بعث النبي قد تفرق ms093 ~~شملها وتشتت أمرها، فضم الله شاردها وسكن نافرها، وجمع ~~عليه جماعة ممن كانوا بجزيرة العرب من قحطان وعدنان، فآمنوا به ~~... وأقروا لله بالتعظيم والتحميد، والتزموا شريعة الإسلام من ~~اعتقاد حدوث العالم وخرابه ... والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... # 64 # ويقول السيد عبد الحي الكتاني: من عرف نهضة ~~الإسلام وتعاليم النبي (عليه السلام)، وأمعن النظر في تلك ~~النهضة، تحقق أن ليس هناك من أساليب التمدن ما لم يكن ~~الإسلام في وقت ظهوره أصلا له وينبوعا. فمن تأمل ما بثه ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # من التعاليم وأنواع الإرشاد، وما حوى القرآن من ~~آداب الاجتماع وسن من طرق التعارف والتمازج، وما أودع الله ~~غضون كلماته الجوهرية من أحكام الطبيعة وأسرار الوجود وفرائد ~~الكائنات، وما ضبط من الحقوق وسن من نظامات الحياة، وما ~~تلته به السنة النبوية من تهذيب النفوس والأخلاق والإرشاد ~~للأخذ بالأحسن فالأحسن، وأحكمته من سنن الارتقاء والإخاء ~~البشري والتمتع بضروب الحرية، علم أن التمدن الإسلامي في ~~إبان ظهوره قامت معه تلك الأعمال لتأثير تلك التعاليم على قلوب ~~سامعيها في ذلك الحين. نعم لا ننكر أن التمدن الإسلامي جرى ~~مجرى النشوء الطبيعي في كل شيء، وسار سيرا تدريجيا إلى أن ~~وصل إلى أوجه في السمو، فمن لم يتأمل ذلك ولم يحط نظرا ~~في الموضوع بما له وما عليه، لا بد أن يغيب عن علمه ما بلغته ~~الإدارات والعمالات والصناعة والتجارة في تلك العشر سنوات التي ~~قضاها النبي # صلى الله عليه وسلم # في المدينة بعد الهجرة النبوية، وأن ~~الترقي والعمران وصل فيها إلى أحدث ما يعرف من الوظائف ~~اليوم في إدارة الكتابة والحساب والقضاء والحرب والصحة ونحو ذلك. # 65 # والحق أن الناس قد ظلموا التاريخ العربي والسيرة النبوية ~~بكتاباتهم المرتجلة وبحوثهم المبتسرة، التي لم تقم على البحث ~~المتواصل والجد والتنقيب عن الحقائق العلمية والتاريخية؛ لتعرف ~~أصول الإدارة الديوانية والإدارية في حكومة النبي الكريم ~~وصحابته الراشدين. وقد آليت على نفسي تقصي هذا البحث ~~ودراسته دراسة عميقة أهتدي بها إلى معرفة حقائق الأشياء، لا ~~لأني ms094 عربي معتز بعروبتي وقوميتي، ولا لأني مسلم مؤمن بسمو ~~ديني وشرف رسالة نبي؛ بل لأني إنسان محب للحق منقب عن ~~الفضائل جاهد في إدامة البحث، مواصل الليل بالنهار للتنقيب عن ~~القضايا العلمية والنظريات الجوهرية. وقد هداني الله بحوله ~~وقوته إلى ذلك، فاستطعت أن أتبين الخطوط الأولى للإدارة ~~الإسلامية في فجر الإسلام، ورتبت ذلك ترتيبا لم يسبقني إليه ~~باحث من مسلمي هذا العصر ولا مستشرقيه، على أنني لم أدع ~~أنني وفيت البحث، وما عملي إلا لبنة في بناء المجد ~~العربي والعز الإسلامي، وأرجو الله أن يهيئ لهذا البناء من ~~يكمله ويعمل على حفظه وحمايته. # رتب الرسول الكريم شئون حكومته الإدارية والديوانية ~~ترتيبا منطقيا يؤيده العقل السليم وتوحيه الفطرة الصافية، ~~ويتجلى ذلك الترتيب في معالجته للشئون الآتية وإسنادها إلى ~~الأكفاء الأخيار من الصحابة؛ وهي ... ~~(3-1) الوزارة # الوزير في اللغة: هو المعين والعضد، وفي الاصطلاح: ~~هو من يؤازر الأمير أو السلطان، ويحمل عنه بعض أثقال ~~الإمارة وشئون السلطان. وفي القرآن الكريم يقول موسى في حق ~~أخيه هارون: # واجعل لي وزيرا ~~من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري ~~. وقد ~~أكثر مؤرخو الإسلام والأحكام السلطانية وكتاب الخطط ~~من الكلام في الوزارة وأنواعها ومبدئها، وهم يذهبون إلى أن ~~أول من تلقب بذلك أبو سلمة الخلال، الذي كان يلقب ~~في أولية الدولة العباسية: وزير آل محمد، وأن الوزارة ~~تسلسلت في ملك آل العباس بعدئذ. والحق أن النبي قد استعان ~~ببعض كبار الصحابة وجلة المسلمين ممن كانوا يوآزرونه في ~~مسائل الدنيا والدين وحل مشاكل المسلمين، وكان على رأس ~~هؤلاء أبو بكر وعمر اللذان كانا يلقبان بوزيري النبي. ~~وقد كان هذا اللقب مستعملا بمعناه المفهوم اليوم في عهد ~~النبي؛ فقد روى النسائي عن عائشة أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: ~~من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا ~~صالحا، فإن نسي ذكره، وإن ذكره أعانه. وقال أبو داود ~~في سننه، في باب الوزير: روت عائشة أن النبي قال: «إذا ~~أراد الله بالأمير خيرا جعل الله ms095 له وزير صدق، إن نسي ~~ذكره، وإن ذكره أعانه، وإن أراد الله به غير ذلك جعل ~~له وزيرا سيئا، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه.» # 66 # وقد كان للنبي وزراء يشاورهم في القضايا ~~المهمة أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابنيه وحمزة وجعفر ~~وأبي ذر والمقداد وسلمان وحذيفة وابن مسعود وعمار. # 67 # وقال ابن خلدون: الوزارة أم الخطط السلطانية ~~والرتب الحكومية؛ لأن اسمها يدل على مطلق الإعانة ... وكان # صلى الله عليه وسلم # يشاور أصحابه ويفاوضهم في مهامه العامة والخاصة، ~~يخص من ذلك أبا بكر بخصوصيات أخرى، حتى كان العرب الذين ~~عرفوا الدول ودخلوا لها في كسرى وقيصر والنجاشي يسمون ~~أبا بكر وزيره. # 68 # وهكذا كان عمر مع أبي بكر، وعثمان وعلي مع عمر، ولكن ~~الاسم لم يطلق عليهم، ولا كانوا ينادون به. ~~(3-2) أمانة السر # اتخذ النبي لنفسه صاحب سر يكاشفه بالأسرار الدولية ~~والقضايا الخاصة التي لا يطلع عليها أحد غيره، ولا غرو ~~فإن النبي كما كانت له صفة النبوة التي تستدعي العصمة عن ~~الخطأ، كان إنسانا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقوم ~~بأعمال البشر ويتصرف بتصرفاتهم، وهو عرضة لكل ما هو ~~للناس من نسيان وخطأ وما إلى ذلك. وقد اتخذ - عليه السلام ~~- في تنظيم شئون الدولة الدنيوية بما تحتاج إليه من مرافق ~~ومقتضيات، كما اعتمد في شئون الدين على ذات الإله سبحانه. ~~وليس بغريب أن يرتب - عليه الصلاة والسلام - لأمور ~~الدنيا ما تقوم به على أحسن وجه، ومن تلك الأمور اختياره ~~طائفة من عقلاء الصحابة وفضلائهم - لأن الصحابة بلا شك ~~كانوا مختلفي الدرجات العقلية والملكات الفكرية والمواهب ~~العلمية - ليكاشفهم ببعض الأسرار التي يرى ألا يطلع عليها ~~غيرهم، فيستفيد بمواهبهم وملكاتهم وعقولهم، ويستعين بذلك ~~على حل بعض المشاكل الدنيوية، أو يتوصل إلى قضاء بعض ما ~~كربه. ومن هؤلاء الرجال أبو بكر وعمر وعلي وسلمان وحذيفة ~~وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ومصعب وغيرهم. فقد ~~عرف مواهب كل واحد من كبار صحابته، وكان يفضي إليه بما ~~يرى ms096 عنده سواء أكان علما يستعين به أو خطة يتمكن بها ~~لتفهم بعض القضايا أو طريقة للوصول إلى حلها. ويظهر أن ~~النبي كان يختص من هؤلاء الرجال المأمونين رجلا يرى فيه ~~الخير ويتوسم فيه حفظ السر؛ وهو الصحابي الجليل أبو ~~حذيفة بن اليمان العبسي (-36ه)، الذي كان يعرف بصاحب سر ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقد ذكرت كتب تراجم الصحابة أن حذيفة ~~كان صاحب سر رسول الله، ويروي النسائي في السنن في قصته ~~ذهاب علقمة للشام ولقائه في دمشق لأبي الدرداء، أن أبا ~~الدرداء قال له: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ ~~وقال في أسد الغابة: حذيفة صاحب سر رسول الله في ~~المنافقين، لم يعلمهم أحد إلا حذيفة، أعلمه بهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. وسأله عمر: أفي عمالي أحد من المنافقين؟ ~~قال: «نعم، واحد.» قال: من هو؟ قال: «لا أذكره.» قال ~~حذيفة: فعزله فكأنما دل عليه. وكان عمر إذا ما مات ميت ~~يسأل عن حذيفة، فإذا حضر الصلاة عليه صلى عليه عمر، وإلا ~~لم يصل عليه. ولاه عمر على المدائن، فكانت عادة عمر ~~إذا استعمل عاملا كتب في عهده: «بعثت فلانا وأمرته ~~بكذا.» فلما استعمل حذيفة كتب في عهده: «اسمعوا له ~~وأطيعوه وأعطوه ما سألكم.» فلما وصل المدائن استقبله ~~الدهاقين فقرأ عهده فقالوا: سلنا ما شئت. فطلب ما ~~يكفيه من القوت، وأقام بينهم فأصلح بلادهم وفتح نهاوند سنة ~~22ه صلحا، وغزا الدينور وماه سبذان وهمذان والري. ثم ~~استقدمه عمر، فلما قرب من المدينة خرج للقائه وعانقه ~~وسر بحالته، ثم أعاده إلى المدائن إلى أن مات فيها، وله ~~في صحيح البخاري ومسلم نحو من 225 حديثا. # 69 ~~(3-3) الكتابة # اتخذ النبي لنفسه كتابا متعددين؛ منهم من اختصه ~~بكتابة الوحي، ومنهم من كان يكتب له الرسائل، ومنهم من كان ~~يكتب إلى الأمراء في البوادي، ومنهم من كان يكتب له ~~الإقطاع وكتب العهود والصلح، ومنهم من كان يكتب له ~~أموره الخصوصية. وقد روى بعض مؤلفي السير وكتب الحديث أنه ms097 # صلى الله عليه وسلم # كان يوصي كتابه ببعض الوصايا المتعلقة بشئون ~~الكتابة؛ فقد ذكر السيوطي في آخر كتاب «بغية الوعاة في ~~طبقات اللغويين والنحاة» حديثا مسلسلا بالكتاب من طريق ~~عبد الحميد بن يحيى الكاتب، إلى سالم بن هشام الكاتب، إلى ~~عبد الملك بن مروان الكاتب، إلى زيد بن ثابت كاتب رسول ~~الله: أن رسول الله قال له: «إذا كتبت «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» فبين «السين» فيه.» وفي «صبح الأعشى» و«الجامع ~~الصغير» وغيرهما عن أنس بن مالك أن معاوية كان يكتب للنبي، ~~فكان إذا رأى من النبي إعراضا وضع القلم في فيه، فنظر ~~إليه النبي فقال: «يا معاوية، إذا كنت كاتبا فضع القلم ~~على أذنك؛ فإنه أذكر لك للمملي.» وأنه قال مرة لمعاوية ~~حين كان يكتب بين يديه: «ألق «الدواة» وحرف «القلم» ~~وأقم «الباء» وجرس «السين» ولا تعور «الميم» وحسن ~~«الله» ومد «الرحمن» وجود «الرحيم».» وأنه ندب ~~الكتاب إلى تتريب الكتاب، قال: «تربوا الكتاب ونحوه ~~من أسفله؛ فإنه أعظم للبركة وأنجح للحاجة.» # 70 # وقد ألف فيهم جماعة من العلماء؛ منهم القضاعي المؤرخ، ~~ومنهم عمر بن شبة، ومنهم محمد بن علي بن أحمد بن حديدة، ~~واسم كتابه «المصباح المضي في كتاب النبي وفي رسله إلى ~~ملوك الأرض من عربي وعجمي»، فرغ منه «سنة 679ه» بمصر، ~~ومنهم الجمال الأنصاري، ومنهم ابن أبي الجعد. # 71 # فأما كتابة الوحي # فقد كان يكتبها له # صلى الله عليه وسلم # عثمان بن عفان، وعلي بن ~~أبي طالب، فإن غاب علي كتبها له أبي بن كعب أو ~~يزيد بن ثابت. وفي الاستيعاب لابن عبد البر: وكان ~~أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # الوحي قبل ~~زيد بن ثابت ومعه، وكان زيد ألزم الصحابة لكتابة ~~الوحي، وكان أبي إذا لم يحضر دعا الرسول زيد بن ثابت. # 72 # وقال القضاعي: فإن لم يحضر أحد منهم كتب ~~الوحي من حضر من الكتاب؛ وهم: معاوية بن أبي سفيان، ~~وجابر بن سعيد بن العاص، وأبان بن سعيد، والعلاء بن ~~الحضرمي، ms098 وحنظلة بن الربيع. وكان عبد الله بن سعيد بن ~~أبي سرح يكتب الوحي، فارتد عن الإسلام ولحق ~~بالمشركين، فلما فتحت مكة استأمن له عثمان بن عفان، ~~فأمنه رسول الله وحسن إسلامه. وممن كان يكتب له ~~أيضا أبو بكر، وعمر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن ~~الأرقم، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد، وأخوه حبان، ~~وحنظلة بن أبي عامر الأسدي، وشرحبيل بن حسنة، وعبد ~~الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، والزبير بن العوام، ~~ومعيقب بن أبي فاطمة الدوسي، والمغيرة بن شعبة، وخالد ~~بن الوليد، وعمرو بن العاص، وجهيم بن الصلت، وعبد الله ~~بن رواحة، ومحمد بن مسيلمة. قال الكتاني: وأوصلهم ~~القرطبي في تفسيره إلى ستة وعشرين، وأوصلهم ~~الشبراملي في كتاب القضاء من حاشية على المنهج في فقه ~~الشافعية إلى أربعين، وأوصلهم العراقي إلى اثنين ~~وأربعين فقال: # كتابه اثنان وأربعونا # زيد بن ثابت وكان ~~حينا # كاتبه وبعده معاوية # ابن أبي سفيان كان ~~واعيه # وبعد أن سرد ما أورده العراقي في ألفيته، وقال: ~~وعدهم الرهبان الحلبي في حواشي الشفاء، فأوصلهم إلى ~~ثلاثة وأربعين. وقال نصر الهوريني في المطالع النصرية: ~~ولكن لم يكونوا كتاب وحي، وإنما كان أكثرهم مداومة ~~على ذلك بعد الهجرة زيد بن ثابت، ثم معاوية بعد الفتح. # 73 # وأما الكتابة الديوانية ومتعلقاتها من كتابة السر ~~والإقطاع والرسائل، فقد كان الرسول يمليها بنفسه على ~~كتابه، أو يطلب إليهم أن يكتبوها ويعرضوها عليه، فإن ~~استحسنها أجاز الكتاب وأرسله إلى صاحبه. قال في صبح ~~الأعشى: إن الديوان اسم الموضع الذي يجلس فيه الكتاب ~~... واعلم أن هذا الديوان أول ديوان وضع في الإسلام، ~~وذلك أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يكاتب أمراء وأصحاب سراياه ~~من الصحابة ويكاتبونه. وكتب إلى من قرب من ملوك الأرض ~~يدعوهم إلى الإسلام ، وبعث إليهم رسله بكتبه، وكتب ~~لعمرو بن خرم عهدا حين وجهه إلى اليمن. وكتب لتميم ~~الداري وإخوته بإقطاع الشام، وكتب كتاب القضية بعقد ~~الهدنة بينه وبين قريش عام الحديبية، وكتب الأمانات ~~أحيانا، إلى غير ذلك. ms099 # 74 # وقال المقريزي في الخطط: «كتابة السر رتبة قديمة ~~لها أصل في السنة؛ فقد خرج أبو بكر عبد الله بن ~~أبي داود السجستاني في «كتاب المصاحف» عن زيد بن ثابت ~~قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إنها تأتيني كتب لا أحب ~~أن يقرأها كل أحد، فهل تستطيع أن تعلم كتاب ~~العبرانية؟» أو قال: كتاب السريانية. فقلت: نعم. ~~فتعلمتها في سبع عشر ليلة.» # 75 # وهذا يدلنا على أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قد كان ~~يصطفي بعض الكتاب فيجعلهم يكتبون له بعض ما لا يريد ~~أن يطلع عليه الآخرون، كما رأينا أنه كان يصطفي بعض ~~أصحابه فيودعهم بعض الأسرار كما كان يفعل مع حذيفة ~~بن اليمان فيما رأيت. # وأما كتابة البوادي # فكان في الغالب يتولاها معاوية بن أبي سفيان مع ~~كتابة الوحي، وقيل: بل إن معاوية لم يكتب الوحي. روى ~~شارح المواهب اللدنية: أن معاوية كان يكتب بينه # صلى الله عليه وسلم # وبين العرب. # 76 # وقال الخفاجي في «نسيم الرياض»: إن رجلا ~~قال للمعافي بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من ~~معاوية؟ - يعني أيهما أفضل - وخصهما بالسؤال لأنهما ~~أمويان، فغضب المعافي على السائل وقال: لا يقاس ~~بأصحاب النبي أحد، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه ~~على وحيه؛ لأنه لو لم يستأمنه ما استكتبه الوحي، وكفاه ~~بهذه المرتبة التي لم يصل إليها عمر بن عبد العزيز ~~وأضرابه، والمعافي رجل منطق، فما صح عنه يرد ما ~~قيل إنه - أي معاوية - لم يكتب له شيئا من الوحي، ~~وإنما كان يكتب له إلى القبائل والجهات. # 77 # وأما كتابة العهود والمواثيق # فقد كان يتولاها علي بن أبي طالب وعامر بن فهيرة ~~وأبو بكر الصديق، ويقال: إن وثيقة الهجرة كتبها عامر ~~بن فهيرة، وإن عامرا كتب له أيضا عهد الأمان لسراقة ~~بن مالك بن جعشم المدلجي، ويقال: بل الذي كتبه أبو بكر الصديق. # 78 # وأما من كان يكتب له في شئونه الخاصة وحوائجه من ~~قضايا المال وما إلى ذلك # فقد رووا أن الذي كان يتولى ms100 ذلك له # صلى الله عليه وسلم # هو ~~الحصين بن نمير والمغيرة بن شعبة. قال الكتاني: ذكره ~~جماعة من المتأخرين، ومنهم القرطبي المفسر في المولد ~~النبوي، والقطب الحلبي في شرح السيرة. وأشار إلى أنه ~~مأخوذ من كتاب القضاعي الذي صنفه في كتاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وفيه أنهما كانا يكتبان المداينات ~~والمعاملات، فلا أدري هل أراد هذا أو الذي قبله. # 79 # اصطلاحاته في كتبه # صلى الله عليه وسلم # كانت قريش قبل البعثة النبوية تكتب في صدور رسائلها ~~وعهودها: «باسمك اللهم»، وقد جرى الرسول على ذلك في ~~كتبه الأولى، ولما نزلت الآية: # بسم الله مجراها ومرساها ~~، ~~كتب «باسم الله»، ولما نزلت إليه الآية: # إنه من سليمان وإنه ~~بسم الله الرحمن الرحيم ~~، ~~كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» في صدور كتبه. # 80 # ولم تجر عادة محمد # صلى الله عليه وسلم # بذكر «الحمد»؛ فقد قال ~~ابن حجر في فتح الباري: لم تجر العادة الشرعية ولا ~~العرفية بابتداء المراسلات «بالحمد»، وقد جمعت كتبه - ~~عليه السلام - إلى الملوك وغيرهم فلم يقع في شيء منها ~~البداءة «بالحمد»، بل بالبسملة. # 81 # وكان يذكر بعد البسملة قوله: «من محمد ~~رسول الله إلى فلان»، وربما ذكر: «أما بعد» أو لم ~~يذكرها، وربما بدأ كتابه بقوله: «سلام عليك»، أو: ~~«السلام على من اتبع الهدى»، أو: «سلم أنت». وكان في ~~الغالب يذكر اسم المرسل إليه بعد اسمه # صلى الله عليه وسلم ~~، أو ~~يكتفي بلقبه مثل: «عظيم الروم»، أو «صاحب مملكة كذا». ~~وكان يعبر عن نفسه تارة بالإفراد وتارة بالجمع، ~~فيقول: «بلغني» أو يقول: «بلغنا». وربما بدأ رسالته ~~بقوله: «أما بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا ~~هو». وقال صاحب صبح الأعشى: كان # صلى الله عليه وسلم # يفتتح أكثر ~~كتبه بلفظ: «من محمد رسول الله إلى فلان»، وربما ~~افتتحها بلفظ: «أما بعد»، وربما افتتحها بلفظ: «هذا ~~كتاب»، وربما افتتحها بلفظ: «سلم أنت». وكان يصرح في ~~الغالب باسم المكتوب إليه في أوائل المكاتبات، وربما ~~اكتفى بشهرته، فإن كان المكتوب إليه ملكا كتب ms101 بعد ~~ذكره اسمه: «عظيم القوم الفلانيين»، وربما كتب: «ملك ~~القوم الفلانيين»، وربما كتب: «صاحب مملكة كذا». وكان ~~يعبر عن نفسه # صلى الله عليه وسلم # في أثناء كتبه بلفظ الإفراد ~~مثل: «أنا» و«لي» و«جاءني» و«وفد علي» وما أشبه ذلك. ~~وربما أتى بلفظ الجمع مثل: «بلغنا» و«جاءنا» ونحو ذلك. ~~وكان يخاطب المكتوب إليه عند الإفراد بكاف الخطاب مثل: ~~«لك» و«عليك»، وتاء المخاطب مثل: «أنت قلت كذا» و«فعلت ~~كذا»، وعند التثنية بلفظهما مثل: «أنتما» و«لكما» ~~و«عليكما»، وعند الجمع بلفظه مثل: «أنتم» و«لكم» ~~و«عليكم» وما أشبه ذلك. وكان يأتي في صدور كتبه ~~بالسلام فيقول في خطاب المسلم: «سلام عليك»، وربما ~~قال: «السلام على من آمن بالله ورسوله»، وفي خطاب ~~الكافر: «سلام على من اتبع الهدى»، وربما أسقط ~~«السلام» من صدر الكتاب. وكان يتخلص من صدر الكتاب ~~إلى المقصود تارة ب «أما بعد»، وتارة بغيرها. وكان ~~يختم كتبه ب «السلام» تارة، فيقول في خطاب ~~المسلم: «والسلام عليك ورحمة الله وبركاته»، وربما ~~اقتصر على «السلام»؛ ويقول في خطاب الكافر: «والسلام ~~على من اتبع الهدى»، وربما أسقط «السلام» من آخر ~~كتبه. # أما عنونة كتبه # فلم أقف فيها على نص صريح، والذي يظهر أنه # صلى الله عليه وسلم # كان يعنون كتبه بلفظ: «من محمد رسول الله ~~إلى فلان» على نحو ما في صدور كتابه: «من محمد رسول ~~الله» عن يمين الكاتب و«إلى فلان» عن يساره. # وكتبه # صلى الله عليه وسلم # إلى أهل الإسلام على ثلاثة ~~أساليب: ~~(1) # أن يفتح الكتاب بلفظ: «من محمد رسول ~~الله إلى فلان»؛ فمن ذلك كتابه إلى خالد ~~بن الوليد في جواب كتابه إليه # صلى الله عليه وسلم # بإسلام بني حارث، وهو على ما ذكره ابن ~~إسحق في سيرته: «سلام عليك، فإني أحمد ~~إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، ~~فإن كتابك جاءني مع رسول لك يخبرني أن ~~بني الحارث قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، ~~وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من إسلام، ~~وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~عبده ورسوله، وأنه ms102 قد هداهم الله بهداه، ~~فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك ~~وفدهم. والسلام عليك ورحمة الله ~~وبركاته.» ~~(2) # أن تفتح المكاتبة بلفظ: «هذا كتاب» ~~ويذكر المقصد فيما بعد، وهو قليل الوقوع ~~في المكاتبات. ومن ذلك كتابه # صلى الله عليه وسلم # لقبيلة همدان من اليمن فيما ذكره ابن ~~هشام، وهو هذا: «هذا كتاب من محمد رسول ~~الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف ~~الرمل مع وافدها ذي المشعار لمالك بن نمط ~~ولمن أسلم معه، على أن لهم فراعها ~~ووهاطها وعزازها ما أقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة، يأكلون علافها ويرعون عافيها، لكم ~~بذلك عهد الله وذمام رسول الله وشاهدكم ~~المهاجرون والأنصار.» # 82 ~~(3) # وأن تفتح المكاتبة بلفظ: «سلم أنت»؛ فمن ~~ذلك كتابه # صلى الله عليه وسلم # إلى المنذر بن ساوي، ~~وهو فيما ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال: ~~«سلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا ~~إله إلا هو، أما بعد: فإن من صلى ~~صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذلك ~~المسلم له ذمة الله وذمة الرسول، فمن أحب ~~ذلك من المجوس فإنه آمن، ومن أبى فإن عليه ~~الجزية.» # وأما كتبه إلى أهل الكفر للدعاية إلى الإسلام، فعلى ~~ثلاثة أساليب أيضا: ~~(1) # أن يفتتح الكتاب بلفظ: «من محمد رسول ~~الله إلى فلان»؛ فمن ذلك كتابه # صلى الله عليه وسلم # إلى هرقل وهو قيصر، وقيل: بل نائبه ~~بالشام. وهو على ما ثبت في الصحيحين: «من ~~محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، ~~سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني ~~أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، ~~أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن ~~توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و # قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا ~~ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن ~~تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون ~~.» ~~(2) # أن يفتتح الكتاب بلفظ: «أما بعد»، وهو ~~أقل وقوعا مما قبله؛ فمن ذلك كتابه # صلى الله عليه وسلم # إلى أهل نجران ودينهم النصرانية، ~~وهو فيما ذكره ابن الجوزي: «بسم الله ~~الرحمن ms103 الرحيم إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، ~~أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من ~~عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ~~ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، وإن ~~أبيتم فقد آذنتكم بحرب الإسلام.» ~~(3) # أن يفتتح الكتاب بلفظ: «هذا كتاب»؛ فمن ~~ذلك كتابه # صلى الله عليه وسلم # مع رفاعة بن زيد إلى ~~قومه، وهو فيما ذكره ابن إسحق: «هذا كتاب ~~من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد، إني ~~بعثته إلى قومه عامة، ومن دخل فيهم ~~يدعوهم إلى الله ورسوله، فمن أقبل منهم ~~ففي حزب الله وحزب الرسول، ومن أدبر فله ~~أمان شهرين.» # 83 # وأما كتب الأمراء إليه # صلى الله عليه وسلم # فقد ذكر القلقشندي أن كتب سراياه # صلى الله عليه وسلم # ومن أسلم من الملوك، تفتح ~~المكاتبة إليه باسمه # صلى الله عليه وسلم ~~، ويثنون ~~بأنفسهم، ويأتون بالتحميد والسلام عليه # صلى الله عليه وسلم ~~، ويتخلصون إلى المقصود ب «أما ~~بعد» أو غيرها، ويختمون بالسلام، وملوك ~~الكفر يبدءون بأنفسهم، وربما بدءوا به # صلى الله عليه وسلم ~~. وكان المكتوب عنه منهم يعبر ~~عن نفسه بلفظ الإفراد مثل: «أنا» و«لي» ~~و«قلت» و«فعلت»، وربما عبر بعض الملوك ~~عن نفسه بنون الجمع، ثم إن كان المكتوب ~~عنه مسلما خاطبه # صلى الله عليه وسلم # بلفظ الرسالة ~~والنبوة مع كاف الخطاب وتاء الخطاب، وإن ~~كان كافرا خاطبه بالكاف والتاء ~~المذكورتين، وربما خاطبه باسمه، وإن كان ~~المكتوب عنه مسلما ختم الكتاب بالسلام ~~عليه # صلى الله عليه وسلم ~~. # 84 ~~(3-4) إمارة السلم # كان للنبي # صلى الله عليه وسلم # أمراء ولاهم على بعض البلاد أو ~~النواحي أو الأجناد أو بعض المصالح العامة كالقضاء ~~والصدقات، فقد كان من عادة الرسول أن يوصي كل أمير بإحسان ~~عمله وإتقانه، كما كان يعهد إليهم بكتب يكتبها إليهم بذلك ~~في الغالب. وكان لا يخرج عن المدينة للغزو إلا ولى عليها ~~أميرا، كما أنه لم يكن يبعث سرية للجهاد إلا ولى ~~عليها أميرا، ولم يسلم قوم إلا جعل عليهم أميرا أو ~~عاملا يتولاهم ويجمع صدقاتهم، أو بعث من قبله أحدا ms104 ~~يؤمره عليهم ويفقههم في الدين. # وقد كان للنبي أمراء ولاهم المدينة في غيابه عنها، كما ~~كان له أمراء ولاهم مكة وسائر مدن الجزيرة وعشائرها، ~~فممن أمرهم على المدينة «السائب بن عثمان» أمره ~~عليها حين خرج إلى غزوة بواط، وقد ذكرنا أسماء أمراء ~~المدينة في كلامنا على غزوات النبي. # وأما أمراء مكة فأولهم «عتاب بن أسيد»، أمره الرسول ~~عليها بعد الفتح سنة ثمان للهجرة وهو دون العشرين، وممن ~~ولاه بعض أعمال مكة «الحارث بن نوفل الهاشمي». # وأما أمراء اليمن فأولهم «باذان» أو «باذام» الفارسي، ~~وكان ملك اليمن في الجاهلية، وأسلم حين كتب إليه الرسول ~~فأقره على عمله وبقي حتى مات بعد حجة الوداع، فولى ~~ابنه شهرا مكانه. وبعث النبي إلى اليمن أمراء فقهاء، كأبي ~~موسى الأشعري بعثه إلى زبيد وعدن، وولى «خالد بن الوليد» ~~على صنعاء، و«المغافر بن أبي أمية» على كندة، و«زياد بن ~~لبيد» على حضرموت، و«أبا سفيان» على نجران. # ومن أمراء المدن: «سعد بن عبد الله بن ربيعة» ولاه ~~الطائف، و«غسان بن أبي العاص» ولاه على الطائف أيضا، ~~و«العلاء بن الحضرمي» استعمله على البحرين، و«عمر بن حزم ~~الأنصاري» استعمله على نجران، وأعطاه كتابا جامعا فيه من ~~أحكام الإدارة والزكاة والديات والفرائض الشيء الكثير ~~المفيد، و«عمرو بن سعيد بن العاص» ولاه وادي القرى، ~~و«المنذر بن ساوي» ولاه على هجر، و«سواد بن غزية» ولاه ~~على خيبر، و«عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي» ولاه ~~الجند باليمن. # ومن أمراء القبائل «عمرو بن سبيع التغلبي» ولاه على ~~بني تغلب وغطفان، و«الحارث بن بلال المازني» ولاه على ~~جديلة من طيء، و«سعد الدوسي» ولاه على قومه دوس، و«سعيد ~~بن خفاف التميمي» ولاه على بطون بني تميم ، و«صيفي بن ~~عامر» ولاه على بني ثعلبة، و«الضحاك بن قيس» ولاه ~~على قومه، و«امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي» ولاه على كلب، ~~و«عكاشة بن ثور» ولاه على السكاسك والسكون. وقد أحصى ~~الحافظ العراقي في ألفيته في السيرة النبوية أسماء ~~أمرائه # صلى الله عليه وسلم # بقوله: # أمر باذان بلاد ~~اليمن # ثم ابنه ms105 شهرا بصنعا ~~يمن # وابن أبي أمية المهاجري # كندة ... إلخ ... ~~(3-5) إمارة الحج # كان العرب في الجاهلية يحتفلون أشد الاحتفال بموسم ~~الحج وبمشاعره، وكان يتولى إمارة الحج «كعب بن لؤي»، ~~وكان إليه الإمارة والحجابة والسقاية والرفادة واللواء ~~والندوة، ثم توارث أبناؤه هذه المفاخر إلى أن جاء الإسلام ~~فأقرها، وأول أمير تولى إمارة الحج في الإسلام هو ~~«عتاب بن أسيد» سنة ثمان للهجرة. وفي السنة التاسعة حج ~~بالناس أبو بكر، وفي السنة العاشرة حج الرسول # صلى الله عليه وسلم # بالناس، وخطب فيهم خطبة الوداع. ~~(3-6) الحجابة # كان المسجد النبوي هو مقر الحكومة؛ ففيه كان يجلس ~~النبي للناس، وفيه كان يستقبل الوفود، وفيه كان مسكنه، في ~~حجرات خاصة. وما كان الرسول ليحجب نفسه عن الناس إذا ما ~~كان في المسجد، أما إذا دخل ليستريح أو ليختلي ببعض أهله ~~أو خاصته، فكان له حاجب وآذن وبواب يقفون على بابه ~~فرادى أو مجتمعين، لا يدخلون أحدا عليه # صلى الله عليه وسلم # إلا ~~بعد الاستئذان. # وممن كان يتولى ذلك له # صلى الله عليه وسلم # أنس بن مالك، وأبو ~~موسى الأشعري، ورباح الأسود، وربيعة بن كعب الأسلمي، ~~ومهاجر مولى أم سلمة، وزيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، وهلال ~~بن يسار، وغيرهم من مواليه وخدمه. فقد روى مسلم في صحيحه ~~عن جابر بن عبد الله قال: «جاء أبو بكر يستأذن على رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # فوجد الناس جلسوا ببابه ولم يؤذن لهم، قال: ~~فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له ...» وفي ~~المواهب اللدنية: «ومن تواضعه - عليه السلام - أنه لم يكن ~~له بواب راتب، ثم ذكر حديث البخاري المروي عن أنس بن ~~مالك، قال: مر النبي # صلى الله عليه وسلم # بامرأة تبكي على قبر فقال: ~~«اتقي الله واصبري.» قالت: إليك عني، فإنك لم تصب ~~بمصيبتي. ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. فأتت ~~باب النبي # صلى الله عليه وسلم # فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم ~~أعرفك. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة ms106 الأولى.» وقد علق ~~الزرقاني شارح المواهب اللدنية على هذا الحديث بقوله: فلا ~~ينافي وجود بواب أحيانا لأمر ما.» # 85 # والحق أن النبي الكريم كان يتخذ الحجاب والبوابين في ~~الأوقات التي يريد أن يخلو فيها إلى نفسه، أو إلى بعض ~~الوفود ممن لا يريد أن تكثر عليه الناس في محضرهم، وهذا ~~أمر من أمور السياسة الحكيمة، ومنهج من مناهج الاجتماع ~~المدني الرشيد. ~~(3-7) صاحب الخاتم # لا شك في أن العرب في جاهليتهم كانوا يتخذون الأختام ~~يوقعون بها وثائق بيوعاتهم وصكوك معاملاتهم، ونحن وإن ~~كنا لم نعثر على نصوص متعلقة بذلك، ولا على نماذج من تلك ~~الأختام في الحفريات حتى الآن، إلا أن بعض المؤرخين ورجال ~~السير يذكرون أن الرسول كتب إلى ملوك عصره قبل أن يتخذ ~~الخاتم؛ فقد روى البخاري عن أنس قال: لما أراد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لن يقرءوا كتابك ~~إذا لم يكن مختوما، فاتخذ خاتما من فضة ونقشه «محمد ~~رسول الله»، فكأنما ننظر إلى بياضه في يده # صلى الله عليه وسلم ~~. وأخرج ~~الترمذي في الشمائل المحمدية عن أنس أيضا قال: كان خاتم ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~«محمد» سطر و«رسول» سطر و«الله» سطر. وقال ~~البخاري: إن فصه كان منه. وفي سنن أبي داود والنسائي أنه ~~كان من حديد، ملونا عليه فضة. # وكان الذي يتولى العمل بالخاتم النبوي يوقع به ويعيده ~~إليه «معيقب بن أبي فاطمة» و«حنظلة بن الربيع بن المربع بن ~~صيفي» ابن أخي أكثم بن صيفي. # 86 # وفي الكتاب الذي بعثه إلى المنذر بن ساوي، والذي عثر ~~عليه صورة الختم النبوي هكذا: ~~، وكذلك هو ~~في كتاب المقوقس الذي عثر عليه أيضا. # 87 # وهذا يؤكد ما روي من أن كتابة الختم لم تكن ~~على الترتيب العادي «محمد رسول الله» كما ذكره الحافظ ابن ~~كثير في تاريخه. ~~(3-8) المحتسب # الحسبة وظيفة شرعية تتصل بالقضاء والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر اتصالا وثيقا، وقد أمر الرسول كل فرد ~~أن ينصب نفسه محتسبا ms107 يحاسب كل من يتعدى على حقوق ~~الآخرين، أو يفسد عليهم طرقاتهم وأسواقهم، ولكن الرسول ~~الحكيم عرف أن الناس هم الناس، وأنه لا بد لهم من وازع ~~يزعهم، ويكون ذا سلطة حتى تكون كلمته مسموعة وإرشاداته ~~متقبلة وتهديداته مخيفة. وقد كان الرسول يتولى ذلك بنفسه، ~~فإذا رأى منكرا أو فسادا أو تعديا على حقوق السابلة أو ~~المشترين، أزال ذلك بيده، وعاقب كل من يعبث بحقوق الناس، ~~وكذلك فعل الخلفاء من بعده. وقد روى الترمذي عن أبي هريرة ~~أن الرسول مر على صرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه ~~بللا، فقال: «يا صاحب الطعام، ما هذا؟» قال: أصابته ~~السماء يا رسول الله. قال: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى ~~يراه الناس؟» ثم قال: «من غشنا فليس منا.» ويظهر أن ~~الرسول قد عرف بوجود نفر لا يتورعون عن غش الناس على ~~الرغم من كثرة مراقبته ووجوده بين ظهرانيهم، ورأى بسديد ~~عقله أن لا بد من تنصيب إنسان خاص يراقب أمور الأسواق ~~والطرقات، ويحاسب المتعدين على أعمالهم المخالفة للمصلحة ~~العامة أو لروح الشرع الإسلامي؛ فقد بلغ الرسول أن جماعة ~~من تجار المدينة كانوا يتلقون ركبان التجار وأرباب ~~البضائع من خارج المدينة، فيشترون بضائعهم ويغررون بهم ~~بالأسعار دون أن يعرفوا حقيقة الأسعار في سوق المدينة، ~~فيأخذون البضائع بالرخيص عن أثمانها الحقيقية، ويبيعونها ~~للناس بأكثر من أسعارها، ويربحون أرباحا فاحشة، فنهى عن ~~ذلك، وحرم تلقي الركبان التجار. وفي صحيح البخاري عن ~~ابن عمر: أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد ~~رسول الله، فبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه ~~حتى ينقلوه حيث يباع الطعام. ولما وجد # صلى الله عليه وسلم # أنهم لا ~~يمتثلون أمره ولم ينتهوا عن ذلك أمر بضربهم ومقاصصتهم، قال ~~في الجامع الصحيح: عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ~~قال: رأينا الذين يبيعون الطعام مجازفة - أي بلا كيل ولا ~~وزن ولا عدد - يضربون على عهد رسول الله أن يبيعوه حتى ~~يذهبوا به إلى رحالهم. وقال ابن عبد البر: استعمل رسول ms108 ~~الله # صلى الله عليه وسلم # سعيد بن سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة، # 88 # وعمر بن الخطاب على سوق المدينة، # 89 # وكانت لعمر درة من جلد يضرب بها الناس ~~ويؤدبهم. # وكان للرسول مناد خاص يأمره أن يذيع في الناس ما يجب ~~عليهم أن يعملوه من أمور الاحتساب وأحكام الشريعة؛ ففي ~~صحيح البخاري عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي ~~طلحة، وكان خمرهم يومئذ البطيخ، فأمر رسول الله مناديا ~~ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فجرت في سكك ~~المدينة. وفي الصحيح أيضا: عن زاهر الأسلمي قال: إني ~~لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر، إذ نادى منادي النبي # صلى الله عليه وسلم # أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ينهاكم عن لحوم الحمر. ~~وفي سنن أبي داود: عن معاذ الجهني قال: غزوت مع النبي # صلى الله عليه وسلم # فضيق الناس المنازل وقطعوا الطرق، فبعث النبي ~~مناديا ينادي في الناس أن من ضيق منزلا أو قطع طريقا ~~فلا جهاد له. ~~(3-9) صاحب العسس # اتخذ الرسول رجالا يعسون بالمدينة يحرسون الناس ~~ويتبعون أهل الريب والفساق وكل من يريد إفساد أمن المدينة، ~~وكان جماعة من كبار الصحابة يحرسون النبي نفسه خوف ~~الاغتيال، وذلك عقب وروده المدينة؛ فقد روى الترمذي عن ~~عائشة قالت: سهر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مقدمه ~~المدينة ليلة فقال: «ليت رجلا يحرسنا الليلة.» فبينما ~~نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة السلاح. فقال: «من هذا؟» قال: سعد ~~بن أبي وقاص. فقال له الرسول: «ما جاء بك يا سعد؟» قال ~~سعد: وقع في نفسي خوف على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فجئت ~~أحرسه. فدعا له. وقد اتخذ الرسول «بديل بن ورقاء» حارسا ~~للمدينة وصاحب عسس لها، وجعل معه في ذلك أوس بن ثابت وأوس ~~بن عرابة ورافع بن خديج. # 90 # وفي عهد أبي بكر تولى العسس عمر بن الخطاب وعبد الله ~~بن مسعود، وفي عهد عمر كان يتولى ذلك بنفسه، فيطوف في ~~الليالي ويراقب أحوال الناس ويستصحب معه مولاه ms109 أسلم، وربما ~~استصحب معه عبد الرحمن بن عوف. ~~(3-10) صاحب البريد # لم يحتج رسول الله أن ينظم شئون البريد تنظيما ~~كاملا؛ لصغر رقعة الحكومة الإسلامية في وقته، إلا أنه كان ~~قد شرع في ذلك حينما أراد الاتصال بالبلاد المجاورة، ولكنه ~~عوجل فتمم ذلك عمر بن الخطاب. وقد اكتفى النبي باتخاذ ~~الرسل يبعث بهم إلى من يريد الاتصال بهم أو يتلقى منهم ~~رسائلهم، وقد ذكر السهيلي في الروض الأنف أنه - عليه ~~الصلاة والسلام - كان يكتب إلى أمرائه: إذا أبردتم إلي ~~بريدا فأبردوه حسن الوجه حسن الاسم. وإنما طلب الرسول ~~إليهم ذلك للتفاؤل وحسن التلقي؛ فقد وردت عنه - عليه ~~الصلاة والسلام - أخبار كثيرة تؤيد اعتقاده بالفأل ~~والطيرة؛ ولهذا اشترط في صاحب البريد أن يكون حسن الصورة ... ~~وقد انتظمت شئون البريد في عهد عمر حين دون الدواوين ~~ونظم شئون الدولة. ~~(3-11) الشئون العسكرية # جاء الرسول بدعوته سالكا سبيل الحكمة والموعظة الحسنة، ~~يدعو الناس إلى اتباع ما جاء به، فدخل في دينه نفر من ~~المستضعفين أو الأقوياء، فلقوا جميعا من أهل مكة شر ما ~~يمكن أن يلقاه الإنسان من قومه، فطلب الرسول إلى خصومه أن ~~يكفوا أذاهم فلم يسمعوا، وزادوا في طغيانهم وضلالهم ~~وإيذائهم وتعذيبهم للمسلمين. ولم ير الرسول وسيلة إلا ~~أن يطلب إلى قومه أن يفروا بدينهم، فخرجوا من ديارهم ~~هاربين بدينهم إلى حيث أمنوا على أنفسهم وأولادهم ~~وعقيدتهم، واضطر النبي نفسه إلى الهجرة وترك بيته واللجوء ~~إلى قوم يحبونه ويؤوونه، فلما استقر فيهم أخذ خصومه ~~يسعون لتأليب القوم الذين لجأ إليهم عليه، فلم ينجحوا، ~~واضطر الرسول حين ضاق ذرعا بهؤلاء العتاة وأحس بقوته أن ~~يقابل قوتهم بالقوة، فلجأ إلى حربهم. ولم تكن حروب النبي ~~كلها هجوما، بل كانت حروب دفاع. هذا هو السر في لجوء ~~النبي إلى الحرب وتعزيز الشئون العسكرية. فما لنفر من ~~المبشرين والمستشرقين يزعمون أن نبينا محمدا لم ينجح في ~~دعوته إلا بالسيف، وأنه كان سفاحا، وأن دينه دين قتال ~~وسفك دماء لا دين رحمة ورجاء! # إن الحملات التي ms110 شنها المبشرون وأعداء الإسلام على ~~النبي تتركز في هذه القضية، وهي قضية باطلة؛ لأن النبي ~~دعا إلى الإسلام أولا بالحكمة والموعظة الحسنة والمنطق، ~~فلما وقف المشركون في طريقه وحاربوه اضطر أن يدافع عن نفسه ~~ودينه، فقاتل قريشا وقاتل اليهود وقاتل الروم. ثم إن ~~القتال - حتى في عصرنا الحاضر - هو الوسيلة الوحيدة التي ~~تلجأ إليها الحكومات لإقرار الأنظمة والإصلاحات إذا قابلها ~~الناس بالابتعاد عنها أو بالعنف، وهل يفل الحديد إلا ~~الحديد؟! وقد شرع الإسلام الجهاد، فقال تعالى: # فقاتل في سبيل الله لا ~~تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين ~~عسى الله أن يكف بأس الذين ~~كفروا ~~. # وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها وحسابهم على الله.» وهذا قول يقره المنطق ~~والعقل؛ فإن الإسلام لم يأمر إلا بما أمرت كافة الشرائع ~~والقوانين، وإن محمدا ما كان ملكا يطلب الحرب لأجل ~~الحرب، بل نبيا رسولا طلبها لإقرار الأمن والسلام ~~والسكينة على الأرض. وقد تجلت مواهب النبي العسكرية في ~~غزواته؛ فقد كان شجاعا لا يهاب الموت، يسير في الصفوف بين ~~صحابته، ويمارس الحرب ممارسة تدل على علو كعبه فيها. وقد ~~كانت غزوة بدر هي المعركة الأولى التي تجلت فيها مواهبه ~~العسكرية وحسن قيادته، ثم تتابعت الغزوات الكبرى التي علا ~~فيها شأن الإسلام، والتي لم يخذل النبي في واحدة منها؛ ~~وذلك لأنه كان ذا عبقرية عسكرية فائقة ليس فيها شيء من ~~العسف ولا الظلم، إنها عبقرية ترضاها وتتطلبها البطولة ~~في كل زمان ومكان، وسنرى في النقاط التالية تنظيماته ~~العسكرية التي استطاع بها أن يقهر قوما يفوقونه عددا ~~وعدة؛ لأنه # صلى الله عليه وسلم # لم يترك ناحية من النواحي التي يجب ~~على قائد الجيش أن يهتم بها إلا اهتم بها ونظم جيشه ~~بموجبها. # إمارة الجيش # لا بد للجيش من قائد يقوده وينظم خطط هجومه ودفاعه، ~~وقد كان النبي الكريم يتولى ذلك بنفسه في الغزوات ~~التي يخرج فيها بنفسه؛ لما حباه الله ms111 من شجاعة وبأس ~~وذكاء وسياسة. وقد بلغت الغزوات التي قادها بنفسه ~~وتولى الإمارة فيها ستا وعشرين موقعة، وقد اصطلح ~~المؤرخون على تسمية كل معركة يكون النبي فيها «غزوة»، ~~وكانت غزوة بدر الكبرى أجل تلك الغزوات وأكثرها ~~فائدة للإسلام. وأما المعارك والوقائع التي لم يحضرها ~~النبي، فكانت تسمى «سرايا»، وقد بلغت سراياه # صلى الله عليه وسلم # ستا وخمسين سرية. # ديوان الجيش # المشهور أن عمر بن الخطاب هو أول من نظم للجيش ~~الإسلامي ديوانا تسجل فيه أسماء المجاهدين، ~~بادئا بقريش وبطونها وأفخاذها، ثم بالقبائل الأخرى كل ~~قبيلة على انفراد، وما ذلك إلا ليعلم عدد المقاتلة من ~~كل قبيلة واستحقاقها وتنظيم موازنة الدفاع ومقدار ~~العطايا وتقسيم الفيء على المسلمين، وسنرى تفصيل ذلك ~~فيما بعد. ولم يتكلم أحد من مؤرخي السيرة النبوية على ~~أن النبي نفسه قد أمر بإيجاد ديوان الجيش لتسجيل أسماء ~~المجاهدين، مع أن البخاري روى في صحيحه بسنده إلى ~~حذيفة بن اليمان أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «اكتبوا لي ~~من يلفظ الإسلام من الناس.» وأن حذيفة قد كتب ذلك له # صلى الله عليه وسلم # فبلغوا وقتئذ ألفا وخمسمائة رجل. فهذا ~~الحديث يدلنا على أن الرسول أمر باتخاذ هذا التقليد ~~ليعرف عدد المقاتلين من أهل الإسلام، وقد رتب الرسول ~~على المقاتلين من أهل الإسلام رؤساء عرفوا ~~«بالعرفاء»؛ لأنه كان # صلى الله عليه وسلم # بهم يتعرف أحوال ~~المجاهدين، وعريف كل قوم هو زعيمهم والقائم بأمورهم، ~~وهو الواسطة بينهم وبين الأمير. ولا بد من إقامة ~~العرفاء؛ لأن النبي أو الأمير لا يستطيع أن يتعرف ~~بنفسه أحوال كل منهم، وقد حذر الرسول هؤلاء ~~العرفاء من الوقوع في الخطأ أو الظلم أو التعدي على ~~الرعية، وقد روي عنه «أن العرفاء في النار.» وهذا ~~يشعر بأن الوظيفة وظيفة خطيرة، ويجب على صاحبها أن ~~يكون أمينا صادقا عادلا. ومثل هؤلاء العرفاء ~~«النقباء»، وقد جعلهم الرسول نقباء على قومهم يراقبون ~~أحوالهم ويحلون من مشاكلهم ويطلعونه # صلى الله عليه وسلم # على ما ~~يحتاج إليه من معرفة أحوالهم. # تقاليد ms112 النبي في جيوشه # كان للنبي إذا عزم الخروج في غزوة تقاليد قلما ~~تخطاها، فمن ذلك أنه كان يستخلف على المدينة أميرا ~~يعهد إليه بالصلاة في القوم والحكم بينهم والمحافظة ~~على شئون المدينة، وقد استخلف عبد الله بن أم مكتوم ~~ثلاث عشرة مرة على المدينة، وممن استخلفهم عليها ~~أيضا «أبو لبابة» و«جعال بن سراقة الضمري» و«سباع بن عرفطة الغفاري» و«أبو رهم الغفاري» و«علي بن أبي ~~طالب». ومن تقاليده في ذلك أنه كان يستخلف على أسرته ~~من أولي قرابته ليقوم بشئونهم ويقضي حاجاتهم؛ فقد ~~استخلف عليا في غزوة تبوك وخلفه على عياله، وكان ~~أكثر غزواته يستخلف حسان بن ثابت عليهم ويبعث بهم إلى ~~أطمه؛ لأنه كان من أحصن آطام المدينة. ومن تلك ~~التقاليد أنه يعرض جنده قبل السفر إلى الغزو أو في ~~أوقات أخرى؛ ليتأكد من استعدادهم للحرب وقوتهم ~~المعنوية؛ فقد روى ابن عبد البر عن سمرة بن جندب: أن ~~النبي كان يعرض غلمان الأنصار كل عام، فمر به غلام ~~فأجازه في البعث، وعرض عليه سمرة بن جندب من بعده ~~فرده # صلى الله عليه وسلم # لصغر سنه ولضعفه، قال سمرة: فقلت: ~~يا رسول الله، لقد أجزت غلاما ورددتني، ولو صارعني ~~لصرعته. قال النبي: «فصارع.» قال سمرة: فصارعته ~~فصرعته، فأجازني في البعث. # 91 # وقال الإمام الشافعي: رد # صلى الله عليه وسلم # سبعة عشر ~~صحابيا عرضوا عليه أبناء أربع عشرة سنة؛ لأنه لم ~~يرهم بلغوا السن، وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة ~~سنة فأجازهم. وقال البرهان: ويحتمل أن يزيد ردهم في ~~أحد، ويحتمل مجموع من رده في هذه السن في غزواته. # 92 # وكان # صلى الله عليه وسلم # في العرض يقف الناس أمامه ~~صفوفا صفوفا؛ ففي طبقات ابن سعد الكبرى قصة قدوم ~~العباس بن مرداس السلمي على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في ~~تسعمائة من قومه على الخيول والقنا والدروع الظاهرة ~~ليحضروا معه غزوة الفتح، قال العباس: فصفنا رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # وإلى جنبه أبو بكر وعمر. # 93 # وكان من عاداته في ms113 ذلك # صلى الله عليه وسلم # أن يسأل ~~كل من يريد الغزو عن أهله، فإن لم يكن لهم من يعولهم ~~سواه رده، وإن كان صغيرا سأله هل أذن له أبواه في ~~الخروج، فإن قال بالنفي رده وقال له: فاستأذنهما، ~~فإن أذنا لك فجاهد وإلا برهما. وأخرج الإمام أحمد ~~والنسائي عن معاوية السلمي: أن رجلا جاء إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # فقال: أريد الغزو، وجئتك أستشيرك. فقال ~~الرسول: «وهل لك من أم؟» قال: نعم. قال الرسول: ~~«الزمها؛ فإن الجنة تحت أقدام الأمهات.» # 94 # وكان من عادته أنه إذا رجع من غزوة أو حرب أو حج ~~أو عمرة وأقبل على المدينة، أنه كان يكبر على كل شرف ~~من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير، آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله ~~وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (الموطأ). ~~وربما نصب للنبي عريش عال يشرف منه على العسكر، ~~وقد فعل ذلك في غزوة بدر، كما أشار عليه بذلك سعد بن ~~معاذ. ومن ذلك أنه كان يقسم الجيش، ويعرف العرفاء ~~في الجيش، ويرتب الأجناد، وغير ذلك مما فيه تنظيم ~~شئون القتال. # أقسام الجيش # كان العرب يسمون الجيش خميسا؛ لأنهم كانوا ~~يقسمونه إلى خمسة أقسام: ميمنة، وميسرة، ومقدمة، ~~ومؤخرة، وقلب، وربما قالوا: المجنبة اليسرى، ~~والمجنبة اليمنى، والمقدمة، والساقة، والوسط. وكان ~~من عادتهم أن يكون الأمير في القلب. # قال ابن هشام في أثناء فتح مكة: إن عبد الله بن أبي ~~نجيح روى أن رسول الله حين فرق جيشه من «ذي طوى»، ~~أمر الزبير بن العوام أن يدخل بعض الناس من «كدى»، ~~وكان الزبير على المجنبة اليسرى ، وأمر سعد بن عبادة ~~الأنصاري أن يدخل في بعض الناس من «كدى»، وكان خالد ~~على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وغفار وسليم ومزينة ~~وجهينة وقبيل من العرب. وأقبل أبو عبيدة بن الجراح ~~بالصف من المسلمين بين يدي الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، ودخل # صلى الله ms114 عليه وسلم # حتى نزل بأعلى مكة وضربت له قبة ~~هناك. # وكان الجيش يقسم إلى قسمين: «الخيالة» ~~و«الرجالة»، ويسمون البيادقة أيضا، وهي تعريب ~~الكلمة الفارسية: «بياده». وقد أخذ العرب منذ الجاهلية ~~هذا الاصطلاح عن الفرس؛ فقد روى صاحب الاستيعاب أن ~~خالد بن الوليد كان على مقدمة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يوم ~~حنين في بني سليم، وأن النبي جعله يوم فتح مكة على ~~البيادقة، وهم الرجالة، وهم أيضا المحيطون بالملك ~~والمتصرفون له، وكان رماة الجيش هم عصب الجيش، وكان ~~عليهم أمير يتولى زعامتهم يأمرهم بالرمي ويمنعهم ~~منه ويلزمهم أماكنهم، وقد كان أمير الرماة في غزوة ~~أحد عبيد الله بن جبير الأنصاري، أمره النبي عليهم، ~~وأن المشركين لما انهزموا ذهب الرماة ليأخذوا ~~الغنائم، فنهاهم عبيد الله بن جبير أن يتركوا أماكنهم، ~~ولكنهم مضوا وتركوه، فكان من أمر انخذال المسلمين ما ~~كان. وكان # صلى الله عليه وسلم # يقدم بين يدي الجيش طلائع ~~يكشفون أحوال العدو ويتبينون شئونهم، ويبعثون بها ~~إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ليكون على معرفة بأحوال عدوه. فمن ~~ذلك أنه # صلى الله عليه وسلم # بعث ثلاثة فرسان يستطلعون أخبار ~~المشركين يوم أحد، وكان من بين هؤلاء الثلاثة سليط بن ~~سفيان الأسلمي. # 95 # عدد الجيش ومتعلقاته # اتخذ الرسول الكريم لجيشه من العدد ما كان معروفا ~~في زمنه من سيوف ورماح ودروع ولامات وقسي وسهام وخيل، ~~وقد أمره الله سبحانه بالاستعداد الكامل في قوله ~~تعالى: # وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة * ~~ترهبون به عدو الله ~~. وفي كتب ~~التفسير والحديث والسيرة كثير من أخبار استعداد النبي ~~وبعث البعوث لجمع السلاح وشراء العدد والخيل للجهاد. ~~وممن بعثهم لذلك «سعيد بن زيد»؛ بعثه إلى نجد حيث ~~الخيل الأصيلة القوية والسلاح الجيد، فذهب وابتاع ما ~~وجد من خيل وسلاح، ولما أفاء الله على النبي أموال بني ~~النضير أخذ منها لنفقة أهله سنة، ثم جعل ما بقي من ~~المال والسبايا عدة للجهاد في سبيل الله. ولم ~~يكتف الرسول بالاستعداد في الأسلحة الخفيفة، بل عمد ~~إلى الاستعداد ms115 في الأسلحة الثقيلة كالمنجنيقات ~~والدبابات والعرادات، وهي آلات ثقيلة ترمي الحجارة ~~الثقيلة على أسوار العدو وقلاعه وثكناته فتهدمها. أما ~~المنجنيقات فقد قال الخفاجي عنها: المنجنيق - بفتح ~~الميم وكسرها - آلة لرمي العدو بالحجارة الكبيرة، بأن ~~يشد سوار مرتفعة جدا من الخشب يوضع عليها ما يراد ~~رميه، ثم تضربه سارية توصله لمكان بعيد جدا، وكانت ~~هذه الآلة قديما قبل اختراع المدافع والبارود. # 96 # وفي السير أنه # صلى الله عليه وسلم # حاصر أهل ~~الطائف ورماهم بالمنجنيق، وقال ابن هشام: حدثني من ~~أثق به أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أول من رمى بالإسلام ~~بالمنجنيق أهل الطائف، وقال السيوطي في الأوائل نقلا ~~عن ابن دحية: أول ما رمي بالمنجنيق في الإسلام في ~~غزوة الطائف. # 97 # وفي كامل ابن الأثير أن الذي أشار على ~~النبي بذلك هو سلمان الفارسي، وفي أوائل السيوطي ~~أيضا: أن أول من وضع المنجنيق هي بلقيس ثم جذيمة الأبرش. # 98 # وأما الدبابات - وواحدها دبابة - فهي آلة ~~من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدفعون إلى الأسوار ~~ويثقبونها، وقال المجد الفيروزآبادي في القاموس: ~~الدبابة تتخذ في الحروب فتندفع في أصل الحصن فيشنون ~~وهم في جوفها، وقال في التراتيب الإدارية: هي بيت ~~صغير، تعمل للحصون، يدخلها الرجال فينقبون من داخلها، ~~ويكون سقفها حرزا لهم من الرمي. وفي كتاب نفحة ~~الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل: أول ~~دبابة صنعت في الإسلام دبابة صنعت على الطائف حين ~~حاصرها النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # 99 # وأما العرادات فهي كالمنجنيق، إلا أنها ~~أصغر منه. وفي طبقات ابن سعد أثناء كلامه عن وفد ثقيف ~~على رسول الله: ولم يحضر عروة بن مسعود ولا غيلان بن ~~سلامة حصار الطائف، كانا في جرش يتعلمان صنع ~~العرادات والمنجنيق والدبابات. ومما يتعلق بعدد ~~الجيش صنع القلاع والحصون، وقد كان العرب يعرفون ذلك ~~في جاهليتهم، فاستمر رسول الله على ذلك. ومما اخترع ~~في عهده أيضا صنع الأخاديد والخنادق، وأول ما صنع ~~ذلك رسول الله في غزوة الأحزاب، أشار عليه به سلمان ~~الفارسي، فأمر ms116 النبي بحفره بعد أن خطه، وقطع لكل ~~عشرة من الصحابة أربعين ذراعا، فاحتج المهاجرون ~~والأنصار في سلمان؛ لأنه كان رجلا قويا، فقال ~~هؤلاء: هو منا. وقال أولئك: هو منا. فقال الرسول: ~~«سلمان منا أهل البيت.» وفي سيرة ابن هشام: أنه # صلى الله عليه وسلم # حفر الخندق بنفسه، ولما أقبلت قريش فرأت ~~الخندق هالها ذلك، وقالت: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها. # 100 # وقال السهيلي في الروض الأنف: إن اتخاذ ~~الخندق من مكائد الفرس؛ ولذلك تفطن سلمان وأشار به، ~~والفرس أول من حفر الخندق، وبخت نصر أول من اتخذ ~~الكمائن. ومما يتعلق بعدد الجيش راياته وألويته؛ ~~فقد اتخذ النبي لنفسه رايات وأعلاما؛ «فاللواء» ما ~~يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، و«الراية» ما يعقد ~~فيه ويترك حتى تضعضعه الرياح، وقيل: بل هما شيء ~~واحد، ولكن اللواء دون الراية، وقيل العكس. أما ~~«العلم» فهو الذي يرفع فوق الأمير، يدور معه حيث ~~دار، وقد كان للرسول أناس يحملون رايته # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~ومنهم أبو بكر وعمر وعلي والزبير وسعد بن معاذ وسعد بن ~~عبادة وقيس بن سعد بن عبادة ومصعب بن عمير. # 101 # وكان من تقاليده # صلى الله عليه وسلم # أن يعقد الرايات ~~لكل أمير يبعثه في سرية أو بعث. ويقال إن أول راية ~~عقدها هي راية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد ~~مناف، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة. وفي ~~الإصابة أن سعد بن مالك وفد على النبي # صلى الله عليه وسلم # فعقد ~~له راية سوداء وفيها هلال أبيض. # 102 # وفي التراتيب الإدارية: قال ابن إسحق: دفع # صلى الله عليه وسلم # اللواء يوم غزوة بدر الكبرى إلى مصعب بن ~~عمير، وكان أبيض. وفي سنن النسائي وأبي داود: عن جابر ~~أنه كان لواؤه # صلى الله عليه وسلم # يوم دخول مكة أبيض لا أصفر. ~~وفي سنن أبي داود: عن سماك بن حرب عن رجال من قومه ~~قال: رأيت راية النبي # صلى الله عليه وسلم # صفراء لا غبراء. وقال ~~ابن إسحق ms117 في أخبار غزوة بدر: وكان أمام رسول الله # صلى الله عليه وسلم # رايتان سوداوان؛ إحداهما مع علي والأخرى مع ~~بعض الأنصار. وذكر عبد الله بن حبان الأصفهاني «في ~~كتاب أخلاق النبي # صلى الله عليه وسلم ~~» أنها كانت سوداء تسمى ~~العقاب. وفي تاريخ البخاري: عن الحارث بن حسان قال: ~~دخلت المسجد فرأيت النبي # صلى الله عليه وسلم # قائما على المنبر ~~يخطب، وفلان قائم متقلدا السيف، وإذا راية سوداء ~~تخفق، فقلت: ما هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص قدم من ~~ذات السلاسل. # 103 # مكائد الجيش # قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «الحرب خدعة.» ولا ريب في ذلك؛ ~~فإن إعلان الحرب هو قطع لكل العلاقات الودية ~~والإنسانية مع الخصم، فلا مانع عقلا ولا شرعا من ~~اتخاذ كل الوسائل للتغلب على العدو وقهره. وأول ما يجب ~~على القائد الاهتمام به، هو أن يعرف أخبار عدوه ~~وأحواله وعدده، ولا أفضل في ذلك من اتخاذ الجواسيس ~~والعيون. وقد استحسن النبي ذلك وفعله، وكانت له عيون ~~يبعث بهم للاستطلاع والتحقيق عن أحوال العدو؛ ومنهم ~~«بسبس» أو «بسبسة بن عمرو»، فقد بعثه # صلى الله عليه وسلم # لتعرف ~~عير أبي سفيان، وبعث معه عينا آخر اسمه «عدي بن أبي ~~الزغباء الجهيني» يتجسسان خبر أبي سفيان في وقعة بدر، ~~فسارا حتى أتيا قريبا من ساحل البحر. ومنهم «عبد الله ~~بن أبي بكر الصديق»، كلفه أبوه حين خرج مع النبي ~~للمهاجرة أن يستمع أخبار قريش ويأتيهما بها وهما في ~~الغار، وكان شابا فطنا، كان يبيت عندهما ويخرج وقت ~~السحر، فيظل مع قريش يتسمع أخبارها وينقلها إلى ~~النبي وأبيه. وممن بعثهم يتجسسون له أخبار العدو يوم ~~بدر «علي بن أبي طالب» و«الزبير بن العوام» و«سعد بن ~~أبي وقاص». # 104 # وممن كان يتجسس للنبي «طلحة بن عبيد ~~الله» و«سعيد بن زيد»، بعثهما إلى طريق الشام ~~يتجسسان أخبار قريش، ثم رجعا إلى المدينة فقدماها ~~يوم بدر، فضرب لهما الرسول بسهميهما وأجرهما. وفي ~~طبقات ابن سعد: أن «أبا تميم الأسلمي» أرسل غلامه ~~«مسعود بن هنيدة» من ms118 العرج على قدميه إلى رسول الله ~~يخبره بقدوم قريش عليه، وما معهم من العدد والعدد ~~والخيل والسلاح يوم أحد. وفي الاستيعاب: أن «حذيفة بن ~~اليمان» بعثه النبي يوم الخندق ينظر إلى قريش، فجاءه ~~بخبر رحيلهم. # 105 # وبعث # صلى الله عليه وسلم # يوم غزوة هوازن «عبد الله ~~بن أبي حدرد»، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى ~~يعلم علمهم ويأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد حتى ~~دخل فيهم، فأقام بينهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه ~~من حرب رسول الله ... # 106 # وممن بعثهم الرسول يتجسسون له على قريش ~~«أمية بن خويلد» و«بشر بن سفيان العتكي»، و«جبلة بن ~~عامر البلوي» تجسس له يوم الأحزاب، و«خبيب بن عدي». ~~وروى البخاري أن للنبي # صلى الله عليه وسلم # عشرة رهط عينا، ~~وأمر عليهم عاصم بن ثابت. # 107 # ومن مكائده في حروبه # صلى الله عليه وسلم # اتخاذ المخذلين في ~~صفوف أعدائه؛ لما في ذلك من تضعيف أمرهم وإفساد ~~قلوبهم؛ فقد روى ابن سعد: أن النبي # صلى الله عليه وسلم # بعث نعيم ~~بن مسعود بن عامر الأشجعي إلى صفوف الأحزاب يخذلهم ~~عن المسلمين، فأوقع بين قريش وبين قريظة وبين غطفان ~~حتى صرف الله كيدهم عن المسلمين. # 108 # وقد قدمنا تفصيل ذلك في كلامنا عن غزوة ~~الأحزاب. ونقل الكتاني عن كتاب العلل لأبي حاتم: عن ~~النواس بن سجعان قال: بعث النبي # صلى الله عليه وسلم # سرية فقال ~~لها: «تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار، إن كل ~~كذب مكتوب كذبا لا محالة، إلا أن يكذب الرجل في ~~الحرب؛ فإن الحرب خدعة.» # 109 # ومن مكايد الحروب إحراق الأشجار وتقطيعها؛ لإفساد ~~أمر العدو وعدم تمكينهم من الاحتماء بها، فقد روى مسلم ~~في صحيحه: عن عبد الله بن عباس أن النبي # صلى الله عليه وسلم # أمر ~~بإحراق نخيل بني النضير، وعهد بذلك إلى أبي ليلى ~~المزني وعبد الله بن سلام، فأنزل الله عز وجل الآية: # ما قطعتم من لينة ~~أو تركتموها قائمة على أصولها ~~فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين ~~. # 110 ms119 # ومن مكائده في الحروب أنه كان يجعل لكل غزاة شعارا ~~وكلمة يتعارفون بها في الحروب، ويتداعى بها كل فريق، ~~وهو الذي يقابله عند الأجانب في العصور الحاضرة ما ~~يسمى بال # Mot d’ordre ~~، ~~فمن شعاراته # صلى الله عليه وسلم ~~: «يا كل خير»، و«يا أصحاب سورة ~~البقرة»، و«يا حلال»، و«أنت أنت»، و«يا منصور أمنت»، ~~و«هم لا ينصرون»، و«يا منصور». قال ابن عباس: وكان ~~الشعار يوم بدر: «يا منصور»، ويوم حنين: «هم لا ~~ينصرون»، وشعارهم يوم انهزموا: «يا أصحاب سورة ~~البقرة»؛ تخصيصا لهم. وقال بعض الشافعية، وقد ذكر ~~الحقوق المرتبة على أمير الجيش لهم، فعد منها: أن ~~يجعل لكل طائفة شعارا يتداعون به ليصيروا به متميزين، ~~وبالاجتماع به متظافرين. # 111 # معاملته # صلى الله عليه وسلم # للأسرى والكفار # كان الرسول الكريم منصفا مع خصومه على الرغم من ~~اشتدادهم عليه ومحاولتهم الفتك به وقتله، ولم يعلم ~~عنه # صلى الله عليه وسلم # أنه قتل أحدا في حروبه إلا أبي بن ~~خلف، وكان في كل حالاته داعية خير كارها للدماء ~~والقتل، لا يترك فرصة - حتى في خلال المعارك - يدعو ~~فيها خصومه إلى اعتناق الدين القويم. ولما أتم الله ~~للمسلمين فتح مكة ووقع أهلها أسرى في يد المسلمين عفا ~~عنهم، وقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء.» وكان من عاداته # صلى الله عليه وسلم # إذا جاءه الأسرى أن يجعل عليهم رجلا يراقب ~~أحوالهم؛ ومن هؤلاء «أسلم بن بحرة الأنصاري»، وقد جعله ~~على أسرى بني قريظة من اليهود. ومنهم «بديل بن ورقاء»، ~~جعله النبي # صلى الله عليه وسلم # على الأسرى والأموال بالجعرانة. ~~ومنهم «بريدة بن الحصيب»، جعله النبي # صلى الله عليه وسلم # على ~~أسرى المريسيع. ومنهم «شقران» مولى النبي، استعمله على ~~جميع ما وجد في رجال أهل المريسيع من المتاع والسلاح ~~والغنم والشاء . # في أدب الجهاد # أوجب النبي الجهاد على كل قادر عليه؛ تلبية لأمير ~~المسلمين وإعلاء كلمة الله. والواجب على كل من يخرج ~~للجهاد أن يكون خروجه لله ولإعزاز دينه، لا للتفاخر ~~ولا طلبا للغنائم؛ فقد روى أبو موسى الأشعري عن ms120 ~~النبي: أنه جاءه رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل ~~يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، فأي ذلك في ~~سبيل الله؟ فقال الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «من قاتل لتكون ~~كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.» وعن ابن مسعود ~~قال: «إياكم أن تقولوا مات فلان شهيدا أو قتل شهيدا، ~~فإن الرجل ليقاتل ليغنم، ويقاتل ليذكر، ويقاتل ~~ليرى مكانه.» # 112 # ويجب على المجاهد ألا يأخذ ما لا يحل له ~~أخذه، فإن ذلك معصية كبيرة سماها القرآن «غلولا»، ~~وقال أبو هريرة: خرجنا مع الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى خيبر، ~~ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبا ولا ورقا، غنمنا ~~المتاع والطعام والثياب. ثم انطلقنا إلى الوادي ومع ~~رسول الله عبد له، فلما نزلنا قام عبد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يحل رحله، فرمي بسهم فيه حتفه، فلما قلنا ~~له: هنيئا له الشهادة يا رسول الله. فقال: «كلا، ~~والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا، ~~أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم.» قال: ~~ففرغ الناس، فجاء الرجل بشراك أو بشراكين، فقال: أصبته ~~يوم خيبر. فقال الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «شراك من نار أو ~~شراكان من نار.» وقال ابن الجوزي: وقد يكون الغازي ~~عالما بالتحريم، إلا أنه يرى الشيء الكثير فلا يصبر ~~عنه، وربما ظن أن جهاده يدفع عنه ما فعل، وها هنا ~~يتبين أثر الإيمان والعلم. روينا بالإسناد عن هبيرة بن ~~الأشعث عن أبي عبيدة العنبري قال: لما هبط المسلمون ~~وجمعوا الأفياض، أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب ~~الأفياض، فقال الذين معه: هل أخذت منه شيئا؟ ~~فقال: أما والله لولا الله لما أتيتكم به. فعرفوا أن ~~للرجل شأنا، فقالوا: من أنت؟ قال: والله لا أخبركم ~~لتحمدوني، ولا أغريكم لتقرظوني، ولكني أحمد الله ~~وأرضى بثوابه. فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه ~~فسأل عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس. # 113 ~~(4) الشئون الاجتماعية # كان الرسول العظيم على جانب كبير من رقة القلب والحنان ~~والعطف على الناس أجمعهم، ms121 وقد أثرت عنه # صلى الله عليه وسلم # حوادث ~~وأقوال تدل على شدة عنايته - عليه السلام - بالناس وأحوالهم ~~والعطف عليهم والدعوة إلى الإصلاح في الشئون الاجتماعية ~~العامة. # وفدت على النبي جماعة من هوازن وهي مهزومة بعد وقعة حنين، ~~وفيها عم له من الرضاعة، فأحسن النبي تلقيهم لأجل عمه من ~~الرضاعة، ثم تشفع النبي لدى المسلمين أن يردوا على هوازن ~~ما أخذوه من السبي، واشترى بماله من السبي ممن أبوا أن يردوا ~~السبايا إلا بالمال، وما فعل ذلك إلا لرقة قلبه وحفظه العهود ~~وتعليما للناس أن وراء الحقوق قضايا اجتماعية هامة يجب على ~~المرء أن يرعاها. وكان # صلى الله عليه وسلم # إذا ودع رجلا أخذ بيده، فلا ~~يدعها حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه. وكان كثير الرحمة ~~للصبيان والعيال والبائسين والأرقاء والخدم، يهتم بهم ويفكر ~~في أحوالهم، وقد اهتم أيضا بشئون الناس الاجتماعية عامة، فأمر ~~بعمل كل ما فيه إصلاح المجتمع الدنيوي، وأوجب على الناس القيام ~~بكل ما فيه قوام مجتمعهم وإصلاحه، وحرضهم على التعاطف ~~والتراحم وإقامة القسطاس وحفظ حقوق الآخرين وعمل كل ما فيه ~~إصلاح شئون المجتمع الإسلامي من آداب وأخلاق فاضلة ومرافق عامة ~~وما إلى ذلك. ~~(4-1) الآداب العامة # في القرآن الكريم والسنة النبوية طائفة كبيرة من الآداب ~~الجامعة التي أمر الناس بها، ويتجلى لنا بعضها في الآيات ~~والأحاديث الآتية: # قال الله تعالى: # بسم الله الرحمن الرحيم: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون * والذين هم عن ~~اللغو معرضون * والذين ~~هم للزكاة فاعلون * ~~والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ~~* فمن ابتغى وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون * ~~والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون * والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون * أولئك ~~هم الوارثون * الذين ~~يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون ~~. # 114 # وقال سبحانه: # وعباد الرحمن ~~الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما * والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما ~~* والذين يقولون ~~ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ~~إن عذابها كان غراما * إنها ساءت ~~مستقرا ms122 ومقاما * ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ~~ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما * والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب ~~يوم القيامة ويخلد فيه ~~مهانا * إلا من تاب ~~وآمن وعمل عملا صالحا ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات وكان الله غفورا رحيما ~~* ومن تاب وعمل ~~صالحا فإنه يتوب إلى الله ~~متابا * والذين لا ~~يشهدون الزور وإذا مروا ~~باللغو مروا كراما * والذين إذا ذكروا بآيات ~~ربهم لم يخروا عليها صما ~~وعميانا * والذين ~~يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة ~~أعين واجعلنا للمتقين ~~إماما ~~. # 115 # وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «حق المسلم على المسلم، إذا ~~لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، ~~وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات ~~فاتبعه.» وقال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا ~~إلى من هو فوقكم، فهو أجدر من ألا تزدروا نعمة الله ~~عليكم.» وقال النواس بن سمعان: سألت رسول الله عن البر ~~والإثم فقال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك ~~وكرهت أن يطلع عليه الناس.» وقال: «إذا كنتم ثلاثة فلا ~~يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك ~~يحزنه.» وقال: «من أحب أن يبسط له رزقه، وأن ينسأ في ~~أثره فليصل رحمه.» وقال: «لا يدخل الجنة قاطع «رحمه».» ~~وقال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ~~ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة ~~المال.» وقال: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا ~~تدابروا، ولا يبغ بعضكم على بعض، وكونوا عباد الله ~~إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا ~~يحقره، التقوى ها هنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات )، بحسب ~~امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم ~~حرام، دمه وماله وعرضه.» وقال: «خصلتان لا تجتمعان في ~~مؤمن: البخل وسوء الخلق.» وقال: «التاجر الصدوق يحشر يوم ~~القيامة مع الصديقين والشهداء، ms123 وإن الله يحب العبد ~~المحترف، رحم الله امرأ سهل البيع، وسهل الشراء، وسهل ~~القضاء، وسهل الاقتضاء.» وقال: «من أنظر معسرا أو ترك له، ~~حاسبه الله حسابا يسيرا، ومن الإحسان أن يقيل من يستقيله.» # 116 # هذه نقطة من بحر الآداب الاجتماعية التي دعا إليها النبي ~~الكريم، وهي كما نرى قبس من نور الإله الرحمن الرحيم ~~الذي بعث نبيه محمدا يختم رسالات الرسل الأكرمين، ويتمم ~~مكارم الأخلاق، ولم تكن خطة النبي أن يقول فقط، ولكنه كان ~~يقول ويعمل. وقد كانت حياته الخاصة وتصرفاته وأعماله كلها ~~منطبقة تمام الانطباق على أقواله، فهو يأمر الناس بأمر، ~~ويحضهم على مكرمة، ويكون أول العالمين بها، وهو يدعوهم ~~إلى فضيلة، ويرشدهم إلى منقبة، ويكون أول من يتحلى بها. ~~وكان # صلى الله عليه وسلم # يراقب نفسه ويحاسبها على أعمالها، ويدعو ~~الناس إلى مراقبة نفوسهم وجهادها، فإن هذا هو الجهاد ~~الأكبر، وكان يقول: إذا أراد الله لعبد خيرا بصره بعيوب نفسه. # 117 # وكان يحض الناس على عدم التدخل في شئون الآخرين، إلا ~~ما كان فيه مصلحة عامة أو فائدة للمجتمع. ولم يكن دينه دين ~~آخرة وحسب، بل اهتم بشئون الدنيا والحض على العمل لها، ~~وكان يقول: «رحم الله امرأ عمل عملا فأتقنه.» وسنرى في ~~النقاط التالية شدة عنايته بدقائق الأمور الدنيوية عنايته ~~بإصلاح أحوالها. ~~(4-2) الاهتمام بمعاملات الناس وحفظ الحقوق العامة ~~وإصلاح شأن البيئة ~~الإسلامية # نظم الرسول أمور البيئة الاجتماعية، فأمر بالزكاة، وهي ~~فرض على المسلم يدفعه لإصلاح شئون المجتمع. وقد نص ~~القرآن على أن مصارف الزكاة يجب أن تكون في هذه الأصناف ~~الثمانية: ~~(1) # الفقير: وهو من لا مال له ولا قدرة على ~~الكسب. ~~(2) # المسكين: وهو الذي لا يفي دخله ~~بخرجه. ~~(3) # السعاة: وهم الذين يجمعون مال ~~الزكاة. ~~(4) # المؤلفة قلوبهم: وهم الأشراف الذين أسلموا ~~وكان في إعطائهم المال ترغيب لقومهم بدخول ~~الإسلام. وقد انقرض هذا الصنف الآن، كان ~~خاصا بأيام الدعوة الإسلامية الأولى. ~~(5) # المكاتبون: وهم الأرقاء الذين يكاتبهم ~~مواليهم على شيء من المال يدفعونه إليه ~~فيحرروهم. ~~(6) # الغارمون: وهم المدينون الذين ms124 لا يملكون ~~وفاء ديونهم. ~~(7) # الغزاة في سبيل الله: ممن ليس لهم راتب ~~معين في ديوان الدولة. ~~(8) # أبناء السبيل: وهم المسافرون الذين انقطعت ~~بهم الأسباب وفقدوا المال. # هذه هي مصارف الزكاة، وهي - كما نرى - مصارف معقولة أوجب ~~الله لأربابها حقا مفروضا في مال كل مسلم قادر. ومما ~~أمر به الإسلام مما فيه إصلاح الشئون الاجتماعية تنظيم ~~قضايا البيوع والمتاجرات والعقود والأقضية وكل ما له علاقة ~~بالمعاملات وكسب العيش، وقد حض الرسول الكريم على إحسان ~~المعاملة فيها؛ فقد ورد عنه # صلى الله عليه وسلم ~~: «من الذنوب ذنوب لا ~~يكفرها إلا الهم في طلب العيش.» وقال: «التاجر الصدوق ~~يحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء.» وقال: «رحم الله ~~امرأ سهل البيع والشراء، سهل القضاء، وسهل الاقتضاء.» ~~وكان # صلى الله عليه وسلم # ينهى عن احتكار الطعام، كما ينهى عن إخفاء ~~عيوب البضائع، ويحرم كافة أنواع التلبيس والغش، ويأمر ~~بالتساهل في البيع والشراء، واجتناب الظلم في المعاملات، ~~ويحرض على المتاجرة والكسب، وينهى عن التواكل والتقاعس ~~وتناول كل ما فيه شبه، وكان يقول: «الحلال بين والحرام ~~بين، وبينهما أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس، ~~فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في ~~الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن ~~يقع فيه.» # وإن من أهم ما حرض عليه النبي # صلى الله عليه وسلم # هو عدم التطفيف ~~في الكيل والوزن، وقد شدد الله ونبيه النكير على من ~~يفعل ذلك، فقال تعالى: # ويل ~~للمطففين ~~... وفي صحيح مسلم عن جابر بن ~~عبد الله: أن النبي اشترى مني بعيرا بأوقيتين ودرهم أو ~~بدرهمين، فلما قدم المدينة وزن لي ثمن البعير فأرجح. وفي ~~سنن أبي داود أنه - عليه السلام - كان يقول للوازن: «زن وأرجح.» # 118 # وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله.» ولم ~~يترك الرسول شأنا من شئون معاملات الناس إلا اهتم به، ~~ودعا إلى حفظ الحقوق والقيام بأمور الناس ومصالحهم ~~ومرافقهم على ms125 أحسن وجه، حتى إنه أمر ببناء المستشفيات ودور ~~الضيافة والقيام بما فيه الترويح عن الناس من إقامة ~~الحفلات البريئة وإجازة حلبات السباق. # أما المستشفيات والشئون الطبية # فقد اهتم بها اهتماما كبيرا؛ لما في ذلك من ~~العناية بشئون البيئة الإسلامية وحفظ حياتها وصحة ~~أبنائها، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد ~~الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «إذا ~~كان الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، ~~وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليها.» وهذا أدب ~~اجتماعي كبير؛ فإن الخروج من البلد الموبوء فيه نقل ~~للوباء إلى المناطق السليمة، وفيه إهمال للعناية بأمر ~~المرضى بالمدينة وإصلاح أحوالهم، وأما عدم الدخول ~~إليها فلئلا يلقي الإنسان بنفسه في التهلكة. وقد روي ~~عن عمر بن الخطاب أنه لما خرج إلى الشام وعلم أن فيها ~~وباء رجع بعد أن حمد الله على سلامته منه. وقال أبو ~~الحسن بن طرخان الحموي: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يديم ~~التطبب في حال صحته ومرضه؛ أما في صحته فباستعمال ~~التدابير الحافظة لها من الرياضة، وقلة المتناول، ~~وأكله الرطب بالقثاء، والرطب بالبطيخ، ويقول: «يدفع حر ~~هذا برد هذا، وبرد هذا حر هذا.» وإكحال عينيه بالإثمد ~~كل ليلة عند النوم، وتأخير صلاة الظهر في زمن الحر ~~القوي، ويقول: «أبردوا بها.» وأما تداويه في حال مرضه، ~~فثابت بما روي من ذلك في الأخبار الصحيحة؛ فمنها ما ~~رواه عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله كثرت أسقامه، ~~وكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم فيصفون له فنعالجه، ~~ومنها يسقى آخر عمره أو في آخر عمره، وكانت تقدم عليه ~~وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات، فكنت أعالجه بها. # 119 # وكان الرسول يخرج معه إلى الغزو والجهاد الممرضات، ~~وكان يجعل لهن خياما يمرضن فيها من يجرح أو يصاب ~~في الله. ومن هؤلاء الممرضات رفيدة بنت سعيد الأسلمية ~~الأنصارية وأختها كعيبة؛ # 120 # ففي صحيح مسلم عن عائشة: أن سعد بن معاذ ~~أصيب يوم الخندق، رماه رجل ms126 من قريش، فضرب له # صلى الله عليه وسلم # خيمة في المسجد يعوده من قريب. وفي سيرة ابن إسحق: كان ~~رسول الله قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم ~~يقال لها رفيدة في مسجده - عليه السلام - كانت تداوي ~~الجرحى، وتحبس نفسها على خدمة من كان فيه ضيعة - أي ~~مرض - من المسلمين. # 121 # وكان الرسول يوصي الناس بإتيان الأطباء ~~المهرة المشهود لهم بالبراعة والحكمة والفضل، وقد عقد ~~ابن أبي أصيبعة في كتابه فصلا خاصا بالأطباء الذين ~~كانوا على عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ومنهم طبيب العرب ~~وحكيمهم وفيلسوفهم الحارث بن كلدة وولده النضر بن ~~الحارث وابن أبي رمثة. # 122 # وكان # صلى الله عليه وسلم # ينهى مدعي التطبب والكهان ~~والرقاة والسحرة من أن يقوموا بمداواة الناس وإفساد ~~أجسامهم، وإن من فعل شيئا من ذلك وآذى فعليه عقابه. ~~وقد روى أبو داود والنسائي والدارقطني عن عمرو بن ~~شبة أن النبي قال: من تطبب ولم يعلم عنه الطب فهو ~~ضامن. ورواه أبو نعيم: من تطبب ولم يكن بالطب ~~معروفا فأصاب نفسا فما دونها فهو ضامن. وقد علق ~~الشيخ ابن طرخان الحموي على هذا الحديث بقوله: فيه ~~احتياط وتحرز على الناس، وحكم سياسي مع ما فيه من ~~الحكم الشرعي. وقوله: «تطبب»؛ أي تعاطى علم الطب ولم ~~يكن من أهله، ومعناه: من تعاطى علم الطب ولم يتقدم ~~له به استعمال ومزاولة وتدرب مع الفضلاء فقتل ~~بطبه فهو ضامن. # 123 # وممن كانوا يتعاطون الطب في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # الشمردل بن قباب الكعبي وضماد بن ثعلبة الأزدي. # 124 # أما دور الضيافة # فقد أمر النبي باتخاذها، وقد روى ابن هشام أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لما فتح الله عليه مكة وفرغ من غزوة تبوك ~~وأسلمت ثقيف وبايعت، أخذت وفود العرب تتردد عليه من ~~كل وجه، وكان ذلك في السنة التاسعة للهجرة النبوية، ~~وكانت تسمى سنة الوفود، فأمر الرسول ببناء الدور ~~لإنزال هؤلاء الوفود وإكرامهم. وقال السمهودي: إن من ~~دور عبد الرحمن ms127 بن عوف التي اتخذها، الدار التي يقال ~~لها الدار الكبرى؛ دار حميد بن عبد الرحمن بن عوف، ~~وإنها سميت «بالدار الكبرى»؛ لأنها أول دار بناها أحد ~~المهاجرين بالمدينة، وكان عبد الرحمن ينزل فيها ضيوف ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكانت تسمى أيضا دار الضيفان. # 125 # ومن الدور التي كان النبي ينزل فيها ~~ضيفانه دار رملة بنت الحارث النجارية، # 126 # وفيها أنزل الرسول وفد بني تميم وبني كلاب ~~وبني قريظة وبني حنيفة. ومنها دور أبي أيوب الأنصاري ~~ويزيد بن أبي سفيان وأم شريك. # 127 # وكان يضرب لهم الخيام والقباب في ناحية ~~المسجد النبوي فينزلون فيها، ويبعث إليهم بطعامهم، ~~ويجزل جائزتهم وتزويدهم حين سفرهم. # 128 # وأما القيام بما فيه الترويح عن النفس # من الحفلات البريئة والمسابقات الرياضية، فقد أباحه # صلى الله عليه وسلم ~~. قال الغزالي في تعديد مزايا النبي الكريم ~~ومحاسن أخلاقه، نقلا عن بعض العلماء: كان يمزح ولا ~~يقول إلا حقا، ويضحك من غير قهقهة، يرى اللعب المباح ~~فلا يكرهه، ويسابق أهله. # 129 # وفي حديث عائشة - رضي الله عنها: قدم وفد ~~من الحبشة على النبي # صلى الله عليه وسلم # فجعلوا يزفنون ~~ويلعبون؛ أي يرقصون، والنبي # صلى الله عليه وسلم # لا يمنعهم من ~~ذلك، بل كان يبتسم. # 130 # وفي الصحيحين للبخاري ومسلم أن عائشة ~~قالت: جاء الحبش يزفنون في يوم عيد في المسجد، فدعاني # صلى الله عليه وسلم # فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم ~~حتى كنت أنا الذي أنصرف عن لعبهم. وفيهما أيضا: أن ~~أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان ~~وتضربان الدف، ورسول الله مسجى بثوبه، فانتهرها ~~أبو بكر، فكشف رسول الله رأسه وقال: «دعها يا أبا بكر، ~~فإنها أيام عيد.» وروى الطبراني عن أم سلمة ~~قالت: دخلت علي جارية لحسان بن ثابت يوم فطر ~~ناشرة شعرها معها دف، فزجرتها، فقال رسول ~~الله: «دعيها يا أم سلمة ، فإن لكل قوم عيدا وهذا ~~عيدنا.» وروى جابر بن عبد الله: أن بعض الأنصار نكح ~~بعض أهل عائشة، ms128 فقال لها رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أهديت ~~عروسك؟» فقالت: نعم. فقال: «فأرسلت معها بغناء، فإن ~~الأنصار يحبونه؟» قالت: لا. فقال: «أدركيها بأرنب - ~~وهي امرأة كانت تغني بالمدينة.» فأدركتها، وكانت من ~~المغنيات المتقنات والجواري الراقصات. ومن الجواري ~~المغنيات في المدينة أيضا زمن الرسول: حمامة وزينب الأنصارية. # 131 # ولما قدم الرسول إلى المدينة خرج له الغلمان بالدفوف ~~والألحان يحيونه وينشدون: # طلع البدر علينا # من ثنيات الوداع # وجب الشكر علينا # ما دعا لله داعي # وخرجت الفتيات يغنين ويقلن: # نحن جوار من بني النجار # يا حبذا محمد من جار # 132 # ويذكر صاحب الأغاني والإصابة عن ابن عباس أن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # مر بحسان بن ثابت وهو بفناء أطمه، ~~ومعه سماطان من أصحابه، وجاريته «سيرين» تغنيهم، ~~فانتهى إليها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهي تقول: # هل علي ويحكما # إن لهوت من حرج # فابتسم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وقال: لا حرج. ولما ~~زفت الفارعة بنت أبي أمامة قال لهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ليلة زفافها، قولوا: # أتيناكم أتيناكم # فحيونا نحييكم # ولولا الذهب الأحمر # ما حلت بواديكم # ولولا الحنطة السمرا # ما سمنت عذاريكم # 133 # ومر ابن عمر مرة في الطريق فرأى الحبش يلعبون، ~~فأخرج درهمين فأعطاهم. لما ختن ابن عباس بنيه أرسلت ~~دعوة للعابين فأعطاهم ابن عباس أربعة دراهم. # 134 # وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: سابق رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بين الخيل التي أضمرت فأرسلها. وكان ابن عمر ~~ممن سابق عليها. وسابق مرة بين الخيل، وكان سهل بن ~~سعد الساعدي على فرس لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # اسمه ~~«الظرب»، فسبق الناس وكساه النبي بردا يمانيا، ~~وسابق مرة فسبق أبو أسيد الساعدي على فرس لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فلما طلع الفرس على الخيول جثا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على ركبتيه واطلع من الصف، وقال: «كأنه ~~بحر.» وكسا أبا أسيد حلة يمانية. وأباح الرسول ~~السباق والمراهنة في الخيل وكل ذي ms129 خف وحافر، أباح ~~الترامي بالنبال، ومما يروى عنه: «لا سبق إلا في خف ~~أو حافر أو نصل.» وقال ابن الأثير: «السبق ما يجعل من ~~المال رهنا على المسابقة.» والمعنى: لا يحل أخذ المال ~~بالمسابقة إلا في هذه الثلاثة: الإبل والخيل والسهام. ~~وقد ألحق بها الفقهاء ما كان بمعناها. وفي الحديث: أنه # صلى الله عليه وسلم # أمر بإجراء الخيل وسبقها ثلاثة أعذق من ثلاث ~~نخلات. وقال ابن الأثير: سبق بمعنى أعطى السبق، وقد ~~يكون بمعنى واحد. # 135 # وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «الهوا والعبوا؛ فإني ~~أكره أن أرى في دينكم غلظة.» # 136 ~~(5) الشئون المالية # مما لا شك فيه أن الناس في الجزيرة العربية كانوا قبل زمن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # يعيشون عيشة لها نظم اقتصادية واجتماعية، ~~كان فيهم الأثرياء والتجار المنعمون، ولا شك أيضا في أن هذا ~~الأمر استمر بعد الإسلام؛ لأن النبي لم يهدم كل ما كان في ~~الجاهلية، إنما جاء بفكرته ودينه يدعو الناس إلى الإسلام ~~والدخول في دين الله. ثم إنه - عليه السلام - كان شديد الحرص - ~~كما رأينا في الفصول السابقة - على تقوية أركان حكومته بعد ~~الهجرة وعلى توطيد دعائمها، وجعلها حكومة لها مميزات الحكومات ~~الأخرى الصالحة؛ لهذا نستغرب كل الاستغراب حينما نقرأ بعض ~~الكتب لكتاب مسلمين أو مستشرقين أن حكومة النبي كانت حكومة ~~بدوية خالية من النظم والقوانين الاجتماعية والاقتصادية ~~والسياسية، وأن العرب كانوا قبله بداة وحوشا يأكل بعضهم ~~بعضا، وأنه استطاع # صلى الله عليه وسلم # أن يجعل منهم كتلة يهاجم بها ~~الأمم المتمدنة، ناسين أو متجاهلين أن النبي بعثه الله على حين ~~فترة من الرسل لينقذ العالم من شروره وضلالاته، وأنه لم يجئ ~~بشيء خارق للعادة ولا بمعجزات فوق قدر البشر سوى هذا القرآن ~~الحكيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه تنزيل من عزيز حميد. ~~أما ما عدا ذلك فإن سننه وسبله # صلى الله عليه وسلم # كانت سننا وسبلا ~~عادية سلك فيها الطريق المستقيم، واتبع أنظمة الكون المألوفة، ~~ونظم شئون بلاده من سياسية واجتماعية ms130 واقتصادية محتفظا ~~بالطيب الكامل الذي كان عندها من قبل، نابذا الضار الفاسد، ~~مضيفا إلى ذلك كل ما هو حسن مفيد؛ هذه هي سيرة محمد في أمته. ~~أما سيرته في الأمم الأخرى، فإنه دعاها إلى دينه الذي أمره ~~الله بتبليغه، وهو دين قائم على التوحيد وتقديس النبوات ~~الإلهية السابقة، محي لما اندرس من تعاليمها، آمر بالتوحيد ~~المطلق، ناه عن الشر والفساد، محبذ لكل فضيلة عند تلك ~~الأمم. # وبعد، فهذه هي سيرة النبي الكريم، وتلك هي طرقه وآدابه ~~وإصلاحاته، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟! وسترى ~~في هذا الفصل أن النبي الكريم عني بشئون بلاده الاقتصادية ~~والمالية عناية صحيحة، فاستبقى منها ما كان صالحا، واستبعد ~~منها ما كان طالحا. # فأول أعماله المالية أن أوجد الديوان، فسجل فيه أصحاب ~~العطايا، والمشهور أن عمر أول من فعل ذلك، ولا يعقل أن يكون ~~المسلمون ظلوا في عهد الرسول وفي عهد أبي بكر بدون ديوان ~~تسجل فيه أسماء أصحاب العطايا. وقد فتشت طويلا فوجدت في ~~صحيح البخاري حديثا رواه حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس.» فكتب له ~~ألف وخمسمائة رجل. وهذا ولا شك هو أول ديوان في الإسلام. وأغلب ~~الظن أن الرسول استمر في تسجيل ذلك فيما بعد، وأن أبا بكر ~~اتبع سنة الرسول في ذلك، ولما جاء عمر نظمه ووسعه. ~~وأما أقوال أبي هلال العسكري والماوردي في الأحكام السلطانية ~~وغيرهما، أن عمر أول من فعل ذلك، فقول لا يعتمد على حجة، أو ~~لعلهم يقصدون أنه وسعه ونظمه، وإلا فإنه كان موجودا من ~~قبله؛ فقد رأيت في حديث البخاري أن النبي # صلى الله عليه وسلم # هو أول من ~~طلب ذلك. ~~(5-1) أما بيت المال # فالمشهور أيضا أن عمر هو أول من وضعه. # 137 # وهو غير صحيح أيضا؛ فقد ذكر السيوطي أن أبا ~~هلال العسكري ذكر أن عمر هو أول من اتخذ بيت المال ، وعلق ~~عليه السيوطي بقوله: قلت: بل أبو بكر كما بينته ms131 في ~~تاريخ الخلفاء. # 138 # وأخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمة أن أبا بكر ~~كان له بيت مال بالسنح ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل ~~عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل. فكان يعطي ما فيه حتى يفرغ، ~~فلما انتقل إلى المدينة حوله فجعله في داره، فقدم عليه ~~مال فكان يقسمه على فقراء الناس فيسوي بين الناس في ~~القسم، وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل ~~الله ... فلما توفي أبو بكر ودفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم ~~في بيت أبي بكر؛ ومنهم عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، ~~ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه شيئا؛ لا دينارا ولا ~~درهما. وقال الكتاني بعد أن روى قولة ابن سعد هذه: ويمكن ~~الجمع بأن أبا بكر هو أول من اتخذ بيت المال من غير إحصاء ~~ولا تدوين، وعمر أول من دون ذلك. قلت: وهذا قول غريب ~~عجيب، كيف يصدر عن مثل الكتاني في فضله وعلمه! والذي أراه ~~أن الرسول أوجد نوعا من الديوان، فسجل فيه أسماء أصحاب ~~الحقوق في الفيء، كما أنه اتخذ بيته مقرا للأموال، فقد ~~رأينا أن الله لما أفاء عليه أموال بني النضير، أخذ منها ~~لنفسه ولأهله ما يكفيهم مدة سنة، ثم جعل الباقي في الكراع ~~والخيل والسلاح عدة في سبيل الله. # 139 # ثم جاء أبو بكر فاتخذ بيت المال والديوان، ~~وجاء عمر من بعدهما فنظم ذلك وبدأ بأهل بدر وبني هاشم ~~وبني المطلب ثم الأقرب فالأقرب. وكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إذا جاءته الأموال من الفيء قسمه في يومه، فأعطى صاحب ~~الأهل والعيال حظين، وأعطى الأعزب حظا واحدا. وقال ~~أبو يوسف في كتاب الخراج: لم يكن في حياة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مرتبة معينة للجنود الذين كانوا يتألفون من ~~جميع أمراء المسلمين، وإنما يأخذون مالهم في أربعة أخماس ~~ما يغنمون، وفيما يرد من خراج الأرض التي أبقيت في أيدي ~~أهلها كأرض خيبر. ولما ولي أبو بكر أعطى الناس وسوى بينهم ~~في العطاء ms132 قائلا: هذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة. ~~فلما ولي عمر رأى في ذلك غير رأي أبي بكر، وقسم العطاء ~~مفضلا الأسبق إلى الإسلام فالأسبق. # 140 # وكان الزبير بن العوام وجهم بن الصلت يكتبان له - عليه ~~الصلاة والسلام - أموال الصدقات، وكان حذيفة بن اليمان ~~يكتب له # صلى الله عليه وسلم # خوص النخل. # 141 # وفي الأحكام لابن العربي: أما ولاية الديوان ~~فهي الكتابة، وقد كان للنبي # صلى الله عليه وسلم # كتاب وللخلفاء ~~بعده. والكتابة هي ضبط عدد أفراد الجيوش لمعرفة أرزاقهم ~~والأموال لتحصيل فوائدها لمن يستحقها. # 142 # وكان معيقب بن أبي فاطمة يكتب مغانم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، # 143 # وكان يجعل على الأنفال والمغانم والفيء رجالا ~~يطلب إليهم أن يحصوها ويحفظوها إلى حين قسمتها. قال ~~الخزاعي نقلا عن ابن إسحق في أخبار يوم بدر: إن الرسول ~~جعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف الأنصاري. ~~وقال ابن حزم: ولاه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الغنائم في يوم ~~بدر وفي يوم خيبر. وقال القضاعي في كتاب الأنباء: كان يوم ~~خيبر من السبايا ستة آلاف، ومن الإبل والغنم ما لا يدرك ~~عده. وروى ابن فارس في كتابه مسند الزهري: عن سعيد بن ~~المسيب أن النبي # صلى الله عليه وسلم # 144 # سبى يومئذ ستة آلاف بين غلام وامرأة، فجعل ~~الرسول عليهم أبا سفيان بن حرب ... # 145 # وكان # صلى الله عليه وسلم # يجعل على كل قبيلة من يأتيه بصدقاتها ~~وأموالها، ويحاسبه على ذلك. وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي ~~حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # رجلا من ~~الأزد على صدقات بني سليم، يدعى ابن اللتبية، فلما جاء ~~حاسبه فقال: هذا مالكم وهذا هدية. فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «فهلا جلست في بيت أبيك حتى تأتيك هديتك إن كنت ~~صادقا!» ثم خطب # صلى الله عليه وسلم # فحمد الله ثم أثنى عليه، وقال: ~~أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل فيأتيني فيقول: ~~هذا مالكم وهذه ms133 هدية أهديت لي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه ~~حتى تأتيه الهدية إن كان صادقا! والله لا يأخذ أحد منكم ~~شيئا بغير حقه إلا لقي الله عز وجل يحمله يوم القيامة. # 146 # وقد نقل هذا الحديث ابن القيم في كتابه «الطرق ~~الحكمية»، وعلق عليه بقوله: كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يستوفي ~~الحساب على عماله يحاسبهم على المستخرج والمصروف، كما ~~في الصحيحين. ثم ذكر حديث أبي حميد الساعدي السابق. # 147 # وقد كانت موارد بيت المال في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # منحصرة ~~في الجهات الآتية: # الجزية # وهي الأموال المأخوذة من أهل الذمة جزاء للمنة ~~عليهم بالإعفاء من القتل. وقد أخذها النبي في عهده من ~~نصارى نجران، وهم عرب وعجم، كما أخذها من بعض أهل ~~اليمن النصارى من العرب والعجم. وقال ابن عبد البر في ~~التمهيد: عن ابن شهاب، أن أول من أعطى الجزية من أهل ~~الكتاب هم أهل نجران في عملنا، وكانوا نصارى، ثم قبل ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الجزية من أهل البحرين، وكانوا ~~مجوسا. وممن تولى قبض الجزية في عهده # صلى الله عليه وسلم # أبو ~~عبيدة بن الجراح كما في صحيح البخاري، ومعاذ بن جبل ~~كما في سنن أبي داود. # 148 # وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «ليس على مسلم جزية.» أي ~~إنه إذا أسلم نصراني سقطت عنه الجزية، وإن مر عليه ~~بعض الحول وهو نصراني لم يطالب من الجزية بحصة ما ~~مضى من السنة. وقيل: إن المراد بذلك أن الذمي إذا أسلم ~~وكانت بيده أرض صولح عليها بخراج توضع عن رقبته وعن ~~أرضه الخراج. # 149 # العشر # هو زكاة الأرض وما سقته السماء وعشر أموال أهل ~~الذمة في تجاراتهم. وفي الحديث: «ليس على المسلم عشر، ~~وإنما العشور على اليهود والنصارى.» وتؤخذ العشور على ~~ثلاثة أنواع: ربع العشر من المسلمين، ونصف العشر من ~~أهل الذمة، والعشر كاملا من أهل الحرب. # 150 # الخراج # هو ما يؤخذ من الأرض صلحا بين أهلها والمسلمين، # 151 # وله أحكام مفصلة جدا في كتب ms134 الفقه لا ~~نريد التوسع فيها ها هنا. # الغنائم # وهي ما أخذت من العدو في الحرب، وتقسم كما في ~~الآية الكريمة: # واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~إن كنتم آمنتم بالله ~~. # وخمس ذلك لمن سماهم الله في كتابه؛ وهم: الله ~~والرسول ولهما سهم، ولذوي القربى وبني هاشم وبني ~~المطلب سهم، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة ~~أسهم، والأربعة الأخماس الباقية توزع بين المجاهدين ~~من أهل الديوان وغيرهم. وقد استمر ذلك أيام الرسول، ~~فلما جاء أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي قسموا الخمس ~~على ثلاثة أسهم، فأسقطوا سهم الرسول وذوي القربى، ~~وقسموها على ثلاثة: اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، # 152 # وجعلوا السهمين الباقيين في الكراع ~~والسلاح والعدة في سبيل الله. # 153 # الفيء # هو ما صالح عليه المسلمون بغير قتال، وليس فيه خمس، ~~وإنما هو لمن سماهم الله # 154 # في قوله سبحانه: # إنما الصدقات ~~... إلخ الآية ~~الكريمة. # الزكاة والصدقات # وهي ما يدفع المسلمون زكاة أموالهم وهم يملكون ~~النصاب الشرعي المفصل في كتب الفقه بعد أن حول عليهم ~~الحول، كما هو مقرر في الكتب الشرعية. ~~(5-2) السكة والعملة في الإسلام # المشهور بين الناس أن العرب في جاهليتهم وإسلامهم ظلوا ~~يتعاملون بالسكة الأجنبية من دنانير رومية هرقلية ~~ودراهم فارسية كسروية، إلى أن جاء عبد الملك بن مروان ~~فسك العملة الإسلامية، وهو أول من فعل ذلك، ولم يشر ~~أحد إلى أن أحدا من الخلفاء سك عملة إسلامية إلا رواية ~~نسبت ذلك إلى عهد عمر أو علي. وقد ذهب السيد عبد الحي ~~الكتاني إلى أن السكة الإسلامية وجدت من قبل، بل قال: ~~إنها كانت في العصر النبوي؛ حيث يقول بعد أن أورد الروايات ~~القائلة بأن عبد الملك هو أول من فعل ذلك: وربما يعكر ~~عليه وعلى ما سبق من أن الدراهم في الزمن النبوي لم تكن من ~~ضرب أهل الإسلام، ما وقع في سنن أبي داود وابن ماجه من ~~حديث علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله ms135 # صلى الله عليه وسلم # عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من ~~بأس. بوب عليه ابن ماجه بقوله: «باب النهي عن كسر ~~الدراهم والدنانير» وأبو داود بقوله: «باب كسر الدراهم»، ~~وأخرجه أحمد والحاكم في المستدرك ... وقال شيخ كبير من ~~شيوخنا: هو محدث المدينة المنورة ومسندها الشيخ عبد ~~الغني بن أبي سعيد الدهلوي في حاشيته على سنن ابن ماجه ~~المسماة «إنجاح الحاجة»: في الحديث النهي عن الكسر بثلاث ~~شرائط: ~~(1) # أن تكون سكة الإسلام. ~~(2) # أن تكون رائجة. ~~(3) # ألا يكون فيها بأس وضرر على المسلمين، فلو ~~أزال سكة الكفار لم يكن موردا للنهي، وكذا ~~لو أزال السكة غير الرائجة أو المزيفة. ~~ونقله عنه الكنكوهي في «التعليق المحمود على ~~سنن أبي داود» وأقره، وهذا كما ترى كالصريح ~~في أنه كان للمسلمين في الزمن النبوي سكة ~~مضروبة كانوا يتعاملون بها، ولله در صاحبنا ~~العلامة السيد أحمد بن محمد الحسيني الشافعي ~~المصري حيث قال في صفحة 181 من «نهاية الإحكام ~~فيما للنية من الأحكام» بعد أن ذكر حديث أبي ~~داود هذا ونحوه: مقتضى هذا أن سكة المسلمين ~~كانت معروفة ومستعملة في زمنه - عليه السلام - ~~وليس ما يخالفه في الأقوال الدالة على أن سكة ~~المسلمين لم تضرب إلا في عهد عمر أو عهد من ~~بعده أولى بالقبول منه إلا بمرجح وإن هو انتهى ~~بلفظه. وفي تاريخ مصر الحديث لجرجي زيدان ~~(صفحة 138): أما النقود التي ضربت في عهد ~~الخلفاء الراشدين، فكانت نحاسية في غاية ~~البساطة كما جرى في الشكل، وليس عليها من ~~الكتابة إلا صورة الشهادة بالحرف الكوفي. ولم ~~تضرب النقود الفضية في الإسلام حتى أيام ~~الخليفة عبد الملك ... وقد انتقده الرحالة الشيخ ~~محمد أمين ابن الشيخ حسن الحلواني المدني في ~~رسالته: «نشر الهذيان من تاريخ جرجي زيدان» ~~بقوله: لم يثبت في الرواية الصحيحة أن أحدا ~~من الخلفاء الأربعة ضرب سكة إلا علي بن أبي ~~طالب؛ فإنه ضرب الدرهم، على ما نقله صبحي باشا ~~الموره لي، في رسالة له رسم فيها صورة ذلك ~~الدرهم، وعزا ذلك إلى لسان ms136 الدين بن الخطيب في ~~الإحاطة. وأما هذه الثلاث المسكوكات التي ~~رسمها جرجي زيدان، فلا تثبت على فرض وجودها؛ ~~لأنها لم تكن عليها تواريخ دالة على زمنها، ~~وأكبر شيء فيها دال على كذبها على الخلفاء ~~كون أحدها فيها صورة شخص، وهذا مما تحرمه ~~الديانة الإسلامية، فكيف يعقل ذلك الخلفاء، ~~وكون هذه المسكوكات مزورة غير بدع عن الإفرنج ~~وبياعي الأنتيكات. # 155 # فكان غاية جواب جرجي زيدان عن ذلك ~~بأنه أخذ تلك الرسوم عن مؤلف فرنسي وأحال على ~~صفحة 26 من «تاريخ مصر» لمارسا. وفي «المواهب ~~الفتحية» لحمزة فتح الله المصري (1: 152)، ~~نقلا عن شرح العتبي على البخاري، أنه نقل عن ~~المرغيناني: أن الدراهم كانت شبه النواة، ودوت ~~في عهد عمر لما بعث معقل بن يسار وحفر نهره ~~الذي قيل فيه: «إذا جاء نهر الله بطل نهر ~~معقل.» ضرب حينئذ عمر الدراهم على نقش ~~الكسروية وشكلها بأعيانها، غير أنه زاد في ~~بعضها: «الحمد لله»، وفي بعضها: «محمد رسول ~~الله»، وفي بعضها: «لا إله إلا الله وحده» على ~~وجه وعلى وجهه الآخر «عمر». فلما بويع عثمان ~~ضرب دراهم نقشها: «الله أكبر»، فلما اجتمع ~~الأمر لمعاوية ضرب دنانير عليها تمثاله ~~متقلدا سيفا، فلما قام عبد الله بن الزبير ~~بمكة ضرب دراهم مدورة ثم غيرها الحجاج. ولما ~~استقر أمر عبد الملك بعد ابن الزبير ضرب ~~الدنانير والدراهم في سنة 76 للهجرة، وفي ~~رسالة النقود الإسلامية للمؤرخ الشهير التقي ~~المقريزي: أن معاوية ضرب دنانير عليها تمثال ~~متقلد سيفا، وذكر أن عبد الملك بن مروان ~~لما أمر الحجاج بضرب سكة، ضربها وقدمت ~~مدينة الرسول وبها بقايا الصحابة، فلم ينكروا ~~منها شيئا سوى نقشها؛ فإن فيه صورة، وكان ~~سعيد بن المسيب يبيع ويشتري بها ولا يعيب من ~~أمرها شيئا. # وفي وفيات الأسلاف (صفحة 361): وأقدم سكة في الإسلام ~~فيما وجد، ما ضرب في خلافة عثمان سنة ثمان وعشرين من ~~الهجرة بقصبة هرتك من بلاد طبرستان، وكتب فيها بالخط ~~الكوفي: «بسم الله». وفي خلافة علي سنة 37ه ضرب درهم عليه ~~«ولي الله»، ms137 وفي سنة 38، 39 ضرب عليه «بسم الله ربي»، وضرب ~~على درهم بالكوفي في جانب منه: «الله أحد، الله الصمد، لم ~~يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد»، وفي دورته: «محمد ~~رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون»، وفي الجانب الآخر: «لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له»، وفي دورته: «ضرب هذا الدرهم بالبصرة ~~سنة أربعين». وعثر على درهم فيه: «ضرب بدربيجرد في سنة ~~سبعين»، وعلى درهم في مدينة يزد ضرب سنة 71 وعليه بالخط ~~الكوفي: «بسم الله»، وفي الطرف الآخر بالخط البهلوي: «عبد ~~الله بن الزبير أمير المؤمنين»، وقيل: إن أول من ضرب ~~النقود مصعب بن الزبير سنة سبعين بأمر أخيه عبد ~~الله. ~~(6) الشئون الاقتصادية والصناعية # عني النبي الكريم بالشئون الصناعية والاقتصادية والمعاشية ~~بصورة عامة؛ فقد روى ابن القيم في «الهدي النبوي» أن النبي # صلى الله عليه وسلم # باع واشترى، وشراؤه كان أكثر، وآجر واستأجر، وإيجاره ~~كان أكثر، وضارب وشارك ووكل وتوكل، وتوكيله كان أكثر، وأهدى ~~وأهدي إليه، ووهب واستوهب، واستدان واستعار، وضمن عاما ~~وخاصا، ووقف ... فلم يغضب، ولا عتب، وحلف واستحلف. # 156 # وكان يتاجر في الجاهلية، وخروجه مع عمه بتجارة ~~وتجارته لخديجة بالشام أمر متواتر. وقد حض الناس على ~~الاكتساب وطلب الرزق للعيال، وكان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن ~~بن عوف وغيرهم تجارا، ولما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي ~~أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، ~~فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال - أي المال الذي يأتي إلى بيت ~~مال المسلمين - ففرض له أبو عبيدة الذي كان يتولى أمور بيت ~~المال ما يكفيه وعياله، وكذلك كان عمر يخرج للعمل في الأسواق ~~والاكتساب لعياله، فلما استخلف فرض لنفسه ما يكفيه من بيت مال ~~المسلمين. وقد استمر هذا التقليد فيما بعد، وصار الخلفاء ~~والقضاة والعمال يتركون تجاراتهم وصناعاتهم حين يتولى الواحد ~~منهم أمرا من الأمور العامة. # وموارد بيت المال في ذلك العصر هي ما يدخله من ضرائب ms138 التجارة ~~والزراعة والصناعة والامتهان، قال الماوردي: أصول المكاسب ~~التجارة والزراعة والصناعة، والأشبه في مذهب الشافعي أن أطيبها ~~التجارة، والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى ~~التوكل، والأكثر على أن أطيبها التجارة؛ لأن النبي اتجر ولم ~~يزرع، وكان # صلى الله عليه وسلم # يقول: التاجر الصدوق الأمين مع النبيين ~~والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. ~~(6-1) التجارة # التجارة في الأصل هي بيع الخمر والتاجر هو الخمار، # 157 # ثم أطلقوها على كل عمل يستدعى به الربح وكسب ~~المال الحلال بالبيع والشراء والعمل في الأسواق، قال ~~الراغب الأصفهاني: التجارة التصرف في رأس المال طلبا للربح. # 158 # وقد كانت للعرب قبل الإسلام رحلات تجارية ~~مشهورة، كما كان لهم أسواق اقتصادية أمرها معروف. وللنبي ~~أحاديث كثيرة في الحض على الاتجار، وفي تبيين مزايا ~~التجارة وشرائطها، وما يجب على صاحبها من الأخلاق ~~والأعمال. وقد جمعت كتب السنة طرفا من ذلك في أبواب ~~«الكسب» و«العمل» و«البيوع»، كما ألف فيها جماعات منهم ~~الجاحظ في رسالته: «مدح التجار وذم عمل السلطان»، ومنهم ~~الباعلوي حسين بن محمد حسين الحبشي (782) في كتابه القيم: ~~«البركة في فضل السعي والحركة»، ومنهم أبو الفضل جعفر بن ~~علي الدمشقي صاحب «الإشارة إلى محاسن التجارة»، ومنهم ~~الشهاب محمد بن حسن بن الصائغ الدمشقي صاحب «الألفية ~~الميمية في التجارة والصنائع والفنون»، ومنهم محمد بن أبي ~~الخير الأرميوني صاحب «النجوم الشارقات في بعض الصنائع ~~المحتاج إليها في بعض الأوقات»، ومنهم الخزاعي في كتابه ~~الجامع المفيد الذي نشره السيد عبد الحي الكتاني، وزاد ~~عليه زيادات جليلة ونشره في القسم الثاني من «التراتيب ~~الإدارية»، وهو أجمع ما ألف في هذا الموضوع. # التجارة في العصر النبوي # يظهر أن التجارة كانت تطلق في العصر الجاهلي وصدر ~~الإسلام على من يسافر، أو يضرب في الأرض لجلب البضائع ~~وبيعها، أو على من يبيع في الأسواق بيعا جليلا. أما ~~إذا كان بيعا حقيرا فإنه ما كان تاجرا؛ فقد روى قيس ~~بن أبي غرزة قال: كنا نسمى في عهد الرسول # صلى الله عليه وسلم # السماسرة، فمر بنا ms139 رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فسمانا باسم ~~هو أحسن منه فقال: «... يا معشر التجار، إن البيع يحضره ~~الحلف واللغو فشوبوه بالصدقة.» فكان أول من سمانا تجارا. # 159 # وهذا يدلنا على أن صغار الباعة كانوا ~~يسمون سماسرة، وأن الرسول سماهم تلطفا وتحببا ~~تجارا. قال ابن الأثير: السماسرة جمع سمسار، وهو ~~القيم بالأمر الحافظ له، وهو في البيع الذي يدخل ~~بين البايع والمشتري متوسطا لإمضاء البيع، والسمسرة ~~البيع والشراء. # 160 # وأهم أنواع التجارة في ذلك العصر هي تجارة الملبوسات ~~والمأكولات والعطارية والسلاح وما إلى ذلك، أما تجارة ~~الملبوسات: فكانت تعرف بالبزازة، وقد كانوا يجلبون ~~أصناف البز من بلاد الشام والروم واليمن وعمان وصحار، ~~ويجعلون منه قلانسهم وعمائهم وقمصانهم وسراويلهم ~~وأرديتهم وجببهم ومآزرهم وأكسية نسائهم وأمتعة بيوتهم، ~~فقد روي أن النبي # صلى الله عليه وسلم # ترك يوم مات ثوبي حبرة، ~~وإزارا عمانيا، وثوبين صحاريين، وقميصا صحاريا، ~~وقميصا سحوليا، وجبة يمنية، وقميصا وكساء ~~أبيض، وقلانس صغارا لاطية ثلاثا أو أربعا، وإزارا ~~طوله خمسة أشبار، وملحفة مورسة. # 161 # ويذكرون أيضا أنه كان يلبس القلانس تحت ~~العمائم وبغير عمائم، وأن هذه القلانس كانت يمانية ~~بيضاء مضرية، كما كان بعضها شاميا أبيض، وكانت له ~~جبة شامية من صوف ضيقة الكمين. # 162 # ومن مشهوري البزازين في العصر النبوي عثمان بن عفان؛ ~~فقد ذكر ابن قتيبة في المعارف في فضل صنائع الأشراف أن ~~عثمان كان بزازا، وقد أثرى من وراء هذه التجارة ثراء ~~عظيما، حتى إنه استطاع أن يقدم لجيش العسرة تسعمائة ~~وخمسين بعيرا. # 163 # ومنهم طلحة بن عبيد الله، فقد كان من كبار التجار ~~البزازين كما قال ابن قتيبة وابن الجوزي، # 164 # وذكر ابن الزبير أنه سمع سفيان بن عتيبة ~~يقول: كانت غلة طلحة بن عبيد الله ألف واقية كل يوم، ~~والواقي وزنه وزن الدينار. # 165 # ومنهم عبد الرحمن بن عوف # 166 # وهو ممن كانوا يتاجرون بالبزازة ~~والخزازة، وهي بيع الخز المنسوج من الصوف والإبريسم، ~~ومنهم أيضا الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز. # 167 ms140 # وقد كان للبزازين سوق خاصة في زمن النبي، فقد روى ~~أبو هريرة قال: دخلت السوق مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فجلس ~~إلى البزازين، فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل ~~السوق وزان يزن لهم الأثمان، فقال له # صلى الله عليه وسلم ~~: «زن ~~وأرجح.» فقال الوازن: إن هذه كلمة ما سمعتها من أحد. # 168 # وكما كان العرب يستوردون الثياب والأقمشة القطنية ~~والصوفية والحريرية من الخارج، فكذلك كانوا يحيكونها ~~وينسجون بعضها في ديارهم، فقد روى البخاري عن سهل بن ~~سعد: أن امرأة جاءت ببردة منسوجة قال: أتدرون ما ~~البردة؟ كساء مخطط، وقيل كساء مربع أسود، فقيل: ~~نعم، هي الشملة منسوج في حاشيتها. فقالت: يا رسول ~~الله، إني نسجت هذه بيدي فجئت أكسوكها. فأخذها. وفي ~~كتاب الإحياء في باب الفقر والزهد من ربع المنجيات: عن ~~سنان بن سعد قال: حكت للنبي # صلى الله عليه وسلم # جبة صوف وجعلت ~~حاشيتها سوداء، فلما لبسها قال: «انظروا، ما أحسنها ~~وما أبهجها!» فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله، ~~هبها لي. قال: فكان إذا سئل شيئا فلم يبخل به، ~~فدفعها وأمر أن تحاك له جبة أخرى، فمات وهي في المحاكة. # 169 # وروي عن سهل بن سعد أيضا أنه # صلى الله عليه وسلم # قال: «عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل النساء المغزل.» # 170 # وقال: «علموا أبناءكم السباحة والرماية، ~~ونعم لهو المؤمنة في بيتها المغزل.» # وأما تجارة المأكولات، فقد كانت تجارة عامة رابحة، ~~وكانوا يجلبون الحبوب والفاكهة والزيت من الشام ~~واليمن، ويأخذون إليها الأغنام والخيول والطيور ~~والعطور والأصواف والجلود. فقد روى البخاري في «كتاب ~~البيوع» قال جابر: بينما نحن نصلي مع النبي # صلى الله عليه وسلم # إذ أقبلت من الشام عير تحمل طعاما، فالتفتوا حتى ما ~~بقي مع النبي # صلى الله عليه وسلم # إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت ~~الآية: # وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قائما ~~. # 171 # وفيه أيضا: أنهم كانوا يجلبون دقيق ~~الحواري - الأبيض - والسمن والعسل من الشام إلى ~~المدينة، وأن عثمان كان يتاجر بذلك. ms141 ولم تكن تجارة ~~العرب مقصورة على التجارات البرية، فقد كانوا يركبون ~~في البحر الأحمر، والبحر الأبيض. يذكر البخاري في باب ~~البيوع بابا عن التجارة في البحر وأنه لا بأس بها ، # 172 # وأن ممن كانوا يتجرون ببحر الشام طلحة ~~بن عبيد الله وسعيد بن زيد. # 173 # وأما تجارة العطارية فهي تجارة عريقة في الحجاز ~~واليمن، وكانت ترد إلى اليمن شحنات من العطور ~~والطيوب الهندية عبر البحر الأحمر إلى اليمن، كما كان ~~في اليمن نفسه كثير من العطور، وكانوا يحملونها معهم ~~إلى الحجاز وبلاد الشام وبلاد الروم. وصناعة العطارية ~~صناعة محبوبة، حتى روى ابن عمر عن النبي أنه قال: لو ~~أذن الله لأهل الجنة في التجارة لاتجروا في البز ~~والعطر. وكان عمر يحب تجار الطيب. وروى الثعالبي في ~~التمثيل والمحاضرة عن عمر أنه قال: لو كنت تاجرا لما ~~أخذت على العطر شيئا، فإن فاتني ربحه لم يفتني ~~ريحه. وكانوا يضربون المثل بنظافة العطار وتقاوة ~~مجلسه. وقد بوب البخاري في كتاب البيوع بابا ~~عنوانه: «باب العطار وبيع المسك»، وخرج فيه عن أبي ~~موسى الأشعري عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أن مجلس الجليس الصالح ~~والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، وما يعديك ~~من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد ~~يحرق ثوبك، وتجد منه ريحا خبيثة. وكانت العطور ~~المفضلة عندهم: الزعتر والعنبر والمسك والعود ~~والكافور، وكانوا يتاجرون بها ويتطيبون بها ويصنعون ~~منها صناعات حسنة، ويجعلون منها معجنات. قال الجاحظ: ~~ومعجونات العطر كلها عربية، مثل الغالية والشاهرية ~~والخلوق واللخلخة والقطر، وهو العود المطري والدربرة. ~~وممن كان يتاجر ببيع الطيوب أسماء بنت مخربة؛ فقد ترجم ~~لها ابن حجر وذكر أن ابنها عباس بن عبد الله بن ربيعة ~~كان يبعث إليها من اليمن بعطر فكانت تبيعه في المدينة، ~~وذكر منهن الحولاء بنت تويب العطار، ومليكة والدة ~~السائب بن الأقرع. # 174 # وأما تجارة السلاح، فقد كانت تجارة رابحة، وكانت ~~سيوف الشام والهند تنقل إلى الجزيرة، ويتغالى التجار ~~في أثمانها، كما كانت في الخط والرماح ms142 الخطية تصدر ~~إلى الخارج. وكانت في الحجاز جماعة من الحدادين ~~والقيون المشهورين بصنع الأسلحة من سيوف وأسنة ~~ورماح ودروع؛ ومن أشهرهم أبو يوسف القين الذي أرضعت ~~زوجته إبراهيم ابن النبي # صلى الله عليه وسلم # والخباب بن الأرت، ~~والأزرق بن عقبة الثقفي مولى الحارث بن كلدة. وكانت ~~هذه الصناعة مشهورة بين يهود الحجاز أيضا، ويروى أن ~~النبي لما فتح خيبر صادر ثلاثين قينا منهم، وقال ~~اتركوهم بين المسلمين ينتفعون بصناعاتهم ويتقوون بها ~~على جهاد عدوهم. فتركوهم وتعلموا منهم ~~الحدادة. # وممن كان يتجر في الرماح نوفل بن الحارث بن عبد ~~المطلب، وقد أسر يوم بدر، فقال له النبي: «أفد ~~نفسك برماحك التي بجدة.» فقال: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأنك رسول الله. ففدى نفسه بها وكانت ألفي رمح. ~~وفي طبقات ابن سعد: أن نوفلا أعان النبي يوم حنين ~~بثلاثة آلاف رمح، فقال له رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «كأني ~~أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف في أصلاب المشركين.» # 175 ~~(6-2) الزراعة # على الرغم من قلة عناية العرب بصورة عامة، الرحل بصورة ~~خاصة، بالزراعة لطبيعتهم البدوية، وكرههم للبقاء في مكان ~~واحد وحبهم للانتقال من مكان إلى آخر. والزراعة تقضي ~~بالاستيطان وعدم الرحلة، فإن الإسلام دعا إليها وحرض ~~عليها ودعا إلى التحضر وكره التبدي؛ لما في ذلك من البعد ~~عن حياة الفوضى، والدعوة إلى حياة منتظمة ثابتة. وقد كان ~~للزراعة أهمية كبرى في نظر الإسلام، ففي صحيح البخاري: أن ~~النبي دخل على أم فشر الأنصارية في نخل لها، فقال: «لا ~~يغرس المسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو دابة ~~أو طير أو سبع إلا كانت له صدقة.» وفي مسند عمر بن عبد ~~العزيز قال ابن شهاب: أرسل إلي عمر بن عبد العزيز وهو ~~خليفة، فقال: جاء سعد بن خالد بن عمرو بن عثمان فقال: يا ~~أمير المؤمنين، أقطعني الشديد فإنه بلغني عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: ما من رجل غرس غرسا إلا أعطاه الله من ~~الأجر ms143 عدد الغرس والثمر. # 176 # وكان بعضهم يتولى زراعة أرضه بيده، فقد روي عن علي ~~أنه كان يتولى أرضا له بنفسه، كما كان بعضهم يعطيها ~~بالربع أو الثلث، ومنهم سعد وابن مسعود وجبر بن عتيك. # 177 ~~(6-3) وأما الصناعة # فقد عنوا ببعض الصناعات التي يحتاجون إليها، والتي ~~تساعد عليها طبيعة بلادهم، وتدفع إمكانية أرضهم إليها، وقد ~~رأينا أنهم أتقنوا الحدادة لحاجتهم إليها في صنع أوائل ~~الحرب والحرث، وهناك صناعات أخرى. ومن الصناعات التي ~~عرفوا بها: التجارة والدباغة والصياغة والبناء والصباغة ~~والحياكة والنسيج والخياطة وما إلى ذلك، وفي كتب السيرة ~~والحديث والأدب أخبار كثيرة عن الصناعات العربية وعن ~~أربابها، فمن ذلك ما ذكره صاحب الإصابة في ترجمة الضحاك ~~بن عرفجة (وفي رواية طرفة بن عرفجة أو عرفجة بن سعيد): أنه ~~أصيب أنفه يوم الكلاب، فأمره النبي # صلى الله عليه وسلم # أن يتخذ أنفا ~~من ذهب. ويروى أن جماعة من الصحابة قد فسدت أسنانهم فشدوها ~~بالذهب. وروى الكاشاني في بدائع الصنائع (1: 117) عن ابن ~~عباس أنه نهى مصورا عن التصوير فقال: كيف أصنع وهو كسبي؟ ~~فقال: إن لم يكن بد فعليك بتمثال الأشجار. وذكر فيه أن ~~الصورة إذا كانت صغيرة لا تبدو من بعيد فلا بأس بها؛ لأن ~~من يعبد الأصنام لا يعبد الصغير منها. # ويروى عن النبي أنه كان يحتقر بعض الصناعات، فقد روي عن ~~جابر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله يقول: «وهبت ~~خالتي فاختة بنت عمرو غلاما وأمرتها ألا تجعله جازرا ولا ~~صائغا ولا حجاما.» أما الحجام والقصاب فللنجاسة التي ~~يباشرانها مع تعذر الاحتراز، وأما الصائغ فلما يدخل في ~~الصياغة من الغش أو لكثرة الوعد والكذب في كلامه. # 178 # ومن الصناعات التي كانت تباح للنساء: التجارة. وممن ~~عرفن بها خديجة، وقيلة الأنمارية، «والقبالة»، ~~و«الخفاضة» وهي ختانة النساء، و«الرضاعة»، و«الغزل»، ~~و«الغناء». ومن جواري الأنصار المغنيات حمامة وأرنب. # 179 ~~(7) الشئون القضائية # عني العرب منذ جاهليتهم بشئون القضاء والعدل بين الناس، ~~واختاروا له حكماء وهم عقلاؤهم، فحكموهم بينهم لا يخالفونهم ~~فيما يقضون. ms144 وقد أثر عن عرب الجاهلية كثير من أحكام القضاء ~~العادلة الصالحة، ولو جمعت لكانت مجموعة طيبة تعطينا صورة ~~صادقة عن عدلهم وحسن قضائهم وبراعتهم في الفصل بين المتخاصمين. ~~ولما جاء الرسول الكريم استبقى ما وجده طيبا من ذلك، ~~واستبعد القبيح المستهجن، وحرض القضاة على الحكم بين الناس ~~بالإنصاف، وأوجب عليهم أن يحكموا بين الناس بالعدل إذا حكموهم. ~~وقد أثرت عنه # صلى الله عليه وسلم # أحاديث جليلة وقصص متواترة تدل على ~~شدة استمساكه بحبل العدالة والحفاظ عليها وتهديد قضاة السوء ~~والظلم والجور، فمن ذلك ما روي عن بريدة أنه # صلى الله عليه وسلم # قال: ~~«القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد منهم في الجنة: رجل عرف ~~الحق فقضى به فهو بالجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به وجار في ~~الحكم فهو بالنار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو ~~في النار.» رواه الأربعة وصححه الحاكم. وقال أبو هريرة: قال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين.» ~~رواه الأربعة وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقال علي: ~~قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقضي للأول ~~حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي.» قال علي: فما زلت ~~قاضيا بعد. رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقالت أم سلمة: قال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ~~ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت ~~له من حق أخيه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار.» حديث متفق عليه. # 180 # وللنبي أقوال في أحكام الشهادات والدعاوى والبيانات تدل على ~~براعته في حسن التوجيه، وعمله على تحري الحق والحكم ~~بالعدل. ~~(7-1) أما في الشهادات # فقد نهى عن قبول شهادة المطعون في دينهم وخلقهم، ومن ~~يتهمون بالخيانة، وأوجب في الشهادة أن يكون صاحبها ~~أمينا عادلا صادقا شريفا غير حقود ولا مزور، ولا بأس ~~بمستور الحال، وخير الشهود هو الذي يأتي بالشهادة قبل ms145 أن ~~يسألها؛ ففي الحديث عن زيد بن خالد الجهني أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ هو الذي يأتي ~~بالشهادة قبل أن يسألها.» رواه مسلم. وعن عمران بن حصين ~~قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن خيركم قرني، ثم الذين ~~يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون ~~ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم ~~السمن.» حديث متفق عليه. وقال: «لا تجوز شهادة خائن ولا ~~خائنة ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل ~~البيت (أي خادمهم).» رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة: ~~أنه # صلى الله عليه وسلم # قضى بيمين وشاهد. رواه الترمذي وأبو داود. ~~وعن أبي بكرة: أنه # صلى الله عليه وسلم # عد شهادة الزور في أكبر ~~الكبائر. حديث متفق عليه. وعن ابن عباس: أنه # صلى الله عليه وسلم # قال ~~لرجل: «ترى الشمس؟» قال: نعم. قال: «على مثلها فاشهد أو ~~دع.» حديث أخرجه عدي بإسناد ضعيف. ~~(7-2) وأما في البينات # فإنه أمر # صلى الله عليه وسلم # بأن البينة على المدعي واليمين على ~~من أنكر، وحذر من اليمين الكاذبة. وحكم بأن البينتين ~~إذا تعادلتا حكم لحائز الشيء، وإذا انعدمت البينة ~~نصف الشيء بين الخصمين، وفي ذلك يقول # صلى الله عليه وسلم ~~: «لو ~~يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن ~~اليمين على المدعى عليه.» حديث متفق عليه، ورواه البيهقي ~~هكذا: «ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر.» ~~وقال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له ~~النار، وحرم عليه الجنة.» فقال له رجل: وإن كان شيئا ~~يسيرا يا رسول الله؟ قال: «وإن قضيبا من أراك.» رواه ~~مسلم. وعن أبي موسى: أن رجلين اختصما في دابة، وليس لواحد ~~منهما بينة، فقضى بها رسول الله بينهما نصفين. رواه أبو ~~داود وأحمد والنسائي. وعن جابر أن رجلين اختصما في ناقة، ~~فقال كل واحد منهما: نتجت عندي. وأقاما بينة، فقضى بها ~~رسول الله لمن هي بيده. رواه الدارقطني. ms146 وعن ابن عمر: أن ~~النبي رد اليمين على طالب الحق. رواه الدارقطني ~~أيضا. ~~(7-3) القضاء # كان الرسول الكريم يتولى أقضية الناس فيحكم فيها بما ~~أنزل الله، وقد كانت حياته # صلى الله عليه وسلم # كلها حياة قضاء بين ~~الناس وهداية إلى وجه الخير والصلاح والعدل، قال الحافظ ~~الشامي: جماع أبواب سيرته # صلى الله عليه وسلم # في أحكامه وأقضيته. ~~وليس الغرض من ذلك ذكر التشريع العام، وإن كانت قضيته ~~الخاصة شرعا عاما، وإنما الغرض ذكر سيرته # صلى الله عليه وسلم # في ~~الأحكام الجزئية التي فصل فيها بين الخصوم، وكيف كانت ~~سيرته # صلى الله عليه وسلم # في الحكم بين الناس. # 181 # وقد ألف جماعة من العلماء في أقضية رسول ~~الله، أجمعها ما ذكره الحافظ الشامي في «السيرة الشامية»؛ ~~ومنها «أقضية رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~» لمحمد بن فرج المشهور ~~بابن الطلاع (497)، و«كتاب أقضية رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~» لأبي ~~بكر بن أبي شيبة، و«كتاب أقضية الرسول» لعلي بن عبد العزيز ~~المرغيناني الحنفي (506)، و«الفتاوى النبوية في المسائل ~~الدينية والدنيوية» لأبي علي الحسين بن المبارك الموصلي ~~(742)، وفي آخر «إعلام الموقعين» لابن القيم فصل مطول ~~جمع فيه مصنفه أحكام الرسول وفتاويه، وقد جردها منه ~~وعلق عليها السيد صديق حسن خان ملك بهوبال وسماه «بلوغ ~~السول في أقضية الرسول». وقد كان في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # جماعة يقضون بين الناس؛ منهم أبو بكر وعمر وعلي ومعاذ بن ~~جبل وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري ~~ومعقل بن يسار. وقد بعث النبي # صلى الله عليه وسلم # عليا إلى اليمن ~~ليقضي بين أهلها، وأوصاه ألا يقضي بين الخصمين حتى يسمع ~~منهما، وأمره أن يعلمهم الشرائع. كما بعث معاذا إلى ~~الجند يعلم الناس القرآن وشرائعه ويقضي بينهم، وجعله على ~~الصدقات، وبعث معاذا قاضيا إلى اليمن وأميرا وجابيا ~~للصدقات، كذلك أبا موسى قاضيا على اليمن ومصدقا، وكان ~~يقضي ويفتي على عهد رسول الله وفي أيام الخلفاء ~~الراشدين. # وفي صبح الأعشى: أن القضاء وظيفة قديمة ms147 كانت في زمن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقد ذكر القضاعي أنه # صلى الله عليه وسلم # ولى ~~القضاء باليمن علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وأبا موسى ~~الأشعري، وأن أبا بكر ولى القضاء عمر. وفي أوائل ~~السيوطي : أول قاض في الإسلام عمر بن الخطاب، قضى لأبي ~~بكر؛ كذا قال العسكري، قلت: لكن أخرج الطبراني بسند حسن عن ~~السائب بن يزيد قال: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # وأبا بكر لم يتخذا ~~قاضيا، وأول من استقضى عمر، قال: يرد عني الناس في ~~الدرهم والدرهمين. وأخرج أبو يعلى في مسنده بسند صحيح عن ~~ابن عمر قال: ما اتخذ رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قاضيا ولا أبو ~~بكر ولا عمر حتى كان في آخر زمانه. قال للسائب بن يزيد ابن ~~أخت نمر: اكفني بعض الأمور - يعني صغارها. وأخرج ابن سعد ~~عن الزهري قال: ما اتخذ رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قاضيا ولا ~~أبو بكر ولا عمر حتى قال للسائب ابن أخت نمر: لو روحت ~~عني بعض الأمر حتى كان عثمان. # 182 # والحق أن ما ذهب إليه السيوطي غير صحيح، فإن النبي # صلى الله عليه وسلم # أذن لبعض كبار صحابته بالقضاء في زمنه. ويظهر أن ~~السيوطي ومن نقل عنهم ذهبوا إلى أن عمر هو أول من استحدث ~~وظيفة القاضي وسمى لها إنسانا بعينه وجعل لها جعلا. ~~أما أيام الرسول وأيام أبي بكر، فقد كانوا أمراء وفقهاء ~~يقضون بين الناس بحكم عملهم، وفي وفيات الأسلاف: أول من ~~نصب القاضي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ حيث بعث عليا ومعاذا ~~إلى اليمن، وأول من دفعه إلى غيره من الخلفاء عمر ولى ~~أبا الدرداء بالمدينة، وأبا موسى الأشعري بالكوفة، وشريحا ~~بالبصرة؛ تخفيفا لنفسه من القيام بأعباء الخلافة والسياسة. # 183 # المظالم # النظر في المظالم هو نوع من أنواع القضاء، إلا أنه ~~أجل وأوسع؛ فإن صاحب المظالم يكون ذا سلطة يقمع بها ~~من لم يستمع إلى قضائه، قال المرجاني صاحب وفيات ~~الأسلاف: النظر في المظالم وظيفة ms148 أوسع من وظيفة ~~القاضي، ممتزجة مع السطوة السلطانية وتصفية القضاة ~~بعلو بين وعظيم رغبة، تقمع الظالم من الخصمين، ~~وتزجر المعتدي، وتمضي ما عجز القضاة ومن دونهم عن ~~إمضائه، ويكون نظره في البينات والتقرير واعتماد ~~القرائن والأمارات، وتأخير الحكم إلى استجلاء الحق، ~~وحمل الخصم على الصلح، واستحلاف الشهود. وكان الخلفاء ~~يباشرونها بأنفسهم إلى المهتدي بالله، وربما سلموها ~~إلى قضاتهم. # 184 # وقال السيد الكتاني معلقا على كلامه: هذه الوظيفة ~~كان يليها المصطفى بنفسه؛ لأنه كان ينتقد أحكام قضاته ~~وعماله ويناقشهم. # 185 # والحق أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # كان يرعى هذه ~~الأمة بقلبه وعينيه ويديه، ويحرص على حفظ حقوق أرباب ~~الحقوق، ويضرب على يد الظالمين بالقصاص والعقوبات ~~الشديدة والسجن والتعذيب والنفي والتعزير. # 186 # التوثيق # لم يعرف أن القضاة في عهد النبي كانوا يدونون ~~المحاضر والسجلات، ولم أر أحدا أشار إلى ذلك، بل ~~قال الإمام الرافعي في شرح الوجيز في الفقه الشافعي: ~~كان النبي # صلى الله عليه وسلم # ومن بعده من الأئمة يحكمون ولا ~~يكتبون المحاضر والسجلات، # 187 # وهذا يدل على ما قلناه. وإنما عرف أن ~~النبي وقضاته كانوا يوثقون بعض قضاياهم من عتق وطلاق ~~وبيوع بوثائق يكتبونها ويعطونها لصاحب العلاقة، وقد ~~حفظ لنا التاريخ نص أقدم وثيقة شرعية أوردها السيد ~~الكتاني وافتخر بإيرادها، واعتز بأن المغاربة هم ~~الذين حفظوها وتوارثوها، ولم يفطن إليها أحد من ~~المشارقة، فقد نقل في كتابه عن العمدة لأبي عبد الله ~~التلمساني نص كتاب عتق «أسلم» مولى رسول الله، وذكر ~~أنه وحده بخط الحكم المنتصر بالله أمير المؤمنين ابن ~~عبد الرحمن الناصر المرواني، وهذا نصه: «بسم الله ~~الرحمن الرحيم. كتاب من محمد رسول الله لفتاه أسلم. ~~إني أعتقك لله عتقا مبتولا إليه، أعتقك وله المنة ~~علي وعليك، فأنت حر لا سبيل لأحد عليك إلا سبيل ~~الإسلام وعصمة الإيمان، شهد بذلك أبو بكر وشهد عثمان ~~وشهد علي وكتب معاوية بن أبي سفيان» ... فهذا عقد في عتق ~~نبوي بنصه من الذخائر المكتوبة والكنوز الثمينة، ~~فتلقه شاكرا وللمغاربة ذاكرا؛ حيث إن ms149 كلا من ~~الحكم المنتصر وصاحب العمدة وفرائد الدرر مغاربة، ~~وكأنه لم يقف عليه أحد من أعلام المشرق، فلذلك لا تراه ~~في مدوناتهم الأثرية. # 188 # وممن كان يكتب الوثائق في العهد النبوي المغيرة بن ~~شعبة والحصين بن نمير، كانا يكتبان المدينات ~~والمعاملات، والعلاء بن عقبة وزيد بن أرقم، وكانا ~~يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار ~~بين الرجال والنساء. # 189 # وكان زيد بن ثابت يقسم الفرائض ويكتبها ~~لهم، وقد أثنى عليه الرسول # صلى الله عليه وسلم # بقوله: «أفرضكم ~~زيد.» وكان عثمان بارعا في الفرائض أيضا. وفي المسند ~~للدارمي: قال ابن شهاب الزهري: لو هلك عثمان وزيد في ~~بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان ~~وما يعلمه غيرهما. وكانت عائشة تحسن الفرائض، قال ~~مسروق: والله الذي لا إله غيره، لقد رأيت الأكابر من ~~أصحاب محمد يسألونها عن الفرائض. # 190 ~~(8) الشئون الثقافية # لم يعرف عن نبي اهتم بالعلم وتشجيع أهله اهتمام الرسول ~~الكريم محمد # صلى الله عليه وسلم ~~؛ وذلك لما رآه من تقهقر الحالة الثقافية ~~التي كان عليها قومه، على الرغم مما حباهم الله من ذكاء فطري ~~ولغة غنية وملكات فطرية رائعة وخيال خصب وأدب رفيع من شعر ~~ونثر وحكمة ومثل. ولكنهم على الرغم من ذلك كله كانوا أقل ~~ممن كانوا حولهم من الأمم عناية بالعلم واحتفالا بالدرس، ~~حتى أطلقوا عليهم لقب «الأميين»، وسماهم بالأميين، ولكن غلبة ~~الجهل وسيطرة البداوة على الحضارة جعلهم ينبذون بهذا اللقب ~~ويعرفون بين الناس بالأمية. رأى محمد قابليات قومه العرب من ~~ذكاء وفهم ونباهة وحب استطلاع وحرص على طلب معالي الأمور، ~~فدفعهم إلى طلب العلم دفعا، وقذف في قلوبهم حب العلم وأهله، ~~وطلب الفضل وتقدير رجاله، وتلقف الحكمة من أي مصدر أتت، ~~وكان # صلى الله عليه وسلم # يحلق حلقات العلم في مسجده ويدعو أصحابه إلى ~~طلبه، وكان يفضل طالبي العلم على العباد والزهاد ويقول: ~~«إنما بعثت معلما.» وقال عبد الله بن عمر: إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مر برجلين في مسجده ms150 فقال: «كلاهما خير، وأحدهما ~~أفضل من صاحبه. أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء ~~أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ~~ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بعثت معلما.» وجلس معهم. ~~وهناك أحاديث عديدة وردت عن النبي في الحض على طلب العلم وحفظه ~~والنهي عن الأمية والجهل، وقد نبغ في عهد النبي جماعة من جلة ~~الصحابة بالعلم، وشهد النبي لهم بذلك؛ فقد روى حذيفة عنه أنه ~~قال: «اقتدوا بالذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر - واهتدوا ~~بهدي عمر، وإذا حدثكم ابن أم معبد فصدقوا.» وقال: ~~«استقرئوا القرآن من أبي وابن مسعود.» وقال: «أرحم أمتي بأمتي ~~أبو بكر، وأشدهم بأمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم ~~بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم ~~أبي بن كعب، وأقضاهم علي، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو ~~عبيدة بن الجراح، وأبو ذر أزهد أمتي وأصدقها، وأبو الدرداء ~~أعبد أمتي وأتقاها، ومعاوية أحكم أمتي.» # 191 # وكان # صلى الله عليه وسلم # يعنى بأذكياء صحابته، وخصوصا الشبان ~~الأحداث ذوي القابليات والمواهب، فيثقفهم ويحرضهم على ~~اكتساب العلم، وكان يطرح عليهم الأسئلة ليختبر ما عندهم من ~~العلم، وربما ألغز لهم الألغاز ليرى استعدادهم وفطانيتهم؛ فقد ~~عقد البخاري في صحيحه بابا عنونه بقوله: «باب طرح الإمام ~~الأسئلة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم»، ثم روى عن عبد ~~الله بن عمر عن النبي أنه قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ~~ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟» فوقع الناس في شجر ~~البوادي - أي إنهم أخذوا يسردون أسماء الشجر فلا يصيبون. قال ~~ابن عمر: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. ثم قالوا: ~~حدثنا ما هي يا رسول الله. قال: «هي النخلة.» # 192 # وكان ابن عمر أصغر الحاضرين، وكان عاشر عشرة منهم ~~أبو بكر وعمر وأبو هريرة وأنس، وكان عمر يقول لابنه: إن تكن ~~قلتها أحب إلي من حمر النعم. وكان يحض أصحابه على نقل ~~العلم إلى من وراءهم ويقول: «رب مبلغ أوعى من سامع.» ms151 # 193 # وكان يتخولهم بالعلم والموعظة كي لا ينفروا ~~كراهة السآمة. # 194 # ويقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.» # 195 # وكان يقول: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله ~~مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو ~~يقضي بها ويعلمها.» # 196 # وكان # صلى الله عليه وسلم # يقول: «حق الولد على الوالد أن ~~يعلمه الكتابة والسباحة والرمي.» ~~(8-1) التدوين # أمر الرسول الكريم بتدوين القرآن، وقد رأيت تفصيل ذلك في ~~بحثنا عن الكتابة في الباب السابق. أما كتابة الحديث ~~النبوي، فقد ابتدأت منذ زمن مبكر أيضا، ولكن بعضهم كان ~~يكره ذلك خوف اختلاطه بالقرآن. ولكن بعضهم كان يكتب ما ~~يسمعه من الرسول لحرصه على حفظ كلامه؛ فقد روى الترمذي عن ~~أبي هريرة قال: كان رجل يجلس إلى الرسول فيسمع منه الحديث ~~فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى الرسول فقال: «استعن ~~بيمينك.» وأومأ بيده إلى الخط، وقال ابن عمر: قلت يا رسول ~~الله إني أسمع منك أحاديث، أفتأذن لي أن أكتبها؟ ~~قال: «نعم.» فكان أول كتاب كتبته بيدي كتاب النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى أهل مكة. قال ابن سعد: وكان ابن عمر يسمي صحيفته تلك ~~«الصادقة»، وكذلك فعل عبد الله بن عمر، فقد روي عن أبي ~~هريرة قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله مني إلا ما ~~كان من عبد الله بن عمر. وقال: كان يكتب بيده ويعيه ~~بقلبه، وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله ~~في الكتابة فأذن له. ويظهر أن أبا هريرة قد أخذته الغيرة ~~فكتب أيضا؛ فقد روى الحسن بن عمرو بن أمية قال: تحدث ~~عند أبي هريرة بحديث! فأخذ بيدي إلى بيته فأراني كتبا من ~~حديث رسول الله - عليه الصلاة والسلام - فقال: هذا هو ~~مكتوب عندي. قال ابن عبد البر: ويمكن الجمع بين خبر عدم ~~كتابة أبي هريرة وكتابته بأنه لم يكتب في العهد النبوي، ثم ~~كتب بعده، وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث ~~مكتوبا بخطه، وقد ms152 ثبت أنه لم يكن يكتب فتيقن أن المكتوب ~~عنده بخط غيره. وقال السيوطي في كتابه «تدريب الرواة»: ~~وأباح كتابة الحديث طائفة وفعلوها؛ منهم عمر وعلي وابنه ~~الحسن وابن عمر وأنس وجابر وابن عباس وعمرو. # 197 # وقال أستاذ أساتذتنا الإمام الشيخ طاهر الجزائري في ~~كتابه «توجيه النظر إلى أصول الأثر»: توهم أناس أنه لم ~~يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شيء ~~غير الكتاب العزيز، وليس الأمر كذلك، فقد ذكر بعض الحفاظ ~~أن زيد بن ثابت ألف كتابا في الفرائض، وذكر البخاري في ~~صحيحه أن عبد الله بن عمر كان يكتب الحديث، وذكر مسلم في ~~صحيحه كتابا ألف في عهد ابن عباس في قضاء علي فقال: ~~حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا نافع عن ابن أبي مليكة ~~قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي ~~عني. فقال: ولد ناصح، أنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي ~~عنه. فقال: فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به ~~الشيء فيقول: والله ما قضى علي بهذا إلا أن يكون ضل. # 198 # ويذكر ابن أبي أصيبعة في ترجمة الحارث بن كلدة الثقفي ~~الطبيب الحكيم الذي اختلف في إسلامه وصحبته: أن له آثارا ~~مدونة؛ منها «كتاب المحاورة في الطب» بينه وبين كسرى أنو شروان، # 199 # ومما يذكر عنه أنه ألف ودون عروة بن ~~الزبير، فقد ذكر عنه ابن سعد في ترجمة الطبقات أن هشام بن ~~عروة بن الزبير قال: أحرق أبي يوم الحرة (سنة 63ه) كتب ~~فقه كانت له، وكان يقول بعد ذلك: لأن تكون عندي أحب إلي ~~من أن يكون لي مثل أهلي ومالي. # 200 ~~(8-2) علماء الصحابة # كان الخلفاء الأربعة أئمة مشارا إليهم بالعلم والدين ~~والعربية، وكان أبو هريرة وابن عباس أحفظ الصحابة لحديث ~~رسول الله، وكان عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة أعلم الناس بالفتوى، ويمكن أن نجمع من فنون كل ~~واحد مجلدا كبيرا، ويليهم في ذلك أبو بكر وعثمان وأبو موسى الأشعري ومعاذ بن ms153 جبل وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة ~~وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص وسلمان وجابر وأبو سعيد ~~وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وعمران بن الحصين وأبو بكرة وعبادة بن الصامت وابن الزبير وأم سلمة، ويمكن أن ~~يجمع من فتوى كل واحد منهم جزء صغير. وفي الصحابة نحو ~~مائة وعشرين نفسا مقلون في الفتيا جدا، لا تروى عن ~~الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والثلاث، كأبي بن ~~كعب وأبي الدرداء والمقداد. # 201 # | الباب السادس # في تنظيم أحوال النبي وشئونه الخاصة به صلى الله عليه وسلم # الفصل الأول # | في أحوال النبي الخاصة # رأينا في الأبواب السابقة أن النبي الكريم قد عني بشئون الأمة ~~عناية كبيرة، ولم يترك شاردة ولا واردة تتعلق بأحوالها ومرافقها ~~الخاصة والعامة إلا درسها ومحصها وفحصها فحص المدقق الخبير، ~~وعالجها معالجة الحكيم الحذق، وجاء بما تحتاج إليه المصلحة وتلائمه ~~ظروف الوقت. ونريد في هذا الباب أن نبين أنه - عليه الصلاة والسلام - اهتم بشئونه الخاصة كرئيس أعلى لهذه المجموعة التي أراد بنيان ~~مجدها وشرع في تأسيس قواعد عزها، وانتشالها من العمه والضلالة ~~إلى العزة والكرامة. # ونحن إذا أردنا أن ندقق في أحوال النبي الخاصة بشخصه وجدناها ~~بسيطة أبسط ما تكون، ساذجة كل السذاجة، ووجدناها متواضعة لله العلي ~~القدير، عزيزة بالمؤمنين المصطفين، قوية على الطغاة الجبارين. وقد ~~كان النبي العظيم لا يفتر عن ذكر الله والانصراف بكليته إليه ~~سبحانه، والعزوف عن الدنيا ومظاهرها وزخرفتها وباطلها ولهوها، ~~ولكنه # صلى الله عليه وسلم # لم ينس نصيبه من الدنيا؛ لأنه بشر، ولأنه ما جاء ~~بدين صوفي رهباني، ولكنه جاء بدين فيه ملاك الدين والدنيا، وفيه ~~صلاح المعاش والمعاد. # كان # صلى الله عليه وسلم # إنسانا كاملا يضع كل شيء موضعه، وكان على كثرة ما ~~أفاء الله عليه لا يجد ما يطعم أهله من التمر والشعير، وكان يخصف ~~نعله بيديه، ويرقع ثوبه، ويخدم أهله، ويقطع اللحم معهم، ويعصب ~~الحجر على بطنه من الجوع، ويلبس ما يجد من شملة أو جبة، وتواترت ~~هذه الأخبار عنه. ولكن ms154 على الرغم من هذا كان يتظاهر بكل ما فيه عز ~~الإسلام، ويعمل على إعلاء شوكة الإيمان. ولم يترك # صلى الله عليه وسلم # ظاهرة ~~يظهر بها الدين، ولا شعيرة يرتفع بها شمل المسلمين إلا جاء بها، ~~وحض عليها وفعلها بنفسه. # فمن المظاهر الدنيوية التي كان يهتم بها # صلى الله عليه وسلم ~~: أنه إذا جاءه ~~وفد لإعلان إسلام من وراءه أو إبلاغ بعض الأمور الخارجية، ~~يتجمل لذلك الوفد. فقد أخرج أبو نعيم وابن سعد في طبقاته: عن ~~جندب بن مكية أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان إذا قدم عليه وفد لبس أحسن ~~ثيابه، وأمر أصحابه بذلك، وقد رأيته وفد عليه وفد كندة وعليه ~~حلة يمانية. وقال علقمة بن سفيان الثقفي: إنهم لما وفدوا عليه # صلى الله عليه وسلم # ضرب لهم قبة، وكان بلال يأتيهم بفطرهم. # 1 # وقد ألف الإمام محمد بن عمر الأسلمي شيخ ابن سعد ~~«كتاب الوفد» ولم نره، ولكن الحافظ الشامي ذكره في سيرته وقال: إن ~~فيه فوائد لم يلم بها ابن سعد. # 2 # ومن تلك المظاهر أنه كان إذا أراد القيام من بعض المجالس العامة، ~~قام عبد الله بن مسعود فألبسه نعليه وسار بين يديه وهو يحمل العصا ~~أو المحجن أو العنزة التي يقال إن النجاشي أهداها إليه. قال ~~الجاحظ: إنه كان له # صلى الله عليه وسلم # مخصرة وقضيب عنزة تحمل بين يديه، ~~وهكذا كانت عادة عظماء العرب. # 3 # وقال السيد الكتاني: ذكر أبو محمد بن حبان الأصبهاني ~~عن ابن يزيد قال: بعثني نجدة الحروري إلى ابن عباس أسأله: هل سير ~~بين يدي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بحربة؟ قال: نعم، مرجعه من حنين. قلت: ~~تقدم أن النجاشي ملك الحبشة أهدى إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # بها، وكانت ~~تقدم بين يديه إذا خرج إلى المصلى يوم العيد، وتوارثها الخلفاء، ~~وأنها الحربة التي قتل بها النبي # صلى الله عليه وسلم # أبي بن خلف بيده يوم ~~أحد، وتسمى العنزة أيضا. وكان الضحاك بن سفيان بن كعب، أحد ~~الأبطال، ms155 يقوم على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بسيفه، وكان يعد بمائة ~~فارس. وذكر ابن بدر: أن الضحاك كان سياف النبي قائما على رأسه ~~متوشحا بسيفه، وفي قصة صلح الحديبية أن عروة كان يكلم النبي # صلى الله عليه وسلم # والمغيرة بن شعبة قائم على رأسه ومعه السيف وعليه المغفر. ~~وقال المجد بن تيمية في المنتقى معلقا على هذا الخبر بقوله: ~~وفيه استحباب الفخر والخيلاء في الحرب لإرهاب العدو، وأنه ليس ~~بداخل في ذمة لمن أحب أن يتمثل له الرجال قياما. # 4 # ومن تلك المظاهر: أنه كان # صلى الله عليه وسلم # يعنى بحراسته ويطلب إلى ~~الأشداء المخلصين من صحابته أن يحرسوه من الغدارين والفتاك، ~~سواء أكان في وقت الحرب أو وقت السلم، فممن حرسه # صلى الله عليه وسلم # يوم بدر، ~~سعد بن معاذ؛ فقد كان على باب العريش الذي نزله # صلى الله عليه وسلم # متوشحا ~~بسيفه في نفر من الأنصار. وممن حرسه، حين أعرس بالسيدة صفية، أبو أيوب الأنصاري؛ فقد بات الرسول وأبو أيوب يطوف بقبة النبي # صلى الله عليه وسلم # حتى أصبح النبي، فلما رآه قال: «ما لك يا أبا أيوب؟» قال: ~~خفت عليك من هذه المرأة - أي صفية - وكانت امرأة قد قتلت أباها ~~وزوجها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك. فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «اللهم احفظ أبا أيوب كما كان يحفظني.» وذكر ابن هشام في ~~غزوة ذات الرقاع: أن رسول الله لما نزل قال: «من يكلأنا الليلة؟» ~~فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله. ~~قال: «فكونوا عند الشعب.» وكان رسول الله في أصحابه قد نزلوا ~~إلى شعب من الوادي؛ وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر. وذكر في ~~غزوة بني قريظة أنه # صلى الله عليه وسلم # أخرج من تلك الليلة التي نزل في ~~صبيحتها بنو قريظة على حكم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن عمرا القرظي ~~لما قدم إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # تلقاه حرس النبي وعليه محمد بن ms156 ~~مسلمة. # وذكر في غزوة حنين: أنهم ساروا مع رسول الله يوم حنين، فأطنبوا ~~السير حتى كان عشية، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: من يحرسنا الليلة؟ ~~فقال أنس بن أبي مرثد الفتوي: أنا يا رسول الله. # وممن كان يحرسه وهو يصلي بمكة، عمر بن الخطاب؛ فقد رووا أنه كان ~~يقوم بالسيف على رأسه # صلى الله عليه وسلم # وهو يصلي؛ خوفا من أن تتعدى عليه ~~قريش. وممن كان يحرسه أيضا الخشرم بن الحباب الأنصاري ومحمد بن ~~مسلمة والأدرع السلمي وعمار بن ياسر وعباد بن بشر. ولا شك في أن ~~الرسول الكريم كان مع اتكاله على الله، الذي هو خير حافظا، ولكنه # صلى الله عليه وسلم # يحتاط ويتخذ كافة الوسائل لئلا يفتك به الفجار من ~~المنافقين أو الكفار. # ومن تلك المظاهر أيضا أنه كان يتخذ الخدم والموالي والبوابين ~~والحجاب. أما الحجاب فقد قدمنا الكلام عن ذلك في الفصل الخاص ~~بالشئون الإدارية، وأما الموالي والخدم والبوابون، فقد كان له # صلى الله عليه وسلم # عدد كبير من الغلمان والجواري والخدم الذين كانوا يعتنون ~~بشئونه الخاصة من وضوء وطهارة وإمساك ركاب، وتظليل، وقضاء مصالح، ~~وما إلى ذلك. ومن أشهرهم أنس بن مالك، وربيعة بن كعب، وزيد بن ~~حارثة، وأسامة بن زيد، وشقران، ورباح، وقد أوصلهم صاحب المواهب ~~اللدنية إلى 43 خادما، كما ذكر أن عدد إمائه إحدى عشرة، ولم يكن ~~كل هؤلاء مجموعين في وقت واحد. # 5 # ومن تلك المظاهر أيضا: اتخاذه # صلى الله عليه وسلم # جماعة من الشعراء ~~والخطباء والحداة يشيدون بمحامد الإسلام، وقد اقتضتهم الإشادة ~~بمبادئ الإسلام أن يشيدوا بالنبي والافتخار بما كان يتحلى من مزايا ~~وتعديد صفاته الجليلة. وقد حفظت كتب التاريخ والسيرة والأدب ~~الإسلامي طرفا جليلا من ذلك. ومن أشهر من عرف من الشعراء حسان ~~بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك والنابغة الجعدي ~~والزبرقان والعباس بن مرداس ولبيد وغيرهم، ومن خطبائه علي بن أبي ~~طالب وثابت بن قيس بن شماس وأبو بكر الصديق، ومن حداته # صلى الله ms157 عليه وسلم # عبد الله بن رواحة وأنجشة والبراء بن مالك. # ومما يتعلق بهذا الأمر أنه # صلى الله عليه وسلم # تملك بعض العقار الكراع ~~والأموال، وكانت أموال بني قريظة وخيبر والنضير التي استصفاها ~~النبي لنفسه أجل مال ملكه # صلى الله عليه وسلم ~~، فكان # صلى الله عليه وسلم # يعزل نفقة ~~أهله سنة، ثم يجعل ما يبقى في الخيل والسلاح عدة في سبيل الله، ~~وكان بلال الحبشي المؤذن هو القائم على شئون أمواله ونفقاته، وفي ~~سنن أبي داود عن عبد الله الهوزني قال: قلت لبلال: حدثني كيف ~~كانت نفقات رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟ قال: ما كان له شيء، وكنت أنا الذي ~~ألي ذلك منه منذ بعثه الله حتى توفي، وكان - عليه الصلاة والسلام ~~- إذا أتاه إنسان مسلما يراه عاريا يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشتري ~~له البردة فأكسوه وأطعمه، وكان # صلى الله عليه وسلم # يقول: «أنفق بلال، ولا ~~تخش من ذي العرش إقلالا.» # الفصل الثاني # | في زوجاته وأولاده # (1) إباحة الإسلام تعدد الزوجات # ينتقد المبشرون وأكثر المستشرقين ما أباحه الإسلام من ~~تعدد الزوجات، ويزعمون أن الإسلام بإباحته هذه «النقيصة ~~الاجتماعية» قد أفسد كيان الأسرة، وأدخل عليها الشقاق بما أثار ~~بين الزوجات من عوامل الحقد والحسد والغيرة وقطع أوصال الأخوة ~~بما يكون بين أبناء الضرائر من تنافر، وأن الإسلام الذي يزعم ~~أصحابه أنه جاء لإصلاح ما فسد من أوضاع العرب الاجتماعية قد ~~أبقى النقيصة الكبرى، فكأنه لم يعمل شيئا في سبل الإصلاح. ~~والحق أن القرآن قد أباح تعدد الزوجات وسمح للمرء أن يتزوج ~~مثنى وثلاث ورباع، ولكنه قد قيد هذا الأمر بقوله: # فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة ~~. فأنت ترى أن الإسلام قد قيد هذه ~~الحرية بقيد يصعب الانفلات منه، فإن مجرد الخوف من عدم ~~استطاعته العدل بين الزوجات يجعل تعدد الزوجات محرما. على ~~أن بعض الفرق الإسلامية، وهم المعتزلة، ذهبوا إلى تحريم هذا ~~الأمر لعدم إمكان «العدل»، ولتعسر تطبيق الشروط الإلهية فيه، # 1 # ثم إن مجرد الإباحة ليس معناها التحريض على فعل ~~الأمر أو الوقوع ms158 فيه؛ فإن هناك كثيرا من الأمور التي أباحها ~~الإسلام من باب التسهيل على الناس كتعدد الزوجات وإباحة ~~الطلاق، فقد تمر ببعض الناس ظروف طارئة وأحوال قاهرة تضطرهم ~~إلى فعل هذا الأمر. ونرى ونحن في صدر هذا الموضوع، أن نشير إلى ~~موضوع شديد التماس به، وهو إباحة تعدد الزوجات؛ فقد زعم بعض ~~الناس من رجال ونساء أن الإسلام لم يكن منصفا في إباحته تعدد ~~الزوجات وتحريمه تعدد الأزواج، وكان ينبغي عليه تمشيا مع ~~خطة العدل والإنصاف التي جاء بها أن يبيح للمرأة الواحدة أن ~~تتزوج أكثر من زوج واحد، كما كان بعض العربيات يفعلن ذلك في ~~الجاهلية. وقد تعرض الأستاذ عبد العزيز الجاويش في رسالته ~~القيمة «الإسلام دين الفطرة» إلى هذه النقطة، وأجاب عنها بما ~~نرى فيه المقنع الكافي، قال: وهنا مسألة أولع بإيرادها كثير من ~~أحداث هذا الزمان، قالوا: لم جاز تعدد الزوجات على شرط دون ~~تعدد الأزواج؟ ما أعلم أن ذلك يقضي بداهة إلى اختلاط الأنساب ~~فيقع اللبس في نسبة النسل، ولا يخفى أن ذلك يقضي إلى تعطيل ~~كثير من الأحكام الدنيوية كالنفقة والإرث وغيرها. # 2 # وأضيف إلى ما قاله أن العربيات المستهترات اللواتي ~~كن يفعلن ذلك في الجاهلية كن بعض النساء البرزات اللواتي ~~اتهمن من أخلاقهن، كسمية أم زياد # 3 # وأمثالها؛ فقد رووا أن جماعة من الرجال تزوجوها، ~~فقد كان من عادة العرب في الجاهلية إذا تزوجت المرأة هذا ~~التزوج وولدت ولدا ألحقت ولدها بمن تختار من أزواجها، ولا ~~يخفى ما لهذا الإلحاق من العار للولد، وهذا أمر تأباه روح ~~الإسلام السمحة النبيلة. ~~(1-1) زوجات النبي # كما أثارت فكرة تعدد الزوجات في الإسلام كثيرا من حملات ~~الانتقاد، كذلك أثارت قضية تعدد زوجات النبي حملات من ~~أعداء الإسلام وزنادقته؛ فقد اتخذوا هذا الأمر وسيلة للطعن ~~في النبي ووصفه بالشهوانية والإفراط في حب الدنيا واللذة ~~الجسدية والجنسية. وقد رأيت لزاما على نفسي في هذا ~~الموضوع أن أعرض لمناقشة هذه القضية، لا دفاعا عن النبي ~~الكريم ولا إشادة بمحاسن أخلاقه وتنزيهه ms159 عن النقائص؛ فإن ~~هذه الأمور ليست مجال مناقشة، وإنما تعرضت إليها ~~لأبين الظروف التاريخية والمناسبات التي تزوج فيها النبي ~~زوجاته، مع الإلمام بطرف من أحوال كل سيدة من زوجاته، وما ~~أثر عنها، وما أثرت في الدين، وما خلفت للنبي الكريم ~~من بنين وبنات وحفدة، وما كان لآل البيت النبوي الطاهر من ~~أثر في الإسلام في العروبة خاصة، وفي الإسلام عامة. # السيدة خديجة # قد قدمنا الكلام عنها في الفصل الثالث من الباب ~~الثاني. # السيدة سودة # وهي بنت زمعة بنت قيس بن عبد شمس القرشية، وهي ثاني ~~امرأة تزوجها رسول الله، وكان أبوها من وجوه قريش، ~~أما أمها فهي الشموس بنت قيس بن زيد بن عمر من وجوه ~~بني النجار. # كانت قبل تزوج النبي بها تحت ابن عمها السكران بن ~~عمرو، ولما جاء الإسلام أسلمت وزوجها في أوائل من ~~أسلموا، وهاجرت مع زوجها إلى أرض الحبشة، فبقيت هناك ~~إلى أن رجع المسلمون، وقد هلك زوجها هناك، وقيل: بل ~~رجع بعد وصولهم إلى مكة. وكانت السيدة خديجة قد توفيت ~~وليس في بيت النبي أحد يقوم بأمره، فجاءته خولة بنت ~~حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت له: يا رسول الله، ~~ألا تزوج؟ فقال: «ومن؟» قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ~~ثيبا. فقال: «من البكر ومن الثيب؟» فقالت: أما ~~البكر فابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر ~~الصديق، وأما الثيب فسودة بنت زمعة وقد آمنت بك ~~واتبعتك. قال: «فاذكريهما علي.» قالت: فأتيت أم رومان ~~زوج أبي بكر فقلت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليكم ~~من خير؟ قالت: وما ذاك؟ قلت: رسول الله يذكر عائشة. ~~قالت: انتظري فإن أبا بكر آت. قالت: فجاء أبو بكر ~~فذكرت ذلك، فقال: أوتصلح له وهي ابنة أخيه؟ فذهبت ~~إلى رسول الله وقالت له: إن أبا بكر يقول: وهل تصلح له ~~وهي ابنة أخيه؟ فقال رسول الله: «أما أنا فأخوه وهو ~~أخي، وابنته تصلح لي.» فأتت أبا بكر وقالت له ما قال ~~رسول الله، فقالت أم رومان لأبي ms160 بكر: وابن المطعم بن ~~عدي، ما تصنع به؟ وقد كان ثمة حديث بين آل أبي بكر وآل ~~المطعم في تزويج عائشة بابن المطعم، فقام أبو بكر من ~~ساعته فأتى المطعم بن عدي فقال له: ما تقول في أمر هذه ~~الجارية؟ فأقبل المطعم على زوجته فقال: ما تقولين؟ ~~فأقبلت على أبي بكر فقالت: لعلنا إن أنكحنا هذا الصبي ~~إليك تصبيه وتدخله في دينك والذي أنت عليه. فقال أبو ~~بكر لمطعم: وأنت ما تقول؟ فقال بمثل قول زوجته، فقام ~~حينئذ أبو بكر وأتى بيته وقال لخولة: قولي لرسول الله ~~فليأت. فجاءه رسول الله فملكها وأصدقها أربعمائة ~~درهم. ثم ذهبت خولة إلى سودة فقالت: ما دخل الله عليك ~~من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: إن رسول الله ~~بعثني إليك. فقالت: وددت ذلك، ولكن أدخل على أبي. وكان ~~أبوها شيخا، فحيته بتحية أهل الجاهلية فقالت: أنعم ~~صباحا. فقال: من أنت؟ قالت: خولة بنت حكيم. فرحب ~~بها فقالت: إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يذكر ~~سودة. فقال: هو كريم، فما تقول صاحبتك؟ فقالت: تحب ~~ذلك. قال: فقولي له فليأت. فجاء رسول الله فملكها ~~وتزوجها ودخل بها. # وكانت السيدة سودة سيدة كريمة تحب الصدقة والإحسان ~~إلى الفقراء والمساكين، وكانت تحب عائشة كما أن عائشة ~~كانت تحبها، وكانت تهب يومها لعائشة تلتمس بذلك رضاء ~~برسول الله؛ فقد روي عن عائشة أنها قالت: لما كبرت ~~سودة جعلت يومها من رسول الله لي، وقالت: يا رسول ~~الله، جعلت يومي منك لعائشة. فكان رسول الله يقسم ~~لعائشة يومين؛ يومها ويوم سودة. وكانت عائشة تقول: ما ~~رأيت امرأة أحب إلى أن أكون في سلاحها - جلدها - من ~~سودة بنت زمعة. # 4 # وكانت سودة من حزب عائشة، فقد كان نساء ~~النبي حزبين: حزب عائشة؛ وفيه حفصة وصفية وسودة، وحزب ~~أم سلمة؛ وفيه سائر أزواج النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. وقد تزوجها ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # قبل أن يعقد على خديجة، وقيل غير ذلك. # 5 # وتوفيت السيدة سودة في أواخر ms161 عهد عمر، ~~وقيل: بل ظلت إلى سنة 54ه. # السيدة عائشة # أما ثالث امرأة دخل بها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فهي ~~عائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة الصديق، وأمها أم ~~رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس من بني مالك بن ~~كنانة. وقد رأينا كيف خطبتها السيدة خولة بنت حكيم ~~لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان عقد النبي عليها بعد وفاة ~~السيدة خديجة في السنة العاشرة للبعثة النبوية، وكان ~~لها ست سنوات، ولم يدخل بها إلا في السنة الثانية من ~~الهجرة ولها تسع سنوات، وهي البكر الوحيد التي تزوجها ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ومنحها قلبه وحبه، فأدبها بأدب ~~الإسلام ومنحها عناية، فتفقهت في الدين ووعت علم ~~سيد المرسلين حتى صارت مرجع المسلمين. قال أبو موسى ~~الأشعري: ما أشكل علينا، أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما. ~~وقال الحافظ عبد الغني المقدسي: روي لها عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ألف وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على ~~174 حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم ~~بثمانية وستين. # 6 # وكان عبد الله بن الزبير ابن أختها أسماء ~~- الذي تكنت به - وعروة بن الزبير أكثر الذين نقلوا ~~عنها العلم والدين. قال عروة: ما رأيت أحدا أعلم ~~بالقرآن ولا بفرائضه ولا بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا ~~بحديث العرب ولا بنسب، من عائشة. وكان يقول: ما رأيت ~~أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة. وقيل له: ما أرواك ~~يا عبد الله! وكان أروى الناس للشعر، فقال: وما روايتي ~~من رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا. # 7 # وكان الرسول # صلى الله عليه وسلم # يحبها كثيرا ويفضلها عن ~~نسائه، وكانت نساؤه يغرن منها، ويعملن على إغاظتها؛ ~~فقد روت عائشة عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن أزواج النبي ~~أرسلن فاطمة بنت رسول الله إليه تكلمه في أمر، ~~فاستأذنت عليه وهو مضطجع مع عائشة وهي في ms162 مرط، فأذن ~~لها، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك ~~يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. قالت عائشة: فسمعت ~~ذلك وأنا ساكتة. فقال رسول الله: «أي بنية، ألست ~~تحبين ما أحب؟» قالت: بلى. قال: «فأحبي هذه.» فقامت ~~فاطمة حين سمعت ذلك فخرجت إلى أزواج النبي فأخبرتهن ~~بالذي قالت وبالذي قال لها، فقلن: ما نراك أغنيت عنا ~~من شيء، فارجعي إلى رسول الله فقولي له: إن نساءك ~~ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة. فقالت فاطمة: والله ~~لا أكلمه فيها. فأرسلن زينب بنت جحش وهي التي كانت ~~تسامي عائشة عند رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فاستأذنت على ~~رسول الله فأذن لها، فقالت له: يا رسول الله، إن ~~أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. ~~قالت عائشة: إن فاطمة قالت ذلك ووقعت في واستطالت ~~وأنا أراقب رسول الله وأراقب طرفه، هل أذن لي فيهما، ~~فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله لا يكره أن أنتصر ~~لها، فلما وقعت بها لم أنشب حتى أثخنتها، فقال رسول ~~الله: «إنها ابنة أبي بكر.» # 8 # وكان الرسول يداعبها ويسامرها ويسابقها ويكبر فيها ~~العقل وحسن الفهم والإدراك وسعة الرواية وحسن ~~التلقي وإفراط التعبد والحياء، ولما اتهمت ~~بحادثة الإفك وأنزل الله براءتها في القرآن الكريم فرح ~~النبي بذلك، ولما مرض الرسول مرضة الموت اختار بيتها ~~ليمرض فيه ومات عندها. ولم يؤخذ عليها شيء سوى ~~انغماسها في غمرة السياسة وخروجها إلى البصرة لمحاربة ~~علي، وقد كانت تذكر ذلك وهي نادمة مستغفرة، وظلت في ~~بيتها إلى أن ماتت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة مضت ~~من رمضان (سنة 58ه) ولها من العمر ست وستون، وصلى ~~عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع رضوان الله ~~عليها. # حفصة بنت عمر بن الخطاب # وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحي، أخت عثمان بن ~~مظعون. ولدت قبل النبوة بخمس سنين، وتزوجها قبل ~~النبي خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أوائل من هاجروا ~~إلى المدينة وأبلوا في الغزوات وهلك يوم بدر، ~~وتأيمت حفصة فعرض ms163 أبوها زواجها على عثمان، فقالت: ما ~~أريد أن أتزوج يومي هذا. فعرضها على أبي بكر، فلم يرجع ~~إليه بشيء. ولبث ليالي، فخطبها رسول الله فأنكحه ~~إياها، وقال أبو بكر لأبيها: لعلك وجدت علي حين ~~عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئا. فقال عمر: ~~نعم. قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أني سمعت ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يذكرها، ولم أكن لأفشي سر رسول ~~الله، ولو تركها لنكحتها. وكان نكاح رسول الله إياها ~~على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة، وهي شقيقة عبد الله ~~بن عمر وأسن منه، وقد طلقها النبي تطليقة واحدة ثم ~~راجعها، وظلت حفصة حتى ماتت في شعبان سنة 45ه في خلافة ~~معاوية وهي ابنة ستين سنة. # 9 # السيدة زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية # وأمها هنيد بنت عوف بن زهير بن الحارث، وكانت سيدة ~~نبيلة كريمة، وكان اسمها في الجاهلية «أم المساكين»؛ ~~لإحسانها إليهم وعطفها عليهم. تزوجها أول الأمر ~~عبيدة بن الحارث، وقتل يوم بدر، فتزوجها رسول الله ~~بعد ذلك وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا، وذلك على ~~رأس واحد وثلاثين شهرا من الهجرة قبل وقعة أحد بيوم ~~واحد، ولم تلبث عنده # صلى الله عليه وسلم # إلا شهرين، وقيل: بل ~~ثلاثة. وقيل: بل ثمانية. ثم توفيت في ربيع الآخر من ~~سنة أربع للهجرة، فصلى عليها ودفنها بالبقيع. # 10 # السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة الجواد ~~الملقب بزاد الراكب # وأمها السيدة عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن عبد ~~المطلب، تزوجها أول الأمر أبو سلمة عبد الله بن عبد ~~الأسد القرشي، فولدت له سلمة، وعمر، ورقية، وزينب. ~~ولما ظهر الإسلام اعتنقته وزوجها وهاجرا إلى الحبشة، ~~ثم رجعا ومات أبو سلمة سنة أربع للهجرة، ولما مات ~~خطبها أبو بكر فرفضت، وخطبها عمر فأبت، ثم خطبها النبي ~~فقالت: مرحبا برسول الله. وكانت من أجمل النساء، وكان ~~زواج النبي بها في ليال بقين من شوال من السنة ~~الرابعة للهجرة. # وكانت أم سلمة سيدة نبيلة جليلة، عاقلة فاضلة، وكان ~~النبي ms164 يجلها، ويقبل مشورتها، وقد ظلت إلى خلافة ~~يزيد بن معاوية وماتت في سنة ستين، وقيل: سنة تسع ~~وخمسين. وصلى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع ولها ~~أربع وثمانون سنة. # 11 # السيدة زينب بنت جحش بن رباب # وأمها السيدة أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، زوجها النبي أول الأمر من غلامه ~~زيد بن حارثة الذي تبناه، ثم طلقها فتزوجها ~~الرسول، وفيها نزلت الآية: # فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها ~~... ولما تزوج بها النبي ~~في السنة الخامسة تكلم المنافقون في ذلك، وقالوا: ~~حرم محمد نساء الولد وتزوج امرأة ولده. فأنزل الله ~~الآية: # ما كان محمد أبا ~~أحد من رجالكم ~~، # ادعوهم لآبائهم هو ~~أقسط عند الله ~~، فدعي يومئذ «زيد ~~بن حارثة»، وكان يدعى «زيد بن محمد». وبسبب زينب نزلت ~~آية الحجاب: # يا أيها ~~الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي ~~. وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # يحب ~~زينب حبا كثيرا، وكانت تسامي السيدة عائشة عند ~~رسول الله، وكانت عائشة تغار منها، ولكنها تصفها ~~بالدين والتقوى وصدق الحديث، والصدقة، والزهد. # وقد ماتت زينب في سنة عشرين للهجرة في خلافة عمر، ~~عام فتح مصر، فكانت أول امرأة للنبي تموت بعده ولها من ~~العمر 53 سنة، وصلى عليها أمير المؤمنين عمر. # 12 # السيدة جويرية بنت الحارث بن ضرار الخزاعية ~~المصطلقية # كانت قبل زواجها بالنبي تحت مسافع بن صفوان ~~المصطلقي، ولما غزا النبي # صلى الله عليه وسلم # بني المصطلق وسباهم ~~وقعت في سهم ثابت بن قيس الأنصاري في سنة خمس للهجرة، ~~فكاتبته على نفسها، ثم جاءت إلى رسول الله فقالت: أنا ~~جويرية بنت الحارث، وقد كاتبت نفسي فجئت أسألك. فقال ~~رسول الله: «فهل لك إلى ما هو خير؟» قالت: ما هو؟ ~~قال: «أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك.» فقبلت، وأصدقها النبي ~~أربعمائة درهم. # وتوفيت ولها خمس وستون سنة في ربيع الأول سنة خمسين للهجرة. # 13 # السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ~~القرشية # وأمها صفية بنت أبي العاص القرشي، تزوجها قبل ~~النبي # صلى الله ms165 عليه وسلم # عبيد الله بن جحش وأسلم ثم هاجر إلى ~~الحبشة في الهجرة الثانية، ولما أقام في الحبشة اعتنق ~~النصرانية ومات عليها هناك، وبقيت هي على الإسلام، ~~فكتب الرسول إلى النجاشي أن يزوجه إياها ويبعث بها ~~إليه، فأخبرها النجاشي بذلك فقبلت، وأصدقها النجاشي ~~أربعمائة دينار، ثم بعث بها إلى النبي مع شرحبيل بن ~~حسنة، وكان ذلك في السنة السابعة للهجرة. # وماتت بالمدينة المنورة في سنة أربع وأربعين للهجرة، ~~وقيل: بل في سنة اثنتين وأربعين في خلافة معاوية بن ~~أبي سفيان. # 14 # السيدة ميمونة بنت خزيمة بن الحارث ~~الهلالية # وأمها السيدة هنيدة بنت عوف بن زهير بن الحارث، وهي ~~أخت السيدة زينب بنت خزيمة. # وقد خطبها النبي في السنة السابعة من الهجرة من زوج ~~أختها جعفر بن أبي طالب بعد موت زوجها أبي رهم بن عبد ~~العزى القرشي، فأنكحه إياها، وتزوجها بسرف وهو ~~على عشرة أميال من مكة. وماتت في هذا المكان في سنة ~~إحدى وخمسين للهجرة، وصلى عليها ابن عباس. # 15 # السيدة صفية بنت حيي بن أخطب اليهودية # كانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، الشاعر الوجيه ~~اليهودي الذي قتل يوم خيبر، تزوجها الرسول بعد مقتل ~~زوجها في سنة سبع للهجرة، وكان بينها وبين السيدة حفصة ~~كلام وعتاب، وكان النبي يلاطفها ويجاملها. ويروى أن ~~عمر بعث إليها أنه بلغه من جارية لها أنها تحب السبت، ~~وأنها تصل اليهود، فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ ~~أن بنى بي رسول الله يوم الجمعة، وأما اليهود فإن لي ~~فيهم رحما فأنا أصلها. ثم قالت للجارية: ما حملك على ~~ما صنعت؟ قالت: الشيطان. فقالت صفية: اذهبي فأنت ~~حرة. وكانت صفية حليمة عاقلة فاضلة. # ماتت في رمضان سنة خمسين في زمن معاوية، ودفنت ~~بالبقيع، وخلفت ما قيمته ألف درهم من أرض وعرض، ~~وأوصت لابن أختها، وقيل: بل لأخيها، بثلث مالها، وكان يهوديا. # 16 # هؤلاء هن زوجاته # صلى الله عليه وسلم ~~، ولم يتزوج بهن إلا بعد ~~وفاة السيدة خديجة، ولم يتزوج بواحدة منهن إلا لسبب ~~من ms166 مصلحة عامة أو غيرة أو غير ذلك من الأساليب التي ~~كان هو # صلى الله عليه وسلم # أدرى بها، لا لأسباب جنسية بحتة كما ~~يزعم ذلك بعض الضالين من الزنادقة أو المغرضين من ~~المستشرقين. فأول امرأة تزوج بها بعد وفاة خديجة ~~كانت سودة، وإنما تزوج بها لتقوم بأمور بيته، ثم ~~تزوج بالسيدة عائشة، وما كان تزوجه بها إلا لأنه ~~كان يحب أن يرتبط بأبي بكر ارتباطا تقويه وشائج الدم ~~مع وشائج الأخوة والإسلام، وكذلك كان أمر زواجه بحفصة ~~بنت عمر. وأما زينب بنت خزيمة فقد كانت سيدة نبيلة ~~أصيبت بزوجها واشتد ولهها عليه، فلم يجد النبي بدا ~~من التزوج بها، ولم تلبث عنده إلا شهرين حتى لحقت ~~بزوجها، وقد ظل النبي الكريم وفيا لها ولأسرتها ~~فتزوج بأختها ميمونة. وأما أم سلمة فقد كانت امرأة ~~كهلة، ولما مات زوجها يوم بدر اشتد حنينها إليه ~~فواساها النبي قائلا: «سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك، ~~وأن يخلفك خيرا.» فقالت: ومن يكون خيرا من أبي سلمة! ~~فأدرك النبي # صلى الله عليه وسلم # أنها تريده بعد أن رفضت الزواج ~~بأبي بكر وعمر وتزوجها. وأما زينب فإنما تزوجها ~~ليزيل ما علق بأذهان الناس يومئذ من أن مطلقات ~~المتبنين حرام على المتبني، كما بينا ذلك وكما ~~أشارت إليه الآية الكريمة. وأما زواجه برملة بنت أبي ~~سفيان فقد كان شاهدا على النجدة والمروءة والشرف؛ ~~لأنه رآها بعد مخالفتها لأبيها وهجرتها مع زوجها إلى ~~الحبشة فرارا بدينها، وفجيعتها بزوجها، أهلا لأن ~~تصان ويكون لها عضد يحميها، فكان هو ذلك العضد. وأما ~~جويرية فقد كانت بنت سيد قومها، فلما وقعت سبية ~~واستعطفته، عطف عليها ورحمها وتزوجها، وكان زواجه ~~بها سببا في عتق أسرى قومها. وأما صفية فكان أمرها ~~كأمر جويرية. # هذا هو السر في تعدد أزواج النبي # صلى الله عليه وسلم # لا ما ~~يزعمه المغرضون والضالون. # وهناك أيضا عدد من السراري المملوكات تزوج بهن ~~رسول الله؛ وهن أربعة: «مارية القبطية»، وهي التي ~~أهداها إليه المقوقس صاحب مصر والإسكندرية في سنة سبع، ms167 ~~وكان معها أختها سيرين وهدايا أخرى، وكان النبي ~~معجبا بها. وقد ولدت له ابنه إبراهيم في ذي الحجة من ~~السنة الثامنة، وماتت في خلافة عمر سنة ست عشرة ~~للهجرة، فصلى عليها عمر ودفنها بالبقيع. و«ريحانة ابنة ~~شمعون» القرظية، وقيل: النضرية، ملكها النبي بعد غزو ~~قومها بني قريظة أو بني النضير، فلم تزل عنده حتى ماتت ~~بعد رجوعه من حجة الوداع ودفنها بالبقيع. وكانت له # صلى الله عليه وسلم # سريتان أخريان: إحداهما أهدتها إليه زوجته ~~السيدة زينب بنت جحش، والثانية أمة يهودية من بني ~~قريظة اسمها زليخة. ~~(2) أولاده # صلى الله عليه وسلم # اضطربت روايات المؤرخين في عدد أولاد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولكنهم ~~أجمعوا على ستة؛ هم: القاسم، وإبراهيم، وزينب، ورقية، وأم ~~كلثوم، وفاطمة. وزاد ابن هشام في السيرة: الطاهر، والطيب. وزاد ~~الزبير بن بكار: أنه ولد له ولد أيضا اسمه عبد الله، وأنه مات ~~صغيرا بمكة وهو الملقب بالطيب. ويقال: إن الطاهر والطيب ~~وعبد الله اسم لمسمى واحد، وهو قول الأكثرين، وقيل غير ذلك، ~~حتى أوصلهم بعضهم إلى اثني عشر مولودا. # 17 # وقد ولدوا كلهم قبل الإسلام من السيدة خديجة، إلا إبراهيم ~~فإنه ولد بعد الإسلام من السيدة مارية. ومات البنون منهم قبل ~~الإسلام أيضا وهم يرتضعون، وكان القاسم هو أول ولد ولد له ~~قبل النبوة، وبه كني، وعاش حتى مشى ثم مات. # أما أكبر البنات فهي «زينب»، ولدت سنة ثلاثين من مولد ~~النبي، وأدركت الإسلام فأسلمت، وأبى زوجها أبو العاصي بن ~~الربيع أن يسلم، فتركته وهاجرت إلى الحبشة، ثم ماتت في السنة ~~الثامنة للهجرة. # 18 # وتليها «رقية»، وقد ولدت في سنة ثلاث وثلاثين من ~~مولده، وقد تزوجها عتبة بن أبي لهب قبل البعثة النبوية، وقد ~~طلقها بعد أن نزلت سورة: # تبت يدا ~~أبي لهب # على رسول الله. وكذلك «أم كلثوم»، ~~فقد كانت تحت عتيبة بن أبي لهب، أخي عتبة، وقد طلقها أيضا ~~بعد أن نزلت سورة «تبت». # وأما ابنته السيدة فاطمة، فقد ولدت سنة إحدى وأربعين من ~~مولده، ms168 وزوجها النبي من ابن عمه علي بن أبي طالب في السنة ~~الثامنة، وقد ظلت معه طوال عمره وبقيت بعد قتله بستة أشهر، وهي ~~أم ريحانتي رسول الله الحسن والحسين رضوان الله ~~عليهما. ~~(3) أمواله وتركته وميراثه # صلى الله عليه وسلم # المتواتر عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه كان زاهدا في الدنيا ~~وأموالها ومتعها، وأنه إنما كان ينال منها ما يسد به أوده، ~~ويكفي به عياله من خبز الشعير ومتواضع الإدام، وخشن الثياب، ~~وهذا جعل بعض أهل بيته يضجون من كثرة التضييق عليهم؛ فقد ذكر ~~المؤرخون أن نساء النبي ضقن ذرعا بحياة الخشونة، فأجمعن على ~~أن يسألنه ما يترفهن به، فغضب لذلك أشد الغضب، ورأى أن يطلقهن ~~كلهن، وفي ذلك نزلت الآية الكريمة: # يا ~~أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن ~~تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما ~~. وقد ~~روى جابر بن عبد الله أن أبا بكر الصديق جاء يوما إلى رسول ~~الله يستأذن عليه والناس ببابه جلوس، والنبي جالس، فلم يؤذن ~~له، ثم جاء عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لهما ودخلا عليه ~~وهو جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن رسول الله ~~لعله يضحك. فقال: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر ~~- سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها. فضحك النبي حتى بدت ~~نواجذه، وقال: «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة.» فقام أبو بكر ~~إلى عائشة يضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان ~~رسول الله ما ليس عنده! فنهاهما رسول الله، فقالت نساؤه: والله ~~لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. وأنزل الله آية ~~التخيير: # يا أيها النبي ~~قل لأزواجك ~~، فبدأ رسول الله بعائشة فقال ~~لها: «إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستشيري ~~أبويك.» فقالت: ما هو؟ فتلا عليها الآية، فقالت: أفيك أستأمر ~~أبوي؟ بل أختار الله ورسوله. ثم طاف رسول الله بحجر زوجاته ms169 ~~فكلهن قلن مثل قولها ... # إن هذه القصة تدلنا على أن الرسول الكريم كان شديد الزهد في ~~مفاتن الدنيا ومباهجها ومتعها وملاذها، وأنه كان يريد أن يجعل ~~أهل بيته كنفسه، ويظهر أنهن لما اشتدت عليهن قسوة تلك الحياة ~~الخشنة لجأن إلى الإلحاف، فلجأ هو # صلى الله عليه وسلم # إلى فكرة الطلاق، ~~ثم كان ما كان مما رأيت. وهكذا قضى رسول الله عمره كله حتى بعد ~~أن فتح الله عليه الفتوح، وتواردت إليه المغانم، ولكنه # صلى الله عليه وسلم # آثر ما عند الله على ما في الدنيا. # ولما توفي الرسول لم يخلف دينارا ولا درهما، ولا عبدا ~~ولا شيئا إلا بغلته، وثيابه، وسلاحه، وقطعة أرض في خيبر وفدك. ~~أما البغلة فهي التي أهداها إليه المقوقس، فلما وصلته ~~استحسنها، وكان يركبها في أسفاره وفي المدينة المنورة، ويقال ~~إنها كسرت حتى زالت أضراسها، فكان يحش لها الشعير، وكان ~~يركبها بعده # صلى الله عليه وسلم # علي، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم محمد بن ~~الحنفية، حتى عميت من الكبر. # 19 # وأما السلاح فقد رووا أنه كان له # صلى الله عليه وسلم # ثلاثة ~~سيوف وبعض الأرماح وبعض القسي والدروع والتروس، وأن كثيرا ~~من هذه العدد أخذها من سلاح بني القينقاع. # 20 # وأما الثياب، فيقال إنه # صلى الله عليه وسلم # توفي وله ثوبا ~~حبرة، وإزار عماني، وثوبان صحاريان، وقميص صحاري، وقميص سحولي، ~~وجبة يمنية، وقميص، وكساء أبيض، وقلانس صغار ثلاث أو أربع، ~~وإزار طوله خمسة أشبار، وملحفة مورسة. # 21 # وأما الأرضون، فهي التي اصطفاها لنفسه من أرض خيبر ~~وأرض فدك، وبقعة في المدينة جعلها صدقة على فقراء ~~المسلمين. # ولما توفي رسول الله وتولى الأمر من بعده أبو بكر الصديق، ~~جعل جميع ما تركه النبي صدقة، فجاءت السيدة فاطمة إليه فقالت ~~له: من يرثك؟ فقال: «أهلي وولدي.» فقالت: فما لي لا أرث أبي؟ ~~فقال أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا ~~نورث، ما تركناه صدقة.» ولكني أعول من كان رسول الله يعوله، ~~وأنفق على من كان ms170 ينفق عليه. وأبى أن يدفع لها شيئا، فوجدت ~~عليه وهجرته، ولم تزل مهاجرته إلى أن مرضت. ويقال إن أبا بكر ~~لما سمع باشتداد مرضها زارها ورضاها فرضيت عنه بعد أن اعتذر ~~إليها وأقنعها بوجهة نظره. # 22 # والرواية المشهورة في ذلك تقول إن فاطمة رفضت أن ~~يدخل عليها في مرضها، وإنها طلبت من علي ألا يصلي عليها أبو ~~بكر، وإنه فعل ذلك، حتى إنه دفنها ليلا، ولم يؤذن بذلك أبا ~~بكر. ms171