######OpenITI# #META# URI: 1379MuhammadAscadTalas.TarikhUmmaCasrIttisaq.Hindawi61827135 #META# Tags: history #META# ID: 61827135 #META# Title: عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) #META# AuthorID: 35030937 #META# Author: محمد أسعد طلس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # القسم الأول: البيت الأموي في المشرق‏ # في العهد الأموي الأول‏ # 1 - معاوية بن أبي سفيان‏ # 2 - يزيد بن معاوية‏ # 3 - عهد معاوية بن يزيد ومروان ~~بن الحكم‏ # 4 - عبد الله بن الزبير‏ # 5 - في التنظيمات والتراتيب الإدارية‏ # 6 - في الحركات القلمية والعقلية‏ # 7 - في كبار الرجال في هذا العهد‏ # في العهد الأموي الثاني‏ # 1 - عبد الملك بن مروان‏ # 2 - الوليد بن عبد الملك‏ # 3 - سليمان بن عبد الملك‏ # 4 - عمر بن عبد العزيز‏ # 5 - يزيد بن عبد الملك‏ # 6 - هشام بن عبد الملك‏ # 7 - الوليد بن يزيد بن عبد الملك‏ # 8 - يزيد بن الوليد‏ # 9 - خلافة إبراهيم بن الوليد‏ # 10 - مروان بن محمد‏ # 11 - أسباب سقوط الدولة‏ # 12 - في التنظيمات والتراتيب الإدارية‏ # 13 - الحركات العلمية والعقلية‏ # القسم الثاني: البيت الأموي في المغرب ~~والأندلس‏ # توطئة‏ # 1 - فتح الأندلس1‏ # 2 - الدولة الأموية في الأندلس‏ # 3 - الدولة الأموية في الأندلس‏ # 4 - فترة الطوائف‏ # 5 - الحضارة الأندلسية والحركات العلمية‏ # القسم الأول: البيت الأموي في المشرق‏ # في العهد الأموي الأول‏ # 1 - معاوية بن أبي سفيان‏ # 2 - يزيد بن معاوية‏ # 3 - عهد معاوية بن يزيد ومروان ~~بن الحكم‏ # 4 - عبد الله بن الزبير‏ # 5 - في التنظيمات والتراتيب الإدارية‏ # 6 - في الحركات القلمية والعقلية‏ # 7 - في كبار الرجال في هذا العهد‏ # في العهد الأموي الثاني‏ # 1 - عبد الملك بن مروان‏ # 2 - الوليد بن عبد الملك‏ # 3 - سليمان بن عبد الملك‏ # 4 - عمر بن عبد العزيز‏ # 5 - يزيد بن عبد الملك‏ # 6 - هشام بن عبد الملك‏ # 7 - الوليد بن يزيد بن عبد الملك‏ # 8 - يزيد بن الوليد‏ # 9 - خلافة إبراهيم بن الوليد‏ # 10 - مروان بن محمد‏ # 11 - أسباب سقوط الدولة‏ # 12 - في التنظيمات والتراتيب الإدارية‏ # 13 - الحركات العلمية والعقلية‏ # القسم الثاني: البيت الأموي في المغرب ~~والأندلس‏ # توطئة‏ # 1 - فتح الأندلس1‏ # 2 - الدولة الأموية في الأندلس‏ # 3 - الدولة الأموية في الأندلس‏ # 4 - فترة الطوائف‏ # 5 - الحضارة الأندلسية والحركات العلمية‏ # | عصر الاتساق # | عصر الاتساق # | تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) # تأليف ms001 # محمد أسعد طلس # تاريخ بني أمية # في المشرق من سنة 40ه إلى سنة 132ه # وفي المغرب من سنة 138ه إلى سنة 422ه # مع موجز تاريخ الأندلس إلى حين سقوطها # سنة 897ه. # | القسم الأول: البيت الأموي في المشرق # | في العهد الأموي الأول # الفصل الأول # | معاوية بن أبي سفيان # 40-60ه/660-680م ~~(1) مقدمة: نهاية عهد الراشدين وبداية عهد الأمويين # اجتمع ثلاثة من متحمسي الخوارج في سنة 40ه، وهم: عبد ~~الرحمن بن عمرو بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله، ~~وعمرو بن بكر التميمي، فتذاكروا أمر المسلمين، والفتن # 1 # التي حصلت بينهم، وما صاروا إليه، وتقاسموا ~~على قتل «أئمة الضلالة»: # 2 # علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص. واتعدوا ~~لسبع عشرة تخلو من رمضان، وذهب كل منهم إلى المصر الذي ~~فيه صاحبه. # أما ابن ملجم فقدم الكوفة، واتفق مع شبيب بن بجرة ~~الأشجعي على قتل علي في ليلة الجمعة، حين يخرج إلى ~~المسجد لصلاة الغداة (الفجر). فلما كانت ليلة الجمعة وخرج ~~علي لصلاته، وجعل ينادي الناس: الصلاة. فاغتاله ابن ~~ملجم، وهو يقول: الحكم ~~لله يا علي لا لك ولا لأصحابك. فنادى علي: لا يفوتنكم ~~الرجل. وشد الناس عليه فلم يفلت، وأدخل على علي، ~~فقال: النفس النفس، إن أنا مت فاقتلوه، وإن بقيت رأيت ~~فيه رأيي. وبقي علي إلى يوم الأحد، ولما استراح من وجعه، ~~سأله جندب بن عبد الله، فقال: إن فقدناك - ولا نفقدك - ~~فنبايع الحسن؟ فقال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر. ثم ~~دعا الحسن والحسين، وأوصاهما بتقوى الله وألا يبغيا ~~الدنيا، ولا يبكيا على شيء زوي عنهما، وأن يقولا الحق ~~ويرحما اليتيم، ويغيثا الملهوف، ويصنعا للآخرة، ويكونا ~~للظالم خصما، وللمظلوم ناصرا، ويعملا بما في كتاب الله، ~~ولا يأخذهما في الله لومة لائم. # ولما لقي ربه بايعه الناس، وكان أول من بايعه قيس بن ~~سعد بن عبادة، قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة ~~نبيه، وقتال المخلين. فقال الحسن: على كتاب الله وسنة ~~نبيه، فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط. ثم خرج إلى ms002 المدائن، ~~وبعث قيس بن سعد في اثني عشر ألفا، وأقبل معاوية في أهل ~~الشام حتى نزل في مسكن. # 3 # ولم يلبث الحسن أن يصل إلى المدائن، حتى نادى ~~مناد أن قيس بن سعد قد قتل. فنفر الناس، ونهبوا سرادق ~~الحسن، حتى نازعوه بساطا كان تحته، وخرج الحسن حتى لجأ ~~إلى المقصورة البيضاء في المدائن، ثم بعث إلى معاوية يطلب ~~الصلح، فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن ~~بن سمرة بن حبيب، فأعطياه ما أراد، وصالحاه على أن يأخذ من ~~بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف وأشياء أخرى اشترطها. # 4 # وكان الحسن كارها لذلك كله، ودخل معاوية ~~الكوفة فبايعه الناس، وكان ذلك لخمس بقين من ربيع الأول ~~سنة 41ه بمحضر الحسنين اللذين غادرا الكوفة إلى المدينة. ~~ولم يلبث الحسن أكثر من شهرين حتى مات. # وأخذ معاوية يرتب أمور العراق، فولى البصرة عبد الله ~~بن عامر، وطلب إليه أن يستمر في حرب سجستان وخراسان، وقفل ~~هو إلى الشام، فغزا بلاد الروم وهزمهم، وقتل جماعة من بطاركتهم. # 5 # واستقرت له الأمور. ~~(2) خلافة معاوية 40-60ه/660-680م # هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن ~~عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمه هند بنت عتبة بن ~~ربيعة بن عبد شمس، وكان أمية من سادات قريش وتجارها، كثير ~~المال والجاه، وكان ابن حرب قائد قريش يوم الفجار، وكان ~~أبو سفيان من أشياخ مكة، أسلم في السنة التي فتح فيها ~~الرسول مكة، قائد حروب قريش ضد النبي، وهو صاحب العير التي ~~قدمت من الشام إلى مكة، والتي من أجلها وقعت غزوة بدر ~~الكبرى، وكان التنافس بين هاشم بن عبد مناف، وأخيه عبد شمس ~~بن عبد مناف قديما منذ الجاهلية، ولهذا لا عجب أن استمر ~~هذا التنافس بينهما في الإسلام. # ولد معاوية بمكة قبل الهجرة بخمس عشرة سنة، فنشأ نشأة ~~فتيان قريش، وكان كاتبا مجيدا وفصيحا، جوادا وعاقلا ~~حكيما، وحليما وقورا. # 6 # قال قبيعة بن جابر الأسدي: صحبت عمر بن ~~الخطاب، ms003 فما رأيت رجلا أفقه فقها، ولا أحسن مدارسة ~~منه، ثم صحبت طلحة بن عبيد الله، فما رأيت رجلا أعطى ~~للجزيل من غير مسألة منه، ثم صحبت معاوية، فما رأيت رجلا ~~أحب رفيقا ولا أشبه سريرة بعلانية منه. # 7 # أسلم يوم الفتح سنة 8ه هو وأبوه وأخوه يزيد ~~وأمه هند، وله من العمر 23 سنة فاتخذه الرسول كاتبا، وقال ~~المدائني: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، وكان معاوية يكتب ~~للنبي فيما بينه وبين العرب. # 8 # ولما بعث أبو بكر الجيوش الأربعة # 9 # إلى الشام ولى أحدها يزيد بن أبي سفيان، ~~كان معاوية في ذلك الجيش. وفي عهد عمر أقر يزيد في ~~قيادته. ولما اجتمعت الجيوش الأربعة في اليرموك بقيادة ~~خالد جعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص، ~~وعلى الميسرة يزيد، فظفر المسلمون ثم حاصروا دمشق وفتحوها ~~سنة 13ه، واتجهوا إلى «إيليا» القدس فحاصروها، وقدم عمر ~~ففتحت على يديه في سنة 16ه، وعهد عمر بإمارة دمشق إلى ~~يزيد بن أبي سفيان لما أبلاه في الفتح. ولما صار يزيد إلى ~~دمشق ولى أخاه معاوية غزو قيسارية، ففتحها في شوال سنة ~~19ه. ولما مات يزيد في ذي الحجة سنة 19ه، وكان مستخلفا ~~أخاه معاوية على دمشق، فأقره عمر على ذلك، وجعل له ألف ~~دينار في الشهر. # 10 # وكان عمر يحبه ويعجب بإدارته وحكومته. وروى ~~ابن عبد البر أن عمر لما دخل الشام ورأى معاوية قال: هذا ~~كسرى العرب. وكان قد تلقاه معاوية في موكب عظيم، فلما ~~دنا منه قال له: أنت صاحب الموكب العظيم؟ قال: نعم يا أمير ~~المؤمنين. # قال: مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك؟! # قال: مع ما يبلغك من ذلك. # قال: ولم تفعل هذا؟ # قال: نحن بأرض جواسيس العدو بها كثيرة، فيجب أن نظهر من ~~عز السلطان ما نرهبهم به، فإن أمرتني فعلت، وإن نهيتني ~~انتهيت. فقال عمر لمعاوية: ما أسألك عن شيء إلا تركتني ~~في مثل رواجب الفرس، إن كان ما قلت حقا إنه لرأي أريب، ms004 ~~وإن كان باطلا إنه لخدعة أديب. # قال: فمرني يا أمير المؤمنين. # قال: لا آمرك ولا أنهاك. # فقال عمرو: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر الفتى عما ~~أوردته. # قال: لحسن مصادره وموارده جشمناه ما جشمناه. # 11 # ومات عمر ومعاوية أمير على البلقاء، والأردن، ~~وفلسطين، والسواحل، وأنطاكية ومعرة مصرين، وقليقية، ودمشق. # 12 # ولما مات عمر واستخلف عثمان، أقر معاوية ~~على عمله وولاه الشام كله. # وفي سنة 27 أو 28ه غزا معاوية قبرص، وهو أول غزو للروم # 13 # ورجع عنها صلحا. # وفي سنة «30ه» أجلى معاوية أبا ذر عن الشام إلى المدينة؛ ~~وسبب ذلك أن أبا ذر انتقد إدارة معاوية، واحتجازه الأموال ~~دون المسلمين، فأخذ يثير الناس عليه، فكتب معاوية إلى ~~عثمان يخبره، فكتب إليه: جهز أبا ذر وابعث معه دليلا، ~~وزوده وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت. فبعث بأبي ~~ذر، فلما أتى عثمان قال له: يا أبا ذر ما لأهل الشام يشكون ~~ذرا؟ # فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال «مال الله»، ولا ينبغي ~~للأغنياء أن يقتنوا مالا، فقال: يا أبا ذر علي أن أقضي ~~ما علي، وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد، وأن ~~أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد. # قال: أفتأذن لي بالخروج، فإن المدينة ليست لي بدار، فأذن ~~له فخرج إلى الربذة، فخط بها مسجدا، وأقطعه عثمان صرمة من ~~الإبل، وأعطاه مملوكين وأرسل إليه أن تعاهد المدينة حتى لا ~~ترتد أعرابيا. # 14 # وإنما قام أبو ذر بحركته متأثرا بتحريض عبد ~~الله بن سبأ، وهو يهودي يمني أظهر الإسلام، وأخذ يتنقل في ~~الحجاز والعراق ومصر والشام، ويعمل على إفساد أمر الإسلام. ~~وقد استمر أبو ذر في تحريض الناس على عثمان إلى أن وقعت ~~الفتنة التي ذهب عثمان ضحيتها. # 15 # وفي سنة 31 خرج أهل الشام، وعليهم معاوية، وعلى البحر ~~عبد الله بن سعيد، وخرج عامئذ قسطنطين بن هرقل لما أصاب ~~المسلمون منهم بإفريقية في جمع لم يجتمع مثله قط مذ كان ~~الإسلام، فخرجوا في خمسمائة مركب، فربط المسلمون سفنهم ~~بعضها ms005 إلى بعض، حتى كان يضرب بعضهم بعضا على سفن المسلمين ~~وسفن الروم، وقاتلوهم أشد قتال، ووثبت الرجال على الرجال ~~يضطربون بالسيف على السفن ويتواجئون بالخناجر، حتى رجعت ~~الدماء إلى الساحل تضربها الأمواج، وطرحت الأمواج جثث ~~الرجال ركاما، ثم انتصر المسلمون وانهزم قسطنطين مدبرا، ~~فما انكشف إلا لما به من القتل والجرح. # وفي سنة 32ه غزا معاوية الروم بحرا، بلغ مضيق ~~القسطنطينية ورجع عنها. # 16 # ولما قتل عثمان في 18 ذي الحجة سنة 35ه، ~~وبايع الناس عليا امتنع معاوية من مبايعته، فقد كتبت ~~نائلة امرأة عثمان إلى معاوية كتابا، تخبره فيه في أمر ~~عثمان ومقتله، وتعلمه أن أهل مصر أسندوا أمرهم إلى علي ~~وابن أبي بكر وعمار، فأمروهم بقتله، وبعثت بقميصه إليه، ~~فثار أهل الشام وقالوا: والله لنقتلن عليا. # 17 # ثم إن عليا ولى على الشام سهل بن حنيف، ~~وسار سهل إلى الشام، فلقيته عند تبوك خيل أهل الشام، ~~فقالوا: من أنت؟ قال: أمير. قالوا: على أي شيء؟ قال: على ~~الشام. قالوا: إن كان بعثك عثمان فأهلا بك، وإن كان ~~بعثك غيره فارجع. # قال: أوما سمعتم بالذي كان؟ # قالوا: بلى. # فرجع إلى علي فاشلا. # 18 # وإذا أردنا أن نعقب على مقتل عثمان، فلا بد لنا من ~~استفظاع هذا الحادث؛ لأن قتل خليفة شيخ بهذا الشكل هو حادث ~~إجرامي فظيع، كان على أهل المدينة أن يمنعوا وقوعه، وإن ~~فتورهم في الدفاع عن الخليفة المحصور لفتور مخز يدل على ~~تفسخ. ومهما كانت المسوغات للثورة على عثمان، فإن عقلاء ~~المدينة ورجالاتها كانوا يستطيعون تلافي الأمر، ولكنهم ~~تواكلوا وتخاذلوا؛ فإن الثوار حين قدموا إلى المدينة - ~~وكان أكثرهم من عرب مصر - ورفعوا شكواهم إلى الخليفة لسوء ~~تصرفه وفساد عماله، فوعدهم بأن يزيل أسباب الشكوى، ~~وبينما هم عائدون إلى بلادهم، إذ يرجعون إلى المدينة ومعهم ~~كتاب عثروا عليه، وفيه يطلب الخليفة من عامله على مصر أن ~~يفتك بهم، فأنكر الخليفة ذلك الكتاب، ثم تبين أن الذي ~~كتبه هو مروان بن الحكم كاتب الخليفة. فاشتط الثوار على ~~عثمان ms006 في القول، وقالوا له: إن كان كاتبك يكتب باسمك وأنت ~~لا تدري، فأنت لست بخليفة، ولا أهل لها. ثم طالبوه أن ~~يخلع نفسه فأبى، وقال: لا أنزع سربالا سربلنيه الله. وقد ~~أخطأ عثمان في قوله، فقد كان ينبغي عليه أن يتخلى ويترك ~~الأمر للمسلمين، ولكن تقاعس أهل المدينة وتشتت رأيهم جعل ~~الخليفة يقف هذا الموقف. ثم تطور الأمر إلى قتله بيد كنانة ~~بن بشر التجيبي اليمني في 18 ذي الحجة سنة 35. ولا شك كان ~~قتله حادثا فظيعا جعل المسلمين ينقسمون معه وعليه، كما ~~أن أهله وقبيلته من بني أمية ستطالب بدمه، وستعمل على ~~الانتقام من قتلته، ومن أهل المدينة الذين أسلموه. # والحق أن كثيرا من أهل المدينة قد تواكلوا في الدفاع عن ~~عثمان، وفي الدخول في الفتنة بين عثمان والثوار، وخصوصا ~~حين رأوا الثوار الذين قتلوا عثمان - وعلى رأسهم عبد الله ~~بن سبأ - يلحون في تولية علي قسرا، ولم يكن في ~~المدينة يومئذ من كبار الصحابة كثيرون، فقد ذهبوا في ~~الفتوح إلى الأمصار، وكان أجل الصحابة الموجودين في ~~المدينة طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن ~~عمر، وهم مترددون في توليته؛ وحسان بن ثابت، ومسلمة بن ~~مخلد، وأبو سعيد الخدري، والمغيرة بن شعبة وهم ميالون ~~إلى بني أمية؛ ولذلك لم يكن انتخاب علي انتخابا ~~إجماعيا ولكنها بيعة تمت بالغلبة. # ثم كانت معركة الجمل، وخروج علي إلى البصرة لقتال عائشة، ~~وطلحة والزبير، اللذين نقضا بيعتهما وادعيا أنهما بايعاه ~~مكرهين، ولعب كثير من المنافقين والسبئية في إشعال روح ~~الفتنة والفرقة بين الجانبين، فوقع القتال بينهما، وانتهت ~~المعركة بفوز علي، وتسيير عائشة إلى الحجاز، والسيطرة على ~~البصرة، وقد ولاها الإمام عبد الله بن عباس، وضم إليه ~~فتى ناشئا ذا مواهب عظيمة، انضم إليه هو زياد ابن أبيه، ~~وقد انتهز معاوية تلك الفرصة؛ لتثبيت أمره في الشام، ~~والمناداة بنفسه أميرا للمؤمنين. # 19 # ولما انتهت معركة الجمل بفوز علي لم يبق أمامه سوى ~~معاوية، وبذلك انشطر المسلمون شطرين: ~~(1) # العثمانيون: وعلى رأسهم معاوية وبنو ms007 أمية ~~وأنصارهم. ~~(2) # والعلويون: وعلى رأسهم علي وبنو هاشم. وقد ~~صورت السيدة أم الخير بنت الحريش البارفية ما ~~كان بين الشطرين المتناحرين في الخطبة التي ~~ألقتها يوم صفين بقولها: «يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم، إن زلزلة الساعة شيء عظيم، إن ~~الله قد أوضح الحق وأقام به الدليل ... أفرارا ~~عن أمير المؤمنين؟ أم فرارا عن الزحف؟ ~~أورغبة عن الإسلام؟ أم ارتدادا عن الحق؟ قد ~~عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرغبة، ~~وبيدك يا ربي أزمة القلوب، فاجمع الكلمة على ~~التقوى، وألف القلوب على الهدى. هلموا - ~~رحمكم الله - إلى الإمام العادل، والوصي ~~الوفي، والصديق الأكبر، إنها إحن بدرية ، ~~وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية، وثب بها ~~معاوية ليدرك بها ثارات بني عبد شمس، والله ~~أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق، وتعطل ~~الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان، ~~لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش ~~وطيبه، فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عم ~~رسول الله، وزوج ابنته، وأبي ابنيه، خلق من ~~طينته، وتفرع عن نبعته، وخصه بسره، ~~وجعله باب مدينته، وأعلم بحبه المسلمين، وأبان ~~ببغضه المنشقين، قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل ~~أحد، وفرق جمع هوازن، فيا لها وقائع زرعت في ~~قلوب قوم نفاقا وردة وشقاقا.» # ولما انتصر الإمام علي في معركة الجمل بعث جرير بن عبد ~~الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى بيعته، ومعه كتاب يعلمه ~~فيه بإجماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ونكث طلحة ~~والزبير، وما كان من أمرهما يوم الجمل، فأخذ معاوية ~~الكتاب، وماطل جريرا في الجواب، وكتب إلى عمرو بن العاص ~~كتابا صورته: «أما بعد، فإنه كان من أمر علي وطلحة ~~والزبير ما قد بلغك، فقد قدم علي جرير بن عبد الله في ~~بيعة علي، وحبست نفسي عليك حتى تأتيني، فاقدم على بركة الله.» # 20 # ولما قدم عمرو أشار على معاوية أن يلزم ~~عليا بدم عثمان، وأن يسلم إليه قتلة عثمان، وأن ~~يحاربه بجند الشام إن أبى. # 21 # ورجع جرير إلى علي وأخبره خبر معاوية. # ومما تجدر الإشارة إليه أن معاوية كان بين شقي ms008 رحى الروم ~~في الشمال يهددونه، والمصريون في الجنوب قد بايعوا عليا، ~~وقد استطاع معاوية بدهائه أن يخرج من هذا المأزق، فصالح ~~الروم وتعهد لهم بدفع مال يؤديه إليهم لقاء عدم مهاجمتهم، ~~ومصر التي كان عليها شاب غير مجرب اسمه محمد بن أبي حذيفة، ~~استطاع أن يفتك به بمعاونة عمرو بن العاص، وهكذا تمكن ~~معاوية من أن يسير إلى علي وهو مطمئن البال على بلاد ~~الشام. # سار علي من الكوفة إلى صفين في تسعين ألفا لخمس بقين من ~~شوال سنة 36، وسار معاوية من الشام في «85 ألفا» والتقوا ~~عند صفين. قال ابن سعد: «اقتتل الناس بصفين قتالا شديدا ، ~~لم يكن في هذه الأمة مثله قط، حتى كره أهل الشام وأهل ~~العراق القتال، وملوه من طول تباذلهم السيف.» # وتراسل الطرفان ~~فاتفقا على الموادعة إلى آخر المحرم سنة 37. ومن يقرأ ما ~~أورده الطبري، يحكم بأن عدم انتهاء الطرفين إلى نتيجة طيبة ~~راجع إلى فساد الرسل وطيشهم. وفي أول صفر سنة 37 عاد ~~القتال بين الطرفين، وكادت الدائرة تدور على معاوية ~~وجماعته، وقال لعمرو بن العاص: هلم مخبآتك يا ابن العاص ~~فقد هلكنا، واستطاع عمرو بدهائه أن يفرق بين جند علي، ~~فانقسموا على أنفسهم حين قال عمرو لجنوده: أيها الناس من ~~كان معه مصحف فليرفعه على رمحه، فرفعوا المصاحف، وقال ~~قائلهم: هذا كتاب الله - عز وجل - بيننا وبينكم، فلما رأى ~~أهل العراق المصاحف مرفوعة قالوا: نجيب إلى كتاب الله. # 22 # وقد أراد عمرو أن يحول دون العراقيين والنصر، ~~فكان له ما أراد، وعبثا حاول علي أن يحول دون ذلك، ثم كان ~~من أمر التحكيم ما كان، واتفق الطرفان على خلع صاحبيهما، ~~وخلع أبو موسى صاحبه عليا، وجعل الأمر شورى بين ~~المسلمين، ولم يفعل ذلك عمرو بن العاص لصاحبه معاوية، بل ~~قال: إنه يقر أبا موسى على قوله، أما هو فلا يخلع ~~صاحبه، فثارت الخوارج، وكان من الخوارج ما كان، إلى أن ~~انتهى الأمر بقتل الإمام علي كما مر وتولية ~~الحسن. ~~(3) عام الجماعة # لما قتل ms009 الإمام علي وبايع الناس ابنه الحسن، رأى أنه لا ~~يستطيع الوقوف أمام معاوية؛ لخذل العراقيين إياه وقوة ~~الأمويين، فتنازل عن الخلافة وفقا للشروط الآتية: أن يكون ~~له ما في بيت مال الكوفة، وهو نصف مليون دينار، وأن يكون ~~له خراج دارابجرد. # 23 # وأن يكون الأمر بعد وفاة معاوية شورى بين ~~المسلمين يولون عليهم من أحبوا. وهكذا صار معاوية صاحب ~~السلطان في الأقاليم الإسلامية كلها. ودخل معاوية الكوفة ~~في جمادى الأولى سنة 41ه، فبايعه الناس بمحضر الحسن ~~والحسين، ثم خرجا إلى المدينة. # 24 # واتفقت كلمة جمهور المسلمين، فسمي ذلك اليوم ~~عام الجماعة. # 25 # أما الحسن فإنه لم يلبث طويلا في المدينة حتى ~~مات بعد نحو شهرين من وصوله إليها. # 26 # ومنذ سنة 42ه استقرت الأمور لمعاوية في كافة أرجاء ~~العالم الإسلامي، ولم يكن له خصوم سوى العلويين، وكانوا ~~متفرقين في الحجاز والعراق ومصر، وسوى الخوارج الذين كانوا ~~يكرهون الأمويين والعلويين معا. ويرونهم مارقين من ~~الدين. # أما العلويون فقد كانت الكوفة أكبر مراكزهم في العراق، ~~ولكن تنازل الحسن لمعاوية جعلهم يتخاذلون، ولكن السياسة ~~التي سار عليها معاوية في سب علي والتشهير به على ~~المنابر جعلتهم يتحمسون؛ فقد روى الطبري أن معاوية ولى ~~المغيرة بن شعبة على الكوفة، وأمره بلعن علي، فأخذ هذا ~~يلعن عليا كلما قام خطيبا، وبينما هو كان يخطب مرة ~~سب عليا ومدح عثمان، فقام إليه حجر بن عدي وقال له: إن ~~من تذمون وتعيرون لأحق بالفضل، وإن من تزكون وتطرون ~~أولى بالذم. # 27 # فقال له المغيرة: «ويحك اتق السلطان وغضبه وسطوته، فإن ~~غضب السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك.» وظل حجر على عدائه ~~حتى مات المغيرة، وولي الكوفة بعده زياد ابن أبيه، فاتبع ~~طريقة من كان قبله، فضاقت الشيعة ذرعا وأخذوا يتشاورون في ~~الأمر، واتفقوا على أن يسبوا معاوية في المجتمعات العامة، ~~إلى أن يكف الأمويون عن سب علي، فلما بلغت هذه الأخبار ~~زيادا، وكان يقيم بالبصرة، فقدم الكوفة واستدعى حجرا ~~فهدده، ثم بعث به وبجماعة آخرين إلى معاوية، فقتل ms010 منهم ~~ثمانية، وأخذ زياد ومعاوية يضيقون على الشيعة حتى صار ~~الناس يكتمون تشيعهم، وركدت الحركة العلوية إلى ~~حين. # وأما الخوارج # 28 # وهم في الأصل جماعة من الشيعة انشقوا عن ~~إخوانهم وشتموهم وضربوهم لما قبلوا بالتحكيم، وقالوا لهم: ~~يا أعداء الله أوهنتم في أمر الله - عز وجل - وحكمتم ~~الناس في دين الله، ولما دخل علي الكوفة لم يدخلوا معه، ~~وذهبوا حتى أتوا حروراء، فنزل منهم فيها اثنا عشر ألفا، ~~وأمروا عليهم للقتال شبث بن ربعي، وللصلاة عبد الله بن ~~الكواء اليشكري، وقالوا: إن الأمر شورى والبيعة لله - عز ~~وجل - ولا حكم إلا لله، فبعث إليهم الإمام من ينصحهم فلم ~~يقولوا قوله وسفهوا أمراءه، وسار إليهم فلقيهم على ~~النهروان ، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وهرب قسم منهم فتسللوا ~~إلى الكوفة، وقسم تفرق في الأمصار وكان ذلك سنة 38ه، ~~ولما قتل علي وأفلت معاوية منهم عزم على أن يطهر ~~البلاد منهم، وكان زعيمهم في هذا الوقت فروة بن نوفل ~~الأشجعي، وهو ممن اعتزل عليا وأقام في شهرزور، فلما بايع ~~الحسن معاوية قال لأصحابه: سيروا إلى معاوية، فخرجوا إليه، ~~وكان في الكوفة يومئذ لم يبرحها إلى الشام، فقال ~~للكوفيين: لا أمان لكم عندي والله حتى تكفوا بوائقكم ~~وتقاتلوهم، فخرج أهل الكوفة إلى الخوارج يقاتلونهم، فقال ~~لهم الخوارج: ويحكم، ما تبغون؟ أليس معاوية عدونا وعدوكم؟ ~~دعونا نقاتله فإن أصبناه كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن ~~أصابنا كنتم قد كفيتمونا. فأبى أهل الكوفة إلا القتال ~~حتى غلبوهم. # 29 # ثم تجمعوا ثانية بزعامة حيان بن ظبيان ~~السلمي، والمستورد بن علقة التيمي وجرت لهم مع المغيرة بن ~~شعبة معارك، ثم لما عزل المغيرة عن العراق وولى زياد ابن ~~أبيه وأوصاه بالفتك بهم، فأخضعهم وجرت لهم مع زياد وقائع ~~كثيرة سنبينها فيما بعد. ~~(4) الفتوح في عهد معاوية # عني معاوية عناية شديدة بحرب الروم، ورأى أن خير وسيلة ~~لحربهم هي في تجهيز أسطول بحري، فوجه همته إلى بناء ~~عمارة بحرية ضخمة، بلغت فيما يقال 1700 سفينة، استطاع أن ~~يفتتح قبرص ورودس وبعض ms011 جزائر بلاد يونان، كما أنه اهتم ~~بالغزو البري لبلاد الروم، فرتب الشواتي والصوائف، وقد ~~بلغه في سنة 41 وأمره لم يترتب بعد، أن الروم في عهد ~~الإمبراطور كونستانس الثاني 642-668 يريدون الزحف على ~~الشام في جموع جمة، فخاف أن يشغلوه عما يحتاج إلى ترتيبه، ~~فوجه إليهم من صالحهم على مائة ألف دينار، وكان بذلك أول ~~من صالح الروم على مال. # 30 # فلما استقام له الأمر ورتب شئون الدولة، انصرف ~~إليهم ووجه همته إلى غزوهم سنة بعد سنة في الصوائف ~~والشواتي، وطلب صاحب الروم الصلح فلم يجبه، واستطاع أن ~~يفتتح جزائر أرواد وقبرص ورودس وغيرها، وبث فيها المسالح ~~وجعلها مناظر للعرب. # وفي سنة 34 غزاهم غزوة سبى فيها منهم مائة ألف إنسان، ~~وبعث أخاه على البحر فانهزم الروم أمامه. وكانت أعظم ~~الغزوات التي قام بها في سنة 48 حينما جهز جيشا كبيرا ~~برا وبحرا لفتح القسطنطينية، وكان على الجيش سفيان بن ~~عوف، وفيه عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله ~~بن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري، وابنه يزيد بن معاوية، ~~ولما وصلوا القسطنطينية حاصروها مدة فلم يتمكنوا من الفتح، ~~وأحرقت النار اليونانية سفن المسلمين، فتراجعوا بعد أن ~~تركوا عددا من الشهداء منهم أبو أيوب، ولم يمت معاوية ~~إلا وهو قد حصن ثغور الشام ومرافئه، وأقام دور الصناعة ~~البحرية في صور وصيدا وعكا والإسكندرية؛ لصنع السفن ~~والعدد الحربية البحرية، وقد حاصرت قوات المسلمين في عهد ~~معاوية القسطنطينية ثلاث مرات، ولكنهم لم يتمكنوا من فتحها. # 31 # أما في المشرق فقد طلب معاوية إلى أميره على بلاد السند ~~أن يوغل في الفتح، فسار حتى بلغ بلاد «القيقان» فغنم ثم ~~رجع، ولما عاد ثانية إلى ملك الديار قتل، كما طلب إلى ~~المهلب بن أبي صفرة أن يتم فتح بلاد السند، فسار حتى وصل لاهور. # 32 # وولى سعيد بن عثمان بن عفان خراسان سيده للفتح ~~بسمرقند، ففتح وغزا وأصيبت عينه هناك، وملك كثيرا من بلاد ~~الصغد، ورجع غانما، ثم أعاد الكرة فقتل هناك. # 33 ms012 # وأما في الغرب فإنه أمر في سنة 50 عقبة بن نافع، الذي ~~كان يرابط ببرقة وزويلة بعشرة آلاف جندي من أهل الشام لفتح ~~إفريقيا (تونس)، فتم له فتحها، وأسلم على يديه كثيرون من ~~البربر أدخلهم في جيشه، وحسن بلاؤهم، واستعان بهم في فتح ~~السودان، وكان هؤلاء البربر نواة الجيوش الإسلامية التي ~~تممت فتح شمال إفريقية والأندلس. وقد كان لعقبة بلاء عظيم ~~في فتوح إفريقية ونشر الإسلام بين ربوعها، وهو الذي مصر ~~مدينة القيروان؛ لتكون لهم معسكرا ولأهلهم مقرا. # وفي عهد معاوية ~~ظهر الجراجمة (أو المردة)، كما يسميهم المؤرخون ~~المسلمون، وهم سكان جبال لبنان، الذين تحصنوا في قللهم ~~حينما فتح المسلمون ديار الشام، وتغلبوا على سهولها ~~وسواحلها، ولم يستطيعوا الوصول إلى هؤلاء فتركوهم. قال ~~المطران الدبس في تاريخ سورية: إن الخلفاء الراشدين صرفوا ~~اهتمامهم، عند أخذ سورية وطردهم ملوك الروم منها، إلى فتح ~~مدنها، ولم يكترثوا لسكان جبالها؛ لقلة أهميتها وعدم ~~المنفعة منها، ولتعسر مسالكها، وإن ملوك الروم ما انقطعت ~~مطامعهم في استردادها، وظلوا يوسوسون لسكانها؛ ليلبكوا ~~أمرها، ولا تستقيم حالها؛ ليتيسر لهم العود إليها، كما ~~حاولوا مرات فلم يظفروا؛ فمن ذلك أنهم وسوسوا للموارنة، ~~وكانت مساكنهم في الجبال من جبال الجليل إلى جبال أنطاكية، ~~فلبكوا حكومتهم وتوافرت غزواتهم في السهول، حتى اضطروا بعض ~~الخلفاء أن يعقد صلحا مع ملوك الروم. ثم ينقل عن المؤرخ ~~توافان أن المردة خرجوا من لبنان فضبطوا كل ما كان من ~~الجبل الأسود (جبل الأقرع) إلى المدينة المقدسة، واستحوذوا ~~على قمم لبنان، وانضم إليهم كثير من العبيد والأسرى ~~والوطنيين، حتى أصبح عددهم ألوفا في مدة وجيزة، وسمع ~~معاوية وأصحاب مشورته بذلك فخشوا جدا من عاقبته، وأرسلوا ~~وفدا إلى قسطنطين يطلبون الصلح، ويعدون بوفاء جزية كل ~~سنة، فتقبل الملك وفدهم بالإعزاز، وأوفد معهم إلى سورية ~~البطريق يوحنا المسمى بتسيكود ... وقابله معاوية بالترحاب، ~~وبعد المداولة بشروط الصلح قر رأيهم على كتابة عهدة ~~موثقة باليمين، على أن يدفع العرب كل سنة إلى الرومانيين ~~ثلاثة آلاف ذهب وثمانية آلاف أسير، ms013 وخمسين جوادا من الخيل ~~الجياد، بين الرومانيين والعرب على هذه الشروط إلى ثلاثين ~~سنة، ودونت العهدة ووقع على نسختين منها؛ لكل فريق ~~نسخة، وعاد ذاك الرجل الشهير البطريق يوحنا إلى الملك ~~بهدايا نفيسة جدا (ويظهر أن ما يذكره تيوفان هو ما فعله ~~معاوية حين وقعت الفتنة بينه وبين علي، وإنما رضي بذلك ~~لئلا يثير عليه هؤلاء بينما هو منصرف إلى محاربة ~~علي). ~~(5) الأمور الإدارية # أوليات معاوية في الإدارة # كان معاوية من دهاة الرجال ومؤسسي الممالك، بدرت منه ~~بوادر النجابة وهو شاب؛ فقد روى ابن حجر عن المدائني ~~قال: نظر أبو سفيان إلى معاوية وهو غلام فقال: إن ابني ~~هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود قومه. فقالت هند: ~~قومه فقط! ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة. # 34 # وروى ابن عبد البر أن ابن عمر قال: ما رأيت أحدا ~~بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أسود من معاوية، فقيل له: فأبو ~~بكر وعمر وعثمان وعلي؟ فقال: كانوا والله خير أمة، ~~وكان معاوية أسود منهم. وقال ابن عبد البر: هو أول من ~~اتخذ ديوان الخاتم، وأمر بهدايا النيروز والمهرجان، ~~واتخذ المقاصير في الجوامع، وأول من أقام على رأسه ~~حرسا، وأول من قيدت بين يديه الخبائب، وأول من اتخذ ~~الخصيان في الإسلام، وكان يقول: أنا أول الملوك. # 35 # وقال السيوطي في الوسائل: إن مسلمة بن ~~مخلد الأنصاري والي مصر سنة 44ه، أول من بنى المنائر ~~للأذان بأمر معاوية، ولم تكن من قبل ذلك. # 36 # وأن أبا سعيد الخدري قال: كنا نخرج زكاة ~~الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من أقط، أو صاعا من ~~تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من شعير، فلم نزل ~~نخرجه حتى قدم علينا معاوية، فخطب على منبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ثم ذكر الزكاة فقال: إني لأرى مدين من ~~سمراء الشام تعدل صاعا من تمر. # 37 # وإن الحسن بن قاسم قال: أول من خطب بمكة ~~على منبر معاوية بن أبي سفيان، قدم به من الشام ms014 سنة ~~حج في خلافته، منبر صغير على ثلاث درجات، وكانت ~~الخلفاء قبل ذلك يخطبون يوم الجمعة على أرجلهم، قياما ~~في وجه الكعبة وفي الحجر. # 38 # وروى السيوطي عن ابن أبي شيبة أن معاوية هو أول ~~الملوك، وأول من بايع لولده، وأول من عهد بالخلافة في ~~صحته، وأول من وضع البريد في الإسلام، وأول من اتخذ ~~الخصيان، وأول من اتخذ ديوان الخاتم، وأول من اتخذ ~~صاحب حرس. # 39 # وروي عن مالك: أن معاوية أول من استقضى. # 40 # وقال ابن طباطبا: «إن معاوية كان مربي ~~دول، وسائس أمم، وراعي ممالك، ابتكر في الدولة أشياء ~~لم يسبقه إليها أحد، ومما اخترع من أمور الملك ديوان ~~الخاتم، وهذا ديوان يعتبر من أكابر الدواوين، لم تزل ~~السنة جارية به إلى أواسط دولة بني العباس فأسقط، ~~ومعناه أن يكون ديوان، وبه نواب، فإذا صدر توقيع من ~~الخليفة بأمر من الأمور أحضر التوقيع إلى ذلك ~~الديوان، وأثبتت فيه نسخة وخزم بخيط، وختم بشمع، ~~كما يفعل في هذا الزمان بكتب القضاة، وختم بخاتم ~~صاحب ذلك الديوان، وكان معاوية معروف الهمة إلى تدبير ~~أمر الدنيا، يهون عليه كل شيء إذا انتظم أمر الملك.» # 41 # ولاية العهد # أول من فكر في إسناد ولاية عهد معاوية إلى يزيد ~~هو المغيرة بن شعبة؛ فهو الذي أدخل الفكرة في نفس ~~يزيد، وجعله يطلبها من أبيه، فلما سمع معاوية قول يزيد ~~سأله عمن أوحى إليه بها، فقال: هو المغيرة، فاستدعاه ~~فسأله فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما كان من سفك ~~الدماء والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف، فاعقد ~~له، فإن حدث لك حادث كان كهفا للناس، وخلفا منك، ولا ~~تسفك دماء، ولا تكون فتنة، قال: ومن لي بهذا؟ قال: ~~أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد ~~هذين المصرين أحد يخالفك. # 42 # فأعاد معاوية المغيرة إلى منصبه في إمارة الكوفة - ~~وكان عزله عنه - وأخذ يعمل لما ذهب إليه، فجاء عشرة من ~~أعيان الكوفة إلى معاوية، وطلبوا إليه أن يعهد ليزيد، ~~فأرسل ms015 إلى زياد بالبصرة يسأله، فنصحه أن يتريث؛ لعدم ~~توفر الشرط في يزيد؛ فإن فيه تهاونا وولعا بالصيد، ~~ومنذ ذلك الحين كف يزيد عن كثير مما يولع به، فلما ~~مات زياد أرسل معاوية إلى مروان بن الحكم - وكان ~~أميرا على المدينة - يقول له: إني قد كبرت سني، ~~ورق عظمي، وخشيت الاختلاف على الأمة بعدي، وقد رأيت ~~أن أتخير لهم من يقوم بعدي، وكرهت أن أقطع أمرا دون ~~مشورة من عندك، فاعرض ذلك عليهم، وأعلمني بالذي يردون عليك. # 43 # فلما عرض مروان الأمر على الناس في المسجد، هاج ~~الناس واضطربوا، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: أتريدون ~~أن تجعلوها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل؟ # 44 # وكذلك قام الحسين بن علي وعبد الله بن ~~الزبير واستنكرا العمل. # ثم كتب معاوية إلى عماله أن يمهدوا للأمر، ويبعثوا ~~إليه الوفود بذلك، فلما اجتمعت الوفود أعلن معاوية ~~بيعته، وقام الضحاك بن قيس الفهري فتكلم باسم الوفود، ~~وبين فضل يزيد، ودعا إلى بيعته؛ لعلمه وعقله ~~واجتماع كلمة المسلمين عليه، ويظهر أن الحجاز قد أخذ ~~يضطرب لهذه البيعة، فلم ير معاوية بدا من ذهابه، ~~فلما وصل المدينة # 45 # استدعى الحسين بن علي، وعبد الله بن ~~الزبير، وعبد الله بن عمر فأبوا أن يجيبوه، فدخل على ~~عائشة وتهددهم، فأوصته بالرفق والتريث، ثم اجتمع ~~بالثلاثة فقال ابن الزبير: نخيرك بين ثلاثة: تصنع كما ~~صنع رسول الله، أو كما صنع أبو بكر، أو كما صنع عمر، ~~فقال معاوية: ليس فيكم مثل أبي بكر وعمر، وأخاف ~~الاختلاف، هل عندك غير هذا؟ # وقال الحسين وابن عمر مثل قول ابن الزبير، فقال ~~معاوية: قد أعذر من أنذر، ثم دعا صاحب حرسه فقال: أقم ~~على رأس كل رجل من الثلاثة رجلين، ومع كل واحد سيف، ~~فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة تصديق أو تكذيب ~~فليضرباه، ثم خرج وخرجوا حتى رقي المنبر، فحمد الله، ~~وأثنى عليه ثم قال: «إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين ~~وخيارهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على ~~اسم الله»، فبايع ms016 الناس، ورجع معاوية إلى دمشق. # 46 # ولما مرض مرض موته في سنة 60 أوصى ابنه ~~بقوله: انظر أهل الحجاز، منهم أصلك وعترتك، فمن أتاك ~~منهم فأكرمه، ومن قعد عنك فتعاهده، وانظر أهل العراق ~~فإن سألوك عزل عامل كل يوم فاعزله، ثم انظر أهل الشام، ~~فاجعلهم الشعار دون الدثار، فإن رابك من عدوك ريب ~~فارمه بهم، ثم اردد أهل الشام إلى بلدهم، ولا يقيموا ~~في غيره فيتأدبوا بغير أدبهم، لست أخاف عليك إلا ~~أربعة: الحسين، وابن الزبير، وابن عمر، وابن أبي بكر، ~~فأما الحسين فأرجو أن يكفيكه الله، فإنه قتل أباه وخذل ~~أخاه، وأما ابن الزبير، فإنه خب ضب فإن ظفرت به ~~فقطعه إربا إربا، وأما ابن عمر، فإنه رجل قد قرقره ~~الورع فخل بينه وبين آخرته يخل بينك وبين دنياك. # 47 # وأما ابن أبي بكر، فإن رأى أصحابه صنعوا ~~شيئا صنع مثله، ليست له همة إلا في النساء ~~واللهو. # وقد علق ابن طباطبا على هذه الوصية بقوله: وفي هذه ~~الوصية دليل على ما سبق من وفور رغبته في تدبير الملك، ~~وشدة كلفه بالرياسة. # قال ابن خلدون: «والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد ~~بالعهد دون من سواه، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع ~~الكلمة، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل، والعقد عليه ~~حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون ~~سواهم، وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب ~~منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل ~~عن الفاضل إلى المفضول؛ حرصا على الاتفاق، واجتماع ~~الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع، وإن كان لا يظن ~~بمعاوية غير هذا؛ فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، ~~وحضور الأكابر لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب ~~فيه؛ فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ~~ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجل من ~~ذلك، وعدالتهم مانعة منه، وفرار عبد الله بن عمر من ~~ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيء من ~~الأمور، مباحا كان أو ms017 محظورا كما هو معروف عنه، ولم ~~يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور ~~إلا ابن الزبير، وندور المخالف معروف، ثم إنه وقع ~~مثل ذلك بعد معاوية من الخلفاء، الذين كانوا يتحرون ~~الحق ويعملون به، مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية، ~~والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من بني العباس، ~~وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين ~~والنظر لهم، ولا يعاب عليهم إيثارهم أبناءهم وإخوانهم، ~~وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك، شأنهم غير شأن ~~أولئك الخلفاء، فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة ~~الملك، وكان الوازع دينيا، فعند كل أحد وازع، فعهدوا ~~إلى من يرتضيه الدين فقط، وآثروه على غيره، ووكلوا كل ~~من يسمو ذلك إلى وازعه، وأما من بعدهم من لدن معاوية، ~~فكانت العصبية قد أشرفت على غايتها من الملك والوازع ~~الديني قد ضعف، واحتيج إلى الوازع السلطاني ~~والعصباني، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ~~ذلك العهد وانتقض أمره سريعا، وصارت الجماعة إلى ~~الفرقة.» # والحق أن معاوية قد عمل ما فيه المصلحة والخير ~~لبيته، ولكنه سلك بالمسلمين في طريق وعرة، فلو أنه ~~تركها للعقلاء - وهم كثر إذ ذاك - لما أوقع الناس في ~~المشاكل التي وقعت، ولجنب المسلمين تلك الويلات التي ~~كان أولاها قتل الإمام الحسين، وثانيها نهب المدينة ~~واستباحتها، وثالثها غزو الكعبة، ولكنه اجتهاد ~~اجتهده، نراه أخطأ فيه، ويرى ابن خلدون أنه أصاب ~~وسلك المحجة. ~~(6) موت معاوية ومناقبه # مات معاوية في رجب سنة 50ه، وكانت خلافته تسع عشرة سنة ~~وثلاثة أشهر وأياما، وكان عمره وقتئذ 75 سنة. # 48 # وله من الأولاد يزيد وعبد الله وعبد الرحمن. ~~قال الطبري: ولما ثقل عليه المرض وحديث الناس أنه الموت ~~قال لأهله: احشوا عيني إثمدا، وأوسعوا رأسي دهنا. ~~ففعلوا، ثم مهد له فجلس وقال: اسندوني. ثم قال: ائذنوا ~~للناس فليسلموا ~~قياما ولا يجلس أحد، فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما، ~~فيراه مكتحلا مدهنا، فيقول: يقول الناس هو لمآبه وهو ~~أصح الناس. فلما خرجوا من عنده قال: # وتجلدي للشامتين أريهم # أني لريب ms018 الدهر لا أتضعضع # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع # 49 # ولما أغمي عليه وأفاق، قال لأهله: اتقوا الله عز وجل؛ ~~فإن الله سبحانه يقي من اتقاه، ولا واقي لمن لا يتقي الله. ~~ثم أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال، ثم قضى. وصلى ~~عليه الضحاك بن قيس الفهري، وكان يزيد غائبا بحوارين، ~~فأقبل وأبوه مدفون، فأتى قبره وصلى عليه ودعا له. # كان معاوية من رجال العرب والإسلام، آتاه الله عقلا ~~واسعا، وحزما نافذا، وإرادة وقوة وذكاء ودهاء وسياسة ~~وكياسة. قال ابن طباطبا: كان معاوية عاقلا في دنياه، ~~لبيبا عالما حليما ملكا قويا، جيد السياسة، حسن ~~التدبير لأمور الدنيا، عاقلا حكيما فصيحا بليغا، يحلم ~~في موضع الحلم، ويشتد في موضع الشدة، إلا أن الحلم كان ~~عليه أغلب، وكان كريما باذلا للمال محبا للرئاسة ~~مشغوفا بها. # 50 # وقال المسعودي: كان من أخلاق معاوية أنه كان يؤذن في ~~اليوم والليلة خمس مرات، كان إذا صلى الفجر جلس للقاص حتى ~~يفرغ من قصصه، ثم يدخل فيؤتى بمصحفه، فيقرأ أجزاءه، ثم ~~يدخل إلى منزله، فيأمر وينهى، ثم يصلي أربع ركعات، ثم ~~يخرج إلى مجلسه، فيأذن لخاصة الخاصة فيحدثهم ويحدثونه، ~~ويدخل عليه وزراؤه فيكلمونه فيما يريدون من يومهم إلى ~~العشي، ثم يؤتى بالغداء الأصغر، ثم يتحدث طويلا، ثم يدخل ~~منزله لما أراد، ثم يخرج فيقول: يا غلام أخرج الكرسي، ~~فيخرج إلى المسجد، فيوضع فيسند ظهره إلى المقصورة، ويجلس ~~على الكرسي، ويقوم الأحداث فيتقدم إليه الضعيف والأعرابي ~~والصبي والمرأة، ومن لا أحد له، حتى إذا لم يبق أحد دخل ~~فجلس على السرير، ثم يقول: ائذنوا للناس على قدر منازلهم، ~~ثم يؤتى بالغداء، ويحضر الكاتب، فيقوم عند رأسه ويقدم ~~الرجل، فيقول له: اجلس على المائدة فيجلس، فيمد يده فيأكل ~~لقمتين أو ثلاثا، والكاتب يقرأ كتابه فيأمر فيه أمرا، ~~فيقال: يا عبد الله أعقب، فيقوم ويتقدم آخر حتى يأتي على ~~أصحاب الحوائج، ثم يرفع الغداء ... فيدخل منزله، فلا يطمع ~~فيه طامع حتى ينادى بالظهر، فيخرج ms019 فيصلي، ثم يدخل فيصلي ~~أربع ركعات، ثم يجلس فيأذن لخاصة الخاصة، فإذا كان الوقت ~~وقت شتاء أتاهم بزاد الحاج من الأخبصة اليابسة، ~~والخشكنانج، والأقراص المعجونة باللبن والسكر من دقيق ~~السميد، والكعك المنضد، والفواكه اليابسة، وإن كان وقت ~~صيف أتاهم بالفواكه الرطبة، ثم يدخل إليه وزراؤه ~~فيؤامرونه، ويجلس إلى العصر ثم يخرج فيصلي، ثم يدخل منزله ~~فلا يطمع فيه طامع، حتى إذا كان آخر أوقات العصر خرج فجلس ~~على سريره، ويؤذن للناس على منازلهم، فيؤتى للنساء فيفرغ ~~منه مقدار ما ينادى بالمغرب، ولا ينادى له بأصحاب ~~الحوائج، ثم يرفع العشاء، وينادى بالمغرب فيخرج ~~ويصليها، ثم يصلي بعدها أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة خمسين ~~آية، يجهر تارة ويخافت أخرى، ثم يدخل منزله فلا يطمع فيه ~~طامع حتى ينادى بالعشاء الآخرة، فيخرج فيصلي ثم يؤذن ~~للخاصة وخاصة الخاصة، والوزراء والحاشية فيؤامره الوزراء، ~~ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم ~~وملوكها وسياستها لرعيتها، وسائر ملوك الأمم وحروبها ~~ومكايدها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم تأتيه ~~الطرف الغريبة من عند نسائه من الحلوى وغيرها من المآكل ~~اللطيفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد، فيحضر ~~الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ~~ذلك عليه غلمان له مرتبون، قد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر ~~بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع ~~السياسات، ثم يخرج فيصلي الصبح، ثم يعود فيفعل ما وصفنا ~~كل يوم. # 51 # وكان مدبرو الدولة في عهده هم «القاضي»، وكان على قضائه ~~فضالة بن عبيد، ثم عائذ الخولاني، وقد نقلنا عن السيوطي ~~قبلا أنه أول من استقضى في الإسلام. و«صاحب الشرطة»، وكان ~~على شرطته قيس بن حمزة الهمذاني، ثم زميل بن عمرو العذري، ~~و«الكاتب»، وهو سرجون بن منصور الرومي، و«صاحب الحرس»، وهو ~~المختار، رجل من الموالي، و«الحاجب» سعد مولاه، و«صاحب ~~ديوان الخاتم»، وهو عبد الله بن محصن الحميري. ويظهر أن ~~هؤلاء هم الذين سماهم المسعودي وزراء، وهو قصد بالوزارة ~~معناها اللغوي الواسع؛ إذ لم يعرف عن معاوية ms020 أنه استوزر ~~أحدا وزارة تفويض أو وزارة تنفيذ. # قال أستاذنا كرد علي: «ولم يكد معاوية يتولى الأمر ~~بالشام حتى أخذ بما أوتيه من علم وحلم، يضع أساس الملك، ~~ويسير في رعيته سيرة حسنة حبيبة إليهم، وكان يتأتى الأمور ~~ويداري الناس على منازلهم، ويرفق بهم على طبقاتهم، فأوسع ~~الناس من أخلاقه، فأفاض عليهم من بره وعطائه وشملهم من ~~إحسانه، فاجتذب القلوب واستدعى النفوس حتى آثروه على الأهل ~~والقرابات، وعد مربي دول وسائس أمم وراعي ~~ممالك.» # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # 52 # ومن خير ما يصور لنا عقل الرجل وحنكته وصية له، أوصى بها ~~بني أمية حين حضرته الوفاة، فقال: «إنه لما قرب مني ما ~~كان بعيدا، وخفت أن يسبق الموت إلي ويسبقكم بي، سبقته ~~إليكم بالموعظة لأبلغ عذرا، وإن لم أرد قدرا، وإن ~~الذي أخلفه لكم من دنياي أمر تشاركون فيه أو تقبلون عليه، ~~وإن الذي أخلف لكم من رأيي مقصور عليكم نفعه إن فعلتموه، ~~مخوف عليكم حرزه إن ضيعتموه، فاجعلوا مكافأتي قبول ~~نصيحتي، وإن قريشا شاركتكم في أنسابكم وتفردتم دونها ~~بأفعالكم فقدمكم ما تقدمتم فيه، إذ أخر غيركم ما تأخروا ~~له، ولقد جهر لي فعلمت، وفهم لي ففهمت، حتى كأني أنظر إلى ~~أولادكم بعدكم كنظري إلى آبائهم قبلهم، إن دولتكم ستطول، ~~وكل طويل مملول، وكل مملول مخذول، فإذا انقضت مدتكم كان ~~أول ذلك اختلافكم بينكم، واتفاق المتخلفين عليكم، فيدبر ~~الأمر بضد ما أقبل به، فلست أذكر عظيما ينال منكم، ولا ~~حرمة تنتهك لكم؛ إلا وما أكف عن ذكره أعظم منه، فلا ~~معول عليه عند ذلك أفضل من الصبر واحتساب الأجر، فيا لها ~~دولة أنست أهلها الدول في الدنيا، والعقوبة في الآخرة، ~~فيمادكم القوم دولتكم تماد العنانين في عنق الجواد، ~~فإذا بلغ الأمر مداه وجاء الوقت الذي حده رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ضعفت الحيلة وعزب الرأي، وصارت الأمور إلى ~~مصائرها، فأوصيكم عندها بتقوى الله - عز وجل - الذي يجعل ~~لكم العاقبة إن كنتم متقين.» ms021 # وبعد، فإن معاوية قد أسس ملكا بنى قواعده على النظام ~~والقوة، وشاد جدرانه بحسن الترتيب والتنظيم. وقد استعان ~~معاوية على تأسيس هذا الملك بالشاميين من عرب وروم ~~وغيرهم، وأغدق عليهم وقربهم، فأحبوه وأطاعوه، وقد امتلأت ~~المصادر العربية من تاريخية وأدبية، بأخبار طاعة السوريين ~~لمعاوية وتفانيهم في نصرته. # 53 # قال الأستاذ فيليب حتي: «ولقد اعتمد معاوية في توطيد ~~عرشه، وتوسيع الفتوح الإسلامية على أهل الشام، وسوادهم ~~الأعظم يومئذ نصارى، واستعان كذلك بالعرب السوريين ~~وأكثرهم يمانيون، ولم يعتمد كثيرا على أهل الحجاز، وتناول ~~الإدارة الحكومية فألغى كثيرا من مظاهرها التقليدية، ~~وأنشأها على الأساس البيزنطي السابق، وأقام جهازا ~~حكوميا منظما، وخلق مجتمعا إسلاميا جديدا.» # 54 # وخير الصفات التي مكنت معاوية لإشادة هذا الملك، هي ~~كياسته وحلمه، وحنكته ولينه حين اللين محمود، وشدته حيث ~~الشدة مطلوبة، وقد روي عنه أنه قال: «لا أضع سيفي حيث ~~يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني ، ولو أن بيني ~~وبين الناس شعرة ما قطعتها؛ إذا مدوها خليتها وإذا خلوها مددتها.» # 55 # وانظر إلى كتابه إلى الحسن بعد أن تنازل له ~~يقول: «أما بعد، فأنت أولى بهذا الأمر وأحق به لقرابتك، ~~ولو علمت أنك أضبط له وأحوط على حريم هذه الأمة وأكيد ~~لبايعتك، فسل ما شئت.» # 56 # فهل ترون دهاء وسياسة بعد هذا؟ # ثم إن معاوية استطاع أن ينتقي خير الرجال لمعاونته في ~~إدارة مملكته الواسعة؛ ففي المغرب عمرو بن العاص، وفي ~~المشرق المغيرة بن شعبة في الكوفة، وزياد ابن أبيه في ~~البصرة. وانتقاء الرجال المعاونين في الإدارة من خير ما ~~يثبت أركان الحكم، ويعين على توطيد أركانه، وخصوصا في ~~ابتداء تأسيس الدول. # الفصل الثاني # | يزيد بن معاوية # 60-64ه/680-684م ~~(1) أوليته # ولد أبو خالد يزيد في سنة 26 للهجرة، وأمه ميسون بنت ~~بجدل بن أنيف الكلبية، وكانت سيدة بدوية، لم تحتمل عيشة ~~المدن والحضارة، فطلبت من معاوية أن يردها إلى البادية ~~فذهبت إليها، وربت ابنها تربية بدوية، وقد نشأ يزيد نشأة ~~فتيان قريش، فصيحا قويا وشاعرا بارعا، قال في ms022 الفخري: ~~كان موفر الرغبة في اللهو والقنص والخمر والنساء والشعر، ~~كان فصيحا كريما، شاعرا مفلقا، قالوا: بدئ الشعر ~~بملك وختم بملك؛ إشارة إلى امرئ القيس وإليه. # 1 # وكان يزيد ذا مواهب كثيرة من عقل وحنكة وشجاعة ~~ودراية، ولكن الظروف التي أحاطت به قد شوهت ~~سمعته. ~~(2) خلافته # بويع يزيد بالخلافة بعد وفاة أبيه للنصف من رجب سنة 60ه، ~~وقيل لثمان بقين منه، فأول عمل عمله إقراره ولاته عمال ~~أبيه، فأقر عبيد الله بن زياد على البصرة، والنعمان بن ~~بشير على الكوفة، والوليد بن عتبة بن أبي سفيان على ~~المدينة، وعمرو بن سعيد ~~بن العاص على مكة، ثم ~~التفت إلى طلب بيعة النفر الذين تخلفوا عن مبايعته، فكتب ~~إلى الوليد بن عتبة كتابا فيه: «أما بعد، فإن معاوية كان ~~عبدا من عباد الله، أكرمه الله، واستخلفه، وخوله، ~~ومكن له، فعاش بقدر ومات بأجل، فرحمه الله؛ فقد عاش ~~محمودا ومات برا تقيا، والسلام.» ثم كتب إليه رسالة ~~أخرى فيها: «أما بعد، فخذ حسينا، وعبد الله بن عمر، وعبد ~~الله بن الزبير، بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة، حتى ~~يبايعوا.» فدعا الوليد مروان بن الحكم وأطلعه على الكتاب، ~~فلما قرأه استرجع وترحم على معاوية، ثم قال: أرى أن تبعث ~~الساعة إليهم فتدعوهم إلى البيعة، والدخول في الطاعة، ~~فإنهم إن علموا بموت معاوية، وثب كل امرئ منهم في ~~جانب، وأظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلى نفسه. لا أدري، ~~أما ابن عمر فإني لا أراه يرى القتال، ولا يحب أن يولى ~~إلا أن يدفع إلى هذا. أما الحسين وابن الزبير فإنهما ~~يطمعان فيها. ثم بعث إلى الحسين وابن الزبير فاجتمعا ~~وتشاورا في الأمر، فقال الحسين لابن الزبير: يا ابن الزبير ~~قد ظننت أن طاغيتهم قد هلك، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة ~~قبل أن يفشو في الناس الخبر، فقال ابن الزبير: وأنا ما أظن ~~غيره، فماذا تريد أن تصنع؟ قال الحسين: أجمع قياني الساعة ~~ثم أمشي إليه، فإذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثم دخلت. قال ~~ابن الزبير: فإني أخافه ms023 عليك، فقال الحسين: لا آتيه أولا ~~وأنا على الامتناع قادر، ثم قام فجمع إليه مواليه وأهل ~~بيته، ثم أتاه، فسلم عليه بالإمرة، ومروان جالس عنده، ~~فقال الحسين: الصلة خير من القطيعة، أصلح الله ذات بينكما. ~~فلم يجيباه في هذا بشيء، ثم أقرآه كتاب يزيد، ودعياه إلى ~~البيعة، فقال الحسين: إنا لله وإنا إليه راجعون، ورحم الله ~~معاوية، وعظم لك الأجر يا وليد. أما ما سألتني من البيعة ~~فإن مثلي لا يعطي بيعته سرا، ولا أراك تجتزئ بها مني ~~سرا دون أن نظهرها على رءوس الناس علانية. قال: أجل. ~~قال: فإذا خرجت إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع ~~الناس فكان أمرا واحدا، فقال له الوليد: حسنا، انصرف ~~على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس. وقال مروان: ~~والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت عليه أو تضرب ~~عنقه، فوثب الحسين وقال: يا ابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو؟ ~~كذبت والله وأثمت، ثم خرج فقال مروان للوليد: عصيتني، ~~«والله لا يمكنك من نفسه أبدا»، ودخل الحسين بيته ثم خرج ~~ليلا إلى مكة هاربا. # أما ابن الزبير فإنه قال للرسول: اذهب فسآتيكم. ثم دخل ~~داره، حتى إذا كان الليل خرج فأخذ طريق الفرع، هو وأخوه ~~جعفر، وقصد مكة فدخلها قبل الحسين بيوم، فلما دخلها قال: ~~أنا عائذ بالبيت، ولم يكن يصلي مع الناس ولا يفيض ~~بإفاضتهم، وكذلك فعل الحسين. وأما ابن عمر فإنه قال لهم: ~~إذا بايع الناس بايعت. فتركوه وكانوا لا يتخوفونه. # 2 ~~(3) نكبة الحسين # لما اجتمع ابن الزبير والحسين في مكة، وأخذا يثيران ~~الناس على يزيد ضاق يزيد بهما، ولكن مكانتهما وموضعهما ~~كانا يحولان دون الفتك بهما، ويظهر أن ابن الزبير قد رأى ~~في الحسين منافسا قويا، فعزم على السكوت مؤقتا إلى أن ~~يحين وقته. # 3 # وأخذ الحسين يكاتب شيعته في الكوفة ~~ويكاتبونه؛ ومن ذلك ما كتبوا به إليه يقولون: «أما بعد، ~~فالحمد لله الذي قصم ظهر عدوك الجبار العتيد، الذي اعتدى ~~على هذه الأمة فانتزعها حقوقها واغتصبها أمورها، ms024 وغلبها ~~على فيئها، وتأمر عليها على غير رضى منها، ثم قتل ~~خيارها، واستبقى شرارها، فبعدا له كما بعدت ثمود، إذ ~~ليس علينا إمام، فاقدم علينا لعل الله يجمعنا بك على ~~الهدى، فإن النعمان بن بشير في قصر الإمارة، ولسنا نجتمع ~~معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا مخرجك ~~أخرجناه من الكوفة وألحقناه بالشام.» # 4 # ومما كتب إليهم قوله: «من حسين بن علي إلى ~~الملأ من المؤمنين والمسلمين، أما بعد، فإن هانئا وسعيدا ~~قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد ~~فهمت كل الذي قصصتم وذكرتم ومقالة جلكم: إنه ليس علينا ~~إمام، فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق. وقد بعثت ~~إليكم أخي وابن عمي، وثقتي من أهل بيتي وأمرته أن يكتب ~~إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد أجمع ~~رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي ~~به رسلكم وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله؛ ~~فلعمري، ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، ~~والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله، والسلام.» ثم ~~تتابعت رسل الكوفيين إلى الحسين، يدعونه إلى القدوم ~~عليهم، فوجه إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب، ~~وقال له: اذهب إليهم فانظر ما كتبوا به، فإن كان حقا ~~خرجنا إليهم. فلما أتاهم بايعه منهم اثنا عشر ألفا، وكتب ~~مسلم بذلك إلى الحسين وطلب إليه الحضور، وبلغت هذه الأخبار ~~يزيد، فاستضعف أميره على الكوفة النعمان بن بشير وعزله، ~~وولاها عبيد الله بن زياد بالإضافة إلى البصرة، فقدمها ~~فورا ومسلم بن عقيل فيها، فلما نزل القصر دعا مولى له ~~فأعطاه ثلاثة آلاف، وقال له: اذهب حتى تسأل عن الرجل الذي ~~يبايع الكوفيون للحسين عنده، فأعلمه أنك رجل من أهل حمص ~~جئت لهذا الأمر، وهذا مال تدفعه إليه ليتقوى به، فذهب ~~المولى ولم يزل يتلطف حتى دل على شيخ من الكوفيين يلي ~~البيعة، اسمه هانئ بن عمر فأخبر خبره، فقال له هانئ: لقد ms025 ~~سرني لقاؤك إياي وساءني؛ فأما ما سرني فما هداك الله له، ~~وأما ما ساءني فإن أمرنا لم يستحكم بعد. ثم بايعه ورجع إلى ~~عبيد الله وأخبره بالخبر، ثم إن عبيد الله علم أن مسلم بن ~~عقيل هو في بيت هانئ بن عمر، فاستدعاه وسأله عن مسلم ~~فأنكره، فنادى عبد الله مولاه فخرج إليه فصعق هانئ، وعلم ~~مسلم بما جرى، فجمع جمعا من الكوفيين يقرب من أربعة آلاف، ~~وسار بهم للقاء عبيد الله، فأخذوا يتسللون في الطريق حتى ~~إذا بلغوا الإمارة، لم يكن عددهم أكثر من خمسمائة، فلما ~~جاء الظلام وجد مسلم أنه أمسى وحده فالتجأ إلى دار في ~~المدينة، ولما علم عبيد الله بملجئه بعث إليه فقبض عليه، ~~ثم أمر به أن يصعد إلى أعلى قصر الإمارة، فضربت عنقه ~~وألقيت جثته إلى الناس، ثم أمر بهانئ فسحب إلى الكناسة ~~فصلب هناك. # أما الحسين فإنه أخذ يهيئ نفسه للمسير إلى العراق، ولكن ~~جماعة من القرشيين حاولوا أن يثنوا عزمه مثل عمر بن عبد ~~الرحمن بن الحارث المخزومي وعبد الله بن عباس، أما ابن ~~الزبير فكان يحرضه على المسير، ليخلو له الجو؛ فقد روى ~~الطبري عن أبي مخنف، قال: إن حسينا لما أجمع المسير إلى ~~الكوفة أتاه عبد الله بن عباس، فقال: يا ابن عم، إنك قد ~~أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ ~~قال: إني أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله، ~~فقال ابن عباس: فإني أعيذك بالله من ذلك. أخبرني - رحمك ~~الله - أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم ~~ونفوا عدوهم، فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن ~~كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر، وعماله تجبي ~~بلادهم، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن أن ~~يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك، وأن يستنفروا إليك ~~فيكونوا أشد عليك، فقال له الحسين: إني أستخير الله وأنظر ~~ما يكون. قال: فخرج ابن عباس وأتاه ابن الزبير، فحدثه ساعة ~~ثم قال: ما أدري ما تركنا هؤلاء ms026 القوم وكفنا عنهم، ~~وعن أبناء المهاجرين ~~وولاة الأمر دونهم؟! خبرني ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: ~~والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي ~~بها وأشراف أهلها، وأستخير الله. فقال ابن الزبير: أما ~~والله لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها. ثم إن ~~ابن عباس أتاه ثانية، فقال له: يا ابن عم، إني أتصبر ولا ~~أصبر. إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال. ~~إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم، أقم بهذا البلد فإنك ~~سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك - كما زعموا - ~~فاكتب إليهم، فلينفوا عدوهم ثم اقدم عليهم، فإن أبيت ~~إلا أن تخرج فسر إلى اليمن، فإن بها حصونا وشعابا، ~~وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في ~~عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل وتبعث دعاتك، فإني أرجو أن ~~يأتيك الذي تحب في عافية، فقال الحسين: يا ابن عم، والله ~~أعلم أنك ناصح مشفق، ولكني قد أزمعت وأجمعت على ~~المسير. # قال ابن عباس: فلا تسر بنسائك وصبيتك؛ فوالله إني لخائف ~~أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون. ثم قال ابن ~~عباس: والله إنك أقررت عين ابن الزبير، بتخليتك إياه ~~والحجاز والخروج منها. # 5 # وبينا كان الحسين يهيئ نفسه للخروج، إذ قدم ~~الفرزدق حاجا فرآه الحسين، وسأله عن العراق وأهله، فقال ~~له: القلوب معك والسيوف مع بني أمية والقضاء بيد الله. # 6 # ولكن الحسين لم يلتفت إلى ذلك كله، بل سار ~~بأهله وولده ورهط من شيعته لم يتجاوزوا الثمانين رجلا، ~~فلما دنا الكوفة وعلم بمقتل مسلم بن عقيل، وخذلان أهلها له ~~قابله الحر بن يزيد التميمي، وقال له: «ارجع فإني لم أدع ~~لك خلفي خيرا أرجوه.» فداخل الحسين الشك وعزم على الرجوع، ~~ولكن إخوة مسلم بن عقيل أبوا أن يرجعوا وصمموا على الأخذ ~~بثأر أخيهم، فنزل الحسين عند رأيهم وسار حتى لقيته خيل ~~عبيد الله بن زياد، فعدل إلى كربلاء وخيم هناك، وكان ~~أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل، وبعث ms027 إليه عبيد ~~الله بن زياد عمر بن سعد بن أبي وقاص، فلما أتاه قال له ~~الحسين: آخذ واحدة من ثلاث: إما أن تدعوني فأنصرف من حيث ~~أتيت، وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تدعوني ~~فألحق بالثغور. فقبل عمر ذلك، وأبى عبيد الله إلا ~~القتال، ونشبت المعركة بين الطرفين في ~~الطف من أرض كربلاء ~~في العاشر من المحرم سنة 61ه، فقتل أصحاب الحسين جميعا، ~~وفيهم بضعة عشر شابا من أهل بيته، ثم هجم عليه المذحج ~~فقتله، وحز رأسه سنان بن أنس النخعي. # 7 # وانطلق به إلى عبيد الله وهو يقول: # أوقر ركابي فضة وذهبا # فقد قتلت الملك المحجبا # قتلت خير الناس أما وأبا # وخيرهم إذ ينسبون نسبا # وقد ظهر من الإمام الحسين في ذلك الموقف حزم وجرأة وصبر ~~واحتساب، وورع يدل على إيمان ويقين، جديرين بنجل علي وسبط ~~النبي، صلوات الله عليهم. قال ابن طباطبا: قتل الحسين ~~قتلة شنيعة، ولقد ظهر منه عليه السلام من الصبر ~~والاحتساب والشجاعة والورع والخبرة التامة بآداب الحرب ~~والبلاغة، ومن أهله وأصحابه - رضي الله عنهم - من النصر ~~له، والمواساة بالنفس، وكراهية الحياة بعده، والمقاتلة بين ~~يديه عن بصيرة ما لم يشاهد مثله، ووقع النهب والسبي في ~~عسكره وذراريه عليهم السلام، ثم حمل النساء ورأسه صلوات ~~الله عليه إلى يزيد بن معاوية بدمشق، فرد نساءه إلى المدينة. # 8 # وكان عمره يوم قتل خمسا وخمسين سنة، وكان ~~ممن قتلوا مع الحسين أخوه العباس، وجعفر بن علي بن أبي ~~طالب، وعثمان بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن علي بن أبي ~~طالب، ومحمد بن علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن علي بن أبي ~~طالب، وعلي الأكبر بن الحسين بن علي، وعبد الله بن الحسين ~~بن علي، وأبو بكر بن الحسن بن علي، والقاسم بن الحسن بن ~~علي، وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن عبد ~~الله بن جعفر، وجعفر بن عقيل بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن ~~عقيل بن أبي طالب، ms028 وعبد الله بن عقيل بن أبي طالب، ومسلم ~~بن عقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن مسلم بن عقيل، ومحمد بن ~~أبي سعيد بن عقيل، واستصغر ابنه علي بن الحسين بن علي، ~~والحسن بن الحسن بن علي، وعمرو بن الحسن بن علي. # 9 # وكان لمقتل هؤلاء ونكبتهم ~~صدى مؤلم لدى العالم ~~الإسلامي كافة والشيعي خاصة، ولا غرو فإن فداحة النكبة ~~والأسلوب الفظ الذي اتبع في قتل هؤلاء الأبرار الأطهار، ~~كان ذا أثر عميق، وجرحا بالغا لم يندمل. ~~(4) نكبة الحرة # تألم المدنيون جدا مما حل بسبط النبي وريحانته، ~~وأعلنوا سخطهم على يزيد وواليه في المدينة، ثم ازدادت ~~حماستهم، فخلعوه وطردوا عامله عثمان بن محمد بن أبي سفيان، ~~وطاردوا من كان بها من الأمويين ورجالهم، وحاصروهم في دار ~~مروان بن الحكم، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل ~~الأنصاري، وكتب مروان بن الحكم كتابا إلى يزيد، بعث به مع ~~عبد الملك بن مروان هذه صورته «أما بعد، فإنا قد حصرنا في ~~دار مروان بن الحكم، ومنعنا العذب ، ورمينا بالحبوب فيا ~~غوثاه! يا غوثاه.» فلما قرأ الكتاب قال: # لقد بدلوا الحكم الذي من سجيتي # فبدلت قومي غلظة بليان # ثم قال: أما يكون بنو أمية ومواليهم ألف رجل؟ فقال عبد ~~الملك: بلى والله وأكثر. قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ~~ساعة من نهار؟ فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين، أجمع ~~الناس عليهم فلم يكن لهم بجمع الناس طاقة. قال: فبعث إلى ~~عمرو بن سعيد فأقرأه الكتاب، وأمره أن يسير إليهم، فاعتذر. ~~قال عبد الملك: فبعثني بالكتاب إلى مسلم بن عقبة المري، ~~وهو شيخ كبير ضعيف مريض، فدفعت إليه الكتاب، فقرأه وسألني ~~عن الخبر فأخبرته، فقال لي مثل مقالة يزيد، ثم جاء حتى أتى ~~يزيد فقال: يا أمير المؤمنين لا تنصر هؤلاء فإنهم الأذلاء، ~~أما استطاعوا أن يقاتلوا يوما واحدا أو شطره أو ساعة؟! ~~دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم. ~~قال: ويحك، إنه لا خير في العيش بعدهم، فاخرج وسر بالناس. ~~فخرج مناديه ms029 فنادى أن سيروا إلى الحجاز على أخذ أعطياتكم ~~كملا ومعونة مائة دينار. فانتدب لذلك اثني عشر ألف رجل، ~~وخرج يزيد إلى الخيل يتصفحها وينظر إليها وهو متقلد ~~سيفه، متنكبا قوسا عربية وهو يقول: # أبلغ أبا بكر إذا الليل سرى # وهبط القوم على وادي ~~القرى # عشرون ألفا بين كهل وفتى # أجمع سكران من القوم ترى # أم جمع يقظان نفى عنه الكرى # يا عجبا من ملحد يا عجبا # مخادع في الدين يقفو بالعرى # ثم قال لمسلم بن عقبة: ~~إن حدث بك حدث فاستخلف حصين بن نمير السكوني، وادع القوم ~~ثلاثا فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم ~~فأبحها ثلاثا، فما فيها من مال أو رقة أو سلاح أو طعام ~~فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس، وانظر علي ~~بن الحسين فاكفف عنه، واستوص به خيرا، وأدن مجلسه، فإنه ~~لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه، وقد أتاني كتابه. وأقبل ~~مسلم بالجيش حتى إذا بلغ الحرة خارج المدينة وعلم المدنيون ~~بذلك، ازداد تضييقهم على الأمويين ، وقالوا: والله لا ~~نترككم حتى تعطونا موثقا أن لا تبغونا غائلة، ولا تدلوا ~~لنا على عورة، ولا تظاهروا علينا عدوا، فأعطوهم الموثق، ~~فأخرجوهم من المدينة حتى أتوا مسلم، وقصوا عليه من أحوال ~~المدينة ما يستعين به على قتال المدنيين. ثم بعث لأهل ~~المدينة يطلب إليهم الخضوع والاستسلام، ويحدد لهم موعدا ~~لثلاثة أيام، فلما انقضت الأيام الثلاثة، وكان ذلك لليلتين ~~بقيتا من ذي الحجة سنة 63ه صاح مسلم قائلا: يا أهل ~~المدينة، قد مضت الأيام الثلاثة فما تصنعون؟ أتسالمون أم ~~تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب. # فقال لهم: لا تحاربوا بل ادخلوا في الطاعة، فردوا عليه ~~بشدة، فطلب إلى جماعته أن يحملوا عليهم، فتقاتل الطرفان ~~قتالا شديدا، ودارت رحى القتال على أهل المدينة، فقتل ~~آمرهم عبد الله بن حنظلة الغسيل ثم تفرقوا، وفتحت المدينة ~~فدخلها مسلم، وفتك بأهلها، وأخذ بيعتهم على أنهم خول ~~ليزيد، ومن لم يقبل ضربت عنقه، ثم أباح المدينة ثلاثا ~~كما قال له يزيد، فأسرف هو ms030 وجنده في القتل والسلب والنهب، ~~حتى لقب بالمسرف. # 10 # والحق أن هذه النكبة التي حلت بمدينة الرسول # صلى الله عليه وسلم # لم تكن أقل بكثير من النكبة الحسينية، فقد هلك فيها جمهرة ~~كبيرة من سيوف الإسلام وناشري لوائه، وعدد كبير من أصحاب ~~رسول الله المهاجرين والأنصار، ولو كان الشيخ مسلم بن عقبة ~~على شيء من الحنكة ورجاحة العقل، لأدرك أن قولة يزيد في ~~إباحة المدينة قولة صدرت عن شاب تحمس لبني قرابته، وللشيوخ ~~من الغلطات والسفاهات ما لا يصدر عن أكثر الشبان حماقة ~~وضلالة، وإلا فأي رجل يبيح المدينة الطيبة التي آوت ~~النبي ونصرته، وأعزت دينه ونصرت جنده في ساعة العسرة، ~~وما أشبه عمل مسلم بن عقبة بعمل ذلك المجرم الصهيوني في ~~دير ياسين، حينما أباح القرية وأهلها للسفاحين السفاكين، ~~ففسقوا بالبنات وبقروا بطون الحوامل، ولم يبقوا في القرية ~~طفلا ولا شيخا ولا مريضا، ولا احترموا مسجدا أو ~~جامعا، ولا بيعة ولا كنيسة، خذلهم الله، وشتت جمعهم، ~~وأذل عزتهم. # ولا بد لنا قبل ختام البحث عن نكبة الحرة من أن نتعرض ~~لآراء بعض المستشرقين المهتمين بالتاريخ الإسلامي، والذين ~~بحثوا هذه القصة. # يصور دوزي في كتابه «تاريخ إسبانيا»، وأكوست مولر في ~~كتابه «الإسلام في المشرق والمغرب» هذه القصة بأنها إنما ~~قامت بسبب ثورة الأفكار الجاهلية على الأفكار الإسلامية، ~~وأن أهل الشام كانوا يريدون أن يثأروا من أهل المدينة ~~الذين قتلوا آباءهم يوم بدر، وغيرها من المواقع التي فتك ~~فيها المسلمون بالمشركين، أو هي ثورة الأرستقراطية ~~الجاهلية المشركة على الديمقراطية الإسلامية المؤمنة! ~~إلخ ما هنالك من أقوال وأحكام يصدرها المستشرقون تبعا ~~لأهوائهم، وقلوبهم المريضة المشبعة بكره الإسلام الممتلئة ~~بالحقد والحسد. على أن المستشرق «فلهوزن» يتجرد لتهديم ~~آراء المستشرقين السابقين، ويخطئ أقوالهما ويقول: إن ~~يزيد وأهل الشام إنما قاموا بحركتهم هذه ذودا عن كيان ~~الحكومة الجديدة، وإن المسألة ليست مسألة أحقاد وإحن ~~جاهلية، وإنما هي مسألة مصالح دولية، وإن القضية تدور حول ~~الحكم، ولا علاقة لها بالتشفي والثأر؛ ولا أدل على ذلك من ms031 ~~أن يزيد كان يريد السلم ويسعى إليه، وأن قائده مسلم بن ~~عقبة فعل ما فعل وهو مؤمن أنه قام بعمل يرضي الله ورسوله. ~~والحق أن هذه الفتنة إنما كانت ذيادا عن الحكومة الجديدة، ~~وأن يزيد خاف أن تتطور الأمور وتفسد أركان دولته، فلجأ هذا ~~الملجأ. وموقعة الحرة إنما جرت بين طرفين كل واحد يحاول ~~السيطرة على حكم الدولة الإسلامية. ~~(5) نكبة الكعبة # وهذه ثالثة الأثافي، فإن يزيد طلب إلى قائده مسلم بن ~~عقبة بعد أن فعل الأفاعيل بوقعة الحرة، أن يولي المدينة ~~روح بن زنباع الجذامي، ويتوجه إلى مكة والقضاء على حركة ~~عبد الله بن الزبير الذي ثار فيها، وأعلن خلافته على ~~المسلمين، ودعا إلى خلع يزيد، وقد مات مسلم وهو في طريقه ~~إلى مكة، فتولى الجيش الحصين بن نمير، فسار إلى مكة بعد ~~انتهاء موسم سنة 63 ودخلت سنة 64، وجيش يزيد محدق بمكة ~~بقيادة حصين بن نمير السكوني فاشتبك الجمعان، واستمر ~~القتال من آخر المحرم ~~ومدة صفر، وفي أوائل ربيع الأول ضاق الحصين ذرعا بأهل ~~مكة، فأخذ يقذف البيت العتيق بالمجانيق والشاميون يرتجزون ~~بقولهم: # خطارة مثل الفنيق المزبد # نرمي بها أعواد هذا المسجد # 11 # وبينما هم كذلك إذ جاء نعي يزيد، فتخاذل الحصين بن نمير، ~~ورفع الحصار عن الكعبة، وأخذ أمر ابن الزبير ينمو، وأبقى ~~الكعبة على احتراقها ليراها الناس فيثوروا على بني أمية. # 12 ~~(6) الفتوح في عهد يزيد # في سنة 61 استعمل يزيد سلم بن زياد على خراسان، فسار ~~غازيا، وكان في جيشه نفر من وجوه الناس وأبطال المسلمين ~~مثل عمران بن الفضيل البرجمي، والمهلب بن أبي صفرة، وعبد ~~الله بن حازم السلمي، وطلحة بن عبيد الله الخزاعي وغيرهم، ~~وسار إلى خراسان، وعبر النهر غازيا، وكان عمال خراسان ~~قبله يغزون، فإذا دخل الشتاء رجعوا إلى مرو الشاهجان، فإذا ~~انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان بمدينة بما يلي خوارزم، ~~فيتعاقدون أن لا يغزو بعضهم بعضا، ويتشاورون في أمورهم، ~~فكان المسلمون يطالبون أمراءهم غزو تلك المدينة فيأبون ~~عليهم، فلما قدم سلم غزا ms032 فشتا في بعض مغازيه، فألح عليه ~~المهلب وسأله التوجه إلى تلك المدينة، فوجهه في ستة آلاف، ~~وقيل أربعة آلاف فحاصرهم وطلبوا الصلح، فبلغت قيمة ما أخذه ~~منهم خمسون ألف ألف، فحظي بها المهلب عند سلم، وغزا سلم ~~سمرقند، وعبرت معه امرأته أم محمد ابنة عبد الله بن عثمان ~~بن أبي العاص الثقيفية، وهي أول امرأة عربية قطعت النهر، ~~فولدت له ابنا سماه صفدي. # وفي تلك السنة ولى يزيد يزيد بن زياد أخا سلم على ~~سجستان، فغزاهم فغلبوه وشتتوا جيشه وأسروا عددا منهم، ~~فأنجدهم سلم بن زياد بجيش عليه طلحة الطلحات بن عبد الله ~~الخزاعي، فاسترد الأسرى، وسار طلحة من كابل إلى سجستان ~~ومات هناك. # وفي سنة 62 أعاد يزيد عقبة بن نافع أميرا على إفريقية، ~~بعد أن كان أبوه قد استدعاه إلى دمشق، فمات معاوية وعقبة ~~بدمشق فأعاده يزيد، ولما وصلها استمر في فتوحه حتى بلغ ~~طنجة والسوس الأقصى، ورأى البحر المحيط، فقال: يا رب لولا ~~هذا البحر لمضيت في هذه البلاد مجاهدا في سبيلك. # 13 # واستمر في فتوحه حتى قتل. ~~(7) موت يزيد وصفاته # مات يزيد وهو بحوارين من أعمال حمص لأربع عشرة ليلة، خلت ~~من ربيع الأول سنة 64ه، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وله من ~~الأولاد معاوية، وخالد، وأبو سفيان، وعبد الله، وعبد الله ~~الأصغر، وعمر، وأبو بكر، وعتبة، وحرب، وعبد الرحمن، ~~والربيع، ومحمد. # وكان يزيد عاقلا مدبرا، فيه كثير من صفات أبيه، ولكن ~~ما جرى في زمانه من الحوادث المؤلمة جعل الناس ينظرون إليه ~~نظرة ازدراء وانتقاص، وأكثر المؤرخين يذهبون إلى التهجم ~~عليه، وسلبه المزايا التي كان يتحلى بها. يقول أستاذنا ~~مؤرخ الشام محمد كرد علي: «سار على خطة أبيه في جهاد ~~الروم، وكان جلدا صبورا، ولم تمنعه فتنة ابن الزبير ~~وشيعة العراق عن قتالهم، وأهم الأحداث في زمانه قتل الحسين ~~بن علي - رضي الله عنه - وحمل رأسه الشريف إلى الشام، ~~وإهانة أسرته الطاهرة وقتل بعض رجالها، فارتكب ابن زياد ~~عامل العراق ليزيد من ذلك أمرا، أكبره ms033 أهل الإسلام، وزادت ~~بذلك شيعة علي وآله حنقا وشدة، ولم يكن يزيد يريد قتل ~~الحسين عملا بوصية والده، فإن زحر بن قيس لما حمل من ~~العراق إلى الشام أهل بيت حسين، ودخل على يزيد وبشره ~~بذلك دمعت عينه، وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل ~~الحسين، لعن الله ابن سمية (يعني ابن زياد)، أما والله لو ~~أني صاحبه لعفوت عنه، فرحم الله الحسين. # واتفق أهل المدينة سنة 62 على خلع يزيد، فجهز جيشا ~~فقاتل جند الشام أهل المدينة في الحرة، واستباح مسلم ~~المدينة، وكان قتلى الحرة سبعمائة من وجوه الناس من قريش ~~والمهاجرين والأنصار، وعشرة آلاف من وجوه الموالي، حنقت ~~نفوس الأمة من وقعة الحرة؛ لأن فتنتها التهمت بضع مئات من ~~علية قريش، وكانت غلطة زياد في قتل الحسين وسبي آله ~~الطاهرين، ذريعة أكبر للنيل من يزيد وآل يزيد، فتقولوا ~~عليه وحطوا من كرامته، مع أنه سار كسيرة أبيه في الملك من ~~التوسع في الفتوح، وقتال أعداء المملكة من الروم. أما وقعة ~~الحرة فإن أهل المدينة استطالوا على يزيد وحاسنهم، فخاشنوه ~~وأحرجوه حتى أخرجوه.» # 14 # ونحن لا نشارك أستاذنا في رأيه؛ فإن يزيد مسئول عن أعمال ~~عماله، فهو الذي وجههم، وهو الذي زودهم بما يجب ~~عليهم عمله، وإذا كان ما جرى في كربلاء قد جرى بدون علمه ~~ولا موافقته، بل إنه استنكره واستبكاه، فإن ما جرى في ~~الحرة والمدينة قد جرى بأمره، وما اختياره «مسلما» لقتال ~~الحجازيين، وهو يعرف عنه الغلظة والقسوة، إلا اختيار ~~متعمد مقصود. وقد كنا نأمل من رجل بلغ من العمر عتيا، ~~بل هو على حافة قبره أن يرعى الله في بيته الحرام، ~~ومقبر نبيه - عليه الصلاة والسلام - ولكنه كان شيخا ~~عاتيا ظالما، أدركته حماقة من حماقات الجاهلية، واستولت ~~عليه نزوة من نزوات الشيطان، ففعل فعلاته، وعين يزيد تراه، ~~وأذنه تسمعه، ويده تدفع به، فلا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # وبعد، فهذه بعض المآخذ على يزيد؛ على أن له محاسن ~~تتجلى في حزمه وعزمه على توطيد ms034 أركان الملك الذي شاده ~~أبوه، وحماسته لنصرة الإسلام ونشر رايته في بلاد ~~الروم. # قال الدكتور حتي: «ولقد حاصر جيش الأمويين القسطنطينية ~~ثلاث مرات، ولم يتمكن العرب في غيرها من بلوغ الأسوار ~~الثلاثة حول هذه العاصمة المنيعة، وكان أول حصار بقيادة ~~يزيد سنة «49ه/669م»، وقد قصد معاوية من إرسال يزيد على ~~هذه الحملة أن يجعله سندا لفضالة بن عبيد الأنصاري، الذي ~~توجه برا وكان قد قضى شتاء 668-669م في خلقيدونية ضاحية ~~القسطنطينية الآسيوية، وأن يرد من ناحية ثانية على هؤلاء ~~الذين كانوا يرتابون في كفاءة يزيد لولاية العهد، ولا ~~يرضون عن بيعته. ولقد جاء في الروايات والأساطير العربية ~~أن يزيد أظهر في هذه الحرب من الشجاعة والبأس ما أكسبه لقب ~~فتى العرب. وذكر صاحب الأغاني: أنه في أثناء الحصار نظر ~~يزيد إلى قبتين مبنيتين عليهما ثياب الديباج، فإذا كانت ~~الحملة للمسلمين ارتفع من إحداهما أصوات الدفوف والمزامير، ~~وإذا كانت الحملة للروم ارتفعت أصوات من الأخرى، فسأل يزيد ~~عنهما فقيل له: هذه بنت ملك الروم، وتلك بنت جبلة بن ~~الأيهم، وكل واحدة منهما تظهر السرور بما تفعله عشيرتها، ~~فتحمس يزيد وقال: أما والله لأسرنها، ثم حمل حتى هزم ~~الروم، فأحجرهم في المدينة، وضرب باب القسطنطينية بعمود ~~حديد كان في يده فهشمه حتى انخرق.» # 15 ~~(8) كبار رجال الدولة في عهد معاوية ومن بعده ~~(1) # عمرو بن العاص السهمي القرشي (؟-43) ولاه النبي ~~إمرة «ذات السلاسل»، وكان أحد أمراء جيوش فتح ~~الشام أيام عمر، فتح قنسرين وصالح أهل حلب، فاتح ~~مصر، وصاحب معاوية، ولاه مصر وأطلق له خراجها ست ~~سنين، وله آثار وأخبار كثيرة. ~~(2) # عبد الرحمن بن سمرة القرشي (؟-50) فاتح سجستان، ~~وكان من كبار الناس في العقل والحزم والنبل ~~والعزم. ~~(3) # عثمان بن أبي العاص الثقفي (؟-50) الذي ولاه ~~النبي على الطائف، وفتح على يديه فتوحات كثيرة ~~واستقر في البصرة، وكان من فضلاء الزمان. ~~(4) # أبو أيوب خالد بن يزيد الأنصاري (؟-50 أو 52)، ~~كان شجاعا صابرا محبا للغزو، شهد بدرا ~~والعقبة وأحدا والخندق، وكان الرسول # صلى الله عليه وسلم ms035 # يعجب به ويحبه، غزا مع يزيد بن معاوية في بلاد ~~الروم، مرض ومات هناك، فدفنه يزيد تجاه سور القسطنطينية. # 16 ~~(5) # عمران بن حصين الخزاعي (؟-52) من فضلاء الصحابة، ~~تولى قضاء البصرة، بعثه عمر إليها ليفقههم في ~~الدين. ~~(6) # عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (53)، أسلم بعد ~~أبيه قبل الفتح، وكان شجاعا راميا، ذا فضل ~~وعزم. ~~(7) # زياد ابن أبيه (53) استلحقه معاوية بأبي سفيان، ~~وجمع له إمرة العراقيين، وكان يعد من دهاة ~~الرجال وعقلاء الناس وشجعانهم وفصحائهم. ~~(8) # مسلم بن عقبة المري (63) قائد شجاع داهية، شهد ~~صفين مع معاوية، وولاه يزيد قيادة الجيش لقتال أهل ~~المدينة يوم الحرة، ومات في طريق مكة، وهو ذاهب ~~إليها بعد يوم الحرة في مكان يسمى بالمشلل. ~~(9) # عقبة بن عامر الجهني، أمير من الصحابة (؟-58)، ~~شهد صفين مع معاوية، وولي مصر سنة 44، وعزل عنها ~~سنة 47، وولي غزو البحر، وكان شجاعا فقيها ~~شاعرا قارئا راميا. ~~(10) # مسلمة بن مخلد الخزرجي (62) من كبار الأمراء، ~~ولاه معاوية إمرة مصر والمغرب، سير الغزاة إلى ~~المغرب في البر والبحر، أمره يزيد إلى أن ~~مات. ~~(11) # عتبة بن أبي سفيان (44) أخو معاوية، ولاه على ~~مصر سنة 43، فلم يلبث إلا سنة ومات، كان عاقلا ~~فصيحا مهيبا من فحول الأمويين. ~~(12) # أبو إدريس عائذ الله بن عبيد الله الخولاني ~~(؟-80) تابعي، فقيه دمشق وقاضيها، كان من الزهاد ~~والعباد والفقهاء، ولاه يزيد قضاء ~~دمشق. # الفصل الثالث # | عهد معاوية بن يزيد ومروان ~~بن الحكم # 64-65 ~~(1) عهد أبي ليلة معاوية الثاني # هلك يزيد وعبد الله بن الزبير خليفة في الحجاز، وقد بلغ ~~نعي يزيد إلى ابن الزبير، قبل أن يبلغ الحصين بن نمير قائد ~~الجيش الشامي المقاتل لابن الزبير، فنادى ابن الزبير ~~حصينا، وقال: علام تقاتل وقد هلك طاغيتكم؟! فلم يصدقه ~~حتى جاء الخبر، فبعث إلى ابن الزبير يهادنه ويقول: موعد ما ~~بيننا الليلة في الأبطح، فالتقيا وتحادثا، فاستطاع ~~ابن الزبير أن يجتذب حصينا، فقال له: هلم نبايعك، ثم اخرج ~~معنا إلى الشام، فإن هذا الجند الذي معي هم وجوه أهل الشام ~~ورؤساؤهم، فوالله لا يختلف ms036 عليك اثنان، وتؤمن الناس، ~~وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك وبين أهل ~~الحرم. # فقال: أنا لا أهدر الدماء، والله لا أرضى أن أقتل بكل ~~رجل منهم عشرة منكم. # وأخذ الحصين يكلمه سرا وهو يجهر ويقول: والله لا أفعل. ~~فقال الحصين: قبح الله من يعدك بعد أديبا أو داهيا؛ ~~وقد كنت أظن أن لك رأيا، وأنا أكلمك سرا وتكلمني جهرا؛ ~~وأدعوك إلى الخلافة، وأنت لا تريد إلا القتل والهلكة؟! ~~ثم فارقه، ورحل هو وأصحابه إلى المدينة. وندم ابن الزبير ~~على ما صنع، فأرسل إليه يقول: أما المسير إلى الشام فلا، ~~ولكن بايعوا لي هناك فإني مؤمنكم وعادل فيكم. فقال ~~الحصين: إن لم تقدم بنفسك لا يتم الأمر، فإن هناك ناسا ~~من بني أمية يطلبون هذا الأمر. وسار الحصين إلى المدينة، ~~ثم خرج معه بنو أمية إلى الشام، ولو خرج معهم ابن الزبير ~~لم يختلف عليه أحد، فوصل أهل الشام دمشق، وقد بويع معاوية ~~بن يزيد، فلم يكن إلا ثلاثة أشهر حتى هلك، وقيل بل ملك ~~أربعين يوما، ومات وعمره إحدى وعشرون سنة وثمانية عشر يوما. # 1 # وقد اضطربت أقوال المؤرخين في فترة خلافته، كما اضطربت ~~في سبب تخليه عنها، فقال بعضهم: إنه هو الذي تخلى، وذهب ~~آخر إلى أنه كان مريضا مرضا يمنعه من القيام بالأمر، ~~وقيل: إنه كان مكرها على ذلك وأنه قد دس له سم ~~فقتل. # قال ابن الأثير: بويع معاوية فلم يمكث إلا ثلاثة أشهر ~~حتى هلك، وقيل بل ملك أربعين يوما ومات. ولما كان في آخر ~~إمارته أمر فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني ضعفت عن أمركم، فابتغيت ~~لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، ~~فابتغيت سنته مثل أهل الشورى فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم ~~فاختاروا له من أحببتم، ثم دخل منزله وتغيب حتى مات ~~مسموما، وكان معاوية أوصى أن يصلي الضحاك بن قيس بالناس ~~حتى يقوم لهم خليفة، وقيل لمعاوية لو استخلفت، فقال: ms037 لا ~~أتزود مرارتها وأترك لبني أمية حلاوتها. # 2 # وقيل: إن معاوية بن يزيد كان قدريا؛ لأن عمر المقصوص ~~أحد أئمة الكلام من المعتزلة القدرية كان علمه وهذبه ~~فأدخله في مذهبه، ولما صار إلى الخلافة سأل أستاذه في ~~أمرها فقال له: إما أن تعتدل أو تعتزل، ففكر طويلا ثم عزم ~~على أن يخطب الناس، فخطبهم الخطبة السابقة، فوثب بنو أمية ~~على عمر المقصوص وقالوا: أنت أفسدته وعلمته! فطمروه ~~ودفنوه حيا. # 3 ~~(2) عهد مروان بن الحكم بن أبي ~~العاص بن أمية بن عبد شمس ~~(64-65) # لما اعتزل معاوية انقسم الناس ثلاثة أقسام: قسم مع ابن ~~الزبير، وهم أهل الحجاز وكثير من أهل الشام، وقسم مع بني ~~أمية وهم بعض أهل الشام (كان اليمنية بزعامة كلب مع بني ~~أمية، ولكنهم انقسموا قسمين: قسم منهم مع خالد بن يزيد ~~الأديب العالم ولكنه صغير، وقسم مع مروان بن الحكم، وكان ~~القيسية بزعامة الضحاك بن قيس مع عبد الله بن الزبير)، ~~وقسم مستقلون لا يميلون إلى هؤلاء ولا أولئك. # أما ابن الزبير فقد بايعه أهل الحجاز، وكثير من ~~المصريين، وأكثر الشاميين، وكاد يستتب له الأمر، فاتخذ مكة ~~مركزا له وتسمى بأمير المؤمنين، وكان مروان بن الحكم ~~أكبر الأمويين، ومن أكثرهم دهاء وسياسة وحنكة، فدعا ~~لنفسه وقر رأي أهل الشام على أن تجتمع بالجابية من أرض ~~حوران، وتناظروا في الأمر، فلما اجتمعوا قام روح بن زنباع ~~الجذامي فخطب الناس، وقال: يا أهل الشام هذا مروان بن ~~الحكم، شيخ قريش، والطالب بدم عثمان، والمقاتل لعلي بن أبي ~~طالب يوم الجمل ويوم صفين، فبايعوا الكبير. فاتفقوا على ~~مبايعة مروان، ثم خالد بن يزيد، ثم عمرو بن سعيد بن العاص ~~من بعدهما، وأرادوا أن يقصدوا دمشق، وكان الضحاك بن قيس قد ~~تغلب عليها، فلما بلغه بمقدم روح بن زنباع ومروان بن الحكم ~~خرج للقائهما في جمع كبير، قيل هو ثلاثون ألفا، وكان مع ~~مروان وروح ثلاثة عشر ألفا، فالتقى جمعاهما عند مرج راهط ~~في محرم سنة 65، وجرت معركة كبيرة بين ms038 الجانبين قتل فيها ~~الضحاك بن قيس، وتفرق جمعه، وهرب كثير من رجاله واستقر ~~مروان بدمشق، وهكذا انتصرت قبائل قيس العدنانية على قبائل ~~الضحاك القحطانية. # 4 # وقد أذكت هذه المعركة نار العصبية الجاهلية ~~بين العدنانية والقحطانية لا في الشام وحسب، بل في كافة ~~أرجاء العالم الإسلامي، وبخاصة في خراسان، ولقي المسلمون ~~من جراء ذلك عنتا، وقامت بين الجانبين حروب ومعارك ~~استمرت إلى أيامنا هذه. # ولما استقر الأمر لمروان في الشام، سار هو وابنه عبد ~~العزيز إلى مصر؛ لقتال عبد الرحمن بن جحدم، عامل ابن ~~الزبير عليها، حتى بلغ أيلة «قرب العقبة»، فأخذ جحدم يستعد ~~للقائه، وحفر حول الفسطاط خندقا عظيما؛ ليحول دون ~~المدينة، فتم حفره في شهر. وبعث جحدم جيشا كبيرا للقاء ~~مروان وابنه، والتقى الجمعان وفاز المروانيون، وانهزم جحدم ~~ولم ينفعه خندقه، ودخل مروان عين شمس ثم الفسطاط، وبنى ~~الدار البيضاء، وبايعه الناس إلا نفرا لم يخلعوا بيعة ~~ابن الزبير، فضرب أعناقهم. # 5 # وكان من بينهم الأكدر بن حمام سيد اللخميين، ~~ونفر كبير من المعافر، فثار اللخميون وكادت أن تقع فتنة ~~كبيرة لولا أن تداركها مروان بحكمته وعقله، ولما تم له ~~الأمر بمصر رجع إلى الشام، وشرع يعد حملتين إحداهما إلى ~~العراق والثانية إلى الحجاز، أما الأولى - وكانت بزعامة ~~عبد الله بن زياد - فإنها سافرت، ولم تكد تقوم بعمل حاسم ~~حتى جاءها الخبر بموت مروان، وأما الثانية - وكانت بزعامة ~~حبيش بن دلجة القيني - فهزمها ابن الزبير، وجاءها خبر ~~مروان فتفرق شملها، كما سترى تفصيل ذلك بعد. # كان مروان بعد أن استقر له الأمر قد خلع خالد بن يزيد من ~~ولاية عهده، وأمر أهل الشام بمبايعة ابنه عبد الملك وعبد ~~العزيز، وجعلهما ولي العهد، وأخذ ينتقص خالدا ويشتمه ~~ويصفه بالحمق، فدخل خالد على أمه، وكانت قد تزوجت مروان ~~بعد وفاة يزيد، فقص عليها ما يراه ويسمعه من مروان، ~~فقالت له: لا يعرفن ذلك منك، واسكت فإني أكفيكه. ولما ~~قام عندها مروان وضعت على وجهه وسادة لم ترفعها حتى قتلته، ~~وعندما علم ms039 عبد الملك بذلك أراد قتلها، فأشير عليه بالعدول ~~عن ذلك، كيلا يتحدث الناس أن امرأة قتلت أباه فيلحقه العار ~~من ذلك. # 6 # وكان هلاك مروان في رمضان سنة 65، وله من ~~العمر ثلاث وستون سنة. # 7 # ومدة خلافته تسعة أشهر وأيام. # قال المدائني: كان مروان من رجال قريش، من أقرأ الناس ~~للقرآن، وكان يقول: ما أخللت بالقرآن قط، وإني لم آت ~~الفواحش والكبائر قط. # 8 ~~(3) الأحوال العامة في عهد معاوية ومروان # جرت خلال العام الذي حكم فيه هذان الخليفتان حوادث جليلة ~~نجملها فيما يلي: ~~(1) # فتنة أهل الرأي؛ وذلك أنه لما بلغهم موت ~~يزيد خلعوا ربقة الطاعة لبني أمية، وكان على ~~رأسهم الفرحان الرازي، فبعث إليهم عامر بن ~~مسعود أمير الكوفة جيشا بقيادة محمد بن عمير ~~بن عطارد التميمي، فتغلب عليه الرازيون، ~~فبعث إليهم عامر عتاب بن ورقاء التميمي، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا حتى تفرق المشركون ~~وقتل الفرحان. # 9 ~~(2) # فتنة أهل خراسان؛ وذلك أنه لم يكفهم موت ~~يزيد واختلاف العرب بعده، وكان أمير خراسان ~~سلم بن زياد، فخطب الناس وردهم إلى بيعته ~~حتى يستقيم أمر الناس على خليفة فبايعوه، ثم ~~نكثوا عهده بعد شهرين، فخرج من خراسان وخلف ~~عليها المهلب بن أبي صفرة، فلما وصل نيسابور ~~لقيه عبد الله بن خازم، فقال له: من وليت ~~خراسان؟ فأخبره فقال: أما وجدت من توليه ~~خراسان غير هذا اليمني؟ اكتب لي عهدا على ~~خراسان، فكتب له وأعطاه مائة ألف درهم، ووقعت ~~فتنة كبيرة بين ابن خازم والمهلب، انشطر فيها ~~العرب شطرين: يمانية ونزارية، وانشطر النزارية ~~إلى ربيعية ومضرية، وقد استمرت هذه الفتن ~~طويلا حتى قال أحد المضريين: إن ربيعة لم تزل ~~غضابا على ربها منذ بعث نبيه من مضر. # 10 ~~(3) # فتنة أهل الكوفة: وذلك أنهم لما علموا بموت ~~يزيد، وأن البصريين قد بايعوا عبيد الله بن ~~زياد، عزلوا أميرهم عمرو بن حريث، وأمروا ~~عامر بن مسعود بن خلف القرشي. # 11 # فمكث ثلاثة أشهر حتى خضعت الكوفة ~~لابن الزبير. ~~(4) # فتنة أهل البصرة: وذلك أنهم بايعوا عبيد ~~الله ms040 بن زياد، بعد أن علموا بموت يزيد، ولكنهم ~~لم يلبثوا أن خلعوه ووقعت بين الجانبين حوادث ~~انتهت بهرب عبيد الله إلى الشام، وخضوع البصرة لابن الزبير. # 12 # واستقر المصران (البصرة والكوفة) ~~لعبد الله بن الزبير حين بعث عليهما عبيد الله ~~بن يزيد الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن ~~محمد بن طلحة على الخراج. # الفصل الرابع # | عبد الله بن الزبير # 64-73ه ~~(1) أوليته # هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، وأمه ~~أسماء بنت أبي بكر الصديق، ولد عام الهجرة، وهو أول مولود ~~في الإسلام، وحنكه النبي # صلى الله عليه وسلم # وتربى تربية إسلامية ~~بحتة فحفظ عن النبي # صلى الله عليه وسلم # جملة من الأحاديث، كما روى عن ~~أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالته عائشة، وهو أحد العبادلة ~~وأحد الشجعان من الصحابة، ونقل ابن حجر في الإصابة عن ~~البيهقي في دلائل النبوة عن عامر بن عبد الله بن الزبير، ~~أنه أتى النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد ~~الله، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد، فلما برز عن ~~رسول الله عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال: يا عبد الله، ~~ما صنعت بالدم؟ قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى عن ~~الناس، قال: لعلك شربته، قال: نعم. قال: ولم شربت الدم؟ ~~ويل للناس منك، وويل لك من الناس. # 1 # وقد شهد عبد الله وقعة اليرموك مع أبيه، وشهد فتح ~~إفريقيا، وكان البشير بالفتح إلى عثمان بن عفان، وشهد يوم ~~الدار، وكان مدافعا عن عثمان، وشهد الجمل مع خالته عائشة ~~وكان على الرجالة، وجرح وأخذ من بين القتلى وفيه ~~بضعة وأربعون جرحا، ~~وأعطت عائشة البشير الذي بشرها بحياته عشرة آلاف. ولما ~~وقعت الفتنة بين علي ومعاوية اعتزل. وأول ما نسمع به بعد ~~ذلك في الجيش الذي بعثه معاوية لغزو القسطنطينية سنة 50 مع ~~ابنه يزيد، وكان معاوية يلمح في ابن الزبير مطامحه فيترضاه ~~ويغدق عليه، وقد رأينا أنه امتنع من مبايعة يزيد، وعاذ ~~بالكعبة، وسمى ms041 نفسه عائذ فلما كانت وقعة الحرة وفتك أهل ~~الشام بأهل المدينة، ثم اتجهوا إلى مكة قاتلهم ابن الزبير، ~~ولما جاء نعي يزيد وانخذل الشاميون، بايع أهل الحجاز ~~عبد الله بن الزبير بالخلافة، وانضم إليهم أهل مصر، وأكثر ~~أهل الشام والعراق كما رأينا في عهد مروان بن الحكم، فلما ~~مات مروان وخلفه ابنه عبد الملك، جرت بين الاثنين أمور ~~نجملها فيما يأتي: ~~(2) خلافته # كان عبد الله يطمع في الخلافة منذ زمن مبكر، يرجع إلى ~~أيام فتنة عثمان الذي استخلفه على داره، فكان عبد الله يرى ~~في ذلك تقديما له على الآخرين. قال ابن عبد ربه: كان ~~عثمان استخلف عبد الله بن الزبير على الدار يوم الدار، ~~فبذلك ادعى ابن الزبير الخلافة. # 2 # ثم إن تأمير النبي # صلى الله عليه وسلم # جده أبا بكر ~~للصلاة بالمسلمين قد قوى في نفسه ذلك الأمر. ولقد لعب ~~دورا هاما في الفتنة بين علي ومعاوية، حتى قال علي ~~للزبير: لقد كنا نعدك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك ابن ~~السوء ففرق بيننا (ابن الأثير 3: 202)، ولما وقعت الفتنة ~~بين علي وعائشة، كان لعبد الله النصيب الأوفر فيها، ثم لما ~~وقعت الفتنة بين الحسين ويزيد، شجع الحسين على ترك الحجاز ~~للاستقلال بها كما رأينا، وكانت خالته عائشة الصديقة تحبه ~~وتدعو الناس إليه. # 3 # ولما مات معاوية وتخلف الحسين وابن الزبير عن مبايعة ~~يزيد، كان الحسين منافسه الأقوى، فلما قذف به إلى العراق ~~حيث قضي عليه، لم يبق له منافس سوى محمد ابن الحنفية، ~~فلما بايع ابن الحنفية يزيد خلا الجو لابن الزبير، فأخذ ~~يدعو لنفسه، ويعمل على تقوية حزبه في الحجاز وخارجه، وتمكن ~~ابن الزبير أن يؤلب الناس على الأمويين مستغلا ما قام به ~~الأمويون من أعمال منافية للإسلام، ~~كتحويلهم الخلافة إلى ~~ملك عضوض، وكمعاملة ولاتهم الناس بالقسوة والعنف، وكقتل ~~الحسين وغزو الحرمين. # 4 # وهكذا استطاع ابن الزبير بدهائه أن يكسب عطف ~~الرأي العام الإسلامي. ثم إن ما كان يتمتع به من دين وتقوى ~~جعله صاحب القدم ms042 المعلى، فأحبه الناس وعطفوا عليه وأيدوه، ~~فاستطاع أن يعكر صفو الأمويين ويقلق دولتهم، وتمكن في سنة ~~63 أن يثير أهل المدينة على والي يزيد، فطردوه وبايعوا عبد ~~الله، وانضم إليهم أهل مكة، بعد أن رأوا من ظلم الأمويين ~~ما رأوا، ولم يشذ من الحجازيين عن بيعته إلا محمد ابن ~~الحنفية وعبد الله بن عباس، ثم بايعه أهل اليمن والكوفة ~~والبصرة بعد موت يزيد بن معاوية سنة 64. # أما أهل الشام فقد انقسموا بعد موت معاوية بن يزيد - كما ~~رأينا - إلى قسمين. قال ابن عبد ربه: «فلما مات معاوية بن ~~يزيد بايع أهل الشام كلهم الزبير إلا أهل الأردن، ~~واستخلف ابن الزبير الضحاك بن قيس الفهري على أهل الشام.» # 5 # ثم كان من أمر يوم مرج راهط ما رأيناه. # وأما مصر، فإنها بايعت ابن الزبير، وكذلك كان حال أهل ~~خراسان والمشرق، وهكذا بايع المسلمون في أكثر الأقطار لابن ~~الزبير، وكاد يتم له الأمر، لولا مبايعة الشاميين لمروان، ~~ثم لابنه عبد الملك اللذين استطاعا أن يقفا وقفة جبارة ~~أمام ابن الزبير فانتزعا منه مصر، وهلك مروان وخلف لابنه ~~عبد الملك مشكلتين جسيمتين. # أولاهما: فتنة المختار بن أبي عبيد الثقفي التي سنتحدث ~~عنها بعد، والثانية: فتنة ابن الزبير. كان ابن الزبير قد ~~بعث أخاه مصعبا أميرا على العراق، وفي سنة 70 أقبل ~~عبد الملك إلى العراق فاستعد له مصعب، ولكنه لم يستطع ~~الوقوف أمامه؛ لأن جندا كثيرا من جند ابن الزبير، وعلى ~~رأسهم المهلب بن أبي صفرة كانوا قد تعبوا من محاربة ~~الخوارج، فاستطاع عبد الملك أن يستميلهم إلى جانبه، والتقى ~~الجمعان عند باخمرا، فقتل مصعب بعد أن أبلى بلاء حسنا، ~~ودخل عبد الملك الكوفة فبايعه أهلها سنة 71ه، وتمكن من ~~السيطرة على العراق. # 6 # ولم يبق في يد عبد الله بن الزبير سوى ~~الحجاز. # فلما توطد أمر العراق لعبد الملك وجه من العراق جيشا ~~كثيفا بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي لقتال ابن الزبير، ~~وبعث معه أمانا لابن الزبير إن هو أطاع، فسار في ms043 جمادى ~~الأولى سنة 72ه، فنزل بالطائف، فكان يناوش ابن الزبير وهو ~~هناك، ثم كتب إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم، فأذن ~~له، وقدم مكة محرما في ذي الحجة، فحج بالناس إلا أنه لم ~~يطف ولم يسع بين الصفا والمروة؛ لأن ابن الزبير منعه، ~~وحصر ابن الزبير فلم يستطع الحج، ثم نصب المنجنيق على أبي ~~قبيس، ورمى به، فأصاب الكعبة، واشتد الحصار على أهل مكة ~~حتى غلت الأسعار، فخرج أهل مكة مستأمنين إلى الحجاج، وممن ~~استأمن ابنا عبد الله: حمزة وحبيب، فدخل عبد الله على أمه ~~أسماء بنت أبي بكر وقال لها: يا أماه، خذلني الناس حتى ~~ولدي وأهلي، ولم يبق معي إلا اليسير، ومن ليس عنده ~~إلا صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما ~~رأيك؟ فقالت: أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق ~~وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من ~~رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت ~~الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك، وإن قلت ~~كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ~~ولا أهل الدين؛ كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن. # فقال: يا أماه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ~~ويصلبوني. # قالت: يا بني إن الشاة لا تتألم بعد القتل من السلخ، ~~فامض على بصيرتك واستعن بالله. فقبل رأسها وقال: هذا ~~رأيي، والذي خرجت به دائبا إلى يومي هذا، ما ركنت إلى ~~الدنيا، ولا أحببت فيها الحياة، وما دعاني إلى الخروج ~~إلا الغضب لله، وأن تستحل حرماته، ولكني أحببت أن أعلم ~~رأيك، فقد زدتني بصيرة، فانظري يا أماه، فإني مقتول في ~~يومي هذا فلا يشتد حزنك، وسلمي لأمر الله. # فقالت: أرجو أن يكون عزائي فيك جميلا. # 7 # ثم طفقت تدعو له وتشجعه حتى ذهب فقاتل قتالا ~~عجيبا، وأظهر من الشجاعة والجلد ما أدهش الحجاج وصحبه، ثم ~~تمكن منه العدو فقتله، ثم صلبه، فتناولته أمه فغسلته ~~وطيبته، وصلت عليه وكانت ms044 تقول: اللهم لا تمتني حتى تقر ~~عيني بجثته. فما إن أتت عليها جمعة حتى ماتت. # 8 ~~(3) خاتمته ومناقبه # قتل ابن الزبير في جمادى الآخرة من سنة 73 وهو ابن 72 ~~سنة، وتمكن الحجاج بن يوسف بقتله أن يسيطر على الحجاز ~~وينظمه في سلك البلاد الخاصة لمولاه عبد الملك، وكان موقف ~~عبد الله بن الزبير في وجه الحجاج موقفا يدل على قوة نفس ~~وإيمان عميق بحقه، وقد رأينا ذلك في حواره الأخير مع أمه. ~~والحق أن عبد الله قد أوفى كثيرا من الصفات الجليلة التي ~~تخوله أن يقوم بحركته؛ من التقوى والشدة والدهاء، ولكنه ~~كان ينقصه بعض الصفات الرئيسية للسيادة، كالكرم وتنظيم ~~الدعاية والمسايرة؛ فقد كان قاسيا لا يساير، وكان لا يهتم ~~بخصومه، وكان بخيلا يضن بالمال حتى على أقرب المقربين ~~منه، وفي أشد المواقف حراجة؛ فقد روى ابن الأثير أنه لما ~~اشتد حصار الحجاج على أهل مكة وأصابت الناس المجاعة لم ~~يخرج لهم ما في بيوته، وإنها لمملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا. # 9 # ولما بعث إليه أخوه مصعب بوجوه أهل العراق أوصاه ~~بالإحسان إليهم وعطائهم، فلم يعطهم شيئا وردهم شر رد، ~~ولم يكن كذلك خصومه من بني أمية؛ فقد كان مروان وعبد الملك ~~مساميح أجوادا أفاضوا على الناس والشعراء خيرات وأموالا، ~~فسبحوا بحمدهم ونشروا دعوتهم. # قال علي بن زيد الجدعاني: كان عبد الله كثير الصلاة، ~~كثير الصيام، شديدا على الناس، كريم الجدات والأمهات ~~والخالات، إلا أنه كانت فيه خلال لا يصلح معها للخلافة؛ ~~لأنه كان بخيلا، ضيق العطاء، سيئ الخلق، حسودا، كثير ~~الخلاف، أخرج محمد ابن الحنفية، ونفى عبد الله بن عباس إلى الطائف. # 10 # وهكذا قضي على ابن الزبير وحركته، التي كانت ~~تهدف إلى إرجاع عاصمة الإسلام إلى الحجاز، كما كانت على ~~عهد الرسول، وكان هو معتزا بذلك، ساعيا له، ولما طلب ~~إليه أن يترك الحجاز إلى الشام امتنع، ولو أنه ذهب ~~لاستقامت له الأمور، ولكنه لم يقبل فقضى على نفسه، رحمه ~~الله. # الفصل الخامس # | في التنظيمات والتراتيب الإدارية ms045 # في العهد الأموي الأول ~~(1) مقدمة في التراتيب الإدارية في سورية قبل ~~الإسلام # كانت بلاد الشام ولاية رومانية منذ عهد بومبوس الروماني، ~~الذي افتتحها في القرن الأول ق.م. 64، وجعل عاصمتها ~~أنطاكية، ولما فتحها المسلمون كان السلطان الروماني ~~والإدارة التراتيب والأنظمة الرومانية متغلغلة فيها منذ ~~أكثر من سبعة قرون خلت، وقد عهدوا بتدبير شئونها إلى ولاة ~~رومانيين، كما أنهم أبقوا بعض الأسر الحاكمة القديمة إلى ~~أن نسخوا ولايتهم على التعاقب. # 1 # وكانت للسوريين قبل الفتح ندوات ومجالس بلدية، ~~تعنى بمهام البلاد الداخلية، وتصلح شئونها، وتهتم بتوسيع ~~نطاق تجارتها، وتجميل أبنيتها في أنطاكية ودمشق وتدمر. # 2 # وكانت ديار الشام في ذلك أكثر زراعة، فإن ~~كثيرا من البقاع التي وصفت بأنها جنات ومزارع صارت فيما ~~بعد صحارى قاحلة. # 3 # وكانت الغوطة في منتصف القرن الرابع # 4 # تسمى لؤلؤة عقد سورية وشامة الدنيا، وكانت ~~صادراتها الزراعية من حبوب وخمور وزيوت وفواكه ذات شهرة ~~واسعة في أرجاء العالم. # 5 # كما كانت مصنوعاتها من نسيج القطن والحرير ~~والكتان وآنية الزجاج والنحاس مضرب الأمثال، فكانت تنقل ~~إلى كافة أرجاء المعمورة. # 6 # وكان التجار السوريون يرحلون إلى أقاصي الهند ~~والصين وأوروبا، وكانت لهم مخازن ومراسي في موانئ إيطالية ~~وإسبانيا وبحر الهند. # 7 # ولا شك في أن لهؤلاء التجار قوانين وتراتيب ~~وأنظمة، سنتها حكومتهم لتنظيم شئونهم الاقتصادية ~~وعلاقاتهم بالدول الأخرى تجدها إما في كتب الفقه والتشريع ~~الروماني، أو على الأحجار واللوحات والآثار التي بقيت من ~~ذلك العهد. # وقد تغلغلت الديانة المسيحية في سورية منذ القرن الأول ~~المسيحي، وخلفت لنا المسيحية آثارا عقلية وعلمية وأدبية ~~رائعة أنتجتها عقول السوريين في ذلك العصر. # 8 # ولا سيما المشرعين منهم، والقانونيين، ~~والفلاسفة؛ أمثال فرفير الصوري «فورفوريوس» الفيلسوف ~~الأشهر، تلميذ فلوطين (؟-305م) والأسقف أوسابيوس أسقف ~~قيصرية؛ فقد كان من رجال الدين والعلم والفلسفة والتاريخ ~~والقانون والجغرافية (؟-338م). # 9 # وأوسابيوس أسقف قيصرية؛ فقد كان من أئمة ~~البلاغة والتاريخ والقانون. # 10 # والقديس يوحنا فم الذهب الأنطاكي الخطيب ~~العالم المشرع الأشهر (؟-407م). # 11 # وسوزومانس المؤرخ السوري الأشهر، والفقيه ms046 ~~المحامي بعد سنة 439. # 12 # ومنهم إيناي الغزي الفيلسوف المسيحي (؟-521). # 13 # ومنهم القديس سمعان العمودي الزاهد العالم، ~~صاحب الدير المعروف باسمه إلى الآن في سورية (؟-459). # 14 # ومنهم المعلم دوروتاوس أحد معلمي مدرسة ~~الشريعة في بيروت، وكان من جملة من استدعاهم الملك ~~جوستنيان لتنقيح الشرائع وتدوين اللغة، فكان هو والمعلم ~~تريبونيان رئيس اللجنة التي شكلها جوستنيان صاحبي الفضل ~~الأكبر في إيجاد مدونة جوستنيان # Institutos ~~. # 15 # ومنهم المؤرخ الفقيه أفاغربوس الحموي (؟-بعد ~~سنة 594). # 16 # وغيرهم من الأئمة الأعلام الذين ضربوا بسهم ~~وافر في علم التشريع والقوانين وترتيب الدول وأنظمتها. ولا ~~شك في أن هذا التراث العلمي العريق قد وجد الأرض الطيبة في ~~عهد الراشدين، ثم في عهد الأمويين. وقد استعان معاوية بنفر ~~من أئمة التشريع والفقه الروماني من نصارى أهل الشام، ~~كمنصور الرومي وسرجون الرومي وغيرهما. ~~(2) الخلافة # كانت الخلافة في ~~العهد الراشدي خلافة شورية على الرغم من اللمحات ~~الاستبدادية التي كانت تتجلى على بعض تصرفات أبي بكر، ~~وعمر، وعثمان، وعلي، ولكنها في الأكثر كانت ذات أسلوب ~~إسلامي جماعي ديموقراطي، فلما جاء عهد أمية استحالت إلى ~~ملك استبدادي، ولم يمكن الناس أن يثوروا على هذه البدعة؛ ~~لأن الرجل الذي تقلد الأمر كان رجلا مرنا، ذا هيبة، يؤذي ~~ويداري ويجرح ويداوي، ثم إنه سلك بالناس مسلكا حسنا، ~~فوجه العرب إلى الفتح والجهاد في سبيل الله، وأحسن سياسة ~~غير العرب، فلم يرهقهم ولم يقس عليهم، ووحد أركان ~~الدولة الجديدة بمخترعاته في التنظيم والترتيب والسياسة، ~~فأحبه الناس وآزروه ، ثم إنه نقل عاصمة الخلافة من مقرها ~~الأول المتزمت المتشدد إلى مقر جديد يكونه كما ~~يريد، ثم إن القوم الذين أقام بينهم في عاصمته هم قوم ~~مسالمون مطيعون، يحبون المال، ويكرهون الشغب، وقد يسر لهم ~~معاوية ذلك، فالتفوا حوله وآزروه، وأعانوه بعلمهم ~~ومقدرتهم وما ورثوه من تقاليد الدولة المنقرضة وآدابها ~~وتراتيبها الإدارية والدولية، فرتب الخلافة تراتيب جديدة، ~~وأقام على بابه الحجاب والشرطة، واتخذ المقصورة يصلي فيها ~~بعيدا عن الناس، ثم جعل نظام ولاية العهد على الأسلوب ~~الكسروي، فنقلها من ms047 الشورى التي كانت عليها أيام الراشدين ~~إلى الميراث، ولا شك في أنه قد تأثر بنظام ولاية العهد ~~البيزنطي الرومي أو الساساني الفارسي. ثم إن معاوية قد رأى ~~أن الأمر في زمانه لم يبق كما كان أيام الرسول # صلى الله عليه وسلم # وأن الملك غير الخلافة، فالملك يستند على السياسة ~~والخلافة تستند على الدين، ولا مانع عنده من أن يجنح إلى ~~السياسة، ولو كان في ذلك خروج عن بعض تعاليم الدين إذا ما ~~اقتضت مصلحة المسلمين ذلك؛ لأن ما رآه المسلمون حسنا فهو ~~عند الله حسن، وإذا تعارضت الفكرة الدينية بالمصلحة ~~الدنيوية يجب الأخذ بالمصلحة؛ ومن أبرز الأدلة على ذلك ~~استلحاقه زيادا بأبيه أبي سفيان، وعدم اكتراثه بكل ما قيل ~~فيه؛ لأنه رأى أن المصلحة الدنيوية تقضي بذلك؛ ومن ذلك أنه ~~أوجد سرير الملك على نمط العرش البيزنطي والساساني، وهذا ~~أمر يخالف روح الفكرة الديموقراطية التي سار عليها الخلفاء ~~من قبله، ولكنه رأى أن المصلحة تقضي بذلك فعمله. قال صاحب ~~صبح الأعشى في الفصل الخاص برسوم الملك وآلاته، ومنها ~~«سرير الملك»، ويقال له تخت الملك، وهو من الأمور العامة ~~للملوك، وقد تقدم أن أول من اتخذ مرتبة للجلوس عليها في ~~الإسلام معاوية حين «بدن»، ثم تنافس الخلفاء والملوك ~~بعده في الإسلام حتى اتخذوا الأسرة. # 17 # وقال ابن خلدون: ~~(3) الوزارة # لم يتخذ الرسول، ولا الخلفاء الراشدون، ولا الأمويون ~~وزيرا بالمعنى الذي نفهم، والذي وجد في العصر العباسي، ~~وإنما كان الخلفاء الراشدون والأمويون يستعينون على حل ~~بعض القضايا بمشاورة كبار أهل الرأي من رجالات الدولة، ~~فكان أبو بكر يشاور عمر وعثمان وعليا، وغيرهم من كبار ~~رجالات الصحابة، وكان عمر وعلي يقضيان بين الناس، ويحلان ~~كثيرا من المشاكل التي اعترضت أبا بكر في عهده، وكان لأبي ~~بكر مجلس يجمع فيه أهل العلم والدين والعقل، ويشاورهم فيما ~~يحل به من قضايا المسلمين، وكذلك كان عمر وعثمان وعلي من ~~بعده. فلما تولى معاوية وسلك بالدولة الإسلامية ذلك المسلك ~~الجديد، لم يستطع أن يبدل كل شيء في ms048 الأسلوب القديم، فلم ~~يتخذ نظام الوزارة الفارسي أو البيزنطي، ولم يقيد الخليفة ~~بقيود بعيدة عن روح الإسلام والعقلية العربية، ولكنه أبقى ~~للتقاليد العربية سلطانها، بل يمكننا أن نقول: إن العهد ~~الأموي كان رجوعا إلى التقاليد الجاهلية التي تجعل لشيخ ~~القبيلة السلطان المطلق في تصريف الأمور، وهذا ما جعل ~~الفقهاء ينظرون إلى الخلفاء الأمويين، كأنهم ملوك مستبدون ~~لا خلفاء يمثلون النبي، ويقومون بتنفيذ أحكام الشريعة ~~الإسلامية. ولم يتخذ الأمويون وزراء بالمعنى الذي نعرفه في ~~العصر العباسي، وإنما كان لهم كتاب وأناس يستشيرونهم، ~~ولو لم يكونوا من المسلمين؛ كما رأينا في تقريب معاوية ~~لمنصور الرومي وسرجون الرومي، وأسرة سرجون «سرجيوس» أسرة ~~نبيلة ساهمت في تولي الوظائف الإدارية والمالية في العهد ~~البيزنطي، وممن برز اسمهم في هذا العصر من النصارى ~~السوريين حفيد القديس يوحنا الدمشقي، الذي كان أحد ندمان ~~يزيد وأهل مشورته، ومنهم الطبيب ابن أثال الذي كان طبيب ~~معاوية، ثم ولاه جباية خراج حمص. # 18 # ومنهم الأخطل الشاعر وقصصه مع الأمويين ~~معروفة، وغيرهم من عقلاء نصارى الشام وأهل الذمة. ~~(4) الكتابة والتراتيب الإدارية # اتخذ الرسول كتابا يكتبون له الوحي، وكتابا ~~يكتبون له الأمور الدنيوية، ومن كتاب الرسول # صلى الله عليه وسلم # عمر، وعلي، وعثمان، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وسعيد بن ~~العاص، والمغيرة بن شعبة. # 19 # ولما ولي أبو بكر اتخذ عثمان كاتبا له، فنظم ~~له ديوان الدولة، ولما ولي عمر اتخذ ثابتا وعبد الله بن الأرقم # 20 # كتابا، واتخذ عثمان مروان بن الحكم كاتبا ~~له، واتخذ علي عبد الله بن أبي رافع كاتبا له. ويروي ~~الجهشياري أن عليا أوصاه بقوله: يا عبد الله ألق دواتك، ~~وأطل شباة قلمك، وفرج بين السطور، وقرمط بين الحروف. # 21 # ولا شك في أن هؤلاء الكتاب كانوا يكتبون ما ~~يملى عليهم للخليفة، وقد يعطيهم الفكرة فيكتبونها، ثم ~~يقرءونها عليه، فإذا أعجبته وقع عليها. ولما ولي معاوية ~~عدد الكتاب، وجعل لكل مصلحة من مصالح الدولة ديوانا ~~خاصا، وفي عهد معاوية صار الكتاب خمسة أصناف: (1) ~~كاتب الرسائل. (2) كاتب الخراج والمستغلات. ms049 (3) كاتب ~~الجند. (4) كاتب الشرطة. (5) كاتب القاضي. وأكبر هؤلاء ~~الكتاب مكانة هو كاتب الرسائل، وكان الخلفاء لا يولون ~~هذا المنصب إلا الأمين المأمون الشريف، وقلما اختاروا له ~~شخصا من غير بني أمية أو أشراف العرب، وقد استمروا على ~~ذلك طول العهد الأموي، وكان صاحب هذا الديوان لا يقل عن ~~الوزير في العصر العباسي، وكان ديوان الخاتم تابعا لصاحب ~~ديوان الرسائل، وهو ديوان أحدثه معاوية، وكانت قبلئذ ~~الرسائل غير مختومة، وكان أحال رجلا على زياد ابن أبيه - ~~عامله على العراق - بمائة ألف درهم، فمضى الرجل وجعل ~~المائة مائتين، فلما رفع زياد حسابه إلى معاوية أنكر هذا ~~العدد، وقال: ما أحلته إلا بمائة ألف، ثم استعاد المائة ~~ألف ووضع ديوان الخاتم، فصارت الرسائل لا تصدر إلا ~~مختومة لا يعلم أحد ما تشتمل عليه، ولا يستطيع أن يغيرها ~~في شيء. # 22 # أما ختم الرسائل بوضع خاتم في آخرها، فقد كان ~~منذ عهد النبي؛ فقد رووا أنه لما أراد أن يكتب إلى الملوك ~~قيل له: إن الملوك لا يقبلون كتابا إلا إذا كان ~~مختوما، فاتخذ خاتما من فضة ونقشه: «محمد رسول الله»، ~~وختم به أبو بكر وعمر وعثمان إلى أن سقط من يد عثمان في ~~بئر أريس، فصنع آخر مثاله (مقدمة ابن خلدون، ص220). ومن ~~إصلاحات معاوية الإدارية أنه ضرب أنواع العملة؛ فسك دنانير ~~عليها صورته وبيده سيف، كما سك دراهم وزن الواحد منها ستة ~~دوانق، وسك عامله على العراق دراهم وزن العشرة منها ستة مثاقيل. # 23 # ولكن يظهر أن هذه العملة كانت محدودة الكمية؛ ~~فإنها لم تستطع أن تقضي على العملات الأجنبية من دنانير ~~رومية أو دراهم ساسانية. وسنرى أن عبد الملك بن مروان هو ~~الذي خطا في هذا المضمار الخطوة الرئيسية. ~~(5) الحجابة # كان للرسول والخلفاء الراشدين حجاب، ولكنهم ما كانوا ~~يتشددون في الحجاب، ولا يمنعون أحدا من الدخول عليهم ~~إلا في الأوقات التي يخلون فيها بأنفسهم وأهلهم وأولادهم ~~غالبا، وكانوا يسيرون بالناس على الطريقة العربية. فلما ~~انتقل الأمر إلى بني أمية اتخذ معاوية ms050 حجابا على بابه ~~يمنعون الناس من الدخول إلا بإذن وسؤال؛ خوفا على نفسه ~~من شر الخوارج والمفسدين والثقلاء، وتلافيا من حصول ~~الفوضى في مجالس الخلافة، على أن معاوية لم يستطع أن يحتجب ~~عن الناس تماما؛ فقد رأينا في كلام المسعودي الذي صور ~~لنا فيه كيف كان معاوية يقضي يومه، أنه كان يخصص بعض ساعات ~~يومه للناس عامة لا يحتجب دون أحد. يقول ابن خلدون: لما ~~انقلبت الخلافة إلى ملك (أي في العهد الأموي)، وجاءت ~~رسوم السلطان وألقابه، كانوا أول شيء بدئ به في الدولة ~~شأن الباب وسده دون الجمهور، بما كانوا يخشون على أنفسهم ~~من اغتيال الخوارج وغيرهم، كما وقع لعمر، وعلي، ومعاوية، ~~وعمرو بن العاص، وغيرهم، مع ما في فتحه من ازدحام الناس ~~عليهم، وشغلهم بهم عن المهمات، فاتخذوا من يقوم بذلك ~~وسموه الحاجب. # 24 # وهذا حق، فإن بني أمية قد نظموا أمور الحجابة؛ ~~فشددوا فيها بعض الأحيان. كان الحجاب في أيام أبي بكر ~~وعمر يتساهلون كل التساهل. ويروى أن يرفأ مولى عمر وحاجبه ~~هو أول من ارتشى في الإسلام؛ فقد ذكر أبو نعيم أن يرفأ ~~ارتشى من المغيرة بن شعبة؛ ليسهل عليه الدخول إلى عمر، ~~ويخبره عن بعض أوضاع عمر. # 25 # ويظهر أن عثمان قد تشدد في الحجابة بعد ~~حادثة عمر، أما علي فكان لا يمنع أحدا من الدخول عليه، ~~ولما انتهت الدولة الراشدية وجاء معاوية نظم أمر الحجاب ~~على الشكل الذي حدثنا به ابن خلدون. وقد كان لمعاوية حاجب ~~اسمه سعد أبو درة، ذكره ابن عساكر فقال: «كان حاجبا ~~لمعاوية، ثم لعبد الملك بن مروان»، وروي عن أبي المعطل ~~الكلابي قال: أقبل رجل من الصحابة يقال له أبو مريم ~~غازيا زمن معاوية، حتى بلغ الجفر فتذكر حديثا، فرجع إلى ~~دمشق فدخل على معاوية، فرحب به فقال أبو مريم: إني لم أجئك ~~طالب حاجة، ولكن سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «من أغلق ~~بابه دون ذوي الفقر والحاجة أغلق الله عن فقره وحاجته باب ~~السماء»، فبكى ms051 معاوية ثم قال: ردد حديثك. ثم أرسل خلف ~~سعد، وقال له بعد أن حدثه حديث أبي مريم: اللهم إني أخلع ~~هذا من عنقي وأجعله في عنقك، من جاء يستأذن فأذن له. # 26 ~~(6) الجيش # يظهر أن معاوية قد حور نظام الجيش عما كان عليه في عهد ~~الخلفاء الراشدين، فقد اقتبس بعض الأنظمة العسكرية ~~البيزنطية، فكانت الفرقة مؤلفة من خمسة أجزاء: القلب، ~~والميمنة، والميسرة، والطليعة، والساق، كما أدخل بعض ألبسة ~~الجند البيزنطي كالسروج المستديرة البسيطة، واتخذ بعض آلات ~~الحرب التي كان الروم يستعملونها كالعرادة والمنجنيق ~~والدبابة. # أما الجيش فبعد أن كان عربيا صرفا في العهد الراشدي، ~~صرنا نجد فيه بعض العناصر غير العربية من روم وفرس وبخاصة ~~في قسم البحرية. وقيل إن الجيش النظامي قد بلغ في عهد ~~معاوية ستين ألف مقاتل، وأن عطاءهم السنوي بلغ نحوا من ~~ستين ألف ألف درهم. # 27 # وكان المقاتلة البحريون على نمط المقاتلة ~~البحرية عند البيزنطيين، كما كانت السفينة الحربية العربية ~~على نمط السفينة الحربية البيزنطية، وكانت في كل واحدة ~~منها ما لا يقل عن خمسة وعشرين مقعدا للتجديف في كل واحد ~~من ظهري السفينة الأسفلين يجلس على المقعد رجلان عدا ~~المقاتلة، وكان الملاحون مسلحين أيضا. # ترتيب العمارة البحرية: طلب معاوية من عمر أن يأذن له ~~بغزو الروم بحرا فنهاه عن ذلك، فلما تولى عثمان أعاد ~~الطلب، فأذن له على ألا يحمل أحدا من العرب على ركوب ~~البحر، فصار المسلمون يركبون البحر، وبلغ الأسطول الأموي ~~في وقت ما نحوا من ألفي سفينة، وقد اتخذ معاوية في عهدي ~~إمارته وخلافته دورا للصناعة والقيام بتراتيب العمارة ~~البحرية في كل من صيدا وصور والإسكندرية، وجزائر صقلية، ~~وإقريطش ورودس وسردانية والبليار، واتخذ معاوية بموافقة ~~عثمان قرارا بإيجاد إمرة للأسطول العربي، يتولى صاحبها ~~الإشراف على الموانئ والمنائر، ودور الصناعة، وقضايا ~~التجارة البحرية، والحملات الحربية البحرية. ~~(7) العمالة # اتسعت الدولة الإسلامية في عهد بني أمية إلى أقصى ~~حدودها، وكانت منقسمة إلى خمس عمالات كبرى: ~~(1) # الحجاز واليمن وأواسط بلاد العرب، وحاضرتها ~~المدينة. ~~(2) # العراقان، العربي ms052 والعجمي، وحاضرتهما ~~الكوفة، ثم البصرة، يتبعه خراسان والمشرق إلى ~~ما وراء النهر، وكانت هذه الأقطار تابعة لعامل ~~العراق أو واليه، وهو يولي عاملا من قبله ~~في مرو والمشرق. ~~(3) # مصر، وحاضرته الفسطاط. ~~(4) # الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وعاصمتها ~~الموصل. ~~(5) # إفريقية الشمالية، وبلاد الأندلس، وجزر ~~صقلية، وسردانية، والبليار، وحاضرتها ~~القيروان، ويولي عامل إفريقية من قبله ~~حكاما على الأندلس والجزر. # وكان لكل عمالة عامل أو آمر ينتخبه الخليفة من خاصة ~~الخاصة وأكثر رجال الدولة كفاءة. # 28 ~~(8) التراتيب والتنظيمات الإدارية الأخرى # نظم معاوية الدولة تنظيمات أخرى نذكر منها: # تنظيمات الضرائب والخراج وجباية الأموال ~~والمستغلات # وقد كان الخلفاء من قبله يطبقون ما ورد عن الرسول ~~وما تناقله الأصحاب، وما كانوا يعرفونه من طرق الجباية ~~والإدارة المالية. وقد كان للخليفة عمر يد مشكورة في ~~تنظيم موارد الدولة المالية، فقد اتسعت رقعة الدولة، ~~وفتح المسلمون ~~أقطارا شاسعة تحتاج إلى تنظيم جديد. وقد كان تشريع ~~عمر مستوحى من روح الشرع الإسلامي، تسيطر عليه الرأفة ~~والرحمة، وكان الخراج والجزية والفيء والغنائم والزكاة ~~عماد موارد الدولة، فلما توسع الأمر في عهد معاوية ~~ورأى التنظيمات المالية في الشام ومصر والعراق من ~~رومية وقبطية وفارسية، اقتبس منها ما يلائم روح ~~الإسلام. # وقد زاد معاوية بعض الضرائب عما كانت عليه في عهد ~~الخلفاء الراشدين، وقد كانت أهم موارد الدولة في عهده ~~الجزية والزكاة، وهي ما يدفعه سكان الشعوب المفتوحة، ~~وكانت نفقات كل عمالة - من رواتب ومخصصات للجند ورجال ~~الإدارة والقضاء - تدفع من صندوق بيت مال تلك العمالة، ~~وما يفيض يرسل إلى بيت مال المسلمين، وقد جعل معاوية ~~الزكاة اثنين ونصف بالمائة. # ترتيب شئون البريد # البريد ترتيب قديم يرجع إلى ما قبل الإسلام، وقد ~~استعمله المسلمون في عهد النبي والخلفاء الراشدين، ~~ولكنه كان مماشيا لحالة البداية التي كان عليها رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # والخلفاء الراشدون، فلما انتقل معاوية ~~إلى دمشق واطلع على تراتيب البريد في العهد الرومي، ~~فأعجبه وعمل على تطبيقه مثلهم. قال القلقشندي: أول من ~~وضع البريد في الإسلام معاوية بن أبي سفيان، ms053 وذلك حين ~~استقرت له الأمور، ومات أمير المؤمنين علي، وسلم له ~~ابنه الحسن، وخلا من المنازع، يبعثون إليه بأخبار ~~البلاد وأحوالها، فوضع البريد لتسرع إليه أخبار بلاده ~~من جميع أطرافها، فأمر بإحضار رجال من دهاقن الفرس ~~وأهل عمال الروم، وعرفهم ما يريد فوضعوا له البريد. # 29 # ولا بد لصاحب البريد من عيون في ~~النواحي. # قال أكرم ميتر: وهذا ميراث أخذه العرب من ~~البيزنطيين؛ ففي عهد قسطنطين الأكبر كان لصاحب البريد ~~أعوان يسمون # Veridrii ~~، ~~وهم نقلة الأخبار الذين يركبون الخيل، وكانوا ~~يمدونه بالأخبار. # 30 # ويقول أرنولد في تاريخ الحضارة الإسلامية، ~~ص37: «وكانت الرسل التي تنقل رسائل الحكومة في ذلك ~~الوقت - كما كانت ~~سابقا - تسمى بريد، وهي كلمة مأخوذة من كلمة ~~وريدوس # Veredus # اللاتينية، بينما سماها اليونان أنكروس نقلا عن اللغة ~~الفارسية.» فهو يرى أنها آتية من اللاتينية، كما أن ~~ميتس يذهب إلى أنها بيزنطية، ويرى «حتي» في تاريخ ~~العرب المطول2، ص399، أنها لفظة سامية لا علاقة لها ~~باللفظ # Veredus # وما ~~لها علاقة ب «برون الفارسية»، ومعناها حصان سريع الجري ~~و«برذون» العربية (راجع سفر إستير 8: 10). # ترتيب شئون القضاء # كان القضاء في عهد الخلفاء الراشدين يوكل إلى كبار ~~أئمة الإسلام ومجتهديه، وقد اختلف المؤرخون في أول من ~~أوجد القضاء وظيفة معينة؛ فقد روى السيوطي عن العسكري ~~في كتاب الأوائل: أن أول قاض في الإسلام هو عمر بن ~~الخطاب، قضى لأبي بكر. ثم يستدرك السيوطي على هذا ~~بقوله: لكن أخرج الطبراني حديثا عن السائب بن يزيد أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # وأبا بكر لم يتخذا قاضيا، وأن أول من ~~استقضى هو عمر، قال للسائب بن يزيد: رد عني الدرهم ~~والدرهم. وكذلك روى أبو يعلى في مسنده عن ابن عمر قال: ~~ما اتخذ رسول الله قاضيا ولا أبو بكر ولا عمر حتى كان ~~في آخر زمانه، فقال للسائب بن يزيد: اكفني بعض الأمور؛ ~~يعني صغارها. وكذلك روى ابن سعد في الطبقات عن الزهري ~~أنه قال للسائب: لو روحت عني بعض الأمر. وروي أيضا عن ms054 ~~نافع قال: استعمل عمر زيد بن ثابت على القضاء وفرض له ~~رزقا. وروى سعد أيضا عن أبي هريرة أن مروان بن الحكم ~~لما ولي المدينة في عهد معاوية سنة 42 استقضى عليها ~~عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وهذا أول ~~قاض في الإسلام. # وروى ابن عبد البر في التمهيد أنه اختلف في أول من ~~استقضى، فقال العراقيون: عمر، وأنه بعث شريحا إلى ~~الكوفة قاضيا، وبعث كعب بن سوار إلى البصرة. وقال ~~مالك: أول من استقضى معاوية، وأول قاض بالبصرة إياس ~~بن صبيح الحنفي. # أقول: ويظهر من هذه الأقوال أن نظام القضاء بالمعنى ~~المفهوم بدأ في عهد عمر، ثم انتظم في عهد معاوية، أما ~~في عهد الرسول وعهد أبي بكر، فقد أسند القضاء إلى عمر، ~~وظل سنتين لا يأتيه متخاصمان لما عرف به من الشدة، وفي ~~عهد عمر وعثمان كان علي ونفر من كبار الصحابة يتولون ~~قضايا المسلمين، وفي عهد عمر فتحت الأمصار ~~الإسلامية، فعهد بالقضاء في كل مصر إلى بعض الفقهاء من ~~أهل الرأي والاجتهاد. ~~وكثيرا ما جمع ~~الخراج والقضاء لرجل واحد، وربما عهد عمر لعامله أن ~~يولي القضاة إذا كانت ولايته عامة؛ أي إنها ولاية على ~~الخراج والصلاة معا. ومن قضاة عمر أبو الدرداء، ~~ولاه قضاء المدينة، وشريح بن الحارث استقضاه على ~~الكوفة، وأبو موسى الأشعري استقضاه على البصرة، وعثمان ~~بن أبي العاص استقضاه بمصر. ولما ولي عثمان وعلي استمر ~~القضاء وشئونه كما كان في عهد عمر، إلا أن عليا ~~كان كثيرا ما يقضي بنفسه. # فلما ولي معاوية جعل لصاحب القضاء مكانا خاصا ~~يجلس فيه للحكم بين الناس ، وحل خصوماتهم الشرعية ~~والمدنية، وجعل له كاتبا يكتب الوثائق، ويسجل الأحكام ~~في سجل خاص، ويكتب إلى صاحب الشرطة أو المحتسب لتنفيذ ~~حكم الشرع، وهذه أمور استحدثت في عهد معاوية؛ لتوسع ~~رقعة الدولة، وكثرة قضايا الناس وتشابك مصالحهم. وكان ~~القاضي ينظر في المظالم وقضايا الاحتساب، وربما جعل ~~للمظالم قضاة مستقلين عن قضاة الحقوق، كما يجعل للحسبة ~~صاحبا مختصا بها ms055 وحدها. # والفرق بين القاضي والمحتسب وصاحب المظالم، أن الأول ~~هو الذي يقضي بين الناس، ويحل المشاكل المتعلقة بأمور ~~الدين، بينما يهتم المحتسب بالفصل فيما يتعلق بالحقوق ~~العامة، وأمر آداب الطريق وحقوق الأسواق وما إليها، ~~وصاحب المظالم هو الذي يفصل فيما يستعصي على القاضي ~~والمحتسب معا. # 31 # وقد كان غير المسلمين من أهل الذمة ~~يتمتعون باستقلال قضائي كنسي خاص بهم، يتولاه رؤساء ~~أديانهم من نصارى أو يهود أو غيرهم. # الشرطة # من متعلقات القضاء هي السلطة التنفيذية التي تتولى ~~الإشراف على تنفيذ الأحكام القضائية، وفرض العقوبات ~~الزاجرة قبل حدوث الجرائم، وإقامة الحدود الثابتة في ~~محالها، ويحكم صاحبها في القود والقصاص، ويقيم التعزير ~~والتأديب في حق من لم ينته عن الجريمة. وقد كان ~~الخلفاء الراشدون والأمويون يولونها الوجوه والعدول ~~والثقات، ويقال: إن أول من اتخذها عثمان. # 32 # ثم استمر الخلفاء بعده في ~~اتخاذها. ~~(9) العاصمة والسكان # لم نعثر فيما بين أيدينا من نصوص تاريخية على وصف لما ~~كانت عليه العاصمة الإسلامية في عهد بني أمية، وإنما هنالك ~~نصوص متأخرة كالذي يذكره المقدسي، وابن خرداذبة، وابن ~~عساكر وياقوت، وإليك مجمل ذلك: # دمشق مدينة قديمة جدا، حتى قال بعضهم: إنها أقدم مدينة ~~موجودة على ظهر الأرض، وزعم كعب الأحبار أن أول حائط وضع ~~في الأرض بعض الطوفان حائط دمشق وحران. والأخبار كثيرة ~~متواترة عن قدم المدينة. ومهما يكن من شيء فإن مسجدها الذي ~~شيد بعد الفتح ووسع أيام الوليد، قد أقيم على أطلال ~~كنيسة يوحنا المعمدان التي أقيمت على أطلال معبد للوثنيين # 33 # هو معبد الشمس، ويقول المطران الدبس: الأظهر ~~أنها من بنايات الأراميين، ولد أرام بن سام، حتى يقال إن ~~تسميتها والبلاد التابعة لها شاما نسبة إلى شام بن نوح. ~~وقال أبو الفداء: سميت شاما؛ لأن قوما من بني كنعان ~~تشاءموا؛ أي تياسروا إليها؛ لأنها عن يسار الكعبة. # 34 # وقد سكنها العرب قديما. قال الدبس: «إن فصيلة ~~التي ظعنت من اليمن إلى سورية في القرن الثاني للميلاد على ~~ما يظن، وظعن مع بني غسان بنو ms056 عاملة بن سبأ مع سبعة أحياء ~~أخرى، وتوطنوا في دمشق ونواحيها.» # 35 # وقد استمر هؤلاء الغساسنة في الشام إلى حين ~~الفتح الإسلامي؛ ولذلك لم يجد العرب أنفسهم غرباء عن ~~المحيط الشامي بعد الفتح، لصلاتهم التجارية بأهل البلاد ~~قبل الفتح، ولوجود هؤلاء العرب في الشام، ممن سهلوا لهم ~~مهمتهم وأعانوهم على حل كثير من القضايا. ولما فتح ~~المسلمون دمشق في رجب سنة 14ه، وجدوا أن أعظم أبنية ~~المدينة هي كتدرائيتها العظيمة المعروفة بكتدرائية يوحنا ~~المعمدان (يحيى عليه السلام)، فاشترطوا على نصارى المدينة ~~أن يقتطعوا نصف الكتدرائية، ويجعلوه جامعا لهم إلى أن جاء ~~الوليد بن عبد الملك، فأخذ النصف الباقي سنة 86ه وعوضهم عنه # 36 # على الشكل الذي سنتحدث عنه فيما بعد. أما ~~الكتدرائية كما وجدها المسلمون بعد الفتح فقد كانت رائعة ~~البناء ضخمة الأعمدة. يقول فون كريمر: إنها كانت تقع في ~~منتصف الطريق بين ~~البابين الشرقي والغربي، وإنها كرست باسم يوحنا المعمدان ~~(يحيى بن زكريا)، وهي واقعة على مكان هيكل وثني قديم، وقد ~~بنيت حيطانها على أساساته، أما بانيها فهو الإمبراطور ~~الروماني تيودوسيوس سنة 399م، وقد كانت أقواس أبوابها ~~الضخمة المرتكزة على أعمدة كورنتية والواجهات المنقوشة ~~بزخارف رائعة، مأخوذ من أطلال آثار ونقوش ترجع إلى أواخر ~~عصر الإحياء الروماني، وكانت هذه الأعمدة تزين مدخل ~~الكنيسة. وقد بقي لنا من آثار الأعمدة والأبواب التي ~~تذكرنا ببعلبك في فخامتها وأسلوب نقشها وزخرفتها، نماذج ما ~~تزال باقية إلى اليوم في الجانب الغربي من الجامع الحالي ~~عند باب البريد. # 37 # ويقول مكوليستر: إن داخل الكنيسة كان على غاية ~~من الروعة، وصحنها من عمل البيزنطيين، وهو متوج بقبة ~~كبرى يدعوها العرب قبة النسر، والحيطان مرصعة من الداخل من ~~كلا الجانبين بالفسيفساء الجميلة، التي تماثل كنيسة القديس ~~مارك في البندقية، ومساحة هذا البناء كله من الداخل 431 ~~قدما في 125 قدما، وتمتد على الجهة الجنوبية من على شكل ~~مربع مستطيل مساحته 163 يردا في 108 يردات. # 38 # وقد كانت هذه الكتدرائية تقع في وسط المدينة، ~~من حولها ms057 ساحة عظيمة يخترقها الشارع الأعظم المذكور في ~~العهد القديم، باسم «الشارع المستقيم»، ممتدا من الباب ~~الشرقي إلى الباب الغربي بطول يقرب من ألفي متر، كما ~~يخترقها من الساحة شارع آخر، أقصر من الأول بقليل، يمتد من ~~الباب الشمالي إلى الباب الغربي. # 39 # عجب المسلمون بجمال المدينة، واتساق أبنيتها، وفخامة ~~آثارها، وتعدد أنهارها، واتفقوا والنصارى على إبقاء كل ~~شيء على ما هو عليه، وفي عهد معاوية بنى قرب الجامع دار ~~الإمارة الخضراء، وقيل بل إنه جدد بناءها. قال ابن عساكر ~~1: 243: إن معاوية لما بنى الخضراء بدمشق، وهي دار ~~الإمارة، وكان بناؤها بالطوب، فلما فرغ منها قدم عليه رسول ~~لملك الروم فنظر إليها فقال له معاوية: كيف ترى هذا ~~البنيان؟ قال: أما أعلاه فللعصافير، وأما أسفله فللفار، ~~فبنى معاوية ضفتها بالحجارة. # وحكي أيضا أن الخضراء التي كانت دار الإمارة هي من بناء الجاهلية. # 40 # ويظهر أن معاوية الميال إلى المظاهر والتفخيم ~~قد بناها على أطلال مقر قديم، وأنه لما تمم بناءها سأل هذا ~~الرومي عن رأيه فقال ما قال، ثم بدا لمعاوية أن يزيد في ~~رونقها زيادة جعلت الناس يلغطون في كثرة إنفاق الخليفة على ~~قصره من كثرة ما جملها، وتأنق فيها ما شاء له التأنق، ~~وأنفق عليها وعلى فرشها ورياشها إنفاقا جعل أبا ذر ~~الغفاري يثور عليه، ويقول له: يا معاوية إن كانت هذ الدار ~~من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف، ~~فسكت معاوية. # 41 # وقد توارثها أبناء معاوية، وفي عهد عبد الملك ~~طلب من خالد بن يزيد بن معاوية أن يبيعه إياها، فاشتراها ~~منه بأربعين ألف دينار. # 42 # وقد ظلت هذه الدار إلى أن هدمها العباسيون. # 43 # ودمشق موصوفة منذ القديم بكثرة مياهها، وتعدد ~~أنهارها، وروعة بساتينها، وكثرة فاكهتها وزهرها. قال ~~ياقوت: «دمشق هي قصبة الشام وجنة الأرض بلا خلاف؛ لحسن ~~عمارة ونضارة بقعتها، وكثرة فاكهتها، ونزاهة رقعتها، وكثرة ~~مياهها.» وقال أبو بكر الخوارزمي: «من خصائص دمشق التي لم ~~أر في بلد آخر مثلها، كثرة الأنهار ms058 بها، وجريان الماء في ~~قنواتها، فقل أن تمر بحائط إلا والماء يجري في بركة في ~~صحن هذا المكان.» وما يزال هذا الوضع كما كان عليه في ~~السابق. # وقد وصف المدينة الرحالة ابن جبير لما زارها في ربيع ~~الآخر سنة 580: «جنة المشرق ومطلع حسنه المونق، وهي خاتمة ~~بلاد الإسلام التي استقر بناها، وعروس المدن التي ~~اجتليناها، وقد تجلت بأزاهر الرياض، وتجلت في حلل سندسية ~~من البساتين؛ ظل ظليل، وماء سلسبيل. وقد أحدقت البساتين ~~بها إحداق الهالة بالقمر، واكتنفها اكتناف الكمامة للزهر، ~~وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر.» ثم أطنب في ~~وصف الجامع وجمال بنائه وفخامة زخرفته، ثم وصف الأمكنة ~~والمشاهد الجليلة المعروفة في المدينة من مشاهد دوارس، ~~ومشافي، وبيمارستانات، وحدائق، وكنائس، وأديرة، ويظهر أن ~~سور المدينة القديم كان ما يزال باقيا إلى ذلك العصر الذي ~~زارها ابن جبير فيه. # 44 # وهذا السور راجع إلى ما قبل الفتح الإسلامي، ~~ويقول فون كريمر: إن علو هذا السور المحيط بالمدينة كان ~~عشرين قدما وسمكه خمسة عشر، مكون من حجارة ضخمة ~~جدا، تكاد تكون من عمل الجن، وهي حجارة مربعة، وهي مبنية ~~في بعض المواضع على خط يرجع أسلوب بنائه إلى ما قبل العصر اليوناني. # 45 # ولا تزال أطلال هذا السور وأبواب المدينة ~~الضخمة باقية إلى أيامنا هذه تؤيد ما يقوله فون ~~كريمر. # وعلى الرغم من النكبات التي حلت بالمدينة خلال العصور من ~~غزو الفرس، فإن ما كان يبذله الأباطرة الرومان من إصلاح ~~سورها، وقلاعها، وأبوابها، وخندقها المحيط بالمدينة، ~~وبخاصة في عهد الإمبراطور «ديو كلشيان». # 46 # فإنها كانت حين الفتح العربي محكمة الأسوار، ~~متينة الأبواب، كما حدثنا المؤرخون العرب الذين صوروا ~~لنا حصارها، كالطبري وابن الأثير والبلاذري. # أما سكان الشام الأصليون فهم: الحثيون، والآراميون، ~~والسريانيون، والفينيقيون، والعرب، والعبرانيون، وقد ~~اجتمعت كل هذه العناصر في العاصمة دمشق، أما العنصر البارز ~~في المدينة على العهد الأموي، فالنصارى من الروم والسريان ~~والعرب، ثم اليهود والفرس والزط، أما النصارى فقد كانوا ~~الكثرة الساحقة حين الفتح الإسلامي؛ فقد روى البلاذري ms059 في ~~فتوح البلدان، ص127: «أنه لما فرغ المسلمون من قتال من ~~اجتمع لهم بالمرج، أخذوا الغوطة وكنائسها عنوة وتحصن ~~أهل المدينة وأغلقوا بابها.» وفي كتاب الصلح الذي أعطاه ~~خالد لأهل المدينة: هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق، ~~إذا دخلها أعطاهم أمانا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ~~وسور مدينتهم. # 47 # فهو قد ذكر الكنائس؛ لأن أكثر أهل المدينة ~~كانوا نصارى وهم الحكام، أما غيرهم من يهود ووثنيين وفرس، ~~فإنهم كانوا قلة، ويظهر أن كثيرا من النصارى قد غادروا ~~المدينة بعد الفتح ولحقوا بهرقل وهو في أنطاكية. روى ~~الواقدي أن دمشق لما فتحت لحق بشر كثير من أهلها ~~بهرقل وهو بأنطاكية، فكثرت فضول منازلها فنزلها المسلمون. # 48 # وفي كتاب الفتوح للبلاذري أن أبا عبيدة لما ~~فرغ من أمر دمشق سار إلى حمص فمر ببعلبك، فطلب أهلها ~~الأمان والصلح، فصالحهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، ~~وكتب كتابا صورته «هذا أمان لفلان بن فلان، وأهل بعلبك ~~رومها وفرسها وعربها على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ودورهم». # 49 # وأما العرب فقد دخلوا ديار الشام منذ زمن بعيد ~~جدا. قال الأستاذ كرد علي: لم تطل حياة عنصر في صحة ~~ببلاد الشام، كما طالت حياة العرب، فإنهم فيها على أصح ~~الأقوال منذ ألفين وخمسين سنة، وأوصله بعضهم إلى نحو أربعة ~~آلاف سنة، وهم الذين اندمج فيهم عامة الشعوب القديمة ~~واستعربت، فلم تعد تعرف عن العربية لسانا ومنزعا، ثم ~~أورد عدة أدلة، ومنها أن الإسكندر لما جاء إلى غزة ~~وحاصرها، كانت حاميتها عربا فقاومته أشد المقاومة، ومنها ~~أن أحد تلامذة المسيح بشر بلغات عديدة، منها اللغة ~~العربية كما ورد في أعمال الرسل، ومنها أن الحارث - حاكم ~~دمشق - كان عربيا لما دخلها بولس الرسول، كما ورد في ~~رسالته إلى أهل مدينة كورنتوس. # 50 # وأما القبائل العربية التي سكنت الشام فكثيرة، ~~منها الغساسنة الذين تنصروا، ومنهم آل جفنة ملوك دمشق، ~~وحوران، والبلقاء، وحمص، واليرموك، والجولان، وقد استمر ~~ملكهم نحوا من ستة قرون، ومنها التنوخيون، وقد تنصروا ~~أيضا وحكموا بلاد الجزيرة منذ القرن ms060 الثالث الميلادي. # 51 # وأما اليهود فقد كانوا يسكنون في الشام منذ زمن إبراهيم ~~- عليه السلام - حينما جاء من «الرها»، وسكن في «حبرون»، ~~التي عرفت بالخليل، وقد وجدت آثار تاريخية تدل على قدم ~~وجود اليهود في مدن الشام، كدمشق، وحلب، وحوران، وسائر ~~بلاد الفينقيين في الألف الثاني قبل الميلاد. # ويروي الأستاذ كرد علي أن قائدي سيدنا عمر عندما فتحا ~~الشام، انتقيا نفرا غير قليل من اليهود والمسلمين ~~الدمشقيين من أرباب الصناعات والفنون الجميلة، وجيء بهم ~~بعد إلى بلاد بخارى، فتوفروا على البناء المماثل تمام ~~المماثلة للنسق الدمشقي من حيث طراز البناء ورسومه وأشكاله ~~وأدواته، حتى يخيل لمن يزور تلك الأصقاع أنه في سوق أو ~~في دار من أسواق الشام ودورها، ثم أخذ نزول اليهود في ~~دمشق منذ أمد بعيد مشهود ومحسوس، من كنيس قرية جوبر التي ~~تبعد بضع دقائق عن شرقي دمشق، وقد جاء ذكره في التلمود ~~الموضوع أكثر من ألفي سنة، وأن اليهود لم ينقطعوا عن الشام ~~لا سيما عند فتح المسلمين لها، إذ ثبتت أقدامهم فيها ~~وتوفرت لهم أسباب الهناء والرخاء. # 52 # وأما الفرس: فقد قدموا إلى الديار الشامية منذ القديم. ~~وقد كانت العلاقات بين الفرس والروم علاقات متوترة، فلم ~~تكد الحروب تنقطع بين الجانبين، وكان الفرس إذا احتلوا ~~الديار الشامية، أجلوا من أهلها إلى ديارهم، وأسكنوا بعض ~~جاليتهم في مدن الشام الكبرى كحلب ودمشق، وآخر حملة حملوها ~~على سورية كانت قبل الفتح الإسلامي في سنة 610، وقد فتكوا ~~بالرومانيين وسيطروا على آسية الصغرى وسورية، وخربوا وغنموا. # 53 # وكانت لهم قبل ذلك حملات ورحلات تجارية إلى ~~بلاد الشام، كما كان لهم علاقات ثقافية، وقد قويت هذه ~~العلاقات التجارية والثقافية بعد الإسلام، وظهر أثرها في ~~كثير من التقاليد والأنظمة التي ظهرت في البلاط الأموي ~~بدمشق، فقد رأينا في كلام المسعودي الذي وصف فيه مجالس ~~معاوية وطريقته في قضاء يومه، أنه كان يخلو بنفسه فيسامر ~~جماعة من أهل الفضل، أو يقرأ في كتاب الأقدمين من فرس ~~وروم؛ ليطلع على أخبارهم ويعرف أحوالهم. ms061 وروى محمد كرد علي ~~أن الفرس سكنوا منذ القديم في بعلبك، وأن معاوية نقل قوما ~~من الفرس إلى طرابلس، وجبيل، وصيدا، وصور، وبيروت، كما نقل ~~قوما من فرس بعلبك وحمص وأنطاكية إلى سواحل الأردن، وصور، ~~وعكا في سنة 42، ونقل من أساورة البصرة والكوفة. # 54 # ويظهر أن هؤلاء الفرس كانوا بحارة، فلما أراد ~~معاوية تنظيم الأسطول العربي استعان بهم، فجاء بهم إلى ~~السواحل السورية. # وأما الزط: وهم قوم من الهنود الذين سكنوا العراق منذ ~~زمن بعيد؛ فقد روى البلاذري أن معاوية نقل في سنة 49 أو ~~سنة 50 إلى السواحل قوما من زط البصرة والسبايجة. # 55 # وأنزل بعضهم أنطاكية، ويظن أنه أراد ~~الاستعانة بهم لتنظيم أمور الثغور. # وبعد، فقد كان لاختلاط هؤلاء الأقوام في الديار الشامية ~~أثره الفعال في تلقيح الثقافات المختلفة، وإيجاد نظم قوية ~~لدولة فتية. والفضل في ذلك كله يرجع إلى معاوية الذي أسس ~~الدولة وشاد قواعدها، وانتقى لها العناصر الصالحة التي ~~تستطيع أن تعينه على قهر خصمه الأول، وهو الروم الذين أخذ ~~يعبئ قواه البرية والبحرية لهم؛ فقد رأينا عنايته بأمور ~~الأسطول واهتمامه ببناء دور الصناعة في عكا وصيدا وصور ~~وغيرها من المرافئ الشامية. ولا شك في أن عمال دور ~~الصناعة وبحارة السفن، كانوا من الروم السوريين والفرس ~~والزط الذين رأينا معاوية يملأ الموانئ السورية ~~بهم. # وقد انقسم الناس في هذه البيئة الإسلامية إلى ثلاث طبقات ~~متمايزة: ~~(1) # طبقة المسلمين من عرب أو غيرهم. وقد كان لهم ~~من الامتيازات ما جعلهم أعلى الطبقات؛ أما ~~العرب فلأنهم رجال الدين الجديد وعماد ~~الخلافة. وقد كان أكثر هؤلاء من أصحاب الإقطاع ~~أو الجند. ~~(2) # طبقة أهل الذمة من نصارى ويهود وصابئة ~~ومجوس، وقد تمتع هؤلاء بحماية الدولة لهم لقاء ~~دفعهم الخراج والجزية، وقد بقي من هؤلاء ~~النصارى جماعة في لبنان لم يخضعوا للإسلام ولا ~~للدولة الجديدة، متحصنين بجبلهم المنيع. وقد ~~كانت لهم جولات ضد المسلمين. وقد كانوا ~~ينتهزون فرص ضعف الدولة، فيقومون بحركاتهم ~~التي تهدف إلى إيذاء المسلمين، وهؤلاء هم ~~المسمون بالجراجمة والمردة. ms062 ~~(3) # طبقة العبيد: وقد احتفظ الإسلام بنظام ~~الرقيق الذي كان في الدولة البيزنطية، ولكنه ~~حسن حالته، ودعا إلى الرأفة به وإصلاح حاله، ~~ومنع استرقاق المسلم، ولكنه إذا أسلم بعد ~~استرقاقه لا يعتق، وكان معظم الرقيق في هذا ~~العهد من أسرى الحرب أو الغزو. ومما استحدثه ~~الإسلام من أحكام الرقيق الرفيقة، عدم فصل ~~الطفل عن أمه الرقيقة إلا بعد السابعة، ~~ويستطيع أن يتزوج بأمة مثله، وله تطليقها، ~~وأن يكتسب ويعمل، ويعطي له نصيبا ويبقي لنفسه ~~نصيبا. وإذا تزوج السيد أمته وولدت له صارت ~~أم ولد، ولها أحكام؛ فابنها حر، وهي واجبة ~~التحرير بعد وفاة السيد، وقد فرض الدين تحرير ~~الرقيق في كثير من أحوال التكفير عن الذنوب ~~والخطايا الشرعية. وللسيد أن يعتق رقبة عبده ~~إعتاقا آنيا أو مؤجلا من تدبير ومكاتبة. ~~وقد كانت للمكاتبة أصول عند الرومان ~~والبيزنطيين، إلا أن الشروط التي فرضها ~~الإسلام هي شروط أعدل وأشفق بالعبد. وقد ~~استحفظ الإسلام للعبد المولى صلة بمولاه وسماه ~~حق الولاء، ولها علاقات بالإرث، وكثير من ~~العلاقات الاجتماعية والقانونية من وصاية ~~والتزام. # الفصل السادس # | في الحركات القلمية والعقلية # مقدمة # كانت الشام من البلاد ذات الثقافة العريقة منذ عهد حضارة ~~الفينيقيين وحضارة رأس شمرا. أما بعد الاحتلال الروماني ~~فقد عددنا أسماء طائفة من أئمة العلم، والفلسفة، والفقه، ~~والأدب، والتشريع، والمحاماة في مقدمة الباب الخامس. وقد ~~كان لمدارس أنطاكية وقيسارية وبيروت وتدمر ودمشق وحلب في ~~العهد الروماني أثر كبير في إيجاد حركات علمية وعقلية ذات ~~صيت عالمي مشهور. # وقد كانت اللغتان اللاتينية ثم اليونانية هما لغتا العلم ~~والتأليف، وقد حفظت في خزائن أوروبا آثار كثيرة من تراث ~~ذلك العهد، كما حفظت لنا مدارس الروم في أنطاكية وبيروت ~~ودمشق والإسكندرية علوم الروم من فلك، وجغرافية، ورياضيات، ~~وطب، فجمع علماء الإمبراطورية البيزنطية رومهم وعربهم ~~وفرسهم هذه العلوم، وأكملوها ونشروها. # 1 # ولما جاء المسلمون هذه الديار ركدت الحركات ~~الفكرية أول الأمر لسببين: # أولهما: # أن العرب الفاتحين كانوا ينظرون بحذر ~~شديد إلى رجال الدين والتشريع، وهم رجال ~~العلم في الدولة ms063 البيزنطية. # ثانيهما: # أن حركة العلم في الدولة العربية كانت ~~بعد في عهد الإنشاء؛ فقد كان العرب أمة ~~أمية، ولم يكن عمل الخلفاء الراشدين في ~~هذا الحقل ذا أثر كبير، وكذلك كان الحال ~~في الفترة الأولى من عهد بني أمية، ولكن ~~على الرغم من ذلك فإن بداية بعض الحركات ~~العلمية قد ظهرت وهذا تبيانها. ~~(1) القرآن # في ولاية يزيد بن أبي سفيان على الشام كتب إلى عمر بن ~~الخطاب يقول: إن أهل الشام قد كثروا وربلوا وملئوا ~~المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن، ويفقههم فأعني ~~يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم. فبعث إليه بمعاذ بن جبل، ~~وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وقال لهم: ابدءوا بحمص، ~~وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين، فذهب عبادة إلى ~~حمص، وأبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين. وهذه أول ~~بعثة علمية تركت الحجاز إلى الشام، يرجع الفضل فيها إلى ~~عمر، كما يرجع إليه الفضل في جمع القرآن للمرة الأولى. قال ~~زيد بن ثابت: أرسلت إلى أبي بكر فأتيته فإذا عمر بن ~~الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال لي: إن ~~القتل قد استحر بالقراء يوم اليمامة، وإني أخشى أن ~~يستحر القتل في القراء في المواطن كلها، فيذهب كثير من ~~القرآن، فأرى أن يجمع القرآن بالحال. فقلت لعمر: كيف أفعل ~~شيئا لم يفعله رسول الله؟ # فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى ~~شرح الله له صدري. # فقال له أبو بكر: يا زيد، إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، ~~وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # فتتبع القرآن ~~واجمعه. فكانت الصحف عند أبي بكر حياته ثم عند عمر. # 2 # ولما كثر المسلمون وانتقلوا في الفتوح في ~~الشام ومصر والعراق وإفريقية وإيران في عهد عثمان، وحدث أن ~~وجدت بعض الحوادث والفتن؛ بسبب بعض الاختلافات في آي ~~القرآن وقراءته، وأخذ بعضهم ينسب إليه ما ليس فيه من ~~أحاديث الرسول، وبلغت هذه الأخبار مسامع الخليفة، فأمر في ~~سنة 30ه زيد بن ثابت، ms064 وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن ~~العاص، وعبد الرحمن بن الحارث المخزومي أن يكتبوا نسخا من ~~القرآن، وقال: إن اختلفتم في حكمة فاكتبوها بلسان قريش، ~~فإنما نزل بلسانهم. فلما كتبوها بعث بها إلى الأمصار ~~الإسلامية: مكة والبصرة والكوفة ودمشق، وأبقى نسخة في ~~المدينة ونسخة لنفسه، وصار المصحف العثماني مرجع الناس ~~وعنه انتسخوا نسخهم، وأمر بإتلاف كل ما خالفها، ومنذ ذلك ~~الحين أخذت علوم القرآن وقراءاته والروايات تنشأ في الشام ~~والعراق. ~~(2) الفقه والحديث # نزل الشام بعد الفتح الإسلامي جماعة من كبار الفقهاء، ~~الذين نشئوا في مدرسة الرسول الكريم وسمعوا أقواله ~~وأحاديثه، وتأدبوا بآدابه؛ منهم: أبو الدرداء الذي بعث به ~~عمر لتعليم المسلمين في دمشق، والذي تولى قضاء دمشق في ~~خلافة عثمان ومات سنة 32ه، ومنهم أبو ذر الغفاري الصحابي ~~الزاهد الفقيه الجليل، ومنهم عبد الرحمن بن غنم الأشعري، ~~الصحابي الذي بعثه عمر إلى الشام لتفقيه الناس، ومنهم ~~فضالة بن عبيد الصحابي الذي ولاه معاوية قضاء دمشق وأمره ~~على غزو الروم بحرا. وقد نبغ من الشاميين جماعة نشئوا على ~~هؤلاء الرجال أمثال: بلال بن أبي الدرداء الذي تولى قضاء ~~دمشق (؟-93)، وشهر بن حوشب الأشعري المحدث (؟-100)، وأبو ~~مسلم الخولاني شيخ دمشق وزاهدها وعالمها، وغيلان بن مروان ~~الدمشقي، الفقيه المتكلم، أحد كبار المعتزلة. ~~(3) الشعر # نبغ في الشام جمهرة من الشعراء الفحول؛ فقد كان الشعر ~~أرقى الشعب العلمية في ذلك العصر. وقد كان للخلفاء ~~الأمويين كمعاوية ويزيد ومروان حب للشعر وتقدير لأهله، بل ~~كان يزيد شاعرا مفلقا يحب الشعر وأهله، ويجزل العطاء على ~~قوله، وكان فحول الشعر في هذا العصر جرير والفرزدق ~~والأخطل، وهؤلاء الثلاثة وإن كانوا عراقيين إلا أنهم ~~عاشوا في كنف شعراء أمية. والحق أن الشعر ازدهر أي ~~ازدهار في عصر معاوية وأخلافه لأسباب سياسية واجتماعية ~~وأدبية، فصلتها كتب الأدب، وقد انقسم الشعراء في هذه ~~الفترة إلى أحزاب؛ فحزب علي له شعراؤه ومنهم: النعمان بن ~~بشر الأنصاري (؟-65)، ويزيد بن مفرع الحميري (؟-69)، وأبو ~~الأسود الدؤلي (؟-99). # وحزب معاوية له شعراؤه، ومنهم: مسكين بن عامر الدارمي ms065 ~~(؟-90)، وأعشى ربيعة عبد الله بن خارجة (؟-85). # وحزب الزبير ومنهم: ابن قيس الرقيات (؟-75). # وحزب الخوارج، ومن شعرائهم: الطرماح بن حكم (؟-100)، ~~وعمران بن حطان (؟-89)، وعبد الله بن الحجاج ~~(؟-95). # وحزب المستقلين اللاهين في الحجاز بعد أن أقصاها معاوية ~~عن السياسة، ومن شعرائها: جميل بن معمر (؟-82)، وعمر بن ~~أبي ربيعة (؟-93)، وعبد الله بن عمر العرجي. # وهناك طائفة أخرى من الشعراء، إلا أن هذا ليس مجال ~~التفصيل في أخبارهم وأحوالهم. ~~(4) الخطابة # ازدهرت الخطابة في هذا العصر؛ فقد كان الخلفاء والأمراء ~~خطباء يعولون على الخطابة في إبلاغ الناس مقاصدهم، ~~والتأثير عليهم في نشر مبادئهم وأغراضهم. قالوا: كان ~~معاوية ويزيد من أخطب الناس، وكذلك كان كثير من الأمراء ~~الأمويين خطباء مصاقع يعجبهم القول المرتجل والحكمة ~~البليغة. ~~(5) الأخبار والتاريخ # كان العرب في جاهليتهم وإسلامهم يحبون رواية الأخبار ~~للمسامرة والاعتبار، وكان معاوية يحب استماع الأخبار ~~القديمة، وقصص الماجنين من عرب الجاهلية والإسلام ~~والأقدمين، كما كان مغرما بمعرفة أنساب العرب وأيامهم ~~ووقائعهم في الجاهلية. وقد أغرم الناس بهذه الأخبار، ~~فاعتنوا بها وجمعوها منذ زمن مبكر، حتى صارت فيما بعد ~~مادة للمؤرخين الإسلاميين الذين دونوا السيرة النبوية ~~والتاريخ الإسلامي والعربي في القرن الثاني. وكان أقدم ~~هؤلاء الرواة الإخباريين عبيد بن شرية الجرهمي، وهو عربي ~~يمني، كان جماعة للأخبار والقصص، استدعاه معاوية إلى ~~دمشق؛ ليسامره ويقص عليه قصص الماجنين من أهل اليمن، وعامة ~~العرب والعجم. ويقال: إن عبيدا هو أول من ألف في كتب ~~التاريخ والأخبار، وأخبار الملوك والأمم الماضية. # 3 # ومنهم كعب الأحبار وهو يهودي يماني، كان واسع ~~الاطلاع على علوم الأولين وأخبار الإسرائيليين، قربه ~~معاوية وكان يستمع إلى أقاصيصه. # 4 # ويقول المسعودي: إن معاوية كان يجلس لأصحاب ~~الأخبار في كل ليلة بعد العشاء إلى ثلث الليل، فيقصون ~~عليه أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها في ~~رعيتها وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكائدها، ثم ينام ويأتيه ~~غلمان مرتبون، وعندهم كتب قد وكلوا بحفظها وقراءتها، ~~يقرءون عليه ما في تلك الكتب من سير الملوك وأخبار الحروب ~~ومكائدها وأنواع السياسات. # 5 # ويعلق جرجي زيدان ms066 على هذا الكلام بقوله: ~~والغالب في اعتقادنا أن تلك الكتب في اليونانية أو ~~اللاتينية، وفيها أخبار أبطال اليونان والرومان، كالإسكندر ~~ويوليوس قيصر وهنيبال، وأن الغلمان كانوا يفسرونها له بالعربية. # 6 # وممن ألف في هذا العصر أبو مخنف أحد أصحاب الإمام علي؛ ~~فقد روى ابن النديم أن له بعض الكتب في أخبار الأمم وتراجم الرجال # 7 # ومنهم دغفل بن حنظلة السدوسي النساب البكري. # 8 ~~(6) علوم الأقدمين # عرف العرب في الجاهلية وصدر الإسلام بعض المعلومات ~~الساذجة من علوم الأقدمين اليونان والفرس من طب وصيدلة، ~~ولما جاء الإسلام لم يكن في الوقت متسع للانصراف إلى ~~هذه العلوم ودراستها دراسة صحيحة، ولما اتسع الوقت للعلوم ~~القديمة أن تظهر في كنف البلاط الأموي، وجدنا بعض الأطباء ~~والفلاسفة الروم يقربهم الخليفة ويفيد من علمهم وفضلهم، ~~كابن أثال الطبيب، وسرجون الكاتب، وماسرجويه الطبيب في عهد ~~مروان الحكم. # 9 # ولكن العلم البيزنطي نفسه كان الوقت في دور ~~الانحلال والتقهقر، ولذلك لم نر أثرا كبيرا لذلك ~~الاتصال؛ فقد وصل العلماء البيزنطيون إلى زمن كان علمهم ~~شرح كتب الأقدمين ووضع الحواشي عليها ليس غير. # ولما قام الأمير الأموي النابه خالد بن يزيد بن معاوية ~~حكيم آل مروان (؟-85)، ينقب عن كتب الحكمة والكيمياء ~~وعلوم الأقدمين، وأمر المترجمين أن يترجموها لهم. لم يكن ~~ذلك العمل ذا أثر كبير؛ إذ لم يعقب ذلك العمل الابتدائي ~~أية حركة أخرى بعده، وإنما هي أخبار تروى عن خالد إذا صحت الرواية. # 10 # ويقولون: إنه أول من أمر بإحضار جماعة من ~~فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مصر، وقد تفصح بالعربية، ~~وأمرهم بنقل كتب الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى ~~اللسان العربي. يقول ابن النديم: الذي عني بإخراج كتب ~~القدماء في الصنعة خالد بن يزيد بن معاوية، وكان خطيبا ~~شاعرا فصيحا حازما ذا رأي، وهو أول من ترجمت له كتب ~~الطب والنجوم وكتب الكيمياء، وكان جوادا، رأيت من كتبه ~~كتاب الجرارات، كتاب الصحيفة الكبير، كتاب الصحيفة الصغير ، ~~كتاب وصية إلى ابنه في الصنعة. # 11 # ويقول الأستاذ كرد علي: ms067 «وكانت الكتب التي ~~ترجمت لأبي هاشم خالد بن يزيد، أول نقل أو تعريب في ~~الإسلام في عاصمة الشام، وخالد بن يزيد هذا زهد في الخلافة ~~وعشق العلم، وإذا أنشأ جده معاوية ملكا في الشام دام ألف ~~شهر، فإنه أنشأ بعلمه مملكة باقية بقاء الدهر، وخالد بن ~~يزيد أول من جمعت له الكتب وجعلها في خزانة في الإسلام؛ ~~ففي دمشق إذن أنشئت أول دار كتب في العالم العربي، ودمشق ~~أول عاصمة أنشئت فيها دار ترجمة؛ فأولى أبو هاشم بعمله هذه ~~الأمة، وهذه العاصمة شرفا لا يبلى عليه الأيام ...» # 12 # إلا أن المستشرق الألماني «يوليوس روسكا» يشك في ~~الأمر، ويقول: ليس لدينا شهادة من عصر خالد تثبت ميله ~~العلمي، وليس فيما نعرفه عن الحياة الرسمية في ذاك العصر، ~~أقل إشارة تدعو إلى الظن بأن ابن خليفة في دمشق عني ~~بالعلم اليوناني، وعبثا يبحث الإنسان عن رجل اهتم بترقية ~~العلم بين المغنين والشعراء والنساء والرجال، فإن ~~المهندسين الذين كانوا يبنون قصور الخلفاء والجوامع هم من ~~الغرباء، وكذلك كان الأطباء والفلكيون من الغرباء، ولكننا ~~لا نستطيع أن نتبين أو ننقض ما ذكر من أن خالدا له ولع ~~بالكيمياء، وما من تأليف علمي نثري أو شعري نسب إليه يمكن ~~أن يعتبر أنه من تآليفه. # 13 # وكذلك يذهب الأستاذ «حتي» فيشك في الأمر ~~ويقول: وفي عزو هذا العمل إلى خالد - وإن كان لا يوثق به ~~- ما يشير إلى الحقيقة الراهنة، وهي أن العرب استقوا ~~معلوماتهم العلمية من المصادر الإغريقية القديمة. # 14 # والحق أن ابن النديم هو أقدم مصدر ذكر قصة ~~خالد بن يزيد، ثم تناقلها المؤلفون من بعده، ولم يذكر ~~ابن النديم المصدر الذي نقل عنه، ولا يكفي أن يذكر أنه رأى ~~بعض الكتب منسوبة إليه، فإن التزوير في التأليف كان ~~معروفا من عهد مبكر، وبخاصة في كتب الصنعة وما إليها مما ~~يراد الترويج له. وما ينسب إلى خالد، في رأينا، هو مثل ما ~~نسب إلى جابر بن حيان وجعفر الصادق ممن عرفت عنهم بعض ~~النزعات ms068 فألف الكتب باسمهم. ~~(7) تدوين الكتب # رأينا أن أول من دون كتب التاريخ والقصص والأخبار، هو ~~عبيد بن شرية لمعاوية لما استدعاه، وقيل: بل إن التأليف ~~كان قبل ذلك؛ فقد روى الإمام البخاري أن عبد الله بن عمر ~~كان يدون بعض أحاديث النبي حينما كان يسمعها من الرسول # صلى الله عليه وسلم # فهو أول تدوين في الإسلام. وروى صاحب توجيه النظر ~~في علوم الأثر أن زيد بن ثابت دون كتابا في المواريث ~~والفرائض. كما روى الإمام مسلم أن بعض العلماء قد ألف ~~رسالة قضاء علي في زمانه. وذكر ابن النديم في الفهرست أنه ~~رأى في مدنية الحديثة خزانة كتب فيها خطوط الإمامين الحسن ~~والحسين، وأمانات وعهودا بخط أمير المؤمنين علي، وبخط ~~غيره من كتاب الوحي، وأن في خزانة المأمون كتابا بخط ~~عبد المطلب بن هاشم في أدم ... # 15 # ولكن ذلك كله لا يمكن التأكد من معرفة أسلوبه ~~وطريقة تأليفه؛ لأنه قد فقد. # الفصل السابع # | في كبار الرجال في هذا العهد # نبغ في عهد معاوية ومن وليه إلى عهد مروان نفر من كبار ~~السياسة والقادة وأهل الرأي، نذكر منهم: ~~(1) # عمرو بن العاص (؟-43) السهمي القريشي فاتح مصر ~~وأحد دهاة العرب، أسلم في هدنة الحديبية، ولاه ~~النبي إمرة ذات السلاسل وأمده بأبي بكر وعمر، ثم ~~استعمله على عمان، ثم في زمان عمر تولى إمرة بعض ~~جيوش الفتح في الشام، ففتح قنسرين، وصالح أهالي ~~حلب ومنبج وأنطاكية، ثم ولاه عمر فلسطين، ثم مصر ~~بعد أن فتحها، ولما كانت الفتنة كان مع معاوية، ~~فأقره على مصر، وأطلق له خراجها ست سنين، ومات ~~بالقاهرة، وله أخبار في كتب الأدب والتاريخ تدل ~~على رجاحة عقله وبعد صيته وقدره، وله في الصحيحين ~~35 حديثا (انظر الاستيعاب). ~~(2) # المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي أبو عبد ~~الله (؟-50) الداهية الأمير، زار الإسكندرية قبل ~~الإسلام فأعجب به المقوقس، أسلم في السنة الخامسة، ~~وشهد الحديبية واليمامة وفتوح الشام، وذهبت عينه ~~باليرموك، وأبلى في فتوح القادسية ونهاوند وهمدان ~~والمشرق . ولاه عمر البصرة ثم الكوفة، ms069 ولما كانت ~~الفتنة اعتزلها، ثم انضم إلى معاوية وحضر الحكمين، ~~ثم ولاه معاوية الكوفة إلى أن مات، وهو أول من ~~وضع البصرة، وله في الصحيحين 36 حديثا (انظر ~~الاستيعاب). ~~(3) # زياد ابن أبيه (؟-53) هو ابن سمية، وأبوه عبيد ~~الثقفي، وقيل أبو سفيان، أسلم في عهد أبي بكر، ~~فاتخذه أبو موسى الأشعري كاتبا في إمرته على ~~البصرة، ثم ولاه على إمرة فارس، ولما قتل علي ~~امتنع على معاوية، فكتب إليه ثم استلحقه ~~بنسبه سنة 44، ~~فولاه العراق فكان عضده القوي، كان من أخطب ~~الناس. قال الأصمعي: هو أول من ضرب الدنانير ~~والدراهم، وأول من اتخذ القسيس والحرس في الإسلام، ~~وأول وال سارت الرجال بين يديه، وأول من عرف ~~العرفاء، ورتب النقباء، وربع الأرباع بالبصرة ~~والكوفة. قال الأصمعي: الدهاة أربعة: معاوية ~~للروية، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة ~~بن شعبة للمعضلة، وزياد ابن أبيه لكل صغيرة ~~وكبيرة. ~~(4) # عبد الله بن عامر بن كريز الأموي (؟-59) ولد ~~بمكة سنة 4، ولاه عثمان البصرة، فتح سجستان ~~والداور، ودارابجرد، ومرو الروذ، وسرخس، ~~وطخارستان، وبلخ، والفاريات، ونيسابور، وهراة، ~~وآمل، وبست، وكابل، ومات بالبصرة، وكان محبا ~~للعمران رحيما، وهو أول من اتخذ الحياض ~~بعرفة. ~~(5) # المهلب ~~بن أبي صفرة الأزدي (؟-83) الأمير الفاتك الجواد، ~~ولد في دبا سنة 7، ونشأ بالبصرة، وقدم مع أبيه إلى ~~المدينة أيام عمر، ولاه مصعب البصرة، وندبه ~~لقتال الأزارقة، فحاربهم 19 عاما إلى أن ظفر بهم، ~~ثم ولاه عبد الملك خراسان سنة 79 إلى أن مات سنة ~~83، وهو أول من اتخذ الركب من الحديد، وكانت قبلا ~~من خشب، الإصابة 3: 53. ~~(6) # الحجاج بن يوسف الثقفي (؟-95)، ولد بالطائف ~~واشتغل بالتعليم فيها، ثم التحق بروح بن زنباع في ~~الشام، فكان في شرطته، ثم ولاه عبد الملك حرب ~~ابن الزبير في الحجاز، ثم ولاه العراق فبقي ~~أميرا نحوا من عشرين سنة. قال أبو عمرو بن ~~العلاء: ما رأيت أحدا أفصح من الحسن البصري ~~والحجاج. وهو أول من ضرب الدراهم والدنانير في ~~العراق، وأول من اتخذ المحامل، واتخذ المناظر بينه ~~وبين قزوين (وكانت ثغرا ) فكان إذا ms070 دخن أهل قزوين، ~~دخنت المناظر إن كان نهارا، وإن كان ليلا ~~أشعلوا نيرانا فتجردت الخيل لهم (تهذيب التهذيب ~~2: 210). ~~(7) # الضحاك بن قيس أبو بحر الأحنف التميمي (؟-67) ~~عظيم، داهية، شجاع، فصيح، حليم، ولد بالبصرة، وفد ~~على عمر فاستبقاه عنده للإفادة من عقله، ثم بعد ~~سنة أذن له فعاد إلى البصرة، وكتب إلى أبي موسى ~~الأشعري أن يدنيه ويشاوره. شهد فتوح خراسان ~~واعتزل الفتنة يوم الجمل، وشهد صفين مع علي، ثم ~~ولاه معاوية خراسان، وكان صديقا لمصعب، قدم ~~عليه بالكوفة فمات عنده (ابن سعد 1: 66). ~~(8) # نجدة بن عامر الحروري الحنفي (؟-68) ثائر شجاع، ~~هو رأس فرقة من الخوارج الحرورية عرفت بالنجدات، ~~خرج باليمامة فأتى البحرين، وكانت له أخبار ~~ومعارك كثيرة، قتل شابا. # | في العهد الأموي الثاني # الفصل الأول # | عبد الملك بن مروان # 65-86ه/685-705م ~~(1) أوليته # هو أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص ~~بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه عائشة بنت معاوية بن ~~المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، ولد سنة 26 في ~~خلافة عثمان. # 1 # وشهد يوم الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنوات، ~~وتلقى العلم عن أشياخ المدينة وفضلاء الصحابة، كأبي هريرة، ~~وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعثمان، وغيرهم من ~~أكابر أصحاب رسول الله، وكان فقيها عالما أديبا شاعرا # 2 # عاقلا حازما أديبا. قال أبو الزياد: كان ~~فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ~~وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان. # وقال الشعبي: ما ذاكرت أحدا إلا وجدت لي الفضل عليه، ~~إلا عبد الملك فإني ما ذاكرته حديثا إلا زادني فيه، ~~ولا شعرا إلا زادني فيه. وقال جعفر بن عقبة الطائي: قيل ~~لعبد الملك: أسرع إليك الشيب، فقال: شيبني ارتقاء المنابر ~~وخوف اللحن. # 3 # وكان عبد الملك على جانب عظيم من الدهاء ~~والسياسة، وهو بحق المؤسس الثاني لدولة بني أمية. ~~(2) خلافته # كان عبد الملك يوم وفاة أبيه سنة 65 بعيدا عن دمشق، ~~فأسرع إليها خوفا من وثوب عمرو بن سعيد ms071 بن العاص الأموي ~~المعروف بالأشدق؛ فقد كان أميرا نبيلا بليغا خطيبا، ~~أعان مروان على استلام الخلافة، فجعل له البيعة من بعده، ~~ولما ولي عبد الملك أراد خلعه من ولاية العهد، فنفر عمرو، ~~ثم خرج عبد الملك إلى الرحبة لقتال زفر بن الحارث الكلابي، ~~فاستولى عمرو على دمشق، وبايعه أهلها لحبهم إياه، فلما عاد ~~عبد الملك لم يمكنه الأشدق وتحصن بدمشق، فتلطف له عبد ~~الملك ثم قتله سنة 70. # 4 # وبويع عبد الملك في سنة 65، وله في أرجاء المملكة أعداء ~~كثيرون يتربصون به الدوائر، فلم يكد يتم له الأمر حتى ~~اجتمع نفر من الشيعة العلوية، الذين ثاروا انتقاما لمقتل ~~الحسين، نادمين على ما فرطوا في حقه من عدم نصرته، ~~فأعلنوا توبتهم وسموا بالتوابين، وأمروا عليهم سليمان ~~بن صرد، فبعث إليهم عبد الملك أمير العراق عبيد الله بن ~~زياد، فالتقى بهم في عين الوردة، وجرت بين الطرفين معارك، ~~أبلى التوابون فيها أحسن بلاء، وتشتتوا بعد مقتل رئيسهم. # 5 # ولم يكد عبد الملك يقضي على حركة التوابين، ~~حتى ثار المختار بن أبي عبيد الثقفي عامل الكوفة من قبل ~~الزبير فطرده، وكان ذا مطامع واسعة، فاستغل حركة التوابين ~~واستتر وراء محمد ابن الحنفية، وزعم أنه أمينه ووزيره، ~~وأنه إنما يثور انتقاما للعلويين وحقوقهم المهضومة، ~~فانضوت الشيعة تحت لوائه من توابين وكيسانية وسبئية. أما ~~التوابون فهم الذين تابوا عن معصيتهم التي اقترفوها بخذل ~~الحسين فسببت قتله، وقد تحالفوا وتعاهدوا على بذل أرواحهم ~~انتقاما له ومقاتلة قاتليه وأتباعهم وتنصيب رجل من آل ~~علي، ومن شعرائهم عبد الله بن الأحمر (انظر مروج الذهب 1: ~~110) وأعشى همدان. # قصيدة أعشى همدان الشيعي التي كان الشيعة يكتبونها ~~سرا: # ألم خيال منك يا أم غالب # فحييت عنا من حبيب ~~مجانب # وما زالت في شجو وما زالت ~~مقصدا # لهم غير أني من فراقك ~~ناصب # فما أنس لا أنس انتقالك في ~~الضحى # إلينا مع البيض الحسان ~~الكواعب # تراءت لنا هيفاء مهضومة الحشا # لطيفة طي الكشح ريا ~~الحقائب # مقبلة غراء رود شبابها # كشمس الضحى تنكل بين ms072 ~~السحائب # فلما تغشاها السحاب وحوله # بدا حاجب منها وضنت ~~بحاجب # فتلك الهوى وهي الجوى لي ~~والمنى # فأحبب بها من خلة لم ~~تصاقب # ولا يبعد الله الشباب وذكره # وحب تصافي المعصرات ~~السواكب # ويزداد ما أحببته من عتابنا # لعابا وسقيا للخدين ~~المقارب # فإني وإن لم أنسهن لذاكر # رذية مخبات كريم المناسب # توسل بالتقوى إلى الله صادقا # وتقوى الإله خير تكساب ~~كاسب # وخلى عن الدنيا فلم يلتبس ~~بها # وثاب إلى الله الرفيع ~~المرائب # وما أنا فيما يبكر الناس فقده # ويسعى له الساعون فيها ~~براغب # توجه من دون الثوية ثائرا # إلى ابن زياد في الجموع ~~الكتائب # بقوم هم أهل التقية والنهى # مصاليت أنجاد شراة مناجب # مضوا تاركي رأي ابن طلحة حسبة # ولم يستجيبوا للأمير ~~المخاطب # فساروا وهم ما بين ملتمس التقى # وآخر مما جر بالأمس ~~ثائب # فلاقوا بعين الوردة الجيش ~~فاصلا # إليهم فحسوهم ببيض ~~قواضب # يمانية تذري الأكف وتارة # بخيل عتاق مقربات سلاهب # فجاءهم جمع من الشام بعده # جموع كموج البحر من كل ~~جانب # فما برحوا حتى أبيدت سراتهم # فلم ينج منهم ثم غير ~~عصائب # وغودر أهل الصبر صرعى ~~فأصبحوا # تعاورهم ريح الصبا ~~والخبائب # فأضحى الخزاعي الرئيس مجدلا # كأن لم يقاتل مرة ويحارب # 6 # ورأس بني شمخ وفارس قومه # 7 # شنوءة # 8 # والتيمي هادي الكتائب # 9 # وعمرو بن بشر والوليد وخالد # وزيد بن بكر والحليس بن ~~غالب # وضارب من همدان كل مشيع # إذا شد لم ينكل كريم ~~المكاسب # ومن كل قوم قد أصيب زعيمهم # وذو حسب في ذروة المجد ~~ثاقب # أبوا غير ضرب يفلق الهام ~~وقعه # وطعن بأطراف الأسنة صائب # وأن سعيدا يوم يدمر عامرا # لأشجع من ليث بدرب مواثب # فيا خير جيش بالعراق وأهله # سقيتم روايا كل أسحم ساكب # فلا يبعدن فرساننا وحماتنا # إذا البيض أبدت عن خذام ~~الكواعب # فإن يقتلوا فالقتل أكرم ميتة # وكل فتى يوما لإحدى ~~الشواعب # وما قتلوا حتى أثاروا عصابة # محلين ثورا كالتيوس ~~الضوارب # وأما الكيسانية فقد اختلف في الشخص الذي ينسبون إليه، فقيل: # 10 # إنه كيسان مولى علي ms073 بن أبي طالب، ولكنه قول ~~غريب؛ لأنه مات في صفين قبل قيامهم بنحو ثلاثين سنة. وقال ~~المسعودي في المروج 2: 79، وابن عبد ربه في العقد 1: 269، ~~والطبري أيضا 2: 671، والنويحي في فرق الشيعة، ص21، إنه ~~كيسان أبو عمرو مولى بجيلة، صاحب شرطة المختار بن أبي عبيد ~~الثقفي، وهو الصواب الذي يؤيده ابن سعد (5: 77)، ~~وأبو حنيفة الدينوري في الأخبار الطوال، ص296، والبلاذري ~~في أنساب الأشراف (5: 229)، ويذكر ابن سعد: أن كيسان كان ~~ضمن الرجال الذين شهدوا بأن ابن الحنفية سمح للمختار ~~بن أبي عبيد، أن يبث الدعوة باسمه (أي باسم ابن الحنفية)، ~~وإن كان هذا القول غير صحيح تاريخيا؛ فإن ابن الحنفية ~~لم يمالئ المختار، بل بايع يزيد بن معاوية؛ لأنه لم يكن ~~يثق بأهل الكوفة. وأول ما نسمع بذكر المختار الثقفي في ~~الفتنة بين علي ومعاوية، ثم ينحرف إلى الخوارج عندما ~~يقوى أمرهم، فحين صفعوا تركهم والتحق بابن الزبير، ثم ~~تركه وساير محمد ابن الحنفية وادعى أنه من أنصاره، ~~وانحدرا إلى الكوفة يدعو له، ويزعم أن محمد ابن الحنفية ~~(المهدي) قد بعثه إلى الكوفيين لينقذهم، وهذه هي المرة ~~الأولى التي نسمع فيها بذكر «المهدي». # وأما السبئية: فنسبتهم إلى عبد الله بن سبأ الذي كان ~~يهوديا فأسلم وتشيع لعلي وآله، وغالى في ذلك غلوا ~~كبيرا، وأخباره كثيرة مشهورة. وقد كان المختار داهية، ~~استطاع أن يجمع كافة فرق الشيعة تحت لوائه، كما تمكن من ~~أن يخدع التوابين، ويجتذب فلولهم التي بقيت بعد معركة ~~عين الوردة «رأس العين» سنة 65ه، وخدع الموالي، ونفخ فيهم ~~روح التمرد على العرب، وهذه هي الفترة الأولى التي ظهرت ~~روح التمرد من الموالي، فتمكن أن يجمع جيشا كبيرا، ~~واستطاع به أن يقضي على عامل الكوفة من قبل ابن الزبير ~~فطرده، ثم أرسل جيشا بقيادة إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد ~~الله بن زياد، فالتقى جيشاهما على نهر الخازر فقتل ابن ~~زياد وتفرق جيشه، وبذلك انتقم للحسين من قاتليه، ثم حمل ~~رأسه إلى المختار فبعث به إلى ابن الزبير، وكان لقتل ابن ~~زياد عدو ms074 الشيعة وقاتل الحسين، أنهم تعلقوا بالمختار ~~وأيدوه، حتى خاف ابن الزبير على مكانه في العراق، فبعث ~~إليه أخاه مصعبا بجيش كثيف، فقتل المختار وعددا كبيرا ~~من الشيعة، واستولى مصعب على الكوفة سنة 67، جرت هذه ~~الحوادث وعبد الملك يرقب الأمور عن كثب، وقد راقه تقاتل ~~الطرفين لينهك بعضهما الآخر، فلما قتل المختار واستولى ~~مصعب على زمام الأمر، خرج إليه عبد الملك بعد أن هادن ~~إمبراطور البيزنطيين حين أغار على الثغور الإسلامية في سنة ~~70، وتعهد عبد الملك بدفع الأموال والهدايا، وخمسين ألف ~~دينار كل عام. ولما يكد جيش عبد الملك يخرج من دمشق ويصل ~~إلى أراضي الفرات، حتى بلغه أن عمرو الأشدق قد ثار عليه في ~~دمشق، فرجع إلى الشام، وأخذ يتلطف مع عمرو حتى تمكن منه ~~وقتله بعد أن أمنه، وكان هذا أول عهد غدر به في الإسلام. # 11 # ولما استقر لعبد الملك أمر دمشق رجع إلى العراق، فحاصر ~~زفر بن الحارث زعيم القيسية في قرقيسياء قرب رحبة مالك بن ~~طوق على نهر الخابور، والذي كان يدعو لابن الزبير، ورأى أن ~~الحزم في مصالحته فصالحه، وبذلك انضوت القيسية تحت لواء ~~عبد الملك، وبانضوائها سيطر عبد الملك على جناحي النسر ~~العربي (قيس واليمن) ثم سار عبد الملك للقاء مصعب، فانخذل ~~جيش مصعب أمام عبد الملك، ثم إنه أخذ يدعوهم ويمنيهم، ~~فتخلى كثير منهم عن ابن مصعب وانضموا إليه. وكتب عبد ~~الملك إلى قواد مصعب وأعيان الكوفة حتى أفسدهم عليه ~~إبراهيم بن الأشتر، فإنه أعطى الكتاب الذي بعث به إليه عبد ~~الملك إلى مصعب، فوجده يمنيه بولاية العراق، ثم إن إبراهيم ~~بن الأشتر أخبر مصعبا بخبر سائر القواد، وأنهم أخفوا كتب ~~عبد الملك عن مصعب، ~~وطلب منه أن يقتلهم لئلا يفسدوا في الجيش فلم يفعل، فطلب ~~منه أن يحبسهم إلى أن يتبين الأمر فأبى ذلك عليه أيضا. # 12 # وكان مصعب مخطئا في سياسته هذه، فقد تفرق عنه ~~قواده لما نشب القتال بين الطرفين، وقتل مصعب بعد أن أظهر ~~من ضروب البطولة والجرأة ما ms075 يدهش له المرء، ودخل عبد الملك ~~الكوفة سنة 71، ثم سيطر على البصرة، وصفا له العراق ولم ~~يبق أمامه إلا الحجاز الذي سيطر عليه ابن الزبير. وما ~~أن استقرت له أمور العراقيين حتى بعث جيشا كبيرا بقيادة ~~الحجاج لقتال ابن الزبير في الحجاز، فذهب إليه وقتله على ~~الشكل الذي رأينا في الفصل الخاص بابن الزبير. # ولما قتل ابن الزبير وصفا أمر الحجاز لعبد الملك، ولى ~~عليه الحجاج بن يوسف من 73-75ه حين ولاه على العراق، ~~فسار إليه في جيش لجب من أهل الشام، ولما بلغ القادسية أمر ~~الجيش بالاستراحة، واستمر هو في الكوفة فدخلها، وألقى في ~~مسجدها خطبته المشهورة التي أولها: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني # وفي سنة 74 ولى عبد الملك أمية بن عبد الله بن خالد بن ~~أسيد خراسان، فاستعمل أمية ابنه عبد الله ووجهه للقتال في ~~سجستان، فغزا رتبيل فصالحه رتبيل، وبذل له ألف ألف فلم ~~يقبل، وقال: إن ملأ لي هذا الرواق ذهبا وإلا فلا صلح ~~لي، فخلى له رتبيل البلاد حتى أوغل فيها، ثم هجم عليه ~~رتبيل فكاد أن يأخذه، وصالحه عبد الله، وبلغت هذه الأخبار ~~عبد الملك فعزله وأباه، وضمها إلى العراق، فاستعمل الحجاج ~~المهلب بن أبي صفرة على خراسان. وفي سنة 79 قطع المهلب نهر ~~بلخ ونزل على كش، وكان معه أبو الأدهم الزماني البطل ~~الجبار، فغنم المسلمون مغانم كثيرة، ووصلوا إلى بخارى، وفي ~~تلك السنة سنة 79 استأذن الحجاج عبد الملك في تسيير الجنود ~~إلى رتبيل، فأذن له، فجعل على البصرة عشرين ألف مقاتل، ~~ومثلهم على الكوفة، وأعطى المقاتلين أعطياتهم، وأنفق ~~عليهم ألفي ألف غير الأعطيات، وأنجدهم بالخيل القوية ~~والسلاح الكامل، وكان في المقاتلين عدد من أبطال المسلمين، ~~كأبي الأدهم الزماني، وأبي محجن ~~الثقفي، وكان هذا الجيش ~~يسمى جيش الطواويس لجماله، ولما تم للحجاج تنظيم ~~أمورهم، سيرهم بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، ~~فقدم سجستان وسار معه أهل سجستان، فلما بلغت أخباره رتبيل ~~استجار وطلب الصلح فلم يقبل، ms076 فدخل عبد الرحمن بلاده وفتك ~~بجنده، ثم كتب إلى الحجاج يهنيه، فحمد له جهده وأمره على ~~تلك الديار، وأمره بالاستمرار في الغزو فاعتذر، فكتب إليه ~~الحجاج يعنفه فغضب، ورجع إلى العراق خالعا الحجاج وعبد ~~الملك، وجرت بين الجانبين معركة في دير الجماجم سنة 82 ~~وسنة 83، ثم تراجع عبد الرحمن إلى سجستان، وفي هذه السنة ~~سنة 79 بعث عبد الملك ابنه عبد الله بجيش كثيف إلى أرمينيا ~~ففتح قالقيلا، وغنم مغانم كثيرة. # 13 # وفي سنة 74 ولى حسان بن النعمان الغساني على ~~إفريقية، فسار إليها في جيش عظيم لم يدخل إفريقية جيش ~~مثله، ولما وصل القيروان رتب أمورها، ومنها سار إلى ~~قرطاجنة، فاجتمع عليه ملوك إفريقية من الروم والبربر، فقتل ~~منهم عددا لا يحصى، ثم سأل عمن بقي من ملوك إفريقية، ~~فدلوه على امرأة تعرف بالكاهنة، تملك البربر بجبل أوراس ~~فسار إليها، ولكنها تغلبت عليه وشتتت شمل جنده، ثم بعث ~~إليه عبد الملك مددا كبيرا، فتمكن من قتل الكاهنة، ~~ومنذ ذلك الحين فشا الإسلام في البربر، وفي هذه الأثناء ~~جاء النعي بموت عبد الملك، وكان ذلك في منتصف شوال سنة ~~86. ~~(3) الحوادث الكبرى في عهده # فتنة الخوارج # ذكرنا في الباب ~~الخاص بمعاوية بن أبي سفيان شيئا من أمر الخوارج في ~~عهده؛ فقد كانوا يكرهونه أشد الكراهية، فعهد معاوية ~~إلى المغيرة بن شعبة - وكان داهية قويا - ففتك بهم، ~~وقبض على جماعة منهم: حيان بن ظبيان، ومعاذ بن جوين ~~الطائي وغيرهما، وأخطرهم إلى الجلاء عن الكوفة، فجمعوا ~~إخوانهم، فبعث إليهم المغيرة جيشا بقيادة معقل بن قيس ~~الرياحي، والتقى الجمعان بالمذار بالقرب من البصرة ~~فقتلوا عن آخرهم. # وفي سنة 45 ولى معاوية البصرة زياد ابن أبيه، ~~فقدمها في ربيع الأول منها، فخطب في أهلها خطبته ~~المشهورة بالبتراء التي جمع فيها ضروب التهديد ~~بالسياسة والحزم، وكان من جراء ذلك أن توطدت أركان ~~دولة معاوية في العراق. ولما مات والي الكوفة المغيرة ~~بن شعبة في سنة 51 أضاف معاوية الكوفة إلى زياد، فذهب ~~إليها وخطب في أهلها ms077 خطبة قطعت ظهورهم، ثم أتبع القول ~~بالسيف ففتك بهم، ووجه أكثر همه إلى الخوارج، فلم ~~يرتفع لهم صوت إلى أن مات زياد ابن أبيه، فلما وليها ~~ابنه عبيد الله بن زياد تحركوا من جديد ففتك بهم مثل ~~أبيه، وكان ممن قتلهم صبرا جماعة منهم: عروة بن أدية ~~التميمي سنة 58، وهو أول من قال: لا حكم إلا لله، ~~وسيفه أول ما سل من سيوف أباة التحكيم، وقد حضر ~~النهروان ونجا منها، ولما زاد عبيد الله بن زياد في ~~فتكه بالخوارج اجتمعوا وتذاكروا في أمرهم، فقال لهم ~~نافع بن الأزرق الحنفي: «إن الله قد أنزل عليكم ~~الكتاب، وفرض عليكم الجهاد، واحتج عليكم، وقد جرد أهل ~~الظلم فيكم السيوف، فاخرجوا بنا إلى هذا الذي قد ثار ~~بمكة - ابن الزبير - فإن كان على رأينا جاهدنا معه، ~~وإن يكن على غير رأينا وافقناه عن البيت.» ثم سار بهم ~~إلى مكة، فأظهر لهم ابن الزبير أنه يرى رأيهم فقاتلوا ~~معه إلى أن مات يزيد بن معاوية، ووضعت الحرب بين ابن ~~الزبير وجند يزيد أوزارها، وقوي أمر ابن الزبير. ظهر ~~للخوارج أن ابن الزبير لا يعتقد اعتقادهم، وأنه يطلب ~~الأمر لنفسه، وأنه إنما قام بالأمر انتقاما لعثمان ~~الذي يكرهونه، تركوا الحجاز ونزلوا البصرة وأخذوا ~~ينشرون فكرتهم، فكثرت جموعهم، واستطاعوا أن يكسروا باب ~~السجن ويخرجوا من فيه من إخوانهم، وما زال أمر ~~الأزارقة الخوارج من أزارقة وصفرية ونجدات يعظم حتى ~~امتد نفوذهم إلى البحرين والأهواز، فاضطر مسلم بن ~~عبيس بن كريز أمير البصرة أن يقاتلهم، فخرج الخوارج ~~إلى دولاب من أرض الأهواز، فلحق بهم أمير البصرة وفتك ~~بهم، وقتل نافع في سنة 65 كما قتل دغفل بن حنظلة ~~النسابة وغيره من وجوه الخوارج، فجمعوا جموعهم وقتلوا ~~مسلم بن عبيس، وشتتوا جنده، وساروا نحو البصرة، فلما ~~قربوا من البصرة خاف أهلها منهم، فأتوا الأحنف بن قيس ~~وسألوه أن يتولى حربهم، فأشار عليهم بالمهلب ~~بن أبي صفرة؛ لشجاعته وعقله وخبرته، فقبل المهلب ذلك ~~على أن تكون له ولاية ما غلب ms078 عليه، وأن ينتخب من وجوه ~~الناس وفرسانهم من أحب، وأن يعطى من ~~بيت المال ما يتقوى ~~به، فأجابوه إلى ذلك، فخرج للقاء الخوارج فهربوا منه ~~حتى كرمان وأصفهان فلحق بهم وفرقهم، وظل يتعقبهم إلى ~~أن ولى عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا على العراق. ~~ولما حضر مصعب ولى المهلب بلاد الجزيرة، وولى عمر بن ~~عبيد الله بن معمر حرب الخوارج فحاربهم حتى أجلاهم عن ~~أصفهان، ولكن عمر بن عبيد الله لم يكن في مثل بطش ~~المهلب، فاستطاع الخوارج أن يجمعوا فلولهم ويسيروا ~~إلى العراق، فطلب العراقيون إلى مصعب أن يعيد المهلب ~~إلى قتالهم فرجع المهلب لمحاربتهم، وكان على رأس ~~الخوارج آمر شجاع قوي، هو قطري بن الفجاءة، فاقتتل ~~الفريقان قتالا دام قرابة سنة، تضعضع فيه أمر ~~الخوارج بعد أن ظهرت فيهم ضروب الشجاعة والفروسية من ~~جهة، والفتك بالأطفال والشيوخ والنساء من جهة أخرى. # 14 # ولما قتل مصعب بن الزبير وسيطر عبد الملك على ~~العراق، خرج الخوارج من جديد وقوي أمرهم، وكان سبب ذلك ~~أن عبد الملك ولى خالد بن عبد الله بن أسيد بلاد ~~العراق، فصرف هذا المهلب عن قتالهم، وولى أمرهم أخاه ~~عبد العزيز بن عبد الله بن أسيد، فبعث إليه عبد الملك ~~يعنفه في كتاب قال فيه: «قبح الله رأيك حين تبعث ~~أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال، وتدع المهلب ~~يجبي الخراج، وهو الميمون النقيبة، المقاسي للحرب، ~~ابنها وابن أبنائها. أرسل إلى المهلب يستقبلهم، وقد ~~بعثت إلى بشر بالكوفة ليمدك بجيش، فسر معهم ولا تعمل ~~في عدوك برأي حتى يحضر المهلب والسلام.» # 15 # وكتب عبد الملك إلى أخيه بشر بن مروان بالكوفة يأمره ~~بإنفاذ خمسة آلاف عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، ~~وكان ذلك سنة 72، فدارت معارك عديدة بين الجانبين أظهر ~~كل منهما ضروبا من الشجاعة والفتوة، صارت مضرب ~~الأمثال، وكاد الخوارج أن يتغلبوا، فبعث عبد الملك ~~بالحجاج أميرا على العراق، فأخذ يسير الأمور بسياسته ~~الشديدة، فطردهم من العراق إلى فارس، ثم تبعهم إلى ~~جيرفت ففتك ms079 بهم وشردهم، ثم إن الشقاق دب صفوفهم ~~فتفرقوا شيعا؛ شيعة تزعمها قطري بن الفجاءة ورحل ~~بها إلى طبرستان، وشيعة تزعمها عبد ربه الكبير. ولما ~~وصل قطري وصحبه إلى طبرستان أخذوا يفتكون بمناوئيهم، ~~فاضطر الحجاج أن يبعث إليهم بجيش فتك بقطري، وأضعف ~~شوكة الأزارقة من ذلك الحين. # 16 # وبموت قطري سقط أمر الخوارج سقوطا مريعا ~~لما كان يتمتع به قطري من شجاعة وحزم ونبل وفضل. # 17 # وممن فتك بهم الحجاج من الخوارج طائفة منهم تسمى ~~الصفرية المقيمة في الموصل وبلاد الجزيرة، وكان على ~~رأسها رجل صالح عابد اسمه صالح بن مسرح التميمي، وشبيب ~~بن يزيد الشيباني، خرجوا في الجزيرة ففتكوا بجيش محمد ~~بن مروان عامل الجزيرة، فاستنجد بالحجاج فأنجده بجيش ~~لقي الخوارج منه بلاء عظيما، ولكنه لم يستطع أن يفرق ~~جموعهم على قلتهم بالنسبة إلى عدد خصومهم. وقد اضطر ~~الحجاج أن يسأل عبد الملك مده بجيش من أهل الشام للفتك ~~بالصفرية، فبعث إليه عبد الملك ستة آلاف، حمل عليهم ~~شبيب بن يزيد أكثر من ثلاثين حملة، فصمدوا إلى أن هلك ~~شبيب غرقا، فحمل أهل الشام عليهم وأفنوهم، وبموت شبيب ~~طويت صفحة رائعة من صفحات الفروسية التي تحلى بها ~~هؤلاء الخوارج، وبالقضاء على الصفرية والأزارقة وغيرهم ~~من الخوارج صفا الجو في العراق لعبد الملك. # فتنة لبنان # لما وقعت الفتنة بين عبد الملك وعمرو بن سعيد الأشدق ~~خرج الجراجمة، ويسمون بالمردة أيضا - أما الجراجمة ~~فنسبة إلى مدينة جرجومة، كانت على جبل اللكام بالثغر ~~الشامي عند معدن الزاج، بين بياس - بياس اليمام - ~~و«لوقة» قرب أنطاكية، وأما المردة فجمع مارد، وإنما ~~سموا بذلك لتمردهم على السلطان وعصيان أمره - من جبل ~~لبنان بزعامة يوحنا في اثني عشر ألفا، فأتوا البقاع ~~ونزلوا قب إلياس، وغزو جبل لبنان الشرقي، وشنوا ~~الغارات على الحجاج، وقطعوا السابلة، وأفسدوا في ~~الأرض، فاضطر عبد الملك إلى تجديد الهدنة التي كان ~~عقدها مع إمبراطور الروم على أن يدفع كل جمعة ألف دينار. # 18 # ويقول ابن عساكر: إن طاغية الروم لما رأى ~~ما صنع ms080 الله للمسلمين من منعة مدائن الساحل، كاتب ~~أنباط جبل لبنان واللكام، فخرج الجراجمة وعسكروا ~~بالجبل، ووجه ملك الروم، فلقط البطريق في جماعة من ~~الروم في البحر، فسار بهم حتى رسا بهم بوجه الحجر ~~- فوق البترون - وخرج بمن معه حتى علا بهم على جبل ~~لبنان، وبث قواده في أقصى الجبل حتى بلغ أنطاكية ~~وغيرها من الجبل الأسود، فأعظم ذلك المسلمون بالساحل ~~حتى لم يكن أحد يخرج في ناحية من رجال ولا غيرها إلا ~~بالسلاح، فغلبت الجراجمة على الجبال كلها من لبنان، ~~وسنير، وجبل الثلج، وجبال الجولان، حتى بعث إليهم ~~عبد الملك بالأموال؛ ليكفوا حتى يفرغ إليهم، وكان ~~مشغولا بقتال أهل العراق ومصعب وغيره، ثم كتب ~~عبد الملك إلى سحيم بن المهاجر أمير طرابلس، يأمره ~~بالخروج إليهم # 19 # حتى استطاع أن يفتك بهم. # ويقول ابن الأثير في حوادث سنة 69: إن سحيم بن ~~المهاجر تلطف حتى وصل إلى يوحنا متنكرا فأظهر له ~~ممالأته، وذم عبد الملك وشتمه ووعده أن يدله على ~~عوراته، وما هو خير له من الصلح، فوثق إليه، ثم إن ~~سحيما عطف عليه وعلى أصحابه، وهم غازون غافلون بجيش ~~من موالي عبد الملك وبني أمية، وخندق ثقات جنده ~~وشجعانهم كان أعدهم بمكان خفي قريب. وفي سنة 70ه ~~اجتمع الروم واستجاشوا على من بالشام، فصالح عبد الملك ~~ملكهم على أن يؤدي له كل جمعة ألف دينار. # 20 # وظل عبد الملك يداريهم ويدفع له الأموال ~~إلى أن صفا له الأمر، فالتفت إليهم وفتك بهم. # الفتن بين قيس وكلب # كانت القبائل القيسية زبيرية الهوى، وكانت القبائل ~~الكلبية مروانية الهوى، وجرت بين الطرفين معارك وفتن ~~كثيرة، اشتهرت في التاريخ والأدب بما جرى فيها من ~~حوادث وما قيل فيها من شعر وأمثال، وهذا موجز أخبار ~~تلك الوقائع أو الأيام كما هي مشهورة: ~~(1) # يوم مرج راهط: وقد تقدمت بعض أخباره، ~~وهو لمروان بن الحكم على الضحاك بن قيس ~~الفهري. ~~(2) # يوم بنات قين: لما تولى عبد الملك ~~ووقعت الفتنة بين القبائل القيسية ~~واليمانية، خرج زفر بن الحارث الكلابي ms081 بعد ~~أن انقضى يوم مرج راهط إلى قرقيسياء، ~~فتحصن بها وجعل يغير على بلاد كلب، ~~وكانت كلب تفعل ذلك بقيس، وكان عمير بن ~~الحباب السلمي يغير مع زفر ببني تغلب، ~~فغزا زفر تدمر وعليها عامر بن الأسود ~~الكلبي، وجرت بين الطرفين معركة عند بنات ~~قين، وهو ماء، وقد فازت فيه قيس على اليمانية. # 21 ~~(3) # يوم ماكسين: بين قيس وتغلب، وعلى رأس ~~قيس عمر بن الحباب، وعلى رأس تغلب شعيث بن ~~مليل، وماكسين من قرى الخابور، بينها وبين ~~رأس العين يوم أو يومان، فقتل من تغلب ~~خمسمائة، منهم شعيث، وإلى هذا اليوم يشير ~~جرير بقوله: # تركوا شعيث بني مليل ~~مسندا # والآسيين وأقعصوا ~~شعرورا ~~(4) # يوم الثرثار الأول: هو نهر ينزع من ~~هرماس نصيبين شرقي سنجار ويفرغ في دجلة، ~~استنجدت فيه بنو تغلب ببني النمر بن قاسط، ~~وقال لهم شيخها مالك بن مسمع: ما أحسبكم ~~إلا من نبيط تكريت، ولو كنتم من بني ~~تغلب حقا لدافعتم عن أنفسكم وحرمكم. ~~فقالوا له: إنا حي فينا ما قد علمت من ~~النصرانية، ومضر مضر، وأي السلطانين غلب ~~فهو مع قيس. فقال مالك: اذهبوا فإن ~~أمدهم السلطان بفارس فلكم فارسان، وإن ~~السلطان اليوم لفي شغل عنكم وعنهم. فذهبت ~~بنو تغلب وأمرت عليها زياد بن هوبر ~~التغلبي، والتقى الجمعان، فقتلت بنو تغلب ~~مقتلة كبيرة من قيس حتى قال ~~الأخطل: # لما رأونا والصليب ~~طالعا # ومارسرجيس وسما ~~ناقعا # والخيل لا تحمل إلا ~~دارعا # والبيض في أيماننا ~~قواطعا # خلوا لنا الثرثار ~~والمزارعا # وحنطة طيسا وكرما ~~يانعا # فأجابه جرير: # ستعلم ما يغني الصليب إذا ~~عدت # كتائب قيس كالمهنأة ~~الجرب ~~(5) # يوم الثرثار الثاني: تجمعت قيس ~~واستمدت، وعليها عمير بن الحباب، ومعهم ~~زفر بن الحارث، وعبد الملك مشغول عنهم، ~~فهاجموا بني تغلب وقتلوها قتلا عظيما. # 22 ~~(6) # يوم الفدين: أغار فيه عمير بن الحباب ~~على الفدين، وهي لتغلب على الخابور ففتك بهم. # 23 ~~(7) # يوم السكر، أو سكر العباس: لقي فيه ~~عمير بن الحباب على السكر - وهي قرية ~~لتغلب على الخابور - بني تغلب وفتك ~~بهم. ~~(8) # يوم ms082 المعارك: وهو موضع بين الحضر ~~والعقيق من أرض الموصل، اجتمعت فيه بنو ~~تغلب بعد يوم السكر، فالتقوا بقيس فهزمت ~~تغلب. ~~(9) # يوم لبى: وهو دير فوق تكريت من أرض ~~الموصل، تناصفوا فيه، فتغلب تقول: هو لنا، ~~وقيس تقول كذلك. ~~(10) # يوم بلد: تناصفوا فيه، فتغلب تقول: هو ~~لنا، وقيس تقول كذلك. ~~(11) # يوم الشرعبية: وهي ببلاد تغلب، كان ~~لتغلب على قيس، وفيه يقول الأخطل: # ولقد بكى الجحاف لما ~~أوقعت # بالشرعبية إذ رأى ~~الأهوالا ~~(12) # يوم البليخ: وهو نهر بين الرقتين، ~~التقوا وعلى قيس عمير، وعلى تغلب ابن ~~هوبر، فهزمت تغلب وبقرت بطون نسائها ~~كيوم الثرثار (الأنساب 5: 322). ~~(13) # يوم الحشان: وهو تل قريب من الشرعبية، ~~جمعت فيه تغلب حاضرتها وباديتها وصارت إلى ~~الحشان، ولقيهم عمير بن الحباب وزفر بن ~~الحارث، والهذيل ابنه، فاقتتلوا قتالا ~~طويلا حتى قتل عمير، وبعثت بنو تغلب ~~برأس عمير إلى عبد الملك، وهو بالغوطة مع ~~وفد، فأعطى الوفد وكساهم، فلما صالح عبد ~~الملك زفر بن الحارث بعد ذلك واجتمع الناس ~~عليه. قال الأخطل قصيدته التي يعاتب فيها ~~عبد الملك، وفيها يقول: # بني أمية قد ناضلت ~~دونكم # أبناء قوم هم آووا وهم ~~نصروا ~~(14) # يوم الكحيل: من أرض الموصل في عبر دجلة ~~الغربي؛ وذلك أن تغلب لما قتلت عميرا جاء ~~تميم بن الحباب إلى زفر واستنصره للانتقام ~~لأخيه، فامتنع ثم قتل، وأغار على تغلب عند ~~الكحيل فقتل وأسر وبقر بطون النساء. # 24 ~~(15) # يوم البشر أو الرحوب: وهو جبل في عبر ~~الفرات الغربي؛ وسببه أن الأخطل قدم على ~~عبد الملك وعبده الجحاف بن حكيم السلمي، ~~فقال له: أتعرف هذا يا أخطل؟ فقال: نعم، ~~الذي أقول فيه: # ألا سائل الجحاف هل هو ~~ثائر # بقتلى أصيبت من سليم ~~وعامر # وأتى على القصيدة، فتغالظا في الكلام، ~~ثم خرج الجحاف حتى أتى الرحوب عند جبل ~~البشر، وهو ماء لبني جشم بن بكر، قوم ~~الأخطل، ففتك بهم، فأخذ الأخطل وعليه ~~عباءة وسخة، فظن آخذه أنه عبد، وسئل، ~~فقال: أنا عبد، فأطلقه، وقتل أبوه ~~يومئذ، ثم إن الجحاف استخفى خوفا من ms083 عبد ~~الملك، فدخل بلاد الروم، فأقام بطرابندة، ~~ثم استأمن عبد الملك فأمنه، ثم قدم ~~العراق وقصد الحجاج فأكرمه ثم حج وتاب. # 25 ~~(4) الفتوح # فتح المسلمون في عهد عبد الملك فتوحا في المشرق وأخرى ~~في المغرب، فأما فتوح المشرق: ففي سنة 74 ولى عبد الملك ~~بلاد خراسان أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فلما أتاها ~~ولى ابنه عبد الله بن أمية على سجستان، فلما قدمها غزا ~~رتبيل، الذي ملك بعد رتبيل الأول المقتول، وكان هيابا ~~للمسلمين، فلما وصل عبد الله إلى بست أرسل رتبيل إليه يطلب ~~الصلح وألف ألف وهدايا ورقيقا، فأبى عبد الله وكان غرا، ~~فخلى له رتبيل البلاد حتى أوغل فيها، ثم طوق عليه فأخذه، ~~فطلب عبد الله أن يخلي عنه وعن المسلمين، ولا يأخذ شيئا، ~~فأبى رتبيل وقال: نأخذ ثلاثمائة ألف درهم، ويكتب لنا ~~كتابا ولا يغزو بلادنا، ولا تحرق ولا تخرب، فقبل عبد ~~الله، وبلغ ذلك عبد الملك فعزله، وولاها الحجاج إضافة إلى ~~العراق، فبعث الحجاج المهلب بن أبي صفرة، وعبيد الله بن ~~أبي بكرة، فسار عبيد الله وغزا بلاد رتبيل، وأمره الحجاج ~~ألا يرجع حتى يستبيح بلاده، ويهدم قلاعه، ويقيد رجاله، ~~فأصاب من الغنائم ما شاء الله وهدم الحصون، وكذلك سار ~~المهلب إلى ما وراء النهر وفتح حصونها، وأقام حتى بلغ «كش» ~~وأقام فيها. # وفي سنة 80 استأذن الحجاج عبد الملك في تسيير جند عظيم ~~إلى بلاد رتبيل، فأذن له فجهز أربعين ألفا من أهل البصرة ~~والكوفة، وأعطى الناس أعطياتهم، وأنفق عليهم ألفي ألف - ~~كما قلنا - وزودهم بالخيل والسلاح والعدد والذخيرة، وبعث ~~فيهم الأبطال والفتيان، وأمر عليهم عبد الرحمن بن محمد ~~بن الأشعث، وسمي هذا الجيش جيش الطواويس؛ لقوته وكماله، ~~فبلغ بلاد رتبيل وفتك بهم، وغالى في اللحاق بهم، وكتب بذلك ~~إلى الحجاج فهنأه وأمره باستمرار الغزو، فكان من أمره ما ~~كان من خلع الحجاج وحصول معركتي دير الجماجم ومسكن بين ~~جند الحجاج وجند عبد الرحمن، وهروب عبد الرحمن ثانية إلى ~~بلاد رتبيل. # أما ms084 المهلب بن أبي صفرة فإنه بلغ بلاد «كش»، ثم أدركته ~~منيته وهو قافل بمرو، فاستخلف ابنه يزيد، وأوصاه أن يستمر ~~في فتوحه، فسار يزيد في فتوحه حتى بلغ قلعة نيزك بباذغيس، ~~فحاصرها وملكها وما فيها من الأموال والذخائر، وكانت من ~~أحصن القلاع وأمنعها، وكان نيزك إذا رآها سجد لها. # 26 # وفي سنة 85 عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان وولاها ~~أخا المفضل، ففتح باذغيس وأصاب مغنما كثيرا، ثم غزا ~~«أخرون» و«شومان» فغنم وفتح. # وأما فتوح الغرب: قال ابن الأثير 4: 43: لما ولي عبد ~~الملك بن مروان ذكر عنده من بالقيروان من المسلمين، ~~وأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش إلى إفريقية لاستنقاذهم، ~~فكتب إلى زهير بن قيس البلوي بولاية إفريقية، وجهز له ~~جيشا كثيرا، فسار سنة 69 إلى إفريقية فبلغ خبره إلى ~~كسيلة بن كرم البربري - الذي أسلم ثم خرج على المسلمين - ~~فاحتفل وجمع وحشد البربر والروم، وأحضر أشراف أصحابه، ~~فالتقى العسكران واشتد القتال حتى آيس الناس من الحياة، ~~فلم يزالوا كذلك أكثر النهار، ثم نصر الله المسلمين وانهزم ~~كسيلة، ثم قتل هو وجماعة من أصحابه بمحش، وتبع المسلمون ~~البربر والروم فقتلوا من أدركوا منهم فأكثروا، وفي هذه ~~الوقعة ذهب رجال البربر والروم وملوكهم وأشرافهم، وعاد ~~زهير إلى القيروان، ثم إن زهيرا رأى بإفريقية ملكا ~~عظيما فأبى أن يقيم، وقال إنما قدمت للجهاد، فأخاف أن ~~أميل إلى الدنيا، واستمر في غزوه إلى أن مات، فولاها ~~عبد الملك، حسان بن الضحاك، فقدمها وتمم فتوح زهير حتى ~~سيطر على إفريقية الشمالية كلها، ولم يترك موضعا من ~~بلادهم إلا وطئه. # 27 # ثم جرت له وقائع مع الكاهنة التي سبق أن ~~تحدثنا عنها فيما سلف. ~~(5) الأعمال الكبرى في عهده ~~(1) # ضرب الدراهم والدنانير: قال ابن الأثير في سنة ~~76: وفي هذه السنة ضرب عبد الملك الدنانير ~~والدراهم، وهو أول من أحدث ضربها في الإسلام، ~~فانتفع الناس بذلك، وكان سبب ضربها أنه كتب في ~~صدور الكتب إلى الروم # قل ~~هو الله أحد ~~، وذكر النبي # صلى الله عليه وسلم # مع ms085 التاريخ، فكتب إليه ملك الروم إنكم قد ~~أحدثتم كذا وكذا، فاتركوه وإلا أتاكم في ~~دنانيرنا ما تكرهون، فعظم ذلك عليه، فأحضر خالد بن ~~يزيد بن معاوية، فاستشاره فقال: حرم دنانيرهم ~~واضرب للناس السكة فيها ذكر الله تعالى، فضرب ~~الدنانير والدراهم. ثم إن الحجاج ضرب الدراهم، ~~ونقش فيها # قل هو الله ~~أحد ~~، فكره الناس ذلك لمكان القرآن. # 28 # ونهى أن يضرب أحد غيره، فضرب سمير ~~اليهودي فأخذه ليقتله، فقال له: عيار دراهمي أجود، ~~فلم تقتلني؟ فلم يتركه، فوضع للناس صنج الأوزان ~~ليتركه، فلم يفعل، وكان الناس لا يعرفون الوزن ~~إنما يزنون بعضها ببعض، فلما وضع سمير الصنج كف ~~بعضهم عن بعض. وأول من شدد في أمر الوزن، وخالص ~~الفضة، أبلغ من تخليص من قبله عمر بن هبيرة أيام ~~يزيد بن عبد الملك. وكانت دراهم الأعاجم مختلفة ~~كبارا وصغارا. ونقل البلاذري عن الحسن بن صالح ~~قال: «كانت الدراهم من ضرب الأعاجم مختلفة كبارا ~~وصغارا، فكانوا يضربونها مثقالا (وهو وزن عشرين ~~قيراطا)، ويضربون منها وزن اثني عشر قيراطا، ~~ويضربون عشرة قراريط، وهي أنصاف المثاقيل. فلما ~~جاء الإسلام واحتيج في أداء الزكاة إلى الأمر ~~الواسط، فأخذوا عشرين قيراطا واثني عشر قيراطا ~~وعشرة قراريط، فوحدوا ذلك 42 قيراطا، فضربوا ~~على وزن الثلث من ذلك، وهو 14 قيراطا، فوزن ~~الدرهم قيراطا وزن سبعة مثاقيل.» # 29 # وروي عن أبي الزناد: أن عبد الملك أول ~~من ضرب الذهب عام الجماعة، ويقال إن مصعبا ضرب ~~الدراهم في العراق قبل عبد الملك، وكذلك ضرب الدنانير. # 30 # وقد اتخذ عبد الملك في دمشق، والحجاج ~~في العراق دار ضرب، جمعا فيها الطباعين لطبع التبر ~~والفضة والزيوف. # 31 # وقال السيوطي: أول من ضرب الدنانير ~~والدراهم في الإسلام عبد الملك، ونقش اسمه عليها ~~سنة 75، أخرجه ابن سعد، وهو أول من عمل الموازين. ~~ونقل عن ابن سعد قال: فلما كانت مثاقيل التي ضرب ~~عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطا، الأصبة ~~بالشامي، وكانت العشرة وزن سبعة. ونقل عن مرآة ~~الزمان أنه نقش عليها في وجه «لا ms086 إله إلا الله ~~محمد رسول الله»، وفي الآخر أرخ وقت ضربها، ~~وقيل: جعل في وجه # قل هو ~~الله أحد ~~، وفي الآخر «محمد رسول ~~الله»، وزاد الحجاج: أرسله بالهدى ودين الحق. # 32 # قلت ويظهر أن هناك محاولات فردية كانت ~~لمصعب بن الزبير، فقد رووا أنه ضرب دراهم ودنانير ~~كما كان في العراق ، كما رووا أن زياد ابن أبيه هو ~~أول من فعل ذلك. ~~(2) # تمصير واسط: في سنة 83 بنى الحجاج مدينة واسط؛ ~~وسبب ذلك أن بعض جنوده الشاميين سكر، وتعدى على ~~بعض البيوت في الكوفة، فقتله صاحب البيت، وأهدر ~~الحجاج دمه لما علم من زوجة صاحب البيت أنه أراد ~~بها سوءا، ثم أمر مناديه ينادي: ألا ينزلن أحد ~~على أحد، وأخرج الجند الشاميين، فبعث لهم روادا ~~يرتادون فاختاروا موضع واسط، فاختط الحجاج مدينة ~~هناك. ~~(6) خاتمته ومناقبه # في منتصف شوال سنة 86 مات عبد الملك وله ستون سنة، وقيل ~~ثمان وخمسون، وكانت خلافته من لدن قتل الزبير ثلاث عشرة ~~سنة وأربعة أشهر إلا أسبوعا، ولما اشتد مرضه قال ~~الطبيب: إنه شرب الماء فاشتد عطشه، وطلب الماء فمات لما ~~شربه. وقد أوصى بنيه قبل موته بقوله: «أوصيكم بتقوى الله، ~~فإنها أزين حلية وأحصن كهف. ليعطف الكبير على الصغير، ~~وليعرف الصغير حق الكبير، وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه، ~~فإنه نابكم الذي عنه تفترون، ومجنكم الذي عنه ترمون، ~~وكونوا بني أم بررة، لا تدب بينكم العقارب، وكونوا في ~~الحرب أحرارا فإن القتال لا يقرب منية، وكونوا للمعروف ~~منارا، فإن المعروف يبقى أجره وذكره، وضعوا المعروف عند ~~ذوي الإحسان فإنهم أصون له، وأشكر لما يؤتى إليهم منه، ~~وتعهدوا ذنوب أهل الذنوب، فإن استقالوا فأقيلوا، وإن ~~عادوا فانتقموا، ثم التفت إلى الوليد فقال له: لا ألفينك ~~إذا مت تعصر عينيك وتحن حنين الأمة، ولكن شمر واتزر ~~والبس جلد نمر، ودلني في حفرتي وخلني وشأني، وعلك وشأنك، ~~ثم ادع الناس إلى البيعة، فمن قال برأسه كذا (أي لا) فقل ~~بالسيف (أي اضرب عنقه). # ولما مات دفن خارج باب ms087 الجابية، وصلى عليه الوليد، وله ~~من الأولاد: الوليد، وسليمان، ومروان الأكبر، وعائشة، ~~وأمهم ولادة بنت العباس العبسية، ويزيد، ومروان، ومعاوية، ~~وأم كلثوم، وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وهشام وأمه أم ~~هشام بنت إسماعيل بن هشام بن الوليد واسمها عائشة، وأبو ~~بكر بكار وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة، والحكم وأمه أم ~~أيوب بنت عمرو بن عثمان، وفاطمة وأمها أم المغيرة بنت خالد ~~بن العاص، وعبد الملك ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد ~~الخير والحجاج لأمهات أولاد. # 33 # وكان عبد الملك من عقلاء الناس وأدبائهم وساستهم ~~ودهاتهم، هو الذي وطد ملك بني أمية بعد معاوية، بعلمه ~~وحسن إدارته وكياسته وحزمه. قال العتبي: كان يقال: معاوية ~~أحلم، وعبد الملك أحزم. وله أوليات كثيرة في تنظيم شئون ~~الدولة؛ فهو أول من ضرب الدراهم والدنانير. وروى الثعالبي ~~في لطائف المعارف إنه أول من تلقب من الخلفاء، لقب ~~نفسه بالموفق بالله. # 34 # وهو أول من نقل الدواوين من الرومية إلى ~~العربية، أمر بذلك كاتبه سلمان بن سعد الخشني، وهو أول ~~مسلم وليها. # 35 # وهو أول من طلب إلى أبي الأسود - وقيل إلى ~~الحسن البصري - أن ينقط القرآن. # 36 # وهو أول من جمع الأموال من الخلفاء وغالى في ~~كنزها. ولما مات كانت خزائنه عامرة بالأموال حتى استطاع ~~الوليد بعده أن يبني القصور والمساجد الضخمة. # الفصل الثاني # | الوليد بن عبد الملك # 86-96ه/705-715م ~~(1) أوليته # هو الوليد بن عبد الملك بن مروان، وأمه ولادة بنت العباس ~~بن جرير بن الحارث بن زهير الربعية، ولد في سنة 50ه وقيل ~~في سنة 49، فعني به أبوه فهذبه ومرسه بالحكم والحرب، وكان ~~خطيبا أديبا، ولكنه وصف باللحن، روي في الفخري أن أباه ~~قال له: إنه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم، فدخل ~~الوليد بيتا وأخذ معه جماعة من علماء النحو، وأقام مدة ~~يشتغل فيه. # 1 # ولكنهم يتوركون عليه فيقولون: إنه خرج من ذلك ~~البيت أجهل مما كان يوم دخوله. ~~(2) خلافته # صلى الوليد على أبيه ودفنه، ثم أتى المسجد وصعد ~~المنبر، واجتمع إلى ms088 الناس فخطبهم فقال: أيها الناس، إنه لا ~~مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم الله. وقد ~~كان من قضاء الله وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه وحملة ~~عرشه الموت، وقد صار أبي ~~إلى منازل الأبرار، ~~ولي هذه الأمة بالذي يحق عليه لله من الشدة على المريب، ~~واللين لأهل الحق والفضل، وإقامته ما أقام الله من منار ~~الإسلام وأعلامه، من حج هذا البيت، وغزو هذه الثغور، وشن ~~هذه الغارة على أعداء الله، فلم يكن عاجزا ولا مفرطا. ~~أيها الناس، عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع ~~الفرد. أيها لناس، من أبدى لنا ذات نفسه جزينا الذي فيه ~~عيناه، ومن سكت مات بدائه. أيها لناس، إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين، ~~والحمد لله على ما أنعم به علينا من الخلافة. قوموا فبايعوا. # 2 # فكان أول من قام لبيعته عبد الله بن همام ~~السلولي، ثم قال: # الله أعطاك التي لا فوقها # وقد أراد الملحدون عوقها # عنك ويأبى الله إلا سوقها # إليك حتى قلدوك طوقها # ثم تتابع الناس على البيعة. وكان الوليد موفقا في ~~اختيار رجاله، وهو إن فقد الحجاج فقد عوضه عنه بعدد من ~~القواد الفاتحين المدبرين، نذكر منهم: قتيبة بن مسلم ~~الباهلي، ومحمد بن القاسم بن محمد الثقفي، وموسى بن نصير، ~~وعبد الرحمن الغافقي، الذين فتحت في عهدهم الهند والصين ~~والأندلس وجنوبي فرنسة، وتوسع الملك الإسلامي إلى أقصى ~~حدوده، كما سنرى. وفي عهده تمت عدة من المشاريع الاجتماعية ~~والعمرانية والإدارية الخالدة التي سنتحدث عنها ~~بعد. ~~(3) الفتوح في عهده # فتوح المشرق # في سنة «86» بعث الحجاج بن يوسف من قبله قتيبة بن ~~مسلم الباهلي أميرا على خراسان، فأتاها ورتب أمورها، ~~ثم سار حتى قطع نهر بلخ بجيش كثيف. وتلقف أخباره ملوك ~~ما وراء النهر فخافوا، وتلقاه ملك الصغانيان بالهدايا ~~وهو يحمل مفاتيح بلاده من ذهب، فدخلها، ثم سار إلى ~~«أخرون» و«شومان» في طخارستان، فصالحه صاحبها، ثم ~~انصرف إلى مرو، وبعث أخاه صالح بن مسلم ~~ومعه نصر بن ms089 سيار ~~لفتح كاشاه وأورشت في فرغانة، وأخسكيث مدينة فرغانة، ~~وقد أبلى نصر بلاء عظيما في تلك الفتوح خلد ~~اسمه. # وفي سنة 87 كتب قتيبة إلى نيزك طرخان صاحب باذغيس في ~~إطلاق من عنده من الأسرى، فأطلقهم وكتب إلى قتيبة ~~يسترضيه ويخضع له، فلما أمن قتيبة جانب نيزك سار نحو ~~بيكند، وهي أدنى مدائن بخارى إلى النهر، فاستنصر ~~صاحبها بالصغد وتجمعوا عليه ، فانقطعت أخباره عن الحجاج ~~مدة شهرين، فقلق وأخذت الناس تدعو لهم في المساجد، ~~وجد قتيبة في غزوه، فهزم عدوه وفتح بيكند، وقتل من ~~كان بها من المقاتلة، وغنم المسلمون مغانم كثيرة، ~~وأسرى لا يحصون، وكان فيهم رجل أعور، فقال لقتيبة: أنا ~~أفدي نفسي بخمسة آلاف حريرة قيمتها ألف ألف، فاستشار ~~قتيبة الناس فقالوا: وما عسى أن يبلغ كيد هذا؟ فقال ~~قتيبة: لا والله. فأمر به فقتل، ثم رجع مسلم إلى ~~مرو. # وفي سنة 88 غزا نومشكت فصالحه أهلها، ثم اجتمع عليه ~~الصغد والترك والفرغانيون في مائتي ألف فشتت شملهم ~~وغنم. # وفي سنة 89 غزا بخارى، ولم يتمكن من القضاء على ~~ملكها فرجع، وجاء كتاب من الحجاج يقول له فيه: صورها ~~وابعث إلي بصورتها وما يحيط بها من الجبال والسهول، ~~فبعث بذلك إليه فأجابه بقوله: تب إلى الله جل ثناؤه ~~مما كان منك، وأتها من مكان كذا وكذا. فعمل قتيبة بما ~~أشار عليه الحجاج فاستطاع فتحها في سنة 90، وفتك ~~بصاحبها وبمن جاء لنصرته من الصغد والترك، وقد أبلى ~~الأزد وتميم في ذلك اليوم أحسن بلاء، وخرج خاقان ~~وابنه، وكتب قتيبة إلى الحجاج يبشره بالنصر. # وفي تلك السنة اضطر ملك الصغد إلى مصالحته. # وفي تلك السنة تمكن قتيبة من فتح الطالقان. # وفي سنة 91 غزا شومان وكش ونسف، ففتحها وغنم عدة ~~مغانم. # وفي سنة 93 غزا ملك خوارزم فصالحه، ثم توجه إلى ~~سمرقند ففتحها، وصالحه صاحبها غورك على ألفي ألف ~~ومائتي ألف مثقال كل عام، وأن يعطيه بتلك السنة ثلاثين ~~ألف فارس، وأن يخلوا المدينة لقتيبة فلا يكون لهم فيها ~~مقاتل، ms090 فبنى فيها قتيبة مسجدا ويدخل ويصلي ويخطب ~~ويتغدى ويخرج، فدخلها ولم يخرج، وأتى بالأصنام وكانت ~~كالقصر العظيم، وأخذ ما عليها وأمر بها لتحرق، فجاءه ~~غورك فقال له: لا تحرقها، فإن فيها أصناما إن ~~أحرقتها أتلفتك. فقال: أنا أحرقها بنفسي. ثم كبروا ~~حرقها فاحترقت، فوجدوا من بقايا مسامير الذهب خمسين ~~ألف مثقال، وأصاب بالصغد جارية من بنات الملوك، بعث ~~بها إلى الوليد، فولدت له ابنه يزيد ، ثم رجع قتيبة إلى ~~مرو. # وفي سنة 94 غزا قتيبة الشاس وفرغانة، ففتح خجندة ~~وكاشان عاصمة فرغانة ففتحها، ولما رجع جاءه نعي ~~الحجاج، فغمه ذلك، ثم جاء كتاب أمير المؤمنين الوليد ~~وفيه: قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدك واجتهادك في ~~جهاد أعداء المسلمين. وأمير المؤمنين رافعك وصانع بك ~~الذي يجب لك، فأتم مغازيك وانتظر ثوابك من ربك، ولا ~~تغب عن أمير المؤمنين كتبك حتى كأني أنظر إلى بلائك ~~والثغر الذي أنت فيه. # 3 # فرد على أمير المؤمنين بكتاب شكر فيه نعمة الله ~~عليه، وبلاءه في قتال الكافرين، واستمداده العون من ~~الله. # وفي سنة 96 غزا بلاد الصين ووصل كاشغر، وجمع مع ~~المقاتلة عيالهم ليضعهم بسمرقند، فلما وصل أرض الصين ~~كتب إليه صاحبها: أن ابعث إلي رجلا يخبرني عنكم وعن ~~دينكم، فبعث إليه بعشرة لهم جمال وألسن وبأس وعقل ~~وصلاح، فلما أتوه سألهم عن حالهم وعن الإسلام، فأحسنوا ~~إجابته وأخبروه أن قتيبة قد حلف ألا يعود حتى يطأ ~~أرضكم ويختم ملوككم ويعطوا الجزية، فقال لهم: فإنا ~~نخرجه عن يمينه، فنبعث إليه بتراب أرضنا فيطأه، ونبعث ~~إليه ببعض غلماننا فيختمهم، ونبعث إليه بالجزية، فقبل ~~قتيبة. وقد بلغه خبر موت الوليد فرجع بعد أن نشر لواء ~~الإسلام في المشرق، وأباح للناس قراءة القرآن ~~بالفارسية والتركية. # فتوح بلاد الروم # في سنة 87 بعث الوليد أخاه مسلمة لغزو الروم، فوصل ~~سوسنة من ناحية المصيصة، وفتح حصونا وقتل منهم مقتلة ~~عظيمة، وقيل إن الذي غزا هو هشام بن عبد الملك، وأنه ~~فتح حصن لولق، وحصن الأحزم، وحصن بولس، وحصن ~~قمقم. # وفي ms091 سنة 88 غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن ~~الوليد بن عبد الملك الروم، ففتح حصن طوانة وشنى بها. # 4 # وفي سنة 89 غزا مسلمة وابن أخيه العباس أيضا بلاد ~~الروم، ففتح مسلمة حصن عمورية وهرقلة وقونية، وفتح ~~العباس «أذرولية» و«البدندون»، ثم رجع مسلمة وسار إلى ~~بلاد الترك من ناحية أذربيجان ففتح حصونا ومدنا. # 5 # وفي سنة 90 غزا مسلمة بلاد الروم ففتح الحصون الخمسة ~~التي بسورية، وغزا العباس بن الوليد بن عبد الملك حتى ~~بلغ أرض الروم. # 6 # وفي سنة 92 غزا مسلمة بلاد الروم، ففتح حصونا وجلا ~~أهل سوسنة عنها إلى الروم. # وفي سنة 93 غزا مسلمة ففتح ثلاثة حصون، وفي تلك ~~السنة غزا العباس بن الوليد الروم، ففتح سبسطية ~~والمرزبانيين وطرسوس، وفتح المصيصة وحصن الحديد، ~~وغزالة من ناحية مليطة. # وفي سنة 94 غزا الروم العباس، ففتح أنطاكية، وغزاها ~~عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزالة، وغزاها الوليد بن ~~هشام المعيطي فبلغ برج الحمام. # 7 # وفي سنة 95 كان الغازي ببلاد الروم العباس بن ~~الوليد، ففتح حصون طولس والمرزبانيين وهرقلة. # فتوح المغرب # عني الوليد ~~بفتح بلاد المغرب، فولى موسى بن نصير على إفريقية ~~سنة 89، وبعث معه جيشا كثيفا وزوده بالسلاح ~~والأموال، فلما دخل القيروان بلغه أن بعض البربر قد ~~خلعوا الطاعة، فبعث إليهم ابنه عبد الملك فأخضعهم، ~~وبلغ الأسرى نحو ستين ألفا، ولم يسمع بسبي أعظم منه، ~~ثم وطدت له إفريقية وسار إلى طنجة، وبلغ السوس الأدنى ~~كاسبا من البربر، وفتح طنجة، ووضع عليها مولاه طارق ~~بن زياد، فأخذ طارق يعنى بالبربر فعلمهم القرآن، ~~وجعل منهم جيشا قويا، فاستمر طارق يقوي نفسه ويعزز ~~هؤلاء البربر حتى سار باثني عشر ألف منهم في سنة 92 ~~فدخل الأندلس، وكانت خاضعة للقوط # Visingoth # منذ أوائل القرن الخامس للميلاد، وكانت دولتهم قوية في ~~أول أمرها. ثم ما لبثت أن فسدت وسيطر عليها الأشراف ~~رجال الدين والقادة، فاقتطعوا البلاد وساموا الناس ~~خسفا، وعذبوا اليهود، وأكثروا من الرقيق. # وكان أهل الأندلس يسمعون بأحوال العرب في ms092 شمال ~~إفريقية وبعدلهم فيتمنون إنقاذهم، وقد حاول المسلمون ~~منذ النصف الثاني من القرن السابع فتح الأندلس، ولكنهم ~~فشلوا في عهد الإمبراطورين فامبا # Vamba ~~، وخلفه # Erving ~~. ولما سيطر ~~موسى بن نصير على الأندلس وتمكن طارق من تدريب جيش ~~بربري قوي، فكر في غزو الأندلس. ولما سيطر موسى بن ~~نصير على بلاد المغرب غزا «سبتة»، التي كانت تحت سيطرة ~~الكونت جوليان حاكمها من قبل القوط، ففتحها واتخذها ~~منذ ذلك الحين مركزا لتهيئة الجيش المعد لغزو ~~الأندلس. # في سنة 89 ~~(709) عزل الإسبان إمبراطورهم غيطشة # Witica # وولوا ~~آخيل # Achil ~~، ثم ~~في سنة 90 (710) عزلوه وولوا رودريق # Rodric # مكانه، فانقسمت ~~البلاد إلى حزبين: أحدهما مع آخيل، والثاني مع رودريق، ~~وتحالف جوليان مع حزب آخيل للقضاء على رودريق، كما كتب ~~إلى موسى بن نصير يستعين به، فرحب موسى بهذه الفكرة، ~~واستشار عبد الملك فتردد أولا ثم أذن له في الغزو، ~~وحذره من غدر جوليان، فأرسل موسى سنة 91 جيشا فيه ~~خمسمائة مقاتل بقيادة طريف بن مالك، فدخل طريف بعض ~~الثغور الجنوبية الأندلسية، وعاد وهو منصور. تشجع ~~الأمير على إتمام الغزو، فجيش جيشا مكونا من سبعة ~~آلاف، أكثره من البربر، لفتح الأندلس بقيادة مولاه ~~طارق، فعبر طارق البحر في سفن جوليان، ونزل بإقليم ~~البحيرة جنوبي إسبانيا، وكان رودريق مشغولا بحرب ~~آخيل، فلما علم رودريق بمقدمه جمع جموعه، وكانت تقرب ~~من مائة ألف مقاتل، ولقي طارقا، فتخوف من كثرة جيش ~~الكفر، فاستنجد بموسى، فأمده بخمسة آلاف جدد، والتقى ~~الجمعان على ضفاف وادي بكمة سنة 91 (9 تموز سنة 711)، ~~وكتب الله النصر لجنده. ومما ساعده على ذلك انضمام ~~ابني غيطشة إلى العرب، ثم أخذ طارق يفتح المدن، ~~فاستولى على إشبيلية وقرطبة وطليطلة، التي لم يبق ~~فيها إلا رجال الدين اليهود، ولما علم موسى بالفتح ~~طمع في أن يكون له نصيب في هذا الفتح المبين، فكتب إلى ~~طارق أن يتوقف ليحضر إليه، فلم يستمع طارق لقوله؛ لأن ~~في ذلك ضعضعة للموقف. # وفي سنة 93 (سنة 762م) قدم موسى ففتح ماردة، ms093 ثم ~~التقى بطارق فعاتبه وأنبه في سجنه، وعلم الخليفة بأمر ~~طارق، فكتب إلى موسى بإطلاقه، فأطلقه وسارا لإتمام ~~الفتح، فغنما إقليم «أرغونة» وقشتالة، وكتالونة، ~~وسرقسطة، وبرشلونة، حتى بلغا جبال البرانس في عهد ~~قصير، وتم لهم فتح الأندلس كلها، ولجأ أشراف الأندلس ~~إلى الجبال الشمالية الغربية، ولم تقف أطماع القائدين ~~عند هذا، وعزما على مواصلة الفتوح والوصول إلى ~~القسطنطينية عن طريق البر، وجعل البحر الأبيض المتوسط ~~بحرا عربيا، ولما بلغ ذلك الوليد طلب إليهما الكف ~~عن ذلك لما فيه من المغامرة، ثم إن الوليد طلب إلى ~~القائدين أن يجيئاه، فرحل موسى إلى دمشق بعد أن ولى ~~ابنه عبد العزيز على الأندلس، وبينما هو في الطريق بعث ~~إليه سليمان أخو الوليد أن يتأخر في الطريق فإن الوليد ~~مريض، وذلك طمعا في استئثاره بالغنائم والتحف، فلم ~~يلتفت موسى لقوله، واستمر في طريقه حتى دخل دمشق، ~~فحنق عليه سليمان وعزله حين تولى الأمر، وما إن دخل ~~حتى مات الخليفة. ~~(4) أعمال جليلة في عهده # توسيع مسجد الرسول # صلى الله عليه وسلم # كان الوليد مغرما بالعمران وإشادة المساجد والأماكن ~~العامة؛ ففي سنة 88 بعث الوليد إلى عامله على المدينة ~~عمر بن عبد العزيز، يأمره بإدخال حجر أزواج الرسول في ~~المسجد، وأن يشتري ما في نواحيه حتى يكون مائتي ذراع ~~في مائتين، ويقول له: أن قدم القبلة إن قدرت، وأنت ~~تقدر لمكان أخوالك، وأنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم ~~فقوموا ملكه قيمة عدل، واهدم عليهم، وادفع الأثمان ~~إليهم، فإن لك في عمر وعثمان أسوة حسنة. فأحضرهم عمر، ~~وأقرأهم الكتاب فأجابوه إلى الثمن، فأعطاهم ~~إياه. # وبعث ملك الروم إلى الوليد من الفسيفساء أربعين ~~حملا وعمالا وذهبا، فبعث الوليد بذلك إلى عمر بن ~~عبد العزيز. روى الطبري عن محمد بن عمر، عن موسى بن ~~يعقوب، عن عمه قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يهدم ~~المسجد ومعه وجوه الناس: القاسم، وسالم، وأبو بكر بن ~~عبد الرحمن بن الحارث، وعبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة، وخارجة بن زيد، وعبد الله ms094 بن عبد الله بن عمر ~~يرونه أعلاما في المسجد ويقدرونه، ~~فأسسوا أساسه، وأول ~~ما هدموا بيوت أزواج النبي في صفر سنة 88 حتى قدم ~~الفعلة الذين بعث بهم الوليد، وبعث الوليد إلى ملك ~~الروم يعلمه أنه أمر بهدم مسجد رسول الله، وأن يعينه ~~فيه، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهب، وبعث إليه بمائة ~~عامل، وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين حملا، وأمر أن ~~يتتبع الفسيفساء في المدائن التي خربت، فبعث بها إلى ~~الوليد، وأرسلها إلى المدينة. # 8 # في سنة 91 قدم ~~الوليد إلى الحجاز فحج بالناس، ثم قصد مسجد النبي # صلى الله عليه وسلم # فأخرج الناس منه، وبقي سعيد بن المسيب ما ~~يجترئ أحد من الحرس أن يخرجه، وما عليه إلا ريطتان ~~ما تساويان إلا خمسة دراهم في مصلاه، فقيل له: لو ~~قمت! قال: والله لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم ~~فيه. قيل: فلو سلمت على أمير المؤمنين؟ قال: والله ~~لا أقوم إليه. # قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالخليفة في ~~ناحية المسجد رجاء ألا يرى سعيدا حتى يقوم، فحانت ~~من الوليد نظرة إلى القبلة فقال: من ذلك الجالس؟ أهو ~~الشيخ سعيد بن المسيب؟ فجعل عمر يقول: نعم يا أمير ~~المؤمنين، ومن حاله ومن حاله، ولو علم بمكانك لقام ~~إليك، وهو ضعيف البصر. # قال الوليد: قد علمت حاله، ونحن نأتيه، فدار في ~~المسجد حتى أتى القبر، ثم أتى سعيدا فقال: كيف أنت ~~أيها الشيخ؟ فوالله ما تحرك سعيد، ولا قام. فقال: بخير ~~والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله؟ # قال الوليد: خير والحمد لله. فانصرف وهو يقول لعمر: ~~هذا بقية الناس. ثم إنه قسم بالمدينة رقيقا كثيرا ~~عجما بين الناس، وآنية من ذهب وفضة وأموالا، وطاف ~~بالناس على قبر رسول الله، وقد صف له الجند صفين من ~~المنبر إلى جدار مؤخر المسجد، وقدم بطيب مسجد النبي ~~ومجمرة وبكسوة الكعبة، فنشرت وعلقت على حبال في ~~المسجد من ديباج حسن لم ير مثيله. # 9 # بناء مسجد دمشق # تولى الوليد وجامع ms095 دمشق الأعظم مجاور للكتدرائية ~~العظمى، فعزم الوليد على توسيع الجامع، فطلب من ~~النصارى إعطاءه نصف الكنيسة الذي بأيديهم على أن يبني ~~لهم كنيسة حيث شاءوا، فأبوا ذلك ثم رضوا فهدمها، وبدأ ~~الهدم بنفسه في سنة 86، وشرع في البناء سنة 87، وأقام ~~فيما بنى سبع سنين، فمات الوليد ولم يتم فأتمه سليمان. # 10 # قال ابن عساكر: لما أراد الوليد بناء مسجد ~~دمشق احتاج إلى صناع ~~كثيرين، فكتب إلى ~~الطاغية أن وجه إلي بمائة صانع من صناع الروم، ~~فإني أريد أن أبني مسجدا لم يبن من مضى قبلي، ولا ~~يكون بعدي، مثله، فإن أنت لم تفعل غزوتك بالجيوش، ~~وخربت الكنائس التي في بلدي، وكنيسة بيت المقدس، ~~وكنيسة الرها وسائر آثار الروم، فكتب إليه: والله لئن ~~كان أبوك فهمها فأغفل عنها فإنها لوصمة عليك، ولئن كنت ~~فهمتها وغابت عن أبيك فإنها لوصمة عليك، وأنا موجه لك ~~بما سألت. فأراد أن يعمل له جوابا، فجلس له عقلاء ~~الرجال في حظيرة الرجال يفكرون، فدخل عليهم الفرزدق ~~فقال: ما بال الناس؟ فقيل له: السبب كيت وكيت. فقال: ~~أنا أجيبه من كتاب الله؛ قال الله تعالى: # ففهمناها سليمان ~~وكلا آتينا حكما وعلما ~~، ~~فسري عنهم. وفي ذلك قال الفرزدق: # فرقت بين النصارى في ~~كنائسهم # والعابدين من الأسمار ~~والعتم # وهم جميعا إذا صلوا ~~وأوجههم # شتى، إذا سجدوا لله ~~والصنم # وكيف يجتمع الناقوس يضربه # أهل الصليب له القراء لم ~~تنم # فهمك الله تحويلا لبيعتهم # عن مسجد فيه يتلى أطيب ~~الكلم # فهمت تحويلها عنهم كما ~~فهما # إذ يحكمان له في الحرث ~~والغنم # وداود والملك المهدي إذ ~~جزءا # ولادها واجتزاز الصوف ~~بالجلم # والله ما من أب في الناس ~~نعلمه # خير بنين ولا خير من الحكم # 11 # وقال أبو قصي: أنفق على المسجد أربعمائة صندوق، في ~~كل صندوق أربعة عشر ألف دينار # 12 # حتى قال الناس لما أخذ في تزويقه وبنائه ~~وعظم مؤنته: أينفق أموالنا ويتلف ما في بيوت أموالنا ~~في نقش الخشب وتزويق الحيطان! فصعد المنبر، فحمد الله ~~وأثنى عليه وقال: بلغني مقالكم، ms096 وليس الأمر على ما ~~ظننتم، ألا وإني أمرت بإحصاء ما في بيوتكم من المال، ~~فأصبت فيه عطاءكم ست عشرة سنة مقبلة من يومي هذا. ثم نزل. # 13 # وقد تأنق في البناء تأنقا غالى فيه، فجعل ~~أرض الجامع مفروشة بالفصوص المزمكة بالذهب المسماة ~~بالفسيفساء، وإن الرخام كان في جدرانه سبع وزرات، ومن ~~فوقه صفات البلاد والقرى، وما فيها من العجائب ~~مصورة بالفسيفساء، والكعبة المشرفة وضع صورتها فوق ~~المحراب، ثم فرق صور البلاد يمينا وشمالا، وجعل ~~سلاسل المصابيح من نحاس محلى بالذهب، وجعل في محراب ~~الصحابة درة لا تقوم، كانت إذا أطفئت المصابيح يقوم ~~نورها مكانها، وبنى مغارة العروس والمقاصير الضخمة ~~المحملات، وفرشه بأغلى الفرش، وزينه أحسن تزيين حتى ~~صار من أعاجيب الدنيا. # أعمال عمرانية أخرى # كان الوليد عند أهل الشام أفضل خلفائهم، بنى ~~المساجد: مسجد دمشق ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، ~~ووضع المنابر، وأعطى الناس وأعطى المجذومين وقال: لا ~~تسألوا الناس. وأعطى كل مقعد خادما وكل ضرير قائدا. # 14 # قال الأستاذ كرد علي: وكانت أيامه من أبرك أيام بني ~~أمية، عمر الجوامع، وكتب إلى جميع البلاد بهدم ~~المساجد والزيادة فيها، وتسهيل الطرق، وبث في الأمة ~~روح العمران، فكان الناس إذا التقوا في زمانه يسأل ~~بعضهم بعضا عن الأبنية والعمارات في كل مكان، وكان ~~أول من عمل أعمالا جسيمة ابتدعها في الصدقات ~~والقربات. هذا مع أن الخراج انكسر في أيامه، فلم يحمل ~~كثير شيء من العراق وغيره، فاضطر إلى إحصاء أهل ~~الديوان، وألقى منهم بشرا كثيرا بلغت عدتهم عشرين ~~ألفا، والحق أنه كان شديد الاهتمام بالعمران والقيام ~~بمصالح الأمة، وتفقد أحوال العجزة والمساكين. وهو ~~أول من شاد البيمارستان في الإسلام وبنى دور المرضى ~~للمجذومين، وأجرى الأرزاق على العميان والمرضى، ~~والقراء والفقهاء وقوام المساجد، وأقام طعمة ~~رمضان، وغير ذلك من أعمال الخير والبر. # 15 ~~(5) خاتمته ومناقبه # مات الوليد في دير مران للنصف الثاني من جمادى الثانية ~~سنة 96، وله من العمر 42 سنة ونصف، وكانت خلافته تسع سنين ~~وسبعة أشهر، ودفن خارج ~~الباب الصغير، وصلى ms097 عليه عمر بن عبد العزيز، وكان الوليد ~~من محاسن الخلفاء كما رأينا؛ لما سهل الله على يديه من ~~الفتح، ولما تم على يديه من العمران وضروب ~~الإصلاح. ~~(6) كبار الرجال في عهده # لمع اسم نفر من كبار رجال الإسلام في عصره نذكر ~~منهم: ~~(1) # سعيد بن جبير الأسدي الكوفي (45-95) حبشي ~~الأصل، تابعي جليل عالم، بل هو أعلم التابعين، ~~أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر، وكان مع علمه ~~ودينه بارعا بالشطرنج، ولما خرج عبد الرحمن ~~بن الأشعث على عبد الملك والحجاج، انضم إليه ~~سعيد لتألمه من سيرة الحجاج وبطشه، فلما ~~قتل عبد الرحمن ذهب إلى مكة، فقبض عليه ~~أميرها خالد القسري، وبعثه إلى الحجاج فقتله. ~~قال أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيدا، وما أحد ~~على وجه الأرض إلا وهو مفتقر إلى علمه. # 16 ~~(2) # سعيد بن المسيب (13-94) المخزومي القرشي، ~~سيد التابعين وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ~~جمع بين الزهد والورع والدين والعلم والفقه ~~والحرمة والنبل، وكان يعيش من التجارة، لا ~~يأخذ عطاء على علمه، وكان أحفظ الناس لأقضية ~~عمر حتى سمي راوية عمر. # 17 ~~(3) # يزيد بن المهلب بن أبي صفرة (53-102) أمير ~~قائد شجاع جواد، تولى خراسان سنة 83 بعد ~~أبيه، فمكث إلى سنة 89، ثم عزله عبد الملك ~~خوفا منه، ثم حبسه الحجاج فهرب إلى الشام، ~~فبقي في عهد الوليد بدمشق إلى أن مات الخليفة، ~~ثم في عهد سليمان ولاه خراسان، وافتتح جرجان ~~وطبرستان، ولما ولي عمر بن عبد العزيز عزله ~~فحبسه بحلب، ولما مات عمر وثب غلمان يزيد ~~فاستنقذوه، وسار إلى البصرة فغلب عليها، ونشب ~~بينه وبين مسلمة بن عبد الملك حروب انتهت ~~بقتله. ~~(4) # خالد بن عبد الله بن يزيد القسري (؟-126) ~~أمير العراقين، الخطيب الجواد، ولي مكة سنة 89 ~~للوليد، ولي العراق لهشام إلى سنة 120، وكان ~~يرمى بالزندقة، قتل بالحيرة. # 18 ~~(5) # موسى بن نصير اللخمي (؟-97) كان أبوه من أهل ~~الحجاز، واتخذه معاوية قائد جيشه، ونشأ موسى ~~في خدمة بني أمية، بعثه الوليد واليا على ~~إفريقية سنة 88، واستطاع أن ينشر الإسلام في ms098 ~~إفريقية، وفي زمنه تم للمسلمين فتح ~~الأندلس. ~~(6) # طارق بن زياد (102) بربري أسلم على يد موسى ~~بن نصير، اتخذه موسى أميرا على طنجة سنة 89، ~~وعلى يديه تم فتح الأندلس. استدعاه الوليد إلى ~~الشام فقصدها مع موسى سنة 96، وخاتمة حياته ~~مجهولة. # الفصل الثالث # | سليمان بن عبد الملك # 96-99ه/715-717م ~~(1) أوليته # هو أبو أيوب سليمان بن عبد الملك بن مروان، وأمه ~~ولادة بنت العباس أم أخيه الوليد، وكان فصيحا بليغا ~~خطيبا معجبا بنفسه شرها، يأكل كل يوم مائة رطل، ولما حج ~~في سنة 97 وتوجه إلى الطائف أكل من رمانها 170 رمانة ~~وسلتين من الزبيب وجماجم وكلى كثيرة. ~~(2) خلافته # بويع في اليوم الذي مات فيه أخوه وهو بالرملة، أتته ~~البيعة هناك، فجاء القدس فدخلت عليه الوفود والأجناد ~~والقواد والوجهاء فبايعوه ، ولم ير وفادة أحسن منها، جلس ~~في قبة في صحن المسجد العمري، وقد بسطت له البسط والنمارق ~~عليها والكراسي، فجلس وأذن للناس في الجلوس على الكراسي ~~والموائد، وإلى جانبه الأموال والكسى وأواني الذهب والفضة ~~والدواوين، فيدخل وفد الجند، ويتقدم صاحبهم، ويتكلم عنهم ~~وعمن قدموا من عنده، فيقول: إن حال جندنا كذا، ومن حاجتهم ~~كذا، ومما يصلحهم كذا، فيأمر سليمان بذلك كله، ثم يقبل على ~~حاجته، فإن سأله زيادة في عطائه وبلاغا في شرف أمر ~~الكتاب، فما يطلب أحد شيئا إلا نوله مرامه. # 1 # ثم دخل دمشق في موكب حافل، فأول عمل عمله أنه ~~أبعد أعوان الحجاج من السلطة؛ عملا بنصيحة عمر بن عبد ~~العزيز. ~~(3) الحوادث الهامة في عهده # أول عمل قام به سليمان أنه أقصى جماعة الحجاج، فعزل ~~عثمان بن حيان عن المدينة وولاها أبا بكر بن محمد بن ~~حزم، ثم عزل يزيد بن أبي مسلم عن العراق وولاه يزيد بن ~~المهلب، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج، وأمره بقتل ~~بني عقيل وتعذيبهم، وهم أهل الحجاج بن يوسف، وأراد أن يعزل ~~قتيبة بن مسلم؛ لأنه من جماعة الحجاج، ولأنه كان قد وافق ~~الوليد على عزل سليمان من ولاية العهد، فأحس قتيبة بذلك، ~~وبعث ms099 إليه كتابا يهدده بالثورة فأقلع، ولكن قتيبة لم يأمن ~~أن يغدر به فخلعه، ودعا الجند إلى ذلك فأبوا أن يجيبوه، ~~ووقعت فتن كثيرة بين جنده، انتهت بقتله وقتل أهله وإخوانه، ~~فلما رأى بعض الخراسانيين ذلك قال للعرب: يا معشر العرب ~~قتلتم قتيبة، والله لو كان منا فمات لجعلناه في تابوت، ~~فكنا نستقي به ونستفتح به إذا غزونا، وما صنع أحد بخراسان ~~ما صنع قتيبة. # 2 # وقد كان قتل قتيبة مصيبة كبيرة سببتها العصبية ~~الجاهلية القبلية. وما إن بلغت أخبار قتل قتيبة مسامع ~~سليمان حتى جاءه سنة 97 خبر مقتل عبد العزيز بن موسى بن ~~نصير أمير الأندلس، وقيل إنه هو الذي أمر بقتله لما غضب ~~على أبيه موسى بن نصير، فلما قتل وجيء برأسه ووضع بين ~~يدي أبيه تجلد وقال: قتلتموه، وكان والله صواما ~~قواما. # ثم إن سليمان ولى الأندلس الحارث بن عبد الرحمن ~~الثقفي، كما عزل عبد الله بن موسى بن نصير عن إفريقية، ~~وولاها محمد بن يزيد القرشي. # وفي سنة 98 ولى يزيد بن المهلب بلاد المشرق، فذهب وفتح ~~بلاد جرجان وطبرستان. وفي تلك السنة نفذ سليمان مشروع أخيه ~~الوليد بغزو القسطنطينية لكنه فوجئ بالموت، فلما تولى أخوه ~~عزم أن ينفذ ذلك المشروع فأنفذ حملة كبيرة، وكان على الروم ~~الإمبراطور أناستاسياس الثاني، وعلى المسلمين مسلمة بن عبد ~~الملك، فلما التقى الجمعان دافع الروم عن بلادهم دفاعا ~~قويا، وحدث أن انضم إلى المسلمين أحد قادة الروم واسمه ~~«إليون» فأخذ المسلمون يتغلبون حتى بلغوا أسوار ~~القسطنطينية، وجاءهم الأسطول الإسلامي من دار، كادت ~~الدائرة تدور على الروم، فقالوا لإليون: إن جرفت هؤلاء ~~ملكناك علينا، فاحتال على مسلمة حتى جعله يتلف، ثم انضم ~~إليون إلى الروم، واستمر مسلمة في حصاره وهو في ضيق، فبلغت ~~الأخبار سليمان فأتى مرج دابق بالقرب من حلب يستطلع ~~الأخبار، وأدركته منيته هناك فبلغت هذه الأخبار جيش ~~المسلمين فاضطر إلى التراجع. ~~(4) خاتمته ومناقبه # لم يطل عهد سليمان في الخلافة أكثر من سنتين، ولما مرض ~~واشتد عليه المرض أراد ms100 أن يعهد لبعض بنيه وهو طفل، فقال له ~~رجاء بن حيوة: إن مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على ~~الناس الرجل الصالح، فقال سليمان: أنا أستخير الله وأنظر، ~~فمكث يوما أو اثنين، ثم قال: إنه عهد إلى عمر بن عبد ~~العزيز، فكتب عهده لعمر، ثم من بعده ليزيد بن عبد الملك، ~~وأخذ لهما البيعة من بني مروان والوجوه والقواد، ومات وكان ~~ذلك بمرج دابق سنة 99 للهجرة. # 3 # وكان سليمان نبيلا فصيحا، محا كثيرا من المظالم، ~~وأخرج كثيرا من المظلومين المسجونين بأمر الحجاج وصحابته، ~~وأعتق سبعين ألف مملوك ومملوكة وكساهم. ولو لم يكن له إلا ~~استخلاف عمر بن عبد العزيز لكفاه فخرا. ولكنه كان نهما ~~محبا للنساء، وهو أول من أفسد البلاط الأموي بمن أدخل ~~فيه من الخصيان والحشم. ~~(5) كبار الرجال في دولته ~~(1) # يزيد بن أبي مسلم دينار الثقفي أبو العلاء ~~(102)، من موالي ثقيف، واستكتبه الحجاج، ولما ~~احتضر جعله خلفه على العراق فأقره الوليد سنة 95، ~~ولما مات استخلف سليمان فعزله واستدعاه فكلمه، ~~وأعجبه عقله فاستبقاه عنده لعقله وحكمته، وبعثه في ~~سنة 101 وولاه إمارة إفريقية، فأتمر به أهلها ~~فقتلوه (ابن خلكان). ~~(2) # صالح بن عبد الرحمن التميمي بالولاء أبو الوليد ~~الكاتب (؟-90) من عقلاء الرجال وأفاضلهم، وهو أول ~~من حول كتابة دواوين الخراج من الفارسية إلى ~~العربية، اتصل بالحجاج لما ولي العراق، فاستكتبه ~~ثم قلده أمر الديوان، فنقله من الفارسية إلى ~~العربية سنة 78ه، ووضع اصطلاحات للكتاب والحساب، ~~فساروا عليها من بعده، حتى صار جميع كتاب العصر ~~عيالا عليه. قال عبد الحميد الكاتب: لله در صالح، ~~ما أعظم منته على الكتاب (الوزراء والكتاب، ~~للجهشياري). ~~(3) # الطرماح بن الحكم الطائي (؟-80) شاعر فحل، ~~نشأ بالشام، وانتقل إلى الكوفة، واعتنق مذهب ~~الشراة الأزارقة، واتصل بخالد بن عبد الله القسري، ~~فكان يكرمه ويستحسن قوله، وكان هجاء، جرت له ~~حوادث مع أكثر عصره، كان صديقا حميما للكميت، لا ~~يتفارقان. قال الجاحظ: كان قحطانيا عصبيا. # 4 ~~(4) # رؤبة بن العجاج التميمي (؟-145) راجز فصيح، لمع ~~نجمه في أيام سليمان، أقام ms101 بالبصرة، وأخذ عنه ~~أعيان اللغويين والشعراء، ومات في البادية. قال ~~فيه الخليل بن أحمد: دفنا يوم موته اللغة ~~والشعر والفصاحة. ~~(5) # قرة بن شريك العبسي (؟-96) أمير نبيل، قربه ~~سليمان بن عبد الملك، وولاه الوليد إمرة مصر، ~~وكان جبارا صلبا، تعاقد نحو مائة من الشراة ~~على قتله، فعلم بهم فقتلهم جميعا بالإسكندرية، ~~وهو باني جامع مصر، وقد أتقنه وزخرفه. ~~(6) # بشر بن صفوان الكلبي، من شجعان العرب وذوي الرأي ~~والحزم، كان من رجال بني أمية، قربه سليمان، ~~ولاه يزيد بن عبد الملك مصر في سنة 101، ثم أضاف ~~إليه إفريقية سنة 102ه، فأقام في القيروان، وله ~~أعمال عمرانية كثيرة، غزا صقلية وغيرها، ومات سنة ~~109ه. # الفصل الرابع # | عمر بن عبد العزيز # 99-101ه/717-720م ~~(1) أوليته # هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم القرشي ~~الأموي، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ~~وكان من فتيان أبي أمية عقلا ونبلا، تلقى العلم عن شيوخ ~~المدينة: أنس بن مالك، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن جعفر ~~بن أبي طالب، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وسعيد بن المسيب ~~وغيرهم، وبعثه أبوه إلى مصر ليتأدب بها، فكان يختلف إلى ~~عبد الله بن عبيد الله يسمع منه، ولما مات أبوه طلبه عمه ~~عبد الملك إلى دمشق، وزوجه ابنته فاطمة، وكان قبل ~~خلافته يبالغ في التنعم، ويفرط في الاختيال في المشية. # 1 # فلما استخلف زهد وترك كل ذلك، قال أنس بن ~~مالك: ما صليت خلف إمام أشبه برسول الله من هذا الفتى؛ عمر ~~بن عبد العزيز. ~~(2) خلافته # رأينا أنه لما مرض سليمان بن عبد الملك، قال له رجاء بن ~~حيوة - شيخ أهل الشام في عصره - أن استخلف عمر بن عبد ~~العزيز، فكتب سليمان عهده لعمر، ودعا أهل بيته وقال لهم: ~~بايعت لمن عهدت إليه في هذا الكتاب - ولم يسمه لهم - ~~فبايعوا، ولما مات سليمان جمع رجاء رجال بني أمية، وهو ~~يكتم موت الخليفة، وطلب إليهم أن يجددوا البيعة فجددوها، ~~ثم أعلم بموت سليمان وبخلافة عمر، فقبلوا ms102 كلهم إلا سعيد ~~وهشام ابنا عبد الملك، فإنهما أعلنا سخطهما، وأخذا يكيدان ~~لعمر. # ولي عمر الخلافة في صفر سنة 99، فسار بالناس سيرة ~~الخلفاء الراشدين عدلا وإنصافا ورأفة، حتى اعتبر ~~المسلمون والنصارى عهده عهدا ممتازا، وكان باكورة أعماله ~~أن ألغى سب الإمام علي بن أبي طالب من على المنابر أيام ~~الجمع، وكان ذلك سنة سيئة ابتدعها معاوية؛ ليقرر في ~~أنفس الناس أن بني هاشم لا حظ لهم في هذا الأمر، وأن ~~سيدهم الذي به يصولون وبفخره يفخرون، هذا حاله وهذا ~~مقداره، فيكون من ينتمي إليه ويدلي به عن الأمر أبعد، وعن ~~الوصول إليه أشحط وأنزع. # 2 # على أن الطالبيين من جانبهم كانوا يقنتون عقب ~~كل صلاة، ويلعنون أيضا بني أمية. # 3 # وأول عمل سياسي قام به عمر استدعاؤه الجيش من بلاد ~~الروم، فقد بلغه ما أصابهم هناك، وأمر مسلمة بن عبد الملك ~~أن يعود بمن معه من المسلمين، ووجه إليه خيلا وطعاما، ~~وحث الناس على معونتهم، ثم إنه عزل يزيد بن المهلب عن ~~العراق، وولى البصرة عدي بن أرطاة الفزاري، والكوفة عبد ~~الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وولى الجراح بن ~~عبد الله الحكمي على خراسان، وقام بإصلاحات كثيرة كانت ~~لخير الإسلام، وإن كانت قد أضرت بيت مال المسلمين، فقد رفع ~~الجزية عمن أسلم من أهل الذمة، وخفف الضرائب عن ~~المسلمين، وبخاصة عن الفرس الذين كانت بنو أمية ترهقهم، ~~وكان يقول لعماله: إن الله بعث محمدا # صلى الله عليه وسلم # هاديا ~~ولم يبعثه جابيا. # 4 ~~(3) الفتن والحوادث الكبرى في عهده # فتنة الخوارج # كان من نتائج سياسة اللين التي اتبعها أن ثارت بعض ~~العناصر التي كانت قابعة أيام بني أمية كالخوارج ~~والعباسيين؛ ففي سنة 100 خرج شوذب الخارجي - واسمه ~~بسطام اليشكري - في جوخى، فكتب إلى عامله على الكوفة ~~ألا يصيبهم بأذى إلا إذا سفكوا دما، أو أفسدوا في ~~الأرض، وكتب إلى بسطام يقول له: بلغني أنك خرجت غضبا ~~لله ولرسوله، ولست أولى بذلك مني، فهلم إلي ~~أناظرك، فإن كان الحق ms103 بأيدينا دخلت فيما دخل فيه ~~الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرك. فبعث إليه بسطام ~~رجلين، فقدما على عمر بخناجره، فقال لهما: ما أخرجكما ~~هذا المخرج؟ فقال أحدهما: ما نقمنا سيرتك؛ إنك ~~لتتحرى العدل والإحسان، فأخبرنا عن هذا الأمر، أعن ~~رضى من الناس ومشورة أم ابتززتم أمرهم؟ فقال عمر: ما ~~سألتهم الولاية عليهم ولا غلبتهم عليها، وأنتم ترون ~~الرضا بكل من عدل وأنصف، فإن خالفت الحق ورغبت عنه ~~فلا طاعة لي عليكم. ثم طال الجدل بينه وبينهما، وقد ~~حفظ لنا ابن الأثير محضر تلك الجلسة التي انتهت بأن ~~اقتنع أحد الرجلين، وبقي عند عمر، ولم يقبل الثاني ~~فذهب، وأخذ بسطام وجماعته يفسدون في الأرض، فبعث إليهم ~~عمر بن عبد العزيز، مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل ~~الشام، فأظهره الله عليهم. # 5 # ولكن عمر لم يلبث أن مات، فتمكن الخوارج ~~من أن يقووا أنفسهم، فسيطروا في مدة وجيزة على قسم ~~كبير من بلاد العراق والجزيرة، وقوي أمرهم في شمال إفريقية. # 6 # فتنة يزيد بن المهلب # رأينا أن عمر بن عبد العزيز عزل يزيد بن المهلب عن ~~ولاية العراق لما كان يبلغه عنه من عسف وظلم، وولى ~~الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن العدوي، وولى البصرة ~~عدي بن كعب، فثار يزيد وأتى واسطا، وجمع جموعه ~~للاستيلاء على البصرة، ولكن عدي استطاع أن يقبض عليه، ~~ويبعثه إلى عمر في دمشق، فلما دخل عليه سأله عن ~~الأموال التي أخذها من بيت المال فأنكرها، ثم حبسه ~~بحلب إلى أن مات عمر، فوثب على ابن يزيد فأخرجوه من ~~سجنه، وسار إلى البصرة، وغلب عليها إلى أن قتله مسلمة ~~بن عبد الملك (؟-102). # 7 # قوة الدعوة العباسية # استغل العباسيون والعلويون ميل عمر إلى السلم والأخذ ~~بالرأفة؛ ففي سنة 100 بعث محمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس دعاته إلى الآفاق، وسبب ذلك أن سليمان ~~بن عبد الملك كان استزار أبا هاشم عبد الله بن محمد ~~ابن الحنفية، فجاءه إلى دمشق، فرأى سليمان من علمه ms104 ~~وعقله وفصاحته ما حسده عليه وخافه على نفسه، فبعث إليه ~~من سمه في لبن، ولما أحس أبو هاشم بذلك قصد ~~الحميمة وفيها محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ~~فأعلمه بحاله، وأعلمه أن الشيعة في خراسان والعراق قد ~~بايعوا أبا هاشم، وأنه يعهد إليه بالأمر، فهوس محمد ~~بن علي بالأمر، وبعث غلامه ميسرة إلى العراق، ومحمد ~~بن خنيس وأبا عكرمة السراج المعروف بأبي محمد الصادق ~~وحيان العطار إلى خراسان، وأمرهم بالدعاء له وأهل ~~بيته، ثم إن أبا محمد الصادق اختار اثني عشر من رجال ~~الدعوة وسماهم نقباء وهم: سليمان بن كثير الخزاعي، ~~والقاسم بن مجاشع التميمي، وعمران بن إسماعيل المعيطي ~~مولاهم، ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق ~~الخزاعي، وعمرو بن أعين الخزاعي مولاهم، وشبل بن طهمان ~~الحنفي مولاهم، وعيسى بن أيمن الخزاعي مولاهم، كما ~~اختار سبعين رجلا غيرهم، وكتب إليهم محمد بن علي كتاب ~~الدعوة ؛ ليكون لهم مثالا وسيرة يسيرون بها. # 8 ~~(4) كبار رجال الدولة في عهده ~~(1) # القاضي ~~إياس بن معاوية المزني (122)، كان أحد أعاجيب ~~الدنيا فطنة وذكاء. قال الجاحظ: إياس من مفاخر ~~مضر، ومن مقدمي القضاة، كان صادق الحس، نقابا ~~عجيب الفراسة، ملهما وجيها عند الخلفاء، ولاه ~~عمر بن عبد العزيز قضاء البصرة ومات بواسط. ~~(2) # رجاء بن حيوة الكندي (؟-112)، شيخ أهل الشام في ~~علمه وورعه وعقله، كان واعظا فصيحا ملازما لعمر ~~بن عبد العزيز في عهدي الإمارة والخلافة. ~~(3) # الحسن بن يسار البصري (؟-110) إمام أهل البصرة، ~~وحبر الأمة الإسلامية وفقيهها، ولد بالمدينة ~~وشب في كنف علي، واستكتبه الربيع بن زياد والي ~~خراسان في عهد معاوية، ثم سكن البصرة، فعظمت ~~مكانته لدى أهلها. ~~قال الغزالي: ~~«كان الحسن أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، ~~وأقربهم هديا من الصحابة.» وكان غاية في الفصاحة، ~~وله مع الحجاج مواقف تدل على عقله وصلابته، ولما ~~ولي عمر كتب إليه: إني قد ابتليت بهذا الأمر، ~~فانظر إلي أعوانا يعينونني عليه، فأجابه ~~الحسن: «أما أبناء الدنيا فلا تريدهم، وأما أبناء ~~الآخرة فلا يريدونك، فاستعن بالله.» ~~(4) # طلحة بن ms105 عبد الملك بن مروان (؟-120)، أمير قائد ~~أموي، له فتوحات مشهورة في نواح كثيرة، وخاصة في ~~الروم، ولاه أخواه، الوليد وسليمان، وعمر قتال ~~الروم، وفي عهد أخيه يزيد ولي إمارة العراقين، ~~وأرمينية، مات بدمشق. ~~(5) # عدي بن أرطاة الفزاري (؟-102) أمير دمشقي عاقل ~~شجاع، ولاه عمر بن عبد العزيز إمارة البصرة سنة ~~99، فظل فيها إلى أن قتله معاوية بن يزيد بن ~~المهلب. ~~(6) # عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد (؟-115) وال ~~من أهل المدينة كان عالما ثقة في الحديث، ولاه ~~عمر على الكوفة فحسن إدارته. ~~(7) # أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي (؟-131) من ~~كبار المحدثين الفقهاء. قال الليث بن رافع: رأيت ~~أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب ثقة وعلم ~~وشعر وصرف. وكان سفيان بن عيينة يسميه أمير ~~المؤمنين في الحديث، وكان عمر يقربه، ويأخذ ~~بآرائه، ويسترشد بنصائحه. ~~(8) # الجراح بن عبد الله الحكمي (؟-112) أمير خراسان ~~الشجاع الشريف، ولاه إياها عمر، ثم عزله لشدته، ثم ~~ولاه يزيد بن عبد الملك أرمينية وأذربيجان، وغزا ~~الخزر، واستشهد غازيا بأردبيل، ورثاه كثير من ~~الشعراء. ~~(9) # أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ~~المخزومي القرشي (؟-94)، أحد الفقهاء السبعة ~~بالمدينة، كان من سادات التابعين، ويلقب براهب ~~قريش، وكان عمر يسمع له ويعمل بما يشير عليه ~~به. ~~(5) خاتمته ومناقبه # مرض عمر عشرين يوما في رجب سنة 101، وقيل إن بعض بني ~~أمية سموه لما شدد عليهم، وانتزع كثيرا مما في أيديهم. # 9 # ولما اشتد عليه المرض قيل له: لو تداويت؟ ~~فقال: لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها، نعم ~~المذهوب إليه ربي. ~~وكان موته بدير سمعان وقيل بخناصرة، ودفن بدير سمعان، ~~وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، وكان عمره تسعا وثلاثين ~~سنة وأشهرا، وقيل: بل كان عمره أربعين وأشهرا. # 10 # وقد رثاه جمهرة كبيرة من الشعراء ~~الفحول. # كان عمر من أعدل ~~الخلفاء، وكانت سيرته مضرب المثل في الإنصاف والرحمة، ~~أحبه العرب والعجم والروم، وقدروا مواهبه ومزاياه ~~الجليلة. روى ابن الأثير أنه كتب إلى سليمان بن أبي السري، ~~آمره على المشرق، أن ms106 اعمل خانات، فمن مر بك من المسلمين ~~فأقروه يوما وليلة، وتعهدوا دوابهم، ومن كانت بهم علة، ~~فأقروه يومين وليلتين، وإن كان منقطعا به فأبلغوه بلده، ~~فلما أتاه كتاب عمر قال أهل سمرقند: إن قتيبة ظلمنا وغدر ~~بنا، فأخذ بلادنا، وقد أظهر العدل والإنصاف، فأذن لنا ~~فليقدم وفد على أمير المؤمنين فأذن لهم، فوجهوا وفدا إلى ~~عمر، فكتب لهم إلى سليمان أن أهل سمرقند شكوا ظلما ~~وتحاملا من قتيبة عليهم، حتى أخرجهم من ديارهم، فإذا أتاك ~~كتابي، فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم، ~~فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا قبل أن يظهر عليهم ~~قتيبة. فأجلس لهم القاضي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم. # 11 # وكتب إلى عبد الحميد أميره على الكوفة: إن أهل الكوفة ~~أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله، وسنة خبيثة ~~سنها عليهم عمال السوء وإن قوام الدين العدل والإحسان، ~~فلا يكون شيء أهم إليك من نفسك، فلا تحملها قليلا من ~~الإثم، ولا تحمل خرابا على عامر، وخذ منه ما أطاق، وأصلحه ~~حتى يعمر، ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق ~~وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذن إلا وزن سبعة ليس لها آيين ~~ولا أجور الضرابين ولا هدية النوروز، ولا ثمن الصحف ولا ~~أجور الفيوج، ولا أجور البيوت، ولا دراهم النكاح، ولا خراج ~~على من أسلم. فاتبع في ذلك أمري، فإني قد وليتك من ذلك ما ~~ولاني الله، ولا تعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني ~~فيه، وانظر من أراد من الذرية أن يحج فعجل له مائة ليحج ~~بها، والسلام. # 12 # قال الطبري: ألحق عمر بن عبد العزيز ذراري الرجال الذين ~~في العطايا، أقرع بينهم، فمن أصابته القرعة جعله في ~~المائة، ومن لم تصبه القرعة ~~جعله في الأربعين، وقسم ~~في فقراء البصرة كل إنسان ثلاثة دراهم، فأعطى الزمنى ~~خمسين خمسين. # 13 # وقالت زوجته فاطمة: دخلت عليه وهو في مصلاه، ~~ودموعه تجري على لحيته، فقلت: أحدث شيء؟ # فقال: إني تفقدت أمر أمة محمد، فتفكرت في ms107 الفقير الجائع، ~~والمريض الضائع، والغازي، والمظلوم، المقهور، والغريب ~~الأمير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، ~~وأشباههم في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم ~~القيامة، وأن خصمي دونهم محمد # صلى الله عليه وسلم # فخشيت ألا تثبت ~~حجتي عند الخصومة، فرحمت نفسي فبكيت. # 14 # وقال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر أعوده، ~~فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لامرأته - وهي أخت مسلمة: اغسلوا ~~قميصه. فقالت: نفعل. # ثم دخلت ثانية، فوجدت القميص وسخا، فقلت لها، فقالت: ~~والله ما له غيره. # 15 # وكانت نفقته كل يوم درهمين. # 16 # هذه بعض مناقب عمر في الإصلاح والإدارة، وله مناقب أخرى ~~في العناية بالعلم وأهله، فقد نقل السيوطي عن ابن حجر: أن ~~أول ما دون الحديث النبوي في عهد عمر بن عبد العزيز، وأن ~~الذي بدأ بذلك شهاب الزهري مسلم بن مسلم بن عبيد الله ~~الإمام المحدث (؟-124)، وقال مالك في الموطأ: إن عمر بن ~~عبد العزيز كتب إلى أميره على المدينة أبي بكر بن محمد بن ~~عمر بن حزم الأنصاري القاضي الأمير، العالم في الحجاز: أن ~~انظر ما كان من حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وسنته، أو حديث ~~عمر، أو نحو هذا اكتبه لي، فإني قد خفت دروس العلم وذهاب العلماء. # 17 # وبذلك يكون عمر أول من أمر بالتدوين في ~~الإسلام، رحمه الله ورحم الشريف الرضي حين يقول ~~فيه: # يابن عبد العزيز لو بكت العي # ن فتى من أمية لبكيتك # غير أني أقول إنك قد طب # ت وإن لم يطب ولم يزك ~~بيتك # أنت نزهتنا عن السب والقذ # ف فلو أمكن الجزاء جزيتك # ولو انني رأيت قبرك لاستحييت # من أن أرى وما حييتك # دير سمعان لا أغبك غاد # خير ميت من آل مروان ميتك # الفصل الخامس # | يزيد بن عبد الملك # 101-105ه/720-724م ~~(1) أوليته # هو أبو خالد يزيد بن عبد الملك بن مروان، وأمه عاتكة بنت ~~يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. قال ابن الأثير (5: 25): ~~ولما احتضر عمر، قيل له اكتب إلى يزيد فأوصه ms108 بالأمة. قال: ~~لماذا أوصيه، إنه من بني عبد الملك. ثم كتب إليه: أما بعد، ~~فاتق يا يزيد الصرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة، ولا ~~تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير ~~إلى من لا يعذرك، والسلام. # وكان يزيد فتى شاعرا مرحا، يحب اللهو والمرح، اختلت ~~في أيامه أمور الدولة، وابتدأت أحوالها بالفساد. ~~(2) خلافته # تولى يزيد الخلافة بعد أخيه سليمان بن عبد الملك، فكان ~~أول عمل قام به أن نزع عن المدينة أميرها العالم أبا بكر ~~بن محمد بن عمرو بن حزم، وولاها عبد الرحمن بن الضحاك بن ~~قيس الفهري، ولم يلبث أن فوجئ بثورة الخوارج عليه، وعلى ~~رأسهم شوذب الذي ذكرنا قصته مع عمر بن عبد العزيز، فإنه ~~قال: إن الرجل الصالح قد مات. ودعا جماعته للقتال، فقتلوا ~~مقتلة كبيرة من أهل الكوفة وفتكوا بأهلها حتى خافوهم، ~~واستجار بمسلمة بن عبد الملك، فبعث إليهم عشرة آلاف وعلى ~~رأسهم سعيد بن عمرو ~~الحرشي، وكان فارسا، ~~فقال شوذب لأصحابه: من كان يريد الله فقد جاءته الشهادة، ~~ومن كان إنما خرج للدنيا فقد ذهبت الدنيا، وإنما البقاء في ~~الدار الآخرة، فكسروا غماد السيوف، وحملوا فكشفوا سعيدا ~~وأصحابه مرارا حتى خاف الفضيحة، فقال لأصحابه: يا أهل ~~الشام، يوما كأيامكم، فحملوا عليهم، فطحنوهم طحنا، ~~وقتلوا شوذب. # 1 # وما إن هدأت حركة الخوارج حتى ثار يزيد بن ~~المهلب بن أبي صفرة - الذي كان قد هرب من سجن حلب أيام عمر ~~- فدخل البصرة وجمع جموعا كثيرة، فجرت له معارك مع ~~عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعدي بن أرطاة أميري العراق من ~~قبل يزيد، وتمكن من أسر عدي بن أرطاة، ثم إن يزيد بعث ~~أخاه مسلمة بن عبد الملك في سبعين ألف مقاتل من أهل الشام ~~والجزيرة، فجرت بين الجانبين معارك مخيفة، انتهت بمقتل آل ~~المهلب، وأسر عدد من أهل بيته وتفرق جمعه، وسيطر مسلمة ~~بن عبد الملك على العراق، وأضاف إليه يزيد خراسان. وفي ~~أواخر عهد يزيد سنة 105 ثار عقفان الحروري ms109 ومعه ثمانون ~~رجلا، وأراد يزيد أن يبعث إليهم بجند، فقيل له إن قتل ~~اتخذ أصحابه هذه المنطقة دار هجرة لهم، والرأي أن نبعث إلى ~~كل رجل من أصحابه من يكلمه ويرده عنه، فبعث إليهم من كفاه أمرهم. # 2 # وبتلك السنة خرج مسعود بن أبي يزيد العبدي ~~زعيم خوارج اليمامة، فلقيه صاحبها سفيان بن عمرو العقيلي، ~~وجرت بين الطرفين معارك. # وفي تلك السنة ثار مصعب بن محمد الوالبي الخارجي ~~بالخورنق وقوي أمره، حتى بلغ الموصل، ومات يزيد وهم ~~أقوياء، إلى أن فتك بهم خالد القسري في عهد هشام. ~~(3) الغزو في عهده # في سنة 102 سار سعد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن ~~أبي العاص المعروف بسعيد خذينة - صهر مسلمة بن عبد الملك، ~~وأميره على خراسان - إلى غزو الترك، فغزاهم عند سمرقند، ~~وكادوا يفتكون به وبجنده، فاستطاع أن يخلص، فجمع جموعه ~~وسار حتى بلغ «بلخ» وغزا الصغد؛ لأنهم أعانوا الترك، وكانت ~~الحرب سجالا بين الجانبين، ولم يصنع المسلمون عملا يذكر؛ ~~لأن سعيدا كان رجلا مضعفا. # 3 # وفي تلك السنة غزا عمر بن هبيرة بلاد الروم من ناحية ~~أرمينية وهو على الجزيرة، فأسر منهم كثيرا، كما غزاهم ~~عباس بن الوليد بن عبد الملك فافتتح دلسة. # وفي سنة 103 عزل مسلمة بن عبد الملك عن خراسان والعراق ~~وتولاهما عمر بن هبيرة، فلما سمع بذلك خافوه لما سمعوا ~~عنه، فجمعوا إليه خراج بلادهم وأعلنوا طاعتهم. # 4 # وفي سنة 104 عزل عمر بن هبيرة سعيد خذينة عن خراسان، ~~وولاها سعيد بن عمرو الحرشي، وكان فتاكا، فقطع النهر وغزا ~~الصغد وأسر من أمرائهم عددا وغنم مغانم كثيرة # 5 # أصاب الواحد منها ثلاثمائة دينار، وكان عددهم ~~بضعة وثلاثين ألفا، وتسامع ملوك الأطراف بذلك، فقدموا ~~إليه خاضعين مصالحين، وكان هذا أعظم الفتوح التي جرت في ~~عهد يزيد. ~~(4) موته وبعض سيرته # كان يزيد فتى شديد العاطفة، أغرم غراما شديدا بجارية ~~رائعة الحسن هي حبابة التي ملأ اسمها وحبها وأخبارها كتب ~~الأدب والأغاني، وحدث أن ماتت، فجن جنونه، ووجد ms110 عليها ~~وجدا كثيرا، وخرج في تشييعها، فلم يقو على المشي ورجع، ~~فلزم بيته أسبوعا أو أسبوعين، هلك بعدها من السل، ولم ~~يأذن لأحد أن يدخل عليه خلال هذه المدة. وليزيد شعر كثير ~~فيها، وفي صاحبتها سلامة القس. # مات يزيد لخمس ليال بقين من شعبان بالبلقاء من أرض ~~دمشق، وله ثمان وثلاثون سنة، وقيل أربعون، بعد خلافة كانت ~~أربع سنين وأشهرا. # 6 # وصلى عليه الوليد ابنه وهو ابن خمس ~~عشرة. # وكان يزيد - كما قلنا - فتى ماجنا، يحب اللهو ويحيا ~~حياة الشعر والمجان، وقد كان الفرق شاسعا بين عهده وعهد ~~سلفه؛ فإنه عزل عمال عمر الصالحين، وأرجع سب الإمام علي ~~على المنابر، ولم يكن بالخليفة الذي تحمد سيرته في دولة ~~الحكم، وإن كانت أخباره وأشعاره وقصصه محمودة في دولة ~~الأدب. # وفي أيامه انقسم بنو أمية، وازداد النفور بينهم؛ فقد كان ~~أخوه هشام يكرهه لسوء سيرته، وينتقصه ويتمنى موته، فكان ~~إذا بلغ يزيد ذلك اشمأز، حتى إنه كتب إليه يوما: «أما ~~بعد، فقد بلغني استثقالك حياتي، واستبطاؤك موتي، ولعمري ~~إنك لواهي الجناح، أجذم الكف، وما استوجبت منك ما بلغني ~~عنك.» # فأجابه هشام: «أما بعد، فإن أمير المؤمنين متى فرغ سمعه ~~لقول أهل الشنآن وأعداء النعم، يوشك أن يقدح في فساد ~~دار البين، وتقطع الأرحام، وأمير المؤمنين بفضله وما جعله ~~الله أهلا له، أولى أن يتعهد ذنوب أهل الذنوب، فأما أنا ~~فمعاذ الله أن أستثقل حياتك، وأستبطئ وفاتك.» # فكتب إليه يزيد: «مغتفرون ما كان منك، ومكذبون ما بلغنا ~~عنك، واحفظ وصية عبد الملك أبينا وقوله لنا في ترك التباغي ~~والتخاذل، وما أمر به من إصلاح ذات البين، واجتماع ~~الأهواء؛ فهو خير لك وأملك بك، وإني لأكتب إليك، وأعلم أنك ~~كما قال الأول: # سنقطع في الدنيا كما قد قطعتني # يمينك، فانظر أي كف تبدل؟ # فإن لم تكن تنصف أخاك وجدته # على طرف الهجران إن كان يعقل» # 7 ~~(5) المشهورون في عهده ~~(1) # عبد الملك بن المهلب بن أبي صفرة (؟-102) من ~~شجعان العرب وأشرافهم، خرج على بني مروان ms111 مع أخيه ~~يزيد، وشهد الوقائع كلها في العراق والمشرق، ولما ~~قتل أخوه وتفرقت جموعهم، قاد الحملات، ثم قتل مع ~~أخيه المفضل على أبواب قندابيل بالسند. ~~(2) # عثمان بن حيان بن معبد المري (؟-105) وال غاز، ~~استعمله الوليد على المدينة سنة 93، وكان عنيفا، ~~فعزله سليمان سنة 96، وولاه يزيد في سنة 103 غزو ~~الصائفة. وفي سنة 104 غزا الروم أيضا وفتح قيصرة. # 8 ~~(3) # سعيد بن عمرو الحرشي (؟-110) من بني حريش بن ~~كعب بن ربيعة، كان من الأبطال الأتقياء، قتل شوذب ~~الخارجي، وفتك بمن معه سنة 101، وولاه عمر بن ~~هبيرة خراسان، ثم بلغ ابن هبيرة أنه يكاتب ~~الخليفة، ولا يعترف بإمارته فعزله، وكان عاقلا ~~نبيها، وصفه ابن هبيرة بأنه فارس قيس. ~~(4) # محمد بن مروان بن الحكم الأموي (؟-101) أمير ~~شجاع بطل، تولى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، ~~واشتهر بقوة البأس، حتى إن أخاه الخليفة عبد الملك ~~كان يحسده على ذلك. ~~(5) # إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي ~~(؟-132) أحد العشرة التابعين، كان فقيها ورعا ~~فاضلا، استعمله عمر بن عبد العزيز على أهل ~~إفريقية سنة 99، فهداهم للإسلام، ولمعت شهرته، ~~وكان من النبلاء الفقهاء الأجواد. ~~(6) # الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث المري ~~الدمشقي (؟-116) أمير خراسان، الجواد الممدوح، ~~ولاه يزيد وهشام إلى أن مات في خراسان. ~~(7) # سورة بن الحر التميمي (؟-112) أمير سمرقند، وأحد ~~شيوخ تميم، انتدبه الجنيد لنجدته وهو يقاتل الترك ~~فيما وراء النهر، فجاءه باثني عشر ألفا حتى ~~كشفهم، وكانوا قد أوقدوا نارا خلفهم، فلما أغار ~~سورة وأصحابه سقطوا في اللهب، فقتل مع ~~أكثرهم. ~~(8) # أشرس بن عبد الله السلمي (؟-113) أمير فاضل ~~شجاع، كان يلقب بالكامل، كان من رجال دولة يزيد ~~وهشام، تولى خراسان إلى سنة «؟»، غزا ~~سمرقند. ~~(9) # كثير بن عبد الرحمن الأسود الخزاعي (؟-105) ~~الشاعر المتيم بعزة، وفد على عبد الملك فازدرى ~~منظره إلى أن عرف فصاحته وقدره، لمع اسمه في دمشق، ~~وكان يزيد يحبه، ويعجب بأخباره وأدبه ~~وشعره. ~~(10) # ثابت قطنة بن كعب بن جابر العتكي (؟-110) قائد ~~جواد وشاعر مجيد، وشجاع نبيل، شهد وقائع خراسان ~~سنة 102، وأصيبت عينه، فجعل ms112 عليها قطنة عرف بها، ~~ولما غزا أشرس بن عبد الله بلاد سمرقند وما وراء ~~النهر، كان ثابت معه ووجهه بخيل إلى آمل، فقاتلهم ~~إلى أن قتل. ~~(11) # حبابة المغنية، جارية يزيد بن عبد الملك، من ~~مولدات المدينة، كانت حلوة ظريفة، حسنة الغناء ~~طيبة الصوت، ضاربة العود، كانت لآل لاحق المكيين، ~~أخذت عن ابن سريج وابن محرز ومعبد وجميلة وعزة ~~الميلاء. روى الأصفهاني في الأغاني 13: 148 أن ~~يزيد قال: ما تقر عيني مما أوتيت من الخلافة حتى ~~أشتري سلامة جارية مصعب بن سهل الزهري، وحبابة ~~جارية لاحق المكية. فأرسل فاشتريتا له. وأخبارها ~~كثيرة في الأغاني 13: 148-151. ~~(12) # سلامة المغنية: نشأت بالمدينة، وأخذت عن معبد ~~وابن عائشة وجميلة، وسميت بالقس، وهو لقب عبد ~~الرحمن بن أبي عمار الجشمي من قراء مكة ~~وعبادهم، شغف بها فعرفت به. اشتراها يزيد في ~~خلافته، وقيل في خلافة سليمان أخيه، وكانت أحسن ~~غناء من حبابة، وحبابة أحسن وجها، وكانت سلامة ~~تقول الشعر، وحبابة تتعاطاه فلا تحسنه، وكانت ~~سلامة من أحسن النساء غناء، وأروعهن شكلا، ولها ~~أخبار كثيرة في الأغاني 8: 5-13. # الفصل السادس # | هشام بن عبد الملك # 105-125ه/724-743م ~~(1) أوليته # هو أبو الوليد هشام بن عبد الملك بن مروان، وأمه عائشة ~~بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة ~~المخزومي، ولد سنة 72ه، فرباه أبوه أحسن تربية، فنشأ رجلا ~~عاقلا حليما عفيفا مدبرا سائسا، حتى شبه بمعاوية ~~وعبد الملك، وذكر المسعودي أن المنصور العباسي كان يقتدي ~~به في أكثر أموره وفي سياساته وتدبيره للدولة، وفي ~~إصلاحاته وتعميره للأرض والدولة واصطناع الرجال. ~~(2) خلافته # استخلف هشام لأربع ليال بقين من شعبان سنة 105، وله من ~~العمر أربع وثلاثين سنة ونصف، أتته الخلافة وهو في دويرة ~~له في الرصافة، فأتى دمشق، وفرح الناس باستخلافه؛ لما ~~عرف عنه من عقل وحكمة. # وأول أعماله عزله عمر بن هبيرة عن العراق، واستعماله ~~خالد بن عبد الله القسري؛ لما كان يبلغه عن عمر بن هبيرة ~~من قسوة وشدة على الناس، وقد جرت في عهد هشام حوادث كثيرة ms113 ~~أهمها ما يلي: # في سنة 105 غزا الجراح الحكمي بلاد اللان، حتى جاوز ~~مدائن وحصونا وراء بلنجر، ففتح وأصاب غنائم كثيرة، كما ~~غزا مسلم بن سعيد الكلابي أمير خراسان بلاد الترك، فلم ~~يفتح شيئا ورجع. # وفي سنة 106 قطع مسلم بن سعيد النهر، ولحق به جماعات ~~كثيرة من العرب، فوصل بلاد فرغانة، فدخلها وأوغل فيها إلى ~~أن صالحه أهلها. # وفي سنة 107 غزا عنبسة بن شحيم الكلبي عامل الأندلس ~~فرنسة في جمع كثير، ونازل مدينة قرقسونة فصالحه أهلها على ~~نصف أعمالهم، وعلى جميع ما في المدينة من أسرى المسلمين ~~وأسلابهم، وأن يعطوا الجزية، ويلتزموا بأحكام الذمة من ~~محاربة من حاربه المسلمون، ومسالمة من سالمه، فعاد عنهم، ~~وتوفي في شعبان من تلك السنة. # وفي سنة 108 قطع أسد بن عبد الله القسري أمير خراسان ~~النهر، وأتاه خاقان الترك، وغزا بلاد الختل والغور، وغنم، ~~وفيها غزا مسلمة بلاد الروم، ففتح قيسارية، وهي من أمهات ~~مدنهم وأكثرها تحصينا، كما غزا إبراهيم بن هشام الروم ~~ففتح عدة حصون لهم هناك. # وفي سنة 109 غزا عبد الله بن عقبة الفهري بلاد الروم في ~~البحر، ومعاوية بن هشام بالبر ففتح حصن طيبة. # وفي سنة 110 أرسل أشرس بن عبد الله السلمي إلى أهل ~~سمرقند والصغد وما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام، على أن ~~توضع عنهم الجزية، فقبلوا ودخلوا في الإسلام، فقل ~~الهزاج، فكتب أشرس إلى عامله عليهم: إنهم إنما أسلموا ~~تعوذا من الجزية، وإن في الخراج قوة للمسلمين، فانظر من ~~اختتن وأقام الفرائض، وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه. ~~فثار أهل البلاد وقالوا: أسلمنا وبنينا المساجد! وجرت بسبب ~~ذلك فتن. # وفي سنة 111 عزل أشرس بن عبد الله عن خراسان وتولاها ~~الجنيد بن عبد الرحمن المري، فسار إلى ما وراء النهر، ~~وقاتل الترك فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم إنهم كروا عليه ~~فكادوا أن يقتلوه، ثم أظهره الله عليهم قرب «رزمان» من ~~بلاد سمرقند، وأسر ابن أخي خاقانهم، وبعث به إلى ~~هشام. # وفي سنة 112 هاجم الجراح ms114 بن عبد الله الحكمي بلاد الخزر ~~فاجتمعوا عليه هم والترك من ناحية بلاد اللان، وتغلب ~~الترك، واستشهد الجراح ومن معه بمرج أردبيل، فطمع الخزر ~~ببلاد المسلمين، فدخلوها حتى قاربوا الموصل، وعظم الخطب ~~على المسلمين، ابن الأثير «5: 58»، وكان الجراح خيرا ~~فاضلا من عمال عمر بن عبد العزيز، ورثاه كثير من ~~الشعراء، وقيل كان قتله ببلنجر، ولما بلغ هشاما خبره، دعا ~~سعيدا الحرشي فقال له: بلغني أن الجراح انحاز عن ~~المشركين. # فقال: كلا يا أمير المؤمنين! الجراح أعرف بالله من أن ~~ينهزم، ولكنه قتل. # قال: فما رأيك؟ # قال: تبعثني على أربعين دابة من دواب البريد، ثم تبعث ~~إلي كل يوم أربعين رجلا، ثم اكتب إلى أمراء الأجناد ~~يوافونني. # فقبل ذلك هشام، وسار الحرشي، فكان لا يمر بمدينة إلا ~~ويستنهض أهلها، فيجيبه من يريد الجهاد، إلى أن وصل إلى ~~«أرزن»، فلقيه جماعة من أصحاب الجراح، وبكوا وبكى لبكائهم ~~وفرق فيهم نفقة، وردهم معه، ووصل إلى «خلاط» ففتحها، ثم ~~سار وفتح الحصون إلى أن وصل «برزعة»، وكان ابن خاقان ~~يومئذ بأذربيجان يغير وينهب، فهاجمه وفتك به وبمجموعه، ~~واستنقذ من بيده من أسرى المسلمين والمسلمات، وأخذ أولاد ~~الجراح فأكرمهم، ثم إن الترك جمعوا قواهم، وهاجموا ~~المسلمين فقتل منهم جماعة منهم سورة بن الحر، وحليس بن ~~غلب الشيباني، وغيرهما في وقعة الشعب، وفي تلك الوقعة يقول ~~نصر بن سيار: # 1 # إني نشأت وحسادي ذوو عدد # يا ذا المعارج لا تنقص لهم ~~عددا # أرمي العداة بأفراس مكلمة # حتى اتخذت على حسادهن ~~يدا # من ذا الذي منكم في الشعب إذ ~~وردوا # لم يتخذ حومة الأثقال ~~معتمدا # هلا شهدتم دفاعي عن جنودكم # وقع القنا وشهاب الحرب قد ~~وقدا # وفي سنة 113 غزا عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، أمير ~~الأندلس فرنسة، وأوغل في أرضهم وغنم، وكان فيما أصاب رجل ~~من ذهب مفصصة بالدر والياقوت والزمرد، فكسرها وقسمها في ~~المقاتلين. # وفي سنة 114 غزا عبد الرحمن الغافقي بلاد فرنسة، فقتل ~~هناك شهيدا مبرورا، وفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة ~~اليسرى ms115 ببلاد الروم، وغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى ~~فبلغ قيسارية. # وفي سنة 115 غزا معاوية بن هشام بلاد الروم، وغزا عبد ~~الملك بن قطن - عامل الأندلس - أرض البشكنس، وعاد سالما ~~ناجيا بنفسه. # وفي سنة 117 استعمل هشام عبيد الله بن الحجاب على ~~إفريقية والأندلس، وأمره أن يسير إليها لفوره، ولما وصلها ~~استعمل على الأندلس عقبة بن الحجاج، واستعمل على طنجة ابنه ~~إسماعيل، وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع غازيا ~~إلى المغرب، فبلغ السوس الأقصى وأرض السودان، فظهر عليهم، ~~وأصاب من السبي والغنائم أمرا عظيما، فملئ أهل المغرب ~~منه رعبا ورجع سالما، فسير جيشا في البحر إلى جزيرة ~~سردينية ففتح منها وغنم، ثم بعث بعثا إلى صقلية في سنة ~~122، فغنم وصالحه أهلها على الجزية. # وفي سنة 119 غزا أسد بن عبد الله الختل، فافتتح قلعة ~~زغرزك، وسار إلى خداش، وملأ يديه من السبي والشاء، وكان ~~الجيش الختلي قد هرب إلى الصين، وفيها لقي أسد خاقان - ~~صاحب الترك - فقتله وقتل بشرا كثيرا، وغنم أسد غنائم ~~كثيرة وسبى. # 2 ~~(3) العلويون في عصره # كان هشام غليظا شديدا، عامل آل علي معاملة قاسية ~~فثاروا عليه؛ ففي سنة 121 خرج زيد بن علي بن زين العابدين ~~بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان يحدث نفسه بالخلافة، ~~ويرى أنه أحق بها من الأمويين، وكان يقيم في الكوفة، تفقه ~~على واصل بن عطاء رأس المعتزلة، واقتبس منه الاعتزال، وكان ~~قوي الإيمان بنفسه، شديد الحماسة على المبطلين المخالفين ~~لعقيدته، داعيا إلى الكتاب والسنة وجهاد الظالمين، والدفع ~~عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، والعدل في قسمة الفيء، ~~ورد المظالم، ونصر أهل البيت وإعطائهم حقوقهم في الخلافة ~~وغيرها. # وقد ذكر المسعودي أن زيدا دخل على هشام؛ فلم يحفل به، ~~فجلس حيث انتهى به المجلس فقال: يا أمير المؤمنين، ليس أحد ~~يكبر عن تقوى الله، ولا يصغر دون تقوى الله، فانتهره هشام ~~وقال له: أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة وأنت ابن أمة! # 3 # واتهمه هشام بوديعه لخالد بن عبد ms116 الله القسري ~~أمير الكوفة من قبل، فبعث به إلى يوسف بن عمر أمير الكوفة ~~في ذلك الوقت، فاستحلفه، فحلف أنه ليس عنده مال لخالد، ~~فخلى سبيله. # 4 # فخرج زيد وتوجه إلى المدينة، فتبعه أهل الكوفة ~~وقالوا: أين تذهب يرحمك الله ومعك مائة ألف سيف، نضرب بها ~~دونك، وليس عندنا من بني أمية إلا نفر قليل؟ # فقال: إني أخاف غدركم، فأنتم فعلتم بجدي الحسين ما ~~فعلتم. فلم يزالوا يحلفون له حتى ردوه، فلما رجع إلى ~~الكوفة، وأقبل أهلها يبايعونه حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ~~ألفا من أهل الكوفة، سوى أهل المدائن والبصرة وواسط ~~والموصل وخراسان والري وجرجان والجزيرة، وأقاموا بالكوفة ~~شهورا، ولما تمت له البيعة وخفقت على رأسه الألوية خطب ~~جماعته فقال: «الحمد لله الذي أكمل ديني، والله إني كنت ~~أستحي من رسول الله أن أرد عليه الحوض غدا، ولم آمر في ~~أمته بمعروف، ولم أنه عن منكر.» # 5 # وجمع جموعه فبعث هشام إلى أميره يوسف بن عمر ~~الثقفي أن يقاتله، فعبى كل منهما أصحابه، والتقى ~~الفريقان، وجرى قتال شديد، فتفوق أصحاب زيد، وخذلوه، فأبلى ~~هو وشرذمة قليلة، وأصابه سهم في جبينه فقتله، فحفر له ~~أصحابه ساقية ودفنوه فيها، وأجروا الماء على قبره خوفا أن ~~يمثلوا به ، ثم إن يوسف عرف قبره فنبشه وأخرجه فصلبه، ~~وبعث برأسه إلى دمشق فصلب، وبقي جسمه مدة ثم أحرقه وذراه. ~~وفي أيامه انبث دعاة بني علي وبني العباس وتحركت الشيعة. # 6 # وكان زيدا إماما فاضلا عاقلا. وقد عثر ~~المجمع العلمي في ميلانو منذ مدة على كتاب زيد في الفقه ~~فطبعه، وهو أقدم كتاب في الفقه عثر عليه، وإلى الإمام ~~زيد هذا تنتسب الفرقة الزيدية من فرق الشيعة. # 7 # وفيه يقول السيد الحميري: # بت ليلا مسهدا # ساهر العين مقصدا # لعن الله حوشبا # وخراشا ومزيدا # ويزيدا فإنه # كان أعتى وأعتدا # إنهم حاربوا الإل # ه وآذوا محمدا ~~(4) العباسيون في عصره # في زمن هشام اشتد العباسيون في دعوتهم بخراسان، وكان ~~زعيم الحركة بكير بن ماهان؛ ففي سنة 118، وجه بكير ms117 عمار ~~بن يسار إلى خراسان واليا على شيعة بني العباس، فنزل مرو ~~وغير اسمه وتسمى بخداش، ودعا إلى محمد بن علي، فدخل ~~الناس في الدعوة، وأخذت الشيعة العباسية تقوى في الخفاء في ~~خراسان، إلى أن جاء أبو مسلم الخراساني عبد الرحمن بن مسلم ~~فاتصل بإبراهيم الإمام، فأرسله إلى خراسان رئيسا للشيعة ~~العباسية، كما كتب إبراهيم إلى سلمة الخلال داعيته في ~~الكوفة يعلمه أنه أرسل أبا مسلم، وكان وصول أبي مسلم إلى ~~خراسان سنة 124 بكثير، وأخذ من ذلك الحين يعمل في الخفاء ~~إلى أن أعلن الدعوة سنة 132. # 8 ~~(5) أصحاب المقالات في عصره ~~(1) # قوي أمر أهل المقالات، فظهر منهم المغيرة بن ~~سعيد بظاهر الكوفة في إمارة خالد بن عبد الله ~~القسري، وكان يقول: «لو أنني أردت أن أحيي عادا ~~وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا لأحييتهم.» وكان ~~مجسما يقول: «إن الله على صورة رجل على رأسه تاج، ~~وأعضاء على عدد حروف الهجاء.» # ويزعم أن ~~الله تعالى لما أراد أن يخلق الخلق تكلم باسمه ~~الأعظم فطار، فوقع على تاجه، ثم كتب بأصبعه على ~~كفه أعمال عباده من المعاصي والطاعات، فلما رأى ~~المعاصي ارفض عرقا، فاجتمع من عرقه بحران: ~~أحدهما ملح مظلم، والآخر عذب منير، ثم ينظر إلى ~~البحر فرأى ظله، فذهب ليأخذه فطار ، فأدركه فقلع ~~عيني ذلك الظل ومحقه، فخلق من عينيه الشمس وسماء ~~أخرى، وخلق من البحر الملح الكفار، ومن البحر ~~العذب المؤمنين. وكان يقول بإلهية علي وتكفير أبي ~~بكر وعمر وسائر الصحابة إلا من ثبت مع ~~علي. # وكان يقول: إن الأنبياء لم يختلفوا في شيء من ~~الشرائع، وكان يقول بتحريم ماء الفرات وكل نهر ~~وعين أو بئر وقعت فيه نجاسة. وقد ظفر به خالد ~~القسري فأحرقه وأصحابه. # 9 ~~(2) # في تلك السنة ظهر بهلول بن بشر الشيباني، ~~الملقب بكثارة، وكان معه أربعون شخصا، اتفقوا ~~على قتل خالد القسري؛ لأنه يهدم المساجد ويبني ~~الكنائس، ويولي المجوس على المسلمين، وينكح أهل ~~الذمة المسلمات. وخرج إليه خالد وجماعته من جند ~~أهل الشاميين، ففتك بهلول وجماعته ms118 بالشاميين، ثم ~~إن خالدا بعث إليهم بجيش كثيف، فحاصرهم في دير ~~قرب الموصل، وأظهر الخوارج من البطولة ضروبا ~~رائعة إلى أن قتل بهلول، فظل أصحابه يقاتلون حتى ~~قتلوا عن آخرهم إلا واحدا أخذوه إلى خالد، فلما ~~دخل عليه أخذ يعظه ويتلو عليه آي القرآن، فأعجب ~~خالد به، وأمسك عن قتله وحبسه عنده، وكان يبعث ~~إليه في الليالي، فيؤتى به فيحادثه ويسائله، فبلغ ~~ذلك هشاما الخليفة، فعاتبه وأمره بإحراقه. ~~(3) # المرجئة: كانت الفرق الإسلامية في العهد الأموي ~~ثلاثة طوائف: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، أما ~~الشيعة فقد كانوا «ملكيين»، يعتقدون أن الخلافة في ~~علي وآله لا غير، وأن من أخذها غيرهم فهو ~~مغتصب. وأما الخوارج «فجمهوريون»، يعتقدون أن ~~الخلافة للمسلمين، يضعونها حيث يشاءون، وحيث يرون ~~مصلحة الإسلام وأهله. وأما المرجئة فطائفة قالت: ~~نحن نرجئ أمر عصاة المسلمين إلى يوم البعث ولا ~~نكفر أحدا نطق بالشهادتين مهما أذنب، وقد أخذوا ~~اسمهم من قوله تعالى: # وآخرون مرجون لأمر الله إما ~~يعذبهم وإما يتوب ~~عليهم ~~. # 10 # وقد غالى بعض المرجئة في نظريته فقال: ~~إن الإيمان عقد بالقلب، وإن أعلن الكفر بلسانه بلا ~~تقية، وعبد الأصنام، أو لزم اليهودية، أو ~~النصرانية، أو المجوسية # 11 # في دار الإسلام أو عبد الصليب، ومن ~~مات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان. # وقد قوي أمر هؤلاء في العصر الأموي، لا لأن ~~الأمويين كانوا يشجعون هذه الحركة كما يذهب إليه ~~المستشرقون مثل جولد تسيهر # 12 # وبراون. # 13 # وإنما لأن الأمويين كانوا لا يريدون ~~التضييق على الناس في عقائدهم، ولا يرون أن تحرم ~~الدولة من مزايا رعاياها من غير المسلمين من نصارى ~~أو يهود أو مجوس في الشئون الإدارية، أو المالية، ~~أو الأدبية، أو الطبية. ~~(6) مشاهير الرجال في دولته ~~(1) # عنبسة بن سحيم الكلبي (؟-107) من الغزاة ~~الفاتحين الشجعان، ولاه هشام بن عبد الملك سنة ~~103، وأوغل في غزو فرنسة، فافتتح قرقسونة # Carcassonne # صلحا بعد أن حاصرها مدة، ودامت ولايته إلى أن ~~توفي. ~~(2) # عبد الرحمن بن عبد الله بن بشر الغافقي (؟-114) ~~القائد البطل الشجاع، ولاه موسى بن ms119 نصير قيادة ~~الأندلس الشرقية، ثم ولاه هشام سنة 112 إمارة ~~الأندلس، فزار أقاليمها كلها، وتأهب لفتح بلاد ~~الغال (الأرض الكبيرة) أو فرنسة، فاستولى على ~~بوردو، ودحر جيوش شارل مارتل، ولكن شارل تمكن ~~من رده وقتله. ~~(3) # عبد الملك بن قطن الفهري (؟-123) أمير فاتح ~~شجاع، تولى الأندلس سنة 114 بعد مقتل الغافقي، ~~وأقام يغزو كل عام، فافتتح «جليقية»، ثم عزله ابن ~~الحجاب أمير إفريقية سنة 117، وولى عقبة بن ~~الحجاج، فلم يخرج الفهري منها، وبقي إلى أن توفي ~~عقبة سنة 123، فنادى به أهل الأندلس أميرا عليها، ~~فأحسن الإدارة، وجاءه بلج بن بشر ضيفا فأكرمه، ~~وخاف بقاءه، فدعاه إلى الخروج بعد مدة، فثار عليه ~~بلج فقتله، واستولى على الإمارة بعده. ~~(4) # الحارث بن سريج التميمي (؟-128) ثائر نبيل متدين ~~من وجوه بني تميم، سكن خراسان، وثار على بني أمية ~~في عهد هشام، ودعا إلى الكتاب والسنة والبيعة ~~للرضي، وصار إلى الفارياب ومنها إلى بلخ فقاتله ~~أميرها، فهزمه الحارث ودخلها، ثم استولى على ~~الجوزجان والطالقان ومرو الروذ، وعظم أمره حتى بلغ ~~جيشه الستين ألفا، ثم كاتبه نصر بن سيار، وبعث ~~إليه أمان الخليفة، فعاد إلى مرو سنة 127، ولكنه ~~لم يتحمل رؤية الظلم والظالمين، فخرج ثائرا ثانية ~~فقتله نصر بن سيار. ~~(5) # أسد بن عبد الله القسري (؟-120) أمير جواد شجاع، ~~ولد بدمشق، ولاه أخوه خالد بن عبد الله على خراسان ~~سنة 108، وفي أيامه جاشت الترك بخراسان، حتى أتوا ~~مرو الروذ، فسار إليهم أسد، فكانت له معهم وقائع ~~انتهت بفشلهم. ~~(6) # نصر بن سيار الكناني (؟-131) أمير شجاع داهية، ~~كان شيخ مصر بخراسان، تولى بلخ ثم خراسان سنة 120 ~~بعد وفاة أسد القسري في عهد هشام، غزا ما وراء ~~النهر، ففتح عدة حصون وأقام بمرو، وقويت الدعوة ~~العباسية في زمنه، فكتب إلى هشام يحذره فلم ~~يأبه لقوله، حتى تغلب أبو مسلم فسير إليه قحطب بن ~~شبيب، فانتقل نصر إلى قوس ومات سنة 131. ~~(7) # عقبة بن الحجاج السلولي (؟-123) أمير من أشراف ~~بني سلول، بعثه هشام بن عبد الملك إلى المغرب سنة ~~116، وبقي فيها إلى ms120 أن مات. ~~(7) موته ومناقبه # مات هشام لست ليال خلون من ربيع الآخر سنة 125 بداء ~~الذبحة، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأياما، ~~وهو ابن خمس وخمسين سنة، وكانت وفاته بالرصافة وبها ~~قبره. # وكان هشام من رجال بني أمية، حليما عفيفا مدبرا، ~~ولولا بخله وجبنه لكان من رجال الطبقة الأولى فيهم، وكان ~~يحب عمارة القصور، وإصلاح الأرض، واصطناع الرجال، وتحصين ~~الثغور، وإقامة الأقنية، وإشادة الجسور. قال الفخري: كان ~~غزير العقل، حليما عفيفا، واجتمع له من الأموال ما لم ~~يجتمع في خزانة أحد من ملوك بني أمية في الشام، وبنى ~~«رصافة هشام» على بعد أربعة فراسخ من الرقة ~~غربا. # الفصل السابع # | الوليد بن يزيد بن عبد الملك # 125-126ه/743-744م ~~(1) أوليته # هو الوليد الناقص بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، ~~وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفي، وهي بنت أخي ~~الحجاج بن يوسف، كان من فتيان بني أمية ظرفا ولهوا ~~ولعبا ومجونا وشعرا وجودا وشدة، ولكنه أسرف في ذلك حتى ~~كرهه الناس. ويقال: إن سبب انهماكه في اللهو هو مؤدبه عبد ~~الصمد بن عبد الأعلى ~~الشيباني، أخو عبد الله ~~بن عبد الأعلى الشيباني؛ فقد كان مرحا يحب اللهو والفسق، ~~فنشأ الوليد مثله. وكان عمه هشام يتألم من سيرته فينصحه ~~ولا يرعوي، وأراد أن يقطعه عن عشراء السوء فولاه الحج ~~سنة 119، فحمل معه كلابا في صناديق، وخمرا، وظهر منه ~~استخفاف للدين. وتمادى الوليد في الشراب وطلب اللذات ~~فأفرط، فقال له هشام: ويحك يا وليد! والله ما أدري، أعلى ~~الإسلام أنت؟! ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير ~~متحاش ولا مستتر. ~~(2) خلافته # عقد له أبوه وله إحدى عشرة سنة، فلم يمت يزيد حتى بلغ ~~ابنه الخامسة عشرة، فندم على استخلافه أخاه هشاما بعده، ~~وكان إذا نظر إلى ولده ~~الوليد قال: الله بيني وبين من جعل هشاما بني وبنيك، ~~فتوفي يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد وهو ابن خمس عشرة، ~~وولي هشام وهو للوليد مكرم معظم مقرب، فلم يزل كذلك حتى ~~ظهر ms121 من الوليد ما ظهر من الفسق والمجون، ولم ينفع نصح عمه، ~~عزم على خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، وأراده على أن ~~يخلعها عنه، ويبايع لمسلمة فأبى، فقال له: اجعلها له من ~~بعدك، فأبى، فتنكر له هشام وأضر به، وعمل سرا في ~~البيعة لابنه فأجابه قوم، وكان ممن أجابه خالاه محمد ~~وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزومي، وبنو القعقاع ~~بن خليد العبسي، وغيرهم من خاصته، ولكنه لم يفلح، فبقي ~~الوليد ولي العهد، ولما مات هشام استخلف الوليد، فاستمر في ~~لهوه ومجونه وانتهاكه حرمات الله، فاتفقوا مع أعيان رعيته، ~~وأخذوا يهاجمونه، ويفسدون سمعته بين الناس، ففسدت البلاد، ~~واضطربت أحوالها في عهده؛ لأنه كان مهملا قليل العناية ~~بأطراف البلاد. قال صاحب الفخري: فلما أفضت إليه لم يزدد ~~إلا انهماكا في اللذات واستهتارا بالمعاصي، وضم إلى ~~ذلك ما ارتكبه من إغضاب أكابر أهله، والإساءة إليهم ~~وتنفيرهم، فاجتمعوا عليه مع أعيان رعيته، وهجموا عليه ~~وقتلوه، وكان المتولي لذلك يزيد بن الوليد بن عبد الملك في ~~سنة 126. # 1 # وقد انقسم الناس في عهده قسمين: قسم معه وهم ~~المضرية، وقسم عليه وهم أهله واليمانية، وكان على رأسهم ~~يزيد بن الوليد، وأثخنت اليمانية القتل في المضرية فانهزمت ~~مضر، واحتلوا دمشق، وطردوا رجال الوليد، وتحصن هو بقصره، ~~فبايع الناس يزيد طوعا أو كرها وخلعوه، فلبث في قصره ~~مخلوعا أياما، ثم دخلوا عليه وقتلوه. # 2 ~~(3) أعماله # لم يقم الوليد في عهده الذي جاوز السنة قليلا بعمل ذي ~~بال، سوى إيجاده الفتنة بين يمن وقيس كما رأينا، كما أوقع ~~الفتن بين يوسف بن عمر، ونصر بن سيار؛ وسبب ذلك أنه ولى ~~نصر بن سيار خراسان كلها، ثم وفد عليه يوسف، فاشترى منه ~~نصرا وعماله، فرد إليه الوليد خراسان، وكتب يوسف إلى ~~نصر يأمره بالقدوم عليه، فلم يمض إليه نصر، ووقعت الفتنة ~~بين الاثنين، ولم يهدئها إلا وصول الخبر بقتل ~~الوليد. ~~(4) موته ومناقبه # في جمادى الآخرة لليلتين بقيتا منها سنة 126، قتل ~~الوليد بعد أن لبث في قصره محصورا أياما، وكانت مدة ms122 ~~خلافته سنة وشهرين وأياما، وكان عمره اثنتين وأربعين ~~سنة. # نقم الناس عليه لمجونه وفسقه، فحاصروه في قصره، فقال ~~لهم: ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟ ألم أعط ~~فقراءكم؟ ألم أخدم زمناكم؟ فقالوا: ما ننقم عليك في أنفسنا ~~إنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح ~~أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله. # فقال لهم: لقد أكثرتم وأغدقتم، وإن فيما أحل الله سعة ~~عما ذكرتم، ورجع إلى الدار، وأخذ مصحفا يقرأ فيه، وقال ~~يوم كيوم عثمان. وصعدوا على الحائط وقتلوه، واحتزوا رأسه ~~وسيروه إلى يزيد، فطيف به في دمشق، ثم نصب على رمح، ثم ~~دفعه إلى أخيه سليمان. # وكان الوليد شاعرا مجيدا في الخمر والعتاب، سطا ~~الشعراء على معانيه في هذه الأبواب، كأبي نواس ومسلم بن ~~الوليد وغيرهما من فحول هذه الصناعة. # وكانت له جولات في الغزل تدل على سمو خياله ورقة عاطفته، ~~ويظهر أن الناس قد تزيدوا كثيرا من أخباره، ونسبوا إليه ~~كثيرا مما لم يقله أو لم يفعله. قال شبيب بن شيبة: كنا ~~جلوسا عند المهدي، فذكروا الوليد، فقال المهدي: كان ~~زنديقا. # فقام أبو علاثة الفقيه الجليل، وقال: يا أمير المؤمنين! ~~إن الله عز وجل أعدل من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة ~~زنديقا. لقد أخبرني من كان يشهد في ملاعبه وشربه عنه ~~بمروءات في طهارته وصلاته، وكان إذا حضرت الصلاة يطرح ~~الثياب التي عليها المطايب المصبغة، ثم يتوضأ ويحسن ~~الوضوء، ويؤتى بثياب نظاف بيض فيلبسها ويصلي فيها، فإذا ~~فرغ عاد إلى تلك الثياب فلبسها، واشتغل بشربه ولهوه. فهذا ~~فعال من لا يؤمن بالله؟ # فقال المهدي: بارك الله عليك يا أبا علاثة. # 3 # الفصل الثامن # | يزيد بن الوليد # 126ه/744م ~~(1) أوليته # هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، وأمه أم ~~ولد اسمها شاه آفريد بنت فيروز بن يزدجرد، كان فتى أسمر ~~طويلا صغير الرأس، متنسكا يميل إلى مذهب القدرية المعتزلة. # 1 # مقترا نقص أرزاق الجند وبخاصة الحجازيين، ~~فسمي بالناقص؛ لأنه نقص الزيادة التي كان ms123 الوليد زادها في ~~أعطيات الناس وهي عشرة عشرة. وكان يزيد من عقلاء الخلفاء، ~~له مشاركته في المباحث الكلامية، وقد التف القدرية ~~المعتزلة حوله. وروى الذهبي عن الشافعي أن يزيد حين ولي ~~الخلافة دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه. # 2 # ويقول المسعودي: إن يزيد كان يذهب إلى قول ~~المعتزلة في الأصول الخمسة. # 3 # وأنهم عاونوه على الخلافة، وأنهم كانوا ~~يفضلونه على عمر بن عبد العزيز. # 4 ~~(2) خلافته # بويع يزيد قبل قتل الوليد، فلما استخلف خطب الناس فقال - ~~بعد أن ذكر سوء سيرة الوليد وفسقه - أيها الناس: إن لكم ~~علي ألا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا ~~أكري نهرا، ولا أكثر مالا، ولا أنقل مالا من بلد إلى ~~بلد حتى أسد ثغرة وخصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل منه ~~نقلته إلى البلد الآخر الذي يليه، ولا أغلق بابي دونكم، ~~ولكم أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم كل شهر، حتى يكون ~~أقصاكم كأدناكم، فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم بالسمع ~~والطاعة وحسن المؤازرة، وإن لم أف فلكم أن تخلعوني إلى ~~أن أتوب، وإن كنتم تعلمون أن أحدا ممن يعرف بالصلاح ~~يعطيكم من نفسه ما قد بذلت لكم وأردتم أن تبايعوه، فأنا ~~أول من يبايعه معكم، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # 5 # ولما قتل الوليد ثارت أهل حمص، وأغلقت أبواب المدينة، ~~وأقامت النوائح عليه، وحلفوا ألا يطيعوا يزيد، وأمروا ~~عليهم معاوية بن يزيد بن الحصين بن نمير، فكتب إليه يزيد ~~فلم يسمعوا، فسير إليهم أخاه مسرورا فشتت ~~شملهم. # وفي تلك السنة ثار أهل فلسطين، وطردوا عامل يزيد، وولوا ~~عليهم محمد بن عبد الملك، فبعث إليه يزيد سليمان بن هشام ~~بن عبد الملك ففتك بهم، وأخذ بيعتهم للخليفة. # 6 # بعد قتل الوليد استعمل يزيد على العراق منصور بن جمهور، ~~وكان من الغيلانية القدرية. # 7 # فدخل العراق وأرسل أميرا من قبله على خراسان، ~~فطرده نصر بن سيار ووقعت فتن كثيرة في خراسان بين النزارية واليمانية. # 8 # ولم تنته هذه الفتن حتى مات ms124 يزيد. ~~(3) الحوادث الكبرى في عهده ~~(1) # كانت الفتن بين اليمن وقيس في خراسان وسائر ~~المشرق واليمامة أجل الحوادث أثرا في عهد يزيد؛ ~~فقد اقتتل فيها الفريقان، ولقي الإسلام والعروبة ~~من ذلك شرا مستطيرا، وجرت بين الطرفين أيام ~~تذكرنا بأيامهم في الجاهلية وفي عهد المروانية، ~~ذكرها ابن الأثير مفصلا. # 9 ~~(2) # ومن الحوادث الكبرى فتنة مروان بن محمد، فقد ثار ~~في سنة 126 مطالبا بدم الوليد، وسار ومعه عدد ~~كبير من رجاله، ونفر من أهل فلسطين، فبعث إليه ~~يزيد، ثابت بن نعيم، والتقى جمعاهما، فتغلب مروان ~~وأسر ثابتا، وعظم أمره في حران والجزيرة، فكتب ~~إليه يزيد أنه يوليه الجزيرة وأرمينية والموصل ~~وأذربيجان إذا بايعه، فقبل وبقي هناك إلى أن مات يزيد. # 10 ~~(3) # ومن الحوادث الكبيرة في عهده اشتداد أمر ~~العباسيين؛ ففي سنة 126 وجه إبراهيم الإمام أبا ~~هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان، وبعث معه بالسيرة ~~والوصية، فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة، فنعى ~~إليهم محمد بن علي بن عبد الله، ودعاهم إلى ابنه ~~إبراهيم، ودفع إليهم كتابه فقبلوه، ودفعوا إليه ما ~~اجتمع عندهم من نفقات الشيعة العباسية، فقدم بها ~~بكير بن ماهان إلى إبراهيم. ~~(4) # وفي تلك السنة أخذ يزيد بن الوليد البيعة لأخيه ~~إبراهيم بن الوليد، وجعله ولي عهده، ولعبد العزيز ~~بن الحجاج بن عبد الملك بعد إبراهيم، وذلك حين مرض ~~يزيد في ذي الحجة سنة 126. وكان الذي دفعه إلى ذلك ~~هم القدرية؛ فقد قالوا له: إنه لا يحل لك أن تهمل ~~أمر الأمة، فبايع لأخيك. فقبل. ~~(4) كبار الرجال في عهده ~~(1) # يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم الثقفي (؟-127) ~~أمير من الولاة الكبار من أهل الشام، ولاه هشام ~~بن عبد الملك اليمن ثم العراق سنة 121، وهو الذي ~~قتل خالد بن عبد الله القسري، أقام إلى أيام يزيد ~~بن الوليد، فعزله سنة ~~126، وقضى عليه ~~وحبسه في دمشق إلى أن قتله يزيد بن خالد القسري ~~انتقاما لأبيه، وكان شديدا يقتفي سيرة ~~الحجاج. ~~(2) # عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي (؟-130) أمير ~~من القادة الشجعان النبلاء، كان ms125 من رجال مروان بن ~~محمد في عهدي إمارته وخلافته، سيره مروان من ~~الشام لقتال أبي حمزة وطالب الحق، فالتقى بأبي ~~حمزة في وادي القرى من أعمال المدينة فقتله، ثم ~~قصد اليمن وطالب الحق فيها قد بويع بالخلافة ~~فقاتله وقتله. ~~(3) # المهير بن سلمى بن هلال الدؤلي الحنفي (؟-126) ~~زعيم أهل اليمامة، كان شجاعا حازما، لما بلغه ~~مقتل الوليد بن يزيد في الشام، دخل على أمير ~~اليمامة علي بن المهاجر الكلابي، فقال له: اترك ~~لنا بلادنا، فلم يفعل، فقاتله المهير وطرده ~~وتأمر على اليمامة إلى أن مات. ~~(4) # المثنى بن عمران العائذي (؟-127) شجاع ثائر، كان ~~مع الضحاك بن قيس لما خرج في العراق، وولاه ~~الضحاك على الكوفة، فقصده ابن هبيرة فاقتتلا ~~وقتل المثنى. ~~(5) # يزيد بن الطشرية العادي (؟-127) من شعراء العرب ~~الفحول، حسن الشعر، حلو الحديث، شريف كريم، غزل ~~شجاع، قتل في إحدى الوقائع بفلج في ~~اليمامة. ~~(6) # نوح بن جرير بن الخطفي (؟-140) من شعراء الدولة، ~~وكان شاعرا فحلا، له قصائد ومقطوعات كثيرة في ~~الحوادث التي جرت في العصر بين قيس واليمن. ~~(5) وفاته ومناقبه # مات يزيد بن الوليد في سلخ ذي الحجة، وقيل لعشرين بقين ~~منه سنة 126، وكانت خلافته ستة أشهر، وكان موته بدمشق، وله ~~من العمر ست وأربعون سنة. # 11 # وكان يزيد من القائلين بالقدر، وقد التف القدرية حوله، ~~وهم الذين شجعوه على تولية أخيه إبراهيم بعده؛ لأنه كان من ~~جماعتهم كما مر، وكان دينا ورعا، أراد أن يعيد إلى ~~الخلافة المروانية أبهتها فلم يفلح، وهو أول من خرج ~~بالسلاح في العيدين؛ ليرفع من قدر الخليفة في ذلك المحفل. # 12 # ولكن عمره القصير حال دون ذلك. # الفصل التاسع # | خلافة إبراهيم بن الوليد # 127ه/745م ~~(1) أوليته # هو أبو إسحاق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، ~~وأمه أم ولد، قيل اسمها نعمة، وقيل خسفة. ~~(2) خلافته # عهد له أخوه يزيد بالأمر بعده، فلما مات يزيد بويع ~~بالخلافة، ولكنه كان ضعيفا، وكانت الأمور قد فسدت، ~~والأسرة الأموية قد انقسمت، فكان الناس لا يهابونه؛ حتى إن ~~بعضهم استمر يلقبه ms126 بالإمارة بعد خلافته؛ استهانة به، وقيل ~~إن مبايعته لم تتم. قال الطبري: خلافة أبي إسحاق إبراهيم، ~~لم يتم له أمر، وكان يسلم عليه جمعة بالخلافة، وجمعة ~~بالإمارة، وجمعة لا يسلمون عليه لا بالخلافة ولا بالإمارة، ~~ولم يطل عهده أكثر من سبعين ليلة، وقيل أربعة أشهر. # 1 # ثار عليه مروان بن محمد وتولى على الخلافة ~~بعده، وقد كنا رأينا أن مروان ثار في عهد يزيد بن الوليد ~~بالجزيرة، وغلب على أرمينية والموصل، فولاه إياها يزيد، ~~وسكن إلى أن بلغه موت يزيد، فسار بجنوده إلى قنسرين ~~واستولى عليها، ثم قصد حمص - وكان إبراهيم قد بعث إليها ~~جند دمشق - فلما رأوا مروان قادما بجيش كثيف هربوا إلى ~~دمشق، فدخل مروان حمص وبايعه أهلها، ثم ساروا معه إلى ~~دمشق، فبعث إليه إبراهيم جنده بقيادة سليمان بن هشام، وكان ~~عددهم «120 ألفا» فنزلوا عين الجر، وجاء مروان ومعه ~~ثمانون ألفا، فدعاهم مروان إلى الكف عن القتال، والتخلية ~~عن ابني الوليد بن يزيد وهما الحكم وعثمان المسجونان في ~~سجن دمشق، وضمن عنهما ألا يؤاخذاهم بقتلهم أباهما، ~~وألا يطلب أحدا ممن ولي قتله، فأبوا عليه وجدوا في ~~قتاله، واستمر القتل بين الفريقين، وكان مروان مجربا ~~مكايدا فأرسل ثلاثة آلاف قطعوا النهر، وجاءوا من خلف ~~الجند الشامي، فلم يشعر هؤلاء إلا بالخيل من ورائهم ~~فانهزموا، ولحقهم أهل حمص، فقتلوا منهم نحو سبعة عشر ~~ألفا، وأسروا مثل ذلك العدد، فأخذ مروان عليهم البيعة ~~لولدي الوليد، وخلى عنهم، ولم يقتل منهم إلا اثنين هما ~~يزيد بن العقار، والوليد بن مصاد الكلبيان، إذ كانا فيمن ~~قتل الوليد. # ودخل الشاميون المنهزمون دمشق، وكان أول ما عملوه أن ~~قتلوا ولدي الوليد خوفا من أن يقدم مروان، ويخرجهما من ~~الحبس، ويقتلان قتلة أبيهما، وانتهب سليمان بن هشام بيت ~~المال هو والجند، وهرب إبراهيم فاختفى، ودخل جند مروان إلى ~~دمشق ومروان من ورائهم. # الفصل العاشر # | مروان بن محمد # 127-132ه/744-749م ~~(1) أوليته # هو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وأمه لبابة ~~الكردية، ولد بدمشق سنة 73ه، ms127 وكان من أحزم بني أمية ~~وأكثرهم تدبيرا، نشأ في دمشق كما ينشأ شباب العرب، فقرأ ~~القرآن وحفظ الشعر، وتأدب بآداب العرب، وكان مؤدبه الجعد ~~بن درهم أحد أئمة الكلام، وأول من قال بنفي القدر، وكان ~~يقول بخلق القرآن ونفي الصفات الأزلية عن الله سبحانه. # 1 # ولقب مروان بالجعدي نسبة إلى أستاذه ولتحمسه ~~لمذهبه، وكان الناس من أعدائه يذمونه وينادونه: يا جعدي يا معطل. # 2 # وذكر ابن القيم في الصواعق المرسلة أن كلام ~~الجعد نفق عند الناس؛ لأنه كان معلم مروان وشيخه. # 3 # كما لقب بالحمار لصبره في الحرب. # 4 ~~(2) خلافته # رأينا كيف تم استخلاف مروان في دمشق، فلم يلبث أهل حمص ~~إلا ثلاثة أشهر، حتى ثاروا عليه بزعامة ثابت بن نعيم، فسار ~~إليهم مروان سنة 127، ودخل المدينة ففتك بالثائرين، وهرب ~~ثابت إلى فلسطين، ولم يلبث أن جاءه أن أهل الغوطة ثاروا ~~وحاصروا دمشق بزعامة يزيد بن خالد القسري، فبعث إليهم ~~مروان من حمص أبا الورد بن الكوثر، وعمرو بن الوضاح في ~~عشرة آلاف، ففتكوا بالثوار، وحرقوا المزة من قرى ~~اليمانية. # وفي تلك السنة أيضا ثار أهل فلسطين بزعامة ثابت بن ~~نعيم، الذي هرب من حمص فأتى طبرية، فكتب مروان إلى أبي ~~الورد وابن الكوثر أن يلحقا به، فأدركاه وفتكا به، ورجع ~~مروان إلى دمشق فبايع لولديه عبيد الله وعبد الله، ~~وزوجهما ابنتي هشام بن عبد الملك، وجمع بذلك أمر بني ~~أمية، فاستقامت له الشام، ما خلا تدمر، فبعث إليها الأبرش ~~بن الوليد وسليمان بن هشام فقضيا على أهلها ، وبذلك هدأت ~~ديار الشام ففرق فرق الثوار إلى العراق، ولكن ذلك ~~الهدوء لم يلبث طويلا؛ إذ ثار سليمان بن هشام بن عبد ~~الملك بقنسرين، فأتاه مروان فهزمه، ففر سليمان إلى تدمر. # 5 # أما العراق فقد بعث إليه مروان النضر بن الحرشي، فثار ~~عليه الضحاك بن قبب الشيباني الخارجي، وجرت بين الاثنين ~~معارك كثيرة، انتهت بخضوع الضحاك ثم قتله في سنة 128. ثم ~~إن مروان سير يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق؛ لقتال ms128 ~~من فيه من الخوارج، فقاتل المثنى بن عمران العائذي، خليفة ~~الخوارج في العراق، فهزمهم ابن هبيرة، واستولى على العراق ~~والماهين والجبل. غير أن الشيعة العلوية والعباسية ~~والخوارج أخذت تعمل بقوة في الخفاء؛ أما الخوارج فإنهم بعد ~~أن فقدوا الضحاك زعموا عليهم أبا حمزة الخارجي، وكان ~~قويا نشيطا يزور مكة كل سنة، ويحرض المسلمين على حرب ~~الأمويين، فتبعه كثيرون، واشتد أمره، وتبعه جماعات في ~~الحجاز والعراقين، ثم إنه جاء إلى عبد الله بن يحيى العلوي ~~الملقب بطالب الحق في سنة 128، وقال له: اسمع كلاما ~~حسنا، إني أراك تدعو إلى حق، فانطلق معي، فإني رجل مطاع ~~في قومي. فخرج معه حتى أتيا اليمن وحضرموت، فبايعه أبو ~~حمزة وجماعته بالخلافة، ودعا إلى قتال ~~مروان وبني أمية، ثم ~~خرج في سنة 129 إلى مكة، وكان عليها عبد الواحد بن سليمان ~~بن عبد الله، فهادنهم إلى أن ينتهي موسم الحج، فلما انتهى ~~الموسم، سار عبد الواحد إلى المدينة، وزاد في أعطيات ~~أهلها، ودعاهم إلى قتال أبي حمزة، ولما التقى الجمعان في ~~قديد تشتت المدنيون، وهرب عبد الواحد إلى الشام، ودخل أبو ~~حمزة المدينة في صفر سنة 130 وأحسن السيرة فيها، وقال ~~لأهلها: علينا الآن أن نغزو بني أمية الظالمين في عقر ~~دارهم، فتوجه بهم إلى دمشق، فبعث إليهم مروان أربعة آلاف، ~~عليهم عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، فالتقوا بهم ~~بوادي القرى، فقتل أبو حمزة، وسار عبد الملك حتى أتى ~~المدينة ثم اليمن فقتل طالب الحق. # 6 # وهكذا قضي على الخوارج. # وأما العلويون فإنهم ثاروا بالكوفة بزعامة مروان بن عبد ~~الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وبايعوه ~~وسار بهم إلى المدائن، ثم استولى على حلوان، ودخل بلاد ~~العجم، واستولى على همدان وأصفهان والري، وظل ينشر نفوذه ~~حتى قتله أبو مسلم الخراساني سنة 128. # وأما الشيعة العباسية فإن أبا مسلم حين قدم خراسان آخر ~~قدمة رأى أن خير وسيلة لتغلبه هي في الإيقاع بين العنصر ~~العربي، فأجج نيران العصبية بين النزارية ms129 واليمنية من جديد ~~وجعلهم يقتتلون، ثم سار يسيطر على المشرق الذي لم يبق فيه ~~لأمية نفوذ. ولما سيطر عليه، وقهر نصر بن سيار أمير ~~خراسان، وقضى على حركة مروان بن عبد الله العلوي سار نحو ~~العراق، وأخذ يحتل عواصمه، ولما بلغت هذه الأخبار مسامع ~~مروان بعث من جاءه بإبراهيم الإمام، وكان يقيم بالحميمة من ~~أرض فلسطين، فحبسه في حران ثم قتله، وتمكن العباسيون - ~~السفاح والمنصور وأهلوهم - أن يهربوا بأنفسهم إلى العراق، ~~فأتوا الكوفة. ولما تمكن أبو مسلم من العراق قصد الكوفة، ~~فاستولى عليها سنة 132، ثم بويع أبو العباس السفاح، وبعث ~~عمه عبد الله بن علي إلى مروان، فلقيه بالزاب وهزمه، فأتى ~~مروان، ثم قصد الشام لعله يجد له عونا، فإذا الناس قد ~~ولوا عنه، وصار مروان لا يمر بجند من أجناد الشام إلا ~~انتهبوه، فلما اجتاز بقنسرين أومقت تنوخ بساقته، ثم أتى ~~حمص فقال أهلها: مرعوب منهزم، فاتبعوه وقاتلوه، ثم أتى ~~دمشق فوثب عليه الحارث بن عبد الرحمن الحرشي، فجاء ~~الأردن، فوثب له ~~هاشم بن عمر العنسي والمذحجون اليمانيون، ثم أتى فلسطين ~~فوثب الحكم بن ضبعان بن روح بن زنباع على جنده. قال صاحب ~~الأخبار الطوال: «جعل مروان يستقري مدن الشام، فيستنهضهم ~~فيروغون عنه ويهابون الحرب، فلم يسر معه منهم إلا قليل، ~~ورأى أخيرا أن يذهب إلى مصر، فلحقه المسودة قرب أبو صير، ~~وقتلوه في ذي الحجة سنة 132، وبموته انقرض الملك الأموي في ~~المشرق.» ~~(3) موته ومناقبه # قتل مروان في ذي الحجة سنة 132 بعد حكم دام خمس سنوات، ~~وله من العمر تسع وخمسون سنة، وهو من دهاة بني أمية ~~وعقلائهم وأحزمهم، ولكنه أدرك الدولة وهي منهارة، فلم ~~يستطع أن يعمل شيئا ذا غناء كبير في إحيائها. قال الأستاذ ~~كرد علي: «وكان مروان من أمثل خلفائهم، وكان سديد الرأي ~~ميمون النقيبة حازما، فلما ظهرت المسودة ولقيهم كان ما ~~يدبر أمرا إلا كان فيه خلل.» ~~(4) كبار رجال الدولة في عهده ~~(1) # شيبان بن سلمة الحروري (؟-130) قائد شجاع من ~~الخوارج، كان بمرو، لمع اسمه ms130 في أواخر الدولة ~~الأموية، وأراد أبو مسلم أن يدخله في الدعوة ~~العباسية، فقال له: أنا أدعوك إلى بيتي. فاختلفا ~~وسار شيبان إلى سرخس، واجتمع إليه خلق كثير من ~~بني وائل، فسير إليه أبو مسلم جيشا، فالتقى ~~بهم عند سرخس وقتل شيبان. ~~(2) # بشر بن هرموز الضبي (؟-129) أحد الأشراف ~~الشجعان، خرج مع الضحاك بن قيس ضد بني أمية وقاتل ~~معه، ثم اعتزل في خمسة آلاف، وعاد إليه بعد ذلك، ~~فلم يزل معه إلى أن قتلا معا على أبواب ~~مرو. ~~(3) # الضحاك بن قيس الشيباني الحروري (؟-129) كان ~~شجاعا داهية، خرج مع سعيد بن بهدل سنة 126 في ~~مائتين من حرورية الجزيرة، ومات سعيد فخلفه، وبايع ~~له الشراة الخوارج، فقصد الموصل وشهرزور، واجتمعت ~~عليه الصفرية حتى صار في أربعة آلاف، فسار إلى ~~الكوفة واستولى عليها وحاصروا سطا، فصالحه صاحبها، ~~ثم احتل الموصل، وعظم جيشه حتى بلغ مائة ألف، ~~فخرج إليه مروان بن محمد فالتقيا بكفر توثا من ~~أعمال ماردين، فقتل الضحاك. قال الجاحظ: «هو من ~~علماء الخوارج، ملك العراق، وسار في «50 ألفا»، ~~وبايعه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن ~~هشام وصليا خلفه.» ~~(4) # الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن (142) شيخ ~~المضرية في الأندلس وأحد الشجعان الأجواد، ثار ~~على عامل الأندلس أبي الخطار، فقتله واستولى على ~~السلطة، وأقام على الأندلس منذ عهد مروان إلى أن ~~دخل الأندلس عبد الرحمن الداخل، ومات في سجنه، ~~وكان أميا شاعرا. ~~(5) # أبو الخطار الحسام بن ضرار الكلبي (130) أمير ~~الأندلس سنة 125، ولاه إياها حنظلة بن سفيان ~~والي إفريقية لهشام بن عبد الملك ، ثم خاصمه الصميل ~~بن حاتم المضري فاستولى عليها منه، فغضبت المضرية، ~~وفارقت قرطبة، ثم استعانت بثوابة بن سلمة الحدائي، ~~وكان يضمر الشر لأبي الخطار، واجتمعوا بشدونة ~~فقصدهم أبو الخطار من قرطبة، وجرت بين الطرفين ~~معارك أسر فيها أبو الخطار وتولى ثوابة مكانه، ~~والسلطة للصميل، ثم هرب أبو الخطار والتف حوله ~~اليمانية، فعلقت الفتنة بينهما وبين المضرية إلى ~~أن قتل أبو الخطار. ~~(6) # عبد الرحمن بن حبيب ms131 الفهري (137) قصد إفريقية مع ~~أبيه سنة 122، وأراد فتح الأندلس فلم يفلح، فرجع ~~إلى إفريقية وتمم فتوحها، وغزا صقلية ~~وسردينية. ~~(7) # يوسف بن عبد الرحمن بن حبيب القرشي الفهري (142) ~~أمير الأندلس وأحد القادة الدهاة العظماء. كان ~~مقيما بألبرة، فلما مات ثوابة بن سلمة بقرطبة ~~اختلفت اليمانية والمضرية فيمن يولونه، ثم اتفقوا ~~عليه فجاءهم سنة 129، واستمر إلى أن دخل عبد ~~الرحمن فقاتله يوسف وانهزم. ~~(8) # كلثوم بن عياض القشيري (124) أمير إفريقية وأحد ~~الشجعان الذين أبلوا بلاء حسنا في شمال إفريقية، ~~قتله البربر. ~~(9) # حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب الفهري (140) أحد ~~الشجعان الذين أبلوا في إفريقية والأندلس مع أبيه ~~وأخويه يوسف وإلياس، امتلك الأندلس ثلاثة أعوام، ~~ثم ثار عليه عبد الحق بن الجعد فقتله. ~~(10) # عبد الله بن معاوية بن عبد الله الكلبي العلوي ~~(129) من شجعان آل أبي طالب وشعرائهم ونبلائهم، ~~ظهر بالكوفة سنة 127 فقاتله أميرها عبد الله بن ~~عمر، وتفرق عنه أصحابه، فخرج إلى المدائن، واجتمع ~~إليه نفر كثير، غلب بهم على حلوان والجبال وهمدان ~~وأصبهان والري وإصطخر، ثم قتله أمير هراة بأمر أبي ~~مسلم الخراساني. ~~(11) # قحطبة بن شبيب الطائي (؟-132) من ذوي الرأي ~~والشأن والقواد الشجعان، لمع اسمه في عهد مروان، ~~فاستدعاه محمد بن علي بن عبد الله فالتحق به، ~~وجعله أحد النقباء الاثني عشر، وقاد جيوش أبي ~~مسلم، وكان مظفرا في معاركه، غرق في ~~الفرات. ~~(12) # عبد الله بن يحيى الحضرمي العلوي (؟-130) ~~الملقب بطالب الحق، إمام إباضي يمني، خلع طاعة ~~مروان وبويع بالخلافة وتبعه أبو حمزة، وعظم أمره ~~إلى أن قتل قرب صنعاء، وحمل رأسه إلى مروان ~~بالشام. # الفصل الحادي عشر # | أسباب سقوط الدولة # ملك بنو أمية من سنة 40 إلى سنة 132، وكان ملكهم غرة في ~~تاريخ الإسلام والعرب لما فتحوه من أقاليم، ولما نشروه من ~~تعاليم، ولولا بعض الهنات من بعضهم؛ لكان تاريخهم أنصع صفحة من ~~صفحات تاريخنا القومي. # فهم الذين وطدوا أساس الدولة الإسلامية، وهم الذين شيدوا ~~معالم الحضارة العربية، وهم الذين وضعوا القوانين والأنظمة ~~والتشريعات والتراتيب الإدارية للدولة، وغرسوا دوحة العلم ms132 ~~والتدوين، وأوجدوا الحركات الفكرية كما سنرى. # فما هو السر في سقوطهم؟ # روى المسعودي عن بعض شيوخ بني أمية عقب زوال ملكهم، لماذا ~~كان زوال ملككم؟ فقال: «إنا شغلنا بلذاتنا عن تفقد ما كان ~~تفقده يلزمنا، فظلمنا رعيتنا، فيئسوا من إنصافنا، وجار ~~عمالنا على رعيتنا، فتمنوا الراحة منا، وتحومل على أهل ~~خراجنا فجلوا عنا، وخربت ضياعنا فخربت بيوت أموالنا، ووثقنا ~~بوزرائنا، فآثروا مرافقهم على منافعنا، وأمضوا أمورا دوننا ~~أخفوا علمها عنا، وتأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا، ~~واستدعاهم عدونا فظافروه على حربنا، وطلبنا أعداءنا فعجزنا ~~عنهم لقلة أنصارنا، وكان استتار الأخبار عنا من أوكد أسباب ~~زوال ملكنا.» # 1 # ويمكن أن نجمل كلام الأموي هذا في النقاط الأربع ~~الآتية: ~~(1) # ترف بني أمية وانصرافهم عن إدارة الملك وحزمه ~~إلى لهوهم وانشغالهم بلذاتهم. ~~(2) # جور عمال الأمويين على الناس، فإن الحجاج ~~وأعماله، وزيادا وفظائعه، وعبيد الله بن زياد ~~وظلمه، ومسلم بن عقيل المري وفظاعاته، وغيرهم من ~~العمال الأمويين كانوا السبب الأول في نفرة ~~الناس من هؤلاء القوم، وتمني زوال سلطانهم، ~~والاستراحة منهم، ثم قسوة العمال في جبي الخراج ~~وأخذ الجزية، وفرض الضرائب غير المشروعة، مما جعل ~~الناس يدخلون في الإسلام؛ لترفع عنهم الجزية فلا ~~ترفع، ويطلبون إلى الخليفة وعماله أن يخفف من أخذ ~~الضرائب غير الشرعية فلا يسمع لهم قول، وعومل ~~الفلاحون بالقسوة فخربت الديار، وجلا عنها أهلها، ~~وقل الخرج فخرب بيت المال واضطربت أحوال الجند، ~~وعم الفساد وأخذت الدولة تنهار وتنهار. ~~(3) # كان كثير من وزراء الدولة ورجال إدارتها ~~وعمالها وقضاتها ظالمين مستبدين، يرهقون الشعب ~~ويطالبونه بدفع المال والخضوع والطاعة العمياء، ~~أمثال: عبيد الله وأبيه زياد، والحجاج، وعتبة بن ~~أبي سفيان، ويزيد بن الحر العبسي، ومحمد بن القاسم ~~الثقفي وغيرهم كثير. ~~(4) # استتار الأخبار عن الخلفاء؛ فقد كان أعداء ~~الأمويين يعملون في الخفاء منذ أن قتل الحسين، ~~وغلب الفرس والموالي على أمرهم، والخلفاء ساهون ~~لاهون إلا نادرا، والعمال منكبون على جمع المال، ~~وإهمال شئون الإدارة، وفساد البريد، وإضاعة الفرص، ~~وهناك أسباب أخرى يجب أن تضاف إلى ms133 هذه النقاط، ~~وهي: ~~(5) # جعل ولاية العهد لأكثر من شخص واحد. ولا شك في ~~أن هذا يدع مجالا كبيرا للتنافس بين الاثنين، ~~ويبذر الشقاق بينهما، ولم يكن هذا الشقاق مقصورا ~~على وليي العهد نفسيهما، بل تعداهما إلى ~~الأسرة الحاكمة والقادة والعمال، وكبار رجال ~~الدولة؛ فإن لكل من الشخصين أنصارا، يعطفون عليه ~~ويريدون إيصاله إلى دست الحكم؛ ليفيدوا هم من وراء ~~ذلك. والحق أن عملية مروان في إسناده ولاية العهد ~~إلى ولديه عبد الملك ثم عبد العزيز قد كانت سنة ~~قبيحة، وكأنه لم ير ما حل بالمسلمين بعد مؤتمر ~~الجابية الذي بويع فيه لأبيه مروان، ثم لخالد بن ~~يزيد، وعمرو بن سعيد، ولكنه خلعهما، عقب ذلك خروج ~~عمرو بن سعيد وإثارته البلاد عليه، إلى أن قضى على ~~ثورته. وقد سار عبد الملك على سنة أبيه مروان، ~~فقد أراد أن يخلع أخاه عبد العزيز، ويولي ابنه ~~الوليد ثم سليمان، ولكن وفاته حالت دون ذلك، ولما ~~ولي الوليد بن عبد الملك خلع أخاه وجعلها لابنه ~~عبد العزيز، فوقعت الفتنة بين الأخوين، ولما ولي ~~سليمان الخلافة انتقم ممن وافقوا أخاه على خلعه من ~~الأمراء والعمال أمثال: قتيبة بن مسلم، ومحمد بن ~~القاسم، والحجاج بن يوسف، ونتج عن ذلك بلاء كبير، ~~ضعضع أركان الدولة. ~~(6) # انشقاق البيت الأموي على نفسه بعد أن تضعضعت ~~أركان الدولة، وأول من فعل ذلك يزيد بن الوليد على ~~ابن عمه الوليد بن يزيد، وقد تطور هذا الانشقاق ~~إلى عداوة متأصلة، جعلت أفراد البيت الواحد يعملون ~~على تهديمه، ويفتكون بإخوانهم وأبناء عمومتهم، ~~ويمثلون بهم شر تمثيل، ولم يتورعوا عن كل قول أو ~~عمل، فهذا يزيد بن الوليد يتهم ابن عمه بكل عظيمة ~~في الدين والدنيا، ولما تم له الأمر وأراد أن ~~يعيد للخلافة سلطانها ثار عليه مروان بن محمد، ~~وأخذ يحرك الغمر بن يزيد أخا خالد بن يزيد، ~~ويطالبه بالثورة على الخليفة وبدم أخيه، وهو لا ~~يبغي من وراء ذلك إلا الاستيلاء على الأمر وإيقاع ~~الفتنة. انظر إلى كتابه الذي بعث به إلى ms134 الغمر ~~يقول له فيه: «أما بعد، فإن هذه الخلافة من الله ~~على مناهج رسله، وإقامة شرائع دينه، أكرمهم الله ~~بما قلدهم، يعزهم ويعز من يعزهم، والحين على من ~~ناوأهم، فابتغى غير سبيلهم، وكان أهل الشام أحسن ~~خلقه فيه طاعة، وأذبه عن حرمه، وأوفاه بعهده، ~~وأشده نكاية في مارق مخالف ناكث ناكب عن الحق، ~~فاستدرت نعمة الله عليهم، وقد عمر بهم الإسلام، ~~وكبت بهم الشرك وأهله، وقد نكثوا أمر الله، ~~وحاولوا نكث العهود، وقام بذلك من أشعل ضرامها، ~~وإن كان القلوب عنه نافرة، والمطلوبون بدم الخليفة ~~ولاته من بني أمية، فإن دمه غير ضائع، وإن سكنت ~~بهم الفتنة، والتأمت الأمور، فأمر الله لا مرد له، ~~وقد كتبت بحالك فيما أبرموا، وما ترى؛ فإني مطرق ~~إلى أن أرى غرا فأسطو بانتقام، وأنتقم لدين ~~الله المبتول، وفرائضه المتروكة مجانة، ومعي قوم ~~أسكن الله طاعتي قلوبهم، أهل إقدام إلى ما قدمت به ~~عليهم، ولهم نظراء، صدورهم مترعة ممتلئة لو يجدون ~~منزعا ... ولم أشبه محمدا ولا مروان، غير أن رأيت ~~أن أشمر للقدرية إزاري، وأضربهم بسيفي جارحا ~~وطاعنا، يرمي قضاء الله في ذلك حيث أخذ، أو يرمي ~~في عقوبة الله حيث بلغ منهم فيها رضاه، وما إصرافي ~~إلا لما أنتظر مما يأتيني منك، فلا تدعن ثارك ~~بأخيك، فإن الله جارك وكافيك، وكفى بالله طالبا ~~ونصيرا.» وقد استطاع مروان أن يثير الناس على ~~الخلافة ويتوصل هو إليها. ~~(7) # فشو روح العصبية القبلية بين القبائل العربية ~~الحاملة لواء الدولة الأموية، وقد ظهرت هذه الروح ~~بعد موت يزيد بن معاوية بشكل واضح، ولكن الحزب ~~الأموي كان قويا ، فلم تستطع هذه العصبية أن ~~تضعضع أركان الدولة، وكان الخلفاء الذين خلفوا ~~يزيد إلى عهد عمر بن عبد العزيز أقوياء أشداء، ~~يستطيعون أن يقفوا ~~أمام كل عاصفة. ~~أما بعد عمر فقد تبدلت الحال وضعفت الدولة، وبرزت ~~روح العصبية جلية بين المضرية واليمانية أو عرب ~~الشمال وعرب الجنوب، ولما كان الخليفة من عرب ~~الشمال كان يتحيز لهم، فتطورت الأمور تطورا ~~قبيحا. # وإن من ms135 أبرز الفتن بين الجانبين فتنة يزيد بن ~~المهلب بن أبي صفرة، وقد رأينا أن عمر بن عبد ~~العزيز كان سجنه إطفاء لشعلة الفتنة، ولكنه ~~استطاع أن يفر من سجنه بحلب ويقصد البصرة، وخاف ~~عمر يزيد وكان يكره ابن المهلب؛ لأنه تولى تعذيب ~~آل الحجاج أصهار يزيد؛ إذ كان متزوجا أم الحجاج ~~ابنة محمد بن يوسف الثقفي، فخاف ابن المهلب على ~~نفسه وآله، وأعلنها ثورة كبرى لليمانية على ~~المضرية، وعظم سلطان ابن المهلب وكثر عدد جيشه، ~~وجرت بينه وبين جيش الخليفة معارك قطعت أوصال ~~العرب، وأعادت روح العصبية جذعة، وفتكت بنخبة من ~~زهرات بيوتاتهم العريقة كآل المهلب الذين لهم ~~سابقة في نصر الإسلام ونشر العربية والفتوح، ~~وغيرهم من البيوتات اليمنية التي حقدت على ~~المضريين، وأخذت تعمل على تهديم ملكهم، على الرغم ~~من أن بعض الخلفاء كهشام بن عبد الملك. # 2 # انضموا إلى اليمانية على المضرية، ~~وكان لتدخل الخلفاء وتحيزهم آثاره السيئة ~~سواء كانوا مع هؤلاء أو مع أولئك، وقد انتقلت ~~عداوات الجانبين معهما إلى الأمصار التي فتحوها ~~كخراسان ومرو وما وراء النهر والأندلس، فلقيت هذه ~~البلاد من الجانبين ويلات وآثاما، كما لقي ~~الأمويون أنفسهم منذ عهد الوليد بن يزيد إلى ~~انقضاء دولتهم كثيرا من المشاكل والفتن، ولعل قول ~~الحارث بن عبد الله الحشرج الجعدي، يصور لنا أحسن ~~تصوير تلك الفتن حين يقول: # أبيت أرعى النجوم ~~مرتفقا # إذا استقلت تجري ~~أوائلها # من فتنة أصبحت مجللة # قد عم أهل الصلاة ~~شاملها # من بخراسان والعراق ~~ومن # بالشآم كل شجاه ~~شاغلها # فالناس منها في لون ~~مظلمة # دهماء ملتجة ~~غياطلها # يمضي السفيه الذي يعنف ~~بالج # هل سواء فيها ~~وعاقلها # والناس في كربة يكاد ~~لها # تنبذ أولادها ~~حواملها # يغدون منها في كل ~~مبهمة # عمياء تمنى لها ~~غوائلها # لا ينظر الناس في ~~عواقبها # إلا التي لا يبين ~~قائلها # كرغوة البكر أو كصيحة ~~حب # لى طرقت حوالها ~~قوابلها # فجاء فينا أزرى بوجهته # فيها خطوب حمر زلازلها # 3 ~~(8) # كره الموالي للعرب عامة ولبني أمية خاصة؛ لأنهم ~~أقصوهم عن الملك، فانبعثت ms136 روح الشعوبية، وحميت ~~الأقلام كما حميت السيوف، فاستعان رجال القلم ~~برجال الحرب، وتطورت الأمور من حال إلى حال حتى ~~عم البلاء واسودت الدنيا. ~~(9) # قيام بعض الأحزاب والحركات من دينية وسياسية، ~~كالخوارج والشيعة العلوية والشيعة العباسية ~~والمعتزلة، وغير ذلك مما سنعرض له بعد. # الفصل الثاني عشر # | في التنظيمات والتراتيب الإدارية # في العهد الأموي الثاني # مقدمة # قلنا في مقدمة الباب الخامس من الفصل الأول: إن ديار ~~الشام كانت قبل الفتح الإسلامي ديارا ذات حضارة وتراتيب ~~إدارية، فلما جاء الإسلام جمدت تلك الأوضاع على حالتها ~~الأولى بعد عهد الفتح، فلما أن دخلها معاوية واتخذها عاصمة ~~ملكه، أخذت الأوضاع المدنية القديمة للبلاد تبرز من جديد ~~في هذا العهد الجديد، واستعان معاوية ومروان وأخلافهما ~~بذوي المقدرة والكفايات الجليلة في إدارة البلاد وحكمها ~~وخراجها بالمقدار الذي تسمح لهم به الظروف والأحوال آنئذ، ~~وقد استمر هذا التعاون الحضاري طول العصر الأموي، وبخاصة ~~حين كثر المسلمون من أهل الشام الأصليين، فأخذوا يحتلون ~~مرافق الدولة، وبخاصة حين عرب عبد الملك دواوين الدولة، ~~وسار بها سيرة جديدة، وكان لتسامح الخليفة عمر بن عبد ~~العزيز أثر كبير في تنشيط العناصر غير المسلمة، وتشجيعها ~~على بذل قصاراها في خدمة الدولة، والقيام بمصالحها كما ~~سنرى بعد. # ثم إن التسامح الديني الذي كان يتحلى به الأمويون ~~بصورة عامة، جعل ذوي الكفاءات والمزايا من نصارى الشاميين ~~والحلبيين والحمصيين والحمويين والأنطاكيين يلتقون حول سور ~~الدولة، فيشيدونه ويرفعونه ويزخرفونه. ~~(1) الخلافة # قلنا إن معاوية ثم يزيد قد سلكا بالخلافة مسلكا جديدا، ~~لم تكن عليه في عهد الرسول أو خلفائه الراشدين، فحولاها من ~~طور ابتدائي عربي ساذج قريب من النفسية البدوية، إلى طور ~~ثانوي أعجمي معقد، قريب من الأساليب البيزنطية والفارسية ~~والقبطية. ولقد ازداد هذا التعقيد حين توسعت أرجاء الخلافة ~~الأموية إلى إمبراطورية واسعة تمتد من بلاد الهند وحدود ~~بلاد الصين الواسعة شرقا إلى شواطئ المحيط الأطلسي وشمال ~~إفريقية غربا، وتسيطر على جميع بلاد الإمبراطورية ~~المقدسة، والمقاطعات الشرقية والإمبراطورية الرومانية، ما ~~عدا آسية الصغرى، وقد استمد الخليفة الأموي في ms137 هذه ~~الفترة عظمته الدنيوية والحضارة من عظمة هذه الرقعة ~~الجبارة الواسعة، الممتدة من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، ~~والمسيطرة على أغنى بقاع الأرض المعروفة، وأكثرها حضارة ~~وعلما وأنظمة وقوانين. # ولما انقضى العهد ~~الأموي الأول، وحل العهد الثاني انتظمت شئون الخلافة من ~~حيث المظاهر والتراتيب، وخصوصا بعد عهد عبد الملك وابنيه ~~الوليد وسليمان. وانقضى العهد الأموي والخلافة مستوفية ~~لكل مظاهر الفخامة والسلطان وما يتبعها من أساليب ~~الحكم. # أما من حيث نظام الخلافة ووراثتها فإن الأمر لم يستقر ~~على شيء؛ فقد وجد في العصر الأموي ثلاثة منازع ~~مختلفة: ~~(1) # المنزع الإسلامي، الذي يقضي بجعل أمر ~~الخلافة شورى بين المسلمين، يختارون لها ~~الأصلح والأكمل. ~~(2) # المنزع القبلي الجاهلي، الذي يجعل الخلافة ~~كمشيخة القبيلة الجاهلية، لا يختار لها إلا ~~الكفء المسن المجرب الكامل. ~~(3) # المنزع الوراثي، الذي تتناقل فيه الخلافة من ~~الأب إلى ابنه. # وقد رأينا أن ~~معاوية الأول قد نزع بها المنزع الثالث، فعهد بها إلى ابنه ~~يزيد، وأجبر الناس على ذلك، أما حفيده معاوية الثاني الذي ~~كان قدريا ميالا إلى الاعتزال، فنزع إلى المنزع الأول ~~فتركها للمسلمين، وانتقد أباه وجده، وخطب الناس في ذلك ~~يقول: «إن جدي معاوية نازع الأمر من كان به أولى وأحق، ثم ~~تقلده أبي، ولقد كان غير خليق به.» # 1 # ورفض أن يعهد لأخيه خالد، ولما ألح عليه بنو ~~أمية بها قال لهم: «لا والله، ما سعدت بحلاوتها فكيف أشقى بمرارتها». # 2 # ثم جاء سليمان بن عبد الملك فنزع إلى المنزع ~~الثاني، وعهد بها إلى شيخ بني أمية وأعقلهم وأفضلهم، وهو ~~عمر بن عبد العزيز، ولم يعهد بها إلى أخيه أو ابنه. # ومما هو جدير بالملاحظة أن الخلافة قبل أن يأخذها عبد ~~الملك، ويفرض سلطانه بالقوة كانت منقسمة بين المنازع ~~الثلاثة: فابن الزبير يمثل المنزع الإسلامي، ومروان ~~بن الحكم يمثل المنزع القبلي، وخالد بن يزيد يمثل المنزع ~~الوراثي. ومهما يكن من شيء فإن العصر الأموي انتهى، ولم ~~تستقر الخلافة على منزع من المنازع الثلاثة إلى أن جاء ~~بنو العباس، فسلكوا بها ms138 المنزع الوراثي الصرف. ~~(2) الوزارة والكتابة # لم يتخذ الأمويون في عهديهم الأول والثاني وزيرا بالشكل ~~الذي رأيناه في العصر العباسي، وإنما كان لهم كتاب ~~وحساب، يتولون الكتابة لهم، وقد أضحت الكتابة في هذا ~~العهد صناعة لها عادات وتقاليد، وبعد أن كان الكاتب في ~~العصر النبوي وعصر الخلفاء الراشدين، يتولى كتابة الرسائل ~~التي تملى عليه، والحسابات وضبط ديوان الدولة ومراسلاتها، ~~صار في هذا العصر يتولى مهام شئون الدولة وينشئ رسائلها، ~~ويشترط فيه أن يكون ذا ثقافة واسعة في العربية وآدابها، ~~مطلعا على سير الأولين، وأخبار الأقدمين وأحوالهم ~~وسياساتهم. وقد كان يسمى الكاتب وزيرا أو صاحب السر، وقد ~~نبغ في هذا العصر جماعة من أمناء السر، نذكر منهم أبا ~~العلاء سالم بن عبد الله، كاتب هشام بن عبد الملك، والوليد ~~بن يزيد، وقد رووا أنه نقل بعض رسائل أرسطو إلى الإسكندر ~~من اليونانية إلى العربية، وأن له مجموعة رسائل في مائة ورقة. # 3 # وهو أستاذ عبد الحميد بن يحيى الكاتب، شيخ ~~البلغاء الكتاب، وكاتب مروان بن محمد. روى ابن عساكر: قال ~~زياد الأعجم: حضرت جنازة هشام، فسمعت عبد الحميد ~~يقول: # وما سالم عما قليل بسالم # وإن كثرت أحراسه ومواكبه # وإن كان ذا باب شديد وحاجب # فعما قليل يهجر الباب ~~حاجبه # ويصبح بعد الحجب للناس مفردا # رهينة بيت لم تستر ~~جوانبه # ومنهم عبد الحميد ~~بن يحيى بن سعد، كاتب مروان، وهو شيخ الصناعة وكاتبها ~~الأول، وقد خلف لنا عهدا كتبه عن لسان الخليفة مروان ~~بن محمد، إلى عبد الله بن مروان حين بعثه لقتال الضحاك ~~بن قيس الشيباني الخارجي. # 4 # وهو عهد رائع بأسلوبه وطرق أفكاره. وقد كانت ~~الكتابة في العصر الأموي الأول مقصورة على كتابة رسائل ~~الخليفة أو العامل أو الأمير، أو كتابة الخط الحسن بين يدي ~~هؤلاء، ولما اتسعت رقعة الدولة ازدادت الأعمال، وشغل ~~الخلفاء عن أن يقرءوا الكتابة بأنفسهم، فعهدوا بها إلى ~~كبار كتابهم، حتى أوشكت في آخر دولتهم أن تصبح صناعة عتيدة ~~مميزة القواعد والأصول، متشعبة الفروع؛ بما أدخله عليها ms139 ~~الجيل الناشئ في الإسلام من أبناء الموالي، ممن كانوا ~~يعرفون اللغات الرومية أو اليونانية أو الفارسية أو ~~السريانية أو القبطية، وهي لغات ذات حضارة وأنظمة ورسوم ~~وفضائل إدارية متعددة. ~~(3) الحجابة # قلنا في الباب الخامس من الفصل الأول: إن الحجابة وهي ~~وظيفة تشبه في عصرنا «رئاسة تشريفات البلاط»، وقد عظم ~~أمرها في العهد الأول للدولة الأموية، وإن معاوية ويزيد قد ~~تشددا في حجابتهما، وزادا في منع الناس من ملاقاتهما، ~~إلا في الأمور الهامة، على عكس ما كان عليه الأمر في عهد ~~الخلفاء الراشدين، فلما جاء العصر الثاني لهذه الدولة زاد ~~الخلفاء في الاحتجاب، إلا في عهد عمر بن عبد العزيز، ~~فإنه سلك مسلك الراشدين في السماح للناس بالدخول إليه، قال ~~عبد الملك بن مروان لصاحب حجابه: قد وليتك حجابة بابي إلا ~~عن ثلاثة: المؤذن للصلاة فإنه داعي الله، وصاحب البريد ~~فأمر ما جاء به، وصاحب الطعام لئلا يفسد. # 5 # فنحن نرى من ذلك أن الناس كلهم محجوبون عن الخليفة إلا ~~هؤلاء الثلاثة الذين يجيئون الخليفة لا لغرض خاص أو لمصلحة ~~عامة، وإنما غرضهم متعلق بمصلحة الخليفة نفسه. ويروي صاحب ~~الفخري أن عبد الملك - وهو الذي نظم أمور الدولة الإدارية، ~~وسلك بها مسلكا جديدا - قد أوصى أخاه عبد العزيز بن ~~مروان حين ولاه على مصر بقوله: «ابسط بشرك، وألن كنفك، ~~وآثر الرفق في الأمور، فإنه أبلغ بك، وانظر حاجبك، فليكن ~~من خير أهلك، فإنه وجهك ولسانك، ولا يقفن أحد ببابك ~~إلا أعلمك مكانه؛ لتكون أنت الذي تأذن له أو ترده.» # 6 # فهو يوصيه بأن يختار للحجابة رجلا من أشرف ~~الناس، بل من خير رجال أسرة الخليفة، وأن يخبره عن كل شخص ~~يقصده حتى يرى الخليفة فيه رأيه، ولا يتصرف الحاجب من عند ~~نفسه؛ لأن الخليفة أعرف بالناس وأحوالهم، ويقرر ابن خلدون ~~أن الحجاب في الدول يعظم حين تهرم. # 7 ~~(4) الجيش # كان الجيش في العصر الأموي جيشا عربيا خالصا إلا ~~البحرية، فإنها كانت تعتمد على جماعات من أبناء الأمم ~~المفتوحة من روم وفرس ms140 ونبط وزط - كما رأينا ذلك في الفصل ~~الأول والباب الخامس - ونضيف ها هنا أن الخليفة نفسه هو ~~الذي كان يختار قائد جيشه وبحريته، وأن هذا القائد كان ~~يمثل الخليفة، وينوب عنه في إقامة الصلاة، وتوزيع الغنائم ~~والفيء والصدقات، وأن له حق التصرف فيما عدا حصة بيت المال ~~من المغانم والفيء على الشكل الذي يرتئيه، وإذا ما اجتمع ~~أكثر من قائد في الجيش كان الخليفة يسمي أحدهما لإقامة ~~الصلاة والخطبة في الأجناد، وكان الجيش يتألف من صنفين: ~~الفرسان والرجالة، وكان الأولون يتسلحون بالدروع والسيوف ~~والرماح والخوذ المصنوعة من الصلب والمحلاة بريش النسور، ~~بينما يتسلح الآخرون بالدروع والسيوف والقسي والسهام، وقد ~~لعبت السهام دورا كبيرا في فوز المسلمين بالحروب والفتوح ~~في بلاد الروم والمشرق، وكان الرسول وخلفاؤه الراشدون ~~ومعاوية وأخلافه، يحضون الناس على الفروسية وإتقان فن ~~الرمي، قال عليه الصلاة والسلام: «اركبوا وارموا ~~وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا.» ~~وقال: «وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن ~~القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». # 8 # وقد عني المسلمون في العصر الأموي - وبخاصة ~~في عهدي معاوية وعبد الملك - بالرماية وتدريب الناس على ~~ركوب الخيل، وإقامة الحصون والقلاع، والسفن البحرية ~~المحصنة. وقد كان الرماة في البر والبحر أعظم عناصر الجيش ~~العربي، وكان الرجالة يقفون في صفوف متراصة يتقدمهم حاملو ~~الرماح لصد المهاجمين، ويرتدون أقبية قصيرة إلى ما تحت ~~الركبة وسراويل تساعدهم على المشي، وكانت وسائل النقل هي ~~الخيل والبغال والجمال، كما كان الكثير من الجنود يقطعون ~~المسافات القريبة مشيا، وكانوا إذا خيموا في أرض يقيمون ~~الأكواخ أول الأمر، فإذا استقاموا بنوا العشش، ثم إذا طال ~~بهم الأمر بنوا المعسكرات الدائمة والقلاع، وإذا ما دخلوا ~~بلادا لم يمكن الخليفة أو الأمير من الاختلاط بالأهلين، ~~بل يبنون لهم المدن، ويختطون لها الخطط كالبصرة والكوفة في ~~العراق، والفسطاط في مصر، والقيروان في إفريقية. # والبحرية الأموية تجربة نشأت في أيام عثمان بإشراف ~~معاوية - كما رأينا ذلك قبلا - وقد استمر الخلفاء من ~~بعده، وخاصة ms141 عبد الملك والوليد وسليمان في تقويتها. # 9 # وإعداد العدد اللازمة كل عام؛ لغزو الشاتية ~~والصائفة. وقد تم للعرب في هذه الفترة فتح جزائر البحر ~~الأبيض المتوسط، وغزو أوروبا الجنوبية الغربية، وقد كان ~~لتقدم العرب في البحر وصناعة السفن تأثير كبير في البحرية ~~الغربية، الذي نقلت عنها البحارة العرب المسلمين كثيرا من ~~المصطلحات، وما تزال تحتفظ بها إلى أيامنا هذه. # وكانت أخشاب السفن من «لبخ وسنديان وأرز»، تستورد من ~~أوروبا عن طريق موانئ إيطاليا، أو من جبل لبنان. وكان عند ~~العرب نوعان من السفن: نوع يسير في البحر الأبيض المتوسط، ~~ونوع يسير في المحيط الهندي والبحر الأحمر، وكان النوع ~~الأول أضخم، توضع فيه مسامير الحديد، أما النوع الثاني ~~فكان أصغر، ولا توضع فيه المسامير بل يخاط بحبال الليف والقنبار # 10 # خوفا من جبال المغناطيس وهي جبال كثيرة علاها الماء. # 11 # والسفن الضخام تتسع لبضعة آلاف رجل مقاتل مع ~~عددهم وأغذيتهم وشرابهم وحبالهم وسفن النجاة. # ويظهر أن أعظم الموانئ الإسلامية في البحر الأبيض ~~المتوسط كان مدينة طرسوس المهيمنة على مراكز الدفاع عن ~~داخلية البلاد، ومدخل البلاد الجنوبية الشهيرة بأبواب ~~قليقية وهو ممر طوروس، فجعلها العرب قاعدة حملاتهم الحربية ~~على الروم. ولا تبعد طرسوس أكثر من أربعمائة وخمسين ميلا ~~من البوسفور في خط مستقيم. # 12 # ويظهر أن قتال العرب في البحر في أيام معاوية كان قتالا ~~عربيا؛ فإنهم لعدم معرفتهم بالبحر وأساليب القتال فيه قد ~~قاتلوا على طريقة قتالهم البري، فقد وصف لنا الطبري أول ~~معركة بحرية كبرى جرت بين المسلمين والغرب، وهي المعروفة ~~بمعركة ذات الصواري؛ أنهم ربطوا السفن العربية إلى السفن ~~البيزنطية، وتواثب الرجال على الرجال يقتتلون بالسيوف ~~والرماح، ويتواجئون بالخناجر، حتى صار ماء البحر ممزوجا ~~بالدم، وأن الدم قد غلب عليه، وأن الأمواج قد طرحت جثث ~~القتلى ركاما. # 13 # وكان فوز العرب عظيما، ولكن مقتل عثمان وما ~~تلاه من الفتن حال دون فتح القسطنطينية، على الرغم من ~~المحاولات الكثيرة، ويظهر أن النار اليونانية هي التي وقفت ~~أمام المسلمين، ففتكت بسفنهم ms142 وحالت دون أمانيهم. وقد نقل ~~الدكتور حتي عن «تيوفانس» وصف تلك النار فقال: ولقد قيل إن ~~المدينة نجت من أيدي العرب بفضل النار اليونانية. وقد كانت ~~من مادة شديدة الالتهاب، بحيث تلتهب على سطح الماء، ويعزى ~~اكتشافها إلى مهاجر دمشقي اسمه «كالينيكوس». وقد أسهبت ~~المراجع في ذكر هذه النار، ووصف ما أنزلته من الضرر بسفن ~~العرب، كذلك أكد أغابيوس المنبجي - الذي أخذ عن تيوفانس - ~~أن الروم قد تعودوا استخدام النار في الحرب، وكانوا أسبق ~~الشعوب إلى استعمالها. # 14 # ولكن المحاولات العربية لفتح القسطنطينية لم ~~تقف؛ ففي عهد يزيد وعبد الملك وفي عهد سليمان، كانت ~~الحملات تشن في البحر على السفن الرومية. وقد استخدم ~~المسلمون النفط والمدفعية في حروبهم البحرية مع الروم. # 15 # وقد بلغ عدد الأسطول الإسلامي في عهد سليمان بن عبد ~~الملك الذي بعث أخاه مسلمة لفتح القسطنطينية ألفا ~~وثمانمائة سفينة، بعد أن فشلوا في البر والبحر، وقد كان من ~~أعظم أسباب هذا الفشل طول مدة الغزو، والحيلة التي قام ~~بها البون للفتك ~~بالمسلمين، وقد ذكرها ابن عساكر حيث يحدثنا في ترجمة ~~شرحبيل بن عبيدة بن قيس العقيلي، وكان من الفرسان الذين ~~شهدوا هذه الغزوة للقسطنطينية مع مسلمة، أن البون كتب إلى ~~صاحب برجان يقول له: بلغك نزول العرب بنا وحصارهم إيانا، ~~وليسوا يريدوننا خاصة دون غيرنا من جماعة من يخالف دينهم، ~~وإنما يقاتلون الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى، فإذا كنت ~~صانعا «شيئا» - يوم نؤتيهم الجزية علينا عنوة، ثم يفضون ~~إليك وإلى غيرك - فاصنعه يوم يأتيك «كتابي» هذا. # فكتب صاحب برجان إلى مسلمة: «أما بعد، فقد بلغنا نزولك ~~بمدينة الروم، وبيننا وبينهم من العداوة ما قد علمتم، وكل ~~ما وصل إليهم فهو لنا سار، فمهما احتجت إليه من مدد أو ~~عون أو مرفق، فأعلمنا يأتيك منه ما أحببت.» # فكتب إليه مسلمة: «إنه لا حاجة لنا بمدد ولا عدة، ولكننا ~~نحتاج إلى الميرة والسوق، فابعث إليه ما استطعت.» # فكتب إليه صاحب برجان: «إني قد وجهت إليك سوقا عظيما، ~~فيه كل ما ms143 أحببت من باعة، يضعفون عن النفوذ إليكم به ممن ~~يمرون به من حصون الروم، فابعث من يجوز به إليك.» فوجه ~~إليهم خيلا عظيمة، وولى عليهم، ونادى في العسكر: ألا من ~~أراد البيع والشراء فليخرج. فخرج عدد عظيم من غير خوف ولا ~~حذر، حتى أفضوا إلى عسكر السوق في مرج واسع، حتى ضاقت بهم ~~الجبال وكتائب برجان في تلك الجبال وغياضه، فلما نزلوا شدت ~~عليهم الكتائب، فقتلوا ما شاءوا وتضعضع جند مسلمة. # 16 # وهلكت سفنه الثمانمائة وألف، ولم ينج منها ~~إلا خمسة، فاضطر الخليفة عمر بن عبد العزيز أن يستدعي ~~مسلمة، ويستنفر المسلمين لإرسال العدد والطعام والخيل إلى ~~إخوانهم في بلاد الروم، فرجعوا، وكانت هذه الحملة في البر ~~والبحر آخر الحملات الكبرى، التي قام بها المسلمون نحو ~~بلاد الروم، وأما الحملات التي في العصر الأموي فلم تكن ~~ذات بال. # وصفوة القول: إن الجيش الأموي بنوعيه من بري وبحري قد ~~قوي قوة هائلة، فاستطاع أن يفتح العالم المتمدن القديم من ~~أقصى المشرق إلى أقصى المغرب؛ وما ذلك إلا لتنظيمه وقوته ~~وكثرة عدده. ويلاحظ أن الجيش الأموي كان مرتبا على أحسن ~~التراتيب المعروفة عند الروم والساسانيين. أما تنظيم جنود ~~الجيش فلم يكن صفوفا ~~صفوفا، وإنما كان على شكل كراديس - أي كتل صغيرة - تنجد ~~الواحدة الأخرى، ويقال: إن أول من اقتبس هذا النظام ~~البيزنطي هو خالد بن الوليد وطبقه في معركة ~~اليرموك. ~~(5) العمالة # برز في العهد الثاني من العصر الأموي عمال ذوو كفايات ~~جبارة. ولا غرو؛ فإن اتساع رقعة الإمبراطورية، وعظم ~~مسئولية الخليفة اضطرتاه أن يتنازل عن سلطاته الكبرى إلى ~~عمال يثق بهم، ويتخيرهم من أولي العقل الواسع والإدارة ~~الجيدة والإخلاص للدولة، ولعل أبرز هؤلاء العمال اسما: ~~الحجاج بن يوسف الثقفي، وموسى بن نصير، ومحمد بن القاسم ~~الثقفي، وقتيبة بن مسلم، وغيرهم من عظماء التاريخ ~~الإسلامي. وقد كان العامل ممثلا للخليفة في أمور الدنيا ~~والدين، يقوم بما يقوم به الخليفة في العامة؛ فيخطب الناس ~~ويؤمهم، ويتولى إدارة البلاد وبعث القوات للغزو والفتح، ~~ويولي القيادات ms144 والإمارات من يراه كفأ لها من أهل بيته، ~~أو من كبار رجاله حاشيته. ~~(6) التنظيمات الإدارية # نظم عبد الملك بن مروان تراتيب الدولة ترتيبا جعل ~~المؤرخين يعتبرونه المنظم الحقيقي لشئون الدولة من إدارية ~~ومالية وديوانيات وما إلى ذلك: # تنظيمات الضرائب والخراج وما إلى ذلك # ذكرنا في الفقرة الثامنة من الباب الخامس في الفصل ~~الأول شيئا عن التنظيمات والضرائب التي كانت على عهد ~~معاوية والخلفاء من قبله؛ وقد استمرت التنظيمات ~~المالية التي أدخلها معاوية على نظام الجزية والخراج؛ ~~فقد كتب إلى وردان مولى عمرو بن العاص في مصر أن زد ~~على كل امرئ من القبط قيراطا، فكتب إليه وردان كيف ~~أزيد عليهم وفي عهدهم ألا يزاد عليهم؟! فقد كتب لهم ~~عمرو أنهم آمنون على أموالهم ودمائهم ونسائهم ~~وأولادهم، لا يباع منهم أحد، وفرض عليهم خراجا لا ~~يزاد عليهم، وأن يدفع عنهم خوف عدوهم. # 17 # ويظهر أن الخلفاء بعد معاوية قد زادوا بعض الضرائب ~~والموارد المالية، فلما جاء عمر بن عبد العزيز أمر ~~بإعادة الحال إلى ما كانت عليه أيام الخلفاء الراشدين؛ ~~فألغى الضرائب الجائرة، ومنها هدايا النيروز والمهرجان. # 18 # فلما جاء عبد الملك استقل الجزية التي كان يدفعها ~~أهل الجزية، فكتب إلى واليه عليها الضحاك بن عبد ~~الرحمن الأشعري أن يزيدها عليهم، فأحصى العامل ~~«الجماجم»، وأحصى ما يكسبه الواحد في سنة، ثم طرح ~~نفقته مع عيالهم وكسوتهم، وطرح أيام الأعياد في السنة ~~فوجد أن الذي يحصل بعد ذلك في السنة لكل واحد أربعة ~~دنانير، فألزمهم ذلك جميعهم، وجعلهم كلهم طبقة واحدة؛ # 19 # أي إنه لم يفرق بين الأغنياء ~~والمتوسطين، وكذلك أعيدت (ضرائب هدايا النيروز ~~والمهرجان) التي قدرت في عهد معاوية بمبلغ عشرة ~~ملايين درهم. # 20 # و«ضريبة أجرة سك العملة» و«ضريبة الصحف» ~~التي تكتب عليها المعاملات الرسمية و«ضريبة النكاح» ~~و«ضريبة أجرة البيوت» و«ضريبة الجزية والخراج» من ~~المسلمين، مع أن الإسلام يمنع ذلك منعا باتا، ولكن ~~الموارد كانت قد قلت، فاضطر الخلفاء وعمالهم إلى ~~أخذ هذه الضرائب منهم من جديد، بعد أن كان عمر ms145 بن عبد ~~العزيز قد ألغاها. # تعريب الدواوين # قال البلاذري: ~~«لم يزل ديوان الشام بالرومية حتى ولي عبد الملك ~~بن مروان، فلما كانت سنة 81 أمر بنقله؛ وذلك أن رجلا ~~من كتاب الروم احتاج أن يكتب شيئا فلم يجد ماء، فبال ~~في الدواة، فبلغ ذلك عبد الملك فأدبه، وأمر سليمان ~~بن سعد بنقل الديوان، فسأله أن يعينه بخراج الأردن ~~سنة، ففعل ذلك وولاه الأردن، فلم تنقض السنة حتى فرغ ~~من نقله، وأتى به عبد الملك فدعا بسرجون كاتبه فعرض ~~ذلك عليه، فغمه وخرج من عنده كئيبا، فلقيه قوم من ~~كتاب الروم فقال: اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة، ~~قد قطعها الله عنكم.» # 21 # وكما فعل عبد الملك بديوان الشام فعل الحجاج بديوان ~~فارس؛ فقد روى البلاذري أيضا قال: «لم يزل ديوان خراج ~~السواد وسائر العراق بالفارسية، فلما ولي الحجاج ~~العراق استكتب زادان فروخ بن بيري، وكان معه صالح بن ~~عبيد الرحمن مولى بني تميم يخط بين يديه بالعربية ~~والفارسية»، ووصل زادان فروخ صالحا بالحجاج، فخف على ~~قلبه، فقال له ذات يوم: إنك سببي إلى الأمير، وأراه قد ~~استخفني ولا آمن أن يقدمني عليك وأن تسقط، فقال: لا ~~تظن ذلك، هو أحوج إلي منه إليك؛ لأنه لا يجد من ~~يكفيه حسابه غيري، فقال: والله لو شئت أن أحول الحساب ~~إلى العربية لحولته، قال: فحول منه شطرا حتى أرى، ~~ففعل، ولما قتل زادان فروخ استكتب الحجاج صالحا، ~~فأعلمه الذي كان جرى بينه وبين زادان في نقل الديوان، ~~فعزم الحجاج على أن يجعل الديوان بالعربية، وقلد ~~ذلك صالحا، وكان عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان ~~يقول: لله در صالح، ما أعظم منته على الكتاب.» # 22 # ولا ندري من الذي بدأ بالعمل عبد الملك أو الحجاج؟ ~~ومهما يكن من أمر، فإن التعريب قد تم في عهد عبد ~~الملك. أما ديوان مصر فقد نقل من اليونانية إلى ~~العربية في عهد ابنه الوليد. # 23 # يقول الدكتور حسن إبراهيم: أما مصر فكانت ~~اللغتان اليونانية والعربية مستعملة في دواوين ms146 ~~الحكومة؛ الأولى على أنها اللغة الرسمية التي كانت ~~تدون بها الأعمال في تلك الدواوين، والثانية لأنها ~~لغة الحاكم العربي. وقد لوحظ في بعض الأوراق البردية ~~التي عثر عليها الباحثون كتابات باللغة القبطية في ~~أسفل الصحف أو في ظهرها إلى جانب اللغتين اليونانية ~~والعربية؛ مما يدلنا على أنها كانت في الدرجة الثالثة ~~من الأهمية. وقد ظلت الدواوين تدون باليونانية في مصر ~~إلى أن انتقلت الخلافة إلى الوليد، فسار على سياسة ~~أبيه في تعريب الدواوين فحول ديوان خراجها إلى ~~العربية، وقام بتنفيذ هذه السياسة واليه على مصر عبد ~~الله بن عبد الملك بن مروان (86-90ه). # ويقول السيد أمير علي: «إن النظام الإداري والسياسي ~~للإدارات الإسلامية في عهد الدولة الأموية لم يكن من ~~عمل معاوية، بل إن عبد الملك هو المؤسس الحقيقي لهذا ~~النظام، فهو الذي صبغ الإدارة المالية بالصبغة ~~العربية، وبتحويله الدواوين إلى العربية تقلص نفوذ أهل ~~الذمة والمسيحيين من غير العرب.» # 24 # ديوان الطومار والطراز # وفي عهد عبد الملك وجد ديوان الطراز والطومار، أما ~~الطراز فهو أن ترسم أسماء الملوك والسلاطين ~~وعلاماتهم على الأثواب والأقمشة الحريرية والديباجة ~~الخاصة بهم. # 25 # وأما الطومار فهو الأوراق الرسمية التي ~~تكتب عليها الرسائل السلطانية والوثائق الدولية. وقد ~~كانت هذه الطرز والطوامير تصنع بمصر، وقد ظلت كذلك إلى ~~زمن عبد الملك، فلما نقل الدواوين إلى العربية أمر ~~بترجمة ما يكتب عليها، فإذا هو «باسم الآب والابن ~~والروح القدس» فأكبر ذلك، وقال: ما أغلظ هذا في أمر ~~الدين والإسلام، وكتب إلى أخيه عبد العزيز - أمير مصر ~~- بإبطال هذا الطراز، واستبداله بالشهادة، ومعاقبة من ~~يخالف ذلك. وكانت الطرز والطوامير ترسل من مصر إلى ~~بلاد الروم - كما كانت الدنانير تضرب في بلاد الروم، ~~وترسل إلى بلاد الإسلام - فلما وصلت الطوامير ~~والطرز على الشكل الجديد إلى بلاد الروم، استنكر ~~الإمبراطور ذلك، وكتب إلى عبد الملك «أن عمل القراطيس ~~بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم، ولم يطرز بطرزهم، فإن ~~كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، وإن ~~كنت قد ms147 أصبت فقد أخطئوا، فاختر إحدى الحالتين.» وبعث ~~إليه الكتاب مع هدية يسترضيه بها، ويدعوه إلى الرجوع ~~عما بدأ به، فرد عليه عبد الملك هديته، وأخبر الرسول ~~أنه لا رد عنده على الرسالة. فكرر الإمبراطور رسائله ~~وعبد الملك لا يجيب. ثم إن الإمبراطور غضب وكتب إليه: ~~«إنكم أحدثتم في قراطيسكم ما نكرهه، فإن تركتموه وإلا ~~أتاكم من الدنانير من ذكر نبيكم ما تكرهونه.» فاستاء ~~عبد الملك واستشار خالد بن يزيد، فقال له: يا أمير ~~المؤمنين حرم دنانيرهم فلا يتعامل بها، واضرب للناس ~~سككا، ولا تعف هؤلاء الكفرة مما كرهوا في الطوامير. # 26 # فاستمر عبد الملك في عمله، وكان ذلك ~~حافزا له على ضرب العملة العربية. # سك العملة # رأينا في النقطة الرابعة من الباب الخامس للفصل ~~الأول أن عمر بن الخطاب كان أول من ضرب الدراهم على ~~النمط الفارسي، وأنه زاد عليها في بعضها: «الحمد لله»، ~~وفي بعضها: «محمد رسول الله»، وأن معاوية ضرب بعض ~~الدراهم والدنانير، وكذلك فعل بعض عماله في العراق، ~~ولكن هذا كله لم يكن شيئا جوهريا؛ فقد استمرت ~~الدنانير البيزنطية والدراهم الفارسية مسيطرة على ~~النظام النقدي الإسلامي إلى عهد عبد الملك. وقد كانت ~~الدراهم المعروفة في العالم الإسلامي إلى زمن عبد ~~الملك هي: ~~(1) # الدرهم البغلي: ويزن 20 قيراطا = 8 ~~دوانيق = # غرام. ~~(2) # الدرهم الطبري: ويزن 10 قراريط = 4 ~~دوانيق = # غرام. ~~(3) # الدرهم الجوراقي: ويزن 12 قيراط = # دانق = 3,4 ~~غرام. ~~(4) # الدرهم اليمني: ويزن ... = 1 واحد = # غرام. ~~(5) # الدرهم المغربي: ويزن ... = 3 دوانيق = ~~2,125 غرام. # 27 # ولم يغير الأمويون قبل عبد الملك في نظام ~~العملة، فلما تولى عبد الملك وبدأ إصلاحاته، رأى ضرورة ~~إيجاد دار لضرب العملة في دمشق بعد إلغائه التعامل ~~بالعملة الأجنبية من دينار رومي ودرهم فارسي. # 28 # قال البلاذري: كانت الدراهم من ضرب ~~الأعاجم مختلفة، كبارا وصغارا، وكانت دنانير هرقل ~~ترد على أهل مكة في الجاهلية، وترد عليهم دراهم الفرس ~~البغلية، فكانوا لا يتبايعون بها إلا على أنها تبر، ~~فأقر ذلك رسول الله، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ~~ومعاوية، ثم ms148 ضرب مصعب بن الزبير في أيام عبد الله بن ~~الزبير دراهم قليلة، كسرت بعد. فلما ولي عبد الملك بن ~~مروان وفحص عن أمر الدراهم والدنانير، فكتب إلى الحجاج ~~بن يوسف أن يضرب الدراهم على خمسة عشر قيراطا من ~~قراريط الدنانير، وضرب هو الدنانير الدمشقية؛ فأول من ~~ضرب الذهب عبد الملك عام الجماعة سنة 74، والحجاج ضرب ~~الدراهم آخر سنة 75ه، ثم أمر بضربها في جميع النواحي ~~سنة 76. # 29 # ويروي البلاذري أيضا عن عباس بن هشام الكلبي أن ~~الحجاج سأل ما كانت الفرس تعمل به في ضرب الدراهم، ~~فاتخذ دار ضرب، وجمع فيها الطباعين، فكان يضرب المال ~~للسلطان مما يجمع له من التبر وخلاصة الزيوف والستوفه ~~والبهرجة، ثم أذن للتجار وغيرهم في أن تضرب لهم ~~الأوراق. فلما ولي عمر بن هبيرة العراق ليزيد بن عبد ~~الملك خلص الفضة أبلغ من تخليص من قبله، وجدد ~~الدراهم فاشتد في العيار. ثم ولي خالد بن عبد الله ~~القسري العراق لهشام بن عبد الملك، فاشتد في النقود ~~أكثر من شدة ابن هبيرة، حتى أحكم أمرها أبلغ من ~~إحكامه، ثم ولي يوسف بن عمر، فأفرط في الشدة على ~~الطباعين وأصحاب العيار، وقطع الأيدي وضرب الأبشار، ~~فكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني ~~أمية، ولم يكن المنصور يقبل في الخراج من نقود بني ~~أمية غيرها. # 30 # والحق أن عملية عبد الملك في سك العملة عملية جريئة ~~ومفيدة؛ فقد كان العالم المتمدن القديم يكبر العملة ~~الذهبية البيزنطية، وينظر إليها وكأنها شيء مقدس ذو ~~سلطان لا يقاس به سلطان آخر، أما الفرس فكان لهم أن ~~يسكوا العملة الفضية فقط. نقل البروفسور ميتز عن ~~الرحالة الهندي # Casmas # في منتصف القرن السادس الميلادي خبر مناظرة جرت في ~~مجلس ملك سرنديب بين تاجر رومي وآخر فارسي، أراد كل ~~منهما أن يثبت أن ملك بلاده أقوى، وغلب التاجر الرومي ~~صاحبه آخر الأمر ، وذلك بأن أخرج قطعة ذهبية من العملة ~~البيزنطية التي يتعامل بها في جميع البلاد، على حين أن ~~الفارسي لم يستطع أن يخرج ms149 إلا عملة من الفضة. ثم ~~يعلق على هذه الحكاية بقوله: من الصحيح في هذه ~~الحكاية أنه كان بين البيزنطيين وبين الدولة الساسانية ~~معاهدة خاصة بالعملة، تقضي بأن يضرب الساسانيون نقودا ~~من الفضة فقط، ويتخذوا العملة الذهبية عملة لهم؛ ولهذا ~~شاع في بلاد الإسلام التي كانت تحت حكم الرومان من ~~قبل العملة الذهبية، على حين أن بلاد الفرس كانت ~~عملتها الجارية الدراهم الفضية. # 31 # وهذا يدلنا على المكانة السامية التي كانت للدينار ~~الذهبي الرومي، فإقدام عبد الملك على امتهان ذلك ~~الدينار وسك عملة ذهبية جديدة، هو إقدام لا يجرؤ عليه ~~إلا من كان عنده حزم عبد الملك وسلطان كسلطانه. # ويختلف المؤرخون في السنة التي بدأ عبد الملك فيها ~~بسك العملة بين سنة 74 وسنة 75 وسنة 76. # 32 # ولكن الباحث الفرنسي # Lavoix # قد توصل ~~بمقارنة المصادر العربية والبيزنطية وفهارس مجموعات ~~النقود إلى أن إصلاح عبد الملك بدأ حوالي سنة 73 و74ه، ~~وأن ضرب النقود على أشكالها القديمة قد استمر بعد ذلك ~~لمدة سنوات أخرى. # 33 # وقد أبقى عبد الملك وزن الدينار العربي ~~على وزن الدينار الرومي، ولكنه قسم إلى عشرين ~~«قيراطا» بدل الاثنين والعشرين قيراطا إلا حبة، أما ~~الدراهم فقد أبقاها كما كانت؛ أي إن وزن كل عشرة منها ~~يساوي سبعة مثاقيل. # 34 # ولكي يحذر الناس من غش النقود الجديدة وضع الخليفة ~~«صنجات» لوزن العملة، وهي من الزجاج لوزن الدينار ~~والدرهم، وقد أرسل عبد الملك إلى عامله في العراق ~~الحجاج بن يوسف؛ لضبط النقود الفضة في العراق والمشرق، ~~ومنع استعمال العملات القديمة، وقد سار الخلفاء بعد ~~عبد الملك على سيرته، ولكنهم تشددوا في تخليص العملة ~~من الغش وتنقية الفضة والذهب وزيادة الوزن، وقد رأينا ~~في النص الذي نقلناه عن البلاذري أن عمر بن هبيرة قد ~~خلص الفضة أبلغ من تخليص من قبله وجدد الدراهم، وأن ~~الدراهم الهبيرية أجود من الدراهم السابقة. ثم جاء ~~خالد بن عبد الله القسري في عهد هشام، فاشتد في ~~تخليصها أكثر من ابن هبيرة، ثم جاء يوسف بن ms150 عمر فزاد ~~في الدقة في العيار، وقطع أيدي الناس على الغش ~~فيها. # أما صرف الدنانير بالدراهم فقد كان يختلف صعودا ~~ونزولا حسب الظروف العامة، وطبقا لنظام العرض ~~والطلب؛ ففي عهد الرسول كان الدينار يساوي 12 درهما، ~~وكذلك كان في عهد أبي بكر وعمر. # 35 # وفي خلافة علي كان يساوي عشرة دراهم. # 36 # وقد كان للدينار أجزاء كالنصف والربع، كما كان له ~~مضاعفات كالدينار المزدوج. وكذلك كان للدرهم أجزاء ~~كالنصف والربع والدانق، وهو سدس الدرهم، ويساوي ~~قيراطين وثلثا، و«الطسوج» و«الفلس». # 37 # وكان للدينار أنواع: فهناك الدينار الجيد الصحيح ~~العيار الصافي الذهب، وزنه مثقال كامل، وهو خير ~~الدراهم، وهناك دراهم غير جيدة، قد نقص الناس من وزنها ~~أو غشوا في ذهبها، وكذلك كان للدراهم أنواع: فمنها ~~الدرهم «النصرة» وهو ما كان من فضة جيدة صافية، وهناك ~~دراهم «زيوف» وهي التي تكون فيها المعادن الرخيصة من ~~نحاس وقصدير كثيرة، وهذه الدراهم تستعمل في التجارة، ~~وكانت الحكومة لا تقبله في معاملاتها؛ «دراهم بهرجة أو ~~نيهرجة» وهي التي لم تضرب في دار الضرب، و«دراهم ~~ستوفة» وهي دراهم نحاسية تغطى بقشرة من الفضة. # 38 # والحق أن إصلاح عبد الملك في قضايا العملات هو إصلاح ~~رئيسي أنقذ ثروة البلاد، ثم إن سياسة الوليد في تتميم ~~أعمال أبيه الإصلاحية قد تممت هذه المشاريع ~~الحيوية. # شئون البريد # قلنا في الباب الخامس من الفصل الأول: إن شئون ~~البريد نظمت في عهد معاوية، ولكنها لم تحكم إلا في ~~عهد عبد الملك؛ فقد أدخل عبد الملك تحسينات جديدة إلى ~~إدارة شئون البريد. ويروي القلقشندي بعد روايته الأولى ~~- أن البريد وضع في عهد معاوية - أن هناك رواية أخرى ~~هي أن أول من وضع البريد هو عبد الملك، حين خلا وجهه ~~من الخوارج عليه كعمرون بن الأشدق وعبد الله بن ~~الزبير. وينقل القلقشندي عن العسكري أن عبد الملك إنما ~~أحكمه. وذكر عنه أنه أمر حاجبه ألا يحجب عنه صاحب ~~البريد، فمتى جاء من ليل أو نهار؛ فربما أفسد على ~~القوم سنة حبسهم البريد ساعة، ms151 ويظهر أنهم كانوا ~~يحملون على البريد أشياء أخرى غير الرسائل من كل ما ~~يريدون الحصول عليه بسرعة؛ فقد رووا أن الوليد أمر أن ~~يحمل إليه الفسيفساء - وهي الفصوص المذهبة - إلى ~~دمشق؛ ليصفح بها حيطان المسجد الجامع بدمشق، ومساجد ~~مكة والمدينة والقدس. # 39 # كما روي عن أبي هلال العسكري في كتاب الأوائل أن ~~أول من حمل إليه الثلج الحجاج بن يوسف بالعراق. # 40 # وصاحب البريد مركزه في العاصمة، وله نواب ~~وعيون في سائر أجزاء الدولة، يرسلون إليه بالرسائل ~~والأخبار، وهو يتولى عرضها على الخليفة، وله أيضا ~~النظر في أحوال موظفي مصلحة البريد ودوابه وأمكنته ~~وأحواله ورجاله، وربما سموا بأصحاب الخرائط. ولا بد ~~لصاحب البريد أن يكون عارفا بالطرق والمسالك إلى جميع ~~نواحي الدولة، بحيث يجد عنده الخليفة أو الأمير كل ~~المعلومات المطلوبة لإنفاذ الجيوش وإرسال البرد. ~~وتنظيم البريد من أدلة قوة الدولة وسلطانها. فإذا ما ~~ضعف واختلت شئونه دل ذلك على انهيار الدولة، وآذن ~~ذلك بسقوطها؛ فقد ذكر صاحب التعريف فيما نقله صاحب صبح ~~الأعشى أن البريد ظل طوال الدولة الأموية معتنى به، ~~ثم لم يزل البريد قائما والعمل عليه دائما، حتى آن ~~لبناء الدولة المروانية أن ينقض، ولحبلها أن ينتكث، ~~فانقطع ما بين خراسان والعراق؛ لانصراف الوجوه إلى ~~الشيعة القائمة بالدولة العباسية. ودام الأمر على ذلك ~~حتى انقضت أيام مروان آخر خلفاء بني أمية. # 41 # وقد كان المشرف على البريد موظفا خاصا يسمى «صاحب ~~البريد»، وهو الذي يتولى إرسال البرد إلى الخليفة من ~~الأطراف، وينقل عن الخليفة ما يريد إيراده إلى ~~الأطراف. وكان للبريد ألواح من فضة مجلدة بديوان ~~الإنشاء تحت أمر كاتب السر. # 42 # وكان للبريد محطات ومراكز وخيول، أما ~~المراكز فهي المواقف التي ترتبط فيها الخيول، وليس ~~لهذه المراكز أبعاد معينة بل تختلف تبعا للمياه، ~~والقرى، والمدن، قربا وبعدا. # 43 # وقد فصل صاحب صبح الأعشى مراكز البريد ~~في الديار المصرية والشام والحجاز. # شئون القضاء # ذكرنا في الفقرة الثامنة من الباب الخامس في الفصل ~~الأول شيئا عن القضاء في ms152 عهد معاوية، ونضيف ها هنا أن ~~القضاة في العصر الأموي كانوا ينتقون من كبار الفقهاء ~~ورجال التشريع من الصحابة أو التابعين. وقد كان هؤلاء ~~القضاة يقضون طبقا لأحكام الكتاب الكريم أو السنة ~~النبوية أو القياس، وهو «رد الفروع المسكوت عنها إلى ~~الأصول المنطوق بها والمجمع عليها»، حتى يجد القاضي ~~طريقا إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل. # 44 # يوضح ذلك قول عمر في كتابه إلى أبي موسى ~~الأشعري لما ولاه قضاء الكوفة: القضاء فريضة محكمة ~~وسنة متبعة ... الفهم الفهم، إذا أدلى إليك فإنه لا ~~ينفع حق لا تقاد له. ساو بين الناس في وجهك ومجلسك ~~وعدلك، حتى لا يطمع قوي في جنبك، ولا ييأس ضعيف من ~~عدلك. البينة على المدعي واليمين على من أنكر. ~~الصلح بين الناس جائز إلا صلح حرم حلالا وأحل ~~حراما. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في ~~كتاب ولا سنة، فاعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور برأيك. # 45 # ويشترط في القاضي أن يكون عارفا بالكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة واختلاف السلف، فقيه النفس، يعقل وجوه ~~القياس إذا ورد، عالما بتخريج الأخبار إذا اختلفت، ~~وترجيح أقاويل الأئمة إذا اشتبهت، وافر العقل أمينا، ~~متثبتا حليما ذا فطنة وتيقظ، لا يؤتى من غفلة، ولا ~~يخدع بغرة، صحيح حواس السمع والبصر، عارفا بلغات أهل ~~قضائه، جامعا للعفاف، نزها بعيد الطمع، عدلا ~~رشيدا، صدوق اللهجة، ذا رأي ومشورة، إذا حكم فصل، لا ~~تأخذه في الله لومة لائم، ذا هيئة وسكينة ووقار، ولو ~~كان من قريش كان أولى. # 46 # وقد اشترط فيه شروط، هي: البلوغ والعقل والحرية ~~والذكورة والإسلام والعدالة والسمع والبصر والعلم. # 47 # ولما تطورت الدولة واتسعت رقعتها تعدد القضاء، فوجد ~~قضاء المظالم والحسبة والشهود. # أما قضاء المظالم، فهو القضاء الذي يتولى صاحبه ~~القضاء من القضايا والمشاكل التي لا يستطيع القاضي ~~حلها، إما لكون أحد المتخاصمين ذا نفوذ أو سلطان، وإما ~~لتعذر حل القضية عند القاضي، ولهذا يشترط في صاحب ~~المظالم أن يكون رجلا جليل القدر، ذا مكانة سامية ~~وقدر ms153 رفيع. ولم يجلس للمظالم أحد من الخلفاء الراشدين؛ ~~لأن الناس كانوا في الصدر الأول بين من يقوده التناصف ~~إلى الحق، أو يزجره الوعظ عن الظلم؛ إلا عليا فإنه ~~احتاج إلى النظر فيها؛ على أنه لم يفرد لسماع الظلامات ~~يوما معينا أو ساعة معينة، وإنما كان إذا جاءه متظلم ~~أنصفه، ثم أفرد يوما خاصا معينا للنظر في أحوال ~~المتظلمين وتصفح قصصهم. وأول من فعل ذلك عبد الملك بن ~~مروان، لكنه كان إذا وقف منها على مشكل احتاج فيه إلى ~~حكم رده إلى قاضيه ابن إدريس الأزدي، وكان ابن إدريس ~~هو المباشر، وعبد الملك الآمر، وهذه دلالة واضحة على ~~حسن تصرف عبد الملك، ومقدار عدالته واحتياطه في أمور ~~المسلمين. وكانت محكمة المظالم غالبا ما تكون برئاسة ~~الخليفة أو نائبه، أو الوالي، ومحلها المسجد الجامع، ~~وكان صاحب المظالم يحاط بخمس جماعات: ~~(1) # الحماة والأعوان، وقد اختيروا بحيث ~~يستطيعون التغلب على من يلجأ إلى القوة ~~والعنف أو الفرار من القضاء. ~~(2) # القضاة والحكام، ومهنتهم الإشارة على ~~صاحب المظالم بأقوم الطرق لرد الحقوق ~~إلى أصحابها وإعلامه بما يجري بين الخصوم ~~لإلمامهم بشتى الأمور. ~~(3) # الفقهاء، وإليهم يرجع قاضي المظالم فيما ~~أشكل عليه من المسائل الشرعية. ~~(4) # الكتاب، ويقومون بتدوين ما يجري بين ~~الخصوم وإثبات ما لهم وما عليهم من ~~الحقوق. ~~(5) # الشهود، ومهمتهم الشهادة على أن ما ~~أصدره القاضي من الأحكام لا ينافي الحق ~~والعدل (الماوردي لأحكام السلطان، ~~73-89). # وقال ابن خلدون (ص360 مقدمة): «كان الخلفاء من قبل ~~يجعلون للقاضي النظر في المظالم، وهي وظيفة ممتزجة من ~~سطوة السلطان ونصفة القضاء، وتحتاج إلى علو يد وعظيم ~~رهبة من الخصمين، وتزجر المعتدي، وكأنه يمضي ما عجز ~~عنه القضاة أو غيرهم عن إمضائه، ويكون نظره في البينات ~~والتقرير واعتماد الأمارات والقرائن وتأخير الحكم إلى ~~استجلاء الحق وحمل الخصمين على الصلح واستحلاف الشهود، ~~وذلك أوسع من نظر القاضي، وكان الخلفاء الأولون ~~يباشرونها بأنفسهم إلى أيام المهتدي من ~~بني العباس.» # وأما الحسبة فهي نوع من أنواع القضاء. وقد كان ~~الخلفاء يباشرونها بأنفسهم في عهد ms154 الخلفاء الراشدين؛ ~~لأنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم لما ~~توسعت الدولة صار الخليفة يوليها غيره كالقضاء. قال ~~ابن الأخوة: المحتسب من نصبه الإمام أو نائبه ~~للنظر في أحوال الرعية، والكشف عن أمورهم ومصالحهم. ~~ومن شرطه أن يكون مسلما حرا بالغا عاقلا عدلا ~~قادرا، ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين، عارفا بأحكام ~~الشريعة. وقد كانت للمحتسب سلطات واسعة يشرف فيها على ~~الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، ومراقبة الموازين والمكاييل ~~والأسواق والمعامل والمصانع والحرف والأطعمة والبضائع ~~والأشربة، كما يراقب أحوال أهل الذمة وأهل الجنائز ~~والحاكة والخياطين والدلالين والنخاسين والصرافين ~~والصياغ وأهل الحمامات والأطباء والكحالين والمعلمين ~~والوعاظ والمنجمين وأهل السفن والمراكب، والأمراء ~~والولاة والقضاة والشهود، كما يهتم بأمور الزناة ~~والحانات وشراب الخمر، والمقامرين وغيرهم من أهل ~~الدعارة، ويراقب أحوال الناس في ملابسهم والظهور بمظهر ~~الحشمة في الطرقات العامة، كما يراقب أحوال المباني ~~والطرقات، وكل ما له علاقة بحياة المدينة الاجتماعية. ~~ولهذا المحتسب شبيه في العهد البيزنطي وهو المعروف ~~باسم # Agorannum ~~. # وأما الشهود فهم الذين يشهدون أمام القاضي في النفي ~~أو الإثبات، ولا بد للشاهد من التزكية. وقد كان الشهود ~~في عهد الخلفاء الراشدين يزكون علنا، أما في العصر ~~الأموي فلقد رووا أن غوث بن سليمان الحضرمي قاضي مصر ~~سنة 135 هو أول من سأل الشهود في السر، ولم يكتف ~~بالتزكية العلنية لفساد الأحوال، وكانت القضاة قبله ~~إذا شهد عند أحدهم شاهد، وكان معروفا بالسلامة قبله، ~~وإن كان غير معروف وقف، وإن كان مجهولا سأل عنه ~~جيرانه فما ذكره من خير وشر عمل به فيه. # 48 # وقد يكون للقاضي أعمال أخرى غير القضاء بين الناس، ~~كالقصص والوعظ وحفظ بيت المال، وحفظ أموال الأيتام ~~والوصايا؛ فقد كان عبد الرحمن بن حجرة قاضي مصر من ~~65-83ه، يتناول ألف دينار في العام راتبا له؛ مائتان ~~عن القضاء، ومائتان عن القصص، ومائتان عن بيت المال، ~~وعطاؤه مائتان، وجرايته مائتان. # فنرى من هذا أن القاضي كان يتناول راتبا ضخما، ~~يكفيه ويحميه من أن يتورط في الرشوة ms155 وإضاعة الحقوق. ~~وقد كان الخلفاء في العصر الأموي يتشددون في مراقبة ~~أحوال القضاء؛ فقد حكى لنا الكندي في كتاب القضاة أن ~~هشام بن عبد الملك لما بلغه في دمشق أن يحيى بن ميمون ~~الحضرمي لم ينصف يتيما في مصر، احتكم إليه بعد بلوغه، ~~عظم الأمر عنده، وكتب إلى عامله على مصر يقول: اصرف ~~يحيى عما يتولاه من القضاء مذموما مدحورا، وتخير ~~لقضاء جندك رجلا عفيفا ورعا تقيا سليما من ~~العيوب، لا تأخذه في الله لومة لائم. # 49 # الشرطة # ذكرنا في الباب الخامس من الفصل الأول شيئا عن ~~أولية هذه الوظيفة. ونضيف هنا أن صاحب هذه الوظيفة هو ~~المنفذ لأحكام صاحب المظالم والقاضي، وهو قسيم ~~المحتسب؛ لأن كلا منهما له حق تنفيذ العقوبة، إلا أن ~~صاحب الشرطة أقوى سلطانا من صاحب الحسبة، وإليه أمر ~~استتباب الأمن في البلد، وحفظ النظام، والقبض على ~~الجناة والمفسدين، وما إلى ذلك، أما صاحب الحسبة ~~فوظيفته تتعلق برقابة أهل الفسق من الباعة والسوقة، ~~وأمثالهم ممن يسيئون إلى الأعمال فيعاقبهم. # ولصاحب الشرطة أمر العسس في الليل، وكان عمر - رضي ~~الله عنه - يعس بنفسه في الليل. وفي عهد علي انتظمت ~~أمور صاحب الشرطة، وكان يختار من علية القوم ~~وأمنائهم وأشرافهم. ويظهر أنها كانت تابعة للقاضي في ~~أول الأمر، ثم انفصلت عنه في أواخر العصر الأموي، ~~وأصبح صاحبها مستقلا بأموره. # وقد كان صاحب الشرطة مسئولا عن حراسة الخليفة ~~والناس، كما كان له فروع في المدن الأخرى يتصلون به، ~~فيوجههم الوجهات الصحيحة لاستتباب الأمن وحفظ النظام، ~~والقبض على المجرمين والمفسدين، وتنفيذ قرارات القضاة ~~وأصحاب المظالم. # قال ديمومين: ومنذ عهد الأمويين تلاحظ ظهور وظيفة ~~صاحب الشرطة، الذي كان في نفس الوقت منفذ قرارات ~~القاضي، فيما يتصل بالقانون الجنائي القرآني، كما كان ~~حاكما لعدد من الجنح البسيطة غير محدود، كان يعاقب ~~عليها آنيا، وقد راقب المجرمين وطاردهم؛ ليجلبهم إلى ~~حضرة القاضي إن أمكن. وإلى حد كبير كانت الجنح ~~البسيطة نسبيا تدخل ضمن اختصاص صاحب الشرطة، أما ~~الجنح الأخرى وبعض مخالفات قانونية معينة ms156 فقد كان ينظر ~~فيها حاكم خاص هو المحتسب. # 50 ~~(7) العاصمة والسكان: الأرض الإسلامية # قلنا في الفقرة التاسعة من الفصل الخامس للباب الأول ~~شيئا عن العاصمة الأموية دمشق وتأثير حضارتها البيزنطية ~~القديمة في تكوين الحضارة الأموية؛ ونضيف هنا أن هذه ~~العاصمة كان لها أثر جبار واضح القسمات في إنشاء الحضارة ~~الإسلامية الأموية وتطويرها؛ ففي القرن الذي كانت هي فيه ~~حاضرة العالم الإسلامي، امتدت الفتوح من أقصى المشرق إلى ~~أقصى المغرب، ومنها وجهت الرسائل والإرشادات والتعاليم ~~والأنظمة إلى سائر أجزاء المملكة الإسلامية، وفي القرن ~~الذي حكمت فيه دمشق العالم الإسلامي، وضعت جميع أسس النظم ~~الإسلامية، وبدأت النزعات العقلية. ثم إن مواهب أهل دمشق ~~خاصة، وسورية عامة قد لعبت دورا أساسيا في تكوين ~~الحضارة الإسلامية، التي برعتها أيدي خلفاء عقلاء أذكياء ~~كخلفاء بني أمية، وجهتها سيوف جند فاتحين من عدنان وقحطان ~~استوطنوا الشام، وتوجهوا منه لفتح العالم ونشر الإسلام ~~والعروبة، وعلى الرغم من ثورات الحجاز والعراق وخراسان ~~وإفريقية، وعلى الرغم من فتن الأزارقة والصفرية والكيسانية ~~وغيرهم من الفرق، فإن دمشق ظلت قوية صامدة، تمشي إلى ~~هدفها الذي رسمته بكل حزم واتئاد. وقد كان لأهل دمشق من ~~أصليين وفاتحين أثر فعال في تطوير الحضارة الإسلامية، ~~وتدعيم أركان المدنية العربية، وكان مسجد دمشق وبلاطها ~~مراكز إشعاع فكري وحضاري، وترفي وسياسي وعسكري. فمن هذين ~~المشعلين استضاءت حواضر الأندلس وإفريقية ومصر والعراق ~~وخراسان وبلخ ومرو وسمرقند وكشغر والسند، ومن هذين ~~المركزين الثقافيين تعلمت رجال العالم الإسلامي طرق ~~الحياة وأساليب الإدارة. # ومما تجدر الإشارة إليه أن دمشق عدت أيام عبد الملك ~~وأولاده وأحفاده كعبة القصاد؛ لما حبتها الدولة من ~~مظاهر الفخامة، ولما أسدت إليها الطبيعة من رونق النضارة، ~~وقد أكثر الخلفاء والأمراء والكبراء فيها من بناء القصور ~~والدور والمعاهد والمساجد والحمامات والخانات والأسواق ~~والمؤسسات العامة. وصفوة القول: إن العصر الأموي هو العصر ~~الذي ازدهرت فيه بلاد الشام ازدهارا عجيبا، وخطت خطوات ~~مدهشة في سبيل الحضارة. يقول البروفسور ديمومين: إن القرن ~~الذي حكم خلاله الأمويون ليثير أشد الاهتمام دون ms157 شك، مع ~~أنه أقل فترات التاريخ الإسلامي وضوحا في الأذهان؛ ففي ~~هذا القرن وضعت جميع النظم الإسلامية، وبدأت كافة ~~الاتجاهات الفكرية. # 51 # أما سكان الشام والأمصار الإسلامية الأخرى، فقد تطورت ~~أحوالهم في هذا العهد تطورا واضحا، فالشام هو مسكن القوم ~~الذين شدوا أزر الدولة في الداخل، وخرجوا بسيوفهم إلى ~~الخارج يهدئون ثورات الثائرين، وينشرون لواء الدولة في ~~الخافقين، ولولا العصبيات القبلية من يمانية ومضرية والفتن ~~التي نشبت عن ذلك في المركز أو النواحي لكان لهؤلاء شأن ~~آخر. # وأما العراق فهو موطن الشيعة العلوية، التي حز في ~~نفوسها انتصار خصوم آل علي وابتزازهم الحق منهم، فكانت ~~نفوسهم تغلي حقدا، وهم دوما إما في ثورة ناطقة أو في ~~ثورة صامتة ضد آل أمية، ولولا الولاة الأشداء كزياد ~~والحجاج وخالد ويوسف بن عمر وغيرهم من رجالات بني أمية لما ~~هدأ العراق ولا استكان لأمية. # وفي العراق نشأت الفرق المناوئة لبني أمية من خوارج ~~وكيسانية وأشاعثة ومرجئة ومعتزلة وغيرهم ممن أقضوا مضجع ~~الدولة وآذوا أهلها. «وأنا موقن» أنه لولا قسوة الحجاج ~~وزياد الممزوجة بالعدل والتعصب للعرب، لما هدأ العراق طوال ~~عهد الأمويين؛ فقد كان هؤلاء - على ظلمهم وجبروتهم - ~~يرفعون من شأن عرب العراق، وكان الحجاج يجل شيوخ عرب ~~العراق، وجعل منهم النواة التي غزت الشرق، وسيطرت عليه، ~~فقد جعل العراق في عهده معقل الجيوش العربية. # وأما الحجاز فقد انقلبت في هذا العهد من العصر الأموي ~~إلى بيئة ساكنة، يرغب أهلها في الهدوء والحياة الوادعة ~~اللاهية؛ لأن طبيعة الحجازيين ناعمة مترفة، وقد أتيح لها ~~أن تبعد عن السياسة، وأغدقت عليها الأموال، فانصرف أهلها ~~إلى المرح واللهو والغناء وبناء القصور، وبخاصة الرجال ~~الذين كان الأمويون يحشدونهم من أبناء أهل السابقة من وجوه ~~المهاجرين والأنصار، فظهرت طبقات ميالة إلى المرح واللهو، ~~كما ظهرت طبقات ميالة إلى إشادة القصور، ووجد أناس ~~ينصرفون إلى العلم والدين، وأناس يميلون إلى الصلاح ~~والتقوى، وما إلى ذلك مما يبعدهم عن السياسة إلى غيرها، ~~ولما جاء عبد الملك وأولاده ساروا على تلك السياسة. ms158 # وأما الجهات الإسلامية الأخرى من العالم فهي الجهات ~~المفتوحة، كشمال إفريقية والأندلس والمشرق، فقد رأى أهلها ~~قوة العرب الفاتحين فخنعوا لهم وهم يتحينون الفرص طوال ~~العصر الأموي للتخلص من نير هؤلاء القوم الفاتحين. وكانت ~~هذه البلاد لا تخلو دوما من فتن وثورات، ولكن حزم بني ~~أمية وولاتهم استطاعوا أن يوطدوا أقدامهم في تلك الديار، ~~ويفرضوا الإسلام على أهلها، ولم يكن النتاج الإسلامي في ~~هذه الديار من النواحي الثقافية والحضارية ذا أثر ملموس، ~~إلا في أواخر العصر الأموي أو العصر العباسي. # ومما هو جدير بالذكر أن أهل الذمة من نصارى ويهود ومجوس ~~قد عاشوا تحت لواء بني أمية عيشة هنية رضية؛ لأن الأمويين ~~كانوا بعيدين عن روح التعصب الديني، كما كانوا يحرصون على ~~حماية أهل الذمة لقاء ضريبة الخراج والجزية التي أخذوها ~~على أن يحموهم، ولما كثر دخول أهل الذمة في الإسلام ورأى ~~الخلفاء - كعبد الملك والوليد وسليمان - أن كثرة دخولهم ~~سيحرم بيت المال من موارد جسيمة، استمروا يأخذون تلك ~~الضرائب منهم؛ لأنهم كانوا ينظرون إلى المصلحة العامة، وإن ~~كان في ذلك مخالفة لظاهر الشرع الإسلامي، ولكن الخليفة ~~الراشد عمر بن عبد العزيز منع ذلك كله ولم يقبل بأخذها، ~~وألغى قوانين الاحتيال والمواربة التي اصطنعتها عمال بني ~~أمية لإجبار أهل الذمة الذين دخلوا في الإسلام لاستمرار ~~دفع هؤلاء للخراج والجزية. # ومما هو جدير بالذكر أن سكان الدولة الإسلامية في ذلك ~~كانوا يتأثرون بأحوال الخلفاء؛ ففي عهد عبد الملك انصرف ~~الناس جميعا إلى العناية بأمور الدولة، فإن حركة الإصلاح ~~العامة التي قام بها في الدواوين والمصالح العامة وفي ~~تنظيم شئون الدولة قد جعل الناس في عصره يهتمون بأمثال هذه ~~الأمور. فلما ولي ابنه الوليد وكانت في عهده الفتوح واليسر ~~والرخاء كثر البناء، وتخففت الأعباء عن كاهل المسلمين. وفي ~~عهد سليمان بن عبد الملك دب الترف والبذخ اللذين كانا ~~يسيطران على البلاط إلى سائر الأرجاء. وفي عهد عمر بن عبد ~~العزيز، كان الناس يتدارسون القرآن، ويعملون على إحياء سنن ~~الشريعة، والانصراف إلى الزهد ms159 والنسك والتواضع. ولما ولي ~~يزيد والوليد الثاني عم اللهو وانتشرت الخلاعة؛ لأن ~~الناس على دين ملوكهم. وفي عهد هشام كثرت عناية الناس ~~بتعمير الأرض وتقوية الثغور وحفر القنوات؛ لأنه كان مغرما ~~بهذا عاكفا عليه. # الفصل الثالث عشر # | الحركات العلمية والعقلية # مقدمة # قلنا في الفصل السادس من الباب الأول: إن الشام كان في ~~العهد الأول من العصر الأموي مجالا خصبا لنشوء حركات ~~علمية وأدبية لأسباب؛ منها أن الشام أرض عريقة في العلم ~~والفن، ومنها أن تأسيس الدولة الجديدة اقتضى إيجاد حركة ~~علمية وأدبية تلائم الحركات السياسية وتماشيها، ولكن طبيعة ~~الإنشاء تقضي أن تكون الباكورة ساذجة؛ فلذلك لم نسمع بأثر ~~كبير لهذه الحركات في تلك الحقبة. # ونضيف ها هنا إلى ذلك أن الاستقرار السياسي الذي أعقب ~~عصر معاوية ومروان قد أنتج نتاجا طيبا في الحقل العقلي ~~والعلمي والأدبي؛ وذلك لميل الخلفاء إلى إظهار أبهة ~~الخلافة. يقول القلقشندي: لم يزل أمر المكاتبات في الدولة ~~الأموية جاريا على سنن السلف إلى أن ولي الوليد بن عبد ~~الملك، فجود القراطيس وجلل الخطوط، وفخم المكاتبات، ~~وتبعه من بعده الخلفاء على ذلك، إلا عمر بن عبد العزيز ~~ويزيد بن الوليد، فإنهما جريا في ذلك على طريق السلف، ثم ~~جرى الأمر من بعدهما على ما سنه الوليد إلى أن صار الأمر ~~إلى مروان بن محمد - آخر خلفائهم - وكتب له عبد الحميد بن ~~يحيى، وكان من اللسن والبلاغة على ما أشهر ذكره، فأطال ~~الكتب وأطنب فيها، حيث اقتضى الحال تطويلها والإطناب فيها، ~~حتى يقال: إنه كتب كتابا عن الخليفة، وقر جمل، واستمر ذلك ~~فيما بعده. # 1 # والحق أن ظهور الدولة بمظهر الفخامة في هذا ~~العهد الأموي قد جعلها تهتم بالكتابة والعلم للأسباب ~~الآتية: ~~(1) # اتساع رقعة البلاد اتساعا عظيما، اضطر ~~الخلفاء إلى اتخاذ الكتاب العديدين ~~والتراجمة. ~~(2) # ميل الخلفاء إلى رفع شأن الخلافة والإسلام ~~وتقوية مركزهما في العالم المتمدن. ولا شك ~~في أن العلم والفن هما من أقوى دعائم ~~الحضارة. ~~(3) # اختلاط العرب بالطبقة المثقفة من أبناء ~~الأمم المفتوحة من أهل الشام ms160 وفارس ومصر ~~والأندلس. قال عبد الملك بن مروان في وصف ~~الزعيم الشامي الخطيب العالم المشهور روح بن ~~زنباع الجذامي إنه: «شامي الطاعة، عراقي الخط، ~~حجازي الفقه، فارسي الكتابة.» # 2 # وصفوة القول هي أن بني أمية في هذه الفترة قد خطوا خطوات ~~مفيدة في ترقية علوم الدين والأدب والفن والعلم - كما ~~يتجلى ذلك فيما يلي: ~~(1) القرآن # عني المسلمون منذ عصر الراشدين بالقرآن الكريم ~~ومدارسته، وكانت مساجد دمشق ومكة والمدينة والبصرة والكوفة ~~والفسطاط والقيروان، أمكنة لدراسة الكتاب العزيز وتفهم ~~معانيه وقراءاته ورواياته. وقد نبغ في هذه الأمكنة أئمة ~~شرق ذكرهم وغرب في معرفة قراءة القرآن ورواياته، وأجلهم ~~«القراء» السبعة الذين يرجع إليهم المسلمون إلى اليوم ~~في قراءة القرآن وهم: ~~(1) # عبد الله بن كثير (؟-120) المكي، وهو من ~~الأئمة الفقهاء ومتقني القراء، تولى قضاء ~~مكة، فيها نشأ وفيها مات. # 3 ~~(2) # عاصم بن أبي النجود (؟-128) هو شيخ قراء ~~الكوفة، أخذ القراءة ~~عن أبي ~~عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش، وكان من ~~المحدثين الثقات. # 4 ~~(3) # عبد الله بن عامر اليحصبي (؟-118) قارئ دمشق ~~وقاضيها في خلافة عبد الملك. # 5 ~~(4) # يزيد بن القعقاع (؟-132) شيخ قراء المدينة ومفتيها. # 6 ~~(5) # حمزة بن حبيب الزيات التميمي (؟-156) من ~~قراء الكوفة وعالمها وزاهدها. قال الثوري: ما ~~قرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر. # 7 ~~(6) # أبو عمرو بن العلاء (؟-155) من قراء ~~البصرة وأئمة العربية والأدب فيها. قال أبو ~~عبيدة: كان أعلم الناس بالأدب والعربية ~~والقرآن والشعر. ~~(7) # نافع بن عبد الرحمن (؟-169) من قراء ~~المدينة وفقهائها الأجلاء الزهاد. # قال ابن خلدون في المقدمة، ص517: القرآن هو كلام الله ~~المنزل على نبيه، المكتوب بين دفتي المصحف، وهو متواتر ~~بين الأئمة، إلا أن الصحابة رووه عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على طرق مختلفة، في بعض ألفاظه، وكيفيات الحروف في أدائها، ~~وتنوقل في ذلك واشتهر إلى أن استقرت منها سبع طرق معينة، ~~تواتر نقلها أيضا بأدائها، واختصت بالانتساب إلى من اشتهر ~~بروايتها من الجم الغفير، فصارت هذه القراءات السبع أصولا ~~للقراءة، وربما زيد بعد ذلك قراءات ms161 أخر لحقت بالسبع. # 8 # وقد كانت علوم القرآن وقراءاته في هذا العصر ~~غير واضحة المعالم ولا بينة التفاريع، إلى أن جاء العصر ~~العباسي، فوضحت معالمها وألفت فيها الكتب الأمهات. ~~(2) الحديث # نبغ في هذه الفترة ~~جمهرة من أئمة علماء الحديث النبوي، الذين أخذوا ينتقلون ~~في أجزاء المملكة الإسلامية، يجمعون أحاديث النبي من ~~الصحابة الذين أدركوه، أو من التابعين الذين سمعوها من ~~آبائهم الصحابة. وقد كان للرحلات في طلب الحديث النبوي ~~أخبار كثيرة في كتب الأدب والتاريخ. ولا شك في أن بعض ~~هؤلاء المحدثين كانوا يدققون في جمع الحديث، ولا يتساهلون ~~في النقل. كما أنه قد وجد بينهم جماعات رووا بعض الأحاديث ~~الموضوعة على لسان الرسول إما جهلا منهم أو عمدا، ~~تأييدا لفكرة أو إشارة إلى حدث، وخصوصا أثناء الفتن أو ~~بين أصحاب الفرق، ولكن علماء الحديث الثقات كانوا بالمرصاد ~~لهؤلاء المغرضين والدساسين والجهلة. وقد كان هؤلاء ~~المحدثون في العصر الراشدي والأموي الأول يروون أحاديثهم ~~رواية، وقد يدونها بعضهم في أوراق وكناشات. أما تصنيف ~~الكتب فيها فيقال: إن أول من فعل ذلك هو محمد بن مسلم ~~بن عبيد الله المعروف بابن شهاب الزهري، التابعي الفقيه ~~الجليل (؟-124). # 9 # فقد روى ذلك ابن حجر في شرح البخاري، وقال: ~~إنه فعل ذلك في عهد عمر بن عبد العزيز وبأمره. # 10 # ويروى أن الذي فعل ذلك في عهد عمر بن عبد ~~العزيز هو أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، حين كتب إليه عمر ~~بن العزيز أن يجمع له حديث رسول الله وحديث عمر. # 11 # ومن قدماء مصنفي المحدثين في هذه الفترة، في ~~الحجاز: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح، عالم مكة (؟-150). # 12 # وفي البصرة: الربيع بن صبيح السعدي البصري # 13 ~~(؟-160)، وسعيد بن أبي عروبة العدوي البصري (؟-156). # 14 # وحماد بن سلمة مفتي البصرة (؟-167). # 15 # وفي الكوفة: سفيان الثوري الملقب بأمير ~~المؤمنين في الحديث (؟-161). # 16 # وفي دمشق: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ~~البعلبكي البيروتي، محدث الشام (؟-157). # 17 # وفي واسط: شعبة بن الحجاج الأزدي (؟-160)، ~~هشيم بن بشير ms162 الواسطي (؟-188). # 18 # وفي اليمن: معمر بن راشد الأزدي (؟-153). # 19 # وفي الري: جرير بن عبد الحميد الضبي (؟-188). # 20 # وفي خراسان: عبد الله بن المبارك المروزي (؟-181). # 21 # وكتب هؤلاء القوم مفقودة ، وقد دخلت محتوياتها ~~في دواوين الحديث وجوامعه التي صنفت في القرن ~~الثاني. ~~(3) التفسير # عني المسلمون منذ الصدر الأول بتفهم الكتاب العزيز، ~~وتفسير آياته الغامضة والمتشابهة، وكان المسلمون في عهد ~~الرسول والخلفاء الراشدين يسألون النبي الكريم وكبار ~~الصحابة عن المشكل عليهم فهمه من آيات الله لمعرفة غريبها ~~وناسخها ومنسوخها ومجملها ومقصدها. ولما وجدت دولة بني ~~أمية، واحتاج المسلمون إلى القوانين والأنظمة، رجعوا إلى ~~القرآن والحديث النبوي يستقرئونهما ويستنبطون منهما ~~الأحكام والقوانين، فاحتاجوا إلى تفسير غامض آياته ~~ومفرداته. وكان المحدثون والقراء والفقهاء هم أئمة ~~التفسير في هذا العصر، وقد ظلوا يتناقلون ما حفظ من ~~التفاسير رواية، والمشهور أن مجاهد بن جبر مولى السائب بن ~~أبي السائب المكي (؟-102) # 22 # المقرئ الإمام المفسر، تلميذ ابن عباس ~~وراويته الذي قرأ عليه القرآن ثلاثين مرة، كما قرأ على أبي ~~هريرة وجابر. # 23 # ويقال: إن ابن عباس (98) هو أول من ألف ~~في تفسير القرآن، وتفسيره موجود ومطبوع، ولكن يفهم من ~~مقدمة هذا التفسير أنه نقل بالرواية عن ابن عباس. # وللشيعة تفسير قديم ينسبونه إلى الإمام محمد الباقر بن ~~علي بن الحسين، أما تفسير مجاهد المذكور فلا وجود له، ~~ولعله هو تفسير ابن عباس لا مجاهد. # 24 # ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن ~~كثيرا من علوم الإسرائيليين والنصارى قد دخلت في ~~التفاسير؛ لأن العرب كانوا قوما أميين بداة، وقد وجدوا في ~~معلومات أهل الكتاب وأخبارهم ما يغذي نهمهم في تفهم سير ~~الأولين من الأنبياء والملوك، الذين يشير إليهم القرآن ~~الكريم، فطلبوا هذه المعلومات ودس اليهود والنصارى ~~كثيرا من الخرافات بين أقوالهم، وقد لعب كعب الأحبار، ~~ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام وغيرهم من علماء اليهود ~~وأحبارهم دورا كبيرا في نشر هذه الإسرائيليات في ثنايا ~~كتب التفسير. # 25 ~~(4) الفقه # قلنا في الباب السادس من الفصل الأول: إن ms163 الشام كان بعد ~~الفتح الإسلامي، كان مقرا لحركة فقهية نشيطة اقتضتها ~~ظروف إيجاد الدولة في دمشق. وقد كان من أئمة هذه الحركة ~~أبو ذر الغفاري، وعبد الرحمن بن غنم وأبو الدرداء وغيرهم ~~من كبار أئمة المسلمين. ونضيف ها هنا أن الفقه هو علم ~~معرفة أحكام أمره تعالى في أفعال المكلفين من حيث الوجوب ~~والتحريم والندب والكراهة والإباحة، وقد توسعت دراساته في ~~هذا العهد؛ لحاجة الدولة إليه ولكثرة النوازل والقضايا ~~التي تحل بالمسلمين، ومشاكل شخصية ومعاملات دنيوية وأمور ~~تعبدية. وقد كان القرآن والحديث وإجماع المسلمين والقياس ~~المراجع التي رجع إليها الفقهاء والمجتهدون في وضع أسس ~~التشريع وفروعه، ومن كبار الفقهاء الذين أبلوا بلاء حسنا ~~في هذه الدراسات عبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، وعبد ~~الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وزيد بن ~~ثابت، وأبو موسى الأشعري، وهم من جلة الصحابة، ثم خلف من ~~بعدهم خلف من الأئمة المجتهدين، الذين لمع اسمهم في ~~المدينة في العصر الذي نؤرخه وهم: سعيد بن المسيب ~~المخزومي القرشي (؟-94) أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع ~~بين الحديث والفقه والزهد، وكان أحفظ الناس لأحكام عمر. # 26 # وأبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي القرشي ~~(؟-94) كان يلقب براهب قريش لزهده وفضله. # 27 # وعبيد الله بن عبد الله بن عبيدة الهذلي ~~(؟-98) فقيه شاعر أدب عمر بن عبد العزيز. # 28 # وعروة بن الزبير (؟-93) كان إماما عابدا مجتهدا. # 29 # القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (؟-107) ~~وكان فقيها ثقة صالحا. # 30 # سليمان بن يسار مولى ميمونة أم المؤمنين ~~(؟-107)، كان من شيوخ الفقهاء في المدينة، كان سعيد بن ~~المسيب إذا أتاه مستفت بعثه إليه. # 31 # وهؤلاء هم أئمة المجتهدين، وعنهم انتقل علم ~~الفقه إلى العالم الإسلامي، وربما عدهم بعضهم عشرة، جمعهم ~~بعضهم بقوله: # 32 # ألا كل من لا يقتدي بأئمة # فقسمته ضيزى عن الحق ~~خارجة # فخذهم عبيد الله عروة قاسم # سعيد سليمان أبو بكر ~~خارجة ~~(5) علم الكلام # وهو علم يتضمن ~~الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والنقلية، ~~والرد على المبتدعين المنحرفين ms164 عن مذاهب السلف، وسر هذا ~~العلم هو التوحيد؛ ولذلك يسمى أيضا (علم التوحيد # 33 # وأصول الدين)، واعتماد الباحثين فيه على كتاب ~~الله وسنة رسوله وعلم المنطق والفلسفة والأصول، وقد افترق ~~المسلمون منذ زمن مبكر إلى فرق ذات عقائد مختلفة، كل ~~يعتمد في عقيدته على بعض الآيات والحجج. وقد كانت الآيات ~~المتشابهة غير الواضحة أبقى سبب لإيجاد الخلاف وتوسيع ~~شقته، كما أن قضية الخلافة قد لعبت دورا كبيرا في توسيع ~~رقعة الخلاف بين المسلمين، وكان للعقائد القديمة من يهودية ~~ونصرانية ومجوسية وزردشتية ومانوية أكثر فعال في زيادة هذه ~~الاختلافات. وقد نجح في العصر الذي يؤرخ كثير من هذه ~~الفرق كالقدرية والمرجئة الكيسانية وغيرهم ممن مر ذكرهم، ~~ولم يعرف أن أحدا ألف في علم الكلام قبل واصل بن ~~عطاء شيخ المعتزلة المتوفى سنة 181. ~~(6) الشعر # ارتقى الشعر في هذه الفترة من العصر الأموي رقيا ~~مذكورا، والسبب في ذلك عناية خلفاء الدولة وأمرائها؛ ~~لحاجتهم إليه ولشدة تأثيره في الجماهير، ~~فقد جعله الأمويون ~~وسيلة لإذاعة محامدهم، وتأييد سلطانهم، والطعن في زعماء ~~خصومهم، وقد كان للعصبية أثرها الفعال في شيوع الشعر بين ~~القبائل؛ لأن القبيلة كانت تحتاج إلى الشعر للذود عنها، ~~وإذاعة محامدها، والرد على مناوئيها، كما أن الشاعر كان ~~رسول القبيلة إلى الخليفة ينطق باسمها، ويعبر عن معانيها، ~~فإذا حل هذا الشاعر مكانه وفاز برضاه عدت القبيلة ذلك ~~سموا لمكانتها. وقد استتبع عطف بني أمية على من مدحهم من ~~الشعراء أن يتعصب عليهم من لم يفز بنوالهم وعطاياهم أو من ~~كان يحقد عليهم سياسيا كالخوارج والشيعة والزبيرية والمهالبة. # 34 # فمن شعراء بني أمية: أعشى ربيعة عبد الله بن خارجة ~~(؟-85)، ونابغة بني شيبان عبد الله بن محارق، وكان من ~~شعراء عبد الملك وله معه أخبار كثيرة، وعدي بن الرقاع من ~~شعراء الوليد، وأبو صخر عبد الله بن سليم الهذلي من شعراء ~~عبد الملك. # ومن شعراء المهالبة: زياد الأعجم (؟-100)، وثابت ابن ~~قطنة بن كعب من شعراء يزيد بن المهلب، وحمزة بن بيض ~~(؟-120). # ومن شعراء الشيعة: الكميت بن ms165 زيد (؟-126)، وأيمن بن حزيم ~~الأسدي (؟-86). # ومن شعراء الخوارج: الطرماح بن حكم (؟-100)، وعمران بن ~~حطان (؟-89)، وإسماعيل بن يسار (؟-110). # وهناك شعراء لم يدخلوا في معترك السياسة، بل انصرفوا إلى ~~التشبب والغزل، وأكثرهم في الحجاز كابن أبي ربيعة (؟-93)، ~~وعبد الله بن عمر العرجي، وعبد الله بن قيس الرقيات ~~(؟-75)، وكثير عزة (؟-105)، والأحوص (؟-105)، ومجنون ~~ليلى، وقيس بن ذريح، والأقيشر الأسدي، وليلى الأخيلية ~~وصاحبها ثوبة بن الجمير، وأبو العطاء السندي ~~وغيرهم. ~~(7) الخطابة # كانت الخطابة بالغة أوجها في عهد الراشدين والأمويين؛ ~~لحاجة القوم إليها في حث الناس، وتبين سياسة الدولة ~~ومناهجها، فالخلفاء والأمراء كعبد الملك وعمر ~~بن عبد العزيز وابنا عبد الملك والحجاج وزياد وطارق ~~بن زياد، وقد خلف لنا هذا العصر عددا كبيرا جدا من ~~الخطب البليغة في عباراتها الغنية بأفكارها، وقد جمعت في ~~جمهرة خطب العرب للأستاذ زكي صفوت. ~~(8) علوم العربية # ابتدأت علوم العربية من نحو وصرف وأدب في التكون في ~~هذا العصر. وقد كان العرب قبل أن يختلطوا بالأعاجم ينطقون ~~العربية؛ فيخطون وينطقون سليقة خالصة، فلما اختلطوا ~~بالمسلمين من غير العرب بالفتح والتزاوج فسدت لغة ناشئهم، ~~وأخذ اللحن يظهر على أسلات أقلامهم وفلتات لسانهم؛ مما ~~اضطر رجال الحل والعقد إلى التفكير في إيجاد منحى يقيمون ~~به اعوجاج الألسنة، وقد اختلفت آراء المؤرخين في أول من ~~فعل ذلك، والوقت الذي شرع فيه بذلك، فمنهم من يذهب إلى أن ~~الإمام عليا هو الذي أرشد أبا الأسود الدؤلي إلى بعض ~~القضايا النحوية، وقال له: «انح نحو هذا النحو.» ومنه سمي ~~العلم بالنحو، ومنهم من يقول: إن زياد ابن أبيه هو الذي ~~طلب إلى أبي الأسود وضع النحو. ومهما يكن من شيء، فإن ~~الإجماع يكاد يكون على أن أبي الأسود قد وضع نواة هذا ~~العلم، ويقال: إن أبا الأسود قد وضع نواة هذا العلم، ~~ويقال: إن أبا الأسود قد اطلع على لغة السريان وعرف نحوهم، ~~فقاس عليه النحو العربي. # 35 # وقد كان أبو الأسود في البصرة، فالتف حوله نفر ~~من شبانها يتعلمون منه الأدب والعربية، ونبغ منهم نفر ms166 ~~تمموا ما بدأ به، ويقال: إن أبا الأسود وضع أيضا الحركات ~~الثلاث، وإنه أقعد بين يديه كاتبا ذكيا، وأخذ يقرأ عليه ~~القرآن، وقال له: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقطه ~~نقطة فوقه على أعلاه، وإن ضممت فمي فانقطه نقطة بين يدي ~~الحرف ، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف. # 36 # فصار الناس من بعده يكتبون القرآن ويضعون هذه ~~النقاط على طريقة أبي الأسود، وربما لونوا النقاط بألوان ~~مختلفة؛ لئلا يختلط الأمر، ثم إن الحجاج بن يوسف رأى ما ~~يحدثه عدم إعجام الحروف المتشابهة كالباء والتاء والثاء ~~والياء والنون، وما إلى ذلك، ففزع إلى كتابه وسألهم أن ~~يضعوا لهذه الأحرف المختلفة علامات تميزها بعضها من بعض، ~~فيقال: إن نصر بن عاصم قام بذلك، فوضع النقط أفرادا ~~وأزواجا، وخالف في أماكنها، فصار الناس بذلك زمانا لا ~~يكتبون إلا منقوطا، وكان مع استعمال النقط أيضا يقع ~~التصحيف، فأحدثوا الإعجام فكانوا يتبعون النقط بالإعجام. # 37 # ثم لما اختلط الأمر على الناس في نقط الإعجام ~~ونقط الحركات، وضعوا الإشارات المعروفة وهي الضمة والفتحة ~~والكسرة (- - -). # 38 # وقد كان عمل أبي الأسود عملا جد مفيد، أنقذ الناس من ~~اللحن والاضطراب، وقد تمم عمله تلاميذه نصر بن عاصم (؟-89) ~~وعبد الرحمن بن هرمز (؟-93)، وعون الأقرن وعنبسة الفيل، ثم ~~عبد الله بن إسحاق الحضرمي. # 39 # وأول من بحث في علم الصرف معاذ بن مسلم الهراء ~~(؟-187)، ثم كثر علماء العربية، وانقسم علماء العربية إلى ~~بصريين وكوفيين، وكان لكل منهما آراء ومذاهب مفصلة معروفة، ~~وقامت المناظرات بين البلدين، وأهل البصرة أرسخ قدما ~~وأوسع علما وأولى ثقة، أما أهل الكوفة فأكثر رواية ~~واستشهادا. ~~(9) السيرة والتاريخ # اهتم الناس في هذا العصر اهتماما زائدا بمعرفة سيرة ~~النبي وأحوال غزواته وأخبار الفتوح الإسلامية، وأخذوا ~~يتطلعون أخبار ذلك، ويسمعون للقصاص في المساجد ما يروونه ~~من هذه الأخبار، ويقال: إن أول من ألف في ذلك هو عروة ~~بن الزبير الفقيه المعروف (؟-93). # 40 # ومؤلف أقدم سيرة نبوية، وأبو مخنف الأزدي مؤلف ~~السيرة النبوية، وأخبار الجاهلية، وعوانة بن الحكم ms167 الكوفي ~~(؟-174) مؤلف كتاب في التاريخ العام وسيرة معاوية. # 41 # وقتادة بن دعامة السدوسي (؟-117) عالم أهل ~~البصرة وأديبها ومؤرخها ونسابها. قالوا لم يكن يمر يوم لا ~~تأتيه راحلة من بني أمية تنيخ ببابه للسؤال عن خبر أو ~~نسب أو شعر. # 42 # وأبان بن عثمان بن عفان (؟-105) جمع له تلميذه ~~عبد الرحمن بن المغيرة كتابه في سيرة الرسول، ومحمد بن ~~مسلم بن شهاب الزهري (؟-124) صاحب المغازي النبوية، وموسى ~~بن عقبة (؟-141)، وقد عثر على قطعة من كتابه طبعت (1902)، ~~ومحمد بن إسحاق صاحب سفرتي رسول الله (؟-151)، ووهب بن ~~منبه (؟-110)، وفي خزانة برلين قطعة من كتاب له عن المغازي ~~كتب سنة 228ه، وشرحبيل بن سعد (؟-123)، وعبد الله بن أبي ~~بكر بن حزم (؟-135) وعاصم بن عمر بن قتادة (؟-120)، ومعمر ~~بن راشد اليماني البصري (؟-150) وجد مسنده نسخة في ~~إستانبول كتبت سنة 363. ~~(10) علوم الأقدمين # ويراد بها علوم الحكمة والأخلاق والفلسفة والطب ~~والرياضيات والفلك والمنطق والكيمياء والصيدلية. وقد كان ~~المسلمون في هذا العصر يترجمون علوم اليونان بواسطة ~~الترجمات السريانية، ثم أخذوا يترجمون عن اليونانية بلا ~~واسطة. وللسريان فضل كبير في إحياء العلوم اليونانية، وكان ~~لمدارس السريان التي أسسوها قبل الإسلام في الرها ~~وقنسرين ونصيبين فضل كبير في تخريج العلماء حتى ما بعد ~~الإسلام. كما كان لمدارس الفرس كمدرسة جنديسابور في ~~خوزستان، وكان العرب يقصدونها للتعليم، ومن طلابها الحارث ~~بن كلدة، طبيب العرب الأشهر. ولما قسا الرومان على العلماء ~~والنصارى هاجروا إلى العراق وفارس، فنشروا علوم اليونان، ~~ولما جاء الإسلام أفاد من خبرة هؤلاء بعد أن تعلموا ~~العربية، واعتنقوا الدين، وترجموا كتب الأقدمين، ولكن ~~ترجماتهم الأولى كانت مشوشة، فاضطر العرب أن يعيدوها ثانية ~~في العصر العباسي، وكان الخلط بين أفلاطون وأفلوطين ~~كثيرا. # وقد كنا قلنا في الباب السادس من الفصل الأول: إن خالد ~~بن يزيد عني بعلوم الأوائل والترجمة، وناقشنا أقوال من ~~ينفي هذه القصة وأقوال مثبتيها. ونضيف هنا أن العلماء ~~أخذوا من العصر الأموي، يهتمون بترجمة علوم الأقدمين، ~~وبخاصة علم الطب والصيدلة والتنجيم والفلك، وقد نقل الناس ~~عن الفرس ms168 والروم واليونان والهند والسريان، ومن مشاهير من ~~عرف في هذا العصر الذي نؤرخه ماسرجويه البصري، طبيب مروان ~~بن الحكم، وتيادوق الإغريقي طبيب الحجاج، وينسبون إليه ~~ثلاثة أو أربعة كتب، ولكن لم يصل إلينا شيء منها. # 43 # وفي عهد عمر بن عبد العزيز أمر بنقل تدريس ~~الطب من الإسكندرية إلى أنطاكية وحران. # 44 # كما أنه كان يعتمد على عبد الملك الكناني ~~الطبيب ويطلب إليه الترجمة. وقد كان الأمويون يقدمون ~~المساعدات للعلماء والمترجمين كعبد الملك والوليد وعمر، ~~وكانوا يدأبون في إقامة حلقات العلم في المساجد والمحلات ~~العامة ويحضرون بها ويناقشون فيها. ~~(11) التدوين # قلنا: إن تدوين الكتب ابتدأ في عصر معاوية، ولم ينظم أمر ~~التدوين إلا في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي ~~حين ابتدأت الترجمات عن اللغات الأجنبية، ويرى المستشرق ~~«نانلينو» أنه ربما كان كتاب أحكام النجوم لمرقس الحكيم ~~هو أول ترجمة دونت بالعربية. وقال آخرون بل هو كتاب ~~أهرن بن المبين في الطب، وجده عمر بن عبد العزيز في بعض ~~خزائن الكتب، فأمر بإخراجه ووضعه في مصلاه، واستخار الله ~~في إخراجه للمسلمين للانتفاع به، فلما تم له ذلك أربعون ~~صباحا أخرجه إلى الناس. # 45 # ثم تتابعت الترجمات، وكثر التدوين على يد ~~أمثال عبد الملك بن أبجر الكناني الطبيب العالم الذي كان ~~يقيم في الإسكندرية، ويدرس الطب فيها، فأسلم على يدي عمر ~~بن عبد العزيز، ونقله إلى الشام، ومثل عبد الحميد بن يحيى ~~الكاتب الأديب الأشهر (؟-132)، ومثل جبلة بن سالم، كاتب ~~هشام بن عبد الملك الذي نقل له بعض كتب التاريخ القديم ~~ورسائل أرسطوطاليس، ومثل قيس بن قنان بن متى، كاتب عبد ~~الملك بن مروان وابنه هشام. وقد كان أبوه كاتبا لمعاوية ~~ومترجما، ومثل الحصين بن قيس بن قنان، كاتب مروان، ومثل ~~أسامة بن زيد التنوخي، كاتب الوليد بن عبد الملك، وغيرهم ~~من النصارى الشاميين، الذين اضطلعوا بعبء التدوين في هذه ~~الحقبة. ~~(12) مجالي الحضارة # خطت الأمة العربية في هذا العهد خطوات عجيبة في مضمار ~~الحضارة في المعاش والمسكن والسوق والمدنية، وازدهرت ~~القصور ms169 والدور والمساجد والأسواق والمزارع لعناية الأمويين ~~بذلك، وتدفق الأموال عليهم، ويمكننا إجمال القول في ذلك ~~بما يلي: # البناء # عني بنو أمية بالعمران، فشادوا المدن والقصور ~~والمساجد في كافة أرجاء إمبراطوريتهم الواسعة؛ ففي ~~فلسطين ابتنى سليمان بن عبد الملك مدينة الرملة على ~~أنقاض مدينة قديمة، واتخذها مقرا، ولا تزال منارة ~~المسجد باقية إلى أيامنا هذه ، تشهد بإتقان البناء وفخامته. # 46 # وقد ظلت هذه المدينة - مدينة فلسطين - ~~الرئيسية على الرغم من مكانة القدس الدينية. # 47 # وفي فلسطين بنى الأمويون مسجد قبة الصخرة، وهو من ~~أروع المساجد زخرفة وفخامة في عهد عبد الملك، كما بنى ~~عبد الملك مسجدا ضخما إلى جانب قبة الصخرة، وهو ~~المعروف اليوم بالمسجد الأقصى، وبمسجد عمر حيث أدى ~~عمر الصلاة. # وفي دمشق بنى الوليد مسجد دمشق الأعظم والمستشفيات ~~الكثيرة. وفي الحجاز وسع الوليد مسجد الحرم المكي ~~ومسجد النبي، وجعلهما من أضخم المساجد. وفي حلب بنى ~~سليمان مسجد حلب الأعظم. # التعليم # عني المسلمون في هذا العصر بالتعليم، وكانت المساجد ~~هي المدارس، يؤمونها لتعليم الكتاب الكريم ورواية ~~الشعر والتراث العربي والإسلامي القديم وعلوم الأمم ~~الأخرى. وفي هذا العصر وجدت الكتاتيب الخاصة لتعليم ~~القرآن والقراءة والحساب لأطفال المسلمين والأميين، ~~ويرجع عهد الكتاب إلى زمن عمر بن الخطاب. ويروى ~~أنه جعل في المدينة رجالا يفحصون المارة، فمن وجوده ~~غير متعلم أخذوه إلى الكتاب. # 48 # وإلى جانب هؤلاء الكتاتيب وجد نظام التأديب، وهو ~~تعليم الطبقة الأرستقراطية في البيوت، كما وجد نظام ~~تعليم البابوية، وعمر بن عبد العزيز هو الذي فكر في ~~ذلك، وأنفذ المعلمين إلى البادية، ومنهم يزيد بن مالك ~~الدمشقي، والحارث الأشعري، أنفذهما إلى البادية لتفقيه ~~أهلها وتعليمهم. # 49 # وكما أخذت الحاضرة تبعث إلى البادية ~~رجالا يعلمون أهلها القراءة والكتابة والدين، كذلك ~~كانت البادية تنقل أبناء الحاضرة فتصقل مشاعرهم، وتنمي ~~فيهم روح الفتوة والشباب، وتعلمهم أخبار أجدادهم ~~وأشعارهم، كما كان كثير من البدو الفصحاء الرواة ~~يقصدون الحواضر، كالبصرة والكوفة ودمشق والمربد، ~~فيعلمون الناس، ويروون لهم أخبار الجاهلية ~~وأشعارها. # الفنون الجميلة # اضطر الخلفاء لما ms170 أرادوا زخرفة المساجد والقصور ~~والمشافي والحمامات إلى ترويج الفنون الجميلة من نحت ~~وزخرفة وتصوير، ولكن لما حرم الإسلام تصوير الأشخاص ~~فقد روى «البخاري 7: 61»: «أن أشد الناس ~~عذابا عند الله يوم القيامة ~~المصورون.» وجه الأمويون عناية فنانيهم من ~~رجال الفسيفساء والتصوير والنحت إلى إتقان الزخارف ~~والصور الخالية من الصور الإنسانية أو الحيوانية. وإن ~~في الآثار الباقية إلى اليوم في مساجد دمشق والصخرة ~~وقصر الحير وخربة الفجر والمشتى وقصر عمرة، لوحات ~~رائعة للفن الإسلامي، ولكن يظهر أنهم كانوا يشذون في ~~بعض الأحيان، فيصورون بعض الأناس والحيوانات في قصورهم ~~وحماماتهم. # الموسيقى # كان العرب في الجاهلية - وبخاصة أهل اليمن والحجاز - ~~ذوي ملكات موسيقية، فلما جاء الإسلام وحرم اللهو ~~والعبث غير البريء، انصرف الناس إلى تجويد النواحي ~~الغنائية الباقية من قراءة القرآن والحداد والأناشيد ~~البريئة، وكانوا يستعملون المزاهر والمزامير والدفوف. ~~وكان الرسول والخلفاء الراشدون لا يتحرجون من استماع ~~الغناء البريء العفيف لفظه، فلما جاء بنو أمية، وضربت ~~الدولة بسهم وافر في الحضارة، عني بالموسيقى عناية ~~كثيرة، ونبغ في الحجاز واليمن والشام جمهرة من متقني ~~الغناء، وخاصة في الحجاز، حين أريد إقصاؤه عن مناوأة ~~السياسة والحياة العامة. ومن مشاهير المغنين المسلمين ~~طويس، وهو أول من غنى بالمدينة، ويعتبر أبا الغناء ~~العربي (492)، ويظن أنه أول من غنى مصحوبا بآلات ~~موسيقية، وابن سريج مولى سكينة أحد المغنين الأربعة ~~العظام في الإسلام، وهو الذي أدخل العود الفارسي إلى ~~بلاد العرب، وسعيد بن مسحج من مغني مكة، كان أعظم مغني ~~عصره، فكان في الشام وفارس والروم. # 50 # وقد كان ببلاط دمشق في عهد الوليد الأول ~~ويزيد الثاني والوليد الثاني جماعة من مشاهير المغنين ~~وعلى رأسهم معبد # 51 # وابن سريج وحنين الحيري وغيرهم من كبار ~~مغني العراق والحجاز. # 52 # | القسم الثاني: البيت الأموي في المغرب ~~والأندلس # | توطئة # رأيت أنه في سنة 20ه افتتح المسلمون مصر، وما إن وطدوا أقدامهم ~~فيها حتى سار قائدهم عمرو بن العاص غربا، ففتح «برقة» وصالح أهلها ~~على الجزية، ثم سار نحو «طرابلس الغرب»، ففر أهلها من ms171 وجهه إلى ~~سفنهم في البحر، ولكنه غنم منهم غنائم كبيرة ثم تركها. وفي سنة ~~«27ه/647م» سار عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي خلف عمرو بن العاص ~~على ولاية مصر إلى إفريقية في جيش يقارب العشرين ألفا، ومعه فرقة ~~بقيادة عقبة بن نافع، فتمكن من حصار طرابلس وقتل صاحبها غريغوريوس ~~«جرجير»، وأسر ابنته في سنة «28ه/648م»، ثم سار نحو سوفيثولا ~~«سبيطلة»، ففتحها وبث جيوشه حتى بلغت «قفصة»، وعقد الصلح من ~~الأهلين على دفع الجزية، ولم ينشئ حكومة عربية، بل فرض على الأهلين ~~الجزية وعاد إلى مصر بعد أن أبقى حامية عسكرية في برقة. # 1 # وانشغل العرب عن الاستمرار في الفتح بسبب أحداثهم الداخلية، ~~ونشوب الفتن في آخر عهد عثمان وأوائل عهد الإمام علي، إلى أن آلت ~~السلطة إلى معاوية، وأسس دولته الأموية في المشرق، ثم وجه عنايته ~~إلى فتح المغرب وإتمام فتح إفريقية. # في سنة «45ه/665م» سار معاوية بن خديج التجيبي إلى إفريقية، وهزم ~~الجيش الروماني، وكانت معركة حصن الأجم معركة فاصلة، ثم تفرق الجيش ~~العربي في أنحاء المغرب العربي، فسار عبد الله بن الزبير إلى ~~«سوسة» في بلاد تونس، ففتحها وسار عبد الملك بن مروان إلى العواصم ~~ففتحها، وبعد خمس سنوات قام عقبة بن نافع الفهري بالفتح الأعظم في ~~الشمال الإفريقي حتى بلغ المغرب الأقصى، وهزم جيوش الرومان ~~والبربر، ثم أنشأ مدينته الإسلامية العظمى «القيروان»؛ لتكون قاعدة ~~للدولة العربية في الشمال الإفريقي، ولما بلغ المحيط الأطلسي قال ~~كلمته المشهورة يناجي ربه: «اللهم إني أشهدك أن لا مجاز، ولو ~~وجدت مجازا لجزت.» # 2 # وهكذا توطد الملك العربي، لولا فتنة كبيرة وقعت كادت ~~أن تطيح به؛ حين ثار أحد أمراء البرابرة المسلمين، ويدعى كسيلة بن ~~لمزم، على الدولة الجديدة وفتك بجيش عقبة وقتله في سنة 62ه، وزحف ~~على القيروان، وأخرج حاكمها زهير بن قيس البهلوي، فتراجع إلى برقة، ~~وبقي طول الفترة القلقة التي سبقت استخلاف عبد الملك بن مروان، ~~فلما تم الأمر لعبد الملك أمد زهيرا بجيش ضخم، وزحف على ms172 ~~كسيلة، فهزم جنده وقتله ودخل القيروان، وبعث أمراء جنده يعيدون ~~البلاد إلى الحكم العربي، ويقضون على البربر الثائرين وبقايا ~~الروم، ولكن الروم انتهزوا فرصة زحف الجيش العربي على المغرب، ~~فاستنجدوا بالإمبراطور يوشنيان الثاني قيصر القسطنطينية ~~(685-695م)، فأمدهم بأسطول من جزيرة صقلية، ونزلوا على الساحل ~~الإفريقي عند مدينة قرطاجنة، ثم استولوا على برقة وطرابلس، وأراد ~~زهير أن يوقف زحف الروم فلم يستطع، وقتل في هذه المعركة. ولما ~~بلغت هذه الأخبار مسامع الخليفة عبد الملك في دمشق قلق لها أشد ~~القلق، وكان يومئذ مشغولا بفتنة عبد الله بن الزبير، فلما انتهى ~~منه بعث حسان بن النعمان الغساني سنة «73ه/662م» مع جيش كبير، فدخل ~~قرطاجنة، عاصمة إفريقية التي لم يفتحها المسلمون قبلا، وحاربوا ~~أهلها وأخلافهم من الروم والقوط والبربر، فدكوا حصونها، وشتتوا شمل ~~الروم في الشمال الإفريقي كله. # وظل حسان في الشمال الإفريقي ينظم شئونه ويرتبه، فوسع ~~«القيروان»، وعمر جامعه الأعظم، وبقي في ولايته إلى أن هلك عبد ~~الملك في سنة 86ه واستخلف الوليد بن عبد الملك، فعزله بموسى بن ~~نصير اللخمي في سنة «89ه/708م». # 3 # وما إن وطئت قدماه أرض الشمال الإفريقي حتى أخذ ينظم ~~أسطولا ضخما يلقى به الروم، ~~الذين أخذوا يحاولون غزو الشمال الإفريقي بحرا بعد أن فشلوا فيه ~~برا، وما إن أتم عمارة أسطوله أخذ يغزو في البحر، فافتتح من ~~جزائر الباليار جزيرتي ميورقة ومنوزقة، ويعرف هذا الفتح بفتح ~~الأشراف لكثرة من اشترك فيه من أشراف العرب، ثم افتتح ثغر ~~سبتة # Ceuta # وعزم من ذلك الحين ~~على افتتاح ما وراء البحر من بلاد الأندلس. # الفصل الأول # | فتح الأندلس1 # كانت بلاد الأندلس خاضعة للواندل ثم للقوط، وهم قبائل بربرية ~~قوية زحفت على إفريقية من أوروبا الشمالية، وقوضت أركان ~~الإمبراطورية الرومانية، وأسست دولة في شبه جزيرة إيبريا في نهاية ~~القرن الخامس للمسيح، جعلت عاصمتها «طليطلة». ولم تستطع هذه ~~القبائل إقامة ملك قوي لغلبة روح البداوة عليها، وعدم تمكنها من ~~الامتزاج بالسكان الأصليين امتزاجا صحيحا؛ ولذلك انقسم الناس إلى ~~حكام هم القوط، ms173 ومحكومين هم سكان البلاد، وكانت الهوة سحيقة بين ~~القسمين، فأولئك هم أصحاب الإقطاعات والأملاك والخيرات، وهؤلاء هم ~~شبه رقيق، ومن بين هؤلاء وأولئك توجد طبقتان؛ أولاهما طبقة رجال ~~الدين المسيحي الذين يتمتعون بسلطان واسع؛ لأن القوط كانوا نصارى ~~متعصبين، وثانيتهما طبقة اليهود الذين كانوا يتمتعون بالذكاء ~~والعلم والمال، ولكنهم كانوا مضطهدين، تحاول الكنيسة تنصيرهم أو ~~نفيهم أو مصادرة أموالهم، وتقع الفتن والحروب بينهم وبينها، ومن ~~أعنف هذه الحروب والفتن ما جرى في سنة 616م. # هكذا كانت بلاد الأندلس حين استولى العرب على الشمال الإفريقي، ~~وكان ملك القوط اسمه «وتيزا»، ويسميه العرب «غيطشة»، ينافسه على ~~الملك الأمير «رودريك» الذي يسميه العرب «الذريق»، فلما كانت ~~سنة 711م هلك «وتيزا»، واستقل «ردريك» بالبلاد، وكان موسى بن نصير ~~يرقب الأمور عن كثب من الجانب الإفريقي، فبعث مولاه طريفا على رأس ~~خمسمائة مقاتل في سنة 710م، فاحتلوا شبه الجزيرة المعروفة اليوم ~~باسم جزيرة «طاريقا»، وهي آخر نقطة جنوبية من القارة الأوروبية. ~~وفي سنة «92ه/711م» بعث مولاه طارق بن زياد الليثي في سبعة آلاف ~~مقاتل، فاحتل سفح الجبل المعروف باسمه اليوم، واشتبك مع جيوش ردريك ~~في تموز من تلك السنة على شاطئ بحيرة «جاندا»، وانتصر طارق، وتقحم ~~المسلمون بلاد الأندلس حتى بلغ العاصمة طليطلة، فافتتحها وبعث ~~أمراء جنده يفتتحون العواصم فسيطروا على غرناطة، وقرطبة، وأستجة، ~~ومالقة، واستطاع في فترة ستة أشهر أن يستولي على نصف شبه الجزيرة، ~~ويقضي على دولة القوط في موقعة شذونة ويديل دولتهم التي دامت ~~ثلاثة قرون، ثم تلقى طارق أوامر من مولاه موسى بوقف الفتح خوفا ~~على المسلمين؛ لأنه كان قد أمره ألا يتجاوز قرطبة، فرأى موسى أن ~~ينجده بنفسه، فسار على رأس عشرة آلاف من العرب وثمانية آلاف من ~~البربر يحملهم أسطول عظيم، ولما وصلوا «الجزيرة» استقبلهم الكونت ~~أليان (يوليان) في رمضان سنة 93ه/حزيران 712م، ثم زحف موسى، ~~فاستولى على شذونة و«قرمونة»، وهي من أمنع معاقلهم، و«إشبيلية» وهي ~~من أعظم قواعدهم و«ماردة»، ثم التقى بطارق فأنبه أشد تأنيب على ~~مخالفته أوامره ms174 وزج به في السجن. # 2 # ثم أفرج عنه، ونظم معه خطة فتح سائر شبه الجزيرة، ~~فافتتحا ولاية «أراجون» في الشمال الشرقي، ثم استوليا على «سرقسطة» ~~و«طركونة» و«برشلونة»، وبعد هذا الفتح افترقا، فسار طارق نحو ~~المشرق؛ ليفتح «جيليقية» التي تجمعت فيها فلول القوط، وسار موسى ~~نحو الشمال، فاخترق جبال البرانس، واستولى على «قرقشونة» و«أربونة» و«لوطون». # 3 # وعزم على أن يخترق أوروبا، فيزحف على مملكة الفرنج ~~«فرنسة»، ثم على مملكة اللنبرد «لومبارديا»، ثم يدخل رومية «روما»، ~~ويقضي على كرسي النصرانية الأعظم، ثم يخترق سهول الطونة «الدانوب»، ~~ثم أراضي الدولة البيزنطية، ويستولي على العاصمة «القسطنطينية»، ثم ~~يخترق آسية الصغرى حتى يصل إلى دمشق. # 4 # وكانت أخبار فتوحه قد بلغت هذه الممالك، فاضطربت له ~~أشد الاضطراب، وعزمت على الاستسلام، ولكن الخليفة الوليد بن عبد ~~الملك في دمشق خاف على جيشه من مغبة هذه المغامرة، فكتب إلى موسى ~~ينهاه عن الإقدام على توغله ويستدعيه إلى دمشق، فتراجع موسى عن ~~عزمه وهو غاضب مكره؛ لعلمه بضعف الغرب عن الوقوف أمامه، ولعل ~~السبب الذي حدا بالخليفة إلى استدعائه هو ما بلغه عن موسى وطارق من ~~الخلاف، وتخوفه من أن تتوسع شقة الخلاف بينهما في تلك المجاهل، ~~فخضع موسى لأمر الخليفة بعد أن نظم إدارة البلاد، وجعل حاضرتها ~~«إشبيلية» لاتصالها بالبحر. وقد كانت حاضرة أيام الرومان، واستخلف ~~عليها ولده الأمير عبد العزيز، كما استخلف على المغرب ولده الثاني ~~الأمير عبد الملك، وولده الثالث عبد الله على إفريقية، ثم سار نحو ~~دمشق في ذي الحجة سنة 95ه/آب 715م، ومعه أبناء ملوك الأندلس ~~وأمراؤها ونفائس تحفها، ولما دخل دمشق كان الخليفة يقاسي مرض ~~الموت، وما لبث أن مات وخلفه أخوه سليمان بن عبد الملك، فاستدعى ~~موسى وطارق، وسمع من طارق ما فعله موسى بطارق، فغضب عليه وزج به في ~~السجن، وفرض عليه غرامة فادحة لم يستطع إعطاءها فصادر أمواله، ثم ~~اضطره إلى الرجوع إلى الحجاز، فقضى أيامه الأخيرة فقيرا إلى أن ~~مات سنة 97ه. # 5 # أما طارق فتزعم الروايات أن ms175 سليمان أراد أن يبعث به أميرا على ~~الأندلس ولكنه لم يفعل، بل أبقاه إلى جانبه في دمشق لما علم من ~~طموحه، وتسكت الروايات العربية عن خاتمة حياته رحمه الله. # ولما توطدت أقدام المسلمين في الأندلس عمدوا إلى نشر الدين، ~~وإحياء روح العلم، وتنمية الزراعة والتجارة، والإحسان إلى أهل ~~الذمة؛ فازدهرت البلاد أيما ازدهار في فترة قصيرة. قال المؤرخ ~~الإنكليزي لين بول: «أنشأ العرب حكومة قرطبة التي كانت أعجوبة ~~القرون الوسطى، بينما كانت أوروبا تتخبط في ظلمات الجهل، فلم يكن ~~سوى المسلمين من أقام بها منائر العلم والمدنية، وما كان المسلمون ~~كالبربر من القوط أو الواندل، يتركون وراءهم الخراب أو الموت، بل ~~إن بلاد الأندلس لم تشهد قط أعدل من حكمهم ولا أصلح من حكامهم، ~~ومن العسير أن نتعرف إلى الخبرة الحقيقية الفائقة التي وصل إليها ~~العرب في الأمور الإدارية، فقد خرجوا من الصحراء القاحلة إلى ~~الغزوات المقدسة، ولم يفسح لهم سيل الفتح مجالا للدرس، ولا وقتا ~~لمراس الإدارة في الأمم المفتوحة ...» # 6 # ويقول المؤرخ الأميركي سكوت: ~~«... إن في أقل من أربعة عشر شهرا استطاع العرب أن يقضوا على مملكة ~~القوط تماما، وفي أربع وعشرين شهرا، وطدوا سلطانهم ما بين البحر ~~الأبيض المتوسط وجبال البرانس، ولا يذكر لنا التاريخ مثلا آخر ~~يشبه هذا المثل الذي اجتمعت فيه السرعة والكمال والرسوخ. وقد كان ~~يظن في البداية أن الفتح العربي إنما هو غزو مؤقت، ولا يتوقع أن ~~يكون احتلالا دائما وتوطيدا لحضارة، ولكن لما استقرت الجماعات ~~المحتلة، وفتحت الثغور للتجارة، وأقيمت المعاهد، أدرك القوط أي خطب ~~نزل بهم، ثم إن عدل الحكام الجدد خفف عليهم من ألم الهزيمة، ~~وكان دفع الجزية يضمن لأقل الناس الحماية الكاملة، كما كان يسمح ~~للنصراني المتعصب أن يستمر في أداء شعائر دينه، ويسمح للمارق ~~الملحد أن يجاهر بآرائه دون أي خوف. أما أقوال بعض المؤلفين ~~النصارى المتعصبين التي ينسبون فيها التعصب والظلم للعرب فهي ~~مبالغة محضة، أو افتراء صريح ...» # 7 # وقد قسم العرب بلاد الأندلس على ضوء تقسيمها ms176 الروماني والقوطي ~~إلى خمس ولايات، يرأس كلا منها حاكم محلي، يسميه الحاكم العام ~~الذي يسميه حاكم إفريقية الشمالية بموافقة خليفة دمشق، وكانت ~~«الولاية الأولى» تشتمل على إقليم الأندلس الممتد من البحر الأبيض ~~المتوسط ونهر الوادي الكبير حتى وادي آنة، وأشهر مدنه قرطبة ~~وإشبيلية ومالقة وأستجة وجيان. # وكانت «الولاية الثانية» تشتمل على إسبانية الوسطى من البحر إلى ~~حدود البرتغال ونهر دورو، وأشهر مدنها طليطلة على نهر تاجة، ~~وقونقة، وسقوبية، وبلنسية، ودانية، ولقنت، وقرطاجنة، ويورقة، ~~ومرسية، وبسطة. # وكانت «الولاية الثالثة» تشتمل على إقليمي جبليقية ولوزبتانية، ~~وأشهر قواعدها ماردة، ويابرة، وباجة، وإشبونة، وقلمرية، ولك، ~~واسترقة، وشلمنقة. # وكانت «الولاية الرابعة» تشتمل على الأرض الممتدة من نهر دورو ~~إلى جبال البرانس «البرت» على ضفتي نهر إبرة، وأشهر قواعدها ~~سرقسطة، وطرطوشة، وطركونة، وبرشلونة، وأرقلة، وبلد الوليد، ~~ووشقة. # أما «الولاية الخامسة» فتشتمل على المقاطعات الواقعة شمالي جبال ~~البرانس، وأشهر مدنها أربونة، ونيمة، وقرقشونة، ويزيية، وأجدة، ~~ولوديف. # وقد نزلت القبائل العربية في هذه الولايات كل واحدة في البقعة ~~التي أعجبتها، فنزل أهل دمشق بقرطبة، وأهل حمص بإشبيلية، وأهل حلب ~~وقنسرين بحيان، وأهل فلسطين بشذونة والجزيرة ومالقة، وأهل اليمن ~~بطليطلة، وأهل العراق بغرناطة، وأهل مصر بماردة وإشبونة، وأهل ~~الحجاز بالمدن الداخلية، وأهل فارس بشريش. # 8 # وقد أسلفنا أن موسى بن نصير قد سمى ولده عبد العزيز لحكم ~~الأندلس، وقد أقره الخليفة سليمان بن عبد الملك على هذه التسمية، ~~فكان صالحا في إدارته، إلى أن ثار عليه وزيره حبيب بن أبي عبدة ~~العمري، وقتله وهو في صلاته سنة «97ه/716م»، وبعث برأسه إلى دمشق ~~تقربا من الخليفة الذي نظن أنه هو الذي دبر له هذه المؤامرة، وبعد ~~اغتياله اتفق زعماء القبائل العربية على تولية أيوب بن حبيب اللخمي ~~ابن أخت موسى بن نصير، وكان عاقلا مصلحا، نقل العاصمة من إفريقية ~~إلى قرطبة، ولم يلبث طويلا في ولايته حتى أقاله محمد بن يزيد الذي ~~بعث به الخليفة إلى إفريقية بعد أن عزل عبد الله بن موسى بن نصير ~~في سنة 97ه، فأرسل ms177 محمد بن يزيد حاكما جديدا على الأندلس هو الحر ~~بن عبد الرحمن الثقفي، فسار نحو الشمال الذي كان مهددا، ووطد ~~الحكم فيه، وسار حتى بلغ نهر الغارون في فرنسا، وسار بالبلاد أحسن ~~سيرة إلى أن عزله الخليفة عمر بن عبد العزيز في سنة «100ه/719م» ~~لقسوته، وولاها السمح بن مالك الخولاني، وقرر أن تكون الأندلس ~~ولاية مستقلة عن إفريقية لأهميتها وسعة رقعتها، وأوصى السمح بحسن ~~السيرة والعدل فلم يخلف ظنه، وخمس أراضي الأندلس التي فتحت عنوة؛ ~~أي إنه مسحها، وقرر عليها الخراج بنسبة الخمس كما يقضي بذلك ~~الدين، وبنى كثيرا من القناطر والجسور وأشهرها قنطرة قرطبة على ~~نهر الوادي الكبير، وغزا بلاد الفرنج حتى بلغ طولوشة «طولوز»، ~~فالتقى بجيش الدوق أودو ظاهر طولوشة، ونشبت بينهما معركة هائلة سقط ~~السمح فيها قتيلا سنة «102ه/721م»، فاختار الجند أحدهم وهو عبد ~~الرحمن بن عبد الله الغافقي للقيادة العامة، فوطد الأمور حتى قدم ~~عنبسة بن سحيم الكلبي، الذي سماه بشر بن صفوان الكلبي أمير إفريقية ~~واليا على الأندلس في سنة «103ه/722م»، فنظم إدارة البلاد وأحسن ~~إدارتها إلى أن مات في سنة «107ه/725م». وتوالى على الأندلس عدة ~~ولاة إلى أن تولاها عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي في سنة ~~«113ه/731م»، فأحسن السياسة والإدارة والحكم، وجمع جيشا عظيما ~~سيره إلى فاليسيا (فرنسا) في سنة «114ه/732م»، فاحتل بلاد أراغبون ~~وناقار وآرل، حتى وصل إلى نهر الغارون، ووصل إلى مدينة بردال ~~(بوردو) فاستولى عليها، ثم زحف نحو «ليون» و«بيزانصون» و«صالصن» ~~التي تبعد مائة ميل عن باريس، وسيطر على نصف بلاد غاليسيا (فرنسا) ~~في بضعة أشهر، إلى أن كانت المعركة الحاسمة بين الإسلام والنصرانية ~~بأوروبا سنة «114ه/732م» في السهل الواقع بين مدينتي «تور» ~~و«بواتيه»، ولم يستطع المسلمون الوقوف أمام جحافل أوروبا بقيادة ~~قارله «كارل مارتل»، فسقط عبد الرحمن الغافقي شهيدا في سنة ~~«115ه/733م»، وفقد العرب سيادة العالم القديم، ولم يتح لهم النفاذ ~~إلى قلب أوروبا بعد يوم «بلاط الشهداء»، وهو اليوم الذي قتل فيه ~~الغافقي - رحمه الله - فلما بلغت أخبار ms178 ذلك اليوم المشئوم إلى دمشق ~~تأثر الخليفة هشام بن عبد الملك، وعزم على ~~أن يرسل إلى الأندلس خير قواده، ~~ويعمل على توطيد أقدام الإسلام في هاتيك الديار، فأرسل عبد الملك ~~بن قطن الفهري، وكان من خيرة القادة الحازمين؛ فوطد أقدام الدولة، ~~وأخمد ثورات المناطق الشمالية، ثم خلعه عقبة بن الحجاج السلولي في ~~سنة «116ه/734م»، وكان حازما حسن السيرة فقطع دابر الثوار، ~~ونظم أمور الجيش، واسترد كثيرا من الأراضي الخاضعة لكارل ~~مارتل، وأعاد ظل الإسلام عليها طول عهده إلى أن مات في سنة ~~«122ه/739م»، فلما مات اضطربت البلاد، وثار البربر وخاشنوا العرب ، ~~ووقعت فتن بينهم وبين العرب في الأندلس وإفريقية، وعزم الخليفة ~~هشام على القضاء على هذه الفتن مهما كلفه الأمر، وكانت موقعة ~~كبيرة بينهم وبين حنظلة بن صفوان الكلبي، والي إفريقية في سنة ~~«125ه/742م»، ولم تنته هذه الاضطرابات إلا بانتهاء عهد الولاة، ~~وتأسيس الملك الأموي في الأندلس. # الفصل الثاني # | الدولة الأموية في الأندلس # فترة الإمارة # في الوقت الذي كان بنو العباس يستولون فيه على الملك من بني ~~أمية في المشرق كان زمام أمر الأندلس منذ سنة 127ه بيد قوية، هي يد ~~يوسف بن عبد الرحمن الفهري، الذي أراد فرض نفوذه على هذه الديار ~~والقضاء على الخوارج والبربر، ولعله كان يرمي إلى الاستقلال ~~بالأندلس بعد أن رأى الدولة الأموية تنهار، وتحل محلها الدولة ~~العباسية، وبينا كان يعد العدة لذلك؛ إذ فوجئ بمقدم أحد أفراد ~~البيت الأموي يفلت من أيدي العباسيين، ويدخل الأندلس عن طريق ~~إفريقية في «ربيع الآخر سنة 138ه/أيلول سنة 755م»، فرحب به أهل ~~الجنوب والمغرب، وكل من في الأندلس من المضرية واليمنية وأهل ~~الشام، وخاف يوسف بن عبد الرحمن الفهري مغبة الأمر، فجمع جموعه ~~وزحف نحو جيوش عبد الرحمن، فتلاقى الجمعان، وقتل عدد كبير من جنود ~~الفهري، وتم النصر لعبد الرحمن، ودخل قرطبة فبايعه الناس بالإمارة ~~في ذي الحجة سنة 138، وعمل على توطيد الأمور ولم يكن عمره يومئذ ~~يتجاوز السادسة والعشرين؛ فأحسن السياسة والإدارة، وقضى بقية ملكه ~~الذي هو ms179 اثنتان وثلاثون سنة في كفاح وجهاد، حتى قضى على الثوار ~~والخوارج من أهل البلاد، وعلى الأعداء والكفار من خارجها، وثبت ~~أركان دولة جديدة لبني أمية. # شجرة الدولة الأموية الأندلسية في فترة الإمارة # وكان أول ما اهتم به بعد أن استقرت له الأمور بعض الاستقرار ~~أنه تتبع فلول خصومه في الداخل فقضى عليهم، وفي طليعتهم يوسف ~~الفهري. وفي سنة «162ه/777م» ائتمر بعض خصومه - وفي طليعتهم صهر ~~يوسف الفهري - على إعلان ثورة عارمة، وتعاقدوا مع شارلمان ملك ~~الفرنجة على أن يزحف هو على الأندلس، وأن يشدوا أزره، فزحف في سنة ~~778م، وبلغ حدود سرقسطة، ولكن عبد الرحمن اضطره على التراجع، وقتل ~~عدد كبير من قادته، وفيهم القائد رولان الذي دافع دفاعا قويا ~~خلد ذكره في القصائد الأدبية المعروفة بقصائد رولان الفرنسي # Chanson de Roland # التي تعد من ~~أقدم الشعر الكلاسيكي وأعرقه. # وما إن قضى عبد الرحمن على خصومه حتى انصرف إلى تأسيس دولته ~~الجديدة على قواعد صحيحة وقوية، إلى أن مات في «ربيع الآخر سنة ~~172ه/تشرين الأول سنة 787م»، ~~بعد أن حكم الأندلس ثلاثا وثلاثين سنة، فخلفه ولده هشام، وسار على ~~غرار أبيه في تنظيم شئون الدولة الزاهرة القوية، وكان حازما ~~عاقلا عادلا، قوي الإرادة، متين العقيدة، متحمسا في دينه، أحسن ~~تصريف الأمور إلى أن توفي سنة «180ه/796م»، فخلفه ولده الحكم بعهد ~~أبيه، وكان شديدا طاغية جبارا ميالا إلى اللهو إلا أنه كان مع ~~ذلك يتمتع بكثير من صفات الحكم كالعدالة، والحزم والدهاء، وقد ~~اكتشف في سنة «189ه/805م» مؤامرة واسعة، دبرها رجال الدين لخلعه، ~~فقد ضاقوا بلهوه ذرعا، وفي طليعتهم الأئمة يحيى بن يحيى الليثي، ~~وعيسى بن دينار فقيه الأندلس، وطالوت الإمام المالكي، وقد أعانهم ~~في هذه المؤامرة نفر من الأعيان والوجوه كمالك بن يزيد التجيبي، ~~وموسى بن سالم الخولاني، وعيسى بن عبد البر، وأخيه أبي كعب، ويحيى ~~بن مضر القيسي، وعلى رأسهم بعض بني أمية وهم عمه مسلمة المشهور ~~بكليب، وأمية بن عبد الرحمن، ومحمد بن القاسم المرواني، ولكن الحكم ~~اكتشف ms180 مؤامرتهم ففر قسم منهم، وتمكن من قسم ففتك بهم وصلبهم، ولكن ~~العامة غضبت لهذا التصرف الجائر، وثارت في «الربض» بزعامة أحدهم ~~واسمه دبيل، فتمكن الحكم منهم وسحقهم دون ما رحمة، وهدأت الثورة ~~إلى حين ثم ثاروا ثورة عنيفة أذهبت عددا من الضحايا، وهي التي ~~تعرف بثورة الحفرة في «191ه/807م». ثم التفت الحكم إلى تهيئة جيش ~~كبير لغزو الفرنجة في الشمال، فأرسل عليهم عدة حملات كان آخرها ~~حملة سنة «200ه/815م»، فقد سير الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد ~~بن مغيث إلى جيليقية، وكان الجلالقة وأخلافهم من الباسك «البشكنس» ~~يفسدون الحرث والنسل، فتوغل عبد الكريم في ديارهم وهزم جيشهم. # 1 # وفي أواخر عهد الحكم قامت ثورة داخلية عنيفة في ربض قرطبة، كادت ~~أن تطيح بعرشه لطغيانه وشدته، وكان من ورائها الفقهاء، ونفر من ~~الأعيان وعدد كبير من المولدين، وهم سكان البلاد الأصليين الذين ~~أسلموا، ولكنه تمكن من زعمائهم وصلبهم في سنة «202ه/817م»، وقضى ~~على روح الثورة، واجتث جذورها بكثرة من فتك بهم، فهدأت له الأمور ~~إلى أن أدركه الأجل في سنة «206ه/822م»، فخلفه ابنه عبد الرحمن ~~الثاني وله من العمر 31 سنة، فقام بالأمر أحسن قيام، وبعث عدة ~~حملات عسكرية إلى جيليقية وبسكونية وغاليسيا، وقضى على عدة ثورات ~~داخلية قام بها مناوئوه من المولدين والثوار، وجهز عدة أساطيل لغزو ~~«الباليار»، فأخضع أهله لحكمه وغزا سواحل إيطاليا وفرنسا، وقضى على ~~كثير من الفتن الداخلية وشيد كثيرا من المعاهد والمدارس، وأحيا ~~العلوم والآداب وازدهرت البلاد في عهده إلى أن هلك في سنة ~~«238ه/852م»، وله واحد وستون عاما؛ فخلفه ابنه محمد ~~(238-273ه/852-886م)، فلم يكن في عهده شيء بارز. ثم لما هلك محمد ~~خلفه ولداه المنذر (273-275ه/886-888م)، ثم عبد الله ~~(275-299ه/888-912م)، ولم يكن في عهدهما ما يستحق الذكر، كما أنهما ~~لم يكونا متصفين بشيء من الصفات النادرة، التي كان البيت الأموي ~~يتصف بها من إدارة وحزم وسياسة ودهاء وكياسة، وقد ظهرت في عهدهما ~~بعض الفتن الداخلية الكبيرة، وتآمر عبد الرحمن الثالث على جده ~~الخليفة عبد الله ms181 مع الحجام، فسمه بمبضع الفصاد # 2 # فقتله وتولى الخلافة بعده، وقامت في عهد محمد وعبد ~~الله عدة ثورات داخلية، وانفصلت بعض المقاطعات عن الدولة معلنة ~~استقلالها؛ كمقاطعة ألرية الجبلية وعاصمتها مدينة أرجذونة، حتى عقد ~~صاحبها معاهدة استقلال مع الخليفة محمد لقاء جعل من المال. # واستقلت مقاطعات أرغونة وسرقسطة وتطيلة، وتعهد أصحابها بنو ~~القسي، وهم من القوط المسلمين بدفع مبلغ من المال لقاء استقلالهم، ~~وتعاهدوا مع جيرانهم من الفرنجة في غاليسيا، وانفصلت مقاطعة طليطلة ~~بقيادة أصحابها بني ذي النون البربر، كما انفصلت مقاطعة إشبيلية ~~تحت زعامة بني الحجاج، الذين ينتسبون إلى سارة حفيدة غيطشة آخر ~~ملوك القوط. واستقلت مقاطعتا ماردة وباحة تحت إمرة عبد الرحمن ~~بن مروان الجليقي، كما استقلت قرطبة وما حولها بزعامة الأمير ابن ~~حفصون، وهو أحد نبلاء القوط، الذين تظاهروا بالإسلام، وتغلبوا على ~~قسم كبير من البلاد. # وقد أحس المسلمون في أواخر عهد الأمير عبد الله أن البلاد قد ~~تجزأت، وأنها آخذة في الاضمحلال، وتحتاج إلى أمير كبير ينظم ~~أمورها ويوحدها، فكان عبد الرحمن الثالث هو ذلك الرجل ~~المنشود. # الفصل الثالث # | الدولة الأموية في الأندلس # فترة الخلافة # تولى عبد الرحمن الثالث الإمارة في وقت عصيب، وكان عمره 23 سنة، ~~ولكنه كان يتمتع بمزايا جليلة؛ فنشط لاسترجاع الأمصار والمقاطعات ~~المستقلة، ووسع الفتوحات الإسلامية، وأخذ يعد العدة لخصومه في ~~الجنوب من الفاطميين، وفي الشمال من الفرنج، فحمل على أنصار ~~الخلفاء الفاطميين في شمال إفريقية، واستولى على قسم كبير من ~~الأراضي التي ألحقوها بدولتهم، وغزا موانئهم بأسطوله الضخم الذي ~~ضاهى أسطولهم، وبعث بجيوشه نحو الشمال، فغزا بلاد الباسك ~~(البشكنس)، واستولى على كثير من قلاعهم، واستولى على بلاد ~~«تافار». # شجرة الدولة الأموية الأندلسية في فترة الخلافة # ولما تم له ذلك السلطان الواسع رأى أن الخلفاء العباسيين قد ~~اضمحل نفوذهم وكثر منافسوهم، وبخاصة حين قوي الفاطميون ونازعوهم ~~الخلافة، فرأى وهو ابن الخلائف الأمويين أن يعلن خلافته، واتخذ ~~لنفسه لقب «الناصر لدين الله»، وكان ذلك في «ذي الحجة 316ه/كانون ~~الثاني سنة 929م». # وبعد أن ms182 أعلن خلافته انصرف إلى توسيع رقعة الدولة ونشر راية ~~الإسلام في كثير من الأراضي التي طوي علمه فيها، أو التي لم ~~ينشر فيها أجيالا، فحارب الملك راميرو الثاني ملك ليون، كما ~~حارب الأميرة طوطة أرملة شانجة الكبير، أميرة بلاد النافار، ولم ~~يستطع التغلب عليهما أول الأمر، ولكنه تمكن بدهائه وحزمه أن يخضعهما. # 1 # وشرع في بناء كثير من المعاهد والقصور الفخمة التي ~~تليق بالخلافة كقصر الزهراء العظيم، وأصبحت قرطبة في عهده أجمل مدن ~~أوروبا، بل من أجمل مدن العالم، ولا تكاد تضارعها في ذلك مدينة سوى ~~بغداد، ولم تعرف قرطبة عهدا بلغ فيه غناها وثروتها وفخارها ~~وفخامتها مثل عهد عبد الرحمن الناصر، ولا بلغت الدولة الأندلسية في ~~عهد من عهودها الزاهرة ما بلغته في عهده من الفخامة والجاه، ~~والسلطان، والبناء، والرقي، والعلم، والحضارة. # فلما مات خلفه الحكم الثاني (961-976م) وتلقب بالمستنصر بالله، ~~وكان أحسن سيرة وعدلا من الناصر، وفي زمانه حاول الأمير «أرذون» ~~استعادة عرش مملكته ليون فلم يفلح، وانصرف المستنصر إلى الإصلاح ~~والعمران وبعث البعوث، وبناء الدور والقصور، وإشادة الجوامع ~~والجامعات، وفي عهده ازدهرت جامعة قرطبة التي أسسها عبد الرحمن ~~الثالث أيما ازدهار لما كان يتمتع به من حب العلم، ورعاية أهل ~~الفكر، ولم يضارعها في العالم جامعة سوى جامعة المدرسة النظامية في ~~بغداد، وجامعة الجامع الأزهر في القاهرة. # ولما مات خلفه ابنه هشام الثاني (976-1009) وتلقب بالمؤيد، ~~وكان طفلا لم يتجاوز الثانية عشرة، فكانت أمه السيدة صبيح ~~البشكنسية الأصل «الباسكية» هي المصرفة للأمور، وكان مولاها وكاتم ~~سرها محمد بن أبي عامر المعافري هو المتولي لإدارة الدولة، ~~فاستبد بالأمر وبدا له أن يحجز الخليفة ففعل، وترك قصر الزهراء ~~وابتنى لنفسه قصرا خارج قرطبة سماه «المدينة الزاهرة»، وتقرب من ~~الفقهاء والشعراء والأعيان فأحبوه، ونظم الجيش، وغزا به واتخذ ~~لنفسه لقبا هو «المنصور بدين الله»، وظل على هذا الديدن من ~~السلطان حتى هلك في إحدى غزوات الفرنجة، وهي غزوة مدينة قشتالة ~~(كاستيل) وهي الغزوة السادسة والخمسون من غزواته الموفقة. # 2 # فلما ms183 مات الحاجب المنصور بدين الله في سنة 1002م وكان هو القوة ~~الناظمة لشئون الدولة، والمحرك الحقيقي لجهازها، والدكتاتور المطلق ~~في أمورها وأعمالها الإدارية والثقافية والعمرانية والحربية، ~~وبموته خلت الساحة، وظلت الأندلس طوال قرابة قرن مسرحا للطامعين ~~من العرب والبربر والصقالبة والقوط، على الرغم من أن الحاجب ~~المنصور كان قد سمى ابنه عبد الملك المظفر خلفا له فجعل الحجابة ~~وراثية، ولكن المظفر بن المنصور لم يستطع أن يملأ فراغ أبيه على ما ~~كان عليه من الصفات إلى أن مات في سنة 1008م مسموما، فخلفه على ~~الحجابة أخوه عبد الرحمن بن المنصور، وكان أهوج أخرق، فأعلن أنه ~~صاحب الحق في الخلافة، وثار الناس عليه لذلك، ولم يكن الخليفة ~~قويا ليستطيع أن يضعه عند حده، وكان الحكام الحقيقيون هم ~~الأجناد ومتغلبة الوجوه من أهل قرطبة أو الصقالبة أو البربر أو ~~القوط، إلى أن انتهى الأمر بتنازل هشام عن الخلافة لابن عمه محمد ~~في سنة 1009م فتلقب بالمهدي، فلم يكن أحسن سيرة من ابن عمه؛ فقد ~~كان مهملا سكيرا، فخلع بعد فترة قصيرة، ثم استخلف ابن عمه ~~سليمان، ثم ابن عمه عبد الرحمن الرابع، ثم ابن عمه عبد الرحمن ~~الخامس، فكانوا كلهم ضعافا مغلوبا على أمرهم يستخلفون ويخلعون، ~~وقد عرف ثلاثة منهم بأنهم ولوا الخلافة غير مرة وخلعوا عنها ~~غير مرة، وبويع أحدهم (هشام الثاني) مرتين وخلع مرتين ثم ضاع! أما ~~عبد الرحمن الخامس الملقب بالمستظهر بالله فكان على الرغم من ~~سذاجته خليفة صالحا، وقد استطاع وزيره العالم الفقيه ابن حزم ~~الأندلسي أن يرفع من شأنه بين العامة بعض الشيء، ولكن ما لبث أن ~~ساءت سيرته فيهم، فثاروا عليه فاختبأ منهم وتعقبوه، فهرب من قميم ~~حمام، وأخرج وهو في قميص مسود وعلى شكل مزر، فجيء به إلى محمد ~~الثالث الملقب بالمستكفي وضربت عنقه بين يديه، ولم يكن محمد ~~المستكفي أصلح من أسلافه، فقد كان همه منصرفا إلى الطعام والنساء، ~~ولم تكن نهايته أحسن من نهاية سلفه، فقد ثار الناس عليه وخرج ~~متزييا بزي النساء، ms184 وانتهى به المطاف أن سمه بعض حاشيته سنة ~~1025م، وتغلبوا على البلاد، وضاع شأن الخلافة، إلى أن كانت سنة ~~1027 فظهر أحد أبناء هذه الأسرة، وهو هشام بن محمد بن عبد الملك ~~بن عبد الرحمن الناصر فاستعاد عرش الأمويين، وتلقب بالخليفة ~~المعتد، ولكنه لم يستطع أن يمتلك زمام الأمور، فضاق أهل قرطبة ~~بالخلافة والخلفاء وخلعوه في سنة 1031م، وهكذا انقضى عهد الخلافة ~~الأموية في الأندلس، وتولى الأمر ملوك الطوائف في ~~المقاطعات. # الفصل الرابع # | فترة الطوائف # انقضى عهد الخلافة الأموية في الأندلس، وقامت على أنقاضها طوائف ~~متعددة، تشكل دويلات صغيرة في شبه الجزيرة كلها؛ فقرطبة وما إليها ~~تحت تصرف بني جهور، وإشبيلية ومقاطعاتها تحت سلطان بني عباد، ~~وغرناطة وما حولها تحت إمرة بني زيري من البربر، وغرناطة وجوارها ~~تحت إدارة وزير يهودي يسمى إسماعيل بن نغرالة «صمويل بن ~~نجزيله»، ومالقة والمقاطعات المجاورة لها تحت إدارة بني حمود، ثم ~~انتقلت إلى بني زيري، وطليطلة تحت إدارة بني ذي النون البربر، ~~وسرقسطة وما حولها خاضع لحكم بني هود. # وهكذا تفسخت بلاد الأندلس، تفرق أهلها مذاهب وأحزابا، وكان ~~النفوذ البربري هو الغالب، بينما أخذ ظل السلطان العربي ينزوي. ~~ومما هو جدير بالذكر أن الإسلام إنما استطاع أن يثبت في الأندلس ~~بعض الوقت على الرغم من تناحر أهله، فما ذلك إلا لتناحر خصوم ~~المسلمين من قادة النصرانية وملوكها، وأنهم حين استطاعوا توحيد ~~كلمتهم استطاعوا ضرب الإسلام في الصميم، وقضوا على آخر معاقله في ~~شبه الجزيرة. # وليس في تاريخ هذه الأسر المتغلبة ما يستحق الذكر، كما أنه ليس ~~من بينها أسرة يجدر أن نعنى بها إلا أسرة بني عباد أصحاب ~~إشبيلية. # وبنو عباد قوم من العرب الخلص، ينسبون إلى المناذرة اللخميين، ~~نبغ منهم في إشبيلية قاض ذكي ألمعي داهية وهو القاضي أبو عباد ~~محمد بن عباد، وكان له سلطان واسع في سنة 1023م، فلما مات في سنة ~~1042 خلفه ابنه عباد، وكان مثل أبيه دهاء وعبقرية، فاستطاع أن ~~يستولي على كثير من الأمراء المتغلبين الذين يجاورونه ms185 من ~~المسلمين، واستطاع أن يتجنب ضربات الملك فردلند (فرديناند) صاحب ~~قشتالة وليون، ولقب نفسه بألقاب الخلفاء فتسمى بالمعتضد، وتوسع ~~ملكه وعظم سلطانه حتى توفي سنة 1069م، فخلف لابنه محمد المعتمد ~~دولة ضخمة واسعة الأرجاء تشتمل على جميع القسم الجنوبي الغربي من ~~الأندلس. وفي سنة 1071 استطاع أن يضم إقليم قرطبة إلى ملكه. ولما ~~مات فردلند خلفه ابنه ألفونس السادس، وكان عنيفا شديدا لم يقبل ~~من المعتمد الجزية التي كان يعطيها لأبيه، وأصر على اقتحام بلاد ~~المعتمد، فاستولى على طليطلة، وسار نحو الجنوب حتى بلغ جزيرة طريف، ~~واستنجد المعتمد ببعض الأمراء المسلمين في الأندلس فلم ينجدوه، ~~وتمكن منه ألفونس، وأخذت دول الطوائف تسقط الواحدة تلو الأخرى في ~~أيدي النصارى إلى أن قضي عليها جميعا، فتراجع الإسلام إلى شمالي ~~إفريقية، وظهرت فيه بعض الدول القوية، وكانت أعظمها دولة ~~المرابطين، وزعيمهم يوسف بن تاشفين البربري، فرأى المعتمد أن ~~يستنجد به، فبعث إليه بكتاب مطول يرجوه فيه أن ينتقم للإسلام من ~~النصرانية، ويعينه على حرب ألفونس. # 1 # فقدم يوسف بجيش لجب، والتقى الجمعان عند الزلافة # Sacralias # بالقرب من مدينة ~~بطليوس في تشرين الأول سنة 1086م، وفتك يوسف وجنده بألفونس وجنده ~~شر فتك، ولم ينج ألفونس من القتل إلا بأعجوبة، وسر المسلمون ~~بهذا الظفر، ورجع المرابطون إلى شمال إفريقية، ولكنهم لم يلبثوا ~~فيها فترة حتى طمعوا في خيرات الأندلس، واستطابوا أرضها وثمراتها، ~~فزحفوا عليها فاتحين لا منقذين، واحتلوا غرناطة سنة 1090م، ثم ~~احتلوا إشبيلية سنة 1091، ثم استولوا على أكثر مدن الأندلس، ونفوا ~~المعتمد بن عباد إلى شمال إفريقية، واعتقلوه مكبلا بالحديد في ~~سجن أغمات حتى مات سنة 1095م، وبموته استتبت الأمور في الأندلس ~~لابن تاشفين، ولمع نجم دولة المرابطين. ~~(1) المرابطون # كانت قبيلة لمتونة - وهي إحدى قبائل صنهاجة البربرية - ممتدة ~~مضاربها من بلاد السنغال حتى شمالي إفريقية، وقد نبغ فيها بعض ~~الزعماء السياسيين، وأشهرهم يحيى بن إبراهيم الجدالي، فرأى أن ~~يبني حركته السياسة على حركة دينية، فذهب إلى الحج سنة ~~(1048-1049م)، واتصل في مراكش أثناء عودته ms186 بالفقيه عبد الله بن ~~يس الجزولي الصوفي فاستقدمه معه، وأسكنه مع نفر من متصوفي قومه ~~ومجاهديهم في جزيرة بالسنغال، وابتنى لهم رباطا، فأخذ الإمام ~~الجزولي يشرح لهم عقائد الدين، وبين لهم فضائل الجهاد ~~والرباط في سبيل الله، ثم تكاثر هؤلاء المريدون المرابطون، ~~فاستعان بهم يحيى الجدالي على محاربة أمراء الأطراف، وعظم ~~نفوذه ولم يمت في سنة 1056م، حتى ترك لأخيه أبي بكر وابن عمه ~~يوسف بن تاشفين أسس دولة فتية قائمة على أسس متينة من الدين ~~والاستبسال في نصرته؛ وأخذت هذه الدولة تستولي على الأطراف حتى ~~كانت سنة 1062م، فابتنى يوسف بن تاشفين مدينة مراكش، وجعلها ~~عاصمة لدولته الجديدة، ثم استولى على فاس في سنة 1070م، وعلى ~~طنجة في سنة 1078م، ثم امتد سلطانه ما بين سنتي 1080-1082م ~~على جميع إفريقية الشمالية من المحيط الأطلسي حتى بلاد ~~الجزائر. # ولما ضعف ملوك الطوائف، واستنجد أعظمهم المعتمد بن عباد ~~صاحب طليطلة بيوسف بن تاشفين لإنقاذه من براثن ملوك النصرانية ~~استجاب يوسف للدعوة شرط أن يمنح الجزيرة الخضراء لتكون مركزا ~~لجنده، ثم زحفت جيوش يوسف، فاحتلت الجزيرة الخضراء، ثم سارت ~~نحو إشبيلية فأقبل عليها المعتمد بن عباد مرحبا خاضعا، وكان ~~الملك ألفونس يحاصر مدينة سرقسطة، فلما علم بمقدم جيوش ~~المرابطين البربر زحف للقائه في جيش لجب، والتقى الجمعان عند ~~الزلاقة، وانهزم ألفونس بعد أن أخلى إقليم بلنسية، وتراجع إلى ~~إقليم مرسية ولورقة، ثم رجع ابن تاشفين إلى إفريقية، حين علم ~~بوفاة ابنه أمير سبتة، فترك الأندلس وقفل راجعا إلى بلاده، ~~ولم تمض فترة حتى اجتمعت جيوش صاحب قشتالة، وروذريق القنبيطور. # 2 # وهاجمت ديار المسلمين من جديد، فاستنجد أمراؤهم ~~بيوسف بن تاشفين، وزحف في ربيع عام 1090م على الأندلس ثانية، ~~وانضم إليه أمراء مالقة وغرناطة وألمرية وإشبيلية، وسار بهم ~~فحاصر «حصن الليط»، وقضى على حاميته النصرانية، وقوي سلطانه في ~~البلاد، فاجتمع إليه الفقهاء والوجوه، وطلبوا إليه أن يقضي على ~~ملوك الطوائف ويوحد البلاد تحت سلطانه، فأعجبته الفكرة، ~~واستصدر من قاضيي غرناطة ومالقة فتويين تقولان ms187 بأن ملوك ~~الطوائف قد ضعفوا عن حكم البلاد، وأهملوا شعائر الدين، وأن ~~الدين يقضي بإقصائهم عن دست الحكم؛ فاستولى ابن تاشفين على ~~الأندلس، وضمه إلى المغرب موجدا أعظم إمبراطورية إسلامية في ~~المغرب، وسار بالبلاد أحسن سيرة إلى أن هلك سنة 1106 فخلفه ~~ابنه علي، وكان متحمسا في دينه، متعصبا تعصبا بعيدا عن ~~المنطق وروح الدين الحقيقية، فسيطرت الجهالة على المسلمين، ~~وعمت الفوضى والتخاذل، وخلف عليا بعد سنة 1143م أمراء ~~ضعاف، وانتهز أمراء النصارى هذا الضعف، فأخذوا يغيرون على ~~البلاد بعد أن انصرف المرابطون في الملذات، وتم للملك ألفونس ~~ملك أرغونة أن يفتح سرقسطة، ثم هاجم غرناطة وفتك بأهلها شر ~~فتكة، وأخذ نجم المرابطين يأفل، وسلطانهم يخمل حتى قضى على ~~آخرهم إسحاق في سنة 1147م. ~~(2) دولة الموحدين # ما إن زالت دولة المرابطين حتى ظهرت دولة الموحدين، وهم ~~جماعة من البربر ينتهون إلى قبيلة معمودة البربرية القوية، ~~وكان مبدأ دعوتهم أن أحد الفقهاء المثقفين الذين تلقوا العلم ~~في المدرسة النظامية ببغداد، واسمه محمد بن تومرت المهدي، رأى ~~الجهالة التي حلت بقومه، وفساد الوضع الاجتماعي والديني، ~~فآلى على نفسه أن يقوم بحركة تهدف إلى إحياء الدين، والقضاء ~~على البدع والضلالات، وتعمل على بث التوحيد، وعاضده في حركته ~~الإصلاحية الدينية زعيم سياسي اسمه عبد المؤمن بن علي من قبيلة ~~زنانة البربرية، فاتفق الرجلان على القيام بهذه الحركة الدينية ~~الدنيوية، وتعهد عبد المؤمن بأن يتولى الحركة الدنيوية، ~~ويقود جماعات الموحدين لنشر دعوتهم، فامتدت الحركة حتى استولت ~~على بلاد مراكش وفاس، وجبال الأطلس إلى أن مات ابن تومرت في ~~سنة 1130م، فقام عبد المؤمن بأعباء الدعوة، وعظم سلطانه. وكانت ~~دولة المرابطين في دور النزاع، فاستولى على أملاكها في شمالي ~~إفريقية، ثم بعث قائده الأمير براز إلى الأندلس، فقضى على ~~بقايا المرابطين، ووسع رقعة الإمبراطورية الموحدية. # ولما مات مؤسس دولة الموحدين عبد المؤمن في سنة 1163م خلفه ~~ولده أبو يعقوب يوسف (1163-1184م)، ثم حفيده يعقوب المنصور ~~(1184-1199م)، فسارا على غرار عبد المؤمن، وتوسعت رقعة ~~الدولة، فبلغت من ms188 المحيط الأطلسي إلى حدود مصر مع سائر بلاد ~~الأندلس. # ولما مات المنصور سنة 1199م خلفه ابنه محمد الناصر ~~(1199-1214م)، وتجمعت ملوك الفرنجة في عهده لقتاله والقضاء على ~~الإمبراطورية الموحدية، فلقيهم بجيش عدده تسعة وخمسون ألف ~~مقاتل، فمزقوا شمله وهرب الناصر إلى مراكش. وتعاقب على الملك ~~بعده تسعة نفر من أسرته، لم يكن في سيرتهم ما يستحق الذكر إلى ~~أن سقطت دولتهم بيد بني مرين البربرية في سنة 1269م. # أما الأندلس بعد انهزام الناصر فقد تقاسمها أمراء الفرنجة ~~وبعض متنفذة المسلمين، ومن أشهرهم بنو نصر أصحاب آخر دولة ~~مسلمة في الأندلس. ~~(3) دولة بني نصر # قام بعد القضاء على دولة الموحدين أمير مسلم عظيم في سنة ~~1231م، يحاول الوقوف أمام ملوك النصارى، وهو محمد بن يوسف بن ~~أحمد بن نصر المعروف بابن الأحمر، مؤسس دولة بني نصر أو دولة ~~بني الأحمر، وكان محمد رجلا قويا حازما، أعلن إمارته على ~~الأندلس، واستولى على بلاد جيان، ووادي آش، وبسطة، وغرناطة، ~~ولما سقطت غرناطة بيد النصارى في حزيران سنة 1235م، حاول محمد ~~أن يستردها فلم يفلح، واضطر أن يصالح الملك فرديناند الثالث ~~صاحب قشتالة (1217-1252م)، وظل على ذلك إلى أن مات، فخلفه ابنه ~~محمد الثاني (671ه/1272-1302م)، وحاول أن يتحلل من معاهدة ~~الصلح مع فرديناند ومن الجزية التي كان يدفعها أبوه إليه، ~~فاتصل ببني مرين أصحاب مملكة مراكش، وطلب إليهم أن يعاونوه على ~~فرديناند، فأنجده السلطان أبو يوسف المريني، كما أنجد ~~المرابطون والموحدون ملوك الأندلس ضد النصارى من قبل، وزحفت ~~جيوش بني مرين على الأندلس، ولكنها لم تستطع أن تقضي على ~~النفوذ النصراني، فعمد محمد الثاني إلى المخاتلة والمراوغة، ~~وعقد معاهدات مع ملك قشتالة، واستطاع أن يأمن شره، ويعيش فترة ~~من الزمن في هدوء وسكينة، استطاع أن يعنى فيها بأمور البلاد ~~وعمرانها، فشيد بعض القصور والأماكن العامة، وأجلها وأشهرها ~~«قصر الحمراء» الخالد في غرناطة، التي غدت كالبقعة البيضاء في ~~البساط الأسود، فقد استولى النصارى من أصحاب قشتالة وليون على ~~كل بقاع الأندلس إلا عليها. في سنة ms189 «512ه/1118م» كانت قد سقطت ~~مدينة سرقسطة. وفي سنة «524ه/1130م» سقطت مدينة تطيلة. وفي سنة ~~«541ه/1147م» سقطت مدينة إشبونة، وفي سنة «542ه/1148م» سقطت ~~مدن طرطوشة ولادة وأفراعة. وفي سنة «627ه/1229م» سقطت جزيرة ~~ميورقة. وفي سنة «628ه/1230م» سقطت ماردة وبطليوس. وفي سنة ~~«631ه/1233م» سقطت مدينة أبدة. وفي سنة «633ه/1236م» سقطت ~~مدينة قرطبة. وفي سنة «634ه/1237م» سقطت بياسة وأستجة والمدور. ~~وفي سنة «636ه/1238م» سقطت مدينة بلنسية. وفي سنة «638ه/1240م» ~~سقطت شاطبة ودانية. وفي سنة «640ه/1242م» سقطت مدينة لقنت ~~وأريولة وقرطاجنة. وفي سنة «641ه/1243م» سقطت مرسية. وفي سنة ~~«644ه/1246م» سقطت مدينة جيان. وفي سنة «646ه/1248م» سقطت ~~مدينة إشبيلية، ولم يأت منتصف القرن السابع للهجرة حتى أضحت ~~مقاطعات الأندلس الشرقية والوسطى تحت يد النصارى، ولم يبق بيد ~~بني الأحمر إلا بعض المدن الصغيرة. # ومن الأحداث الخطيرة التي جرت في هذه الحقبة زواج الملك ~~فرديناند ملك الأرغون بالملكة إيزابيلا ملكة قشتالة في سنة ~~1469م؛ فقد اتفقا على توحيد مملكتيهما، وعلى القضاء على دولة بني نصر # 3 # التي تعاقب ملوكها الواحد والعشرون على العرش في ~~فترات طويلة، ولكنها مضطربة، ومملوءة بكثير من الدسائس والفتن ~~حتى سقطت المدن الإسلامية الواقعة تحت نفوذ بني نصر مدينة ~~مدينة، ولم يبق إلا مدينة غرناطة، فحاصرها الملك فرديناند ~~حصارا عنيفا، وقطع عنها الطعام حتى استسلمت في «ربيع الأول ~~سنة 897ه/كانون الأول سنة 1491م»، وعقد الملك أبو عبد الله ~~الصغير - آخر ملوكها - مع فرديناند معاهدة الاستسلام، على أن ~~يسمح له بمغادرتها سالما، ويسكن في منطقة البشرات # Alpujarras # المرتفعة الواقعة ~~جنوبي سلسلة جبال «سيرانيفادا»، وأن يمهله حتى يأخذ أهله ~~وأمواله ورجاله، وتم له ما أراد، ولم تدخل جيوش فرديناند ~~إلا في كانون الثاني سنة 1492م. # وهكذا طويت راية العروبة والإسلام في هاتيك الربوع الجميلة، ~~واضطر الخليفة أبو عبد الله الصغير إلى أن يهاجر إلى مدينة ~~فاس، فسكن فيها إلى أن مات سنة 940 (1533-1534). # 4 # ولم ينفذ الملكان المسيحيان فرديناند الثاني ~~وإيزابيل الكاثوليكية تعهدهما للمسلمين بالمحافظة على شعائرهم ~~وحماية مقدساتهم، ورعاية كتبهم وآثارهم، بل ms190 أسسا محاكم ~~للتفتيش عن المسلمين والفتك بهم وإكراههم على اعتناق الدين ~~المسيحي، أو الجلاء عن البلاد إلى شمال إفريقية. # الفصل الخامس # | الحضارة الأندلسية والحركات العلمية # ازدهرت الحضارة الإسلامية في الأندلس أيام الخليفة عبد الرحمن ~~الثالث، فقد حكم نحوا من خمسين عاما (912-961م)، عمل فيها على ~~السير بالبلاد قدما في سبيل العلم والفن، بعد أن وطد أبوه ~~وجده دعائم السيادة والقوة فيها، واعتنى بكل نواحي الحياة من ~~زراعة وتجارة وصناعة وعمران، كما اعتنى بمجالي الحياة الزاهية من ~~ملاعب وحدائق. # أما الآثار العمرانية التي خلفتها الحضارة الأندلسية فهي كثيرة، ~~وما يزال كثير من أطلالها وأشخاصها ماثلا، وأجلها: ~~(1) جامع قرطبة الأعظم # الذي بدأ به مؤسس الأسرة الأموية في الأندلس سنة 785-786م، ~~ودام البناء فيه اثني عشر شهرا، استعان فيها ببعض المعماريين ~~القوط، وبأطلال من المعابد القديمة، وتعاقب الأمراء الأمويون ~~بعده على توسيعه وتكميله، فشيد هشام الأول مئذنته، وزاد عبد ~~الرحمن الثاني أروقته ومحاريبه، ورفع محمد الأول مقصورته، وشيد ~~عبد الرحمن الثالث منارته العظيمة 951م، وزاد الحكم الثاني ~~امتداد أروقته الاثني عشر، وشيد إلى جانبه دارا ذات ثماني ~~زوايا، تعلوها قبة معقودة على رخامات حلزونية الشكل، ومقصورة ~~جديدة لها أقواس متقاطعة مفلطحة وقبب ذات أضلاع رائعة الشكل، ~~وفي زمن الحاجب المنصور زيدت أروقة الجامع فبلغت تسعة عشر، وفي ~~كل رواق خمسة وثلاثون عمودا، وأحيط الجامع بسور ذي شرفات ~~عالية، وواحد وعشرين بابا شامخا مزدانا بالرخام والنحاس ~~المكفت، وفي وسط الجامع حوض عظيم للوضوء تقوم من حوله أعمدة ~~تحمل عقودا من الرخام للزخرفة والزينة. # ومن الآثار العمرانية الجليلة التي لم يبق لنا منها اليوم ~~إلا اسمها ووصفها: ~~(2) مدينة الزهراء # التي روى المؤرخون أن الخليفة عبد الرحمن الثالث قد سماها ~~باسم جاريته المحبوبة «زهراء»، وشرع في بنائها سنة 936م على ~~أسفل الجبل المعروف بجبل العروس، شمالي قرطبة، وأن عشرة آلاف ~~عامل ظلوا يعملون فيها خمسا وعشرين سنة، وكانت مكونة من ~~ثلاث طبقات؛ أقيمت في الطبقة الأولى البساتين والحدائق ~~والأنهار، والطرقات المؤدية إلى الطبقة الثانية التي جعلت ms191 ~~للموظفين والخدم والإماء والموالي والحرس، وكانت الطبقة ~~الثالثة مقرا للخليفة وأسرته ورجال بلاطه، وأعظم ما في هذه ~~الطبقة قاعة العرش والاستقبال المبنية بالرخام والمرمر وصفائح ~~الذهب، وفي وسطها تشرق «الجوهرة المضيئة» التي أهداها إليه ~~الإمبراطور «ليو» البيزنطي ملك القسطنطينية، ويذكر المؤرخون أن ~~أبواب الزهراء كانت ثمانية مصنوعة من الرخام الملون والبلور ~~والأبنوس والنحاس المكفت والعاج، وأن غرفة نوم الخليفة كانت ~~رائعة بفسقيتها الفخمة المزدانة بتماثيلها الذهبية الاثني عشر، ~~وأن طول القصر كان 2700 ذراع، وعرضه 1500 ذراع، وفيه ألف ~~وخمسمائة باب وأربعة آلاف وثلاثمائة عمود، وقد تهدم أكثر هذه ~~المدينة في ثورة البربر سنة 1010م، أما اليوم فلا يعرف لها ~~أثر، ويظن أن أكوام الردم الواقعة في «قرطبة القديمة» على ~~مسافة ميل من المدينة الجديدة هي أطلال مدينة الزهراء. # ومن الآثار العمرانية الخالدة الباقية: ~~(3) مدينة الحمراء # التي أشرنا إليها في كلامنا عن دولة بني نصر، فقد شيدت في ~~ساحة من أعظم ساحات غرناطة من الآجر المتقن الجميل، على شكل ~~هندسي رائع ممتاز بعقوده وأقواسه وقبابه وزخارف سقوفه، ويحيط ~~بالمدينة ساحتان واسعتان تؤديان إلى جنان واسعة تؤدي إلى مدخل ~~القصر، وفي الجنوب ساحة واسعة تسمى ساحة الريحان تؤدي إلى ~~البرج الأعظم، والقاعة الكبرى المعروفة بقاعة السفراء، ويتصل ~~الحريم الجنوبي الشرقي لساحة الريحان بدار عظيمة عرفت بدار ~~الأسود التي تؤدي إلى قاعات الحكم، وإلى يمينها دار ابن سراج، ~~وإلى يسارها دار الأختين. # أما دار الأسود، فهي مدينة صغيرة سميت بذلك للأسود الرخامية ~~الفخمة الجميلة التي تزين باحتها وتحمل بركتها، وتزدان جبهة ~~هذه الدار بصور مشاهد الصيد والطرد، وصور عشرة أشخاص من ~~الأمراء متكئين على سرر وأرائك، وقد فرشت أرض الدار بالمربعات ~~الرخامية البيض، وترتيب أسافل حيطانها بالقاشاني الملون بعلو ~~أربعة أقدام، ومن فوقها أفاريز خشبية رائعة الحفر والنقش، ومن ~~فوقها كان السقف ذو المتدليات، ومن تحته العمد الرشيقة ~~والقناطر ذات شكل نعل الفرس، ويحيط بالجدران نقوش وزخارف رائعة ~~لا حد لها، وقطع قاشانية بديعة وأشكال رخامية متقنة، وخطوط ~~هندسية ونجوم ومثمنات، وصور ms192 نباتات يحار البصر في إدراك ~~مبتداها، ومن فوق ذلك نقوش خطية جميلة متعددة امتدت على طول ~~الإفريز والتفت حول القناطر والكوى والنوافذ، وقد انتشرت في ~~جنبات القصر كله زخارف ودهانات ونقوش بألوان ساحرة متناسقة ~~بالغة الروعة، والحق أن هذا القصر على الرغم من مرور الأعوام ~~على بنائه ما يزال رائعا جديدا فخما شاهدا على عظمة الفن ~~العربي وروعته وخلوده. # هذا وصف موجز لبعض مظاهر الحضارة الأندلسية من الناحية ~~العمرانية، فأما من الناحية العلمية فقد عني الأندلسيون ~~بالفقه الإسلامي واللغة العربية والفلسفة، وقد نبغ فيهم أو عاش ~~بينهم نفر من الفحول؛ كابن مسرة الفيلسوف، وأبي علي القالي ~~اللغوي، وابن القوطية المؤرخ، وابن دراح الشاعر، وابن شهيد ~~الكاتب، وداود بن علي الأديب، وابن حزم العبقري المؤلف، وأبي ~~القاسم الزهراوي الطبيب، وابن طفيل وابن رشد الحكيمين، ومحيي ~~الدين بن عربي الصوفي، وابن الخطيب وابن خلدون ~~المؤرخين. ms193