######OpenITI# #META# URI: 1379MuhammadAscadTalas.TarikhUmmaCasrIzdihar.Hindawi83020303 #META# Tags: history #META# ID: 83020303 #META# Title: عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) #META# AuthorID: 35030937 #META# Author: محمد أسعد طلس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتاب الأول: تاريخ دولة بني العباس‏ # 1 - كلمة في منشأ هذه الدولة ~~وأحوالها وأنظمتها‏ # 2 - الدعوة العباسية‏ # 3 - خلافة أبي العباس السفاح العباسي‏ # الكتاب الثاني: الخلفاء العباسيون‏ # 1 - أبو العباس السفاح‏ # 2 - أبو جعفر المنصور‏ # 3 - المهدي بن المنصور‏ # 4 - الهادي بن المهدي‏ # 5 - الرشيد بن المهدي‏ # 6 - الأمين بن الرشيد‏ # 7 - المأمون بن الرشيد‏ # 8 - المعتصم بن الرشيد‏ # الكتاب الأول: تاريخ دولة بني العباس‏ # 1 - كلمة في منشأ هذه الدولة ~~وأحوالها وأنظمتها‏ # 2 - الدعوة العباسية‏ # 3 - خلافة أبي العباس السفاح العباسي‏ # الكتاب الثاني: الخلفاء العباسيون‏ # 1 - أبو العباس السفاح‏ # 2 - أبو جعفر المنصور‏ # 3 - المهدي بن المنصور‏ # 4 - الهادي بن المهدي‏ # 5 - الرشيد بن المهدي‏ # 6 - الأمين بن الرشيد‏ # 7 - المأمون بن الرشيد‏ # 8 - المعتصم بن الرشيد‏ # | عصر الازدهار # | عصر الازدهار # | تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) # تأليف # محمد أسعد طلس # الكتاب الأول # | تاريخ دولة بني العباس # الفصل الأول # | كلمة في منشأ هذه الدولة ~~وأحوالها وأنظمتها # يقول بعض المؤرخين المحدثين: إن دولة بني أمية هي الدولة ~~العربية الخالصة، أما دولة بني العباس فدولة عربية شكلا ~~أعجمية حقيقة، ولو أتيح للعنصر العربي في العصر العباسي بما ~~أتيح له في العصر الأموي لأتى بالعجب العجاب، ولكن الطغيان ~~الأعجمي الذي طغى على العنصر العربي قد بدل الوضع وأفسد ~~القضية العربية ... يقول الجاحظ في «البيان والتبيين»: «إن دولة ~~بني العباس أعجمية خراسانية، ودولة بني مروان أموية عربية ~~...» ويقول المسعودي في «مروج الذهب» في معرض حديثه عن قيام ~~الدولة العباسية وزوال الدولة الأموية: «سقطت قيادات العرب ~~وزالت رياستها ...» # وهذه الأقوال السابقة تدل على أنه بانتقال الملك من بني ~~أمية إلى بني العباس ضعف شأن العرب وخضدت شوكتهم، وهو ~~قول صحيح بعض الشيء، فقد كان السلطان العربي في العصر الأموي ~~سلطانا قويا بارز القسمات في كل شيء؛ فالولاية للعربي، ~~والقضاء للعربي، والأرض للعربي، والناس كلهم من أسود وأصفر ~~وأسود دونه، بل خول له، وسواد العراق هو بستان لقريش، ~~تنال ثماره وتستغل عقاره؛ هذا قول صحيح، ولكنه ms001 - في رأينا - ~~قول مبالغ فيه؛ فقد كان العربي كل شيء في العصر الأموي، ~~ولكنه ظل في العصر العباسي ذا نفوذ وسلطان، وإن كان لا ~~يضاهي نفوذه وسلطانه في العصر الأموي، فما استطاع العنصر ~~الأعجمي في الدولة العباسية الجديدة أن يقضي على النفوذ العربي ~~تماما، وإن استطاع أن يهون من أمره بعض التهوين. يقول ~~الدكتور عبد العزيز الدوري في معرض حديثه عن نشأة الدولة ~~العباسية بعد عرضه للنظرية السابقة: «ولعل هذه الأقوال صحيحة ~~في أساسها، لكنها متطرفة على ما أرى، فمن المبالغة أن نقول ~~بأن سلطان العرب ينتهي بسقوط الأمويين، فالخلفاء العباسيون ~~كانوا عربا هاشميين (من جهة الأب على الأقل)، وكانوا يعتزون ~~بنسبهم ويعتبرونه أكبر مناقبهم، ومع أنهم قربوا الفرس ~~إلا أنهم سيطروا عليهم فنكلوا بهم حين شعروا بتعاظم ~~نفوسهم، كما فعل أبو العباس بالخلال، والمنصور بأبي مسلم، ~~والرشيد بالبرامكة، والمأمون بالفضل بن سهل، وقد أعطيت ~~بعض المناصب الهامة كالوزارة إلى الفرس، ولكن عددا كبيرا ~~من الولاة والقواد كانوا عربا في العصر العباسي الأول، فإن ~~كثيرا من أصحاب المناصب في الدولة الجديدة كانوا عربا.» وإن ~~ما يذكره الدوري صحيح، إلا أن أصحاب تلك النظرية قالوا: إن ~~السلطان العربي قد اضمحل، وإن الدولة قد اصطبغت بصبغة أعجمية ~~بعد أن كانت عربية خالصة، وقد اختص آل العباس الأعاجم ~~بصورة عامة، والخراسانيين بصورة خاصة، ولا غرو فإنهم كانوا ~~عماد دولتهم وموئل حركتهم، أما العرب فقد فقدوا كثيرا من ~~امتيازاتهم التي كانت لهم في العصر الأموي، سواء أكان ذلك في ~~الوظائف الكبرى، أو في الإقطاعات التي يأخذونها، أو في النفوذ ~~بصورة عامة. # يقول المسعودي في المروج: «إن المنصور هو أول خليفة استعمل ~~مواليه وغلمانه وصرفهم في مهماته، وقدمهم على العرب، ~~فامتثلت الخلفاء ذلك من بعده.» وقد كان من نتائج هذا ~~التقلص لنفوذ العرب وبروز السلطان الأعجمي أن دخلت ~~النظم الأعجمية من فارسية وغير فارسية في الدولة الجديدة، ~~ومن أبرز هذه النظم تلك النزعة الكسروية الساسانية ~~الاستبدادية، وما إليها من المراسيم والتقاليد التي كانت قد ~~بدأت ms002 في الظهور أيام بني أمية، فإذا هي في ظل الدولة الجديدة ~~تترعرع بقوة وعزة، وقد بعدت الشقة بين الدولة وبين ~~القبيلة والبادية العربية بعدا شاسعا، أما في العصر الأموي ~~فعلى الرغم من محاولة خلفائه اقتباس النظم والتقاليد ~~الأعجمية، فإن صلة الخلفاء والأمراء بالقبيلة العربية ~~وتقاليدها وآدابها الموروثة كانت ذات أثر ملموس واضح. # ومما يلاحظ أيضا في هذه الدولة الجديدة أنها ألبست دعوتها ~~لباسا دينيا، فادعى أصحاب الدعوة الأولين أنهم إنما قاموا ~~بدعوتهم اتباعا لكتاب الله، وإحقاقا لحق آل بيت رسول الله، ~~وتحكيما لسنة رسول الله التي اضطهدت في العصر الأموي، ~~وإرجاعا لنظم الخلافة كما أرادها الرسول الكريم بدل الملك ~~العضوض الذي أحدثه أملاك أمية، يقول ابن الطقطقي في ~~«الفخري»: «إن هذه الدولة ساست العالم سياسة ممزوجة ~~بالدين والملك، فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها ~~تدينا، والباقون رهبة أو رغبة.» والحق أن العباسيين إنما ~~سلكوا هذه السبيل لأنهم استعانوا بأبناء عمومتهم العلويين ~~أصحاب الحق الأقرب في الخلافة، واعتمدوا عليهم في تكوين دعوتهم ~~إلى أن تم لهم الأمر، فتنكروا لهم وفتكوا بهم. ومما ~~يلاحظ في هذه الدولة الجديدة أيضا أن نظام الخلافة وولاية ~~العهد ووراثة الحكم أصبحت أمورا وراثية تقليدية، وقد كان ~~الأمر في العصر الأموي قريبا من ذلك، إلا أنه كان يكون للشورى ~~والسن والعرف القبلي بعض الرعاية أو بمقدار أكثر مما ~~صار إليه في أيام بني العباس؛ فقد أصبح نظام ووراثة العهد ~~ميراثيا بكل معنى الكلمة، فلا الشورى لها موضع، ولا العرف ~~والتقاليد العربية في اختيار ولي عهد الخليفة لها رعاية، فكم ~~ولي الخلافة طفل! وكم أسندت أمور المسلمين إلى حدث ~~لم يؤت من شرائط الخلافة ما يؤهله للقيام بأعبائها! وما ~~كان هذا الأمر ليستساغ في العصر الأموي؛ لأن الروح العربية ~~كانت ما تزال قوية، والتقاليد ورعاية السن والمقام كان لها ~~أثرها في اختيار الخليفة وولي العهد. ويجب أن لا يغرب عن ~~البال أن الأمويين كانوا على الرغم من نزعتهم الاستبدادية لا ~~يستطيعون تخطي التقاليد العربية، فقد حافظوا على حرمة ~~القبيلة ms003 ومكانة رئيسها، وراعوا فكرة احترام الأنساب حق ~~الرعاية، كما راعوا حرمة المكانة الاجتماعية، أما خلفاء بني ~~العباس فقد أخذت التقاليد والمراسيم الفارسية والأعجمية تحتل ~~مكانتها عندهم، وفي هذا دليل على ما ذهبنا إليه من مشايعة ~~أصحاب الرأي القائل بأن هذه الدولة الجديدة دولة ذات طابع ~~فارسي واضح؛ فقد اعتمد الخلفاء على الفرس والموالي وقربوهم ~~منهم، واستطاع هؤلاء الموالي - متسترين وراء الفكرة القائلة ~~بأن الدين الإسلامي قد ساوى بين معتنقيه كافة، وأنه لا ~~فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى - أن ينفذوا إلى قلوب ~~الخلفاء، وأن يسيطروا على مرافق الدولة ومؤسساتها. # وقد اهتم خلف بني العباس منذ فجر تأسيس سلطانهم بترتيب ~~الدولة وتأسيسها وتنظيماتها ترتيبا جديدا يعتمد على الإصلاح ~~والقوة، ويكاد يكون النظام الإداري للدولة الجديدة هو النظام ~~الإداري السابق الذي وجد في أخريات أيام بني أمية، إلا ما ~~أحدثه العهد الجديد من نظم وتراتيب استقاها من التراتيب ~~الإدارية الأعجمية، أو الأنظمة الدولية الكسروية، ومن أبرز ~~تلك التراتيب الأمور الآتية: ~~(1) # أنهم عززوا وظيفة «الكاتب» أو «الوزير» ~~وثبتوا مركزه ولقبه، وخولوه سلطانا واسعا، ~~وجعلوه المشرف الأعلى على دواوين الدولة كافة ~~والتي تعددت، وهذا لم يكن معروفا في العصر ~~الأموي، فإن الكاتب أو الوزير وقتئذ ما كان إلا ~~مدونا لما يمليه الخليفة عليه، ويبعث به ~~إلى الأقاليم، وينفذ أوامره ويتقيد ~~بإرشاداته. # أما نظام الوزارة في العهد الجديد فنظام ذو ~~سلطان واسع وإشراف تام على مرافق الدولة ~~ومؤسساتها كافة. ~~(2) # أنهم أصلحوا شئون الدواوين، وأمروا بترتيب ~~سجلاتها ترتيبا يحفظ أوراقها من التلف والضياع؛ ~~حتى يمكن الرجوع إليه، كما أنهم حددوا وظائف ~~كل من: أصحاب دواوين «الخراج» و«الخاتم» ~~و«النفقات» و«الصدقات» و«البريد» و«الجند» ~~و«الإقطاع» و«المصادرة» و«الشكاوى» و«الضرائب»، ~~بعد أن كانت مختلفة في العهد الأموي. ~~(3) # أنهم أشركوا غير العرب في الجيش بعد أن كان أمره ~~محصورا بالعرب أيام بني أمية. # وقد بالغ العباسيون في الاعتماد على غير العرب، ~~وبخاصة الخراسانيون، حتى غدا العربي في الجيش ~~غريبا أو كالغريب، وخصوصا بعد عصر المتوكل على ~~الله ومن بعده من الخلفاء، وقد ms004 اهتم الخلفاء ~~العباسيون بالجيش وترتيبه وتنظيمه ترتيبا ~~كسرويا، كما جعلوا فيه فرقا من الجند ~~المرتزقة وسموا لهم الرواتب الكبيرة اعتمادا ~~عليهم وثقة بهم. ~~(4) # أنهم رتبوا الأمور المالية ترتيبا جديدا ~~يلائم الحركة الجديدة والدولة الناشئة، فبعد أن ~~كان النظام المالي في العصر الأموي نظاما أقرب ~~إلى البساطة يعتمد في جميع موارده على الزكاة ~~والصدقات والجزية والخراج والفيء، وهذه أمور جاء ~~بها الشرع وعمل بها الخلفاء الراشدون، فلما جاء ~~الأمويون استحدثوا بعض الضرائب والمكوس غير ~~الشرعية، كهدايا النيروز والمهرجان، وأموال ~~المصادرة، وجزية الموالي بعد إسلامهم، وجزية من ~~أعفاهم الإسلام، إلى غير ذلك مما لم يقره ~~الشرع. # فلما تولى بنو العباس واعتنوا بنظام ري ~~الأراضي وفرض الضرائب عليها وعلى التجارة عن ~~الموالي، وساووا بينهم وبين العرب، زادوا الخراج ~~وأخذوا الجزية من بعض من منع الإسلام أخذها ~~منهم كالرهبان ومن لم يبلغوا سن الحلم، كما ~~أنهم أحدثوا ضرائب جديدة غير شريعة؛ كضرائب أخماس ~~المعادن، وضرائب الركاز، وضرائب المصائد والسفائن ~~وما يخرجه البحر، والضرائب التي تفرض على التجار ~~وبعض السوقة وأهل الحوانيت، وضرائب المواريث ~~والتركات، وضرائب المراعي والقوافل، وأكثر هذه ~~الموارد قد استحدثه الأمراء العباسيون تمشيا مع ~~تحضير الدولة، وسدا لأبواب النفقات التي اقتضتها ~~الدولة الجديدة. ~~(5) # أنهم اهتموا اهتماما عظيما بالناحية الثقافية ~~والفنية تمشيا مع تقدم الأمة في مضمار ~~الحضارة وتطلبا للمعرفة والإدراك، وقد لعب ~~أبناء الدول المفتوحة من روم وسريان وأقباط وفرس ~~وأنباط دورا خطيرا في إيجاد ثقافة إسلامية ~~رفيعة، أنتجت أطيب الثمار في العصر العباسي ~~الأول، ثم العصر العباسي الثاني، وليس هنا مجال ~~تفصيل هذا البحث. ~~(6) # أنهم من الناحية الاجتماعية خلقوا بيئة رفيعة ~~غنية في أفكارها وحياتها وتقاليدها وآدابها ~~وأخلاقها، فبعد أن كانت البيئة في العصر الأموي ~~عربية أقرب إلى البداوة والسذاجة، أصبحت في هذا ~~العهد بيئة معقدة مطعمة بخلاصة الحضارات ~~القديمة العريقة من فارسية ورومية ومصرية وهندية، ~~وقد اضمحلت الروح القبلية التي كانت في العصر ~~الأموي وحلت محلها روح جديدة، هي روح ~~التعصب القومي أو البلدي، بعد أن كان العرب في ~~العصر ms005 الأموي منقسمين إلى قيس ويمن، أو قحطانية ~~وعدنانية، أصبحنا نجدهم في هذا العصر صفا واحدا ~~يحارب فكرة خطرة جاء بها الموالي لهدم كيانهم، ~~ألا وهي فكرة الشعوبية، كما أصبحنا نرى كثيرا ~~من الفكر الاجتماعية الغريبة عن البيئة العربية ~~واضحة المعالم تمد برءوسها وترفع عقيرتها؛ مثل: ~~فكرة الزندقة، والإلحاد، والمانوية، والمزدكية، ~~والخرمية. ~~(7) # أنهم لما رفعوا من شأن الأعاجم والموالي غير ~~العرب كان منطقيا أن يتطاول هؤلاء الأعاجم ~~والموالي على العرب، تنفيسا للكرب الذي قاسوه ~~أيام بني أمية، وقد نتج من ذلك معارك وفتن ~~سيفية وقلمية ظهر أثرها في كل شيء حتى في التأليف ~~والتدريس والقضاء والشعر والأدب بصورة عامة، ~~استطاع الموالي بما أوتوه من سلطان وملكات أن ~~يطمسوا كثيرا من معالم الفضل العربي ونتائج ~~القرائح العربية، أو يشوهوا مباهجها ~~الرائعة. ~~(8) # أنهم اتخذوا المشرق، وبخاصة العراق كانت مركزا ~~لحركتهم، وفي هذين الإقليمين مراكز ذات ثقافات ~~قديمة، ولها أفكار خاصة ذات طابع معروف، ففي ~~العراق والكوفة - التي كانت مقر الدعوة العباسية - ~~اجتمع كثير من الثقافات القديمة والديانات ~~العريقة، وكان من جراء هذا كله أن نبغت جماعات ~~ذوو آراء وأفكار غريبة عن النفس العربية؛ كفكرة ~~التناسخ، وفكرة الحلول، وفكرة الحق الإلهي، وغير ~~ذلك من الأفكار الغريبة عن العقلية العربية. وفي ~~المشرق، وخراسان بالخاصة، كانت مجتمعات لشتى ~~الثقافات والأفكار والديانات والآراء، وكان فيها ~~كثير ممن أسلم رغبة في منفعة أو رهبة من بطش ~~وقلبه مملوء كرها للعرب والإسلام، فاضطر أن ~~يسلم ونفسه مشبعة بديانته القديمة والفلسفات ~~العتيقة التي توارثها واعتنقها، فما كان من ~~السهل أن يتخلى عنها للدين الجديد الذي جاء ~~العرب به. ~~(9) # أنهم باعتمادهم على الموالي قووا النزعات ~~القومية، فأخذ العرب مع ما هم عليه من حزازات ~~قديمة يتحزبون على الأعاجم، ويرجعون إلى ~~عنعناتهم الجاهلية التي حاربها الإسلام وكاد أن ~~يقضي عليها، وأخذ الفرس والموالي على العموم ~~يتكتلون ضد العرب، وأخذت بوادر النزعات القومية ~~والإقليمية والبلدية تبرز في الأقاليم المفتوحة، ~~وبخاصة في مقاطعات خراسان والخزر وبلاد المشرق، ~~وأخذ الطامحون من أبناء فارس والديلم والأتراك ms006 ~~يفكرون في الانسلاخ عن جسم الدولة العربية ~~والعمل على استقلالهم الذاتي، ويجهرون بذلك ، وهذا ~~أمر لم يكونوا يجرءون على تنفيذه في العصر الأموي، ~~أما الآن فالقادة منهم، والوزراء منهم، وأصحاب ~~الدواوين والدولة منهم، فما عليهم إلا أن يرسموا ~~الخطط ويهيئوا البرامج للعمل في المستقبل القريب ~~ضد الدولة العربية، وهكذا كان. ~~(10) # كان من جراء نقل العاصمة من الشام إلى العراق ~~أن انتقل النشاط الفكري والسياسي للإمبراطورية ~~العربية إلى المشرق، فسادت الثقافات المشرقية بين ~~الفارسية والسريانية والنبطية والهندية والرومية ~~في الدولة الجديدة، كما ضعف نفوذ الدولة ~~المركزية في الولايات الغربية كشمال إفريقية ومصر ~~وجنوب الجزيرة العربية، وانقطعت الصلة بالمرة ~~بينها وبين الأندلس الذي استقل تماما بتأسيس ~~الدولة الأموية فيه كما بيناه في آخر عصر ~~الاتساق. ~~(11) # كان من جراء نقل العاصمة أيضا، ولأسباب أخرى، ~~أن بعض الممالك الإسلامية في شمال إفريقية وعمان ~~والأندلس لم يتابع الخلافة الجديدة لبعده عنها، ~~أما مصر فكان اعترافها اعترافا شكليا كما ~~سنفصله فيما بعد. # الفصل الثاني # | الدعوة العباسية # اجتمعت عوامل عديدة على وضع نهاية للدولة الأموية، وأول ~~هذه العوامل أن الموالي والفرس كانوا قد ضاقوا ذرعا بحكم ~~الدولة العربية، فتآمروا على الإجهاز عليها، وكانوا في آخر ~~القرن الأول وأوائل القرن الثاني للهجرة قد استعادوا بعض ~~قوتهم، وتجمعت لديهم الأسباب التي تمكنهم من الانقضاض ~~على أعدائهم والفتك بخصومهم الذين أذلوهم وأفقدوهم مجدهم ~~وطوحوا باستقلال بلادهم، وقد تعاون هؤلاء الموالي والأعاجم ~~مع نفر من العرب الذين كرهوا حكم بني أمية، فعملوا على ~~التخلص منهم، ومن أبرز هذا النفر بنو هاشم من بني علي وبني ~~العباس. # وهناك عوامل عديدة أخرى عملت في القضاء على العهد الأموي، ~~بالإضافة إلى الفساد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي ~~منيت به الدولة في آخر عهدها، ويمكننا إجمال تلك العوامل ~~فيما يلي: ~~(1) # الانقسامات القبلية العديدة التي قسمت الأمة ~~وفرقتها إلى شيع وأحزاب من يمانية وقيسية ~~وعدنانية وقحطانية، وقد تطور هذا الانقسام ~~القبلي إلى انقسام حزبي عنيف نتج عنه تفسخ ~~البيئة العربية تفسخا قذرا، فاتسعت شقة ~~الخلاف بين السكان ms007 اتساعا عمل على تهديم أركان ~~الدولة الأموية. ~~(2) # تهاون بعض الخلفاء والأمراء الأمويين في ~~النواحي الدينية والخلقية؛ وانغماسهم في بحور ~~اللهو وأسباب الفسق والاستهانة بآل بيت الرسول # صلى الله عليه وسلم # وفتكهم بهم وتشريدهم. # وقد استطاع العباسيون ودعاتهم الأذكياء أن يستغلوا كل ~~هذا الحنق في سبيل الوصول إلى هدفهم السياسي، واستطاعوا ~~بدهائهم أن يخدعوا العلويين بأن دعوتهم إنما تهدف إلى إحقاق ~~الحق وتسليم الأمر للرضا من «آل بيت محمد»، وكلمة «الرضا» ~~كلمة غامضة ليست محددة، فاستطاع العباسيون ودعاتهم أن ~~يخدعوا بها العلويين وشيعهم، ويسيروهم في دعوتهم إلى أن ~~تم لهم الأمر، فتنكروا لهم وأعادوا سيرة الأمويين معهم، ~~وأصل هذه الدعوة يرجع إلى عهد الفتنة الكبرى التي وقعت بين ~~يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير، فإنه لما مات يزيد وعظم ~~أمر ابن الزبير في الحجاز ومصر والعراق وبايعه أشراف الناس ~~ووجوههم، امتنع زعيما الهاشميين وهما محمد بن الحنفية وعبد ~~الله بن العباس من مبايعته، فاضطهدهما وسجنهما، وعادت الفتنة ~~من جديد، وكان ظهر آنئذ في الكوفة - التي كانت مقر ~~الحركة العلوية - رجل ذو مطامع سياسية واسعة، هو المختار بن ~~أبي عبيد الثقفي الملقب بكيسان، وأخذ يدعو لآل علي، فالتف ~~حوله رؤساء الشيعة، واستطاع أن ينقذ محمد بن الحنفية من ~~سجنه، ثم جمع جموعه لقتال ابن الزبير، فما كان من ابن الزبير ~~إلا أن وجه إليه أخاه مصعبا، فاستطاع أن يفتك بالمختار ~~ويقضي على دسائسه، ولكنه لم يستطع أن يقضي على حركته، فبقي ~~بعض جذورها التي استطاعت أن تظهر فيما بعد بشكل آخر، أما ابن ~~الحنفية فإنه تراجع منخذلا، ثم اضطر بعد أن قضى عبد الملك ~~بن مروان على الحركة الزبيرية أن يبايعه، ولما مات ابن الحنفية ~~اضطربت أفكار شيعته، فمنهم من قال بغيبته موقتا ~~ورجعته، ومنهم من تبع ابنه أبا هاشم عبد الله بن محمد ~~بن الحنفية متهجمين على بني أمية مبينين ظلمهم وفتكهم ~~بآل النبي # صلى الله عليه وسلم # وإفسادهم أمر المسلمين وما إلى ذلك مما ~~تقتضيه أساليب الدعوة، وكان في ms008 خراسان اثنا عشر نقيبا يعملون ~~على هدم بني أمية وإقامة سلطان هاشمي، وكانوا على اتصال ~~بالمركز في الكوفة، أما أبو هاشم عبد الله بن محمد فإنه اضطر ~~أن يلجأ إلى بني عمه من آل العباس الذين كانوا يقيمون في ~~«الحميمة» من أرض فلسطين جنوبي البحر الميت، وكان أكبر رجال ~~آل العباس وقتئذ هو محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فأقام ~~أبو هاشم فيهم، ويقال إنه قد تخلى لهم عن حقه في الخلافة ~~لما أحس بدنو أجله على الشكل الذي سنفصله بعد. # قال ابن الطقطقي صاحب كتاب «الفخري»: «وكان أبو هاشم من رجال ~~أهل البيت، فاتفق أنه قصد دمشق وافدا على هشام بن عبد الملك ~~فأكرمه هشام ووصله، ثم رأى من فصاحته ورياسته وعلمه ما حسده ~~عليه وخاف منه، فبعث إليه وقد رجع إلى المدينة من سمه في ~~لبن، فلما علم بذلك عدل إلى محمد بن علي بن عبد الله بن ~~العباس، وكان نازلا بالحميمة من أرض الشام، فأعلمه أنه ميت ~~وأوصى إليه، وكان في صحبته جماعة من الشيعة، فسلمهم إليه ~~وأوصاه بهم، ثم مات فتهوس محمد بن علي بالخلافة، منذ يومئذ ~~وشرع في بث الدعاة سرا، وما زال الأمر على ذلك حتى مات ~~...» وموت محمد بن علي هذا كان في سنة 114ه، وقيل: بل في سنة ~~117ه، والدعاة الذين يشير إليهم ابن الطقطقي هم اثنا عشر ~~داعيا أو نقيبا اختارهم محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~لينظموا دعوته سرا، وهم: سليمان بن كثير الخزاعي، ومالك بن ~~الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي، وعمرو بن أعين الخزاعي ~~مولاهم، وعيسى بن أعين الخزاعي مولاهم، وقحطبة بن شبيب الطائي، ~~ولاهز بن قريظ التميمي، وموسى بن كعب التميمي، والقاسم بن ~~مشاجع التميمي، وخالد بن إبراهيم الشيباني، والشبل بن طهمان ~~الحنفي مولاهم، وعمران بن إسماعيل المعيطي مولى أبي معيط. وقد ~~جعل محمد بن علي للدعوة مركزين؛ «أحدهما» في الكوفة، وكانت ~~صلته بالحميمة يتولى أمره ميسرة مولى علي بن عبد الله بن ms009 ~~العباس، و«الثاني» في خراسان، وكان مرجعه الكوفة، ويتولى أمره ~~الدعاة الاثنا عشر الذين سلفت أسماؤهم، وكان رئيسهم وصاحب ~~الرأي فيهم سليمان بن كثير الخزاعي. # اختار محمد بن علي بن عبد الله سبعين رجلا ليكونوا مؤتمرين ~~بأمر النقباء الاثني عشر، يعملون في الخفاء على نشر الدعوة ~~العباسية، ويهدمون الدولة الأموية، ويحرصون على تنفيذ ما ~~يقرره النقباء بعد التشاور والتعاون فيما بينهم، وظل هؤلاء ~~يعملون جميعا سرا من أول القرن الثاني إلى سنة 127ه، كانوا ~~يجوبون البلاد متظاهرين بالاتجار أو طلب العلم أو التطبيب أو ~~السياحة، وهم ينشرون دعوتهم متهجمين على بني أمية، مبينين ~~ظلمهم وفتكهم بآل النبي # صلى الله عليه وسلم # وإفسادهم أمر المسلمين، وما ~~إلى ذلك مما تقتضيه أساليب الدعوة، وكان نقباء خراسان الاثنا ~~عشر على اتصال بمركز الكوفة، والكوفة على اتصال بميسرة يخبرونه ~~بكل شيء، وهو يخبر بدوره الحميمة. ومما تجدر الإشارة إليه أنه ~~في سنة 105ه انضم إلى الدعوة رجل ذو خطر كبير هو بكير بن ~~ماهان، وكان من وجوه الخراسانيين ودهاتهم، اتصل بمحمد بن علي ~~فأحبه وآزره في دعوته، وقد لعب بكير دورا كبيرا في نشر ~~الدعوة، وتزويدها بالمال وحسن تنظيماتها، ولما مات محمد بن علي ~~سنة 114ه، وتولى الأمر من بعده ابنه إبراهيم بن محمد، فسار ~~سيرة أبيه في تنظيم الدعوة، واستمر بكير في نشاطه إلى أن مات، ~~فأقام إبراهيم بن محمد مكانه أبا سلمة حفص بن سليمان ~~الخلال، وهو صهر بكير بن ماهان، وحدث آنئذ أن اتصل بإبراهيم ~~شاب من موالي بكير، وكان من ذوي المقدرة والدهاء والسياسة، ~~اسمه عبد الرحمن أبو مسلم الخراساني، وقد تفرس إبراهيم فيه ~~الحزم والقوة فقربه منه واعتمد عليه، ثم وجهه إلى خراسان ~~وأمره أن يعلن الدعوة بعد أن كانت سرية، وأن يشرع بالعمل ~~فورا، وكتب إلى النقباء والشيعة العباسية والعلوية أنه قد ~~أمره عليهم وأعطاه رسالة، وهذا بعض ما جاء فيها: «... يا عبد ~~الرحمن، إنك رجل من أهل البيت، فاحفظ وصيتي وانظر هذا الحي من ~~اليمن، فأكرمهم وحل بين ms010 أظهرهم، فإن الله لا يتمم هذا ~~الأمر إلا بهم، وانظر هذا الحي من ربيعة فاهتم في أمرهم ، ~~وانظر هذا الحي من مضر فإنهم العدو القريب الدار، فاقتل ~~من شككت فيه، ومن كان في أمره شبهة، ومن وقع في نفسك منه ~~شيء، وإن استطعت أن لا تدع بخراسان لسانا عربيا فافعل، ~~فأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، ولا تخالف هذا ~~الشيخ (يعني سليمان بن كثير) ولا تعصه، وإن أشكل عليك أمر ~~فاكتف به مني ...» وهكذا سار أبو مسلم في دعوته وهو مزود ~~بهذه الوصية التي لا أرى مجالا للشك في صحة نسبتها إلى ~~إبراهيم، كما يذهب إليه بعض مؤرخي العصر؛ لما فيها من طعن ~~صريح في العرب؛ لأن إبراهيم كان يريد الوصول إلى هدفه بأي ~~ثمن، والسياسة عادة لا تعرف مذهبا ولا تتعصب إلا ~~لهدفها. # سار أبو مسلم إلى خراسان في سنة 128ه فلبس السواد الذي اتخذه ~~العباسيون لهم شعارا، وأخذ يدعو الناس للدخول في دعوته ~~ويثيرهم على بني أمية، ويحرضهم لنصرة أبناء الرسول # صلى الله عليه وسلم # فالتفوا حوله، وكانت دولة بني أمية آنئذ قد اضطرب ~~أمرها وكثر الهرج فيها، وكان الخليفة الأموي في دمشق مروان ~~بن محمد قد أحس بخطورة الموقف، فكتب إلى أميره على خراسان ~~«نصر بن سيار» أن يقف أمام ذلك الثائر ويحسم الأمر بشدة إلى ~~أن يجيئه المدد. # ثم بعث هو من جاءه في سنة 131ه بإبراهيم بن محمد بن علي بن ~~عبد الله بن العباس، ولما عرف إبراهيم بطلب مروان إياه أدرك ~~أنه لا بد مقتول، فأوصى بالأمر من بعده إلى أخيه أبي العباس ~~عبد الله «السفاح»، وأمر أهل بيته أن يسمعوا له ويطيعوا، ~~وطلب إليه أن يترك الشام ويفر بإخوته وأبنائه وأهله إلى ~~الكوفة حيث شيعتهم، فسار أبو العباس حتى دخلها خفية، ولما ~~بلغ خبر دخولهم إلى أبي سلمة الخلال أنكر ذلك وخاف مغبته، ~~وطلب إليهم أن يسكنوا خارج الكوفة خوفا عليهم من عيون خليفة ~~دمشق مروان، ثم رأى أن يخفيهم بدار الوليد ms011 بن سعيد الجمال من ~~شيعة بني هاشم، وكان ذلك في المحرم من سنة 132ه، فظلوا هناك ~~قرابة شهرين وأمرهم مكتوم حتى عن شيعتهم وكبار رجالات ~~الدعوة. # ولما استطاع أبو مسلم أن يستولي على خراسان كلها، واضطر ~~أميرها نصر بن سيار إلى أن يفر نحو العراق، زحفت الجنود ~~المسودة من خراسان إلى العراق وهي تفتك بالجند المرواني، وكان ~~الحسن وحميد ابنا قحطبة على رأس الجيش العباسي الذي دخل مدينة ~~الكوفة فاتحا في يوم 11 محرم سنة 132ه بعد أن هزما أمير ~~الكوفة، ولما تم للمسودة العباسيين أمر الفتح، وأخذ أبو سلمة ~~«حمام أعين» وهو على بعد ثلاثة فراسخ من الكوفة، جعله معسكرا ~~ومقرا لجنده، ثم فرق عماله وقواده على السهل والجبل من ~~الكوفة إلى أقصى المشرق، وصارت الدواوين بحضرته والكتب ترد ~~إليه. # وهكذا تولى أبو سلمة إدارة الدولة الجديدة وأخذ ينظم ~~أمورها، وها هنا لا بد من الإشارة إلى أمر يذكره بعض ~~المؤرخين؛ وهو أن أبا سلمة أراد في ذلك الحين نقل الخلافة من ~~العباسيين إلى العلويين؛ يقول ابن الطقطقي في «الفخري»: «لما ~~سبر أبو سلمة أحوال بني العباس عزم على العدول عنهم إلى بني ~~علي.» ويقول المقدسي في «البدء والتاريخ»: «إن الناس قد بايعوا ~~إبراهيم وقد مات، ولعله يحدث بعده أمر، وأراد أن يصرف الأمر ~~إلى ولد علي.» هذا ما يقوله المؤرخون، ويظهر أن أبا سلمة كان ~~علوي الهوى فأراد انتهاز هذه الفرصة لنقل الخلافة من آل ~~العباس إلى آل علي؛ ولذلك تريث في الأمر كثيرا ولم يرتح ~~لمجيء أبي العباس وآله إلى الكوفة، وطلب إليهم أن يكتموا ~~أمرهم، ثم إنه لما أعلن الأمر لم يسم الخليفة، وإنما كان ~~يقول: «إنما الأمر قد صار للهاشميين.» كما يذكر ذلك الجهشياري ~~في كتاب الوزراء. وقد كتب أبو سلمة فعلا إلى ثلاثة من ~~العلويين يدعوهم إلى قبول الخلافة؛ وهم الإمام جعفر بن محمد ~~الصادق، وعبد الله بن الحسن المحض، وعمر بن زين العابدين ~~الأشرف، وأما الصادق فأحرق الكتاب، وأما الأشرف فرفض، وقبل ~~عبد ms012 الله بن الحسن المحض على الرغم من تحذير جعفر الصادق إياه ~~من التورط في هذه الفتنة، ولكن طلب إلى أبي سلمة أن يعهد ~~بالأمر إلى ابنه محمد، فإنه رجل مسن فلم يوافق أبو سلمة، ~~ومهما يكن من أمر فإن مساعي أبي سلمة قد فشلت، فاضطر أن يعلن ~~خلافة أبي العباس بعد مراوغة دامت سبعين يوما. # الفصل الثالث # | خلافة أبي العباس السفاح العباسي # تضطرب المصادر في تعيين اليوم الذي سمي فيه أبو العباس ~~خليفة، وأكثر الأقوال شهرة هو أن ذلك كان في ربيع الأول من ~~سنة 132ه/كانون الأول سنة 749م، وكان أول من بايعه أبو سلمة، ~~وثم توالى الناس، ولما تمت مبايعة الناس إياه صعد المنبر ~~وجلس من دونه عمه داود بن علي، فخطب الناس وقال: «الحمد لله ~~الذي اصطفى الإسلام لنفسه تكرمة، وشرفه وعظمه واختاره لنا ~~وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه والقوام به، والذابين عنه ~~والناصرين له، وخصصنا برحم رسول الله وقرابته، وأنبتنا من ~~شجرته، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك ~~على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم فقال سبحانه: # إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا ~~. # وقال أيضا: # قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى ~~، فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، ~~وأوجب عليهم حقنا ومودتنا ... بنا هدى الناس بعد ضلالتهم، ~~ونصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق، ودحض ~~بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا ... فتمم الله ذلك ~~منة ومنحة لمحمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فلما قبضه الله إليه قام بذلك ~~الأمر من بعده أصحابه، أمرهم شورى، فحووا مواريث الأمم ~~فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوا أهلها ... ثم وثب بنو حرب ~~وبنو مروان فابتزوها وتداولوها بينهم، فجاروا فيها ~~واستأثروا بها وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه، ~~فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا، وتدارك بنا ~~أمتنا، وولي نصرنا ... يا أهل الكوفة، أنتم محل محبتنا ... أنتم ~~الذين لم يثنكم من ذلك تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم ~~زماننا وأتاكم الله بدولتنا، ms013 فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمكم ~~علينا ... وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا ~~السفاح المبيح والثائر المبير.» # وكان السفاح إذ ذاك موعوكا فاشتد به المرض فجلس على ~~المنبر، وقام عمه داود بن علي وكان من أفصح بني العباس، فخطب ~~خطبة رائعة قال فيها: «إنا والله ما خرجنا في هذا الأمر ~~لنكثر لجينا ولا عقيانا، ولا نحفر نهرا ولا نبني قصرا، ~~وإنما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم حقنا، والغضب لبني ~~عمنا، وما كربنا من أموركم، وبهظنا من شئونكم، ولقد كانت ~~أموركم ترمضنا على فرشنا، ويشتد علينا سوء سيرة بني أمية فيكم، ~~وخرقهم بكم واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم، لكم ذمة الله ~~وذمة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وذمة العباس رحمه الله أن نحكم فيكم ~~بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامة منكم ~~والخاصة بسيرة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~... # يا أهل الكوفة، إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على ~~حقنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا من أهل خراسان فأحيا بهم ~~حقنا، وأفلج بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، وأداكم الله ما ~~كنتم له تنتظرون ... وأدالكم على أهل الشام، ونقل إليكم السلطان ~~وعز الإسلام ... ألا ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمير ~~المؤمنين عبد الله بن محمد (وأشار بيده إلى أبي العباس)، ~~فاعلموا أن هذا الأمر فينا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم صلوات ~~الله عليه.» # نرى من هاتين الخطبتين السابقتين الأسس التي اعتمد عليها ~~العباسيون في طلبهم الخلافة، والسياسة التي سيسيرون عليها في ~~دولتهم الآتية، وأنهم قوم ثائرون على الظلم، يطلبون بحق شرعي ~~أعطاهم الله إياه وفرضه لهم على الناس، وأنهم لذلك سيحيون ~~سنة النبي، وسيعملون بالكتاب، ولم ينس أبو العباس أن ~~يعد الناس بزيادة العطاء لاجتذاب قلوبهم، كما لم ينس داود ~~أن يذكر ثقته بدوام هذه الدولة وطول عهدها وبقائها إلى قيام ~~الساعة. # ولما تمت البيعة العامة للخليفة الجديد رأى أن أول ما ~~يجب ms014 عليه عمله هو تتميم فتح العراق، فبعث الجيوش لفتح ما بقي ~~من أجزاء العراق، وللاستيلاء على الشام، والقضاء على مروان بن ~~محمد وجيشه ، وكان مروان قد خرج من الشام بجيش لجب حتى أتى ~~الموصل، فبعث إليه أبو العباس بعمه عبد الله بن علي، والتقى ~~الجيشان على نهر الزاب الأعلى (الكبير) في يوم 11 جمادى الآخرة ~~سنة 132ه/25 كانون الثاني 750م، وتم النصر لعبد الله وجنوده، ~~وهرب مروان بمن معه حتى أتى حران، فأقام فيها نيفا ~~وعشرين يوما، حتى إذا دنا منها عبد الله رحل مروان بأهله ~~وولده إلى قنسرين فحمص فدمشق، وعبد الله من ورائه فحاصر دمشق ~~طويلا، ولكن أميرها الوليد بن معاوية اضطر إلى الاستسلام، ~~فدخل عبد الله دمشق وفتك بالأمويين فتكا ذريعا، وهرب مروان ~~بن محمد إلى مصر فلحق به المسودة حتى أدركوه قرب «أبو صير» ~~وقتلوه لثلاث بقين من ذي الحجة سنة 132ه، وبقتله انتهت ~~دولة بني أمية في الشرق، وتوطدت أركان الدولة ~~العباسية. # ويجب أن نشير ها هنا إلى أن قوة إيمان الخراسانيين ومن معهم ~~من جنود العباسيين بالدعوة، كانت قوة كاسحة استطاعت أن تتغلب ~~على جيش الأمويين اللجب الكثير بعدده، الثري بأمواله، الضعيف ~~بإيمانه. # وكما يجب أن نشير هنا أيضا إلى أن القضاء على الأمويين لم ~~يقض على أنصارهم في الشام؛ فقد قامت ثورات في أجناد حمص ~~وقنسرين والجزيرة وحوران وفلسطين، وكان هؤلاء يتخذون البياض ~~شعارا لهم مقابلة للون السواد الذي اتخذه العباسيون شعارهم ~~ونكاية بهم، وقد استطاع أبو العباس أن يقضي بدهائه وحزمه على ~~كل هذه الثورات التي ثارت في الشام، كما استطاع أخيرا أن يقضي ~~على ثورة يزيد بن عمر بن هبيرة الذي أخذ يثير الناس للمطالبة ~~بدم الخليفة القتيل مروان بن محمد، وحاول أن يستعين ~~باليمانية الذين كانوا أمويي الهوى، ولكنه فشل آخر الأمر ~~ودب الانقسام في صفوف جنده وجماعته، فاضطر إلى طلب الصلح ~~وكتب له الأمان، ولكنه قتل ونقض عهده، وبموت ابن هبيرة ~~وقتل من بقي من الأمويين وأنصارهم صفا الجو ms015 للعباسيين ~~واشتد لهم الأمر. # وكأن أبا العباس قد أخذ يحس بالخطر الكامن في أبي سلمة ~~الخلال، الذي كان هو علوي الهوى، ولم ينس أبو العباس ~~محاولة الخلال في نقل الأمر إلى العلويين، فأخذ يفكر في ~~التخلص منه، ولكنه خشي إن قتله أن يثور أبو مسلم الخراساني، ~~فكتب إليه يستبين رأيه ويقول له إن أبا سلمة قد خان العهد وأخذ ~~يفسد في البلاد، فأشار عليه أبو مسلم بقتله، ولكن الخليفة لم ~~يفعل ذلك، بل طلب إلى أبي مسلم أن يبعث بأحد رجاله فيقتله، ~~ويقول ابن قتيبة الدينوري والمسعودي: «إن أبا مسلم قد نفس ~~على أبي سلمة مكانته وسلطانه لدى الخليفة، فحرض على قتله.» ~~وسواء أكان صاحب الفكرة هو الخليفة أو أبا مسلم، فإن أبا ~~سلمة قد أضحى خطرا؛ لأنه استبد بالأمر وتسلم جميع شئون ~~الخليفة، فكان ذلك السبب في قتله. # ولما قتل أبو سلمة صفا الأمر لأبي العباس ونفذت إرادته ~~وحده في أرجاء المملكة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها، ~~واستطاع أن يفرض سلطته الفعلية كخليفة قوي يحكم فيسمع ~~قوله، ويدبر فينفذ تدبيره في أرجاء مملكته. لا بأس ها ~~هنا من وقفة لنبين فيها خارطة رقعة تلك المملكة الواسعة، رقعة ~~الدولة الإسلامية في ذلك العصر، مع بيان موجز عن كل إقليم ~~منها وشيء من أحواله، معتمدين في ذلك على ما كتبه الجغرافي ~~الموثوق المعاصر لذلك العهد؛ ألا وهو الشيخ أبو عبد الله ~~محمد بن أحمد بن أبي بكر المقدسي المعروف بالبشاري (المتوفى ~~سنة 375ه) في كتابه القيم «أحسن التقاسيم في معرفة ~~الأقاليم»، فقد ذكر في كتابه هذا ما خلاصته أن المملكة ~~الإسلامية في ذلك العهد كانت تمتد طولا من أقصى بلاد الشرق ~~عند مدينة كاشغر إلى السوس الأقصى على شاطئ بحر الظلمات، وأنها ~~تمتد عرضا من شواطئ بحر قزوين إلى أواخر بلاد النوبة، ويقول ~~أيضا (ص65) إن طول هذه المملكة ألف وستمائة فرسخ. # وكانت هذه المملكة الواسعة تنقسم إلى أربعة عشر إقليما ~~هي: ~~(أ) # إقليم جزيرة ~~العرب: # وتشتمل على أربع كور جليلة ms016 وهي: # الحجاز: # وقصبته «مكة المكرمة»، ومن مدنه: ~~«طيبة»، و«ينبع»، و«الجار» وهو ساحل ~~المدينة، و«جدة» وهي ساحل «مكة»، ~~و«الطائف»، ويتبع الحجاز «وادي ~~القرى». # اليمن: # وهو قسمان ؛ فما كان نحو البحر فهو ~~غور واسمه تهامة، وقصبته «زبيد»، وما كان ~~من ناحية الجبل فهو «نجد» وقصبته «صنعاء»؛ ~~ومن مدنه «مخا» و«كمران» و«عدن»، وتتبعه ~~بلاد الأحقاف، وبها من المدن ~~«حضرموت». # بلاد عمان: # وقصبتها «صحار» على شاطئ بحر ~~الهند، ومن مدنها «نزوة السر» ~~و«ضنك». # بلاد هجر: # وقصبتها مدينة «الأحساء» (البحرين)، ~~ومن مدنها «سابون» (الزرقاء)، ويتبع ديار ~~هجر بلاد «اليمامة» وقصبتها ~~«الحجر». # وأهل هذا القسم لغتهم عربية محضة، ~~تتكلم اللسان العربي إلا «صحار»، فإن ~~نداءهم وكلامهم بالفارسية، وأكثر أهل عدن ~~وجدة فرس، إلا أن اللغة عربية، وأهل ~~عدن يقولون عوض «رجليه»: «رجلينه»، ~~ويجعلون الجيم كافا. # وأصح لغات العرب لغات قبائل ~~هذيل، ثم نجد الحجاز، ثم بقية الحجاز، ثم ~~بقية العرب، إلا سكان «الأحقاف» فإن ~~لسانهم وحش. # أما مذاهبهم فالتشيع في بلاد ~~اليمن، ومذهب الخوارج بعمان وهجر، ومذهب ~~أهل السنة فيما عدا ذلك، والاعتزال في ~~أهل السروات وسواحل الحرمين إلا عمان، ~~ومذهب القرامطة بهجر. # وفي شمال الجزيرة العربية بادية ~~العرب، وهي بادية ذات مياه وغدران وآبار ~~وتلال ورمال وقرى ونخيل، قليلة الجبال ~~كثيرة الكثبان، مخيفة السبل، خفية ~~الطرق، طيبة الهواء، ردية الماء، ليس بها ~~بحيرة ولا نهر إلا «الأزرق»، ولا مدينة ~~بها إلا «تيماء»، وفيها اثنا عشر طريقا ~~توصل إلى مكة (منها تسع طولا يؤدين إلى ~~مكة، وثلاث عرضا يؤدين إلى الشام)، ~~وبها طريق آخر لوادي القرى يؤدي إليها ~~من البصرة، ثم إلى مصر، وهذه الطرق هي: ~~(1) طريق مصر. (2) طريق الرملة. (3) طريق ~~الشراة. (4) طريق تبوك. (5) طريق ~~وبير. (6) طريق بطن السير. (7) طريق ~~الرحبة. (8) طريق هيت. (9) طريق الكوفة. ~~(10) طريق القادسية. (11) طريق واسط. (12) ~~طريق وادي القرى. (13) طريق ~~البصرة. # وتجد تفاصيل هذه الطرق في أحسن ~~التقاسيم للبشاري (ص249)، ووصف جزيرة ~~العرب للحسن بن أحمد الهمداني. ~~(ب) # إقليم العراق: # وهي ست كور وهي: # الكوفة: # وقصبتها «الكوفة»، وهي من أمهات ~~المدن الإسلامية، ومن ms017 مدنها «القادسية» ~~و«عين التمر» قرب كربلاء. # البصرة: # وقصبتها «البصرة»، وهي من كبريات ~~المدن الإسلامية أيضا، ومن مدنها ~~«الأبلة» ولعلها آتية من كلمة # Apolon ~~، ~~و«عبادان». # واسط: # وقصبتها «واسط»، وهي من كبريات ~~المدن الإسلامية أيضا، ومن مدنها «فم ~~الصلح» قرب كوت الإمارة. # المدائن: # وقصبتها «بغداد»، وهي مدينة كسروية، ~~ومن مدنها: «النهروان» «ديالي»، ~~و«الدسكرة»، و«جلولاء»، ~~و«جرجرايا». # حلوان: # وقصبتها «حلوان»، وبها من المدائن: ~~«خانقين»، و«السيروان»، ~~و«بندنيجان». # سامراء: # وقصبتها «سامراء»، وبها من المدائن: ~~«الكرخ»، و«عكبرا»، و«الأنبار» أبو فياض ~~من قرب الفلوجة، و«هيت»، و«تكريت». وهذا ~~الإقليم كان يسمى في القديم إقليم بابل، ~~وهكذا كان اسمه في التقويم الأول في عهد ~~العباسيين، وقد كان زهرة ملك العباسيين ~~وأجمل بلدانهم وأثراها، ورافداه الدجلة ~~والفرات من أحسن أنهار الدنيا، يقول ~~البشاري (ص32): هو أظرف الأقاليم وأخف على ~~القلب وأحد للذهن، وبها تكون النفس ~~أطيب، والخاطر أدق، وهواء هذا الإقليم ~~مختلف، فبغداد وواسط بلد رقيق الهواء سريع ~~الانقلاب، ربما توهج في الصيف وآذى ثم ~~انقلب سريعا، والكوفة بخلافه، ويكون ~~بالبصرة حر عظيم غير أن الشمال ربما هبت ~~فطاب، وحلوان معتدلة، والبطائح ~~نعوذ بالله ~~منها. والغلبة ببغداد للحنابلة والشيعة، ~~وبها مالكية وأشعرية ومعتزلة ونجارية، ~~وبالكوفة الشيعة، وأكثر أهل البصرة قدرية ~~وشيعة ثم حنابلة، وببغداد غالية يفرطون ~~في حب معاوية ومشبهة. # وأمة هذا الإقليم نبطية دخل ~~عليها العرب في بلادها، فزاحموها وصارت ~~كأنها لهم وأصبحت لغة هذا الإقليم عربية، ~~وأصح لغاتهم الكوفية، لقربها من البادية ~~وبعدها عن النبط، وأما سكان البطائح ~~فنبط، والذين نزلوا بهذا القسم من الإقليم ~~من العرب أكثر من الذين منهم بأي قطر ~~آخر ما عدا الشام والجزيرة، وقد كان بهذه ~~الأقاليم ملوك المناذرة بالعراق، وملوك ~~الغساسنة بالشام، إلا أنهم لم يكونوا ~~مستقلين، فلما جاء الإسلام اتسق لهم الملك ~~بالإقليمين، وكان الشام مهد الدولة ~~الأموية، كما كان العراق مهد الدولة ~~العباسية. # ومساحة العراق طولا من السن إلى ~~البحر 125 فرسخا، وعرضه من العذيب إلى ~~عقبة حلوان 80 فرسخا. ~~(ج) # إقليم آقور: # ويسمى إقليم الجزيرة وآثورا وآشور، وهو ما بين ms018 ~~دجلة والفرات، وبها ثلاث كور وهي: # ديار ربيعة: # وقصبتها «الموصل»، ومن مدنها ~~«الحديثة» و«تل عفر » و«سنجار» و«نصيبين» ~~و«دارا» و«رأس العين» و«ثمانين»، وبها ~~ناحية «جزيرة ابن عمر». # ديار مضر: # وقصبتها «الرقة»، وبها مدن ~~«باجروان» و«الرافقة» و«سروج» و«حصن ~~مسلمة» و«حران» و«الرها». # ديار بكر: # وقصبتها «آمد»، وبها مدن ~~«ميافارقين» و«حصن كيفا». # وقد نزل العرب هذه الديار قبل ~~الإسلام، وسكنها قبائل من العدنانيين ~~سميت بهم؛ ولذلك يعتبر هذا الإقليم ~~عربيا محضا؛ لأن من كان به من ~~الآشوريين وغيرهم قد درست آثارهم، وينتهي ~~هذا الإقليم إلى حدود الروم وأرمينية، ~~ومناخه مقارب للشام ومشابه للعراق، وبه ~~مواضع حارة وباردة، وبه نخيل وزيتون، ~~ومذاهب أهله سنة، و«عانة» وهي ~~للمعتزلة. ~~(د) # إقليم الشام: # وبه ست كور وهي: # قنسرين: # وقصبتها «حلب»، ومن مدنها: ~~«أنطاكية»، و«بالس»، و«سميساط»، و«منبج»، ~~و«قنسرين»، و«مرعش»، و«إسكندرونة»، و«معرة ~~النعمان»، و«حماة»، و«شيزر». # حمص: # وقصبتها «حمص»، ومن مدنها: «سلمية»، ~~و«تدمر»، و«اللاذقية»، و«أنطرسوس». # دمشق: # وقصبتها «دمشق»، ومن مدنها: ~~«بانياس»، و«صيدا»، و«صور»، و«بيروت»، ~~و«طرابلس»، و«بعلبك». # الأردن: # وقصبتها «طبرية»، ومن مدنها: ~~«قدس»، و«صور»، و«عكا»، و«بيسان»، ~~و«أذرعات». # فلسطين: # وقصبتها «الرملة»، ومن مدنها: ~~«بيت المقدس»، و«عسقلان»، و«يافة»، ~~و«أرسوف»، و«قيسارية»، و«أريحا»، ~~و«عمان». # الشراة: # وقصبتها «صغر» أو «زغر»، ومن ~~مدنها: «مآب»، و«معان»، و«تبوك»، و«أذرع»، ~~و«أيلة». # وهذا الإقليم سكنه العرب قبل ~~الإسلام وملكوا به، ولما جاء الإسلام ~~استقر فيه، ولغة أهله عربية، وحدوده ~~من الشمال بلاد الروم، والمدن التي على ~~حدودها يقال لها «الثغور»، وعندها يكون ~~الجهاد لرد غارات الروم، وأكبر مدن هذا ~~الإقليم «حمص»، وفيه قلعة متعالية ترى من ~~خارج، و«دمشق» هي مصر الشام ودار الملك ~~أيام بني أمية، وثم قصورهم وآثارهم ~~والجامع أحسن شيء للمسلمين اليوم، ولا ~~يعلم لهم مال مجتمع أكثر منه، وهو أحد ~~عجائب الدنيا، وهو إقليم متوسط الهواء ~~إلا وسطه من الشراة إلى الحولة فإنه بلد ~~الحر، ومذاهبهم مستقيمة أهل جماعة وسنة ، ~~وأهل «طبريا» ونصف «نابلس» و«قدس» و«عمان» ~~شيعة، ولا ماء فيه للمعتزلة وإنما هم في ~~خفية. ~~(ه) # إقليم مصر: # وبه سبع كور وهي: # الجفار: # وقصبتها «الفرمة»، ومن مدنها: ~~«البقارة»، و«الورادة»، ms019 ~~و«العريش». # الحوف: ~~(الشرقية) وقصبتها «بلبيس»، ومن ~~مدنها: «مشتول»، و«قاقوس»، ~~و«القلزم». # الريف: # وقصبتها العباسية (العباسة)، ومن ~~مدنها: «منهور»، و«سنهور»، و«شهور»، ~~و«بنها العسل»، و«شطنوف»، و«مليج»، ~~و«المحلة الكبيرة»، و«دقهلية»، ~~و«دميرة». # إسكندرية: # وقصبتها «إسكندرية»، ومن مدنها: ~~«الرشيد»، و«مريوط»، و«البرلس»، و«ذات ~~الحمام». # مقدونية: # وقصبتها «الفسطاط» (وهو المصر)، ومن ~~مدنها: «العزيزية»، و«الجيزة»، و«عين ~~شمس». # الصعيد: # وقصبته «أسوان»، ومن مدنها: ~~«حلوان»، و«قوص»، و«إخميم»، و«البلينا»، ~~و«الفيوم»، و«بوصيم». # الواحات: # وهي عدة واحات في الصحراء ~~المصرية. # وأمة هذا الإقليم في القديم مصرية ~~قبطية، وسكنها كثير من الأمم التي ملكتها ~~كاليونان والرومان وغيرهم، وكان بالحوف ~~قبائل عربية، ولما جاء الإسلام دخلها كثير ~~من العرب، ثم دخلها كثير منهم أيام بني ~~أمية، وأقاموا بالحوف (الشرقية). # وغلب على أهلها اللسان العربي، غير ~~أن لغتهم ركيكة رخوة، وذمتهم يتحدثون ~~بالقبطية، وأهل هذا الإقليم على مذاهب أهل ~~الشام غير أن أكثرهم مالكيون، والفتيا ~~اليوم على المذهب الفاطمي. ~~(و) # إقليم المغرب: # وهو ثماني كور وهي: # برقة: # وقصبتها «برقة»، وبها من المدن: ~~«رمادة»، و«طرابلس»، و«أجدابية»، ~~و«غافق». # إفريقية: # وقصبتها «القيروان»، وبها من المدن: ~~«صفاقس»، و«سوسة»، و«تونس»، و«بونية»، ~~و«بنزرد»، و«جزيرة بني زغناية»، ~~و«منستير»، و«طبرقة»، و«قسنطينة». # تاهرت: # وقصبتها «تاهرت»، وبها من المدن: ~~«مطماطة»، و«وهران»، و«شلف». # سجلماسة: # وقصبتها «سجلماسة»، وبها من المدن: ~~«درعة»، و«أمصلي»، و«تازروت»، و«دار ~~الأمير». # فاس السوس الأدنى: # وقصبتها «فاس»، وبها من المدن: ~~«البصرة»، و«طنجة»، و«وزغة»، و«صنهاجة»، ~~و«هوارة»، و«سلا». # السوس الأقصى: # وقصبتها «طرفانة»، ومن مدنها: ~~«أغنات»، و«ماسة»، و«تندلي». # الأندلس: # وقصبتها «قرطبة»، وكان في العهد ~~الأموي تابعا لبني أمية، أما في العهد ~~العباسي فقد استقل كما هو معروف. # جزيرة صقلية: # وقصبتها «بلرم»، ومن مدنها: ~~«الخالصة»، و«أطرابنش»، و«ماوز»، ~~و«جرجنت»، و«سرقوصة»، والقيروان هو مصر ~~الإقليم وبه مواضع الحر، ومعادن البرد، ~~وكثير اليهود، وأما المسلمون فعلى ثلاثة ~~مذاهب: المالكية والحنفية والفاطمية، ~~وأكثر أهل صقلية حنفيون، ولغتهم عربية إلا ~~أنها منغلقة، ولهم لسان آخر يقارب ~~الرومي، وأهل هذا الإقليم في جهاد ~~دائم. ~~(ز) # إقليم المشرق: # وهو قسمان وهما: ~~(1) # ما وراء النهر، وهو شرقي نهر جيحون، ~~ويسمى هيطل. ~~(2) # غربي نهر جيحون، ويسمى بلاد ~~خراسان. # أما ms020 وراء النهر فهو ست كور وهي: # فرغانة: # وقصبتها «أخسيكث»، ومن مدنها: «نصر ~~آباد»، و«أوزكند»، و«مرغينان». # إسبيجاب: # وقصبتها «إسبيجاب»، ومن مدنها: ~~«فاراب» (باراب)، و«ترار»، و«طراز»، ~~و«بلاسكون». # الشاش: # وقصبتها «بنكث»، ومن مدنها: «نكث»، ~~و«بناكث»، و«غناج»، و«إيلاق». # أشروسنة: # وقصبتها «بنجكث»، ومن مدنها: ~~«كردكست»، و«ساباط زمين». # الصغد: # وقصبتها «سمرقند»، ومن مدنها: ~~«ورغسر»، و«مايمرغ»، و«درغم»، و«مزربان»، ~~و«قطوانة». # بخارى: # وقصبتها «بخارى»، ومن مدنها: ~~«بيكند»، و«الطواويس»، و«يخسون»، و«كش»، ~~و«نسف». # وأما بلاد خراسان فهي تسع كور وهي: # بلخ: # وقصبتها «بلخ»، وبها ناحية ~~«طوخارستان»، ومن مدنها: «ولوالج»، ~~و«الطالقان». # غزنين: # قصبتها «غزنين»، وبها مدينة «كابل»، ~~و«كرديس»، و«كاولي». # بست: # وقصبتها «بست»، ومن مدنها: ~~«جهالكان»، و«كش روذان». # سجستان: # وقصبتها «زرنج»، ومن مدنها: ~~«أكوين»، و«الطاق». # هراة: # وقصبتها «هراة»، ومن مدنها: ~~«باذغيس»، و«كروخ»، و«بوشنج». # جوزجان: # وقصبتها «اليهودية»، ومن مدنها: ~~«أبناربروز»، و«فارياب». # مرو شاهجان: # وقصبتها «مرو الشاهجان»، وبها ناحية ~~«مروروز»، و«الطالقان». # نيسابور: # وقصبتها «إيرانشهر»، ومن مدنها: ~~«بيهق»، و«طوس»، و«نسا»، و«أبيورد»، ~~و«أسفراين». # قهستان، قوهستان: # وقصبتها «قاين»، ومن مدنها: «تون»، ~~و«طبس العناب»، و«طبس التمر». # وهذا الإقليم من أعمر الأقاليم ~~الإسلامية وأكثرها خيرات، وأهل خراسان هم ~~الذين قاموا بالدولة العباسية، ومعظمهم من ~~الشيعة. # أما أهل ما وراء النهر فجلهم من ~~التركمان، ولم يكن الإسلام قد شملهم في ~~أول العهد العباسي، دخل العرب هذا الإقليم ~~ولم يتجاوزوا النهر إلا في عهد الدولة ~~الأموية، وكثرت فتوح العرب فيه أيام ~~الحجاج على يد قتيبة بن مسلم الباهلي، ~~ولم تتغلب اللغة العربية على هذا ~~الإقليم. # وهو إقليم بارد إلا بسجستان وبست ~~وطبس التمر؛ فإنهن على نمط الشام، وأما ~~بلخ فهواها عراقي، وهو أكثر الأقاليم ~~علما وفقها، وبه يهود ونصارى قليلة ~~وأصناف المجوس، وأولاد علي (عليهم السلام) ~~هم على غاية الرفعة فيه، ولا ترى به ~~هاشميا إلا غريبا، ومذاهبهم مستقيمة، ~~إلا أن الخوارج بسجستان ونواحي هراة، ~~والمعتزلة بنيسابور، والقلة في الإقليم ~~للحنفية ثم الشافعية، وللكرامية جلبة ~~بهراة وفرغانة وجوزجان وسمرقند، وألسنتهم ~~مختلفة، وألوانهم مختلفة، وأحسنهم أهل ~~الشاش وفرغانة. ~~(ح) # إقليم الديلم: # وبه خمس كور وهي: # قومس: # وقصبتها «الدامغان»، ومن مدنها: ~~«سمنان»، و«بسطام». # جرجان: ms021 # وقصبتها «شهرستان»، ومن مدنها: ~~«أستراباد»، و«آبسكون». # طبرستان: # وقصبتها «آمل»، ومن مدنها: «سالوس»، ~~و«سارية». # الديلمان: # وقصبتها «بروان». # الخزر: # وقصبتها «أتل»، ومن مدنها: «بلغار»، ~~و«سمندر». # وهذا الإقليم لم يغش الإسلام فيه ~~إلا بعهد العباسيين، ومذاهب أهل هذا ~~الإقليم مختلفة؛ فقومس وجرجان وبعض أهل ~~طبرستان حنفيون، والباقون حنابلة وشافعية، ~~والكرامية بجرجان وجبال طبرستان، وللشيعة ~~بجرجان وطبرستان جلبة. ~~(ط) # إقليم الرحاب: # وهو ثلاث كور، وهي: # الران (أران): # وقصبتها «برذعة»، ومن مدنها: ~~«تفليس»، و«شروان»، و«باب الأبواب»، ~~و«ملازكرد». # أرمينية: # وقصبتها «أردبيل»، ومن مدنها: ~~«بدليس»، و«خلاط»، و«خوي»، و«سلماس»، ~~و«وأرمية»، و«مراغة»، و«مرند»، ~~و«قاليقلا». # أذربيجان: # وقصبتها «تبريز»، ومن مدنها: ~~«موقان». # وفي هذا الإقليم كثير من الكرد ~~والأرمن الفرس، ولم يغش الإسلام فيه ~~إلا في العهد العباسي، واللغة العربية ~~قليلة، وهذا الإقليم كثير الثمار، فيه مدن ~~من أنزه البلاد كموقان وخلاط وتبريز التي ~~شاكلت العراق، وهو للإسلام فخر وللغازين ~~دار، وأهله أهل سنة وجماعة، وفصاحة ~~وهيبة، ومذاهب أهله مستقيمة، إلا أن أهل ~~الحديث حنابلة، والغالب بدبيل مذهب أبي ~~حنيفة. ~~(ي) # إقليم الجبال: # وبه ثلاث كور وهي: # الري: # وقصبتها «الري»، وبها مدن: «آوه»، ~~و«ساوه»، و«قزوين»، و«أبهر». # همذان: # وقصبتها «همذان»، ومن مدنها: ~~«قرماسين »، و«نهاوند»، و«الدينور». # أصفهان: # وقصبتها «اليهودية». # وهذا الإقليم غني التربة نزيه، ~~وأهله إما غوال حنابلة يفرطون في حب ~~معاوية، أو نجارية غالية، وفي الري ~~الغلبة أحناف، وأهل همذان أصحاب حديث، وفي ~~الدينور بعض أصحاب سفيان الثوري، والري ~~عصبيات في خلق القرآن، وأهل قم شيعة ~~غالية. ~~(ك) # إقليم ~~خوزستان: # ويعرف قديما بالأهواز، ~~وفيه سبع كور وهي: # السوس: # وهي تتاخم العراق والجبال. # جنديسابور: # وقصبتها «جنديسابور». # تستر: # وقصبتها «تستر». # عسكر مكرم: # وقصبتها «عسكر مكرم»، ومن مدنها: ~~«جوبك»، و«زيدان»، و«سوق ~~الثلاثاء». # الأهواز: # وقصبتها «الأهواز»، ومن مدنها: ~~«تيري»، و«مناذر» الكبرى والصغرى. # الدورق: # وقصبتها «الدورق»، وهي تتاخم ~~العراق، ومن مدنها: «آرزر»، ~~و«أجم». # رامهرمز: # وقصبتها «رامهرمز»، وهي تتاخم ~~فارس. # ولهذا الإقليم لسان خاص يعرف ~~باللسان الخوزي، وهو كثير الخيرات والثمار ~~والسكر والعسل والخير والنفط، وهو شديد ~~الحرارة قذر قبيح المناخ، به نخيل، ومذاهب ~~أهله مختلفة، وأكثر الإقليم ms022 معتزلة، ~~والسوس حنابلة، ونصف الأهواز شيعة، وبه ~~حنفية ومالكيون. ~~(ل) # إقليم فارس: # وبه ست كور وهي: # أرجان: # وقصبتها «أرجان». # أردشير خرة: # وقصبتها «سيراف»، وهي ممتدة على ~~البحر. # دارابجرد: # وقصبتها «دارابجرد». # شيراز: # وقصبتها «شيراز»، ومن مدنها: ~~«البيضاء»، و«فسا». # سابور: # وقصبتها «شهرستان»، ومن مدنها: ~~«كازرون»، و«النوبندجان»، ~~و«توز». # إصطخر: # وقصبتها «إصطخر»، وهي أوسع ~~الكور. # وهذا الإقليم ترابه معادن، وجباله ~~مشاجر، كثير الفواكه والحر والأكسية ~~والبسط والستور والكتان والقصب، ~~والعمل فيه على مذهب أصحاب الحديث، وأصحاب ~~أبي حنيفة، وللداودية دروس ومجالس، ~~والشيعة والمعتزلة بسواحله، وبهذا الإقليم ~~عدد كبير من الأكراد وبه سميت البلاد ~~الفارسية. ~~(م) # إقليم كرمان: # وفيه خمس كور وهي: # بردسير: # وقصبتها «بردسير»، ومن مدنها: ~~«ماهان»، و«كوغون»، و«زرند». # نرماسير: # وقصبتها «نرماسير». # سيرجان: # وقصبتها «سيرجان». # بم: # وقصبتها «بم»، وهي تتاخم ~~فارس. # جيرفت: # وقصبتها «جيرفت»، وهي على ~~البحر. # وهذا الإقليم يشاكل إقليم فارس من ~~حيث فواكهه ومنسوجاته، وهواؤه صحيح، ~~والمذاهب الغالبة للشافعي، إلا «جيرفت» ~~فلأهل الحديث، وللخوارج بمدينة «بم» جلبة ~~وجامع. ~~(ن) # إقليم السند: # وفيه خمس كور وهي: # مكران: # وقصبتها «بنجبور»، ومدنها: «مشكة»، ~~و«خواش ». # طوران: # وقصبتها «قصدار» (قزدار)، ومن مدنه: ~~«قندبيل». # السند: # وقصبتها «المنصورة»، ومن مدنها: ~~«ديبل». # ويهند: # وقصبتها «ويهند». # قنوج: # وقصبتها «قنوج»، ويتبعه بلاد ~~«الملتان». # وهذا إقليم الذهب والتجارات ~~والعقاقير والخيرات، والأرزاز والموز ~~والنخيل، وهو شديد الحرارة، به رفض وعدل ~~وإنصاف وسياسات، وأهل ذمته مشركون، ~~وعلماؤه قليلون، وأكثر مسلميه أهل حديث، ~~وفيه بعض الداودية، وأهل الملتان شيعة، ~~وليس فيه مالكية ولا معتزلة ولا ~~حنابلة. # أما بعد؛ فهذه هي أقاليم الإمبراطورية التي ورثها العباسيون ~~من بني أمية، وهي مملكة مترامية الأطراف، كثيرة الخيرات، ~~متعددة الشعوب، متنوعة اللغات والمبادئ والأهداف، وليست إدارة ~~هذا الملك العظيم بالشيء السهل، بل إنها تحتاج إلى عزم وقوة، ~~وقد استطاع الخلفاء العباسيون الأول السيطرة على أجزاء هذه ~~المملكة أحسن سيطرة في العصر العباسي الأول، ثم خلف من بعدهم ~~خلف فسدت الأمور في عهدهم، وتقطعت أوصال البلاد على ~~أيديهم، وسنرى تفصيل ذلك فيما بعد. # الكتاب الثاني # | الخلفاء العباسيون # الفصل الأول # | أبو العباس ms023 السفاح # ربيع الأول 132ه-ذو الحجة136ه/754م # أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ~~وأمه ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن المدا بن ~~الحارثية. # ولد في الحميمة سنة 104 ونشأ بها، وكان على جانب عظيم من ~~الدهاء والذكاء والفهم والعزم والحلم والحياء وحسن الأخلاق، ~~وقال ابن الطقطقي: «كان كريما حليما عاقلا، كثير الحياء ~~حسن الأخلاق.» وقال ابن دحية: «كان السفاح كريما سخيا ~~بالأموال، حسن الأخلاق، متألفا للرجال، ماضي العزيمة، صعب ~~الشكيمة، ذا سطوة على الأعداء، متواضعا للأولياء والأصحاب، ~~زاد في أعطيات الناس، وكان يأكل معهم الطعام.» وأكثر الذين ~~تحدثوا عنه من المؤرخين وصفوه بحسن الأخلاق والحزم وقوة ~~الشكيمة في القضاء على الثورات التي كان يقوم بها أنصار بني ~~أمية، ولا سيما في الشام والجزيرة، وكانت حياته مليئة بحوادث ~~الشدة والفتك، وخصوصا مع بقايا بني أمية وأحلافهم. # قال أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني: «كان أبو العباس السفاح ~~جالسا في مجلسه على سريره، وبنو هاشم دونه على الكراسي، وبنو ~~أمية على الوسائد، وقد ثنيت لهم وكانوا في أيام دولتهم يجلسون ~~هم والخلفاء منهم على السرير، ويجلس بنو هاشم على الكراسي، ~~فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل حجازي أسود ~~راكب على نجيب ملتثم يستأذن ولا يخبر باسمه، ويحلف ألا يحسر ~~اللثام عن وجهه حتى يراك، ~~قال: هذا مولاي سديف يدخل، فدخل فلما نظر إلى أبي العباس ~~وبنو أمية حوله حسر اللثام عن وجهه وأنشأ يقول: # أصبح الملك ثابت الأساس # بالبهاليل من بني العباس # بالصدور المقدمين قديما # والرءوس القماقم الرواس # يا أمير المطهرين من الذ # م ويا رأس منتهى كل راس # أنت مهدي هاشم وهداها # كم أناس رجوك بعد إيناس # لا تقيلن عبد شمس عثارا # واقطعن كل رقلة وغراس # أنزلوها بحيث أنزلها الله # بدار الهوان والإتعاس # خوفهم أظهر التودد منهم # وبهم منكم كحز المواسي # أقصهم أيها الخليفة واحسم # عنك بالسيف شأفة الأرجاس # فتغير لون أبي العباس وأصابه زمع رعدة، فالتفت بعض ولد ~~سليمان بن عبد الملك ms024 إلى رجل منهم، فقال: قتلنا والله العبد، ~~ثم أقبل أبو العباس عليهم وقال: يا بني الفواعل، أرى قتلاكم من ~~أهلي قد سلفوا، وأنتم أحياء تتلذذون! خذوهم، فأخذتهم ~~الخراسانية فأهمدوا إلا ما كان من أمر عبد العزيز بن عمر ~~بن عبد العزيز فإنه استجار بداود ~~بن علي واستوهبه من ~~السفاح.» # والحق أن السفاح كان يريد أن يؤسس دولته، ولا يكون تأسيس ~~الدول بالتسامح والرأفة، بل بالعنف والقوة، فقد كان هو حازما ~~قويا، وكان يوصي عماله أن يكونوا كذلك، وهكذا كانوا ~~فتاكا أشداء وخصوصا أبا مسلم وعمه عبد الله بن علي؛ فقد ~~فتك هذا بأهل الشام فتكا ذريعا، ونبش قبور بني أمية ودرسها، ~~وعمه سلمان بن علي فإنه قتل من أهل البصرة مقتلة عظيمة، وكذلك ~~فعل عمه داود بن علي بأهل مكة والمدينة. # ونحب هنا أن نناقش هذا اللقب الذي أطلق على أبي العباس، ~~وهو «السفاح» فهل صحيح أنه لقب بذلك لكثرة سفحه الدماء؟ وهل ~~كان هذا اللقب معروفا له في زمنه أو أنه حدث بعد ذلك؟ # عرفنا أن أبا العباس قد قال في خطبه الأولى: «أنا السفاح ~~المبير»، ولكنه لم يقل ذلك مريدا به سفح أو سفك الدماء، ~~وإنما أراد وصف نفسه بأنه معطاء جواد، سيفرق الأموال في أهل ~~طاعته، وهذا المعنى يؤيده أصل معنى الكلمة لغويا؛ فقد كان ~~العرب في الجاهلية يصفون الكريم بأنه «سفاح للنوق» متلاف ~~للأموال، ولم يذكر أحد من المؤرخين القدامى الموثوق بهم ~~كالطبري واليعقوبي وابن قتيبة والجهشياري له هذا اللقب، وإنما ~~نجده عند كاتب متأخر هو المسعودي، ثم تناقله المؤرخون فيما بعد ~~عن المسعودي، حينما أخذوا يطلقون الألقاب على الخلفاء ~~العباسيين خليفة خليفة، ولما لم يجدوا لأبي العباس لقبا ~~تلقب به إلا الكلمة التي أوردها في أول خطبة له، يقول ابن دحية ~~(ص42 من كتابه النبراس) في حديثه عن المنصور: «هو أول خليفة ~~لقب نفسه وهو أبو الخلفاء.» فهذا النص يبين لنا أن الخلفاء ~~العباسيين قبل أبي جعفر؛ أي في العصر النبوي والأموي لم يكونوا ~~يتلقبون، ms025 وأن أول من صنع ذلك هو أبو جعفر، أما من ينبغي أن ~~يطلق عليه لقب «السفاح» حقيقة فهو عمه عبد الله بن علي؛ لأنه ~~هو الذي فتك وسفك وسفح، حتى إنه وصف بذلك منذ القديم، إذ يقول ~~ابن قتيبة الدينوري في معرض الحديث عنه: «ذكروا أن أبا العباس ~~ولى عمه عبد الله بن علي الذي يقال له سفاح الشام.» ويسميه ~~اليعقوبي حين يعدد أولاد علي بن عبد الله بن العباس «عبد الله ~~الأصغر وهو السفاح». # وفي عهد أبي العباس ابتدئ بتنظيم الدولة الجديدة، فتوطد ~~الأمن في الأقاليم كافة، وأخضعت البلاد للنظام الجديد، وقد ~~عهد أبو العباس بذلك لولاته وأكثرهم من الأسرة العباسية أو ~~من كبار شيعتها، وإليك قائمة بأسماء هؤلاء الولاة وأقاليمهم: # أبو جعفر المنصور: # كان أمير الجزيرة وأرمينية ~~وأذربيجان. # داود بن علي: # كان أميرا على الحجاز واليمامة. # عبد الله بن علي: # كان أميرا على الشام. # سليمان بن علي: # كان أميرا على البصرة وتوابعها والبحرين ~~وعمان. # إسماعيل بن علي: # كان أميرا على الأهواز. # أبو مسلم الخراساني: # كان أميرا على خراسان والمشرق. # أبو العون: # كان أميرا على مصر وشمال إفريقية. # أما وزراؤه: فكان أولهم أبو سلمة الخلال، وهو وإن لم ~~يكن وزيرا بالمعنى المفهوم من الكلمة فإنما كان، كما رأينا، ~~صاحب الدولة والمدير لها والمنفق عليها في ابتداء أمرها؛ لأنه ~~كان من المياسير، ولما تم الأمر لأبي العباس «استوزره» وفوض ~~الأمور إليه، وسلم إليه الدواوين، ولقبه «بوزير آل محمد» ~~كما يقول ابن الطقطقي، وكانت خاتمة أمره على الشكل الذي رأيناه ~~فيما سبق، وقد اختلف المؤرخون فيمن ولي الوزارة بعد أبي ~~سلمة، يقول ابن طباطبا الطقطقي: «اختلفوا فيمن وزر للسفاح بعده ~~(أي بعد أبي سلمة) فقيل: أبو الجهم، وقيل: عبد الرحمن ...» وأما ~~الصولي فقال: «إن السفاح استوزر بعد أبي سلمة خالد بن ~~برمك.» # والحق أن لفظة «الوزارة» لم يكن بعد قد استقر معناها؛ ~~لأنها أمر جديد لم تعرفه النظم الإسلامية في عهد بني أمية ولا ~~في عهد الراشدين، وأول مرة نجد ذكر ms026 هذا المنصب بشكل رسمي في ~~العهد العباسي حينما سمى الخراسانيون أبا سلمة «وزير آل محمد»، ~~على أن الكلمة كانت معروفة من قبل، فقد وردت في القرآن الكريم ~~عند قوله تعالى: # واجعل لي وزيرا ~~من أهلي * هارون أخي ~~، ~~ووردت في بعض الأحاديث النبوية الشريفة تصف أبا بكر الصديق ~~بأنه كان وزير النبي # صلى الله عليه وسلم # كما وردت في بعض الأخبار تصف عمر ~~بأنه كان وزيرا أو كالوزير للصديق، وفي العصر الأموي ~~وجدنا بعض المؤرخين يطلقون لفظ «الوزير» على «الكاتب»، وربما ~~وصفوا عبد الحميد كاتب مروان بن محمد «بالوزارة»، ولكن هذا ~~كله لم يكن يقصد به - في رأينا - المعنى الاصطلاحي الذي عرفت ~~به هذه الكلمة في العصر العباسي، وإنما أريد بها نوع من أمانة ~~السر أو الاستشارة أو الكتابة أو ما شابه ذلك. # ويظهر أن الخراسانيين إنما أخذوا ذلك المنصب من تراتيبهم ~~الإدارية الفارسية الساسانية التي كان فيها مثل هذا المنصب ~~الوزاري، وكان اسم صاحب هذا المنصب عندهم «بزرك فرم داز» أو ~~«بزرج فرمداز»، ومعناه «كبير عمال الدولة»؛ أي رئيس رؤسائها ~~ووزير وزرائها . # 1 # ويظهر أن أبا سلمة قد أعاد تقاليد الساسانية في منصبه ~~الجديد، وكان إلى جانب ذلك كاتبا بالعربية بليغا وعالما ~~فصيحا، مطلعا على الأخبار والأشعار والآداب الجاهلية والسير ~~والجدل والتفسير، حاضر الحجة ذا يسار ومروءة، فاستطاع بهذه ~~المزايا كلها أن يوطد منصب الوزارة وينظم أمورها كما يذكر ~~ابن طباطبا والجهشياري، ويظهر أن النهاية التي صار إليها أبو ~~سلمة قد جعلت من جاء بعده كخالد بن برمك وأبي الجهم يتحاشون عن ~~التلقب بلقب «الوزارة»، وقال الجهشياري وابن طباطبا: «إن كل من ~~استوزر بعد أبي سلمة كان يتجنب أن يسمى وزيرا نظرا لما ~~جرى لأبي سلمة.» # 2 # ومن الأمور التي تجب الإشارة إليها في عهد أبي العباس أمر ~~«العاصمة»، فقد اتخذ «الكوفة» أول الأمر مستقرا له، ولكنه لم ~~يكن مطمئنا إلى نوايا أهلها، فأخذ يفتش عن مدينة أخرى يستقر ~~فيها ويجعلها مقره ومسكن أنصاره وأصحابه، فاتخذ «الهاشمية» وهي ~~إلى جوار ms027 الكوفة، ثم انتقل منها إلى «الحيرة»، ثم ذهب إلى ~~«الأنبار» في سنة 134ه، ويذكر ابن قتيبة أنه استطاب إقليم ~~الأنبار فابتنى بها مدينة بأعلى المدينة عظيمة لنفسه وجموعه، ~~وقسمها خططا بين أصحابه من أهل الخراسان، وبنى لنفسه في وسطها ~~قصرا عاليا، وأقام بتلك المدينة طول خلافته. # ولما استقرت له الأمور في عاصمته الجديدة وترتبت الأقاليم ~~الإسلامية ونظمت شئون الدولة رأى أن يعهد بالأمر من بعده ~~لأخيه جعفر المنصور، فجعله ولي عهد المسلمين، ومن بعده يكون ~~عيسى بن موسى بن محمد بن علي، وكتب بذلك عهدا ختم عليه بخاتمه ~~وخواتيم أهل بيته، ودفعه إلى عيسى بن موسى، ثم كانت وفاته ~~بالأنبار بعلة الجدري في 13 ذي الحجة سنة 136ه/754م، ودفن ~~بقصره فيها وهو في مطلع العقد الرابع من العمر. # الفصل الثاني # | أبو جعفر المنصور # ذو الحجة 136ه-158ه/754-775م # أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأمه ~~أم ولد اسمها سلامة. # ولد بالحميمة سنة 101ه وحفظ القرآن ووعى الحديث ورواه، ~~وأتقن الكتابة وبرع في الأدب، قال اليعقوبي وابن دحية: «وكان ~~حافظا لكتاب الله العظيم متبعا لآثار رسول الله، فقيها ~~محدثا كاتبا بليغا.» # ولما انتقل أخوه أبو العباس من الحميمة إلى الكوفة كما رأينا ~~كان معه، فشد عضده بالقيام بأعباء الملك وعمل على تدعيمه، ~~وتولى إمرة الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، فوطد أركان الدولة ~~فيها على أحسن نظام، ثم بعثه أخوه أميرا على الحج في السنة ~~التي توفي فيها، فمات السفاح سنة 136ه والمنصور في الحجاز، ~~فأخذ له البيعة عيسى بن موسى وكتب إليه يعلمه بوفاة أخيه، ~~يعزيه ويهنئه، فقفل أبو جعفر راجعا، ولما دخل الأنبار بويع ~~البيعة العامة بالخلافة في ذي الحجة من تلك السنة. # تولى المنصور الخلافة ولم تكن دعائمها قد وطدت تماما بعد، ~~وكان عليه أن يسد ثلاث ثغرات: «أولاهن» الثغرة التي انفتحت ~~عليه بمنافسة عمه عبد الله بن علي إياه، فقد كان سيدا ~~جليلا مهابا نبيه الذكر ذا نفوذ قوي في خراسان والشام ~~والجزيرة والموصل، وكان ms028 يطمع في الخلافة، و«ثانيهن» ثغرة أبي ~~مسلم الذي أخذ سلطانه يقوى ~~وصولته تشتد، و«ثالثتهن» الثغرة التي يكمن وراءها ~~الطامحون من آل علي (عليهم السلام) الذين لا تزال قلوب الناس ~~معهم، وكان على رأس العلويين محمد بن عبد الله بن الحسن ~~بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بذي النفس الزكية. # أما عمه عبد الله بن علي فكان يطمح في الخلافة بعد السفاح، ~~ويروي المسعودي في «مروج الذهب» أن أبا العباس السفاح قد جعل ~~ولاية العهد بعده لمن قتل مروان بن محمد وكان الأمير عبد الله ~~بن علي هو الذي قتله، وكان عبد الله حين مات السفاح أميرا على ~~الشام، فلما بلغته وفاته وإعلان بيعة المنصور أعلن عصيانه وجمع ~~جنده ونادى بنفسه أميرا للمؤمنين، فبايعه القادة على ذلك، وقد ~~راقت هذه الحركة للشاميين الذين ما زال حب بني أمية مشربا في ~~قلوبهم، ويسرهم أن يروا الخلاف يدب بين صفوف العباسيين ~~وينقسموا على أنفسهم فتذهب ريحهم، ولما بلغت أخبار حركة عبد ~~الله مسامع المنصور جند جيشا كبيرا بقيادة أبي مسلم وبعثه ~~إلى الشام، وهو يرجو أحد أمرين: إما أن يقتل عبد الله وهو ~~المطلوب، أو يقتل أبو مسلم فيتخلص المنصور منه؛ لأنه أخذ يضيق ~~ذرعا به وبطموحه، كما سنرى تفصيل ذلك فيما بعد، قال أبو أيوب ~~المورياني وزير المنصور: «نحن لأبي مسلم أشد تهمة منا لعبد ~~الله بن علي إلا أنا نرجو واحدة.» # 1 # فكأن أبا مسلم قد شعر بالمؤامرة فأراد التخلص من ~~هذه المهمة، ولكن المنصور كان إذا عزم على أمر لم يتركه، ~~فاضطر أبا مسلم على السفر، ودامت الحرب بين عبد الله ~~وأبي مسلم قرابة نصف سنة، وانخذل عبد الله في آخر الآمر، وكانت ~~المعركة الفاصلة في يوم 7 جمادى الآخرة سنة 137ه، وهرب عبد ~~الله والتجأ إلى أخيه سليمان أمير البصرة، فأمنه على نفسه ~~وسعى لدى المنصور ليعفو عنه، فوافق على سجنه وظل مسجونا إلى ~~سنة 147ه ومات في حبسه في تلك السنة. # وأما أبو مسلم فقد تعاظم ms029 سلطانه بعد القضاء على فتنة عبد ~~الله، وبينما هو في طريقه إلى خراسان # 2 # حيث كان أميرا أخذت عيون المنصور تكتب إليه عن ~~تعاظم أبي مسلم وغروره بنفسه، وعزمه على الخلاف والاستهانة ~~بأوامر أمير المؤمنين والسخرية بكتبه، وقد أراد المنصور أن ~~يتحقق ذلك بنفسه، فبعث إليه أحد أخصائه الموثوق بهم ليحصي ~~عليه الغنائم، فغضب أبو مسلم، وقال للرسول: ~~«أؤتمن على الدماء ولا ~~أؤتمن على الأموال؟» وتهجم على الخليفة وأراد أن يقتل الرسول ~~لولا أن بعض أصحابه منعه من ذلك، فلما بلغت هذه الأمور إلى ~~المنصور كتب إليه وهو في الطريق قبل أن يصل إلى خراسان: «إنا ~~قد وليناك الشام ومصر، فهي خير لك من خراسان، فوجه إلى مصر ~~من أحببت وأقم بالشام، فتكون بقرب أمير المؤمنين.» فغضب ~~أبو مسلم وقال: «هو يوليني الشام ومصر، وخراسان لي؟» وظل في ~~طريقه إلى خراسان غير آبه بكتاب الخليفة ولا بأمره، ورأى ~~المنصور أنه لم يبق إلا استعمال الدهاء للإيقاع به فتوجه إلى ~~المدائن، وكتب إلى أبي مسلم أن يصير إليه، فكتب إليه أبو مسلم ~~يقول: «إنه لم يبق لأمير المؤمنين، أكرمه الله، عدوا إلا ~~أمكنه الله منه، وقد كنا نروي عن ملوك آل ساسان أن أخوف ما ~~يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك حريصون ~~على الوفاء لك بعهدك ما وفيت، حريون بالسمع والطاعة غير أنها ~~من بعيد؛ حيث تقاربها السلامة، فإن أرضاك ذلك كنا كأحسن عبيدك ~~وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ~~ضنا بنفسي.» فلما قرأه المنصور استشاط غضبا وكتب إليه: «قد ~~فهمت كتابك، وليست صفتك صفة هؤلاء الوزراء الغششة ~~ملوكهم، الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، ~~فإنما راحتهم في انتثار نظار الجماعة، فلم سويت نفسك بهم؟ ~~فأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر ~~على ما أنت به، وليس مع الشريطة التي أوجبت منك سماع ولا طاعة، ~~وحمل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالته لتسكن إليها إن ~~أصغيت ms030 إليها، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك، ~~فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أقرب وأوكد من طبه من الباب ~~الذي فتحه عليك.» # وقد أرسل كتابه هذا مع عيسى بن موسى وبعث جرير بن يزيد ~~البجلي، وأمره أن يكلم أبا مسلم بألين كلام وأن يمنيه، فإن ~~أبى فليهدده، فلما وصل عيسى إليه أخذ الرسالة وقرأها واستشار ~~خاصته فنهوه عن السفر إلى المنصور، فقال لجرير: ارجع إلى صاحبك ~~فلن آتيه، فقال له جرير: إن أمير المؤمنين أمرني أن أبلغك أنه ~~يقول لك: لست للعباس وأنا بريء من محمد إن مضيت مشاقا ولم ~~تأتني إن وكلت أمرك لأحد سواي، وإن لم أل طلبك وقتالك ~~بنفسي، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار ~~لاقتحمتها وراءك حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك، فلما سمع أبو ~~مسلم هذا الكلام اضطرب، وكان أبو جعفر قد كتب إلى خليفة أبي ~~مسلم على خراسان وهو أبو داود يوليه إياها طول عمره على أن ~~يقطع صلته بأبي مسلم، فكتب أبو داود إلى أبي مسلم يقول: «إنا ~~لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيه، فلا تخالفن إمامك ~~ولا ترجعن إلا بإذنه.» # 3 # فلما أدرك أبو مسلم أنه مغلوب على أمره قصد ~~المدائن حيث أبو جعفر، ولما علم المنصور بتوجهه بعث إليه وجوه ~~بني هاشم وكبار القادة يتلقونه لئلا يجفل، فلما دخل عليه أبو ~~مسلم وسلم عليه فرد عليه السلام ورحب به وأوصاه بأن ~~يستريح يومه فإنه متعب، فلما كان من الغد أمر عثمان بن نهيك ~~رئيس الشرطة أن يجيء بأربعة من رجاله ويخبئهم وراء السرادق، ثم ~~استدعاه وأخذ يسأله عن أشياء # 4 # إلى أن يبلغ بهما الحديث إلى سبب قصده خراسان ~~مراغما، فقال أبو مسلم: دع هذا فما أصبحت أخاف أحدا إلا ~~الله، فلما سمع المنصور كلماته هذه صفق عندئذ فخرج الشرطة ~~فقتلوه، ثم إن المنصور أراد أن يسكن جند أبي مسلم، فوزع عليهم ~~الهدايا والأموال والجوائز، فسكنوا إليها وألهتهم الهدايا عن ~~التفكير في مقتل صاحبهم، ووقف ms031 أبو جعفر فخطبهم قائلا: # أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة ~~المعصية، ولا تستروا غش الأئمة، فإن من غش إمامه أظهر ~~الله عز وجل سريرته في فلتات لسانه وسقطات لسانه، ~~وأبداها الله لإمامه الذي بادر بإعزاز دينه به وإعلاء ~~حقه بفلجه، إنا لم نبخسكم حقوقكم ولم نبخس الدين حقه ~~عليكم، إنه من نازعنا عروة هذا القميص أوطأناه ما في ~~هذا الغمد، وإن أبا مسلم بايعناه وبايع لنا على أنه من ~~نكث بيعتنا أباح لنا دمه، ثم نكث هو بنا فحكمنا عليه ~~لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم تمنعنا رعاية الحق له ~~من إقامة الحق عليه ... # 5 # وهكذا تخلص أبو جعفر المنصور من الخطر الكامن وراء أبي ~~مسلم فقضى عليه، ولم يبق أمامه سوى العلويين الذين كان يخشاهم ~~ويخاف طموحهم، وخاصة منهم ذا النفس الزكية محمد بن عبد الله بن ~~الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وما إن ~~تخلص المنصور من أبي مسلم حتى أخذ يتسقط أخبار ~~محمد بن عبد الله ذي النفس الزكية، ولما حج في سنة 140ه سأل ~~عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي عن ابنيه فأنكر أن يكون على ~~علم بأمرهما، فحبسه وصادره، ثم أخذ يجمع أبناء الحسن بن علي، ~~فأخذ منهم ثلاثة عشر رجلا فحبسهم جميعا، وقسا عليهم وساقهم ~~إلى العراق مقيدين بالأغلال وعذبهم حتى مات أكثرهم، فلما ~~بلغت أخبارهم محمد بن عبد الله ذا النفس الزكية ثار في الحجاز ~~وطرد أمير المدينة في رجب سنة 145ه، وكتب إلى أخيه إبراهيم ~~بن محمد أن يثور هو أيضا في اليوم نفسه بالبصرة ليفشل ~~أبو جعفر في جهتين مختلفتين، ولكن إبراهيم لم يتمكن من القيام ~~بحركته حينئذ، فوجه أبو جعفر قوته إلى الحجاز، وكان في ذلك ~~الحين مشغولا ببناء «بغداد»، وكتب كتابا إلى محمد ذي النفس ~~الزكية يقول له فيه: « # إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون ~~في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ~~... # ولك عهد الله وميثاقه وحق نبيه إن ms032 تبت من قبل أن ~~أقدر عليك أن أؤمنك على نفسك وولدك وإخوتك ومن بايعك وتابعك ~~وجميع شيعتك، وأن أعطيك ألف ألف درهم وأن أنزلك من البلاد حيث ~~شئت، وأقضي لك ما شئت من الحاجات، وإن أطلق من في سجني من ~~أهل بيتك وشيعتك وأنصارك، ثم لا أتبع أحدا منكم بمكروه، فإن ~~شئت أن تتوثق بنفسك فوجه إلي من يأخذ لك من الميثاق والعهد ~~والأمان ما أحببت.» # فكتب إليه محمد ذو النفس الزكية كتابا يقول فيه: # أما بعد: # طسم * ~~تلك آيات الكتاب المبين * نتلو عليك من نبإ ~~موسى وفرعون بالحق لقوم ~~يؤمنون * إن فرعون ~~علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ~~يستضعف طائفة منهم يذبح ~~أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه ~~كان من المفسدين * ~~ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين ~~... ~~وأنا أعرض عليك من الأمان مثل الذي أعطيتني، وقد تعلم ~~أن الحق حقنا، وأنكم إنما طلبتموه بنا ونهضتم فيه ~~بشيعتنا، وخطبتموه بفضلنا، وأن أبانا عليا (عليه ~~السلام) كان الوصي والإمام، فكيف ورثتموه دوننا ونحن ~~أحياء، وقد علمت أنه ليس أحد من بني هاشم يمت بمثل ~~فضلنا ولا يفخر بمثل قديمنا وحديثنا ونسبنا ... لم تلدني ~~العجم ولم تعرق في أمهات الأولاد، ولك عهد الله إن ~~دخلت في بيعتي أن أؤمنك على نفسك وولدك وكل ما أحببته، ~~إلا حدا من حدود الله أو حقا لمسلم أو معاهد، ~~فقد علمت ما يلزمك في ذلك، فأنا أوفى بالعهد منك وأحرى ~~بقبول الأمان، فأما أمانك الذي عرضت علي، فأي أمان ~~هو! أأمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد الله بن علي أم ~~أمان أبي مسلم ... # فكتب إليه أبو جعفر كتابا يقول فيه: # بلغني كلامك فإذا جل فخرك بالنساء لتضل به ~~الجفاء والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة، ولا ~~الآباء كالعصبة والأولياء، وقد جعل العم أبا وبدأ به ~~على الوالد الأدنى، ولقد علمت أن الله تبارك وتعالى ~~بعث محمدا # صلى الله عليه وسلم # وعمومته أربعة، فأجابه اثنان ~~أحدهما أبي، وكفر به اثنان أحدهما أبوك ms033 ... وما كان محمد ~~أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ~~ولكنكم بنو ابنته، وإنها لقرابة قريبة غير أنها لا ~~تجوز الميراث ولا يجوز أن تؤم، فكيف تورث الإمامة ~~من قبلها، وأفضى أمر جدك إلى الحسن فسلمه إلى ~~معاوية بخرق ودراهم، وأسلم في يديه شيعته، ثم خرج منكم ~~غير واحد فقتلكم بنو أمية وحرقوكم بالنار وصلبوكم على ~~جذوع النخل، حتى خرجنا عليهم فأدركنا بثأركم؛ إذ لم ~~تدركوه ورفعنا أقداركم ... # ولما بعث المنصور كتابه هذا خاف أن يثور الخراسانية انتقاما ~~لأبي مسلم الذي لم يمض على قتله إلا قليل، ونصرة لآل علي ~~الذين يحبونهم، أتبع كتابه بجيش لجب على رأسه عيسى بن موسى ~~فوصل المدينة في 12 رمضان سنة 145ه، ودارت المعركة بين ~~الفريقين وظهرت من محمد ذي النفس الزكية ضروب من الشجاعة، ~~ولكنه لم يلبث أن قتل، # 6 # فثار أخوه إبراهيم بن عبد الله في البصرة، ونصره ~~جمع كثير من الخراسانيين، وكان ذلك في أواخر رمضان سنة 145ه، ~~وكاتبه أهل الكوفة يؤيدونه فقوي أمره وخاف المنصور مغبة ~~حركته، فكتب إلى عيسى بن موسى أن يغادر الحجاز لقتال إبراهيم، ~~وكان إبراهيم قد سيطر على الأهواز وفارس، وفتح واسطا وسار نحو ~~الكوفة، فالتقى به جيش عيسى بن موسى عند «باخمري»، وهي على ستة ~~عشر فرسخا من الكوفة، فهزم إبراهيم وتفرق جنده في الرابع ~~والعشرين من ذي القعدة سنة 145ه. # وبموت محمد وإبراهيم تخلص المنصور من خصمين قويين، وابتهج ~~بهذا الخلاص ابتهاجا عظيما، فقد خطب خطبة في تلك المناسبة ~~أمام الشيعة الخراسانية جاء فيها: «يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا ~~وأنصارنا وأهل دولتنا، ولم بايعتم غيرنا لم تبايعوا من هو خير ~~منا، وإن أهل بيتي هؤلاء من ولد علي بن أبي طالب ~~تركناهم، والذي لا إله إلا هو، والخلافة لم تعرض لهم فيها ~~بقليل ولا كثير، فقام علي وتلطخ وحكم عليه الحكمان فافترقت ~~عنه الأمة واختلفت عليه الكلمة، ثم قام من بعده الحسن، فوالله ~~ما كان فيها برجل، ثم عرضت عليه الأموال فقبلها، ms034 ثم قام من ~~بعده الحسين فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة، ثم قام من بعده ثم ~~وثب علينا بنو أمية فأماتوا شرفنا ... فصرنا تارة بالطائف وتارة ~~بالشام ومرة بالشراة حتى ابتعثكم الله لنا شيعة وأنصارا، ~~فأحيا شرفنا وعزنا بكم، أهل خراسان، ودفع بحقكم أهل الباطل ~~وأظهر حقنا، فلما استقرت الأمور فينا وثبوا علينا ظلما وحسدا ~~منهم لنا، وبغيا لما فضلنا الله به عليهم، وأكرمنا من ~~خلافته وميراث نبيه؛ جهلا علينا وجبنا عن عدوهم ... لبئست ~~الخلتان الجهل والجبن.» ثم ما لبثت الأمور أن استقرت ~~للمنصور فانصرف إلى ترتيب شئون دولته وتوطيد أركان إمبراطوريته ~~إلى أن وافاه أجله وهو في طريق الحج في 6 ذي الحجة سنة ~~158ه. ~~(1) الإدارة في عهده # يعتبر المنصور المؤسس الحقيقي للدولة العباسية، فهو أبو ~~الأملاك العباسيين جميعا، وهو الذي قضى على الفتن الكبرى ~~التي هددت قواعد المملكة، وأبعد عنها إجماع الطامعين، ثم ~~انصرف إلى إدارة شئونها فأحسن القيام بالأمر، وكان من ~~أجل أعماله التي قام بها في ذلك تأسيس عاصمة جديدة ~~للدولة، وتنظيم دواوينها وإداراتها، وتنظيم جيشها ~~وعلاقاتها السياسية الخارجية، وتنظيمها المالي، وإليك ~~تفصيل ذلك في النقاط الآتية: ~~(1-1) بناء العاصمة الجديدة # رأينا أن «السفاح» قد تنقل بين ثلاث عواصم، فلما جاء ~~المنصور عزم على أن يبني لنفسه عاصمة جديدة تكون مقر ~~ملكه ومسكن أنصاره ومعسكرا لجيشه، فاختار موقع ~~«بغداد» لوقوعها على دجلة، ولتوسطها إقليم العراق، ~~ولسيطرتها على الطريق التجارية الهامة الموصلة بين ~~الشرق والغرب، ويروي بعض المؤرخين أن المنصور قال ~~لما اختار هذا الموقع: «هذا موضع معسكر صالح، هذه ~~دجلة ليس بينها وبين الصين شيء، يأتينا فيها كل ما في ~~البحر، وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ~~ذلك، وهذا الفرات يجيء فيه كل شيء من الشام والرقة ~~وما حول ذلك.» # ويذكر المقدسي (في أحسن التقاسيم، ص119) أن أهل ~~بغداد - وكان ثمة قرية قديمة تعرف بهذا الاسم ~~ترجع إلى العهد البابلي - قالوا للمنصور: «تنزل في ~~بغداد؛ فإنك تصير بين أربعة طساسيج؛ طسوجان في الجانب ~~الغربي، وطسوجان في ms035 الجانب الشرقي، فاللذان في الغربي ~~«قطربل» و«بادوربا»، واللذان في الشرقي «نهر بوط» ~~و«كلواذي»، فأنت تكون بين نخيل وقرب الماء، فإن أجدب ~~طسوج وتأخرت عمارته كان الآخر عامرا، وأنت يا أمير ~~المؤمنين على الصراة تجيئك الميرة في السفن من الصين ~~والهند والبصرة، وواسط في دجلة، وتجيئك الميرة من ~~أرمينية وما اتصل بها حتى الزاب، وتجيئك الميرة من ~~الروم، آمد والجزيرة والموصل في دجلة، وأنت بين أنهارك ~~لا يصل إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا أقطعت ~~الجسر وأخربت القناطر لم يصل إليك عدوك، وأنت بين ~~دجلة والفرات لا يجيئك أحد من المشرق والمغرب إلا ~~احتاج إلى العبور وأنت متوسط للبصرة وواسط والكوفة ~~والموصل والسواد كله، وأنت قريب من البحر والبر والجبل ...» # 7 # فأعجبه ذلك ثم أمر بتخطيط المدينة، وأمر أن تكون ~~مدورة الشكل، وجعل لها سورين أحدهما داخل وهو سور ~~المدينة، وسمكه في السماء 35 ذراعا، وعليه أبرجة ~~سمك، كل برج منها فوق السور خمسة أذرع، وعلى السور ~~شرف، وعرض السور من أسفله نحو عشرين ذراعا، ويليه ~~من الخارج فصيل بين السورين وعرضه ستون ذراعا، ثم ~~السور الأول وهو سور الفصيل ودونه الخندق، للمدينة ~~أربعة أبواب متساوية البعد تؤدي إلى طرق أربعة، فتبدأ ~~من مركز الدائرة، وتسير إلى أطراف الإمبراطورية ~~الأربعة فباب سماه «باب الكوفة»، وباب سماه «باب ~~البصرة» وباب سماه «باب خراسان» ورابع سماه «باب ~~الشام»، وفي قلب المدينة يقوم قصر الخليفة، وإلى جانبه ~~المسجد الجامع. # وكان الشروع في بناء المدينة الجديدة التي أطلق ~~عليها اسم «دار السلام»، في سنة 145ه وضع الخليفة بيده ~~أول لبنة وقال: «بسم الله، والحمد لله، الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، ثم قال: ~~ابنوا.» قال ابن الطقطقي: «وبلغ الخراج عليها أربعة ~~آلاف ألف وثمانمائة وثلاثين ألف درهم.» # 8 # ودام البناء نحو خمس سنوات، واشتغل فيها ~~نحو مائة ألف عامل، وقد استحضر لها المنصور المهندسين ~~والبنائين والمزخرفين من الشام والموصل والروم ~~والجبل والكوفة وواسط والبصرة، واختار أربعة من أهل ~~الفضل والدين ms036 والعقل والهندسة للإشراف على العمل، ~~منهم: أبو حنيفة الإمام الأعظم، ويظهر أن المنصور قد ~~تأثر في تخطيط مدينته بالطريقة الفارسية في تحصين ~~المدن، وفصل أصناف السكان والابتعاد عنهم، وتصعيب ~~الوصول إلى الحاكم، وفي سنة 150ه ابتنى المنصور مدينة ~~الرصافة لابنه المهدي، وعمل لها سوارا وخندقا ~~وبستانا وأجرى الماء إليها. # وأخذت دار السلام تنمو وتتسع ويعظم شأنها حتى ورثت ~~مجد المدائن وبابل ونينوى وأور والحيرة، وسمت سموا ~~لم تبلغه مدينة من عواصم الشرق القديم، ولما تم بناؤها ~~حشر فيها المنصور العلماء والحكماء والفضلاء من كل فن، ~~فقصدها الناس من كل بلد، قال الخطيب البغدادي في ~~«تاريخ بغداد»: «لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في ~~جلالة قدرها وفخامة أمرها وكثرة علمائها وأعلاقها؛ ~~وتميز خواصها وعوامها، وعظم أقطارها، وسعة ~~أطرارها، وكثرة دورها ومنازلها وروابيها وشوارعها ~~ومحالها وأسواقها وسككها وأزقتها ومساجدها ~~وحماماتها وطرقها وخاناتها، وطيب هوائها وعذوبة مائها ~~وبرد ظلالها وأفيائها، واعتدال صيفها وشتائها، وصحة ~~ربيعها وخريفها ...» # والحق أن بغداد بلغت شأنا عظيما في فترة قصيرة، ~~وبخاصة في عهدي الرشيد والمأمون، ولم يعرف عن مدينة ~~في الشرق القديم بلغت ما بلغته بغداد سوى ~~القسطنطينية. ~~(1-2) تنظيم الدواوين والإدارات العامة # أول ما يحس به المرء من التنظيم في عهد المنصور ~~أن السلطان أصبح ذا تقاليد جديدة لم تكن معروفة من ~~قبل؛ فقد كان باب الخليفة قبلئذ في المدينة ودمشق ~~مفتوحا لكل قاصد، ليس على بابه إلا حاجب يستأذن لكل ~~من أراد الدخول، أما قصر الخليفة في «دار السلام» فقد ~~صار ذا تقاليد وآداب، ولم يعد الوصول إلى الخليفة ~~بالشيء السهل، وأصبحت رؤية الخليفة أمرا عسيرا، ~~وأصبح الوزير يدير شئون الناس ويتصل بهم، ثم يرفع ~~إلى الخليفة نتائج أعماله، وكان من وراء الوزير أربعة ~~نفر؛ هم القاضي وصاحب الشرطة وصاحب الخراج وصاحب ~~البريد، ويروي الطبري قولة لأبي جعفر يظهر فيها ~~رغبته في العثور على أربعة يثق بهم ويعتمد عليهم ~~في تدبير أمور ~~الدولة، قال: «ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي ~~أربعة نفر لا يكون ms037 على بابي أعف منهم ... هم أركان ~~الملك، فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، وصاحب شرطة ~~ينصف الضعيف من القوي، وصاحب خراج يستقصي ولا يظلم ~~الرعية، فإني عن ظلمها غني، والرابع صاحب بريد يكتب ~~بخبر هؤلاء على الصحة.» # 9 # ويظهر من هذا القول أن الخليفة وإن كان قد ~~حجب نفسه عن الناس إلا أنه ظل يراقب وزيره ومدبري ~~أمور دولته، بل ربما كان يغالي في مراقبته حتى لا يجعل ~~للوزير سلطانا عليه أو استبدادا بالناس، قال ابن ~~الطقطقي في معرض حديثه عن وزراء المنصور: «لم تكن ~~الوزارة في أيامه طائلة؛ لاستبداده واستغنائه برأيه ~~وكفايته، مع أنه كان يشاور في الأمور دائما، وإنما ~~كانت هيبته تصغر لها هيبة الوزراء، وكانوا لا يزالون ~~على وجل منه وخوف، فلا يظهر لهم أبهة ولا رونق.» # 10 # وأول من تولى له من الوزراء هو أبو أيوب سليمان بن ~~مخلد المورياني الأهوازي، وكان المنصور قد اشتراه ~~صغيرا فثقفه وهذبه ودربه، فلما تولى السفاح أعجب ~~بثقافته وذكائه فاختص به، ثم أخذ أمره ينمو لما كان ~~يتمتع به من ذكاء ودهاء وخبرة، حتى إذا تولى المنصور ~~الخلافة قلده وزارته، ولكنه لما رآه قد أثري ~~ثراء فاحشا وأخذ يسيء السيرة غضب عليه وصادر أمواله ~~ثم قتله في سنة 153ه، ثم ولى الربيع بن يونس أمور ~~وزارته وكان عاقلا نبيلا منفذا للأمور مهيبا ~~فصيحا خبيرا بالحساب وإدارة الأعمال، # 11 # فظل في وزارته إلى أن هلك المنصور. # ومن الوظائف الكبرى التي تلي الوزارة: ~~(أ) # الحجابة: # وقد كان «الحاجب» ~~موظفا كبيرا يتولى أمر الدخول على ~~الخليفة، فلا يمثل بين يديه أحد إلا ~~عن طريقه وبواسطته، والحجابة وظيفة قديمة ~~معروفة منذ العهد النبوي الشريف، فقد كان ~~للنبي وخلفائه الراشدين حجاب، ولكن لم ~~يصبح لهذه الوظيفة تقاليد إلا في العهد ~~الأموي، فإن معاوية قد اهتم بأمر الحجابة، ~~وجعل لها تقاليد وآدابا، ثم توارث ذلك ~~من خلفه، فزادوا في تلك التقاليد ~~ونظموها، ~~فقد ~~روي أن عبد الملك بن مروان قال لصاحب ~~حجابه: قد وليتك حجابة ms038 بابي إلا عن ~~ثلاثة: «المؤذن للصلاة، وصاحب البريد، ~~وصاحب الطعام.» ~~(ب) # الكتابة: # وكان «الكاتب» هو ~~الذي يتولى أمور الكتابة عن الخلفاء إلى ~~الملوك والأمراء وغيرهم، وقد عرفت هذه ~~الوظيفة منذ عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم جاء ~~الراشدون فاستكتبوا، وربما تولى الخليفة ~~نفسه أمر كتابة رسائله، ولكن لما اتسعت ~~رقعة الملك في عهد بني أمية وبني العباس ~~أصبح الكتاب هم الذين يتولون ذلك، ~~وأصبحت لهم تقاليد وآداب فصلت أخبارها ~~في كتب تاريخ الآداب. ~~(ج) # الشرطة: # وكان يتولى أمرها ~~قائد كبير يختاره الخليفة للمحافظة على ~~الأمن وحفظ المدينة من الشطار وأهل ~~الفساد، والضرب على يد كل من تسول له ~~نفسه القيام بجناية أو العبث والفساد ~~بالبلاد، وقد كانت هذه الوظيفة معروفة منذ ~~العهد النبوي كما بينا ذلك مفصلا في ~~موضعه. ~~(د) # القضاء: # وقد كان «القاضي» ~~ينظر في قضايا الناس ومشاكلهم الدينية ~~والدنيوية فيقضي فيها بما أنزل الله، وكان ~~يختار لهذا المنصب رجل موثوق أمين، فقد ~~كان أبو بكر وعمر وعلي (رضي الله عنهم) ~~يقضون في عهد الرسول، وكان بنو أمية ~~يختارون للقضاء أفاضل الصحابة أو ~~التابعين، ومن مشهوري قضاة المنصور الفقيه ~~الإمام محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ~~(148ه)، وكان من طبقة أبي حنيفة الإمام ~~الأعظم، وقد كان المنصور أراد أن يولي أبا ~~حنيفة القضاء فاعتذر إليه عن ذلك. # وقد اهتم المنصور أيضا بعماله في ~~الأقاليم، فاختار لها أفضل رجاله فهما ~~ونبلا، وأكثرهم ثقة وعدلا، وكان أكثرهم ~~من أهل بيته، فإسماعيل بن علي ولاه ~~فارس، وسليمان بن علي ولاه البصرة، ~~وعيسى بن موسى ولاه الكوفة، وصالح بن ~~علي ولاه قنسرين والعواصم، والعباس بن ~~محمد ولاه الجزيرة، وجعفر بن سليمان ~~ولاه المدينة، ومن عماله يزيد بن حاتم ~~المهلبي أمير إفريقية، ومعن بن زائدة أمير ~~اليمن، وخازم بن خزيمة أمير أرمينية، ~~وهؤلاء كلهم من أكابر الرجال وفضلائهم، ~~وكان الخليفة يطلب من عماله أن يبعثوا ~~إليه بتقارير مفصلة عن أحوالهم وعن شئون ~~بلادهم، وكان أصحاب البريد في كل إقليم هم ~~الذين يبعثون ms039 إليه بأخبار هؤلاء العمال ~~وكبار الموظفين الآخرين، كما يكتبون إليه ~~عن أسعار المواد الغذائية وأحوال بيت ~~المال وشئون التجارة والاقتصاد، وقد كان ~~في كل إقليم أيضا موظفون آخرون من ~~الكتاب ورجال الشرطة والنواب والقضاة، ~~وعلى النمط الذي كان في العاصمة لدى ~~الخليفة. ~~(1-3) تنظيم الجيش وقياداته # اهتم المنصور بالجيش وتنظيمه وتقويته اهتماما ~~كبيرا؛ لأنه هو الذي يحمي حدود الدولة ويحفظ كيانها، ~~وقد كان الجيش في الدولة العباسية منقسما إلى فريقين: # الفريق الأول: # هو جيش الخراسانيين ومن إليهم من ~~الأعاجم. # والفريق الثاني: # هو جيش العرب، وقد كان الخليفة ~~يوازن بين الفريقين لئلا تقوى شوكة ~~أحدهما فيعيث في البلاد فسادا، وكان كلما ~~أحس من قائد تعاظما سلط عليه من ~~يذله، ومن مشهوري قادته هؤلاء أبو مسلم ~~الخراساني، ومعن بن زائدة الشيباني، ~~وعمرو بن العلاء، والمسيب بن زهير الضبي، ~~والحسن بن قحطبة الطائي، ويزيد بن حاتم، ~~وكان الخليفة يعرض جيوشه بين الحين والحين ~~ليتبين أوضاع جنده ويصلح ما قد يكون ~~فسد من أحوالهم، ويوجه إليهم نصائحه ~~وإرشاداته ويسألهم عن شئونهم، وقد روى ~~المؤرخون أنه في سنة 158ه عرض الجيش عرضا ~~فخما، تحدث عنه الطبري وأطنب في وصفه ~~إطنابا يدلنا على عناية المنصور بالجيش ~~وقادته وتنظيمه وتقويته. ~~(1-4) علاقات الدولة الخارجية # كانت الإمبراطورية العربية متاخمة للبيزنطيين، ~~وكان النزاع قائما بين الجانبين منذ أيام بني أمية، ~~وقد ورث العباسيون هذه العداوة كما ورثوا تقليدا ~~أمويا هو إرسال الجيوش كل صيف وشتاء لغزو بلاد ~~الروم، وكانت هذه الجيوش تسمى «الصوائف» و«الشواتي»، ~~وكانت بلاد آسيا الصغرى هي مجال تلك الحروب، ولم تنقطع ~~الحروب بين الجانبين منذ عهد معاوية حتى هذا العهد ~~الأموي إلا في فترات قليلة، وقد جددت في عهد ~~المنصور هذه التقاليد بقوة؛ لأنه عزم بعد أن وطد ~~أمره على التوسع، وخصوصا حين غزت جيوش الروم في سنة ~~138ه «ملطية» وكانت من الثغور الإسلامية، فعملت فيها ~~تخريبا وفي أهلها تقتيلا، فبعث المنصور عمه صالح بن ~~علي وأخاه العباس بن محمد بن علي للانتقام للعرب ~~والمسلمين، فدارت ms040 المعارك سجالا بين الجانبين. # ثم تعددت الحروب بين الروم والمسلمين في عهد المنصور ~~كله إلى أن توفي، ولكنها لم تكن من حيث الاستعداد ~~والقوة كما كانت أيام بني أمية؛ لأن نقل مقر الدولة ~~من دمشق إلى بغداد وبعد العاصمة عن البحر الأبيض جعل ~~العباسيين يكتفون بإرسال هذه «الصوائف» و«الشواتي» ~~التقليدية إرسالا تقليديا، واطمأن البيزنطيون إلى ~~أن الدولة الإسلامية الجديدة لم تعد تهدف إلى فتح ~~القسطنطينية كما كان الأمويون، كانت للبيزنطيين حملات ~~شديدة على الثغور الإسلامية كسميساط وسيس والمصيصة، ~~ولكن المنصور كان لهم بالمرصاد، وقد بنى على الفرات ~~مدينة الرافقة سنة 155ه على طراز مدينة بغداد، ورتب ~~لها الجند من الخراسانيين والعرب؛ لتكون مركز تموين ~~الجيوش الإسلامية في غزواتها، # 12 # وكما اهتم المنصور بتحصين الحدود ~~البيزنطية اهتم كذلك بتحصين حدوده في الشمال والمشرق ~~وإفريقية، وبعث الجيوش إلى شمال إفريقية بقيادة يزيد ~~بن حاتم ففتح القيروان في سنة 155ه، وأغزى العلاء بن ~~مغيث اليحصبي الباجي على أن يثور على عبد الرحمن في ~~الأندلس فثار في سنة 146ه، ولكن عبد الرحمن فتك به فلم ~~يصل المنصور إلى طلبه. ~~(1-5) التنظيم المالي # اشتهر المنصور بأنه مالي ومقتصد، وأنه كان يحاسب ~~على الدانق حتى سمي أبا الدوانيق، وقد قام بإصلاح ~~الخراج؛ فقد كان النظام المتبع في العراق منذ عهد عمر ~~بن الخطاب أن يأخذ الخراج نقدا وعلى مقدار الأرض سواء ~~أزرعت أم لم تزرع، وقد رأى المنصور تبدل الأحوال ~~والظروف فوضع نظام المقاسمة مما تنبت الأرض بأن يأخذ ~~جزءا من نتاجها ويترك الباقي لصاحبها. # وقد كان المنصور يتشدد في جمع الضرائب في أوقاتها ~~وفي أخذها نقودا جيادا صحاحا، كما كان يتشدد ~~العمال وأصحاب الخراج في مطالبتهم الأهلين بما تحت ~~أيديهم من موارد الدولة والفتك بمن تبلغه عنه خيانة أو ~~اختلاس، وقد خلف المنصور في بيت المال بعد وفاته ~~ستمائة ألف ألف درهم وأربعة عشر ألف ألف دينار، وهو ~~مبلغ جسيم جعل المهدي من بعد أبيه ينفق عن سعة في ~~تنظيم شئون الدولة العربية. ~~(1-6) توجيه ms041 الدولة للقضاء على روح التمرد ~~والزندقة # كان ظهور دولة العباسيين باعثا قويا على انتعاش ~~القومية الفارسية وما يتبعها من إحياء المجوسية ~~والآمال القومية الأخرى، وقد أمل الفرس كثيرا في أن ~~يقلبوا الدولة العربية إلى فارسية، ولكن أملهم خاب ولم ~~تتحقق تلك الأمنية التي أرادوها بمثل تلك العجلة، وكان ~~من جراء هذه الخيبة أن نشأت في إيران أيام هذه ~~الدولة فرق تتستر بالدين والمبادئ الاجتماعية، وما هي ~~في الحقيقة إلا فرق تريد هدم الإسلام والقضاء على ~~كيان العرب، وقد تعددت هذه الفرق وتنوعت مبادئها ~~وأساليبها، ولكنها كلها كانت ذات هدف واحد وهو دك ~~صرح الإسلام وإعادة المجوسية وتقليص مجد العرب، وقد ~~أمل الفرس أن يجدوا في آل علي وآل العباس ذريعة إلى ~~هذا الهدف، ولكنهم فشلوا كما سنرى. # ويظهر أن أول حركة قامت تهدف إلى هذا الغرض هي حركة ~~«بهافريد» وهو متنبئ فارسي قام في عهد أبي العباس ~~بثورة عقلية عنيفة في نيسابور، زعم أنه جاء ليتمم ~~رسالة «زرادشت»، فاستجاب له خلق كثير، وبخاصة الذين هم ~~من أصل مجوسي، وقد أدخل تعديلات على الزرادشتية ~~منها ترك تحريم الخمور وأكل الميتة ونكاح الأمهات ~~والبنات والأخوات وبنات الأخ، ومنها فرض سبع صلوات في ~~اليوم إحداهن لتوحيد الله، مع أن الزرادشتية دين ثنوي، ~~ولم يكن يهدف «بهافريد» دينيا فحسب، بل مزج ذلك ~~بحركة إصلاح اجتماعية، كدعوته إلى تحديد المهور، ~~وإيجابه ألا تتجاوز «400» درهم، ودعوته إلى طرح كثير ~~من العادات القبيحة كالسكر والإفراط في الملذات وما ~~إلى ذلك، وقد تحمس لدعوته المجوس أول الأمر، ~~ولكنهم لما وجدوه قد بدل في طقوس الزرادشتية ~~كثيرا اعتبروه مخالفا، فاجتمع موابذتهم وهرابذتهم، # 13 # وتداولوا أمرهم بينهم فقرروا مقاومة ~~حركته، حتى ذهب فريق منهم إلى أبي مسلم الخراساني ~~فقالوا له: إن «بهافريد» قد أفسد دين الإسلام ودين ~~المجوس، فبعث من حمله إليه فقتله وقتل كبار رجال دعوته ~~وعددا كبيرا من أنصاره، وضعف شأن البهافريين بعده، ~~ويذكر ابن النديم أن البهافريدية كانت موجودة إلى ~~أيامه في القرن الرابع. # 14 # ومن تلك ms042 الحركات الهدامة «حركة الخرمية»، وهي ~~طائفة أرجعت مبادئ دينها إلى مذهب مزدك الإباحي، ~~واسمها مأخوذ من قولهم «خرم دينان»؛ أي الدين ~~الفرح، مزجوا بعض تعاليم الإسلام بالمزدكية من تناسخ ~~واشتراكية في المال والنساء وحلول، فخرج من ذلك مزيج ~~غريب، ومن فروع هذه الفرقة «الخداشية» والزرامية. # 15 # ومنها «الحركة الراوندية» وهي حركة ظهرت في راوند ~~بالقرب من أصبهان في عهد المنصور، وقد اتخذت مبدأ ~~تقديس الملوك ورفعهم إلى رتبة الآلهة مبدأ أساسيا، ~~وقالت: إن أبا جعفر المنصور هو إلهنا، وإن الألوهية ~~انتقلت إليه وحلت فيه، وإن روح الله كانت في عيسى ~~(عليه السلام) ما تزال تنقل منذ أن حلت في علي، حتى ~~حلت بإبراهيم بن محمد ووصلت إلى المنصور، فلما بلغ ~~المنصور ذلك القول عنهم ضيق عليهم ثم قتلهم. # 16 # ومنها «حركة المقنع الخراساني» وهي حركة تشبه ~~الراوندية، سميت بذلك نسبة إلى صاحبها المقنع، واسمه ~~هاشم بن حكيم؛ لأنه اتخذ لوجهه قناعا من ذهب أو من ~~حرير أخضر وادعى الألوهية، وأسقط الصوم والصلاة ~~والزكاة والحج عن أتباعه وأباح لهم أموال الآخرين ~~ونكاح نسائهم، ودعا إلى تعاليم «مزدك» الإباحية، وقد ~~فشا أمره أيام المهدي فشدد على جماعته وأبادها. # 17 # وهناك حركة سنباد المجوسي، وحركة أستاذ سير، وحركة ~~يوسف البرم، وإسحاق الترك وغيرها من الحركات الغريبة ~~كما سنبينه بعد. # ويجب أن نعلم أن لدعاية أبي مسلم للعباسيين ضلعا ~~كبيرا في خلق هذه الحركات العقائدية، فظهرت متسترة ~~قبل قتل أبي مسلم، ولكنها سفرت بعد مقتله؛ ~~فالخرمية الذين عرفنا من أمرهم بعض الشيء اتخذوا أبا ~~مسلم بعد قتله زعيما لحركتهم وإماما (كما يقول ~~الفهرست لابن النديم، ص483)، ويقول المستشرق براون: ~~«إن الثورات التي كانت في إيران، والتي قادها مدعو ~~النبوة من عهد سنباد المجوسي سنة 754م وأستاذ سير سنة ~~766م ويوسف البرم والمقنع سنة 777م، وعلي مزدك سنة ~~833م وبابك الخرمي سنة 816م، كانت على الأغلب مرتبطة ~~بذكرى أبي مسلم.» # 18 # ويقول المسعودي: «إنه لما نمى مقتل أبي ~~مسلم إلى خراسان وغيرها من الجبال اضطربت ms043 الخرمية، ~~وهي الطائفة التي تدعى بالمسلمية، وهم القائلون بأبي ~~مسلم وإمامته.» # 19 # أما «سنباد» الذي أشار إليه المستشرق «براون» فهو ~~متنبئ قام بعد قتل أبي مسلم معلنا عن نهاية الملك ~~العربي، وأنه سيهدم الكعبة، وقد عظم أمره حتى استولى ~~على الري بعد مقتل أبي مسلم، وقبض على ما كان فيها ~~من خزائن أبي مسلم، ولولا حزم الخليفة أبي جعفر في ~~القضاء على حركته التي كانت تقوى بسرعة عجيبة ~~للقيت الدولة الفتية منه بلاء خطيرا، وليست ~~حركة «إسحاق الترك» دون حركة «سنباد»، وإسحاق هو أحد ~~أعوان أبي مسلم، بعثه إلى بلاد الترك أميرا، فلما ~~قتل أبو مسلم ثار هناك، وزعم أن أبا مسلم لم يقتل، ~~وأنه سيخرج في وقت سماه، ويظهر أن إسحاق قد جمع ~~حوله كل «المبيضين» وهم الذين ثاروا على الدولة لقتلها ~~أبا مسلم، وقام بحركته التي ما لبثت أن عمت بلاد ما ~~وراء النهر وإيران، ولولا أن أبا داود والي خراسان ~~استطاع أن يقبض عليه ويقتله لكان للحركة آثار خطيرة، ~~ولما قتل اختفى المبيضة، ويقول ابن النديم: «إن ~~المبيضة ظلوا حتى القرن الثالث، وكان بعضهم يعيش في ~~بعض قرى بلخ.» # 20 # وصفوة القول أن حركة التمرد ضد الإسلام ~~قد قويت جدا في عهد المنصور، فعمل على القضاء عليها ~~وإنقاذ البيئة الإسلامية من فتنها، وسنرى بعد أن ~~الخليفة المهدي هو الذي قام قومته في سبيل ذلك وقضى ~~على الزنادقة القضاء المبرم. ~~(1-7) توجيه العلاقات الخارجية السياسية # لم يكتف المنصور بتنظيم أحواله الداخلية، بل اتجه ~~إلى الخارج فدرس أحواله دراسة متفحص، ووجد كما رأينا ~~في النقطة الرابعة أن خصومه الأقوياء هم البيزنطيون، ~~فوجه همته إلى تحصين حدوده من جهتهم، وأعاد بناء مدن ~~«مرعش» و«المصيصة» وحصن قلاعهما، ثم اتجه نحو ثغور ~~الجزيرة والدروب فقواها، ويذكر البلاذري أن في ~~سنة 139ه أمر المنصور بجمع الصناع من كل بلد ~~للاشتغال بتحصين أعظم ثغور الدولة، وهو مدينة «ملطية»، ~~فتم له ذلك في نصف سنة، وأنه بنى للجند الذين سكنوها ~~بيوتا وقلاعا، كما «بنى للجند ms044 ... لكل عرافة - وهي ~~مكونة من عشرة جنود إلى خمسة عشر وعليها عريف - بيتين ~~سفليين وعليتين فوقهما وإسطبل ... وأسكن «ملطية» أربعة ~~آلاف مقاتل من أهل الجزيرة؛ لأنها من ثغورهم، ووضع ~~فيها شحنتها من السلاح وأقطع الجند المزارع.» # 21 # ومما فعله المنصور أيضا من أعمال تحصين حدوده نحو ~~البيزنطيين بناؤه «مدينة الرافقة» على الفرات سنة 155ه ~~كما أشرنا إلى ذلك، وقد جعلها على نمط «مدينة بغداد» ~~ورتب فيها الأجناد الخراسانيين وقوى حصونها، وأكثر ~~فيها من السلاح والذخيرة والميرة؛ لتكون مقر حركاته في ~~حروبه مع الروم، ثم اتجه إلى حدوده المتاخمة لبلاد الخزر # 22 # فقواها وبنى فيها القلاع، وجدد بناء مدينة ~~«كمخ» و«المحمدية» و«باب واق»، وأنزل فيها المقاتلة ~~وأقطعهم الأراضي وكثر أموالها وذخيرتها. # 23 # ولما رأى أن شمال إفريقية بقعة تعج فيها الثورات ~~والحركات على يد الخوارج والبرابر، بعث بيزيد بن حاتم ~~المهلبي سنة 154ه في جيش كبير قوامه 50 ألف مقاتل ~~فمهد البلاد ودخل القيروان، وحاول استعادة ملك ~~الأندلس ولكنه لم يفلح، ويقال إنه راسل ملك الفرنج ~~الميروفنجيين في سنة 765م الملك ببن القصير وبعث إليه ~~وفدا، فأجابه هذا بإرسال وفد مثله، وعملا على ~~توطيد العلاقات بينهما، ولكن معلوماتنا قليلة عن مدى ~~نجاح هذه الرحلة وما أنتجته. # 24 ~~(1-8) الاستعانة بالعلماء والفقهاء على تقوية كيان الدولة ~~الجديدة # استعان المنصور بالعلماء والفقهاء على تقوية أركان ~~دولته، وقد كانوا أيام بني أمية بعيدين عن دواوين ~~الدولة إلا قليلا، منصرفين إلى بحوثهم ودراساتهم، ~~فلما جاء بنو العباس قربوهم وأفادوا منهم، ومن هؤلاء ~~الإمام الأعظم أبو حنيفة والإمام مالك والإمام ابن أبي ~~ليلى وغيرهم مما سنفصله فيما بعد. ~~(2) خاتمة عهده # كان المنصور كما رأينا ملكا قديرا وحازما في الإدارة ~~والسياسة وتنظيم شئون المال، بعيدا عن الإسراف موصوفا ~~بالتقتير، ولكنه كان يجود حيث الجود محمود، قال المسعودي: ~~«وكان يعطي الجزيل والخطير ما كان عطاؤه حزما، ويمنع ~~الحقير اليسير ما كان عطاؤه تضييعا.» # 25 # وقد رأينا أنه لما مات وأحصوا ما في بيت المال ~~وجدوا فيه ستمائة ألف ms045 ألف درهم وأربعة عشر ألف ألف دينار، ~~وكان يقول: «من قل ماله قل رجاله، ومن قل رجاله قوي ~~عليه عدوه، ومن قوي عليه عدوه اتضع ملكه، ومن اتضع ملكه ~~استبيح حماه.» # 26 # وكان لا يسرف في عطاء الشعراء، كما كان يراقب ~~تصرفات أولاده المالية، وحركات عماله الإدارية. # والحق أن المنصور كان أعظم خلفاء العباسيين إدارة ~~وحكمة وعقلا وبأسا ويقظة، وكان يهتم بمراقبة العمال ~~بنفسه، والتنقيب عن أحوال الناس ودخائل أمورهم، ويعنى ~~بالأمن وبمحافظة السبل ومنع الفاسد، قالوا: إنه إذا كان ~~استيقظ في اليوم ابتدأه بالصلاة وقراءة القرآن، ثم يخرج ~~إلى الإيوان فيطلع على رسائل الأقاليم وأحوالها إلى وقت ~~الظهر، فإذا صلى الظهر دخل قصره واستراح قليلا، ثم رجع ~~إلى مطالعة رسائل عماله والمكاتبة إليهم بما يجب عليهم ~~عمله إلى وقت العصر، فإذا صلى صلاته جلس لأهل بيته إلا ~~من أحب أن يسامره، فإذا صلى العشاء الآخرة نظر فيما ورد ~~إليه من كتب الثغور والأطراف والآفاق، ثم شاور سماره ~~فيما أراد من ذلك، فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه ~~وانصرف سماره، فإذا مضى الثلث الثاني قام من فراشه فأسبغ ~~وضوءه ووقف في محرابه يصلي حتى مطلع الفجر، ثم يخرج للناس ~~... وهكذا دواليك. # وكما كان المنصور كان رجال بلاطه من أهل الدين والحزم ~~والخلق والجد. # وفي سنة 158 أراد أن يحج ويزور قبر النبي الكريم لكنه ~~توجع في الطريق قرب الكوفة، فلما صار إلى بئر ميمون اشتد ~~عليه الوجع فبقي هناك وأدركته المنية في فجر ليلة السبت ~~سادس ذي الحجة ، ولم يحضره عند وفاته إلا حاجبه ووزيره ~~الربيع، فأوصاه بما أراد، وكتم الربيع ذلك حتى الصبح ~~فاستدعى من معه من أهل البيت وأخذ بيعتهم للمهدي، ثم ~~لعيسى بن موسى من بعده، ثم دعا بالقادة فبايعوه، واتفق رأي ~~أهل البيت على أن يتوجه العباس بن محمد بن علي ومحمد بن ~~سليمان بن علي إلى مكة لمبايعة المهدي وأخذ بيعة أهل ~~الحجاز، وهكذا كان، ودفن المنصور في ثنية المعلاة، وكان ~~له من الولد ms046 ثمانية من الذكور وبنت، وأكبرهم محمد ~~المهدي. # الفصل الثالث # | المهدي بن المنصور # ذو الحجة سنة 158ه-22 محرم ~~168ه/ تشرين الأول 775-4 آب ~~785 ~~(1) هو محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، وأمه ~~أروى بنت منصور ~~الحميرية # ولد سنة 126 في الحميمة فتثقف وتعلم كما كان يتثقف ~~ويتعلم شبان قريش، وبرز نبوغه وفضله منذ طفولته، وكانت ~~سنه لما استخلف أبوه عشر سنوات، ولما بلغ سن الرشد ~~ورأى أبوه فيه الفضل والحزم والقوة أراد أن يوليه العهد من ~~بعده، ولكن عقبة وقفت في سبيله، وهي أن عيسى بن موسى ~~ولي العهد لم يقبل أن يتنازل له، فرأى المنصور أول الأمر ~~أن يفاوضه ليتخلى للمهدي ابنه، فأبى عيسى وقال: ليس إلى ~~خلع نفسي سبيل، فتغير عليه المنصور وباعده بعض المباعدة، ~~وصار يأذن لابنه قبله ويجلسه فوقه، وقيل: إنه سقاه يوما ~~شرابا فخاف عيسى على نفسه التلف فخلع نفسه، وهناك روايات ~~أخرى ذكرها الطبري وابن الأثير وابن طباطبا، ومهما يكن من ~~شيء فإن عيسى أحس بالخطر فاضطر على أن يخلع نفسه، وأخذ ~~أبو جعفر يعمل على إظهار أمر المهدي. # وفي سنة 141ه ولى المنصور ابنه المهدي قيادة جيش بعثه ~~إلى خراسان للقضاء على بعض الفتن، فلما وفق في القضاء ~~على الفتنة أمره أبوه بغزو ~~«طبرستان» فغزاها ونجح، ~~ولما عاد بعد ثلاث سنوات استقبله أبوه من «قرمايسين»، ولما ~~وصلا بغداد زوجه ريطة بنت عمه السفاح، وكان زواجا ~~حافلا. # وفي سنة 147ه بعثه إلى الري ليتمرن على الحكم هناك ~~ويتمرس بالأمور، وفي سنة 151ه بنى أبوه له ولجنوده مدينة ~~الرصافة وولاه إمرة الحج، وفي سنة 155ه أمره أن يشرف ~~بنفسه على بناء مدينة الرافقة بالقرب من الحدود الرومية ~~للإشراف بنفسه على حفظ الثغور، وهكذا ظل أبوه يوليه مهام ~~الأمور حتى أدركته المنية؛ فاستخلف في ذي الحجة سنة 158ه، ~~ورأى منذ أول عهده أن يغير سياسة العنف التي كان يسلكها ~~أبوه؛ لأن أركان الدولة كانت قد توطدت والثوار من ~~خراسانيين وغيرهم قد خضدت شوكتهم، فلم تبق ثمة حاجة ms047 إلى ~~الفتك والعنف، فأطلق عددا كبيرا ممن كانوا في سجن أبيه ~~من كبار الثوار والقادة أمثال يعقوب بن داود الذي سنسمع ~~بعض أخباره. # ثم التفت إلى من كان أبوه قد صادر أموالهم فأرجعها ~~إليهم، ويذكر صاحب تاريخ الفخري أن المهدي فعل ذلك بوصية ~~من أبيه حين يقول: «يا بني إني قد أفردت كل شيء أخذته من ~~الناس على وجه الجناية والمصادرة، وكتبت عليه أسماء ~~أصحابه، فإذا وليت أنت فأعده على أربابه ليدعو لك الناس ~~ويحبوك ...» وهكذا فعل المهدي فأحبوه، وكان كريما معطاء بعث ~~إلى الحجاز بجرايات الحبوب والطعام التي منعها أبوه منذ ~~ثورة محمد ذي النفس الزكية، # 1 # ومنح الحجازيين أموالا كثيرة حينما حج، وزار ~~الشام وأحسن إلى أهله ليطمئنهم ويجعلهم ينسون عهد ~~الأمويين، ثم التفت إلى أهل بيته وكبار رجال دولته وأصحاب ~~الدعوة ففرق فيهم الأموال ووزع عليهم الأقطاع، وأكثر من ~~إحسانه إليهم وإلى العامة، وهكذا استطاع أن يكتسب قلوب ~~رعيته وخاصته ويفرض عليهم حبه والإعجاب به، وزاده سموا ~~عندهم أنه كان يجلس بنفسه في مجلس القضاء فيقضي بين الناس ~~ويرد المظالم، وقد رووا عنه أنه اتخذ بيتا كانت تطرح ~~فيه الشكاوى والقصص ويطلع عليها ويعمل بما يراه حقا ~~وعدلا، هذا نمط من الإصلاح الذي اجتذب به قلوب الناس، ~~وهناك أنماط أخرى نذكر منها أنه أمر ببناء القصور والمنازل ~~والحياض في طريق الحج إلى مكة، كما أمر بتنظيم البريد بين ~~المدينة ومكة واليمن، وهو أول من فعل ذلك، وأمر بتوسيع ~~المسجد الحرام والمسجد النبوي، وأمر ~~بالإنفاق على المجذومين ~~والمرضى والشيوخ، وأمر بإصلاح أحوال المسجونين وحسن ~~الإنفاق عليهم، وغير ذلك من أنماط الإصلاح والعدالة ~~الاجتماعية التي جعلته خليفة محبوبا مخلدا. ~~(2) الإدارة في عهده # كان المهدي إداريا منظما كما رأينا أثر ذلك في ~~أعماله الاجتماعية السابقة، هناك المظاهر الأخرى التي ~~تدل على حسن إدارته منها: ~~(1) # أنه نظم أمور الحرس الملكي فاصطفى لنفسه ~~خمسماية رجل من أبناء وجوه العرب، أجرى عليه ~~الأرزاق الجليلة، وجعلهم بمثابة حرسه الخاص، ~~ولعله قصد بذلك أن يسترضي ms048 وجوه العرب الذين ~~أخذوا ينفرون من الدولة العباسية؛ لأنها ~~أقصتهم بعض الإقصاء، وقربت الأعاجم، والمهدي ~~العربي الأم والأب بعمله هذا جذب قلوب العرب ~~إليه بانتخاب هذا العدد من أبناء وجوه القادة ~~العرب والاعتماد عليهم في هذه المحطة. ~~(2) # ومن تلك المظاهر التنظيمية عنايته بأمور ~~الدولة المالية فقد رأينا أنه منع المصادرات، ~~ورد من كان صادرهم أبوه وعني بتنظيم أحوال ~~الخراج والجبايات، ولا غرو فإنه كان ينتقي ~~وزراءه كما سنرى من الماليين الثقات الأمناء ~~العدول، كأبي عبد الله بن يسار الذي يقول عنه ~~الجهشياري: «كان يضبط أمور المهدي ويشير عليه ~~بالاقتصاد وحفظ الأموال.» ولكنه لما استوزر ~~بعده يعقوب بن داود اختل التوازن المالي بعض ~~الشيء؛ لأن يعقوب كان كريما مسرفا متلافا، ~~مما جعل الخليفة يتخلى عنه لتفريطه في أموال ~~الدولة، ولم يكن المهدي يقسو على رعيته في جمع ~~الأموال ولا في استصفاء الضرائب، يقول صاحب ~~تاريخ الفخري: «كان مقدما في صناعته، ~~فاخترع أمورا؛ منها أنه نقل الخراج إلى ~~المقاسمة، وكان السلطان يأخذ عن الغلات خراجا ~~مقررا ولا يقاسم.» # 2 # وهذا القول، على الرغم من أنه ~~يثبت شهرة المهدي بالعدل وعدم القسوة على ~~الرعية في جمع الضرائب، هو قول خاطئ، فقد ~~رأينا أن الذي سن المقاسمة ورتب أمور الخراج ~~هو أبوه المنصور، وإنما سار هو في ذلك على ~~سنن أبيه، ولعل صاحب تاريخ الفخري يريد أن ~~يقول إن المهدي هو الذي عمم نظام المقاسمة في ~~أرض المملكة الإسلامية بعد أن كان هذا النظام ~~محصورا أيام أبيه في السواد فقط، وإنه كان ~~رحيما في توزيعه. # ويقول الجهشياري: «إن المهدي كتب برفع ~~العذاب عن أهل الخراج .» # 3 # وهذا يدلنا على رأفته وعلى عدم ~~إقراره للطرق العنيفة التي كانت متبعة في جمع ~~الخراج قبله. # 4 # ومن تلك المظاهر أن الدواوين قد اتسعت أيامه ~~في عددها وتنظيمها وأعمالها، فإنه أمر ~~بترتيبها أحسن ترتيب، وفي عهده أحدثت ~~دواوين الأزمة لأول مرة، وهي دواوين صغيرة ~~يشرف أصحابها على كافة دواوين الدولة ورقابة ~~تنظيمها، يقول الطبري: «أول من عمل ديوان ms049 ~~الزمام هو عمر بن بزيع في خلافة المهدي، ~~وذلك أنه لما جمعت له الدواوين تفكر فإذا ~~هو لا يضبطها إلا بزمام يكون له على كل ~~ديوان، فاتخذ دواوين الأزمة وولى كل ديوان ~~رجلا، وكان ذلك سنة 162ه.» # 5 # وهذه الدواوين فيما أرى هي أشبه ~~«بالمكتب الخاص» في الوزارات هذه الأيام، وهي ~~مكاتب تسجل فيها رسائل كل ديوان وأرقامها ~~وخلاصتها، كما تسجل الأجوبة الخاصة بكل معاملة ~~منها تنظيما للرقابة والضبط، وهذا النوع من ~~الترتيب البالغ المنظم. # ومن تلك المظاهر التنظيمية الجديدة ما ذكروه ~~من أنه لأول مرة جعل يوم الخميس يوم عطلة ~~للموظفين وكتاب الدواوين؛ ليستريحوا فيه من ~~أعمالهم ويقضوا شئونهم الخصوصية، وقد استمر ~~هذا الأمر إلى عصر المعتصم. # 6 ~~(3) الوزارة والوزراء في عهده # كما عني المهدي بأمور الدولة الإدارية، عني بالوزارة؛ ~~لأنها الرأس المشرف على الإدارة العامة، وفي عهده صار ~~للوزارة شأن عظيم لم يكن لها من قبل في عهد عمه أو أبيه؛ ~~لأنهما كانا يعتمدان على نفسيهما في كل شيء، أما هو فقد ~~عهد إلى وزيره بتدبير الأمور كلها، ولعل السبب في ذلك هو ~~أنه كان يثق بأبي عبيد الله معاوية بن يسار تمام الثقة ~~فسلمه كافة أموره. # وكان أبو عبيد الله من كبار الرجال وأكثرهم عقلا وعلما ~~وإخلاصا، فقام بالأمر خير قيام، قال عنه صاحب التاريخ ~~الفخري: «هو من موالي الأشعريين، كان كاتب المهدي ونائبه ~~قبل الخلافة ... وكان المنصور قد عزم على أن يستوزره، لكنه ~~آثر به ابنه المهدي، فكان غالبا على أمور المهدي لا يعصي ~~له قولا، وكان المنصور لا يزال يوصيه فيه ويأمره بامتثال ~~ما يشير به، فلما مات المنصور وجلس المهدي على سرير ~~الخلافة فوض إليه تدبير المملكة وسلم إليه الدواوين، ~~وكان مقدما في صناعته ...» # 7 # وظل أبو عبيد الله مستوليا على مكانته حتى سعى الساعون ~~فأوقعوا بينه وبين الخليفة، فقد رأوا أن الخليفة شديد ~~الإنكار على الزنادقة مستقصيا لهم متتبعا لأخبارهم، لا ~~يرحمهم ولا يغفر لهم، وقد رأى الربيع الحاجب الذي كان يطمح ~~في ms050 مركز أبي عبيد الله أن خير وسيلة يستطيع أن يفسد الجو ~~بها بين الخليفة وأبي عبيد الله هي في أن يلقي في أذن ~~الخليفة أن ابنا لأبي عبيد الله هو زنديق مارق، وأنه يحمي ~~الزنادقة، فصادفت كلمة الربيع هوى من نفس الخليفة، فأمر ~~أن يمسك بابن أبي عبيد الله ويحضر إلى مجلسه، فلما حضر ~~سأله الخليفة عن شيء من القرآن فلم يعرف، فقال لأبيه: ألم ~~تخبرني أن ابنك يحفظ القرآن؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ~~ولكن فارقني مذ مدة فنسيه، فقال له: قم فتقرب إلى الله ~~بدمه، فقام أبو عبيد الله فعثر ووقع وارتعد، ثم أمر ~~الخليفة غيره بضرب عنق الغلام، وساءت الحالة بين الخليفة ~~ووزيره منذ ذلك الحين، حتى عزله وولى موضعه أبا عبد الله ~~يعقوب بن داود بمشاورة الربيع الحاجب، وكان عاملا فاضلا ~~إلا أنه كان لا يتحرج من اللهو، وكان يعقوب علوي الهوى ~~زيديا فسعى خصومه بذلك بينه وبين الخليفة، وأغروا بشار ~~بن برد عليه فهجاه بقوله: # بني أمية هبوا طال نومكم # إن الخليفة يعقوب بن داود # ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا # خليفة الله بين الناي والعود # فنكبه المهدي وحبسه في «المطبق»، فلم يزل فيه طول ~~عهدي المهدي والهادي، حتى أخرجه الرشيد، ولما عزله ~~المهدي ولى الوزارة الفيض بن أبي صالح النيسابوري، وكان ~~سخيا كريما مفضالا استطاع بكرمه أن يستمر في وزارته ~~إلى انقضاء عهد المهدي. # ويجب أن نلاحظ أن السعايات والدسائس قد كثرت في عهد ~~المهدي؛ لأنه كان سماعا لها، فهو الذي عزل ابن أبي يسار ~~بسعاية الربيع الحاجب، وهو الذي نكب يعقوب لوشاية خصومه ~~عليه، وهو الذي قتل بشارا الشاعر بسعاية خصومه عليه. # وبعد؛ فإن الوزارة في عهد المهدي قد توطدت نظمها ~~بمن تولاها من الأكفاء في العلم والإدارة والمال. ~~(4) الأحوال الاجتماعية في عصره # استقرت أوضاع الناس اجتماعيا في عهد المهدي؛ لرخاء ~~العيش وحسن الإدارة وانصراف الناس إلى أعمالهم المعاشية ~~وقلة الفتن والحروب، وكان من جراء ذلك كله أن تحسنت ~~الأحوال العامة وفشا الثراء بين ms051 الناس، وعمت الطمأنينة ~~والخيرات وانتشر اللهو والمرح، وقد استتبع هذا كله بروز ~~طبقة من الإباحيين والزنادقة أخذوا يعلنون أفكارا غريبة ~~عن روح الإسلام، مستغلين الترف والإباحية وسيلة لنشر ~~أفكارهم، وكان المهدي مسلما متعصبا فثارت ثائرته، وأخذ ~~يضيق على هؤلاء الزنادقة والملاحدة الخناق ويلاحقهم ~~ويفتك بمن يعثر عليه منهم، يقول الطبري: «إن الخليفة جد ~~في سنة 168ه في طلب الزنادقة والبحث عنهم في الآفاق ~~وقتلهم، كما أنه سمى عمر الكلواذي صاحب الزنادقة وعريفهم.» ~~وكان أكثر هؤلاء المانوية والإباحيين والملاحدة والديصانية ~~والمرقونية؛ ومن أشهرهم ابن أبي العوجاء، وحماد عجرد، ~~ويحيى بن زياد، ومطيع بن إياس، وصالح بن عبد القدوس، ~~وغيرهم ممن انتصب لهم الخليفة وفتك بهم وعمل على هدم ~~نحلهم بما طلب من العلماء الإسلاميين أن يؤلفوه من ~~الكتب والرسائل لمهاجمة عقيدتهم، وقد حفلت المكتبة العربية ~~بعدد من الرسائل والكتب والآثار في الرد على هؤلاء ~~الملاحدة والزنادقة وإخوانهم الشعوبيين، وقامت ثورات وفتن ~~فكرية. ~~(5) الحركات العقلية # كان المهدي يحب العلم ويكرم أهله ويقربهم، قال ~~المؤرخ دحية: «كان أكرم أهل زمانه ... أحيا المعالم وقمع ~~المظالم ونصر المظلوم وأكرم أهل العلم والدين وحلم عنهم، ~~وأخباره مع سفيان الثوري مشهورة.» # 8 # ولكنه في الوقت نفسه كان يكره الحركات الفكرية ~~العربية التي تتظاهر بحرية الرأي وتعمل في الخفاء على هدم ~~القومية العربية وضعضعة أركان الإسلام، ويتجلى لنا ذلك في ~~محاربته الزنادقة والملحدين والثنوية وغيرهم ممن ينكرون ~~الخالق تعالى، أو ينفون نبوة الأنبياء، ويتسترون وراء ~~الشهادتين زاعمين أن في ذلك الكفاية، فقد كرههم المهدي بعد ~~أن قرأ بعض كتبهم واطلع على أفكارهم وسمع بأخبارهم ~~ومحاوراتهم، فعقد النية على هدم حركتهم وتشتيت شملهم، سواء ~~من كان منهم عربا انخدعوا بهذه الدعوة الباطلة، أو ~~فرسا وموالي اتخذوا الإسلام ستارا لنشر مبادئهم ~~الباطلة وإحياء عقائدهم القديمة، كالمندائية والمانوية ~~والمزدكية والمجوسية والمسيحية واليهودية. # قال بروكلمان: «إن الثورات المذهبية التي سبق أن أشرنا ~~إلى ظهورها في الولايات الفارسية قد حملت الخليفة على أن ~~يراقب بشدة بالغة حياة رعاياه العقلية في قلب الإمبراطورية ~~أيضا، ms052 والواقع أن المانوية لا الزرادشتية الخالصة كانت لا ~~تزال تفرض سلطانها الكبير على أولئك الذين دخلوا حديثا في ~~الإسلام، ثم لم يرتاحوا كليا لشعائره الصارمة، بل لقد ~~كادت تكون (أي المانوية) دين الطبقات المثقفة، ولقد سبق ~~للمنصور نفسه أن أمر بعبد الله بن المقفع الكاتب أن ~~يقتل، وكان عبد الله هذا - واسمه الفارسي روزبة - ابن ~~رجل يجمع الخراج للحجاج بن يوسف ... أثار شبهات السلطان ~~وشكوكه من طريق مشاركته في نشاط الفرس السياسي والديني، ~~هذا النشاط الذي أثقل كما رأينا كاهل المنصور وأنقض ~~ظهره، وفي عهد المهدي لقي نفس المصير صالح بن عبد القدوس ~~الشاعر الذي دعا في أحاديثه الدينية بالبصرة دعوة صريحة ~~إلى ثنوية الفرس، ولقد حاول أن يتفادى عاقبة النقمة التي ~~أثارتها هذه الدعوة عليه في الأوساط الفقهية بالفرار إلى ~~دمشق، ولكن رجال المهدي تعقبوه ورجعوا به إلى عاصمة ~~الخلافة ليصلب (167ه/783م) بتهمة الزندقة بعد أن أصبح لفظ ~~«زنديق» علما شائعا على من ينسب إلى البدعة في ذلك ~~العصر، والحق أن هذه الكلمة كانت على عهد الساسانيين صفة ~~ينبز بها كل من يجرؤ على تفسير «الأبستاق» # 9 # تفسيرا جديدا غير رشيد (زند)، وكانت تطلق ~~على أتباع ماني ومزدك خاصة، وفي السنة نفسها قتل بشار بن ~~برد الشاعر الضرير الذي لم يتورع عن أن يصرح في شعره ~~بتعبده للنار كأسلافه، ومهما يكن من أمر فحوالي ذلك الوقت ~~بالذات عهد المهدي في ملاحقة الزنادقة إلى عامل خاص ~~يدعى «العريف» ويقال إن هذا العامل ظل ينشط أول الأمر ~~طوال سنوات ثلاث، حتى إذا قضى المهدي وجاء من بعده خلفاؤه ~~وجهت همة «ديوان التفتيش» هذا نحو محاربة الآراء المذهبية ~~أيضا ضمن إطار الإسلام الفكري نفسه، وهي آراء كانت تزعج ~~الحكومة لسبب ما، وإن لم تكن تنطوي فيما عدا ذلك على أيما ~~أذى وضرر.» # 10 # والحق أن الزنادقة إنما ظهروا في العصر الأموي وكثروا في ~~أواخره، وخصوصا حين تظاهر بالإسلام بعض أرباب النحل ~~القديمة من ديصانية ومرقونية ومزدكية ومجوسية وغيرهم، ~~وأخذوا يعملون على هدم ms053 الإسلام وإحياء عقائدهم وطقوسهم ~~القديمة وبخاصة ما يتعلق بكتاب «الأبستاق» الذي جاء به ~~زرادشت وبتفسيره تفسيرا مخالفا لقواعد الدين، هذا ما ~~يقوله براون في كتابه «تاريخ الأدب الفارسي» (1: 159)، ~~وينقل براون أيضا عن بيفان تخريجا آخر لكلمة «زنديق» ~~يفضله الدكتور عبد العزيز الدوري، وأنا أيضا أميل إليه، ~~وخلاصة ذلك التخريج هو أن أبرار المانوية وزهادهم الذين ~~كانوا يفرضون على أنفسهم إيثار المسكنة وقمع الحرص ~~والشهوة، ورفض الدنيا والزهد فيها ومواصلة الصوم والتصدق ~~بما أمكن، وتحريم اقتناء شيء ما دون قوت يوم واحد ولباس ~~سنة واحدة، وإدامة التطواف في الدنيا للدعوة والإرشاد، ~~وكانوا يدعون بالعربية «الصديقين» واحدهم «صديق»، ~~ولعل الأصل الآرامي لهذه الكلمة هو «الزديق» فصارت ~~بالفارسية «زنديك»، ثم عربت على «زنديق»، وهكذا أطلقت ~~كلمة «زنديق» على المانوي أول الأمر، ثم صارت تستعمل في ~~كل خارج عن حدود الإسلام، ثم أطلقت على كل ملحد فيما ~~بعد. ~~(6) العلاقات السياسية الخارجية # نوعان من العلاقات الخارجية التي يجدر بنا أن نلاحظها في ~~زمن المهدي؛ «أولهما» علاقته بالأموية في الأندلس، ~~«وثانيهما» علاقته بالدولة الرومية. # أما علاقته بالأندلس فلم تكن طيبة، وقد كان هو من جانبه ~~يسعى للقضاء على منافسه في الأندلس وهو عبد الرحمن الداخل، ~~ولكن بعد الشقة بينهما كان يحول دون الوصول إلى ~~ذلك، وكان عبد الرحمن مشغولا بترتيب شئون دولته الجديدة ~~غير آبه بخلفاء بغداد؛ إلا أنه كان يحسب لهم حسابا فلم ~~يجرؤ «على تسمية نفسه خليفة للمسلمين، مع أن نفسه كانت ~~طموحة إلى ذلك»، وأما علاقة المهدي بالدولة الرومية فكانت ~~جد سيئة، وكان يعمل دوما على التوغل في بلاد البيزنطيين، ~~فيرسل حملات «الصوائف» و«الشواتي» كل عام للجهاد والغزو، ~~وقد بعث بابنه هارون في سنة 163ه فغزا بلاد الروم، ثم عاد ~~في الصائفة سنة 165ه فتوغل في بلاد الروم حتى بلغ تخوم ~~القسطنطينية في البسفور، واضطرت الإمبراطورة إيرين # Iren # أم الملك الطفل ~~والوصية عليه أن تصالح هارون على مبالغ كبيرة من المال ~~تؤديها إليه كل سنة في نيسان وحزيران، وكتبت كتاب الهدنة ~~لمدة ثلاث ms054 سنوات، وقد وردت الإشارة إلى هذه الغزوات في ~~قصيدة لمروان بن أبي حفصة يمدح هارون بها: # أطفت بقسطنطينية الروم مسندا # إليها القنا حتى اكتسى الذل ~~سورها # وما رمتها حتى أتتك ملوكها # بجزيتها والحرب تغلي قدورها # ولما نقض الروم الهدنة لقيهم سنة 168ه يزيد بن بدر بجيش ~~كثيف فشتت شملهم وردهم على أعقابهم. # ومما تجدر الإشارة إليه أثناء حديثنا عن علاقات المهدي ~~الخارجية أنه في سنة 159ه حاول فتح الهند، فبعث عبد الملك ~~بن شهاب المسمعي بجيش من البصرة في البحر، قوامه نحو عشرة ~~آلاف رجل، فقدموا مدينة «باربد» على الساحل الهندي ~~فحاصروها ونصبوا عليها مجانيقهم حتى فتحوها عنوة، ~~ولكنهم لم يتمكنوا من الإيغال في الفتح. ~~(7) خاتمة عهده # هذه صورة خاطفة لحياة المهدي وبعض أعماله الجليلة التي ~~تدل على ما له من مكانة في تاريخ الدولة العباسية، وقد ~~رأينا أن عهده كان عهد رخاء ورفاء وتقدم - غالبا ~~- ولكنه لم يكن ذا خطر ~~كبير كعهد أبيه أو عهد عمه، ولكنه على كل حال عهد من ~~عهود القوة؛ لأنه لم يهمل خطة الاستمرار في تكوين الدولة ~~وفي غزو الروم، ثم إنه لم يكن يسرف في لهوه، ولا كان يجور ~~في حكمه، وإنما كان مسلما متعصبا لدينه ولسنة رسوله # صلى الله عليه وسلم # يتجلى في ذلك في أشياء: «منها» حملته على ~~الملاحدة والزنادقة، و«منها» تتبعه لسنن رسول الله ~~ومخالفته لكل ما سن الخلفاء قبله من البدع، فمن ذلك أنه ~~أمر بنزع المقاصير من مساجد الجماعات، وأمر بتغيير منابرها ~~إلى هيئة منبر الرسول الذي كان عليه، وإرجاع درجاته إلى ~~المقدار الذي كانت في عهد الرسول، وكتب بذلك إلى الأقاليم، ~~و«منها» أنه كان يعاقب كل من يوقع في الشيخين الخليفتين ~~أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما). # في سنة 169ه أراد المهدي الخروج بجيش كبير إلى جرجان ~~لقتال الثوار والمفسدين هناك، فلما وصل إلى «ماسبذان» ~~أحس بالمرض يشتد عليه، فبقي هناك إلى أن مات ليلة ~~الخميس لثمان من محرم، فصلى عليه ابنه هارون؛ لأنه كان في ~~صحبته ms055 وأخذت البيعة للهادي. # الفصل الرابع # | الهادي بن المهدي # 22 محرم 169ه-ربيع الأول 170ه/ ~~4 آب سنة 875م-13 أيلول سنة 786م # هو أبو محمد موسى الهادي بن محمد المهدي. # وأمه هي أم ولد واسمها الخيزران، كانت ملكا للمهدي ~~وأعتقها في سنة 159ه ثم تزوجها بعد أن ولدت له ابنيه الهادي ~~والرشيد، ولد الهادي سنة 144ه، وولاه أبوه العهد في سنة ~~160ه وله ست عشرة سنة بعد أن نزع ولاية عهده من عيسى بن موسى ~~بن علي وجعلها فيه، ثم في أخيه هارون «الرشيد». # وقد عني أبوه كثير العناية به منذ فجر شبابه، فدربه على ~~القيادات العسكرية والرياسات المدنية، وبعثه مرات لقتال ~~الخارجين والمخالفين في أطراف جرجان وبلاد المشرق. # وكان الهادي فتى طويلا جسيما أبيض الشعر أفوه، بشفته ~~العليا بياض، كما كان متيقظا غيورا كريما شهما أيدا ~~شديد البطش جريء القلب مجتمع الحس، ذا إقدام وعزم وحزم، وكان ~~محبا للأدب والشعر والثقافة الواسعة، يحب العلم والفن ~~وأهلهما ويكثر عطاءهم، كما يكره الزنادقة والملاحدة والفساق، ~~مثل أبيه. # وصفوة القول أنه كان مثال الفتى العربي المتزن النبيل الشجاع ~~الكامل المؤمن، ولو طال عهده في خلافته لأفادت الأمة منه ~~كثيرا، ولكنه لم يبق في الخلافة إلا قريبا من سنة. # رأينا أن المهدي قد مات وهو في طريقه إلى بلاد جرجان لقمع ~~ثورات المخالفين، وكان معه ابنه هارون، فأخذ البيعة لأخيه ~~الهادي، وأرسل إليه بخاتم الخلافة وبالقضيب النبوي والبردة ~~النبوية الطاهرة، ورسالة ضمنها التعزية والتهنئة. # ولما تولى الهادي الخلافة كان عمره خمسا وعشرين سنة، وهي ~~كما ترى سن مائعة، فظل كما كان قبلا يلهو، ولكنه لم يكن ~~في ذلك يخرج عن طور المعقول والدين، فلم تؤثر عنه شائنة ولا ~~وصم شائبة إلى أن مات، ثم حين أراد الإقلاع عن ذلك أدركته ~~منيته فمات في فجر عمره. ~~(1) الأحوال العامة في عهده # لم يطل عهد الهادي كما رأيت، ولذلك لا نجد في سيرته ~~ما يسترعي الانتباه سوى أمرين: «أولهما» خروج العلوي صاحب ~~«فخ» عليه، و«ثانيهما» تضييقه على الزنادقة، ms056 وخلاصة قصة ~~خروج صاحب «فخ» أن أمير المدينة في سنة 169ه عمر بن عبد ~~العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أخذ ~~الحسن بن محمد ذي النفس الزكية وجماعة من أصحابه كانوا ~~على نبيذ لهم، فأمر بضربهم حد السكران، وجعل في أعناقهم ~~الحبال وطيف بهم في المدينة، فذهب إليه الحسين بن علي بن ~~الحسن «المثلث» فكلمه في العفو عنهم، وقال له: ليس لك أن ~~تضربهم؛ لأن فقهاء العراق لا يرون بالنبيذ بأسا، فقبل ~~الأمير أن يطلقهم على أن يعرضوا كل يوم؛ أي يحضرون ~~كل يوم إلى الشرطة للمراقبة، فهرب منهم الحسن بن محمد، ~~وكان الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله بن الحسن كفيليه، ~~فاستدعاهما الأمير عمر وسألهما عن مكانه، فأنكرا معرفتهما ~~بمكانه، فأغلظ لهما وحلف يحيى بن عبد الله ألا ينام تلك ~~الليلة حتى يأتي باب عمر، أو يضرب عليه باب داره حتى يعلم ~~أنه جاء به، فلما خرجا قال له الحسين: سبحان الله ما دعاك ~~إلى هذا! فقال يحيى: والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره ~~بالسيف، فقال الحسين: تفسد بهذا ما كان بيننا وبين أصحابنا ~~من الاتفاق على الخروج بمكة أيام الموسم، فقال: لا بد من ~~الخروج الليلة، ثم ذهب إلى أصحابه فخرجوا، فلما طلع النهار ~~ذهب الحسن فجلس على المنبر وجعل الناس يأتونه ويبايعونه ~~على كتاب الله وسنة رسوله للمرتضى من آل محمد. # ثم انتهبت جماعته بيت المال وأعلنوا ثورتهم وتوجه الحسين ~~وجماعته إلى مكة وأعلنت الثورة في الحجاز كله على بني ~~العباس. # فلما بلغت أخبار هذه الفتنة مسامع الهادي ولى محمد بن ~~سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس قيادة جيش كثيف بعث به ~~لمحاربة الحسين، فتلاقى الجيشان عند «فخ» قرب مكة ، ~~وانتهت المعركة بمقتل الحسين وعدد كبير من العلويين، وأفلت ~~من الموت اثنان كان لهما شأن كبير في التاريخ الإسلامي؛ ~~«أولهما» إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، أخو محمد ~~ذي النفس الزكية، ومؤسس دولة الأدارسة في ms057 المغرب الأقصى، ~~و«الثاني» أخوه يحيى بن عبد الله الذي ذهب إلى بلاد الديلم ~~وكانت له أحوال وأخبار، وسنأتي عليها حين كلامنا عن أيام ~~الرشيد. # وأما خلاصة أخباره مع الزنادقة فهي أن أباه كان أوصاه ~~بتتبعهم والقضاء عليهم، ولذلك سار سيرة أبيه في الفتك بهم ~~وتحريق كتبهم، وبخاصة المانوية منهم، وقد قتل جماعة من ~~المانوية؛ منهم يرذان بن بازان الكاتب الأديب الذي رووا ~~عنه أنه بينما كان في الحج ورأى الناس يهرولون فقال: ما ~~أشبههم إلا ببقرة تدوس في البيدر، فقال فيه العلاء ~~بن الحداد الأعجمي أبياتا وجهها إلى الهادي وفيها ~~قوله: # أيا أمين الله في خلقه # ووارث الكعبة والمنبر # ماذا ترى في رجل كافر # يشبه الكعبة بالبيدر # ويجعل الناس إذا ما سعوا # حمرا تدوس البر ~~بالدوسر # فلما سمعها المهدي وتأكد من قوله أمر بقتله. # ويروي الطبري في تاريخه أن المهدي قال يوما لابنه ~~الهادي، وقد قدم إليه زنديق فاستتابه فأبى، فأمر بصلبه ~~وقال لابنه: يا بني إذا صار هذا الأمر إليك فتجرد لهذه ~~العصابة، فإنها تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب ~~الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة، ثم تخرجها إلى ~~تحريم اللحم ومس الماء، وترك قتل الهوام تحرجا ~~وتحوبا، ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين؛ «أحدهما» ~~النور و«الثاني» الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات ~~والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق، تنقذهم ~~من ضلالة الظلم إلى هداية النور، فارفع فيها الخشب ~~وجرد فيها السيف وتقرب بأمرهم إلى الله لا شريك له، ~~فإني رأيت جدك العباس في المنام قلدني بسيفين، وأمرني ~~بقتل «الاثنين»، وقد نفذ الهادي وصية أبيه، ففتك بعدد ~~كبير من الزنادقة والملاحدة، وأمر عماله في الأقاليم ~~بتتبعهم وتحريق كتبهم والقضاء على حركتهم. ~~(2) الأحوال الإدارية في عهده # كان الهادي فتى جريئا يحب أن لا يقطع صلته بشعبه، ~~ويحرص على أن يظهر لهم في كل مناسبة ويطلع على أحوالهم ~~ويدبر أمورهم بنفسه، وكان يعتقد أن بعد الخليفة عن مسرح ~~الإدارة مخل بالدولة. # فقد رووا أنه قال للفضل بن ربيع ms058 الذي ولاه حجابته بعد ~~أبيه: «لا تحجب عني الناس، فإن ذلك يزيل عني البركة، ولا ~~تلق إلي أمرا إذا كشفته أصبته باطلا، فإن ذلك ~~يوقع بالملك ويضر بالرعية.» # وقال مرة لصالح بن علي: ائذن للناس بالجفلى لا النقرى، # 1 # فكانت الأبواب تفتح في عهده فيدخل الناس كلهم ~~على بكرة أبيهم، فلا يزال ينظر في المظالم حتى يدركه ~~الليل، وكما كان الهادي يحب أن لا يقطع صلته بالناس كذلك ~~كان يكره من الناس أن يتداخلوا في أمور دولته وإدارة ~~أحوالها، سواء أكان ذلك المتداخل أخاه أو وزيره أو حاجبه ~~أو أمه. # والمؤرخون يذكرون أن أمه الخيزران كانت في عهد أبيه قد ~~تسلطت على شئون الدولة، تعمل ما تريد، وكان المهدي يسكت ~~عنها لحبه إياها واحترامه لها وتطلبه رضاها، فلما ~~ولي الهادي واستمرت على سيرتها لم يعجبه ذلك، فقد روى ~~الطبري وابن الطقطقي وابن الأثير: أن الخيزران كانت متسلطة ~~في دولة المهدي، تأمر وتنهى وتشفع وتبرم وتنقض، والمواكب ~~تروح وتغدو إلى بابها، فلما ولي الهادي - وكان شديد الغيرة ~~- كره ذلك وقال لها يوما: يا أماه، ما هذه المواكب التي ~~يبلغني أنها تغدو وتروح إلى بابك، أما لك مغزل يشغلك أو ~~مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟ والله، وإلا أنا نفي ~~من قرابة رسول الله، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي ~~وخاصتي لأضربن عنقه ولأقبضن ماله. # ثم التفت إلى أصحابه وقال لهم: أيما خير أنا وأمي، أم ~~أنتم وأمهاتكم؟ قالوا: بل أنت وأمك، قال: فأيكم يحب أن ~~يتحدث الرجال بخبر أمه؟ فيقال فعلت فلانة كذا، وصنعت ~~أم فلان كذا؟ قالوا: لا نحب ذلك، قال: فما بالكم تأتون ~~أمي فتتحدثون بحديثها، فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها، وسنرى ~~بعد أن هذه القصة كانت أحد الأسباب التي قضت عليه وقصرت ~~عهده. ~~(3) الوزارة والوزراء في عهده # لما بويع الهادي استوزر الربيع بن يونس بن محمد بن ~~كيسان المكنى بأبي فروة، كان وزيرا للمنصور، عاقلا ~~حازما فصيحا حاسبا مدبرا، وقد رأينا ذلك فيما مر ~~علينا من أخباره ms059 في عهد المنصور، فلما استخلف الهادي ~~استوزره لسنه وعقله وعلمه، فأحسن تصريف الأمور، ولكنه ~~غضب عليه آخرة عهده وقتله، وسبب قتله فيما زعموا أنه كان ~~أهدى جارية حسناء إلى المهدي، فوهبها المهدي إلى ابنه ~~الهادي، فغلب حبها عليه وأولدها أولاده، فلما تولى ~~الهادي عظمت مكانة مولاها الربيع عنده، فضاق بذلك أعداء ~~الربيع وأخذوا يتقولون عليه الأقاويل، ويذيعون في الناس أن ~~الخليفة طوع بنان الربيع وجاريته، وبلغت هذه الأخبار ~~الهادي فعزم على التخلص منه فسقاه عسلا مسموما في سنة ~~170ه فهلك، ولما مات استوزر الهادي إبراهيم بن ذكوان ~~الحراني، وكان إبراهيم قد اتصل بالهادي وهو حدث؛ إذ ~~كان يدخل عليه مع مؤدبه، وكان إبراهيم خفيف الروح ذكيا ~~لطيفا فأحبه الهادي وألفه وصار لا يصبر على البعد ~~عنه، وبلغت أخبارهما المهدي فخاف على ابنه الفساد والضلال، ~~فنهاه عن صحبته فلم ينته، فطلب المهدي من الهادي أن يبعث ~~به إليه فلم يقبل، فقال له: ابعث به إلي وإلا خلعتك من ~~خلافة عهدي، فأرسله إليه مع بعض خاصيته معززا مبجلا، ~~فوصل إلى المهدي وهو يريد الخروج إلى قتال الثوار في ~~جرجان، فلما رآه قال له: أنت إبراهيم، فقال: بلى، قال: ~~والله لأقتلك، ثم أمر جنوده قائلا لهم أن يحفظوه حتى ~~يعود، ولكنه لم يعد من سفرته، فلما مات المهدي واستخلف ~~الهادي ومات الربيع استوزره، ولما استوزره عظمت مكانته ~~عنده وتحكم في الدولة كما يريد، ولكن عهده لم يطل؛ إذ ~~فوجئ بموت مولاه وعاكسه الدهر فيما يتمناه. ~~(4) ولاية العهد # رأينا أن المهدي عهد بالخلافة إلى ابنه هارون بعد ابنه ~~الهادي، وأن هارون قد أخذ البيعة لأخيه بعد وفاة أبيهما ~~وبعث إليه بالبردة والقضيب؛ لأنه كان مع أبيه حتى أدركته ~~الوفاة، ويظهر أن الطمع والأنانية قد جعلا الهادي يفكر في ~~خلع أخيه هارون وجعلها في ولده، ولعله قد استظهر بقصة موسى ~~بن عيسى من قبل، يقول المؤرخون: إن الهادي فكر في خلع ~~أخيه هارون ووضع العهد في ابنه جعفر، وقد وافقه على ذلك ~~بعض القواد والرؤساء، ms060 فأخذوا ينشرون بين الناس أقاصيص ~~وأخبارا كاذبة تحط من قدر هارون، حتى إنهم وقفوا يوما ~~في المسجد الجامع يعلنون أنهم لا يقبلون بهارون، ولا يرضون ~~بولايته عليهم، وأمر الهادي أن لا يسار بحريته أمام هارون ~~كما هي العادة مع أولياء العهد. # وأخذ الهادي وأصحابه يمنعون الناس من الاختلاط بهارون ~~ومن زيارته والتسليم عليه وقربه، ولم يكن لهارون في تلك ~~المحنة صديق مخلص سوى يحيى بن خالد البرمكي، فكان لا ~~يفارقه ويسليه ويشجعه على الصمود ويقوي عزمه، فقد ~~أيس هارون وكاد أن يقبل بخلع نفسه، ولما بلغت أخبار يحيى ~~بن خالد إلى الهادي استدعاه وقال له: ما هذا الذي يبلغني ~~عنك، فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن حملت الناس على نكث ~~الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة هارون ثم ~~بايعت لجعفر ابنك من بعده كان ذلك أوكد لبيعته، فقال له ~~الهادي: صدقت ونصحت، ولي في هذا تدبير، ولكنه على الرغم ~~من النصح والاقتناع برأي يحيى لم يقلع عن فكرته؛ لأن ~~صحابته وقواده ظلوا يحرضونه على خلع هارون حتى جد في ~~ذلك، واشتد غضبه على هارون لما أبى أن يخلع نفسه، فأراد ~~إكراهه على الخلع، فقال يحيى البرمكي لهارون: استأذن في ~~الخروج إلى الصيد، فاستأذن فأذن له بذلك، ولما طالت غيبة ~~هارون كتب إليه الهادي يستعجله، وهارون يعتذر بشتى ~~المعاذير، فأعلن الهادي سخطه عليه وأخذ يبسط لسانه فيه ~~ودعا صحابته إلى شتمه وقذفه، ثم حدث أن مرض الهادي مرضا ~~سريعا لم يمهله أكثر من ثلاثة أيام حتى مات، فانحلت ~~الأزمة ورجع هارون ليتولى الخلافة، وقد اتهم الناس ~~الخيزران أم الهادي بأنها سمته بسم بطيء لما ~~رأينا من قسوته عليها ومنعه إياها من التدخل في شئون ~~الدولة، ولأنها كانت تحب هارون، فلما رأت اشتداد غضب ~~الهادي عليه وعزمه على خلعه فعلت فعلتها وسممته، وكان موت ~~الهادي في مدينة «عيسى آباد». ~~(5) خاتمته # رأينا أن الهادي كان قد طلب إلى أمه أن لا تتدخل في شئون ~~الدولة، ولكنها لم تأبه به وظلت على ms061 سيرتها الأولى فضاق ~~بذلك ذرعا وأسمعها ما آلمها، فعزمت على التخلص منه منذ ~~ذلك الحين، وكان منها ما رأينا في قصة سمه ومرضه، ~~ويروي بعض المؤرخين أنها لما رأت الهادي قد جد في أمر ~~خلع هارون من ولاية العهد أمرت بعض جواريها أن يخنقه وهو ~~نائم ففعلن ذلك وقتلنه في دار حريمه في «عيسى آباد» قرب ~~الموصل، وكان ذلك في يوم 14 ربيع الأول سنة 170ه/15 أيلول ~~سنة 786م. # وهناك رواية ثالثة ذكرها الطبري، وخلاصتها أنه مات ~~معتلا من قرحة في جوفه، ولكنه يظهر لي أن هذه الرواية قد ~~لفقت بعد موته لئلا ينسب قتل الخليفة إلى أمه؛ ~~لشناعة هذا العمل وقبح صدوره من أم، وبخاصة الخيزران ~~التي كان الرشيد يظهرها بمظاهر الإجلال، ومهما يكن من شيء ~~فإن الخليفة لم يعش طويلا بعد غضبة أمه عليه، وبعد ~~محاولته خلع أخيه، ولم يدم حكمه إلا سنة وشهرا وبعض ~~أيام. # ويذكر المؤرخون أن الخيزران بعثت أثناء مرض الهادي إلى ~~يحيى البرمكي تعلمه أن الهادي سيموت فليستعد للأمر، ~~فأعد يحيى عدته وهيأ الكتب للعمال من قبل هارون بوفاة ~~الهادي وهو بعد حي، وأنه قد ولاهم على ما كانوا يلونه ~~على عهد أخيه، وما إن مات الهادي حتى أنفذت تلك الكتب على ~~البر سريعا، وهكذا انقضت حياة الهادي على يد أمه أو بعض ~~المتآمرين، وأخذت الدولة العباسية منذ ذلك اليوم تسلك ~~مسلكا جديدا في سبيل من المؤامرات والدسائس، فبرزت سلطة ~~النساء والجواري، وسنرى النتائج القبيحة لهذا الأمر فيما ~~بعد، ولا بد لنا من أن نختم القول عن الهادي ببيان بعض ~~مزاياه التي أشرنا إلى شيء منها أول حديثنا عنه، فالمؤرخون ~~يجمعون على أنه كان فتى نبيلا سريا يقظا غيورا ~~عالما واسع الثقافة، محبا للأدب والعلم والفن، ويروون ~~أنه أعطى العالم الأديب ابن دأب ثلاثة آلاف دينار؛ لأنه ~~أنشده أبياتا أعجبته، كما أنه أعطى سلما الخاسر الفيلسوف ~~المترجم الشاعر ثلاثمائة ألف درهم لقصيدته التي يقول ~~فيها: # لولا هداكم وفضل أولكم # لم تدر ما أصل دينها ms062 العرب # أما بعد؛ فقد كان الهادي فتى من فتيان قريش آتاه الله ~~عقلا ونبلا وبسطة في العلم والمال، فأخذ يسلك بالخلافة ~~مسلك الفخامة والجلال والعظمة، وينثر الذهب والفضة ليعلي ~~من قدر الخلافة، وقد كان لأهل العلم والفن نصيب كبير في ~~ماله وجاهه، قال أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني: ~~«كان إسحاق الموصلي وأبوه إبراهيم المغنيان الأديبان ~~الأشهران يعيشان في كنف الهادي وينعمان بخيرات وفيرة من ~~فضله، فقد كان يحب الغناء والطرب ويحسن الاستماع.» وفي ~~الأغاني كثير من أخباره مع المغنين الأدباء والشعراء وأهل ~~الفن تدلنا على تقديره للفن وأهله، قال إسحاق الموصلي: ~~والله لو عاش لنا الهادي لبنينا حيطان دورنا ~~بالذهب. # الفصل الخامس # | الرشيد بن المهدي # 14 ربيع الأول 170ه-13 جمادى الآخرة ~~193ه/ 14 أيلول 786م-24 مارس ~~808م # عصر الرشيد وابنه هو العصر الذهبي للدولة العباسية، ودرة عصر ~~الازدهار العربي، كما أن اسم الرشيد قد أحيط بهالة مشرقة من ~~التفخيم والتقديس والمبالغة سببها «كتاب ألف ليلة وليلة» الذي ~~نسج حول اسم هذا الخليفة هالة غريبة الألوان زاهية، كثيرة ~~المبالغة في جده وهزله وحربه وسلمه وظلمه وعدله، ولا شك في ~~أن لبعض نجوم الأدب والعلم والفن الذين نبغوا في عصره وكانت ~~لهم صلة به آثار واضحة في نسج تلك الهالة كالإمام مالك بن أنس ~~وسفيان بن عيينة والقاضي أبي يوسف وأبي نواس وأبي العتاهية ~~والبرامكة وغيرهم من الأعلام الذين نبغوا في دولته، فلا بد ~~لنا إذن من أن نقف قليلا متعمقين لاستخلاص الحقائق وتنزيه ~~سيرة هذا الرجل من الأباطيل. ~~(1) أوليته # ولد أبو جعفر هارون بن محمد المهدي الذي لقب بالرشيد ~~بالله، في الري من بلاد إيران سنة 145ه لما كان أبوه ~~أميرا عليها، وأمه وأم أخيه الهادي هي الخيزران كما ~~ذكرنا، وقد شب الرشيد كما يشب فتيان قريش رجولة وعزما ~~وفضلا وتطلعا إلى معالي الأمور، فتفرس فيه أبوه الخير ~~والفلاح منذ نعومة أظفاره، وعهد بتدريسه وتأديبه إلى جماعة ~~من كبار علماء عصره. # ولما قوي عوده أخذ يدربه على القيادة والسيادة، ~~فجعله ms063 في سنة 163ه أمير الصائفة، وعمره إذ ذاك لم يتجاوز ~~الثامنة عشرة، فبرزت مواهبه الحربية في تلك الغزاة، ولما ~~عاد منها منصورا فرح به أبوه فرحا عظيما وأحسن ~~استقباله، ثم أعاد الكرة فأرسله في سنة 165ه على ~~الصائفة ففاز وغنم، وكان فوزه في هذه المرة فوزا باهرا ~~دل على علو كعبه في الحرب وحسن إدارته وحزم قيادته، ~~وهكذا توالت قياداته للحملات الصائفة والشاتية في بلاد ~~الروم طول عهد أبيه، ثم إنه رأى أن يدربه على الرياسة ~~والإدارة فسماه أميرا على المغرب كله من الأنبار إلى ~~أطراف إفريقية، ولما لمع نجمه في قياداته وإداراته رأى ~~أبوه أن ينقل ولاية العهد من أخيه الهادي إليه، ولكن موت ~~المهدي حال دون تنفيذ تلك الفكرة. # بويع الرشيد بعد موت أخيه الهادي في 14 ربيع الأول سنة ~~170ه وعمره خمس وعشرون سنة، وكان طبيعيا جدا أن يعهد ~~بأمور الدولة إلى صديقه القديم الشيخ العاقل الداهية الذي ~~لعب دورا خطيرا في إيصاله إلى الحكم، ألا وهو يحيى بن ~~خالد بن برمك، فاستوزره وكان قبل ذلك كاتبه وصاحب سره، ~~فقام يحيى بمواهبه الواسعة ودهائه وذكائه بالأمر خير ~~قيام. # يقول ابن طباطبا في «التاريخ الفخري» (ص173): «لما جلس ~~الرشيد على سرير المملكة استوزر يحيى بن خالد، وكان كاتبه ~~ووزيره قبل الخلافة، فنهض بأعباء الدولة أتم النهوض، ~~وسد الثغور وتدارك الخلل، جبى الأموال وعمر الأرض ~~وأظهر رونق الخلافة وتصدى لمهمات المملكة، وكان كاتبا ~~بليغا أديبا لبيبا سديدا صائب الآراء.» واستمر يحيى في ~~توجيه الدولة وتسيير دفتها منفردا بذلك أو كالمنفرد؛ ~~لأن الرشيد كان يحترمه ويجله ويثق به ويعرف فضله عليه، ~~حتى إنه كان لا يناديه إلا بيا أبي؛ لأن زوجة يحيى وأم ~~ابنه الفضل كانت أرضعت هارون بلبن ابنها الفضل، وأرضعت ~~الخيزران الفضل بلبان ابنها هارون، لهذا وثق الرشيد بيحيى ~~فقلده وزارته وزارة تفويض، ثم ضم إليه وزارة الخاتم ~~بعد وفاة الفضل بن سليمان الطوسي، فاجتمعت له الوزارتان، ~~وأعانه في العمل أبناؤه الأربعة: الفضل وجعفر ومحمد وموسى، ~~وكانوا كلهم ms064 فضلاء عقلا فأحسنوا تصريف الأمور إلى أن ~~نكبوا تلك النكبة التي سنتحدث عنها فيما بعد. ~~(2) الأحوال الداخلية في عصره # كان عهد الرشيد من خير العهود، وصلت الخلافة العباسية ~~فيه إلى درجات من الفخامة والجلال والقوة والمال والعلم ~~لم تصل إليها دولة إسلامية أخرى، ولولا بعض الفتن والمشاكل ~~السياسية التي مرت بعهده لكان عصرا أمثل، ويظهر أن الرشيد ~~كان أول أمره متسامحا في إدارة شئون دولته متساهلا مع ~~عماله واثقا بهم مطمئنا إليهم، وكان إذا وثق بشخص ~~ولاه واطمأن إليه ولم يستمع فيه ما يقول القائلون كائنا ~~من كانوا، وسنرى أنه حين أراد تولية علي بن عيسى أمور ~~خراسان خالفه وزيره يحيى بن خالد في ذلك لما يعرفه من شدة ~~الرجل وقسوته، ولكن الرشيد لم يسمع قوله على الرغم من ~~وثوقه بسداد رأيه، ولما بلغه عن قسوة علي بن عيسى ما بلغه ~~من زيادة الضرائب وإرهاق الناس بدفع الخراج مضاعفا لم ~~يغير رأيه فيه، واستمر على تأييده لما يعرف عنه من ~~الإخلاص، وقد أنتجت هذه السياسة الهارونية الصلبة بعض ~~الفتن التي شوهت عهد الرشيد الزاهر، وإليك ~~بيانها: ~~(2-1) ثورات العلويين والفتك بهم # كثرت ثورات العلويين في عهد العباسيين؛ لأنهم كانوا ~~يأملون وخصوصا في عهد الرشيد أن ينالوا ما حرموا منه ~~قبلا، فقد لقوا عنتا كثيرا منذ عهد السفاح إلى عصر ~~الرشيد، ويظهر أن الرشيد قد أراد في أول عهده تدارك ما ~~فات، وإصلاح أخطاء آبائه، فرفع الحجر عن جماعة من ~~العلويين كانوا محجوزين ببغداد، وسيرهم إلى المدينة ~~مكرمين إلا العباس بن الحسن بن عبد الله بن عبد الله، ~~فإنه استبقاه، وأحسن إليهم وأغدق عليهم، ولكنهم ما ~~لبثوا أن وصلوا إلى المدينة حتى عاودتهم فكرة الثورة، ~~وأول من خرج عليه منهم هو يحيى بن عبد الله بن الحسن ~~بن الحسن، وكان ممن نجوا في وقعة «فخ» ففر إلى بلاد ~~الديلم وأخذ يدعو لنفسه فكثرت أتباعه، وفي سنة 179ه ~~ثار ونادى بنفسه أميرا على تلك البلاد، فغضب الرشيد ~~منه ووجه إليه الفضل بن ms065 يحيى بن خالد البرمكي لقتاله ~~في خمسين ألفا، ولما قرب من مقر يحيى كاتبه ~~واستماله ورغبه في الاستسلام، وأعلمه أن الرشيد لا ~~يريد به سوءا، فرد عليه يحيى أنه يقبل المصالحة على ~~أن يكتب إليه الرشيد بنفسه أمانا يكون بخطه، ويشهد ~~عليه الفقهاء والقضاة وجلة بني هاشم، فلبى الرشيد ~~طلبه، وكتب إليه العهد الذي أراد وبعث به إليه فأتاه ~~وأحسن لقاءه. # 1 # وممن ثار عليه منهم: إدريس بن عبد الله بن الحسن، ~~وكان ممن نجوا أيضا من وقعة «فخ» وهو أخو يحيى ~~السابق، وذهب إلى مصر ثم إلى شمال إفريقية، ودخل ~~المغرب الأقصى، ودعا لنفسه فالتف الناس حوله وبايعوه ~~في سنة 172ه، وكان ذلك مبدأ ظهور دولة الأدارسة هناك، ~~وقد أراد الرشيد الفتك به، ولكنه علم بقوته فلجأ إلى ~~الحيلة ودس إليه سليمان بن جرير فسمه في سنة 177ه، ~~ومنهم موسى بن جعفر الكاظم، فقد روى الطبري وابن ~~الأثير أنه وشي به إليه أنه يريد الثورة، وأن الناس ~~يحملون إليه خمس أموالهم، فخاف الرشيد من موسى ~~الكاظم وعزم على أن يحج في ذلك العام ويحتال على ~~الكاظم، فلما وصل المدينة استدعاه إليه وكلمه، رأى منه ~~رجلا داهية عاقلا فخاف منه، ثم حمله معه في قبة إلى ~~بغداد فحبسه في دار السندي بن شاهك، ثم قتل أو سم، ~~وأظهر للملأ أنه مات حتف أنفه، وشهدت عدول بذلك وطويت ~~صفحته ودفن في مرقده المعروف اليوم بالكاظمية في ~~بغداد. ~~(2-2) فتنة علي بن عيسى بن ماهان # ولى الرشيد علي بن عيسى على خراسان، على الرغم ~~من معارضة يحيى بن خالد في ذلك؛ لما يعرفه من سوء ~~أمر علي وفساد إدارته، ولما استقر علي في إمارته ~~ضاق الناس بظلمه وأخذوا يشتكون إلى الخليفة، ولكن ~~الأموال والألطاف التي كان يبعث بها إلى الخليفة كانت ~~تجعله يغض النظر، ثم ضج الخراسانيون من عسف علي وكتبوا ~~إلى الرشيد، فعزم على لقائه وسار إلى إيران سنة 189ه، ~~فلقيه علي بالري فبرأ نفسه من كل ما اتهم به، ولما ms066 ~~رجع الرشيد إلى العراق أخذ علي يفتك بالخراسانيين ~~ويضيق عليهم، ثم جرت حوادث تأكد بها الرشيد من ~~فساد طوية الرجل وسوء إرادته، فبعث إليه هرثمة بن أعين ~~وأوصاه أن يتلطف في أمر القبض عليه، ولما وصل هرثمة ~~مرو أحسن علي بن عيسى استقباله وأنزله في قصره، ولم ~~يظهر له هرثمة شيئا أول الأمر، ثم أطلعه على كتاب من ~~الرشيد بعزله وتوليته مكانه، فأسقط في يده وأراد ~~الهرب، فأمسك به هرثمة وقيده هو وأولاده، وخطب في ~~الناس وأخبرهم بعزل علي وتوليته هو أمرهم، وأن أمير ~~المؤمنين بعث به لينصفهم، فارتفعت أصواتهم بالتهليل ~~والشكر، وما استقر هرثمة في مرو حتى بلغت أسماعه أنباء ~~ثورة كبيرة قامت في خراسان بقيادة رافع بن الليث ~~بن نصر بن سيار، فخرج إليه هرثمة بنفسه في سنة 193ه، ~~ولكن منيته أدركته بطوس فلم يستطع إتمام ما خرج من ~~أجله، وأما علي بن عيسى وأولاده فإن هرثمة كان استصفى ~~أموالهم وبعثهم في الأغلال إلى الرشيد، ففتك بهم شر ~~فتكة. ~~(2-3) فتنة رافع بن الليث بن نصر بن سيار # اختلفت أقوال المؤرخين في سبب ثورة رافع على الرغم ~~مما عرف من أن آل رافع هم من موالي العباسيين ~~وأنصارهم المخلصين؛ فالطبري يذكر أن السبب هو شخصي ~~بحت، وهو أن رافعا اتهم بالزنا فأقيم عليه الحد ~~وثار، ويقول ابن قتيبة: إن علي بن عيسى لما ولي خراسان ~~أساء السيرة وتحامل على من كان بها من العرب فخرج ~~عليه رافع. # 2 # ومهما يكن السبب، فإن رافعا استطاع أن يجمع جموعا ~~كبيرة من الخراسانيين والعرب ويستولي على سمرقند وبلخ ~~وأشروسنة، ولا شك في أن ظلم علي بن عيسى قد لعب ~~دورا كبيرا في نجاح حركة رافع، ويذكر ابن واضح ~~اليعقوبي أن أهل فرغانة والصغانيان وأشروسنة وبخارى ~~وخوارزم كلهم التفوا حول رافع كرها للعباسيين ~~وتخلصا من ظلم علي بن عيسى، وقد اجتمعت لرافع أسباب ~~أخرى غير هذه قوت مركزه؛ منها أن حكام بلاد الشاش ~~وبلاد الترك قد رأوا في ثورة رافع على العباسيين ms067 ~~إنقاذا لهم من خطر الغزو العباسي، فأيدوه في حركته ~~الانفصالية التي أخذت تقوى حتى صار سلطان رافع يعظم، ~~ومات الرشيد والفتنة ما تزال قوية، وفي عهد المأمون ~~استسلم رافع ورجعت البلاد التي كانت تحت سطوته إلى ~~حوزة الدولة العباسية. ~~(2-4) فتنة الخوارج # كان الخوارج ساكنين مسالمين بعد الضربات القوية التي ~~تلقوها أيام مروان بن محمد في آخر الدولة الأموية، ~~وأيام أبي مسلم في صدر الدولة العباسية، ولكن يظهر بعد ~~أن رأوا آثار ضعف في الدولة الجديدة أنهم استجمعوا ~~قواهم خلال الفترة التي أعقبت زمن المهدي، ورأوا تساهل ~~الرشيد في أول عهده وتسامحه فعزموا على تجديد نشاطهم، ~~وفي سنة 178ه خرج الوليد بن طريف أحد الخوارج الشراة ~~في نصيبين من أرض الجزيرة، ففتك بعاملها وهزم الجيش ~~العباسي، وأخذ سلطان طريف يتسع حتى بلغ أرمينية ~~وأذربيجان، وأخذ يهدد العراق نفسه، فبعث الرشيد إليه ~~جيشا بقيادة يزيد بن مزيد الشيباني للقضاء على حركته، ~~فالتقى جمعاهما وقتل يزيد وليدا سنة 179ه، فتولت ليلى ~~بنت طريف أخته مكان أخيها وكانت عاقلة قوية، فاستطاع ~~يزيد أن يتغلب عليها وتمكن من أن يقضي على هذه ~~الفتنة. ~~(2-5) فتن الشام # كانت بلاد الشام في زمن قديم مسرحا لفتن داخلية تشب ~~نارها بين الحين والحين في عهد أمية بسبب الانقسامات ~~القبلية بين العدنانية والقحطانية، ويظهر أن روح هذه ~~الحركة أخذت تمد رأسها من جديد في العهد العباسي، وقد ~~شجع العباسيون هذه الروح للتخلص من خصوم أقوياء كان ~~هواهم مع بني أمية، ولكنهم أخذوا يحسون بعد أن عظم ~~الخطر أن الأمر أجل من أن يسكت عنه؛ لأن الدماء ~~أخذت تسيل بين الجانبين بكثرة، حتى بات أمن البلاد ~~مهددا، وأصبحت الطرق التجارية والمواصلات الاقتصادية ~~مضطربة، فأخذت الدولة تفكر في سبيل وضع حد لهذه ~~الفوضى والفتنة، ومن تلك الفتن فتنة سنة 176ه حين قام ~~اليمانية ضد النزارية، واشتبكوا اشتباكا قلقل راحة ~~البلاد، وكان عامل الشام موسى بن عيسى فلم يستطع إخماد ~~الفتنة وكتب إلى الخليفة ، فأرسل الرشيد إليه موسى بن ~~يحيى بن ms068 خالد البرمكي على رأس جيش ليعيد الأمن إلى ~~نصابه ويهدئ الثورة، وكان موسى حازما عاقلا فاستطاع ~~أن يعيد الهدوء ويصلح بين الطرفين النزارية ~~والقحطانية، وقد فصل الطبري في حوادث سنة 176ه مواقع ~~هذه الفتنة وأخبارها، ولم تمض فترة حتى نشبت الثورة ~~من جديد بين الجانبين، فقضت عليها الدولة أيضا، ثم ~~تكررت ثالثة ورابعة إلى أن كانت سنة 180ه ففيها وقعت ~~حوادث جسام بين الجانبين، واضطر الرشيد إلى أن يبعث ~~جعفر بن خالد البرمكي ليقضي على الثورة، كان جعفر ~~بارعا وموفقا بالقضاء على تلك الثورة وإخماد نيران ~~الحوادث الدامية فيها وإعادة الطمأنينة إلى البلاد، ~~والحق أن روح العصبية القبيلة البدوية المقيتة التي ~~كانت تسيطر على الجانبين كانت سبب معارك ومذابح لم ~~تزل باقية حتى أيامنا هذه، ولا بأس من إيراد مقطوعة ~~قالها منصور النمري يصف فيها الثورة التي وقعت بين ~~الجانبين في سنة 180ه، ويذكر جهود جعفر البرمكي في ~~القضاء عليها: # لقد أوقدت بالشام نيران ~~فتنة # فهذا أوان الشام تخمد ~~نارها # إذا جاش موج البحر من آل ~~برمك # عليها خبت شبانها وشرارها # رماها أمير المؤمنين ~~بجعفر # وفيه تلاقى صدعها ~~وانجبارها ~~... لقد نشأت بالشام منك ~~غمامة # يؤمل جدواها ويخشى ~~دمارها # فطوبى لأهل الشام يا ويل ~~أهلها # أتاها حياها أو أتاها ~~بوارها # فإن سالموا كانت غمامة ~~نائل # وغيث وإلا فالدماء ~~قطارها ~~(2-6) فتنة اليمن # قامت في اليمن فتنة قوية ضد الدولة العباسية في سنة ~~179ه، فقد كان الوالي حماد البربري شديد الجور ~~عسوفا، ضاق الناس به فثاروا عليه ودامت المعارك بينهم ~~وبين حماد تسع سنوات، استطاع حماد في نهايتها أن يقبض ~~على الهيثم بن عبد المجيد الهمذاني زعيم الثورة، ولكن ~~الحالة لم تهدأ إلا بعزل حماد والسير بالسكان سيرة صالحة. # 3 ~~(2-7) فتنة إفريقية # في سنة 178ه وثب في إفريقية عبدويه الأنباري فشق عصا ~~الطاعة وأعلن عصيانه على الرشيد، وأخرج من كان بها من ~~أهل المهلب بن أبي صفرة ودعا إليه شيوخ النواحي فقدموا ~~إليه وخضعوا له، فكثرت جماعته حتى اضطر الرشيد أن ms069 يبعث ~~إليه بقطن بن موسى ومنصور بن زياد، كما بعث يحيى بن ~~خالد وزير الرشيد كتابا إلى عبدويه يرغبه في الخضوع ~~والانصياع لأمر الخليفة، ويطمعه في عفوه عنه إذا ما ~~عاد إلى الطاعة، فعاد هذا إلى الطاعة ثم قدم بغداد ~~فوفى له يحيى بما ضمن له عند الرشيد ووصله. # 4 # وصفوة القول أن الفتن كانت تعم مملكة الرشيد في ~~سني ملكه الأولى، وما ذلك، فيما نرى، إلا لتساهله ~~في إدارة الأمر وترك شئون الدولة للعمال يتصرفون بها ~~كما يريدون، وقد ظل ذلك إلى أن عزم الرشيد على أن ~~يتولى إدارة ملكه بنفسه، فقضى على آل برمك وعلى ~~أعوانهم بزمام الحكم فصفا له الجو، وانتظمت شئون ~~المملكة. ~~(3) الأحوال الخارجية في عصره ~~(3-1) المسلمون والروم # اهتم الرشيد اهتماما كبيرا بالثغور الإسلامية ~~المتاخمة لبلاد البيزنطيين؛ لعنايته بنشر النفوذ ~~الإسلامي من جهة، ولتقوية حدوده من جهة أخرى، ولذلك لم ~~تكد تخلو سنة من سنوات حكمه الثلاث والعشرين من غزو ~~صائف أو شات يشنه على الروم البيزنطيين. # ويظهر على الرغم من عناية الرشيد بهذه الصوائف ~~والشواتي، لم تكن له خطة مرسومة لفتح بلاد الروم ~~والاستيلاء على أوروبا؛ لكثرة المشاكل الداخلية، ففي ~~سنة 170ه، وهي السنة الأولى من حكمه أمر بفصل الثغور ~~الشامية عن الجزيرة وسماها «العواصم» وجعلها منطقة ~~عسكرية مستقلة قاعدتها «منبج» بعد أن كانت تابعة ~~للجزيرة. # قال الطبري: «وفيها؛ أي سنة 170ه، عزل الرشيد الثغور ~~كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزا واحدا، وسميت ~~«العواصم»، وفيها عمرت «طرطوس» على يد أبي سليم فرج ~~الخادم التركي ونزلها الناس، ولا شك في أن غرض ~~الرشيد من بناء هذه المدينة وفي إيجاد منطقة العواصم ~~هو إيجاد منطقة عسكرية خاصة تهتم بالحدود وتمون ~~الصوائف والشواتي السنوية، وتكون على اتصال دائم ~~بالحدود ومعرفة ما يبيته الروم للمسلمين.» # وقد كانت الصوائف سنوية فلا يكاد يقدم الصيف حتى ~~تكون الصائفة في طريقها إلى الغزو والفتح، ولم يكتف ~~الرشيد بالغزو البري، بل أعد أسطولا بحريا لذلك، ~~واتخذت سواحل الشام ومصر وقبرص مراكز لهذه ms070 العمارة ~~البحرية، وإليك أخبارا مجملة عن أهم الصوائف ~~والغزوات البحرية التي قام بها الجيش الإسلامي لغزو ~~بلاد الروم في عهد الرشيد: # في سنة 174ه/سنة 790م سار الأسطول الإسلامي من مصر ~~إلى قبرص، ومنها إلى السواحل البيزنطية في آسيا ~~الصغرى، حيث قابلهم الأسطول البيزنطي، وكانت الغلبة ~~للمسلمين، فأسروا أمير البحر البيزنطي. # وفي سنة 181ه/797م في الشاتية غزا الروم عبد الملك ~~بن صالح العباسي حتى بلغ أنقرة وافتتح «مطمورة» ومشيها ~~أيضا في الصائفة، وفي تلك السنة ~~غزا الرشيد بنفسه ~~أرض الروم فافتتح عنوة «حصن الصفصافة»، فتوجه ~~للقائه قسطنطين السادس ابن الإمبراطورة إيرين غسطة ~~التي يسميها العرب «ريني»، وفي تلك السنة أيضا حصل ~~أول فداء للأسرى بين الروم والمسلمين، يقول ~~ابن الأثير: «وفيها (أي في سنة 181ه) كان الفداء بين ~~الروم والمسلمين، وهو أول فداء كان أيام بني العباس ~~وكان القاسم بن الرشيد هو المتولي له، وكان الفداء ~~بالأمس على جانب البحر بينه وبين طرطوس 12 فرسخا، ~~وكان عدد الأسرى 3700 وقيل أكثر.» # 5 # وفي سنة 183ه قبل الرشيد أن يعقد صلحا بينه وبين ~~الإمبراطورة ريني على أن تدفع الجزية، واستمر ذلك إلى ~~سنة 187ه حين تولى الإمبراطور نقفور عرش الروم، فنقض ~~عهد الصلح وبعث الرشيد ابنه القاسم فحاصر حصن ~~قرة # Cerum ~~، ~~وحاصرت إحدى فرقه حصن سنان حتى جهد، فبعث إليه الروم ~~أنهم يبذلون له «320» أسيرا لقاء فكه الحصار ورحيله ~~عنهم، فأجابه إلى ذلك، ومات علي بن عيسى بن موسى في ~~هذه الغزاة بأرض الروم، ولما رجع القاسم كان نقفور قد ~~رتب أموره الداخلية فعزم على أن يقف موقفا جديدا ~~من المسلمين، وكتب كتابا إلى الرشيد حفظ لنا الطبري ~~نصه وفيه يقول: «من نقفور ملك الروم إلى هارون ~~الرشيد ملك العرب، أما بعد؛ فإن الملكة التي كانت ~~قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق، ~~فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثالها ~~إليها، ولكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي ~~فاردد ما حصل قبلك من أموالها وافتد نفسك بما يقع ms071 ~~به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك» # 6 ~~(الطبري). # فلما قرأه الرشيد استفزه الغضب ودعا بدواة وكتب على ~~ظهر الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم من هارون الرشيد ~~أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ~~بن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام.» ~~ثم سار بنفسه لقتاله حتى أناخ بأبواب هرقلة، ففتح وغنم ~~وحرق وضرب، فطلب نقفور الصلح والموادعة على خراج ~~يؤديه سنويا وجعل مقدار الجزية دينارا واحدا على ~~كل حالم من الروم، وأن لا يبني نقفور الحصون المهدومة، ~~فقبل الرشيد، ولما وصل إلى ~~الرقة بلغه أن ~~نقفور نقض العهد، وكان البرد شديدا فلم يثنه ذلك ~~عن الرجوع والإيقاع بجند نقفور، وفي ذلك يقول أبو ~~العتاهية: # إمام الهدى أصبحت بالدين ~~معنيا # وأصبحت تسقي كل مستمطر ~~ريا # لك اسمان شقا من رشاد ومن ~~هدى # فأنت الذي تدعى رشيدا ~~ومهديا # بسطت لنا شرقا وغربا يد ~~العلا # فأوسعت شرقيا وأوسعت ~~غربيا # تحلبت الدنيا لهارون ~~بالرضا # فأصبح نقفور لهارون ذميا # وفي سنة 189ه كان الفداء بين المسلمين والروم، ويقول ~~الطبري: «فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي فيما ذكر.» # 7 # وقال مروان بن أبي حفصة في ذلك: # وفكت بك الأسرى التي شيدت ~~لها # محابس ما فيها حميم يزورها # على حين أعيا المسلمين ~~فكاكها # وقالوا سجون المشركين ~~قبورها # وفي تلك السنة نقض نقفور العهد مستغلا اشتغال ~~الخليفة بحوادث الفتن في خراسان، فأعاد بناء حصون ~~«أنقرة» و«الصفصاف» و«كنيسة السوداء» و«دبسة»، وفتح ~~«طرطوس» و«عين زربة»، ولكن حامية «المصيصة» استطاعت أن ~~تسترجع الأسلاب والأسرى، وفي سنة 190ه عزم الرشيد على ~~تأديب نقفور لنقضه العهد، فتوجه إليه بجيش يذكر الطبري ~~أنه كان من 135 ألف مرتزق سوى الأتباع والمطوعة ومن لا ~~ديوان له، ففتح «هرقلة» وسبى أهلها بعد حصار شهر، ثم ~~اتجه نحو «الطوانة» فعسكر بها وافتتح قواده حصون ~~«دبسة» و«الصفصاف» و«ملقوبية» و«حصن الصقالبة» و«صملة» ~~و«حصن ذي الكلاع»، وولى حميد بن معيوف سواحل البحر ~~إلى حدود مصر، ووقع في يد المسلمين عدد كبير من الأسرى ~~والرقيق، ms072 واضطر نقفور أن يعرض الصلح ويدفع الجزية عن ~~رأسه، وولي عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف ~~دينار، على أن لا يخرب الرشيد حصن «ذي الكلاع» ولا ~~«صملة» ولا حصن «سنان»، واشترط الرشيد أن لا تعمر ~~هرقلة، وأن يدفع نقفور 300 ألف دينار للمسلمين. # 8 # وفي السنة 191ه ولى الرشيد غزو الصائفة هرثمة بن ~~أعين ومعه ثلاثون ألف من الخراسانيين وتوجه الرشيد ~~بنفسه لوداع الحملة في درب الحدث، ثم قفل راجعا إلى ~~الرقة، وأمرهم بهدم الكنائس بالثغور، ولم تكن حملة ~~المسلمين هذه السنة حملة ناجحة. # وفي سنة 193ه وقع فداء بين المسلمين والروم ~~بالبدندون Podandos ~~، وذلك قبل وفاة الرشيد ~~رحمه الله. ~~(3-2) المسلمون والفرنجة # تنفرد كتب التاريخ اللاتينية # 9 # بذكر إيفاد بعثة من الملك شارلمان إلى ~~الرشيد، ولا نعرف السر في إهمال المصادر العربية ~~لهذا الحادث مع أنه ممكن الوقوع وجد معقول، فإن ~~تتويج شارلمان في روما وتأسيس الإمبراطورية الرومانية ~~المقدسة في سنة 800م كان يقضي أن يتصل الإمبراطور ~~المقدس في المغرب بزميله في المشرق، ويتعرف إلى ~~أحواله ويري العالم المسيحي أنه ذو صلة بالمشرق ~~وأميره، ولكن المصادر الشرقية من إسلامية وغير إسلامية ~~لا تذكر شيئا عن هذه الوفادة، ولعل الزمن يكشف لنا ~~بعض الأخبار عنها، أما خلاصة ما ورد في المصادر ~~الفرنجية اللاتينية فهي أن شارلمان أرسل وفدين إلى ~~الرشيد؛ أحدهما كان سنة 797م، والثاني في سنة 802م، ~~وأن الرشيد قابله بإرسال وفدين: أولهما في سنة 801م ~~والثاني سنة 807م. # وأما وفد شارلمان الأول فكان مكونا من ثلاثة ~~أشخاص؛ اثنان من أعيان المسيحيين هما «لانت فريد» ~~و«سجموند»، ومعهما مترجم يهودي اسمه إسحاق، وأن الوفد ~~قد قضى في ديار الإسلام ثلاث سنوات، مات خلالهما ~~الرسولان ورجع المترجم وحده في سنة 802م، وفي سنة 801م ~~ذهب الوفد الإسلامي إلى بلاط شارلمان، وكان مكونا من ~~شخصين أحدهما فارسي والثاني مغربي ممثل عن الأمير ~~إبراهيم بن الأغلب، وفي سنة 802م أرسل شارلمان وفده ~~الثاني، وكان يحمل معه ~~هبات لكنيسة ~~القيامة في القدس، وأنهم ms073 بعدما زاروا الكنيسة قصدوا ~~الرشيد، وعندما عرضوا على الخليفة مطالب شارلمان ~~لباها جميعا، وكانت تنحصر في طلب الإشراف على ~~الأماكن المقدسة المسيحية في ديار الإسلام وحماية ~~النصارى فيها، ويرى البروفسور هالفن أن أقوال أينهارد ~~المؤرخ اللاتيني غير معقولة؛ لأنه كثير المبالغة في ~~تفخيم اسم إمبراطوره، وقد رجع هذا الوفد في سنة 806م، ~~ثم في سنة 807م ووصل بلاط الإمبراطور شارلمان رسول عن ~~الرشيد اسمه عبد الله، ومعه راهبان عن بطريق بيت ~~المقدس توما، وكان مع رسول الخليفة هدايا نفيسة، وهو ~~صوان ملونة فاخرة وأقمشة حريرية زاهرة وعطور وطيوب، ~~وساعة مائية، وأوان نحاسية مطعمة. # هذه هي خلاصة ما ورد في المصادر الإفرنجية عن تلك ~~الوفادات، ويرى المؤرخون الأوروبيون أن شارلمان قصد من ~~ورائها تأييد خليفة بغداد المعنوي في استرداد الأندلس، ~~ورغبة شارلمان في تأييده بطارقة المشرق في أنطاكية ~~والإسكندرية والقدس؛ ليقفوا معه ضد بطريق القسطنطينية ~~الذي كان يعضد البيزنطيون خصوم شارلمان ومنافسيه على ~~ميراث تاج الإمبراطورية الرومانية. # أما الرشيد فإنه قصد بوفاداته تقوية مركزه ضد أعدائه ~~الأمويين في الأندلس، وبسط نفوذه عليهم، ومعاونته في ~~القضاء على خصومه البيزنطيين، والقضاء على نفوذهم ~~المعنوي عند نصارى الشام والجزيرة بتقوية صلاتهم ~~بالعرب. # هذا ما ورد في المصادر الإفرنجية القديمة، وما ~~تناقلته عنها المصادر الإفرنجية الحديثة، أما المصادر ~~العربية القديمة فتهمل هذه القصة إهمالا كليا، أما ~~المصادر الحديثة فتشير بعضها إليها وقد ذكرها جماعة من ~~المحدثين العرب، ومنهم الأستاذ جميل مدور فقد ذكر في ~~كتابه اللطيف «حضارة الإسلام في دار السلام» خلاصة ~~الحديث الذي دار بين الرشيد ورسوله إلى شارلمان لقوله: ~~«إنا أتانا من ملك الفرنجة رسول يقرئنا منه السلام، ~~ويلتمس جميل رعاياتنا بمن يحج إلى بيت المقدس من ~~ملته، فرأينا أن نوجهك إليه بلطائف تروم إليه أن ~~يتقبلها في سبيل المودة لغاية ترغب فيها إليه من ~~التعصب على بني أمية الذين يمزقون الأندلس بما هو ~~واقع بينهم من الحروب، فإذا وافقنا على ما نروم من ~~الاستيلاء على ديارهم فهو المقصود من إيفادك إليه في ms074 ~~هذه الرسالة، وتقدم إليه بالوعد الجميل بأننا نوفيه ~~حقه في يوم الفتح، ونصرف له نفقة الحرب من بيت مالنا، ~~ونجري الأرزاق الواسعة على جنده ونقاسمه ما تحوي خزائن ~~الظالمين من المال والجوهر، واستصحب معك هذا اليهودي ~~الذي جاء به رسوله ... وكان في ~~لطائف الخليفة ~~الأنبرذور فيل عظيم أبيض كان عند المهدي، وأقمشة فاخرة ~~من الوشي المنسوج بالذهب، وبسط ديباج من طبرستان، ~~وأعطار من اليمن والحجاز، ومسك وصندل وأعواد من الهند، ~~وسرداق عظيم مجلل بأنواع الحرير، وكلاليبه من الذهب ~~الملبس بالوشي، ومزولة كبيرة تدل على الأوقات في ليل ~~ونهار، وهي من عمل صناع بغداد، وشطرنج بديع الحسن قد ~~اتخذت أدواته من العاج.» # 10 # وممن ذكرها أيضا من المحدثين الدكتور فيليب حتي ~~ورفقاؤه، فقد ذكروا في «تاريخ العرب المطول» أن: ~~«القرن التاسع طلع فإذا زعامة السياسة العالمية ~~يتقاسمها اثنان؛ شارلمان في المغرب وهارون الرشيد في ~~المشرق، وليس من شك في أن الرشيد كان أقوى الاثنين ~~وأرفعهما ثقافة، أما العلاقة الودية بينهما فنتاج ~~المصلحة المتبادلة، فقد ابتغى شارلمان من مصادقة ~~الرشيد الاستعانة به على عدوته بيزنطة؛ كما كان الرشيد ~~يبتغي من مصادقة شارلمان الاستعانة به على أعدائه ~~أمويي الأندلس» ... وروى كتاب الغرب أن هذه ~~المودة بين الاثنين أدت إلى تبادل السفراء والهدايا ~~مرارا، ومصدر هذه الرواية كتاب في «أخبار الملوك» ~~تعرض أيضا لهدايا أخرى من بغداد بينها ساعة دقيقة ~~الصنع، أما خبر الأرغن ذي الأنابيب الذي يروى أن ~~الرشيد أرسله إلى شارلمان فهو غير صحيح ... كذلك قل في ~~حكاية إهداء مفاتيح قبر المسيح إلى شارلمان فإنها مما ~~نفاه البحث العالمي. # والغريب في أمر هذه الهدايا والسفارات أنه يرد لها ~~ذكر في المصادر العربية، فهناك إشارات إلى مراسلات ~~ومجاملات دبلوماسية، أما هذه التي نحن بصددها فلم ترد ~~... وقد أورد العقد (يعني كتاب العقد الفريد لابن عبد ~~ربه الأندلسي) كلاما عن عدة مراسلات بين خلفاء بني ~~أمية وأباطرة بيزنطة، وذكر وفدا من لدن ملك الهند جاء ~~يحمل الهدايا الفاخرة إلى الرشيد، ووصف الاستقبال ~~الفخم الذي ms075 لقيه ذلك الوفد، # 11 # وممن ذكرها الدكتور عبد العزيز الدوري في ~~كتابه عن «العصر العباسي الأول»، فإنه بعد أن أورد ~~النصوص التي وردت فيها هذه الأخبار علق عليها بما ~~خلاصته: «يكتنف المصادر اللاتينية غموض واضطراب، ~~فالمصدر الأول وهو «الأخبار الملكية» مقتضب لا يساعد ~~على تعيين الصلات، بينما قصد «أينهارد» تفخيم سيده ~~ورفع اسمه، وفي الكتاب أخطاء كثيرة ولا يعتمد عليه، ~~أما الراهب سانت ~~كال # St. Gall ~~: فهو من كتاب الأساطير، وقد ~~اعتبر الأستاذ «بارتولد» هذه النقطة مع سكوت المصادر ~~العربية حجة كافية لنفي وجود الصلات، ثم يظهر لي أن ~~الباحثين فهموا ظروف شارلمان، ولم يفهموا وضع الرشيد، ~~وهل كان يستوجب فتح صلات من هذا القبيل؟ فقد كان ~~الرشيد هو المنتصر على البيزنطيين قبل فتح العلاقات ... ~~كما أنه لا دليل على أن مسيحيي الشام كانوا خطرا ~~يذكر على سلامة الدولة في عهده، ثم هل كان الرشيد ~~يعرف قوة شارلمان؟ وهل يمكن أن يضع ثقته بذلك الغريب ~~لاسترجاع الأندلس؟ وهل يجوز لخليفة المسلمين أن يتفق ~~مع مسيحي لضرب مسلمي الأندلس؟ وهل من المعقول أن يفكر ~~الرشيد في وقت اضطر فيه إلى أن يتخلى فيه عن سلطته ~~الحقيقية مع إفريقية «تونس» والمغرب؟ ...» # 12 # ثم يختم الدكتور الدوري مناقشته لهذه ~~القصة ولنتائجها باحتمال وجود نوع من الصلات، ولكنها ~~صلات تجارية لا سياسية، وأن المسئول عنها هم التجار ~~اليهود العالميون الذين كانوا صلة وصل بين الغرب ~~والشرق ... وبخاصة أن من أساليب التجار آنئذ أن ~~يدعوا بأنهم سفراء لتسهيل مصالحهم ~~التجارية. # ونحن نرى ما يراه الدوري، ولكننا نضيف إليه شيئا ~~واحدا وهو أن إهمال المؤرخين القدماء لهذه القصة ربما ~~كان لعدم اكتراثهم بالمسائل التجارية، وبخاصة إذا كانت ~~هذه التجارات مع دول لا شأن كبير لها في نظرهم. ~~(3-3) المسلمون والهند والصين # كانت الصلة التجارية والفكرية موجودة بين المسلمين ~~والشرق الأقصى منذ عهد الدولة العباسية، فقد افتتحت ~~«بلاد الهند» سنة 93 للهجرة في خلافة الوليد، وأخذت ~~الصلات تقوى بينها وبين العالم الإسلامي شيئا فشيئا، ~~كما كان التجار ms076 المسلمون يزورون «بلاد الصين»، وقد حفظ ~~إلينا بعض كتاب العرب شيئا عن تلك الصلات، فقال ~~ابن عبد ربه في العقد (1: 260): «بعث ملك الهند إلى ~~هارون الرشيد بسيوف قلعية وكلاب سيورية وثياب من ثياب ~~الهند، فلما أتته الرسل بالهدية أمر الأتراك فصفوا ~~صفين، ولبسوا الحديد حتى لا يرى منهم إلا الحدق، ~~وأذن للرسل فدخلوا عليه فقال لهم: ما جئتم به؟ فقالوا: ~~هذه أشرف كسوة بلدنا، فلم يعجبه من الهدية إلا ~~الكلاب السيورية التي فتكت بالأسد، وقد أمر الرشيد ~~لهؤلاء الرسل بهدايا وتحف كثيرة وأحسن جائزتهم.» وتذكر ~~التواريخ الصينية القديمة أن سفارات عديدة جرت بين ~~البلاط العباسي والبلاط الصيني في القرنين السابع ~~والثامن للميلاد كما يقول المسعودي، ويظهر أن تلك ~~الصلات لم تكن أكثر من صلات تجارية وثقافية تعمد إلى ~~نقل بعض الكتب العلمية أو التجارات الاقتصادية، ويذكر ~~المسعودي (8: 290، المروج طبع أوروبا)، وصاعد الأندلسي ~~(في طبقات الأمم، ص49) أن في حوالي سنة 154ه قدم ~~عالم هندي إلى بغداد ومعه رسالة في الفلك اسمها ~~«السند هند، سد ذانتا»، وأن هذه الرسالة قد ترجمت إلى ~~العربية بأمر المنصور على يد محمد بن إبراهيم الفزاري، ~~كما أن ذلك الرحالة العالم الهندي قد أتحف العالم ~~الإسلامي برسالة في علوم الرياضيات انتشرت بواسطتها ~~«الأعداد» التي يسميها الأوروبيون الأرقام العربية، ~~ويسميها العرب الأرقام الهندية، وفي القرن التاسع ~~للميلاد أيضا أتحف الهنود العالم العربي بنظام ~~الكسور العشرية. # 13 ~~(4) البرامكة وقصتهم # ينتسب البرامكة إلى «برمك»، وهو لقب سادن معبد بوذي في ~~«نوبهار» إحدى الصوامع البوذية ببلخ، وكان هذا عالما ~~أديبا متبحرا بعلوم الفرس وثقافات الأمم، اتصل بعبد ~~الملك بن مروان فحسن موقعه عنده واستبقاه بقربه يفيد من ~~خبرته وثقافاته إلى أن مات، # 14 # وقد كان لبرمك هذا غلام نابغة لمع اسمه في صدر ~~الدولة العباسية اسمه خالد، فقد اتصل بمحمد بن علي بن عبد ~~الله بن عباس، ثم اتصل بإبراهيم الإمام، وقد روى مؤرخو ~~الدعوة العباسية الأولون أنه كان من رجال الدعوة الأول، ~~وأنه كان يتولى تقسيم الغنائم في عسكر ms077 قحطبة، وإليه عهد ~~بتنظيم الخراج في خراسان، كما يذكر الجهشياري ذلك في ~~«ص87». # ولما بويع أبو العباس بالخلافة عهد إليه بديوان الخراج ~~وديوان الجند بعدما قتل أبو سلمة، ثم ولاه أبو العباس ~~وزارته وإن لم يطلق عليه اسم وزير، ثم لما تولى الخلافة ~~المنصور صار خالد ركنا من أركان دولته، وعهد إليه بديوان ~~الخراج كما ولاه عدة ولايات كفارس وطبرستان والري ~~ودنباوند لتنظيم أمورها وترتيب مواردها. # ولما مات المنصور وولي المهدي ظلت مكانة خالد رفيعة في ~~الدولة، وعهد إليه الخليفة الجديد بإمارة فارس، ولكن ما ~~عتم أن غضب عليه الخليفة فشفعت له الخيزران، وأعيد إلى ~~منصبه، وأخذت صلته بالعباسيين تقوى منذ ذلك؛ فقد كانت ~~الخيزران ترعاه طول عمره إلى أن مات في سنة ~~165ه/781م. # هذه لمحات سريعة عن حياة خالد بن برمك، وقد كان خالد كما ~~يذكر الفخري من رجال الدولة العباسية، فاضلا جليلا ~~حازما كريما يقظا، وكان له غلام أحسن تربيته وإعداده ~~لممارسة شئون الدولة واسمه يحيى، فنشأ مهذبا فاضلا ~~كاتبا بليغا لبيبا أديبا سديدا جوادا، وقد عهد إليه ~~المهدي بالكتابة لابنه الرشيد في إمارته، ولما أراد الهادي ~~خلع الرشيد من ولاية العهد لعب يحيى دورا هاما في تثبيت ~~الرشيد في ولاية العهد - كما أسلفنا - فحفظها له، ولما ~~بويع الرشيد بالخلافة ولاه وزارته وعهد إليه بخاتمه، ~~وأعانه في أعماله أولاده الأربعة وفي طليعتهم «الفضل» ~~و«جعفر»، وكان الفضل أخا الرشيد رضاعا، وكان جعفر أقرب ~~من قلب الرشيد؛ لسهولة أخلاقه وشدة أخلاق الفضل. # وللبرامكة فضل كبير في تثبيت دعائم الدولة العباسية ~~سياسيا واقتصاديا وتعاونيا، وإلى الفضل يرجع الفضل ~~في احتفار كثير من أنهار العراق، وبناء كثير من دوره ~~ومؤسساته العامة، أما جعفر فكان عالما كاتبا أديبا، ~~وإليه يرجع الفضل في تقريب أهل العلم والأدب من ~~الدواوين. # وقد حكم البرامكة الإمبراطورية الإسلامية منذ سنة ~~170ه/سنة 786م حكما مطلقا يتصرفون فيها بما يشاءون، ~~والرشيد مطلق لهم العنان، وخصوصا قبل وفاة الخيزران ~~سنة 173ه، حتى إذا ضاق بهم فعل فعلته وفتك بهم. # ويختلف المؤرخون ms078 في سبب الفتكة حتى قال الطبري (10: 79): ~~أما سبب غضبه عليه؛ أي على «جعفر» الذي قتله عنده فإنه ~~مختلف فيه؛ فمنهم يزعم أن الرشيد ضاق بتصرفاتهم ذرعا، ~~وأنه كان يرى استبدادهم بالأمر دونه فتثور نفسه غيظا، ~~وكلما كان يريد إقصاءهم تحول أمه الخيزران دون ذلك، وقد ~~تجلى هذا في أن الرشيد أخذ الخاتم يوم وفاتها من يحيى ~~وسلمه إلى عدوه الفضل بن الربيع وقال له: «وحق المهدي ~~إني لأهم من الليل بالشيء من التولية وغيرها فتمنعني أمي ~~فأطيع أمرها.» # 15 # ومنهم من قال: إن السبب هو قصة العباسة أخت ~~الرشيد التي تجرأ جعفر البرمكي وطلب يدها، وقد راجت هذه ~~بين العامة حتى ألفت فيها الروايات، كما فعل الإتليدي ~~صاحب «أعلام الناس» وجرجي زيدان صاحب «العباسة أخت الرشيد» ~~وأنطون رباط صاحب «الرشيد والبرامكة» وعزيز أباظة في ~~«مسرحيته»، ولا نريد الإطالة فيها بعد أن نفاها مؤرخ ثقة ~~كالجهشياري حين قال في معرض كلامه عن نكبة البرامكة: «إن ~~عبيد الله بن يحيى بن خاقان سأل مسرورا الكبير خادم ~~الرشيد في خلافة المتوكل عن سبب إيقاع الرشيد بالبرامك، ~~فأجاب مسرور: كأنك تريد ما تقوله العامة فيما كان من أمر ~~المرأة، لا والله ما لشيء من هذا أصل.» وقد نقض الفكرة من ~~أساسها المؤرخ ابن خلدون. # ومنهم من يقول: إن سبب ذلك هو أن الرشيد كلف جعفرا ~~بقتل علوي فتحرج جعفر وأطلقه من سجنه، فلما علم ~~الرشيد سأله فقال: نعم أطلقته؛ لأنه لا ذنب له، فأسرها له ~~حتى فتك به وبآله. # ومنهم من يقول: إن الفضل بن الربيع هو الذي ما يزال يسعى ~~بهم عند الرشيد حتى كرههم. # ومن المؤرخين المحدثين من يزعم أن السبب في ذلك هو ~~نزعتهم الاعتزالية. # ومنهم من يرى أن السبب هو اكتشاف مبادئهم الكسروية، ~~وسعيهم إلى إعادة المجد الفارسي والميل إلى الشعوبية ~~وتأييد دعاتها. # هذا عرض موجز لآراء من تعرضوا لحديث النكبة، وقبل أن ~~نبين رأينا فيها نحب أن نشير إلى أن الرشيد ما فعل ~~فعلته ارتجالا كما يقول البعض مثل ms079 «خدابخش» و«المدور»، ~~ولكنه كان ينوي ذلك منذ زمن قديم، يقول ابن عبد ربه في ~~العقد نقلا عن إسحاق بن علي بن عبد الله بن عباس: إن ~~الرشيد أخبره بشكه في تصرفات البرامكة وشاوره في أمرهم، ~~ثم كان قتله إياهم بعد ست سنين من تاريخ ذلك اليوم (العقد، ~~3: 263)، والذي نراه أن الرشيد إنما فتك بهم لاستبدادهم ~~بشئون الدولة دونه في الإدارة والسياسة أولا، ثم لسيطرتهم ~~على مواردها ثانيا، ويقول ابن خلدون (المقدمة، ص5): «إنما ~~نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة واحتجانهم ~~أموال الجباية، حتى كان «الرشيد» يطلب المال فلا يصل ~~إليه.» وإذا عرفنا أن الأموال التي صودرت منهم بعد النكبة ~~بلغت من النقد نحوا من ثلاثين ألف ألف (مليون) وستمائة ~~وستين ألف درهم، هذا عدا غلات ضياعهم ودورهم ورياشهم ~~التي بلغت حد الخرافة في أثمانها وإتقانها، تبين لنا ~~مبلغ ما احتجنوه من الأموال، ولم تكن الأموال هي السبب ~~الرئيسي في ذلك، بل ما كان يصحبها من استبدادهم، فقد روى ~~الطبري في تاريخه (10: 80): «إن ثمامة بن أشرس قال: أول ما ~~أنكر يحيى بن خالد من أمره أن محمد بن الليث رفع رسالة إلى ~~الرشيد يعظه فيها، ويذكر أن يحيى بن خالد لا يغني عنك من ~~الله شيئا، وقد جعلته بينك وبين الله، فكيف أنت إذا وقفت ~~بين يديه، فسألك عما عملت في عباده وبلاده، فقلت: يا رب ~~إن استكفيت يحيى أمور عبادك، أتراك تحتج بحجة يرضى ~~بها؟» # وكان محمد بن الليث هذا من عقلاء القوم ومخلصيهم، وقد ~~تأثر الرشيد جدا بهذه الرسالة، ولكن يحيى استطاع أن يكيد ~~له ويسجنه في سجن «المطبق» إلى ما بعد النكبة، ولما أخرجه ~~الرشيد من سجنه وقال له بعد حديث طويل: «أتحبني؟ قال: لا ~~والله؛ وضعت في رجلي الأكبال، وحلت بيني وبين العيال بلا ~~ذنب أتيت سوى قول حاسد يكيد للإسلام وأهله، ويحب الإلحاد ~~وأهله.» فأنت ترى من هذا سبب حملته على البرامكة هو كيدهم ~~للإسلام وتقريبهم لملاحدة الفرس، وفي هذا القول بعض الحق، ~~فإن ms080 البرامكة كانوا فرسا متعصبين لفارسيتهم، وقد ظهر هذا ~~التعصب في مواطن عديدة، فمن ذلك أن يحيى بن خالد وطد ~~أقدام «بني سهل» في الدولة، وكان هؤلاء مجوسا متعصبين ضد ~~العرب، ولما أراد الرشيد تقريب بعض العرب ووضعهم في ~~المناصب الكبيرة حاول يحيى وأولاده تغيير رأيه، كمحاولة ~~يحيى عدم تولية يزيد بن مزيد الشيباني قيادة الجيش الذي ~~بعثه الخليفة لقتال الوليد بن طريف الشاري، ويجب أن لا ~~ننسى أيضا أن الحسد قد لعب دورا كبيرا في تبغيض الرشيد ~~بالبرامكة، وكان بطل هذا التبغيض شخصين؛ «أولهما» السيدة ~~زبيدة زوجة الرشيد التي كانت تكرههم لحدهم من تصرفاتها، ~~ولقيام جعفر بأمور المأمون ونعيه لدى الرشيد بتوليته بعد ~~ابنه الأمين، و«الثاني» هو الفضل بن الربيع حاجب الرشيد ~~الذي قال عنه ابن خلكان (الوفيات، 1: 412): «وسعى ~~الفضل بهم، وتمكن بالمجالسة مع الرشيد فأوغر قلبه عليهم، ~~ومالأه بها على ذلك كاتبهم إسماعيل بن صبيح، وكان الفضل ~~يراقب حركاتهم، فلما أطلق جعفر يحيى بن عبد الله العلوي ~~أخبر الرشيد بذلك، فغضب غضبا شديدا وأسرها له منذ ذلك ~~الحين، ولما اجتمعت هذه الأسباب عزم الرشيد على تنفيذ ~~الخطة التي رسمها للفتك بهم، فخرج إلى الحج واصطحبهم معه، ~~وهو ينوي لهم الكيد، وكان ذلك سنة 187ه، فلما وصل الأنبار ~~أمر بقتل جعفر، وكان عمره 37 سنة، ثم أمر بالإحاطة بيحيى ~~وولديه الفضل ومحمد ومصادرة أموالهم، وأرسل من ليلته إلى ~~سائر البلاد بقبض أموالهم ووكلائهم ورقيقهم، ثم أمر ~~بسجنهم، وقد عوملوا في سجنهم أول الأمر بشيء من الاحترام، ~~ولكنهم لما اتهموا بالمؤامرة وهم في السجن مع عبد الملك بن ~~صالح بن علي ضد الرشيد ضيق عليهم وظل يحيى في سجنه حتى ~~مات سنة 190ه، وكذلك الفضل إلى أن مات سنة 193ه، ولما أفضت ~~الخلافة إلى الأمين أطلق محمدا وموسى ابني يحيى، ووصل ~~جماعة من البرامكة من الرجال والنساء ببعض المال وأكرمهم، ~~وكذلك كان حالهم أيام المأمون» (الطبري، 10: 109؛ ~~والجهشياري، ص297). # وهكذا انتهت دولة البرامكة، وقد انقسم المؤرخون في سردها ~~قسمين: مناصر ومعاد، وكل ms081 يبالغ في أقواله حتى تعقدت ~~أخبارها وأصبح استخراج الحقائق منها أمرا عسيرا، ومهما ~~يكن من شيء فإن للبرامكة آثارا لا تنكر في تنظيم الدولة ~~العباسية وإحياء الثقافة ونشر العلم وبث الجود، كما أن لهم ~~مساوئ؛ منها: إحياء الروح العنصرية الفارسية، وتقوية فكرة ~~الاستبداد، والعمل على تجزئة الدولة وتقوية عناصر التحزب ~~والانقسامات فيها، ويزعم بعض المؤرخين «أن الفتك بهم كان ~~أول ركيزة انهدمت من ركائز الدولة»، وهذا قول مبالغ فيه؛ ~~فإن الرشيد كان في أوج قوته والدولة عزيزة به، ولكن ~~الشيء الذي يمكن أن نقوله ها هنا هو أن العناصر الفارسية ~~أخذت تكيد للدولة منذ ذلك الحين وتعمل على هدمها، وقد تجلى ~~ذلك في الفتنة بين الأمين والمأمون كما سنرى بعد. ~~(5) الأحوال الإدارية في عصره ~~(5-1) الوزارة، الإدارة، الخراج # رأينا أن الرشيد كان أول ما استخلف قد عهد بوزارته ~~وإدارة دولته إلى يحيى بن خالد البرمكي الذي كان كاتبه ~~ونائبه قبل الخلافة، وكان يحيى هذا عالما كاتبا ~~عاملا حازما جوادا، نهض بأعباء الدولة أتم ~~النهوض، وسد الثغور، وتدارك الخلل، وجبى الأموال، ~~وعمر الأرض، وأظهر رونق الخلافة، وتصدى لمهمات ~~المملكة، وكان أولاده الفضل وموسى وجعفر ومحمد ~~وأولادهم يعاونونه في أعمال الوزارة والإدارة، سواء ~~أكان ذلك في المركز أو في الأقاليم. # أما «الفضل» فكان أكبرهم ورأسهم، وقد ولد سنة 148ه، ~~وهو أخو الرشيد رضاعا، وكان ينوب عن أبيه في الوزارة، ~~ولما ولد الأمين جعله الرشيد تحت رعايته، وولاه بلاد ~~الري وجوزجان وطبرستان وخراسان، وكان نزيها محمود ~~السيرة رءوفا بالناس، وكانوا يسمونه «الوزير الصغير» ~~وأباه «الوزير الكبير». # وأما «جعفر» فكان حسن الخلق جم العلم عالي الهمة ~~قريبا من قلب الرشيد، ولاه مصر ثم خراسان، وبعثه ~~إلى الشام مرات لتهدئة الثورات فيها فأحسن تصريف ~~الأمور. # وأما «موسى» فكان أشجعهم، وكان معروفا بنبله ~~وفروسيته، ولاه الرشيد الشام فأحسن الإدارة فيها، ~~ونشر في الناس العدل والفضل، وإن لم يكن له شهرة ~~أخويه. # وأما «محمد» فكان أصغرهم ولم يكن من الشهرة ما ~~لإخوته، ولكن كان إليه أمر الاتصال ms082 بالناس وتبيين فضل ~~البرامكة وتثبيت مكانتهم لدى العامة. # ولما نكب الرشيد البرامكة عهد بوزارته إلى أبي ~~العباس الفضل بن الربيع الذي كان حاجبا للمنصور ثم ~~المهدي والهادي والرشيد، وكان عارفا بشئون الدولة ~~حسن التدبير والإدارة وحب العلم، وفي عهده ازدهرت ~~الحركة العلمية والأدبية لما كان يميل إليه من حب ~~الأدب والعلم، وقد استمر في وزارته إلى أن مات ~~الرشيد. # ويظهر أن الرشيد لم يكن في أول الأمر متشددا في ~~محاسبة عماله أو في إدارتهم، ولا أدل على ذلك من قصة ~~علي بن عيسى بن ماهان الذي عاث في البلاد فسادا، ~~ولكنه كان يبقيه في عمله لرضاه عنه، وكذلك كان ~~«يحيى» و«الفضل» و«جعفر» و«موسى» يتصرفون في الأعمال ~~تصرفا مطلقا؛ يمنحون الأموال والبلاد طعمة سائغة إلى ~~من يريدون دون رقيب أو حسيب، فقد ذكر الطبري في حوادث ~~178ه أن الفضل لما شخص إلى خراسان أميرا عليها منح ~~ولاية سجستان وخراجها لإبراهيم بن جبريل استرضاء له، ~~ولم يكتف بذلك، بل زاده أموالا وهدايا جليلة، وهناك ~~شواهد أخرى كثيرة تؤيد ما ذهبنا إليه، ولكن على الرغم ~~من هذا فإن الرشيد اهتم بأشياء أخرى لها علاقة ~~بالإدارة نذكر منها: # عنايته بالقضاء وأهله # فقد استحدث منصب «قاضي القضاة»، وأقام قضاة في ~~كل أرجاء الإمبراطورية الإسلامية العظمى للقضاء ~~بين الناس وكتابة العقود (مقدمة ابن خلدون، ص225) ~~ونظام القضاة، وإن كان قديما يرجع إلى عهد ~~الخلفاء الراشدين، إلا أن الرشيد هو أول من نظم ~~شئونهم وأوجد منصب قاضي القضاة، وعهد به إلى ~~الإمام أبي يوسف صاحب الإمام الأعظم أبي حنيفة ~~النعمان، وأعتقد أن منصب قاضي القضاة هذا هو ~~بمثابة «وزير العدل» في أيامنا، فقد كان يقيم إلى ~~جانب الخليفة يفتيه في مسائل الدولة الدينية ~~والدنيوية، ويتولى أمر تسمية القضاة في الأمصار ~~التابعة للإمبراطورية وينوبون فيها عنه، وفي هذا ~~الوقت اتسعت سلطة القضاة، فبعد أن كانوا ينظرون في ~~الخصومات والقضايا المدنية والجنائية صاروا يفصلون ~~في قضايا الأوقاف والوصاية والمظالم والحسبة، ~~والإشراف على «بيت المال» وأموال الأيتام (راجع ~~كتاب «النظم ms083 الإسلامية» للدكتور حسن إبراهيم، ~~ص336؛ وكتاب «ديمومبين»، ص203). # عنايته بالأمن في العاصمة والأقاليم # فقد اهتم الرشيد اهتماما كبيرا بحفظ الأمن ~~وطمأنينة الناس في العاصمة والأقاليم، فكان يوصي ~~أصحاب الأخبار بأن ينقلوا إليه بسرعة وأمانة كل ما ~~يتعلق بشئون الأمة وأخبار الناس وأحوالهم؛ ليكون ~~على اطلاع بما يجري في أرجاء مملكته، وكان ~~المشرف المباشر على هذه الناحية من الإدارة هو ~~«صاحب الشرطة»، وقد اختار الرشيد بنفسه لهذا ~~المنصب رجلا عرف بالنزاهة والنبل وهو «عبد الله ~~بن مالك»، فقد كان من دهاة الرجال وعقلائهم وأصحاب ~~العلم والفضل، قال صاحب «حضارة الإسلام في دار ~~السلام، ص134» متحدثا عن الرشيد: «نظر في صلاح ~~الوزراء ودس فيها العيون بإمرة عبد الله بن مالك ~~(صاحب الشرطة)؛ لملافاة الخلل الذي يطرأ عليها من ~~وفود الأغراب واختلاطهم، وأقام العسس بالليل ~~لمحافظة الدروب إلى أن وقع الأمن في أحيائها ~~وخيم السلام على أرباضها.» ويقول ابن خلدون في ~~المقدمة (ص218)، في معرض حديثه عن وظيفة صاحب ~~الشرطة: «وكان أصل وضعها في الدولة العباسية لمن ~~يقيم أحكام الجرائم في حال استبدائها أولا، ثم ~~الحدود بعد استيفائها، فإن التهم التي تعرض في ~~الجرائم لا نظر للشرع إلا في استيفاء حدودها، ~~وللسياسة النظر في استيفاء موجباتها بإقرار ~~يكرهه عليه الحاكم إذا احتفت به القرائن لما ~~توجبه المصلحة العامة في ذلك، فكان الذي يقوم بهذا ~~الاستبداء وباستيفاء الحدود بعده إذا تنزه عنه ~~القاضي، ويسمى صاحب الشرطة.» # عنايته بتنظيم عمران العاصمة # وصلت العاصمة الإسلامية الكبرى في عهده إلى درجة ~~رفيعة من حيث العمران والفخامة وكثرة الدور ~~الجليلة والقصور الفخمة والمرافق العامة، قال ~~الشيخ الخضري في محاضراته عن العصر العباسي: «وصلت ~~بغداد في عصر الرشيد إلى قمة مجدها ومنتهى ~~فخارها، أما من حيث العمران فقد فاقت كل حاضرة ~~عرفت لعهدها، وبنيت فيها القصور الفخمة التي ~~أنفق على بنائها مئات الألوف من الدنانير، وتأنق ~~مهندسوها في إحكام قواعدها وتنظيم أمكنتها وتشييد ~~بنائها.» وقال الخطيب البغدادي (في تاريخ بغداد، ~~1: ص119): «لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة ms084 ~~قدرها وفخامة أمرها، وكثرة دورها ومنازعها ودروبها ~~وشعوبها ومحالها وأسواقها وسككها وأزقتها ~~ومساجدها وحماماتها وطرزها وخاناتها، وطيب ~~هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها وأفيائها، ~~واعتدال صيفها وشتائها وصحة ربيعها وخريفها.» وقد ~~أجاد صاحب «حضارة الإسلام في دار السلام» في وصف ~~المدينة في صفحة 27 وما بعدها فليرجع ~~إليه. # عنايته بتنظيم موارد الدولة المالية # ازدهرت الإدارة المالية في عهد الرشيد ازدهارا ~~رائعا، سواء أكان ذلك في طرق الجباية، أو في ~~تفنين قوانين الخراج والضرائب أو في تنظيم ~~المصارف، ويذكر الجهشياري في كتاب «الوزراء ~~والكتاب» (ص288) أن موارد الدولة كانت في عهد ~~الرشيد قد بلغت 530312000 درهما، ولا ريب في أن ~~الرشيد قد اعتنى بالخراج وغيره من موارد بيت المال ~~عناية خاصة، فاختار لتنظيم هذه الناحية جماعة من ~~الأمناء والفضلاء الذين أوتوا نصيبا وافرا من ~~الخبرة والعلم في تنظيم الأمور المالية، وقد جعل ~~على رأس هؤلاء جميعا فقيها جليلا قادرا، هو ~~قاضي القضاة الإمام أبو يوسف تلميذ الإمام الأعظم، ~~وطلب إليه أن يرتب أمر بيت المال من خراج وضرائب ~~وغيرهما كما يراه، ويكتب بذلك كتابا يكون ~~قانونيا موثوقا ومرجعا أمينا في ذلك؛ حتى لا ~~يقع غبن على الناس أو بيت المال، فألف كتابه ~~المشهور بكتاب «الخراج»، هذا ما يزال - من حسن ~~الحظ - بين أيدينا، وهو مصدر أمين لدراسة الشئون ~~المالية والحسابية في ذلك العصر، وأحب أن يقف ~~القارئ الكريم معي وقفة نعرض فيها لمباحث هذا ~~الكتاب الجليل، فنطلع على أسلوب النظام المالي ~~للدولة الإسلامية في عهد الرشيد والعهود التي ~~تلته؛ لأن الكتاب أضحى مرجع الفقهاء والحكام ~~خلال عصور التاريخ الإسلامي كلها. # اشتمل كتاب الخراج على مباحث رئيسية ~~وهي: ~~(1) # موارد الدولة على اختلاف أنواعها ~~كما أقرها الشرع الحنيف، مع بيان مصارف ~~تلك الموارد. ~~(2) # الطرق الحكيمة العادلة في الجباية ~~وجمع الأموال من المكلفين ودافعي الضرائب ~~والمكوس. ~~(3) # الواجبات التي على صاحب بيت المال ~~القيام بها مما أهمله بعض الولاة والعمال ~~السابقين، ولا نستطيع ها هنا أن نورد كل ~~ما سرده الإمام أبو يوسف في المباحث ~~الثلاثة، ms085 ونكتفي بإيجاز بعض ما ذكر عن ~~القسم الأول من موارد الدولة، وأما ~~القسمان الآخران فليرجع إليهما من يريد ~~التوسع. # قال: إن موارد الدولة الشرعية تنحصر في ثلاثة ~~أقسام وهي: (أ) الغنائم. (ب) الخراج. (ج) ~~الصدقات. ~~(أ) خمس الغنائم # وهي كل ما أصابه المسلمون من المشركين في الحرب ~~من متاع وسلاح وكراع # 16 # ونقد، ويقسم الإمام هذه الغنائم إلى ~~خمسة أقسام يستبقي خمسا لبيت المال ويوزع أربعة ~~الأخماس الباقية على المشاركين في تلك الحملة ~~الحربية للفارس ثلاثة أسهم؛ سهمان له وسهم لفرسه، ~~وللراجل سهم، ويحتفظ بالخمس الخامس لما أراده ~~الله تعالى بقوله في سورة الأنفال: # واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل إن كنتم آمنتم ~~بالله ~~. ~~(ب) الخراج # ويدخل فيه ما وظف على الأرض الخراجية وجزية أهل ~~الذمة وموارد العشور. # أما الخراج فهو المال الموظف على الأراضي ~~الخراجية، وقد قرره أبو يوسف في هذا أن سواد ~~العراق وبلاد الجزيرة والشام لما فتحت في عهد عمر ~~ترك الأرضين لأصحابها على أن يدفعوا الخراج عنها ~~لبيت مال المسلمين، بعد أن مسحها فبلغت 36 مليون ~~جريب، فوظف على كل جريب مقادير معينة من الدراهم ~~والأطعمة، تختلف بحسب الأرض وغراسها، من درهمين ~~إلى عشرة لكل جريب، وقد بلغت جباية خراج السواد ~~قبيل وفاة عمر بعام مبلغ مائة ألف ألف درهم ~~(مائة مليون درهم)، ولم ير أبو يوسف ما قرره ~~عمر في تحديد الخراج أمرا لازما، بل أفتى أنه ~~يجوز للخليفة إذا رأى مصلحة الناس في المقاسمة أن ~~يجيزها، وقد بحث أبو يوسف في هذه الناحية بحوثا ~~مطولة يحسن الرجوع إليها لمن يريد التوسع في هذا ~~الأمر. # وأما جزية أهل الذمة فهي الأموال التي وضعها ~~المسلمون على رءوس سكانها من غير المسلمين في ~~البلاد المغلوبة، مقابل حماية المسلمين لهم ~~والدفاع عنهم في الحروب، أما من يستعان به منهم ~~في الحروب فلا يدفعها، الجزية فيما عدا هؤلاء ~~واجبة على كل كتاب نصراني أو يهودي، ما خلا نصارى ~~بني تغلب ms086 وسكان نجران، وأطفال عامة النصارى ~~واليهود ونسائهم وشيوخهم ورهبانهم وعجزتهم، ~~وليس على مواشيهم وأموالهم زكاة، وقد قرر أبو يوسف ~~أن الجزية على ثلاث درجات: (1) درجة الأغنياء ~~ويدفعون 48 درهما صحيحا. (2) المتوسطون ويدفعون ~~24 درهما صحيحا. (3) العمال ويدفعون 12 درهما ~~صحيحا. أما نصارى تغلب ونجران فتؤخذ منهم زكاة ~~المسلمين مضاعفة. # وأما موارد الخراج من العشور فهي موارد لم ~~يذكرها القرآن ولا عرفت في عهد الرسول، ولكن ~~أحدثها عمر لما كتب إليه أحد عماله وهو أبو ~~موسى الأشعري حينما كان في البصرة: «إن قبلنا ~~تجارا من المسلمين يذهبون إلى أرض العدو فيأخذون ~~منهم العشر على تجاراتهم.» فكتب إليه عمر: «خذ أنت ~~منهم في أرضنا كما يأخذون من تجار المسلمين في ~~أرضهم، وخذ من أهل الذمة نصف العشر، وخذ من ~~المسلمين درهما من كل أربعين درهما، وليس فيما ~~دون المائتين شيء، فإذا كانت مائتين ففيها خمسة ~~دراهم وما زاد فبحسابه.» # وأما مصارف بيت مال الخراج فهي: (1) رواتب ~~القضاة والولاة والعمال. (2) مرتبات العسكر ~~المجاهدين غير المتطوعين. (3) كري الأنهار ~~وحفرها وإصلاح مجاريها. (4) حفر الترع الجديدة. ~~(5) نفقات المسجونين من المسلمين والأسرى من ~~المشركين. ~~(ج) الصدقات # وهي ما يؤخذ من المسلمين زكاة أموالهم من ~~الأنعام والنقود وأموال التجارة وأعشار الأرض غير ~~الخراجية، على ما هو مفصل في كتب الفقه، ومصارف ~~الصدقات هي ثمانية أصناف ذكرتها الآية الكريمة: # إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة ~~قلوبهم وفي الرقاب والغارمين ~~وفي سبيل الله وابن السبيل ~~فريضة من الله ~~. # هذا هو عرض موجز لموارد الدولة الإسلامية ~~ومصارفها كما أقره الشرع الإسلامي الحنيف، ~~وبينه الإمام أبو يوسف في كتابه في الخراج، ونرى ~~ها هنا أن نزيد على ذلك كلمة موجزة عن نظام مالي ~~له علاقة بنظام الأراضي، وهو نظام القطائع ~~فنقول: # القطيعة أرض يمنحها الإمام لبعض الممتازين ~~بفعالهم من المسلمين، ويذكر الإمام أبو يوسف في ~~«كتاب الخراج» والسرخسي في «كتاب المبسوط» أن عمر ~~بعد أن تم له الفتح العراقي اصطفى من أرض السواد ~~ما كان لكسرى وحاشيته وقواده، وقد بلغ ذلك ms087 نحوا ~~من أربعة آلاف ألف (مليون) جريب، كان يقطعها ~~من أراد من رجالات الإسلام، قال أبو يوسف: «وذلك ~~بمنزل المال الذي لم يكن لأحد ولا في يد وارث، ~~والإمام مخير في القطائع أن يجعلها عشرية أو ~~خراجية إن كانت تسقى من أنهار الخراج.» ويرى ~~أبو يوسف أيضا أنه لا يصح أن تبقى في ديار ~~الإسلام أراض لا ملك لأحد فيها ولا عمارة حتى ~~يقطعها الإمام، فإن ذلك أعمر للبلاد. # وإذا كانت في البلاد المفتوحة أراض لا أثر فيها ~~لزراعة أو بناء فهي «أرض موات» ومن أحياها ~~فهي له، وللإمام أن يقطع ذلك من أحب، وله أن ~~يؤاجره بما فيه صلاح الأرض، ويقول أبو حنيفة: «إن ~~محيي الأرض لا يملك ما أحيا إلا بإذن الإمام، ~~وإذا كانت من الموات في أرض العشر أدى عنها ~~العشر، وإذا كانت في أرض الخراج دفعه عنها، وإن ~~احتفر لها بئرا كانت أرض عشر، أما إن ساق إليها ~~ماء الخراج فهي خراجية، والأراضي التي تنكشف من ~~الجزر في النهر فهي لمن تلاصق أرضه بشرط ألا ~~تضر بأحد أو بسير السفن، وكذلك ما عولج من البطائح ~~والآجام.» ~~(6) الحياة العقلية والثقافية في عصره # ازدهرت الإمبراطورية الإسلامية عامة والعراق خاصة في عهد ~~الرشيد في نواحي العلم والفن ومجالي الحضارة الأخرى، وصارت ~~بغداد في عهده قبلة الطلاب في العالم، يلجئون إليها ~~لينهلوا من مواردها في العلم والفن والدين والفلسفة ~~والصناعة، يقول الخطيب البغدادي (في تاريخ بغداد، ج1، ~~ص119): «لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها ~~وفخامة أمرها وكثرة علمائها وأعلامها.» ويقول جميل المدور ~~عن عهد الرشيد (في حضارة الإسلام، ص143): «وكفى بشرف دولته ~~أنه اجتمع ببابه من الوزراء والأمراء والقواد، والعلماء ~~والفقهاء والأدباء والخطباء والمحدثين، والوزراء والشعراء ~~والندماء والمغنين، ما لم يجتمع على باب خليفة غيره، فإن ~~البرامكة أعوان دولته، وأبا يوسف ~~قاضيه، وهرثمة بن أعين ~~أمير جنده، والعباس بن محمد عم أبيه جليسه، ومروان بن ~~أبي حفصة شاعره والأصمعي محدثه، وأبا نواس نديمة، والفضل ~~بن الربيع حاجبه، ms088 وإبراهيم الموصلي وإسحاق ابنه مغنياه، ~~وابن بختيشوع وجبريل وبني ماسويه أطباؤه، والعلماء ~~والأدباء كلهم قيام على بابه لا يفارقونه في حضر ولا سفر، ~~حتى إنه ليطلب شاعر في أطراف الليل فيجده ببابه مع غيره ~~من محدث أو نديم.» # والحق أن العلماء وأهل الدين والحكمة والفن الذين ظهروا ~~في دولة الرشيد هم الأئمة الذين يرجع إليهم الفضل في تدوين ~~كتب العلم والفن التي أضحت مراجع الحضارة العربية ~~الإسلامية، وفي عصره ازدهرت الحركات العقلية والفلسفية، ~~وعظمت عناية الناس بخزائن الكتب واهتمامهم بالعلم وأهله، ~~وترجمت الكتب، وكان بلاطه ألمع بلاط في ذلك الحين، ~~وكانت الشعراء والعلماء والحكماء يفدون إليه من أنحاء ~~المعمورة كافة، فيوليهم عطفه وتشجيعه، وكذلك كان أول من ~~وضع الموسيقى تحت رعايته، فارتقت في ظله حتى أصبحت مهنة ~~شريفة، وفي عهده طفقت المدرسة الحنفية تتطور حتى اكتسبت ~~شكلها النظامي على أيدي علماء المذهب، وعلى رأسهم أبو يوسف ~~القاضي. ~~(7) الحياة الاجتماعية في عصره # بلغت الحياة الاجتماعية في عهد الرشيد درجة رفيعة في ~~البذخ والرفاهية والفخامة واللهو والغنى والرقي بصورة ~~عامة، وكان طبقات الوزراء والقواد وكبار التجار أبرز ~~الطبقات المترفة التي وجدت في ذلك العصر، كما كانت إلى ~~جانبهم طبقات من الكتاب والعلماء والأطباء ومتوسطي ~~التجار تعيش عيشا ناعم البال منعمة الحياة، أما طبقات ~~سواد الشعب من سوقة وعمال وصناع وأجناد وشطار، ~~فطبقات كان يتوفر لها عيش رخيص مقبول، وتتجلى هذه الطبقات ~~واضحة الخطوط لمن دقق «كتاب الأغاني» لأبي الفرج ~~الأصبهاني، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وكتاب «الفهرست» لابن ~~النديم، وكتاب «الموشي» للوشاء النديم، وكتاب «حلبة ~~الكميت» للنواجي، وكان من نتائج امتزاج الشعوب المفتوحة ~~بالشعب العربي وتعدد الزوجات والتسري والرقيق وتجارته ~~وجود طبقة اجتماعية مختلطة العناصر والأفكار والتقاليد، ~~طغت على الطبقة العربية الرفيعة التي كانت في العصر النبوي ~~والعصر الراشدي والعصر الأموي. # أما المرأة، وخصوصا الرقيقة، فقد تعلمت وبلغت قسطا ~~وافرا من النعيم في هذه البيئة، فتعلمت وتثقفت وسيطرت على ~~البيت الإسلامي سيطرة واضحة، فقدتها بعد في عصر ~~الانحطاط العباسي والعصور التي تلته، ومما ms089 هو جدير ~~بالملاحظة أن المرأة الحرة لم تكن لها تلك الحرية التي ~~كانت للرقيقة، وذلك بسبب الحجاب الذي فرض عليها منذ العصر ~~الأموي وقصر عملها على تربية أولادها والغزل والحياكة ~~وتعلم القرآن فقط. # أما لباس الناس في هذا العصر فإنه لم يتبدل كثيرا عما ~~كان عليه في العصر الأموي وما قبله؛ سروال وقميص وقفطان، ~~ورداء خارجي من عباءة أو جبة وعمامة أو كوفية على الرأس، ~~والشيء الوحيد الجديد هو أنه قد جعل للعلماء زي خاص ~~رتبه لهم القاضي أبو يوسف، وهو العمامة ومن فوقها الطيلسان. # 17 # أما النساء فكن يلبسن الشفوف؛ الثياب والصدريات، وقد ~~يلبسن سراويلات خاصة بهن، وكن يضعن على رءوسهن ما يستر ~~شعورهن، وفي العصر العباسي استحدث نوع من أغطية الرأس خاص ~~بهن، قيل: إن أول من اخترعه هي السيدة علية أخت الرشيد، ~~وهو، على ما رووا، قبعة من حرير مزركشة مقببة في أسفلها ~~دائرة يمكن ترصيعها بالجواهر والحلي. # وأما البيوت وأثاثها ورياشها، وخاصة دور الأعيان ~~والوجوه، فقد بلغت حدا عاليا في الترف من سعة في ~~البناء، وفخامة في الجمال والزخرف، واستكمال مظاهر ~~الرفاهية والراحة، ففيها الكراسي الأنيقة والسجاجيد ~~البارعة والدواوين المطرزة والمصابيح المذهبة وأصص ~~الورود والأزهار والرياحين، وأواني الطعام والشراب والطبخ ~~الفضية والزجاجية والعاجية والمطعمة والمكفتة، وكانت ~~منازل الوجوه والأعيان تبرد في الصيف بالثلج بطرق خاصة. # 18 # وأما دور عامة الناس فقد استوفرت مظاهر الراحة ~~ومحتاجاتها، بل ربما بلغت حدا من الترف، فقد رووا أنها ~~كانت تحتوي على أواوين وحمامات وزينات بالفسيفساء والزخارف ~~والنقوش والجص المصور وغالي الأخشاب ومدهش الأصباغ، كما ~~تجلى هذا لقارئ «كتاب ألف ليلة وليلة»، وكما اعتنى الناس ~~بدورهم اعتنوا بمجالي اللهو ومظاهر السرور من سفرات ترفيه ~~وصيد وقنص وتربية للحيوانات والطيور الظريفة، وإقامة حفلات ~~لهو ولعب وإحياء مواسم الأعياد والمهرجانات العامة ~~والألعاب الرياضية والسحرية ومسابقات الخيول والرهانات، ~~وقد أورد المسعودي وصف يوم بديع أجرى فيه الرشيد الخيول في ~~الرقة وجلس في صدر الميدان؛ حيث توافت إليه الخيل فإذا ~~خيله في أوائلها فسر بذلك. ms090 ~~(8) الحياة الاقتصادية # رأينا فيما أسلفنا رقي الحياة الاجتماعية وتنظيم الموارد ~~المالية تنظيما متقنا، وهذا يدلنا على وضع الحياة ~~الاقتصادية، فالرقي والحضارة لا يكونان إلا حيث تكون ~~الحياة الاقتصادية ذات مستوى عال، سواء في الزراعة أو في ~~التجارة أو الصناعة، وسنقف وقفة قصيرة أمام كل نوع من هذه ~~الأنواع التالية: # أما الزراعة: # فقد رأينا عناية الخليفة بها وطلبه إلى ~~قاضي القضاة الإمام أبي يوسف أن يهتم ~~بدراسة أحوال الأرض ويبين حكم الله فيها، ~~وقد فعل وطبق ذلك القانون، واطمأن إليه ~~الناس وازدهرت الزراعة في ذلك العصر؛ لأن ~~الأرض بقيت في أيدي أصحابها السابقين، ~~وعادت الحياة إلى قسم كبير مما كان هجره ~~أهله في السواد أو الجزيرة، وقد وجهت ~~الحكومة عناية خاصة إلى بقاع ملتقى ~~الرافدين لخصب الأرض هناك وكثرة الماء ~~فشقت الأقنية الجديدة، وأحيت الأقنية ~~والقساطل القديمة، وفي كتاب «المسالك ~~والممالك» لابن حوقل (ص166) تفاصيل دقيقة ~~عن هذا. # أما موارد إقليم العراق الزراعية فهي ~~الحبوب من حنطة وشعير وأرز، والتمر والقطن ~~والسمسم والقنب، وكان الجنوب ينتج ~~بالإضافة إلى جانب ذلك الفواكه والخضار ~~والرياحين، وأما موارد إقليم خراسان فهي ~~لموارد العراق، وهي أراضي بلاد العجم ~~وأكثرها غلالا وخيرات، وأما بلاد المشرق ~~فإن أخصب أرضها بلاد بخارى، وهي جنة ذلك ~~الإقليم على حد تعبير اليعقوبي (كتاب ~~المسالك، ص555)، وفيها يقع وادي العقد أحد ~~جنان الدنيا الأربع، كان القدماء يقولون: ~~«إن الأولى هي شعب بوان الذي ذكره ~~المتنبي، والثانية غوطة دمشق المشهورة، ~~والثالثة بساتين الأبلة وهي الممتدة من ~~البصرة إلى جنوب شرق الأردن.» # وأما بلاد الشام والجزيرة فمواردها ~~الحبوب والقطاني والفواكه والزيتون ~~والورود. # وقد اهتم الناس في هذا العصر بالتأليف ~~في كتب الزراعة والطيوب، منها ما ترجم عن ~~اليونانية والنبطية، ومنها ما هو مرتجل ~~كما هو مفصل في كتاب «الفهرست» ~~لابن النديم (ص317 وما بعدها). # وأما التجارة: # فقد ارتقت رقيا عظيما عما كانت ~~أيام الدولة الإسلامية في العصر الإسلامي ~~والأموي، يقول المستشرق آدم ميتز في كتابه ~~الحضارة العربية في القرن الرابع (ترجمة ~~الأستاذ أبي ms091 ريدة، ج2، 311). ~~«يحكى عن عمر أنه ذكر أمامه حديث ~~كان قد نسيه وطلب البينة عليه، فلما ~~جاءه به أبو سعيد الخدري قال عمر: أخفي ~~علي من أمر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ألهاني ~~الصفق في الأسواق، يعني الخروج إلى ~~التجارة، وكان الأمويون لا ينظرون إلى ~~التاجر بعين التقدير، ولم يكن هذا ناشئا ~~عن إشفاقهم مما أشار إليه عمر، بل لأنهم ~~كانوا جيلا من المحاربين الفرسان وأمراء ~~القطائع ، حتى لا نجد للتجار شأنا في ~~تاريخهم، وقد أحدث القرن الثالث في هذا ~~الباب انقلابا كبيرا». # وكلام الأستاذ ميتز هذا حق، فقد ارتقت ~~التجارة في عصر الرشيد وما بعده وأصبحنا ~~نجد للتجار طبقات بارزة متمايزة، وانقسم ~~الناس في هذا العصر إلى طبقات تجارية ~~متمايزة، «أولها» طبقة كبار أهل التجارة ~~والصناعات التجارية الكبيرة، و«ثانيتها» ~~طبقة كبار الباعة وأغنيائهم، و«ثالثتها» ~~طبقة السوقة والكسبة، ومما تجدر الإشارة ~~إليه أن التجارة كانت في العصر الأموي ~~وأوائل العصر العباسي بيد أهل الذمة من ~~يهود ونصارى وأقباط وزرادشتيين، ولكن في ~~هذا العصر والعصور التي تلته أخذ العرب ~~يهتمون - بعد أن كسدت سوق الزراعة بعض ~~الكساد - في رواج التجارة ومواردها ~~الضخمة، فلم يعودوا ينظرون إليها نظرة ~~الاحتقار التي كانوا ينظرونها إليها في ~~العصر الأموي، وذلك بعد أن أخذت بغداد ~~مكانتها في العالم، وأصبحت سوقها مجمع ~~تجارات العالم في الدنيا، وسافر تجارها ~~إلى الشرق والهند، فاتصلوا بأهل تلك ~~البلاد منذ عهد المنصور، وأقدم مصدر عربي ~~يبحث عن علاقات التجار العرب بالصين ~~والهند هو «بيان رحلات التاجر سليمان» ~~الذي نشره البروفسور لانغلي # Langli # بباريس ~~سنة 1811م، # 19 # وأقدم مصدر عربي يبحث عن تلك ~~العلاقات هو «رحلات ماركوبولو» في القرن ~~الثالث عشر الميلادي، وكان الحرير أهم ~~أنواع التجارة الصينية إلى بلاد ~~العرب. # وكما امتد نشاط تجار بغداد إلى المشرق ~~امتد كذلك من المغرب منذ عهد قديم، أعني ~~بلاد مصر وشمال إفريقية وأواسطها، ~~والأندلس وأوروبا الغربية، وقد فكر الرشيد ~~في حفر قناة السويس كما يذكر المسعودي ~~(مروج الذهب، 4: 98)، هذا ولم تكن صلات ~~بغداد ms092 بأوروبا الشرقية وحوض نهر الفولغا ~~قليلة؛ فقد سافر تجارها إلى هاتيك ~~الأصقاع عن طريق البحر الأسود وبحر قزوين، ~~وكانوا يحملون إليها البخور والسكر ~~والمنسوجات والأواني والأوائل الزجاجية والفولاذية، # 20 # وكانت ميناء البصرة أعظم ~~ميناء إسلامي في ذلك الحين، وربما بلغ دخل ~~بعض تجارها ما ينيف عن المليون درهم، ~~ويليها في ذلك ميناء مدينة سيراف. # 21 # وأما الصناعة: # فقد تبعت التجارة والزراعة في تقدمها، ~~وكان لكل إقليم من الأقاليم الإسلامية ~~براعة خاصة في أنواع من الصناعات، فإقليم ~~المشرق برع في حياكة السجاد والنسيج ~~الموشى والعبي والملبوسات القطنية ~~والحريرية والصوفية والديباج، وبلاد ~~العراق وخاصة الكوفة برعت في صنع ~~المنسوجات والمناديل المخططة والأقمشة ~~الصوفية والحريرية والقطنية، كما كانت في ~~العراق معامل الصابون والتطريز والورق ~~والفخار والخزف والزجاج، وبلاد الشام ~~اشتهرت بصناعة الصابون والموائد المزخرفة ~~والقناديل المحلاة بالذهب والمزهريات من ~~معدنية وفخارية وزجاجية، وغير ذلك من ~~الأواني البيتية، وكانت دمشق خاصة بارعة ~~في صناعة السيوف والخناجر والفسيفساء التي ~~ورثتها عن العهد البيزنطي واقتنتها، سواء ~~في صناعات الخشب أو المعادن أو الزجاج أو ~~الحجارة، ومن الصناعات الهامة التي يجدر ~~بنا الوقوف عندها قليلا صناعة الورق، وهي ~~صناعة رائجة، وهي في الأصل صناعة صينية ~~جاءت المسلمين عن طريق سمرقند، التي فتحت ~~سنة 87ه/714م، وفي بغداد أسس أول معمل ~~للورق منذ فجر القرن الثاني، وفي مصر ~~والشام في القرن الثالث، وفي إفريقية في ~~القرن الرابع، ومنها انتقل إلى إسبانيا ~~فأوروبا، ولعل أقدم مخطوطة عربية معروفة ~~اليوم ترجع إلى القرن الثالث وهي: «كتاب ~~غريب الحديث» لابن سلام، المكتوب في ذي ~~القعدة سنة 252 والمحفوظ بمكتبة جامعة ~~ليدن. # ومن الصناعات العربية الرفيعة صناعة ~~الصياغة من ذهبية وفضية وجوهرية، وإن من ~~المعروف أن العرب منذ القديم قد اهتموا ~~بعلم الأحجار الكريمة والبحث عن الجواهر ~~الثمينة من لؤلؤ وياقوت أزرق وأحمر وزمرد ~~وألماس وفيروز وما إلى ذلك، وألفوا في هذا ~~العلم رسائل، وقد كان الأغنياء ~~والأرستقراطيون المسلمون يحرصون منذ القرن ~~الأول على اقتناء الجواهر والمصوغات ~~ونفائس الحجارة، ويقال إن الرشيد اقتنى ms093 ~~أجل جوهرة كانت لدى الأكاسرة، وهي من ~~الياقوت الأحمر بحجم كبير ولون صاف، وإنه ~~دفع ثمنها أربعين ألف دينار كما يذكر ~~الطبري (في تاريخه، 3: 603) والمسعودي (في ~~مروج الذهب، 7: 376)، ويقال إن هذا الحجر ~~كان يضيء بالليل مثل المصباح المنير، فإذا ~~وضع في بيت مظلم أشرق ذلك البيت، ويذكر ~~الطبري (في تاريخه، 3: 703) أن يحيى ~~بن خالد البرمكي ساوم بعض تجار بغداد على ~~شراء سقط من الجوهر بسبعة ملايين درهم ~~فأبى أن يبيعه صاحبه إلا بأكثر من ذلك، ~~ولا شك في أن الذي ساعد على رقي هذه ~~الصناعة وتفنن أصحابها بها هو وجود ~~مناجم الحجارة الكريمة في كثير من أرجاء ~~المملكة الإسلامية؛ فالذهب والفضة والزيبق ~~موجود في خراسان وبلاد المشرق، والياقوت ~~واللازورد والألماس فيما وراء النهر، ~~والرصاص في كرمان، واللؤلؤ في البحرين ~~وعمان، والفيروز في نيسابور والعقيق في ~~اليمن، والحديد في لبنان والشام، والرخام ~~والصلصال في تبريز، والكحل في اليمن ~~وأصفهان، والرخام والكبريت والحديد في ~~الشام. ~~(9) خاتمته # كان الرشيد واسطة عقد بني العباس رجولة ومروءة ~~ودينا وعفة وتصدقا، وما كان متزمتا جافا، بل كان ~~يبيح لنفسه أن تلهو لهوا بريئا شريفا، كما كان ذا جهاد ~~في سبيل الله ودمعة سريعة خوفا من الله، ولولا بعض ~~الهنات أخذت عليه من تسييبه الأمر في أول عهده ~~للبرامكة، ومن سوء عملته في قصة ولاية العهد، فقد عهد إلى ~~الأمين مع أن المأمون كان أحزم وأكبر، نزولا عند إرادة ~~زبيدة وبني هاشم، ومن استماعه للوشاة، ومن سماحه للنساء ~~بالمداخلة في شئون الدولة، ومن إقراره لبعض طلبات عماله ~~الظالمة ... أقول: لولا هذه الهنات لكان عصر الرشيد عصر ~~الكمال في تاريخ الدولة الإسلامية؛ فإنه يندر وجود شخص ~~يجمع ما حباه الله به من عقل وعلم وسياسية وتشجيع لأهل ~~الفضل والمروءة، وعناية بشئون الدولة والسهر عليها والحفاظ ~~على مصالحها، وجهاد في سبيلها ورفع شأن الخلافة في نظر ~~العالم، هذه هي صورة هارون الرشيد الحقيقية كما نراها، أما ~~ما يصوره به بعض القصاص والأسطوريين فحديث خرافة ~~سببه «كتاب ألف ليلة وليلة» ms094 وبعض أصحاب الروايات ~~والأقاصيص التي كتبت عن عهده بأقلام بعض الأوروبيين أو ~~بعض المشارقة، فلا ينبغي أن نلتفت إلى ذلك بعدما عرفنا ~~حقيقة الرجل؛ فقد كانت حياته وسيرته من أجل سير الرجال ~~وأحفلها بالخير والعمل، منذ أن تولى إمارة المؤمنين إلى أن ~~توفي شابا في معية العمر، ولم يكن له من العمر إلا أربع ~~وأربعون سنة؛ إذ مات في جمادى الأولى سنة 193ه/809م، وقد ~~دامت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين ونصفا، وكان إذ ذاك ~~خارجا من بغداد قاصدا خراسان عندما بلغه خبر ثورة رافع ~~بن الليث، وكان معه ابناه المأمون وصالح، وكان الأمين ~~خليفته في بغداد، فلما وصل إلى طوس اشتدت به علته فمات ~~رحمه الله، وصلى عليه ابنه صالح؛ لأن المأمون كان سبقه إلى ~~مرو، ودفن حيث لفظ أنفاسه بطوس، ولا يزال قبره معروفا ~~هناك إلى جانب مسجد الإمام علي بن موسى الرضا في مدينة ~~مشهد. # الفصل السادس # | الأمين بن الرشيد # 193ه-198ه/813م ~~(1) أوليته # هو أبو عبد الله وأبو موسى محمد الأمين بن هارون الرشيد، ~~وأمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، ولد سنة 171ه ~~وولاه أبوه العهد في سنة 175ه، عني به والداه عناية ~~زائدة فثقفاه وعلماه ومرساه بالحكم والسيادة والقيادة من ~~نعومة أظفاره؛ فشب فصيحا بليغا كريما نبيلا، وكان ~~الكسائي والأحمر إماما عصرهما في العلم والأدب يشرفان على ~~تهذيبه وتعليمه، ويحدثنا الأحمر أن الرشيد أوصاه حين ~~سلمه ابنه الأمين ليؤدبه بقوله: «لا تعلمه ما يفسد ~~دينه، وأحسن أدبه وفهمه؛ فأقرئه القرآن وفقهه في ~~الدين وروه الشعر، وأخبره بأيام الناس وأخبارهم.» # 1 # وقد فعل ذلك كما يحدثنا المسعودي (في مروج ~~الذهب، 3: 307، 308)، ويقول: إن الرشيد عهد بالأمين إلى ~~الفضل بن يحيى ليدربه على الإدارة والسياسة، وإن الأمين ~~كان في نهاية القوة والشدة والبطش، ويظهر أن أساتذته قد ~~وجهوه توجيها دينيا، فشب وهو يكره الزندقة والإلحاد، ~~فقد روى الطبري (في تاريخه، 10: 220) ما يفيد أن الأمين ~~كان متشددا في أمر الزنادقة والفتك بهم، ويقول ابن القيم: ~~«إن الأمين أقصى الجهمية وتتبعهم ms095 بالقتل والحبس.» # 2 # ومهما يكن من شيء، فإن الأمين نشأ نشأة فاضلة ~~واعتنى به جماعة من أئمة الفقه والعلم والدين والتأديب ~~والسياسة في عصره، وقد يتجلى لنا ذلك فيما حكيناه عمن ~~ترجموه، كما سيتجلى لنا ذلك في سيرته وتصرفه الرشيد في ~~خلافته وإدارته. ~~(2) بيعته # مات الرشيد بعيدا عن عاصمته في طوس، وقد مر بنا تفصيل ~~ذلك، فكتب حمويه مولى الرشيدي وصاحب البريد بطوس إلى ~~صاحب البريد ببغداد يعلمه بوفاة أمير المؤمنين، فدخل هذا ~~على محمد الأمين وعزاه وهناه بالخلافة في قصره بالخلد، ~~وتحول الأمين من قصره إلى قصر أبي جعفر بالمدينة، ودعا ~~الناس إلى المسجد الجامع في ذلك اليوم وكان يوم جمعة، ~~فحضروا وصلى بهم، فلما قضيت الصلاة صعد المنبر فحمد ~~الله وأثنى عليه، ونعى الرشيد للناس وعزى نفسه والناس، ~~ووعدهم خيرا وبسط الآمال وأمن الأسود والأبيض، فبايعه ~~جلة أهل بيته وخاصته ومواليه وقواده، ثم نزل ودخل قصره ~~ووكل عم أبيه الأمير سلمان بن أبي جعفر المنصور بأخذ ~~بيعة العامة فبايعوه، ثم أمر السندي بن شاهك بأخذ مبايعة ~~الأجناد وأمراء الجند ممن هم بمدينة السلام، وأمر لهم برزق ~~أربعة عشر يوما منحة، وبعث إلى أخيه المأمون في خراسان ~~كتابا يقول له فيه: إذا ورد عليك كتاب أخيك، أعاذه الله ~~من فقدك، فقم في أمرك قيام ذي الحزم والعزم، وخذ البيعة ~~على من قبلك من قوادك وجندك وخاصتك وعامتك لأخيك، ثم ~~لنفسك، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين، على الشريطة التي ~~جعلها أمير المؤمنين ... واكتب إلى عمال ثغورك وأمراء جندك ~~بما طرقك من المصيبة بأمير المؤمنين، وأعلمهم أن الله لم ~~يرض الدنيا له ثوابا حتى قبضه إلى روحه وراحته وجنته ~~مغبوطا محمودا ... وأمرهم أن يأخذوا البيعة على ~~أجنادهم في شوال سنة 193ه، # 3 # وكتب مثل ذلك إلى أخيه القاسم. # أما المأمون فقد بلغه نعي أبيه قرب مرو، يريد سمرقند، ~~فرجع إلى مرو ودخل دار الإمارة، ثم نعى أباه وبايع لأخيه ~~ثم لنفسه، وأعطى الجند رزق اثني عشر شهرا، وبقي هناك ~~يترقب الأخبار ms096 مستقلا بإمارته، وقائما بما يجب عليه ~~للخليفة أخيه خير قيام إلى أن جرت الفتنة بين ~~الأخوين. ~~(3) الفتنة بين الأخوين # في فجر سنة 194ه خلا الفضل بن الربيع بن يونس وزير ~~الرشيد بالأمين وحثه على خلع أخويه المأمون والقاسم من ~~ولاية العهد، وصرفها إلى ابنه موسى وتسميته الناطق بالحق، ~~وكان مما قاله له: ما تنتظر يا أمير المؤمنين بعبد الله ~~والقاسم أخويك، فإن البيعة كانت لك متقدمة قبلهما، وإنما ~~أدخلا بعدك واحدا بعد واحد، فأعجبت الأمين هذه الفكرة ~~وكتب إلى عماله في الأمصار بالدعاء لموسى بالآخرة بعد ~~الدعاء له وللمأمون والقاسم، ثم رأى أن يبدأ خطته فعزل ~~أخاه القاسم عن إمارته في ديار الجزيرة، ولما بلغت هذه ~~الأخبار مسامع المأمون علم ما بيته أخوه فقطع البريد عنه ~~وأسقط اسمه من الخطبة، وسمى نفسه «إماما» ولم يتسم ~~بالخلافة، ثم أخذ وزيره الفضل بن سهل يشجعه على إعلان ~~الثورة على أخيه وينشر له الدعوة بين الخراسانيين، فحط ~~عنهم ربع الخراج وطابت نفوسهم بذلك وأخذوا يؤيدونه ~~ويحملون على أخيه، ويقولون ابن اختنا وابن عم رسول الله ~~(كتاب الوزراء للجهشياري، ص278)، وصار المأمون يراوغ أخاه ~~ويداريه؛ فبعث إليه بالهدايا الجليلة ورسائل التعظم يوهمه ~~بوجوب المصالحة وإعادة القاسم إلى إمارته، ولكن الأمين ~~استمر في خطته ورد ما بعثه أخوه إليه من الهدايا، وكتب ~~إليه يطالبه أن يتنازل عن بعض أجزاء مملكته؛ فحذره ~~القاسم بن صبح أحد مستشاريه من ذلك، ثم إن الأمين كتب ~~للمأمون يطلب إليه الحضور إلى بغداد مع وفد سماه؛ فاستشار ~~المأمون وزيره الفضل في السفر فمنعه من ذلك (الطبري، 10: ~~147). # وبعث الأمين إلى المأمون رسالة جاء فيها: «إن الإمام ~~الرشيد ولاني هذه الأرض على حين كلب من عدوها، ووهي من ~~سدها وضعف من جنودها، ومتى أخللت بها أو زلت عنها لم ~~آمن انتقاض الأمور فيها وغلبة أعدائها عليها بما يصل ضرره ~~إلى أمير المؤمنين ...» # 4 # ولما تأكد الأمين أن المأمون مصر على بقائه ~~في خراسان، أعاد عليه الكرة وكتب إليه ثانية يطالبه ~~بالتنازل عن ms097 بعض كور في خراسان - سماها له - قاصدا بذلك ~~إضعاف المأمون وتهوين أمره، فشاور المأمون رجاله فأشاروا ~~عليه جميعا بإجابة طلب الخليفة إلا الفضل وزيره، ووافقه ~~المأمون على رأيه وكتب إلى الخليفة كتابا يقول فيه: «قد ~~بلغني كتاب أمير المؤمنين يسأل التجافي عن مواضع سماها ~~مما أثبته الرشيد في العقد، وجعل أمره إلي ... وإني لأعلم ~~أن أمير المؤمنين لو علم من الحال ما علمت لم يطلع بما ~~كتب بمسألته إلي، ثم أنا على ثقة من القبول بعد البيان» ~~(الطبري، 10: 133). # ولما أرسل رسالته إلى الأمين أخذ يشتد في حراسة ~~الحدود، ثم إن الأمين جدد الكتابة إليه والمطالبة بالتنازل ~~عن بعض أجزاء مملكته، وبعث الرسالة مع وفد أوصاه بالتشنيع ~~على المأمون، فلما قرأ المأمون الرسالة اغتاظ وكتب إلى ~~أخيه يقول: «... فلا تبعثني يا بن أبي على مخالفتك، وأنا ~~مذعن بطاعتك ولا على قطيعتك، وارض بما حكم الحق في أمرك ~~أكن بالمكان الذي أنزلني به الحق» (الطبري، 10: ~~134). # فلما قرأ الأمين هذه الرسالة غضب جدا، وكتب إلى ~~المأمون يقول: «أما بعد؛ فقد بلغني كتابك، محافظا لنعمة ~~الله عليك، فيما يكن لك من ظلها، متعرضا لحراق نار لا ~~قبل لك بها، ولحظك عن الطاعة كان أودع، وإن كان قد تقدم ~~مني متقدم فليس بخارج من مواضع نفعك إذا كان راجعا على ~~العامة من رعيتك ...» (تاريخ الطبري، 10: 134)، ولكن المأمون ~~لم يغير رأيه وبعث إلى أخيه برسالة شديدة اللهجة قال له ~~فيها: «فأولى به أن يدبر الحق في أمره ثم يأخذ به ويعطي في ~~نفسه، وأما ما وعد به من بر طاعته، وأوعد من الوطأة ~~بمخالفته، فهل أحد فارقه الحق في فعله فأبقى للمتبين ~~موضع ثقة بقوله؟» (تاريخ الطبري، 10: 134)، فأجاب الأمين ~~على هذه الرسالة بوفد يفاوض أخاه في الصلح وفي تقديم موسى ~~عليه في ولاية العهد؛ ولكن الوفد رجع خائبا ورد شر ~~رد، وصاح الفضل بن سهل في رئيس الوفد العباس بن موسى بن ~~عيسى: «اسكت فهذا بين أخواله وشيعته.» فلما بلغت هذه ~~الأخبار مسامع الأمين خلع أخاه ms098 من ولاية العهد وأعلن أمر ~~عصيانه ووجوب محاربته، وعقد البيعة لابنه موسى، وجعل علي ~~بن عيسى بن ماهان صاحب أمره، ثم جمع وجوه القوم من أهل ~~بيته ومواليه وقواد ورؤساء الأجناد الخراسانية في المقصورة ~~بالشماسية، وكان ذلك أحد أيام الجمع من شعبان سنة 195ه، ~~فصلى الجمعة ثم دخل المقصورة وبقي ابنه موسى في المحراب ~~ومعه الفضل بن الربيع، فقام فقرأ عليهم كتابا من الأمين ~~يعلمهم فيه ما أحدثه عبد الله (المأمون) من قطعه ~~البريد عن أمير المؤمنين والدعاء لنفسه وتسميه بالإمامة، ~~وأن ذلك ليس من الشروط التي شرطها أبوه الرشيد عليه في ~~العقد، ثم ذكر الفضل أنه لا حق لأحد في الخلافة والإمامة ~~إلا لأمير المؤمنين الأمين فهو يوليها بعده من يشاء، ثم ~~قال: إن الأمير موسى ابن أمير المؤمنين قد أمر لكم معاشر ~~أهل خراسان من صلب ماله بثلاثة آلاف ألف درهم، ووزع ~~الأموال بينهم، ولما انتهى الاجتماع أخذ الفضل يهيئ جيشا ~~بقيادة علي بن عيسى بن ماهان لحرب المأمون، ولما تم كل ~~شيء سار علي بن عيسى في جمادى الآخرة من سنة 195ه للقاء ~~المأمون فودعه الأمين إلى النهروان، وكان جيشه زهاء أربعين ~~ألف، على رواية الطبري (التاريخ، 10: 139)، ولما وصل ~~الري لقيه الجيش الذي بعث به المأمون للقائه بقيادة طاهر ~~بن الحسين، وكانت الغلبة لطاهر وقتل علي بن عيسى فيمن ~~قتل. # ولما وضع رأس علي بن عيسى بين يدي المأمون حمد الله على ~~ذلك وأثنى عليه، وأمر أن يطاف بالرأس في خراسان، ثم دخل ~~عليه قادته فهنئوه وسلموا عليه بالخلافة. # أما الأمين فإنه لما بلغته أخبار السوء هذه طاش صوابه، ~~وبعث إلى نوفل خادم أخيه المأمون وقيمه في أهله وولده ~~ووكيل أمواله وضياعه في بغداد، فصادر الأموال وقبض على ~~الأهل والضياع، ثم وجه عبد الرحمن بن جبلة الأبناوي فنزل ~~همذان في عشرين ألفا لمقاتلة طاهر بن الحسين، وزحف إليه ~~طاهر والتقوا عند خراسان وتقاتلوا قتالا شديدا، وكثرت ~~القتلى بين الجانبين حتى كاد طاهر أن يتغلب، فقال عبد ~~الرحمن ms099 لأصحابه: «يا معشر الأبناء، أبناء الملوك وألفاف ~~السيوف، إنهم لعجم وليسوا بأصحاب مطاولة ولا خير، فاصبروا ~~لهم فداكم أبي وأمي.» وجعل يمر على جنوده راية راية، ~~ويقاتل بيديه قتالا شديدا، وكاد الظفر أن يتم له، ولكن ~~بعض أصحاب طاهر استطاع أن يحمل على أصحاب علم عبد الرحمن ~~فقتله، ثم هجم أصحاب طاهر على الأبناء فاضطروهم إلى الهروب ~~والدخول إلى همذان؛ فحاصرهم طاهر فيها حتى إذا اشتد ~~الحصار عليهم طلب عبد الرحمن الأمان فأمنه طاهر، وهكذا ~~انتهت المعركة. # ولما بلغت أخبار انتصار طاهر هذه إلى خراسان فرح المأمون ~~كثيرا وأنعم على طاهر بلقب «ذي اليمينين»، ثم أخذ طاهر بن ~~الحسين يطرد عمال الأمين من قزوين وسائر الجبال، ثم قتل ~~عبد الرحمن في مدينة أسد آباد حين رآه يتآمر من جديد للفتك ~~بجيشه، ثم سارت جيوش طاهر حتى بلغت حلوان وما إليهما ظافرة ~~موفقة، فلما بلغ خبرها الأمين أراد أن ينقذ الموقف ~~ولكنه فشل؛ لأنه كان مهملا لشئون دولته، قال الطبري في ~~حوادث سنة 196ه: «إن الفضل بن الربيع لما بلغه مقتل عبد ~~الرحمن الأبناوي قال عن الأمين: «ينام نوم الظربان لا ~~يفكر في زوال نعمة ولا يروى في إمضاء رأي ولا مكيدة، ~~وقد ألهاه كأسه وشغله قدحه، فهو يجري في لهوه، وقد ~~شمر عبد الله عن ساقه، وفوق له أصيب أسهمه، يرميه على ~~بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد، قد عبى له ~~المنايا على متون الخيل، وناط له البلاء في أسنة الرماح ~~وشفار السيوف.» ثم استرجع.» # أما الأمين فإنه بعث أحمد بن مزيد وعبد الله بن حميد بن ~~قحطبة إلى حلوان لتدارك الموقف ولقتال طاهر، ولكنهما ~~تقهقرا أمام جيش طاهر الظافر، ثم سار طاهر إلى الأهواز ~~فقتل عامل الأمين، وسار نحو واسط فدخلها، وبعث أحمد المهلب ~~أحد قادته نحو الكوفة فدخلها في رجب سنة 196ه، ثم كتب إلى ~~أمير الموصل المطلب بن عبد الله، وأمير البصرة المنصور ~~بن المهدي، أن يبايعا المأمون ويخلعا محمد الأمين فوافقاه ~~على ذلك، ثم بعث داود ms100 بن عيسى بن موسى أميرا على الحجاز ~~فدخلها وأعلن بيعة المأمون، وكذلك بعث يزيد بن جرير البجلي ~~أميرا على اليمن فدخلها وأعلن البيعة للمأمون، ثم جموعه ~~للاستيلاء على المدائن فاستولى عليها، ثم توجه للإحاطة ~~ببغداد فعسكر على نهر صرصر، وطالت إقامته عليه حتى ضاق ~~جنده ذرعا بالحصار، وهرب منهم نحو خمسة آلاف انضموا إلى ~~جيش الأمين، ففرح بهم ووعدهم ومناهم، وجيش جيشا قويا ~~للقاء طاهر على نهر صرصر، فعبى طاهر أصحابه كراديس ~~كراديس، ثم جعل يمر على كل كردوس منهم فيقول لهم: لا ~~يغرنكم كثرتهم، ولا يمنعنكم استئمان من استأمن منهم، فإن ~~النصر مع الصدق والثبات، والفتح مع العبر واليقين، ثم ~~أمرهم بالتقدم فتقدموا وانهزم أهل بغداد أمامهم، وبلغ ~~الخبر محمد الأمين فأخرج خزائنه وذخائره ووزعها على الناس ~~من أهل بغداد للقتال. # دخلت عيون طاهر بغداد فأفسدوا الجو على الأمين ~~واستمالوا الناس إليهم، ومنوهم الأماني فلم يجد ~~عمل الأمين نفعا، ولا أفادته أمواله التي أنفقها فيهم ~~فائدة، وعمت الفوضى في مدينة بغداد ونقب المسجونون ~~السجون وعاثوا في البلد، وثار معهم الشطار والدعار ~~واختل الأمين، وضيق طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين وزهير ~~بن المسيب الخناق على الأمين وجنده وأهل بغداد؛ فتفرق ~~جمعهم واستأمنوا الطاهر فأمنهم، ثم أخذ يحتل أرباض المدينة ~~ربضا ربضا، وكان ذلك في جمادى الآخرة من سنة 197ه، ثم ~~حاصر المدينة نفسها ومنع الأقوات والميرة عنها، فغلت ~~الأسعار فيها، واشتد البلاء بالناس وأيقن الأمين بالهلاك، ~~فأخذ يفرق ما بقي عنده من الأموال في الناس ليحموه ~~ويستميتوا معه فأخذوها وخذلوه، وحين نفدت الأموال من ~~خزائنه وطلب الناس الأرزاق لهم فلم يجدوا عنده ما ~~يعطيهم. # قال الطبري (في تاريخه، 10: 19): «ولما رأى الأمين ذلك ~~قال: «وددت أن الله قتل الفريقين وأراح الناس منهم، فما ~~منهم إلا عدو ممن معنا وممن علينا، ~~أما هؤلاء فيريدون ~~مالي، وأما أولئك فيريدون نفسي.» ثم إن طاهرا حمل حملة ~~قوية قاتل فيها بنفسه، فدخل المدينة قسرا، وأمر مناديه ~~فنادى بالأمان لمن لزم منزله، ثم قصد المدينة ms101 المدورة، ~~مدينة أبي جعفر، فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد، وكان ~~محمد الأمين وأمه زبيدة وولده في مدينة أبي جعفر، فتحصن ~~بها حتى فقد زاده وماءه، فاستشار من بقي معه من رجاله فيما ~~يفعل، فأشار عليه بعضهم أن يطلب الأمان من هرثمة بن أعين، ~~فرضي وكتب إلى هرثمة بذلك، فأجابه هذا إلى طلبه، ولما علم ~~طاهر بذلك أبى إلا أن يكون الاستسلام إليه، فرفض الأمين ~~واتفق هو وقواده على أن يخرج إلى هرثمة، وأن يدفن إلى طاهر ~~الخاتم والقضيب والبردة، ثم علم طاهر أنهم يمكرون به، ~~فاستعد للأمر وكمن حول القصر جنوده، فلما خرج الأمين ~~متخفيا إلى حيث كانت حراقة هرثمة تنتظره في النهر، ~~فركبها ولم تكد تسير به إلا قليلا حتى خرج عليه أصحاب ~~طاهر فرموا الحراقة بالسهام والحجارة حتى غرقوها، وغرق ~~الأمين وهرثمة، وسبح الأمين وتمكن من الهرب والالتجاء إلى ~~دار في بغداد. # ولكن جماعة طاهر من الخراسانيين دخلوا عليه وبيدهم ~~السيوف، فلما رآهم وقف في وجههم وقال: «أنا ابن عم رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # أنا ابن هارون أنا أخو المأمون، الله الله ~~في دمي.» فلم يفده ذلك كله، وتقدم إليه واحد منهم ~~واسمه خمارويه غلام قريش الدنداني مولى طاهر، فضربه بالسيف ~~فأصاب مقدم رأسه، ثم هجم الآخرون فذبحوه ذبحا من قفاه، ~~وأخذوا رأسه إلى طاهر، فنصبه على باب الأنبار، ثم رفعه ~~وبعث به إلى المأمون مع البردة والقضيب والخاتم، مع محمد ~~بن الحسن بن مصعب، وكتب إليه كتابا يقول فيه: «أما بعد؛ ~~فالحمد لله المتعالي ذي العزة والجلال والملك والسلطان، ~~كان فيما قدر الله فأحكم، ودبر فأبرم انتكاث ~~المخلوع ببيعته، وإنقاضه بعهده وارتكاسه في فتنته وقضاؤه ~~عليه القتل بما كسبت يداه، وقد كتب إلى أمير المؤمنين في ~~إحاطة جند الله بالمدينة والخلد، وأخذهم بأفواهها وطرقها ~~ومسالكها ...» ثم سرد كيف تم له الاستيلاء على المدينة كلها ~~وإرباضها، وكيف أن هرثمة بن أعين أراد استئمان الأمين، ~~ولكن طاهرا لم يوافقه على ذلك خوفا من المكيدة والفشل ~~وفساد ms102 الأمر، ففرح المأمون بذلك وشكر له سعيه وجهده.» # 5 ~~(4) معنى الفتنة وأسبابها ونتائجها # كان لهذه الفتنة التي مزقت وشائج الرحم بين الأخوين ~~عوامل متعددة يمكن إجمالها فيما يلي: ~~(1) # إذا رجعنا إلى نصوص العهد الذي كان قد كتبه ~~الرشيد لأولاده الثلاثة من بعده، نجده عملا ~~غير طبيعي؛ لأن استقلال المأمون بخراسان ~~والولايات الشرقية استقلالا تاما يخوله ~~حق التمتع بخيرات تلك البلاد والسيطرة على ~~أحوالها، يجعله يفكر في الانفصال عن سلطان ~~الخليفة في بغداد، ثم إن حصر سلطان الخليفة في ~~بقعة محددة بجنوب العراق والشام وشبه ~~الجزيرة العربية ومصر - مع ما ينبغي أن يكون ~~للخلافة من سلطان وقوة وعزة - يجعله يطمع في ~~فرض سيطرته على أقاليم أخرى ليست تحت تصرفه؛ ~~لأنه هو «الخليفة الشرعي» صاحب السلطان ~~«الأكمل» على كل أجزاء الدولة الإسلامية، فكيف ~~لا يستطيع أن يسمي قائدا في منطقه أو ~~يحول عاملا من عماله؟ ~~(2) # فشل الفرس في غايتهم التي ساعدوا العباسيين ~~من أجلها لقوة الخلفاء العباسيين الأولين، ~~فانتهزوا هذه الفتنة بين الأخوين وخصوصا ~~المأمون ابن أختهم؛ لأن أمه فارسية، يقول ~~الجهشياري (في كتاب الوزراء والكتاب، ص266): ~~«إن الفضل بن سهل شجع المأمون على الوقوف في ~~وجه أخيه؛ لأنه نازل في أخواله وبيعته في ~~عنقهم، أما الأمين فإن جماعته كانوا من ~~الهاشميين والعرب بصورة عامة مع بعض العناصر ~~الفارسية التي ما كانت تعمل معه إلا لمنافع ~~شخصية.» ~~(3) # أن مطامح الطامعين من الوزراء والمستوزرين ~~كانت قد لعبت دورا خطيرا في إيقاع الفرقة ~~بين الأخوين، كما كان الفضل بن الربيع يشجع ~~الأمين على خلع أخيه أو الفتك به وتقطع أوصال ~~إمارته. ~~(4) # أن الفضل بن الربيع الرجل الخطر الداهية ~~الحذر القوي له يد فعالة ورغبة واضحة في ~~إفساد ملك بني العباس، فهو الذي أوقع بين ~~الرشيد والبرامكة كما رأينا، وهو الذي أوقع ~~بين الأمين والمأمون كما نرى، وهو الذي تخلى ~~عن الأمين حين عاكسه الدهر وأخنى عليه، إلى أن ~~استقر الأمر للمأمون، فظهر من جديد وأراد ~~العود لسيرته الأولى فنافق للمأمون، ولكن ~~المأمون كان أقوى ms103 من أن يخدع فأبعده وأهمله ~~واضطره أن يقضي أواخر أيامه بعيدا عن العاصمة ~~حتى مات في طوس سنة 208ه. ~~(5) # أن مطامع الخلفاء في نقل الخلافة إلى ~~أولادهم من بعدهم، كائنا ما كانوا، وعدم ~~إعطائهم الحق لأربابه في ولاية العهد ~~واختيارهم الأفضل والأحزم استئثارا وافتئاتا ~~على الحق، كان سببا لكثير من الفتن التي ~~ضعضعت مركز الدولة وشتتت قواها، ولم نر خليفة ~~له ولد إلا كان يسعى لخلع صاحب الحق من عم ~~أو أخ وابن عم ووضع ولده موضعه غير مراع ~~في ذلك خير الأمة، مع أن الدروس والعبر ~~السابقة كانت كافية لهؤلاء الخلفاء في ~~الاعتبار، ولكنهم ما كانوا يعتبرون. ~~(6) # كان لهذه الفتنة من النتائج المادية ~~والمعنوية شيء كثير، فمن النتائج المادية أنها ~~ضعضعت بيت المال، وأتت على ثروة القصور، ~~وبعثرت نفائسها وشتتت تحفها وأفسدت معالمها، ~~هذا فضلا عن الضرر العام الذي لحق بالعاصمة ~~والأهلين في تجاراتهم ومرافقهم وبيوتهم، أما ~~النتائج المعنوية فهي أنها أحيت من جديد نار ~~العصبية بين الخراسانيين من الفرس بصورة عامة، ~~وبين العرب بصورة خاصة، وعادت الفتنة جذعة ~~فلقي الإسلام والعروبة من مفاسدها ما قلقل ~~أركان الإمبراطورية العربية. ~~(7) # لكل أمر خطر ناحيتان من خير وشر، فالشر في ~~هذا الأمر ما رأينا، والخير هو أن هذه الفتنة ~~أذكت قرائح الشعراء فأنتجوا نتاجا أدبيا ~~رائعا، سواء في تأييد الأمين أو في الحمل ~~عليه وتأييد المأمون، وقد تجلى ذلك في ~~المقطوعات والقصائد الرائعة والآثار الأدبية ~~الجميلة التي حفظها لنا المؤرخون أمثال الطبري ~~واليعقوبي وابن الأثير وابن طباطبا وغيرهم، ~~مما حفظوا لنا في تواريخهم ما يعطينا صورة عن ~~الأدب السياسي والشعبي لذلك العصر، وهو جدير ~~بالبحث والدرس. ~~(5) خاتمته # اختلفت الناس في أمر الأمين اختلافا كبيرا؛ فمنهم من ~~حمل عليه بقسوة واتهم سلوكه وطعن في أخلاقه ومواهبه، قذفه ~~بشتى التهم من فسق وإسراف ولهو، ومنهم - وهم قليل - من ~~دافع عنه وأثنى عليه، وقالوا: إنه، وإن كان يلهو ويسرف، ~~كان حازما مدبرا عاقلا أريبا، ولكن الأعاجم هم الذين ~~أفسدوا عليه أمره، كما شوهوا تاريخه، ms104 تقربا لأخيه من ~~جهة، وحطا للجانب العربي من جهة أخرى، وأنا أعجب لمؤرخ ~~مدقق كابن الأثير يقول عن الأمين هذه الكلمة الغريبة: «لم ~~نجد للأمين شيئا في سيرته مما يستحسن ذكره من حلم أو ~~معدلة أو تجربة حتى نذكرها.» فكيف يصدر هذا الحكم القاسي ~~من مؤرخ كابن الأثير وهو العالم بدقائق الأمور الخبير ~~بحقائق التاريخ، ولكن الدعاية المأمونية والأباطيل ~~الشعوبية هي التي استهوته فجعلته يحكم ذلك الحكم الظالم، ~~فالطبري يذكر (في تاريخه، 10: 145): «إن الأمين كان يقضي ~~الليالي الطويلة في النظر بشئون الدولة.» وطاهر بن الحسين ~~خصمه الألد وقاتله يعترف له بالمقدرة والدهاء بعد أن تغلب ~~عليه فيقول: «إنه ليس بالضعيف، ولكنه مخذول» (مروج الذهب ~~للمسعودي، 3: 308)، والطبري يذكر (في التاريخ، 10: 150) أن ~~الأمين حين بعث علي بن عيسى بن ماهان لقتال أخيه أوصاه ~~وصية تدل على عقل وإدارة وحزم، فمما قاله: «امنع جندك ~~من العبث بالرعية والغارة على أهل القرى وقطع الشجر ~~وانتهاك النساء، وول الري يحيى بن علي واضمم إليه جندا ~~كثيفا، ومره ليدفع إلى جنده أرزاقهم مما يجيء من ~~خراجها، وول كل كورة ترجل عنها رجلا من أصحابك، ومن خرج ~~إليك من أهل خراسان ووجوهها فأظهر إكرامه وأحسن جائزته، ~~ولا تعاقب أخا بأخيه، وضع عن أهل خراسان ربع ~~الخراج.» # وبعد؛ فإن الأمين كان ذا مواهب ومزايا، ولكن سوء طالعه ~~وفساد حاشيته وقبح خاتمته قد نقلت محاسنه إلى مساوئ، ~~والناس دوما مع الغالب، وقديما قال الشاعر: # والناس من يلق خيرا قائلون ~~له # ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل # الفصل السابع # | المأمون بن الرشيد # 198-218ه/814-833م ~~(1) أوليته # هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، وأمه أم ولد ~~فارسية اسمها مراجل، ولد سنة 17ه في اليوم الذي ولي فيه ~~أبوه الخلافة، وقد اعتنى به أبوه بعد طفولته، فعهد إلى أبي ~~محمد اليزيدي النحوي القارئ المشهور وإلى الكسائي والأصمعي ~~بتعليمه وتهذيبه، كما عهد إليهم بتهذيب أخيه الأمين، فبرزت ~~مواهبه منذ طفولته وحفظ القرآن الكريم وروى كثيرا من ~~الشعر العربي القديم، وأجاد الاطلاع على علوم العرب ~~وآدابهم ms105 وأخبارهم، وبرع في علوم الدين من حديث وفقه وتفسير ~~وكلام، كما درس علوم الحكمة والفلسفة والعقائد القديمة ~~الإسلامية. # وفي سنة 183ه ولاه أبوه العهد بعد أخيه الأمين، وضم ~~إليه جعفر بن يحيى البرمكي ليدربه ويثقفه، ثم ولاه ~~خراسان وهو شاب بعد ليمارس الحكم ويتدرب على السياسة ~~بمقتضى السلطة التي منحها إياها أبوه في كتاب العهد، ولما ~~مات أبوه كان ما يزال في خراسان، فجرت بينه وبين أخيه تلك ~~الحوادث والفتن التي فصلناها في بحثنا عن الأمين. ~~(2) بيعته وما أعقبها من أمور # بويع المأمون البيعة العامة يوم مقتل أخيه في 25 محرم ~~سنة 198ه/5 أيلول سنة 814م وكان ذلك في مرو، وكان المدبر ~~للدولة هو الفضل بن سهل السرخسي الذي استوزره وجعله صاحب ~~دولته ومتولي الرأي عنده، وقد رأى الفضل أن أول عمل يجب ~~عمله بعد أن انتهت الفتنة هو إخراج طاهر بن الحسين وهرثمة ~~بن أعين من العراق خوفا من مطامعهما، فكتب إلى طاهر على ~~لسان الخليفة أن يشخص إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث، وأن ~~الخليفة قد ولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب، وكتب ~~إلى هرثمة يدعوه إلى خراسان وأنه قد عهد إلى الحسن بن سهل ~~أخي الفضل بالعراق، والحق أن أحوال العراق قد اضطربت لغيبة ~~الخليفة عنها أول الأمر، وشاعت شوائع زادت في هذا الاضطراب ~~منها أن الفضل بن سهل قد غلب على أمر المأمون، وأنه قد ~~حجبه في قصره لا يراه أحد، وأنه يبرم الأمور دونه، وأنه ~~سيقضي على كل عنصر عربي، فثار لهذه الشوائع بنو هاشم ووجوه ~~الدولة في العراق، وأخذوا يستخفون بالفضل بن سهل وبأخيه ~~الحسن، وعمت الفوضى والفتن في البلاد حتى جاء المأمون من ~~خراسان إلى بغداد كما سنرى تفصيل ذلك فيما بعد. ~~(3) الأحوال الداخلية # بعد مقتل الأمين والمناداة بالمأمون خليفة فكر الفضل ~~بن سهل في نقل العاصمة إلى المشرق في خراسان، وأخذ يعد ~~لذلك عدته، فاضطرب لهذا الأمر العراقيون عامة ~~والهاشميون خاصة، وخافوا أن يعلن الفضل بن سهل نقل حاضرة ~~الخلافة إلى هناك، فأخذوا ms106 يفسدون عليه خططه ويستهينون ~~بأوامره ورسائله التي تردهم من المأمون ووزيره الفضل، ~~فحدثت عدة فتن نذكر منها: ~~(1) # خروج محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم ~~بن الحسن العلوي بالكوفة على الخلافة بتشجيع ~~القائد أبي السرايا السري بن منصور الشيباني، ~~فاستولى على الكوفة وطرد عاملها سليمان بن أبي ~~جعفر المنصور، وعظم أمر هذه الفتنة، إلا أن ~~محمدا لم يلبث أن مات فجأة في رجب سنة 199ه ~~فولى أبو السرايا مكانه غلاما من آل البيت ~~العلوي حدثا، هو محمد بن محمد بن زيد بن علي ~~بن الحسين (عليه السلام) وعظم أمر العلويين ~~وأبي السرايا، وقضوا على جيش الحسن بن سهل حتى ~~ضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة ونقش عليها ~~قوله تعالى: # إن الله ~~يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص ~~، ولما أخذ أمر أبي ~~السرايا يعظم كتب الفضل بن سهل إلى هرثمة بن ~~أعين يدعوه لقيادة جيش يحارب به أبا السرايا، ~~وكان ذلك في شعبان سنة 199ه، فلبى هرثمة ~~الدعوة وتوجه للقاء أبي السرايا وتغلب عليه؛ ~~ففتح الكوفة واضطر أبا السرايا إلى الهرب، ~~فاضمحلت دولته ولجأ إلى إيران، ثم أمسك به ~~وصلب ببغداد، وكان لحركة أبي السرايا أسوأ ~~أثر في الحجاز؛ لأنه كان ولى على مكة الحسين ~~بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي، ~~وكان بها داود بن عيسى أميرا من قبل ~~العباسيين، فطرده وجرد الكعبة من كسوتها ~~العباسية وكساها ثوبين جديدين كتب عليهما: ~~«أمر به الأصغر بن أبي الأصغر أبو السرايا ~~داعية آل محمد لكسوة بيت الله الحرام، وأمر أن ~~تطرح عنها كسوة الظلمة من ولد العباس، ليطهر ~~من كسوتهم، وكتب سنة 199»، ثم قسم الكسوة ~~التي كانت عليها بين أصحابه، وعمد إلى ما في ~~خزانة الكعبة من مال فأخذه ليستعين به في ~~حركته، ولم يسمع بوديعة لبني العباس وأتباعهم ~~عند أحد من أهل مكة إلا أخذها، وكانت له دار ~~سماها «دار العذاب» عذب فيها الناس ممن لم ~~ينضموا تحت لواء حركته، حتى هرب من العراق ~~والحجاز خلق ms107 كثير بسببه، وزاد عسفه وعسف ~~جماعته على الناس وظلموهم وصادروا أموالهم حتى ~~إنهم حكوا الذهب الذي كان على أساطين المسجد ~~الحرام، وقلعوا الحديد الذي كان على شبابيك ~~زمزم وخشب الساج فباعوه بالثمن البخس، وما زال ~~العلوي على تلك الحال حتى بلغه صلب أبي ~~السرايا، فاجتمع هو وبعض أنصاره العلويين ~~وغيرهم وطلبوا إلى محمد بن جعفر الصادق أن ~~ينضم إلى حركتهم على أن يبايعوه بالخلافة، ~~فأجابهم إلى ذلك ولم يكن له من الأمر شيء ~~إلا المظاهر والاسم، وساروا بالناس على أسوأ ~~سيرة حتى تعدوا على الأموال والأعراض، فبعث ~~إليهم هرثمة بن أعين جيشا فتك بهم وهزمهم، ~~وقضى على حركتهم. ~~(2) # خروج إبراهيم بن موسى بن جعفر العلوي باليمن ~~واستيلاؤه عليه وفتكه بالناس فيه، حتى سمي ~~الجزار لكثرة من قتل من الناس في سبيل ~~الاستيلاء على اليمن حوالي سنة 199ه، وفي سنة ~~200ه قوي أمره وسيطر على اليمن، وانتهز فرصة ~~موسم الحج فبعث بعض ولد عقيل بن أبي طالب على ~~جند كثيف إلى الحجاز يتظاهرون بأداء الفريضة، ~~وكان أمير الحج العباسي يومئذ إسحاق بن ~~الرشيد، فلما وصل العقيلي إلى منطقة بستان بن ~~عامر في الحجاز، ومرت قافلة الكسوة ~~الشريفة ~~وأوائل طيب الكعبة وأموال أهل الحرمين نهبوها، ~~وأخذوا أموال من كان معها من التجار، حتى ~~دخلوا مكة عراة، فبعث إليهم أمير الحج جندا ~~قهرهم وأعاد كسوة الكعبة وطيبها، وتمكن من ~~أن يقضي على هذه الفتنة. ~~(3) # ثورة الجند ببغداد على الحسن بن سهل لقتله ~~هرثمة بن أعين، فقد روى الطبري أن هرثمة بعد ~~أن سكن الفتن في العراق والحجاز قصد أن ~~يتوجه إلى المأمون في خراسان؛ ليبين له أن هذه ~~الفتن كلها إنما قامت بسبب الفضل بن سهل وأخيه ~~الحسن لبعده عن العراق، وقد علم الفضل بغرض ~~هرثمة فاستكتب المأمون كتابا بعثه إليه وهو ~~في الطريق يأمره فيه بالعودة ويوليه إمارة ~~الشام والحجاز، فأبى هرثمة أن يرجع إلا بعد ~~مقابلة الخليفة، ولما دخل على الخليفة لم ~~يحسن استقباله وخرج وهو مغضب، ثم إن الفضل ~~هيأ ms108 له من يقتله غيلة فوجئت عنقه وديس ~~بطنه حتى مات، فبلغت أخبار هذه القصة أهل ~~بغداد وثار جنود هرثمة على الحسن بن سهل ~~وأنصاره؛ لأنه هو السبب وأجمع رأيهم ورأي ~~الهاشميين في العاصمة على خلع المأمون وتولية ~~المنصور بن المهدي، ولكنه أبى عليهم قبول ذلك، ~~فطالبوه أن يكون أميرا ببغداد وأن يدعو ~~للمأمون، وحلفوا أنهم لا يرضون بالمجوسي بن ~~المجوسي الحسن بن سهل أميرا عليهم، فقبل ~~وتولى إمارة بغداد، ولكن لم يكن في البلد ~~جيش قوي يصون أمنها ويحميها من أهل الفساد، ~~فكثرت فتن الشطار والدعار، وعم التعدي ~~على النساء والصغار، واضطر أهل البلد إلى أن ~~يختاروا من بينهم شخصا أمينا انتقوه من أوساط ~~الشعب يعهدون إليه بأمر المدينة وحفظها، ~~وانتقوا لذلك رجلا اسمه «خالد الدريوش»، وكان ~~سريا قويا محبوبا فعمل على حفظ المدينة ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة ~~الشطار، وعاونه في ذلك رجل آخر عرف بالفضل ~~والمروءة وهو سهل بن سلامة الأنصاري، وكثرت ~~أتباع هذين الرجلين اللذين لولاهما لعمت ~~الفوضى بالمدينة ولخربها المفسدون ~~والطامعون، ولما استطاع أهلها أن يحموا ~~أنفسهم من الدعار والمجرمين. ~~(4) # فتنة العراقيين بسبب مبايعة المأمون لعلي بن ~~موسى بن جعفر الصادق، فقد وردت بغداد أخبار ~~تفيد أن المأمون، بتدبير الفضل بن سهل، قد ~~اختار لولاية عهده رجلا من آل علي، وهو ~~الإمام علي بن موسى بن جعفر الصادق (عليه ~~السلام)، وسماه «الرضا من آل محمد»، وأمر ~~جنده بخلع السواد شعار بني العباس ولبس الخضرة ~~التي اختارها شعارا للدولة الجديدة، وكتب ~~بذلك إلى الآفاق، فلما ~~سمع ~~العراقيون بذلك وعلموا أن هذا كله من عمل ~~الفضل بن سهل الفارسي؛ لأن الفرس يعجبهم أن ~~يكون إمام المسلمين علويا، وطالما قاتلوا في ~~سبيل ذلك، فوقعت فتنة عظيمة في العراق، وأخذت ~~هذه الفتنة تقوى حتى كانت سنة 202ه، فأجمع رأي ~~العراقيين على خلع المأمون وتولية عمه إبراهيم ~~بن المهدي، فقبل إبراهيم بذلك، وخلع المأمون ~~وامتد نفوذ إبراهيم على السواد كله والكوفة، ~~وعسكر بالمدائن، وولى الجانب الشرقي من ~~بغداد للعباس بن ms109 الهادي، والجانب الغربي ~~لإسحاق بن الهادي. # ولما أبلغ علي بن موسى الرضا هذه الأخبار ~~إلى المأمون وتأكد من صحتها عزم على الرحيل ~~إلى بغداد للقضاء على تلك الفتنة بنفسه، ~~مستصحبا معه وجوه دولته وقادة جنده، ولما وصل ~~سرخس سمع الناس أن الفضل قد مات وهو في ~~الحمام، وكان ذلك في سنة 202ه، ثم استمر ~~المأمون في طريقه حتى إذا بلغ طوس مات فيها ~~علي بن موسى، ويظهر أن المأمون تخلص منهما؛ ~~لأنه يريد أن يدخل بغداد وهو ناف عنه كل ما ~~يمكن أن يثير عليه غضب البغداديين، ثم سار إلى ~~الري قاصدا العراق، وكان كلما زاد اقترابا ~~من بغداد زاد الخطر على إبراهيم بن المهدي، ~~حتى انفض عنه قواده وكاتبوا الحسن بن سهل ~~ليسلموا إليه بغداد ويخلعوا إبراهيم بن ~~المهدي، فلم ير إبراهيم بدا من الهرب، ~~واختفى ليلة 17 ذي الحجة سنة 203ه، ولما وصل ~~المأمون إلى النهروان تلقاه أهل بيته والقادة ~~وهم بالخضرة، فلبسها الناس ثمانية أيام، ثم ~~كلمه خاصته وأهله أن يعود إلى السواد فرجع ~~لبسه، ومن ذلك الحين ابتدأ ملك المأمون ~~الفعلي، وفي سنة 210 ظفر بإبراهيم بن المهدي ~~فحبسه في سجن المطبق. ~~(5) # فتنة نصر بن شبث العقيلي، فقد كان شبث من ~~أشراف بني عقيل القاطنين شمالي حلب، وشيخ ~~قبائل مصر في الشام كله، وكان يحب الأمين، ~~فلما بلغه مقتله وانخذال العرب في العراق، ~~واستلام القواد والأمراء الأعاجم زمام أمر ~~الدولة ثار في سنة 198ه على الدولة المأمونية، ~~فمنع خراج منطقته أن يرسل إلى بغداد، وتغلب ~~على شمال الشام والجزيرة حتى بلغ سميساط وعبر ~~الفرات، وبلغت أخباره الفضل بن سهل فولى ~~طاهر بن الحسين على الموصل والجزيرة والشام ~~والمغرب، كما أسلفنا، وأمره أن يسير من فوره ~~للقاء شبث، فالتقيا، وكانت المعركة الفاصلة ~~بنواحي يكسوم شمالي حلب، فتغلب شبث واضطر طاهر ~~إلى التراجع للرقة، وعظم أمر شبث فأتاه بعض ~~رجالاته وقال له: لو بايعت لبعض آل علي كان ~~أحزم لأمرك، فقال: لا أبايع لبعض ~~أولاد ~~السوادات فيقول إنه ms110 خلقني ورزقني، فقال له: ~~بايع بعض بني أمية، فقال: أولئك قوم أدبر ~~أمرهم، وإنما هو في بني العباس، وإنما حاربتهم ~~محاماة عن العرب؛ لأنهم يقدمون عليهم ~~العجم. # ولما شخص المأمون إلى بغداد أمر عبد الله بن ~~طاهر بن الحسين أن يجدد عزيمته في قتال نصر، ~~وكتب طاهر إلى ابنه عبد الله ذلك الكتاب ~~الرائع الحاوي للآداب السياسية والرياسية ~~والإدارة والأخلاق، مما يجب على كل امرئ أن ~~يحفظه ويعمل به، وشاع بين الناس حتى كتبوه ~~وحفظوه، وبلغ خبره المأمون فدعاه أن يقرأ ~~عليه، فلما قرأه أعجب به وقال له: ما أبقى أبو ~~الطيب (وهو لقب طاهر) شيئا من أمر الدنيا ~~والدين والتدبير والسياسة وحفظ اللسان وطاعة ~~الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكم، وأوصى ~~وأمر فكتب به إلى جميع العمال (انظر الطبري، ~~10: 258)، وخرج عبد الله بن طاهر للقاء نصر، ~~واستمر القتال خمس سنوات، تارة كان يكون ~~الغلب لهذا وتارة لذاك، ولما شعر نصر ~~بالانخذال والضعف طلب الأمان فلم يجبه ~~المأمون، حتى وطأ بساطه فرفض أولا ثم اضطر ~~فأمنه، ودخل بغداد في صفر سنة 210ه، وخرب ~~عبد الله بن طاهر مدينة يكسوم مقره، ثم فرض ~~المأمون الإقامة الجبرية على نصر بن شبث في ~~مدينة أبي جعفر المنصور. ~~(6) # فتنة الزط: هم قوم رحل من أخلاط الناس ~~يسمون «النور» أو «زيكان» أو ~~«الكاولية» ... وكان من أمرهم أنهم غلبوا على ~~طريق البصرة، وعاثوا فيها الفساد أثناء الفتنة ~~بين الأخوين، وفي سنة 205ه قوي أمرهم إلى حد ~~أن الناس باتت تخشاهم لما قاموا به من أعمال ~~مخيفة وغارات مزعجة، ولما استقر أمر المأمون ~~ببغداد بعث إليهم عيسى بن يزيد الجلودي، ~~ففرقهم في البراري والأهوار، ولكنهم لم يلبثوا ~~أن عادوا في سنة 206ه، فتجمعوا يعيثون في ~~البلاد فسادا فبعث إليهم داود بن ماسجور ~~فتفرقوا من جديد، ويظهر أنهم كانوا إذا ضيقت ~~عليهم الجنود يتفرقون في الصحاري والقرى ~~والدساكر فتصعب محاربتهم، وقد ظلوا هكذا ~~يتجمعون ويتفرقون ويعيثون ويفتكون حتى جاء ~~عهد المعتصم، فبعث إليهم من يفتك بهم في سنة ms111 ~~219ه وقتل منهم مقتل عظيمة، فانقطعت أخبارهم ~~مدة ثم عادوا إلى الظهور بعد في أيام ~~المتوكل. ~~(7) # فتنة بابك الخرمي: خرج بابك الخرمي في ~~سنة 201ه/816م في كورة «البند» شمالي إيران في ~~«مازندران» قرب «أذربيجان»، فأعلن الثورة على ~~الإسلام والدعوة إلى دين الفرس وإحياء دين ~~مزدك، وقد فصل ابن النديم في «كتاب ~~الفهرست»، والبغدادي في كتاب الفرق، ما دعا ~~إليه بابك وهذا موجزه: ~~الخرمية ~~أو الخرمدينية (الأولون) ويسمون أيضا ~~المحمرة، وصاحبهم مزدك الذي أباح لمتابعيه ~~تناول اللذات والاعتكاف على الشهوات، ~~والمشاركة بين الناس في الطعام والحرم والمال، ~~وتحريم القتل، وقد حاربهم الملك كسرى أنوشروان ~~لما ظهروا وقتل صاحبهم، والمتأخرون يسمونهم ~~البابكية نسبة إلى بابك الخرمي الذي ظهر في ~~أوائل القرن الثالث، وكان يقول إنه إله، وإنه ~~يجدد دين المحمرة، ولكنه يبيح لأتباعه قتل ~~مخالفيهم ومحاربتهم والفتك بهم. # ظهر بابك بحركته والمأمون بعد في «مرو»، ~~والبلاد لم تستقر، فقوي أمره وكثرت أنصاره ~~وضاق الناس بحركته وعيثه، ولما دخل المأمون ~~بغداد بعث يحيى بن معاذ لمحاربة هؤلاء، فلم ~~يفلح في القضاء عليهم فعزز الجيش بجيش ثان ~~على رأسه عيسى بن محمد فلم يفلح، فثلث بجيش ~~على رأسه أحمد بن الجنيد الإسكافي فأسره بابك، ~~فبعث المأمون محمد بن حميد الطوسي فقتله بابك ~~في سنة 214، وأخذ سلطانه يقوى في «أذربيجان» ~~و«همذان» و«أصفهان» و«ماسبذان» حتى مات ~~المأمون وفتنة بابك في أوجها، ولما حضرته ~~الوفاة أوصى أخاه المعتصم بالفتك بالخرمية، ~~ومما قاله له: «والخرمية فأغزهم ذا ~~جزامة وصرامة وجلد، واكنفه بالأموال ~~والسلاح والجنود من الفرسان والرجالة، فإن ~~طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك من أنصارك ~~وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه، ~~راجيا ثواب الله عليه»، وسنرى بعد التفصيل ~~أمرهم فيما بعد. ~~(4) الأحوال الخارجية # كان المأمون في أول عهده بعيدا عن العاصمة فلم يهتم ~~بشئون الدولة الخارجية وخصوصا بالروم، ولكنه بعد أن عاد ~~إلى بغداد عزم على أن يجدد سياسة ابنه في غزوهم، فتوجه ~~في سنة 205ه لقتالهم واستخلف على العاصمة إسحاق بن إبراهيم ~~بن صعب، ms112 فسار إلى الموصل فمنبج فأنطاكية فطرطوس، وهي الثغر ~~الإسلامي القوي، وهناك عبأ قواه وسار إلى بلاد الروم ~~ففتح حصن قرة وأمر بهدمه، ثم اشترى الأسرى المسلمين ~~وأعتقهم، وأعطى كلا منهم دينارا، ثم بعث قواده لفتح ~~حصون «سندس» و«سنان»، ثم قفل راجعا إلى بلاد الشام ومصر، ~~وبينما هو في مصر علم أن تيوفيل بن ميخائيل ملك الروم قد ~~هجم على «طرطوس» و«المصيصة» وأثخن في القتل (انظر تاريخ ~~ابن خلدون، 3: 256) فرجع المأمون إلى بلاد الروم وقاتلهم ~~وأخضع ملكهم وأخضع ~~مدينة هرقلة، وافتتح عددا من الحصون وهدم القلاع ~~والمطامير (تاريخ اليعقوبي، 3: 192؛ وتاريخ الطبري، 10: ~~281)، وطلب إليه تيوفيل الصلح، وأن يعيد إليه الحصون ~~والقلاع على أن يعطيه مائة ألف دينار والأسرى المسلمين ~~الذين كان عددهم سبعة آلاف، فلم يجبه المأمون على طلبه ~~عازما على استمرار حربه (تاريخ اليعقوبي، 3: 192). # وفي سنة 217ه جدد المأمون غزو بلاد تيوفيل ثالث مرة ~~فحاصر «حصن لؤلؤة» أكثر من ثلاثة أشهر، ثم رحل عنها وخلف ~~عليها قائده عجيفا فاختدعه الروم وأسروه، وكتب تيوفيل إلى ~~المأمون كتابا يقول فيه: «أما بعد؛ فإن اجتماع ~~المختلفين أولى بهما في الرأي مما عاد بالضرر عليهما، ~~ولست حريا أن تدع لحظ يصل إلى غيرك حظا تحوزه إلى ~~نفسك، وفي علمك كاف عن إخبارك، وقد كنت كتبت إليك داعيا ~~إلى المسالمة، راغبا في فضيلة المهادنة؛ لنضع أوزار الحرب ~~عنا، ويكون كل واحد لكل واحد وليا وحزبا، مع إنضال ~~المرافق والفسح في المتاجر وفك المستأسر وأمن الطرق ~~والبيضة، فإن أبيت فإني لخائض إليك غمارها، آخذ عليك ~~أسدادها، شان عليك خيلها ورجلها.» فأجابه المأمون ~~بكتاب يقول فيه: «بلغني كتابك فيما سألت من الهدنة، ودعوت ~~إليه من الموادعة، وخلطت فيه من اللين والشدة، مما استعطفت ~~به من فسح المتاجر واتصال المرافق وفك الأسارى ورفع القتل ~~والقتال، فلولا ما رجعت إليه من إعمال التؤدة والأخذ بالحظ ~~في تقليب الفكرة، وأن لا أعتقد الرأي في مستقبله إلا في ~~إصلاح ما أوثره في مغبته، لجعلت جوابك خيلا تحمل من أهل ~~البأس والنجدة والبصيرة ms113 ينازعونكم عن ثكلكم، ويتقربون إلى ~~الله بدمائكم، غير أني أتقدم إليك بالموعظة التي يثبت الله ~~بها عليك الحجة من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية ~~والشريعة الحنيفية، فإن أبيت ففدية توجب ذمة وتثبت نظرة، ~~وإن تركت ذلك ففي يقين المعاينة لقوتنا ما يغني عن ~~الإبلاغ والقول والإغراق في الصفة.» # 1 # ثم شرع المأمون في التفكير لفتح بلاد الروم، ~~وفي أول سنة 218ه حصن مدينة «الطونة» وجعل سورها على ~~ثلاثة فراسخ، وأخذ يخزن القوت ويجمع القواد في العواصم ~~والثغور من العراق والشام ومصر وخراسان وبلاد العرب ~~استعدادا لحرب طويلة؛ يقول اليعقوبي: «استعد لحصار ~~عمورية، وقال أوجه إلى العرب فآتي بهم من البوادي، ثم ~~أنزلهم كل مدينة مفتوحة حتى أخرب القسطنطينية»، فلما بلغ ~~إمبراطور الروم ذلك طلب مهادنة بينهما فرفض المأمون، وقصد ~~بلاد الروم ونزل طرسوس يستعد لحملة الحرب الكبرى، ولكن ~~أجله وافاه فجأة رحمه الله. ~~(5) الأحوال الإدارية ~~(5-1) الوزارة # يقسم الفقهاء ~~المسلمون وأصحاب كتب الأحكام السلطانية والإدارة ~~الوزارة إلى قسمين؛ «وزارة تنفيذ» و«وزارة تفويض»، ~~أما «وزارة التنفيذ» هي التي يكون فيها الوزير منفذا ~~لأوامر الخليفة وحسب، فليس له التصرف بشئون الدولة ~~من تلقاء نفسه؛ أي إنه لم يكن إلا وسيطا بين ~~الخليفة والناس، وهكذا كان الوزير في عهد العباسيين ~~الأول إلى عهد الهادي، أما بعد ذلك فقد انقلب الأمر ~~إلى «وزارة تفويض» وهي التي يعهد الخليفة فيها إلى رجل ~~يفوض إليه أمور دولته والتصرف بأموالها دون الرجوع ~~إليه، وقد أورد الماوردي في كتابه القيم «الأحكام ~~السلطانية» بحثا استوفى فيه أحوال الوزارتين، نلخصه ~~فيما يلي: # وزارة التفويض # أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور ~~برأيه وإمضائها على اجتهاده، وليس يمتنع جواز هذه ~~الوزارة، فقد قال تعالى حكاية عن موسى: # واجعل لي وزيرا من ~~أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في ~~أمري ~~، فإذا جاء ذلك في النبوة كان ~~في الوزارة أجوز، وقد عدد الماوردي ~~الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يقلدها، ويعتبر ~~في تقليد هذه الوزارة شروط الإمامة # 2 # إلا النسب ms114 وحده؛ لأنه ممضي الآراء ~~منفذ الاجتهاد، فاقتضى أن يكون على صفات ~~المجتهدين، ويحتاج فيها إلى شرط زائد وهو أن يكون ~~من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمري الحرب ~~والخراج، خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما، فإنه مباشر ~~لهما ومستنيب فيهما، حكي أن المأمون رضي الله عنه ~~كتب في اختبار وزير: «إني التمست لأموري رجلا ~~جامعا لخصال الخير ذا عفة في أخلاقه واستقامة في ~~طرائقه، قد هذبته الآداب وأحكمته التجارب، إن ~~ائتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهمات ~~الأمور نهض فيها، يسكته الحلم وينطقه ~~العلم، وتكفيه اللحظة وتضنيه اللمحة، له صولة ~~الأمراء، وأناة الحكماء وتواضع العلماء وفهم ~~الفقهاء، إن أحسن إليه شكر، وإن ابتلي بالإساءة ~~صبر، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يسترق قلوب ~~الرجال بخلابة لسانه وحسن بيانه.» وقد جمع بعض ~~الشعراء هذه الشروط فأوجزها، ووصف بعض الوزراء ~~الدولة العباسية فقال: # بديهته وفكرته سواء # إذا اشتبهت على الناس ~~الأمور # وأحزم ما يكون الدهر ~~يوما # إذا أعيا المشاور ~~والمشير # وصدر فيه للهم اتساع # إذا ضاقت من الهم ~~الأمور # أما «وزارة التنفيذ» فحكمها أضعف وشروطها أقل؛ ~~لأن النظر فيها مقصور على رأي الإمام وتدبيره، ~~وهذا الوزير وسيط بينه وبين الرعايا والولاة، يؤدي ~~عنه ما أمر، وينفذ عنه ما ذكر، ويمضي ما حكم، ~~ويخبر بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش، ويعرض عليه ما ~~ورد من مهم وتجدد من حدث ملم، ويراعى فيه ~~سبعة أوصاف: # أحدها الأمانة، والثاني صدق اللهجة، والثالث قلة ~~الطمع، والرابع أن يسلم فيما بينه وبين الناس من ~~عداوة وشحناء، الخامس أن يكون ذكورا لما يؤديه ~~للخليفة وعنه، السادس الذكاء والفطنة، السابع ~~ألا يكون من أهل الأهواء. # وكانت الوزارة في عهد المأمون الأول، أيام كان ~~في مرو، وزارة تفويض، فقد فوض أمرها إلى الفضل ~~بن سهل الذي كان له الفضل في إيصاله إلى الحكم ~~فأطلق يده في الدولة وسماه ذا الرياستين؛ رياسة ~~الحرب ورياسة التدبير، وكتب المأمون بذلك للفضل ~~توقيعا قال فيه: «أغنيت يا فضل بمعاونتك ~~إياي على طاعة الله وإقامة سلطاني، فرأيت ms115 أن ~~أغنيك ... وقد أقطعتك السيب بأرض العراق عطاء ~~لك ولعقبك لما أنت عليه من النزاهة عن أموال ~~رعيتي، ولما قمت به من حق الله وحقي، وقد جعلت ~~لك بعد ذلك مرتبة من يقول في كل شيء فيسمع منه، ~~ولا تتقدمك مرتبة أحد ما لزمت ما أمرتك به من ~~العمل لله ونبيه، والقيام بصلاح دولة أنت ولي ~~بقيامها ...» # 3 # ويظهر أن الفضل قد استولى على كل شيء ~~في الدولة، حتى على المأمون نفسه، فعزل وولى، ~~وجعل أخاه واليا على العراق مسيطرا على بغداد، ~~وقرب الفرس وأبعد العرب، وتظاهر بمذاهب الأكاسرة ~~وطرائقهم ومظاهرهم، يقول الجهشياري (في كتاب ~~الوزراء والكتاب، ص316): «كان ذو الرياستين يجلس ~~على كرسي مجنح، ويحمل فيه إذا أراد الدخول ~~على المأمون فلا يزال يحمل حتى تقع عليه عين ~~المأمون، فإذا وقعت وضع الكرسي، ونزل عنه فمشى ~~وحمل الكرسي حتى يوضع بين يدي المأمون، ثم يسلم ~~عليه ذو الرياستين، ويعود ويقعد عليه ... وإنما ذهب ~~ذو الرياستين في ذلك مذهب الأكاسرة، فإن وزيرا من ~~وزرائها كان يحمل في مثل ذلك الكرسي ويقعد بين ~~أيديها عليه.» # والحق أن بقاء المأمون في خراسان، وتقليم ~~أظافر العرب في ديارهم وتقويته مخالب الفرس، ما هو ~~إلا تأييد للسياسة الفارسية وإحياء للدولة ~~الكسروية، ولو لم يقتله المأمون في شعبان سنة ~~202 بطريق الحيلة على الشكل الذي رأينا لظل تحت ~~رهبوته، ولم يستطع حتى بعد قتله أن يقطع صلة له ~~بأسرته، فاستوزر أخاه الحسن لمدة قصيرة، وتزوج ~~ببنته بوران ترضية، ثم قطع آخر صلة له لهذه الأسرة ~~حين عزل الحسن، وولى أحمد بن أبي خالد الأحول، ~~وكان من خيار الوزراء ومدبريهم، جذب قلوب الناس ~~نحو إمامه، وأحسن سياسة الأمور، ولم يكن فيه عيب ~~سوى شراهته في الطعام، فكان الناس يترقبون إليه في ~~المآكل، وقد أخذ عليه ذلك إلى أن مات سنة 211ه، ~~فولى المأمون وزارته ابن يوسف الكاتب، وكان من ~~خيرة الكتاب وأجودهم خطا وأكثرهم فضلا، فأحبه ~~المأمون لفضله ونبله، ولكن بعض بطانته حسدوه ~~فأفسدوا قلب الخليفة ms116 عليه فعزله، ثم استوزر القاضي ~~يحيى بن أكثم التميمي، وكان من جلة العلماء ~~والفقهاء والمحدثين، وجمع له قضاء القضاة مع ~~الوزارة، ويظهر أن تولية يحيى بن أكثم أمر الوزارة ~~مع القضاء جعلته يشتهر بالقضاء أكثر من الوزارة، ~~حتى إن ابن طباطبا لم يذكره في كتابه الفخري في ~~عداد وزراء المأمون، وإنما ذكر وزارة يحيى بن ~~ثابت الرازي بعد وزارة أحمد بن يوسف، وكان ثابت بن ~~يحيى الرازي كاتبا حاذقا بالحساب، إلا أنه أهوج ~~محمق سريع الغضب، ولم تطل وزارته، فولاها ~~بعده محمد بن يزداد بن سويد الخراساني، وكان ~~أديبا بارعا حاسبا، فوض إليه المأمون جميع ~~أموره ومات وهو وزيره، ويظهر أن المأمون في آخر ~~أمره أراد أن يستعين بوزير كفء يعتمد عليه، فاختار ~~ابن سويد واطمأن إليه ، حتى إنه فوض إليه ~~وزارته لما كان يتمتع به من حسن الخلق والأمانة ~~والإدارة الحسنة والعلم الوافر والسياسة ~~البارعة. ~~(5-2) الخراج # سار المأمون في الأمور المالية من خراج وجباية ~~وضرائب على سيرة أبيه مستنيرا بكتاب الإمام القاضي ~~أبي يوسف، فازدهرت البلاد اقتصاديا في عهده وانتعش ~~بيت المال لحسن سيرة الخليفة وترتيب أمور الجباية، وقد ~~حفظ لنا ابن خلدون في تاريخه وثيقة قيمة جدا ذكرها ~~في المقدمة نقلا عن كتاب جراب الدولة عدد الأقاليم ~~الإسلامية في عهد المأمون ومقدار جبايتها من الدراهم ~~والدنانير والعروض، ولا بأس من إيراد نص تلك الوثيقة ~~لقيمتها التاريخية النفيسة، ولأنها تعطينا صورة حقيقية ~~عن غنى الدولة ومواردها وموازنتها، قال ابن خلدون: ~~«وجد بخط أحمد بن محمد بن عبد الحميد عمل بما يحمل ~~إلى بيت المال ببغداد أيام المأمون من جميع النواحي ~~نقلته من جراب الدولة: # جدول مقدار موارد الدولة ~~العباسية في عصر المأمون بالدراهم والعروض. ~~* # الأقاليم # الجباية من الدراهم # الجباية من العروض # السواد # 27800000 درهم # 200 حلة نجرانية 240 رطلا من طين ~~الختم # كسكر # 11600000 درهم # كور دجلة # 20800000 درهم # حلوان # 4800000 درهم # الأهواز # 25000000 درهم # 30000 رطل سكر # فارس # 27000000 درهم # 30 ألف قارورة ماء ورد، 20 ألف ms117 رطل ~~زيت أسود # كرمان # 4200000 درهم # 5000 ثوب يماني و20 ألف رطل تمر # مكران # 400000 درهم # السند وما يليه # 11500000 درهم # 150 رطل عود هندي # سجستان # 4000000 درهم # 200 ثوب معين و20 رطل سكر فانيذ 2000 ~~نقرة فضة و4000 برذون # خراسان # 28000000 درهم # 1000 رأس رقيق و20000 ثوب متاع و30000 ~~رطل إهليلج # جرجان # 12000000 درهم # 1000 شقة أبريسم # قومس # 1000000 درهم # 5000 نقرة فضة # طبرستان والرويان ودنباوند # 6300000 درهم # 600 قطعة قرش طبري و200 كساء 500 ثوب ~~و300 منديل و300 جام # الري # 12000000 درهم # 20 ألف رطل عسل # همذان # 11300000 درهم # 1000 رطل رب رمان و12000 رطل ~~عسل # المجموع # 207700000 ~~* # انظر مقدمة ابن خلدون، ص210، في فصل ~~عنوانه: «إن آثار الدولة كلها على نسبة ~~قوتها في أصلها». # بقية جدول موارد الدولة ~~العباسية في عصر الخليفة المأمون بالدراهم ~~والعروض. # الأقاليم # الجباية من الدراهم # الجباية من العروض # ما بين البصرة والكوفة # 10700000 درهم # ماسبذان والدينور # 4000000 درهم # شهرزور # 6700000 درهم # الموصل وما إليها # 24000000 درهم # 20 ألف رطل عسل أبيض # أذربيجان # 4000000 درهم # الجزيرة وعمل الفرات # 34000000 درهم # 1000 رأس رقيق و12 ألف زق عسل، 10 ~~بزاة و20 كساء # أرمينية # 13000000 درهم # 20 قسط محفور و530 رطل رقم، 10 آلاف ~~رطل من المسايح ~~* # 10 آلاف رطل سونج و200 بغل ~~و30 مهرا # برقة # 1000000 درهم # إفريقية # 13000000 درهم # 120 بساطا # المجموع # 96400000 # المجموع العام # 304100000 ~~* # المسايح أو السورما: نوع من السمك ~~المجفف. # جدول مقدار موارد الدولة ~~العباسية في عصر الخليفة المأمون بالدنانير ~~والعروض. # الأقاليم # الجباية من الدنانير # الجباية من العروض # قنسرين # 400000 دينار # 1000 حمل زبيب # دمشق # 420000 دينار # الأردن # 97000 دينار # فلسطين # 310000 دينار # 300000 رطل زيت # مصر # 2920000 دينار # اليمن # 370000 دينار # سوى المتاع [لم يذكر] # الحجاز # 300000 دينار # المجموع # 4817000 # مناقشة الجداول الثلاثة السابقة # هذه الجداول تبين لنا مقدار المال المأخوذ من ~~الأقاليم الإسلامية، كما تبين لنا ثروة كل إقليم ~~من هذه الأقاليم؛ لأن الضرائب كانت تؤخذ بنسبة ~~الثروات، وتبين ms118 لنا أنواع البضائع التي كانت ~~متوفرة في كل إقليم من الأقاليم المذكورة، ~~والجداول المذكورة تكشف لنا عن مقدار الثروة ~~الضخمة التي كانت ترد إلى بيت المال، ويظهر في ~~العاصمة الإسلامية الكبرى أن عهد الرشيد أغنى عهد ~~الدولة العباسية، فقد قال جميل المدور (في كتاب ~~حضارة الإسلام في دار السلام، ص178): «إنه لم ~~يسمع عن دخل دولة من الدول الخلفاء أنه تجاوز ~~القدر الذي يحمل إلى بيت المال في زمنه (أي زمن ~~الرشيد) مع أنه كان يسلك مع الرعية مسلك الحاكم ~~العادل ولا يضرب عليهم الخراج إلا على قدر ~~ميسرتهم، وإن كان قد زال عنه القليل، مما كان يحمل ~~إلى بيت المال سابقا من المغرب العربي، فقد ~~استعاض عنه بالقليل مما فرض على بلدان النصرانية ~~التي كان غلب عليها الروم من الأموال التي لا يصح ~~أخذها من المسلمين كالخراج والعشور.» # وكان المأمون ينفق هذه الأموال كلها في مصالح ~~الدولة العامة من جيش وإدارة وعمارة ونشر للعلم ~~والحضارة. ~~(6) الحياة العقلية في عهده # ارتفعت الحياة العقلية بكافة نواحيها في عصر المأمون، ~~فهو العصر الذهبي الرائع للحضارة الإسلامية، وهو عصر ~~الازدهار حقا، وما ذلك إلا أن البذرة التي كان بذرها ~~المنصور وتعهدها المهدي والرشيد قد ازدهرت في عهده وآتت ~~أكلها وثمراتها، ثم إن المأمون نفسه كان عالما يحب ~~العلم ويقرب أهله ويغدق عليهم، كما كان ينقب عن المخطوطات ~~من يونانية وأجنبية بصورة عامة، فيجمعها ويعمل على ~~ترجمتها، ويغدق على المترجمين. # وقد حفظ لنا ابن النديم في «الفهرست» وابن أبي أصيبعة في ~~«تاريخ الحكماء» والقفطي في «طبقات الحكماء» أسماء ~~المترجمين وما كان ينفقه عليهم، وعلى نشر هذه ~~المعربات. # أما العلوم الإسلامية من فقه وأصول وحديث وكلام ولغة ~~وأدب وشعر فقد بلغت أوجها في عهده، ونبغ من رجالاتها ~~أئمة كبار كانوا عمدة التأليف وأئمة التصنيف، وقد خلفوا ~~للمكتبة العربية آلافا من التصانيف المفيدة في كل فرع من ~~فروع العلم. # وكذلك كان الأمر في العلوم اليونانية من طبيعية وفلسفية ~~ورياضية وطبية، وقد حكى ابن النديم (في كتاب ms119 الفهرست، ~~ص243): «إن المأمون رأى في منامه كأن رجلا أبيض اللون ~~مشربا بحمرة، واسع الجبهة مقرون الحاجب، جالس على سريره، ~~وكأني بين يديه وقد ملئت منه هيبة، فقلت: من أنت؟ قال: أنا ~~أرسطاليس، فسررت به، وقلت: أيها الحكيم أسألك؟ قال: سل، ~~قلت: ما الحسن؟ قال: ما حسنه العقل، قلت: ثم ماذا؟ قال: ~~ما حسنه الشرع، قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن عند ~~الجمهور، قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم لا ثم.» وكانت بين المأمون ~~وملوك الروم مراسلات، طلب المأمون فيها منهم إنفاذ ما ~~عندهم من مختار علوم الأولين فأجابوه إلى ذلك، وبعث إليهم ~~المترجمين الأربعة؛ الحجاج بن مطر، ويوحنا بن ماسويه، ~~ويحيى بن البطريق، وسلما صاحب بيت الحكمة، فسافروا ~~واختاروا بعض الكتب العلمية وشرعوا في ترجمته ونشره، وفي ~~عهد المأمون وجدت جماعة من العلماء الأغنياء اعتنوا ~~بالعلوم الدخيلة عنايته، فنقلوا كثيرا من الكتب أمثال؛ ~~أحمد ومحمد والحسن أبناء شاكر المنجم، وهم الذين أنفذوا ~~حنين بن إسحاق إلى بلاد الروم لجلب الكتب العلمية الرومية ~~وترجمتها، ووظفوا للمترجم حبيش بن حسن وثابت بن قرة ~~مبالغ من المال للاهتمام بالترجمة، وكانوا ينفقون عليهم في ~~الشهر نحوا من «500» دينار، قال ابن خلكان: «إن المأمون ~~كان مغرما بعلوم الأوائل وتحقيقها.» هو الذي حقق مباحث ~~دورة الكرة الأرضية بعناية بني محمد بن موسى وأخويه أحمد ~~والحسن الأئمة الأعلام في علوم الفلسفة والحكمة والنجوم ~~والموسيقى والهندسة وعلم الحيل «الميكانيكا»، ومن ~~الفلاسفة الكبار الذين كان لهم مكان رفيع لدى المأمون ~~فيلسوف العرب يعقوب بن إسحاق الكندي حفيد الأشعث بن ~~قيس. # ويجب أن لا ننسى أن للفلاسفة السوريين في حران ~~وأنطاكية فضلا كبيرا في نقل علوم الأولين إلى العربية، ~~وقد جمع المأمون في دار كتبه الضخمة المسماة «بيت الحكمة» ~~كنوز العلم وآثاره من إسلامية وغير إسلامية، وكانت هذه ~~الخزانة مفتوحة الأبواب أمام العلماء الذين يريدون الدراسة ~~والتحقيق، ولم يكن الخليفة بعيدا عن أمور البحث؛ ~~وكالدراسة والمناقشة فيما تضمنته هذه الكنوز العلمية، وقد ~~استطاع الفلاسفة الدينيون المعروفون بالمعتزلة أن يثيروا ~~شوق ms120 الخليفة للاهتمام بالمناقشات الفلسفية التوحيدية؛ ~~فاعتنق نظرياتهم ومذهبهم في القول بخلق القرآن حتى إنه ~~جعله العقيدة الرسمية للدولة، وأمر بامتحان جميع الذين ~~يرفضون القول بها، وقد بالغ في ذلك إلى درجة التعصب، حتى ~~اضطهد جماعة من العلماء الذين أنكروها كالإمام أحمد بن ~~حنبل وغيره ممن لم يستطيعوا أن يؤمنوا بخلق القرآن. # يقول المؤرخ الهندي السيد أمير علي في كتابه «تاريخ ~~العرب» (ص235): كان عصر المأمون ألمع عصور الحضارة العربية ~~على وجه الإطلاق، فسمي، بحق، العصر الإسلامي الذهبي، ~~ولا مشاحة في أن العشرين سنة التي قضاها في الحكم قد تركت ~~كنوزا زاخرة من الثروة الفكرية، ولم تقتصر هذه النهضة على ~~ناحية معينة من العلوم والآداب، بل شملت نواحي التفكير ~~والثقافات، وكان المأمون لا يؤثر مذهبا أو جنسا ~~خاصا، بل أباح الاستخدام في مناصب الحكومة لجميع ~~المتعلمين على اختلاف أديانهم، كما أنشأ مجلسا استشاريا ~~للدولة يتألف من ممثلي جميع الطوائف، وأصبح هذا الديوان ~~يضم المسلمين واليهود والمسيحيين والصابئين على حد سواء، # 4 # والحق أنه أحيا دولة العلم والأدب والفكر ~~والترجمة، وكان يعقد المناظرات والمحاورات، وكان بلاطه ~~يعج بأهل العلم والفلاسفة الذين أحيوا الحركات العقلية ~~الزاهرة التي كانت في معاهد أثينا والقسطنطينية، ولولا ما ~~أخذ عليه من شدة تحمسه لمذهب المعتزلة، وحمل الناس على ~~الاعتقاد به لكانت الحركة العقلية التي ازدهرت في عصره ~~حركة لا تشوبها شائبة، ولكن تحمسه لهذا المذهب العقلي الذي ~~استهواه جعله يذهب هذا المنصب الغريب. ~~(7) الحياة الاجتماعية في عصره # استمرت الحياة الاجتماعية التي وصفناها في عصر الرشيد ~~أيام ابنيه الأمين والمأمون، ولا شك في أن الفتنة ~~التي وقعت بين الأخوين قد أفسدت بعض مظاهر الحياة ~~الاجتماعية بعض الإفساد، ولا أدل على ذلك من إيراد بعض ~~المقطوعات الشعرية التي قالها بعض الشعراء المعاصرين ~~للفتنة، ممن حفظ لنا الطبري أشعارهم. # قال شاعر من أهل بغداد لما رأى اضطراب الوضع في مدينته ~~وتشاغل محمد الأمين عن النظر في أحوالها، واهتمامه بما لا ~~طائل تحته وبحمله الناس على مبايعة ابنه: # 5 # أضاع الخلافة ms121 غش الوزير # وفسق الإمام وجهل المشير # وما ذاك إلا طريق غرور # وشر المسالك طرق الغرور # ففضل وزير وبكر مشير # يريدان ما فيه حتف الأمير # وأعجب من ذا وذا أننا # نبايع للطفل فينا الصغير # ولكنها فتن كالجبال # ترفع فيها الوضيع الحقير # فصبرا ففي الصبر خير كبير # وإن كان قد ضاق صبر الصبور # وقال بعض أهل بغداد أثناء حصار طاهر بن الحسين للأمين: # 6 # قل للأمين الله في نفسه # ما شتت الجند سوى ~~الغاليه # وطاهر، نفسي تقي طاهرا # برسله والعدة ~~الكافيه # أضحى زمام الملك في كفه # مقاتلا للفئة الباغيه # يا ناكثا أسلمه نكثه # عيوبه من خبثه فاشيه # قد جاءك الليث بشداته # مستكلبا في أسد ضاريه # فاهرب ولا مهرب من ~~مثله # إلا إلى النار أو ~~الهاويه # وقال شاعر من أهل الجانب الغربي يصف اضطراب مدينة بغداد ~~ويذكر قتل الناس بالمنجنيق والحجارة: # 7 # لا تقرب المنجنيق والحجرا # فقد رأيت القتيل إذ ~~قبرا # باكر كي لا يفوته خبر # راح قتيلا وخلف الخبرا # يا صاحب المنجنيق ما فعلت # كفاك لم تبقيا ولم ~~تذرا # كان هواه سوى الذي قدرا # هيهات لن يغلب الهوى ~~القدرا # وقال آخر: # يا رماة المنجنيق # كلكم غير شفيق # ما تبالون صديقا # كان أو غير صديق # ويلكم تدرون ما # ترمون مرار الطريق # رب خود ذات دل # وهي كالغصن الوريق # أخرجت من جوف دنيا # ها ومن عيش أنيق # لم تجد من ذاك بدا # أبرزت يوم الحريق # وقال العتري: # 8 # من ذا أصابك يا بغداد ~~بالعين # ألم تكوني زمانا قرة ~~العين # ألم يكن فيك قوم كان ~~مسكنهم # وكان قربهم زينا من الزين # صاح الغراب بهم بالبين ~~فافترقوا # ماذا لقيت بهم من لوعة ~~البين # أستودع الله قوما ما ذكرتهم # إلا تحدر ماء العين من ~~عيني # وقال الحسين الخليع: # 9 # أتسرع الرحلة إغذاذا # عن جانبي بغداد أم ماذا # ألم تر الفتنة قد ~~ألفت # إلى أولي الفتنة شذاذا # وانتقضت بغداد عمرانها # عن رأي لا ذاك ولا هذا # هدما وحرقا قد أبيد أهلها # عقوبة لاذت بمن لاذا # ما أحسن الحالات ms122 إن لم تعد # بغداد في القلة بغداذا # وقال الخزيمي قصيدة رائعة في مائة وخمسة وثلاثين بيتا ~~من عيون الشعر يصف اضطراب الأمر في بغداد وما آلت إليه ~~حالتها الاجتماعية والعمرانية من خراب وفوضى، ذكرها الطبري ~~في تاريخه (10: 176-181)، وإليك بعض أبياتها: # قالوا ولم يلعب الزمان ببغ # داد وتعثر بها ~~عواثرها # إذ هي مثل العروس بادي # ها مهول للفتى وحاضرها # وهل رأيت القرى التي غرس الأم # لاك مخضرة دساكرها # محفوفة بالكروم والنخل ~~والري # حان قد دميت محاجرها # فإنها أصبحت خلايا من ~~الإن # سان قد بليت مفاخرها # قفرا خلاء تعوي الكلاب بها # ينكر منها الرسوم زائرها # وأصبح البؤس ما يفارقها # إلفا لها والسرور هاجرها # فأين رقاصها وزامرها # يجبن حيث انتهت ~~حناجرها # أمست كجوف الحمار خالية # يسعرها بالجحيم ساعرها # يا بؤس بغداد دار مملكة # دارت على أهلها دوائرها # أمهلها الله ثم عاقبها # لما أحاطت بها كبائرها # بالخسف والقذف والحريق وبا # لحرب التي أصبحت تساورها # رق بها الدين واستخف بذي ~~ال # فضل وعزر النساك ~~فاجرها # وخطم العبد أنف سيده # بالرغم واستعبدت مخادرها # والكرخ أسواقها معطلة ~~«يستن» عيارها وعائرها # أخرجت الحرب من سواقطها # آساد غيل غلبا تساورها # والخيل تستن في أزقتها # بالترك مسنونة خناجرها # والنفط والنار في طرائقها # وهابيا للدخان عامرها # والنهب تعدو بها الرجال وقد # أبدت خلاخيلها حرائرها # معصوصبات وسط الأزقة قد # أبرزها للعيون ساترها # كل رقود الضحى مخبأة # لم تبد في أهلها محاجرها # بيضة خدر مكنونة برزت # للناس منشورة غدائرها # تسأل أين الطريق والهة # والنار من خلفها تبادرها # يا هل رأيت الثكلى مولولة # في الطرق تسعى والجهد ~~باهرها # في إثر نعش عليه واحدها # في صدره طعنة يساورها # هكذا كان أهل بغداد إبان الفتنة، ولكن ما عتمت أن ~~استعادت حياتها الاجتماعية المرحة في عهد المأمون، فأعيد ~~بناء الدور والأسواق المهدمة، وتوجهت عناية الخليفة إلى ~~إعادة بناء ما تهدم من المؤسسات العامة؛ كالمسجد ~~والكتاتيب والحمامات والجسور والقناطر والخانات ~~والأفران، حتى عاد بناء المدينة إلى مثل ما كان عليه ~~قبلئذ، ورجع الترف عند البغاددة إلى ما ms123 كان عليه سابقا ~~تشبها بالخليفة وآل بيته ورجاله في أفراحهم وحفلاتهم ~~ومواسمهم وأعيادهم، ولا بأس من أن نقف وقفة قصيرة أمام ~~حفلة بناء المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل في رمضان سنة ~~210، قال الطبري (التاريخ، 10: 273): لما فرغوا من الإفطار ~~وغسلوا أيديهم دعا بشراب ~~فأتي بجمام ذهب فصب ~~فيه وشرب، ومد يده بجام فيه شراب إلى الحسن فتباطأ عنه ~~الحسن؛ لأنه لم يكن يشرب قبل ذلك، ولما جلس المأمون معها ~~نثرت عليها جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب، وأوقد في ~~تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منا في تور ذهب فأنكر ~~المأمون ذلك عليهم، وقال: هذا سرف، وأقام المأمون عند ~~الحسن سبعة عشر يوما، يعد له في كل يوم لجميع من معه ~~جميع ما يحتاج إليه، وخلع الحسن على القواد على مراتبهم ~~وحملهم ووصلهم، وكان مبلغ النفقة عليه خمسين مليون درهم، ~~وأمر المأمون غسان بن عباد عند منصرفه أن يدفع للحسن ~~عشرة ملايين من مال فارس وأقطعه «فم الصلح»، فجلس ففرقها ~~في قواده وأصحابه وخدمه، وكتب الحسن رقاعا فيها أسماء ~~ضياعه ونثرها على القواد وعلى بني هاشم، فمن وقعت في يده ~~رقعة فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها، ولم يكن وجوه البغاددة ~~أقل إسرافا في أفراحهم ومواسمهم من الحسن، فقد كان مال ~~الأرض ينصب في بغداد، فيوزعه الخليفة على الجند والقادة، ~~وهم بدورهم يوزعونه على الأهلين الذين أثروا وبنوا القصور ~~والدور والبساتين والجنان، واقتنوا المتاع والرياش والفرش ~~والديباج والغلمان، وآلات الزينة والصيد والطعام والشراب ~~والطيب والمراكب والخيول والحلي والملابس وغير ذلك مما حفل ~~فيه كتب: «الأغاني» و«حلبة الكميت» و«أعلام الناس» و«أعجب ~~المخلوقات» و«المستطرف» و«تزيين الأسواق» و«ألف ليلة ~~وليلة». ~~(8) الحياة الاقتصادية في عصره # كتبنا في الفصل الخاص بالرشيد شيئا عن الحياة ~~الاقتصادية من زراعة وصناعة وتجارة، ونريد في هذا الفصل أن ~~نبين بعض ما أهملنا بيانه في ذلك الفصل، فإنه مكمل ~~له. # أما الزراعة: # فقد شجع ~~المأمون الناس على العناية بالأرض، وأوصى وزراءه وعماله ~~أن يعنوا بالري ونواظم الماء وكري الأنهار وشق ms124 ~~الأقنية، وعدم التشديد على الناس في الجباية، والرفق ~~بأصحاب الأرضين، وكان القاضي أبو يوسف قد اقترح على ~~الرشيد إنقاص مقدار الخراج، وجعله مقاسمة على النصف؛ أي ~~خمسين بالمائة، فقبل الرشيد اقتراحه، وفي سنة 172ه أنقص ~~الرشيد مقدار الخراج بحذف العشر الذي كان يؤخذ بعد النصف ~~كما يذكر الطبري (التاريخ، 10: 51)، واستمرت الجباية على ~~هذا طوال عهد الرشيد والأمين والمأمون إلى سنة 204ه، فإنه ~~جعل مقاسمة أهل السواد بالخمسين بدل النصف، # 10 # وطلب إلى عامله على خراسان حط ربع الخراج عن مقاطعاتها، # 11 # ولما بعث عبد الله بن طاهر لتهدئة الفتنة ~~التي وقعت بين النزارية والقحطانية سنة 210ه بالشام أذن له ~~في حط الخراج عن بعض البلاد الشامية، كما يذكر اليعقوبي ~~(التاريخ، 2: 191) ولكنه لا يعين لنا ذلك المبلغ ~~المحطوط، وأغلب ظننا أنه جعله كالسواد؛ أي بأخذ الخمسين ~~لبيت المال وإبقاء ثلاثة الأخماس لأصحاب الأرض، ولما كان ~~المأمون في سنة 214ه بدمشق طلب أن تمسح الأراضي على ~~أيدي مساحين من العراق والأهواز والري، فمسحت ثم ~~فرض عليها الضرائب المستحقة دون إجحاف بالأهلين، وأوصى ~~عماله بحسن السيرة في الجباية، وتخفيف المئونة وكف ~~الأذى عن الناس، # 12 # هذا؛ ولا بد من الإشارة إلى نص ينقله ~~الأستاذ ميتز عن المؤرخ ديونيسيوس # Dionysius ~~، وهو أن جباة الخراج في ~~العراق حوالي عام 200ه/815م هم قوم من العراق والبصرة ~~والعاقول، وهم عتاة ليس في قلوبهم رحمة ولا إيمان، شر ~~من الأفاعي يضربون الناس ويحبسونهم ويعلقون الرجل البدين ~~من ذراع واحد حتى يكاد يموت، ولا شك في أن بعض عمال ~~المأمون كانوا يطبقون هذه الأحكام القاسية على المزارعين، ~~ولم يخل زمان من جلادين وظلمة، فقد ذكر المقريزي ~~(الخطط، 2: 99) أن العباس بن موسى بن عيسى والي مصر من ~~قبل المأمون على الخراج والصلات قد تحامل على الرعية ~~وعسفها وتهدد الجميع فثاروا عليه. # وأما التجارة: # فقد ~~بلغت في العراق أيام العصر العباسي الأول أوجها، ~~وبخاصة في عصر المأمون، فقد استتبع الرقي الزراعي رقي ~~تجاري وخصوصا حين أوغلت البلاد في الترف، وقد أدى ms125 هذا ~~الإيغال إلى توسع التجارة وقيام مؤسسات مالية وتجارية ~~فردية أو جماعية نجد أثرها في كتب الفقه وكتب الأحكام ~~السلطانية والخراج، وكان طبيعيا أن تنمو دور ~~الصيرفة. # وأما الطرق التجارية المعروفة يومئذ فهي إما برية ~~وإما بحرية، والبحرية لها طريقان مشهوران؛ أولهما: ~~البصرة، فسيراف على خليج البصرة، فموانئ الهند، فسيلان، ~~فخليج، فسومطرة، فكمبوديا، فكانتون التي كان يسميها العرب ~~خانقو، وثانيها: طريق مبدؤه من القلزم وجدة وعدن، ثم ~~يسير إلى ساحل إفريقية الشرقية حتى موازبيق. # 13 # أما التجارة البرية فطرقها كثيرة وأشهرها الطرق ~~الآتية: ~~(1) # طريق ~~الشرق: # ويبدأ من بغداد إلى ~~حلوان، فإلى همذان وقزوين والري ونيسابور، ~~فمرو وبخارى وسمرقند وخوارزم. ~~(2) # طريق ~~الغرب: # ويبدأ من بغداد إلى ~~الرقة فالشام فمصر فشمالي إفريقية، فالأندلس ~~وبلاد الإفرنج. ~~(3) # طريق ~~الشمال: # من بغداد إلى الموصل ~~فالجزيرة فحلب فبلاد الروم فأوروبا ~~الشرقية. ~~(4) # طريق ~~الجنوب: # من بغداد إلى الكوفة ~~فالحجاز فاليمن وهو طريق الحج، ومما تجدر ~~الإشارة أن النصارى واليهود وأهل الذمة على ~~العموم قد لعبوا دورا كبيرا في تقدم التجارة ~~العربية، وفي تنظيم التجارة العربية وبخاصة ~~إلى إسبانيا والصين وأوروبا الشرقية ~~والغربية. # أما أساليب التبادل التجاري فكانت على أنواع ~~وهي: ~~(1) # التقايض وذلك باستبدال البضائع المجلوبة ~~ببضائع أخرى تصدرها البلاد الإسلامية. ~~(2) # الشراء بالعملات العربية أو العملات ~~الأجنبية. ~~(3) # استعمال السفاتج المالية والصكوك. # وقد شاعت في بلاد الإسلام العملات الذهبية والفضية، على ~~أن بعضها يختلف عن بعض، فبلاد فارس والغرب كانت عملتها ~~الغالبة الدراهم الفضية، وكذلك كان الأمر في العراق، أما ~~الشام ومصر والحجاز واليمن وشمال إفريقية فكان الأكثر ~~استعمال الدنانير الذهبية، ويذكر يحيى بن آدم في «كتاب ~~الخراج» أن العملة في العراق هي الدراهم، وفي الشام ~~الدينار، وفي مصر الدينار أيضا، أما بلاد فارس والمشرق ~~فتستعمل الدراهم لا الدنانير، وقد لاحظنا ذلك في الجداول ~~التي نقلناها عن ابن خلدون. # وكانت معاملات بيت مال الخلافة أكثر ما تكون بالدراهم، ~~والدرهم على الأكثر يساوي «6» دوانق، والدانق «12» ~~قيراطا، والقيراط «24» طسوجا، والطسوج «48» حبة، أما ~~الدينار فيختلف صغيرا وكبيرا وقيمة وجنسا، وقد كان في ms126 ~~القرنين الثالث والرابع يساوي نحو «24» درهما. # أما أشهر الناس بالتجارة في ذلك العصر فهم العراقيون ~~والمصريون خاصة ثم اليمنيون، يقول ابن الفقيه الهمذاني في ~~«كتاب البلدان» (ص290): «وقالوا: أبعد الناس نجعة في ~~الكسب بصري أو حميري.» # والمدينة التجارية الوحيدة التي كانت تلي بغداد في ~~التجارة ذلك العصر هي الإسكندرية، قال المستشرق ميتز: # 14 ~~«صارت التجارة الإسلامية هي السيدة في بلادها، ~~وكانت سفن المسلمين وقوافلهم تجوب كل البحار والبلاد، ~~وكانت الإسكندرية وبغداد هما اللتان تقرران الأسعار للعالم ~~في ذلك العصر، للبضائع الكمالية على الأقل، وكان التجار ~~اليهود الذين يأتون من مقاطعة بروفانس بفرنسا يسمون ~~عند المسلمين في القرن الثالث باسم مجرد وهو «تجار ~~البحر»، وقد وصفهم المسلمون بأنهم يسافرون بين الشرق ~~والغرب ويحملون من «فرنجة» الخدم والغلمان والجواري ~~والديباج والخبز الفائق والفراء والسمور، فيركبون البحر ~~من «فرنجة» ويخرجون إلى الفرما، ويحملون تجاراتهم على ~~الظهور إلى القلزم، ثم يركبون البحر الشرقي من القلزم إلى ~~جدة والجار، ثم يمضون إلى السند والهند والصين، فيحملون من ~~الصين المسك والعود والكافور والدارصيني وغير ذلك، ~~ويرجعون إلى القلزم ثم يتحولون إلى الفرما، ويركبون ~~البحر الغربي، فربما عدلوا بتجارتهم إلى القسطنطينية ~~فباعوها للروم، وربما صاروا بها إلى بلاد «الفرنجة»، وإن ~~شاءوا حملوا تجاراتهم في البحر الغربي فخرجوا بأنطاكية ~~وساروا برا إلى الفرات فركبوا دجلة إلى الأبلة إلى ~~عمان والهند والصين، وكانوا يتكلمون العربية والإفرنجية ~~والفارسية والرومية، وهم تجار اليهود الذي يقال لهم ~~«الراهدانية» أو «الرذانية»، ومما هو معلوم أن الإسلام ~~حرم الربا كما حرم المضاربة، ولكن اليهود والنصارى قد ~~استطاعوا أن يلعبوا في هذا دورا كبيرا، وكانوا منذ عهد ~~الرشيد يقومون بعمليات الربا الفاحش والمضاربات البالغة، ~~فقد ذكر ياقوت في معجم الأدباء (ج5، 458) أنه كان في عصر ~~المأمون تاجران متواخيان في شراء غلات العراق، فأشرفا ~~على ربح عشرة آلاف ألف درهم، ثم اتضع السعر فخسرا ستة ~~آلاف ألف.» # وأما الصناعة: # فقد ~~ظلت في عصر المأمون كما كانت عليه قبلا، وكانت الأقاليم ~~الإسلامية تنتج الصناعات التي تحدثنا عنها ms127 في عصر الرشيد، ~~ونضيف أن العالم الإسلامي اشتهر في هذا الحين ببعض ~~المنسوجات كالشاش الموصلي والخز البصري والسقلاطون ~~البغدادي والعمائم الكوفية؛ وغير ذلك من الثياب المزركشة ~~التي اقتضت وجودها طبقات السكان من نبلاء ووزراء وقادة ~~وجنود ورؤساء وعلماء؛ لأن كل واحد من هؤلاء كان ذا زي ~~خاص، وكان للخليفة دار نسيج خاصة به تسمى «دار الطراز» ~~تصنع فيه المنسوجات الخليفية المنقوشة المطرزة بالأدعية ~~وألقاب الخلافة، ووجدت في العراق صناعات أخرى بارعة ~~كصناعات الخزف المنقوش الجميل، وصناعات الحديد والفولاذ ~~والفضة والذهب والجواهر الكريمة والآلات الفلكية والساعات ~~الدقاقة والمزولات، وصناعات النجارة المنقوشة والمطعمة ~~والمكفتة، وصناعات السفن والحراقات النهرية والبحرية، ~~وصناعات الصابون والزيت والعطور والأدهان والطيوب، وصناعات ~~الخمور والأنبذة والكحول وما إلى ذلك. # ومن الصناعات التي ازدهرت في عصر الرشيد صناعة الوراقة ~~وما يتبعها من النسخ والتجليد والزخرفة، قال ابن خلدون (في ~~المقدمة، ص498): «طما بحر التأليف والتدوين، وكثر ترسل ~~السلطان وصكوكه وضاق الرق عن ذلك، فأشار الفضل بن يحيى ~~بصناعة الكاغد وصنعه، وكتب فيه رسائل السلطان وصكوكه، ~~واتخذه الناس من بعده صحفا لمكتوباتهم السلطانية ~~والعلمية، وبلغت الإجادة في صناعته ما شاءت.» # وبعد؛ فإن الصناعة من نسج وحياكة وتعدين ووراقة، وما ~~إلى ذلك من الصناعات التي تقتضيها الحضارة قد بلغت ~~أوجها في القرن الثالث للهجرة، حتى غدت عواصم الإسلام، ~~وبخاصة بغداد والإسكندرية، أهم مركزين عالميين للتجارة ~~والصناعة، وقد ظل ذلك حقبة طويلة من الزمن إلى أن اضمحل ~~الملك العربي. ~~(9) خاتمته # كان المأمون من ~~أفاضل خلفاء العباسيين وعقلائهم ومثقفيهم وحكمائهم، ويقول ~~المسعودي إنه: «كان حسن التدبير لا تخدعه الأماني ولا ~~تجوز عليه الخدائع، ولم يكن يعاب في حكمه بشيء سوى تهاونه ~~بالأمر بعد استخلافه فترة، وتركه السلطة لآل سهل يفعلون ما ~~يريدون، كما يعاب عليه تقريبه الأعاجم وتبعيده العرب.» # 15 # وقال ابن الأثير: «تعرض رجل للمأمون بالشام ~~مرارا وقال: يا أمير المؤمنين انظر لعرب الشام كما نظرت ~~لعجم خراسان، فقال له: أكثرت علي، والله ما أنزلت قيسا ~~من ظهور خيلها إلا وأنا أرى أنه ms128 لم يبق في بيت مالي درهم ~~واحد (يعني بسببهم في فتنة ابن شبث)، وأما اليمن فوالله ما ~~أحببتها ولا أحبتني قط، وأما قضاعة فساداتها تنتظر ~~السفياني حتى تكون من أشياعه، وأما ربيعة فساخطة على ربها ~~منذ بعث نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا وخرج أحدهما ~~سائسا، اعرف فعل الله بك.» # 16 # وهو كما نرى جواب غريب، وقول عجيب من أمير ~~المؤمنين العاقل الحكيم، ولكنها السياسة الأعجمية غلبت ~~عليه ما أفسدته وجعلته يقول هذا القول. # ومهما يكن من شيء ~~فإن المأمون على كل حال خليفة عظيم الشأن، ولو فسح له ~~في أجله لكان شأنه أعظم، ولا شك في أنه حين شعر بدنو ~~أجله وهو يعد عدته لفتح القسطنطينية، أن البلاد قادمة ~~على عهد يجب أن يكون الخليفة فيه إنسانا قويا، فلذلك ~~تناسى ابنه وتجاوز عنه إلى أخيه المعتصم، فأوصاه بوصية ~~تدل على عقله وحزمه، وقد حفظ لنا الطبري نصها، ومما ~~جاء فيها قوله: # 17 ~~«هذا ما شهد عليه عبد الله بن هارون أمير ~~المؤمنين بحضرة من حضره، أشهدهم جميعهم على نفسه أن يشهد ~~ومن حضره أن الله عز وجل وحده لا شريك له في ملكه، ولا ~~مدبر لأمر غيره، وأنه خالق وما سواه مخلوق، يا أبا إسحاق ~~(هو المعتصم) ادن مني واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك ~~في القرآن، واعمل في الخلافة إذا طوقكها الله عمل المريد ~~لله الخائف من عقابه وعذابه، ولا تغتر بالله ومهلته، ~~فكأن قد نزل بك الموت، ولا تغفل أمر الرعية، العوام ~~العوام، وعجل الرحلة عني والقدوم إلى دار ملكك، ~~وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل ~~وقت، والخرمية فأغزهم ذا حزامة وصرامة، ولا ~~تتخذن بعدي وزيرا تلقي إليه شيئا؛ فقد علمت ما نكبني ~~به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبث سيرته، وهؤلاء ولد ~~عمك من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فأحسن صحبتهم، ~~وتجاوز عن مسيئهم واقبل من محسنهم، وصلاتهم فلا تغفلها ~~في كل سنة عند محلها، فإن حقوقهم تجب ms129 من وجوه شتى ...» هذا ~~ثم أسلم روحه وانطفأ نور الشمعة الوهاجة التي ختمت عهد ~~العباسيين المشرق القوي وعصر الازدهار العربي، وخلف من ~~بعده خلفاء أضاع كثير منهم هيبة السلطان، وتركوا البلاد ~~تتخبط، فاستقلت بعض الأقاليم، وتسلط عليها عناصر غريبة من ~~ترك وديالمة أفسدوا ملك العرب والإسلام. # الفصل الثامن # | المعتصم بن الرشيد # 19 رجب 218-18 ربيع الأول 227ه/833-842م ~~(1) أوليته # هو أبو إسحاق محمد المعتصم بالله بن الرشيد، ولد سنة ~~179ه، وأمه أم ولد تركية اسمها ماردة، نشأ في كنف أبيه ~~ورعاية أمه، ولم يكن كإخوته ميلا إلى العلم ولا حبا ~~لأهله حتى زعم بعض المؤرخين أنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ، # 1 # ويقول ابن خلكان: «إنه كان ضعيف الكتابة.» ~~ويجمع المؤرخون على أن الصفة البارزة فيه كانت الجندية ~~والشجاعة والفروسية والقوة ليس غير، وقال صاحب «العيون ~~والحدائق» (ص73): «كان غزير القوة يحمل ألف رطل ويمشي خطوات.» # 2 # وقال الإربلي: «كان يلوي العمود الحديد حتى ~~يعيده طوقا ويشتد على الدينار بأصبعه فيمحو كتابته.» # 3 # ومهما تكن هذه الروايات في مبالغتها فإنها ~~تدل على أن الرجل كان مشهورا بقوته وشجاعته، ولا ريب ~~فإن خئولته قوم عرفوا بالشجاعة والعنف والقوة والروح ~~العسكرية، وقد تجلت قوته ومواهبه العسكرية في حروبه أيام ~~خلافة أخيه وفي فتوحه وفي القضاء على الفتن التي وقعت في ~~عهده كما سنرى. ~~(2) بيعته وما أعقبها من أحداث # رأينا أن المأمون عهد إليه بالأمر بعده، ويظهر أن بعض ~~الأجناد والرؤساء وخاصة العرب منهم أرادوا مبايعة ابن أخيه ~~العباس بن المأمون؛ لأنه كان فتى عاقلا ومتعلما ~~ومحبوبا، وبخاصة لدى العرب، فإن هوى المعتصم كان تركيا، ~~ولكن العباس نفسه بايع عمه، وحسم هذا الشغب، وقد بويع ~~المعتصم في اليوم الذي مات فيه أخوه المأمون في 19 رجب ~~218، وهو ببلاد الروم، ورجع من فوره إلى بغداد تنفيذا ~~لوصية أخيه، وخوفا من الانشقاق والفتنة، بعد أن أمر بهدم ~~ما كان المأمون قد بناه بمدينة طوانة من حصون وقلاع، وحمل ~~ما قدر عليه من السلاح والمتاع والآلات ms130 الحربية، وأحرق ما ~~لم يقدر على حمله، وصرف من كان أحضرهم المأمون من العمال ~~والناس إلى بلادهم، ودخل بغداد في رمضان سنة 218ه ومعه ~~العباس بن المأمون، فأخذ يرتب أمور دولته، وولى وزارته ~~إلى كاتبه قبل الوزارة وهو الفضل بن مروان، ولم يكد يستقر ~~ببغداد حتى بلغه خبر الخرمية وثورتهم، فأخذ يعد ~~العدة للقائهم والفتك بهم، وجرت في عهده بثوق وفتن كثيرة ~~كان لها بالمرصاد، كما كان له ببلاد الروم جولات موفقة ~~سنعرض إلى تفصيلها فيما بعد. ~~(3) الأحوال الداخلية # وقعت في عهد المعتصم عدة ثورات وفتن وحركات أقلقت ~~الوضع الداخلي، ولكن حزمه قضى عليها جميعها، وفيما يلي ~~موجز لبعض الفتن: ~~(1) # في سنة 219ه ~~: ~~ثار على المعتصم الإمام محمد بن القاسم بن علي ~~بن عمر بن علي بن الحسين الزيدي العلوي، وكان ~~مقيما بالكوفة فخرج منها إلى إقليم الطالقان ~~بخراسان يدعو إلى «الرضى من آل محمد»، واجتمع إليه ~~الناس كثيرا فاهتم به عبد الله بن طاهر، وجرت ~~بين الطرفين حوادث وحروب انهزم فيها محمد ~~بن القاسم، ثم تمكن منه عبد الله بن طاهر فأرسله ~~إلى المعتصم فحبسه بسامرا، ثم تمكن من الهرب ولم ~~يعرف له خبر، وهو الذي تزعم بعض فرق الزيدية أنه ~~حي لم يمت، وأنه سيعود. ~~(2) # ثورة الزط ~~: قوي أمر الزط (وهم قوم من أخلاط ~~الشعوب الآرية والسامية) في سنة 219ه، وأخذوا ~~يعيثون في الأرض الفساد، ويقطعون على السابلة ~~طريقهم بين البصرة وواسط وبغداد، حتى انقطع عن ~~بغداد جميع ما كان يحمل إليها من السفن، # 4 # وقد انضم إليهم كثير من العبيد ~~الأباق وموالي باهلة، فبعث إليهم المعتصم ~~القائد عجيف بن عتبة فحصرهم بالبطيحة بأن سد ~~أفواه الأنهار التي كانوا يدخلون فيها ~~ويخرجون، ثم حاربهم بشدة فتمكن من قتل نفر ~~منهم قريب من ثلاثمائة شخص، وأسر نحوا من ~~خمسمائة، وضيق الخناق عليهم حتى استأمنوا له ~~على دمائهم وأموالهم فأجابهم إلى ذلك، ويذكر ~~الطبري أن عددهم كان نحوا من سبعة وعشرين ألف ~~شخص. ~~(3) # ثورة مازيار القارني ~~: هو ماه يزديار بن ms131 قارن ~~آخر الأمراء القارنيين أخرجه شهريار بن شيرويه ~~من طبرستان، فالتجأ إلى المأمون وأسلم على ~~يديه، وتسمى بمحمد، ولكن إسلامه كان إسلاما ~~سطحيا، لم يلبث أن خلعه حينما مات خصمه ~~شهريار في سنة 210ه، فولاه المأمون على ~~طبرستان وما والاها، فذهب وطرد سابور بن ~~شهريار، ثم لحق به فأسره وقتله واستولى على ~~الجبال. # ولما قوي أمر المازيار عزم على إعلان ~~استقلاله، وانتهز فرصة قيام الأفشين بثورته ضد ~~الأمراء الطاهريين، فأيد الأفشين وأعلن ~~عصيانه، ويظهر أن المازيار أعلن القول بتركه ~~للإسلام ورجوعه إلى دينه القديم، وقال ~~المسعودي: «إن المازيار أقر على الأفشين أنه ~~بعثه على الخروج والعصيان لمذهب كانوا اجتمعوا ~~عليه، ودين اتفقوا عليه من مذاهب الثنوية والمجوس.» # 5 # ويقول البلاذري: «إنه كفر وعذر.» # 6 # ويقول البغدادي في «الفرق بين ~~الفرق» (ص252): «إن المازيار كان خرميا من ~~المحمرة.» ولما أعلن المازيار ثورته خلع ~~الطاعة واستولى على أملاك العرب ومواليهم، ~~ووزعها على الفلاحين من أهل تلك البلاد، بل ~~إنه غرى الفلاحين على قتل أصحابها من العرب ~~بقوله: «إني قد أبحتكم منازل أرباب الضياع ~~وحرمهم، فاقتلوا أرباب الضياع جميعهم قبل ذلك، ~~ثم خذوا ما وهبت لكم من المنازل والحرم.» # 7 # وهذا يوضح لنا أن ثورة المازيار ~~فارسية خرمية ترمي إلى هدم السلطان العربي ~~والدين الإسلامي، وقد اعتنقها عدد كبير من ~~الإيرانيين وعم بلاؤهم، فعاثوا خلال الديار، ~~واضطر الخليفة إلى أن يبعث إليهم الحسن بن ~~الحسين، حيان بن جبلة، ومحمد بن إبراهيم، ~~بجيوش كبيرة ليعاونوا عبد الله بن طاهر للقضاء ~~عليهم، وهكذا استطاع الجيش العباسي من السيطرة ~~عليه وأسره، فأرسل إلى سامراء وصلب إلى ~~جانب بابك سنة 224. ~~(4) # حركة بابك الخرمي ~~: ذكرنا في بحثنا عن ~~المأمون أن بابك الخرمي ظهر في عهده وأخذ ~~يدعو الناس إلى دين الخرمية، وأن أمره تعاظم ~~جدا فبعث إليه المأمون جماعة من كبار ~~قواده ففتك بهم، ومات المأمون وسلطان بابك ~~ممتد إلى «أذربيجان» و«همذان» و«أصفهان» ~~و«ماسبذان»، وأن المأمون أوصى المعتصم بقوله: ~~«والخرمية فأغزهم ذا حزامة وصرامة وجلد، ~~واكنفه بالأموال والسلاح ms132 والجنود من ~~الفرسان والرجالة، فإن طالت مدتهم فتجرد لهم ~~بمن معك.» وهكذا كان، فبذل المعتصم همته ~~في خضد شوكة بابك؛ لئلا يسيطر على البلاد ~~الفارسية التي تروقها دعوته، فاختار لحرب بابك ~~قائدا كبيرا هو حيدر بن كاوس الأشروسني ~~الملقب بالأفشين، وهو لقب ملوك أشروسنة، وبعثه ~~إليه في سنة 220ه، فنظم الأفشين أمره واستعد ~~للقاء خصمه القوي، ثم خرج فأتى أردبيل وكانت ~~أول وقعة بينهما في «أرشق» أحد حصون الأفشين ~~ففتك بهم، واستطاع هو الإفلات ودخل موقان، ~~واستمرت الحروب بين الاثنين مدة طويلة، وفي ~~سنة 221ه استطاع الأفشين الاستيلاء على «البذ» ~~وهي قلعة بابك، ثم أسر بابك وأخاه وأسرته، ~~وذهب بهم مقرنين في الأصفاد إلى سامراء، ~~وكان دخوله عليها يوما مشهودا، وما لبث أن ~~قتل وصلب، وهكذا قضي على هذا الثائر ~~الطاغية، الذي يروي الطبري أن عدد من قتلهم ~~من المسلمين في عشرين سنة كان 250000 مسلم، ~~وأن عدد الأسيرات المسلمات اللواتي ~~استنقذن من سجنه 7600، ويقول المسعودي: # 8 ~~«إن من أدركه الإحصاء ممن قتله ~~بابك في 22 سنة من جيوش المأمون والمعتصم من ~~الأمراء والقواد وغيرهم من سائر طبقات الناس ~~في القول المقلل خمسمائة ألف، وقيل أكثر من ~~ذلك، وإن الإحصاء لا يحيط به كثرة.» وتقدير ~~الطبري أقرب إلى الصواب فيما نظن؛ لأنه كان ~~يطلع على الوثائق الرسمية. ~~(5) # فتنة الأفشين ~~: كان الأفشين من قواد المعتصم ~~الكبار الذين لعبوا دورا على مسرح السياسة في ~~العصر العباسي، ويظهر أن الرجل طمع في ~~الاستقلال بأشروسنة، فقد عرف عبد الله بن طاهر ~~أن الأفشين لما كان يحارب بابك كان لا تأتيه ~~هدية، ولا يجتمع له مال إلا أرسله إلى موطنه ~~سرا، ثم علم المعتصم بأن مراسلات قد كانت ~~بينه وبين المازيار الثائر، واطلع الخليفة على ~~تلك المراسلات فكتمها، وساءت ظنونه في ~~الأفشين، وفي سنة 225ه كتب صاحب البريد في ~~أذربيجان إلى الخليفة أن منكجور بين الأفشين ~~وأمير أذربيجان قد احتجن أموالا عظيمة في ~~محاربة بابك، ولكنه لما سئل عن ذلك لم ~~يعترف، ولما أراد المعتصم ms133 وقتئذ على الأفشين ~~فأحس بذلك وأراد الهرب إلى أرمينية عن طريق ~~الموصل فلم يوفق، ثم أراد القيام بمؤامرة ~~لقتل الخليفة فلم يوفق، واكتشفت مؤامرته ~~فقبض عليه وسجن في رابع ذي الحجة سنة 225ه، ~~ثم عقد المعتصم محكمة عليا لمناظرة الأفشين ~~برئاسة الوزير محمد بن عبد الملك الزيات ~~وعضوية أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة وإسحاق ~~بن إبراهيم بن مصعب، وقد حفظ لنا الطبري وصاحب ~~العيون والحدائق محضر هذه الجلسة، وفيما يلي ~~خلاصة ذلك المحضر: عن هارون بن عيسى بن ~~المنصور قال: «شهدت دار المعتصم وفيها أحمد بن ~~أبي دؤاد وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن عبد ~~الملك، وأتي بالأفشين ولم يكن بعد بالحبس ~~الشديد، فأحضر قوم من الوجوه لتبكيت ~~الأفشين بما هو عليه، ولم يترك بالدار أحد ~~من أصحاب المراتب إلا ولد المنصور وصرف الناس، ~~وكان المناظر له محمد بن عبد الملك» ... أما ~~المواد التي ناقشه فيها فيمكن إجمالها فيما ~~يلي: ~~(1) # سئل عن جلده مؤذنا وإمام مسجد ~~في أشروسنة، فأجاب: لأنهما حولا بيت ~~أصنام إلى مسجد، وهذا ينافي الاتفاق مع ~~ملوك الصغد بترك الروم على دينهم. ~~(2) # سئل عن كتاب وجد عنده، وهو مزين ~~بالذهب والفضة والجوهر والديباج مع أن فيه ~~كفرا بالله، فأجاب: إنه كتاب ورثه من ~~أبيه، فيه آداب الملوك، فكنت أستمتع ~~بالأدب وأترك ما سوى ذلك ككتاب كليلة ~~ودمنة. ~~(3) # قال الموبذ (وهو رجل الدين عند ~~الفرس، وقد طلب إليه أن يحضر شاهدا ~~لتلك المناظرة): إن هذا كان يأكل ~~المخنوقة، ويحملني على أكلها، ويزعم أنها ~~أرطب لحما، وكان يقتل شاة سوداء كل يوم ~~أربعاء يضرب وسطها بالسيف ، ثم يمشي بين ~~نصفيها ويأكل لحمها، وإنه قال يوما: إني ~~قد دخلت لهؤلاء القوم في كل شيء أكرهه حتى ~~أكلت لهم الزيت، وركبت الجمل ولبست النعل، ~~غير أني لهذه الغاية لم تسقط عني شعرة ~~(يعني أنه كبر ولم يختتن)، فلما سمع ~~الأفشين كلامه قال: خبروني عن هذا الذي ~~يتكلم بهذا الكلام، أثقة هو في دينه؟ ~~قالوا: لا، قال: فما معنى قبولكم شهادته؟ ~~ثم ms134 التفت إلى الموبذ وقال له: كنت أدخلك ~~إلي وأبثك سري، وأخبرك بالأعجمية ~~وميلي إليها وإلى أهلها، فلست بالثقة في ~~دينك ولا بالكريم في عهدك، إذا أفشيت ~~علي سرا أسررته إليك. ~~(4) # قال المرزبان بن تركش، (وهو أحد ~~ملوك الصغد، وهو ممن شهد عليه): إن أهل ~~أشروسنة كانوا في رسائلهم يكتبون «إلى إله ~~الآلهة من عبده فلان بن فلان»، فقال ~~الأفشين: نعم، وهذه عادة القوم لأبي وجدي، ~~ولي قبل أن أدخل الإسلام، فكرهت أن أضع ~~نفسي دونهم فتفسد علي طاعتهم. ~~(5) # قال له ابن أبي دؤاد: أمطهر أنت؟ ~~فقال: لا، قال فما منعك من ذلك وبه تمام ~~الإسلام؟ قال: لم أكن أعلم هذا! # وما إن أتم قوله واعترف بذنبه حتى سيق إلى ~~السجن الشديد المبني خصيصا له، لداخل ~~الجوسق وكان مرتفعا شبيها بالمنارة، فبقي ~~فيه بدون طعام ولا شراب حتى مات فيه جوعا سنة ~~226ه، وبذلك انتهت هذه الفتنة، وقضي على رأس ~~حركتها. ~~(4) الأحوال الخارجية # مات المأمون وهو يحارب الروم، فأوصى أخاه المعتصم بإتمام ~~حروبه معهم فور استخلافه، ولكن مرت بالمعتصم فتن داخلية ~~كفتنة مازيار وبابك، ويروى أن بابك كاتب ملك الروم ~~يقول له: إن ملك العرب قد وجه أعظم جيشه إلي ولم يبق ~~على بابه أحد، فاغتنم الفرصة، فلم يلبث ميخائيل بن تيوفيل ~~حتى خرج في جيش عظيم يقال إن عدده مائة ألف، فأتى «زبطرة» ~~وقتل أهلها وسبى النساء وأحرقها، ثم مضى إلى «ملطية» فأغار ~~على أهلها وسبى نساءها، وبلغت هذه الأخبار مسامع المعتصم ~~فسأل: أي بلاد الروم أعظم أو أمنع؟ فقالوا له: «عمورية»، ~~وهي مسقط رأس تيوفيل، فتجهز جهازا لم يتجهزه خليفة قبله ~~من السلاح والعدد والآلة والجيش والخيول، وجعل على ~~المقدمة أشناس وعلى الميمنة أيتاخ وعلى الميسرة عبد الله ~~بن دينار، وسار هو بنفسه في الطليعة، وكان ذلك في جمادى ~~الأولى سنة 223ه في جيش ضخم يقال إنه كان نصف مليون جندي، ~~ولما وصل إلى «سروج» أرسل الأفشين أمامه وسار هو إلى ~~«طرسوس»، والتقى جيش الأفشين بجيش ميخائيل، كان النصر ms135 أول ~~الأمر لميخائيل ثم انتصر الأفشين وتفرق جيش ميخائيل، أما ~~المعتصم ومعه أشناس فإنهما سارا إلى «أنقرة» فدخلاها دون ~~أية مقاومة، واجتمع الأفشين بعدئذ بالمعتصم فضم جيشه، ثم ~~قسمه إلى ثلاث فرق؛ ~~الفرقة الأولى بالميسرة وعليها أشناس، والفرقة الثانية ~~بالقلب وفيها الخليفة نفسه، والفرقة الثالثة بالميمنة ~~وعليها الأفشين، وكان بين كل قسم فرسخان، فسارت هذه الفرق ~~الثلاث حتى بلغت «عمورية» سنة 223ه وكانت محصنة بقوة، ~~فاشتد القتال بينهم وبين الروم وضربت الأسوار وثلمت، ~~واقتحم المسلمون المدينة وغنموا فيها مغانم كثيرة، ثم عاد ~~المعتصم إلى «طرطوس»، وبينما كان المعتصم في طريق عودته ~~إلى «سامراء» اكتشف مؤامرة دنيئة رتبها بعض القادة لاغتيال ~~الخليفة واستخلاف العباس بن المأمون، فسجن العباس وقتل ~~القادة، ولما دخل المعتصم سامراء كان يوم دخوله عيدا ~~مشهودا، وقد سجل أبو تمام الطائي هذا اليوم بقصيدته ~~الخالدة: # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد ~~واللعب # ويذكر المسعودي أن المعتصم أراد المسير إلى ~~«القسطنطينية» والنزول على خليجها والحيلة في فتحها برا ~~وبحرا، فكاتب ميخائيل ملوك البندقية وإيطاليا والفرنجة ~~يطلب إليهم النجدة، # 9 # وكان المعتصم قد اطلع على المؤامرة التي ~~أشرنا إليها فقرر مغادرة بلاد الروم إلى سامراء، وهكذا ~~فشلت الفكرة، وظلت القسطنطينية في يد الروم، واستمرت ~~الحرب بينهم وبين المسلمين بعد ذلك على شكل غزوات إلى أن ~~مات المعتصم، ولم يتم له فتح العاصمة الرومية ~~«القسطنطينية». ~~(5) الأحوال الإدارية # الوزارة، الجيش، الخراج # كان المعتصم محدود الثقافة كما رأينا، فكان لا بد ~~له من وزير مدبر يصرف له الأحوال الإدارية، وقد تولى ~~وزارته كاتبه قبل الخلافة الفضل بن مروان البرداني، ~~ولم يكن إلا رجلا عاميا لا علم عنده ولا معرفة، ~~وكان رديء السيرة جهولا بالأمور، # 10 # ولكنه كان داهية استطاع أن يسيطر على أمور ~~الخليفة، حتى قال الطبري (التاريخ، 10: 312): «وحل ~~من قلبه المحل الذي لم يكن أحد يطمع في ملاحظته ~~فضلا عن منازعته، ~~ولا في الاعتراض في أمره ونهيه وإرادته وحكمه.» ويقول ~~صاحب العيون والحدائق (ص13): «فلما أفضت الخلافة إلى ms136 ~~المعتصم صار الفضل هذا صاحب الخلافة والأمر والنهي ~~والدواوين بحكمه.» ويظهر أن الفضل هذا قد أخذ يكنز ~~الأموال ويسيء معاملة الأهلين حتى ضج الناس من سوء ~~تصرفاته وقبح إدارته، فأخذوا يكيدون له عند الخليفة ~~حتى غضب عليه وصادر أمواله وعف عن نفسه، # 11 # ولما عزله ولى أحمد بن عمار بن شاذي، ~~وكان عاميا طحانا إلا أنه رجل غني كريم، ولكنه لم ~~يلبث إلا قليلا في الوزارة فعزله، وولاها محمد عبد ~~الملك الزيات الأديب العالم الكاتب صاحب الصيت الذائع ~~بالفهم والذكاء والشعر والأدب والرياسة، قال ابن خلكان: # 12 ~~«كان من أهل الأدب الظاهر والفضل الباهر، ~~أديبا فاضلا بليغا عالما بالنحو واللغة، فأعاد ~~للوزارة هيبتها، وضبط أمور الدولة ونهض بها نهوضا لم ~~يكن لمن تقدمه من أضرابه، ولكنه كان جبارا متكبرا ~~ظالما غليظ القلب مبغضا إلى الخلق.» والحق أنه آخر ~~وزراء العهد العباسي الأفاضل العلماء على ما فيه من ~~عيوب، فإن الوزارة لم تحظ بعده بذي فضل أو قدر جليل ~~إلا قليلا مثل سليمان بن وهب وزير المهتدي، وأبي ~~الصقر بن بلبل وزير المعتمد. # وأما الجيش: # فقد ~~عظم أمره في هذا العهد؛ لأن المعتصم كان عسكريا، أو ~~لأنه أخذ يستكثر من الموالي الأتراك، وخاصة في ~~مقاطعتي أشروسنة وفرغانة؛ لعدم وثوقه بالخراسانيين ~~الأبناء والعرب الذي أخذ يقصيهم عن الجندية، ولما ~~كثر المغاربة والأتراك في بغداد وتأذى بهم الناس لسوء ~~سيرتهم، قرر أن يبني لهم مدينة خاصة، فبنى لهم مدينة ~~«سامراء»، قال صاحب الفخري (ص210): «إن المعتصم قال ~~لما أراد بناء سامراء: اطلبوا لي موضعا أخرج إليه ~~وأبني فيه مدينة، وأعسكر بها، فإن رابني من عساكر ~~بغداد حادث كنت بنجوة ، وكنت قادرا على أن آتيه في ~~البر وفي الماء، فاختاروا موضع سامراء، وأشخص لها ~~الفعلة والبنائين والحدادين والنجارين وسائر ~~أرباب الصناعات والمهندسين.» ويقول اليعقوبي (في كتاب ~~البلدان، ص31): «أقدم من كل بلد من يعمل عملا من ~~الأعمال، أو يعالج مهمة من العمارة والزرع والنخل ~~وهندسة المياه ووزنه واستنباطه والعلم بمواضعه من ~~الأرض، وحمل من ms137 مصر من يعمل القراطيس وغيرها، وحمل من ~~البصرة من يعمل الزجاج والخزف والحصر، وحمل من الكوفة ~~من يعمل الأدهان، ومن سائر البلدان من أهل كل مهنة ~~وصناعة.» والحق أنه اهتم بمدينته فبناها على نمط ~~حسن، وشاد فيها الخطط والقصور وجعل فيها مسجدا جامعا ~~وقصرا ضخما، وأخذت المدينة تتوسع حتى صارت من أعظم ~~الحواجز الإسلامية، وضارعت بغداد لو أتيح لها أن تستمر ~~فترة طويلة عاصمة للدولة، ولكن ما عتم المعتصم أن مات ~~ورجعت العاصمة إلى بغداد، فأخذ نجم سامراء يأفل شيئا ~~فشيئا. # الخراج: # نقصت ~~موارد الدولة في هذا العهد عما كانت عليه في عهد ~~المأمون، وقد حفظ لنا المؤرخ الكاتب قدامة بن جعفر ~~ثبتا ذكره في كتابه عن «الخراج» نورد خلاصته في ~~الجداول الآتية: # جدول مقدار موارد الدولة ~~العباسية في عصر المعتصم بالدراهم. # الأقاليم # الجباية من الدراهم # السواد # 114457650 درهما # الأهواز # 23000000 درهم # فارس # 24000000 درهم # كرمان # 6000000 درهم # مكران # 1000000 درهم # أجهان # 10000000 درهم # سجستان # 1000000 درهم # خراسان # 37000000 درهم # حلوان # 9000000 درهم # الماهين # 9800000 درهم # همذان # 1700000 درهم # ماسبذان # 1200000 درهم # مهرجان قذف # 1000000 درهم # الأيغارين # 3100000 درهم # قم وقاشان # 3000000 درهم # أذربيجان # 4000000 درهم # الري ودنباوند # 20080000 درهم # قردي وبازيدي # 3200000 درهم # ديار ربيعة # 9635000 درهم # أرزن وميافارقين # 2000000 درهم # طروان # 100000 درهم # آمد # 2000000 درهم # ديار مضر # 600000 درهم # أعمال طريق الفرات # 2900000 درهم # وقزوين وزنجان وأبهر # 1828000 درهم # قومس # 1150000 درهم # جرجان # 4000000 درهم # طبرستان # 4280700 درهم # تكريت والطيرهان # 900000 درهم # شهرزور والصامغان # 2750000 درهم # الموصل # 6300000 درهم # المجموع # 41643700 # جدول مقدار موارد الدولة ~~العباسية في عصر المعتصم بالدنانير. # الأقاليم # الجباية من الدنانير # قنسرين والعواصم # 360000 دينار # جند حمص # 218000 دينار # جند دمشق # 110000 دينار # جند الأردن # 109000 دينار # جند فلسطين # 2950000 دينار # مصر والإسكندرية # 2250000 دينار # بلاد الحرمين الشريفين # 100000 دينار # اليمن # 600000 دينار # اليمامة والبحرين # 510000 دينار # عمان # 300000 دينار # المجموع # 7507000 ~~(6) خاتمته # كان المعتصم أول الخلفاء الذين يبتدئ بهم عصر الضعف في ~~الدولة ms138 العباسية؛ فهو في ثقافة محدودة وفي إدارته مستسلم ~~لوزرائه، وفي خراجه عسوف، ولولا شجاعته وحزمه وحروبه التي ~~وقف بها في بلاد الروم لما كان له مزية تذكر، وهو في الحق ~~خليفة عادي لم نر من يثني عليه من المؤرخين والكتاب إلا ~~وزيره أحمد بن أبي دؤاد، فقد وصفه بالعقل وسعة الأخلاق ~~ولين الجانب وجميل العشرة، إلا أن هذه الشهادة مجروحة لصلة ~~الرجل القوية به، وإن مما يذكر عن الرجل إكثاره من ~~الأتراك وإفساده أمر الدولة بهم، ومات المعتصم في ربيع ~~الأول سنة 227ه، ودفن بسامراء رحمه الله. ms139