######OpenITI# #META# URI: 1379MuhammadAscadTalas.TarikhUmmaCasrRashidun.Hindawi29620591 #META# Tags: history #META# ID: 29620591 #META# Title: عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) #META# AuthorID: 35030937 #META# Author: محمد أسعد طلس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الخليفة الراشد الأول: أبو بكر الصديق (رضي الله عنه)‏ # 1 - في نسبه وأوليته وإسلامه‏ # 2 - استخلافه وسيرته‏ # 3 - في أعماله، في خلافته‏ # 4 - في وفاته ومناقبه وأسرته‏ # 5 - في أعماله الإدارية والتنظيمية‏ # 6 - في مشهوري رجال عصره‏ # الخليفة الراشد الثاني: عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)‏ # 1 - في نسبه وأوليته في الجاهلية وثقافته‏ # 2 - في إسلامه وأحواله أيام الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأبي بكر‏ # 3 - في خلافته وأعماله فيها‏ # 4 - في أعماله الإدارية والتنظيمية‏ # 5 - في مقتله ومناقبه وأسرته‏ # 6 - في مشهوري رجال دولته‏ # الخليفة الراشد الثالث: عثمان بن عفان‏ # 1 - في نسبه وأوليته في الجاهلية‏ # 2 - في إسلامه وأحواله قبل الخلافة‏ # 3 - في خلافته‏ # 4 - أعماله في خلافته، وفتوحاته‏ # 5 - في الأحداث الكبرى في خلافته‏ # 6 - في تنظيماته وأعماله الدينية والدنيوية‏ # 7 - في مناقبه وأسرته‏ # 8 - في كبار رجال الدولة في عهده‏ # الخليفة الراشد الرابع: الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام‏ # 1 - في نسبه وأوليته وإسلامه‏ # 2 - في إجمال حياته وسيرته عليه السلام‏ # 3 - في أعماله الجليلة في خلافته‏ # 4 - في مقتله، ومناقبه، وآثاره العلمية والدينية‏ # 5 - في أعماله الإدارية وتنظيماته‏ # 6 - في أولاده وأسرته الطاهرة‏ # 7 - في مشهوري رجال دولته‏ # 8 - في المختار من أدبه عليه السلام‏ # 9 - باب المختار من حكم أمير المؤمنين ~~عليه السلام‏ # الخليفة الراشد الأول: أبو بكر الصديق (رضي الله عنه)‏ # 1 - في نسبه وأوليته وإسلامه‏ # 2 - استخلافه وسيرته‏ # 3 - في أعماله، في خلافته‏ # 4 - في وفاته ومناقبه وأسرته‏ # 5 - في أعماله الإدارية والتنظيمية‏ # 6 - في مشهوري رجال عصره‏ # الخليفة الراشد الثاني: عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)‏ # 1 - في نسبه وأوليته في الجاهلية وثقافته‏ # 2 - في إسلامه وأحواله أيام الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأبي بكر‏ # 3 - في خلافته وأعماله فيها‏ # 4 - في أعماله الإدارية والتنظيمية‏ # 5 - في مقتله ومناقبه وأسرته‏ # 6 - في مشهوري رجال دولته‏ # الخليفة الراشد الثالث: عثمان بن عفان‏ # 1 - في نسبه وأوليته في الجاهلية‏ # 2 - في إسلامه ms001 وأحواله قبل الخلافة‏ # 3 - في خلافته‏ # 4 - أعماله في خلافته، وفتوحاته‏ # 5 - في الأحداث الكبرى في خلافته‏ # 6 - في تنظيماته وأعماله الدينية والدنيوية‏ # 7 - في مناقبه وأسرته‏ # 8 - في كبار رجال الدولة في عهده‏ # الخليفة الراشد الرابع: الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام‏ # 1 - في نسبه وأوليته وإسلامه‏ # 2 - في إجمال حياته وسيرته عليه السلام‏ # 3 - في أعماله الجليلة في خلافته‏ # 4 - في مقتله، ومناقبه، وآثاره العلمية والدينية‏ # 5 - في أعماله الإدارية وتنظيماته‏ # 6 - في أولاده وأسرته الطاهرة‏ # 7 - في مشهوري رجال دولته‏ # 8 - في المختار من أدبه عليه السلام‏ # 9 - باب المختار من حكم أمير المؤمنين ~~عليه السلام‏ # | عصر الخلفاء الراشدين # | عصر الخلفاء الراشدين # | ~~تاريخ الامة العربية (الجزء الثالث) # تأليف # محمد أسعد طلس # | الخليفة الراشد الأول: أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) # 10-13ه/632-634م # | مقدمة # توفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأبو بكر بالسنح، وهو من ضواحي ~~المدينة حيث كان يسكن، وعمر حاضر، فلما بلغت أسماع أبي بكر أخبار ~~النازلة خف إلى بيت رسول الله، وعمر يخطب الناس، وجمهور المسلمين ~~في صخب واضطراب، فدخل أبو بكر على رسول الله في بيت عائشة ودموعه ~~على لحيته، فكشف على وجه رسول الله وقبله، ثم رد الثوب على ~~وجهه وخرج وعمر ما زال يخطب في الناس ويقول فيما يقول: إن رجالا ~~من المنافقين يزعمون أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # توفي، وأن رسول الله ~~مات، والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب ~~عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن ~~رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله ~~مات. # ولما خرج أبو بكر وسمعه يقول ذلك أقبل على الناس وعلى عمر، فقال ~~له: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى عمر أن ينصت لشدة اضطرابه ~~وعظم ما فيه، فلما رأى أبو بكر منه تلك الحكمة التفت إلى الناس ~~وقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد ms002 مات، ومن كان ~~يعبد الله فإن الله حي لا يموت، والله تعالى يقول: # وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم ~~على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه ~~فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين ~~. # 1 # فلما سمع الناس ذلك صفعوا وكأنهم لم يسمعوا قبل ذلك هذه الآية ~~حتى تلاها أبو بكر. قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر ~~يتلوها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت ~~ساعتئذ أن النبي قد مات، وأراد أبو بكر وعمر أن يرجعا إلى بيت ~~رسول الله، ولكنهما فوجئا بأن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ~~ساعدة يتشاورون ويتذاكرون فيمن يخلف النبي، فتوجها ~~إليهم. # الفصل الأول # | في نسبه وأوليته وإسلامه # هو أبو بكر عبد الله عقيق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو ~~بن كعب سعد بن تيم بن حرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ... بن معد ~~بن عدنان. وأمه: هي أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد ~~بن تيم بن معد بن عدنان. وكان أبو قحافة من سادات قريش في ~~الجاهلية، ولد سنة 83 قبل الهجرة، فنشأ سريا نبيلا تاجرا ذا ~~مكانة رفيعة في قومه، فلما أعلن الرسول دعوته كان أبو بكر أول من ~~أسلم، ولم يسلم أبوه إلا عام فتح مكة، وبايع رسول الله وكان قد ~~كف بصره فجاء به ابنه يقوده إلى رسول الله، فلما رآه الرسول ~~قادما قال لأبي بكر: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آت، ~~فقال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه. ~~ثم مسح الرسول صدره، وكان رأس أبي قحافة أبيض كالثغامة، فقال: ~~«غيروا هذا بشيء وجنبوه السواد»، فكان أبو قحافة أول مخضوب خضب ~~في الإسلام. وأما أمه فهي ممن أسلمن قديما وبايعن النبي أيام ~~الدعوة الأولى في دار الأرقم. # 1 # ولد أبو بكر لسنتين من مولد النبي # صلى الله عليه ms003 وسلم ~~، وكانا صديقين ~~حميمين، تصادقا ولأبي بكر ثمان عشرة سنة وللنبي عشرون في تجارة إلى ~~الشام، وكان لا يفارقه في أسفاره وحضره، وقد وصف أبو بكر بأنه ~~كان أبيض البشرة نحيفا خفيف العارضين، منحنيا لا يستمسك إزاره ~~يسترخي عن حقويه، معروقا غائر العينين ناتئ الجبهة عاري الأشاجع ~~(أصول الأصابع)، يخضب بالحناء، وشب كما يشب نبلاء فتيان قريش ~~كاتبا عالما بأنساب قومه ~~عاقلا نبيلا وجيها رئيسا من رؤسائهم، وكانت إليه الأشناق، وهي ~~من الديات، كان إذا تحمل شنقا صدقته قريش وأمضت حمالته، وإذا ~~حملها غيره خذلوه ولم يقبلوه، وكان يتاجر بالبزر والمنسوجات، وبلغ ~~رأسماله أربعين ألف درهم، وكان مشهورا بالعفة والاستقامة ~~والأمانة، ولم يشرب الخمر قط. # ولما كانت الإرهاصات تأتي النبي قبل البعثة كان يقص ذلك على ~~أبي بكر؛ فقد روى شرحبيل أن النبي كان إذا برز سمع من يناديه: «يا ~~محمد»، فإذا سمع الصوت انطلق هاربا، فأسر ذلك إلى أبي بكر، وكان ~~رسول الله قد قال لخديجة: «إني إذا خلوت سمعت نداء، وقد والله ~~خشيت أن يكون هذا أمرا»، فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك ~~أمرا؛ فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. ودخل ~~أبو بكر مرة - وليس رسول الله موجودا - فذكرت خديجة له حديثه # صلى الله عليه وسلم ~~، وقالت: يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل، فلما ~~دخل رسول الله أخذ أبو بكر بيده فانطلق به إلى ورقة، فقص عليه ما ~~يسمع، فصار ورقة يثبته ويقول له: والله إن هذا هو الناموس ~~الذي أنزله على نبيه موسى # صلى الله عليه وسلم ~~. # ولما بعث الله محمدا برسالته كان أبو بكر أول من آمن به ~~وصدقه، وأعلن إسلامه، وأخذ يدعو الناس إلى الإسلام، قال ~~ابن إسحاق: لما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه، ودعا إلى الله وإلى ~~رسوله، وكان رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش ~~لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا ~~تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قريش يأتونه ms004 ويألفونه لغير واحد ~~من الأمر؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من ~~وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه فيما بلغني: ~~عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ~~بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله حين ~~استجابوا له فأسلموا، وكان هؤلاء مع علي وزيد وأبي بكر النفر ~~الثمانية الذين سبقوا بالإسلام وصدقوا رسول الله. # وكان أبو بكر قد اتخذ مسجدا بفناء داره يصلي فيه ويقرأ القرآن ~~فيجتمع عليه الناس ويستمعون إلى قراءته وينظرون إلى صلاته وبكائه، # 2 # ولقد لقي أبو بكر على الرغم من مكانته كثيرا من عنت ~~جهال قريش وسفهائها لإسلامه ولدفاعه ~~عن النبي؛ فقد قالت أسماء بنت ~~أبي بكر وقد قيل لها: ما أشد ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟ فقالت: كان المشركون قعدوا في المسجد الحرام فتذاكروا ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وما يقول في آلهتهم، فبينما هم كذلك إذ دخل ~~رسول الله المسجد، فقاموا إليه بأجمعهم يضربونه حتى غشي عليه، ~~فأتى الصريخ أبا بكر فخرج فوجد رسول الله والناس مجتمعون عليه، ~~فقال: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات ~~من ربكم؟! فتركوا الرسول وتناولوا أبا بكر يضربونه، فرجع إلى أهله ~~وهو لا يحس شيئا من غدائره إلا جاء معه وهو يقول: تباركت يا ذا ~~الجلال والإكرام، # 3 # ولما اشتد تعدي المشركين على رسول الله وأبي بكر أذن ~~الرسول لصاحبه بالهجرة، فضاق بذلك أول الأمر، ثم قبل أن يهاجر ~~نحو الحبشة، فلما بلغ قارة «برك الغماد» # 4 # لقيه سيد القارة المعروف بابن الدغنة، فسأله: أين ~~تريد؟ فقال: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، ~~فقال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج، إنك لتكسب المعدوم وتصل الرحم ~~وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فارجع فاعبد ربك، ~~فارتحل ابن الدغنة وأرجع أبا بكر، وكان ابن الدغنة في كفار قريش، ~~وقال لهم: إن ms005 أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا ~~يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب ~~الحق؟! فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر، وقالوا لابن ~~الدغنة: مر أبا بكر ليعبد ربه في داره وليصل ما شاء وليقرأ ما ~~شاء ولا يؤذينا. # فكان أبو بكر يصلي في مسجد داره ويقرأ القرآن، فتقف عليه نساء ~~المشركين وأبناؤهم يتعجبون منه وينظرون إليه ، وكان يكاد لا يملك ~~دموعه حين يتلو القرآن ويرتله، فأفزع ذلك مشركي قريش، فأرسلوا ~~إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا أجرنا لك أبا بكر على ~~أن يعبد ربه في داره، فأعلن الصلاة، وخشينا أن يفتن نساءنا ~~وأبناءنا، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره خفية، وإن أبى ~~فليرد ذمتك. فأتى ابن الدغنة أبا بكر وطلب منه ما طلبته قريش، ~~فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله ورسوله. ~~ورجعت قريش تؤذيه، فتحمل ذلك صابرا محتسبا كل ما يلقاه في سبيل ~~الله، إلى أن ضاق ذرعا بما يلقاه من أذى قريش، فاستأذن النبي في ~~الهجرة، فقال له الرسول: على رسلك يا أبا بكر، فإني أرجو الله أن ~~يأذن لي بها فنخرج معا، ففرح أبو بكر وقال: أوترجو ذلك بأبي أنت ~~وأمي؟ فقال الرسول: نعم، ففرح أبو بكر وأخذ يعد عدة السفر وعلف ~~راحلتين كانتا عنده. # وروي عن السيدة عائشة أنها قالت: بينما نحن جلوس يوما في ~~بيتنا في الظهيرة إذ قال قائل لأبي: هذا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مقبل ~~متقبع، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبي: فداه أبي وأمي، إن ~~به في هذه الساعة لأمرا. قالت: فجاء الرسول فاستأذن فدخل فقال ~~لأبي: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي وأمي أنت، ~~فقال الرسول: قد أذن لي بالخروج، فقال أبو بكر: فالصحبة بأبي ~~وأمي أنت يا رسول الله، فقال الرسول: نعم، فقال أبو بكر: بأبي أنت ~~وأمي، فخذ إحدى راحلتي هاتين، فقال الرسول: بالثمن، ms006 قالت ~~عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز ووضعنا لهما سفرة في جراب، وقطعت ~~أسماء من نطاقها وأوكت به الجراب؛ ولذلك سميت: ذات النطاقين، ~~ودخل رسول الله بغار في جبل ثور، ولحق به أبو بكر فمكثا فيه ثلاث ~~ليال، وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف ~~لقن، وكان يدلج من عندهما سحرا فيصبح عند قريش كبائت بينهم، ~~فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين ~~يختلط الظلام. # 5 # ولما قدم أبو بكر المدينة ~~مع رسول الله كان عونه وعضده وسميره ووزيره، وكان لا يبخل عليه ~~بماله، وينفق كل ما يملكه في سبيل الدعوة، وروى عروة بن الزبير ~~قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفا أنفقها كلها على رسول الله وفي ~~سبيل الله. وعن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول الله ~~وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر كل ماله معه وهو خمسة آلاف درهم أو ~~ستة خرج بها معه، فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: ~~والله إني لأراه فجعكم بماله مع نفسه، قالت: كلا يا أبت إنه قد ~~ترك لنا خيرا كثيرا. # وقد تجلت بطولة أبي بكر في شجاعته وتفانيه في نصرة الدعوة ~~الإسلامية وفي تنظيمه لشئون المسلمين في دار الهجرة وفي الغزوات ~~التي رافق النبي # صلى الله عليه وسلم # وأظهر فيها كل ضروب النبل والإخلاص ~~والمروءة، وفي معاونته للنبي وحله للمشاكل والمعضلات التي كانت ~~تعتوره، قال ابن خلدون: كان # صلى الله عليه وسلم # يفاوض أصحابه ويشاورهم في ~~مهماته العامة والخاصة، ويخص مع ذلك أبا بكر بخصوصيات أخرى، فكان ~~العرب الذين عرفوا الدول وأحوالها في بلاد كسرى وقيصر والنجاشي ~~يسمون أبا بكر وزيره. # 6 # الفصل الثاني # | استخلافه وسيرته # توجه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إلى سقيفة بني ساعدة - وهي ~~صفة مظللة كانوا يجتمعون فيها، وهي لبني ساعدة بن كعب بن الخزرج # 1 ~~- وكان الأنصار قد اجتمعوا فيها يريدون مبايعة سعد ~~بن عبادة الخزرجي سيد الأنصار، وأخذوا يتداولون في ms007 الأمر، وكان ~~سعد بن عبادة يومئذ مريضا، فقال لابنه: إني لا أقدر أن أخطب ~~وأسمع القوم كلهم كلامي، ولكن تلق مني قولي فأسمعه إياهم، ~~فقال بعد أن حمد الله: «يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين، ~~وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن محمدا عليه السلام ~~لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد ~~والأوثان، فما آمن من قومه إلا رجال قليل، ما كانوا يقدرون على أن ~~يمنعوا رسول الله، ولا أن يعزوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ~~ضيما عموا به، حتى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق إليكم ~~الكرامة، وخصكم بالنعمة، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله، والمنع ~~له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد ~~الناس على عدوه منكم، وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب ~~لأمر الله طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا، حتى ~~أثخن الله عز وجل لرسولكم بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، ~~وتوفاه الله وهو عنكم راض، وبكم قرير عين، استبدوا بهذا الأمر ~~دون الناس، فإنه لكم دون الناس.» # فأجاب كل الأنصار الدعوة وقالوا أن قد وفقت في الرأي وأصبت ~~في القول، ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الأمر؛ فإنك فينا مقنع ~~ولصالح المؤمنين رضي. ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم، # 2 # وطال جدل القوم في الأمر حتى قال بعضهم: نقول ~~للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير. # فلما دخل أبو بكر وصاحباه عليهم أخذ يتكلم، فلم يترك شيئا نزل ~~في الأنصار أو ذكره النبي # صلى الله عليه وسلم # من شأنهم إلا وذكره، ثم قال: ~~«لقد علمتم أن رسول الله قال: لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار ~~واديا سلكت وادي الأنصار»، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال ~~وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، ~~وفاجرهم تبع لفاجرهم. # 3 # فقام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال: يا معشر ~~الأنصار، إن تقدموا قريشا اليوم يقدموكم إلى الخير يوم القيامة، ~~فأنتم الأنصار وفيكم كتاب الأمر وإليكم الهجرة ms008 وفيكم أمر رسول ~~الله، فاطلبوا رجلا تهابه قريش وتأمنه الأنصار، فقال الأنصار: ~~ومن ذلك؟ فقال: سعد بن عبادة، فقالوا: فسعدا نريد. # ثم قام أسيد بن حصين الأوسي، وهو يومئذ من أثبات الأنصار ~~وأهل الطاعة فيهم، فقال: يا معشر الأنصار، إنه قد عظمت نعمة الله ~~عليكم أن سماكم الأنصار، وجعل فيكم الهجرة، وقبض فيكم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، واجعلوا ذلك شكرا، فإن هذا الأمر في قريش دونكم، فمن ~~قدموه فقدموه، ومن أخروه فأخروه، فشتم الرجل واضطر أن يلحق ~~بالمهاجرين. # ثم قام بشير بن سعد الخزرجي فقال: يا معشر الأنصار، إنما أنتم ~~بالمهاجرين وإنما المهاجرون بكم، فإن كانت دعواكم حقا لم يعترض ~~فيكم المهاجرون، وإن قلتم نصرنا وآوينا فما أعطاكم الله خير ما ~~أعطيتم أنفسكم، ولا تكونوا ممن بدل نعمة الله كفرا وأحلوا ~~قومهم دار البوار يصلونها فبئس دار القرار، فشتم الرجل ولحق ~~بالمهاجرين. # ثم قام عويمر بن ساعد الأنصاري فقال: يا معشر الأنصار، إن يكن ~~الأمر فيكم دون قريش فانفردوا حتى نبايعكم عليه، وإن كان لهم دونكم ~~فسلموا لهم بذلك، فوالله ما مات رسول الله حتى عرفنا أن أبا بكر ~~خليفته حتى أمره أن يصلي بالناس ... فشتم الرجل أيضا فلحق ~~بالمهاجرين. # ثم قام ثابت بن قيس - وهو يومئذ خطيب الأنصار - فقال: يا معشر ~~المهاجرين، إن الله بعث محمدا فأقام بمكة، سمع الأذى والتكذيب، ~~وأمره الله بالكف والصفح الجميل، ثم أمره بالهجرة وكتب عليه ~~القتال، فنقله عن داره إلينا فكنا أنصاره، وكانت دارنا مهاجره، ~~ثم قدمتم علينا فقاسمناكم معاشر المهاجرين الأموال، وأنزلناكم ~~الديار، وكفيناكم العمل، وآثرناكم بالمرافق، فنحن أنصار الله ~~وكتيبة الإسلام، وأنتم معاشر المهاجرين بضعة منا، وقد دقت إلينا ~~من قومكم داقة، وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لو سلك الناس شعبا ~~وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار»، فاسلكوا شعب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # فقام حينئذ أبو بكر، فقال: أما ما ذكرتم من فضلكم فأنتم كذلك، ~~ولكن العرب لا تقر بهذا الأمر إلا لقريش؛ لأنهم ms009 أوسط العرب ~~دارا، وأنهم دعوة إبراهيم، وقد رضيت أحد هذين الرجلين: إما عمر ~~بن الخطاب أو أبو عبيدة بن الجراح. # فقام عمر وأهوى على يد أبي بكر ليبايعه، فضربها بشير بن سعد ~~بيده وقال: والله لا بايعه أحد قبلي، ولا تخلف عن بيعته أنصاري ~~من الخزرج والأوس فيضحك إليه سني. فلما رأى ذلك الأوس والخزرج ~~بايعوا، وازدحم الناس على أبي بكر فبايعوه، وأراد عمر أن يتكلم، ~~فقال له أبو بكر : على رسلك يا عمر، ثم قال: نحن المهاجرين أول ~~الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرمهم أحسابا، وأحسنهم وجوها، ~~وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسهم وأوسطهم رحما من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأنا عترته التي خرج منها، وبيضته التي تفقأت عنه، ~~أسلمنا قبلكم وقدمنا في القرآن عليكم، وأنتم إخواننا في الدين، ~~وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا في العدد، وأنتم واسيتم فجزاكم الله ~~خيرا، ونحن الأمراء وأنتم الوزراء، ألا لا تدين العرب إلا لهذا ~~الحي من قريش، وأنتم محقون لا تنافسون على إخوانكم من ~~المهاجرين ما ساقه الله إليهم من خلافة النبوة والقيام بأمر ~~الإمامة، والسلام. # 4 # وتزعم الأوس أن أول من بايع أبا بكر هو بشير أبو النعمان، وتزعم ~~الخزرج أنه أسيد بن حضير، فلما بايع أهل السقيفة أبا بكر ازدحم ~~الناس عليه ليبايعوه، فقال قائل منهم: قتلتم سعدا - وكان جالسا ~~متزملا بثوبه - فقال عمر: اقتلوه فإنه صاحب فتنة، وتدخل ~~أبو بكر في الأمر، وانتهت الفتنة، وظل سعد منزويا في بيته ولم ~~يبايع أبا بكر. # ثم اجتمعت جماعات الأوس والخزرج وبايعت أبا بكر، وأنكر على ~~سعد بن عبادة وجماعته ما كانوا أجمعوا أمرهم عليه، وزفوا أبا بكر ~~إلى المسجد فبايعه المهاجرون، ثم أقبل الأنصار والمهاجرون يتعاتبون ~~في الأمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا معشر الأنصار، إنكم وإن كنتم ~~كما قلتم فليس فيكم مثل أبي بكر، ولا مثل عمر، ولا مثل أبي عبيدة، ~~فقال زيد بن أرقم: ما ينكر فضل من ذكرت، وإن منا لسيد الأنصار ~~سعد بن عبادة، وفينا من ms010 أمر الله رسوله أن يقرئه السلام: أبي ~~بن كعب، وفينا من أمضى الله شهادته بشهادة رجلين: خزيمة بن ثابت، ~~وإن فيمن سميت من قريش لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد - يعني ~~علي بن أبي طالب - ثم طال الجدال والعتاب بين الجانبين، وانتهت هذه ~~الأزمة بسلام إلا ما كان من أمر أبي سفيان؛ فقد روى الطبري أن ~~الناس لما اجتمعوا على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول: ~~والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم، يا آل عبد مناف، فيم ~~أبو بكر من أموركم؟ أين المستضعفان؟ أين الأذلان علي والعباس؟ ~~وقال لعلي: يا أبا الحسن، أبسط يدك حتى أبايعك، فأبى علي، فجعل ~~يتمثل بشعر المتلمس: # ولن يقيم على خسف يراد به # إلا ~~الأذلان عير الحي والوتد # هذا على الخسف مربوط برمحته # وذا ~~يشج فلا يبكي له أحد # فزجره علي وقال: إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتن، وإنك والله ~~طالما بغيت الإسلام شرا، لا حاجة لنا في نصيحتك، وكان هذا كله ~~قبل دفن الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأن أهله حجبوه عن الناس، فلما بايع ~~الناس أبا بكر ورجع إلى المسجد جلس على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل ~~أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أيها الناس، ~~إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيي، وما وجدتها ~~في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله، ولكني قد كنت ~~أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا حتى يكون آخرنا، وإن الله أبقى فيكم ~~كتابه الذي هدى به رسول الله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان ~~هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله، وثاني ~~اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوا.» فبايع المسلمون بيعة ~~العامة بعد بيعة السقيفة. # ثم تكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: ~~«أما بعد أيها الناس، فإني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن ~~أحسنت فأعينوني، وإن ms011 أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، ~~والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي منكم ~~ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل ~~الله، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في ~~قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا ~~عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله .» # 5 # ولما أتم القوم الصلاة نظر أبو بكر في وجوه القوم فلم ير عليا ~~فسأل عنه، وذهب زيد بن ثابت وجماعة من الأنصار فأتوا به إليه، فقال ~~له: أنت ابن عم رسول الله وختنه، وأردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال ~~علي: لا تثريب يا خليفة رسول الله، وكذلك فعل الزبير، ثم انصرف ~~أبو بكر والقوم إلى دفن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فلما أتموا ذلك لزم ~~علي بيته حينا من الدهر يترضى السيدة فاطمة حين لم يقض لها ~~أبو بكر بما طالبت به من مال أبيها، وظلت غضبى إلى أن ماتت، فبعث ~~علي إلى أبي بكر: ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما ~~يعلم من شدته، فقال عمر: لا تأته وحدك، فقال أبو بكر: لآتينهم ~~وحدي، وما عسى أن يصنعوا بي؟ فانطلق حتى دخل على علي وقد جمع بني ~~هاشم عنده، فقام علي، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: ~~أما بعد فإنه لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكارا لفضيلتك ~~ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا ~~الأمر حقا فاستبددتم به علينا ... ثم ذكر قرابته من رسول الله ~~وحقه، فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر. # فلما صمت علي تشهد أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ~~ثم قال: أما بعد، فوالله لقرابة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أحب إلي ~~أن أصلهم من قرابتي، وإني والله ما آلو بكم في ms012 هذه الأموال التي ~~كانت بيني وبينكم على الحد، ولكن سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: ~~«نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة»، إنما يأكل ~~آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أذكر صنعة فيه إلا صنعته إن ~~شاء الله تعالى، ثم قال علي: موعدك للبيعة العشية، فلما صلى ~~أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر به، ~~ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر، فذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى ~~أبي بكر فبايعه وأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسنت. # 6 # وهكذا تمت البيعة لأبي بكر فقبلها وهو كاره، ولما رأى إجماع ~~الناس على بيعته دعته نفسه إلى الاستقالة؛ فقد روي عن زيد بن أسلم ~~أنه قال: دخل عمر على أبي بكر وهو آخذ بطرف لسانه: إن هذا أوردني ~~الموارد، ثم قال: يا عمر لا حاجة لي في إمارتكم، فقال عمر: والله ~~لا نقيلك ولا نستقيلك؛ قدمك رسول الله، فمن ذا الذي يؤخرك؟ ~~ولما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن ~~مئونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا ~~المال ويحترف للمسلمين. # الفصل الثالث # | في أعماله، في خلافته # (1) تسيير بعث أسامة # أول عمل قام به أبو بكر بعد الفراغ من تجهيز الرسول ودفنه هو ~~أنه أمر مناديه أن ينادي من الغد من متوفى الرسول # صلى الله عليه وسلم # ألا ~~يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة بن زيد الذي كان جهزه رسول ~~الله إلا خرج إلى عسكره بالجرف قرب المدينة، ثم قام أبو بكر ~~فخطب الناس بعد أن تجمعوا، فقال: «أيها الناس، إنما أنا مثلكم، ~~وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يطيق، ~~إن الله اصطفى محمدا على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما ~~أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت ~~فقوموني، وإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قبض وليس أحد من هذه الأمة ~~يطلبه ms013 بمظلمة ضربة سوط فما دونها، ألا وإن لي شيطانا يعتريني، ~~فإذا أتاني فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، وأنتم ~~تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن لا ~~يمضي الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك ~~إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى ~~انقطاع الأعمال، فإن قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم، ~~فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجد الجد والوجاء الوجاء، والنجاء ~~النجاء ، فإن وراءكم طالبا حثيثا أجلا مره سريع، احذروا ~~الموت واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا الأحياء ~~إلا بما تغبطون به الأموات.» # ثم إنه اهتم في إنفاذ بعث أسامة، فقال له أصحابه: أما ترى ~~ارتداد العرب عامة وخاصة؟ ونجم النفاق، واشرأبت اليهود ~~والنصارى والمسلمون كالغنم ~~في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم # صلى الله عليه وسلم # وقلتهم ~~وكثرة عدوهم، وأن هؤلاء جل العرب والمسلمين على ما ترى، فليس ~~ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين! فقال لهم: والذي نفس ~~أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة ~~كما أمر به رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولو لم يبق في القرى غيري ~~لأنفذنه. # وكان الرسول قد أعد هذا البعث إلى أبنى لفتح أطراف الشام، ~~وجعل فيه بعض كبار الصحابة وأمر عليهم أسامة بن زيد، ولم يكن ~~تجاوز آخرهم الخندق حتى بلغهم نبأ وفاة الرسول، فوقف أسامة، ثم ~~بعث إلى خليفة رسول الله يستأذنه في أن يرجع بالناس، فقال له ~~أبو بكر: لا بد والله من تسيير البعث، ثم إنه أخذ يعد العدة ~~لتسيير البعث، فأعدها وخرج بنفسه يودع أسامة ويشيعه، ولما ~~قدم على أسامة وهو بالجرف خطب الناس فقال: «أيها الناس، قفوا ~~أوصكم: أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ~~ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا ~~امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ~~ولا تذبحوا شاة ولا بعيرا ولا بقرة إلا لمأكلة، وسوف تمرون ~~بأقوام قد فرغوا أنفسهم ms014 في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم ~~له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان من ~~الطعام، فإذا أكلتم منها شيئا بعد شيء فاذكروا اسم الله ~~عليها، وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل ~~العصائب فاخفقوهم بالسيوف خفقا، اندفعوا باسم الله، أقناكم ~~الله بالطعن والطاعون.» # 1 # ثم أمره أن ينفذ كل ما أمره رسول الله به من أن ~~يبدأ بقضاعة، ثم يأتي آبل، وألا يقصر في شيء من أمر ~~الرسول؛ فمضى أسامة مغذا على ذي المروة والوادي، وانتهى إلى ~~ما أمره رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من بث الخيول في قبائل قضاعة ~~والغارة على آبل، فسلم وغنم، وكان فراغه في أربعين يوما سوى ~~مقامه ومنقلبه راجعا، وقد كان تسيير هذا البعث سياسة حكيمة ~~وطدت أمر الإسلام وأرهبت أهل الردة والمشركين الذين ~~قالوا: لو لم يكن أبو بكر على بصيرة من أمره وقوة من نفسه ~~وكثرة من جنده لما بعث هذا البعث في مثل هذا الظرف. وقد صرف ~~الله لسبب هذا البعث عن أبي بكر والمسلمين كثيرا من الفتن ~~التي كان المشركون وأهل الردة يعدونها للفتك بالإسلام ~~وأهله. ~~(2) فتنة الردة وحروبها # مني الإسلام بفتنة عظمى بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولو لم ~~يكن زعيم المسلمين أبو بكر هو المتولي لإخماد تلك الفتنة ~~لعمت مصيبتها وفتكت بالإسلام، ولكن حكمة الصديق وعقله هما ~~اللذان حالا دون تشتت كلمة الإسلام وتفرق أمر المسلمين؛ وذلك ~~أنه لما بلغ الأعراب نبأ وفاة الرسول وانتشر المنافقون ومن في ~~قلوبهم مرض يحرضون على الردة وترك الإسلام. كثر المرتدون ~~عن الإسلام، وانقسموا قسمين: قسما خرج عن الإسلام بالمرة، ~~وهم: بنو طي، وغطفان، وأسد؛ جماعة المتنبي طلحة بن خويلد ~~الأسدي، وحنيفة؛ جماعة مسيلمة الكذاب، وأهل اليمن الذين ~~تزعمهم الأسود العنسي؛ وقسما ظلوا على إسلامهم، ولكنهم ~~عطلوا شعيرة الزكاة، وهم: بعض بني تميم وغيرهم بزعامة مالك ~~بن نويرة، وقد اختلف بعض الصحابة مع أبي بكر في وجوب قتال ~~القسم الثاني كالقسم الأول، فقال أبو بكر: والله ms015 لأقاتلن ~~هؤلاء كما أقاتل أولئك؛ لأن تعطيل الزكاة كتعطيل الصلاة وسائر ~~شعائر الإسلام، وقال عمر: وكيف نقاتلهم وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني مالهم وأنفسهم»؟ فقال أبو بكر: والله ~~لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عناقا ~~أو عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على ~~منعها، وقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله ~~صدري لما قال أبو بكر، فعلمت أنه الحق، ثم إن أبا بكر شمر ~~لقتال هؤلاء المرتدين والقضاء على هذه الفتنة. # وكان سبب ارتداد أكثر العرب أنهم كانوا يظنون أن الرسول حي ~~خالد لن يموت، وأنه سفير الله يبلغه أوامره ونواهيه، وأنه ~~معصوم عن كل خطأ وزلل وموت، فلما انتقل الرسول إلى جوار ربه ~~طاش صوابهم، وأخذ بعض شياطين العرب الطامعين في الملك ~~والسلطان ينشرون الفتن بين الناس، ويكررون ما كان قاله شاعر ~~المرتدين الخطيل بن أوس أخو الحطيئة: # أطعنا رسول الله ما كان ~~بيننا # فيا لعباد الله ما ~~لأبي بكر # أيورثها بكرا إذا مات ~~بعده # فتلك لعمر الله قاصمة ~~الظهر # ثم إن جماعة من هؤلاء الطامعين أخذوا يشيعون في قبائلهم أن ~~قريشا تريد أن تستعبد الناس وأن تجعل النبوة ملكا لها ~~تتوارثه في أبنائها، وقد تجلى شيء من هذا الخوف في يوم ~~السقيفة كما أسلفنا، ولكن حزم أبي بكر ورصانة الأنصار وطهارة ~~قلوبهم وعمق الإيمان في قلوبهم جعل هذه الفتنة قصيرة الأمد، ~~فاستسلمت أصحابها لأمر أبي بكر وخضعت للأمر الواقع، ولكن أعراب ~~الأطراف وزعماء النواحي الطامعين لم يقبلوا بهذا الأمر الواقع ~~فاستغلوها فرصة لشق عصا الطاعة وتفريق كلمة المسلمين. # وأول من شق العصا هم بنو عبس وذبيان؛ فإنهم خرجوا من ~~ديارهم بنجد وجبل طيء، وساروا نحو المدينة حتى نزلوا بالأبرق ~~وذي القصة، وبعثوا وفدا منهم إلى أبي بكر يطلبون إليه أن ~~يعفيهم من الزكاة، وأن يقتصروا على أركان الإسلام الأربعة ~~الباقية، فلما ms016 سمع أبو بكر مقالتهم اشتد غضبه وعزم على ~~حربهم، وقال: والله لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه. ثم رجع ~~الوفد إلى أصحابهم وأخبروهم بقلة من في المدينة من الرجال؛ لأن ~~بعث أسامة لم يكن قد عاد بعد، وأحس أبو بكر بسليم فطرته أن ~~القوم يبيتون أمرا، فجعل على أنقاب المدينة عليا ~~والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود، ودعا الناس إلى المسجد، ~~وقال لهم: «إن الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم لا ~~تدرون أليلا تؤتون أم نهارا، وأدناهم منكم على بريد. وكان ~~القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم ونبذنا ~~إليهم عهدهم، فاستعدوا وأعدوا.» فما لبث المرتدون إلا ثلاثا ~~حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل، وخلفوا بعضهم بذي حسى ~~ليكونوا لهم ردءا، فلما بلغوا الأنقاب قاتلهم أهلها، وبلغ ~~الخبر أبا بكر فبعث إلى أمراء الأنقاب أن الزموا أماكنكم، ثم ~~خرج في أهل المدينة على النواضح - وهي إبل السقي - فلما علم ~~المرتدون بقدوم أبي بكر هربوا، فتبعهم المسلمون إلى أن بلغوا ~~وادي «ذي خشب»، فخرج عليهم الردء الذين خلفهم المرتدون بذي ~~حسى والتقى الجمعان، وكادت الدائرة تدور على المرتدين لولا ~~أنهم لجئوا إلى حيلة غريبة، هي أنهم نفخوا الأنحاء - أي القرب ~~- التي كانت معهم وجعلوا فيها الحبال، ثم أخذوا يدهدهونها ~~بأرجلهم في وجوه الإبل، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها - ولا ~~تنفر الإبل من شيء مثل نفارها من الأنحاء - فثارت الإبل وقفلت ~~راجعة بالمسلمين حتى دخلت بهم المدينة، ولكن لم يقتل من ~~المسلمين أحد ولا صرع، وفي ذلك يقول الخطيل بن أوس أخو الحطيئة ~~الشاعر: # فدى لبني ذبيان رحلي ~~وناقتي # عشية يحدي بالرماح ~~أبو بكر # ولكن يدهدي بالرجال ~~فهبنه # إلى قدر ما أن تقيم ولا ~~تسري # ولله أجناد تذاق ~~مذاقه # لتحسب فيما عد من عجب ~~الدهر # أطعنا رسول الله ما كان ~~بيننا # فيا لعباد الله ما ~~لأبي بكر # أيورثها بكرا إذا مات ~~بعده # وتلك لعمر الله قاصمة ~~الظهر # فهلا رددتم وخدنا ~~بزمانه # وهلا خشيتم حس راعية ~~البكر # وإن التي سألوكم ms017 ~~فمنعتم # لكالتمر أو أحلى إلي من ~~التمر # وقد ظن المرتدون بالمسلمين في المدينة الضعف والانكسار، ~~فبعثوا إلى إخوانهم بالخبر وتجمعوا كلهم يريدون احتلال المدينة ~~والقضاء على أبي بكر، ولكن لما أدرك الليل المسلمين أخذ ~~أبو بكر يعبئ جمعه، ثم خرج بهم في أعجاز الليل، فما طلع الفجر ~~إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فوضع المسلمون السيوف في ~~المرتدين حتى ولوهم الأدبار، ثم رجعوا إلى المدينة، فلم يلبث ~~أسامة بن زيد أن رجع من غزاته ، فرحب به أبو بكر وهنأه ~~واستخلفه على المدينة وترك معه جنده ليستريحوا في المدينة، ~~وخرج هو قاصدا «ذا خشب» و«ذا القصة» حتى بلغ الربذة فقاتل ~~من فيها من المرتدين وهزمهم وأسر منهم جماعة، وكان الحطيئة ~~الشاعر فيمن أسر، وأظهر أبو بكر من ضروب البطولة في هذه الحملة ~~ما دهش له المسلمون حتى قال له بعضهم: ننشدك الله يا خليفة ~~رسول الله ألا تعرض نفسك للهلاك، فإنك إن تصب لم يكن ~~للناس نظام، ومقامك أشد على العدو، فابعث رجلا فإن أصيب ~~أمرت آخر، فقال: لا والله لا أفعل، ولأواسينكم بنفسي. فخرج ~~حتى أتى بلاد ذبيان وجعلها حمى لدواب المسلمين، ثم رجع إلى ~~المدينة حتى إذا استراح جيش أسامة وثاب من حوالي المدينة خرج ~~إلى ذي القصة # 2 # معسكرا بها، وعقد أحد عشر لواء لأحد عشر ~~قائدا، وهم: ~~(1) # سيف الله خالد بن الوليد، ووجهه إلى طلحة ~~بن خويلد الأسدي، فإذا فرغ منه قصد مالك بن نويرة ~~بالبطاح. ~~(2) # عكرمة بن أبي جهل، ووجهه إلى مسيلمة الكذاب ~~باليمامة. ~~(3) # شرحبيل بن حسنة، ووجهه في إثر عكرمة ~~بن أبي جهل. ~~(4) # المهاجر بن أبي أمية، ووجهه إلى جنود العنسي، ~~ومعاونة الأبناء (الفرس) ثم يمضي إلى كندة. ~~(5) # حذيفة بن محصن، ووجهه إلى أهل دبا. ~~(6) # عرفجة بن هرثمة، ووجهه إلى أهل مهرة. ~~(7) # سويد بن مقرن، ووجهه إلى تهامة باليمن. ~~(8) # العلاء بن الحضرمي، ووجهه إلى البحرين. ~~(9) # طريفة بن حاجز، ووجهه إلى بني سليم ومن معهم من ~~هوازن. ~~(10) # عمرو بن العاص، ووجهه إلى قضاعة. ~~(11) # خالد بن سعيد ms018 بن العاص، ووجهه إلى عرب مشارف الشام. # 3 # ثم كتب لكل قائد من هؤلاء كتابا هذا نصه: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم، هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله لفلان ... حيث بعثه ~~فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام، وعهده إليه أن يتقي الله ~~ما استطاع في أمره كله، سره وعلانيته، وأمره بالجد في أمر ~~الله، ومجاهدة من تولى عنه ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان، ~~بعد أن يعذر إليهم، فيدعوهم بداعية الإسلام، فإن أجابوه أمسك ~~عنهم، وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له، ثم ~~ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم، فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي ~~لهم، لا ينظرهم ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم، فمن أجاب إلى ~~أمر الله عز وجل وأقر له قبل ذلك وأعانه عليه بالمعروف، ~~وإنما يقاتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله، ~~فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما ~~استسر به، ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان وحيث ~~بلغ مراغمة، لا يقبل من أحد شيئا أعطاه إلا الإسلام، فمن ~~أجابه وأقر قبل منه وعلمه، ومن أبى قاتله، فإن أظهره الله ~~عليه قتل منهم كل قتلة بالسلاح والنيران، ثم قسم ما أفاء الله ~~عليه إلا الخمس فإنه يبلغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة ~~والفساد، وألا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم ويعلم ما هم لا ~~يكونوا عيونا، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم، وأن يقتصد ~~بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل، ويتفقدهم، ولا يعجل ~~بعضهم عن بعض، ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين ~~القول.» # وبعث كتابا إلى كل من وجهه إلى قتالهم من المرتدين هذا ~~نصه: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة، أقام على ~~إسلامه أو رجع عنه، سلام على من اتبع الهدى، ولم يرجع بعد ~~الهدى إلى الضلالة والعمى، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله ~~إلا هو، وأشهد ms019 أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ~~عبده ورسوله، نقر بما جاء، ونكفر من أبى ~~ونجاهده. # أما بعد: فإن الله تعالى أرسل محمدا بالحق من عنده، إلى ~~خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا؛ ~~لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق ~~من أجاب إليه، وضرب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بإذنه من أدبر عنه، حتى ~~صار إلى الإسلام طوعا وكرها، ثم توفي رسول # صلى الله عليه وسلم # وقد نفذ ~~لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد ~~بين له ذلك، ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل فقال: # إنك ميت وإنهم ~~ميتون ~~، وقال: # وما ~~جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن ~~مت فهم الخالدون ~~، وقال للمؤمنين: # وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل أفإن مات أو ~~قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ~~وسيجزي الله الشاكرين ~~. # فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله ~~وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد حي قيوم لا يموت ولا ~~تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره منتقم من عدوه يجزيه، وإني ~~أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله وما جاء به نبيكم # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من ~~لم يهده الله ضال، وكل من لم يعافه مبتلى، وكل من لم يعنه ~~الله فهو مخذول، فمن هداه الله كان مهتديا، ومن أضله كان ~~ضالا. # قال الله تعالى: # من يهد الله ~~فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ~~وليا مرشدا ~~، ولم يقبل منه في الدنيا عمل ~~حتى يقر به، ولم يقبل منه في الآخرة عدل ولا صرف. وقد بلغني ~~رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به؛ ~~اغترارا بالله وجهالة بأمره وإجابة للشيطان. # قال الله تعالى: # وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه ms020 أفتتخذونه وذريته أولياء ~~من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا ~~، وقال: # إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ~~إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب ~~السعير ~~. # وإني بعثت إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والأنصار ~~والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدا ولا يقتله حتى يدعوه ~~إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحا قبل منه ~~وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقي ~~على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتلة، ~~وأن يسبي النساء والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن ~~اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي ~~أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم، والداعية الأذان، فإن أذن ~~المسلمون فأذنوا، كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا عاجلوهم، وإن أذنوا ~~اسألوا ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقروا قبل منهم ~~وحملهم على ما ينبغي لهم.» # 4 # وسير أبو بكر هذه الكتب قبل أن تسير الجيوش، ثم خرجت ~~الجيوش كل أمير إلى جهته. ~~(2-1) أجناس المرتدين وأحوالهم # خبر الأسود العنسي # هو عبهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي الملقب بذي ~~الخمار، كان بطاشا جبارا عاتيا، أسلم لما قدمت ~~وفود المسلمين على النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم إنه ارتد في ~~أيام النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فكان أول مرتد في الإسلام، ثم ~~ادعى النبوة وأخذ يعمل المخاريق والأعاجيب، ~~واستهوى نفرا من عوام العرب، واتبعته بنو مذحج، ~~فتملك أكثر جنوبي بلاد العرب، وامتد نفوذه على ~~أعراب تلك الضواحي، وبلغت أخباره إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فكتب إلى من بقي على الإسلام من أهل اليمن ~~يأمرهم بمحاربته والتحريض على قتله. # وكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعد موت باذان الفارسي الذي ~~استعمله على اليمن بعد إسلامه قد قسم اليمن في سنة ~~10ه إلى مقاطعات، جعل على كل مقاطعة أميرا، ففي ~~صنعاء: «شهر بن باذان»، وفي مأرب: «أبو موسى عبد الله ~~بن قيس الأشعري»، وفي بلاد همدان: «عامر ms021 بن شهر ~~الهمداني»، وفي زبيد وبلاد عك والأشعريين: «الطاهر ~~بن أبي هالة»، وفي نجران وزمع: «خالد بن سعيد بن ~~العاص»، وفي نجران: «عمرو بن حزم»، وفي حضرموت: «زياد ~~بن لبيد البياضي»، وفي بلاد السكاسك والسكون شمال ~~حضرموت: «عكاشة بن ثور»، وفي بلاد بني معاوية: ~~«المهاجر بن أبي أمية»، وفي الجند: «يعلى ~~بن أمية». # وجعل معاذ بن جبل معلما ومفتيا للجميع ينتقل في كل ~~بلد، فلما أظهر الأسود دعوته وأجابته بنو مذحج، وثب ~~على نجران وأخرج عامليها: خالد بن سعيد، وعمرو ~~بن حزم؛ فلحقا بالمدينة، ثم سار الأسود في سبعمائة من ~~جماعته إلى صنعاء فقتل صاحبها شهر بن باذان، واستولى ~~على المدينة، وتزوج بامرأته، ثم استولى على ما بين ~~صنعاء وحضرموت من الجنوب إلى أعمال طائف من الشمال إلى ~~البحرين من الشرق. وعظم أمره حتى هدد أكثر أمراء ~~اليمن، وكاد يفتك بمعاذ بن جبل، فهرب منه حتى أتى ~~أبا موسى الأشعري وهو ببلاد مأرب، فخرج معه وأتيا ~~حضرموت، فنزل معاذ في السكاسك، ونزل أبو موسى في ~~السكون، وأقام الطاهر بن أبي هالة ببلاد عك. # فلما بلغت هذه الأنباء مسامع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أرسل إلى من بقي في اليمن من أمراء المسلمين والأبناء ~~أن يجتمعوا على قتاله وقتله إما غيلة وإما مصادمة، ~~فقام بذلك من الأبناء: فيروز، وداذويه، ومعاذ، ~~والطاهر، وجمعوا قواهم واهتموا بقتاله، ثم إنهم اتفقوا ~~مع امرأته التي كانت تحت شهر بن باذان فسهلت لهم ~~الوصول إليه، ودخل عليه فيروز فقتله ليلا، ولما أصبح ~~فيروز نادى بشعار المسلمين، وهو الأذان، فوقعت الفتنة ~~وانقسم الناس قسمين: قسما ظل على ردته، وقسما ~~رجع إلى الإسلام، وتقاتل الفريقان، لكن الغلبة كانت ~~للمسلمين، فرجع عمال رسول الله إلى بلادهم، وأقام ~~معاذ بن جبل في صنعاء يصلي بالناس. # وبعثوا وفدا إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ينبئه بما ~~جرى، فلم يصل الوفد إلى المدينة حتى علم بوفاة ~~الرسول، وكانت هذه أول بشارة قدمت على أبي بكر الصديق، # 5 # ولما بلغت أهل ms022 اليمن وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قوي عزم من أبطن الكفر، وأعلنوا خروجهم ~~على الإسلام بزعامة أحد قادة الأسود وهو «قيس بن عبد ~~يغوث»، فأخذ يكاتب المنهزمين من جماعات الأسود، ~~فانضووا تحت لوائه، وأراد الفتك بزعماء أهل اليمن ~~فدعاهم إلى وليمة وهو يبطن الغدر بهم، وكان فيهم ~~«فيروز» و«داذويه» و«جشيش» من الأبناء، فظفر بداذويه ~~ونجا الآخران، فخرج قيس في أثرهما، فاحتميا بقبيلة ~~حولان فحمتهما، واضطر قيس على الرجوع، فاحتل صنعاء ~~واتخذها له مقرا، ففتك بأهلها وطرد من فيها من ~~عيالات الأبناء وشردهم فهربوا في البر والبحر، ~~وانتهب أموالهم وديارهم، فلما علم بذلك فيروز جمع له ~~جمعا واستعان ببني عقيل وعك وسار إليه. # ثم إن أبا بكر سير إليه المهاجر بن أبي أمية، ~~وعكرمة بن أبي جهل، فساعدا فيروز والأبناء على قتال ~~قيس بن عبد يغوث وجنوده حتى انهزموا، وأسرا قيسا ~~وعمرو بن معديكرب الزبيدي الذي كان ارتد وتبع الأسود، ~~فسيراهما إلى أبي بكر، فلما دخلا عليه قال أبو بكر ~~لقيس: يا قيس، قتلت عباد الله واتخذت المرتدين وليجة ~~دون الله من دون المؤمنين؟ فأنكر قيس أن يكون قد فارق ~~أمرا، كما أنكر أنه قتل داذويه، ولم يكن هناك دليل ~~ظاهر على أنه قتله؛ لأن القتل كان خلسة، فتغاضى له ~~أبو بكر عن دمه، ثم قال لعمرو بن معديكرب: وأنت يا ~~عمرو! أما تستحي أنك كل يوم مهزوم أو مأسور؟ لو نصرت ~~هذا الدين لرفعك الله، فقال: لا جرم، لأقبلن ولا أعود، ~~ورجعا إلى عشائرهما مؤمنين صادقين. # ثم إن المهاجر بن أبي أمية أخذ يتتبع جنود الأسود ~~وجماعته بكل مكان ويقتلهم حتى استأصل شأفتهم ولم ~~يبق لهم من أثر، وكانت مدة الأسود منذ أن ظهر إلى ~~أن هلك قرابة أربعة أشهر. # خبر طليحة بن خويلد الأسدي # كان طليحة بن خويلد الأسدي كاهنا طموحا ذكيا، ~~ادعى النبوة في حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # وتبعه بعض العرب ~~واليهود، فاتخذ فلطقة (سميراء) من بلاد بني أسد مقرا ~~لحركته، وبلغ أمره النبي ms023 # صلى الله عليه وسلم ~~، فبعث إليه ضرار ~~بن الأزور الأسدي لمقاتلته والقضاء على فتنته، فسار ~~إليه ولم يكد يصل إلى «سميراء» حتى بلغه خبر وفاة ~~النبي الكريم، فرجع. # واستطار أمر طليحة، وانضم إليه جموع من قبائل غطفان ~~وهوازن وغيرهما، وعظم شأنه، فبعث إليه أبو بكر ~~خالد بن الوليد في عدد كبير من مقاتلة المسلمين، ~~فيهم بعض وجوه العرب أمثال عدي بن حاتم الطائي. ولما ~~ساروا واستأذن عدي خالدا أن يتعجل ويدعو قومه إلى ~~الرجوع إلى الإسلام ويتركوا طليحة، فسار إليهم ودعاهم، ~~فأجابوه وتركوا طليحة وانضموا إلى جيش المسلمين، ودعا ~~بني جديلة أحلاف طيء، فتركوا طليحة وانضموا إلى ~~المسلمين. # وسار خالد حتى التقى بجموع بني أسد عند «بزاخة»، ~~فقاتلهم قتالا شديدا، وكان طليحة متلفعا في ~~كساء له بفناء بيته يتنبأ ويتكهن، والناس ~~يقتتلون، فلما اشتد القتال جاء عيينة بن حصن الأسدي ~~زعيم بني أسد إلى طليحة فقال له: هل جاءك جبريل؟ قال: ~~لا، بعد. ثم رجع يقاتل حتى إذا بلغ القتال أشده رجع ~~فسأله: هل جاءك جبريل؟ فقال طليحة: نعم. قال: فماذا ~~قال لك؟ قال: قال لي: إن لك رحا كرحاه وحديثا لا ~~تنساه. فقال عيينة: أظن أنه قد علم الله أنه سيكون ~~حديثا لا تنساه. يا بني فزارة هكذا فانصرفوا؛ فهذا ~~والله كذاب. فانصرفوا وانهزم الناس، وقام طليحة فأخذ ~~امرأته النوار وهرب بها حتى لحق بالشام، وارفضت ~~جموعه وتغلب عليهم خالد فأرجعهم إلى حظيرة ~~الإسلام. # إلا نفرا من بني غطفان التفوا حول سلمى بنت ~~مالك بن حذيفة ب «الحوأب»، تزعمتهم وأعلنت ثورتها ~~على الإسلام وأهله، فتوجه إليها خالد في كوكبة من ~~المسلمين فقاتلها، وقتلها وهي راكبة على جمل دونه نحو ~~مائة رجل. وهكذا انتهت الفتنة الأسدية التي شنها ~~طليحة الذي ما علم بانتهاء الفتنة في دياره ودخول قومه ~~في الإسلام حتى رجع فنزل في بني كلب وأعلن الإسلام، ~~ولم يزل مقيما بينهم طول عهد أبي بكر، ثم خرج ~~معتمرا، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة، فقال: ما أصنع ~~به؟ خلوا عنه ms024 فقد هداه الله للإسلام. ولما توفي أبو ~~بكر وتولى عمر أتاه فبايعه واعتذر، وأبلى بلاء حسنا ~~في فتوح العراق. # خبر مالك بن نويرة التميمي # لما أسلم بنو تميم أمر الرسول # صلى الله عليه وسلم # عليهم ستة ~~من وجوههم، وهم: (1) الزبرقان بن بدر. (2) قيس ~~بن عاصم. (3) صفوان بن صفوان. (4) مالك بن نويرة. (5) ~~سبرة بن عمرو. (6) وكيع بن مالك. فأقاموا في حياة ~~النبي يجيئون بصدقات قومهم إليه وينفذون أوامر ~~الإسلام، إلى أن انتقل النبي إلى جوار ربه، فأعلن مالك ~~بن نويرة ووكيع بن مالك ارتدادهما عن الإسلام، ومنعا ~~إرسال زكاة قومهما إلى أبي بكر، وتبعه بعض قومه، وظل ~~الآخرون على الإسلام، فأخذوا يختصمون فيما بينهم ~~ويتقارعون بالسيوف والحراب. # وبينما هم كذلك جاءتهم سجاح بنت الحارث بن سويد، وهي ~~امرأة داهية نصرانية من بني تغلب، كانت تقيم مع ~~قومها في الجزيرة، فلما علمت بوفاة النبي ادعت ~~النبوة، وتبعها نفر من قومها وأوشاب العرب؛ حتى عظم ~~جمعها، وأرادت أن تغزو أبا بكر في المدينة، فلما وصلت ~~إلى ديار بني تميم دعت مالكا إلى الدخول في دينها، ~~فدخل فيه، ووادعها وثناها عن غزو أبي بكر، وأغراها ~~بقتال مسلمي تميم، فقاتلتهم وهزمتهم، ثم جمعت جموعها ~~وسارت إلى الحجاز تريد المدينة، حتى إذا بلغت النباج ~~اعترضتها جموع من تميم فحاربوها وقتلوا بعض رجالها ~~وأسروا بعضهم وأسرت هي بعض رجالهم، ثم تحاجزوا على أن ~~تطلق الأسرى ويطلقوا أسراهم وترجع فلا تجتاز ديارهم، ~~فيئست بذلك من الوصول إلى المدينة وانقلبت إلى ~~اليمامة. # أما بنو تميم فإنهم رجعوا إلى الإمام وندموا على ~~فعلتهم إلا مالك بن نويرة، فإنه ظل مرتدا متحيرا ~~حتى قدم عليه خالد بن الوليد في البطاح، فبث السرايا ~~في النواحي، وأمرهم أن يدعوا الناس للإسلام وأن يأتوه ~~بكل من لا يجيب إليه، وإن امتنع قتلوه، فكان من أمر ~~مالك أن وقع أسيرا في يد بعض سرايا خالد، فجاءوا به ~~مع نفر من بني ثعلبة، وقد اختلف رجال السرية في ~~أقوالهم أمام خالد، فنفر قالوا إن مالكا وقومه ms025 قد ~~أذنوا وصلوا، ونفر قالوا إنهم لم يفعلوا ذلك، فلما ~~رأى خالد اختلاف القوم في أمرهم أمر بحبسهم، فحبسوا ~~في ليلة باردة، وأمر خالد مناديا فنادى: أدفئوا ~~أسراكم، وكان في لغة كنانة أنهم إذا «أدثروا» الرجل ~~فأدفئوه: قصدوا قتله، فظن القوم أنه أراد القتل، فقتل ~~ضرار بن الأزور مالكا، وتزوج خالد أم تميم ابنة ~~المنهال امرأة مالك. ولما بلغت هذه الأخبار أبا بكر ~~وسمع عمر بمقتل مالك وتزوج خالد بامرأته أشار على ~~أبي بكر بمعاقبة خالد، وقال : إن في سيف خالد رهقا، ~~فإن لم يكن هذا حقا، حق عليه أن نقيده. وأكثر ~~عمر على أبي بكر في خالد، وكان أبو بكر لا يقيد من ~~عماله، فقال لعمر: هيه يا عمر، تأول فأخطأ، فارفع ~~لسانك عن خالد. وودى مالكا، وكتب إلى خالد أن يقدم ~~عليه، فأقبل وسأله عن الأمر فأخبره به، فعذره وعنفه ~~في تزوج المرأة، ثم قدم متمم بن نويرة أخو مالك على ~~أبي بكر ينشد أبا بكر دم أخيه ويطالبه برد السبي، ~~فرد السبي إليه، وألح عمر على أبي بكر بعزل خالد، ~~فقال أبو بكر: لا يا عمر لم أكن لأشيم سيفا سله ~~الله على الكافرين. # 6 # خبر مسيلمة الحنفي # كان مسيلمة الحنفي فيمن وفد من زعماء بني حنيفة على ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأسلم، ولكنه ما لبث أن ارتد ~~وادعى النبوة، وكتب إلى النبي كتابا يقول له فيه قد ~~أوحي إليه، وأن جبريل نزل عليه يخبره بأن الله قد ~~قاسمه النبوة مع محمد، وشاطره الملك والسيادة في جزيرة ~~العرب. فكتب إليه الرسول كتابا نصه: «من محمد رسول ~~الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، ~~أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ~~والعاقبة للمتقين.» وكان ذلك عقب حجة الوداع، فاستمر ~~مسيلمة في ضلاله، فبعث إليه النبي الكريم أحد وجوه بني ~~حنيفة من المسلمين، وهو الرجال بن عنفوة، وكان ممن ~~أسلم وتفقه وقرأ القرآن، فأمره الرسول بأن يأتي قومه ~~بني حنيفة فيفقههم في الدين ms026 ويقرئهم القرآن، ~~ويعلمهم أهداف الإسلام، ويشغب على مسيلمة ويشد أمر ~~المسلمين، فما كان من مسيلمة إلا أن خدعه واجتذبه إلى ~~جهته، فتابع مسيلمة وشهد له بالاشتراك في الرسالة مع ~~النبي، فكان بهذه الشهادة أعظم فتنة على الإسلام من ~~مسيلمة. ولم يلبث الرسول أن توفي فعظم أمر مسيلمة، ~~وانضمت إليه جموع كثيرة من بني حنيفة والقبائل ~~المجاورة لها. فلما استخلف أبو بكر وبعث القواد ~~لمحاربة المرتدين بعث إليه بعكرمة بن أبي جهل وألحق به ~~شرحبيل بن حسنة، فتعجل عكرمة في قتاله ولم ينتظر ~~مجيء المدد إليه مع شرحبيل، فقاتله مسيلمة فهزمه ~~وشتت شمل جموعه، وبلغت أخبار هذه الكسرة مسامع ~~أبي بكر، فأمر خالد بن الوليد أن يتوجه إلى قتاله على ~~رأس جيش كثيف فيه صناديد المسلمين من المهاجرين ~~والأنصار، وأرسل إلى شرحبيل يأمره بانتظار خالد حتى ~~يجتمعا على جنود مسيلمة التي تبلغ عدتها أربعين ألفا. ~~فلما علم مسيلمة وبنو حنيفة بدنو خالد خرجوا فعسكروا ~~في منتهى ريف اليمامة، وأخذوا يستنفرون الناس ~~ويحرضون الشبان على حمل السلاح ضد خالد، فنفر معهم ~~عدد كبير، ولما قدم خالد وشرحبيل التقى بسرية لبني ~~حنيفة، فأمر خالد بقتل أفرادها إلا قائدها مجاعة ~~بن مرارة، فإنه استبقاه لشرفه. # ثم إن خالدا سار حتى لقي حنيفة، فتقاتل الفريقان ~~بشدة، وكادت الدائرة تدور على المسلمين حتى وصل ~~المرتدون إلى فسطاط خالد، وأرادوا أخذ امرأته فمنعهم ~~من ذلك مجاعة بن مرارة، وقال: نعم الحرة هي. ثم إن ~~خالدا أخذ يحرض المسلمين ويدعوهم إلى الاستبسال، ~~فأنزل الله سكينته على المسلمين، وحمل خالد حملة ~~شديدة على المرتدين فردهم ناكصين على أدبارهم، ثم ~~طلب مسيلمة للبراز فبرز إليه، فلما اشتد خالد عليه ~~وكاد أن يفتك به فر هاربا وزال أصحابه عن أمكنتهم، ~~ثم نادى خالد بجموع المسلمين أن يهجموا، فانقضوا على ~~المرتدين واضطروهم على أن يدخلوا متحصنين في بستان ~~مسيلمة الذي كان يسميه «حديقة الرحمن»، فقال البراء ~~بن مالك أحد أبطال الأنصار: ألقوني عليهم، فألقوه، ~~فقتل من على الباب وفتحه، فدخل المسلمون وأكثروا ms027 القتل ~~في المرتدين، وأراد مسيلمة الفرار فلحق به وحشي - قاتل ~~حمزة - فقتله، ثم تفرق بنو حنيفة وركبهم المسلمون ~~يقتلون ويأسرون، فقال مجاعة لخالد: تعال أصالحك. ورأى ~~خالد ما لحق بالمسلمين من التعب، وظن أن في حصون ~~بني حنيفة رجالا وسلاحا، فجنح إلى الصلح مصالحة على ~~الصفراء والبيضاء ونصف السبي والسلاح وبستان ومزرعة من ~~كل قرية، فأبوا، فصالحهم على الربع فصالحوه، وفتحت ~~الحصون فلم يجد خالد فيها إلا النساء والمستضعفين، ~~فقال لمجاعة: خدعتني! فقال: قومي ولم أستطع إلا ما ~~صنعت. ثم إن أبا بكر بعث إليه بكتاب يأمره فيه إن ظفر ~~ببني حنيفة بقتل كل محتلم منهم، فوفى لهم بصلحه ولم ~~يغدر بهم، وبعث وفدا منهم إلى أبي بكر فأعلنوا ~~إسلامهم، وأحسن إليهم أبو بكر وسألهم عن بعض أسجاع ~~مسيلمة، فأسمعوه بعضها، كقوله: «يا ضفدع نقي نقي، لا ~~الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض، ~~ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم معتدون.» فقال ~~أبو بكر: سبحان الله، هذا الكلام ما خرج من إل ولا ~~بر، فأين يذهب بكم عن أحلامكم؟ ثم إنه ردهم إلى ~~قومهم. # خبر ربيعة # كانت بلاد البحرين مقرا لقبائل بني عبد القيس، ~~وبكر بن وائل من بني ربيعة، وكانوا قوما متحمسين، ~~دعاهم الرسول إلى الإسلام فأسلموا، وأمر عليهم ~~زعيمهم المنذر بن ساوى. فلما مات الرسول ومات بعده ~~المنذر ارتدت قبائل البحرين، فأما بنو بكر فظلت ~~على ردتها، وأما بنو عبد القيس فلم تلبث أن رجعت إلى ~~الإسلام بفضل الجارود بن المعلى العبدي الذي ناقشهم، ~~وأخذ يدعوهم بالحسنى ويقول لهم: «هل تعلمون أن الله ~~بعث أنبياء قبل محمد؟ فقالوا: نعم. فقال: هل تعلمون ~~أنهم أحياء أم ماتوا؟ فقالوا: قد ماتوا. فقال لهم: إن ~~محمدا مثلهم قد مات، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا عبده ورسوله.» فرجعوا معه إلى الدين وهدأت ~~ثورتهم. # وكان زعيم بني بكر هو الحطم بن ضبيعة، وكان جبارا ~~عاتيا، فأعلن ارتداده عن الإسلام، وأخذ يدعو إلى قتال ~~أبي بكر ومنع الزكاة، فالتف ms028 حوله كثير من المنافقين ~~والمرتدين، وسار بهم حتى نزل «القطيف» و«هجر»، فلقي ~~رجال الجارود، فقاتلهم وآذاهم، ثم إن أبا بكر بعث ~~العلاء بن الحضرمي إلى البحرين ولحقه ثمامة بن أثال ~~الحنفي في نفر من مسلمي بني حنيفة وقيس بن عاصم ~~المنقري في قومه، وأتاه كثير من أهل اليمن، فسلك بهم ~~الدهناء حتى كادوا أن يهلكوا ولكن الله سلم، وبلغ ~~البحرين وحاصر المرتدين مدة شهر، وخندق كل فريق على ~~نفسه وأخذوا يتبادلون القتال في النهار، فإذا أمسوا ~~رجع كل إلى خندقه، حتى إذا كانت ليلة سمع المسلمون ~~منها جلبة وضوضاء في معسكر المرتدين، فبعث العلاء من ~~يأتيه بحقيقة الخبر، فرجع الرسول فأخبره أن القوم ~~سكارى، فعزم العلاء على أن يبيتهم تلك الليلة شر ~~بيات، وهجم عليهم واضطرهم إلى الهرب نحو «دارين»، وهي ~~إحدى جزر الخليج الفارسي، فعبر المسلمون البحر خلفهم ~~سباحة وقاتلوهم هناك حتى ظفروا بهم وبمن انضم إليهم من ~~الزط والسيابجة. وللعلاء بن الحضرمي خطبة رائعة في ~~حضهم على اقتحام البحر، قال فيها: «إن الله قد جمع ~~لكم أحزاب الشياطين، وشرد الحرب في هذا البحر، وقد ~~أراكم من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر، ~~فانهضوا إلى عدوكم ثم استعرضوا البحر إليهم، فإن الله ~~قد جمعهم ...» فقالوا له: نفعل ولا نهاب والله بعد ~~الدهناء هولا ما بقينا، فارتحل وارتحلوا، وغنموا ~~مغانم كثيرة من مال وسبي، وبلغ نفل الفارس ستة آلاف، ~~والراجل ألفين، وفي ذلك يقول عفيف بن المنذر: # ألم تر أن الله ذلل ~~بحره # وأنزل بالكفار إحدى ~~الجلائل # دعونا الذي شق البحار ~~فجاءنا # بأعجب من فلق ~~البحار الأوائل # وكتب العلاء إلى أبي بكر يقول: «أما بعد فإن الله ~~تبارك وتعالى فجر لنا الدهناء فيضا لا ترى غواربه، ~~وأرانا آية وعبرة بعد غم وكرب، لنحمد الله ~~ونمجده، فادع الله واستنصره لجنده وأعوان دينه.» ~~فلما قرأ أبو بكر كتاب العلاء أخذ يحمد الله ويقول: ~~«ما زالت العرب فيما تحدث عن بلدانها تقول: إن لقمان ~~حين سئل عن الدهناء أيحتقرونها أو يدعونها؟ نهاهم ms029 ~~وقال: لا تبلغها الأرشية، ولم تقر العيون، وإن شأن هذا ~~الفيض من عظيم الآيات، وما سمعنا به في أمة قبلها.» # 7 # خبر أهل عمان # أسلم أهل عمان في عهد النبي، فأمر عليهم الأخوين ~~جيفرا وعبادا ابني الجلندي العماني، وظلا على ~~أحسن سيرة إلى أن مات رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان في ~~وجوه عمان رجل يسمى: لقيط بن مالك الأزدي، وكان يغار ~~من الجلندي ويساميه، فلما مات رسول الله وارتدت العرب ~~ادعى لقيط النبوة، وتبعه كثير من أعراب الأزد وأهل ~~عمان وأجلاف البادية، وكثرت جموعه فخافه ابنا ~~الجلندي، ثم هاجمهما ففرا منه والتجآ إلى الجبال، ~~وكاتبا أبا بكر بأمر لقيط، فبعث حذيفة بن محصن إلى ~~عمان، وعرفجة بن هرثمة إلى مهرة، فلما وصلا كاتبا ~~جيفرا فأمدهما بما يقدر عليه. # وبعث إليهما أبو بكر عكرمة بن أبي جهل مددا بعد ~~هزيمته في اليمامة، فلحق بهما قبل أن يصلا عمان، فلما ~~قاربوا الوصول إلى عمان لحق بهم جيفر في عسكره، ~~واتخذوا «صمار» مقرا لهم، وأخذوا يعدون العدة للقاء ~~لقيط في «دبا»، فالتقى جمعاهم واشتد القتال بين ~~الطرفين، وكاد المسلمون ينهزمون لولا أن بني ناجية ~~أمدتهم بأبطالها، فانهزم المشركون وانتصر المسلمون ~~وغنموا وسبوا وبعثوا إلى أبي بكر بالخمس مع عرفجة، ~~وأقام حذيفة بعمان يرتب أمور المسلمين ويسكن الناس، ~~أما عكرمة فإنه خرج إلى «مهرة» ودعا أهلها إلى العودة ~~إلى الإسلام، فقبل قسم ورفض قسم، فقاتل المرتدين وظفر ~~عليهم وبعث بالخمس إلى أبي بكر. # 8 # خبر كندة # كانت كندة ممن ارتد عن الإسلام في عهد الأسود العنسي ~~بسبب ما وقع بينهم وبين زياد بن لبيد في أمر فريضة من ~~فرائض الصدقة، فقاتلهم زياد وهزمهم، فاتفقوا مع بني ~~معاوية من كندة على منع إرسال الصدقة إلى المدينة، ~~وأخذوا يحرضون بطون بني كندة على منع الصدقة، فانضموا ~~إليهم إلا آل شرحبيل بن السمط وابنه، فإنهم قالوا: إنه ~~لقبيح بالأحرار التنقل، وإن الكرام ليلزمون الشبهة ~~فيتكرمون أن ينتقلوا إلى أوضح منها مخافة العار، ~~فكيف الانتقال من ms030 الأمر الحسن الجميل والحق إلى الباطل ~~القبيح؟! اللهم إنا لا نمالئ قومنا على ذلك. وانتقلا ~~ونزلا مع زياد وقالا له: بيت القوم، فإن لم تفعل ~~خشينا أن يتفرق القوم عنا. فبيتهم في محاجرهم فأصاب ~~رؤساءهم فقتلهم، وهرب منهم جماعات. وعاد المسلمون ~~بالغنائم والسبايا، فمروا على بني الحارث بن معاوية ~~في ديارهم وفيهم الأشعث بن قيس، فخرج إليهم واستخلص ~~السبي منهم، فكتب زياد إلى المهاجر بن أبي أمية ~~يستحثه، فاستخلف المهاجر على جنده عكرمة بن أبي جهل، ~~ثم قدم على زياد بجيش كبير، فالتقوا ببني معاوية وبني ~~الحارث، فهرب هؤلاء منهم وتحصنوا بالنجير - وهو من ~~أقوى حصونهم - في حضرموت، وحصرهم المسلمون، وأظهر ~~الأشعث بن قيس بطولة فائقة، ثم اضطر أن يطلب الصلح ~~على أن يسلم الحصن بمن فيه على شريطة أن تؤمن تسعة ~~نفر سماهم من الرؤساء، وكتب بذلك كتابا، ولكنه نسي ~~أن يذكر نفسه، فدخل المسلمون الحصن وقتلوا المقاتلة، ~~وغنموا وسبوا وأمنوا التسعة نفر، فإذا الأشعث ليس ~~بينهم، فأراد المهاجر قتله ولكن أصحابه أشاروا عليه أن ~~يكتب إلى أبي بكر في أمره، فأرسل إلى أبي بكر ~~موثقا ليرى رأيه، فأطلقه أبو بكر وعفا عنه وزوجه ~~أخته أم فروة، فأقام في المدينة وشهد الوقائع وأبلى ~~البلاء الحسن، ثم كان مع سعد بن أبي وقاص في فتوح ~~العراق كلها، ولما آل الأمر إلى علي كان الأشعث معه ~~يوم صفين على راية كندة، وحضر معه موقعة النهروان، ~~وورد المدائن، ثم عاد إلى الكوفة فتوفي فيها إثر ~~اتفاق الحسن ومعاوية. # وبعد؛ فهذه حركات فتنة الردة وأخبارها، وقد قضى ~~عليها جميعها أبو بكر بعزمه وحزمه وصدق إيمانه وحسن ~~اختياره للقادة الأبطال الذين بعث بهم للقضاء عليها. ~~ولولا إيمان أبي بكر بسمو هدفه وشرف غايته لتخاذل ~~أمام ذلك التيار المخيف من المرتدين الذين انقضوا ~~على المسلمين يريدون أن يفتكوا بهم، وعلى الإسلام ~~يريدون أن يهدموا أركانه. وقد كان هؤلاء المرتدون ~~قسمين: قسما متعنتا ركبته العصبية الجاهلية فثار ~~طامعا في أن يرجع إلى تقاليده الجاهلية، وهؤلاء طبقة ms031 ~~الرؤساء وأصحاب المطامع، وقسما ضعيف الإيمان ينعق مع ~~كل ناعق، رأى أولئك يحرضونه فاستجاب لهم، وقد ضرب له ~~أولئك على وتر حساس وهو الوتر المالي، فتحمس ~~للفكرة ودافع عنها وقاتل في سبيلها. ولكن قوة أبي بكر ~~كانت أشد، فقضت عليهم وعلى فكرتهم الخبيثة. # هذه أسرار فتنة الردة، وأما ما يزعمه المستشرقون من ~~أنها دليل على أن الإسلام قد قام بالسيف والإرهاب، وأن ~~الخوف والنفاق هما اللذان أدخلاهم في الإسلام إلى آخر ~~ما هنالك من ترهات يمليها التعصب؛ فكله باطل لا ~~أصل له أبدا؛ لأن جمهرة أهل الردة لم يكفروا بالإسلام ~~تماما ويرجعوا إلى دينهم الوثني القديم، وإنما طلبوا ~~إسقاط فريضة الزكاة زاعمين أنها نوع من الإتاوة التي ~~لم تطب نفسهم بأخذها منهم، على أن هناك نفرا ارتد ~~عن الإسلام ارتدادا كاملا لا لأنه دخل فيه بالقوة، ~~بل لأنه طمع في الملك والسيطرة، فحاول تلك المحاولة، ~~ولكنه فشل فرجع عنها صاغرا تائبا. ~~(3) أخبار الفتوح الإسلامية في عهده ~~(3-1) فتوح العراق # معركة ذات السلاسل # بعد أن تم للصديق القضاء على فتنة الردة، وأرجع ~~العرب إلى دين الله ووطد قواعد الإسلام في الجزيرة ~~العربية، عزم على أن يتمم خطوات النبي الكريم في ~~نشر راية الإسلام ولواء العروبة في الخافقين، ووجد أن ~~مملكتي الفرس والروم هما أعظم الممالك المجاورة ~~للعرب، وأن هاتين الدولتين قد طغتا واستعبدتا الناس، ~~وأن كسرى أبرويز إمبراطور الفرس لما تلقى كتاب ~~الرسول الكريم مزقه استكبارا وجبروتا، وبعث إلى ~~عامله على اليمن - باذان - أن يبعث إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # رجلين جلدين يأتيانه به، فتوجها إليه، ~~ولما دخلا إلى المدينة وكلمهما رسول الله دعاهما إلى ~~الإسلام، وأبان لهما أن عاقبة الظلم وخيمة، وأن كسرى ~~ظالم قد علا في الأرض وطغا، وأن الله قد انتقم منه ~~وسلط عليه ابنه شيرويه فقتله، وكان الأمر كما أخبر ~~رسول الله، فلما تحقق الرجلان صدق قول الرسول ~~أسلما. # ثم إن شيرويه بعد أن تسلطن بعث إلى باذان ألا يتعرض ~~للرسول العربي، وكان ذلك بدء ms032 نشوء الإسلام في اليمن، ~~وأسلم باذان فأبقاه الرسول في إمارته، وكانت اليمن أول ~~بلاد خاضعة للفرس دخلت تحت لواء الإسلام، ثم تبعتها ~~بلاد البحرين وبلاد عمان وكانتا تحت حماية الفرس ~~أيضا. فلما مات رسول الله واستخلف أبو بكر وانتهى من ~~فتنة الردة وكان سيف الله خالد بن الوليد هو أجل من ~~أظهر جرأة على المرتدين في بلاد اليمامة حين بعثه ~~الصديق إليها، ثم انتدبه ليكون أول من يضع الحجر ~~الأساسي للبناء الإسلامي في بلاد العراق وديار فارس ~~وما إليهما، ويرفع الراية الإسلامية في هاتيك الديار ~~العريقة في الحضارة والعلم، الغريقة في الوثنية ~~والجهالة، فكتب إلى خالد في المحرم من السنة الثانية ~~عشرة أن يهيئ نفسه وجنده للمسير من اليمامة إلى بلاد ~~العراق، فدخلها من أسفلها، كما كتب إلى عياض بن غنم أن ~~يسير حتى يأتيها فيدخلها من أعلاها، وأيما سبق إلى ~~الحيرة فهو أمير على صاحبه، فأخذ خالد يستعد للقاء ~~العدو ويرتب جيشه، ولم يقبل أن يجند أحدا ممن ~~كانوا قد ارتدوا عن الإسلام ولا أن يسافروا معه ~~تلبية لأمر الخليفة الذي أمره ألا يكره أحدا من ~~المجاهدين على السفر، كما أمره ألا ~~يقبل سفر أحد من ~~المرتدين سابقا معه؛ لأن رأيه ألا يستعان بمن ارتدوا ~~على غزو أبدا، وأمره أن يبدأ بفرج الهند، وهي ~~الأبلة، وأن يتألف أهل فارس ومن كان في مملكتهم من ~~الأمم. وهناك رواية للطبري تقول: إن خالدا قدم ~~المدينة على أبي بكر، ثم خرج منها إلى العراق، ولكن ~~الرواية الأولى هي الأشهر والأكثر وثوقا. # ومهما يكن من أمر، فإن خالدا سار نحو العراق وغرضه ~~الحيرة عاصمة عرب الجزيرة حتى يسيطر عليها ويقضي على ~~النفوذ الأعجمي في بلاد العرب. أما عياض بن غنم فإنه ~~سار وهو بين النباج والحجاز، حتى أتى المصيخ ودخل ~~العراق من أعلاه. وكتب أبو بكر إلى حرملة والمثنى ~~بن حارثة ومن معهما أن ينضموا جميعا تحت إمرة خالد، ~~فبعث إليهم خالد أن موعدهم الأبلة، فساروا جميعا ~~إليها حتى اجتمعوا بخالد، فكان عدد ms033 أجنادهم ثمانية عشر ~~ألفا، وجرت بين المسلمين وأهل تلك المواطن معارك ~~نجملها في المباحث التالية: # كان على الأبلة هرمز الفارسي، فلما علم بمقدم العرب ~~إليه كتب إلى كسرى شيرويه ينبئه بالخبر، وما عتم أن ~~جاءه كتاب من خالد قبل أن يصل إليه يقول له فيه: ~~«أما بعد فأسلم تسلم، أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة ~~وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك؛ فقد ~~جئتك بقوم يحبون الموت كما يحبون الحياة.» ثم ~~إن خالدا فرق جنده ثلاث فرق: الأولى: عليها ~~عثمان بن حارثة وقد سرحه قبله بيومين، والثانية: عليها ~~عدي بن حاتم، وعاصم بن عمرو، والثالثة: عليها خالد ~~نفسه، وتواعدوا جميعا أن تكون الحفير ملتقاهم. # ولما سار خالد علم أن هرمز سبقهم إلى الحفير في ~~جموعه، فأمال خالد الناس إلى كاظمة، وبلغ ذلك هرمز ~~فبادره إلى كاظمة وسيطر على الماء، وبقي المسلمون بلا ~~ماء، فنادى خالد في المسلمين ألا انزلوا وحطوا ~~أثقالكم، ثم جالدوهم على الماء، فلعمري ليصيرن الماء ~~لأصبر الفريقين وأكرم الجندين. ثم احتدم القتال، ~~وأرسل الله سحابة فأغدرت ما وراء المسلمين فقواهم ~~الله بها، ولما طال القتال برز هرمز طالبا خالدا ~~للبراز، فنزل إليه خالد وتضاربا ضربتين، ثم احتضن ~~خالد هرمز فقتله وانهزم الفرس، وركب المسلمون أكتاف ~~الفرس إلى آخر الليل، وجمع خالد الأسلحة وفيها ~~السلاسل، فكانت ألف رطل وقر بعير، فسميت تلك ~~المعركة بذات السلاسل، وغنم خالد مغانم كثيرة، وبعث ~~بالخمس وبالفيل الذي كان مع الفرس إلى أبي بكر، فلما ~~قدم رسول خالد على أبي بكر ضج المسلمون فرحا وسجدوا ~~لله شكرا. # ثم إن خالدا بعث حارثة في آثار فلول الفرس، وأرسل ~~معقل بن مقرن المزني إلى الأبلة ليجمع له أموالها ~~وخيراتها وسبيها، فأتاها معقل ونزلها وجمع الأموال ~~والسبايا، وقد بلغ سهم الفارس يوم السلاسل ألف درهم، ~~والراجل على الثلث من ذلك. # 9 # معركة المذار (الثني) # كان هرمز كتب إلى أردشير شيرويه ملك فارس يخبره عن ~~خالد وبمسيره إليه، فأمده بالقائد قارن بن قريانس، ~~وسيره من المدائن حتى إذا ms034 انتهى إلى المذار - وهي من ~~أعظم مواطنهم الحصينة - بلغته هزيمة هرمز ولحق به ~~المنهزمون، فجمعهم وحصن نفسه بالمذار، فسار إليه ~~خالد، وانقض المسلمون على قادة الجيش الفارسي ~~فمزقوهم وقتلوا صناديدهم وفرقوا جموعهم، وكانت ~~مقتلة عظيمة فاز فيها المسلمون بنصر مؤزر ~~ومغانم كثيرة، ولولا أن المياه حالت دون تخطي ~~المسلمين للحقوا بفلولهم. وأقام خالد بالمذار، وسلم ~~الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت، وقسم الفيء، ونفل ~~من الأخماس أهل البلاد، وبعث ببقية الأخماس، ووفد ~~وفدا مع سعد بن النعمان إلى أبي بكر. # وقد روى الطبري أن من قتل من الفرس في وقعة ~~المذار كانوا ثلاثين ألفا سوى من غرق، ولولا المياه ~~لأتى خالد على آخرهم، ولم يفلت منهم من أفلت إلا ~~العراة وأشباه العراة. وقد عامل خالد الفلاحين أطيب ~~معاملة عملا بوصية أبي بكر، فأبقى لهم أراضيهم، وحفظ ~~لهم حقوقهم بعد أن أخذ منهم الجزية، وكان ذلك في صفر ~~من السنة الثانية عشرة للهجرة. # معركة الولجة # بعد أن أتم خالد ترتيب أموره عقب فتح المذار بعث ~~إليه أردشير بقائد قوي الشكيمة يدعى «أندرزغر»، ثم ~~ألحق به القائد «بهمن جاذويه»، فسار «أندرزغر» حتى أتى ~~كسكر، ثم سار نحو الولجة، وسار بهمن في طريق آخر وسط ~~السواد، ولما بلغ خالدا قدوم هذين الجيشين عليه نادى ~~المسلمين أن يتأهبوا ويحذروا ويتركوا الغفلة ~~والاعتزاز، حتى إذا بلغ بهم «الولجة» تلقاه «أندرزغر»، ~~فاقتتلوا أشد قتال حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ، ~~ثم إن الله ثبت جنده وأعانهم، فغلبوا الفرس وهزموهم ~~وتفرقت جموعهم، وانهزم أندرزغر يهيم على وجهه ~~والقوم من ورائه حتى مات عطشا، والمسلمون يتبعون ~~الفرس وخالد يحثهم على اتباعهم، ويقول للعرب ~~مرغبا إياهم ببلاد العجم، ومزهدا إياهم ببلاد ~~العرب، فكان مما قاله: «ألا ترون إلى الطعام كرفغ ~~التراب، وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء ~~إلى الله عز وجل ولم يكتب إلا للمعاش لكان الرأي أن ~~نقارع على هذا الريف، حتى نكون أولى به، ونولي الجوع ~~والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه.» ms035 حتى ~~كتب الله النصر للعرب، وفتحت «بلاد الولجة»، وسار ~~خالد بالفلاحين سيرته بهم في المذار فلم يقتلهم بل ~~أبقاهم في أرضهم بعد أن أخذ الجزية، ولم يسب إلا ~~ذراري المقاتلة ومن أعانهم من عرب بكر بن وائل الذين ~~انضموا إليهم. # فتح أليس وأمغيشيا # رأينا أن خالدا أسر وسجن بعض ذراري المحاربين، ~~وفيهم بعض العرب مثل ذراري بكر بن وائل؛ فغضب لهم ~~قومهم البكريون وكاتبوا الفرس على الانتقام من خالد ~~وأصحابه، واتعدوا «أليس» فاجتمعوا عندها بجيش ~~كبير من الفرس والعرب، وكان على الفرس «بهمن روز» ~~وعلى العرب عبد الأسود العجلي، وعلم خالد بمجمعهم، ~~فسار إليهم حتى بلغ أليس، فتقدم جيشه ونادى: أين ~~عبد الأسود؟ أين مالك بن خالد؟ فقال له خالد: يا ابن ~~الخبيثة! ما جرأك علي من بينهم وليس فيك عزم ~~ولا غناء؟ فضربه فقتله، فدهش العرب والأعاجم، ثم التقى ~~الجمعان والمشركون يزيدهم كلبا وضراوة ما كانوا ~~يتوقعون من قدوم «بهمن جاذويه» إليهم، فصادوا ~~المسلمين، واشتد عليهم خالد، وهجم على القوم وهو ~~يقول: «اللهم إن لك علي إن منحتنا أكتافهم ألا ~~أستبقي منهم أحدا أقدرنا عليه حتى أجري نهرهم ~~بدمائهم.» ثم إن الله أظفر خالدا وقومه بالمشركين ~~فأعملوا سيوفهم وفتكوا بهم وأجروا دماءهم في النهر حتى ~~صار ماؤه أحمر عبيطا، ولحق بهم جيش المسلمين وفتح ~~أمغيشيا، ثم بعث خالد إلى أبي بكر يخبره بفتح ~~«أليس» و«أمغيشيا» وبالخمس وبقدر الفيء وبعدة ~~السبي، ولما دخل الرسول على أبي بكر مبشرا قال له: ~~ما اسمك؟ قال: جندل، فقال أبو بكر: # نفس عصام سودت ~~عصاما # وعودته الكر ~~والإقداما # ثم أمر له ~~بجائزة، وخطب أبو بكر في الناس، فكان فيما قاله لهم: ~~«يا معشر قريش، عدا أسدكم على الأسد فغلبه، ولقد عجزت ~~النساء أن ينشئن مثل خالد.» # 10 # فتح الحيرة # بعد أن تم لخالد فوزه في «أمغيشيا» سار إلى «الحيرة» ~~في البر والفرات، فهدم المرازبة السدود، وأمرهم زعيمهم ~~«أزادبه» وابنه أن يقطعوا مياه الفرات، فتوقفت سفن ~~المسلمين واضطروا أن يخرجوا منها إلى البر، فجمع خالد ms036 ~~جموعه وسار نحو جيش ابن «أزادبه» فتلقاه على فم ~~الفرات عند بادقلى، واقتتل الجمعان أشد قتال حتى كان ~~الفوز لخالد عند فرات بادقلى، ثم سار خالد حتى نزل بين ~~الخورنق والنجف، ففر «أزادبه» لما بلغه من تفرق ~~جيش ابنه وموت أردشير، فلحق به خالد حتى حاصر الحيرة ~~والقصر الأبيض وقصر العدسيين وقصر بني مازن وقصر ~~ابن بقيلة، وجعل على حصار كل واحد من هذه القصور ~~قائدا يحاصر من فيه، فجعل على القصر الأبيض ضرار ~~بن الأزور، وعلى قصر العدسيين ضرار بن الخطاب، وعلى ~~قصر ابن مازن ضرار بن مقرن، وعلى قصر ابن بقيلة المتين ~~بن حارثة الشيباني، وحاصر هو نفسه الحيرة، وأمر القادة ~~أن يطلبوا إلى من في تلك القصور من المقاتلين التسليم ~~والخضوع للإسلام ودفع الجزية، ولهم ما للمسلمين وعليهم ~~ما عليهم، ولهم يوم وليلة يفكرون في الأمر، وقال ~~لأمرائه: لا تمكنوا أعداءكم من آذانكم فيتربصوا بكم ~~الدوائر، ولكن ناجزوهم ولا تردوا المسلمين عن قتال ~~عدوهم. # ولما مضى الأجل انقض عليهم المسلمون من كل صوب ~~يرشقونهم بالسهام والحجارة والنبال حتى ضاق سكان ~~القصور والمحاربون بالحصار، وضج أهل الأديار من ~~القسيسين والرهبان المقيمين في الديور المجاورة بهذا ~~الحصار، وصاحوا بأهل القصور: ما يقتلنا غيركم، فنادى ~~أهل القصور: يا معشر العرب، قد قبلنا اختيار واحدة من ~~الثلاث: الإسلام أو الجزية أو المناجزة، فكفوا عنا ~~حتى يقابل زعماؤنا زعيمكم، ثم خرج من القصور زعماؤهم، ~~وهم: إياس بن قبيصة، وعدي بن عدي، وأخوه عمرو، وعمرو ~~بن عبد المسيح الملقب ببقيلة، وحيري بن أكال، وذهبوا ~~إلى خالد فخلا بأهل كل قصر على حدة، وبدأ بعدي ~~فقال له ولمن معه: ويحكم، ما أنتم؟ أعرب، فما تنقمون ~~من العرب؟ أو عجم، فما تنقمون من الإنصاف والعدل؟! ~~فقال له عدي: بل عرب عاربة وأخرى متعربة، فقال: لو ~~كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا، ثم ~~خيرهم بين الأمور الثلاثة، فاختاروا إعطاء الجزية، ~~فقال خالد: تبا لكم! ويحكم! إن الكفر فلاة مضلة، ~~فأحمق العرب من سلكها! ولكنهم أصروا ms037 على طلبهم فلم ~~يعارضهم خالد، ثم استقبل الآخرين فكان من أمرهم ما كان ~~من أمر عدي، ثم إن خالدا كتب لهم جميعا كتابا هذا ~~نصه: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه خالد ~~بن الوليد عديا وعمرا ابني عدي، وعمرو بن عبد ~~المسيح، وإياس بن قبيصة، وحيري بن أكال، وهم نقباء أهل ~~الحيرة، ورضي بذلك أهل الحيرة وأمروهم به؛ عاهدهم على ~~تسعين ومائة ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم ~~في الدنيا رهبانهم وقسيسيهم، إلا من كان على غير ذي يد ~~حبيسا عن الدنيا تاركا لها، وسائحا تاركا للدنيا، ~~وعلى المنعة، فإن لم يمنعهم فلا شيء عليهم حتى يمنعهم، ~~وإن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة، وكتب ~~في شهر ربيع الأول من سنة اثنتي عشرة.» # 11 # وفي وقائع الحيرة وما سبقها من الفتوح يقول القعقاع ~~بن عمرو الشاعر: # سقى الله قتلى بالفرات ~~مقيمة # وأخرى بأثباج ~~النجاف الكوانف # فنحن وطئنا بالكواظم ~~هرمزا # وبالثني قرني ~~قارن بالجوارف # ويوم أحطنا بالقصور ~~تتابعت # على الحيرة ~~الروعاء إحدى المصارف # حططناهم منها وقد كان ~~عرشهم # يميل به فعل الجبان ~~المخالف # رمينا عليهم بالقبول وقد ~~رأوا # غبوق المنايا حول ~~تلك المحارف # صبيحة قالوا نحن قوم ~~تنزلوا # إلى الريف من ~~أرض العريب المقانف # 12 # فتح السواد # لما تم لخالد فتح الحيرة والقصور، دخل الحيرة فصلى ~~صلاة الفتح - وهي ثماني ركعات بتسليمة واحدة - ثم خطب ~~الناس، فحمد الله وشجع المسلمين على الاستمرار في ~~الفتح، وكان مما قاله في ذلك الحين قوله: لقد قاتلت ~~يوم مؤتة فانقطع في يدي تسعة أسياف، ثم صيرت في يدي ~~صفيحة يمانية، فما زالت معي، وما لقيت قوما كقوم ~~لقيتهم من أهل فارس، وما لقيت من أهل فارس قوما كأهل ~~«أليس». # ثم إنه بعث المقداد إلى ضواحي السواد، فعلم بذلك ~~زعماؤها، فتقاطروا إليه يعلنون خضوعهم، وكان أول ~~القادمين دهاقين الملطاطين، والدهقان زادن بن بهيش، ~~ودهقان فرات سربا، فصالحوه على ما بين «الفلاليج» إلى ~~«هرمز جرد» على ألفي ألف درهم، وأن للمسلمين ms038 ما كان ~~لكسرى، وكتب لهم كتابا هذا نصه: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من خالد ~~بن الوليد لزاد بن بهيش وصلوبا بن نسطوتا، إن لكم ~~الذمة وعليكم الجزية، وأنتم ضامنون لمن نقبتم عليه من ~~أهل «البهقباذ» الأسفل والأوسط، على ألفي ألف تقبل ~~في كل سنة في كل ذي يد سوى ما على «بانقيا وبسما»، ~~وإنكم قد أرضيتموني والمسلمين، وإنا قد أرضيناكم ~~وأهل «البهقباذ الأسفل» ومن دخل معكم من أهل «البهقباذ ~~الأوسط» على أموالكم، ليس فيها ما كان لآل كسرى ومن ~~مال ميلهم . وشهد هشام بن الوليد، والقعقاع بن عمرو، ~~وجرير بن عبد الله الحميري، وبشير بن عبيد الله بن ~~الخصاصية، وحنظلة بن الربيع، وكتب سنة اثنتي عشرة في ~~صفر.» # ثم بعث خالد عماله إلى أراضي السواد لينظموا أموره، ~~كما بعث إلى أمراء فارس كتابا هذه صورته: «بسم الله ~~الرحمن الرحيم، أما بعد فالحمد لله الذي حل نظامكم، ~~ووهن كيدكم، وفرق كلمتكم، ولو لم نفعل ذلك كان ~~شرا لكم، فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجزكم ~~إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على أيدي قوم ~~يحبون الموت كما تحبون الحياة.» # وكتب إلى المرازبة كتابا هذا نصه: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم، أما بعد فالحمد لله الذي فض حدتكم، ~~وفرق كلمتكم، وجفل كرمكم، وكسر شوكتكم، فأسلموا ~~تسلموا، وإلا فاعتقدوا في الذمة وأدوا الجزية، وإلا ~~فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر.» ~~وبعث خالد هذه الرسائل وأخذ يعد العدة ويرتب ~~أموره، وبينما هو منصرف إلى ذلك جاءه خبر الحرب ~~الأهلية تقع بين الفرس بعد موت ملكهم «أردشير» ~~واختلاف أمراء البيت المالك فيما بينهم، فلما وصلتهم ~~كتب خالد اجتمع الأمراء واتفقوا على تولية «فرخ زاد» ~~والتفوا حوله، فأخذ ينظم أمورهم ويرتب جيوشهم لعله ~~يستطيع أن يوقف الزحف الإسلامي المنحدر نحوهم. # فتح الأنبار # علم خالد بأن الفرس أخذوا يرتبون جيوشهم لوقف زحفه، ~~فخرج بنفسه على رأس جيش كثيف يريد الأنبار، فلما وصلها ~~تحصن صاحبها «شير زاد» بقلاعها وخندقها، فأحاط ~~المسلمون بخندق المدينة وأخذوا ms039 يرامون المشركين، فقال ~~خالد: إني أرى أقواما لا علم لهم بالحرب، فارموا ~~عيونهم ولا تتوخوا غيرها، فأخذ المسلمون يرمون عيون ~~المشركين ففقئ أكثر من ألف عين، حتى سميت تلك الوقعة: ~~وقعة «ذات العيون»، وتصايح القوم: «ذهبت عيون أهل ~~الأنبار». # ثم هجم المسلمون على المدينة والتقوا بالمشركين عند ~~الخندق، واشتد القتال وأحس المشركون بالفشل ~~والانخذال، فطلب «شير زاد» من خالد أن يصالحه، فرفض ~~الصلح وأبى إلا احتلال المدينة، فقاتل المشركون أشد ~~قتال، فنحر خالد ضعاف إبل حبيشة ورماها في الخندق، ~~ودخل الجانب الآخر من الخندق، ولما رأى «شير زاد» أن ~~لا قبل له بخالد صالحه على ما أراد على أن يخلي ~~سبيله ويلحقه بمأمنه، وألا يأخذ معه شيئا من المال ~~والمتاع، فقبل خالد وخلى سبيله، فنجا «شير زاد» ~~بنفسه ولحق ببهمن. # 13 # وقعة عين التمر # لما فرغ خالد من فتح الأنبار ورتب أموره فيها ~~استخلف عليها الزبرقان بن بدر، وقصد لعين التمر، وفيها ~~يومئذ «مهران بن بهرام جوبين» في جمع عظيم من الفرس، ~~وجمع من العرب من بني التمر وتغلب وإياد عليهم عقة ~~بن أبي عقة، فلما سمع المشركون بقدوم خالد إليهم قال ~~عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا ~~وخالدا، فقال له: صدقت، دونكموهم، وإن احتجتم إلينا ~~أعناكم، فلما مضوا نحو خالد قالت الأعاجم لبهرام: ما ~~حملك على أن تقول هذا القول لهذا الكلب؟ فقال: دعوني ~~فإني لم أرد إلا ما هو خير لكم وشر لهم، إنه قد ~~جاءكم من قتل ملوككم فاتقيته بهم، فإن كانت لهم على ~~خالد فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى ~~يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم مضعفون. فاعترفوا ~~له بفضل رأيه. # ثم إن عقة سار للقاء خالد، وبقي مهران في حصن عين ~~التمر، ولما التقى الجمعان برز خالد لعقة فأخذه أسيرا ~~وانهزمت صفوفه ووقع كثير منهم في الأسر، فلما بلغت هذه ~~الأخبار أذن مهران ترك حصنه وفر في جنده، فدخل خالد ~~الحصن وضرب أعناق أهل الحصن كما ضرب عنق عقة وأعناق ~~جماعته ms040 من مشركي العرب الذين ناصروا الفرس ليؤدب ~~بهم سائر العرب، وغنم كثيرا وسبى كثيرا، وكان فيمن ~~وقع أسيرا: نصير أبو موسى بن نصير، وأبو عمرة جد ~~عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، وسيرين أبو محمد ~~بن سيرين، ثم إن خالدا بعث بالمغانم والخمس والسبايا ~~إلى أبي بكر مع الوليد بن عقبة. # 14 # معارك دومة الجندل والحصيد وخنافس والمصيخ # استخلف خالد في عين التمر عويم بن الكاهل الأسلمي، ~~وسار هو منجدا عباس بن غنم الذي لقي عنتا من أهل ~~دومة الجندل ومن حولها من قبائل: بهراء وغسان وتنوخ ~~والضجاغم، فلما بلغهم خبر مقدمه اجتمعوا فتشاوروا، ~~فقال أكيدر بن عبد الملك أحد رؤسائهم: أنا أعلم الناس ~~بخالد، لا أحد أيمن منه طائرا في حرب، ولا يرى وجه ~~خالد قوم أبدا قلوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، ~~فأطيعوني وصالحوه. وقال الجودي بن ربيعة ووديعة الكلبي ~~وابن رمانس الكلبي: لا بد من قتاله. وأخذوا يعدون ~~عدتهم حتى قدم عليهم فقاتلوه وقاتلهم، فهزمهم وضرب عنق ~~الجودي، ثم أقام بدومة، وأرجع أحد قادته وهو الأقرع ~~بن حابس إلى الأنبار. # ولم يلبث أعراب الجزيرة والفرات ودجلة الذين قتل ~~إخوانهم في عين التمر ودومة الجندل إلا أن تجمعوا ~~وتحالفوا على خالد انتقاما لعقة وغيره من وجوه ~~العرب الذين قتلهم خالد، فاتخذوا منطقتي الحصيد ~~وخنافس مكانا يجتمعون فيه ليهاجموا خاعلى السفر، كما ~~أمره ألا يقبللدا في دومة، فلما تم جمعهم وانضم إليهم ~~«روزبة» و«زرمهر» من قواد الفرس وسمع بذلك القعقاع ~~خليفة خالد في الحيرة، فأرسل سريتين حالتا بين ~~المشركين وبين الريف. # ثم قدم خالد إلى الحيرة، عندما بلغه الخبر، فبعث ~~القعقاع وأبا ليلى بن فدكي ليلاقيا المشركين، فالتقى ~~الجمعان وقتل من الفرس مقتلة عظيمة، وقتل القائدان ~~«روزبة» و«زرمهر»، وغنم المسلمون مغانم كثيرة جليلة، ~~وتجمع فلال الفرس إلى المصيخ، وكان به بعض العرب، فكتب ~~خالد إلى القعقاع وأبي ليلى بن فدكي أن يلاقياه على ~~المصيخ في ساعة حددها لهم، فلما اجتمعوا هاجموا ~~المشركين من العرب والعجم فغلبوهم، وأتم الله نصره ms041 لجنده. # 15 # معارك الثني والفراض وسائر الجزيرة # بعد أن تم لخالد نصره في المصيخ سار نحو ربيعة ~~بن بجير التغلبي، وقومه من بني تغلب النازلين في بلاد ~~الثني والبشر «ويسمى الزميل» أيضا، فأحاط بهم وقتل ~~منهم مقتلة عظيمة وغنم مغانم كثيرة ولم يكد يفلت ~~منهم أحد، وكان خالد قد أقسم أن يبغتن تغلب في دارها ~~ويفتك بها إن هي رفضت الإسلام. ثم إنه بعث بالخمر ~~والسبايا إلى أبي بكر مع النعمان بن عوف الشيباني وقسم ~~النهب والسبايا، فاشترى الإمام علي بن أبي طالب بنت ~~ربيعة بن بجير الثعلبي واستولدها، فولدت له عمر ~~ورقية. # ثم قصد خالد الفراض، وهي تخوم الشام والعراق، وكان ~~الوقت صيفا والحر شديدا والشهر رمضان، فأفطر خالد ~~وأفطر المسلمون في تلك السفرة التي تواصلت فيها ~~الغزوات وتوالت الفتوح، فلما بلغ الروم في الشام خبر ~~قدومه عليهم اتفقوا هم والفرس المقيمين على الحدود أن ~~يبلغوا خالدا وصحبه ويعملوا على الفتك به وتشتيت ~~جمعه؛ فقد اغتاظوا من مقدمه غيظا شديدا، فجمعوا له ~~الجموع واستمدوا بني تغلب وإياد والنمر، فأمدوهم، وحجز ~~الفرات بين الطرفين فقال بعضهم لبعض: إما أن تعبروا ~~إلينا وإما أن نعبر إليكم. فقال خالد: بل اعبروا ~~إلينا، فقالوا: تنحوا حتى نعبر، فقال خالد: لا نفعل، ~~ولكن اعبروا أسفل منا، فعبروا إليه واقتتل الجانبان ~~قتالا عظيما، واستطاع خالد أن يفرق جمعهم ويقتل منهم ~~جمعا كبيرا، ويقال إن قتلى المشركين يوم الفراض كان ~~مائة ألف. # 16 # ومهما كان العدد مبالغا فيه فإنه يدل ~~على كثرة القتلى من الفرس والروم والعرب، وقد كانت ~~المعركة في أواخر ذي القعدة سنة 12ه. # ولما أتم الله لخالد فوزه أذن للجيش في الرجوع إلى ~~الحيرة، فجعل على الجيش عاصم بن عمرو، وأظهر أنه سيظل ~~في الساقة، ولكنه مضى في نفر قليل من أصحابه إلى مكة ~~يريد الحج في طريق غير مطروقة، فأتم حجه ورجع ~~مسرعا إلى الحيرة فتلقى كتابا من أبي بكر يأمره ~~بالتوجه إلى الشام. # 17 # أما بعد، فهذه فتوح سيف الله في ms042 العراق، وهي - ~~كما رأينا - فتوح خاطفة، فاز بها المسلمون بفضل عزم ~~خالد وحنكته العسكرية وجرأته؛ فقد كان يقود الجيوش ~~ويتقدمها بنفسه، ويبارز قواد خصومه فيفتك بهم ويشتت ~~جموعهم. ومما هو جدير بالذكر أن العراق لم يكن غريبا ~~عن المسلمين؛ فإن كثيرا منهم زاروه في الجاهلية ~~واتصلوا بأعرابه وتاجروا إليهم. وقد كان العرب ~~المقيمون فيه من بني تغلب وبكر وربيعة ذوي صلات بعرب ~~الحجاز ونجد لعلاقاتهم الاقتصادية والدينية الجاهلية، ~~وكان المظنون أن هؤلاء العرب سيقفون مع إخوانهم من عرب ~~الحجاز ضد الفرس لجامعة اللغة ورابطة الدم، ولكن ~~الفرس تمكنوا من اجتذابهم إليهم ظنا منهم أنهم ~~سيفيدونهم في تشتت شمل المسلمين، ولكن خاب ظنهم ~~فانكسروا هم وحلفاؤهم أمام الفتح الإسلامي الكاسح. ولا ~~عجب في ذلك؛ لأن جيش خالد كان مؤلفا من خير قبائل ~~العرب، بل من أفاضل المهاجرين والأنصار الذين أبلوا ~~أفضل البلاء في غزوات النبي الكريم وحروب الردة ممن لم ~~يدخل في قلوبهم زيغ ولا مرض، ولا اعتورهم شك في صدق ~~الدعوة الإسلامية والتفاني في نشر لوائها عاليا ~~والاندفاع في الحماسة لها؛ فقد كان في جيش خالد جماعة ~~من كبار الصحابة والقراء، وكان خالد يعتز بهم ويفخر ~~بقيادتهم، ويسأل الله دوما أن ينصره ببركتهم. # ولما بعث إليه أبو بكر يعفيه من قيادة العراق وأمره ~~أن يستخلف المثنى بن حارثة الشيباني ويتوجه إلى الشام ~~أحضر خالد صحابة رسول الله الذين كانوا في جيشه وأراد ~~الانفصال بهم إلى الشام، فلم يقبل المثنى بن حارثة، ~~وقال لخالد: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر ~~في استصحاب نصف الصحابة. # 18 # وقد كان لهؤلاء الصحابة الكرام، فضلا عن ~~الفتح المادي للعراق، فتح روحي؛ فقد عملوا على نشر ~~مبادئ الإسلام في المواطن التي حلوا فيها منذ زمن ~~مبكر جدا. ويظهر أن قسما كبيرا من العرب وبعض ~~الفرس - المقيمين في العراق - قد أعلنوا دخولهم في ~~الإسلام، ولم يستقم على النصرانية إلا تغلب أو بعضها ~~ونفر من تنوخ وإياد. # ويحدثنا الطبري أن خالدا حين ندب إلى الشام ms043 ~~استخلف المثنى بن حارثة على من أسلم بالعراق من ربيعة ~~وغيرهم، ولما سار خالد إلى الشام خرج المثنى من الحيرة ~~حتى أتى بابل، فلقيه جيش هرمز في جيش كبير من الفرس ~~واقتتلا قتالا شديدا وانهزم هرمز، وبلغت أخباره ~~مسامع الملك «شهريران بن أردشير»، فاغتم لذلك أشد ~~الغم، ثم إنه مرض ولم يطل عهده حتى مات، وكثرت ~~الاختلافات الداخلية في بلاده، وصار غربي الفرات كله ~~تحت السيطرة الإسلامية فانشغلوا عن المسلمين. ولما تم ~~للمثنى فتح بابل ونشر سلطانه على ما بقي من أراضي ~~العراق معه تأخر عليه رسل أبي بكر، فاستخلف على جيشه ~~بشير بن الخصاصية وتوجه إلى المدينة يستأذن أبا بكر في ~~الاستعانة بمن حسنت سيرته من أهل الردة، فلما وصل ~~المدينة وجد أن أبا بكر قد مرض، فلما دخل على أبي بكر ~~رحب به، وقال لعمر: إني لأرجو أن أموت يومي هذا، ~~فإذا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ~~ولا تشغلكم مصيبته عن أمر دينكم ووصية ربكم؛ فقد ~~رأيتني يوم وفاة رسول الله وما صنعته، وما أصيب الخلق ~~بمثله، وإذا فتح الله على أهل الشام فاردد أهل العراق ~~إلى عراقهم، فإنهم أهله وولاة أمره، وأهل الجرأة ~~عليهم. ثم توفاه الله فعمل عمر بوصيته كما سنرى تفصيله ~~بعد في الفصل الخاص بعهد عمر (رضي الله عنه). ~~(3-2) فتوح الشام # توطئة عن بلاد الشام في أواخر عهد ~~البيزنطيين # كانت بلاد الشام تحت السيطرة البيزنطية، وكانت في ~~أواخر عهدهم في حالة سيئة من النواحي الاقتصادية ~~والسياسية والدينية، وكان السكان يلاقون ويلات جساما ~~من الطغاة البيزنطيين. وقد أحس جيرانهم الفرس بفساد ~~البلاد فأخذوا يشنون عليها الغارة تلو الغارة ~~للسيطرة عليها ووضعها تحت حمايتهم، وقد كان الربع ~~الأول من القرن السابع الميلادي فترة مشئومة على بلاد ~~الشام؛ لأنها أصبحت ميدانا للحروب بين الفرس والروم، ~~وقد رأى عاهلا المملكتين أن يضعا حدا لتلك الحروب، ~~فعقد «شيرويه» إمبراطور الفرس صلحا مع «هرقل» ~~إمبراطور الروم في سنة 628م، ورد إليه جميع من كانوا ~~في حوزته ms044 من أسرى الروم، كما أعاد إليه خشبة الصليب ~~المقدس التي كان القائد الفارسي «سربار» أخذها في ~~حملته على القدس في سنة 614م، وقد استبشر الروم بعودة ~~خشبة الصليب المقدس كثيرا، واحتفلوا بذلك احتفالات ~~باهرة وبالغوا في تكريم هرقل الذي تم ذلك على يديه، ~~فأدخلوه القسطنطينية في مظهر بهيج واحتفال كبير، ~~ورأى هرقل أن يزور القدس ليشكر الله على تلك النعمة، ~~واتخذ يوم الرد عيدا كنسيا ما يزال النصارى في ~~سورية من روم وموارنة يحتفلون به في كل يوم 14 أيلول. # 19 # ولما دخل هرقل القدس طرد جميع من فيها من ~~اليهود وحرم عليهم أن يقربوا منها، وأن تكون مسافتهم ~~بعيدة عنها ثلاثة أميال، وهكذا استطاع هرقل أن يعيد ~~إلى البلاد بعض هدوئها وطمأنينتها، ولكنه ما عتم أن ~~انغمس في اللهو والعسف؛ فقد اتخذ مدينة حمص الجميلة ~~مباءة للهوه وفسقه، وعاد الناس يقاسون منه ومن ~~حكامه ما كانوا يلاقون منهم من ذي قبل، وبينما كان ~~أهل الشام يعانون الويلات من فساد الإدارة البيزنطية ~~على يد هرقل وعصابته إذا هم يسمعون بأنباء السيل ~~الإسلامي العربي في جنوب بلاد الشام أواخر عهد رسول ~~الله محمد # صلى الله عليه وسلم # وأوائل عهد خليفته أبي بكر الصديق، ~~ولم يكن أهل الشام والبيزنطيون يظنون أن وراء ذلك ~~السيل الإسلامي العربي أهدافا عميقة، بل ظنوا أنه ~~كبعض غارات البدو والأعراب الذين كانوا يشنون أمثال ~~هذه الغزوات في بعض السنوات. # قال المطران الفاضل الدبس في «تاريخ سورية»: إن هرقل ~~عاد بعد انتصاره على الفرس إلى ترفه وانغماسه ~~بملاذه، وأتى حمص التي كان يؤمها يومئذ محبو الترف ~~وترويح القلوب، وكان ذلك في مبادئ خلافة أبي بكر ~~الصديق، وكان العرب يشنون الغارة على سورية فيزدريهم ~~هرقل، ويحسب أنهم لا يطمعون بمناوأة من قهر الفرس، ~~ورأى أبو بكر فتح سورية متيسرا، فجهز عسكرا وخطب ~~فيهم عند سفرهم قائلا: إذا لقيكم العدو فقاتلوه ~~مستبسلين، والموت أولى بكم من القهقرى، وأمر ~~أبا عبيدة على الجيش، وكان عشرين ألف مقاتل، ولما سمع ~~هرقل أخبار ms045 حملة العرب أتى إلى دمشق وبعث «سرجيوس» ~~والي قيصرية بخمسة آلاف جندي ليوقف العرب عن المسير ~~ويقاتلهم إذا اضطر إلى قتالهم فلم يكن مفر من القتال، ~~ومحق العرب جنوده القلائل وأخذوه أسيرا ثم أماتوه ~~وأحرزوا غنائم وعادوا. # 20 # توطئة عن الأعمال العسكرية في الشام # كان الرسول الكريم أول من فكر في فتح الشام؛ فقد ~~رأينا أنه كتب إلى أمراء عرب الشام يدعوهم إلى ~~الإسلام، كما بعث في جمادى الأول من السنة الثامنة ~~مولاه زيد بن حارثة في ثلاثة آلاف مقاتل، ووجهتهم ~~«مؤتة» - وهي أول مدينة سورية تتاخم الجزيرة العربية - ~~ولما وصل «معان» علم أن الروم قد عبئوا له جيشا ~~عظيما بقيادة هرقل، وأنهم قد نزلوا مآب «موآب» من أرض ~~البلقاء في مائة ألف من الروم والعرب اللخميين وجذام ~~وبلقين وبهراء وبلي، فأقام زيد بن حارثة في «معان» ~~يومين، ثم تذاكر مع صحبه في أمر الروم وجموعهم، فقال ~~بعضهم: نكتب إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ونخبره بعدد ~~عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره ~~فنمضي له، وأبى آخرون أن يكتبوا إليه # صلى الله عليه وسلم # لما في ~~ذلك من إظهار الخوف، ومن هؤلاء: عبد الله بن رواحة ~~الشاعر؛ فقد شجع الناس وقال لهم: يا قوم، والله إن ~~الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة من أجله، وما ~~نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا ~~بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي ~~إحدى الحسنيين: إما ظهوره وإما شهادة، فقال الناس: ~~قد والله صدق ابن رواحة، وفي ذلك يقول رضي الله ~~عنه: # فلا وأبي مآب ~~لنأتينها # وإن كانت بها ~~عرب وروم # بذي لجب كأن البيض ~~فيه # إذا برزت قوانسها ~~النجوم # فعبأنا أعنتها ~~فجاءت # عوابس والغبار لها ~~بريم # فمضى الناس، والتقوا بالروم عند «مؤتة»، فأظهر ~~المسلمون جرأة ما بعدها جرأة حتى قتل زيد وهو يحمل ~~الراية التي عقدها رسول الله له، فتناولها جعفر ~~بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وقاتل عنها حتى إذا اشتد ~~القتال اقتحم ms046 عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل حتى ~~قتل، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة ثم تقدم بها وهو ~~على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد وينشد، ثم أخذ ~~سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل، فأخذ الراية ثابت بن أرقم ~~العجلاني، فقال: يا معشر الناس، اصطلحوا على رجل ~~منكم، فقالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس ~~على خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء، فلما أخذ خالد ~~الراية دافع القوم ثم انحاز وتحيز عنه حتى انصرف ~~بالناس وانكفأ راجعا، ولولا دهاؤه وبراعته لأتى الروم ~~على كل جيش المسلمين، ولكن الله سلم، ولما دنا الجيش ~~من المدينة تلقاه الرسول والمسلمون، ولقيهم الصبيان ~~ينشدون، ورسول الله مقبل مع القوم على دابة، فقال: ~~خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر (رضي الله ~~عنه)، فأتي بعبد الله بن جعفر فحمله بين يديه، وجعل ~~الناس يحثون التراب على الجيش ويقولون: يا فرار، يا ~~فرار، فقال رسول الله: ليسوا بالفرار، ولكنهم ~~الكرار في سبيل الله إن شاء الله. # 21 # ولم يكد الرسول يستقر بعد فتح مكة والطائف حتى أخذ ~~يعد العدة من جديد لغزو الشام والانتقام مما لقي ~~المسلمون يوم «مؤتة»، ثم استنفر الناس لقتال الروم، ~~وقد كان ذلك زمن عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من ~~البلاد، وحين طابت الثمار وأحبت الظلال، فالناس ~~يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص عنها ~~على الحال من الزمان الذي هم عليه، # 22 # ولكن هذا كله لم يعق بين المسلمين وبين ~~تلبية أمر المطاع الأمين # صلى الله عليه وسلم ~~، فلبوا دعوته وجمعوا ~~لهذه الغزوة الأموال الكثيرة، وأنفق كبار أغنياء ~~الصحابة أموالا جساما؛ فعثمان بن عفان أنفق في ذلك ~~اليوم نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم من نفقته، وكذلك ~~فعل عبد الرحمن بن عوف، وطلحة، وسعد. ولما استتب ~~برسول الله سفره وتم له ما يحتاج إليه في غزوته هذه ~~وعزم على السفر، خلف عليا في أهله، واستخلف سباع ~~بن عرفطة على المدينة، وسار في ثلاثين ألف مقاتل، ومر ~~بالحجر حتى أتى ms047 «تبوك»، فلما وصلها أراح الجند وأخذ ~~يستعد للقاء عدوه، فلما استقر هناك علمت أمراء النواحي ~~العربية بمقدمه وعدده، فتوافدت عليه، وأول من قدم عليه ~~«يحنة بن رؤبة» صاحب «أيلة»، فصالح رسول الله ~~وأعطاه الجزية، ثم جاء أهل «جرباء» و«أذرح» فأعطوه ~~الجزية، وكتب لكل كتابا. # ثم إن الرسول ~~بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي ~~أمير «دومة الجندل»، فلما قدم عليه صالحه وجاء به إلى ~~رسول الله، فحقن دمه وخلى سبيله، ولم يقم الرسول في ~~تبوك إلا بضع عشرة ليلة قفل بعدها إلى المدينة، ولم ~~يستقر طويلا حتى أخذ يعد العدة ليبعث بأسامة بن زيد ~~إلى الشام، وكان من أمره ما ذكرناه سابقا. ولما انتقل ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى الرفيق الأعلى واستخلف أبو بكر ~~وأنفذ جيش أسامة فدخل الشام، ونفذ ما كان أمره به ~~الرسول، رجع سالما غانما، ثم كان من أمر الردة ما ~~ذكرناه. ~~(4) تفصيل الأعمال العسكرية في عهده # بعد أن أطفأ أبو بكر نيران الردة رأى أن يتمم ما بدأ به رسول ~~الله من نشر الدين الإسلامي في العراق والشام ومصر، فاختار ~~أفضل القادة لهذا العمل الجليل ووجههم إلى الفتح، وكان أول ~~عمل عسكري قام به في ديار الشام هو توجيهه بعث أسامة بن زيد بن ~~حارثة إلى منطقة «أوبتي» وبلاد قضاعة في مشارف الشام للانتقام ~~من قتلة زيد بن حارثة كما رأينا تفصيل ذلك في أخبار عهد ~~الرسول. أما في عهد أبي بكر فقد رأينا أن أبا بكر عقد لواء ~~لخالد بن سعيد بن العاص ووجهه إلى مشارف الشام، ولكن أبا بكر ~~لم يلبث أن عزل خالد بن سعيد، وتضطرب الروايات في سبب هذا ~~العزل، وفي القول بأن خالدا سار أو لم يسر. # 23 # ومهما يكن من أمر فإننا لم نسمع بشيء عن قيادة ~~خالد بن سعيد في فتوح الشام الأولى. # يذكر أكثر المؤرخين أن أبا بكر عقد أربعة ألوية لفتح الشام ~~في أول السنة الثالثة عشرة للهجرة، # 24 # بعد منصرفه من مكة ms048 إلى المدينة، وهي: «لواء» ~~يزيد بن أبي سفيان بدلا من خالد بن سعيد، «ولواء» شرحبيل ~~بن حسنة، وأمرهما أن يتخذا طريق تبوك فالبلقاء، «ولواء» عمرو ~~بن العاص، وأمره أن يسير بقرب الشاطئ إلى أيلة، «ولواء» ~~أبي عبيدة عامر بن الجراح، وكانت عدة كل لواء ثلاثة آلاف، ثم ~~تتالت إليه النجدات حتى تبلغ سبعة آلاف، ويقول بعضهم: إن ~~أبا عبيدة لم يسر في ذلك الحين بل أرسله أبو بكر نجدة ~~للقواد في معركة اليرموك. ومهما يكن من أمر فإن أبا عبيدة ~~لم يظهر إلا في معركة اليرموك. # 25 # سارت جيوش المسلمين نحو سورية، وكان أول فتح تم على أيديهم ~~هو فتح يزيد لتبوك؛ فقد دخلها ولم يلق فيها كبير عناء، ثم ~~خلفها وراءه وسار حتى التلال التي تشرف على وادي عربة فعلم ~~بمقدمهم البطريق سرجيوس قائد فلسطين المقيم في قيسارية ~~«قيصرته»، فاستعد للقائه والتقى جمعاهما عند «وادي عربة» ~~وانتصر يزيد واضطر سرجيوس إلى الانسحاب إلى غزة، فلحق به ~~المسلمون وجرت بين الطرفين معركة كبرى في شباط سنة 634م عند ~~«دائن» من أعمال «غزة» قتل فيها سرجيوس، وكاد المسلمون أن ~~يفنوا الجيش البيزنطي، فطاش صواب البيزنطيين وبلغت أخبار ~~انهزامهم إلى مسامع الإمبراطور هرقل، فأمر أخاه الأمير «تذارق» ~~تيودوروس أمير حمص أن يسير في جحفل كبير إلى جنوبي دمشق ~~ويحميها من العرب، كما أمر بعض القادة بحماية «القدس» ~~و«قيصرية»، ويظهر أن عدم وجود خطة معينة للعرب في فتوح الشام ~~جعل البيزنطيين يضطربون في الاستعداد لهم؛ لأن كل قائد عربي ~~كان يرتاد المنطقة التي يراها صالحة لغزوه. # وكانت أعظم معركة جرت بين الطرفين هي معركة «أجنادين» في ~~تموز سنة 634؛ فقد جمع البيزنطيون جموعهم ليلاقوا الفرق ~~العربية التي أخذت تغزو ديارهم جنوبي فلسطين. ويظهر أن خالد بن ~~الوليد قد شعر بأن القوم أخذوا يتجمعون للقائه، فكتب إلى ~~أبي بكر يستنجده، فأجابه بأن يترك القيادة العراقية للمثنى ~~بن حارثة ويتوجه نحو الشام كما أسلفنا، ولا نعرف بالضبط موعد ~~سفر خالد ولا مقدار الجند الذي سار بهم ms049 من العراق إلى الشام ~~ولا الطريق التي سلكها، أما عدد جنوده فالروايات تختلف في ~~تقديرها بين العشرة آلاف وبين الخمسمائة، وأما موعد سفره ~~فيقال: إنه كان في المحرم، ويقال: بل في ربيع الثاني من سنة ~~13ه، وأما الطريق التي سلكها من الحيرة إلى الشام فقد اختلفوا ~~فيها جدا، ولعل أقرب تلك الروايات من الصحة ما يذكره الطبري ~~بقوله: وجه أبو بكر خالد بن الوليد أميرا على الأمراء الذين ~~بالشام، وضمهم إليه، فشخص خالد من الحيرة في ربيع الآخر سنة ~~13ه في ثمانمائة، ويقال: في خمسمائة، واستخلف على عمله المثنى ~~بن حارثة، فلقيه عدوه «بصدوداء» فظفر بهم، وخلف بها ابن حرام ~~الأنصاري، ولقي جمعا «بالمصيخ» و«الحصيد» عليهم ربيعة بن بجير ~~التغلبي، فهزمهم وسبى وغنم، وسار ففوز من «قراقر» إلى ~~«شوى»، فأغار على أهل «شوى» واكتسح أموالهم وقتل حرقوص ~~بن النعمان البهراني، ثم أتى «أرك» فصالحوه، وأتى «تدمر» ~~فتحصنوا ثم صالحوه، ثم أتى «القريتين» فقاتلهم فظفر بهم ~~وغنم، وأتى «حوارين» فقاتلهم فهزمهم وقتل وسبى، وأتى «فصم» ~~فصالحه بنو مشجعة من قضاعة، وأتى «مرج راهط» فأغار على غسان في ~~يوم فصحهم فقتل وسبى، ووجه بسر بن أرطاة وحبيب بن مسلمة إلى ~~«الغوطة» فأتوا «كنيسة» فسبوا الرجال والنساء وساقوا العمال ~~إلى خالد. # 26 # ولما وصل خالد إلى الشام قصد «بصرى» حيث التقى بيزيد ~~وشرحبيل وأبي عبيدة، فعاونهم على فتح «بصرى» صلحا، وكانت أول ~~مدن الشام فتحت في عهد أبي بكر، ثم اتجه الجميع إلى الجنوب ~~لينجدوا عمرو بن العاص في «وادي عربة»، على أن البيزنطيين لما ~~علموا بقدوم الجيش الإسلامي غيروا أمكنتهم وقصدوا ~~أجنادين. ~~(4-1) معركة أجنادين # أجنادين (أجنابتين) كانت مدينة بين «الرملة» وبين «جبرين»، # 27 # وقد جمع البيزنطيون فيها قواتهم بقيادة ~~«تيودوس» أخي الإمبراطور «هرقل»، ويختلف المؤرخون في عدد ~~الجيش البيزنطي، فيقول البلاذري: إنه كان مؤلفا من مائة ~~ألف محارب، ويذكر لامنس أنه بضعة آلاف، فيقول: «إن تلك ~~الآلاف القليلة من حاميات المدن وبعض الجنود الإمبراطورية ~~التي لم تدرب التدريب الكافي لم تكن ms050 تتوقع الهيبة في ~~قلوب المسلمين.» # 28 # ولا ندري المصدر الذي نقل عنه لامنس هذا ~~الخبر. # وقد كان التقاء المعسكرين في جمادى الأولى عام 13ه/تموز ~~من عام 634م، وقد انتصر المسلمون على قوات «بيزنطية» التي ~~اضطروها إلى التراجع للقدس، وتختلف المصادر العربية في ذكر ~~القائد العربي لهذه المعركة، فبعضها يذكر أن القيادة كانت ~~لأبي عبيدة؛ لأن أبا بكر حين بعثه جعله قائدا عاما ~~لأمراء المسلمين في فتوح الشام، وبعضها يذكر أنها كانت ~~لخالد. ومهما يكن من شيء فإن فوز المسلمين بهذه المعركة ~~كان فوزا مؤزرا تشتت به شمل الروم البيزنطيين. ~~(4-2) معركة اليرموك الخالدة # بعد أن ظفر المسلمون في معركة «أجنادين» واضطروا ~~البزنطيين إلى التراجع للقدس وقيصرته أخذوا يعدون العدة ~~لضربهم ضربة قاضية، ورأى خالد أن يحل قضية القيادة، فإنه ~~لما وجد تفرق القيادات وسوء نتائج ذلك حشد القوم وخطبهم، ~~فقال بعد حمد الله والثناء عليه: «إن هذا يوم له ما بعده، ~~ولا تقاتلوا قوما على نظام وتعبية على تساند وانتشار، فإن ~~ذلك لا يحل ولا ينبغي، وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال ~~بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به، وبالذي ترون ~~أنه الرأي من واليكم ومحبته.» فقالوا له: وما الرأي؟ قال: ~~«إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم ~~بالذي كان ويكون لقد جمعكم، إن الذي أنتم فيه أشد على ~~المسلمين مما قد غشيهم، وأنفع للمشركين من أمدادهم، ولقد ~~علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله؛ فقد أفرد كل رجل ~~منكم ببلد من البلدان لا ينتقص منه إن دان لأحد من أمراء ~~الجنود، ولا يزيده عليه إن دانوا له، إن تأمير بعضكم لا ~~ينفعكم عند الله ولا عند خليفة رسوله، هلموا فإن هؤلاء ~~قد تهيئوا، وهذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلى خندقهم ~~اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها، فهلموا، ~~فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غدا، ~~والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم، ودعوني إليكم ~~اليوم.» # فأمروه وخرجت الروم ms051 في تعبئة لم ير الراءون مثلها قط، ~~وخرج خالد في تعبئة لم تعبئها العرب قبلا، خرج في ستة ~~وثلاثين كردوسا إلى الأربعين، وكان القاضي أبا الدرداء ~~والقاص أبا سفيان بن حرب، وعلى الطلائع قباث بن أشيم، وعلى ~~الأقباض عبد الله بن مسعود، # 29 # وكان في الجيش عدد كبير من عظماء المسلمين ~~بينهم ألف من الصحابة، ومائة من أهل بدر، وكان القاص ~~أبو سفيان يقص بين الصفوف يحرضهم على القتال ~~والاستشهاد، ويصيح: الله الله إنكم ذادة العرب، وأنصار ~~الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك، اللهم إن هذا ~~اليوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك. # وقال رجل لخالد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال له: ~~ما أقل الروم وأكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بالنصر ~~وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، ثم نشب القتال وتطارد ~~الفرسان. # وبينما المعارك ناشبة جاء صاحب البريد من المدينة فسألوه ~~عن الخبر، فلم يخبر إلا بالسلامة - وإنما جاء بموت أبي بكر ~~الصديق واستخلاف عمر، وعزل خالد، وتأمير أبي عبيدة، ثم إنه ~~أبلغ خالدا ذلك وأعطاه كتاب عمر، فأخذه وجعله في كفانته، ~~وخاف إن هو أظهر ذلك أن تنتشر الفوضى، ثم إن خالدا اشتد ~~في القتال والاستبسال حتى صلى المسلمون إيماء وتضعضع ~~الروم، ونهد خالد بالقلب حتى دخل في جند العدو وبين ~~صفوفهم، وصار بين خيلهم ورجلهم، فأدار الخيالة ظهورهم ~~للمسلمين وهربوا إلى الصحراء، أما الرجالة فقد سقطوا بين ~~يدي المسلمين، كأنما هدم بهم حائط، وغنم المسلمون مغانم ~~كبيرة، حتى كان سهم الفارس ألفا وخمسمائة (رضي الله عنهم ~~وأرضاهم)، وبعث فينا من يسير بنا لتطهير الأرض من ~~المستعمرين والصهيونيين اليوم، إنه على كل شيء قدير، ~~وبالإجابة جدير سبحانه. # الفصل الرابع # | في وفاته ومناقبه وأسرته # حم الصديق لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، فلما ~~اشتد عليه المرض دعا كبار الصحابة فاستشارهم في استخلاف عمر من ~~بعده، بعد أن أمره بالصلاة فيهم مدة حماه، فقالوا له: الأمر ما ~~رأيت يا خليفة رسول الله، وقال بعضهم: ما أنت قائل لربك ms052 إذا سألك ~~عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظه؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، ~~أبالله تخوفونني؟ خاب من تزور من أمركم بظلم، أقول: اللهم إني ~~استخلفت عليهم خير أهلك، ثم اضطجع وجاءه عثمان بن عفان، فقال له: ~~اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر في آخر عهده ~~بالدنيا خارجا منها وعند عهده بالآخرة داخلا فيها، حين يؤمن ~~الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت من بعدي عمر ~~بن الخطاب فاسمعوا وأطيعوا، فإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي ~~وإياكم خيرا، فإن عدل فذاك الظن به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل ~~امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا علم لي بالغيب، # وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون ~~، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # 1 # ثم إنه دعا عمر، فقال له: يا عمر، اتق الله، واعلم أن الله ~~عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار، ~~وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت ~~موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، ~~وحق لميزان لا يكون فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت ~~موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل، وحق لميزان لا يكون إلا ~~الباطل فيه أن يكون خفيفا، وإن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن ~~أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأخاف ألا ~~ألحق بهم، وإن الله ذكر أهل النار وذكرهم بأسوأ أعمالهم ورد ~~عليهم أحسنها، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو ألا أكون مع هؤلاء؛ ~~ليكون الصدر راغبا راهبا، لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمته، ~~فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أحب إليك من الموت، ولست تعجزه، ~~وإن لم تحفظ وصيتي فلا يك غائب أبغض إليك من الموت. # 2 # ويظهر أن بعض الطامعين في الخلافة قد تألموا من عهد أبي بكر ~~لعمر، فأخذوا يتقولون بعض الأقاويل، ولما علم أبو بكر بذلك قال ~~لعبد الرحمن بن عوف وقد دخل عليه يعوده: إني وليت أمركم خيركم في ~~نفسي، فكلكم ms053 ورم أنفه من ذلك، يريد أن يكون الأمر له دونه، ورأيتم ~~الدنيا قد أقبلت ولما تقبل، وهي مقبلة، حتى تتخذوا ستور الحرير ~~ونضائد الديباج، وتألموا الاضطجاع على الصوف الآذري كما يألم أحدكم ~~أن ينام على حسك السعدان، والله لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير ~~حد خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا، وأنتم أول ضال بالناس ~~غدا، فتصدونهم عن الطريق يمينا وشمالا، يا هادي الطريق، إنما هو ~~الفجر أو البحر. # فقال عبد الرحمن: خفض عليك رحمك الله! فإن هذا يهيضك في أمرك، ~~وإنما الناس في أمرك بين رجلين: إما رجل رأى ما رأيت فهو معك، ~~وإما رجل خالفك فهو مشير عليك، وصاحبك كما تحب، ولا نعلمك أردت ~~إلا خيرا ولم تزل صالحا مصلحا، وإنك لا تأس على شيء من ~~الدنيا. # فقال أبو بكر: أجل، إني لا آسى على شيء من الدنيا. # 3 # ثم إنه لما اشتد عليه الوجع قال لأهله: ردوا ما ~~عندنا من مال المسلمين، فإني لا أحب من هذا المال شيئا، وإن ~~أرضي التي بمكان كذا وكذا هي للمسلمين بما أصبت من أموالهم، ~~فادفعوا ذلك إلى عمر ولقوحا وعبدا وقطيفة ما تساوي خمسة دراهم. ~~فقال عمر: لقد أتعب من بعده. ثم إنه أوصى أن تغسله السيدة أسماء ~~بنت عميس، وأن يدفنوه من ليلته، ولا ينتظروا به الغد، وأن يدفن ~~إلى جانب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولما قارب أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ~~أتته عائشة، فأرادت أن تكلمه في طلحة بن عبيد الله، فإذا هو ~~يحشرج، فقالت: إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر، فقال لها: يا ~~بنية أو غير ذلك، # وجاءت سكرة ~~الموت بالحق ذلك ما كنت منه ~~تحيد ~~. # ثم مات رضوان الله عليه وله ثلاث وستون سنة، وكانت مدة خلافته ~~سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال، ولما بلغ النعي أباه وكان بمكة، ~~فقال: رزء جليل، ولم يعش بعده إلا قرابة نصف سنة وله سبع وتسعون سنة. # 4 # ولما بلغ أهل المدينة نبأ موته ارتجت له ms054 أحياؤها بالبكاء كيوم ~~قبض رسول الله، ورثاه عمر وعلي وعثمان وعائشة للناس. ومما قالته ~~عائشة على القبر: نضر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك؛ فقد كنت ~~للدنيا مذلا بإعراضك عنها، وللآخرة معزا بإقبالك عليها، ~~ولئن كان أجل رزء بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # رزؤك، وأعظمها فقدك، إن ~~كتاب الله ليعد بالعزاء عنك، حسن العوض منك، فأنا أنتجز من الله ~~موعده فيك بالصبر عليك، وأستعيضه منك بالدعاء لك، فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون، وعليك السلام ورحمة الله، توديع غير قالية لحياتك، ~~ولا زارية على القضاء فيك. # 5 ~~(1) مناقبه # كان أبو بكر من أفاضل رجال قريش عقلا وعلما، وكان رسول ~~الله يقدر ذلك فيه حتى قال مرة لحسان: إيت أبا بكر ، فإنه ~~أعلم قريش بأنسابها حتى يمحص لك نسبي. وقال علي عليه السلام: ~~كان أبو بكر مقدما في كل خير، وكان رجلا نسابة، وكان يفتي ~~ويشير بمحضر رسول الله فيقر الرسول فتاواه وشوراه، وكان ~~الرسول يشهد له في كثير من المواطن بمناقبه الحميدة وحسن خلقه ~~وسعة صدره وأخلاقه في حبه وحب الإسلام وتفانيه في ذلك، وفي كتب ~~السنة والسيرة والمناقب كثير من الأحاديث والأخبار الموثوقة ~~التي تشير إلى فضله وتعدد مزاياه ومناقبه، فمن ذلك قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط، فاعرفوا ذلك ~~له.» وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر.» وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «نعم الرجل أبو بكر!» وروت عائشة أن أبواب داره # صلى الله عليه وسلم # كانت مفتحة، فأمر بها فسدت، غير باب أبي بكر، ~~فقال: «سدوا أبوابنا غير باب أبي بكر.» وبلغه # صلى الله عليه وسلم # كلام ~~بعضهم في ذلك، فقام فيهم خطيبا فقال: «أتقولون سد أبوابنا ~~وترك باب خليله؟ ولو كان لي منكم خليل كان هو خليلي، ولكن ~~خليلي الله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ فقد واساني بنفسه ~~وماله، وقال لي: صدقت، وقلتم: كذبت.» # 6 # وكان النبي الكريم يقدر بلاء أبي بكر في خدمة الإسلام في ms055 ~~أيامه الأولى، ويذكر دوما فضله وحسن صحبته وبذله، ويقول: «ما ~~نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر.» فلما سمع أبو بكر ذلك ~~بكى، وقال: ما أنا ومالي إلا لك يا رسول الله، وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه ما خلا أبا بكر، فإن له ~~عندنا يدا يكافيه الله بها. # وعن عائشة، قالت: أنفق أبو بكر على النبي أربعين ألفا. # 7 # وروى عروة أنه أعتق سبعة ممن كانوا يعذبون في ~~الله، منهم: بلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وزبيرة، وأم ~~عبيس، والنهدية، وابنتها، وجارية بن عمرو بن مؤمل، وكانوا ~~كلهم من الأرقاء الذين أسلموا في الصدر الأول فأخذ أسيادهم ~~يعذبونهم، فبلغ أبا بكر ذلك فاشتراهم وأعتقهم في سبيل الله. ~~وأبرز ما ينبغي ذكره في مناقبه رضي الله عنه: شجاعته الخارقة ~~وقت الأزمات؛ فقد كان لموقفه يوم بدر أثر حميد في تثبيت ~~الإسلام، فقد دافع عن الرسول دفاع المستميت وحماه من سيوف ~~المشركين، وكذلك كان لموقفه يوم الحديبية، فقد أبى أن يخضع ~~لقريش. # وأجل موقف تظهر فيه قوة شجاعته وثباتة موقفه يوم موت رسول ~~الله كما رأينا؛ فقد اضطرب المسلمون كلهم لذلك حتى عمر، ولولا ~~أبو بكر لطاش سهم الناس، واختل أمر الإسلام، ولكن عقل ~~أبي بكر وثباته هما اللذان وطدا أمر الإسلام وقضيا على روح ~~الفوضى التي كادت أن تطغى يومئذ، وما موقفه يوم ارتدت العرب ~~بعد موت الرسول بأقل من موقفه يوم مات، فلولاه لانهدم ركن من ~~أركان الإسلام، ولكن عزمه الصادق ومحافظته على التقيد بأحكام ~~الدين وحفظ سنن سيد المرسلين قد دفعاه إلى قتال المرتدين ~~والمتقلبين، وبعث جيش أسامة لغزو الشام، وما كان أحد غير ~~الصديق يقف بوجه تلك الصدمات ويتغلب عليها بإيمانه وإخلاصه ~~وقوته وجده وعقله. # ومن أجل مناقبه: زهده وورعه؛ فقد كان متقللا في الدنيا، ~~متتبعا سيرة الرسول في البعد عن الملاذ والشهوات، ~~متكفيا بتناول الضروري من الطعام لتقوية بدنه في طاعة الله؛ ~~فقد كان على الرغم مما فتح الله ms056 عليه وأفاء على البلاد والعباد ~~من الأموال في عهده زاهدا في الدنيا ورعا عن زهرتها. # قال ابن عباس: مات النبي وعليه إحدى عشرة رقعة بعضها من أدم، ~~ومات أبو بكر وعليه ثلاث عشرة رقعة بعضها من أدم، وقالت عائشة: ~~قال لي أبي في مرض موته: يا بنية، إني كنت أتجر قريش ~~وأكثرهم مالا، فلما شغلتني الإمارة رأيت أن أصيب من هذا ~~المال، فأصبت هذه العباءة القطوانية وحلابا وعبدا، فإذا ~~مت فأسرعي به إلى ابن الخطاب، يا بنيتي ثيابي هذه ~~كفنيني بها، قالت: فبكيت وقلت: يا أبت، نحن أيسر من ذلك، ~~فقال: غفر الله لك، وهل ذلك إلا المهل؟ فقالت: فلما مات بعثت ~~بذلك إلى ابن الخطاب، فقال: يرحم الله أباك، لقد أحب ألا ~~يترك لقائل مقالا، ولقد أتعب من بعده، رضي الله عنه. # عائشة تطري مناقب أبيها وتعددها # روى القاسم بن محمد قال: قالت عائشة تطري مناقب أبيها: ~~لما قبض رسول الله # صلى الله عليه وسلم # اشرأب النفاق وارتدت ~~العرب، وعاد أصحاب محمد كأنهم معزى بحظيرة في حفش، علت ~~وسادتها وأرخت ستارتها، فحمدت الله وصلت على نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم قالت: أبي وما أبيه، والله لا تعطوه الأيدي، ~~ذاك طود منيف، وظل مديد، هيهات، كذبت الظنون، أنجح ~~والله إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على ~~الأمد، فتى قريش ناشئا وكهفها كهلا، يفك عانيها، ويريش ~~مملقها، ويرأب شعبها، ويلم شعثها، حتى حليته قلوبها، ثم ~~استشرى في دينه، فما برحت شكيمته في ذات الله حتى اتخذ ~~بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون، وكان غزير ~~الدمعة، وقيذ الجوانح، شجي النشيج، فانصفت عليه نسوان ~~مكة وولدانهم يسخرون منه ويهزءون به: # الله يستهزئ بهم ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون ~~، وأكبرت ذلك ~~ورجالات قريش، فحنت قسيها، وفوقت سهامها، وامتثلوه ~~غرضا فما فلوا له صفاة، ولا قصفوا له قناة، ومضى على ~~سيسائه، حتى إذا ضرب الدين بجرانه، ورست أوتاده، ودخل ~~الناس في دين الله أفواجا، ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا، ~~واختار الله ms057 لنبيه # صلى الله عليه وسلم # ما عنده، فلما قبض رسول الله # صلى الله عليه وسلم # اضطرب حبل الدين ومرج أهله، وبغى الغوائل، وظنت ~~رجال أن قد أكثبت نهزها - جمعت فرصها - وتحققت أطماعها، ~~ولات حين يظنون، وأبو بكر الصديق بين أظهرهم فقام حاسرا ~~مشمرا، ونشر الإسلام على عزه، ولم شعثه بطيه، وأقام ~~أوده بثقافته حتى امذقر (تقطع) النفاق بوطأته، فلما ~~انتاش (خلص) الدين بنقشه، وأراح الحق على أهله، وقرت ~~الرءوس في كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، حفرت منيته فسد ~~ثلمته بنظره في الشدة والرحمة، ذاك ابن الخطاب، لله در أم ~~حملته وردت عليه، لقد أوحدت به فديخ الكفرة وفتخها ~~(دوخها وقهرها)، وشرك الشرك شذر مذر، فأروني ماذا ترون، ~~وأي يومي أبي تنقمون، أيوم إقامته إذا عدل فيكم؟ أم يوم ~~ظعنه إذا نظر لكم؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ~~ولكم، ثم التفتت إلى الناس فقالت: سألتكم بالله هل أنكرتم ~~مما قلت شيئا؟ قالوا: اللهم لا. # 8 ~~(2) أسرته # تزوج أبو بكر امرأتين في الجاهلية، وثلاثا في الإسلام، ~~فأول امرأة تزوجها في الجاهلية هي قتيلة بنت عبد العزى بن عبد ~~بن أسعد بن جابر، فولدت له أكبر أولاده: «عبد الله» و«أسماء»، ~~ثم تزوج أم رومان بنت عامر بن عميرة فولدت له «عائشة» ~~و«عبد الرحمن»، وتزوج في الإسلام أسماء بنت عميس، وكانت قبله ~~تحت جعفر بن أبي طالب، فولدت له «محمدا»، ثم تزوج حبيبة بنت ~~خارجة بن زيد، فولدت له بعد وفاته «أم كلثوم». # أما ابنه عبد الله فهو أكبر أولاده، أسلم مع أبيه مبكرا، ~~وشهد فتح «مكة» و«حنينا» و«الطائف» مع النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وأصابه أبو محجن الثقفي بسهم في الطائف لم يؤذه في جنبه، ~~وبقي إلى خلافة أبيه، وانتقض عليه سهم الطائف فقتله في شوال ~~سنة 11ه، وصلى عليه أبوه، ودخل قبره أخوه عبد الرحمن وعمر ~~وطلحة، وكان ذكيا عاملا شجاعا، قال عنه في «أسد الغابة»: ~~وترك سبعة دنانير فاستكثرها أبو بكر، ولا عقب له. # وأما عبد الرحمن فكان شاعرا ms058 شجاعا لبيبا، ولم يسلم إلا ~~في هدنة الحديبية، وشهد بدرا وأحدا مع المشركين، وكان من ~~الرماة الشجعان، وله مواقف جليلة في الجاهلية والإسلام، وشهد ~~اليمامة مع خالد بن الوليد، وشهد وقعة الجمل مع أخته، وشهد ~~فتوح إفريقية ومصر، وبعث إليه معاوية بأموال ليبايع يزيد ~~فردها وقال: لا أبيع ديني بدنياي، وخرج إلى مكة ومات بها قبل ~~أن تتم البيعة ليزيد، وكان موته فجأة في سنة 53ه. # وأما محمد فهو أصغر ~~أبنائه، ولد من أسماء بنت عميس في ذي القعدة سنة 10ه أثناء ~~سفرها إلى الحج في حجة الوداع، ولما مات أبو بكر تزوجها علي ~~بن أبي طالب، فنشأ محمد في حجر علي عليه السلام، وكان من ~~الزهاد العباد الصلحاء، أقام بالمدينة بعد وفاة أبيه ~~وطول خلافة عمر وعثمان، فولاه عثمان مصر، واتفق مقتل عثمان ~~قبل وصول محمد إلى مصر، ثم شهد مع الإمام علي عليه السلام ~~وقعتى الجمل وصفين، وولاه الإمام إمارة مصر فدخلها سنة 37ه، ~~ولما اتفق الإمام ومعاوية على التحكيم وانتهى أمره إلى ما ~~انتهى إليه، بعث معاوية بعمرو بن العاص فاحتل مصر واختفى محمد ~~بن أبي بكر، فعرف معاوية بن خديج بمخبئه، فأمسك به وقتله ~~وأحرقه في سنة 38ه، (رضي الله عنه). # وأما البنات فكبراهن «السيدة أسماء» الملقبة بذات ~~النطاقين، تزوجها الزبير بن العوام، وولدت عدة أولاد، منهم: ~~«عروة» وهو من فقهاء المدينة السبعة، و«عبد الله»، وقد عمرت ~~طويلا حتى جاوزت المائة ولم يسقط لها سن، إلا أنها عميت آخر ~~عمرها بعد مقتل ابنها عبد الله من كثرة بكائها عليه، وكانت ~~سيدة جليلة فصيحة، حاضرة القلب واللب، ولها أخبار كثيرة تدل ~~على عظم نفسها، ومن أشهر تلك الأخبار: خبرها مع الحجاج بعد ~~مقتل ابنها عبد الله، وقد روي لها في صحيحي الإمامين: ~~البخاري ومسلم نحو ستين حديثا. # ثم «السيدة عائشة» زوج رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد تقدم ~~الكلام عنها وعن فضلها وأثرها الجليل في الإسلام؛ فقد كانت من ~~أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين والأدب والشعر ms059 والنسب ~~والحديث وأشعار العرب، وأصغر البنات هي «السيدة أم كلثوم» ~~ولدتها أمها بعد وفاة أبي بكر، ولما كبرت أراد عمر أن ~~يتزوجها فلم يتم له ذلك، ثم تزوجها طلحة بن عبيد الله، ~~(رضي الله عنهم جميعا). # 9 # الفصل الخامس # | في أعماله الإدارية والتنظيمية # رأينا في القسم الأول من عصر الانطلاق أن النبي الكريم لم يمت ~~حتى رتب شئون حكومته، ونظم أعمالها الإدارية والقانونية وما ~~يتعلق بذلك من أحوال الجيش والسياسة والمال والقلم، وفصل ذلك ~~تفصيلا لم يسبقنا إليه أحد ممن تعرض لتاريخ العهد النبوي فيما ~~نعلم، ولا شك في أن الصديق العظيم قد سار على غرار النهج النبوي في ~~طراز حكومته وأسلوب إدارته حذو القذة بالقذة؛ لأنه كان شديد الحرص ~~على أن يقلد النبي # صلى الله عليه وسلم # في حركاته وسكناته وإرشاداته ~~وإصلاحاته، ولا عجب! فإن حب أبي بكر للنبي وحب النبي لأبي بكر ~~وتقاسمهما مشاكل الحياة وظروفها في السراء والضراء، كان حبا ~~عجيبا، وكانت أخوتهما ومودتهما مضرب الأمثال. # نهج أبو بكر في تراتيب حكومته على الطريقة المحمدية، فتمم كل ~~أمر شرع فيه الرسول، سواء أدرك الحكمة منه أو لم يدركها؛ فقد أرسل ~~جيش أسامة إلى الشام وهو أحوج ما يكون إليه لقتال المرتدين، ولما ~~أشار عليه بعض الصحابة بإيقاف ذلك الجيش قال: لا والله، لا أوقف ~~بعثا عقد الرسول لواءه بيديه، ولما طلب إليه أن يغير القيادة ~~وينزعها عن أسامة فيضعها في يد بعض شيوخ الصحابة لم يقبل ذلك وثار ~~على من طلب إليه ذلك، فالنبي أدرى بمن يؤمر وأعرف بمن هو أهل ~~للقيادة. قال أبو هريرة: والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن ~~أبا بكر استخلف بعد النبي ما عبد الله، ثم كررها ثلاثا، فقيل ~~له: مه يا أبا هريرة، فقال: إن رسول الله وجه أسامة بن زيد في ~~سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب وقبض رسول الله وارتدت ~~العرب حول المدينة فاجتمع عليه أصحاب رسول الله فقالوا: يا أبا بكر ~~رد هؤلاء، أيتوجه هؤلاء إلى ms060 الروم وقد ارتدت العرب؟! فقال: ~~والله الذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي # صلى الله عليه وسلم # ما رددت جيشا جهزه رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولا حللت ~~لواء عقده رسول الله، وأمر أسامة أن يمضي لوجهه ذلك، فجعل لا يمر ~~بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل ~~هؤلاء من عندهم، لكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم ~~وقتلوهم ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام، وكان ذلك بفضل أبي بكر ~~وحسن إدارته. # وإن أول ما يلاحظه المرء في إدارة أبي بكر هو مضاء عزمه، فإنه ~~كان إذا ما حزبه أمر فكر فيه ودرسه من جميع نواحيه ثم قرر أمره، ~~فإذا قرر لم يكد يغير، وهذه مزية من أجل مزايا رجال الأعمال ~~والإدارة، فإن التردد والتراخي والاتكال على الآخرين مضيعة للوقت ~~ومقتلة للمواهب، وما كان أبو بكر إلا عزوما حارفا، اتخذ من كتاب ~~الله مرشدا ومن رسوله دليلا، ومن السنة المطهرة قائدا، فسير ~~بذلك أعماله الإدارية فأتت على أحسن سبيل وأقوم نهج، رأى أن خالد ~~بن الوليد سيف من سيوف الله، فسله على المشركين والمرتدين، ~~وتناسى كل الهفوات التي كانت قد صدرت منه على الرغم من مخالفة بعض ~~كبار الصحابة له في رأيه فيه، وعلى مقدمتهم عمر، فاستمسك أبو بكر ~~بخالد وشجعه، وكان في ذلك الفوز للإسلام والنصر للعروبة. # وكان أبو بكر في إدارته مثال الرجل الكامل العاقل الفاضل، لم ~~تؤثر عنه هفوة، ولا اتهم بمحاباة، ولا وقع في غلطة سوى ما قال ~~هو عن نفسه؛ فقد روى الطبري أنه قال يوم موته: إني لا آسى على شيء ~~من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن ووددت أني تركتهن، وثلاث تركتهن ~~ووددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن: فوددت أني لم أكشف بيت ~~فاطمة عن شيء، وإن كانوا قد غلقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن ~~حرقت الفجاءة السلمي، وأني ms061 كنت قتلته سريحا أو خليته نجيحا، ~~ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين، # 1 # فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا. # أما اللاتي تركتهن: فوددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا ~~كنت ضربت عنقه، فإنه تخيل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان ~~عليه، ووددت أني حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت ~~أقمت بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإن هزموا كنت بصدد لقاء ~~أو مددا، ووددت أني كنت إن وجهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت ~~وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في ~~سبيل الله، ومد يديه، ووددت أني كنت سألت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~لمن هذا الأمر فلا ينازعه أحد؟ ووددت أني كنت سألته: هل للأنصار في ~~هذا الأمر نصيب؟ ووددت أني كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة؛ ~~فإن في نفسي فيها شيئا. # 2 # والحق أن في هذه الأمور التي عددها بعض المآخذ التي تؤخذ ~~عليه في إدارته، ولكنه كان في ذلك كالمجتهد الذي اجتهد وحاول وسعه ~~أن يصل إلى الصواب فلم يصب الهدف، وسنحاول في المباحث الآتية ~~تبيين بعض الأعمال التي قام بها أبو بكر في تنظيم الأعمال ~~الإدارية، والتي حاول جهده أن يجعل حكومته تسير على المنهج ~~المحمدي، وتسمو نحو الكمال الذي دعا إليه الإسلام، فيما ~~يلي: ~~(1) الخلافة # تحمل أبو بكر أعباء الخلافة النبوية وهو كاره للقيام بهذا ~~الحمل الثقيل، وقد رأينا قوله في ذلك وتأسفه على أنه قبله ~~ولم يلح على أي من عمر أو أبي عبيدة أن يحمله، ويكون له ~~وزيرا ومرشدا، ولكن الظرف الذي استخلف فيه والبيئة التي ~~اضطرته على أن يقبل الخلافة كانا ظرفا وبيئة لهما حالة ~~خاصة، وقد رأينا تفصيل ذلك وكيفية استخلاف أبي بكر في الفصل ~~الذي عقدناه لقصة يوم السقيفة. # كان أبو بكر من عقلاء العرب والمطلعين على تقاليدهم وأعرافهم ~~ومصطلحاتهم، واسع المعرفة بماضيهم، نافذ البصيرة في كشف حقائق ~~حاضرهم، فلما أتيح له ms062 أن يتولى أمورهم سار فيهم سيرة عاقل ~~حصيف، ودبر تدبير حازم رشيد، لم يخالف تعاليم الإسلام، ~~ولكنه لم يهدم ما لم يخالفه الإسلام من تعاليم الجاهلية، وقد ~~رأى أن رسول الله كان يستوحي ربه فيعلم أمته ويرشدها إلى ~~السراط السوي، فلما ولي أبو بكر وانقطع الوحي الرباني أخذ ~~خليفة النبي يستوحي القرآن والسنة النبوية، ويسترشد بهديهما في ~~حل القضايا التي تلاقيها خلافة المسلمين، فهو لا يقطع بأمر ~~إلا ويستفتي فيه كتاب الله، وقلبه، وكبار أصحاب رسول الله، وقد ~~سار بسياسة الشورى لإقرار الإسلام إياها، ولموافقتها لروح ~~العرب المحبة للديمقراطية، الكارهة للاستبداد، النافرة من ~~الديكتاتورية، ولكنه كان مع حبه للديمقراطية والشورى كان يفكر ~~فيما يشار عليه به ويناقشه، فإذا رآه صوابا سار بمقتضاه، وإذا ~~رآه معوجا تحاشاه. # لقد رأى أبو بكر أن الخلافة - كما يدل عليها مصدر استقامتها ~~- هي نيابة الرسول في «حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في ~~مصالحهم الأخروية والدنيوية والراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ~~ترجع كلها عند الشرع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في ~~الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.» # 3 # وهكذا سار أبو بكر بأمور المسلمين سياسة مطابقة لروح الشرع ~~في أمور الدين، ولم يخالف روح الشرع في أمور الدنيا. ومما يدل ~~على أن أبا بكر كان يعتقد أن الخلافة هي نيابة عن النبي في ~~تنفيذ أحكام الشرع أن المسلمين حين أرادوا أن يلقبوه أول ~~الأمر بلقب يميزونه به قالوا له: يا خليفة الله، كما كانوا ~~يخاطبون محمدا بقولهم: يا نبي الله، فلم يرض بذلك، ونهاهم عن ~~مخاطبته به، وقال: لست خليفة الله، ولكني خليفة رسول الله. ~~ويعلق الفيلسوف الإمام ابن خلدون على هذا بقوله: ~~«لا بد أن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب، وأما الحاضر فلا.» # 4 # لذلك لقب أبو بكر بخليفة رسول الله؛ لأنه كان خلفه في ~~تنفيذ أحكام الشرع وترتيب شئون الدولة الإسلامية، وكان عمر ~~يلقب أول الأمر بخليفة خليفة رسول الله، ولكنهم رأوا أن ~~ذلك اللقب طويل، فاختاروا ms063 لقب إمارة المسلمين كما سنرى تفصيل ~~ذلك فيما بعد. # أما نظام الخلافة في عهد أبي بكر فهو وإن كان ذا مظهر ~~انفرادي، فإنه لم يكن استبداديا ولا دكتاتوريا، وإنما كان ~~نظاما شوريا انتخابيا، وكان أبو بكر لا يقطع أمرا دون ~~استشارة كبار الصحابة، وبخاصة عمر وأبي عبيدة، ولم يكن سبب ذلك ~~أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة قد تآمروا فيما بينهم قبل وفاة ~~الرسول ويوم السقيفة على أن تكون الحكومة # Trimvirat ~~، وأن يتقاسم ~~الثلاثة منافعها؛ فيكون أبو بكر للرئاسة وعمر للقضاء وأبو ~~عبيدة للمال، كما يزعم بعض المستشرقين وعلى رأسهم القس اليسوعي ~~لامنس، ولكن أبا بكر كان مشبعا بروح الإسلام الديمقراطية ~~الشورية، فكان لا يقطع بأمر دون أخذ آراء أصحاب رسول الله، ~~وبخاصة عمر وأبو عبيدة أو غيرهما من جلة المسلمين الأولين، ~~أمثال: علي، وعثمان، وعبد الرحمن، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، ~~وإن هذا النظام الشوري الانتخابي الذي وضع الرسول أسسه ظل عليه ~~أبو بكر، ثم سار عليه الخلفاء الراشدون حتى في عهد عثمان الذي ~~يتهم بأنه كان مستبدا متسلطا، ولم ينقلب هذا النظام ~~الشوري عن جادته إلا في عهد بني أمية وبني العباس، كما سنرى ~~تفصيله بعد. # أما الطريقة التي تم بها استخلاف أبي بكر فقد كانت طريقة ~~إسلامية ديمقراطية عربية بالشروط وعلى النحو الذي كان ~~مألوفا لدى عرب الجاهلية والإسلام في انتخاب رئيس العشيرة، ~~بأن يكون من أكرمهم بيتا، وأشرفهم نفسا، وأكبرهم سنا، ~~وأكثرهم جودا وفضائل. يقول المؤرخ السير توماس أرنولد: ~~«ويلاحظ أن انتخاب أبي بكر قد تم كما ينتخب شيخ القبيلة ~~العربية؛ لأنه انتخاب يتفق والروح العربية.» # 5 # وأما الأسس التي وضعها أبو بكر دستورا لخلافته ~~فتتجلى في خطبته الأولى يوم بويع البيعة العامة بقوله: «أيها ~~الناس، قد وليت عليكم، ولست بخيركم ... إلخ»، ويمكننا إجمال ~~مواد ذلك الدستور في النقاط التالية: ~~(1) # إن الناس متساوون في كافة الحقوق والواجبات، ~~وإنه لا قوي إلا صاحب الحق، ولا ضعيف إلا صاحب ~~الباطل. ~~(2) # إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما ركنان ~~من ms064 أركان الدولة. ~~(3) # إن الأخلاق الفاضلة هي عماد الدولة. ~~(4) # إن الجهاد فريضة محكمة. ~~(5) # إن الخلافة العادلة الصالحة هي قوام كل ~~شيء. # أما ما يتعلق بشئون الخلافة البكرية من حيث تراتيبها ~~الديوانية والكتابية فإنه قد سار فيها على غرار سيرة الرسول ~~الكريم، فرتب لها ديوانا تكتب فيه الرسائل التي تصدر عنه، ~~فإما أن يكتبها هو بنفسه أو يستكتبها فتقرأ عليه، وكان عمر هو ~~مستشار الدولة ووزيرها، وكان يتولى بالإضافة إلى ذلك شئون ~~القضاء وتوزيع الزكاة، وكان أبو بكر يكاد لا يقطع في أمر دون ~~أخذ رأي عمر فيه، ويليه في ذلك رأي أبي عبيدة، وكان عثمان ~~بن عفان كاتب أبي بكر وصاحب رسائله، وكان يعتمد عليه في كتابة ~~كل ما يتعلق بأمور الدولة وتنظيماتها ويعهد إليه بذلك، فيكتب ~~إليه ما يشاء يقرؤه عليه ، فإن أقره بعث به، وإن رأى تغيير ~~شيء فيه بدله كما يريد. وكان عثمان كاتبا زكنا، يلقف من ~~أبي بكر ما يريد، ويتقبل منه ملاحظاته بصدر رحب، وكان أبو بكر ~~معجبا بأمانته وصدقه، وقد بينا في الفصل الخاص بالكتابة ~~في العهد النبوي أساليب الكتابة واصطلاحاتها، وطرق الكتابة ~~وأنواعها. ~~(2) الإمارة # ونريد بها إمارة السلم، وإمارة الحرب، وإمارة الحج، وهذه ~~الوظائف كلها كانت على عهد الرسول - كما أسلفنا في الفصل الخاص ~~بذلك - وقد كان لأبي بكر أمراء ولاهم المدن والأمصار ~~المفتوحة، كما كان له أمراء ولاهم أمور الحرب والفتوح، ~~وأوصاهم بالوصايا المفيدة الحكيمة التي اشتهر أمرها، وقد أبقى ~~كذلك إمارة الحج، وقد كان يقوم بها بنفسه، يحج بالناس ويخطبهم، ~~وكان تولاها في عهد الرسول حينما ولاه الحج بالناس في ~~السنة التاسعة. ~~(3) الشئون الإدارية # استمر أبو بكر في تنظيم الشئون الإدارية كما كانت على عهد ~~الرسول، فإنه أبقى المسجد النبوي دارا للحكومة الإسلامية، ~~وأبقى وظيفة الحجابة، يحجبه غلامه في المسجد النبوي عمن يريد ~~ألا يراه إما لانشغاله بتدبير بعض أمور المسلمين الهامة، أو ~~لانهماكه بإعداد الخطط والرسائل الخطيرة إلى أمرائه وعماله. ~~وكان يتولى هو نفسه وظيفة الحسبة، ويتشدد على الناس في محافظة ms065 ~~تعاليم الاحتساب، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقد ~~رأينا أنه قد مضى على ذلك في دستوره الذي أعلنه للملأ في خطبته ~~الأولى، وكان كثيرا ما يطلب إلى عمر - وهو المتولي لشئون ~~القضاء - أن يعس بالناس، ويحفظ حقوقهم، ويحمي المظلومين، ~~ويبطش بالظالمين. ~~(4) الشئون العسكرية # اهتم الصديق بالأمور العسكرية اهتماما شديدا، وكان ذا ~~ملكة عسكرية عجيبة؛ لأن الظروف التي أحاطت به والأزمات ~~الخطيرة التي أحدقت بدولته قد حنكته وجعلته يعنى بهذه ~~الناحية عناية شديدة، وكان لخالد بن الوليد، ومعاوية ويزيد ~~ابني أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، والمثنى ~~بن حارثة، الذين وفقهم الله لفتح ديار الشام والعراق في أقصر ~~وقت وبأقل كلفة، وما ذلك إلا لحسن انتقاء أبي بكر إياهم أولا، ~~ولسلامة توجيهاته وإرشاداته ثانيا، وليس صحيحا ما يقال من ~~أن عمر بن الخطاب هو أول من أوجد ديوان الجند، فقد رأينا أن ~~ذلك الديوان قد شرع به في عهد الرسول الكريم، وأن أبا بكر قد ~~استمر على الخطة المحمدية، ولكن عمر وسع ذلك ونظمه لأن ~~الفتوحات قد توسعت في عهده بشكل كبير؛ فاضطر إلى ترتيبها ~~وتكبيرها للإشراف على أحوال الجند، وتسجيل أسمائهم ومقدار ~~مرتباتهم وإحصاء أعمالهم، لئلا تضيع بعض الحقوق وتضطرب ~~الشئون. ~~(5) الشئون المالية # تكلمنا في الفصل الخاص بالشئون المالية في أيام الرسول # صلى الله عليه وسلم # على ما وصل إلينا من معلومات عن القضايا المالية، ~~ونقضنا القول الذي يذهب إليه أكثر مؤرخي هذا العصر من أن بيت ~~المال لم يوجد إلا في عهد عمر، وبينما هو قد كان موجودا أيام ~~أبي بكر، كما نقلنا ذلك عن الجلال السيوطي في تاريخه نقلا عن ~~سهل بن أبي خثيمة، وأنه كان في السنح حيث يسكن أبو بكر ثم نقله ~~إلى المدينة، وأن أبا بكر لما مات دخل عبد الرحمن بن عوف ~~وعثمان ففتحاه ولم يجدا فيه درهما ولا دينارا. # والحق أنه لا يعقل أصلا أن أبا بكر لم يتخذ بيت مال؛ لأنه ~~اهتم بتجهيز الجيوش وتغذيتها بالمال والسلاح والكراع، وقد كانت ms066 ~~موارد بيت المال في عهد أبي بكر هي بعينها التي كانت في عهد ~~الرسول من صدقات وجزية وخراج وعشور وفيء. # الفصل السادس # | في مشهوري رجال عصره # نبغ في عصر أبي بكر جمهرة من مشهوري رجال الإسلام في الحرب ~~والعلم والسياسة، أمثال خالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وأبي ~~عبيدة، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، والعلاء بن الحضرمي، ~~وأسامة بن زيد، وأبي بن كعب، وغيرهم من عظماء الصحابة الذين علت ~~أسماؤهم في العصر الصديقي، ونكتفي بترجمة بعضهم، فنذكر: ~~(1) يزيد بن أبي سفيان # أبو سفيان: هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ~~الأموي القرشي، ولد قبل عام الفيل بعشر سنين (57ق.ه) ومات سنة ~~33ه، وكان من وجوه قريش جاها ومالا ومكانة، وكان تاجرا يجهز ~~التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها، وكان يخرج بنفسه ~~أحيانا للتجارة، وكان إليه حمل راية الرؤساء، إذا حميت نار ~~الحرب اجتمعت قريش فوضعت تلك الراية - واسمها العقاب - في يده، ~~وكان يقال: أفضل قريش عقلا في الجاهلية ثلاثة: أبو جهل، وأبو ~~سفيان، وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس. # كان من رؤساء المشركين يوم الأحزاب، ويوم أحد، وقد اختلف ~~في تاريخ إسلامه، فقال أكثر المؤرخين: إنه أسلم يوم فتح مكة ~~وحسن إسلامه، وروى سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال: رأيت ~~أبا سفيان يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل ويقول: يا نصر ~~الله اقترب، وإنه كان يقف على الكراديس ويقول للناس: الله ~~الله، فإنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم ~~وأنصار المشركين، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على ~~عبادك. ويقول بعض المؤرخين: إنه ظل كهفا للمنافقين منذ أسلم، ~~فكان في الجاهلية ينسب إلى الزندقة، وإنه دخل على عثمان لما ~~استخلف فقال له: قد جاءت إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة، ~~واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا ~~نار. فصاح به عثمان: قم عني، فعل الله بك ما فعل. ولكن يغلب ~~على ظن ms067 المرء أن هذه أحاديث مدسوسة، فإن عليها صبغة الصبغة، ~~والله أعلم. # وكان له من الولد «يزيد» و«معاوية» و«عتبة» وغيرهم. # أما يزيد فكان أفضلهم، ~~وكان يقال له: يزيد الخير، أسلم يوم فتح مكة، وشهد حنينا، ~~وأعطاه الرسول من غنائم حنين مائة بعير وأربعين أوقية وزنها ~~له بلال، وكان أبو بكر يحترمه ويقدر جرأته وفضله، أرسله يوم ~~بعث البعوث إلى فلسطين بعد عودته من الحج سنة اثنتي عشرة، ~~فاشترك في فتوح فلسطين. ولما مات أبو بكر واستخلف عمر أمره ~~على فلسطين ونواحيها، ولما مات أبو عبيدة أمير الشام ولى عمر ~~مكانه معاذ بن جبل، فلما مات معاذ ولى عمر مكانه يزيد ~~بن أبي سفيان، فأحسن تصريف الأمور، وفتح ما بقي من فلسطين، ~~وخصوصا قيسارية، أحصن مدن الروم. ولما مات يزيد خلفه أخوه ~~معاوية، وكان ذلك سنة 19، وكان يزيد من دهاة العرب وعقلائهم، ~~برزت مواهبه في الفتوح والإدارة، وإليه يرجع الفضل الأكبر في ~~توطيد أركان الأمن في الشام ونشر الإسلام في ربوعه. ~~(2) عمرو بن العاص # هو عمرو بن العاص ~~بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو القرشي السهمي أبو عبد ~~الله، وأمه النابغة سلمى بنت حرملة، ولد سنة 50ق.ه. وكان أبوه ~~من وجهاء قريش وأشرافهم وتجارهم ودهاتهم، فنشأ عمرو على ~~طريقة أبيه في النبل والدهاء، ولما ظهر الإسلام كان من أشد ~~أعدائه الذين أرادوا هدمه والكيد له ونصر الشرك، ثم أسلس قياده ~~وأعلن إسلامه، وقد اختلف في الوقت الذي أسلم فيه، فقيل: إنه ~~أسلم في السنة الثامنة للهجرة قبل فتح مكة، وقيل: بل أسلم بين ~~غزوة الحديبية وخيبر، وقيل: بل إنه أسلم في الحبشة، والأشهر ~~أنه أسلم قبل فتح مكة، جاء هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة ~~إلى النبي وهو في المدينة فأعلنوا إسلامهم، فقال الرسول ~~لأصحابه حين نظر إليهم: «قد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها.» وقد ~~أمره رسول الله على سرية سيرها نحو الشام، وقال له: ~~يا عمرو، إني أريد أن أبعثك في جيش يسلمك الله ويغنمك، وأرغب ~~لك ms068 من المال رغبة صالحة، فبعثه إلى أخوال أبيه العاص بن وائل ~~السهمي من بلي القاطنين في مشارف الشام يدعوهم إلى الإسلام، ~~وسار إليهم عمرو، فلما كان في الطريق بأرض جذام (عند ذات ~~السلاسل) رأى أن المشركين قد جمعوا جموعهم عليه، فبعث إلى ~~الرسول يستمده، فأمده بجيش فيه مائتان من المهاجرين ~~والأنصار وأهل الشرف، ومنهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فقاتلوا ~~وغنموا ورجعوا، ثم إن رسول الله ولاه على عمان، فلم يزل ~~عليها إلى أن قبض رسول الله، وفي عهد عمر تولى فتوح فلسطين ~~والأردن، وولاه عمر إياها بعد موت أميرها يزيد ~~بن أبي سفيان. # ثم إن عمر جمع بلاد الشام كلها لمعاوية، واستدعى عمرا ~~إلى المدينة، فأخذ عمرو يحبذ له أن يسيره لفتح مصر، فإن ~~فتحها قوة للإسلام لغناها وخيراتها وضعف أهلها عن ~~المدافعة، فكره عمر ذلك أول الأمر، وما زال عمرو يكرر له ~~رغبته ويهون له الأمر حتى أذن له وعقد له لواء على ثلاثة ~~آلاف وخمسمائة مقاتل، وقال له: سر على بركة الله، فسار إليها ~~وفتحها في السنة الثامنة عشرة صلحا، واستمر واليا عليها طوال ~~عهد عمر، وفي عهد عثمان بقي فيها أربع سنين ثم عزل عنها بعبد ~~الله سعد بن أبي سرح العامري، فكان ذلك بدء الشر بين عثمان ~~وعمرو، ولم يقدم عمرو على الحجاز بل قصد فلسطين، وأقام فيها ~~معتزلا، وربما أتى المدينة يثير الناس على عثمان وينفخ في ~~نار الفتنة حتى قتل عثمان ووقعت الفتنة، فكتب إليه معاوية ~~يستقدمه، فقدم عليه واتفق معه على الإمام علي، وشهد معركة صفين ~~وكان أحد الحكمين، وخبره في ذلك معلوم، ولما تم الأمر لمعاوية ~~ولاه مصر، فلم يزل عليها إلى أن مات سنة 43ه، وله نحو نيف ~~وثمانين سنة. # كان عمرو من أذكياء الناس ودهاتهم وفصحائهم، وله شعر جيد، ~~وخطب متوارثة، روى ابن عبد البر الأندلسي أنه لما حضرته ~~الوفاة بكى، فقال له ابنه عبد الله: لم تبكي! أجزعا من ~~الموت؟ قال: لا والله، ولكن لما بعده، فقال له: ms069 قد كنت على ~~خير، فجعل يذكره صحبته الرسول وفتوحه الشام، فقال له عمرو: ~~تركت أفضل من ذلك، شهادة أن لا إله إلا الله، إني كنت على ~~ثلاثة أطباق ليس فيها طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول شيء ~~كافرا، فكنت أشد الناس على رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فلو مت ~~يومئذ وجبت لي النار. فلما بايعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كنت أشد ~~الناس حياء منه، فما ملأت عيني من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حياء ~~منه، فلو مت يومئذ كنت قال الناس: هنيئا لعمرو، أسلم وكان ~~على خير، ومات على خير أحواله، فترجى له الجنة. ثم بليت بعد ~~ذلك بالسلطان وأشياء، فلا أدري أعلي أم لي؟ فإذا مت فلا ~~تبكين علي باكية، ولا يتبعني مادح ولا نار ، وشدوا علي ~~إزاري فإني مخاصم، وشنوا علي التراب شنا، فإن جنبي الأيمن ~~ليس بأحق بالتراب من جنبي الأيسر، ولا تجعلن في قبري خشبة، ولا ~~حجرا، وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور وتقطيعها ~~بينكم أستأنس بكم # 1 ~~(ابن عبد البر في الاستيعاب). ~~(3) العلاء بن الحضرمي # الحضرمي، واسمه عبد الله بن عماد (وقيل: عمار) الخزرجي، أصله ~~من اليمن من أسرة نبيلة فاضلة، وكان هو على جانب عظيم من ~~حسن الخلق والإقدام والإخلاص، أسلم منذ زمن مبكر، فأعجب النبي # صلى الله عليه وسلم # بعقله وفطنته وشجاعته، فبعث به إلى المنذر بن ساوى ~~أحد أمراء البحرين في سرية فيها نفر من كبار الصحابة أمثال: ~~خالد بن الوليد، وأمره إن أصابه شيء أن يكون الأمر من بعده ~~لخالد بن الوليد، وأوصاه بوصية رائعة جمعت آداب الإسلام ~~وتعاليمه وأحكامه وسياسته، وكتب للمنذر بن ساوى كتابا يقول ~~فيه: «سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك إلى ~~الإسلام، أسلم تسلم، يجعل الله لك ما تحب، واعلم أن ديني ~~سيظهر إلى منتهى الخف والحافر.» فلما وصله كتاب رسول الله ~~أكرمه وأحسن استقبال البعثة الإسلامية وأعلن إسلامه، وكتب إلى ~~الرسول كتابا يقول فيه: «أما بعد يا ms070 رسول الله، فإني قد ~~قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل ~~فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث في ذلك ~~أمرك.» # فكتب إليه رسول الله كتابا يقول فيه: «أما بعد فإني ~~أذكرك الله عز وجل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من ~~يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح ~~لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني قد شفعتك في قومك ~~فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل ~~منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته ~~أو مجوسيته فعليه الجزية.» ثم بعث إليه بكتاب آخر جاء ~~فيه: ~~«سلام الله عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ~~أما بعد فإن كتابك جاءني وسمعت ما فيه، فمن صلى صلاتنا، ~~واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ما لنا ~~وعليه ما علينا، ومن لم يعقل فعليه دينار من قيمة المعافري، ~~والسلام ورحمة الله، يغفر الله لك ذلك.» # وقد استقر العلاء في بلاد البحرين عاملا عليها للنبي # صلى الله عليه وسلم # عند المنذر بن ساوى، فكان المندوب النبوي طوال عهد ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد كتب إليه: «إلى العلاء بن الحضرمي: أما ~~بعد فإني قد بعثت إلى المنذر بن ساوى من يقبض منه ما اجتمع ~~عنده من الجزية، فعجله بها وابعث معها ما اجتمع عندك من ~~الصدقة والعشور. والسلام.»، # 2 # ولما توفي النبي # صلى الله عليه وسلم # واستخلف أبو بكر أقر ~~العلاء في عمله، وفي عهد عمر تولى البصرة، ولكنه مات قبل أن ~~يصل إليها سنة 21 (رضي الله عنه ورحمه). ~~(4) أبي بن كعب # هو أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري، من بني ~~النجار، كان من العقلاء الأفاضل، اعتنق اليهودية قديما ~~وتعمق في أخبارها، وعرف أسرارها حتى اعتبر من أحبارها، كما ~~أنه قرأ كتب الديانات القديمة وعلوم الأولين، ولما ظهر الرسول ~~بالإسلام صدقه وآمن به، وشهد العقبة الثانية، وبايع ms071 النبي # صلى الله عليه وسلم # ثم شهد بدرا وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها، ~~واتخذه النبي # صلى الله عليه وسلم # كاتبا للوحي، فاعتنى بالقرآن وحفظه ~~وقراءته، وكان الرسول الكريم يقول: أقرؤكم أبي بن كعب. # وروى ابن عبد البر الأندلسي في كتاب الاستيعاب عن أبي أن ~~النبي قال له: أمرت أن أقرأ عليك القرآن، فقال: يا رسول الله ~~سماني لك ربك؟ فقال: نعم، فبكى أبي، وكان أحد فقهاء المدينة، ~~وعلى جانب كبير من الأخلاق الفاضلة والمعلومات الغزيرة، كتب ~~للنبي غير القرآن كثيرا من الرسائل. قال الواقدي: هو أول من ~~كتب لرسول الله الوحي مقدمه المدينة، وهو أول من كتب في آخر ~~الكتاب: «وكتب فلان». # وفي عهد عمر رحل في فتوح الشام، وشهد وقعة الجابية مع عمر، ~~وهو الذي كتب كتاب الصلح لأهل بيت المقدس، وقد أمره أبو بكر أن ~~يجمع القرآن الكريم مع جماعة من قراء الصحابة، فقام بالعمل ~~أحسن قيام، وكان ذلك الجمع أول جمع للقرآن. # وقد اختلف في سنة موته، والأكثر على أنه مات في خلافة عمر ~~بن الخطاب سنة 19ه، وقيل: بل ظل إلى سنة 32ه، فمات في صدر ~~خلافة عثمان، وله في صحيحي البخاري ومسلم 164 حديثا (رضي ~~الله عنه ورحمه). # 3 ~~(5) أسامة بن زيد # هو أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب الكلبي، كان أبوه ~~زيد مولى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد أصابه سباء في الجاهلية ~~فاشتراه حكم بن حزام لخديجة بنت خويلد، فوهبته للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~ثم إنه تبناه بمكة قبل النبوة وهو ابن ثماني سنين، وكان نظام ~~التبني معروفا في الجاهلية، فطاف به على حلقات قريش وهو يقول: ~~«هذا ابني وارثا وموروثا.» يشهدهم على ذلك، وصار اسمه: زيد ~~بن محمد، فلما حرم الإسلام التبني انتسب إلى أبيه حارثة، ~~وعظم بلاؤه في الإسلام، وكان الرسول يحبه ويحنو عليه، وقد ~~زوجه مولاته أم أيمن فولدت له أسامة، وكان الرسول لا يبعثه ~~في سرية إلا أمره عليها، وجعل له الإمارة في غزوة مؤتة، ms072 ~~فاستشهد فيها. # ولد أسامة في السنة السابعة قبل الهجرة في ولاء النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ونشأ في بيته، فأحبه حبا شديدا، وكان ينظر إليه ~~نظرته إلى سبطيه: الحسن والحسين، فشب في كنف الإسلام ~~ورعايته، ولما هاجر الرسول إلى المدينة هاجر معه، وأمره وهو ~~شاب لم يبلغ العشرين في السرية التي بعث بها بعد غزوة مؤتة ~~للانتقام من المشركين الذين قتلوا أباه زيدا، ولم تفصل السرية ~~بسبب وفاة النبي، فأرسله أبو بكر كما قدمنا تفصيل ذلك، ولما ~~رجع منصورا قربه وأكرمه طوال عهده، ولما فرض عمر بن الخطاب ~~للناس الأموال من بيت المال فرض لأسامة خمسة آلاف، وفرض لابن ~~عمر ألفين، فقال ابن عمر: فضلت علي أسامة وقد شهدت ما لم ~~يشهد! فقال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك، وأبوه كان ~~أحب لرسول الله من أبيك . ولما وقعت الفتنة بين الإمام علي ~~ومعاوية اعتزل بعد مقتل عثمان إلى أن مات في أواخر أيام ~~معاوية، فترك الحجاز وقصد الشام، وسكن المزة (مزة كلب) من ~~أعمال دمشق، ورجع قبل وفاته ليسكن المدينة، ومات فيها ~~«بالجرف»، وقد اختلف في سنة وفاته، وصحح ابن عبد البر أنه ~~توفي سنة أربع وخمسين، وقيل: بل مات سنة 58 أو سنة 59. # 4 ~~(6) خالد بن الوليد # سيف الله خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي ~~القرشي أبو سليمان، وأمه: لبابة الصغرى بنت الحارث الهلالية، ~~أخت ميمونة زوج النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، كان أبوه الوليد بن المغيرة من ~~وجهاء قريش وسراتها، فورث ابنه خالد المجد عن أبيه، وكانت ~~إليه في الجاهلية أعنة الخيل والقبة. قال ابن عبد البر: أما ~~القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به ~~الجيش، وأما الأعنة فإنه كان يكون على خيل قريش في الحروب. ~~واختلف في وقت إسلامه وهجرته، فقيل: هاجر بعد الحديبية، وقيل: ~~بل كان إسلامه بين الحديبية وخيبر، وقيل: بل كان سنة خمس بعد ~~فراغ رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من غزوة بني قريظة، وقيل: ms073 بل كان ~~إسلامه سنة ثمان مع عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، والأشهر ~~أنه أسلم بين غزوة الحديبية وخيبر؛ فقد كانت الحديبية في ذي ~~القعدة سنة 6ه، وكانت خيبر في المحرم وصفر سنة 7ه، وأن خالدا ~~وعمرو بن العاص وعثمان قدموا عليه بعد الحديبية إلى المدينة ~~مسلمين، فرحب بهم، وقال لصحابته لما رآهم: رمتكم مكة بأفلاذ ~~كبدها. # ولم يزل خالد من وقت إسلامه إلى أن هلك محاربا في سبيل ~~الله، مجاهدا في نصرة الدين، وكان له الفضل الأكبر في القضاء ~~على فتنة الردة وفي فتوح العراق والشام، كما أسلفنا تفصيله. ~~وشهد فتح مكة ويوم حنين، وبعثه النبي إلى أكيدر بن عبد الملك ~~صاحب «دومة الجندل»، ولما ولي عمر عزله عن قيادة جيوش الشام، ~~وولاها أبا عبيدة؛ لأنه كان يأخذ عليه أشياء، منها قتله مالك ~~بن نويرة في حروب الردة، ولما علم خالد بعزله لم يثن ذلك عن ~~عزمه في الفتوح، واستمر يقاتل تحت إمرة أبي عبيدة إلى أن أتم ~~الله على يديهما نصر دينه، وفتح هاتيك البلاد. # ومات خالد سنة 21ه أو سنة 22 بحمص، وقبره هناك، وقيل: بل مات ~~بالمدينة، وكان خطيبا فصيحا يشبه عمر بن الخطاب في خلقه ~~وصفته، وكان أبو بكر يعجب به جدا ويحبه ويقول: إن النساء ~~عجزت أن تلد مثل خالد، رحمه الله ورضي عنه. # 5 # | الخليفة الراشد الثاني: عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) # 13-23ه/634-644م # الفصل الأول # | في نسبه وأوليته في الجاهلية وثقافته # هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله ~~بن قرط رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي العدوي القرشي، وكنيته أبو حفص، ~~ولقبه الفاروق، لقبه بذلك سيدنا رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأمه حنتمة ~~بنت هاشم بن المغيرة المخزومية القرشية. # ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، # 1 # وروى ابن عبد البر عنه أنه قال: ولدت بعد الفجار ~~الأعظم بأربع سنين، # 2 # وكان ذلك حوالي سنة أربعين قبل الهجرة. # وقد وصفه مترجمون من الحجازيين ms074 بأنه كان أبيض أمهق - وهو الذي لا ~~يكون له دم ظاهر - طويلا جسيما، أصلع، أجلح - وهو الذي انحسر ~~الشعر على جانبي رأسه - شديد حمرة العينين، خفيف العارضين، أعسر، ~~يسر، كث اللحية، أشيبها. # 3 # وكان أبوه من أشراف قريش، وأكثرهم فضلا وجاها وعقلا، ولما ولد ~~له عمر عني به فأحسن تأديبه، وعلمه ما يتعلم أبناء الأشراف في ~~زمانه من القراءة والكتابة وحفظ أخبار قومه، ونشأ على أفضل ما ينشأ ~~عليه أبناء قريش من البراعة في الفروسية وحفظ أخبار الأولين، ~~والعرب وأشعارهم، ورواية مناقبهم ومفاخرهم، حتى إذا بلغ مبلغ ~~الرجال بعد العشرين من العمر رأت قريش فيه مزايا النبل والفضل ~~والعقل، فعهدت إليه بمنصب من أجل مناصبها وهو «السفارة» للإصلاح ~~بين القبائل، والتوسط في حل الخصومات التي تقع بينها وبين ~~الآخرين لما وهبه الله سبحانه - على حداثة سنه - من العقل الراجح ~~والفضل الواضح؛ فقد كان من أفاضل قومه، وأصحاب الرأي فيهم ، ونال ما ~~نال عن جدارة واستحقاق لهذا المنصب الرفيع الذي هو أحد المناصب ~~العشرة التي اختصت بها قريش دون سائر العرب، يتولاه من تقدمه ~~لينوب عنها في عقد المعاهدات والإصلاح بين القبائل، والتوسط في ~~الخصومات، وسائر أحوال المنافرات والمفاخرات. # قال ابن عبد البر: كان عمر من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في ~~الجاهلية؛ وذلك أن قريشا كانت إذا وقعت بينهم حرب أو بينهم وبين ~~غيرهم بعثوه سفيرا، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه ~~منافرا ومفاخرا. # 4 # أما صناعته التي كان يتعاطاها بالإضافة إلى هذا العمل الرسمي - ~~على حد تعبيرنا اليوم - فقد كانت في ضروب التجارة، وكان يذهب إلى ~~الشام مع قريش في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء، ونقل عنه أنه لم ~~يكن من كبار التجار، بل كان مقلا، ولكن ما عرف عنه من الأمانة ~~والشرف جعله يتاجر كأكبر التجار؛ فإن الأمانة وحسن السمعة والشرف ~~رأس مال عظيم. # 5 # أما ثقافته فقد كانت ثقافة لداته، وهي الإلمام بعلوم عصره من علم ~~وأدب وبراعة بالشعر الجاهلي، أمثال الجاهلية وخطبها وأنسابها، وكان ~~يحض ms075 شباب قومه على حفظ أخبار أسلافهم وعلومهم وآدابهم. ويروى ~~عنه أنه قال لابنه عبد الرحمن: انسب نفسك تصل رحمك، واحفظ محاسن ~~الشعر يحسن أدبك، فإن من لم يعرف نسبه لم يصل رحمه، ومن لم يحفظ ~~محاسن الشعر لم يؤد حقا ولم يقترف أدبا. وكانت له آراء في نقد ~~الشعر العربي القديم، وأحكام صائبة في شعراء الجاهلية والمعاصرين ~~له، وكان يشجع الشعراء على قول الشعر الجزل الجامع لمكارم ~~الأخلاق، كما يحض على تعلم تاريخ الجاهلية وأخبارها وأنسابها ~~وأيامها، ويقول: تعلموا النسب، ولا تكونوا كنبيط السواد، إذا سئل ~~أحدهم عن أهله قال: أنا من قرية كذا. ويقول أيضا: عليكم بطرائف ~~الأخبار فإنها من علم الملوك والسادة، وبها تنال المنزلة والحظوة ~~عندهم. # ولما جاء الإسلام حفظ كثيرا من آي القرآن وأحاديث الرسول، ~~واستعمل في ذلك عقله وفهمه وبصيرته، حتى بلغ في الاجتهاد والتشريع ~~مبلغا لم يصل إليه أحد سوى كبار فقهاء عصره كأبي بكر وعلي، حتى ~~قال عبد الله بن مسعود: كان عمر أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين ~~الله. وقال: لو أن علم عمر بن الخطاب في كفة ميزان، ووضع علم ~~الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم. وكانت له توجيهات كثيرة ~~وإرشادات صائبة لطلاب العلم ورواد الفقه وعلوم القرآن وأخبار ~~الرسول وسننه، وسنرى تفصيل ذلك حين كلامنا عن صفاته ومزاياه فيما ~~بعد. # الفصل الثاني # | في إسلامه وأحواله أيام الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وأبي بكر # (1) إسلامه # ظهرت الدعوة المحمدية ~~ولعمر بن الخطاب نيف وعشرون سنة، وكان فتى قرشيا معتزا ~~بعشيرته وتقاليدها، عنيفا في الحفاظ على أمجادها وآثارها، رأى ~~آباءه يدينون بدين فاعتنقه، واشتدت حماسته لهذا الدين، وما ~~عتم أن رأى ظهور فتى من قريش أخذ يهاجم هذا الدين، ويتهم عقول ~~أصحابه ويطعن في عقيدتهم ويسفه أحلامهم، وكان عمر، على ~~الرغم من إيمانه بشرف نفس صاحب الدعوة الجديدة وثقته بأمانته ~~ونبل خلقه، يعز عليه أن يراه يهاجم قومه وينتقد دينهم الذي ~~توارثوه عن الآباء والأجداد؛ ولذلك اشترك عمر في الحملة التي ~~كان ms076 يشنها مناوئو محمد عليه، فانتقده وعذب الذين صبئوا عن ~~دين قومهم، واشترك في الإساءة إلى القوم الذين بدلوا دينهم، ~~ولكنه حين رآهم يخرجون من ديارهم وأموالهم، وينادون بسقوط من ~~اضطروهم على الخروج ومغادرة مسقط رأسهم إلى أرض بعيدة ولكنهم ~~سيأمنون فيها على دينهم، رأى ذلك كله فأشفق عليهم، ورثى ~~لحالهم، وتألم كما يتألم كل فتى حيي القلب ناشط الوجدان، ~~يرى أحرار قومه من أرباب العقيدة الجديدة يفضلون حياة ~~التشرد على أن يبقوا في أرضهم ويتابعوا ضلالهم ~~وفجارهم. # روى ابن هشام صاحب السيرة عن أم عبد الله بن حنتمة أنها قالت ~~يوم الهجرة: لما كنا نرتحل مهاجرين إلى الحبشة أقبل عمر ~~بن الخطاب حتى وقف علي، وكنا نلقى منه البلاء والأذى ~~والغلظة علينا، فقال لي: إنه الانطلاق يا أم عبد الله؟ قلت: ~~نعم، والله لنخرجن في أرض الله ... آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل ~~الله لنا فرجا. فقال: «صحبكم الله.» ورأيت منه رقة لم أرها ~~قط. # ولقد تعددت الروايات في أسباب إسلام عمر، ولكنها كلها ~~تتفق في شيء واحد، وهو أنه أراد أن يضع حدا لهذا التبلبل ~~النفسي الذي سيطر عليه لما ظهر الإسلام وأخذت دعوة الرسول ~~تنتشر في أرجاء مكة؛ فقد رأى أن بعض عقلاء قريش كأبي بكر ~~بن أبي قحافة، وعلي بن أبي طالب، وخديجة بنت خويلد، وغيرهم من ~~الأذكياء الأمناء قد دخلوا في الدين الجديد، ولا يعقل أن يكون ~~كل هؤلاء قد صبئوا عن الدين القديم دون أن يناقشوا الدين ~~الجديد ويمحصوه، ويتبنوا صدق ما جاء به صاحبه، فلا بد أن ~~يكون ثمة شيء جديد جدير بالتفكير والدرس، ولكن عزة الجاهلية ~~ونخوتها التعسفية كانتا تحولان دون سؤاله عن هذا الدين وسماعه ~~لما جاء به محمد من القرآن والحكمة، إلى أن كانت حادثة أخته ~~وإسلامها ودخوله عليها وهي ترتل القرآن، فقد روى أنس بن مالك ~~قال: «خرج عمر يوما متقلدا السيف، فلقيه رجل من بني زهرة، ~~فقال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا، قال: كيف ~~تأمن من بني ms077 هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدا؟ فقال له عمر: ~~ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي أنت عليه! قال: أفلا ~~أدلك على العجب يا عمر؟ إن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك ~~الذي أنت عليه؛ فمشى عمر حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين ~~يقال له خباب بن الأرت، فلما سمع خباب حس عمر توارى في ~~البيت، فدخل عليهما فقال لهما: ما هذه الهينمة التي سمعتها ~~عندكم؟ # قال: وكانوا يقرءون سورة «طه»، فقالا: ما عدا حديثا تحدثناه ~~بيننا. قال: فلعلكما قد صبوتما؟ فقال له ختنه: أرأيت يا عمر ~~إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطئا ~~شديدا، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها، فنفحها نفحة بيده فدمي ~~وجهها، فقالت وهي غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك، ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله! فلما تبين عمر ~~قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه. وكان عمر يقرأ ~~الكتب، فقالت أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، قم فاغتسل ~~أو توضأ. فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب، فقرأ: # طه # حتى أتى إلى ~~قوله سبحانه: # إنني أنا الله لا ~~إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة ~~لذكري ~~. # فقال عمر: دلوني على محمد. فلما سمع خباب قول عمر خرج من ~~البيت، فقال: أبشر يا عمر! فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ~~لك ليلة الخميس: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، وبعمرو ~~بن هشام.» قال: ورسول الله # صلى الله عليه وسلم # في الدار التي في أصل ~~الصفا؛ فانطلق عمر حتى أتى الدار، قال: وعلى الباب حمزة ~~وطلحة وناس من أصحاب رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فلما رأى حمزة وجل القوم من عمر، قال حمزة: ~~نعم، فهذا عمر، وإن يرد الله خيرا بعمر يسلم، وإن يرد غير ~~ذلك يكن قتله علينا هينا. قال: والنبي داخل يوحى إليه، فخرج ~~رسول الله حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه: «أما ~~أنت منته يا عمر حتى ينزل الله ms078 بك من الخزي والنكال ما ~~أنزل بالوليد بن المغيرة؟ اللهم اهد عمر بن الخطاب، اللهم ~~أعز الدين بعمر بن الخطاب.» فقال عمر: «أشهد أنك رسول الله!» ~~فخرج القوم مستبشرين فكبروا تكبيرة حتى سمعت من مكة.» # 1 # وروي عن ابن عمر أنه قال: لما أسلم عمر لم تعلم قريش ~~بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أفشى للحديث؟ قيل: جميل بن معمر ~~الجمحي، فخرج إليه وأنا معه أتبع أثره، أعقل ما أرى وأسمع، ~~فأتاه فقال: يا جميل، إني قد أسلمت، قال: فوالله ما رد علي ~~كلمة حتى قام عامدا إلى المسجد، فنادى أندية قريش فقال: يا ~~معشر قريش، إن ابن الخطاب قد صبأ، فقال عمر: كذبت، ولكن أسلمت ~~وآمنت بالله وصدقت رسوله، فثاوروه فقاتلهم حتى ركدت الشمس على ~~رءوسهم، وحتى فتر عمر وجلس، فقاموا على رأسه، فقال عمر: افعلوا ~~ما بدا لكم، فوالله لو كنا ثلاثمائة رجل لتركتموها لنا أو ~~تركناها لكم. فبينما هم كذلك قيام إذ جاء رجل عليه حلة حرير ~~وقميص قومسي، فقال: ما بكم؟ فقالوا: إن ابن الخطاب قد صبأ، ~~قال: فمه امرؤ اختار دينا لنفسه، أتظنون أن بني عدي يسلمون ~~إليكم صاحبهم؟ قال: فكأنما كانوا ثوبا انكشف عنه. # فقال ابن عمر: فقلت لأبي بعد بالمدينة: يا أبت، من الرجل ~~الذي رد عنك القوم يومئذ؟ قال: يا بني ذاك العاص بن وائل، # 2 # وروت عائشة أن عمر قال للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~: يا رسول ~~الله، علام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل؟ فقال: ~~«يا عمر إنا قليل.» فقال عمر: والذي بعثك بالحق نبيا لا يبقى ~~مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان، ثم خرج فطاف ~~بالبيت، ثم مر بقريش وهم ينظرونه، فقال أبو جهل بن هشام: زعم ~~فلان أنك صبوت، فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~عبده ورسوله. فوثب المشركون عليه، فوثب على عتبة بن ربيعة ~~فبرك عليه، وجعل يضربه ~~وأدخل أصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عنه، فقام ~~عمر، ms079 فجعل لا يدنو منه أحد، ثم خرج رسول الله وعمر أمامه وحمزة ~~بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنا، ثم انصرف ~~إلى دار الأرقم ومن معه، # 3 # ولما أسلم عمر كمل عدد المسلمين أربعين شخصا، ~~فنزل جبريل على الرسول بقوله سبحانه: # يا ~~أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك ~~من المؤمنين ~~. # وثمة رواية أخرى تروى عن عمر نفسه ذكرها ابن إسحاق، وهي ~~قوله: إن عمر كان يقول: كنت للإسلام مباعدا، وكنت صاحب ~~خمر في الجاهلية أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال ~~من قريش بالحزورة عند دور آل عمر بن عمر عبد المخزومي، فخرجت ~~ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك، فجئتهم فلم أجد فيه ~~منهم أحدا، فقلت: لو أني جئت فلانا، وكان بمكة يبيع الخمر، ~~لعلي أجد عنده خمرا فأشرب منها، فخرجت فجئته فلم أجده، فقلت: ~~فلو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين، فجئت المسجد أريد ~~الطواف، فإذا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قائم يصلي، وكان إذا صلى ~~استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فكان مصلاه بين ~~الركنين، الركن الأسود، والركن اليماني، فقلت حين رأيته: والله ~~لو أني استمعت من محمد الليلة حتى أستمع ما يقول، فقلت: لئن ~~دنوت أسمع منه لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت من تحت ~~ثيابها، فجعلت أمشي رويدا ورسول الله قائم يصلي يقرأ ~~القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب ~~الكعبة، فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت، ودخلني الإسلام، ~~فلم أزل قائما في مكاني ذلك حتى قضى رسول الله صلاته ثم ~~انصرف. # وبعد؛ فإن هاتين الروايتين في سبب إسلام عمر هما أجمع ~~الروايات وأقربها إلى المنطق والصواب، وهما - كما نظن - ~~يبينان الأسباب الرئيسية التي حدت بعمر إلى اعتناق الدين ~~الجديد، وهناك روايات أخرى لا تختلف في جوهرها عنهما إلا أنها ~~تزيد أو تنقص في التفصيلات، والأخبار - وأكبر ظننا أن ذلك كله ~~راجع إلى خبر واحد وقصة واحدة - بدأت باستماع عمر للرسول وهو ~~يتلو ms080 القرآن ويصلي في الكعبة، وانتهت بذهابه إلى بيت أخته، ثم ~~انتهت بإعلانه إسلامه في دار الأرقم بن أبي الأرقم. # ولا ريب عندنا في أن العامل الحقيقي في سبب إسلامه هو تأثره ~~الشديد بالقرآن، وبما تلي عليه من آياته المعجزة الباهرة، ~~ولا غرو فقد كان عمر من أفصح العرب وأكثرهم علما بالقول ~~البليغ؛ ولذلك لم يتمالك حين استمع إلى ما استمع من آي الذكر ~~الحكيم إلا أن يسلس قياده ويركع أمام بلاغة القرآن، وكيف لا ~~يركع لآي الذكر المجيد ويطرب لها، وهو يطرب لقول حكيم الشعراء ~~زهير بن أبي سلمى حين يردد قوله: # فإن الحق مقطعه ثلاث # يمين ~~أو نفار أو جلاء # ثم يقول: ما أحسن ما قسم! وإنه لشاعر لا يعاظل بين القوافي، ~~ولا يتبع حوشي الكلام. وروي عنه أنه ربما قضى الليلة وهو ينشد ~~شعره حتى يبرق الفجر، فيقول لجليسه: الآن اقرأ. وروى الأصمعي: ~~أن عمر ما قطع أمرا إلا تمثل فيه ببيت من الشعر. ولما قدم ~~وفد غطفان عليه سألهم: من الذي يقول: # حلفت فلم أترك لنفسك ~~ريبة # وليس وراء الله للمرء ~~مذهب # فقالوا: نابغة بني ذبيان. فسألهم: من الذي ~~يقول: # أتيتك عاريا خلقا ~~ثيابي # على وجل تظن بي ~~الظنون # فألفيت الأمانة لم ~~تخنها # كذلك كان نوح لا ~~يخون # فقالوا: النابغة. فقال: هو أشعر شعرائكم. # هذا هو عمر الذواقة للشعر، النقادة للأدب، العارف بأسرار ~~العربية ودقائق الحكمة، فحري به أن يركع للقرآن ويؤمن به حين ~~يسمعه. # وقد كان دخول عمر في الإسلام سببا من أسباب عزة المسلمين، ~~لما كان له من الجاه والنفوذ والسمعة الطيبة بين قومه. قال ~~ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، وقال: كان إسلام عمر ~~فتحا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة، ولقد رأيتنا ولم نستطع أن ~~نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا ~~فصلينا، وقال أيضا: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعا إلى الله ~~علانية. وقال علي: لما أسلم عمر واعتز الإسلام والمسلمون به ~~طلب إلى الرسول أن يظهر الدعوة، ms081 وألا يحفل بقلة المسلمين ~~وكثرة المشركين ما دام المؤمنون على الحق والمشركون على ~~الباطل. ويأبى الله إلا أن ينصر قلة المؤمنين ويذل كثرة ~~المشركين، وقد قبل الرسول فكرة عمر، فلاقى المسلمون من جراء ~~ذلك بعض العنت والإيذاء من فجار قريش، ولكنه كان أمرا ~~لا بد منه، وما من دعوة حق ظهرت إلا وأوذي أصحابها وفتنوا عن ~~دينهم، فالواجب يقضي على المسلمين أن يضحوا وأن يتلقوا من ~~العذاب والشدة ما تلقاه أمثالهم من رجال الدعوات والأديان ~~السابقة من الحواريين وأنصار الأنبياء والمرسلين، وأصحاب ~~العقائد والمصلحين، وليكن عمر وإخوانه من المسلمين الأولين أول ~~من يتلقى الأذى في سبيل الدعوة الجديدة، وقد فعلوا ذلك ~~وتلقوا ما تلقوا بقلب ثابت، وجأش لا يخفق إلا خوفا من ~~الله وحده، وتحملوا في سبيل ذلك من ضروب العسف ألوانا وهم ~~يواصلون العمل ليل نهار لنشر دين الإسلام ومحاربة أعدائه ~~وإعلاء كلمته وحماية رسوله، حتى إذا رأوا أن قوة الشرك قد طغت ، ~~وبراثن الضلال قد قويت، ولم يعد للمسلمين إلا الهرب بدينهم ~~والهجرة عن أوطانهم، فهاجروا من مكة إلى أرض الله الواسعة، ~~ولكن عمر أبى أن يهاجر، فضاق المشركون به ذرعا، وعزموا على ~~قتله، ولكن العاص بن وائل والد عمرو حماه منهم وأنذر من يصيبه ~~بسوء. # ولكن لما اشتد الضغط عليه وعلى البقية الباقية من المسلمين ~~ممن لم يهاجروا، عزم على ترك مكة في سبيل الله، ولكنه عزم إلا ~~أن تكون هجرته علنية لا كما يفعل الآخرون مستخفين، فقد روى ~~ابن عساكر عن علي أنه قال: ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر ~~إلا متخفيا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة ~~تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما، واختصر ~~عنزته - عكازته - ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، ~~فطاف بالبيت سبعا، ثم أتى المقام فصلى متمكنا، ثم وقف ~~على الحلق واحدة واحدة، وقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله ~~إلا هذه المعاطس، ومن أراد أن تثكله أمه وييتم ولده ويرمل ~~زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، ms082 قال علي: فما تبعه أحد إلا قوم ~~من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه. # 4 # وهكذا خرج أبو حفص مهاجرا في سبيل الله معلنا غضبته على ~~قريش الظالمة التي أخرجت المؤمنين الآمنين من ديارهم، وقد ~~حفظها عمر لقريش، فلم يترك فرصة أو مناسبة يفتك بها بقريش إلا ~~وانتهزها، وقد كان له رضوان الله عليه وسلامه أعمال جليلة في ~~غزوات النبي لقريش والفتك بفجارها. ~~(2) هجرته وأعماله في المدينة # رأينا كيف أن عمر قد ~~أنذر قريشا بهجرته، وتهدد أشرارها بالأذى إن هم لحقوا به أو ~~تجرأ أحد منهم أن يفسد عليه هجرته، وكان قد اتفق هو واثنان ~~من فتيان قومه، هما: العباس بن أبي ربيعة المخزومي، وهشام ~~بن العاص بن وائل السهمي على أن يكونوا رفقاء في الطريق، قال ~~عمر: اتعدت لما أردنا الهجرة أنا وعياش وهشام المناصب - من ~~أحناة بني غفار فوق سرف - وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس، ~~فليمض صاحباه، قال عمر: فأصبحت أنا وعياش عند المناصب، وحبس ~~عنا هشام، وفتن ما فتن. # 5 # وهشام: هو هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص، وكان ممن أسلموا ~~قديما، وهاجر إلى الحبشة، ثم قدم مكة حين بلغه مهاجر النبي ~~إلى المدينة، ولما أراد أن يخرج مهاجرا مع عمر وصاحبه حبسه ~~أبوه وقومه بمكة، وفتنوه إلى أن استطاع القدوم عليهم بعد غزوة الخندق. # 6 # أما عمر وصاحبه العياش فإنهما قدما المدينة ونزلا في قباء ~~عند بني عمرو بن عوف، ولم يكد يصل عياش إلى المدينة حتى قدم ~~عليه أخوه لأمه أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام فذكرا له أن ~~أمه حلفت ألا يدخل رأسها دهن، ولا تستظل حتى تراه، فرجع معهما، ~~فأوثقاه وحبساه بمكة، فكان رسول الله يدعو الله، وقنت رسول ~~الله شهرا يدعو للمستضعفين بمكة، ومنهم الوليد ومسلمة ~~بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة. # 7 # ولما قدم عمر المدينة أخذ يوطد أقدام الدين فيها، ويعمل على ~~نشر الدعوة إلى أن قدم الرسول فكان عضده وعونه في تأسيس أركان ~~الدولة الإسلامية وتسهيل ms083 أمور رعاياها، وبخاصة المهاجرين منهم، ~~وقضاء مصالحهم وتتبع عورات خصومهم من المشركين والمنافقين ~~وإفساد دسائسهم، وكان شديد الوطأة على المنافقين، يكشف دخائل ~~أمورهم، ويتفطن لأعمالهم ومكائدهم، ويعرف خبايا أمورهم، ~~ويعلن ذلك للناس حتى لا يتورطوا في الوقوع بحبائلهم، كما كان ~~شديد التحمس لحماية الرسول الكريم ونصرته. # ومن أعماله الجليلة ما قام به من أعمال لحماية الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، كالذي رواه ابن هشام: إن عمر رأى يوما يهوديا ~~ممسكا برسول الله يطالبه بدين له، فعظم ذلك عليه وأخذ بخناق ~~اليهودي وقال: دعني أقتله يا رسول الله، فقال له الرسول: دعه، ~~فإن لصاحب الحق مقالا، ولما أسر سهيل بن عمرو يوم بدر جيء ~~به إلى رسول الله، وكان من خطباء قريش وفصحائهم الذين يؤلبون ~~الناس على الإسلام في المجامع والنوادي العامة، وكان لقوله ~~تأثير في الجماهير لبلاغته وفصاحته، وقد آذى المسلمين كثيرا، ~~فلما جاء به آسره مالك بن الدخشم الأنصاري إلى رسول الله، ~~وكان عمر حاضرا، نهض إليه وقال لرسول الله: دعني أنزع ثنيته ~~فلا يقوم بعدها عليك خطيبا أبدا، فقال رسول الله: دعه يا عمر ~~فسيقوم مقاما تحمده. فتركه. وكانت معجزة من معجزات النبي ~~الكريم؛ إذ وقف سهيل بن عمرو بعدئذ يوم وفاة رسول الله، ~~وأرادت قريش أن ترتد، فقام سهيل على باب الكعبة يخطب ويقول ~~فيما يقول: يا أهل مكة، لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد، ~~والله ليتمن هذا الأمر كما ذكر رسول الله، والله إني لأعلم ~~أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها إلى غروبها، فلا ~~يغيرنكم هذا من أنفسكم، يعني أبا سفيان، فإنه ليعلم من هذا ~~الأمر ما أعلمه، ولكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم ... وأتى في ~~خطبته بمثل ما جاء به أبو بكر الصديق بالمدينة، وكان ذلك معنى ~~قول رسول الله فيه لعمر. # 8 # وكذلك كان عمر شديد الحرص على قراءة قسمات وجوه الناس، ~~ومعرفة خبايا صدور جفاة الأعراب الأفظاظ الذين كانوا يفدون ~~على النبي الكريم ولا يقصدون بمجيئهم إليه ms084 الإيمان، بل التعنت ~~والإيذاء؛ فكان عمر يعرف الصالح من الطالح، ويقرأ صفحات وجوههم ~~وما انطوت عليه قلوبهم، وكان يلذع القساة منهم بقوارع كلامه، ~~ويعرف كيف يخاطب أشرارهم ويستل سخائم صدورهم، فيضرب بدرته ~~كل من يرى عنده شرا ويبطن سوءا للنبي أو أحد من صحابته ~~وقرابته، فقد روي أن عمير بن وهب الجمحي عاهد صفوان بن أمية ~~القرشي بعد وقعة بدر على أن يأتي المدينة ويقتل الرسول ~~الكريم، فقدمها واستأذن على الرسول، فخرج إليه عمر وتفرس ~~في ما انطوى عليه صدره، فرأى الشر في عينيه والخبث في كلامه، ~~فأخذ حمالة سيفه وقال لجماعة من الأنصار: ادخلوا على رسول الله ~~واحذروا هذا الخبيث، فلما رآه الرسول قال لعمر: اتركه، فخلى ~~عنه، ثم سأله الرسول عما جاء به، فقال: ما جئت إلا لهذا ~~الأسير، يعني أباه وهب الذي كان في عداد أسرى المشركين يوم ~~بدر، فقال له الرسول: اصدقني، فقال: ما جئت إلا لذلك، فقال ~~الرسول: بل قعدت أنت وصفوان وجرى بينكما كذا وكذا، فدهش ~~ابن وهب وأسلم لساعته. # قال ابن عبد البر الأندلسي: قدم عمير يريد الفتك برسول الله ~~بالمدينة حين انصرافه من بدر، وضمن له صفوان بن أمية على ذلك ~~أن يؤدي عنه دينه، وأن يخلفه في أهله وعياله، ولا ينقصهم شيئا ~~ما بقوا، فلما قدم المدينة وجد عمر على الباب فلببه، ودخل به ~~على النبي وقال: يا رسول الله، هذا عمير بن وهب شيطان من ~~شياطين قريش ما جاء إلا ليفتك بك، فقال: أرسله يا عمر، فأرسله، ~~فضمه الرسول إليه وكلمه وأخبره بما جرى بينه وبين صفوان، فأسلم ~~وشهد شهادة الحق ثم انصرف إلى مكة، ولم يأت صفوان، وبلغ ذلك ~~صفوان، فقال: قد عرفت حين لم يبدأ بي قبل منزله أنه قد ارتكس ~~وصبأ، فلا أكلمه أبدا، ولا أنفعه ولا عياله بنافعة، فوقف عليه ~~عمير وهو في الحجر وناداه فأعرض عنه، فقال له عمير: أنت سيد من ~~ساداتنا رأيت الذي كنا عليه من عبادة الحجر والذبح له، أهذا ~~دين؟! أشهد ms085 أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فلم ~~يجبه صفوان بكلمة. # 9 # هذه بعض أعمال عمر بن الخطاب ومواقفه المحمودة بعد هجرته إلى ~~المدينة، وهي كما ترى أعمال جليلة، ومواقف نبيلة، صانت ~~الرسول وحفظت الدين. ~~(3) آراؤه في التشريع وموافقة القرآن له # مما كان يتحلى به عمر هو عمق تفكيره ونفاذ بصيرته وفهمه ~~لدقائق الأمور الدينية والاجتماعية فهما يوافق روح التشريع ~~الإسلامي، وقد اختصه الله بخصائص لم ينلها صحابي آخر، فمن ~~ذلك تأهله للنبوة لو وجدت بعد النبي، حتى إنه قال: «لو كان ~~بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب.» وقال: «لو لم أبعث لبعث عمر.» # 10 # فهذا يدلنا على ما امتاز به من الروح النفاذة إلى ~~حقائق الأشياء والفهم الصحيح لأسرار الدين، والإلهام بما يحتاج ~~إليه المسلمون، فقد روي عن عائشة عن النبي أنه قال: «قد يكون ~~في الأمم محدثون - أي ملهمون - فإن يكن في أمتي أحد فهو ~~عمر بن الخطاب.» ولا شك في أن هذا الحديث نوع من الإلهام ~~الإلهي أنزله الله على قلب عمر فبصره بأمور لم يبصر بها ~~غيره من الصحابة، وقد تواترت الأخبار بأن عمر رأى أشياء ~~كثيرة، فنزل الوحي مقرا لها، فوافقها موافقة تامة، وقد ~~بلغت هذه الموافقات العمرية للقرآن نيفا وعشرين قضية، ~~أشهرها: ~~(1) # معارضته لأبي بكر وجمهور الصحابة في قبول الفدية ~~من أسرى بدر، وكان يرى أن يقتلوا فلم يقبل رسول ~~الله رأيه وأخذ برأي جمهور الصحابة، فقبل الفداء ~~ونزل قوله تعالى: # ما كان ~~لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الآخرة ~~والله عزيز حكيم * ~~لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم * فكلوا مما ~~غنمتم حلالا طيبا واتقوا ~~الله إن الله غفور رحيم ~~، ~~ولما نزلت هذه الآية الكريمة قال النبي: كاد ~~يصيبنا في خلافك شر. # 11 ~~(2) # معارضته في وجوب حجاب زوجات النبي؛ فقد رأى وجوب ~~لزومهن بيوتهن، وقال لهن: لتكفن عن رسول الله أو ~~ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن، فنزلت آية ~~الحجاب كما ms086 رأى، ونزلت آية: # عسى ربه إن طلقكن أن ~~يبدله أزواجا خيرا ~~منكن ~~. ~~(3) # رأيه في تحريم الخمر في سائر الأزمان والأمكنة، ~~وقد نزلت الآيات كما رأى في قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا ~~إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان ~~فاجتنبوه ~~. ~~(4) # رأيه في وجوب اتخاذ مقام إبراهيم مصلى للناس؛ ~~فقد قال مرة للنبي: يا رسول الله، أليس هذا مقام ~~إبراهيم أبينا؟ قال: بلى، قال عمر: فلو اتخذته ~~مصلى، فأنزل الله قوله: # واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى ~~. ~~(5) # رأيه في وجوب الاستئذان قبل الدخول إلى البيوت؛ ~~فقد رأى ألا يدخل الرجل بيتا غير بيته قبل ~~الاستئذان من أهله، وقد كانوا في الجاهلية وصدر ~~الإسلام يدخلون بدون ذلك، فنزل قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا ~~لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ~~حتى تستأنسوا وتسلموا على ~~أهلها ~~. ~~(6) # رأيه في وجوب عدم الاستغفار للمنافقين؛ لأن ذلك ~~لا يجدي، فقد طلب عبد الله بن عبد الله بن أبي ~~من النبي أن يستغفر لأبيه أبي رئيس المنافقين ~~لعله يخلص في إسلامه، فاستغفر له النبي، وكره عمر ~~ذلك، فنزل القرآن موافقا لرأي عمر حيث يقول: # استغفر لهم أو ~~لا تستغفر لهم إن تستغفر ~~لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم ~~. ~~(7) # رأيه في وجوب عدم الصلاة على موتى المنافقين لما ~~صلى الرسول على عبد الله بن أبي، فنزلت الآية ~~مؤيدة رأي عمر: # ولا تصل ~~على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم ~~فاسقون ~~. ~~(8) # سماعه صيغة الأذان في نومه، وإقرار النبي له ~~بناء على تلك الرؤيا ... # وهنالك أشياء كثيرة أخرى قال بها فنزل الوحي بما قال، حتى ~~روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما اختلف أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في شيء فقالوا وقال عمر إلا نزل القرآن بما قال عمر. ~~وقال علي: إن عمر ليقول القول فينزل القرآن بتصديقه. وقال علي ~~أيضا: كنا نرى أن في القرآن لكلاما من كلامه ورأيا من رأيه. ~~وقال علي أيضا: كنا نقول ms087 إن ملكا ينطق على لسان عمر. # 12 # وصفوة القول أن لعمر مواهب ومزايا انفرد بها عن جماعة ~~الصحابة؛ فقد كان متفانيا في حب الله ورسوله، ومخلصا صادقا ~~في الولاء لدينه ونبيه، منقبا عن الخير يهديه للمسلمين غير ~~مقصر في نصحهم والسعي إلى إسداء المعونة إليهم. ~~(4) أحواله في أيام أبي بكر # لما استخلف أبو بكر الصديق كان عمر أقرب الناس منه، يقدم ~~إليه خالص النصح، ولا يقصر في معاونته وتسديد أموره، وكان ~~عمر في جيش أسامة بن زيد الذي عزم الرسول على بعثه قبل وفاته، ~~فلما توفي رسول الله واستخلف أبو بكر استأذن أسامة في أن ~~يبقي عمر إلى جانبه يستشيره في أمور المسلمين ويستنير برأيه ~~السديد، ولم يكتم عمر من أبي بكر شيئا مما فيه صلاح المسلمين ~~ورشاد أمورهم، ولا عجب فإن عمر كان صاحب الكلمة المسموعة في ~~عهد الرسول لإخلاصه ونقاوة سريرته وفهمه لحقائق الأشياء، فلما ~~تولى الصديق وأحاطت به بعض الفتن والمشاكل لم يجد في غير عمر ~~سندا وعضدا ووزيرا، ولما مات الرسول وارتدت العرب واضطرب ~~حبل الإسلام ورأى بعض الصحابة وفيهم عمر أن يقبل الخليفة ~~الصديق من المرتدين عدم إعطاء الزكاة، ثار أبو بكر ثورته ~~التاريخية، واضطر عمر والصحابة أن يوافقوا أبا بكر ويقولوا ~~بقوله، وكان قوله هذا الفصل الحق الذي أنجح الإسلام. والغريب ~~في هذا الأمر أن أبا بكر المعروف بلينه وقف هذا الموقف الحازم، ~~بينما وقف عمر المعروف بشدته هذا الموقف اللين، ولكنا حين ~~نعرف أن عمر رجع على الفور إلى رأي الصديق نعرف أن عمر إنما ~~قال ذلك حقنا للدماء وخوفا من الفشل في حرب أهلية والإسلام ~~بعد ضعيف لم يقو القوة اللازمة، ولكنه ما لبث أن انشرح صدره ~~(أي الفاروق) فقال بقوله، وسار بسيرته، وأيده في فكرته في ~~قتال المرتدين، وقال: ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر ~~أبي بكر حتى عرفت أنه الحق. # ولم يكن الصديق يقطع أمرا إلا استشار عمر فيه، فإن وافق ~~عليه أمضاه وإلا عدل عنه إلى ms088 ما يراه، ومن ذلك ما يروى عن ~~عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي أنهما قدما ~~إلى أبي بكر فقالا: يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضا سبخة ~~ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعنا لعلنا نحرثها أو ~~نزرعها، ولعل الله أن ينفع بها بعد اليوم، فقال أبو بكر لمن ~~حوله: ما تقولون فيما قالا إن كانت أرضا سبخة لا ينتفع بها؟ ~~قالوا: نرى أن تقطعهما إياها لعل الله ينفع بها بعد اليوم، ~~فأقطعهما إياها، وكتب لهما كتابا بذلك، وقال لهما: أشهدا ~~عمر، فانطلقا إليه يشهدانه، فوجداه يهنأ بعيرا له، فقالا: ~~إن أبا بكر قال: اشهد بما في هذا الكتاب، فنقرأ عليك أو تقرأ، ~~فقال: أنا على الحال التي تريان، فإن شئتما فاقرآ، وإن شئتما ~~فانتظرا حتى أفرغ فأقرأ عليكما، قالا: بل نقرأ، فقرآ، فلما سمع ~~ما في الكتاب تناوله من أيديهما، وامتنع عن الإشهاد على ما جاء ~~فيه، وقال لهما: إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يتألفكما ، والإسلام ~~يومئذ ذليل، وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فاجهدا جهدكما ~~لا رعى الله عليكما إن رعيتما، فأقبلا على أبي بكر وهما ~~يتذمران، فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟! فقال ~~الصديق: لا بل هو لو شاء كان، ثم جاء عمر وهو مغضب، فوقف على ~~أبي بكر فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين: أأرض هي ~~لك أم للمسلمين عامة؟ فقال: ~~بل للمسلمين عامة، فقال: ما حملك على أن تخص بها هذين دون ~~جماعة المسلمين؟! قال: استشرت هؤلاء الذين حولي، فأشاروا علي ~~بذلك، قال: فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك، فكل المسلمين ~~أوسعتهم مشورة ورضا! فقال أبو بكر: قد كنت قلت لك إنك أقوى ~~مني على هذا، ولكن غلبتني. # 13 # فأنت ترى من هذه القصة أن أبا بكر يعترف بفضل عمر، ويرجع إلى ~~أقواله وآرائه ولا يخالفه، بل يرى أنه أقوى منه على إدارة ~~الأمور وتنظيم شئون الدولة وتصريف أحوالها، وكان أبو بكر يقول ~~- كما روت ms089 ذلك السيدة عائشة: ما على الأرض أحد أحب إلي من عمر، # 14 # وكان أبو بكر يعهد إليه بالقضاء بين المسلمين، ~~فيحكم فيهم بما أنزل الله، بينما جعل أبا عبيدة على المال، ~~وجعل عليا وعثمان وزيد بن ثابت على كتابة شئون الدولة وتولي ~~أمور الديوان. # الفصل الثالث # | في خلافته وأعماله فيها # لما أحس أبو بكر بدنو أجله رأى أن خير من يعهد إليه بخلافته هو ~~عمر بن الخطاب؛ لما عرف فيه من الإخلاص والإيمان والشرف والقوة، ~~فاستدعى عثمان بن عفان، وأملى عليه كتابا يعهد بالأمر بعده فيه ~~لعمر، هذا نصه: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، في الحال ~~التي يؤمن بها الكافر، ويتقي الفاجر، إني قد استعملت عليكم عمر ~~بن الخطاب، فإن بر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدل ~~فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.» فلما مات أبو بكر واستخلف عمر ~~صعد المنبر، فقال: إني قائل كلمات فأمنوا عليهن ... وإنما مثل ~~العرب مثل جمل آنف اتبع قائده، فلينظر قائده حيث يقود، وأما أنا ~~فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق. # 1 # وأما أعمال عمر في الدولة بعد أن تولى أمورها، فنجملها فيما ~~يلي: ~~(1) فتوح الشام # كان أول عمل دولي قام به أن كتب إلى أبي عبيدة يوليه على ~~جند خالد بن الوليد في الشام، # 2 # وبعث إليه بكتاب قال فيه: «أوصيك بتقوى الله الذي ~~يبقى ويفنى سواه، هدانا من الضلالة وأخرجنا من الظلمات إلى ~~النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي ~~يحق عليك، لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم ~~منزلا قبل أن تستريده لهم، وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية ~~إلا في كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة وقد ~~أبلاك الله بي وأبلاني بك، فغمض بصرك عن الدنيا، وأله قلبك ~~عنها، وإياك ms090 أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك؛ فقد رأيت مصارعهم.» # 3 # وأمر خالدا أن ينضوي تحت لواء أبي عبيدة، فسمع ~~وأطاع. # ثم خرج أبو عبيدة بجموعه حتى أتى مرج الصفر - وهو سهل يبعد ~~عشرين كيلومترا جنوبي دمشق شرقي طبرية - فعلم أن جمع الروم قد ~~استقر في مدينة «فحل» فزحف نحوهم، وبينا هو في الطريق علم أن ~~أهل دمشق استنجدوا بأهل حمص، فزحفوا إليهم وجمعوا للمسلمين ~~جمعا كبيرا، فلم يدر بأي الجهتين يبدأ، ولم ير بدا من ~~الكتابة إلى عمر فكتب إليه، وأقام بمرج الصفر حتى ورد عليه ~~جواب عمر، وفيه يقول له: أما بعد فابدءوا بدمشق فإنها حصن ~~الشام، واشغلوا عنكم أهل «فحل» بخيل تكون بإزائهم، وأهل فلسطين ~~وأهل حمص، فإن فتحها الله قبل دمشق فذاك الذي نحب، وإن تأخر ~~فتحها حتى يفتح الله دمشق فلينزل بدمشق من يمسك بها، ودعوها ~~وانطلق أنت وسائر الأمراء حتى تغيروا على «فحل»، فإن فتح ~~الله عليكم فانصرف أنت وخالد إلى حمص، ودع شرحبيل وعمرا ~~وأخلهما بالأردن وفلسطين وأمير كل بلد وجند على الناس حتى ~~يخرجوا من إمارته. # 4 # وما إن قرأ أبو عبيدة هذا الكتاب حتى سرح إلى «فحل» عشرة ~~قواد، فساروا من «مرج الصفر» حتى نزلوا قريبا من «فحل»، فلما ~~رأت الروم أن المسلمين يريدونهم فجروا المياه حول «فحل»، فوحلت ~~الأرض وتألم المسلمون لذلك أشد الألم، وضاقوا ذرعا بما حل بهم ~~من الحصار، وانقطعت أخبارهم عن المسلمين ووقعوا بين المياه ~~والعدو. # وأما أبو عبيدة فإنه سار في اليوم السادس عشر من محرم سنة ~~14ه/13 شباط سنة 635م نحو دمشق فحاصرها، وكان على مقدمته عمرو ~~بن العاص في تسعة آلاف فارس، ومن ورائه كتائب المسلمين، وعلى ~~الساقة خالد بن الوليد وهو راية المسلمين «العقاب»، ولما وصلوا ~~دمشق أحاطوا بها إحاطة السوار، وضيقوا الخناق على أهلها، ~~ونزل عمرو بباب الفراديس، وشرحبيل بباب توما، وقيس بباب الفرج، ~~وأبو عبيدة بباب الجابية (الباب الغربي)، وخالد بالباب الشرقي، ~~ويزيد بن أبي سفيان بين بابي كيسان والصغير. # 5 ms091 # وكتب بطريق دمشق يستنجد بهرقل الروم - وهو من حمص - فأمدهم ~~بفرسان ومشاة، ولكنهم لم يستطيعوا الوصول إلى دمشق، ولما أيقن ~~أهل دمشق بالهلاك، وأن الأمداد لا تصل إليهم وهنت عزائمهم، ~~وبخاصة حين قدم عليهم الشتاء واشتد البرد. # وقد اختلفت المصادر ~~العربية والأجنبية في اسم بطريق دمشق وقائدها، فإن محمد بن ~~إسحاق يذكر أن اسمه باهان # 6 ~~(فاهان)، ويقول سيف بن عمر: إن اسمه «نسطاس»، # 7 # ويقول الواقدي: إن اسمه «توما»، وهو صهر الملك ~~هرقل، ويسمي رجلا آخر هو «هربيس»، ولعله كان مساعد البطريق، # 8 # ويقول ابن خلدون: إنه «منصور بن سرجون»، # 9 # وكائنا ما كان اسمه فإن القائد في ذلك الحين قد ~~ضاق ذرعا بالحصار العربي، ويئس من الأمداد البيزنطية أن تصل؛ ~~لأن ذا الكلاع الحميري الذي بعثه أبو عبيدة ليقطع كل صلة بين ~~أهل حمص من الروم وبين أهل دمشق تمكن من تشتيت الأمداد التي ~~بعثها الحمصيون إغاثة لأهل دمشق، وأتى الصيف وأهل دمشق على ~~حالتهم اليائسة. # وقد اختلفت روايات المؤرخين في الفتح وكيفية وقوعه، وشرائطه، ~~فيقول سيف بن عمرو ومن تبعه من المؤرخين: إن نصف المدينة فتح ~~صلحا على يد أبي عبيدة، والنصف الآخر فتح حربا، وإن خالدا ~~هو الذي دخل حربا. وروى الواقدي: أن سكان دمشق لما رأوا ثبات ~~المسلمين طلبوا من حاكمهم توما صهر هرقل - وكان في حمص - ~~النجدة وإلا سلموا المدينة، فوعدهم بالمساعدة، ولكنه فشل، فطلب ~~نفر منهم الصلح مع أبي عبيدة، فصالحهم ولم يعلم خالد بذلك. ~~ويروي ابن عساكر رواية ثالثة مؤداها أن أحد الرهبان صالح ~~خالدا على شروطه التي سماها له، وأن يزيد بن أبي سفيان دخل ~~المدينة قسرا، ويروي البلاذري أن بعض الرهبان خابر قومه واتفق ~~مع خالد على أن يفتح له باب المدينة الشرقي، ففتحه ودخل ~~المسلمون، وكان ذلك يوم عيد، أما أبو عبيدة فإنه دخل قسرا من ~~باب الجابية. # وكما اختلف المؤرخون في الفتح وكيفيته وشرائطه اختلفوا في ~~وقته، فذهب بعضهم إلى أن دمشق فتحت في أواخر سنة 13ه، وقال ms092 ~~آخرون: بل إنها فتحت في محرم سنة 14ه، وذهب بعضهم إلى أن ذلك ~~كان في رجب سنة 14ه، وأن الحصار دام ستة أشهر، وقيل: بل أربعة ~~أشهر، وقيل: بل سبعين يوما. # 10 # والذي نراه أن المدينة قد فتحت صلحا من جانب، وأن بعض ~~القادة قد عقد الصلح معه بطريقها، ولكننا لا نستطيع أن نسمي ~~القائد الرومي الذي تولى الدفاع عن المدينة، كما لا نستطيع أن ~~نسمي القائد العربي الذي عقد الصلح لتضارب الأقوال في ذلك، ~~وعدم وجود الأدلة الكافية التي ترجح قولا على قول، كما نرى ~~أن جزءا من المدينة قد أخذ حربا بدليل أمر قسمة الكنيسة ~~الكبرى «الكاتدرائية» بين المسلمين وبين أهل المدينة؛ فقد أجمع ~~مؤرخو المسلمين على ذلك بالرغم من معارضة بعض المستشرقين في ~~هذا، ولكن لا حجة لهم، وإن شرائط التسليم التي كتبها خالد (أو ~~أبو عبيدة) لأهل دمشق تؤيد ما قلناه، وإليك نص الكتاب الذي ~~كتبه أبو عبيدة على لسان أهل دمشق بمناسبة عقد الصلح نقلا عن ~~ابن عساكر: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لأبي عبيدة بن الجراح ممن ~~أقام بدمشق وأرضها وأرض الشام من الأعاجم، إنك حين قدمت بلادنا ~~سألناك الأمان على أنفسنا وأهل ملتنا، وإنا اشترطنا لك على ~~أنفسنا ألا نحدث في مدينة دمشق ولا فيما حولها كنيسة ولا ~~ديرا ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما تهدم من ~~كنائسنا ولا شيئا مما كان في خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا ~~من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها ~~للمارة وأبناء السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا، ~~ولا نكتم على من غش المسلمين، وعلى ألا نضرب بنواقيسنا إلا ~~ضربا خفيا في جوف كنائسنا، ولا نظهر الصليب عليها، ولا ~~نرفع أصواتنا في صلاتنا وقراءتنا في كنائسنا، ولا نخرج صليبنا ~~ولا كتابنا، ولا نخرج باعوثا ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا ~~بموتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، ولا ~~نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركا في نادي ~~المسلمين، ولا ms093 نرغب مسلما في ديننا، ولا ندعو إليه أحدا، ~~وألا نتخذ شيئا من الرقيق الذين جرت عليه سهام المسلمين، ولا ~~نمنع أحدا من قرابتنا إن أراد الدخول في الإسلام، وأن نلزم ~~ديننا حيثما كنا، ولا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا ~~عمامة ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم ~~بكلامهم، ولا نتسمى بأسمائهم، ونجز مقادم رءوسنا، ونفرق ~~نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا، ولا ينقش في خواتمنا ~~بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا ~~نجعله في بيوتنا، ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في ~~مجالسهم، ونرشدهم الطريق، ونقوم لهم من المجالس إذا أرادوها، ~~ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا ~~نشارك أحدا من المسلمين إلا أن يكون للمسلم أمر التجارة، وأن ~~نضيف كل مسلم عابر سبيل من أوسط ما نجد، ونطعمه فيها ثلاثة ~~أيام، وعلينا ألا نشتم مسلما، ومن ضرب مسلما فقد خلع ~~عهده. # ضمنا بذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكننا، وإن نحن ~~غيرنا أو خالفنا عما اشترطنا لك وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة ~~لنا، وقد حل لك منا ما حل من أهل المعاندة والشقاق، على ذلك ~~أعطينا الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا، فأقرونا في بلادكم التي ~~ورثكم الله إياها، شهد الله على ما شرطنا على أنفسنا، وكفى ~~بالله شهيدا.» # 11 # وبعد أن تم عقد الصلح وكتابة عهده أخذ المسلمون يرتبون ~~أمورهم لمقابلة الجيش البيزنطي الذي تجمع في جنوبي سورية عند ~~بحيرة الحولة بقيادة تيودوروس أخي هرقل، أما عدد هذا الجيش فقد ~~اختلفت الروايات فيه بين المائتي ألف جندي والمائة ألف، ~~والخمسين ألفا، والثلاثين ألفا، # 12 # وقد ظل هرقل يجمع قواه هذه طوال الشتاء حتى إذا ما ~~جاء الربيع عام 636م/14ه التقى الجمعان في جنوب شرقي اليرموك ~~عند سهل الياقوصة، وكان عدد جيش المسلمين يتراوح بين أربعة ~~وعشرين ألف مقاتل، وأربعين ألف مقاتل، وقد اشتد القتال بين ~~الطرفين وطال أمده حتى انضم نصارى العرب الذين كانوا يحاربون ~~في صفوف البيزنطيين إلى جانب إخوانهم العرب ms094 المسلمين، وتم ~~النصر للمسلمين في رجب عام 15ه/آب سنة 636م وتمزق الجيش ~~البيزنطي شذر مذر، وهرب هرقل إلى أنطاكية. # وانشطر الجيش الإسلامي شطرين: واحدا اتجه نحو الشمال، وآخر ~~اتجه نحو الجنوب إلى قيسارية والرملة وإيلياء (القدس)، أما ~~الجيش الشمالي فإنه أتى دمشق وفتحها الفتح الثاني؛ لأن أهلها ~~عادوا فأعلنوا العصيان، ثم سار الجيش بقيادة أبي عبيدة ومعه ~~خالد بن الوليد نحو حمص، فحاصرها ثم صالحه أهلها على صلح أهل دمشق، # 13 # ثم بعث أبو عبيدة خالدا إلى قنسرين، فلما نزل ~~بحاضرها زحف إليهم الروم تحت زعامة منياس، فقاتلهم خالد قتالا ~~عظيما حتى قتل منياس، وأرسل أهل الحاضر إلى خالد يخبرونه أنهم ~~عرب وأنهم إنما حشروا حشرا مع الروم، وأنهم لم يكن الحرب من ~~رأيهم، فقبل منهم وتركهم، وتم لخالد في قنسرين النصر العظيم في ~~سنة 15، # 14 # وبلغت أخبار هذا النصر مسامع الخليفة عمر فقال: ~~أمر خالد نفسه، يرحم الله أبا بكر هو كان أعلم مني ~~بالرجال. # ولما أتم خالد فتح قنسرين وحلب صعد يريد فتح سائر مدن ~~الشمال، كمنبج، وأنطاكية، وكانت حصن المسيحية الأعظم، كما ~~توجهت الجيوش نحو مدن الجزيرة، ففتحت الرها ونصيبين وبلاد ~~أرمينية، وهكذا تم الاتصال بين فتوح الشام وفتوح العراق، وأما ~~الجيش الجنوبي - وكان بقيادة عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة - ~~فإنه سار نحو بيسان والأردن، وبعد أن استولى على تلك الديار ~~اتجه نحو الجيش الإسلامي المرابط في فلسطين بقيادة معاوية ~~بن أبي سفيان، وكان الخليفة قد كتب إلى معاوية يقول له: «أما ~~بعد فإني قد وليتك قيسارية، فسر إليها واستنصر الله ~~عليهم، وأكثر من قول لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا نعم المولى ونعم ~~النصير.» وكان معاوية قد سار إلى قيسارية، وهي أعظم الثغور ~~وقتئذ، فحاصرها واشتد القتال بينه وبين صاحبها، وأبلى ~~المسلمون بلاء عظيما حتى تم له الفتح، ثم سار نحو عمرو ~~بن العاص بعد أن فتح نابلس وعسقلان وغزة، وتجمعت الجيوش ~~الإسلامية حول القدس فحاصرت ms095 بطريقها «سفرونيوس»، وضيقت عليه ~~الخناق، ودام الحصار أربعة أشهر لقي فيها الروم الأذى الشديد ~~والجوع والعطش، ثم تكاتب بطريق القدس وعمرو بن العاص في شرائط ~~الصلح، وخاف الروم على الكنيسة العظمى، وطلب البطريق أن يباشر ~~عقد الصلح مع الخليفة نفسه، فكتب عمرو إلى عمر يستدعيه إلى ~~القدس، وكان عمر وقتئذ بالجابية، فقدم إلى القدس ودخلها وصالح ~~أهلها، وكتب لهم كتابا أورد لنا الطبري نصه حيث يقول: ~~«بسم الله الرحمن ~~الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من ~~الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، وكنائسهم وصلبانهم، ~~سقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ~~ولا ينتقص منها ولا من خيرها، ولا من صليبهم، ولا شيء من ~~أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن ~~بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية ~~كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوت، ~~فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن ~~أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ~~ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلي ~~بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم ~~وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل ~~مقتل فلان، فمن شاء منهم قعد، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من ~~الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا ~~يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد ~~الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي ~~عليهم من الجزية، شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ~~وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة.» # 15 # وهذا النص يؤيد أن فتح القدس كان في أواخر سنة خمس عشرة، ~~وقيل: بل كان ذلك في أوائل سنة ست عشرة، # 16 # وبفتح القدس (إيلياء) وقيسارية (قيصرية) ودمشق ~~اضمحل ms096 السلطان الرومي في سورية، فهرب من هرب من أهلها مع ~~الروم إلى آسية الصغرى، وقضي على الدولة البيزنطية في الشام ~~كله بعد أن فقدت عددا كبيرا من أبطالها وقادتها، وبخاصة يوم ~~اليرموك وأجنادين، وقد توج هذه الفتوح حضور عمر وعقده صلح ~~القدس المشرف للإسلام المحافظ على كيان المسيحية وتقاليدها، ~~وقد أشاد بهذا الحدث كثير من شعراء العصر، فمن ذلك قول زياد ~~بن حنظلة: # تذكرت حرب الروم لما ~~تطاولت # وإذ نحن في عام كثير ~~نزائله # وإذ نحن في أرض الحجاز ~~وبيننا # مسيرة شهر بينهن ~~بلابله # وإذ أرطبون الروم يحمي ~~بلاده # يحاوله قرم هناك ~~يساجله # فلما رأى الفاروق أزمان ~~فتحها # سما بجنود الله كيما ~~يصاوله # فلما أحسوه وخافوا ~~صواله # أتوه وقالوا: أنت ممن ~~يواصله # وألقت إليه الشام أفلاذ ~~بطنها # وجيشا خصيبا ما تعد ~~مآكله # أباح لنا ما بين شرق ~~ومغرب # مواريث أعقاب بنتها ~~قرامله # وقال أيضا: # سما عمر لما أتته ~~رسائل # كأصيد يحمي حرمة الحي ~~أغيدا # وقد عضلت بالشام أرض ~~بأهلها # تريد من الأقوام من كان ~~أنجدا # فلما أتاه ما أتاه ~~أجابهم # بجيش ترى منه الشبائك ~~سجدا # وأقبلت الشام العريضة ~~بالذي # أراد أبو حفص وأزكى ~~وأزيدا # فقسط فيما بينهم كل ~~جزية # وكل رفاد كان أهنا وأحمدا # 17 ~~(2) فتوح العراق # خلفنا الفتوح الإسلامية في العراق على عهد الصديق، تنتهي في ~~الجزيرة الفراتية على يد سيف الله خالد بن الوليد والمثنى ~~بن حارثة، ورأينا أن الصديق قد كتب إلى خالد أن يترك العراق ~~وينجد الجيش الإسلامي في الشام، فخلف المثنى بن حارثة في ~~الجزيرة وسار نحو الشام، وكان من أمره ما كان. # أما المثنى فإنه اتخذ الحيرة مقره، وأخذ يجيش فيها ~~الجيوش، ويهيئها للمعركة الكبرى التي علم بأن الفرس قد ~~استعدوا لها أيما استعداد، فكتب إلى الخليفة يستمده، فندب ~~الخليفة الناس للذهاب إلى أهل فارس ومعاضدة جيش المثنى ~~بن حارثة الشيباني في العراق، وخطبهم خطبة أثارت غيرتهم ~~وحماستهم قال فيها: «أيها الناس، إن الحجاز ليس لكم بدار إلا ~~على النجعة، ولا يقوى عليه أهله ms097 إلا بذلك، أين الطراء يهاجرون ~~عن موعود الله، سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن ~~يورثكموها، فإنه قال: # ليظهره على ~~الدين كله ~~، والله مظهر دينه ومعز ناصره، ~~ومولي أهله مواريث الأمم، أين عباد الله الصالحون ...» # فكان أول منتدب أبا عبيد بن مسعود، ثم سعد بن عبيد أو سليط ~~بن قيس، فبعث عمر أبا عبيد قائدا على الجيش، وأوصاه أن يسمع ~~لأصحاب رسول الله، ويشركهم في الأمر، ولا يجتهد مسرعا حتى ~~يتبين، فإنها الحرب، والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث الذي ~~يعرف الفرصة، وسار أبو عبيد حتى أتى المثنى، فسارا جميعا حتى ~~التقوا بالجيش الفارسي الذي يقوده «جابان» عند الخارق، وكان ~~قتال شديد بين الطرفين، وهزم الله الفرس وأسر «جابان»، ~~وقسم أبو عبيد الغنائم، وبعث بالأخماس إلى الخليفة، ثم قصد ~~أبو عبيد «كسكر» وعليها «نرس»، وبينما هو في الطريق عند ~~«السقاطين» لقيه جمع من الفرس، فقاتلهم وهزمهم، وغنم منهم ~~غنائم كثيرة فيها كثير من الأطعمة، وسار نحو «كسكر» فالتقى ~~بالقائد «نرس» وقاتله أشد قتال حتى اضطره إلى الهرب، وخلف خلفه ~~خزائن وأموالا جسيمة وأطعمة كثيرة، فاستولى على ذلك، وبعث ~~بالخمس إلى الخليفة وكتب إليه: «إن الله أطعمنا مطاعم كانت ~~الأكاسرة يجمعونها وأحببنا أن تروها، ولتذكروا إنعام الله ~~وأفضاله.» ثم سرح أبو عبيد المثنى إلى «باروسما» فهزم من تجمع ~~منها، وأخرب وسبى وغنم، ولما عظمت نكبات الفرس استمدوا ~~«بوران»، وكانت على العرش، فأمدتهم بالجالينوس - وهو من ~~صناديد أبطالهم - في جيش كبير، وسار الجالينوس نحو ~~«باقسياتا»، فهل له أبو عبيد في جمع من المسلمين وهزم ~~«الجالينوس»، وتم النصر لأبي عبيد، وفي ذلك يقول عاصم ~~بن عمرو: # صبحنا بالبقايس رهط ~~كسرى # صبوحا ليس من خمر ~~السواد # صبحناهم بكل فتى ~~كمي # وأجرد سابح من خيل ~~عاد # ولما تتابعت الهزائم على ~~الفرس وضاق «رستم» بهذا الفشل المريع، عزم على أن يضرب ~~المسلمين ضربة قاسية، فجيش جيشا هائلا عقد لواءه لبطل من ~~أبطالهم، هو: «بهمن جاذويه» المعروف بذي الحاجب، ومعه ~~الجالينوس وسائر أبطال الفرس، وعدد ms098 كثير من الفيلة، وفي ~~المقدمة راية كسرى العظمى المعروفة «بدرفش كابيان»، وسار ~~الفرس حتى بلغوا شاطئ الفرات عند «قس الناطق». # وكان أبو عبيد معسكرا على شاطئ الفرات عند المروحة قرب ~~«البرج» و«العاقول»، فبعث بهمن يخبر أبا عبيد أن يعبر أحدهما ~~إلى صاحبه، فقال أبو عبيد: نحن نعبر إليكم، ولم يوافق قواد ~~المسلمين على العبور، وأشاروا على أبي عبيد أن يدعوهم إلى ~~العبور، فقال لهم: لا يكونوا أجرأ منا على الموت، بل نعبر ~~إليهم. فعبروا إليهم، واشتد القتال بين الجيشين، وأسرعت السيوف ~~في أهل الفرس، وأصيب منهم عدد كبير، ولم يبق بين المسلمين ~~وبين النصر إلا القليل - على الرغم مما لقوا من الفيلة - ولكن ~~أحد الفيلة تمكن من أبي عبيد فقتله، وأخذ اللواء نفر كان سماهم ~~أبو عبيد قبل دخول المعركة إن أصابه شيء، إلى أن أخذ اللواء ~~المثنى، وكان الناس قد هربوا، فلما رأى عبد الله بن مرثد ~~الثقفي ذلك بادر إلى الجسر فقطعه وقال: أيها الناس، موتوا على ~~ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا، فانتهى إليه الناس وسيوف الفرس ~~تأخذهم من ورائهم، وغرق في الفرات من لم يصبر على الماء، وحمى ~~المثنى من لقي من فرسان المسلمين ، وهلك من المسلمين يومئذ ~~أربعة آلاف ما بين قتيل وغريق، وهرب ألفان وبقي ثلاثة آلاف، ~~وجرح المثنى، وانهزم بعض المسلمين حتى أتوا المدينة واستخفى ~~بعضهم بين القبائل، وبعث المثنى بالخبر إلى عمر فاشتد حزنه على ~~ذلك، ولكنه لم يتخاذل، بل أخذ يشجع الناس ويسكن الهاربين ~~ويلاطفهم ويقول لهم: لا تجزعوا أيها المسلمون، أنا فئتكم إنما ~~انحزتم إلي، ولم يتمكن الفرس من استثمار ذلك النصر الذي ~~أحرزوه، فإنهم لم يتعقبوا فلول المسلمين؛ لأن بعض الثورات ~~الداخلية كانت قد نشبت في بلادهم وثار الناس في المدائن على ~~رستم، وانقسموا قسمين، فاضطر «بهمن جاذويه» على أن يرجع بجنده ~~إلى المدائن. # أما عمر فإنه أخذ يفكر في طريقة لمحو آثار هذه الهزيمة ~~النكراء التي مني بها الجيش الإسلامي، فأخذ يحث الناس على ~~السفر إلى العراق للانضمام ms099 إلى المثنى بن حارثة، ولكنه لقي في ~~ذلك عنتا وحرجا، وحين أراد أن يبعث بني بجيلة سار زعيمها ~~جرير بن عبد الله وهو مكره، فإنه كان يفضل السير إلى ~~الشام، ولكن عمر ترضاه وقومه بربع الخمس استصلاحا لهم مع ~~نصيبهم من الفيء، ثم بعث بني ضبة بزعامة عصمة بن عبد الله، ~~فساروا جميعا للعراق إمدادا للمثنى. # وكتب عمر إلى أهل الردة من بني عبد القيس وغيرها ممن لم ~~يكن يسمح لهم بالجهاد أن يخرجوا إلى العراق، فسارت جموع كثيرة ~~منهم حتى أتت المثنى، فسار بهم حتى أتى «البويب» في المكان ~~الذي بنيت فيه الكوفة بعدئذ، والتقى الجمعان في رمضان سنة ~~13ه، وأظهر المثنى دربة فائقة، فتغلب المسلمون على الفرس، ~~وقتل «مهران» قائدهم وجمع كبير جدا من الفرس، واطمأن ~~المسلمون إلى هذا النصر الكبير الذي عوضوا فيه انكسارهم «يوم ~~الجسر»، وانتقم المسلمون من الفرس حتى سمي هذا اليوم: «يوم ~~الأعشار»؛ فقد أحصي فيهم مائة رجل قتل كل رجل منهم عشرة رجال ~~في المعركة، عدا من قتل تسعة أو ما دونها، وعد يوم البويب ~~نصرا عظيما، لا لأنه غسل عن المسلمين عار يوم الجسر، ولا ~~لأنه قهر الفرس القهرة الكبرى، بل لأنه مكن المسلمين من ~~السيطرة على السواد كله، وصار لهم ما بين دجلة والفرات يتصرفون ~~فيه تصرف الفاتح المسيطر، وأخذوا يهيئون أنفسهم لغزو بلاد ~~العراق العجمي وفارس، قال الطبري: «لما أهلك الله مهران استمكن ~~المسلمون من الغارة على السواد فيما بينهم وبين دجلة، فمخروها ~~لا يخافون كيدا، ولا يلقون فيها مانعا.» # ولما بلغت أخبار هذا النصر آذان الخليفة استبشر بذلك، وأراد ~~أن يعزز الجيش الإسلامي في العراق بقائد آخر وعدد من ~~الدهاة، فكتب إلى سعد بن أبي وقاص - وكان على صدقات هوازن في ~~نجد - أن يقدم إلى المدينة، فأمره على حرب العراق، وأوصاه ~~فيما أوصاه بقوله: «يا سعد بني وهيب، لا يغرنك من الله أن قيل ~~خال رسول الله، وصاحب رسول الله، فإن الله عز وجل لا يمحو ~~السيئ بالسيئ، ولكنه ms100 يمحو السيئ بالحسن، فإن الله ليس بينه ~~وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله ~~سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما ~~عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت النبي # صلى الله عليه وسلم # عليه منذ ~~بعث إلى أن فارقنا، فالزمه فإنه الأمر، هذه الوصية إن تركتها ~~ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين.» # ثم بعثه إلى العراق في أربعة آلاف، فلم يصل سعد وجنده إلى ~~العراق حتى وجد أن المثنى قد مات متأثرا بجراحه التي كان ~~جرحها يوم الجسر فانتفضت عليه ومرض، فاستخلف بشير ~~بن الخصاصية، ولما بلغ سعد «زرودا» توفي المثنى، فكتب عمر إلى ~~سعد أن يتوجه إلى «القادسية»، وأخذ يوالي إرسال النجدات ~~والبعوث إليه حتى بلغ عدد جيش المسلمين بضعة وثلاثين ألفا، ~~كثير منهم من ربيعة، وقال عمر: والله لأضربن ملوك العجم بملوك ~~العرب، فلم يدع رئيسا ولا ذا رأي ولا ذا شرف ولا ذا سلطة ولا ~~خطيبا ولا شاعرا إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس وغررهم، ~~وكانت ربيعة تسمى في الجاهلية: ربيعة الفرس، فسمتها العرب ~~ربيعة الأسد، وكان العرب في جاهليتهم يقولون: «فارس الأسد»، ~~فأطلقوا ذلك على ربيعة، وجعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن ~~بن ربيعة الباهلي ذا النور، وجعل إليه الأقباض وقسمة الفيء، ~~وجعل داعيتهم ورائدهم سلمان الفارسي، والترجمان هلال الهجري، ~~والكاتب زياد بن أبي سفيان، وكان فيهم سبعون بدريا وستمائة ~~وبضعة عشر صحابيا، وسبعمائة من أبناء الصحابة، وكتب عمر إلى ~~سعد كتابا يقول فيه: ~~«أما بعد فسر من شراف نحو فارس بمن معك من المسلمين، ~~وتوكل على الله واستعن به على أمرك كله، واعلم فيما لديك أنك ~~تقدم على أمة عددهم كثير، وعدتهم فاضلة، وبأسهم شديد، وعلى ~~بلد منيع، وإذا انتهيت إلى القادسية، والقادسية باب فارس في ~~الجاهلية، وهي جمع تلك الأبواب لمادتهم ولما يريدونه من تلك ~~الآصل، وهو منزل رغيب خصيب حصين، دونه مناظر وأنهار ممتنعة، ~~فتكون مسالحك على أنقابها، ويكون الناس بين الحجر والمدر على ~~حافات الحجر ms101 وحافات المدر والجراع بينهما، ثم الزم مكانك فلا ~~تبرحه.» # ثم كتب إليه رسالة أخرى يقول له فيها: ~~«... اكتب إلي أين بلغك جمعهم، ومن رأسهم الذي يلي ~~مصادمتكم، فإنه قد منعني من بعض ما أردت الكتاب به قلة علمي ~~بما هجمتم عليه، والذي استقر عليه أمر عدوكم، فصف لنا منازل ~~المسلمين والبلد الذي بينكم وبين المدائن صفة كأنني أنظر ~~إليها، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله ~~وارجه.» # فكتب إليه سعد بصفة البلدان الفارسية بين «الخندق» ~~و«العتيق»، وأن ما عن يسار القادسية بحر أخضر في جوف لاح إلى ~~الحيرة بين طريقين، فأما أحدهما فعلى الظهر، وأما الآخر فعلى ~~شاطئ نهر يدعى الحضوض، يطلع بمن سلكه على ما بين الخورنق ~~والحيرة، وأن ما عن يمين «القادسية» إلى «الولجة» فيض من فيوض ~~مياههم، وأن جميع من صالح المسلمون من أهل السواد قبلي إلب ~~لأهل فارس قد خفوا لهم واستعدوا لنا، وإن الذي أعدد لمصادمتنا ~~رستم. فكتب إليه عمر: ~~«قد جاءني كتابك وفهمته، فأقم بمكانك حتى ينفض الله لك ~~عدوك، واعلم أن لها ما بعدها، فإن منحك الله أدبارهم فلا تنزع ~~عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن، فإنه خرابها إن شاء ~~الله.» # فأقام سعد في القادسية شهرا لا يأتيه من الفرس خبر، فبعث ~~سراياه بين «كسكر» و«الأنبار»، فأغارت على من ليس لهم ذمة أو ~~عهد ومن غدر بالمسلمين من أهلها، فأرسل أهل السواد إلى ~~«يزدجرد» ملك الفرس يخبرونه بما عند المسلمين من القوة ~~والعدد، واستنجدوه، وأنه إن تأخر عن نجدتهم ألقوا بأنفسهم ~~للعرب، فأرسل رستم وأمره أن يستعد للقاء المسلمين، وأمره أن ~~يسير من فوره، فسار رستم وهو مكره؛ لأنه كان من رأيه أن ~~يطاول الفرس حتى يهنوا ويضعف أمرهم، وخرج رستم حتى عسكر ~~«بساباط»، وبلغت أخباره سعدا، فكتب بذلك إلى عمر فأجابه بكتاب ~~يقول له فيه: ~~«لا يكربنك ما يأتيك عنهم، واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث ~~رجالا من أهل المناظرة والرأي والجلد يدعونه، فإن الله جاعل ~~دعاءهم توهينا لهم.» # 18 # فأرسل سعد جماعة من ms102 الأشراف العقلاء منهم النعمان بن مقرن، ~~وقيس بن زرارة، والأشعث بن قيس، وعاصم بن عمرو، وفرات بن حيان، ~~وعمرو بن معديكرب، والمغيرة بن شعبة يدعون رستم، فلما وصلوا ~~المدائن ودخلوا على «يزدجرد» سألهم عما جاء بهم، ودعاهم إلى ~~غزو الفرس، فقال النعمان بن مقرن: «إن الله رحمنا، فأرسل ~~إلينا رسولا يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر، ووعدنا على ~~إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يدع قبيلة إلا قاربه منها فرقة ~~وتباعد عنه منها فرقة، ثم أمر أن نبتدئ بمن خالفه من العرب، ~~فبدأنا، فدخلوا معه على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع ~~فازداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من ~~العداوة والضيق، ثم أمر أن نبتدئ بمن جاورنا من الأمم فندعوهم ~~إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسن الحسن، ~~وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر أهون من آخر شر ~~منه الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا ~~فيكم كتاب الله وأقمنا على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم ~~وشأنكم وبلادكم، وإن بذلتم الجزاء قبلنا منكم ومنعناكم، وإلا ~~قاتلناكم.» فقال يزدجرد: «إني لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى ~~ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم؛ فقد كنا نوكل بكم قرى ~~الضواحي فيكفونا أمركم، ولا تطمعوا أن تقوموا لفارس، فإن كان ~~غرور لحقكم فلا يغركم منا، وإن كان الجهد فرضنا لكم قوتا إلى ~~خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق ~~بكم.» فقام قيس بن زرارة، فقال: «أما ما ذكرت من سوء الحال، ~~فكما وصفت وأشد، ثم ذكر شيئا من عيش العرب ورحمة الله لهم ~~بإرسال النبي # صلى الله عليه وسلم # كما قال النعمان، ثم قال ... اختر إما ~~الجزية وأنت صاغر، أو السيف، وإلا فنج نفسك بالإسلام.» فقال ~~يزدجرد: «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم ~~عندي.» # ثم استدعى بوقر من تراب، وقال لجنده: احملوه على ظهر أشرف ~~هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن، فقام عاصم بن عمرو ~~فقال: أنا ms103 أشرفهم، وأخذ التراب فحمله وخرج إلى راحلته فركبها، ~~ولما وصل إلى سعد قال له: أبشر، فوالله قد أعطانا الله إقليد ~~ملكهم، ثم إن رستم خرج بجيشه الهائل الذي قيل إنه بلغ مائة ألف ~~أو يزيدون من «ساباط»، فلما بلغ «كوثى» لقيه رجل من العرب، ~~فقال له رستم: ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون منا؟ قال: جئنا نطلب ~~موعود الله، أرضكم وأبناءكم إن أبيتم أن تسلموا، قال رستم: ~~فإن قتلتم قبل ذلك؟ قال: من قتل منا دخل الجنة، ومن بقي ~~أنجزه الله وعده، فنحن على يقين، فقال رستم: قد وضعنا إذا في ~~أيديكم، قال: ويحك يا رستم! إن أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله ~~بها، فلا يغرنك ما ترى حولك، فإنك لست تجادل الإنس، إنما تجادل ~~القضاء والقدر، فاستشاط وأمر فضربت عنقه، وخرج رستم من ~~«كوثى» حتى نزل «برس»، فأخذ جنده يغصبون أموال الناس، ويقعون ~~على النساء، ويشربون الخمور، حتى ضج الناس واشتكوا إلى رستم، ~~فخطب جنده وقال لهم فيما قال: «والله لقد صدق العرب، والله ما ~~أسلمنا إلا أعمالنا والله للعرب في هؤلاء وهم لهم ولنا حرب ~~أحسن سيرة منكم، إن الله كان ينصركم على العدو ويمكن لكم في ~~البلاد بحسن السيرة وكف الظلم والوفاء بالعهود والإحسان، ~~فأما إذا تحولتم عن ذلك لهذه الأعمال، فلا أرى الله إلا ~~مغيرا ما بكم، وما أنا بآمن من أن ينزع الله سلطانه منكم.» ~~ثم بعث الرجال فأتوه من اشتكي منه فضرب أعناقهم، ثم سار حتى ~~نزل حيال «النجف» قرب «الخورنق»، ودعا أهل «الحيرة» فأوعدهم ~~وهددهم، فقال ابن بقيلة أميرها: لا تجمع علينا اثنتين أن تعجز ~~نصرتنا وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وبلادنا، فسكت. # ثم إن سعدا بعث عمرو بن معد يكرب الزبيدي وطليحة بن خويلد ~~الأسدي يستكشفان خبر الجيش مع عشرة رجال، فلم يسيروا طويلا ~~حتى رأوا العدو منتشرا على الطفوف والبقاع، فرجعوا إلا طليحة، ~~فإنه ظل ماشيا حتى دخل بين العدو وعلم خبره، ورجع إلى سعد، ~~فأخبر خبر القوم وأحوالهم، ثم إن رستم سار بجيوشه ms104 من أرض ~~«الحيرة» حتى نزل «القادسية» عند «العتيق»، وهو جسر القادسية، ~~وليس بينهم وبين المسلمين إلا النهر، وكان مع الفرس ثلاثة ~~وثلاثون فيلا: ثمانية عشر فيلا مع رستم، وخمسة عشر فيلا مع ~~الجالينوس، منها فيل سابور الأبيض. # ثم إن رستم بعث إلى سعد أن أرسل إلينا رجلا نكلمه، فبعث ~~إليه ربعي بن عامر، فجاءه وقد جلس على سرير من ذهب، بسطت ~~النمارق والزرابي من حوله، والوسائد المذهبة والأبسطة ~~المزركشة تحيط بمجلسه، فأقبل ربعي على فرسه وسيفه في خرقة ~~بالية، ورمحه مشدود بعصب، فلما انتهى إلى البساط الكسروي وطئه ~~بفرسه، ثم نزل عنها وربطها بوسادتين شقهما وجعل الحبل بينهما، ~~ثم أخذ عباءة فاشتملها، فأشاروا عليه بوضع سلاحه فأبى، وقال: ~~لو أتيتكم فعلت ذلك بأمركم، ولكنكم أنتم دعوتموني، ثم أقبل ~~يتوكأ على رمحه ويقارب من خطوه ويسير بخيلاء حتى دخل على ~~رستم، فلما دنا منه جلس على الأرض، وركز رمحه على البساط، فقال ~~له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: الله جاء بنا لنخرج من شاء من ~~العباد إلى عبادة الله، من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور ~~الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم ~~إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه، ~~يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود ~~الله، قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من ~~أبى، والظفر لمن بقي، فقال رستم: قد سمعت مقالكم، فهل لكم أن ~~تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم، كم أحب ~~إليكم أيوما أو يومين؟ قال: بل حتى نكاتب أهل رأينا ~~ورؤساءنا، فقال: إن مما سن لنا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وعمل به ~~أئمتنا ألا نمكن الأعداء من آذاننا، ولا نؤجلهم عند اللقاء ~~أكثر من ثلاث بعد الأجل، اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء ~~فنقبل ونكف عنك، وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك، وإن كنت ~~محتاجا إليه منعناك، أو المنابذة في اليوم الرابع، ولسنا ~~نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم ms105 الرابع إلا أن تبدأنا، أنا كفيل ~~بذلك عن أصحابي وعلى جميع من ترى، قال: أسيدهم أنت؟ قال: لا، ~~ولكن المسلمين كالجسد الواحد بعضهم من بعض يجير أدناهم على ~~أعلاهم. # ثم خلا رستم برؤساء قومه، فقال: ما ترون؟ هل رأيتم كلاما قط ~~أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟ قالوا: معاذ الله أن تميل ~~إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب، أما ترى ثيابه؟ فقال: ~~ويحكم! لا تنظروا إلى الثياب، ولكن انظروا إلى الكلام والرأي ~~والسيرة، إن العرب لتستخف باللباس والمأكل، وينظرون إلى ~~الأعمال ويصونون الأحساب، ليسوا مثلكم في اللباس، فلما كان ~~الغد بعث رستم إلى سعد أن أرسل إلينا ذلك الرجل، فبعث إليهم ~~حذيفة بن محصن، فأقبل في نحو من ذلك الزي حتى وقف أمام رستم ~~وهو على عرشه، فقال له: أين صاحبنا الذي جاء بالأمس؟ فقال: إن ~~أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء، فهذه نوبتي، ثم ~~كلمه بمثل ما تكلم به ربعي، ثم ذهب، فلما كان اليوم الثالث ~~طلبوا شخصا يكلمونه، فبعث إليه سعد بالمغيرة بن شعبة، فلما ~~قدم عليه دخل وجلس معه على السرير، فوثبوا عليه وأنزلوه، فقال: ~~ويحكم! كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قوما أسفه منكم، ~~إنا معشر العرب سواء، لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون ~~محاربا، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من ~~الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا ~~يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم ولكن دعوتموني، اليوم علمت ~~أن أمركم مضمحل وأنكم مغلوبون، وأن ملكا لا يقوم على هذه ~~السيرة، ثم تكلم بكلام طويل شبيه بما قاله أخواه السابقان ~~وذهب، فخلا رستم بقومه وتذاكروا طويلا، ثم أجمعوا على الحرب ~~والمنابذة، وأن يعبروا نهر العتيق، فعبروا. # وعبأ «رستم» جيشه وجعل بينه وبين «يزدجرد» بريدا يخبره ~~بالحوادث توا، وعبأ سعد جنده وأرسل القصاص يحضون الناس ~~على الاستشهاد في سبيل الله، وأمرهم بقراءة «سورة الأنفال»، ~~وخطبهم سعد فقال: الزموا مصافكم، فإذا صليت الظهر فإني ~~مكبر، ms106 فإذا كبرت فكبروا واستعدوا، وإذا كبرت الثانية ~~فكبروا والبسوا عدتكم، وإذا كبرت الثالثة فكبروا ونشطوا ~~الناس، وإذا كبرت الرابعة فارجعوا حتى تخالطوا عدوكم، وقولوا: ~~«لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم» وكان ذلك في محرم سنة 14ه، ~~فلما كبر سعد تكبيرته الرابعة خرج أهل النجدات ونشب القتال ~~وعظم جهاد المسلمين، فأبلوا أحسن البلاء، ولم يكن أشد عليهم من ~~الفيلة، فدارت رحى الحرب على بني أسد والفيلة تفتك بهم، فأرسل ~~سعد إلى عاصم بن عمرو زعيم بني تميم أن ينظر حيلة للفيلة، ~~فنادى رماة قومه فقال لهم: افقئوا أعين الفيلة عنهم بالنبل، ~~وقال لآخرين: استدبروا الفيلة فاقطعوا وضنها - حازم أقتابها - ~~ففعلوا ذلك، وصاحت الفيلة، فقتل أصحابها، واستمرت المعركة إلى ~~أن غربت الشمس، فانفض الجيشان، وكان هذا اليوم أول يوم من ~~أيام القادسية، ويسمى «يوم أرماث»، وتسمى ليلته «ليلة ~~الهدأة»؛ لأنه لم يحصل فيها قتال، وعني سعد في الليل بالجرحى، ~~فوكل بهم من يواسيهم ويداويهم، وبالقتلى من يدفنهم، ولما أصبح ~~الصباح عبأ جيشه كما كان بالأمس، وبينما كان يهيئ جنده للزحف ~~رأى مددا أقبل عليه من عند أبي عبيدة عامر بن الجراح بأمر عمر ~~بن الخطاب، وكان على المدد هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الملقب ~~بالمرقال، ومعه القعقاع بن عمرو، فضربت بذلك حقوب المسلمين، ~~ولم يكد القعقاع يصل حتى برز يطلب النزال، فنزل إليه ذو الحاجب ~~صاحب وقعة الجسر، ونادى يا لثارات أبي عبيد وأصحاب الجسر، ثم ~~تضاربا فقتل القعقاع ذا الحاجب، واستبشر المسلمون بقتله، ثم ~~حمي الوطيس وألبس المسلمون إبلهم الأقتاب المجللة المرقعة ~~يتشبهون بالفيلة، فلقيت فيها خيل الفرس ما لاقت خيول المسلمين ~~من الفيلة، وأظهر القعقاع في ذلك اليوم جرأة رائعة، واستمر ~~القتال إلى منتصف الليل، وتسمى هذه الليلة «الليلة السوداء»، ~~ويسمى يومها «يوم أغواث»، وهو اليوم الثاني من أيام ~~القادسية. # وفي الصباح زحف المسلمون يتقدمهم المرقال، وانتدب سعد ~~القعقاع لقتل الفيل الأبيض الأكبر، كما انتدب آخرين لقتل ~~الفيلة الأخرى وفقء عيونها، وحمي الوطيس واشتدت المعركة ~~وقتل من الجانبين ms107 جمع كبير، ولكن الغلبة كانت للمسلمين، وقد ~~أبلى فيها بنو أسد خير البلاء، واستمر القتال إلى ساعة متأخرة ~~من الليل بل إلى الصباح، وكان القعقاع ينادي: إن الدائرة تكون ~~لمن صبر ساعة، فاصبروا ساعة فإن النصر لمن صبر، واستمر القتال ~~إلى الظهيرة، فأخذت كفة المسلمين ترجح، وأخذ الفرس يتقهقرون، ~~وكان أول من زال عن موضعه من قواد الفرس «الهرمزان» ~~و«الفيرزان»، ثم حمل هلال بن علقة بنفسه على القلب حيث رستم، ~~فاستطاع أن يصل إليه ويقتله، فلما رأى قومه ذلك أخذوا ~~يتسللون ويهربون وينهزمون، وأخذ ضرار بن الخطاب الراية ~~الفارسية العظمى «درفش كابيان»، وانتهى اليوم والنصر معقود ~~لواؤه للمسلمين، ويسمى هذا اليوم «يوم عماس»، وليلته «ليلة ~~القادسية»، وبعد تمام الهزيمة وتضعضع الجند الفارسي أمر سعد ~~بجمع الأسلاب والغنائم، وكانت لا تكاد تحصر، فقسمها سعد كما ~~أمر الله، وهنأ الجند الإسلامي بهذا الفوز الباهر، وكتب إلى ~~عمر يبشره ويبعث إليه بالخمس، وكان عمر يخرج كل يوم إلى ~~ضواحي المدينة يتنسم الأخبار حتى يرده حر الظهيرة، فلما ~~جاءه البشير لاقاه عمر وهو يسير سيرا حثيثا، فسأله عمر: من ~~أين؟ فأخبره الرجل أنه آت من قبل سعد، فقال: يا عبد الله، ~~حدثني ، فقال: هزم الله المشركين، وعمر يخب وراءه والرجل لا ~~يعرفه حتى دخل المدينة، فإذا الناس يسلمون عليه بإمرة ~~المؤمنين، فقال البشير: هلا أخبرتني رحمك الله يا أمير ~~المؤمنين، فقال عمر: لا بأس عليك يا أخي، وكان في كتاب سعد إلى ~~عمر قوله: ~~«أما بعد فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحهم سنن من كان ~~قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل، ونزال شديد، وقد لقوا من ~~المسلمين ما لم ير الراءون مثله، فلم ينفعهم الله بذلك بل ~~سلبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على ~~الأنهار وعلى ضفاف الآجام وفي الفجاج، وأصيب من المسلمين سعد ~~بن عبيد القارئ، وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا نعلمهم ~~الله بهم عالم كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل دوي ~~النحل، وهم آساد الناس لا تشبههم ms108 الأسود، ولم يفضل من مضى ~~منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم.» # وكانت هذه المعركة هي المعركة الفاصلة للفتح الإسلامي في ~~بلاد فارس، وقد قتل فيها من أبطال فارس ورجالاتهم عدد عظيم، ~~وأقام سعد بعدها بالقادسية شهرين ينتظر أمر عمر حتى جاءه الأمر ~~بالسير إلى المدائن وفتحها، وتخليف النساء والعيال بالعتيق مع ~~جند يحوطهم، وأمره أن يشركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون ~~المسلمين في عيالهم، ففعل. ثم سار سعد بالجيش يتتبع فلول ~~المنهزمين عند «بروس»، ففتحوها وهزموا من فيها، ثم ساروا نحو ~~«بابل» ففتحوها وهزموا من فيها أيضا، وهرب «الهرمزان» إلى ~~الأهواز، و«الفيرزان» إلى نهاوند. # ثم سار سعد فافتتح «كوثى» و«ساباط» وساروا نحو «المدائن»، ~~ولما رأوا إيوان كسرى تذكروا وعد رسول الله لهم بفتح إيوان ~~كسرى، فقويت قلوبهم، ونادى ضرار بن الخطاب: الله أكبر، هذا ~~أبيض كسرى، هذا ما وعد الله وصدق رسوله، وكبر وكبر ~~المسلمون، وحاصر سعد المدينة في ذي الحجة من سنة 14ه، وكتب إلى ~~عمر يبشره ويخبره ويستشيره في أمر فلاحي السواد، فجمع عمر أهل ~~الشورى من المسلمين في المسجد، وخطبهم فقال: «إنه من يعمل ~~بالهوى والمعصية يسقط حظه، ولا يضر إلا نفسه، ومن يتبع وينته ~~إلى الشرائع ويلزم سبيل النهج ابتغاء ما وعد الله لأهل الطاعة ~~أصاب أجره وظفر بحظه، وقد ظفر أهل الأيام والقوادس بما يليهم، ~~وجلا أهله، وأتاهم من أقام على عهدهم، فما رأيكم فيما زعم أنه ~~استكره وحشر، وفيمن لم يدع ذلك ولم يقم وجلا، وفيمن أقام ~~ولم يدع شيئا ولم يحل، وفيمن استسلم؟» فأجمعوا على الوفاء لمن ~~أقام وكف ولم يزده غلبه إلا خيرا، وأن من ادعى فصدق أو ~~وفى فبمنزلتهم، وإن كذب نبذ إليهم وأعادوا صلحهم، وأن يجعل ~~أمر من جلا إليهم، فإن شاءوا دعوهم وكانوا لهم ذمة، وإن شاءوا ~~أتموا على منعهم من أرضهم، ولم يعطوا إلا القتال، وأن ~~يخيروا من أقام واستسلم بهذا الجزاء والجلاء. # فكتب عمر إلى سعد بذلك، فخلى سعد عن الفلاحين، وأرسل ms109 إلى ~~الدهاقين، ودعاهم إلى الإسلام أو الجزية ولهم الذمة، فتراجعوا ~~إلى ديارهم، ولم يبق غربي دجلة سوادي إلا دخل ذمة المسلمين، ~~وفرح الأعاجم بذلك، ولما اشتد الحصار على المدائن القريبة ~~نزلها «يزدجرد» ولحق بالمدائن الشرقية، فرأى سعد أن يعبر ~~النهر، فعبره هو وجمع من أبطال المسلمين، فلما رأى الفرس ذلك ~~اضطرب يزدجرد، ورأى أن لا مفر له من الهرب والنجاة بنفسه، فقصد ~~حلوان، ودخل سعد وإخوانه المدائن، وحلوا في القصر الأبيض، فصلى ~~فيه، وقرأ قوله تعالى: # كم تركوا من ~~جنات وعيون * وزروع ومقام ~~كريم ~~. # ثم أخذ يجمع الأسلاب والغنائم، وأصاب الفارس اثني عشر ألفا، ~~وصارت المدائن قاعدة الأعمال الحربية في العراق والمشرق، ~~وأقيمت فيها أول جمعة في صفر من سنة 16ه، وبعث سعد بالأخماس ~~وذخائر كسرى إلى عمر، ومنها بساط كان لكسرى طوله ستون ذراعا ~~في ستين، ونفائس أخرى كثيرة، وأفاء الله على المسلمين ما كان ~~لكسرى ولآله، وما كان في بيوت النيران، وبعث عمر إلى سعد ~~بولاية الصلاة على كل مسلم من ملل فارس، وولى على الخراج ~~النعمان بن مقرن على ما سقت دجلة، وولى أخاه سويدا على ما ~~سقى الفرات، ثم استعفياه، فولى على ذلك حذيفة بن أسيد، ~~وجابر بن عمرو المزني، ثم عزلهما، وولى عملهما حذيفة ~~بن اليمان، وعثمان بن حنيف. # ثم أخذ سعد يتبع فلول الفرس الذين لجئوا إلى «جلولاء» وقد ~~تحصنوا بخندقها، فهجم عليه القعقاع في صفر من سنة 16ه فقاتلهم ~~قتالا مريرا وفتك بهم، فهرب قادتهم إلى «خانقين» فتبعهم ~~المسلمون، وعلم سعد أن يزدجرد ترك «حلوان» إلى «الري»، فبعث من ~~احتل «حلوان» وفتح «نينوى» و«الموصل»، وهكذا سيطر سعد على ~~العراقين العربي والعجمي، وانحصر الفرس في بلادهم، فكتب سعد ~~إلى عمر يسأله في لحاق الفرس إلى داخل بلادهم، فكتب إليه عمر ~~ينهاه عن التوغل، وقال له في كتاب: «وددت أن بين السواد والجبل ~~سدا حصينا من ريف السواد؛ فقد آثرت سلامة المسلمين على ~~الفيء والأخماس.» ثم بلغ سعدا أن جمعا عظيما من الفرس ~~تجمعوا للقائه ms110 بسهل «ماسبذان»، فأرسل إليهم ضرار بن الخطاب ~~الفهري، فشتت شملهم وأقام بماسبذان مرابطا، وراح سعد يرتب ~~أمور السواد ويتمم تخطيط الكوفة، كما سنرى تفصيله بعد. ~~(3) في فتوح إيران # كانت أول هجمة عربية على أراضي القادسية هي محاولة العلاء ~~بن عبد الله الحضرمي أمير البحرين الذي تولاها أيام الرسول ~~وأبي بكر وعمر، فإنه لما رأى فتوح سعد بن أبي وقاص في العراق ~~أراد هو أن يوجه إليهم بجند يغزونهم من البحر، فبعث ثلاث فرق ~~لفتح الخليج الفارسي، على إحداها الجارود بن المعلى العبدي، ~~وعلى الثانية السوار بن همام، وعلى الثالثة خليد بن المنذر ~~بن ساوى، ولكن مما يؤسف له أن هذا العمل كان نوعا من ~~المغامرة التي لم يستشر فيها الخليفة عمر؛ فقد كان يرهب البحر ~~على العرب، ولا يرى أن يغامر العرب في الدخول إليه والمحاربة ~~فيه، ولما سارت سفن المسلمين نحو «برسوبوليس» لقيهم الفرس في ~~جمع عظيم، وحالوا دون وصول المراكب الإسلامية إلى الميناء، ~~فقام خليد في الناس فقال: أما بعد فإن الله إذا أراد أمرا ~~جرت به المقادير حتى تصيبه، وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما ~~صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم، وإنما جئتم والسفن والأرض لمن ~~غلب، # واستعينوا بالصبر ~~والصلاة وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين ~~، فأجابوه إلى ذلك، فصلوا الظهر، ثم ~~ناشدهم فاقتتلوا قتالا شديدا، ودارت الدائرة على المسلمين، ~~فهلك منهم السوار والجارود، ولما أراد المسلمون الرجوع إلى ~~بلادهم عن طريق البر لم يمكنهم الفرس، فحصروهم من كل جانب، ~~وبلغ عمر ما فعله العلاء، فغضب عليه أشد الغضب، وكتب إليه ~~يعزله ويتوعده. # ثم كتب إلى سعد يؤمره على العلاء ويطلب إلى عتيبة بن غزوان ~~أمير البصرة أن ينقذ المسلمين، فبعث إليهم اثني عشر ألف ~~مقاتل، وجعل عليهم أبا سبرة بن أبي رهم، فسار حتى التقى ~~بالفرس فقاتلهم حتى هزمهم واستخلص المسلمين المحصورين، وغنم ~~مغانم كثيرة، واستأذن عتيبة عمر في الحج فأذن له، فلما قضى ~~حجه استعفاه، فأبى أن يعفيه، وعزم عليه ليرجعن إلى عمله، ~~فهلك في الطريق. ms111 وبعد أن تم لعتيبة استخلاص الجند الإسلامي علم ~~أن الهرمزان الذي كان انهزم من القادسية ولجأ إلى الأهواز قد ~~أخذ يهيئ جيشا لغزو المسلمين، كتب عتيبة إلى عمر يخبره بخبره، ~~فكتب عمر إلى سعد أمير الكوفة أن يمد عتيبة بجيش، فبعث إليه ~~فرقة من المقاتلين الأبطال، عليهم نعيم بن مقرن، ونعيم ~~بن مسعود، وأمرهما أن يأتيا إلى «ميسان» حتى يكونا بين البصر، ~~ويدعوا من يقيم هناك من العرب ليكونوا مع المسلمين في قتال ~~الفرس، فتجمع الكل ولاقوا «الهرمزان» فهزموه، ودخل «خوزستان» ~~وكتب فيها يطلب الصلح، فصولح على ما دون «الأهواز» و«مناذر» ~~و«نهر تيري»، وكان ذلك الصلح في السنة السابعة عشرة، وكتب ~~عتيبة بذلك إلى عمر، ووفد إليه وفدا من وجوه أهل البصرة ~~وفيهم الأحنف بن قيس، فلما قدموا على عمر رحب بهم وسألهم ~~حاجاتهم، فطلبوا لأنفسهم ما يريدون إلا الأحنف، فإنه قال: ~~يا أمير المؤمنين، إنك لقد يعزب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك ~~مما فيه صلاح العامة، وإنما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين ~~أهل الخير ويسمع بآذانهم، وإنا لم ننزل منزلا بعد منزل حتى ~~أرزنا، وإن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حدقة البعير ~~الفاسقة من العيون العذاب والجنان الخصاب، فتأتيهم ثمارهم ولم ~~تخضد، وإنا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة هشاشة زعقة نشاشة طرف ~~لها في الفلاة، وطرف لها في البحر الأجاج. # فلما سمع قوله أقطعهم ما كان لأهل كسرى، ثم قال: إن هذا سيد ~~قومه، وكتب إلى عتيبة أمير البصرة أن يسمع منه، وأرجعهم إلى ~~بلدهم، ولم يكادوا يصلون حتى ثار الهرمزان ونقض عهد الصلح ~~واستعان بالأكراد، فكتب عتيبة بذلك إلى عمر، فأجابه بأن يقصده، ~~وأمد المسلمين بحرقوص بن زهير السعدي، فأتى البصرة وقصد ~~الهرمزان فقاتله وهزمه وفتح «سوق الأهواز»، وكتب بذلك إلى عمر، ~~وبعث إليه بالأخماس، وأحس الهرمزان بضعفه، فصالح حرقوصا، وفي ~~هذه الأثناء مات عتيبة بن غزوان أمير البصرة، فولاها عمر ~~المغيرة بن شعبة، ثم أبا موسى الأشعري، وأعانه على إدارتها ~~ببضعة وعشرين من ms112 أصحاب رسول الله، فيهم أنس بن مالك، وعمران ~~بن حصين، وهشام بن عامر، فلما قدموا عليه جهز حملة كبيرة ~~بقيادة أبي سبرة بن أبي رهم، وسار نحوه، فتحصن الهرمزان ~~فحاصروها، ولما اشتد الحصار على الفرس صالحوا المسلمين، ووقع ~~الهرمزان أسيرا، فطلب النزول على حكم عمر. # ثم سار الجيش الإسلامي ففتح «السوس»، و«جنديسابور»، وغنم ~~المسلمون مغانم كبيرة، وبعث أبو سبرة وفدا مبشرا إلى عمر ~~بعث معه بالغنائم والأخماس، وأرسل الهرمزان معهم إلى المدينة، ~~وكان في الوفد الأحنف بن قيس، وأنس بن مالك، فلما قدم الوفد ~~المدينة ألبس الهرمزان تاجه المرصع ليراه الخليفة ~~والمسلمون على تلك الحال، وساروا نحو المسجد، فإذا عمر نائم ~~والدرة في يده، فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هذا هو، فقال: ~~أين حرسه وحجابه؟ فقالوا: ليس له حاجب ولا حارس، قال: فينبغي ~~أن يكون نبيا! قالوا: بل يعمل بعمل الأنبياء، ثم استيقظ عمر ~~فأخبر بأمر الهرمزان، فقال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا ~~وأشباهه، ثم أمر أن ينزع ما عليه وأن يلبس ثوبا صفيقا، وقال ~~له: كيف رأيت عاقبة الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، إنا ~~وإياكم في الجاهلية؛ لأن الله قد خلى بيننا وبينكم، فغلبناكم ~~إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا، فقال عمر: ~~إنما غلبتمونا بالجاهلية باجتماعكم وتفرقنا، ثم قال عمر: ما ~~عذرك في انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن ~~أخبرك، فقال عمر: لا تخف ذلك، واستسقى ماء فأتي به، فقال: ~~إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب الماء، فقال عمر: لا بأس عليك حتى ~~تشربه، فأكفأ الهرمزان الماء، فقال عمر: أعيدوا عليه الماء، ~~ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال الهرمزان: لا حاجة لي في ~~الماء، وإنما أردت أن أستأمن به، فقال له عمر: إني قاتلك، ~~فقال: أمنتني، فقال: كذبت، فقال أنس بن مالك: صدق، ثم أسلم ~~الهرمزان وسكن المدينة، وفرض له عمر ألفين، وقال للوفد: لعل ~~المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى، فقالوا: ما نعلم إلا وفاء ~~وحسن ملكة، ms113 قال: فكيف هذا؟ فقال الأحنف: إنك نهيتنا عن ~~الانسياح في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وإن ~~ملك فارس حي بين أظهرهم، وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ~~ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه، ~~ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسح في أرضهم، فقال عمر: ~~صدقني، وأذن في الانسياح ببلاد فارس وفتحها. ~~(4) في وقعة نهاوند # رأى الفرس بعد أسر الهرمزان وانسياح المسلمين في بلادهم أن ~~يقفوا صفا واحدا بزعامة «يزدجرد» أمام الخطر الداهم، ~~فتجمعوا عند «نهاوند»، وتكاتب حكام المقاطعات وملوكها على لقاء ~~المسلمين بجيش موحد، فتجمعوا من «مرو» و«الباب» و«السند» ~~و«خراسان»، وعلم سعد بخبرهم فكتب إلى عمر بذلك، وحدث في ذلك ~~الحين أن اشتكى جماعة من أهل الكوفة على سعد واتهموه بالظلم، ~~فقال عمر: والله لا يمنعني ما نزل بأمر المسلمين عن النظر ~~بشكواهم، واستقدم إليه سعدا فخلف على عمله عبد الله بن عبد ~~الله بن عتبان، وتوجه إلى المدينة، فلما دخل على عمر حقق معه ~~في التهم المنسوبة إليه، فوجد أن القوم متحاملون عليه، ولكنه ~~رأى أن يعزله، وولى الكوفة النعمان بن مقرن، وكان قد اقتحم ~~«جنديسابور» و«السوس» في جمع أهل الكوفة، فأرسل إليه عمر كتاب ~~العهد وكتاب الحض على الجهاد، وهذا نصه: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى ~~النعمان بن مقرن، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله ~~إلا هو، أما بعد فإنه بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة قد ~~جمعوا لكم «بمدينة نهاوند»، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر ~~الله، وبعون الله، وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم ~~وعرا فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلهم غيضة، فإن ~~رجلا من المسلمين أحب إلي من مائة ألف دينار، والسلام ~~عليك.» # ثم أمره أن يسير حتى يبلغ «ماه» وينتظر هناك حتى تجتمع لديه ~~الجيوش، ثم يسير بها إلى «نهاوند»، وكتب إلى عبد الله بن عبد ~~الله بن عتبان خليفة سعد على الكوفة يأمره باستنفار ms114 الناس ~~للتوجه إلى النعمان، وأرسل إلى جند الأهواز يأمرهم بالمقام ~~ليكونوا حائلا بين أهل إقليم فارس وبين المجتمعين بنهاوند، ~~فلما اجتمعت الجيوش عند النعمان سار بهم، وعلى مقدمته أخوه ~~نعيم بن مقرن، وعلى مجنبتيه أخوه سويد بن مقرن، وحذيفة ~~بن اليمان، وعلى المجردة القعقاع، وعلى الساقة مجاشع بن مسعود، ~~وجاءهم من دق المدينة عليهم المغيرة بن شعبة. # فلما وصلوا «نهاوند» نشب القتال بينهم وبين الفرس، فتقاتلوا ~~ثلاثة أيام، ثم انحجز الفرس في خنادقهم، فخاف المسلمون أن ~~يطول ذلك الانحجاز، وأن يكون وراءه خطة مدبرة ضد المسلمين، ~~فتشاور المسلمون في الأمر، ثم اتفقوا على أن يقاتلهم القعقاع ~~ويظهر الهزيمة، فإذا تبعه الفرس وصاروا بين المسلمين وبين ~~القعقاع أعمل فيهم القتال، ويقضي الله بعده ما يشاء، فقاتلهم ~~القعقاع، وخرج إليه الفرس من خنادقهم، فأظهر القعقاع الهزيمة ~~أمامهم، فتتبعوه فرحين؛ لأنهم لم يروا مثل ذلك من المسلمين قبل ~~الآن، ولم يزالوا كذلك حتى قاربوا جيش المسلمين، فزحف عليهم، ~~وقتل النعمان فسجاه أخوه نعيم، وكتم موته عن الجند ليلا، ~~وأخذ الراية حذيفة، واستمر القتال إلى آخر النهار، فلما أظلم ~~الليل انهزم الفرس، ونجا الفيرزان بنفسه نحو «همذان»، فلحق به ~~بعض الجند وقتلوه هناك، وفتحوا همذان صلحا، ولما علم أهل ~~«ماه» بذلك طلبوا الصلح من حذيفة، فكتب له كتابا هذا ~~نصه: ~~«هذا ما عاهد حذيفة بن اليمان أهل «ماه بهراذان» أعطاهم ~~الأمان على أنفسهم وأموالهم وأرضهم، لا يغيرون عن ملة، ولا ~~يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنعة ما أدوا الجزية في كل ~~سنة إلى من وليهم، على كل حالم في ماله ونفسه على قدر طاقته، ~~وما أرشدوا ابن السبيل، وأصلحوا الطرق، وقروا جنود المسلمين ~~ممن مر بهم فأوى إليهم يوما وليلة، ووفوا ونصحوا، فإن غشوا ~~وبدلوا فذمتنا منهم بريئة، وشهد القعقاع بن عمرو ونعيم ~~بن مقرن وسويد بن مقرن، وكتب في المحرم سنة 19ه.» # وكانت مغانم المسلمين يوم «نهاوند» لا تحصى من الرياش ~~والجواهر والذهب، ومن بين ذلك ذخيرة كسرى من الجوهر الذي كان ~~أعده ms115 لذلك الزمان، فأجمع رأي المسلمين على إرسال ذلك إلى عمر، ~~وقسم حذيفة غنائم كل فرد من الناس فبلغت مبلغا جسيما، قيل: ~~إنه ستة آلاف درهم. وسمي فتح نهاوند: فتح الفتوح، وبعث حذيفة ~~بالبشرى إلى عمر، فلما قارب البشير المدينة وجد عمر خارجا ~~يتنسم الأخبار؛ لأنه قدر الواقعة، فبات يتململ حتى وصل البشير، ~~فقال له عمر: ما وراءك؟ فقال: خيرا يا أمير المؤمنين، فتح ~~الله عليك وأعظم الفتح، واستشهد النعمان بن مقرن، فقال عمر: ~~إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم بكى فنشج، وتسلم الغنائم والخمس ~~ووضعها في بيت المال، وشكر الله على هذا الفتح المبين. # أما حذيفة فإنه بعد فتح نهاوند علم أن أهل همذان قد نقضوا ~~عهد الصلح، فكتب بذلك إلى عمر، فأمره أن يبعث إليها نعيم ~~بن مقرن، فرجع إليها من الطريق، واستولى عليها وعلى ما حولها، ~~ثم جاء أمر عمر لحذيفة بالتوجه إلى «الري» و«أصفهان»، فسار ~~إليهما وصالحه أهلهما، وبعث سويد بن مقرن إلى «قومس» فذهب ~~إليها، وصالحه أهلها وكتب لهم كتابا جاء فيه: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى سويد بن مقرن أهل قومس ~~من الأمان على أنفسهم ومللهم وأموالهم، أن يؤدوا الجزية ~~عن كل فرد بقدر طاقته، وعلى أن ينصحوا ولا يغشوا، وعلى أن ~~يدلوا، وعليهم أن يقروا من نزل بهم من المسلمين يوما وليلة من ~~أوسط طعامهم، وإن نكثوا واستخفوا بعهدهم فالذمة منهم ~~بريئة.» # ثم سار سويد إلى «جرجان» و«خراسان» و«طبرستان» و«جيلان» ~~ففتحها صلحا، وكتب لأهلها كتابا جاء فيه: ~~«هذا كتاب من سويد بن مقرن للفرخان صاحب خراسان على طبرستان ~~وجيل وجيلان من أهل العدو، إنك آمن بأمان الله عز وجل، على أن ~~تكف لصوتك وأهل حواشي أرضك، ولا تؤدي لنا بغية، وتتقي من ولي ~~فرج أرضك بخمسمائة ألف درهم من دراهم أرضك، فإذا فعلت ذلك فليس ~~لأحد منا أن يغير عليك ...» # ولما رأى عمر تخاذل الفرس رأى أن يوجه الجيوش إلى سائر ~~الأنحاء الباقية من بلاد فارس، فكتب إلى أبي موسى الأشعري أمير ms116 ~~البصرة أن يوجه الأمراء الآتية أسماؤهم لفتح ما بقي من البلاد، ~~وهم: الأحنف بن قيس ووجهته «بلاد خراسان»، والمجاشع بن مسعود ~~السلمي ووجهته «أردشير خره» و«سابور»، وعثمان بن أبي العاص ~~ووجهته «اصطخر»، وسارية بن زنيم الكناني ووجهته «فسا»، وسهيل ~~بن عدي ووجهته «كرمان»، وعاصم بن عمرو ووجهته «سجستان»، والحكم ~~بن عمير التغلبي ووجهته «مكران»، فسار الأمراء في أول سنة 18ه ~~إلى وجهاتهم، وأتم الله على المؤمنين هذه الفتوح العظمى، وغنم ~~المسلمون أعظم المغانم، وامتد سلطان الإسلام في بلاد فارس ~~جميعها حتى بلغ نهر السند. # 19 ~~(5) في فتوح مصر # لما أتم المسلمون فتح الشام، وقدم عمر إلى الجابية سنة 18ه ~~الموافق سنة 639م أتى إليه عمرو بن العاص، وكان أحد القواد ~~الأربعة التي تمت على أيديهم فتوح الشام، واستأذنه في فتح مصر، ~~وذكر له أنها أكثر الأرض مالا، وأوفرها خيرات، وأقلها ~~مقاتلين، وأن المسلمين إذا فتحوها كانت لهم قوة وعونا، فتردد ~~عمر أول الأمر؛ لأنه أشفق على المسلمين من الفشل، ولا سيما أن ~~أقدامهم في الشام والعراق لم تثبت بعد، فلم يزل عمرو يهون ~~عليه الأمر؛ لأنه يعرف أحوالهم في الجاهلية معرفة «صادقة»، وأن ~~فتح مصر يغني المسلمين، ويثبت أقدامهم في الشام؛ لأن بقاء مصر ~~في يد الروم يعرض البلاد الشامية للخطر المحقق، فوافق عمر ~~على ذلك، وعقد له لواء على أربعة آلاف رجل وبعثه في سبيل الله، ~~فسار عمرو حتى بلغ العريش ففتحها بدون مقاومة، ثم سلك طريق مصر ~~حتى بلغ «العريش»، وهي أول مدينة مصرية، فلقيته الحامية ~~الرومانية، وهي مفتاح مصر، وكانت منيعة الحصون، فحاصرها عمرو ~~شهرا ونصف شهر حتى تم له فتحها في أول المحرم سنة 19ه/كانون ~~الثاني 640م. # وكان «الأرطبون» صاحب فلسطين الذي هرب منها إلى مصر في ~~بلبيس، فهزمه عمرو واستولى على المدينة، ثم سار عمرو نحو - ~~بابليون - حيث يعسكر البيزنطيون متحصنين، فحاصرهم عمرو، ~~وكتب إلى الخليفة يستمده فأمده بأربعة آلاف أخرى فيهم نفر من ~~كبار الصحابة أمثال: الزبير بن العوام، وعبادة بن الصامت، ~~ومسلمة بن ms117 مخلد، والمقداد بن الأسود، وكتب إليه كتابا يقول ~~فيه: قد أمددتك بأربعة آلاف، فيهم رجال الواحد منهم بألف ~~رجل. # وخرج القائد البيزنطي «تيدور» رئيس الحامية المصرية ~~البيزنطية في عشرين ألف مقاتل لملاقاة العرب، فبعث إليه عمرو ~~كمينا جعله عند الجبل الأحمر، فانقض الكمين على الجيش ~~البيزنطي وضعضع نظامه، ثم لقيه عمرو، فتفرقت صفوف «تيدور»، ~~وهرب من جنده قسم في النيل، ولجأ قسم إلى حصن بابليون ~~فتحصنوا به، ودام الحصار إلى فجر سنة عشرين للهجرة، ولما رأى ~~المقوقس صاحب مصر أن لا قبل له بالعرب، وأن حصارهم سيطول، ~~وأنهم لا بد سيقتحمون الحصن عليه، خرج هو ونفر من الأشراف، ~~فطلب من عمرو أن يصالحه، فقال عمرو لرسله: ليس لكم إلا واحدة ~~من ثلاث: الدخول في الإسلام، ولكم ما لنا وعليكم ما علينا، أو ~~إعطاء الجزية عن يد وأنتم صاغرون، أو المناجزة حتى يحكم الله ~~بيننا وبينكم. # فلما رجع الرسل إلى المقوقس وأخبروه بخبر المسلمين وثباتهم ~~بعث إلى عمرو يطلب إليه من يفاوضه على الصلح، فبعث إليه عشرة ~~نفر عليهم عبادة بن الصامت، فلما دخلوا على المقوقس أخذ يسلك ~~في حديثه مسلك القوة. # فقال له عبادة: «لا ورب هذه السماء، ورب هذه الأرض، ورب كل ~~شيء، ما لكم عندنا خصلة غير هذه الثلاث: الإسلام، أو الجزية، ~~أو الحرب.» فقال المقوقس لقومه: «أطيعوني وأجيبوا القوم إلى ~~خصلة من هذه الثلاث، فوالله ما لكم به من طاقة، وإن لم تجيبوا ~~إليهم طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم من هذه كرها.» # 20 # فلم يقبل القوم، وكتب المقوقس بذلك إلى هرقل، فرد ~~عليه بكتاب يوبخه فيه، ويحقر قوة المسلمين ويأمره ~~بالحرب، فلم يستمع لقوله، وأعلم عمرا أنه يصافحه ويضمن له ~~الجسور، ويقيم الضيافة والإنزال للمسلمين بين الفسطاط ~~والإسكندرية، وهكذا استولى المسلمون على «منف»، وضرب عمرو ~~فسطاطه ووطد أمر المسلمين هناك. # ثم أخذ يستعد لغزو الإسكندرية عاصمة مصر، وثانية حواضر ~~الدولة الرومانية الشرقية، وقد أيقن هرقل أن سقوط الإسكندرية ~~معناه سقوط الدولة نفسها، لمكانتها العالمية من جهة، ms118 وشهرتها ~~الاقتصادية التجارية من جهة أخرى، فلذلك بادر بإرسال الجيوش ~~إلى الإسكندرية بحرا، ونشط للدفاع عنها، وأمر القائد ~~«تيودورس» بتحصين المدينة وحماية طريقها، وسار عمرو إليها عن ~~طريق طرنوط (الطرانة) ففتحها، ثم سار نحو «نقيوس» و«سلطيس» ~~و«الكريون» ففتحها جميعها، حتى وصل إلى الإسكندرية، فحاصرها ~~أشد حصار، وحمي الوطيس بين الجانبين، ودام الحصار أربعة أشهر، ~~فقلق بال عمر بن الخطاب، وكتب إلى عمرو يلومه على ما ورط ~~المسلمين فيه، فشحذ ذلك من همة عمرو، وبذل المسلمون قصارى ~~جهدهم، وأبلوا أحسن البلاء، فمكنهم الله من الفتح عنوة ~~واضطروا البيزنطيين إلى الهرب، ولكن عمرا جعل أهلها ذمة على ~~أن يخرج من يخرج ويقيم من يقيم، ثم إن المقوقس عقد هدنة مع ~~عمرو تتضمن النقاط الآتية: ~~(1) # أن يدفع كل من فرضت عليه الجزية دينارا في ~~السنة. ~~(2) # أن مدة المهادنة أحد عشر شهرا. ~~(3) # أن يحتفظ العرب بمراكزهم وألا يباشروا أعمالا ~~حربية ضد الروم، كما أن الروم يكفون عن منابذة ~~المسلمين. ~~(4) # ألا يتعرض المسلمون للكنائس بسوء، وأن يتركوا ~~للمسيحيين أمورهم الدينية. ~~(5) # أن ترحل الحامية البيزنطية من المدينة مع ما ~~تملك من المال، مال متعة، على أن يدفعوا الجزية عن ~~شهر عن رجلين. ~~(6) # ألا يؤذى يهود المدينة. ~~(7) # ألا يعود إلى مصر جيش رومي أو يحاول استرداد ما ~~أخذه المسلمون. ~~(8) # أن يكون لدى المسلمين من الروم 150 جنديا، و50 ~~ملكيا بمثابة رهينة لتنفيذ هذه المعاهدة وضمان ~~إبرامها. # على أن الروم لم يوفوا بعهدهم؛ فقد بعث قسطنطين بن هرقل ~~جيشا بقيادة «مانويل»، ودخل الإسكندرية فقتل من فيها من ~~المسلمين وحاميتهم، واضطر المسلمون أن يتراجعوا إلى «نقيوس»، ~~فلما علم عمرو بذلك سار إليهم واشتبك مع الروم بقتال حام ~~واسترد «الإسكندرية»، وقتل «مانويل»، وهدم عمرو سور ~~الإسكندرية، وأخذ يبعث البعوث إلى أرض مصر وفتحها، وكتب عمرو ~~بذلك إلى عمر، وأمر المقوقس والقبط على الصلح الذي صالحهم عليه ~~عمرو، وبقي المقوقس على رياسة قومه، وكان المسلمون يشاورونه ~~فيما ينزل بهم من المهمات إلى أن توفي، وكان يقيم ~~«بالإسكندرية» تارة و«بمنف» تارة أخرى. ms119 # الفصل الرابع # | في أعماله الإدارية والتنظيمية # اتسعت الدولة الإسلامية العمرية اتساعا عظيما، ففتحت في عهد ~~عمر بلاد الشام ومصر والعراق وفارس، وعظمت موارد الدولة، وشيد ~~المسلمون مدنا ثلاثة، هي: الكوفة، والبصرة، والفسطاط، وكان الرأس ~~المدبر والعقل المنظم لهذه الدولة العظمى هو رأس الخليفة العظيم ~~وعقله الجبار، ويمكننا إجمال تلك الأعمال الإدارية في النقاط ~~التالية: ~~(1) تنظيم الدواوين والعطايا والخراج والنفقات وتوسيعها ~~عما كانت عليه أيام الرسول ~~الأعظم والخليفة الصديق # وقد رأينا أن نواة ذلك كانت موجودة في عهد الرسول وخليفته ~~الأول، فلما جاء عمر وسع ذلك، واستعان بالنظم الفارسية، وجعل ~~لها الدفاتر العظام، سجل فيها أسماء المجاهدين، وأصحاب السابقة ~~في الإسلام، وآل بيت الرسول، وكل صاحب حق في بيت المال، ونظم ~~الجداول بالنفقات الشهرية من المال المتجمع لديه في الفتوحات ~~من أموال الفيء والعشر والخراج والأخماس. # ومما عني به تنظيم دواوين البريد؛ لشدة حاجته إلى الاتصال ~~بعماله وتعرف أخبارهم وأحوالهم، والاطلاع على أحوال ~~الجند الإسلامي وإيصال أخبارهم إلى أهلهم، وجعل في البلاد ~~المفتوحة دواوين للقضاء والإحصاء والمحاسبة والبريد، وجعل ذلك ~~بلغات أهل البلاد، وأقام عليها أناسا من أمنائهم وثقاتهم؛ ~~لأنهم أعرف بإدارة ذلك من العرب، ووضع الأنظمة في جمع الجزية ~~والخراج والعشور. # وهذا ما جعل مؤرخي الإسلام يجعلون عمر هو واضع هذه الدواوين ~~في الإسلام، مع أنها كانت موجودة قبله، ولكنه هو الذي أسبغ ~~عليها الصفة الرسمية حتى اعتبر أنه واضعها. يقول الماوردي: ~~«والديوان موضوع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطة من الأعمال ~~والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال»، ويقول أيضا: «كان ~~عمر أول من دون الدواوين من العرب في الإسلام، وكان السبب في ~~ذلك أن أبا هريرة قدم عليه من البحرين ومعه مال، فقال له عمر: ~~ماذا جئت به؟ قال: خمسمائة ألف درهم، فقال عمر: أتدري ما تقول؟ ~~قال: نعم، مائة ألف درهم، ومائة ألف درهم، ومائة ألف درهم، ~~ومائة ألف درهم، ومائة ألف درهم، فقال عمر: أطيب هو؟ قال: ~~لا أدري، فصعد عمر المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم ms120 قال: ~~«أيها الناس، قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلناه كيلا، وإن ~~شئتم نعد عدا.» فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد ~~رأيت هؤلاء الأعاجم يدونون ديوانا لهم. فقال عمر: دونوا الدواوين.» # 1 ~~(2) التنظيمات الإدارية للدولة في عهده # كانت رقعة الدولة في العهد العمري تشتمل على جزيرة العرب ~~وبلاد الشام ومصر والعراق وإيران، وقد رأى عمر أن تقسم هذه ~~الدولة إلى عدة ولايات أو عمالات، وقد كانت الجزيرة العربية ~~مقسمة في عهد الصديق إلى: ~~(1) ولاية مكة. (2) ولاية المدينة: وهي مقر الدولة. (3) ~~ولاية الطائف. (4) ولاية صنعاء. (5) ولاية حضرموت. (6) ولاية ~~خولان. (7) ولاية زبيد. (8) ولاية زمع. (9) ولاية الجند. (10) ~~ولاية نجران. (11) ولاية جرش. (12) ولاية البحرين. # ولما وسعت الدولة في عهد عمر قسم بلاد إيران إلى ثلاث ~~ولايات: ~~(1) ولاية الأهواز والبحرين. (2) ولاية سجستان ومكران ~~وكرمان. (3) ولاية طبرستان وولاية خراسان. # وقسم بلاد العراق إلى قسمين: ~~(1) ولاية الكوفة. (2) ولاية البصرة. # وقسم بلاد الشام إلى ثلاث ولايات: ~~(1) ولاية حمص. (2) ولاية دمشق. (3) ولاية فلسطين. # وقسم مصر إلى ثلاثة أقسام: ~~(1) مصر العليا. (2) مصر السفلى. (3) غرب مصر مع ~~ليبيا. # وكانت لعمر سياسة واحدة يأمر بتطبيقها في كافة ولايات ~~الدولة الإسلامية، وغرضه إيجاد أمة واحدة موحدة الأنظمة، ~~موحدة الأهداف والمقاصد، وكان حريصا على أن يمتزج العرب ~~امتزاجا بالأمم المفتوحة، يحافظون معه على تقاليدهم وعاداتهم، ~~وألا تفسد نفوسهم؛ ولهذا أمر بتخطيط مدينتي البصرة والكوفة في ~~العراق، والفسطاط في مصر، وكان عمر حريصا كل الحرص على تقوية ~~الأواصر بين العرب حيثما كانوا. يقول السيد أمير علي: «لو أن ~~عمر عاش أطول مما عاش لاستطاع بما وهبه الله من قوة الشكيمة ~~والشخصية البارزة القوية أن يقوي من شأن الوحدة العربية ~~ويحول دون وقوع الحروب الأهلية الطاحنة التي وقعت فيما بعد ~~وهدمت كيان الوحدة الإسلامية.» # 2 ~~(3) العمالات # جعل عمر على رأس كل ولاية واليا أو عاملا يقوم بالأمور ~~الدينية والإدارية في بلاده، ولكنه لم يكن يطلق السلطة لهؤلاء ~~العمال يتصرفون كما يشاءون، بل إنهم كانوا يرجعون في المشاكل ~~الكبرى إلى أمير المؤمنين نفسه، يستفتونه فيما ms121 يعرض لهم مما لم ~~يتضمنه كتاب عهدهم، وكان من الأمور التي يجب على العامل أن ~~يقوم بها: إقامة الصلاة، والفصل في الخصومات، وقيادة الحروب، ~~وجمع الأموال من فيء وخمس وزكاة وصدقات وخراج وجزية، ولهذا ~~الأمير العامل أن يولي بعض هذه المصالح من يشاء إذا سمح له ~~الخليفة بذلك، وكان في كثير من الأحيان يجعل أمر الخراج ~~والجبايات إلى رجل آخر غير العامل. # وكان عمر لا يختار عماله إلا من كبار الصحابة العرب ~~وفضلائهم، وهذه السنة كانت أيام الرسول وأبي بكر، وعمل ~~بها عثمان ومن بعده خلائف بني أمية، وكان عمر إذا ولى عاملا ~~أوصاه بأن يعدل ويسير في الناس سيرة طيبة، ومما قال لبعض ~~عماله: إني لم أستعملكم على أمة محمد على أشعارهم وأبشارهم، ~~وإنما استعملناكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة، وتقضوا بينهم ~~بالحق، وتقسموا بينهم بالعدل، ولا تجلدوا العرب فتذلوها، ولا ~~تحجروها فتفتنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرموها، جودوا القرآن، ~~وأقلوا الرواية عن محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وأنا شريككم. # وكان يقتص من عماله، وإذا اشتكي إليه من عامل جمع بينه ~~وبين من شكاه، فإذا صح عليه أمر يجب به أخذه اقتص منه، ~~وكان في كثير من الأحوال إذا اشتكي من عامل لم يبقه بين ~~ظهراني مرءوسيه ولو كان بريئا؛ لأن فساد الصلات الودية بين ~~الرئيس والمرءوس أمر يضر بالمصلحة العامة. # وكان عمر يعنى باستشارة كبار أهل الرأي من الصحابة في ~~المسائل التي تعترضه، وفي إدارة شئون الدولة، وكان أبو بكر من ~~قبله قد أوجد مجلسا من كبار شيوخ الصحابة يسألهم رأيهم في ~~القضايا العامة، فلما استخلف عمر أقر ذلك، وكان يستشيرهم ولا ~~يقطع بأمر كبير إلا دعاهم وخطبهم واستطلع آراءهم، وكانوا ~~يجتمعون في المسجد النبوي ويتداولون الأمور. ~~(4) التنظيمات العسكرية # عني عمر بالجيش والجهاد والتنظيمات العسكرية عناية شديدة، ~~وجعل للجند امتيازات، وخصوصا بعد أن تمت الفتوحات الكبرى ~~وتواردت الأموال على بيت المال، فنظم ديوان الجند، ورتب ~~الأموال لتزويدهم بالسلاح والخيل والميرة، وكان القتال في ~~العهد النبوي والعهد الصديقي والعهد العمري معتمدا ms122 على ~~العواطف الدينية الصادقة، والرغبة الأكيدة في نشر الدين الحنيف ~~ورفع راية الإسلام عالية، فاستطاعت الجيوش الإسلامية في فترة ~~وجيزة أن تسيطر على العالم المتمدن المعروف آنئذ. # ولما تمكنت أقدام المسلمين في مصر والشام والعراق وإيران رأى ~~عمر أن يقيم الجنود الإسلاميون في هاته البقاع في معسكرات ~~خاصة بهم، وأباح لهم امتلاك الأرضين، وتثمير الثروات، وشراء ~~الأملاك، ولكن عمر ما لبث أن أحس بأن ذلك العمل غير ناجح، ~~فمنعهم من ذلك، وضمن لهم نفقاتهم وكل ما يحتاجون إليه هم ~~وأولادهم وأسرهم. وإلى عمر يرجع الفضل في إقامة الحصون والقلاع ~~الإسلامية، كما أنه أمر بإقامة المعسكرات والفساطيط الدائمة ~~المتضمنة كل ما تحتاج إليه الجنود لراحتها. # وفي عهده وبمعونة كبار القادة أمثال: أبي عبيدة، وخالد، ~~وعمرو بن العاص، تم تنظيم الجيش الإسلامي، وترتيب أحوال ~~القيادة العسكرية، وتنظيم تعبئة الجيوش، وكانوا في القيادة ~~يقسمون الجيش خمسة أقسام: مقدمة، وساقة، ومجنبتان، وقلب، ~~وكانوا يجعلون لكل قسم أميرا يصدر عن أمر قائد الجيش، وكانوا ~~يقسمون الجيش بعد ذلك إلى كراديس (أي صفوف)، كل كردوس ألف رجل، ~~وعلى كل كردوس رجل من أهل النجدة والفروسية يكون الأمير ~~عليهم. # ثم يقسمون الكردوس إلى عشرات عشرات، على كل عشرة رئيس ~~يسمى عريفا، وكانوا يقاتلون على أنواع، منها: «قتال الزحف»، ~~الذي ذكره الله تعالى في قوله: # إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا كأنهم بنيان مرصوص ~~، وهو قتال ~~شديد على الأعداء؛ لأنه قتال يستميت فيه المسلمون، ومنها قتال ~~«الكر والفر»، وهو القتال الذي كانوا يقاتلون عليه في ~~الجاهلية. # أما الغنائم التي كانوا يربحونها في الحروب فكانوا يقسمونها ~~أخماسا، فأربعة أخماس منها تعطى للمجاهدين في سبيل الله، ~~يأخذ الراجل ثلث الفارس، والخمس الباقي يقسم حسبما أمر ~~الله في سورة الأنفال، أما الأسرى فحكمهم ما أمر الله به في ~~قوله: # فإذا لقيتم الذين ~~كفروا فضرب الرقاب حتى إذا ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا ~~بعد وإما فداء حتى تضع الحرب ~~أوزارها ~~، والمن هو أن يعفو الخليفة عن الأسير ~~فيطلقه من غير ms123 فداء، والفداء يختلف قلة وكثرة حسب حال الأسير ~~من غنى وفقر. # أما سلب القتلى وأموالهم وسلاحهم فحق للقاتل لا ينازع في ~~ذلك. # وأما عدد الجيش فلم يكن معلوما في العصر النبوي، ولا العصر ~~الراشدي، بل كل مسلم عاقل قوي قادر على حمل السلاح هو مدعو ~~للقتال ملزم بالنفرة، فإذا تخلف ظن فيه النفاق، وعوقب ~~أشد العقاب. وكان كل مسلم يعتقد أن الجهاد أول واجب عليه حتى ~~ينصر دين الله، ولم تكن النساء والشبان الأحداث أقل حماسة في ~~الجهاد من الرجال، ولقد ظهر لبعض النساء من الجرأة والبطولة ما ~~خلدهن في بطون التاريخ، وكان كثير من الصبيان والأحداث ~~يتسابقون إلى تسجيل أسمائهم في جداول الغزاة، ويحزنهم أن ~~يردوا ويكتشف أن أعمارهم لا تخول لهم الانخراط في سلك ~~الغزاة المجاهدين. # أما الروح المعنوية للجيش الإسلامي فكانت عجيبة، وكان ~~المسلمون إذا خفوا للجهاد لم يردهم عن هدفهم إلا الموت أو ~~النصر، وليس لهم غرض إلا إعلاء كلمة الله ورفع راية الإسلام، ~~وكان من عادة قادة الجيش أن يبثوا القراء والمحرضين ~~والمنشدين والقصاص يدعون الجنود إلى الاستماتة والاستشهاد ~~في سبيل الله، وبذلك تمكن المسلمون بعددهم القليل وعدتهم ~~المحدودة أن يفتكوا بتلك الدول العظمى التي تفوقهم عددا وعدة ~~ومالا وسلطانا ونفوذا. ~~(5) التنظيمات المالية # رأينا أن بيت المال كان موجودا منذ عهد النبي والصديق، ولكن ~~المشهور أن عمر هو أول من نظم بيت المال، ولا ريب في أن ~~الأموال التي تقاطرت إلى المدينة في العهد العمري كانت جد ~~كثيرة امتلأ بها بيت المال، من زكاة المسلمين، وجزية أهل ~~الذمة، وخمس الغنائم، ومواريث من لا وارث لهم، وقد عني ~~الخليفة الراشد الثاني بتنظيم مصارف هذه الأموال تنظيما ~~صحيحا لا يتطرق إليه الاضطراب أو الفساد. # أما مصارف الزكاة فهي كما أمر الله بتوزيعها عليهم في قوله: # إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ~~فريضة من الله والله عليم حكيم ~~، ~~أما الفقراء والمساكين: فهم من لا يملكون قوت يومهم، وأما ms124 ~~العاملون عليها: فهم العمال الذين يسميهم الخليفة لقبض تلك ~~الأموال من أصحابها الذين وجبت عليهم. # وأما المؤلفة قلوبهم: فهم قوم من الأشراف والكبراء ~~أسلموا، وفي إسلامهم ضعف، أو إنهم لم يسلموا ولكنهم بعد هذا ~~العطاء قد يسلمون. # وأما الرقاب: فيراد بها رقاب العبيد الذين كاتبهم أسيادهم ~~على شيء من المال يعطونه إياهم، فإذا أعطوهم إياه أعتقوهم، أو ~~أن تشترى الرقاب فتعتق في سبيل الله. # وأما الغارمون: فهم الذين ركبتهم الديون الباهظة ولم ~~يستطيعوا تسديدها. # وأما سبيل الله: فهو سبيل الجهاد لنصرة دين الله. # وأما ابن السبيل: فهو المرء الضائع المنقطع عن أهله ~~وماله. # وأما أموال الجزية والأخماس فتصرف في سبيل الله وتهيئة عدة ~~الجيوش من سلاح وخيل وقوة، وأما مواريث الموتى فتصرف فيما ~~يراه الإمام، ولم يكن للجنود شيء مسمى من المال، وإنما كان ~~النبي وأبو بكر يعطيان ما يتيسر للمقاتلة، فلما جاء عمر ~~ودون الدواوين وكثرت الأموال فرض للمقاتلين الأموال، فجعل ~~للعباس خمسة وعشرين ألف درهم في السنة، وجعل لأزواج رسول الله ~~عشرة آلاف عشرة آلاف، وجعل لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ~~ولنسائهم خمسمائة خمسمائة، وألحق بأهل بدر أربعة ليسوا منهم، ~~وهم : الحسن، والحسين، وأبو ذر، وسلمان الفارسي، ولمن بعد بدر ~~إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف، ولنسائهم أربعمائة ~~أربعمائة، ولمن بعد الحديبية إلى آخر عهد أبي بكر ثلاثة آلاف ~~ثلاثة آلاف، ولنسائهم ثلاثمائة ثلاثمائة، ولمن شهد القادسية ~~واليرموك ألفين ألفين، ولنسائهم مائتين مائتين، ولأهل البلاد ~~النازع منهم ألف وخمسمائة، ولنسائهم مائتين مائتين، ولمن بعد ~~القادسية واليرموك ألفا ألفا، ولنسائهم كمن قبلهم، وللروادف ~~المثنى خمسمائة خمسمائة، ثم للروادف الثليث بعدهم ثلاثمائة ~~ثلاثمائة، وفرض للروادف الربيع مائتين وخمسين، وفرض لمن بعدهم، ~~وهم أهل هجر والعباد مائتين مائتين، سوى كل طبقة في العطاء، ~~قويهم وضعيفهم، عربهم وعجمهم، وللصبيان مائة مائة، وكل مسكين ~~جريبتين في الشهر، وقال عمر لأهل الشورى: إني كنت امرأ تاجرا ~~يغني الله عيالي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم هذا، فما ترون ~~أنه يحل لي من هذا المال؟ فقال ms125 علي: لك ما أصلحك وعيالك ~~بالمعروف، ليس لك غيره، فأخذ قوته واشتدت بعد ذلك حاجاته، ~~فاجتمع نفر من أهل الشورى فيهم عثمان وعلي وطلحة والزبير، ~~وقالوا: لو قلنا لعمر في زيادة نزيده إياها في رزقه، فقال ~~عثمان: هلم بنا فلنعلم ما عنده من وراء وراء، فأتوا أم ~~المؤمنين حفصة بنت عمر، فأعلموها الحال، وأوصوها ألا تخبر بهم، ~~فلقيت حفصة عمر بذلك، فغضب وقال: من هؤلاء لأسوأنهم؟ ~~قالت: لا سبيل إلى علمهم، قال: أنت بيني وبينهم، ما أفضل ما ~~اقتنى رسول الله في بيتك من الملبس؟ قالت: ثوبين ممشقين كان ~~يلبسهما للوفد والجمع، قال: فأي الطعام ناله عندك أرفع؟ ~~قالت: حرفا من خبز شعير فصببنا عليه وهو حار أسفل عكة لنا ~~فجعلها دسمة حلوة فأكل منها، قال: فأي مبسط يبسط عندك كان ~~أوطأ؟ قالت: كساء ثخين كنا نربعه في الصيف، فإذا كان الشتاء ~~بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه، قال: يا حفصة، أخبريهم أن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # قدر فوضع الفضول مواضعها وتبلغ بالترجية، ~~فوالله لأضعن الفضول مواضعها، ولأتبلغن بالترجية، وإنما مثلي ~~ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا، فمضى الأول لسبيله وقد تزود ~~فبلغ المنزل، ثم اتبعه الآخر فسلك سبيله فأفضى إليه، ثم اتبعه ~~الثالث، فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما، وإن سلك غير ~~طريقهما لم يلقهما. # الفصل الخامس # | في مقتله ومناقبه وأسرته # (1) مقتله # كان مقتل الخليفة عمر بن الخطاب جريمة فظيعة ائتمر فيها نفر ~~من أعداء الإسلام والعروبة الذين قضى على ممالكهم، وأذل ~~نفوسهم، ونشر فيهم راية الإسلام من الفرس واليهود والنصارى ~~الذين تظاهروا بالإسلام وهم يكيدون له ويتربصون به الدوائر، ~~بالخليفة الذي تم زوال ملكهم على يديه، وجعلهم خاضعين لهؤلاء ~~العرب الذين كانوا بالأمس لا شأن لهم ولا رأي ولا فضل ولا ~~مكانة. # تآمر بمقتل عمر يهودي مجرم تظاهر بالإسلام وأبطن الكفر ~~والكيد والفتنة اسمه كعب الأحبار، عرف بفساد طويته وبنشره ~~الأباطيل والأكاذيب بين المسلمين، كما تآمر بمقتله الهرمزان، ~~ذلك الأمير الفارسي المجوسي الذي رأينا كيف جيء به إلى ms126 عمر بعد ~~أن عاث في الأرض فسادا ونقض العهد مرات، وأراد عمر أن يقتله ~~فاحتال عليه، وأعلن إسلامه وأبطن الشرك، فعفا عنه وأسكنه ~~المدينة، وخصص له ما خصص لكبار المجاهدين من أموال بيت مال ~~المسلمين، ولكنه كان مجوسيا مجرما، يبطن الشر ويتحين ~~الفرص. # وكان ثالث المتآمرين عبد لئيم زنيم اسمه فيروز أبو لؤلؤة، ~~كان مولى للمغيرة بن شعبة، وكان شديد الحقد على العرب ~~والمسلمين، ولم يزل كلما جيء إلى المدينة ببعض أسرى الفرس ~~ورقيقهم يمسح رءوسهم ويتوعد المسلمين. # ورابع المتآمرين هو نصراني اسمه جفينة، قالوا إنه كان من أهل ~~الأنبار، وكان شديد الحقد على العرب وعلى عمر خاصة. ويروي بعض ~~المؤرخين أن عبد الرحمن بن أبي بكر رأى قبل مقتل عمر أبا لؤلؤة ~~مع الهرمزان وجفينة جالسين يتحدثون، فلما فاجأهم قاموا وقوفا، ~~فسقط بينهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه، وهو الخنجر الذي حمله ~~فيروز أبو لؤلؤة لقتل عمر، وقتل نفسه بعد أن أخذ ~~بفعلته. # ولا شك في أن مقتل عمر كان أعظم مصيبة حلت بالمسلمين بعد ~~موت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فقد كانت الفجيعة بعمر - وهو الذي نشر ~~راية الإسلام من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وهو يريد أن ~~يتمم رسالة محمد - فجيعة كبرى قضت على آماله الجسام، وحطمت ~~أهدافه الجليلة. وقد روى البخاري تفصيل حادث القتل رواية عن ~~عمرو بن ميمون، نورده فيما يلي: # قال عمرو: إني لواقف ما بيني وبينه (بين عمر) عبد الله ~~بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا. ~~حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو ~~النمل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو ~~إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه ~~أبو لؤلؤة، فسار العلج بسكين ذي طرفين لا يمر على أحد يمينا ~~وشمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، فمات منهم سبعة، ~~فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن ms127 العلج ~~أنه مأخوذ غز نفسه. وتناول «عمر» يد عبد الرحمن بن عوف ~~فقدمه، فمن يلي عمر رأى ذلك الذي أرى. # وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم فقدوا صوت عمر، ~~وهم يقولون «سبحان الله! سبحان الله!» فصلى بهم عبد الرحمن ~~بن عوف صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من ~~قتلني، فجال ساعة ثم قال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ قال: نعم، ~~قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفا، والحمد لله الذي لم ~~يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، وقد كنت أنت وأبوك تحبان ~~أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقا، فقال: إن ~~شئت فعلت (أي: إن شئت قتلنا)، قال: كذبت، بعدما تكلموا ~~بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم، وحجوا حجكم. فاحتمل إلى بيته ~~فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل ~~يقول: لا بأس عليه، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ ~~فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه، فخرج من جوفه، ~~فقالوا: إنه ميت. فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء ~~رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقدم الإسلام ما قد علمت، ثم وليت ~~فعدلت، ثم شهادة. قال: وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي، ~~فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا الغلام، قال: يا ~~ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله ~~بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ~~ألفا أو نحوه، وقال: إن وفى بذلك مال آل عمر فأدوه من ~~أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم ~~فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال، ~~انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ~~ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم أمير المؤمنين، وقل: ~~يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلم واستأذن ~~فدخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عمر ms128 بن الخطاب ~~السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ~~ولأوثرن به اليوم على نفسي. فلما أقبل قيل: هذا عبد الله ~~بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ ~~قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت. قال: الحمد لله، ما ~~كان شيء أهم إلي من ذلك، فإذا قضيت فاحملوني، ثم سلم فقل: ~~يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت فأدخلوني، وإن ردتني ~~ردوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء ~~تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه داخلا لهم، فسمعنا ~~بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين استخلف، ~~فقال: أتحمل أمركم حيا وميتا، لوددت أن حظي منها الكفاف ~~لا علي ولا لي، وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني ~~(يعني أبا بكر)، وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني (يعني ~~رسول الله)، فقال عبد الله بن عمر: فعرفت أنه حين ذكر رسول ~~الله أنه غير مستخلف، ثم قال عمر: ما أجد أحق بهذا الأمر من ~~هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله وهو راض عنهم، فسمى ~~عليا وعثمان والزبير وسعدا وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، وقال : ~~يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية ~~له، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما ~~أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. # ثم أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يدفع لهم ~~حقهم ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا ~~الدار والإيمان من قبلهم، وأن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن ~~مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وجباة ~~المال وغيظ العدو، وألا يأخذ عنهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه ~~بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، وأن يأخذ من ~~حواشي أموالهم وترد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، ولا ~~يكلفوا إلا طاقتهم. # فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي، فسلم ms129 عبد الله بن عمر ~~وقال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: ادخلوا، فأدخل فوضع هناك ~~مع صاحبيه، رضوان الله عليه وسلام عليه في العادلين الصالحين، ~~ورحم الله بطنا أنجبت ذلك العبقري الخالد الذي بكاه الإسلام، ~~وصدق رسول الله إذ يقول مرددا قول جبريل له # صلى الله عليه وسلم ~~: يا ~~محمد، ليبكين الإسلام من بعد موتك على موت عمر. # 1 ~~(2) مناقبه # كان عمر من عباقرة الدنيا عقلا وفطنة وشرفا وأخلاقا، ~~وكان أجل صفاته العدل، وإحقاق الحق، وإدحاض الباطل، وكان ~~جنديا شريفا طاهرا مؤمنا مقلدا للرسول متبعا للسنة، ~~لا يخرج عما أمر به الإسلام من آداب، ولا يتصف بغير ما أمر به ~~من مناقب ومزايا نبيلة، قال الطبري: كانت درة عمر أهيب من سيف ~~الحجاج، وكان يخافه ملوك فارس والروم وغيرهم. ولما ولي بقي ~~على حاله قبل الولاية في لباسه وزيه وأفعاله وتواضعه، يسير ~~مفردا في حضره وسفره من غير حرس ولا حجاب، لم تغيره الإمرة ~~ولم تبطره النعمة، ولا استطال على مؤمن بلسانه، ولا حابى ~~أحدا في الحق لمنزلته، لا يطمع الشريف في حيفه، ولا ييئس ~~الضعيف من عدله، ولا يخاف في الله لومة لائم، ونزل نفسه من ~~مال الله منزلة رجل من المسلمين، وجعل فرضه كفرض أي رجل من ~~المهاجرين، وكان يقول: إنما أنا ومالكم كوالي مال اليتيم، إن ~~استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فقيل له: ما ذلك ~~المعروف يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا تقوم البهيمة الأعرابية ~~إلا بالقضم أو الخضم. # 2 # والحق أن عمر كان يكتفي بأقل القليل ولا يتعداه، وكيف يتعدى ~~على أموال المسلمين أو يمد يده إلى ما ليس له وهو يحاسب الناس ~~أدق الحساب؟ فيفتك بكل من يمد يديه إلى مال غيره، ويضرب بدرته ~~كل من توحي إليه نفسه بالتطاول إلى ما ليس له، فهابه الناس من ~~كبير وصغير وامرأة وطفل، وربما هابه الناس أكثر من الرسول؛ فقد ~~روت كتب السيرة أن النبي أذن لأمة سوداء نذرت على نفسها إن ~~رأت النبي # صلى الله عليه وسلم ms130 # يعود سالما أن تضرب بدفها فرحا بمقدمه ~~وسلامته، وبينما كانت كذلك دخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي ~~وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، والصحابة مجتمعون مستأنسون، ~~فما هي إلا أن دخل عمر فوجمت الجارية وأسرعت إلى دفها تخفيه، ~~والنبي يقول: «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر.» بل رووا أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يهابه؛ فقد روت السيدة عائشة (رضي الله عنها) ~~أنها طبخت له عليه الصلاة والسلام حريرة، ودعت سودة أن تأكل ~~معها فأبت، فعزمت عليها لتأكلن أو لتلطخن وجهها، فلم ~~تأكل سودة، فوضعت يدها في الحريرة ولطخت بها وجه سودة، ~~والنبي يضحك، ثم وضع الحريرة بيد سودة وقال لها: لطخي أنت ~~وجهها، ففعلت، ومر في ذلك الوقت عمر فناداه النبي: يا ~~عبد الله، وقد ظن أنه سيدخل، فقال لهما: قوما فاغسلا وجهيكما، ~~قالت عائشة (رضي الله عنها): فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إياه، وقد كان الرسول العظيم يرعى تلك الهيبة ~~العمرية ويقدرها حق قدرها لما فيها من نصرة الحق، وإحقاق ~~العدل، وإيقاع الخشية في قلوب كل من تحاول نفسه الاستهانة ~~بالدين أو نصرة الباطل أو إعانة الظالم. # قال الطبري: وهاب الناس عمر هيبة عظيمة، حتى ترك الناس ~~المجالس بالأفنية، قالوا ننتظر ما رأي عمر، وقالوا: بلغ من ~~أبي بكر أن الصبيان كانوا إذا رأوه يسعون إليه ويقولون: يا ~~أبت، فيمسح رءوسهم، وبلغ من هيبة عمر أن الرجال تفرقوا من ~~المجالس هيبة حتى ينتظروا ما يكون من أمره، قالوا: فلما بلغ ~~عمر أن الناس هابوه، فصيح في الناس: «الصلاة جامعة»، فحضروا، ~~ثم جلس من المنبر حيث كان أبو بكر يضع رجليه، فلما اجتمع الناس ~~قام، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي، ثم ~~قال: «بلغني أن الناس هابوا شدتي وخافوا غلظتي، وقالوا قد كان ~~عمر يشتد علينا ورسول الله بين أظهرنا، ثم اشتد علينا ~~وأبو بكر والينا دونه، فكيف إذا صارت الأمور إليه؟ ومن قال ذلك ms131 ~~فقد صدق؛ فقد كنت مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فكنت عبده وخادمه، ~~وكان من لا يبلغ أحد صفته من اللين والرحمة، فكنت سيفا ~~مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، حتى قبض رسول الله وهو ~~عني راض والحمد لله وأنا أسعد بذلك. # ثم ولي أمر المسلمين أبو بكر، فكان من لا ينكرون دعته وكرمه ~~ولينه، فكنت خادمه وعونه، أخلط شدتي بلينه، فأكون سيفا ~~مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، فلم أزل معه كذلك حتى قبضه ~~الله وهو عني راض والحمد لله، وأنا أسعد بذلك. ثم إني ~~وليت أموركم أيها الناس، واعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت، ~~ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، فأما ~~أهل السلامة والدين والفضل فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، ولست ~~أدع أحدا يظلم أحدا ويتعدى عليه حتى أضع خده على الأرض، وأضع ~~قدمي على الخد الآخر حتى يذعن بالحق، ولكم علي أيها الناس ~~خصال أذكرها لكم فخذوني بها، لكم علي ألا أخبئ شيئا من ~~خراجكم إلا ما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم علي إذا ~~وقع عندي ألا يخرج إلا بحقه، ولكم علي أن أرد عطاياكم ~~وأرزاقكم إن شاء الله، ولكم علي ألا ألقيكم في المهالك، وإذا ~~غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم.» هذه منقبة ~~من مناقب العبقري الفذ عمر. # وله مناقب جليلة أخرى، نذكر منها: علمه، وفهمه، وفراسته، ~~وتلطفه في استنباط الأحكام الشرعية وفهم روح الإسلام وتشريعه، # 3 # قال الأسدي: صحبت عمر فما رأيت أحدا أفقه في دين ~~الله، ولا أعلم لكتاب الله، ولا أحسن مدارسة منه، وإني لأحسب ~~تسعة أعشار العلم ذهبت يوم ذهب عمر. وقال ابنه عبد الله ~~بن عمر: لله تلاد عمر لقلما يحرك شفتيه بشيء قط إلا ~~كان. # ومن مناقبه رضوان الله عليه وسلامه: أنه كان مع شدته وهيبة ~~الناس إياه رقيق القلب، كثير الحساسية، لطيفا، رءوفا بالناس، ~~كثير الحدب عليهم، عظيم العناية بضعيفهم، وكان يقرأ في وجوه ~~الناس ما تكنه ضمائرهم، فيخاطب ms132 كلا بما في قلبه ويلاطفه، ~~وكان صاحب فراسات في أمور الناس تكاد لولا تواترها تظن أنها من ~~نسج خيالات الرواة ومخترعات أفكارهم، فمن ذلك ما رووا أنه رأى ~~رجلا أعرابيا، فقال لمن معه من الناس: هذا رجل مصاب بولده، ~~وقد نظم فيه شعرا لو شاء لأسمعكم، قال: ثم ناداه وقال له: يا ~~أعرابي، من أين أقبلت؟ فقال: من أعلى الجبل، قال: وما وضعت ~~فيه؟ قال: أودعته وديعة لي، قال: وما وديعتك؟ قال: بني لي ~~هلك فدفنته فيه، قال: فأسمعنا ما قلت فيه، فقال: وما يدريك ~~يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما تفوهت بذلك وإنما حدثت به ~~نفسي، ثم أنشد: # يا غائبا ما يئوب من ~~سفره # عاجله موته على ~~صغره # يا قرة العين كنت لي ~~أنسا # في طول ليلي نعم وفي ~~قصره # ما تقع العين حيثما وقعت # في ~~الحي مني إلا على أثره # شربت كأسا أبوك ~~شاربه # لا بد منه له على ~~كبره # يشربها والآنام كلهم # من كان ~~في بدوه وفي حضره # فالحمد لله لا شريك له # في ~~حكمه كان ذا وفي قدره # قدر موتا على العباد ~~فما # يقدر خلق يزيد في ~~عمره # فبكى عمر حتى بل لحيته، ثم قال: صدقت يا أعرابي. # 4 ~~(3) أسرته # كان لعمر ثلاثة عشر ولدا: تسعة بنين وأربع بنات، أما ~~البنون: «فعبد الله» أسلم مع أبيه بمكة صغيرا وهاجر معه، وشهد ~~المشاهد كلها بعد بدر وأحد، وكان عالما مجتهدا في ~~السنة من عباد الله خوافا له، ناصحا للأمة، زاهدا في ~~الدنيا وزخرفها، مات وله أربع وثمانون سنة في عام 73 للهجرة، ~~و«عبد الرحمن» الأكبر، وهو شقيق عبد الله، وأمهما زينب بنت ~~مظعون، و«زيد الأكبر» وأمه أم كلثوم بنت علي عليه السلام، ~~و«عاصم» وأمه جميلة بنت عاصم، وكان فاضلا خيرا، مات سنة ~~70ه، و«عبد الرحمن» الأوسط وأمه لهية أم ولد، و«عبد الرحمن» ~~الأصغر وأمه أم ولد، و«عباس» وأمه عاتكة بنت زيد، و«زيد» ~~الأصغر و«عبيد الله» وأمهما مليكة بنت جرول الخزاعية. # وأما البنات فهن: «حفصة»: زوجة النبي عليه الصلاة ms133 والسلام، ~~شقيقة عبد الله وعبد الرحمن الأكبر، و«رقية»: شقيقة زيد ~~الأكبر، و«فاطمة»: وأمها أم حكيم بنت الحارث، و«زينب»: وأمها ~~فكيهة، وكن كلهن عالمات فاضلات مهذبات كريمات. # الفصل السادس # | في مشهوري رجال دولته # (1) طلحة بن عبيد الله بن عثمان التميمي (28ق.ه.-36ه) # وهو الصحابي الجليل الشجاع، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ~~وأحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بعده، وهو أحد ~~الثمانية السابقين إلى الإسلام، شهد بدرا وأحدا، وثبت مع ~~رسول الله يوم أحد وبايع الرسول على الموت، فأصيب بأربعة ~~وعشرين جرحا وسلم، ثم شهد الخندق وسائر المشاهد. # وكان غنيا سخيا، يضرب المثل بجوده فيقال: «أجود من ~~طلحة.» وإذا قيل: «طلحة الجواد» أو «طلحة الفياض» لم يقصد ~~غيره، لم يكن يدع أحدا من بني تميم إلا أغناه، وكانت له ~~تجارة وافرة مع العراق والشام واليمن، وكان من خطباء الصحابة، ~~إلا أنه كان حربا لعلي عليه السلام، خرج مع عائشة يوم الجمل، ~~وقتل وهو بجانب السيدة عائشة، والمشهور أن مروان بن الحكم هو ~~الذي قتله، رماه بسهم، وقال: أطلب بثأري بعد ذلك اليوم؛ فقد ~~زعموا أن طلحة كان ممن حاصر عثمان واشتد عليه ، فلذلك قتله ~~مروان وقال ذلك القول، وكان قتله يوم الخميس لعشر خلون من ~~جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وكان له ستون سنة. # 1 ~~(2) الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي (36ه) # هو الجليل الشجاع، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو ابن صفية ~~بنت عبد المطلب عمة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، أسلم وهو ابن ثماني ~~سنين، فكان عمه يعلقه في حصير ويدخن عليه ويقول له: ارجع ~~إلى الكفر، فيقول: لا أكفر أبدا. وهو أول من سل سيفا في سبيل ~~الله، ودعا النبي عليه الصلاة والسلام له بذلك، وكان النبي ~~يقول: إن لكل نبي حواريا، وحواري الزبير وطلحة، وهو أحد ~~أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب بعده ليروا من يصلح ~~للخلافة بعد موته، وكان عمر يقول: الزبير ركن من أركان ~~الإسلام، غنيا جوادا، خلف أملاكا قدرت بأربعين ألف ~~درهم، وكان عثمان ms134 يحبه ويقربه، وولاه على إمرة الحج، وكان ~~يقول: أما والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت، فإنه كان ~~لأحبهم إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقال مرة لابنه عبد الله: يا ~~بني ما من عضو في إلا وقد جرح مع رسول الله. وكان شجاعا ~~بطلا، أبلى يوم اليرموك أحسن البلاء، وخرج مع عائشة يوم الجمل ~~وقتل ذلك اليوم، قتله ابن جرموز غيلة، وله نيف وستون عاما. # 2 ~~(3) عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري القرشي (44ق.ه.-32ه) # من أكابر الصحابة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة ~~أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر لينظروا في الأمر من بعده، وهو ~~أحد السابقين الأول للإسلام، وكان اسمه عبد الكعبة فسماه ~~الرسول «عبد الرحمن»، وشهد المشاهد كلها، وجرح يوم أحد 21 ~~جراحة، وثبت مع رسول الله، وبعثه إلى دومة الجندل، وعممه ~~بيده وسدلها بين كتفيه، وقال له: «سر باسم الله ...» ووصاه ~~بوصايا، وقال له: فتح الله عليك، وكان عمر يجله ويرجع إلى ~~رأيه في كثير من الأحوال. # وكان متواضعا عفيفا يخاف الله، أغناه الله كثيرا وفتح ~~عليه في التجارة، فكان كثير الصدق والإحسان، قال الزهري: تصدق ~~عبد الرحمن بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ~~ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله عز وجل، ثم حمل على ألف ~~وخمسمائة راحلة في سبيل الله، ووردت مرة قافلة له من الشام ~~فحملها كلها إلى رسول الله، فدعا له الرسول بالجنة، ويروى أنه ~~أعتق ثلاثين ألف عبد، وأعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا. # قال ابن عمر: خدمت عمر وكنت له هائبا ومعظما، فدخلت ~~عليه ذات يوم في بيته وقد خلا بنفسه، فتنفس تنفسا ظننت أن ~~نفسه خرجت، ثم رفع رأسه إلى السماء، فقلت له: والله ما أخرج ~~هذا منك إلا هم، فقال: هم والله هم شديد، إن هذا الأمر ~~إلا الخلافة، ألم أجد له موضعا؟ فذكرت له عليا وطلحة ~~والزبير وسعدا وعثمان، فذكر في كل واحد منهم معارضا، فذكرت ~~له عبد الرحمن، فقال: أوه، ms135 نعم المرء، ذكرت رجلا صالحا إلا ~~أنه ضعيف، وهذا الأمر لا يصلح له إلا الشديد من غير عنف، اللين ~~من غير ضعف، الجواد من غير سرف، والممسك من غير بخل، ومات سنة ~~32ه، وهو ابن سبعين ونيف، ودفن بالبقيع، وكان أوصى بألف فرس ~~وبخمسين ألف درهم في سبيل الله. # 3 ~~(4) سعد بن مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهرة (55ه) # هو من أجلاء الصحابة وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو ممن ~~أسلم قديما بعد ستة وهو سابعهم، وقد شهد المشاهد كلها، وتوفي ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو راض عنه، وهو أول من رمى سهما من ~~العرب في سبيل الله، وكان على يديه فتح القادسية، ولاه عمر ~~أمر بناء الكوفة فشكاه أهلها إليه، فقالوا له: لا يحسن ~~الصلاة، فقال سعد: أما أنا فقد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله، ~~أركد في الأوليين وأخفف في الأخريين، فقال عمر: ذلك الظن بك يا ~~أبا إسحاق، ثم بعث رجالا يسألون عنه في مساجد الكوفة، فلم ~~يأتوا مسجدا إلا أثنى عليه الناس خيرا، ثم عزله عمر وولى ~~الكوفة جبير بن مطعم، وقد جعله عمر أحد رجال الشورى، وأوصى من ~~يكون خليفة بعده بالاستعانة به، ولما وقعت فتنة عثمان ثم فتنة ~~علي لزم بيته وأمر أهله ألا يخبروه بشيء من أخبار الناس حتى ~~تجتمع الأمة على إمام، وكان زاهدا متواضعا وصادقا عادلا ~~حريصا على فعل البر والصدقات، وهو آخر العشرة المبشرين بالجنة ~~موتا، وكانت وفاته سنة 55، وله بضع وستون سنة، وقيل أكثر من ~~ذلك. ~~(5) سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى العدوي القرشي ~~(50ه) # كان أبوه من الحنفاء الأتقياء في الجاهلية، وكان يحيي ~~الموءودات، وكان يقول للرجل إذا أراد وأد بنته: لا تقتلها وأنا ~~أكفيك مئونتها. أما ابنه سعيد فقد كان من المسلمين الأول، ~~أسلم هو وزوجته أم جميل بنت الخطاب، أخت عمر، وقد تقدمت قصة ~~إسلام عمر، وقد هاجر هو وزوجته، وشهد له النبي وهو أحد العشرة، ~~وشهد المشاهد كلها ms136 مع رسول الله، وبعثه الرسول هو وطلحة إلى ~~الشام يتجسسان أخبار قريش قبل يوم بدر، وكان ورعا زاهدا، ~~توفي بأرضه في العقيق سنة 50ه، أو سنة 51ه في أيام معاوية وهو ~~ابن بضع وسبعين. ~~(6) أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال القرشي ~~(18ه) # أسلم قديما، ولقبه رسول الله بأمين الأمة، وكان يقول: إن ~~لكل أمة أمينا، وإن أمين أمتنا أبو عبيدة بن الجراح، وقد أبلى ~~أحسن البلاء في فتوح الشام والمشاهد كلها مع رسول الله، وهو ~~أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان عمر يجله ويكبر مكانته ~~ويثق به، ولما رحل عمر إلى الشام أثناء الطاعون قال: إن أدركني ~~أجلي وأبو عبيدة حي فهو الخليفة بعدي، وإن أدركني أجلي وأبو ~~عبيدة ميت استخلفت معاذ بن جبل، وكان عمر يقول: أتمنى لو أن ~~هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة، وكان يكره مخالفته، ~~وكان ورعا زاهدا خائفا من الله، متواضعا منصفا للرعية، ~~مساويا بينهم. ولما وقع القحط بالحجاز كتب إليه عمر: الغوث ~~الغوث، فكتب إليه أبو عبيدة: «قد أتتك العير يا أمير المؤمنين، ~~أولها عندك وآخرها بالشام.» ومات في طاعون عمواس بالأردن سنة ~~18ه في خلافة عمر وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وصلى عليه معاذ ~~بن جبل (رضي الله عنهما). # 4 # | الخليفة الراشد الثالث: عثمان بن عفان # 23-35ه/644-656م # الفصل الأول # | في نسبه وأوليته في الجاهلية # هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس بن أمية بن عبد مناف ~~الأموي القرشي (رضي الله عنه)، وأمه هي أروى بنت كريز بن ربيعة ~~بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها البيضاء أم حكيم بنت ~~عبد المطلب عمة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وشقيقة أبي طالب. ولد عثمان ~~في السنة الخامسة لميلاد الرسول الأعظم، فعني أبوه بتهذيبه ~~وتثقيفه، وكان عفان من أثرياء قريش ووجوهها وعقلائها، فنشأه على ~~الأخلاق الكريمة، والمزايا النبيلة، وأدبه بأدب شبان قريش، ~~فتعلم الكتابة، وروى الشعر، وحفظ أنساب قومه، وأخبارها وسيرها، ~~ووعى الشعر والخطب. # قال هشام ms137 بن عروة: كان عثمان أروى الناس للبيت والبيتين والثلاثة ~~إلى الخمسة، # 1 # وقد وصفه مترجموه بأنه كان ربعة من الرجال، ليس ~~بالقصير ولا الطويل، حسن الوجه، بوجنتيه نكتات من الجدري، وأنه ~~كان أقنى شرف الأنف، رقيق البشرة، عظيم اللحية، أسمر اللون، كثير ~~الشعر، له جمة أسفل من أذنيه، ولكثرة شعر رأسه ولحيته كان أعداؤه ~~يسمونه نعثلا - وهو الضبع الذكر - وكان ضخم الكراديس، بعيد ما ~~بين المنكبين، أروح الرجلين، وكان أصلع، يصبغ لحيته، وقد وتد ~~أسنانه بالذهب، وكان من أحسن الرجال وآنفهم وأوسمهم. # قال أسامة بن زيد: بعثني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بصحفة فيها لحم إلى ~~عثمان، فدخلت عليه، وإذا هو جالس مع رقية ابنة رسول ~~الله زوجته فما رأيت زوجا أحسن ~~منهما، فجعلت مرة أنظر إلى عثمان، ومرة أنظر إلى رقية، فلما رجعت ~~إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: دخلت عليهما؟ قلت: نعم، قال: هل رأيت ~~زوجا أحسن منهما؟ قلت: لا، وقد جعلت مرة أنظر إلى رقية ومرة أنظر ~~إلى عثمان. وكان محببا في قريش، وفيه يقول قائلهم: «أحبك الرحمن ~~حب قريش عثمان.» وهو من أمثالهم. # الفصل الثاني # | في إسلامه وأحواله قبل الخلافة # روى ابنه عمرو عن أبيه عثمان يصف إسلامه، فقال: كنت رجلا ~~مستهترا بالنساء، وإني ذات يوم بفناء الكعبة قاعدا في رهط من ~~قريش، إذا أتينا، فقيل لنا: إن محمدا قد أنكح عتبة بن أبي لهب ~~ابنته رقية، وكانت رقية ذات جمال رائع، قال عثمان: فدخلتني الحسرة ~~لم لا أكون أنا سبقت إلى ذلك، فلم ألبث أن انصرفت إلى منزلي، ~~فأصبت خالة لي قاعدة، وهي: سعدى بنت كريز، وكانت قد تكهنت عند ~~قومها، فلما رأتني قالت: # أبشر وحييت ثلاثا تترى # أتاك ~~خيرا ووقيت شرا # أنكحت والله حصانا زهرا # وأنت ~~بكر ولقيت بكرا # وافيتها بنت عظيم قدرا # بنت امرئ ~~قد أشاد ذكرا # فعجبت من قولها، فقلت: يا خالة، ما تقولين؟ فقالت: يا ~~عثمان: # لك المال ولك اللسان # هذا نبي ~~معه البرهان # أرسله بحقه الديان # فاتبعه ms138 لا ~~تغتالك الأوثان # فقلت: يا خالة، إنك لتذكرين شيئا ما وقع ذكره في بلدنا فأبينيه ~~لي، قالت: محمد بن عبد الله، رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله، ~~يدعو إلى الله، ثم قالت: مصباحه مصباح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، ~~وقرنه نطاح، ذلت له البطاح، ما ينفع الصياح، لو وقع الدباح، وسلت ~~الصفاح، ومدت الرماح. # فانصرفت، ووقع كلامها في قلبي، فجعلت أفكر فيه، وكان لي مجلس ~~عند أبي بكر فأتيته، فأصبته في مجلس ليس عنده أحد، فجلست إليه ~~فرآني مفكرا، فسألني عن أمري، وكان رجلا متأنيا، فأخبرته بما ~~سمعت من خالتي، فقال: ويحك يا عثمان! إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك ~~الحق من الباطل، ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة ~~صم لا تسمع ولا تبصر؟! قلت: بلى والله إنها كذاك، فقال: والله ~~لقد صدقت خالتك، هذا رسول الله محمد بن عبد الله، قد بعثه الله ~~برسالته إلى خلقه، فهل لك أن تأتيه فتسمع منه؟ قلت: بلى، فوالله ما ~~كان أسرع من أن مر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ومعه علي يحمل ثوبا، فلما ~~رآه أبو بكر قام فساره في أذنه بشيء، فجاء رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقعد، ثم أقبل علي، فقال: يا عثمان، أجب الله إلى جنته، فإني ~~رسول الله إليك وإلى خلقه، فوالله ما تمالكت حين سمعت قوله أن ~~أسلمت، وأشهد بأن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله ... ثم لم ~~ألبث أن تزوجت رقية بنت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # ولما اشتد أذى المشركين على رسول الله والمسلمين، وأذن الرسول ~~لأصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة، كان عثمان من أول من فر بدينه ~~إليها وأخذ معه زوجه، فكانا أول مهاجرين، ثم تبعه سائر المهاجرين. ~~قال أنس بن مالك: لما خرج عثمان بابنة رسول الله إلى الحبشة وأبطأ ~~خبرهما جعل # صلى الله عليه وسلم # يتوكف الأخبار، فقدمت امرأة من قريش من أرض ~~الحبشة، فسألها # صلى الله عليه وسلم ~~، فقالت: رأيتها وقد حملها على ms139 حمار من هذه ~~الدواب وهو يسوقها، فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: إن كان عثمان لأول من ~~هاجر إلى الله عز وجل بعد لوط، # 1 # وقد ظل رضوان الله وسلامه عليه في الحبشة إلى ما بعد ~~هجرة النبي إلى المدينة أو بعدها. # ولما قدم على رسول الله من الحبشة أنس به جدا، فكان يدعوه ~~إلى مجلسه ويسامره في ليله، فيهش له وينشرح صدره بمقدمه، روت ~~عائشة أنها كانت هي وحفصة عند رسول الله ذات يوم، فقال رسول الله: ~~لو كان عندنا رجل يحدثنا، فقالت عائشة: أبعث إلى أبي بكر فيجيء ~~فيحدثنا، قالت: فسكت # صلى الله عليه وسلم ~~، فقالت حفصة: أبعث إلى عمر فيجيء ~~فيحدثنا، فسكت # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم دعا وصيفا بين يديه فساره، فإذا ~~عثمان يستأذن، فأذن له وأقبل عليه بوجهه، فناجاه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # طويلا. # 2 # وقد شهد المشاهد والغزوات مع النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان ممن هرب يوم ~~أحد، وتخلف عن بدر؛ لأن النبي أذن له بالتخلف عنها لتمريض السيدة ~~رقية، فكتب له النبي بسهمه وأجره، وتخلف عن بيعة الرضوان؛ لأن ~~النبي كان بعثه إلى مكة، فأشيع أنهم قتلوه، فضرب النبي إحدى يديه ~~على الأخرى وقال: هذه يد عثمان، وكان الرسول يستكتبه الوحي ~~ويستكتمه أسراره، ويقول: هو أشبه الناس بي خلقا وخلقا ودينا ~~وسمتا، وهو أصدق أمتي حياء. # 3 # وقد كان من أجل أعماله التي قام بها في عهد الرسول تجهيزه لجيش ~~العسرة يوم غزوة تبوك؛ فقد قال عبد الرحمن بن خباب: شهدت النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان فقال: يا رسول الله، ~~علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول ~~الله ينزل عن المنبر وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد ~~هذه. # ومن أعماله الجليلة في عهد الرسول تسبيله بئر رومة؛ لما قدم ~~المهاجرون إلى المدينة واستنكروا الماء، وكان لرجل من بني غفار بئر ~~يقال لها «بئر رومة»، وكان يبيع منها ms140 القربة بمد، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # للرجل: تبيعها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول الله، ليس لي ~~ولا لعيالي عين غيرها، لا أستطيع ذلك، فبلغ عثمان فاشتراها بخمسة ~~وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي # صلى الله عليه وسلم # فقال: اجعل لي مثل الذي ~~جعلت له عينا في الجنة، فقال الرسول: نعم، قال عثمان: قد اشتريتها ~~وجعلتها للمسلمين. ومن أعماله النبيلة أيضا أن المسجد النبوي لما ~~ضاق بالمسلمين ابتاع عثمان مربدا كان إلى جانب المسجد لما سمع ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: من يبتاع مربد بني فلان، غفر الله له، ~~فابتاعه عثمان بعشرين ألفا أو خمسة وعشرين ألفا، وقال للرسول: قد ~~ابتعته، فقال: اجعله في مسجدنا وأجره لك، فقال: اللهم نعم. # ولما توفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان للخلفين الراشدين بعده صاحبا ~~أمينا يبذل لهما الجهد في إصلاح الأمور وتسديد الأحوال على خير ما ~~فيه نجاح المسلمين، وكان أبو بكر وعمر يثقان به، ويعتمدان على ~~أقواله وإرشاداته وتوجيهاته، ويستكتبانه ويرجعان في كثير من أحوال ~~الدولة إليه. # الفصل الثالث # | في خلافته # لما طعن عمر قيل له: لو استخلفت، قال: لو كان أبو عبيدة ~~بن الجراح حيا استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إنه ~~أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته، فإن ~~سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إن سالما شديد الحب لله، فقال له ~~رجل: أدلك عليه، عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله، والله ما ~~أردت بهذا، ويحك! كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته؟ لا أرب لنا ~~في أموركم، ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان خيرا ~~فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فشر عنا آل عمر، بحسب آل عمر أن ~~يحاسب منهم رجل واحد، عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إنهم من أهل الجنة: ~~«سعيد بن زيد» بن عمرو بن نفيل منهم، ولست مدخله، ولكن الستة: ~~«علي» و«عثمان» ms141 أبناء عبد مناف، و«عبد الرحمن» و«سعد» خالا رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، و«الزبير» بن العوام حواري رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وابن ~~عمته، و«طلحة الخير» بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلا، فإذا ~~ولوا واليا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه، ثم إنه دعا عليا وعثمان ~~وسعدا وعبد الرحمن والزبير، فقال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس ~~وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله وهو ~~عنكم راض، إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم، ولكن أخاف عليكم ~~اختلافكم فيما بينكم فيختلف الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة، فدخلوا ~~فتناجوا ثم ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! إن ~~أمير المؤمنين لم يمت بعد، فانتبه عمر فقال: ألا أعرضوا عن هذا ~~الأمر، فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب، ولا ~~يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله ~~بن عمر مشيرا، ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن ~~قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الثلاثة قبل قدومه ~~فاقضوا أمركم، وأرجو ألا يخالفكم إن شاء الله، وما أظن أن يلي إلا ~~أحد هذين: علي وعثمان، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي علي ~~ففيه دعابة، وأحر به أن يحملهم على الطريق، وإن تولوا سعدا ~~فأهلها هو، وإلا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن خيانة ولا ~~ضعف، ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف، مسدد رشيد، له من الله ~~حافظ، فاسمعوا منه، ثم قال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل ~~عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة إن قدم، ~~وأحضر عبد الله بن عمر، ولا شيء له من الأمر، وقم على رءوسهم، فإن ~~اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد منهم فاشدخ رأسه بالسيف، وإن ~~اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رءوسهما، فإن رضي ~~ثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له ~~فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم ابن عمر فكونوا مع الذين ms142 ~~فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس. # 1 # ولما مات عمر وخرجوا، فقال علي لقوم كانوا معه من بني هاشم: إن ~~أطع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا، وتلقاه العباس فقال: عدلت عنا، ~~قال: وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي ~~رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين منهم عبد الرحمن ~~بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر ~~عثمان، لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان ~~عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله أني لا أرجو إلا ~~أحدهما، فقال له العباس: لم أرفعك في شيء إلا رجعت إلي مستأخرا ~~بما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن تسأله فيمن ~~هذا الأمر فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت، ~~وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت، احفظ ~~عني واحدة، كلما عرض عليك القوم فقل: لا، إلا أن يولوك، واحذر ~~هؤلاء الرهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا ~~به غيرنا، وايم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير، فقال ~~علي: أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى، ولئن مات ليتداولنها ~~بينهم، ولئن فعلوا ليجدني حيث يكرهون، ثم تمثل: # حلفت برب الراقصات عشية # غدون ~~خفافا فابتدرن المحصبا # ليختلين رهط ابن يعمر ~~مارئا # نجيعا بنو الشداخ وردا ~~مصلبا # والتفت فرأى أبا طلحة، فكره مكانه، فقال أبو طلحة: لم ترع ~~أبا الحسن. # فلما مات عمر وأخرجت جنازته تصدى علي وعثمان أيهما يصلي ~~عليه، فقال عبد الرحمن: كلاكما يحب الإمرة، لستما من هذا في شيء، ~~هذا والله صهيب استخلفه عمر يصلي بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس ~~على إمام، فصلى صهيب، ثم اجتمع أهل الشورى في بيت المسور بن مخرمة، ~~وقيل: بل في بيت المال، أو في حجرة عائشة، وهم خمسة ومعهم ابن عمر، ~~وطلحة غائب، وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم، ms143 وتنافس القوم في الأمر، ~~وكثر بينهم الكلام، فقال أبو طلحة: أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني ~~لأن تنافسوها، لا والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم على الأيام ~~الثلاثة التي أمرتموها، ثم أجلس في بيتي فأنظر ما تصنعون، فقال ~~عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها ~~أفضلكم؟ فلم يجبه أحد، فقال: فأنا أنخلع منها، فقال عثمان: أنا ~~أول من رضي، فإني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: أمين في الأرض، ~~أمين في السماء، فقال القوم: قد رضينا، وعلي عليه السلام ساكت، ~~فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا لتؤثرن الحق ولا ~~تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تأل الأمة، فقال: أعطوني ~~مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل أو غير، وأن ترضوا من ~~اخترت، لكم علي ميثاق الله ألا أخص ذا رحم لرحمه، ولا آلو ~~المسلمين، فأخذ منهم ميثاقا وأعطاهم مثله، فقال لعلي: إنك تقول: ~~أنا أحق من حضر في الأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين، ولم ~~تبعد، ولكن لو صرف هذا عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرهط؟ ~~قال: عثمان، وخلا بعثمان فقال له: تقول شيخ من بني عبد مناف، وصهر ~~النبي وابن عمه، لي سابقة وفضل، لم تبعد، فلم يصرف هذا الأمر عني، ~~ولكن لو لم تحضر فأي هؤلاء الرهط أحق؟ قال: علي، ثم خلا بسعد فكلمه ~~بذلك، فقال: عثمان، ثم خلا بالزبير فقال: عثمان، ثم طاف عبد الرحمن ~~بأصحاب رسول الله وأمراء الأجناد وأشراف الناس يدعو لعثمان، حتى ~~إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الأجل أتى منزل المسور ~~بن مخرمة، فاستدعى الزبير وسعدا، فقال الزبير: نصيبي لعلي، وقال ~~سعد: إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أولى، بايع لنفسك ~~وأرحنا، فقال: يا أبا إسحاق، أنا خلعت نفسي منها على أن ~~أختار. # ثم خرج سعد والزبير واستدعى عليا فناجاه طويلا، ثم ذهب وهو لا ~~يشك في أنه صاحب الأمر، واستدعى عثمان فناجاه ووقع عليه اختياره، ms144 ~~ثم جمع عبد الرحمن الناس، فقال: إني قد نظرت وشاورت، فإذا أكثر ~~الناس لا يعدلون بعثمان، فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله، ثم ~~قدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه عثمان، فقيل له: بايع عثمان، ~~فأتاه فقال: أكل الناس بايعوك؟ قال: نعم، ثم وجد أن أكثر الناس ~~بايعوه، فبايعه، وهكذا تمت بيعة عثمان، وإلى ذلك أشار الفرزدق ~~بقوله: # صلى صهيب ثلاثا ثم أرسلها # على ~~ابن عفان ملكا غير مقصور # خلافة من أبي بكر لصاحبه # كانوا ~~أخلاء مهدي ومأمور # ولما تمت بيعة عثمان وتزاحم الناس في المسجد يبايعونه، وقف على ~~المنبر فقال: «الحمد لله، أيها الناس، اتقوا الله، فإن الدنيا كما ~~أخبر الله عنها # لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار ~~نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من ~~الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور ~~، فخير العباد فيها من عصم الله واستعصم ~~بالله وبكتابه، وقد وكلت من أمركم بعظيم، لا أرجو العون عليه إلا ~~من الله، ولا يوفق للخير إلا الله، وما توفيقي إلا بالله، توكلت ~~عليه وإليه أنيب.» وكان ذلك يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة ~~سنة 23ه، فاستقبل بخلافة المحرم سنة 24ه، وقيل: بل استخلف لثلاث ~~مضين من المحرم سنة 24ه. # الفصل الرابع # | أعماله في خلافته، وفتوحاته # أول عمل قام به عثمان في خلافته هو أنه أقر عمال عمر على ~~الأمصار، فأقر نافع بن الحارث الخزاعي على مكة، وسفيان بن عبد الله ~~الثقفي على الطائف، ويعلى بن منبه على صنعاء، وعبد الله ~~بن أبي ربيعة على الجند، وأبا موسى الأشعري على البصرة، وعمرو بن ~~العاص على مصر، وعمر بن سعد على حمص، ومعاوية بن أبي سفيان على ~~دمشق، وعثمان بن أبي العاص على البحرين وما والاها، ولم يعزل منهم ~~سوى المغيرة بن شعبة، فإنه عزله من الكوفة وولاها سعد ~~بن أبي وقاص، وقد كان أبرز هؤلاء الولاة نشاطا في عهد عثمان ~~ولاة الكوفة ms145 والبصرة ومصر والشام، وفيما يلي تفصيل أحوال هذه ~~الأمصار: ~~(1) الكوفة # يظهر أن عثمان ولى سعدا على الكوفة عملا بوصية عمر، فإنه ~~لم يعزله لخيانة، وإنما اقتضت ذلك المصلحة العامة، ولما سار ~~سعد إليها بعث معه عبد الله بن مسعود على الخراج، فأقام سعد ~~فيها سنة ثم عزله عثمان لخلاف وقع بينه وبين ابن مسعود، سببه ~~أن سعدا اقترض من ابن مسعود مالا، فلما تقاضاه إياه لم يجد ~~سعد مالا يفي دينه، فطلب منه التأجيل فلم يقبل، وحصل بينهما ~~في ذلك نزاع انقسم بسببه المسلمون، فتعصب لهذا نفر ولذاك ~~نفر، وبلغ ذلك عثمان فغضب وعزل سعدا، وولاها الوليد بن عقبة ~~بن أبي معيط، وأمه أم عثمان، وعزل عتبة بن فرقد عن أذربيجان ~~التي كانت تابعة للكوفة، فانتقض أهلها، فغزاهم الوليد، فاضطروا ~~إلى مصالحته. # ثم ثار أهل أرمينية، وكانت تابعة للكوفة أيضا، فبعث إليهم ~~سلمان بن ربيعة الباهلي في اثني عشر ألفا فأخضعهم ورجع إلى ~~الوليد بغنائمهم، ثم كتب عثمان إلى الوليد بن عقبة أن يمد أهل ~~الشام بجيش يقوده رجل من أهل النجدة، فبعث الوليد ثمانية آلاف ~~بقيادة سلمان بن ربيعة الباهلي، فقدم الشام وحارب الروم مع جيش ~~معاوية، وأبلوا في ذلك أحسن البلاء، # 1 # وبقي الوليد بن عقبة أميرا على الكوفة حتى شهد ~~عليه جماعة من أهلها بأنه شرب الخمر، فعزله عثمان عن إمارته، ~~وجلده حد الشرب أربعين جلدة كما أفتى بذلك علي بن أبي طالب، ~~وولى مكانه سعيد بن العاص، فلما وصل الكوفة صعد منبرها، فحمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال: «والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ~~ولكني لم أجد بدا إذ أمرت أن أأتمر، ألا وإن الفتنة قد ~~أطلعت خطمها وعينها، والله لأضربن وجهها أو تعييني، وإني لرائد ~~نفسي اليوم.» ثم إنه أخذ يرتب أحوال مدينته، فعلم أن طوائف من ~~الأعراب قد نزلوا المدينة وسيطروا على أمورها، وأن أشراف أهلها ~~الأقدمين قد غلب على أمرهم، فكتب إلى عثمان يستأمره في ذلك، ~~فكتب إليه: «أما بعد ففضل أهل السابقة ms146 والقدم ومن فتح ~~الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها من غيرهم تبعا لهم، إلا ~~أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوه وقام به هؤلاء، واحفظ لكل ~~منزلته، وأعطهم جميعهم بقسطهم من الحق، فإن المعرفة بالناس ~~يصاب بها العدل.» # فأرسل سعيد إلى أهل القادسية وغيرها من أصحاب الأيام والفتوح ~~فقال لهم: «أنتم وجوه الناس، والوجه ينبئ عن الجسد، فأبلغونا ~~حاجة ذوي الحاجة.» وأدخل معهم من يحتاج إليه من اللواحق ~~والروادف، وقرب إليه القراء، ولكن ذلك لم يعجب الناس ~~فاضطربوا. قال الطبري: فكأنما كانت الكوفة يبسا شعلته نار، ~~وفشت القالة والإذاعة، فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فنادى منادي ~~عثمان: «الصلاة جامعة!» فاجتمعوا، فأخبرهم بالذي كتب به إلى ~~سعيد، وبالذي كتب به إليه، وبالذي جاءه من القالة والإذاعة، ~~فقالوا: أصبت، فلا تسعفهم في ذلك، ولا تطمعهم فيما ليسوا له ~~بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها ~~وأفسدها، فقال عثمان: «يا أهل المدينة، استعدوا واستمسكوا؛ فقد ~~دبت إليكم الفتن.» ونزل فأوى إلى منزله. # 2 # أما سعيد فإنه اهتم بأمر الناس، ورأى أن خير وسيلة لتهدئة ~~الاضطرابات هي في إرسالهم للفتح، فبعث جموعا فيها الحسن ~~والحسين أبناء علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وحذيفة ~~بن اليمان، ففتحت طبرستان وصالحهم أهلها، وكان ذلك في سنة 30ه، ~~وسار سعيد نفسه ومعه جمع من كبار الصحابة فيهم حذيفة بن اليمان ~~مددا لعبد الرحمن بن ربيعة الباهلي الذي كان بالباب، فلما ~~بلغوا أذربيجان سير سعيد حذيفة وقام هو ردءا له، فسار حذيفة ~~وغزا وفتح، وفي سنة 32ه، بعث سعيد عبد الرحمن بن ربيعة لغزو ~~الترك والخزر، فأوغل في بلادهم، ثم تجمعوا عليه ففرقوا جيشه ~~وقتلوه، فلحقت فلول جيشه بأخيه سليمان بن ربيعة الباهلي الذي ~~كان سعيد قد أرسله مددا لأخيه، وساروا نحو «جيلان»، و«جرجان» ~~اللتين كان جيش المسلمين يحاصرهما، فأمدوهم وأعانوهم على ~~العدو. # ثم إن سعيد بن العاص رحل إلى المدينة للقاء أمير المؤمنين ~~بعد أن استخلف على الكوفة عمرو بن حريث، فقام ms147 جماعة من أهل ~~الكوفة كرهوا ولاية سعيد واتفقوا على التوجه إلى عثمان، فلقيهم ~~سعيد في الطريق وعلم ما يريدون، فسار إلى عثمان وأخبره أن ~~القوم لا يريدونه، وأنهم يحبون أبا موسى الأشعري، فولاه ~~عثمان عليهم، وكتب إلى أهل الكوفة يقول: «أما بعد فقد ~~أمرت عليكم من اخترتم، وأعفيتكم من سعيد، والله لأقرضنكم ~~عرضي ولأبذلن لكم صبري، ولأستصلحنكم بجهدي، فلا تدعوا شيئا ~~أصبتموه لا يعصى الله فيه إلا استعفيتم منه أنزل فيه عند ما ~~أحببتم، حتى لا يكون لكم على الله حجة، ولنصبرن كما أمرنا ~~حتى تبلغوا ما تريدون.» ثم جاء أبو موسى الكوفة، وخطب أهلها ~~وأمرهم بلزوم الجماعة، ولم يزل أميرا عليها حتى مقتل ~~عثمان. ~~(2) البصرة # تولى أمر البصرة في خلافة عثمان أبو موسى الأشعري الذي كان ~~عمر قد ولاه إياها، فظل فيها إلى سنة 29ه، ثم عزله عثمان ~~بعبد الله بن عامر بن كريز بعد أن ضم إليه عمان والبحرين، ~~ولم يلبث عبد الله بن عامر أن يصل حتى علم بانتقاض أهل فارس ~~بأميرهم عبيد الله بن معمر، فسار إلى فارس وقاتلهم وهزمهم، ~~وفتح إصطخر عنوة، وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، ووطئ أهل فارس ~~وطأة لم يزالوا منها في ذل، وفي سنة 31 قتل يزدجرد آخر ملوك ~~الفرس، وأخبار المؤرخين مضطربة في كيفية قتله وأسبابه، إلا ~~أنهم اتفقوا على أنه قتل وحيدا طريدا لم يغن عنه هذا ~~الملك الواسع شيئا، واتفقوا على أنه قتل بيد أعجمية، وكان ~~يتمنى أن لو كان وقع بيد العرب المسلمين، فإنهم كانوا يبقون ~~عليه حيا. # 3 # وفي تلك السنة (31ه) سار عبد الله بن عامر في جمع كبير لفتح ~~خراسان التي انتقض أهلها حين علموا بمقتل عمر (رضي الله عنه)، ~~فلما وصل إلى «الطبسين» وهما: بابا خراسان، تلقاه أهلها ~~بالصلح فصالحهم، ثم سار إلى قهستان فصالحه أهلها، ثم قصد ~~نيسابور فصالحه أهلها كذلك، ثم بقي هناك ووجه الأحنف بن قيس ~~إلى طخارستان ومرو الروذ، فلقيته جموع كثيرة من الفرس، فمكنه ~~الله منهم، وتمكن الأحنف ms148 من فتح الطالقان وبلخ، وسار نحو ~~خوارزم فلم يتمكن من فتحها، فعاد. # ثم رجع ابن عامر إلى البصرة بعد أن فتح الله على يديه ملك ~~فارس كله بعد انتقاضه، وقال: لأجعلن شكري لله على ذلك أن أخرج ~~معتمرا من موقفي هذا، وفي عهد إمارة ابن عامر ظهر عبد الله ~~بن سبأ في البصرة؛ فقد بلغ ابن عامر أن رجلا من اليهود أسلم ~~وأظهر أقوالا غريبة، وأنه نزل في بني حكيم بن جبلة العبدي، ~~وأن له آراء غير مقبولة، فاستدعاه ابن عامر فسأله: من أنت؟ ~~فقال: أنا رجل من أهل الكتاب، رغبت في الإسلام وفي جوارك، ~~فقال: ما بلغني عنك، اخرج عني، فخرج حتى أتى الكوفة، فأخرج ~~منها، ثم أتى الشام فأخرج منها، ثم أتى الحجاز فأخرج منه، ~~فأتى مصر فعشش فيها وباض وفرخ، وكان له أقوال عجيبة، منها ~~قوله: «عجبت ممن يصدق برجوع المسيح، ولا يصدق برجوع محمد!» ~~وكان هذا ابتداء القول بالرجعة، وكان يقول: «إن عليا وصي ~~محمد وقد غصبه من ولي قبله، فالواجب على المسلمين أن يعيدوا ~~الأمر لأصحابه.» وقد تبعه بمصر وغيرها جمع كثير، وقد لعب ~~دورا كبيرا في إثارة الفتن كما سنرى بعد إن شاء الله. # 4 ~~(3) الشام # كان الشام في عهد عمر بيد معاوية، فأقره عثمان على عمله، ~~وانصرف معاوية إلى تقوية الثغور والاستعداد لقتال الروم، ففي ~~السنة الثانية من ولاية عثمان غزا معاوية الروم وبلغ عمورية، ~~وأنزل في الحصون التي بين «أنطاكية» و«طرسوس» ثم رجع، فأمره ~~الخليفة أن يغزي حبيب بن مسلمة الفهري أرمينية وما إليها، ~~فوجهه إليها، وفتح «قاليقلا» وصالح أهلها، ثم كتب إلى عثمان ~~ينبئه أن بطريق أرمينية قد جمع جموعا كثيرة للمسلمين فأمده ~~الخليفة بسلمان بن ربيعة، ومكن الله للمسلمين من الأرض، ففتح ~~الله على أيديهم تلك البلاد حتى بلغ «تفليس» و«أران» ~~و«برذعة» ففتحها صلحا. # وفي سنة 28ه فتح معاوية جزيرة قبرص بعد أن استأذن عثمان فأذن ~~له، وقد كان عمر ينهاه عن ذلك خوفا على المسلمين، وكان في ~~الأسطول العمري ms149 نفر كبير من الصحابة أمثال: أبي الدرداء، ~~وشداد بن أوس، وأبي ذر، وعبادة بن الصامت، وزوجته أم حرام بنت ~~ملحان التي أخبرها رسول الله أنها ستكون في أول من يغزو البحر، ~~وقد أمده أمير مصر عبد الله بن سعد بنفسه وبأسطول كبير، ~~فاجتمعا على قبرص، واضطر صاحبها أن يصالحهم على سبعة آلاف كل ~~سنة يؤدون إلى الروم مثلها، لا يمنعهم المسلمون من ذلك، وليس ~~على المسلمين منعهم ممن أرادوهم من ورائهم، وعليهم أن يعلموا ~~المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم، ويكون طريق المسلمين إلى ~~العدو عليهم، وفي هذه الغزوة ماتت أم حرام، ورجع معاوية بعد أن ~~استعمل عبد الله بن قيس على غزو الروم، فغزا نحوا من خمسين ~~غزوة بين صائفة وشاتية في البر والبحر. # وفي سنة 30ه. شكا معاوية أبا ذر لعثمان؛ لأنه كان يرى أنه لا ~~ينبغي للمسلم أن يكون في ملكه أكثر من قوت يوم وليلة أو شيء ~~قليل ينفقه في سبيل الله، وكان أبو ذر يقوم في أهل الشام ~~ويقول: «يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء وأحسنوا إليهم، ~~وقاسموهم أموالكم ...» وأخذ يحرض الفقراء على الأغنياء حتى خاف ~~معاوية الفتن، فاستدعى عثمان أبا ذر إليه، ثم نفاه إلى ~~«الربذة» بعد أن أقطعه قطعة من الإبل، وأجرى عليه العطاء، فبقي ~~هناك إلى أن هلك رحمه الله. ~~(4) مصر # ظلت مصر تحت إمرة عمرو بن العاص فاتحها في عهد عمر، ولما ~~استخلف عثمان أقره على عمله، وفي السنة الثانية من خلافته علم ~~عمرو أن روم القسطنطينية قد كتبوا إلى روم مصر يدعونهم إلى نقض ~~العهد والثورة على المسلمين، فأجابوهم إلى ذلك وثاروا، حاشا ~~المقوقس فإنه حافظ على عهده، ولما بلغ ذلك عمرا سار إلى ~~الإسكندرية فلقيه رومها ومن جاءهم من روم القسطنطينية، وجرت ~~بين الطرفين معارك كثيرة هزم فيها الروم وهدم سور ~~المدينة. # وفي تلك السنة سير عمرو بن العاص عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح غازيا في شمال إفريقية ففتح وغنم، وأنفله عثمان ~~خمس الخمس، ثم رجع بعد أن ms150 صالحه ملك إفريقية، ولم يلبث أن أخذ ~~يهيئ نفسه لغزو إفريقية ثانية، فخرج إليها في جمع عظيم، ~~والتقى بملك إفريقية الذي ولاه الروم عليها من حدود طرابلس إلى ~~طنجة، وامتدت المعارك بين الجانبين عند «سبيطلة» عاصمة الملك، ~~وأمد عثمان المسلمين بجيش على رأسه عبد الله بن الزبير، ~~فانهزم المشركون وقتل ملك إفريقية، وصالح عبد الله بن أبي سرح ~~أهل إفريقية على ألف ألف وخمسمائة دينار، وأرسل إلى عثمان ~~بالبشارة والأخماس وعاد هو من إفريقية، وكان مقامه فيها سنة ~~وربعا. ~~(5) الفتوحات في عهده # رأينا أن عمال عثمان في العراق ومصر والشام قد نشطوا في ~~الفتوح، وفي إعادة من انتقض من أهل البلاد المفتوحة في عهد ~~عمر، ويمكننا إجمال هذه الأحداث كما يلي: ~~(1) # المشرق: أعاد المسلمون فتح إيران وخراسان وبلخ، ~~وفتح بلاد طبرستان ومصر وسرخس وبلاد الخزر ~~والديلم، حتى وصلوا «بلنجر» وهي أكبر مدنهم، وتقع ~~خلف دربند - باب الأبواب - ولكن الترك تجمعوا ~~عليهم فهزموهم. ~~(2) # آسيا الصغرى: عني معاوية بفتح بلاد آسيا الصغرى ~~وجزائر بحر الروم، فوصلت جيوشه إلى «عمورية» قرب ~~«بروسة»، وافتتحها واستولى على جزيرتى: قبرص ~~ورودس، وفتح كثيرا من الحصون، ودخل أرمينية حتى ~~وصل إلى «قاليقلا» و«تفليس». ~~(3) # إفريقية: سار عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى ~~إفريقية الشمالية، ولما انقطعت أخباره أمده ~~عثمان بعبد الله بن الزبير، فتمكن من إخضاع شمالي ~~إفريقية كله، وغزا بلاد النوبة، فبلغ «دنقلة» ~~وصالح أهلها. # الفصل الخامس # | في الأحداث الكبرى في خلافته # (1) سقوط الخاتم النبوي من يد عثمان في «بئر أريس» # وهو بئر على ميلين من المدينة؛ فقد روى المؤرخون أن رسول ~~الله لما أراد أن يكتب إلى الأعاجم كتبا يدعوهم فيها إلى ~~الإسلام قيل له: إنهم لا يقبلون الكتاب إلا أن يكون مختوما، ~~فأمر رسول الله أن يعمل له خاتم من فضة نقش عليه: «محمد رسول ~~الله»، فجعله في إصبعه، وكان هذا الخاتم في يده حتى قبضه الله ~~إليه، ثم استخلف أبو بكر فتختم به حتى مات، فلما ولي عمر ~~جعل يتختم به حتى ms151 مات، فلما ولي عثمان تختم به ست سنوات، ولما ~~كانت سنة 30 للهجرة حفر «بئر أريس» للمسلمين، فقعد على رأس ~~البئر، فجعل يعبث بالخاتم ويديره بأصبعه فانسل من يده ووقع ~~في البئر، فطلبوه منها ونزحوا ما فيها من ماء، وجعل فيه مالا ~~عظيما لمن وجده، فلم يجدوه، واغتم لذلك غما شديدا، فلما ~~يئس منه أمر فصنع له خاتم آخر من فضة على مثاله، فلما قتل ~~ذهب الخاتم من يده، فلم يدر من أخذه. ~~(2) فتنة أهل الكوفة # اجتمع نفر من سراة أهل الكوفة ووجوههم إلى أميرهم سعيد ~~بن العاص، وعاتبوه على أمور ظهرت في عهد عثمان، منها: استبداد ~~قريش بأموال السواد العراقي، وتملكها لأطايب الأرض وخيراتها، ~~وعظمت روح التمرد والفتنة بين صفوفهم، وأحس سعيد بن العاص ~~ببادرة سوء فكتب بذلك إلى عثمان كما أسلفنا، فأجابه عثمان أن ~~يبعث برؤساء أهل الفتنة إلى معاوية، فأتوه وهم بضعة عشر رجلا، ~~وكان عثمان قد كتب إليه: «إن أمير الكوفة قد أخرج إليك نفرا ~~خلقوا للفتنة، فرعهم وقم عليهم، فإن آنست منهم رشدا فاقبل ~~منهم، وإن أعيوك فارددهم عليه، فلما دخلوا الشام رحب بهم ~~معاوية وأنزلهم في كنيسة مريم، وأجرى عليهم ما كان يجري عليهم ~~في العراق، وجعل لا يزال يتغدى ويتعشى معهم، وقال لهم ~~يوما: إنكم من العرب ولكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام ~~شرفا، وغلبتم الأمم وحويتم مراتبهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم ~~نقمتم قريشا، ولو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم، إن أئمتكم لكم ~~إلى اليوم جنة، لتنتهن أو ليبتلينكم بمن يسومكم، ثم لا ~~يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في ~~حياتكم وبعد موتكم، فقال رجل من القوم: أما ما ذكرت من قريش، ~~فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا، وأما ~~ما ذكرت من الجنة فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا، فقال ~~معاوية: عرفتكم الآن، علمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، ~~وأنت خطيب القوم ولا أرى لك عقلا، أعظم عليك أمر الإسلام ~~وأذكرك به ms152 وتذكرني بالجاهلية وقد وعظتك، وتزعم لما يجنك ~~أنه يخترق ولا ينسب ما يخترق إلى الجنة، أخزى الله أقواما ~~أعظموا أمركم ورفعوا إلى خليفتكم، افقهوا ولا أظنكم تفقهون إن ~~قريشا لم تعز في الجاهلية ولا إسلام إلا بالله عز وجل، ولم ~~تكن بأكثر العرب ولا أشدهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا، ~~وأمحضهم أنسابا، وأعظمهم أخطارا، وأكملهم مروءة.» # 1 # وكتب معاوية إلى عثمان أنه قدم علي أقوام ليست ~~لهم عقول ولا أديان، أثقلهم الإسلام وأضجرهم العدل، لا يريدون ~~الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة، إنما همهم الفتنة وأموال أهل ~~الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم ثم فاضحهم ومخزيهم. # ثم خرج القوم من الشام ولم يذهبوا إلى الكوفة لئلا يشمت ~~بهم الناس، بل تفرقوا في الجزيرة والشام. # 2 ~~(3) الفتنة العظمى # تولى عثمان الخلافة وهو شيخ قد ناهز السبعين من عمره، وكان ~~سهلا لينا مداريا، ولم يكن عنده حزم أبي بكر، ولا شدة ~~عمر، وقد طمع المسلمون في لينه، وتنفسوا الصعداء من قوة عمر ~~عليهم؛ فقد سمح لرجالات قريش وكبار الصحابة أن يخرجوا للأمصار ~~ويتملكوا الدور والقصور والعقار، وترك للناس أمر زكاة ~~أموالهم يتصرفون في إنفاقها بالطرق التي يرونها؛ فقد تدفقت ~~الأموال على المدينة، واستغنى الناس كثيرا، وبدأت الثروات ~~تمد أعناقها، فعمت حياة الترف وظهرت بعض الأمور المنكرة ~~التي نهى عنها الإسلام. قال حكيم بن عباد بن حنيف: أول منكر ~~ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى وسع الناس: طيران الحمام ~~والرمي على الجلاهقات، فاستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث ~~سنة ثمان فقصها وكسر الجلاهقات، # 3 # وأخذ عثمان يضرب على أيدي هؤلاء، فتذمروا منه، ~~وأخذوا يعلنون استياءهم من سياسته، ونصرهم أبناء عمومتهم ~~وأهليهم. # وانتهز هذه الفرصة نفر من الصحابة الذين لم تعجبهم سيرة ~~عثمان وليونته، أمثال: عبد الله بن مسعود الهذلي، وأبي ذر ~~الغفاري، وعمار بن ياسر، فأخذوا ينشرون في المجالس أقوالا ~~يتهجمون فيها على الخليفة عثمان ويبينون هناته، وانتصرت ~~بنو هذيل لعبد الله بن مسعود، وكذلك فعلت بنو غفار انتصارا ~~لأبي ذر، وأخذت بذور الثورة على حكم ms153 عثمان تغرس في الحجاز ~~ومصر، وخصوصا حين أقدم عثمان على بعض الأمور التي لم يفعلها ~~صاحباه أبو بكر وعمر من قبل، كإقطاع الأرضين، ومنح القطائع ~~الكبيرة لبعض أقاربه، وهو أول من فعل ذلك، كما أنه أول من حمى ~~الحمى، وأول من أخفض صوته في التكبير، وأول من أمر بالأذان ~~الأول يوم الجمعة، وأول من قدم الخطبة في العيد على الصلاة، ~~وأول من فوض إلى الناس إخراج زكاتهم، إلى أشياء أخرى أداه ~~اجتهاده إلى إباحتها للناس ولم يكن الرسول ولا أبو بكر ولا عمر ~~قد أذنوا بها ولا فعلوها، فغضبت العامة وجمهور المسلمين من ~~ذلك. # وقد استغل نفر من كبار رجالات قريش وزعماء العرب ليونة عثمان ~~فأخذوا يجمعون الأموال ويبذخون، فتقولت العامة عليهم وعلى ~~عثمان، حتى قال المسعودي المؤرخ: «في أيام عثمان اقتنى جماعة ~~من أصحابه الضياع والدور، منهم الزبير بن العوام؛ فقد بنى داره ~~بالبصرة وهي المعروفة في هذا الوقت - وهو سنة 32 - تنزلها ~~التجار وأرباب الأموال وأصحاب الجهات من البحرين وغيرهم، ~~وابتنى أيضا دورا بمصر والكوفة والإسكندرية، وما ذكروه من ~~دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية، وبلغ مال الزبير ~~بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف الزبير ألف فرس وألف ~~عبد وألف أمة وخططا بحيث ذكرنا من الأمصار. # وكذلك كان طلحة بن عبيد الله التيمي ، ابتنى داره بالكوفة ~~المشهورة به هذا الوقت، وهي المعروفة بالكناس بدار الطلحتين، ~~وكانت غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك، ~~وبناحية سراة أكثر مما ذكرنا، وشيد داره بالمدينة وبناها ~~بالآجر والجص والساج. # وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري، ابتنى داره ووسعها، وكان ~~على مربطه مائة فرس، وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ ~~ريع ثمن ماله أربعة وثمانين ألفا. وابتنى سعد داره بالعقيق، ~~فرفع سمكها ووسع فضاءها، وجعل أعلاها شرفات. وذكر سعيد ~~بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف من الذهب والفضة ما ~~كان يكسر بالفئوس، غير ما خلف من الضياع والأموال بقيمة ~~مائة ألف دينار. ms154 # وابتنى المقداد بن الأسود داره بالمدينة في الموضع المعروف ~~بالجرف، وجعل أعلاها شرفات، وجعلها مجصصة الباطن والظاهر، ومات ~~يعلى بن أمية وخلف خمسمائة ألف دينار وديونا على الناس ~~وعقارات وغير ذلك من التركة ما قيمته مائة ألف دينار.» # 4 # ويعلق المسعودي على هذا بقوله: وهذا باب يتسع ~~ذكره، ويكثر وصفه فيمن تملك من الأموال في أيامه، ولم يكن من ~~ذلك في عصر عمر بن الخطاب، بل كانت جادة واضحة وطريقة ~~بينة. # وكان إلى جانب هؤلاء الذين أثروا جماعات ظلوا فقراء كما ~~كانوا في العهد السابق، يتحرجون من كنز الأموال، وعلى رأس ~~هؤلاء: أبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر اللذان كانا يكرهان أن ~~ينصرف رجال الإسلام عن الدعوة السامية التي جاء الرسول من ~~أجلها، والتي سار عليها خليفتاه الراشدان من بعده أبو بكر ثم ~~عمر؛ ولذلك حنقوا على عثمان وعلى طلحة وعبد الرحمن بن عوف ~~وغيرهما ممن خرجوا إلى الأقاليم الإسلامية النائية عن الحجاز، ~~وأنشئوا لأنفسهم وأهليهم أرستقراطيات دينية تعتمد على ~~الإسلام، وصحبة الرسول، وسابقة الإسلام، وتستغل ذلك لكنز الذهب ~~والفضة وبناء القصور، واستغلال جماهير العامة لمصلحتهم ~~الفردية. # وكان وراء هذين الفريقين - المتمولين والزهاد - طبقة ~~ثالثة قد حنقت لضيق ذات يدها وقلة الأموال التي وصلت إليها في ~~الفتوح، وكان جل هذه الطبقة من البدو والأعراب الذين رأوا تمتع ~~قريش وحدها بالمنافع فحقدوا عليها، وقد رأينا طرفا من أحوالهم ~~وأحاديثهم مع معاوية في كلامنا عن الفتنة في الكوفة، وقد كان ~~هؤلاء الأعراب منتشرين في العراق والشام ومصر والحجاز، وكانوا ~~يؤمنون بأن قريشا هي المسئولة عن هذه الفوضى، وأن الخليفة ~~عثمان هو المسئول الأول عن كل ذلك، فأخذوا يعلنون تذمرهم ~~وينشرون فكرة إعلان الثورة والتمرد على الخليفة في المدينة ~~وسائر الأقاليم، وانتهز بعض ذوي الأغراض الخبيثة هذه الفرصة ~~لإثارة الرأي العام على الخلافة. وكان عبد الله بن سبأ على رأس ~~هؤلاء المجرمين؛ فأخذ ينتقل في البلاد الإسلامية ويحرض ~~الناس على عثمان وعماله، ولقي من أبي ذر أذنا صاغية فانساق ~~وراء دعوة ابن سبأ ms155 ونشط في حركته، حتى اضطر معاوية أن يبعثه ~~أسيرا إلى الخليفة، فلم يرتدع عن الدعوة لفكرته الثائرة، ~~واضطر الخليفة أن ينفيه إلى الربذة. ولا شك عندنا أن أبا ذر ~~كان حسن النية، مخلصا في فكرته، ولكن ابن سبأ الخبيث استغل ~~طيبة قلبه فأثاره من حيث لا يدري ما هي أهدافه، إلى أن وقعت ~~الفتنة الكبرى، وكانت البصرة ومصر أخصب الأرضين لنمو فكرة ~~الثورة. # ولكن عبد الله بن عامر أمير البصرة تمكن من طرد ابن سبأ، ~~فرحل عن البصرة إلى الكوفة، فأخذ يشتم عثمان وعماله جهارا، ~~فطرده أمير الكوفة، فأتى إلى الشام، ولكن معاوية كان له ~~بالمرصاد، فهرب منها إلى مصر، فعشش فيها وفرخ، وأخذ يكاتب ~~ثوار البصرة والكوفة وينقل أخبارهم إلى المصريين، وينقل أخبار ~~المصريين إليهم، وأخذوا يتكاتبون ويتبادلون الرسائل، فتزعم ~~ابن سبأ الفتنة، وبث الدعاة في الأقاليم يدعون لعلي ~~بن أبي طالب، وينشرون فكرة رجوع النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # من جديد، ~~ويتهمون أبا بكر وعمر وعثمان باغتصاب حق علي عليه السلام، ~~ويؤلبون الناس على عثمان الغاصب للخلافة والمستهتر ~~بها. # وكان ابن سبأ حين يبعث الدعاة يقول لهم: «أيها الناس، إن ~~عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وهذا علي وصي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~فانهضوا في هذا الأمر وحركوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم، ~~وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، ~~وادعوا إلى هذا الأمر.» # 5 # وقد انضم إلى هذه الفئة الحانقة جماعة من أبناء ~~كبار الصحابة أمثال: محمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي بكر ~~الصديق، أما محمد بن أبي حذيفة فقد كان تربى في كنف عثمان ~~بعد وفاة أبيه، فلما تولى عثمان طلب إليه أن يوليه بعض ~~الولايات فلم يقبل عثمان؛ إذ بلغه أنه شرب الخمر مرة، ثم إنه ~~قصد مصر وخرج في غزوة ذات السواري مع ابن أبي سرح، فوقعت خصومة ~~بينه وبين ابن أبي سرح، فحقد عليه وعلى عثمان، ولما جاء ~~ابن سبأ إلى مصر وأخذ يدعو لعلي انضم إلى هذه الدعوة كرها ms156 في ~~عثمان وعماله. # وأما محمد بن أبي بكر فقد كان ربيب الإمام علي عليه السلام؛ ~~لأنه كان تزوج أمه أسماء بنت عميس بعد وفاة أبي بكر، وكان محمد ~~بن أبي بكر والحسين بن علي عديلين؛ لأنهما تزوجا ابنتي يزدجرد ~~الثالث ملك فارس، فلذلك انضم إلى الحركة العلوية، ولما علم ~~محمد بن أبي بكر بأن مروان بن محمد كاتب عثمان قد كتب إلى عامل ~~مصر ابن أبي سرح أن يقتل محمد بن أبي بكر ازدادت نقمته على ~~عثمان، وأخذ يحرض الناس عليه. # ولما بلغت عثمان أنباء هذه الاضطرابات والأقوال في مصر ~~والبصرة والكوفة رأى أن يتحقق أسبابها بنفسه، فبعث محمد ~~بن سلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعمار بن ياسر ~~إلى مصر، كما أراد أن يتبين حقيقة الحال في الشام فبعث ~~عبد الله بن عمر إليها، وذهب كل إلى حيث بعث به، ورجع الجميع ~~إلا عمارا، فإن الثوار استمالوه إلى صفوفهم، وبين كل من ~~محمد بن سلمة، وأسامة بن زيد، وابن عمر، أسباب هذه الفتنة وما ~~ينقمه الناس على عثمان، وأن سبب ذلك كله هو السخط الذي سببه ~~ضعف الخليفة ولينه واستبداد قريش بالأمر، فأراد عثمان إصلاح ~~الأمر، ولكن الوقت كان قد فات، فإن ابن سبأ قد اتفق هو وابن ~~حذيفة على أن يكتب إلى ثوار العراق أن يشخصوا إلى المدينة، ~~واتفقوا على وقت معين على ذلك، فذهب ثوار مصر إلى الحجاز، ~~واجتمعوا في الوقت المعين بثوار العراق خارج المدينة، وأخذوا ~~يبحثون في الأمور، واتفقوا على وجوب خلع عثمان واستخلاف آخر ~~مكانه، فقال الكوفيون: نوليها طلحة، وقال البصريون: نوليها ~~الزبير، وقال المصريون: بل علي بن أبي طالب. ولكن عثمان بعث ~~إليهم فاستدعاهم وفدا وفدا، فأما أهل مصر فإنه استدعاهم ~~وألان لهم القول، واتفق وإياهم على تلبية كل ما طلبوه، فقفلوا ~~راجعين إلى مصرهم، وبينما هم في الطريق رأوا راكبا يتعرض لهم ~~تارة ويفارقهم تارة أخرى، فتعقبوه وفتشوه فوجدوا معه ~~كتابا على لسان عثمان وعليه خاتمه إلى عامله على مصر ms157 يأمره ~~فيه أن يستأصل شأفة هذا النفر من الثوار المصريين، وبخاصة محمد ~~بن أبي بكر، وابن أبي حذيفة، فقفلوا راجعين إلى المدينة ودخلوا ~~على عثمان وأروه الكتاب، فحلف أنه لا علم له به، فطلبوا منه أن ~~يسلم إليهم كاتبه مروان بن محمد فأبى أن يسلمهم إياه، فرجعوا ~~إلى إخوانهم من ثوار الكوفة والبصرة، واتفقوا على خلع ~~عثمان. # وأتى المصريون عليا وأعلموه بما عزموا عليه، فصاح بهم ~~وطردهم، وقال لهم: لقد علم الصالحون أنكم ملعونون على لسان ~~محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وكذلك فعل طلحة والزبير، فانصرف الجميع مظهرين ~~الرجوع إلى بلادهم، وهم يبثون الثورة والفتك بعثمان، واتفق ~~أمرهم على أن يحاصروا عثمان في داره ويطلبوا منه الاستقالة ~~وأن يخلع نفسه، فقال عثمان: لا أخلع قميصا ألبسنيه الله عز ~~وجل. وضيق الثوار الحصار عليه حتى منعوه من الصلاة في ~~المسجد، فأرسل عثمان إلى الإمام علي وطلحة والزبير، فحضروا، ~~فأشرف عليهم فقال: أيها القوم، اجلسوا، فجلسوا، ثم قال: «يا ~~أهل المدينة، أستودعكم الله وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة ~~بعدي، ثم قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أنكم عند مصاب عمر سألتم ~~الله أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم؟ أتقولون إن الله لم ~~يستجب لكم؟ وهنتم عليه وأنتم أهل حقه؟ أم تقولون هان على الله ~~دينه فلم يبال من ولى، والدين لم يتفرق أهله يومئذ؟ أم ~~تقولون لم يكن أخذ عن مشورة وإنما كان مكابرة، فوكل الله الأمة ~~إذ عصته ولم يشاروا في الإمارة؟ أم تقولون إن الله لا يعلم ~~عاقبة أمري؟ وأنشدكم الله، هل تعلمون أن لي من سابقة خير وقدم ~~خير قدم الله لي بحق على كل من جاء منكم بعدي أن يعرفوا لي ~~فضلها، فمهلا، لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى ~~بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفسا بغير حق، فإنكم إذا ~~قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لا يرفع الله عنكم ~~الاختلاف أبدا.» # فقال الثوار: أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر ثم ms158 ولوك ~~فإن كل ما صنع الله خير، ولكن الله جعلك بلية ابتلى بها ~~عباده، وأما ما ذكرت من قدمك وسابقتك مع رسول الله فقد كنت ~~كذلك، وكنت أهلا للولاية، ولكن أحدثت ما علمت، ولا نترك ~~إقامة الحق عليك خوف الفتنة عاما قابلا، وأما قولك إنه لا ~~يحق إلا قتل ثلاثة، فإنا نجد في دين الله غير الثلاثة الذين ~~سميت، قتل من سعى في الأرض فسادا، ثم قاتل على بغيه، وقتل من ~~حال دون شيء من الحق ومنعه وقاتل دونه، وقد بغيت ومنعت وحلت ~~دونه وكابرت عليه ولم تقد من نفسك، وقد تمسكت بالإمارة ~~علينا، فإن زعمت أنك لم تكابر عليها فإن الذين قاموا دونك ~~ومنعوك منا يقاتلون لتمسكك بالإمارة، فلو خلعت نفسك لانصرفوا ~~عن القتال معك. # فلم يجبهم عثمان إلى ما طلبوا، وأخذ ينصحهم ويهددهم، فلم ~~يجد التهديد ولا النصح، وظلوا مصرين على طلب خلعه نفسه ~~فلم يقبل، وقدم كثير من أهل المدينة يطلبون إليه أن يذبوا ~~عنه، فأمرهم بالانصراف وعدم مقاتلة الثوار، فلعل عقولهم تحول ~~دون إحداث الفتنة في حرم الله، وكان يكثر الخطب في الثوار، ~~ويرسل إليهم كبار الصحابة كالإمام علي، وطلحة، وعبد الله ~~بن عباس وغيرهم يعدهم بإجابة مطالبهم، فيأبون إلا عنادا ~~وفسادا، ثم عزموا أن يقطعوا عنه الماء والغذاء، فنهاهم الإمام ~~علي بن أبي طالب عن ذلك فلم ينتهوا، وجاءته أم حبيبة بنت ~~أبي سفيان بإداوة ماء فضربوا وجه بغلتها بالسيف ونفرت، وكادت ~~أم المؤمنين أن تسقط عنها، ثم تراجعت، ولما اشتد العطش بأمير ~~المؤمنين أشرف على الناس، فقال: أنشدكم الله، هل تعلمون أني ~~اشتريت بئر رومة بمالي يستعذب بها، وجعلت رشائي كرجل من ~~المسلمين؟ قالوا: نعم، قال: فلم تمنعوني أن أشرب الماء حتى ~~أفطر على ماء البحر. # وحان موعد الحج وعثمان محصور، والمدينة في بلاء، فطلب عثمان ~~من عبد الله بن العباس أن يحج بالناس، وكتب معه كتابا أبان ~~للناس فيه ظلم الثوار إياه وبهتانهم عليه، وأنه إن كان قد ~~أخطأ في أمر فإنه يتوب ms159 منه، والله يقبل التوبة من عباده، ~~ويعتذر عما بدر من عماله، ويعد الناس بحسن السيرة والعدل وأنه ~~لن يخلع نفسه، ولما قرأ ابن عباس كتاب عثمان يوم التروية وأراد ~~نفر من المسلمين نصرته منعهم الثوار، وخافوا إن طال الأمد أن ~~تأتي الأمداد من الأقاليم إلى عثمان، فقصدوا الدخول عليه ~~واغتياله، ولكن أبناء الصحابة وقفوا دونهم، واستطاع الثوار أن ~~يحرقوا باب الدار، ودخلوا على عثمان فوجدوه يقرأ القرآن، ~~فأحاطوا به وطلبوا إليه أن يخلع نفسه، فأبى، فقتلوه، وكان ذلك ~~في ثاني عشر ذي الحجة من سنة 35ه، وكان له من العمر 82 عاما، ~~وكان القاتل له رومان بن سرحان، ضربه بحديدة على رأسه، وجاء ~~آخر ليضربه بسيفه فأكبت عليه زوجته السيدة نائلة بنت ~~الفرافصة لتدافع عنه فقطع إصبعها، ثم قطعوا عنقه، وانتهبوا ~~بيت المال، وكان مقتله يوم الأربعاء بعد العصر، فلم يدفن إلا ~~يوم السبت وظل مطروحا يومه إلى الليل، فحمله بعض الرجال ~~ليدفنوه يومه فتعرض لهم الثوار ومنعوهم، فدفنوه ليلا، وصلى ~~عليه جبير بن مطعم وأخفي قبره. # هذه هي فصول مأساة الفتنة العظمى، ويظهر أن سكان المدينة قد ~~تواكلوا عن نصرة الخليفة والدفاع عنه؛ لأنه من المستبعد جدا ~~ألا يستطيع أهل المدينة كلها وفيهم الأبطال والفضلاء وكبار ~~الصحابة وأصحاب الرأي أن يقفوا أمام تلك الشرذمة من الثوار، ~~ولكن تهاون الخليفة وتسليمه الأمر إلى نفر لا يهمهم إلا ~~مصالحهم الخاصة، وانصراف جماعة كبار الصحابة عن حل هذه المشكلة ~~التي وقع بها الخليفة قد أدى إلى وقوع هذه الكارثة الكبرى التي ~~مزقت الإسلام شر ممزق، واستمر جرحها العميق في قلب الإسلام ~~إلى مدى بعيد. ~~(4) تفصيل الأسباب التي تذرع بها الثوار في قيامهم في ~~الفتنة # نقم الناس على عثمان في أمور تقدم إجمال بعضها، ونحب ها ~~هنا أن نفصل تلك الأمور بذكر النقاط التالية: # الأول: # أول ما نقم الناس على عثمان أنه عزل جماعة ~~من الصحابة من أعمالهم التي ولاهم إياها ~~عمر، وولى مكانهم أناسا مطعونا فيهم، فمن ~~ذلك أنه عزل أبا موسى ms160 الأشعري عن البصرة، ~~وتوليته إياها لعبد الله بن عمر، وعزله عمرو ~~بن العاص عن مصر وتوليتها عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح، وكان قد ارتد زمن النبي ولحق ~~بالمشركين، فأهدر النبي دمه بعد الفتح إلى أن ~~أخذ عثمان له الأمان ثم أسلم، وعزله عمار بن ~~ياسر عن الكوفة، وعزله عبد الله بن مسعود عن ~~الكوفة. # والثاني: # زعموا أنه أسرف في إنفاق بيت أموال المسلمين ~~في أمور منها أن الحكم بن العاص لما رده من ~~الطائف إلى المدينة - وقد كان طرده النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى الطائف - أعطاه من بيت المال ~~مائة ألف درهم، وجعل لابنه الحارث سوق المدينة ~~يأخذ منها عشور ما يباع فيها، ومنها أنه وهب ~~لمروان بن محمد خمس إفريقية، ومنها أنه أعطى ~~عبد الله بن خالد بن أسد أبي العاص ثلاثمائة ~~ألف درهم، ومنها ما حكاه أبو موسى الأشعري، ~~قال: كنت إذا أتيت عمر بالمال والحلية من ~~الذهب والفضة لم يلبث أن يقسمه بين المسلمين ~~حتى لا يبقي منه شيئا، فلما ولي عثمان أتيت ~~به، فكان يبعث به إلى نسائه وبناته، فلما رأيت ~~ذلك أرسلت دمعي وبكيت. # والثالث: # أنه حبس بعض كبار الصحابة، مثل: عبد الله ~~بن مسعود، فإنه منعه وحبس عطاءه، ونفاه إلى ~~الربذة إلى أن مات لا لذنب أذنبه، وفعل مثل ~~ذلك مع أبي ذر الغفاري. # والرابع: # رووا أنه حمى سوق المدينة، ومنع الناس أن ~~يشروا منه حتى يشتري وكيله ما يحتاج إليه لعلف ~~دوابه. # والخامس: # أنه حمى بقيع المدينة، ومنع الناس منه، وزاد ~~في الحمى أضعاف البقيع. # والسادس: # أنه حمى البحر من أن تخرج منه سفينة إلا في ~~تجارته. # والسابع: # أنه أقطع أصحابه إقطاعات كثيرة في بلاد ~~الإسلام لم يفعل مثلها من سبقه. # والثامن: # أنه استدعى عبادة بن الصامت وعاتبه على فعله ~~حين كتب إليه معاوية أنه قد تعرض إلى قطار ~~جمال تحمل خمرا فأراقها عبادة. # والتاسع: # أنه قال عن عبد الرحمن بن عوف: إنه منافق. ~~لما بلغه أنه ندم على توليته ms161 إياه لما عاتبه ~~بعض الصحابة على توليته، فلما بلغت كلمته ~~عبد الرحمن حلف أنه لا يكلمه حتى يموت. # والعاشر: # أنه ضرب عمار بن ياسر ووطئه حين حمل إليه ~~كتاب الصحابة ينصحونه ويخوفونه نتائج ~~إهماله، فرمى بالكتاب وداس عليه حتى أغمي ~~عليه. # والحادي عشر: # أنهم زعموا أنه أحرق مصحف عبد الله ~~بن مسعود، ومصحف أبي، وجمع الناس على مصحف ~~زيد بن ثابت، فلما بلغ ذلك ابن مسعود وكان عند ~~بعض أصحابه نسخة من مصحفه بالكوفة فأمرهم ~~بحفظها وقال لهم: قرأت سبعين سورة وإن زيدا ~~لصبي. # والثاني عشر: # أنه خالف الجماعة بإتمام الصلاة بمنى، مع أن ~~رسول الله وأبا بكر وعمر قصروا بها ~~الصلاة. # هذه هي التهم التي وجهت، وما نحب أن نطيل الوقت في ~~مناقشتها والدفاع عن الخليفة، فإن بعضها صحيح وبعضها هفوات، ~~وقد أراد الخليفة أن يتراجع عنها في آخر وقت، وندم ولات ساعة ~~مندم، كما سنبين ذلك في الفصل الآتي. # الفصل السادس # | في تنظيماته وأعماله الدينية والدنيوية # قام عثمان ببعض الأعمال الإدارية والتنظيمية على الرغم من اضطراب ~~عهده، ويمكننا إجمال تلك الأعمال بما يلي: ~~(1) # تدوين القرآن الكريم وجمع المسلمين على نسخة واحدة، ~~وقد كان عمر بن الخطاب أشار على أبي بكر بتدوين القرآن ~~لما كثر قتل القراء، فأمر أبو بكر زيد بن ثابت أن يجمع ~~القرآن لما عرف عنه من رجاحة العقل وحسن السيرة ~~والأمانة والحفظ، فجمع ذلك، وحفظه أبو بكر عنده، فلما ~~استخلف عمر حفظه عنده إلى أن قتل، فلما كان عهد ~~عثمان وانتشر المسلمون في أرجاء الأقاليم الإسلامية ~~اختلفت قراءات القراء، فأشار حذيفة بن اليمان على ~~عثمان أن يجمع المسلمين على مصحف واحد يقرؤه ~~المسلمون، فاستحسن عثمان الفكرة، وطلب النسخة التي ~~كتبت في زمن أبي بكر، والتي حفظت عند السيدة حفصة ~~بنت عمر، وطلب إلى زيد بن ثابت كاتب الوحي أن يدون ~~القرآن، فدونه ورتبه، وأمر عثمان بإحراق المصاحف ~~المخالفة لما دونه زيد ورتبه، وبعث بنسخ عن هذا ~~المصحف إلى العواصم الإسلامية، وأمر العمال أن يجعلوا ~~هذه ms162 النسخ مرجعهم، وقد كان هذا عملا جليلا لا يقل عن ~~عمل أبي بكر الذي أراد أن يستوعب آيات القرآن، ثم جاء ~~عثمان فعمل على توحيد قراءات الناس. ~~(2) # تنظيمه أمور بيت المال وحرصه عليه، وترتيبه أمور ~~التجارة في المدينة وأسواقها ترتيبا جعل المدينة في ~~عهده عاصمة الدولة تجاريا لا سياسيا فقط، وبهذا ~~تنتقض أكثر التهم التي نسبها إليه الثوار المغرضون ~~الذين اتهموه بالتفريط في أمور بيت المال، وإسرافه في ~~توزيع ما فيه على الناس بالباطل، كما يبطل ما زعموه ~~من أنه حمى الحمى وحمى الأسواق وحمى البحر لنفسه ~~وتجاراته؛ لأنه إنما كان يفعل ذلك لمصلحة المسلمين ~~العامة، ولما رأى أن عبد الله بن أرقم الذي كان على ~~بيت المال في زمان أبي بكر وعمر قد كبر وضعف عن ~~الإدارة المالية أعفاه من ذلك، وولاها فتى نبيلا ~~أمينا هو زيد بن ثابت. ~~(3) # ترتيبه بعض أمور الدين: فمن ذلك أنه زاد الأذان ~~الأول في الجمعة، وهو أول من فعل ذلك ليؤذن أهل ~~الأسواق فيتركوا تجارتهم ويقدموا إلى الصلاة، وهذا ~~الأمر وإن كان بدعة فإنه بدعة حسنة، ومن ذلك أنه أول ~~من رزق المؤذنين وأعطاهم الأموال على الأذان، ومن ذلك ~~أنه أول من اتخذ مقصورة في المسجد؛ فقد ذكر الزبير ~~بن بكار في تاريخ المدينة أن عثمان أول من اتخذ ~~المقصورة في المسجد؛ خوفا من أن يصيبه ما أصاب عمر، ~~وأنه صنعها من اللبن، واستعمل عليها السائب بن مروان، ~~ومن ذلك أنه أول من خطب في العيد قبل الصلاة، وقيل إن ~~معاوية هو الذي فعل ذلك، وهو أول من اتخذ دار الأضياف ~~في الإسلام وجعلها في المدينة مضافة لمن يقصدها من أهل ~~الأقاليم، وأقام لها ما يقوم بأمورها. # 1 # الفصل السابع # | في مناقبه وأسرته # (1) مناقبه # كان عثمان من جلة الصحابة وعظمائهم وعلمائهم في أمور الدين ~~والدنيا، أخلص في إيمانه، وجاد بأمواله لنصرة الإسلام وحماية ~~الرسول، وقد أحبه الرسول حبا جما، وأثنى عليه أعطر الثناء، ~~وقال في أقواله كلمات تدل على إكباره إياه وتعظيمه لسجاياه، ms163 ~~فمن ذلك قوله: «أصدق أمتي حياء عثمان»، وقوله له مرة: «ألست ~~حافر بئر رومة؟ ومجهز جيش العسرة؟ والزائد في مسجدي وباذل ~~المال في رضى الله ورضاي؟ ومن تستحي منه ملائكة السماء؟» ولما ~~قحط الناس في زمن أبي بكر وقدمت لعثمان وقتئذ تجارة فيها ألف ~~راحلة بر وطعام، فغدا التجار إليه فقرعوا بابه، فقال لهم: ~~ادخلوا، فدخلوا، فإذا ألف وقر قد صب في بيت عثمان، فقال ~~لهم: كم تربحوني على شراء ما جاءني من الشام؟ قالوا: العشرة ~~اثني عشر، قال: قد زادوني، قالوا: العشرة أربعة عشر، قال: قد ~~زادوني، قالوا: العشرة خمسة عشر، قال: قد زادوني، قالوا: من ~~زادك ونحن تجار المدينة؟ قال: زادني ربي بكل درهم عشرة، عندكم ~~زيادة؟ قالوا: لا، قال: فاشهدوا أنها صدقة على فقراء ~~المدينة. # وقال شرحبيل بن مسلم: كان عثمان يطعم الناس طعام الإمارة، ~~ويأكل هو الخل والزيت، وقد تواترت الأخبار من كثرة إنفاقه في ~~سبيل الله، وزهده في الدنيا على كثرة أمواله، وتواضعه على أن ~~الله قد رفعه، ولما وقعت الفتنة العظمى وكان من أمر عثمان ما ~~كان، أراد بعض المفسدين أن يوقعوا بينه وبين الإمام علي عليه ~~السلام، فكان الإمام علي يدافع عنه، ويذكر فضائله ومزاياه، ~~ويحضهم على السكينة وعدم إثارة الفتنة، وكان يقول: أيها ~~الناس، إنكم تكثرون في عثمان، وإن مثلي ومثله كما قال الله ~~تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين ~~، أيها الناس، هذه لنا خاصة. ولما ~~بلغه أن بعضهم زعم أن عليا هو الذي اشترك في تحريض الناس على ~~قتله قال: إنهم يقولون: إن عليا قتل عثمان، لعن الله من قتل ~~عثمان، وأنا وطلحة والزبير وعثمان كما قال تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل ~~إخوانا على سرر متقابلين ~~. # والحق أن الإمام عليا كان أعلم الناس بمزايا عثمان، وقد ~~بايعه وهو عارف فضله وبلاءه بالإسلام، وحرصه على إقامة شعائر ~~الدين، ولكن الفتنة إذا حلت عمي البصر وطاش عقل اللبيب، ~~وقد ابتلى الله المسلمين في أواخر عهد عثمان ms164 بجماعة من الأعراب ~~الجفاة والغوغاء، وبجماهير من السفلة الأشقياء، وببعض ~~الموتورين ممن آلمهم أن تسموا دوحة الإسلام، فكادوا لها حتى ~~كانت تلك الفتنة التي نجى الله المسلمين منها بعلي عليه ~~السلام الذي أمرهم بالحكمة والعدل، بما حباه الله من الرصانة ~~والعقل، ولكنه مع ذلك لم ينج من كيد الكائدين فقتلوه، ثم ~~مكن الله معاوية، فوطد ملك العرب بعزمه وحزمه ودهائه ~~وذكائه وقصده وكيده، ما كان يبطح بها ويشتت شملها. ~~(2) أسرته # خلف عثمان ستة عشر ولدا، تسعة ذكور وسبع إناث، أما الذكور ~~فمنهم: «عمرو» وهو أكبر أبنائه وأحبهم وأشرفهم عقبا، مات ~~بمنى، وشهد الجمل مع عائشة، و«خالد» ولا عقب له، و«عمر» وله ~~عقب، وأمهم جندب بنت الأزد، و«عبد الله الأصغر» وأمه رقية بنت ~~الرسول، ومات وهو صغير، و«عبد الله الأكبر» وأمه فاختة بنت ~~غزوان، و«سعيد» و«الوليد» وأمهما فاطمة بنت الوليد، و«عبد ~~الملك» وأمه أم البنين بنت عيينة بن حصن، وأما الإناث فهن: ~~«مريم» أخت عمر، و«أم سعيد» أخت سعيد، و«عائشة»، و«أم أبان»، ~~و«أم عمرو» وأمهن رملة بنت شيبة بن ربيعة، و«مريم» وأمها نائلة ~~بنت الفرافصة، و«أم البنين» أمها أم ولد. # الفصل الثامن # | في كبار رجال الدولة في عهده # لمع اسم جمهرة من الصحابة والتابعين في الدولة العثمانية، نذكر ~~منهم: ~~(1) مروان بن الحكم بن أمية بن عبد شمس (2-65ه) # ولد بمكة، ونشأ بالطائف، وكان من وجوه بني عبد مناف وعقلائهم ~~ودهاتهم، جعله عثمان في خاصته، واستكتبه وائتمنه على سره، ~~ولما قتل عثمان خرج مروان مع عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة، ~~وقاتل يوم الجمل قتالا شديدا، ثم انهزم أصحابه فتوارى، وشهد ~~صفين مع معاوية، ثم أمنه علي فأتاه وبايعه، وانصرف إلى المدينة ~~إلى أن قتل الإمام وبويع معاوية فأتاه، وولاه المدينة سنة ~~42ه إلى أن أخرجه عبد الله بن الزبير من الحجاز، ولمع اسمه في ~~الدولة الأموية إلى أن تولى الخلافة، وهو أبو الدولة الأموية ~~المروانية، ومدة حكمه نحو من سنة، وهو أول من ضرب الدنانير ~~الشامية فيما يقال، وقد كتب عليها: # قل ms165 ~~هو الله أحد ~~، راجع: الإصابة: 3، 477، ~~والتهذيب: 10، 91. ~~(2) عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري (؟-37) # قائد بطل من وجوه الصحابة وعقلائهم وشجعانهم، فتح إفريقية ~~بقيادة جيش كان فيه الحسن والحسين، وعبد الله بن عباس، وعقبة ~~بن نافع، وعبد الله بن الزبير، ودانت له إفريقية، ثم أتى ~~المشرق فلما كانت الفتنة بين الإمام علي ومعاوية، وجرت معركة ~~صفين، اعتزل الفتنة، وولي إمارة مصر، ومات بعسقلان فجأة وهو ~~يصلي، وله أخبار كثيرة في تواريخ مصر. ~~(3) عبد الله بن عامر بن كريز الأموي (4-59ه) # أمير شجاع فاتح، ولد بمكة، ونبغ في الحجاز، ولاه عثمان ~~البصرة فوجه الجيوش لفتح المشرق حتى بلغ «سرخس» و«الفارياب» ~~و«كابل»، وظل في إمارته إلى أن مات بالبصرة، وكان موصوفا بحب ~~الخير والعمران، وقد قال عنه الإمام علي: إن عبد الله بن عامر ~~سيد فتيان قريش، وقال معاوية: يرحم الله أبا عبد الله، بمن ~~نباهي وبمن نفاخر؟ ~~(4) سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي (3-59ه) # صحابي بطل جليل، ربي في حجر عمر بن الخطاب، وولاه ~~عثمان الكوفة وهو شاب، فافتتح «طبرستان»، ولما وقعت الفتنة ~~العثمانية الكبرى كان سعيد من المدافعين عن عثمان إلى أن قتل ~~عثمان، فخرج إلى مكة وأقام إلى أن تولى معاوية، فعهد إليه ~~بولاية المدينة فتولاها إلى أن مات، وكان من الصالحين، اعتزل ~~فتنتي الجمل وصفين، وكان ممن جمع السخاء والفصاحة والفضل ~~والنبل. ~~(5) محمد بن أبي حذيفة بن عتيبة بن ربيعة بن عبد شمس القرشي (؟-36ه) # صحابي ولد بأرض الحبشة في عهد النبوة، واستشهد أبوه يوم ~~اليمامة فرباه عثمان، فلما شب رغب في غزو البحر، فبعثه إلى ~~مصر، فغزا غزوة ذات السواري مع عبد الله بن سعد، ولما عاد منها ~~جعل يتألف الناس فعظموه، ثم وقع الخلاف بينه وبين أمير مصر عبد ~~الله بن سعد، فأظهر الخلاف، ولما عظم أمر الثوار على عثمان ~~بمصر رأسوه عليهم، وكان منه في الفتنة العظمى ما كان، واستقر ~~محمد بمصر، ولما أراد معاوية الخروج إلى صفين بدأ بحرب محمد ms166 في ~~مصر، فأمسك به وسجنه في دمشق ثم قتله في السجن. ~~(6) محمد بن أبي بكر الصديق (10-38ه) # نشأ في حجر علي بن أبي طالب؛ فقد كان ربيبه، وأقام بالمدينة، ~~وشهد مع الإمام علي عليه السلام وقعتي الجمل وصفين، وولاه ~~علي إمرة مصر فدخلها سنة 37، ولما اتفقا على التحكيم فات ~~عليا ألا يقاتل أهل مصر وانصرف يريد العراق، فبعث معاوية ~~عمرو بن العاص بجيش كبير إلى مصر فدخلها، واختفى محمد ~~بن أبي بكر، ثم عرف مكانه فأمسكه وقتله ثم أحرقه. # | الخليفة الراشد الرابع: الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام # 35-40ه/656-661م # الفصل الأول # | في نسبه وأوليته وإسلامه # هو الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ~~بن قصي القرشي المطلبي الهاشمي، عليه السلام، وأمه السيدة فاطمة ~~بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف (رضي الله عنها)، كانت من السابقات ~~إلى الإسلام، وهي التي ربت النبي # صلى الله عليه وسلم # وتعهدت برعايته لما ~~كفله أبو طالب، وقد ولدت لأبي طالب خمسة أولاد: طالبا، وعقيلا، ~~وجعفرا، وعليا، وأم هانئ، وتوفيت بالمدينة، وشهد موتها الرسول ~~الأعظم، وتولى دفنها وأشعرها قميصه، واضطجع في قبرها وبكى عليها ~~وقال: جزاك الله من أم خيرا؛ فقد كنت أحسن خلق الله صنيعا ~~إلي بعد أبي طالب وأمي رحمها الله ورضي عنها. # ولدت هذه السيدة الجليلة عليا قبل الهجرة بإحدى وعشرين سنة في ~~الكعبة، وقال الذين وصفوه: كان علي ربعة من الرجال، أدعج العينين ~~عظيمهما، حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر، عظيم البطن، عريض ~~المنكبين، له مشاش كمشاش السبع الضاري، لا تبين عضده من ساعده، ~~أدمج إدماجا، شثن الكفين، عظيم الكراديس، أغيد كأن عنقه إبريق ~~فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه، كثير شعر اللحية أبيضها، ~~لا يصبغها، وكان إذا مشى تكفأ، وإذا سار إلى الحرب هرول، وكان ~~قويا؛ ما صارع أحدا قط إلا صرعه. # 1 # وكان علي هاشمي الأبوين، فورث عن بني هاشم كثيرا من صفاتهم ~~المعروفة بهم من نبل. # وقد سمته ms167 أمه حيدرة، وهو الأسد، تشبها له بأبيها وتأسيا ~~باسمه، ثم رأى أبوه أن يغير الاسم فسماه عليا، وعرف بالاسمين ~~معا، ولكنه اشتهر بالثاني. # تربى علي في بيت النبي الكريم؛ فقد روى المؤرخون أن أبا طالب كان ~~رقيق الحال ذا عيال، وأن النبي أراد أن يفي عمه أبا طالب ببعض حقه ~~حين كفله وهو صغير، فطلب إلى عمه أن يربي عليا في بيته، فقبل ~~أبو طالب، ونشأ علي في حضانة النبي ورعايته، فعلمه الرسول مكارم ~~الأخلاق، وخرجه أفضل تخريج، ولما ابتعث الله نبيه محمدا كان علي ~~من أوائل من أسلموا، وقد اختلف المؤرخون في سن علي وقت إسلامه، وقد ~~أحصى ابن عبد البر روايات المؤرخين في ذلك فإذا هي خمس، أولها: ~~رواية أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن الذي يقول إنه والزبير أسلما ~~وهما ابنا ثماني سنين، والثانية: رواية ابن إسحاق، وهي أنه أسلم ~~وله عشر سنين، والثالثة: رواية عبد الله بن عمر، وهي أنه أسلم وله ~~ثلاث عشرة سنة، والرابعة والخامسة: هما روايتا الحسن الذي يتردد ~~بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة. # 2 # وأقرب هذه الروايات إلى الصحة هي رواية المؤرخ ابن إسحاق؛ لأنها ~~الأشهر والأقرب إلى تسلسل الحوادث التاريخية، وابن إسحاق أعلم ~~بالنواحي التاريخية من غيره، وهو حجة ثقة في أخبار السيرة ~~النبوية وحوادث كبار رجالات الإسلام. قال ابن حجر في الإصابة: «أبو ~~الحسن أول الناس إسلاما في قول كثير من أهل العلم، ولد قبل ~~الهجرة بعشر سنين على الصحيح.» # 3 # وعلى هذا يكون علي هو أول من أسلم بعد السيدة خديجة، قال إسماعيل ~~بن إياس بن عفيف الكندي رواية عن أبيه عن جده: كنت امرأ تاجرا، ~~فقدمت للحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، ~~وكان امرأ تاجرا، فوالله إني لعنده بمنى؛ إذ خرج رجل من خباء ~~قريب منه، فنظر إلى الشمس، فلما رآها قد مالت قام يصلي، قال: ثم ~~خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل، فقامت خلفه ~~تصلي، ثم خرج غلام قد ms168 راهق الحلم من ذلك الخباء، فقام معهما يصلي، ~~فقلت للعباس: من هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن ~~عبد المطلب ابن أخي، قلت: من هذه المرأة؟ قال: امرأته خديجة بنت ~~خويلد، قلت: من هذا الفتى؟ قال: علي بن أبي طالب ابن عمه، قلت: ما ~~هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي، وهو يزعم أنه نبي، ولم يتبعه فيما ~~ادعى إلا امرأته وابن عمه هذا الغلام، وهو يزعم أنه سيفتح عليه ~~كنوز كسرى وقيصر. وكان عفيف يقول بعد أن أسلم وحسن إسلامه: لو كان ~~الله رزقني الإسلام يومئذ فأكون ثانيا مع علي. # 4 # ومهما يكن من أمر فإنه قد أسلم وقت ميلاد العقيدة الإسلامية؛ ~~لأنه كان في حجر النبي الكريم حين إعلان الدعوة الجديدة، وكان ~~النبي يرعاه خير رعاية، ويعلمه معالم الحنيفية، فملأ الدين قلبا ~~خاليا إلا من الفطرة السليمة، طاهرا لم يكدره وضر الجاهلية، ~~ولا أفسدته تقاليد الوثنية. # وهكذا نشأ الإمام علي عليه السلام في بيت النبي # صلى الله عليه وسلم # فأحسن ~~تعهده، وغذاه بروح الإسلام السمحة، وخلقه بأخلاق النبوة ~~الطاهرة، فتغذى بذلك أحسن تغذية، وتخلق به أمكن تخلق، وهكذا ~~يثبت ما يقال من أنه عليه السلام أول مسلم تمكن الإسلام من قلبه ~~فلم يخالطه أوضار الوثنية، وأنه أول مسلم تعشق الإيمان قلبه ~~تعشقا صادقا عميقا قويا ، جعله يضحي بكل شيء في سبيله، ويبذل ~~راحته وروحه وماله وولده، وتسلسلت التضحيات منه ومن بنيه في خدمة ~~الإسلام والذب عن تعاليمه منذ فجر يومه الأول، وستستمر إلى أن يرث ~~الله الأرض ومن عليها. # إن في سيرة ابن أبي طالب وابنه الحسين - نضر الله وجهه - لعبرة ~~لا تنفد، وهما كما قال فيلسوف الإسلام وشاعره أبو العلاء: # وعلى الأفق من دماء الشهيدي # ن ~~علي ونجله شاهدان # فهما في أواخر الليل فجرا # ن وفي ~~أولياته شفقان # وإن في تاريخ آل أبي طالب جميعا سجلا للبطولات والتضحيات في ~~سبيل هذه الأمة العربية المسلمة، تبلى الأيام والليالي ولا يبلى؛ ~~لما يجد المتعمق في دراسته من معالم ms169 قوة الإيمان، وصدق الإحسان، ~~والإخلاص الواضح، والتفاني في رفع شأن كلمة الله وخدمة العروبة ~~خاصة والأمة الإسلامية عامة. # الفصل الثاني # | في إجمال حياته وسيرته عليه السلام # ولد علي عليه السلام في السنة الثانية والثلاثين من ميلاد ~~الرسول؛ أي: سنة إحدى وعشرين ق.ه. ولما بعث الرسول بالنبوة كان ~~علي دون سن البلوغ، وكان يساكنه في منزله كما أسلفنا، وقد كفله ~~رسول الله وعني بأمره، ونشأه في بيته نشأة إسلامية، فلم ~~يتدنس بدنس الجاهلية، وتهذب بآداب الديانة المحمدية، وكان ذا ~~نفس كريمة طاهرة، شجاعا لا تلين قناته، ولما هاجر الرسول من مكة ~~إلى المدينة فداه علي بنفسه ونام في فراشه ليوهم أن الرسول لم ~~يزل نائما فلا يتبعه المشركون المتآمرون عليه ويفسدون خطة الهجرة ~~إلى المدينة كما رسمها الرسول لنفسه، ثم لحقه بعد قليل إلى المدينة ~~وشهد معه كل غزواته إلا غزوة تبوك، فإنه # صلى الله عليه وسلم # استخلفه فيها على ~~أهل بيته، ولما رأى في وجهه كرها لذلك ولبقائه مع النساء والولدان ~~قال له # صلى الله عليه وسلم # يطيب نفسه: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون ~~من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي؟ # وقد زوجه الرسول # صلى الله عليه وسلم # ابنته فاطمة عليها السلام في السنة ~~الثانية من الهجرة، فولد له منها: الحسن، والحسين، وزينب الكبرى، ~~وأم كلثوم (رضي الله عنهم). # وناب عن الرسول في قراءة أوائل سورة التوبة في موسم الحج إيذانا ~~ببراءة الله ورسوله من المشركين، ولما توفي رسول الله وبويع ~~أبو بكر، بايعه علي مع أنه كان يرى لنفسه حق الخلافة عن رسول الله ~~لشدة قرابته منه، ولكنه كره انقسام المسلمين وتفريق كلمتهم. # ولما ولي عمر بايعه كذلك وزوجه ابنته، وكان عمر كثيرا ما ~~يستخلفه على المدينة إذا ما غاب عنها، ولما أحس عمر بدنو أجله ~~- على ما أسلفناه - كان يحب أن يخلف عليا عليه السلام لما يعهده ~~فيه من الحنكة والإخلاص وقوة الشكيمة، ولكنه لم يفعل ذلك؛ لأنه خشي ~~فيما يظهر أن يفرض على المسلمين رأيه، ms170 وليته فعل، وإنما ترك ~~للمسلمين أنفسهم يختارون من يشاءون لخلافة رسول الله، ووكل هذا ~~الأمر إلى جماعة من أشراف المسلمين وعقلائهم، وبعد اجتماع هؤلاء ~~وتداولهم في الأمر قر رأيهم على انتخاب عثمان بن عفان كما سبق ~~تفصيله فيما سلف. # وفي أيام عثمان ظهرت الاضطرابات السياسية، وقام الثوار على ~~عثمان؛ لأنه عزل معظم العمال الذين كان عمر قد ولاهم واستعاض ~~عنهم بعمال من أقربائه وعشيرته، وكان الإمام علي عليه السلام ~~كثيرا ما يشير على عثمان ويرشده إلى سبيل الخير وطرق الصلاح ما ~~استطاع إلى ذلك سبيلا، ولكنه لم يسمع منه، فانصرف الإمام علي إلى ~~تثقيف جمهور المسلمين هو وابن عمه عبد الله بن عباس، فكانا يقومان ~~بوعظ الناس وتحليق الحلقات العلمية والدينية والأدبية، ولعل هذا هو ~~أول نواة للحركة العلمية المنظمة في الإسلام على ما سنبينه فيما ~~بعد. # ولما حم القضاء وقتل عثمان شهيدا دعا المسلمون الإمام عليا ~~إلى أن يلي الخلافة، فكره ذلك أول الأمر لما رأى من اضطراب الأمة ~~وانتشار روح الفوضى والفتنة بين صفوفها، ولكنه عاد فرضي بذلك في ~~اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة سنة 53ه. # وقد نقل المؤرخ الهندي الثقة السيد أمير علي عن المؤرخ الفرنسي ~~سديو أنه قال: يخيل للمرء حينما بويع الإمام علي بن أبي طالب أن ~~الكل سيطأطئ هامته أمام هذه العظمة المتلألئة النقية، غير أنه قد ~~كان قدر غير ذلك، # 1 # وقد علق السيد أمير علي على هذا الكلام بقوله: «فلقد ~~أحاط به في بادئ الأمر أعداء بني أمية، ولكنه لم يحتط للدسائس، ~~وأبى أن يقر عمال عثمان مدفوعا بشرف الغاية التي كانت من أبرز ~~مميزاته، وبرغم النصائح التي أسديت إليه لمسايرة الظروف فقد انتزع ~~الأملاك التي أقطعها عثمان لأتباعه من بيت المال، وقسم الخراج ~~طبقا للقواعد التي سنها عمر، فجلبت عليه هذه الإجراءات الحازمة ~~سخط من أثروا في العهد السابق، وقد تنازل بعض العمال عن مناصبهم ~~دون مقاومة، بينما رفض آخرون النزول على أمر الخليفة الجديد، ومن ~~بينهم معاوية بن ms171 أبي سفيان.» # 2 # ولقد قام علي بأعباء الخلافة خمس سنوات، ولكن الاضطرابات لم ~~تجعله يستريح يوما واحدا منها؛ فقد انقسم الناس في أمر بيعته، ~~فقبل بعضهم بها، وتردد آخرون، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله ~~بن عمر، وتخلف آخرون، كحسان بن ثابت الشاعر، وأبي سعيد الخدري، ~~وهرب بعض إلى الشام، كالمغيرة بن شعبة، ولكن البيعة تمت بالأغلبية ~~الساحقة، وأول من بايعه عليه السلام هما: طلحة والزبير، ثم ~~المهاجرون والأنصار، ثم بقية الناس. # 3 # وأول ما لقي عليه السلام من العقبات: خروج عائشة الصديقة عليه ~~للمطالبة بدم عثمان، وقد انضم إليها نفر من كبار المهاجرين، وفي ~~طليعتهم طلحة والزبير، فخرجت بجمع إلى البصرة تستنجد بأهلها، ولحق ~~بها الإمام عليه السلام، والتقى الجمعان في منتصف جمادى الآخرة سنة ~~36ه على ما نفصله فيما بعد. # ثم إن الإمام بعث إلى معاوية في الشام يطلب إليه ألا يشق عصا ~~الطاعة، فلما لم يصغ لقوله سار إليه من الكوفة إلى صفين في ~~تسعين ألف مقاتل لخمس بقين من شوال سنة 36ه، وسار معاوية في خمسة ~~وثمانين ألفا، # 4 # والتقى الجيشان بصفين، وكادت الدائرة تدور على أهل ~~الشام، وكاد معاوية أن يفر من المعركة لولا أنه - فيما يروى عنه - ~~تذكر أبيات ابن الإطنابة، وهي قوله: # أبت لي عفتي وأبى ~~بلائي # وإقدامي على البطل ~~المشيح # وإعطائي على المكروه مالي # وأخذي ~~الحمد بالثمن الربيح # وقولي كلما جشأت وجاشت # مكانك ~~تحمدي أو تستريحي # وأدرك عمرو بن العاص خطورة الموقف، فأشار على معاوية برفع ~~المصاحف على الرماح والسيوف، وأن ينادي: هذا كتاب الله بيننا ~~وبينكم، فانخدع العراقيون بذلك، وكان أمر التحكيم على ما ~~سنفصله. # وبعد أن تم أمر التحكيم انصرف أهل الشام إلى معاوية يسلمون عليه ~~بالخلافة، وانصرف العراقيون متفرقين واضطربوا على الإمام، بل خرجت ~~منهم طائفة عليه تحاربه. # وشتان بين أنصار الإمام وأنصار معاوية؛ فقد ذهب أولئك مشتتي ~~الكلمة، وذهب هؤلاء صفا واحدا، وقد أراد الإمام عليه السلام أن ~~يعود ثانية لمحاربة معاوية، ولكن الخوارج أفسدوا عليه أمره؛ لأنهم ms172 ~~ساروا نحو «المدائن» يفسدون الحرث والنسل ويحملون عليه، فاضطر إلى ~~أن يلحق بهم ويحاربهم، ويقتل منهم مقتلة كثيرة في النهروان، وكانت ~~حوادث النهروان السبب في مقتل الإمام عليه السلام كما سنشرح ذلك ~~بعد. ~~(1) مزاياه النبيلة عليه السلام # كان الإمام على جانب عظيم من المزايا الخلقية والخلقية ~~الرفيعة كما أسلفنا، وكانت الشجاعة أبرز تلك المزايا؛ فقد كانت ~~جرأته مضرب الأمثال، وليس أدل على ذلك من مخاطرته بنفسه ليلة ~~هجرة الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة كما رأينا، مع معرفته بأن ~~قريشا تريد قتل الرسول في تلك الليلة، وكان الإمام من أشد ~~الناس وطأة على المشركين في الغزوات التي لم يتخلف عن واحدة ~~منها، وعلى يديه الطاهرتين فتحت خيبر رغم شدة تحصينها، وكان ~~زاهدا عفيفا، حريصا على ألا يضيع أموال المسلمين، ~~مؤثرا للخشونة، ومن أقواله في ذلك: تزوجت بفاطمة وما لي فراش ~~إلا جلد كبش ننام عليه ... # وروى هارون بن عنزة عن أبيه قال: دخلت على علي بالخورنق، ~~والفصل شتاء، وعليه خلق قطيفة وهو يرعد منه، فقلت: يا أمير ~~المؤمنين، إن الله جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيبا، وأنت ~~تفعل هكذا بنفسك؟ فقال: والله ما أرزأكم شيئا، وما هي إلا ~~قطيفتي التي أخرجتها من المدينة. # 5 # وأما علمه؛ فقد كان في أسمى الدرجات، وكان على جانب عظيم من ~~الثقافة العربية الشائعة في ذلك الحين، وكان من أعلم الصحابة ~~إن لم يكن أعلمهم بالقرآن والسنة وأحكام الدين، وقد روي عن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قوله: «أنا مدينة العلم وعلي ~~بابها.» وكان عبد الله بن مسعود يقول: «أفرض أهل المدينة ~~وأقضاها علي.» # 6 # وكان أبو بكر وعمر وعثمان يرجعون إليه في المشاكل ~~العلمية والقضائية، وفي كثير من معرفة أحكام الدين، وكان ~~عبد الله بن عمر يقول: «أعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن.» # 7 # وأما فصاحته، فكانت في أعلى الدرجات، بل كانت مضرب الأمثال، ~~وكان يلقي بالقول فيأخذ بمجامع القلوب، ويخطب الخطبة فيثير ~~النفوس، كما كان أشعر الخلفاء الراشدين. روى السيوطي في ms173 «تاريخ ~~الخلفاء» أن أبا بكر الصديق كان يقول الشعر، وأن عمر كان ~~يقوله، وأن عثمان كان يقوله أيضا، وكان علي عليه السلام أشعرهم، # 8 # وسنرى تفصيل هذا فيما بعد. # وأما أدبه فقد كان عليه السلام أفصح العرب؛ لأنه تربى في حجر ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وتأثر به وبالقرآن كل التأثير من نعومة ~~أظفاره، زد على ذلك تلك الهبة الإلهية التي يصطفي الله بها من ~~يشاء من خلقه، فتنفجر بذلك منهم ينابيع البلاغة؛ كل هذه ~~الأسباب، وكذلك الأحوال السياسية جعلت منه خطيبا فصيحا، ~~وإماما من أئمة البيان، وهو كما قال الشريف الرضي: مشرع ~~الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه عليه السلام ظهر ~~مكنونها، وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب، ~~وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا، وتقدم ~~وتأخروا، ولأن كلامه عليه السلام الكلام الذي عليه مسحة من ~~العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي. # 9 # وقد كان للفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية أثرها القوي في ~~إنتاجه عليه السلام وشيعته إنتاجا أدبيا عجيبا، كما كان ~~لها الأثر العظيم في إنتاج الأمويين وجماعتهم وإن شقي بها ~~المسلمون دهرا طويلا، وإنك لترى مصداق هذا إذا ما قرأت في ~~«نهج البلاغة» قوله في بني أمية: «ألا إن أخوف الفتن عندي ~~عليكم فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة، عمت خطتها، ~~وخصت بليتها، وأصاب البلاء من أبصر فيها، وأخطأ البلاء من ~~عمي عنها، وايم الله لتجدن بني أمية بكم أرباب سوء بعدي، ~~كالناب الضروس تعذم بفيها، وتخبط بيدها، وتزبن برجلها، ~~وتمنع درها، لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم ~~أو غير ضائر بهم، ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحد منكم ~~إلا كانتصار العبد من ربه، والصاحب من مستصحبه، ترد عليكم ~~فتنتهم شوهاء مخشية، وقطعا جاهلية، ليس فيها منار هدى، ولا ~~علم يرى، نحن أهل البيت منها بمنجاة، ولسنا فيها بدعاة، ثم ~~يفرجها الله عنكم كتفريج الأديم بمن يسومهم خسفا، ويسوقهم ~~عنفا، ويسقيهم بكأس ms174 مصبرة لا يعطيهم إلا السيف، ولا يجلسهم ~~إلا الخوف.» # 10 # ومن ذلك قوله عليه السلام في عمرو بن العاص: «عجبا لابن ~~النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة، وأني امرؤ تلعابة، ~~أعافس وأمارس، لقد قال بطلا، ونطق إثما، أما - وشر القول ~~الكذب - إنه ليقول فيكذب، ويعد فيخلف، ويسأل فيلحف، ويسأل ~~فيبخل، ويخون العهد، ويقطع الإل، فإذا كان عند الحرب فأي زاجر ~~وآمر هو؟! ما لم تأخذ السيوف مأخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر ~~مكيدته أن يمنح القرم سبته، أما والله إني ليمنعني من اللعب ~~ذكر الموت، وإنه ليمنعه من قول الحق نسيانه الآخرة، وإنه لم ~~يبايع معاوية حتى شرطه أن يؤتيه أتية، ويرضخ له على ترك ~~الدين رضيخة.» # 11 # ففي هاتين الفقرتين اللتين أوردناهما من كلامه عليه السلام ~~نرى قدرة عجيبة على البيان والخطابة، وانتقاء الألفاظ، ووضعها ~~في مواضعها، وليس من شك في أن لصفاء ذهنه وسمو عقله وتربيته ~~الأدبية الراقية أثرا كبيرا في ذلك، وليس أدل على صفاء ذهنه ~~وسمو عقله مما يروى عنه أنه كان يصف الناس وحالاتهم النفسية، ~~ويقرأ ما تكنه صدورهم، ويدرك ما تخفيه نفوسهم، ولعل كثرة ~~مرافقته للرسول وتأدبه بأدبه واقتباسه من نوره قد أثر فيه ~~هذا التأثير الطيب؛ فأنت ترى في خطبه ومناقشاته ووعظه ورسائله ~~روحا جديدة كل الجدة عما كنت تراه في الآثار الأدبية العربية ~~من قبل، وهو وراء هذا كله قد ضرب بسهم وافر في كل شأن من ~~شئون الحياة الاجتماعية إذ ذاك، فإذا تكلم عن الزهد كان أخبر ~~المتكلمين فيه، وإذا قال في ذم الدنيا وأهلها جاءك بالقول ~~الفصل، وإذا حرض على القتال ومحو الفتنة كان سيد القائلين، ~~وإذا أوصى أو حذر كان خير المتحدثين، كل هذا قد جاءه من حسن ~~خبرته بالحياة، ومن نفسه الصافية، وأدبه منبعث عن فصاحة وبيان ~~صادرين عن قلب عارف وعقلية سامية، وثقافة عربية إسلامية ~~واسعة؛ فبينا هو يحدثك بأسلوب عليه مسحة من القرآن وبلاغته ~~إذا هو ينتقل بك طفرة إلى أسلوب فيه قوة الجاهلية وجزالتها ms175 ~~وتشبيهاتها وصورها، وهذه قدرة على البيان والخطابة لا نعرفها ~~في أحد من العرب قبله أو بعده إلا في الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. # وأما كتابته فلم تكن أقل إتقانا من خطابته، وهو إذا كتب كان ~~يسلك مسلكا فنيا، يطيل حين يكتب ما تنبغي الإطالة فيه من ~~عهد أو تولية يذكر فيهما بإسهاب ما ينبغي أن يكون عليه العامل ~~الوالي من حسن السياسة وإدارة البلاد، ويوجز حين يرى الإيجاز ~~أبلغ، وأنه لا فائدة من الإطالة، ودليلنا على ذلك أنك إذا قرأت ~~له عهده الذي كتبه للأشتر النخعي حين ولاه مصر وأعمالها وقت ~~اضطراب أمر محمد بن أبي بكر الصديق فيها، # 12 # أو قرأت كتابه إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري، # 13 # وجدت فيهما على طولهما طريقة فنية عجيبة في ~~الكتابة والخيال الرائع والسجع الجميل المقبول، وتضمين ذلك ~~شعرا وأمثالا وحكما، فالإمام عليه السلام في رأينا هو أول ~~كاتب فني ظهر في الإسلام، ومنه استقى عبد الحميد بعده، وعلى ~~غراره طبع ابن المقفع قوله، وعنه أخذا أسلوبهما، وبكلامه ~~وطريقته الفنية تأثرا. # ولم يكن عليه السلام خطيبا وكاتبا وحسب، بل كان حكيما ~~مفكرا، بل لعله أول مفكر ظهر في الإسلام، وتبصر في الحياة، ~~وقال فيها أقوالا تدل على عقل حكيم، وفكر صائب، والحق أن ~~حكمة الإمام تتجلى واضحة فيما أثر عنه من الحكم والنصائح، ~~ونحن إذا رحنا نستقصي ما صح من آثاره نرى أن حكمته عليه ~~السلام تنحصر في الموضوعات التالية: ~~(1) # رأيه في الخالق سبحانه، وتقديسه وتنزيهه وتحليل ~~صفاته. ~~(2) # رأيه في المؤمن، وما يجب أن يكون عليه من صفات ~~ومزايا تقربه من الله تعالى. ~~(3) # إرشاداته للإنسان فيما ينبغي له عمله حتى يعيش ~~بين إخوانه عيشة سعيدة كلها إخاء ومحبة. ~~(4) # نصائحه للإنسان في تحديد واجباته نحو ~~نفسه. ~~(5) # رأيه في السياسة والحكومة والقضاء. ~~(6) # رأيه في المرأة وأحوالها. # أما رأيه في الخالق فيتجلى في كثير من خطبه، فمن ذلك قوله: ~~«الحمد لله الذي لا يبلغ حرمته القائلون، ولا يحصي نعماءه ~~العادون، ولا يؤدي حقه ms176 المجتهدون، الذي لا يدركه بعد ~~الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود، ولا ~~نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل محدود، فطر الخلائق ~~بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه، أول ~~الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به ~~توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات ~~عنه ... كائن لا عن حدث، وموجود لا عن عدم، مع كل شيء لا ~~بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة.» # 14 # هذا طرف من عقيدة الإمام عليه السلام في البارئ سبحانه ~~وتنزيهه، وهي العقيدة التي جاء بها الإسلام، ولكن الإمام أرسل ~~عليها قبسا من بلاغته، وكان عليه السلام يكره البحث في حقيقة ~~الإله، والقضاء والقدر، وغيرها من الأمور الغيبية؛ فقد سأله ~~مرة أحد الناس أن يصف له الله - تعالى عن ذلك - فوبخه ونهاه ~~عن البحث في أمثال هذه الأمور، وقال فيما قال له: «اعلم أن ~~الراسخين في العلم هم الذين أغناهم، عن اقتحام السدود المضروبة ~~دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب.» ~~والحق أن رأي الإمام عليه السلام في هذه القضية لا يتجاوز ~~عقيدة الإسلام وعقيدة أهل السنة والتوحيد المطلق، وآراؤه بهذا ~~الصدد منثورة في ثنايا «نهج البلاغة». وأما رأيه في المؤمن وما ~~يجب أن يتصف به ليتقرب من الله سبحانه فيمكن تلخيصه في: # البعد عن الهوى ومطاوعة الشيطان وطول الأمل، والزهد في ~~الدنيا، مع القيام بجميع واجبات الله سبحانه. ومما ورد عنه في ~~ذلك قوله في وصف قوم خرجوا على الحدود الدينية: «اتخذوا ~~الشيطان لأمرهم ملاكا، واتخذهم له أشراكا، فباض فيهم وفرخ ~~في صدورهم، ودب ودرج في حجورهم، فنظر بأعينهم، ونطق ~~بألسنتهم، فركب بهم الزلل، وزين لهم الخطل، فعل من قد ~~شركه الشيطان في سلطانه، ونطق بالباطل على لسانه.» # 15 # وأما إرشاداته ونصائحه للناس فيما يجب أن يتصفوا به ليعيشوا ~~سعداء متآخين آمنين، فتتجلى في دعوته إلى فاضل الأخلاق ~~وكريمها، كقوله: «واحذر كل عمل يعمل به في السر ويستحى منه ~~في العلانية.» وقوله: ms177 «إن أبغض الخلائق إلى الله جل جلاله ~~رجلان: رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، ورجل ~~قمش جهلا موضع في جهال الأمة، عاد في أغباش الفتنة، ~~عم بما في عقد الهدنة، قد سماه أشباه الناس عالما وليس به ~~بكر، فاستكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر.» # 16 # فأنت ترى من وراء هذه الكلمات نفسا عرفت حقائق هذه الحياة ~~وخبرتها، ففاض بها لسان الإمام ببيان ساحر، ونظم عجيب، ولو ~~رحت تستقصي ما قاله في هذا الباب لرأيت أن النظريات الأخلاقية ~~والمواعظ الاجتماعية والخطط العسكرية التي أوردها في خطبه هي ~~ملاك الحياة، وتضم نظاما اجتماعيا قويما نافعا للناس في ~~حالتي: السلم والحرب. # وأما نصائحه للمرء في تحديد واجباته نحو نفسه ليعيش سعيدا ~~هانئا، فهي كنصائحه إليه ليعيش مع الناس، وإن من أوجب ما حض ~~الإنسان عليه في هذا الموقف أن يخالف هوى النفس؛ لأنها أمارة ~~بالسوء، قائدة إلى الشر: «من لم يعن على نفسه حتى يكون له ~~منها واعظ وزاجر، لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ.» و«لا ~~يعجب الإنسان بنفسه، ولا يغتر بشبابه وماله، فإن هذا كله ~~عرض فان.» و«إياك والإعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها، ~~وحب الإطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما ~~يكون من إحسان المحسنين.» # وأما رأيه في السياسة والحكومة والقضاء فقد أكثر من الكلام ~~فيه، ويمكننا تلخيص أقواله بالنقاط التالية: # إنه يرى أنه لا بد للمسلمين من أمير ينصب نفسه لإقامة ~~الحدود، وسياسة الدولة، و«لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، ~~يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر ... ويقاتل به العدو، ~~وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ~~ويستراح من فاجر.» # 17 # أما صفات هذا الإمام عنده فتتجلى في قوله: «من ~~نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بعلم غيره، وليكن تأديبه ~~بسيرته قبل تأديبه بلسانه.» وقوله: «أقنع من نفسي بأن يقال ~~أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في ms178 ~~خشونة العيش.» وكان يرى أن لا بد من إطاعة الناس لإمامهم، ~~وأنهم إن تفرقوا في ذلك شيعا وأحزابا ضل سعيهم. وقد أكثر ~~الإمام من بيان ضرر الخروج على جماعة المسلمين وعدم إطاعة ~~الأمير؛ لأنه عليه السلام لاقى آثاره السيئة في خروج الناس ~~عليه وعدم إطاعتهم إياه في كثير من المواطن، قال: «منيت بمن ~~لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، لا أبا لكم ما ~~تنتظرون ينصركم ربكم، أما دين يجمعكم؟ ولا حمية تحمسكم؟ أقوم ~~فيكم مستصرخا، وأناديكم متغوثا فلا تسمعون لي قولا، ولا ~~تطيعون لي أمرا، حتى تكشف الأمور عن عواقب المساءة، فما يدرك ~~بكم ثأر، ولا يبلغ بكم مرام.» # 18 # وكان يرى أن خير السياسة هي سياسة الشورى والمداولة مع أولي ~~الحل والعقد من عقلاء الأمة، قال: «من استبد برأيه هلك، من ~~شاور الرجال شاركها في عقولها.» وأما آراؤه في العمال والقضاة ~~فخلاصتها أنه يطلب إليهم أن يتخلقوا بالتواضع والمواساة ~~والمساواة بين الناس، وأن يكون آثرهم عندهم أفضلهم وأقولهم ~~للحق وأبعدهم عن الأشرار، قال يوصي الأشتر النخعي لما ولاه على ~~مصر: «إن شر وزرائك من كان للأشرار وزيرا، ومن شركهم في ~~الآثام، فلا يكون لك بطانة، فإنهم أعوان الأثمة، وإخوان ~~الظلمة، وأنت واجد فيهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، ~~وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممن لم يعاون ظالما على ظلمه، ~~ولا آثما على إثمه ... فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك، ثم ~~ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك، وأقلهم مساعدة فيما ~~يكون منك مما كره الله لأوليائه ... ثم رضهم على ألا يطروك، ~~ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو.» # 19 # وأما القضاة فكان له معهم شأن عظيم، ومن أجمع وصاياه إليهم ~~قوله في كتاب عهد الأشتر النخعي: «اختر للحكم بين الناس أفضل ~~رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به أمور ولا تمحكه الخصوم، ولا ~~يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا ~~تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم ms179 دون أقصاه، وأوقفهم في ~~الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، ~~وأصبرهم على تكشف الأمور، وأحزمهم عند اتضاح الحكم، ممن لا ~~يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل، ثم أكثر تعاهد ~~قضائه، وأفسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى ~~الناس، وأعطه من المنزلة عندك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك؛ ~~ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظرا بليغا.» # 20 # فأنت ترى في هذه المقطوعة دستورا من دساتير ~~الفصاحة والقضاء لا يقل كمالا عن أحدث ما وصلت إليه أرقى ~~الأمم المتمدنة في عصرنا هذا. # أما رأيه في المرأة وأحوالها فهو شديد قاس عليها، وهو الذي ~~قال: «المرأة شر كلها، وشر ما فيها أنه لا بد منها.»، ~~وقال: «خيار خصال النساء شرار خصال الرجال.» وقال: «يا معشر ~~الناس، إن النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول، ~~فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، ~~وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة رجل واحد، وأما ~~نقصان حظوظهن فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال، فاتقوا ~~شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في ~~المعروف حتى لا يطمعن في المنكر.» # 21 # ولكنه مع هذه الشدة في الحكم على المرأة كان ~~رحيما بها، مشفقا عليها، راحما ضعفها؛ فقد قال من خطبته ~~لجنده وهم بصفين: «لا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم ~~وسببن أمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى والأنفس والعقول، وإن كنا ~~لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة ~~في الجاهلية بالقهر أو الهراوة فيعير بها وعقبه من بعده.» # 22 ~~••• # هذه آراء الإمام عليه السلام في الدين والدنيا. أما آثاره في ~~الحياة فجليلة، ومن أعظمها آثاره في الأدب العربي، فقد رأيت ~~قبسا من نور أدبه الذي لا يضاهيه أي قبس حاشا القرآن الكريم ~~والحديث النبوي؛ لأنه عليه السلام كان أفصح الناس بعد الرسول، ~~وأشدهم قوة على التعبير الفصيح، وأبرعهم حجة في الخطابة، ~~وأملكهم لعنان اللغة واطلاعا على مفرداتها، يتصرف بها كما ~~يريد، وهو الذي ms180 تربى في حجر النبي # صلى الله عليه وسلم # فأفاد من البلاغة ~~النبوية، والحكمة الإلهية، ووعى ما لم يعه غيره من كلام ~~الرسول وحالاته وحركاته في خطبه ومجالسه وأماليه، فلا غرو أن ~~يصبح كعبة يحج إليها طلاب البيان الرفيع والفصاحة العالية، ~~وهكذا قد كان؛ فقد تأثر الناس به في عصره وفي العصور التي جاءت ~~بعده، فما من خطيب، وما من كاتب ولا من شاعر إلا نهل من معينه ~~الصافي، وطبع على غراره السامي، وهذا عبد الحميد بن يحيى إمام ~~الكتاب يجيب من سأله عن سر قدرته على الكتابة بقوله: «ضغط ~~كلام الأصلع.» وهذا ابن المقفع يقول: «شربت الخطب العلوية ~~ريا، ولم أضبط لها رويا، ففاضت ثم غاضت، فلا هي كلاما ~~وليس غيرها نظاما.» # والحق أننا إذا فحصنا ما صحت نسبته إلى الإمام عليه السلام ~~مما نجده في المصادر الموثوق بها ككتب الطبري والمسعودي ~~والجاحظ والشيخ المفيد وابن قتيبة وجدنا لعلي عليه السلام ~~أثرا بارزا في الأدب العربي. # 23 # الفصل الثالث # | في أعماله الجليلة في خلافته # بويع الإمام بالخلافة يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة ~~خمس وثلاثين للهجرة؛ وذلك أنه لما قتل عثمان (رضي الله عنه) اجتمع ~~أصحاب النبي من المهاجرين والأنصار، وفيهم طلحة والزبير، فأتوا ~~الإمام وقالوا له: إنه لا بد للناس من إمام، وإنك أفضل من بقي لها، ~~فقال لهم: لا حاجة لي في إمارتكم، فاختاروا أحدا أبايعه، فقالوا: ~~ما نختار غيرك، وترددوا إليه مرارا، ثم قالوا له : ما نجد أحدا ~~أحق بالخلافة منك، فإنك أقدمنا سابقة للإسلام، وأقربنا قرابة من ~~رسول الله، فقال: لا تفعلوا فلأن أكون وزيرا خير من أن أكون ~~أميرا، فقالوا: لا والله ما نحن بتاركيك حتى نبايعك، ثم قبل وذهب ~~بهم إلى المسجد النبوي، فأقبل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم ~~بايعه عامة الناس. # ولم يستقبل المسلمون خلافة الإمام علي بمثل ما استقبلوا به خلافة ~~عثمان؛ فقد كان عثمان سمحا سهلا معهم، أما الإمام فكان شديدا ~~عنيفا. # وليس غريبا ألا يستقبل جمهور الناس خلافة الإمام ms181 عليه السلام ~~إلا قلقين عابسين، وزاد في هذا القلق والعبوس أن الثوار الذين ~~قتلوا الخليفة عثمان ما زالوا في المدينة، بل إنهم هم أصحاب ~~السلطان الفعلي في عاصمة الخلافة، وكذلك كان الحال في بعض الأمصار ~~وبخاصة الشام، فإنهم كانوا يؤمنون بأن الخليفة الجديد مقدم على ~~مشاكل، وأنه يجب عليه القضاء على الفتنة وتنفيذ حكم الشرع في قتلة ~~الخليفة السابق، ولكنه لن يستطيع ذلك، الآن على الأقل. # بايع الناس عليا إلا أهل الشام ونفر من كبار الصحابة المهاجرين والأنصار، فإنهم ~~تخلفوا عن بيعته، ويروي الطبري بسنده إلى عبد الله بن الحسن أنه قال: بايعت الأنصار ~~والمهاجرون عليا إلا نفر منهم: عبد الله بن عمر، وحسان بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، ~~وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، ~~وقدامة بن مظعون، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وأسامة بن زيد، وفضالة بن عبيد، وعبد ~~الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة، وصهيب بن سنان، وكعب بني عجرة؛ فقد كان هواهم مع ~~عثمان، وأخذ النعمان بن بشير أصابع السيدة نائلة - امرأة عثمان - التي قطعت يوم مقتله، ~~كما أخذ قميص عثمان الذي قتل فيه، وهرب إلى الشام وأعطاه لمعاوية، فعلقه على المنبر، ~~كما علق الأصابع، فلما رأى أهل الشام ذلك المنظر ازدادوا غيظا على قتلة عثمان، ثم رفع ~~معاوية القميص والأصابع، وكان كلما أحس منهم بفتور أخرجه مع الأصابع وعلقه على ~~المنبر ليثير صدورهم، ويحرك كوامن حقدهم، ومما زاد الأمر اضطرابا أن عمرو بن العاص كان ~~يسير بين بلاد الشام محرضا على قتلة عثمان، وهرب كثير من بني أمية الذين كانوا في ~~المدينة إلى مكة. # ولما تمت بيعة من بايع وقف الإمام فخطب الناس وقال: أيها الناس، ~~إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنما الخيار للناس ~~قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار لهم، وإن على الإمام ~~الاستقامة، وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامة، من رغب عنها رغب ~~عن دين الإسلام، واتبع غير ms182 سبيل أهله، ولم تكن بيعتكم إياي فلتة، ~~وليس أمري وأمركم واحدا، وإني أريدكم لله، وأنتم تريدونني ~~لأنفسكم، وايم الله لأنصحن للخصم، ولأنصفن المظلوم، وقد بلغني عن ~~سعد وابن مسلمة وأسامة وعبد الله وحسان أمور كرهتها، والحق بيني ~~وبينهم، والسلام. # ولم يكن تخلف هؤلاء النفر عن بيعة الإمام لأنهم كانوا يعتقدون ~~عدم أهليته للخلافة، بل لشبهة دخلت عليهم، يقول العلامة المرحوم ~~السيد محسن الأمين: «إن امتناع من امتنع عن بيعته عليه السلام ليس ~~لاعتقادهم عدم أهليته للخلافة ولا عنادا، بل لشبهة دخلت عليهم، ~~فابن عمر وسعد ظنا أنها فتنة والأرجح عدم الدخول فيها، ثم بان لهما ~~خطؤهما وندما على ترك القتال، وعدا أنفسهما مذنبين، وأسامة دخلت ~~عليه شبهة عدم جواز قتل من أظهر الإسلام، ولم يتفطن للفرق بين ~~المقامين وأنها شبهة واهية.» # 1 # والحق أن الموقف قد كان حرجا، ولولا أن عليا ساس ~~الأمور بحكمته لوقع المسلمون يومئذ في فتنة سوداء، ولاندك صرح ~~الإسلام. # استقبل علي عليه السلام ~~عام 36 للهجرة، وقد سمى عماله على الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف ~~إلى البصرة، وعمارة بن شهاب إلى الكوفة، وعبيد الله بن عباس إلى ~~اليمن، وقيس بن سعد بن عبادة إلى مصر، وسهل بن حنيف إلى الشام، ~~ومخنف بن سليم إلى أصفهان وهمذان؛ فأما سهل فإنه خرج حتى إذا كان ~~في تبوك لقيته خيول أهل الشام، فقالوا له: من أنت؟ قال لهم: أنا ~~أمير الشام بعثني علي أميرا، فقالوا له: ارجع إلى المدينة سالما ~~بنفسك وإلا قتلت ومن معك، ورأى كثرة عددهم فرجع إلى ~~المدينة. # وأما قيس بن سعد فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيته خيل، فقالوا له: ~~من أنت؟ قال: بعثني علي أميرا على مصر، فأدخلوه إليها، وافترق ~~أهل مصر إلى ثلاث فرق: فرقة دخلت في الجماعة وبايعت عليا، وفرقة ~~اعتزلت وقالت: إن قتل علي قتلة عثمان كنا معه وإلا فلا، ~~وفرقة قالوا: نحن مع علي ما لم يقد إخواننا الذين اشتركوا في قتل ~~عثمان. # وأما عثمان بن حنيف فإنه سار حتى ms183 دخل البصرة، فرأى الناس منقسمين ~~إلى أقسام: قسم مع الجماعة، وقسم قال: نحن مع أهل المدينة نفعل ما ~~يفعلون. # وأما عمارة بن شهاب فإنه لما بلغ مدينة زبالة لقيه طلحة بن خويلد ~~الأسدي، وكان هذا قد خرج في طلب ثأر عثمان، فقال لعمارة: ارجع إلى ~~من بعثك فإن القوم لا يريدون بأميرهم العثماني - وهو أبو موسى ~~الأشعري - بديلا، فإن أبيت ضربت عنقك، فرجع عمارة إلى علي ~~بالمدينة. # وأما عبيد الله بن عباس فانطلق إلى اليمن ودخلها. ~~••• # أما علي عليه السلام فإنه كتب إلى معاوية يقول: «أما بعد: فإن ~~الناس قد قتلوا عثمان عن غير مشورة مني، وبايعوني بمشورة منهم ~~واجتماع، فإذا أتاك كتابي فبايع لي، وأوفد إلي أشراف أهل الشام ~~قبلك.» فتلقى معاوية الكتاب وقرأه وطواه ولم يجب الإمام بشيء، ~~وكان الرسول الذي أحضر الرسالة كلما تنجز معاوية ينشده قول ~~الشاعر: # أدم إدامة حصن أو خذن ~~بيدي # حربا ضروسا تشب الجزل ~~والضرما # في جاركم وابنكم إذ كان ~~مقتله # شنعاء شيبت الأصداغ ~~واللمما # أعيا الحسود بها والسيدون ~~فلم # يوجد لها غيرنا مولى ولا ~~حكما # فلما مضى شهران ونصف دعا معاوية رجلا من عبس يقال له: قبيصة، ~~فدفع إليه رسالة إلى الإمام، وقال له: إذا دخلت المدينة فأعلم ~~الناس بمقدمك، فلما قدم المدينة قال لهم إنه قد جاء بجواب معاوية، ~~فتبعوه، ودخل على علي ففض الرسالة، ولم يجد فيها شيئا سوى كلمة ~~«بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال للعبسي: ما وراءك؟ قال: أآمن أنا؟ ~~قال : نعم، قال: تركت القوم لا يرضون إلا بالقود وقتل قتلة عثمان، ~~وتركت ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم قد ألبسوه ~~قبر دمشق، وهم يطلبون رقبتك، فقال الإمام: أمني يطلبون دم ~~عثمان؟ ألست موتورا بعثمان كترتهم به؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم ~~عثمان، ثم قال للعبسي: اخرج. # وفي هذه الفترة كتب معاوية كتابا إلى الزبير يقول له فيه: «من ~~معاوية بن أبي سفيان إلى الزبير أمير المؤمنين، سلام عليك، أما ~~بعد: فإني قد بايعت ms184 لك أهل الشام، فأجابوا، فدونك الكوفة والبصرة ~~لا يسبقك إليهما ابن أبي طالب، فإنه لا شيء بعد هذين المصرين، وقد ~~بايعت لطلحة من بعدك، فأظهرا الطلب بدم عثمان، وادعوا الناس إلى ~~ذلك، وليكن منكما الجد والتشمير، أظفركما الله، وخذل مناوئكما.» ~~فلما وصل الكتاب إلى الزبير فرح به كثيرا وأقرأه طلحة، فلم ~~يشكا في صدق معاوية، وأجمعا على خلاف علي. # أما الإمام فإنه عزم على الحرب وقتال من لم يبايعه، واستدعى إليه ~~ابنه محمد بن الحنفية، فدفع إليه لواء جيشه، وجعل عبد الله بن عباس ~~على الميمنة، وعمر بن أبي مسلمة على ميسرته، وأبا ليلى بن الجراح ~~على المقدمة، واستخلف على المدينة قثم بن عباس، وكتب إلى قيس ~~بن سعد وعثمان بن حنيف وأبي موسى الأشعري أن يندبوا الناس لقتال ~~مخالفيه، فاشتعلت نيران الحرب، وكانت أعظم هذه الحروب معارك: ~~«الجمل» و«صفين» و«النهروان». ~~(1) حرب الجمل # كانت السيدة عائشة بنت الصديق يوم مقتل عثمان بمكة، فضاقت ~~ذرعا بهذا القتل الظالم، وقامت تطالب بالانتقام من القتلة، ~~وتصيح بالناس: «إن الغوغاء من أهل الأمصار وعبيد أهل المدينة ~~قد سفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام واستحلوا البلد الحرام، ~~وأخذوا المال الحرام في الشهر الحرام، والله لإصبع عثمان ~~بن عفان خير من طباق الأرض أمثالهم ... والله لو أن الذي اعتدوا ~~به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه، أو ~~الثوب من درنه، إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء - أي ~~غسلوه.» # فلما سمع الناس ذلك تهيجوا وقال أحدهم، وهو عبد الله ~~بن عامر الحضرمي، وكان عامل عثمان على مكة: ها أنا ذا أول طالب ~~بدم عثمان، وتبعه بنو أمية، وقدم عليهم عبد الله بن عامر ~~بن كريز من البصرة بمال كثير، كما قدم يعلى بن أمية من ~~اليمن بستمائة بعير وستمائة ألف درهم، ولما رأى طلحة والزبير ~~ذلك قالا لعلي: إننا نريد الخروج إلى مكة للعمرة، فقال لهما: ~~والله إنكما لا تريدان العمرة، وإنما تريدان الغدرة ونكث ~~البيعة، فحلفا له بالله أنهما لا يريدان الغدر، ms185 وجددا له ~~بيعتهما بأشد ما يكون من المواثيق والأيمان، فأذن لهما، ولما ~~خرجا قال لصحبه: والله لا ترونهما إلا في فتنة يقتلان فيها، ~~فقال الصحب: مر بردهما عليك، فقال: ليذهبا وليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا. # ولما وصلا مكة قالا لعائشة: إننا قد تركنا في المدينة قوما ~~حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا، ولا يمنعون أنفسهم، ~~ثم استقر رأيهم على الخروج إلى البصرة، فأتت عائشة أم سلمة، ~~إحدى زوجات النبي # صلى الله عليه وسلم # تطلب إليها أن تخرج معها وتقول: يا أم سلمة، ~~كنت كبيرة أمهات المؤمنين، وكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقمؤ - يعيش - في بيتك، وكان يقسم لنا في بيتك، وكان ينزل ~~عليه الوحي في بيتك، فقالت لها أم سلمة: يا ابنة أبي بكر، لقد ~~زرتني وما كنت زوارة، ولأمر ما تقولين هذه المقالة. ~~فقالت: إن طلحة والزبير وعبد الله بن الزبير أخبروني أن الرجل ~~قتل مظلوما، وأن بالبصرة مائة ألف سيف يطاوعون، فهل لك أن ~~نخرج أنا وأنت لعل الله يصلح بنا فئتين متناحرتين؟ فقالت ~~لها: يا عائشة، أبدم عثمان تطلبين وقد كنت أشد الناس عليه؟! ~~وقد بايعه المهاجرون والأنصار، وإن عمود الإسلام لا ترأبه ~~النساء إن انثلم - في كلام طويل. # فقالت لها عائشة: شتمتني يا أختي، فقالت لها أم سلمة: ولكن ~~الفتنة إذا أقبلت غطت على البصيرة، وإذا أدبرت أبصرها العاقل ~~والجاهل، ثم تركتها عائشة وأتت حفصة بنت عمر زوج رسول الله، ~~فأجابتها إلى الخروج معها، ولكن أخاها عبد الله بن عمر منعها ~~من ذلك، ثم نادى المنادي: إن عائشة وطلحة والزبير وجمهور ~~المسلمين خارجون إلى البصرة، فمن أراد أن يعز دين الإسلام ~~ويطلب بدم عثمان وليس له مركب ولا جهاز فليأت، ثم ساروا في ~~نحو من ألف راكب، وقيل: بل كانوا ثلاثة آلاف، وكان في ~~الطليعة: أبان بن عثمان، والوليد بن عثمان، ومروان بن الحكم، ~~وسائر بني أمية. # قال ابن جرير الطبري: وأمرت على الصلاة عبد الرحمن ~~بن عتاب بن أسيد، وبعثت أم الفضل ms186 بنت الحارث زوج العباس ~~بن عبد المطلب كتابا إلى أمير المؤمنين علي تخبره بالخبر مع ~~ظفر الجهني، فلما قرأ الرسالة وعلم نكث الزبير وطلحة بالبيعة ~~واجتماعهما مع عائشة، وقف فخطب الناس في المسجد وقال: «أما ~~بعد: فإن الله بعث محمدا للناس كافة وجعله رحمة للعالمين، ~~فصدع بما أمر ربه، وبلغ رسالات ربه فلم به الصدع، ورتق به ~~الفتق، وآمن به السبل، وحقن الدماء، وألف به بين ذوي الإحن ~~والعداوة، والوغر في الصدور والضغائن الراسخة في القلوب، ثم ~~قبضه الله إليه حميدا، وكان من بعده ما كان من التنازع في ~~الإمرة، فتولى أبو بكر، وبعده عمر، ثم تولى عثمان، فلما كان من ~~أمره ما عرفتموه ثم أتيتموني فقلتم: بايعنا، فقلت: لا أفعل، ~~فقلتم: بلى، فقلت: لا، وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتكم ~~فجذبتموها، حتى تداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها ~~يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي، وأن بعضكم قاتل بعضا، ~~فبسطت يدي فبايعتموني مختارين، وبايعني في أولكم طلحة والزبير ~~طائعين ثم مكرهين، ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة، ~~والله يعلم أنهما أرادا الغدرة، فجددت عليهما العهد في ~~الطاعة، وألا يبغيا الأمة الغوائل، فعاهداني ثم لم يفيا لي، ~~ونكثا بيعتي ونقضا عهدي، فعجبا لهما من انقيادهما لأبي بكر ~~وعمر وخلافهما علي! ولست بدون أحد الرجلين، ولو شئت أن ~~أقول لقلت: اللهم احكم عليهما بما صنعا في حقي وصغرا في أمري ~~وظفرني بهما.» # وقال في خطبة ثانية حين بلغه مسيرة عائشة: «أما بعد : فإن ~~عائشة سارت إلى البصرة ومعها طلحة والزبير، وكل منهما يرى ~~الأمر له دون صاحبه، أما طلحة فابن عمها، وأما الزبير فختنها، ~~والله لو ظفروا بما أرادوا، ولن ينالوا ذلك أبدا، ليضربن ~~أحدهما عنق الآخر بعد تنازع منهما شديد، والله إن راكبة الجمل ~~الأحمر ما تقطع عقبة ولا تحل عقدة إلا في معصية الله وسخطه حتى ~~تورد نفسها ومن معها موارد الهلكة، أي والله ليقتلن ثلثهم، ~~وليهربن ثلثهم، وليتوبن ثلثهم، وإنها التي تنبحها كلاب الحوأب، ~~وإنهما ليعلمان أنهما مخطئان، ورب ms187 عالم قتله جهله معه علمه ~~لا ينفعه، حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فقد قامت الفتنة فيها الفئة ~~الباغية، أين المحتسبون؟ أين المؤمنون؟ ما لي ولقريش؟ والله ~~لقد قتلتهم كافرين، ولأقتلنهم مفتونين، وما لنا إلى عائشة من ~~ذنب إلا أنا أدخلناها في صيرنا، والله لأبقرن الباطل حتى ~~يظهر الحق من خاصرته، ثم إنه دعا وجوه أهل المدينة فقال لهم: ~~إن آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، فانصروا الله ~~ينصركم ويصلح لكم أمركم ...» # ثم إن الإمام استخلف على المدينة سهل بن حنيف، وقيل: بل ~~تمام بن العباس، وعلى مكة قثم بن العباس، وخرج في تعبيته ~~التي عبأها لأهل الشام في آخر ربيع الأول سنة 36ه حتى أتى ~~«الربذة» فاجتمع إليه الناس وسار نحو «فيد». # أما عائشة وجماعتها فإنها بعد أن بلغت «الحوأب» تركته نحو ~~«البصرة»، فلما قربت منها أرسلت عبد الله بن عامر بن كريز ~~الذي كان أميرا على البصرة من قبل عثمان، فاندس إلى ~~البصرة، وكتبت إلى الأحنف بن قيس وجماعة من وجوه المدينة ~~تدعوهم لنصرتها، وأقامت «بالحفير» تنتظر الجواب، ولما بلغ ذلك ~~مسامع عثمان بن حنيف أمير البصرة من قبل علي أرسل إليها ~~عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي، فلما دخلا عليها سلما ~~وسألاها عن سبب مسيرها، فقالت: إن الغوغاء ونزاع القبائل ~~غزوا حرم رسول الله وأحدثوا فيه، وآووا المحدثين، فاستوجبوا ~~لعنة الله ولعنة رسوله مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ~~ترة ولا عذر، فسفكوا الدم الحرام، وانتهبوا المال الحرام، ~~وأحلوا البلد الحرام في الشهر الحرام، فخرجت في المسلمين ~~أعلمهم ما أتى هؤلاء وما الناس فيه وراءنا، ثم تلت قوله تعالى: # لا خير في كثير من ~~نجواهم # إلى آخر الآية ... فهذا شأننا إلى معروف ~~نأمركم به ومنكر ننهاكم عنه، والسلام. # ثم خرجا من عندها وأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب ~~بدم عثمان، قالا: ألم تبايع عليا؟ قال: بلى، والسيف على ~~عنقي، وما أستقيل بيعتي إن لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان، ثم ~~أتيا ms188 الزبير فقال لهما مثل ذلك، ثم رجعا إلى عثمان بن حنيف ~~أمير البصرة، فقالا له: إنها الحرب فتأهب لها، فنادى عثمان ~~بالناس ودعاهم إلى المسجد وأمرهم بالتجهز، ثم أقبلت عائشة ~~فيمن معها حتى انتهوا إلى «المربد»، وخرج إليها من أهل البصرة ~~من أراد أن يكون معها، ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه. # ثم تكلم طلحة فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عثمان بن عفان ~~وفضله، ودعا إلى الطلب بدمه، ونزل، ثم وقف الزبير فقال مثل ~~قوله، فقال أصحابهما: «صدقا وبرا»، وقال أصحاب ابن الحنيف: ~~«فجرا وغدرا»، تحاثى الناس وتحاصبوا ووقعوا في أمر مريج، ~~فوقفت عائشة - وكانت جهورية الصوت - فقالت: كان الناس يتجنون ~~على عثمان، ويزرون على عماله، ويأتوننا في المدينة فيستشيروننا ~~فيما يخبروننا عنه، فننظر في ذلك فنجده برا تقيا وفيا، ~~ونجدهم فجرة غدرة كذبة، فلما قووا كاثروه واقتحموا عليه ~~داره، واستحلوا الدم الحرام، والشهر الحرام، والبلد الحرام، ~~بلا ترة ولا عذر، ثم قرأت قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب ~~، إلى آخر الآية، وسكتت، فافترق أصحاب ~~ابن حنيف فرقتين، قالت إحداهما: صدقت وبرت، وإن من جاءوا ~~معها يطالبون بحق، وقالت الأخرى: إن من جاءوا معها كاذبون ~~ضالون، ثم تحاصب الطرفان ووقع الهرج والمرج، فجاء جارية ~~بن قدامة السعدي فقال لها: يا أميرة المؤمنين، لقتل عثمان ~~أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الأنكد عرضة للسلاح، ~~إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة، فهتكت سترك وأبحت ~~حرمتك ، إنه من رأى قتالك يرى قتلك، إن كنت أتيتنا طائعة ~~فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتنا مكرهة فاستعيني بالناس، ~~فلم تعر قوله هذا التفاتا، ثم نشب القتال بين الجانبين حتى ~~أدركهم الليل. # وفي الصباح نشب القتال من جديد، وكثر القتل في أصحاب ~~ابن حنيف، وكثر الجرح في الفريقين وعضتهم الحرب، وكتب طلحة ~~والزبير إلى أهل الشام كتابا يخبرانهم فيه بذلك ويحثانهم ~~على النهوض، ومما جاء فيه قولهما: «إنا خرجنا لوضع الحرب ~~وإقامة كتاب الله، فبايعنا خيار أهل البصرة وخالفنا ms189 أشرارهم ~~قائلين: نأخذ أم المؤمنين رهينة أن أمرتهم بالحرب ~~وحثتهم عليه، وإننا يا أهل الشام نناشدكم الله في أنفسكم ~~إلا نهضتم بمثل ما نهضنا به.» # وكتبوا مثل ذلك إلى أهل الكوفة واليمامة والمدينة، وكتبت ~~السيدة عائشة إلى أهل الكوفة تخبرهم بحقيقة الأمر، وتأمرهم أن ~~يثبطوا الناس عن الإمام علي، وتحثهم على طلب قتلة عثمان، ومما ~~جاء في كتابها قولها: «قدمنا البصرة، فدعونا إلى إقامة كتاب ~~الله، فأجابنا الصالحون واستقبلنا من لا خير فيه بالسلاح، وعزم ~~عليهم عثمان بن حنيف إلا قاتلوني حتى منعني الله بالصالحين، ~~واحتجوا بأشياء فاصطلحنا عليها، فخانوا وغدروا، وكان ذلك الدأب ~~ستة وعشرين يوما ندعوهم إلى الحق ويدعوننا إلى الباطل، وغدروا ~~وخانوا، فغادروني في الغلس ليقتلوني، فلم يبرحوا حتى بلغوا ~~سدة بيتي، فوجدوا نفرا على الباب، فدارت عليهم الرحى.» # أما الإمام علي فإنه سار حتى بلغ «ذا قار» وأتاه عثمان ~~بن حنيف في جمع كبير من أهل البصرة، ثم أرسل ابنه الحسن ~~وعمارا والأشتر النخعي إلى الكوفة يدعون أهلها لنصرة ~~الإمام، فأحضروا جمعا كبيرا منهم، ورحب به قائلا: يا أهل ~~الكوفة، أنتم قاتلتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم حتى صارت إليكم ~~مواريثهم، فمنعتم حوزتكم وأعنتم الناس على عدوهم، وقد دعوتكم ~~لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي ~~نريد، وإن يلجوا داويناهم بالرفق حتى يبدءونا بالظلم، ولم ~~ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على الفساد إن شاء ~~الله. # وسار علي من ذي قار حتى نزل على عبد القيس، فانضموا إليه، ثم ~~سار حتى نزل «الزاوية» يريد البصرة، وسار طلحة والزبير وعائشة، ~~والتقى الجمعان عند مكان قصر عبيد الله بن زياد، فلما نزل ~~الناس أقاموا ثلاثة أيام لم يكن فيها قتال، وكان الإمام يرسل ~~إلى جماعة عائشة يكلمهم ويدعوهم، حتى كان يوم الخميس منتصف ~~جمادى الآخرة سنة 36، فوقعت الواقعة، وكان عسكر عائشة ثلاثين ~~ألفا، وعسكر علي عشرين ألفا، ومما خطب به علي صحبه قوله: ~~«عباد الله، انهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم لقتالهم، ~~فإنهم نكثوا بيعتي، وأخرجوا ms190 ابن حنيف عاملي بعد الضرب المبرح ~~والعقوبة الشديدة، وقتلوا حكيم بن جبلة العبدي، وقتلوا رجالا ~~صالحين، ثم تتبعوا منهم من يحبني يأخذونهم في كل حائط وتحت كل ~~رابية، ثم يأتون بهم فيضربون رقابهم صبرا، ما لهم قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون، انهدوا إليهم وكونوا أشداء عليهم، وقد وطنتم ~~أنفسكم على الطعن والضرب ومبارزة الأقران، وأي امرئ منكم أحس ~~من نفسه رباطة جأش عند اللقاء، ورأى من أحد إخوانه فشلا، ~~فليذب عن أخيه الذي فضل عليه كما يذب عن نفسه، ولا تقاتلوا ~~القوم حتى يبدءوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وكفكم عنهم حتى ~~يبدءوكم حجة أخرى، فإذا قاتلوكم فلا تجهزوا على جريح، وإذا ~~هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا، ولا تمثلوا بقتيل، وإذا ~~وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا، ولا ~~تأخذوا من أموالهم شيئا، ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن ~~أعراضكم، وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف العقول والأنفس، ~~لقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول ~~المرأة بالهراوة والعصا والجريدة فيعير بها هو وعقبه من ~~بعده.» # تراءى الجمعان، فرأى علي طلحة والزبير وقال لهما: «لقد ~~أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا، إن كنتما أعددتما عند الله ~~عذرا فاتقيا الله سبحانه، ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من ~~بعد قوة أنكاثا، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي ~~وأحرم دماءكما؟ فهل حدث ما أحل لكما دمي؟» فقال طلحة: ~~ألبت الناس على عثمان، فقال علي: # يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ~~ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين ~~، يا طلحة، تطلبني بدم عثمان؟ فلعن الله ~~قتلة عثمان، يا طلحة، جئت بعرس رسول الله تقاتل بها وخبأت ~~عرسك، أما بايعتني؟ قال: بايعتك والسيف على عنقي. # ثم قال للزبير مثل ما قاله لطلحة، فأراد الزبير ترك الحرب، ~~فقال له ابنه عبد الله: جمعت بين هذين العسكرين حتى إذا اشتبكت ~~النصال أردت أن تتركهم وتذهب، ولكنك خشيت رايات ابن أبي طالب، ~~وعلمت أنها تحملها فتية أنجاد، وأن تحتها الموت الأحمر، ~~فجبنت، فأحفظه ذلك، وقال: إني حلفت ألا ms191 أقاتله، فقال له ~~ابنه عبد الله: كفر عن يمينك وقاتله، فدخل في المعركة، ثم ~~رأى أن يتركها ويتوجه إلى وادي السباع قاصدا المدينة، فلما ~~وقف يصلي طعنه من خلفه عمرو بن جرموز فقتله، وأخذ فرسه وخاتمه ~~وسلاحه، ثم قدم على علي فأخبره بقتل الزبير، فتناول الإمام سيف ~~الزبير وهزه وقال: «سيف طالما كشف الله به الكرب عن رسول ~~الله، وما كان ابن صفية جبانا ولا لئيما، ولكن الحين ومصارع ~~السوء.» # ثم اشتد وطيس القتال بين الجانبين، فنزل علي إلى الساحة وهو ~~يتلو قوله تعالى: # أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب ~~، اللهم أفرغ ~~علينا الصبر، ثم رفع مصحفا بيده وقال: من يأخذ هذا المصحف ~~فيدعوهم إلى ما فيه ولهم الجنة؟ فقال غلام اسمه مسلم بن عبد ~~الله فقال: أنا يا خليفة رسول الله، ثم تناول المصحف وزحف على ~~القوم فقتلوه، فقال علي: الآن حل قتالهم، واقتتل الناس، ~~وركبت عائشة الجمل، وألبسوا هودجها البسط وجلود النمر، وفوق ~~ذلك دروع الحديد، وخطبت الناس عائشة فقالت: «أما بعد فإنا ~~كنا نقمنا على عثمان ضرب السوط وإمرة الفتيان، ألا وإنكم ~~استعتبتموه فأعتبكم، ثم عدوتم عليه فارتكبتم منه دما حراما، ~~وايم الله إنه كان أحصنكم فرجا وأتقاكم لله.» # ثم اقتتلوا حتى قتل طلحة وهو يقول: اللهم خذ لعثمان حتى ~~ترضى، وحرضت عائشة الناس ، كما حرض علي جماعته، واحتدم ~~القتال وتلاحم الناس، وأخذت عائشة لفا من حصى ورمت به وجوه ~~أصحاب الإمام وصاحت بقولها: شاهت الوجوه، كما صنع رسول الله ~~يوم حنين، فقال لها قائل: # وما رميت ~~إذ رميت ولكن الله رمى ~~، ثم تقدم ~~أصحاب علي إلى جمل عائشة وأصحابها يحيطون بها ويتساقطون صرعى ~~دون الوصول إليها حتى قتل على الخطام أربعون رجلا، وأحدق أهل ~~النجدات والشجاعة بعائشة، وحمل أصحاب علي حتى أداروا الجمل كما ~~تدور الرحى، وصاح الإمام: ارشقوا الجمل بالنبل، فرشق ms192 حتى لم ~~يبق فيه موضع إلا أصابه النبل، ثم تقدم محمد بن أبي بكر وعمار ~~بن ياسر، فقطعا أنساع الهودج واحتملاه، فلما وضعاه أدخل محمد ~~يده، فقالت: من هذا؟ فقال: أخوك محمد، فقالت: بل مذمم، قال: ~~يا أخية، هل أصابك شيء؟ قالت: ما أنت وذاك، ثم أمر الإمام ~~بعقر الجمل، وأمر بحمل الهودج من بين القتلى، وطلب من محمد ~~بن أبي بكر أن يضرب على أخته قبة، ثم أدخلها البصرة فأنزلها ~~دار عبد الله بن خلف الخزاعي، وكان الإمام يتمثل في ذلك اليوم ~~قائلا: # إليك أشكو عجري ~~وبجري # ومعشرا أعشوا على ~~بصري # قتلت منهم مضري بمضري # شفيت ~~نفسي وقتلت معشري # ثم إنه أمر بأن ينادى: لا تتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا على ~~أسير أو جريح، ولا تدخلوا الدور، ولا ترزءوا سلاحا، ولا ~~ثيابا ولا متاعا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو ~~آمن، ثم صلى علي على القتلى من أهل البصرة والكوفة وأمر ~~بدفنهم، وكان عدد القتلى كبيرا تجاوز الخمسة آلاف، ثم كتب إلى ~~أهل الكوفة بالفتح كتابا يقول فيه: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي بن أبي طالب أمير ~~المؤمنين إلى أهل الكوفة، أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي ~~لا إله إلا هو، إن الله حكم عدل، لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له وما ~~لهم من دون الله من وال، أخبركم عنا وعمن سرنا إليه من ~~جموع أهل البصرة، ومن تأشب إليهم من قريش وغيرهم مع طلحة ~~والزبير ونكثهم صفقة أيمانهم، فنهضت من المدينة حتى انتهى ~~إلي خبر من سار إليها وما فعلوا بعاملي عثمان بن حنيف حتى ~~قدمت «ذا قار»، فبعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر، فاستنفرتكم ~~بحق الله وحق رسوله وحقي، فأقبل إلي إخوانكم سراعا، فسرت ~~بهم حتى نزلت ظهر «البصرة» فأعذرت بالدعاء وقمت بالحجة وأقلت ~~العثرة والذلة من أهل الردة من قريش وغيرهم، فاستتبتهم فأبوا ~~إلا قتالي وقتال من معي والتمادي في ms193 الغي، فناهضتهم بالجهاد، ~~وقتل طلحة والزبير، وخذلوا وأدبروا وتقطعت بهم الأسباب، ~~فلما رأوا ما حل بهم سألوني العفو عنهم، فقبلت، واستعملت على ~~البصرة عبد الله بن العباس وأنا سائر إليكم، وقد بعثت «زحر بن ~~قيس الجعفي» لتسألوه فيخبركم عنا وعنهم، والسلام.» # ثم إن الإمام ولى زيادا على الخراج وبيت المال وتوجه ~~إلى الكوفة، فلما وصلها صعد المنبر بعد أن صلى ركعتين وقال: ~~أما بعد يا أهل الكوفة، فإن لكم في الإسلام فضلا ما لم ~~تبدلوا وتغيروا، دعوتكم إلى الحق فأجبتم، وبدأتم بالمنكر ~~فغيرتم، ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله، فأما في الأحكام ~~فأنتم أسوة من أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه، ألا إن أخوف ما ~~أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن ~~الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا إن الدنيا قد ترحلت ~~مدبرة، والآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون فكونوا ~~من أبناء الآخرة، اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل، ~~الحمد لله الذي نصر وليه، وخذل عدوه، وأعز أنصار الحق، ~~وأذل الناكث المبطل، عليكم بطاعة الله وطاعة من أطاع الله من ~~أهل نبيكم الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله من ~~المنتحلين المدعين. # بعد أن أقام علي بالكوفة استعمل العمال على العراق وفارس، ~~ونظم أموره وأخذ يهيئ نفسه لحرب أهل الشام إلى أن كانت ~~معركة صفين. ~~(2) حرب صفين # بعد أن استقرت الأمور في العراق للإمام علي رأى أن يسير ~~لقتال معاوية وإخضاع الشاميين ، فسار حتى أتى صفين في أواسط ذي ~~القعدة سنة 36، وكان عدد جيشه نحوا من مائة ألف مقاتل كما ذكر ~~الطبري في حوادث تلك السنة، وكتب علي إلى زعماء العرب في ~~الأطراف يستقدمهم، فقدم عليه الأحنف بن قيس، وجارية بن قدامة، ~~وحارثة بن بدر، وزيد بن جبلة، وأعين بن ضبيعة، وجرير بن عبد ~~الله البجلي؛ ولما اجتمعوا عنده أراد علي أن يبعث إلى معاوية ~~رسولا فقال له جرير البجلي: ابعثني إليه فأدعوه إلى أن يسلم ~~لك الأمر على أن يكون ms194 أميرا من أمرائك، وأدعو أهل الشام إلى ~~طاعتك، وجلهم قومي وقد رجوت ألا يعصوني، فقال له الأشتر ~~النخعي: لا تبعثه فوالله إني لأظن أن هواه هواه، فقال له علي: ~~دعه يذهب حتى ننظر ما يرجع به إلينا. فبعثه وقال له: إن حولي ~~من أصحاب رسول الله من أهل الدين والرأي من قد رأيت، وقد ~~اخترتك عليهم، ائت معاوية، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون ~~وإلا فانبذ إليه وأعلمه أني لا أرضى به أميرا، وانطلق جرير ~~إلى الشام فقال لمعاوية: يا معاوية، إنه قد اجتمع لابن عمك أهل ~~الحرمين وأهل المصرين وأهل الحجاز واليمن ومصر وأهل العروض ~~وعمان والبحرين واليمامة، ولم يبق إلا هذه الحصون التي أنت ~~فيها، ولو سال عليها سيل من أودية لغرقها، وقد أتيتك أدعوك ~~إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل، ودفع إليه كتاب ~~علي، وهذا نصه: ~~«بسم الله الرحمن ~~الرحيم، أما بعد فإن بيعتي لزمتك بالمدينة وأنت بالشام؛ ~~لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما ~~بايعوا عليه، فلم يك للشاهد أن يختار، وللغائب أن يرد، وإنما ~~الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه ~~إماما، كان ذلك لله رضى، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير ~~سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت ~~مصيرا، وإن طلحة والزبير كانا قد بايعاني ثم نقضا بيعتي، وكان ~~نقضهما كردهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور ~~إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء، فإذا تعرضت له ~~قاتلتك واستعنت الله عليك، وقد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل ~~فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على ~~كتاب الله، فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن، ~~ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان، ~~واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ...» # فلما قرأ معاوية الكتاب دعا ثقاته، فقال له عتبة ~~بن أبي سفيان ms195 وكان نظيره: استعن على هذا الأمر بعمرو بن العاص، ~~فإنه من قد عرفت، وقد اعتزل أمر عثمان في حياته، وهو لأمرك ~~أشد اعتزالا، فكتب معاوية إلى عمرو وهو بفلسطين: «أما بعد ~~فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقدم علينا ~~جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، ~~أقبل أذاكرك أمرا.» وقدم على معاوية فقال له معاوية: يا ~~أبا عبد الله، إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه، ~~وقتل الخليفة، وأظهر الفتنة، وفرق الجماعة، وقطع الرحم، فقال ~~عمرو: والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير (أي عدلي ~~بعير)، ما لك هجرته، ولا سابقته، ولا صحبته، ولا جهاده، ولا ~~فقهه، ولا علمه، والله إن له معك حدا وحدودا وحظا وحظوة، ~~فماذا تجعل لي إن شايعتك على حربه؟ قال: حكم مصر، وكتب له ~~معاوية بمصر كتابا على ألا ينقض طاعة. # وأبطأ جرير بن عبد الله عند معاوية، فكتب إليه علي يتعجله ~~ويقول: إذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، وخذه ~~بالأمر الحزم، ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم محظية، فإن ~~اختار الحرب فانبذ له، وإن اختار السلم فخذ بيعته. # ثم إن معاوية جمع إليه ~~وجوه أهل الشام وأخذ بيعتهم، وقال لجرير: الحق بصاحبك، وبعث ~~معه إلى علي كتابا يقول له فيه: من معاوية بن صخر إلى علي ~~بن أبي طالب، أما بعد؛ فلو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت ~~بريء من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان، ولكنك أغريت ~~بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل، وقوي ~~بك الضعيف، وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة ~~عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين، وليست لعمري حججك ~~علي كحجتك على طلحة والزبير؛ لأنهما بايعاك ولم أبايعك، ~~وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة؛ لأن أهل البصرة ~~أطاعوك ولم يطعك أهل الشام، فأما شرفك في الإسلام وقرابتك من ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # وموضعك من ms196 قريش فلست أدفعه. ثم هيأ نفسه ~~للسفر إلى صفين. # ولما أراد معاوية السير إلى صفين قال لعمرو: «إني رأيت أن ~~نلقي إلى أهل مكة والمدينة كتابا نذكر لهم فيه أمر عثمان، ~~فإما أن ندرك حاجتنا وإما أن يكف القوم عنا.» فقال عمرو: «إنما ~~تكتب إلى ثلاثة نفر: راض بعلي فلا يزيده ذاك إلا بصيرة، ورجل ~~يهوى عثمان فلن تزيده على ما هو عليه، ورجل معتزل فلست بأوثق ~~في نفسه من علي.» ثم كثرت الكتب والرسائل بين الطرفين وكل ~~منهما يهيئ نفسه، وكتب علي إلى عماله في الأمصار يأمرهم ~~بالمسير إليه وحث الناس على الجهاد، وبلغ أهل العراق مسير ~~معاوية إلى صفين فالتفوا نحو الإمام عليه السلام وتجمعت ~~جموعهم حتى بلغت مائة وخمسين الفا، # 2 # ولكنهم كانوا غثاء كغثاء السيل، كثير الكمية، قليل ~~الأهمية لاختلاف هواهم، وكأن الإمام قد أحس منهم ذلك فخطبهم ~~خطبته الشهيرة التي يقول فيها: يا عباد الله، ما بالكم إذا ~~أمرتم أن تنفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض، أرضيتم ~~بالحياة الدنيا من الآخرة بدلا؟ وبالذل والهوان من العز ~~والكرامة خلقا؟ أفكلما دعوتكم إلى الجهاد دارت أعينكم في ~~رءوسكم كأنكم من الموت في سكرة، وكأن قلوبكم قاسية، فأنتم ~~أسود الشرى عند الدعة، وحين تنادون للبأس ثعالب رواغة ~~تنتقص أطرافكم فلا تخاشون، ولا ينام عدوكم عنكم وأنتم في غفلة ~~ساهون، إن لكم علي حقا، فالنصيحة لكم ما نصحتم، وتوفير ~~فيئكم عليكم، وأن أعلمكم كيلا تجهلوا، أؤدبكم كي تعلموا، ~~وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح في المغيب والمشهد، ~~والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم. # ويظهر أن هذه الخطبة قد بلغت آذان القوم ولم تبلغ قلوبهم، ~~فلم يهيئوا أنفسهم، وآثروا الدعة والسكون على الحركة ~~والجهاد، ويظهر أن السبب في ذلك أنهم رأوا أن الإمام يدفع بهم ~~إلى حرب مبيدة تقطع الأرحام وتوهي الصلات، ولا يفيدون منها ~~أي مغنم مادي. أما أهل الشام فإن معاوية يوزع بينهم الأموال ~~ويغريهم بوضع أيديهم على كل من ينتصرون عليهم وعلى أموالهم، ~~وكان يتألف القادة ms197 والرؤساء وشيوخ القبائل بالأموال، أما ~~الإمام علي فليس عنده شيء من ذلك؛ لأن المال مال الله، ولا يصح ~~أن يعطى لإنسان إلا بحسب فريضة الله، وقد جاءه مرة أخوه عقيل ~~يطلب منه بعض المال، فقال لابنه الحسن: إذا خرج عطائي من بيت ~~المال فسر مع عمك إلى السوق، فاشتر له ثوبا جديدا ونعلين ~~جديدتين. فيتركه ويذهب إلى معاوية فيعطيه من بيت المال مائة ~~ألف. # سار معاوية على رأس جيوشه من الشاميين، وقدم بين يديه ~~الطلائع والعيون، حتى وصل قبل علي إلى صفين، فأنزل جيشه البالغ ~~نحو خمسين ألفا في مكان رحب كثير العشب والخير، قريب من ~~الفرات، ثم جاء جيش علي الضخم فنزل بمكان قريب من جيش معاوية، ~~ولكن لم يجد على الفرات شريعة يستقي منها، فأرسل إلى معاوية ~~يطلب إليه أن يخلي الماء حرا للجيشين فلم يقبل معاوية، ~~واضطرب أصحاب علي حتى اقتتل نفر من الطرفين على الماء، وأتيح ~~لجماعة علي أن يأخذوا مورد الماء، ولكن الإمام عليا رأى أن ~~ذلك ظلم، وأن الماء ماء الله يجب أن يشرب الناس منه جميعا، ~~فغضب نفر من أصحابه لهذه السياسة، ولكنه لم يأبه لهم، واستمرت ~~السفارات بين الجانبين، ولكنها لم تنته إلى شيء، بل عبأ كل ~~جانب جنده وشرع في القتال الفردي الذي ظل نحوا من عشرة أيام، ~~وكانت السفراء لا تنقطع، حتى دخل المحرم من السنة الجديدة، ~~فسئم الإمام من هذه المطاولات وزحف بجميع جيشه، فلقيه معاوية ~~بجيش مثله، والتحم الطرفان وانكشفت ميمنة جيش الإمام، وتضعضع ~~قلب جيشه حتى اضطر إلى أن ينحاز الإمام نفسه إلى ميسرة الجيش ~~في بني ربيعة، فاستقتلت لحمايته، وكان خطيبها يقول: «يا معشر ~~ربيعة، لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن أصيب أمير المؤمنين ~~وهو فيكم.» فتحالفت ربيعة على الموت إلى أن انتظم حال الميمنة ~~من جديد بفضل قيادة الأشتر الحكيمة، واشتد جيش الإمام على جيش ~~معاوية في اليوم الثالث حتى كاد أن يبلغ فسطاط معاوية ويشتت ~~شمله، وهم معاوية بالفرار ولم يثبته إلا ms198 قول ~~ابن الإطنابة: # أبت لي همتي وأبى ~~بلائي # وأخذي الحمد بالثمن ~~الربيح # وإجشامي على المكروه ~~نفسي # وضربي هامة البطل ~~المشيح # وقولي كلما جشأت ~~وجاشت # مكانك تحمدي أو ~~تستريحي # لأدفع عن مآثر ~~صالحات # وأحمي بعد عن عرض ~~صحيح # وكان أهل العراق لا يشكون في ظفرهم، لولا الحيلة التي ~~احتالها معاوية وأصحابه حين رأوا أن المصاحف قد نشرت مرفوعة ~~على رءوس الرماح والسيوف، بينما خرج مناد من أهل الشام يقول: ~~هذا كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته إلى خاتمته، الله الله ~~يا قوم في العرب، الله الله في الإسلام، الله الله في ~~الثغور، من لثغور الشام إذا هلك أهل الشام؟ ومن لثغور العراق ~~إذا تفانى أهل العراق؟ فلما رأى العراقيون المصاحف وسمعوا ~~الدعاء تداعوا إلى قبول الهدنة، وذهب رؤساؤهم إلى الإمام ~~بذلك، فقال لهم: لا والله، إن القوم ليسوا بأصحاب قرآن، ولم ~~يرفعوه على أرماحهم تائبين إلى ما فيه، وإنما رفعوه كائدين ~~يبغونكم الفتنة بالحيلة. ولكن أصحاب الإمام ألحوا عليه حتى ~~أنذروه بمفارقته، ومنهم من أنذره بتسليمه إلى معاوية، ومنهم من ~~قال له: امض في القتال، وتفرق بأس القوم بينهم، فاضطر ~~الإمام إلى وقف القتال، ولم يكف الأشتر النخعي عن المضي في ~~الحرب إلا بعد لأي، وذهب رسل علي إلى معاوية، فقال لهم: نختار ~~منا رجلا ومنكم رجلا، ونأمرهما أن يفصلا بيننا بما في كتاب ~~الله، ورجع رسل علي إليه بكلام معاوية، فلما سمعه حوقل، وتصايح ~~القوم في حضرته يقول أكثرهم بالقبول، وأقلهم بالرفض ، واضطر ~~الإمام أن يجيب الكثرة إلى ما رأت. ~~••• # كانت الحيلة التي لجأ إليها عمرو بن العاص برفع المصاحف ~~حيلة نافذة، ضعضعت صف جيش الإمام وشتتت شمله، ولو كان ~~الغرض منها شريفا لهان الأمر، ولكن معاوية وعمرا قد بيتا ~~مؤامرة خبيثة تهدف إلى عزل الإمام بالاتفاق مع بعض قادته، وفي ~~طليعتهم: الأشعث بن قيس الكندي. # ومهما يكن الأمر، فإن الطرفين المتخاصمين اتفقا على أن ~~يحكموا رجلين لحل هذه المعضلة، فاتفق جماعة معاوية على ~~اختيار عمرو بن العاص، واتفق جماعة ms199 علي على أبي موسى الأشعري، ~~واجتمع المفوضون من الطرفين فكتبوا شروط الهدنة من وقف ~~القتال، واختيار الحكمين، وموعد اجتماعهما، وتأمينهما على ~~أنفسهما وأموالهما مهما يكون حكمهما، كما اتفقوا على حرب من ~~يخالف هذه الوثيقة التالي نصها: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ~~ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل العراق ومن كان معهم ~~من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشام ~~ومن كان من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين: إننا ننزل عند حكم ~~الله، وبيننا كتاب الله فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى ~~خاتمته، نحيي ما أحيا، ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في ~~كتاب الله فإنهما يتبعانه، وما لم يجداه مما اختلفا فيه في ~~كتاب الله نصا أمضيا فيه السنة العادلة الحسنة الجامعة غير ~~المفرقة، والحكمان: عبد الله ~~بن قيس، وعمرو بن العاص، وأخذنا عليهما عهد الله وميثاقه ~~ليحكما بما وجدا في كتاب الله نصا، فما لم يجداه في كتاب ~~الله مسمى عملا فيه بالسنة الجامعة غير المفرقة.» # وأخذا من علي ومعاوية ومن الجندين كليهما وممن تأمرا عليه ~~من الناس عهد الله ليقبلن ما قضيا به عليهما، وأخذا لأنفسهما ~~الذي يرضيان به من العهد ومن الثقة بالناس أنهما آمنان على ~~أنفسهما وأهليهما وأموالهما، وأن الأمة لهما أنصار على ما ~~يقضيان به من العدل على علي ومعاوية، وعلى المؤمنين والمسلمين ~~من كلا الطائفتين، وأن على عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص ~~عهد الله وميثاقه أن يصلحا بين الأمة، ولا يرداها إلى فرقة ولا ~~حرب، وأن أجل القضية إلى شهر رمضان، فإن أحبا أن يعجلاها دون ~~ذلك عجلا، وإن أحبا أن يؤخراها عن غير ميل منهما أخراها، ~~وإن مات أحد الحكمين قبل القضاء فإن أمير كل شيعة وشيعته ~~يختارون مكانه رجلا لا يألون عن أهل المعدلة والنصيحة ~~والإقساط، وأن يكون مكان قضيتهما التي يقضيانها فيه مكان عدل ~~بين الكوفة والشام والحجاز، لا يحضرهما فيه إلا من أرادا، فإن ~~رضيا مكانا غيره فحيث ms200 أحبا أن يقضيا، وأن يأخذ الحكمان من ~~كل واحد من شاءا من الشهود، ثم يكتبا شهادتهم في هذه الصحيفة ~~أنهم أنصار على من ترك ما فيها: اللهم نستنصرك على من ترك ما ~~في هذه الصحيفة وأراد فيها إلحادا أو ظلما، وشهد بما في هذا ~~الكتاب من أصحاب الإمام: عبد الله بن العباس، والأشعث بن قيس، ~~والأشتر مالك بن حارث، وسعيد بن قيس الهمداني، والحصين، ~~والطفيل بن الحارث بن المطلب القرشي، وعوف بن الحارث بن المطلب ~~القرشي، وربيعة بن مالك الأنصاري، وعقبة بن عامر الجهني، ورافع ~~بن خديج الأنصاري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وورقاء بن سمي، ~~والحسن والحسين ابنا علي، وعبد الله بن حجل الأرحبي، ويزيد ~~بن حجية التميمي. # ومن أهل الشام: أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي، وبسر ~~بن أرطاة القرشي، وحبيب بن مسلمة الفهري، والمخارق بن حارث ~~الزبيدي، وزمل بن عمرو العذري، وحمزة بن مالك الهمداني، وعبد ~~الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي، وسبيع بن يزيد الحضرمي، ~~وعلقمة بن يزيد الحضرمي، وعتبة بن أبي سفيان القرشي، ويزيد ~~بن الحر العبسي. # واتفق الحكمان على أن يجتمعا في «أذرح»، وأن يجيء علي ~~بأربعمائة من أصحابه، ويجيء معاوية بأربعمائة من أصحابه يشهدون ~~الحكومة، ثم خرج الأشعث بن قيس يتلو كتاب التحكيم على الناس، ~~فمر به على أهل الشام ورضوا به، ثم مر به على أهل العراق فلم ~~تقبل به طائفة منهم وخرجت تعلن أنها ترفض تحكيم الرجال في دين ~~الله، وهكذا انتهى الجزء الأول من هذه الفتنة بوقوع الفرقة بين ~~صفوف جند الإمام، ولم يمض يومان على كتابة الصحيفة ودفن ~~القتلى من الجانبين حتى أذن مؤذن علي في أصحابه بالرحيل عن ~~صفين إلى الكوفة وهم متفرقون متشاتمون، ومنذ ذلك اليوم نشأ في ~~الإسلام جماعة جديدة، كان لها أثر عميق في الأحداث التي ~~تعرض لها الإسلام، وهي جماعة الخوارج الذين اتخذوا حروراء ~~مكانا لهم، وأخذوا يرسلون الرسل لمفاوضة الإمام ودعوته إلى ~~استئناف القتال، ولكنه لم يقبل بعدما أعطى ميثاقه ~~بالهدنة. # وقد أرسل إليهم ms201 عبد الله بن العباس في جماعة من أصحابه ~~يناظرهم ويناقشهم وقد حفظت لنا كتب التاريخ والفرق نصوص ~~مناظرة مشهورة بين ابن عباس ورؤساء الخوارج، عددوا له فيها ~~ما نقموه على الإمام من أمر تحكيم الرجال في دين الله، فرد ~~عليهم ابن عباس بقوله: إن الآمر قد أمر التحكيم في الصيد الذي ~~يصيبه المحرم، كما أمر بتحكيم حكمين بين الزوجين إن وقع ~~بينهما شقاق، فقال الخوارج لابن عباس: إنما نص عليه الله من ~~الأحكام لا تجوز المخالفة فيه، وما أذن للناس فيه بالرأي جاز ~~لهم أن يجتهدوا فيه برأيهم، ألا ترى إلى أمر الله في الزاني ~~والسارق وقاتل النفس المؤمنة في غير حقها؟ فليس للإمام أن ~~يخالف عن هذا الرأي على أن يغير فيه، وإن أمر الله في معاوية ~~وأصحابه واضح في آية الطائفة الباغية، فلم يكن لعلي أن يغيره، ~~وإنما كان الحق عليه أن يمضي في قتال هؤلاء البغاة حتى يفيئوا ~~إلى أمر الله. # ثم تقدم الخطيب صعصعة بن صوحان يعظهم ويخوفهم، فرجع مع ~~ابن عباس وصعصعة نفر قليل، وبقي جمهور خارجا على إرادة ~~الإمام. # اجتمع الحكمان في «دومة الجندل»، ثم في «أذرح»، ولم تكن ~~مفاوضاتهما على ملأ من الناس، بل كان كل واحد يجتمع بصاحبه ~~ويتناقشان، وروايات المؤرخين لهذا الموضوع مضطربة متناقضة ~~مختلفة، فإذا أضيف إلى ذلك أن الصحيفة نفسها كانت غامضة لم ~~ينص فيها على موضوع الخلاف، تبين لنا مقدار حراجة الموقف ~~في الحكم على هذه القضية. # ويظهر أن الطرفين اتفقا على أن الخليفة الثالث قد قتل ~~مظلوما، وأن على معاوية أن يطالب بالاقتصاص من قاتليه؛ لأنه ~~هو وليه، ولكن الخلاف دب حين بحث في موضوع من ينبغي أن يطلب ~~إليه معاوية في الاقتصاص؛ أهو علي؟ ومعاوية يتهم عليا في ~~التأليب على الخليفة القتيل، فلا بد إذن من اختيار خليفة ~~حيادي يرتضيه الناس، ويعين معاوية على الانتقام من قتلة ~~عثمان، وقد اقترح أبو موسى تسمية عبد الله بن عمر للخلافة ~~لحياده ودينه، ولكن عمرا رفض هذا الاقتراح، وطال ms202 الجدل بين ~~الحكمين ولم يتفقا على رجل حيادي، ثم قر رأيهما على أن ~~يخلعا عليا ومعاوية جميعا، وأن يتركا للأمة أن تختار من ~~تشاء، ولكنهما لم يضعا نظاما للاختيار. # ثم اجتمع الناس وتلي عليهم الاتفاق، وقدم عمرو أبا موسى ~~ليبدأ بإعلان ما اتفقا عليه من خلع علي ومعاوية، فقام فقال: ~~بعد حمد الله والثناء عليه، إنه يعلن أنهما اتفقا على خلع علي ~~ومعاوية، ورد الأمر شورى بين المسلمين، وطلب إلى الناس أن ~~يستقبلوا أمرهم، ويختاروا لخلافتهم من يرضون. ثم قام عمرو فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا قد خلع صاحبه، وأنا أخلع ~~صاحبه مثله، ولكني أثبت صاحبي. فقال أبو موسى: ما لك لا وفقك ~~الله! غدرت وفجرت! وماج القوم واضطربوا وتضاربوا، وانطلق ~~أبو موسى إلى مكة، وعاد أهل الشام إلى معاوية مهنئين مبايعين ~~بإمرة المؤمنين. # وانتهت هذه الفتنة بفوز معاوية وتضعضع أمر علي وتفرق ~~جماعته، وذلك بخديعة عمرو، وسلامة قلب أبي موسى الذي كان يظن ~~أن المسلمين ولا سيما أصحاب رسول الله لا يشغلون إلى الخديعة ~~والغدر؛ ولذلك رأى أن يفر بدينه ونفسه إلى مكة كارها لكل ما ~~يرى ويسمع. # أما الإمام علي فإنه حين بلغه ما جرى، خطب الناس فقال: ~~«الحمد لله، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد: ~~فإن معصية الناصح الشفيق المجرب تورث الحسرة، وتعقب الندم، ~~وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وهذه الحكومة بأمري ، ونخلت ~~لكم رأيي لو يطاع لقصير رأي، ولكنكم أبيتم إلا ما أردتم، فكنت ~~وإياكم كما قال أخو هوازن: # أمرتهم أمري بمنعرج ~~اللوى # فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى ~~الغد # ألا إن الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم ~~الكتاب وراء ظهورهما، وارتأيا الرأي من قبل أنفسهما، فأماتا ~~ما أحيا القرآن، وأحييا ما أمات القرآن، ثم اختانا في حكمهما، ~~فكلاهما لا يرشد ولا يسدد، فبريء الله منهما ورسوله، وصالح ~~المؤمنين، فاستعدوا للجهاد وتأهبوا للسير.» # ثم كتب إلى أهل البصرة يدعوهم ms203 إلى نصرته، فجاءه منهم جمع ~~كبير، ولم يشخص إليه ابن عباس هذه المرة، بل اكتفى بأن أرسل ~~الجند، وأراد الإمام عليه السلام أن يسير إلى الشام، ولكن جاء ~~خبر أقض مضجعه، وهو أن الخوارج تجمعوا بجموع كبيرة في ~~النهروان، فكتب إليهم ينبئهم بأن الحكمين انتهيا إلى خلاف، ~~وأنه يدعوهم لنصرته في حرب أهل الشام، فأبوا عليه وأغلظوا في ~~القول لرسوله، فصبر عليهم وقال: لعلهم يثوبون إلى الرشاد ~~والهدى والصواب، ولكن الأخبار وصلت إليه بأنهم أخذوا يعيثون في ~~الأرض الفساد، ويقتلون الأبرياء والصالحين والنساء، فعزم على ~~قتالهم، وسار نحو النهروان. # وهكذا انتهى حرب صفين على هذا النحو المخزي الفاجع، الذي ~~فرق كلمة المسلمين وشتت شمل العرب. ~~(3) حرب النهروان # لما وصل الإمام عليه السلام إلى النهروان - وهي كورة واسعة ~~واقعة بين محل واسط وبغداد - كتب إليهم يوصيهم بالدخول في ~~طاعته، وأن يسلموا إليه قتلة عبد الله بن خباب بن الأرت الذي ~~قتلوه شهيدا بريئا، فأجابوه بأننا كلنا قتلته، فأخذ عليه ~~السلام يردد رسله إليهم يعظونهم تارة ويخوفونهم تارة أخرى، ~~فترك قوم من الخوارج إخوانهم ورجعوا إلى الكوفة، كما التحق نفر ~~منهم بجيش الإمام، ولكن الكثرة الكاثرة منهم ظلت على عنادها ~~بقيادة عبد الله بن وهب الراسبي ذي الثفنات، وكان عددها نحوا ~~من ثلاثة آلاف مقاتل، فقرر عليه السلام ألا يقاتلهم حتى ~~يبدءوه بالقتال، ورأى الخوارج أن الإمام مصر على قتالهم، ~~فاستبسلوا وصاح صائحهم «هل من رائح إلى الجنة؟» فتبعوه وصاحوا: ~~«نحن الرواح إلى الجنة .» وشدوا شدة واحدة على جيش ~~الإمام فاضطر إلى أن يقاتلهم، ولكنهم كانوا أعنف من جند الإمام ~~في حملتهم، فاستطاعوا أن يفرقوا الجيش العلوي قسمين، ولكن ~~الجيش ما لبث أن حمل عليهم حملة قوية حتى قضى على الخوارج ~~كلهم وفيهم رئيسهم ذو الثفنات. # وهكذا قضى الإمام على جميع الخوارج إلا من اندس منهم إلى ~~الكوفة أو القرى المجاورة. # وقد ظن الإمام أن الحرب قد انتهت، وأن الأمور قد استقامت، ~~وأن العراق قد خضع فلم يبق إلا الشام، فليجهز له ms204 من يقضي على ~~معاوية وأصحابه، فأخذ يدعوهم إلى أن يهيئوا أنفسهم للذهاب ~~إلى الشام، ولكنه فوجئ بأمر لم يحسب له حسبانا، وهو أن جموع ~~قبائل الخوارج الذين قتلوا يوم النهروان قد تجمعت للانتقام من ~~قتلة أبنائهم وإخوانهم وأصدقائهم، وأن كثيرا من جنوده يتسللون ~~إلى عشائرهم وقبائلهم ومدنهم رافضين مساعدته والقتال معه حتى ~~اضطر إلى أن يعود إلى الكوفة ويدعو الناس من جديد إلى قتال أهل ~~الشام ويخطبهم، فلا تتجاوز خطبه آذانهم، فلا يتحركون إلا ~~حركات اصطناعية وهم يؤثرون الهدوء والسكينة على الحروب ~~والأسفار، حتى ضاق بهم يوما فخطبهم بقوله: أيها الناس ~~المجتمعة أبدانهم، المختلفة قلوبهم وأهواؤهم، ما عزت دعوة من ~~دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصم الصلاب، ~~وفعلكم يطمع فيكم عدوكم، إذا دعوتكم إلى الجهاد قلتم: كيت ~~وكيت، وذيت وذيت، أعاليل بأباطيل، وسألتموني التأخير فعل ذي ~~الدين المطول، لا يدفع الضيم الذليل، ولا يدرك الحق إلا ~~بالجد والعزم واستشعار الصبر، أي دار بعد داركم تمنعون؟ ومع أي ~~إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم ~~فاز بالسهم الأخيب، أصبحت لا أطمع في نصركم، ولا أصدق ~~قولكم، فرق الله بيني وبينكم، وأبدلني بكم من هو خير لي ~~منكم، أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا، وسيفا قاطعا، ~~وأثرة يتخذها الظالم فيكم سنة، فيفرق جماعتكم ويبكي ~~عيونكم، ويدخل الفقر بيوتكم، وتتمنون عن قليل أنكم رأيتموني ~~فنصرتموني، فستعلمون حق ما أقول، ولا يبعد الله إلا من ~~ظلم. # ولكن أقواله وتهديداته لم تفدهم شيئا، وقد قاسى منهم ويلات ~~شدادا وضاق بهم ذرعا، وزاد الأمر سوءا ظهور من كان قد ~~اختفى من الخوارج وإعلانهم دعوتهم ضده عليه السلام جهارا، ~~وتكاثرهم يوما بعد يوم، وأخذوا يكيدون له شخصيا ويحاولون ~~الفتك به عليه السلام، ويخذلون الناس عنه ويبثون لهم أن ~~«عليا» ظالم لا يختلف عن «عثمان»، حتى جاءه أحدهم - وهو ~~الخريت بن راشد السلمي - فقال له: والله لا أطعت أمرك، ولا ~~صليت خلفك، فقال له الإمام عليه السلام: ثكلتك أمك، إذا تعصي ~~ربك، ms205 وتنكث عهدك، ولا تغر إلا بنفسك، ولم تفعل ذلك؟ قال: ~~لأنك حكمت الناس في كتاب الله، وضعفت عن الحق حين جد الجد، ~~وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم، فأنا عليك راز، وعليهم ~~ناقم، فلم يغضب الإمام عليه السلام من قوله ولم يبطش به، وإنما ~~دعاه إلى المناظرة والمناقشة، فقال له: أمهلني إلى غد، وهرب ~~الرجل إلى قومه - وكان فيهم سيدا مطاعا - فقال لهم ما سمعه ~~من الإمام، وما أجابه به، ثم خرج بهم وأخذ يجمع الجموع لقتال ~~الإمام، فبعث إليهم الإمام بجيش لجب فتك بهم، فتزايدت الإحن ~~والترات، وعظم الكرب، وهرب نفر من قادة العراق إلى الشام ~~مفضلين هدوءه وأموال معاوية وجاهه. # أما معاوية فإنه بعد أن وطد الأمر في الشام عزم على ~~الاستيلاء على مصر، وكان فيها أمير لعلي هو قيس بن سعد ~~بن عبادة الأنصاري، فزور معاوية على لسان قيس كتابا بعث به ~~إلى الكوفة، وفيه يعلن انحرافه عن علي وغضبه لعثمان وانضمامه ~~إلى معاوية، فلما وصل الكتاب إلى الكوفة قال علي عليه السلام ~~للناس: إنها كذبة، وإن الكتاب مدسوس على قيس. ولكن أصحاب ~~الإمام ألحوا عليه في وجوب عزل قيس، فلم يجبهم إلى ذلك، بل ~~كتب إليه يخبره بالخبر ويطلب إليه أن يقاتل كل من لم يبايع ~~عليا في مصر، فرد عليه قيس بأنه لا يفضل سلوك طريق القوة، ~~وأنه يرجو الإمام أن يخلي بينه وبين إقليمه، فلم يشك أهل ~~الكوفة في أن قيسا قد أضمر شيئا، وألحوا على الإمام في ~~وجوب عزله، فعزله، وولى محمد بن أبي بكر الصديق محله. # وكان الفرق بين الواليين شاسعا، فابن أبي بكر شاب حدث لم ~~يجرب الأمور، وقيس رجل كبير عارك الدهر وعركه، ثم إن محمد ~~بن أبي بكر كان ممن شاركوا في التسور على عثمان، وفي مصر ~~جماعة من العثمانية، ولما وصل محمد إلى مصر رحل قيس إلى ~~المدينة، واضطرب أمر مصر، فجهز معاوية جيشا بقيادة عمرو ~~بن العاص واستولى عليها بعد أن قتل محمد بن أبي بكر، فلما ms206 علم ~~الإمام عليه السلام بذلك غم غما شديدا. # ومما زاد في الوضع سوءا أن عبد الله بن عباس أمير البصرة ~~أخذ يستبد بالأمر دون الإمام عليه السلام، حتى كتب أبو الأسود ~~الدؤلي كتابا إلى الإمام يقول له فيه: «أما بعد فإن الله ~~جعلك واليا مؤتمنا وراعيا مسئولا، وقد بلوناك فوجدناك عظيم ~~الأمانة ناصحا للرعية، توفر لهم وتظلف نفسك عن دنياهم، فلا ~~تأكل أموالهم ولا ترتشي في أحكامهم، وإن عاملك وابن عمك ~~عبد الله بن عباس قد أكل ما تحت يده بغير علمك، ولا يسعني ~~كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما قبلنا من أمرك، واكتب إلي ~~برأيك إن شاء الله.» # فرد عليه السلام على كتاب أبي الأسود برسالة فيها: «أما ~~بعد؛ فقد فهمت كتابك، ومثلك ينصح للإمام والأمة، ويوالي على ~~الحق ويفارق الجور، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلي فيه ~~من أمر، ولم أعلمه بكتابك إلي فيه، فلا تدع إعلامي ما يكون ~~بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاح، فإنك بذلك محقوق وهو عليك ~~واجب، والسلام.» # وكتب إلى ابن عباس يقول: «أما بعد؛ فقد بلغني عنك أمر إن ~~كنت فعلته فقد أسخطت ربك، وأخربت أمانتك، وعصيت إمامك، ~~وخنت المسلمين، بلغني أنك جردت الأرض، وأكلت ما تحت يديك، ~~فارفع إلي حسابك، واعلم أن حساب الله أشد من حساب الناس ...» ~~فأجابه ابن عباس: «أما بعد فإن الذي بلغك باطل، وأنا لما ~~تحت يدي أضبط وأحفظ، فلا تصدق على الأظناء، رحمك الله، ~~والسلام.» # فغضب الإمام من هذه الرسالة التي لا تشفي غلة، ولا تنفي ~~تهمة، وكتب إليه يقول: «أما بعد فإنه لا يسعني تركك حتى ~~تعلمني ما أخذت من الجزية ومن أين أخذته؟ وفيم وضعت ما أنفقت ~~منه؟ فاتق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك حفظه، فإن ~~المتاع بما أنت رازئ منه قليل، وتبعة ذلك شديدة، ~~والسلام.» # فلما قرأ ابن عباس هذا الكتاب خرج عن هدوئه، فكتب إلى الإمام ~~كتابا فيه شيء كثير من خطل الرأي وفساد الطوية، ويقول له ~~فيه: إنه يؤثر أن يلقى ms207 الله وفي ذمته شيء من أموال المسلمين ~~على أن يلقاه وفي ذمته تلك الدماء التي سفكها علي يوم الجمل، ~~ويوم صفين، ويوم النهروان، وإن تلك الدماء إنما سفكت في سبيل ~~الملك. # هذا ما كتب به ابن عباس إلى ابن عمه الإمام عليه السلام، وقد ~~نسي أو تناسى - على الأصح - أنه يكتب إلى خليفة رسول الله، ~~وأنه شاركه في هذه الحروب كلها، بل كان قائده يوم الجمل ويوم ~~صفين، وأنه سيلقى الله وفي ذمته أموال المسلمين ودماؤهم معا، ~~وزاد ابن عباس الأمر تعقيدا أنه عزم على ترك البصرة إلى ~~الحجاز ومعه أموال بيت المال، ولكن أهل البصرة لما علموا بنيته ~~لم يخلوا بينه وبين المال، فاستعان عليهم بأخواله بني هلال، ~~وكادت الفتنة أن تقع بين البصريين والهلاليين لولا أن تداخل ~~العقلاء، وذهب ابن عباس بالمال إلى البيت الحرام، فكتب إليه ~~الإمام عليه السلام يلومه بكتاب رائع، ولكن ابن عباس لم يعد ~~المال، وكتب للخليفة أنه لم يأخذ إلا ما يحق له من بيت ~~المال. # وقد أراد معاوية أن يستولي على البصرة كما استولى على مصر، ~~وخصوصا بعد أن علم بغضبة ابن عباس؛ فقد كان ابن عباس قد ترك ~~البصرة لزياد، ولكن أهل البصرة وأعرابها قد استهانوا بزياد، ~~وأراد زياد أن يستجير ببني ربيعة، فلم تعره التفاتا، فاستجار ~~بالأزد ونقل إليهم المنبر وبيت المال، وانقسمت البصرة إلى ~~طوائف وشيع: طائفة مع معاوية، وطائفة مع الأحنف بن قيس، وطائفة ~~مستقلة، وهي: بنو ربيعة، وطائفة حمت زيادا وهي الأزد، وهكذا ~~عادت العصبية القبلية الجاهلية إلى البصرة بأجلى مظاهرها، وكتب ~~زياد إلى الإمام ينبئه بالخبر، فبعث الإمام رسوله أعين ~~بن ضبيعة إلى البصرة، فقتله أهلها، وأراد زياد أن يثأر له فلم ~~يستطع، فأرسل الإمام كتيبة وعلى رأسها جارية بن قدامة، فظفر ~~بأهل البصرة، وأعيد بيت المال والمنبر إلى المسجد حيث كانا، ~~وحاول الإمام أن يعيد الأمور إلى نصابها، فيخطب الناس ويحرضهم ~~بخطبة رائعة صورت لنا الحالة التي كان عليها شيعته ويأسه ~~منهم، حيث يقول: «أما ms208 بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، ~~فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله الذل، وسيم الخسف وديث بالصغار، ~~وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا ~~وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالذي نفسي بيده ~~ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فتخاذلتم وتواكلتم ~~وثقل عليكم قولي، واتخذتموه ظهريا حتى شنت عليكم ~~الغارات، هذا أخو غامد، قد وردت خيله الأنبار، وقتلوا حسان ~~بن حسان، ورجالا منهم، ونساء كثيرا، والذي نفسي بيده، لقد ~~بلغني أنه كان يدخل على المرأة المسلمة والمعاهدة، فتنتزع ~~أحجالهما ورعثهما، ثم انصرفوا موفورين، لم يكلم أحد منهم ~~كلما، فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان عندي ~~فيه ملوما، بل كان به عندي جديرا، يا عجبا كل العجب! عجب ~~يميت القلب، ويشغل الفهم، ويكثر الأحزان من تضافر هؤلاء على ~~باطلهم، وفشلكم عن حقكم حتى أصبحتم غرضا يرمى، ترمون ولا ~~ترمون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله فيكم وترضون، ~~إذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء قلتم: هذا أوان قر وصر، وإن قلت ~~لكم اغزوهم في الصيف قلتم: هذه حمارة الصيف، أنظرنا ينصرم ~~الحر عنا، فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون فأنتم والله من ~~السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا طغام الأحلام، ويا ~~عقول ربات الحجال، لقد أفسدتم علي رأيي بالعصيان، وقد ملأتم ~~جوفي غيظا حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا ~~رأي له في الحرب، ولله درهم ، ومن ذا يكون أعلم بها مني وأشد ~~لها مراسا؟ فوالله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد ~~نيفت اليوم على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع.» # ولقد أحس معاوية بحقيقة الوضع العراقي، فأخذ يهيئ الكتائب ~~لغزو العراق، وأخذ الخوارج يعملون في الديار فسادا، وأخذت ~~جموعهم تزيد يوما بعد آخر حتى شبت نيران حرب داخلية قوية، ~~فأخذ الإمام يعد عدته لقتالهم وقتال الشاميين معا، ولكن قادة ~~جنده خذلوه، ولم يتحمسوا لدعوته، فلما استيئس منهم دعا إليه ~~رؤساءهم وخاطبهم ms209 بقوله: إنكم ألححتم علي في تولي هذا الأمر، ~~فلما أجبتكم خذلتموني، وإنه قد سئم من مطاولتهم، وإنه قد أزمع ~~على الذهاب إلى قتال خصمه ولو بمفرده، إلى أن يقول: «أيها ~~الناس، إنكم دعوتموني إلى هذه البيعة فلم أردكم عنها، ثم ~~بايعتموني على الإمارة ولم أسألكم إياها، فتوثب متوثبون ~~كفى الله مئونتهم وصرعهم لخدودهم وأتعس جدودهم وجعل دائرة ~~السوء عليهم، وبقيت طائفة تحدث في الإسلام حدثا، تعمل ~~بالهوى، وتحكم بغير الحق، وليست بأهل لما ادعت، وهم إذا قيل ~~لهم تقدموا قدما تقدموا، وإذا أقبلوا لا يعرفون الحق ~~كمعرفتهم الباطل كله، ولا يبطلون الباطل كإبطالهم الحق، أما ~~إني فقد سئمت من عتابكم وطول خطابكم، فبينوا لي ما أنتم ~~فاعلون، فإن كنتم شاخصين معي إلى عدوي فهو ما أطلب وما أحب، ~~وإن كنتم غير فاعلين فاكشفوا لي أمركم أر رأيي، فوالله لئن لم ~~تخرجوا معي بأجمعكم إلى عدوكم فتقاتلوهم حتى يحكم الله بيننا ~~وبينهم وهو خير الحاكمين، لأدعون الله عليكم، ثم لأسيرن ~~إلى عدوكم ولو لم يكن معي إلا عشرة ...» فلما سمعوا كلامه ~~استحيوا وذهبوا إلى قومهم وحرضوهم، فاجتمع جيش حسن، وجاءوا ~~بهم إلى الإمام ليذهب إلى غزو الشام والقضاء على معاوية ~~ودولته. # بينما كان الإمام يهيئ نفسه للخروج إلى الشام حدث ما لم يكن ~~في الحسبان؛ فقد رأى الخوارج أن الوسيلة الوحيدة لخلاصهم من ~~خصومهم هي في القضاء على معاوية وعمرو بن العاص وعلي ~~بن أبي طالب، وانتدبوا عبد الرحمن بن ملجم الحميري لقتل علي، ~~كما انتدبوا الحجاج بن عبد الله الصريمي لقتل معاوية، وانتدبوا ~~عمرو بن بكر التميمي لقتل عمرو بن العاص، واتفقوا على يوم ~~مسمى لتنفيذ مؤامرتهم، كما حددوا ساعة القتل، وهي ساعة صلاة ~~الصبح في اليوم السابع عشر من رمضان تلك السنة، وهي سنة أربعين ~~للهجرة. # فأما صاحب معاوية فإنه هجم عليه في الساعة الموقوتة، ولكنه ~~لم يصبه بأذى؛ لأنه كان دارعا. # وأما صاحب عمرو فإنه ذهب في الوقت الموعود، ولكن عمرا كان ~~مريضا فبعث مكانه صاحب شرطته وهو ms210 خارجة بن حذافة العدوي فقتل ~~عوضا عنه. # وأما صاحب الإمام عليه السلام فإنه أصاب منه مقتلا على ~~الشكل الذي سنفصله بعد، رحمه الله ورضي عنه وسلم ~~عليه. # الفصل الرابع # | في مقتله، ومناقبه، وآثاره العلمية والدينية # لم يصب الإسلام بفاجعة بعد فاجعته برسول الله # صلى الله عليه وسلم # أعظم من ~~فاجعته بمقتل الإمام عليه السلام، فإن أبا بكر وعمر وعثمان قد ~~لاقوا حتفهم في ظروف تكاد تكون عادية أو شبه عادية، ثم إنهم قد ~~عاشوا فترة هادئة في ظل الخلافة الإسلامية، استطاعوا بها أن ~~يتمموا رسالة الرسول الكريم، وينشروا راية الإسلام، وبخاصة ~~الخليفتان الأول والثاني كما رأيت في الفصول الماضية. # أما الإمام علي عليه السلام فإن الظلمة والخوارج والطغاة خلقوا ~~المشاكل في سبيله منذ يوم تسلم خلافة رسول الله إلى أن طعن بيد ~~أحدهم، وهو ظالم آثم طاغ. # روى المؤرخون أن عبد الرحمن بن ملجم الخارجي الحميري أقام في ~~الكوفة يرقب الموعد لقتل الإمام، ثم إنه أقبل آخر الليل ومعه رفيق ~~له يعينه في عمله المجرم، وأنهما انتظرا الإمام حتى خرج من بيته ~~لصلاة الفجر، فلما رأياه قادما استقبلاه بسيفيهما، فأصابه ابن ~~ملجم - لعنه الله - في جبهته حتى بلغ دماغه، ووقع سيف صاحبه في ~~الحائط، وخر الإمام الأمين المأمون صريعا وهو يقول: لا ~~يفوتنكم الرجل، وأحاط القوم بالفاسقين، فقتلوا الثاني، واستبقوا ~~ابن ملجم، وحمل الإمام إلى داره فأقام ليلتين ويوما ثم مات ~~كرم الله وجهه، قتل ابن ملجم ومثل به وأحرق بالنار عليه ~~لعنة الله ولعنة اللاعنين إلى يوم الدين، وكان ذلك ليلة الحادي ~~والعشرين من رمضان سنة 70ه. # وقد اختلفت الأقوال في وصية الإمام عليه السلام، فبعضهم يقول: ~~إنه أمر باستخلاف ابنه الحسن عليه السلام، وبعضهم يقول: إنه قال ~~لهم حينما سألوه عن ذلك: «لا آمركم ولا أنهاكم، والله الله في ~~جيرانكم، وزكاة أموالكم، الله الله في الفقراء والمساكين، ~~فأشركوهم في معايشكم، والله الله في خولكم وما ملكت أيمانكم، ~~فإنها كانت آخر وصية لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقولوا ms211 للناس حسنا كما ~~أمر الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، وعليكم ~~بالتواضع والذل لله، وإياكم والتقاطع والتفرق والتدابر.» # وهكذا قضى الإمام المأمون الذي أراد أن يعيد الدين كما كان على ~~عهد الرسول، وأراد أن يقضي على سوء الإدارة والظلم الذي حل ~~بالمسلمين فدفع لذلك بنفسه ثمنا. # وقد اختلفت الروايات في موضع قبر الفقيد الشهيد، فبعضهم يقول: ~~إنهم دفنوه في رحبة الكوفة حيث يزار اليوم، وبعضهم يقول: إن ~~الحسين أمر بنقله إلى المدينة ليدفن إلى جانب السيدة فاطمة، ~~وآخرون يقولون: إنه نقل إلى الحجاز في تابوت وضع على بعير ولكن ~~ناقليه ضلوا بعيرهم، فأخذه جماعة من الأعراب ظنوا أن عليه مالا في ~~ذلك التابوت، فلما رأوا أن فيه جثة دفنوها في مكان ما من ~~الصحراء. # ومهما يكن من أمر، فإن الكارثة العظمى قد حلت، واندك صرح ~~العفة والدين والسماحة بمقتله، ولما انتهى خبره إلى الحجاز تباكى ~~الناس فيه، وتمثلت السيدة عائشة حينئذ بقول الشاعر: # وألقت عصاها واستقر بها ~~النوى # كما قر عينا بالإياب ~~المسافر # وكأنها أرادت أن تقول: إن موته قد أراحه، كما استراح الناس بذلك، ~~ولكن الأمر كان على عكس ما تصورت، فإن موته كان باب الشرور ~~والمصائب والفتن التي حلت بالأمة العربية الإسلامية. # أما عمره وقت استشهاده فقد اختلف المؤرخون فيه، يقول الحاكم في ~~المستدرك نقلا عن محمد بن الحنفية: إن عمره ثلاث وستون سنة، وقيل: ~~بل أربع وستون، وقيل: بل خمس وستون، منها اثنتا عشرة سنة قبل ~~البعثة ، وثلاث وعشرون سنة مع النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وثلاثون سنة بعد وفاة ~~رسول الله، ويقول ابن شهراشوب في المناقب: قبض صلوات الله عليه ~~قتيلا في مسجد الكوفة، وقت التنوير، ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة ~~مضين من شهر رمضان، فبقي يومين إلى نحو الثلث من الليل، وله ~~يومئذ خمس وستون سنة في قول الصادق عليه السلام، وقالت العامة: بل ~~له ثلاث وستون سنة، وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا أربعة أشهر أو ~~ثلاثة أشهر؛ لأنه بويع لخمس ms212 بقين من ذي الحجة سنة 35ه. ~~(1) مناقبه وآثاره العلمية والدينية # ذكرنا في الفصل الثاني طرفا من مناقبه ومزاياه النبيلة، ~~ونبين ها هنا أنه عليه السلام كان على جانب عظيم من ~~المناقب الجليلة التي لو أريد إحصاؤها لاحتيج إلى مؤلف ~~ضخم. قال أبو الفرج الأصفهاني في «مقاتل الطالبيين»: إن فضائله ~~عليه السلام أكثر من أن تحصى، فأمير المؤمنين عليه السلام ~~بإجماع المخالف والممالئ والمضاد والموالي على ما لا يمكن ~~غمطه، ولا ينساغ ستره من فضائله المشهورة في العامة، المكتوبة ~~عند الخاصة، وهي تغني عن تفصيله بقول، أو الاستشهاد عليه ~~برواية. # ويقول ابن عبد البر الأندلسي في «الاستيعاب»: فضائله عليه ~~السلام لا يحيط بها كتاب، وقد أكثر الناس من جمعها، فرأيت ~~الاقتصار منها على النكت التي تحسن المذاكرة بها، وتدل على ما ~~سواها من أخلاقه وأحواله وسيرته، وقال: كان بنو أمية ينالون ~~منه وينقصونه، فما زاده الله بذلك إلا سموا وعلوا ومحبة ~~عند العلماء. # قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي: لم يرو في ~~فضائل أحد من الصحابة بالأحاديث الحسان ما روي من فضائل علي ~~بن أبي طالب، وكذلك قال النسائي أحمد بن شعيب بن علي، وروى ~~الحاكم في المستدرك قال: سمعت القاضي أبا الحسن علي بن الحسن ~~الجراحي، وأبا الحسين محمد بن المظفر الحافظ يقولون: سمعنا ~~أبا حامد محمد بن هارون الحضرمي يقول: سمعت محمد بن منصور ~~الطوسي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب، وقد ~~تتبع الإمام النسائي ما خص به الإمام علي من المناقب دون ~~سائر الصحابة، فجمع من ذلك مجلدا كبيرا بأسانيد أكثرها جيد، ~~وقد عقد المحب الطبري في الرياض النضرة فصولا عديدة عدد بها ~~مناقبه، منها ما يلي: # باب في أنه أول من أسلم. # وباب في أنه أول من صلى. # وباب في أنه أحب الناس إلى الله - جل ~~جلاله. # وباب في أنه أحب الناس إلى الرسول # صلى الله ms213 عليه وسلم ~~. # وباب في أنه من النبي # صلى الله عليه وسلم # بمنزلة هارون من ~~موسى. # وباب في أنه أقرب الناس قرابة من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # وباب في أنه أخو رسول الله. # وباب في أن ذرية النبي # صلى الله عليه وسلم # في صلبه عليه ~~السلام، وأنه وزوجه وأولاده هم آل بيت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # وباب في أنه مولى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن الله ~~يوالي من والاه، ويعادي من عاداه. # وباب في أنه باب مدينة العلم، وأنه أعلم الناس ~~بالسنة. # والحق أن مناقب الإمام عليه السلام جد عظيمة، كما أن شخصيته ~~شخصية فذة، خلفت لنا تراثا رفيعا في القضاء، والسياسة، ~~والأخلاق، والعلم، والأدب من شعر ونثر. # أما آثاره الأدبية التي خلفها فهي: ~~(1-1) آثاره الشعرية # من آثاره الشعرية ~~ديوان لطيف، فيه نحو ألف بيت من الشعر كله في الزهد ~~والنصائح والحكم، والتضرع إلى الله تعالى، وهو في ~~الغالب ذو أسلوب ضعيف، عليه مسحة الصوفية المتأخرة، ويزعم ~~بعض الناس أنه من صنع الشريف الرضي، # 1 # والحق أن هذا مستبعد جدا، وأن نظرة واحدة ~~إلى أسلوب الديوان المنسوب إلى الإمام وأسلوب ديوان الشريف ~~الرضي تكفي للحكم ببطلان هذا الزعم، فشعر الشريف متين ~~قوي جزل كثير الإغراب، فيه قوة وفيه إبداع، أما شعر ~~ديوان الإمام فمهلهل الألفاظ غالبا، ضعيف التراكيب، ~~وليس فيه شيء من قوة الإمام وأدبه، وآرائه الرفيعة، ثم إن ~~الإمام ما عرف بكثرة قول الشعر، وما صح عنه إلا أبيات ~~قليلة كما ذكر ذلك ياقوت في معجم الأدباء. # 2 # وقد طبع هذا الديوان مرات، وشرح، وترجم إلى اللغات ~~التركية والفارسية والأجنبية واللاتينية. # ومما ينسب إليه من الشعر قصيدة مطولة تعرف بالقصيدة ~~الزينبية، وقد ترجمت إلى التركية، وشرحت، كما شرحها ~~بالعربية الشيخ عبد المعطي السملاوي. ~~(1-2) آثاره النثرية # للإمام آثار نثرية كثيرة، نجمل الكلام عنها بما ~~يلي: ~~(1) # غرر الحكم ودرر الكلم: وهو مجموعة في ~~الأمثال والحكم والنصائح، جمعها ورتبها على ~~حروف الهجاء الشيخ العلامة عبد الواحد بن ms214 عبد ~~الواحد، وقد نشرها المستشرق كبيرس # Kuypers ~~. ~~(2) # ألف كلمة: ذكرها ابن أبي الحديد في آخر شرحه ~~على نهج البلاغة، ولم أعثر على وجود ~~لها. ~~(3) # نثر اللآلي: وهي مجموعة حكم وأمثال عددها ~~278 مثلا وحكمة، وقد طبعت عدة مرات. ~~(4) # بعض الأمثال السائرة من كلام الإمام، وقد ~~أحصاها أبو الفضل الميداني صاحب «مجمع ~~الأمثال» المشهور، وعددها 48 مثلا. ~~(5) # طفافة الأمثال: وهي أيضا مما جمعه ~~الميداني، وهذه المجموعة والكتابان السابقان ~~قد نشرهما المستشرق «كرنيلوس» مع كتاب غرر ~~الحكم في مجلد واحد بعنوان «حكم الإمام علي ~~بن أبي طالب» وطبعها في أوكسفورد سنة ~~1806. ~~(6) # مطلوب كل طالب من كلام علي بن أبي طالب: وقد ~~ذكره السيد سركيس في معجم المطبوعات العربية، ~~وهو كتاب لطيف في الحكم والمواعظ. ~~(7) # دستور معالم الحكم ومأثور مكارم الشيم، وهو ~~كتاب في الخطب والمواعظ، جمعه القاضي أبو عبد ~~الله محمد بن سلامة القضاعي من كلام الإمام، ~~وقد طبع مرات. ~~(8) # نهج البلاغة: وهو كتاب ضخم في نحو 650 ~~صفحة، جمع فيه أبو الحسن محمد بن أبي أحمد ~~الحسين، الملقب بالشريف الرضي الموسوي العلوي ~~(359-406ه) خطب الإمام ورسائله، وكلماته، ~~ومواعظه، وقد انتهى من تأليفه في رجب سنة 400 ~~بعد أن ترك أوراقا بيضاء في آخر كل باب رجاء ~~أن يقف على شيء من خطبه بعد الجمع فيدرجه في ~~المحل المناسب. # 3 # ويمكن تقسيم «النهج» إجمالا بحسب مواضيعه إلى ثلاثة ~~أجزاء: «الأول» في الخطب، و«الثاني» في المواعظ، و«الثالث» ~~في الرسائل والوصايا والحكم. # وقد عني الأدباء بهذا الكتاب عناية شديدة قديما ~~وحديثا، فشرحوه وعلقوا عليه، ومن أفضل هذه الشروح ~~المطولة في القديم: شرح الإمام اللغوي الأديب المؤرخ ~~عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن أبي الحديد (586-655)، ~~وهو من كبار مفكري المعتزلة والشيعة الإمامية، وكان حاد ~~الذكاء، واسع الاطلاع، تشهد بذلك آراؤه الكثيرة التي نقف ~~عليها في شرحه للنهج الذي يعد في الحقيقة دائرة معارف ~~كبرى حوت العلوم والآداب التي عرفت إلى عصره، وهو شرح ~~في عشرين جزءا، طبع مرات في مصر ولبنان وإيران. ms215 # وممن شرح النهج من القدماء أيضا: العلامة كمال الدين ~~ميثم بن علي بن ميثم البحراني، وقد طبع في إيران سنة ~~1274، ومن شراح النهج المحدثين: الإمام محمد عبده ~~المتوفي سنة 1905، وهو شرح لغوي ليس له كبير قيمة بالنسبة ~~إلى شرح ابن أبي الحديد، فهو لا يحتوي على ملاحظات ولا ~~آراء شخصية كالذي نجده عند ابن أبي الحديد، وإنما هو كتاب ~~لغوي يفسر الكلمات الغامضة، مع أن الإمام محمد عبده كان ~~يستطيع أن يبين كثيرا من القضايا الهامة في عالمي: ~~الأدب والدين، ولكنه اكتفى بشرح المفردات، وقد طبع في ~~بيروت ومصر. ومن الشراح المحدثين أيضا: شرح الشيخ محمد ~~حسن نائل المرصفي، وقد طبع في دار الكتب العربية بمصر. ~~أما النهج فقد طبع عدة مرات في الهند وطهران وتبريز ودمشق ~~ومصر، أما عناية الكتاب والأدباء المحدثين بالنهج ~~وتحليله فهي كثيرة جدا لما للإمام في نظر المسلمين ~~والنصارى من مكانة سامية، وقد بحث في قيمة هذا الكتاب ~~ونسبته إلى الإمام جمهرة من الأدباء القدماء والمحدثين، ~~نورد آراءهم فيما يلي: # آراء القدماء # رأي ابن خلكان (608-681): # يرى ابن خلكان في وفيات الأعيان أثناء ~~ترجمة الشريف الرضي أن في نسبة هذا الكتاب ~~إلى الشريف المرتضى اضطراب، وإليك نص ~~كلامه: «اختلف المؤرخون في كتاب نهج ~~البلاغة المجموع من كلام علي (رضي الله ~~عنه)، أهو جمعه؟ أم هو جمع أخيه ~~الشريف الرضي؟ وقد قيل: إنه ليس من كلام ~~علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي ~~وضعه، والله أعلم.» # رأي الحافظ الذهبي (673-748): # يرى الحافظ مؤرخ الإسلام الكبير أبو عبد ~~الله الذهبي في ميزان الاعتدال أن الكتاب ~~مكذوب عليه جزما. # رأي المؤرخ الصفدي: # يرى المؤرخ الصفدي أن كتاب نهج البلاغة ~~موضوع كله، وأنه من وضع الشريف الرضي، ~~وأنه نحله الإمام عليا نحلا. # 4 # رأي ابن أبي الحديد (586-655): # يرى ابن أبي الحديد أن النهج كله من ~~كلام الإمام، ويرد على المنكرين لذلك ~~بقوله: «إن كثيرا من أرباب الهوى يقولون: ~~إن كثيرا من نهج البلاغة كلام محدث صنعه ~~قوم ms216 من فصحاء الشيعة، وربما عزوا بعضه ~~إلى الشريف الرضي وغيره، وهؤلاء قوم قد ~~أعمت العصبية أعينهم، فضلوا عن النهج.» # 5 # آراء المحدثين # رأي الإمام محمد عبده: # لم يصرح محمد عبده في مقدمته على شرح نهج ~~البلاغة بشيء يدل على شكه بنسبة النهج إلى ~~الإمام، بل كل ما جاء فيها يدل على أنه مقتنع ~~تماما بأن النهج من كلام الإمام، ويعلق ~~الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد على كلام ~~الإمام، فيقول: «وعسيت أن تسأل عن رأي الإمام ~~الشيخ محمد عبده في ذلك، وهو الذي بعث الكتاب ~~من مرقده، ولم يكن أحد أوسع منه اطلاعا، ~~ولا أدق تفكيرا، والجواب على هذا التساؤل ~~أننا نعتقد أنه رحمه الله كان يعتقد مقتنعا ~~بأن الكتاب كله للإمام علي وإن لم يصرح ~~بذلك، والدليل على هذه العقيدة أنه يقول في ~~مقدمته يصف الكتاب: «وأن مدبر تلك الدولة ~~وباسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب، ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.» بل يتجاوز ~~هذا المقدار إلى الاعتراف بأن جميع الألفاظ ~~صادرة عن الإمام علي، حتى إنه ليجعل ما في ~~الكتاب حجة على معاجم اللغة، اسمع إليه وهو ~~يقول: ج2، ص197 من هذه المجموعة: المواساة ~~بالشيء: الاشتراك فيه ... قالوا: والفصيح في ~~الفعل آسيته، ولكن نطق الإمام حجة، انتهى.»، ~~وأعاد هذه الكلمة بنفسها في جزء 3، ص72، ~~الحاشية 4 من هذه المطبوعة، وهو يذهب فيما ظنه ~~أدباؤنا من علم الغيب إلى نحو ما قررناه من ~~أنه تفرس واستنتاج، انظر إليه وهو يقول (ج3، ~~ص13 من هذه المطبوعة): «تفرس فيما سيكون من ~~معاوية وجنده فكان الأمر كما تفرس.» # 6 # رأي المستشرق كليمان هوار # Clément Huart ~~: # أما المؤرخ المستشرق الإفرنسي كليمان هوار ~~فإنه يشك في نسبة الكتاب إلى الرضي أو أخيه ~~المرتضى، ويقول: «والشريف المرتضى - إذا لم ~~يكن أخوه الرضي - هو مؤلف نهج البلاغة الذي هو ~~عبارة عن مجموعة من الخطب نسبها المرتضى إلى علي.» # 7 # رأي الأستاذ أحمد أمين: # يشك المرحوم الأستاذ أحمد أمين في نسبة هذا ~~الكتاب إلى الإمام، وإليك ms217 نص كلامه: «ونسبوا ~~إليه ما في نهج البلاغة، وهو يشتمل على كثير ~~من الخطب والأدعية والكتب والمواعظ والحكم، ~~وقد شك في مجموعها النقاد قديما وحديثا، ~~كالصفدي وهوار، واستوجب هذا الشك أمور، ما ~~في بعضه من سجع منمق، وصناعة لفظية لا تعرف ~~بذلك العصر، كقوله: «أكرم عشيرتك فإنهم جناحك ~~الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير.» وما فيه ~~من تعبيرات إنما حدثت بعد أن نقلت الفلسفة ~~اليونانية إلى العربية، وبعد أن دونت ~~العلوم كقوله: «والاستغفار على ستة معان ... ~~والإيمان على أربع دعائم ...» وكالذي فيه من وصف ~~الدار وتحديدها ... هذا إلى ما فيه من معان ~~دقيقة منمقة تدل على أسلوب لم يعرف إلا في ~~العصر العباسي، كما ترى في وصف الطاووس.» # 8 # رأي الأستاذ عبد الحميد: # ويرى الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد ~~المدرس في الأزهر الشريف أن الكتاب من كلام ~~الإمام، فيقول: «ليس من شك عند أحد من أدباء ~~هذا العصر، ولا عند أحد ممن تقدمهم، في أن ~~أكثر ما تضمنه «نهج البلاغة» من كلام أمير ~~المؤمنين عليه السلام، ولكن بعض المعروفين من ~~أدباء عصرنا يميلون إلى أن بعض ما في الكتاب ~~من خطب ورسائل لم يصدر عن غير الشريف الرضي ~~جامع الكتاب ... وأهم ما يجده باحثو الآداب ~~العربية في هذا العصر من أسباب يدعمون بها ~~القول بأن الكتاب من صنع جامعه وتأليفه، ذلك ~~الذي نوجزه لك في الأسباب الأربعة ~~الآتية: ~~(1) # إن في الكتاب من التعريض بصحابة ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما لا يصح أن يسلم ~~صدوره عن مثل الإمام علي. ~~(2) # إن فيه من السجع والتنميق اللفظي ~~وآثار الصنعة ما لا يعهده عصر علي ولا ~~عرفه، وإنما ذلك شيء طرأ على العربية بعد ~~العصر الجاهلي وصدر الإسلام، وافتتن به ~~أدباء العصر العباسي ... ~~(3) # إن فيه من دقة الوصف، واستفراغ صفات ~~الموصوف، وإحكام الفكرة، وبلوغ النهاية في ~~التدقيق ... وكل ذلك لم يلتفت إليه علماء ~~الصدر الأول ولا أدباؤه وشعراؤه، وإنما ~~عرفه العرب بعد تعريب كتب اليونان والفرس ~~الأدبية ... ~~(4) # إن في عبارات ms218 الكتاب ما يشتم ~~منه ريح ادعاء صاحبه علم الغيب، وهذا ~~أمر يجل عن مثله مقام علي ...» # 9 # رأي الأستاذ محمود مصطفى: # يرى الأستاذ محمود مصطفى أن أسباب الشك في ~~نسبة هذا الكتاب إلى الإمام تنحصر في النقاط ~~الآتية: ~~(1) # خلو الكتب الأدبية والتاريخية التي ~~ظهرت قبل الشريف الرضي من كثير مما في نهج ~~البلاغة. ~~(2) # ما ورد فيه من فكرة عويصة ونظرة ~~دقيقة، مما لا يصح نسبته إلى عصر ~~علي. ~~(3) # إطالة الكلام إلى الحد الذي لم ~~يؤلف إذ ذاك، كما في عهد الأشتر ~~النخعي. ~~(4) # ما في النهج من قول جارح وشتم ~~صريح للصحابة. ~~(5) # الأسلوب الصوفي والعبارات التي لم ~~تعهد إلا في أزمان متأخرة عن زمن ~~الإمام جرت على ألسنة المتكلمين. ~~(6) # الخطأ اللغوي الذي لا يصح نسبته إلى ~~عصر الإمام. # 10 # رأي الأستاذ جميل سلطان: # يختتم الأستاذ الدكتور جميل سلطان رسالته عن ~~نهج البلاغة بالنتيجة الآتية: ~~«إن الشك الذي خامرنا في صحة نسبة النهج قد ~~تأكد في نهاية بحثنا هذا، ويستدل من ~~التدقيق في نصوص نهج البلاغة أنها لم تجمع ~~قبل نهاية سنة 120 للهجرة، زد على ذلك أن ~~النصوص المنسوبة إلى علي والتي تناقلها الرواة ~~والقصاصون والوضاعون تظهر عليها مسحة ~~الأفكار الفلسفية والعلمية التي لم تعرف إلا ~~في عصور جاءت بعد علي، ويدل أسلوبها على أنها ~~كتبت في العصر العباسي، وهناك أيضا عناصر من ~~النقد تؤيد الأسباب المذكورة آنفا، كوجود بعض ~~خطب لا يمكن أن تصدر عن علي، ووجود قطع من ~~آثار أدباء معروفين وجدوا بعد زمن الإمام ... ~~والخلاصة أن النهج هو مجموعة وضعها الشريف ~~الرضي حفيد الإمام ونسبها إليه، وهذا لا يحط ~~من قيمة النهج الأدبية الذي يعتبر من الآثار ~~الخالدة في الأدب العربي ، هذا رأينا نبديه ~~بدون تحفظ.» # 11 # رأينا: # يقول الجاحظ (365ه) في البيان والتبيين: «وهذه خطب رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # مدونة محفوظة ومخلدة مشهورة، وهذه خطب ~~أبي بكر وعمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم).» # 12 # ويقول المسعودي (346ه) في المروج عن خطب الإمام إنها: ~~«في سائر ms219 مقاماته أربعمائة خطبة ونيف، وثمانون خطبة يوردها ~~على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولا وفعلا.» # 13 # فكلمة الجاحظ تدلنا على أنه كانت في القرن الثالث خطب ~~معروفة مدونة للإمام، وكلام المسعودي صريح في عدد خطب ~~الإمام، وأنها كانت متداولة في أوائل القرن الرابع بين ~~الناس. # ولما أراد الشريف الرضي في أواخر القرن الرابع جمع أشتات ~~هذه الخطب، لم يكن في ذلك مخترعا، وإنما كانت نواة هذه ~~الخطب موجودة من قبله، وبهذا يبطل قول من قال بأن الشريف ~~هو الذي اخترع كل خطب النهج، ولكن لا شك في أن بعض ما في ~~النهج وغيره من كتب الأدب مما يذكر للإمام هو منحول، ولعل ~~الشريف الرضي أدخل في النهج بعض هذه الخطب المنحولة مما لا ~~يتصور صدوره عن الإمام، ولا عن الشريف الرضي نفسه؛ فقد ~~كان معروفا بنبل النفس وشرف المكانة الاجتماعية والعلمية، ~~وأغلب ظننا أن هذه الزيادات من دس بعض النساخ. # 14 ~~(1-3) آثاره الدينية # خلف الإمام عددا كبيرا من القضايا والفتاوى والأحكام ~~الشرعية في القضاء والفتيا والفقه، ولا عجب؛ فقد كان من ~~أقضى أهل زمانه وأعلمهم بالفقه، وأجدرهم على استنباط ~~الأحكام الشرعية من القرآن والسنة والعرف، وكان عمر ~~بن الخطاب كلما وجد مشكلة دينية عويصة، أو قضية فقهية ~~دقيقة قال: «قضية ولا أبا حسن لها.» # وكان عليه السلام بارعا بعلم الفرائض والمواريث ~~والحساب؛ وذلك لأنه كان صافي الذهن، ذا ذكاء وقاد ~~وقريحة صافية، ولا أدل على ذلك مما روي عنه أن امرأة ~~جاءت إليه وشكت أن أخاها مات عن ستمائة دينار، ولم يقسم ~~لها سوى دينار واحد، فقال لها: لعل أخاك ترك زوجة وابنتين ~~وأما واثني عشر أخا وأنت؟ فقالت: نعم، فقال لها: لقد ~~أخذت حقك، وسئل مرة وهو على المنبر عمن ترك زوجة ~~وأبوين وابنتين، فقال: صار ثمن الزوجة تسعا، وسميت ~~هذه المسألة بالفريضة الخيرية. # ومما ينسب إلى الإمام: وضع مبادئ علم النحو، وأن ~~أبا الأسود الدؤلي شيخ النحاة قد أخذ ذلك عنه، وليس في هذا ~~الأمر أية غرابة، ms220 فقد يكون ذلك صحيحا، وخاصة حينما رأى ~~الإمام أن اللغة العربية أخذت تفسد، فأمر أبا الأسود ~~الدؤلي أن يهتم بهذا الأمر على ضوء المبادئ التي رسمها ~~له. # الفصل الخامس # | في أعماله الإدارية وتنظيماته # (1) أعماله الإدارية # من الكلمات المشهورة: «إن علي بن أبي طالب رجل شجاع، ولكن ~~لا علم له بخدع الحرب والسياسة»، وهي كلمة باطلة لا أساس لها ~~من الصحة أصلا، وإن كان بعض الناس قالوها في عصره، وترددت في ~~العصور التالية إلى أيامنا هذه. # إن الإمام كان على جانب عظيم من حسن الإدارة والسياسة ~~وتنظيم الممالك، على الرغم من مخالفته لما كان يشير عليه به ~~دهاة السياسة والإدارة في عصره، وعلى الرغم مما انتقده عليه ~~رجال التاريخ ونقدة المؤرخين، فهم يزعمون أنه أخطأ في كثير من ~~أعماله الإدارية والسياسية، وتكاد تنحصر انتقاداتهم لإدارته ~~وتنظيمه في النقاط التالية: ~~(1) # قبوله الخلافة في ذاك الظرف الحرج. ~~(2) # عزله معاوية. ~~(3) # سوء معاملته لطلحة والزبير. ~~(4) # قبوله بالتحكيم. ~~(5) # عدم تسليمه قتلة عثمان. # والحق أن الإمام عليه السلام منزه عن هذه التهم الباطلة، ~~وسنبين ذلك فيما يلي: ~~(1-1) قبوله الخلافة في ذلك الظرف الحرج # من المؤكد أن الإمام عليه السلام كان يعتقد أنه أحق ~~الناس بخلافة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأنه كان يرغب في ذلك ~~فور وفاة النبي، وقد رأينا طرفا من ذلك في سير مباحث سيرة ~~أبي بكر وعمر وعثمان، ولكنه وراء ذلك كان يكره انشقاق صفوف ~~المسلمين، فهو يرغب في الخلافة ليرفع من شأن المسلمين، ~~ويصلح أحوالهم، وينظم إدارتهم، ويتمم ما بدأ به رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإذا حيل بينه وبين ذلك لم يسع إليه بتفرقة ~~المسلمين، وشق العصا؛ ولذلك لم يتطلع إلى الخلافة من خلال ~~المعارك والدماء، بل آثر السلامة والدعة ، وبايع الخلفاء ~~الثلاثة قبله وهو يعتقد أنه الأحق بها، وأنه الوريث الشرعي ~~للنبوة، لا لصلة الدم والقربى، بل للمزايا الروحية ~~العديدة التي كان يتمتع بها، ولكنه لما رأى أن الفتنة قد ~~عظمت بعد قتل عثمان، وأن البلاد الإسلامية قادمة ms221 على إحن ~~ومحن، وأن المسلمين قد طاش سهمهم، وأن الحكماء والحلماء ~~منهم قد انزووا في عقر بيوتهم، آثر أن يسلك ذلك الطريق، ~~ويبتعد عن محجة الثورة، فإن لهذا الدين ربا سيحميه من كل ~~هذه الشرور والفتن. # لقد أحس الإمام بأن الناس قد أخذوا يبتعدون عن الطريق ~~التي سنها رسول الله منذ أواخر عهد الصديق ومطلع عهد عمر، ~~ولكن قوة شخصية هذين الرجلين قد استطاعت أن تفرض على الناس ~~شيئا من الرهبة، وأن عهد عثمان كان كله عهد يسر ورخاء، ~~وأن الناس مالوا في هذا العهد إلى الحياة الدنيا وزخرفها، ~~وتطلبوا متعها، وأخذوا يشتطون في مطالبهم المادية. # ولكن الإمام عليه السلام يرى واجبا عليه أن يعمل على ~~صيانة هذا الدين من الفتن، ويقف في سبيل مناهضيه، ولو كان ~~سيدفع ثمن ذلك من أعصابه ومن راحته، ولو كان سيدفع في ~~سبيله دمه وحياته؛ ولذلك قبل أن يتولى الأمر في الظرف ~~الحرج، لا لشيء سوى أن يقيم عمود الدين، ويرأب الصدع الذي ~~أصابه. # ولما استخلف عليه السلام سار بالناس سيرة صحيحة ~~سليمة، وأراد أن يعيدهم إلى عهد النبوة الذي لا يعرف إلا ~~الحق، والاستقامة، والمصلحة العامة؛ ولذلك لم يستطع إلا أن ~~يحكم بما يراه مماشيا لروح الدين، فهو يعتقد أن عمل ~~معاوية في الشام عمل غير شرعي، فيجب عليه أن ينحيه عن ~~إدارة هذا القطر، وهو يرى أن تصرفات طلحة والزبير هي ~~تصرفات تنافي السياسة الإسلامية فهو يحاربهما، وهو يرى أن ~~قتلة عثمان يجب أن يطبق عليهم الحكم الشرعي لا الحكم ~~القبلي، وهو يرى أن قضية التحكيم في صفين قد سارت على ~~غير الطريق المستقيمة؛ فلذلك كله أعلن للملأ أنه لن يقبل ~~إلا أن يسير بالناس على ما يوحيه إليه ضميره ودينه، ولو ~~كان في ذلك عناء كثير. # إن الذين قبلوا خلافة الإمام عليه السلام في ذلك الظرف ~~هم جميع سكان الأقاليم الإسلامية البعيدة عن روح الحكم ~~القبلي العصبي الجاهلي، وهم: أهل اليمن، وأهل مصر، وأهل ~~العراق، وأهل فارس، ولم يشذ عن ذلك ms222 إلا أهل الشام الذين ~~استولى على قلوبهم معاوية بأمواله، واشترى دينهم ~~بدراهمه. # والحقيقة أن الإمام لو سلك مسلك معاوية في اجتذاب الناس ~~إليه بأموال بيت المال لاستطاع أن يسيطر حتى على الشام ~~نفسه، ولكنه إنما قبل الخلافة ليعيد لها نضارتها، لا ~~ليفسدها من جديد. # ولو أتيح له أن يظل في الخلافة فترة أطول لأعاد إليها ~~رونقها ولسار بالمسلمين سيرة الرسول، ولكن الضالين من ~~الأمة لم يرقهم وجوده، فتآمروا عليه وفتكوا به. # وهكذا قضى الشهيد أبو الشهداء، وخلف للأمة بعده ويلات ~~جساما ما تزال تقاسي نتائجها إلى أيامنا هذه. ~~(1-2) عزل معاوية # يقول نقدة التاريخ إن عزل معاوية وسائر عمال عثمان ~~كان خطأ، وإن الواجب على الإمام أن يبقيهم حتى تستقيم له ~~الأمور ثم يعزلهم، ويقولون أيضا إن المغيرة بن شعبة وهو ~~من دهاة العرب والحازمين قال للإمام بعد استخلافه: «إن لك ~~حق الطاعة والنصيحة، وإن الرأي اليوم تحرز به ما في غد، ~~وإن الضياع اليوم تضيع به ما في غد، أقرر معاوية على ~~عمله، وأقرر العمال على أعمالهم حتى إذا أتتك طاعتهم ~~وبيعة الجنود استبدلت أو تركت.» وإن الإمام لما سمع قوله ~~هذا رد عليه بقوله: «لا أداهن في ديني، ولا أعطي الدنية ~~في أمري.» فقال له المغيرة: «فإن كنت أبيت علي فانزع ~~من شئت واترك معاوية، فإن فيه جرأة، وهو في أهل الشام ~~يستمع له، ولك حجة في إثباته إذ كان عمر قد ولاه.» ~~فقال الإمام: «لا والله لا أستعمل معاوية يومين.» # ويقولون أيضا: إن عبد الله بن عباس لما سمع قول المغيرة ~~هذا قال للإمام: «إنه قد نصحك؛ لأن معاوية وأصحابه أهل ~~دنيا، فمتى شئت تثبتهم لا يبالوا من ولي هذا الأمر، ومتى ~~تعزلهم يقولوا أخذ هذا الأمر بغير شورى ، وهو قتل صاحبنا، ~~ويؤلبون عليك أهل الشام وأهل العراق.» ولكن الإمام عليه ~~السلام لم يأبه لقولة ابن عباس، وقال له: لا والله لا ~~أبقيه أميرا على الشام يومين وإنه لظالم. # والحق أن تصرف الإمام هو التصرف السليم، وأنه ms223 كان لا ~~يستطيع أن يبقي معاوية أميرا على الشام، وأن السياسة - ~~سياسة الحق لا الباطل - كانت تقضي بعزل معاوية، فإن عليا ~~كان يصرح في خلافة عثمان بوجوب عزل معاوية وسائر العمال ~~الأمويين، وإن إقرار هؤلاء العمال في الأقطار الإسلامية ~~على ما يبلغه عنهم من سوء السيرة، والبعد عن الحكومة ~~الدينية والطريقة الإسلامية هو إقرار الباطل، وإن الخليفة ~~ليس تاجرا يعمل للربح المادي، بل هو صاحب السلطة العليا ~~التي لا ترهب إلا الحق ولا تعمل إلا بالصدق، وإن العمال هم ~~مظهر هذه السلطة، فإذا صابروا على الناس وظلموهم فسدت ~~الأمور، وإن الحجة التي كان يتذرع بها بعضهم، وهي أن ~~معاوية كان أميرا على الشام في عهد عمر؛ ولذلك يجب أن ~~يبقى في عمله، أما الإمام عليه السلام فيرد على حجة هؤلاء ~~بقوله: إن عمر كان رجلا مرهوبا، وإن معاوية كان - على ~~شدته - يتقصف خوفا من درة عمر، وإنه كان أخوف لعمر من ~~غلامه يرفأ، ولكنه بعد أن مات عمر لم يعد يخاف أحدا، ~~فلذلك يجب أن يعزل فورا. # ثم إنه لو سلمنا جدلا أن إبقاء معاوية فترة من الزمن ~~إلى أن يستقيم أمر الإمام عليه السلام هو من السياسة ~~الضرورية كان ذلك غير ممكن أيضا؛ لأن أعمال معاوية منذ ~~يوم مقتل عثمان هي أعمال استفزازية، ظالمة، جائرة، بعيدة ~~كل البعد عن روح العامل الذي يبغي الخير لشعبه، والإخلاص ~~لإمامه، بل هو يزعم أن هذا الإمام الجديد ظالم، وأنه مشارك ~~في قتل الإمام السابق، فكيف يقره على عمله؟ # الحق أن تفكير الإمام في أمر معاوية كان تفكيرا صحيحا، ~~وأنه سلك الطريق السليمة، ولكن الأمور سارت على غير ما ~~ينبغي. ~~(1-3) معاملته لطلحة والزبير # لم يسئ الإمام معاملة طلحة والزبير، بل عرف لهما ~~مكانتهما وسابقتهما، فقربهما يوم استخلافه، وبايعاه كما ~~بايعه كبار الصحابة من مهاجرين وأنصار، ولو لم يثورا عليه ~~وينكثا عهده لاتخذهما وزيرين له يستشيرهما بأمور ~~المسلمين، ولكنهما آثرا أن ينخرطا في الفتنة؛ فقد بعثا إلى ~~الإمام عقب استخلافه عبد الله بن ms224 عباس، فاقترحا على الإمام ~~أن يوليهما بعض الأقطار الإسلامية كالعراقين مثلا، فلم ~~يقبل الإمام ذلك، وقال لابن عباس: «إن العراقين بهما ~~الأموال والرجال، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلان السفيه ~~بالطمع، ويضربان الضعيف بالبلاء، ويقويان على القوي ~~بالسلطان.» ولما أعلمهما ابن عباس مقالة الإمام خرجا عليه ~~مع عائشة على الشكل الذي سبق تفصيله. # والإمام لم يسئ معاملة طلحة والزبير، بل أراد لهما أن ~~يسيرا سيرة صالحة، ويرضيا بما قسمه الله لهما من المال ~~الوفير والجاه الخطير، ولكنهما آثرا أن يدخلا في الفتنة ~~فكذبا عليه عليه السلام وغشاه، وزعما له بعد أن بايعاه ~~أنهما يرغبان في ترك المدينة والسفر إلى مكة لغرض ديني ~~نبيل، وهو العمرة، وقد علم الإمام بسوء نيتهما، وكان ~~باستطاعته أن يعتقلهما أسيرين، ولكنه لم يسلك معهما هذا ~~السبيل، بل تركهما يذهبان إلى حيث يريدان، فذهبا إلى مكة ~~ونكثا عهده وانضما إلى خصومه. # ولعل ثقة الإمام بنفسه، وإيمانه بأن العدل والحق يجب ~~أن يكونا العنصر الأساسي في سياسة الدولة، هما اللذان ~~أوحيا إليه بأن يتركهما يذهبان إلى حيث يريدان، ويعملان ما ~~يوحيه إليه ضميرهما ووجدانهما، وخير للإمام العادل أن يترك ~~خصومه يسرحون ويمرحون ويفسدون فيقبض عليهم وهم في الجرم ~~المشهود - على حد تعبير الناس اليوم - من أن يأخذهم على ~~الشبهة والنية حتى إذا أخذهما بعد الجريمة كان عقابهما ~~شديدا، وكان عطف الناس عليه، وكانت حملة الناس ~~عليهم. ~~(1-4) مسألة التحكيم # الحق أن مسألة التحكيم كانت سيفا ذا حدين، وأن أي ~~الجانبين استعمله كان قاطعا، فلو لم يقبل الإمام به قال ~~الناس: إنه يحب إراقة الدماء ولا يعمل على إزالة الخلاف ~~الناشب بين صفوف المسلمين، وحين قبله وأقره قال الناس: ~~إنه قد حكم أهواء الناس في شرع الله، والإمام لم يقبل ~~بالتحكيم إلا بعد أن رأى أن جمهرة جنده قد عزفت عن الحرب، ~~وأن الناس قد أحاطوا به وهددوه بالقتل إن لم يقبل ~~به. # والذين خطئوه بإرسال أبي موسى الأشعري حكما عنه وعدم ~~إرسال آخر أدهى منه كالأشتر أو ابن ms225 عباس نسوا أن النتيجة ~~كانت ستكون هي هي، ولو أرسل كائنا من كان حكما عنه؛ لأن ~~المؤامرة بين معاوية وعمرو بن العاص كانت مبيتة على ~~الشكل الذي جرى، وغاية ما في الأمر أن الحكمين قد يفترقان ~~على تثبيت كل واحد منهما لصاحبه، فتعود الأمور إلى مثل ما ~~كانت عليه قبل التحكيم. ~~(1-5) قضية قتلة عثمان # تولى الإمام عليه السلام الخلافة والوضع قلق غير مستقر، ~~فهناك خليفة مقتول، ولم يقتله رجل واحد معروف مقبوض ~~عليه حتى ينتقم منه الخليفة الجديد، ثم إن الذين يطالبون ~~بقتلة الإمام السابق جماعة لم يبايعوا الخليفة الجديد، ~~وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان المتهم بأنه إنما اتخذ هذه ~~القضية لجر مغنم إليه لا لشيء آخر. # والحق أن جميع الذين يطالبون الإمام الجديد بالقود لم ~~يبايعوه بالخلافة، والحكم الشرعي صريح في أن القود لا يكون ~~إلا من ولي الأمر المعترف له بإقامة الحدود ~~الشرعية. # ثم إن الخليفة الجديد لا يستطيع أن يقيم الحد في هذا ~~الظرف المضطرب الهائج، وكان الإمام يقول: «إني لست أجهل ~~هؤلاء ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا ~~نملكهم، هم أولاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم ~~أعرابكم، وهم بينكم يسومونكم ما شاءوا فهل ترون موضعا ~~لقدرة على شيء مما تريدون ...» # وقال في خطبة أخرى: «إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن ~~لهؤلاء القوم مادة، وإن الناس في هذا الأمر الذي تطلبون ~~على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة ~~لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها ~~وتؤخذ الحقوق، فاهدءوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم ثم ~~عودوا.» # والحق أن قضية الاقتصاص من قتلة عثمان قبل استقرار الأمر ~~لعلي هي قضية حق أريد بها باطل. ~~(2) الأعمال التنظيمية # لم تشغل أعمال الحروب وأمورها والفتن العنيفة التي ظلت طوال ~~عهد الخليفة الراشد عليه السلام كل وقته، بل استطاع أن يقوم ~~بكثير من الأعمال التنظيمية للدولة الإسلامية، فضلا عن قيامه ~~التام بالأمور الدينية من صلاة وخطابة وحج وتعليم وتفقيه في ms226 ~~الدين وإفتاء وقضاء ووعظ وإرشاد، وقد حفظت لنا كتب الفقه ~~والتشريع والأحاديث والأخبار كثيرا من الأقوال والأحكام ~~والفتاوى التي تدل على سعة علم، وغزارة فهم، وتعمق في دراسة ~~الشرع المطهر ومعرفة أحكامه؛ فقد كان الإمام عليه السلام ~~معلما ومرشدا بسيرته المستقيمة، وأخلاقه القويمة، كما كان ~~معلما ومرشدا بدروسه وفتاويه وقضائه وإرشاداته، وكان يمشي ~~في الأسواق ويرشد الناس ويهذبهم ويقوم اعوجاجهم، ويريهم ~~الطريق السوي في المعاملات الدنيوية، ويؤدبهم بالآداب ~~الإسلامية، ويساوي بينهم في القسمة والحقوق، وقد كانت للإمام ~~سياسة جديدة تخالف سياسة من سبقه من الخلفاء في الإدارة ~~المالية؛ فقد خالف سيرة عمر في أمر توزيع الأموال التي كانت ~~ترد على بيت المال؛ لأنه كان أشار على عمر حين كثرت الأموال ~~أن يقسمها بين الناس ولا يترك في بيت المال شيئا، وأنه كان ~~يفضل ذلك لتكون ذمة الخليفة بريئة من أموال الله بتوزيعها ~~على أرباب الحقوق الذين أمر الله بتوزيعها عليهم، ولكن بعد ~~استخلافه رأى أن بيت المال هو الخزينة التي يجب أن تعتمد عليها ~~الدولة إبان الشدائد والمحن، ولا يصح أن تفاجأ الدولة ~~بالأحداث وبيت المال خال، فلذلك رجع عن رأيه الأول، وقرر أن ~~يحتفظ بالأموال في بيت المال. # وكان الإمام بالإضافة إلى هذه الخطة الرشيدة في صيانة أموال ~~الدولة يأمر عماله أن يسلكوا نفس هذه الطريقة في الأموال التي ~~تحت أيديهم، كما كان يعنى بمراقبة أموالهم وإرسال العون ~~والأرصاد ليقف على حقيقة أطوارهم وطريقة معاملاتهم وسيرهم ~~بالناس، فإن رأى أنهم يسيرون بهم سيرة صالحة، كتب إليهم ~~يقرظهم ويثني عليهم، وإلا كتب مصلحا ومرشدا، فإن صلحوا ~~ورشدوا أبقاهم، وإلا نحاهم، وقد رأينا طرفا من ذلك في سيرته ~~مع ابن عمه عبد الله بن عباس، وشدته على زياد، وقسوته على ~~مصقلة بن هبيرة الذي أحس بالخطر فهرب إلى معاوية. # ولم تكن سيرة الإمام عليه السلام مع عماله وحدهم على هذه ~~الطريقة، بل كانت مع سائر الناس والرعية، فهو يرشدهم ويصلحهم، ~~فإن رشدوا وصلحوا قربهم وأحبهم وأحسن إليهم، وإلا حمل ~~عليهم بعنف ms227 وقسوة حتى يعيدهم إلى المحجة. # الفصل السادس # | في أولاده وأسرته الطاهرة # تزوج الإمام عليه السلام بالسيدة فاطمة بنت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولم يتزوج عليها حتى توفيت عنده. # ثم تزوج بعدها أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى ~~القرشية. # ثم تزوج أم البنين بنت حرام بن خالد بن دارم الكلابية. # ثم تزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلية التميمية ~~الدارمية. # ثم تزوج أسماء بنت عميس الخثعمية، وكانت تحت جعفر ~~بن أبي طالب، فلما قتل تزوجها أبو بكر، فلما مات تزوجها ~~الإمام عليه السلام. # ثم تزوج أم حبيب الصهباء بنت ربيعة التغلبية من السبي الذين ~~أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر. # وتزوج خولة بنت إياس بن جعفر بن قيس الحنفية. # وتزوج أم سعد (أو سعيد) بنت عروة بن مسعود الثقفية. # وتزوج مخبئة بنت امرئ القيس بن عدي الكلبية. # وقد قتل وله أربع زوجات حرائر، وعدد من الإماء الجواري، ~~فالحرائر هن: السيدة أمامة، والسيدة ليلى، والسيدة أم البنين، ~~والسيدة أسماء بنت عميس، أما الإماء فهن ثماني عشرة أم ولد. # أما أولاده، فهم السادة: ~~(1، 2) الحسن والحسين: وأمهما السيدة فاطمة الزهراء عليها ~~السلام. ~~(3) محسن: وأمه فاطمة، وقد مات صغيرا. ~~(4) محمد الأكبر: وأمه خولة بنت إياس بن جعفر الحنفية. ~~(5) عبد الله الأكبر: وأمه ليلى بنت معوذ، وقد قتله المختار ~~الثقفي. ~~(6) أبو بكر: وأمه ليلى بنت معوذ، وقد قتل مع الحسين في ~~كربلاء. ~~(7) العباس الأكبر: وأمه أم البنين وقد قتل مع الحسين في ~~كربلاء. ~~(8) عثمان: وأمه أم البنين وقد قتل مع الحسين في كربلاء. ~~(9) جعفر: وأمه أم البنين وقد قتل مع الحسين في كربلاء. ~~(10) عبد الله الأصغر: وأمه أم البنين وقد قتل مع الحسين في ~~كربلاء. ~~(11) محمد الأصغر: وأمه أم ولد، وقد قتل مع الحسين في ~~كربلاء. ~~(12) يحيى: وأمه أسماء بنت عميس. ~~(13) عون: وأمه أسماء بنت عميس. ~~(14) عمر: وأمه أم حبيب الصهباء. ~~(15) محمد الأوسط: وأمه أمامة بنت أبي العاص. # 1 # وأما بناته فهن السيدات: ~~(1) أم كلثوم الكبرى: وأمها السيدة فاطمة الزهراء. ms228 ~~(2) زينب الكبرى: وأمها السيدة فاطمة الزهراء. ~~(3) رقية: وأمها السيدة أم حبيب الصهباء. ~~(4) أم الحسن: وأمها أم سعد بنت عروة بن مسعود الثقفي. ~~(5) رملة الكبرى: وأمها أم سعد بنت عروة بن مسعود الثقفي. ~~(6) أم هانئ: وأمها أم ولد. ~~(7) ميمونة: وأمها أم ولد. ~~(8) رملة الصغرى: وأمها أم ولد. ~~(9) زينب الصغرى: وأمها أم ولد. ~~(10) أم كلثوم الصغرى: وأمها أم ولد. ~~(11) فاطمة: وأمها أم ولد. ~~(12) أمامة: وأمها أم ولد. ~~(13) خديجة: وأمها أم ولد. ~~(14) أم الكرم: وأمها أم ولد. ~~(15) أم سلمة: وأمها أم ولد. ~~(16) أم جعفر: وأمها أم ولد. ~~(17) جمانة: وأمها أم ولد. ~~(18) تقية: وأمها أم ولد. # وقد أعقب من أولاده عليه السلام: الحسن، والحسين، ومحمد ~~بن الحنفية، وعمر، والعباس عليهم السلام. # وتزوج بناته بنو عقيل وبنو العباس ما عدا السيدة زينب بنت ~~فاطمة، فإنها كانت تحت عبد الله بن جعفر، والسيدة أم كلثوم بنت ~~فاطمة، فإنها كانت تحت عمر بن الخطاب، والسيدة أم حسن بنت أم سعد، ~~فإنها كانت تحت جعفر بن هبيرة المخزومي، والسيدة فاطمة وأمها أم ~~ولد، فإنها كانت تحت سعد بن الأسود الحارثي. # 2 # الفصل السابع # | في مشهوري رجال دولته # عبد الله بن العباس، طلحة، الزبير، السيدة عائشة، أبو موسى ~~الأشعري، جرير بن عبد الله البجلي، أبو مسلم الخولاني، الأشعث ~~بن قيس، بسر بن أرطاة، عبد الله بن سبأ. ~~(1) عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد ~~مناف القرشي الهاشمي ~~(3ق.ه-68ه) # هو الملقب حبر الأمة، وبحر الأمة، لسعة علمه وفضله، ولد ~~قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان له ثلاث عشرة سنة يوم مات رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد دعا له رسول الله وقال: «اللهم علمه ~~الحكمة وتأويل القرآن، وفقهه في الدين.» وكان عمر بن الخطاب ~~يحبه ويدنيه منه، ويشاوره مع جلة الصحابة، وكان يقول عنه: ~~ابن عباس أفتى الكهول، له لسان سئول، وقلب عقول. وكان عبد الله ~~بن مسعود يقول: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس، لو أدرك أسناننا ~~ما عاش منا رجل.» وقال مجاهد: ما سمعت فتيا ms229 أحسن من فتيا ابن عباس ~~إلا أن يقول قائل: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. وقال طاووس: ~~أدركت نحو خمسمائة من أصحاب النبي إذا ذكروا ابن عباس فخالفوه ~~لم يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله. وقال يزيد بن الأصم: خرج ~~معاوية حاجا ومعه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس ~~موكب ممن يطلب العلم. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا أجمع ~~لكل خير من مجلس ابن عباس؛ الحلال والحرام، والعربية، ~~والأنساب، وأحسبه قال: والشعر. وقال عبيد الله بن عبد الله: ما ~~رأيت أحدا كان أعلم بالسنة ولا أجل رأيا ولا أثقب نظرا من ~~ابن عباس، ولقد كان عمر يعده للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره ~~للمسلمين. # وقد كان ذا سلطان وجاه، شهد مع الإمام يوم الجمل وصفين ~~والنهروان، وقد اعتزل الأمور العامة في أواخر أيامه، وعمي، ~~وكان يقول: # إن يأخذ الله من عيني ~~نورهما # ففي لساني وقلبي منهما ~~نور # قلبي ذكي وعقلي غير ذي ~~دخل # وفي فمي صارم كالسيف ~~مأثور # ويروي عبد الله بن صفوان بن أمية أنه مر يوما بدار ~~عبد الله بن عباس، فرأى جماعات من طالبي العلم، ثم مر بدار ~~أخيه عبيد الله بن عباس، فرأى جماعات من طالبي الطعام والمال، ~~فقال لعبد الله بن الزبير: أصبحت والله كما قال القائل: # فإن تصبك من الأيام ~~قارعة # لم نبك منك على دنيا ولا ~~دين # قال: وما ذاك يا أعرج؟ قال: هذان ابنا عباس، أحدهما يفقه ~~الناس، والآخر يطعم الناس، فما أبقيا لك مكرمة، فدعا ~~عبد الله بن مطيع وقال له: انطلق إلى ابني عباس فقل لهما: يقول ~~لكما أمير المؤمنين اخرجا عني أنتما ومن أصغى إليكما من أهل ~~العراق وإلا فعلت وفعلت، فقال عبد الله بن عباس لابن الزبير: ~~والله ما يأتينا من الناس إلا رجلان: رجل يطلب فقها، ورجل ~~يطلب فضلا، فأي هذين تمنع؟ # ومات عبد الله بالطائف سنة ثمان وستين في خلافة ابن الزبير، ~~وكان ابن الزبير أخرجه إليها، ومات وهو ابن سبعين سنة، وقيل: ~~ابن ms230 إحدى وسبعين. # 1 ~~(2) طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب القرشي التيمي ~~(28ق.ه-36ه) # هو صحابي جليل شجاع جواد، من العشرة المبشرة بالجنة، ~~ومن أصحاب الشورى الستة، ومن الثمانية السابقين إلى ~~الإسلام. # وأمه هي: الصعبة بنت عبد الله بن عماد بن مالك الحضرمية، ~~ويكنى بأبي محمد، ويلقب بالجواد والفياض ~~لكرمه. # هو من أوائل من أسلم في مكة، بل هو معدود في الثمانية ~~الأول الذين صدقوا الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد آخى الرسول بينه ~~وبين كعب بن مالك حين آخى بين المهاجرين والأنصار، وهو ممن لم ~~يشهدوا بدرا، وإنما بعثه الرسول إلى الشام يتحسس له الأخبار، ~~ثم قدم من الشام بعد رجوع النبي # صلى الله عليه وسلم # من بدر، وكلم الرسول ~~في سهمه من هذه الغزاة فقال له الرسول: لك سهمك، قال: أجري يا ~~رسول الله؟ قال: وأجرك، وأبلى يوم أحد بلاء عظيما ووقى رسول ~~الله بنفسه، واتقى النبل عنه بيده حتى شلت إصبعه، وضرب ~~الضربة في رأسه، وحمل الرسول على ظهره حتى استقل على الصخرة، ~~كما شهد يوم الحديبية والمشاهد كلها، وتوفي رسول الله وهو عنه ~~راض، وكان يقول عنه: من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه ~~الأرض فلينظر إلى طلحة. وقد شهد طلحة يوم الجمل مع عائشة ضد ~~الإمام. يقول ابن عبد البر الأندلسي: زعم بعض أهل العلم أن ~~عليا دعاه فذكره أشياء من سوابقه وفضله، فرجع طلحة عن قتاله ~~على نحو ما صنع الزبير، واعتزل في بعض الصفوف، فرمي بسهم، ~~فقطع من رجله عرق النساء، فلم يزل دمه ينزف حتى مات، ويقال إن ~~الذي رماه: مروان بن الحكم ... وقد روي عن الإمام علي عليه ~~السلام أنه قال: والله إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة ~~والزبير ممن قال الله تعالى فيهم : # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا ~~على سرر متقابلين ~~. # ومات وهو ابن ستين سنة، وقيل: بل ابن اثنتين وستين، وكان ~~رجلا آدم حسن الوجه، كثير الشعر، ليس بالجعد ولا السبط، وكان ms231 ~~لا يغير شعره. # 2 ~~(3) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي ~~(؟-36ه) # هو من كبار الصحابة، وأمه هي صفية بنت عبد المطلب بن هاشم ~~عمة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولد هو والإمام علي وطلحة في سنة ~~واحدة. # وأسلم وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل: بل ابن اثنتي عشرة سنة، ~~ولم يتخلف عن غزوات النبي كلها، وآخى بينه وبين عبد الله ~~بن مسعود حين آخى بين المهاجرين بمكة، فلما قدم المدينة وآخى ~~بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين سلمة بن سلامة، وهو أول ~~من سل سيفا في سبيل الله، فدعا له النبي وقتئذ بخير، وكان ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # يحبه ويقول: هو ابن عمتي وحواريي من أمتي، ~~وكان أبو بكر يحترمه ويجله، وكان عمر يقول: ممن توفي رسول ~~الله وهو راض عنهم، وجعله في الستة أهل الشورى، وكان من تجار ~~قريش المياسير المبارك لهم، روي عن الأوزاعي أنه قال: كان ~~للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فما كان يدخل بيته منها ~~درهما واحدا، يعني أنه كان يتصدق بذلك كله. # وقد شهد يوم الجمل مع عائشة فقاتل فيه، ثم رأى أن ينزوي، ~~فانزوى عن المعركة، واتبعه ابن جرموز فقتله على الشكل الذي ~~مضى، ولما جاء بسيفه إلى الإمام عليه السلام قال له: بشر ~~قاتل ابن صفية بالنار، وكان سنه يوم قتل سبعا وستين سنة، ~~وقيل: بل ستا وستين، وكان أسمر اللون، ربعة من الرجال، معتدل ~~اللحم، خفيف اللحية. # 3 ~~(4) عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان القرشية الصديقية ~~(9ق.ه-58ه) # هي زوج رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأمها السيدة أم رومان بنت عامر ~~بن عويمر بن عبد شمس الكنانية، ولدت في السنة التاسعة قبل ~~الهجرة، وتزوجها الرسول بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل بثلاث ~~سنوات وهي ابنة ست أو سبع، وابتنى بها بالمدينة وهي ابنة تسع ~~في السنة العاشرة من النبوة، وعرس بها في الشهر الثامن عشر من ~~الهجرة، وتوفي عنها رسول الله وهي ابنة ثماني عشرة ms232 سنة، وكان ~~مكثها معه تسع سنين. # وكانت من أعلم نساء عصرها، علمها أبوها أخبار العرب وآدابهم، ~~وثقفها بثقافة الجاهلية وآدابها وأشعارها وأنسابها، ولما ~~تزوجها الرسول أفادت من علمه الجم، حتى صارت أفقه نساء عصرها، ~~بل أفقه الناس وأعلمهم بالفقه والسنة والأدب، قال عبد الرحمن ~~بن أبي الزناد نقلا عن أبيه: ما رأيت أحدا أروى لشعر من ~~عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله! قال: وما روايتي من ~~رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا. وقال ~~الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي # صلى الله عليه وسلم # وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل، ولما رميت بالإفك ~~وبرأها الله أمر النبي بجلد من اتهمها بذلك. # وكانت السيدة عائشة ممن نقمن على عثمان عمله في حياته، فلما ~~قتل غضبت له بعد مقتله، وخرجت إلى العراق مطالبة بدمه، وكانت ~~لها في هودجها يوم وقعة الجمل وقفة الخطيب الثائر، ويعد ذلك ~~من أخطائها، وتوفيت في المدينة ليلة 17 رمضان، وأمرت أن ~~تدفن ليلا بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، ونزل ~~قبرها عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمد، وعبد الله ~~بن محمد ابن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ~~رحمها الله ورضي عنها. # 4 ~~(5) أبو موسى الأشعري (21ق.ه-44ه) # هو عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري، وأمه امرأة من عك، كانت ~~أسلمت وماتت بالمدينة، ولد عبد الله في زبيد باليمن، وقدم مكة ~~عند ظهور النبي بدعوته فأسلم وحسن إسلامه، ثم هاجر إلى الحبشة ~~وقدم مع أهل السفينتين حين كان رسول الله بخيبر، وقيل إنه لم ~~يهاجر إلى الحبشة. # وكان رجلا فاضلا، قال ابن عبد البر الأندلسي: كان علامة ~~نسابة، ولاه عمر بن الخطاب البصرة حين عزل عنها المغيرة ~~بن شعبة في سنة عشرين ه، فافتتح أبو موسى بلاد الأهواز وأصفهان ~~في إيران، ولم يزل على البصرة إلى أن استخلف عثمان فبقي على ~~عمله فترة، ثم لما رفع أهل الكوفة ms233 سعيد بن العاص ولوا ~~أبا موسى على بلدهم، وكتبوا بذلك إلى عثمان يسألونه أن يوليه ~~فأقره، فلم يزل في الكوفة حتى قتل عثمان، ثم كان منه بصفين ~~ما كان، وكان منحرفا عن الإمام علي عليه السلام؛ لأنه عزله ~~ولم يستعمله، وغلبه أهل اليمن في إرساله في التحكيم فلم يجزه، ~~ثم انفتل إلى مكة وظل فيها إلى أن مات، وقيل: بل مات بالكوفة ~~في داره بجانب المسجد، واختلف في وقت وفاته، فقيل كانت سنة ~~42، وقيل سنة 44، وقيل سنة 50، وقيل سنة 52، والأشهر ما ذكرناه ~~من أنه مات سنة 42، وكان من أحسن الناس صوتا، وأكثرهم فهما، ~~وكان خفيف الجسم قصيرا، حسن التلاوة. # 5 ~~(6) جرير بن عبد الله البجلي (؟-54ه) # هو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي أبو عمرو، وكان ~~بجيلة أسلم في العام الذي توفي فيه رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان ~~يقول: أسلمت قبل موت الرسول بأربعين يوما، وما حجبني منذ ~~أسلمت ولا رآني قط إلا ضحك وتبسم. وبعثه الرسول نائبا عنه إلى ~~ذي كلاع وذي رعين باليمن. وكان جميل الصورة جدا، حتى إن عمر ~~بن الخطاب كان يلقبه «يوسف هذه الأمة» لجمال صورته، وكان يجله ~~ويوقره ويقول له: «ما زلت سيدا في الجاهلية والإسلام.» وكان ~~يبعثه إلى عماله يتفقد أحوالهم. وقد عاد مرة من عند سعد ~~بن أبي وقاص فسأله عمر عنه كيف تركه؟ فقال: تركت سعدا في ~~ولايته أكرم الناس مقدرة وأحسنهم معذرة، وهو لهم كالأم البرة، ~~يجمع لهم كما تجمع الذرة، مع أنه ميمون الأثر مرزوق الظفر، أشد ~~الناس عند البأس، وأحب قريش إلى الناس. قال: فأخبرني عن حال ~~الناس، قال: هم كسهام الجعبة منها القائم الرائش، ومنها العضل ~~الطائش، وابن أبي وقاص يغمز عضلها، ويقيم ميلها، والله أعلم ~~بالسرائر. قال: أخبرني عن إسلامهم، قال: يقيمون الصلاة ~~لأوقاتها، ويؤتون الطاعة لولاتها. فقال عمر: الحمد لله إذا ~~كانت الصلاة وأوتيت الزكاة، وإذا كانت الطاعة كانت ~~الجماعة. # وقد أرسله الإمام عليه السلام إلى معاوية، فحبسه مدة طويلة، ms234 ~~ثم أرسله برسالة لم يكتب عليها شيئا، كما أسلفنا ~~تفصيله. # وكان من الحكماء النبهاء، وله كلمات مشهورة، منها قوله: ~~الخرس خير من الخلابة، والبكم خير من البذاء، وفيه يقول ~~الشاعر: # لولا جرير هلكت بجيلة # نعم ~~الفتى وبئست القبيلة # وقد نزل جرير الكوفة في أواخر أيامه، وكانت له بها دار، ثم ~~تحول إلى قرقيسياء، وبها مات في سنة 54ه. # 6 ~~(7) أبو مسلم الخولاني # هو عبد الله بن ثوب أبو مسلم الخولاني (؟-62ه). # وهو من التابعين، وقيل بل له صحبة، وقد غلبت كنيته، وقد قدم ~~على المدينة والنبي متوفي يوم استخلاف أبي بكر الصديق، وهو في ~~الغالب معدود من كبار التابعين وأجلتهم، كان عابدا زاهدا ~~ورعا مشهورا بصلابته في الدين، سكن الشام وعد في تابعي ~~أهل الشام ومعلميهم وشيوخهم ووعاظهم، وله نوادر طريفة ~~وكرامات ذكر بعضها ابن عبد البر الأندلسي في الاستيعاب، ~~والذهبي في تاريخ الإسلام. # وكان يلقب بريحانة أهل الشام لطهارة نفسه وسمو خلقه وورعه ~~وتدينه، وكان يقال له: إنه حكيم هذه الأمة. # 7 ~~(8) الأشعث بن قيس الكندي # هو الأشعث بن قيس بن معديكرب بن معاوية بن جبلة الكندي ~~(23ق.ه-40ه)، وأمه كبشة بنت يزيد، ولد في قومه وجيها كريما، ~~وكان يقيم في حضرموت اليمن، ولما أعلن الرسول دعوته قدم عليه ~~سنة عشر ه. في وفد بني كندة وهو رئيسهم فأسلم ورحب به الرسول، ~~وكان في الجاهلية رئيسا مطاعا، وكذلك كان في الإسلام، وقد ~~شهد غزوة اليرموك ففقئت عينه فيها، ارتد بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم رجع إلى الإسلام في خلافة الصديق، وأتي به إليه ~~أسيرا، فعفا عنه وزوجه أخته أم فروة، فأقام في المدينة طوال ~~عهد أبي بكر وعمر، وشهد الفتوح وأبلى فيها أحسن البلاء، وكان ~~مع سعد بن أبي وقاص في فتوح العراق، ولما آل الأمر إلى الإمام ~~عليه السلام كان معه يوم صفين على راية كندة، وحضر معه يوم ~~النهروان وورد المدائن، ثم عاد إلى الكوفة إثر اتفاق الحسن ~~ومعاوية، وظل في الكوفة إلى أن مات، ms235 وصلى عليه الحسن بن علي ~~عليه السلام سنة أربعين بعد مقتل الإمام عليه السلام بأربعين يوما. # 8 ~~(9) بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة العامري القرشي (؟-86ه) # قبض النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو صغير، وكان فتى قويا شديد البأس، ~~أرسله عمر بن الخطاب مع الرجال الذين بعثهم مددا لعمرو ~~بن العاص يوم فتح مصر، ثم وجهه معاوية في سنة 39ه في ثلاثة ~~آلاف مقاتل إلى المدينة، فأخضعها لمعاوية وأدب أهلها، ثم ~~بعثه إلى اليمن فاحتلها وأساء إلى أهلها، فساءت سمعته بين ~~الناس، ثم أرسله إلى اليمن فدخلها فاتحا، وكان معاوية قد أمره ~~بأن يوقع بمن يراه من أصحاب الإمام عليه السلام، فقتل منهم ~~عددا وفيهم طفلان صغيران لعبيد الله بن عباس عامل الإمام على ~~اليمن، ثم عاد إلى الشام فولاه معاوية البصرة سنة 41ه بعد مقتل ~~الإمام وصلح الحسن، فمكث يسيرا، ثم رجع إلى الشام، فولاه ~~معاوية غزو بلاد الروم بحرا سنة 50ه فغزا حتى بلغ ~~القسطنطينية، ثم رجع فاختل عقله، وكان معاوية يكرمه ويرعاه إلى ~~أن مات في دمشق، وقيل في المدينة. # 9 # الفصل الثامن # | في المختار من أدبه عليه السلام # (1) ومن خطبة له عليه السلام # لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخاطبه العباس ~~وأبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة، وذلك بعد أن تمت ~~البيعة لأبي بكر في السقيفة، وفيها ينهى عن الفتنة ويبين خلقه ~~وعلمه: # النهي عن الفتنة # أيها الناس، شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرجوا ~~عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض ~~بجناح، أو استسلم فأراح. هذا ماء آجن، ولقمة يغص بها ~~آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير ~~أرضه. # خلقه وعلمه # فإن أقل يقولوا: حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا: جزع ~~من الموت، هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب ~~آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل اندمجت على مكنون علم ~~لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي ~~البعيدة. ~~(2) ومن خطبة له عليه السلام ~~(وفيها ms236 ينهى عن الغدر ويحذر منه.) # إن الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنة أوقى منه، وما يغدر من ~~علم كيف المرجع، ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر ~~كيسا، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. ما لهم! قاتلهم ~~الله! قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونه مانع من أمر الله ~~ونهيه، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا ~~حريجة له في الدين. ~~(3) ومن كلام له عليه السلام ~~(وفيه مباحث لطيفة من العلم الإلهي.) # الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالا، فيكون أولا قبل أن ~~يكون آخرا، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا، كل مسمى ~~بالوحدة غيره قليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوي غيره ضعيف، ~~وكل مالك غيره مملوك، وكل عالم غيره متعلم، وكل قادر غيره ~~يقدر ويعجز، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات، ويصمه ~~كبيرها، ويذهب عنه ما بعد منها، وكل بصير غيره يعمى عن خفي ~~الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره باطن، وكل باطن غيره ~~غير ظاهر، لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان، ولا تخوف من عواقب ~~زمان، ولا استعانة على ند مثاور، ولا شريك مكابر، ولا ضد ~~منافر، ولكن خلائق مربوبون، وعباد داخرون، لم يحلل في الأشياء ~~فيقال: هو كائن، ولم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن، لم يؤده ~~خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ما ذرأ، ولا وقف به عجز عما خلق، ولا ~~ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدر، بل قضاء متقن، وعلم محكم، وأمر ~~مبرم، المأمول مع النقم، والمرجو من النعم. ~~(4) ومن كلام له عليه السلام ~~(يحرم تعلم التنجيم.) # قال لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج، فقال له: ~~يا أمير المؤمنين، إن سرت في هذا الوقت خشيت ألا تظفر بمرادك ~~من طريق علم النجوم. # قال عليه السلام: أتزعم أنك تهدي إلى الساعة من سار فيها ~~صرف عنه السوء؟ وتخوف من الساعة التي من سار فيها حاق به ~~الضر؟ فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن، واستغنى عن الإعانة ms237 ~~بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه، وتبتغي في قولك للعامل ~~بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه؛ لأنك - بزعمك أنت - هديته إلى ~~الساعة التي نال فيها النفع وأمن الضر! # ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال: أيها الناس، إياكم ~~وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر، فإنها تدعو إلى ~~الكهانة، والمنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر ~~كالكافر، والكافر في النار، سيروا على اسم الله. ~~(5) ومن خطبة له عليه السلام ~~(يقرر فضيلة الرسول الكريم.) # بعثه والناس ضلال في حيرة، وخابطون في فتنة، قد استهوتهم ~~الأهواء، واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، ~~حيارى في زلزال من الأمر، وبلاء من الجهل، فبالغ صلى الله عليه ~~وآله في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة ~~الحسنة. ~~(6) ومن خطبة له عليه السلام ~~(وفيها مواعظ للناس.) # الحمد لله الواصل الحمد بالنعم، والنعم بالشكر، نحمده على ~~آلائه، كما نحمده على بلائه، ونستعينه على هذه النفوس البطاء ~~عما أمرت به، السراع إلى ما نهيت عنه، ونستغفره مما أحاط ~~به علمه، وأحصاه كتابه، علم غير قاصر، وكتاب غير مغادر، ونؤمن ~~به إيمان من عاين الغيوب، ووقف على الموعود، إيمانا نفى ~~إخلاصه الشرك، ويقينه الشك، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~شهادتين تصعدان القول، وترفعان العمل، لا يخف ميزان توضعان ~~فيه، ولا يثقل ميزان ترفعان عنه. # أوصيكم عباد الله بتقوى الله التي هي الزاد وبها المعاد: زاد ~~مبلغ، ومعاد منجح، دعا إليها أسمع داع، ووعاها خير واع، ~~فأسمع داعيها، وفاز واعيها. # عباد الله، إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزمت ~~قلوبهم مخافته، حتى أسهرت لياليهم، وأظمأت هواجرهم، فأخذوا ~~الراحة بالنصب، والري بالظمأ، واستقربوا الأجل فبادروا العمل، ~~وكذبوا الأمل، فلاحظوا الأجل، ثم إن الدنيا دار فناء وعناء، ~~وغير وعبر، فمن الفناء: أن الدهر موتر قوسه، لا تخطئ سهامه، ~~ولا توسى جراحه ، يرمي الحي بالموت، والصحيح بالسقم، والناجي ~~بالعطب، آكل لا يشبع، وشارب لا ينقع؛ ومن العناء ms238 أن المرء ~~يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله تعالى لا ~~مالا حمل، ولا بناء نقل. ومن غيرها ترى أن المرحوم مغبوط، ~~والمغبوط مرحوم، ليس ذلك إلا نعيما ذل، وبؤسا نزل. ومن عبرها ~~أن المرء يشرف على أمله، فيقطعه حضور أجله، فلا أمل يدرك، ولا ~~مؤمل يترك؛ فسبحان الله ما أغر سرورها! وأظمأ ريها! وأضحى ~~فيئها! لا جاء يرد، ولا ماض يرتد؛ فسبحان الله ما أقرب ~~الحي من الميت للحاقه به! وأبعد الميت من الحي لانقطاعه ~~عنه! # إنه ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه، وليس شيء بخير من ~~الخير إلا ثوابه، وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه، وكل ~~شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه، فليكفكم من العيان السماع، ~~ومن الغيب الخبر، واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة ~~خير مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا، فكم من منقوص رابح، ~~ومزيد خاسر! إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه، وما ~~أحل لكم أكثر مما حرم عليكم، فذروا ما قل لما كثر، وما ~~ضاق لما اتسع، قد تكفل لكم بالرزق، وأمرتم بالعمل، فلا ~~يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله، مع ~~أنه والله لقد اعترض الشك ودخل اليقين، حتى كان الذي ضمن لكم ~~قد فرض عليكم، وكان الذي فرض عليكم قد وضع عنكم، فبادروا ~~العمل، وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما ~~يرجى من رجعة الرزق، ما فات من الرزق رجي غدا زيادته، وما ~~فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته، الرجاء مع الجائي، ~~واليأس مع الماضي، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون. ~~(7) ومن خطبة له عليه السلام ~~(يوبخ البخلاء بالمال والنفس.) # فلا أموال بذلتموها للذي رزقها، ولا أنفس خاطرتم بها للذي ~~خلقها، تكرمون بالله على عباده، ولا تكرمون الله في عباده! ~~فاعتبروا بنزولكم منازل من كان قبلكم، وانقطاعكم عن أوصل ~~إخوانكم. ~~(8) ومن كلام له عليه السلام ~~(وقد ms239 جمع الناس وحضهم على الجهاد فسكتوا مليا.) # فقال عليه السلام: ما بالكم! أمخرسون أنتم؟ فقال قوم منهم: ~~يا أمير المؤمنين، إن سرت سرنا معك، فقال عليه السلام: ما ~~بالكم! لا سددتم لرشد، ولا هديتم لقصد! أفي مثل هذا ينبغي ~~لي أن أخرج؟! إنما يخرج في مثل هذا رجل ممن أرضاه من شجعانكم، ~~وذوي بأسكم، ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال ~~وجباية الأرض، والقضاء بين المسلمين، والنظر في حقوق ~~المطالبين، ثم أخرج في كتيبة أتبع أخرى، أتقلقل تقلقل القدح ~~في الجفير الفارغ، وإنما أنا قطب الرحى، تدور علي وأنا ~~بمكاني، فإذا فارقته استحار مدارها واضطرب ثفالها، هذا لعمر ~~الله الرأي السوء، والله لولا رجائي الشهادة عند لقائي العدو - ~~لو قد حم لي لقاؤه - لقربت ركابي، ثم شخصت عنكم فلا أطلبكم، ما ~~اختلف جنوب وشمال، إنه لا غناء في كثرة عددكم مع قلة اجتماع ~~قلوبكم، لقد حملتكم على الطريق التي لا يهلك عليها إلا هالك، ~~من استقام فإلى الجنة، ومن زل فإلى النار. ~~(9) ومن كلامه عليه السلام ~~(قال لأصحابه في ساحة الحرب «بصفين» وفيه يعلم أصحابه ~~فنون القتال وآدابه): # وأي امرئ منكم أحس من نفسه رباطة جأش عند اللقاء، ورأى من ~~أحد إخوانه فشلا، فليذب عن أخيه بفضل نجدته التي فضل بها ~~عليه كما يذب عن نفسه، فلو شاء الله لجعله مثله. إن الموت ~~طالب حثيث، لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، إن أكرم ~~الموت: القتل، والذي نفس ابن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسيف ~~أهون علي من ميتة على الفراش. ~~(منه): وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب، لا تأخذون حقا ~~ولا تمنعون ضيما، قد خليتم والطريق، فالنجاة للمقتحم والهلكة ~~للمتلوم. ~~(ومنه في حثهم على القتال): فقدموا الدارع، وأخروا ~~الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، ~~والتووا في أطراف الرماح، فإنه أمور للأسنة، وغضوا ~~الأبصار، فإنه أربط للجأش، وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات ، ~~فإنه أطرد للفشل، ورايتكم فلا تميلوها ولا تخلوها، ولا تجعلوها ~~إلا بأيدي شجعانكم، والمانعين الذمار ms240 منكم؛ فإن الصابرين على ~~نزول الحقائق هم الذين يحفون براياتهم، ويكتنفون حفافيها: ~~وراءها وأمامها، ولا يتأخرون عنها فيسلموها، ولا يتقدمون عليها ~~فيفردوها، أجزأ امرؤ قرنه، وآسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى ~~أخيه، فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه، وايم الله لئن فررتم من سيف ~~العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة، وأنتم لهاميم العرب، والسنام ~~الأعظم، إن في الفرار موجدة الله، والذل اللازم، والعار ~~الباقي، وإن الفار لغير مزيد في عمره، ولا محجوز بينه وبين ~~يومه، الرائح إلى الله كالظمآن يرد الماء، الجنة تحت أطراف ~~العوالي، اليوم تبلى الأخبار، والله لأنا أشوق إلى لقائهم ~~منهم إلى ديارهم، اللهم فإن ردوا الحق فافضض جماعتهم، وشتت ~~كلمتهم، وأبسلهم بخطاياهم، إنهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن ~~دراك، يخرج منه النسيم، وضرب يفلق الهام، ويطيح العظام، ويندر ~~السواعد والأقدام، وحتى يرموا بالمناسر تتبعها المناسر، ~~ويرجموا بالكتائب تقفوها الحلائب، وحتى يجر ببلادهم الخميس ~~يتلوه الخميس، وحتى تدعق الخيول في نواحر أرضهم، وبأعنان ~~مساربهم ومسارحهم. ~~(10) ومن خطبة له عليه السلام ~~(في ذكر المكاييل والموازين.) # عباد الله، إنكم - وما تأملون من هذه الدنيا - أثوياء ~~مؤجلون، ومدينون مقتضون، أجل منقوص، وعمل محفوظ، فرب ~~دائب مضيع، ورب كادح خاسر، وقد أصبحتم في زمن لا يزداد ~~الخير فيه إلا إدبارا، ولا الشر إلا إقبالا، ولا الشيطان في ~~هلاك الناس إلا طمعا، فهذا أوان قويت عدته، وعمت مكيدته، ~~وأمكنت فريسته، اضرب بطرفك حيث شئت من الناس، فهل تبصر إلا ~~فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدل نعمة الله كفرا، أو بخيلا ~~اتخذ البخل بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بأذنه عن سمع ~~المواعظ وقرا! أين خياركم وصلحاؤكم! وأين أحراركم وسمحاؤكم! ~~وأين المتورعون في مكاسبهم، والمتنزهون في مذاهبهم! أليس قد ~~ظعنوا جميعا عن هذه الدنيا الدنية، والعاجلة المنغصة! وهل ~~خلفتم إلا في حثالة لا تلتقي بذمهم الشفتان استصغارا لقدرهم، ~~وذهابا عن ذكرهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ظهر الفساد فلا ~~منكر مغير، ولا زاجر مزدجر، أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله ~~في دار قدسه! ms241 وتكونوا أعز أوليائه عنده! هيهات! لا يخدع الله ~~عن جنته، وتنال مرضاته إلا بطاعته، لعن الله الآمرين بالمعروف ~~التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به. ~~(11) ومن كلام له عليه السلام ~~(في وضع المعروف في أهله وغير أهله.) # المعروف في غير أهله # وليس لواضع المعروف في غير حقه وعند غير أهله من الحظ ~~فيما أتى إلا محمدة اللئام، وثناء الأشرار، ومقالة ~~الجهال - ما دام منعما عليهم - ما أجود يده وهو عن ذات ~~الله بخيل! # مواضع المعروف # فمن آتاه الله مالا فليصل به القرابة، وليحسن منه ~~الضيافة، وليفك به الأسير والعاني، وليعط منه الفقير ~~والغارم، وليصبر نفسه على الحقوق والنوائب ابتغاء الثواب، ~~فإن فوزا بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا، ودرك فضائل ~~الآخرة إن شاء الله. ~~(12) ومن خطبة له عليه السلام # يذكر فيها بديع خلقة الخفاش (ويبتدئها بحمد الله ~~وتنزيهه.) # حمد الله وتنزيهه # الحمد لله الذي انحسرت الأوصاف عن كنه معرفته، وردعت ~~عظمته العقول فلم تجد مساغا إلى بلوغ غاية ملكوته. # هو الله الحق المبين، أحق وأبين مما ترى العيون، لم ~~تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبها، ولم تقع عليه ~~الأوهام بتقدير فيكون ممثلا، خلق الخلق على غير تمثيل، ~~ولا مشورة مشير، ولا معونة معين، فتم خلقه بأمره، وأذعن ~~لطاعته، فأجاب ولم يدافع، وانقاد ولم ينازع. # خلقة الخفاش # ومن لطائف صنعته وعجائب خلقته، ما أن أرانا من غوامض ~~الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل ~~شيء، ويبسطها الظلام القابض لكل حي، وكيف عشيت أعينها ~~عن أن تستمد من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها، ~~وتتصل بعلانية برهان الشمس إلى معارفها، وردعها بتلألؤ ~~ضيائها عن المضي في سبحات إشراقها، وأكنها في مكامنها عن ~~الذهاب في بلج ائتلاقها، فهي مسدلة الجفون بالنهار على ~~أحداقها، وجاعلة الليل سراجا تستدل به في التماس ~~أرزاقها، فلا يرد أبصارها إسداف ظلمته، ولا تمتنع من المضي ~~فيه لغسق دجنته، فإذا ألقت الشمس قناعها ، وبدت أوضاح ~~نهارها، ودخل من إشراق نورها على الضباب في وجارها، أطبقت ~~الأجفان على مآقيها، ms242 وتبلغت بما اكتسبت من فيء ظلم ~~لياليها، فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشا، والنهار ~~سكنا وقرارا! وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند ~~الحاجة إلى الطيران، كأنها شظايا الآذان، غير ذوات ريش ولا ~~قصب، إلا أنك ترى مواضع العروق بينة أعلاما، لها جناحان ~~لم يرقا فينشقا، ولم يغلظا فيثقلا، تطير وولدها لاصق ~~بها، لاجئ إليها، يقع إذا وقعت، ويرتفع إذا ارتفعت، لا ~~يفارقها حتى تشتد أركانه، ويحمله للنهوض جناحه، ويعرف ~~مذاهب عيشه، ومصالح نفسه، فسبحان الباري لكل شيء على غير ~~مثال خلا من غيره. ~~(13) ومن خطبة له عليه السلام ~~(في عجيب صنعة الكون.) # وكان من اقتدار جبروته وبديع لطائف صنعته أن جعل من ماء ~~البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا، ثم فطر منه ~~أطباقا ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها، فاستمسكت بأمره ~~وقامت على حده، وأرسى أرضا يحملها الأخضر المثعنجر، والقمقام ~~المسخر، ذل لأمره، وأذعن لهيبته، ووقف الجاري منه لخشيته، ~~وجبل جلاميدها، ونشوز متونها وأطوادها، فأرساها في مراسيها، ~~وألزمها قرارتها، جبالها عن سهولها، وأساخ قواعدها في متون ~~أقطارها ومواضع أنصابها، فأشهق قلالها، وأطال أنشازها، وجعلها ~~للأرض عمادا، وأرزها فيها أوتادا، فسكنت على حركتها من أن ~~تميد بأهلها، أو تسيخ بحملها، أو تزول عن مواضعها، فسبحان من ~~أمسكها بعد موجان مياهها، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها، فجعلها ~~لخلقه مهادا، وبسطها لهم فراشا فوق بحر لجي راكد لا ~~يجري، وقائم لا يسري، تكركره الرياح العواصف، وتمخضه الغمام ~~الذوارق، # إن في ذلك لعبرة ~~لمن يخشى ~~. ~~(14) ومن وصية له عليه السلام ~~(وصى بها جيشا بعثه إلى العدو.) # فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبيل ~~الأشراف، أو سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار، كيما يكون لكم ~~ردءا، ودونكم مردا، ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين، ~~واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال، ومناكب الهضاب، لئلا ~~يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن، واعلموا أن مقدمة القوم ~~عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم ~~فانزلوا جميعا، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعا، وإذا غشيكم ~~الليل ms243 فاجعلوا الرماح كفة، ولا تذوقوا النوم إلا غرارا أو ~~مضمضة. ~~(15) ومن وصية له عليه السلام ~~(للحسن والحسين، عليهما السلام، لما ضربه ابن ملجم لعنه ~~الله.) # أوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا ~~تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا للحق، واعملا للأجر، ~~وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا. # أوصيكما، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي، بتقوى الله، ونظم ~~أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإني سمعت جدكما صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: «صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام»، ~~الله الله في الأيتام، فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا ~~بحضرتكم، والله الله في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم، ما زال ~~يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، والله الله في القرآن، لا ~~يسبقكم بالعمل به غيركم، والله الله في الصلاة، فإنها عمود ~~دينكم، والله الله في بيت ربكم، لا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ~~ترك لم تناظروا، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم ~~وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم ~~والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~فيولى عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم. # ثم قال: يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء ~~المسلمين خوضا، تقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير ~~المؤمنين! ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي. # انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا ~~يمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله ~~وسلم - يقول: «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور.» ~~(16) ومن كتاب له عليه السلام ~~(إلى عماله على الخراج.) # من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب ~~الخراج # أما بعد فإن من لم يحذر ما هو صائر إليه لم يقدم ~~لنفسه ما يحرزها، واعلموا أن ما كلفتم يسير، وأن ثوابه ~~كبير، ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان ~~عقاب يخاف لكان في ثواب اجتنابه ما لا عذر في ترك طلبه، ~~فأنصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم، فإنكم خزان ~~الرعية، ووكلاء الأمة، وسفراء الأئمة، ولا تحسموا أحدا ~~عن حاجته، ms244 ولا تحبسوه عن طلبته، ولا تبيعن الناس في الخراج ~~كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها، ولا عبدا، ~~ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم، ولا تمسن مال أحد من ~~الناس مصل ولا معاهد إلا أن تجدوا فرسا أو سلاحا ~~يعدى به على أهل الإسلام، فإنه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك ~~في أيدي أعداء الإسلام فيكون شوكة عليه، ولا تدخروا أنفسكم ~~نصيحة، ولا الجند حسن سيرة، ولا الرعية معونة، ولا دين ~~الله قوة، وأبلوا في سبيل الله ما استوجب عليكم، فإن ~~الله سبحانه قد اصطنع عندنا وعندكم أن نشكره بجهدنا، وأن ~~ننصره بما بلغت قوتنا، ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # الفصل التاسع # | باب المختار من حكم أمير المؤمنين ~~عليه السلام # ويدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله، والكلام القصير ~~الخارج في سائر أغراضه # قال عليه السلام: ~~(1) # كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيركب، ولا ضرع ~~فيحلب. ~~(2) # أزرى بنفسه من استشعر الطمع، ورضي بالذل من كشف عن ~~ضره، وهانت عليه نفسه من أمر عليها لسانه. ~~(3) # البخل عار، والجبن منقصة، والفقر يخرس الفطن عن ~~حجته، والمقل غريب في بلدته، والعجز آفة، والصبر ~~شجاعة، والزهد ثروة، والورع جنة. ~~(4) # نعم القرين الرضا، والعلم وراثة كريمة، والآداب ~~حلل مجددة، والفكر مرآة صافية. ~~(5) # صدر العاقل صندوق سره، والبشاشة حبالة المودة، ~~والاحتمال قبر العيوب، أو: والمسالمة خباء العيوب، ومن ~~رضي عن نفسه كثر الساخط عليه. ~~(6) # الصدقة دواء منجح، وأعمال العباد في عاجلهم، نصب ~~أعينهم في آجلهم. ~~(7) # اعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم، ويتكلم بلحم، ويسمع ~~بعظم، ويتنفس من خرم! ~~(8) # إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا ~~أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. ~~(9) # خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم، وإن ~~عشتم حنوا إليكم. ~~(10) # إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة ~~عليه. ~~(11) # أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ~~ضيع من ظفر به منهم . ~~(12) # إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها ~~بقلة الشكر. ~~(13) # من ضيعه الأقرب أتيح له ms245 الأبعد. ~~(14) # ما كل مفتون يعاتب. ~~(15) # تذل الأمور للمقادير، حتى يكون الحتف في ~~التدبير. ~~(16) # وسئل عليه السلام عن قول الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود.» فقال: ~~إنما قال صلى الله عليه وآله وسلم ذلك والدين قل، ~~فأما الآن وقد اتسع نطاقه، وضرب بجرانه، فامرؤ وما ~~اختار. ~~(17) # وقال عليه السلام في الذين اعتزلوا القتال معه: ~~خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل. ~~(18) # من جرى في عنان أمله عثر بأجله. ~~(19) # أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم، فما يعثر منهم عاثر ~~إلا ويد الله بيده يرفعه. ~~(20) # قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان، والفرصة تمر ~~مر السحاب، فانتهزوا فرص الخير. ~~(21) # لنا حق، فإن أعطيناه وإلا ركبنا أعجاز الإبل وإن ~~طال السرى. # قال الرضي: وهذا من لطيف الكلام وفصيحه، ومعناه: ~~إنا إن لم نعط حقنا كنا أذلاء، وذلك أن الرديف ~~يركب عجز البعير، كالعبد والأسير ومن يجرى ~~مجراهما. ~~(22) # من أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه. ~~(23) # من كفارات الذنوب العظام: إغاثة الملهوف، والتنفيس ~~عن المكروب. ~~(24) # يا ابن آدم، إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه ~~وأنت تعصيه فاحذره. ~~(25) # ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات ~~وجهه. ~~(26) # امش بدائك ما مشى بك. ~~(27) # أفضل الزهد إخفاء الزهد. ~~(28) # إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع ~~الملتقى. ~~(29) # الحذر الحذر! فوالله لقد ستر حتى كأنه قد ~~غفر. ~~(30) # وسئل عن الإيمان فقال: الإيمان على أربع دعائم: على ~~الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد؛ والصبر منها على ~~أربع شعب: على الشوق، والشفق، والزهد، والترقب؛ فمن ~~اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار ~~اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات، ~~ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات؛ واليقين منها على ~~أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظة ~~العبرة، وسنة الأولين: فمن تبصر في الفطنة تبينت ~~له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في ~~الأولين؛ والعدل منها على أربع شعب: على غائص الفهم، ~~وغور العلم، وزهرة الحكم، ورساخة الحلم: فمن فهم علم ~~غور العلم، ومن علم ms246 غور العلم صدر عن شرائع الحكم، ومن ~~حلم لم يفرط في أمره، وعاش في الناس حميدا. والجهاد ~~منها على أربع شعب: على الأمر بالمعروف، والنهى عن ~~المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين؛ فمن أمر ~~بالمعروف شد ظهور المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم ~~أنوف الكافرين، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن ~~شنئ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وأرضاه يوم ~~القيامة. ~~(31) # الكفر على أربع دعائم: على التعمق، والتنازع، ~~والزيغ، والشقاق: فمن تعمق لم ينب إلى الحق، ومن كثر ~~نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق، ومن زاغ ساءت عنده ~~الحسنة، وحسنت عنده السيئة، وسكر سكر الضلالة، ومن ~~شاق وعرت عليه طرقه، وأعضل عليه أمره، وضاق عليه ~~مخرجه؛ والشك على أربع شعب: على التماري، والهول، ~~والتردد، والاستسلام: فمن جعل المراء دينا لم يصبح ~~ليله، ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه، ومن تردد ~~في الريب وطئته سنابك الشياطين، ومن استسلم لهلكة ~~الدنيا والآخرة هلك فيهما. # قال الرضي: وبعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الإطالة ~~والخروج عن الغرض المقصود في هذا الباب. ~~(32) # فاعل الخير خير منه، وفاعل الشر شر منه. ~~(33) # كن سمحا، ولا تكن مبذرا، وكن مقدرا، ولا تكن ~~مقترا. ~~(34) # أشرف الغنى ترك المنى. ~~(35) # من أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه بما لا ~~يعلمون. ~~(36) # من أطال الأمل أساء العمل. ~~(37) # وقال عليه السلام وقد لقيه عند مسيره إلى الشام ~~دهاقين الأنبار، فترجلوا له واشتدوا بين يديه، قال: ~~ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خلق منا نعظم به ~~أمراءنا، فقال: والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنكم ~~لتشقون على أنفسكم في دنياكم، وتشقون به في آخرتكم، ~~وما أخسر المشقة وراءها العقاب، وأربح الدعة معها ~~الأمان من النار! ~~(38) # وقال عليه السلام لابنه الحسن: يا بني، احفظ عني ~~أربعا، وأربعا، لا يضرك ما عملت معهن: إن أغنى الغنى ~~العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم ~~الحسب حسن الخلق. # يا بني، إياك ومصادقة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك ~~فيضرك، وإياك ومصادقة البخيل، فإنه يبعد عنك ms247 أحوج ما ~~تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر، فإنه يبيعك بالتافه، ~~وإياك ومصادقة الكذاب، فإنه كالسراب؛ يقرب عليك ~~البعيد، ويبعد عليك القريب. ms248