######OpenITI# #META# URI: 1379SacidTaqiDin.GhadanNaqfuluMadina.Hindawi52806305 #META# Tags: literature #META# ID: 52806305 #META# Title: غدًا نقفل المدينة #META# AuthorID: 35727531 #META# Author: سعيد تقي الدين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # يوم طوقنا القصر الجمهوري في الفلبين‏ # رامز صعب‏ # لبنانيان في استقبال الفاتحين‏ # صديقي الحميم ماك آرثر ...‏ # غريب بلا بسطبورزو‏ # زلزال الفلبين‏ # يا شهيد المالكية‏ # طوربي‏ # في المرحوم الأستاذ بولس الخولي‏ # وانبلج الفجر!‏ # طنبرجي وبغل‏ # نجية وانفلتت‏ # إلى صلاح لبكي‏ # مقدمة لمذكرات فوزي القاوقجي‏ # أشيائي المفقودة والمردودة‏ # معاقل سوف ننسفها‏ # إلى سعادة‏ # سنة 1952: قطع طفت منها على الزمن‏ # من مغترب عاد للبنان‏ # سفري إلى الفلبين‏ # كلمات هزتني‏ # يوم طوقنا القصر الجمهوري في الفلبين‏ # رامز صعب‏ # لبنانيان في استقبال الفاتحين‏ # صديقي الحميم ماك آرثر ...‏ # غريب بلا بسطبورزو‏ # زلزال الفلبين‏ # يا شهيد المالكية‏ # طوربي‏ # في المرحوم الأستاذ بولس الخولي‏ # وانبلج الفجر!‏ # طنبرجي وبغل‏ # نجية وانفلتت‏ # إلى صلاح لبكي‏ # مقدمة لمذكرات فوزي القاوقجي‏ # أشيائي المفقودة والمردودة‏ # معاقل سوف ننسفها‏ # إلى سعادة‏ # سنة 1952: قطع طفت منها على الزمن‏ # من مغترب عاد للبنان‏ # سفري إلى الفلبين‏ # كلمات هزتني‏ # | غدا نقفل المدينة # | غدا نقفل المدينة # تأليف # سعيد تقي الدين # | يوم طوقنا القصر الجمهوري في الفلبين # وقابلنا الرئيس «روهس» بالقميص والكلسون # بين أوراق رئيس الجمهورية اللبنانية عشرات تلغرافات تبادلتها وإياه يوم كان رئيسا للوفد ~~اللبناني لدى منظمة الأمم في الدورة التي سلخوا فيها فلسطين عن بلادنا. هذه البرقيات ~~تبادلتها معه في شهر تشرين الثاني 1947، وقد كنت سنتئذ في «مانيلا» عاصمة ~~الفلبين. # إني فخور بهذه البرقيات، ويشوقني أن تنقش على قبري، وتتلى في حفلة رثائي، هذا إن كان ~~من المقدر علي أن أصاب بنكبتين: الموت والحفلة الرثائية. # ولكن القصة لا تبدأ هنا، إنها تبدأ في بيت المرحوم كامل حمادة، وقد جلسنا إلى طاولته، ~~وانبسطت على الطاولة صينية كبة. وصينية الكبة في الفلبين أندر من «الكافيار» في خيام ~~اللاجئين. والسيدة وديعة حمادة - زوجة كامل - لا تعدها إلا للأصدقاء الغالين. كان منهم ~~«طام نجار» السوري الأميركي، رابعنا على الطاولة. وفيما نحن نتغنى بما نرى وننشق، رن ~~التليفون؛ فنهضت على عادتها السيدة وديعة لتجيب، والتفتت بنا وقالت: «من نيويورك!» وبعد ~~لحظة سألتني: من هي أدال أرسلان؟ قلت: «لا أدري.» قالت: «لعلها مقطوعة ms001 في نيويورك، وتريد ~~القدوم إلى الفلبين.» وبدأت المحادثة على التليفون، وكان في صوت السيدة وديعة نزق، فهرعت ~~إلى التليفون، وتناولت الحديث عنها. قلت: «من المتكلم؟» أجاب: «عادل أرسلان.» أجبت: «أنا ~~سعيد تقي الدين.» قال: «أطمنك إلى إخوتك.» # المغتربون - أكثرهم - هم أبدا في سكرة عاطفية من شوق وحنين، وقد زادني نشوة سمعي «أطمنك ~~إلى»؛ ذلك أن عمي أمين تقي الدين الذي هذبني في الأدب كان يغيظه مني أن أكتب «أطمنك عن!» ~~«أطمنك إلى» هي اللغة الصحيحة، ومرة أصلح خطئي بصفعة شديدة! # وفيما أنا في نشوة الذكريات سمعت من عادل أرسلان أن منظمة الأمم المتحدة ستصوت على ~~التقسيم، وأنه يرجح أن تصوت الفلبين مع أميركا ضدنا، وأنه من واجبنا أن نسعى لكسب صوت ~~«الجنرال رومولو» مندوب الفلبين، خصوصا وهو شخصية عالمية، وأن الحالة حرجة. سألته: وإن ~~فشلنا؟ أجاب: سنخوض الحرب! لفظة الحرب من عادل أرسلان سجلت في أذني دويا أصيلا، لم تكن ~~لفظة فارغة، رجعت إلى الطاولة منفعلا، ورويت الحديث الذي سمعته. # قال طام «توماس» نجار، وهو وليد أميركا: «لا بأس أن أخذ اليهود فلسطين، هكذا نتخلص منهم ~~في أميركا، وأي شأن لنا نحن مع العرب؟!» # وانفجرت في محاضرة. # السيدة وديعة حمادة هي من عائلة هاشم في كفر شيما، عمر ابنها الكبير ستون سنة، أشهد أني ~~لم أر في حياتي عينين يلمع فيهما العزم والصبا مثل عينيها، ولا جنديا استقامت قامته كما ~~استقامت قامتها، ولقد ثارت ثورتها؛ فهرعت تتلفن «إلى مانولين». ومانولين هذا هو اسم التحبب ~~تدعو به «مانويل روهس» رئيس الجمهورية الفلبينية. مانولين ربي في دار السيدة وديعة، وكان ~~يدعوها «أمي» باللفظة العربية. وفي عشاء عيد الميلاد كان يأتي لتناول الطعام على مائدة كامل ~~حمادة، وقد كنت أجالسه مع الصديق سعد الدين الجارودي، المزارع في صور اليوم. # قالت وسماعة التلفيون على أذنها: «هل من بأس إن قابلتموه غدا؟» # أجبت: «بل هذه الليلة.» # وانطلقت والصديق كامل حمادة، وكان كامل صامتا متجهم الوجه شأنه في الأزمات ~~النفسية. # ودخلنا على رئيس الجمهورية، فاستقبلنا فخامته ms002 بالقميص التحتانية وبالكلسون. القليلون ~~الذين يزورونني في بيتي أستقبلهم بالقميص والكلسون، وإن أبدى أحدهم استهجانا أقول: هكذا ~~استقبلني فخامة رئيس الجمهورية الفلبينية وعدد رعاياها 22 مليونا من البشر. # كان الرئيس روهس جاهلا كل شيء عن فلسطين وعن اليهود؛ فراح يستفهم، ورحت أفهمه وأنا غير ~~فاهم، ولكن روهس- ككل أبناء الفلبين - رجل عاطفي، وله حادثة شهيرة في الكونغرس الأميركي؛ إذ ~~وقف يخطب مطالبا باستقلال بلاده وبكى. لم أكن متصنعا حين اختصرت له الحركة الصهيونية ~~العدوانية، وفي ذروة الكلام بكيت أيضا. لم يعد بشيء، ولكني حين قلت له: إن مندوبنا في ~~منظمة الأمم يعتقد أن رومولو سيقترع ضدنا أجاب: «هذا مستحيل التصور # This is unthinkable ~~.» # وانصرفنا وكأنه لمح بي ريبة، فردد العبارة: # This is ~~unthinkable ~~. # وتواعدنا على أن نعود إلى مكتبة في الصباح التالي الساعة العاشرة، فنجتمع إلى وزير ~~الخارجية. # وفي طريقنا إلى البيت مررت بمكتب البرقيات، فأرسلت تلغرافا مطولا إلى عمر حليق في مكتب ~~الشئون العربية الأميركية في نيويورك أطلب إليه أن يبرق باختصار الحجج التي في صالحنا، ~~وكنت واثقا أني أجد الجواب في الصباح؛ لأن بين مانيلا ونيويورك 12 ساعة فرقا ~~بالوقت. # ونمنا تلك الليلة ونامت صينية الكبة في البراد. # وفي الصباح، وجدت على طاولتي في مكتبي جواب عمر حليق وبرقية مطولة موقعة باسم كميل نمر ~~شمعون يطلب مني ما طلبه عادل أرسلان. وجهت هذه البرقية إلي لأني كنت قنصل لبنان الفخري في ~~الفلبين. ذكرني أن أحدثك من حياتي كممثل ديبلوماسي، وكيف كنت أنثر الباسبورتات اللبنانية ~~على كل «مقطوع» يتكلم العربية، منها تسعة باسبورتات للاجئين من ثوار إندونيسيا، ومنها نصف ~~دزينة لعائلة «ميرو أسعد»، وهم سوريون من أنطاكية. على طريق فرن الشباك قامت بناية لآل أسعد ~~كلفتهم سبعماية ألف ليرة، وقد حضرت أعراس سليم، وأنطون، وفيلكس أسعد على ثلاث فتيات من ~~لبنان. الحق على شارل مالك، هو الذي أصر على أن أصبح قنصلا، والقوانين الدولية التي لم ~~أعرفها، اخترعتها. # حاصله ... # ذهبنا الساعة العاشرة إلى مكتب رئاسة الجمهورية، وكان فخامته بالكلسون، ولكن ms003 كان فوق ~~الكلسون بنطلون، وكان وقار الرئاسة يسود الغرفة هناك، وبين يديه «ملف «فلسطين»، قرأ منه أن ~~ليس هناك اتفاق بين الفلبين وأميركا على شيء، بل كل ما هنالك تبادل رسائل تقول: إن المسألة ~~الفلسطينية ستثار في منظمة الأمم، وإنه يحسن التشاور بين الدولتين حين تفتح الدورة. # وراح الرئيس يستفهم عن فلسطين، وكنت متسلحا بالمعلومات التي تلقيتها من عمر. # وفي حضورنا أرسل تلغرافا إلى الجنرال رومولو - أصبح فيما بعد رئيسا لمنظمة الأمم - يطلب ~~منه استعراضا للموقف، ولكن كلمات التلغراف صيغت بشكل يستنفر الموالاة لقضيتنا، وأذكر أن ~~عبارة «ثلاثمائة ألف كاثوليكي في فلسطين» كانت من صوغي. # ولما خرجنا لحق بنا وزير الخارجية «البيديو كيرينو» الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية ~~الفلبينية. وكيرينو هذا كان لي صديقا؛ إذ كنا نجتمع أيام الحرب على طاولة بوكر في بيت ~~الصديق فيليب شاوي، وهو أخو مدام رجا كساب صاحب المحل على باب إدريس. # أذكر صحن بوكر عظيم في «المكشوفة» أمامي أصان، وعشرتان ظاهرتان، وأمامه خمستان مكشوفتان، ~~وقد نظفني حين ظهرت الخمسة الثالثة المستورة. # قال وزير الخارجية مداعبا: «الموقف في صالحكم، ولكن اذكر أن في الحياة دائما ورقة ~~مستورة، حذار الخمسة الثالثة.» # وفي بعد ظهر ذلك اليوم، واتقاء للورقة المستورة، اتخذت احتياطات من شأنها أن تطلعني على ~~نسخة كل برقية صادرة عن مانيلا أو واردة إليها في شأن التصويت على قضية فلسطين، ولم تكن هذه ~~التلغرافات بالشيفرة. وإني أسجل أن الرئيس روهس كان صادقا في كل ما حدثنا به كما ~~أثبتت نسخ التلغرافات التي كانت في يدي أحيانا قبل أن تكون في يد روهس. وجاء تلغراف رومولو ~~يقول أن ليس بينه وبين اليهود أو ممثلي الدول العربية أي ارتباط، وأن الأميركان لم ~~يباحثوه في الموضوع بشكل حاسم، وأن الفلبين تقدر أن تصوت مع اليهود أو ضدهم، وأنه يرى أن ~~التصويت لصالح اليهود أوفق مجاراة للرأي العام العالمي، وأنه على كل حال ينتظر تعليمات ~~حكومته لاتخاذ الموقف الحاسم. # ورد روهس بواسطة كيرينو على رومولو ببرقية جاء فيها ms004 أن الفلبين، وهي دولة شعبها كاثوليكي، ~~وهي أمة جاهدت من أجل استقلالها، وسبق لها أن قاومت في الماضي مشروع تقسيم اقترحه أحد ~~النواب الأميركيين لشطر إحدى جزرها حيث - الأكثرية محمدية - لا يسعها أمام الله والتاريخ ~~إلا أن تعارض بتمزيق بلاد ثانية. # وفي تلك الليلة بطشنا بصينية كبة في دار كامل حمادة. # وكنت في كل يوم أبعث بتلغرافين على الأقل بالحروف الإفرنجية واللغة العربية؛ لأنه لم نتفق ~~على شيفرة بسبب مفاجأتنا بخبر التقسيم. وكنت أنهي البرقيات ب «قلوبنا تواكبكم». كانت نسخة ~~ترسل إلى الأستاذ شمعون، وثانية للأمير عادل، وكنت أبتهج أن شركة التلغراف تحسب اللغة ~~العربية شيفرة فتتقاضى أربعة أضعاف عن اللغة العادية. # أذكر أن أطول تلغراف عدد كلماته 784؛ ففي كل يوم كنت أوافي نيويورك بالأخبار والتطورات، ~~وفي الليل - بسبب فرق الوقت - أتلفن إلى القنصلية اللبنانية أو السورية، فأتكلم مع شمعون أو ~~أرسلان مستطمنا، وفي بعض الأحيان لا أجدهما. # هكذا تعرفت إلى قنصلنا في أميركا إدوار غرة حين رد علي ذات مرة، قلت: «إدوار غرة؟ من ~~أين في لبنان؟» أجاب: «من زحلة، أجلك الله!» قلت: «لا أصدق! هات البرهان.» فراح يحدو: «... ~~وشرب العرق عادتنا.» ومرة طلع بوجهي في إحدى القنصليتين موظف جديد طفق يحاضر في واجبات ~~المهاجرين نحو السعي للانتصار لقضية فلسطين. # فأقفلت التليفون، وأعتقد أن الأخ الفصيح لا يزال يتكلم حتى هذه الساعة. # كانت أياما وليالي محمومة سجلت خلالها العبارة التي بدأت تظهر اليوم في الصحف: «كل ~~مواطن خفير.» أي يهود؟ أي تقسيم؟ نحن في الفلبين خمسة عشر مغتربا، ربحنا صوت دولة، فكيف ~~يكون شأننا في البرازيل والأرجنتين والمكسيك حيث منا مئات ألوف المواطنين؟ # وفي صباح يوم تسلمت تلغرافين من كميل نمر شمعون وعادل أرسلان، فيهما تهنئة حارة، وانبسط ~~على صفحات جرائد مانيلا الأولى نص خطاب رائع لكارلوس رومولو - وهو من خطباء الدنيا ~~المعدودين - هاجم فيه التقسيم، وانتصر لقضيتنا. # يومان مرا بي كنت خلالهما أشعر أني أقوى من ذلك الذي يطأ الأرض مترفها من تيهه، فلقد ~~كنت أمشي من غير ms005 أن أطأ الأرض. # ولكن الأرض انخسفت بي حين قرأت تلغرافا جديدا بتوقيع شمعون يخبرني فيه أن رومولو أبدل ~~بمندوب ثان (نسيت اسمه، وأرجح أن اسمه الأول طوماس، فلنسمه طوماس)، وذلك تمهيدا لتعكس ~~الفلبين موقفها من التقسيم، وأن حالتنا في منظمة الأمم خطرة، وأن التصويت تأجل. # وهرعت إلى من كان يزودني بنسخ البرقيات؛ فقلب شفته، وحك قفاه وبصق، وكانت هذه عادته في ~~ساعات الخيبة. وقال: «إن الحكومة انتقلت إلى المصيف في «باغيو»، وهي مدينة جبلية تبعد أكثر ~~من ثلاثماية كيلومتر عن مانيلا، وأصبحت المخابرات في يد الجيش، والولدنة مع الجيش، ~~ومخابراته خيانة تعاقب بأحكام مختلفة أخفها الإعدام، وقلب شفته، وحك قفاه وبصق، ~~وشاركته في كل ما فعل. # إنني كنت أعرف جيدا من هو طوماس المندوب الجديد للفلبين، إنه أكبر عدو لجاليتنا في ~~الفلبين، وقد أصدر منشورا فور عودة الأميركان، بعد طرد اليابانيين، يتهمنا بأننا خونة، ~~وبأننا تعاونا مع اليابانيين أيام الاحتلال، وسبب عدائه لنا أن أولاد أسعد اشتروا من قريبة ~~له شريرة قطعة أرض إبان الحرب بثلاثين ألف دولار، ادعى طوماس أنها تساوي ربع مليون، ونشبت ~~الدعاوى، وراح هو، وراحت قريبته تهدد بقتل أولاد أسعد، وقد جرت محاولة للفتك بأحدهم؛ ~~يعقوب. # واجتمعت إلى الصديق المرحوم كامل حمادة وإلى أحد أولاد أسعد - نسيت أيهم - واتفقنا أن ~~يتنازلوا عن حقوقهم في قطعة الأرض إن أيد طوماس موقفنا في قضية فلسطين. ووجدنا أن في يدنا ~~ورقة ثانية - الخمسة المستورة - وهي أن طوماس انتخب عن دائرة جزيرة «إيلويلو»، وهناك ~~مواطن لنا من بشراي اسمه الدكتور فرمين كرم، لا يستطيع طوماس أن يظفر بالنيابة من غير ~~تأييده، وأرسلنا التلغرافات للدكتور كرم وإلى الأصدقاء في جزيرتي «إيلويلو»، و«نغروس» ~~مفتشين عن فرمين كرم ليتلفن إلى صديقه وحليفه في منظمة الأمم. واتفقنا على دفع أي مبلغ ~~إضافي قد يطلب منا. كنا في سنة 1947 والمال عبارة عن تسطير «شك» إذ كنا في بحبوحة بحيث إن ~~سقطت من أحدنا ورقة المائة ريال لخجل أن ينحني لالتقاطها، وكنا في حمى القتال ms006 من أجل ~~فلسطين. # وركبت سيارتي منطلقا إلى «باغيو». كانت سيارتي عامئذ من مخلفات الجيش، وهي ال # Command Car # تشعر فيها أنك مستو على برج فوق بالوعة ~~بنزين، وكانت طرقات الفلبين بسبب الحروب والإهمال خلال أربعة أعوام تكاد تشبه أكثر شوارع ~~بيروت. وفيما نحن في منتصف الطريق سمعت طقة حجر، ولكننا تابعنا حتى وقفت السيارة فجأة؛ لأن ~~الحجر كان قد أصاب خزان البنزين، وهو منخفض يكاد يلمس الأرض؛ فتسرب البنزين. # تطيرت من الحادثة، وتأخر وصولي إلى «باغيو» بسببها إلى فجر اليوم التالي؛ إذ قرعت باب ~~صديقي مخيبر كيروز. # وفي باكر الصباح أرسلت باقة من الزهر إلى البيت الجمهوري، وعند التاسعة استأذنت بزيارة ~~الرئيس. # وتوجهت إليه فإذا هو خارج بيته يتمشى، وحوله زوجته - بادرت إلى شكري على باقة الزهور - ~~وابنته وهم يلاعبون كلبهم. # أريد أن أثبت هنا أن موقف رئيس جمهورية الفلبين كان سببه صداقته مع كامل حمادة وزوجته ~~لا صداقته معي. # من السهل تشويه الأمور وتزويرها؛ فكامل حمادة ميت، وزوجته لن يسمع بها أحد هنا في بلادنا، ~~ولكن الصدق يقضي بأن أسجل أن الأهمية كانت لهما، ولم أساهم أنا إلا بالنشاط. # وأقبلت على عائلة روهس؛ فبش بي الرئيس كثيرا - أكثر من كل مرة - فتحققت أنه مؤاس لا ~~مرحب. # أجابني أن تعليمات الحكومة لمندوبها في منظمة الأمم لم تتغير. # كلمات سمعتها، ولم أصدقها. ولكن من أين لي أن أثبت عكسها والمخابرات اللاسلكية أصبحت في ~~يد الجيش؟ # ثم دعاني الرئيس روهس إلى داخل البيت، وقال: «انظر!» # رأيت كومة تلغرافات لا تقل عن مئات، قال الرئيس: «إن سياسييكم متبجحون؛ راحوا يملئون ~~الدنيا تفاخرا بأن الأكثرية معهم، أين هي كياستهم التي قرأنا عنها في الكتب؟ كل هذه ~~التلغرافات هي من يهود - منظمات وأشخاص - انصبت علي من أنحاء الدنيا. كان يشوقني أن ~~أستلم تلغرافا واحدا من أي مواطنيكم يشكرني به على خطاب رومولو. لقد اصطدمنا مع أصدقائنا ~~الأميركان، وأنت تعرف كم نحن في حاجة لهم بعد خراب الحرب. كان خطاب رومولو الخطاب الوحيد ~~الذي ألقاه مندوب ms007 ضد التقسيم، عدا خطابات رجالكم بالطبع ... ولو! ما منحرز كلمة شكر؟» ~~واستدرك: «ولكن بالطبع هذا لم يغير موقفنا، نحن لم نبدل تعليماتنا لمندوبنا.» # وعدت فتحققت أنه أبدلها بسبب ضغط أميركا، وضغط اليهود، ولحد ما لأنه لم يجد التقدير من ~~دولنا. والغريب أيضا أنه في يوم استقلال الفلبين لم ترسل من الدول العربية تلغراف التهئنة ~~التقليدي، إلا العراق، وكان وزير خارجيتها فاضل الجمالي. # بماذا كنا مشغولين سنة 1946حين أعلنت الفلبين استقلالها؟ # وتدحرجت راجعا إلى بيت مخيبر كيروز، وقلبي مثقل بالحزن، فلما وصلته سمعت دق الكبة، ~~وناولني مخيبر رسالة «تلتيب» من مانيلا تقول إننا خسرنا التصويت، وإن الفلبين صوتت ~~ضدنا! # ولم أستطع الابتسام! # كانت ثاني صينية أعرضت عنها في الفلبين. # الحرب ... الحرب ... بقيت كلمة عادل أرسلان تدوي في أذني، وبعد أسابيع ثلاثة أرسلت إلى ~~شخصية ضخمة (غير فاروق) في القاهرة أعرض مئتي ألف بارودة من مخلفات الجيش الأميركي بثمانية ~~دولارات البارودة واصلة إلى أي مرفأ يعين، فلم أتلق جوابا. وفي طريقي إلى بيروت مررت ~~بمصر - آذار 1948 - وسألت هذه الشخصية الضخمة: «لم أغفلت عرض الأسلحة؟» أجاب: «إن الأسلحة ~~متوفرة لدينا، عندنا منها أكثر من الحاجة!» # وبعد أسابيع رجع «رومولو» إلى مانيلا؛ فتوجهت إليه مع الصديق كامل حمادة لنشكره؛ ~~فأخبرنا قصة التقسيم، وكان أبدا يردد: «إنها جريمة، إنها جريمة.» ولكنني اضطررت إلى ترك ~~نيويورك والسفر إلى لندن. # أنا لا أحفظ الأوراق والوثائق حتى ولا الكمبيالات، ولا أدري كيف استبقيت رسالة سرية بعث ~~بها إلي صديق لي في الفلبين عن مؤتمر صحفي عقده رومولو، واستحلف مستمعيه أن يبقى سرا، ~~وقد بقي إلى هذه الساعة، وإني لن أبوح به. وقد أهديت نسخة منه إلى «وليم ليلنثول» - الكاتب ~~اليهودي الذي يهاجم إسرائيل - ووكلت إلى السيدة مدام أديب خرطبيل أن تسلمه الكتاب ~~لتغيبي عن الحفلة. # ما الفائدة من سرد هذه الحوادث؟ # نحن حين نقول بإنقاذ فلسطين لا نعني النصر اليوم، أو في السنة القادمة. صراعنا مع اليهود ~~يقاس بالأجيال لا بالسنين. وعلينا أن نسجل الآن أخطاءنا ومواطن ms008 القوة فينا، لقد أخطأنا ~~حين افترضنا أن الفلبين هي مستعمرة أميركية ، وأن النبل في حكامها لا يستثار، وقد غفل ~~اليهود عن استمالتهم إلى جهتهم توهما منهم أنهم ألعوبة في يد الأميركان. وقد أجرمنا حين ~~قتلنا الثقة في نفوس شعبنا، ومنهم المهاجرون، وأخطأنا حين توهمنا أن من واجب الأغراب أن ~~ينتصروا لنا من غير أن نتودد إليهم حتى بكياسات اجتماعية. # وذلك الصديق الذي ائتمنني على سر، وهو اليوم من كبار موظفي الحكومة الفلبينية، هل أنا ~~أخونه حين أسلم رسالته للكاتب؟ # نحن اليوم نسجل تاريخا نستعين به، أو يستعين به أولادنا، أو أحفادنا في الصراع مع ~~اليهود. أية أهمية للفتك بصديق في سبيل قضية كبرى؟ هذه الخشونة في الروح تتغلغل فيك حين أنت ~~تنتظم في حركة. # أذكر لحظة وقف فيها قلبي؛ إذ ظننت أن سعيد فريحة كاد يقع في هوة المصعد قبل أن تكتمل ~~بناية العسيلي. أما اليوم فلو أن انتصار القضية الكبرى يقتضي أن أدفش سعيد فريحة إلى هوة ~~المصعد لفعلت. وقد ألتقي بعد ذلك بسكرتير تحرير الصياد، أنطون متري، فأسأله: «سعيد، كيف ~~صحته؟» # حين ودعت «كيرينو» راجعا إلى بلادي سألته: «هل من وصية؟» أجاب: «لا! إنها نصيحتي أن تحسب ~~أبدا حسابا للورقة المستورة، الخمسة الثالثة تقلب الموقف حين تنقلب!» # | رامز صعب # هل أنقذت حياته القنبلة الذرية؟ # تبدأ هذه القصة بعد أن هدمت إحدى طائرات الأميركان الدير الذي التجأ إليه نحو من مئتي ~~أجنبي في مدينة جبلية في الفلبين تدعى «باغيو»، وكان من اللاجئين أصدقاء لبنانيون ثلاثة: ~~حسني الحلبي البيروتي، ومخيبر كيروز البشراني، والكاتب وعائلاتهم. # وكان السبب المباشر لضرب الدير أن اليابانيين كثيرا ما كانوا يخبئون الأسلحة والذخائر ~~في الكنائس، والأديرة، والمدارس، والمستشفيات. ويبدأ هذا الفصل بعد احتراق الدير: ~~... وفي أواخر الليل مزق أذني صراخ نساء ثلاث؛ زوجتي، وزوجة مخيبر كيروز، وزوجة ~~الإسبنيولي سلسمندي؛ فأفقت أسأل: ما الخبر؟! وأشعل مخيبر الشمعة التي إلى جانبه، وتبين ~~لنا أن إحدى السيدات حلمت بالطائرات تضربنا فذعرت، وساهمتها بالخوف رفيقتاها. وهدأ روعهن ~~حالا؛ لأننا تعلمنا ms009 من رفاقنا الأطباء أن أسرع الوسائل لتهدئة من تصيبه الهستيريا هي صفعة ~~على الخد، وقد عقد الرجال منا ميثاقا فيما بينهم، وفوض بعضهم بعضا أن يصفعوا خد أية ~~زوجة عند الأزمة، علاج أسرفنا في وصفه والتداوي به في كثير من الأحيان. # وجثمنا في ذلك الكوخ نرتجف من البرد، ومن الرعب؛ إذ نذكر حوادث اليوم الفائت في جوار ~~الدير المحترق الذي حسبناه ملجأ أمينا، ومرت أمام عيني من جديد لوحاته الكئيبة: طائرة ~~تحوم فوق الدير تقذفه بالرصاص، وفتى إسبنيولي قتيل في باحة الدير لم يجسر على الدنو منه ~~إلا أمه التي ركعت إلى جانبه تهز قبضتها صوب الطائرة القاتلة، وراهبات يطفن بهدوء يعالجن ~~الجرحى، وغابت الطائرة؛ فإذا بالدير يطير في الفضاء نارا ودخانا، وإذا بأكثرنا - وأنا ~~منهم - نهجم نحو المخزن محاولين تخليص مئونتنا، ونتخطى في ركضنا جثتي راهبتين اعترضتا ~~طريقنا؛ إذ إن أحشاء إحداهما تجمعت على البلاط، وشظايا رأس الثانية التصقت ~~بالحيطان. # كل هذه الصور امتثلت أمام عيني، ودوى في أذني أزيز الطائرة، وقرقعة رصاصها، فنزلت بي ~~الرهبة التي طالما شلت مشاعري خلال شهور أربعة رأيت فيها الموت كل يوم، وفي بعض الأحيان ~~مرات كل يوم. # قد يكون من حظي أن أعصابي بطيئة التجاوب في ساعة الخطر، تراني هادئا غير مرتعب في وسعي ~~أن أدعي الجرأة، غير أنه بعد أن تمر بي الحادثة بساعات ينهل علي الخوف دفعة واحدة، ~~فأصاب بما يشبه الشلل. # في ذلك الكوخ الحقير بين ضجيج الأولاد والنساء وصيحات مخيبر كيروز العنترية كنت في شبه ~~غيبوبة؛ لذلك لم أشترك في القرار الذي اتخذوه، وهو الابتعاد عن الدير والمدينة والفرار إلى ~~البراري. # وللمرة الثالثة بعد ابتداء هجوم الطائرات المنتظم حملنا ما نقدر عليه من الأدوية والمآكل، ~~وسرنا نحو البرية غير قاصدين إلى مكان معين. # وحين طلعت الشمس وجدنا أنفسنا على بعد كيلومترين من المدينة في سهل بين جبلين، قافلة ~~ملونة من رجال ينوءون تحت أحمالهم، ونساء يحملن السلال ويرتدين المعاطف الملونة، وأولاد في ~~ألوان الفراشات التي بدءوا يطاردونها حين ms010 حميت الشمس. وأرجع النور الأمل إلى نفوسنا والدفء ~~إلى أجسادنا وأرواحنا ، ورجعنا إلى الدعابة؛ فتطلع مخيبر إلى ماء يجري بين الأشجار المنتصبة ~~في مضيق الجبل إلى يسارنا، فقال: «ما رأيكم لو «صلينا دبق» في هذه الأغصان ودققنا كبة على ~~هذه البلاطة؟» # وقبل أن يسمع مخيبر الجواب لاح ظل على الأرض مخيف، وتفجر فجأة صوت محرك، فرأينا في ~~الجو إحدى الطائرات، تلك المزدوجة الجسم، من معامل «الأكهيد»؛ ذلك أن من بعض حيل الطيارين ~~أن يوقفوا المحرك فوق الغيوم؛ فتهبط الطائرة صامتة كي يفاجأ بها العدو، وعندما تدنو من ~~الأرض يتحرك الموتور، وتنفذ الطائرة رسالتها التدميرية. # ودارت الطائرة في دائرة مبتعدة عنا، ثم رجعت نحونا. قلت في نفسي: هذه المرة ستفتك بنا ~~بدون ريب؛ فنحن في سهل لا مكان فيه نختبئ، وتعالت الصيحات، ثم دارت الطائرة مرة ثانية، ~~وإذا بذراع تمتد منها ملوحة لنا، ودارت مرة أخيرة، والذراع تلوح. في يقيني أن ألوان ~~المعاطف أقنعت الطيار ورفاقه بأننا سكان مدنيون لا جنود. # ومشينا متثاقلين نحو المضيق حيث الأشجار والماء، وحيث أراد مخيبر أن يصلي الدبق ويدق ~~الكبة، وانحنينا بالشفاه نعب من الماء، يقولون إن الجريح يتطلب الماء، وأزيد: أن الخائف ~~كذلك. # وبعد أن سلقنا الرز، واستسغناه ترويقة فاخرة، انطلق مخيبر - وهو ربيب الجبال - يتكلم ~~بطلاقة لغة القبيلة التي تسكنها ليختار لنا مأوى نلجأ إليه، ثم عاد عند العشية يبشرنا بأنه ~~وقع على كوخ لصديق له كان شريكه في تجارة الخشب فيما مضى، عندما كان مخيبر يقدم الجسور ~~الخشبية للحكومة، ويقتطعها صديقه من الحرج الذي يملكه. # واستأنفت قافلتنا المسير نحو كوخ جديد، وملجأ جديد، وفي تلك الليلة بتنا - وعددنا نحو من ~~أربعين - متمددين على أرض الكوخ المبني من القصب المحبوك. # وفي صباح اليوم الثاني اقتسمنا الأعمال؛ فتولى حسني الحلبي بناء الملجأ؛ لأنه كان يدعي ~~أنه خبيرنا العسكري؛ فضرب بالمعول ضربات ثلاث استراح بعدها، وترك لرجال القبيلة إنهاء ~~الملجأ، ورجعت ومخيبر كيروز إلى المدينة مع رجلين، واحتملنا من أغراضنا ما سلم من الحريق ~~والسرقة، ms011 وكان أثمن ما احتملنا أربعة صناديق من الويسكي. # هذه الصناديق كانت هدية أعطانيها إيليا الأخرس - من حمص - وهو أعز من صادقت في ~~هجرتي؛ فحين افترقنا في مانيلا قبيل بدء المعارك بين الأميركيين العائدين لاكتساح الفلبين، ~~وبين اليابانيين المحتلين المدافعين، ودعني إيليا بقوله: «من يدري إن كنا سنجتمع على هذه ~~الأرض مرة ثانية. أهديك هذه الصناديق من الويسكي، حذار أن تمسها إلا خلال المعارك ~~والمخاوف.» # ولبثنا زهاء عشرين يوما في حياة شبه منتظمة؛ إذ كنا ننهض في الصباح الباكر فنسلق شيئا ~~من الرز والبطاطا البرية فنزدردها. ثم نجتمع نحن الثلاثة؛ أنا وحسني الحلبي، ومخيبر كيروز، ~~حول قنينة ويسكي - الساعة السابعة صباحا - بين أشجار الصنوبر على حجر كبير، فيتغير اسم ~~المكان بتغير الشخص القاعد على الحجر الكبير؛ فالمجلس هو إما «صالون مخيبر»، أو «مقعد ~~الشيخ»، أو «مكتب حسني». وفي نحو الساعة التاسعة تفرغ القنينة، ويمتلئ الجو بأزيز الطائرات ~~التي يتراوح عددها بين الثلاثة والأربعة والعشرين؛ فيدخل الملجأ الأولاد ثم النساء، ثم أنا ~~وحسني، ويبقى مخيبر خارجا ملاحظا حركة الطائرات، ولا يهرع إلى الملجأ إلا حين يكون الضرب ~~على بعد مئات الأمتار منا، أو حين تمر الطائرات فوق رءوسنا. # وكانت الطائرات تبيض قنابلها كل يوم على مسافات تتراوح في البعد منا بين الكيلومتر ~~والثلاثة، وفي كثير من الأحيان نجد أن الشظايا اخترقت حيطان الكوخ، أو دفنت في سطح الملجأ، ~~ثم راحت الأخبار تتسرب إلينا عن أصدقاء ومعارف لنا قتلوا أو جرحوا، ودرسنا الحالة فلم نجد ~~مكانا يفوق سواه بالأمن أو الخطر فلبثنا حيث نحن، ولعل سبب اطمئناننا على الرغم من تفجر ~~القنابل حولنا كل يوم أننا في مكان مشجر، على شفا شير مشرف على مدرسة زراعية دمرتها ~~الطائرات في أول زيارة، فقلنا لن تعود إلى ضرب منطقة ضربتها وإلى تدمير مكان دمرته. # هكذا استمرت الحياة أسابيع، أصبح الرعب والخوف والدمار والقتل من عادياتها ومألوفاتها. ~~وكنا خلال ذلك قد نفذت نقودنا، وارتفع سعر البطاطا بحيث ساوى الكيلو نحوا من عشر دولارات؛ ~~فأخذنا نبيع ألبستنا ms012 وحاجاتنا، وعشنا نحن الثلاثة حسني ومخيبر وأنا حياة اشتراكية نقتسم ~~وعيالنا النقود والمئونة. أذكر يوما ظفرنا بجدي من الماعز التهمناه عشاء فاخرا، وكان ذلك ~~الجدي مبادلة على جزمة صيد ملكها حسني، واليوم إن سألت سكان باغيو ما هو أفخر طعام في ~~الدنيا أجابوك: «جزمة صيد.» # كنا نستبدل حاجياتنا بما نأكله غير حاسبين أن في الأمر مأساة؛ إذ لم يمر بنا يوم شككنا ~~فيه بفوز أميركا، وبأنه في نهاية الأمر سيرتفع عنا نير اليابانيين، وأن هذه الأثواب ~~والحاجيات أمور تافهة، غير أن الأمر لم يخل من مأساة. ذات يوم وجدت في البيت كيسين من ~~الرز، وتطلعت إلى زوجتي فإذا الفاجعة في وجهها، وبعد تحر واستجواب فهمت أنها استبدلت ~~بخاتم الخطبة كيسين من الرز. # لقد مرت بنا فواجع كثيرة؛ ضيق انقلب نعمة، خمول ذكر استحال في بعض الأحيان إلى ما قد ~~تتوهمه مجدا. لقد محت الأفراح أكثر ما نزل بنا من آلام، ولكن السنين لم تمح عن وجه زوجتي ~~بعض المصائب، ومنها أنها باعت خاتم خطبتها. # نسيت أن أخبرك أن القبيلة التي عشنا بينها لا تستطيب من اللحم إلا لحم الكلاب. # وفاتني أن أخبرك أنني تثبت من صدق نظرية صديقي بشارة «أبو أنطوان» الجريديني من ~~الشويفات؛ إذ كان يعظني: «يا ابني! التجارة لا تموت، الرجال تموت.» فتحت ضرب القنابل ازدهرت ~~تجارة البيع والشراء، ومن حسن حظنا أن مخيبر كيروز تعاطى الاتجار بالبقر فكان حينا بعد ~~حين يبيع ويشتري ويقايض ويذبح، وفي كل مرة نلتهم أرباحه معلاقا، أو قصبة سوداء، أو كتف ~~عجل. # وفي ذات يوم انزوى مخيبر بصحن تعالى فيه اللحم والرز المسلوق، فدعاني إلى مشاركته ففعلت، ~~وبينما أنا منصرف سألني مخيبر: «سعيد! هل سبق لك أن أكلت لحم كلاب؟» # قلت: «لا، معاذ الله.» # أجاب مخيبر: «أنت غلطان يا ابن عمي، غلطان.» وقهقه ضاحكا متطلعا إلى الصحن الذي شاركته ~~بالتهامه. # قد يعتقد قارئ هذه السطور أن حياتنا كانت مرحا ودعابا. هذا صحيح؛ فلم يمر بنا يوم لم ~~نواجه به الموت، كذلك لم ms013 يمر بنا يوم لم نملأه ضحكا وسخرية وقهقهة. # وكان حسني يصر أبدا على أنه الخبير العسكري، واستنتج من ملاحظاته أن طائرة برغشية ~~صغيرة تأتي منفردة مرتين أو ثلاثا في الأسبوع، فلا ترمي القنابل، بل تتمهل في طيرانها ~~وتجولها على ارتفاع من الأرض قليل، وكان يعقب مجيئها قصف المدفعية، أو زيارة الطائرات ~~المغيرة. # وفي ذات يوم جاءت تلك الطائرة فحومت فوقنا وفوق المدرسة الزراعية المهدومة ساعات ~~وانصرفت. # وعبس حسني وتشاءم. # وفي الواقع جاءت في اليوم الثاني أربع طائرات فحومت فوق المدرسة الزراعية، وهي لا تبعد ~~عنا أكثر من مئتي متر، وألقت بقنابل كثيرة على المدرسة وجوارها، وعند انصرافها أمطرتنا ~~إحداها بضع ألوف من رصاصها أصاب الأشجار والكوخ، وحائط الملجأ الأمامي، ولكنه لم يصب أحدا ~~منا. # في صباح اليوم الثاني إذ كنا في «صالون مخيبر» نوشك أن نمتص آخر نقطة من ويسكي إيليا ~~الأخرس، سمعنا أزيز الطائرات فأسرعنا نحو الملجأ على عادتنا، وبقي مخيبر في صالونه ~~يراقب. # ولم يمض بضع دقائق حتى كان مخيبر يرتمي بجسده الهائل على باب الملجأ، وإذا بهدير ~~الطائرات يتفجر من داخل آذاننا. ~~- كم طائرة يا مخيبر؟ # فلم يجب، وتطلعت إليه فإذا بوجهه - للمرة الأولى - بلون وجه الجثة، وإذا به يحاول بلع ~~ريقه، وأعدت السؤال فلم أظفر بجواب، وإذا بجهنم تنفجر من السماء فوقنا قنابل، ورصاصا، ~~وهدير محركات، وطائرات تعصف وتقصف، وتنقض، وتأز صعودا وهبوطا، وشظايا القنابل لها عنين ~~وغلغلة، وأشجار الصنوبر تتقصف وترتمي، وفي الملجأ صراخ وبكاء وعويل وصلوات وشتائم. # ثم حدث ما كانوا يقولون لنا إنه يسبق الموت، فسمعنا صفير القنبلة - هذه متى سمعتها يعني ~~أن اسمك مكتوب عليها وأنها قاصدة إليك - وعصفت بالملجأ ريح سخنة فتهدم جانبه الأيسر، وتطلعت ~~فإذا «لودي» ابنة مخيبر - وهي في السابعة من عمرها - قد طمرها التراب إلى كتفها فبان فوق ~~التراب رأسها، وقد تقززت عيناها، وصرخت صرخة ظننتها من غير هذه الدنيا. # وتعاونا على نبش الفتاة من التراب، فإذا هي والحمد لله سليمة. # بقينا على هذا المنوال من التاسعة صباحا ms014 إلى نحو الرابعة بعد الظهر حين صمت أزيز ~~الطائرات. # واحتملنا أنفسنا من الملجأ إلى الخارج، فإذا بمكتب حسني شجر مقطوع، وإذا على نحو عشرين ~~مترا منا هوة حفرتها القنبلة التي كادت تذهب بنا، وإذا الشمس كأنها مكسوفة والجو ملؤه غبار ~~أحمر - لون تربة باغيو - وورق أبيض لا أدري من أين ثار، وإذا بالمدرسة الزراعية وما حولها ~~تتطاير شبرا شبرا بتفجيرات متتابعة. # الظاهر أن اليابانيين عادوا فخبئوا الذخائر سرا في المدرسة المهدومة، وأن الطائرة ~~البرغشية اكتشفت الأمر بالمنظار أو الصورة، فجاءت أربع وستون طائرة تفرش بساطا من القنابل ~~إطارا بأربعة كيلومترات مربعة من الأرض، وكاد يطيح بنا معها. ~~(في كتاب مقبل سأسرد كيف كان العيش بين المخاطر، من طائرات تضرب، ومدافع تقصف، وشراذم ~~جنود يابانية مهزومة تفظع، إلى أن جاء يوم سمعنا به أن في الجبال دربا ضيقا بين الأحراج ~~«شريك» كانت تستعمله القبائل فيما مضى، وهو يصلح أن يكون طريقا للفرار إلى المعسكر ~~الأميركي؛ فقررنا نحن الثلاثة - حسني الحلبي، ومخيبر كيروز، وأنا - أن نهرب بعائلاتنا. وكان ~~من الأسباب التي حدت بنا إلى هذا القرار فراغ النقود، ونفاد الزاد، والاعتماد على ~~المقدر. كل هذا سيظهر في كتاب مقبل، أما الآن فنحن في مانيلا عاصمة الفلبين مع بضعة آلاف من ~~الأجانب في ضيافة الجيش الأميركي.) # وعاودتني الأزمة المالية، كيف لا وعلبة السكاير ثمنها دولاران، وبرحت في مظاهر الدمار؛ ~~فالمدينة (مانيلا) أكثرها طلول سوداء، وبرمنا بحياة الخيمة في المعسكر، وقد ذهبت عنا نشوة ~~الفرح بالنجاة، وأبواب الرزق مقفلة، ولا أخبار عن لبنان تطمئننا عن الأهل. وأكثر أحبائنا ~~قتلى؛ إيليا الأخرس، بشارة جريديني، عبد الله الحداد ... وسواهم كثيرون. # ويوما رجعت من المدينة إلى المعسكر أجر حذائي العسكري على أسفلت الطريق الملتهب، ودخلت ~~الخيمة فإذا على مخدتي ورقة سمرت بدبوس لمحتها مكتوبة بالعربية، فتناولتها بلهف وقرأت فيها: # أنا رامز عبد الحليم صعب من الشويفات في الجيش الأميركي، لم أجدك في خيمتك، ولكن ~~يهمني أن أجتمع بك، سأكون في البار الفلاني خلال الساعتين المقبلتين. # أخوك رامز ms015 # كان رامز في دائرة من ضباط وجنود تعد نيفا وعشرين، غير أني عرفته حالا لأول مرة حين ~~رأيت عينيه السوداوين الكبيرتين ووجهه الأسمر. # وتصافحنا من غير أن نتكلم العربية تأدبا أمام رفاقه الذين أخذوا يصرون على أن أشرب ~~وأشرب؛ لأن الحفلة على شرف رامز صعب وحسابه. قلت: ما الخبر؟ أجابوا: «إنه فاز بشريطة ~~جديدة.» وتألب رفاقه عليه فانتزعوا من جيبه مرسوم الترقية، وقرأه أحدهم بصوت عال: «يرقى ~~الشاويش رامز عبد الحليم صعب إلى رتبة ~~باشاويش # Master Sergeant ~~.» لأنه ورئيس دائرة التصوير الفوتوغرافي في الغرفة الفلانية ~~اكتشفا من دراستهما لبعض الصور أن حفريات جديدة قام بها العدو حول المدرسة الزراعية في ~~«باغيو»، وكان من نتيجة هذا الاكتشاف أن تمكن الطيران من تدمير ذخائر هائلة بقيت تتفجر ~~ثلاثة أيام بلياليها. # وتطلعت إلى رامز وصحت: «الله يحرق دينك على دين الشويفات، هذه الشريطة كاد أن يكون ثمنها ~~أرواحنا.» # وساد الهرج والمرج إلى أن وقف أحدهم، وقال: «من يريد أن يراهنني على أن رامز سيصبح بأقل ~~من أسبوعين ضابطا (ليوتنان)؟» سألته: «وما الذي يحملك على هذا الاعتقاد؟» أجاب: «لأنه ~~اكتشف مهربا في الجبال كانت تسير عليه القبائل في الزمن القديم، فأرسلنا دعاتنا نخبر ~~المدنيين، وبعثنا بالأدلاء فتمكن من النجاة من اليابانيين مئات هربوا بواسطة هذا الدرب ~~المهمل.» # حينئذ تطلعت إلى رامز عبد الحليم صعب، ولم ألعن دين الشويفات. # سألت رامز: «كيف عرفت بوجودي في الفلبين وأنت في الجبهة والمدينة خراب وفوضى؟» أجاب: ~~«اسمع؛ قبل هجرتي إلى أميركا كنت أدرس في كلية القسيس طانيوس سعد في الشويفات، ومرة في ~~حفلة مسائية جاءنا من يحسن التنويم المغناطيسي، ودعا أحد التلامذة أن يتطوع لينومه؛ ~~فانبرى أحد التلامذة، واسمه مالك تقي الدين، وسأله المنوم: «بمن تفكر؟» أجاب مالك: «أفكر ~~بأخي عارف تقي الدين، وهو في الفلبين.» # قال رامز: «وبقيت هذه الحادثة عالقة بذاكرتي، فلما رجعت من الجبهة سألت في المعسكر عن ~~اسم تقي الدين فدلوني عليك.» # أمس كنت في منزل الشيخ عبد الحليم صعب أتحدث إليه وإلى السيدة ms016 زوجته أم رامز، فإذا هما في ~~فرح، رامز سيرجع من أميركا في شهر آب بإذن الله. # متى وصل رامز بالسلامة، لا تنس أن تذكرني بأن أقص عليك حادثة «برنيطة ~~الجنرال». # | لبنانيان في استقبال الفاتحين # في بعض الأحيان تجابهك الحياة بوقائع ترفض أن تصدقها، حقائق تظهر أمام نظرك أكبر من ~~الجبال فتغمض عينيك، وتأبى أن تراها. أما قوي البصيرة فيستعيد بصره بعد الوهلة الأولى، ~~ويؤمن بما يرى، ويسير على ضوئه. وأما المكابر فتسحقه واقعية الحياة فيما هو يحاول أن ~~ينكرها. وأما الضعيف فينهزم إلى زاوية يسكر فيها بالأوهام والأحلام ناسيا منسيا. أشخاص ~~ثلاثة ما هم بأغراب عنك تجدهم بين أصدقائك ومعارفك. # أما نحن «أولاد العرب» في «مانيلا» الفلبين، فقد طلعت علينا الحقيقة جبالا وأبراجا في ~~أواخر كانون الأول سنة 1941، وأرعدت في آذاننا من الإذاعة المحلية والإذاعة العالمية، ~~فأغمضنا عيوننا، وصحنا: «مستحيل.» ما هو بصحيح هذا الواقع؛ لأنه يجب أن لا يكون ~~صحيحا. # ولكنه كان صحيحا؛ ففي 29 كانون الأول 1941 انسحبت القوات الأميركية من «مانيلا» بعد أن ~~أتلفت مستودعاتها الحربية، وفتحت عنابرها للأهالي، فأقبلت الألوف تحمل الطحين والجلد ~~والبرادات واللحوم، وكل ما وصلت إليه الأيدي الرشيقة. # وقد استيقظت غريزة النهب في السكان؛ فهجمت الألوف تنهب حوانيت التجار والعنابر. غريب كيف ~~يقفز الإنسان القهقرى فيستحيل حيوانا بهيميا في الأزمات، فلقد نهبت الحوانيت وبعض البيوت ~~في كل حي، في كل شارع، في كل جزيرة من السبعة آلاف جزيرة في الفلبين. بين 29 كانون الأول ~~1941 و2 كانون الثاني 1942 مرت أيام خلت فيها المدينة من النظام، وقوات الأمن؛ ~~فالأميركيون انسحبوا، واليابانيون بقيت جيوشهم مرابطة خارج المدينة؛ لأنهم خشوا مكيدة من ~~الأميركان، والنهب قائم في البيوت والشوارع، وحرائق ذخائر الأميركان وأخصها الزيوت مشتعلة، ~~والسيارات ملأى بالناس والحاجيات تفر من المدينة إلى الأرياف، وسيارات بالمئات ملأى ~~بالناس والحاجيات تدخل المدينة هاربة من الأرياف. في الأخطار تنتبه غريزة الفرار، فيحسب ~~الإنسان أنه ظفر بالأمن حين ينتقل بسرعة من مكان إلى مكان. # وفي مطلع السنة - أول كانون ms017 الثاني 1942 - بدأت الاضطرابات؛ فتوجه محافظ المدينة، واسمه ~~«فارغاس» ومدير البوليس في سيارة رفعا في مقدمتها علما أبيض نحو الجيش الياباني، وأخبرا ~~القائد أن ليس في «مانيلا» قوة مدافعة فليشرف ويستلم العاصمة. ولكن القائد لم يصدق، بل أرسل ~~مع المحافظ ومدير البوليس ضباطا ثلاثة تجولوا في المدينة، فلما وثقوا من خلوها من قوى ~~الجيش الأميركي، أصدروا بلاغا وزعوه على الأهالي يعلمونهم به أن الجيش الياباني المحرر ~~الفاتح سيدخل في صباح اليوم التالي «مانيلا» بعد أن طرد العدو المستعمر، وأن على الأهالي أن ~~يلزموا بيوتهم والسكينة. أما الذين يرغبون في استقبال الجيش فيسمح لهم بذلك بشرط أن ينزلوا ~~إلى الشارع لا أن يتطلعوا من الشبابك، فجيوش جلالة الإمبراطور هي أقدس من أن ينظر إليها ~~أحد من عل. # وفي الصباح بدأت الجنود تدخل المدينة، وكانت الشبابيك على الشارع الرئيسي - تافت أفنيو - ~~حيث مر الجيش كلها مقفلة، ولم يخف إلى لقاء الفاتحين إلا عشرات من الناس، وقد مثل ~~«أولاد العرب» في هذا الاستقبال لبنانيان؛ أحدهما بطرس عواد من بحرصاف بكفيا، شقيق المحامي ~~الدكتور إبراهيم عواد، والثاني يوسف أبو رجيلي من كفر زبد البقاع، وهذان الفتيان أعزبان ~~كانا يعيشان في غرفة واحدة في لوكندة، دأبهما الدعاب والمرح في أشد ساعات الخطر. وحين فتح ~~الأميركان عنابرهم للأهالي كانت حصة بطرس ويوسف بضعة صناديق من الويسكي المعتقة لعلها كانت ~~سبب المرح والشجاعة. # بعض من يعظم شأنه يحاول أن يطمس ماضيه؛ يوسف أبو رجيلي ما هو بخطير الشأن، ولكنه غني ~~يصارحك أنه كان في لبنان فقيرا، فيتحدث عن جمل وحمار رافقهما سنوات، ويذكر اسم امرأة في ~~جديدة مرجعيون لا تزال مدينة له بثمن ثلاثة أرطال عدس، وحانوتي في معلقة زحلة أعطاه ريالا ~~ممسوحا لا يزال يحمله، ويقول في حرارة واقتناع إن ابن آدم لا يؤاخى، وإن الحيوان خير ~~من يصادق. ولا يتحسر من فرقة «الوطن القديم» إلا على الحيوانات، وأخصها ~~الحمار. # أما بطرس عواد فهو فتى جبلي، فوار الحيوية، عنيف الود، عنيف البغضاء؛ فالناس إما أحباؤه ~~أو ms018 أعداؤه. وعلى رغم أن ليس في نفسه شيء من الشر؛ فإنه يستشعر من المصائب والانقلابات ~~وحالات الطوارئ شيئا يستهويه ويطرب له. # ورحبنا ببطرس وبيوسف في ظهر يوم 2 كانون الثاني حين جاءا إلينا، وكنا خمس عائلات قابعين ~~في بيت من ضواحي المدينة لا نعرف ما يجري حولنا من حوادث. # قال يوسف: «لقد شهدت الجيش الياباني، أطول واحد فيهم لا يقبلونه بوليس في بيروت، ولو أن ~~في جيبه عشرين كارت توصية من عشرين نائب. أسلحتهم - عندنا في كفر زبد بواريد أحسن منها، ~~فرقة المواصلات - كميونات محطمة.» # وهنا قاطعه بطرس قائلا: «إنما في جيشهم فرقة ليست عند الأميركان!» وقهقه الاثنان؛ ذلك ~~لأنهما رأيا في فرقة المواصلات نحوا من ثلاثين حمارا، أعتقد أنها جاءت من كوريا. # ومن غريب ما حدثنا به الزائران أنهما عرفا بين الضباط عددا غفيرا من التجار اليابانيين ~~الذين كنا نتعامل معهم، فهذا خادم في خمارة رجع بسيف طويل وبدلة كولونيل، وذاك بائع بوظة ~~جاء يتهادى ببزة كابتن بحري، وكان يركب في بعض الكميونات أشخاص من الفلبين كانوا - ولا ريب ~~- قبل الحرب يتجسسون لحساب اليابان. # وانصرف يوسف وبطرس قاصدين بيوت «أولاد العرب» لينشرا أخبار دخول الجيش الياباني. # في تلك الليلة أصغينا إلى الراديو فسمعنا أوامر أصدرها الجيش الياباني، منها أن على ~~الأجانب المقيمين في مانيلا أن يحضروا في اليوم التالي فيسجلوا أسماءهم لدى الجيش في الفندق ~~الفلاني. # نسيت أن أخبرك في أية حالة عصبية كنا. ما هو بالشيء الهين أن تكون أبيض الوجه غريبا في ~~بلاد السمر والصفر - الشرق الأقصى - وكل أقاربك زوجة مريضة، وطفلة دون العاشرة، وكل مواطنيك ~~عائلات أقل من العشرين، عدا كلهم مثلك قابعون في بيوتهم رعبا، وكل أموالك نحو من عشرين ~~ريالا، وفي المدينة جيش ياباني فاتح سبقته أخبار همجيته، وتفظيعه بالنساء والأطفال، ~~والفاتح الياباني بهيمة كاسرة تدعو لسحق الأجانب المتغطرسين الملاعين، وتتودد إلى شعوب ~~الشرق الأقصى باضطهاد كل من ابيضت سحنته. # يسألني الكثيرون: أحقائق هذه التي أرويها؟! أجيب: بل هي حقائق ملطفة، بعضها لا أذيعه؛ ms019 ~~لأني أنا - وقد مرت بي - أجلس اليوم وأتساءل: أحقيقة كانت؟ أم هي حلم مرعب؟ # لذلك لن أخبرك كيف بتنا ذلك الليل هلعين لا ندري ما الذي يريده الجيش بنا، تسجيل أم تقتيل ~~وتشريد. # لن أبوح لك بأنني اشتريت السم، وتعاهدت وزوجتي أن يأتي هلاكنا نحن الاثنين وطفلتنا على ~~أيدينا، إن وضح من ظواهر الأمور أن اليابانيين سينزلون بنا ما أنزلوه في الأجانب في ~~الصين. # ليال مريرة مخيفة قلقة مرت بنا خلال الحرب، من أشدها قلقا كانت تلك الليلة. # يقول الناس: إن جفونهم لا تغمض في الليالي السوداء، الحمد لله أنني في الليالي الفاجعة ~~أنام ملء جفوني. # وفي الصباح الباكر نهضت حائرا فيما ينتظرنا، وماذا عساي أن أفعل! # | صديقي الحميم ماك آرثر ... # حين أذاعت التلغرافات أن الجنرال ماك آرثر أقيل من مهمته ملكتني هزة من حبور ذلك؛ لأن ماك ~~آرثر صديق لي حميم، وإن كنت في شك من أن الإنسان أشد ما يكون فرحا إذ هو يسمع بنكبات تنزل ~~بأصدقائه؛ فاستعرض القوائم الانتخابية، وتأمل كم صديق فرح لسقوط صديق. # بدأت صداقتي الشخصية مع ماك آرثر سنة 1941؛ إذ كنت في «مانيلا أوتيل»، فإذا بحركة غير ~~عادية والناس تحولت أنظارهم نحو الباب، وإذا بقامة عسكرية تنقل قدميها بخفة وخيلاء من غير ~~أن تمس بلاط الأوتيل، وتمشي نحو المصعد من غير أن تلتفت أو أن ترى، ولما اختفت القامة ~~سمعت وشوشة: «هذا ماك آرثر.» # وتوثقت بيني وبينه الأخوة بعد الحرب؛ إذ كنت أتمشى في إحدي نواحي المدينة، فإذا نحن أمام ~~قصر انتشر حوله الحرس ويافطة كتب عليها «ممنوع المرور»، وقابلته مرة يوم إعلان استقلال ~~الفلبين، فظهر على بعد عشرين مترا مني، وضرب لي سلاما خاصا، لي ولمائة وعشرين ألفا من ~~المتفرجين. وبعد هذه المقابلة الثالثة تلطف واستمر بالاتصال بي مرارا كل أسبوع، في ~~المجلات والصحف وأفلام السينما، ماك آرثر وفي، لم يقطع عني أخباره هذه السنين. # ما الذي سبب سقوط هذا الرجل الكبير؟ أقول الكبير، ولا أقول العظيم؛ لأن أمر عظمته لم ~~يقره الإجماع. ms020 # في رأيي أن ترومن أحسن إلى ماك آرثر كثيرا حين عزله؛ لأنه خلق له شعبية كانت نقمة عليه ~~وبغضا، لا أعرف في الدنيا شخصا لقي كرها من رجاله مثل ما كان يلقى ماك آرثر من ضباطه ~~وجنوده؛ كنا نمشي في مانيلا والحرب لا تزال محتدمة في الجزر الأخرى، فنلقى الجنود ~~الأميركان، الصاحي منهم يشتم ماك آرثر، والسكران يشتم ماك آرثر، كنا نقرأ اللعنات على حيطان ~~الخمارات، وعلى الشوارع، وأبواب المراحيض، وكان أقلها عنفا تلك العبارة التي تسبق في بيروت ~~«كل من يبول هنا». # ما السبب؟ # السبب أن الأميركيين شعب متناهي الديمقراطية، وأن ماك آرثر شيخ ابن شيخ، وفيه عدا عن ~~عنجهية الإقطاعيين أنانية تقص المسمار، وحسد من كل ناجح، وقد خلق هذا الرجل ليأمر ~~فحسب! # أبوه كان قائدا شهيرا، وهو في تلمذته أصاب النجاح الباكر، فعلاماته في «وست بونيت»، ~~أشهر كليات الدنيا العسكرية، ضربت الرقم القياسي - لمن سبقه أو لحقه - 98,14 على مائة! ~~ولذلك كانت بلاغاته الحربية شكسبيرية! # وفي الحرب الأولى كان أصغر من تولى قيادة فرقة، غير أن اسمه لم يلمع في الحرب الأولى، ~~ولكن لم يكن في سيرته العسكرية ما يعاب عليه. # وبعد الحرب الأولى تولى قيادة الجيش الأميركي في الفلبين، وراح يتبختر، وكان في عداد ~~ضباطه كولونيل متواضع محبوب فوار الحيوية والذكاء، بدا اسمه يكسف اسم ماك آرثر، فما برح هذا ~~يحمل على الكولونيل حتى نقل إلى واشنطن؛ ذلك الكولونيل هو اليوم الجنرال «أيزنهاور». # واستمر ماك آرثر خلال حياته العسكرية يعزل أو ينقل كل من اشتهر من معاونيه حتى عرفت ~~«القيادة العامة» باسم «مقبرة النابغين». # لا أعتقد أن خيلاء ماك آرثر كانت كبرا في النفس أصيلا؛ لأنه حين انتدب لتدريب الجيش ~~الفلبيني أمسى زحفطونا - من الزحف على البطن - يسرف في التودد والخضوع لرئيس الجمهورية ~~الفلبينية، ولم يأنف أن يصبح شبه المرافق له، فهو إذن لين أمام من هو في حاجة إليه، صلف ~~على مرءوسيه، وعلى الذين يحسب أنه أقوى منهم. # وانفجرت الحرب العالمية، وكان ماك آرثر في ms021 الفلبين، وانهار الجيش الأميركي الفلبيني، غير ~~أن عار الانهيار لا يلحق قائده. وكان أهم ما يشغل قادة واشنطن أن يدفعوا روح اليأس عن شعوب ~~أوروبا وأميركا، وأن يقنعوا شعوب الشرق الأقصى أن الغلبة في النهاية مضمونة لدول ~~الديمقراطية؛ لذلك راحوا يتغنون في صحفهم ومحطات الإذاعة ببطولة ماك آرثر والجيش الأميركي ~~الفلبيني، وخلقوا أسطورة «معركة باتان»، ونحن الذين لم نكن بعيدين عن «باتان»، وتسنى لنا ~~التحدث إلى بعض الضباط والجنود الذين كانوا في المعمعة، نعلم أن اليابانيين بعد أن احتلوا ~~أكثر جزر الفلبين تركوا شراذم من أضعف جنودهم أمام قوات ماك آرثر، فلما ربحوا معركة ~~سنغافورة رجعوا بقواتهم إلى «باتان» فاحتلوها بعد أن استسلمت جيوش أميركا والفلبين. # كل هذا نفخ اسم ماك آرثر وضخم شأنه، وكان من الذين قادوا حملة الدعاية صحفي فلبيني يعبد ~~نفسه، التحق بحاشية الجنرال، فصار هو الآخر جنرالا، وتغنى بماك آرثر فيما هو يتغنى ~~بنفسه، ووصف معارك لم يشاهدها، وبطولات تخيلها، وباع كل ذلك في كتابين لقراء أميركا؛ ~~فأثرى. اسم هذا الصحفي اللامع الجنرال رومولو الذي صار فيما بعد رئيسا لمنظمة ~~الأمم. # قبل أن أخبرك أن هذا الصديق الحميم فر من الفلبين في غواصة أميركية، بأمر من قائده ~~الأعلى روزفلت، وقف أمام المذياع ولفظ عبارة سجلها التاريخ: «سوف أعود.» كذلك يجب أن ~~تعلم أن أسطول أميركا الهوائي من قلاع ب 17، حطمه اليابانيون بغارة مفاجئة، وأن الناس ~~يتهمون صديقنا الحميم بخزي ذلك التحطيم؛ لأنه عرف قبل 18 ساعة بغدر اليابانيين في «برل ~~هاربر»، ولم يتخذ أسباب الوقاية والدفاع، وأنه منع التحقيق في حادثة تحطيم الأسطول الجوي في ~~الفلبين. # وتمركز ماك آرثر في أوستراليا، ومشى نحو اليابانيين بعد معارك بحرية وجوية وبرية اشتركت ~~فيها كل أسلحة أميركا، ولما نزلت جيوشهم في الفلبين، وقف ماك آرثر أمام المذياع، وفاه ~~بعبارته التاريخية الثانية: «قلت لكم سوف أعود، وها أنا قد رجعت!» منذ تلك اللحظة بدأت ~~الشتائم تغمر اسم الجنرال الصديق. يقول له مبغضوه: «لقد رجعت.» رجعت وحدك؟ والمليون جندي ~~الذين رافقوك؟ ms022 وألوف الطائرات، ومئات القطع البحرية، والذين قتلوا وجرحوا وتشوهوا ... كل هذا ~~وهؤلاء ليس لهم من شأن؟ ثم يروون الغرائب عن بذخه وأنانيته، كيف شاد قصرا على جبل من غابات ~~«نيوجنيه»، وفي اليوم الذي لم يكن للجيش الأميركي طائرات لنقل الجرحى والأدوية، كان ماك ~~آرثر يستعمل الطائرات لنقل الرياش الفاخرة لقصره من أوستراليا إلى «نيوجنيه»، ثم يتساءلون: ~~أين هي مقدرته الحربية، وقد كانت المعارك الحاسمة معارك بحرية أو جوية؟ ويحدثونك عن ~~مسرحياته كيف تنشر صوره خائضا المعركة والصور أخذت بعد انتهاء المعركة، وكيف قتل ستمائة ~~شاب أميركي حول أسوار المدينة القديمة في مانيلا، كل ذلك رغبة في سلامة بعض الأهالي ~~وتزلفا لأصدقائه الفلبينيين، ثم يقولون إن حملة الفلبين من أولها لآخرها لم تكن ضرورية، ~~ولكنه خاضها إرضاء لإثرته، ولكي يتسنى له أن يقول: ها أنا قد رجعت! # هنا أكشف عن سر يقودني إلى تفسيره الاستنتاج: لماذا لم يعد هذا القائد الظافر إلى أميركا ~~بعد الحرب ليتمتع بالتكريم؟ # في يقيني أنه كان يخاف الاستقبال الذي أعده له جنوده من بيض فاسد، وبندورة مهترئة؛ كذا ~~كانت النقمة عليه. # كنت في مانيلا حين جاءت طائرة من اليابان تحمل أكبر سياسييها ليفاوضوا ماك آرثر بشروط ~~التسليم، هل تعلم ماذا فعل هذا الجنرال؟ أبى أن يقابلهم، وعهد إلى بعض أعوانه أن يتحدثوا ~~إلى الوفد الياباني. # وتولى الصديق إدارة اليابان بعد الحرب؛ فأسرف في الاستبداد بالرأي، ولم يكن رؤساؤه في ~~واشنطن ليجسروا أن يصدروا إليه أمرا، بل كانوا «يقترحون»، أو «يبدون رأيا»، أو ~~«يستمزجون»، وفي الأشهر الأخيرة جاء ترومن بنفسه ليباحثه في شئون الحرب، بدلا من أن ~~يستدعيه إليه. # وكان الأميركان يقابلون بين الوضع المستقر في اليابان، وبين الحالة القلقة التي تسود ~~منطقتهم في ألمانيا، فينتهون إلى الاستنتاج أن سبب الاستقرار في الشرق الأقصى عائد إلى ~~مقدرة الصديق الحميم، غير عارفين أن اليابانيين - بعكس الألمان - شعب قروي ساذج طائع، من ~~تقاليد فروسيته أن يخضع المغلوب للغالب. # وجاءت كوريا ... وكانت فاجعة هزيمة الجيوش التي قادها ماك آرثر، هزيمة ms023 كادت تؤدي إلى خسارة ~~ماك آرثر لولا حنكة قائد جديد اسمه «ردجواي»، وتبعتها مسرحية دعوة أرسلها الصديق الحميم من ~~غير تفويض، إلى قائد الجيوش الشيوعية للاجتماع، ثم رسالة وجهها الجنرال إلى أحد أعضاء ~~البرلمان يقول له فيها إنه من الحكمة ضرب مراكز تموين الجيوش الشيوعية، وغزو شواطئ الصين، ~~كل هذا نطق به قائد كاد يخسر كوريا، وجندي تجاوز السبعين من العمر، وشخص مكروه، في وقت عصيب ~~قد تؤدي فيه الكلمة الخاطئة، أو العمل الأحمق، إلى اندلاع حرب عالمية؛ فكانت إقالته. # أخالني جرت على الصديق الحميم، يجب إعادة القول أنه كان تلميذا لامعا، وأنه ليس من ~~يتهمه بأنه جنرال رديء، وإن لم يكن الإعجاب بمقدرته العسكرية شاملا، وأنه إن كان في بطولته ~~مسرحية، فهو بطل على كل حال. من الراهن أنه لم يكن خلال الغارات الجوية يرفع بنظره إلى ~~السماء، بل يسأل مرافقه بكل هدوء: «أهذه طائراتنا أم طائرات العدو؟» وإن كاد يهم بأن يخسر ~~معركة كوريا، فأي قائد يأمن خسارة معركة؟ وإنه ربح الحرب في الباسفيك، وإنه في نظر شعوب ~~الشرق الأقصى رمز القوة الأميركية، وإنه إن كان يهوى الدعاية لنفسه فأي منا يكرهها؟ وإن من ~~أسباب تصلبه في رأيه أنه يعلم من أمور الشرق الأقصى ما لا يعلمه سواه، وأن رؤساءه - ومنهم ~~ترومن - أقزام فكر، وأخصياء دبلوماسية. # لعل سبب سقوطه تلك العبارة التي تلفظ بها قائد روماني، وقد علقها ماك آرثر في مكتبه: # هنا لا نستمع إلا إلى الرأي الذي نبديه نحن. # | غريب بلا بسطبورزو # في الصباح الباكر، نهضت حائرا فيما ينتظرنا، وماذا عساي أن أفعل؟ أحقا أن الجيش ~~الياباني الفاتح الذي أذاع بالراديو دعوة للأجانب المقيمين في مانيلا عام 1942 أن يأتوا ~~إلى الفندق الكبير يريد منا أن نسجل أسماءنا فقط، أم أن في الأمر خديعة، وأننا سائرون إلى ~~القتل، أو السجن، أو التشريد؟ # أمر سمعناه، ولم نجسر أن نطيعه، ولا أن نعصاه، ولكنني أخيرا بلغت اللوكندة الكبرى في نحو ~~الساعة العاشرة من الصباح، ووجدت الأجانب من مختلف ms024 أجناس البشر، ألمانا، وإسبانيين، ~~وفرنسيين، وأكثر ما أنتجته أوروبا وأميركا، مئات وقف بعضهم في صف بلغ طوله نحوا من نصف ~~كيلومتر، وانتشر الباقون في الساحة. # يقولون في الصامتين: «كأن على رءوسهم الطير.» إن صح هذا التشبيه؛ فقد كان على رأس كل واحد ~~من الأجانب بومة وغراب. صحيح القول أنه ليس من شيء يدخل الخوف على القلب مثل رؤية جمع من ~~الناس يعدون بالمئات، وهم صامتون واجمون، بل كل واحد وقف منفردا كأنه خشي أن يؤذيه اختلاطه ~~بسواه. ورأيت في الجمهور كثيرين من أصحاب العروش أصبحوا عوام من بني البشر: أغنياء ~~وصيارفة وقادة مجتمع، وطغاة بذخ، وطهاة الصفقات المالية، راكبي السيارات اللماعة، وساكني ~~القصور، صاروا مثل سواهم، ممتقعة وجوههم لا يدرون المصير، وقد لبسوا كلهم الأثواب العتيقة، ~~لما اشتهر عن اليابانيين من التقشف، ومن بغضهم للمتأنقين، وكان من الواضح على وجوه هؤلاء ~~المذعورين أنهم تعمدوا إهمال أمر الحلاقة في ذلك الصباح. # ورأيت في بعض الأيدي وريقات صغيرة، ولاحظت الناس يحيون بعضهم بعضا بابتسامة مغتصبة ~~مقتضبة. # لم أعرف ماذا يجب أن أفعل: هل أبقى في الباحة؟ أم أنتظم في الصف الطويل؟ # وفيما أنا أفكر، إذا بصوت عربي يدوي ويصيح - أقول يدوي ويصيح - من بعيد: «يا هلا بأبي ~~السعد!» وهرع إلي من كنا ندعوه «عودة أبو تاية»، واسمه الحقيقي عودة الحداد من السلط، ~~ابنه اليوم جندي في الجيش الأردني. # قال عودة: «أنا في انتظارك يا ابن أخي، جئت باكرا، وأخذت نمرة (فيشة) حفظتها لك كي لا ~~يطول انتظارك في الصف.» ودفع إلي وريقة مثل التي رأيتها في أيدي الكثيرين، وقرأت عدد ~~«68». # وعاد «عودة» يشرح بألفاظه البدوية، ولهجته الصحراوية المرتفعة: «الياباني ملعون الوالدين، ~~ستنتهي الحرب قبل أن ينتهي من تسجيل الأجانب، صار لهم يشتغلون منذ الصباح الباكر، ولم ~~يسجلوا خمسين شخصا بعد.» # وفيما نحن في الحديث اقترب مني سلطي آخر، اسمه جاد الله؛ فتى قصير، ولكنه عتل، لم أر ~~في حياتي صدرا في ضخامة صدره، كان يروي لنا، ويروي عنه أبناء بلدته، أنه فيما ms025 مضى، احتال ~~على ضبع حتى أدخله قن الدجاجات في السلط، فأهوى عليه جاد الله بالعصا، وما زال يضربه حتى ~~قتله. ذكرني أن أخبرك كيف ودعت جاد الله عشية سفري من الفلبين، في مستشفى الأمراض السارية، ~~وكيف فتك به السل. # أما «عودة» - وكان، شأن البدو، ينادي أصدقاءه ب «يا ابن أخي» - فهو مثل السبعة أو ~~الثمانية السلطيين الذين عرفتهم في الفلبين؛ رجل قاس، فقير، كريم الخلق، ساذج، ذو مروءة ~~وود، ولعل أبناء السلط بحكم جغرافية بلدتهم - بين قبائل شرق الأردن - كان عليهم أن يهلكوا، ~~أو يكونوا شجعانا، فاختاروا أن لا يهلكوا، و«عودة» يعرف جبل الدروز، ولم يكن غريبا عنه في ~~ثورة سنة 1925؛ إذ كان يهرب الأسلحة من فلسطين إلى حوران، وكثيرا ما تغنى بالدروز، ~~وافتخر بأنه ضاف سلطان الأطرش ليلتين. # وعودة على ضعة حاله لا يتورع عن الدعاب، وتوهمت أن عودة كان فرحا بالحالة الطارئة، ~~يتطلع فيمن حوله فيراهم غنما مذعورة - هؤلاء الذين كانوا بالأمس ذئابا كاسرة، ثم يجس ~~عضلاته، فيتحقق أنها صلبة، ويوقن أنه في هذا اليوم ارتفع عمن كانوا محلقين، وأنه لم يعد في ~~وادي المسكنة، وأدار عينيه بالجمهور هازئا، ول، ول، ول، ول. لم يعد في مانيلا لا مستر ولا ~~سنيور، كلهم رعيان غنم يا ابن أخي. # وحملت الورقة، ويدي تنوء بها، وكذلك قدماي، وتسكعت خائفا نحو اللوكندة؛ فإذا بي أسمع ~~عودة من خلفي يخاطبني مقهقها: «والله يا ابن أخي، لو أن تحتك حصانا لكنت تشبه سلطان ~~الأطرش قاحما قلعة السويداء.» # ضحكت ملء رئتي، لأول مرة، منذ أن أعلنت الحرب، وانتصبت في الصف الطويل، وليس أمامي ~~إلا نحو من عشرة أشخاص، فلما جاء دوري دخلت إلى غرفة ضابط ياباني، وضع سيفه الطويل أمامه ~~على الطاولة، وحف به ضابطان آخران، ويابانيان في لباس المدنيين. # وانحنيت باحترام من الوسط شأن من يحيي أي جندي ياباني. # أكثر الناس يبغضون ما لا يمتلكون، والياباني قصير، دميم، صفراوي، سحنته عكر وتعقد، وأنا ~~طويل، سمين، أبيض، وفي وجهي صفاء وشموخ؛ لذلك لم أستغرب إذ ms026 صوب إلي الخمسة عيونا ~~لهابة تتدفق بغضا، نظرات يابانية معادية كاسحة استمرت تلطمني وتحرقني كل يوم خلال ما ~~يقارب سنوات أربعة تلت. وفهمت فورا، من غير أن أنظر إلى ما تكوم على الطاولة، حيث سمعت ~~أحد اليابانيين يصيح: «بسطبورزو!» أنه يريد الباسبورت؛ ذلك أن من عاهات الياباني أن لسانه ~~لاصق في فمه يرتطم بالألفاظ ارتطاما، ويقذفها من بلعومه، وهو يزيد «الزاي»، و«الواو» أبدا ~~على الكلمات؛ فكلمة بيروت مثلا تصبح «بيروتزو»، وربما جاءت بيطرزو، أو طبورزو، فلا عجب أن ~~تقمص الباسبورت إلى بسطبورزو. # واشرأب الخمسة مدمدمين حين لم أضع بين يدي الضابط باسبورتا عاديا شأن سائر الأجانب، بل ~~ورقة هوية؛ ذلك أنني حين وصلت الفلبين في كانون الثاني سنة 1926 أبى القنصل الفرنسي أن يسجل ~~اسمي؛ لأن لفظة «درزي» ظهرت على باسبورتي، وكانت الثورة في أوج شدتها، والقنصل الفرنسي في ~~«مانيلا» في ذروة لؤمه؛ فاستعضت عن التسجيل في القنصلية الفرنسية بورقة هوية من الحكومة ~~الفلبينية أعلنت فيها عن جنسيتي بلفظة «عربي». # وتماوج بحر الكلام مدا وجزرا بين الصفر الخمسة، ولم أفهم من الحديث إلا لفظة آرابيان ~~(عربي)، ولحظت أن عيونهم بدأت ترمقني بشيء من الود والاحترام. # الياباني حيوان ليس فيه من العاطفة إلا بهيمية الكواسر، هو لا يقبل زوجته، ولا يداعب ~~حبيبته، ولا يطرب للغناء إلا متى سكر، ليس له صديق، ولاؤه لإمبراطوره وإمبراطوريته هو ولاء ~~العبد لسيده، وليس ولاء الإنسان لعقيدة أو مثالية. علمه، واختراعاته، وثقافته، كلها تبرج ~~سطحي وتسلح. تأدبه، ودعته، وكياسته، هي بعض أساليبه الدفاعية. نفسه وحشية لا تجد نشوة إلا ~~في القتل والتدمير والقهر والفتوحات؛ إذن فحين أقول لك إن اليابانيين الخمسة الصفر أظهروا ~~«الود والاحترام» لشيء اسمه «العروبة» فمعناه أنهم أخفوا المخالب والنواجذ، ولم ~~يبطشوا. # أما عطفهم على «العروبة»، فلسببين؛ أولهما - وهذا استنتاج وتخمين - أنهم حين أراد قادتهم ~~تقوية الفروسية في نفوسهم، وترسيخ عقيدة البأس - ويسمونها «بوشيدو» - عمدوا إلى تدريسهم ~~تاريخ البطولات القديمة، ومنها البطولة العربية. أما السبب الثاني، فكان أن ثورة رشيد عالي ~~الكيلاني في ms027 العراق، وإذاعات بعض تجارنا في اليابان، أوهمت الكثيرين من اليابانيين أن العرب ~~موالون لدول المحور. # وخفتت دمدمتهم شيئا ما، ورحت أملأ ورقة أسجل فيها سيرتي، وأجبت على سؤال: «ما هي ~~اللغات التي تعرفها؟» بجواب: «العربية، الإفرنسية، الإسبنيولية، الإنكليزية»، ودارت عيونهم ~~المزججة تحدق بأجوبتي، كأنما هي طلاسم، وعلت الهمهمة من جديد، وشعرت كأنهم في مرح، وهم ~~يرددون لفظة «مورا كامي، مورا كامي». وأفهمني الترجمان أنني ما دمت أتكلم الفرنسية فمن ~~الضروري أن أجتمع بالكولونيل «مورا كامي»، وهو يجيد الفرنسية كأحد أبنائها؛ إذ إنه سكن ~~الهند الصينية سنوات عديدة، ونهض أحد اليابانيين مشيرا إلي أن أتبعه إلى الكولونيل ~~«مورا كامي». وقد ذكرت أن الياباني شليل اللسان، يتكلم من بلعومه؛ لذلك هو يزدهي بكل مواطن ~~له يجيد لغة أجنبية. # أما أنا فمشيت نحو هذا الكولونيل الذي يتكلم الفرنسية كأحد أبنائها خائفا أن يفتضح ~~أمري؛ فإن معرفتي للغة الفرنسية هي من مخلفات دراسة قروية شردها الإهمال، وهدمتها ~~وبعثرتها الأعوام، ومثلت أمام الكولونيل «مورا كامي» حتى انتهى الترجمان من همدرته وطنينه، ~~وكنت أسمع لفظة «آرابيان، آرابيان، آرابيان» وانصرف. وأقبل الكولونيل نحوي - وهذا تكريم غير ~~عادي - وانحنى، وهش بأنفاسه نحو رئتيه - وهذا نهاية التكريم الياباني - ومغزاه أنني ~~أقدس من أن تطالني أنفاسه، ثم احتقن وجهه، واهتزت نظارتاه، وأحسست أن طابة من الكلام ~~تنتفخ، وتتسلق زلعومه، متضخمة، فلما بلغت فمه انفجرت منه قنبلة سمعتها: «جبرونزو»، وأرهف ~~الله في تلك اللمحة ذهني، فعلمت من فوري أن الكولونيل يريد أن يقول بونجور، وأنه لا يملك من ~~اللغة الفرنسية أكثر مما يملك سعيد فريحة من أسهم الكوكا كولا، فأجبته بطلاقة وفصاحة: ~~«بونجور مون كولونيل.» وشعرت إذ رحت أتكلم الفرنسية بثقة في النفس، كأني تلك الأرتيست التي ~~تقدم «النومرو» على مذياع البيسين في عالية. # وجلسنا متلذذين نمسخ اللغة الإفرنسية، وننهشها ونقطعها، ونمرغها بالحصى والتراب. # غير أني لم أخرج إلا وفي جيبي باص يوصي بي خيرا، سطره بخط يده، ومهره بختمه على الشمع ~~الأحمر الكولونيل مورا كامي. # باص في مانيلا في أيام ms028 الاحتلال الياباني الأولى، كان أفعل من كارت شمدص جهجاه في دوائر ~~الحكومة اللبنانية. # ذلك الباص دفع عني الخوف والجوع، كما سأحدثك، وقربني إلى كثيرين من الناس، منهم يهودي ~~حلبي اسمه عزرا ديان. # وقد رد لي الجميل عزرا ديان في لباقة وإهانة؛ إذ رجع أحد مهاجرينا من الفلبين في العام ~~الماضي، وبلغني أن عزرا يهديني السلام، وأنه إن كان يلزمني باص ثان ليحميني في تجوالي، ~~فإن عزرا يستحصل لي على مثل هذا الإذن من ابن عمه الجنرال ديان، وهو في الجيش الإسرائيلي ~~اليوم، وكان - كما تذكر - قائد حامية القدس في أيام حرب فلسطين. # أغرب من الخيال، ولكنها وقائع. # | زلزال الفلبين # هل النفس - كالأرض - أحشاؤها نيران فوارة، وقشرتها جماد تصلب، فلا يحس الجاهل - ولا يرى ~~- إلا ما طفا عليها من حياة، حتى تشق النار بعض هذا الجماد فتثب بركانا، أو تخمد بعض تلك ~~النار، متقلصة، فتهتز في رعشة أو زلزلة معيدة تكوم الأحشاء والأشياء بترتيب جديد، ~~مدمرة بعض تلك القشرة، باطشة ببعض تلك الحياة الطافية؟ # وهل الأرض كالنفس ذات أثرة وطلاسم لم تكشف بعد عن أسرارها؟ # وهل نحن بعض هذي الحياة، بعض هذه القشرة، لا ننفعل إلا إذا جرحنا، أو ذعرنا، أو هالنا في ~~أنانية الدفاع عن النفس، ولو حيال خطر موهوم، قتل ودمار، أو خشينا بعثرة تنتهي بترتيب ~~جديد؟ # هذه القشرة في نفسي حسبتها تتكثف، كنت أتوهم أنني أصبحت كجذع شجرة، كل سنة تطوق أحداثها ~~بدائرة تشطرها عن الدائرة السابقة. # في العام الماضي قرأت نبأ ثورة بركان في جزيرة «مامباهو» في الفلبين، أشغل الخبر قراء ~~الصحف أسبوعا، ثم تطوق وجمد، وانتهى. # ورجعت إلى نفسي أعد أطواق السنين - خمسة وعشرين - فإذا أنا عام 1929 في قارب بخاري صغير ~~أقصد من شمال جزيرة «مندناو» في سفرة قصيرة إلى جزيرة البركان في «مامباهو». # ها أنا منبطح على كيس جوز الهند، وإلى جانبي فتى هندي يده في يد خطيبته. # هو ذا الجو اغبر من بعد وكشر، ونفخ كأنه كبير في السراي يقابل طالب وظيفة. # هو ms029 ذا ربان القارب يحاول قدح الشرارة في عقله فيحك قفاه، وينزع من فمه سيكارا كأنه ~~كرباج، ثم يبصق مطمئنا أنها ليست زوبعة بحرية (باغيو ) بل اضطراب عابر (شوبسكو). # وثار الاضطراب، وما عبر، بل استقر أمواجا وطوفانا، وكانت الستائر محكمة على جوانب ~~القارب. # وكنت قد تعلمت من ربابنة السفن إبان الأعاصير أنهم يرفعون السجف كي يخففوا المقاومة ~~المعترضة للرياح؛ فأمرت برفع تلك الستائر؛ لا لأني عليهم، بل لأن ربان القارب غبي، وراحت ~~الفتاة في هلع تصيح، وكأن الأمر الذي أصدرته برفع الستائر والرعب الذي سيطر عليها خلقا ~~لأوهامها أني منقذ بطل، فتعلقت بي تستغيث، ورحت أشجعها متكلفا البطولة، فلما نجحت ~~جرأتي بتطمينها - وهي الخائفة - انتهى الأمر بجرأتي؛ فنجحت بتطميني أنا الأكثر ~~خوفا. # هو ذا قاربنا يصل إلى الشاطئ - شاطئ «مامباهو» - فنربط على أقدام البركان الهادئ، ونقصد ~~إلى المدينة ملتجئين في فندق جديد أياما ثلاثة. # وتشتد الأنواء والأعاصير، ونحن في الفندق. # إني اليوم أنشق رائحة خشب الحيطان، وقد فاحت بعد أن انتفخت بالأمطار. # إني أسمع «الدوار»؛ أي البلاسيه المتجول، وهو أحد نزلاء الفندق، يغني الأنشودة الرائجة ~~الجديدة «رامونا»: # Ramona I hear the mission bells ~~above ~~. # إني أرى البارومتر يسجل سرعة الإعصار 114 ميل في الساعة. # هذه الجزيرة «مامباهو»، والنساء فيها تسعة لكل رجل، وكلنا دون الثلاثين، وكلنا يغني ~~«رامونا»، والويسكي كالنساء متعدد الأنواع كثير ورخيص. # هي ذي صحف الصباح أمامي تقص أنباء البركان الثائر الذي دمر الجزيرة والفندق الجديد، ~~ترى بمن تعلقت الفتاة، وهي قد أصبحت أما أو جدة؟ ورماد البركان وسيوله النارية تنهال ~~عليها؟ # أية أغنية شائعة كان ينشدها الناس حين أحرقهم البركان؟ # أحسست برعشة، ولكن ... أقلب الصفحة من الجريدة أقرأ خبرا ثانيا، وتطلع إلي صورة ~~جديدة. # قشرة الحياة صلبت، وحلقات الجذع جمدت. # إنها لا تصلح لغير العد. # ومنذ أيام جاءت التلغرافات العالمية تنبئ بزلزال في جزيرة «مندناو» قتلاه مئتان ... ومصائب ~~الزلزال تبدأ صغيرة ثم تكبر؛ ففي يوم الكارثة لا يستطيعون أن يعدوا إلا بعض الضحايا، أقلب ~~الجريدة من جديد؛ خالد ms030 العظم يسافر إلى مصر، حنا الكسواني يفوز بانتخابات الغوطة، جبران ~~حايك يرد على شارل مالك، مئتا قتيل زادوا في اليوم الثالث إلى 350، دمار لا يقدر الآن. سامي ~~بك يمدح الأتراك، مدينة أوسامس أكثر الأمكنة إصابة، المدن الواقعة على البحيرة، تقديراتنا ~~في سباق الخيل. # هل هي مدينة أوسامس أم ميسامس؟ الأرض انشقت في أماكن كثيرة. # في «ميسامس» صديق لي حميم، هو نصري جريديني، رجع منذ سنتين إلى لبنان، وحضرنا معا حفلة ~~راقصة. آخر رسالة لأهله يهدي بها إلي سلامه، ويسأل هل تغير قانون الجمارك؟ هل يسمحون ~~بأن يأتي بأكثر من ثلاث صناديق سيكار هدية؟ هل الكارثة في ميسامس أم أوسامس؟ # أوسامس اسم لفتى فلبيني له أخوات ست، كان هو وكانت أخواته الست في صداقة حميمة مع نصري ~~جريديني، وكنا نحسب أن نصري سيتزوج إحداهن أو كلهن، وانتخب أوسامس عضوا في مجلس الشيوخ، ~~وفي زمن الحرب ناهض المستعمرين اليابانيين فقتلوه. وعند انتهاء الحرب أعلنته حكومة ~~الفلبين شهيدا قوميا، وأطلقوا اسمه أوسامس على بلدة قرب مدينة ميسامس حيث يقطن صديقه ~~نصري جريديني. # انشقت الأرض في أماكن كثيرة، وانشقت القشرة عن ذكرياتي في أماكن كثيرة بعد أن جاءت ~~التلغرافات العالمية تذكر اسم ميسامس، ولم تعد الهزة في نفسي رعشة، بل صارت ~~زلزالا. # إني أعرف بالضبط المقاطعة حيث نزل الدمار. لقد جلت مزارعها وقراها، وتفيأت أشجارها، ~~واتجرت في حوانيتها، ولا شك أني بت في إحدى البيوت التي ضربها الزلزال. # أطللت عليها في أوائل سنة 1927، وكنت «دوارا» أصحب ثماني شنتات هائلة كلها مساطر بضائع، ~~وتنكة مستديرة كبرى فيها مساطر البرانيط، وكان - حتى يتم زي «الدوار» - على وسطي مسدس كولت ~~38 (نمرو سبعة في لغة بيروت). # شككته في زناري الجلدي بحيث يراه الناس؛ لأن القانون يحرم نقل السلاح المخفي. # جئت إلى جزيرة «مندناو» في باخرة قبطانها إسباني، وقد أخذت السفرة يومين وثلاثة ليال، ~~وكان على الباخرة تاجر صيني، يتجر في كل ثغر ترمي الباخرة فيها مرساتها. وكان هذا الصيني ~~طوال السفرة مرتميا على سريره يهز ساقه، وعيناه ms031 عالقتان بلا شيء بعيد، لا يأكل ولا ينام ~~ولا يتكلم، حتى إذا وصلنا إلى مرفأ كان الصيني أول من ركب الزورق إلى اليابسة، وحين يرجع ~~أراه محمر الوجه براق العينين ثرثارا يضحك ويداعب . وقد صادقته وفهمت منه أنه ينشق ~~الكوكايين حين ينزل من الباخرة، وكاد يقنعني بتجربة. # وحين نزلت في أول بلدة شمالي جزيرة «المندناو»، واسمها إيليغين، عرفني أحدهم على «التركو» ~~هناك، فإذا هو «ميجال»، أو نخلة شاكر من دير القمر، وكان نخلة هرما أخبرني حالا أنه مدين، ~~وأنه فقير، وأنه يملك خمسة آلاف شجرة جوز هند لن تثمر إلا بعد ثلاث سنوات، وحينئذ تصبح ~~غلتها ثروة، قلت: «وهل ترجع إلى «البلاد» حين تبدأ بقطاف الشجر؟» # أجاب: «لا أدري»، ولكن الذي سأعمله حين أرى الجوز على الأشجار هو أن أتعرى وأرقص ~~بينها. # وحين أثمرت الأشجار لم يتعر شاكر ولم يرقص؛ لأنه كان قد مات. # على كل حال لم أقع بغرام نخلة شاكر عند أول نظرة، ولكني عشقت أخاه الذي أتى بعد قليل، ~~واسمه شكري، وهو لقصره واعوجاجه، وللكاسكت الذي يلبسه كأنه «جوكي» يتحدب على غير حصان، ~~ولولا بعض الشتائم، لما عرفت أنه يتكلم العربية. وفغر فاه يتحدث لي ففهمت منه أنه خسر ~~أمواله وأسنانه منذ سنين، وأنه سيصبح مليونارا بعد قليل. «طول بالك على شكري.» ثم انهال ~~علي بنصائح أبوية خلاصتها أن كل الناس كلاب غشاشون. ولما أردت أن أستودعه لأذهب إلى ~~«دانسالان»، وهي بلدة جبلية على ضفاف البحيرة - حيث ابتلع الزلزال قريتين - نصحني بقوله: ~~«السفرة بعيدة، ساعتين بالأوتوموبيل، الناس كلاب قد يسرقون شنتاتك، انتظرني عند بائع البوظه ~~هناك. في يدك كتاب، هيئتك تحب القراءة، كل المؤلفين كلاب، خذ بوظة، واقرأ ربع ساعة أعود ~~إليك. عندي أعظم بوسطة ركاب ماركة «هوايت» أعظم ماركة في الدنيا. أركب أنا وأنت قرب الشوفير ~~كالملوك، وندير قفانا إلى الركاب - الكلاب - بنصف ساعة نصل إلى «دانسالان»، انتظرني عند ~~الكلب بائع البوظة، رايح شوف الكلاب.» # وكان الوقت صباحا، وقد استهوتني شخصية شكري، فدخلت إلى دكان البوظة، ms032 ولم يطل الأمر حتى ~~أقلعت الباخرة متابعة سفرتها، وتفرقت السيارات، وخلا الشاطئ من الكلاب، وبقيت أنا وبائع ~~البوظة وكتابي وشنتاتي. # وحوالي الساعة الرابعة من بعد الظهر سمعت هديرا وخشيشا وصفيرا، ودويا وحرتقة، وسط ~~غيمة من غبار وبخار زيوت، فإذا شكري يبرز من الغيمة متبوئا شيئا سماه بوسطة، احتشد فيها ~~نحو من ستين راكبا أكثرهم «موروز» - مسلمو الفلبين - فوق أكياس من الرز - لا أذكر عددها - ~~ودعاني، من غير أن يعتذر عن تأخره، إلى الجلوس قربه في المقدمة إلى جانب الشوفير حيث احتشد ~~ثلاثة سواي. لا أعلم إن كان ذلك الكميون «هوايت»، ولكن أكبر ظني أنه أول كميون أنتجه أول ~~مصنع، وكان ذلك على سبيل التجربة. # على أننا لم نخرج من البلدة ونبدأ بالصعود حتى شعرت بزهو كثير؛ إذ بدأت وشكري بأغنية ~~«هيهات يا بو الزلف»، وكان الركاب يردون علينا بأغانيهم الحربية. # ورحنا نصعد على طريق واسعة من «الباتون» بين أحراش كثيفة، وقد اعترض سبيلنا مرتين قطيع من ~~القرود، يعبرون إلى الغابة غير مذعورين، وكنا نرى على جانب الطريق بعض القردة متعلقة ~~بأذيالها تتأرجح، تتطلع بنا وتهذر. # واستمر سيرنا نحوا من ساعة، وإذ ب «أعظم بوسطة في الدنيا» تقف وتأبى المسير، وراح ~~الشوفير يستثير تفكيره، فيحك قفاه ويبصق. # ووجدت أن شكري لم يصطحب آلات التصليح، فلم يعد لهذه الأزمة إلا الصراخ والشتائم، فكأنه ~~أحد قادة الشعب عندنا يبحث في الأحلاف. وطال وقوفنا، وعلا الشجار بين شكري والركاب، ~~وانتهينا إلى تدبير، فمشى الركاب إلى المزارع المجاورة، وبقي الشوفير في البوسطة يحرسها، ~~ومضيت أنا وشكري إلى مزرعة قريبة يملكها أميركي اسمه «روجرز» فضفناه، وحصلنا منه على طلبية ~~بثمانمائة ريال. # وفي الصباح أرسلنا في طلب سيارة، وودعت شكري، ومضيت إلى «دانسالان» البلدة الأخاذة على ~~البحيرة. # تسألني: ماذا جرى لشكري؟ قبل الحرب تعين حارسا ليليا لإحدى البنايات في مدينة «سيبو»، ~~في الصباح وجدوه ميتا على كرسي في بوابة البناية! تسألني كيف يذوب مهاجرونا «طول بالك على ~~شكري». # وفي «دانسالان» تعرفت إلى فؤاد أخي نخلة وشكري، وهو ms033 غير الأخوين، وأصغرهما، فصيح ~~الكلام، روى لي شيئا من شعره؛ قصيدة حفظتها في زمن الدراسة من نظم حافظ إبراهيم. وفؤاد لا ~~يعمل شيئا، ولا يملك شيئا، ولكنه أكد لي أن نفوذه يسهل لي أعمالي التجارية، وهو قد ~~اجتمع فيما مضى إلى مكآرثر الأب وإلى روزفلت «ثيودور» وإلى «الجنرال وود»، وكلهم كان حاكما ~~للفلبين، وله صداقة حميمة معهم جميعا، وانتهى الأمر بأن اقترض مني خمسة ريالات. # وكثر ترددي على مقاطعة «لاناو»، فقد كانت بلاد خير فيها جوز الهند وقصب السكر والتبغ، ~~وحوالي «دانسالان» بدءوا يزرعون أشجار القهوة، وهي تصلح لذلك بسبب علوها. # وكانت بحيرة «دانسالان» ومناخها البارد ملجأ لنا من حر الأسفار - والفلبين بلاد حارة - ~~وكان أكثر ما يجذبنا إلى «دانسالان» نادي ضباط الدرك، وهو جنة عمران في ضيعة بدائية. # وطابت الحياة في ذلك النادي من لهو وأكل وشراب، وسبب وجود النادي هنالك أن قوة كبرى من ~~الدرك كانت مرابطة على ضفاف البحيرة، وهي أبدا مستعدة لقتال «الموروز» - مسلمي الفلبين - ~~وما أنا بثقة تاريخ، ولكن المؤلفين العلميين اللذين يعتمدان على تاريخ الدعوة الإسلامية في ~~الفلبين ألفهما المرحوم الدكتور نجيب الصليبي الذي كان «الموروز» يحبونه ويحترمونه ~~جدا. # غير أني عرفت أن في «الفلبين» نحوا من مليوني مسلم يقطنون جزيرة «المندناو»، وجزيرة ~~«الهولو» في الجنوب. وهم ثلاث قبائل أو عناصر، فأما الذين يسكنون حوالي البحيرة، فهو أشدهم ~~بأسا، وهم جماعة قتال لم يستطع الإسبانيون التغلب عليهم، ولحد ما عجز الأميركيون عن ~~إخضاعهم، ولكنهم صادقوهم. # أعتقد أنهم اليوم ما عادوا بمتمردين، وصاروا - بعد أن تثقفوا - يتحسسون قوميتهم ~~«الفلبينية». ولكنهم في العهد الذي أتكلم عنه كثرت ثوراتهم، فكان أحد رؤسائهم، ويسمى ~~«الداتو» يعلن الحرب، ويتم ذلك بعد أن يعد للأمر عدته، فيبني حصنا يسمى «كوتا» في إحدى ~~الغابات، أو على «رأس تلة»، ويحيط هذا الحصن بقنال يطوفه بالمياه، ويتزنر القنال، أو يقع ~~فيه، ثم يجمع «الداتو» رجاله داخل الحصن، ويحفر أنفاقا للهرب إلى مختلف الجهات، ويرفع على ~~الحصن راية حمراء، فإن لم يفهم الدرك أن ms034 «الداتو» أعلن الحرب على الحكومة أرسل لهم كتابا ~~رسميا يعلمهم بذلك. # وقد أخبرني الضباط الأميركان أن عصف تلك الحصون هي من أخطر عمليات القتال، وأن لا مفر ~~لاقتحام الحصن من استعمال المدافع. # و «الموروز» لا يفهمون من الإسلام شيئا، ويعلقون في منازلهم صورة محمد رشاد على أنه لا ~~يزال خليفة المسلمين، وهم حين يريدون أن يقسموا يصيحون «لا إله» فقط، وفي كثير من الأحيان ~~يصيب بعضهم شيء من الهوس، فيعكف يرتل آيات القرآن الكريم من غير أن يفهمها، ثم يحلق شعر ~~رأسه وحاجبيه، ويأخذ سيفه مهاجما أيا لقيه فيقتله، واثقا من أنه بفعلته هذه يدخل ~~الجنة. # وقد حاول بعض المشايخ في دمشق وغيرها - الذين قصدوا إلى الفلبين - أن يعلموهم الدين فلم ~~يفلحوا، واتهموا المشايخ بالكفر، ونعتوهم بأنهم يهود. # وحدث في إحدى السنوات أن متعهد أسفار جاء بباخرة للحجاج من الفلبين، فأوصلهم إلى ~~«سنغافورة»، وقال لهم هذه مكة المكرمة، ثم أرجعهم إلى الفلبين حجاجا. # أما القبيلة الثانية من مسلمي الفلبين، فهي تتمركز حول مدينة «كوتباتو». وفي بيروت اليوم ~~تاجر مكتبه على البور هو عمر القيسي. إن سألت عن عمر القيسي فلا أحد يعرفه، أما إن سألت عن ~~«أبو سمير» فهو معروف، هو ونسيبه عبد الرحمن الجارودي، وقريبه الثاني سعد الدين الجارودي، ~~عاشوا واتجروا في «كوتباتو» سنين. # وكان بعض «الموروز» - وأخصهم المتقدمون بالسن - يتقدمون إليهم بعض الأحيان يطلبون منهم ~~الأدعية والرقى. # وكان أكثر الثلاثة تبرما بهذه الطلبات عبد الرحمن الجارودي، ومرة جاءته امرأة تقبل ~~يديه وتطلب إليه أن يعطيها رقية ترجع إليها زوجها الذي غاب عنها منذ سنوات. وكان عبد الرحمن ~~الجارودي يصرف المرأة وينتهرها فتعود إليه تتضرع. وأخيرا، وجد أن أحسن وسيلة للتخلص منها ~~أن يكتب لها ما تريد، فتناول قلما وورقة، وكتب بالعربية: # هذه فلانة زوجة فلان، غاب عنها زوجها منذ سنوات، إن رجع كان به، وإلا فللقرد ~~... # أو ألفاظا بهذا المعنى وأفصح. وفي اليوم التالي عادت المرأة باكية تخبر عبد ~~الرحمن أن زوجها عاد، فكيف تقدر أن تكافئ حضرة ms035 الإمام؟ # وفي «كوتباتو» كذلك عاش رجل من دير قوبل اسمه نعيم أبو علي، اشتغل بتجارة صيد التماسيح من ~~نهر كوتباتو الكبير حيث تكثر التماسيح، و«الموروز» يصطادون التماسيح بأن يقاتلوها في النهر ~~وفي يد الصياد مدية حادة فيحتال القانص على التمساح حتى يغطس إلى تحته، ويتناول بطن التمساح ~~- وبطنه هو القسم الوحيد من جسده الذي ينفذ فيه السكين - فيطعنه بالمدية، أو قد ينصبون على ~~ضفاف النهر فخا من قصب يربطون فيه معزاة، فإذا جاء التمساح ليأكلها تخبط وعلق، فيداهمه ~~الصيادون بحرابهم ويقتلونه. # إن كنت يا قارئي متبرما بعملك فاذكر أنه أفضل من طلب الرزق بصيد التماسيح. # نعيم أبو علي قتله اليابانيون، وكان قد باع تجارته إلى ابن عمتي عارف تقي الدين، وهذا مات ~~منذ سنين. بالأمس تسلمت أمه عوضا عن ابنها رصيد غربته النهائية: أربعة آلاف ~~ليرة. # حين تقف على المرفأ - أو على المطار - تنظر إلى فتياننا المهاجرين، اذكر كل هذا. # وفي كوتباتو عاش وتاجر عم لي؛ فؤاد تقي الدين، هو الآخر دفن هناك قرب أخيه الدكتور نجيب. ~~وفي جزيرة «المندناو» حيث الزلزال، مدينة «داقاو» عشت فيها سنوات هناك، ولدت ابنتي ديانا، ~~وفي تلك المدينة عائلة أبو رجيلي أصابوا ثروة، كبيرهم سليم هنا في زحلة، وأخواه رشيد ويوسف، ~~لا يزالان هناك، يوسف شخصية فكهة فريدة، هو أحد قلائل المهاجرين الذين يعترفون أنهم ما ~~كانوا في «البلاد» من الوجهاء. يوسف يحدثك بفخر أنه جاء من قرية «كفر زبد» من البقاع، وكان ~~فيها أكارا، وهو حين يذكر البلاد لا يتشوق إلا إلى حماره، وفي تلك المدينة بعض أولاد ~~المرحوم رشيد عواد. في الأسبوع الماضي زارني من الفلبين عضو مجلس الشيوخ وزوجته، اسمه ~~«فلسبرتو قيرانو». مررنا بمقهى شتورا الكبير الذي يملكه ورثة المرحوم رشيد عواد، وتحدث ~~السناتور إلى الفتى ابن رشيد عواد بإحدى اللهجات الفلبينية بطلاقة. # وكان فيما مضى حنا عواد كبير العائلة قد سكن «داقاو»، وهو الذي استورد العمال اليابانيين ~~إليها، وكان ذا وجاهة وشأن، كبير الجسم، ضخم الشاربين، يشبه شبلي الملاط في ms036 شبابه. وقد ~~أسس في المدينة شركة الكهرباء فيها، ولكن وجاهته وبرمكيته أنهكتا ماليته فأفلس. وقد ~~أخبرنا الفتى عواد في شتورة أنهم اليوم حين يحضرون حفلات قتال الديكة في «داقاو»، ويخسر ~~أحدهم الرهان يصيح «عواد»؛ أي إنه أفلس. وحفلات قتال الديوك تقام في الأعياد والآحاد، ~~وبالطبع أنت تعرف كيف تتقاتل الديوك، وكيف يربطون في رجلي الديك شفرتين حادتين يضرب بهما ~~خصمه، فالقتيل والمراهن عليه خاسران، ولكن المدهش في هذه اللعبة هو الشخص الذي يسمونه في ~~الفلبين «هيسوس»؛ أي يسوع، يجلس هذا الرجل في زاوية الملعب في مكان مرتفع يراه الحضور ~~ويراهم، وقبل كل معركة يبدأ الرهان، فيصيح كل مراهن في الملعب - وهم مئات - بالمبلغ الذي ~~يراهن عليه، ويسمي الديك، فيسجل «هيسوس» كل هذا في دماغه من غير ورقة، وحين تنتهي المعركة ~~يخبر كل مراهن المبلغ الذي ربحه بعد أن يحسب في عقله النسبة حسب معدل الرهان على الديك ~~الرابح، يفعل كل هذا بسرعة ودقة، ومن غير ورقة ولا قلم، ولا يذكر أحد في الفلبين أن نشأ ~~خلاف، أو ثارت شبهة أو وقع خطأ بسبب تقسيم الأرباح. و«هيسوس» هذا لا يمس النقد لا قبضا ~~ولا دفعا. # ولقد فاتني أن أحدثك - على ذكر قتال الديوك - أنني في سنة 1931 كنت أول من استورد إلى ~~الفلبين السينما الناطقة النقالة. وكنا نطوف بها في الضياع من بلد إلى بلد نعرض الأفلام في ~~باحات المدارس، أو في ملاعب قتال الديوك. ولما وصلنا إلى «دانسالان» بدأنا العرض في الفلاة ~~في ملعب الديوك على جمهور «الموروز»، وكانت الصورة فيلم رعاة البقر حيث يكثر العراك وإطلاق ~~الرصاص والقتال الفروسي على ظهور الخيول. ولقد أصاب الموروز - وهم رجال قتال - هوس، فكنا ~~كلما انتهى عرض الصورة أرغمونا على إعادتها صائحين: «دوغما! دوغما!» أي «حرب! حرب!» ولم ~~نستطع أن نتوقف حتى طلع الصباح، واستحالت رؤية الفيلم على الشاشة. # وفي «داقاو» تلفن لي يوما المرحوم رشيد عواد يسألني: «هل تعرف عبد الرحيم قليلات؟» ~~قلت: «نعم، هو مدير البوليس في بيروت، هذه كانت وظيفته ms037 سنة 1925حين هاجرت.» فهمس رشيد في ~~التليفون: «ترى هل له علاقة بمقتل أسعد خورشيد؟ إنه هنا، وقد ارتبت به واليابانيون يشكون ~~به.» فهرعت إلى عبد الرحيم، وكان في خسفة نفسية محزنة، وهو في طريقه إلى اليابان من ~~إندونيسيا مسافر على باخرة يابانية، يصطحب نحوا من خمسماية كتاب، وكان اليابانيون - وهم ~~يرتابون بجداتهم - قد شغل بالهم هذا المسافر يحمل كتبا كذا عدها. وكانت جرائد بيروت التي ~~تأتينا تحفل بأنباء مقتل أسعد خورشيد؛ فربط صديقنا رشيد عواد كل هذا بمديرية البوليس ~~واستفهمني. # وسافر عبد الرحيم قليلات إلى اليابان بعد أن قضى بيننا يومين في ذكريات بيروت ~~ومجالسها. # لماذا نسيت أن أخبرك أن الموروز يلفون رءوسهم بحطاطات ملونة، إلا أن وجهاءهم وأغنياءهم ~~يعتمرون الطربوش الصغير، وشرابته مرتكزة إلى الأمام فوق المرآة مدورة صغيرة. # وفي جزيرة «المندناو» رجل من الشويفات اسمه وديع صعب. كان له أخ اسمه فائز من أذكى من ~~عرفت، مات فقيرا. وديع بعد أن تقلب في الأعمال التجارية انعزل في الجبال مع قطيع من ~~البقر وقطعة أرض زرعها «أناناس»، وأطلق لحيته، ونسي اللغة العربية، ونسي الذين يتكلمونها، ~~رأيته لآخر مرة سنة 1934. # ومن المدن التي تعربست في أخبار وكالات الأنباء عن زلزال الفلبين قرية اسمها «كولمبوغن»، ~~عرفت هذه القرية، وكانت مرفأ ومدينة عمال، فيها منشرة للخشب تملكها الشركة البريطانية ~~العالمية «فتلي ملر»، أعتقد أن عدد العمال الذين يشتغلون في المنشرة في الأحراش ألف عامل، ~~وكانت السوق فيها عبارة عن ثلاثة حوانيت أحدها لجرجي التبشراني من الشويفات ابنه فؤاد هو ~~اليوم في بيروت، كنت أتردد على هذه القرية «دوارا»، وكان زبائني ثلاثة فقط، وكان علي أن ~~أقضي نحوا من يومين؛ لذلك كانت تطول ساعات الفراغ، وبالطبع كنت أقتل الوقت عند المرحوم ~~جرجي وابنه فؤاد، وأذكر أن ليلة طال أرقها بسبب شدة الحر، وطال تقلبنا على الأسرة، وطالت ~~أحاديثنا حتى سمعت من قصص أبي فؤاد أنه كان في البرازيل. # سألته عن توفيق قربان هناك، وقد كنت منذ أيام الدراسة معجبا بأبحاثه وكتاباته، وكانت ~~سيرته ms038 المدرسية العلمية أسطورة، فقعد العم جرجي في سريره، وراح يقهقه، قلت: «ما الخبر؟» ~~قال: «بتزعل؟» قلت: «لا.» قال: «توفيق قربان فتى مثقف، فيلسوف، كتلة نار، فصيح، كثير ~~الحركة، مفقوع، طفران؛ يعني نسخة طبق الأصل عنك!» # تترسخ في أذهاننا صور عما لا نرى هي ظل لما نرى؛ فحين نقول جزيرة نحسب أنها «أرواد»، أو ~~منشرة تخيلنا مناشر الخشب في بور «بيروت»، ولكن جزيرة «المندناو» هي أكبر من فرنسا، سكانها ~~أربع ملايين، وهي تتسع لخمسين مليونا. أما الأشجار فقد كنت أرى في «كولمبوغن» حين سافرت ~~على قطار الحديد جذوعا قطرها يتراوح في ما بين المتر والثلاثة أمتار. # مدينة «هيمانس» محتها الزلزلة. ترى ما حل بأحد تجارها وعائلته؛ رجل صغير أعرج اسمه ~~«نوينس»! كانت أولى سفراتي إلى تلك المدينة لا أذكر في أية سنة، ولكني أؤرخها في العام ~~الذي أدخلوا فيه على السيارات «الفرام الهيدروليكي»؛ لأني أذكر أني كنت أسوق سيارة، وحاولت ~~إيقافها، وراحت قدمي تشد على «الفرام»، ولكن السيارة استمرت مسرعة نزولا فهلعت، وفتحت ~~الباب أبغي القفز، فلما نزعت قدمي عن «الفرام» الهيدروليكي وقفت السيارة. وفي أول مرة جئت ~~«هيمانس» نزلت ضيفا - ضيفا يدفع أجرة النوم وثمن الأكل - عند «نوينس»، وهو صاحب دكان بعقد ~~فاتورة، وجلست في حانوته حتى أقفله في المساء بعد أن نظف جاروره من النقود: غلة البيع في ~~ذلك النهار. # وبعد العشاء طوف الحديث إلى مختلف الشئون الهامة حتى وقف عند لعبة البوكر فشكا مضيفي من ~~أننا اثنان فقط، والبوكر يلعبونها في الفلبين ستة لاعبين وأكثر. واقترح لعبة «البلاك جاك»، ~~وهي لعبة ال 21، قلت إني أجهلها، ولكنك إن علمتني إياها فإني ألاعبك، فشرحها خلال دقائق، ~~وأقبلنا نلعب وزوجته تراقبنا، وجاءني حظ غريب؛ فكانت الورقة التي أسحب عليها تأتيني، حتى ~~طارت غلة النهار من بين يدي «نوينس»، وفتح صندوقه، ولم يطل الوقت حتى انتقلت محتوياته إلى ~~التحصينات الأمامية التي تمترست خلفها، وثارت بين الزوج والزوجة عاصفة كلامية بلغة لا ~~أفهمها، واحتقنت الدماء في وجهيهما، ثم استأذن الزوج وانصرف؛ ليقترض مالا ms039 من جار له، وعاد ~~يواكبه ثلاثة لا يصلحون أن يكونوا أعضاء في جمعية العناية بالطفل، وجرى ما تتوقع؛ إذ وجهت ~~القدر أن يفقدني أرباحي، وقليلا من رأسمالي، وانتهت السهرة على سلام. وقد صادقت «نوينس» ~~بعد هذا، وأصبحت عرابا لأحد أطفاله؛ فاعترف لي أنه توهم أني تظاهرت بجهل تلك اللعبة حتى ~~أنهبه أمواله بمهارة المحترف، وأن الثلاثة جاءوا كي يتفاهموا معي على إسكاني بئرا في ضواحي ~~البلدة. في الصباح حملت شنتاتي على جاموس، والجاموس أكبر من ثور البقر، وأقوى وأطوع قيادة، ~~يستعمل للحراثة والركوب، وتحميله الأثقال، ولكنه بطيء. وجاءوا إلي بحصان أصغر من حمار، ~~فما إن علوته حتى وقع إلى الأرض معلنا إضرابا شاملا، حينئذ ركبت الجاموس، بين الشنتات، ~~وانطلقنا إلى دسكرة لقنص الريالات. # هل هدمت الزلزلة «ميسامس»، أو «أوسامس»؟ لقد دفنا في الفلبين أكثر مهاجرينا، وآخرون كثر ~~اختفوا أو تطايروا: بشارة جريديني، وعبدالله الحداد (أخوه وليم في البنك السوري) أصابتهما ~~قنبلة مزقتهما شظايا، نقولا القدسي قتل في فراشه واختفت جثته، إيليا أخرس اغتالوه والحرب لم ~~تنته، أربعة مشوا في جنازته؛ ديب عواد اختطفه اليابانيون وأهلكوه، وديع غبريل قتلوه، ~~ومعروف شهاب الدين آخر من رآه قال إنه كان مربوطا إلى عمود، صموئيل عوض تحققوا أن العظام ~~عظامه بعد أن كشف طبيب الأسنان على فكيه، وتعرف إلى جسر البلاتين الذي بناه هناك، موسى ~~كيروز سحقته في الميدان قنبلة من طائرة، ميشال كنعان غرق مع بابور مسه لغم بحري. إنها ~~قائمة طويلة فاجعة. # هل الفاجعة في «ميسامس»؟ إن نصري جريديني يجب أن يعود حيا، فنحن على موعد لليلة راقصة، ~~ما كان نصري من أصدقائي، ولا عشرائي. خلال الثلاثة وعشرين سنة التي قضيناها معا في ~~الفلبين كانت علاقتنا سطحية إلى درجة أني لم أقترض منه مالا ولا هو اقترض مني، ولكن في ~~سلامته وعودته شيئا جميلا. # إن الظفر جميل، نصري كان في الشويفات سنة 1918حين خرج، وبعض الأهالي، وقاتلوا شرذمة من ~~فلول الجيش التركي، كانت حصة نصري من الغنائم جملا، نصري شقي كثيرا، عرفته ms040 ودكانه محشوة ~~بما يمتلئ به دولاب السيارة. سمعته إذ ذاك يتبجح ويتحدى أكبر شركة مواصلات أميركية، ~~ويعد مديرها بأنه سيخرجه، بالمنافسة التجارية، من جزيرة «بوهول». رأيته ينمو إلى حيث احتكر ~~المواصلات في جزيرة «بوهول »، وشمالي «المندناو» يسير فيهما مئتي بوسطة. # لقد رأيت الخراب، إن كان نصري جريديني قد نجا من الكارثة؛ ففي نجاته من النصر ما يمحو ~~الكثير من البشاعة. # هل الزلزال شق هذه القشرة الصلبة من الذكريات؟ أحقا أن قلقي على نصري جريديني أملى ~~علي هذه الذكريات؟ أم أني اليوم وحيطان الدنيا تنهدم علي، وسقفها يتواقع حول أذني، ~~أستنجد بهذا الذي تهدمت الدنيا من حوله، فأرى نصره ظلا لنصري في غد؟ سامي بك يعود في ~~الأسبوع القادم، قتيل وثلاثة جرحى في جونية، مظاهرة شيوعية في بيروت، صورة حفلة كوكتيل، ~~انفجارات في نيقوسيا، اقلب الصفحة، اقلب الجريدة، اقلب الدنيا. # | يا شهيد المالكية # النقيب محمد زغيب، أحد الذين استشهدوا من أجل فلسطين قبل دخول الجيوش العربية، أقيمت ~~لهذا البطل حفلة تكريم ألقيت فيها هذا الخطاب: # منكسة بيارقنا جئنا نحييك لا نرثيك. # يا شهيد المالكية، علم اليهود فوق المالكية، والأمة التي استردت من عروقك وديعة ~~الدم، ما زالت جبهات قتالها في أرضها لا على تخومها، ونخوة الحياة - وهي الأصيلة في ~~نفسها - ما زالت كما كانت برسم الهدر لا وقفا على يوم النصر. والمقاتلون المصارعون ~~من مواطنيك يفتقدون ولا يجدون، كما افتقدت أنت ولم تجد رديفا من غير المقاتلين ~~يشد ويعطي ويهتف ويكدح، ويعد القذيفة يلتقمها المدفع بدلا من القذيفة أطلقها ~~المدفع. # أكثرنا يا محمد زغيب لا يعرفك ولا يذكرك ولا يمجدك، ولا يجد في حكايتك إلا ~~حكاية. # أكثرنا يدخل وزارة الدفاع فلا يرى إلى يمينه الرخامة البيضاء مشرقة بالأسود من ~~أسماء رفقائك في السلاح وفي الشهادة، ولئن رآها فليس في قلبه رعشة، ولا هي تقنص من ~~فكره وعاطفته إلا بأقل مما كانت تظفر به لوحة لشلال، أو صورة لحسناء عارية. # لعل الذي اختار للرخامة البياض لونا ذكر أن الرومان كانوا يرمزون للأيام ms041 السعيدة ~~من أيام السنة بحجر أبيض. # الموت فجيعة، ولكن في الشهادة سعادة. # وحجارتنا البيضاء هي قليلة في مبانينا؛ لذلك صغرت قلاعنا، وضخمت وكثرت ~~مقاهينا. # لقد كومت أجيال الضعف الأوساخ على حجارتنا، فجهل أكثرنا أن المقلع عاجي ناصع ~~البياض، وما فطن أكثرنا إلى أن علينا نحن أن نجلو بأيدينا حجارتنا، ولو حفيت أكفنا ~~حتى العظام، أو تكسرت العظام. # أتخيلك يا شهيد المالكية، وقد ثقبت فوهة في سطح بيت، وركزت عليه رشاشك تطلق منه ~~الرصاص على العدو المهاجم المغتصب، أتخيلك والدم يسيل من جراحك والعدو يتكاثر ~~ويدنو، ورفقاء لك يناولونك العتاد، ثم ينصحونك - بعد أن رأوا دمك يسيل - أن تكف عن ~~إطلاق النار، وأن تنسحب. # في المعركة التي خضتها لم تعد الأعداء، ولا عادلت بين قواك وقواهم، وما همك كيف ~~تنتهي المعركة، الواجب فرض القتال حتى النهاية، وقد نفذت الواجب. # البطولة ليست معادلة حسابية، ومعارك الحرية لا يكسبها إلا من تزين بشيء من ~~الجنون. # ما كنت وحدك في المالكية، ولا في جيش الإنقاذ. رفقاء لك جاءوا يجاهدون من بغداد، ~~ودمشق، وحوران، وسائر أنحاء بلادنا، أكثرهم لا نعرفهم ولا نذكرهم، وهم ما وجدوا حتى ~~اليوم من يكرمهم، أو يسأل كيف حالهم وما حل بعيالهم. # وأنت لم يغمر اسمك، وما أهمل أمرك؛ لأنك أحد أفراد الجيش الذي يعرف كيف يكافئ ~~ويقدر. # فباسم الذين يريدون الدفاع عن هذه الأمة بجيش الحق والنظام والواجب ~~والحرية. # وباسم الذين يرون في أمثالك شرارات من نيران كامنة يريدون أن يثقبوا عنها السطح ~~لتنفجر في وجوه أعداء هذه الأمة. # باسم الذين يدخلون المعارك، ولا يعدون أعداءهم، ولا يأبهون كيف تنتهي المعركة، بل ~~يصمدون لا تؤلمهم الجراح. # باسم الذين يقدرون البطولة بأن يمارسوها. # جئنا نحييك لا نرثيك. # | طوربي # انتصب على ظهر البابور عابسا كأنه تمثال النقمة، وجمد لحظة ليتحرك من جديد، ثم قبض ~~بيديه على قضبان الحديد التي سورت الباخرة، وشد عليها كأنه يريد أن يلويها. # كل ما في الدنيا معكوس. إنه في المكان المغلوط، وفي البلاد المغلوطة، وفي مهنة يمقتها، ms042 ~~ولم تروضه الحياة لها. ها هو في باخرة، ولكنها في حقيقة الأمر قارب كبير. إنها تمخر نهرا، ~~وما هو بنهر، بل هو بحر. إنه رجل أبيض يتكلم العربية، وكل من حوله زنوج، أو شبه زنوج، ~~يثرثرون مصرعزين كزمرة من نور. في جيبه تحارير من بلاده، وعلى سريره صحف بيروت كلها تذكره ~~بدنيا سلخ عنها إلى الأبد، فردوسه المفقود. وهؤلاء المسافرون ما الذي يضحكهم؟ ما هذا المرح ~~الذي يسيطر عليهم؟ إنهم - برغم عريهم ومظاهر الفقر - في ضجة الفرح، أو سكوته؛ في الليالي ~~يرقصون ويغنون، ويلعبون القيثار، وينامون لا هم، لا شكوى، لا عبوس، لا مشاكسات. إنهم ~~والقدر في صلح دائم، وهذه المواشي والخنازير في بطن الباخرة تخور وتموء وتصوت، وتنشر ~~الروائح، إنها لا تزعجهم. يتقوقعون على أكياس جوز الهند، وصناديق السمك المقدد، وسلال ~~البيض. كيف له أن ينفلت من هذا القفص العائم الذي يحبسه مع هؤلاء البهائم؟ وهذا المسدس على ~~جنبه لماذا يحمله؟ # هي ذي التماسيح تتشمس على الشاطئ، وتثب لتقنص عنزة أو خنزيرا، ثم ترجع إلى النهر فتغوص. ~~هذه الجزر الصغيرة من الرمال في وسط النهر تجثم عليها الطيور، أو تحوم مئات ألوفا، بيضاء ~~عالية الأرجل، صفراء المناقير تلعاء الأعناق. # ما شأنك في جهنم هذه الدنيا يا يوسف رستم؟ كيف وصلت إليها؟ وما تبغي منها؟ إلى ~~أين؟ # وتقدم منه خادم الباخرة فهرهر كلمات بلهجة سؤال، وبحركة عفوية رفع يوسف حاجبيه، وهذه في ~~بلاده معناها «لا»، أما في هذه الدنيا المعكوسة فمعناها «نعم». وهرول الخادم فحمل حقائب ~~ثلاثا كانت مكومة قرب سرير المسافر، ولكن يوسف لم ير ذلك، كل ما رآه من غير مرآة هذه ~~الدنيا التي قذف إليها، وهو مسمر فيها أسيرا خائبا. # وصفرت الباخرة، واستدارت في النهر فروعت طيورا كانت جاثمة على جزيرة قريبة، فنهضت ~~أسرابا من غيوم بيضاء، ولسبب لا يدريه تناول يوسف مسدسه، وأطلق نحو السرب خمس طلقات، ولم ~~تنطلق السادسة؛ فخلع الفرد غاضبا، وانتزع الخرطوشات. كل ما في حياته مغالط، ولم يرفه عنه ~~ضحك المسافرين من ms043 الرصاصات الطائشات، وهم لم يروا طيرا يقع. وكأن الطيور أرادت أن تساهم ~~بالسخرية، فحومت فوق الباخرة صارخة زاعقة مقعقعة، وحين أتمت الباخرة دورتها أطلت بلدة ~~«بطوان»، وعادت الباخرة تصفر بقوة من جديد، وترامت السلاسل فإذا بمراسي الباخرة الأربع ~~تثير الوحول من قاع النهر، وتدلى قاربان من الباخرة أنزلوا فيهما المسافرين وحوائجهم، ~~وفيهما حقائب يوسف رستم، وانطلقا في النهر يبتعدان عن الباخرة ببطء نحو الضفة - نحو بلدة ~~«بطوان» - حيث تجمهر جمع من السكان. # أما يوسف رستم فثاب من نقمته، وهرع إذ رأى حقائبه لم تعد قرب سريره، فلقد كانت في هذه ~~الحقائب كل شباك الصيد: من جواهر زجاجية، وأقلام حبر ملونة لا تكتب، وأقراط زجاجية نقش ~~عليها أنها ألماس، وساعات هي والوقت على غير موعد، وخواتم وأساور خدعت الناظرين إذ تلفلفت ~~بإشاعة كاذبة صفراء. # بهذه الحقائب كان يوسف رستم يضرب في الدنيا المعكوسة وتضرب فيه؛ ليقنص الثروة التي كان ~~يحلم بها. # إنه خشي أن تسرق حقائبه، ولم يكن له من سبيل ليلحق بالقاربين، غير أنه أبصر صبيا في نحو ~~العاشرة يركب زورقا، لعله أول زورق بناه الإنسان ليقهر الخضم؛ فقد كان خشبة سميكة ~~مجوفة فقط لا غير، ولكن الغلام تبوأ طرفه واثقا من نفسه، وراح يجذف بكفيه من غير مجذاف. ~~فلما بلغ الباخرة تطلع نحو الرجل الأبيض، وصاح: «تركو! تركو! أونا بياهي سنكو سنتافوز» ~~(السفرة بخمس نحاسات). وراح يضحك بوجه الرجل الأبيض ويدعوه إلى ركوب الزورق متملقا متحديا ~~مهدئا من مخاوفه، مؤكدا له أنه بحار ماهر، ويعود ليغني: «تركو، تركو، سنكو سنتافوز، ~~براتو، براتو.» أي «ما أرخص السفرة! الشاطئ بخمس نحاسات.» # ونهضت النقمة في صدر يوسف من جديد، وتطلع فإذا بالزورقين - وفيهما كل ثروته وآماله - ~~يكادان يبلغان الشاطئ؛ فلم يشعر إلا وهو في قارب الغلام البحار والقارب يتراقص على مياه ~~النهر، ودار الغلام معاكسا التيار، وراح يجذف بيديه صعدا، حتى إذا هو ابتعد عن الباخرة ~~نحوا من خمسين مترا انقطع عن التجذيف، فحمل التيار القارب بسرعة هائلة نحو الزورقين ~~فارتطم بأحدهما، ms044 فإذا بالمسافر الغريب يوسف رستم يتخبط في مياه النهر الموحلة، ولكنه كان ~~سباحا ماهرا؛ فبلغ الضفة ببضع ضربات ليستقبله الناس بالقهقهات، واجتمع حوله الأولاد يضجون ~~ويضحكون ويهزءون. # أما يوسف فغضب، وأمسك بأحد الأولاد وشد على ذراعه، فصاح الولد متألما: «خنزير.» كلمة ~~عربية لفظها الولد شتيمة مشددا على حرف الخاء، وكشح يوسف الماء الموحل عن عينيه، وتطلع ~~بهذا الولد الأبيض، الأزرق العينين، بين ذلك القطيع من الأولاد السود، وسأله بالعربية: «من ~~أنت؟» ولكن الولد انهزم مبتعدا، وصاح من جديد: «خنزير.» وانفلتت من بين الجمع امرأة تجعد ~~وجهها على الصبي، فهي عجوز شابة، ذات بشرة بيضاء وعينين زرقاوين، وخاطبت يوسف بعربية فيها ~~غنة كسروانية من لبنان معتذرة: «إن هذا الشيطان هو ابني حنا!» # فأجاب يوسف: «إني قد بت من الشوق إلى لغتنا حتى لتطربني لفظة خنزير!» # ودعت المرأة مواطنها إلى بيتها، فقبل الدعوة من غير تردد، وسارا معا يتقدمهما من حمل ~~الشنتات. # أما البيت، فكان غرفا ثلاث من قصب، حيطانه من الحصير، وسقفه من أعشاب كثيفة مستطيلة. هو ~~«فيلا» طابقها الأسفل زريبة لبضعة خنازير، ودجاجات يحميها كلب اختفت شجرة عائلته في غابة لم ~~تكتشف بعد. # وأعدت المرأة ماء حارا، وضعته في إناء كبير في المطبخ، ودعت الضيف أن يستحم ويبدل ~~ثيابه، ثم أعدت له عشاء من أرز مسلوق، وبعض السمك المجفف يسبح في سائل شيوعي اللون ~~ديناميتي الطعم. # وجلس يوسف يحادث «أم حنا»، فعلم منها أن زوجها مات منذ سنوات، وأنه كان سكيرا، وأنها ~~كانت معه على خصام مستمر، وكانت أبدا تدعوه «خنزير»، وهذه هي اللفظة العربية الوحيدة التي ~~يعرفها ابنها لكثرة ما سمعها تنادي بها أباه. وعلم منها أنها شديدة الفقر تتجر بالخنازير ~~وبالسمك المقدد، وأن زوجها اقتلعها من قريتها وأهلها، حين رجع من مغتربه، وكانت هي في ~~السادسة عشرة من عمرها لا تعرف ما الزواج، وما الحب؛ فأوهم المغترب أهلها أنه رجل ثري، فلم ~~تشعر إلا وهي زوجته ترافقه إلى المغترب. أما حياة زوجها فكانت عبارة عن سكرة مستمرة بعصير ms045 ~~يستلونه من أوراق شجر جوز الهند الطرية، وكان يقضي نهاره مقرفصا مع تنابل أمثاله يلاعبون ~~الديكة، ويراهنون عليها. وذات يوم راح للنهر ثملا ليملأ سطلا، فلما غمس السطل بالنهر شده ~~التيار، وبقي الزوج متعلقا بالسطل إلى أن اختفى في مياه النهر. واعترفت الزوجة أن مصرع ~~«أبي حنا» على كسله وسكره قد تركها في وحشة وكآبة وحزن عميق. # أما يوسف فأفرغ بين يديها كل نقمته على الدنيا، وبغضائه لها، وأخبرها كيف رماه القدر في ~~هذه البلاد النائية، وكيف هو يتجر بالحلي المزيفة، وكيف أنه يبغض كل شيء وكل شخص، وكيف أن ~~غايته أن يثري، وأفاض بنقمته على البلاد التي هو فيها. تلك البلاد التي تمطرها الطبيعة ~~ثروات تتدلى من أشجار جوز الهند، وتنبت أرضها من غير عناء، سخاء من قصب السكر والقنب والبن ~~والتبغ. وأكد يوسف أنه مستعجل في الحصول على الثروة، وأنه سيظفر بها، وأن الدنيا التي هو ~~فيها لا يسكنها إلا اللصوص يتخاطفون الثروة من الطبيعة السخية، ثم هم يتخاطفون ما اختطفوا. ~~وحين شاخت السهرة تطلع بالمرأة من جديد، فنعم صوته وارتجف، ولمعت عيناه، وبدأ حديثه يجنح ~~نحو الرمزية والوجودية؛ فأجفلت «أم حنا»، وأشارت من جديد إلى البيت في الحي المجاور حيث ~~يرحبون بالغريب ضيفا يدفع أجرة البيت، ولكنها أصرت عليه أن يجعل من بيتها مقرا له يتجر ~~فيه، ويشاطرها فيه طعامه، وانصرف الضيف بشيء من الخجل، وبكثير من التوق والحسرة. # أما هي، فقد تمددت على فراشها أرقة يشرئب الصبا في صدرها ويمور، وذكرت زوجها فضحكت من ~~نفسها، وأخرست هواجسها: «وهذا رجل آخر إنه رجل ... إنه خنزير.» # واستمرت إقامة يوسف في البلدة، وتطوافه في المزارع المجاورة نحوا من شهرين، فكان يغيب ثم ~~يعود إلى «بطوان»، وألف الناس مرآه ومعاملته، وكانت النساء يقبلن على البيت فيتفرجن ~~ويشترين، وكانت «أم حنا» تساعد الضيف التاجر في تصريف المجوهرات؛ إذ إنه لم يكن يتقن لغة ~~البلاد. # أما الغلام «حنا»، فقد استهوته ساعة صفراء دقاقة، وكان كثيرا ما يحاول أن يختطفها من ~~الشنتة، ولكن ms046 أمه كانت تردعه بعنف، فيما كان يوسف يطيب خاطره ويعده بساعة أكبر وأجمل ~~يرسلها إليه من «مانيلا» عاصمة البلاد حين يرجع إليها. # وأخيرا كادت الحقائب أن تفرغ، ورجعت الباخرة من سفرتها، فاستعد يوسف للرحيل ، وشكر ~~مضيفته، وعرض أن يدفع لها ثمن ما أكل وعمولة على ما باع، فرفضت المرأة وشكرته، وأكدت له أن ~~إقامته لونت حياتها بزهو، وأنها لم تتكلم العربية ولا لقيت مواطنا من بلادها منذ أن مات ~~زوجها، فكان مجيئه المفاجئ نفحة من بلادها أرجعها إلى قطعة من فردوسها المفقود. وكاد يوسف ~~أن يترك البيت، ولكنه تذكر فجأة أمرا، فقال لأم حنا إنه بحاجة إلى شيء من المال لصفقة ~~يعقدها في بلدة قريبة، وإن تلك البلدة مثل «بطوان» ليس فيها مصرف يقدر أن يستبدل فيه شيكا ~~بنقود، فإن كان لدى أم حنا نقود فهو يعطيها شيكا بالمبلغ، فأجابت المرأة: «حبا ~~وكرامة.» # ولكن كل المال الذي جمعته بلغ 264 ريالا، نقدته إياها فأعطاها شيكا بالقيمة، ~~وافترقا. # وكرت الشهور، وكرت الأعوام، وحياة «أم حنا» خنازير تحبل وتلد وتباع، وسمك مقدد يأتي في ~~باخرة بالصناديق، ويباع بالكيلو والغرامات، وفي قعر صندوقها يتجمع المال ريالا بعد ريال، ~~وذهبية بعد ذهبية، وشيكا بمئتين وأربعة وستين ريالا موقعا من يوسف رستم، ومعادا من ~~البنك في مانيلا ومطبوعا عليه: «أن ليس في المصرف مئونة لتغطية الشيك، وأن صاحب الشيك ~~السيد يوسف رستم أقفل حسابه في اليوم الذي فتحه.» # أما المرأة فقد غلبت عليها - بسبب الشك المرفوض - الحسرة لا النقمة، واخترعت لضيفها ~~ومواطنها الأعذار، وبقي ضيفها طيفا مر بها في لمحة من العمر مستحبة، وهي بعد أن أوغلت في ~~العمر كثرت صلواتها، وكثر تردادها على الكنيسة، وعمق تعبدها، وكانت في كل يوم تضرع لله أن ~~يوفق يوسف رستم، ويدر عليه الثروة، وأصبح كل همها في الحياة وحيدها؛ أن ينشأ مثقفا مهذبا ~~ليصيب نجاحا في الحياة. وأقبلت على تربيته بحمية الأم تريد أن تسجل بابنها النجاح الذي ~~خابت بتحقيقه لأبيه. وما خيب الابن آمالها، فكان مبرزا في ms047 دروسه محبوبا محترما، عثليت ~~الجسد. وتمكنت أمه بجهدها واجتهادها أن توفر له الثقافة من المدرسة الابتدائية إلى ~~الثانوية حتى دخل الجامعة في مانيلا، وأنهى سنتين في الحقوق، وإذ هو في الفصل الثاني من ~~السنة الثالثة فاجأ حنا أمه برسالة يقول لها فيها إنه أحب فتاة جامعية، وإنهما سيتزوجان ~~بعد شهر، ورجا أمه أن تأتي لمانيلا فتحضر عرسهما، وألح بالدعوة. # أما الأم فشعرت بما تشعر به كل أم من فرح بزواج ابنها، وأنانية؛ يحزنها أنه سيصبح وليا ~~لامرأة سواها، ولكنها عزمت على أن تلبي الدعوة، فباعت الخنازير والسمك المقدد، واحتملت ~~كنزها مما وفرته من مال، وسافرت إلى «مانيلا». # وهنالك لقيت ابنها وخطيبته، وعلمت بشيء من الذل أن الفتاة فقيرة مثلها، وأن ابنها في شيء ~~من الحيرة، فهو لا يقدر أن يبتاع لخطيبته خاتم الزواج ولا أثواب العرس. # غير أنها في الصباح التالي عدت ثروتها من جديد، فلم تجد نفسها معدمة؛ إذ بلغ مجموع ~~نقودها ما يناهز أربعماية ريال، وهذا مبلغ محترم، بل هو ثروة؛ فلبست الأم أجمل أثوابها، ~~وزينت نفسها، ونزلت إلى سوق الصاغة، وقصدت إلى المحل الأكبر والأفخم؛ فدخلته وجالت ~~بعينيها فوقع بصرها على خاتم زواج من البلاتين، أبيض صيغ بشكل قلب، وفيه ألماسة بيضاء مزرقة ~~مضلعة ما اشتهر أنه «قطع باريس»، وخط على العلبة المخملية الخضراء أن الثمن 600 ريال، فلما ~~وقعت عيناها على الرقم - 600 - وثب قلبها إلى فمها وغصت. وسألت البائع أن يهديها إلى صاحب ~~المحل، فأجابها وقد تحقق من شكلها أنها ريفية: «هنا السعر محدود لا مساومة.» وتحرك صاحب ~~المحل من خلف الطاولة كهل بدين مترهل مغبر الشعر، فواقفت عيناه عينيها، وماج في نفسها شيء ~~دهشت له فحدقت بصاحب المحل والتفتت إلى الاسم المنقوش على الطاولة، فإذا هو: «خوسه ~~أنطونيو روستمبرج». # فتقدمت إليه مرتعشة الصوت محمرة الوجه، وقالت له بالعربية: «أتذكرني؟» فتطلع بها وابتسم، ~~وخاطب أحد مستخدميه: «ماذا تقول هذه المرأة؟ بأي لغة هي تتكلم؟» ولكن الأم لم تجزع، بل فتحت ~~منديلها، وانتزعت ريالاتها، وخاطبته بالإسبانيولية: ms048 «أريد أن أشتري هذا الخاتم، هذه 336 ~~ريالا، وهذا الشيك ب 264 ريالا»، فاستوى يوسف في كرسيه، وابتسم كأنه تمثال من ظفر في ~~الحياة وزهو، وتطلع في المرأة، واستأنف كلامه بالإسبانيولية: «هذا الشيك عملة مزيفة، ~~وبضاعتنا أصيلة يا سيدتي ، نحن لا نبيع ألماسا أصيلا بشيكات زائفة، بالإسبانيولية نسمي من ~~يقبل هذا الشيك «طوربي» (أبله). ما ترجمة هذه اللفظة باللغة التي تتكلمينها؟» فأجابت المرأة ~~وقد جمدت بدورها تمثالا من كبر: «لقد تركت بلادي منذ سنوات عديدة، لا أذكر اللفظة التي تصف ~~من يقبل هذا الشيك، ولكن الذي يوقعه نسميه «خنزيرا»!» # | في المرحوم الأستاذ بولس الخولي # أمام صمت الموت، أي لسان هو فصيح؟ # هذه العتمة التي ينساب إليها أحباؤنا، وغير أحبائنا، أي عين نفذت عبر ظلامها؟ # هذا الستار الذي ينسدل في منعطف الطريق، قد اتخذه البعض حائطا يقيمون عنده مبكى ~~ومناحا، وقال آخرون: هنا البدء، وغيرهم صاح: هنا النهاية، ووجم سائرهم: «نحن حيارى.» فأما ~~الذين حدقوا بالظلمة مؤمنين، فقد رأوا فيها الأنوار المتلألئة، وهزأ الكافرون ضاحكين أن ~~الإيمان خوف، وأن ليست بأنوار تلك التي تتلألأ في الظلمة، بل هي - كذا سخر الملحدون - ~~انعكاس نظرات الذين حدقوا وحدقوا فارتدت أبصارهم شعاعا عن عتمة لا تخترق. # الحياة هي فورة من نور، والذين عميت أبصارهم عما هو عبر الحياة هم الذين بهرت عيونهم ~~الأنوار. # نجتمع اليوم لتكريم رجل مشى الحياة مطمئنا، متزن الخطوات؛ إذ إنه ظفر بمعرفة هدفه، ~~وآمن بالذي هو إليه صائر، رجل حدق بالظلمة، ولم يخفها لأنه لم يرها ظلمة، رجل عاش في دفء ~~الحب والاحترام والثقة المتبادلة والعفة والجد. # وحين نزل الستار لم نولول، ولم نتفجع، ولم نعول لأننا مثله موقنون أنه بلغ البداية لا ~~النهاية. # | وانبلج الفجر! # أول مارس 1904 هو عيد ميلاد الزعيم سعادة. # تشرق شمس أول مارس، وأنا أكثر احتراما لسعادة مني له في مثل هذا اليوم من السنة ~~الفائتة. # ولو أنه قيل لي أي عمل في حياتك أنت أشد فخرا به من أي عمل سواه، لأعلنت فورا من ms049 غير ~~مفاضلة بين عمل وعمل أن مفخرتي في الحياة هي أنني أحد العاملين في النهضة القومية ~~الاجتماعية. # وسيظل مقياسي في عيني نفسي ما أنتجه من أجل هذه الحركة. # ينتظم البعض في حزب فرارا من غرم أو رجاء لمغنم، ما كنت هاربا من شيء حين اعتنقت عقيدة ~~سعادة. # أما الغنم - كما شاعت مفاهيمه - فهذه النهضة لا تعد إلا بالحرمان. # وقد يقبل البعض على منظمة بسحر مغناطيس قائدها الشخصي، وأنا لم يتسن لي الاجتماع ~~بالزعيم إلا مرتين، أولاهما كانت غاية في الاختصار. # ولرب فان آمن بمن يعده بالخلود والسعادة بعد الموت، وسعادة لم يكن نبيا، وما كفر بدين، ~~بل قال إن العبادة وأمر الدين ليسا من خصائصه، بل هما من اختصاص الفرد، له أن يمارسهما، كما ~~أرادهما الله، مناقب ومحبة. # ليس لسعادة تقديس خاص في نفوسنا كشخص، بل هو كأي منا يكتسب التقدير والاحترام على قدر ~~إنتاجه؛ فنحن إذ نكرمه نقدس أعماله وأقواله. # لا يهمنا من أمره إلا ما بشر به من إيمان، وما فعلت تعاليمه في قلوب تلامذته، وما تجسدت ~~فيهم من أعمال. # وليست له في عيوننا مكانة خاصة إلا لأنه كان - ولا يزال - القومي الاجتماعي ~~الأمثل. # يزيد احترامه في عيني كل يوم؛ لأنني أتفهمه كل يوم، وأستشعره بالقوة التي أطلقها كل ~~يوم. # لقد درست الكثير، واختزنت الكثير، وأنتجت الكثير، وجاء هذا الغائب فأصبت منه ومن تلامذته ~~في لحظة علم ثقافة هزلت عندها شهادات المدارس ووثائق الحياة. # إنه يوحي إلي الاحترام، هذا الرجل الذي أيقظ احترام الذات في صدور مواطنيه، وجعلهم ~~يستشعرون بالقوة والكرامة، هنالك حيثما كان الضعف، وكانت المهانة. # أعرف عن قادة استثاروا الحيوية بالعاطفية، أو بالبغضاء، أو برشوة الوعود، وقادة عبئوا ~~جهود أمة في أزمة مخاطر أو لحظة حاسمة. # ولكنني لا أعرف قائدا غير سعادة، استثار شعبا من هناء الميضعة، وجند مناضلين في أمة ~~تعود مواطنوها معايشة النظام المغلوط، وألفوا ذله، واطمأنوا إلى بؤسه. # لا أعرف سواه من اهتاج زوبعة في سبيل عقيدة ترتكز على رصانة العلم. # إنه لم ms050 يستثر طبقة على طبقة، ولا رسمل حركته بالتحريض، ولا فتح بوابته للمطرودين عن ~~أعتاب سواه، بل استنفر جنودا، وكرز بالحق والخير والجمال، وبالحب يغمر أفراد أمة كلهم فيها ~~مواطنون. # إنه لم يعد تلامذته بالمغانم، بل علمهم أن يتغذوا بالجوع من معجن الاضطهاد. # لذلك لم يهرع إليه إلا الشريف المعطاء. # إنه نهض بالفرد إلى الصعيد الأسمى والأمجد حين علم الفرد كيف يرقى بالمجتمع، ويحيا ~~متفانيا فيه. # لكل من رفقاء الزعيم ميلادان؛ أحدهما، أول مارس. # | طنبرجي وبغل # كلنا يعرف الطنبر، وقليل منا من لم يقل بالطنبرجي كلمات لا تذاع على الراديو. في بيروت ~~رأي عام ضد الطنابر، أصحاب السيارات وسواقوها ناقمون على الطنبرجية. وأمس حاولت درس قضية ~~الطنابر، فسألت أحدهم - موسى العشار - عن حاله، فأخبرني أنه يملك طنبرين، ويشتغل على طريق ~~صيدا، البغل اشتراه ب 300 ليرة، نسيت أن أسأله عن ثمن الطنبر، عليق البغل في النهار خمسة ~~أرطال شعير ورطلا تبن. ثمن الكل ثلاث ليرات ونصف، يدفع للعامل ليرتين ونصفا يوميا، ~~يبقى لصاحب الطنبر ربح قدره ليرتان في النهار، كذلك هو يربح من الطنبر الآخر الذي يعمل عليه ~~بنفسه أربع ليرات ونصف، مجموع ربحه اليومي ست ليرات ونصف؛ ذلك لأنه يملك طنبرين. # أما الذي يملك طنبرا واحدا، فربحه اليومي ليرتان فقط. «عدم المؤاخذة»، سها عن بالي أن ~~أخبركم أن أجرة الطنبر والطنبرجي في النهار ثماني ليرات، ربحه ليرتان، هذا إذا اشتغل كل ~~يوم من أيام السنة، ولكنه يمر عليه أيام كثيرة لا يجد فيها عملا، هو يشتغل من الساعة ~~السادسة صباحا إلى الساعة السادسة مساء، يشتغل عند متعهد طرقات، خلال هذه ال 12 ساعة، ~~يستريح ربع ساعة في الصباح للترويقة، ونصف ساعة بعد الظهر للغداء. # يا سيدنا أنا آكل على الماشي، إنما البغل لا يريد أن يستعجل في أكله. في الأسبوع الماضي ~~تخرب الطنبر، فأنفق عليه صاحبنا الطنبرجي 21 ليرة أجرة تصليح، اشتغل 18 يوما على ~~الطريق، فكان صافي خسارته - أقول خسارته - 27 ليرة. وفي شهر تموز تهور الطنبر، فجرح ~~الطنبرجي، ms051 الحمد لله كانت سليمة يا بك، جرح رأسي، وقطبه الطبيب 8 قطبات. إنما الحمد لله ~~كانت سليمة يا بك؛ لأن البغل لم يتأذ. # | نجية وانفلتت # هذا الشعر خلق لينشد لا لينقد. # جمال له روعة تخرس الألسنة، وبهاء يحس المرء أنه من التجديف محاولة وصفه أو ~~تحليله . # امدح، لا تخف! فلن تتهم نفسك بالغلو، مثل هذا الفن لا تليق به إلا التسابيح. # هي الموسيقى، والإحساس المرهف، والبلاغة الطليقة، تلتقي مرة كل جيل، فتتآلف وتتحالف، ~~وتبلغ رقما قياسيا جديدا، فتراها هناك على ذروة الذروة، في سعيد عقل، وتحس - وهذا مقياس ~~العظمة - حين تتغنى بشعره أنك معه هناك - في الذروة - تتفيأ أهداب رندلي وتداعب ~~جدائلها. # وبين الكاتب الواقعي والشاعر الرمزي عداء خفي. # يقول هذا: «ما شأن أديب يستوحي قرقعة عجلات الترامواي، وطرطقة السنكري، ويستلهم صليل ~~ملعقة على صحن؟» ويسخر ذاك مستفهما: «ما معنى غد البلبل» و«خليج القمر» و«شط الظنون»؟ ~~حدثني إذن عن «خيبة البندورة»، و«طموح البسكلات»، و«نبل المجرفة». # وينفلت عن الجموع سعيد عقل، فتصيح: «الله! الله!» ما الرمزية؟ هي الواقعية تجنحت وأبت أن ~~تكتسي، وما الغموض والإبهام؟ هو الوضوح يترنح، وتذكر - بسبب شعر سعيد عقل - أن أنبل ما في ~~الحياة وأعمقها هو مبهم غامض، واسمه الله. # بعد أن يصحى الناس من السكرة الأولى في قراءة رندلي، سيفطنون إلى أن سعيد عقل قفز - بشعره ~~لا بنثره - إلى الضفة الثالثة من نهر اللغة. يسألونك هل على الفنان أن ينحدر إلى مستوى ~~العامة؟ أقول إن المبدع يرتفع إلى صعيد العامة، وهذا الخلاف جاءنا في شعره باللغة العادية ~~التي نريدها. أملك نفسك بعد الرجفة الأولى، وأعد الترنم بالأبيات تر أن تلك الألواح ~~السابحة بين الغيوم والنجوم تشدها إلى الأرض أسلاك، وأن ميكانيكية اللغة العامية قولبت ~~ألوانها. # ليس لنا أن نصفك يا «رندلي»، ولكن لنا أن نعري الرءوس وننحني وفي العيون دموع فخر ~~وإعجاب. # | إلى صلاح لبكي # بعد قراءة «سأم» # أخي صلاح # أنت أحرجتني حين أهديت إلي نسخة من «سأم»، فكيف لي أن أشكرك، وأظهر بها إعجابي، ولست ms052 ~~أرى على شفتك العليا شاربين، ولا أنا ممن يقبلون الشوارب. # هذه الكوة التي فتحتها فتدفق منها نسيم الجنة، ونورها يطهر عادي الحياة، وينيره؛ أي ~~حورية خدعت فسلبت منها مفاتيح تلك الكوة؟ من الذي رشوت فوهبك كل هذا القطع النادر من السحر؟ ~~ومن الذي توسط لك فازدان صدرك بكل هذه الأوسمة؟ وأي صلاة تمتم في مقدمة الكتاب هذا الراهب - ~~سعيد عقل - المتمنطق بكل هذه المفاتيح؟ # في هذا الزمن الذي ننادي فيه بالمساواة، كيف يحق لك أن ترتفع عن أكثر الناس؟ # شعرت بالقوة والنشوة والخيلاء حين رحت أرشف من شعرك. # حدثت نفسي: «ماذا على لبنان أن ينقصه القمح والخيش والبطاطا وعندنا من هذا؟» # فهمت كيف يبقى لبنان جميلا برغم قذارة بعض سكانه. # ما دام عن بعضه ينبثق مثل هذا الجمال. # شعرت بالقوة إذ أوهمني عقلي الباطني أني أملك ما به أعجب، كذلك رحت أحترم نفسي إذ أرى هذه ~~الثروة ولا أحسد صاحبها عليها. # أحسست إذ أنا أنشد أبياتك أني أقدر أن أفعل المستحيل، وأحب حتى القبيح. # صحيح القول أنني بعد قراءة الصفحة الأولى، وجدتني أنظم قصيدة أتغنى فيها ~~بالحكومة. # غير أني أعود فأجس الكتاب وأقرأ حروفه، فلا أصدق أنه حقيقة. لعل يقظتي التي شقيت بما ~~أقرؤه من إنتاج هذه الأيام أوهمتني أن «سأم» هو من نتاج مطابع هذه الأيام. # وحين أقنع نفسي أن «سأم» هو حقيقة لا سراب، سأقصد إليك وإلى سعيد عقل، صاحب المقدمة، ~~فأقبل شواربكم واقفا على رجل واحدة. # | مقدمة لمذكرات فوزي القاوقجي # أهذا حلم آخر تحققه الحياة: أن أكتب السيرة باللغة العربية؟ # إن آداب لغتنا خلو من هذا الأدب، فكل ما وقعت عليه يداي هو إما هجاء معيب، أو مديح مأجور، ~~أو محاولة صبيانية. # يقول «الدوس هكسلي»: «إن العقل يملي الحوادث إن هو صمم وعزم وأراد.» إذن فما هي بصدفة ~~أن التقيت بفوزي القاوقجي، وإنى مدون سيرته، هذا «الزهر» - زهر النرد - يقول هكسلي: «إن ~~التجارب العلمية أثبتت أنه يخضع لإرادة العقل في أكثر الأحيان حين يسيطر العقل ~~ويطغى.» # هكذا ms053 أنا في عام 1954 أكتب سيرة القاوقجي؛ لأن هذا ما شئت وعزمت وأردت سنة 1936، حينما ~~كنت في الفلبين، فعامئذ فرغت من كتابي «نخب العدو» مسرحيته وأقاصيصه، وكنت - شأني إذ أنفض ~~يدي من أي تأليف - سكران بالإعجاب بإنتاجي، أحدث نفسي أنني كتبت أروع القصص وأعظم مسرحية ~~باللغة العربية، ماذا ينقصني لاكتمال المجد الأدبي؟ أن أكتب السيرة؟ لقد دونت هذا الشوق على ~~هامش مقدمة «نخب العدو» إذ وعدت القراء بكتاب عنوانه «فوزي». # وكان القاوقجي في تلك السنة تلغرافات تنقش على صدور الصحف، وأنباء ثورة على الإنكليز، ~~وبطش باليهود، وبطولات نعتز بها نحن المغتربين، وكان المواطنون في الشرق الأقصى يشربون ~~نخبه في الحانات والمآدب، ويعلقون صوره على حيطان بيوتهم. واحتملت يوما صورة فوزي فوضعتها ~~تحت زجاج طاولتي في مكتبي التجاري، ورحت أحدق بها معجبا وأقول: «سأكتب سيرته في يوم من ~~الأيام.» # وفي يوم من الأيام تطلعت إلى تلك الصورة فانتزعتها ومزقتها، أية سيرة؟ أي قاوقجي؟ ليس ~~في الدنيا مخلوق أخشع أمامه بأن أتحدث عنه، سأكتب السيرة عن رجل أقل شهرة، فيكون لي عزة أني ~~رفعته لا ميضعة أني ارتفعت به. # وحاولت بعد عودتي إلى بيروت أن أكتب سيرة البحار «إبراهيم بلطجي» قبل حادثة «الشمبوليون» ~~بسنوات، فأبدى أحد أولاده شيئا من الخيلاء، فدفنت الفصل الأول بين أوراقي، لعلي أبعثه في ~~المستقبل، وأبعث سيرة البلطجي إن تغلبت على غرور ومشيخات في نفسي لم تمح بكاملها ~~بعد. # وفي إبان حرب فلسطين التقيت بفوزي القاوقجي في أحد مكاتب السراي، وكان هو في ثوب الميدان ~~العسكري، فتكالمنا خلال دقائق عابرة، وراح يخبرني، من غير أن يعرف من أنا، أنباء القتال، ~~وكيف أنه تلقى 14 تلغراف استغاثة من أحد الجيوش، وأية مهزلة هذه أن يستنجد جيش دولة نظامي ~~بجيش عصابات لينقذه من مأزق جبهة لا يستطيع جيش العصابات أن ينفذ إليها. لقد حسبت حينئذ ~~أنها ليست ميزة عسكرية أن يفضي قائد بهذه الأخبار لرجل غريب، ستكتشف في الصفحات المقبلة ~~سر هذا البوح. # وبعد الكارثة في ربيع 1949 عاودني التحرق ms054 لكتابة السيرة، وسألت السيد كامل مروة صاحب ~~جريدة «الحياة»، وبينه وبين القاوقجي صداقة، أن يجمعني بفوزي القاوقجي لأدون سيرته؛ فوعد ~~كامل، وأكد لي، مثبطا همتي بقوله إنني لن أقوم بهذا المشروع الكتابي، متهما إياي بالكسل ~~الإنتاجي. # وجاء «مؤتمر خريجي الجامعة الأميركية» في بدء هذا الصيف ، واقترحت تنظيم الكفاح على كل ~~السويات من أجل مقاطعة إسرائيل، ومكافحة جاسوسيتها، متخذا لهذا النضال شعار «كل مواطن ~~خفير»، ولما قطعنا في العمل شوطا اقترحت أن يكون لهذه المنظمة رئيس فخري، ما رأيكم بفوزي ~~القاوقجي؟ # فما ثنى كامل مروة على هذا الاقتراح. # وفي أحد اجتماعات «كل مواطن خفير»، جئت على ذكر فوزي القاوقجي من جديد، وبعد الانصراف، ~~فيما نحن ننزل الدرج، اقترب مني «شمس الدين نجم» وسأل: «هل لك أن تعطيني 45 دقيقة من وقتك؟» ~~قلت: «إن وقتي يكال بالأرطال لا بالدقائق.» ~~- إذن فهيا بنا إلى فوزي القاوقجي في «الفيلا» على الشاطئ في «سان ميشال»، ~~وذهبنا. # ها ... و، و، و، و... م! # إذن فكل ما سمعته عنه في هذه السنوات الأخيرة صحيح؛ «فيلا» على شاطئ «سان ميشال»! هنالك ~~بين مقاصير اللذاذات، حيث يقيم الفجور مهرجانات الليالي، وتنتفخ علقات الخيانة بدماء الشعب ~~متدحرجة إلى أعشاش التهتك بالكاديلاكات. على «البلاج» يقيم فوزي القاوقجي سابحا بالويسكي، ~~متنعما بأموال نهبها تحت ستار الجهاد، مختزنا ثروات تتدفق عليه من أمراء الكويت، ومن ~~صفقات تجارة غانمة باسم الوطنية والكفاح، متمرغا «بباشوية» خلعها عليه الملك عبد ~~الله. # وذهبنا. # غير أني لم أكن أحس برعشة من هو على أهبة أن يلقى بطلا أو رجلا عظيما. # وترجلنا من السيارة إلى مسكن متواضع على قارعة الطريق، ومشينا إليه، فإذا على مدخله ~~امرأة تعلق الغسيل، حيتنا بعربية مكسرة، ولاح وجه فوزي القاوقجي من الداخل؛ فأيقنت أن ~~السيدة زوجته الألمانية. # يقال إن لكل رجل وجه حيوان، فهذا يشبه الثور، وذاك الفهد أو الثعلب، وآخر الأسد. وجه فوزي ~~القاوقجي كما أطل علي وكما يوحي إلي هو وجه جواد يحمحم. # وجلسنا حول طاولة - نحن الثلاثة - وكان هو يلبس الشورت ms055 (البنطلون القصير)، وينتعل خفين، ~~هالني أن رأيت فيهما قدمين مسطحتين غير متقوستين، وتبينت جسده فعجبت أن ليست عضلاته كما ~~يتوقع من قرأ أنباء قتاله. ما هو بمترهل، ولكنه ما هو من القوة الجسدية بحيث يبعث الخشية أو ~~يثير الإعجاب، ولكن صدره مرتفع فسيح عتليت، وليس في وسعك أن تصف الأنف أو العينين أو ~~الوجه أيا على حدة؛ فرأسه - رأس الجواد المحمحم - هو وحدة كلاسيكية يوحي إليك أنه في ~~طليعة موكب يسير نحو آفاق لا تحد. # وكان أولاده منتشرين هنا وهناك، وتألمت أن ليس بين أيديهم دمى يلعبون بها، بل إن ~~«أسامة» - وهو في الخامسة - كان يرفه عن نفسه بأن يغير على الرمال فيبودر بها وجهه، ثم ~~يهرع نحو حنفية الماء فيغسله متطلعا إلينا منتظرا أن يسمع كلمات الإعجاب، وهو في مفاجآت ~~ظهوره واختفائه، وكره وفره، كأنه حيوان صغير يظهر من دغل ويختفي في دغل. وأما «مروان» ففي ~~وجهه أرستقراطية هادئة، ولعله برم بأحاديثنا، وليس بين يديه ما يشغله، فتودد إلي بأن ~~وخزني على كتفي متحديا مداعبا. # وكان خوفي - أكبر خوفي - أن يستل فوزي القاوقجي مسبحة من جيبه، وأن يغرقني بالطرائف ~~والتندر، وبالنكات المحفوظة، ولكنه لم يفعل. # وبعد أن رزت محدثي بعيني رحت أحاسب نفسي: إنه لحقير من لا يرى العظيم إلا حين يرتدي هذا ~~مظاهر العظمة، كتاب الحياة تقطع عباراته كلمة «لو». ألم يكن من المعقول أن يكون هذا الجالس ~~«بالشورت» إلى جانبي اليوم، القائد لجيش موحد واحد، سوري (سوريانا)، وأن تكون تماثيله، على ~~الحصان الأبيض التقليدي، في باحات حيفا ويافا ودمشق وعمان والقدس وبغداد وبيروت؟ # إن جليسي على طريق «سان ميشال» هو الرجل الذي شربنا أنخابه في «الفلبين»، وتبوأت صدور ~~الصحف أنباء بطولاته، وتغنى بغماره المقاتلون، أفلا يوحي الخشوع إلا حين يلبس بزته ~~العسكرية، وتلمع النياشين على صدره؟ # ولماذا نحن نتوقع في الأبطال التفوق الجسدي؟ في يقيني أنه لو ركب حافلة الترامواي هاني ~~بعل، ونابليون، وإسكندر المكدوني، وعنترة، واللورد نلسون، لصعب تمييزهم عن مصطفى منتور ~~الطبش، أسعد تيول، شمدص ms056 جهجاه، بندر شنديب، والحاج قعفر طيون الطهشناوي. # ثم أليس الإنسان إمكانية؟ إذن فالحياة تسخو علينا كثيرا، وتنصفنا حين تعرض أمام أنظارنا ~~رجلا له ثقافة وقوة جسدية عاديتان، ثم تخبرنا أنه فعل العجائب، هكذا تقول لنا الحياة إن ~~كلا منا إمكانية تقوى على فعل العجائب. # هنا أسعفني الشاعر الإنكليزي اللورد بيرون بقول حفظته له: # ضع هاني بعل في عينة الميزان، ترى كم كيلو تجد في ذلك المارشال العظيم؟ # غير أن في كل إنسان، وفي كل شيء، كمية خفية مجهولة، لا نقدر أن نصفها، أو تقبض عليها ~~أكفنا، لقد عبر عنها الأميركان بلفظة «أمف» # oomph # سمها # x # إن أحببت، ما الذي يجعل هذا الحانوت مقصودا، وهذا ~~الرجل محبوبا، وهذه المرأة فتانة؟ بعضهم تجمع أرقام كفاءاته فإذا هي أكثر من المجموع، وفي ~~البعض الآخر تجدها أقل من المجموع. هذه الكمية الخفية، هذه «الإكس» هي في القاوقجي شيء ~~ضخم. # لقد تعددت اجتماعاتي به، وكان ودي واحترامي له ينموان. # لقد جئته مرة فوجدته مضطربا، صغيره مريض، وطبيب العائلة في الجبل، تلفنت لصديقي ~~«الدكتور جورج صليبي» فهرع، ومعه «الدكتور الفرزلي»، وبعد أن كشفا على الطفل، ووصفا له ~~العلاج، وقفت الأم تحدث زوجها بالألمانية، ووقف القاوقجي يريد أن يقول شيئا فتلعثم، واحمر ~~وجهه، وأرسل كلمات: «إن زوجتي تدعوكم إلى فنجان قهوة.» إنه كان صادقا، فلم يراوغ بأن ~~يتظاهر بدفع أجرة الطبيب؛ إذ إنه لم يكن يملك ذلك الأجر. ولما عاد الدكتور صليبي بالدواء ~~سأله: «كم دفعت ثمنه؟» أجاب: «نحن الأطباء لا ندفع ثمن أدوية، إنها كياسة مهنية بيننا وبين ~~الصيادلة.» ~~«علاك، علاك.» أجاب فوزي القاوقجي مداعبا، وكان في إغضاء عينيه حياء وخجل ~~ومنة. ~~«علاك، علاك.» سمعته يردد هذه الكلمة كثيرا. «مظاهرات» الشوارع، هي «علاك، علاك»، الخطب ~~الحماسية هي «علاك». في إستنبول عام 1912 أدخلونا في حزب، وعصبوا أعيننا، وحلفنا اليمين على ~~السيف والقرآن، وكانت النتيجة «علاك بعلاك». في سنة 1936 جاءتنا رسل رجالات سوريا إلى ~~العراق، فاستشارونا، ووضعنا الخطط، فما فعل رجال السياسة شيئا «علاك، علاك». # ولقد ms057 جئت هذا الرجل لأكتب سيرته فوجدته - على عادته في القتال - قد قطع علي الطريق ~~فدونها هو في مذكرات، وأمر هذه الدفاتر والوثائق معروف لدى أصدقائه وأعدائه؛ «ففي سنة ~~1949 جاءني الأخ مدلول عباس، وهو ضابط عراقي، وقال لي: لقد وكل إلي أمر سرقة مذكراتك يا ~~باشا لقاء عشرة آلاف ليرة لبنانية ، قلت: «لماذا لم تقبضها يا ...؟» # وفي سنة 1950 كانت هذه المذكرات مودعة في بيت الأخ علي ناصر الدين في بيروت، فإذا بأربعة ~~مسلحين يداهمون البيت في الليل للحصول على هذه المذكرات، ولولا بطولة الخادمة التي علا ~~صراخها رعبا لتمكنوا من اختطاف مذكراتي. ولما فشلت هذه المحاولة أرسل «س... ال... ال... أ... ال... ~~لقتلي أربعة أشخاص، فجاء أحدهم في يقظة الضمير - وكان قد سبق له أن قاتل تحت قيادتي - ~~واعترف لي بالمكيدة، على مسمع من رجال الأمن اللبناني الذين دونوا هذه الحادثة في ~~سجلاتهم. ولقد بدأت هذه المذكرات في بغداد عام 1936؛ إذ كان يلح رفقائي أن أكتبها، ~~وتواعدنا أن نبدأها في الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم 23 يناير 1936، فما إن جلسنا لنبدأ ~~العمل، ورشفنا أول رشفة من القهوة، حتى انتصب أمامي مفوض الشرطة يدعوني إلى مواجهة مدير ~~الأمن العام، فيرسلني هذا إلى المنفى. والآن ما كدنا نتحدث عن هذه المذكرات حتى مرض طفلي ~~«بركان». (ومن الغريب أن مجرمين أحرقوا مطابع «البناء» قبل أن تبدأ هذه المطابع بطبع مذكرات ~~القاوقجي بأيام قليلة.) # قلت لعل هذه المذكرات تحمل ميكروب الكوارث. أجاب ضاحكا: «الحياة ليس فيها كوارث، إن فينا ~~معتقدات توهمنا أن بعض الأحداث هي نكبات.» # إذن، وقد دون هذا الرجل مذكراته، فما شأني أنا، وما هي مهمتي؟ # لقد اكتشفت في القاوقجي تلميذ فلسفة اجتماعية. إن ثقافته الكتبية لا بأس بها؛ فهو مطلع ~~على الحوادث، وهو مطالع الكثير من الكتب والصحف، ولكن ثروته الثقافية هي في غنى التجاريب ~~اكتسبها في ميادين الصراع، فاختزنها في عقله وقلبه، وكمنت في أنحاء نفسه، كما كمنت هذه ~~الشظايا التي لا تزال مستقرة في رأسه وصدره وساقه. ms058 وإن عين الفنان وأذنه ترى وتسمع، ومهمته ~~أن ينقلها. إن أجمل ما في الأدب الصدق، وإن الأديب ليصبح مجرما إن هو حاول أن يلون بقلمه ~~تاريخا خطه جندي بدمه. # سبق لي في «رفة جناح» أن قلت: «لكل سيرتان؛ واحدة برسم النشر وثانية ليوم الحشر.» # هذه الأقوال التي نقلتها عن محدثي هي للنشر وليوم الحشر. ولكننا ونحن أمام تاريخ وضمير ~~قومي أود أن أثبت أنه لا بد من إغفال بعض آراء، وطمس بعض حوادث. إن كان في هذه الصفحات من ~~جريمة اقترفتها فهي جريمة الحذف. على أنني سأثبت ما أغفلته وأودعته في مكتبة الجامعة ~~الأميركية على أن يفض في مستقبل الأيام. # غير أنني ما استثنيت من مذكراته شيئا. إن الذي لم أنشره هو بعض آرائه التي أفضى بها ~~إلي. # وبعد، فالقاوقجي قاتل في جيوش نظامية، وحارب عصابات. فهذه الملاحظات التي أدونها بعضها له ~~ترتيب نظامي وبعضها عصابات أقوال لا تدري متى تختفي ومتى تنقض. # قال لي: «لقد جاءني الكثيرون يطلبون مني أن يكتبوا سيرتي وينشروا حوادثي. وبعضهم تقدم ~~بعروض مالية مغرية. بعض هؤلاء تعمدوا أن يدونوها قصة، ويطمسوا ذكر صاحب القصة. فأما ~~أكثرهم فأراد أن يسلسلها قصة في جريدة. قد يكون هذا أهم الأسباب التي حملتني على الرفض. ~~وقد قلت لآخرين لا أريد رواية بوليسية أو خيالية. نحن أمام وقائع حدثت، ما أعطي ليد أن ~~تغيرها. وليس الغرض من نشر كل هذه الآراء إلا أن تصبح دليلا يهدي جنديا سواي، إلى ~~خزان القوة في أمتنا فيغرف منه.» # والحق أن أهم ما لفت نظري في أحاديث فوزي أن أقاصيصه لم يروها كذكريات، ولا حنين، ولا ~~تغن، بل كان يسردها كمن يبسط تصميما لصراع مقبل. ليس في نفسه نقمة أو حسرة أو عتاب. إنه ~~لا يحمل فاتورة برسم القبض يلوح بها أمام عيون مواطنيه. لا يمنن أحدا بما فعل. وهو قد ~~عامل وعاشر أكثر رجالات العالم العربي. وكان في كثير من الأحيان - حتى في ميدان القتال - ~~هدفا للدسائس والاغتيال. ولكني لم أسمع منه ms059 كلمة واحدة خلال محادثاتي العديدة تنطوي على ~~حقد. والناس في نظره ما هم إما شياطين أو ملائكة. يحلل كل شخصية عرفها ويشير إلى مواطن ~~الضعف ومواطن القوة فيها. إنه لا يريد أن يجرح أحدا، ولكنه يحس بمسئوليته القومية، فهو ~~يريد أن يثبت الأسماء والحوادث، ولأبناء أمته أن يبرئوا أو يدينوا، وعليهم أن يعتبروا وأن ~~يتعلموا. إنه وقد قاتل مع الألمان والأتراك، وقاتل الفرنسيين والبريطانيين، واليهود، ~~انتهى - كما ابتدأ - بحقيقة واحدة؛ وهي أن أمته أشجع وأنبل الأمم بأسا. يقول هذا ببساطة ~~ومن غير انفعال ولا حماسة مصطنعة. هكذا قال له التاريخ الذي درسه وتعمق فيه، هكذا أثبتت ~~له تجارب الميدان في سينا، في فلسطين، في الغوطة، في تدمر، وفي بغداد، وفي جبهات ومعارك ~~خلال ست وثلاثين سنة. # وهذه الحقيقة لا يرسلها فكرا سطحيا. ما هي «علاك بعلاك». إنه يفهم ويعلل لماذا انهزم ~~الجيش السوري في «ميسلون» 1921 وكيف أن بعض هذا الجيش في لباس المدنيين مع مواطنين لهم ~~دوخ الفرنسيين في معارك الشام عام 1925-1927، إنه يفسر موقف الجيش العراقي في حربنا مع ~~اليهود. ما هو بلغز أن الجيش الأردني جيش صغير عظيم برغم أن قائده بريطاني فرنجي ~~غريب. # إنه شيء عادي أن يهرع إلى الجهاد فلاحو فلسطين مسلحين. من أين البارودة؟ «والله يا بك ~~بعنا مباريم (أساور) المرأة وبعنا الدابة.» # هذا المقاتل الذي خدع الموت عشرات المرات - أو مئات - واستبدل دمه مرات، وهزم، وانهزم، هو ~~موقن مؤمن أن البطولة هي بعض الدم الذي يجري في عروق أبناء أمته. وإن النبل والتضحية ~~والمروءة تغلف نفوسهم، وإنهم في كل هذا يفوقون أمم الدنيا قاطبة. لقد غامر بروحه وأرواح ~~ألوف من مواطنيه على أساس هذا الإيمان، وهذا الإيمان بأبناء أمته ترسخ وتجاوب بينه ~~وبينهم؛ فهو الثائر الوحيد - على ما أعلم - الذي انضم إلى ثوراته مرة بعد مرة مجاهدون من ~~كل طوائف الأمة ومناطقها وطبقاتها، وإن هؤلاء ما خاطروا بأرواحهم إلا بعد أن جاءت التجارب ~~تثبت أن قائدهم يستحق هذه الثقة. تعرفت إلى كل ms060 هذا من الرسائل الكثيرة التي في حقائبه، ~~ومن قصاصات صحف تعد بالمئات، ومن صور بهتت على كر السنين كما امحت من المخيلات ذكرى ~~تضحياتها، ومن جداول بأسماء من انتدبوا نفوسهم للجهاد والبطولة. # ولقد أعلنت الحرب العالمية الأولى وأبناء أمتنا يتهربون من الخدمة العسكرية في الجيش ~~العثماني، فصار لهم صيت أنهم جبناء، ولسبب ما - لعله عمق التفكير - خطر في بال القائد ~~الألماني «تلر»؛ فهيأ ثلاثة أفواج من الفلسطينيين في جبهة بئر سبع، وكانت الجيوش ~~البريطانية قد اقتحمت جنوب بلادنا، وحاصرت الجيش التركي في غزة، فما كان من الأفواج ~~الفلسطينية الثلاثة - وضباطها ألمان - إلا أن اقتحمت غزة ومزقت عنها الحصار. # وفي الحرب العالمية الأولى، وصل إلى القفقاز الفيلق الثاني عشر من العراق، وقد جاء ~~العراقيون بملابسهم الصيفية، وحاربوا الروس بين ثلوج القفقاز والقرص وأردهان، وأنقذوا الجيش ~~التركي من كارثة هزيمة. أقتصر على هذين المثلين اللذين سمعتهما من صاحب هذه السيرة، ~~فالمذكرات نفسها تكشف عن نفسية الصراع والبطولة الكامنة في شعبنا. ولقد ذكر القائد الألماني ~~«فون كريس» في معرض المفاضلة بيننا وبين الأتراك أن شجاعة جنودنا لم يشهد أروع منها، ~~وجندينا يمتاز بالذكاء حتى لكأنه يقرأ أفكار القائد من غير أن يستمع لأوامره. أما التركي ~~فهو صلب عنيد يصعب زحزحته من مكانه، ولكنه إن غادر متراسه سيطرت عليه الفوضى، واختلط عليه ~~الأمر؛ إذ إنه يعوزه الذكاء الذي يزخر في عقول مواطنينا. # وصاحب هذه المذكرات يصنف مواطنيه، ويفهم متى يكون أحدهم في الجبهة جريئا، ومتى يكون ~~جبانا. # العراقي بركان يهدأ ويثور، ولكنه قد يخمد فجأة. # البدوي رجل كسب وغنائم، لا يفهم القومية. إنه نفعي يريد أن يستغل من غير أن يغامر، وهو ~~لا يؤمن بأحد ولا يتعرف إليك، ولا يعترف بقوتك حتى يراك ويلمسك، ولا يحالف إلا حين يتحقق أو ~~يتوقع النصر لك، ولا يقاتل إلا حين يصبح في مأزق، فيمسي حينئذ شرسا بطاشا شجاعا كهرة ~~برية مطوقة. والبدوي على أروعه حين يحارب من أجل غنيمة، وشجاعته متأرجحة. # الدروز؟ إنهم شجعان، وهم قسمان: دروز ms061 حوران (الجبل)، ودروز الشوف، لبنان؛ فأما في النخوة ~~والبأس فهم متساوون، غير أن الشوفيين متحضرون، فهم أشد طاعة وانضباطا، وليس في أكثرهم ~~شهوة الكسب، وأما بنو جبل حوران ففيهم الكثير من صفات البداوة، وهم غير منضبطين. والدروز ~~يكونون على أتم بطولتهم حين يكونون جماعة سرايا؛ لأن الواحد إذ ذاك يحفز به إلى الأقدام ~~أن رفقاءه سيتغنون به في المجالس، ويصده عن الجبن خشية من الخزي في عيون بني قومه إن نقلت ~~عنه أنباء معيبة. # والدروز يكتسبون قوة إضافية حين يكونون جمعا؛ لأنهم أبدا يفكرون بما سيروى عنهم في ~~المجالس والمضافات. ولقد استعمل القاوقجي الدروز كقوة احتياطية يدفع بها إلى القتال في ~~الأزمات. وكم من مرة قلبوا الهزيمة إلى نصر، وكان اندفاعهم في المعركة ملهبا لحماسة كل ~~المقاتلين، وكانت الصعوبة الكبرى التي حلت به مع المقاتلين الدروز أنهم كانوا في المعركة ~~يضجون من الانتظار، ويتوقون خوض المعمعة، لا يريدون أن يفهموا أن تريثهم حتى الساعة ~~الحاسمة هو أفعل في كسب القتال من اندفاعهم فيه منذ اللحظة الأولى. # وأية بيئة في بلادنا تنبت أصلح المقاتلين؟ # يعتقد فوزي القاوقجي أن الشامي هو أفضل مجاهد، الشامي غير المثقف، والشامي - كما يحدده - ~~هو ابن دمشق وقراها المجاورة؛ إنه شجاع رصين، ذكاؤه محدود، مرن في القتال، لا يطلب أجرا، ~~ولا ينتظر غنيمة، يمول نفسه فيأتي بسلاحه وعتاده، وينفق من ماله إن استطاع، وهو مؤمن أنه ~~إن استشهد فسيدخل الجنة. # ولكن الدمشقيين، وأبناء الغوطة - بعكس الدروز - تتراخى فاعليتهم إن كثر عددهم؛ فروح ~~الفريق - سمها عصبية القبيلة - هي عند هؤلاء مفقودة، وهم إما تكاثروا ظهر بينهم المتزعمون ~~وطالبو الوجاهة. # وسترى - في الجزء الثاني - كيف كان يستعين القاوقجي على محو الخلافات بينهم بالتحرش ~~بالقوى الفرنسية؛ كي يشغل رجاله بالقتال عن الاقتتال. # الشركسي؟ شجاع. إنه يحس أنه أقلية في بلاد لا يتحسس قوميته فيها بعد، فولاؤه ~~لعشيرته يعلي شأنها بضروب البأس غير مبال تحت أي علم يقاتل، شرط أن يؤمن الثوب ~~العسكري الذي يلبسه رزقه ومجد قومه. # سألته لماذا يستثني ms062 المثقفين من أبناء قومنا في تغنيه عن البطولات، وكيف يفسر أن ~~المقاتلين من الغرب هم أشد بأسا، مثقفين منهم وغير مثقفين؟ # أجاب: إن الذين أصابوا العلم من مواطنينا هم مرفهون ناعمون، يعتقدون أن المدارس منحتهم ~~حصانة تقصيهم عن جبهات النضال، فهم يتسلمون بارودة «لا يعطونها حقها»، إلا الذين ~~تخرجوا من مدارس عسكرية، أو خدموا في الدرك، أو البوليس، غير أننا إن نظمنا أمورنا في ~~المستقبل بحيث يحترم المثقفون العلم في دورة جبرية، أو يتدربون في المدارس ويتقشفون، فسيصبح ~~المثقفون منا جنودا أفضل من غير المثقفين كما هو الشأن في الغرب. # والحياة في نظره ساعتان: ساعة حب، وساعة حرب؛ في ساعة الحب يكون الرجل أنانية خالصة، ~~وهو يملك كل شيء، يحيا هذه الساعة لنفسه، لأثرته، ساطيا متنعما، ناسيا أن في الدنيا ~~شيئا سواه، وساعة الحرب هي ساعة العطاء؛ إذ يفنى الإنسان في نضاله القومي، ويصبح هو لا ~~شيء، وأمته كل شيء. # هو يقول لك بشيء من التيه إنه يفهم المرأة، وإنها تغويه ويغويها، وإن قلبه لا يزال ~~خفاقا، وكذلك قلب سواه، وإن أنباء غماره في الغرام تستحق كتابا، غير أنني وقد تعرفت إلى ~~«فرويد»، وإن أكن أنا لم أسئ فهم صوت القاوقجي المرتجف، وتلك الضحكة في أطراف عينيه، فأكبر ~~ظني أن الحب عند هذا الجندي لو انتظم شعرا لكان قصيدة من نزار قباني لا مقطوعة من مجنون ~~ليلى. # في دفتر قديم قرأت له مذكرات فيها صبيانيات الغرام: «اليوم قبلت فلانة فأحسست برعشة.» ~~لقد تزوج فوزي مرارا، وهو يعتقد أن البدوية هي أفضل نساء الدنيا، بدليل أن زوجها أبدا ~~يغادر البيت مكرها ويرجع إليه مشتاقا. وأحب اللواتي تزوجهن كانت البدوية «عابدية» من بني ~~ثقيف أم ابنته «سورية»، وكانت من الجمال «عيونها تخرق دبابة»! # إن الذي يوغل في الحياة يتعود غرائب صدفها؛ لذلك لم أهتز كثيرا حين تعرفت إلى خط ~~المرحوم بهاء الدين الطباع في مذكرات القاوقجي. كان بهاء الدين صديقا لي حميما. لقد ~~تصادقنا فتيين في بيروت طوال سنوات العشرين، وكان ثالثنا ms063 المرحوم نجيب الريس، حين يأتي ~~بيروت من دمشق. وقد وثقت صلاتي ببهاء الدين أيام فيصل، وكان الصديق بهاء يطمح إلى أن يكون ~~كاتبا، وكان يحفظ الكثير من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية. # نصحته أن يكثر القراءة في كتاب «كليلة ودمنة»، وأهديته منه نسخة. بعد ثلاثين سنة، أقرأ ~~مذكرات القاوقجي، فأتعرف إلى خط صديقي من جديد ، وأرى أن قلم بهاء يزخر بألفاظ كليلة ودمنة، ~~وبناء عباراته متأثر بابن المقفع، ولاحظت أن الدفتر الأول يبدأ «باسم الله الرحمن الرحيم»، ~~وتكثر كلمة «الإسلام» في عباراته، وإني أذكر أن بهاء الدين الطباع كان شديد الحماسة ~~لإسلاميته. غير أن أحاديث القاوقجي كانت خلوا من «الإسلام»، وليس في بحوثه أثر للتقوى، كما ~~شاعت التقوى. # سألته: «هل يهزك الإسلام؟» # أجاب من غير تردد: «إن الإسلام يهزني، ويوحي إلي، غير أني أعتقد أن الدين يجب أن ينحصر ~~في مكانين: الضمير والمسجد. أما أن يكون لأحد منا شأن في حياتنا المدنية بسبب أنه تخرج من ~~الأزهر، أو أنه يلبس عمة، أو يطلق لحية، فهذا شيء غير معقول.» # إن علينا أن نبني الدولة ذات الحضارة والقوة والمكانة. لا بأس أن تتوثق علاقاتها ~~الخارجية بأية دولة سواها، ولا بأس إن عبأنا في جملة ما نعبئ أي شيء يجمعنا مع غير الدول ~~من إسلامية ومسيحية. # إنه يؤمن بالله وبالدين، ولكن الدين هو شيء «شخصي بين المخلوق وخالقه». # ولقد أدهشني من جليسي تألق عبارات تسري على لسانه لعله التقطها من رجاله، وهم من كل ~~السويات، ومن مختلف بيئات بلادنا. هذه مساطر من أقواله: متى سحق أعداء «عجنت بواريدهم» حين ~~هزم كلوب باشا، وجرحه صار كلوب «مهزوم مكلوم». حين يهدد بدويا، ويقول له: «أبول بحلقك.» ~~في الميدان «يتساوى البصل والخروف المحشي.» والخطط السرية هي دائما «شيء في الرأس»، وحين ~~ترك عمان، وجاء إلى أراضي الجمهورية السورية ليقاتل الفرنسيين سأله مودعوه: «هل سترسل لنا ~~أنباءك؟» أجاب: «أخبارنا تسمعونها من بلاغات الجيش الفرنسي.» والطموح من أحد رجال السياسة ~~«إنه يوقد ناري ليهيئ طبخة زعامة.» وعلى القائد ms064 أن «يزرق» إيمانه في عروق رجاله، وفلان ~~«أجبن من فارة.» و«المرأة كالرجل الجبان إن استبد بك تغطرس وظلم، وإن قويت عليه خضع ~~وخنع.» وهو حين يناقش شكري القوتلي في دمشق يقول: «إن لي رأسمالا في هذا العلم.» وحين ~~تسلل من العراق إلى فلسطين عبر الأردن بمئات المقاتلين، وعشرات السيارات، وبرغم طائرات ~~كلوب وهجانته، وجواسيسه وكشافته: «مررت بين أصابع كلوب باشا.» ثم هو يعري كلوب باشا من ~~عقاله، ولباسه البدوي، ولسانه العربي، ويرده بريطانيا بلفظة واحدة «مستر» غلوب. # ولا ريب أن معاشرته الطويلة للبدو قد أغنت ثروته اللفظية، وأطلقت لسانه بالبليغ وبالفصيح، ~~حين عاش في مكة كان له عبد سمين منقش الوجه بالجدري، وكانت زوجة فوزي البدوية تتطير من ~~رؤيته، وقد زعقت ذات يوم «هالوجيه» (هذا الوجه الصغير) اللي شنه (الذي كأنه) روث منقرة ~~(نقره) غراب. # ومن الأغاني التي يحفظها أحدوة كان بدو العراق يحدونها سنة 1922 إذ ثاروا على ~~الإنكليز: ~~«بيع أمك (والأم أقدس المخلوقات عند البدوي)، واشر الألماني (اشتر البارودة الألمانية)، ~~وعدن (احسب كل شيء) أشقر (أجنبي) قوماني (عدوا).» # بيع أمك، واشر الألماني، وعدن كل أشقر قوماني. # ومن اختباراته مع البدو أنه استبقى أحدهم معه في بغداد، واسمه «تويني»، أخو فايز المثقال ~~شيخ بني صخر، وقد برم هذا بعيشة الحضر في بغداد فشكا أمره إلى القاوقجي، فسأله هذا ما يبغي؟ ~~أجاب: «قطيعا أرعاه.» فاشترى له تسعة رءوس غنم، وراح التويني يرفه عن نفسه ويشغلها برعي ~~هذا القطيع في جوار بغداد. ويوما دعا المضيف ضيفه لحضور حفلة سينما في بغداد، وكان الفيلم ~~مزدوجا «ميكي موس» والصورة الشهيرة «لا جديد في الجبهة الغربية»، فلما انصرفوا من قاعة ~~العرض سألوا التويني رأيه في الذي رأى، فأجاب أنه لم يفهم من «ميكي موس» شيئا، وما رأيك في ~~«لا جديد في الجبهة الغربية»؟ # أجاب البدوي: «ذبح، وقلة ربح.» وقد يكون هذا العنوان أصلح للرواية من: # All ~~Quiet on the Western Front ~~. # وسئل التويني رأيه في أحد السعوديين، وهو ذو سلطة عظمى، ومسئولية أكبر من ms065 هامة أجاب: ~~«لعينيك ونا برضى.» أي إن نجدته تقتصر على صياحه «لعينيك»، ولكنه لا يبرح مكانه. وسئل رأيه ~~في زميل للرجل الأول أجاب: «لا يدفع ظليمة ولا يجلب غنيمة.» # ومن البدو «افتهم» كيف يستغل الدعاية؛ إذ إنه وجد بعد أن وصل إلى العراق، واشتعلت الحرب ~~العالمية الأولى، أن الإنكليز هيجوا القبائل على الأتراك بترويج أسطورة بينهم بأن العرب ~~والبريطانيين كانوا فيما مضى فخذين من قبيلة واحدة، غزاهم الأتراك، فهجر فخذ إلى ما وراء ~~البحار، وصار اسمهم بريطانيا، وبقي سائرهم في العراق بدوا مستعبدين. والآن في الحرب الأولى ~~يعود الإنكليز ليحرروا إخوانهم من نير العدو الذي استعبد قبيلا ورحل عنه قبيل. # رجعت من «الأزرق» في شرق الأردن ومعي نحو من خمسين فارسا أكثرهم دروز، وكنت أرمي إلى أن ~~أجعل من هذه القوة الصغيرة نواة لثورة ضد الفرنسيين. كان ذلك في خريف سنة 1936 والأمطار ~~شديدة، وليس معنا مئونة ولا عشب حولنا تقتات به خيولنا، فصار من اللازم أن نلجأ إلى مكان ~~ما، خصوصا بعد أن راح رفقائي يذكروني بأنهم إن قدروا أن يصبروا على الجوع، فالخيول لا ~~تصبر؛ لذلك قررت أن أتجه إلى أراضي «الصفا» شرقي جبل الدروز، حيث ضربت خيامها قبائل ~~«الغياث»، وهم أشداء ذوو بأس، وكان بيني وبين شيخها «خلف النعير» معرفة قديمة، وقد ساهم معي ~~قبل ذلك في بعض المعارك. # غير أنني أدركت قبل أن أصل إلى خيمة الشيخ أن البدوي لا ينهض إلى القتال معنا إلا إذا وثق ~~من قدرتنا على النصر، ووضح له من حقائق القوة أن الانضمام إلينا فيه له ربح وضمانة، وما كنت ~~لأنخدع بعبارات المجاملة التي يغدقها البدوي على ضيفه، ولا بالعواطف الجياشة يرسلها كلمات ~~فصيحة حارة، فالخمسون خيالا لا يوحون بالثقة لقتال دولة فرنسا. ولم أكن أملك مالا ~~أوحي به ل «خلف النعير» ليستنفر قبائله، ونحن وخيولنا في ذلك الفصل ضيوف ثقلاء على جماعة من ~~البدو قد يكونون هم في حاجة إلى الغذاء والكلأ، فلجأت إلى الحيلة بعد أن تفاهمت ورجالي على ms066 ~~العمل. # فلما كان اليوم الثاني لنزولنا ضيوفا على خلف النعير، رحت أتحدث إلى المشايخ عن ~~الترتيبات الهائلة التي نعدها لقتال الفرنسيين، وكيف أن الخيرات ستأتينا بالقناطير مع ~~المعدات والعتاد والأموال، ثم رحت أتطلع برؤساء حملتي فأخاطب أحدهم مثلا: «أما أنت يا ~~فلان، فاذهب إلى المنطقة الفلانية، وارجع بمئتي مقاتل، وخذ معك تسعة فرسان.» وهكذا انصرف ~~رفقائي كلهم إلى ضياعهم، ولم يبق معي إلا خمسة دروز من عائلة النبواني، وبقي معي الدكتور ~~أمين رويحة، واثنان من الشام. وخلت أنني بهذا خففت حمل الضيافة عن البدو، وأوهمتهم أن رسل ~~الاستنفار ساروا إلى التعبئة على أن يرجعوا إلينا بعد شهر ونصف. وأصبح همي أن أقوم بعمل ما ~~أشرك فيه القبيلة أو بعضها حتى تهب الثورة التي كنت أريد إشعالها، فطفقت أقول إنني أريد أن ~~أهاجم الفرنسيين، ودعوت البدو للاشتراك معي، فتلكئوا منتحلين ألف عذر، مرجئين مساهمتهم إلى ~~يوم مقبل، متمنين لي النجاح والسلامة في كل ما أعمل. وظل الأمر كذلك ونحن راكدون، ورسلي لم ~~ترجع بعد، والحياة بين البدو أحاديث ومجاملات، وهم لا ينهضون إلى نصرتنا، إلى أن كان يوم ~~24 كانون الأول، فرجعت أحاول أن أحرك نخوتهم للمرة الأخيرة، وللمرة الأخيرة لم أظفر منهم ~~إلا بالأدعية والكلمات المعسولة؛ فخرجت من مضاربهم بسبعة فرسان؛ خمسة منهم دروز من آل ~~النبواني، وفارس شامي نسيت اسمه، والسابع الدكتور أمين رويحة. # وتوجهنا نحو دمشق من غير أن أطلع رفقائي على ما عزمت إليه حتى بعد النهار، وقد ابتعدنا ~~عن «الصفا»، فأخذت أخاطبهم: «ها نحن في هذه القطعة من بلادنا، وقد كانت بالأمس ميدانا ~~وجبهة قتال، ولكن شهورا كثيرة مضت لم تسمع خلالها طلقة واحدة. الليلة هي ليلة عيد ~~الميلاد، والفرنسيون سيحيونها ليلة مخمورة صاخبة، والمجاهدون من السوريين سيرجعون إلى ~~دفء بيوتهم، والشعب قد يئس من الكفاح مع المستعمر، نحن حفنة رجال، ولكننا في هذه الوحدة، ~~وفي هذه الليلة سنكون أبطال هذه الأمة، يجب أن نعكر على الفرنسيين أفراحهم، ونفيقهم من ~~سكرة النصر، ونوقد الحماسة في صدور ms067 مواطنينا، هذا اليوم ...» # وقطع علي خطبتي أحد الفرسان، واسمه هايل النبواني، بقوله: «أتريد أن ترسلنا إلى القتال ~~أم أنك مرافقنا؟» # أجبت: «بالطبع أنا معكم.» # فقال هايل: «إذن لم طول الحديث؟ لا عقلنا أكبر من عقلك، ولا أرواحنا أعز من روحك.» ~~فأغناني هذا الجواب عن المقدمات والفلسفات التي كنت قد أعددتها، وانحرفنا عن الطريق إلى ~~أجمة دفنا فيها أوراقنا وأغراضنا التي تحمل علامات فارقة ، وكومنا فوق الحفرة ركاما من ~~حجارة، وتعاهدنا على أن يعود إلى ذلك المكان من منا بقي حيا فيسترد ما دفناه، ويسلمه ~~إلى عائلاتنا. وقمنا بهذا العمل بين النخوات والأهازيج، ثم شددنا على الخيول متأهبين ~~للقتال، وسرنا وأناشيدنا نفير قتال، ونحن في طرب ونشوة ما عرفت لهما مثيلا، وصرت أسمع لوقع ~~حوافر الخيل موسيقى تواكب الغزاة الفاتحين. # ودخلنا في المساء قرية في الغوطة أظن اسمها «جوبر»، فرأينا فلاحين يشتغلون في الليل على ~~ضوء سراج، وكنت أعلم أن الفرنسيين قد أقاموا في كل قرية حامية من مسلحين، فرحت أتكلم ~~بالفرنسية لحضرة القومندان، وكان معلقا فوق زناره من الأمام خنجرا شأن الشراكسة، وسألت عن ~~فوزي «فوزي القاوقجي»، فحلف الفلاحون أنهم لا يعرفون أين هو، وأنه لم يأت إلى الغوطة منذ ~~زمن بعيد، فأرسلتهم في طلب الحرس، فجاءني بعضهم، ورحت أوبخهم - كل هذا باللغة الفرنسية ~~والدكتور رويحة يترجم - وأعنفهم على تراخيهم وغفلتهم صائحا زاعقا مهددا مصرا عليهم ~~أن يخبروني عن فوزي، فكانوا يجيبون بأنهم لا يعرفون أين هو، ولعله في الأزرق، والأرجح أنه ~~مات، فأخذت منهم أسلحتهم، وأهنتهم، وفرضت عليهم غرامة مائة ليرة ذهبية على أن يأتوا بها في ~~اليوم الثاني، ويجتمعوا بي عند المستشار الفرنسي في «دوما» حيث تجري محاكمتهم. # واستأنفنا السير حتى وصلنا إلى قرية «يرزا»، وأطلقنا بواريدنا صوب دمشق حتى «نثبت ~~وجودنا»، ونخلق ذعرا، ثم انتقلنا إلى جسر «طورا»، وفتحنا على دمشق نارا قوية، وأسرعنا ~~إلى معمل الزجاج في دمشق نفسها، وأمطرناه رصاصا هطالا، وتعالى صياحنا وهزيجنا؛ فقامت ~~القيامة في المدينة، واستنفروا الجيش، وعلا صفير الخطر، وتراكضت المصفحات ms068 والسيارات؛ ~~فانسحبنا فرحين، وكان المرج تحت الماء والفيضانات تملأ السهول، ووجدنا حقلا مزروعا ~~بالملفوف فأكلنا وأطعمنا خيولنا، وصابحنا الفجر عبر المرج، وسرنا فنظرنا طائرات الفرنسيين ~~تحوم فوق ضياع الغوطة مستكشفة؛ فشعرنا بلذة غريبة، واستمر سيرنا حتى رجعنا إلى الركام حيث ~~دفنا أوراقنا، فاسترحنا هناك، ثم نبشنا الحفرة واستعدنا أوراقنا وكلنا أحياء ليس في جسد ~~أحدنا خدش. # وتمهلنا بالعودة إلى مضارب البدو متخفين حتى كان رجوعنا إليهم في عصاري اليوم الثالث من ~~مغادرتنا، فأعجبنا أن أنباء مغامرتنا قد سبقتنا مضخمة منفوخة بالغلو والأكاذيب، ~~فتوهموا أننا نسفنا الجسور، وهاجمنا مخافر المدينة، وقتلنا بعض قادة الحامية الفرنسية، ~~وبالطبع لم أفه أنا بكلمة تنزع هذه الأوهام من مخيلتهم؛ إذ إن بعض الغاية من تلك الغزوة ~~كانت أن أترسمل أمام البدو بعمل ينهض بهم إلى الثورة. وخلال السهرة جاء البدو فملئوا الخيمة ~~الكبرى يتوسطها الشيخ خلف النعير وشيوخ القبيلة، وبعض رجالها يكيلون لنا المديح، ويتغنون ~~بأساطير ما حسبوا أننا فعلنا. وكان أحد الرعيان جالسا في طرف الجمهور يجهش بالبكاء قلقا ~~متوترا يتململ يريد الكلام، وهو يتطلع إلي ودموعه تذرف، ويكثر الإشارات نحوي، وكلما هم ~~بالنطق ينتهره الشيخ، ولما طال الأمر قلت للشيخ خلف النعير اتركه يتكلم، أخاله يريد أن يوجه ~~إلي كلاما، وكنت في السر أتوقع أنه ثارت به النخوة فهو متطوع للانضمام إلينا، وقد يأتي ~~تطوعه شرارة تشعل الحماسة في سائر أفراد القبيلة؛ لذلك أصررت على الشيخ أن يأذن له، فسمح ~~له الشيخ بقوله: «احشي لعين أبوك.» (تكلم لعن الله أباك) فانفجر الراعي بالتفجع يقول لي: ~~«والله إني أحبك، أحبك أحبك.» سألت: «ليش؟» أجاب: «والله كان عندي قعود - جمل أشكح أشقر - ~~والله يشبهك، والله مات، وأنا كلما شفتك تتكلم أتذكر القعود وأبكي.» # فندمت على توسطي للسماح له بالكلام. # وشعرت أن أسهمي ارتفعت، وأحسست أن حب القتال بدأ يتوثب بين أولئك البدو. وفي اليوم الثاني ~~أذعت أنني سأغزو قافلة السيارات التي تسير بين دمشق وبغداد، فنفر إلى مرافقتي خمسة وعشرون ~~من شيوخ القبيلة. # فتأهبنا وركبنا، ms069 واخترت مكانا خبأت فيه خيولنا، ثم ابتعدنا فرابطنا حوالي الطريق ~~منتظرين القافلة، وجاءت القافلة سيارات «نرن» تتقدمها مصفحة، فتركتها تستمر في السير، وتركت ~~سيارة ثانية تفلت خلفها، وأوقفنا السيارات الباقية، وكنت أعلم أن مصفحة مسلحة ثانية ~~تأتي في مؤخرة القافلة، فصحت بسائق إحدى السيارات أن ينطلق نحو الجنوب، وكانت القافلة تسير ~~شرقا بغرب، وهددت السائق أنه إن لم يسرع فيجنح نحو الجنوب حيث أشرت فهو قتيل، فدار السائق ~~مذعورا، وانطلق بالسيارة جنوبا؛ فرأت المصفحة في المؤخرة السيارة هاربة فتبعتها متوهمة ~~أنها السيارة التي أغارت على القافلة، هكذا بقي سائر القافلة بين أيدينا غنيمة غير باردة. ~~ووقفنا على البريد السياسي من البعثة العسكرية في الشام إلى السفير الفرنسي في بغداد يطلبون ~~منه أن يتدخل مع السلطات البريطانية في العراق لتسليمهم الدكتور عبد الرحمن شهبندر، وكان ~~فيها لاجئا سياسيا، ووزعنا حمولة السيارات، وكانت حرائر صنع دمشق مختلفة الألوان، ~~وقنابيز، وعباءات، وأذكر أن كل فارس أصابته عشرون قطعة. أما أنا والدكتور أمين رويحة فقد ~~احتفظنا بقطعتين من الحرير المقلم على أن نخيطها بيجامتين، وأمرنا السواقين فدخلوا ~~بالسيارات في أرض «الحراء»، وهي أرض بركانية، وتركوها هناك، ورجعنا إلى الخيول فامتطيناها، ~~وقفلنا نحو خيام «الغياث»، فلما أقبلنا في ضحى اليوم الثاني والفرسان يلبسون الحرائر ~~الزرقاء والخضراء والحمراء والعباءات على السروج كأننا في تلك البادية موكب من ربيع. # وحين أطللنا على المضارب تكهربت القبيلة، وجنت، وهاجت من مرأى المكاسب، فخلت أن الحرائر ~~الملونة أصبحت أعلام الثورة التي كان كل همي أن تعصف زوبعة قتال في الغوطة وأطراف ~~دمشق. # عفوك! فقد نسيت أن أذكر أنني تركت في مكان حادثة القافلة رقعة كتبت عليها بخط كبير إن ~~على كل شركة سفريات تريد أن تؤمن سلامة سياراتها عليها أن تأخذ إذنا من قائد الثورة فوزي ~~القاوقجي، فإن فرنسا أعجز من أن تحمي سيارة أو مسافرا. # وفي اليوم الثاني جاء البدو يحرضونني على غزوة جديدة، ولكنني كنت أهدف إلى ثورة، فاقترحت ~~أن نزحف إلى ضياع الغوطة، فعادوا يتلكئون ويعتذرون، وأخيرا ms070 صارحني خلف النعير بأنه يريد ~~مؤنا وكساء قبل أن يتحرك، فعمدت - كالعادة - إلى حيلة، وكان معي رفيق من طرابلس اسمه عادل ~~الحامدي (هو موظف في بلدية طرابلس اليوم)، فناديت عليه، فأقبل وبيده دفتر كبير عديد ~~الصفحات، قلت: «ما تبغي يا خلف؟» أجاب: «والله عقال ... والله دراعية ... فروة ...» قلت: ~~«انتهيت؟» أجاب: «والله أختك (يعني زوجته) أريد لها ...» وهنا كر بطلبية لأختي؛ زوجته ~~«وغيره يا خلف؟» «والله هايش - هكذا - يريد البيت شاي، ثمن - رز - طحين ...» ولما فرغنا من ~~قائمة الشيخ خلف، أقبل شيخ آخر ... شيخ وراء شيخ، وأختك وراء أختك، وبيت وراء بيت، حتى عبأنا ~~الدفتر الكبير ... فقلت لعادل: «اكتب يا عادل على قفا الدفتر.» فكتب: «إلى أول وطني حر في حي ~~الميدان، دمشق: إخوانكم المجاهدون في حاجة إلى هذه الأغراض المدونة في هذا الدفتر، وهم ~~واثقون من أن مروءتكم ستحفز بكم إلى إرسال هذه الحاجيات. أخوكم فوزي القاوقجي قائد ~~الثورة.» # وحمل الرسل الدفتر، وركبوا الأباعر قاصدين إلى دمشق، حاسبين أنهم يعودون بها محملة، ورحت ~~أنا أضحك بسري من هذه الخديعة، ولكن البدو كانوا ألعن مني، فلما ندبتهم إلى التجند، ومهاجمة ~~الغوطة ما تحركوا، بل قبعوا ينتظرون رجوع القافلة، وخلال هذا كان المقاتلون الذين جاءوا معي ~~من الأردن قد بدءوا يعودون إلينا من قراهم، ومعهم رفقاء من فرسان ومشاة حتى صرنا أكثر من ~~مائة مجاهد، فرحنا نباغت المخافر في الغوطة، ونصادم القوات الفرنسية فنبطش بالصغيرة منها، ~~ونتجنب الاشتباك مع الكبيرة، وفي كل مرة بعد المعارك نعود إلى «الصفا» للتخفي والاستراحة، ~~فيلقانا البدو بحماسة ودهشة، ولكنهم لا يتحركون للقتال. # حتى كان صباح فسمعت صياحا ومن يقول: «عادت الأباعر.» فهلعت من انكشاف الفضيحة، وصرخ خلف ~~النعير بفارس أن يذهب ليتأكد إن كانت محملة أو غير محملة، وهممت أنا بالخروج مع رجالي ~~للهرب متظاهرا بأننا مغيرون في غزوة، ولكن الفارس عاد يقول إن الجمال محملة، فسري عني ~~إذ تأكدت أنها غير الأباعر التي أرسلناها. أما خلف النعير فحين سمع أن القافلة عادت محملة ~~أصابته رجفة ms071 من نشوة ما سيأتيه من مختلف الكسوة والمآكل، ووصلت الجمال والرسل فإذا هي ~~القافلة التي أرسلناها وفيها كل ما طلبنا إلا بعض أغراض ناقصة، قرر الشيخ خلف أن الرسل ~~سرقوها فحمى سيخ البارودة، وراح يكوي فيه الرسل حتى اعترفوا أنهم مدوا بأيديهم إلى بعض ~~الحمولة في الطريق. # وإني حتى هذا اليوم لا أدري من هو «الوطني الحر»، أو الوطنيون الأحرار في حي الميدان في ~~دمشق الذين لبوا طلبنا، وحملوا الجمال بتلك الثروة، فاستحال ما خططته من خديعة إلى حادثة ~~مروءة ستخلد في تاريخنا القومي. # روى لي محدثي هذه القصة بحضور نسيب له، وهو من مرافقي القاوقجي في بعض ثوراته، فعقب نسيبه ~~على هذه القصة بقوله: «قد يهمك أن تعرف ماذا حل بهؤلاء الفتيان من عائلة النبواني. لقد ~~استشهدوا كلهم في ثورة جبل الزاوية. وفي سنة 1936 كنا في معارك فلسطين، إذ أقبل علينا فتى ~~هادئ، زري الثياب، خجول، يحمل عصا نزع من أسفلها رسالة مخبأة ناولها إلى القائد قاوقجي، ~~فإذا هي كتاب يوجهه إلى القائد أحد المشايخ النبواني يقول به: «يا عتبي عليك يا فوزي، إن ~~عائلة النبواني التي استشهد خمسة من فتيانها تحت قيادتكم، لم تكتسب بهذا حق المساهمة ~~بالجهاد اليوم؟ فلماذا لم تعطونا خبرا حين بدأتم هذه الثورة الجديدة؟ إن حامل هذه الرسالة ~~هو ولدنا سليم الريس من عالية، وإني أستحلفكم بدماء أولادنا الشهداء أن تفسحوا له مجال ~~النضال المسلح.» أعطينا سليم الريس بارودة وعتادا، وراح يشترك في القتال بضراوة، ولكنه ~~عاش بيننا في عزلة، فإن لم يدع للطعام لا يأكل، وإن لم يقدم له سكاير لا يدخن، وكان كثير ~~التغيب عنا، حتى كان يوم جمعنا فيه مخاتير بعض القرى للتداول في أمر، فأدهشني أن هؤلاء ~~المخاتير راحوا يسلمون على سليم الريس بحرارة وإعجاب، فسألتهم: «ما الخبر؟» أجابوا: «إن ~~سليما هذا كان يشتغل حارسا في إحدى المستعمرات اليهودية، وإن سبب تغيبه عنا أنه كان ~~يتسلل إلى بعض هذه المستعمرات وحيدا، فيقوم بأعمال النسف والقتل والتخريب.» # وجاءت معركة «بيت ms072 مرين» الكبرى؛ إذ طوقنا الجيش البريطاني في دائرة 17 كيلومترا، وكان ~~الجنرال «دل» يراقب القتال من على طائرته المحلقة فوقنا، وفيما المعركة على أشدها ونحن نصد ~~الإنكليز عن قلب جيش الثوار، جاءت امرأة من قرية مجاورة تزعق صيحة النجدة والنخوة «نشامة ... ~~نشامة عسكر غرب البلدة بين الزيتون ... اذبحوها ... وين راحت النشامة؟» وسمع سليم الريس الصيحة ~~فزغرد، ثم هجم نحو غابة الزيتون، وعقاله في فمه، وكان في القرية مرضى وجرحى من المجاهدين - ~~شاميين وعراقيين - فلما رأوا سليم الريس راكضا ثاروا، وتبعه من قدر منهم، وثار معه رجال ~~القرية وبعض نسائها، وهاجموا القوة البريطانية فهرب العسكر، وركب أكثرهم المصفحات، وارتدوا ~~إلى الطريق العامة منهزمين، والتجأت منهم شرذمة إلى قرية «سباسطيا»، ورجع سليم الريس - وكان ~~الوقت مساء - مزهوا، وسيكارته في فمه، فرأى بصيص السيكارة جنود سباسطيا فأطلقوا عليه ~~الرصاص وأصابوه في رأسه فاستشهد، ودفناه في دسكرة اسمها «ناقوري» قرب نابلس. وكانت هزيمة ~~القوة من غابة الزيتون سبب فك طوق الحصار عنا في أكبر معارك سنة 1936 وأشدها خطورة. # ولقد عتب علي فوزي القاوقجي، غير الشيخ النبواني، دمشقي اسمه الشيخ محمد فوزي صوري، ~~صاحب دكان صغير أقفله سنة 1925، والتحق بالثورة حتى نهايتها سنة 1927، وكانت السلطات ~~الفرنسية تلاحقه، فالتجأ إلى «إربد» في الأردن، وفتح فيها حانوتا صغيرا. ولما نشبت ثورة ~~1936 جاء يعاتب فوزي، وانضم إلى قواته، فاستشهد في معركة بين الدبابات، وكان أن جمع الحاج ~~أديب خير في دمشق مبلغا محترما من المال لتوزيعه على عائلات الشهداء، وتوجه رسول إلى ~~«إربد» فإذا بأرملة محمد صوري تدير دكان زوجها، وكل ما فيه من بضائع لا يملأ كيس شحاذ، وإذا ~~في جانب الدكان ولدها الكسيح، فناولها الرسول عشرين جنيها، فأجابت الأرملة: «نحن لا نبيع ~~رجالنا بالمال، زوجي اشترى الجنة بدمه، أنا لا أشوه الجنة بدراهم، أنتم جمعتم المال لتشتروا ~~خرطوشا تقتلون الإنكليز واليهود، لا صدقة توزعونها على أمثالي.» ورفضت الإعانة. # ذكرت هذه النوادر للتدليل على أن بعض عناصر الثقافة والفصاحة في القائد قاوقجي استلها من ~~البدو ms073 والبداوة، وكذلك من عاديي المواطنين. # ولم أجد في كل من عرفت شخصا له موسيقية الإشارات كما هي في القاوقجي. لو لم يكن عسكريا ~~لصح أن يكون «ماسترو» يقود سمفوني، فحركات يديه وذراعيه متواقعة مع الحديث لا يسرف منها ولا ~~يحبسها، فهو حين يقول لك بلسانه وقبضة يده مندفعة إلى الأرض «جاءني رسول الفرنسويين «فيشي»، ~~وهم حينئذ «أذلاء»، رأيت الفيشيين ركعا على الأرض يتوسلون، أو بسط يمينه مبعدا ذراعه عن ~~جسده: «وتمزقت الإمبراطورية العثمانية، تتطاير أجزاؤها أمام عينيك، فطرابلس الغرب تهوي إلى ~~حضن إيطاليا، والبلقان تنشق شظايا من دول. ولكن أجمل إشاراته حين يرفع يديه محاذية رأسه، ~~ويدفعها بعينيه، «ومشينا» في تلك اللمحة ترى في يد هذا القاعد بالشورت عصا مرشال يجب أن ~~تكون هناك في قبضته. # ما أنا برجل عسكري، وكل القتال الذي قمت به كان نضالا غير متكافئ بين طائرات تحوم فوق ~~رأسي، وترمي بالقنابل على مختلف الأبعاد من ملجأ كمنت فيه، وكل الجيوش التي رافقتها لم ~~تتلق مني من الضربات البكر إلا شتائم باللغة العربية كنت أهمس بها حين يبتعد عني سجاني ~~الياباني. ولكني تحققت من أحاديث فوزي القاوقجي ما يجب أن أسجله كي يصبح نذيرا إن رجع ~~هذا المحارب إلى الميدان، وقد يصلح هذا التعليق أن ينبه ناقدا عسكريا يبغي أن يبحث كفاح ~~هذا الرجل من وجهة تقنية صرفة. # يخيل إلي أن القاوقجي لا يقيم وزنا للآلة، وأن الهيجاء في نظره هي عبارة عن مقاتلين ~~وقائد يفولذهم إيمان. إني استمعت إليه وتحدثت إلى بعض رجاله. هو في الميدان وقبل المعركة ~~يعد لها، ويأخذ جميع التأهبات: البواريد، الخرطوش، المؤن، كل شيء. ولكني في نقاشي معه شعرت ~~بأنه يكاد يحتقر الآلة، فلا المصفحات، ولا الدبابات، حتى ولا الطائرات تشغل من سرده وأفكاره ~~وخططه ما يجب أن تشغله. لسواي أن يحقق في هذا وأن يصدر حكمه، غير أنه في القراءة الأخيرة ~~لهذه المذكرات انتفض صاحب المذكرات، وأوضح رأيه في الموضوع معلقا على كلامي: «أنا لا أحتقر ~~الآلة، ولكن الآلة - بيد ms074 الجبان - جبانة. والشرط الأول للظفر هو روحية المقاتل. في معاركنا ~~استولينا ببنادقنا على المدافع، وبها أسقطنا طائرات. في معركة «الرمية»، كان سلاحنا السيوف ~~والبواريد؛ فغنمنا المصفحات والدبابات. في جبل الدروز والغوطة سيطرت النخوة على كل معدات ~~العدو وآلياته. # وفي معارك سنة 1948 كانت آليات «جيش الإنقاذ» بغالا حين دخلنا فلسطين، وانتهى الأمر إلى ~~يوم اغتصبنا من آليات العدو الكثير بينها 42 دبابة، ثم إني أحسب في حروبنا المقبلة سيكون ~~غزاة بلادنا أبدا متفوقين علينا بالمعدات، وليس لنا إلا أن نبحث عما في أمتنا من بطولة ~~أصيلة. # أولى مغامراته أثارها حافز تودد إلى امرأة أراد أن يغزو قلبها بشجاعته، ترى أتسكن قلب هذا ~~الرجل جنية ترغمه أبدا إلى الغمار من أجل إرضائها؟! إذن فهل كانت ثوراته والدماء التي ~~أريقت نزوات فروسية لا معنى لها ولا مبرر؟ # قد نستطيع الجواب على هذا حين نستكمل السيرة، لا في هذا الجزء الأول، بل في الأجزاء ~~المقبلة. # هذا الإيمان العميق ببني قومه، أكان في القاوقجي مدا مستمرا أم مدا وجزرا؟ # هو يعترف بريبة سطت عليه خلال خسفة عاطفية أصيب بها سنة 1922. # كان إذ ذاك في حماة، ضابطا في الجيش الفرنسي والشعب في ركدته، ومظاهر الخضوع في طبقاته، ~~حتى إن بعض رجال الدين كانوا يأتون إلى الفرنسيين، ويفسرون لهم القرآن الكريم على أنه نبوة ~~بظهور الفرنسيين منقذين للإسلام. أدار القاوقجي نظره فإذا بتركيا دولة تتقاوى وعلى رأسها ~~جندي اسمه مصطفى كمال تصدى لقتال دولة ببقايا جيش مهزوم، فثار لفراع جيوش لم يعد جنودها. من ~~هي تركيا؟ إنها أمة، أين هي من أمتنا؟! والجندي التركي أين هو من جندينا؟ ومصطفى كمال ~~زملاؤه الأتراك تخرجوا من المدرسة التي تخرجت وبعض مواطني منها، وحاربوا في صفوف الجيش، ~~وحاربنا نحن فيه. أنا الذي أنقذته، ولم يكن هو الذي أنقذني، كيف تصبح تركيا دولة ذات شأن ~~فتطرد العدو من أراضيها، وتتصدر المجالس في المؤتمرات، وتكنس بضربة واحدة عناكب الرجعية، ~~ونحن هنا في بلادنا مستعبدون، أهمنا شأنا أكثرنا طواعية للمستعمر؟ أحقا أنني ms075 أفهم أبناء ~~قومي وتاريخ أمتي؟ أنا مخطئ ولا شك، روح الصراع تلاشت فيهم. كانوا في الزمن البعيد أبطالا، ~~وجاءت حقبة فتحت فجوة بينهم وبين النضال، فانظر إلينا! عبيد تكدح من أجل العيش لا إباء ولا ~~طموح ولا جرأة. التاريخ علاك، شهور مرت عليه والحزن والريبة واليأس ملء قلبه، وجاءت أنباء ~~ثورة في جبال العلويين، ثورة في جبل الزاوية، وفي دير الزور، ثورة في جبل الدروز، إذن ~~فالحياة هي أبدا تنبض في بني قومي وتفور. # أنا الأعمى الذي لا يراها، أنا الملحد الكافر. سألته لماذا لم يلتحق بالقوى العربية ~~البريطانية في ثورة الشريف حسين على الأتراك. لقد أجاب على هذا بمذكراته، وشرح لي أنه استبق ~~الحوادث، فأدرك أن البريطانيين كانوا على أن يمزقوا بلادنا ويستعمروها، وأنه كان أسلم لنا ~~أن نبقى تحت حكم الأتراك وحدة من أن يستعمر البريطانيون نتفا من بلاد، وقطعا من أمة ~~تسمي نفسها دولا. وهو كذلك يقول إنه رأى في ذلك الحين أن تصفية أمورنا مع الأتراك إن ~~استمروا مستعمرين كان أهون من تصفيتها مع الإنكليز، وليس لي أن أتثبت من هذا الرأي، ~~أنشأ خلال الحرب الأولى أم بعدها بسنوات. أريد أن أزيد على هذا الإيضاح أن شرفه كجندي، ~~وروح الولاء للفريق الذي يقاتل فيه، وعنفوانه العسكري قد تكون بعض الأسباب التي منعته من ~~نقل ولائه إلى المعسكر الذي يقاتله. # بالرغم أنه اجتمع إلى الكثيرين من رجالات الدنيا: بيرون، مصطفى كمال، عصمت أينونو، فيصل ~~الأول، نوري السعيد، الأمير عبد الكريم، الملك سعود، كان يلفظ أسماءهم كما يلفظ أي اسم آخر، ~~لا خشوع ولا استخفاف، غير أنه مرة واحدة حين جاء على اسم «فون لايزر» قال: كنت بمعية ~~الجنرال فان ليزر. لعل في نفسه بقية من خشوع لشيء اسمه ألماني، وفون ليزر هذا كان قريبا ~~للعائلة المالكة القيصرية «هوهنز لرن»، وقد أرسل إلى الجبهة مرفقا بأمر جرماني عسكري سري: ~~«يجب أن لا يموت.» # لا أعلم في تاريخنا الحديث والمعاصر كتابا ظهر، له أهمية هذه المذكرات. وليس الغرض منها ms076 ~~تمجيد شخص من واجبنا القومي تقديره إن لم يكن لأي سبب آخر إلا لأن احترامه والتفاخر به هو ~~واجب علينا اكتسبه بدمه، ولا تكون الغاية الرئيسية من سرد حوادث حياة هذا الجندي أن نستعيد ~~الثقة بأمة لا يقوى أن يحجب الثقة عنها أي من فهم تاريخها، وتعرف معرفة صحيحة حميمة حتى ~~إلى حاضرها. بل قد يكون أهم ما في هذه المذكرات أنها بما ترجعنا إلى ماض، وبما تقصينا ~~عن غابة مشاكل حاضرة عابرة، وبما تسمو بنا إلى فترات صراع بهية؛ أنها فيما هي تفعل كل هذا ~~توفر أمام أعيننا النظرة الشاملة التي فقدناها، فتبسط أمامنا بلادنا بقضيتها الموحدة؛ إذ إن ~~أكثرنا - وأخصنا من هم دون الأربعين - ما استفاقوا إلا على حطام من وطن سموها دولا، ~~فأصبحوا في كثرتهم الغالبة إما منشغلين بما يهمهم في هذا الأفق الذي ضاق، وراح الآخرون - في ~~خيبة الحاضر - يحلمون بمستقبل غير عاملين له، بالوطن الذي ما كان ولن يكون. # وهذا الحاضر الكدر الذي نحن نتخبط فيه سوف ننفذ من ظلمته إلى ضياء المستقبل الذي تبصره ~~النخبة منا، أولئك الذين لم تألف عيونهم العتمة، فما خضعت ولا غشيت عن الرؤية، غير أننا لن ~~نقوى على إحراق هذه الظلمة إلا بعد أن نرى الخيط - خيط النور - ونتأثره من يوم أن شع فظهر ~~غير واضح، فكان هزة نفس غريزية، وتجاوبا مبهما؛ إذ ظهر في زمن الأتراك بشخص «قحطان»، ~~واستمر تمردا هنا وثورة هناك، وبطولات مبعثرة حتى وقف - ولا أقول انتهى - عند حرب ~~فلسطين، وبولادة «إسرائيل». إن سيرة القاوقجي تجسد كل هذا وهذه الثورات انتهت كلها ~~بانكسارات، يعلل ذلك أنها لم تكن شاملة، وهي لم تكن شاملة؛ لأن الوعي اقتصر على النخبة، ~~والتربية القومية كانت كذلك منحصرة بالقلة بفعل عصور الضعف، فأهمية ثوراتنا كلها منذ 1910 ~~إلى اليوم لا تتعدى أنها كشفت عن روح البطولة ونفسية الصراع الأصيلة في بني قومنا. وإن وجود ~~«إسرائيل» سيصبح السبب الرئيسي في شمول الوعي، وإرهاف الحس القومي؛ لذلك ستأتي وثبتنا ~~المقبلة كاسحة ظافرة؛ ms077 لأنها ستكون شاملة موحدة. # كل من يقرأ هذه المذكرات بعينين صافيتين ما لوثتهما العتمة يتحتم عليه أن يرى هذه ~~الحقيقة. # يقولون إن أخلاق الرجل تتكشف في أصدقها على طاولة القمار، قد يصح هذا القول بأزخم حقيقة ~~على الرجل في الميدان. وفوزي القاوقجي عرف رجال بلادنا من كل العناصر التي تستل منها أمتنا ~~قوتها؛ فلقد رافقه الفلاح والبدوي والمثقف والمتحضر والقروي وابن المدينة، في العراق ~~والأردن وفلسطين وأنحاء الشام، وفهم - أو «افتهم» كما هو يلفظها - السياسيين، وخرج إلى ~~حقيقة أن السياسيين كمجموع غير جديرين بالاحترام؛ فهم برغم إخلاصهم على وجه عام ليسوا برجال ~~عمل وتنظيم وإعداد، وفهم هذا الرجل ما يستهوي أفراد الشعب ويستفزهم للقتال، ومتى ولماذا ~~يصبح الجبان بطلا، ومتى ولماذا يجبن البطل، وهو لا يحترم العدد، وقد تكون هذه نقيصة فيه، ~~وقد لا تكون، بل ربما إن الأحداث وأوضاع القتال فرضت عليه هذه الفلسفة، فهو ما خاض معركة ~~بجيش أو عصابة إلا وكان عدوه متفوقا عليه عددا وعدة. # ويا طالما حاسبت نفسي هل وقعت تحت سحر هذا الرجل، أو أن خيباتنا القومية جسدت لي في هذا ~~الشخص أحلاما لم تتحقق؟ فإذا أنا صريع خداع عقلي، واصفا من وجب أن يكون لا من هو كائن. ~~وقسوت على نفسي بالنقد، وأنا لا أسمع من أكثر الذين أتحدث إليهم عن القاوقجي إلا الشتائم ~~والطعن والتجريح؛ فهو جبان كان خلال حملة فلسطين يقضي وقته بين مرابع عالية وصوفر، وهو سكير ~~يستحم في الوسكي، وهو نهاب أطلق جيش الإنقاذ في فلسطين ليبطش بالأهلين، ويعري بيوتهم من ~~رياشها، وهو المطواع لزوجته الألمانية لا يحجم عن شيء في سبيل تزيينها بالجواهر، وهو جاسوس ~~الإنكليز، وحليف الفرنسيين، وهو الضابط الصغير قد يصلح لرئاسة عصابة لا لقيادة ~~جيش. # كل هذا سمعته من الكثيرين، وذات مساء خرجت معه تصحبه زوجته إلى ناد، وقبل أن ننصرف من ~~النادي تقدم مني أحدهم، وهمس مستغربا: «كيف تمشي مع هذا ال ...؟» من الفاجعة أن يقف بطل ~~أمة ليدافع عن نفسه كي يرد تهما ms078 كل رأسمالها أنها اتهامات، ولا أعرف أن شخصا في بلاد ما ~~خرج إلى المسرح العام ونجا من تهجمات، ولكن القاوقجي أمسى ضحية لأسباب إضافية، هي غير ~~الأسباب التي يتعرض لها كل رجل شهير في كل البلاد. # فنحن اليوم في فترة انحناءة الضعف، تهرأت أخلاقنا حتى ليشوقنا أن نقدح أو نهدم، وفوزي ~~القاوقجي كانت آخر معاركه معركة فلسطين التي استحالت كارثة؛ لذلك ما عاد من الصعب أن تقرن ~~اسمه بكل ما رافقنا من فشل. ستكشف الأجزاء القادمة أي «جيش» هذا الجيش «جيش الإنقاذ»، هذه ~~المجموعة من الشبان، وأكثرهم لا يعرف القتال، ولا النظام، ولا الدربة، وبعضهم انطلق ليجاهد ~~ولينهب، هذا الجيش الذي عبئ بطرفة عين، وسلح بالوعود، وجهز بالدعاء والإطراء، ~~وقيل له انطلق وأنقذ فلسطين، وقائدك القاوقجي. هذا الجيش قهر اليهود في كل معركة إلا حين ~~دخل مستعمرات اليهود. # هذا الجيش الذي حبس عنه العتاد يسخون اليوم على قائده بالبذاءة والتحقير والنكران؛ لأننا ~~اليوم في خسفة خلقية، ولأننا ناقمون على كل شيء وكل شخص. # وإن معارك جيش الإنقاذ ستأتي مفصلة في الجزء الأخير من هذه المذكرات، وكنت أوثر أن لا ~~أشير إلى جيش الإنقاذ بكلمة لولا أن هذا الرجل قد لبسته تهم هو منها براء؛ إذ إنه قد حظر ~~عليه - وهو قائد الجيش - أن يزور المعسكرات حيث كانت تدرب وحدات هذا الجيش حتى يمشي بها إلى ~~فلسطين. وقد ثارت الخصومات، ونشأ القتال بين أفراده، فوقع القتلى، وجرح الكثيرون قبل أن ~~يزحف الجيش إلى فلسطين. وخلال الجهاد ارتكب بعض الضباط والمجاهدين جرائم من نهب وعدوان ~~حيال الأهلين، وكان القائد أعجز من أن يؤدب، وفي بعض المواقف حيث استطاع أن يعاقب أحجم عن ~~فعل ذلك مخافة أن يأتي عقاب المجرم من ضابط أو جندي سببا في إثارة فوضى تمسي أشأم على ~~الأهلين من الجريمة التي منها يشكون. # وبعد، فمن الذي ينتقد القاوقجي وجيش الإنقاذ؟ أكثرهم من الناقمين يجرفون في حسرتهم كل من ~~«اشتغل» في فلسطين، ومنهم القاوقجي وجيش الإنقاذ، وهم بهذا التجني يطمسون ms079 ذكرى شهدائنا ~~الأموات وشهدائنا الأحياء. # وينتقد القاوقجي محترفو السياسة ممن يعيشون على هامش الحركات. لقيت في بيروت منذ شهور ~~بعض هؤلاء المشتغلين بفلسطين، وراح يفصح الحديث عن نقائص فوزي القاوقجي مثبتا عيوبه ~~بالحوادث. وإن حضرة هذا المشتغل عرفته في القاهرة خلال شهر آذار 1948 يعد للجهاد طوال ~~النهار بلعب الطاولة في مقهى «بديعة»، وهو نفس الرجل الذي أمر بإحراق مستودع بنزين تركه ~~البريطانيون حين خرجوا من فلسطين مخافة أن يستولي على هذا الوقود جيش القاوقجي الذي كان ~~يحارب اليهود في فلسطين! # هنالك «مجاهد» آخر لا يزال يشغل حتى اليوم مسئولية حكومية كبرى، خاض معارك فلسطين كلها ~~في أوتيل كونتيننتال في القاهرة. # هذا كان يفتش عن سهرة حين كان يفتش القاوقجي عن معركة، وهو اليوم من كبار المتهجمين على ~~القاوقجي. # لقد بدأت الشائعات تهدم من صيت هذا الجندي منذ الساعة التي بدأت فيها أنباء بطولاته تملأ ~~صحف الدنيا في الشرق وفي الغرب؛ إذ إنه بأعماله كسف أسماء فلسطينية كانت تحسب أن الله ~~أقطعها هذا الجزء من بلادنا، فعز عليها أن يأتي هذا «الغريب» فيقضي بالدم والحديد والجهاد ~~على أسطورة التزعمات في فلسطين، وهو لو عمل على رد الاتهامات لما بقي لديه وقت ~~للنضال. # أما أنه سكير فهذا «علاك بعلاك»، وزوجته الألمانية ما هي من طراز الزوجات الأميركيات ~~اللواتي يتبهنن ويسيطرن على أزواجهن، بل هي الزوجة الألمانية «هوس فراد» تهتم بأولادها ~~وبزوجها وبيتها، وتكاد تجهل ما حياة زوجها خارج البيت، غير أنه ليس لها ميعان الزوجة ~~الشرقية، فهي شريكة زوجها في كل أزمة. # ولكني، وأنا ما خضت الحرب في فلسطين، وليس لي مستندات كتبية عن حياة هذا الرجل، فكيف أتيح ~~لي أن أكون القاضي العادل في ترجمة حياته؟ هل إنه رجل فوق البشر؟ أمن المعقول أن تأتي ~~أحاديثه إلا تغنيا بنفسه وتمجيدا لمواقفه؟ إذن فأية قيمة لهذه المقدمة؟ # لقد اعتمدت - أكثر ما اعتمدت - المصدر الوحيد الذي احترمه - رجاله - فإني أومن أن هنالك ~~بغضاء أبدا تنشأ بين الرئيس والمرءوس، ورجال القاوقجي ما نالوا ms080 أجر جهادهم لا مالا ولا ~~تقديرا؛ فإن كان هنالك من نقمة، فيجب أن تكون في نفوسهم قبل سواهم. ورجال القاوقجي - كما ~~سبق وقلنا - هم من مختلف الأديان والبيئات والطبقات، وما كانوا رجال تجارة، بل رجال قتال، ~~غامروا بأثمن ما يملكون - أرواحهم - وهم اليوم بين موظف صغير يقنص الرزق، وبين بائع خضار، ~~أو «معلم عمار»، أو كل معدم. سألت القاوقجي: من أشجع من عرفت؟ قال: «من استخف بالموت ~~تساوى مع أي سواه استخف بالموت.» ولكن بطولة ثلاثة رجال في «معركة» «قباطية»، طبعت نفسي ~~بذكرى لن أنساها؛ هؤلاء الثلاثة هم: «أبو أنور» وهو دمشقي، «وقاسم محمد» وهو بغدادي، «وقاسم ~~زهر الدين» من قرية كفر فاقود «الشوف، لبنان». ولما جاءني قاسم زهر الدين، وجدت أن الأملاك ~~التي ورثها عن أبيه باعها، أو هي مهملة، ولم يكسب غرشا خلال السنوات الثلاث الماضية إلا ~~مئتي ليرة حين عينوه بعد ألف وساطة رئيس ورشة على طريق. # من حق هؤلاء - لو لم يكونوا أبطالا - أن ينقصوا من القاوقجي، وأن يشتموه؛ فهم ما نالوا ~~بسببه جاها ولا مالا حتى ولا تقديرا. ولكن هؤلاء - وإني تحدثت مع عشرات منهم - وقد ~~رافقوه في الغوطة والعراق، وفي فلسطين مرتين خلال 1936، و1948، لا يقولون لك إن فوزي ~~القاوقجي سكير أو نهاب أو جبان، هؤلاء الذين «حضروا الشرور»، وهم واثقون أنه «مش مضروب على ~~رسنه»؛ أي إنه أصيل، يقولون: «وصلنا حقنا»، و«استغزينا». في يقيني أن أكثرهم يهرعون إليه ~~اليوم إن استنفرهم من جديد. هم يذكرون من قائدهم جنديا مثلهم يلبس مثل ما يلبسون، آخر من ~~يتناول الطعام، آخر من ينسحب، «منظاره أبدا في رقبته»، «دائما قدامنا»، أبدا في قلب ~~المعمعة، وفي ذروة الأزمات وحمى القتال، باسم رصين، غير مستعجل. القيادة في جوهرها هي إيحاء ~~الثقة بالقدوة، وهؤلاء المغمورون اليوم أبطال الأمس الذين خاطروا بأرواحهم في رفقة ~~القاوقجي، يقدسون اسمه. # هؤلاء يعرفونه عف اليدين أبدا يتغنى برفقائه، وعند الحاجة يبيع من حاجاته ليقضي ~~حاجاتهم. # ولم أتحدث إلى أي ممن عرفوا حقائق القتال في فلسطين ms081 من مواطنينا - أبناء فلسطين - إلا ~~وأثنى على القائد فوزي معتزا به. أما ثرثرة سواهم فهي «علاك بعلاك». # وما دمنا قد أتينا على ذكر ضحايا التقولات، فإنه ليسرني أن أثبت هنا شهادة فوزي القاوقجي ~~بأحمد شراباتي، وقد كان هذا وزيرا للدفاع في الجمهورية السورية إبان حرب فلسطين، قال ~~فوزي: لقد عرفت أحمد شراباتي في بغداد في ثورة 1936 الفلسطينية، وسنة 1948. وإني أسجل أن ~~هذا الرجل - أحمد شراباتي - هو مثال الوطني المندفع لخدمة بلاده ، وقد أسعف جيش الإنقاذ في ~~فلسطين، كما أعاننا من قبل في بغداد بنخوة عز نظيرها. # صانع التاريخ يجب أن يفهم التاريخ، وفوزي القاوقجي يفهم التاريخ الذي ساهم بصنعه، ولا ~~«يتفهم» هذا التاريخ الذي أهمله وأهمل رجاله. السياسة تخرب الجيوش، والجيوش التي لا يساندها ~~سياسيون حكماء مخلصون تصبح تضحياتها هدرا. القاوقجي يعلن نفسه أنه عربي، وكل ما هو عربي ~~يهزه، ولكنه يعتقد أن الهلال الخصيب، بل بلاد الشام هي قلب العروبة وسيفها وترسها؛ فإن أنت ~~خرجت من هذا الهلال الخصيب، أحسست بأن القاوقجي معجب بقبيلة هنا وقطر هناك، ولكن قلبه في ~~قلب العروبة - الهلال الخصيب - وهو مؤمن أن شرط قوة هذا العالم مرتبطة بوحدة الهلال الخصيب، ~~تضعف وتقوى بقدر ما هي هذه البلاد موحدة أو مجزأة. وهو يعتقد أن من يسيطر على «شرق الأردن» ~~يسيطر على العالم العربي، وأن استرجاع فلسطين المغتصبة أهون من استرجاع الأردن ~~المفقود. # وأردد القول - لأنه هو أبدا يردده - أن هذه الأمة أقوى أمم الأرض قاطبة على القتال، وكل ~~ما تحتاج إليه قضية عامة تصهرها وتفولذها، وزعيم يقودها. # والقتال مهنة احترفها، فهو يمارسها من غير عاطفية، فأحب الساعات إليه ساعة تنتهي المعركة، ~~فيشعل النار يغلي عليها القهوة، وحوله القتلى والجرحى، وحطام المعمعة، ومثل هذا «السيران» ~~لا يجده متعة إلا الذي نذر نفسه للدم والرصاص. لعل أقرب الناس إلى قلبه مقاتل اسمه حمد صعب ~~قتل إلى جانبه، وسارت في الناس إشاعة أن حمد صعب لقي حتفه إذ هو يحمي القاوقجي بجسده. سألته ~~عن حقيقة هذا الخبر ms082 فنفاه؛ إذ إن مصرع حمد صعب وجرح القاوقجي - وهذا ما سيجيء تفصيله في جزء ~~مقبل - كان مفاجأة ما أتاحت لأحد أن يحمي أحدا. وقد سرد لي هذا الحادث بتفصيل طويل، ~~وأعاد القول بأن حمد صعب أثمن رفيق عرفه. # ولكنه فاه بهذا القول من غير آه ولا زفرة ولا حسرة، بل زاد: «أشعر أنني لو نزلت إلى ~~الميدان من جديد، فإن في غياب حمد صعب فقدان إحدى ركائز القتال الهامة.» وانساب الحديث إلى ~~مواضيع ثانية. # وتبين لي من معاشرته التضارب في المسلك الذي يكاد يكون ميزة لكل عظيم؛ فهذا الذي بز ~~أعداءه بخداعه الحربي، ومفاجآته، وتضليله لهم، عاش حذرا في الميدان وخارجه، يسيء الظن ~~حتى ببعض رجاله. هو نفس القاوقجي الذي لقيته في السراي إبان حرب فلسطين، وراح يقص علي ~~أنباء أزمات القتال من غير أن يعرفني. وهو هو الرجل الذي يعيش اليوم على ألف ليرة في الشهر، ~~خصصتها له الحكومة اللبنانية بناء على توصية اللواء فؤاد شهاب في عهد بشارة الخوري، ولا ~~يشغل باله أن هذه الألف ليرة لا تكفيه، ولا تؤمن معيشة الثمانية الذين ينفق عليهم. ~~وعلمته التجارب القاسية التي لقيها مع الذين اتجروا باسمه في الكويت واليمن، وهو الذي دفع ~~إلي بمذكراته، وهي كل ما يملكه في الحياة من مادة، ووقع عقدا بيننا أعتقد أنه لم يقرأه. ~~فعل ذلك بعد أن رفض العروض الكثيرة المغرية، وبعضها من صحافة عالمية؛ ذلك لأن إيمانه الأصيل ~~العميق ببني قومه ما قطع عليه طريق الثقة بهم أن بعضهم غدر به، ولغير سبب افترى عليه وحقره. ~~إنه يبيع من أثاث بيته باسما قطعة بعد قطعة من غير خجل ولا آه! # فوزي «باشا» جاءه اللقب من الملك عبد الله، وأصدقاؤه ورواد بيئته القلائل ينادونه ~~«باشا»، و«بك»، وينادونه «فوزي». إنه لا يهزأ باللقب الذي يحمله شأن من هو حقيقة يعشقه ~~ويتظاهر بالسخرية منه. # ولكنه لا ينتفخ به غرورا، فيقول مثلا: «وصلنا بغداد»، ولكن رفقاءه هم الذين قالوا لي إن ~~السيارات التي استقبلته في بغداد امتدت ms083 نحوا من عشرين كيلومترا. إنه لا يذكر الاستقبالات، ~~ولا مظاهر الإجلال، ولا المظاهرات التي أقيمت له في الماضي؛ لأن كل ذلك لا يهمه، ولو أن في ~~نفس هذا الرجل وحلا من حقارة، أو كفرا بأمته، لأشغلت باله الرصاصة في رأسه؛ فأذنه اليمنى ~~لا تسمع، وعينه اليسرى لا ترى، ولكان تطلع إلى أولاده وأكثرهم أطفال، وإلى أفق مسود ~~يتقلص حوله، وإلى أثاث بيت ينقص شهرا بعد شهر؛ لأنه يباع شيئا فشيئا، وإلى وطن رش عليه ~~دماءه فكافأه كما كافأ رفقاءه بالإهمال والاتهامات. إنه لكان تطلع إلى كل هذا فجن أو ~~انتحر. ولكن العظمة الحقيقية تشيع في النفس الطمأنينة والرضا بما فعلت، فلا تعود متحرقة ~~متشوقة إلى مظاهر التقدير والتعظيم، وتغرس في النفس حصانة تزلق عنها سهام الانتقاد ~~والتجريح. إنه واثق بمستقبله ومستقبل أولاده؛ لأنه واثق بمستقبل أمته. صانع التاريخ يفهم ~~التاريخ، وهذه الانحناءة في ضعف أمتنا هي حال عابرة ولا ريب؛ ذلك إيمان هذا الجندي الذي هو ~~في نظري أعظم جندي أنجبته بلادنا بعد «هاني بعل». # وتلك الكمية المجهولة، الإكس # x # في هذا الجندي، ما هي؟ ~~نحن لا نقدر أن نفهمها ولا هو «يفتهمها» بعد أن استبدل دمه بسبب كثرة العمليات ثارت في رأسه ~~وجسده الآلام المبرحة، فراح الأطباء يعطونه المسكنات. سألهم ذات يوم: «هل هذه الأدوية ~~تشفي؟» أجابوا: «لا، بل هي تطرد الأوجاع.» قال: «إذن، فأنا لا أريدها.» ورمى بها وبالأوجاع. ~~«وعملنا خمس ست معارك.» يلفظها كسكير يردد: «وشربنا كم كأس.» # أفاق على الحياة فتى في مدرسة عسكرية في إسطنبول لا يحس قومية ولا وطنا، حتى حدث ~~وانقسم فتيان المدرسة إلى معسكرين، بعضهم قال: «نحن أتراك.» وراحوا يتغنون بجدهم الأعلى ~~«طوران»، وآخرون صاحوا: «نحن عرب.» وطفقوا يفاخرون بجدهم الأعلى «قحطان»، هذا القحطان الذي ~~سمع به فوزي القاوقجي لأول مرة لم يكن في نظره إلا رمزا للاعتزاز والخصومة مع ~~الأتراك. # ولكن بقي في نظره - حتى بدأ أن يعي حقيقته - فروسية، فالحرب للحرب. وبعد، فأكثر الرصاص لا ~~يقتل. واستهوته الأوسمة كشهادة للبطولة، ms084 وأصيب بهوس جنوني يحمله على تحدي الأخطار رجاء أن ~~يجرح؛ فكثرت جراحه، وهذه الجراح في نظره - وهي بعض الموت - كانت له مصلا وقاه من الموت. ~~«رفيقك يا فوزي ما يعود.» هكذا كان البدو يقولون له، لعل نظرية «هكسلي» صحيحة، فهذا رجل طلب ~~البطولة بشهاداتها من أوسمة وجراح، ولكنه - والموت ما كان شرطا لانتصار قضيته - لم يطلب ~~الموت. # فكان له ما أراد؛ كانت له الأوسمة والجراح؛ لأنه هكذا شاء وعزم وأراد. # وكانت غلطته الكبرى أنه ما أراد الموت، فلم تعترف بعظمته أمة لا تكرم الأحياء. # | أشيائي المفقودة والمردودة # أقولها بلوعة المفجوع: «لقد فقدت إيماني بالله.» # إن كانت هذه العبارة تصنفني كافرا فعزائي أن كفري لا يتقنع بالرياء. ترى كم واحدا ~~بين جموع المترددين على المعابد من مختلف الطوائف، كم من الذين تسري على ألسنتهم كلمة الله، ~~وبه يحلفون، هم في حقيقة الأمر مؤمنون؟ أكثرنا يخاف أن يصارح الناس، أو يصارح نفسه، بأن ~~قلبه فارغ من الإيمان برب في السماء يعبده، فالصلوات والزكاة ومظاهر التقوى هي - في أكثر ~~الأحيان - ضريبة الخوف، يدفعها من يوظف في المجهول مالا أو وقتا أو جهدا اتقاء لشر أو ~~طمعا بمغنم قد يكون هناك. # وإن بعضنا - من أدعياء المعرفة - يعلنون بخيلاء أنهم كفرة، مزدهين بهذا القول ببطولة ~~مزيفة، أو بعلم هو في الصحيح غي؛ فإن من الواضح أن الكون بنظامه الدقيق العجيب وروعته ~~وغموضه، وتفتح أسراره، يستحيل أن يكون وليد صدفة، أو أن يكون قد وجد لغير غاية، فالعلم - ~~وما أقل ما أصبنا منه! - لا يقدر أن يثبت وجود الله، ولكنه بلا ريب ينفي عدم وجوده. # أقول لقد فجعت بإيماني؛ لأنني ربيت في بيت تعلمت فيه التقوى؛ فأنا منذ أن نموت عن ~~طفولتي ألهج بذكر الخالق، ويملأ اسمه سمعي: «حرام أن ترمي دجاجة بحجر، حرام أن يقع الرغيف ~~على الأرض، حرام أن تشتم، أبوك يرجع من منفاه متى أراد الله، فرسنا الشقراء ماتت لأن تلك ~~كانت مشيئة الله.» فما كانت التقوى في مشتلنا العائلي طقوسا بقدر ما ms085 كانت سلوكا، وحين ~~تعلمت فك رموز الأبجدية اطلعت على كتب الدروز، وسهرت الليالي في «الخلوة» أقرأ من ~~كتبنا، وأستمع إلى تجويدها ومواعظ الشيوخ ولشروحهم لها. وبعد ذلك طالت وتعددت سياحاتي ~~المدرسية، ولكنها انحصرت في مدارس كلها تبشيرية من راهبات الكاثوليك، ورهبان الموارنة، ~~والمبشرات والمبشرين بالبروتستنتية، وهممت ذات يوم بأن أعتنق الدين المسيحي إثر موعظة ~~خطابية سمعتها من قسيس استهوتني منبريته، ولكنه استمهلني أسبوعا، أرجع بعده إليه لأثبت له ~~عزمي، وما رجعت. # ولقد تثقفت بالقرآن الكريم على يد شيخ معمم أزهري، وعبر السنين كنت - ولا أزال - أقرأ في ~~المصحف الشريف، كما أكثر من ... كدت أقول دراسة الإنجيل المقدس والتوراة. # ولكن ذلك اليقين بأن في الوجود - أو عبر الوجود - قوة مسيرة تحاسب وتعاقب وتكافئ وتستمع ~~للابتهالات تلاشى من نفسي، وخلف فيها فراغا من الحسرة؛ فأنا اليوم أحسد وأغبط كل من ~~اعتقد بالعزة الإلهية، وإن من الجريمة أن يسعى أحد لهدم هذا المعتقد في نفس مؤمنة به، كما ~~أنه من الجهل والتضليل أن نعتبر الطقوس وأقذار الطائفية هي بعض عبادة ذلك الشيء العظيم الذي ~~اتفقنا على تسميته بالله. # أما الشيوعية، وهي أداة تهديم المجتمعات والسيطرة الاستعمارية على الشعوب، فقد وجدت أن ~~أفعل السبل لتقويض الأنظمة وإثارة البلبلة، هي في أن تطرد الإيمان من قلوب البشر، فما قنعت ~~بإفراغ الأفئدة من اليقين، بل زادت على الإلحاد الاستخفاف بالمؤمنين والهزء بهم وبعقيدتهم، ~~ممهدة بهذا العمل التخريبي الفردي للتهديم المجتمعي الشامل. # وحين انضممت إلى الحزب القومي الاجتماعي كنت أصبو إلى أن تعيد عقيدته إلى نفسي اليقين ~~بغيبية شردت عنها، وكنت أتوق أن يزودني الحزب بمعتقد سماوي جديد يملأ الفراغ الذي أحدثه ~~شرودي، وسببته حيرتي، ولكنني وجدت مبادئ الحزب تنصب، وتقتصر على بناء المجتمع دون أن ~~تعنى بأي موقف إيجابي أو سلبي من الغيب، وفكرة الله، والثواب والعقاب، بل إن مبادئ الحزب ~~تصون للفرد حرية معتقده الديني فلا تدفعه إلى أي دين. ولكن حيرتي الكبرى زالت، وامحى ~~التساؤل من غير أن أدري، وما عدت أستشعر بقلق ولا ms086 فراغ؛ إذ اعتضت بالعمل المجد المثابر في ~~سبيل تحقيق شيء عن دراسة نظرية للتحقق من شيء. # يقولون أن ليس في أزمات الخوف من ملحد. إن اختباراتي الشخصية تنفي هذا القول؛ لقد واجهت ~~أخطار الموت مرارا لا عد لها، في العواصف البحرية والزوابع الهائلة على اليابسة، في ~~السجن، وفي حرب طاردتنا خلال سنواتها قنابل طائراتها. كنت أشتهي في أزمات المخاطر - وأنا ~~أسمع صلوات سواي وضراعاتهم - لو أنني أقدر أن أنطق - بصدق - بكلمة فيها تعبد أو بصلاة أو ~~ابتهال أو استسلام لرب العباد. # والحياة - وقد نهبت مني نعمة الثقة بالله والتطلع إليه والاتكال عليه - هل ردت لي من ~~هذا الشيء المفقود ما أعتاض به عن السعادة التي حرمت منها؟ # الجواب: نعم! # لقد فلسفت سلوكي؛ فانتهيت إلى الاعتقاد أن الله - إن ثبت وجوده - لن يحاسبنا على المظاهر ~~- وهذه هي طقوس الأديان - بل على ما نوفره أو نجدد توفيره لسوانا ولأنفسنا من خير، وقد ~~تحتشد في لفظة «الخير» هذه معاني القوة والسعادة والجمال. وما دمت أتوهم أو أدعي أو أثق ~~أني ساع أبدا للخير، فحسابي مع الله مسدد سلفا؛ فما بي لوعة وما أنا بالمفجوع. # كنا في جمع حول كئوس من الويسكي، والدنيا طرب ودعاب، وأنا والزمرة - وبيننا أحمد ونمر ~~طوقان - نتحدث عن أخيهما، وأخي إبراهيم طوقان، وقد ظهر ديوانه منذ أيام، بين القهقهات ~~جئنا على ذكرى الشاعر الذي دفناه وكلنا أحبه. ويقينا أحسست بتقريع ضمير، وشيء من حقارة في ~~النفس أن يمر طيف رفيق الصبا، فلا يلقي على كئوسنا ظلا من كآبة: إبراهيم طوقان - الشاعر - ~~ولد على يدي، وقد تعهدت شاعريته بأمومة وأبوة. كان آخر من ودعني على الباخرة التي سلختني عن ~~بلادي سنة 1925، وكانت آخر كلمة سمعها مني؛ إذ ابتعد قاربه المودع عن باخرتنا المقلعة فصحت ~~به، وأعدت الصراخ مرارا حتى سمع الكلمة، وهز برأسه موافقا: Produce ~~؛ أي «أنتج». تلك كانت آخر كلماتي له، ولقد ~~بكيته في المغترب ألف مرة، وها نحن بين العبث والشراب نبحث في أمره، وفي شعره، وليس في ms087 ~~نفوسنا وحشة. # هذه السنوات الموغلة بي في العمر أفقدتني العاطفية لا العاطفة، والعاطفية هي ضعف وتخاذل، ~~ولكنها شيء جميل؛ بحيرة دافئة تغتسل فيها الأرواح. ما استردت من الحياة بديلا عن هذا الشيء ~~الذي فقدت؟ # استللت من الحياة قوة، وفي القوة نشوة وجمال. قد تكون الكآبة والوحشة والحسرة أشياء ~~نبيلة، ولكن القوة هي كذلك شيء جميل نبيل. من يدري أن لا تكون القهقهة كبرا تصغر عندها ~~الآهة والدمعة. قد يكون الله - الذي ننفي وجوده - يغير لعينيك النظارات كلما ضعف بصرك أو ~~زاغ؛ فالأشياء المردودة والمفقودة هي هي، غير أن المنظار الذي يستر عينيك هو الذي يتبدل، ~~ولا أدري إن كانت هذه الفكرة فلسفة أو سفسفة، ومن يدري أن لا تكون الفلسفة سفسفة لبست ~~ردنكوت ومونوكل، وفي عروة سترتها شارة نيشان، وكل أهميتها أننا نخاطبها بصاحبة ~~المعالي. # وفي هذه السنة - هذا المقال يكتب بمناسبة عيد رأس السنة - فقدت صحتي، فقلبي، كذا يقول ~~الطبيب، وكذا تسجل آلته، قد عطب فلا شفاء من علته، فمداواته تنحصر في مداراته. إن طريقي نحو ~~الموت سلك قادومية. ذعرت وخفت بادئ ذي بدء، غير أن الحياة وهي تسير بك - وهذه السنة ~~اندفعت بي نحو الموت - كيفتني لملاقاة الموت، ليس في نفسي اليوم من خشية أو ذعر، أقولها من ~~غير مبالاة ولا مباهاة، لو أنني تحققت وعلمت سلفا أنني سأقع ميتا بعد خمس دقائق لما ~~تهيبت ولا هلعت ولا حزنت. سنة الحياة أن تمنحك شيئا حين تنتزع منك شيئا، إنها حين تهم بأن ~~تقبض منك الروح تهبك الجرأة للتخلي عن الروح. لعل كل هذا هو الله الذي نتحدث عنه، لعله هذه ~~الحياة المستمرة المبهمة السخية، هذا اللغز الأخاذ الجميل الشائق. قد أكون في حقيقة غير ~~كافر؛ لأني أومن بالحياة؛ بجمالها، بخيرها، بعظمتها، بعدلها؛ إذ هي «تضرب باليمين، وتسند ~~باليسرى». أشياؤك المردودة توازي أبدا أشياءك المفقودة؛ لأن غنى الحياة هو أبدا في النفس، ~~وفي المواقف النفسية من الأحداث. الحياة هي شيء ذاتي لا موضوعي، فثق إذن أنك أنت بخير في ms088 كل ~~عام من غير أن تسمع من أحد يتمنى لك «كل عام وأنت بخير». # | معاقل سوف ننسفها # في أكثر ضياع لبنان يرثون العداء كما يرثون عن آبائهم الأملاك، ولكن هذه تتجزأ إذ ~~يقتسمها الأبناء. أما العداء فيرثه كل ابن وابنة كاملا غير مجزأ؛ لذلك راح النظام ~~الاجتماعي في هذه القرى يتفولذ بعنف الصراع بين فئات - هي في أكثر الأحيان اثنتان وقد تكون ~~ثلاثة - ترفع له راية من متزعم يظفر بولاء فئته، وهذه لا تشعر بولاء لبلاد أو أمة، فيجيء ~~ولاؤها لهذا الفرد قويا راسخا صافيا؛ لذلك أصيبت الفئة التي كان يتزعمها بالوراثة أبي ~~في ضياع الشوف بنكبة، حين أعلنت فجأة أنني اعتنقت العقيدة القومية الاجتماعية. وعد هذا ~~الفعل بعضهم خيانة، وكبر على آخرين أن أمسي في مؤخرة أعضاء الحزب، أنا الذي في كثير ~~من الأماكن أتقدم الكثيرين بسبب أنني ابن فلان. من هؤلاء الأصدقاء الأصفياء الأشداء رجل ~~اسمه سعيد أبو تين، له في البأس والمروءات وصداقة «بيتنا» تاريخ، ولقد أرسل لي عتابا، وكشف ~~عن حسرة، فوجهت إليه هذه الرسالة: # أخي سعيد # هذه الرسالة موجهة إليك، وليس الذنب ذنبك أنك قد تحتاج إلى من يقرؤها عليك، ولكني ~~واثق أنك تفهمها وتستوعبها بأكثر من الكثيرين الذين يكتبون ويقرءون ~~وينظمون. # أؤكد لك أني حين كنت أسطر بياني وأعلن إيماني، كنت أنت والكثيرون من إخوانك ~~وإخواني ماثلين أمام عيني، ولم أكن أخشى ما قد ينتظرني من حرمان واضطهاد ونقمة، بل ~~أخاف الخوف كله من أن تؤلم وثبتي أمثالك. # لقد نشأت وإياك، وستبقى لي أخا، وسيبقى كل أخ لي أخا، أية جريمة اقترفت حتى ~~تبعد عني أو أبعد عنك؟! # غير أني حريص أن لا تتألم؛ لأني أودك وأحترمك. ومما يحببك إلي - ولا يعيبك - ~~أنك رجل منسي وفقير وغير شهير. # لقد عرفتك وفئة من إخوانك فتيانا في الحرب الأولى يتخطون الجبال، ويقاتلون ~~عصابات البدو، ودوريات الأتراك، تتسللون في الليالي الكالحة تحت الأمطار وفوق ~~الثلوج لتوفروا لمواطنيكم لقمة عيش لو لم تقتنصوها لمات الكثيرون جوعا. # وأذكر سنة ms089 الثورة كيف وقفت وأخوك، وأخوك الآخر، وابن عمك، ورجال لا يبلغون ~~العشرين عدا؛ وقفتم حول نسيب الداود في «حلوى»، وقاتلتم حتى هزمتم ثلاثمائة جندي ~~فرنسي، ثم كانت لك معارك غيرها انتهت بك وبسواك من الأبطال - هذه كلمة سخفوها اليوم ~~- إلى صحراء «الأزرق». # وأذكر أنك كنت بين الأربعة عشر مقاتلا الذين اختارهم القاوقجي حرسا خاصا له؛ ~~فبقيت في الجهاد - هذه كلمة ثانية سخفوها - سنوات تسعا، وخبروني عن موقف لك في ~~بيروت كنت تزغرد فيه للمروءة وتثأر للعزة. # ولكني أريد أن أقول لك إنك لم تكن في «حلوى»، ولا راشيا، ولا في الأزرق، ولا في ~~فلسطين أشد رجولة منك في الصيف الماضي حين قبلت أن تصافحني واقفا باليد الواحدة ~~بدلا من أن تنحني مسلما بالاثنتين، ولم تظهر في حياتك إذ تقحم المعاقل بطولة أعظم ~~من بطولتك منذ شهرين حين ارتضيت أن تقحم الباب فتتقدمني في الدخول إلى بيت لتتصدر ~~مجلسا فرضت التقاليد أنه كان لأبي، ووجب أن يبقى لي ويستمر وقفا على أولادي، فيما ~~حرم منه أبوك، وأقصي عنك، ليبتعد عنه أولادك. # يوم نزلت أنت إلى المعركة لم تكن مدفوعا، ولا مأجورا، ولا أنانيا، بل كانت لك ~~حوافز هي اليوم زادك الروحي؛ لذلك قلت لك في مطلع هذا الكتاب إنك تفهم رسالتي هذه ~~وتستوعبها، لقد سمعت أنت الناس إذ ذاك يصيحون، ويتقولون عنك «شو بدو؟» «شو صاير ~~عليه؟» «لماذا لم يستشر إخوانه وأصدقاءه؟» أنت تعرف الأجوبة أكثر من سواك. # أنت لم تشترط أن تصبح قائد الثورة حين «مترست» في حلوى، ولا ساءلت نفسك من يغضب ~~ومن يرضى، ولا همك أن تخسر أو تظفر؛ فإنك شعرت بالقوة إذ تجمهر جيش في قلبك، فرأيت ~~الجيش المهاجم برغشة. الدنيا اليوم أراها كما كنت أنت تراها؛ برغشة. # لم يسبق لي أن طلبت منك ولا من إخوانك شيئا، ولن أطلب من أحدكم شيئا، ولكني ~~تعلمت منكم، وتثقفت على أيديكم، وكانت اجتماعاتي بكم الكهرباء التي تعبئ بطارية ~~روحي، إني من أجلكم خطوت هذه الخطوة، أمامنا معاقل يجب أن ms090 ننسفها، نريد أن نصهر ~~نفوسنا بالعقيدة القومية التي صهرت الإقطاع والطائفية، نريد أن نعيش في بيت لم تحجز ~~مقاعد المخمل فيه على عائلة، وكراسي الخيزران على عائلة، فيما بقي أفراد سائر ~~العائلات وقوفا أو خارج الدار. نريد أن نوقظ العزة في نفس المواطن العادي. نريد ~~الدين عبادة وروحانية، وتقوى، فقط لا غير. نريد الجبان يصبح جريئا والشجاع لا ~~يهدر بسالته في السخف، نريد نظاما حزبيا حديثا، ليست المشاكسة والتزريك ~~والبغضاء من عناصره. # أريدك أن تبقى صديقي، ويصبح ابن عدو أبيك وعدو أبي رفيقا لك ورفيقا لي. # ونريد فوق كل هذا أن يحيا مواطنونا، ومنهم القادة والأحزاب ما به يبشرون. # لقد ألفت فيما مضى رواية «نخب العدو»، وكل ما أفعل هو أني أعيش ما بشرت به، على ~~عقيدة انطلقت آفاقها. # أكثر الناس يهمهم أن يتقدموا سواهم، ولكني يا صديقي أشعر بكبر حين أمسي في ~~صفوف المشاة. # يهمني جدا أن أعلم أنك وإخوانك غير عاتبين وغير متألمين، ويشوقني أن أرجع ~~إليكم، فأشعر فيما أنا بينكم أني أحد جنود قضية هذا الشعب الذي لن يقهر، وفيه ~~أمثالك. # لك أخوتي. # يدي إلى قلبي. # أخوك سعيد تقي الدين # | إلى سعادة # في 8 تموز 1949 أعدم الزعيم سعادة # ألوف من رفقاء لك اليوم - هنا وعبر الحدود - يغتصبون لحظة ليرفعوا الأكف بالتحية، لا ~~دمعة في عين، ولا حسرة، ولا زفرة، فأنت علمت الإيمان بالقوة، وحقرت الضعف، ولولة ~~وآهات. # هي لحظة مختصرة، يبرر قصرها أن رفقاءك يمارسون فضيلة الصراع، فيومهم لحظات تحتشد جهودا، ~~وصفاء الذهن لا يرتفع في صعيد الأدب إلى حيث يطمئن أحدهم أنه قام بما هو فوق طاقته، وأنت ~~الذي بشرت بالنبل أنه ما يبذله الفرد عبر واجبه وأكثر من مقدرته. # إن الذين اغتالوك عرفوك، وفهموك، وأدركوا أي خطر كنت عليهم. # ولقد اتهموك أمس بما هم يتهمون به تلامذتك اليوم، فقالوا إنك عدو لبنان. أنت الذي استشهد ~~ليحرر لبنان من أوهام الخرافات، واستبداد الإقطاعية، وعاهة الطائفية، ومن تلاميذك كان سعيد ~~فخر الدين، شهيد الاستقلال، قالوا إنك ms091 عدو لبنان، أولئك الذين خربوا لبنان، ونهبوا ~~كنوزه، واستعبدوا مواطنيه، ومجدوا السخف والشعوذة. # اتهمك بالخيانة أولئك الذين أثروا على حساب لبنان، ووصلوا إلى مركز النفوذ، وكانوا أبدا ~~عمالا للدول الأجنبية، يحملون أرقاما في دوائر استخباراتها، ويتربعون على أرائك ~~سفاراتها ومفوضياتها. # قالوا إنك حليف اليهود، أولئك الذين باعوا فلسطين، وضيعوا فلسطين، وتلاميذك ورفقاؤك - ~~عشرات منهم - قاتلوا في فرقة «الزوبعة»، فكان من قتلاهم سعيد العاص، ومن جرحاهم جورج عبد ~~المسيح. # ولقد اتهمك بالإلحاد من جعل الدين متجرا وسوق بورصة، وأنت الذي جوهرت عقيدتك نفس ~~معتنقها، فهو يمارس تعاليم الله إذ يمارسها، ويقترب من الخالق كلما اقترب عملا وحياة من ~~القومي الاجتماعي الأمثل. # وشيعوا عنك أنك عدو العروبة، وأنت أنت الذي بشر بالجبهة العربية وبالعالم العربي، تفولذه ~~رصانة المصلحة والعلم والتاريخ، وتقوده أمة جهزها لقيادته تفاعل الحياة فيها. # نقف اليوم، وفي نفوسنا نقمة على نفوسنا، فأنت الذي أوضحت لنا مسئولية المواطن نحو أمته، ~~فتحسسنا بالأخطار التي تحيط بنا من الداخل والخارج، فإذا بأرجلنا دامية على طريق الحياة ~~التي اختططت، وإذا بنا نلهث تعبا، وإذا بنا نعنف أنفسنا صائحين: «قليل ما فعلنا.» # بناتك «صفية»، و«اليسار»، و«راغدة»، ما هن بيتيمات منتحبات، بل رفيقات ضاحكات. # وعرزالك لا يزال يتوج المتن الشمالي في وقفة عز تطل على قصور في بيروت، طوابق شادتها ~~«طوابق». # وتلك الحفنة من الرمال جبلها دمك، صارت لبنة صلبة تتكاثر وترتفع أسوارها وتصطف ~~متاريس. # بلى بلى، إن الذين اغتالوك فهموك، وعرفوا الخطر منك عليهم. # وأما المعرضون والخائفون والمبغضون، فإنهم رفقاؤك في غد حين يفهمونك ويعرفونك، ويدركون أن ~~عقيدتك هي وسيلة الإنقاذ، وحزبك هو جهازه. # لقد آمنت بمواطنيك، ونحن نؤمن بكل مواطن، وسيؤمن بمبادئك كل مواطن؛ لأنك - هكذا علمتنا - ~~قلت إن في كل مواطن خيرا. إني أيها الزعيم أراك في كل يوم النظرة الواثقة المتحررة الجريئة ~~في الرفيق الذي كان بالأمس لا يستشعر الكبر في نفسه وقوتها، أحسك في القوة التي تتوثب في ~~نفسي التي انصهرت فانتصرت، في هذه النهضة، في الكبر الحقيقي وقد كان ms092 بالأمس انتفاضا ~~وغرورا. # أحس القوة في عزة الحرمان، في جمال التضحية، في الثقافة أتلقاها عن تلاميذ لك، حرمهم ~~المجتمع الدراسة، في مبادئ العقيدة التي اعتنقت، يؤيدها العلم وتزكيها الوقائع في كل ~~يوم. # رفقاؤك اليوم هم أصفى لبنانية، وأصدق عروبة، وأعمق إنسانية؛ لأنهم يمارسون ~~عقيدتك. # من رفيق لك أيها الزعيم الخالد، تقبل «شكرا» يا من خلد «شكرا». # | سنة 1952: قطع طفت منها على الزمن # تصدر صحف هذا الصباح وهي تحمل نبأ خطيرا، معلنة أن عاما مضى، ثم تؤكد جازمة أن ~~أمرا ثانيا مهما كذلك قد حدث، وهو أن سنة جديدة بدأت، وإن أنت مررت بساحة البرج فرأيت ~~فارس الخيل والليل يطارد باعة الجرائد، فطمئن بالهم؛ إنه المتنبي ينهض من قبره في مطلع كل ~~سنة يتحرى في الصحف عن صدر بيته: «عيد بأية حال عدت يا عيد!» # كاتالوج # وإن الذي يريد أن يستعرض الأشهر الاثني عشر الفائتة يجب عليه أن لا يفتح كاتالوجها أو ~~يسرد وقائعها حادثة حادثة. إن القمم لا تغيب عن الأفكار، وما غار في وادي النسيان فهو ~~لا يستحق الذكر، وفي ضباب السنة التي انسابت إلى عتمة الماضي، ما الذي لا يزال يلمع ~~ويشع؟ # غرق وإنقاذ # من غير تردد أقول إن أهم ما حدث هو غرق «شامبوليون»، ونجاة سمعتنا في الدنيا. إن ~~البلطجي لم ينقذ أرواح مسافرين، بل أنقذ صيت أمة، هذه الأمة التي لا يكفر بقدرتها إلا ~~الخونة والمخنثون. من الصعب على الجمهور أن يؤمن بكلمات ويفقه معناها حتى تتجسد ~~أعمالا. اليوم يفهم الكثيرون ما معنى «إن فيكم قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ.» لقد خط ~~المجذاف في شاطئنا سطرا من المجد جديدا؛ إنه درس في البطولة الإيجابية يلقى علينا ~~وتتلقنه ناشئتنا، يا للصورة الرائعة إذ ينبري القارب اللبناني، فيقوم بالمعجزة التي ~~انخذل عنها الطراد البريطاني، ومعداته، والطائرات، وإذ نتغنى ببطولة «البلطجي»، فنحن ~~نشيد برفاقه ورجاله، وبليغ أن يكون بينهم فلسطينيون، فندرك أن ليس بين خنوع اللاجئ ~~ووثبة البطل المنقذ إلا زوبعة تستثير. # والكسليك؟ # أما الرجل الذي انتحر، رهين ms093 الكسليك، فقد يقال أن ليس من المروءة الطعن في جثته، ~~ولكن بشارة الخوري لا يزال حيا، بل هو لا يزال حيا وفعالا، ولا يهمنا من أمره إلا ~~ما فعله أمس، وما يفعله اليوم، وما قد يفعله غدا، وما نقوله الآن فيه هو أقل عنفا مما ~~سمعه منا وقرأه لنا أيام سيادته وسؤدده. # قد يكون كل الذين يتبجحون بأنهم ساهموا بخلعه صادقين، ولكن الحقيقة الراهنة التي ~~يجهلها الناس هي أن بشارة الخوري لم ينته أمره إلا حين قرر المعسكر الغربي التخلي عنه. ~~لقد كان رئيس الجمهورية اللبنانية زلمة الأجانب، ولقد نبذوه كما ينبذون كل من تنعدم ~~منفعته لهم. إن أردت أن تسجل تاريخ قرارهم باستدباره، فقد كان شهر حزيران 1952 حين ~~تحققوا أن عهده بلغ نقطة اللارجوع في الفساد، وأن استمراره ينشر الفوضى ~~والشيوعية. # على أن الأجانب، وهم لا «يتزوجون» أحدا، كذلك هم لا «يطلقون» أحدا، لا أدري إن كان ~~بلغك أن الأميرال مونتباتن حين جاء بيروت زائرا، منذ أسابيع جلس إلى مائدة مع الأستاذ ~~بشارة خليل الخوري، وقائد الجيش الجنرال شهاب، رهين الكسليك، رجل ساحر الكياسة، إنه ~~اليوم يتستر بأقنعة كثيفة حاكتها اختبارات الحياة، فالتف بها ساترا عن الناس نفسه، ~~أقنعة لا تطل منها حقيقته إلا في لحظات مرح، وهو اليوم مرح يتأنق بلبسه، شأن من ~~يزهو بظفر، أو من يريد ترميم معنوياته، وهو في غير ساعات المرح يقف مذعورا، وعيناه ~~كقبضتي ملاكم؛ إحداهما امتدت لتضرب، والثانية حذرة متوترة تحرس وجهه وجسده. # والجريمة؟ إنه لا يعترف بها. من الذي مجد السخف في هذه البلاد، وزركش الحكم بالترف ~~الشرقي والفخفخة؟ من الذي نهب الخزينة، وسجن الأبرياء، وأطلق سراح المجرمين؟ من ألبس ~~السرقة والخداع والفساد ثوب الاحترام؟ من رسخ المحسوبية، وجعل من هذه الدولة مدينة ~~ألعاب؟ بشارة الخوري؟ إننا نجور على الرجل إن قلنا إنه سبب الكوارث كلها، وهذه المخازي، ~~ولكننا نجور على الحقيقة إن قلنا إنه لم يلعب الدور الرئيسي في تمثيل هذه ~~المأساة. # بشارة الخوري هو رجل له ثقافة القرن ms094 العشرين، وكياسة رجل القرن الواحد والعشرين، ~~والتحسس الاجتماعي لرجل القرن الثامن عشر، إنه يؤمن بالإقطاعية سلبا وإيجابا، فهو ~~ينحني أمام العائلات الإقطاعية، ولو أنه يرجع إلى الحكم في غد لما استعان إلا بالأشخاص ~~أنفسهم الذين تعاون معهم فيما قبل. إنه ما كان ليوافق على إعدام أنطون سعادة لو أن اسمه ~~الشيخ أنطون سعادة، إنه يزدري الرجل العادي، ويرفس اسمه بشفتيه. وفخامة الرئيس الشيخ ~~بشارة الخوري أراد أن يحكم دولة بعقلية مختار ضيعة هي بطبيعة حالها حزبان؛ فمن وسائل ~~تسيير الأمور فيها النكايات والتنكيل والمحاباة، وهو صاحب عقلية تمجيد «الشاطر حسن» لا ~~جبران خليل جبران، ولا شارل مالك. إنه في قعر نفسه كان يحس أنه ملك مطلق، أو متصرف ~~تركي، أو الأمير بشير، كل شيء فهو ملكه، وما يتسرب إلى الشعب فهبة منه إليه. # لقد «أعطى» الحزب رخصة كأن ليس للحزب حق برخصة، إنه «عفا» عن فلان، كأنما ليس من حق ~~البريء أن لا يسجن، كل قرية «أعطاها» تليفونا، و«منحها» مدرسة، «جاد عليها» ~~بطريق. # إنه لا يشعر ولا يعترف بجرائم عهده، ولا هو مقتنع بأنه أجرم. الحكم في نظره هو دق ~~طاولة. الصفقات، السرقات، الفوضى، هذه ألفاظ ليس لها في ضميره لسعة التعنيف. الفلوس ~~التي طارت في المطار تكفي لبناء عدة مستشفيات، ليس له ضمير اجتماعي يوبخه، لقد كان يلعب ~~دق طاولة، وخسر البرتيتة، على حدفة. أتاه «بنج جهار» فخسر، لو أتاه «بنج دو» لربح. خذها ~~مني: هذا الرجل سيعود إلى مسرح السياسة اللبنانية إلا إذا أصابت نفوذه اليوم ضربة قاضية ~~كمحاكمة أو إبعاد، وإلا إذا طغت موجة وعي قومي اجتماعي على هذا الشعب فنبذ أمثاله، ~~وسيرجع نافضا يديه من أقاربه، متنصلا من بعض حلفائه، متحالفا مع بعض أخصامه، ~~وستكون «الطائفية» نفير هجومه. إن المحامي بشارة الخوري أخذ يعد دفاعه عن الرئيس ~~بشارة الخوري منذ اللحظة التي وقع فيها وثيقة الاستعفاء، وقد بدأ يدون لائحة ~~الاتهام منذ أن توجه خلفه إلى منصة البرلمان ليلقي خطبة الرئاسة. إنه يجند كل ناقم ~~على ms095 هذا العهد، وكل نقمة ثارت أو ستثور، إنه يعبئ الأنصار، ويختزن العتاد ليوم الزحف، ~~وقد يكون سواه حامل العلم. # إن الرجل الذي انتحر رهين الكسليك قد يبعث حيا. # وقائد الجيش؟ # قام الجنرال شهاب بخدمة عبر واجبه، ندر أن أداها جندي. أما لماذا لم يستلم الحكم ~~فلأنه يعتقد - كما صارحني في أواسط آب الماضي - «أن الجيش اللبناني إن تداخل بأمور ~~الحكومة اللبنانية فسد الجيش اللبناني، وفسدت الحكومة اللبنانية.» # قائد الجيش يستحق تحية من سنة 1952. # قواصو الآلهة # لا أدري إن كان على وزارة الخارجية أن تشير على ممثلي الدول الأجنبية بمنع القواصين ~~ارتداء هذه الأردية الطاووسية التي ترجع موضتها إلى العهد الإنكشاري، والتي تحقر ~~الكرامة الوطنية والإنسانية. لعل بقاءها مفيد إذ يذكرنا أن النفوذ الأجنبي الذي طغى في ~~العهد التركي لا يزال بيننا. إن الإنكليز سجلوا انتصارات عديدة في العالم العربي في ~~العام الفائت، كاد العراق ينفجر بين أيديهم فتداركوه، حاولوا إشعال الفتنة بين إمارة ~~قطر والمملكة السعودية فتلافاها السعوديون بقبلات الأخوة العربية القبائلية، وبهدايا ~~الكاديلاكات تحمل السجاد الثمين. تطلع إلى تلك المنطقة في سنة 1953 وترقب، فقد تسمع ~~هنالك دويا. أما في الكويت فلا يزال الإنكليز يستأثرون بأكثر من مائة مليون دولار من ~~حصته السنوية، فيما هم يوهمون الدنيا أنهم يعطونها للكويت. ولقد شددوا حكمهم على تلك ~~الإمارة بعد خسارتهم إيران. غير أنهم ليسوا بمسرفين بالضغط، ولا يستغرب أن تشهد هذه ~~السنة إنشاء قواعد حربية هناك، وعلى شواطئ الخليج الفارسي. الذي يصد الإنكليز عن تحويل ~~الكويت إلى مستعمرة إن تقاربا جديا حدث مؤخرا بين العراق والكويتيين. # أما الفرنساويون ودولتهم ففي تفكك وانهيار؛ فقد اختنق صوتهم الداوي في لبنان، وأصيب ~~نفوذهم بصدمة عنيفة، وخفت إلى نأمة وهمهمة، فاقتصر نفوذهم على ما يستطيع عمله تطوعا ~~بقايا الكوميسارية من موظفي الحكومة، وآخرون من الذين يؤمنون بأنهم أبناء الأم ~~الحنون. # وإن شئت السؤال عن الأميركان، فأنت تدخل ساحة ~~السمك في أشد ساعات الزحام، فهناك الصخب، واللغب، والعراك، وهناك بعض السمك البائت ~~ينادى عليه: «طازة يا ms096 سمك.» لقد مثل الأميركان بيننا في السنة التي فاتت الحياة ~~الأميركية الحقيقية؛ فالأميركي رجل خير وإحسان ومروءة؛ لذلك تدفقت مئات ألوف الدولارات ~~على الجامعة، وهذا رئيسها يطوف الولايات المتحدة متسولا عشرة ملايين، وها هي مؤسسة ~~«فورد» للإحسان بيننا منذ شهور تدرس بصمت وهدوء كيف ستنفق ملايين الدولارات في سبيل ~~البر. والأميركي أبله سياسة؛ فأنت تلقى منهم كل معتوه يحاول درس الأحوال خطفا ~~واختزالا، محاولا أن يمشي على الماء، مفسرا كل ظاهرة بفلسفة سمعها من جار له حول ~~مائدة عشاء، أو فقرة من كتاب قرأه على طائرة تقله من واشنطن إلى أوكلاهوما، وليس ~~بينهم من لا يطمح بأن ينشر كتابا عن هذا الشرق وطلاسمه. والأميركي كرجل تجارة وأعمال ~~يؤله الكسب، ويستبيح في سبيل الوصول إليه كل رذيلة. لقد مثل رجال الأعمال من ~~الأميركيين في لبنان دورا مجرما دنيئا بدأ اليوم يتكشف وتفوح روائحه، والأميركي ~~اكتشف أن له في لبنان عملاء وسماسرة، ولكن ليس له أصدقاء، خصوصا في الأوساط الحكومية؛ ~~فهذه النقطة الرابعة، وهو مشروع إنساني والقائمون عليه فتيان أشراف يقرعون الأبواب ~~متوسلين أن نتناول منهم ثلاثة ملايين دولار تنفق على مشاريع إنماء درست درسا ~~علميا، فلا يجدون من يسهل أعمالهم. # مسرحية مستر لوك # نحن شعب عاطفي تسيرنا صحافة سطحية. إن لوك ما ~~أقيل من منصبه لأنه انتقد حكومته بسبب موقفها من اللاجئين ومن الدول العربية. إن لوك ~~انتقد حكومته وانفجر ودا وعطفا وحبا مناصرا الدول العربية لأنه أقيل من منصبه. ~~لقد كان لوك يتكئ على صديقه الوحيد في واشنطن الرئيس ترومان، فلما خسر هذا الانتخابات ~~تحقق لوك أنه منصرف عنا، فعصفت تصريحاته، ومحاضراته، وحفلاته، وأوسمته؛ أملا منه أن ~~تتوطد شعبيته بيننا، فتجد الرئاسة الجديدة في واشنطن أن لا غنى عن خدماته فيعود ~~إلينا. # ليس لنا ما نأخذه على لوك إلا أنه يعطي «شيكات» من وعود ضخمة ليس لها مئونة في بنك ~~التنفيذ، ولقد كنا أشد احتراما له لو أنه ثار في زمن صديقه ترومن. # أما جورج حكيم # حين تجددت المفاوضات في ms097 هذا العهد، كنت - وهذا ثابت - أول من قال إن الوحدة ~~الاقتصادية لن تتحقق لأسباب؛ أحدها يكفي، وهو أن دمشق لا تريدها، وهذا قول أريد أن ~~أردده الآن، مثبتا إلى جانبه أن أشهى ما لدي أن أكون مخطئا. # ولعل ظهور جورج حكيم في الحكم ظاهرة فريدة؛ فهو رجل علم وإخلاص، لا تدعمه قوة سياسية. ~~هذه أمور يعرفها الناس، أما ما لا يعرفونه فهو أن هذا الفتى الأملد صلب الروح، هكذا ~~يشهد له رفقاؤه في السجن ، وكان جورج حكيم مريضا يشكو قرحة في معدته، وكان من أصلب ~~المساجين على العذاب؛ لذلك لم يأت موقفه من شركات الزيت مفاجئا للذين يعرفون الوزير ~~حكيم، وإنه من الجريمة أن نحاول إغناء الخزينة اللبنانية بصرف صغار الموظفين، فيما نحن ~~لا نتخذ خطوة حاسمة لإغناء الخزينة بجباية عائدات معقولة من شركات عقدت اتفاقياتها مع ~~عهد فساد. # إن الملايين تنصب على الخزينة اللبنانية، لو أعلن الشعب صرخة: «اقفلوا الأنابيب.» ~~وماذا يصير إن أقفلنا الأنابيب؟ وحياة شرفك سنسمع صرخات التأييد من شعوب الولايات ~~المتحدة وبريطانيا. # بيضة الديك # وفي سنة 1952 سجلنا انتصارا واحدا في منظمة الأمم، لم يكن انتصارا حقيقيا؛ ~~لأنه لم ينفذ شيئا إيجابيا، بل رد محاولة إيقاع ظلم بنا جديد. ولقد استعجل اليهود في ~~تقديم مشروع المفاوضة المباشرة بيننا وبينهم قبل أن يستلم أيزنهاور الحكم؛ لأنهم ~~يخشونه. وفي التصويت وقفت أميركا وبريطانيا الموقف المجرم المعتاد إلى جانب إسرائيل، ~~وناصرتنا روسيا لنفس السبب الذي من أجله وقفته ضدنا في التقسيم؛ مصالحها. # خلع الخليع # وفي مصر انتحر عاهل آخر بصورة نهائية. لسنا في ~~معرض اجترار الحوادث ولا إعادة نشر ما هو منشور، فليقتصر التعليق على القول إن محمد ~~نجيب - وقد يشمل اسمه الضباط التسعة الذين يقال إنهم يسددونه - أثبت للمعسكر الغربي أن ~~حركة وطنية إصلاحية ليس من المستحيل قيامها في العالم العربي من غير أن تستمد قوتها ~~من عناصر رجعية أو معادية للغرب، بل يشوقها أن تتعاون مع الغرب على صعيد الكرامة ~~والمساواة. # أما المشاكل التي تواجه رجل مصر، ms098 فهي اقتصادية ~~أكثر منها سياسية، وجاء تدهور أسعار القطن يقيم أمامه مصاعب جديدة، وليست مشكلة ~~السودان كما يتوهم الناس مشكلة قومية أو سياسية، فمصر تقبل - وقد تفضل - أن تقوم في ~~غد دولة سودانية مستقلة لولا معضلة المياه. إن النيل ينقص عن حاجات مصر، يجب بناء ~~الخزانات الهائلة لا لتؤمن الري في وادي النيل على نطاقه اليوم، بل على نطاق أوسع ~~بكثير، وإلا فلا رجاء للنهوض بالفلاح المصري من هوة تعاسته. وكان قد سبق لبريطانيا أن ~~أعلنت في الماضي البعيد أن مياه النيل من نبعه إلى مصبه هي ملك لمصر، فعلت ذلك لا حبا ~~بمصر، بل دفعا لمطامع استعمارية أوروبية، كألمانيا وفرنسا، من السطو على هذه المياه أو ~~البلدان التي تمر فيها، وقد عنت حينئذ بلفظة «مصر» المستعمرة البريطانية التي كانت ~~آنذاك إنكلترا موقنة أنها باقية فيها إلى الأبد. فإن استقل السودان اليوم فمن الطبيعي ~~أن يذيع فورا أن إعلان بريطانيا فيما مضى عن ملكية مياه النيل لا يربط الدولة ~~السودانية المستقلة، فتقع مصر إذ ذاك في مشكلة حيوية، وإن بقي السودان تحت سلطة إنكلترا ~~بقيت مصر كذلك تحت رحمة الإنكليز، وقد تعقدت الأمور - بل قد تكون بريطانيا قد عقدتها ~~- حين بنت الإنشاءات الكبرى فرفعت بحيرة فكتوريا - منبع النيل - أقداما ثلاثا، ودرست ~~مشاريع، وبدأت بتنفيذ مشاريع سدود تبلغ قيمة أكلافها مئات ملايين الدولارات. # غير أنه وقد راق الجو بين الدولتين البريطانية والمصرية، ووضح أمامهما أن المصلحة في ~~التعاون، فلن يطول الأمر حتى يجد الخبراء وسيلة لتوزيع المياه، واستغلال الموارد ~~والحلف العسكري. # ولقد تساءل المخلصون حين حدوث الانقلاب المصري عن سبب تأييد محطة اسرائيل لمحمد نجيب ~~فور استلامه الحكم، وارتفعت حواجب هؤلاء المتسائلين تستغرب زياراته لكنيس اليهود وتودده ~~لهم. واليوم بدأت محطة إسرائيل تهاجم محمد نجيب، وبدأ يتضح أن تودده لليهود كان سببه ~~أنه أراد أن يوضح للرأي العام الدولي أن حركته تحررية، وأنه ابتغى من تلك التصريحات ~~والزيارات أن يطمئن أصحاب الرساميل في مصر - وهم غير مسلمين - بأنه لن يضطهد حتى ms099 ~~اليهود؛ فلا مبرر لفرار الأموال من وادي النيل. # ولمحمد نجيب مأثرة يجب أن نتغنى بها، إنه جند ~~ستة آلاف لاجئ فلسطيني. # ماذا في تركيا؟ # من مجهولاتنا الواسعة ما لا نعرفه عن جارتنا تركيا. إن عناصر القوة الذاتية في هذه ~~الدولة ما زالت كما كانت منذ القدم؛ فلاحها، وجنديها. وتركيا اليوم - كما كانت تركيا ~~مصطفى كمال، وكما كانت تركيا السلاطين - لا تزال شرقية في روحها ونزعتها. إن الفتاة في ~~تركيا إن مشت وحدها في الشارع بكم قصير سمعت ما لا تحب، والفلاح لا يزال كما كان، ~~حتى أولئك الذين جاءتهم التراكتورات هبات يركبونها للنزهة نحو المدينة. أما الجندي فلا ~~يزال ذلك القادر الجبار الشجاع، ولكن العصر الحربي هو عصر آلات، والتركي كأكثر الشرقيين ~~لا يحسن تسيير الآلة ولا العناية بها. لم يكن في الجيش التركي - حتى منذ شهرين - فرقة ~~مظليين، فالجندي التركي الذي أثار احترام الدنيا ببطولته في كوريا، والذي قهر الروس ~~خلال التاريخ أربعة عشر مرة، له من القوة المعنوية ما يحفز به إلى الإيمان بأنه يقهر ~~الروس في المرة الخامسة عشرة، وهو يهرع بلذة وضراوة إلى جبهة القوقاس في غد إن دوى ~~النفير. ولكن المطلعين يعلمون أن قوة الجيوش تتمركز حول الآلة، والتركي لا يملك الآلة ~~ولا يعشقها. # ويثبت النظرية القائلة بأن التركي لم يتغير بعد انبعاث حركة رجعية. لو أن ساستنا ~~جبابرة لما بقوا أغرابا عن حركة هذا البعث التركي. # أما سبب انكماش الأتراك فيفسره أنهم لم يكونوا عبر التاريخ مثلنا متفتحين على الدنيا، ~~ولا أرسلوا مئات ألوف المغتربين إلى المهاجر، وصهرهم عداء جيرانهم وعدوانهم إلى كتلة ~~متماسكة تطرد عنها كل ما هو غريب. # ألمانيا - إسرائيل # وفي السنة الفائتة ساق الحلفاء بكرباج الإرهاب ~~ألمانيا الغربية إلى إعطاء إسرائيل ثمانماية مليون دولار كتعويض عما أنزله هتلر ~~باليهود. ولقد نجح ساسة الدول العربية بأن استثاروا الرأي العام الألماني ضد حكومتهم ~~التي خنعت للضغط الأميركي البريطاني. # آلات الموت والحياة # واستفادت بريطانيا الكثير من صيتها العسكري كدولة حربية رئيسية حين نجحت بتفجيرها ms100 ~~القنبلة الذرية الأولى. وأذاعت السلطات الأميركية أنها اخترعت سلاحا سريا يشل ~~أعمال الغواصات، وروسيا تملك من الغواصات العدد الفتاك المرعب، وثبت أن أميركا توفقت ~~بإنتاج القنبلة الهيدروجينية، وبصنع مدفع ميدان يطلق القذائف الذرية؛ اختراعات يدعي ~~الروس أنها آلات دمار وعدوان، ويقول الغرب إنها أسباب قوة تمنع العدوان الروسي. # الرجل الذي هرم # واستعاد تشرشل رئاسة الوزارة، ولكنه جاءها هرما رجعيا يذكر الناس كيف أن العظيم ~~يصبح في بعض الأحيان رمادا قبل أن تذروه رياح الموت. # والشيوعية # أما رايات الماركسية فقد تكاثرت في لبنان، وهي تخفق عارية حمراء في عتمة الدهاليز، ~~وفي العلانية تظهر متنكرة بمختلف الألوان. ولقد تفيأها الكثيرون ممن خابوا في محاولات ~~وطنية توهموا أن أداتها بعض المنظمات التي انتموا إليها فانهزموا عنها يتفيئون الشيوعية ~~مطمئنين إلى خدر في النفس تشيعه هذه العقيدة. إنه من الخطل أن كل الشيوعيين في ~~لبنان خائبون، أو فقراء، أو مأجورون. إن أشد الناس احتراما لحق المواطن باعتناق أي ~~عقيدة، حتى العقيدة الشيوعية، هم القوميون الاجتماعيون الذين يقاتلونها. إن الشيوعية ~~كمبادئ نظرية تطبع في كتاب هي إنتاج ذهني يستثير التفكير، ويبعث الجدل، ولكنها بخلقها ~~للطبقية بين أفراد الأمة الواحدة تخلق الفتن، وتستنفر البهيمية، وهي في هدمها أسوار ~~القومية بين الأمم ترمي بالضعيفة منها إلى براثن الاستعمار، وهو اليوم روسي، وقد يكون ~~في غد غير روسي. # ولعل من أمضى أسلحتها في الدعاية الهجوم على ~~الأميركان والإنكليز. والشيوعيون يلجئون في ذلك إلى الأسلوب الصهيوني الذي نجح في خلق ~~إسرائيل؛ فلقد كان اليهود ينادون في الدنيا «أن انظروا كيف اضطهدنا هتلر؛ إذن فأنصفونا ~~بأن نأخذ فلسطين.» والشيوعيون اليوم يصيحون: «هاكم الاستعماريون الأميركان والإنكليز، ~~أليسوا أشرارا؟» إن الأميركان والإنكليز هم أشرار، وهم أفاضل. ولو سلمنا جدلا أنهم ~~يمارسون نظاما رأسماليا نخاسيا، فأي منطق يربط هذا باعتناقنا الشيوعية، وهو المبدأ ~~الذي فشل في كل بلد نفذ فيه، وخسر كل بلاد ربحها بالاحتلال، وهو المبدأ الذي في ~~أساسه يجعلنا خونة ننتقض عن ولائنا لبلادنا التي يجب أن يكون لها منا أبدا ms101 ودائما ~~الولاء الأول والأخير. # إن الشيوعية سجلت في لبنان في العام الفائت نصرا كبيرا؛ لم يعد أحد يخجل بأن يقول ~~إنه شيوعي، بل صارت الموضة أن يعترف بشيوعيته بعض المواطنين بشيء من الغنج ~~والخيلاء. # ويستحيل أن تذكر الشيوعية في لبنان من غير أن تذكر حالا نقيضتها العقيدة القومية ~~الاجتماعية. ولبنان الذي شهد في مختلف الظروف حلفا بين الإخصام والعقائد المتضاربة لم ~~يشهد بعد لا حلفا ولا تقاربا بين هاتين القوتين برغم أن شهر أيلول كاد يحشد في معسكر ~~واحد كل القوى اللاخورية. # وقد سجلت العقيدة القومية الاجتماعية نصرا كبيرا في السنة الفائتة بما كسبته من عدد ~~وفير أقبل على اعتناقها، وبموجة من الود والإعجاب انطلقت من كل الأوساط المدركة، غير أن ~~هذا الظفر يجب أن يستمر ويتضاعف حتى يقضي على أباطيل النظام - بل الأنظمة - التي أضعفت ~~وشلت قوى مجتمعنا. # ونحن نعلم أن العهد الماضي - وقد كان في خدمة المفوضيات - كان يعتبر أن القومية ~~الاجتماعية لا الشيوعية هي عدوة الأجانب رقم واحد. إن الأجانب لم يحسبوا فيما مضى أن ~~الشيوعيين يؤبه لهم ما دام أمرهم إن اشتد يتأزم في مظاهرة يفرقها بوليسان أو ~~ثلاثة، ولكن الأجانب - وهم ذوو مصالح - يخافون قوة عقيدة نبتت من هذه الأرض لغرض واحد، ~~وهو خدمة أمتها، فهم إذن يؤثرون أن يعظم أمر المنظمات التي لن يكون لفعلها تأثير ~~عام، ويفضلون تقوية الأشخاص الذين يباعون ويشترون، ويرضخون للوعيد، وتغريهم الوعود، ~~ولا تدعمهم منظمة تسيرها مبادئ. وما دام الأجانب يفهمون الاستقرار في أن يستمر ضعف ~~الدولة الصغيرة، فسيبقى القوميون الاجتماعيون هدفا لاضطهادهم يتنازعون والشيوعيين ~~المكان الأول كأعداء للأجانب. # برغم مظاهر السذاجة في القوميين الاجتماعيين، فهم يفهمون هذا الموقف، ولهم في كل يوم ~~عليه برهان قاطع. # أيزنهاور يفوز # إن أميركا ستلعب في عهد أيزنهاور ورقتها الأخيرة في العالم العربي، فإن لم يعكس عهده ~~اتجاه عهد ترومان، فكل انحراف، وكل عمل عدائي نحو أميركا يصبح مبررا. ولكنا نسرف ~~بالتفاؤل لما سنلقاه على يدي رئيس الولايات المتحدة الجديد لولا الضربات التي ms102 لقيناها ~~في عهد سلفه. # دروس من بلاد الشاه # وفي السنة الفائتة لف الأسد البريطاني ذنبه بين رجليه، وانهزم من إيران. من بلاد ~~الشاه انطلقت هذه الدروس: (1) تحالف الشيوعية مع الحركة القومية في يوم حاسم هزم به ~~الأجنبي. (2) لم يفهم العقل الغربي مدى عاطفية الشرقي الذي لا يهمه أن يفقأ عينه اليسرى ~~نكاية باليمنى؛ فالفقر لم يخضع الإيرانيين. (3) أفلست أساليب القرن الفائت الاستعمارية؛ ~~فمن أسباب هزيمة الإنكليز عجرفة ممثلهم فى إيران الذي لا يزال يعيش بعقلية القرن ~~الفائت. # سلسلة قمم # وكشر الروس في وجه صهيون، وانفجرت كينيا، وثار المغرب الأقصى، ونشأت دولة ليبيا، ~~وماتت إيفا بيرون، وتوفي ملك إنكلترا، وجن طلال، وجرت الانتخابات البلدية في لبنان حيث ~~سجل القوميون الاجتماعيون 12 بالمائة من مجموع الأصوات، وأثبتوا أنهم أكثر عددا من ~~أية وحدة انتخابية. # صرعزة # وغار في العالم العربي أتلانتيك الكلام ... عزام! # عفوك يا عام! # يطلب اللبنانيون المغفرة من السنة التي انقضت؛ إذ لا يزال من أبطالهم القوميين ~~الاجتماعيين عشرات من مساجين ومبتعدين، هؤلاء لا يستعطفون، بل يصبرون وينتظرون، أنهم لا ~~يبتهلون، ولا يتضرعون؛ فالذين قاتلوا من أجل الحق لا يستجدونه. # | من مغترب عاد للبنان # السيد شمدص جهجاه، المعروف بالاسبنيولي باسم: # Senor Carlos Shannon # Importacion Y Exportacion # 41 Avenida San Jose # Villa Grande, Argentina # عزيزي شمدص # عسى تصلك رسالتي هذه والأشغال عندك على قدم وساق وفخذ. # كلمة صدق تريد أن تسمعها؟ إنك لم تخطر على بالي كثيرا في الأيام الأخيرة. في هذه ~~اللحظة أذكر فراقنا على ظهر الباخرة وكلانا نصف سكران، وأنت تنهال علي بالقبلات، ~~وتوصيني بألف وصية، هذه أكثرها لم أقم بها؛ فإني لم أقدر أن أقبل شوارب الكثيرين ~~الذين أوصيتني بتقبيل شواربهم؛ ذلك لأن أكثر الناس صاروا بغير شوارب، وبعض الذين ~~دمعت عيناك لذكراهم لا يذكرونك، كذلك لم أوصل بعض الهدايا لأصحابها خشية أن يشمئزوا ~~من تفاهتها، لبنان تغير منذ تركته يا شمدص، ثلاثون سنة هي وقت طويل. # حين رست الباخرة في مرفأ بيروت، نزلنا إلى الكمرك؛ ذلك المكان المرعب ms103 الذي طالما ~~سمعنا أخبارا مخيفة عنه، لا تصدق الأراجيف فالكمرك منظم هنا، ورجاله أولاد حلال. ~~وكان يوسف ابن عمنا قد اتصل بصديق له في الأمن العام أو البوليس - لا أذكر - ~~وهيأ لنا الأمور، ولم نتأخر هناك تأخرا غير عادي، كذلك لم ندفع ضريبة على كم ~~صندوق سيكار، ولما تركنا البناية كان أكثر أهل الضيعة - المديلبه - في انتظارنا في ~~بوسطتين - يعني باصين - وقد وضعوا في كل بوسطة يافطة - يعني آرمة - مكتوبا ~~عليها: «أهلا بالمغترب الكبير الأستاذ عوسج شنديب.» وهنا لا تستغرب هذه الكلمات، ~~فكلنا في لبنان «كبير»، والأستاذ هو لقب يعطى لمن ليس له لقب، شرط أن يكون في ~~لبسه شيء من الأناقة، ومظاهره تدل على أنه لا يشتغل بيديه، أو أنه على شيء من ~~الثقافة، «الثقافة» كانت تعرف في أيامنا ب «العلم». # وتراكض أهل البلد من حمل شنتاتي، وانطلق الفتيان بالحداء، وضرب الدربكة، وتحمس ~~يوسف ابن عمنا فتناول مسدسه وأطلق رصاصاته في الفضاء، وبعد قليل علت الضجة بينه ~~وبين بعض البوليس، فنظموا به ضبطا وأخذوا منه الفرد. وخرجنا فطفنا بيروت، فوجدتها ~~مكتظة، ضيقة الشوارع، ولاحظت كأن بيوتها كانت في قبضة جبار رمى بها في عجل على ~~الرمال؛ فانتشرت وتراكمت فوق بعضها غوغاء من حجارة وحديد. # ربما تستغرب بلاغتي يا شمدص، ولكن الناس هنا كلهم بلغاء وفصحاء، بل إنني في ~~الثلاثة الأشهر الأولى فتنت ببلاغة المواطنين كلهم؛ مثلا جاء بيروتي إلى الضيعة ~~فقالوا لي إنه جاء يستجم، هذه على أيامنا كانت أبسط بكثير، كنا نقول ليرتاح، أو ~~ليشم الهواء. # بلى، صرت أفهم البلاغة، بل أتقنها. ذكرني أن أرسل إليك قصائدي الزجلية (الزجل ~~في أيامنا كان اسمه قرادي). # ورحنا نمشي في أسواق بيروت، ووجدت أن النساء صرن يتجولن بحرية، والحق يقال إن ~~شعبنا يحترم النساء في الأسواق احتراما عجيبا؛ فلا تصفير، ولا غمز، ولا تسميع ~~كلام. ثم اقتربت من بائع كعك بسمسم، وأخذت كعكعة، وكان يدغدغها بيديه، وحالا سألني ~~متى رجعت من أميركا يا خواجه؟ الله ما أذكى أفراد شعبنا! ثم جمع ms104 أصابعه على زعتر ~~وقال «صحتين»، مثل الأيام القديمة بالتمام. واكتشفت أنه ليس معي عملة لبنانية؛ فدفع ~~عني يوسف ابن عمنا، وأبى أن أعيد له الربع ليرا بعد أن بدلت ورقة العشرين دولار ~~بالعملة الوطنية. ثم ركبنا البوسطتين وانطلقنا، فلما وصلنا إلى فرن الشباك أوقفنا ~~كومسير البوليس هناك، وأرجع الفرد ليوسف ابن عمنا، وأعطاه الضبط قائلا: «مسح به ~~جزمتك، ولعيون أسعد بك.» وقيل لي بعدئذ إنه كان لهذه الحادثة أهمية كبرى في أنحاء ~~البلاد. # كذلك كان لنا في «المديلبه»- قريتنا - لقاء حافل، وسمعت الخطب والقصائد، وبقيت ~~أكثر من أسبوع أودع جمهورا، واستقبل جمهورا، وأرسلت مع يوسف ابن عمنا حوالة ~~بمئتي دولار ليصرفها لي في بيروت، فتأخر بالعودة، ثم رجع بعد أيام ومعه قصص. كيف أن ~~الصيارفة منتظرون وصول علم من بنك نيويورك، كذلك قطع يوسف ابن عمنا رجله عن دارنا، ~~وسمعت أنه يلعن أميركا ومن أتى منها، ويقول إنني قليل الشئمة؛ إذ إن يوسف ابن عمنا ~~نظم لي استقبالا في بيروت، ووقع بسببنا في «مشكل» - وهذه لفظة جديدة عليك سأشرحها ~~لك في فرصة ثانية - وإن كعب صرمايته العتيقة يقطر دولارات. # وحقا شعرت بزهو كثير لمظاهر الاحترام والخشوع والتعظيم التي تحيط العائد إلى ~~لبنان؛ فهو شبه بطل راجع من معركة ظافرة، والناس يظنون أننا كلنا عباقرة في المهجر، ~~متفوقون، وتراهم يعتذرون لي عن بعض العادات والأخلاق والإدارات البلدية. # بل ولكن - هذا التعبير من أدوات البلاغة - حضرت حفلة خطابية، وصلت إليها ~~متأخرا، فدخلت قاعة مكتظة بأصناف البشر، وقد وقف على المسرح أستاذ يخطب عن أحد ~~أنواع البشر، وينعتهم بالنبوغ، والوطنية المثالية، والسخاء المدهش، والجد، والقيام ~~بالمعجزات، وكان الأستاذ ينفعل والناس تصفق والكلمات البليغة والحمم والبخار تموج ~~في بلعوم الأستاذ، ثم تنفجر، وتنطلق فتلهب القاعة، فسألت جاري بمن يتغنى الأستاذ؟ ~~فأجاب: بالمغتربين طبعا، فوضعت يدي على فمي، وركضت من القاعة إلى الخارج أضحك لأنه ~~خطر على بالي ... و... و... و... سلم عليهم جميعا. # بل ولكن، هل تذكر يوم فار حماسنا قبيل حرب فلسطين، وجمعنا ألفا ms105 وخمسمائة دولار ~~أرسلناها تبرعا؟ وحياة شرفك صار لي ستة أشهر أفتش عمن قبضها، ومن أنفقها، ولم ~~أهتد، ثم هل تذكر ... الذي زارنا في # Villa grande ~~، ~~وأقمنا له حفلة كبرى، وألقى علينا محاضرة طويلة عريضة؟ التقيت به صدفة، وسألت ~~عنه فإذا هو أستاذ فقط لا غير. # قل لفارس أن يستحي فيرسل إلى أبيه كم دولار، ليس من الضروري أن يرسل الواحد منكم ~~حوالة ضخمة، مسكين أبو فارس فهو في أيام الصحو، وحين يبتسم له الحظ يشتغل على ~~حماره بنقل البحص من النهر إلى الضيعة - سفرة كيلومترين - والنقلة بثمانين قرشا، ~~إلا تزال «هوانيتا» زبونة فارس أم هو رجع إلى «أنيتا»؟ # المعيشة رخيصة جدا في لبنان، لا تصدق أقوال الجرائد عن الغلاء، إجمالا تقدر أن ~~تعيش هنا بأقل بكثير مما تنفقه هناك بشرط أن لا تطلب الزعامة وألا تصدق نفسك بأنك ~~مغترب كبير، وبشرط أن لا تطلب أكل العنب في شباط بدلا من أيلول. المعيشة هنا ~~رخيصة، الكنفشة غالية، بليرا تصل إلى بيروت في أوتوموبيل ثمنه عشرة آلاف ليرا من ~~غير أن تدفع عشرة آلاف ليرا ثمن أوتوموبيل. # أكثر ما تنشره الجرائد هنا صحيح، وعلى ذكر الجرائد فإني أشكرك على أهدائك إياي ~~جريدة «الأورينتي»، هكذا يتسنى لي تتبع أخباركم، وأنا حين أقرأ «الأورينتي» ~~الأرجنتينية، و«الأوريان» اللبنانية، أرى التعليق والأخبار تقريبا هي هي، الأسماء ~~والأماكن مختلفة. على كل حال يا شمدص متى رجعت، وهذه هي الوصية الكبرى التي أوصيتني ~~بها، أي أمر رجوعك إن كان من الحكمة أولا، فأنت تريد العودة للعيش لا للوعظ ولا ~~للإصلاح ولا للقيام بالثورات الاجتماعية أو السياسية. فإذا مررت وزوجتك بشوارع ~~بيروت، ورأيت بعض الرجال يبللون الحيطان فلا تقترب من الرجل وتؤنبه، بل قل للمدام ~~أن تدور بوجهها إلى الجهة المعاكسة، وإن اتفق أن كان هناك أيضا رجل آخر واقفا ~~قبالة الحائط، قل للمدام ترى لماذا هذا الرجل يحدق بالحائط؟ وإن ركبت تاكسي ادفع ~~للشوفير نصف ليرا زيادة، فقولة «الله يعوض عليك.» لم نكن نسمعها في الأرجنتين يا ~~شمدص، ms106 وهي تساوي أكثر من نصف ليرا. ومتى أردت أن تستبدل حوالة مائة دولار رح بنفسك ~~إلى الصراف لا ترسل يوسف ابن عمنا. # عدم المؤاخذة لم أذكر شيئا عن فلسطين؛ فإني أعلم أنكم هناك تهتمون بها، إن الناس ~~يفوهون بأقوال، ويكتبون مقالات عن اليهود الأعداء، لو أنها قيلت أو كتبت في أي ~~بلدان الدنيا عن أعداء تلك البلدان، لهاجموا القائلين والكاتبين، وأحرقوهم في ~~الشوارع. # في الأسبوع الماضي زرت مخيما قرب طرابلس، وجدتهم - رجالا ونساء وأولادا ~~وأطفالا - على الأرض، بدون فرش ولا أغطية، ورأيت غلاما راجعا إلى الخيمة فرحا؛ ~~إذ إنه وجد كسرة جرة يستعملها لجلب ماء الشرب من النهر. هل ممكن أن تجمعوا شيئا ~~هناك لهم، وهذه المرة ننتقي شخصا أو منظمة توصل المال إلى مستحقيه. # البناء في بيروت - شأنه في أكثر بلدان الدنيا - على قدم وساق وفخذ. سمعت أن قصرا ~~شيد حديثا زينوا أحد جدرانه بالذهب المذوب. أعتقد أن هذا مبالغة، إنما قصة ~~كسرة الجرة قرب طرابلس - وحياة شرفك وشرفي - إنها صحيحة. # ثم لا تقلقوا عما قد تقرءونه في الجرائد عن المشاحنات والقتل والضرب، هل تذكر ~~حينما كنا نخشى في الأرجنتين وقوع حرب أهلية في لبنان؟ إن هؤلاء الذين يتناظرون ~~ويتطاحنون، يقضون أكثر السهرات سوية بين ضحك ودعاب ولعب بوكر. ذكرني أن أرسل لك ~~مكتوبا آخر عن اللعب في لبنان، فإن لاحظتم من مقالات الجرائد أن ستقع الواقعة هنا ~~خففوا من مخاوفكم، واذكروا أن ما تقرءون هو كلام أساتذة فقط. # كدت أختم هذه الرسالة من غير أن أوضح لك الأمر المهم؛ أي مسألة رجوعك، ورجوع سائر ~~الإخوان، وأختصرها بما يلي: ~~(1) # لا ترجع بأقل من عشرة آلاف دولار إن كان هذا المبلغ متيسرا، فمن ~~الهين أن تبدأ أعمالا كثيرة تسوكر لك مصروفك. أما من معه أكثر من ~~عشرة آلاف دولار، فلا يحتاج إلى نصيحة أحد. ~~(2) # شعبنا مع كل نقائصه أشرف وأحسن وأكرم وألذ شعوب الدنيا. في وسعك ~~اختيار شلة من الأصحاب تعيش معهم في هناء، من الآن إلى عندما. ~~(3) # لا ترجع ms107 بفكرة أنك ستصلح الحكومة أو البشر، وابتعد عن الحكومة ما ~~أمكنك. ~~(4) # اجلب معك - عدا عن العشرة آلاف دولار - عقلك ورصانتك؛ لأنك إن انتفخت ~~خربت. ~~(5) # لا تجلب معك إلا القليل من الثياب، هنا الرجال يتأنقون في اللبس ~~كثيرا، وأعظم خياطي الأرض في بيروت. ~~(6) # لا تجلب معك هدية لأحد، لا تفتح ها الباب. أما ما كنا نتخيله عن ~~مناظر لبنان ومناخه وفاكهته ومآكله، فهو أقل بكثير من الحقيقة، الجنة ~~هنا يا شمدص. # قرأت أن حكومتنا عينت عندكم سليمان الحلبي قنصلا فخريا، لا بأس بسليمان، دون ~~سلمون. ولكن يا ليتهم عينوا نجيب رافع، زره عني، وسلم عليه، وقبل يده، بطنها ~~وقفاها، وقل له إنني لا أنسى جميله ما حييت. على هذا الرجل ينطبق خطاب الأستاذ شولح ~~الذي تغنى بالمغتربين. # ثم يا شمدص أخبرك أنه في لبنان حتى يكون لك شأن يجب أن يصبح لك مركز رسمي: رئيس ~~جمعية، أو سكرتير نقابة. ولا أكتمك أن أكثر هذه المؤسسات تبدأ بأكل الشوربا وتنتهي ~~بشرب الأنخاب. وليس لي أمل بتزعم أي منها، فكل الكليات والمدارس لها جمعيات متخرجين ~~وتلامذة قدماء، كذلك كل المهن لها نقاباتها، ففكرت أنك إن رجعت نؤسس جمعية «مغتربي # Villa grande ~~»؛ أنت سكرتير، وأنا رئيس، ونسند ~~بعضنا بقصص مغامراتنا، وكبير شأننا. هنا يصدقون كل القصص عن المغتربين، شيء من ~~الكنفشة يفرح القلب. هذا، وسلم لي على الإخوان، يدي إلى قلبي. # أخوك: عوسج شنديب # رئيس جمعية فيلا جراندي ~~مستقبلا # على فوقه: هل جمعت لي شيئا من الدين القديم الذي تركته بين يديك؟ ثم بعد كتابة ~~ما تقدم جاءنا يوسف ابن عمنا معتذرا وفي يده صك بيته يريد أن يرهنه ليؤمن لي ~~المئتي دولار. ألم أقل لك إن أفراد شعبنا أشراف؟ بل ولكن، يجوز أنه يقصد أن يستدين ~~من جديد، والصك تمهيد، ثم قل ل «ريمندو» ابني حين يكتب لي أن لا يخاطبني ب «بابا»، ~~فبعض مكاتيبه ضاعت، كذلك يمكنك أن تدفع للمحامي «أميليو تيرونا» لا أكثر من خمسماية ~~دولار شرط أن يمزق ورقة زواجي ms108 من سجل البلدية، الكلام بسرك أريد أن أتزوج هنا من ~~جديد. جميلة؟ سي سنيور! # | سفري إلى الفلبين # هذه المذكرات كتبت على ظهر الباخرة التي أقلتني إلى «الفلبين» في شهر أيلول 1925. أعتقد ~~أنني كتبت منها ما يملأ كتابا، ولقد أعطى لهذه الصفحات القليلة من ينقذها؛ إذ حفظها بين ~~أوراقه خلال هذه الثلاثين سنة. أما الباقية فيحتفظ بها اليوم، ولا يريد أن يطلقها من طلق ~~كل جميل واحتفظ بحثالات الكئوس. # جعر البابور، بل جأرت الباخرة، على لغة القاموس والقوامسة، وكانت جأرته تبعث في النفس ~~وحشة وريبة. # لا أدري معنى جأر في اللغة، ولكن تصويت باخرتنا كان مزيجا من خوار الثيران الضخم المرعب، ~~ونعيب البوم الحاد النائح. # رفعت السلالم، وقرقعت الآلات. # دقت ساعة الهول، وتمزيق الحشا؛ فاحمرت العيون، وانكمش المسافرون في أسرتهم. # تلك كانت ساعة الوداع. # غرفة على البحر # انقضت من حياتي ثماني سنوات متتابعة في الجامعة الأميركية، وقد بقي في نفسي حسرة حين ~~تركتها؛ لأني لم أقدر أن أسكن في غرفة تشرف على البحر؛ فقد كنت كلما طلبت إلى الناظر ~~أن يتكرم علي بغرفة أرى منها البحر راح فجاد علي بواحدة تشرف على البر. أما في هذه ~~الباخرة - لله ما أطيبهم - فمن غير أن أطلب إليهم أعطوني غرفة تشرف على البحر؛ فشكرت ~~لحضرة الجرصون لطفه. ولكننا لم تمر بنا ساعة إلا وتحققت أن غرف البابور جميعها لا تطل ~~على غير البحر، وأن حضرة الجرصون لم يكن لطيفا، بل إن حضرتي كنت ... # من ربح الحرب # من الألفاظ ما يدل بنفسه على معناه، مثلا لو قلنا «قرقعت» الدواليب تخيلنا معنى ~~«قرقع»، وإن لم نكن ندري معناها من قبل، وإن من هذه الألفاظ كلمة «العلج»، فقد كنت كلما ~~قرأت في كتب الأندلس القديمة هذه اللفظة في مثل قولهم: «وركب الأمير عبد الله في طلب ~~العلج.» - وهم يعنون بذلك عقيد الإفرنج - كنت كلما قرأت ذلك تخيلت «العلج» رجلا كالعجل ~~ضخم الرقبة، هائل الخلقة، بطيخي الرأس. # كنت أرى ذلك بالخيال، ولكنني ما كدت أفتح باب غرفتي - تلك ms109 الغرفة التي تشرف على البحر ~~- إلا ورأيت بعين الحقيقة ما كنت أراه بعين الخيال، وها هو العجل - عفوا أردت أن أقول ~~العلج - في سريره، وقد كان مضطجعا، فلم أكد أدخل الغرفة حتى هرول العلج إلي فعرفني ~~إلى نفسه أنه روسي، وأنه كان في الحرب جنرالا، وما جئنا على ذكر الحرب حتى طفر الدمع ~~في عينيه فقال: كان لي ثلاثة أولاد كلهم قتلوا في زمن الحرب، وكان صغيرهم في مثل عمرك ~~يا ابني، قتل أولادي وعمي، وجرحت زوجتي، وتعذبت أنا، ولماذا كل هذا؟ أما والله إني لأجن ~~كلما سألت نفسي: لماذا أشعلت تلك الحرب؟ ومن ربحها؟ # قلت إن صاحبنا كان لطيفا، ولكنه تناهى في اللطف حتى ... # كلما أردت أن أحول مجرى الحديث عاد فحدثني عن زوجته: «نعم إن زوجتي شجاعة، نعم هي ~~شجاعة هذا أمر لا ريب فيه.» # قلت في نفسي: «وكيف لا تكون شجاعة وقد أقدمت على الاقتران بذلك العلج؟!» # طره يما نقشي # من المسائل السيكولوجية المختلف عليها «الفراغ العقلي»، وهي تختصر بهذا السؤال «هل ~~يمكن للمرء أن يفكر في لا شيء؟» وعلماء السيكولوجيا مختلفون في الجواب؛ فالسلبيون منهم ~~يقولون إنه يستحيل على الدماغ أن يكون خاليا، وكنا نحن في مقام المفاضلة بين ~~النظريتين، ولكن الثابت أن العقل الإنساني ميال بطبيعته إلى الافتكار بشيء، ولو كان ~~تافها، ونحن - جماعة المسافرين - حين فرغت جعبة أخبارنا ومحادثاتنا قعدنا واجمين، ~~ويظهر أن أدمغتنا أبت «الخلو» فرحنا نلعب - كصغار الأولاد - «طره يما نقشي»! # درجة واحدة # أحمد الله أنه لم يكن بين المسافرين لا بلاشفة ولا اشتراكيون متطرفون؛ إذ إنهم لو ~~كانوا بيننا لأوقعوا الفتنة لا محالة؛ فإن بين «عفش» الباخرة نحوا من ثلاثماية بقرة، ~~وضعت في ما يسمونه «الدرجة الخامسة»، وبين الدرجة الخامسة والدرجة الرابعة سلم يفصل ~~الاثنتين، وكان في الدرجة الرابعة مهاجرون من الأروام - لله من منظرهم - أربعون أو ~~خمسون، رجال ونساء وأطفال، افترشوا ظهر الباخرة، وتدثروا بعباءات الرجال وناموا، ~~يقلقهم خوار الحيوانات، وتمزق أنوفهم الرائحة النتنة المنبعثة من الأبقار. # سبحانك ربي! لقد ms110 جعلت سلم البشر عاليا جدا، فأجلست البعض في قمة، ثم لم تجعل بين ~~الآخرين وبين الحيوانات إلا درجة واحدة؛ فالأروام ركبوا الدرجة الرابعة، والبقر ركبت ~~الدرجة الخامسة، أما تلك «المدموازال» التي عمرها ستون سنة لا غير، والتي غضبت علي ~~حين عثر لساني فدعوتها ب «مدام»، تلك المدموازال تأففت كثيرا، وندمت على ركوبها باخرة ~~فيها أناس من العرمط. # إني أسأل الله يا مدام - عفوا مدموازال - أن لا يمسي «عرمط» العالم كعرمط روسيا، وإذ ~~ذاك لا تعودين تتأففين. # الشكوى والإصلاح # من أيسر الأمور عليك أن تمر ببناية متزعزعة الحيطان فتقول: إن ذلك الحائط عائب، ما ~~أشد غباوة المهندس. ولكن من أصعب الأمور أن ترسم خريطة تصلح ما تداعى من ذلك ~~البناء. # تلك هي الحال بين الشكوى والإصلاح، فهذا التفاوت الاجتماعي بين الناس الذي أشرت إليه ~~بركاب الدرجتين الرابعة والخامسة هو تفاوت يسهل على الكل ملاحظته. # إلى هنا كل الناس يقرون بأن حالة المجتمع غير مرضية، ولكن ما هي طريقة ~~الإصلاح؟ # وهنا وجه الاختلاف. # فمنهم من يبتغي الإصلاح العنيف العاجل، ومنهم من يؤمنون بالإصلاح الهادئ ~~المستمر. # طفل وعجل # في الليل الماضي زاد عدد ركاب الباخرة اثنين - طفلا وعجلا - تفاءلنا خيرا - يا ~~مرحبا بالطفل والعجل - إن السفرة ميسرة بإذن الله. # مشكلة حقوقية! # هل ينبغي أن يدفع رسم السفر عن الطفل والعجل وقد ولدا في الباخرة بعد قطع أوراق ~~السفر؟ # تفتيش الركاب # والله إنه لذكي مفتش الجمرك في بورت سعيد؛ لم يكن لديه وقت لتفتيشنا وتفتيش جميع ~~حقائبنا، ولكن ذلك لا يضيره، ولماذا؟ إن في عينيه أشعة إكس التي تخترق الأجسام الكثيفة. ~~ها هو قد أدار باصرتيه، وأمر بلهجته الجازمة، أن افتحوا تلك الحقيبة. # لعله ظن أن بها حشيشا، ولكنه وجد بدلا من الحشيش ... أحذية ... # فتشوا تلك السيدة ... افتحوا الجزدان إن فيه كوكايين، ولا ريب. # فتحوا الجزدان فوجدوا فيه مادة غبارية بيضاء ناعمة ... وليس ذلك بكوكايين يا سيدي ~~المفتش، بل ... بودرة! # ولكن أصدق نظراته كانت في أنه أجال ناظره في جيوبي المنتفخة فقال: «ذلك الفتى ms111 يهرب ~~ذهبا، فتشوه.» # هل تحققت أنني لم أهرب ذهبا، بل إني هارب من أجل الذهب؟ # كل جيل يلعب مع جيله # نصيحة لوجه الله: لا ترافق من هم أكبر منك سنا، أو أرفع قدرا، أو أوفر مالا؛ إذ ~~إنك دائما تشعر بتفوقهم عليك، بل إن الناس يجعلونك تشعر بذلك؛ فإن تكلمت درا وتكلم ~~رفيقك الكبير صدفا، قالوا إنك مهذار، ونعتوه بأنه حكيم عليم. # وإن أنت أنفقت عليه قالوا إنك تملقه، وإن هو أنفق عليك قالوا إنك عالة عليه. # أما أنا فقد قاسيت من ذلك الأمرين، وآخر اختباراتي أني رافقت من هم أكبر مني في سنهم ~~وعلمهم ومالهم. # ونزلنا نتفرج على بورت سعيد، فاكترينا عربة، وبالطبع ركبت أنا بالقلب ... فصار وجهي ~~في عكس المخازن التي نمر بها، وكانت النتيجة أنني بدلا من أن أتفرج على المدينة تفرجت ~~على رفيقي الكبيرين. # تفرنجنا # يفتخر الناس بأن هذا العصر هو عصر الحرية، ولكن الإنسان لم يكن - ولن يكون - حرا في ~~معنى الكلمة المطلق، فهو عبد لهذا المجتمع الذي يعيش وسطه. # المجتمع قدم لك الأردية وأجبرك أن ترتديها، وهو الذي أرغمك على السلام بهز اليد أو ~~رفعها إلى الرأس، وهو الذي يقول لك لا تدخن الحشيش. # والمجتمع المستبد هو الذي استبدل طربوشي ببرنيطة، وهو الذي حرمني من شاربي ... توفاه ~~الله في بورت سعيد على أثر عملية جراحية عند الحلاق. # يعز علي حين أدير كفي # أفتش في مكانك لا ~~أراكا # مس هدسون # إيه مس هدسون! أنت بين الغادات كسميك الأوتوموبيل بين الأوتوموبيلات! # إيه مس هدسون ... ولكني استعجلت، فقد جمح بنا القلم إلى الغزل قبل أن نتمم البكاء على ~~الطلول. ألم يقل امرؤ القيس «قفا نبك» قبل أن يقول «أغرق من»؟ إذن فلنقف قليلا على ~~الأطلال، ثم نتخلف إلى مس هدسون. # غريب مسكين # للعالم رأي في بعض الناس، وبعض أصحاب المهن يصعب تفسيره؛ فهو - أي العالم - يعتقد أن ~~المحامين يخلقون مشاكل أكثر مما يحلون، والعالم يعتقد أن الإسبانيولي متعجرف والفرنساوي ~~سريع الغضب سريع الرضا. # وقد كانت عقيدتي قبل ms112 أن ركبت هذه الباخرة الإنكليزية التي تقلني من بورت سعيد أن ~~الإنكليز أبعد الناس عن معاشرة غيرهم من الناس، وأنه كان من سوء طالعي أن أرافق خمسماية ~~من الإنكليز والإنكليزيات، فلا يتيسر لي أن أكلم واحدا ولا واحدة. # ذلك كان رأيي الذي أخذته عن العالم؛ لذلك استكملت عدتي من بيروت، فجهزت نفسي بأربعة ~~مؤلفات لأربعة من أشهر مؤلفي الإنكليز، حتى إذا وجدت نفسي بعيدا عن رفقائي عكفت على ~~كتبي أستقصيها الأخبار، وأستنطقها الحكم. # ولكن كتبي إنكليزية ومؤلفوها إنكليز. # تبا لهم! أتهرب منهم إليهم؟ # ومر بي يومان في أسوأ حال. # غريب مسكين ، لا عشير ولا سمير، لا كلمات ولا نظرات، وقد بدأت أشعر بوحشة وانقباض، بل ~~وبازدراء لنفسي، وقد زاد نفسي صغارة في عيني حادثان؛ أولهما أن رجلا شرقيا مثلنا، ~~لسانه عربي مثل لساننا، ووجهه أشد سمرة من وجهنا، وقد «تبرنط وتنعم» في بورت سعيد ~~مثلنا، ذلك الرجل مر بنا مرة ونحن منكمشون في إحدى الزوايا، فألقى علينا نظرة ~~شامخة أرستقراطية تشبه النظرة التي يلقيها الموظف الكبير على مرءوسه الموظف الصغير، ~~وعند أهل لبنان من هذا علم كثير. # مر بنا شامخا مزدريا، ولم يتنازل إلى مبادلتنا الابتسام. # وثانيهما: أننا كنا دائما نمر بالقاعات أنا ورفيقاي في صف، الواحد وراء الآخر، ولكن ~~أنا آخرهما، وقد سمعت مرة إنكليزيا ظريفا يهمس إلى رفيقه «أفسح طريقا» فالقافلة ~~(أي نحن) ستمر! # وحي من الله # سمعت - ولا ريب - قصصا كثيرة عن الوحي، وكيف أن المرء فعل بعض مرات أفعالا من غير ~~أن يدري لها سببا، ثم تحقق بعدئذ أنها نافعة له. # وأنا لا أدري ما الذي حدا بي، وقد أعلنوا أن الليلة ليلة راقصة أن أنزل إلى غرفتي ~~فأتطيب وأتزين، وأرتدي أحسن أرديتي، وأصلح من هيأتي على قدر ما يقوى العطار أن يصلح ~~ما أفسده الدهر. # شعشعت الأنوار والوجوه، وخفقت الموسيقى والقلوب، وأمسكت الأيدي القوية بالأكف ~~الناعمة، وترجرجت الأمواج على الصدور، ودار الرقص الاسكوتلندي، يرافقه زقزقة الغادات ~~تتناوب مع هدير أصوات الشبان، وأنا كالسيف عري متناه ms113 من الخلل، منقبض مسمر إلى ~~مقعدي. # يا وقعة الشوم، أيها اللاصق بكرسيك، إن وجودك في ليلة الفرح شذوذ غريب. # فلما استحكمت حلقاتها # وإني لكذلك - على رأي المنفلوطي - وإذا برجل كهل تقدم مني، وكأنه أراد أن يؤنسني ~~وقد رآني غريبا، فسألني: كم تظن عمق المياه هنا؟ # سؤال عجيب! أهو يهزأ؟ ولكن نظراته وديعة، وعمره تجاوز سن الهزء؛ إذ إن شعره قد انسحب ~~متقهقرا بنظام من جبهته إلى قمة رأسه. ~~- كم تظن عمق المياه هنا؟ # أجبته متلجلجا: أظنها ألف ميل. # قال: أظنك مخطئا. # فسبقتني النكتة المصرية المعروفة فقلت: إن لم تصدقني تفضل فقس العمق وأعلمني ~~النتيجة. # فاستطاب هذه النكتة، وجلس بجانبي نتحدث عن السياسة والتجارة والاستعمار، وأقوال ~~الجرائد الإنكليزية، وقد استفرغت علمي وجهدي وفلسفتي فوضعتها في تلك المحادثة، فكان ~~صاحبنا مسرورا، ولكن لماذا التواضع؟ إنه كان معجبا، فنادى رفقاءه الخمسة، وأقبلوا ~~علي في حلقة يستفسروني ما صعب عليهم فهمه من مشاكل الشرق، فصرت أجيب بأبهة ~~وفصاحة، ومر بي حين من الدهر حسبت أن أزمة الشرق في يدي. # وكان الرقص قد انتهت دورته الأولى، فانضم إلينا سيدات أربع؛ ثلاث متزوجات، ومس هدسون؛ ~~فوسعنا حلقتنا، وأخذت أشرح لهم أنواع الرقص البدوي، وأخبرهم عن عادات البدو، وأخذن هن ~~يستفسرنني ويصغين إلي إصغاء الأولاد إلى حكايات الجن. # إي والله، لقد كانت أخباري أقرب إلى حكايات الجن منها إلى أحاديث الآدميين. ~~- وهذه العباءة كم تظنها تساوي يا مستر؟ ~~- بكم اشتريتها يا سيدتي؟ ~~- بأربعين شلن. ~~- إنها لا تساوي أكثر من خمسة وثلاثين. ~~- وهذا الشال كم ثمنه في بلادكم؟ ~~- بكم ابتعته يا سيدتي؟ ~~- بليرة إنكليزية. ~~- أظن أنك مغلوبة، فنحن لا نبيعه بأكثر من نصف ليرة. وهكذا دار التثمين والتخمين حتى ~~عزفت الموسيقى برقصة أتقنها - لا بل لا أتقن غيرها - فهلع قلبي. هو ذا في حلقتنا سيدات ~~أربع، كلهن مشوقات إلى الرقص مع الغريب العجيب الذي يعرف الرقص البدوي، والخبير في ثمن ~~الشالات والعباءات والنحاس والسجاد. # أنا أرقص مع سيدة إنكليزية؟ # ومن هذه الطبقة، وفي هذا المجتمع؟ # قلت لنفسي: «مكانك ms114 تحمدي أو فاستريحي.» # وشجعت نفسي، وانتخيت، وسألت مس هدسون الرقص؛ فمشت ومشيت، ورقصت ورقصت. # ثن وثلث يا شاطر حسن # ومن تلك الساعة، الرقصة تتلو الرقصة، وأنا قبلة الأنظار، ومطمح أبصار ~~الراقصات. # دراقة # من تشابيه الإفرنج قولهم للمرأة الجميلة المشبع وجهها حمرة وبياضا إنها دراقة ~~(دراقن في القاموس). إنه لتشبيه جميل وصحيح، وأرجو أن يشيع في العربية. # أليس الخد المشبع حمرة وبياضا أقرب إلى تلك الثمرة الطيبة الشهية منه إلى الجسم ~~البارد والمستدير، القمر؟ # ولكن العرب شبهوا المرأة بالقمر، ولم يشبهوها بالدراقة. # لعل تلك الثمرة لم تكن في بلادهم، بل قد تكون سمرة نسائهم أبعدت عنهم ذلك التشبيه. ~~فلما جئنا نحن فاستعرنا الألفاظ الأدبية ولم نستعر الروح، بقينا نشبهها بالقمر، ولم ~~نستنبط لها تشبيها جديدا. # ما أصدق ذلك التشبيه في الاسكوتلندية الفاتنة التي أراقصها. الآن وصلنا إلى مس ~~هدسون. # أسرت إلي أن الرقص أتعبها، فأخذت بيدها واتكأنا على خشب الباخرة، ووجمنا ~~صامتين. # جبل من الخشب والحديد يسير في سهل من الماء، والبحر قد استحالت زرقته إلى السواد، ~~وجماله إلى الرهبة والخشوع. وفي الشمال يلتمع الهلال، وهو ابن يومين، وفوقه الزهرة في ~~عز ملك الصبا جمالا وبريقا. # أخذ الهلال يهبط رويدا رويدا، فيتغير لونه؛ ابيضاضه أصبح احمرارا كالجمر. إنه لامس ~~الأفق البعيد، فنشر نوره على البحر بساطا من الحمرة الموردة، وبقيت زهرة مشعشعة ~~قبالتي، وزهرة إلى جانبي مائلة برأسها على كتفي بشغف وطهر. # ولبثنا صامتين إلى أن بدأت هي الحديث فقالت: أليس فاتنا هذا المنظر؟ ~~- بلى كان فاتنا يا فاتنتي. # أخذنا نتبادل الأخبار، فعلمت من أمرها أنها قاصدة إلى أواسط الهند لتعيش مع أبيها ~~الذي تركها طفلة، وأنها ستشغل وظيفة في إحدى دوائر الحكومة. # واها لها! # أمثل هذه البشرة الناعمة تتعرض لشمس الهند المحرقة؟ وتلك الزهرة الندية العطرة يفوح ~~شذاها بعيدا عن العالم المتمدن في أدغال الهند، لينشقه من؟ # لهفي عليها إذ تجلس كئيبة في وحدتها، مجهدة من عملها، قصية عن الملاهي التي ~~ألفتها. # ملكتني هذه الحسرة على زهرتي، وهممت أن أكاشفها ms115 هواجسي، ولكن ابتسامتها الجذلة ~~وإقدامها الجريء أجمدا كلماتي في فمي، فما تحركت الأوتار بالموسيقى حتى رجعنا إلى أزواج ~~الراقصين، فكنا حلقة في سلسلتهم. ولما هدأت الأوتار، عدنا فانضممنا إلى أصحابنا ~~الاسكوتلنديين نمازحهم، ونتحدث معهم. وقد يمكنك أن تتحبب إلى امرأة بأن تطري جمالها، ~~وتنقص من جمال سواها، وقد يمكنك أن تتودد إلى المغني بالتظاهر بالطرب الشديد، ولكن ليس ~~في وسعك أن تتقرب إلى شخص بأسرع مما تتقرب إلى الاسكوتلندي إذ تطري أديبا من أدباء ~~بلاده؛ ذلك لأن النابغين من كتابهم وشعرائهم قلائل، وعلى قلتهم لا يعترف الإنكليز أنه ~~قام بين الاسكوتلنديين نابغة، مع أن منهم «كارليل» الحكيم، و«سكوت» الروائي، و«برنز» ~~الشاعر. # رويت لهم اليسير من نوادر حكيمهم، وتناشدنا القصائد لشاعرهم؛ فتوثقت بذلك صداقتنا، ~~فدعوني إلى المقصف - مع ما اشتهر عنهم من البخل - فلبيت الدعوة، كيف لا وجارتي مس ~~هدسون؟! # الحصان الأبيض # وكان الشراب من الوسكي الشهير «الحصان الأبيض»، وأنا لم أتعود من أنواع الشراب إلا ~~الماء والقهوة، فلما دارت الأنخاب اضطررت إلى رفع كأسي، وكنت في كل مرة أكرع أحس ~~بمرارة في فمي وحلاوة في حديثي، وصرت أضحك للاشيء، وأتخيل كل شيء. شعرت بالخفة في ~~رجلي كأنهما أصبحتا مجنحتين، وبالثقل في رأسي كأنه توج بالحديد. # انتهت الجلسة، ونزلت السلم إلى غرفتي، بل تدحرجت عليه. قعدت في فراشي، ومرت بي مواكب ~~الأوهام. عاودتني الهواجس في مس هدسون؛ هذه أفاعي الهند تهاجمها، فينبغي أن أحذرها ~~منها، ها هي الشمس تمطر نيرانها، وأنا لم أر في يد الفاتنة شمسية، بل لماذا لا أقدم ~~لها شمسيتي؟ فتحت حقيبتي، وأخذت منها المظلة، وأنرت الغرفة، وخرجت منها والشمسية في يدي ~~عند منتصف الليل، التقيت بالخادم فسألته عن ... عن ... آه ... نسيت اسمها. # رجعت إلى الفراش، وكان صباح؛ فاستفقت، فإذا بالجفاف يكاد يحرق فمي، شعرت بصداع شديد ~~في رأسي. ذراعي كالخشبة قبح الله «الحصان الأبيض» وألحقه بأدباء اسكوتلندا. # لم أذق من الشراب إلا الماء والقهوة، وسنرجع إلى الماء والقهوة. إن ربك غفور ~~رحيم. # بحر غير أحمر # سمي البحر ms116 الأحمر «أحمر»؛ لأن الحمرة تغلب على بعض بقاعه. بلى لقد ارتكبت غلطة ~~يستفظعها علم المنطق؛ وهي أني فسرت لفظة أحمر بلفظة مشتقة من حمرة، وهذا في المنطق ~~خطأ فاضح، كأن تسأل: لماذا سميت بريطانيا «عظمى»؟ فتجيب: لأنها عظيمة. أما إذا سألت هذا ~~السؤال عن لبنان «الكبير» فتكون قد ارتكبت غلطتين فظيعتين؛ الأولى في علم المنطق، ~~والثانية في علم آخر. # ولكن ما لنا وللمنطق؛ فقد قيل: «من تمنطق فقد تزندق.» إنما المهم أن تعلم أننا مررنا ~~بما يسمونه البحر الأحمر، وحدقنا في مياهه طويلا، فكدنا نرى كل الألوان، من الأبيض ~~إلى الأزرق الضارب إلى السواد، أو الأزرق الصافي. ولكننا لم نجد اللون الأحمر الذي من ~~أجله سمي البحر أحمر. # صفعتان # في التاريخ صفعات تاريخية مشهورة، أذكر منها الصفعة التي لقيها النائب الألباني في ~~مجلس المبعوثان من أحد كبار رجال الأتراك، ويقال إن النائب الألباني حين صفع قال: ~~ستكلفكم هذه الصفعة ثمنا غاليا يا رجال الأتراك. وكانت اللطمة السبب العاجل في ~~إشعال الثورة الألبانية، ثم انسلاخ تلك البلاد عن السلطنة العثمانية. # أقول إنها كانت السبب «العاجل» أو المباشر؛ فقط لأنني أعتقد أنه من الجهل أن تسفر ~~حادثة تاريخية جلى بسبب تافه، كأن يقال إن سبب الحرب الكونية هو مقتل الأرشيدوق ~~النمساوي. # شططنا عن موضوع «الصفعتين». # اليوم عيد الميلاد، وللإنكليز عادات خاصة بهذا اليوم العظيم، ولعل أغربها عادة ~~التقبيل تحت شجرة الميسلتو، وهي عادة توارثوها من الأجيال الوسطى؛ إذ ينصبون يوم عيد ~~الميلاد شجرة الميسلتو حتى إذا لقيت تحتها أي امرأة جاز لك أن تقبلها دون أن ~~تستثير غضبها أو غضب رجلها. # وكان معنا في الباخرة امرأة صينية (نسبة إلى الصين لا إلى الإناء النحاسي)، وجهها آية ~~الفن في أنه استجمع كل العاهات وكل ما يمكنك أن تتصوره من قبيح. # وقفت المسكينة تحت شجرة الميسلتو من غير أن تعرف العادة، فمر قربها جبار أيرلندي ~~كان جاري على المائدة. # قلت إنه جبار لأنه يسكر أربعا وعشرين ساعة في اليوم، ويلعب البوكر، وقد أخبرني أنه ms117 ~~في كل سفرة يحصل «الناولون» من البوكر، وهو مع ذلك ذاهب ليشغل وظيفة مفتش بوليس في ~~«مالاي». # رأى صاحبنا الفتاة الصينية تحت شجرة الميسلتو؛ فظن أنها تدعوه لتقبيلها، وتقدم منها ~~وقبلها؛ فهاج هائج الفتاة، وصفعته صفعة رنت في القاعة، وتركت على خده ماركة ~~مسجلة لخمسة أصابع. # وقف الجبار يرتجف من الغضب؛ لأنه - في ظنه - لم يقترف جرما، ولأن الصفعة إهانة لا ~~يحتملها دمه الأيرلندي. # وقف وقال: «أيتها الفتاة! لو أن الذي صفعني «رجل» لكان له عندي غير هذا ~~الجواب.» # وهز قبضتين حديديتين هائلتين ومضى. # يا ابن ال ... # أما الصفعة الثانية فقد كان صاحبها مصريا. # كنا في حلقة نتحدث، فسأل أحد الرفقاء الإنكليز رفيقا مصريا كم له من ~~الإخوة. # قال المصري: ليس لي إلا أخت. # فأجاب الإنكليزي: قل لها إني أسأل عنها. # ولم يكد ينهي جملته حتى رنت الصفعة على خد رفيقنا الإنكليزي، وأشفعها بيا ابن ال ~~... # فتلافينا الأمر، وعرفنا بعدئذ أن عبارة «قل لها إني أسأل عنها» اصطلاح مقصود فيه عند ~~الإنكليز المجاملة والتأدب، وليس فيه شر؛ فاعتذر صديقنا المصري، وانتهى الأمر. # العرض # قادتنا هاتان الصفعتان إلى التحدث عن عقلية الشرقي بشأن المرأة، وكان صديقنا ~~الأيرلندي «المصفوع» قد هدأ ثائره؛ لأن الأيرلندي كالفرنساوي سريع الغضب سريع الرضا، ~~فلما التقينا على الشاي استغرب سلوك الفتاة الصينية. # قلت له: «أعترف لك أولا أنني حين تحدثني عن شجاعة الأيرلندي أحسب أن ذلك من قبيل ~~الغلو في حب قومك. أما اليوم فقد أقدمت على تقبيل مثل تلك القبيحة؛ فقد وثقت أنكم - ~~جماعة الأيرلنديين - قوم بواسل مغاوير، كذلك أهنئك على العبارة التي فهت بها حين ~~صفعت.» # قال: «أليس في سلوك الفتاة شيء من التوحش؟ فهذه العادة مستحبة عند ~~الإنكليز.» # قلت: «نعم ما فعلت الفتاة، وكان عليك أن تتحاشاها؛ لأنها غريبة عنكم، ومتى أصبحت ~~عادة تقبيل النساء تحت شجرة الميسلتو عادة دولية تعترف بها جمعية الأمم، جاز لك أن ~~تهاجم غير بنات جنسك. أما والعادة ما تزال من القوانين الداخلية، فلا تقترب من ~~الغريبات، خصوصا إذا ms118 كن لسن من رعايا جلالة الملك وإمبراطور الهند. أما رأيي الخاص ~~فإني أميل إلى الاعتقاد أن المرأة التي تصعر خدها في يوم العيد تصعره في أي يوم ~~آخر.» # القاضي يتكلم # قال جارنا البعيد، وكان قاضيا في الهند: «أنتم معشر الشرقيين مغالون في هذا التأثر ~~السريع للشرف النسائي. جلست في كرسي القضاء ثماني سنوات في إحدى مدن الهند، وإن أول ما ~~يتبادر إلى ذهني وأنا أعالج دعوى جنائية أن سببها ثأر لإهانة نسائية.» # قلت: «أصبت، فنحن شديدو الغيرة، وإننا نفتخر بهذا الذي تعيبوننا به.» # تاريخ اللفظة # إن لكل لفظة تاريخا ؛ مثلا هذا القلم الذي أحمله: حينما شعر الإنسان بالحاجة إلى ~~تدوين خواطره اخترع القلم، وأخيرا أطلق عليه اسما؛ فتاريخ اللفظة يبتدئ بالشعور ~~بالحاجة لشيء ثم وجوده وتسميته. # وكما أن عند الإنكليز لفظة «هوم»، وهي تدل على الحياة العائلية في أسمى درجاتها، كذلك ~~عندنا لفظة غنية غير موجودة في باقي اللغات على ما أعرف هي لفظة «عرض». # لا أعني أن باقي الأمم لا يشعرون بهذا الشرف النسائي، وأن غير الإنكلوسكسون لا ~~يتمتعون بالحياة العائلية، لا بل إن وجود لفظة «هوم» عند الإنكليز يستدل منها أنهم أسبق ~~الأمم لتقدير الحياة العائلية، ووجود لفظة «عرض» عندنا تثبت أننا نقدس هذا الشرف ~~النسائي أكثر من سوانا. # تاريخ العادة # أعجب أصحابنا هذا التعليل التاريخي، ولكنه لم يعجبهم هذا الإحساس الحاد، وتبرير ~~الانتقام من أجل ما نتخيله انتقاصا لشرف يظنونه موهوما. # وكما أن الكلام يجر الكلام، كذلك التاريخ يجر التاريخ، فقصوا علي الحادثة التي من ~~أجلها يروى أن عادة التقبيل شاعت؛ قالوا: تحدرت هذه العادة من الأجيال الوسطى، غير أنهم ~~كانوا يعيرون المرأة التي تقبل؛ لذلك كان النساء فيما مضى ينفرن من الشجرة، ~~ويتحاشين أن يمررن تحتها. وكان لأحد أشراف الإنكليز - واسمه اللورد لول - امرأة تشبه ~~صاحبتنا الصينية بأنها تخاف التقبيل، وتختلف عنها بأنها قريبة إلى الكمال كقرب الصينية ~~إلى القبح. # وكان عيد الميلاد؛ فخافت امرأة اللورد أن تباغت بقبلة، فراحت تفتش عن مختبأ، فلم ~~تجد آمن ms119 من صندوق خشبي كمنت فيه، غير أنها لم تكد تطمئن في ملجئها حتى وجدت أن قفل ~~الصندوق قد أطبق، ولم يعد في وسعها الخروج. # ومضت الأيام والناس يتساءلون عن امرأة اللورد أين هي، وشاعت عنها أحاديث السوء، حتى ~~اكتشفوا بعد سنوات هيكلها العظمي، وثيابها الرثة في ذلك الصندوق فعلموا الحقيقة. # ويقال إن عطوفة اللورد مات عليها غما، فلما حدثت هذه المأساة قرر الناس أنه ليس من ~~عار على تقبيل المرأة يوم العيد، بل إنه من حسن طالعها ذلك، وإن التي قبل خدها «سوكرت» ~~رفاه العيش في عامها المقبل. # أنف طويل # قلت إن الرجل الشرقي ذا اللسان العربي تجنب صحبتنا في الأيام الأولى، ومر بنا ~~شامخا مزدريا، فلما ألفنا القوم وألفونا، وشاركناهم في جدهم ولهوهم، وأنس كل منا إلى ~~رفيقه، لمحت من صاحبنا الشرقي رقة لم أتعودها، وأخذ يتودد إلينا. حفظنا من الأمثال ~~العربية: «من لقينا بأنف طويل لقيناه بخرطوم فيل.» وقد لقيتنا أيها المزدري بنا أمس، ~~المتودد إلينا اليوم، بأنف طويل؛ فخذ هذا «المنخار» طوله ميل. # هزأت بنا في يوم العزلة والاغتراب، فاسمح لنا أن نستخف بك ونحن في حمى الاصدقاء ~~وعزة الأصحاب. # من يزرع الثوم لا يقلعه ريحانا. # | كلمات هزتني # ليس أسهل من الاهتزاز ... ونحن شعب عاطفي تهزنا الكلمة، غير أنه لا قيمة للانفعال إن لم ~~يترسخ منهجا، أو يذكر عن الحياة موقفا. وأخطار الرعشة النفسية كثيرة، منها أن يمسي ~~الإنسان رجفة مستمرة، أو أن يألف بليغ العبارات، فلا تعود تفعل فيه، بل تصبح الألفاظ أداة ~~طرب وترفيه؛ لذلك في نفسي أبدا ريبة من حفظة الشعر والأمثال. وفي رأيي أن مرددي هذه ~~يستعيضون بالمحفوظات عن التفكير الأصيل. ولو أن أحدنا أراد أن يؤلف كاتالوك الأقوال التي ~~يعجب بها لجاءت كتابا ضخما، ولجاءت كتابا متناقضا؛ ففي مختلف الحالات تطفو على الذاكرة ~~أقوال متضاربة؛ ففي حالات الفقر يعيد أحدنا «القناعة كنز لا يفنى.» وقد يوفق إلى ضرب بورصة ~~رابح، فيستمع إلى نفسه معجبا بنفسه: «ما فاز باللذات إلا الجسور.» وقد تأتي ms120 الأقوال التي ~~تهز بعد التجربة أو قبلها، أو قد توحي التجربة قولا. # والفكر الإنساني - لحد كبير - هو موحد الحصاد؛ لأن البشر يمرون في اختبارات متماثلة، فلا ~~عجب والحياة تنكشف خلال مختلف العصور عن وحدة في التجارب أن تأتي هذه مجسدة في وحدة من ~~الأقوال. وإن تصفحنا كتاب الأمثال اللبنانية للأستاذ أنيس فريحة - وقد جمع منها نحوا من ~~خمسة آلاف - نجد أنها تبدو معربة تقريبا عن الأمثال الصينية القديمة أو اللاتينية، وغير ~~مستغرب أن يكون لبعض القبائل التي لا تزال تسكن الغابات أمثال وأقوال. # من غريب الصدف أنني كنت في أمسية أقرأ قصيدة رثاء بالشاعر وديع عقل نظمها صديقه أمين تقي ~~الدين، جاء في عجز آخر بيت فيها: # يمضي الغناء ويبقى السمع نشوانا # وبعد قليل رحت ألاعب القاموس الضخم ل «وبستر»، وفي آخره مجموعة الأمثال العالمية، فوقعت ~~في اللغة اللاتينية على نفس القول منسوبا لشاعر عاش في سنة 1200 قبل المسيح. # كنت في نحو السادسة من العمر؛ إذ توجهت برفقة أبي إلى زيارة قرية لبنانية، ولسبب ما - ~~أظنه كان سياسيا - ثار اضطراب، وتجمهر أهل القرية، وكاد يحصل ما اصطلح الناس أن يسموه ما ~~لا تحمد عقباه. وفي ذروة الصياح سمعنا من يصرخ أن رجلا فوق الخمسين اسمه مجيد طلع إلى سطح ~~البيت وبارودته في يده؛ فساد الذعر، واشتد الهياج، ولكن شيخا من الحاضرين ضحك، وقال: ~~«مجيد طلع على السطح؟ مجيد وفي يده بارودة؟ مجيد في شبابو ما قوس!» لا أعلم فيما قرأت وسمعت ~~تحقيرا مضمنا أفصح من هذا التحقير: # النبت الصالح ينمو بالعناية، أما الشوك فينمو بالإهمال. # هذه عبارة هزتني حين وخزتني شوكة في أرض مهملة تحت «عالية»، ونحن في طريقنا إلى سيران في ~~بستان تفاح دعانا إليه صديق في الصيف الماضي. # رجعت إلى بلادي بعد غياب في «الفلبين» استمر نحوا من ثلاثة وعشرين سنة. كتبت الكثير عن ~~عودتي، ولكن الهزة الكبرى أطلقها الشاعر إيليا أبو ماضي حين عاد منذ ثلاث سنوات ~~فأنشدني: # وطن النجوم أنا هنا # حدق أتذكر من ~~أنا؟ ms121 # كان لي صديق بولوني في الفلبين، وقد اجتيحت بلاده سنة 1939، ونحن في الشرق الأقصى من 1939 ~~إلى 1941 ما طالتنا الحرب بعد، وكنا في رخاء وحرية وازدهار أعمال. أما صديقي فكان أبدا ~~كئيبا، لم أفهم سر حزنه إلا حين قرأت بعد عشر سنوات: # إن لم تكونوا أحرارا من أمة حرة، فحريات الأمم عار عليكم. # منذ أيام، وقفت في الطريق أمام بيتنا جوقة نور، فيها المنشد، وفيها ضارب الصنج، وصبية ~~ترقص. ولا أدري لماذا استوقفني ذلك المشهد التافه، ورحت أحس أن في ذاكرتي شيئا يشرئب ~~ويموج. في اليوم الثاني استعدت بيتين من الزجل كنت نسيتهما، واستثارتهما النورية الصبية ~~الراقصة: # لا تكذبي شو سارقه ومنين # زغاليل حمام اثنين ~~بعبابك # رح يفطسوا، فكيلهم زرين # مناقيدهم رح يخزقوا ~~ثيابك # وكلمات ثارت الفتن الطائفية أردد: «اقتتالنا على السماء أفقدنا الأرض.» # وفي كل يوم يكتسب بيت شوقي معنى جديدا: # وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت # فإن هم ذهبت أخلاقهم ~~ذهبوا # إن أفصح كلمة سمعتها في حياتي جاءت على لسان قروي من ضيعتي، كان يصف معركة بينه وبين ~~أبناء عمه، كان وحيدا، وكانوا - على روايته - كثرة، فلما أراد أن ينزل إليهم لينازلهم وصف ~~عمله بقوله: «تجمهرت»، ونزلت إليهم. # حين يقول الفرد عن نفسه أنه «تجمهر» يعطي سامعه معنى الإعداد، والاعتداد، والشجاعة، ~~والبأس، ووحشة الفرد، كلها في لفظة واحدة. # واليوم، وأحاديث السلم، ومؤتمرات السلم، وعرائض السلم تملأ الدنيا أجد: «أن الأمة التي ~~تسلم نفسها للسلم تسلم نفسها للعبودية.» هي عبارة تهزني، وتمثل أمام عيني، وتملأ نفسي ~~وتفكيري. # كثيرا ما تقرأ عن الجمال أنه تضاد. وفي الأدب - كما في الحياة - التضاد في الألوان ~~والمواقف والأشخاص يعطي معنى للجمال وللفكاهة وللمسرحية، بل إن هناك من يعتقد أن الفن كله ~~تضاد. هذه الصورة - صورة التضاد - لم يصورها في مشهد كلامي أروع مما صورها فلاح قصدت إليه ~~وهو يشتغل في حقله يوم الانتخابات النيابية، وكان قد اعتزم أن لا يقترع. ورحت أسأله أن يأتي ~~إلى قلم الاقتراع فيرمي بصوته، والظاهر أن سواي كان ms122 قد سبقني إليه، وانتزع منه وعدا أن ~~يمتنع عن التصويت، قال لي الفلاح فيما هو يضرب بمعوله: «لا تواخذني! أجا فلان قنعني. قوبز ~~على هالحجر، ومد حديث.» قوبز على الحجر، ومد حديث، فكرة القرفصة، وما فيها من ركود وسكون، ~~يقابلها بتضاد عنيف فكرة «مد» الحديث. # طاغور مارس فن التضاد حين وصف الحبيبة بقوله: # أنت السماء وأنت كذلك العش # ثم أوضح: # أيتها الجميلة، العش يغلف فيه حبك الروح بالألوان والعطور والأصداء، ولكن هناك ~~حيث تمتد وتعمق السماء إلى ما لا نهاية، حيث تطوف الروح، وتسود في بياض طاهر ~~مشع. # شخصيا أفضل: «قوبز ومد ». # ومذهب التضاد في موسيقى أبيات شعرية هزتني إذ وضحت في قصيدة «نذير العظمة»، وعنوانها ~~«سلام على سوريا». وفي هذه القصيدة تجد الزرع والحصاد والطفولة والرجولة، والسلام والحرب ~~والمواسم، أختار منها المقطع الأخير: # لعينيك يا سورية # حماتك، لا لن تبور الحماة # ستزرعنا الأمهات # غنى من طفولة # كصحو الينابيع كالزنبق # مواسم من قوة ورجولة # غدا نلتقي # غدا في حصاد البطولة # ويهتف كل مع المشرق: # سلام على سورية. # هل من المستطاع، هل من الحق أن أسرد حكاية الكلمات والعبارات والأمثال التي هزتني من غير ~~أن أنهيها وأتوجها بعبارة لسعيد تقي الدين: «ليس من الضروري أن تعلق على قفص الأسد لافتة ~~«ممنوع الدخول».» ms123