######OpenITI# #META# URI: 1379SacidTaqiDin.HafnatRih.Hindawi62860741 #META# Tags: plays #META# ID: 62860741 #META# Title: حفنة ريح #META# AuthorID: 35727531 #META# Author: سعيد تقي الدين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # رسالة‏ # لمحة تاريخية‏ # طعبروس‏ # حفنة ريح‏ # إلى المخرج‏ # الإهداء‏ # رسالة‏ # لمحة تاريخية‏ # طعبروس‏ # حفنة ريح‏ # إلى المخرج‏ # | حفنة ريح # | حفنة ريح # تأليف # سعيد تقي الدين # | الإهداء # إلى التي نادت بي يوم كنت كسيحا: «هيا انهض فاستبق الناس فأنت في ميدان الحياة ~~مجل.» # إلى التي آمنت بي يوم هزئ الناس، وأوشكت أن أسخر بنفسي. # إلى التي جعلت جهنم حياتي جنة. # إلى التي محت عن وجهي ميسم الضعة، وأبدلت به منطح التفوق. # إلى التي طوت كفي المترهلتين، فجعلت منهما قبضتين فولاذيتين أصرع بهما ~~الجبابرة. # إلى التي ملأت قلبي حبا وأملا وأغاريد. # إلى رفيقة أسفاري، بين القصر والكوخ، والكوخ والقصر. # إلى زوجتي # بياتريس تقي الدين # | رسالة # تفضل مليك البحث والاستقراء، وبادشاه المؤرخين، سمو البرنس حمد باشا السبعلي، فأرسل ~~للمؤلف كتابا هذا بعضه: # أخي الشيخ سعيد بك آل تقي الدين ~~... كذلك لم أدر حين دفعت بك عن شريط القطار المداهم # 1 # أنني أنقذ للبشرية عبقريا يتحف الأدب الخالد بمثل «حفنة ريح» ... فيا ~~للنبوغ الموهوب يقترن بكياسة الصناعة التمثيلية! ويا للرائعة لم يجد بمثلها ~~الأولون ولا المعاصرون من زمن «فاجعة الإغريق» إلى يومنا هذا في صخب «برودواي» ~~ولغبه ... ويقيني أن صلابة الخلق فيك لن تلين فتستمر في الإباء بأن تبيع أدبك - على ~~وفرة ما عرضوه عليك - إلى معمل السخافة والتبذل الذي يسمونه «هليوود». # سلمت يا موليير لبنان، وشكسبير العرب. # | لمحة تاريخية # يقول المتهجمون الذين يريدون التنقص من الأدب العربي القديم: إن العرب لم يعرفوا ~~الدرامة. # ونحن لسنا نحاول في هذه الكلمة المقتضبة التبسط في تكذيب هذا المفترى، غير أننا نريد ~~أن نثبت أن الدرامة ذات الفصل الواحد هي من مخترعات العرب الأقدمين، وكانوا يطلقون عليها ~~اسم «مثال» للمغزى الذي يجب أن تؤديه، جاء في «الحواشة السخفولية»: # 1 # كان للبساطرة - وهم فخذ من قبيلة ثعلة - عادة كلما اكتمل القمر، أن يمثلوا ~~رواية في فصل واحد، فينتحون هضبة يجعلونها مسرحا، ويحجبونها عن القوم # 2 # بستار، يعلق جانباه على رأسي بعيرين واقفين، بينهما عشر فشخات وأربعة ~~أشبار، ms01 فإذا احتشد القوم صاح الحقريف # 3 # وأناخ الجملين، فهبط الستر وابتدأ التمثيل، فإذا انتهت الرواية ضرب ~~الحقريف البعيرين بعصا فنهضا، فحجب الستار المسرح عن القوم وانتهت الرواية. # وقد أشار إلى هذه العادة أبو العبث الشوفاني في موشحته الأندلسية الشهيرة التي ~~مطلعها: # يا شوق قلبي لل «مثال»، يا ليلة # البدر فيها قد استدار # والجمع حشد كالرمال، يا صرخة # تعلو إذا هبط الستار # ويدي على كتف الحبيب تلاعبه # | طعبروس # نهض عريف الآلهة عن كرسيه الحريري، وتمطى تعبا فرحا، ثم انتزع من جيبه الهائل ~~محرمته الحريرية الخضراء، وراح ينظف صولجانه الذهبي متكلما فيما هو ينظف: «يا له من ~~يوم غني الحوادث!» فأجابه صدى من متملقي البلاط: «يا له من نهار غني الحوادث!» وتابع ~~العريف كلامه: «لقد أنزلت عن عاتقي معظم عناء شئون حكم الكرة الأرضية، إن الحكم المباشر كان ~~خطأ، لقد أبهظ كتفي، وإني وجدت الإنسان - مثلما هو في قرارة نفسه - يهوى تعدد الزوجات، ~~كذلك هو في صميم مشاعره يؤثر تعدد الآلهة، لقد أرسلت لبني البشر سربا من آلهة: واحدا ~~للمواسم، وآخر للحب، وغيره للصواعق، لكل شعور، وغريزة، وحادثة إلها، ولم يبق لي إلا أن ~~أقرأ التقارير وأصدر الأوامر. # وأمسك مدير البروتوكول السترة، فأنشب عريف الآلهة في كميها ذراعيه، وفيما هو يتهيأ ~~للانصراف، سمع نأمة من زاوية الديوان تقول: لماذا أهملتني يا سيدي؟ # فتطلع عريف الآلهة، فرأى جسدا هائل البطن، وعينين مائعتين بالشر، ويدا مرتفعة، ~~علتها أقذار كأنها برص، وكاد عريف الآلهة أن يبتسم ويمشي؛ إذ استأنف الصوت نأماته: أنا ~~رجلك يا سيدي، أنا طعبروس، أنسيتني؟ ألا تذكر الانتخاب الماضي منذ مليون سنة، كيف كان ~~«أبولو» و«أدونيس» يتخطيانك بالأصوات، وكاد «أبولو»، لو لم أزور لك أصوات الكوكب، حيث كنت ~~رئيس الاقتراع؟ انظر إلى يدي وقد دنست بإثم التزوير! لقد غمستها بالبحر ألف سنة، وغسلتها ~~بحمم البراكين مائة عام، ودفنتها في البحيرة الملتهبة عشرين جيلا، وتمتمت لها تعويذة ديوان ~~المتنبي، وروايات شكسبير، وإلياذة هوميروس، وعلقت في زندي حرزا ملأته بدساتير دول الأرض، ~~وتصريحات يالطا، ms02 ونقاط ويلسون الأربع عشرة، وقوانين جمعية الأمم ومنظمة الدول، فما محوت من ~~أقذارها ذرة، وها أنت قد نثرت الوظائف على سواي، وأهملتني أنا الذي وبئ في الجهاد من أجل ~~انتخابك. # وليس آلم على الكبير من معروف سابق يذكره به صغير ... # فعبس عريف الآلهة وأجاب طعبروس: ألم أهبك برميل نفط بعد الانتخاب؟ ولئن كنت ناقما ~~علي، فلم لا تلتحق بصفوف المعارضة؟ # قال طعبروس: إني معجب بك يا مولاي، وإني أوثر جهنم الحاكمين التي أعرفها على جنة المعارضة ~~التي لا أعرفها، ثم إن المعارضة لا تملك شيئا تهبه، أما مولاي ... # قال عريف الآلهة: إني آسف لما أنت فيه، ولقد فرقت الوظائف وانتهى الأمر ... # وأجاب طعبروس: أيعجز مولاي عن خلق وظيفة لأحد محاسبيه وهو الذي ملأ الدنيا وظائف؟ وظفني ~~في السلك الخارجي ... أسمع أن دولا كثيرة نشأت في الكرة الأرضية حديثا فهل اعتمدتني ~~لأي منها؟ # فهز العريف رأسه وقال: كيف أرضى أن يمثلني شخص موبوء؟! # فأجاب طعبروس: أنسيت يا سيدي أني أملك برميل نفط، وأن هذا السائل من الذهب الأسود مرهم، ~~يلون الأمور والأجساد بألوان زاهية تستحبها الناس؟ ثم إن الطبيب أعطاني وصفة، هي أن آخذ ~~براءة تعييني في الوظيفة فأحرقها، ثم أسحق رمادها فأذره في العيون، فلا ترى بي غير ~~الجميل! إني مؤكد لمولاي أن مرهم النفط ورماد البراءة يجملانني حتى ليخلط البشر بيني ~~وبين أدونيس! # وكان عريف الآلهة من تلك الشخصيات السياسية التي بلغت القمة بعد ألف معركة في الوادي ~~وعلى السفح، ولقد صار من القوة بحيث أمسى في وسعه أن يتناسى الأنصار ورفاق الجهاد، ولكنه ~~نظر إلى طعبروس ثانية وذكر حادثة الكوكب، حيث ترأس طعبروس الاقتراع، وكيف جاءه بصندوق ~~الاقتراع، وفيه 153 مليون صوت للعريف، و35 صوتا لأبولو، و48 لأدونيس. # فابتسم وسرت به رعشة السطوة في القوي إذ يمنح أو يمنع، فصاح برئيس المواصلات أن ~~يسهل لطعبروس سيارة أو «جيب» للكرة الأرضية، فطعبروس ذاهب إلى هناك بصفة غير رسمية؛ عله ~~يحتال بذكائه على أن يخلق طائفة تؤمن به فيكفي بذلك ms03 العريف مئونة تعيين إله جديد، وكان ~~وزير المواصلات مكبا على دفتر يقلبه وقد تجمر وجهه، فاقترب من عريف الآلهة وهمس بأذنه: ~~لتتكلم بصوت خافت مخافة أن تسمعنا الصحافة، إن في دفتري قيدا ب 84 سيارة و125 «جيب!» ~~وتذكرون أن سلفي باع أكثرها، ولما نزل نطالبه بثمنها، ثم إن بعضها مخرب، وما بقي فقد ~~أرسلته لاستقبال ابن عمي، وهو راجع من زحل مصطحبا هدية ثمينة لمولاي. # فسأل العريف: أليس عندنا من مخلفات الجيش ما نقدر أن نستعمله؟ # فتناول الوزير دفتر «المستحيلات» وقلب صفحاته وأجاب: بلى، يا سيدي، عندنا مظلة هوائية ~~يستعملها القافز من الطيارة، إنما ... إنما ... # وصار الوزير يتلعثم، فحنق العريف وصرخ: إنما ... ماذا؟ # أجاب الوزير: لقد اقتطعنا من نيلونها سروالا أهديناه إلى رئيس بلدية «الثريا»، ~~أنت تذكره يا مولاي، رجل مخلص، كذلك انتزعنا الكثير من حبالها لنشر غسيل الوزراء يا مولاي، ~~إذ إن الصحافة ترش عليهم الوحول، فأثوابهم أبدا قذرة يلزمها التنظيف، وإني أخاف إن نحن ~~أعطينا المظلة لطعبروس ألا تنفتح حين يقفز فيهلك، وإن انفتحت، ذلك الخرق ... سروال رئيس ~~البلدية يا مولانا ... # طعبروس إله الغلو والادعاء. # وسرعان ما دار عريف الآلهة وخاطب طعبروس: معاذا أن ينسى عريف الآلهة رجاله المخلصين، ~~إني لا أريدك أن تذهب إلى الكرة الأرضية كرجل عادي في سيارة أو «جيب»، انزل إليهم ~~كبطل، لقد جهزت لك مظلة هوائية جديدة من مخلفات الجيش، ومن صنع الأميركان، وأنت تعرف ~~أنهم لا يصنعون إلا الأجمل والأفخم والأمتن. # فشكر طعبروس للعريف حنانه وشد المظلة إلى كتفيه وقفز، وراح العريف يتطلع من كوة ~~السماء مقهقها فرحا أنه تخلص من شخص يذكره بمعاركه الماضية، واستفاقت «ساديته» ~~فحدق بالأرض يريد أن يرى طعبروس يلتطم بالأرض فيتمزق، غير أن طعبروس حينما وقع لم ~~يصطدم إلا بكومة رمال، فسرعان ما انتصب واقفا على قدميه سالما، فأحرق مظلته وتأبط ~~برميله، ومشى صاخبا يحدث نفسه بالفتك والأخذ بالثأر، ويحلف بأن يثير على العريف سكان ~~البسيطة، وما طال سيره حتى لمح بدويا شرس الوجه يرعى جمالا ويحمل ms04 بارودة، فهلع طعبروس ~~وصاح: أنا بوجهك با بدوي . # أجاب البدوي: كنت على همة أن أرديك برصاصة، ولكنك سبقتني إلى الاستجارة، فما أنا ~~بقاتلك، ولكن قل لي: من أنت، وما تريد؟ وهات، أعطني نهلة من هذا البرميل الذي تحمله فإني ~~عطش. # ومد البدوي يده، وقلب البرميل إلى شفتيه، وسرعان ما بصق ما دخل فمه، وشتم طعبروس ~~الشرير الذي يحمل ماء لا يشرب. # قال طعبروس: رويدك يا بدوي، أنا جئت هذا المكان لإسعافك. # ما صنعتك؟ # أجاب البدوي: أنا راعي جمال. ~~- ومن هو شيخ القبيلة؟ ~~- درداح الغمدوش. ~~- ولماذا هو شيخ القبيلة وأنت راعي جمالها؟ ~~- هذه إرادة الله، واحد يرأس القبيلة، وآخر يرعى جمالها. # قال طعبروس: ما أنا ممن يخالفون مشيئة الله، صدقت، إنه تعالى قسم المهن والأرزاق، وجعل ~~للقبيلة شيخا يدير أمورها، وراعيا يتعهد جمالها، ولكنك يا بدوي أشجع من درداح ~~الغمدوش، فلماذا لا تحاول أن تكون شيخ القبيلة وتترك هذه الإبل لدرداح؟ # فلمعت عينا البدوي وعض على شفتيه، وشع وجهه بحلم جميل، الخيمة الكبرى هو يملكها، و... ~~وتطلع بطعبروس من جديد وأجهم وجهه، وقال: اسمع يا مخلوق، إن كلامك معقول، غير أننا هنا في ~~البادية نصغي إلى من يقول، لا إلى ما يقال، نحن هنا لا نخاف الإعصار، والجوع، والعطش، ~~والأمراض، ورصاص العدو، ولكننا نخشى اللسان الذرب ... إخال كلامك شبيها ببرميلك، تنظر إليه ~~فتحسب فيه ماء يروي، فما إن تنهل منه حتى تعرف طعمه الكريه، وكلامك تسمعه، فإذا هو مقنع، ~~وفي يقيني أن من أراد السير على ما أنت به تبشر، سيعثر، لقد أمنتك على روحك، ولكني ~~أخشى ثورة غضبي فأكفر بتقاليد قومي، هيا انصرف عني، رح إلى هناك إلى بلاد الحضر ~~الملاعين في القرى والمدن؛ حيث الرجال ذوو أيد ناعمة ووجوه حليقة معطرة، هناك يحبون اللسان ~~الذرب، وأحسب أن ستكون بينهم ذا شأن. # وكان طعبروس من أولئك القلائل الذين يفهمون الحكمة من أي سمعوها، ويعرفون أن يلتقطوها ~~حيث كانت؛ لذلك أعجب بقول البدوي، فودعه وراح يقطع البادية ميمما قرى الحضر ومدنها، ms05 ~~فأدى به التسيار قبيل الغروب إلى ضاحية قرية ، فرافق بعض فلاحيها، وكانوا منصرفين من ~~حراثة أراضيهم وعائدين إلى قريتهم، وسمع الفلاحين يتحادثون فرحين، وأدى بهم الحديث إلى ~~الدعابة، والدعابة إلى قول «القرادي» فزج طعبروس نفسه بينهم وسألهم: ما هذا الذي ~~تنشدون؟ # أجابوا بشيء من الخجل: نحن أناس أميون ننظم القرادي - في بعض الأحيان - للمباسطة ~~وللغناء في الأفراح والمآتم. # أجاب طعبروس: إنكم لا تعرفون أي شيء قيم تملكون، ما هذا «قرادي»، هذا شعر، أنتم ~~شعراء، أنتم الشعراء. # فراحت قلوب أولئك الفلاحين تدق جذلة كأنها أجراس الكاتدرائية في يوم العيد، ونفخوا صدورهم ~~ورموا بمعاولهم وآلات الحراثة وطفقوا يصيحون في القرية: نحن شعراء، نحن شعراء. # وسرت الصيحة في القرى المجاورة ومدن البلاد، وصار كل من نظم في حياته، أو هم بنظم ~~«قرادي» أو أي كلام عامي مقفى، يقف على سطح بيته أو شرفة منزله، ويصرخ «أنا شاعر»، ~~واجتمع الشعراء فانتخبوا لهم أميرا وشيخا، وفرقوا الألقاب والأوسمة فرحين. # أما طعبروس فقد هزه فوزه السريع، فلم ينم تلك الليلة، شأن كل من ينعم ببكر انتصاراته، ~~وفي فجر اليوم الثاني طفق يطوف في طول البلاد وعرضها، ولقي من الصحافيين أعوانا له، فإذا ~~لاعبت فرقة من بيروت بالفوتبول فرقة من حلب سموها «مباراة دولية»، وإذا فاز تلميذ بدروسه ~~سموه «النابغة العبقري»، وأشار على الناس، فأسسوا الجمعيات والمنظمات التي هي في حقيقة ~~مراميها أبواق لطعبروس، وتحالف مع رأسمالي، فبنى مصنعا للمرايا المقعرة متى تطلع فيها ~~الرائي وجد نفسه عظيما، فراجت تلك المرايا، وأغنت صانعها، ومن أرباح ذلك المصنع بنى ~~الرأسمالي مصانع للأبواق والطبول، وأخذ طعبروس يدور على البيوت فيبيعها بدون ربح، حتى أصبح ~~كل من السكان يحمل مرآة مقعرة في جيبه، وبوقا في يساره، ويعلق طبلا في رقبته، تضرب ~~لحنا واحدا: «ما أعظمني!» وكان طعبروس شديد المراقبة، فلمح في تطوافه أن الأسلحة ~~كثيرة في البيوت؛ فخشي على نفسه أن يؤلف الشعب جيشا، والجندي - جنرالا كان أم نفرا - هو ~~مثال الطاعة والنظام والدعة والتواضع، وهذه صفات إن فشت قتلت ms06 نفوذ طعبروس، فحمل ~~تلك الأسلحة أصحابها، وصاح بهم : «هيا أطلقوها في الجو!» ففعلوا وطربوا لدويها، إذ ذاك قام ~~طعبروس فيهم خطيبا، وقال: أنتم الأبطال الصناديد، من غيركم يقوى أن يطلق الأسلحة في ~~الهواء؟ # فصاروا يطلقون الرصاص لأية مناسبة، فيصم آذنهم عن ضحك شرذمة من الشذاذ جاءتهم غازية ~~واغتصبت بعض دورهم، ووقفت متسلحة يقظة توسع تخوم مغتصباتها شيئا فشيئا، وقد وجدت تلك ~~الشرذمة في «طعبروس» أعظم حليف، إذ شغل القوم عن الدفاع عن دورهم بالإعجاب بنفوسهم، ونفخ ~~ذاتيتهم المتضخمة. # وأصبح طعبروس كلما كثرت انتصاراته اشتد دأبه، فبنى حول تلك البلاد سورا عاليا، وأقنع ~~الناس أن ليس وراء السور من بلدان، بل هو شيد حول كل قرية وشارع وضاحية سورا، وقال ~~للسكان: «هذه هي الدنيا» فضيق الآفاق على الناس، وقصر طموحهم، ولم يعف عن معبد أو ~~مدرسة، فزين للتلامذة ترك دروسهم والمشاغبة في الأسواق أملا بالتزعم، وصرف من كان ~~شأنه تعهد المعبد عن الأغاني الروحية، إلى الصخب السياسي رجاء التسود. # وذات يوم طاف طعبروس مملكته، وقد استحس أنه أمسى فيها ملكا مطلقا، فوجد فيها شخصا ~~واحدا قانعا يعنى بتربية النحل، ولا يأبه لشيء غيرها، وعبثا حاول طعبروس أن يقنع مربي ~~النحل أنه شاعر، أو أنه خليق بأن يرشح نفسه للنيابة، وأخيرا جاءه طعبروس وهمس بأذنه: إني ~~أريد أن أسر إليك اكتشافا ... فقد قرأت في «الحواشة السخفولية» أن نابليون هو جدك ~~الأعلى، وأن الملكة اليصابات هي ابنة خالتك لجد جدك، فما بالك تربي النحل وأنت يليق ~~بك أن تتربع دست الوزارة؟ # فباع المسكين منحلته، وراح يشاغب على الوزراء رجاء أن يستبدل بواحد منهم. # وأصدر طعبروس طبعة جديدة - ملايين النسخ - من «الحواشة السخفولية» وفيها تواريخ عائلات ~~البشر، وإشادة بذكر جدود الناس أجمعين، فمن عدم شيئا يتبجح به في نفسه، وجد في تاريخ ~~أجداده موضوعا للتباهي يصرفه عن الجهود المفيدة. # هكذا نعم طعبروس في ملكه فكثرت الألقاب، والأوسمة، والحفلات، والمآدب، ونفخت الأبواق، ~~وقرعت الطبول، وكان من الطبيعي، متى ازدحمت الأقدام وضخمت الذاتيات، أن ينشأ العداء، ms07 وكان ~~الخصام على أشده في «شارع النيابة»، حيث تقاطر الناس بأجمعهم يريدون أن يجتازوه طريقا إلى ~~«القبة»، حيث علق أكبر بوق وأضخم طبل، في قاعة حيطانها مرايا مقعرة. # واختفى الحب، وضاقت الأخلاق، وانمحى التسامح والحلم، وتكالب الناس على الظهور بمظاهر ~~التفوق، ولم تعد الأسلحة تطلق في الهواء فحسب، بل صارت تطلق في الصدور أحيانا، ونقم الناس ~~على الناس، وكفروا بما كانوا يؤمنون؛ إذ إنهم قبل طعبروس كانوا يؤمنون بأمور منها سخيفة أو ~~ساذجة، ومنها كريمة شريفة، ولكنها كانت في مجموعها إيمانا يملأ النفس ثقة وإقداما، ~~ويغسلها من أدرانها، «ويقولز» عناصرها، أما حينما ضخمت ذاتيتهم فقد فر الإيمان من ~~صدورهم فماعت شخصياتهم، ألا ويل لقوم نفوسهم كهوف خالية هجرها الإيمان. # أما الآلهة فقد ساءهم إعراض الناس عنهم، فما يرتاد مفوضياتهم وسفاراتهم الزائرون، ~~وضعف شأنهم فما يسمعون صلاة ولا ضراعة، فعادوا إلى العريف يشكون أمر طعبروس، ويخبرونه أن ~~البشر انصرفوا إليه يعبدونه، في حين أنه ليست له صفة رسمية، وأن الأمر إذا استمر ~~هكذا، فقد يضطر العريف إلى سحب ممثليه من الكرة الأرضية وشطبها من خارطة مستعمراته. # والحنق أنواع، أشده تلك الحمم التي تقذفها النفس إذ تغضب على نفس كانت لها مرءوسة؛ ~~ولذلك نادى عريف الآلهة على مدير البوليس، وأمره أن يرمي كل كتب القانون في النار، وأن ~~يختار من رجاله أشدهم بأسا وأوسعهم حيلة، وأن يهبط إلى الكرة الأرضية فيرجع منها ~~بطعبروس أو بجثة طعبروس. # وانتصب مدير البوليس بعد لمحة أمام العريف فسأله هذا: ما بالك لم تذهب بعد؟ ~~- سيدي ... إني رجعت ولم أجد من آثار طعبروس إلا برميله الفارغ! أما هو فقد عشش في رءوس ~~الناس؛ لذلك لم أوفق بالعودة به حيا؛ إذ إنه مختف، وإني خشيت إن أنا قتلته أن أقضي على ~~الناس أجمعين فهو في كل رأس، وطي كل قلب، وعلى كل لسان. # وتمطى الإله «فرنسوا»، وهو الإله العملاق الذي قتله الإله «جرمانيوس» بضربة من قبضته، ~~وأعادته إلى الحياة الآلهة التي تكاثرت على «جرمانيوس» فدحرته، ولكن «فرنسوا» - وقد ms08 قتل ~~عملاقا - بعث قزما بدون ذراعين، قال «فرنسوا » لعريف الآلهة: سيدي! أعدني إلى البشر ~~حاكما عليهم، وإني أعدك بأن أمزق أعلامهم، وأذلل نفوسهم، وأطرد طعبروسهم، وأفتل ~~ألسنتهم، فلا يتكلمون إلا اللغة التي تريد، وإني فوق ذلك منتزع من كوارتهم ما فيها من ~~مئونة ينعم بها مولاي العريف وأصفياؤه من الحاشية. # غير أن عريف الآلهة أعتاد ألا يصغي إلى «فرنسوا»، ولكن أذنه اشرأبت؛ إذ سمع كبير ~~الحكماء يقول: مولاي ... متى دخل إله قلب المرء ورأسه، وسرى على لسانه، فمن العبث محاولة ~~طرده برجال البوليس، إني على ثقة أنه لن يطرد هذا المارق طعبروس إلا فنانونا، إني أشير ~~على سيدي أن ينادي على النحاتين يبنون التماثيل لطعبروس، تنصب في ساحات الكرة الأرضية، ~~ثم فليرسمه نبغاء مصورينا ولتعلق صورته في كل بيت، كذلك ليصفه كتبتنا ~~وشعراؤنا. # فقلب عريف الآلهة شفتيه ساخرا غاضبا، وقال: ما كنت أحلم أن أعيش إلى يوم أسمع فيه ~~الحمق من فم كبير الحكماء، ها أنا أريد الفتك، يا له شرير يعبدونه، وأنت تقترح التمثال ~~والصورة والقصة والقصيدة لتفخيمه؟ # أجاب كبير الحكماء: إني أبغي من ذلك إظهاره للناس ليروه، إن الناس لا يعبدون ما يرون ... ~~إنهم يعبدون ما لا يرون! # وغطس عريف الآلهة في بحيرة التفكير، وراح يسبح حينا، ثم خرج منها مبتهجا، وأعلن أن ~~رئيس الحكماء على صواب، فمتى رأى الناس طعبروس طردوه، لا سيما وقد فرغ برميله من النفط، فلن ~~تخفى أقذار يده، وخلت يده من براءة توظيف يذر رمادها في العيون، ونادى على الفنانين ~~ففرق عليهم جبال المرمر، وأوتار قلوب البلابل، وحفنة من قوس القزح، ونفخة من ريش ~~الحساسين، وعبأ جراباتهم بأغاريد أطفال الملائكة، وصاح: عليكم بطعبروس، هذا عتاد الحرب ~~والنصر بين أناملكم. # | حفنة ريح # مهزلة في فصل واحد # بيروت سنة 1950 # غرفة أثاثها غوغاء، في منتصف المسرح - إلى الأمام - صحارة قائمة على جانبها الضيق، ~~وفوقها قطعة خشب ضخمة تستعمل في المطابخ؛ إذ يقطع عليها اللحم والخضار، على قطعة الخشب ~~سكين مطبخ، وأشياش عارية، وخلف تلك الطاولة ms09 (الصحارة) فوتويل مثلث المقاعد ممزق، خاض ~~الكثير من معارك الحياة، على يمين المسرح طاولة (صحارة) ثانية عليها آلة تليفون، على ~~يسار المسرح فتى موسيقي يدوزن عوده، بضعة كراسي مبعثرة هنا وهناك بعضها مقلوب، في منتصف ~~الحائط الذي يواجه النظارة باب صغير عليه ستارة ممزقة إلى يمين النظارة، يلاصق الحائط ~~الخلفي سرير هو ثلاثة ألواح خشبية متمددة على ثلاث صحاحير، ناموسية السرير مرفوعة، على ~~جوانب السرير، وعلى الناموسية كلسات، وربطة رقبة، وطربوش، وبنطلون وكلسون، إلى اليسار - ~~فيما يلاصق الحائط - حذاء الباب الخلفي، مغسلة مهشمة عليها مرآة مكرسكوبية، وعلى ~~المغسلة فرشاة أسنان وفرشاة ثياب وبعض أدوات الزينة، في منتصف المسرح طاولة صغيرة عليها ~~مزهرية بدون زهور، على الأرض بقايا سكاير وقشر ليمون وزجاجات فارغة. # على السرير، يتقلب وجيه في بيجامته. # على المقعد المثلث يجلس فتى أنيق الثياب قصير نحيل، يلبس طربوشا خمريا يكاد يغطيه ~~حتى أخمص قدميه، بين يديه عصا مذهبة المقبض، تعلم من كثرة تقليبه إياها، أنه اشتراها ~~منذ ساعتين فقط، اسمه الشيخ نسيب وهاب، يسمع دق ويدخل نهاد العسكري، شاب في الثلاثين، ~~خفيف الخطى، زواغ النظر، لطيف. # نهاد ~~: # صباح الخير يا إخوان. # العواد ~~: # صباح الخير. # الشيخ نسيب ~~: # صباح الخير. # نهاد ~~: # أين وجيه؟ # الشيخ نسيب ~~: # صار لي نصف ساعة أنتظره ~~(وهو يشير إلى السرير) # نايم. # العواد ~~: # صار لي ~~(متطلعا إلى ساعة اليد التي ~~يلبسها) # ساعة وربع، من ينتظر وجيه أن يفيق من نومه كمن ينتظر ~~عنقود عنب يصير زبيبا. # نهاد ~~: # مسكين ... وجيه تعبان، ليلة البارحة ألقى خطابا هز البلد، جئت أطلب نسخة ~~منه، عدم المؤاخذة ~~(يقترب من العواد مصافحا) # داعيك اسمه نهاد العسكري. # العواد ~~(معجبا) ~~: # صاحب جريدة «نهضة الفجر»؟! حصل لنا الشرف، داعيك «شوقي الحياك» صاحب ~~أوركسترا «جوقة لبنان». # نهاد ~~: # حصل لنا الشرف، سمعت جوقتك عدة مرات على الراديو. # الشيخ نسيب ~~(يقترب منهما بحياء من يركبه ميسم الضعة # 1 # يمد يده لنهاد) ~~: # أنا نسيب وهاب. # نهاد ~~(هازا يده) ~~: # وهاب ... وهاب ... حضرتك «الشيخ» نسيب وهاب. ~~(الشيخ نسيب يضحك منرفزا.) # نهاد ~~: # الشيخ فرج ms10 الله مدير الجمرك هو صديقي، هل هو قريبك؟ # الشيخ نسيب ~~: # عمي أخو أبي. # نهاد ~~: # والشيخ عبد الله مدير جمرك الناقورة؟ # الشيخ نسيب ~~: # ابن خال عمي. # نهاد ~~: # والشيخ شفيق ... مفتش المعارف؟ # الشيخ نسيب ~~: # ابن خال عمتي. # نهاد ~~: # والشيخ عادل مهندس بلدية صيدا؟ # الشيخ نسيب ~~: # ابن عمة خالي. # نهاد ~~: # وحضرتك؟ # الشيخ نسيب ~~: # البارحة صدر أمر بتعييني مفتشا في جمرك بيروت. # نهاد ~~(يأخذ ورقة من جيبه وقلما) ~~: # هذا خبر هام ~~(يكتب): ~~«يسرنا أن نزف إلى ~~القراء الكرام بشرى تعيين صديقنا الأوفى الأستاذ الشيخ نسيب وهاب مفتشا في ~~جمرك بيروت، والشيخ نسيب هو العبقري المتخرج من ...» ~~(إلى الشيخ نسيب) # من أي كلية تخرجت حضرتك؟ # الشيخ نسيب ~~: # أنا لم أتخرج، أولاد صفي تخرجوا. # نهاد ~~: ~~«... والشيخ نسيب من خيرة شبابنا المثقف، وعبقري» ~~(للشيخ نسيب) # لم تتخرج؟ # الشيخ نسيب ~~: # لا. # نهاد ~~: ~~«... من خيرة شبابنا المثقف ونابغة وقاد الذكاء» ~~(إلى الشيخ نسيب) # لا تؤاخذني إن قلت: «نابغة» فقط لأني لا أحب ~~المبالغة! ~~(يعيد الورقة والقلم إلى جيبه ويمشي إلى ~~السرير مخاطبا النائم) # وجيه ... وجيه ... قم، ثلاثة أرباع البلد في ~~انتظارك، ~~(مخاطبا العواد والشيخ نسيب) # هل ~~أم ظريف هنا؟ ~~(يتقدم من الباب الخلفي ويصيح) # يا أم ظريف، يا أم ظريف، أهلا وسهلا بعروستي أم ظريف ~~(تظهر أم ظريف كهلة في حوالي الخمسين، صلبة العضلات، ~~ضخمة، بارزة العينين على رأسها عصابة، وفي وجهها نظرة حنان تنكرت قسوة، ~~تستشف من خلال خشونتها نعومة الأنوثة، يضع نهاد ذراعه على كتفي أم ظريف ~~ويماشيها إلى مقدم المسرح) ~~. # نهاد ~~: # هل قرأت ما كتبته عنك في عدد أمس؟ ~~(يريها الجورنال) # أم ظريف ~~(بخيلاء) ~~: # الحمد لله أني أجهل القراءة والكتابة. # نهاد ~~: # هل ترك لي وجيه ورقة معك؟ أو وصية؟ # أم ظريف ~~: # ترك لك وصية، قال: يجب أن ترجع قبل أن تبدأ بطبع الجريدة؛ لأن عنده عجائب ~~غرائب من الأخبار. # نهاد ~~: # طيب، قولي له: إني راجع في أقل من ساعة، ألم يترك نسخة خطابه عندك؟ # أم ظريف ~~(تمشي إلى المزهرية وتنزع منها أولا كلمات، ثم ~~أوراقا) ~~: # ترك ms11 هذا. # نهاد ~~: # هذا هو؟ سلم الله يديك يا أم ظريف ، هذا خطاب وجيه. # أم ظريف ~~: # أوصاني وجيه أن أسألك: إن كنت تحب أن تدفع ثمن الخطاب. # نهاد ~~: # وجيه يعرف أني لا أدفع ثمن الخطابات، أما إذا كان عنده أخبار فهذه أدفع ~~ثمنها، بخاطرك يا أم ظريف، بخاطركم. # نهاد ~~(للشيخ نسيب) ~~: # نسيت أن أسألك عن معاش الوظيفة. # الشيخ نسيب ~~: # أنا لا يهمني معاش، حالتنا المالية حسنة بحمد الله. # نهاد ~~: # خطر على بالي أمر، أحب أن أنشر صورتك تفضل معي، عندنا مصور في ~~الإدارة. # الشيخ نسيب ~~(يقترب من المرآة فيصلح من شأنه، ويلوح بالعصا ~~مزدهيا) ~~: # ولكني أريد مقابلة وجيه. # نهاد ~~: # تقدر أن ترجع بعد ربع ساعة. # نهاد ~~: # بخاطرك يا أستاذ. # الشيخ نسيب ~~: # بخاطرك يا أستاذ. # العواد ~~: # بخاطركم يا إخوان. # نهاد ~~(على الباب) ~~: # يا أم ظريف، قولي لوجيه: إن تلك العجائب - الأخبار التي وعد بها - يجب أن ~~تكون حوادث حقيقية، لا حوادث رآها في المنام. # الشيخ نسيب ~~: # أخبري الأستاذ وجيه أني راجع ~~(نهاد والشيخ نسيب ~~ينصرفان، يرجع عواد يدوزن عوده ويتغنى ب «يا ليل» مرة بعد مرة، أم ظريف ~~تخرج من الباب الخلفي وترجع بمكنسة ومجرود فتطوف في الغرفة مقومة كرسيا ~~هنا ومتاعا هناك، تلتقط أكعاب السكاير خفية وتخبئها في تنورتها، تظهر ~~اشمئزازها من العواد؛ إذ هي تسد أذنيها مرة، وتهم بأن تنزل على رأسه ~~بالمجرود والمكنسة، إلخ ... يرن التليفون فتضع أم ظريف السماعة على ~~أذنها) ~~. # أم ظريف ~~: ~~... تضرب بعينك ~~(ترجع السماعة) ~~. # العواد ~~: # ماذا جرى؟ # أم ظريف ~~: # هلو ... هلو. من قال له: إني أحكي فرنساوي. ~~(تقترب من سرير وجيه وتهزه حانقة.) # أم ظريف ~~: # انهض، قم. ~~(ينهض وجيه ثم يعود إلى السرير متثائبا، فتى دون الثلاثين، ~~قصير، شاحب، طويل الأنف بارز العينين، نحيل، عصبي المزاج، كلامه نبر، ولهجة حديثه ~~ثورة واحتجاج وسخرية.) # العواد ~~: # بقي لي في انتظارك أكثر من ساعة يا أستاذ وجيه. # وجيه ~~: # كم الساعة الآن؟ # أم ظريف ~~: # الساعة العاشرة والنصف من صباح 31ك 2، هذا 31 الشهر، أتدري ماذا يجري في آخر ~~الشهر؟ ms12 # وجيه ~~: # آه من آخر الشهر، آخر الشهر يقبض الموظف معاشه، ولكن أين أنا من ~~الوظيفة؟ # أم ظريف ~~(متوعدة) ~~: # آخر الشهر يدفع المستأجر الإجار، أفهمت؟ خمسة عشر شهرا وأنت ساكن هذه ~~الغرفة، أين الإجار؟ # وجيه ~~: # يا أم ظريف ... # أم ظريف ~~(مقاطعة) ~~: # آخر الشهر تقول لي: أدفع في أول الشهر، أول الشهر تقول لي: أدفع في آخر ~~الشهر. # وجيه ~~: # يا أم ظريف ... هذا زمن لا يعرف أوله من آخره. # أم ظريف ~~: # كيف تريد أن أعيش في هذه الدنيا؟ لا ابن ولا ابنة ولا زوج ولا قريب، أنا ~~وحيدة. # وجيه ~~: # الله معك يا أم ظريف. # أم ظريف ~~: # هذه غرفة سكن جعلتها مطبخا ~~(ترفع أشياش اللحم ~~وتضربها على الخشبة) # لحم مشوي الصبح، لحم مشوي المساء، لحم مشوي ~~نصف الليل، لحم، لحم ... # وجيه ~~: # الأسود لا تأكل ملفوفا، والنمور لا تمضغ البطاطا. # أم ظريف ~~: # ضيوف وضيوف، جماهير تدخل وجماهير تخرج، انظر إلى الأرض وأقذارها، انظر إلى ~~قشر الليمون، أهذه غرفة سكن أم ياخور (إصطبل). # وجيه ~~: # ياخور (إصطبل) ... يسكنه جواد كريم! # أم ظريف ~~: # خطب وأشعار، وهيصة وصياح، والآن ~~(تقترب إلى خلف ~~العواد صارخة) ~~«يا ليل» ~~(يجفل ~~العواد) ~~. # وجيه ~~: # فنجان قهوة يا أم ظريف، «موتور» دماغي لا يشتغل بدون قهوة. # أم ظريف ~~: # قهوة؟! خمسة عشر شهرا بدون أن تدفع إجار الغرفة، والآن تطلب قهوة؟! والقهوة ~~سعرها بالجو. # وجيه ~~: # ما هذا بعذر. القهوة سعرها بالجو، الطحين سعره بالجو، الثياب سعرها ~~بالجو، الشعب طائر في الجو، الوزارة والحكومة بالجو، كلنا بالجو. # أم ظريف ~~: # وفنجان القهوة بالجو. # وجيه ~~(مؤنبا عاتبا) ~~: # هذا جزاء المعروف! كم مرة نشرت الجرائد صورتك؟! كم مرة كتبوا عن أم ظريف ~~وغرفة أم ظريف؟ عرفتك إلى الوزراء والنواب والصحافيين، غرفة أم ظريف في ~~بيروت أشهر من قلعة بعلبك في بعلبك، أنت أشهر رجل في بيروت. # أم ظريف ~~(على الباب) ~~: # أنا أشهر رجل في بيروت؛ لأني الرجل الوحيد الذي يؤجر غرفة ولا يقبض إجارها ~~(تنصرف) ~~. # العواد ~~: # من فضلك يا أستاذ، صار لي أكثر من ساعة أنتظر. # وجيه ~~(بعد أن ms13 يفتش جميع أنحاء الغرفة وجيوبه) ~~: # معك سيكارة؟ # العواد ~~(يعطيه سيكارة) ~~: # تفضل. # وجيه ~~(بعد أن يفتش) ~~: # معك كبريتة؟ ~~(العواد يولع له السيكارة.) # وجيه ~~: # تشكرات، هل أعددت اللحن؟ هل اقتضبته؟ # العواد ~~: # نعم، فعلت ما تريد، سيعجبك اللحن. # وجيه ~~: # وستعجبك الأغنية. # العواد ~~: # إن شاء الله. # وجيه ~~: # وستشتريها مني. # العواد ~~: # إن شاء الله، إنما من فضلك عجل، صار لي ساعة أنتظر. # وجيه ~~(يطوف الغرفة مفتشا عن شيء لا يجده) ~~: # اسمح لي أن أغسل وجهي أولا، على فوقه، معك صابونة؟ # العواد ~~: # صابونة؟! # وجيه ~~: # طبعا ما معك صابونة، سؤال سخيف، ~~(مناديا) # يا أم ظريف، أين الصابونة؟ # أم ظريف ~~(من الداخل) ~~: # أي صابونة؟ # وجيه ~~: # أي صابونة كانت، حمراء أو بيضاء، طويلة أو قصيرة ... سمينة أو نحيلة، فتية أو ~~عجوز، شيوعية أو ديمقراطية، سلافية أو إنكلوسكسونية، بشرط أن تكون ~~صابونة. # أم ظريف ~~: # آخر صابونة اشتريتها ذابت في أيام الصيف. # وجيه ~~(يقترب من المغسلة ويتكلم إذ هو يغسل وجهه) ~~: # هل لاحظت أن أكثر الصابون مغشوش في هذه الأيام؟ يعني أنه يوسخ أكثر مما ~~هو ينظف. # العواد ~~(متبرما) ~~: # نعم، لاحظت، من فضلك صار لي ساعة أنتظر. # وجيه ~~(وقد فرغ من غسيل وجهه وبل شعره) ~~: # معك منشفة؟ طبعا ما معك منشفة، ~~(ينشف بالستارة ~~التي تزين الباب الخلفي) # معك مشط؟ # العواد ~~(يأخذ المشط من جيبه ويعطيه لوجيه) ~~: # تفضل. # وجيه ~~(ممشطا شعره، هنا يستحيل وجيه من فتى ماجن إلى فنان ~~يقظ) ~~: # أسمعني النغم، أريده خطفا كله حياة، نغم ناعم، ولكنه ليس بنائم. # العواد ~~: # الأغنية يا أستاذ، صار لي ساعة أنتظر. # وجيه ~~(يفتش بين الأمتعة فلا يجد الأغنية) ~~: # لعلها هنا ~~(تحت الفراش) # لا، هذه رواية ~~تمثيلية، ~~(يأخذ الحذاء وينزع منه ورقة) # لا، ~~هذه مقالة للمقتطف، ها، ها، ~~(يأخذ الطربوش وينتزع من ~~تحت الإطار الجلدي الداخلي ورقة يعطيها للعواد هذه هي - فيما يلعب العواد هذه القطعة ويغنيها، وجيه يلقي كلماتها ~~شطرا شطرا، بحيث يفهمها الجمهور) ~~. # عاش تعسا من شكا آلامه # وتناسى أمد العيش القصير # صهر اللذة من أوجاعه # كل من يضحك منها ويسير # اللازمة # ماذا ms14 لو غاب القمر # ماذا لو صد الحبيب # ماذا لو طال السهر # ماذا إن تمسي غريب # هذه الدنيا سراب # بطلانها مثل الصحيح # هي حلم شارد # بين مهد وضريح # أسرفت في الصمت عن # أسرارها ما إن تبيح # كل ما نجنيه من # إعصارها حفنة ريح # هي نار العيش من يعبدها # أحرقته وهجها ما إن ينير # من جفا الأحلام لم يفجع بها # وازدرى الأموال لا يمسي فقير # اللازمة # لا تبايع مثلا عليا فلا # تطلب في الناس نبلا ووفا # ذاك نهر العيش لن تشربه # نهلة ترويك منه وكفى ~~(خلال الغناء تظهر أم ظريف في الباب الخلفي، فإذا انقطع الغناء ~~تجهش في البكاء، فتمسح عينيها بمريولها، وتنفخ أنفها به وتنهزم إلى الداخل.) # وجيه ~~: # أعجبتك الأبيات؟ # العواد ~~: # أبيات بديعة، شعر رفيع. # وجيه ~~: # أعتقد أنك مستعجل، الأفضل ألا تضيع وقتك، مائة ليرا ~~(تظهر أم ظريف) ~~. # العواد ~~(يعيد القصيدة لوجيه ويتهيأ للانصرف) ~~: # آسف؛ أن لا أقدر أن أشتريها. # وجيه ~~: # هاه؟ لم تعجبك؟ # العواد ~~: # قلت لك: إنها بديعة. ~~(أم ظريف من خلف العواد ترسم بأصابعها علامة الخمسين.) # وجيه ~~: # إذا كانت المائة ليرا مبلغا كبيرا فيكفي خمسون. # العواد ~~: # لا، آسف أن لا أقدر أن أشتريها. ~~(أم ظريف ترسم بأصابعها علامة العشرين.) # وجيه ~~: # يا سيدي، نحن أبناء الفن إخوان، عشرون ليرا تكفي. # العواد ~~: # لا تؤاخذني ... ~~(أم ظريف ترسم علامة الخمسة.) # وجيه ~~: # خمس ليرات كافية. # العواد ~~: # الحق يا أستاذ أني لا أقدر أن أغني هذه الأبيات في حفلة. # وجيه ~~: # لماذا؟ # العواد ~~: # أولا: ما فيها «يا ليل». # وجيه ~~: # زد عليها ألف «يا ليل»، بدون أن أرفع عليك السعر. # العواد ~~: # ثم ... ثم ... ينقصها كثير من الشعر، العيون، النهود، اللعاب، الخدود، ~~الشعر، الجبين، الشفاه. # وجيه ~~(متهكما) ~~: # العيون، النهود، اللعاب، الخدود، الشعر، الجبين، الشفاه، حضرتك تطلب أغنية ~~شعرية أم محاضرة فسيولوجية؟ # العواد ~~: # أريد شيئا من القلب. # وجيه ~~: # هل تحفظ السر؟ # العواد ~~: # بالطبع. # وجيه ~~(هامسا بعد أن يتطلع حواليه كأنه يتأكد أن ليس من ~~يسمعه) ~~: # لا تخبر أحدا، إنما أنا لا أقدر أن أنظم شيئا من القلب. # العواد ms15 ~~: # صحيح؟! لماذا؟ # وجيه ~~: # لأنه ليس لي قلب! ~~(حانقا) # اللعاب ... ~~النهود، صدقت أني أبيعك هذه الأبيات بخمس ليرات؟! هاه! عندي مشتر بخمسين ~~...! # العواد ~~: # إن شاء الله. # وجيه ~~: # ومشتر غيره بخمسماية. # العواد ~~: # إن شاء الله! # وجيه ~~: # وغيره، وغيره بألف ليرا. # العواد ~~: # إن شاء الله، إن شاء الله، بخاطرك، ~~(يختفي في ~~الباب الأيسر) ~~. # وجيه ~~(صارخا خلفه) ~~: # إن شاء الله تقع على الدرج، وتكسر عودك ورقبتك، ~~(إلى أم ظريف) # أسمعت القصيدة؟ # أم ظريف ~~: # قصيدة عظيمة، عظيمة، ما فهمت منها ولا كلمة. # وجيه ~~: # هذه القصيدة سينقشونها على صخرة الجلاء، ويحفرونها على جبين «السفنكس»، ~~ويطبعونها على مياه الفرات والأردن، ولكن لا يشترونها بخمس ليرات ~~(يرمي السيكارة فتلتقطها أم ظريف وتبدأ في تدخينها، وجيه ~~يرتمي على المقعد المثلث فتقترب منه أم ظريف مواسية تلاعب ~~شعره) ~~. # أم ظريف ~~: # آه يا بني، آه يا وجيه، لماذا أنت هكذا؟ ما أنت أقرع ولا أعور ولا أعرج ولا ~~غبي ولا أمي، الناس يحبونك. # وجيه ~~: # الناس يحبون الفاشلين، وضعف الخائبين يظهر ما في الناس من قوة. # أم ظريف ~~(مكملة دون أن تفهم ما نطق به وجيه) ~~: # لماذا غيرك يتنعم بالأوتوموبيلات ...؟ # وجيه ~~: # وأنا عائش على اللحم المشوي؟ اسمعي يا أم ظريف، أرأيت هذا العواد يدوزن ~~عوده؟ بعض الناس يدوزن عوده بلحظة، بعضهم بسنة، والبعض يولد وعوده مدوزن، أما ~~أنا فكلما حاولت دوزنة عودي وجدته مقطع الأوتار. # أم ظريف ~~: # هذا غضب الله عليك؛ لأنك كفرت به، وقسوت على إحدى مخلوقاته. # وجيه ~~: # هل جننت؟ عمن تتكلمين؟ # أم ظريف ~~: # أتكلم عنك، وعن خطيبتك عايدة، سيبيض شعرك قبل أن تتزوج. # وجيه ~~: # هذا أوفق من أن يبيض شعري بعد أن أتزوج! # أم ظريف ~~: # مسكينة عايدة، هي ملاك، لم أسمع بابنة بقيت مخطوبة سبع سنوات إلا عايدة، ~~عجل وتزوج، كم عمرك الآن؟ # أم ظريف ~~: # تسعة وعشرون تشرينا أولا، لولا الغرام، لولا عايدة لكانت تسعة وعشرين ~~ثانيا. # أم ظريف ~~: # عايدة! يا لها من فتاة جميلة، مهذبة عاقلة ~~(تبكي) # كل رفيقاتها أصبحن زوجات وأمهات، وهي في انتظارك، لماذا لا تتزوجها؟ ~~ما ms16 عيبها؟ # وجيه ~~: # فيها عيب كبير. # أم ظريف ~~(تتحداه) ~~: # عايدة ملاك، كذب كل من نقل عنها خبرا، عيبها كبير؟! ما هو؟ # وجيه ~~: # عيبها أن لها أما، اخترعوا طيارة بدون جناح، وقلم حبر يكتب بدون حبر، لماذا ~~لا يخترعون زوجا بدون حماة؟ # أم ظريف ~~: # أم عايدة، مدام زعرور، سيدة فاضلة، ما اعتراضك عليها؟ ألعلها تعارض في ~~الزواج؟! # وجيه ~~: # يا ليتها تعارض، كان الأمر هينا، لكنها تريد شيئا مستحيلا، تريد مصاغا، ~~اسمعي ماذا تريد أن أشتري، ~~(يمشي إلى يمين النظارة ~~ويقرأ من الحائط هناك) ~~: ~~(1) خاتم خطبة، ثم خاتم زواج. ~~(2) زوج حلق كوكتيل. # من يفهم علاقة الحلق بالكوكتيل؟ لا أم ظريف تفهمه، ولا أنا أفهمه، ولا أبو ~~حنا تولستوي يفهمه! ~~(3) دبوس بلاتين. ~~(4) إسوار ألماس. ~~(5) ~~(متهجئا) # ب... ن... د... ن... ط ... ~~بندنطيف. # ها لطيف! وأنا من أنواع الجواهر، لا أقدر أن أقدم إلا لحما مشويا، ~~(يرن التليفون) ~~. # وجيه ~~(على التليفون) ~~: # هلو ... هلو ... نهاد، آسف إن كنت نائما، عندي أخبار تهز البلد، لا أريد أن ~~أقولها على التليفون، الأخبار لها ثمن يا أستاذ، أي ساعة تبدأ بطبع الجريدة؟ ~~مر علي بعد نصف ساعة، لا تنس أن تجلب معك عملة، أنا أحب الاشتغال ~~بالنقدي، بخاطرك ~~(يقفل التليفون، إلى أم ظريف) # هذا نهاد العسكري صاحب «نهضة الفجر». # أم ظريف ~~: # ما هي الأخبار التي تهز البلد؟ أخبرني، أنا لا أخبر أحدا. # وجيه ~~: # أنا ما عندي أخبار، وأنت هل عندك أخبار؟ # أم ظريف ~~: # ولماذا كذبت عليه؟ # وجيه ~~: # ولماذا يكذب غيري على غيره؟ للضرورة، للحاجة، وبعض الأحيان بحكم العادة، على ~~كل حال، مدام زعرور ستشرفنا بعد قليل، وهي دائما حمالة أخبار ~~(يأخذ المكواة من الصحارة فيحملها بيساره، ويضع بنطلونه ~~على كتفه) # لا تخافي على الإجار؛ سأصير غنيا، سأبني بناية كبيرة ~~أسكن في غرفة منها وأنت تتولين قبض الإجارات، ~~(في ~~الباب الخلفي ورافعا المكواة) # سأبني ألف بناية، وسأحتج على ~~قانون الإجار، نحن نغامر برأسمالنا ونبذل مئات الألوف ونبني فوق رءوس الناس ~~سقفا يقيهم المطر، والشمس، والبرد والصواعق، والرعود، ثم في آخر الأمر ms17 نمسي ~~عرضة لاستبداد هؤلاء ... هؤلاء ال ... مستأجرين ~~(ينصرف.) # أم ظريف ~~(تلتقط القصيدة وتحاول قراءتها وغناءها) ~~: # ع ... ا ... ش ... تيسا من جفا ... ا ... لا ... مه ... أمه. عاش تيسا من جفا ~~أمه ~~(فيما هي تعيد الأغنية يدخل صانع اللحام من ~~الباب الأيسر، ويقترب ويتنحنح فتجفل أم ظريف وتصرخ خائفة ~~غضبى) ~~. # أم ظريف ~~: # من أنت؟ وما تريد؟ # صانع اللحام ~~: # أنا مسعود صانع اللحام، معلمي توفيق أرسلني لكي أحصل من وجيه أفندي. # أم ظريف ~~: # تحصل ماذا؟ # مسعود ~~: # أحصل فلوس، عملة، ثمن اللحم، منذ ثلاثة أشهر ووجيه أفندي ما دفع. # أم ظريف ~~: # وجيه ليس هنا. # مسعود ~~(يدير عينيه في الغرفة غير مصدق، ثم يعطيها ورقة) ~~: # على كل حال سلميه، هذه قائمة الحساب، وهذا مكتوب لوجيه أفندي. # أم ظريف ~~: # كم هو الحساب؟ # مسعود ~~: # 125 ليرا و14 قرشا. # أم ظريف ~~: # والمكتوب ماذا يقول؟ # مسعود ~~: # اقرئيه. # أم ظريف ~~(بفخر) ~~: # أنا لا أعرف القراءة والحمد لله، اقرأه أنت. # مسعود ~~(يقرأ) ~~: # حضرة الأجل الأمجد سري الهمم وجيه أفندي المحترم، بعد تقديم واجب ~~الاحترام لشخصكم الكريم، يلعن دين ساعة بعت لحم بالدين، ويلعن دين ... # أم ظريف ~~(مقاطعة) ~~: # رح الله يلعنك ويلعن معلمك ~~(تطرده وتدفعه) # اطلع ... اخرج ... تخيب. # مسعود ~~(على الباب) ~~: # الله يلعني إذا جلبت لكم لحما. # أم ظريف ~~: # الله يلعنك إن جلبت لحما، والله يلعنك إن لم تجلب لحما. ~~(ترجع أم ظريف إلى المقعد تتمتم لنفسها، وتضرب كفا على كف ~~حزينة قلقة) من يوم مات زوجي تزوجني الشيطان، شيطان الفقر، ما آلم أنيابك إذ تعض، ~~وأسمها إذ تلسع، مرض لا يقتل ولا يشفي، تحس أن في عروقك ألف ثعبان، وعلى لسانك ~~أقة فلفل، وعلى عينيك نظارات تريك الدنيا جهنما، والناس أبالسة، (تخاطب شيطان ~~الفقر كأنه جالس إلى جانبها) ابتعد عني، من جاء بك إلى هذه الدار يا لعين؟ ابتعد، ~~قلت لك اخرج! (تركض إلى حذاء الباب الخلفي وتأخذ المكنسة والمجرود، وإذ ترجع ترى أن ~~الشيطان قبالتها)، أنت دائما لاحق بي، ما ألأم هذه الابتسامة على وجهك! سنطردك من ~~هذه الدار، أنا ms18 ووجيه، فهمت؟ الله يلعنك! (تنزل بالمجرود والمكنسة ضربا على ~~الشيطان الذي تتوهم أنه قبالتها صاخبة شاتمة، تدخل مدام زعرور.) ~~(بعد هذا المشهد وفي الأوقات المناسبة أم ظريف تخاطب الشيطان، ~~وتضربه متمتمة كلاما غير مفهوم.) # مدام زعرور ~~: # أم ظريف! # أم ظريف ~~: # مدام زعرور! # مدام زعرور ~~: # ماذا جرى؟ من تقاتلين؟ # أم ظريف ~~: # أقاتل ال ... برغش. # مدام زعرور ~~: # كيف حالك؟ # أم ظريف ~~: # كيف حالك؟ ~~(تعيدان هذا السؤال بضع مرات.) # مدام زعرور ~~: # حالي في الويل، يا ذلي على عايدة. # أم ظريف ~~: # سلامتها، ماذا جرى؟ # مدام زعرور ~~: # جرى كل شيء، يا ذلي! ~~(تنتحب، أم ظريف تهدئ روعها ب ~~«طولي بالك، لخير إن شاء الله» ثم كأنها فطنت لأمر فتصرخ: «جرى كل شيء؟!» ~~وتروح تنتحب وتلبث الاثنتان في لغب من دموع ونشيق وشهيق وعصر ~~أنفين.) # أم ظريف ~~: # هل عايدة بخير؟ # مدام زعرور ~~: # بخير والحمد لله، تركتها عند الخياطة، وستكون هنا بعد قليل، إنما يا أم ظريف ~~خربنا، صرنا أضحوكة الناس، سبع سنوات خطبة! أين وجيه؟ # أم ظريف ~~: # وجيه في المطبخ ~~(مشيرة إلى الداخل) # يكوي ~~بنطلونه، كنا نتحدث في موضوع الزواج هذا الصباح، وجيه مستعد للزواج. # مدام زعرور ~~: # مستعد للزواج؟ بدون صيغة؟ الموت أهون، لا خاتم ~~(ترجع للنحيب) # ولا إسوار! # أم ظريف ~~(منتحبة) ~~: # ولا حلق! # مدام زعرور ~~: # ولا كستاك ذهب! # أم ظريف ~~: # ولا ساعة! # مدام زعرور ~~: # ولا دبوس! # أم ظريف ~~: # ولا عقد! # مدام زعرور ~~: # زواج ابنتي مستحيل! # أم ظريف ~~: # وعدم زواج ابنتك مستحيل! # مدام زعرور ~~: # ما العمل يا أم ظريف؟ # أم ظريف ~~: # لماذا لا نجرب الغيرة؟ # مدام زعرور ~~: # ماذا تعنين؟ # أم ظريف ~~: # اسمعي، الرجال خلقهم الله غيورين، قولي لوجيه: إن عايدة ستتزوج رجلا - أي ~~رجل - ترينه يسحب الخواتم من بزر البطيخ والحلق من قشر الباذنجان، ~~(متذكرة) # المرحوم زوجي رفض أن يدفع لأبي ليرتين ~~إنكليزيتين مهري، حين علم أن لي طالبا دفع ليرتين إنكليزيتين وريال ~~مجيدي. # مدام زعرور ~~(سكرى بالإعجاب) ~~: # الله، ما أوفر عقلك! لو أن دماغك ترابة إفرنجية «شمنتو» لكان رأسك أكبر من ~~معامل «شكا»، صحيح، الرجال ms19 غيورون، رحم الله زوجي، ما فاتح أبي وأمي بالزواج ~~حتى ابتدأ ابن عمه يسهر عندنا، إنما أي رجل نقول لوجيه إنه سيتزوج ~~عايدة؟ # أم ظريف ~~: # أي رجل كان، ~~(قرع على الباب الأيسر) # تفضل. ~~(يدخل الشيخ نسيب.) # أم ظريف، مدام زعرور ~~(بعد أن تتبادلا النظرات ذات المعنى) ~~: # أهلا وسهلا! أهلا وسهلا! تفضل، اجلس هنا، على هذا المقعد. # الشيخ نسيب ~~(مستغربا هذا التأهيل غير المنتظر) ~~: # نهاركم سعيد، الأستاذ وجيه ينتظرني؟ # مدام زعرور ~~: # نحن ننتظرك. # أم ظريف ~~: # نحن ننتظرك. # الشيخ نسيب ~~: # خير إن شاء الله! # مدام زعرور ~~: # هيئتك ابن عائلة، ابن أوادم، أنت شاب، شريف، مهذب ... # أم ظريف ~~: ~~... أنت أعزب، أليس كذلك؟ # الشيخ نسيب ~~: # بلى، أنا أعزب. # مدام زعرور ~~: # اسمع يا ابني، أنا أرملة ... # أم ظريف ~~: # وأنا أرملة ... # الشيخ نسيب ~~(مرتعبا) ~~: # أنا لست طالب زواج ... في الوقت الحاضر. # مدام زعرور ~~: # لم تفهم قصدنا، ابنتي، ابنتي ... # الشيخ نسيب ~~: # الله يرسل لها عريس، أنا لا أطلب الزواج. # مدام زعرور ~~: # اسمح لي أن أشرح لك ... # الشيخ نسيب ~~: # اشرحي ما تريدين، بدون زواج. # أم ظريف ~~: # اصبري حتى أقفل الأبواب، ~~(تقفل الباب الخلفي والباب ~~الأيسر) ~~. # مدام زعرور ~~: # يا ابني، عندي ابنة اسمها عايدة، ابنة وحيدة، مهذبة، جميلة، عصرية، تطبخ، ~~ترقص، تغني، تلعب بيانو ... # الشيخ نسيب ~~: # الله يخليها ويرسل لها عريس، غيري. # مدام زعرور ~~: # صار لها مخطوبة لوجيه سبع سنوات. # الشيخ نسيب ~~(كمن رمى عن كتفه حملا) ~~: # الحمد لله! مخطوبة، شيء جميل. # مدام زعرور ~~: # إنما كلام الناس غير جميل، صرنا أضحوكة وموضع الهزء والسخرية، نريد أن نعجل ~~الزواج، وجيه دائما يؤجل يوم العرس، نرجوك أن تتظاهر أنك خطبت عايدة، هكذا ~~وجيه تلذعه الغيرة؛ فنعجل بالزواج، أرجوك بل أتوسل إليك، هكذا تكون عملت معي ~~معروفا، أنا الأرملة الشقية، ومع صديقك وجيه، احسبها دور تمثيل، احسبها مزحة ~~... # الشيخ نسيب ~~: # بعض مرات عاقبة المزاح وخيمة ... # أم ظريف ~~: # شاب مثلك وفي عمرك يخاف العواقب؟ # مدام زعرور ~~: # أرجوك، أتوسل إليك ~~(تنتحب) ~~. # الشيخ نسيب ~~: # طيب، سأتظاهر، إنما اذكري أن المسألة هي تمثيل فقط. ~~(صوت قرع ms20 من الباب الخلفي ووجيه يصيح: «افتحي يا أم ظريف، لماذا ~~أقفلت الباب؟» أم ظريف تفتح الباب.) # وجيه ~~(لابسا البنطلون مكويا كيا مضحكا، يخرج وهو يصلح من ~~ساقي البنطلون) ~~: # لا يفهم هندسة هذين الخطين إلا البروفسور آنشتين، ~~(ينهض ببصره فيرى مدام زعرور والشيخ نسيب) # أهلا بخالتي هدى! ~~(يقبل يديها، هذه تقف وقفة مقاتل) # كيف ~~حالك؟ أين عايدة؟ كيف حال عايدة؟ # مدام زعرور ~~(كلامها مشدد ذو معنى) ~~: # عايدة والحمد لله بألف وأربعماية وستين خير، ستكون هنا بعد قليل، تركتها عند ~~الخياطة. # وجيه ~~(متابعا) ~~: # وأنت يا شيخ نسيب؟ أهلا وسهلا بك، أشكرك لمجيئك، تفضلوا! ~~(الشيخ نسيب يقتعد كرسي العواد، ومدام زعرور الكنباية، ~~ويجلس وجيه على حافة الكنباية، أم ظريف كلها عيون، وآذان، تجلس قرب آلة ~~التليفون.) # وجيه ~~(للشيخ نسيب) ~~: # بالطبع، لا بأس بفنجان قهوة؟ # الشيخ نسيب ~~: # أشكرك، أنا ممنوع عن القهوة. # أم ظريف ~~: # ووجيه ممنوع عن القهوة! # الشيخ نسيب ~~: # أرسلت في طلبي، خير إن شاء الله! # وجيه ~~: # يا شيخ نسيب، فهمت من مصدر حكومي عال أنك تعينت في الجمرك. # الشيخ نسيب ~~(مدغدغا جيبه) ~~: # نعم، صدر الأمر. # وجيه ~~: # لذلك سألتك أن تأتي إلى هنا؛ أولا: لأهنئك بالوظيفة ... # الشيخ نسيب ~~: # أشكرك. # وجيه ~~: # وثانيا: لأسألك أن تستعفي من الوظيفة. # الشيخ نسيب ~~(مبهوتا) ~~: # هاه؟! # وجيه ~~: # أريد أن أخبرك أني أنا كنت موعودا بهذه الوظيفة، وأن المرجع الحكومي ~~العالي قال لي: إنك إذا استعفيت أنت، يعطوني الوظيفة لي، أنت فتى تحب ~~عائلتك؟ # الشيخ نسيب ~~: # بالطبع أحب عائلتي. # وجيه ~~: # إذن فاعلم أن عائلتك في خطر، إن الناس بدءوا يشمئزون من احتكاركم وظائف ~~الحكومة، حذار! حذار من الرأي العام! من خلع القياصرة عن عرش موسكو؟ الرأي ~~العام، من طرد سلاطين بني عثمان؟ الرأي العام، من أعدم لويس السادس عشر؟ الرأي ~~العام، فيا شيخ نسيب، أريد أن أصارحك أن الرأي العام بدأ يثور على ~~عائلتكم! # الشيخ نسيب ~~: # بلادنا ليس فيها رأي عام، أين هو؟ أنا لا أراه. # وجيه ~~: # خطر الرأي العام في أنه لا يرى، شبه الرصاصة لا تراها حتى ولو ms21 خرقت رأسك. ~~افتكر، تمعن في الأمر، المسألة مسألة موت وحياة. # الشيخ نسيب ~~: # سأسأل خالي ، إذا أراد أن أستعفي، أستعفي. # وجيه ~~: # ثم أنا أستغرب أن فتى نجيبا مثلك يدفن نفسه في الجمرك، بالطبع أنت ~~أديب؟ # الشيخ نسيب ~~: # آ ... # وجيه ~~: # يعني أنك تنظم الشعر وتجيد النثر، وعندك طموح أن تصبح أديبا كبيرا. # الشيخ نسيب ~~: ~~... بالطبع ...! # وجيه ~~: # هل سمعت بأديب توظف في جمرك؟ امرؤ القيس هل كان موظفا في جمرك؟ أبو ~~العتاهية، حافظ إبراهيم، خليل مطران، الفرزدق، جرجي زيدان، هل توظفوا في ~~الجمارك؟ هل تريد أن تدفن عبقريتك ونبوغك بين بالات الخام والعنبر كيس؟ # الشيخ نسيب ~~: # اسمح لي بسؤال: لماذا حضرتك راغب في هذه الوظيفة؟ # وجيه ~~: # لأن الله خلقتني غيورا على المصلحة العامة. # الشيخ نسيب ~~: # وأنا ... # وجيه ~~: # أنت! في عمرك! في نبوغك! غامر! هاجر! من أسس الهلال، والمقتطف والأهرام ~~والمقطم؟ فتيان مثلك هاجروا، من جمع الثروات الكبرى في مشارق الأرض ومغاربها، ~~فتيان في عمرك هاجروا، لم لا تهاجر؟ # الشيخ نسيب ~~: # وحضرتك لم لا تهاجر؟ # وجيه ~~: # إن سافرنا كلتنا من يبقى هنا لاستلام حوالات المهاجرين؟ آ، يا شيخ نسيب، ~~إن الغمار والهوى تملأ الدنيا، حيث أدرت عينيك، لو فتحت عينيك ~~(يأخذ جريدة عن الطاولة) # خذ مثلا هاتين ~~الفتاتين الأميركيتين، هذه اللابسة قميص السباحة، شيء جميل آه؟ ~~(يقرأ) ~~: الآنسة نانسي كلاركس ابنة صاحب أكثر ~~فبركة مسامير في أوهايو، الولايات المتحدة، وهذه اللابسة البنطلون ~~(يقرأ) ~~: الآنسة إليزابث ووكر ابنة صاحب فبركة ~~ملاعق في «شيكاغو»، هما هنا في بيروت في لوكندة «زهرة بيروت»، هل تعرف ~~الإنكليزية؟ # الشيخ نسيب ~~: # أتكلم الإنكليزية. # وجيه ~~: # ماذا تنتظر؟ اذهب إلى اللوكندة، اقرع الباب هكذا ~~(ممثلا) ~~«نهارك ~~سعيد يا نانسي، أنا أحبك» # Good Morning Nancy, I love you ~~. # الشيخ نسيب ~~(كمن يتمرن على تمثيل دور) ~~: # Good Morning Nancy, I love you # وبعدها ماذا ~~يصير؟ # وجيه ~~: # بعد ذلك تصير صاحب فبركة مسامير! # الشيخ نسيب ~~: # يا أستاذ وجيه، بخصوص الاستعفاء، سأستشير خالي وأخبرك، ~~(مدام زعرور وأم ظريف تومئان إليه أن يخبر وجيه ~~بالخطبة) # على ذكر ms22 فبركة المسامير أحب أن أخبرك أنني خطبت. # وجيه ~~: # خطبت؟! برافو، ما اسم الخطيبة حتى ننشر الخبر في الجرائد؟ # الشيخ نسيب ~~: # اسمها ... ~~(أم ظريف ومدام زعرور تتهجآن الاسم ~~صامتتين) # اسمها عايدة. # وجيه ~~: # غريبة هذه الصدفة! اسم خطيبتي عايدة أيضا، أمر غريب! # الشيخ نسيب ~~: # الأمر أغرب من هذا بكثير! # وجيه ~~: ~~؟! # الشيخ نسيب ~~: # خطيبتك عايدة، هي خطيبتي عايدة. # وجيه ~~(فوار الفرح) ~~: # ما أجمل هذه الصدفة! خالتي هدى؟ ~~(يقبل يدها ثانية) # أهنئك، شباب، وغنى، ووظيفة، ومشيخة. # الشيخ نسيب ~~: # لا تصدق، هذا تمثيل! هذه لعبة، مزاح، بخاطرك، سأستشير خالي وأرد عليك ~~الخبر بشأن الاستعفاء، ~~(على الباب لمدام زعرور) # قلت لك إن عاقبة المزاح وخيمة، ~~(مدام ~~زعرور ترتمي بين ذراعي أم ظريف وتجهش الاثنتان بالبكاء) ~~. # وجيه ~~: # بعرضكم! عندي دواء لكل داء، إلا بكاء النساء. # مدام زعرور ~~: # خربت بيتنا يا وجيه، صيرتنا أضحوكة بيروت، ابنتي فتاة جميلة. # وجيه ~~: # أجمل من حوالة دولارات على # National City ~~Bank ~~. # مدام زعرور ~~: # ابنتي طلابها كثار. # وجيه ~~: # أكثر من طلاب الوظائف! # مدام زعرور ~~: # ابنتي فتاة مهذبة شريفة عفيفة نادرة! # وجيه ~~: # أندر ممن جمع قرش الفقير وسلمه للفقير. # مدام زعرور ~~: # يا لك من مجرم قاس! إن ابنتي هي روحي وأملي وحياتي، أنا أرملة، وهي يتيمة، ~~ولقد عضنا الفقر وبرحت بنا الفاقة، ولكن يد الدنس لم تلمس عفافنا، وجيه، ~~إنك تطعن ابنتي في شرفها وعرضها؛ إذ تطيل أمد الزواج، ليت ابنتي عشقت جنيا ~~ولم تعشقك! # وجيه ~~(في جد) ~~: # اسمعي يا خالتي هدى، أنت تعرفين أني أحب عايدة، إن نفسي كئيبة تتستر بالعبث ~~والدعابة، ولكنك أم جائرة؛ إذ تصرين على المصاغ، أي علاقة بين الحب ~~والجواهر؟! أنا رجل فقير، من أين لي ثمن مصاغ؟ لنتزوج غدا، لنتزوج بعد هذا ~~الظهر، واتركي أمر المصاغ لبعد الزواج، تتطلبين: خواتم، وأساور، وساعات، وأنا ~~لا أملك ثمن عقرب ساعة! # مدام زعرور ~~(ناحبة) ~~: # يا ذلي! زواج بلا مصاغ؟ هذا مستحيل! الموت أفضل. # وجيه ~~(مؤاسيا) ~~: # انظري يا خالتي هدى ~~(ينتشل علبا صغيرة مخملية من ~~الصحارة) ~~. # مدام زعرور ~~(يكاد يغمى عليها) ~~: # مصاغ؟! ms23 # وجيه ~~: # علب المصاغ. ~~(يقرأ عن الحائط) # هذه علبة ~~لخاتم الخطبة ~~(كلما أظهر علبة تنظر مدام زعرور إلى ~~داخلها وتصيح: «فارغة!») # هذه لخاتم الزواج، هذه لحلق الكوكتيل، ~~هذه لدبوس البلاتين ، هذه لإسوار الألماس، هذه للبندنطيف، اليوم عندنا علب ~~وغدا نشتري مجوهرات! ~~(يدخل خادم اللحام.) # مسعود ~~: # قبل أن تشتري مجوهرات، ادفع ثمن اللحمات! ~~(يدخل اللحام توفيق ولهاثه يكاد يطير سقف الغرفة، يلبس لباس ~~اللحامين، إذ يتدلى عن يمينه سكين اللحام الهائل وعن يساره المسن، يرتمي إلى ~~المقعد عييا، ويتلفظ بكلام ناري غير مفهوم، هيئته مخيفة، مدام زعرور ترتعب وتلوح ~~بمنديلها، أم ظريف تهاجم مسعود بالمكنسة فينهزم، أم ظريف ومدام زعرور تختفيان في ~~الباب الخلفي.) # وجيه ~~(منرفزا) ~~: # أهلا وسهلا بالعم توفيق، اسمح لي أن أتلفن، ~~(يتقدم من التليفون بهدوء وبعد أن يطلب نمرة 34-12 يتكلم هامسا) # هلو ... أمين ... اسمع أمين ... تلفن لي مرة كل ربع ساعة، فهمت؟ إن تلفنت ولم يجبك ~~أحد، أخبر البوليس أن هنا قتيلا، قتيل، فهمت؟ أخبرهم أن الأسباب مالية، ~~تلفن مرة كل ربع ساعة، بخاطرك ~~(يقفل ~~التليفون) # كيف حال العم توفيق؟ # اللحام ~~: # حالي بالويل، يا أستاذ وجيه ~~(يأخذ من جيبه دفترا) # في الثلاثة الأشهر الأخيرة اشتريت مني 43 رطل لحم و14 أوقية ثمنها ~~125 ليرا و14 قرشا، ~~(صائحا) # يا أستاذ، ~~بالعربي الفصيح، بالعربي الطويل، بالعربي العريض، بالعربي المبلطح، ادفع ~~الحساب! # وجيه ~~: # بالطبع سأدفعه. # اللحام ~~: # صاحب بنك أنا؟ أنا لست بصاحب بنك، مليونار أنا؟ ما أنا مليونار، جعفر البرمكي ~~أنا؟ ما أنا بجعفر البرمكي! # وجيه ~~: # أنكرت الحساب أنا؟ أنا ما أنكرت الحساب! # اللحام ~~: # نحن ندفع ثمن البقر والخرفان بالنقدي، أجرة الدكان بالنقدي، أجرة الخادم ~~بالنقدي، حسابك عمره ثلاثة شهور. # وجيه ~~: # ثلاثة شهور؟! ما أسرع مرور الأيام! كم عمرك الآن يا عمي توفيق؟ # اللحام ~~(مفكرا) ~~: # لما ماتت امرأتي كان عمري 47، الآن ~~(يعد على ~~أصابعه) # 51 ~~(حانقا) # لماذا ~~تسألني هذا السؤال؟ # وجيه ~~: # لأني قلق عليك، ما سبب هذا اللهاث؟ # اللحام ~~(مشيرا إلى الخارج) ~~: # الدرج، صار صعبا علي صعود الدرج، ~~(متذكرا ~~متألما) # راحت ms24 أيام الشباب! # وجيه ~~: # آه على أيام الشباب! # اللحام ~~(كمن تذكر أمرا) ~~: # حسابك يا أستاذ، حسابك لم يعد في أيام الشباب، ~~(ضاربا الدفتر بأصابعه) # لقد هرم وطالت لحيته وابيضت ... # وجيه ~~: # أتدري يا عمي توفيق، إن الشيخوخة ليست بعدد الأيام؟! قل لي مثلا: أي شيء كنت ~~تفعله في أيام الشباب وتعجز عن فعله اليوم؟ # اللحام ~~(مقهقها) ~~: # أي سؤال خبيث! أمور كثيرة أعجز عن فعلها اليوم وكنت أقوى على فعلها في أيام ~~الشباب! # وجيه ~~: # مثلا؟ # اللحام ~~: # مثلا؟! ~~(يقهقه من جديد) # مثلا ... درج هذه ~~السلم في أيام الشباب ... كنت أقفزه كالأرنبة ولا أتعب، اليوم أتسلقه كالبطة، ~~انظر إلي ... كيف ألهث. # وجيه ~~(متمشيا مفكرا) ~~: # أنا لا أقصد الأمور الجسدية، الفتوة في الروح، قل مثلا: في أيام شبابك كيف ~~كنت تعامل الخادمات في بيع اللحم؟ # اللحام ~~(ضاحكا متذكرا) ~~: # في أيام الشباب ... إن كانت الخادمة حلوة أعطيتها أحسن اللحم. # وجيه ~~: # وإن كانت بشعة؟ # اللحام ~~: # أعطيتها الجلد والعظام. # وجيه ~~: # مثلا في أيام الشباب، لو عجز زبون عن دفع حسابه، ماذا كنت تفعل معه؟ # اللحام ~~: # كنت أقول بوجهه: «الله يسامحك» ومتى أدار ظهره، ألعن دين أب خال أخت عم جد ~~خالة صهر أمه، أما اليوم ~~(متهددا) # فإني من ~~أجل عشرة قروش أقتل 21 رجلا. # وجيه ~~: # عمي توفيق! سر الفتوة هو أن تفعل في كهولتك ما كنت تفعله في أيام شبابك، تقبر ~~المال إن كان المال يقتل فتوتك ويجعل منك رجلا شيخا وأنت في الخمسين، قل لي: ~~«الله يسامحك بالحساب» تر كيف تشتد عضلاتك وتلمع عيناك وتخضر الدنيا ~~وتشع. # اللحام ~~(مشدوها) ~~: # ها؟! # وجيه ~~: # أخرج هذا السم من جهاز روحك، قل: «الله يسامحك بالحساب» ... قلها، ~~لا تخف. # اللحام ~~(بصوت خافت) ~~: # الله ... يسامحك بالحساب. # وجيه ~~: # أعدها! ~~(اللحام يعيد العبارة وكل مرة بصوت أعلى من مرة، ثم هو يجس ~~عضلات ذراعيه ويعرض بصدره ويبتسم.) # وجيه ~~: # ها إنك اكتشفت سر الخلود، لقد صار الإنسان وحشا يعبد نفسه وينسى الحب ~~والتسامح والحلم، خذ هذه الرسالة وبشر بها في هذا الوطن، ارجع إلى دكانتك، ~~وأعط اللحم ms25 للجميلات، وبع العظم والجلد للقبيحات. قل للناس: أعطوا ... سامحوا ... ~~هكذا تبقون فتيانا، أعطوا! سامحوا! ~~(يصفق كمعلم ~~الرياضة) # واحد ... اثنين ... ثلاثة أعطوا، سامحوا! واحد ... اثنين ... ~~ثلاثة ... الله ... يسامحك ... بالحساب. ~~(اللحام في سكرة روحية يقوم بألعاب جيمناستيكية على وقع تصفيق ~~وجيه وتغنيه، التليفون يرن، حينما يدير هذا ظهره، يمشي اللحام نحو الباب الأيسر ثم ~~ينهال بالشتائم مطلقا إياها نحو وجيه، بحيث لا تسمع النظارة تلك الشتائم، ولكنهم ~~يفهمون أنه يفوه بها، اللحام ينصرف.) # وجيه ~~(على التليفون) ~~: # لا يوجد قتيل بعد، إنما داوم على التلفنة مرة كل ربع ساعة، ~~(إلى أم ظريف ومدام زعرور وقد ظهرتا في الباب الخلفي) # أين العم توفيق؟ # أم ظريف ~~: # سافر ... ~~(وجيه يسرع إلى الباب الخلفي فيقفله بعنف.) # وجيه ~~(إلى أم ظريف) ~~: # لا تفتحي لأحد حتى نعرف من هو، الحمد لله ... هذا حساب وفيناه! ~~(يتمدد على المقعد المثلث.) ~~(وجيه يخاطب أم ظريف بالإشارة أن تسأل من الطارق.) # أم ظريف ~~: # من أنت؟ # صوت من الخارج ~~: # أنا الأستاذ الكعب بن الحميد الطهنشاوي. ~~(وجيه يمثل أن مصيبة وقعت على رأسه ويشير إلى أم ظريف أن تقول ~~للطارق إنه غير موجود.) # أم ظريف ~~: # وجيه في البلد. # الصوت ~~: # هلا فتحت الباب سيدتي؟! ~~(سكوت) # الصوت ~~(بعد سماع قرع على الباب) ~~: # هلا فتحت الباب سيدتي، فإني لتارك لوجيه رسالة. ~~(وجيه يهرب من الباب الخلفي آخذا معه السكين الكبير ومهددا أم ~~ظريف بأنه يقتلها إن أفشت سر وجوده في الداخل، أم ظريف تفتح الباب فيدخل ~~الكعب.) # الكعب ~~: # عمتما صباحا يا سيدتي القعرتين، ~~(يدير نظره في ~~الغرفة) # يا بهجة العيد! يا لها من حجرة ولا قصور الزهراء أو ~~الحمراء، وإني يا سيدتي في غد إلى بغداد ظاعن. # أم ظريف ~~: # لا تؤاخذني، أنا لا أعرف فرنساوي. # الكعب ~~(ضاحكا) ~~: # يا بهجة العيد! وإنه لزام علي أن أكل إلى حضرتكما هذه الأخطوطة، يجوز أن ~~يقال: مخطوطة إنما الأصح أن يقال: أخطوطة، لقد وعدني الأستاذ وجيه بأن يجد لها ~~ممولا ينشرها، يجوز أن يقال: رأسمالي إنما الأصح أن يقال: ممول، يا بهجة ms26 ~~العيد! ~~(يضع نظارتيه على أنفه ويتكلم فيما هو ينتشل ~~مخطوطات هائلة) # استقراء مخضوضر مزبطر، ~~(يقلب المخطوطات) # الجزء الأول: امرؤ القيس، اسمه وكنيته، الجزء ~~الثاني: في أن حقيقة امرئ القيس هو «جيدح»، يا بهجة العيد! الجزء الثالث : «في ~~أن امرأ القيس لم يكن اسمه جيدح بل حيدج»، الجزء الرابع: «سر الأسرار ودهش ~~الأخبار في حقيقة امرئ القيس»، سيدتي، إن في هذه الأخطوطة ما لم يره ~~ابن بطوطة. هنا سر الأسرار، وسفر الأسفار، إن هذا المؤلف يجيء ببرهان حنطفوش قاطع ~~أن امرأ القيس لم يكن اسمه حيدج ولا جيدح، إن امرأ القيس كان اسمه امرأ ~~القيس. # مدام زعرور ~~: # يا بهجة العيد! # أم ظريف ~~: # يا بهجة العيد! # الأستاذ ~~(يسلمهما المخطوطات) ~~: # سيدتي! وهل لي أن أسألكما عن فتى يافع غض الإهاب، اسمه الشيخ نسيب وهاب، ~~تراه مر بهذه الدار؟! # مدام زعرور ~~(تريه الجريدة) ~~: # تقدر أن تراه في هذه اللوكندة. # الأستاذ ~~: # يقال: فندق، ولا يجوز أن يقال: لوكندة. # حيمور ~~(يدخل) ~~: # نهاركم سعيد. # الأستاذ ~~: # عم صباحا سيدي ~~(مقدما يده) # أنا ~~الأستاذ الكعب بن الحميد الطهنشاوي. # حيمور ~~: # أنا نايف حيمور مهاجر عائد من غرانيلا. # الأستاذ ~~: # يجوز أن يقال: مهاجر إنما الأصح أن يقال: مغترب. # ألا روى الغيث ضريح الشاعر إذ قال: # يمضي ولا حلية إلا عزيمته # وينثني وحلاه المجد والمال ~~(يعيد «والمال».) # أم ظريف ~~: # يا حضرة الأستاذ، لقد فلقتني! # الأستاذ ~~(على الباب منصرفا) ~~: # يجوز أن يقال: فلقتني، إنما الأصح أن يقال: فججتني؛ لأن فعل فج ورد في ~~مقامات الحريري، أما فعل «فلق» فإنه ما ورد في مقامات الحريري، عمتم صباحا ~~(ينصرف) ~~. ~~(يطل وجيه من الباب الخلفي فيتأكد أن الأستاذ رحل.) # وجيه ~~: # أو ... و... ف ... أنهو نايف حضرتك؟ # نايف حيمور ~~: # أرسلني إليك صاحب جريدة «نهضة الفجر». # وجيه ~~: # حضرتك نايف أفندي حيمور؟ # نايف ~~: # سي سنيور # وجيه ~~: # رجعت من «غرانيلا» في الأسبوع الماضي. # نايف ~~: # سي سنيور! # وجيه ~~: # بعد غياب 34 سنة؟ # نايف ~~: # سي سنيور! # وجيه ~~(بلهجة خطابية) ~~: # إن المهاجرين هم سواعدنا، وآمالنا، والجزء المتمم لوطننا، فيهم قوانا ~~وعليهم اعتمادنا. # يمضي ms27 ولا حلية إلا عزيمته # وينثني وحلاه المجد والمال ~~(يعيد «والمال».) # وجيه ~~: # سي سنيور! # نايف ~~: # سي سنيور! ~~(وجيه يفتش بين أوراقه في منتصف الصحارة عن أوراق، منها جريدة ~~كلها بيضاء إلا صورة وبضعة أسطر مطبوعة.) # وجيه ~~: # هذه صورتك ، سنتظهر في الصفحة الأولى، وهذا ما سيظهر تحتها ~~(يقرأ) ~~«عاد من المهجر بعد نيف وثلاثة عقود، ~~المهاجر الكبير نايف أفندي حيمور مثقلا بثمار جهاده، وسيستقر في مسقط رأسه ~~بلدة «عين الخروب»، شيء جميل هاه؟! أعتقد أن 300 ليرا تبرع كافية، هنا ~~مكتبي ~~(مشيرا إلى الغرفة) # مكتب دعاية، كل ~~شيء غال هذه الأيام، خذ إجار هذه الغرفة، أتدري كم هو إجار هذه الغرفة؟ # نايف ~~: # نو سنيور! # وجيه ~~: # لو أخبرتك لا تصدق. # نايف ~~(متأملا في الرسم) ~~: # أحب أن يظهر اسمي في الاسبنيولية، نايف حيمور في العربي هو # Nicola Hayme # بالسبنيولي، هل يمكنكم الطبع ~~بالسبنيولي؟ # وجيه ~~: # سي سنيور! ~~(صمت) # وجيه ~~: # مسألة الثلاثماية ليرا ...؟! # نايف ~~: # يا أستاذ وجيه، هذه الصورة، وهذا الكلام شيء جميل، إنما هذا أمر عادي، كل ~~مهاجر يعود، تنشر صورته ويقال عنه إنه مهاجر كبير، الذي أريده هو لقب. # وجيه ~~: # نايف بك؟ # نايف ~~: # نو سنيور! # وجيه ~~: # الشيخ نايف؟ # نايف ~~: # نو سنيور # وجيه ~~: # الأمير نايف؟! # نايف ~~: # نو سنيور! # وجيه ~~: # نو سنيور! # نايف ~~(يفتح حقيبته ويأخذ منها ورقة) ~~: # اسمع! في بلادنا ~~(يقرأ من الورقة) # 123514 ~~أمير، 87643 بك، 224511 شيخ، أنا لا أريد مثل هذه الألقاب، أريد لقبا مثل ~~أمير الشعراء يعرف أنه شوقي، شاعر القطرين، يعرف أنه خليل مطران، أريد هكذا ~~لقبا. # وجيه ~~: # ما رأيك باسم «الحيمور الأكبر»؟ ~~(نايف يشمئز) # بالطبع هذا لا يوافق. اسمع، أنت تنظم الشعر بالطبع؟ أسمعني شيئا من ~~نظمك. # نايف ~~(بدلال) ~~: # حينما أرسلت صورتي لخالتي شاهينة كتبت تحتها بيتين. # أهدي إليك صورتي # يا خالتي يا رجوتي # من بعد هذي الغربة # قلبي يحن للرجعة # وجيه ~~: # جميل! جميل! جميل! بديع، أنت من «عين الخروب» واسمك بلبل «عين ~~الخروب». # نايف ~~: # لا بلبل ولا حسون ~~(يقرأ من الورقة) # يوجد ~~في بلادنا 8411 بلبل و6415 حسون، ms28 أريد شيئا غير اعتيادي ~~(بعد صمت وتفكير يتطلع الواحد بالثاني) ~~. # نايف ~~: # نو سنيور! # وجيه ~~: # نو سنيور! # وجيه ~~: # ألم تشتغل بالأمور الوطنية؟ # نايف ~~: # نعم، وقعت برقية احتجاج على الصهيونية، وتبرعت بثلاثة دولارات للمكتب العربي ~~في نيويورك. # وجيه ~~: # لنسمك «المجاهد الأكبر» أو «ملك المحسنين»! # نايف ~~: # نو سنيور ! # وجيه ~~: # نو سنيور! ~~(بعد تفكير وحك رأس وصمت.) # وجيه ~~: # في «عين الخروب» يوجد مدرسة؟ # نايف ~~: # مدرسة عظيمة فيها 56 تلميذا. # وجيه ~~(كمن اكتشف أمرا عظيما) ~~: # نطلق على المدرسة اسم «الجامعة الخروبية» أو الجامعة الخروبية تمنحك لقب ~~دكتوراه، دكتور حيمور ... اسمح لي أن أكون أول المهنئين. # نايف ~~: # أشكرك، أشكرك. # وجيه ~~: # دكتور حيمور! # نايف ~~: # أشكرك، ~~(ثم تتراخى ابتسامته إلى عبوسة ويصيح) # نو سنيور! # وجيه ~~: # ولماذا؟ # نايف ~~: # دكتور؟! ربما يفتكروني طبيب بيطري ... # وجيه ~~: # لماذا لا ترشح نفسك للنيابة؟ # نايف ~~: # ما الفائدة؟ سأخسر بدون ريب. # وجيه ~~: # ترشح نفسك للنيابة ثم تخسر، ويصير لقبك «المرشح للنيابة سابقا». ~~(نايف يظهر اشمئزازه.) # وجيه ~~: # اسمع، ألم يولع معك الغرام ولا مرة في حياتك؟ # نايف ~~(متذكرا ضاحكا) ~~: # بلى، ولع الغرام معي مرة. # وجيه ~~: # وماذا كان اسمها؟ # نايف ~~: # توماصا # Tomasa ~~. # وجيه ~~: # ما قولك بمجنون توماصا # Tomasa # مثل «مجنون ~~ليلى»؟ ~~(نايف يظهر اشمئزازه.) # وجيه ~~: # نو سنيور! # وجيه ~~(أشرق وجهه وانفعل حماسا كمن حل معضلة) ~~: # وجدتها! وجدتها! نسميك «نابغة النوابغ» ... # نايف ~~(بإباء وكبر وغضب) ~~: # ما هذه الإهانة يا أستاذ وجيه؟ هل دعوتني إلى بيتك حتى تحقرني؟! ابن عمي أسعد ~~حيمور دكانه ببابين سمته جرائد المهجر «عبقر العباقرة» وأنا دكاني بستة ~~أبواب وتريد أن تسميني «نابغة النوابغ» فقط؟! # وجيه ~~(مراضيا) ~~: # لا تؤاخذني يا أخي، الذنب ذنبي، حين لا أشرب القهوة في الصباح تخمل ~~قريحتي. # نايف ~~: # ولماذا لم تشرب القهوة؟ # وجيه ~~(مشيرا إلى الداخل) ~~: # لأني ممنوع عن القهوة! طبعا لقب «نابغة النوابغ» غير موافق، ولكنك لو ذكرت ~~لي سيرة غمارك في المهجر - في غرانيلا - ربما استوحيت لك لقبا موافقا، ذكرت ~~أن دكانك كان بستة أبواب، أخبرني كيف جمعت هذه الثروة؟ # نايف ~~: # والله يا أستاذ وجيه، لما وصلت إلى غرانيلا ms29 كان لي خال في العاصمة - ~~سانتا كروز - عاصمة غرانيلا، فتح لي دكانا في البر في بلدة اسمها «سانتا آنا» ~~وكان خالي يرسل لي مجوهرات، صيغة، الكلام بيني وبينك كانت الصيغة مقلدة، كنت ~~جمعت ثروة عظيمة لولا غلطة، كان الشغل جيدا والأرباح واهية، كان خالي يقيد ~~علي كروس الخواتم بأربعة دولارات، وكنا نبيع الخاتم الواحد بأربعة ~~دولارات. # وجيه ~~: # تشتري الكروس بأربعة دولارات، وتبيع الخاتم بأربعة دولارات؟! هذه تجارة ~~غانمة. # نايف ~~: # تجارة غانمة لولا تلك المصيبة. # وجيه ~~: # أي مصيبة؟ # نايف ~~: # كنت أدفع لخالي على حساب الكروس 12 خاتما، ولم أعرف أن الكروس 12 دزينة ~~خواتم. # وجيه ~~: # وخالك، ألم يحاسبك بالفرق؟ # نايف ~~: # يا أستاذ وجيه، في التجارة الخال لا يعرف ابن أخته، بلى، كانت طيبة تلك ~~البلاد، كم بعنا من خواتم كذابة، ذهبها نحاس، وألماسها زجاج، وأساور وساعات ~~مزيفة، ~~(متنهدا) # التجارة يا أستاذ وجيه ~~تحتاج إلى مقدرة. # وجيه ~~: # الظاهر هكذا. # نايف ~~: # ما كنت رجعت لهذه البلاد لولا حكومة غرانيلا، الله يلعن تلك الحكومة راحوا ~~انتخبوا رئيسا للجمهورية شابا متحمسا، أتدري ماذا فعل؟ الله يلعنه! الله ~~يلعنه! # وجيه ~~: # ماذا فعل؟ # نايف ~~: # فتح في كل بلد مدرسة. # وجيه ~~: # الله يلعنه! # نايف ~~: # الله يلعنه! # فحملت مجوهراتي وأقفلت دكاني ورجعت إلى «عين الخروب». # وجيه ~~: # يعني جلبت مجوهراتك معك؟ # نايف ~~: # نعم، ~~(يفتح الحقيبة ويناول وجيه الكثير من الحلق ~~والساعات والخواتم) ~~. # وجيه ~~: # هل تقدر أن تبيعها هنا؟ # نايف ~~: # هنا لا يشتريها أحد؛ لذلك أنا أفرقها هدايا، تفضل يا أستاذ خذ منها ما تشاء ~~هدية مني. # وجيه ~~: # أشكرك، أشكرك، سأنتقي كم قطعة ~~(كلما انتقى قطعة ~~يسير بها نحو الحائط، حيث كتبت قائمة المصاغ ثم يرجع ويأخذ سواها، نايف ~~يقفل حقيبته ويتهيأ للرحيل، وجيه يرجع إلى نايف) # يلزمني ساعة يد ~~نسائية. # نايف ~~: # تكرم، هذه كنا نشتريها بالكيلو ~~(يعطيه ~~ساعة) ~~. # وجيه ~~: # يا نايف، إن سيرة حياتك أوحت لي اللقب الذي يليق بك، أنت عصامي، أتعرف ما ~~هو لقبك؟ # نايف ~~: # صار لنا ساعة نفتش عليه. # وجيه ~~: # أنت لا تريد لقبا عاديا، أنا لا ms30 ألومك، بلادنا كلها أمير، بك، شيخ، ~~مقدم، أفندي، خواجه، أمير الشعر، أمير الزجل، عميد المهاجرين، المجاهد ~~الأكبر، حسون، بلبل، بطل الأبطال، الوطني العظيم، العبقري، النابغة، العلامة، ~~المهذب الأعظم، لقبك أنت هو اسمك المجرد. # نايف ~~: # صحيح؟ # وجيه ~~: ~~... هكذا تكون الشخص الوحيد في هذه البلاد الذي ليس له لقب، لقبك نايف ~~حيمور . # نايف ~~(فرحا) ~~: # لقبي نايف حيمور! # وجيه ~~: # اسمك نايف حيمور فقط لا غير. # نايف ~~: # اسمي نايف حيمور فقط لا غير. # وجيه ~~: # سنذيع هذا الخبر في الجرائد وعلى الراديو ... ~~(نايف يفتح حقيبته.) # نايف ~~: # ثلاثمائة ليرا تكفي؟ ~~(أم ظريف تظهر في الباب الخلفي.) # وجيه ~~: # كل شيء غال هذه الأيام، أتعرف كم أدفع إجار هذه الغرفة؟ أتدري كم ثمن كيلو ~~اللحم؟ أتعرف كم يكلف فنجان القهوة؟ # نايف ~~: # صحيح كل شيء غال ~~(يسحب دفتر الشكات ويكتب) # هذا التشاك بخمسماية ليرا. # وجيه ~~: # كثر الله خيرك ~~(نايف يناول التشاك لوجيه فيمد هذا ~~يده ليأخذه، نايف يسترجع التشاك بغضب ويمزقه) ~~. # نايف ~~: # نو سنيور، أنت عملت معي معروفا كبيرا ولن أدفع ثمنه، هكذا تصبح الشخص ~~الوحيد في هذه البلاد الذي عمل معروفا ولم يقبض ثمنه، بخاطرك. ~~(حينما يصبح على الباب) # وأشكرك جدا # Gracias Senôr ~~(ينصرف) ~~. # وجيه ~~: # عبث، عبث، بدون قهوة كل شيء باطل. ~~(يتذكر أمرا فيأخذ قطع الصيغة ويضع كل قطعة في علبة ضاحكا ~~مترنما: عاش تعسا ... ترجع أم ظريف ومدام زعرور فيتظاهر كأنه بوغت وهو في عمل ~~سري.) # أم ظريف ~~: # هل سافر النو سنيور؟ # مدام زعرور ~~: # ما هذا؟ # وجيه ~~: # آه يا خالتي أم هدى، كنت أريد أن أريك هذه الجواهر متى وصلت عايدة؟ فلماذا ~~فاجأتني؟ # مدام زعرور ~~(تفتح العلبة) ~~: # يا ماما، ألماس يا ماما ~~(تفتح علبة ثانية) # يا ماما! بلاتين يا ماما! ~~(تفتح علبة ~~ثالثة) # يا ماما ذهب! ذهب عيار 24 ~~(تهجم ~~على وجيه فتقبله) # يا ابني عفوك عني، يا فخري، يا ولدي، يا صهري، ~~عايدة ستجن بهذا المصاغ، ~~(تخاطب أم ظريف التي اقتربت ~~لترى) # أنت لا تعرفين بالصيغة، أنا ابنة سوق المجوهرات، وجيه لا ~~تخبرني كم دفعت، ms31 اتركني لوحدي أثمن، ألماس! هذا أزرق أبيض، قطعة نظيفة اللون، ~~بديعة، ~~(متفرسة به) # لا. لا، خال من كل سقط، ~~أربعة قراريط الخاتم، الحلق والإسوار سبعة، سبعة وأربعة = أحد عشر، والساعة؟! ~~وجيه لقد دفعت ثمن هذا المصاغ أربعة عشر ألف ليرا، مضبوط؟ # وجيه ~~: # الصائغ صاحبي، أعطاني إياها أرخص بكثير. # مدام زعرور ~~: # أنا كل يوم في سوق الصياغ، أفحص وأدرس وأسأل عن الأسعار، بكم اشتريت هذا ~~المصاغ؟ # وجيه ~~: # الصحيح، خالتي هدى، دفعت ثمنه تسعة آلاف ليرا. # مدام زعرور ~~: # ما أرخصه! # أم ظريف ~~: # ما أرخصه! كل جواهر الأرض لا تسوى رطل بندورة. # مدام زعرور ~~: # أنت يا أم ظريف لا تفهمين قيمة الصيغة، ولا أهمية المصاغ. # وجيه ~~: # ما رأيك بفنجان قهوة يا أم ظريف؟ # أم ظريف ~~: # تصرف ألوف الليرات على ... على ... هذه الزبالة، وتطلب مني فنجان قهوة، وإجار ~~الغرفة نائم منذ خمسة عشر شهرا. # وجيه ~~: # هذه بصة النار التي فجرت مستودع الديناميت الآن - هذه الساعة - أعلن ~~الثورة، أم ظريف، هذه الغرفة برسم الإجار، لقد خسرت مستأجرا. ~~(يكمل لبس ثيابه.) # مدام زعرور ~~: # كيف تترك هذه الغرفة؟ ألم تسمع بأزمة البيوت يا ... يا ... مجنون؟! # وجيه ~~: # هذا عيبنا، كلنا عقلاء، هذا الوطن لن يسعد إلا متى كثرت مجانينه، ما أنا ~~بالرجل الشريف إن خضعت لاستبداد أم ظريف. # مدام زعرور ~~: # وعايدة؟ عايدة ستكون هنا بعد قليل. # وجيه ~~: # قولي لها أن تنتظرني. # مدام زعرور ~~: # ولكن أنت ذاهب إلى أين؟ # وجيه ~~: # إلى القصر، أو إلى الياخور، إلى حيث يسكبون القهوة في الطناجر، إلى حيث لا ~~أرى أم ظريف. ~~(يريد الانصراف من النافذة التي إلى يمين النظارة.) # مدام زعرور ~~(مشيرة إلى الباب الأيسر) ~~: # الدرج هناك. # وجيه ~~: # سأخرج من النافذة، كل عمري أدخل البيوت وأخرج منها من طريق الباب، من الآن ~~فصاعدا سأدخل البيوت من نوافذها، سأمشي على رأسي وأتفرس بالناس مغمض العينين، ~~سأقبل البشر بقبضتي وأدغدغهم بقدمي، ~~(قرب ~~النافذة) # سأتروق أطفالا مشوية وألعب فوتبول بالقنابل الذرية ~~(يقفز من النافذة، أم ظريف ومدام زعرور تبقيان ~~صامتتين، يرن التليفون فتنهض إليه أم ظريف ms32 متمتمة ~~متثاقلة) ~~. # أم ظريف ~~(السماعة إلى أذنها) ~~: # هاه ...! هلو؟! رجعت تحكي فرنساوي يا ملعون؟! ~~(تقتلع الشريط الذي يربط التليفون بالحائط وترمي بالتليفون والشريط إلى ~~الأرض، أم ظريف صامتة غضبى، مدام زعرور تتطلع بالصيغة ~~معجبة.) # مدام زعرور ~~(خلال هذه المحادثة تجرب الصيغة معجبة أمام المرآة، على ~~زندها وأذنيها وأصابعها) ~~: # لقد كنت قاسية على وجيه ، ربما لا يعود. # أم ظريف ~~: # لا يعود؟ لا تخافي، هو يمثل هذا الدور كل يوم، صدقت راح يفتش على غرفة؟ راح ~~يشرب قهوة عند «صالون جعفر»، الذي لا أفهمه هو كيف قدر أن يدفع تسعة آلاف ~~ليرا؟ # مدام زعرور ~~: # هذا الغرام، ألم تسمعي بالحب، سبحان من خلقك يا أم ظريف، لا بالمجوهرات ~~تفهمين، ولا بالحب تؤمنين، حضري لوجيه فنجان قهوة، أليس عندك بن؟ # أم ظريف ~~: # عندي بن، الذي ينقصني هو الفحم. # مدام زعرور ~~(مشيرة إلى مخطوطة امرئ القيس) ~~: # عندك ورق كثير؟ # أم ظريف ~~: # صدقت ~~(تأخذ المخطوطات وتسير إلى الباب الخلفي وإذ ~~تبلغه تخاطب مدام زعرور مقلدة الأستاذ) # يجوز أن يقال: مخطوطة، ~~إنما الأصح أن يقال: أخطوطة! ~~(تختفي.) ~~(مدام زعرور تستمر في تقليبها المجوهرات والإعجاب بها، تتغنى ~~بأغنية إفرنجية، ثم تنتفض إذ تسمع نحنحة خلفها، هي نحنحة نايف حيمور.) # نايف ~~: # أريد أن أكلم الأستاذ وجيه بأمر هام، هام جدا. # مدام زعرور ~~(لم تسمع ما قال) ~~: # رعبتني! # نايف ~~: # الأستاذ وجيه، بالطبع تعرفينه؟ # مدام زعرور ~~: # الأستاذ وجيه سيصير صهري. هو مجنون بغرام ابنتي، لما سمع أن غيره يطلب يدها ~~هددنا بالانتحار، أنت تنظر إلى هذه الغرفة الحقيرة، فتظن أن وجيه هو فقير، ~~وجيه متواضع، حينما قلت له: أريد مصاغا لابنتي ~~(تطق ~~بإصبعيها) # لبيك عبدك بين يديك، انظر ماذا اشترى؟ كل هذا المصاغ ~~بتسعة آلاف ليرا فقط، من يصدق؟ من يصدق؟ # نايف ~~: # يا سنيورة، أنا صائغ، اسمحي لي أن أفحص هذه الجواهر. # مدام زعرور ~~: # صحيح أنك صائغ؟ ما أكبر حظي! ثمنها لي. ~~(تعطيه ~~قطعة قطعة، وهي خلال ذاك مندفعة في الحديث ونايف يفحصها بتأن، أخيرا ~~يأخذ من حقيبته منظار الصائغين، فيفحص ms33 الجواهر، والمنظار على عينه اليمنى ~~ثم اليسرى، ويطيل النظر في العلب المخملية) # أرأيت حجر هذا الخاتم ~~ألاحظت بياضه المزرق؟ الساعة، هل فتحتها؟ هل عددت جواهرها الواحدة والعشرين؟ ~~والإسوار! مثل هذا البلاتين لا يصنع إلا في أمستردام، ألاحظت أن قص هذه ~~الأحجار هو قص لندن؟ كم ثمنها في رأيك؟ # نايف ~~: # يا سنيورة، هذا المصاغ يساوي ثروة، أعتقد أنه يساوي لا أقل من ثلاثين ألف ~~باسو Peso ~~! # مدام زعرور ~~: # باسو؟ ما هو ال Peso ~~؟ عملة بطلت إن شاء ~~الله؟ # نايف ~~(يحسب على أصابعه العشرة) ~~: # نو سنيورة، ثلاثون ألف باسو Peso # يعني خمسة ~~وأربعين ألف ليرا. # مدام زعرور ~~: # وجيه دفع ثمنها تسعة! تسعة آلاف ليرا فقط! # نايف ~~: # وكيف قدر يشتريها بهذا الرخص؟ # مدام زعرور ~~: # اشتراها من صديق له. # نايف ~~: # يا سنيورة، في التجارة لا الصديق يعرف صديقه، ولا الخال يعرف ابن أخته، ~~الظاهر اشتراها من ... من ... حمار لا يعرف قيمة الجواهر. ~~(بعد الافتكار) # يا سنيورة، أنا رجل تاجر. # مدام زعرور ~~: # أنت أكبر قدر. # نايف ~~: # لي اقتراح عليك، هذا المصاغ رأسماله تسعة آلاف، أنا أشتريه بخمسة عشر، أعطي ~~وجيه التسعة، وليذهب إلى صديقه فيشتري المصاغ مرة ثانية، هكذا تعملين صفقة ~~تجارية. # مدام زعرور ~~: # أنا لا أريد عمل صفقة تجارية، أريد مصاغا لابنتي. # نايف ~~: # قلت لك: إن وجيه يشتري المصاغ مرة ثانية. # مدام زعرور ~~: # لو فرضنا اشترينا المصاغ مرة ثانية، فماذا نفعل بالصفقة التجارية؟ # نايف ~~: # الصفقة التجارية معناها أنك تشترين المصاغ من جديد، وتربحين ستة آلاف ليرا، ~~فيبقى المصاغ معك. # مدام زعرور ~~: # إذا كان هذا صحيحا، فأعطني ستة آلاف ليرا، وأبق المصاغ معي، وخذ أنت الصفقة ~~التجارية، نحن لم ندخل المدارس ولم نهاجر، ولكن يجب أن تفهم أنني لست بامرأة ~~جاهلة. # نايف ~~: # يا سنيورة، صدقت أنك لا تفهمين بالتجارة، أعرض عليك ربح ستة آلاف ليرا ~~فترفضين، بخاطرك ~~(يدير ظهره لينصرف) ~~. # مدام زعرور ~~: # على مهلك، أين الفلوس؟ # نايف ~~(يفتح الحقيبة) ~~: # هنا، ~~(يأخذ دفتر التشكات ويريها ~~إياه) ~~. # مدام زعرور ~~: # أنا لا أرى الفلوس. # نايف ~~: # هذا دفتر التشكات، ms34 أعطيك تشاك بخمسة عشر ألف ليرا فيدفعه لك البنك. # مدام زعرور ~~: # وإذا لم يدفع البنك؟ # نايف ~~: # البنك مجبور أن يدفع. # مدام زعرور ~~: # لماذا؟ # نايف ~~: # لأن فلوسي عنده. # مدام زعرور ~~: # ولماذا تسلم فلوسك للبنك؟ # نايف ~~: # كل الناس يضعون فلوسهم في البنك، حضرتك يا سنيورة أين تضعين فلوسك؟ # مدام زعرور ~~: # إذا كان معي فلوس قليلة أضعها في جزداني ، إذا كان معي فلوس كثيرة أضعها في ~~كلساتي، أما إذا كان معي فلوس كثيرة كثيرة، آ، لن أخبرك أين أضعها ... خلاصة ~~الحديث، ادفع لي عملة، فأعطيك المصاغ. # نايف ~~: # طيب سأدفع لك عملة، كنت مهيئا هذا المبلغ لآخذه معي للجبل لشراء كرم زيتون ~~(يأخذ كدسات فلوس من الحقيبة) # تفضلي، ~~إنما ما دمت تصرين على استلام نقد فإني أصر على أن تعطيني خصم عشرة ~~بالمائة. # مدام زعرور ~~: # إذا أعطيتك خصم عشرة بالمائة، يا دلي، شو بيبقالي؟ # نايف ~~: # يبقى لك 13500 ليرا، مبلغ كبير. # مدام زعرور ~~: # صار معي وجع رأس من هذه الصفقة التجارية، الآن أفهم لماذا بعض الأحيان التاجر ~~ينتحر. # نايف ~~(يعطيها الفلوس ويأخذ المجوهرات) ~~: # بخاطرك يا سنيورة، سأزور الأستاذ وجيه بعد رجوعي من الجبل ~~(على الباب) # الله يعوض عليك ~~(ينصرف) ~~. # مدام زعرور ~~: # الله يبارك لك، ~~(تخبئ قليلا من الفلوس في جزدانها ~~وشيئا في كلساتها، ثم تبدأ بحل حزامها إذ ترجع أم ظريف) ~~. # أم ظريف ~~: # القهوة ابتدأت بالغليان، ما هذا؟ ما تفعلين؟ # مدام زعرور ~~: # هذه تجارة ... بعت المصاغ. # أم ظريف ~~: # يا ربي تنجينا! # مدام زعرور ~~: # علتك يا أم ظريف أنك لا تفهمين لا بالمجوهرات، ولا الغراميات، ولا ~~التجارات. ~~(فيما هي تفك تنورتها، يباغتها اللحام، فتصرخ وترجع باقي الفلوس ~~إلى جزدانها.) # اللحام ~~: # أين حبيب القلب وجيه؟ هذه هدية له. # أم ظريف ~~: # من أنت؟ # اللحام ~~: # أنا اللحام توفيق، أنسيتني؟ # أم ظريف ~~: # أين شواربك؟ # اللحام ~~: # راحت مع ذنوبي، يا أم ظريف، صرت أمرد، رجعت إلى الصبا، طلعت الدرج بقفزتين، ~~(يقوم بألعاب بهلوانية) # آه ما أجمل ~~الشباب! # مدام زعرور ~~: # كيف رجعت إلى الصبا؟ # اللحام ~~: # شربت دواء كريها. # أم ظريف ~~: # ذوقني ms35 إياه، ولو كان أكره من زيت الخروع. # مدام زعرور ~~: # أعطني منه قنينة، أعطني خمس عشرة قنينة، أدفع لك ثمن القنينة ألف ليرا، ~~وأعطيك عشرة بالمائة خصم وصفقة تجارية. # أم ظريف ~~: # هذا الدواء للرجال فقط؟ # اللحام ~~: # هذا الدواء هو للرجال وللنساء، ليس له ثمن ولا يوضع بقناني ~~(بلهجة خطابية) # اغسلوا أرواحكم ترجعوا إلى ~~الصبا. # أم ظريف ~~(بدأت تفك أعالي أزرار فسطانها) ~~: # أنا أريد أن أغسل روحي وأرجع إلى الصبا. # اللحام ~~: # تريدين أن ترجعي إلى الشباب؟ # أم ظريف ~~: # بالطبع. # اللحام ~~: # هل لك على أحد دين؟ # أم ظريف ~~: # إجار خمسة عشر شهرا على وجيه. # اللحام ~~(يوقفها وقفة عسكرية عتليتية) ~~: # افعلي كما أفعل، ورددي الكلام من بعدي: الله يسامحك بالحساب، واحد اثنين ~~ثلاثة ... ~~(تردد هذه التمارين بضع مرات، فتبدأ في ضعف ثم تشتد عضلاتها ~~شيئا فشيئا، وتقوى لهجتها، وفي آخر الأمر ترقص في غنج ودلال وترتمي على المقعد ~~مغنية «الهوى والشباب».) # مدام زعرور ~~: # الآن دوري ~~(تقف وقفة عسكرية) # أعطني ~~تمرينا. # اللحام ~~: # هل لك دين على أحد؟ # مدام زعرور ~~: # لا. # اللحام ~~: # هل عملت عملا قبيحا؟ # مدام زعرور ~~: # ن ... ع ... م. # اللحام ~~: # قولي ما هو. # مدام زعرور ~~: # أمام الناس؟ لا أبوح بشيء أمام الناس. # اللحام ~~: # إذن فابقي عجوزا كل حياتك، عجوزا شمطاء. # أم ظريف ~~: # صارحي الناس بما اقترفت يا مدام زعرور! أخبريهم عن آثامك، ولو أنها أفظع ~~الجرائم. آه ما أجمل الصبا! إني أشعر بسحر الفتوة ودبيب الغرام. ~~(تغني يا حبيبي أكلما ضمنا للهوى مكان.) # مدام زعرور ~~: # لقد بعت مصاغ ابنتي. # اللحام ~~: # واحد ... اثنين ... ثلاثة ... أربعة. # ألغي ... البيعة ... ردي ... المصاغ. ~~(يعيدانها بضع مرات.) # اللحام ~~: # والآن كيف تشعرين؟ # مدام زعرور ~~: # أشعر كأنني عصفور في جنائن بعلبك، ولكني بدون جناحين. # اللحام ~~: # هل اقترفت جريمة ثانية؟ # مدام زعرور ~~: # لا ... # اللحام ~~: # هل أنت متعصبة لعقيدة هوجاء؟ # مدام زعرور ~~: # لا ... أنا لست متعصبة، ولكني لن أزوج ابنتي بدون مصاغ. # اللحام ~~: # آ ... فهمنا، ~~(يوقفها وقفة جمناستيكية مرة ثانية) # واحد ... اثنين ... ثلاثة ... أربعة. # تزوج ... بنتي ... بدون ... مصاغ. ~~(يعيدانها بضع مرات وفي كل مرة ms36 تقوى لهجتها، وتتصلب عضلاتها ثم ~~ترقص في غنج حتى ترتمي قرب أم ظريف.) # أم ظريف ~~: # ما أجمل الصبا! # مدام زعرور ~~: # ما أجمل الشباب! # أم ظريف ~~: # أنا أحلم ب ... # مدام زعرور ~~: # وأنا أحلم بنفس الموضوع. ~~(تدخل عايدة حاملة بضع علب كبيرة.) # عايدة ~~: # ماما ... ماما ... # مدام زعرور ~~: # عايدة، حبيبتي! أمك صارت أصغر منك! # أم ظريف ~~: # وأنا صرت أصغر من أمك! # عايدة ~~: # ما هذا الكلام؟ ماذا جرى؟ أين وجيه؟ # مدام زعرور ~~: # وجيه خرج يؤلف جيش الثورة! # عايدة ~~: # يا ربي، أنا مجنونة، أم هم مجانين؟! ~~(مدام زعرور تختطف جزدان ابنتها فتفتحه وتتسابق هي وأم ظريف، ~~الواحدة تبودر وجهها، والثانية تحمر شفتيها، ثم تتخاطفان المرآة إلخ ... عايدة تفتح ~~إحدى العلب وترى أمها بعض فساطين وبرانيط.) # عايدة ~~: # ماما، انظري ما أجمل هذا الفسطان! والبرنيطة ... ~~(أم ظريف ومدام زعرور تتخاطفان الفساطين والبرانيط وتهرعان ~~نحو الباب الخلفي.) # أم ظريف ~~(على الباب) ~~: # من بعدك، أنا أحترم العمر. # مدام زعرور ~~: # من بعدك، أنا أحترم العمر، ~~(الثلاث ~~ينصرفن) ~~. ~~(يدخل من الباب الأيسر العواد لاهثا.) # العواد ~~: # أين الأستاذ وجيه؟ # اللحام ~~: # لا أدري، أنا في انتظاره، ماذا تريد منه؟ إذا كان لك عليه دين ... # العواد ~~: # ليس لي عليه دين، ولكني أريد أن أراه، الدنيا تغيرت يا أخ، الدنيا انقلبت ~~رأسا على عقب. # اللحام ~~: # يا أخ، أنت غلطان! الدنيا انقلبت عقبا على رأس ... # العواد ~~: # يا أخي، أشفق علي، ولا تهزأ بي، اتفقت على إحياء ليلة غناء وطرب مع جمعية ~~«السلام والتفاهم» حينما سمعوا نشيدي رفضوه، يريدون شيئا عصريا، أفهمت؟ لا ~~يعجبهم «يا ليل والنهود واللمى واللعاب»، ضاعت المروءة والشرف، خلص، انتهى ~~الأمر، خربت بلادنا، أين الأستاذ وجيه؟ سأشتري نشيده بأي سعر كان، ~~(يدخل الشيخ نسيب مع ابنة أميركية لابسة قميصا للسباحة ~~مختزلا) ~~. # الشيخ نسيب ~~(صارت لهجته متأمركة) ~~: # أين مستر وجيه؟ # اللحام ~~: # كلنا في انتظاره، ماذا تريد منه؟ # الشيخ نسيب ~~: # أريد أن أعطيه ~~(يسحب ورقة من جيبه) # استعفائي من وظيفة الجمرك وأشكره على نصيحته. # اللحام ~~: # أي نصيحة؟ # الشيخ نسيب ~~: # تبعت نصيحته، والآن ظفرت بهذه الخطيبة ms37 الأميركية، مس جونسون. # اللحام ~~: # وكيف كان ذلك؟ # الشيخ نسيب ~~: # رحت إلى الهوتال، قرعت باب غرفتها، أطلت مس جونسون. قلت لها: أنا أحبك # I love you ~~. # أجابتني أنا أحبك # I love you ~~، ~~بعد نصف ساعة نتزوج. # اللحام ~~: # ولماذا تريد أن تستعفي من الجمرك؟ # الشيخ نسيب ~~: # بلادنا لا تحتاج إلى موظفي حكومة، بلادنا تحتاج إلى عمران، ما هي أهم حاجات ~~العمران اليوم؟ البناء، إلى ماذا نحتاج في البناء؟ إلى مسامير، أبوها صاحب معمل ~~مسامير. # اللحام ~~: # هل هي وحدها في الهوتال، أم معها رفيقة؟ # الشيخ نسيب ~~: # معها رفيقة أبوها صاحب 200 ألف رأس بقر. # اللحام ~~(يسن سكينه ويهرع نحو الباب) ~~: # ما اسم الهوتال؟ # الشيخ نسيب ~~: ~~«زهرة بيروت»، ~~(اللحام ينصرف ثم ~~يرجع) ~~. # اللحام ~~: # على فوقه، رفيقتها لابسة قميص سباحة؟ # الشيخ نسيب ~~: # لا، لابسة بنطلون. # اللحام ~~: # بنطلون؟ ~~(يرتمي على المقعد ويمسح عرقه ويرجع سكينه ~~إلى قرابه.) # اللحام ~~: # خطر على بالي خاطر. # الشيخ نسيب ~~: # وهو؟ # اللحام ~~: # كل زبائني لا يشترون إلا لحم غنم. ~~(يدخل الأستاذ الكعب ومعه ابنة أميركية لابسة بنطلون.) ~~(الفتاتان الأميركيتان تتعانقان، فرحتين، هلو لزي، هلو نانسي # Hellow Lizzy. Hellow Nancy # ثم ~~تخطف الواحدة طربوش خطيبها وتلبسه وتغنيان راقصتين: # I am marrying ~~an Arab ~~.) ~~(العواد يرافقهما باللحن من نصفه إلى آخره، كذلك اللحام ~~والباقون يرقصون.) # الأستاذ ~~: # قصدت إلى الفندق وقرعت باب الخدر، فبرزت علي هذه الغادة الصنطفوشة البرهموسة ~~المزبطرة ~~(يعانقها) # يا عذر بوجتي الصنطفوشة ~~... ~~(يعانقها ثانية) # ويا صنطفوشتي العذر بوجه # I love you ~~. # نانسي ~~(بعربية رطنة) ~~: # يا بهجة إلايد ~~(العيد) ~~. # الأستاذ ~~: # وإني قفلت إلى هذا المكان أستعيد مخطوطتي، عجبا! كانت هنا، لعل السيدة ~~خبأتها ~~(تظهر أم ظريف في فسطان قصير، عاري الصدر، ~~وبرنيطة وحذاء عالي الكعب، وجزدان يد) # سيدتي أين العجوز الحيزبون، ~~التي أم ظريف يدعون؟ # أم ظريف ~~: # عجوز حيزبون آ؟ أنا أم ظريف وأنت العجوز الحيزبون. # الأستاذ ~~: # أريد مخطوطتي. # أم ظريف ~~: # يجوز أن تقول مخطوطة، إنما الأصح أن تقول أخطوطة، ها ها ها. # الأستاذ ~~: # وأين هي الأخطوطة؟ # أم ظريف ~~: # حيدج وجيدح ~~(مشيرة إلى ms38 الداخل) # صاروا كلهم ~~رمادا تحت غلاية القهوة. # الأستاذ ~~: # وامصيبتاه! وارباه! واأخطوطتاه! واخريدتاه! ~~(نانسي ~~تهرع إليه مؤاسية فتضع رأسه على كتفها فينشد مغازلا) # واعذربوجتاه! ~~(يدخل حيمور ممزق الثياب، بحذاء واحد، منبوش الشعر، والدم يسيل ~~من أنفه.) # حيمور ~~: # أين السنيورة؟ # اللحام ~~: # السنيورة في صيدا! هذه مدينة البقلاوة! # حيمور ~~: # السنيورة - المرأة التي باعتني هذه الصيغة - هذه الجواهر الكاذبة! # اللحام ~~: # وكيف تعرف أن الصيغة كاذبة؟ # حيمور ~~: # عرضتها في سوق الصياغ، نادوا على البوليس، صار لي 32 سنة أبيع الناس صيغة ~~كاذبة ، وفي آخر العمر امرأة ضحكت علي وباعتني صيغة كاذبة، أنا نايف حيمور، ~~أمير الصاغة في غرانيلا. # اللحام ~~: # غرانيلا! هذه بيروت يا حيمور! # أم ظريف ~~(تقترب منه مهددة) ~~: # أنت الغشاش الذي يخدع النساء الأرامل ... هاه؟! ألا تستحي أن تحرم فتاة من ~~صيغتها في يوم عرسها، يا خداع يا حرامي! # نايف حيمور ~~: # دفعت ألوف الليرات ثمن صيغة كاذبة، والآن تتهمينني بأني خداع وحرامي! بعد ~~أن أخذتم فلوسي، فلوسي، فلوسي، فلوسي. # أم ظريف ~~: # فلوس، فلوس، فلوس، الدنيا عندكم فلوس ... أنت لن تستعيد شبابك، فهمت؟ فلوسك ~~ترجع لك وأرجع لنا الصيغة، مدام زعرور، رجع حيمور. ~~(تظهر مدام زعرور وقد استعادت شبابها ولبست ثياب فتاة عصرية ~~متأنقة.) # مدام زعرور ~~: # يا منافق! # حيمور ~~: # يا منافقة! # مدام زعرور ~~: # يا نصاب! # حيمور ~~: # يا نصابة! # مدام زعرور ~~: # ألا تستحي أن تخدع امرأة أرملة ~~(تأخذ بنزع الفلوس ~~من جزدانها وكلساتها ومحفظتها ووسطها وترميها بوجهه، حزمة حزمة، وشتيمة ~~شتيمة) ~~. # مدام زعرور ~~: # يا خداع! # حيمور ~~: # يا خداعة! # مدام زعرور ~~: # يا كذاب! # حيمور ~~: # يا كذابة! # مدام زعرور ~~: # يا بومة، يا غراب، يا أزعر، أموال الدنيا لا تشتري جواهر ابنتي! # حيمور ~~(يرجع لها المصاغ) ~~: # جواهر الدنيا تقبر عيونك، أنا راجع لغرانيلا. # مدام زعرور ~~: # ارجع لجهنم! ~~(يسمع صوت رجة من ناحية النافذة، يدخل وجيه فيتحول المسرح إلى ~~غوغاء صاخبة ويفهم من الصياح: «فبركة مسامير ... هذا المنافق ... واخرديتاه ... غرانيلا ... ~~النشيد النشيد ... اللحم ... الصبايا ...) # وجيه ~~(مشدوها) ~~: # اخرسوا كلكم! أم ظريف! أين أم ظريف؟ أنا تارك هذه الغرفة في أول يوم ms39 من أول ~~شهر من السنة القادمة، ~~(أم ظريف تدخل من الباب ~~الخلفي، كذلك تظهر عايدة) ~~. # عايدة ~~: # حبيبي وجيه، نتزوج بعد هذا الظهر، أمي سمحت لنا بدون مصاغ. # اللحام ~~: # ألم تعرفني؟! أنا توفيق اللحام، عملت بنصيحتك، أعطيت اللحمة الطيبة لصبية ~~حلوة، والعظمة لشمطاء بشعة، انظر إلي! أنا شاب! ~~(يعمل بعض حركات جيمناستيكية.) # الشيخ نسيب ~~: # هذه عريضة الاستعفاء من الوظيفة الجمركية. ~~(أم ظريف تأتي بفنجان قهوة هائل الكبر وتقدمه إلى وجيه.) # الأستاذ ~~: # حذار من نهلة من هذه القهوة! إنها لقهوة مسمومة! في هذه الطاسة دم امرئ ~~القيس! لقد طبخت هذه القهوة بنار نبوغي! واأخطوطتاه! نانسي تؤاسيه فتضع رأسه ~~على كتفها ويتابع: # I love you ~~. # مدام زعرور ~~(تأخذ الجواهر فترمي بها الأرض وتدوسها) ~~: # كل جواهر الأرض لا تساوي حفنة رمل ... انظر ~~(تلتقط ~~بعض الجواهر) # كيف صارت قدمي تسحق الألماس! # وجيه ~~: # من أنت؟ # مدام زعرور ~~: # خالتك هدى ~~(ترقص) # تزوج بنتي بدون ~~مصاغ. # أم ظريف ~~(راقصة) ~~: # الله يسامحك بالإجار، الله يسامحك بالإجار، ابق في هذه الغرفة بدون ~~دفع! # وجيه ~~: # من أنت؟ # أم ظريف ~~: # أنا أم ظريف. ~~(يتقدم وجيه إلى حافة المسرح الأمامية مشدوها، مذعورا يخاطب ~~نفسه!) # وجيه ~~: # وجيه ... وجيه ... ولا ... وجيه ... بدون فلوس فهمنا! بدون وظيفة فهمنا ... بدون ~~عقل؟! # وجيه ... وجيه ... وجيه ...! ~~(يدخل الصحافي غاضبا من الباب الأيسر ويصيح ...) # الصحافي ~~: # وجيه! # وجيه ~~(مذعورا) ~~: # وجيه! # الصحافي ~~: # هذه المرة تخنتها، جورنالي أبيض، وموعد الطبع بعد ربع ساعة، خربت بيتي، ما هي ~~العجائب الغرائب التي وعدت بها؟ # العواد ~~: # يا أستاذ وجيه، أنا مستعجل، ~~(يأخذ محفظته) # هذه مائة ليرا، اعمل معروف، أعطني النشيد ~~(حينما تلتف أصابع وجيه على الفلوس يخطفها الصحافي) ~~. # الصحافي ~~: # هذه لي، خربت بيتي. هذه تعويض عن العجائب والغرائب ...! أين التليفون؟ ~~(بعد التفتيش على التليفون يلتقطه عن الأرض، ويجرب أن ~~يستعمله فيجده ميتا) ~~، تليفونك ميت يا وجيه ~~(وجيه، مذعورا، يركض ويربط الشريط بالحائط) # من قطع التليفون؟ # أم ظريف ~~: # أنا قطعته، ما بيحكي إلا فرنساوي! # وجيه ~~(يهجم ليستعمل التليفون فيرده الصحافي) ~~: # قطعت التليفون اتركني أتلفن، يا ربي، البوليس، ms40 البوليس، سأمسي أضحوكة ~~بيروت. # الصحافي ~~: # لن أسمح لك بالتليفون، جورنالي، جورنالي، ~~(الصحافي ~~يطلب نمرة) # هلو ... ما عندك أخبار ...؟ الجورنال أبيض، هاه! ~~(خلال ذلك يتطلع بوجيه متوعدا) # اسمع، في الصفحة ~~الأولى، انقل عن ابن خلدون ... في الصفحة الثانية انقل عن ابن بطوطة ... في الصفحة ~~الثالثة عن ابن خلكان ... أعرف أننا نقلنا عنهم، انقل عنهم من جديد، الصفحة ~~الرابعة، أين أبو العلاء المعري؟ أبو العلاء المعري مات أعزب؟ وابنه علاء؟ ~~يا عيب ... # الأستاذ ~~: # هذا جناه أبي علي # وما جنيت على أحد # الصحافي ~~(متطلعا بوجيه) ~~: # هذا جناه ... # وجيه ~~: # اسمع! أرجع لي المائة ليرا! أنا وعدتك بأخبار وعندي أخبار. # الصحافي ~~: # مثلا؟ # وجيه ~~: # سقطت الوزارة. # الصحافي ~~: # سقطت الوزارة، حلوا المجلس، كلما أفلست من الأخبار تأتيني بهذه الكذبة، ~~هذه المرة أريد حقائق، عجائب غرائب. # وجيه ~~(يشرب فنجان القهوة دفعة واحدة، وينير وجهه كمن استفاق من ~~حلم) ~~: # اسمع هل تعتقد أني كذاب؟ # الصحافي ~~: # نعم. # وجيه ~~: # وعدتك بعجائب، هذه هي الأولى: لحام يستعيد شبابه! هذا توفيق اللحام ... ~~أتذكره؟ # الصحافي ~~: # أنت توفيق اللحام؟ # اللحام ~~(يلعب ألعابا جيمناستيكية) ~~: # أنا توفيق اللحام. # الصحافي ~~(على التليفون) ~~: # اقتل ابن خلكان، وابن بطوطة، وابن خلدون، اقتل جميع بني آدم، اطبع الجورنال ~~إكسترا ملحق، ظهور عجائب في بيروت، العجيبة الأولى: لحام يستعيد شبابه. ~~(إلى وجيه) # العجيبة الثانية؟ # وجيه ~~: # امرأتان تستعيدان الصبا. # الصحافي ~~(على التليفون) ~~: # امرأتان تستعيدان ... لا، اقتل المرأتين، اقتل جميع النساء ~~(لوجيه) # رجعت تكذب علي؟! هذه ليست عجيبة. المرأة ~~دائما تستعيد صباها! # وجيه ~~(يتقدم منه الشيخ نسيب ويعطيه عريضة الاستعفاء) ~~: # العجيبة الثانية: شاب يرفض وظيفة حكومية. # الصحافي ~~(على التليفون) ~~: # العجيبة الثانية: شاب يرفض وظيفة حكومية! # وجيه ~~: # العجيبة الثالثة: مالك يسامح مستأجرا بالإجار. ~~(أم ظريف ترقص باختصار.) # الصحافي ~~(على التليفون) ~~: # العجيبة الثالثة: ملاك يسامح مستأجرا بالإجار. # وجيه ~~: # هذه القهوة طبخت بنار مخطوطة أدبية، العجيبة الرابعة: مؤلف أدبي له ~~نفع. # الصحافي ~~(على التليفون) ~~: # العجيبة الرابعة: مؤلف أدبي نفع البشرية. # وجيه ~~(مشيرا إلى مدام زعرور) ~~: # العجيبة الخامسة: أم تزوج ابنتها بدون مصاغ. # الصحافي ~~(على التليفون) ~~: # العجيبة الخامسة: ms41 أم تزوج ابنتها بدون مصاغ. ~~(مدام زعرور ترجع إلى دوس المصاغ.) # وجيه ~~: # العجيبة السادسة: ظهر في لبنان رجل يلبس اسمه عاريا عن أي لقب، ~~(يغمز نايف حيمور) ~~. # نايف حيمور ~~: # نعم، اسمي نايف حيمور، لا بيك ولا دكتور. # الصحافي ~~(على التليفون) ~~: # العجيبة السادسة: ظهر في لبنان رجل يلبس اسمه رجل يلبس اسمه عاريا عن أي ~~لقب. # الصحافي ~~(لوجيه) ~~: # انتهت العجائب؟ # وجيه ~~: # انتهت. اليوم العجائب، وغدا الغرائب. # الصحافي ~~(على التليفون) ~~: # اطبع هذه الأخبار بأكبر حروف، وأصدر إكسترا، ملحق، ~~(يقفل التليفون) ~~. # الصحافي ~~(لوجيه ) ~~: # وجيه، أنت نابغة! لو قصدت لحملت الجبال على كتفيك. # وجيه ~~: # لو قدرت أن أحمل كيس طحين كنت صرت عتال. # الصحافي ~~: # هذه العجائب ... كم ثمنها؟ # وجيه ~~: # ست عجائب، احسب ثمن العجيبة 25 ليرا، يكون المجموع 150 ليرا. ~~(الصحافي يفتح محفظته ويبدأ بعد فلوسه، وكأنما رشق بحجر ~~فينتفض.) # الصحافي ~~: # كم عجيبة قلت؟ # وجيه ~~: # ست عجائب. # الصحافي ~~(يركض إلى التليفون) ~~: # يا ويلي! يا خرابي! ~~(بعد أن يطلب نمرة) # اقتل العجائب، انشر ابن بطوطة ... وابن خلكان، يا ربي! خرب بيتي. # وجيه ~~: # لماذا؟ # الصحافي ~~: # اسمع، من يريد ست عجائب، عجائب الدنيا سبع، أيام الأسبوع سبعة، المعلقات سبع، ~~من يقرأ جورنالي، إذا نشرت ست عجائب؟ # وجيه ~~: # قلت لك: إن المرأتين ... # الصحافي ~~: # اتركني من النساء. امرأة تستعيد صباها، هذا خبر عادي يا مجنون! # وجيه ~~(بعد تفكير) ~~: # احسب رفض الوظيفة عجيبتين، أولا: لأنها وظيفة حكومية، وثانيا: لأنها وظيفة ~~جمركية. # الصحافي ~~: # لا. لا ... شخص واحد، عجيبة واحدة. ~~(يسمع صياحا وضجة، ويدخل عدد من البوليس قابضين على بائع ~~كعك، اثنان يضربانه، وآخران يحملان الطبق والكعك، ضوضاء.) # ضابط البوليس ~~: # أين القتيل؟ # وجيه ~~: # أي قتيل؟ # ضابط البوليس ~~: # تلفن أمين النابلسي أن في هذه الغرفة قتيلا فجئنا، وقد عثرنا على هذا ~~الشخص خارج البناية في حالة مريبة، والآن اعترف أنه القاتل، أين؟ أين القتيل؟ ~~(يقبض على عنق القاتل ويهزه) # أنت ~~القاتل؟ # بياع الكعك ~~: # أنا القاتل! # ضابط البوليس ~~: # أتعترف! # بياع الكعك ~~: # أعترف. # وجيه ~~(للصحافي) ~~: # هذه هي العجيبة السابعة: البوليس يقبض على القاتل والقتيل فار ms42 من وجه ~~العدالة! # الصحافي ~~(يركض إلى التليفون) ~~: # اقتل ابن بطوطة ... اقتل ابن خلكان ... اقتل علاء ابن أبي العلاء المعري ... اقتل ~~كل عائلة المعري، انشر العجائب السبع ... العجيبة السابعة: البوليس يقبض على ~~القاتل، والقتيل لا يزال فارا من وجه العدالة، طيب سأخفض صوتي ~~(يستمر بالكلام، بحيث لا تسمعه النظارة) ~~. # العواد ~~: # يا أستاذ وجيه ... صار لي ساعة أنتظر. ~~(وجيه يفتش على النشيد ويعطيه للعواد.) # اللحام ~~(لأم ظريف) ~~: # أم ظريف! أنت أرملة وأنا أرمل، أنت شابة وأنا شاب، هل تريدين أن تكوني ملكة ~~دكاني، وذابحة أغنامي، ومنظفة مصارين ذبائحي؟ # أم ظريف ~~: # بشرط أن أستلم المبيع والميزان. # اللحام ~~: # استلمي كل شيء. ~~(يشتبكان ذراعا بذراع.) # مدام زعرور ~~(لحيمور بلهجة مغازلة) ~~: # يا منافق! # حيمور ~~(بميعان) ~~: # يا منافقة! # مدام زعرور ~~: # راجع إلى غرانيلا؟ # حيمور ~~: # آ ... # مدام زعرور ~~: # وحدك؟ # حيمور ~~: # كيف أكون وحدي وأنت معي! ~~(يشتبكان) # كروس الخواتم كم خاتم؟ # مدام زعرور ~~: # الكروس 12 دزينة، والدزينة 12 خاتما، فالكروس 144 خاتما. # حيمور ~~: # الله الله، ما أذكاك! كيف تعلمت كل هذه العلوم؟ # مدام زعرور ~~: # ابن أختي درس في الجامعة الأميركية. # حيمور ~~: # يا جواهري! # مدام زعرور ~~: # يا مصاغي! ~~(يتقدم اللحام ويفتح الصرة التي أهداها لوجيه فإذا هي لحم مقطع ~~مفروم.) # وجيه ~~(لعايدة) ~~: # أتحبين اللحم المشوي؟ # عايدة ~~: # دخان ناره كحل لعيني. ~~(العواد يدق، والكل يغنون «عاش تعسا».) ~~(وجيه وعايدة يشكان اللحم بالأشياش، الشيخ نسيب والأستاذ ~~يغازلان كل خطيبته، حيمور ومدام زعرور كذلك، أم ظريف واللحام في مواقف غرامية. ~~الصحافي على التليفون هائجا يصدر أوامر بصوت غير مسموع، رجال البوليس يجمعون الكعك ~~المبعثر على الأرض، ويعيدونه إلى الطبق، بعضهم يأكل بعضه، وفي هدأة بين ~~الإنشاد.) # بائع الكعك ~~: # العدل أساس الملك، كعك سخن! ~~(الستار) # | إلى المخرج # هل تذكر عداءنا في «نخب العدو»؟ لئن كنت مثلي حقودا، فليهنأك هذا الظفر، أما تراني ~~الآن بين قدميك؟ # لقد أخبرتك في «نخب العدو» أني أمقتك وأنك تمقتني، وأن رفقتنا في تلك السفرة المسرحية ~~شركة فرضها علينا الفن، وإني أصارحك الآن أن خيلائي كان سببها ثقتي أن «نخب ms43 العدو» ناجحة ~~أيا كان مخرجها، أما هذه المسرحية «حفنة ريح» فجناحها ذو لون آخر، هي طائرة صغيرة محكمة ~~البناء، كل قطعة منها جيدة العنصر رصعت حيث يجب أن ترصع، وهي ملأى بالوقود الجهنمي ~~يتفجر قوة، ففي استطاعتك أن تهبط بها إلى الهاوية أو تصعد بها إلى المريخ. # أفهمت لماذا أنا الآن بين قدميك؟ # أنت وأنا - المخرج والمؤلف - شريكان في كل جهد مسرحي، غير أن حصتك في هذه الرواية هي ~~الكبرى، حتى لأصبحت أنا كدمية مهملة. # والآن هلا سمحت لي أن أحدثك بكل خضوع عنها؟ # وجيه # كنت أتزود من الحياة العبر؛ لأؤلف منها مسرحية كبرى؛ إذ ومضت «حفنة ريح» وتراقص ~~أشخاصها أمام عيني، وتدافعت حوادثها قبالة بصيرتي، وراحت تلح علي أن أدونها قبل ~~المسرحية الكبرى، فلما حبكت تصميمها وجدتها كاملة الأوصاف إلا ... إلا أن «وجيه» بقي ~~على المسرح منذ أن ارتفع الستار إلى أن هبط، وغير خاف عليك أن النظارة تمل من ~~يحتكر المسرح، وأن الممثل يجهده مثل هذا الموقف المستمر، فرحت أتأمل، وما زلت ~~أحتال على «وجيه» وأفكر وأدرس وأشتغل، حتى تيسر لي تنحيته عن المسرح بحادثتين ~~معقولتين. # لقد أفنيت في هذا الجهد - تنحية وجيه عن المسرح - تسعة شهور، أتفهم الآن ما يبرر نزق ~~المسرحيين متى قرءوا نقدا يوحيه جهل الدرامة؟ وهل تدري لم ينقمون على المخرجين إن ~~تكاسل هؤلاء أو أعوزهم الفن؟ Peripety # هل تفهم معنى هذه اللفظة؟ لماذا احمر وجهك؟ أكثر الناس لا يعرفون معناها، كذلك لم ~~يكن من سلامة الذوق أن أسألك، ففي مقدور أي من الناس أن يفحم صديقه بأن يسأله معنى ~~لفظة ما، وإن أغلط أهل الأرض من يسألك: هل قرأت الكتاب الفلاني؟ موقنا كل اليقين أنك ~~لم تقرأه، لا تهرع إلى القاموس، فلئن وجدت هذه اللفظة هناك فهي تهجي بال # a # لا بال # e ~~. ~~والقاموس يربطها بأرسطاطاليس، وأنت وأنا وشمدص جهجاه لا يهمنا أمر أرسطاطاليس؛ لأنه ~~ميت، ونحن لا نهتم بغير الأحياء، إذن فلنشرح هذه اللفظة بلغة نفهمها، لغة اليوم. # لعل أفضل تعريب لها ms44 هي «التأرجح»، وربما سعتقنا # 1 ~~«الحربأة» نسبة إلى الحرباء لفظة أجمل لولا ما غلب على أذهان الناس من أن ~~المداجاة ملازمة للحرباء. # في تاريخنا المعاصر نجد مثلين رائعين يفسران هذه اللفظة، أتذكر في الحرب الكونية ~~الأخيرة، كيف كان رومل # Rommel # القائد الألماني في ~~شمالي أفريقيا يحشد جنوده في دائرة، فهو في استطاعته أن يهاجم أي ناحية، أو ينسحب إلى ~~أي جهة؟ ... هذا كان بعض أسباب تفوقه، إذ لم يفصح عن جهة مسيره بشكل ترتيب جيوشه، والمثل ~~الثاني: هل تابعت الأخبار الانتخابية في لبنان؟ هل لاحظت قائمة شمعون، جنبلاط قبيل ~~الانتخاب ؟ ستكون القائمة دستورية، لن تكون دستورية، ستحتضن الكتائب، لن تحتضن الكتائب، ~~سيكون فيها سليم الخوري، لن يكون فيها سليم الخوري، انشطر عنها إميل لحود، اشترك فيها ~~إميل لحود، الحيرة والتأرجح والتردد واحتمال وقوع أي شيء، ضع كل هذا في قنينة ~~وخضها تفز بكوكتيل اسمه Peripety ~~. # ما لك وسعت أحداقك واصفر وجهك؟ إن ما لمح في فكرك صحيح، الأدب العربي خلو من ~~التأرجح؛ إذ إن البدوي بطبيعة بيئته - كان ولا يزال - واضح المرمى، فهو يقصد بئرا ~~يرتوي منها، أو عدوا يقاتله، أو مرعى يشبع منه مواشيه، فليس التردد والدوران والتأرجح ~~مما ينسجم وطبيعة البادية، رومل كان يخاف الهجوم من الجو والبحر، «الشمال» والشرق، ~~والجنوب، ثم جاءه الأميركان من الغرب، أما أخونا البدوي فهدفه وعدوه وحبيبه وطلله، ~~كلهم في نقاط معينة. # وفقدان التأرجح ليس هو في الأدب العربي فقط، بل هو ملحوظ كذلك في التفكير العربي، صاح ~~بي صديق أميركي بعد جدال ساعة في قضية فلسطين: «عجبا لعقولكم أيها العرب، ألا تبصرون ~~من الألوان إلا الأسود والأبيض؟ أليس عندكم فجر رمادي اللون يذوب فيه الليل ~~والنهار؟» # بلى، لقد ثاب إليك وعيك، فذكرت أن التأرجح على أروعه هو في سورة يوسف من القرآن ~~الكريم، وهو كذلك هنالك مقتضب في بعض نوادر العرب، أما فيما عدا ذلك، فدلني عليه في ~~العربية! # وما نحن في بحث اجتماعي لنتبسط في هذا الموضوع، بل يكفي أن نذكر ms45 أن وضوح المرمى، ~~ومعرفة الدرب إليه، ليسا من العناصر الدراماتية. # كل ما أريد أن أزعم - يا حضرة المخرج - أن بين يديك في «حفنة ريح» التأرجح في أكمل ~~أشكاله، من اللحظة التي يرتفع بها الستار، إلى «كعك سخن»، ولم يقتصر التأرجح على الكلام ~~الملفوظ، بل إنك لتراه صامتا في المشاهد الصامتة حين يفحص «حيمور» الجواهر عليه أن ~~يتأرجح بالنظارة، فيوهمها أنه اكتشف حلاه، ثم يتردد، ثم يعجب بالحلي، ويظهر جهله ~~لمصدرها، ثم ينفعل ... ثم ... كل هذا بتغيير سحنة أو قلب شفة، أو ... ما أنا بمخرج هذه ~~الرواية لأعرف كيف يكون الإبداع في تمثيلها، كذلك بين «نو سنيور» و«سي سنيور» دنيا ~~للتأرجح فسيحة. # تقي الدين الصلح والكعب بن الحميد الطهنشاوي # الأستاذ الكعب ليس هو بالشخصية الجديدة، لقد خلقته منذ 23 سنة لتقي الدين الصلح الذي ~~أوحاه في رواية سخيفة ألفتها اسمها «قضي الأمر»، لقد نجت تلك المسرحية من عار الخيبة ~~بسبب تمثيل تقي الدين الصلح، كاد الضحك والتصفيق يهدمان حيطان القاعة كلما ظهر الأستاذ، ~~لئن اجتمعت بتقي الدين الصلح فليشرح لك دور «الكعب»، ولقد أبحت لنفسي أن أسرق من إنتاج ~~صباي عبارة يجوز أن يقال: «فلقتني» إنما الأصح أن يقال: «فججتني»، هذه العبارة رعد لها ~~التصفيق منذ 23 سنة، وأعتقد أنه سيرعد، وإن لم تصح هذه النبوءة فما الذنب ذنبي ولا ذنب ~~تقي الدين الصلح ولا ذنب شمدص جهجاه! # رأسي أعريه # إني أرفع برنيطتي بيميني، وأضعها إلى قلبي، وأنحني إلى الأرض، برغم ضخامة وسطي أمام ~~الفتيات اللواتي مثلن أدوار النساء في «نخب العدو» وإني مسر إليك أنني توقعت هذا ~~الأمر لسبب بسيط هو أنني بنيت الأدوار النسائية بحيث لا تأنف امرأة شريفة أن تمثل ~~أحدها، لا قبلات، ولا عناق، ولا اشتباك أكف، وقد كنت أسائل نفسي، وأنا أؤلف «نخب ~~العدو»: هل أرضى أن تمثل هذا الدور زوجتي أو ابنتي؟ وكنت أسمع الجواب: «نعم»! فلا عجب ~~أن مثلت أدوار تلك الرواية فتيات هن من «بنات العائلات»، ترى أهذه هي المرة ~~الوحيدة التي ظهرت ms46 بها الفتاة العربية والفتى العربي على المسرح في مسرحية؟ أنت تعلم ~~أنني أعني من الفتيات ابنة العائلة، لا تلك التي أمها عزباء وأبوها مجهول محل الإقامة، ~~وأني ولوع بلفظة «وحيد»، حتى لقد أوصيت أن ينقش على قبري «هذا ضريح الرجل الوحيد الذي ~~أعجب بسعيد تقي الدين.» # استشهدت بما سبق؛ لأثبت لك أنني رجل عملي يواجه الحقائق، حينما كنت أكارا كانت ~~دابتي في معظم الأحيان محملة سائرة في الطريق لا مربوطة إلى معلف، وهذه الرواية «حفنة ~~ريح» لم أكتبها لتحفظ في متحف بل لتمثل، وستمثل بنجاح على الرغم من أنك مخرجها؛ ~~بسبب أني تفرست فيها بوقائع الحياة، فنحن ليس عندنا من المسرح حتى ولا أخشابه، وأنت ~~ترى في «حفنة ريح» أنها ذات مشهد واحد من السهل إعداده، فلا رياش ثمين، ولا مناظر غير ~~عادية، ولا تغيير مشاهد تتطلب السرعة والاستعانة بالآلات الميكانيكية أو الأنوار ~~الكهربائية الملونة، أو تزييف الضوء وتغييره بين سطوع وسواد وما بينهما من ألف ~~لون. # كذلك أعرف أن منظماتنا غير محترفة؛ لذلك جاءت «حفنة ريح» قصيرة تفسح المجال لرئيس ~~جمعية «الفلاح والكفاح» أن يرش على النظارة شيئا من اللعاب خلال ممتع الخطاب، أو ~~لقائمقام القضاء أن يظهر افتتانه بأعضاء الجمعية النبهاء الذين يمثلون الرواية، أو ~~لفرقة التلامذة أن يغنوا (نظم الأستاذ محروس بك النابه) نشيد الجمعية: # كلنا نبغي الفلاح # في مساء أو صباح # ولكن أذكر أن كل هذه الحوادث الجسام تجري قبل الرواية لا بعدها، وأن كل ما يسبق ~~الرواية يجب ألا يستغرق أكثر من 29 دقيقة، تسعا وعشرين دقيقة، لا ثلاثين، ~~أفهمت؟ # حين مثلوا روايتي «لولا المحامي» في بغداد للمرة الأولى، نهض شاعر لم يظهر اسمه على ~~البرنامج ليلقي بضعة أبيات، فلما فتح فمه وقع ميتا بطعنة خنجر، ولم تهتد الحكومة حتى ~~اليوم إلى معرفة القاتل، أريد أن أعترف لك بأنني أنا الذي قتلته، إن لي شبحا يرافق ~~رواياتي في ليالي التمثيل، وهو يطعن بخنجر مميت كل من يخالف وصاياي. # أغلاط طفيفة # أحذرك من اقترافها؛ مثل أن ms47 يجلس أحد الممثلين بين الجمهور بعد أن ينتهي من تمثيل ~~دوره على المسرح، هذه عادة سمجة تقتل الرواية، في تلك الليلة أنت جاد في أن تظهر على ~~المسرح قطعة من الحياة تحاول أن تجعلها حقيقة واقعة، فيأتي أحد ممثليك، فريد أسعد ~~معزور، وبعد أن ينتهي من إبداعه يرجع إلى القاعة، فيجلس بين أفراد عائلته، وهم عادة في ~~المقاعد الأمامية، لئن فعل ذلك فاقبض على رقبته وارم به خارجا، وبعد أن تدغدغ ~~مشفريه بلطمة ساحقة بلغه سلامي، وقل له: رويدا حتى ترجع إلى بيتك فستعانقك الماما ~~فرحة بنجاحك، وستخف إليك في صباح الغد ابنة الجيران بعبارات التهنئة والمديح، أما ~~الآن فابتعد عن الجمهور؛ إذ إننا لا نريد أن نقتل «حفنة ريح». ~~«ترابة إفرنجية»، «سمنت»، «شمنتو» # ليس في الأدب العربي كتاب يفوق «الحواشة السخفولية» قيمة، إذا وقعت بين يديك نسخة ~~منها، فأنت ترى في باب المسرحيات أن الممثل يتمتع بجميع الحقوق التي ينعم بها الشاعر؛ ~~مثل تسكين أواخر حروف الكلمات، وصرف ما لا ينصرف، فلتكن لهجة ممثليك ونطقهم الكلمات ~~أقرب ما يكونان إلى اللهجة العادية في المحادثات، لاحظ قولي «اللهجة العادية» لا ~~«اللهجة العامية»، ولئن اقتتل الفن وعلم النحو، النحو والصرف، فلا تنس أن هذه التي ~~في يمينك هي راية الفن، واذكر أنني أول من اقترح إقامة تمثال للأستاذ إسعاف النشاشيبي، ~~وكنت البادئ بافتتاح الاكتتاب؛ إذ تبرعت بدينار مزيف! ... ولكن لكل موقف رجل، وأنت إذن ~~تكشف أمام جمهور ناحية من نواحي الحياة، تريد أن تحدثهم بكلمات يفهمونها، وإلا كان ~~الأمر حماما بدون مياه؛ إذن فلك أنت أن تستعيض عن «سمنت» ب «شمنتو» أو «ترابة ~~إفرنجية» أي منها أكثر شيوعا وأقرب إلى قلوب الجمهور، وهذا ما ينطبق على «ياخور» أو ~~«إسطبل»، لا تقتل النكتة أو الرواية؛ رغبة بإرضاء الأستاذ إسعاف، الحكومة اللبنانية ~~أرضته، منحته وساما، سأخترع يوما من الأيام شيئا هو عكس الوسام. # خذ عبارة «لو كان دماغك ترابة إفرنجية، لكان رأسك أكبر من معامل شكا» هذه العبارة ~~تكون ناجحة في بيروت، أما ms48 في بغداد مثلا، فإنهم لا يعرفون معامل «شكا»، وإني أفوضك بأن ~~تستبدلها بما يفهمه الجمهور العراقي، في بغداد التمر كثير، فيها بالطبع تاجر كبير له ~~عنابر هائلة، لنفرض أن اسمه «جاد الله»، إذن فالعبارة تصبح «لو كان دماغك تمرة، لكان ~~رأسك أكبر من عنابر جاد الله» هكذا يفهمها الجمهور البغدادي. # أنت مخرج ولك أن تخلق وتتفنن، من يمنع أم ظريف من حك مؤخرتها كلما أرادت التفكير أو ~~عرتها حيرة؟ من قال لك: إني أغضب عليك إن وضعت تحت سرير وجيه آلة عتلتة # 2 # يخرجها ليتروض بها ويهتم برفع أثقالها؛ إذ يرجعها بحركة مضحكة سريعة ولا ~~يتروض. # اليمين واليسار # متى وقعت عيناك على هاتين اللفظتين في هذه الرواية، فهما تعنيان يمين النظارة ~~ويسارها، و«خلف»: معناها ذلك الجزء من المسرح الأبعد عن الجمهور، و«أمام»: معناها ما ~~قرب من المسرح إلى الجمهور. # على الباب # الانصراف من المشهد هو موقف مسرحي رائع، وأنت - لا ريب - تلاحظ أن كلا من أشخاص ~~هذه الرواية يفوه بكلام فخم أو مضحك حينما ينصرف، فلا تدعن ممثليك يتركون المسرح ~~جارين أرجلهم، بل لتكن وقفة كل واحد منهم «على الباب» وقفة مسرحية، فيطلق العبارة ~~الأخيرة قبل انصرافه بحماس وحياة، هذه الوقفات «على الباب» هي من عناصر قوة «حفنة ريح»، ~~وهي يجب أن تستثير تصفيق الامتحان، على أن جماهيرنا تجهل أنه من «اللياقة» أن يصفقوا ~~للممثل حين ينصرف، وبعضهم لا يدري إن كان أدب الفن يسمح بالتصفيق عند الانصراف، فعليك ~~أن تثقف الجماهير بأن تزرع بين النظارة من يبدأ بالتصفيق عند مشاهد «على الباب»، واترك ~~للجمهور أمر إظهار الاستحسان ضئيلا كان أم هائلا. # السطر # هذا تعبير أميركي، يقولون: فلان له «سطر»، ويعنون بذلك أن له طريقة في الكلام، أو ~~عبارة يرددها، في «حفنة ريح» ترى «السطر» على لسان العواد: «صار لي نصف ساعة أنتظر.» ~~فليرددها، واعتبر في غرابة عقلية الجماهير التي يضحكها أمر بسيط هو ترداد عبارة ~~مشهدا بعد مشهد، وليس لي أن أشير عليك بأن تقوي هذا «السطر» بأن تحمل ms49 الممثل ساعة ~~يظهرها حين ينطق بسطره، وأحيانا يظهر الساعة من غير أن ينطق بالسطر. # من مبررات الإعدام # حدثتك عن شبح يحمل خنجرا يطعن به من خالف وصاياي، ولقد فاتني أن أحدثك أنه كذلك ~~يحمل رشاشا يصب رصاصه على كل مخرج يعطى لشخص واحد أكثر من دور واحد في أي رواية، ~~فحذار حذار. # إفرنجيتان # في هذه الرواية فتاتان أميركيتان لا تنطقان إلا ببضعة ألفاظ، واحدة تلبس قميص سباحة، ~~والثانية تلبس البنطلون، لن يصعب عليك أن تقنع فتاة بلبس البنطلون، ولئن خانتك ذرابة ~~اللسان عن الإقناع، فأت بفتاة إفرنجية تلبس قميص السباحة، غير أنه ما زال همنا - أنت ~~وأنا وشمدص جهجاه - أن نخرج بالفتاة العربية من خدرها، فاقبل بفتاة تلبس الفسطان ~~العادي، وضع على لسان الأستاذ عبارة «إن حلة الانغماس بالبحر التي يسمونها قميص ~~السباحة لمقدر وجودها تحت الفسطان.» # والآن - وقد سمعت أوامري - انهض من بين قدمي، فإني أريد أن أعانقك؛ فنحن بدأنا الحديث ~~وأنا على قدميك، وأنهيناه وأنت بين قدمي، ثم ختمناه بعناق، أفهمت الآن معنى «التأرجح» ~~أو«الحربأة» أي ال Peripety ~~؟ # 27 أكتوبر سنة 1947، مانيلا، الجمهورية الفلبينية ms50