######OpenITI# #META# URI: 1379SacidTaqiDin.MawjatNar.Hindawi48595813 #META# Tags: literature #META# ID: 48595813 #META# Title: موجة نار: مجموعة قصص #META# AuthorID: 35727531 #META# Author: سعيد تقي الدين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # موجة نار‏ # آلام الذكرى‏ # لعنة كتاب‏ # الدواة‏ # الخطاب المبتور‏ # البرهان القاطع‏ # قهوة سوراط‏ # موجة نار‏ # آلام الذكرى‏ # لعنة كتاب‏ # الدواة‏ # الخطاب المبتور‏ # البرهان القاطع‏ # قهوة سوراط‏ # | موجة نار # | موجة نار # | مجموعة قصص # تأليف # سعيد تقي الدين # | موجة نار # حينما شدت «نوتيلوس» الغواصة الأميركية حبالها إلى مرفأ «مانيلا»، كنت أول من ~~قفز منها إلى الشاطئ. # ولم يكن حافزي جوعي إلى النساء، أو شوقي إلى أكل الخضار والفواكه، ولا حدا بي إلى الإسراع ~~تلك الأحلام التي تراود البحار في أسفاره من قناني وسكي، ويابسة صلبة تحت قدميه، وقامة ~~مياسة بين ذراعيه، بل إن عواطفي كانت متوترة تواقة إلى لقاء جميل السغبيني. # فجميل هذا هو مواطن لي، سكن «مانيلا»، ويعرف كل شيء عن لبنان حيث شببت، حتى ليسرد من أمور ~~بلدتي «بعلبك» أكثر مما أعرف، فهو يذكر شوارعها، وراس عينها، وقلعتها، وساستها وبساتينها، ~~وخيولها، ويعرف كذلك «أبو علي» ملحم قاسم، وأولاد دندش، وقائمقام بعلبك صلاح ~~اللبابيدي. # وكان سبيل تعرفي إلى المواطن جميل السغبيني، النجمة السينمائية «غريتاغربو»؛ إذ ظهرت ~~على الشاشة البيضاء ذات مساء، فأفلتت من شفتي لفظة إعجاب عربية، فلم أشعر إلا ويدان قويتان ~~تهزان كتفي، وفتى يصيح من المقعد الخلفي في دار تلك السينما: «ابن عرب؟» أجبت: «... ~~وبعلبكي!» # ومنذ تلك الليلة نشأت بيني وبين جميل مودة أنمتها الأيام، وشدت قلبي إلى قلبه حبال ~~أمتن من حبال غواصتنا «نوتيلوس»، فكنت كلما رجعنا من سفرة تمارين حربية، أو من زيارة إلى ~~مرفأ مجاور، هرعت إلى جميل وفي يدي هدية له أو لزوجته وطفلته؛ تلك الصغيرة التي كانت ~~تدعوني «عمو». وكانت زوجته تغتفر لجميل تأخره عن الرجعة إلى البيت في المساء، ما دام ~~«أسطول بعلبك» في الميناء. # ولعل ما جذبني إلى جميل السغبيني تنوع شخصيته؛ فما أعاد علي سرد قصة، ولا ردد ~~نكتة. وقد أترك «مانيلا» وجميل مستخدم في مصرف، فأرجع إليها وهو مدير شركة أوتوموبيلات، ~~ولعله بين الوظيفتين كان قد غامر بصفقة بورصة، وفتح ثم أقفل معمل بوظة. وكان يعجبني منه ~~ثقته بنفسه إلى ms01 درجة عجيبة؛ فهو يروي لك كيف سيبني الخزانات لنهري دجلة والفرات، وينشئ ~~معامل الفخار والقرميد والخزف في شرقي الأردن، ويجعل من إحدى قرى «عكار» مزرعة عصرية مثالا ~~أعلى للزراعة العلمية، ويؤسس المدارس العربية في «جاوى». وحين ينتهي من خطابه يسألني اقتراض ~~خمسة دولارات. # وإن مثل هذا السلوك، من غير جميل، يوحي الهزء. ولكن الأثر الذي يتركه في النفس حديث ~~جميل أن هذا الفتى سائر إلى مبتغى سيدركه ولا ريب، وأن هذه الحاجة الوقتية، وتنوع ~~أعماله، هما محطتان لا بد من الوقوف بهما في الطريق إلى النجاح. # هكذا كانت «مانيلا» قاعدة «نوتيلوس» البحرية، تعبئ منها زيوتها ومؤنها وذخائرها، وكان ~~جميل السغبيني قاعدتي الروحية أستمد منه الوحي والقوة والإيمان، وأدخر من ظرفه ~~ونكاته وحكاياته ما يؤنس نفسي في أسفاري الموحشة. # لذلك كان قلقي عليه شديدا، حينما احتل اليابانيون مانيلا، وحينما دمرت تلك المدينة ~~أساطيلنا الهوائية ومدافعنا البرية. وكنت كلما قرأت أنباء القتل والدمار التي نزلت ~~بمانيلا، أسائل نفسي خائفا: ترى ما حل بجميل وعائلته؟ وفي صيف 1943م، أغرقنا باخرة ~~يابانية شمالي الفيلبين، وأسرنا منها ثلاثة فيلبينيين من موظفي الحكومة، أخبرني أحدهم ~~أنه يعرف جميلا، وأن جميلا في سجن ياباني كثر من يدخله، وندر من يخرج منه. # وها أنا ذا في خريف 1945م وقد استعادت قواتنا الأميركية «الفيلبين»، منذ شهور أجول ~~«مانيلا» أسأل عن جميل، فلا ألقى من يعرفه، وأقصد إلى البيت الذي كان يسكنه، فلا أجد هناك ~~إلا السور وقد اسود من دخان الحرائق، فسألت نفسي هلعا: ترى أين كان جميل وعائلته، ~~إذ استحال منزله إلى دخان ورماد؟ واقتربت إلى رتاج البوابة ... لا، ليس في الأمر من شك؛ ~~فالنمرة التي اختبأت تحت حجاب من دخان - وغبار وأقذار - هي هي نمرة 722. # ولقد أتعبني التجوال وأغم قلبي ألم الخيبة، فجررت قدمين ثقيلتين، ودخلت إلى أقرب ~~خمارة، وطلبت مشروبا، فجاءوني بزجاجة سكبت منها كأسا لها طعم دم الأبالسة، ولون ~~الزنا، ورائحة الانتخابات النيابية في لبنان ... ورحت أفكر في جميل، وأتذكر. بلى ~~تذكرت ليلة اشتد المرض ms02 على زوجته ، وكان بها شغوفا، وكنت إلى جانبه في المستشفى؛ إذ خرج ~~الأطباء الثلاثة من غرفتها فتقدم منه عريفهم، وهز رأسه معزيا قائلا: «إن الزوجة ستموت ~~بعد ساعات.» وتذكرت كيف انتفض جميل وصاح: «إن علمكم كاذب. إن زوجتي ستشفى، فلو أنها ~~في طريقها إلى الموت، لكان ارتعب قلبي، وقلبي ساكن غير خائف.» وذكرت كيف سلمت ~~الزوجة، بسبب أن قلب جميل لم يرتعب. قلت لنفسي: «وأنا كذلك شغوف بجميل وقلبي غير مروع، ~~ترى هل تفوز الصوفية مرة ثانية؟» # وضربت بقبضتي على الطاولة صائحا: «إن جميلا حي.» وكأنما أجفل من صيحتي رجل كان ~~واقفا حذاء الباب، يقلب صفحات دفتر التليفون، فوقع الدفتر من يده، وانحنى يلتقطه، ~~فومضت إذ ذاك في ذاكرتي عبارة سمعتها من جميل: «إن أعسر الأمور على الإنسان أن يراها، هي ~~الأمور الواضحة.» بلى، إن من الأمور الواضحة التي لم أرها، أن أفتش على اسم جميل في دفتر ~~التليفون. فوثبت إلى الرجل الذي أجفلته صيحتي، واختطفت الدفتر منه، ورحت أقلب صفحاته: ~~سين ... سين ... سابنكا ... سادولي ... سغبيني، جميل نمرة 502، بناية دافيس؛ فأقفلت الدفتر ~~وأرجعته للرجل الذي كان يقلبه، منحنيا أمامه معتذرا، ورجعت إلى طاولتي راقصا على اللحن ~~السماوي الذي تصدح به تلك الموسيقى العلوية، وأفرغت بين شفتي الرحيق الكوثري الذي ملأ ~~كأسي، ونقدت عشرة دولارات إلى الحورية الفتانة التي كانت تجالسني، كذلك قبلتها في ~~شفتيها وعنقها، ووضعت تحت إبطي تلك الصرة من سواكير، وصابون، وشفرات حلاقة، التي أتيت بها ~~هدية لجميل، وأحسست أن بين ساقي ألفا من الخيول البعلبكية أهمزها لترمح بي إلى بناية ~~دافيس. # ووقف بنا المصعد الكهربائي في الطابق الخامس، فانطلقت منه، فإذا الطابق كله مكتب واحد ~~انتشرت فيه عشرات الطاولات، جلس خلفها رجال وفتيان وفتيات في كل الأعمار والألوان. وفيما ~~أنا أدير عيني، أفتش عن جميل فلا أراه، اقتربت مني إحدى كاتبات المحل، وسألتني ~~مغازلة: «هل لك من أمر؟» قلت: «إني أفتش عن جميل سغبيني، أخبرت أنه يشتغل هنا.» قالت ~~مداعبة: «إنه لا يشتغل هنا، ولكنه صاحب المحل، ms03 أعط اسمك هناك إلى سكرتيرته، وهي تسهل لك ~~سبيل مقابلته.» ودارت تسير إلى طاولتها، فلم ألاحظ أنها فتانة في إقبالها وإدبارها، بل سرت ~~إلى حيث السكرتيرة التي سألتني عن حاجتي في مقابلة «الرئيس». قلت: «أبغي أن أقدم تقريرا عن ~~أسطول بعلبك.» # وانفتح الباب وبان جميل. # وجمدت مكاني واقفا تهتز الكلمات على شفتي ولا تنطلق، ويغشى الضباب عيني ولا تندى ~~دموعا، بل رحت أتطلع إليه وأضحك. أما هو فبقي كذلك في كرسيه مبهوتا، لم ينهض ولم ~~يقبلني، ولم يهز يدي، بل مكث ينظر إلي باسما، إلى أن نطق أخيرا؛ فقال: «إن كنت ~~بحار بعلبك، لا طيفه، فارم بنفسك على ذلك الكرسي.» # فقعدت، وطفقنا نتحدث. بلى، لقد عانى أهوال السجن والتعذيب، والجوع، والخوف، وخرج من جهنم ~~حكم اليابانيين نحيلا فقيرا. أخبار الوطن؟ كثيرة! القلعة لم تبرح بعلبك، و«رأس العين» لا ~~تزال مياهها تجري. # وسألني بدوره أخباري، فقلت: إنها مختصرة؛ سماء، وماء، وبضعة بوابير يابانية ومدرعتان. ~~فضحك وسرد لي أخبار غمار غواصتنا؛ إذ إنه كان قرأ الكتاب الذي ألفه قبطان الغواصة ~~«نوتيلوس»، وعنوانه «سوريفاو» إلى مياه ظنناها أمينة، ففوجئنا بعشرات من قطع الأسطول ~~الياباني، فغطسنا إلى قعر البحر، ولبثنا هناك ثماني ساعات، واليابانيون يرموننا بالقنابل من ~~طياراتهم ومن بواخرهم المقاتلة. # وهدأ فوران نفسي، بعد انقضاء الوهلة الأولى، وانكشف الضباب عن عيني، فأخذت أنظر إلى جميل ~~من جديد، فلم أجده الفتى الذي عهدت؛ فقد ضخم وجهه وترهل، وعرض جبينه في صلعة، ولقد ~~اغتفرت له أنه لم ينهض للقائي ولم يمد يده لمصافحتي، ولكنني لم أغتفر له ذلك الطنين ~~الخفي في صوته الذي يقصيني عنه. كان فيما مضى في صوته نبرة ثورة، وحدة إيمان استحالت ~~الآن إلى هدوء مائع ساخر، وكنت قبل اليوم تشعر إذ تحادثه أنك في حضرة مقاتل يجاهد في تحقيق ~~أمر نبيل، وها هو يصدر الأوامر ويقضي الحاجات، كأنه عامل في مصنع ينزع المسمار من هنا ليضعه ~~هنا، يفعل هذا في حذق ودقة، ولكن بغير حماس. وكنت من قبل أرى حول رأسه ms04 هالة ، كأنما هو ~~قديس أو ولي، فإذا بتلك الهالة أمست ضبابا من كآبة؛ إذ تسرق إلى صوته حزن عميق، ورنة ~~يأس لم أفقه معناها. # وصمت وصمت. # ورحت ألاعب الصرة التي أردتها هدية له، وأضحك من نفسي إذ إن محادثتنا قاطعها ظهور بعض ~~مستخدمي المكتب، واحدا إثر واحد، ولم يسعني الآن أن أفهم من شظايا كلماتهم أنهم يمارسون ~~التجارة بأرقام ضخمة: «أرسل ستين ألف دولار إلى نيويورك ... اطلب عشرة صناديق ذهب من المكسيك ~~... ادفع حوالة ال 68 ألف دولار ... ثمانية آلاف صندق سواكير ... أربعة آلاف صندوق صابون ... لا ~~نقبل طلبية بأقل من خمسة آلاف دولار ... مليون شفرة ...» # وحالا ذكرت أن قنينة الوسكي التي دفعت ثمنها لم أشربها كلها، وأن في شفتي تلك الفتاة ~~شهوة مسكرة. وكنت حينما جلست قبالة جميل، أجد مقعدي ناعما كأنه مليء بأشعار فوزي المعلوف؛ ~~فشعرت بعد أن تطلعت إلى جميل ثانية، أن الكرسي صار وخازا كأن حشوه خطابات المطران مبارك ~~... فتهيأت للنهوض والانصراف، ولكن عيني إذ ذاك التقتا بعيني جميل. # سبحان الله! اليد تصافح العدو مخادعة، واللسان ينطق بالكذب، والشفتان تنفرجان عن ابتسامة ~~ختل. أما روح الإنسان الصادقة، فقد صبها الله في العينين فلا تكذبان. وقد التقت روحانا ~~خلال عينينا، فاغتصب جميل ضحكة، وقال: «إن في نفسك معركة يا بحار، وكدت أن تنهزم منها.» ~~ودخل إذ ذاك أحد مستخدمي المحل فأمره جميل بأن يقفل الباب وينصرف، وألا يسمح لأحد أن ~~يدخل علينا، ثم تابع جميل حديثه: «تريد أن تسألني سؤالا ولا تجسر. وجدتني ممسوخا. تريد أن ~~تعرف لماذا؟ إني مخبرك. لقد عرفت أسراري كلها في زمن فقري، فلم أخفيها عنك اليوم؟ ولكني ~~أقول لك: إنه ليس في وسعك إسعافي! إن بي مرضا لا يشفى. أنت تذكر آلامي في أيام القلة. لقد ~~رويت لك أي مهانة ملكت نفسي يوم ذهبت وزوجتي إلى كلية الراهبات لنسجل اسم ابنتنا في ذلك ~~المعهد، وكيف أعرضت عنا الراهبات، ورفضن قبول ابنتي لولا توسل زوجتي. وما كان ذنبنا إلا ~~أن حقارة أثوابنا أعلنت ms05 قلة دراهمنا . تذكر كيف كنت، حين انصرفنا بعد ظهر يوم ماطر، أقبع ~~في مدخل البناية منتظرا انقطاع المطر، وكيف كان يمر أمامي الأوتوموبيل خلف الأوتوموبيل، ~~ترش علي الوحول، وتحمل الكثيرين من أجلاف الناس. أنت تذكر حين جاءت الجوقة الأميركية ~~ولم نقدر أن نشهد أيا من رواياتها؛ إذ كان ثمن التذكرة خمسة دولارات. تذكر أني كنت أقترض ~~منك الدولار والاثنين والخمسة. أنت تذكر مرارتي وثورتي وآلامي. هذا ليس عليك بجديد. # وجاءت الحرب فطوحت بنا الفاقة، وكاد سجن اليابانيين يطحن روحي وجسمي. إلى أن حررتنا ~~جيوش الأميركان. # وكنت آمل أن تمطر الدنيا دولارات، ولكني لم أحلم بمثل هذا الطوفان. لقد كانت لي علاقات ~~وثيقة ببعض فبارك أميركا - كما تعرف - وكان اسمي في «السوق» محترما، والبلاد خالية من ~~البضائع. اجمع هذا إلى ذاك واضربه بشيء من الحظ، تفهم كيف أسبح الآن هذا الأوقيانوس من ~~الأموال. # وحين هبط علي الغنى لم أصبح مقترا، بل إني ابتنيت شبه قصر في ضاحية المدينة، فرشته ~~بأفخم الرياش. وصارت ابنتي تذهب إلى كلية الراهبات - تلك التي أرادت رفضها بسبب فقرنا - ~~بأكبر سيارة في المدينة. # ولكن شيئا من عناصر نفسي خشن وتصلب وآلم. # فحين مرضت زوجتي قبل الحرب كنت أسهر الليل أحدثها وأواسيها، وإذ تغفو أكب على قراءة ~~كتاب، وربما ألفت قصة أو قطعة من رواية. أما بعد الغنى، فإني أكتري لها ممرضتين؛ ~~واحدة لليل، وأخرى للنهار، ثم أنام ملء عيني. كنت في زمن الفقر، إذ يقبل العيد، آتي ~~بدمية رخيصة الثمن وأعطيها لابنتي وألاعبها وأضاحكها. أما اليوم، فأوصي من نيويورك على ~~أثمن الدمى، ولكني لا أضاحك ابنتي ولا ألاعبها. في زمن العدم، كنت أدخل وعائلتي إلى دار ~~السينما، فنضحك أو نبكي مهما كانت الصورة سخيفة. أما منذ حين، فقد أقاموا حفلة خيرية ~~وعرضوا فيها صورة «سلم إلى السماء» وباعوني ثلاث تذاكر، الواحدة بخمسين دولارا، فبقيت ~~زهاء ساعتين أتطلع إلى الشاشة البيضاء، فلا أرى إلا الشاك الذي أمضيته لهم: 150 دولارا، ~~150 دولارا، 150 دولارا. أتذكر يا بحار يوم ms06 جاءتني من لبنان علبة الزيتون ، وجئت أنت ~~ونسيب ويوسف وسليم وداود معي إلى البيت، وفي طريقنا اشترينا بستين سنتيما خبزا و40 ~~سنتيما خيارا، وأكلنا وأكلنا وأكلنا، وضحكنا وضحكنا وضحكنا ... أما اليوم فإن وجوه المدينة ~~يأتون إلى العشاء في بيتي، ولا نتبادل إلا المداجاة، وإني أعد عليهم حبوب العنب إذ ~~يأكلون؛ كيلو العنب ثمنه ثلاثة دولارات يا بحار ... # وذات يوم جاءني بريد بيروت، فإذا فيه رسالة من رفيق الصبا، وعشير الدراسة، كنت أدعوه ~~«المكاري»؛ إذ إن معظم رجال ضيعته أكارون، وكان يدعوني «المعاز»؛ لكثرة رعاة الماعز في ~~ضيعتي. كانت رسالة المكاري إلي كلها عواطف، وقد أرفقها بنسخة من مجلة يصدرها؛ فذاب قلبي ~~حنوا وتذكارا، وقطعت له حوالة ب 100 دولار اشتراكا بمجلته المتواضعة. وحين رجع الأجير ~~من البنك بالحوالة، تصفحت المجلة فوجدت أن اشتراكها عشرة دولارات. لماذا أرسل له مائة؟ من ~~وهبني خلال أيامي كلها تسعين دولارا، حتى أرمي بهذه التسعين؟ فأرجعت الأجير إلى البنك، ~~واستبدل الحوالة بثانية قيمتها عشرة دولارات. # وبعد ظهر ذلك اليوم انصرفنا، وكان المطر شديدا؛ فركبت أوتوموبيلي الفخم، أمر بالناس ~~تقي رءوسها من الأمطار بالجرائد، كما كنت أفعل في أيام الحاجة. أما أنا فكان كل تفكيري أن ~~هذا الوحل الذي يخوضه أوتوموبيلي سيضطرني إلى غسله وتشحيمه في اليوم الثاني؛ أربعة دولارات ~~... أربعة دولارات ... أربعة دولارات ... وأرى الناس في مداخل البنايات تنتظر انقطاع المطر، ~~فأذكر يوم كنت أقف بينهم موجعا، فأغسل روحي بصلاة خاشعة طالبة السعة، أو شتيمة ~~وأسبيروتية تعلن الفقر. أما الآن، أربعة دولارات ... أربعة دولارات ... # وبلغت البيت، وجلست إلى العشاء، واتفق أن زلت القدم بالخادمة؛ فوقعت وكسر الصحن الذي ~~كانت تحمله؛ فنظرت إلى القطع تنتشر على الأرض، وتألمت كأنها كسرات من أضلعي. # ثم آويت إلى مضجعي، وما إن غفوت حتى حلمت كأني أرى «المكاري» يأتيه موزع البريد في مكتبه ~~الحقير في بيروت فيدفع إليه برسالتي، فيأخذها «المكاري» فرحا ويفضها نشوان، ثم يرى ~~الحوالة بعشرة دولارات فيبهت وجهه، ويتطلع بي - كأننا ما برحنا غلامين في زمن الدراسة ms07 - ~~ويبتسم عاتبا: «لا تكفي يا معاز، لا تكفي يا معاز.» وعز النوم فأرقت الليل كله. وفي ~~مطلع الفجر هيأت قهوتي ولبست ثيابي، وفيما أنا أهم بالانصراف استفاقت زوجتي فسألتني: «شممت ~~رائحة القهوة في الليل، ما هي؟ قصة، رواية، أم مشروع تجاري؟» قلت: «إن أمامنا أفراحا ~~كثيرة، وأياما سعيدة، فحين أرجع هذا المساء سنعود فقراء.» فشع وجهها وتنهدت قائلة: «أممكن ~~هذا، أممكن؟» قلت: «سترين!» # ونزلت إلى المكتب أنتظر مجيء المستخدمين. وما إن ظهر أمين الصندوق حتى سألته: «هوسا، كم ~~رصيدنا في البنك؟» ففتح هوسا الدفتر وأجاب: «194312 دولارا و11 سنتيما.» قلت: «اعمل بها ~~تشاك بالمبلغ كله، وأرسله تبرعا للمعهد العربي الأميركي في نيويورك.» ~~- «تبرع؟» ~~- «تبرع!» # وفيما هو يحضر التشاك، شعرت بأن ما يضطرب في أحشائي قد استحال إلى موجة من نار، غمرتني ~~ثم تراجعت عني، ثم عادت إلي، فوقفت عليها، وراحت تندفع بي صعدا، صعدا، إلى مكان بعيد ~~بعيد لاح كأنه جنة ربيع دائم. وتطلعت إلى يميني فأبصرت ملايين - أقول ملايين - البشر ~~وقفت تصفق لي، عرفت بينها وجوها كثيرة، منها وجه المكاري وقد سمعته ينادي: «برافو يا ~~معاز! برافو يا معاز!» ورأيتك يا بحار تحت إبطك غواصتك «نوتيلوس» في حجم هذه الصرة التي هي ~~الآن بين يديك، تلوح لي بقبعتك هذه البيضاء. ونشقت الهواء شذيا كنسيم صيدا في إبان ~~ازدهار بساتين ليمونها، وسمعت الصنوج والطبول تقرعها قبائل البدو، وألوفا من المؤذنين ~~ينشدون «الله أكبر»، وعمالقة تقرع أجراس الكنائس. ورأيت أبي نهض من ضريحه وتلفلف بعباءته ~~الشتوية، وصاح بالناس: «هذا ابني! هذا ابني!» وكذلك انتفض عمي الشاعر من قبره، وكان يتكلم ~~العربية بلهجة مصرية، فتغنى: «دا كويس خالص! دا كويس خالص!» ولاح قصر تبينته، فإذا هو ~~قلعة بعلبك وقد غطت حيطانها الأزاهير الملونة من ورود وقرنفل وياسمين وزنابق، وقد وقف ~~في مدخلها على أعالي الدرج - تحت قوس النصر - رجل قصير، كبير الأنف، عبقري المظهر، تفرست ~~به، فإذا هو خليل مطران في كهولته ينشد قصيدة ترحيبية، وقد اصطف خلفه أبو علي ملحم قاسم ms08 ~~وأولاد دندش بأثوابهم العربية وأسلحتهم الألمانية يتوسطهم صلاح اللبابيدي ، تعلو رأسه برنيطة ~~عالية سوداء. وإذا بهوسا أمين الصندوق يوقظني من تلك الرؤيا ويدفع إلي التشاك لأمضيه ~~ويصيح: «سيدي! التشاك حاضر.» # ووقف جميل هائجا صائحا: «انظر. الآن تفهم لماذا لم أصافحك حين دخلت. جسها! ~~جسها!»» # فتطلعت إلى يده التي مدها نحو وجهي، فإذا أصابعها الخمسة قد تكورت، وجسستها فإذا هي صلبة ~~جافة عديمة الحياة، كقضبان حديد النافذة. وسرت بسلسلتي الفقرية رعشة أوجمتني. # أخيرا، سألت متلجلجا: «والطبيب ... ألم ...» # فضحك جميل ضحكة دامية وأجاب: «زرت كل أطباء المدينة ومشاهير الجيش والبحرية، وطرت إلى ~~أميركا، فتعهدني كبار الأخصائيين، وقد جربوا الكهرباء والتمسيد والمراهم والسوائل، ولم ~~أعف عن المشعوذين؛ فكتبوا لي الطلاسم، وألبسوني الحجاب، وتوسط لي عميلنا في نيويورك لدى ~~الحكومة الأميركية، فسهلوا لي الطيران إلى همبورغ؛ حيث كان بين الأسرى الألمانيين شيخ أطباء ~~الأعصاب «هر دكتر شمت»، وجيء بالدكتور الألماني في ثيابه المقلمة الزرقاء يحرسه جندي ~~أميركي. وقدمني الضابط إليه بقوله: إني السيد سغبيني، ومددت يدي نحوه فنظر إليها نظرة ~~سريعة، وضحك وتكلم هازئا: «هل خلق الله أناسا أشد بلها من الأميركان؟ من غير أن تخبرني ~~أن اسم هذا المخلوق سغبيني، أفهم أنه من صبيان موسوليني.» ثم تطلع بي من فوق قامته الجبارة، ~~وخاطبني كأني غلام دون العاشرة: «كانت المعركة حامية يا بني، وكانت المدافع تقصف كالرعد، ~~وكان بين يديك بارودة تلك التي حملك إياها الدوتشي، وقال لك: إنك صرت جنديا. ولكنك لم ~~تطلق البارودة يا بني!» وشد ذقني شأن من يدلل طفلا وقال: «يا حبيب أمك!» وتطلع إلى ~~الضابط: «قلت لكم أن لا تأتوني بمثل هؤلاء المرضى. نحن الألمان اخترعنا كل شيء، ولكننا لم ~~نخترع دواء يشفي من الجبن، لو كنا اخترعناه لاحتل حلفاؤنا قنال السويس، ونشروا بيارقهم على ~~ذروة «ألمبوس»، ولكنت أنت تلبس ردائي الأزرق المقلم، ولكانت تحيتك لي: «هيل هتلر!» ~~... # ورمقني الطبيب بنظرة ازدراء، لو أن النظرات تقتل لكانت طحنتني هباء، وأدار ظهره ~~وانصرف. ~~••• # وزفر جميل زفرة خلت أنه زفر معها ms09 روحه، وتابع: «إني تعيس يا بحار! أشعر أني ساكن - كما ~~ذكر قبطانكم في كتابه - في جوار الشيطان، في قعر بحر موحش بارد، ولكني في الغواصة وحيد، ~~ليس لي رفاق. إن نفسي جفت وتصلبت وانطوت على نفسها مثل هذه الأصابع الميتة!» # وحملق في الزجاج السميك الذي يغطي طاولته، وجحظت عيناه، فتبعته بنظري، فإذا هو محدق ~~بالتشاك الذي تمدد تحت الزجاج، ذلك التشاك الذي جبن جميل أن يوقعه. # | آلام الذكرى # لم يبق من ذلك الصرح إلا درجاته الرخامية السبع، أما القصر فقد أحرقته قنابل الطيارات، ~~وذرت رماده الرياح. # هناك وقفت وصديقي «مخيبر كيروز» الفتى البشراوي الصلب، ندير النظر فيما حولنا حيث ~~تبعثرت الذكريات. # في سفح تلك الهضبة، حفرنا بأيدينا النفق الذي كنا نهرع إليه كلما ظهرت الطائرات القاتلة. ~~انظر! فالفوهة لا تزال بادية. كم من يوم لبثنا ونساؤنا وأطفالنا قابعين في تلك الظلمة، ~~وشظايا القنابل تصفر من حوالينا، والرعب يرجف قلوبنا. كم ضرعنا إلى الله أن يبقي ولو ~~واحدا منا حيا، يخبرهم في لبنان كيف قضوا نحبهم، أولئك الذين لن يعودوا. لقد ملأنا ذلك ~~النفق صلوات، ونحيبا وشتائم، تلك هي الشجرة التي تفيأناها، كلما غابت الطائرات وانقطع ~~هديرها. ألا ترى الشجرة يابسة مقصوفة؟ أتذكر يوم هصرتها الشظية؟ إلى يميننا في الجهة ~~المقابلة، حطام مخفر اليابانيين حيث اعتقلنا متهمين بالجاسوسية للأميركان. من كان يحسب حين ~~وضع الجاويش السنكة في صدر مخيبر، وشد رفيقه بالمسدس على صدغي؛ أننا سنخرج من ذلك المخفر ~~سالمين؟ أدر عينك إلى القمة المحاذية، ألا ترى خراب الدير، حيث احتمينا أسبوعا؛ ظنا ~~بأن الطيارات لن تهتك حرمة المعبد؟ من ينسى تلك الظهيرة، إذ حومت الطيارات المزدوجة ~~الجسد، وانهالت على الدير بصوب من الرصاص، فقتلت الفتى الإسبنيولي في ساحة الدير؟ ... صدق ~~العرب! ليس أشجع من امرأة! كنا رجالا يربو على المائتين عددنا، فمن جسر على أن يخرج من ~~مخبئه في البناية الحجرية إلى الساحة، حيث صرع الفتى الإسبنيولي؟ من قفز إلى الخارج، إذ ~~كانت الطيارات تحوم وتصب الرصاص على الساحة إلا ms10 أم الفتى المقتول! ها هي راكعة إلى جانب ~~ولدها ، ناحبة جافة العينين. لقد جست نبضه وتحققت من موته. تطلع إليها وقد شخصت إلى ~~السماء وهزت قبضتها في وجه الطيار، ترى ما نطقت به تلك الثكلى في تلك الساعة؟ من سمع؟ من ~~يدري؟ من يأبه؟ # لبثنا في أسفل البناية، شجاعنا يهدئ روع النساء، وسائرنا في بله، أو هستيريا، أو ~~غارق في الصلاة ... # أجل طرفك في البناية التي تلاصق الدير ... بلى، تلك الدار المتهدمة، المشوهة السوداء، ألا ~~ترى أربع راهبات قتيلات في الممر؟ هنا رأس، وهناك رئتان ومصارين، وعين التصقت بحائط الغرفة ~~الخارجي، حيث خبأنا مئونتنا. كيف تراكضنا قافزين فوق جثث الراهبات نختطف أكياس مئونتنا ~~وحقائب ثيابنا. وعلام نبتعد بأنظارنا؟ هنا حيث تقف عتبة قصر «أركوس»، الكهل الإسبنيولي ~~المرح، كم أتينا إليه في العشيات، فما إن ندنو من بوابة الحديقة حتى يتراكض أولاده ~~الثلاثة، طفلته «كرمن» في السابعة من العمر، ترحب بنا ووراءها كلبها «برنس» يبصبص بذيله ~~وينبح متأهلا، وابناه التوأمان؛ «رمون» يصيح بالخادمة أن هيئي القهوة للمواطنين، و«هوان» ~~ينادي أباه أننا أتينا. ويوم عيد ميلاد «أركوس»، كم أفرغنا من زجاجة! وحلمنا بسعادة. كم ~~غنى لنا «أركوس» بصوته الفخم الهدار وزوجته ترافقه موقعة على البيانو: # أواه ما أبعدك يا أرض إسبانيا! # آه ما أقسى الغربة عن ربوعك! # إني لأعجب أن أبقى حيا، وأنا مغترب عنك # غير أن قلبي ومشاعري # لا تزال هناك # هناك حيث ولدت في أرض إسبانيا. # وليلة أقمنا جمعية «بوكر» صخابة، و«أركوس» في يده أربع «بنات»، وفي يدي أربعة «ملوك»، ~~وطفقنا نتزايد، فلما دفع بكل ما أمامه إلى الصحن، انتزع بنطلونه ووضعه على الطاولة، وحين ~~رأى الأربعة «الملوك» في يدي، دار بوجهه إلى الغابة خاطبا: «ألا اشهدي يا باسقات الأشجار، ~~ودوني يا طيورها، إن «أركوس» ما عرى جسده عن بنطلونه لو عرف أنه في حضرة ملوك ~~أربعة!» # ويوم انتثرنا وهجرنا البلدة إلى الأحراج، كيف جاء «أركوس» يودعنا باكيا، وكيف فر إلى ~~«مانيلا» واختبأ في أحد بيوتها، وكيف جاءه اليابانيون فأقفلوا ms11 الأبواب عليه وعلى عائلته ~~وكلبه، وكيف رشوا الزيت وأشعلوا النار، فلم يظهر بعدئذ في رماد تلك العائلة إلا سن «أركوس» ~~الذهبية. # وها أنا ومخيبر على الدرجات الرخامية السبع نتذكر! وأيام الجوع، حينما نغلي أوراق البطاطا ~~البرية، ونحسوها شورباء! وحين طاردنا ذلك الديك أربعة كيلومترات حتى ظفرنا به! وكيف عشنا ~~على الرز المسلوق طوال شهرين، لا قهوة، ولا سكر، ولا دخان، ولا شيء نأكله، إلا الخوف والجوع ~~والرز المسلوق وبعض الأعشاب؟! # ومخيبر كيروز، هذا الواقف إلى جانبي، من ينسى إقدامه إذ سمع صياح جارة له عجوز تستغيث من ~~منزل اشتعلت فيه النيران، كيف قحم السعير، واحتمل العجوز وقفز بها من النافذة، فلما هنئوه ~~على شجاعته، أجاب متواضعا: ظننتها صبية! # وقفت على تلك الدرجات أستعرض الماضي المروع، فلا أشعر بغصة، وأصغي إلى قلبي فلا أسمع ~~خفقانه، وألمس عيني فلا دموع. هل حجرت المآسي عواطفي، حتى لأقف على أطلال منزل الصديق ~~الحبيب الذي مات وعائلته حريقا فلا أتأثر؟ لقد مضى عام على تلك الفواجع، فمتى تمتصها ~~مشاعري وترسب في قلبي وتطفو على إحساسي؟ متى أحدث الناس بهذه الحكايات، إن لم أحدثهم بها ~~اليوم؟ ولئن لم تملك الأحزان نفسي، فلم لا يهزها زهو الظفر؟ فهؤلاء اليابانيون القتلة ~~الطغاة هم يعضون التراب، وها نحن ننعم بالحرية نفعل ما نشاء ونصيح بما نريد. ولقد أتخمنا ~~أكل الدجاج حتى إذا رأيت دجاجة هربت منها. وها هي سيارتي ذات الثمانية سلندرات تلمع على ~~جانب الطريق، مذيعة أن أيام فقري تولت؛ فما بالي لا يهزني الفرح؟ أحقا أن عذاب الأماني ~~تبقى عذابا حتى تتحقق فتفسد؟ هل انقلبت عاطفتي إلى جماد، فلا ذكرى الأوجاع تهزها، ولا ~~نشوة الفوز تسكرها؟ رب يسر لي دمعة أذرفها أو خفقة في قلبي، تثبت لي أني لا أزال ~~حيا! # ولقد تاهت بي التأملات؛ فغفلت أن مخيبر لا يزال هناك قريبا مني، فأيقظني صوته مخاطبا: ~~سعيد! ~~«نعم» أجبت. وتطلعت إليه فإذا هو غير الفتى الذي عرفته الدقائق التي خلت. # يمر على الإنسان في حياته لحظات يبدو ms12 فيها أكبر من الدنيا، هكذا ظهر في تلك اللمحة ~~مخيبر كيروز؛ فقد طغى على محياه نور سماوي، وتنهد فاشرأب صدره الفسيح، وتاهت ~~نظراته كأنه نبي يسمع وحيا. ~~- سعيد ... لو أن «أركوس» حي! # شكرا لك ربي! إن الكلمة الكبرى التي خرست عنها سينطق بها رفيقي. هذا مخيبر ابن «أرز ~~الرب»، ابن «بشراي»، مواطن جبران خليل جبران. هذا فتى الفطرة الذي لم تفسده الثقافة. إنه ~~ليفوه بكلمة أكبر من هذه الهضبة التي نحن عليها. # وومضت إذ ذاك في سريرتي فكرة تمر بخاطر كل من تطبع كلماته. سأظفر بعبارة أستحلها في ~~مقالة أو رواية. ~~«لو أن أركوس حي!» هذه شطرة شعر، بل مطلع أغنية. ففتحت عيني وأصغيت بأذني الاثنتين: ~~أجل يا مخيبر، «لو أن أركوس حي!» # فشع ذلك النور السماوي على وجهه من جديد، وسطعت عيناه وقال: لو أن أركوس حي، لكنا ~~ركبنا الليلة طاولة بوكر! # | لعنة كتاب # قعدت إلى كأس الوسكي أتجرعها كريهة، كأني أبلع كذبة صهيونية. # وقد كنت يقظا متوتر الانتباه، كمن هو في بحران رؤيا، تزخر في عروقه قهوة عدنية، وتعمم ~~رأسه ثلوج من قمة «جبل الشيخ» في أصقع ليالي زمهريره. # ففي تلك الحالة جلست، أسمع التاريخ وأراه - التاريخ - حيا، صخابا، فتاكا، مضحكا، ~~مريعا، متهتكا، خليعا، كما لم تعلمني إياه الكتب وأساتذة الجامعات، وكما لم يصوره ~~خيالي. # فهذه الحانة حيث الوسكي رديء، والخادمات بغيات، والزبائن غوغاء، من بحارة وجنود، هي في ~~أطراف شمالي مدينة «مانيلا». وفيما نحن نحتسي الوسكي، والبغايا يقتعدن أحضان الزبائن، وآلات ~~الموسيقى تزفر، وتلهث، وتطبل؛ كانت المعركة - معركة مانيلا - على أشد احتدامها. هذه ~~سيارات الجيش وكميوناته ترمح من أمامنا مثقلة جنودا وعتادا. هذه هي الطيارات تحوم فوق ~~مراكز اليابانيين وترميهم بالموت المتفجر، وهذه هي المدافع الأميركية تبصق ألف قذيفة كلما ~~أزت من الجبهة اليابانية قذيفة واحدة. ولو أن أحدا مشى بضع مئات من الخطوات جنوبا، لرأى ~~اليابانيين المحاصرين، ذوي العيون الكلبة، والوجوه الحيوانية، ولسمع حينا بعد حين هجمات ~~شرذماتهم تحدوهم شجاعة بهيمية يصرخون صرخات الوحوش الجريحة الكاسرة. ms13 # وكان كلما انفتح باب الخمارة، ظهر لي مشهد جديد؛ فهذا بحري يقاتل بحريا، وهذا جندي ~~سكران يفترش القناة، وهذه فتاة أميركية من الملتحقات بالجيش تريد أن تبادل معجون الأسنان ~~وقنينة الكولونيا بمصنوعات «مانيلا» من زنانير قش، وأحذية خشبية. وذاك غليظ يترصدك؛ ليروي ~~لك للمرة العاشرة أنباء غماره في هذه الحرب، وخسائره فيها. ومر بائع جرائد فابتعت منه ~~صحيفة الجيش، فإذا فيها أن كل شمالي «مانيلا» أصبحت في أيدي الأميركان، وأن اليابانيين في ~~تراجعهم نسفوا الجسور الثلاثة التي تصل شمالي المدينة بجنوبها فوق نهر «الباسغ»، وأن الجسر ~~الرابع سليم؛ إذ إن اليابانيين أبقوه خشية أن تنقطع المياه عنهم، وهي تمر بقسطل فوق ~~الجسر، وأن القيادة العامة الأميركية في حيرة؛ إذ لو قذفوا الجسر بالمتفجرات فقد ينقطع ~~الماء عن الأهالي الذين لا يزالون في المنطقة اليابانية، وأن اليابانيين يستميتون في الدفاع ~~عن الجسر، فكلما قتل منهم جندي، ظهر جندي يجعل من جثة رفيقه متراسا للدفاع. # أما أنا فلم تهزني هذه المشاهد، ولم يرعبني قصف المدافع، ولم أكن بالناظر إلى هذا ~~التاريخ الذي يهدر حولي نظرة الفيلسوف، بل إن أفكاري ومشاعري وقلقي كانت متوثبة يقظة، ~~أتساءل عن إبراهيم جوهر، ترى أسليم هو أم ... أم ...؟! كلمة كلما تخيلتها طلبت كأسا من ~~الوسكي من جديد. # وكيف لا أقلق على إبراهيم جوهر، وهو عشيري، وشريبي، ومساكني خلال خمسة عشر عاما، وقد ~~افترقنا لأسبوع خلا، في الجبال، إذ يمم هو سراديب معادن الذهب للاختباء فيها، وقصدت أنا ~~إلى الأحراج. وهذه جيوش الأميركان قد حررتنا وأتت بنا إلى «مانيلا»، واليوم قيل لنا: إن ~~الجيش احتل مناجم الذهب، وإن كميونات الإنقاذ ستأتي بالأجانب الأحياء إلى «مانيلا»، وقد ~~دفنت القتلى منهم - وهم كثيرون - حيث وجدتهم. # حقا إننا لا نفهم كم هو شغفنا بشخص ما حتى نفقده، أو نخشى أن نفقده! # ونهضت من مقعدي، وعبرت الطريق إلى المخفر؛ حيث انتصب الخفير الأميركي، فسألته للمرة ~~العشرين: متى تصل كميونات الإنقاذ؟ فابتسم وداعب بارودته قائلا: «لئن سألتني مرة ثانية ~~لأطلقن عليك الرصاص! قلت ms14 لك: تصل الكميونات الساعة الثامنة عشرة.» وهذه الساعة العسكرية ~~في لغة المدنيين تعني الساعة السادسة بعد الظهر؛ أي قبيل الغروب بساعة؛ أي بعد ~~دقائق. # فوقفت أمام المخفر، وما طال انتظاري حتى أقبلت كميونات الإنقاذ، تحرس مقدمتها ومؤخرتها ~~سيارتان مصفحتان، وهدأت أمام المخفر، وراح ركابها يثبون منها فرحين، وكان كلما قفز شخص ~~من كميون، قفز قلبي من بين أضلاعي، وطفقت أتفرس بمن ترجل من الكميون؛ عله يكون ~~إبراهيم. # وابتدأت الكميونات تسير وقد خلت من ركابها، منصرفة من أمام المخفر، وأحسست بالخوف واليأس ~~يشلان ركبتي، وقد بردت يداي، وشعرت بظمأ إلى الوسكي شديد، وتماوجت الأبنية والشارع في ~~نظري، وكادت السيارة التي تخفر مؤخرة القافلة تلطمني؛ إذ امتدت منها يد أمسكت بكتفي، وصاح ~~منها صوت باسمي، ففركت عيني، وتثبت أن الجالس إلى يمين السائق في الثوب العسكري ~~الأخضر هو إبراهيم. # وانحدر إبراهيم من السيارة متمهلا لم يثب، وسلم علي سلاما عاديا غير حار، ~~وتمعنته فلم أبصر في عينيه تلك النار المشعة التي عهدتها، ولم أسمع في صوته تلك النبرة ~~المتوثبة الحارة التي اشتقت إلى صداها، وحقا لقد تنكر علي، ونحن ما افترقنا إلا ~~منذ أسبوع، حتى لوجدت فيه كل شيء تغير، إلا ذلك الكتاب الأحمر الذي تأبطه «مجاني الأدب»، ~~وكان يسميه إنجيله وقرآنه وتلموده. وعرفني إلى رفيقه الفتى الأميركي الضابط؛ ماجور ~~أندرسون، وراح يناديه باسمه «هري» عاريا عن اللقب، ومشى بنا إلى الخمارة في دعوة توهمت ~~أنها شبه أمر. # وحقا لقد شعرت بالخيبة في لقاء إبراهيم، ولكني لست من الذين يطرحون جواهر الأمور لفشل ~~في ظواهرها؛ فإبراهيم جوهر هو خليلي وصفيي لخمسة عشر عاما، وها هو قد نجا من الموت ~~والمخاطر، وما عليه إن كان فاترا في سلامه، وهذه الحرب قد صيرت من العقلاء مجانين، ومن ~~الأذكياء بلهاء أو قلقين. هي بادرة عارضة. فلنشرب هذه الوسكي، فسيصبح طعمها الآن مسكرا ~~لذيذا. # وجلسنا إلى طاولة فغمز إبراهيم إحدى البنات، ودعاها إلى مجالسة الماجور بقوله: «عليك بهذا ~~الأميركي، إنه فتى جندي عطشان جائع.» والتفت إلى ms15 الماجور وقال: «فيما أنت يا هري تتصابى ، ~~اسمح لي أن أحدث مواطني هذا بلغتنا الغجرية.» فرجفت مشمئزا؛ متى كان إبراهيم وسيط ~~البغايا؟ وكيف يدعوني ب «مواطن» وهو ما قدمني إلى الناس إلا مداعبا «أكبر أعدائي»، ~~«وريثي»، «ابن عمي»، «أعظم مصائبي»؟ وكيف يقول إن لغتنا هي «الغجرية»، وهو ما تكلم عن ~~العربية إلا بصوت مرتجف وصدر بارز فخور؟ # وبلعت كأس الوسكي جرعة واحدة؛ إذ أخذ إبراهيم جوهر يخطب بي: أولا (قال إبراهيم واضعا ~~سبابته بين عيني) سأحرق هذا الكتاب «مجاني الأدب». أتذكر راجي الراعي؟ ~~- نعم، أذكره. ~~- أتذكر ما كنا نقرأ من كتاباته؛ ما عنوانها؟ ~~- قطرات ندى. ~~- مضبوط. أتذكر قوله: «العقل جنون هادئ»؟ لقد كنت أنا خلال هذه الخمس عشرة سنة في جنون ~~هادئ، ولقد أيقظتني من بحراني الجنوني كهربائية هزات هذه الحرب. ما كان أغباني! لقد نزلت ~~إلى سوق التجارة متسلحا ب «مجاني الأدب». ما هي هذه العادات البدوية التي استعبدتنا: ~~الوفاء، الشهامة، الكرم، العفو، الضيافة، العطاء؟! ما هذا الدستور الملائكي الذي حاولت ~~تنفيذه في عالم الشياطين؟ وقبل أن أنسى، لئن رجعت إلى لبنان قبلي، فتش عن ضريح المعلم ~~عباس. هل لك أن توليني منة وتبول عليه؟ # وقهقه إبراهيم ونادى الغلام أن يملأ كئوس الوسكي من جديد، ثم عاد إلى الكلام: «أصغ إلى ~~هذه المدافع التي تقصف حولنا، لعلك تحسب أنها حرب هذه التي نشهد ونسمع! ما هي بحرب. هي ~~تجارة. الحرب، والسلم، والدين، والعلم، كلها تجارات.» هكذا قال لي رفيقي هذا هري ~~الأميركي. تراك هل عرفت من هو؟ هو بطل «جواد الكنال» على صدره شارة أعظم نيشان. المجلة ~~الأميركية التي نشرت خبر بطولته دفعت له خمسة وعشرين ألف دولار، وباعت أربعة ملايين نسخة من ~~ذلك العدد الذي روى أنباء غماره. هوليوود دعته إلى صنع صورة. أتدري ما قال لي؟ قال لي: إنه ~~يحارب ويتاجر معا! يبيع من بضاعة الجيش، لعلك تحسبها سرقة؟ ما أبلهك! بيع بضاعة الجيش هي ~~سرقة في عرفك وعرف «مجاني الأدب» والمعلم عباس، أما هؤلاء الأذكياء مثل ms16 ميجور أندرسون ~~فيحسبونها تجارة. أنا من الآن وصاعدا تاجر، أفهمت؟ # وكانت الخمرة قد دارت في رأسه، فانتزع علبه الكبريت من جيبه، وأولع عودة فأدناها إلى كتاب ~~«مجاني الأدب» يريد إحراقه، فاختطفته منه، وقلت: «أعطني إياه، مكتبتي احترقت، وأريد أن ~~أحتفظ به فيكون عندي ولو كتاب عربي واحد.» فضحك إبراهيم وقال: «عجبا! هل فرغت من نهب ~~اللغات الإفرنجية حتى تبدأ بسرقة الكتب العربية؟ لا بأس، فالكتابة تجارة. لئن كانت بضاعة ~~الجيش حلالا، فحلال بضائع المؤلفين. هاك «مجاني الأدب».» # وقبل أن أتمكن من الرد عليه مشمئزا، أسرع إلى طاولتنا جندي، فأدى التحية العسكرية إلى ~~الماجور أندرسون، وناوله كتابا مختوما بالشمع الأحمر، فابتسم أندرسون وصرف الرسول بهزة ~~رأس بعد أن شكره. وصرف الأنثى التي كانت على ركبته بأن دس في يدها دولارين. وفتح الغلاف ~~وقرأ الرسالة، ثم همس بأذن إبراهيم بحيث أسمع: «هل لي أن أأتمن صديقك هذا؟» أجاب إبراهيم: ~~«يمكنك.» فقرأ الماجور في الرسالة أن قيادة الجبهة قد وافقت على الخطة التي اقترحتها: «تجد ~~أمام مخفر المنكوبين أربعة كميونات، وخمسة قوارب، و84 جنديا، وعتادا من القذائف اليدوية. ~~هاجم حال استلامك هذه الرسالة، وعليك أن تحتله بسرعة، فتكون مع رجالك في الجبهة المقابلة ~~من الجسر قبل أن تظلم الدنيا، بحيث تتمكن قواتنا من عبور الجسر قبل العتمة. أفهم جنودك ~~أن هذه العملية هي فدائية، فخير أيا أراد منهم بين الاشتراك بها أو العدول ~~عنها.» # وابتسم الماجور فرحا، وراح يهزأ: «قلت لك يا إبراهيم إن الجنرال غبي؛ صار له أسبوعان ~~يهاجم الجسر من الأمام. خطتي أن نركب هذه القوارب في أعلى النهر، وننساب مع التيار حتى ~~نبتعد خمسين مترا شرقي الجسر ونهاجم اليابانيين من هناك؛ فبعد أن نمزق أجسامهم ~~بالقذائف، نقرفص على جنوبي الجسر ونرسل دعوة لجنرالنا الأبله أن يشرفنا بزيارة.» # وفيما كان الماجور يتكلم، دفع إلي إبراهيم بأوراق صغيرة، طبع اسم الخمارة عليها مرفقا ~~بأرقام، وقال: «ادفع أنت عن نفسك، وأنا أدفع عني وعن هري؛ لأنه ضيفي.» # وخرجنا نحن الثلاثة إلى حيث الكميونات ms17 وحولها الجنود، فوقف فيهم أندرسون خاطبا بلهجة ~~عادية وصوت منخفض: «أيها الغلمان! في جيبي أمر بأن نعصف بالجسر الرابع فنحتله بعد أن نرسل ~~إلى جهنم كل ابن قحبة ياباني يحرسه. حين تشع الأنوار هذه الليلة، قليلون منا من يمسي راقصا ~~في هذه الحانة؛ إذ إن أكثرنا يكون إما طائفا على مياه «الباسغ» نحو أسماك البحر، أو ~~مفترشا بقعة قرب الجسر في راحة أبدية. على أنكم غير مرغمين على المساهمة في هذه النزهة. ~~أي سعدان منكم أراد أن يتخلف، فليفتح فمه ولينطق بكلمة، فأستبدل به قردا ثانيا من ~~معسكرنا!» ولبث يردد العبارة الأخيرة بضع مرات فلم يجبه أحد، حتى تنطع فتى أمرد فخاطب ~~رفاقه: «الظاهر أن ضابطنا الماجور أندرسون لا يحب وجوهنا ولا يستطيب مرافقتنا، ما قولكم لو ~~سألنا الجنرال أن يرسل لنا ضابطا آخر؟» فقهقه الجميع وطفقوا يقفزون إلى الكميونات. أما ~~الماجور فأعطى إبراهيم صورة زوجته وابنه وهمس بأذنه: «هذا عنوان بيتي في كاليفورنيا، لئن ~~رجعت إليك، فلك حمل كميوني بضاعة بألفي دولار، ولئن بقيت هناك فزر زوجتي ورد لها هذه ~~الصورة وأخبرها أنك اجتمعت بي.» # ووقفت أتطلع إلى الكميونات تسير كأنما ركابها جماعة عمال في طريقهم إلى مصنع، أو تلامذة ~~قاصدون إلى نزهة، أو مسافرون ينتقلون من مدينة إلى مدينة. أين ذلك مما طبع في مخيلتي عن زيد ~~الهلالي وعنترة العبسي وسلطان الأطرش وعودة أبو تايه، وما رسمته في خاطري تلغرافات الحرب عن ~~الفروسية في الحروب؟ # وحين غابت الكميونات مشيت وإبراهيم إلى «مخيم اللاجئين»؛ حيث كانت خيمتي نمرو 27، وقصدنا ~~مكتب المخيم، فسجل إبراهيم اسمه وتناول بطاقة تخصيصاته، ثم دلفنا إلى العنبر، فتناول منه ~~سريره وحرامه، وبعض ألبسة ومعدات، وذهبنا إلى خيمته نمرو 78، فمد سريره وقعدنا ~~صامتين. # من المؤلم أن تجالس شخصا، كتفه إلى كتفك، وبينكما صحاري الدنيا وبحارها، وأن تكون ~~بالقرب منه بحيث يستطيع أن يسمع همسك ولا تتكالمان. ولقد قعدت إزاء إبراهيم على حافة سريره ~~صامتا يقتتل شعوري وتفكيري. أريد أن أكره نفسي على بغض صديقي فلا أقوى؛ ms18 إذ كلما ثرت على ~~مجونه الوقح، وتهافته على المال، ولهجته الشرسة، ذكرته لأسبوع مضى، كيف كان خلا حبيبا ~~مرحا يحتقر المال، ويستشهد بحكايات «مجاني الأدب»، ويعبد المكرمات. ثم أدور على نفسي فأجد ~~في الحرب وأهوالها عذرا لتغير فيه أردت أن أحسبه عارضا. وإني فيما أهم بأن أبغضه كنت ~~معجبا بحرارة الإيمان فيه، فنفس المرء تبقى ميتة حتى يملأها الإيمان فتتكهرب وتحيا وتثير ~~الخضوع في الناس، وإن يكن إيمانها بمعبود مرذول. # وصرخت بعد حين صفارة المخيم تدعونا إلى العشاء، فهززت عني أفكاري، والتقطت صحوني ~~المعدنية، ومشيت وإبراهيم إلى حيث الطعام، فوقفنا في صف طويل نسمع المدافع وأزيز الرصاص، ~~وإلى القرب منا مجهر المخيم الصوتي ينطلق منه صوت نسائي بأغنية قديمة: # تراك تحبني في شتاء العمر # مثلما أحببتني في نواره؟ # وحين جاء دورنا ملأنا الصحون وقفلنا راجعين نحو الخيمة، وما عادت نفسي تصبر على هذا ~~الصمت الذي ضيق عليها، فقلت متعمدا فتح المحادثة: «هل لاحظت الرجل الذي كان أمامي في ~~الصف؟ هو مدير بنك الناشيونال سيتي، وإن الصيني الذي كان يحاذيه كان خادما في مقهى ~~«الكلوب» قبل الحرب. سبحان الله! الأميركان يهبوننا الطعام ويساوون بين مواطنهم الذي يرأس ~~مصرفا، والغريب عنهم الذي يخدم في مطعم. فتقززت نفس صديقي وصرخ بي: «هل لاحظت أن ~~فلسفاتك غليظة، وأن لعنة كتاب «مجاني الأدب» التي ركبتني قبل الحرب تثقل الآن رقبتك؟ ... ~~اسمع.» # وجمدنا كلانا إذ انقطعت أغنية «تراك تحبني ...» وخرج من المجهر صوت عسكري: «إن القيادة ~~العامة في جبهة «مانيلا» تذيع أن الجسر الأخير الذي يربط شمالي المدينة بجنوبها هو في ~~أيدينا منذ ربع ساعة، ولقد خسرنا في القتال حوله 38 رجلا، بينهم الماجور هري أندرسون بطل ~~«جواد الكنال» الذي قاد الهجوم. هذا كل شيء.» # ورجع الصوت النسائي يغني: # تراك تحبني في شتاء العمر # مثلما أحببتني في نواره؟ # وجثمنا كلانا في خيمتي والصحون ملأى بالطعام، لا نمد إليها أيدينا، غارقين في التفكير، ~~وفجأة انتفض إبراهيم جوهر وانتزع صورة الماجور وطفله من جيبه فمزقها وداسها وصاح شبه ms19 ~~مجنون: «لعن الله أندرسون. بقي في الجيش ثلاث سنين يقاتل، أما انتقى ساعة يقتل فيها إلا ~~قبل أن يسلمني حمل الكميونين بضاعة؟!» # ومشى من خيمتي، فرحت أتطلع إلى قامته المبتعدة أحمد الله أن ليس قربي مسدس أو بارودة، ~~وأحدث نفسي: «حبذا لو لم يرجع إبراهيم جعفر مع قافلة اللاجئين. حبذا لو أنه دفن شريفا ~~حبيبا في سراديب معادن الذهب!» # وحين غاب عن عيني تمنيت أن يبقى غائبا عني، ما حييت. # أخيرا، خضع الحيوان الياباني للعلم الأميركي، فسكنت المتفجرات وانقطع أزيز الرصاص، ~~وقلت في شوارع «مانيلا» وجوه الأميركيين الباسمة، وابتدأت كوم الدمار من حجارة وحديد ~~تختفي، وصارت البنايات تنهض هنا وهناك، وأنا خلال ذلك دائب في أعمالي المتواضعة، أشتري من ~~هنا وأبيع هناك، وأرجع في المساء إلى غرفتي حيث أعيش وحيدا تؤنسني أحلامي وذكرياتي، وقد ~~أقنعت نفسي أن إبراهيم جوهر مات على الرغم من أني كنت أرى صورته في الجرائد أحيانا، وأقرأ ~~فيها أنباء حفلات أقامها أو دعي إليها، وأنظر إلى صورته في الصحف صاعدا إلى طائرة أو ~~مترجلا منها؛ فلقد أمسى من الواضح أن الرجل قد صاب في الحياة نجاحا وأصبح ممن يسمونهم ~~علية القوم. # أسابيع، شهور، سنة، سنتان. # إلى أن جاء صباح يوم فيما أنا أذرع الطريق قاصدا أسواق البلدة حيث أصطاد قوتي، وإذا ~~بسيارة 12 سيلندر خضراء فخمة لماعة حاذتني متمهلة ووقفت ونزل منها من ناداني باسمي، ومد ~~إبراهيم يده إلي وصاح: «ضعها هنا، وقل لي إنك غفرت لي.» فوضعت يدي في يده البضة المترهلة ~~وصافحته كأني أصافح شبحا، ونظرت إليه فإذا هو قد بدن وتراخى وظهر لأول وهلة متخنثا أو ~~كممثلي هوليوود، على رأسه برنيطة خضراء شك في شريطتها ريشة حمراء، يعلو شفته شارب قصير ~~ثائر، ويلفلف بدين جسمه طقم خمري، ويتدلى من جيب سترته منديل أحمر، تجاوره زهرة من ~~القرنفل، وشدت إلى رسغه ساعة شفافة، ودار حول وسطه الضخم زنار أبيض ينتهي ببكلة ذهبية ~~حفر عليها اسمه، وتختبئ قدماه في حذاء مثلث الألوان. ~~«أما غفرت لي؟» ms20 صاح إبراهيم: «ادخل الأوتوموبيل؛ فأنا في حاجة إليك. لم يكن اجتماعي بك ~~صدفة فأنا جاد في طلبك منذ حين. إني في حاجة إلى مساعدتك.» فتبسمت وتطلعت إلى تلك ~~السيارة، وأجبت مستغربا: «أنت في حاجة إلى مساعدتي أنا؟ دعني وشأني. إني أحب رياضة المشي.» ~~قال متضرعا: «لا تكن حقودا.» وما زال بي حتى أدخلني سيارته وركضت بنا إلى بناية عرفت ~~مما كتب على رتاجها أنها «مكتب مخلفات الجيش الأميركي». وسار إبراهيم متأبطا رزمة صغيرة، ~~فتبعته، وشعرت حينما صرنا في داخل البناية أن رفيقي ذو شأن؛ إذ رأيت كل من مر به يحييه ~~تحية تواضع، أو خشية، أو دعابة. كذلك سمعت بعضهم يدعوه «الجنرال»، فسألته: ما معنى ذلك ~~اللقب؟ فضحك إبراهيم وأجاب: «إن أعلى موظف في هذا المكتب هو في رتبة كولونيل، ويسمونني ~~جنرالا؛ اعتقادا منهم أني أعظم شأنا من عريفهم!» # وفيما هو يشرح لي هذا، أطلت امرأة أميركية شقراء، من الملتحقات بالجيش؛ فعانقها صاحبي، ~~وبعد مطر من القبلات ناولها الرزمة وهنأها بعيد ميلادها، ونزع زهرة القرنفل من عروة سترته ~~وشكها في صدر صاحبة العيد، وإخالني رأيته قد كبس بأصابعه أعلى ثديها. # وكأنما ظهور الجنرال في ذلك المكتب كهربه وقد كان ناعسا؛ فتحرك الضباط من وراء الطاولات، ~~وراح الكتبة يقلبون الدفاتر. وكان في الرواق جمع من التجار الصينيين فأقبلوا على ~~إبراهيم ودار الهمس والغمز، وتبادل الأوراق، والعروض، وإبراهيم المحور الذي يدور حوله كل ~~شيء. وقد اشتد الجدل حول طاولة جلس خلفها ضابط برتبة كابتن، عديم شعر الرأس، ناداه ~~إبراهيم: «يا أقرع!» فهرع هذا يتبعه تاجر صيني أعرف أنه من أكبر مستوردي المأكولات في ~~المدينة. وبعد أن اشتد الجدل والتاجر الصيني يعترض بقوله: «هذا كثير. هذا كثير.» صرخ ~~إبراهيم: «طيب، خمسون ألفا، اقبلها أو ارفضها.» ونادى بي، فخرجنا إلى السيارة. وفيما نحن ~~نفتح بابها لحق بنا الصيني باسما فرمى بصرة إلى داخل الأوتوموبيل وقال: «طيب، هاك ~~الخمسين ربحك، سلمني ورقة البيع.» فناوله إبراهيم بعض صكوك وصاح بالسائق: «إلى ~~المكتب.» # وحينما صرنا في داخل ms21 المكتب عجبت لخلوه من المستخدمين، ولحقارة شأنه وصغره، وكأنما قرأ ~~إبراهيم أفكاري فأوضح: «إني لا أستخدم أحدا؛ إذ إني لا أريد ائتمان أحد.» # وفتل الزر الكهربائي فانتشر النور، وفتح إبراهيم الصندوق الحديدي الهائل الذي كاد يملأ ~~المكتب، ثم أحكم المفتاح في أسفله ودار به؛ فانفرجت دفة عن رزم الأموال، فرمى بالصرة التي ~~أعطاه إياها الصيني، وأقفل أسفل الصندوق الداخلي، وسلمني سائر مفاتيح الصندوق والمكتب ~~قائلا: «اسمع، ليس في هذه البلدة من أثق به سواك، أنا مسافر في الغد إلى جبال «أيلوكوس»، ~~أربع ساعات في الأوتوموبيل، وعشرون كيلومترا مشيا - هناك سأثبت حقي بمعدن ذهب أعطاني ~~خارطته ذلك الأيرلندي «أوهارا»، هل تذكره؟ لقد أخبرتك أنه مات في سراديب معادن الذهب، ~~قتلته الزنطاريا، وأعطاني هذه الخارطة فيما هو يحتضر، رحمه الله.» # وقهقه مرحا: «سأبكر في المسير بعد منتصف الليل، فنبلغ الجبل عند الشروق، ونزرع ~~العواميد، واسمي محفور عليها، في حدود تلك الأرض، ثم ننحدر إلى «سانتاماريا» قاعدة تلك ~~المنطقة، فنسجل الأرض بعد ظهر الغد أو صباح بعد غد. كل هذه السفرة لن تستغرق إلا ثلاثة ~~أيام. أما أنت، فاجلس وراء هذه الطاولة، ستأتيك مني أوراق كثيرة فاقبض وادفع بحسب الطلبات ~~التي تحمل توقيعي. كل تجارتي ومعاملاتي هي باسم «مكحش وشركاهم».» # قلت: «من أين لي أن أدفع وأراك قد احتفظت بالمفتاح حيث المال؟» فقهقه ثانية وقال: «ستفهم ~~كل شيء في الغد. إن التجارة هي في أن تقبض أكثر مما تدفع.» قلت: «وما معنى «مكحش وشركاهم»؟» ~~فعاد يضحك وأجاب: «ألا ترى الأميركان يخترعون الكلمات بأن يؤلفوا من أول حرف من عدة كلمات ~~كلمة جديدة واحدة؟ «مكحش» هي اختصار «ما أكثر الحمير وشركاهم». مضحكة هاه؟» ورجع يضحك من ~~جديد. # وحينما ودعني رجع يتضرع من جديد: «إني في حاجة إليك.» وقد أضاف هذه المرة: «إن حصتك من ~~الربح هي خمسة آلاف دولار في هذه الأيام الثلاثة.» # في صباح اليوم التالي، فتحت باب مكتب إبراهيم جوهر، فشعرت كأني داخل قبرا، فأسرعت إلى ~~النافذة ففتحتها على مصراعيها، وأنرت كل ms22 المصابيح الكهربائية، وجلست وراء المكتب حائرا ~~فيما أفعل. وسرعان ما دخل علي زنجي أميركي متدلي الشفتين، أحمر العينين، ضخم الأجفان، ~~فبادرني بالسلام قائلا: «نهارك سعيد يا دكتور.» قلت: «ما أنا بدكتور، من أنت وما تريد؟» ~~أجاب: «أيحرم على الإنسان أن يتأدب بإلقاء التحية؟ أنا عمك جو، جئتك بالمخمل، هذه شورباء ~~العظام المباركة، وهذه رغوة دم الملائكة.» ولقد سرت بي رعشة خوف وتطلعت إلى الباب أقصد ~~الفرار، ولكني رأيت الزنجي بيني وبين المهرب. # وأرسل الزنجي زفرة وصاح: «يا للبقرة المقدسة! إن الأزرار النحاسية غلا ثمنها.» وكأن محدثي ~~لحظ الرعب الذي حل بي، وعرف من بلاهة نظراتي أني لم أفهم ما يقول؛ فزاد: «إخالك تجهل ~~اللغة الأميركية، المخمل هو صافي الربح، العظام المباركة هي «الزهر» المزيف.» وانتزع من ~~جيبه مكعبين من عظم أبيض، واحدا يحمل علامة الصفر على وجوهه الستة، وآخر عليه ست نقاط ~~في كل وجه. ثم تابع الزنجي شرحه القاموسي: «دم الملائكة» هو الخمور، الأزرار النحاسية هي ~~البوليس؛ يعني أن هاتين الصرتين تحتويان على الأرباح الصافية، في الليلة البارحة، من طاولة ~~الزهر، وبيع الخمور، بعد أن دفعنا للبوليس حصتهم التي ضخموها. وبعبارة ثانية، هذه غلة ~~النادي الاجتماعي الذي أديره أنا ويملكه مواطنك إبراهيم. إلى هناك هو يسوق الضباط الذين ~~يرشوهم في النهار، ونحن ننهبهم في الليل.» ورجع يضحك. ثم سلمني ورقة عليها بالعربية: «استلم ~~من هذا اللص ذي الوجه العاجي ما يعطيكه من غلة النادي، إبراهيم.» وحين انصرف زائري وصار في ~~الباب، التفت إلي متهكما: «بخاطرك يا دكتور.» وغمزني مشيرا إلى الفتاة الشقراء التي ~~أقبلت علي في خطوات خفيفة ووجه صبوح وعاجلتني بتحية: «صباح الخير.» بصوت عال شأن ~~الأميركيات؛ فقد كانت تلك الفتاة صاحبة العيد أمس، وناولتني حالا ورقة من إبراهيم: «ادفع ~~لهذه الشقراء مائتي دولار، واقبض منها قبلتين أو أكثر.» فدفعت لها المائتي دولار حالا، ~~فشكرتني مبتسمة سائلة: «أفي وسعي أن أقضي لك حاجة؟» فشكرتها وأجبتها سلبا، وخرجت كما ~~أقبلت رشيقة، تمشي على قدمين قويتين، مرفوعة الرأس واسعة الخطا. ms23 # وكر ذلك الشريط السينمائي أمام عيني، وصار الباب كالشاشة البيضاء ، أتطلع إليه منتظرا ~~ظهور كل غريبة، ولم يطل انتظاري حتى جاءني أميركي زري الثياب، مشعث الرأس، وناولني فاتورة ~~بيع من «مكتب مخلفات الجيش، إلى مكحش وشركاهم» خمسة أطنان طحين فاسد لا تصلح للاستهلاك ~~البشري. وهمس الأميركي في أذني: «إن كميونات السكر هنا.» قلت: «ما تعني بكميونات السكر؟ هذه ~~فاتورة طحين فاسد.» قال مستغربا: «ألا تفهم؟ اشترينا الطحين الفاسد، ورشونا القائم على ~~المستودع؛ فسلمنا سكرا، ودفع إلي بورقة: «تلفن إلى 72-24 وحينما يدفعون لك 82 ألف ~~دولار سلمهم السكر، إبراهيم.» # وتلفنت وقبضت وسلمت، وقعدت في ذلك الكرسي ألهث تعبا كأني أركض وعلى ظهري كيس من ~~حجارة. ودار الشريط، فإذا على الشاشة البيضاء صاحبنا الكابتن الأقرع يصافحني في مرح وظرف ~~ويسألني عن القنبلة الذرية أين مكانها، فكان جوابي أن فتحت فمي ووسعت حدقات عيني، فمد ~~يده إلى جرار في طاولتي قائلا: «كانت هنا.» وانتزع قنينة وسكي وكأسين فارغتين ملأهما ~~وأعطاني إحداهما، ثم مضى يقص علي تاريخ حياته من يوم خلق إلى أن تخرج من جامعة هرفرد ~~إلى أن تطوع في الجيش، وجرح في «أيوجيما»، ومنحوه رتبة كابتن والنيشان الفضي، وجاء ~~«مانيلا» مسرحا من خدمة الجيش، غير أنه لمح في «مكتب مخلفات الجيش» ميدانا للتجارة، وها ~~هو يتعاون مع صديقي جعفر في الاتجار وكلاهما ناجح؛ فالكابتن في يده فض غلافات المزايدة، ~~وهو بدلا من أن يفضها في المكتب وعلى مشهد من التجار، يأخذها إلى غرفته ويطلع إبراهيم ~~عليها، وأي صفقة أعجبت إبراهيم زاد هذا عليها عشرة سنتيمات فاشتراها وانتهى الأمر. # ولم يكن الكابتن في سرده أخبار المعارك التي خاضها متباهيا، بل كان كغيره من الأميركان ~~يهزأ بنفسه ويبالغ بوصف رعبه في المعركة. كذلك لم يكن في تحداثه عن «تجارته» مع إبراهيم ~~حييا؛ فقد كان يعتقد أن أشغاله تلك كانت أمورا مشروعة كأنها تجارة عادية. وحينما فرغت ~~الزجاجة فرغ الكابتن من أحاديثه وناولني ورقة من إبراهيم تأمرني أن أدفع لحاملها ستة آلاف ~~دولار، ففعلت. ms24 # واستمر عقربا الساعة في بطء دبيبهما نحو الساعة الثانية عشرة؛ إذ غمرت المكتب موجة من ~~العطر فاسقة، ورن في أذني طقطقة كعبين عاليين، وأبصرت برقعة من البودرة، والحمرة، ~~والأهداب المكحلة فوق فسطان من الحرير يتماوج ضيقا على قامة هيفاء شهية، وصوتا يقول: ~~«هلو»، وأصابع حمراء الأظافر تدفع لي ورقة: «ادفع لحاملها ثلاثمائة دولار، إبراهيم.» وقد ~~رسم إبراهيم تحت توقيعه رسم قرنين. وبعد أن عدت الدولارات، شكرتني، بغمزة زانية، ورددت ~~عليها بنظرة بلهاء. وانصرفت، وأقفلت المكتب شاعرا كأنني خارج من كهف جناة أو قطاع ~~طرق. ~~••• # لن أروي لك حوادث الأربعة الأيام التي تلت الصباح؛ إذ إنها كانت مشابهة لما ققصت؛ حيلة ~~إثر حيلة، ورشوة تتلو رشوة، وكذب وتزوير، ورجال ونساء يدفعون ويقبضون، والصندوق تتكدس فيه ~~أوراق المال حتى كاد يضيق بها، وأنا متفكر متبرم بهذا الدور الذي أرغمني على لعبه، ~~حانق عليه، متوعد له، أحاول أن أفهم لم أبطأ إبراهيم في عودته، وكيف زلقت أنا إلى قبول ~~الاشتراك معه في اللعبة الذميمة. # وقرأت التلغراف: # صديقك إبراهيم في مستشفى سانتاماريا في خطر شديد، يصر عليك أن تحضر ~~حالا. # الأب جورج هتكنسن # غريبة عواطف الإنسان، كيف تسرع في تقلباتها بين المد والجزر؛ فمنذ هنيهات كنت ناقما ~~على إبراهيم مزدريا لأعماله، وها أنا حين مر نظري على ذلك التلغراف ذائب حنانا، لا أذكر ~~من صديقي إلا كل ما كان فيه من نبيل وجميل، وكأنما الخطر الذي هو فيه أنا سببته، فرحت ~~أوبخ نفسي على خيانتي لصديقي وأشجعها «لا لن يموت إبراهيم، سأهرع إليه وأدفع عنه الخطر، ~~سأداعبه وأضحكه، سأريه كتاب «مجاني الأدب»، وأسأله أن يتبرك به، سأذكره بكل ما مضى بنا ~~من حوادث فكهة، سأشجعه بقولي: إن من نجا من اليابانيين والمدافع وقذائف الطيارات لن يصرعه ~~مرض في مستشفى.» وركبت قطار الليل إلى «سانتاماريا» متفائلا متحفزا إلى القتال كبدوي ~~يهرع إلى مخيم قبيلته إذ قيل له إن عدوا هاجمها. # وقفزت من القطار قبل أن يقف، وطفقت أمشي وأركض إلى المستشفى في ضاحية «سانتاماريا». ~~وفيما ms25 أنا في منتصف الطريق أطلت أشعة الشمس فبددت ما في نفسي من مخاوف، ورحت أقترب من ~~المستشفى والكنيسة بقلب مفعم بالرجاء. # حين دخلت الباحة التي تفصل الكنيسة عن المستشفى، تقدم إلي رجل الدين يلبس الثوب الأسود ~~متمتما صلاة، وبين يديه الكتاب المقدس، وتمعن بي لحظة وسأل: أنت صديقه يا بني؟ ~~- نعم، يا أبت! ~~- لقد تأخرت يا بني. جاءت النهاية منذ ساعة في مطلع الفجر. انظر إلى هاتين اليدين ~~المجرمتين، لقد قتلته أنا بيدي. رب عفوك عن عبدك الخاطئ الضعيف! إن صديقك جاءنا في ~~الدير هناك في أعلى تلك الهضبة، وقد كان منهوكا؛ إذ لم يستطع أن يقطع كل الطريق ~~بأوتوموبيله، فالجسر خربه اليابانيون قبل أن ينسحبوا، فاضطر صديقك لأن يمشي ورفاقه ~~نحوا من أربعين كيلومترا. ووصل مستر جوهر متعبا في أول الليل يغتسل بعرقه. لقد نام عندنا ~~في تلك الليلة. رب عفوك عن معاصي. أنت ترى أن الدير في أعلى الهضبة والبرد في الليل ~~قارس، وليس عندنا حرامات، وحين دخلت غرفته في الصباح وجدته محموما يهذي، داء الجنب في ~~رئتيه الاثنتين. إن ديري فقير يا بني. لقد جهدت في جمع المال وحرثنا وزرعنا وبعنا محصول ~~أراضينا. لقد حاولت أن أشتري حرامات لنا ولجيراننا ففشلت. انظر! وانتزع رجل الدين ورقة ~~من بين صفحات الكتاب المقدس قرأت فيها: # إن عرضك أربعة آلاف دولار ثمن ألفي حرام مرفوض؛ إذ إن شركة «مكحش وشركاهم» ~~عرضت عشرة سنتيمات زيادة بالحرام؛ أي أربعة آلاف ومائتي دولار. # المخلصون # مكتب مخلفات الجيش # وفيما الأب يتضرع إلى الله من جديد أن يعفو عن خطيئاته ويتهم نفسه بجريمة قتل صديقي؛ ~~لخلو الدير من الحرامات، أقبل دكتور المستشفى، فعرفني الكاهن إليه وسأله أن يسير بي ~~إلى غرفة الميت؛ نمرو 8. وقبل أن أدير ظهري سألني الأب: «مسألة الصلاة عليه؛ هل كان صديقك ~~يؤمن بالكتاب الأحمر الذي تتأبطه؟» # أجبت: لقد آمن به ثم كفر، يا أبتاه. # وماشيت الدكتور نحو غرفة إبراهيم، أستمع لذلك الطبيب يتكلم عن المريض الذي خسره غير آبه ~~كتاجر تعود ms26 أن يفر منه زبون حينا بعد حين. وقبل أن نصل إلى باب الغرفة أوقفني وقال: ~~«كان من المؤكد نجاة صديقك لو أن عندنا «بناسلين». في الشهر الماضي، حاولت شراء 500 زجاجة ~~من مخلفات الجيش فخسرتها في المزايدة. شركة «مكحش وشركاهم» دفعت أكثر مني عشرة سنتيمات ~~بالزجاجة. من هي هذه الشركة «مكحش» التي تشتري كل شيء؟» ~~••• # وكشفت الشرشف الأبيض عن وجه إبراهيم، فبان وجهه المتضخم في لون الشمع، وقد تراخى ~~شارباه الثائران إلى خطين مائعين، ونبت الشعر في وجهه طويلا بشعا، وشخصت عيناه باهتتين ~~كعيني سمكة، وتطلعت إلى خلفه فرأيت سترته معلقة، معروكة، في عروتها زهرة قرنفل يابسة، ~~وقد استوت فوق السترة برنيطته الموحلة وليس في شريطتها ريشة، وتحتها حذاؤه وقد وحدت ~~الوحول ألوانه. # وبقيت وإبراهيم وحيدين في تلك الغرفة المظلمة، وليس معنا إلا كتاب «مجاني الأدب» يتأرجح ~~في يدي، وقد قبضت عليه بإبهامي وسبابتي، في المكان المحروق، حيث أراد إبراهيم أن يولعه ~~ويتلف لعنته. # | الدواة # جلست في تلك الغرفة المقفلة النوافذ خائفة، حيية، وقد سكن كل ما حولها إلا نور سراج ~~ضئيل يهتز شعاعه الباهت فتتراقص معه أخيلة بعض رياش الغرفة. وقد كانت الفتاة في وحشة ذلك ~~الليل وحيدة على مقعد حريري أزرق، مطرقة كأن تلك الورود التي زانت رأسها ثقلت عليه فحنته. ~~وقد تماوجت العطور من حولها وانتثرت الأزهار وتدلت بردايات الدمقس، وامتد السرير العريض ذو ~~الوسادتين المجاورتين يعلوه اللحاف المطرز. وكانت قدماها قلقتين بالحذاء الجديد الأبيض ~~اللماع، تكثر من تقليبهما، وأظافرها برمة بالطلاء الأحمر الذي لم تعرفه قبل صباح ذلك اليوم؛ ~~فهي تتفرس بها ثم تطبق يديها وتبسطهما، وتهم بأن تقرض أظافرها بأسنانها فلا تفعل. وقد ~~استقام خصرها النحيل تحت صدر عمر وتوثب جانباه، وتصلب جيدها في عقد من اللؤلؤ المزيف، ~~وتنقب وجهها في طوقة النور البهي الذي يغمر وجوه العذارى. # وأرهفت فتاتنا سمعها وجلة فلم تسمع إلا ضربات فؤادها. # وأصغت فإذا بصدى خافت يتسرق من خلال النوافذ المقفلة علمت منه أن الموسيقى لا تزال ~~تعزف في الطابق ms27 الأسفل. وعبثا حاولت أن تطرد عن أذنيها صدى مواعظ خالتها «أم عمر» التي ~~ألقتها عليها والفتاة تستحم في فجر ذلك اليوم. وكانت تلك المواعظ خليطا من الإنذار ~~والتشويق ووصفا للذة الجنسية وألمها لو لم تطهر ألفاظه لتبذل. وكانت الفتاة تشعر ~~بالدوار؛ إذ ذعرت لسماع نحنحة خفيفة في الخارج، وبان ظل فدخل الباب محترسا واقترب منها ~~متمهلا ملقيا في صوت ناعم مضطرب «مساء الخير!» ثم وقف الظل أمامها وامتدت يده إلى ذقنها، ~~وعاد الظل إلى الكلام: «لماذا لا تنظرين إلي يا رئيفة؟» فرفعت نظرها خجلة متمهلة وأبصرت ~~لأول مرة وجه محمد الكرار - الزوج الذي انتقوه لها - وابتسمت نشوى وقد فر الخوف من ~~نفسها، وانبسطت أسارير وجهها وطيات روحها في لذة الضعف الأنوثي؛ إذ يستسلم للرجل القوي، ~~فليس في الدنيا ما يبعث في نفس المرأة غريزة الاستسلام مثل قوة لفلفها الحنان. # يقولون لك: إن اقتياد فتاة إلى فراش زوج تجهله عادة همجية بهيمية، بل يسرفون في القول ~~فيذكرون أن الهمج والبهائم تتعارف وتتآلف قبل أن تتزاوج. أما أنت - يا قارئي - فإنك مثلي ~~محافظ رجعي ترى السفه في ذلك الافتراء؛ إذ إنه في وسعك أن تستشهد بمئات من الأزواج ~~والزوجات الذين قطعوا مراحل العيش هانئين وهم لم يبدأ تعارفهم إلا في ليالي الزواج. ومن ~~أظهر هؤلاء الأزواج الفتى محمد الكرار وعروسه رئيفه عبد المجيد؛ فإن رئيفة صيرها محمد ~~سيدة منزل، وكانت في دار أبويها ابنة بين جمهور من إخوة وأخوات لا قيمة لها، ونعمت معه ~~باللذة الجنسية المشروعة، فالتهبت بين يديه نزوات غرامها فأشعل تلك النيران برفق وأطفأها ~~بلين وحنان. وأما محمد الكرار، فقد وجد في رئيفة عطف الأم التي فقدها طفلا ووفاء الممرضة ~~وهيام الحبيبة التي تغزل بها شاعرا يحس بالغرام ولا يمارسه. # وهكذا مرت عسال الشهور وهما في غمرة من سعادة لا يفترقان إلا ساعات المداومة التي ~~يقضيها محمد في المدرسة الابتدائية؛ إذ كان يدرس فيها ويديرها. وكانت رئيفة في غيابه ~~تطالع الكثير، وتختص بالقراءة من مكتبتها العامرة رواية «الغراب الشائب» ms28 لمؤلفها محمد ~~الكرار، فما من يوم مضى إلا وأعادت قراءة تلك الرواية أو بعضها، وما من مساء عاد محمد من ~~عمله في المدرسة إلا ولاقته رئيفة ضاحكة تقبله وتعيد عليه شيئا من نكات «الغراب ~~الشائب» أو حوادثها، أو مقاطعها الرائعة، ثم تسأله فخورا: «هذا ما كتبت وأنت دون العشرين، ~~ترى ما الذي تؤلف قبل أن تبلغ الأربعين؟» # وكانت تعيد هذا السؤال في النهار مرارا، متئدة في أول الأمر، حتى إذا مرت الشهور ~~ولم ينتج محمد شيئا صار السؤال يحمل رنة العتاب. وفي العام الثاني من زواجهما، أمست رئيفة ~~تلقي السؤال على زوجها بشيء من مرارة وقساوة، ثم تشير إليه بأسماء رفاقه في الدراسة وهم ~~دونه مقدرة كيف نبه ذكرهم وكثر إنتاجهم الأدبي، وكيف لهجت الصحف بأنبائهم، وقد صار بعضهم ~~في أعلى مراكز الدولة، في حين أنه - محمد الكرار - لا يزال معلم مدرسة في إحدى ضواحي ~~دمشق. # أما محمد فكان يداعبها قائلا: «إني لا أطلب العظمة بل السعادة، وها إني في جنة الدنيا؛ ~~دمشق، ظافر بملاك هذه الجنة؛ رئيفة، ومهنتي أشرف المهن؛ التعليم. من يطلب العظمة إلا ~~الأبله؟ ولئن كنت تصرين علي بطلب العظمة، فاعلمي أنه كلما سما أحد من رفاقي، شعرت أن ~~قد نبتت ريشة في جناحي وأن جناحي قوي واستطال. ما صاغني الله غازيا وما أنا بالطامح إلى ~~الفتوحات. والآن، هات قبلة وابسمي فإنك بشعة حين تبسمين!» # وهكذا ركضت الأيام ورئيفة تتحرقها آلام الخيبة في زوجها الذي سمن ونعم، وبدأ الشعر ~~يتراجع إلى مؤخرة رأسه في صلعة براقة، واستدار بطنه في بروز هائل، وراح ضميرها يؤنبها ~~أن تلك السعادة التي غمرته بها أطفأت نار نبوغه؛ فقد كان في أول العهد - على رغم انقطاعه عن ~~الكتابة - تنطلق من شفتيه كلمات لاذعة وهاجة. أما اليوم فقد ترهلت نكاته؛ فهو يشير إلى ~~صلعته ويسميها «بيضة الرخ العاجية»، ويضع يده على بطنه ويقول: «كل العظمة التي أصبتها في ~~الحياة التفت حول وسطي.» وشعرت رئيفة بما يشبه الاحتقار والكره نحو محمد، ولكن ذلك ~~الشعور ms29 كان يذيبه منظر محمد أو تصهره قبلاته. # وغير مستغرب أن من خمل شأنه قل أصدقاؤه ... ولقد نسي الناس «الغراب الشائب». وما كان ~~محمد بالمثري أو الزعيم السياسي، ولا هو تطلب عشرة الناس؛ فانقطعت الأقدام عن داره، وما ~~دخلها من غريب إلا جيولوجي أميركي طاعن في السن كان ينقب في الصحراء السورية على دمن ~~مدينة غابرة، ويؤم دمشق مرة كل شهرين لشراء بعض الحاجات فيتناول وقعة على مائدة تلميذه ~~القديم محمد الكرار. وكان الأستاذ ورئيفة يتعاونان على محاولة قدح الشرار في نفس محمد، ~~فيجيب هذا ضاحكا: «تريدني - يا أستاذي - أن أنقب عن مدينتي مثلما أنت منقب عن مدينتك؟ ~~لكنت أنت أسعد حالا لو أنك مكثت مستريحا في الغوطة تمتع نظرك بجمال دمشق العامرة لا ~~متعبا تنقب عن دمار مدينة غيبتها الرمال.» # وكان من عادة محمد حين يرجع إلى البيت في المساء أن يفاجئ زوجته بهدية صغيرة من أثمار ~~أو حلويات، وربما ابتاع لها حلية مزيفة جذابة شأن من ضؤل راتبه وكبر قلبه؛ لذلك لم ~~تستغرب ذات عشية أن تسمع منه حين آب: «في جيبي شيء لك.» ثم ناولها بدلا من الهدية ورقة ~~دعوة لحضور الاستعراض السنوي في اليوم الثاني، وأخبرها أن مكانها سيكون على الدكة الكبرى ~~المعدة للنساء، أما هو فسيمشي خلف الجيش، وزاد أنه سيحمل العلم السوري فيهزه مرتين: واحدة ~~لرئيس الجمهورية، وثانية لرئيسة قلبه. بلى، فقد دب إلى حديث محمد شيء من السماجة. # فابتهجت رئيفة أن تصبح - ولو مرة في العمر - على دكة الاستعراض، وأن ترى محمدا بين ~~المتظاهرين يهز العلم، وبكرت في صباح اليوم التالي فارتدت أجمل أثوابها، وبالغت في ~~التجمل، وهرولت إلى دكة الاستعراض، في المكان المعد للنساء، فرأت أن الحاضرات اللواتي ~~سبقنها قليلات، وأن معظم الكراسي شاغرة، فأمت واحدة منها وهمت تقتعدها إذ اقترب منها ~~شرطي سائلا: «يا سيدة، أين بطاقتك؟» فأرته البطاقة، فأشار إليها أن تذهب إلى المقاعد ~~الخلفية القصوى، فهذه الكراسي هي لعقيلات كبار الموظفين، وقرأت بعض الأسماء على تلك ~~الكراسي؛ حرم حسين باشا ms30 العساف، عقيلة عبد المجيد بك السوقي، مدام جورج بك الديراني زوجات ~~رجال كانوا بالأمس رفاقا لمحمد. # وتراجعت خجلة ميممة ناحية الدكة الخلفية، فإذا بعجوز تصيح بصوت عال: «بعض نساء هذه ~~البلدة طموحات.» وعلت قهقهة من الحاضرات، وتطايرت العبارات الساخرة، ولم يهدأ الضحك إلا حين ~~وصل رئيس الجمهورية بين الهتاف والتصفيق، فاعتلى مكانه وصدحت الموسيقى بلحن الرئيس، وتكامل ~~عدد الحاضرين من رجال ونساء، وبدأ الاستعراض. # وكأن الطبيعة أرادت أن تشترك في الاحتفال؛ فأرسلت نسيما باردا فإذا الأجسام مفولذة، ~~والوجوه مستبشرة فرحة، والأعلام خفاقة. يا له من يوم مفعم بالروائع، ويا لها من مظاهرة! فقد ~~استمر الاستعراض ساعة وربعا مشى فيه الجيش بترتيبه البديع وأسلحته الصقيلة، ومشت الجماهير ~~والوفود من حضر وبدو. وكان أحد خطباء دمشق يذيع ما يجري فيتكلم في ميكروفون يتصل بمحطة ~~إذاعة الراديو، ويخلط روايته بالحماس أو المجون حسب ما تقتضيه المشاهد فتسر رئيفة لما ~~تسمع؛ إذ إن المذياع كان واقفا خلف كرسيها. وفيما هي مصغية إلى فصاحته، علا التصفيق من ~~الجماهير، واشتد الضحك، وثارت زوبعة من التصفير، وسمعت رئيفة المذياع يحدث: «إني أسمع ~~التصفير والضحك والتصفيق ولا أدري السبب. رويدكم أيها السامعون! أظنني اهتديت إلى سبب ~~الهرج، إني أرى تحت هذه الشمس صلعة تبرق يسميها صاحبها «بيضة الرخ»، وأرى كومة من الشحم ~~تمشي، وبالونا منفوخا يتوسط تلك الهضبة الشحمية. هذا صديقنا محمد الفرار، أظنكم تعرفون ~~لماذا نناديه «الفرار»، وكان يدعى «الكرار». لأنه كر في «الغراب الشائب» مرة ثم ظل يفر. ~~ها هو يهز العلم السوري لفخامة الرئيس. أتسمعون الهتاف؟ هو يهز العلم مرة ثانية نحوي. ~~سلامات يا أستاذ! اسمعوا! اصبروا! إن أستاذنا محمدا لم يعد كرارا ولا فرارا. ها هو قد ~~سلم العلم لأحد تلامذته وربض على الأرض يلهث. اسمعوا الضحك والصياح. ها. ها. ها. هاتوا ~~ليموناضة لأستاذنا المنهوك. تقدم ضابط فمسح بمنديله «بيضة الرخ» المباركة. برافو! نهض ~~الأستاذ من جديد وتناول العلم. إلى الأمام يا فرار! ها هو يستأنف السير. إن كتلة الشحم ~~تتدحرج من جديد ... # واختل ms31 النظام هنيهة وساد الهرج، وراح الكل يضحكون، وغفلوا عن رؤية امرأة ناحلة قفزت من ~~دكة الاستعراض ورمحت بين صفوف الجماهير، وأسرعت ماشية راكضة نحو بيتها تلهث باكية ثائرة ~~تود لو أن الأرض تنفتح فتدفنها وتدفن معها خجلها وخزيها والمهانة التي لحقت بها في ذلك ~~الصباح. وحين وصلت رئيفة إلى البيت صعدت توا إلى غرفتها ففتحت النوافذ المقفلة وراحت ~~تبترد في ذلك النسيم، وارتمت على كرسيها الحريري الباهت اللون تسبح عيناها بالدموع ويغتسل ~~جسدها بعرق الإعياء. ومرت عليها ساعات ثلاث يدور حولها نسيم دمشق البارد فلا تشعر به، ~~ورفق بها عقلها فخدر عن التفكير فلم تفقه أحية هي أم ميتة. # وفجأة ظهر محمد فأهوى عليها يقبلها ضاحكا، ثم حملها إلى السرير وأتاها بثياب، وأصر ~~عليها أن تبدل أثوابها، وأغلق النوافذ وانصرف. # لم تنهض رئيفة في صباح اليوم التالي لتهيئ القهوة لمحمد على عادتها، بل إنها كانت تئن ~~وتتقلب وتهذي. وجس محمد جبهتها بشفتيه فإذا هي حارة، ووضع محمد أنامله على نبضها فإذا هو ~~قلق، متقطع، مسرع. وكان تنفسها مجهدا وفي أعلى وجهها شبه دائرتين متجمرتين؛ كل عوارض ~~ذات الرئة، تشخيص حققه الطبيب حين لبى الدعوة مسرعا. ~~«حسبتني أداوي مريضا واحدا فإذا بين يدي عليلان.» # عبارة طالما رددها الطبيب في غرفة رئيفة، فمذ لازمت الفراش عاف محمد مدرسته، وبقي يحوم ~~حول سرير زوجته يثب لكل نأمة في الليل أو في النهار، متوتر الأعصاب، حانقا، خائفا، يغير ~~وسادتها ويمسد لحافها، ويتعهد أمورها مسرعا بإلقاء الكلمة الناعمة الحنون، مشجعا ~~إياها، حاسرا عن زنديه يتخطى الغرفة كمن يتحدى عدوا يريد مقاتلته. ولقد زهد بالطعام، ~~فلئن جيء له بما يأكله فعل متأففا متعففا. أما النوم فما عرفه إلا كما تعرفه الهرر؛ ~~غفوة ثم انتفاضة، ثم وثبة، ثم غفوة من جديد. # وجاء صباح اليوم السادس عشر ورئيفة غاطسة في نومها تتنفس تنفسا هادئا متسقا ~~عميقا، صافية الوجه، فجسها الطبيب، وابتسم وهمس في أذن محمد: «ربحنا المعركة. ارجع إلى ~~مدرستك.» # وود محمد أن يرقص ويغني أو يهتف، ولكنه ms32 كبح ثورة طربه مخافة أن تستفيق رئيفة من راحة ~~غفوتها، فراح يتفرس بذلك الوجه الذي أحبه، وما درى إلا وقلمه في يده ينظم بضعة أبيات من ~~الشعر في الإنكليزية يخطها على بياض الوسادة، وأحكم وضع الوسادة بحيث تقع عليها عينا رئيفة ~~متى استفاقت. وكانت الأبيات أنشودة مطلعها: «صرعت الموت إذ دانى حبيبي!» # وحينما وضع محمد ساقيه في بنطلونه وجد أن بطنه ضمر قيراطين! ~~••• # تلك النوافذ التي لبثت مقفلة أسبوعين عادت تنفتح، وذلك الوجه الذي شحب عاد إليه الرواء، ~~وذانك القيراطان اللذان ذابا استردهما وسط محمد الكرار قراريط، وكذلك رجعت المرارة تتأكل ~~نفس رئيفة إذ عادت إليها الحياة، غير أن حبها لمحمد عمق وزها صفاؤه؛ فليس من شيء يجعل النفس ~~تتماسك مع نفس أخرى مثل أن تترافقا في سفرة خطرة. # وفيما تتمطى الحياة في منزل هذين الزوجين فاجأهما البريد بحوالة مائة دولار ثمن «صرعت ~~الموت»، واعترفت حينذاك رئيفة بأنها أرسلت الأبيات إلى عنوان نقلته عن مجلة أميركية، ~~فتسلم محمد الحوالة ووقع على صك طويل عريض مطبوع بحروف صغيرة، مبتسما ابتسامته الهادئة ~~غير مكترث، شأنه في جميع أمور الحياة، حتى إنه لم يقرأ الصك الذي وقعه، كذلك غفلت رئيفة عن ~~قراءة الصك؛ فقد أصبحت فوارة المرح بهذا الظفر فلا تطيق قراءة. # في خريف 1946م، كان في دمشق موضوع واحد للمجون: محمد الكرار؛ فقد اكتسحت الدنيا أغنية ~~«صرعت الموت»، وترجمت إلى كل اللغات، وأنشدت في المراقص والحانات، وحينما جهرت رئيفة بأن ~~زوجها هو ناظمها تجاوب الضحك في أنحاء المدينة، فأي يصدق أن محمد الكرار نظم قصيدة قبض ~~عليها مائة دولار ووقع صكا يتنازل به عن كل حقوقه، صكا طبع بأحرف صغيرة تكاسل عن ~~قراءته قبل أن يمضيه؟ ومتى عرف عن «الفرار» أنه شكسبير اللغة الإنكليزية؟ # وكأن ربة المجون لم تكتف بهذا لتشبع بالهزء عابديها، فجاءتهم بشيء أضحك؛ فقد هرع تلامذة ~~الأستاذ محمد إليه ذات صباح؛ إذ أبصروا به ووجهه إلى الجدار يعالج بطنه بيد، وسبابة اليد ~~الأخرى في فمه يحاول أن يتقيأ، فلما ms33 سألوا عن حاله أجاب: ما من أمر خطير. زوجتي في وحامها، ~~وفي بعض الأحيان تصيبني أعراضها. # فسرت في المدينة إشاعة أن الأستاذ حامل، وأي شيء من دلائل الحمل أوضح من ذلك البطن ~~الضخم البارز؟ وذات يوم طلعت جريدة «النخوة» بالخبر التالي تطوقه دائرة ضخمة حمراء: # يسوءنا أن نعلم أن إجهاضا جرى في منزل الأستاذ محمد الكرار، وقد انقطع الأستاذ ~~عن المداومة في مدرسته. ونحن فيما نذيع هذا الخبر آسفين نتساءل: ترى أي الزوجين ~~أجهض؟ # بين الحيوانات الناطقة فئة سادية لا تستطيب الحياة إلا حين تدوس على الضعيف؛ فإن السقط في ~~نفوسها يتطلب التفوق، فلا يظفر به إلا في إظهار القوة على من ضؤل شأنه. هم في بعض ~~الأحيان يسرفون في الإجرام حتى ليقتلوا، وأحيانا تقصر جناياتهم على ترويج الأكاذيب. وكانت ~~من ضحايا هذه الشيمة الصفراء رئيفة؛ إذ إنها بعد أن فقدت جنينها ضجرت بمنزلها فصارت تبتعد ~~عنه فأوسعها ذلك، وهي قد فهمت من الطبيب أنها حين فجعت بالجنين فقدت أمومتها إلى الأبد. ~~ولقد أرادت ذلك الجنين أملا يحقق ما وعد به محمد من فوز وأخفق بتحقيقه في الحياة. فها هي ~~الآن وزوجها ميت حي، وآمالها بطفل قد تلاشت، وغريزة الأمومة فيها مكبوحة، فلا عجب أن نبذت ~~القعود في البيت، وصارت تنزل إلى السوق تبتاع حاجاتها بنفسها من خضار ولحم وثياب وعطور ~~وغيرها، تبتغي بذلك التسلية وقتل الوقت. وأمست تطيل الوقوف في الحوانيت لا تنعما ~~بالوقوف، بل اتقاء لشر المكوث في البيت. هذا، وقد بدأت أسعار الحاجات تتصاعد بحيث صار ~~راتب زوجها يقصر عن شراء كل شيء تحتاجه، فأصبح من الحكمة التروي في الشراء والانتقاء ~~والمساومة. # لذلك ارتجفت الألسنة السوداء بسم الأقاويل: «هل بلغك أن رئيفة تطيل الوقوف في دكان ~~اللحام؟ ... هل سمعت أنها تتهامس مع ذلك العطار؟ ... هل قيل لك إن رئيفة والبقال في ~~مغازلة؟» # وكان من حسن حظ رئيفة أن لم يبق لها عشراء، فلم يترام إليها ما يقال عنها. # وكأن آلامها من الإجهاض، ونكبة الخيبة بمحمد، وفشلها في ms34 أمل يعيضها عن محمد، وأوجاعها من ~~رؤية ذلك الفتى الذي عشقته وما تزال تهواه ، والذي سمعت من شفتيه أولى كلمات الحب في ليلة ~~الزفاف، وها هي تراه قد مسخ كاريكاتورا، وكأن شقاءها في عزلتها عن الناس؛ كل هذه تكالبت ~~عليها؛ فنحلت وتهدمت، فما عادت تستطيع الخروج من البيت في بادئ الأمر، ثم عيت عن الحركة ~~فلازمت الفراش وبدأت تتلاشى. # أما الأطباء فقد جاءوها فرادى وبعثات، وأما الأدوية فقد استحالت دار الكرار إلى ~~صيدلية. ونزلت بمحمد الحيرة فلم يدر ماذا يفعل؛ فقد دعا الإخصائيين من دمشق، وبيروت، ~~والقاهرة، وكل يصف علاجا، ويذكر اسم علة، ولم يتفق اثنان على تسمية الداء، غير أنهم ~~أجمعوا على أن رئيفة إن لم تكن مسلولة فهي على أبواب السل، وأن هواء الصحراء الجاف ~~يفيدها؛ لذلك تهافت محمد على قبول وظيفة معاون لأستاذه الجيولوجي في الصحراء السورية. ~~وانتقل برئيفة وأدويتها إلى خيمة في البادية تحاذي خيمة الأميركي البحاثة، وقطع علاقاته ~~مع المدرسة في ضاحية دمشق. # وهكذا مرت الشهور على تلك الخيمة يظللها شبح الموت، ولا يسمع فيها إلا أنات رئيفة ~~وشظايا من كلامها؛ إذ هي تحرض محمدا على الاعتناء بصحته، وتضرع إليه أن يأكل وأن ينام، ~~وتبكي إذ ترى نحوله وشحوبه ونظراته التائهة. أما محمد فقد يئس من الطب وغمر الحزن قلبه ~~فكره الكلام، فما عاد يرى إلا في بحران من التفكير، اللهم إلا حين يفتح القرآن ويجود ~~آياته؛ فإن قلبه ينعم بالإيمان، فما تتبدد آلام نفسه ولا يسكن قلقه إلا في نشوة ترتيل سور ~~المصحف الكريم. # وراحت الحياة تجمد حول تلك الخيمة، وكثف ظل الموت واسود، ورئيفة تهبط نحو الفناء ببطء ~~وألم، ومحمد يتهدم ويحزن ويجود القرآن. # وذات ظهيرة، إذ كان المخيم ينتظر عودة الأستاذ الأميركي من دمشق، ظهرت سيارته القديمة ~~تتبعها قافلة من سيارات، وسرعان ما نزل منها جمع من صحافيين ومصورين، يترفه بينهم في ~~الوطء على الثرى بعض كبار موظفي الدولة السورية، وأقبلوا على محمد يهنئونه ويهزون يده ~~بحماس. وفي الوهلة الأولى، ظن محمد ms35 أنه انتقل إلى عالم المجانين، أو أن أحد مجاني دمشق ~~قسا عليه بأضحوكة جديدة . ولكن الأستاذ الأميركي تقدم ووضع يده برفق على كتف محمد وقال: ~~«لقد اقترفت نحوك إثم السرقة؛ فإني كنت أبصر بك قرب هذا السراج في الليالي وأراك جادا في ~~الكتابة، وصرت أترقب انصرافك فأسرق - على علم من رئيفة - ما تكتبه، فأنسخه حتى اكتملت ~~روايتك «عنترة والنفط». لقد أرسلتها إلى هوليوود فاشتروها. إنما أحدثوا فيها تغييرا. لا ~~أدري إن كنت تذكر ما ألفت؛ فأنا أعيده عليك: كبير مهندسي شركة نفط أميركية - وهو كذلك ~~أعظم مساهم فيها - يستضيف شيخ قبيلة عربية في الصحراء، يكتشف الزيت ويشتري، بل يكاد يستوهب ~~الشيخ امتياز استغلال الزيت لقاء ثمن بخس. تأتي ألوف العمال، وترسل ألوف المعدات، وبعد ~~الحفر يجدون أوقيانوسا من نفط فيفرزون القساطل، وفيما هم يهمون باستخراج النفط، يظهر طيف ~~عنترة فيجوف رمحه ويشكه بالبئر فينتزع كل النفط ويفرغه بظرف صغير، ويضع الظرف وراءه على ~~حصانه وينصرف كما أتى شبحا لا يراه إلا رئيس المهندسين الأميركي. # وهكذا كلما حفر المهندس بئرا وظفر بالنفط، جاء عنترة فامتص النفط برمحه إلى ظرفه، ~~واحتمله على جواده ومضى. # وطبيعي أن تضطرب أمور الشركة الأميركية المستثمرة وتهتز ماليتها ويدب الذعر في ~~قلوب مساهميها، وتستبدل المهندس بآخر ثم بغيره وغيره، فما أفاد التبديل، بل استمرت الآبار ~~تطفو بالنفط ثم تجف. وكان أن توفي الشيخ وتولى زعامة القبيلة ابنه، وهو فتى عالي ~~الدراسة، ففتش بين أغراض أبيه عن نسخة من اتفاقية النفط فلم يجدها، وطلبها من الشركة ~~ففتحوا صندوقهم وانتزعوها فإذا هي بيضاء إلا آخر ورقة منها كانت خالية من الكلمات ولم يظهر ~~عليها إلا صورة عنترة وحصانه ورمحه وظرفه. # وليس الأميركان من الذين يؤمنون بالسحر أو الأعاجيب، ولا هم من الذين يفرون من مواجهة ~~الحقائق، فأدركوا أن كل ما في الأمر أنهم يملكون معدات ثمنها ملايين نثروها في أرض نائية ~~غريبة، وأنهم أنفقوا الملايين في محاولة استغلال مشروع لا تحمي حقوقهم فيه عقود مقاولة. ~~فأسرع رئيس الشركة إلى ms36 ابن شيخ القبيلة ونفحه اتفاقية سخت شروطها على ابن الشيخ، فصار ~~الأميركان متى ظفروا بالزيت قدروا على استخراجه من غير أن يسبقهم إليه عنترة. وكان خلال ذلك ~~- وهنا ظهرت أصابع هوليوود - قد اشتبكت عواطف ابن الشيخ في معركة غرامية؛ أحب ابنة رئيس ~~الشركة، وزهد في النفط والخيام والثقافة، بل ترك أمور القبيلة لأخيه الأصغر، ووثب مع فتاته ~~إلى خلف عنترة، وراح جواد هذا يعدو بالثلاثة وبالظرف الفارغ إلى الواحة الكبرى في قلب ~~الصحراء، تلك التي يحجبها السراب ولا يسكنها إلا كل من رضي عنه عنترة.» # وفيما كان الأستاذ الأميركي يروي مختصر رواية «عنترة والنفط» كان الصحافيون يدونون ~~الملاحظات، والمصورون يلتقطون الصور. وعاد الأستاذ إلى الكلام: «هذه المرة لم نقترف غلطة ~~«صرعت الموت»، فسلطنا عدسة المكرسكوب على كل حرف من سطور الاتفاقية ولم نوقع من غير أن ~~نقرأ. في الأسبوع القادم، ستحتفل هوليوود بعرض فلم «عنترة»، وسيكون محمد الفرار هناك ~~ليساهم بالحفلة، وليتسلم مائة ألف دولار ثمن روايته.» # أما محمد فكان يسمع ويرى ولا يدري ما الذي يجري حوله، غير أنه استفاق عند سماع خبر سفرته ~~إلى هوليوود وعلق بصره بتلك المضطجعة على السرير فآلمه أن يرى ذلك الوجه الشاحب وقد تهدل ~~جلد ساعدها فبانت عظامه، حتى ليحسب الناظر إليها أنها ميتة لو لم تكن عيناها نجمتين بالحياة ~~تسطعان. # وعبثا تضرع الأستاذ الأميركي، وتشفعت رئيفة، ورجا صحافيو دمشق أن في ظهوره شرفا ~~للعرب، فكان محمد يجيب أن ما يشده إلى سرير رئيفة هو شيء أثمن من الشرف، وأحب من الشهرة، ~~وليس من شيء يغريه بترك الخيمة. # ولكن محمدا في نهاية الأمر سلخ نفسه عن تلك الخيمة حين ظهر له أن سفرته قد تيسر الفوز ~~بطبيب عالمي الشهرة يصطحبه في أوبته فيصف لرئيفة ما يشفيها. ~~••• # حينما حومت الطائرة فوق مطار دمشق كاد محمد الفرار أن يقفز منها ليعدو نحو خيمة ~~رئيفة، وما إن وقفت وفتح الباب حتى أمسك بذراع الدكتور «ماديسون» وصاح به: «وصلنا! وصلنا!» ~~وسمع محمد هتاف الجماهير متبرما وتقبل التهاني ms37 والوسام حانقا، وأصغى إلى القصائد والخطب ~~في ضيق صدر، وما تنفس الصعداء إلا حين ركب الأوتوموبيل مع الدكتور «ماديسون» يرافقهما ~~بعض مشاهير أطباء دمشق الذين عالجوا رئيفة وقصدوا جميعا إلى المخيم في الصحراء. # وكطائر عاد إلى عشه وفراخه بعد سفرة منهكة خطرة، هكذا ترامى محمد على سرير رئيفة ~~يقبلها ضاحكا باكيا، تهتز نفسه بين تيارات العواطف، ثم أفسح المجال للطبيب ~~«ماديسون» فتقدم إلى المريضة وقال: «أراك فتية! يجب أن تستثيري كل ما في قواك من عزم، ~~وتتعاوني معي على صرع هذا المرض. إن محمدا في حاجة إلى رفيق في سفرة هذه الحياة.» # فأجابت باسمة: «إن محمدا بلغ الذروة، ومن صار في القمة لا يحتاج إلى رفيق!» # فهز الطبيب رأسه وطفق يتفحصها ويسأل زملاءه عن العلاجات التي وصفوها، ووقف حائرا ~~يخاطب الأطباء بقوله: كل ما فعلتموه ووصفتموه كان صحيحا. # ووقف «ماديسون» حائرا، ثم اقترب من العليلة ثانية يجس صدرها، فارتطمت أصابعه بشيء صلب ~~خيط طي قميصها فانتزعه بعنف، وإذ رآه انتفض صائحا: «سم البنغال!» هذا السائل هو السم ~~الذي يقتل ببطء وليس له من علاج! # وتطلع إلى الأطباء هائجا: من منكم وصف هذا العلاج السام؟ # وصاح محمد هلعا: رئيفة! من أعطاك هذه الزجاجة؟ # فابتسمت رئيفة وتكلمت بهدوء الظافر: لا تتهم أحدا. لقد فتشت عن هذه الزجاجة طويلا حتى ~~وجدتها أخيرا في سوق العطارين. ما هي بزجاجة تلك، وما سائلها بسم، بل هي الدواة التي ~~بحبرها كتبت رائعتك «عنترة والنفط». والآن اقترب مني وخذ بيدي وحدثني عن الحفلة الافتتاحية ~~في كاليفورنيا وكيف استقبلتك دمشق في المطار ... # وشعت الحياة في وجهها ومضة ثم اضمحلت. # | الخطاب المبتور # وقعدنا في ديوانه نتحدث صامتين؛ أنا والباشا. # أصغي أنا إلى أفكاره فأسمعه يقول: «أنا الوزير وهذا ديواني. إن صحف بيروت تطبع صورتي ~~وتنشر أخباري كل يوم. بين يدي سيف السلطة، وجاه الحكم، وأبهة السلطان. أنا عشير ~~الملوك وخليل السفراء. إيماءة من إصبعي على هذا الزر، تسير جيشا. من هذا الشبح الجالس ~~أمامي، الطافر من ظلمة ماض بعيد؟ ms38 بلى، عرفته في الجامعة، ولكن ذلك منذ ربع قرن. وليكن ~~اسمها جامعة، فهي مدرسة على كل حال. وماذا يهم إن كان هذا الرجل ذا شأن في أيام التلمذة ~~ومتفوقا علي؟! هذه مدرسة الحياة وأنا فيها وزير. أما هو، من هو هذا العائد من مهجر يجهل ~~موقعه أساطين الجفرافية؟ ومن يأبه لتلك التسعة دولارات والثلث من الدولار التي قيل إنه جاء ~~بها من غربته؟! وما له يقتعد ذلك الكرسي مثقلا بثقة النفس؟! وما هذه البسمة الساخرة على ~~شفتيه؟! تراه تحدثه نفسه أنه أحق بمقعدي مني والله ... # وأنصت هو إلى صمتي فراعته رعود تفكيري وبروقه: «الله، الله! هذا نديم بعينه، رحم الله ~~عهد التلمذة، يوم كان مسعود يتبع خطواتي مبصبصا بذنبه، متوددا إلي، يستكتبني خطابا أو ~~يرجوني أن أصلح له مقالا، ثم يستعطفني أن أتوسط له صحافيا ينشر له ذلك المقال. بلى، كان ~~مسعود موسرا فأبوه يغدق عليه الحوالات من أوستراليا. وكان مسعود أنيق الثياب. ولقد أوحت ~~أناقته وفخامة مظهره الأجوف إلى أحد مجان الجامعة «سمير ملوك» أن يطلق عليه لقب «الباشا». ~~وهذه خمس وعشرون سنة مرت، تقلب خلالها مسعود على كراسي الحكومة حتى منحه ملك عربي لقب ~~باشا. # فصار «الباشا» باشا من صحيح. هل انتقمت الأيام منا أم أنصفت مسعودا؟ وكدت أقهقه هزءا ~~بنفسي وبسمير ملوك، أم هزءا بمسعود؟! لم أدر ... # ولبثنا في صمت يشق دويه الآذان، حتى التقت عيوننا، فابتعد اللؤم عن نفسينا، وذبنا نحن ~~الاثنين في ضحكة طاهرة، هي سكرة الروح إذ تستل من ذكريات صباح العمر أشعة تنفذ إلى كوى ~~النفس فتثير ظلمة كهولتها وتبخر ما فيها من قذارة، فنسينا الخصام والتفوق والحسد. ومضت ساعة ~~أنس ودعابة، فلما هممت بالانصراف، صاح بي مسعود: «إذن أنت عازم على زيادة «سرابايا»؟ ما ~~أجمل هذه المصادقة! أنا قاصد إلى «سرابايا». هي في قائمقامية «العباسية». ما اسمه؛ صديقك ~~الذي قتل في «الفلبين»؟ رشيد المغربي؟ بيت المغربي جماعة «أوادم». في الانتخابات الماضية، ~~أعطونا أكثرية 94 صوتا. سآمر الحاجب أن لا يطلب منك بطاقة ms39 حينما ترجع في صباح الغد. ادخل ~~هذا الديوان فور وصولك. نمشي حوالي الساعة العاشرة ... على فوقه، يجب أن تنسفهم خطابا. لئن ~~كنت نسيت صنعة الخطابات ففي ديواني كاتب لا بأس به يحسن إنشاء الخطب. لا تدفع له شيئا ~~فمعاشه يكفيه، وأنا دائما أتصدق عليه بشيء. رويدك! وكبس الزر الكهربائي كبستين طويلتين، ~~وكبسة قصيرة، فما أسرع أن هرول إلينا رجل أصلع شاخ فتيا، فزرر سترته وانحنى متضعدا أمام ~~الباشا؛ فخاطبني الباشا مشيرا إلى الكاتب: «لعلك تذكره، هذا «سمير ملوك».» ~~••• # ولقد علمتني الغربة احترام الوقت وتقديس المواعيد، فمثلت في ديوان الوزير في الساعة ~~العاشرة من صباح اليوم التالي، فلم أجده هناك. وبعد انتظار ساعة أقبل في طليعة جماعة ~~تواكبه، وجثم على كرسيه يتحدث معهم بشئون لم أفهم مغازيها، فمن بحث في سباق الخيل، إلى ~~الإعجاب بفيلم مصري ظهر حديثا، إلى نقد قصيدة رثاء، إلى مفاضلة بين سيارتي «كرايسلار»، ~~و«بويك». وأنا بينهم صامت مشدوه حتى جاءت ساعة الظهر فدعاني الباشا إلى الغداء معه. ولم ~~نترك بيروت حتى الساعة الواحدة بعد الظهر؛ إذ سرنا في قافلة سيارات تحمل جنودا وموظفين، ~~وكنا كلما بلغنا قرية، أوقف الموكب جمهور القرويين، وتبادل الوزير الخطب معهم والأحاديث ~~السياسية. وأذكر أن وظيفة معاون جمرك في بيروت كانت شاغرة في ذلك الحين، وكان الوزير ~~يعد بها عشرة أشخاص في كل قرية نمر بها. وكان الباشا يباهي أمامي بدهائه السياسي: ~~«السياسة (وتفلسف الباشا) هي أخذ وعطاء. خذ مواعيد بأصوات انتخابية، وأعط وعودا بوظائف ~~حكومية.» # قلت: «وإذا جاء يوم الحساب، فكيف تبر بوعودك لهؤلاء وتقعدهم كلهم في كرسي واحد، ~~أتراك تفعل المستحيل وتكذب علماء الطبيعة ...؟» # فابتسم وقال: «إن السياسي هو رجل يفعل المستحيل، ووظيفة معاون الجمرك اتفقنا بالأمس مع ~~دمشق أن تكون لسوري!» وقهقه. # وراح الباشا الوزير يضخم في عيني نفسه كلما أوغلنا في هذه السفرة، فطفق يحدثني من جديد ~~عن ذلك الكتاب الذي يهم بتأليفه، وأنه يستمد عناصره من الحياة مباشرة. وصار الكتاب يضخم ~~بعد كل استقبال، حتى حسبت أنه إذا ms40 استمرت استقبالات الأهالي، فسيصبح الكتاب دائرة ~~معارف. # وهون الله، فبلغنا سراي «العباسية». وكان الاستقبال هنالك رائعا؛ إذ أتت وفود القرى ~~ببيارقها، واستلفت نظري علم «سرابايا» المتعدد الألوان. وعلا الهتاف للوزير. وسرعان ما ~~اعتلى الباشا منبرا وراح يخطب في الشعب؛ فبعد أن تغنى بالعباسية وأمجادها التاريخية، ~~وأكد لسامعيه أن أيا من أبناء قائمقامية «العباسية» يفوق سوبرمان، وطرزان، وغاندي، ~~وأنشتين، ونيوتن، وعلي الزيبق أو هنري فورد أو عنترة العبسي؛ تخلص إلى ذكر «الفلبين» ~~والفاجعة التي نزلت بالشرق المتوسط باستشهاد البطل رشيد المغربي، وأن الباشا حينما علم ~~بالخطب من صديقه - وأشار إلي - أسرع فسألني أن آتي بنفسي لأحمل لبني العباسية وصية شهيدهم ~~الأخيرة. # إذ ذاك أشرقت علي الحقيقة حين عرفت أن زيارة الباشا للعباسية لم تكن صدفة، وأنه اقتادني ~~إلى هناك ليستثمر حضوري ويبتاع به أصواتا انتخابية. وكأنه لمح حنقي، وكنت إلى جانبه على ~~المنبر، فأخذ يقدمني للجمهور، ويعزو إلي مقاما سياسيا في المهجر لم أحلم به، وغمرني ~~بألقاب علمية لم أسمع بها، ولقبني بسموأل لبنان الذي تحمل أخطار الأسفار ومشاقها إلى ~~لبنان لأحمل وصية الصديق الأخيرة. # وجاء دوري للخطابة، فنهضت وفتحت فمي: # أيها الإخوان # كان رشيد المغربي بين يدي حينما لفظ أنفاسه الأخيرة، فهز حامل علم «سرابايا» ~~بيرقه وصاح: «فليحي بطل سرابايا!» # فأجابه فتى يحمل علم «الفحيص»: «اخرس! إن رشيد المغربي ابن الفحيص، فليحي رشيد المغربي ~~بطل الفحيص!» # وتطايرت الشتائم، واشتبك بنو القريتين في معركة بترت خطابي؛ فوجمت واتخذت موقفا ~~حياديا. ولقد علمتني معارك «الفلبين» أن الحذر كل الشجاعة، فهرعت أبتغي مكانا قصيا، ~~غير أن أمواج المعركة غمرتني، ولم أدر إلا وعصا كسرت على كتفي الأيسر، فماجت الدنيا في ~~عيني ووقعت على الأرض أستمع إلى أصوات القتال بيمنى أذني، وأصغي باليسرى إلى زقزقة ~~عصافير الجنة ... # وفرق الجند بين المتقاتلين، وتوسط العقلاء؛ فسكنت الجلبة، واعتلى الوزير المنبر ~~ثانية. فبعد أن مجد قرية «سرابايا» وعظم ضيعة «الفحيص»، ذكر أن الشهيد رشيد المغربي ولد ~~في «سرابايا»؛ فهو ابنها غير منازع (هتاف من بني سرابايا)، غير ms41 أن أملاكه في «الفحيص» ~~وزوجته منها، وفيها كان عداد تذكرة نفوسه؛ فهو بدون شك فتى «الفحيص» (هتاف من الفحيصيين). ~~وكان الباشا يود أن يطلق على الشهيد لقب «بطل القريتين»، ولكنه يريد أن يزيد إلى أمجاد ~~«العباسية» التاريخية فتحا جديدا، فهو يرغب إلى الجمع أن يوافقوه على تسمية الشهيد «بطل ~~العباسية» فدوى الهتاف، وأطلق الرصاص، وهاج القوم فرحين مؤيدين اقتراح الوزير في حكمته ~~السليمانية، فشكرهم الباشا، وتمنى الشفاء العاجل للأربعة عشر جريحا. # حينئذ تقدم زعيم المقاطعة وبلغ الوزير قرارات القوم التالية: # أولا: # مطالبة الحكومة الأميركية بتعويض مالي لأسرة الشهيد. # ثانيا: # إقامة تمثال ل «بطل العباسية» وتوجيه الدعوة للتبرعات إلى المهاجرين في ~~أنحاء الدنيا. # ثالثا: # مطالبة رئيس الجمهورية اللبنانية بتعليم أولاد الشهيد على نفقة ~~الحكومة. # رابعا: # شكر فخامة الوزير لعطفه على المقاطعة. # خامسا: # إرسال تلغرافات إلى صحف بيروت بهذا المعنى. # قال الوزير لسائق السيارة: «تمهل!» وأوضح لي: «أريد أن أتمتع بمشهد هذا المغيب. أود في ~~كتابي وصف سيارة تنحدر إلى بيروت عند الغروب. وعلى ذكر كتابي آسف أنك لم تنه خطابك. قل لي ~~ماذا كانت كلمات الشهيد الأخيرة؟ فقد سمعت أنه مات بين ذراعيك.» # أجبت: «لقد نطق بكلمة واحدة قبل أن يلفظ أنفاسه.» ~~- أي كلمة؟ ~~- كلمة «آخ!» ~~- قل لي كيف صرع؟ ~~- كان بين نارين. ~~- اليابانيون والأميركان؟ ~~- اليابانيون وزوجته. ~~- وكيف كان ذلك؟ ~~- أرادت زوجته أن تغسل فسطانها، فأمرت زوجها رشيد المغربي أن يملأ لها سطل ماء من قسطل ~~قرب اليابانيين، فلما دنا منهم صوبوا البنادق وأمروه بالرجوع. ~~- ولماذا لم يرجع؟ ~~- لأن امرأته أمرته أن يملأ السطل ماء ... ~~- إذن فقد مات ... ~~- حاملا سطلا ... # قال الباشا: «أريد أن أصف - في كتابي الجديد - كيف يتفجر الدم من صدر قتيل. قل لي بم ~~شعرت حين رأيت الدم يفور من صدر صديقك؟ ~~- لم يكن هناك من دم. ~~- إذن كيف قتل رشيد المغربي؟ ~~- الخوف قتال يا باشا! # وقبل أن نترجل من السيارة في بيروت، شعرت أنه جاء دوري بإلقاء سؤال؛ فتطلعت إليه ~~وسألته بلهجتنا أيام التلمذة: «مسعود! كيف حذقت ms42 هذا النفاق؟» فضحك حتى كاد يغمى عليه، ~~وأمسك بكتفي الصحيحة وخاطبني بلهجة الحكيم يعظ أحمق، فقال: «الصدق قتال يا ~~باشا!» # وحينما غابت سيارته عن عيني وانقطع صوت قهقهته، تبلجت لي الحقيقة المؤلمة، وهي أن مسعود ~~ألبسنا في زمن الكهولة وفي مدرسة الحياة لقبا خلعناه عليه أيام الصبا وفي مدرسة التلمذة، ~~فخاطبت نفسي معترفا بلقبي الجديد: «هذه حال الدنيا يا باشا.» # | البرهان القاطع # بعد السلام والكلام، أسمعني تلك العبارة من جديد، فأمسكت بكلتا يدي قميصه من تحت عنقه ~~وهززته هزا عنيفا رجرج نظارتيه، وصحت: انطق بهذه العبارة مرة ثانية، تر نفسك مضطجعا ~~على مخمل هذا الرصيف تعد نجوم السماء في هذه الظهيرة ... # ولقد كنت فظا قاسيا على مخاطبي، ولكنها عبارة سمعتها من كل من لقيته بعد رجوعي إلى ~~«مانيلا» على إثر دخول القوات الأميركية تلك المدينة، وتحريرها من اليابانيين؛ إذ طفت ~~الشوارع والمتاجر أطلب وأتداول مع أصدقائي ومعارفي في شئون تحصيل الرزق. وكانت كل محادثة ~~تبتدئ أو تنتهي بنفس العبارة: «افتح خمارة.» # كيف أفتح خمارة وقد ولدت وشببت في «بعقلين» لبنان، تدوي في أذني كلمة «حرام». بلى، ~~حرام أن تقبض «فائضا» على دين؛ حرام أن ترمي بكسرة الخبز، أو تنفق من معاشات الحكومة أو ~~من دفعات المهاجرين؛ حرام أن تدخن سيكارة أو تفوه بشتيمة؛ كل شيء حرام إلا عبادة الله، ~~وقهر النفس، وحراثة الأرض، والعناية بها. # وهنا في «مانيلا» يريدونني أن أفتح خمارة! أي شيء من ماضي بان سافلا فشجعهم على مثل ~~ذلك الاقتراح! فلا عجب إذن أن ثار حنقي حين سمعت تلك العبارة من جديد. وإني عصبي المزاج لا ~~أقوى على كبح غضبي متى ثار، لا سيما إذا كان خصمي وضيع الحال، نحيل البنية. عجبا لسراع ~~الغضب: كيف يضبطون عواطفهم أمام من يفوقهم قوة أو شأنا؟! ذكرني متى اجتمعنا أن أروي لك كيف ~~استطعت أن أكبح جماح غضبي في حضرة ضابط ياباني يدغدغ كتفي بسوطه، ويصف السالفين من أهلي ~~بكلمات تسمع ولا تطبع! # وحين أفلتت فريستي من يدي تابعت تسياري ms43 في الشوارع، فألفيت حوانيتها خمارة تجاور خمارة، ~~فضلا عن متجولي الباعة الذين ملئوا جيوبهم وأيديهم بقناني الوسكي، والجنود والبحارة يملئون ~~الشوارع والأقنية بأجسامهم وشتائمهم ودولاراتهم وعراكهم. ولئن جاز أن تسمى دمشق مطبخا ~~كبيرا، فقد كانت «مانيلا» في تلك الأيام حانة كبيرة. # وفيما أنا أحسب نفسي أسير وحيدا، تطلعت فإذا بالأسود الباسم ذي القرنين والذيل الطويل ~~يماشيني قائلا: يا مجنون! حين ترجع إلى لبنان، سيسألونك: كم جمعت من مال، لا كيف جمعت ~~المال. ارجع عن غباوتك، وافتح حانة تغنيك في شهرين. تلك الدنيا التي عمرت بها مخيلتك طمست ~~ولن ينقب عن آثارها الباحثون! ~~«هلو عمو!» بادرني وليم زعرور الجندي اللبناني الأميركي، طاردا الشيطان من جواري: ~~«أراك سابحا في التفكير، بماذا تفكر عمو؟» قلت: إني أفكر بوسيلة أكسب بها دولارا من غير ~~أن أفتح خمارة! # قال: لماذا لا تحاول الخدمة في الجيش؟ ~~- هاه؟! ~~- كمدني أعني. إنهم يستخدمون ألوف المدنيين. اذهب إلى البناية الكبرى قرب المرفأ ~~وقدم استدعاءك. # وحين صعدت درجات تلك البناية، لم أدر كيف بلغتها؛ فإني لم أركب أي عجلة تمشي على ~~دواليب، كذلك لم أذكر أن قدمي لمستا الأرض، غير أني أعرف من نفسي أني متى أردت الإسراع ~~شددت على كتفي جناحين. ~~«إني أطلب عملا.» أجبت الفتاة الأميركية التي سألتني: «هل في وسعي أن أسعفك؟» فناولتني ~~ورقة ملأتها باسمي، وجنسيتي، وسيرة حياتي، واسم أبوي، وثقافتي، وأمضيت تلك العريضة ~~ودفعتها إلى الفتاة سائلا: متى أعود؟ # قالت: إن لم تكن في عجلة فاصبر قليلا، نحن في حرب ونفعل كل شيء بسرعة. # فجلست في قاعة الانتظار هنيهة، وسرعان ما عادت الفتاة مبتسمة قائلة: تفضل بمقابلة كابتن ~~كلي. # وتبعتها إلى حيث أشارت، فنهض الكابتن وحياني وقدم إلي سيكارة قائلا: إني درست عريضة ~~استدعائك. إن المعاش الذي ندفعه لك هو 150 دولارا. أراك تبتسم. إني أدري أن هذا المعاش لا ~~يكيفك؛ أنتم المدنيين تدفعون دولارا ثمن عشرين سيكارة وثمانية دولارات ثمن كيلو لحم؛ لهذا ~~دعوتك إلي. أراك تدعي أنك خريج الجامعة الأميركية في بيروت! هذا ms44 حسن، حسن جدا! إننا ~~نحسبك كخريج جامعة أميركية في الولايات المتحدة ونجعل معاشك تسعمائة دولار ، أراك فرحا. ~~إنما لا تتعجل، فنحن نريد برهانا قاطعا على أنك خريج الجامعة الأميركية في بيروت ... هل لك ~~أن تأتيني بشهادتك؟ # قلت: إنها ... ~~- احترقت. هذا ما كنت أخشاه. ~~- لا ... لم تحترق، ولكني أحرقتها خوفا من اليابانيين. غير أنه في وسعي أن آتيك بشهود ~~... ~~- شهود؟ ما نفع الشهود. أنا في وسعي أن آتيك بشهود أنني أنا الرئيس روزفلت وغريتا ~~غاربو. ~~- لماذا لا تبرقون إلى بيروت؟ ~~- التلغرافات هي للأمور الحربية فقط، ولكن تعال معي إلى ج2؛ دائرة الاستخبارات؛ هناك ~~يعرفون متى حشوت ضرسك، وماذا همست في أذن حبيبتك إذ قبلتها لأول مرة. هيا بنا فمكتبهم في ~~البناية المقابلة. # ومشينا معا، ولم أستغرب الأهمية التي يعلقونها على الجامعة الأميركية في بيروت؛ فإني ~~ما حدثت أميركيا إلا وجدت أنه قد سمع بتلك الجامعة؛ فمعظمهم يجهلون أين هي سوريا أو ~~لبنان، ولكنهم يعرفون الجامعة الأميركية في بيروت ... إنها مؤسسة ثقافية عظمى مكانها إسطمبول ~~أو أثينا أو القاهرة، وربما كانت في القدس أو بغداد. # وودعني الكابتن كلي بعد أن عرفني إلى الماجور ملر وخوفني منه قائلا - مشيرا إلى ~~ملر: «حذار من هذا الذئب، لئن دعاك إلى سهرة فارفض الدعوة.» ثم زاد: «لئن جئتهم بالبرهان ~~القاطع أنك خريج جامعة بيروت، فابدأ عملك في صباح الغد بمعاش تسعمائة دولار.» فشكرته ~~وانصرف. # أما ملر فقد كان سريع الخطا، قلق الصوت، يختطف الكلام، ولكنه كأكثر الأميركان، مصقول ~~التهذيب لطيف، ففتح الباب الذي وراء طاولته ودعاني: «لنمش إلى الشرق الأوسط؛ إنه في الجناح ~~الأيسر من هذه البناية.» # ودخلنا غرفة كبرى كتب على رتاج بابها «الشرق الأوسط»، عمرت بالرفوف تحتشد فيها الكتب ~~والأوراق والصور. وما إن لفظ ملر «الجامعة الأميركية في بيروت» حتى جاءه القائم على تلك ~~الغرفة بدفاتر وكتب. وراح الماجور يقرأ إحداها عابسا بعض الأحيان، ومقهقها تارة قهقهة ~~هزت كل خلية في جسمه، ثم سألني: بالطبع أنت تذكر بعض أغاني الجامعة؟ # فوقفت وأنشدت منها أغنيتين. ms45 # فقلب مجلد صور فوتوغرافية وسأل: «هؤلاء الرجال، هل تعرف منهم أحدا؟ فحدقت وأجبت سلبا. ~~وقلب الورقات إلي ثانية، فأشرت بإصبعي إلى تلك الهامة الجرمانية تعممها عليقة من الشعر ~~الأبيض الكثيف وأجبت: «رحم الله الأستاذ نيكولي مدرسي في علم الاقتصاد.» ~~- وهذه البنايات؟ ~~- بلى، هذه «وست هول» حيث تقام الحفلات. # وكدت أن أحدثه عن «لولا المحامي» و«نخب العدو»، غير أني ذكرت أن الأميركان يمقتون ~~المتبجحين. # ثم راح يتصفح دفترا آخر ظهرت فيه حوانيت ومتاجر ومطاعم، فلما أن وصل إلى صفحة 43، صحت: ~~«قف! هذا هو المطعم الذي يقابل بوابة الجامعة. هذان صاحباه الأخوان توفيق وأديب فيصل، ~~وهذا الدفتر الأسود الذي بينهما هو دفتر الهوالك. لو تصفحته لرأيت حسابي غير المدفوع؛ 34 ~~ليرا و28 قرشا.» # فأطبق الدفتر ودفع به وبالكتب إلى القيم على تلك الغرفة. وصمت برهة مفكرا ثم خاطبني: ~~اسمع! نحن في حرب وأنا جندي في جيش. إني مقتنع أنك خريج جامعة بيروت، ولكننا في الجيش لا ~~ننفذ الأمور بسبب الأوهام أو الاقتناع أو الشعور أو الظواهر، بل نتقصى الحقائق الراهنة. ~~ما أدراني أنك لم تكن مستخدما في الجامعة، أو تلميذا، أو أنك عرفت هذه الأمكنة والأشخاص ~~بسبب مصادقتك لأحد الناس في الجامعة؟ إني آسف أن ليس في مقدوري أن أثبت للكابتن كلي أنك ~~خريج جامعة بيروت؛ إذ إنك لم تأتني بالبرهان القاطع. غير أنه في طاقتي أن أخدمك. تعال إلى ~~حانوت الجيش واشتر بعض حاجاتك. أسعارنا بخسة.» # وهبطنا إلى الحانوت، وهو في الطابق الأول من البناية، فعجبت لهذا الجيش يحارب ويصطحب معه ~~ما رأيت من بضائع؛ فقد أبصرت الغرائب: كمنجة، قيثارة، ماندولين، كل أنواع العطور والحمرة ~~والبودرة ... وما فتح الله ورزق من ضروري وغير ضروري. لا عجب أن قال ذلك القائد الألماني في ~~إيطاليا: «الجيش الأميركي؟! زمرة مليوناريين في أثواب جنود.» ولما فرغت الفتاة التي تتولى ~~البيع من خدمة أحد الزبائن، اقتربت من رفيقي الماجور فحيته: مرحبا يا عشيقي! # أجابها: مرحبا يا جميلة الوجه! # قالت: حسبتني نفضت يدي من كريه خدمتك أمس ms46 حين اشتريت كل حاجاتك بتلك المزيفة التي ~~أعطيتنيها صباح البارحة. # أجاب الماجور: ما كنت لأرجع إلى التطلع إلى سحنتك البشعة لولا أني أريد أن أشتري - وأشار ~~إلي - بعض حاجات لرفيقي. هاك وثيقة تخصيصاتي، ولا تبيعيني ثانية من تلك القاذورات التي ~~تسمينها بضاعة. # وتطلعت الفتاة إلى وثيقة التخصيصات بلحظة خاطفة، وكلمتني «إن جشع صديقك لم يبق له حقا ~~بالشراء إلا حذاء واحدا «ومشمعا». قلت للماجور: «لعلك في حاجة إليهما.» # فمد قدمه يريني حذاء بنيا جديدا، وأشار إلى مشمع يحمله على زنده وأجاب: «لقد اشتريت ~~هذين أمس وعندي في الخيمة سواهما.» # وقاست الفتاة قدمي وقامتي بلحظة خاطفة ثانية، وجاءتني بسرعة البرق بشمع قياس 42 وحذاء ~~بقياس ~~؛ فنقدتها 11 دولارا، وحملت ما ثمنه في المدينة 120 دولارا. وراح ~~الماجور يشوقني إلى شراء أغراض ثانية مباحة كمياتها ولا ترتبط بوثيقة مخصصات، فرفضت ~~شاكرا؛ فإن آداب السلوك في «بعقلين» لبنان، هي أن لا تشبع على مائدة مضيفك مهما برح بك ~~الجوع. # وكان رفيقي من أولئك الذين تزخر معلوماتهم فتطوف عن ألسنتهم فتفرق عشراءهم؛ إذ ما أسرع ما ~~سمعت الماجور يقول: «أنت من العنصر السامي بلا ريب. انظر إلى قامتك فهي في طول قامتي ~~وعرضها، كلانا في قياس 42، أما حذاؤك فهو قياس ~~، في حين أني ألبس ~~. إني أراهن أن ساقي أعلى من ساقك.» وكشف بنطلونه ودعاني إلى المقايسة، ~~فوجدته صادقا؛ إذ إن ركبته علت ركبتي بنحو قيراط. وعاد الماجور إلى دلق المعلومات: «لا عجب ~~فأنت سامي وأنا إنكلوسكسوني. أما هذه الفتاة فهي أسوجية الأصل، وإني أراهن أن ساقها أطول من ~~ساقي مع أنها امرأة.» فدارت الفتاة حول الحاجز الذي يفصلها ووضعت قدمها قرب قدمينا وحسرت عن ~~ساقها إلى همامة فخذها، فبانت ركبتها أعلى من ركبة الماجور بنحو نصف قيراط. وكأنما رفيقي ~~رأى ما أرعبه، فجس «بطة» ساق الفتاة وصاح: «حذار! فقد ضخمت بطة ساقك واشتدت وإن هذا في ~~المرأة لعيب، خففي من الألعاب الرياضية.» # فأجابت الفتاة مشمئزة: «كذب وبهتان. إن ساقي جميلتان! ليس من فتى في ms47 الجيش لم يهنئني ~~على هندامهما. كذلك لن أنقطع عن العتلتة.» # ودارت نحوي ودعتني لأن أجس: «قل لصديقك هذا الخبيث إن كانت بطة ساقي ضخمة العضلات.» فلمست ~~ساقها لمسة خفيفة وابتسمت متأدبا شأن الغريب لا يود أن يشترك في جدال بين ~~صديقين. # وحين صرنا في الباب منصرفين، التفت الماجور إلى خلفه وسأل: «ماذا تفعلين هذه الليلة؟» ~~أجابت: «اسأل الليوتنان سمث، هو الذي يخرج بي هذه الليلة.» # فغمز رفيقي بعينيه وصاح: «بعض الفتيات محظوظات.» أجابت صديقته بعد أن أخرجت لسانها ساخرة: ~~«بعض الضباط طوال الألسنة!» # وحين صرنا في الشارع، فاضت معلومات الماجور ثانية فجدد ملاحظاته الفلسفية: «إن الذين لا ~~يفهمون الأميركان يعيبوننا بأمور نحن منها براء. إن دعابتنا مع النساء طاهرة ليس فيها لؤم ~~الفجور، فلسنا نحسب أعضاء الجسم مما يحرم ذكره أو لمسه.» أجبت متلعثما: «صدقت، لقد ~~عايشت الأميركان وخبرتهم.» واحمر وجهي. تراه لاحظ كيف بلعت ريقي وارتعشت أناملي حينما ~~لمست تلك الساق؟ وأردت الافتراق عنه، فجرني إلى مطعم عبر الشارع وأصر على أن أشاطره ~~زجاجة بيرة، فجلسنا نتحدث كثر من ساعة استهلكنا خلالها زجاجات لا زجاجة واحدة. ولم يشأ إلا ~~أن يدفع عني، فشكرته. وودعني معتذرا، شاجبا قوانين الجيش التي تغل يديه عن خدمتي وتسهيل ~~أمر استخدامي. # ووقفت في عتمة ذلك الشارع - خارج الرستوران - وقد بدأ المطر يقع رذاذا، فوضعت المشمع على ~~كتفي من غير أن أرتديه، وكانت أوركسترا المطعم تعزف لحنا خافتا، وفي نفسي ظلمة أشد ~~حلكا من عتمة الشارع، وفي قلبي وحشة وغمرة حزن. # لقد مرت بي مواقف يأس كثيرة في هذه الغربة المريرة. أذكر يوم كنت أتمشى بابنتي ~~الصغيرة في البولفار إذ مر بائع بالونات ملونة منفوخة، فنادته ابنتي وصرفته أنا؛ إذ لم ~~يكن معي ثمن ذلك البالون. كذلك أذكر رعب السجن الياباني؛ حيث ضاجعت طيلة الليل رجلا ~~صينيا ميتا لفظ أنفاسه في وجهي وصبغت دماه قميصي. وأذكر يوم اختبأنا رجالا ونساء ~~وأطفالا في كهف اتقاء غارات الطيارات، ووقعت القذيفة قربنا بحيث لفحت وجوهنا ريحها، ~~ولكني لا ms48 أذكر مرارة قطعت نياط قلبي مثل تلك التي شدت على أوتاره حين وقفت خارج ذلك ~~الرستوران لا أدري إلى أين أسير، ومن أين أكسب الرزق في اليوم التالي. حقا، إن الحيرة آلم ~~على النفس من الخيبة، والخوف، والفاقة. # لا أدري كم طال وقوفي هناك: ألحظة أم ساعة؟ ولكني استفقت من غيبوبة آلامي على قهقهة ~~الماجور، تلك الضحكة التي كان يقهقهها في مكتبه وهو يقلب الكتب وينهال علي ~~بالأسئلة. # وفيما هو يقهقه خاطبني بكلمات متقطعة: رح إلى الكابتن «كلي» غدا، وقل له أن يضع اسمك ~~في قائمة المستخدمين بمعاش 900 دولار في الشهر. لقد ظفرت بالبرهان القاطع على أنك من «خريجي ~~الجامعة الأميركية في بيروت». # وخلع مشمعه مقهقها من جديد، متابعا حديثه: الظاهر أننا تبادلنا المشمعين؛ فحين مددت يدي ~~إلى جيب المشمع أتطلب محرمتي وجدت هذا ... # وانتشل من جيب المشمع تلك الملاعق الأربع التي استملكتها أنا من المطعم حيث شربنا البيرة ~~... # | قهوة سوراط # لليوتولستوي # كان في سوراط - إحدى مدن الهند - قهوة يؤمها الكثيرون من المسافرين والأغراب من مختلف ~~جهات العالم، فإذا هم اجتمعوا أنس كل إلى رفيقه وأقاموا يتفكهون ويتحادثون. وقد ساقت ~~التقادير إلى تلك القهوة رجلا فارسيا من المولعين بعلم اللاهوت، وكان الرجل قد أنفق ~~العمر يبحث عن طبيعة الله، فدرس كتبا كثيرة ونشر تآليف عديدة، وكأنه استرسل في درسه ~~وتنقيبه استرسالا غير محمود، فلم يلبث أن أصابه الخبال، فكف عن اجتهاده، وتمادى في الكفر ~~حتى لم يعد يؤمن بوجود الله. فلما اتصل أمره بالشاه، غضب عليه وطرده من بلاد العجم. وهكذا ~~ساء أمر اللاهوتي؛ فبعد أن جادل العمر كله مدافعا عن «السبب الأول»، صارت حاله إلى ~~البلبلة، فبدلا من أن يفطن إلى جنونه وفقده «عقله» أمسى يعتقد أنه ليس ثمة من «عقل» يدير ~~هذا الكون. # وكان في خدمة هذا العجمي عبد أفريقي يسير في ركابه أنى توجه، فلما دخل القهوة قعد ~~العبد على حجر في الخارج «يتشمس» ويلهو بطرد الذباب الذي كان يزعجه بأزيزه حول أذنيه. ~~وما إن اطمأن ms49 باللاهوتي مجلسه في الديوان، حتى طلب كأسا من الأفيون لم يكد يتجرعها حتى ~~أسرعت حركة دماغه وبدأ فعل الشراب يظهر فيه ، فخاطب عبده من خلال الباب قائلا: قل لي أيها ~~العبد الشقي، أتعتقد بوجود الله أم لا؟ # فأجاب العبد ثم أسرع فانتشل من منطقته تمثالا صغيرا من الخشب وصاح: «هو ذا الإله الذي ~~حفظني من يوم ولادتي، وليس في بلادنا من لا يؤمن بالشجرة المقدسة التي صنع منها هذا ~~الإله!» # أما رواد القهوة فقد استغربوا هذا الحديث بين اللاهوتي وعبده، وعجبوا لسؤال السيد، ولكن ~~عجبهم كان أشد حين سمعوا جواب عبده، وكأن ما فاه به العبد قد استغضب أحد الجلاس - وكان ~~برهميا - فصاح بالعبد: «ويحك أيها المعتوه! أفتحسب أن الإله يحمل تحت المناطق؟ لا إله إلا ~~براهما، وإنه لأعظم من العالم بأسره؛ إذ إنه هو الذي خلقه؛ لهذا نحن شدنا من أجل تكريمه ~~الهياكل على ضفاف الكنج حيث يسبحه البراهمة، فليس في الدنيا من يعرف الله سواهم. وها قد ~~نشبت الثورة بعد الثورة، فلم تفت في عضدهم ولا أنقصت من سيادتهم؛ إذ إن براهما - ولا إله ~~سواه - يحميهم ويصد عنهم غارات الأعداء. # وما إن فرغ البرهمي من قوله حتى سرت الخيلاء إلى نفسه؛ إذ توهم أنه أقنع الجمهور، ولكن ~~سرعان ما تلقاه أحد الحضور - وهو سمسار من اليهود - بقوله: ضللت يا صاحبي؛ فالإله الحقيقي ~~لم يختر هيكله في الهند ولا هو يحمي جماعة البراهمة. إن الإله الحقيقي، هو إله إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب، لا يعطف على غير شعبه المختار، وهم الإسرائيليون الذين أحبهم منذ بدء ~~الخليقة ولم يحب سواهم، ولئن يكن قد فرقنا اليوم في أنحاء العالم، فهو لم يفعل ذلك تخليا ~~عنا، بل إرادة أن يبلونا. ولقد وعد بأن يجمع شعبه يوما من الأيام في بيت المقدس، وإذ ذاك ~~يعود إلى بيت المقدس رواؤه ويهز بنو إسرائيل عصا الحكم فوق رءوس أمم الأرض أجمعين. # وغلب التأثر على اليهودي فأجهش بالبكاء. وفيما هو يحاول الكلام ثانية، قاطعه مبشر إيطالي ~~قائلا: إن ms50 ما نطقت به لضلال وأي ضلال! إنك لتنسب الظلم إلى جلالته تعالى، فهو لا يستطيع ~~أن يحب أمتكم أكثر من حبه سائر البشر، ولئن خص اليهود بحب في سالف الأيام، فلقد مضى على ذلك ~~الزمن أكثر من تسعة عشر قرنا؛ إذ أغضبوه وحملوه على محو أمتهم وتشتيتهم، حتى إنك لا تجدهم ~~إلا بقية مبعثرة هنا وهناك، وليس لدينهم تأثير فلا يعتنقه أحد. إن الله لا يفضل أمة على ~~أمة، بل ينادي الجميع أن ينضموا إلى صدر الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وهي وحدها كفيلة ~~الخلاص. # واتفق أنه كان بين المستمعين قس بروتستنتي، فاصفر وجهه، وتطلع إلى المبشر الكاثوليكي ~~وطفق يتكلم: عجبا لك! أفتزعم أنه لا خلاص بغير اعتناق دينك، وأن الخلاص نصيب الذين يخدمون ~~الله متمشين على سنة الإنجيل في نصه وفي روحه؟ # وكان إلى جانب المتحادثين رجل تركي يشغل وظيفة في جمرك سوراط لم ينقطع طيلة الحديث عن ~~تدخين غليونه، ولكنه حين سمع تتمة الحوار التفت إلى المسيحيين معا وخاطبهما بلهجة ~~الغطرسة: يا بطل ما تؤمنون بتلك الديانة الرومانية التي حل الدين الحقيقي - دين محمد - ~~محلها منذ أكثر من ألف ومائتي سنة. وهل في وسعكم أن تنكروا انتشار الدين الحنيف في أوروبا ~~وآسيا وتجاوزه الأقطار إلى بلاد الصين المتنورة؟ لقد قلتم لهنيهة خلت: إن الله قد نبذ ~~اليهود واستشهدتم على ذلك بذلهم ومسكنتهم، وبأن الناس يعرضون عن مذهبهم فلا يعتنقه منهم ~~أحد فأقروا إذن بحق الإسلام؛ إذ إنه خفاق اللواء في مشارق الأرض ومغاربها. حذار ~~حذار، فلن ينجو من عذاب الله إلا المؤمنون برسالة خاتم الأنبياء وصفوة المرسلين، ولن يخلص ~~من هؤلاء إلا أتباع سيدنا عمر لا أشياع علي، فإن هؤلاء قد نشزوا عن الدين القويم.» # وحاول اللاهوتي الفارسي - وهو من شيعة علي - أن يحتج على هذا الكلام، ولكن ارتفعت إذ ~~ذاك ضوضاء ملأت المكان؛ فقد كان أولئك الأغراب ينتمون إلى مختلف العقائد والمذاهب؛ فكان ~~بينهم مسيحيون من بلاد الحبش، ولاميون من تيبيت، وإسماعيليون، وأناس من عبدة النار؛ ~~فاشتركوا جميعا في ms51 اللغط والمماحكة في طبيعة الله وكيفية عبادته، وأصر كل على أن بلاده ~~انفردت بعبادة الله الحقيقي عبادة صحيحة، ولم يعتزل وطيس هذا الجدال إلا صيني من تلامذة ~~كونفوشيوس انكمش في أقصى زاوية من القهوة وأخذ يشرب الشاي على مهل ويصغي إلى حديث الباقين ~~من غير أن يفوه بكلمة، فلحظ التركي هذا الصامت، فخاطبه بلهجة الشاكي يختصم إلى قاض وقال: ~~إنك لتقوى على تثبيت الذي ذكرته يا أخي الصيني. لقد بقيت ساكتا حتى الساعة، على أنك لو ~~نطقت لما أيدت غير أقوالي؛ فإن التجار الذين يؤمون سوراط من بلادكم، فيأتون إلي في طلب ~~المساعدة؛ يؤكدون لي أن قد تسربت إلى بلاد الصين ديانات كثيرة، غير أن أحبها إلى الصينيين ~~هي الديانة الإسلامية؛ لذلك هم يعتنقونها عن طيبة خاطر. فهلا تثبتن كلامي وتبسط لنا ~~معتقدك في الله ورسوله؟ # فالتفت إليه الحاضرون جميعا وصاحوا به: «بلى، بلى، أسمعنا رأيك في هذا الأمر!» # فأغمض الصيني عينيه وفكر هنيهة، ثم عاد ففتحهما ثانية وسل يديه من كميه الواسعين ~~وطواهما على صدره، وأخذ يتكلم بصوت هادئ خافت يقول: يخيل إلي أيها السادة، أن لا شيء ~~يمنع الناس من الاتفاق في الإيمان إلا عجبهم وكبرياؤهم. اسمحوا لي أن أضرب على هذا مثلا ~~بالقصة التالية: «غادرت الصين وقدمت إلى هذه البلاد على باخرة إنكليزية كانت قد طافت حول ~~الأرض. وقد تحتم علينا أن ننزل إلى الشاطئ الشرقي من جزيرة سومطرا في طلب الماء العذب، ~~فلما بلغنا البر وكان الوقت ظهرا، نزل البعض منا يتفيئون أشجار جوز الهند، وكنا جماعة ~~ننتمي إلى مختلف البلدان. ولم يطل مكوثنا حتى وافانا رجل أعمى عرفنا عند بعدئذ أنه فقد ~~بصره لطول تحديقه في الشمس يبغي أن يستكشف طبيعتها ويحاول أن يقبض على ضيائها، وأجهد نفسه ~~فأطال نظره إلى الشمس؛ فلم يعد عليه هذا الجهد إلا بأن أضرت أشعتها باصرتيه فأخمدت فيهما ~~النور؛ يحدث نفسه حينئذ بقوله: ليس ضياء الشمس بسائل، فلو كان سائلا لسهل سكبه من إناء ~~إلى إناء، ولاستطارته الريح كما ms52 تفعل بالماء، وما هو بنار، فلو كان نارا لأطفأها الماء، ~~وليس ضياؤها بروح؛ لأنه ينظر بالعين، وما هو بمادة؛ إذ يستحيل تحريكه، إذن فما دام ضياء ~~الشمس ليس بسائل ولا نار ولا روح ولا مادة فهو إذن لاشيء! # تلك كانت حجته. أما استمراره على التحديق في الشمس والتفكر بأسرارها فقد سبب له فقد ~~بصره وإدراكه. فلما أن عمي جاء عماه مثبتا لاعتقاده بأن الشمس لا وجود لها! # وكان يرافق هذا الأعمى عبد له، فلما أجلس سيده في ظل شجرة جوز الهند، راح فالتقط جوزة ~~أخذ يعدها سراجا لليله، فجعل من خيوطها فتيلة، وعصر من جوفها زيتا غمس فيه الفتيلة. وإن ~~العبد لجاد في عمله، إذ بسيده يتنهد ويسأله: أفما كنت مصيبا يا عبدي حين قلت لك: إن ~~الشمس غير موجودة؟ أفلا ترى أي ظلام يحيق بنا؟ مع هذا يقول الناس: إن الشمس موجودة! لئن صح ~~ما يزعمون، فما هي الشمس؟ # فأجابه العبد: أنا لا أدري ما هي الشمس، وليس من شأني أن أتعرض لمثل هذا البحث، غير ~~أنني أعرف ما هو الضياء؛ ها أنا ذا قد أعددت لك سراجا أستعين به على قضاء أمورك في الليل، ~~والوصول إلى أي شيء تطلبه في الكوخ. # ثم التقط قشرة جوزة وقال: «هذه شمسي.» وكان إزاءهما رجل أعرج يسير على عكازين، فضحك حين ~~سمع هذا الكلام وقال: «يلوح لي أنك أعمى منذ ولدت، فأنت إذن لا تعرف ما هي الشمس، فاستمع ~~إلي أخبرك: الشمس هي كرة نار ترتفع في الصباح من البحر وتنحدر كل عشية بين جبال جزيرتنا. ~~ولقد شهدنا هذا كله - نحن سكان الجزيرة - ولو كان لك أن تتمتع بناظريك لتحققت صدق ما قصصت ~~عليك.» # فعارضه صياد سمك كان يصغي إلى الحديث بقوله: ما أسهل أن يعرف الإنسان أنك لم تبارح جزيرتك ~~قط! ولو لم يبتلك الله بالعرج فكنت قادرا على أن تطوف مثلي في قارب صيد؛ لعرفت أن الشمس لا ~~تغيب بين جبل جزيرتنا، بل ترتفع من الأوقيانوس كل صباح، وتغيب في ms53 البحر كل مساء. وإني أرى ~~هذا المشهد كل يوم، فهو إذن صحيح لا ريب فيه. # فقاطعه حينئذ رجل هندي كان بين الجماعة فقال: إنه ليدهشني أن ينطق رجل ذو بصيرة وروية ~~بمثل هذا الهذيان. أفيعقل أن كرة نار تنغمس في المياه من غير أن تنطفئ؟ ليست الشمس بكرة نار ~~ولكنها إله اسمه «ديفا # Deva ~~»، يعتلي عربة ويطوف الدهر كله ~~حول «مارو # Meru ~~» الجبل الذهبي، وقد تهيج الحيتان ~~الشريرتان «راغو # Ragu ~~» و«غاتو # Ketu ~~» فتبتلعانهما فيعم الأرض ظلام ويسرع كهنتنا إلى نجدة الشمس، فيضرعون ~~إلى الآلهة أن يطلقوا سراحها، فيستجاب دعاؤهم ويحل عقال الشمس. وليس في الدنيا من يزعم أن ~~الشمس لا تشرق إلا في بلاده غير أمثالك من الذين ضرب الجهل على عقولهم، وقضي عليهم أن لا ~~يفارقوا جزيرتهم.» # وجاء دور ربان سفينة مصرية فقال: أخطأت يا صاح، فليست الشمس إلها ولا هي اختصت الهند ~~بالتطواف حولها وحول الجبل الذهبي، إني جواب آفاق، طواف بحار، فلطالما دغدغت الرياح ~~شراع سفينتي في البحر الأسود وحيال شواطئ بلاد العرب، ولطالما زرت الفيلبين ومدغسكر. ولقد ~~علمتني أسفاري أن الشمس لا تنير الهند وحدها، بل تضيء على الأرض جميعا، ولا هي تطوف حول ~~جبل واحد، بل ترتفع في الشرق البعيد فيما وراء جزر اليابان وتغيب بعيدا بعيدا وراء أقصى ~~جزر بلاد الإنكليز. فمن أجل هذا أطلق اليابانيون على بلادهم اسم «نيبون # Nippon ~~»؛ أي «مولد الشمس». أنا واثق مما أقول؛ فلقد سحت كثيرا وسمعت ~~كثيرا من جد لي بلغ في تجواله أقصى زوايا البحر. # وأراد الربان المصري أن يستمر في الشرح، ولكن إنكليزيا من بحارة سفينتنا قاطعه الحديث ~~فقال: ما من أناس يجيدون معرفة حركة الشمس إجادة سكان بلاد الإنكليز. إن كل إنكليزي يعرف حق ~~المعرفة أن الشمس لا تشرق ولا تغيب، ولكنها تظل دائرة أبدا حول الأرض، وليس أدل على هذا من ~~أننا طفنا العالم بأسره، فلم نصطدم بالشمس، بل كنا أنى ذهبنا نجد أنها تظهر في الصباح ~~وتستتر في العشية. # ثم أخذ بيده قضيبا ms54 ورسم على الرمل دوائر، وحاول أن يشرح دوران الشمس حول الأرض، فأعياه ~~ذلك، ولمح في تلك اللحظة ربان السفينة الإنكليزي، فأشار إليه وقال: هذا الربان أعرف مني ~~بحقيقة الأمر، فسيتولى عني إيضاح ما غمض عليكم. # وكان الربان رجلا فطنا، وقد لبث صامتا طيلة الحديث، فلما توجهت إليه الأنظار وسأله ~~رفاقه أن يتكلم قال: إن كلا منكم يخدع نفسه ويضلل رفيقه؛ فإن الشمس لا تدور حول الأرض، بل ~~إن الأرض هي التي تدور حول الشمس وحول نفسها أيضا، فلا يمضي على هذه أربع وعشرون ساعة حتى ~~تواجه الشمس في اليابان والفيلبين وسومطرا وفي أفريقيا وأوروبا وأميركا وفي بلدان غيرها ~~كثيرة. فأنتم ترون أن الشمس لا تقتصر منفعتها على جبل أو جزيرة أو بحر، حتى ولا على أرض ~~وحدها، بل هي تشرك في الضياء سيارات كثيرة غير أرضنا هذه. ولو رفعتم بأنظاركم إلى السماوات ~~العلا، بدلا من أن تخفضوها إلى ما تحت أقدامكم، لوضح لكم أن الشمس لا تشرق من أجلكم وأجل ~~بلادكم فقط ...» # تلك كانت أقوال الربان الحكيم التي اكتسبها من طول تحديقه في السماوات ومن تجواله في بحار ~~العالم. ~~••• # فلما فرغ الصيني من سرد قصته قال: ما أشبه هذا المثل بالأمر الذي اختلفتم عليه، فإن ~~الخيلاء التي حملت كلا من ربان السفينة في سومطرا على أن يدعي ملك الشمس، واقتصار ~~منفعتها على بلاده، هي التي تحملكم على ادعاء ملك الله، واقتصار منفعته عليكم أو على أهل ~~مذهبكم. يا شد ما يفرق العجب بين الرجل والرجل! أفليست كل أمة تبتغي أن تحبس في هياكلها ~~ذاك الذي يقصر العالم بأسره عن أن يسعه؟ وما هو الهيكل - مهما عظم - إذا قيس بالعظيم الذي ~~ابتناه الله؛ لكيما يضم فيه الناس أجمعين إلى معتقد واحد وديانة واحدة؟ # إن الناس ابتنوا هياكلهم على مثال الله العظيم، فجعلوا لكل هيكل أجرانا، وسقفا مقببا ~~ومصابيح وصورا وتماثيل ونقوشا وكتاب شرائع وتقدمات ومذابح وكهنة ... ولكن قولوا لي: أي هيكل ~~حوى جرنا كالأوقيانوس، وسقفا مقببا كالسماوات، ومصابيح كالشمس والقمر والنجوم؟ ms55 وأي رسوم ~~تماثل الرجال الأحياء المتحابين المتعاونين؟ # أي آثار هي أظهر من آثار هذه البركات التي أغدقها الله على الإنسان لسعادته وهناءته؟ وأي ~~كتاب شرائع هو أوضح معاني من الكتاب الذي خط في قالب الإنسان؟ وأي ذبائح توازي التضحية التي ~~يقوم بها رجال هذا العالم ونساؤه؛ إذ يكونون متحابين؟ وأي مذبح شرف حتى ضارع قلب الرجل ~~الصالح؟ # كلما سما نظر الإنسان في خالقه، ازداد معرفة له، وكلما ازدادت معرفته لله، ازداد اقترابه ~~منه وتحديه إياه في صلاحه ورحمته وحبه للإنسان. فخليق بالرجل الذي يرى شعاع الشمس يملأ ~~العالم أن يترفع عن تأنيب ذاك الذي لا يرى من الشمس إلا خيطا واحدا من خيوط نورها، وأن ~~يتنكب عن احتقار غير المؤمن الذي عمي فلم يعد يستطيع أن يرى الشمس أصلا ... ~~••• # تلك كانت أقوال الصيني تلميذ كونفوشيوس، وقد أصغى إليها من في القهوة معجبين، فلما فرغ ~~منها بقي القوم صامتين وكفوا عن التباهي بعقائدهم والتفاضل بأديانهم. # 1 ms56