######OpenITI# #META# URI: 1379SacidTaqiDin.NukhabCaduw.Hindawi81517515 #META# Tags: plays #META# ID: 81517515 #META# Title: نخب العدو #META# AuthorID: 35727531 #META# Author: سعيد تقي الدين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقدمة‏ # ابتهال‏ # مقدمة نخب العدو‏ # سيرة المؤلف‏ # أشخاص نخب العدو‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # تقدمة‏ # ابتهال‏ # مقدمة نخب العدو‏ # سيرة المؤلف‏ # أشخاص نخب العدو‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # | نخب العدو # | نخب العدو # تأليف # سعيد تقي الدين # تم تأليف هذه المسرحية في مانيلا - عاصمة جزائر الفلبين - في العام 1937. # وتم طبعها على مطابع الكشاف في بيروت في أول شهر أيلول من العام 1946. # المؤلف. # ما ترى حدثت رواتي بعدي # إن رماني التاريخ في ميزانه؟! # | تقدمة # إلى الذي نهض بي حين كبا الدهر - شبابي، أقدم هذا الكتاب. # To the Holy, wise and fair ~~“B. J. D.” # This deferred effort is dedicated # and # to thee my alma mater # The American University of Beyrouth # with the fervent wish that you may never # lengthen the breadlines of world # with another campus hero. # Said Taky Deen # دور «الدكتور نجيب» أكرسه إلى رجل العلم النابغة، والإنساني العظيم، الذي عطر الاسم ~~اللبناني السوري في الشرق الأقصى المرحوم الدكتور «نجيب متري الصليبي». # | ابتهال # رب، يسر لهذه الرواية مخرجا يفهم الفن، وممثلين يحذقون الدرامة، ومسرحا غنيا، ~~وجمهورا حشدا. # رب، أدخل على قلوب النساء من بني قومي الجرأة، فيمثلن أدوار النساء في «نخب ~~العدو». # رب، لقد أنشأت هذه الرواية قطعة فنية، وحادثة مسرحية، فلما أن جف حبرها، قرأتها، فإذا ~~هي رسالة إلى بني وطني. # رب، طهر بها قلوبهم، فصير شيعهم شيعة، وطوائفهم طائفة، وجماعاتهم جماعة، فيمسي ~~عداؤهم حبا، وتنازعهم تعاونا، وشرذماتهم كتائب، وقبضاياتهم جنودا. # رب، وسع آفاق أبصارهم؛ فيروا الضيعة فوق الحي، والمقاطعة فوق الضيعة، والوطن فوق ~~الجميع. # رب، يدك في هذا الجهد في الناحية الضعيفة من أدبنا، فليقصف التصفيق كالرعد عند نزول كل ~~ستار، ولتدو القهقهة لنكاتها، ولينسجم الدمع في فواجعها، ولتحبس الأنفاس في مآزقها، ولتجلس ~~النظارة على أطراف الكراسي، توقعا لحوادثها. # رب، خلدها على المسرح، خلد. # | مقدمة نخب العدو # كدت أن أفتتح هذه المقدمة بهذا القول: «أطرح الرياء، وأبتعد عن الخيلاء؛ فأصارحك أنني أدفع ~~إلى المسرح العربي ms001 برائعة، يفتخر بها أي درامائي كان، في أية لغة وأي زمان. أقول هذا وورائي في ~~اختبار الفن المسرحي، دراسة، وملاحظة، وتأليفا؛ خمسة عشر عاما، تعرفت خلالها إلى معظم ~~البارزين في هذا الفن، على المسرح، وفي الكتاب، وعلى الشاشة البيضاء. # ولئن دار في خلدك أنه قد تدحرجت من فمي كلمة ادعاء ضخمة، فأنا أدعوك إلى المقابلة، فأت بأية ~~رائعة إفرنجية، وقابلها «بنخب العدو» حادثة، ومواقف، ونكات، وأشخاصا، ومفاجآت، وحركة، ~~وتضادا، وحبكة فنية، وسلاسة؛ تجد «نخب العدو» تضاهي أجملهن في كل شيء، وقد تكون دون بعضهن في ~~روعة المأزق، ولكني واثق من أن نهايتها هي أجمل نهاية رواية تعرفها بدون استثناء، وعلى الإطلاق». ~~«انتهى التبجح». # غير أني وجدت مثل هذا القول بعيدا عن سلامة الذوق والكياسة، وقد يكون غير صحيح، وها أنا ذا ~~لا أملك وأنا أراجع قراءتها بعيدا عن المسرح، من أن أسائل نفسي: أهذه هي الرائعة الأوتوبيوغرافية ~~التي كنت أهرع إليها، كلما أصابني فشل جديد، فأعزي نفسي بقولي: لا بأس، إن «نخب العدو» ستخلد ~~اسمك؟! أسائل نفسي بكثير من الشك: أعظيمة هذه الرواية بقدر ما كنت أتمنى؟ أم هي عادية، أم هي - ~~ويا للعياذ بالله - جهد فاشل؟! أتعرى من عواطفي، وأقول لك ولنفسي بصدق، وبالألم الذي يلابس ~~الحيرة: لا أدري، لا أدري، فالدرامة خارج المسرح كالسمكة خارج المياه، والرواية التمثيلية - كما ~~يدل عليها اسمها - هي أداة تمثيل، وليست أداة مطالعة، وليس للقارئ أن يقيم نفسه قاضيا عليها. هي ~~ذا طاولتي تحمل أربعة مجلدات ضخمة، تضم كل درامة ناجحة بين عامي 1904 و1936. أذكر أنني لم أجلس ~~لقراءة إحداها إلا شعرت كأنني مرغم على تجرع دواء كريه. # وبعد، فأنا ألفت هذه الدرامة، وبيني وبين مسرحي خمسة آلاف ميل، وبيني وبين جمهوري اثنا عشر ~~عاما. ثم أين هي من المختبر العظيم - المسرح - تتكيف بالتمرين، وتصاغ على التجربة، فلا يراها ~~الناس إلا بعد أن تمرن، وتهذب، وتراض؟ إنني لا أعرف في تاريخ الدرامة رواية كذا كانت ظروف ~~إبداعها، فإن جاءت برغم هذه المصاعب ms002 ناجحة، وكان في حيويتها عناصر الخلود، وأعياني إذ ذاك المال، ~~لقطعت الطريق أنهب لي ثمن تمثال أقيمه لنفسي. وما دام لكل قصة قصة، فهذه قصة «نخب العدو»: ~~ألفت في صباي مهزلتين هما: «لولا المحامي» و«قضي الأمر»، كان من سوء حظي أنهما نجحتا، وهاجرت ~~لبنان والأدب إلى التجارة، فكان من سوء حظي أني أصبت النجاح المالي عاجلا، ووحلت طريقا كانت ~~مغبرة، فتبخرت الثروة، وأطفأ البعد والانقطاع عن الإنتاج اسما أدبيا كاد يلمع، فإذا لا خيل ~~عندك ولا حمير، ولا أدب ولا مال. وخلال هذه الأعوام مر بي من الحوادث والاختبارات والأشخاص ما ~~لا تحشده الأيام في عشرات السنين، وكنت أثناء ذلك غير مواظب على شيء إلا الدرامة، وفي مخيلتي ~~عشرات القصص ومئات المشاهد، أكثرها بخار وضباب، وحدث أن المهاجر اللبناني بحروز معضاد ماتت له همة ~~في «البلاد»، فجاء يستكتبني مقدمة لرسالة تعزية، يسميها المهاجرون «ترجومة»، فعجز بياني عن تلك ~~المحاولة العظمى، وجاء من أخبرني أن المواطنين المهاجرين يتضاحكون، ويقولون إنني أجهل الكتابة، ~~حتى لا أقوى على خط «ترجومي»، وأن أحاديثي عما كتبته في صباي هي من قبيل التباهي الكاذب. ~~«سنرى!» قلتها لنفسي صارفا بأسناني. # في تلك الساعة، عاهدت نفسي على أن أنتشلها من هوة الخمول. في تلك الليلة عقد دخان سكائري ~~غيوما في غرفتي، وتذمر الجيران من رائحة البن في مطبخي، وتمخضت ب «نخب العدو». وجدت في ~~تلك الليلة أن بين يدي ثروة من مذكرات دونتها في أحلامي النهارية، وفي أسفاري، ورجعت إلى أوراق ~~صباي، أستوحيها ثقة بنفسي كادت تتلاشى، وكحلت عيني برؤية صورتي، يطرز إطارها في الصحف عبارات ~~التقريظ، وناديت نفسي مشجعا: «إلى الأمام! تقدر أن تؤلف. تقدر أن تؤلف.» والله ~~لأؤلفنها هذه الليلة! هذه حوادثها واضحة في رأسي، ومواقفها لا ينقص إلا أن أضعها على الورق. ~~ها هي العبارات تثور، والمكالمات تتسابق إلى الجلوس على القرطاس. «لأؤلفنها هذه الليلة!» ~~قلتها لنفسي وأنا أجتر انتصارات غابرة، ومشى بي بصري في مقالة مدح من قلم توفيق قربان إلي: ~~«ونرجو أن يماشي ms003 سعيد تقي الدين في تآليفه المستقبلة مبدأ النشوء والارتقاء.» ~~«النشوء والارتقاء» - ها! تلك العبارة كبحت جنوني، وردت المنطق إلى تفكيري. النشوء ~~والارتقاء. تقدم على مهل. كن أمينا للذين تفاءلوا بك. درامة، لا تكتب في ليلة. إلى فراشك ~~يا غلام! اذكر أن أحب خلانك إليك يقول لك إنك مجازف متهور. لولا هاتان الخصلتان لكنت ~~اليوم غنيا. لا تجازف بأدبك كما جازفت بمالك. الرواية لا تكتب بليلة. كن صادقا لفنك، ~~وتوجه إلى الناس بنهاية النهاية من مقدرتك. إن هذه المواد التي بين يديك قد تظهر لأول وهلة ~~وافرة، فاقتطف منها أطيبها، وارم الحامض والمهترئ. قد تكون هذه آخر قفزاتك في الحياة، فتطلع قبل ~~أن تقفز - حذار المهاوي. # وما زلت أحذف، وأكتب وأمزق، وأزيد وأنقص، إلى أن تجهزت هذه الدرامة. # فن مبذر مقامر # قد يكون ولعي بتأليف الدرامة أنه وقع مني على طبع مجازف. فالشاعر مثلا ينظم أبياته في ~~لحظات أو ساعات، فإن جاءت شعرا، شعرا، رددها الناس عاما فعاما، وجيلا فجيلا. أما المؤلف ~~المسرحي فيصب فنه وروحه وخبرته، ويقوس ظهره ناحتا حجارة قصر يشيده - لماذا؟ ليبيت فيه جمهوره ~~ليلة، بل ساعتين أو ثلاث ساعات من ليلة. يا له من فن مسرف! القصاص يؤلف له نوفلة أو قصة ~~قصيرة في وسعك أن تقرأها في فراشك، أو في القطار، أو حيث تستطيب، وحين تكون نفسيتك في شوق إلى ~~قراءتها. أما الدرامائي فيشتغل، ويستشغل جيشا من مخرجين وممثلين ودهانين و، و، و... ويقول للناس: ~~تعالوا إلي في الليلة الفلانية، واسمعوا إلى ما أحدثكم به، وانظروا ما أعرضه عليكم. أنتم ~~القضاة، وليس لحكمكم استئناف، ولا تمييز. لا أبالي في أية حالة نفسية أنتم. أريدكم في الساعة ~~كذا أن تجتمعوا، والساعة كذا أن تنصرفوا. أنتم لكم ذهنيات متباينة أفرادا، ولكم نفسية خاصة ~~مجتمعين، ومن المحتم علي أن أفهمكم أفرادا وجماعة، وهو فرض لا يعترض طريق فنان سواي. # الدرامائي رجل الشارع # هو بحكم الحال فنان غير اختصاصي. فالمصور مثلا يقدر أن ينصرف إلى التصوير فقط، بل في وسعه ms004 ~~أن يجنح إلى فرع من فروع التصوير، وله أن لا يفهم شيئا سواه، وليس في ذلك ما يعيبه، بل إن ~~نوابغ الفن المجازي جاءوا فقراء في دراسة الدنيا وشئونها. أما الدرامائي، فتتنوع أشخاص روايته، ~~واختلاف مشاكلها ومواقفها؛ يحتم عليه أن يفهم كل شيء من العلوم والناس والتجارب، إن لم يكن من ~~الألف إلى الياء، فعلى الأقل من الألف إلى الباء، فلا تتخيلن الدرامائي فنانا كلاسيكيا ~~تهدل شعره، وتاهت إلى ما وراء الأفق نظراته، بل هو ابن الأرصفة، يسحب الأرانب من القبعات، ومن ~~حصافة الرأي إذا صافحته أن تعد أصابع يدك، لتتأكد أنها لا تزال في مكانها. # كنت في «نخب العدو» أسائل نفسي، وأسائل الشهيرين من الأطباء، هل العلم يضحك من نظريتي ~~التي وضعتها على فم «الدكتور نجيب» من أن المفاجأة العظمى تشفي العمى العصبي؟ هي نظرية ولدها ~~خيالي، أيمكن أن تكون أو تصير حقيقة علمية؟ ابتسم الأطباء، وقالوا: من حظ المرضى أنك لم تمتهن ~~الطب. إلى أن وقعت بين يدي مجلة أميركية، فإذا بعض أنواع العمى الذي يسببه الغضب يشفيه ~~الخداع، أو اليقين. وعقبها بحث آخر في مجلة ثانية، تذيع أن الموسيقى تشفي بعض العميان. ومن ~~تبسط في درس تينك المقالتين يجد أن حادثة عمى «وسيم الحموي» في «نخب العدو» وشفائه ليست من ~~الغرابة بقدر ما تبدو لأول وهلة، بل إنها ربما كانت أو صارت حقيقة علمية. اتركها في «نخب العدو» ~~يا غلام، واسبح في أحلامك النهارية، وادع أنك أصبت في الطب فتحا جديدا. بل انظر إلى نفسك في ~~مرآة مقعرة، وقل لقد تنبأ «جون فرن» بالغواصات والطيارات. أنا جول فرن الطب! وليس على الادعاء ~~ضريبة. # ولماذا لم تنشأ عندنا الدرامة؟ # أقول: إن في شعبنا مواهب أدبية وإلهاما صافيا. أقول: إن ما ينتجه اليوم بعض شعرائنا هو من ~~أصفى الشعر وأبدعه. أقول لجماعة بيروت - وفيهم كل قريب وحبيب: لقد أصبحتم ولا يعجبكم العجب، فلا ~~تقتلوا بمرارة نقدكم شاعرية إخوانكم. وبعد، فالنقد فن زائف ومهنة طفيلية. فاصرفوا همكم إلى ~~الإنتاج، وشيدوا ms005 لنا القصور والجسور، نتعلم منها فن البناء أكثر من تعلمنا إياه في خرائطكم ~~الزرقاء، ولماذا لا تتأكدون من وجود الغلال على البيادر قبل أن تقيموا فبارك الغرابيل؟! # أما طوفان النقد في سوريا ولبنان، فراجع إلى أسباب عدة، أترك منها ما هو معروف وشائع، وأذكر ~~ما أعتقد أنه على القراء جديد. فالنقد يوهم صاحبه - ولو ضمنا - بالتفوق على المنقود. أنا أنقدك ~~إذن أنا أفضل منك، وما دام حب التسود غريزة إنسانية، فلا عجب إذا تفشى داء النقد. ثم إن في ~~قرارة النفس الإنسانية في كل شعب وقطر - ولا احتكار في الموبقات - حثالة لؤم يفسح النقد عنه؛ ~~فلا عجب إذن إذا شاع. زد على ذلك أن النقد يضع بيني يدي الأديب أو المتأدب موضوعا جاهزا، ~~فلا حاجة إلى حك الرأس والتنقيب عن موضوع يبحثه الكاتب. كذلك ليس من إنتاج - مهما عظم - إلا ~~وفيه نواح ضعيفة، يسهل اكتشافها، فتسري نشوة الظفر في عروق الناقد مكتشفها. كذلك التطرف يولد ~~التطرف. القياصرة خلقوا البلاشفة، والمديح بلا وزن سبب النقد الأعمى، وسيأتي يوم تتزن فيه ~~خطواتنا، في الطريق الوسط السوي، ولكننا أغربنا عن الموضوع، وكان «لماذا لم يكن عندنا ~~درامة؟» # من معائب إرثنا الأدبي خلوه من الدرامة، ومن معائب حالتنا القومية أنه ليس عندنا جمهور، ~~فشعبنا ليس موحد التاريخ، انظر إلى بعضنا يقول بالإسلام والعروبة، وآخرين بالمسيحية والفينيقية. ~~هذه قريتنا فيها الفلاح الصلب الفطري، وفيها المتأمرك، والمتبرزل، والمتفرنس، إلخ ... عندنا ألف ~~حزب وحزب، وألف دين ودين، وألف معبد ومعبد، وفي آخر الزمان فشت الروابط العائلية، «كالرابطة ~~الشرندعية» لعائلة شرندع، والرابطة العلوشية لبني علوش، كأننا بدلا من أن نسير في نشوئنا ~~وارتقائنا إلى صهر العائلات والطوائف في قالب الوطن، أخذنا نتقهقر في تهذيبنا القومي إلى فك ~~سلسلة الوطن إلى حلقاتها الصغرى. # ثقافتنا ليست موحدة، فهي علمانية، لاهوتية، عربية، إفرنسية، أميركية، أو خليط من بعضها أو ~~كلها. أثوابنا تتراوح بين العمامة والقبعة، وبين البنطلون والسروال. أعيادنا، وأيام الراحة ~~عندنا ليست موحدة، كذلك لهجاتنا، وأساليب معيشتنا، وطرق تفكيرنا. تاريخنا ms006 يرشح بالحروب الأهلية، ~~ونحن في بيروت - مدينة العلم والنور - تلك الشرفة التي نطل منها على الدنيا، والتي زيناها ~~للدنيا، وفي عام 1936 «يلي ب.م، وليس قبله» تذابحنا مسلمين ونصارى - ويا للعار! - ونهبنا أموال ~~بعضنا بعضا. أفي مثل هذا الشعب «جمهور» بمعناه المسرحي، الجمهور الموحد التهذيب والشعور ~~والعاطفة، المتشابه الأذواق؟ المتحاكي العقليات؟! الجمهور الذي يضحك لنكتة، ويستفزه تلميح إلى ~~حادثة؟! سل لي أربعة أو خمسة من عشرائك أن ينشدوا نشيدا، تسمعهم يبدأون موحدي النغمة والكلمات، ~~فإذا انتهوا من المقطع الأول من الأغنية اختلط عليهم النغم، واختلفت الكلمات، وأصبح «كل يغني ~~على ليلاه.» هل في القوم الذي يعجز أي أربعة منهم على الاتفاق ولو على إنشاد أغنية «جمهور»؟ ~~تقول لي إن الدرامائي يجب أن يخلق الوحدة في جمهوره، بحيث يبدع له شيئا يستطيبه المعمم، ~~والمطربش، والمبرنط، والسافرة، والمحجبة. أجيب: إن هذا التنافر بالأذواق والتربية والعواطف ~~يجعل الأمور المشتركة بين جمهورنا ضئيلة، إلى حد أن توقع المؤلف في خطرين؛ فإما أن يرضي الجميع ~~فيأتي بالسخيف، أو أن يرضي شيعة دينية، أو سياسية، أو طبقة فكرية دون أخرى، وفي ذلك هلاكه. وهذه ~~المشكلة لا تواجه أي درامائي كان في أي بلد من بلدان الدنيا، وهذا أحد أسباب انعدام الدرامائيين ~~عندنا، إذ إن خالق الرواية التمثيلية - بسبب عسر جمهورنا - يجب أن يخلق عبقريا لا ~~عاديا، يتدرج هو أو من بعده إلى الإبداع؛ أي إنه يجب أن نظفر من لادرامائي بالمرة، إلى ~~درامائي نابغة. أرجعت تتطلع إلى المرآة المقعرة يا مغرور؟! # والسبب الآخر الكسل. أين يقضي أدباؤنا أوقاتهم؟ أفي محترفاتهم ومكاتبهم؟ أغلب ظني أنهم في ~~المقاهي والملاهي منغمسون، فهل تعجب إن جاء مجموع إنتاجهم - بقطع النظر عن نوعه - يوضع بين ~~دفتي كتاب واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة؟ # الأدب لا يطعم خبزا # جملة يقولها من حملة الأقلام، حتى من تعرف أنت أنه بغير الخبز يملأ معلفه. «الأدب لا يطعم ~~خبزا»، ولكنه يطعم ما هو أشهى من الخبز؛ فهو يشبع كبرياءك ويذيع أمرك بين الناس، ويروي ms007 عطشك من ~~الشهرة، وهذان الجوع والعطش هما مهمازا الإنتاج الأدبي. بلى، لو أن للإنتاج الأدبي ربحا ~~ماليا عندنا، لوفرت محاصيلنا القلمية، وكذلك لو لم تتبذل وسائل الإذاعة الصحفية، إلى حديث ~~يشتهر الكاتب بمقالة واحدة؛ لما وقف أدباؤنا في إنتاجهم عند هذه الدرجة الدنيا، بحجة أن الأدب ~~لا يطعم خبزا، وإننا لن نستغل عقولنا وهممنا في نهاية مواهبها إلا إذا ابتعدنا عن الصحف، ~~وابتعدت الصحف عنا. # قلت لك إن تأليف الدرامة فن مقامر مسرف، وأزيد: إنه ليس بالفن الذي يدر على صاحبه الربح ~~الأدبي من صيت وشهرة. أنت تنظر إلى هذه الرواية، وتقول: أقرأها بساعة، وأشهد تمثيلها بساعتين، ~~فمن المنطق أن تستنتج أن تأليفها سهل غير مجهد، ولكن صغر الساعة لا يعني أن صنعها هين. أقسم لك، ~~إنني طرحت من مواد هذه الرواية ما يؤلف 17 رواية، وقرأت لها مجلدات تملأ مكتبة، وأفنيت في ~~ميكانيكية صوغها الشهور. القصاص مثلا له أن يسرد حكايته في ألف صفحة أو مائة، وله أن يملأ ~~أوراق المطابع إذا أراد. يقدر أن يقفز بك من مشهد تحت سنديانة الضيعة إلى غرفة على ظهر الباخرة. ~~أما الدرامائي، فيجب أن يزحم في ساعتين أو ثلاث قصته ومشاهده، بحيث يجيء اختزالها واضحا ~~وطبيعيا، وعليه أن لا ينسى أنه يكتب لمسرح فقير، ولمخرج وممثلين يجهلهم، ويجهل مكانهم، ومتى ~~يجتمعون، وفي أي محفل. عليه أن يعرف كيف وأين يزرع الحادثة، وكيف وأين يستغلها، وعليه أن يحيك ~~شبكة حوادثها، بحيث تأتي شبكة غير مشتبكة، والنكتة؟ والحركة؟ والفاجعة؟ والحوار؟ والأشخاص - ~~وهؤلاء من هم؟ وما هي مظاهرهم الجسدية، وقواهم الروحية؟ وبماذا يفكرون، وكيف يتكلمون؟ وعليه ~~أولا وفوق كل شيء أن يستوثق من نفسه أنه ملهم، موهوب تلك المنحة النادرة - النكتة. # الدرامائي يجب أن تكون له حنكة السياسي ودهاؤه. فإن كنت تبشر بنظرية جديدة، أو تدعو لعقيدة ~~غير عادية، أو أحببت أن تصدم الناس بنتاج عقلي غير مألوف، فكن شاعرا يطير في طيات وحل الأثير، ~~منشدا «تتهادى الرياح في مهجتيا.» أو فيلسوفا ينطق بمثل الحكمة ms008 «الحياة أغاريد الخنازير، ~~وأغاريد الخنازير هي الحياة»، أو مصورا يصور قطيع فيلة، تتدلى خراطيمها من شعر الأقرع، وذيل ~~الصورة ب «غمار الهرم»، أو فكن عالما يؤلف 14 مجلدا في «الدعوة إلى الزواج المختلط بين ~~الإنسان والحيوان؛ لتحسين نسل السوبرمان»، ولكن لا تقترب من المسرح؛ فالدرامائي رجل الغوغاء، ~~ورجل العامة، ورجل النخبة من الناس معا، وهو كالصحافي رجل يومه، قد يلقي نظرة سريعة إلى خلفه ~~فيلمح الماضي، وربما يمشي وراء أنفه قليلا، فيبصر من المستقبل ومضة، ولكن أفقه دائرة قطرها ~~يداه، يقول: هذا عالمي أؤلفه اليوم؛ ليمتع به اليوم. بالطبع أستثني العبقري الذي يؤلف لليوم، ~~فيتمسك بإنتاجه للغد، ويدفعه هذا إلى ما بعده، وهكذا دواليك، حتى يخلد. # اللغة # من الأبحاث ما تلوكه الألسنة، فتتقزز النفس لتبذله. من هذه الأبحاث هي اللغة، التي صارت في ~~العالم العربي «فوتبول» الجدل في السنين الأخيرة، ولكن هذه المقدمة تستوجب أن ألبط هذه الطلبة ~~ولو مرة واحدة بالرغم مني. فكلمتي في هذا البحث شطران؛ أولا: من الحمق مضغ الكلام، وسن ~~الشرائع، والدعاية لهذه النظرية أو تلك. أنت تقول: يجب أن نؤلف بالعامية. الحق معك تفضل، ~~وألف بالعامية، فإن راج مؤلفك، وثبت على الدهر وشاع؛ كانت العامية هي اللغة التأليفية المثلى. ~~أنت تستنكر العامية، وتنتفض لذكر كلمة إفرنجية تسربت إلى الفصحى. هات قوانينك وجنودك تمنع ~~الناس عن استعمال كلمة «الأفلام» و«الترامواي». لماذا التشاحن النظري، وعلام هذا الحرب ~~بالنظارات إذن؟! في رأيي - وليس أسهل على المرء من إبداء الآراء - أنه من الجريمة أن نؤلف ~~باللغة العامية؛ لسبب بسيط، هو أنه ليس عندنا لغة عامية شاملة. في الأقطار العربية مئات اللهجات ~~واللغات، فأيها تعتمد؟! وأين الحكمة في طرح تراث مئات السنين، والتعلق بوراثة عامية معدمة! إذ ~~ليس فيها كتاب واحد، وكيف تريد أن ننصرف عن عالم ثقافة عربي عدده ملايين إلى لغة شيعة قد لا ~~تتجاوز الألوف؟! على أن الدفاع عن الفصحى في التأليف لا يعني منع التفاعل بين الفصحى والعامية. ~~خذ مثلا في الفصحى: # قالوا اللقاء غدا بمنعرج ms009 اللوى # وا طول شوق المستهام إلى غد # هذا ليس أفخم في ميكانيكية تركيبه من: # قالوا الكردي فز الحيط # هذا الكردي وهذا الحيط ~~«خذ حذرك»، كنت أعتقد أنها عامية، حتى قرأتها في القرآن الكريم. في ظني أن أفعل عبارة ~~سمعتها في حياتي تلفظ بها رجل حط به الدهر ؛ فاضطر إلى التعامل مع بعض سقط الناس، فالتفت إليهم ~~في ساعة حنق، وصاح «لما كنت مكاري ما عاشرت هيك بغال.» ماذا عليك لو فصحت مثلا مثل هذه ~~العبارة الجميلة، تناولتها من اللغة العامية بأصابعك من غير ملعقة، وأنا أكفل لك أنك لا تحتاج ~~إلى غسل يديك. # في لغتي المسرحية تعمدت، وربما لم أتعمد لغة طبيعية سهلة، لها صدى موسيقى الأدب العالي، ~~ولكن فيها جلبة الشارع وضجيج ساحة القرية. اللغة هي من المشاكل الكبرى في التأليف المسرحي ~~عندنا، وهذه المعضلة لا تواجه فيما أعلم أي مؤلف مثلما تواجه المؤلف العربي؛ لسعة الخليج الذي ~~يفرق العامية عن الفصحى، ولتعدد لهجات العامية. ولكننا سنتغلب على هذه المصاعب، نقهرها بالتأليف ~~والإنتاج، وليس بعلم النظريات، ومضغ الكلام، ومط البديعيات، وبالتحذلق في كيف يجب أن نكتب، أو ~~لا نكتب. # اللصوصية في الأدب # نلخص أجوبة الأدباء حتى الساعة، إذ يتهمون بالانتحال، أو الاقتباس؛ بكلمة واحدة هي: ~~«بيكذبوا»، عساي أختط للكتبة طريقا جديدة، إذ «أعترف» بكيف آخذ عن الغربيين ما قد تكتشفه في ~~هذا المؤلف. # أمامي كتاب ميخائيل نعيمة في «جبران خليل جبران». إن المتضلع من الإنكليزية، المنغمس في ~~معاشرة الأميركان، المعجب بقوة إفصاح لغتهم العامية؛ يشعر إذ يقرأ كتاب نعيم، بصدى بعيد في ~~نفسه يسائله: «أين قرأت هذه العبارة؟ متى مررت بتلك الاستعارة؟ من أسمعني هذا الرأي؟» أسمعه في ~~صفحة 3 يقول: # أنا أستعد للانصراف من محل، أنحر فيه كل يوم ساعات بكارى من حياتي لعدد محدود من مومسات ~~الريالات. # لا ريب أن المؤلف كان يسمع شتائم الدمغيين # 1 # في الحملات الانتخابية في أميركا، يقولون في أخصامهم # You have ~~prostituted the government # تعبير جديد قوي الإفصاح تاق نعيمة إلى تعريبه، ms010 ~~فلما أن جلس يقص علينا آلام زمن أفناه في بيت تجاري، صرف بأسنانه وشتم: آ - شتيمة - عاهر - مومس ~~- جاءت «مومسات الريالات.» ونعيمة ككل فنان، يدين بمذهب التضاد، ويحذق استغلال المعاكسات. ركضت ~~إليه لفظة بكارى، وهي ضد مومسات، فجاء ظافرا في العبارة كلها. غير أنه فشل في صفحة 85 في قضية ~~«عضاض»، فالجملة الإنكليزية الشائعة التي تقابل «برد قارس» هي # Biling ~~Cold ~~. قال نعيمة لنفسه لأدخلن على العربية تعبيرا جديدا «برد عضاض» ها! ~~كلمة «عض» قادته إلى «ناب»؛ طبعا الناب للعض، والناب عضو من أعضاء الجسم، فزلق إلى «رجل»، ~~فأتت الجملة «يوم برده عضاض ... أنيابه من ذهب ... رجلاه من زجاج ...» فشل على طول الخط؛ يبدأ ب «عض»؛ ~~لأن الضاد حرف دافئ، ولفظة قارس أفعل في أداء معنى البرد من «عضاض». وأصغ إليه في صفحة 32، يقول: # كأنه محمول على سحابة. # فهذا التشبيه الجميل في العربية هو من عاديات الاصطلاحات الإنكليزية # Soiling on a Cloud ~~. # وفي صفحة 48 يقول: # نجوت من الصرف، والنحو، والمعاني، والعروض والقوافي. # فكأنه اختزل بسبع كلمات مقالة شهيرة لهزال أميركي نسيت اسمه، ولم أنس عنوان ~~مقاله # You will get me your education ~~، والكتاب حافل بمثل هذه ~~الاقتباسات، بعضها ناجح، والبعض - كما ينتظر - فاشل، فهل نتهم نعيمة بأنه نشال إذا حاول عمدا ~~أو بغير عمد أن يغني العربية بهذه التعابير، والأفكار الوهاجة؟ بل هل في وسع نعيمة - أو أي من ~~الناس - تثقف بالإفرنجية، ولعله عاش ودرس وفكر إفرنجيا، أن يجلس إلى ورقة فيتعرى من ثقافته ~~ودراسته، ويخترع كل كلمة وعبارة وفكر؟! وهل من الحكمة أن يفعل كذلك إذا هو قدر؟ وهل من العار أن ~~جاءت الاقتباسات وهي تكاد تكون من مبتذلات اللغة الإفرنجية؟ إن ابن القاهرة لا ينقص من شهيته ~~للعنب كون العنب فاكهة مبتذلة في لبنان. # أريد أن أهمس إليك: إنك إذا كنت تحسب مثل هذا التعريب أو الاقتباس، أو الأصح التفاعل سرقة، ~~فأنا في «نخب العدو»«حرامي». # تسألني: ولماذا اخترت كتاب نعيمة في جبران، واقتطفت منه الأمثال، فهل سندشت ms011 # 2 # اسمك بين كوكبين؛ ليستضيء بلمعان جاريه فيراه الناس، أم لتتحدى المقابلة، فيذكر ~~اسمك وجبران ونعيمة في نفس واحد؟ أجيب - ولك أن لا تصدقني - أن «جبران خليل جبران» هو الكتاب ~~العربي الوحيد الذي قرأته خلال ما يزيد عن عقد من السنين، فكان من الطبيعي أن تجيء منه ~~استشهاداتي، وأنا لا يقتصر تكسبي على الكتب بل أتعداه، فإني مولع بمطالعة المؤلف الذي له ~~قدمان وعينان وأذنان، والذي اسمه إنسان . لم أجئ بهذا الاعتراف اعتذارا عن جريمة اقترفتها، ~~بل لأوضح ما يجب أن يكون أشيع من البديهيات، وهو أن الاختراع الصرف الطاهر، يكاد يكون ~~مستحيلا. ذكر دوماس - وقانا الله شر الاستشهادات - وقد عيروه بتهمة الاقتباس أن أول المقتبسين ~~هو الله، إذ خلق الإنسان على شاكلته، ولم يبتدع رجلا جديدا. فلا يقومن غدا لئيم يتهمني ~~باللصوصية، إذ حتم الصدق علي هذا الاعتراف، و«نخب العدو» بالمعنى الشائع هو مبتكرة حوادثها ~~وحوارها، وكل شيء فيها. ولئن مررت بعبارة تلبس الثوب الإفرنجي، فتأكد أن روحها عربية مثل «لو ~~أمطرت الدنيا دولارات، للبس وسيم مشمعا»، هذه عبارة لي، بعتها لمجلة بثلاثة دولارات. بل إني ~~أندب الكثير من الأفكار والعبارات التي تتسرب إلي بالإفرنجية، ولا يمكنني تعريبها، إما لتلاعب ~~لفظي، أو لفقدان بعض الكلمات والاصطلاحات في العربية، يحضرني من هذه العبارات قولي: # History is libre money, it sometimes spoils people to inherit too much of ~~it ~~، فهذه عبارة عن تعريبها؛ لعدم وجود ما يقابل # Too # بالإنكليزية. # لم أذكر كل هذا لأدل باضطلاعي من الإنكليزية، أو لأوهمك أنني في تلك اللغة كاتب؛ بل لأني ~~أشعر، وبعض العبارات تتبرقع بالإفرنجية، بظنك أن هذه العبارت منهوبة، وما حيلتي في تعريبها، وقد ~~ولدتها إفرنجية؟ # يلعن دين # هل أنا أول من وضع هذه الشتيمة على الورق؟! إن كنت ذلك الكاتب فأنا لست بخجول، لا أريد أن ~~أبرئ نفسي أو فعلتي هذه بالقول: إن كبريات مجلات أميركا وصحفها بدأت في السنوات الأخيرة تطبع ~~العبارات السفيهة، ولكني أقول: إن «يلعن دين» هي شتيمة، غير أنها ms012 ليست بالشتيمة القذرة، ومن منا ~~لا يستعملها؟ وأنا إذا استعملت «يلعن دين الورق»، لم أشتم شخصا ولا دينا. فلماذا لا أذكر ~~عبارة بليغة في تأدية المعنى، وأرجع إلى مثل «لحاك الله» بدلا منها؟! ألا لحاني الله حتى ~~لأتعثر بلحيتي إن أمكنني استعمال «يلعن دين»، واعتضت عنها ب «لحى الله». أما كلمة «قحبة» فهي ~~قاموسية، وهي «العاهرة» بعينها، ولكني آثرت الأولى؛ لأنها فصيحة وعامية معا؛ ولأن أنين القاف ~~الصلبة إذا جاورت فحيح الحاء أقرب إلى أداء معنى الفحش والزنا من «عاهرة»، وهذه كلمة موسيقية ~~عذراء، مثل «طاهرة، وشاعرة، وساهرة.» # والسبب الآخر في فشل الدرامة عندنا # هو أن هذا الفن يقتضي التعاون في أبلغ درجاته، فالنحات والشاعر والمصور والموسيقي لا يحتاج ~~إلى رفاق. أما الدرامائي، فهو حين يفرغ من حبك درامته، ينتهي من بناء أول درجة من سلم ينطح ~~الجوء، المخرج والممثلون والأوركسترا والخياطون، حتى والجمهور هم الرفقة المتممون لكل درامة. ~~فالسبب الذي من أجله لم نتعاون ولم نصر أمة حتى اليوم، هو السبب الذي من أجله لم يثبت أمام ~~جمهورنا مسرح ولا درامة. متى أردنا إخراج درامة، فالكل يريد دور البطل، ثم نتنافر، ثم لا نتمرن ~~كفاية اعتدادا بأنفسنا، والاعتداد هو «سبور» قومي عندنا، ثم لا يتعاون الممثل ورفيقه الممثل، ~~ثم لا نجتمع في ساعة الاجتماع، ثم - وكم ثم تطلب حتى تهدم رواية، وواحدة تكفي للهدم؟! لهذا لا ~~يستغرب أن معظم الروايات يمثلها التلامذة؛ إذ إن الحسد والتباغض والكسل تكون على أقلها في ~~عذارى نفوسهم. أما من الوجهة التجارية، فإن سوق الدرامة موجودة عندنا إذا قام عندنا مؤلف، ~~وتعاونت معه فرقة، إذ إن شعبنا شعب متعطش للهو، متعشق للأدب، وهذه دور السينما والفرق الأجنبية ~~تستغل شعبنا رابحة. الدرامة لا تشيع إلا بالتعاون، ونحن شعب متخاذل. خذ حملة الأقلام عندنا. لقد ~~قردوا الأدب بحرب أهلية، أثاروها بينهم، وانصرفوا عن الإنتاج إلى التشاتم والانتقاص، وتهديم ~~بعضهم بعضا. تسألني: وكيف تكتب؟ بل أنت لم تسألني، ولا تريد أن تسمع، ولكن صبرك لحظة، فلن أقول ms013 ~~لك: إنني أكثر التدخين والقهوة، وإنني يجب أن أكون في حالة جسدية تامة، وأنني أروض ذهني بسماع ~~الموسيقى، أو التطلع إلى حسناء، أو قراءة أدب عال، أو أستعيد ذكرى مفرحة أو ظفرا غابرا، أو ~~أنغمس بحلم جميل. هذا كله ليس بالجديد عليك، ولكنك لعلك لم تسمع أن أجمل ما كتبته كان بعد لعبة ~~بوكر خاسرة. فإن أعظم مثير لهمتي، وجامع لأفكاري، ودافع بي إلى العمل، هو توبيخ الضمير إذ أقترف ~~موبقة، أو أقصر في تنفيذ واجب، فيصيبني من الندم والتحسر ما يهيجني إلى التكفير عن إثمي ~~بإنتاج شيء أعتقده ثمينا. لا بأس عليك إذا سكرت مرة، بشرط أن لا تصبح سكيرا، وبشرط أن يبقى ~~ضميرك حيا، فتتطلع بالمرآة في صباح اليقظة بعد مساء السكر، فتخاطب الوجه في المرآة: «هذا شحوب ~~الضعة في اصفرارك، وهذه الحياة تتناثر من زئبق عينيك. هيا يا مجرم، كفر عن معاصيك بعمل مجيد.» ~~أنا لا أجد من دافع إلى العمل مثل ضمير حي يشعر بالندم. فإن أنت أمنت من وجدانك بالصلابة، ~~فليس أنفع لك من اقتراف الخفيف من الإثم حينا بعد حين. # غير أنني لا «أجلس لأكتب»، فكل ما أضعه على الورق أنقله من مذكرات في دفتري أو خاطري جاهزة ~~أفكارا وعبارات وكلمات، ولست أقعد إلا لأؤلف بينها، وقد أزيد أو أنقص، ولكن الفكرة الرئيسية ~~جاهزة بكل معداتها. أما «نخب العدو» فقد ولدت أشخاصها أجنة، وكبروا، وكبرت معهم، وعايشتهم هاتين ~~السنتين، ففي مقدرتي أن أقص عليك سيرهم، ولو أني رسام لصورتهم لك. لا أنسى منذ أيام إذ لقيت ~~في الشارع مواطنا، فهرعت إليه أسلم عليه سلام الأحباب. قال: «يا أفندي، أشكر لك بهجتك بلقائي، ~~ولكنني أنا من جبال القدس، فيها قضيت كل حياتي، ولم أصل هذا المهجر إلا البارحة، ولا أعتقد أن ~~الله أنعم علي بلقائك قبل اليوم»، فانصرفت أسائل نفسي: من هذا الرجل؟ يستحيل أن لا أكون ~~أعرفه، إلى أن انبثق النور أمام عيني - بلى «هذا شمدص جهجاه»، كما تخيلته في «نخب العدو». حتى ~~أحلام ms014 الليل صارت تهبط علي في شكل درامة - على مسرح وأمام نظارة، يرتفع الستار عن حادثة، ~~وينزل على حادثة. # تسألني، وهل أنت تخلق أشخاصك خلقا، أم هم أحياء منقولون؟ أجيب: إن كلا الأمرين ميسور ~~وموافق، فرب صورة فوتوغرافية لغادة يقصر عن استيحاء نظيرها من خياله أعظم الرسامين، ورب دون ~~كيشوت تعرفه أشد إضحاكا في مهازئ مغامراته الحقيقية من دون كيشوت الأصلي، وما دام في وسعي أن ~~أمسخ، وأشوه، وأن أكون من شخصيتين أو أكثر شخصية تلائم قصتي، فلماذا أسمر نفسي إلى طريقة ~~واحدة ؟! ولعل أقرب أشخاص الرواية إلى الأشخاص الحقيقيين هو دور «الدكتور نجيب»، الذي كرسته ~~لذكرى الرجل العظيم المرحوم الدكتور نجيب الصليبي. # أما الدرامة، فتنشب في رأسي غوغاء من مشاهد وأشخاص وحوادث، فقد يخلق المشهد شخصية، أو ~~الشخصية حادثة، أو الحادثة عبارة، أو العبارة قصة. أي مؤلف يدري كيف يؤلف؟ أنا كثير الاستنجاد ~~بعقلي الباطن، فكل ما صعب علي، لا أيأس منه، بل أودعه عقلي الباطن، وأقول: «المروءة يا هذا، ~~أخوك الواعي عجز، وأنا في حاجة ماسة إلى تلك اللفظة أو الحادثة، فاشتغل بها، ومتى ظفرت نادني.» ~~وفي هدأة الليل، أو في التاكسي، أو في أي مكان وزمان تفاجئني اللفظة أو الحادثة. أطلق لمخيلتي ~~العنان، فتزخر أمامي مشاهد وأصوات ومواكب غريبة شتى؛ نابليون أمام الأهرام، لندبرغ يقطع ~~الأتلانتيك، نعش حبيب حي، باخرة تغرق، حرب أهلية في السودان، معركة في حانة، سكير في مدرسة، ~~طفلة بين عجلات الترامواي، مدرسة تحترق، أبيات من الشعر، حسن الزيلعي على المنبر، والمحامي صياح ~~العبود مضرب عن الطعام في السجن. ومن هذه المشاهد الجنونية المتناثرة، تنبت جرثومة، فغرسة، ~~فشجرة. أطلق لحصان فكرك العنان فقد يفر، ويكر، ويعرض، ولكنه في نهاية الأمر يركض بك إلى هدف ~~معلوم. # ولئن تركت هذه الرواية في نفسي من حسرة، فهي أنني أرغمت على خلقها قزماء، ولم أتركها تنشأ ~~هيفاء، ممشوقة القوام. ليت جمهورنا واسع الصدر، بعيد عن التعصب، إذن لجعلت «الحموي والحمصي» بيت ~~«الخوري وعبد النبي»، مسلمين ونصارى، وحملتهم الأسلحة وتركتهم ms015 يتقاتلون ويتناحرون ويتشاتمون، ثم ~~ألفت بين قلوبهم، فإذا هم عصبة دفنت الأحفاد، ولكنني أؤلف لمسرح، ولا أريد أن ألعب بالقذائف، ~~فأي أحمق يجسر أن يضع على أفواه أشخاص روايته كلمة، قد يفسرها جاهل أنها تحقير لجماعة، أو مدح ~~لمذهب على حساب مذهب؟ هذه الرواية - على ما أعلم - هي المحاولة الأولى في العربية لبث دعاية ~~الألفة في مؤلف أدبي، ولا عجب إن جاءت المحاولة مبتورة بحكم الفن، مغمغمة بسبب توتر الأعصاب. ~~«الحذر هو ثلثا البأس.» # تستفهمني سرا عن مذاهب أشخاص «نخب العدو». أجيب : لو أني أعرف أنا دين أحدهم لعرفته أنت، ~~وما اضطررت إلى سؤال. حينما شرعت أدون مذكراتي كان «الحموي والحمصي»، «الحداد والنجار»، وهما ~~اسمان مشتركان بين جميع الطوائف، غير أني خشيت، وكل معارفي الحدادين مسيحيون، أن يأتي بنو ~~الحداد في «نخب العدو» - ولو على الرغم مني - نصارى. فاستبدلت الاسمين، إذ أنا لا أعرف في ~~الدنيا لا «حموي» ولا «حمصي». إن من بحث الأديان في لبنان وسوريا، وجب عليه أن يمشي على ~~الأخمصين، ويضع المخمل في الكفين، ويطلي بالعسل الشفتين، فأين التسامح عندنا أين؟ # هل هذه الدرامة محلية؟ أصيح بك بشراسة جبلية: لا! ففكرتها الرئيسية هي إنسانية شاملة طرقها ~~قبلي - عفوك يا قارئ - شكسبير في روميو وجولييت، وعالجها الإغريق قبل شكسبير في روايات عدة، ~~ولئن جاءت حوادثها في «وادي الأرز»، وفي مهجر من مهاجر بني وادي الأرز، فلا يعني أنها «أرزية»؛ ~~إذ إن الحوادث تتطلب مكانا ما تقع فيه، والحكم على محليتها أو على شامليتها يكون بموضوعها ~~وحوادثها وأفكارها، وليس بمكانها. غير أني لا أنكر أني لو أبحت لنفسي أن أشرد عن الفن قليلا، ~~وأغراني من كثرة السذج تملقهم فخامة العبارة الجوفاء، ومواقف البطولة الفارغة، ونعتهم ~~«بالولدنة» المجبون، وهو في نظري أرقى أنواع الأدب وأعسره؛ إذ فيه دراسة وعظة وترويح للنفس، ~~لعريتها من حلاوة نكات، ونزعت عنها الكثير من مألوف الكلام، وأرسلتها في الناس طنطانة، وألبست ~~كلا من أشخاصها حلة ذات لون واحدة، وحقا لقد نظرت في أن أفعل هذا، ms016 وقلت: لماذا أصور نفسي في ~~عيون الكثيرين روائيا لبنانيا، أو سوريا، وفي أسهل ميسوري أن أحذف القليل، وأنقخ ~~القليل، وأملح المشاهد بشيء من بديهيات القول، فيرضى الذين يحسبون الشحم عضلا - وهم كثرة - ~~ويقولون: هذا درامائي عربي بل عالمي! وهممت أن أزين «نخب العدو» على النحو الذي ذكرت، فأبصرت ~~حبري قد اصفر جبنا، ويدي بدم الإثم ترشح، وهتف بي ذلك الخفير القابع في زاوية نفسي: «ستأتي ~~طنطنتك مزيفة، وللصدق حيلة على الظفر لا نفهمها، ولكنها فائزة في نهاية الأمر، فالزم النزاهة، ~~وإن كان الإبداع نصيبك، فسيأتيك متفجرا من إلهام نفسك، لا حلة عارية منسوجة من خيوط تفكير ~~سواك.» # إلى المخرج # ليس أدعى إلى التفاهم من الصراحة، فأخبرك فيما يقرب الوقاحة أنني أمقتك. إن بيني وبينك من ~~البغضاء الغريزية ما بين الأم وصهرها. تحدث الأم نفسها فتقول: هو ذا النفس التي انبثقت من نفسي، ~~والتي ربيتها بدموعي وتنهداتي، وغمرتها بحنوي؛ يقصيها عني غريب. ويقول الصهر: هذه حبيبتي التي ~~اخترتها من بين فتيات الدنيا، تحاول امرأة أنانية خرقاء أن تحتفظ بها دوني. هكذا أنا ألد هذه ~~الدرامة، وأنت تتمتع بإخراجها، وهي طوع يديك، وليس لي بعد طبعها أمر ولا نهي. # أفهمت لماذا أبغضك؟ # ولكن هذه القرابة بيننا قد فرضتها الطبيعة علينا، فلنحاول إذن أن نكون صديقين. # لك أن تتمدد باسمك على برنامج الحفلة قرب اسمي، وليكن بطوله وعرضه. فأنت شريكي في هذا الجهد ~~الأدبي، لك قسمة النجاح، وعلى رأسك نصف عاقبة الفشل. لا أحسدك على مكانك؛ إذ إنك في مأزق أصعب ~~من مأزقي. أنت تواجه قضاتك، وسيقرأون حكمهم عليه بحيث تسمعه. أما أنا، فأتلقى ~~الحكم غيابيا، فهكذا يتضاعف عليك ألم الفشل، أو حلاوة ~~الفوز، ولقد بعتك نصف الأمل بالفوز، بنصف الخشية من الخذلان. ارفع الستار عن سريرتك، واعترف أنك ~~في باطن قلبك تكرهني، وتستخف بإنتاجي، وتعتقد بتفوقك علي. أنا من رأيك، فلا ريب أنك أخبر ~~بالدرامة مني، وأن قلمك أكتب من قلمي. رجوتك إذن أن تتفضل وتخلق لنفسك درامة، من غير أن تشوه ms017 ~~كتابي، فكل حرف في روايتي هو قطعة من روحي، فلا تعذبني ببتر حرف منها، وارفق بي، فلا تغير ولا ~~تبدل فيها شيئا. لا تحاول تطبيبها، فهي صحيحة في عيني. أنا ولوع بالأحباء أولادك - حفظك ~~الله وحفظهم - غير أني لا أود أن أتبناهم، فارحمني ولا تسندش أيتام أفكارك بين أبناء فكري ~~وبناته. إن جمعية «الرفق بالأبالسة» هي جمعية نبيلة الغاية، من المروءة أن تتبرع لها بريع حفلة ~~التمثيل، ولكن افعل ذلك سرا، ولا تذعه، فإني أريد من القوم أن يدفعوا ثمن تذكرة الحضور عن ~~شوق؛ لمشاهدة «نخب العدو»، وثقة منهم أن أجرة الدخول تساوي لذة مشاهدتها، فلا أريدك أن تقول ~~للناس: تبرعوا بمالكم للمشروع الفلاني، وهذه «نخب العدو»، تنكة، أجمع بها إحسانكم. # كذلك، أنا معجب بالآنسة مرتا - مدموازيل مارغو - البولاقي، وأتشنج نشوة إذ أسمع صوتها ~~الملائكي، وأذوب طربا لعود الأستاذ جاد الله البحناوي، ويغمى علي ضحكا لطقطوقة صديقينا ~~«حويشان وزيدي»، فأرجوك أن تقيم لهؤلاء الفنانين النابغين حفلة خاصة، يعرضون بها بضائعهم، واترك ~~ليلة «نخب العدو» ل «نخب العدو». # تمنطق بمتراليوز، وتأبط رشاشة النار، فإذا نهض شاعر المدينة، وبلبل المغردين «صديقنا» سلوم ~~الأندبوري، وارتجل بضعة أبيات تناسب المقام، فلقمه النار، وازرع بالرصاص جسده، ودمه في عنقي. ~~زين المحفل بالألوية والأزهار، ولتشع في جوانبه الأنوار، وليكن مستقبلوك فتيانا عتاليت # 3 # بسامين، ولتعزف الأوركسترا حينا بعد حين، واخلق في القاعة جوا فرحا، كأن ~~القوم في مهرجان، إذ لو قطب الجمهور لكان في عبوسهم مأتمك ومأتمي. # لا تضرب بالعصا على المسرح قبل رفع الستار، بل اخترع لحنا عسكريا هزليا، ينفخ من بوق ~~قبل أن يسفر برفع المسرح عن مشاهدك. حذار القنابل حذار! فلا تنطق ممثليك بلهجات خاصة؛ إذ إن ~~«نخب العدو» هي سلسلة عقد كفاح بين أشخاص، وفئات، ومبادئ، ومواقف، فلا تفسحن للئيم أو جاهل ~~يقول: لقد أردتني، أو أردتنا بذلك الشخص أو تلك الكلمة. # بقي أن تذكر أن البغضاء لون من ألوان المحبة، فاغسل بالعطر شاربيك، وهات منهما قبلة! ~~... # | سيرة المؤلف # بقلم المعجب به ms018 حتى العبادة # سعيد تقي الدين # قلت للمؤلف، وقد ربض بما يزيد عن المائة وعشرة كيلو من جسده على كرسي، يهتز من تحته، ويصيح: ~~حدثني عن حياتك من يوم أن بكيت لأول مرة إلى هذه الثانية، التي أراك بها باسما ب «نخب العدو» ~~فخورا. أجاب: يؤلمني أن تكون الأيام قد اضطهدتني إلى حد أنني أحتاج أن أحدث الناس عن نفسي، بدلا ~~من أن يتولى ذلك عني المؤرخون. قلت: خل عنك المرارة، ولا تصقعن قرائي بخيلائك، فأنا محسن إليك ~~إذ أسألك أن تتحدث عن نفسك ، فليس في الدنيا من لا يجيد التحدث عن نفسه ويستطيبه، وعد بي إلى ~~الخامس عشر من أيار سنة 1904، وأعلمني ما الذي حدا في ذلك الأحد بأهل «بعقلين» إلى الحداء؟ وما ~~بال دوي البارود يهين القانون؟ ولأي جليل أمر هزجت الرجال، وزغردت النساء في فجر ذلك اليوم؟ ~~قال: نبذت سائر الدنيا، وتخيرت بعقلين، الشوف، لبنان، بلدة أسقط بها رأسي، ولو أعطي لي أن ~~أتقمص ألف مرة، لما نزلت إلا بعقلين دار مولد. # أما الهرج لقدومي فخطل ألفه الناس، إذ يفرحون بالطفل حين يولد، قبل أن يتثبتوا أنابغة سيكون ~~أم أبله. على أننا بدأنا نفهم الأمور، فأنت اليوم لا تجد أن بني بعقلين أقاموا لي التماثيل في ~~شوارعها، ولا علقوا صوري في متاحفهم، ولئن غيبني الموت في غدي، فقد تسمعهم يندبون مني الأسد ~~والنابغة، ولكنك تحس في أجوف ندبهم مرارة الخيبة في طفل مرد نجيبا، وشب شبه نابغة، وجاء في ~~موسم القطاف كأشجار زيتونهم في سنوات الجدب، تزهر ولا تثمر. # قلت: أنا طالب سيرتك لا فلسفتك. # فاطرد محدثا: ولدت من أبوين ينتميان إلى عائلتين طيبتين من عائلات لبنان. إن لم تكونا من ~~ذروة الجبل، فهما بدون ريب من أعالي سفحه، ولكن تلك الرفعة ما أيدتها أموال ولا ممتلكات. فجاءت ~~ألقابنا أكثر من نقودنا، فقد دعيت بال «بيك» و«الشيخ» منذ طفولتي، ولا ينفك أصدقائي عن اتهامي ~~أني في تجارتي أهاود من يدعوني «مستر» و«سنيور»، وأسلخ بالسعر من يناديني باسمي عاريا. ms019 # قلت: لقد استقبلني رجال الضيعة بدوي البارود، فنشأت ولوعا بالدوي، ولو أنه قرقعة تنك ~~فارغ، ولئن بدأت أحس مرارة الفشل المالي تستقر في نفسي، وتحرق جوانبها، فليس لما يجلبه المال من ~~راحة وبذخ، بل لما يصحبه من «دوي». # شب أبي - وأبوه من قبله قاض - على حب الوظائف، شأن أبناء «العيال» من لبنان، وإذا أنا أغفلت ~~ذكر بعض مزايا أبي من مثل إباء وشدة بأس وفروسية - شأن أكثر أبناء قومه - وأردت أن أذكر الصفة ~~الغامرة نفسه لقلت: إنها الطموح، ولكن ضغط أبناء القمة سمر ساكن أعلى السفح إلى أعلى السفح ~~حينا، ودحرجه إلى الوادي أحيانا، وأبي اليوم وقد بلغ من العمر مرحلته الهادئة، لا يزال يتطلع ~~إلى القمة، ويهز قبضة جبارة، ويصرف بصفين من أسنان اصطناعية، ويقول: إن لم أكن قد بلغت الذروة ~~أنا، فساري أحد أبنائي يدق بيرقنا هناك. فيجيبه صدى صامت: يمكن! # جلس أبي على الكثير من كراسي الحكومة، فما علق بأثوابه شيء من أقذارها، وخرج طاهر اليد، ومن ~~طهرت في وظائف الحكومة يده نظفت جيبه، فما ارتشى، ولا هاود متزعما، ولا حالف مجرما، وما اشترك ~~بتهريب؛ لهذا لا أذكر أنه مر بنا يوم لم نكن به في حاجة قصوى إلى المال وما نزال، وإني لأذكر ~~قولا سمعته من أمي - وهي الأمومة مجسدة: بني، إن الله ربط على باب دارنا ذئب الفاقة، وأكبر ~~همنا في الحياة أن نطرده عن الباب. بلى، لم ينهشنا ذلك الذئب، ولكن لهاثه أبدا يحر سنا الوجوه، ~~وعواءه يملأ منا القلوب، وفي أيام الحرب كاد يقبلنا بأنياب حداد. ~~- ولماذا أشرق وجهك، إذ ذكرت أيام الحرب؟! # قال: لقد ذكرت عمنا أمين تقي الدين، وقد أشرف في ذلك الحين على تهذيبنا، حين نبت العشب في ~~ملاعب المدارس الأجنبية، فإن جريمة اتجاه ميولي إلى الأدب تلقى عليه، إذ كان يملأ البيت شعرا ~~وأحاديث أدباء، ويغرينا على ارتكاب الشعر، واقتراف النثر، وكم من ليلة أعوزنا الطعام، فأولم لنا ~~عمنا أمين من «مختارات الزهور»، و«كليلة ودمنة» عشاء فاخرا، تجتره ترويقة ms020 في الصباح، وعنه أخذت ~~وجهة نظري المالية، فهو يحسب أن المال قنينة ديناميت، إذا اشتبكت عليها أصابعك فارم بها إلى أقصى ~~ما تقدر، مخافة أن تنفجر في يديك. وأغلب ظني، أنه اليوم في بيروت، ما برح يرى في المال سلعة ~~يملكها سواه، ولا يغبطه عليها. # أما المدارس، فقد نزلت منها في بحور مشتبكة التيارات، متدافعة الأمواج، فمن رهبان يحفرون ~~العلم حفرا وترتيلا، إلى شيوخ يهذبون بالفلق والعصا، إلى مدارس تبشيرية إفرنجية، تزيد بالرقة ~~حتى التأنث، إلى راهبات يسألنني في صمت : لماذا لا تتنصر يا كافر؟ وقد حملت من هذه الجنائن الزهور ~~ويابس العشب والتبر والتراب، ودفعتها إلى تلك المطحنة الكبرى في رأس بيروت، فصهرتها وصهرتني، ~~إلى فتى صلب، براق، بالحياة فوار، يحاول الركض إلى كل الجهات في آن واحد، فيجد نفسه بعد العناء ~~أنه لم يبرح مكانه. كثير الأصدقاء، كثير الأعداء، لا أعلم بلدا نزلته، وليس فيه من لا يفتديني ~~حتى بروح حماته، أو من لا يود مصرعي، ولو شنقا بحبل يحيكه من شعر أسنانه، وفي، ودود، حقود، ~~شديد الثقة بنفسي إلى درجة الاعتداد، مسرف حتى التبذير، كثير المطالعة والاطلاع، حتى لتكاد تضايقك ~~وفرة معلوماتي. فكه الحديث، ولكني مبتور العبارة، فما أنا بالمتحدث القصاص. مغامر في التجارة، حتى ~~أكاد أن أسمى فيها مقامرا. كثير الحركة ولو لغير فائدة. حشري من أعلى طبقة، أفضل أن أفك العقدة ~~بأسناني من أن أفكها بيدي. متفائل، كثير أحلام اليقظة، عقلي كقطيع من الماعز منتشر على الهضاب ~~والأودية، ولا يجتمع إلا ساعة المغيب، حين يقبل حبري ورقي. يقال لي لو أني لملمت قواه، وشددته ~~إلى بئر في حقل مسيج؛ لجنيت من ثمار الحياة أكثر مما جنيت حتى الآن. سريع التنفيذ إلى درجة ~~الهوس. عاطفي، كثيرا ما ترى الدمع في عيني لذكرى حادثة طمسها الزمن، أو شخص غاب. # قلت للمؤلف: لقد أعياني تتبع خطواتك يا أستاذ، فهلا بدأت الحروف الأبجدية بالألف بدلا من ~~الياء، وهلا سرت في حديثك سيرا متسقا، فبدأت الطريق من أولها، فإني أراك ms021 تقفز من نصف الطريق ~~إلى آخرها، ثم ترجع القهقري، ثم تدور على نفسك. أشفق عليك أن تصاب بدواخ. فسر في طريقك كما يسير ~~الناس. # قال: أشكرك لتذكيري، فقد فاتني أنني لا أسلك طريقا ما كما يسلكها الناس. # قلت: إنك مصيب، فأنت أفضل من الناس جميعا، ولكن بربك تابع حديثك، وقلل من حكمياتك، وخفف من ~~مضمن مباهاتك. # أجاب متابعا سيرته: «كنت في القرية بسبب مقام أهلي فوق معظم صبيان القرية، فحرمت من ~~الاشتباك بقتالهم وألعابهم، فأنا في طفولتي «محمي». لم أكن بالغلام الصلب الذي تتوقعه ممن ~~ربي في جبل لبنان، وفي الشوف من جبل لبنان، ونشأت بفضل هذه الحماية وديعا، وزادت وداعتي حتى ~~الجبن؛ إذ كنت بعد ذلك التلميذ الدرزي الوحيد في مدرسة ساحلية، كل تلاميذها مسيحيون، وفي زمن كان ~~الدين فيها الماركة المسجلة الوحيدة، التي بها تعرف الهوية. فلقيت من ضروب الاضطهاد قبل الحرب من ~~تلامذة تلك المدرسة ما لا أزال أرجف لذكراه. لذلك شببت وأكبر طموحي أن أخضب يدي بدماء المسيحيين، ~~وكنت أؤثر أن تكون ضحاياي من الموارنة، فإذا اعتبرتني اليوم وزوجتي مسيحية، وخلص خلاني يحملون ~~أسماء مثل ميشال، مارون، عازار، جورج؛ علمت أي فشل لقيته في الحياة. # وكر ثالث صيف علي المجزرة العالمية، وأنا عن المدارس منقطع، وأبي منفي في الأناضول، وليس ~~في سوريا ولبنان مدرسة مفتوحة أبوابها إلا الجامعة الأميركية، وليس عندنا مال، والجامعة عن بعقلين ~~بعيدة، وحدث أنني كنت أسرع المشي في البيت، فعثرت قدمي بعتبة الباب، فوقعت، وطارت من شفتي شتيمة ~~تجديف سمعتها أمي، فأكبرت أن يزلق كبير صبيانها إلى آداب صبيان الأزقة، وأن يشب على السفه ~~والجهل، فصاحت: «لأرسلنك إلى المدرسة، ولو بعت سقف البيت.» # الخروف الذي سمناه تقدمت ساعة إعدامه، فكان لي من صوفه «سوتر (جرزي)»، وأهوت على سجف البيت ~~فصيرت لي منها قميصين وستة مناديل، وذهبت ببعض ألبسة أبي وأعمامي إلى الخياط فقلبها، وقلصها إلى ~~بدلات لي، وزرت الكندرجي، فدكتر بعض الأحذية إلى أن استقامت على قدمي، واقتطعنا قيراطين من أهرام ~~طربوش ms022 خالي، فإذا الطربوش يتوج رأسي متقلقلا، كتاج ملك بعد ثورة، وبطنت بالورق بعض القماش، فصيرت ~~منها محفظة دراهم، وإن لم يكن هناك من دراهم، على أنها محفظة على كل حال، هكذا تهيأت في خريف 1917 ~~إلى الرجوع إلى الدراسة، متوهما أنني سأبهر بيروت بأناقة ثيابي. # حين يفخر اللبنانيون بتاريخهم، وينشدون الأغاني في أبطالهم، تراهم لا ينشرون صفحة مجيدة، يجب ~~أن تكون من ألمع صفحاتها، تلك أسطورة لم يكن أبطالها أمراء ولا مشايخ ولا بكوات، لا عمقت جذورها ~~في ظلام ماض بعيد ، ولا نفخها الغلو، وزركشتها الأكاذيب، بل هي بنت الأمس؛ أبطالها أكارون، أطعموا ~~جياع جنوبي لبنان في زمن الحرب، حين سور الأتراك والألمان جبلنا بسياج من حراب وجنود، يمنعون ~~الغلال والقوت عن أفواهنا، ويصدون ما قد يتسرب إلينا من مدن سوريا الداخلية وقراها. إذ ذاك شخص في ~~جنوبي لبنان فتيان وكهول تزنروا بالرصاص، وشدوا على الدواب، وراحوا يتسلقون الجبال، ويقطعون ~~السهول، لا يصدهم ثلج ولا حر، ولا عواصف ولا أوبئة، يتسترون بالليل عن عيون الجند وغزاة البدو، ~~يتثعلبون اتقاء للخطر، ويستأسدون إذا الخطر واجههم، إذا بلغوا حوران بعد جهاد أربع ليال رجعوا ~~إلى جنوبي لبنان بالحنطة، وزغردت أجراس بغالهم منشدة: «لا جوع في جنوبي لبنان، ونحن صبيانه»، ~~ولا يزال بين أحيائهم من يحمل في صدره رصاصة بدوي، أو جرحا من جنود الأتراك، أو يغص بدمعة ذكرى ~~لرفيق تخلف عن القافلة مجندلا برصاصة، وكانت «بريطانية» تلك القوافل قافلة بعقلين، ولست أدري كيف ~~ندعي الأدب، ولا تستفزنا مغامرات تلك القافلة إلى ملحمة، أو رواية، أو قصة. من أشاوس تلك القافلة ~~شيخ معمم، لنسمه «أبا سلمان»، خدع الهرم بصلابة جسد خفيف، وموه على الناس عمره بأن حلق ~~شعر رأسه ووجهه فلم يبق لهم حجة بأن يقولوا له: لا تنضم إلى القافلة، فأنت شيخ مسن. كنا في ثالث ~~أعوام الحرب، حين حزم «أبو سلمان» ضرفي زيت من نتاج أملاكنا، وبوأني بينهما أريكة بغلته «ذئبة»، ~~وانحدر بي إلى بيروت؛ ليبيع الزيت، ويشتري لي به ثقافة ms023 سنة في جامعة بيروت الأميركية، رحم الله من ~~قال لي حين رجعت إلى الضيعة في آخر تلك السنة المدرسية: «يا غبن الزيت.» # حين ودعني «أبو سلمان» على بوابة الجامعة، وكنت أبري قلم رصاص بسكين صغيرة جزينية، قال ~~مشوقا: «كن الأول في صفك، تحصل على وظيفة كبرى متى كبرت.» ثم هدد، فزاد: «إن لم تكن الأول في ~~صفك، شمت بنا وبك أعداؤنا بنو ...» ولمح زمرة من أشقياء التلامذة البيروتيين يتغامزون علينا، ~~ويتضاحكون، فصاح بصوت مخيف: «من لا تقوى عليه بالكف عاجله بالعصا ، وإذا تكاثروا عليك، فالسكين ~~الذي تبري به القلم في وسعك أن تقطع به الوريد»، وغابت عني «الحماية» حين غيب منعطف الطريق تلك ~~العمامة البيضاء، وهدأت تلك الزمرة حتى تلاشت أصوات أجراس «ذئبة»، فمشي إلي منهم فتى في يمينه ~~سوط، وهو اليوم صديق لي حميم، وطرح علي ذلك السؤال العظيم، الذي يتلجلج على لسان البيروتيين متى ~~أرادوا التهكم من جسمي: حضرة الشيخ، من أي ضيعة؟ ... تملقني تأدب ذلك الفتى، فأجبته: إني الشيخ فلان ~~من بعقلين - أمير الضياع. قال: ولماذا لا ينبت للخنازير أجنحة؟ أجبت: لا أدري. فشتمني، فضربت سوطه ~~برأسي ضربة خضبت يده بدمي، ففر الجبان، وثبت في ساعة العراك صريعا على الأرض. # ما أمر ذلك العام الأول في كلية بيروت، وما كان أوجع التحقير في ندائهم: «يا جبلي»، وما آلم ~~ضروب الذل والقساوة التي سحقت نفسي. «يا جبلي!» عبارة تهز حتى اليوم كياني؛ لما رافقها من الهزء ~~والتهكم والسخرية. فكم من مرة - وأنا منذ طفولتي كثير أحلام اليقظة - فررت إلى عالم الخيالات ~~المؤنس المخدر من مظالم الحياة الواعية، فأقنعت نفسي أن هزة زلزلت جبل صنين، فقلبته على بيروت ~~فطمس كل من فيها. أجلس اليوم ونفسي كئيبة، أتحسر في غربتي، إني بعيد عن الكثير من بهجات الحياة، ~~وأزهى ما في الحياة من بهجة في نظري اليوم «بيروت». حقا، إن الحياة تسير على سنة لا تتغير، وهذه ~~السنة هي التغير. # وفجأة، تفجر في صدري بركان لم أدر بوجوده، وانبثقت من جسدي ms024 شجاعة لا أعلم مصدرها، فانقلبت من ~~فتى خجول، جبان، معتزل، إلى شرس، خشن، بطاش، حتى لقد دعيت لبدغنتي # 1 ~~«سعيد الانكشاري».» # قاطعت المؤلف متبرما قائلا: قص علي شيئا من حياتك الأدبية، وعفا الله عن بطولتك ~~المدرسية. قال - بل اندفع، بل انقض علي - محدثا: كانت حياتي الأدبية في قصرها وجمالها شبه غمزة ~~حسناء، وكان صامت وعدي بالاستمرار والإجادة كاذبا، كأكثر وعود الحسان. فأول كلماتي التي سحرتني ~~رؤيتها مطبوعة، مقالة كتبت في السادسة عشرة من عمري، عنوانها «رياضياتنا ورياضياتهم»، أرسلتها ~~إلى «البرق» ذات يوم خميس بتوقيع مستعار «حماد»، وقد كاد يغمى علي إذ جاء يوم الإثنين، فإذا ~~بالمقالة افتتاحية بصدر «البرق»، ومنذ ذلك الحين، كثرت مقالاتي في صحف بيروت ودمشق، وفي بعض مجلات ~~مصر، وأكثرها موقع ب «حماد» و«بشار»، ويسرني أنه قام في بيروت من يستعمل هذين التوقيعين. لذلك ~~يسهل علي أن ألصق بهم جريمة مقالات ذلك العهد. # إلى أن كانت «لولا المحامي» - «رواية تمثيلية عصرية»، كما أعلنت عنها برامج الحفلات في عشرات ~~المدن والقرى، إذ مثلت في العراق وسورية ولبنان وأميركا الجنوبية، وربما تكون قد مثلت في ~~أميركا الشمالية. ولقد مدحتها الجرائد بمقالات ضافية، كتبتها أو استكتبتها، وبيننا وبين الصحافة ~~صداقة قديمة، فنستعلنهم ولا ندفع، ويستكتبوننا ولا يدفعون، وربما مات من بني تقي الدين من لا يملك ~~ذراع أرض يتمدد فيها، ولكن لم يمت منهم بعد من لم يملك حقلا في جريدة، يتمدد فيه مغمورا بعبارات ~~مديح مزهرة. # ليس لي أن أبحث في «لولا المحامي»، وهي - ولك أن تقول فيها ما تريد - جهد مدرسي لتلميذ عمره ~~22 سنة، ولكنني أريد أن أتساءل أي جهد في سوريا ولبنان خلال عام 1923، بقي على هذه ال 14 سنة، إلا ~~«لولا المحامي» التي لا تزال تمثل، وأريد أن أستدل من بقائها حية حتى اليوم أنها - على كثرة ~~مواطن الضعف فيها - عاشت بسبب أنها جهد رئيسي، وأن الجهود الضعيفة المبعثرة هي جهود صحفية لا ~~تعمر - يا أيها المتأدب، عن «المقالة» فاجنحن، إنها لإسفنجة معصورة. ~~- وما الذي ms025 أوحى «لولا المحامي» يا أستاذ؟ ~~- الذي أوحى «لولا المحامي»، هو الذي أوحى «نخب العدو». ~~- يعني؟ ~~- حب الظهور. وإن كانت الأولى إذا قيست بالثانية ... ~~- فأرة إزاء جبل؟! ~~- بل كوخ إزاء قصر. في وسعي أن أقول لك إنني درامائي بالفطرة، تغرد المشاهد أمام عيني، وتغمس ~~المكالمات في أذني على غير علم مني، وفي مقدرتي أيضا أن أدعي وأتدلل بكثرة معلوماتي، وسعة ~~دراستي في الفن التمثيلي، وأزركش عباراتي بالاستشهادات البراقة، ولكنني أصارحك - ولا يهمني ما ~~تستنتج - أن السبب العاجل الذي أوحى «لولا المحامي» و«نخب العدو » هو حب الظهور. أستدرك فأقول: ~~الحاجة، وحب الظهور. أما الحاجة؛ فلأنه أعوزتنا الروايات التمثيلية في أيام التلمذة، فاضطررت إلى ~~تأليف «لولا المحامي»، وشجعني نجاحها الغريب على إتباعها بأختها «قضي الأمر»، وقد فاقتها نجاحا، # 2 # وها أنا أجد نفسي بعد اثني عشر عاما من غيابي عن لبنان، أكاد أن أصبح نكرة، فإن ذكرت ~~صحيفة نبأ تمثيل «لولا المحامي»، شفعت كلامها بأن مؤلفها هو ابن فلان، أو أخو فلان. أرجو أن لا ~~تتهمني بالقحة إذا أنا آثرت الصدق، وتنعتني بأني لست بالروائي الملهم، فلئن كنت ممن يحبون ~~المقالات تتبرج بالاستشهادات الإفرنجية ... # قلت مقاطعا: وما الخطأ بالاستشهادات الإفرنجية؟ ~~- أقوال الناس كشهود الزور، يمكنك أن تستنطقهم القول الذي تريد؛ فإذا أحببت مثلا أن تثبت أن ~~السياسة هي موضوع شعري، لجاء في متناولك عشرة أعلام يقولون إن السياسة توحي الشعر، وعشرة في أهمية ~~منزلة الأول ينكرون أن السياسة توحي الشعر، إذن فما الفائدة من الاستشهاد؟ ثم إن في كثرة دلف ~~أقوال الغربيين إلى كتاباتنا اعترافا منا بضعفنا، كأن الحقيقة لا تكون مقنعة إلا إذا نطق بها ~~ألكسندر طلبنوخسكي الروسي أو جون ج. م. ز. جونسون الإنكليزي، بل كأن الكاتب يقول للقارئ: «أنا ~~رجع وضيع، وربما أكون كاذبا، فلا تصدقني، بل صدق فلانا، وهذا قوله.» وهل من الواجب أن أزيد أن ~~الاستشهاد صار «تدللا من الكاتب بسعة اطلاعه.» # قلت: كنت على همة أن تستشهد، فافعل ذلك على شرط أن تكون الأخيرة. قال: كدت أن ms026 أعلمك أن «جون ~~ديوي» أعظم فلاسفة أميركا يقول: «إن أقوى محرك في طبيعة الإنسان هو حب الظهور»، أما الذي أحببت أن ~~أخلص إليه، فهو أنه إذا سهلت وسائل الظهور انطفأت نار الإنتاج، فكم من ضحية أردتها صحفنا قتلا ~~بالمديح. # أعرف مهاجرا في أزمة 1930، كان يفرح إذا انكسر مديون، وله عليه مبلغ ضخم؛ كي يظهر في مأتم ~~المكسور، وهو أرفع الدائنين صوتا، وأعرف فتى تظاهر بالجنون استلفاتا للأنظار، وكان كلما عطف ~~عليه أصدقاؤه وأقرباؤه بأنظارهم وآسوه، تنعم بالتفات الناس، وازداد تظاهرا بالجنون، حتى كاد يصبح ~~التظاهر حقيقة، إلى أن أشار طبيب اختصاصي على ذوي «المجنون» أن لا تأبهوا له، فلما أعرضوا عنه ~~«شفي» الفتى من جنونه. هذان مثلان عن الغلو في حب الظهور، وإنني أعزو قلة إنتاج أدبائنا إلى سهولة ~~وسائل الإذاعة في بلادنا، فقصيدة واحدة، أو خطاب، أو ديوان، يكفي لأن تنشر ذكرى أحدنا بين الناس، ~~وتظهر صورته في الصحف. فترتخي أنانيته، وتتخدر أعصابه، وتقعد به مظاهر النجاح عن الجد إلى الوصول ~~إلى النجاح الحقيقي. إن قليلا من التشجيع ضروري، ولكني أراهن أنه لو اتفق الصحافيون على الإغضاء ~~عن ذكر الأدباء سنة واحدة، لتضاعفت جهود مؤلفينا واغتنت مكاتبنا. # كنت بعد «لولا المحامي»، وبعد مئات الخطب والمقالات، أجهز المواد لرواية تمثيلية ثانية، إذ ~~اتفق لي أن دخلت في عام 1924 مخزن أمين أبي ياغي في بيروت، وقبل أن تتعود عيناني ظلمة المخزن، بعد ~~وهج الشمس، إذا بشخص فتان المظهر، يقفز من مقعده في زاوية المحل، ويمشي إلي ب «أهلا بالنابغة»، ~~ويهز يدي بحرارة. فركت عيني - لا ما أنا بالحالم - هذا أمين الريحاني بعينه. خرجت من المخزن ~~«مبنجا» ب «أهلا بالنابغة»، مورفين أنامني سنة كاملة من غير إنتاج أدبي؛ إذ رجعت عن خطة تأليف ~~الرواية الثانية. ما تبقى بعد من الأدب يا سعيد، وقد دعاك أمين الريحاني «نابغة»؟! سنة من العمر ~~أضاعتها عبارة مديح! # قلت: إن في نفسي لعجبا منك. أسمعك كثير التحدث عن الدكتور فيليب حتي، فما لك أغفلت الآن ~~ذكره؟ ms027 # قال: بلى، تلك زوبعة عقلية نزلت بي، فاقتلعت وزرعت، وقد تهذبت عليه ثلاثة أعوام، فعليه قوي ~~تفكيري حتى كنت برهة من الزمن ببغاء من سرب ببغاواته، بعضها لا يزال في سماء بيروت، يطير ناصل ~~الأجنحة، وأسطوانة من أسطواناته التي تردد ألحانه العديدة، ومنها من لا يزال يدور على نفسه منشدا ~~أغاني حتي، غير أني ارتددت عليه، وها أنا أسجل تمردي على تعاليمه، فقد أفهمنا - في جملة ما أفهم - ~~أن التاريخ لا يعيد نفسه، وها أنا شططت في هذه الديار منذ اثني عشر عاما، خالي الوفاض مفلسا، ~~وأرى التاريخ أعاد نفسه بي مرتين منذ ذلك العهد. ~~••• # قال المؤلف: ينزل الستار على حياتي الأدبية بعد «لولا المحامي»، و«قضي الأمر»، ويرتفع فجأة، ~~فإذا بطلنا - أي أنا - على مسرح أعددت نفسي لكل مسرح إلاه؛ التجارة، في جزائر الفلبين من الشرق ~~الأقصى، يريد أن ينقص القوت من أفواه الأسود، ولو لم يكن هناك أسود. كان سلاحي في كفاحي الشباب ~~والجد والطموح والذكاء - أي نعم الذكاء، وسأقص عليه أخباره - وكانت أعدائي الذكاء والجد والطموح ~~متحالفة مع غدر الأيام وغدر الناس، وهوس الشباب وغلو التفاؤل، والإسراف، وائتمان الناس من غير ~~روية، والإغراق في الطموح إلى تطلب المليون بالمجازفة بالألوف، فصعدت في عالم التجارة كأني راكب ~~منطادا، وأهويت كأني قافز من طائرة، وأنا اليوم أصعد الجبل ألف ذراع في اليوم، وأزلقه ألف ذراع ~~في لحظة. عيناي في الذروة وقدماي في الوادي - مهشم الجسد، سليم الروح، أعتاض عن نشوة الظفر بلذة ~~الجهاد والأماني. أهل التجارة يعتقدون أني أديب كبير، وبنو الأدب يتوهمون أني تاجر ماهر، وأنا ~~واثق أن الاثنين على خطأ وصواب. # صحت بصاحبنا: مهلا يا حضرة المؤلف، أهمزك بسؤال لتمشي خطوة، فإذا أنت ترمح ميلا. فهلا ~~حدثت قراءك - إذا أوقع الله بين يديك من قراء - بشيء عن بركات الحياة. قال: لا أجيد الكلام عن ~~البركات، وأعاف كلمة ب. ر. ك؛ لأنها تفكرني بشيء مستكن، ونفسي قلقة مشدودة إلى رفاص، ولكني أقص ~~عليك أنباء اللعنات الأربع، التي غشيت روحي، ms028 ونشرت العشرات في سبيلي. ~~- وما هي؟ ~~- أولها لعنة «الذكاء». # قلت: تضايقني يا محترم؟! ألا تخاف أن يرمي قارئك بكتابك، إذ يراك تنعت نفسك بالذكي؟ # أجاب: أصارحك أن قارئي ذكي، يعرف أن في رياء التواضع المصطنع من الخيلاء والتدلل ما هو أبشع ~~من المصارحة، وإن كانت مباهاة، وأنا جاد إذ أقول لك إن الذكاء لعنة، والإنسان يفخر بما يكسب، وليس ~~بما يوهب، والذكاء أحبه موهبة. أقول لك: إن الذكاء لعنة. ألا تسمعهم في لبنان أسبق ما ينعتون ~~بالمديح أحدهم بقولهم: «فلان ذكي»، كأنهم قالوا إنه كامل بكل معاني الكلمة. إن الذكاء لعنة؛ لأنه ~~أقل المزايا أهمية. فالمثابرة، والجد، والاقتصاد، والحرص، والحذر، والتوفير؛ هي أهم من الذكاء ~~بكثير، ولكن الذكاء صفة وهاجة تبهر العيون، وأخصها عيني حاملها، عن التطلع إلى غيرها، وتوهمه أنه ~~لا يحتاج إلى سواها، وبهذا كانت لعنتها. # كنت أماشي أحد ماليي مهاجرينا، ممن أصابوا النجاح المزدوج من ثروة واحترام الناس، فسألته في ~~ساعة تشتاق فيها النفس إلى البوح إلى النفس بأسرارها، عما هو سر نجاحه، قال: يا بني، إن في ~~سؤالك جوابي. فلو كنت شخصا غير عادي، ذا ذكاء ونبوغ خاص، لما سألتني هذا السؤال، بل لعرفت من ~~ذكائي جوهر نفسي. أما وأنا رجل عادي بدماغه، فقد جئت متوازن الجهود، متسق التفكير، وحالفني شيء من ~~الحظ إلى الوصول بي إلى النجاح الذي أنا فيه. انظر إلى فلان وفلان - وهنا كر علي مسبحة أسماء ~~- كلهم أذكى مني، وأوفر علما. أين هم الآن؟ إن ذكاءهم ولد بهم ثقة نفس، صرفتهم عن تطلب الخصال ~~الأخرى، التي هي في النجاح أكبر شأنا. # قلت: اقفز بي إلى موضوع آخر، أو فاختصر. # أجاب المؤلف: حبا وكرامة، فأنا للاختصار محب، ولكني ككل درامائي، يفهم أن كتابه خليق ~~ليمثل لا ليقرأ، ويجب عليه أن يعوض على شاري الكتاب بشيء يقرأ، فصبرك، إن وجدتني أمط هذه ~~المقدمة، وها أنا أذكر تلك اللعنات الباقية، التي كبلتني؛ فثانيها: لعنة الطموح، ولا تنس أن هذا ~~الحديث هو أوتوبيوغرافي؛ لذلك لا أقول ms029 شيئا في كيف أن الطموح قد يتعجل ضحيته إلى اختصار طريق ~~النجاح، فيسبب أحيانا السرقة، والجريمة أو الاحتيال، ومرارة النفس، ويغمس عواطفك في سيال التحرق ~~من الفشل. ~~- يعني أن روحك تسكنها العذارى من بنات الطموح، لا بغايا فتياته؟ ~~- اخرس ... ~~- عفوك، أنا واثق من كذبك، ولكن سر في حديثك. قال: إن الطموح يتعجل خطى المرء، فيسبب في كثير ~~من الأحيان هلاكه، وهذه أودية الحياة ملأى بالمهشمين من الطموحين الذين أرادوا أعمارهم أن تكون ~~قفزا من قمة إلى قمة، وما فطنوا إلى أن معظم الذين يصلون القمة يتسلقونها مشيا على ~~الأقدام. ~~- وزحفا على البطون. ~~- بل دبيبا على الذقون. وإن دودة الأرض في مثابرة دبيبها لأقرب إلى مرماها من الجندب في قلق ~~قفزاته. # صحت: بربك! عجل مخافة أن تفلس من التشابه، فترجع بي إلى مثل الأرنب والسلحفاة. # والطموح - تابع صاحبنا - يشوش على الإنسان تفكيره، فهو بكل شيء غير راض، على الحياة ناقم، ~~مجازف بالقليل والكثير. # قلت: عجل، واغسل يدك من اللعنتين الأخيرتين. قال: «لعنة الثقافة». ~~- يا غبن الزيت؟! ~~- ربما، فالمثقف اثنان؛ رجل مثقف نصف ثقافة، فهو بنفسه مغرور، يعتقد أنه فوق الناس، وهو دونهم ~~بدرجات، غير أنه بعيد عنهم في كل حال، ورجل مثقف ثقافة صحيحة، فهو بذوقه، وأطباعه، ومطالعاته، ~~وتفكيره، فوق الجمهور، أي عنهم قصي، والناس يتبرمون بالاثنين. ولا تنس أن الحسد - على الرغم من ~~كتب علم النفس - غريزة شاملة، والمثقف محسود فهو مناوأ. بل إن حساد الثقافة أشد اندفاعا في ~~مقاومتهم المثقف من حساد المال. يقاومون الغني؛ لأن الغنى ميسور، ولو نظريا عن طريق اليانصيب، ~~أما الثقافة، فمن حرمها شابا فقدها على الإجمال كهلا وشيخا، وسلاح الغني يذل العدو، أما سلاح ~~الثقافة فلا يقهر إلا حامله. قلت: لعنت ساعة تحدثنا بهذه اللعنات، فهات لعنتك الأخيرة، واختصر ~~يا أستاذ، إن الاختصار هو روح الحكمة. # قال: بل سأختصر، ففي البحث في هذه المصائب ألم فرك الجراح، وها أنا ذا أذكر اللعنة الأخيرة ~~عارية؛ لعنة النجاح الباكر. # ويمينا، لقد أخذت ببلاغة محدثي، وكدت أنصرف ms030 من بين يديه مشدوها بمظاهر عمق تفكيره، لولا ~~فورة من النور غلبت على ناظري، فإذا بجليسي يظهر أمام بصري بحلة جديدة، فقلت: يا صاحب «نخب ~~العدو»، من الناس من أوتي براعة تنسيق السفسطة، وإلباسها ثوب الحكمة، وحاشاك الله أن تكون منهم، ~~ولكن هلا ذكرت الذكاء يقترن بسائر الفضائل، وهلا عرفت الطموح يذكي مزايا النفس، وينهض بها، ~~وكيف غاب عنك أن الثقافة وحملتها ملايين، هم من قادة الدنيا، وكيف تفسر أن ألمع أسماء الدنيا من ~~أحياء وأموات أصابوا النجاح الباكر، فشجعهم على الاسترسال والإنتاج ؟ # أجاب - وقد بلع بريقه وحدجني بنظرة عداء: مكانك، فأنت تبحث في النابغين، ونحن نتكلم عن سعيد ~~تقي الدين. ~~- سؤال أخير يا أستاذ، هل أفهم منك أنك في الحياة ترفع العلم الأبيض، وتعترف بالانكسار؟ أنسيت ~~لأعوام خلت كيف كنت تتطلع في الحائط، وتصيح بي: «بيني وبين الفوز هذه الروزنامة»؟ ~~- ولا زلت أعيد هذا القول. ~~- ولكن عبارتك هذه ترهلت، فأين هي اليوم تتدلى من فمك غثة منها بالأمس تندفع من شفتيك لاذعة ~~بنار الاقتناع، مصقولة ببريق من عينيك؟! بل أين أنت اليوم، وقد برز بطنك، وهدأت خطواتك، وصارت ~~كلمة «الحظ» تتسرب إلى حديثك، فهل أوفيت على مرحلة العمر، إذ يعترف المرء بفشله، بأن يلوم «الحظ» ~~من دنياه؟ وهذه الذكريات التي أصبحت تلهج بها، أليست هي الدليل القاطع على هرمك؟! فمن شاخ أكثر ~~التحدث عن ماضيه، أما الفتى، فحديثه أبدا عن غده. هذا مقياس العمر الوحيد. قال: غريب أمرك ~~يا هذا! تشهد غماري في الجبال عن الذهب مفتشا، وتتهمني بالهدوء؟ أما رأيتني أقضي الأسابيع في ~~الغابات، أخوض أنهارها، وألتحف سماءها، مقتاتا بقشر جوز الهند، أجر 110 كيلو من جسدي؟! إذا كان ~~هذا هدوءا، فما هي الحركة؟! # قلت: يا محترم، أمندفع أنت في هذا الغمار، بذلك الإقدام الذي رافق فتوتك، أم أنت فاعل هذا ~~تبرئة لضميرك أمام نفسك، كي لا تتهم همتك بالخمول؟ # قال: أنت جائر، وأوقح من مخبري جرائد أميركا. # وقد انتهت المحادثة. # فصافحت يمين المؤلف بيساري، وانصرفت تاركا محدثي ms031 ينعم بأوهامه - وما أرفق الجهل بأصحابه! - ~~حاسبا أنه تمخض هذه السنين الطوال، فولد رائعة، وأنه نام عام 1924 قزما، ونهض سنة 1937 عملاقا، ~~وهو لا يدري أنه: «ناخ نوخة جمل، وقام قومة هر.» # | أشخاص نخب العدو # ليسوا وحدات مستقلة، ولكنهم أفراد من مجموع. كل واحد منهم له مزاياه الجسدية، والعقلية، ~~والنفسية، وله تاريخ حياة حافل بالحوادث، فتعرف إليهم كما يظهرون لك. خذ. # أم وسيم # تعبد بعد الله - وربما قبله - ولدها وسيم، وتبغض قبل الشيطان «بني الحمصي» - قتلة أبي ~~وسيم. شديدة العزم، شديدة الذكاء والإرادة، قوية الشكيمة ، جريئة، ورعة، تخاف الله وتستنجده، ~~وتصلي له، وتأتمه، كأنه صديق قديم، والصديق يبغض عدو صديقه، فالله فاتك في نهاية الأمر ببيت ~~الحمصي، حام لوسيم. تبغض كل من ليس من دينها، أو حزبها أو ضيعتها. عبثا تحاول تحويل اقتناعها، ~~إذ إن قوة النفس قد أرهفته، فلا مساومة في معتقداتها، حريصة، حذرة، يقظة، كثيرة الجد، ذات أنفة ~~وكبرياء، طاهرة من العجرفة، ضربة السيف لا تؤلمها، ولا تفهم كيف تؤلم سواها. # حلفت أن تخنق «هدى الحمصي» بغدائرها، ولو رجعت «هدى» غير مقصوصة الغدائر لماتت على وصفة «أم ~~وسيم»، ثيابها جبلية، نظيفة، وكذلك أثاث بيتها، أمارة بحديثها، أبدا تصيح، مدمدمة، محتجة، ~~كثيرة التحدث مع نفسها بصوت عال منذ الصغر، زادت بها هذه العادة بعد ذهاب «أبي وسيم»، فأي ~~أرملة أحبت رجلها لا تشعر بالوحدة بعد فقده، وأي علامة للوحدة مثل تحدث الإنسان لنفسه بصوت ~~عال؟! # خفيفة الخطى على شيخوختها، نحيلة الجسم، صلبته. أبغض الأمور إليها الأكل والنوم. أقامت لأبي ~~وسيم تمثالا في عيني وسيم. فليس من مزية مستحبة في الدنيا لم يتحل بها «أبو وسيم». أما كيف ~~كان أبو وسيم يضربها، فأمر لا تحدث به الناس. # ربما مثل «أم وسيم» أمهات قيصر، ووشنطن، ونابليون. # زليخة # هيفاء كمحدلة الطريق، صوت كأنه زمور، بهيمة بشرية، ضخمة الصدر، هائلة الخدين، منبوشة الشعر، ~~حولاء، متدلية الشفتين، عبدة النفس بلهاء، احتل أنفها زكام أبدي، فهي أبدا تمخط بتنوريتها، ~~ولكن في قبحها وخشونة سلوكها ms032 تناسب يهم بأن يكون جمالا. قل عن زليخة ما شئت، ولكنها خفيفة ~~الدم مهضومة. # أبو مرعي # يقول لك فتيان «وادي الأرز»، ويبتسمون: «أبو مرعي»، عمي أبو مرعي، بطل غير مجرب. قذيفة ~~ديناميت لا تدري إذا كان بارودها مبللا، هائلة الجثة، أما الهمة فلا نعلمها. لماذا لا يأخذ ~~بثأر أخيه أبي وسيم؟ وإن كانت الظروف غير مناسبة، فما باله أبدا يبصق كلمات من نار كلها توعد، ~~ويدمدم كلمات من دمدم؟ من الذي شهد بطش أبي مرعي؟ أين كان حين «وقعة العين»، و«معركة ~~السنديانة»، وحين تنادى الشبان في آخر الحرب، وقاتلوا مفرزة من جنود الأتراك مهزومة، أين كان ~~أبو مرعي؟ وما هذه الواقعة في بيروت بينه وبين أربعة من «بني البترون»؟ من شهدها، وشهد البطش ~~الذي يدعيه؟ # وقد يكون شكاته على خطأ أو على صواب، ولكن إذا لم يشهد الناس منه بطولة، فمن هذا الذي عرف ~~عنه جبنا؟ أبو مرعي - ككل رجل عظيم - فيه الكثير من اللغز والتناقض، غير أن المعترف به عن أبي ~~مرعي هو أنه لبق في معاملة أبناء الحكومة. كل دعوى له أو عليه أبو مرعي يربحها، نبيل تجاه ~~عائلته، يمونها، ويقوم بحاجاتها. يحمل عصا الناطور شهرا، وينتزعها منه أبناء الحمصي شهرا، ~~والحرب بينه وبينهم سجال. # نار البغض لا تلتهب في نفس وسيم، وهذا نقص لا يسامحه عليه أبو مرعي. ليس فيه من عيب جسدي، ~~إلا أنه ثقيل السمع. # الدكتور نجيب # تمشط الدنيا فلا تجد له مثيلا. # صعب على الناس أن يفهموا الدكتور نجيب؛ لأنه عاش تلك الخمس والستين من حياته، وانصرف عن ~~الدنيا، ولم تظهر نفسه عارية أمام أحد. فنحن نستنتج خصاله بما نرى من أعماله. محاولة صعبة، وقد ~~تكون غير مضبوطة، ولكن ما الحيلة، وفي الناس مئات يدعون صداقته، وليس فيهم واحد آخاه؟ نراه في ~~آخر مراحل العمر، تطغى إرادته القوية على الجسم المتهدم، فيسير بمشية عسكرية مغصوبة توهمك ~~القوة، حتى تلمح كتفين تهدلا، وفكا يتراخى في غير إبان الحذر، فتعلم أن الرجل يقترب من مرقده ~~الأخير. ms033 يحدثك عن مستقبله، وعما سيقوم به من الأعمال، فهو سيزيد على المستشفى الكبير الذي يرأسه ~~جناحا في السنة القادمة، وجناحا بعد خمس سنوات، وعلى المختبر أشعة إكس بعد شهرين، و... و... بعد ~~عشر سنين، وعلى ألوف الكتب التي يقتنيها ألوفا أخرى. فتسائل نفسك، ترى، أيعتقد هذا الإنسان أنه ~~سيعيش إلى الأبد؟ وتحاول أن ترمي عليه هذا السؤال، فتصطدم بنظرتين من عينين تصيحان «قف». # تحسبه مبشرا حتى يتكلم، فتسمع من صوته نبرة أمر طبيعية، كأنه خلق ليأمر، وشددت هذه ~~النبرة سنوات قضاها أستاذا في جامعة، وسنوات كان خلالها ضابطا في جيش. # لعل أعظم ما قام به عجيبتان؛ الأولى: أن الجرائد العربية دعته نابغة وعبقريا، وكان بحق ~~نابغة وعبقريا، إذ إنه كان بدون ريب أعظم طبيب، وأمهر جراح عرفته بلاد سكانها 18 ~~مليونا. # والعجيبة الثانية، أن ألسنة مواطنيه لم تنله بهجو، فقد تعالى عنهم إلى حيث لا يطاله لبيطهم. ~~يعمل الخير بدون مباهاة، كأنما فعل المروءة كتنظيف الأسنان شيء ضروري مألوف. يعاشر سكان الذروة ~~من المجتمع، ويجلس إلى موائد العوام، ويفعل هذا غير متصنع. # ولكانت سيرة حياته ناقصة لو جاءت فوزا مستمرا لم يتخلله فشل. فالذي لا يعرفه الكثيرون ~~أنه انقطع عن ممارسة الطب سنوات خمسا، وانزوى إلى منجم، كانت نتيجته المالية فاجعة. في برهة ~~تلك السنوات، ابتدأ الناس يتحدثون عنه ك «رجل كان». لم تعد الأيدي ترتفع للسلام عليه بالعشرات ~~حين يسير في الشارع، ومن عرف عنه كيف كان يزدري المال، وكيف كان ينفقه بأسرع مما يكسبه - وكان ~~يكسبه بالألوف - تصور كم كانت أليمة عليه تلك السنوات. إنما هل شكا؟ هل تأوه؟ هل انزلق إلى ~~عالم الذكريات؟ هل كان في لبسه وسخاء يده، ونظراته، شيء يدل على فشل؟ جاءته تلك السنون في غسق ~~العمر، وفي غسق العمر قام الدكتور بأعظم أعماله، واسترد مكانته العلمية والاجتماعية، وقفز في ~~سلم الحياة إلى أرفع درجاته، وقد ساعدته على ذلك - ولا عار - الأقدار؛ إذ إنه في الساعة التي ~~كان الدكتور بها يفكر كيف يسترجع مكانه، ms034 كان مواطن يحمل المسدس لينتحر، فلما أن وصل الدكتور ~~نجيب وجد ... قد أطلق الرصاص على رأسه، فاخترقت الرصاصة الصدغ الأيمن، وطارت من الصدغ الأيسر، ~~وراح الدماغ يرشح من الجانبين. الدكتور نجيب شفاه، وشفى اسمه من صدأ بدأ يعلق عليه في هيكل ~~الشهرة، وابتنى مستشفى، كان محجة كبار الأغنياء، الذين يبغون شراء أثمن ما في الدنيا، والمعدمين ~~من الفقراء، الذين لا يدفعون إلا الشكر أجرة، وكان الدكتور يبهظ الأجرة على الغني، ولا يكتنز ~~منها - على خطأ الناس في تقدير ثروته - إلا شكر الفقير. فلم يخلف من المال إرثا إلا مكتبته ~~وأدوات طبه، وضمانة حياته. أرزانة تلك التي قطبت جبينه أم هي كآبة؟ ما هذا الذي يجلل شيخنا، ~~كأنه حزن عميق؟ أي فاجعة مرت به لم يأت خبرها الناس؟ هو لم يقصر على الطب أعماله، بل ألف ~~كتبا علمية، ونظم صفوف مواطنيه المهاجرين في جيش تفرق قبل أن يحتشد، ورجع إلى بلاده في ~~محاولة سياسية لم يكللها النجاح. فهل استصغر ذلك العظيم محيطه، والحقل الذي اشتغل به؟ لقد احتك ~~بشخصيات عالمية، فهل قايسها بصمت، بشخصيته فوجد في نفسه تفوقا، فتأوه وقال: لماذا أخذت ~~زاوية أنيرها، وكان في وسعي أن أملأ الساحة شعاعا؟ أنا لا أدري الجواب، ولا أعرف أن في الدنيا ~~من يدريه، ولكن استنتاجي يقودني إلى الاعتقاد أن قد كان في الرجل طموح إلى الظهور بمظهر عالمي ~~كبحته الأيام، وأن هذا الحزن الذي غاص إلى أعماق نفسه هو نتيجة اقتناعه أن حياته - على شمول ~~اعتقاد الناس بأهميتها - كانت فاشلة باقتصارها على ميدان صغير جال فيه. # تحدثه عن لبنان وسوريا، فيستسيغ الكلمات عنهما، كنهم يبطش بطبق حلوى، فإذا ما وصلت من ~~تاريخهما إلى بعد الحرب، أجفل وصمت، شأن من فقد عزيزا لم يمض على وفاته وقت كاف، حتى يبيح ~~لنفسه التحدث عنه. فهل كان بسبب حبه لوطنه وشدة مباهاته ذا أحلام سياسية عظمى، نكبته بها ~~الأيام؟ اجتهاد في الاستنتاج، ولكنه محتمل. # أما المظاهر التي تطفو على نفسه، والتي يبصرها العميان، فهي ما ms035 شاع عنه: من لطف، وأنس، ~~ولمعات غضب، وديمقراطية، وبذخ، وحب للتفاصيل متناه، ونهم في المطالعة، وغرام بقهوة «سوداء ~~كالشيطان، ملتهبة كجهنم». # بالطبع كان يكثر من محاولة تنظيف نظارتيه بمنديله. # الآغا وابنه # يتقدم العصر، كما يتقدم البقرة ذنب البقرة. ليس من أحد يدري كم أردت «الزائدة المعوية» من ~~نفس خفية! حتى اكتشفها الأطباء، وعلموا أنها بقية مصران، كان ذا نفع في الأجيال السالفة، ~~وأنها اليوم مصدر كثير من الآلام، والالتهاب، والفساد، والاضطراب، وأن الوسيلة الوحيدة لمنع ~~أذاها هو قطعها. # كذلك، لن يتسنى لبني الشرق الأدنى أن يعرفوا كم أنزل بهم البكوات والباشوات، والمشايخ، ~~والمقدمون، والأغوات، والأمراء؛ من مكروه! ولن يقدروا أن يعدوا قتلاهم، حتى يفقهوا أن هذه ~~الطبقة من الناس هي «زوائد»، كان لها نفع في الماضي، وأنها اليوم لا تقوم بعمل ما إلا المضرة، ~~وأن الوسيلة الوحيدة لمنع أذاها، هو قطع نفوذها. # على أن بني الشرق الأدنى سائرون نحو التفلت من أذى هؤلاء الطفيليين سيرا هادئا، سيطول ~~زمنه؛ لأن العنف لا يرافقه، ولكن نتيجته واحدة محتومة. ~~«فالآغا» في هذه الحكاية طفيلي، يغزو موائد الشعب ويتصدرها؛ لأنهم لا يتفقون على من ~~يتصدرها، وهو يعتقد أن تفوق مكانة عائلته على الناس أمر مسلم به، هكذا كانت الأمور، وهكذا يجب ~~أن تكون. يتعلق بمكانته التي تدر عليه عيشه تعلقا غريزيا كأطفال الحيوانات بأثداء أمهاتها، ~~ويتوسل إلى ذلك بتفرقة القوم وتضخيم أحقادهم، ولا يؤلمه ضميره، فهو يلعب لعبة هذه قوانينها ~~المشروعة. أراد أن يعد للمستقبل وطوارئه، فأرسل ابنه إلى المدارس ليتثقف؛ حتى إذا تطال إلى ~~مراكز الدولة رجل من العامة، كان ابن الآغا أحق بالوظيفة، ولكن ابن الآغا استهوته حياة المدينة ~~وفسقها، فطير البقية من أراضي أبيه، ولم يتثقف بغير آداب المواخير، وكان خلال ذلك «العوام» من ~~«وادي الأرز» أصابوا المال في المهجر، والثقافة في الوطن، فأين هو الآغا الآن؟ # هو حيث يجب أن يكون ورفاقه «الباشوات»، و«المشايخ»، و«البكوات»، و«الأمراء»، و«المقدمون»، ~~والطفيليون جميعا؛ في «لا مكان». # وماذا تنتظر أن يقلب أبدا بين يديه إلا ms036 مسبحته الصفراء؟ # راجي البيروتي # الفتى النحيل، المنرفز، القلق، الضجر؛ راجي البيروتي، هو ابن «أبي راجي»، ولا أقول ~~«أبو راجي البيروتي»؛ إذ إن بيروت منذ فتحها العرب إلى أن أقفلها الأرمن، لم ينشأ بها إلا ~~«أبو راجي» واحد؛ هو رئيس البحارة، ورئيس المينا، وهادي البواخر إلى أمين مراسيها. ويظهر أن ~~«أبو راجي» هذا نبت من نفسه، فليس في بيروت عائلة تدعى البيروتي، سوى عائلته، وعائلته هذه هي ~~هو وابنه، وما عاب أبا راجي أنه قصير القامة، نحيلها، فأبو راجي «قبضاي» صبوح الوجه، سموح الكف، ~~قاضي البحارة إذا اختلفوا، دائنهم إذا أفلسوا، قائدهم إذا مشوا في أمر، محاميهم إذا نشأ بينهم ~~وبين القانون سوء تفاهم، وهو بلا ريب أمهر بحار عرفته بيروت. أما كيف شيد أبو راجي قصره ذا ~~الأربعة طوابق؟ وكيف ملك عدة مراكب شراعية؟ وكيف عاش باذخا كالأمراء؟ فليس من الصعب تفهمه، ~~فبنو لبنان وسوريا يعشقون الأسلحة، وفي مصر حشاشون، ورجال الأمن بعضهم متساهل، وبعضهم يغمض ~~عينيه إذا امتلأت يده، وفي المآزق «هم رجال ونحن رجال، ولعينيك يا أبو راجي.» # وراجي طبعا لم يخلق من أبي راجي وحده، فأين هي أم راجي؟ سؤال إذا ألقيته على حلقة بحارة ~~يدخنون النراجيل في مقهى «الأنيلوتي» صمتوا، فإذا ألححت، قالوا: «الموت غير نقاد، ولكنه في ~~بعض الأحيان عادل، والمدعي العام لم يثبت أن جثة المرأة كانت جثة أم راجي، ولا أن جثة الفتى ~~كانت جثة «خرطبيل الأقتمي»، ولعن الله كل من عابت - ويبصقون - ولعن الله النساء أجمعين - ~~ويبصقون ثانية. وأبو راجي رجل شريف، وبخاطرك يا أفندي.» # كان راجي في الثالثة من عمره، حين فقد أمه، وأعاضه أبوه عنها بممرضة، ولكن شديد عناية ~~الممرضة، وكثرة الدمى التي أعطته إياها المرأة اليونانية «طمارة»، تلك التي تسكن الطابق ~~الأعلى مع أبيه، لم تعوض عن حنان الأم، خصوصا وقد نبا عن راجي «أبو راجي»، ومن يدري إن لم يكن ~~في أعماق نفس الأب شك عظيم، مع أن راجي صورة أبيه المصغرة، ولكن يكفي أن يكون الطفل من ms037 دم تلك ~~التي عابت، «ابصق معي» حتى يكرهه أبوه، وهنالك «طمارة» الفتاة اليونانية، تشغله لياليه، وفي ~~المرفأ بواخر، وفي عرض البحر عاصفة، وفي مخدعه عواصف، غير أن أبا راجي جواد، ولعله أراد رشوة ~~الخفير في نفسه، حين أغدق على راجي المال، فشب أنيقا يلبس على الكاتلوك كثير السيارات، ~~والعشراء، مسرفا، خليعا، يقال أن ليس في مواخر بيروت مومس تجهل ألوان بيجاماته، وهو ربيب ~~المدارس بالطبع. كان في المدرسة كغريب يساهم في مأتم شخص لا يعرفه، غير أن راجي ذكي الفؤاد، ~~فكان يماشي دروسه، فما وبخه أستاذ، ولا أعجب به أستاذ. أما اندفاعه في ملذاته، فكان تهربا من ~~بيت فقد الروح العائلية، ولإشباع عطش في نفسه، ولكل شيء نهاية؛ فقد تبرم بعيش البذخ والترف، ~~والخنا، ومل عشراءه، وحياته، ومومساته، وسياراته، وحجر عواطفه، وطوح به إلى الاستخفاف ~~بفواجع الحياة ومهازلها فاجعة أبيه؛ «فطمارة» هربت مع ظابط في الجيش فتي، وماذا تريد «طمارة» ~~- ابصق معي - بعد من أبي راجي، وقد كنزت ثروة من نقوده وجواهره؟ وشاء تهكم الدهر أن يهربا على ~~باخرة يقودها «أبو راجي» من المرفأ إلى عرض البحر، ولأبي راجي عيون على البواخر، فما أفاد ~~الحبيبين تسترهما في غرفة منعزلة. أما كيف انفجر صندوق الديناميت؟ وكيف غرقت الباخرة بطمارة ~~وبحبيبها، وبأبي راجي؟ فلغز ما حله البوليس البحري، وفي بيروت اليوم بحري شيخ يدخن الأراكيل، ~~ويعرف الكثير، ويقول لك: من هتك العرض وفاته السكين، يناله الطوربيل. # وكان بيت أبي راجي من تلك الصروح التي تنهار مع بناتها، وكأنما قيل لراجي إن سعر المشمش ~~ارتفع، أو إن الأمطار هطلت في الزنجبار، حين قيل له إن أباه هلك؛ فالدنيا ما عادت تخبئ لراجي ~~دهشة أو انذعالا، كذلك لم يبغته حجز «إسحق إبراهيم السلطي» على أملاكه؛ تسديدا لسند ضخم ادعى ~~أن أباه وقعه، فحينما دخل مأمور الحجز من الباب، قفز راجي من النافذة، ففي بيروت غرف كثيرة، ~~يستطاب النوم فيها. # وطبعا، لم يسكت رجال أبي راجي على تسلطن إسحق إبراهيم السلطي، فكثرت الأحاجي حول ذلك ms038 ~~المالي. من أرسل له تلك الجمجمة في البريد؟ من سمم لكلبيه الشهيرين؟ لماذا كثر دوي الديناميت - ~~وبيته على البحر - قرب بيته؟ لماذا يكويه البحارة بنظراتهم، ويبصقون؟ # إلى أن نادى إسحق راجي، وقال له: لك مني 100 ليرة شهرية، تستلمها ما حييت، فأذع الخبر بين ~~الناس، فأنا لأبيك وفي. # هكذا كان راجي، حين عانقت نفسه نفس وسيم الحموي. فوسيم - كما سترى - هو نقيض راجي في كل ~~شيء، وللنفس انعطاف على النفس، إذ تحس أن فيها تماثلا، ولكنها تندمج، وتتلاشى في النفس ~~النقيضة، إذ تستشعر أنها وقعت على ما ينقصها من خصال، فتنجذب النفس إلى النفس ولا تنفصلان، ~~كأنهما أوكسجين الماء وهيدروجينه، فلا عجب، إذا رأيت راجي ووسيم بلغا في الألفة ذروة الأخوة، إذ ~~يصبح حديث الصديق للصديق شتيمة، وسخرية، وتهكما، ودعابة، وقد يكون راجي أشد اندفاعا في صداقته ~~من وسيم، إذ إنه حرم حب الأم، وما وقع في حب امرأة، وطافت عليه العطايا، فما هو بطموح؛ أي إن ~~كل منازع نفسه مكبوحة، فلما جاءت أخوة وسيم، طفت عواطف نفسه في مسالكها، وانصبت في أخوته ~~لوسيم. وراجي هذا ليس من المرح كما يريد أن يظهر، فهو يتستر بالمزاح؛ كي لا يظهر أثر جرح عميق، ~~وهو في جوهر نفسه دهري، # 1 # لا يثق بالناس، ذو سليقة صادقة في بني الإنسان. غير أنه وجد في «وسيم» صديقه ~~وزعيمه، فرضي أن يقاد من غير أن يشترك بسوق سيارة الحياة، بأكثر مما يشترك الجالس إلى جانب ~~الشوفير: «أخطأت. عجل. تمهل. كنت قتلتنا.» لم يرث عن أبيه بأسا، ولا طيشا، عيناه إبرتان من ~~نار. # إذا تزوج راجي فتاة تحسن سرجه، وتجيد ترويضه، ركض، وخلف جمهور الناس بعده بأميال، ولكن ~~راجي أعقل من أن ينهز نفسه، وصعب عليك أن تجره، فسيموت رجلا «كان في وسعه أن يكون ...» # وسيم الحموي # أصحيح أن بني لبنان بأنفسهم مغرورون؟ العجب لو أنهم كانوا غير مغرورين. يخلق طفلهم على صوت ~~الأهازيج، والبارود، يتزوج على ألحان الدبكة، يدفن على موسيقى الندب. يمرض فيعوده المئات، ms039 فهو ~~أبدا مدار اهتمام الناس. خراج الضيعة اللبنانية هو الحد الذي يفصلها عن الدنيا. الدنيا ليست ~~مهمة. الضيعة هي كل شيء، وفي الضيعة مدفن الجدود، وفي الضيعة ملك اللبناني، بل كما بحق يدعونه ~~«رزقه». قد لا تكون أرزاق الواحد منهم واسعة، أو غنية، ولكن فيها أبدا شيء غير عادي، يفوق أعظم ~~شيء في الدنيا. قد يكون فيها أشهى عنقود، أو أطول حية، أو أكبر صخر، أو مطار أكبر سرب حجال، ~~وإذا ندر فحرم شيئا من هذا، فلا يعدم أن يكون بين أجداده رجل عظيم . حدث أي لبناني عن عائلته، ~~يبادرك: «جدي كان ذراع الأمير بشير. جدي قتل الضبع. جدي يحفن الجمر بيدين عاريتين. جدي قاض، ~~قائد ... إلخ»، فهذا التراث الحقيقي، أو الموهوم، أو المزيج من الاثنين يخلق في اللبناني مركب تفوق، # 2 # يتهرأ إلى الغرور والخيلاء في البعض، ويصهر إلى اتزان في الآخرين، ولا تنس أن ~~للبناني دائما أعداء. ابن المدينة في وسعه أن يعيش كأنه ثقب في حائط. أما ابن الضيعة، فهو من ~~الأهمية بحيث يكون له أعداء أبدا، والعداء يثير - فيما يثير - التهالك على التفوق. عار عليه أن ~~يفشل؛ لا لأن الفشل عار بنفسه؛ بل لأن أولاد العائلة الفلانية أو الحي الفلاني يشمتون. # فوسيم الحموي إذن حين طلب العلم في مدينة بيروت كان على شيء من الخيلاء، بررته انتصاراته ~~المدرسية، وخففت من غلوه أنه كان في نظر رفاقه أبناء المدينة «جبلي» فقط لا غير. فابن الضيعة، ~~في المدينة، عليه أن يفوز بالكثير قبل أن يتخطى ذلك الحاجز، الذي يقفصه في عيون أبناء المدن، ~~إلى ذلك المستنقع الوخم، الذي يسمى «الضيعة»، ووسيم كان طفلا حين قتل أبوه، فجعلت له أمه من ~~أبيه مثلا أعلى يباريه. أبو وسيم كان أشجع، وأذكى، وأشرف خلق الله؛ إذن فعلى وسيم أن يكون ~~كأبيه. حينما سمعت أم وسيم أن ابن الحموي أجريت له عملية «البحصة» في بيروت - «بحصة، هاه!» ~~صارت أم وسيم، وانتزعت من صندوقها حجرا كالليمونة، وقالت: «هذا الحجر أخرجه الدكتور من مبولة ms040 ~~أبي وسيم، وهو أكبر من أكبر رأس في بيت الحمصي.» # لهذا نشأ وسيم - وأمامه أبوه المقتول، مثل أعلى يتحداه - شديد الثقة بنفسه، فوار الطموح. ~~تأدب، فانصرف إلى النوع الخطر من الأدب، ذلك الأدب الذي يغوي صاحبه إلى أن «يعيش» أدبه، بدلا ~~من أن يقتصر على أن يكتبه فقط. هادئ، فإذا ثار انقلب إلى زوبعة، كثير التخيل والأحلام، لو جاءت ~~مشاريعه الأدبية والتجارية سلسلة، لوصلت جهنم بالجنة، ودارت حول الأرض 471 مرة، وفي، يحب راجي ~~حب الصديق، ممزوجا بعاطفة أبوة، فراجي بنظر وسيم طفل قوي الجسم، رزين ، غلا في ساعات الدعاب، ~~نوره ليس بمصباح دائم الشعاع، بل هو أسهم نارية، تنفجر بدوي عظيم، وتلمع في السماء لمعات ~~جميلة متقطعة، وبين اللمعة واللمعة ظلام كثيف. فهو جواد، فتي، جموح، صبوح، ينقصه الكثير من ~~الترويض؛ ليصلح للنزول إلى ميدان الحياة، وإنهائه الشوط في طليعة الجياد، ورث عن أمه التحدث ~~لنفسه بصوت عال. # إذا بلغ الهرم فقد يتزن إلى نابغة. غير أنه من أولئك الفتيان المتوهمين، الذين لا أقول ~~يموتون باكرا، بل يصرعون باكرا. # فرج الله # ذلك الخاتم الألماسي، الذي تلاعبه أصابعه، والذي يضرب فصه الكبير الطاولة، حينما يحتد فرج ~~الله؛ هو الدليل المنظور على غنى هذا الرجل، وتبذل نفسه. سمين كثير الشحم، ناعم الحديث ~~والعضلات. في كلامه نزق الجبن. له شاربان مخضرمان، إذ هما همزة الوصل بين الشوارب العنترية ~~العتيقة، والهتلرية الحديثة. لا أذكر جيدا إذا كان له لحية إسطنبولية تنبسط على وجهه كأنها ~~حصيرة، أو أن على ذقنه عشرات من الشعرات، غير أني طالما تمنيت أن أغزل منها ومن شاربيه خيطا ~~أشده على عنقه. عيناه مرحتان زائغتان. ليس في الدنيا شيء لا يعرفه، وهو في صيده الدولار خاض ~~مستنقعا من دم، وحرائق، ودمر بيوتا كانت عامرة بالثروة والسكان. على أنه على ساديته # 3 # أو تعذلبه لا يوقع المضرة بأحد، إلا إذا كان له منها فائدة، وهذه القهقهة ~~الميكانيكية المسعولة # 4 # هي صدى الفرح في نفسه، فقد غالب الحياة وحيدا، وانتصر على الحياة، ms041 فهو يستخف ~~بالناس والدنيا، وبكل شيء، ولكان يستخف بنفسه لو جهل قوتها، ولكن فرج الله لا يجهل ~~شيئا. # تملعن فملين. # 5 # قد يبيض شعره، وتسقط أسنانه، فتلقاه ولا تحلم بأن تناديه «عمي فرج الله، أو: خواجة فرج ~~الله»، ومن قال لك إنه يطلب الاحترام من الناس؟ # طعان # طعان الحمصي، يعجب باثنين: عنترة العبسي، والضبع. وكأن إعجابه بهذين المخلوقين أنبت في ~~طعان الكثير من خصالهما، فله مشية عنترية، وبأسه، وله قوة الضبع «وأناقته». كان طعان يوم مقتله ~~دون العشرين، وهي السن التي بها يثبت الجبلي بأسه، وينشر أطروحة الرجولة على الناس، بأن يبطش ~~برجل ما. فطعان تراه إما قاصدا إلى معركة، أو راجعا من معركة، ولكن قل من قوي أن يقف في ~~وجهه. كان طعان «قبضاي» «وادي الأرز» غير منازع. لم يدخل المدرسة، ويحتقر كل من دخلها؛ فهي في ~~نظره مؤنثة الرجال. بليغ الخطاب، ويعرف من نفسه البلاغة، ويعجب بها. كان طعان يفلح أرضه ~~ويزرعها، حتى صارت أمه ترسل له البوليصة الشهرية من المهجر؛ إذ ذاك انقطع عن العمل. لا تصدق ~~ادعاء اللبنانيين بشغفهم بالعمل. الشرقيون كلهم ما عدا اليابانيين لهم أمنية واحدة في الحياة؛ ~~البطالة والراحة، ومع البطالة ينبت القال والقيل، وتزداد أقداح المسكر. وقد تضافرت هذه العناصر ~~الثلاثة، فساقت طعان إلى حتفه. أبق هذا الخبر بسرك، فطعان كان سمجا - رحمه الله. # رشيد # طفل في الخامسة والثلاثين من عمره. ربته «الماما»، وقد تتخيله في الثمانين، يلاعب صبيان ~~الحي بالكلل، ويستنجد «بالماما» إذا خطفوا له كلته الزرقاء. عقل عصفور في جسم عجل. مغصوص الصوت، ~~أهم أعماله اليومية ثلاث «وقعات» هائلة، يأكلها في اليوم الواحد. # بالطبع، يضيف إلى أفأفته محاولة تقليم أظافره بأسنانه. يقال إن شعره يقص مرة بالشهر. ~~ولكنها إشاعة، تنفيها المظاهر. # هدى الحمصي # أم طعان وسارة، هاجرت «وادي الأرز» مع زوجها بعد واقعة «السنديانة» الشهيرة، التي قتل بها ~~أبو وسيم، إذ نضبت الأموال في الضيعة، لكثرة مصاريف المحاكمات، وصارت العيشة جهنما، وهدى خائفة ~~أبدا من أم وسيم، تخنق هدى بغدائرها، ms042 فلما وصلت «غرانبلا»، ووجدت أن النساء هناك مقصوصات ~~الشعر، رمت بغدائرها فرحة، كأنما هي رمت بحبال مشنقتها. قوية الجسم نحيلته، ليس فيها من الذكاء ~~شيء. متقلبة الآراء، مدهوسة الثياب، معدومة الأنوثة. الظاهر أنها لم تحسن رباط بعض ألبستها ~~الحميمة، فهي دائما تنهض تنورتها. # بغضها لبيت الحموي عظيم، ولكن الهجرة لطفته، فهو جمرة صغيرة، تكاد تنطفئ تحت كومة رماد. ~~ضعيفة قوى النفس في كل جهاتها، إذن فلا تعجبن من ميعان مقاصدها، وتناقض أفعالها. # المهاجرون: (1-6) # البشر أرقام وأصفار، وماذا تنتظر من مستعمرة لبنانية في المهجر، فيها أرقام ضخمة؛ كالدكتور ~~نجيب، وفرج الله، وسارة، وراجي، ووسيم، وشمدص؟! أن يبقى فيها إذا استعرضتها إلا الأصفار، يشبه ~~الواحد الآخر، كما تشبه حبة الفول حبة الفول! تراهم في ليلة العيد يتعمدون اللهو، وأين المرح ~~الطلق الصافي من نفوس تتكالب على الرزق سبعة أيام في الأسبوع، وست عشرة ساعة في النهار! ولا ~~تنس أنهم مضاربون، بعضهم لبعض أعداء كار. يتوهمون أن كل ريال يربحه الآخر مختطف من يد مواطنه، ~~يعرفون أنهم أغراب عن موطنهم إذا عادوا إليه، أغراب عن مهجرهم، وهم مقيمون فيه، وليس لهم من وطن ~~صحيح إلا هذه الوحدة في الأذواق، التي تلتقي في أمور سطحية من مأكل ومشرب، ومغنى. ولا تزد على ~~هذا، فقد يتمزق الكيس، وتتذرى حبوب الفول، وتتباعد إلى حيث يستحيل جمعها ثانية. # شمدص جهجاه # يغطس في الماء فلا يبتل. شمدص ليس له في الدنيا عدو، ومن ليس له عدو ففي الغالب ليس له ~~صديق. شمدص صديق الناس أجمعين، ولكن لنفس شمدص حدودا لا يتخطاها بشر، صاحب مروءة إذا كانت ~~المروءة لا تكلف عملة. لا يقرض ولا يستدين. يصل إلى الأمور بدون أن يتخيلها. عدته تجارب اكتسبها ~~في لبنان يوم كان يكاري على بغل شموس اسمه «زهران»، في بلدة ساحلية، يحمله الجرار ~~والأباريق الفارغة من معمل الفخار في «خلدة» إلى «صيدا». وكان يقول: «من عرف أن ينقل الفخار ~~سالما على بغل شموس مثل «زهران»، فقد عرف أن يفعل أي شيء في ms043 الحياة.» # شمدص يعرف أكثر مما يظهر، لا يدري أحد كم من المال معه، ولكن ذكاءه وحرصه كفيلان بأن ~~يكون معه أكثر مما يري. ساذج لا يحب التصنع، فحديثه وثيابه، وكل شيء فيه طبيعي. يعجب بالناجح؛ ~~لهذا يحس في نفسه شيئا من العطف على فرج الله، خلق ليكون رجلا في جمع، ويكره أن يكون كتفه ~~أعلى من أكتاف الجمهور. مظهره الشخصي؟ قصير، عريض الشفة العليا، ضخم السفلى، قوي الجسم، غير أنه ~~لشدة ما نزل به من متاعب يخرس عن سردها؛ شاخ وهو في الخامسة والأربعين، مجعد الجبين، مقوس ~~السلسلة الفقرية عند الكتفين. هو اللبناني الوحيد في مهاجر الدنيا، الذي لا يدعي أمام الإفرنج ~~أنه من «بيروت»، وأن عائلته ذات أملاك واسعة في الوطن القديم، وأن رئيس الجمهورية ابن عمه، ~~وأخواله وزراء، وأخاه «مارشال سوريا»، وأن المجلس النيابي اللبناني يعقد جلساته في مقعد أبيه، ~~وأن أجداده باريسيون، توطنوا سوريا زمن الحروب الصليبية. # سئل شمدص ما هي فلسفته في الحياة؟ فأجاب: «كنت أغني عتابا» إذا شمس البغل «زهران»، وأغني ~~عتابا إذا عثر «زهران»، وأغني عتابا إذا أوصلت حمل الفخار إلى المدينة سالما؛ ففلسفة ~~الحياة هي أن تغني «عتابا» دائما. شمدص من المهاجرين الذين يرجعون إلى بلادهم بعد عشرين سنة ~~هجرة، وليس في حديثهم ولا طريقة تفكيرهم أنهم ابتعدوا عن موطنهم أكثر من عشر دقائق. # الشمادصة هم هيكل عظام الأمم، وفلاسفتها الصامتون. # سارة # قالت لي سارة - وقد قرأت دورها في «نخب العدو»: أهذا كل ~~ما تعرف عن قلوب العذارى، يا محترم؟! أتحجبني عن الجمهور طيلة فصلك الأول، ثم تبدأ الغرام ~~بالزواج، وتنطق شفتي بغزل أتزلف به إلى فتاي، وتحرمني حتى قبلة من زوجي أو حبيبي، وتقيم من ~~نفسك داية، فتولدني بين نزول ستار وارتفاع ستار؟! ألم تجد ضمة ورد تحملها حبيبي، فيطرحها ~~على قدمي، وتطوي ركبتيه فيركع أمامي، ويتهدد بالانتحار؟ لماذا لم تخلق لي «نذلا» يريد إغوائي، ~~و«بطلا» يقحم النار من أجلي؟ وما لي أحس بالعبارات المغصوصة تملأ فمي، والرسائل العليا أشعرها، ~~ولا أتكلم ms044 بها؟ أتدعي معرفة لغة العرب، وتعجز عن بيت غزل، أو عبارة ناعمة تترسل بها إلي؟ ~~أين كانت جنيتك يوم مثلت أمامك؟ أممكن أن تكون والذين تغزلوا «بليلى» من أمة واحدة؟ قلت: إن ~~بينك وبين الذين تغزلوا بليلى أودية وجبالا ودهورا من ليال مظلمة، ولئن اتفق فالتقيت ~~بقافلتهم، فستجفل جمالهم من دخان بنزين سيارتك التي تمتطين، وستسدين أنفسك عن رائحة إبلهم، ~~سلي ليلى تخبرك كيف عركوا شفتيها، وجففوا بتبذلهم ريقها، وشوهوا خلقها. لقد شاخت ليلى في ~~صباها من رائحة البارود وآلام منظر الدماء وجثث العاشقين. إنها تكاد تجن من تقريع الضمير؛ إذ ~~يذكرها بتلك السهام التي مزقت بها القلوب. لقد تعبت من النظرة، فالابتسامة، فالسلام، ~~فالكلام، فالقتال، فالزواج، أو الانتحار. أما أنت فقد ظهرت إلى الناس وعشيقك مسروج، أليس ~~الزواج قبلة الفتيات؟ تخور قواه، فتجعلين منه مقاتلا، ويمرض فتواسينه، وتبغضك وتبغضه أمك ~~فتراضينها، وتلبسك أثوابا عصرية وخصالا طبيعية، وتظهرك على المسرح، بحيث لا تخجل فتاة من ~~فتياتنا تمثيل دورك على المسرح، فماذا بعد هذا الذي تبغين؟ أما طفلك، فرويدك حتى يشتد ساعده، ~~فسأرقص له النساء في الشوارع، وأقيم له التماثيل في الساحات، وأفرش باللآلئ طريقه، وسيقول ~~الشعراء فيه من الشعر أكثر مما نظموا «بليلى». إنك لم تعلمي أي رجل أنجبت، حينما ولدت بين ~~ارتفاع ستار، ونزول ستار، طفلك «فوزي». # 6 # قالت: هو ذا إهانة جديدة، فإغراؤك إياي بمستقبل ولدي دليل على أنك لم تنصفني، وها ~~أنت تكفر عن تقصيرك بإغداق النعم علي ببني، وسكتت وسكت، وتلاقت العيون فضحكنا ~~فاهمين. # بل ستبقين يا سارة لغزا، فليس خالقك شاعرا يسكنك الجنة التي يريد، ولا مصورا يعلق ~~إطارك على الحائط الذي يروق له، خلقت لتختالي على مسرح، فأنت بحكم حرفتك مقصورة الأزياء على ~~ما يروق نظارتك، وأخاف عليك إن أنا كشفت نقابك الكثيف أن يرجمك أناس ويعبدك أناس، ألا فلتكن ~~كلماتك مخنوقة، فإن الذين يفهمون يسمعونها، وإن كنت عنها صامتة، والذين أصم الله أسماعهم، فلن ~~يعوا رسالتك بل يستشيطوا، لتكن نفسك مغلفة بالظلام، يتخيلها ms045 كل إنسان كما يريد ويشتهي، وما ~~أحسست «بشرقيتي» مثل هذه الساعة، فها إن داري تحفل بأم، وثكلى، وطبيب، وجمع من تجار، ومغامرين، ~~وقرويين، ومهاجرين، وقلبي لا يضطرب إلا عليك. إن الفتيات نقمة الآباء، فاخرسي ولا تستفزيني. ~~وخرست، وخرست، وتطلعت إلى دخان سيكارتها، فهمت الكلمات أن تنفجر من بين شفتي، لولا أن ~~خارت في تلك اللحظة قواي؛ إذ تحققت أن «سارة» التي أردتها لغزا على الناس ارتدت لغزا علي، ~~وما عزائي في هذه البلية إلا أني وجدت في «سارة» الشرط الأول في أنوثة النساء، ألا وهو «اللغز». ~~إذن فهي امرأة، ولو جاءت غير ما صور الفنانون. # ظطام # يلثغ بالسين، والصاد، والزاي، في الثالثة عشرة من عمره؛ العمر الذي يحلم به الصبي الأوروبي ~~بلبس البنطلون الطويل، واستعمال موسى الحلاقة. أما ظطام، فيحلم ببارودة موزر، وبفرصة يجندل بها ~~أحدا من بيت الحمصي. شديد القوة والبأس، ساذج، همسه صياح، وسيرة حياته عراك وضرب أحجار، وصفعات ~~تلهب رقبته من عمه أبي مرعي، ويا ظطام، اسق الحمار، وأطعم الحمار، واحمل التبن من البيدر للقبو، ~~فالحمار وعمه مرعي توأما مصائب، يلبسهما كما يلبس أذنيه. # | الفصل الأول # المشهد الأول ~~(«علية» في بيت من بيوت «وادي الأرز»، لبنان، وهذه «العلية» اللبنانية ليس لها نظير في أي ~~مسكن من مساكن الدنيا. فهي إذا مدت فيها المائدة أصبحت غرفة طعام، أو اصطفت فيها الكراسي صارت ~~غرفة استقبال، وإذا تثاءبت فيها الفرش أمست غرفة نوم. في حيطانها عنابر صغيرة، كل واحدة تدعى ~~الكوارة، اختبأت فيها مئونة الشتاء من غلال وما أشبه، وأنت لا تعرف أن في الحائط كوارة، لولا ~~الثقب المدور الكبير، تسد فوهته كمامة من خرق. يتوسط هذه العلية عمود، يتهدل منه مغزل صوف، ~~وتتوجه روزنامة كبيرة واضحة، تستلفت الأنظار، تعرف منها أننا في 27 أيلول من سنة 1930. # كذلك، على العمود «مدك»، ومرآة وساعة دقاقة، يسميها الإفرنج «ساعة جدي». في الحائط الذي على ~~يمين النظارة مكتبة صغيرة، أما الحائط المقابل للنظارة فعليه صور العهد القديم من رجال تقصفت ~~شواربهم، وصور ملكات، ms046 وبين هذه الصور واحدة لجنرال ممتط حصانا أزرق. كذلك يوجد «مشكلة» مثلثة ~~الزوايا، عليها أسلحة قديمة من جفت، ويطقان، وسيوف، وحراب. يتوسط هذا الحائط نافذة عليها آنية ~~زهور فيها نبات الفل، والورد، والزنبق، والحبق. حصيرة وبساط وسجادة تغطي الأرض. قرب العمود ~~«دهليز»، بابه جزء من أرض العلية يفتح ويغلق. كل شيء نظيف بل أنيق، وعلى فقر متاع «العلية»، ~~يشعر الناظر أن وراء مظاهر هذا الفقر كبرياء صلبة، وقوة معنوية هائلة. تسألني: وكيف لأثاث بيت ~~أن يظهر «قوة معنوية هائلة»، أو ضعة سكان؟ أجيبك: وكيف لعين في صورة يبرق منها شعاع الحياة ، ~~وثانية يخبو فيها الضياء! وقوفا من أن نسترسل إلى فلسفات، نجيل النظر ثانية في العلية، فنجد ~~أنه ليس من جو تلك الغرفة حقيبتان استندتا إلى العمود، يعرف الناظر إليهما من جدتهما وجودة ~~صنعهما أن صاحبهما ابن مدينة. في زاوية العلية جرتان، ودويك، وإبريق. يرتفع الستار، وقد آن له ~~أن يرتفع، فإذا بأم وسيم تهيئ ثياب شاب؛ فتعد الكلسات وتكوي القمصان، وهي تتمتم، مهمومة، نزقة، ~~ثم تمشي إلى الروزنامة، وتقف أمامها تعد الأيام، وتقلب الورقات.) # أم وسيم ~~: # 27 أيلول سنة 1930، 27 أيلول سنة 1930، ~~(ويعثر نظرها على ~~صورتها في المرآة فتقول): # ما بقي من العمر أكثر مما مضى، ~~(وترجع تحوم في زوايا العلية، مقومة حاجة هنا، مرتبة متاعا هناك، إلى ~~أن تنتهي إلى الجرتين، فترفع الأولى ثم الثانية، وتقلبهما، فإذا هما فارغتان، فيشتد ~~حنقها، وتنادي): # زليخة. زليخة. زلخك الله أيتها اللعينة النهمة. أفتنامين ~~النهار كله إلا ساعات الأكل؟ ~~(لا مجيب) # زليخة، أفيقي ~~يا عاهرة، ~~(تدق بعصا على الأرض) ~~، انهضي من نومك يا ~~خائنة، أدجاجة أنت، فتنامين قبل المغيب؟! ~~(صوت خافت من يسار ~~النظارة، وكلمات مخنوقة، يعرف منها أن مصدر الصوت شخص كسول، أرغم على الإفاقة من نوم ~~هنيء). ~~(تدخل زليخة متكلمة، متثائبة، فلا يفهم من كلماتها المخنوقة شيء، ثم ~~تمخط في مريولها، وتتطلع إلى المرآة تصلح من شأنها، وأم وسيم خلال ذلك منفعلة، منرفزة، تصب ~~شتائمها على تلك القطعة الهائلة الباردة ms047 من حيوان.) # أي نجم جهنمي كان يشع، عندما وسخت وجه الأرض بهذه السحنة الشمطاء، يا لئيمة، أنزل ~~الله عليك التيفوس، والجدري، والعمى، والطرش، والشلل، والسرطان والاستسقاء. ~~(تشدها بغدائرها) # أفيقي يا خاملة. أفيقي. # زليخة ~~(تفتح عينيها) ~~: # أمرك، يا أم وسيم. # أم وسيم ~~: # وسم الله الدم على قلبك يا بقرة، غابت الشمس، وليس في الجرة نقطة ماء. أفنرتوي من رؤية ~~وجهك يا فاجرة؟ وفي البيت ضيف من بيروت. # زليخة ~~: # الله يقطع الضيوف، ويدمر بيروت. # أم وسيم ~~: # ماذا يشرب الضيف إذا طلب ماء؟! آسف أن أضعفني العمر، ~~فلا أقوى أن أطحن عظمك بيدي. ~~(تمسك بها ثانية ، ~~وتهزها) ~~. ~~(زليخة تبكي، وتتألم: آخ. آخ) ~~، متى ~~جاء ابني مع ضيفه، متى رجع وسيم، سأقول له أن يدق عنقك يا خاملة. كيف تقضين النهار؟ أنوم، ~~وغناء، وأكل؟ لماذا لم يخلقك الله - ولا اعتراض على حكمه - حيوانا تدبين على الأربع، بدلا ~~من مشيك على اثنتين، إذن لحرثنا عليك بدلا من الثور. انهزمي إلى العين، ~~(تناولها الجرة) # وارجعي بها مملوءة، غابت الشمس - يا ليتك ~~تغيبين معها، ولا ترجعين. # زليخة ~~: # آخ يا أم وسيم، بالله عليك يا معلمتي. دخلك. أرسليني إلى جهنم، ولا ترسليني إلى ~~العين. # أم وسيم ~~(تهزها ثانية) ~~: # أنا أرسلك إلى العين، والله يرسلك إلى جهنم متى دنت ساعتك. هيا إلى العين. # زليخة ~~: # دخلك يا معلمتي، لا أريد الذهاب إلى العين، إني كلما التقيت على العين بنساء عائلة ~~الحمصي يهزأن بي، ويسألني صبيانهم: «يا زليخة، يا خادمة أم وسيم، إن معلمك وسيم أرشد وشب، ~~متى يأخذ بثأر أبيه؟» فيضحك كل من سمع، والبارحة قالت لي ورد الحمصي ساخرة: إننا نوصد ~~الأبواب في النهار، خوفا من بطش وسيم الحموي. كل من رآني يهزأ بي. كلهم يسألونني: متى يأخذ ~~وسيم الحموي بثأر أبيه؟ لا ترسليني إلى العين يا أم وسيم. # أم وسيم ~~(حديث زليخة يثير في نفسها الهواجس. فتثور دماؤها، وينعم صوتها، ~~ويرتجف فزعا، فتضع يدها على كتف زليخة برفق وتقول) ~~: # زليخة، بنيتي! كنت يتيمة منذ صغرك. # زليخة ~~: # بل منذ ms048 طفولتي، أنت التي ربيتني وحميتني، أطال الله عمرك يا أم وسيم. # أم وسيم ~~: # أنا أحنو عليك حنوي على ابنة لي ~~(زليخة تذوب سذاجة) ~~، ~~فافعلي ما أقول لك؛ لا تشاكسي بيت الحمصي، ولا تقاتليهم، لا تكترثي بهم، ولا تجيبي على ~~هزئهم، لا تحركي عش الدبابير، ~~(مهددة) # ولا تذكري كلمة ~~لوسيم عما يقولون، ولا تخبري أحدا من أقاربنا به، أفهمت؟ إنه إذا وقعت الواقعة بسببك بيننا ~~وبين عائلة الحمصي ~~(ترجع إلى لهجتها الأولى) # سلخت جلدك ~~حية، أفهمت؟ اذهبي إلى العين. # زليخة ~~(خائفة، تخطف الجرة، وتتطلع إلى المرآة بنظرة غنج ودلال، فتبتسم ~~وتنصرف)، (أم وسيم ترجع إلى ثياب ابنها ترتبها، فتسمع صوت زليخة من بعيد مغنية ~~: ~~«يا رايحين عا حلب».) # أم وسيم ~~: # الله يلعن حليب أمك. ~~(من باب ثان على يسار النظارة يدخل أبو مرعي، متأبطا ما يشبه الحزمة ~~الطويلة، وهو يتسرق الخطى.) # أبو مرعي ~~: # أختي، أم وسيم. # أم وسيم ~~(تواجهه مبغوتة بعد أن كان ظهرها إليه) ~~: # أخي أبو مرعي، ماذا جرى؟ متى رجعت من بيروت، كيف كانت سفرتك؟ # أبو مرعي ~~(بلهجة الفخور الراضي عن نفسه، الحامل خبرا سارا) ~~: # يا أم وسيم، كم في هذه الضيعة - كم في وادي الأرز من رجل مثل أخيك أبو مرعي؟ # أم وسيم ~~: # ليس في وادي الأرز من أبي مرعي إلا أبو مرعي. # أبو مرعي ~~: # لو تعرفين ما بجيبي؟ ~~(يغلق الباب) # ولكن لأقفل الباب ~~أولا؛ مخافة أن يرانا واش، نزلت بيروت، وانظري ماذا جلبت ~~(يفك ~~كمرا تزنر به، فينتزع منه ورقة) # ورقة، أمر صادر بتعيين أبو مرعي سليمان ~~الحموي، ناطور موقت على وادي الأرز. # أم وسيم ~~(فرحة) ~~: # الحمد لله على هذه النعمة، إنك تستحق هذا الشرف العظيم يا أبو مرعي، هنأك الله بهذه ~~الوظيفة، سيحرق هذا الخبر آذان الحساد. # أبو مرعي ~~: # واحزري يا أم وسيم، كيف صدر الأمر؟ # أم وسيم ~~: # كيف؟ # أبو مرعي ~~: # أمر مطبوع على الطرنبنتر. # أم وسيم ~~: # هاه؟! # أبو مرعي ~~: # طبعته حورية ~~(مقلدا الضاربة على الماكنة) # طق. طق. ~~طق. طقطقطقطقطق، وأبو مرعي صار ناطور وادي الأرز، ms049 ليتك رأيت العروس التي طبعته، أظافرها ~~حمراء، وشفتاها حمراء، وكعب حذائها أحمر طول الخيارة. طقطقطقطقطقطق، والآن ساعديني يا أختي ~~على فتح هذه، وتطلعي إلى العروس ~~(يتساعدان على فتح الرزمة الطويلة ~~ساكتين، فعندما ينتهيان إذا بأم وسيم تصيح: «موزر خيالي»، وتقلب بين يديها بارودة حربية ~~قصيرة.) # أم وسيم ~~(تقلب البارودة، كخبير تعود فحص الأسلحة) ~~: # كم دفعت ثمنها يا أبو مرعي؟ # أبو مرعي ~~: # أربع إنكليزيات، فاض معي من ثمن حمل الزيت ليرة سوري. # أم وسيم ~~: # معها خرطوش؟ # أبو مرعي ~~: # 200 ضرب. # أم وسيم ~~: # سأخيط لك جنادا لها. # أبو مرعي ~~(يقبل البارودة) ~~: # متى وقعت الواقعة هذه المرة ، فلن نقاتل بني حمص عزلا، ستغني موازيرنا أغاني الموت في ~~آذانهم، فكلنا مسلحون؛ أبناء عمي عندهم موازير ~~(يمشي إلى النافذة ~~مصوبا بارودته إلى حي عائلة الحمصي) # يا بني الحمصي! يا أذناب الخنازير، ~~يا ضفادع المستنقعات، وقذارة المواخير، ستنطفئون أمام أسلحتنا، كأنكم مصابيح في زوبعة. إن ~~رصاصنا سيجعل من صدوركم غرابيل، بل من ظهوركم، فما فيكم إلا كل جبان بليل السروال في ~~المعركة. # أم وسيم ~~: # تعال نخبئها. # أبو مرعي ~~: # أخبئها في برميل الزيت. # أم وسيم ~~: # تعال نخبئها في الدهليز هنا. ~~(يتعاون الاثنان على رفع البساط، ~~ويفتحان باب الدهليز، فينزل أبو مرعي، وتناوله أم وسيم البندقية، ثم ترجع إلى المخدع، ~~فتنزع منه بعض الخرق وتقول لأبي مرعي) ~~: لفها بهذه الخرق، حتى لا تصدأ. ~~(يصعد أبو مرعي مادا يده كأن عليها قذارا) ~~. # أبو مرعي ~~(حانقا) ~~: # من وسخ الدهليز؟ ~~(يتناول ورقة من مكتبة وسيم، فيمسح بها ~~يده) ~~. # أم وسيم ~~: # تلك اللعينة زليخة، تركت باب الدهليز مفتوحا أمس، فسرح إليه الدجاج، آ، هذا أثر ~~الدجاج. # أبو مرعي ~~: # لعن الله زليخة والدجاج، ~~(يضع يده على شاربيه) # أخ ~~تفه ~~(يمسح يده ثانية) ~~. # أم وسيم ~~: # لماذا الله بلاني بتلك البغلة زليخة؟! ~~(تأتي له ~~بالصابونة) # غسل وجهك بالصابون، ~~(ترى قنينة ~~كولونيا) ~~، بل تعطر بهذا ~~(تصب منها على يديه فيغسل ~~شاربيه) ~~. # أبو مرعي ~~: # آ، رائحة طيبة، هذه رائحة المجموزال، التي طبعت الأمر بتعييني ناطور. لمن هذه ms050 القنينة، ~~لوسيم؟ # أم وسيم ~~: # لا، لصديقه راجي البيروتي. # أبو مرعي ~~: # راجي البيروتي، صديق وسيم! # أم وسيم ~~: # راجي دائما يتعطر بمي القنينة - كولونيا. # أبو مرعي ~~: # ما قتل الشبان إلا الكولونيا، مجموزال وكولونيا فهمنا، لكن شباب وكولونيا؟! ولماذا ~~وسيم لا يتخذ صديقا من أبناء طائفتنا؟ أليس في طائفتنا من يليق بالصداقة؟! # أم وسيم ~~: # حذرت وسيم مرارا من ائتمان أبناء الجماعة، «من جده عادى جدك، يستحيل أن يودك» ~~(يسمع قرع باب، وصوت وقور رزين ينادي) ~~: «يا أم وسيم، ~~يا أم وسيم.» # أهلا وسهلا. من هذا؟ # الصوت ~~: # أنا الدكتور نجيب. # أم وسيم ~~(بصوت يفور منه الإخلاص) ~~: # يا ألف أهلا وسهلا بالحكيم. ~~(تذهب لتفتح له الباب، فيغتنم ~~أبو مرعي الفرصة، ويفرغ بعض قنينة الكولونيا في محرمة هائلة، ينتزعها من جيبه)، (أم وسيم ~~تفتح الباب للدكتور نجيب قائلة) ~~: إن ظلك ينير دائما يا دكتور نجيب. # أبو مرعي ~~: # أهلا وسهلا بالدكتور نجيب. # الدكتور نجيب ~~: # مساء الخير يا أم وسيم. # Oh! # مرحبا أبو مرعي. أين فتانا ~~وسيم؟ # أم وسيم ~~: # إن له صديقا من بيروت، رفيقا له في المدرسة، جاء به منذ شهر، وهما الآن في الصيد. ~~اسمح لي أن أشعل القنديل، فقد أظلمت الدنيا ~~(تشعل ~~القنديل) ~~، ولكن عودتهما قريبة، فالشمس غابت منذ نصف ساعة. # الدكتور ~~: # حظي قليل، حاولت أن أجتمع بوسيم في بيروت، فما اتفق لي ذلك، وها أنا لا ألقاه هنا ~~(متذكرا) ~~، كان طفلا حين هاجرت إلى أميركا. # أم وسيم ~~: # في الثالثة من عمره، وكنت يا حكيم قد أخذت شهادة الطب من جديد، وقد داويت عينيه ~~... # الدكتور ~~: # أذكر ذلك جيدا. ما أسرع العمر في ركضه؛ 1910 إلى 1930 - عشرون سنة مضت! ... # أم وسيم ~~: # ما أفجع أن تكون قد قضيت هذه السنين في الغربة، عسى أن تطول إقامتك بيننا. # الدكتور ~~: # أنا راجع بعد أسبوع. # أم وسيم ~~: # يا أسفي، ينجبك هذا الوادي، وينتفع بعلمك الأغراب. # أبو مرعي ~~: # يا دكتور، نحن نفتخر بالاسم الذي كونته في المهجر، ما اسم البلاد التي أنت ~~فيها؟ # الدكتور ~~: # غرانبلا. # أبو مرعي ~~: # غرانبلا ~~(يصفر) # من ms051 اسمها تعرف أنها بعيدة ~~(يضحكون) ~~. # أم وسيم ~~: # غرانبلا؟ كثيرون من الجماعة هناك؟ # الدكتور ~~: # الجماعة؟ من هم الجماعة؟ # أبو مرعي ~~: # ليس من جماعة إلا هم. # الدكتور ~~: # من هم؟ # أبو مرعي ~~: # بيت الحمصي - أذناب الخنازير، وضفادع المستنقعات، وقذارة المواخير. # الدكتور ~~(مشمئزا) ~~: # ليس من حقك أن تتكلم هكذا، فإني أعرف الكثيرين من آل الحمصي، وهم قوم أشراف. # أم وسيم وأبو مرعي ~~: # أنت غلطان يا دكتور. إذا كان هؤلاء أشراف فأنت لا تعرفهم يا دكتور. # أم وسيم ~~: # إذا كان هؤلاء أشراف، فسم الحية ترياق، ونعيب البوم تغريد! # أبو مرعي ~~: # حمصي وشرف، زيت وماء لا يختلطان. # الدكتور ~~: # لقد درت حوالي العالم أربع مرات و... # أبو مرعي وأم وسيم ~~: # ولو درت حوالي العالم 4000 مرة، لن تجد أرزل من بيت الحمصي. # أبو مرعي ~~(وحده) ~~: # هؤلاء الأفاعي يبتلعون حتى أولادهم، يريدون رئيس البلدية منهم، والنائب من حزبهم، ~~والطريق تمر قرب بيوتهم، وماء العين يسقي أراضيهم، ولا تنس أنهم قتلوا أبا وسيم، بيننا ~~وبينهم دم يا دكتور، فلا تسمهم أشرافا. # أم وسيم ~~: # الحية أشرف من الثعلب، والثعلب أشرف من النمس، والنمس أشرف من الحرامي، والحرامي أشرف ~~من العقرب، والعقرب أشرف من الخنزير. # أم وسيم وأبو مرعي ~~: # والخنزير أشرف من بيت الحمصي. ~~(الدكتور خلال ذلك يتمشى منرفزا، ويحاول أن يتكلم، فيطغى عليه طوفان ~~الحديث من أم وسيم وأبو مرعي.) # أبو مرعي ~~: # أرادوا أن يكون وادي الأرز منهم، ولكن انظر إلى ما فعل أبو مرعي ~~(يسحب الأمر من عبه) ~~، أمر مطبوع، نافذ، مبرم، مطاع، مطبوع ~~على الطربنتر، بتعيين أبو مرعي سليمان الحموي ناطور موقت على وادي الأرز. ليعض الحسد ~~قلوبهم، فلأحكمن وادي الأرز ~~(هازا عصا النوطرة) # بهذا ~~الصولجان ~~(الدكتور يضحك على الرغم منه) # أتدري اليوم ماذا ~~يفعلون؟ إنهم يتسلحون، يتسلحون ليهدروا دماءنا، فليس في بيت من بيوتهم إلا وفيه موازير، ~~كلهم مسلحون، أما نحن بيت الحموي، فليس عندنا بارودة موزر، ولا جفت صيد، ولا دبوس بشنكل، ~~(بالرغم منه يلقي نظرة سريعة على الدهليز، فيجفل ولكنه ~~يكمل) # ولا إبرة ولا كرباج. ms052 # أم وسيم ~~(بلهجة الفاهم الأمور) ~~: # يا دكتور، أنت خبير بالطب والعلم الشريف، ولكنك تجهل القوم اللئام، أعطني دواء أطهر ~~به فمي إذا تلفظ باسم «الحمصي». # أبو مرعي ~~: # ما أجمل أن أطحن رءوسهم بمجرفة، وأقطع عظامهم بمنشار صدئ! # الدكتور ~~: # آه! ما أجمل ذلك «وألطفه» يا أم وسيم! سألتني متى تترك الضيعة؟ فقلت لك بعد أسبوع. إن ~~هذا الذي يتعجل رحيلي، ويبغضني بهذا الوطن الذي أكاد أعبده، أنا لهذا الوادي؛ لهذا الوطن، ~~ولهذه الضيعة، وليس عندي فرق بين بيت الحموي وبيت الحمصي وبين طائفة وطائفة. ليدمي قلبي ~~كلامكم في بيت الحمصي، ويمزق كبدي حديث بيت الحمصي فيكم. فعلام تقتتلون يا بني وادي ~~الأرز، وعلى أي شيء تتنازعون؟ فإذا نزل بكم وباء أسألكم إلى أي عائلة أو طائفة تنتمون؟ فإذا ~~انقطع خرير الماء، أفلستم كلكم تعطشون؟ أفلستم بنظر الغريب قوما واحدا، فلماذا تكونون في ~~نظر أنفسكم شيعا، وأديانا، وأحزابا تتطاحنون. يا قطعا من حجارة هذا الوطن تناثرتم، ~~فأنتم كوم يبول عليها كل عابر سبيل، بدلا من أن تكونوا صفوفا متراصة، هي حصن يتكنف دونه ~~الغازي، ويعصم كل من فيه. تتقاتلون على ناطور ~~(أبو مرعي ~~ينتفض) # على بلدية، على قنديل، على طريق، وتتذابحون على حجل، أو دجاجة. في كل يوم ~~نزاع وقتال ودسائس، أهكذا تطلبون الحياة أيها المنتحرون؟ # أبو مرعي ~~: # هكذا خلقنا الله. # أم وسيم ~~: # هذه إرادة الله فينا. # الدكتور ~~: # تلهجون بذكر الله، وتسلكون سبل الشيطان، تقيمون من الأحقاد أصناما تعبدون، وتدفعون ثمن ~~عدائكم عملة مصكوكة بدمائكم. أصلكم واحد، ارجعوا إلى أصلكم. # أبو مرعي ~~: # إلى أصلنا؟ ناد أشعة الشمس تتلملم قافلة إلى مشرقها، واصرخ بشعاب النهر أن تركض ~~القهقري إلى نبعها، واهتف بالرجال أن عودوا إلى أرحام أمهاتكم، إذ ذاك نرجع إلى أصلنا. أما ~~الآن، فالله خلق الدنيا متضادة؛ طويل وقصير، طلعة ونزلة، وأبيض وأسود، رجل وامرأة، سمين ~~وهزيل، حموي وحمصي، بخاطرك يا دكتور ~~(يخرج) ~~. ~~(سكوت هنيهة، يهز الدكتور خلالها رأسه، وكذلك أم وسيم.) # الدكتور ~~(يغير الحديث) ~~: # سرني أن أقرأ في جرائد بيروت عن ms053 وسيم. أظنه شاعر. # أم وسيم ~~: # هو يكتب كثيرا ويخطب، وقد ألف رواية مثلوها، ~~(تنهض إلى ~~صندوق قديم «بشتخته» فتأخذ منه شهادة) # هذه شهادته نالها منذ شهرين، وهذه أقوال ~~الجرائد فيه. # الدكتور ~~(يقلب الجرائد بسرعة الذي يريد أن يتأدب، فيشارك الأم الإعجاب ~~بوحيدها) ~~: # كوكب لماع، خطيب مفوه، برافو، شيء جميل هذه التقاريظ، ومديح أكثر من دمى أطفال ~~الأغنياء، ~~(الدكتور يستوي في مجلسه) # يا أم وسيم، أصغي ~~إلي، أهنئك بابنك، ولكنني وقد حشدت الأيام اختباراتها ب 55 سنة من عمري، أخاف أن يقتل ~~المديح مستقبل ابنك؛ التقريظ كالعملة المزيفة تفقر حاملها، فلا تتركي وسيم يملأ جيبه منها، ~~من أجل هذا جئت أزوركم، فإني أريد أن أتعرف إلى وسيم، فإني لم أره مذ كان طفلا، وأريد أن ~~أضع يدي على كتفه وأقول: «بني»، حذار النجاح الباكر، فإن أشجار الزيتون في هذا الوادي ~~يكثر زهرها ويقل ثمرها. على أني راجع إلى هنا بعد حين - بل قولي لوسيم أن يزورني ~~(يهم بالخروج) ~~. # أم وسيم ~~: # سيتشرف وسيم بزيارتك يا دكتور، والامتثال إلى نصائحك الغالية، وحبذا لو فحصت عينيه ~~ثانية، فهو ما زال يشكو منهما. # الدكتور ~~: # سأفحص عينيه ~~(وفيما هو يهم بالخروج يباغته صراخ زليخة، ~~ودخولها كأنها دبابة تبصق النار) ~~. # زليخة ~~: # دخلكم، دخلكم، يا ذلي، يا ذلي! # أم وسيم ~~: # ماذا جرى؟ # زليخة ~~: # آخ. آخ. ~~(تستمر على صراخها، واضعة يدها على قلبها حينا، ثم ~~على رأسها) ~~. # الدكتور ~~: # ما بك، أين الألم، قلبك؟ # زليخة ~~: # يا ليت. # الدكتور ~~: # معدتك؟ # زليخة ~~: # يا ليت. آخ. # الدكتور ~~: # دماغك؟ # أم وسيم ~~: # ليس لها دماغ يا دكتور. # زليخة ~~: # آخ يا دكتور. # أم وسيم ~~: # قولي ماذا جرى؟ قبل أن أجري العصا على جسدك. # زليخة ~~(تسكت بغتة) ~~: # بيت الحمصي كسرولي الجرة ~~(ترجع إلى الصراخ) # آخ. ~~دخلكم. يا ذلي. # أم وسيم ~~: # اخرسي، اخرسي، ولا كلمة. حذار أن تخبري أحدا من رجالنا بهذه الحادثة، انصرفي إلى ~~المطبخ ~~(للدكتور) # أنظرت يا دكتور فعل «الجماعة» بنا؟ ~~(الدكتور يجلس ثانية مفكرا) ~~. # الدكتور ~~: # لعلها فعلة أولاد صغار. # أم وسيم ~~: # يا حكيم، هذا فعل ms054 بيت الحمصي. قتلوا زوجي، وفي كل يوم يتحرشون بنا. ~~(تفرك يديها متحسرة) # ما اسم تلك الآلة التي جلبتها معك من ~~أميركا، والتي تتنبأ عن الطقس؟ # الدكتور ~~: # اسمها البارومتر. # أم وسيم ~~: # أنا تلك الآلة، وما أخطأت نبوءتي خلال خمسين عاما في هذا الوادي. أقول لك يا دكتور، ~~إني أشم رائحة البارود، وأسمع لعلعة الرصاص، العاصفة قريبة، إن هذه الضيعة بالبارود حبلى، ~~وكلنا يلعب بالكبريت. نحن جالسون على فوهة بركان، ولا ندري متى ينفجر. إن النفوس حاقدة، ~~والصدور تغلي، ويا خرابك يا وادي الأرز، إذا اصطدم نظر بنظر ~~(زليخة تدخل في يدها فك الجرة المكسورة) ~~، أنا مهمومة على وسيم الغالي. # الدكتور ~~: # كل غال يجلب الهم. # زليخة ~~: # هذا فك الجرة التي كسروها ~~(ترجع للبكاء) ~~. # أم وسيم ~~: # قلت لك: اختفي ~~(تفعل)، (للدكتور) # لو أن أحدا من ~~رجالنا رأى هذه الجرة المكسورة، لتكسر قبل مطلع الفجر ألف ضلع وجمجمة، وقاك الله يا وسيم ~~شر الأعداء. ماذا أفعل بوحيدي! خذه معك إلى كرانبلا يا دكتور، ولكن لا؛ إذ إن من ~~«الجماعة» أناسا هناك. قل لي ماذا أفعل بوسيم؟ إن بيت الحمصي يكادون ينهشونه بعيونهم، ما ~~أوجع أن أسلخه عني، ولكني سأرمي به إلى الغربة مخافة أن يفتكوا به، كما فتكوا بأبيه؛ ما ~~ربيت وسيم؛ ليكون مرمى رصاص بيت الحمصي. ~~(يدخل نبهان آغا - مختار الضيعة، ووراءه ولده أسعد آغا، فينحنحان ~~بانتظار أن يلقى عليهما السلام.) # أم وسيم ~~: # مساء الخير يا سيدي نبهان آغا، وأنت أيضا يا سيدي أسعد آغا. # نبهان آغا ~~: # بلغني أن بني الحمصي كسروا جراركم، وأغلظوا الشتائم لخادمتكم. غريب أمر هؤلاء البشر، ~~يتحرشون بالشر. أما كفاهم قتل أبي وسيم! لماذا هم يتنمرون عليكم الآن؟! صحيح وسيم ~~ابن مدرسة، لكنه شاب شجاع، قد يحرجه التحرش إلى قتل أحدهم. # أسعد آغا ~~: # وسيم قبضاي. # نبهان آغا ~~: # ليس في بيت الحمصي من هو أشجع منه. # الدكتور ~~: # مساء الخير يا أم وسيم، أذكرك بإرسال وسيم إلي، ولا تأبهي بحادثة الجرة، فأنا سأزور ~~الآن بيت إبراهيم الحمصي؛ لأنه مريض، وأذكر له ms055 الحادثة، ولا ريب أنهم سينزلون العقاب بمن ~~كسر الجرة، وينتهي الأمر. # أم وسيم ~~: # يا حكيم، تعرف على سيدنا نبهان آغا، من آغاواتنا، ومختار هذه القرية، وهذا ابنه أسعد ~~آغا، من المتأدبين، الذين يكتبون في الجرائد. ~~(للآغا) # الدكتور نجيب له صيت واسع في جرانبلا، لا شك أن جنابك سمعت به. # نبهان آغا ~~(غير مكترث للدكتور، وهذا يحدجه بنظرة استخفاف حنقة) ~~: # جرانبلا! هناك تسكن صديقتك هدى الحمصي. ~~(إلى ~~الدكتور ~~) في معركة السنديانة سنة 1908 كسرت أم وسيم فخذ هدى الحمصي. آ، أم وسيم في ~~صباها كانت بطاشة، لا تزال هدى تعرج حتى الآن، وقد حلفت أم وسيم أن تخنق هدى بغدائرها. آتني ~~بهدى الحمصي، وأنا أكفل لك خنقها، لعلك تعرف هدى في غرانبلا يا نجيب. # الدكتور ~~: # إن المهذبين من الناس ينادونني «دكتور نجيب». # نبهان آغا ~~(ضاحكا) ~~: # دكتور، هاه! لقد نبت للسلحفاة جانحان. عمن ورثت هذا اللقب يا نجيب؟! # الدكتور ~~: # لم أرثه، كسبته. # نبهان آغا ~~: # اكتسب اللقب. هاه! ~~(للدكتور) # نجيب، لك أن تهاجر، ولك ~~أن تتحدث الناس عن عظيم مقامك هناك، وكبير علمك، ولكنك إذ تطأ أرض هذا الوادي، هنا، فاعلم ~~أن أبناء أسياد أبيك لا يزالون أسيادك، وكل ما في مقدورك أن تفعله هو أن تتفيأ ~~ظلالهم. # الدكتور ~~: # تريد للنسر أن يأوي إلى قن الدجاج! خسئت أيها الميت، الغير مدفون. إن كلماتك تقزمك في ~~عيني. إن شمسكم غربت يا آغا. رويدك قليلا، إذ يتحرك هذا الشعب فيخنقكم بغبار أقدامه. نادني ~~بالاسم الذي تريد، فالنور الذي أشعلته في بلاد المهجر سينير طريق الناس، بعد أن يدفن الناس ~~آغاواتهم بزمن طويل، ولكن لماذا أحرجتني إلى التباهي؟ خف الله يكفيك، جئت إلى هذه المرأة ~~تثير بغضاءها، وتذكرها بقتالها مع هدى الحمصي، وترش الملح على الجرح في قضية كسر الجرة. ~~اذكر الله، ولا تزرع قنابل التفرقة بين جيرانك. # الآغا ~~: # يظهر أنك أعور العقل. # الدكتور ~~: # بلى أنا أعماه إذ أكترث بمومياء مثلك. # أسعد آغا ~~(يريد أن يحسم الخلاف) ~~: # طول بالك يا أبتي، وأنت يا دكتور، لماذا الغضب؟! ms056 قل لي ما هو رأيك في قضية القديم ~~والحديث في الأدب؟ # الدكتور ~~: # ما هو رأيك في قضية زيت الخروع والملح الإنجليزي في الطب؟ ~~(ينصرف، فتلحق به أم وسيم مودعة قائلة): # أم وسيم ~~: # يا حكيم، هذه الحادثة مع سيدنا الآغا تؤسفني و... ~~(تختفي مع ~~الدكتور) ~~. # نبهان آغا ~~: # دكتور! # أسعد آغا ~~: # سأهجوه بقصيدة، لا تخف. «دكتور أنت من ال ...» لا بأس بساعة ثانية. # نبهان آغا ~~: # لا أخاف هذا المتدكتر؛ فسيرحل، ولكني أخاف وسيم ابن هذه المرأة؛ لأنه سيقيم هنا، وهو ~~طموح. خف الطموح يا أسعد؛ إذ لا نهاية لأمانيه، ولا حد لمحتمل أعماله. هذا الغلام إذا ~~ظفر بوظيفة في بيروت، فقد ينتزع منا وظيفة المختار. لنهلكه قبل أن يصطادنا. # أسعد آغا ~~: # ما العمل إذن؟ # نبهان آغا ~~: # اذهب إلى طعان الحمصي ابن هدى، إنه فتى جبار، ديناميتي الطباع، كبريتي المزاج، قل له: ~~إن وسيم يتوعد بقتله، ثأرا لكسر جرة صانعتهم، ~~(أسعد ~~ينصرف) ~~. ~~(ترجع أم وسيم قائلة): # أم وسيم ~~: # آسف يا سيدنا، أن يكون الدكتور تطرف بالكلام. # الآغا ~~: # هؤلاء المهاجرون الراجعون يتكلمون بما لا يفهمون. لعن الله ساعة فتحت أبواب أميركا، ~~فوضعت الفلفل في أنوف العامة. ~~(صوت أغنية عصرية عربية أو أفرنجية يغنيها اثنان)، (يدخل وسيم وراجي ~~بلباس الصيد، وكل معه جفت، في يد راجي حمامة مقتولة. يركض وسيم إلى أمه.) # وسيم ~~: # أمي، أمي. ~~(يقبل يديها، فتقبله ضامة ~~إياه) ~~. # أم وسيم ~~: # يا تقبر أمك، لماذا تأخرتم؟! ادخل إلى الغرفة الثانية، فأبدل ثيابك. # راجي ~~: # خالتي أم وسيم، مساء الخير، انظري إلى أمهر صياد في الدنيا، قضينا النهار كله ولم نظفر ~~بطريدة إلا هذه ~~(مشيرا إلى الحمامة) ~~، طلق واحد من أمير ~~الصيادين راجي البيروتي أوقع هذه الحمامة البرية وهي طائرة، ~~(متهكما) # اسألي وسيم كم طير اصطاد؟! إن آلهة القنص أمنت الطير على أرواحها إذ ~~يخرج وسيم للصيد. أهون علي أن أنظم قصيدة من أن يصيب طريدة. زليخة! عساك أكثرت الخبز، ففي ~~مقدوري أن آكل محصول فرن، ويا خالتي أم وسيم، إذا كان العشا حاضر فأنا حاضر. ms057 # وسيم ~~: # اتركيه يا أمي يجوع، لعله يريحنا من ثرثرته. # راجي ~~: # ولا؟! وسيم، ولا ...؟! ~~(يتماسكان، هازلين، مظهرين العراك.) # أم وسيم ~~: # يسرني احمرار وجهك ورجوع العافية إليك، فقد جئتنا أصفر الوجه هزيلا، فما أجمل لون ~~الصحة على محياك! # وسيم ~~(إلى الآغا) ~~: # مساء الخير نبهان آغا، هذا صديقي راجي البيروتي، هو كثير الدعابة، فلا تكترث لمهازله، ~~واذكر أنه بيروتي، وأهل بيروت ~~(مشيرا إلى رأسه) ~~. # راجي ~~: # وأهل الجبل ~~(يمشي متبخترا، مقلدا ~~المتكبرين) ~~. # الآغا ~~: # عساك تستطيب الإقامة في ضيعتنا، ما رأيك في هذه القرية، وادي الأرز، أليس السكن فيها ~~جميلا؟ # راجي ~~: # يعني إذا سكنها سواي، ولماذا سميتوها «وادي الأرز»؟ فهي جبل، وليست واديا، وليس فيها ~~أرز، بل فيها شجر البلوط. قل للبلدية أن تسميها «جبل البلوط»، بدلا من وادي الأرز. # الآغا ~~: # وقل لبلدية بيروت أن تسمي بيروت «قوس القزح»، ففيها كل ألوان البشر. # راجي ~~: # سنسميها الطاحونة؛ لأن كل الدروب تؤدي إليها. يا آغا، أريد أن أستفسر منك عن ~~أمر. # الآغا ~~: # تفضل. # راجي ~~: # لماذا أنت آغا يا آغا؟ # الآغا ~~: # لأن أبي كان آغا. # راجي ~~: # ولماذا أبوك كان آغا؟ # الآغا ~~: # لأن أباه كان آغا. # راجي ~~: # حقا! إنك ذكي، تعرف كيف تنتقي أسلافك. # الآغا ~~: # وأنت، هل عرفت كيف تنتقي أسلافك؟ # راجي ~~: # أبي ريس. # الآغا ~~: # ريس؟ ريس ماذا؟! # راجي ~~: # ريس بحارة بيروت. # الآغا ~~: # أهو حي؟ # راجي ~~: # لا، انتحر. # الآغا ~~: # لماذا انتحر؟ # راجي ~~: # في المدينة فتش عن المرأة، وفي الضيعة فتش عن الآغا. # أم وسيم ~~: # يا نبهان آغا، شرفنا للعشاء. # وسيم ~~(غامزا راجي) ~~: # حقا! ابق تعش معنا يا نبهان آغا. # الآغا ~~(ممسكا الحمامة) ~~: # أرى أنك صياد ماهر، فإن لم تكن قد أحسنت اختيار أسلافك، فأنت أحسنت اختيار الطريدة ~~(وسيم يقلب كتبه، مدمدما كأنه في غيبوبة)، (أم وسيم تهيئ ~~الطعام مع زليخة) ~~. # راجي ~~: # صياد ماهر! ألم تسمع بما فعلته كفي في غوطة الشام؟ كنا في العام الفائت نصطاد في ~~الغوطة، ولم يبق معي من الذخيرة إلا رصاصة واحدة، وإذ أطل علي نمر وأسد. نمر وأسد. أسد ~~ونمر. الأسد عن يساري، والنمر ms058 عن يميني، وفي بارودتي رصاصة واحدة. أتدري ماذا فعلت؟ # وسيم ~~: # أنا أدري، ولكني أستحي أن أقول. # راجي ~~: # انتضيت سكيني، ~~(ممثلا) # وغرزتها في الأرض هكذا، ثم ~~ابتعدت ~~(يبتعد) ~~، وأطلقت رصاصتي على حد السكين # 1 # فانشطرت الرصاصة شطرين، الواحدة قتلت النمر، والثانية قتلت الأسد. حادثة ~~هائلة. ~~(زليخة تنذهل، وتصيح «يا ربي!» فيقع الصحن من يدها.) # وسيم ~~: # هائلة وثخينة، ثخينة! # زليخة ~~: # سبحان الخالق. # الآغا ~~(وهو يفحص الحمامة) ~~: # غريب أمر هذه الحمامة البرية! إنها تلبس الخلخال. # راجي ~~: # خلخال، هاه! أنا لا أصطاد رعاع الطير، بل آغواته. # زليخة ~~: # هذه حمامة بيت الحمصي. هذه حمامة طعان. # وسيم ~~(مهموما) ~~: # هذا جائز. فأذكر أنك اصطدتها في خراج القرية. ~~(الآغا يشرق وجهه، كمن فاجأه فكر عظيم.) # الآغا ~~: # على كل حال بخاطركم ~~(يخرج بسرعة) ~~. # زليخة ~~: # سيدي وسيم، بيت الحمصي كسرولي ... # أم وسيم ~~: # اخرسي ... ~~(لوسيم) # الدكتور نجيب زارنا. # وسيم ~~(متألما) ~~: # صحيح؟ ما أقل حظي! لم أجتمع به حتى الآن. # راجي ~~: # من هو هذا الدكتور نجيب؟ # وسيم ~~: # غريب! ما أوسع مجهولاتك، بعد قليل ستسألني من هو أبو العلاء المعري؟! # راجي ~~(ببرودة) ~~: # على فوقه، من هو أبو العلاء المعري؟ # وسيم ~~(بحنق) ~~: # صاحب كاراج على «فرن الشباك». # أم وسيم ~~: # لقد سألت الدكتور نجيب أن يفحص عينيك. # راجي ~~: # لماذا لم تسأليه أن يفحص دماغه. إن ابنك يا خالتي أم وسيم لولد عجيب. بالكرم حاتم طي ~~تقمص في جسد وسيم الحموي. أكرم من السيف! أكرم من طالب وظيفة! # أم وسيم ~~: # ألاحظ أنه مبذر، ولكن الأيام ستفطمه عن هذه العادة. # راجي ~~: # سيقضي عمره يوحل في كتاب الأغاني ~~(يأخذ كتاب الأغاني من ~~مكتبة وسيم، ويقرأ متهكما) ~~«دخل العمروط بن هرموط على الأمير مرقوع بن مفقوع ...» ~~اسأليه ما هو طموحه؟ طموحه أن يسمع التصفيق، ومستقبله مثل التصفيق (يصفق) بوه؛ ~~يتلاشى. # أم وسيم ~~: # وأنت يا ابني، ما هو مستقبلك، وفي يدك شهادة مثل شهادة وسيم؟ # راجي ~~: # يا خالتي، في بيروت أوتوموبيلات اسمها «تكسي»، يركبها من يشاء إلى حيث يشاء. هكذا نحن ~~الشباب المثقف ~~(مناديا) # إلى العراق، فلسطين، مالطة، ~~السودان، مصر، ms059 السند، الهند. الفرق أن «التكسي» لها تعريفة، أما نحن الشباب المثقف فليس لنا ~~تعريفة. اركب وادفع ما تشاء. # أم وسيم ~~: # سأتركك ووسيم في دعابتكم، أنا ذاهبة أسهر عند ابنة خالتي. زليخة تقوم بأموركم. # وسيم ~~: # ألم تنسي شيئا يا أمي؟ ~~(أم وسيم متذكرة، فتتطلع إلى وسيم، ثم يضحكان.) # أم وسيم ووسيم ~~: # القهوة! # وسيم ~~: # سأهدي روايتي الجديدة «إلى القهوة التي صنعتها أمي.» # أم وسيم ~~: # القهوة حاضرة ~~(تعطيه الغلاية) ~~. # وسيم ~~: # قهوة! ومغيب، ووادي الأرز. أين القبعة، والعصا، والسيكار؟ ~~(لراجي) # هذا لباس الوحي ~~(يلبس القبعة، ويحمل العصا، ~~ويولع السيكار)، # لا أقدر أن أخط سطرا بدون أن ألبسه. # راجي ~~: # إذن لا تلبسه. # أم وسيم ~~: # بخاطركم. # راجي ~~: # سؤال قبل أن تنصرفي يا خالتي أم وسيم، هل تجيبينني عليه؟ # أم وسيم ~~: # إذا قدرت! # راجي ~~: # ما رأيك بطائفتنا؟ # أم وسيم ~~(ضاحكة) ~~: # ما أكثر سؤالاتك. بخاطركم. # راجي ~~: # ألا تلومين وسيم على انتقائه ضيفا من غير دينه؟ الصحيح يا أم وسيم. ما رأيك بي؟ ~~الصحيح. # أم وسيم ~~: # الصحيح يا ابني - يا غبنك تكون من «الجماعة!» # وسيم ~~: # يا غبن «الجماعة»، يكون فيهم واحد مثل راجي. # أم وسيم ~~: # بخاطركم. # وسيم ~~: # أمي ادعي لي بالإلهام. # أم وسيم ~~(متضرعة إلى الله) ~~: # رب، يا من أغدقت المواهب على بني وادي الأرز، اغمر بإلهامك قلب وسيم. ~~(تقبله ثانية، وتنصرف)، (وسيم يهم بالدخول إلى الغرفة ~~الثانية) ~~. # راجي ~~(حانقا) ~~: # وسيم! إلام تسمرني في هذه القرية؟ تعال ننزل إلى بيروت الآن - هذه الليلة. # وسيم ~~: # ما أكثر لجاجك! قلت لك: غدا ننزل إلى بيروت، ألا ترى حوائجنا جاهزة؟ صبرت ثلاثين ليلة، ~~أضاقت أنفاسك بهذه الليلة؟ اصبر للغد، فأريك مطلع الفجر في الوادي، فترى الصبح يتنفس. آه! ~~لو تأتي إلينا في الربيع، إذ تنور الأزاهير و... # راجي ~~: # آخ؛ الفجر، الربيع، الأزاهير، أهذه الغلاطات موجودة في كتاب الأغاني؟ الفجر في بيروت؟ ~~متى سمعت (مناديا) كعك سخن، قل: طلع الفجر، ومتى رخص سعر الفجل، قل: أطل الربيع. لا كانت ~~ساعة اطللت بها على هذه الضيعة. أنا على إبر ودبابيس. أريد أن أذهب. # وسيم ms060 ~~: # ألا يسرك الراعي بشبابته، يرعى قطيعه؟ # راجي ~~: # بل يسحرني! البارحة رأيت راعيا مع قطيعه، فهربت. # وسيم ~~: # لماذا هربت؟ # راجي ~~: # الرائحة لا تطاق. غرام التيوس يفسد الجو. # وسيم ~~: # والطيور؟ # راجي ~~: # الطيور؟ لم أر من الطيور إلا البرغش والذبان. # وسيم ~~: # لا تكفر بنعمة الطبيعة. أنشق العبير. # راجي ~~: # أنشق البعير. # وسيم ~~: # أنا أهوى هذا الوادي، أنا ألصق بهذه الأرض من صخرها. # راجي ~~: # الله يقلعك، أنا لاصق بهذه الضيعة كأني ذبابة في صحن دبس، وسيم! تعال ننزل إلى بيروت ~~هذه الليلة، فأنيمك في تخت فيه العبير والزهور والربيع، وكل أدوات الوحي ... ها أنا أستعجل ~~الدهر (يمشي إلى الروزنامة، فينزع منها ورقة)، ها نحن في 30 أيلول سنة 1930. ها هو فجر ~~الغد، فلنمش. قل لماذا تسوفني؟ كل يوم تقول غدا. # وسيم ~~: # راجي لا تهزأ بي، أريد أن أنهي روايتي. # راجي ~~: # وأين صرت فيها؟ # وسيم ~~: # في الفصل الأخير أتذكره؟ صديقان تغربا. مات أحدهما، فأوصى رفيقه أن يأتي إلى القرية ~~بزجاجة فيها رماد جسمه. # راجي ~~: # أوف! # وسيم ~~: # فيأتي الصديق بالرماد، ويقف على عتبة الباب. # راجي ~~: # أوووف. # وسيم ~~: # فيسمع الأب والأم يصليان، ضارعين إلى الله أن يرجع ابنهما إليهما، وابنهما ميت، بوفاته ~~لا يعلمان. # راجي ~~: # أوووووف! # وسيم ~~: # وإذ يذر الرماد على عتبة البيت، تهب نسمة تعبث بالرماد، فتقول الأم لزوجها: أني أشعر ~~برعشة في نسيم هذا المساء ... # راجي ~~: # أووف ... أوف ... ~~(يسحب محرمته، ويتهكم باكيا) ~~. # وسيم ~~: # راجي، إني أحس بهذه الرعشة الآن في نفسي، وأريد أن أضعها على الورق، غدا نذهب إلى ~~بيروت، ولك أنت أن تنام في التخت الذي تستطيبه. # راجي ~~(متظاهرا كأنه ملهم) ~~: # وأنا ألفت رواية. # وسيم ~~: # هاه! # راجي ~~: # أما القنينة ففيها رماد سخن، أذره في عيون كل من قال الشعر وألف الروايات. # وسيم ~~(مدغدغا خد راجي) ~~: # سأدخل إلى الغرفة الثانية أكتب، فابق أنت هنا هنيهة، بعد عشر دقائق نتعشى. # راجي ~~: # تريد أن تربطني هنا جائعا، أعلك لجامي حتى تعود؟ # وسيم ~~: # أعلك رسنك حتى أعود، وإذا شئت أن تتسلى فاقرأ هذا الكتاب ~~(يرمي له بكتاب الأغاني) ~~. # راجي ms061 ~~: # يا ربي! كتاب الأغاني! ~~(يأخذ علبة كبريت من جيبه، ويهم بحرق ~~الكتاب، فيوقفه وسيم) ~~. # وسيم ~~: # لا تكن حقودا كالجبليين، انتظرني حتى أنهي الفصل ~~(ينصرف) ~~. # راجي ~~(بعد هنيهة) ~~: # زليخة، زليخة. # زليخة ~~: # نعم. # راجي ~~: # قولي لي، أكل أهل وادي الأرز ينظمون الشعر؟ # زليخة ~~: # الذي لا ينظلم الشعر ينظم قرادي. # راجي ~~(مباسطا) ~~: # وأنت ألا تنظمين الشعر؟ # زليخة ~~(تضحك متدللة) ~~: # وأنت يا راجي أفندي، ألا تنظم الشعر؟ # راجي ~~: # أنا؟ ألم تسمعي بي؟ أنا إمبراطور الشعراء. # زليخة ~~(بازدراء) ~~: # إمبراطور الشعراء؟ فقط لا غير؟ في وادي الأرز ألف إمبراطور شعر. قل لي قصيدة من ~~قصائدك. # راجي ~~: # على فوقه، ماذا طبخت الليلة؟ # زليخة ~~(تضحك) ~~: # قل لي قصيدة من قصائدك . # راجي ~~: # أتريدين شعر أم قرادي؟ # زليخة ~~: # من الاثنين. ~~(في هذه الأثناء يأخذ من حقيبته زجاجة ويسكي، فيصب في كأس، ~~ويشرب.) # راجي ~~: # نبدأ بالشعر، ثم القرادي! ... # قفا نبك من ذكر الزهور العوائب # ونهدي ألالي في مطلع الشعر غائب # أنا إن قلت يا زليخة شعرا # ضحك الشعر في السنين الخوالي # فانهكي حرمة الغرام # واهد مني لك السلام # جدنا جد العظام # في البريق # والنهيق # نزعه مثل اللبيط # بل هي زهر وماء # مثل زهر القرنبيط # إيه خصر الحبيب، يجتاحك صبح الغداة دولاب طنبر # زليخة ~~(تصفق) ~~: # وقرادي؟ ~~(في الأثناء، راجي يشرب) ~~. # راجي ~~: # قرادي؟ هذه قصيدة عنوانها «طبلية الحب أو طراحة الغرام.» # نحنا ولاد الفن # دجاجاتنا بالقن # الدنيا قايمة دربكي # والدبس دبس بعلبكي # والزهر والوزال # والزعتر والعرزال # يا قاف # يا راء # يا دال # تفسيرها يا قرد ~~(زليخة تصفق ثانية.) # وأنت يا زليخة، ألا تنظمين الشعر؟ (زليخة تتدلل) قوليلي، تعالي ... آو ... # زليخة ~~: # احكي لك الصحيح يا راجي أفندي؟ # راجي ~~: # الصحيح يا زليخة أفندي، يا زليخة. # زليخة ~~: # كلما رأيت سيدي وسيم ... ~~(تسكت) ~~. # راجي ~~(مشجعا) ~~: # آ. ~~(تضحك زليخة ... إلخ) # ترين وسيم معتزلا يكتب، ~~(زليخة تقاطعه، مؤمنة ضاحكة) # البرنيطة على رأسه، ~~وفنجان القهوة في يمينه. # زليخة ~~: # آ. آ. # راجي ~~: # والعصا بيده يضرب بها الجو ~~(يتقلده) ~~. # زليخة ~~: # آ. آ. # راجي ~~: # وقد انفرج قميصه عن صدر نبت فيه الشعر. # زليخة ms062 ~~: # آ. آ. # راجي ~~: # تتمنين. # زليخة ~~: # آ. آ. # راجي ~~: # تتمنين لو ... لو ... # زليخة ~~: # آ. آ. # راجي ~~: # لو أنه كان زوجك. # زليخة ~~(حانقة) ~~: # احشم حالك يا راجي أفندي. # راجي ~~: # لا تحنقي علي يا زليخة. تتمنين لو ... لو ... كنت أديبة مثله. # زليخة ~~(مبتهجة) ~~: # صدقت يا راجي أفندي، صحيح أن البيارته شطار. # راجي ~~(متظاهرا كأنه في تفكير عميق) ~~: # إذا كنت تريدين أن تكوني أديبة مثل وسيم، فما عليك إلا أن تفعلي مثله ... على فوقه، ماذا ~~طبخت للعشاء؟ ذوقيني لقمة ~~(تذوقه) ~~. # طيبة يا زليخة. عندما أنشر ديوان شعري، سأقدمه ~~(مقلدا ~~وسيم) ~~«إلى المخلوطة التي طبختها زليخة»، والآن إذا كنت تريدين أن تكوني أديبة ~~مثل وسيم، فافعلي مثلما يفعل؛ هذه البرنيطة ~~(يعطيها برنيطته، ثم ~~يلبسها إياها) # وهاك العصا، تمشي يا زليخة مثلما يتمشى وسيم ~~(تتمشى) ~~، الآن بقي أمر القهوة؛ هذه قهوة بيروتية، البعض ~~يسمونها ويسكي، أو جوني ووكر، أو بدرو دوماك، ولكنها في الحقيقة قهوة بيروتية، كل قنينة ~~مكفولة أن تعصر عشرة آلاف قصيدة. ~~(يصب لها وله) # اشربي ~~(يشربان) ~~، الشعر هنا يا زليخة ~~(مشيرا إلى القنينة) ~~، وما عليك إلا أن تستخرجيه. # زليخة ~~(بعد أن تشرب) ~~: # هذه تحرق، وليس لها طعمة قهوة. # راجي ~~: # اشربي ثانية، أول كأس مرة، الحلاوة في قعر القنينة يا زليخة ~~(تشرب ثانية) ~~. # زليخة ~~: # كيف تصنعون هذه القهوة؟ # راجي ~~: # نخلط نصف رطل لبيط بغال، مع أقة ديناميت، وعشرة كيلو من نار جهنم. # زليخة ~~(وقد لوحت معها) ~~: # نار جهنم! بدأت أرى الجنة. # راجي ~~: # الآن انظمي الشعر. # زليخة ~~: # طل القمر عاوادي الأرز. # راجي ~~: # برافو زليخة، طل القمر عاوادي الأرز. ~~(يعيدان هذه عدة مرات مغيرين اللهجة، ويعركان الردة بين طل القمر عا ~~أرز الوادي. طل الأرز عا وادي القمر، طل الوادي عا أرز القمر، طل وادي الأرز عا قمر ~~الوادي.) # فلتحي أميرة الشعراء، فليحي الأدب، هذا هو الأدب ~~(يقبلها) ~~. # زليخة ~~(تصفعه) ~~: # هذا قلة أدب! ~~(تنصرف بعد أن ترمي بالعصا من يدها والبرنيطة من ~~على رأسها) ~~. # راجي ~~(وحده. يريد أن يسلي نفسه، فيأكل لقمة، ويشرب كأسا، ثم يسحب ms063 كتاب ~~الأغاني لأبي فرج الأصبهاني، ويقرأ ~~: # جادك الغيث إذا الغيث همي # يا زمان الوصل في الأندلس # جاد: تكرم. # الغيث: المطر. # همي: سقط. # يا زمان الوصل ... ~~(صارخا) # هنا قلة الأدب يا زليخة! ~~(يدق الباب الذي خرج منه وسيم) # وسيم، وأنا أريد أن أؤلف رواية ~~(يضع البرنيطة على رأسه، ويمشي ملوحا بالعصا) ~~، راجي ~~البيروتي الروائي الشهير ~~(يحاول بصراخه أن يقلق وسيم في ~~خلوته) ~~، عنوان الرواية: # قرن الديك؟ لا. # ريش الحمار؟ لا. # مجنون ليلى؟ لا. # ضرس العقل؟ لا. # الوطنية والعلم؟ لا. # الانتقام العادل؟ لا. # رواية أدبية، عصرية، انتقادية، حماسية، وطنية، شعرية، نثرية، مبكية، مضحكة، منومة، يخصص ~~ريعها «لجمعية قطع دابر الشعراء والأدباء.» # ألفها؟ لا. # خلقها ؟ لا. # كونها؟ لا. # سرقها؟ لا. # ترجمها؟ لا. # اقتبسها؟ لا. ~~(متظاهرا بالتفكير) # وجدتها، وجدتها! # Eureka, Eureka # باضها راجي البيروتي! # الفصل الأول: تظهر بطلة الرواية. الحبيبة - يا قلب اخفق - يا جارة الوادي - ويا نار ~~اشتعلي - ينزل الستار ثم يطلع الستار ~~(كل هذا بصوت عال؛ حتى ~~يشاغب على وسيم) # ثم ينزل، ثم يطلع، وكل ما يطلع ينزل، وكل ما ينزل يطلع. تظهر ~~عروس الرواية، ووراءها أولادها، وأولاد أولادها، يأتي البطل، ها لطيف البطل. غرام وغرام ~~وعشق وهيام و # amour ~~، ها لطيف الأمور، زواج وانتحار، انتحار ~~وزواج، وأخذ بالثار، يهيج الجمهور، المؤلف، المؤلف، ~~(صارخا بأعلى ~~صوته نحو غرفة وسيم) # المؤلف، المؤلف. ~~(يظهر وسيم، ~~فيضربه ببندورة من على المائدة!) # وسيم ~~(شارقا بالدمع) ~~: # راجي، اهزأ بي ما تريد، واضربني بالبندورة ما تريد، والبيض، والأحذية، ولكن اتركني في ~~خلوتي وفني. إن شعلة من الوحي بيضاء ترقص في صدري، فلا تطردها بدعابتك، إن كلمة علياء ~~فرت فلن تعيدها قوى الأرض. راجي، إن الذي خلقني أرادني أن أخلق هذه الرواية، أحس بموجة في ~~نفسي تململت، ثم اشرأبت، وها هي تكاد تدفع إلى الدنيا بجوهرة. راجي، اتركني واترك الناس ~~يستمتعون برائعتي، لن تفهم في أي غيبوبة أنا، دعني، فلن يهدأ بالي إلا إذا صقلت هذا التمثال ~~الذي أصنعه من الصلصال الذي وهبته، ولن يستريح ضميري إلا إذا سمعت ms064 هاتفا يقول لي: أكملت ~~عملك، سلمت يداك. ألا تفهم أني كأم تتمخض بحياة. بربك! اتركني في لذة عذابي، ولك أن تفعل بي ~~بعد هذا ما تريد. # راجي ~~(مأخوذا بإخلاص وسيم) ~~: # ارجع إلى عملك يا وسيم، وسألجم حنكي ~~(يرجع وسيم إلى غرفته)، ~~(يعاود المرح راجي، فيخاطب السقف) # إني كأم أتمخض بحياة، يعني كدجاجة تبيض. صدقت ~~يا راجي البيروتي، أنا أونباشي الأدب. أنباشي؟! شاويش، كولونل، جنرال، حفلة تكريم للأستاذ ~~راجي البيروتي. ~~(ضرب قوي على الباب، وصوت وحشي يصيح): # افتحوا. ~~(زليخة تفتح الباب، وتهرب صارخة: «يا ذلي! طعان ~~الحمصي») ~~. # طعان ~~: # وأين هو عنترة عبس، والزير أبو ليلى المهلهل؟ # راجي ~~(ببرودة) ~~: # عنترة عبس ليس هنا، أبو ليلى المهلهل غائب ، أبو العلاء المعري فاتح كاراج على «فرن ~~الشباك»، أبو الفرج الأصبهاني على الطاولة هناك، داعيك اسمه راجي البيروتي. # طعان ~~: # والداعي اسمه طعان الحمصي. # راجي ~~: # هاه؟ # طعان ~~: # طعان الحمصي، طعان. # راجي ~~: # طرزان؟ # طعان ~~: # طعان يا ... # راجي ~~: # آ، طعان، كيف حالك يا طعان أفندي؟ # طعان ~~: # أنت أفندي، أبوك أفندي، وكل عائلتك أفندية. # راجي ~~: # كلك لطف، هل من حاجة أقضيها لك؟ # طعان ~~: # حاجتي إلى البطل المغوار وسيم الحموي، يخبرني لماذا قوس حمامتي؟ أثأرا لجرة صانعته، ~~أم ثأرا لأبيه؟ فإن كان ثأرا لأبيه فقد أغلى الثأر، كان يجب عليه أن يقتل كلبا، ليصير ~~«دم بدم». # راجي ~~: # أنا قوست الحمامة، لم أعرف أنها تخصكم حتى رأينا الخلخال، أريد أن أدفع لك ثمنها ~~(يسحب محفظته). # طعان ~~: # الضيوف لا يدفعون ثمن شيء، ولكن بني الحموي سيدفعون ثمن هذه الحمامة غاليا؛ كل ريشة ~~برجل، برجل؟! كأن في هؤلاء الخنافس رجالا. # راجي ~~: # هون عليك، أنتم إخوان. # طعان ~~: # يا وسيم الحموي، يا عنترة، أطل وخذ بثأر أبيك. ~~(يظهر وسيم.) # وسيم ~~: # سمعتك تناديني يا طعان. # طعان ~~: # صدقت فمتى قلت لك يا عنترة، فأنا أناديك. أراك ساحبا العصا، فأنا مستعد إلى لقائك، ولو ~~أن في يدك الناعمة مدفع متراليوز. ~~(وسيم يرمي بالعصا ~~جانبا). # وسيم ~~: # لك يا طعان أن تقول عني إني جبان، ولكن يدي لن تولع هذه ms065 القنبلة، لن أكون الشرارة، ~~التي تشعل هذه الضيعة. # طعان ~~: # أنا وأنت، ولا حاجة للضيعة. # وسيم ~~: # لن يسترجع أبي حياته إن أنا فتكت بك. # طعان ~~: # أنت جبان يا ابن المدرسة. حلقت شاربيك، وخضبت كالنساء بالعطر شعر رأسك، فلماذا لا تلبس ~~الفسطان، وتسمي نفسك مزمزال ~~(يضحك ضحكا ~~وحشيا) ~~. # وسيم ~~: # إن الحمامة خطأ وقعت. # طعان ~~: # الذنب ذنب الحمامة هاه! الحمامة أصابت الرصاصة هاه! هكذا علمتك المدرسة، مدرسة بيروت ~~يا مزمزال! # راجي ~~: # قلت لك: سأعوض عليك ثمنها، تعال ننظم قصيدة، هاك المطلع: طل القمر ... هذه قهوة بيروتية ~~(طعان لا يأبه به). # طعان ~~: # جئت أرمد بيوتكم، حسبت أني ألقى شبه رجل أقاتله، ولكن جبنك يعيب الأرنبة يا مبصقة ~~الرجال، لو أن خوفك كان إقداما لكنت عنترة، ولو أن فسق أمك كان طهرا؛ لكانت أمك راهبة ~~يا ابن القحبة، ~~(كالبرق ينقض وسيم على طعان، فيرميه ببوكس. ينهض ~~طعان، فيهجم على وسيم. يتقاتلان بضع دقائق، ترى فيها وسيم هادئا يقاتل كالملاكم، ومتى ~~ظفر فلا يتحدى خصمه. أما طعان فيقاتل بفطرة وحشية حنقة، فيخسر في كل جولة. تسمع خلال ذلك ~~أزيز «السين»، فإذا اشتبه أحد أن السين كسرة من الشتيمة الشائعة، قل له معتذرا: إنها ~~صريف الأسنان، وابتسم. حينما ييأس طعان من التغلب على وسيم، يبتعد عنه ساحبا مسدسه، ~~ويصيح: «خذها من يد طعان يا ابن الحموي»، فيسرع وسيم فيلوي يد طعان، بحيث ينطلق المسدس، ~~فتصيب رصاصة قلب طعان، يتلوى هذا ألما، ويصيح: آخ. آخ. قتلني ابن الحموي، وينطرح على ~~الأرض، بحيث يختفي زناره وما فوق خلف الكواليس، وتبقى رجلاه على المسرح ~~منظورتين). ~~(سكوت رهيب هنيهة، وراجي ووسيم يتشاوران.) # راجي ~~: # جس نبضه ~~(وسيم يفعل). # وسيم ~~: # ميت ... # راجي ~~: # ميت! # وسيم وراجي ~~: # لنهرب. فلنهرب ~~(يقفزان من النافذة إذ) ~~: ~~(ينزل الستار) ~~(أصوات بعيدة، مغمغة، مخنوقة، ضوضاء، يتخللها طلق رصاص، وهتاف: حموي. ~~حمصي. عليهم، ولا. زلاغيط، وأصوات حدا وتألم جازع.) # المشهد الثاني ~~(أم وسيم كومت نفسها حزينة. الدكتور نجيب منرفز يتمشى. أبو مرعي يقظ، كأنه لاعب شطرنج، ~~يفكر بالخطوة التالية.) # الدكتور نجيب ms066 ~~: # ما أهون التدمير، نستعبد النفس للعلم، لنخلص حياة، أو نخفف الألم عن الحياة، وفي نصف ~~ساعة تطفئون أربع عشرة حياة؟! # أبو مرعي ~~: # ثلاثة عشر قتيلا يا دكتور، سليم الحمصي بعد ما مات. # الدكتور ~~: # ولكنه سيموت. ~~(متأملا) # أربع عشرة روحا هدرت. ~~يا خرابك يا وادي الأرز! ما أكثر تبذيرك في دماء بنيك، من يدري أن لا يكون بين من قتلهم ~~الجهل، شاعر كجبران، مخترع كالصباح، بطل كسلطان، عالم كالبستاني، أو جندي كفوزي. # أبو مرعي ~~: # هذا بدء الشر، وليس نهايته، نصف الضيعة في الحبس. # الدكتور ~~(يمشي إلى الروزنامة) ~~: # ألف وتسعماية وثلاثين! تكذبين، تكذبين، ما نحن في القرن العشرين، لقد نام الإنسان في ~~نفوسنا، ونهض الحيوان، نحن في العصر الحجري في أخلاقنا، ولم نلبس من المدنية إلا هذه ~~الأثواب - أثواب فقط. # أم وسيم ~~: # إن ابني ليس بشرير، إن ولدي لم يعتد على الجماعة، ابني لا يهتم إلا بكتبه وأوراقه، جاء ~~ابن الحمصي - حمص الله قلوبهم - إلى زاوية بيتنا، فشتم ابني وحقره، وضربه، في النهاية ~~صوب إليه المسدس، فلم يفعل وسيم إلا أن لوى المسدس، من يلومه يا دكتور؟! # الدكتور ~~: # هل قبضوا عليه؟ # أم وسيم ~~: # إذا كان الله يقبل صلواتي فلن يقبضوا عليه. # أبو مرعي ~~: # ولكن لبيت الحمصي عيون وجواسيس، كفوا يدي عن وظيفة الناطور، الأيام بيننا ~~وبينهم. # الدكتور ~~: # هذه كم قرش ~~(يعطيها كدسة أوراق نقود) # ربما تحتاجين ~~إليها. # أم وسيم ~~: # كثر الله خيرك يا دكتور، نحن في سعة، عندنا مائة زيتونة ~~(لا ~~تأخذ المبلغ منه) ~~. # الدكتور ~~: # أتكفيك هذه المائة زيتونة؟ # أم وسيم ~~: # كفت من قبلي آبائي، والله وكيل أن تكفيني ووسيم. ليس هذا الذي يشغل بالي يا حكيم، ~~(فاركة يديها باكية) # ولدي، ولدي، ربيته وثقفته، ليمسى ~~طريدا في البراري؟! وإذا قبض عليه الجند؟ وإذا ظفر به بنو الحمصي؟! رب، ماذا فعلت ~~لتنزل بي هذه المحنة؟! ~~(يدخل المختار الآغا) ~~. # الآغا ~~: # هكذا، فلتكن الرجال، إن وسيم رجل، أخذ بثأر أبيه، فقتل ابن هدى الحمصي، ~~(ضاحكا) # فما عليك إلا أن تخنقي أم طعان بغدائرها؛ ليكتمل ~~الثأر. ms067 هكذا فلتكن الشباب، وأنت يا أبا مرعي، عزلوك من وظيفتك؟ هذه دسائس بيت الحمصي، ~~فالنائب من حزبهم. # الدكتور ~~: # أربعة عشر قتيلا، عشرون جريحا، معظم رجال الضيعة في السجن. ألا تكفي هذه المصائب ~~لتشرح قلبك القذر يا نمام، أبؤرة دسائس في صدرك؟ يا ويلك! من يوم يحملق بك الشعب، ويقول ~~(متهددا) ~~: يا آغا. ~~(إلى أم ~~وسيم) # هذا تقرير وفاة طعان، فاحتفظي به، قد يساعد وسيم في المحكمة إذا مثل أمام ~~القضاء، التقرير يثبت أن وسيم كان مدافعا عن نفسه، الله معك يا أم وسيم، بخاطرك يا أبا ~~مرعي. # أبو مرعي ~~: # بخاطرك يا دكتور. # أم وسيم ~~: # مع السلامة يا حكيم، الله يحرسك. # الآغا ~~: # يخرج بدون أن يودعني ! سألحق به، وأريه ~~(يتظاهر بالهجوم ~~للخارج) ~~. # أبو مرعي ~~: # طول بالك ~~(الآغا يقف) ~~. # المختار ~~: # إذن، فقد عزلوك يا أبا مرعي. # أبو مرعي ~~: # الدنيا دولاب! # المختار ~~: # عزلوك يا أبو مرعي. # أبو مرعي ~~: # أنا كنت أهم بالاستعفاء. # المختار ~~: # عزلوك يا أبو مرعي. # أبو مرعي ~~: # أنا لا أحب النوطرة، المشي يتعبني. # المختار ~~: # عزلوك يا أبو مرعي. # أبو مرعي ~~(تاركا برقع التظاهر) ~~: # عزلوك يا أبو مرعي ~~(يهدد بقبضتيه إذ) ~~: ~~(ينزل الستار) # المشهد الثالث ~~(فرشتان متقاربتان، زليخة نائمة كأنها رحى طاحونة، أم وسيم قرب القنديل، بين يديها كتاب ~~صلاة، تبتهل.) # أم وسيم ~~: ~~«رب، سدد خطواته، وأبعد الشر عنه. رب، إن أردت به سوءا فأنزله بي واجعلني فداه. ~~يا إلهي، يا سندي، وملجأي، ومعبودي، رجوتك، وتمنيت عليك راكعة باكية أن تحفظ وحيدي وفلذة ~~كبدي. رب ...» ~~(يدخل وسيم وراجي متلصصين.) # بني، لماذا رجعت؟! ولدي، إنهم يفتشون عليك. # وسيم ~~: # جئت أودعك أمي، وآخذ أوراقي، فأنا وراجي مسافران، سيهربنا بحارة بيروت إلى المهجر، ~~إلى أميركا، فوداعك أمي، سأكتب لك من حيث أكون ~~(يتعانقان)، (كل ~~هذه الأحاديث تهمس همسا) ~~. # أم وسيم ~~: # ستكون غربتك موجعة، ولكني سأتحملها في سبيل سلامتك. هذا ~~(مشيرة إلى راجي) # أيرافقك؟ # وسيم ~~: # يصر على أن يرافقني. # أم وسيم ~~: # لا تأتمنه، ليس من طائفتنا، سيخونك، يستحيل أن يخلص لك، «من جده عادى جدك يستحيل ms068 أن ~~يودك.» # وسيم ~~: # لآخذ أوراقي ~~(وسيم يأخذ أوراقه وكتاب الأغاني من المكتبة. ~~راجي يشير عليه - بالإشارة لا بالكلام - أن يرمي بتلك الأوراق وذلك الكتاب. أم وسيم تفتح ~~صندوقها، وتنزع منها صرة) ~~. # أم وسيم ~~: # هذه صرة اليقين، فيها عشرون ليرة ذهبية، خذها يا بني، والله معك. ~~(قرع شديد على الباب) # افتحوا باسم القانون. ~~(تشير لابنها وراجي، مخاطبة القارع) ~~: مهلا، مهلا، ~~سأفتح لكم ~~(حينما تدير ظهرها، وسيم يفتح الصندوق، فيرمي بصرة ~~اليقين فيها، ثم يفرغ ما في جيبه من نقود أيضا. كذلك راجي يفعل نفس الشيء. كل هذا يجري ~~بسرعة خاطفة. راجي ينحني على زليخة، التي بدأت تتململ، ويقول: «طل القمر». يقفزان من ~~النافذة، فيختفيان) ~~. # مهلا، يا حضرة الضابط. # الضابط ~~(من الخارج) ~~: # افتحي باسم القانون، باسم القانون، افتحي يا أم وسيم، وإلا كسرت الباب. # أم وسيم ~~: # ألست أنت أبو شكيب؟ # الضابط ~~(من الخارج) ~~: # بلى، أنا هو، أنا السرجان سلوم، افتحي باسم القانون، وإلا كسرت الباب. # أم وسيم ~~: # أنت لا تكسر بابا على عجوز، ولا تريد الدخول على غرفة فيها امرأتان في ملابس النوم، ~~كان اسمك أبو شكيب قبل أن سموك السرجان سلوم، وكنت تحلف باسم الشرف قبل أن تحلف باسم ~~القانون، رويدك! حتى ألبس ثيابي. # الضابط ~~(من الخارج) ~~: # أمهلك خمس دقائق. # أم وسيم ~~: # شكرا لك، كلك ناموس يا أبو شكيب ~~(متطلعة من النافذة التي قفز ~~منها وسيم وراجي، ثم تحكم قفلها. زليخة خلال كل هذا المشهد تشخر. أم وسيم توقظ ~~زليخة) ~~. # زليخة، انهضي يا بقرة، انهضي. # زليخة ~~(نصف واعية) ~~: # طل القمر ... # أم وسيم ~~(هامسة) ~~: # اسمعي، الضابط والجنود سيدخلون علينا؛ ليفتشوا المنزل، وسيم مختبئ بهذا الدهليز ~~(تشير إلى الدهليز) # إياك أن تخبري الضابط أن وسيم هناك، ~~أفهمت؟ إياك أن تدلي الجنود على مخبأه، فهمت؟ # زليخة ~~: # فهمت! # أم وسيم ~~: # أين مفتاح الدهليز؟ ~~(زليخة تقطع المفتاح من خيط علقته برقبتها، وتعطيه لأم وسيم.) ~~(بصوت عال) # افتحي الباب لحضرة السرجان. ~~(يدخل السرجان وجنود، فيتفرقون.) # الضابط ~~: # نريد وسيم. # أم وسيم ~~: # لا أدري أين هو، لم أر وجهه ms069 منذ الحادثة. # الضابط ~~: # أريد وسيم. # أم وسيم ~~: # فتش البيت. أحلف لك: إنه ليس هنا. # الضابط ~~(للجنود) ~~: # فتشوا البيت ~~(يتفرقون) ~~، ~~(لزليخة) # أين وسيم يا زليخة؟ # زليخة ~~: # هاه! # الضابط ~~(يبرم يدها) ~~: # أين وسيم؟ قولي، وإلا سحقت عظامك. # زليخة ~~: # في الدهليز، في الدهليز يا أفندي، ~~(مشيرة إليه) # هنا. # الضابط ~~(يصفر فيجتمع الجنود، يخاطبهم) ~~: # وسيم هنا، خذوا حذركم، ~~(يكشف عن الدهليز، فيراه ~~مقفلا) # أين المفتاح؟ # زليخة ~~: # مع أم وسيم. # أم وسيم ~~(تنزع المفتاح من عبها، فتبتلعه وتصيح) ~~: # شقوني، وخذوا المفتاح. # الضابط ~~: # سنكسره. ~~(بينما يكسرون قفل الدهليز، أم وسيم تتضرع ~~للضابط) ~~. # أم وسيم ~~: # بربك يا سرجان، لا تطلق الرصاص على ابني، لا تقبض عليه، إنهم يشنقونه في بيروت، ~~(كأنها تخاطب ابنها داخل الدهليز) # وسيم ابني، تجلد. لا تقاتل ~~الجنود، فهم مسلحون. لا تحاول الهرب، فقد يطلقون الرصاص عليك. بني، تجلد. ~~(وفيما هم يكسرون القفل، يرفعون الباب، ثم يصطفون حول الدهليز بشكل ~~دائرة، وبواريدهم مصوبة نحو الدهليز. ينحدر أحدهم، شاهرا المسدس)، (سكوت ~~رهيب) ~~. # الضابط ~~: # هل قبضت عليه؟ ~~(خارج من الدهليز وفي يده ديك.) ~~- قبضت على هذا. # الضابط ~~: # إذن، فقد ضللتنا أم وسيم؛ لتسهل سبيل الفرار له. لماذا خدعتنا يا أم وسيم؟ # أم وسيم ~~: # لأني أم وسيم. ~~(ينزل الستار) # | الفصل الثاني # المشهد الأول ~~(بعد عشر سنوات. بلاد غرانبلا. يرتفع الستار عن مكتب تجاري يظهر أن أصحابه تجار بالجملة؛ إذ ~~تناثرت في جوانب المكتب مساطر البضائع من مثل كلسات، برانيط، أحذية، أقمشة، صحون، ملاعق، شماسي، ~~أصيص (أرضية) إلخ ... يواجه النظارة رقعتان: الأولى عربية، كتبت بحروف هائلة «الدين هو ~~المعاملة»، والثانية إنكليزية بنفس قياس الحروف العربية: ~~“Light gains make heavy purses.” ~~“Money is made on turnover and lost on leftover.” # على يمين النظارة صندوق حديدي، وفي المكتب طاولة كبرى، وثانية صغرى للماكنة الطابعة، والآن ~~راجي يطبع على الماكنة بسرعة ونرفزة وغضب. على يسار النظارة كرة عظمى، هي كرة الدنيا يلاعبها ~~وسيم مدمدما أغنية، ووسيم بعكس راجي، يظهر أن الدنيا مروقة معه. بين مساطر البضائع نحو خمسين ~~رزمة مختلفة الأحجام، ms070 تلفها أوراق زاهية، وشرائط ملونة، كالرزم التي يتبادلها الأصدقاء في ~~الأعياد. الوقت أول السهرة. خلف الكرة الأرضية مرآة كبرى.) # وسيم ~~(إذ هو يداعب الكرة الأرضية، ويقيس بمسطرة صغيرة) ~~: # أوووف! أتدري يا أستاذ أن بيننا وبين بيروت سبعة آلاف ميل! أحسب! هجرنا بيروت منذ عشر ~~سنوات، عشر سنوات غربة، والآن بيننا وبينها سبعة آلاف ميل. إذا ضربنا عشر سنوات طوالا ~~بسبعة آلاف ميل، أتدري ما هو الجواب يا أستاذ؟ ~~(يتقدم من المرآة، ~~فيتطلع إلى شعره) # الجواب 1431 شعرة بيضاء، ~~(متأوها) # ونفس حزينة! ~~(لا جواب من راجي) ~~. ~~ما بال الأستاذ مشوما # 1 # هذه الليلة؟ ~~(لا جواب)، (وسيم يتناول حزمة جرائد ~~عربية، فيفتحها مدمدما أغنية، ويقلب صحيفة) ~~. # هالله هالله يا دنيا! احزروا من هو حاكم طبريا اليوم ~~(يقرأ) ~~: «قدم بيروت لترويح النفس الأستاذ الأكبر رفله وهاب ...» ~~(مقهقها) # رفله وهاب صار حاكم. خبر ثان، اسمع يا أستاذ: ~~«ستكون حفلة الشهداء هذه السنة تحت رعاية معالي وهيب باشا سعادة»، ~~(مقهقها) # وهيب سعادة صار باشا، وصاحب معالي ... كل أولاد صفنا. كل رفاق تلك ~~الشجرة صاروا ذوات، إلا أنت وأنا نبيع كلسات. حفلة الشهداء! ~~(متذكرا) # تراهم، أيذكرون من نظم أول حفلة للشهداء؟ ما أجمل أن تمسي بياع ~~كلسات، بعد أن تقود المواكب! ~~(يمزق الجريدة) # أووف! لماذا ~~يطبعون هذه الأوراق؟! ~~(يعود للقهقهة) # رفله وهاب حاكم، ~~وهيب سعادة صاحب المعالي! # راجي ~~: # إذا كنت تفتش عن شيء يضحك، فتطلع بهذه المرآة. # وسيم ~~: # أحمد الله الذي أنطقك أخيرا يا أستاذ، من الضروري أن يتطلع الإنسان بالمرآة مرة ~~بالنهار، ثم يضحك. ~~(مخاطبا المرآة) # صار عمرك 31 سنة، ما ~~شأنك بالحياة؟ اخترعت آلة؟ لا. اكتشفت بحيرة؟ لا. ألفت كتابا؟ لا. افتتحت مستعمرة؟ لا. ~~من أنت؟ لا شيء. # أنت العود بالزبيب. # أنت الشمس بعد المغيب. # أنت العرض بتل أبيب. # أنت لا شيء. # أنت حفلة خطابية. # أنت بضاعة يابانية. # أنت معاهدة دولية. # أنت لا شيء. # أنت إسفنجة معصورة. # أنت كمبيالة غير ممهورة. # أنت قنينة مكسورة. # أنت لا شيء. (يبصق على المرآة). # راجي ~~(مصفقا) ~~: # فليحيى الخطيب، ms071 صدق الخطيب. ~~(يتقدم وسيم من الرزمة الملونة، يقلبها متمتما الأسماء التي عليها، ~~مخاطبا راجي.) # وسيم ~~: # ليس بين الهدايا هدية لأنيس سعادة. # راجي ~~: # ناولني الدواة ~~(يناوله دواة زرقاء) ~~، الدواة الحمراء ~~يا ح ... الحمد لله عندما نعمل ميزانية السنة لا نحتاج إلا إلى الأحمر من الحبر. # وسيم ~~: # ما رأي الأستاذ في هدية لأنيس سعادة؟ # راجي ~~(حانقا) ~~: # أرسل له إصبع ديناميت. أرسل لهم كلهم أصابع ديناميت. هؤلاء «الأصدقاء» الذين ربيتهم في ~~هذه البلاد. لا تدري أي معتوه تجعل من نفسك، إذ تغدق الهدايا على هؤلاء النصابين. ~~(متهكما آخذا رزمة بعد رزمة، كأنه مناولها لأصحابها) # كل عام ~~وأنتم بخير، هدية صغيرة لأخي نبيه النجار. كل عام وأنتم بخير، هدية صغيرة لأخي فؤاد ~~أبو هنا. كل عام وأنتم بخير، هدية صغيرة لأخي سعيد الشركسي. ~~(يأخذ ~~غطاء الأصيص - الأرضية - فيضربه بها، ويصيح: # كل عام وأنتم بخير. # وسيم ~~: # ألا تعتقد يا أستاذ، أنك تجعل من الحبة قبة؟! فكل هذه الهدايا لا تبلغ قيمتها المائة ~~ريال، ولم أشترها على حساب المحل، بل على حسابي الخاص، وإنه لجميل أن يهدي الإنسان ~~أشياء ولو تافهة في عيد رأس السنة؟ ألا تعتقد يا أستاذ أن لهجتك الحادة لا تليق بليلة رأس ~~السنة. # راجي ~~: # رأس السنة وذنبها سيان. أتحسب أننا في ليلة عيد؟! انظر إلى حسابات المحل، وانظر إلى ~~أين صرنا بعد غربة عشر سنوات ~~(ينتزع الورقة من الماكنة، ويقرأ ~~فيها) ~~، علينا دين للبنك خمسة وعشرون ألف ريال، المحل مرهون لفرج الله العسلي ~~بخمسين ألف ريال؛ أي علينا 75 ألف ريال، عندنا في البنك خمسة آلاف ريال، لنا على الناس دين ~~46 ألف ريال سترى وجه ربك قبل أن ترى منها فلسا، وتقبض على قوس القزح قبل أن تقبض منها ~~ريالا. عندنا بضائع ب 24 ألف ريال؛ أي إن مجموع ما علينا 75 ألف ريال، ومجموع ما عندنا 29 ~~ألف ريال. كل عام وأنتم بخير. # وسيم ~~: # لكل حديث زمان، والليلة ليلة عيد. ليلة رقص يا بومة، ومرح، وبهجة. فاترك نعيبك إلى ليلة ms072 ~~ثانية. # راجي ~~: # ليلة رقص؟! اليوم استحق رهن فرج الله العسلي، أراهنك أنه قبل أن يطلع وجه الصباح، سيطلع ~~وجه فرج الله، ويقول: «ادفع، أو أحجز.» # وسيم ~~: # فرج الله رجل شريف ... # راجي ~~: # كل إنسان هو رجل شريف، حتى تتمكن يداه من عنقك. # وسيم ~~: # نزيد له الفائدة؛ ندفع له 24 بالمائة، بدلا من 18 بالمائة، فيسكت إلى أن تمر هذه ~~الأزمة. # راجي ~~: # ما أشد تفاؤلك. لو كنت في سفينة نوح، لسبقت الحمامة إلى غصن الزيتون. فرج الله لا يشبعه ~~إلا المال، وليس عندنا من المال إلا الخمسة آلاف في البنك، وهذه ~~(يفتح الصندوق) # السبعة ريالات و15 سنتيم. # وسيم ~~: # ودوارنا رشيد؟! آن له أن يرجع من البر. بدون ريب جمع عشرة آلاف ريال، نرضي بها ~~البنك. # راجي ~~: # إذا رجع الدوار بألف ريال أركبك على ظهري ألف ميل. # وسيم ~~: # تركبني على ظهرك؟ «من قال لك أني أركب حمير؟» # راجي ~~: # غرانبلا! غرانبلا! ما الذي أغراك بهذه البلاد؟ قلت لك: تعال نهرب إلى بلاد متمدنة؛ ~~باريس، نيويورك، لندن. لا، لا تريد إلا أميركا الوسطى غرانبلا. انظر إلى هذا المكتب، بل إلى ~~هذا القفص الذي يحبسنا منذ عشرة أعوام. نعيش مع القذارة، ونتجر بالقذارة، ونعاشر القذارة، ~~والآن الإفلاس، وماذا أنت فاعل لحل هذه المعضلة؟ تريد أن تفرق الهدايا، وتدعو أصدقاءك إلى ~~وليمة، وتذهب إلى مرقص الحاكم متنكرا بثوب بدوي. نعم التاجر والمفكر أنت. كل أخلاقك ~~أخلاق بدوي، ولا أعرف أنه نبغ من البدو تجار. # وسيم ~~: # راجي أنت طفل، والطفل متى واجه المصاعب لا يفعل شيئا إلا البكاء ~~(يتباكى) # راجي ... # راجي ~~: # لا تنادني «راجي» ألم تفهم بعد؟ أتريد أن تزيد مصائبنا مصيبة أن يفتضح أمرنا لدى ~~البوليس؟ أتريد أن يفتك بك أبناء الحمصي؟ هؤلاء المواطنون، إذ هاجروا البلاد هاجرت معهم ~~أحقادهم، لا تنس ذلك يا غبي، ألم تتعلم بعد أن اسمي سليم الصيداوي، واسمك سلوم الصيداوي، ~~ونحن أخوان، وتجارتنا «صيداوي إخوان»! تجارتنا؟! طابق إفلاسنا أعني. ~~(يرن التلفون، فيجاوب راجي) # هلو، هاي، (متهكما) ها، ها، ها، ~~كل عام وأنتم ms073 بخير. أما بعد ... أنا سلوم، وأنا سليم، وأنا كل عائلة الصيداوي، ولماذا لا ~~تعرفنا إلى لون عملتك قبل أن تطلب كلسات من جديد. ~~(وسيم يختطف ~~التلفون من راجي) ~~. # وسيم ~~(بلطف) ~~: # سليم يكلمك يا نبيه، كل عام وأنت بخير يا نبيه، أربعين دزينة كلسات؟ تكرم. عشر دزينات ~~صبابيط؟ # راجي ~~: # الصبابيط على الراس والعين ~~(وسيم يسد فم التلفون ~~بكفه) # يا نصاب. # وسيم ~~(على التلفون) ~~: # الحساب لا يهم، لا تنس أن تحضر العشاء عندنا هذه الليلة. ~~(يقفل التلفون) ~~. # راجي ~~: # حسابه عمره سنة، ويطلب بضاعة! يطلب بضاعة في 31 كانون الثاني! لماذا لا تنزع الغشاوة عن ~~عينيك، فترى هؤلاء المحتالين؟ # وسيم ~~: # لأن الله خلقني ضعيف البصر، وخلقك ذا رأي صائب، وفكر ثاقب. رويدك! راجي - سليم. لا ~~تحاول أن تحل كل مشاكل الدنيا هذه الليلة. امرح هذه الليلة، وغدا فكر. # راجي ~~: # من يمرح في الليل لا يفكر في النهار، والله أكاد أجن. أعطني مورفين، وكوكايين، إن ~~أعصابي تكاد تتقطع، أريد أن أنطح السقف. ربي إلى أية حالة وصلنا؛ غربة، وتنكر تحت اسم ~~مستعار، والآن إفلاس. أهم في النهار مائة مرة أن أصيح بالناس: ما نحن بأخوين، لسنا سلوم ~~وسليم الصيداوي، نحن وسيم الحموي وراجي البيروتي. ولتهبط السماء ولتزلزل الأرض، راجي ~~البيروتي صار اسمه سليم الصيداوي! # وسيم ~~: # ووسيم الحموي صار اسمه سلوم الصيداوي؟! هذه ليست المصيبة. المصيبة أن أصير أخا لواحد ~~مثلك يا أستاذ. # راجي ~~: # اهزأ وداعب، أشعر كأنك حجر مطحنة في عنقي. # وسيم ~~: # ألا تعلم أن الغضب دليل الخوف، وأن الرجل الرجل هو من يبصق في وجه العاصفة؟ # راجي ~~: # من بصق بوجه العاصفة ارتد بصاقه إلى وجهه. # وسيم ~~: # لا يقهر الحياة إلا من هزأ بمصاعبها، ابتسم في الأزمة ~~(يقف ~~وقفة عسكرية) # وقل لها: تعالي، أنا لك. # راجي ~~: # الحق معك. في الحرب العظمى جندي جاءته الأزمة متسربلة ثوب قنبلة، فابتسم لها ~~(مقلدا وسيم) ~~، وصاح: تعالي، أنا لك. # وسيم ~~: # صحيح؟ ما اسم ذلك البطل؟ # راجي ~~: # صار اسمه الجندي المجهول. ~~(يرن التلفون، فيركض إليه راجي.) # أب. أب. أب. ms074 أبا بببب. مرحبا رشيد. أهلب لب. لبلبلبلب. نحن بانتظارك يا رشيد، ~~(يقفل التلفون) # كل عام وأنتم بخير، جاء رشيدك. ~~(كمن انبثق على عقله فكر جديد) # وسيم، قل لي لماذا أنت فوار ~~المرح هذه الليلة؟ رأس السنة؟ لا أصدق، رأس السنة وحدها لا تهزك بمثل هذا الفرح. # وسيم ~~: # ها. ها. ها. الآن بدأت تبرهن أن الذي بين كتفيك هو رأس إنسان، وليس رأس بطيخ. # راجي ~~: # سارة؟ # وسيم ~~: # سارة. # الاثنان ~~: # سارة. # راجي ~~: # وهل رضيت أمها عن زواجها منك، بدون أن تعرف دينك؟! ~~(مستعطفا) # أخبرني، ماذا جرى؟ # وسيم ~~(يسكت ضاحكا، فيتضرع له راجي) ~~: ~~، أتريد أن تسمع الخبر؟ # راجي ~~: # قل لي، فكلي آذان. # وسيم ~~: # وهل كلك ألسنة؟ ~~(راجي يمد لسانه، فيمثل أنه قطعه فرماه، ويتكتف مدمدما ~~كالأخرس.) # قطعت لسانك، وصرت أخرس! إذن فأخبرك بما جرى؛ تزوجنا منذ أربع ساعات - زواجا مدنيا ~~عند القاضي. سيبقى هذا الزواج سرا. # راجي ~~(فرحا، يقبله) ~~: # عرس كهربائي هاه! كل عام وأنتم بخير، انظم لي قصيدة، فإني أريد أن أهنئك: # والحب نقاد على كفه # جواهر يختار منها القباح # سأنتقل إلى اللوكندة. أنت وسارة عيشا هنا. # وسيم ~~: # لا. ستبقى أنت هنا كما أنت، فسارة تعيش مع أمها، وأنا أعيش هنا. # راجي ~~: # هاه؟! تزوجت وأنت تعيش هنا، وسارة تعيش هناك؟! هاه. # وسيم ~~: # هاه، وهاه، وهاه. إن مخيلتك يا أستاذ، تحتاج إلى قليل من حامض الفنيك. هذا زواج ~~عذري. # راجي ~~(مدهوشا) ~~: # سمعت بالهوى العذري، والآن أتعرف إلى الزواج العذري، وكل عمري أعتقد أن الحب هو عذر ~~للزواج. ~~(التلفون يرن، فيسرع إليه راجي) ~~. ~~(سماعة التلفون على أذنه - إلى وسيم) # هذه جوليت ~~يا روميو. هلو سارة، الآن أخبرني سلوم بالحادثة، يعني الزواج، «علو في الحياة وفي ~~الزواج»، يعني كل عام وعندكم توأم بنات، ~~(وسيم يدفعه، ويخطف ~~التلفون منه) # هذه ليلاك، يا مجنون. # وسيم ~~: # هلو سارة. لا، لا، ليس من أحد هنا. سليم هنا يعني ما في أحد، ثوبي جاهز، سألبس العقال، ~~وأكون بدويا يا زينب. لا تنسي أن البدويات يكتحلن. صبرك، فأرى ورقة الدعوة ~~(يفتش، ms075 ويفتش، فلا يجدها) # أين ورقة الدعوة يا أستاذ؟ # راجي ~~: # تحت عينيك يا روميو، ~~(مشيرا إلى مغلف قريب من وسيم) # حقا! إن الحب أعمى. # وسيم ~~(يرجع إلى التلفون) ~~: # الساعة التاسعة، يبدأ الرقص فأسرعي، أسرعي، سأكون حاضرا إذ تمرين. ~~(يقبلها على التلفون، ويرقص، بينما راجي يغمض عينيه، ويقفل أذنيه، ثم ~~يتطلع إلى السماء، ويقول): # راجي ~~: # الطقس جميل هذه الليلة يا وسيم! # وسيم ~~: # الحب، الحب يا أستاذ، أتدري ما هو الحب؟ أما تحس أن في قلبك أجنحة؟ # راجي ~~: # أحس أن في قدمي مرساة. # وسيم ~~: # أما تحس هذه الرعشة تهز جوانحك؟ # راجي ~~: # نو سنيور. # وسيم ~~: # وهذه البهجة تصبغ الدنيا أمام عينيك بألوان زاهية؟ # راجي ~~: # نو سنيور. # وسيم ~~: # ودبيب الحياة حار في عروقك، كأنك تغتسل في شلال من شعاع؟! # راجي ~~: # نو سنيور. # وسيم ~~: # والفرح يغمر رأسك وقلبك. # راجي ~~: # نو سنيور، وعدا ذلك فليس لي رأس ولا قلب. # وسيم ~~: # اجلس هنا، سمر نفسك إلى هذا المقعد، واجمع، واطرح، واحسب، وانفلق. فأنا مختل إلى ~~نفسي، فلا تعكر علي عزلتي، إن الإلهام يغشاني ثانية، أنا في الجنة من جديد. # راجي ~~: # خذ البرنيطة والعصا ~~(يتناولهما وسيم من ~~راجي) ~~. # وسيم ~~: # إن روايتي ستتم، إن طيفها يتتبعني هذه العشرة أعوام، كطفلة عاجزة، تناديني مستنجدة: ~~«لماذا وأدتني يا أبي؟» # راجي ~~: # وإن طيف ثروتي الصغيرة يتبعني، كطفلة تقول: لماذا دفنتني يا أبي؟ فأجيبها: اسألي عمك ~~(مشيرا إلى وسيم) ~~، يلعن أباك ~~(مشيرا إلى نفسه) ~~. ~~(وسيم ينصرف إلى الغرفة، التي إلى يسار النظارة. راجي ينتزع كتاب ~~الأغاني من بين المساطر.) ~~(مخاطبا الكتاب) # كل مصائبنا جاءت منك. لماذا لم يحرقوك ~~مع مكتبة الإسكندرية؟ ~~(يقرأ) ~~«دخل صعلوك على الأمير جان ~~فالجان، فقال: بونجور، قال الأمير: خذ بنطلوني وسترتي ورطلا من لحيتي» ~~(يدخل رشيد، جارا حقيبة هائلة هي حقيبة المساطر) ~~. # رشيد ~~: # م ... م ... م ... مساء الخير. # راجي ~~: # أسعد الله مساء الأمير رشيد ~~(لغرفة وسيم) # يا مسيو ~~عبد الله بن المقفع، يا أبا القاسم غوستاف لوبون، يا أبا جوزف الأخشيدي. يا كاتب الكتاب ~~وشاعر الشعراء، ومفقوع المفاقيع. ~~(وسيم يطل) ms076 # في الباب ~~رسول يا مولاي، يحمل الهدايا من الرعية، ~~(يفتح الصندوق) # فلننظف الصندوق، ~~(إلى رشيد) # ناولني أوراق الألف ريال ~~أولا. # وسيم ~~: # مرحبا رشيد، كم جمعت؟ # رشيد ~~: # ج ... ج ... جمعت! لا، لا، لا شيء. # راجي ~~: # برافو، كنت أخاف أن تجمع أقل من هذا. # وسيم ~~(لأول مرة يعبس، ويظهر الهم) ~~: # كفى هزلا كفى، كم تبلغ قائمة الديون التي أعطيته إياها؟ # راجي ~~(يفتح الدفتر) ~~: # 25,320 ريالا. من اليسار إلى اليمين: اثنان، خمسة، 3، 2، صفر، قبض الصفر والسفرة ~~الثانية يقبض الباقي. # وسيم ~~: # لماذا لم تقبض يا رشيد؟ # رشيد ~~: # لأن، أن، أن، أنهم ما دفعوا. # راجي ~~: # سبب معقول، لو دفعوا كان قبض، أمر جلي، واضح، شفاف كالوحل. # وسيم ~~(مفكرا، مهموما، متمشيا) ~~: # اترك هذه ~~(مشيرا إلى الحقيقة) # جاهزة، أنا مسافر هذه ~~الليلة. # رشيد ~~: # البحر كبير، والعاصفة. تش، تش، تش، تشتد. # وسيم ~~: # البحر كبير هاه؟ العاصفة تشتد هاه؟! ~~(يسمع أربع صفرات ~~طويلة) ~~. # راجي ~~: # علامة الخطر نمرو 4. # وسيم ~~: # علامة الخطر نمرو أربعة هاه؟! أبق الشنتة مضبوبة، الليلة أسافر بعد سهرة الرقص، وأريك ~~يا أستاذ، كم أجمع، وكم أبيع. # رشيد ~~: # هاني الأرناءوطي يقول: ما لكم عليه دين. # راجي ~~: # حينما أردت أن أجعله يمضي الفاتورة، صاح أبو الحسن موليير ~~(مشيرا إلى وسيم) ~~: لا لزوم، لا لزوم. # وسيم ~~: # هذا غير صحيح، الآن أريك الفاتورة وعليها الإمضاء. ~~(يفتح ~~السجل «هاني الأرناءوطي» «هاني الأرناءوطي»، بعد أن يفتش، ويفتش، فلا يجده) # أين ~~وضعت اسمه يا سليم؟ لم أجده تحت الهمزة، ولا تحت الهاء، فأين هو؟ # راجي ~~: # تحت حرف الكاف. # وسيم ~~: # هاني الأرناءوطي إما همزة أو هاء، فلماذا وضعته تحت حرف الكاف؟ # راجي ~~: # لأنه كلب ابن كلب. مع الاعتذار للكلاب. # وسيم ~~(يطبق السجل غاضبا) ~~: # رشيد، كل عام وأنتم بخير ~~(يفتح الصندوق) # خذ هذه ~~السبعة ريالات، والكم سنتيم عيديتك. لا يأخذ على خاطرك فشلك في هذه السفرة، فالدنيا كلها في ~~أزمة هائلة. # رشيد ~~: # بخا، خا، خا، خاطركم ~~(ينصرف) ~~. # راجي ~~: # ليتك أعطيته تشاك بالمبلغ، فقد تحتاج إلى النقد هذه الليلة. # وسيم ~~: # رح انظر إلى دفتر التشكات، تعرف لماذا ms077 لم أعطه تشاك. # راجي ~~(يفتح الصندوق الحديدي، ويأخذ دفتر التشكات، ويصيح) ~~: # وسيم، وسيم، ماذا فعلت؟ أين الخمسة آلاف ريال؟ # وسيم ~~: # اشتريت بها أسهما في معدن الذهب. # راجي ~~: # من ذلك النصاب وطسن؟ # وسيم ~~: # من ذلك النصاب وطسن. # راجي ~~: # الذهب الذي فوق الأرض لم نحصل عليه، فهل نظفر بالذهب الذي تحت الأرض. ~~(وسيم يأخذ كتاب الأغاني، ويقلب صفحاته.) # وسيم ~~: # سأحاول الفوز فوق الأرض وتحتها، وكل فشل جديد يثير محاولة جديدة. # راجي ~~(من الكتاب) ~~: ~~«دخل جبلة بن الأيهم على يحيى بن يزيد. فقال: السلام عليكم. أجاب يحيى: أبيت اللعن، خذ ~~برنيطتي وبنطلوني. وذبح له الأنعام.» # وسيم ~~(يثور) ~~: # اخرس، كفاك هزءا، كفى، تتحرق على التستر باسم مستعار، كأنني أنا ألتذ بأن أخسر حتى ~~اسمي وأستبدله باسم سليم الصيداوي. تبكي ضياع ثروة، كأنه لم يكن لي نصفها، وكأنك كسبتها ~~وحدك. من جمع الثروة يا راجي؟ من هزأ بالأخطار؟ من نام بين أجلاف الناس، ومشى الكيلوات حافي ~~القدمين، دامي القدمين؟ هل مرت زوبعة خلال العشر سنوات الماضية، ولم أتقلب بين أشداقها ~~في عرض البحر؟ # راجي ~~: # أنا لا أقول إنك لم تشق. # وسيم ~~: # من اخترع أساليب تجارية لم يعرفها أولاد العرب قبلنا؟ كم مرة قال لي الدكتور نجيب: لا ~~تجهد عينيك، وإلا تعمى؟ ويشهد الله أني ما زلت أجهد عيني، وأني لا أخاف العمى. أيوم الفوز ~~تسكت، ويوم الفشل تهزأ؟ اصفعني، قوسني، ولكن لا تتهكم علي؛ الهزء، الهزء، إنه يحزني ~~حتى العظام. # راجي ~~: # أنا لا ألومك يا وسيم، ألوم ثقتك بالناس، ألوم المدرسة التي علمتك أن لا تكون لصا، ~~ولم تقل حذار؛ فالدنيا ملأى باللصوص، ألوم البيئة التي أنشأتك جوادا على الغير، بخيلا على ~~نفسك. ألوم من رباك ولم يعلمك الأنانية، وعدة النجاح هي الأنانية، ألوم الكتب التي غمرتك ~~بالشرف، والمروءة، والمعروف - أدوات انتحار في دنيا فقدت الشرف والمروءة والمعروف. # وسيم ~~: # ولا تحسبني جئت أقامر بحياتك، وبأموالك، وأموال دائنينا. ~~(يأخذ من يده بوليصة سوكرة حياة) # أنت لم تر هذه بعد ~~(يفتحها) ~~، انظر، إن حياتي مضمونة بمائة ألف ms078 دولار، أفهمت؟ ~~(ينتشل من جيبه مسدسا) ~~، وإن ضغطة من سبابتي تدفع لك ~~ولدائنينا، أفهمت؟ الحياة جميلة وغالية، ولكني أطرحها كزجاجة مكسورة، متى دعا الداعي. صار ~~دعابك لاذعا، أحس أن قد انفتح بينك وبيني واد عميق. # راجي ~~(متغنيا) ~~: # واد؟ أعمل زنودي جسر، وبقطعك ليا. ~~(يتطلع الواحد بالآخر ~~لحظة، ثم يصيحان معا: «ولا!» ويتعانقان مقهقهين) ~~. # راجي ~~: # يلعن دين الغضب. # وسيم ~~: # يلعن دين النرفزة. # راجي ~~(يدق على خزانة صغيرة، مخاطبا إياها) ~~: # يا جابر المكسور، وصديق المخذول، في الباب إخوان، إليك يلتجئان ~~(ينتزع قنينة) # في لبنان ينتخبون ملكة للجمال. هذه ملكة القنوط ~~يشربان. # راجي ~~: # أصحيح أن بيني وبينك واديا؟ # وسيم ~~: # أصحيح أنني في رقبتك حجر مطحنة؟ # راجي ~~: # ها أنا أقطع الحجر ~~(يمثل أنه يقطع حبلا من عنقه) # تدحرج الحجر ... # وسيم ~~: # وسد الوادي. # ما أجمل الدنيا إذا نظرت إليها من خلال كأس ... # راجي ~~: # حقا! إنها وهاجة جميلة . # وسيم ~~: # خطر على بالي أمر. # راجي ~~: # ما هو؟ # وسيم ~~: # تعال نستشر الدكتور نجيب بحالتنا. # راجي ~~: # هذا أول رأي صائب خطر على بالك هذه السنة. # وسيم ~~: # تعال نخبره بأمورنا المالية. # راجي ~~: # وأمورنا - أمورك - الغرامية. تعال نخبره بكل شيء. # وسيم ~~: # أنا أثق بالدكتور نجيب. # راجي ~~: # أنا لا أثق إلا به، وبنفسي، ~~(بعد تردد) # لا، لا أثق ~~بنفسي كثيرا، على كل حال إن أمر زواجك سيعرف يوما من الأيام، وهدى حماتك ستقيم الأرض ~~وتقعدها، ومن يدري فقد يفتضح أمرنا كذلك. تعال نخبره بحادثة وادي الأرز أيضا. # وسيم ~~: # نخبره بكل شيء، أي نبيل هذا الرجل! # راجي ووسيم ~~: # كأس الدكتور نجيب. كأس الإفلاس. # وسيم ~~: # متى وصلت إلى الكأس الخامسة، انتصب أمام عيني قصران في رأس بيروت؛ أنا وسارة في قصر، ~~وأنت؛ وأنت ومن؟ # راجي ~~: # أنا ونفسي. # وسيم ~~: # ألن تتزوج؟ # راجي ~~: # أنا أتزوج؟ معاذ الله! الله خلقني أعزب، وسأبقى أعزب. # وسيم ~~: # باسم جمعية النشوء والارتقاء أشكرك. هل تريد أن يكون للقصر جنينة؟ # راجي ~~: # طبعا جنينة، فيها أشجار التفاح والليمون. # وسيم ~~: # والرمان، والخوخ. # راجي ~~: # وأشجار معرفة الخير والشر. # وسيم ~~: # وأنا عندي ولد وحيد، صبي. هاه! ms079 # راجي ~~: # صبي! الله يخليه، اسمه أبو الفرج، وقف، إذا صار عندك صبي، فأنا سأقتني كلبا! # وسيم ~~: # ولماذا؟ # راجي ~~: # ليحمي الجنينة من ولدك! # وسيم ~~: # رد كلبك عن ابني. # راجي ~~: # رد ابنك عن جنينتي. # وسيم ~~: # الكلب. # راجي ~~: # الصبي. # وسيم ~~: # الكلب. # راجي ~~: # الصبي. ~~(يدخل الدكتور نجيب باسما.) # الدكتور نجيب ~~: # من هو الصبي؟ ومن هو الكلب؟ # راجي ~~: # أنا الصبي يا دكتور. # وسيم ~~(مصافحا) ~~: # كل عام وأنت بخير يا دكتور. # راجي ~~: # طبعا لا تريد أن تشاركنا بكأس، فما رأيك بفنجان قهوة صغير ~~(مشيرا بيديه أن الفنجان كبير جدا) # من تلك الفناجين التي تحبها؟ # الدكتور ~~: # لا وقت عندي حتى للقهوة؛ فقد تركت المستشفى لحظة حتى أعايدكم، وحتى ~~(يشد أذني وسيم) # أرى هذا المتمرد على الطب، إذا كان قد لبس ~~النظارتين. هل تريد أن تلبس النظارتين، أم أطيل هاتين الأذنين؟! # وسيم ~~: # آخ، العفو يا دكتور، سألبس النظارتين، وحق هذين الشاربين ~~(يعمل إشارة، كأنه يحلف بشاربيه، وهو حليق) ~~، أمهلني للسنة القادمة، بيننا ~~وبينها بضع ساعات. # الدكتور ~~: # السنة القادمة! كل صعب مؤجل، هذا آخر إنذار، لا تأجيل بعد غد؛ حالة عينيك يا سلوم ليست ~~من الأمور التي يستهان بها، أفهمت؟ ~~(يقلب جفني عينيه، فيفحصهما)، ~~(ويهز رأسه، ويقول:) # يلزمك معالجة، تعال إلي في المستشفى مرة كل يومين ~~(يرن التلفون، فيسرع راجي إليه) ~~. # راجي ~~: # هلو. أو يا دكتور، تلفون من المستشفى ~~(بينما الدكتور يتكلم ~~على التلفون بصوت غير مسموع، راجي ووسيم يرجعان القنينة والكأسين إلى الخزانة. الدكتور ~~يرجع إليهما) ~~. # الدكتور ~~: # سألني مدير البوليس اليوم عن شخص اسمه وسيم الحموي، مطلوب من بيروت بتهمة قتل طعان ~~الحمصي، أخي خطيبتك يا سلوم. غريب، ما أصغر هذه الدنيا! كنت في «وادي الأرز» يوم الحادثة، ~~وقد كتبت أنا تقرير الموت بيدي ~~(تلفون، راجي ~~يجيبه) ~~. # راجي ~~: # دكتور، الممرضة تقول: وصلك أربع برقيات من حين تركت. # الدكتور ~~: # اسألها أن تفتح التلغرافات، وتخبرني إذا كان فيها شيء مهم. ~~(يعود إلى التطلع بعيني وسيم. راجي يغازل الممرضة على التلفون، ويظهر أنها أهانته، فيرمي ~~السماعة من يده كأنها جمرة، ويصيح: ms080 «دكتور الممرضة تريد أن تكلمك أنت.» فيذهب الدكتور إلى ~~التلفون، بينما يرجع راجي إلى وسيم) ~~. ~~(راجي ووسيم يتهامسان.) # راجي ~~: # تعال نخبره الآن. # وسيم ~~: # أريد أن أزحزح هذا الحمل عن صدري ~~(يرجع ~~الدكتور) ~~. # الدكتور ~~: # أين السهرة هذه الليلة؟ # وسيم ~~: # سأذهب وسارة إلى بيت الحاكم. # الدكتور ~~: # صحيح! ليلة راقصة متنكرة، ماذا تلبسان؟ # وسيم ~~: # بدوية وبدوي. # الدكتور ~~: ~~(يضحك) # وأنت يا سليم؟ # راجي ~~: # أنا سيدة المنزل، سأستقبل المواطنين أولاد العرب، ونحيي ليلة صخابة هنا. # الدكتور ~~(لوسيم) ~~: # يسرني أنك تحضر المراقص. لو أن المواطنين يرقصون، ويلعبون الغولف والبردج، لكان لنا في ~~هذه البلاد مقام اجتماعي. # راجي ~~: # مقامك الاجتماعي يغني ... # الدكتور ~~: # لا تخالف الوصية الحادية عشرة. # وسيم ~~: # ما هي الوصية الحادية عشرة؟ # الدكتور ~~: # لا تمسح جوخ. # 2 ~~(التلفون يرن، راجي يجيب خائفا أن تكون الممرضة. قبل أن يرفع ~~السماعة.) # راجي ~~(إلى وسيم) ~~: # أمن الضروري أن أجيب على التلفون أنا دائما؟ ~~(وأخيرا، ~~يشجع نفسه فيرفع السماعة، ويحك أذنه كأنما نملة لسعتها) # المستشفى يا دكتور. ~~(الدكتور يذهب إلى التلفون فيتكلم بصوت غير ~~مسموع) ~~. # أجلها. # وسيم ~~: # إن هذا الكتمان يشويني، لنفرغ له أسرارنا هذه الليلة. ~~(يرجع ~~الدكتور) ~~. # راجي ~~: # لنا معك حديث طويل. # وسيم ~~: # يا حكيم، إن الناس تأتمنك على أرواحها ... # الدكتور ~~: # اذكر الوصية الحادية عشرة. ~~(تلفون، يجيبه راجي بعد أن يتردد، وكأنه سمع خبرا هائلا.) # راجي ~~: # أسرع يا دكتور، امرأة كامل الأميوني تستنجد بك، زوجها انتحر في دكانه. # الدكتور ~~: # بخاطركم، نتحدث ساعة ثانية ~~(يترك بسرعة، وقبل أن يخرج يكاد ~~يصطدم بفرج الله، الذي يقول: ليلة سعيدة يا دكتور. فلا يجيبه هذا) ~~. # راجي ~~: # أهلا بفرج الله، ~~(على حدة) # وألعن خلق الله. # وسيم ~~: # هو! فرج الله؟! # فرج الله ~~: # كل عام وأنتم بخير يا أحبائي، ~~(يتقدم إلى وسيم ثم إلى راجي ~~فيقبلهما:) كل عام وأنتم بخير، (راجي يغمس منديله بالويسكي، ويمسح مكان ~~القبلة) # كامل الأميوني انتحر (يضحك ضحكة سادية) # 3 # فتش عن الدولار، يربح عشرة، ويصرف عشرين، الآخرة انتحار. ~~(يرجع إلى القهقهة) # الصحيح اشتقنا، كيف حالكم؟ # راجي ~~: # حالنا نصفه ملعون، والنصف الثاني ms081 ألعن. # فرج الله ~~: # سلوم دائما يحب الولدنة، عساك تبقى فرح القلب يا حبيبي، (يقبله ثانية، فيمسح راجي ~~مكان القبلة ثانية) سلوم، ما لك كئيبا؟ لا تخف، الأزمة خانقة في كل مكان، الناس كالشجر ~~تعرى وتكتسي. الدنيا فور وغور. # وسيم ~~: # فرج الله، قل لي، هل أتيت بسبب الرهن؟ # فرج الله ~~: # الرهن! لا والله العظيم، بشرفي، بديني، برحمة أمي، بعرض أختي نبيهة؛ إني لا أهتم بالرهن ~~مطلقا، وحياة عينيك، وحياة الخبز والملح الذي بيننا، كنت في طريقي إلى العاصمة، فقلت: ~~لأمرن بشقيقي روحي سليم وسلوم. الصحيح أن الحالة التجارية تعسة جدا. # راجي ~~: # أأنت تشكو من الحالة التجارية أيضا؟ # فرج الله ~~: # أتحسب أني بمنجى من هذه الأزمة؟ وحياة عينيك، بشرفي، بديني، برحمة أمي، بعرض أختي ~~نبيهة؛ إني خسران، خسران، خسران. # راجي ~~: # يعني بدلا من أن يكون عندك خمسة ملايين، صاروا أربعة ملايين ونصف؟! # فرج الله ~~(إلى وسيم ) ~~: # ما رأيك في هذه الحالة، يا حبيبي سلوم؟ # وسيم ~~: # رأيي بهذه الحالة مثل رأي مدير البوليس بصاحب المحششة. # فرج الله ~~: # إذا سألتني رأيي أقول: يا بني، إنك شاب ذكي، لم أر في أولاد العرب منذ أتيت هذه ~~البلاد لثلاثين سنة خلت فتى دأب، وشقي، واشتغل مثلما دأبت أنت، وشقيت واشتغلت. إن قلبي ~~يتفتت كلما فكرت في أمرك، فوجدتك بعد جهاد عشر سنوات تتدحرج إلى هاوية الإفلاس. سلوم لا ~~تخدع نفسك، تجارتكم في خراب. # وسيم ~~: # هذا صحيح. # فرج الله ~~: # أنت مضحكة أولاد العرب اليوم، والذين كانوا يصفقون لك بالأمس، هم اليوم ~~يصفرون. # وسيم ~~: # إن صفيرهم لا يهمني. # فرج الله ~~: # أنت طموح. إنما الدنيا للظافر، للقوي، للغني. فإن أنت فقدت الغنى والقوة، فلن تكون ذا ~~شأن بين الناس، ولو طبلت لك الملائكة، وهللت الشياطين. # راجي ~~: # قرأت هذا الرأي في كتاب ثمنه خمسة قروش. # فرج الله ~~: # قرأته، ولكنك لم تفهمه، لو أنك فهمته، لو أن أخاك سلوم فهمه، لكنتم اليوم في غير هذه ~~الحالة. اليوم أنتم شباب لا تفهمون حرقة الفقر؛ إذ إن الفتوة حمقاء، تستخف بكل شيء، ولكن ms082 ~~متى نزلت بكم الكهولة، وكثرت زجاجات الأدوية في غرفكم، وتطلعتم إلى الشارع من زري ~~نوافذكم، فنظرتم الأجلاف يتصدرون السيارات الفخمة؛ إذ ذاك تذكرون صديقكم فرج الله، وتقولون ~~آه ... # وسيم ~~: # هل لك أن تفصح لنا عما تريد، واكف نفسك مئونة التمهيد؟ # فرج الله ~~: # لقد وجدت مشتريا لتجارتك، يدفع لك 200 ألف ريال نقدا. # راجي ~~: # ومن هو هذا المشتري القبرصي؟ # فرج الله ~~: # اسمه؟! اسمه شركة السكورتاه. # وسيم ~~: # يعني تريد أن نزيد الضمانة على بضائعنا، ونحرق؟ # فرج الله ~~: # أعني أنك تزيد الضمانة على بضائعك، ثم تقطع شريط التلفون، هكذا ~~(يذهب إلى التلفون ويمثل) ~~، وتصل الشريط بالبضائع، ثم تذهب إلى ~~مكان ما، فتنادي هذا التلفون، فيتسبب # Short Circuit ~~، ويطير ~~الشرر من الشريط، ويحترق المحل. اترك التنفيذ إلي، ليس لك إلا أن توافق على ما أقول. في ~~الماضي كانوا يحرقون بالشمعة، ولكنها موضة بطلت. اليوم # Short ~~Circuit ~~. ما اسمه بالعربي؟ # راجي ~~: # أي حريق من بعيد لبعيد؟ # فرج الله ~~: # أي نعم. # راجي ~~: # حريق عذري، أو أفلاطوني. حب عذري. زواج عذري. حريق عذري. # وسيم ~~: # سمعت الكثير عن لؤمك وألاعيبك وشرورك. الآن أصدقها. إن هذا الفتى الماثل أمامك، الذي ~~تشفق عليه من التدهور إلى الإفلاس، يشفق عليك من لطمة تطحن أسنانك، إن لم تكبح رزانتي ~~غضبي. # فرج الله ~~: # على مهلك يا سلوم، والله أحبكما كأخوي. # راجي ~~: # الظاهر حضرتك وحيد. # فرج الله ~~: # بشرفي. # فرج الله، وراجي ~~: # بديني، برحمة أمي، بعرض أختي نبيهة. # فرج الله ~~: # إني لا أبغي إلا مصلحتكم. سلوم! انظر إلى ذلك القصر، الذي تتلألأ أنواره، وإلى الأسهم ~~النارية التي تصعد إلى السماء كأنها قافلة نيازك شدت إلى القمر الرحال؛ هذا قصر علوي ~~إخوان. أتدري ما مصدر هذه الأبهة، وهذا النور؟ ~~(ينير عود ~~كبريت) # هذا. من يعيرهم اليوم بما جرى أمس؟ من لا يبجل عظمتهم؟ أي فتاة لا ~~تحلم بالزواج من أحد الأخوة الخمسة؟! سلوم، بينك وبين الغنى شرارة نار. # راجي ~~(يتغنى) ~~: # بينك وبين الغنى بصة نار. # فرج الله ~~: # كان لجمع المال موسم في هذه البلاد وولى، يوم ms083 كنا نشتري كيلو الساعات بريال، ونبيع ~~الواحدة بخمسين ريالا. أما اليوم، فأهل هذه البلاد أشطر من تجار حلب. لن تصل إلى الغنى عن ~~طريق التجارة. # وسيم ~~: # ولا أريد أن أصل عن طريق اللصوصية. # فرج الله ~~: # لا تريدها! هاه؟ كلما أردت أن تمطرك الدنيا دولارات، تضع فوق رأسك مظلة، حينما ترجع إلى ~~البلاد هل يسألونك كيف جمعت المال، أم كم جمعت من المال؟ وإذ أنت تربح من شركة الضمان هذه ~~الثروة ... تسرق من؟ تسرق السارق؛ إذ إن أكبر لصوص الدنيا هي شركات الضمان. فكر بهذا الأمر، ~~ولا تدع إباء مزيفا يجمح بعقلك. إن مآوي الفقراء ملأى بالمثقفين، الأذكياء، المجتهدين، ~~الأشراف. انظر إلى أسعد معصب؛ كاتب، شاعر، خطيب، يحسن أربع لغات، ويشتغل عندي بمائة ريال ~~في الشهر، ~~(يعود للقهقهة) # لا تنس، حينما تموت، يدفنون ~~جثتك أنت لا جثة سواك. # وسيم ~~: # كفى، كفى! إن منطقك يخيفني. إن مجرد اقتراحك ارتكاب هذه الفعلة الشنعاء يهين تربيتي ~~ومروءتي. منطقك معقول، ولكن النفس الأبية تطيع الطبع أكثر مما تطيع المنطق. لماذا لا تحرق ~~وتقبض؟ ولماذا لا تتزوج أختك نبيهة؟ في وسعي أن أقنعك أنه لا عار بزواج كهذا؟ إن كل ما ~~بيننا وبينك من علاقة هو هذا الرهن، نجدده، ثم ندرس علم الاجتماع، على غير الأستاذ فرج ~~الله. # راجي ~~: # ندرسه على الأستاذ أبي الفرج الأصبهاني، صاحب كتاب الأغاني. # فرج الله ~~: # الرهن يجدد؟! ~~(يقهقه) # قد يكون هذا في كتاب أبي ~~الفرج، ولكنه ليس في كتاب فرج الله، متى استحق الرهن يدفع الرهن، هذا هو القانون. # وسيم ~~: # قانون الناب والمخلب. إن كنت لا تحب أن تجدد الرهن نضاعف لك الفائظ. # فرج الله ~~: # تدفع قيمة الرهن، وإلا أحجز. # راجي ~~: # يا فرج الله لا تضيق أنفاسنا. # وسيم ~~: # إذن من أجل هذا جئت. # فرج الله ~~(نصف متهكم) ~~: # لا. جئت لأقول لكم: كل عام وأنتم بخير، ولأهنئك بزواجك بسارة. # وسيم ~~: # كيف عرفت بزواجي؟ فقد كتمت الخبر عن جميع الناس! # فرج الله ~~: # سر النجاح أن تعرف ما لا يعرفه الناس. # وسيم ~~: # ألا تعرف ms084 شيئا آخر لا يعرفه الناس؟ # فرج الله ~~: # أعرف أن البوليس يفتش عن وسيم الحموي وراجي البيروتي. # وسيم ~~: # هكذا أخبرنا الدكتور نجيب، وأنت لا تعرف أكثر من هذا؟! # فرج الله ~~(بمعنى) ~~: # رأس الحكمة أن لا تفشي كل ما تعرف، أسمع جلبة، لعل ضيوفك قادمون، كل عام وأنتم بخير، ~~الدفع الدفع أو الحجز، إنما بينك وبين الغنى ~~(يضرب عود الكبريت، ~~فيشعل سيكارته) # بصة نار. # وسيم ~~: # اخرج يا لص. # فرج الله ~~: # لا تغضب؛ الغضب دليل الخوف، أنت لا ترى الخطر؛ لأن الخطر ليس أمامك، بل هو راكب على ~~ظهرك ~~(ينصرف) ~~. # راجي ~~: # لو كان هنالك طريقة أن نحرق دون أن نحترق، وأن نقبض دون أن تدفع الشركة، لكنت أوافق ~~على هذا المشروع، ولكن مشاريع كهذه ليست عذرية فقط، بل فوق العذرية؛ # Super # عذري. # وسيم ~~: # أرى الغيوم السوداء تتلبد. ~~(جلبة وضحك) ~~. # راجي ~~: # أقبل الضيوف. ~~(يدخل ستة مهاجرين، يلبس أكثرهم السترة المفضلة حتى العنق، ليس بينهم ~~تشابه كبير، أكبرهم رجل اسمه عباس هائل الجثة، أحدهم يضرب على الدربكة، وكلهم ~~يتغنون): # مهما تفرنجنا # سنظل أعراب # مهما تبلدنا # منظل أغراب # ومهما تقاتلنا # منظل أحباب # نحنا الأشاوسة # أولاد العرب # إلهنا واحد # ما منشرك فيه # بيرقنا واحد # نتظلل فيه # عدونا واحد # ما منسميه # نحنا الأشاوسة # أولاد العرب ~~(ضوضاء، وسلامات، وكلام غير واضح، وكل عام وأنتم بخير ... إلخ.) # وسيم ~~: # أهلا وسهلا يا إخوان. أرجو المعذرة منكم؛ إذ إني سأترككم لأحضر الليلة المتنكرة ~~الراقصة عند الحاكم. أخي سليم يبقى معكم، ويخدمكم، اسمحوا لي بأن أدخل، فأغير ~~ثيابي. # مهاجر ~~: # بأي ثوب ستتنكر؟ # وسيم ~~: # بثوب بدوي. # مهاجر ~~: # إذا لزم البدوي جمل فعباس ~~(مشيرا إلى صاحب الجثة ~~الهائلة) # حاضر. ~~(وسيم يضحك، وينصرف) ~~. # راجي ~~: # أين شمدص يا شباب؟ # مهاجر 2 ~~: # شمدص يكون هنا بعد هنيهة. # مهاجر 3 ~~: # شمدص اعتمد الرجعة إلى البلاد. ~~(يدخل شمدص). # شمدص ~~: # يا إخوان، الرائحة عاطلة. # مهاجر ~~: # كنا نتحدث عنك. ~~(أصوات. هاي شمدص. سنيور تشارلي ~~جو) ~~. # شمدص ~~: # مساء الخير، يا إخوان، كل عام وأنتم بخير، إذا لزمكم خدمة للبلاد أنا حاضر؛ بإذن الله ms085 ~~أسافر في 13 الشهر. # مهاجر 4 ~~: # ما الذي جعلك تعتمد على السفر؟ # شمدص ~~: # تعبت من اسم «تشارلي جو»، أحن إلى مناداة الناس لي: يا شمدص جهجاه. # مهاجر 5 ~~: # هل ترجع حليقا، أم تربي الشارب؟ # شمدص ~~: # سأبقى حليقا، لا شوارب. # كلهم يتغنون: # سافر بالشارب # رجع بلاه # صار اسمه تشاري # شمدص جهجاه # راجي ~~(على يده صينية هائلة، ملأى بالمشروبات) ~~: # من منكم عطشان؟ # كلهم ~~: # هاي. # مهاجر 1 ~~: # أنا أعطش من الإسفنجة. # مهاجر 2 ~~: # أنا أقدر أن أشرب معمل بيرة؛ في بطني حريقة. # مهاجر 3 ~~: # أنا أعطش من كيس رجل. # شمدص ~~: # أنا أكاد أشرب عطشي. # راجي ~~: # أطفئوا عطشكم ~~(راجي في هذا المجلس متأدب، ولكنه متقزز من هذا ~~المرح) ~~. # مهاجر 4 ~~: # شمدص، بما أنك راجع إلى البلاد، ~~(يسير به إلى مقدم ~~المسرح) # سلم على عمي حسن، وقل له: الحال عاطل؛ فلا أقدر أن أرسل له دراهم. أعطه ~~هذه الساعة، وقلم الحبر. ~~(يناوله إياهما، ويرجع بينما شمدص مشتغل ~~بوضعهما في جيبه، يتقدم منه مهاجر 3) ~~. # مهاجر 3 ~~: # سلم على أبي، واعتذر عن عدم إرسال فلوس، وأعطه هذه الهدية ~~(قلم حبر وساعة)، (يرجع فيتقدم مهاجر 2) ~~. # مهاجر 2 ~~: # شمدص، أنت أدرى بالحالة هنا. فقل لخالي أبي سامي: إنشاء الله، أرسل له بوليصة بعد كم ~~شهر، وهذه هدية له ~~(يسلمه ساعة، وقلم حبر) ~~. # مهاجر 1 ~~: # الله يوصلك بخير يا شمدص، هذه هدية، اعمل معروف؛ أوصلها إلى ابن عمي سليمان. التجارة في ~~كساد، فلوس ما فينا نبعث. ~~(يدخل مهاجر اسمه خليل، وهيئته أبله.) # خليل ~~: # ليلة سعيدة يا إخوان، كل عام وأنتم بخير. # الحضور ~~: # مساء الخير، كل عام وأنتم بخير. # شمدص ~~(بحنق) ~~: # خليل، تعال إلى هنا. ~~(يتقدم) # عرفت أني راجع إلى ~~البلاد؟ # خليل ~~: # بلى، أخبروني. # شمدص ~~: # ما اسم أبيك يا خليل؟ # خليل ~~: # أبو خليل. # شمدص ~~: # سأسلم لك عليه، وأقول له الحالة عاطلة، فلا ينتظر فلوس، ~~(بحنق ~~يأخذ بتلابيبه) # هات الساعة وقلم الحبر. # خليل ~~(يناوله الساعة وقلم الحبر، ويصفر مستغربا) ~~: # الله يرد العين عنك يا شمدص. # راجي ~~: # يا شمدص، كل شيء حاضر، إلا ms086 صحن الحمص، وليس فينا من هو أشطر منك بعمل الحمص، فادخل إلى ~~المطبخ، فالحمص جاهز. # شمدص ~~: # أدخل إلى المطبخ، وأترككم هنا تشربون؟! لا، أعمله هنا. ~~(شمدص ~~ينصرف، ويرجع بعد قليل وفي يده صحن حمص، ومدقة يهرس بها الحمص) ~~. # مهاجر 1 ~~: # هل قرأتم جرائد البلاد؟ وصلني حزمة اليوم. # مهاجر 2 ~~: # كل جرائد البلاد قتل وضرب. # مهاجر 3 ~~: # ما في ألعن من الجرائد منذ ثلاثين سنة، ولم أدفع الاشتراك، أنا تصلني «بريد ~~الخميس». # مهاجر 4 ~~: # أنا صار لي في هذه البلاد 20 سنة. لا دخلت محكمة، ولا أخذت شربة، ولا دفعت اشتراك ~~جريدة. # مهاجر 5 ~~: # جرائد بلادنا تحير. كل كلمة يا أفندينا، أكبر من رأس البطيخ. من يفهمها؟! # مهاجر 7 ~~: # وماذا تفهم حضرتك، حتى تفهم الجرائد؟ # مهاجر 1 ~~: # فيها قصيدة لحسون المصايف بديعة، بديعة، بديعة. # مهاجر 2 ~~: # وكيف عرفت أنها بديعة؟ # مهاجر 1 ~~: # لأني ما فهمت منها ولا كلمة! # شمدص ~~: # أنا بحياتي لم أقرأ إلا كتاب الزير ~~(ينتزعه من جيب بنطلونه ~~الخلفي، ويقرأ متغنيا، ومشيرا بمدقة الحمص): # يقول الزير أبو ليلى المهلهل # ألا يا بنات إن السعد جاكم # غدا جساس أقتله بسيفي # وآخذ يا بنات بثار أباكم # فلاقوه على الخيل الضوامر # وإني سوف أهجم من وراكم # مهاجر ~~: # ناولني كتاب الزير ~~(أصوات من المهاجرين: هات كتاب الزير. ~~أعطنا الكتاب) ~~. # شمدص ~~: # لا، لا، لا، اطلبوا روحي، وسيفي، وحصاني، ورمحي، ومحفظة نقودي؛ إنما لا تطلبوا مني كتاب ~~الزير. لنرجعه إلى المكتبة ~~(يعيده إلى جيب بنطلونه ~~الخلفي) ~~. # مهاجر 3 ~~: # يا إخوان، تذكرون أن بيني وبين فؤاد مراهنة على عشرة ريالات. الآن جاءنا جواب المقتطف ~~(يقرأ): # سؤال نرجو أن تفيدونا؛ هل إسكندر ذو القرنين ولد قبل عمر بن أبي ربيعة، أم أن عمر ~~بن أبي ربيعة ولد قبل إسكندر ذي القرنين؟ # نبيه غواص # فؤاد الحداد # عن غرانبلا أميركا الوسطى ~~«جواب المقتطف: إسكندر ذو القرنين ولد قبل عمر بن أبي ربيعة.» هات العشرة ريالات ~~يا فؤاد. # فؤاد ~~: # على الرأس والعين ~~(يدفع له) ~~. # مهاجر 3 ~~: ~~(ملوحا بالعشرة ريالات) # على ms087 سلامة قرنيك ~~يا إسكندر. # فؤاد ~~: # إنما أراهنك على عشرين ريالا، أني مصيب في جدال هذا الصباح: الأرض مسطحة. # مهاجر 3 ~~: # مربعة. # فؤاد ~~: # مسطحة. أتراهن على عشرين ريالا؟ # مهاجر 3 ~~: # أراهن على عشرين ريالا أن الأرض مربعة. # فؤاد، ومهاجر 3 ~~: # لنسأل «المقتطف». # مهاجر 2 ~~(متضايقا من هذا الحوار) ~~: # خلص صحن الفول يا شمدص. # شمدص ~~: # اسألوا المقتطف! ~~(صفير متواصل.) # مهاجر 4 ~~: # يا إخوان، هل تسمعون الصفير؟ العاصفة تشتد! # مهاجر 5 ~~: # الله يساعد الذين في البحر. # مهاجر 8 ~~: # في كل رأس سنة عاصفة، العام الماضي غرق أربع بوابير. # راجي ~~: # كيف حال كامل الأميوني؟ صحيح انتحر؟! # مهاجر 3 ~~: # الرصاصة دخلت الصدغ الأيمن، وطارت من الصدغ الأيسر، دماغه يرشح؛ هكذا أخبرتني ~~الممرضة. # مهاجر 4 ~~: # الدكتور نجيب يعالجه. شفاه الله. # مهاجر 5 ~~: # كيف تريد أن يشفى! إذا كان الرصاص اخترق رأسه. # مهاجر 2 ~~: # أهذه أول عجيبة قام بها الدكتور نجيب؟ سترى كيف يشفيه، سترى ~~(شمدص يخرج) ~~. # مهاجر 7 ~~: # أي نسمة خير هذا الحكيم! أمس كفل 14 مواطنا من «حاصبيا»، حتى سمحوا لهم بالدخول ~~إلى «غرانبلا»، وهذا الصباح توسط لابن أنيس الحلبي فعينوه طبيب بلدية، مع أنه كان مرشح ~~لهذه الوظيفة 82 طبيبا من أهالي غرانبلا. ~~(يرجع شمدص، فيخطف المقتطف، ويقرأ.) # شمدص ~~: # نرجو أن تفيدونا إذا كان الأستاذ شمدص جهجاه - أي السنيور تشارلي جو - أنهى صحن ~~الحمص؟ # جواب المقتطف ~~: # صحن الحمص خلص، تفضلوا. ~~(أصوات: هاي، يحي شمدص، ثم يهجمون للداخل)، (راجي يبقى وحده يرتب ~~الكئوس، ثم يتطلع إلى الكراسي، ويصفر صفرة طويلة، كأنه متضايق من معشر كهذا، ويشرب كأسا. ~~فيما هو يمشي يعثر بكرسي، فيخاطب الكرسي، معاتبا: «وأنت أيضا يا بروتوس؟») ~~(تدخل هدى.) # راجي ~~: # أهلا وسهلا بخالتي هدى، أين سارة؟ # هدى ~~: # سارة التقت بصديقة لها، وهما يتكلمان خارج المنزل، ستكون هنا بعد قليل، أنا سبقتها، ~~أرجو أن تكتب لي مكتوب تعزية للبلاد. # راجي ~~: # مكتوب تعزية؟! أهون علي أن أموت من أن أكتب مكتوب تعزية، اسألي صهرك. # هدى ~~: # صهري يا ثرثار! من قال لك أني أزوجه ابنتي من ms088 غير أن أعرف دينه؟ لعله من الجماعة؟! إن ~~كان من غير ديننا، فأهون علي أن أمزق ابنتي من أن أزوجه إياها! # راجي ~~: # هنا يتزوجون زواجا مدنيا. # هدى ~~: # مدنيا؟ لعن الله المدنية إن كان الزواج يعقده كاتب عدل، كأنه كونتراتو رهن. # راجي ~~: # الزواج رهن يا ست هدى؟! الزواج بيع بات. هل سمعت ببني عذرة؟ # هدى ~~: # بني عذرة؟! من أي ضيعة هم؟ ما هو دينهم؟ قل لي ما هو دينكم؟ في أي كتاب يصلي ~~سليم؟ # راجي ~~: # كل حياته يصلي بكتاب «الأغاني»، وأظنه يعبد أبو الفرح الأصبهاني، ~~(صائحا للداخل) # يا سليم، يا سليم، خالتك هدى هنا ~~(يدخل وسيم بثوب بدوي. راجي يهرب متغنيا «ضاقت، ولما استحكمت ~~حلقاتها») ~~. # وسيم ~~: # مساء الخير يا خالتي هدى، أين سارة؟ # هدى ~~: # سارة تعلك مع صديقتها خارج المنزل، ستكون هنا بعد قليل. اعمل معروف؛ اكتب لي مكتوب ~~تعزية، واقرأ لي هذا المكتوب. ~~(وسيم يأخذ المكتوب من هدى، ~~ويقرأ) ~~. # وسيم ~~: ~~«جناب حضرة ست النساء، وزينة الأرض والسماء، خالتنا هدى - حفظها الله ...» # هدى ~~: # آمين. # وسيم ~~(متابعا) ~~: ~~«من بعد إهدائك السلام، نخبرك أن البارحة وقعت عركة بينا وبين بيت الحموي، فجرح ~~أبو مرعي.» # هدى ~~: # الله يبشرك بالخير. # وسيم ~~: # وقتل أخوه . # هدى ~~: # الحمد لله. # وسيم ~~: # ومنا قتل ابن خالك جميل، عوضنا الله بسلامتك. # هدى ~~: # يا أسفي عليك يا جميل! يا سبع الرجال يا جميل! # وسيم ~~: # من خصوص البوليصة 200 دولار وصلت، وحالا صار دفعها للأفوكاتو في بيروت، وإنشاء الله في ~~المكتوب القادم نخبرك أننا ربحنا الدعوى العتيقة على الجماعة. قال: إذا كنتم تريدون رصاص في ~~صدور بيت الحموي، لازم يجيكم بارود من أميركا، واليوم ورد علم أن وسيم الحموي ورفيقه ~~البيروتي موجودين عندكم في بلاد «جرانبلا»، وأسعد بك اشتغل في بيروت لإرسال علم ~~لحكومتكم، ففتشوا على هذا اللعين، والشبان هنا مستعدون للسفر، وأخذ الثأر إذا لزم الأمر، ~~إنما الأحسن إرجاعه لهنا محفوظا، حتى إذا نجا من الحكومة، فشباننا مستعدون لعمل اللازم، ~~وأم وسيم الآن نصف مجنونة، خرفانة، أكثر كلامها مثل كلام الأطفال، إنشاء ms089 الله ينشرح قلبها ~~بالزايد برؤية ابنها يتمرجح برقبته، قبل انتقالها إلى جهنم ... الباقي سلام، وكلام ... # هدى ~~: # أم وسيم الحموي، الحية الرقطاء، ابنها قاتل ابني، ابنها في جرانبلا؟! أين أنت يا ابن ~~اللعينة، لأخنقك بيدي؟ أين يدك التي احمرت بدم طعان؛ لأحزها عن جسمك يا ابن اللعينة؟ ~~سليم، سليم، فتش معي عن هذا اللئيم، وإذا وجدته أزوجك سارة، ولو كنت من الشمس. ~~(تدخل سارة في لباس بدوية، وسيم وسارة لا يسلمان على بعضهما، بل تشع ~~العيون، ثم تبتسم الشفاه، فتشتبك الأيدي)، (راجي يطل لابسا البرنيطة، حاملا العصا، ~~فيتنحنح.) # راجي ~~: # خالتي هدى، تعالي أكتب لك مكتوب التعزية، ~~(مقلدا ~~وسيم) # فإن الوحي يغشاني من جديد. ~~(يتأبط ذراعها، ~~ويحاول الخروج بها) ~~. # هدى ~~: # ليس من اللائق أن نتركهما هنا وحدهما. # وسيم ~~: # يا خالتي هدى، ألا ترينني بأثواب العرب؟ العرب لا يخونون، ائتمني هذا العربي، ولو على ~~ابنتك البدوية زينب ~~(راجي يسير بهدى متغنيا: «الخيل، والليل، ~~والبيداء تجهلني، السيف ...») ~~. # هدى ~~: # يا ربي! في أي زمان نحن! # سارة ~~: # سنة 1937 ~~(هدى وراجي ينصرفان، سارة تهم بضم وسيم، فيدفعها هذا ~~بلطف) ~~. # وسيم ~~: # لا، لا، أنت في مضافتي، اذكري وعدي لأمك. # سارة ~~: # ولكني زوجتك، أنسيت؟! # وسيم ~~: # كيف أنسى! ولكن العربي لا يحنث بالوعود. سارة، ما أجملك هذه الليلة! وكل ليلة وكل ~~نهار. # سارة ~~: # إذا لم تسكت عن مغازلتي صفعت خدك بشفتي. # وسيم ~~: # أريد أن أخبرك خبرا هاما. # سارة ~~: # ما هو؟ # وسيم ~~: # هو أني أحبك، وأعبدك، وأحيا لأجلك. # سارة ~~: # أليس لديك خبر جديد؟ # وسيم ~~: # بلى، هو أني أهواك. # سارة ~~: # وغيره؟ # وسيم ~~: # وأنك حبيبتي. # سارة، ووسيم ~~: # وعروستي، وقلبي، وروحي، ومالي. # سارة ~~: # سليم، كدت أن أخبر أمي بأمر زواجنا، فلماذا ... أمي تقول: ربما تكون أنت من «الجماعة»، ~~فما معنى «الجماعة»؟ كلمة على لسان أمي كل ساعة؛ إذا أتى مكتوب من البلاد فكله عن ~~«الجماعة»، كل النهار: «الله يقطع الجماعة». فمن هم الجماعة في البلاد؟ # وسيم ~~: ~~«الجماعة» في البلاد هم من ليسوا من حزبنا، أو ديننا، أو حينا، أو عائلتنا. لو لم ~~تأتي ms090 إلى «غرانبلا» طفلة لكنت تفهمين أي ديناميت في كلمة «الجماعة». # سارة ~~: # يعني في بلادنا الناس «جماعة وجماعة»؟ # وسيم ~~: # يا ليت! في بلادنا ألف جماعة وجماعة. # سارة ~~: # إنما أنا وأنت جماعة واحدة، آ، سليم؟ هل قرأت المكتوب لأمي؟ أراهن أنه فيه قتل. «وادي ~~الأرز» ضيعة تسكن أم هي ساحة قتال؟ # وسيم ~~: # هي جنة تسكن لو لم تكن ساحة قتال. لو لم تكن «جماعة وجماعة». # سارة ~~: # لماذا اخترت التنكر بثوب البدوي عقيل والبدوية زينب؟ # وسيم ~~: # أنت وأنا إذ نلبس ثياب العرب لسنا بمتنكرين. # سارة ~~: # صحيح؟ أرى العرب في السينما وفي الجرائد أضحوكة. # وسيم ~~: # أضحوكة سفلة صحافيي الغرب. النخوة، العرض، المروءة، النجدة؛ هل تجدين هذه الألفاظ إلا ~~في لغة العرب؟ # سارة ~~: # لا. # وسيم ~~: # أي سارة، إني إذ أسترد أثواب العرب أشعر برعشة فخر. # سارة ~~: # لماذا خلقك الله كتلة من عواطف، وما بالك كئيبا هذه الليلة؟ قل لي؛ من حقي أن ~~أعرف. # وسيم ~~: # أو. ليس بي شيء، تعالي نرقص. # سارة ~~: ~~«تعالي نرقص»! إذن فأنت كباقي أولاد العرب؛ زوجتك للهو وللبيت. إن إنكارك علي مصاعبك ~~ينطوي على احتقارك إياي، فكأني أتفه في عينيك من أن أشاركك بمصاعبك. قل لي ماذا جرى؟ إني ~~أشعر أن أمرا يقلقك، فما هي الحيرة التي تغمرك؟ سليم، ما أنت بالرجل الذي أعهده، لا تخف ~~عني شيئا، أهذا هو الحب الذي غمر قلبينا؟ أهو عاطفة وانفعال جنسي، أم هو تفاهم روحي؟ ~~لي الحق أن أفهم كل شيء. أرى علامة استفهام على وجهك، لماذا لا تضع رأسك على صدري، وتحدث ~~سارة عن همومك؟ # وسيم ~~(بعد تردد) ~~: # هذه الجرائد. # سارة ~~: # أفيها خبر مكدر عن ذويك؟ # وسيم ~~: # لا، ولكنها تسخر بي؛ كل جريدة تحمل أنباء العظائم؛ فهذا رجل اخترع مكنة، وآخر جاد ~~على الدنيا بكتاب، وغيره اكتشف أو اكتسح. هذه الجرائد تسخر بي، كلماتها تحملق بوجهي، متهكمة ~~تسألني: من أنت أيها النكرة، وما شأنك في الدنيا؟ أي عظيم أمر قمت به في الحياة، فننقل ~~خبره إلى الناس؟ أجيبها: لا شيء، لا شيء، أنا بياع، ms091 انظري ~~(يقع، ~~ويبكي) ~~. # سارة ~~: # لا تستسلم إلى الانفعال. # وسيم ~~: # وكنت أمر بها غير آبه، لو لم أكن ذقت طعم الظفر في فجر حياتي. سارة، إني عاهدت ~~الناس في مطلع العمر على الفوز، وها أنا أحنث بالعهد، أنا فاشل وخائن، خائن! رجعت إلى سخيف ~~الذكريات، بل من ليس له مستقبل تعلق بماضيه، إن مستقبلي مضى. رب! كم صرت أبغض ~~نفسي! # سارة ~~(تأخذه بيديها) ~~: # أي زوجي وحبيبي، قف، قف. ~~(يقف) # قف كمن يهم بالقتال، ~~(يفعل) # اصرف بأسنانك، وليلمع الغضب في عينيك، ~~(يفعل) # ضم قبضتيك بكل ما في جسدك من قوة، ~~(يفعل) # الآن قاتل؛ قاتل الدنيا، ولا تنطرح على الأرض كهزيم. ~~ليس العار أن تغلب، العار أن تهرب. أنت رجل، وككل رجل تفكر، وتصل إلى استنتاجاتك عن طريق ~~الفكرة. أنا امرأة، أشعر وأشعر فقط، شيء لا أراه، ولا ألمسه، ولكني أحسه وأشعره؛ إني أشعر ~~أنك ستكون عظيما. أي حبيبي، ستكون عظيما، ولا يهمني إن كنت اليوم مفلسا ومغلوبا. ~~البارحة حلمت حلما مريعا؛ رأيتك ممتطيا جوادا أبيض شأن الفاتحين، وفي يمينك علم خفاق، ~~وعيناك محدقتان بقمة الجبل، والحصان يتخطى بك السفح إلى القمة، وأنا أحوم حواليك، وفي يدي ~~قيثارة، أغني لك الأناشيد، وفجأة زل الجواد فرعبت، وحدقت، فإذا أنت بالوادي مهشم الجسم ~~دام، ولكن الجواد على حوافره الأربعة واقف، وأنت مسمر إلى صهوته، والعلم في يمينك ~~خفاق، وعيناك في القمة تحدقان؛ هكذا أريد أن أراك! # وسيم ~~: # وهكذا سأكون. # سارة ~~: # أتعد؟ # وسيم ~~: # وعدا عربيا. # سارة ~~: # ألا تقبلني الآن؟ # وسيم ~~: # أتريدينني حناثا بالوعود؟ # سارة ~~: # إذن لا تقبلني. # وسيم ~~: # أريد أن أحدثك بسر هائل كتمته عنك حتى اليوم. # سارة ~~: # ما هو؟ ~~(يرجع المهاجرون، وراجي في طليعتهم يتنحنح.) # راجي ~~: # سمعت سليم يقول: «أحب حتى الذبابة في فنجان قهوتك، والبراغيث في شعر هرتك، وأطرب لنباح ~~كلبكم.» # سارة ~~: # وسمعت سارة تقول: أحب حتى أخاك سلوم ينهق من عطشه، ويلبط من بطره. # شمدص ~~: # اقتراح يا إخوان، ما قولكم إذا رقص البدوي عقيل والبدوية زينب هنا، قبل الذهاب إلى ~~المأدبة؟! # أصوات ~~: # موافق، ms092 موافق، وسعوا الحلقة. ~~(سارة ووسيم يرقصان. الباقون: أو من صوته حلو يغني): # بين داري ودارك درب # توصل بابينا # في صدري وصدرك حب # يغمر قلبينا # نرمي مع ساري الريح # أحقاد أبوينا # وفي وجه الدنيا نصيح # من يقدر لينا # نهدم وراثة البغض # من عهد أجدادنا # ونحيا لبعضنا البعض # ونبني لأولادنا ~~(سارة تضع ذراعها على ذراع وسيم ويخرجان. أصوات: تحي البدو، تحي ~~العرب، لا ترجعوا إلا بالجائزة الأولى. هدى تأتي راكضة، فمها مملوء أكلا، وتصيح وهي تنهض ~~فسطانها: «لا تسبقوني، لا تسبقوني» إذ): ~~(ينزل الستار) # ثم يرتفع حالا فنرى # إننا في آخر الليل، وكل ما على المسرح مبعثر. راجي نائم يشخر. شمدص سكران، يخطب لجمهور ~~يظهر أنه بين السماء والأرض بكلمات نصف مفهومة. # شمدص ~~: # أين أولاد العرب؟ فلتحي أولاد العرب. فليسقط أولاد النور. فليحيا الزير أبو ليلى ~~المهلهل. فليسقط جساس. فليحيى العنب والتين والصبير. فليحي اللقطين. فلتحي ~~شواربكم. # راجي ~~(يأخذ بشمدص، ويخرجه صارخا) # وليحي شمدص ~~جهجاه. ~~(يدخل وسيم نصف سكران، وفي يده كأس فضي.) # وسيم ~~: # هاي مسيو سلوم. يا سنيور سلوم، انظر إلى هذه. هذه الجائزة الأولى بالرقص قدمها لنا ~~الحاكم بيده ~~(يرقص، ثم يقبله) ~~. كل عام وأنت بخير. أعاشك ~~الله إلى زمن تكنس به الأرض بلحيتك، أي سنيور سلوم ~~(يطوي ~~ذراعه) # جس هذا، فإنه لا يزال صلبا كسنديان لبنان. ضع يدك على هذا ~~(مشيرا إلى قلبه) # فهو لا يزال يدق دقة عسكرية. هاي سنيور ~~سلوم، ليتك سمعت خطابي إذ قدموا لنا هذه الجائزة. راجي لقد ظفرت بأمنية حياتي، فقد سمعت ~~التصفيق كالرعد. أتذكر قولك لي: أن طموحي هو سماعي التصفيق، ومستقبل التصفيق يتلاشى، ولكن ~~التصفيق يرجفك، قبل أن تتلاشى يا مغفل، ولذة الحياة هذه الرجفات. قلت لهم: ما هذه بأول مرة ~~غزت البداوة الحضارة، وما هي بأول مرة يهز علم العربان فتى من لبنان، قلت لهم ... ولكن هل ~~أعددت حقائبي يا أستاذ؟ # راجي ~~: # يا مجنون، أتسافر في هذه العاصفة؟ أتريد أن تأكلك الأسماك. # وسيم ~~: # السمك يأكلني؟! أنا آكل السمك. ~~(يصب في الكأس ms093 الفضي، ~~ويشرب) # ما أطيب كأس الفوز في ليلة العيد ~~(صفير بعيد ~~قوي) # علامة الخطر هاه؟! # راجي ~~: # ولكنه البحر يا مجنون، أتريد أن تغرق؟ # وسيم ~~: # إذا غرقت فجثتي تشطط برأس بيروت. لا تنس وصيتي، أحرق جثتي، وذر رمادها على تربة تلك ~~الشجرة التي زرعناها يوم تخرجنا. إنما ضع إعلانا كبيرا ~~(يهمس ~~بأذنه، ثم يضحك) # وألا تيبس الشجرة، أما أنت فعش، وامرح، ولا تنس أن تفتح صيدلية ~~في زاوية بيتك، إذ متى كبرت ستحتاج إلى أسبرين وحبوب الحياة للدكتور روس، وقطن، وقطرة ~~لعينيك ~~(يهمس بأذنه، ويضحك) # ستحتاج إلى ذلك أيضا. ~~(صفير) ~~. صفري. صفري أخبري الناس عن العاصفة، ولا ~~تخبريني. أنا الذي أكل العواصف مائة مرة. انظر إلى الأمواج تجن في هجومها على الشاطئ، ~~متدفقة كأنها رجال «سلطان»، حاملة على العدو - أيها البحر، أيها الجواد الصاخب المزمجر، ما ~~هذه بأول مرة أمتطيك وأنت جموح. كم مرة علوت ظهرك، وقد قوسته عاليا عاليا كجبل ~~«الباروك»! وفتحت شدقا عميقا كوادي «حمانا» فالعب، وامرح، وزمجر، وليملأ الجو زبد ~~أشداقك، ففارسك منع الله الخوف عن قلبه. فارسك البدوي عقيل، غير هيابك: # ملأنا البحر حتى ضاق عنا # وماء «البر» نملأه سفينا # عندينا. ~~(ينصرف بالحقيبة) ~~. # راجي ~~(بصمت وجوم، يأخذ القنينة فيكسرها، ثم يتدارك نفسه، فيمسح الخمر ~~بمنديله، ويعصره بفمه، ويرتمي على الكرسي، نابشا شعره صارخا) ~~: # كل عام وأنتم بخير. ~~(ينزل الستار) # المشهد الثاني ~~(بعد ثلاثة أيام. المكان نفسه. شمدص وفرج الله. شمدص كالمشدوه. فرج الله في نشوة الغراب، إذ ~~يمزق جيفة حصان نتنة). # شمدص ~~: # أوضح لي الأمر. أصحيح كل ما أسمع؟ ماذا جرى يا فرج الله؟! # فرج الله ~~: # الذي جرى أمر بسيط، أوضح من هذا الأنف الذي على وجهك. بعد أن خرج وسيم من بيت الحاكم، ~~جاء إلى هنا، واختطف حقيبته، وركب البابور والعاصفة في طورها السابع المخيف. بعد ست ساعات، ~~إذ أمعن البابور في البحر، نزلت «الفاجعة» ~~(يضحك) # فرقصت ~~الباخرة كأنها طابة فوتبول، وانقطع حبل دفتها، وطافت الأمواج على خزانات البخار، فانفجرت، ~~وتناثر ركابها ومنهم وسيم بين تلك ms094 الجبال المتلاطمة، حتى عثر وسيم على قطعة خشب، تمسك بها ~~58 ساعة في تلك الصحراء المائية، لا أكل، ولا شرب، ذاقوا بها أهوال الموت أحياء. كلاب البحر ~~اختطفت تسعة منهم، ~~(يضحك) # إلى أن مرت بهم دارعة أميركية، ~~فانتشلت بقيتهم، وصاحبك وسيم منهم. # شمدص ~~: # أهو في خطر؟ # فرج الله ~~: # كلنا دائما في خطر يا شمدص. أنت في خطر وأنا في خطر. إنما وسيم الآن أعمى، ~~(يضحك) # فقد بصره من وهج الشمس على البحر. # شمدص ~~: # وراجي؟ # فرج الله ~~: # راجي في السجن؛ لأنه شريك وسيم قاتل طعان الحمصي، وطعان هذا هو ابن هدى وأخو سارة، ~~وهدى شبه مجنونة، تريد الانتقام من قاتل ابنها، وتريد الانتقام من ابنتها، التي تزوجت وسيم ~~سرا، وراجي ووسيم سيرسلان تحت الحفظ إلى بيروت للمحاكمة. # شمدص ~~: # أكاد لا أصدق ما أسمع. هوليوود لم تصنع مثل هذا الفيلم، الذي نشاهده. # فرج الله ~~: # لنعجل بأخذ قائمة البضائع، فبعد قليل، سيأتون بوسيم إلى هذه الغرفة. # شمدص ~~: # ولكن أمن اللياقة أن تضع يدك على تجارتهم، وهي في هذه الحالة؟! # فرج الله ~~: ~~... وأنت أيضا يا شمدص؟ لماذا كل أولاد العرب يبغضونني؟ لأني نجحت حيث فشلوا؛ لأنهم ~~يحسدونني. الغني محسود، ولكن قل لي من يحتاج الآخر ، أنا أم هم؟ يستدينون مني، أنا لا ~~أستدين. حينما يعطشون إلى المال ينادون فرج الله، وحينما يأتي موعد الدفع يشتمون فرج ~~الله. # شمدص ~~: # ولكن حالة هذين الشابين تستدعي الشفقة، والله أنعم عليك. # فرج الله ~~: # الله أنعم علي، فسأحاسب الله، وليس غيره. # شمدص ~~: # فرج الله تبصر بالأمور. شابان غريبان: أحدهما أعمى كسيح، خلص من الموت غرقا بنصف ~~روحه، والثاني سجين. ألا ترى من المروءة أن توقف الحجز، حتى تستقيم أمورهم؟ # فرج الله ~~: # من المروءة أن أحمي حقوق فرج الله أولا، وثانيا، وأخيرا. كل ما في هذه الغرفة وهذا ~~المحل هو ملكي، أفهمت؟ وأنت من أرسلك؟ # شمدص ~~: # أرسلني الدكتور نجيب. # فرج الله ~~: # لماذا لا ينصرف الدكتور نجيب إلى الطب، ويترك الناس في أمورهم. # شمدص ~~: # فرج؟! بعض من يكبرون اللقمة يختنقون. # فرج ms095 الله ~~: # طيب، إنما في يدي أمر، يفوضني بالاستيلاء على كل ما في هذا المكان، وسأستولي على كل ~~ما في هذا المكان. # شمدص ~~: # فرج! من أخبر البوليس عن وسيم وراجي؟ # فرج الله ~~: # لعلكم تتهمونني؟! وصل لمدير البوليس مكتوب مغفل الإمضاء. هل وجدوا توقيعي عليه؟ ~~(يضحك) ~~. # شمدص ~~: # مؤكد لا! # فرج الله ~~: # هل الخط خطي؟ ~~(يضحك) ~~. # شمدص ~~: # طبعا لا، وأراهن أنك كتبته، وعلى يديك قفازان. # فرج الله ~~: # أنا قلت لوسيم الحموي: اقتل ابن هدى الحمصي في «وادي الأرز»، ثم هاجر إلى غرانبلا، ~~وتزوج ابنتها سرا، ثم اسكر ليلة رأس السنة، وسافر في البحر والعاصفة تشتد؟ أنا رجوته أن ~~يستدين المال مني، ويمثل أدوار حاتم طيء، والسموأل، وهارون الرشيد في هذه البلاد؟ شمدص! لا ~~تتكلم كالأغبياء، فأنا أعلم أنك شاطر. فلنبدأ بالتفتيش. ~~(يفتح المكتبة، ويأخذ شهادتين.) # شهادة مدرسية، وشهادة مدرسية. تعجبني هذه الشهادات، فهي ماركات غباوة، وقعها حمار ~~كبير، يشهد أن حاملها جحش صغير، يصلح مطية للأذكياء. هل دخلت مدرسة يا شمدص؟ # شمدص ~~: # لا، ولكني تتلمذت على الكثيرين من أمثالك، وتعلمت أمثلة مجانية ثمينة. # فرج الله ~~: # أرخص الأمور أثمنها. الابتسامة لا تكلف شيئا فالبسها، وكلمات الإطراء مجانية، فاغمر ~~بها قلب عدوك، واليمين فاقسم بها مغلظا ، واذكر أن جمهور الناس أغبياء. متى أردت الإيقاع ~~بشخص لا تعبس بوجهه، بل صادقه. فأهون أن تصطاد الذباب بالعسل من أن تصطادها بالخل. كن ~~كالخمرة وديعة في كأسها، تغوي العين، حتى تتسرق إلى الفم، فإذا انزلقت إلى الكبد نهشتها. ~~المهم أن تربح المعركة، ولن تجد من يسألك: كيف ربحتها، واعلم، أنه ليس في الدنيا ~~صديق. # شمدص ~~: # أنا ليس لي في الدنيا إلا صديق واحد. # فرج الله ~~: # من هو؟ # شمدص ~~: # الزير أبو ليلى المهلهل. # فرج الله ~~: # أنت رجل حاذق لم تطل المدرسة أذنيه. لا حاجة إلى تقويم البضائع. سآخذها كلها، وأترك ~~للأستاذين كل الشهادات المدرسية، ولكن هذا الصندوق لا أريد نقله مقفلا، مخافة أن يدعوا ~~أن كان فيه الملايين، فقل للدكتور نجيب: أني أريد المفتاح. # شمدص ~~: # الدكتور نجيب في الغرفة ms096 الثانية، يداوي وسيم. اسأله أنت عن المفتاح. # فرج الله ~~: # أنت مندوبه، فاسأله أنت. ~~(شمدص يخرج، ويرجع بالدكتور نجيب ~~لابسا سترة الأطباء، بينما فرج الله يقلب أوراق وسيم، ويضحك) ~~. # الدكتور نجيب ~~(إلى شمدص) ~~: # اذهب إلى السجن، ~~(مشيرا إلى النافذة) # هو قريب منا ~~جدا. لقد سألت مدير السجن أن يطلق راجي ساعة بكفالتي، فإن لم يكن قد فعل بعد، فعجله. ~~(شمدص ينصرف، إلى فرج الله) # أيها الضبع، المعسعس ~~في خراب هذا البيت، لا تحرج الدكتور نجيب أن يستعمل نفوذه ضدك. في حياتي كلها ما حالفت ~~مواطنا ضد مواطن. لا تجعلني أبدأ بك. # فرج الله ~~: # ولكن حقوقي. حقوقي. أريد أن أفتح الصندوق. # الدكتور ~~: # سآتيك بمن يفتحه، ولكنك إذا مضيت في قساوة، تعسفك سببت طردك من هذه البلاد، حتى لا ~~تستطيع رؤيتها إلا بمنظار. بعض الأمور في هذه الدنيا لا تشتريها الملايين. ~~(تدخل سارة في لباس النوم.) # سارة ~~: # بدأ يتحرك. # الدكتور ~~: # طيب. متى استفاق، أذهب إليه. ~~(بشدة) # وأنت قلت ~~لك: انصرفي إلى فراشك. كفاك سهرا، وتعبا. # سارة ~~: # مورفين الدنيا كلها لا ينيمني ووسيم في هذه الحالة. ~~(تبكي، ~~فيراضيها الدكتور نجيب، ويصرفها قائلا) ~~: ما عليه شر. قلت لك: ليس عليه خطر. ~~(يرجع شمدص وراجي. هذا في لباس السجن، وعلى ظهره وصدره نمرة ~~113) ~~. # الدكتور ~~: # هل معك مفتاح الصندوق يا سليم - راجي؟ # راجي ~~: # ها هو يا دكتور. # الدكتور ~~: # افتحه. # راجي ~~(لفرج الله) ~~: # ذاب الثلج، وبانت الأوساخ. سأفتحه، ولكنك يا فرج الله، لماذا لم تحجز على هذا السوط ~~أيضا، ~~(يتناول الكرباج من الحائط) # انظر إليه. هذا ملكك ~~أيضا، يا من اشترى ائتماننا بعملة مزيفة. أما الصندوق، ~~(يفتحه) # فهو خال من المال، خلو نفسك من كل مروءة. # فرج الله ~~: # يا راجي، أنا لا أريد إلا خيركم. إذا لم أحجز أنا حجز البنك ... بشرفي. # راجي ~~: ~~(مع كل كلمة ضربة سوط) # بديني، برحمة أمي، بعرض أختي ~~نبيهة، وحياة الخبز والملح الذي بيننا. # الدكتور ~~(يفصل بينهما) ~~: ~~، اجمد. إرم الكرباج ~~(راجي يفعل) ~~. # راجي ~~: # أيها الممثل العبقري، أهنئك بنجاح دورك. إن أمهر ممثلي العالم ms097 لم يسرحوا على مسرح، بل ~~هم بيننا في كل يوم، يمثلون أدوارهم. # فرج الله ~~: # هذه بلاد تمدن وقوانين. ما نحن في «وادي القرن». لن تضربني وتنجو من الحكومة يا مفلس، ~~يا محتال. يا قاتل. سأريك. سأريك ~~(ينصرف) ~~. # الدكتور ~~(لراجي) ~~: # أنت أحمق ومجنون. # شمدص ~~(يتناول الكرباج، ثم يقول لراجي على حدة وهو ينظف الكرباج) ~~: # وسخت الكرباج. # الدكتور ~~: # أفسحوا مكانا هنا لكرسي وسيم. ~~(الدكتور يساعدهم على الترتيب، ~~ثم يذهب إلى الغرفة الملاصقة، فيأتي بكرسي. ذات دولابين، يجر وسيم عليها، وسيم يصرخ ~~متألما. العصائب تشد رأسه، ورجليه، ويده اليسرى) ~~. # وسيم ~~: # الله. الله. آخ. آخ. يا الله. # الدكتور ~~(بينما يشعل بابور سبيرتو؛ ليطهر الحقنة) ~~: # صبرك وسيم. سأعطيك حقنة مورفين، تقتل الألم. # وسيم ~~: # اقتل الألم. آه. ربي، إن جسمي يلتهب، كأني أسبح في بحيرة من النار. # راجي ~~: # صبرك وسيم. إن الألم سيضمحل. # وسيم ~~: # أنت هنا يا راجي؟ يدك وعفوك. عفوك عن هوة سحبتك إليها. كنت نبيلا في أخوتك. تناس ~~حماقتي. # راجي ~~: # ستمضي هذه المصاعب، ويأتي يوم نتذكرها، ونضحك. # وسيم ~~: # أحس أن جيوش الفناء تسير في دمي. انطفأ النور من عيني. صرت أعمى يا راجي، وأحس أن ~~روحي تتراقص لتنطفئ. لا تدعهم يدفنونني هنا يا راجي. لا تسكني مقبرة الأغراب. أيضطجع ~~أربعة عشر جيل في قريتي، وأدفن في مدافن الأغراب؟ أريد أن يواكبني إلى القبر ألف شجاع، ~~ويحر وجهي تلويح ألف منديل. أريد أن أسمع الندب في مأتمي. راجي، إن لم تقو على إرسال ~~جثتي إلى هناك، فلتحرق الجثة والرماد فليذر على تربة تلك الشجرة، التي زرعناها يوم ~~ودعنا المدرسة، أتذكرها يا راجي؟ ما أقبح هذه الخاتمة يا راجي. انظر إن الستار يكاد ينزل، ~~والجمهور يصفر، وابتسامة التشفي على شفاه اللئام. ما هذه الحكاية المشوشة، التي مثلتها ~~على مسرح الأيام، كأن كل شيء فاتنا حين ارتفع الستار، وكانت النظارة مصغية، معجبة، فلماذا ~~هم الآن يصفرون؟ آه ~~(يضرب بقبضته على مستند كرسيه) ~~. ما ~~هكذا كانت تنتهي رواياتك يا وسيم الحموي. سارة، سارة، أين أنت؟ ~~(سارة تبكي في ms098 صمت، ولا تجيب) ~~. راجي، لا تقل لهم أني مت هكذا، قل لهم قتله ~~العبيد، غرق أو انتحر، ولكن لا تقل لهم أني فنيت هكذا، كقشرة بطيخ تهرأت. # راجي ~~: # سارة نائمة. # الدكتور ~~: # الآن وقت المورفين. هذه آخر حقنة. بعد اليوم يخف الألم، ~~(يجس ~~ساقه) # وفي أقل من شهرين تستطيع المشي، فخفف من هذه الثرثرة عن الموت، وعن دفن ~~الجثة. ~~(بصوت عال) # سارة، يا سارة. ~~(سارة تنسحب من المسرح، ثم تنادي من بعيد «نعم يا حكيم».) # تعالي ساعديني ~~(راجي واقف واجم) ~~. # وسيم ~~: # أصحيح ما تحدثني يا دكتور؟ أم هو حديث الأطباء لمرضاهم الميتين. آه. آخ. ~~الله. # سارة ~~(تقبله، وتمسد شعره) ~~: # ما عليك شر بإذن الله. # وسيم ~~: # سارة لماذا أنت هنا؟ يجب أن تكوني قريبة من أمك. عفوك يا سارة، لقد خدعتك. كنت ~~غشاشا حين تزوجتك، متخفيا باسم زائف، ولكني لم أقصد شرا. كنت متفائلا أحسب الأمور ~~تصلح نفسها في آخر الأمر. إن كنت أتألم من العمى؛ فلأني لن أرى وجهك يا سارة. # الدكتور ~~(يحقنه) ~~: # ستشعر أولا بانقطاع الآلام، ثم بتخدير حتى تنام. # وسيم ~~: # كوني بقرب أمك، فهي بحاجة إلى العزاء. # سارة ~~: # سأكون بقربك وحدك. أحببتك سليما، وسأحبك وسيما، وكيف كنت، وبأي اسم دعوت نفسك، ~~وأجابه الدنيا إلى جانبك. # الدكتور ~~: # كيف تشعر الآن؟ # وسيم ~~: # زالت الآلام. شكرا لك. آه! ما ألذ التفلت من الآلام. # الدكتور ~~(بلهجة فرحة) ~~: # إذن، فأنت وسيم الحموي. # وسيم ~~: # أنا حطامه! # الدكتور ~~: # أتدري أني صديق لأهلك؟ # وسيم ~~: # أدري، وأمي كانت كثيرة التحدث عنك. # الدكتور ~~(يلتقط الشهادة) ~~: # وهذه الشهادة؟ جميلة هذه الشهادة. أظن أن بين أوراقي واحدة مثلها. # وسيم ~~: # حسبتها مدرجة لعرش، فإذا هي مزلقة لهاوية. # الدكتور ~~: # ربما لا أوافقك على هذا الرأي. الشهادة كسلم، في وسعك أن تستعمله للصعود، أو ~~للنزول. # وسيم ~~: # وأنا أسأت استعماله. # الدكتور ~~: # وهذا ما لا أوافقك عليه. كم عمرك؟ # وسيم ~~: # 31. # الدكتور ~~: # أمامك تسع سنوات حتى تتخرج من جامعة الحياة، وتعرف كيف تستعمل السلم. # وسيم ~~: # دكتور ما أنا بجبان. أريد أن أعرف الحقيقة، هل أنجو من هذه ms099 الحالة؟ # الدكتور ~~: # طبعا تنجو. # وسيم ~~: # أليس كلامك تطمينا؟ # الدكتور ~~: # لا. أنا لا أؤمن بالخداع، ولا أستعمله. كن على ثقة أنك ستشفى - بإذن الله. # وسيم ~~: # وهذا العمى. # الدكتور ~~: # كفاف موقت. إن أعصاب عينيك كشريط كهرباء، انفصل عن مولد القوة. الكهرباء موجودة. الشريط ~~موجود، ولا ينقص إلا أن تمس الكهرباء الشريط حتى يظهر النور. # وسيم ~~: # وكيف يمس؟ # الدكتور ~~: # ارتجاج عنيف. مفاجأة. خوف. انفعال. هزة أرضية. رؤية أمك. حزن مفاجئ. فرح مفاجئ. حينئذ ~~تستعيد بصرك. إنما يلزمك اليقين. اليقين أني لا أخدعك. # وسيم ~~: # أنا موقن بك. # الدكتور ~~: # ولا أعتقد أنك ستجد في «بيروت» صعوبة في إظهار براءتك. إن تقرير الحادثة كتبته بيدي، ~~وفيه برهان الدفاع عن النفس. # وسيم ~~: # وهل سنرجع إلى البلاد؟ # الدكتور ~~: # هذا أمر المدعي العام. # سارة ~~: # ولكن سأكون معك يا وسيم. # راجي ~~: # وأنا كذلك. # الدكتور ~~: # ويكون قلبي معكم. # راجي ~~: # ألن ترجع إلى البلاد يا دكتور؟ # الدكتور ~~(يهز رأسه متحمسا، ثم يغير الموضوع) ~~: # أنت أديب، روائي يا وسيم. # وسيم ~~: # كل أهل بلادنا أدباء. روائي؟ لقب أقرب إلى الهزء والسخرية منه إلى المديح. # الدكتور ~~: # ولماذا؟ # وسيم ~~: # لأني أنا شبح ذلك الروائي. # الدكتور ~~: # لماذا أنت متشائم؟ # وسيم ~~: # ولماذا لا أكون متشائما؟ أطللت في فجر العمر على جنة، حسبت أني سأخلد بها، وها أنا ~~اليوم في جهنم هذه الحياة - خامل الذكر، مجرم، أعمى، كسيح. إن مرارة هذا الفشل تزداد إذ ~~أذكر حلاوة ذلك الفوز في صباح حياتي. # الدكتور ~~: # فوز بماذا؟ # وسيم ~~: # فوز أدبي - روايات، مقالات. # الدكتور ~~: # ولماذا لا تكتب؟ # وسيم ~~: # أشغال، اضطراب بال ... # الدكتور ~~: # أتعرف لماذا لا تكتب؟ # وسيم ~~: # قلت أني ... # الدكتور ~~: # إنك لا تكتب؛ لأنك كسول أولا؛ ولأنك جبان، وتخاف الفشل بمحاولات جديدة؛ ولأنك قنوع ~~تجتر ماضيك، ولا تخلق مستقبلك. # وسيم ~~: # في رأسي مواد ... # الدكتور ~~: # في رأسك لا شيء حتى تنتجه. # وسيم ~~: # سأنتجه. # الدكتور ~~: # برافو أريدك منتجا لا متبجحا. كن مقاتلا إذا خسرت يمناك، فقاتل بيسراك، واترك ~~التأوه والتحسر على الماضي، تلك العادة الذميمة التي تشل ثلاثة أرباع قوى مواطنينا. ~~ها أنا أقترح عليك ms100 موضوعا، فأعمل فيه قريحتك. اكتب لي رثائي. هل تكتب لي رثائي؟ # وسيم ~~: # سيرة حياتك يا حكيم؟ ... لا تحتاج إلى من يكتبها، بل إلى من ينسخها. فكل يوم فصل مجيد، ~~وكل ساعة سطر خالد. لقد كتبتها أنت، وهي رائعة في يد أي نساخ. # الدكتور ~~: # اذكر الوصية الحادية عشرة ... قل لي: ماذا تقول في الدكتور نجيب؟ «مات النطاسي»؟ «جبل ~~هوى؟» «يا أسى المرضى؟» كيف ترثيني؟ # وسيم ~~(ابتدأ يغمض عينيه من فعل المورفين) ~~: # إذا قدرت لي الحياة. فسأرثيك كما لم يرث حامل قلم حامل مبضع. ~~(ينام) ~~. # الدكتور ~~: # نام. إذا نسي الرثاء فذكريه يا سارة. راجي ارجع إلى السجن. # راجي ~~: # أصحيح كل ما قلت لوسيم؟ هل سيشفى من كل شيء، حتى العمى؟ # الدكتور ~~: # بالطبع صحيح. نزيف الدم أضعفه كثيرا. # راجي ~~: # إذا لزم نقل دم، فأنا مستعد. # الدكتور نجيب ~~: # هذا منتظر منك. بطريقك إلى السجن مر بالمستشفى، وليفحصوا دمك. ربما نحتاج إلى نقل دم ~~(راجي ينصرف، تدخل هدى. يدها اليمنى قابضة على سكين بين طيات ~~فسطانها) ~~. # هدى ~~: # إذن، فأنت هنا يا زانية. ليتني ولدت عقربا، ولم ألدك يا خائنة. تضاجعين قاتل أخيك. ~~هنيئا لكما الزواج، وهذه هدية العرس مني ~~(تهجم والسكين بيدها على ~~وسيم النائم، وسارة التي تلاعب شعر رأسه، فيردها الدكتور نجيب، ويقول لسارة:) ~~«روحي إلى الغرفة الثانية». ~~(فتنصرف) ~~. # الدكتور نجيب ~~: # هدى. كلك عقل وحكمة. لا تحاولي فعل الجهلة. هدئي روعك. # هدى ~~: # كيف أهدئ روعي، وأنا أمتع نظري برؤية هذا الخنزير. ليت لي قوة الضواري، فأمزقه ~~قطعا. أنظرت كيف الله أعماه، وكسر رجله؟! وسينزل به بعد هذا البرص، والإكزيما، والبله، ~~والنقرس، والعصبي، والتيفوس، والتيفوئيد، والشلل، وذات الرئة، والطرش، والخرس، والقرع، ~~والجدري، والسرطان. # الدكتور نجيب ~~: # اتركي لله أمر تدبيره، واذكري أنه زوج ابنتك. أنت وأنا لن نعيش على هذه الأرض طويلا، ~~فاعفي عنه، وليكن لك ابنا، هكذا قال الله في كتابه، لا تتركي في هذه الحياة حقدا ولا ~~ثأرا. اعفي عنه، وسيم لم يقتل «طعان». نحن قتلنا ابنك. اقرأي هذه الجرائد، وانظري كم ~~تقتل الأحقاد ms101 من أبناء الأمهات في بلادنا. # هدى ~~: # أنا ابنة الحمصي. أنا الثكلى، وهذا قاتل ابني، وسارق ابنتي. مالك تتكلم عن العفو؟ من ~~تحسبني أنا. مبشر أميركاني؟ الدم بالدم. تلك كانت شريعتنا يوم كان الرجال رجالا. # الدكتور نجيب ~~: # اسمعي هدى، لقد عانيت مرارة الموت مائة مرة، حتى ولدت هذه الفتاة، فواجهي قساوة الحياة ~~مرة واحدة؛ لتفسحي لها مجال الحياة، ابنتك صبية. أمامها عمر، وهي زوجة هذا الفتى وحبيبته، ~~لماذا تريدين أن تقيمي القيامة على جناية، أنا أعرف أن هذا الفتى ليس بمقترفها؟ لماذا ~~تريدين تشويش الحياة على هذين ال ... # هدى ~~: # إذن، فأنا حجر العثرة هاه؟! أنا الجيفة النتنة في هذه المأدبة الشيقة؟! هاه؟ يا عتبي ~~عليك يا دكتور نجيب، تقضي عمرك تعمل الصالحات، وتريد في آخر هذه المرحلة تلويث يديك بالدفاع ~~عن هذا المجرم، وتبرير زواجه من تلك الحية. أتعرف أن مثل هذا الزواج هو زنا. أتعرف ما دين ~~هذا الخبيث؟ # الدكتور ~~: # لا. ما هو دينه؟ ~~(هدى تقترب من الدكتور، وتهمس بأذنه، وتنفعل.) # صحيح؟! هذا دينه؟! يا لطيف ~~(يتأمل متفكرا) # تعالي ~~نقتله. # هدى ~~: # برافو عليك يا دكتور، هكذا تنطق الرجال. أعطني السكين؛ لأحز هذا العنق. أين أنت ~~يا لعينة، فتريني أنحر ابنك. أطلي يا امرأة مجيد الحموي. # الدكتور ~~(همسا) ~~: # أووس. على مهلك. قد يرانا الناس ~~(يهم بإعطائها ~~السكين) ~~، إذا قتلناه بالسكين يفتضح أمرنا. تعالي، نسمم له، فلا يكتشف أمرنا. ~~(يفتح حقيبته) # خذي هذا الدواء. سم زعاف، نشقة منه ~~تقتل حالا. ~~(تأخذ القنينة، وتحاول فتحها، فيصيح بها ~~الدكتور) # ويحك! افتحيها تحت أنفه، إذ لو طار منها عطسة تقتلك. ~~(تتمهل هدى بالمشي نحو وسيم، وتصيح) ~~. # هدى ~~: ~~«يا لثأراتك يا طعان»، ليت لبيت الحمصي أنف واحد أملأه بهذا السم. خذها من يد بنت ~~الحمصي يا ابن الحية. ~~(ثم تفتح القنينة تحت أنف وسيم، مدبرة ~~عينيها إلى الناحية الثانية) ~~. # الدكتور ~~: # أقفليها حالا. أقفليها. ~~(هدى تسد القنينة، وتعطيها إلى ~~الدكتور، فيسرع هذا، ويضعها في حقيبته، ويقفل الحقيبة، ويمشي نحو وسيم، ويجس ~~نبضه) # هدى، مات. سلمت يداك. # هدى ms102 ~~(ينزل بها الرعب والندم) ~~: # مات. مات. مات. ربي، ماذا فعلت؟! وسيم ولدي لا تمت. بربك يا دكتور. أعطه دواء يرد إليه ~~الحياة من جديد. ربي. # الدكتور ~~(همسا) ~~: # أوووس. لا تفضحينا. قلت لك: مات. مات. مات. مات. كيف تريدين أن يعيش مرة ثانية. # هدى ~~: # وسيم ابني، ولدي، حبيبي، لماذا قتلتك. عش مرة ثانية، وكن لي ولدا، والله يبارك زواجك ~~بسارة، وأنت في حل من دم طعان. أحيه يا دكتور. كيف تركتني أفعل هذه الفعلة يا حكيم؟ ~~أمستحيل إحياؤه؟ # الدكتور ~~: # مستحيل. لا تفضحينا. # هدى ~~: # إذن، فأعطني زجاجة السم، أريد أن أنشقها، وأموت أنا أيضا. هاتها. هاتها. قلت ~~لك. ~~(يفتح الحقيبة، ويعطيها القنينة مترددا، هدى تأخذ القنينة.) # ماذا أجيب الله إذا سألني: لماذا قتلت روحا يا هدى؟! بخاطرك يا دكتور. ~~(تفتح القنينة، وتنشق، وتنشق) # بخاطرك، إني أموت ~~(تنشق، وتنشق، ثم تنشق، ثم تتطلع بالدكتور، وتصيح) ~~: هذا ليس ~~بسم، ~~(الدكتور يقهقه ضاحكا. سارة تطل) # إذن، أنت كنت ~~تضحك مني، وسيم حي. حي. حي. شكرا لله. ما أعذب العفو! وما أمر الانتقام! سارة، ~~ضمي زوجك. ضحكت مني يا دكتور! ~~(سارة تضم وسيم، هدى تروح ~~مصفقة، مغنية، والدكتور يقهقه، ويمسح عويناته إذ ...) ~~(ينزل الستار) # | الفصل الثالث # (نفس المكان في الفصل الأول، إنما ترى أن «العلية» قد شاخت، وترهلت، وفارقتها تلك القوة ~~المعنوية؛ فالشمعدان مقلوب، والكوارة فارقتها سدتها، أم وسيم هرمت، وثقل سمعها، وابيض شعرها، ~~وتقوس ظهرها، وتراخت كلماتها، زليخة لا تزال زليخة، إنما الآن يظهر أنها في أزمة جوع. على ~~العامود منبه من الساعات، التي تدق دقات متقطعة، ربما كرة كل نصف دقيقة. أم وسيم تغني): # ربي لماذا بني # غيبته عن دياره # أعياني حمل سني # ومهجتي في غماره # هلا رجعت لأم # دنياها أنت هلا رجعت؟! # فارقت وهي لهم # استسلمت لم هجرت؟! # مهلا ملاك المنون # لا تعجلن علي # فقبل غمض جفوني # أريد ضم بني ~~(الساعة ترن. فتنهض إليها أم وسيم، كأنها تبغي قتالها.) # أم وسيم ~~: # اخرسي. اخرسي أيتها الساعة، فأنا أعلم من دون أن أسمع ثرثرتك أن ms103 الشمس أهوت إلى المغيب. ~~ليت شمس حياتي غابت يوم غاب وسيم، وسيم؟! أين أنت يا بني؟ أفي عافية أنت وهناء؟ في أي بلاد ~~من بلاد الدنيا مقرك؟ ما أقفر هذا البيت من بعدك! كان آهلا بشخصك يا ملاك أمك، فصار أوحش ~~من كهف مهجور. عشر سنين، وليس منك كلمة تطمنها عنك. بيت الحمصي! يخاف أن يكتب، فيعرفوا من ~~مكتوبه مقره. بيت الحمصي أفاعي «وادي الأرز» هم. هذا مغيب الشمس، الذي كان يسحرك مرآه، ~~وهذه قهوتك ~~(ترفع الغلاية) ~~، ودواتك، وأوراقك ~~(ترفعها أيضا، وتقبلها) # فهلم سطر فيها خواطرك. ارجع إلى ~~أمك، فأنا أقاتل الموت من أجلك، فإني أريد أن أحيا لأراك، ولكن الموت سيغلبني قبل رجوعك ~~(تبكي، كأنما هو يخاطبها) ~~. «فنجان قهوة آخر؟» ~~(مخاطبة السطيحة) # ادخل يا وسيم، ~~(تبكي ~~حتى تكاد أن تقع، ثم تزحف إلى كوة في الحائط، فتأخذ منها كتابا قد يكون الإنجيل أو القرآن، ~~أو كتاب الحكمة، أو أي كتاب آخر من كتب الله، وتصلي منتحبة راكعة) ~~. # زليخة ~~: # يا ستي أم وسيم. # أم وسيم ~~: # أيتبعني نهيقك إلى القبر؟ ماذا تريدين؟ # زليخة ~~: # أنا جائعة. # أم وسيم ~~: # إن الله خلقك بطنا خاويا. لماذا تجوعين؟ ~~(يدخل ظطام جريح ~~الرأس، تلفه العصائب) # أنا لست بجائعة. # ظطام ~~: # مساء الخير يا خالتي أم وثيم ~~(لا تسمعه ولا ~~تراه) ~~. # زليخة ~~: # صار لنا يومين بدون خبز. إن مصاريني في فمي ~~(يخرج ظطام كمن ~~دبر خطة) ~~. # أم وسيم ~~: # ليت مصارينك كانت مشدودة حول عنقك. أطبقي مطحنة فمك. أتريدين أن يسمعك بيت الحمصي، ~~فيشمتوا بنا، ويقولوا: بيت الحموي جياع؟ ~~(زليخة تلتقط فجلة، وتطحنها ~~بأسنانها، صوت فونغراف «يا ليل، يا ليل» من بعيد) ~~. # فونغراف الجماعة. ~~(صوت قهقهة) # ضحك، وغناء في بيت ~~الأنجاس! جعل الله أعراسكم مآتم يا خنافس الأرض. # زليخة ~~: # ابن الحمصي رجع من أميركا ومعه مال كثير. # أم وسيم ~~: # سبحانه في ملكه! يجود برزقه على أسقط خلقه. # زليخة ~~: # حظهم كبير. حتى نساؤهم لا تلد إلا صبيان. اليوم خلق لملحم عباس صبي. # أم وسيم ~~: # خلق لنا عدو! ~~(يدخل ظطام وفي ms104 يده رغيفان.) # ظطام ~~: # خالتي أم وثيم، أمي بعثت لك هذا؛ لتذوقي خبذنا. # أم وسيم ~~: # رد الخبز إلى أمك يا ابني. عندنا من فضل الله خير كثير. # ظطام ~~: # ولكنه خبذ ثخن، أحبت أمي أن تذوقيه. ~~(أم وسيم تجيب بدمدمة حنقى.) # زليخة ~~: # أنا أذوقه. ~~(ظطام يعطي رغيفا إلى أم وسيم، فتضعه هذه في ~~الخزانة، ويعطي زليخة الرغيف الثاني، فتبدأ هذه بنهشه) # من يومين ما أكلت. ~~(صوت فونوغراف: يا ليل يا ليل) ~~. # ظطام ~~(متطلعا إلى ناحية مصدر الصوت) ~~: # بيت الحمثي أثحاب كيف، صاروا ~~(مغنيا من النافذة: «يا ليل، ~~يا ليل، الله يلعن ليلكم بعزا نهاركم.» يأخذ من حول وسطه مقلاعه، وينتزع من جيبه حجرا، ~~ويضرب به إلى ناحية بيت الحمصي) ~~. # أم وسيم ~~: # اعقل ولا، لا تحرك عش الدبابير. # ظطام ~~: # عش النمل أدوثه بقدمي. قولي لي: أكان خالي وثيم يحبني؟ # أم وسيم ~~: # خالك وسيم يحب كل الناس. كان عمرك سنة يوم الحادثة. # ظطام ~~(يسحب سكينه من وسطه، ويسنه على حذائه) ~~: # آخ، لو خالي أبو مرعي يشتري لي بارودة موذر، في المدرثة نفخة مني ترعب أولادهم، كأنما ~~أمهاتهم ثقتهم زيت خروع. لعنكم الله يا بيت الحمثي ~~(يبصق) ~~. # أم وسيم ~~: # لعنكم الله في كل شريعة، وفي كل كتاب، لعنة أرددها حتى الموت، بل إني أنهض من قبري، ~~وأصيح: لعن الله بيت الحمصي. ~~(تأخذ غلاية القهوة الفارغة، وتصب ~~منها، وترسل نظرة بلهاء إلى الخارج) ~~. # ظطام ~~(يخطف الرغيف من زليخة) ~~: # اثمعي ثنمثل رواية في المدرثة. من بطلها؟ بطلها ~~(مشيرا إلى ~~نفسه) # ظطام فهد الحموي. # زليخة ~~: # أعطني الرغيف. أعطني الرغيف. # ظطام ~~: # اثمعيلي دوري «أنا ثمث على هذي البرايا.» ~~(يدخل الآغا بثياب، كأنها ثياب متسول. رأسه يهز، ويداه ترجفان.) ~~(يرجع الرغيف إلى زليخة): # مثاء الخير يا ثيدنا ~~الآغا. # الآغا ~~: # مساء الخير يا ابني. كيف جرح رأسك؟ ضربك ابن الحمصي؟ # ظطام ~~: # ضربني ابن الحمثي؟! جرحي قطبه الحكيم ثبع قطب. جرح ابن الحمثي 12. من يكون الضارب أنا ~~ظطام أم ابن الحمثي؟ # الآغا ~~(يقترب من أم وسيم الساهية، ويتنحنح) ~~: # يا أم وسيم، ~~(رافعا ms105 صوته) # يا أم وسيم. # أم وسيم ~~: # وسيم، ولدي. ادخل إلى البيت. قد يضرك ندى المساء ~~(ضاحكة) ~~، بعد مقطع من قصيدة؟ صفحة من رواية؟ كملها. عجل. أتريد قهوة؟ # الآغا ~~: # يا أم وسيم. # أم وسيم ~~(تستفيق) ~~: # عفوا، فأنا أكاد لا أسمع طنين أذني. أتحسب أني مجنونة يا آغا. أليس وسيم خارجا ~~(تدل) ~~، هناك ~~(تضحك) ~~، ألا ~~تراه مأخوذا بمنظر مغيب الشمس؟ يتمتم شعرا، وفي يده قلم وورقة؟ أحالمة أنا؟ وسيم، وسيم. ~~لماذا لا تجيب أمك؟ # الآغا ~~: # أنت حالمة مفتحة العينين. من يلومك إذا أصابك الجنون؟ وسيم غير معروف أين أرضه. بيت ~~الحمصي يتقلبون بالغنى، ويرأسون البلدية، ويضربون على النوطرة. سينتزعون العصا من أبي مرعي ~~مرة أخرى. وأنا يحق لي الجنون؛ ابني خربني منذ تزوج تلك المومسة في بيروت. يا أم وسيم، منذ ~~هذا الصباح لم أذق لقمة. تغير الزمان ~~(أم وسيم تركض، فتعطيه ~~الرغيف الذي أتى به ظطام. الآغا ينهش الرغيف) ~~، ما أطيب الخبز على الجوع. أنت لا ~~تعرفين آلام الجوع يا أم وسيم. # أم وسيم ~~: # الحمد لله على نعمه. # الآغا ~~: # أسمع أن جماعة بيت الحمصي يريدون أن يشتروا أرزاقكم. فإذا كنت في حاجة، فلماذا لا ~~تبيعينهم؟ # أم وسيم ~~: # الأرض ليست أرضي. هي وقف الله على أهلي، وأنا قيمة عليه. من أنا لأكفر بالله، وأبيع ملك ~~الله لنخالة الدنيا؟! أرضنا استلمها أبو وسيم من أبيه، ويسلمها وسيم لبنيه. هذه إرادة ~~الله. # الآغا ~~: # بخاطرك يا أم وسيم. ~~(أم وسيم ترجع إلى قهوتها) ~~. # ظطام ~~: ~~(إلى الآغا وهو خارج) # ثنمثل رواية عظيمة، أنا بطلها، أتثمع ~~ذنابك دوري «يا ميكروبا فتاكا، ثيفتك بك مصل من قذارة لؤمك. ذرعت الشر فاحثد الثقاء ~~...» # الآغا ~~(مضطربا) ~~: # سأراك على المسرح. ما اسم روايتك؟ # ظطام ~~: ~~«المروءة والوفاء، أو عرب الجزيرة.» # الآغا ~~: # جدك الله يرحمه مثل دورا في تلك الرواية. يا ابني، ~~(سرا) # أليس عند خالتك أم وسيم نقطة عرق. أو كأس نبيذ؟ أنا مريض، أحتاج إلى ~~بلعه. # ظطام ~~: # عند خالتي أم وثيم قنينة نبيذ عمرها عشر ثنين. # الآغا ~~: # أعطني منها جرعة. # ظطام ms106 ~~: # علي الذيبق والثبع ملوك لا يقدرون أن يأخذوا منها نقطة. خالتي أم وثيم كانذتها لخالي ~~وثيم. اثمع لي دوري ... # الآغا ~~: # سأراك على المسرح. ~~(يخرج) ~~. # ظطام ~~: # اثمعي لي دوري يا ذليخة. ألا تحبين أن تثمعي أدب؟ # زليخة ~~: # اتركني من الأدب ~~(يخطف الخبز من يدها، ويهرب، فيصطدم بعمه ~~أبي مرعي، الراجع من المطحنة، الحامل على ظهره كيس طحين، فيقع الاثنان تحت كيس الطحين، ~~فينهض أبو مرعي غاضبا، ويصفع ظطام شاتما، ويصيح به: «يا ملعون، رح اربط الحمار.» فيركض ~~ظطام إلى الخارج) ~~. # أبو مرعي ~~(يقعد تعبا) ~~: # كلما مر يوم كلما استطلت طريق المطحنة، كيفك يا أم وسيم؟ # أم وسيم ~~(في يدها الساعة الدقاقة) ~~: # رجع قلبي إلى الخفقان. إن الموت أرسل نذيره. # أبو مرعي ~~: # صار الذهاب إلى المطحنة محنة؛ أنتنوبيلات وأنتنوبيلات وأطنوبيلات، وزمامير، وغبار، وأغراب ~~راكبة الأنتنوبيلات. كل واحد يمد براسه من شباك الأنطوبيل، ويرمي كلمة «انفخت دولاب، حمارك ~~يا عم»، «زمر على الكوع يا عم»، «اضرب فرام الحمار»، «ناقصك بنزين»، آخ من هذه ~~الأيام! # أم وسيم ~~: # يا زليخة، يا بقرة، أين الساعة؟ الساعة. # أبو مرعي ~~: # الساعة بيدك يا أم وسيم. ~~(يأخذها من يدها، ويعلقها على العامود، ~~إلى زليخة) # روحي إلى العين. # زليخة ~~: # الجرة ملآنة . # أبو مرعي ~~: # قلت لك روحي إلى العين. ~~(تذهب بالجرة، يدخل ظطام ~~عارجا) ~~. # ظطام ~~: # آ. آخ! لبطني الحمار. # أبو مرعي ~~: # على أي رجل؟ # ظطام ~~: # اليمين. # أبو مرعي ~~: # خليه يلبطك على الشمال بتصح. يا أم وسيم، معي خبر هام ~~(إلى ~~ظطام) # أغلق الباب. ~~(ظطام يفعل) # وأنا راجع من ~~المطحنة ناداني بحري من بيروت، وأعطاني هذا المكتوب. مكتوب من خالك وسيم. فهمت؟ # أم وسيم ~~: # الحمد لله على هذه النعمة. اقرأوه لي. # أبو مرعي ~~: # أنا وأم وسيم لا نعرف القراءة. اقرأه لنا، ولكن هذا المكتوب إذا عرف به أحد، ووصل الخبر ~~للجماعة، يصل الخبر للحكومة، أفهمت، أفهمت؟ إذا تلفظت بكلمة أنتف ريشك، وأقطع لسانك، وأشويه. ~~أفهمت؟ # ظطام ~~: # إذا تلفظت بكلمة أقطع لثاني، واثلقه وأطعمه للكلاب. لما حرقنا بيادر بيت الحمثي، ألا تذكر ~~كم ms107 ضربني الجاويش حتى أقر، وما قريت؟ # أبو مرعي ~~: # اقرأ المكتوب بلا كتر حكي. ~~(أم وسيم تأتي بالقنديل، فتحمله ~~بيدها فوق رأس ظطام، وأبو مرعي إلى يمين ظطام واجم. أم وسيم منرفزة، يرقص القنديل بيدها. ~~ظطام يفض الغلاف، ويقرأ: «يا أمي») ~~. # أم وسيم ~~: # يا تقبر أمك. ~~(ينزل الستار) # المشهد نفسه إلا كيس الطحين ~~(زليخة لأول مرة في حياتها هائجة، تركض هنا وهناك، وتصلح ثيابها، وتكلس وجهها بالبودرة أمام ~~المرآة وتكتحل، ثم تفتش عن محرمتها، وترجع فتبودر أنفها، وهي فيما تفعل ذلك تعيد الأغاني، التي ~~أنشدتها في الفصل الأول. ظطام يخرج من الدهليز وبيده قنينة النبيذ.) # أم وسيم ~~: # هات القنينة يا حرامي. هات القنينة، وإلا خنقتك. # ظطام ~~: # أما قلت إنك أبقيت القنينة ليوم رجوع خالي وثيم. أقول لك: خالي وثيم رجع. اثمعي الحدا. ~~اثمعي دوي البارود ~~(صوت حدا وقواس من بعيد) # كل أهل ~~الضيعة يلاقونه. حتى الجماعة هناك. تذوج ابنة هدى. معهم طفل ثبي. # أم وسيم ~~: # أتحسبني مجنونة؟ ~~(تضربه) # صرت أضحوكة الأولاد في هذا ~~العمر، وسيم يتزوج من بيت الحمصي؟! اخرج من هنا يا لعين. ~~(تأخذ ~~القنينة منه) # اخرج، ولا تزد على بؤسي وتعاستي هزءك وتهكمك. ~~(لنفسها) # تزوج من بيت الحمصي؟! # ظطام ~~: # وحياة الله هذا ثحيح. ~~(أم وسيم: ترجع إلى الغناء «ربي، لماذا بني؟» والتكلم لنفسها ولشخص ~~موهوم على السطيحة في الخارج. «أتريد قهوة بعد؟ عجل إلى عشائك. بعد صفحة؟» ثم تضحك، ~~وتبكي، وتفتح كتابها، وتصلي بينما.) # زليخة ~~: # ظطام. مؤكد رأيت معه رفيق؟ # ظطام ~~: # معه رفاق. # زليخة ~~: # أعني رفيق بيروتي، شاعر، إمبراطور الشعر. ~~(تتنهد) # كلامه ظريف، شاب حلو. # ظطام ~~: # اثمه راجي! # زليخة ~~: # اسمه راجي؟ ~~(تهمس بأذن ظطام كلاما يعجب ظطام، ثم تفتح ~~عبها، وتتناول منه ورقة، تعطيها إلى ظطام، الذي ينصرف)، (يدخل أبو ~~مرعي) ~~. # أبو مرعي ~~: # عودي إلى وعيك يا أختي، وسيم هنا. هو على البوابة. إنما يا أختي، تزوج ابنة هدى، وله ~~منها طفل. صرنا أصهار الجماعة، يا للمصيبة! استقبليهم، فهم هنا على البوابة، وسيم بصره ~~ضعيف، هدى معهم. كل الجماعة ms108 معهم. # أم وسيم ~~: # وأنت أيضا تهزأ بي يا أبو مرعي؟ ~~(ترجع إلى النحيب، يدخل ~~وسيم، سارة، على ذراعيهما طفل. هدى، راجي يتبادلان الكلام مع زليخة. شمدص جهجاه، قرويون ~~من بيت الحمصي والحموي، بعضهم بلباس القرويين، آخرون باللباس الإفرنجي، وسيم يمشي مشي ~~أعمى، وعلى عينيه نظارتان زرقاوان كثيفتان) ~~. # وسيم ~~: # أمي. أمي. ~~(أم وسيم ترد وسيما عنها بهدوء، ثم تتطلع به غضبى، ~~وتصفعه) ~~. # أم وسيم ~~: # صرت مضحكة؟! إذن، فأنت وسيم، هاه؟! ~~(تقترب هدى، وتضحك لها.) # هدى، أم غلطانة؟ # هدى ~~: # لست غلطانة يا أم وسيم، وهذه ابنتي سارة زوجة وسيم، وهذا ~~(مشيرة إلى الطفل) # ابنهما - ابننا. # أم وسيم ~~: # وأين غدائرك ~~(هدى مقصوصة الشعر) # يا لعينة؟ لأخنقك ~~بها. ~~(أبو مرعي يهمس كلمات بأذن وسيم) ~~. # وسيم ~~: # أمي، ماذا جرى، ألا تعرفين وسيمك؟ ~~(يضمها) # أكانت ~~غيبتي عنك مؤلمة إلى هذا الحد؟! استفيقي أمي، أنا وسيم ~~(ينتزع ~~نظارتيه) ~~. # أم وسيم ~~(راجعها الرشاد، فتنفجر بكاء) ~~: # بلى، أنت وسيم! ~~(تضمه وتقبله) ~~، كيف أخطئ معرفتك ~~يا حبيبي. شكرا لله على رجوعك. كانت الأيام بعد هجرتك قاسية، قاسية. كل دقيقة كانت حبلى ~~بعذاب الخوف والشك، والحنين إلى مرآك يا بني. ظطام، هات النبيذ، واسكب إلى خالك وسيم. لنشرب ~~كلنا نخب رجوعك. انظر إلى هذا البيت كيف تتألق حيطانه ~~(أبو مرعي ~~يفتح القنينة، ويوزع الكئوس على الحضور. تتطلع به) # ما بال عينيك؟! # وسيم ~~: # ضعف موقت. الدكتور نجيب أكد لي أن سيعاودني بصري. # سارة ~~: ~~(لراجي) # غريب! كنت أنتظر أن يسترد وسيم نظره إذ يسمع صوت ~~أمه. # راجي ~~: # لا تقطعي الرجاء. ~~(صوت جرس حزن من بعيد.) # أبو مرعي ~~: # ظطام، رح انظر، لماذا يقرعون جرس الحزن؟! ~~(ظطام يركض إلى الخارج.) # أم وسيم ~~(يعاودها السهو، فتنتفض من ذراعي وسيم، وتصيح:) ~~: # أبو مرعي إني جننت جنونا كاملا. كنت في الماضي أرى وسيما على السطيحة يكتب. أما ~~الآن، فقد مرت بي رؤيا مرعبة؛ رأيته هنا، ورأيت اللعينة هدى قربه، وقد قصت غدائرها، ~~وابنتها، وعلى ذراعي ابنتها طفل، تقول إنه طفل وسيم، ورأيت بيت الحمصي في دارنا، وجمعا من ms109 ~~الضيعة كبير، وضممت وسيم، وقبلت وسيم، ورأيت كأن النور انطفأ في عيني ولدي. آخ، يا ربي! ~~أبو مرعي، متى رجع وسيم لا تقل له إن أمه جنت، قبل أن تموت، لا تقل له إني مت مجنونة. ~~(هدى تقترب من أم وسيم، وتضمها) ~~. # هدى ~~: # إنه حلم يا أم وسيم، ولكنه حلم جميل. انظري سيعيش أبناؤنا سعداء متحابين، حيث عشنا ~~أعداء متقاتلين. # شمدص ~~(يخاطب الطفل) ~~: # أبوك حموي، أمك حمصية. خلقت في المهجر، وستنشأ في الوطن، أنت أمل الغد، أنت الزير ~~أبو ليلى المهلهل. # أبو مرعي ~~(مخاطبا الجمهور) ~~: # يا إخواننا بيت الحمصي، في تاريخنا صفحات دامية. # أصوات الجمهور ~~: # مزقناها، حرقناها، نسيناها. # أبو مرعي ~~: # وإني أريد أن أتقدم إليكم بتضحية. عصا الناطور أقدمها لكم يا إخواننا، بيت الحمصي ~~(يزيح الستار، ويتناول بيده ما يظنه عصا النوطرة، فتظهر بارودة ~~حربية، فيرجعها، ويتناول عصا النوطرة من جديد. بيت الحمصي يتهامسون. أبو مرعي يصيح برجل ~~واقف قربه، يظهر أنه من بيت الحموي: «أتظن يقبلون الوظيفة؟ إذا فعلوا أضاعوا لي مستقبلي.» ~~فيجيب رفيقه: «الحق عليك، بيت الحمصي لا يؤمنون») ~~. # أحد بيت الحمصي ~~: # يا أبا مرعي، اليوم في «وادي الأرز» لا يوجد حمصي، ولا حموي، نحن عائلة واحدة. # الآغا ~~: # فيلحي الوفق والاتحاد. هذا ما كنا نسعى إليه دائما. الوفق والاتحاد. # أحد بيت الحمصي ~~: # نحن جسم واحد له ذراعان حموي: ~~(مشيرا إلى يساره) ~~، ~~وحمصي ~~(مشيرا إلى يمينه) ~~. ~~(أحد بيت الحمصي يثور، ويصيح) ~~: من قال لك إننا نقبل ببيت الحمصي يكونون على ~~اليمين ~~(فيجيبه أحد بيت الحمصي) ~~: ومن قال لك نرضى بيت ~~الحموي على اليمين. ~~(فيسكتهما الجمهور) ~~. ~~(راجي يتضاحك مع زليخة خلال المشهد) # أحد بيت الحمصي متابعا: ~~رزقنا رزقكم، وشرفنا شرفكم، وليس في «وادي الأرز» من هو أحق بهذه العصا منكم يا عمي ~~أبو مرعي. ~~(يرجعها له) ~~. # وسيم ~~: # ما أجمل ما أسمع. صار «وادي الأرز» جنة تسكن. أشعر كأنما نصب دونه ألف متراليوز، وصار ~~أمنع من جبل طارق، لقد خفت موزينكم يا بني «وادي الأرز»، وتصدر الشيطان مجالسكم، ~~فقصرتم جهودكم على ms110 التوافه، وعلى هدم بعضكم بعضا، ولكني لا أصدق أنكم تقهرون؛ إذ إن ~~كهارب نفوسكم طاهرة مجوهرة، وهذه الأدران ليست في خلايا دمائكم، بل هي طفيلية على أجسامكم، ~~رواها بالقذارة من روى أرضكم بدم قتلاكم؛ ليبني من عظامكم سلما، يرتقي عليه إلى مراكز ~~الزهو والرفاهية. على أنكم لا تقهرون؛ فلقد نزلت بنا منذ القديم المحن، والبلايا، والغزاة، ~~والتفرقة والأبغاض، وزالت المحن والبلايا، ودالت دولة الغزاة، ونحن الغالبون. إن الصدفة رمت ~~بين يدي مبلغا من المال، هو رهن إرادتكم، خسئت نفس تستعمل المال لغير خدمة الجار، فمن ~~تصدع سقف بيته، أو احتاج إلى معونة، فهذا بيتي وهذه يدي. إن المدفع، والطيارة، وكل آلة ~~اخترعها الإنسان لها حدود لمراميها، وتخدم لمدى قوتها، ولكن الإنسان - وهو اختراع الله - لا ~~حد لما يقوى على فعله، إذا تكاتف مع أخيه الإنسان، فضعوا أيديكم في أيدي جيرانكم وإلى ~~الأمام. نخبكم يا إخوان. ~~(أصوات: كأس رجوعك.) # ظطام ~~(يرجع لاهثا) ~~: # نخب الحمثي. نخب الحموي. نخب العدو. ~~(يخرج ظطام.) # شمدص ~~: # نخب الزير وطمسن صاحب معدن الذهب. أصحيح يا راجي، أن معدن الذهب الذي اكتشفه طمسن، ~~ارتفعت أسهمه مائتي مرة؟ # راجي ~~: # مائتي مرة! الخمسة آلاف ريال التي وظفها وسيم، صارت تسوى مليون ! # شمدص ~~: # فليحي الزير أبو ليلى المهلهل ~~(يأخذ الكتاب من المكتبة - جيب ~~بنطلونه) ~~، معي من المعدن مائة سهم ~~(يفتح الكتاب، ويأخذ ~~منه ورقة زرقاء) ~~. # ظطام ~~: ~~(يرجع لاهثا) # جرث الحذن، جرث الحذن، وثل من أميركا خبر ~~الدكتور نجيب. # وسيم ~~: # noi ~~(أصوات: مات الدكتور نجيب، ~~راح الحكيم. سكوت بتأمل) ~~. # سارة، سارة، أمي، عاد النور إلى عيني، إنني أنظر، وأرى، ~~(يمشي ~~في الجمهور) # رحمك الله يا دكتور نجيب، حتى بعد موتك تقوم بالعجائب. # راجي ~~(لسارة) ~~: # صحت نبوة الدكتور نجيب. ~~(سارة تضمه باكية ممسدة ~~عينيه) ~~. # أم وسيم ~~(ذاهلة مخاطبة السطيحة في الخارج) ~~: # أتريد قهوة؟ # وسيم ~~: # أريد الكثير من القهوة. سأغمس قلمي في شعاع هذه الشمس، وأكتب صفحات طاهرة حارة كروح ~~الحكيم نجيب. # ظطام ~~(يأخذ من عبه ورقة) ~~: # خالي وثيم، نظمت في رجوعك قصيدة. # زليخة ms111 ~~(لراجي) ~~: # أنا نظمتها له. صار لي عشر سنين أشتغل بها. # ظطام ~~(يقف وقفة خطيب، وينشد) ~~: # طل القمر ... # راجي ~~(يصيح) ~~: # آه! يا قمر. وسيم، أعطني كولونيا، ماء زهر، أمونيا. آه! يا قمر ~~(يقع على الأرض إذ): ~~(ينزل الستار) # إذا ثار تصفيق الجمهور، فليظهر الممثلون هكذا: شمدص يقرأ في كتاب الزير. أم وسيم ذاهلة ~~تغني: «ربي، لماذا بني؟» زليخة وراجي يتغازلان: «يطل القمر.» أولاد العرب يغنون: «نحن ~~الأشاوسة، أولاد العرب.» أبو مرعي يقدم عصا النوطرة لبيت الحمصي. وسيم وسارة يتطلعان ببعضهما. ~~هدى تخاطب الطفل. والدكتور نجيب بعيد عن الجمهور، خلفه كأنه طيف بلباسه الطبي الأبيض يبتسم، ~~وينظف نظارتيه. الآغا مشوم، يلاعب المسبحة، وجرس الحزن يقرع. ظطام في يده ورقة خطابه، يهم ~~بإلقائه. فرج الله يعد كدسة فلوس. ms112