######OpenITI# #META# URI: 1379SacidTaqiDin.SayyidatiSadati.Hindawi64246096 #META# Tags: literature #META# ID: 64246096 #META# Title: سيداتي سادتي #META# AuthorID: 35727531 #META# Author: سعيد تقي الدين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة العريف‏ # أفعل الأساليب في مكافحة المحاضرات وقطع دابر المحاضرين‏ # كل مواطن خفير‏ # يا عمر‏ # خطاب يبحث عن موضوع‏ # أنا لبناني ... فأنا عربي‏ # القرميدة المكسورة‏ # حدثني الكاهن الذي عرفه‏ # برنيطة من كفر شيما‏ # أمين تقي الدين ... موته اغتراب‏ # علمتني الحياة‏ # على أعتاب هيكل‏ # قافلة جمال‏ # الأعمدة السوداء‏ # لنصغ إلى همسة الضياء‏ # جبهة الحياة‏ # بنو بكر وبنو شيبان‏ # كلمة العريف‏ # أفعل الأساليب في مكافحة المحاضرات وقطع دابر المحاضرين‏ # كل مواطن خفير‏ # يا عمر‏ # خطاب يبحث عن موضوع‏ # أنا لبناني ... فأنا عربي‏ # القرميدة المكسورة‏ # حدثني الكاهن الذي عرفه‏ # برنيطة من كفر شيما‏ # أمين تقي الدين ... موته اغتراب‏ # علمتني الحياة‏ # على أعتاب هيكل‏ # قافلة جمال‏ # الأعمدة السوداء‏ # لنصغ إلى همسة الضياء‏ # جبهة الحياة‏ # بنو بكر وبنو شيبان‏ # | سيداتي سادتي # | سيداتي سادتي # تأليف # سعيد تقي الدين # | كلمة العريف # لم أستطع أن أنطق مع أن فمي كان غير مطبق، وراح يقصف أذني بمحاضرة ختمها بقوله: «نعم، إن ~~هذا ضروري، ولكن من الواضح أن ليس في قدرتك دفع ثلاثمائة دولار.» ثم عاد فمزق بعينيه أثوابي ~~العتيقة من جديد. # ولقد كنت في حياتي مرارا كثيرة هدفا للؤم في الكلام والنظرات، غير أن كلماته هذه ~~ونظراته سجلت في مضمار الخسة رقما قياسيا جديدا. # كان ذلك شهر نيسان من سنة 1945 في «مانيلا» عاصمة الفلبين. وكان المحاضر الدكتور «كروس» ~~يطوف بين أسناني فيما أنا فاتح بوابة فمي. ونحن كنا قد نجونا من جهنم حرب احتجنا خلالها إلى ~~كل شيء: إلى المال، إلى الطعام، إلى معجون ينظف الأسنان وفرشاة، فأصبح عاج أسناني بما انبث ~~فيه من تفتت وفساد كأنه النظام السائد في لبنان. # فلما زرت الدكتور «كروس» أراد أن يتصيد الثلاثمائة دولار، فتحدى كبريائي بكلامه، مشيرا إلى ~~أن أسناني كلها يجب أن تغادر فمي. # وما كنت لأعترض لولا حنين للعودة إلى بلادي، وعزم على أن أقتلع نفسي من مغتربي من غير أن ~~تقتلع أسناني من فمي؛ فلقد كنت أتحرق على أن أرجع لأقوم بأعمال كبيرة أحدها ~~الخطابة. # وليست الأسنان كل ms01 الخطابة ، ولكنها بعض العتاد؛ لذلك عصيت الطبيب - وكان غير صادق - ورجعت ~~إلى وطني متوهما أن في فمي وقلبي معدات المنابر مستكملة، فكان كتاب «سيداتي سادتي». # ولكن ما الخطابة؟ # في رأيي إنها إقناع أو اقتلاع. # فالخطيب الناجح هو الذي يمحو من أفكار مستمعيه ما يود أن يقتلع، أو هو الذي يعزز في ~~أذهانهم ما يرغب أن يبشر به. وما هو بالناجح من سرى له صيت أنه «خطيب مفوه» عظيم من غير أن ~~يفوز منهم بغير الإعجاب. # وإن الناس متى أجمعوا تتدنى نفسيتهم فتدنو إلى الغريزة الحيوانية؛ فلا يعود بالصعب على من ~~تخدر ضميره أن يطلق من رئتيه أرياحا تلولب فراشة لسانه بسرعة تثير عواصف التصفيق. ومن كان ~~هذا همه سهلت مهمته فنشر أمام النظارة قوس قزح يبهر، أو وضع في أيديهم مسابح للتسلية، أو بث ~~في القاعة مخدرات من دخان الأفيون. # وما هو بالعسير على من يريد أن يبحث الخطابة أن يأتي بمختلف الوصفات والتعاليل، وقد تكون ~~كلها صادقة أو كلها كاذبة؛ لذلك أقتصر الكلام على اختباراتي الشخصية، وما علمتني التجارب ~~على المنابر، وما درست على الجماهير. # فإني قبل أن ألقي الخطاب أتحرى أبدا أن أزور المكان أو القاعة حيث دعيت إلى الكلام، فما ~~أبقى غريبا ترعشني الرهبة في يوم الحفلة. وللمكان علاقة بالخطاب خفية لا أقدر أن أصفها، ~~ولكنها موجودة. # وأجهد ألا أجلس على المنبر مواجها الجمهور قبل إلقاء الخطاب. هكذا يبقى في النظارة ~~تشوق للمفاجأة الجسدية التي تمحى إذا ما استعرضوا الخطباء على المنبر قبل أن يتناوبوا ~~الكلام. # وينبغي أن يحترم الفن المسرحي؛ فأنا بدين طويل، إذن فإني أبدا أحرص على أن يكون أمامي ~~طاولة تحجب ضخامة جسدي حتى لا يشرف على الجمهور إلا الرأس والصدر، ولو أني قصير لرقيت ما ~~يجعلني أطل على الجمهور فارعا. # وإن أكثر حفلاتنا تزدحم بالخطباء؛ فزملاؤك على المنبر يخلقون جوا يلائمك أو يزعجك. فإني ~~قبل أن أقبل دعوة أبدا أتثبت من رفقائي من هم. وليس من رفيق أشد خطرا على الخطيب من ~~الخطيب ms02 الشاعر ، فموسيقاه أبدا تطمس نثر الكلام، فاجهد ألا تعتلي منبرا عليه ~~شاعر. # أما الموضوع الذي يجب أن تطرقه، فهنالك آفاق لا تحد. إنها تجارب الحياة، وصفو الدراسات، ~~وخلجات القلب، ونداءات المجتمع، وكياسة المناسبات؛ كلها تفرض وتوحي. # وأما صياغة الكلام فيجب أن تتوافق مع المعاني وتتموسق مع الأنفاس. أنا قصير النفس، ~~فعباراتي بحكم الطبع قصيرة. هذا ما لا ينتبه إليه الكثيرون؛ إذ هم يدبجون خطبهم، لا فرق بين ~~تركيبها وبين صياغة مكتوب تعزية أو مقال في جريدة. # وأهم ما في صياغة الخطاب وضوحه وتبلور معانيه في كلمات نافذة؛ حتى ليفهمه كشاش الحمام، ~~ويستهوي أساتذة الجامعة. ويجب أن يكون وحدة ليمسي رسالة. ومن المباح، بل من المستحب أن ~~تلجأ إلى صناعة التجميل وحيل البيان، فلا بأس من سجعة بعد سجعة. ومن المحتم أن تشرئب اللغة ~~بنهوض الفكرة، وتعصف الكلمات حين استثارة العاطفة. والترجيع - سر أكثر فنون الأدب - يجب ~~استعماله في الخطابة، فإنما الخطابة هي أحد فروع المسرحية. # والإلقاء كيف يجب أن يكون؟ قراءة، أم بعد حفظ؟ # يقول لي الأستاذ إنعام رعد - وهو، في رأيي، اليوم قيدوم الخطباء في لبنان: إنه إن دون ~~خطابه أعياه إلقاؤه. فهو يرتجل أفصح مما يقرأ؛ لذلك أعتقد أنه من الصعب أن نطلق قاعدة ~~تنطبق على كل الخطباء. وبعد، فالخطابة فن لا قدرة لنا على أن نقيده أو نقوننه. للنابغ - ~~إنعام رعد مثلا - أن يقف على قدميه ويطلق لسانه بالفصيح والمقنع والطريف، ولكن سائرنا ما ~~أعطوا هذه المواهب. والمعترف به أن أفعل أنواع الإلقاء هو ورقة تقرأ منها ولا تقرؤها. وأنت ~~تقرأ منها إذا استظهرت بعضها لا كلها، فلا مفر من التمرن على الإلقاء طويلا قبل الصعود إلى ~~المنبر. ولكن أن يتملك الخطيب كلماته ويسيطر عليها بحيث يبغبغها، فلا إجادة حينئذ في ~~الإلقاء؛ إذ يصعب على الكلمات إن لم تفعل في نفس القائل أن تفعل في نفس السامع. # والنكتة؟ # هذه لا يصح أن تأتي إلا في البداية، ولا بأس أن ينتهي بها الخطاب. أما ما بينهما فمن ~~الخطر ms03 أن يتفكه بنكتة أو يتزين بطرافة. والنكتة على المنبر هي أكبر مغامرة، خصوصا وأن ~~مكانها صدر الخطاب. وليس من منظر أدعى للإشفاق من رجل فاه بين جمع بما توهمه فكاهة وعجز عن ~~استثارة ضحكة أو ابتسامة. خل عنك إن حسبوا «النكتة» سماجة. # ويكاد يكون من المستحيل التنبؤ بتجاوب الجماهير؛ فلقد سمعتهم يقهقهون بعبارة حسبت أنها ~~توحي كل شيء إلا الضحك، ورأيتهم يستقبلون بالصمت ما توهمت أنه فكاهة، غير أن على الموهوبين ~~ألا يطغى إضحاكهم الجماهير على سائر عناصر الخطاب؛ مخافة أن يصبحوا ندامى ومرفهين لا خطباء ~~مرشدين. # وفي الخطب التي ستقرؤها لا تجد أكثر النكات التي أفتتح بها خطاباتي؛ ذلك أنني أتناول ~~الموضوع من المكان الذي أنا فيه ومن الحالة الراهنة؛ ففي إحدى الحفلات مثلا وقد أجلسونا ~~على منبر؛ نواجه فيه النظارة، ورحت على عادتي أدخن السيكارة تلو السيكارة مما استلفت النظر، ~~وقفت وقلت: «سيكون خطابي قصيرا، لا لأنني أكره الكلام، بل لأن الكلام يمنعني عن ~~التدخين.» # وفي موقف آخر، قدمني عريف اشتهر عنه أنه صديق لي حميم، وقبل أن ينتهي من الكلمة التي ~~قدمني بها شرب من الكأس التي توضع عادة على المنابر، فافتتحت خطابي بقولي: «إن العريف شرب ~~من الكأس حتى يؤكد لي أنها غير مسمومة.» وملأت الكأس وشربت منها. وفي الموقفين كانت النكتة ~~ناجحة. # أما الجمهور، فهو على أشد جموده متى احتشد ب «علية القوم»؛ فهؤلاء في غالب الأحيان يذيعون ~~تفوقهم وعلية قومهم بوقار لا يغوص في الأرض ثقلا؛ لأنه مرتفع إلى السماء السابعة ببالون رأس ~~نفخته غازات التفكير. وهم يجلسون وكأن الخطيب ماثل بين أيديهم يدافع عن نفسه بتهمة الخيانة ~~العظمى. # وفي هذه البلاد مناطق حيوية لعل أشدها فورانا مدينة طرابلس، ومناطق جمود لعل أشدها ~~صقيعا رأس بيروت. # وعلى الخطيب أن يحترم سامعيه، ويكسب ودهم، بأن يخاطبهم جميعا، فلا يركز نظره على فئة واحدة ~~منهم، بل يجول بنظره فيهم جميعا، فيشعر كل واحد أن الكلام موجه إليه. يساعد الخطيب أن ~~يكون له في القاعة أصدقاء وأنصار، ms04 على ألا يتكلف هؤلاء التحبيذ والتصفيق. # وأسرع الطرق إلى الانتحار أن يكثر الخطيب من وقفاته، أو يعتاد الناس إلى دعوته «إلى كلمة ~~تليق بالمقام» في كل مناسبة، وبعد كل وليمة، وفي كل عرس، وعلى رأس كل ميت. # هذه هي بعض نواحي الخطابة الإيجابية على ما علمتني إياه التجارب، وقد أغفلت الناحية ~~السلبية، فمن البديهي أن الانفعال الذي يسيطر على المدرسة القديمة يجب أن نقلع عنه. كذلك ما ~~اعتاد الكثيرون أن يغنوا خطاباتهم أو يزولفوها أو يزمروها أو يصفروها أو يطبلوها. # وكذلك يجب أن ننقطع عن الرياء في تملق القرية أو المدينة التي نخطب فيها، وأن نقلع عن ~~عادة التغني بأشخاص محليين أو رسميين. # ومن المستحيل أن نصف كتابة كيف يجب أن يكون الإيماء. وكالعادة، فأساطين الفن يخلقون ~~القواعد أكثر مما يطبقونها. # ولعل أنفع ما اصطحب الخطيب إلى المنبر اسم كبير وشهرة تتقدمه ... # سعيد تقي الدين # | أفعل الأساليب في مكافحة المحاضرات وقطع دابر المحاضرين # القاعة صغيرة، ولكنها ملأى. نحن في طرابلس بدعوة نادي المرشدات. وقد جاءت المديرة تطلب ~~محاضرة. إنها لا تريد خطابا، ولا حديثا، ولا كلمة، ولا نقاشا، ولا حورا، إنها تريد ~~محاضرة. # وطرابلس مدينة تطيب فيها الخطابة؛ فجماهيرها لا تتثاءب ولا ترقد في عصمة الوقار، وهي ~~تتعشق الكلمة فتحفظها وترددها. # 28420 مرة دعيت إلى الاستماع لمحاضرة. # و28420 مرة لم أستمع لمحاضرة. # 28421 دعيت لإلقاء محاضرة. # 28421 مرة اعتذرت عن إلقاء محاضرة. # المحاضرة، ما المحاضرة؟ # إنها خطاب يتثاءب ويتمطى. # إنها عبارة فتحت فمها ثم نسيت أن تطبقه. # دجاجة تمروح ذيل طاووس. إنها خطبة تلبس ردنكوت. هي ألفاظ لها لحية ولها كرش. هي حبات ~~«غاردينال» كلامية تقتل الأرق وتجلب النعاس. إنها لغة كاوتشوكية. إنها بالون ينفخ فيه ~~أستاذ. # وعلى الصعيد الفردي ليس لي على «المحاضرة» إلا شرطان؛ الأول: ألا أسمعها، والثاني: ألا ~~ألقيها. # ومن الواضح أن في كلامنا هذا - وأستعمل نون الجمع لأننا محاضر - شيئا من الغلو، ففي ~~الأبحاث ما لا يشرح إلا بمحاضرة، وفي الناس اختصاصيون يستطيعون مناقشة الأمور وإيضاحها ms05 ~~خلال ساعة أو أكثر، ولكن هذا الطوفان من المحاضرات من بعض أسبابه حب الظهور، وزيف الثقافة، ~~والتدجيل الكتبي. # نعترف لجورج حكيم مثلا أنه يحاضر في القطيعة بين لبنان والشام، ويشوقنا أن نصغي لبلطجي ~~يقص علينا تاريخ مرفأ بيروت وحركة السفن فيه. ومن النافع أن يلقي فينا محاضرة إبراهيم عبد ~~العال عن مشروع الليطاني. # أما أن يتصدى كل واحد منا - كما شاع أخيرا - لمعالجة الأبحاث الاجتماعية على أنه فيها ~~مرجع وثقة؛ حاشدا في معرض كلامه أسماء مفكرين عالميين، ففي هذا جناية على الحقيقة. وهذا ~~التزييف يا طالما أنزل ببلادنا الويلات! # أقول هذا بعد أن ظهر أن إلقاء المحاضرات صار أداة للتبرج والتضخم، ولتشويه العلوم؛ فليست ~~الشهادة الجامعية (باسبورا) يدخل كل من حمله إلى جنة المعرفة؛ فكل موضوع تعرف إليه أحدنا ~~ليس له من أهمية إلا بعد أن يتفاعل في نفسه، ويعجن بالتجارب الشخصية، والملاحظات الشخصية، ~~ثم يتجوهر بالتفكير الأصيل، ويصقل على وجه الاختبار. # ولقد تبين أن الكثيرين من محاضرينا يبدءون أولا برش العطور على المكان الذي يحاضرون فيه، ~~ونثر الأزاهير على جبين من دعاهم إلى الكلام، ثم يعترفون بتواضع مصطنع أن هذا الميدان الذي ~~نزلوا إليه أوسع من أن يجولوا فيه خلال ساعة أو ساعتين، ثم يستعرضون أسماء عالمية، وكتبا ~~يقولون إنهم طالعوها، ثم يسردون بتيه ودلال حوادث شخصية، فإن كان أحدهم اقترب من «تشرشل» 34 ~~كيلومترا ذكر: «في السنة الماضية، حين قابلني تشرشل.» وإن كان قد درس في جامعة «كيلوتسكي»؛ ~~من أعمال دولة «صفرانيا»، راح يقص أمر مناقشة جرت بينه وبين الدكتور «جهيروز»؛ الأستاذ ~~الاختصاصي في «علوم شروق الشمس عند المغيب وعلاقتها باستئناف الحرب في كوريا». هكذا يضفي ~~محاضرنا جوا علميا مزيفا على الفلسفة، فيلقم سامعيه حقائق بديهية، ويستعرض ما فتح الله ~~ورزق من عبارات انتشلها من هنا وهناك على أنها من صوغ دماغه. # وإنها كلمة جد: إن أكثر المحاضرات التي غمرت «بازار» الثقافة في بيروت كانت لها أضرارها؛ ~~لأنها ضخمت شأن بعض الناس الذين ليس لهم تفكير أصيل، ونشرت ms06 الفوضى الفكرية، وأشبعت الأثرة ~~في بعض حملة الشهادات والسياسيين، والمشتغلين بذلك الفن المبهم الذي يدعى «أدبا»، وشلت ~~إمكانية بعض فتياننا الذين لو لم يفسح لهم سبيل المجد الموهوم على المنابر، لطلبوه عملا ~~فعالا بين مواطنيهم، أو ثقافة صحيحة ينبتها التفكير الهادئ، وتفولذها التجارب، وتعتقها ~~وتغذيها الأصالة. # وتنطبق هذه الملاحظات بشكل أدق على الأبحاث الاجتماعية والسياسية. كثيرا ما نسمع مثلا: ~~«والمعلوم أن القبائل إن فعلت كذا وكذا صار كذا وكذا» أو «من المعترف به أن الحكم الجمهوري ~~إذا نزل به كذا وكذا وصار الملك كيت وكيت لنشأت عن ذلك الحالة الفلانية.» # والحقيقة أن السياسة والاجتماع والتاريخ ما هي بمعلوم بالمعنى الدقيق؛ إذن فليس لأحد أن ~~يقول: «إن المعترف به» أو «المعلوم» أو «المسلم به.» إن الاجتماع ما هو بمعادلات جبر، ~~وأربعة أربعة في السياسة والاجتماع ما كانت ولن تكون ثمانية. هناك كميات مجهولة، هناك كثير ~~من ال # X ~~. هناك عامل الإنسان بعاطفته وجشعه، غروره وإنسانيته، ونبله وحيوانيته. هناك العوامل الخارجية. هناك المصادفة. هناك عشرات ~~ال # X ~~. # وليس غرضي اليوم أن أهدم بالتهكم محاولات بعض محاضرينا. قد تكون هذه المحاضرات محاولة ~~صادقة لاستعراض مواطن الضعف فينا ووصف علاجها، ولكن هذا الأسلوب - لأنه في غالب الأحيان ~~يتوخى الأهداف الضخمة - قد يكون صدى لأحلام الضعف النفسي المتوطن في كثرتنا؛ فنحن نرقب ~~مستعجلين حصول العجيبة التي تنقذنا، بل في كثير من الأحيان نطلب هذا العون من مصادر غريبة ~~عن نفوسنا نحن. وهذه الأحلام الأفيونية هي تلازم الضعف، فلا عجب أن تأتي المواضيع التي ~~يعالجها أكثر كتابنا وخطبائنا ومحاضرينا من النوع الضخم. من أجل هذا، يظهر من يدعون النبؤات. ~~وفي حالات هذا الضعف تروج الرقى، وتزدهر تجارة «البصارة براجه». وبعض من شاع عنهم أنهم ~~مفكرون هم في حقيقة الأمر منجمون. وبعض محاضراتنا هي رقى تصفها «البصارة براجه»، والفرق بين ~~عقلية «البصارة براجه» وبين العقلية الواقعية العملية يتضح لمن يكثر الاختلاط بالأجانب، ~~فيتسنى له المقابلة بين ما يعالجون من المواضيع وما يعالجه مواطنونا. # تسمع الأجنبي - وهو عادة ms07 مواطن دولة تركزت واستقرت - يتحدث عن قنينة حبر ، عن برغي، عن ~~كرسي، عن صندوق خشب، أو كتاب. وتسمع الكثيرين من مواطنينا يعالجون 23 موضوعا في أربع ~~دقائق، فيختصرون الحالة الدولية، ويقابلون بين قوى المعسكرين الغربي والشرقي، ويشرحون أفعل ~~السبل لتحسين زراعة البطيخ، وكيف يجب أن يحدد الاستيراد، ثم يصفون طريق استرجاع فلسطين. ~~ما سبب البون الشاسع بين التفكير الأجنبي - أو لنسمه الغربي - بحوادث معينة ومواضيع هي في ~~نظر الكثيرين منا تافهة، وبين تفكير أكثرنا في الشئون الضخمة من عالمية ومحلية؟ # ما السبب؟ # كأكثر الأمور، هذه المشكلة ليس لها سبب واحد، بل عدة أسباب نقتصر منها على ذكر سببين؛ ~~الأول: أن مواطن الدول الأجنبية لا تواجهه الصعاب التي تواجهنا؛ ففي ميدان السياسة الخارجي ~~له حكومة هو انتخبها، وهو يثق بها، تكفيه عناء التفكير فيما قد يواجه دولته من مخاطر، وفي ~~الميدان الداخلي يجد أن نظامه قد حل مشاكله الأساسية من حقوق متساوية أمام القضاء، وضمان ~~اجتماعي هو متوفر في أكثر الدول المتمدنة على درجات متفاوتة بالطبع. ولعل السبب الثاني ~~والأهم هو أنه مواطن دولة قوية، ومجتمع مستقر ثابت صحيح، فليس هو من الضعف بحيث يحلم ~~بالعجائب وينادي على كل «بصارة براجه». # في الدقائق الباقية سآتي على ذكر بعض هذه التوافه التي هي في نظري هي هي الهامة. # حين ينتسب مواطن إلى جيش دولته، يعلمونه أولا كيف يجب أن يربط شريطة «صباطه»، وكيف يجب ~~أن يلقي التحية، ويدققون في أهمية تنظيف حذائه؛ ذلك لأن الخبير العسكري يعرف أن هنالك ~~علاقة مباشرة بين ربح المعركة، بل وربح الحرب، وبين معرفة ربط شريطة «الصباط». # أما عندنا فبعض ملوك الكلام، وبطاركة الأفكار، وفرسان المحاضرات، يقتحمون المعارك، ويربحون ~~الحروب من غير جنود، أو بجنود لا يحسنون ربط شريطة «الصباط». # هذه الملاحظات ما هي بتخطيط عام، بل الغاية من ذكرها هو إثارة التفكير لإعادة النظر بكثير ~~من عاداتنا، والتأمل في كيف أن هذه التقاليد التي مشينا عليها تؤذينا، وكيف أنه لا بد عند ~~التعبئة العامة من التشديد ms08 على تمحيص ما لا نأبه له عادة، أو ما افترضنا أنه صحيح بسبب أننا ~~درجنا على ممارسته. # هو ذا بعض هذه الملاحظات: ~~(1) # فلان بيته مفتوح: بيته مفتوح؟ ما معنى هذه العبارة؟ أفندم! نعم، بيته ~~مفتوح؛ يعني أن صاحب البيت يستقبلك في بيته. ما أهمية هذا؟ يعني أنه يقدم لك ~~قهوة وحبة شوكولاته، ويلح عليك بالدعوة للطعام. ما أهمية كل هذا؟ لماذا هي ~~فضيلة أن يكون بيته مفتوحا؟ أنا أفضل أن يبقى بيتي مقفلا. من له شغل معي ~~فليتفضل إلى مكتبي، وإن شرف البيت فلتكن إقامته قصيرة، ولا ينتظر فنجان قهوة ~~إلا إذا جاء بدعوة. الحياة ثمينة، وأغلى من أن تهدر بأشياء لا معنى لها، وقيم ~~الحياة هي أثمن من أن تخمن بهذا الذي لا معنى له، ويذاع على أنه فضيلة؛ فضيلة ~~البيت المفتوح. ~~(2) # الإشاعة: كم جندلت الأقوال الكاذبة من ضحايا! وكم رفعت شأن رجل لا يستحق ~~أن نتطلع إليه حتى بمنظار! يسود بيننا اعتقادات خاطئة تحرمنا من احترام من ~~يستحقون الاحترام، وتحفزنا إلى الابتعاد عن مبادئ من أقل واجباتنا أن نفحصها ~~قبل أن نعتنقها أو نرفضها. كم مرة نسمع «فلان آدمي؟!» «شو آدميته؟ ما حدا ~~بيعرف.» فلان زلمة الإنكليز. ما هو البرهان؟ «هيك! كيف هيك؟ هيك!» إني أتكلم عن ~~اختبار شخصي حين آتي على ذكر شارل مالك. لقد ساد الاعتقاد فيما مضى أن هذا ~~الرجل هو عميل أميركي «ليش؟ هيك!» هل فحص أحد متهميه مواقفه وأقواله فانتهى إلى ~~ما يثبت هذا الاتهام؟ لا، شارل مالك ضد العروبة، هو صنيعة الأميركان. لو أنه ~~أضعف شخصية، أو لو أن له مكانة محلية بدلا من منزلة عالمية لكانت الإشاعات ~~قتلته. ولما كنا اليوم ننتفع به كناطق مؤتمن باسم الدول العربية. وعلى الصعيد ~~الإيجابي، نجد أننا نسمع بفلان مثلا أنه محسن كبير وأبو الفقير. أي إحسان؟ أين ~~المستشفى الذي شاده؟ أو التلامذة الذين علمهم على حسابه؟ لا أحد يعرفهم، إنما ~~يعرفون أن فلانا أبو الفقير ومحسن كبير. ~~(3) # نحن والأجانب: بيننا طبقة حقيرة النفوس يتملقون ms09 الأجانب بذم مواطنيهم. لا ~~أعرف بلدا في الدنيا يجرئ الأجنبي أن يتنقص علنا من ساكنيه مثلما يفعل ~~الأجانب عندنا في لبنان. إنني بعد اختبار ست سنوات في هذه الجمهورية، أجد - عن ~~معرفة - أن اللصوصية موجودة بيننا وبين القليلين من مواطنينا، ولكن اللصوص ~~الضخام وأسياد الصفقات الكبرى من الناهبين والسالبين هم أجانب لا وطنيون. مع كل ~~هذا، نسمح للأجانب أن يتنقصوا منا علنا. وقليلون بيننا من لهم الكرامة الوطنية ~~والجرأة أن يوقفوا الأغراب عند حدهم، بل نحن نجد أننا في كل جلسة نجتمع بها إلى ~~الأجانب تسابقا إلى التزلف لهم بالقدح من بلادنا ومواطنينا. وهذا ما يشجع ~~الأجانب على احتقارنا، والإمعان بسلب حقوقنا. هذه الخيانة التي يقترفها أكثرنا ~~من امتهان بني قومهم كلفتنا وتكلفنا الكثير من المال ومن الكرامة. ~~(4) # الأديب: في معتقدنا السائد شيء خاطئ، إعجاب لا مبرر له بالأديب من كاتب أو ~~شاعر. نتوهم أن الأديب مؤهل لأن يصبح وزيرا أو مدير كمارك، أو أي شيء. الحقيقة ~~أن الأديب في أكثر الأحيان هو رجل يحسن الكتابة، كما أن الحلاق هو رجل يحسن ~~الحلاقة. وهذه الهالة من الإعجاب والتكبير التي انتشرت حول الأديب كأديب يجب أن ~~تمحى كي تستقيم موازيننا. ~~(5) # الكلمة المطبوعة: كذلك في نفوسنا عبودية للكلمة المطبوعة وللكتاب. إن الذي ~~يعرف كيف تحرر الصحف والمجلات، وكيف تؤلف أكثر الكتب يزول من نفسه التقديس ~~للكلمة المطبوعة. وهذه الحقيقة تنطبق بشكل أصدق على ما يظهر في بلادنا من كتب ~~وصحف ومجلات. ~~(6) # بعض تفكيرنا الحقير: لماذا نعتقد أن غناء جارنا هو تحد لنا؟ لماذا نتوهم ~~إن أطلق فلان سهما ناريا فإنما يفعل ذلك نكاية فينا؟ لماذا التفكير الحقير؟ ~~أسمع البعض يصيحون أن مكبرات الصوت تركب في الجوامع نكاية بالمسيحيين، وأن ~~الصلبان المنتشرة على الطرقات إنما قامت هناك لوزوزة عيون المحمديين. إن القرآن ~~الكريم في إيمان الملايين هو رسالة منزلة من الله. وهو في إجماع البشر كتاب ~~عظيم يحتوي على التبشير الإنساني الرفيع. إني أشتهي أن أسمع التجويد لا خمس ~~مرات في النهار، بل ms10 خمسين مرة، وأصغي إلى التجويد بخشوع ورفعة. # والصليب؛ إنه رمز الإيمان والفداء، والشعار المقدس لمئات الملايين من البشر؛ ~~فرؤية الصلبان توحي في النفس المحبة، ولا توقظ البغضاء. إذن لماذا أثور أنا ~~المسيحي لسماع الآذان في مكبرات الصوت، وأغضب أنا المحمدي لرؤية الصلبان على ~~الطرقات؟ إن كان بيننا من يلوح بالشعائر الدينية لإيقاظ الأحقاد الراسبة؛ ~~فالسبيل لمقاومة ذلك هو أن تقبل هذه الشعائر كما وجدت، كما يجب أن تكون ~~مصدرا للود والإخاء والتأمل. ~~(7) # الوقار وفروعه: ومن الفضائل التي لا قيمة حقيقية لها هو ما يسمى الوقار؛ ~~كأن الفكر أو الشخصية أو القيم السامية لا تثبت إلا إذا تردت العبوس، وتهادت في ~~كلمات موزونة كأنها # Quota # النقد النادر، ويتفرع ~~من الوقار نقائص كثيرة حتى اختلط علينا الأمر، فصرنا نحسب أن الشراسة شجاعة، ~~وصار تقطيب الحاجبين والنظرات النارية مقياسا للبطولة. والحقيقة التي أثبتتها ~~تجارب الحروب أن الشرس هو في أكثر الأحيان جبان في المعركة، وقد يكون بطاشا في ~~«المشاكل»، وأن اللطيف المتواضع هو الجندي الأمثل. ~~(8) # الأدب القديم: آداب العربية التي درسناها والتي لا تزال تدرس وتسري ~~أمثالا على ألسنة الناس يجب إعادة النظر فيها، ويجب على الأمهات والآباء ~~والمدارس في بلادنا أن يقوموا بحملة في هذا السبيل. وإن كان نظام التربية عندنا ~~خاطئا، فيجب علينا أن نصلحه نحن في البيت والمعهد، وبتوضيح الأمور لناشئتنا. يجب ~~أن يفهم أولادنا حين يقرءون أشعار الأخطل والفرزدق والخطيئة أن الهجاء قذارة ~~عقلية، وأن إنشاد الشعراء في حضرات الملوك والخلفاء والأمراء هو تسول وذل، وأن ~~هؤلاء حين كانوا يأمرون بالهدايا والأموال إنما كانوا ينهبون أموال الشعب ~~لإرضاء أثرتهم وغرورهم، وأن التفاخر بالأجداد وبالأعمال هو قلة ذوق، وأن كل هذه ~~النقائص لا تزال متفشية في مجتمعنا لأسباب كثيرة، من أهمها أن كتب الآداب عندنا ~~لا تزال تعمر بهذه النقائص مرتدية أثواب دور النشر في طبعات جديدة. ~~(9) # شرفونا على سهرة: في بلادنا مؤسسة يجب هدمها. هذه المؤسسة اسمها السهرة. ~~سيران في صالون. ساعات ساعات نهدرها حلقة مفرغة نطوف بها على ms11 أصدقائنا، ويطوف ~~خلالها أصدقاؤنا علينا. وكما أن الأرض ومواردها هي ثروة الأمة لا يحق لأحد أن ~~يهدرها أو يتلفها، كذلك يجب أن نعلم أن وقت المواطن منا هو أيضا ملك الأمة لا ~~يحق لأحد منا أن يضيعه. وإنه لهادر للإنتاج من يسحق وقته حديثا حديثا وكلاما ~~كلاما في سهرات لا تنتهي مع أصدقائه وجيرانه. نحن لا نستطيع التغلب على اليهود ~~حتى ولا مقاومتهم إن كان أثمن ما نملك - هذا الوقت - نرميه كأنه شيء لا قيمة ~~له. # سيداتي سادتي: # ما هي مصادفة أننا ضعفاء. هذه البلاد أثبتت كبرها وقوتها خلال ألوف السنين. وحالتنا من ~~الضعف اليوم والاستخذاء لها أسبابها، وإني لم أحاول اليوم شرحها ولا علاجها. ولقد أعطيت ~~أمثلة قليلة على أن بعض الطريق لنجاتنا، وتحقيق مصيرنا، وتجسيد أمانينا هو موقف فكر ثوري ~~يعيد النظر في عاداتنا الاجتماعية. هذا الموقف يحتم علينا أن ننظر إلى كل ما نحن فيه من ~~أنظمة نظرة موضوعية جديدة. ونحن لا نستطيع أن نتطلع إلى مشكلاتنا ولا أن نحلها إلا إذا ~~أقبلنا بجرأة وتعر على تفقد قوانا، والتخلص بحزم وانتفاضة من كل ما يكبلنا، وإلا فما نحن ~~بمخلصين. نقطة الانطلاق ليست النظر إلى جزئيات الأمور ولا توقع العجائب. كل واحد منا يجب أن ~~يحيا في جبهة قتال. وليس من المعقول أن نربح الحرب الكبرى إن كنا نخسر في كل جبهة من ~~جبهاتنا الصغرى. # لا أعتذر عن قصر هذا الحديث. مهمة الثقافة - ومنها إلقاء المحاضرات - هي ألا نسلم الناس ~~الفكر رزما مضبوبة، ولا أن نقدم الفكر برشانة يبتلعها السامع. مهمة الثقافة - ومنها ~~إلقاء المحاضرات - أن نستثير الفكر، فيفعل كل عقل، وينطلق موجات مغرقا كل خرافة، متحديا كل ~~افتراض، منضبطا في نظام المنطق، مستهدفا الغاية الكبرى: تقوية المجتمع. # أيها المواطنون: # قبل أن أتوقف، يتوجب علي أن أجيب على السؤال الذي هو موضوع هذا الحديث: ما هي أفعل ~~الأساليب في مكافحة المحاضرات وقطع دابر المحاضرين؟ # هل نقتلهم جميعا؟ لعلهم يستحقون أكثر من الإعدام! # هل نستصدر قانونا يمنع إلقاء المحاضرات؟ ms12 إن القوانين تشترع حتى تخرق. هل نرميهم في ~~البحر؟ قد لا يسعهم البحر. إذن كيف السبيل إلى القضاء عليهم؟ لعل أفضل الأساليب هي اقتباس ~~قاعدة اقتصادية: تنزل قيمة النقد وتتلاشى حين يباح طبع الأوراق المالية. سبيل التخلص من ~~المحاضرات والمحاضرين هي الإكثار منها ومنهم. # لهذا كانت هذه المحاضرة. # | كل مواطن خفير # افتتح مؤتمر خريجي الجامعة الأمريكية في قاعة الأونسكو. وتصدر القاعة فخامة رئيس ~~الجمهورية اللبنانية، وخلفه صفوف الكراسي الفارغة؛ حيث كان من المفترض أن يجلس الساسة ~~و«الوجهاء». كذلك تخلف عن المقصورات في أجنحة القاعة ممثلو السفارات والهيئات، إلا رجل يعتمر ~~كوفية وعقالا، فهمنا بعد ثلاثة أشهر أنه جاء ممثلا لسماحة المفتي الحاج أمين الحسيني. ~~أما المؤتمرون فلم يبلغ عددهم المائة والخمسين. وكنا خطباء ستة، أحدهم رئيس الجمهورية. وقد ~~سبق انعقاد المؤتمر شائعة تهمس أن يدا أجنبية تسيره، وساد في مفهوم الناس أنه سيكون ~~مظاهرة كلامية جديدة؛ لذلك جاءت كلمتي متواضعة مختصرة تحدد أهدافا صغيرة. # فخامة رئيس الجمهورية. # سيداتي وسادتي، أيها المؤتمرون. # سيكون نجاح هذا المؤتمر كبيرا إن استطاع أن ينفذ أعمالا صغيرة. # غاية هذا المؤتمر كما أذيعت وكما بحثت وكما خططت «قضايا العالم العربي». # وقضايا العالم العربي كيف عالجتها، وكيف استعرضتها، وكيف تهجأتها، وجدتها لفظة واحدة: ~~فلسطين. # لقد احتل جنوب بلادنا ويحتلها عدو له حلفاء وله أعوان. # ومن حلفائه: تخاذلنا، وأحقادنا، وغرورنا، وتهربنا من مسئولياتنا. # وأكبر أعوانه أن الصراع فينا أصبح مهمة نكلها إلى سوانا. قال هذا المؤتمر لنفسه: «أبدأ ~~بنفسي.» # ولقد اجتمعنا لنطمس خلافاتنا فنوحد جهودنا لعمل شيء، لا لنستعرض انشقاقنا، فنتصايح في عرس ~~فصاحة ومهرجان انفعالات لعمل لا شيء. # ونحن مواطنون قبل أن نكون خريجين، فإن اجتمعنا اليوم كمتخرجين، فليس لنسور نفوسنا في برج ~~عاجي جديد؛ بل لأن جمعية المتخرجين هدمت بعض الحيطان التي سورتنا فئات وأحزابا وشيعا. ~~فهذا المؤتمر هو نقطة التقاء، وهو كذلك نقطة انطلاق نحو سائر الفئات والأحزاب ~~والمنظمات. # قد نخرج بقرار ندعو به الجامعة العربية لنقل مقرها إلى القدس أو قبية أو نحالين، ولكن ms13 بعد ~~أن نعقد مؤتمرنا في القدس أو قبية أو نحالين. # ويبتسم الهازئون: ماذا في وسعكم أن تفعلوا؟ # نقول: إنه صفر من رسم حول نفسه دائرة الصفر. # لا أصدق أن في هذه الأمة فئة أو فردا تعجز أو يعجز عن المساهمة ولو بقدر قليل في دفع ~~الخطر عن البلاد. # لقد اتخذت الجامعة العربية قرارات مقاطعة بعضها لا ينفذ. # هنا، الآن، نحن نراقب تنفيذها وننظم الفرق لها. # بعض أقطارنا ملأى بنشاط الجواسيس والمهربين. هنا ونحن والآن يجب أن نعاون السلطات على ~~مكافحتها، وإن أعياها ذلك تولينا نحن بأيدينا مكافحة الجواسيس والمهربين والخونة. هكذا نوقظ ~~روح الصراع فينا وفي مواطنينا حتى ليصبح شعارنا: «كل مواطن خفير.» # فالضمان الجماعي ينجح متى سانده ضمير حي فاعل جماعي. # يجب أن نثق من النجاح لأننا نثق بأنفسنا وببعضنا. وإن الجهد القليل القصير الذي بذل في ~~التمهيد للمؤتمر أثبت أن في كل وسط ودائرة وبيت من يشعرون بالمسئولية ويتجندون لها. هذا ~~المؤتمر يستفزهم وينظمهم. # سمعنا الكثير عن الخيانات في فلسطين، ولكننا أغفلنا أمر البطولات. من شعبنا من قاتل وناضل ~~واستشهد. # ومن شعبنا من يقاتل اليوم في القرى الأمامية. هؤلاء لا يعوزهم الإيمان، ولا تعوزهم البطولة، ~~بل تعوزهم الأسلحة. يجب أن نساهم في توفير الأسلحة لهم، فهم لا يدافعون عن بيوتهم في القرى ~~الأمامية، بل هم يدافعون عن كل بيت من بيوتنا؛ أكان هذا البيت في الكويت، أو بغداد، أو دمشق، أو ~~بيروت، ويدافعون عن القاهرة والرياض إذ يدفعون العدوان الصهيوني. # وتتلوى حية إسرائيل تفح أغنية المحبة في الشرق الأوسط على أنها هديل حمامة السلام. من هذه ~~القاعة يجب أن نفهم الدنيا أنه فحيح الأفعى لا هديل الحمام ما يسمعون. # من هذه القاعة يجب أن نفهم أصدقاءنا الكثيرين في أنحاء الدنيا أننا نؤمن بصداقاتهم، وأن ~~نفوسنا مشبعة بالمحبة لا تعادي ولا تستعدي. # هذا المؤتمر ما هو بصفر؛ لأنه لن يرسم حول نفسه دائرة الصفر. # كل مواطن خفير. سيكون نجاحنا كبيرا إن استطعنا أن ننفذ أعمالا صغيرة. # | يا عمر # ألقيت ms14 هذا الخطاب في حفلة توزيع الشهادات في مدرسة الشويفات 1948. كان الجمع كبيرا جدا، ~~وكانت كلمتي أولى كلماتي التي ألقيتها بعد عودتي من المهجر، ولم أكن واثقا حينئذ من مقدرتي ~~على الخطابة. الجمع طغت عليه الصفة الدرزية؛ لأن «الشويفات» درزية. أعترف خجلا نادما أني ~~أردت تملق الجمهور بمثل «بذلوها باعوها.» وهو تعبير درزي. كذلك دغدغته بالإشارة إلى ذكر بطل ~~مجاهد اسمه حمد صعب. وقد تلقيت جزاء هذا النفاق؛ إذ اكتشفت بعد إلقاء الخطاب أن عائلة صعب ~~كثيرة العدد في الشويفات، ولكن حمد صعب ما هو أحد العائلة، وليس هو من الشويفات، بل من ~~«الكحلونية»، ثم اقترفت خطأ ثانيا، وهو أنني افترضت أن المتخرجين سيجلسون قبالتنا وجلسوا ~~وراءنا. ولكن الخطاب كان ناجحا جدا بدليل ما تناقل الناس ورددوا من آرائه. والظاهر أن ~~الخطب كانت قبل هذا عبارة عن هوائيات. نجاح هذا الخطاب بعث بي ثقة في النفس بعد انقطاع ~~ثلاث وعشرين سنة عن الخطابة بالعربية، حتى - ولحد ما - التحدث بها. # أدير نظري بين هذه الوجوه النظرة فيؤلمني ألا أرى وجها حبيبا إلي هو وجه الفتى ~~عمر. # إن عمر فتى لم تعرف هذه المدرسة له شبيها: عثليتي الجسد، وقاد الخاطر، جريء القلب، فصيح ~~اللسان، ورع يعبد الله ويمشي على وصاياه ... إن عمر فاز بكل الجوائز المدرسية، وهو قافز إلى ~~الحياة تواكبه قلوب عائلته ورفاقه التلامذة وأساتذته وكل عارفيه. # عمر هو ولدي، وهو ليس ~~بينكم اليوم لأنه بقي حلما في خاطري، وبريقا في عيني، فلم يمن الله علي بغلام ذكر حلمت ~~بتسميته عمر. # لو أن عمر ولد ابنا لي، وكان هذه الليلة بينكم، فما الذي كنت أود أن يسمعه؟ لعل أجدر بي ~~أن أقول أولا ما الذي أريد ألا يسمعه؟ # أود لعمر ألا يسمع خطابا داويا كل ما يترك في نفوس سامعيه صدى جميلا لكلام مبهم ~~فخم. # إن من يتوخى التصفيق في الحفلات يفوز بالتصفيق. قليل من المديح، وشيء من الإشادة بالماضي، ~~وبخمسة قروش عواطف. هذه روشتة الخطب الناجحة. # أريده أن يسمع نصائح صاغتها ms15 الحياة من دماء العيش ودموعه. كلاما صقله غبار الحياة ، وفيه ~~بريق وحرارة ولدها احتكاك آلام الخيبة بأفراح الانتصارات. # فيا عمر ويا رفقاء عمر: # كلماتي التالية ستنقصها البلاغة ولن ينقصها الاختبار. لن تكون فخمة ولا جزلة، ولكنها ~~مخلصة. كم مرة في سني الغربة قعدت فاشلا منهكا، ورفعت إلى الله عينين جريحتين أبتهل ولا ~~أعاتب، بل ضارعا: «ربي يسر لغيري ما حرمتنيه ... رب أرسل لفتياننا من يرسم لهم خارطة الطريق ~~فلا يتيهونها.» # فيا عمر ويا رفقاءه: # نصيحتي الأولى هي أن تقتنعوا أنه ليس عن الوقت من بديل ... طريق النجاح في معظم الأحيان ~~طريقة موحشة صعبة طويلة، فلا تحاولوا اختصارها بدروب القادوميات غير المشروعة ... بدون ريب أن ~~سوق الكميونات هو أقل ربحا من تهريب الحشيش. ولكن من يقترف منكم التهريب يتغلغل في خلايا ~~نفسه سم من القلق الروحي لم يجدوا له بعد ترياقا. # بعد عودتي من غربة السنوات الكثيرة رحت أتطلع إلى وجوه رفاق الصبا؛ فأما من سرق وكذب ~~وارتشى وداجى، فحول أحداقه وعلى جانبي فمه خشونة بصقتها نفسه شبه سم الأفعى، يطفو على ~~أنيابها؛ إذ هي تحاول الدفاع عن السم الذي يجسدها بالسم الذي تنفثه، وأما من طهرت نفسه وعاش ~~في أمن وسلام مع خالقه وضميره وجيرانه، فلقد طغت على وجهه موجة من الهدوء والثقة ~~والصراحة. # كذب من قال لكم أنه فاز بالسعادة من فاز بالمال عن طرقه غير المشروعة. # عاشرت الأغنياء والأقوياء الذين سلكوا القادوميات، فإذا هم في معظم الأحيان يركضون هنا ~~وهناك يحاولون ابتياع ما لا يشترى بمال: ذلك الهدوء الروحي الذي رأيتموه هنا في هذه البلدة ~~على وجوه الكثيرين الذين لم يخافوا الدروب الوعرة. # الأمثولة الثانية التي أريد أن يحذفها عمر هي الاقتصاد: الاقتصاد في بدء الحياة. لقد ~~سمعتم ولا ريب أن أصعب مراحل الثراء هو الحصول على أول مليون ليرة. # أسرفوا وبذروا ما تشاءون، إنما بعد أن تحصلوا على المليون الأول ... فرص كثيرة في الحياة ~~فاتتني لأنه لم تكن لي الحكمة ولا قوة ضبط النفس على توفير ألف ms16 أو خمسمائة ريال. لتكن لكم ~~جرأة مجابهة الناس بكف مقبوضة ... ليسمكم الناس بخلاء. البخل في معظم الأحيان هو تقريظ لازم ... ~~لتكن لكم الجرأة أن تظهروا بثياب عتيقة، وكرافاتات لم تصل من باريس في فجر هذا النهار، ~~ولتكن لكم الشجاعة أن تشبعوا ضيوفكم ولا تتخموهم. # أقول لكم كونوا بخلاء في بدء العمر، فتضحكون بعدئذ ممن كان يضحك منكم. أقول كونوا بخلاء ~~ولا تكونوا لؤماء. التقتير والروية في الإنفاق أمر محمود، ولكن البخل في موقف النبل هو لؤم. ~~أقول لكم: لا تهدروا الشمبانيا، ولكني لم أقل لكم أن تحبسوا الرغيف عن لاجئي فلسطين. # كذلك أقول لكم وللحبيب عمر أن تعطوا الحياة شيئا أسميه «زودة البياع». أذكر حانوتيا ~~جاور بيتنا دكانه فيما مضى، وكنا نحن صغار الأولاد نذهب إليه بالمتليك، فيزين لنا القضامي ~~ويصرها في ورقة، وحين يهم بتسليمها إلينا يحفن من طبقه قبضة من القضامي ويرميها في الصرة، ~~مخاطبا إيانا مودعا قائلا: هذه «زودة البياع.» وكنا نحب ذلك الحانوتي ونحترمه؛ لأنه كان ~~يسخو علينا بما لا يطلب منه. كانت محتويات الصرة من القضامي دسمة، ولكن أدسمها كانت تلك ~~الحبات التي يجود بها جارنا الحانوتي. # كل أمر نبيل في هذه الحياة هو «زودة البياع»: الشوفير الذي يفتح باب الأوتوموبيل لركابه ~~بعد أن يقبض الكراء، والطبيب الذي يداعب مريضه ويلاطفه بعد أن يصف الدواء، والمرأة التي ~~تساعد جارتها بتقريص العجين، كلهم يعطون أكثر مما هو مفروض عليهم. # أعرف أن من الشويفات كثيرين ممن أعطوا من طبق الحياة حفنات من القضامي. أسمع بحمد صعب ~~الذي ترك ضيعته وحمل بارودته، ورقد رقدته الأخيرة في بقعة لم يسمع بها يوم كان فتيا؛ لأنه ~~من قوم تعودوا أن يجودوا في الحياة «بزودة البياع»، وما هي بأول مرة بذلوها، وما هي بأول مرة ~~باعوها. # كذلك تسنى لي طيب الأخوة مع المرحوم بشارة الجريديني من الشويفات، وأذكر فيما أذكر عنه ~~أنه ما سمع بأن خلافا نشب بين اثنين إلا وتطوع لتسويته، أو عرف شخصا نكب بأمر إلا وأسرع ~~بالترفيه عنه ms17 بالنصيحة والمؤاساة. # أيها الفتيان: # من شروط النجاح والسعادة في هذه الحياة أن تهبوها غير المنتظر منكم، وفوق المفروض عليكم. ~~وأريد لكم أن تطلبوا القوة والمال فاطلبوهما. ليس في الجهاد في سبيل المال من عار. لقد سعيت ~~وراء الدولار 23 سنة من حياتي وما أنا بخجول. الثقافة التي فزتم بها كلفت أهلكم مالا ... ~~لولا المال لما شريت البنزين الذي سير الأوتوموبيل الذي نقلني إليكم. هذه الورقة التي منها ~~أقرأ شريت بمال. الدواء الذي يشفي المريض لا يحصل عليه إلا بالمال ... حاولوا الحصول على ~~المال بكل وسائطه المشروعة. # المال قوة، ولكنه ليس بالقوة الوحيدة. الصوت الجميل هو قوة. الصوت الانتخابي هو قوة كما ~~تعلمون. من يجيد تصليح السيارات فهو قوي. من يحذق صنع الأحذية فهو قوي. # نصيحتي هي امتلاك القوة بتشغيل مواهبكم واستغلالها إلى الدرجة القصوى. وإني أتمنى لعمر، ~~ولرفاق عمر، أن يكونوا فتيانا تكهربهم حمية الفتوة ... إني أرى الخوف قد ملك على شبابنا ~~قلوبهم. هم يرتعبون من ميدان القتال في الحياة فيجنحون إلى دفء وظيفة في التابلاين أو ال # I.P.C # أريد من عمر ومنكم أن تتنافسوا فتيانا تملؤهم ~~روح الغمار، فلا يخافون الفشل ولا الجوع ولا الفاقة. لكل مصيبة عزاء، وعزاؤكم عن الجوع أنه ~~يجوهر الجسد، وعن الفاقة أنها تقوي الروح، وعن الفشل أنه طريق النجاح. # هذه بعض الفضائل الإيجابية التي أرغب إليكم في أن تعتنقوها. أما الفضائل السلبية فكثيرة. ~~أنتقي منها اثنتين: # الأولى: لا تكونوا اعتذاريين. إنني كلما حدثت أحدا من الناس عن فلسطين مثلا: لماذا لا ~~يفعل كذا وكذا؟ تمطى وحرك موتور لسانه فزغرد خطابا فخما يدوي بالأعذار التي تنتهي عادة ~~بأن الحكومة مقصرة. من يمنع الواحد منا أن يجاهد في فلسطين، أو أن يجود عليها بكل ماله، أو أن ~~يؤاسي لاجئيها. لا تسأل الناس هذا السؤال؛ لأنك تنتهي بأن تغرق في طوف من الكلام الفصيح ~~والأعذار اللبقة. متى اتخذ الواحد منكم موقفا اعتذاريا ينتهي بأن يقنع نفسه بأن فعل أي ~~شيء مستحيل! حذار حذار من الموقف السلبي من ms18 العيش! فكروا بما تقدرون على فعله؛ واطرحوا ~~الأعذار التي تبرر لكم في عيونكم عجزكم عن القيام بأي عمل مثمر مفيد. # وأخيرا، فليبتعد عمر ورفاق عمر عن الفصاحة والزركشة الكلامية التي ملكت ألسنة الناس هذه ~~الأيام. إنني كلما سمعت كلاما أنيقا مثل: فظيع، فظاعة، التوجيهات، التكتل، العناصر ~~الحيوية، أعلم أن قائلها كسول التفكير. خل عنك موهن الكلام، واستوح عاطفتك وعقلك، وأفصح عن ~~قلبك وإدراكك باللغة التي تملكها أنت؛ فإنك متى أخذت عن الناس مألوف كلامهم، فقد قتلت في ~~قلبك فورانه، وفي دماغك حدة تفكيره. # يعز علي أن عمر ليس بينكم، ولكني تعزيت عن غيابه بلذة التحدث والتعرف إليكم. وأعلم أن كلا ~~منكم هو للبنان عمر. وإن لبنان ينتظر منكم رجالا أحرارا شجعانا مغامرين، تخافون الله، ~~وتتعاونون مع جيرانكم ومواطنيكم. # | خطاب يبحث عن موضوع # دعتني منظمة الكتائب اللبنانية إلى إلقاء خطاب في حفلتها السنوية التي اعتادت أن تحييها ~~في أواخر نوفمبر. كان ذلك قبل دخولي الحزب السوري القومي الاجتماعي. ولعل بعض المغريات ~~لدعوتي أني غير مسيحي، ورحت أستشير الأصدقاء عن موضوع، فكان كل منهم يجيب ~~«الطائفية». # وقد حدث أنني حين كنت ألقي الخطاب ووصلت إلى «سفينة النجاة لن تبحر في أوقيانوس من زبد ~~الأشداق، ورغوة الأفكار، ولن تسير شراعاتها أرياح الهتافات.» حين نطقت بهذه العبارة رأيت في ~~الصف الرابع شبانا ثلاثة ينصرفون متأففين. # حضرة رئيس حزب الاتحاد اللبناني. # إخواني الكتائبيين. # سيداتي وسادتي. # ليس في يدي خيزرانة، ولا على جنبي مسدسان، ولا مسدس واحد. # ولكني أريد أن أدعي وأن أعلن وأن أتبجح أنني أكبر قبضاي. # وما أنا بمفتخر بشجاعة جسدية، فلئن خضت معركة ولم أهرب فقد لا يكون البأس والإقدام ~~والجرأة أسباب ثبوتي في المعمعة، بل لعلي أبقى في ساحة القتال ولا أهرب لسبب واضح جلي ظاهر؛ ~~وهو أنني لا أستطيع أن أركض. # منذ أيام أراني صديق صحافي بشيء من المباهاة مقالا أعده للنشر، وفيه يهاجم الحكومة. قلت ~~للصديق الصحافي: «مهاجمة الحكومة أمر هين. إن كنت «قبضاي» دافع عن الحكومة.» # ولست أدعي بأني ms19 «قبضاي» لأني جئت أدافع عن الحكومة، أو لأبشر في هذا المحفل بالعروبة. # بل إني لا أدري عمن أدافع، ومن أهاجم، وبماذا أبشر. # الذي أعرفه أني سأفصح عما يجول بخاطري، ويوحيه ما أتوهمه حكمة وصدقا واختبارا. يا ~~لعار مثالية هؤلاء توحي كلاما ينطق به ذو عينين: إحداهما ترنو إلى مقعد نيابي، والثانية ترمق ~~مصلحة شخصية. # ما أنا بالغريب عن «الكتائب اللبنانية»، وإن كنت لست من أعضائها، وعلى رغم أن اتصالاتي بها ~~اقتصرت على زيارة واحدة ومقابلتين. # لقد قصدت إلى بيت الكتائب اللبنانية منذ سنتين عن غير معرفة، وسألت رئيسها وأعضاء مجلس ~~إدارتها المساهمة في عمل يعود لخير اللاجئين الفلسطينيين، فلقيت منهم الكياسة والاندفاع، ~~وقاموا بخدمة اللاجئين كما طلبت، ودفعوا النفقات من صندوقهم. # كل هذا من غير ضجة ولا مباهاة. # قلت: قصدت إلى بيت هذا الحزب عن غير معرفة. ولم لا؟ # إن كانت هذه المنظمات وجدت للخير العام، وإن كان الواحد منا يشعر بأنه جزء حي من هذا ~~الوطن، فله الحق، بل من الواجب عليه أن يستنجد بالمنظمات في كل ملمة، وفي سبيل الخير ~~العام. # ثم كذلك على المواطن الصادق الحي أن يشعر أنه قريب إلى مواطنيه. إني لا أعرف في لبنان ~~شخصا لا يشوقني أن أواخيه، ولا معبدا لا يشرفني أن أركع فيه. # من أسباب تفككنا القومي أننا في عصر مائع بين عهد الإقطاعية المطلقة، وعهد الحزبية ~~المنظمة الصحيحة. # فمن الناحية القصوى ليس في البلاد إقطاعي أو عشرة إقطاعيين يستطيعون أن يعبئوا الشعب ~~جمهورا طيعا خدوما، ومن الناحية المعاكسة ليس فيها عشرة أحزاب تقوى أن تستنفر جنودا ~~مدربة منظمة. # لذلك وجب على الأفراد أن يشجعوا الحزب - أي حزب - على أنه المنظمة التي نفتقر إليها، ووجب ~~على الأحزاب وهي ما تزال في طور الاختبار ألا تخون الفكرة الحزبية وتصبح مطية ~~للرغائب. # حين تفضل السيد بيار الجميل، وليسمح لي أن أعريه من مشيخته، ولقاء ذلك أتعرى أنا من ~~مشيختي؛ أقول حين سألني الشيخ؛ السيد بيار، الكلام قال: إن بينه وبيني فروقات، ولكننا ~~متفقان ms20 على الجوهر. # بلى، إن بيننا فروقات عديدة قد أعرف بعضها، وقد أجهل البعض الآخر. # معمل الصابون يصنع الصابونة كالصابونة؛ فبركة البلاط تنتج البلاطة كالبلاطة. طبق الترمس ~~حباته متشابهة. أما الرجال الذين يدعون الفكر الحر والعقل المستقل المستنبط الواعي فلا ~~يجمعون على كل شيء. لا تجد الإجماع الشامل على الأمور كلها إلا عند المستعبدين والصعاليك. ~~أجل، إن بيننا فروقات كثيرة أرجو أن تتكاثر وألا تمحى. # أما الجوهر فهو أن لبنان قبل أن يتجسد حقيقة واقعية نهائية، ووضعا لا مجال إلى إعادة ~~النظر في كيانه، كان لبنان نبرة في حدائنا، ولهبا في عيوننا، وموسيقى في أغانينا، وحنينا ~~في نفوس مهاجرينا، وحبالا التفت حول أعناق شهدائنا. # أما الجوهر فهو أننا لن نذهب إلى لبنان بأن نبني حوله الأسوار. # في زمن تحتضن به أمريكا الجبارة جاراتها الدول اللاتينية الأميركية، وتجعل منها جبهة ~~حليفة، وفي الوقت الذي تتكتل به دول أوروبا في حلف أطلانتي للدفاع عن كيانها، وفي هذا ~~اليوم الذي انصهرت فيه دول أوروبا الشرقية في القالب السوفياتي القوي، لن نقترف نحن أبناء ~~الوطن الصغير الخطأ الكبير، فنبتعد عن الدول العربية اللواتي هن بحكم التاريخ والجغرافية ~~والمصلحة حليفات للبنان، شقيقات له. # وأما الجوهر فهو أنه مهما اختلفت بيروت ودمشق، وتعالى صياح الحكومتين، واشتبكت الأقلام، ~~فعلينا ألا يزيغ بصرنا عن حقيقة بديهية أساسية؛ وهي أنه ليس لنا في سوريا أعداء ~~طبيعيون. # ليس لنا في سورية إلا أصدقاء طبيعيون. # ويجب أن يفهم السوريون أن ليس لهم في لبنان أعداء طبيعيون، بل ليس لسوريا في لبنان إلا ~~أصدقاء طبيعيون. # أما الجوهر، فهو أن على أبوابنا المشرعة ضبعا يعسعس ويهمدر، وينفخ السم أرياحا. ولقد بدت ~~مخالبه تجرح من أعناقنا. # إن الذي لم يحس بناجذ إسرائيل في عنقه هو إما ميت أو مخدر نفسه بأوهام. # إن هذا الضبع يريد أن يبتلعنا، ويقدر أن يبتلعنا ساعة يشاء، وحين يفعل هذا سيزدردنا أغنياء ~~وفقراء، مفوضيات ووزارات، مسلمين ومسيحيين، كتائبيين وندائيين، سباق الخيل وملعب ~~«البيسين». # بحق نحن ننتقد الحكومة أنها لاهية عن ms21 المهام الكبرى بسياسة المختار والناطور، ولكن النقد ~~يبلغ ذروته الصادقة حين يوجهه الناقد إلى نفسه، ونحن إذ نغضي الطرف عن الخطر المداهم لنعنى ~~بمن تولى منصبا وبمن استقال، نكون قد تلهينا عن المعضلة الكبرى باللعب بخيط من شرابة طربوش ~~المختار، وبذرة من تراب علق بعصا الناطور. # قد نتساءل: «ما في وسعنا أن نفعل؟» # في وسعنا أن ننتفض. # من هذه الانتفاضة تتولد القوة التي تكهرب كل مواطن وكل شيء. # هذه الانتفاضة تجيش الجيوش، وتسيل المال، وتنشئ القلاع، وتبقي هذا الوطن مصفقا حرا ~~طليقا. # ليمتحن كل واحد منا ولاءه لقومه ودولته واستقلاله بسؤال بسيط: «حين تنزهت الطائرات ~~الإسرائيلية في سماء لبنان؟ هل انتفضت؟» # هنا محك الصدق في الوطنية. # هنا تنجلي الوطنية القوالة، الوطنية اللهاثة، النفاثة، النافورية، عن الوطنية الفعالة ~~الهادئة. # إن سكان لندن وسكان ستالينغراد خلال السنين السوداء في الحرب الأخيرة لم يهتفوا بحبهم ~~للوطن، ولم يتغنوا بأمجادهم التاريخية، ولكنهم صبروا على النار والدمار والقنابل والموت ~~بهدوء وجلد ومكابرة. # هذه هي الوطنية الفعالة. # حين استشرت أصدقائي عن الموضوع الذي يحسن أن أعالجه من فوق هذا المنبر كادوا يجمعون على ~~القول إن الموضوع الأجمل والأليق هو الطائفية؟ # على أني لا أريد أن أخطب في الطائفية. لقد قلت كل ما أريد قوله في الطائفية حين تزوجت ~~فتاة من غير طائفتي. # لقد دونت كل ما أريد أن أدون عن التعصب الطائفي حين آخيت في الحياة، وشاركت في الأعمال ~~فتى من غير مذهبي، وفوضت إليه أن يوقع باسمي، كما فوض هو إلي أن أوقع باسمه، فله أن يحرمني ~~من كل ما أملك إن شاء، ولي أن أحرمه من كل ما يملك إن شئت. # في السنة الماضية، نشرت جريدة العمل افتتاحية أغضبت أوساط الجامعة الأميركية وأخصها ~~المتخرجون. # كان من السهل إذ ذاك أن أجاري التيار، فأقف من جريدة «العمل» والكتائب موقفا عنيفا ~~فأكتسب شعبية رخيصة، وأمتطي موجة من صخب ترفعني في عيون الكثيرين. # ولكنها طريقا ثانية سلكت، فتبادلنا الكلمات الناعمة، وفناجين القهوة، وكانت زيارة ود ~~وانتهى الأمر. ms22 # إني لا أعرف في لبنان معظلة لا يحلها حسن النية وكلمة ناعمة وفنجان قهوة. # لا أريد أن أخطب بالطائفية لأن الكلام فيها يضر ولا ينفع. # لا أريد أن أخطب بالطائفية لأن الخطابة في الفضيلة هين؛ ولأننا لا نبشر حقيقة بالفضيلة ~~إلا حين نمارس الفضيلة. # الحرية هي فضيلة، فكيف نمارسها هنا؟ # نسمع في بعض الأحيان كلاما عن الحرية المخنوقة في لبنان. # هل هذا صحيح؟ # إن لنا من الحرية أضعاف ما نحتاج. # ليتنا لم نكن أحرارا. # ليت يدا حديدية تشد على أعناقنا إذ ذاك، فإما أن نختنق وإما أن ننعتق. # أما هذه الحرية التي تشملنا فقد أضرت بنا. نقول ما نريد؛ لذلك تفجرنا طوفانا من كلام، ~~فحيث توجهت انصبت في أذنيك قصيدة، وتفرقع أمام عينيك خطاب، تزكات، تزكات، من خمور الألفاظ، ~~حولها الناس سكارى بالبلاغة والفصاحة. # وهناك الذي يحملون أقراصا من بنسلين الحكمة؛ إذ إن عندهم علاجا لكل شيء، ويفهمون كل شيء ~~عن كل شيء، من أسرار الحرب الكورية إلى تصدير الأثمار الحمضية، وفلسفتهم تختصر بعبارة ~~واحدة: «الحكومة فظاعة يا أستاذ!» وأحدهم يعنف الناس على الإسراف فيما هو يحكم عقدة ربطة ~~باريسية ثمنها ثروة فقير: فظاعة يا أستاذ! ويوقف سيارته في عرض الطريق فيما ينتقد حالة ~~السير، فظاعة يا أستاذ! # هؤلاء يعتقدون أنهم قاموا بواجبهم نحو المجتمع كلما وصفوا علاجا شاملا شتموا حكومة أو ~~نطقوا: «فظاعة يا أستاذ!» # على أنهم ليسوا بخطرين. # الخطرون المجرمون هم الذين يسلكون إلى الانتهازية طريق المثالية، هؤلاء الذين تتهدج ~~أصواتهم ثورة على نظام أو قانونا أو ظلامة، ثم تنعم أصواتهم؛ إذ يتوسلون لخرق النظام، ~~وطيح القانون، وإنزال الظلامة. # هذه الأيدي التي تنقبض مهددة متوعدة مستثيرة النقمة على الفساد، ثم تنبسط مستجدية ~~مساهمة في أعمال الفساد. # وهناك فئة؛ هذه التي تلوح بالشهادات الجامعية، والألقاب العلمية، وتتباهى بالثقافة، وتعلن ~~بكل تواضع أن البشرية خلفها بمراحل. # تجار كلام أقاموا نفوسهم معلمين يلقنون سواهم الوطنية، والفلسفة الاجتماعية، والمثالية ~~العقائدية، وبايع بعضهم بعضا ملوكا للفكر. # فأما العقائد فهي إما مستوردة رأسا أو ms23 عن طريق الترانزيت، وأما الأفكار فينبشونها ~~بالمجرفة من بطون الكتب في أي صفحة من أي كتاب علقت به المجرفة. # كأنما من شروط الوطنية ألا تثبت العقيدة الوطنية بنا في هذا الوطن، وكأنما من ضروريات ~~الأفكار عدم الفكر. # وبعد أن يتم وصف الكلام - لا فرق من أي كتاب تدحرج - يطوفون على الناس منادين بأنهم ~~فاتحون في دنيا الهداية عالما جديدا. # كلنا ناقدون، كلنا ناقمون، ولكن سفينة النجاة لن تبحر في أوقيانوس من زبد الأشداق، ورغوة ~~الأفكار، ولن تسير شراعاتها أرياح الهتافات. # خير لنا أن نبقى على اليابسة الصحراء ثابتة أقدامنا من أن نحاول أن نسبح في ~~الضباب. # وأريد أن أتحدث عن الرجل العادي. # أما الرجل العادي، فلا ينادي بالأمير، ولا الشيخ، ولا البيك، حتى ولا أستاذ. # الرجل العادي هو سائق الترامواي، وبائع الخضار، والحمال، والفلاح، وسائس الخيل. لقد فقد ~~احترام النفس جمهور هذا الشعب. # لقد قتل رجولتهم موظف الحكومة الذي يدفن أوراقهم في درجه، وصاحب المعمل الذي في يده أن ~~يصرفهم ساعة يريد، وصاحب الديوان الذي يبقيهم خارج الديوان، وخادمة الزعيم التي تقفل الباب ~~في وجوههم، والمتنفذ الذي يقول لهم أنتم لا شيء إن لم أطبع على جباهكم أنكم من أتباعي. فصار ~~المواطن اللبناني العادي يشعر أنه امرؤ لا شأن له. # المواطن العادي هو أحد السابلة؛ غبار السجاد. # مسكين يقرع الأبواب متسولا كرت توصية. # مستعطف يشكر كلما وهبوه بعض ما نهبوه. # ورقة تصويت تملأ صندوقة الاقتراع وتقرأ - غلطا أو صوابا - عند الانتخاب، ثم ترمى وتبقى ~~سنوات أربع مهملة مجعلكة في جانب الطريق. # من أهم واجباتنا أن نرفع المواطن العادي إلى مستوانا رجلا كان أو امرأة. # وأخيرا أود أن أذيع سرا عظيما. # أمس جاءني مهندس ألماني يشرح عن مكنة جبارة جديدة اخترعها الألمان. # هذه المكنة تتلقف الأنقاض التي تملأ شوارع برلين فتطحنها ثم تخرجها حالا حجارة جديدة ~~جاهزة للبناء. # سألت هذا المهندس: كيف يذكر الألمان هتلر؛ بالخير أو بالشر؟ # أجاب: «هتلر مات ونسيناه، ونسينا جورنغ وبسمارك وفريدريك الكبير، والقيصر غليوم، كلهم ~~ماتوا. ms24 نحن مشتغلون بهذه المكنة التي تتلقف الأنقاض وتصنع منها حجارة جديدة .» # قلت: «إن الدنيا متهافتة على كسب رضا الألمان، ولكن الألمان من يؤيدون؟ أميركا وحلفاؤها، ~~أو روسيا؟» # أجاب: «الألمان يؤيدون الألمان.» # السر العظيم الذي أريد أن أذيعه هو أن هتلر وغليوم وبسمارك ماتوا. # السر العظيم الذي أريد أن أذيعه هو أن فخر الدين المعني مات، وبشير الشهابي مات، وصلاح ~~الدين الأيوبي مات، كلهم ماتوا. # السر العظيم هو أن فرنسا ليست لنا، أميركا ليست لنا، إنكلترا ليست لنا، روسيا ليست ~~لنا. # إنما الدنيا بأجمعها تصبح لنا إن صرنا مثل الألمان، «لبنانيين نؤيد اللبنانيين»، ومشتغلين ~~بمكنة تتلقف هذه الأنقاض التي ملأت شوارعنا ونطحنها ونصير منها حجارة جديدة جاهزة ~~للبناء. # | أنا لبناني ... فأنا عربي # تلفن لي منذ أيام صديقي عبد الله المشنوق مقهقها: «كمشتك!» قلت له: ما الخبر؟ أجاب: ~~أمامي خطاب لك في «المقاصد الإسلامية الخيرية» نبشته، وتقول فيه إنك عربي. أين هذا منك ~~اليوم في عقيدتك السورية القومية الاجتماعية؟ سأنشر هذا الخطاب من جديد «وأفضحك.» # إن كان هنالك من فضيحة فأنا أتولى نشرها بنفسي. إن العروبة - وهي بعض الإيمان في عقيدتنا ~~- تطهر من أدرانها، وتصفو من رغوتها ووحولها حين تتجوهر في حقيقة علمية، وتنتظم في وحدات ~~واقعية فتصبح بناء لا «قعقور» خرائب مكومة. # واجهت الجمع في المقاصد الإسلامية الخيرية عامذاك، وكلهم ذكور، فبدأت خطابي: «سيدا ... عفوا ~~سادتي.» وبعد تلك الحفلة أصبحت النساء يحضرن الاجتماعات النسوية. # معظم الخطباء يعتذرون عن التطويل. أريد أن أعتذر عن الاختصار. أرادوني أن أتكلم نصف ساعة. ~~خطابي لا يتجاوز ربع الساعة. حين عتبوا علي لقصر الخطاب قلت لهم: «ربع ساعة خطابة مني، ومنكم ~~أيها المستمعون ربع ساعة تصفيق.» # بيد أني أخشى أن أسمع ربع ساعة خطابة، وأسمع ربع ساعة تصفيرا. # ذلك لأنني سألتكم في صراحة قد تكون مؤلمة. # حين يقابل الغريب الغريب لأول مرة يحكم عقدة الكرافتة، ويمشط شعره ويزرر سترته. في هذا ~~المجتمع أحسب نفسي في بيتي وبين أهلي، فلا عجب إن جاء خطابي منبوش الشعر لابسا ms25 ~~البيجاما. # هذا المحفل واضح العروبة، وإني رجل قد أتخلى عن كل ما أدعيه في الحياة، ولكني أمدح نفسي ~~بالإصرار على أني صافي العروبة. # حين شردتني الحياة عن كورنيشها العريض، وأسلكتني دربا فرعية ضيقة نائية، وقذفت بي من ~~الحاضرة الكبرى إلى كهف مهجور. لم أنس حين دخلت الكهف أن أغرس على مدخله علم العروبة، وأن ~~أنير سراجها في زاويته. # أمهد بهذا الكلام لأني سأقسو بالانتقاد. سأجور عليكم لأنني واحد منكم. # هذا المجتمع هو إسلامي. كلية المقاصد هي إسلامية في اسمها ونزعتها وأساتذتها وتلامذتها ~~وتعاليمها. # لقد أدى الإسلام إلى المدنية ألف رسالة غالية من أجملها رسالة التسامح. # إني أجل الإسلام، وكذلك أجل المسيحية. في منزلي نسخة عربية من القرآن الكريم، ونسخة ~~إنكليزية من التوراة المقدسة. حين أتوق إلى أن أسمو بعاطفتي وتفكيري إلى جو أثيري؛ فقد أجود ~~القرآن، وقد أتغنى بالأسفار على حسب قرب أي من الكتابين إلى يدي، فكلاهما متساو في قربه إلى ~~قلبي. # لو أنه أعطي لي شغف التمتع بروعة الخشوع في المعابد لما همني أن ركعت أمام المذبح أو ~~أمام المحراب. # الإسلام شاسع الآفاق، وليس بمسلم من ينكمش في زاوية فيحمل جاره على أن ينكمش في ~~زاوية. # العروبة قرة عين الإسلام، ومن أشد الناس ولاء للعروبة أناس ما هم بمسلمين. فيا أيها ~~الفتيان الذين هم اليوم إلى الحياة واثبون؛ حذار أن تجعلوا من سلوككم حافزا لغير المسلمين ~~الذين سكنوا دار العروبة أن يشعروا أنهم ضيوف مكرمون، ولكنهم ليسوا من أصحاب الدار، وأما ~~الذين لم يدخلوها، فاسمعوهم النداء بالصوت العذب والقول الجميل: # ادفع ~~بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم ~~. # ولا ريب أن في كل طائفة وفي كل بلد وأمة مجرمين يقتاتون بالضغينة، ويزدهرون في العداء. ~~هؤلاء الضالون نراهم قبالتنا، ولكننا نراهم كذلك على جانبينا لو تلفتنا يمنة ويسرة. وما ~~نحن متطلعون إلى آفاق جديدة؛ إذ نقصر عليهم نظرنا. وما هو بعادل من يشير إلى القبيح الذي ~~يواجهه، ولا يشير إلى القبيح الذي يكاتفه. # وإني أريد ms26 أن أضع روحي على كفي فأبحث بصراحة وصدق موقف اللبناني الصميم ، الذي هو كذلك عربي ~~صميم من لبنان والعروبة. نحن في هذا البلد لم نعتد الروية، ولم نألف عمق التفكير، ولم نمارس ~~النزاهة العقلية. العقائد الكبرى كالشخصيات الكبرى ما هي بمواد أولية خالصة، بل هي في معظم ~~الأحيان مركب من مختلف العناصر بينها متناقضات. الشخص الذي يوصف بكلمة ما هو في غالب ~~الأحيان بشخص عظيم، والعقيدة التي تشرح بعبارة ما هي بعقيدة ذات بال. # ليس لبنان بقصيدة زجلية أو موال عتاب. قبل أن يصبح لبنان دولة كان لبنان ولما يزل بعض ~~أرواحنا، لبنان هو واقعي كقبضة من ذهب، غريزي كحب الأم، جميل كرؤيا. # أنا لبناني إذن فأنا عربي، أنا لبناني عربي، إذن فمن النكبة علي أن تكون هذه القطعة من ~~الدنيا من طوروس إلى العريش، ومن المتوسط إلى الصحراء غير وحدة سياسية لا تتجزأ، غير أن ~~النكبات على درجات! سيظل لبنان دولتي، ودستوره دستوري، وعلمه علمي، ولن أفكر بتغيير ما ولن ~~أطمح إليه، ولن أقبل به حتى أسمع أصوات المطالبة بالتغيير ترتفع من باحات بشراي وزغرتا ~~والنداء للوحدة ينطلق من أجراس كنائس بكفيا ودير القمر. وفيما أنا أرهف أذني لسماع هذه ~~الأصوات أعلم علم اليقين أنني أخدم العروبة بأن أبقى لبنانيا صميما، أضع كتفي إلى أكتاف ~~جيراني، وأشد أواصر الأخوة ما بيني وبينهم. # إن سمو الخلق يبلغ ذروته حين لا يضل الرجل عن الجمال فيما يستقبحه، والقبح فيما يستحبه، ~~وإن التفكير يبقى عاديا حتى يضع المستقرئ أمام عينيه مجهرا يريه في اللون الواحد كل أظلة ~~اللون. أما أن نندفع في التعصب، فيلون نظرنا ما نرى، حينئذ نصبح كدراويش الهند يرقصون سكارى ~~بخمر يستقطرونها من جنبات نفوسهم، وعبدة أوهام يتمتعون في نعمة العيش، ولكن الأوهام لا ~~تدوم. # ومن الأوهام أن تعتقدوا أيها القادمون على الحياة أن لبنان خرافة، وأن تجهلوا أنه من أشد ~~الناس ولاء للبنان من هم من أشد الناس ولاء للعروبة. # هنا أقف غير فخور بنفسي. هنا أقف فأبتهل ms27 إلى الله أن يمنحكم أيها الفتيان الجرأة التي أحس ~~أنها تعوزني . ليتني أعطيت الإقدام فأنزل على هذا المنبر بطلا، أو أحمل عنه شهيدا، ~~ولكن الكلمات التي أغص بها أنتم تسمعونها، والقول الذي أخاف أن أنطق به أنتم تفهمونه. نساء ~~اليهود تحمل السلاح وتقاتل؛ فأي سلاح تحمله نساؤنا وكيف تقاتل؟ نساء الدنيا أوتين الحرية ~~والمساواة والعلم، وهن ينشرن الظرف واللطف والأنوثة والرقة. فما هو الدور الذي تلعبه ~~نساؤنا؟ أمم الأرض يساهم في بنائها وازدهارها مائة بالمائة من شعبها، فما الذي يساهم به خمسون ~~بالمائة من شعبنا؟ من العار أن تبقى المرأة حيث هي، ومن الخسران أن نهدر نصف ثرواتنا وقوانا. ~~هل فيكم جسور يحمل المشعل؟ وذو بأس يقول الكلمة التي أجبن أن أتفوه بها؟ هل منكم فدائي يطمح ~~أن يكون بطلا ولا يخاف أن يمسي شهيدا؟ هل منكم من يمزق بيديه ما يجب أن يمزق؟ لئن كان ~~الجواب نفيا، فما أشدك ظلاما يا صباح الغد! # وأخيرا، أيها الفتيان الأحباء، كلمة لا يوحيها حب الوعظ، ولا تمليها الثرثرة. # الحياة كريمة جوادة، الحياة تعطي أكثر مما تأخذ، فلئن جادت الحياة عليك بطيباتها، فانعم بها ~~بأن تشاطرها سواك. نشوة السكر لذيذة، وهج الشهوة جميل، الظفر يكهرب الحياة، ولكن ليس في ~~الدنيا من شعور أبعث للزهو من سرورك بتضحية تقوم بها، أو عطاء تبذله! لئن جادت عليك الحياة ~~بالطيبات، فانعم بها بأن تشاطرها سواك. # كذلك الحياة قاسية، الحياة ظالمة ومجرمة، هي تأخذ أكثر مما تعطي. أمامكم في السنين ~~المقبلة أيام مريرة. لقد سلحتكم هذه الكلية بالعلم والدراسة، وصقلت أخلاقكم، وشددت عضلاتكم. ~~ضعوا في أيديكم سلاحا غير منظور. لئن ضنت الحياة عليك بالطيبات فروها بالسراب. كهرب عقلك ~~بمس من الجنون. حين تمنى بخيبة انظم بيتا من الشعر أو اركض نصف ميل. انشد أغنية. احص ~~الملايين من الليرات الذهبية التي لا تملكها. اقطف زهرة. اكسر صحنا. انفخ دولاب ~~أوتوموبيل. البط بغلا. أقم لنفسك عرشا وبايع نفسك بالعرش. حذار حذار إذ يصيبك الفشل أن ~~تنقم على نفسك أو ms28 دهرك أو قريبك أو صديقك. # لئن جادت الحياة عليك بالطيبات فانعم بها بأن تشاطرها سواك، ولئن ضنت الحياة عليك ~~بطيباتها فروها بالسراب. # | القرميدة المكسورة # «دير مشموشة» يقع تحت جزين في جنوب لبنان. والحفلة يحضرها فخامة رئيس الجمهورية الشيخ ~~بشارة الخوري. حول الدير جموع ترقص وتلعب بالسيف والترس، وأمام الجموع شخصيات منتفخة تعرف ~~بالزعماء، والقاعة محتشدة، والخطباء يسبحون ويمجدون ويبخرون، والتصفيق يتعالى كلما ذكر ~~اسم رئيس الجمهورية اللبنانية. على بعد مترين من الرئيس، وقد توسط حلقة من مطران ورهبان ~~وموظفي الحكومة، ألفيت «القرميدة المكسورة». # صاحب الفخامة، حضرات الآباء المحترمين، سيداتي وسادتي. # لساعة خلت كانت في سقف هذا الدير قرميدة مكسورة. # أريد أن أعترف أنني أنا الذي كسرتها. أريد أن أعترف أن عواطف عنيفة في نفسي كانت تتماوج ~~في صباي، وأن أعنفها كان بغضي للمسيحيين. # كنت في ذلك الحين كأكثر غلمان الدروز يبهجني أن أسمع بمقتل مسيحي. وليلة أمس ضافنا في ~~بعقلين رفاقي الثلاثة: بطرس سماحة، وميشال سماحة، وبطرس عواد. ولقد أكد لي هؤلاء الضيوف - ~~إخوتي الثلاثة - أنهم في صباهم كانوا يفرحون لأمور ثلاثة: تعطيل المدرسة، وقبض الخرجية، ~~والسماع بمقتل درزي. # ها نحن اليوم، نجتمع في هذا المحفل وقد سلكنا إليه طرقا متفرقة، وها نحن وقد بلغنا ~~هدفنا؛ هذه الروضة الثقافية الروحية، لم يقاتل بعضنا بعضا بسبب الدروب المختلفة التي سلكناها ~~للوصول إلى هذا الهدف، ولكننا في زمن الغباوة يوم كنا جهلة عميا، كنا نتباغض ونتقاتل ~~ونتطاحن بسبب الطرق المختلفة التي نسلكها للوصول إلى الهدف الواحد؛ هذه الدروب التي نسميها ~~الأديان، وهذا الهدف الأسمى: الخالق العظيم. # أما القرميدة المكسورة فقصتها أنني مرت بهذه الناحية خلال الحرب الأولى في طريقي إلى ~~جزين، وكنت يومئذ غلاما فسألت رفيقي المكاري عن هذه البناية الفخمة في الوادي فقال لي وهو ~~يصرف بأسنانه: «دير مشموشة!» فصوبت نحو الدير نظرة عداء فانكسرت القرميدة. ولئن صعد الآن ~~أحد منا إلى السقف فوجده سليما؛ فلأنني إذا أطللت على دير مشموشة هذا منذ ساعة - أي بعد ~~ثلاثين عاما - تطلعت إلى السقف ms29 ثانية بنظرة حب وحنان، فالتحمت القرميدة المكسورة وعادت ~~سليمة. # بين الإنسان والحيوان فوارق كثيرة، ولعل أظهرها أن الإنسان يتبدل خلال ربع قرن، والحيوان ~~لا تتبدل عاداته في عشرات السنين. ونحن في هذه البقعة الجنوبية من جبل لبنان أثبتنا أننا ~~بشر على الرغم من أننا لم نستبدل المحراث بالتراكتور، ولم تكثر القصور التي بنيناها خلال ~~هذه السنين، وعلى الرغم من أنه ليس بوسعنا أن نزدهي بمشاريع عمرانية، ولكننا تغلبنا على ما ~~هو أفتك بنا من الفقر المادي والعلمي والعمراني، وحققنا أمنية أسمى من الثروة ~~والرفاه. # هنا كانت الطائفية على أقذرها وأفتكها، وهنا قتلناها ودفناها، إلى الأبد دفناها. # إن في وسعنا أن نباهي سائر لبنان، وأن ندعو إخواننا في المدن والأرياف من جمهوريتنا ~~ليتخذونا مثالا للألفة والتسامح والأخوة. # حين اغتربت عن لبنان عام 1925، كانت عصاباتنا من دروز ومسيحيين تقطع الطرق حول هذه الهضاب ~~والأودية للفتك بأي فرد من الطائفة المعادية. كان أفراد تلك العصابات أبطالا نعجب بهم، ~~ونفتح لهم منازلنا ومعابدنا ملجأ. يا ويل قوم أبطالهم مجرمون! # في تلك الأيام، أقمنا للبغضاء أصناما وعبدناها، غير أنه كان منا أناس لا يسمون المجرمين ~~أبطالا، ولا يدعون التناحر الطائفي تقوى وعبادة. ولقد كان لي حظ حضور حلقة في بيروت بعض ~~أشخاصها ميشال زكور، وبشارة عبد الله الخوري، وجبرائيل نصار، وأمين تقي الدين، وسليم تقلا، ~~وكامل وفؤاد حمية، ووديع وأسعد عقل. كانوا يجتمعون في مقهى تباريس. هؤلاء كانوا يعرفون أنهم ~~وجيرانهم مواطنون، ومواطنون فحسب، وكان يؤلمهم مقتل المسيحي كما يؤلمهم مقتل الدرزي. وكانوا ~~يفهمون أن في التشاحن على اختيار أي سبيل نسلكه للوصول إلى الله كفرا بالله. هؤلاء الرجال ~~وألوف مثلهم في لبنان، من مقيمين ومغتربين، هم الذين طهروا لبنان من جرائم الطائفية، وصهروا ~~عناصره الدينية، فصار الواحد منا يشعر بأنه مواطن لا درزي ولا مسيحي. # سنة البشر التغير، ولكن التغير قد يكون من سيئ إلى أسوأ، أو من حسن إلى سيئ، أو من سيئ إلى ~~حسن. ونحن فيما نفخر بالتبدل الجميل من التعصب الديني ms30 إلى التسامح، يجب أن نعترف أننا في ~~سائر مناحي الحياة قد تصدعنا حتى الانهيار. # موائدنا مثقلة بالطعام، وكواراتنا فارغة. نقاتل من أجل التوافه جارنا القريب وما هو بعدو، ~~ونغفل عن قتال عدونا الحقيقي وحر أنفاسه يلفح وجوهنا. تستعبدنا الأناقة، ويستهوينا الثراء ~~أيا كانت طرقه. من أيدينا تفوح رائحة الرشوة، ومن أناملنا يقطر دم الفقير. نحن نعيش في ~~حياتنا الاقتصادية والسياسية والأخلاقية في سكرة غطرسة، وليس بعد السكرة إلا وجع الرأس. نتبع ~~القوي الذي ينفعنا ويؤذي جارنا. نريد أن تتقلص آفاقنا حتى يضيق عالمنا فنبدو فيه ~~كبارا. # في زمن يجب أن نماشي به سنة النشوء والارتقاء، ونرفس عنا العادات القبيحة، أحيينا نحن ~~أبناء لبنان؛ بلد العلم والنور، أحيينا عادات في الأفراح والمآتم وشتى المناسبات، عادات نتأدب ~~إن سميناها عادات همجية. حين يفتقر الواحد منا أو يضعف ندوس عليه؛ لأنه فقير ضعيف. # نحن في لبنان نعرف أن نعيش، بل لا ينقصنا لنحذق فن العيش على أتمه إلا أن نتعلم كيف يجب ~~أن نموت. نموت مستبسلين من أجل عشرة قروش، أو وظيفة، أو رأس بندورة، أو شتيمة، ولكن ليست ~~لنا الجرأة الأدبية لأن نتفوه بكلمة قاسية، وليست لنا الشجاعة الجسدية لأن ننهض للمطالبة ~~بحق عام. ما هو بكبير من تستفزه الصغائر. طريق المجد منعت عن الرياء والتملق. ومن قضى ~~حياته منحنيا أمام القوي لا تلمع الشمس على جبينه. # هذا قليل قليل من كثير كثير لا يجمل الآن قوله ولا أنتم تجهلونه، غير أني لا أعدد هذه ~~المصائب لأكون رسول اليأس، لا بل إنني متفائل، فمتى بلغ السائر قعر الوادي فلا يبقى أمامه ~~إلا الصعود. # أعود بكم إلى عام 1935، يوم تذابحنا هنا مسيحيين ودروزا. كانت أياما سوداء، ولكنها مضت ~~إلى الأبد. وكل هذه الآفات التي لا تحسن في نظرنا اليوم ستغيب إلى الأبد؛ ذلك لأنه كما ~~كانوا في عام 1925 حلقات من رجال ناقمة على التعصب الطائفي، كذلك في هذا اليوم ألوف من ~~الرجال يرون عبر هذا اليوم. في لبنان اليوم ألوف من حلقات ms31 شبيهة بحلقة تباريس، وقوة هذه ~~الحلقات في كونها غير منظورة وغير مسموعة . # سنة الحياة هي التغير والتبدل. # كنا في ليلة عيد رأس السنة عام 1941 في مانيلا؛ عاصمة الفلبين، في نعمة وزهو وطمأنينة، ~~وصحونا في اليوم الثاني وأعلام الغزاة فوق رءوسنا، وأمتعتنا وأملاكنا وحياة كل منا رهن ~~إشارة. لقد عشنا أربعين شهرا بين الدمار والقتال والجوع، ووجدنا أن أثمن ما يتسلح به ~~الإنسان للطوارئ هو حب جيرانه واحترامهم إياه. # في طقوس الرهبنة المسيحية عادة من أسمى العادات، وهي ما يسميه الكهنة الرياضة الروحية. ~~جميل بنا أن نأخذ عن الرهبان هذا الطقس الديني، فيخلو الواحد منا إلى نفسه يعرفها صامتا؛ إذ ~~ذاك نكتشف أننا في شتى مناحي الحياة في هذا البلد مشينا القهقرى، وأنه يجب علينا أن نصحو من ~~هذه السكرة؛ إذ ذاك نكتشف أننا في لبنان نعيش في صالون الحياة تبهر عيوننا الأنوار التي ~~أضأناها فوق رءوسنا، فلا نرى العتمة التي تكتنف المنزل وتملأ سائر الغرف. # أيها السيدات والسادة، حذار حذار! ماذا أعددتم للطوارئ؟ بعض البراكين يرعد ثم ينفجر، وبعض ~~البراكين ينفجر من غير أن يرعد. # ليس بيننا من لم يكسر قرميدة في حياته، وإني وقد خبرت هذا الجرم أجد أن في لحم القرميدة ~~المكسورة نشوة لذة تفوق الجذل البهيمي الذي يثيره في النفس كسرها. # | حدثني الكاهن الذي عرفه # خطاب لم يلق. أعد ووزع مناشير في ليل 8 تموز، استجوبني الأمن العام بشأنه في ~~اليوم التالي، ودخل السجن بسببه عشرات الشبان، ولكنه بعد ذلك صار يلقى علنا، وينشر في ~~الصحف. # تلقاني صبيان الحي بصراخ الهزء حين ترجلت، وراح أحدهم يتباهى مذيعا أن التاكسي اسمها ~~فورد، وأعلن ترب له أن لونها رمادي، فيما ضج جمهورهم بإخباري - قبل أن أسألهم - أن الكاهن ~~ليس هناك، بل إن أحدهم تسلق السلم وفتح باب العلية من غير أن يطرقه، ثم أطل من نافذتها ~~ضاحكا: «أرأيت؟ إنه غير موجود.» # ذلك لأن شياطين الحي الصغار صاروا يعرفون عمن أسأل، وأصبح يروقهم أني لا أجد من أفتش عنه، ms32 ~~ولعلهم لمحوا من تذمري وألم خيبتي ما استثار فيهم السادية، فجاء جذلهم على نسبة ما تجلى علي ~~من زعل وضياع أمل. # فلقد كانت تلك المرة الرابعة التي قصدت فيها إلى رجل الدين لأستطلعه السر الرهيب. # وفي المرة الخامسة توجهت إليه ليلا وعلى موعد فكان هناك. # وحالا امحت من ذهني صورة رسمها خيالي، فلم أجد نفسي أمام شيخ متداع أبيض اللحية، ولم ~~أسمع صوتا متهدجا، ولا صرعتني مظاهر الوقار وكلمات أبوة توحيها حصانة الكهنوت. # وجلسنا تحز مسامعي توافه الأحاديث التي تعود الناس مبادلتها فور اجتماعهم. وطالت النزهة ~~الكلامية على شاطئ الموضوع، وبرح بي القعود على عتبة باب جئت لأفتحه، فوثبت إلى الهدف ~~مقاطعا المحدثين قائلا: حدثني يا محترم عن ليل 8 تموز 1949. # وغاظني من رجل الدين أنه لم يتلبس حالا بمظاهر التهيب، بل بدأ الكلام بشيء من غير ~~الاكتراث، ولكن صوته ولهجته وخشوعه وانفعاله، بل وبكاءه، كلها تماوجت مع وقائع ما كان يرويه، ~~فكأنه عبقري يعزف من موسيقاه قطعة رائعة على البيانو، فدغدغت أنامله أصابع العاج أولا ~~بعفوية لا تبالي، وتوالت الألحان تتأرجح وتتسامى متجانسة متضاربة متوافقة، حتى بلغت ذروة ~~موسيقى من غير هذه الدنيا، فإذا نحن في العلية نكاد لا نسمع ما يقول، ولا نرى البيانو ولا ~~اللاعب، ولا نعي الألحان، بل شعرنا أن جدران الغرفة انفتحت وارتفعت أرضا بمن فيها، فإذا نحن ~~و«سعادة» في السجن، في الطريق، في الجيب، على الرمال ركع، في تابوت خشبي، في الكنيسة، في ~~المقبرة، في حفرة من الأرض، في مسمع الدنيا، بين المغتربين، في القصور، في المحكمة ~~العسكرية، في المفوضيات، في غصة القلوب، في عبسة المغاور، في لوعة المعاقل، في رصانة ~~التهذيب، في هدوء البطولة، في عزة الصراع، بين يدي الكبر، أمام الجلادين، في طمأنينة المؤمن، ~~في كهف الغدر، حراب تطارد المجرمين، أعلام تصفق للجيوش، زوبعة تمحق، وصرخة تعكس موكب ~~التاريخ. # وتناول رجل الدين ورقة من مطاوي جلبابه الأسود الفضفاض منتزعة من دفتر مدرسي وهم ~~بقراءتها، فاعترضته وقلت: أسمعني حديثك لا تقرئني أوراقك ولو ms33 كانت مذكرات. # فراح يتكلم: حين فتحت الباب على صوت القرع الشديد في منتصف ذلك الليل وجدت نفسي أمام ضباط من الجيش يطلبون إلي أن أرتدي ملابسي، وأحمل صليبي، وعدة الكهنوت بسرعة. قلت: ما الخبر؟ أجابوا: سنعدم الخائن أنطون سعادة هذه الليلة، ونريد أن تعرفه وتقوم بمراسم الدين قبل إعدامه. # قلت: إن أمرا كهذا لا يسعني أن أفعله. آتوني بإذن من سيادة المطران؛ هكذا ينص قانوننا ~~الكنائسي، قالوا: ليس لدينا من وقت. افعل هذا على مسئوليتنا نحن. فاعتذرت من جديد، وراحوا ~~يلحون علي مرددين أن خرق النظام الكنائسي هو أقل ضررا من أن يرسل مسيحي إلى الموت غير ~~متمم واجباته الدينية. # وأخيرا أذعنت بكثير من التردد والحيرة، وركبت سيارتهم في طرقات تعج برجال الأمن من جنود ~~وبوليس ودرك وأسلحة مشرعة، وأطللنا على سجن الرمل فإذا هو منار من الداخل والخارج، ونزلنا ~~حيث كان ضباط آخرون بانتظارنا. # وأقبل علي مدير السجن يعرفني إلى نفسه، وأخبرني أن هذا هو الإعدام الثالث عشر الذي مر به، ~~وأن الأمر بسيط، فأجبته: «لقد مضى علي ثلاث عشرة سنة في الثوب الكهنوتي، وهذا أول إعدام ~~سأشهده.» وكان الطبيب الذي اشترك معنا في الحديث مثلي لم يشهد إعداما فيما مضى. # وزاد مدير السجن فقال: إن هذا المحكوم الخائن أنطون هو رجل خائن، وكافر ملحد يبشر بالكفر ~~والإلحاد. إنه لن يأبه لك يا أبانا هذا الخائن الملحد الكافر. # ودخلنا - حيث كان الزعيم - محبسا من الغلو نعته أنه غرفة، فوجدناه مفترشا بساطا من ~~قذارة ورقع. وكان هذا الفراش أقصر من قامته، فجعل من جاكيته وصلة بين الفراش والحائط كي لا ~~ترتطم به قدماه. # وكان نائما نوما طبيعيا، ورأسه على ذراعه اليسرى التي جعل منها بديلا عن مخدة لم تكن ~~هناك. # وأيقظناه فنهض حالا وبادرنا السلام، وخصني بقوله: «أهلا وسهلا يا محترم.» فأبلغاه أنه ~~لم يصدر عنه عفو، وأن الإعدام سينفذ به حالا، فشكرنا باسما رزينا، واستأذن بلبس جاكيته ~~التي كانت مطوية تحت قدميه، فأذنوا له، فشكرهم من جديد ولبسها. # وخلوت ms34 به وسألته إن كان يود أن يقوم بواجباته الدينية، فأجاب: لم لا؟ وطلبت إليه أن يعترف ~~فأجاب: ليس لي من خطيئة أرجو العفو من أجلها؛ أنا لم أسرق، لم أدجل، لم أشهد بالزور، لم ~~أقتل، لم أخدع، لم أسبب تعاسة لأحد. # وبعد أن فرغت من المراسيم الدينية تركنا الغرفة، فكبلوا يديه وخرجنا إلى مكتب ~~السجن. # هناك طلب أن يرى زوجته وبناته، فقيل له إن ذلك غير ممكن، وقدموا له ترويقة فاعتذر شاكرا، ~~ولكنه قبل فنجانا من القهوة متناولا إياه بيمناه، وأسنده بيسراه. وكانت تسمع للقيد رنات ~~كلما ارتطم بالفنجان. # وكان الزعيم يبتسم صامتا هادئا مجيلا عينيه من وجه إلى وجه كأنه يودعنا مهدئا من ~~روعنا. هنا انفجرت أنا بالبكاء، وبكى معي بعض الضباط، بل إن أحدهم أجهش وانتحب. # وبعد أن شرب القهوة عاد يصر على لقاء زوجته وبناته، فسمع الجواب السابق. # وسئل لمن يريد أن يترك الأربعمائة ليرة التي وجدت معه، فأجاب: إنها وقطعة من الأرض في ~~ضهور الشوير هي كل ما يملك، وهو يوصي بها لزوجته وبناته على التساوي. # وطلب مقابلة الصحافيين، فأخبروه أن ذك مستحيل، فسألهم ورقة وقلما فرفضوا، قال: إن لي ~~كلمة أريد أن أدونها للتاريخ، فصرخ به أحد الضباط منذرا: «حذار أن تتهجم على أحد لئلا نمس ~~كرامتك.» فابتسم الزعيم من جديد وقال: أنت لا تقدر أن تمس كرامتي، ما أعطي لأحد أن يهين ~~سواه، قد يهين المرء نفسه، وأردف يكرر: «لي كلمة أريد أن أدونها للتاريخ، وأن يسجلها ~~التاريخ.» # فسكتنا جميعا في صمت يلمس سكونه ويسمع دويه. # أصارحك أنني كنت في دوار من الخجل، ومن المؤكد أنني لا أعي كل ما سمعت، ولكن الراهن أني ~~سمعته، سمعته يقول: أنا لا يهمني كيف أموت، بل من أجل ماذا أموت. لا أعد السنين التي عشتها، ~~بل الأعمال التي نفذتها. هذه الليلة سيعدمونني. أما أبناء عقيدتي فسينتصرون، وسيجيء انتصارهم ~~انتقاما لموتي. كلنا نموت، ولكن قليلين منا من يظفرون بشرف الموت من أجل عقيدة. يا خجل هذه ~~الليلة من ms35 التاريخ من أحفادنا، من مغتربينا، ومن الأجانب. يبدو أن الاستقلال الذي سقيناه ~~بدمائنا يوم غرسناه يستسقي عروقنا من جديد. # ومشينا إلى حيث انتظرتنا السيارات، والزعيم ماش بخطى هادئة قوية يبتسم. إنه لم ينفعل، ~~كأن الإعدام شيء نفذ به مرات عديدة من قبل. إنه لم ينفجر حنقا أو تشفيا. إنه لم يتبجح ~~شأن من يستر الخوف. # في تلك اللحظات وددت لو خبأته بجبتي، لو تمكنت من إخفائه في قلبي أو بين وريقات إنجيلي. ~~إن عظامي لترتجف كلما ذكرته. # وحين خرجت إلى الباحة، رأيت إلى يميني تابوتا من خشب: من خشب الشوح، لم يخف الليل بياضه، ~~وتطلع الزعيم إلى نعشه فلم تتغير ملامحه ولا ابتسامته. # وقبل أن يرقى الجيب طلب للمرة الثالثة والأخيرة أن يرى زوجته وأولاده، وللمرة الثالثة ~~والأخيرة سمع الجواب نفسه، فتبينت ملامحه. وفي تلك اللمحة العابرة فقط من عمر ذلك الليل لمحت ~~وميض العاطفة خلال زوبعة الرجولة. # وسارت الجيب بالزعيم يحف به الضباط وخلفه تابوته، وقافلة سيارات وشاحنات من ورائه وأمامه ~~ملأى بالجنود المسلحة. ولعل مسا من البله اعتراني، فبدا لي أن تنفيذ الإعدام سيؤجل، أو أن ~~عفوا سيصدر. سيطر علي هذا الوهم فخدرني حتى انحرفنا عن الطريق العامة إلى درب ضيقة بين ~~كثبان، ووقفنا في فجوة بين الرمال كأنها فوهة العدم. # وقفز من بينهم مكبلا إلى عمود الموت المنتظر، فاقتربوا منه ليعصبوا عينيه، فسألهم أن ~~يبقوه طليق النظر، فقيل له: القانون، أجاب: إنني أحترم القانون. # وأركعوه وشدوا وثاقه إلى العمود. وكأن الحصى آلمته تحت ركبتيه فسألهم إن كان من الممكن ~~إزالة الحصى، فأزالوها، فقال لهم: «شكرا شكرا.» رددها مرتين وقطع ثالثتها ~~الرصاص. # فإذا بالزعيم وقد تدلى رأسه وتطايرت رئته اليمنى، وتناثرت ذراعه اليسرى، فلم يعد يصل الكف ~~بالكتف إلا جلدة تتهدل. # وكوموا الجثة في التابوت، وتسارعت القافلة نحو المقبرة، وهناك كادوا يدفنونها من غير صلاة ~~لو لم يتعال صياحي. أخيرا قالوا لي: «صل إنما أسرع، أسرع، صل من قريبو.» # ودخلنا الكنيسة ووضعنا التابوت على المذبح، ورحت أصلي والدم ms36 يتقطر من شقوق الخشب ويتساقط ~~على أرض الكنيسة نقاطا نقاطا ليتجمع ويتجمع ثم يسيل تحت المذبح. # وخرجنا من المعبد، ووقفت أمام بابه أواجه الفجر الذي أطل وأناجي الله، وأسمع رنين الرفوش ~~ترتطم بالحصى وتهيل التراب، وترتطم بالحصى، وتهيل التراب. # بذا حدثني الكاهن الذي عرفه. # أقول لك إن تراب الدنيا لن يطمر تلك الحفرة. # أقول لك إن رنين الرفوش في ذلك الفجر سيبقى النفير الداوي ليقظة هذه الأمة. أقول لك إن ~~منارة الحياة قد ارتفعت على فوهة العدم. # | برنيطة من كفر شيما # النادي صغير، وبلدة «كفر شيما» صغيرة، وحفلة ناديها هي الحدث السنوي؛ تترقبه البلدة ~~وأصدقاء البلدة. جوها مرح حماسي، فبعض الحضور شربوا نخب نجاحها قبل الحضور إليها. # غريب كيف تشتبك في مخيلة الناس الأماكن والحوادث، فإني إن ذكرت الشويفات مثلا تسارع إلى ~~ذهني أول مسبة دين تعلمتها هناك في طفولتي، وإن قيل «بعبدا» لاحت أمام عيني عربة الباشا ~~التركي، ودوى في سمعي نفير بورجي العسكر، وإن قالوا كفر شيما ذكرت البرنيطة؛ البرنيطة التي ~~باعني إياها منذ عشرين سنة في «الفلبين» رجل من كفر شيما؛ حليم كنعان، فدفعت ثمنها كل ثروتي ~~حينذاك 12 دولارا، ثم وضعتها على رأسي وانصرفت إلى الأوتيل فعلقتها على حائط غرفتي. وهي لا ~~تزال معلقة هناك. # وغريب كذلك أن كيف تلفت في أرض هذا الوطن تجد في كل ضيعة، وفي كل مدينة، وفي كل دسكرة ~~رجلا يقف كل جهوده أو بعض جهوده على خدمة مواطنيه وجيرانه. # لو أن البرنيطة التي باعني إياها رجل من كفر شيما اسمه حليم كنعان، لو أنها الآن على رأسي ~~لرفعتها احتراما لرجل آخر من كفر شيما اسمه أديب الفتى؛ رئيس هذا النادي. # ولقد كنا في الصغر ندعو الأجنبي «أبو برنيطة»، وليلة أمس دعيت إلى عشاء حضره بريطانيون ~~وأمريكيون هو ناد موهوم سموه: # Hate the foreigners club ~~؛ أي نادي بغض الأجانب، وغايته الدعاب والمرح ومحو النقمة على الأجانب من النفوس، إن كانت هنالك. ~~نقمة لذلك آثرت أن أتحدث عن «نحن والأجانب». # ولقد يتبادر ms37 إلى الذهن أن هذا الموضوع حساس يجب ألا يعالج من على منبر. # نحن في لبنان، هل نحن جماعة فكر وتسامح ورصانة؟ ليس في مناطق العقل منطقة حرام. عرائس ~~الفكر لا تلبس الحجاب. وبرغم هزء الهازئين فنحن في لبنان كنا ولا نزال وسنبقى بلد إشعاع. ~~أما الناقمون منا الذين توترت نفوسهم، وهاجت إرادتهم، فهم الذين يأنفون أن يبقى هذا الإشعاع ~~شرارات تطفئها العتمة، ولا يشرئب موجة وضاءة تحرق الظلمة وتسطع كوكبا. # ليس في الدنيا موضوع نخاف بحثه لا مسمعين ولا مستمعين. وليس الأجانب بيننا بأسيادنا، ولا ~~هم أعداؤنا حتى، وليسوا هم ضيوفنا. ونحن هنا قد خبرنا معنى اللفظة «أجنبي» سلبا وإيجابا. ~~عرفناها ومئات الألوف منا أجانب في مغتربات، وعرفناها في أرضنا وألوف الأغراب أجانب ~~بيننا. # ونحن نعلم أن الإنسان ما هو بحيوان تحفزه بهيمية المادة فقط، فهو حين شرد عن أدغاله في ~~التاريخ القديم أو هجر وطنه في التاريخ الحديث لم تكن حاجات العيش الملحة وحدها التي تحدوه، ~~بل كان ولا يزال يحب الاستطلاع، ويتحدى المجهول، فكان فاتحا ومستعمرا، وسائحا ومتفرجا، ~~وطالب ثقافة في آن واحد. # ونشب بين الأجنبي الفاتح والمواطن المقهور معارك استعملت فيها كل الأسلحة المادية ~~والروحية، فكان الأجنبي المستعمر المستغل، وكان الأجنبي المبشر المثقف، وكان التاجر المسالم ~~أو التاجر الجشع. ونشأ في المعسكر المقابل المجاهد البطل المقاوم، أو الضعيف المستنيم، أو ~~المرتزق الذي همه العيش لا يأبه كيف جاءت وسائله. وكان هنا وهناك خليط من كل هؤلاء. واليوم ~~وهذه الدنيا تصغر وتتقلص، واليوم وفي طبيعة بلادنا وجغرافيتها ما يجعل هذه الأمة منسجمة مع ~~سواها أو متضاربة، فما الموقف الذي يجب أن نتخذه من كل ما هو أو من هو أجنبي؟ # يجب أن نطرد الضعف والخوف من نفوسنا. الخائف هو أبدا خاطئ التفكير. إن مئات السنين من ~~الاستعمار وخيبات كبرى نزلت بنا ولدت في نفوس الكثيرين منا هزالا في الإيمان. هذا الضعف ~~يتجسد أحيانا في ميوعة يقولبها كل إناء. وهذا الضعف يرفه عن نفسه أحيانا في أناشيد من ~~التبجح ms38 والمباهاة. وهذا الضعف يرسب في بعض الأحيان وحلا من تعصب ونقمة وحقد على كل ما هو ~~أجنبي. ليس الأجنبي بسيدنا، ولا هو عدونا، حتى ولا هو ضيفنا. إن البشر في سيرهم الحضاري نحو ~~الأسمى والأكمل والأجمل وحدات قومية اجتماعية كان لا بد لهم من التعامل والاختلاط، وكان لا ~~مفر لهم من الاصطدام، كما كان لا مفر من التفاهم والتسويات. ونحن نساهم في بناء هذه ~~الإنسانية الشاملة حين نطلب القوة في نفوسنا أولا، وحين نرسخ هذه القوة في مجتمعنا حتى ~~تتوفر فتنطلق فعالية إنسانية. إذ ذاك لا نكره الأجنبي؛ لأننا لا نخافه، وإذ ذاك لا نخضع ~~للأجنبي لأننا لا نخافه؛ إذ ذاك لا نتهافت على (دفاع مشترك) في استسلام الزحفطون، ولا نرفس ~~الدفاع المشترك في قرطزة العنجهون. # غير أن هذه القوة - التي هي وحدها ضمان التعامل مع الأجنبي على الصعيد الإنساني الصحيح - ~~لن تأتينا إن نحن بقينا في هذه اللحظات الحاسمة، وفي أشداق هذه المخاطر متناثرين متخاذلين ~~متخاصمين. إن ضعفنا في الميدان العالمي أمام الأجنبي، وأمام العدو، هو في جوهره ضعف الشركاء ~~المتخاذلين المتخاصمين أكثر منه ضعف الذين تنقصهم قوة الذات على الصعيد الفردي. وإن فينا ~~قوى هنا وعبر البحار لا نجندها ولا نعبئها؛ لأن تخلقنا وتخاذلنا وتخدرنا لا تستنفر هذه القوى، ~~ولا توحي لها الجهاد. # أريد أن أحدثكم عن إحدى هذه القوى ماذا فعلت حين أوحي لها الجهاد. كان ذلك منذ خمس ~~سنوات عام 1948، وكنت مدعوا إلى عشاء عند سيدة من كفر شيما هي السيدة وديعة هاشم حمادة. ~~كنا تلك الليلة في «مانيلا» حول صينية كبة حين رن التلفون: نيويورك على الخط. أخذت السماعة ~~وأصغيت إلى صوت كميل شمعون؛ مندوب لبنان في منظمة الأمم: التصويت على تقسيم فلسطين بعد ~~أسبوع، ويجب أن نقنص صوت مندوب «الفلبين» في منظمة الأمم. وكان رئيس جمهورية الفلبين ~~«مانويل. أ. روهس» رجلا ربي في بيت وديعة هاشم حمادة، حنت عليه فتى فقيرا ذكيا طالب ~~حقوق. كان يناديها «أمي»، وكانت تدعوه تحبيبا «مانولين». إني أراها الآن ms39 وسماعة التلفون في ~~يدها تخاطبه: بربك يا «مانولين». إني أراها الآن في تلك الليلة وأنا وزوجها المرحوم كامل ~~حمادة نركض نحو السيارة لمقابلة رئيس الجمهورية الفلبينية. إني أسمعها تستوقفنا مداعبة، ~~مشيرة إلى التلفون الذي تلقيت منه كميل شمعون: «يا عيب الشوم، رجلان من بعقلين يسوقهما رجل ~~من دير القمر.» # إن الخطاب الوحيد الذي ألقي قبل تقسيم فلسطين في منظمة الأمم عام 1948 ألقاه كارلوس. ب. ~~روميلو؛ مندوب الفلبين ورئيس منظمة الأمم فيما بعد. إن ذلك الخطاب ألقي على الأكثر بسبب ~~امرأة من «كفر شيما». # هذه قوة إحدى قوانا فعلت. إنه لم يقل لي شيئا غريبا ولا شيئا جديدا ذلك الذي قال: «إن ~~فيكم قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ.» # يا حضرة الرئيس، أيها السادة: # موضوع خطابي نحن والأجانب، ولكني بدأته بحكاية برنيطة باعني إياها رجل من «كفر شيما»، ~~وانتهى بخطاب في منظمة الأمم أوحته امرأة من كفر شيما. # موضوع خطابي المصحح: # من كفر شيما إلى كفر شيما. # | أمين تقي الدين ... موته اغتراب # موقف على الراديو مثلت به لأول مرة في حياتي دورا مزدوجا: فأنا المؤبن، وأنا ربيب ~~المتوفى. أقيمت الحفلة بمناسبة تعليق صورة أمين تقي الدين في دار الكتب. # للمرة الأولى في حياتي، أود أن أعتذر عما سأقول. # كنت أحسب أنني أفهم الذي أكتب عنه الآن. وكنت - وهذا سر أذيعه للمرة الأولى - ألومه على ~~الكثير الذي لم يفعله. # غير أني حين جلست لأدون كلماتي فيه بأن لي سرا وانقشعت حكمة، فأمين تقي الذي أدبني ~~وعلمني الكثير في حياته، ألقى علي درسا بعد مماته حين حاولت أن أرثيه. وأمين تقي الدين ~~المحامي، القوي الحجة، اللبق الفصيح، أفحمني بالأمس ورد عن نفسه من القبر تهمة كانت تختلج في ~~خاطري لأني أحبه، وبقيت سرا في خاطري لأني أحبه. أما الآن وقد وضحت براءته، فليس من العقوق ~~أن نتحدث عنها. كنت ألومه بعد أن شببت على الشعر الذي ما نظمه، والنثر الذي ما صاغه، ذلك ~~النهر المتدفق لم لما يشد اندفاعه إلى الآلات تولد ms40 الكهرباء طاقة قوة ومصابيح ~~أضواء. # وحين جلست لأحدثكم عنه اكتشفت السبب. قعدت وغصة الحزن عليه ما زالت آهة في صدري ، وذكرى ~~طفولة أشرف عليها، وفتوة هذبها وغذاها. جلست على قمة هزة عاطفية ترهف إحساسي، واهما أني ~~سأدون أجمل ما كتبت في حياتي، فما إن بدأت حتى تحققت أن من الجريمة صوغ الكلمات، وأن ~~الألفاظ لم تكن ولن تكون أداة الإفصاح. حين يرتفع الإحساس إلى صعيد يطل منه على الله يتأله ~~الإحساس، ويخلع الشعور عن نفسه أردية الكلمات. # يقولون عن الذي يموت أنه انتقل إلى جوار ربه. أكبر ظني أن أمين تقي الدين عاش في جوار ربه ~~طيلة حياته، وهذا الصعيد العالي الذي سكنته نفسه طيلة عمره ملأ نفسه بإنسانية إلهية حتى لا ~~تطيق الكلام لها رسولا؛ لذلك صمت حيث كان ينتظر أصدقاؤه منه الكلام، ونظم البيت الواحد حين ~~توقعنا منه القصيدة، والقصيدة حيث تساءلنا أين هو الديوان؟ ولكم من مرة رأيته منفعلا يخلو ~~إلى غرفته وبين يديه قلم، وأمامه أوراقه، ثم يخرج من الغرفة حزينا باكيا، أو مقهقها طروبا ~~وأوراقه ما زالت بيضاء. # الرجل الذي أتحدث عنه الآن كان أخا لأبي. هذه هي حادثة الولادة. ما هذه بالأمر المهم، ~~هذه الصدفة، غير أنه لو لم يكن لي عما لشاقني أن يكون من ذوي قرباي. وإني لأعلم أن بين ~~المواطنين من هم ليسوا بأقل مني شغفا بهذا الرجل الذي ليس هو من ذوي قرباهم. وإني كذلك ~~لأعلم أن بين المستمعين من هم مثلي يودون أن يكون كل ما بينهم وبين بعض ذوي قرباهم أمر ~~واحد: بيد دونها بيد. # لعل شغفي به كان من بعض أسبابه أنه شرد عن العادة الشرقية التي تعنكب من الوقار حجابا ~~بين الابن والأب أو العم وابن أخيه. لقد كان عمي عشيري بعد أن شببت. أذكر يوم مررنا بعين ~~زحلتا وجلسنا عند نبع الصفا فعرفني إلى فتاة في مثل عمري: الثامنة عشرة. وبعد أن أحكمت ~~طربوشي ولمست شاربي، رحت أتحدث إلى الفتاة منفردين عن سائر الجمع. ونهض ms41 عمي أمين ونهضت بعد ~~ساعتين، فلما ركبنا السيارة سألني: بماذا تحدثتما؟ أجبت بسذاجتي القروية: تحدثنا عن الصحافة. ~~فضحك مؤنبا: «فتاة في الثامنة عشرة، والدنيا صيف، ونبع الصفا، وتحدثها عن الصحافة؟ اخس ~~اخس.» # وعلى ذكر هاتين اللفظتين، فقد كان يبوح عن رأيه في الأدب بألفاظ ثلاثة يكررها، فهو إن قرأ ~~مقالا أو قصيدة صاح: اخس اخس، أو كلام فارغ، أو الله الله! وكان أكثر ما يصيح «الله ~~الله!» لكتابي كليلة ودمنة ومقدمة ابن خلدون في الأدب القديم، ولشعر صديقيه شوقي وخليل مطران، ~~ونثر صديقه الآخر ولي الدين يكن في الأدب المعاصر. # وكان يحب اللغة العربية صافية لا توحل، عفوية لا تتصنع. ولا يطيق أن تتسرب إليها ركاكة. ~~وفي ذات يوم فيما كنت أسطر رسالة إلى صديق قال لي: «اقرأ ما أنت تكتب.» فبدأت: عزيزي فلان، ~~بعد السلام أطمنك عني. فقاطعتني صفعة من يد عمي وصرخة: «كم مرة قلت لك أطمنك عني غلط! قل ~~أطمنك إلي. أكتب بالعربي أو فاكتب بالفرنجي، ولكن لا تكتب بالعربي الفرنجي.» # لم أعرف رجلا عشق وطنا مثلما أحب أمين تقي الدين لبنان، ما غالى ولا بالغ حين نظم الشعر ~~فيه. ومن شعره قوله: # إذا قيل لبنان قل موطني # إلهي وصل ~~له واسجد # لقد صلى للبنان وسجد وتغنى به، ولكن صلواته لم يتخللها شتائم تصوب لغير لبنان، ولا دعاية ~~لبغضاء، ولا تجارة بالأحقاد. # لقد أحب الناس جميعهم؛ وضيعهم وسريهم، فتاهم وشيخهم. كان يحس بعاطفة البنوة نحو من تقدمه ~~في العمر مثل إسكندر عمون، ومحمد الجسر، وبعاطفة الأبوة نحو من يصغره؛ مثل: إبراهيم طوقان، ~~وإلياس أبي شبكة، وتوفيق وهبة، والدكتور جورج حداد. لا أعرف أحدا من الناس ظفر بأخوة الناس ~~مثل أمين تقي الدين. لا أعرف شارعا في بيروت ولا حيا ليس له فيه صديق حميم. من بيت عمر ~~بيهم في حرج بيروت إلى مكتب أولاد خليل عبد العال على المرفأ، ومن بيب حبيب ربيز في رأس ~~بيروت إلى بيت فيليب الزهار على الجميزة. في كل حي، في كل ms42 شارع، صادق وأحب وآخى لغير سبب ~~ذاتي أو منفعة، بل لأنه فطر على الصداقة والحب والإخاء. # غير أنه لم يكن من طبعه أن يقصر علاقاته وصداقاته على أصحاب الأسماء اللامعة، مثل ميشال ~~زكور، وأسعد عقل، وأنطون الجميل، وموسى تمور، وفؤاد أرسلان، وخليل مطران، وجبرائيل نصار، بل كان من ~~أقرب الناس إلى قلبه بعض البقالين والحوذيين والأكارين وباعة الجرائد. في سنة 1922 أو سنة ~~1923 رشح نفسه للنيابة، وكان الانتخاب على درجتين؛ إذ يقترع المندوبون الثانويون للنائب. ~~واقترب يوم الانتخاب وعمنا لم يتحرك من مكانه. وأخيرا اقتنع بأنه من الضروري أن يطوف في ~~الشوف داعيا لنفسه، فركبنا السيارة، ولما بلغنا صحراء الشويفات وقفنا هنيهة نتطلع إلى ~~الزيتون تتطاير منه السمان، فنزلنا وقضينا النهار في الصيد. كل حملته الانتخابية كانت يوم ~~صيد في الشويفات، في حين أنفق خصمه الإقطاعي 800 ليرة ذهبية. # وجاء يوم الانتخاب، وكان على الظافر أن ينال أكثرية 65 صوتا نال منها أمين تقي الدين 54. ~~وغادرنا بعيدا وهو منفعل يبكي، فاستغربت هذا منه يقينا مني أنه كان لا ينتظر أكثر من عشرة ~~أصوات، فلماذا الانفعال؟ سألته فراح يردد: مسكين بشارة، مسكين بشارة! ذلك أن صديقه الشاعر ~~بشارة الخوري كان مرشحا للنيابة وفشل. # أما مجالسه فليس من الحق أن نختصه بالذكر منها، كانت مجالس الأدباء في «سبلنددبار» في ~~القاهرة، «وتباريس» في بيروت، مجالس طرافة وفكاهة وفكر ورواية. كان ذلك في الماضي البعيد يوم ~~كان الحديث فنا أدبيا، ويوم لم يتبرم الناس بعضهم ببعض، فيستعينون على طرد سأمهم وضجرهم ~~الواحد من الآخر بلعبة «رولنس». # ما الذي تركه هذا الشاعر الأديب؟ أريد أن أستعمل أدق الموازين وأقسى قواعد النقد، فأجيب ~~أن إنتاجه الجيد يقتصر على بضع مئات من أبيات الشعر؛ بعضها خالد، وحفنة من المقالات قليل ~~منها سيثبت على الدهر. وترك ذكرى حياة عبلة مفعمة بالمروءات والأنس والحب ~~والإخاء. # كنت في دار الكتب استمع إلى محاضرة تلميذه الآخر - أخي خليل - وحانت مني نظرة إلى حيث ثبتت ~~صور البارزين من اللبنانيين، فلمحت صورة ms43 وديع عقل، وأحلف أني سمعت وديعا يسألني كما كان ~~يسألني عشرات المرات في سنوات العشرين كلما سبقت عمي أمين إلى مجالسه، سمعت وديع عقل ~~يسألني: «أين أمين؟ متأخر كالعادة!» فإلى وديع عقل وغيره من أصدقائه الجالسين خالدين على ~~حيطان دار الكتب أقول: إن رفيقكم أمين آت إليكم بعد أيام؛ فقد تفضلت الحكومة اللبنانية ~~فأصدر معالي وزير التربية مرسوما بتعليق صورة أمين تقي الدين في دار الكتب. فللحكومة ~~اللبنانية بشخص معالي وزير التربية الشكر. # هنا أود أن أثب من ميعان العاطفة لأذكر لكم أمثولة أخيرة تلقنتها من الفاجعة ~~العاطفية: # لقد أحببت هذا الرجل لأقصى ما في مقدرة رجل أن يحب رجلا. وفي سنة 1937 كنت في مغترب ~~بعيد: مانيلا؛ الفليبين، وكان من عادتي إذ أنصرف من مكتبي أن أمر ببناية البوسطة. وقفت أمام ~~صندوق البريد أرى من خلال زجاجه رسالة عليها طابع لبنان واسمي باللغة العربية. وقفت ~~مشدوها خائفا دقائق طويلة ومفتاح الصندوق بيدي أتطلع إلى الغلاف ولا أفتح الصندوق. ومر بي ~~صديق أمريكي فسألني ما لي واقفا كالصنم، أجبت أني أخاف منظر هذا الغلاف، فضحك هازئا ~~قائلا: يا لك من شرقي معتوه عاطفة! وتناول المفتاح من يدي وسلمني الغلاف. كانت تلك الرسالة ~~نعي عمي أمين. # لم أبك ولم أتفجع، بل ألهمتني الغريزة أن أدفع عني هذه النكبة فحدثت نفسي: إنني بعيد عن ~~أهلي وأصدقائي. كثيرون منهم لا يراسلونني، ولكني أعلم أنهم أحياء أحباء إلي. إذن فلأحسب أن ~~هذا الذي جاءني نعيه لا يزال حيا بعيدا عني، ولكنه لا يراسلني. # إلى الذين يفجعون بحبيب، أنصح أن يحاربوا الحزن بهذا الخداع العقلي. ترى أهو حقا خداع ~~أم حقيقة؟ كثيرون من الرفاق يغتربون إلى كندا وكولومبيا والأرجنتين؛ بعضهم يرجع إلينا، ~~وبعضنا يغترب إليهم، وآخرون يبقون هناك، ونفنى هنا من غير أن نتراسل. # الموت هو اغتراب. في هذا الحديث لم أقل «المرحوم»؛ ذلك لأنني أقنعت نفسي أن عمي أمينا ~~اغترب عني، أو أنني لا أزال مغتربا عنه. حيلة الضعيف، ولكنها ناجحة. # | علمتني الحياة # خطاب ms44 أذيع على الراديو # أي شيء علمتني الحياة؟ # هي علمتني الكثير، وهي لم تعلمني شيئا. # ذلك لأن الدروس التي ألقتها يطغى عليها اختيار شامل واحد، وهو أن على الإنسان ألا يقف ~~من الحياة - أشخاصها ومعضلاتها - وقفة حاسمة جازمة نهائية؛ فمواقف الحياة تتشابه في ~~سطحياتها، والويل لمن يريد أن يعالج مشكلا على ضوء خبرته في مشكلة سابقة، من غير أن يحسب ~~حسابا للعنصر البشري الذي يستحيل أن يكون واحدا في موقفين، ومن غير أن يعتبر أن المعضلات ~~تبدو متشابهة، فهي إذن تحمل في طيها أسباب التضليل عن حقائقها؛ إذ تزين لصاحب العقل الكسول ~~- والعقل بطبيعته كسول - أن يقول: «هذا مثل هذا وانتهى الأمر.» لذلك ترى المدجلين من مزيفي ~~قادة الفكر يتوجهون إلى الجمهور الغني بوصفة - روشتة - واحدة، أو وصفات قليلة يبشرون بها ~~أنها تشفي كل الأمراض، وتوصل إلى كل الأعراض؛ ولذلك ترى أن خصيان القول وصرعى الدجل لا ~~يقبلون مساومة فيما يسمونه ثقافة، ثم كذلك تسمع هذه الأمثال والحكم والطرائف المحفوظة ~~تغمر أحاديث السخاء وكتاباتهم وخطبهم. ولست أعرف من ظاهرة أدل على جمود التفكير بين ~~الناطقين بالعربية، وبانعدام حيوية الإنتاج مثل هذا التقديس والإسراف بالاستشهاد بأبيات من ~~الشعر والأمثال التي طغت على الأدب العربي والطرائف التي نرددها في كل يوم، سنة بعد سنة، ~~بل جيلا بعد جيل. # إذن فالحياة إذ تسخو بتثقيفنا هي كذلك تنذرنا أن كل ما نحسبه خبرة يجب أن يبقى دائما ~~رهن إعادة النظر أو الفحص من جديد. يجب أن يبقى أبدا موضوعا للتحوير والتبديل والتكييف ~~والتقميص. ذلك الأفق الذي لاح فيه دخان ألف باخرة، وسطعت منه ألف شمس، يجب أن يبقى دائما ~~تحت منظارك، فبعض ما ترى ليس له من وجود؛ لأنه خداع بصري، وأشياء تبدو كبيرة هي في حقيقتها ~~صغيرة أو تقترب منها، وخلف أشرعة الزوارق التي زحمت أنفك أساطير جبابرة أنت تراها لو أنك ~~اعتضت عن منظارك الضعيف بمنظار جبار. # كذلك يجب أن تحسب حسابا لما لا يرى من تيارات، وأن تحسب حسابا للمفاجآت، وأن تقف ms45 على ~~أخمص قدميك كالملاكم مشدود العضلات، مجموع القبضتين، مستعدا للكر والفر. # إذن والحياة لا تعلم شيئا بشكل جازم نهائي، فما الذي علمتني إياه الحياة؟ # أمامنا دقائق فلنقتصر على غير المعروف وغير المألوف. # علمتني الحياة أن أحتمل زوادة من ذكريات جميلة لانتصارات أغذي بهما نفسي بنفسي كلما ~~أصبت بهزيمة. # في زمن الدراسة عام 1919، ظفرت بجائزة ثلاثة جنيهات في مباراة كتابية عنوانها «مضار ~~المسكرات». وبعد سنتين، كنا في مباراة البسكتبول السنوية وقد سجلت فرقتنا - وكنت من لاعبيها ~~- 30 نقطة ضد 31 لأخصامنا، وقبل انتهاء اللعب بثوان، سجلت أنا إصابة فربحنا المباراة ~~السنوية 32-31. بعد ذلك بثماني سنوات؛ أي سنة 1928، كنت تاجرا واستوردت في المهجر أول شحنة من ~~الحقائب (شنتات) الكرتون، صنع ألمانيا، وربحت الشحنة الأولى ثلاثة آلاف دولار. # وكر الزمن وانقطعت عن الكتابة نحوا من اثنتي عشرة سنة، وضعف إيماني بنفسي ككاتب، ونزلت بي ~~نكبة مالية فأفلست، وأصابني من ازدراء الناس ما هم أن يقنعني بأني في الحياة شيء لا قيمة له ~~ومفروغ منه، غير أني لما يئست استعدت ذكرى الجائزة والمقالة الرابحة، فقلت لنفسي: إني كاتب ~~ورسمت أمام عيني صورة الطابة تسجل الإصابة الأخيرة الفائزة، وأنا ورفاقي اللاعبون على أكتاف ~~التلامذة. وكيف لن أفوز بالاتجار؛ شحنة حقائب الكرتون من همبورج ألم تربح 3000 دولار؟ ~~سأكتب. أنا كاتب. سأتجر، أنا تاجر قدير لا يهمني ما يقول الناس. # زوادة النجاح أحتملها دائما. لا بأس أن تكون ذكرى تافهة كربحك سبع كلل، أو كأن تكون قد ~~ضربت ابن الجيران فهرب منك، أو كأن تعجب بك بنت الباشكاتب. تزود ذكريات الظفر لتقوي ~~معنوياتك إذ تنهدم. ولا ريب أنه يمر بك فترة في الحياة وقواك المعنوية في شلل، غير أنه من ~~الضروري أن تقنن هذا الأفيون جرعات صغيرة، فتكون لك حافزا لا مخدرا. # ثم علمتني الحياة أن أعيش حياة ثانية صالحة لا واعية. زوادة الأوهام ضرورية للعيش. كل ~~منا يحلم في يقظته أنه ديكتاتور، أو غني كبير، أو مخترع، أو أديب عالمي. هذا ضرب من الجنون ms46 ~~النافع، شرط ألا يجمح، فإنه من هذه الأوهام المضطربة تتبلور فكرة واقعية أو حوار قد ~~تستعمله في المستقبل، أو مشروع تجاري، أو روحي واقعي غير عادي. ولهذه الأوهام فائدة ثانية: ~~ماذا أصابك البارحة من فشل؟ هل أرسلت مقالة إلى جريدة «مضرب الفجر» فلم ينشرها رئيس ~~التحرير شمدص جهجاه؟ هل أقامت المفوضية «البلو كوفتشية» حفلة كوكتيل فدعت إليها جارك بندر ~~بك علوش ولم تصلك ورقة دعوة؟ هل رأيت الأستاذ عوسج شنديب راكبا سيارة فخمة وهو صعلوك ~~وأنت منتظر الترامواي تحت الأمطار؟ كل هذه أمور بسيطة يجب ألا تزعجك. افتح زوادة الأوهام ~~حالا تصبح أكبر كاتب في الدنيا، ورئيس تحرير الجريدة شمدص جهجاه. مسكين شمدص جهجاه! ها هو ~~يحاول أن يدخل إلى منزلك يرجوك راكعا على ركبتيه أن تجود عليه بمقال. أطل من النافذة وانظر ~~إلى خادمتك «أبركسيا» والمكنسة في يدها تضرب بها شمدص جهجاه، وهذا يصيح: آخ ... آخ ... دخيلك ~~اضربيني إنما أريد مقالا؛ مقالا قصيرا فقط لا غير. # أما سفير دولة «بلو كوفتشيا»، فمن أسهل الأمور أن تثأر منه. زوادة الأوهام. هذا أنت قد ~~منحوك بالإجماع «جائزة نوبل» العالمية. أعلنوا اليوم في البلاد عيدا قوميا، وها هي ~~الشوارع مزدانة، ورئيس الوزارة بالثوب الرسمي يرأس الحفلة لتقليد الوسام، وتسليمك الجائزة، فهل ~~تحضر الحفلة؟ بالطبع تحضر الحفلة بشرط واحد؛ وهو ألا يدعى إليها سفير دولة «بلو كوفتشيا»، ~~يا سيدي، يوجد بروتوكول. علاقات دولية. أبدا، أنت لا يهمك البروتوكول ولا العلاقات الدولية. ~~سفير «بلو كوفتشيا» بدلا من مجيئه إلى الحفلة ليذهب فيزور بندر «بك» علوش الذي كان يدعى ~~إلى حفلات الكوكتيل ولا تدعى أنت. أما الأوتوموبيل الفخم وعوسج شنديب وأنت منتظر ~~الترامواي فهذا أمر تافه. زوادة الأوهام: هو ذا سيارة - أول سيارة تسري بقوة الاندفاع ~~الذاتي وعزم الذرة يقودها شوفران اثنان بوقت واحد. وفيها راديو وتلفون ... و... و... من يقدر أن ~~يصف ما فيها وهي تجري بك في الشارع، والثلوج تتساقط، والأرياح تثور - من ترى في الشارع؟ ~~بالطبع بندر علوش. ماذا يعمل؟ مسكين منتظر ms47 الترامواي. ها هو يناديك أن تقف له. فهل تقف؟ وهل ~~تفتح له الباب وتجلسه إلى جانب أحد السائقين؟ وهل تجود بالمقال على شمدص جهجاه؟ هل تأذن ~~لرئيس الوزارة بدعوة سفير «بلو كوفتشيا»؟ كل هذا غير مهم. المهم أنك بنيت من الأوهام ملجأ ~~تحلم فيه أنك قد قتلت في نفسك النقمة التي تتأكل قلبك. زوادة الأوهام ضرورية في الحياة، وهي ~~مفيدة شرط ألا تأكل منها بنهم. # علمتني الحياة أن الحسد غريزة بهيمية نهاشة هدامة، وأنك لا تستطيع أن تقهرها بغير أن ~~تقاتلها بكل ما تملكه من أسلحة، من تقوى وواقعية وكبر نفس. كنت حسودا إلى درجة قصوى، وكدت ~~أختص بالحسد أصدقائي ورفاقي في المدرسة. من قوانين هذه المحطة ألا نذكر أسماء. إذن ~~فأكتفي أن أقول أن بين بعض أصحابي الجامعيين أشخاصا لهم شهرة عالمية، وكنت كلما وقعت على ~~إخبارهم أتحسر وأحسد وأنقم أن يكونوا هم في رفيع المقامات وأنا إذ ذاك خامل الذكر. لقد ~~تغلبت على هذه الرذيلة بتطور بطيء وبقفزات طفرة. يصعب تحديد الساعة التي أعلنت فيها ~~الانتصار، غير أنه من الممكن الإشارة إلى حدوثها بوجه عام إثر سماعي عبارة من محامي، فقد ~~كان لي في «الفلبين» محام صديق يتولى شئوني القضائية والحكومية العارضة، وكانت شيئا ~~تافها. وفي ذات يوم، اتفق له أن يعالج من أجلي أمرا هاما، فرحنا نطوف في الدواوين من مدير ~~إلى وزير إلى نائب رئيس الجمهورية، وكان صديقي المحامي حيث دخلنا يجد الأصدقاء ويعرفني «هذا ~~ابن صفي. هذا يسبقني بسنة في الدراسة. هذا كان منافسي في الركض. هذا غلبته في السباحة.» ~~وكان صديقي المحامي رجلا غير شهير ولا عظيم. ولما انتهى بنا الطواف في السراي وركبنا ~~التاكسي نحو المكتب التفت إلى صديقي المحامي وقال: «أتعلم يا سعيد؟ كلما رأيت أصدقائي ~~يحتلون المراكز العالمية.» قلت مقاطعا وكنت أكشف عن شعوري: «طبعا حدثت نفسك: الله يلعن ~~الحظ.» فضحك وقال: «لا، كلما قوي أصدقائي شعرت بالقوة في نفسي.» # منذ تلك الساعة عكست موقفي العاطفي نحو أصدقائي الناجحين، وهم اليوم ms48 يلمسونه، ووجدت في ~~نفسي القوة بدلا من الحسرة، وجمال الحب بدلا من بشاعة البغض، وواقعية الربح بدلا من ~~الخسارة. قلت إن أصدقائي الناجحين في الحياة يلمسون اليوم شعوري. كيف يلمسونه؟ الإحساس يجد ~~طريقه إلى الآخرين. الحسد غريزة بهيمية نهاشة هدامة. علمتني الحياة أنه من الجميل والنافع ~~والممكن أن أقهرها. علمتني الحياة - آخ - ضاع الوقت، وعلى ذكر الوقت علمتني الحياة أن أفهم ~~الوقت، فأنا اليوم أعلم أن حياة الإنسان طويلة؛ أربعون خمسون ستون سنة هي ساعات كثيرة في وسع ~~أي واحد منا أن يحقق فيها أمورا مهمة، شرط ألا نهدم الوقت. هذه السهرات ساعات، ساعات ~~لماذا؟ # قدم لضيوفك القهوة والشراب، ولكن لا تقدم الوقت، هو أثمن من أن يهدر، والوقت ليس له من ~~بديل. بعض الأمور كالخمرة يلزمها التحقيق. وقبل أن يدهمنا الوقت - وقت المحطة - فإليكم ~~الأمثولة الأخيرة التي ألقتها علي الحياة. عامل الناس كأنك مرشح للانتخابات، وكأنهم كلهم ~~ناخبون، وكأن يوم الاقتراع غدا. # | على أعتاب هيكل # جلسنا على منصة الخطابة وخلفنا مكتبة الجامعة الأميركية، تلك البناية التي أهداها آل يافث ~~إلى الجامعة، وقد كلفت ما يزيد عن مليوني ليرة. وحقا إن المنصة التي جلس عليها نحو من ~~عشرين بأثوابهم العامية، ونياشينهم يواجهها الحشد يترأسه فخامة رئيس الجمهورية، ولفيف من ~~الدبلوماسيين، والدرج الذي استدار بالمنصة. كل هذا أوهم الناظر أن هنالك جمعا من ~~المتعبدين. # بدأت الخطاب ب «فخامة الرئيس»، ثم خاطبت وزير البرازيل بكلمات برتغالية سرغس لها الجمهور، ~~ثم «سيداتي وسادتي». # صاحب الفخامة. # سيداتي وسادتي. # أمام بطولة الأعمال باطلة هي الأقوال. # ليس للكلام قيمة في هذا الاحتفال إلا أنه تجسيد لعاطفة تنحني بتقدير وخشوع أمام إنتاج ~~الكبر. # إذن فلتكن الألفاظ قليلة رصينة متواضعة هادئة. # فإنما نحن جالسون على أعتاب هيكل. # إن أول ما يمثله هذا التمثال هو التمرد، فلقد ولد نعمة يافث في مجتمع لم يسهل لأفراده ~~الثقافة، فطلب الثقافة ثائرا على أوضاع أرادت أن تحرمه نعمة العلم والدرس والتهذيب، ~~فاقتنصها جهادا متغلبا على الحرمان. # وجاء المجتمع يفرض الحدود على نعمة ms49 يافث محاولا أن يسمره إلى مكانه، لا يحقق فيه إمكانيات ~~سخت عليه بها الأجيال من قوة جسدية وأخلاقية وعقلية، فتمرد وهبت به روح الصراع ~~فاغترب. # أقول اغترب ولا أقول انهزم. إن أكثر المنهزمين يهربون وهم قاعدون. # وفي البرازيل وجد تربة لا صحارى: تربة تسخو على الحبوب الجيدة، فنبت ونما وازدهر دوحة ~~هي أسرة اليافث. # وجاء دور الانتقام، فنفذ انتقامه على ذروته من السمو الاجتماعي؛ إذ جاد على الحياة التي ~~اضطهدته وحرمته وشردته بأن أعطاها ما يخفف الاضطهاد والحرمان والتشريد. # وها هو الانتقام يطل باسما من مكتبة على شرفة بيروت، ويشرئب في دار بلدية تنهض في ضهور ~~الشوير، وينهمر إحسانا جوادا، ويشع في ألف سراج وضاء هنا وعبر البحار. # ونفذ نعمة يافث في المجتمع خلال حياته وبعد مماته حقيقة اجتماعية وضرورة هي الاستمرار ~~والرقي والنمو والتوسع والقوة التصاعدية، فجاء أبناؤه وبناته حاملين رسالة المعلم ~~أبيهم. # كان أيسر على هؤلاء الأفراد أن يسبحوا في بحر من السعة والترف، ثم فيه يغرقون. # كان أهون عليهم أن يشيدوا من أتعاب سواهم أهراما من الجاه يشمخ على الناس، وفيه أجسادهم ~~المحنطة يدفنون. كان من المغري أن تتحجر قلوبهم بنايات؛ طوابقها يستغلون، ولكنهم آثروا ~~ممارسة الخير فانطلقوا شاعرين بالمسئولية الكبرى يفعلون. # ليس في مقدور هذه الأمة أفرادها وحكوماتها أن تهب شيئا لآل يافث يزيد في مكانتهم ~~السياسية أو المالية أو الاجتماعية. ليس في وسعنا أن نسخو على هؤلاء الأسخياء. # غير أن جمعية متخرجي الجامعة، وقد كان نعمة يافث أحد أفرادها، وبعض أعضائنا العاملين هم ~~من أسرة يافث، تود الجمعية أن ترمز إلى فخرها به وبهم، فهي تمنح لأول مرة في تاريخها الآن ~~وهنا الوسام الوحيد: وسام دانيال بلس، يحمله إلى السيد كارلوس يافث؛ حفيد دانيال بلس الكبير، ~~وحامل اسمه الدكتور دانيال بلس. # إن القوة تجوهر نفسها حين تصبح قوة، ولقد أعطى بنو يافث من قوتهم قدوة. علينا أن ننفذ ~~الشطر الثاني والأهم والأصعب؛ وهو أن نقتدي. # | قافلة جمال # كانوا على همة أن يمثلوا رواية في حفلة ms50 «عبية» المدرسية، وراح الخطباء يقفون أمام الستار ~~الذي يحجب المسرح. وقفت وقلت: «الحمد لله، فهذا مكان لا يخاف الإنسان فيه أن يدير ظهره إلى ~~ستار لا يدري ما وراءه .» ولسبب ما، شد أحد التلامذة الممثلين بالستار فتمزق، وانكشف المسرح، ~~فأضفت: «والحمد لله، فنحن في مكان لا نهرب منه إن بان ما اختفى خلف الستار.» وألقيت خطابي. ~~يسرني، وقد أتاح لي طبع هذا الكتاب، أن أسجل على نفسي شيئا من نقيصة التملق الذي تغلغل في ~~كلامي. # للرجل في حياته حادثتان: الولادة والموت. # نقيم الأفراح للأولى، وللثانية المناحات والمآتم. # أما أنا ففي هذا المعبد، هنا في عبية، وفي هذه الساعة أجد أني أهم أن تصيبني في حياتي ~~حادثة ثالثة هي حادثة الكهولة. # فحين أمد يدي إلى جيبي وانتزع منها هذه النظارات لأضعها على عيني أكون قد فعلت هذا لأول ~~مرة في حياتي. هكذا أعترف أنني أصبحت كهلا. # حين يولد الطفل يأتي المهنئون فنطعمهم «المغلي»، ولو أني أقمت حفلة لكهولتي وجاءني ~~الناس، لطفت عليهم بكئوس ملأت أنصافها بالمغلي، والأنصاف الثانية بزوم الزيتون، ووضعت في كل ~~كأس شيئا من حب الصنوبر؛ لأذكرهم بأفراح الحياة، وشيئا من شظايا حجارة الصوان؛ لأذكرهم ~~بتلك البلاطة التي ستعلو صدورنا حين نموت؛ تلك البلاطة التي ستغطي القميص الحريري، أو ~~القميص القطني، أو الجسد الذي لا يرتدي قميصا. # وبعد، فقد لا يكون من مغزى لكأس ملئت بالمغلي وبزوم الزيتون، ومزجت بحبوب الصنوبر وحصى ~~الصوان، فنحن في كل يوم نحيا قليلا ونموت قليلا. # يسمون هذا الشهر شهر توزيع الشهادات المدرسية، موسم الخطابة، غير أنه وقد كثرت وقفاتي في ~~هذا الموسم لا أدري إن كنت زارعا أو حاصدا، ولا أعرف إن كنت جئت لأبيع أو لأشتري. في ~~الأحد الماضي، كنا في حفلة مدرسة الشوير حيث ألقيت خطابا، وفي الساعة نفسها كانت مدرسة كفر ~~شيما تقيم حفلتها، وكان يلقي فيها خطابا أخي بهيج. # وتقدمت سيدة من بهيج تقول: أنت هنا وسعيد في الشوير، وفي الأسبوع القادم خطاب في ~~عبية؟! # أجاب بهيج: ما العمل؟ ms51 هذه بضاعتنا. # سؤال عادي، وجواب قد يكون عاديا، ولكن الحكيم يجد المغازي في الأقوال العادية. كلنا صاحب ~~بضاعة، كلنا بائع وشار، مصدر ومستورد، منتج ومستهلك. هذا المعهد تشترون فيه الثقافة بمال ~~جناه آباؤكم من بضاعة باعوها، وبأموال أخرى قدمها رجال جنوها من بضاعة باعوها. ليس الاتجار ~~بعار. العار إن ساءت البضاعة أو فسدت السوق. كلنا يذكر الحداء: «نحن نبيع الروح للي يشتري.» ~~لقد باعها - وهي كل ما يملك من بضاعة في السوق التي تعرفونها - فتى الجبل فتاكم: عادل ~~النكدي. # في مثل هذا المعهد تدرسون وتجهدون لأمرين؛ الأول: لتعدوا نفوسكم لبيع البضاعة غير ~~المغشوشة، والثاني: لتتدربوا على شراء البضاعة غير المغشوشة. بين الاثنين علاقة وثيقة؛ لأن ~~الحياة مثل التجارة: عرض وطلب. وصحيح القول أنه من الصعب أن يجزم المفكر في أيهما أكبر ~~أهمية؛ معرفة ما يبيعه الإنسان أو معرفة ما يشتريه؛ لأن الطلب يخلق العرض. لقد راجت في ~~لبنان بضائع لم يعرف مثلها الألمان ولا الأميركان ولا الإنكليز ولا الطليان، ولا شهدوا لها ~~شبيها لا في الصين ولا في الأرجنتين ولا في اليابان ولا في بلوخستان، وربح بها تجارها ~~وأثروا واعتزوا؛ ذلك لأن تلك البضاعة نحن نشتريها. # حول بيتنا في بيروت - الآن وقد جاء الصيف - أرى في كل صباح السجاد يتدلى على بلكونات ~~الجيران، وأسمع أصوات العصي تنهال على السجاد تطرد منه الغبار. إني كلما أرى الخادمة تهوي ~~بالعصا على السجادة أشعر كأن تلك العصا نزلت على رأسي، وأذكر ذلك اليهودي في مانيلا ~~«الفلبين» الذي عريت قاعته من السجاد، وازدانت حيطان صالونه بوصولات التبرع للجمعيات ~~الصهيونية. واليوم ذلك اليهودي له دولة، وأصحاب السجاد بعضهم على الحصيرة، وبعضهم على أحقر من ~~الحصيرة. # ونحن لو احترمنا الناس لا بسبب الأوتوموبيل الذي يركبون، ولا المأدبة التي بها يسخون، ولا ~~الكرافتات التي بها يزدانون، ولا السجاد الذي به بيوتهم يفرشون، بل لأجل المساهمة بمثل هذه ~~الأعمال النبيلة التي قام بها هذا المعهد، وهذا الميتم، لاغتصبنا النبل والعمل الكريم، ولطغت ~~قيم الروح على قيم المادة. # أعود ms52 إلى نظاراتي فأذكر أن من مظاهر الكهولة إبداء النصح. # أود أن أستميحكم عذرا فأقدم لهؤلاء الفتيان الأحباء لا نصيحة واحدة، لا جملا واحدا ~~بل قافلة جمال. # فأولا: # ليتعلم الواحد منكم مهنة أو حرفة وليتقنها. في نظر الله وفي نظر أشراف ~~البشر العمل طبقة واحدة. سائق الترامواي وطبيب الأسنان، أستاذ المدرسة ومصلح ~~الأحذية، الممرضة وخادمة البيت، كلهم عند الله وعند الراقين من الناس في صف ~~واحد. أتقنوا عملكم. كثيرون من الإخوان يأتون في طلب عمل. تسأل الواحد ما ~~الذي في وسعك أن تعمل يجيب: «إشمكان.» إن الذي يطلب «إشمكان» يحصل على عمل ~~في الحياة اسمه «إشمكان.» الصخر بضاعة غير رائجة، الحجر المنحوت تقدرون أن ~~تبيعوه. # ثانيا: # ليس لكم من عدو. ابن العائلة الثانية ما هو بعدوكم. ابن الضيعة المجاورة ~~ما هو بعدوكم. ابن الطائفة الثانية ما هو بعدوكم. إن الذي يبيعكم العداء ~~والخصام والمشاكسة يبيعكم سما ويتجر بجهلكم. بضاعة العداء تدر الربح على ~~بائعها فقط. وحين ترفضونها لن يجدوا لها مشتريا. لن تجنوا من العداء ~~والبغضاء إلا الجريمة والخسارة. حين وصلت «الفلبين» عام 1925 جاءني نسيب لي ~~رحمه الله فهمس في أذني أن لي هناك عدوين كامل حمادة وزوجته، فصدقت لأنني ~~كنت قد صحبت من هنا «ستوك» من سقط المتاع، ما يسميه التجار «جوبا» من ~~البغضاء. وصرنا إلى يوم أصبح فيه كامل حمادة وزوجته أحب إلي من أهلي، وصرت ~~أحب إليهم من أهلهم. وجنينا كلنا من هذه الألفة ربحا ماديا، وما هو أثمن ~~من الربح المادي: هو الشركة الروحية؛ إذ يشاطر الإنسان أخاه الإنسان ضحكاته ~~ودموعه. امش نحو هذا الذي تتوهمه عدوك خطوة وابتسم، تر أنه هو الآخر كذلك ~~مشتاق إلى أخوتك والتعاون معك. # ثالثا: ~~- أي الجمل الثلاث - اشتروا البضاعة الجيدة حيث وجدتموها. بعض البضائع ~~الجيدة لا تباع في «الأوكازيون» ولا يعلن عنها. من أقبح التعابير التي ~~اخترعتها الصحف هو اصطلاح «الطبقة المثقفة»، وبشاعة هذا التعبير هو أن ~~يخلق من المثقفين «طبقة»؛ هذه الطبقة قد لا تطلب البضاعة إلا في الأسواق ms53 ~~الشهيرة؛ حيث عمرت الثقافة. قصب السكر دسم وشهي في «الدامور»، وهو كذلك دسم ~~وشهي في «أنطلياس». اقرءوا كتب الفلسفة وطالعوا سير العظام، وقولوا لي هل ~~تجدون الإيمان والتقوى والقناعة والنزاهة أعمر وأصلب في أي مكان من الدنيا، ~~منها ها هنا في قلوب أجاويد الدروز؟ # النصيحة الرابعة، الجمل الرابع: هو نصيحة سلبية. لقد وهبنا الله فصاحة في النطق وبلاغة ~~في التعبير وكياسة في السلوك. كل هذا نفخر به ولكننا فيه مسرفون. ليس من الضروري إن تزوج ~~واحد منا أو مات منا رجل أن يحضر العرس أو المأتم كل أهل الأرض. # ورد سلام، تهان وتعاز، تلغرافات شكر وتلغرافات معايدة، بطاقات، باقات زهور، سهرات، ~~مجاملات ... لقد كركبنا الحياة كثيرا. # من أشهر رجال هذه البلدة حكيم اسمه الدكتور جميل كنعان. لقد عرفته منذ ربع قرن وعالجني ~~موفقا. وحين رجعت من غربة هذه السنوات الكثيرة كنت أشتهي أن أراه لنتبادل كلمة «مرحبا»، ~~على أنه وقد «قصر في السلام علي» أحب أن أؤكد لكم أنه لم يصبح من أعدائي. حين أجتمع به قد ~~أعاتبه وقد لا أعاتبه. على كل حال طمئنوه أنني «مش رح قوسه.» # ما دامت بضاعته جيدة فلا أبالي إذا هو لم يناد علي: «تفضل يا خواجة.» # هنا تزدوج النصيحة، فهاكم توءم جمال خوفا من أن تطول القافلة. حذار أن تعجبوا بشخصين: ~~الأديب وموظف الحكومة. # أما الإعجاب بالأديب فيرجع أمره إلى الماضي القريب يوم كان أكثرنا أميين، فسطع كل من نظم ~~بيتا أو خط سطرا أو ألقى كلمة. صدقوني أيها الفتيان، إنه لا يستحق الإعجاب أكثر هذا الذي ~~تقرءون وتسمعون. لقد سموا بحق «حملة أقلام». أكثر ما ينشر الفرق بينه وبين العادي ~~والمبتذل أنه كلمات طبعت. لا تحسبوهم أبطالا هؤلاء الذين باعوا أقلامهم كما باعت البغي ~~عرضها. # إن أقل ما في مقدوركم فعله هو ألا تحذوا حذوهم. # أما إن كان بينكم «فلتة» عبقري، فلست أرجوه أن يصم أذنيه عن سماعي؛ لأنه لاه عن الاستماع ~~إلي وإلى سواي بالإصغاء إلى خفقات قلبه. # أما موظف الحكومة ms54 فيرجع عهد الإعجاب به إلى يوم كان الباشا باشا. صدقوني؛ إن هذه الهالة ~~من العظمة التي تحيق بأي كان من موظفي الحكومة ستختفي. # وهذه النصيحة الأخيرة ما هي بجمل، بل هي ناقة ذلول. # أعطوا شيئا من جهودكم وتفكيركم وأموالكم للخدمة العامة. أقول أموالكم؛ على العلم بأن ~~أكثركم ليسوا بموسرين. ليس في الدنيا فقير، كلنا أغنياء. من ليس في قدرته أن يعطي المليون ~~فليعط المائة ألف أو الليرة أو القرش الواحد. فقرنا ليس في الجيوب، بل هو في القلوب. # كثيرون منا لا يعرفون السباحة، وما انغمسوا في البحر قط: هؤلاء تفوتهم نشوة الانطلاق في ~~الماء المنعش، ولا يعرفون لذة الابتراد متحررين من أثوابهم. # تحرروا من أثواب الأنانية والتقتير وانغمسوا في بحر العطاء. أعطوا القليل أو الكثير. إنكم ~~تحسنون إلى أنفسكم إذ تحسنون إلى سواكم. أعطوا من الوقت والجلد والمال خدمة عامة مجردة. ~~إنكم إذ ذاك تقتربون من أخيكم الإنسان. # قلت في بدء خطابي: إني لا أعرف إن كنت حاصدا أم زارعا، شاريا أم بائعا. أما الآن فقد ~~وضح الأمر. لقد جئت إلى هذا المعهد الكريم لأبيع قافلة جمال ولا أدري ما حظي في هذه الصفقة. ~~كل ما أعرف أنه في مثل هذا السوق أحب أن أتجر. # | الأعمدة السوداء # هذه أبهج حفلة حضرتها أو خطبت فيها. لن أنسى كيف مشى ذلك الشيخ المثلج الشعر تسبقه دموعه ~~نحو منبر ليلقي كلمته ويتقبل وسامه. كانت الحفلة في بناية الأونسكو والقاعة شبه ملأى، ومرح ~~الحضور يعلن أننا في مهرجان. عفو القارئ إن اعترفت أنني خلال الحفلة كنت أزغرد في نفسي: ~~«أكثر هذا الجمال من صنع يدي.» فلقد كانت تكريما للشاعر وديع بستاني، الذي ترجم من الهندية ~~إلى العربية ملحمة «مهيرانا»، وطبعتها جمعية متخرجي الجامعة الأميركية يوم كنت رئيسها. من ~~خطباء الحفلة تلك: سعيد عقل، وعبد الله العلايلي، وكمال جنبلاط، وفؤاد أفرام البستاني. # سألت المحتفى به حين لقيته لأول مرة: بماذا أناديك؟ أستاذ؟ لفظة لا تتناغم مع الشاعرية. ~~وليس لي أن أدعوه باسمه عاريا. أجاب أديب ms55 الملاحم الذي نحتفل به اليوم: «نادني يا عمي. أنت ~~لا تدري أنني كنت صديقا حميما لأبيك.» # فيا عمي، بل يا عمنا جميعا، لا تحضرني عبارة أحييك بها أجمل من المثل اللاتيني: «الفضيلة ~~تتوج رأس من يعبدها.» وأنت عبدت الفضيلة من زمن بعيد، فزانت رأسك بتاج ليست «المهابهاراتا» ~~إلا جوهرة هندية جديدة تترصع فيه. # كثيرا ما واكب الإنتاج الأدبي جهدا عمليا فيه غمار. فكم وراء قصة من قصة، وخلف رواية ~~من رواية! # وإن لهذه الملحمة ملحمة غير معروفة، كانت آخر صفحة فيها شاشة ظهر عليها مطران ودكتور ~~وجريح ومجنون، وكبير المجانين، وكيلو من «النفتلين»، وخمسمائة متر ماء، وضيعة الدبية وعاليه ~~وبتدين، وبالطبع بعقلين، وأربعة آلاف من متخرجي الجامعة الأميركية. # كان ذلك منذ سنتين حين شخصت إلى كاهن الشوف سيادة المطران بستاني منتدبا لمهمة سياسية ~~ازدوجت بمحاولة الحصول على خمسمائة متر ماء، تضاف إلى ألفي متر نالتها بلدتي بعقلين من كرسي ~~المطرانية المارونية في بيت الدين. # وجلست إلى كاهن الشوف فأمر لي بكأس من النبيذ المعتق، نبيذ عتيق يرجع عهده إلى زمن ماض ~~سحيق، يوم كنا في الشوف دروزا وكنا نصارى. وبدأنا الحديث عن الملاحم، وأنهيناه عن الملاحم. ~~هكذا غرقت السياسة بخمسمائة متر ماء، وتبخر الماء قبل أن ينهمر، وخرجت متطوعا لطبع ملحمة ~~«المهابهاراتا.» # ثم كان اجتماع عاليه في بيت الدكتور جورج حنا، حضره أحد مجانين هذا البلد عزمي البحيري؛ ~~صاحب «دار الأحد». أسميه بالمجنون؛ لأنه يفهم مهنته فنا ورسالة فقط لا غير. # وأقبل فؤاد بستاني - ابن عمي وديع، ابن عمنا - حاملا من «الدبية» جرابا يخنقه حبل ~~وخيطان. وفك الجراب وأفرغه في زاوية البيت، فتهاوت من الجراب ثلاث عشرة مخطوطة شعرية؛ ترجمات ~~لكنوز الهند، حنطها «النفتلين» وانتشرت من النفتلين في الغرفة غيمة بيضاء أحرق فوحها ~~أنوفنا، وتأجج في نفوسنا نقمة وثورة. # من ظلمة الجراب المخنوق تدحرجت مجهودات أربعين سنة. أين سيد هذا المجهود؟ أسير جريح الروح ~~في «إسرائيل» ما صان حريته الناطقون باللغة التي أغناها، وما حرر مواطنوه أسر الحروف التي ~~انحبست ms56 في مخطوطاته. # وتجسدت النقمة والثورة في إيجابية مشروع «المهابهاراتا»، وجاء ذلك العمل بعض واجبات جمعية ~~متخرجي الجامعة الأميركية التي تزهو بأن وديع بستاني أحد أعضائها. # جمعية المتخرجين التي نشرت هذا الكتاب يترأسها اليوم أميل بستاني - ابن أخ عمي - وقد ظفر ~~بالرئاسة لأسباب عديدة، أهمها أنني قاومت انتخابه بشدة، ولكنه أعلن فور فوزه أنه خلف خير سلف. ~~وقلت يومئذ: ومعاذ الله أن أكون (صرحت): سأحتفظ بالجواب على هذا المديح حتى أرى أعمال الخلف. ~~أما اليوم وقد ظهرت الأعمال - وإنجاز طبع «المهابهاراتا» أحدها - فإنني أعلن، لا أصرح، أن ~~رئيس جمعية المتخرجين اليوم هو خير خلف لمن سلف، وأنه قد نال مني ثقتي بالإجماع، ومن غير خبط ~~على الطاولات. # ذكرت فضيلة «عمنا» ولم أذكر مواهبه، مع أن ترجمته لرباعيات عمر الخيام هي رائعة عالمية، ~~كما أن ترجمة سامي جريديني ل «يوليوس قيصر» عن شكسبير هي رائعة عالمية نثرية. # ما تغنيت بالمواهب لأن النبوغ شيء تغرسه الحياة وتتعهده، ولكن الفضيلة تنظمه إنتاجا ~~صادقا نافعا. # قال رجل الساعة في الهند البانديت نهرو: «في الهند كل شيء مليح، وكل شيء قبيح، فاختر لنفسك ~~ما يحلو.» في الهند المهاتما غاندي «أراد أن يمسح كل دمعة عن كل عين.» وفي الهند اليوم كبير ~~تلامذة غاندي Bavay يبارز نفسه ويخاصمها ويلاكمها، ففيما هو يبشر بعقيدة معلمه غنديجي ~~داعيا إلى # Ahimsa ~~؛ أي اللاعنف، إذا به يقول: «إن ولادة حضارة ~~جديدة يصحبها أبدا اغتسال بدم.» في الهند مئات اللهجات والأديان واللغات والعلوم والخرافات ~~والأوهام والحقائق، غير أن وديع بستاني نفذ عن قصد أو غير قصد نظرية هندية اسمها # Apurva ~~، وهي تختصر كما شرحها الفيلسوف رادا كريشنان: «إن الأعمال تسخر من أجل إعطاء ثمار.» فقصد إلى الهند ليعمل، واضح الهدف، واضح التفكير، متسلحا بماضي إنتاج يؤهله إلى محاولة إنتاج جديد. فبعد أن عمل بهدوء واتزان ومواظبة ودراسة ~~وتفهم وتعمق عشرا، عشرين، ثلاثين، أربعين سنة، ظهر على الناس بالثمار التي جناها ونقدرها ~~ونستطيبها. # هذه اللفتات نحو الهند وأميركا وأوروبا وسواها هي من خلجات ms57 عيوننا، وفي سياق تقاليدنا؛ ~~فنحن أمة لا تغلق نوافذ بلادها، ولكننا ما سرحنا الطرف مرة عبر حدودنا إلا ارتد ليكشف عن ~~أن كنوزنا ومناهل قوتنا هي فينا، في نفوسنا لا في سواها. # ففي عالم الملحمة، نجد الشائع المعروف أن الملاحم الموجودة هي إغريقية وهندوية، والحقيقة أن ~~أقدم الملاحم وأعظمها هي ملاحمنا. ملحمة ما بين النهرين «جلقامش» التي تروي - في شاعرية ~~تتألق - قصة تحضير الإنسان، وتناقش في فلسفة مولدة سر الوصول إلى الحياة الأبدية، منتهية ~~بأسطورة الطوفان، وقصة «أدابا»؛ إنساننا الذي كاد يظفر بالحياة الأبدية، وأسطورة التكوين ~~والخليقة «أينومآليش» وملاحم رأس شمرا، وفيها ملحمة الملك «كارت»، وملحمة الملك «دانل»، ~~وملحمة الصراع بين بعل ويم، ملحمة الصراع بين بعل وموط، وأساطير اليسار وعشتار في صور ~~وجبيل. ويحسن بكل منا أن يتمتع بروائع الصور التي ظهرت في عدد ك 2 عام 1951 من مجلة الأبحاث ~~الجغرافية، في مقال عنوانه «نور ما خبا»، بقلم العلامة سبيرز. وليس هذا العلامة بالبحاثة ~~الوحيد الذي يثبت أن ملاحمنا هي أقدم ملاحم الدنيا وأعظمها، وأن ملاحم الإغريق كالإلياذة ~~أخذت عنا، بل هنالك جمع من العلماء يؤيد سبيرز أقتصر على ذكر خمسة منهم: # شار، إدوار، دورم، ألن، كاردنر، كامبل تامسن، فون أبنهايم. # وأذكر أني استمعت إلى العلامة كلودشيفر يلقي محاضرة في الملاحم سنة 1950، معلنا كما اتضح ~~من حفريات رأس شمرا وملاحمها أن أمتنا كانت أول أمة قالت بالتوحيد. # أية فائدة من التفاخر بماضينا؟ من أساطيرنا أن امرأة تطلعت إلى خلفها فاستحالت عمودا ~~أسود. كثيرون منا تجمدوا عواميد محدقين بالماضي فاسفنكسوا. نحن إن تلفتنا إلى الماضي ~~فلنتزود للمستقبل. وإذا آمنا في غدنا فلأننا نخلق في يومنا؛ ففي الشهور المقبلة ستطلع على ~~دنيا الأدب ملحمة شعت من براعة أحد شعراء نهضتنا الفتى «أدونيس». اسمحوا لي ما دمنا في جو ~~هندوي أن أقرأ منها أبياتا تشير إلى الهند: # نحن والهند خافقان ... ففي الشمس # دروب ~~مرت عليها خطانا # ضمنا في القديم توق إلى السر ... # إلى ~~أن نرى الإله عيانا # هو فينا حب عميق ms58 وفيض # وهو أقوى من ~~القديم الآنا # آمن العقل أن لبنان روى # ضمأ الناس ~~فكرة ولسانا # بحرنا البحر ... كل لفتة جيد # سرقت ~~عن شطوطه الأرجوانا # سائلوه فموسم الفكر في عينيه # ما ~~زال حافلا ريانا # بحرنا البحر ... لمت الأرض ~~كفيه # ومدت أمواجه أجفانا # فر من شطه الصغير فقد صارت # حدود ~~الدنيا له شطآنا # حملتنا خضر النجوم وشكتنا # على كل ~~مشرق مهرجانا # لم نحدد لبنان فكرا وحبا # إن في ~~كل موطن لبنانا # يسألنا إخوان لنا: ما هذه النقمة تغمر نفوسكم، واللهب يتطاير من عيونكم وكلماتكم وأعمالكم؟ ~~على ماذا أنتم ناقمون؟ ماذا تريدون؟ الجواب نعطيه هنا ونعطيه الآن: # نحن نرى «الدبية» في كل ضيعة، وفي كل مواطن نرى وديع بستاني. نحن نرى الحروف الحبيسة. نحن ~~ننشق رائحة «النفتلين». إن الأعمدة السوداء ما تزال تعترض طريقنا. نحن نرى ونتحسس الحبل ~~والخيطان الظاهرة والخفية الملتفة على أعناق مواطنينا الخانقة كنوز أمتنا. نريد أن نبتك ~~الحبل والخيطان كي تنطلق قوى الخير وقوى الحق والجمال. # هذه مهمتنا في الحياة، ولا نستطيع تنفيذها إلا إذا بقيت نفوسنا موارة بتحرق من يفهم أمسه، ~~ويخلق في يومه، فهو مؤمن بغده. بعض هذه الحفلة هو غد ليوم بيت الدين، ولنا في كل يوم حفلة ~~هي غد لوعد قطعناه: # فيا يومنا إلى غد ~~«يا غدا ~~يؤثر» # | لنصغ إلى همسة الضياء # كثيرا ما تعكس الحياة أدوار من يظهرون على مسرحها. في فتوتي كان إبراهيم منذر خطيبا ~~نتسابق إلى الاستماع إليه. ويا طالما جلست بين نظارة محدقة بمنبر يعتليه. مرة واحدة كنت ~~أنا على منبر وكان هو بين النظارة. كان ذلك في حفلة تكريمه في «بكفيا» والشيخ إبراهيم هرم ~~على ثلاث إحداهن عصاه. # في المهرجان يغلب المرح على النفوس. أما أنا فنفسي في هذا المهرجان يستبد بها ~~الخوف. # الخوف من أن ألحن في اللغة أمام شيخ الطهارة اللغوية، فإن بيني وبين قواعد اللغة مثل ما ~~بين الحكومة والمعارضة. # لقد زينت هذا الخطاب وشكلته بالضمة والفتحة والكسرة، خوفا من غلطة نحوية أو صرفية تستفز ~~الشيخ إبراهيم، ms59 فيثب إلي بعصاه! وإني أطمئن جمهور أصدقائه ألا يقلقوا على صحة المحتفى به، ~~فإن رجلا لا تزال عصاه تخيف الناس لهو رجل لم يبرح في شرخ شبابه! # غير أنا عصا الشيخ ليست وحدها التي تخيفني . صرت أخاف أن أمدح الناس. في هذا الزمن الذي ~~طغى فيه الفساد، صار أسلم للذي يعبد ضميره أن يشتم جيرانه من أن يثني عليهم. لقد سطرت في ~~الماضي القريب عبارات مديح وددت لو أعطي لي أن أمحوها، ولو حكا ببؤبؤ عيني. # غير أن الرجل الذي نحاول اليوم تكريمه عجمته عقود السنين وسقت فولاذه نيران الحياة، فكان ~~مصباحا لم ينطفئ في الإعصار، وبارودة لم تغالط في المعركة. # لقد استأثرت بكفيا بالكثيرين من العظام، فلا ندري لما دعينا إليها. أنحن ننزل بكفيا ~~ضيوفا أم نؤمها حجاجا؟ # إن لبنان الذي قلت وثباته وطال سكونه لعظيم حين يخشع أمام هذا القروي الفقير، ولكنه كان ~~أعظم في أمسه حين قذف بهذا القروي الفقير فولاه شرف نيابته، وقال له: كن من أسياد هذا الشعب؛ ~~لأنك كنت من خيرة خدامه. # ونحن اليوم لن تصلح أمورنا ما لم نختر الأسياد من الخدمة الصالحين. # في جنوب لبنان، ألوف من مشردين يتضورون تحت أفياء الشجر، وينتظرون وصول الأرغفة من بيروت. ~~لماذا؟ # عشنا ثلاثين عاما نقول لليهود: لن نقبلكم فاتحين في أرض ورثناها، واليوم نضرع إليهم أن ~~اقبلونا لاجئين في أرض فقدناها. لماذا، لماذا؟ # حين تعالت صرخات نساء العرب الثكالى، من أخرس المدافع العربية؟ من أخرسها؟ من جمد الجيوش ~~في مراكزها؟ # من الذين أقاموا للمستعمرين عرشا للجهل والخيانة والصغارة والعبودية، وقدموا فلسطين أكلة ~~دسمة لليهود، وطافوا على اليهود بأقداح ملئت بدماء ضحايا العرب؟ # من هم أساطين الخداع الذين يصقلون بالدم البريء كذبهم البراق؟ # من هم؟ # أناس ولدوا أسيادا! # حينما ندعو النجار ليصلح نافذة الغرفة نتثبت من مقدرته ومن معداته الميكانيكية، ولكننا في ~~الأقطار العربية لا نزال نسلم مقاليد أمورنا وأسباب موتنا وحياتنا لأناس لا نسألهم من أنتم، ~~بل من كان جدكم الأعلى. # إن لبنان الوطن الذي ms60 نشتهي له أن يمشي طليقا من الأغلال لن يصبح ما نشتهي، ولن يكون ~~نصيبه بأفضل من نصيب جيرانه إلا إذا تحرر من عبودية الماضي، وأفسح المجال لأمثال المنذر كي ~~يشقوا طريقهم إلى الطليعة. إنه لنظام فاسد فاسق مجرم فتاك بالقومية ذلك الذي يعزل عن الأمة ~~كفاءات الأحياء ليفرض عليها نزوات بيولوجية الأموات. # هذا الليل المدلهم الذي يحيق بنا سينجلي إن سهرناه يقظين؛ فلنصغ إلى همسة الضياء قبل أن ~~تخنقنا العتمة. # يتحدثون متألمين عن المرافق الاقتصادية التي أهملناها، ولكن أثمن ما أهملنا من موارد ~~لبنان هو الرجال الأكفاء. هذا هو النقد النادر الذي هدرناه ونبدده كل يوم. # إن المحتفى به يمثل كل ما يصبو إليه لبنان من فضائل سلبية وإيجابية. هو رمز للاطائفية، ~~والعصامية، واللبنانية الصميمة التي تبسط جناحها، والثورة في وجه الغريب المغتصب، ومثلث ~~الطهارات قلبه ويده ولسانه. # هو ابن الفطرة الذي آخى المسلم والدرزي لأنه مسيحي حقيقي، هو المسيحي الذي لم يحب أعداءه؛ إذ ~~ليس له أعداء. # وهو الذي مشاها فتى فقيرا من الكوخ إلى السراي، ثم عاد أدراجه من السراي إلى الكوخ شيخا ~~فقيرا، وليس بينه وبين الذي يمشيها فقيرا إلى السراي ثم يتهاداها غنيا إلى القصر إلا أمر ~~واحد مشترك؛ وهو أن كليهما لا يدفع ضريبة الدخل! # كل رجل أوتي نعمة تسطير سيرته بأنامله؛ وإنها لأوتوبيوغرافية رائعة اختصرها شيخنا ~~بلفظتين كبيرتين: إبراهيم منذر. # | جبهة الحياة # كانت الدعوات تنهال علي من كل المدارس في حفلاتها السنوية، فلما انضممت إلى الحزب السوري ~~القومي الاجتماعي انقطعت هذه الدعوات، إلى أن ضربت النخوة في رأس مدرسة الأميركان في طرابلس ~~فوجهت لي دعوة وحبلا طوله عدة أميال قيدتني به، فكان هذا الخطاب. # ملاحظة: نهر البارد قريب من طرابلس، وفيه مخيم للمشردين من فلسطين. # كانوا فيما مضى - وبعضهم لا يزال حتى اليوم - يبدأ أحدهم؛ أي الخطيب، خطبته بقوله إنه ~~سئل أن يلقي خطابا فتردد بقبوله شاعرا بعجزه. # أما أنا فلا أريد أن أقول إني سئلت أن ألقي خطابا. بالطبع لو لم يسألوني لما ms61 خطبت. ولا ~~أقول إني ترددت بالقبول شاعرا بعجزي، فأنا - بالعربي المفلطح - لا أشعر بالعجز، ولا أقول ~~ترددت؛ لأني لم أتردد بتاتا، فلقد صرت إلى يوم أشتهي فيه أن أدعى إلى إلقاء خطاب. # ولقد ذكرت إدارة هذه المدرسة في رسالة الدعوة أن أتفضل فلا أبحث في السياسة والأحزاب، ~~فأجبتها أن مثل ذلك مثل من يدعو ضيفا إلى وليمة ويسأله ألا يأكل برجله، ولا يرمي بالملح ~~والبهار في عيون الضيوف. ألا فلتطمئن الإدارة، وليطمئن الضيوف، فإني أعرف آداب السلوك على ~~المائدة، فلن أكسر الصحون، ولن أسرق الملاعق، ولن أضع «زنود الست» في صحن الشورباء، وفوق ذلك، ~~وأهم من كل هذا أني لن أغمس اللقمة خارج الصحن. # أسائل نفسي: لم هذا التحذير؟ ما هذه الخشية؟ ما هو سبب الخوف من دعوتي إلى الحفلات؟ وما ~~هذه الحجارة التي تتساقط حولي كل يوم؟ # الجواب بسيط وواضح، وهو أنني كنت بالأمس في سيران العيش، والدنيا لهو وأكل وشراب ودعاب ~~ومباسطة، والناس كلهم صديق وعشير ونديم وزميل مثلي يتنزه على رصيف الحياة، واليوم أنا في ~~جبهة الحياة. # جبهة الحياة هو موضوع حديثنا اليوم. # نحن الآن مجتمعون في حفلة تقليدية لنمنح وثائق لفئة من فتياننا وفتياتنا الأحباء؛ تشهد ~~أنهم تجاوزوا إحدى مراحل الدراسة، فمنهم من يثابر على تحصيل العلوم، ومنهم من ينزل إلى معترك ~~العيش. # يتبادر إلى الأذهان فورا حقيقتان، كلتاهما مؤلمة؛ الأولى: أن في بلادنا ألوفا وألوفا من ~~الفتيان والفتيات يملكون كل مؤهلات النجاح، ولكن المجتمع لم يفسح لهم سبيل تحصيل العلم، فهم ~~أيضا المحرومون من فرصة الإنتاج، والأمة - ونحن منها - محرومة من الانتفاع من إنتاجهم ~~الكامل، والحقيقة الثانية - وهي أبشع وأشد إيلاما: هي أن مصائب هذه البلاد جاءت على أيدي ~~أبناء المدارس لا على أيدي الأميين. # إذن فمسئولية الذين يتمتعون بنعمة الدراسة تتضاعف على قدر الحرمان الذي ينزل بمن يبقون ~~عن المدارس منفيين، وهذه المسئولية تتضاعف من جديد حين نذكر أن الجيل المتعلم القديم لم ~~ينتج في مجموعه، بالرغم من مروءة بعض أفراده وإخلاصهم، إلا ما ms62 أنزل في البلاد الفساد ~~والتدمير. إذن، وقد أفلس الجيل القديم، فما هي مسئوليات الجيل الجديد؟ # إنها تختصر بعبارة واحدة؛ وهي أن يفهموا وحدة الحياة. ليست الأمة محمديين ومسيحيين، ما ~~هي بمثقفين وغير مثقفين، ما هي سياسة واقتصاد، ولا مادة وروح، ما هي رجل وامرأة، ولا ~~عسكريون ومدنيون، ولا هي منطقة تضاف إلى منطقة، وكتلة تتعاون مع كتلة. الحياة هي جوهر ~~واحد، وكل ما ذكر ولم يذكر هو أحد مظاهر الحياة. # متى وضحت هذه الحقيقة التي يقرها العلم، وتفرضها المصلحة، وتصقلها العاطفة، ويجوهرها التاريخ ~~ويقيمها برهانا نجاح الأمم التي آمنت بها ومارستها دستورا مشى بها إلى القوة، وتثبتها ~~النكبات التي نزلت بالأمة التي خرقت هذا الدستور؛ متى وضحت هذه الحقيقة الكبرى تجلت طريق كل ~~فرد منا، وجعلت من كل فتى وفتاة يحمل شهادة أو لا يحمل مقاتلا يعرف مكانه في جبهة الحياة ~~وفي خط النار. # مكانكم أيها الفتيان والفتيات في جبهة الحياة وفي خط النار؛ لأن الحياة كانت سخية عليكم ~~حين وفرت لكم أسلحة العلم، ولأننا اليوم يجب أن نعيش في حالة طوارئ من عمل وتفكير. # أما الذين يؤثرون النزهات على كورنيش العيش، ويؤثرون أنس المجالس ورفاهيتها، فلتمش بهم ~~خطاهم نحو نهر البارد، لعلهم ينظرون إلى خيام اللاجئين ويعتبرون. إن أول واجباتكم هو العمل؛ ~~فالجيل الذي تقدمكم جعل فضيلتين مزيفتين من نقيصتين معيبتين؛ الأولى: أنه لا يشتغل بيديه، ~~والثانية: أنه لا يقاتل بيديه. ولقد ذهبت به الأنانية فاغتصب مركزا مفضلا في المجتمع بسبب ~~منطق جشع مغلوط، كان من نتيجته قبول الناس بنظرية هدامة؛ وهي أن الذين ظفروا بالشهادات هم ~~أرفع منزلة في المجتمع الذي حرم سواهم ويسر لهم هذه الشهادات؛ لذلك أمسى هذا الشعب فرقتين: ~~(أساتذة - وغير أساتذة). إني أفهم أن ينادى معلم المدرسة أو المحامي بيا أستاذ. أما ~~سواهما، فالأستاذ هو المواطن صاحب المكانة واللقب المزيف الممتاز. # إن أول حاجاتنا هو العمل: العمل الجريء، والعمل الجريء يبدأ بالتفكير الجريء، بل إن ~~الجرأة هي أحد عناصر الفكر؛ فالذي يشد عقله إلى ms63 عقال من قيود التقاليد خائفا من التفلت ~~منها لا يستطيع الانطلاق في فضاء الفكر الحر. كثيرون بيننا - وأغلبيتهم أساتذة - من يرسلون ~~الآراء رصاصات تطلق في الفضاء؛ رصاصات لا تفتك برذيلة، بل كل فضيلتها أنها تدوي موهمة ~~الناس أن مطلقها من أبطال التحرر والتبصر. هؤلاء ما هم برجال فكر، بل قبضايات آراء. إن نظام ~~السير الذي ليس له من مزية إلا أنه يعرقل السير، ويسبب الاصطدام تلو الاصطدام، يجب أن ينسف ~~من أساسه أو يبدل. ونحن منذ أربعمائة سنة نستبدل شرطيا بشرطي خائفين أن نفعل الفعل ~~الكبير، وهذا الفعل الكبير يبدأ بالنطق الكبير، وهو القول إن نظامنا وتفكيرنا ومحاولاتنا ~~كلها مغلوطة من أساسها. إن السير فوضى، والاصطدامات كثيرة، وأكثرنا أساتذة يزيدون البلبلة ~~بالتزمير. # إن العمل الجريء يثب بكم حالا من ملاجئ العيش الآمنة إلى جبهة الحياة وخط النار. هناك ~~ينتظركم الاضطهاد والحرمان. هناك تتجهم لكم الوجوه الباسمة. هناك تتساقط حولكم الحجارة ~~وتتفجر القنابل. هناك ينتشر حولكم ضباب من غازات الإشاعات السامة، ولكن لا تخافوا؛ إذ إنكم ~~هناك، وإذ ذاك تستشعرون في نفوسكم ضياء من الإيمان يطرد عنكم الخوف والوحشة. # قلت إن العمل هو أول الواجبات. عمل ماذا؟ ولمن؟ وما هو الحافز على العمل؟ # متى عرفنا الحافز فهمنا لماذا يجب أن نعمل، وعرفنا لمن نعمل، وما الذي يجب أن ~~نعمل. # إن العلم يفسر سلوك الإنسان والثقافة توجهه. إن الإنسان حين يخلق نظاما يحاول أن يبدع ~~وسيلة تحميه. لقد جربنا هنا النظام الطائفي، فتذابحنا طوائف، وتباعدنا شيعا، وجربنا النظام ~~الفردي فكان الإقطاعي المستعبد الثري، وكان الخانع الفقير زلمة الإقطاعي. وازدهر الفرد الذي ~~تحفزه إلى العمل كلمة «أنا» يغني نفسه على حساب سواه، ويحتل مكانا يقذف عنه مواطنه أو ~~مواطنيه، ولا يهمه على جثة من يمشي، ومصلحة من يدوس حتى ينفذ مآربه. إن النكبات التي حلت بنا ~~ومظاهر الانحلال التي تغمرنا أكثر سببها أننا لم نفهم أن الحياة هي وحدة، وأن الولاء يجب أن ~~يكون لا لمدينة ولا لمنطقة ولا لطائفة ولا لفرد، بل ms64 يجب أن يكون للأمة، ومتى أعطينا هذا ~~الولاء المطلق للأمة أولا وأخيرا استقامت أمور المدينة والطائفة والمنطقة والفرد، ولم يعد ~~بيننا ظالمون ومظلومون، ولا مفضلون ومضطهدون، وقمنا بالعمل الكبير حين نستعيد الحلم الكبير. ~~هنا أقف خوفا من أن أتهم نفسي بأنني أستاذ يزمر، فيما يرى السير معرقلا، فأتوجه بالكلام ~~البسيط إلى الفتيان والفتيات الذين نحتفل بفوزهم فأختصر القول: # إن المجتمع الذي سهل لكم سبيل الثقافة فيما هو حرم سواكم، له عليكم دين كبير يجب ~~وفاؤه. # إن أكثرنا لا يشعر أو لا يريد أن يشعر بوجود النار حتى تحرقه. أما أنتم فعليكم أن تعترفوا ~~بالمخاطر التي تحيق بنا، وتهدد كياننا، وتتجندوا حالا لقتالها. # حذار أن تصبحوا أساتذة. إن الخطر والفساد والتفكك توحي بالصراع، والصراع يفرض النظام، ~~فيجب أن يكون لنا دستور واضح يقيد أعمالنا وينظمها ويضبطها. والنظام يفرض الانتظام. # إن العمل يعني الإنتاج، فلا تذهبن جهودكم في التهديم والبغض والعداء. يجب ألا ننسى أن كل ~~من يخالفنا في الرأي يبقى أبدا مواطننا؛ له علينا واجب الود. # إن المواطن حين يذيب فرديته في مجتمعه لا يمحق شخصيته ولا يحقرها؛ إذ ليس من سبيل إلى ~~تمجيد الفرد مثل وحدته في مجتمعه. هذه مناقب بشرت بها الأديان قبل أن أثبتت حقيقتها ~~الوقائع. # حذار المسكرات. إن أفتك أنواع الخمور هو سكرة الألفاظ. نحن نكاد نغرق في سيل من الكلمات، ~~وهذا الطوفان الكلامي طغى على أعمالنا. لقد تسلح الجبن بالكلمات فكان أكبر مخترع للمعاذير. ~~إن أكثر مواطنينا يعيشون في ترف الذل متكئين على مخدات ناعمة من معاذير، متأنقين بالفصاحة، ~~يقولون إن هذه الأمة انتهى أمرها. أما أنتم - والعلم حليفكم - فيجب أن تكون لكم الثقة ~~بأمتكم، ومتى احترمتموها منعتم الغير من تحقيرها واضطهادها. # ما هذه انفعالات أسجلها كلاما، ولكنها حقائق دفعنا ثمنها بكرامتنا وبخيراتنا، وقبضها ~~عملة مصكوكة بدمائنا بعض مواطنينا، وبعض الأجانب العائشين بين ظهرانينا؛ فلقد عرفنا ~~الأجانب في إيران، وفي البلدان التي تحترم نفسها يعطون فيما هم يخضعون. أما هنا فإنهم ~~يتغطرسون فيما هم ينهبون. # متى ms65 فهمنا أن الحياة وحدة لا شذرات ولا شظايا، نذرنا النفس لخدمة الكل، فاستقامت أمور ~~الأجزاء، ومن هذه الأجزاء كل فرد منا. إذ ذاك لا يعود عندنا شذرات ولا شظايا، بل حياة مفعمة ~~بالخير خصبة، نحياها لأننا نفعل فيها. # لا أدري إن كنت أطلت الجلوس على هذه المائدة، وعساي لم أكسر صحنا، ولم أغمس لقمة خارج ~~الصحن، ولكني واثق وأؤكد لكم أن جيوبي خالية من ملاعق مسروقة. # | بنو بكر وبنو شيبان # أسطورة القبيلتين بكر وشيبان اخترعتها. هذا خطاب عمره ثلاثون سنة، فقد ألقيته في المأدبة ~~الوداعية لصفنا المتخرج من الجامعة الأميركية سنة 1925. تراني أثبته هنا لعاطفية الذكرى أم ~~زهوا بنجاح مدرسي لم أقو بعد على التفلت من مجد ذكرياته؟ # بنو شيبان قبيلة شديدة البأس تفوق سائر القبائل بالمنعة والإقدام، ولكن بني بكر أشد منها ~~بأسا وأصلب عودا، فكان إذا اصطدمت القبيلتان خرج من بني شيبان ستة أبطال، ولم يخرج إلا بطل ~~واحد من بني بكر، وإذا أقيم ميدان تسابق ستة فرسان من بني شيبان لكل فارس من بني بكر، ~~وإذا تبارى الأدباء في سوق عكاظ جاء ستة شعراء من الشيبانيين وشاعر واحد من بني بكر. ونحن ~~كم قد أكبرنا الحكمة التي نزلت على منظمي هذه الوليمة الذين يعرفون مقادير الرجال، فاختاروا ~~ستة خطباء من بني شيبان، وهم المتخرجون القدامى، ولم يختاروا إلا خطيبا واحدا من بني ~~بكر. # رجل من المتخرجين الجدد لكل ستة من القدماء. قسمة عادلة ونسبة محفوظة. فنحن نفضل الذين ~~تقدمونا في كل شيء. # لئن يكونوا قد أنشئوا المجلات، أو جمعوا الأموال، أو أشغلوا عاليات المناصب، أو تمتعوا ~~بالشهرة الواسعة، فنحن في هذا أعلى منهم شأنا؛ ذلك لأننا نملك الأحلام التي تذهب الأماني، ~~وتزين لنا المستقبل المجهول. إنشاء مجلة؟! ذلك أمر تافه. دع المتخرج الجديد يختلي بنفسه ~~دقيقة واحدة فينشئ لك في لحظة مجلة تفوق المقتطف والهلال، ويجمع لها الاشتراكات في ثانية. ~~الأموال أمر بسيط! حدثوا أيا منا نحن المطلين على الحياة عن مقادير الأموال التي سيفوز ~~بها تسمعوا ms66 العجب العجاب من صناديق ملؤها الذهب الوهاج، وأوتوموبيلات للخدم والحشم والأتباع ~~والأنصار وحدائق تجري من تحتها الأنهار، حتى إذا فرغ من وصف غناه وأدار يداه في جيبه لم يجد ~~فيها من الأموال إلا «محرمة» ممزقة يمسح بها عرق جبينه. # أما عن فخم القصور والعروس التي لا تدانيها في جمالها الست بدور، فتلك أمور شرحها يطول. ~~الأحلام هي التي تملأ رأس المتخرج الجديد، وهي التي تجعله في مقام أسمى من زميله القديم. ~~الأحلام هي للواحد منا كتلك العصا لذلك الأعرابي الذي حين سئل عما في يده أجاب: هذه عصاي ~~أركزها لصلاتي، وأعدها لعداتي، وأسوق بها دابتي، وأعتمد عليها في مشيتي، أقرع بها الأبواب، ~~وألقى بها عقور الكلاب، تنوب عن الرمح في الطعان، وعن السيف في مجالدة الأقران. ورثتها عن ~~أبي، وسأورثها ابني من بعدي، وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى! # على أن أحلام الخريج الجديد وإن تكن كعصا ذلك الأعرابي، فليست منيلته كل الغايات، فإن كلمة ~~«الخريج» أو «المتخرج» قد اختلف الناس في تعريفها، والبعض يقول إن «الخريج» هو الذي «خرج» ~~من عالم الدروس والتنقيب إلى عالم الكد والتجريب. # والبعض يقول إن المتخرج هو الذي أصبح يكسب المال ولم تعد جيبه «متخرجة»، غير أن أبلغ ~~تحديد هو الذي جادت به قريحة خطيبنا شحادة أفندي شحادة؛ فقد حدده بقوله: الخريج هو من دفع ~~خراجا سنويا لوقفية المتخرجين، فإذا آمنا بهذا التحديد، فنحن - بني بكر المتخرجين الجدد - ~~خاسرون؛ إذ إن الأحلام لو دفعت لوقفية المتخرجين لحار سكرتيرها بما يفعل بها؛ لأنها لا تدخل ~~تحت باب «من» ولا تحت باب «إلى». # يروى أن رجلا فاضلا من أتقياء الإسكندرية أخذ على نفسه أن يشيد معبدا، فكان يجمع ~~الإحسانات من الناس، فالتقى ذات يوم فتى يسأل عن الطريق إلى حمام سنجاب. قال الرجل الفاضل ~~أنا أدلك، ثم مشى وإياه، ولكن بدلا من أن يدله على حمام سنجاب اقتاده إلى بيته ثم قال: لا ~~أدلك على الحمام ما لم تدفع إعانة لبناية معبد الإسكندرية، قال ms67 الفتى: فتش جيوبي، فليس فيها ~~فلس، قال: هذا لا يعنيني، فما أنت بخارج من هذا المكان من غير أن تدفع الإعانة. فخاف الفتى ~~فقال: حسنا، خذ طربوشي وارهنه، وخذ نصف قيمة رهنه إعانة للمعبد. فلما أن خرج الرجل من البيت ~~ليرهن الطربوش خف الفتى إلى الصندوق؛ حيث أودعت الإعانات، فاحتملها وفر بها هاربا. رجع ~~الرجل إلى البيت فما وجد الفتى ولا الإعانات، فأخذ يطوف المدينة صائحا: # يا من رأى رجلا قد كان يسألني # كيف ~~السبيل إلى حمام سنجاب # فلما أعياه التطواف ولم يجبه أحد أطل فتى من شرفة منزله وصاح: # قل للذي أخذ الطربوش يرهنه # ما ~~ضره لو يضع قفلا على الباب # ونحن - جماعة المتخرجين الجدد - لو زرنا مكتب السكرتير العام للمتخرجين فالأفضل له «أن يضع ~~قفلا على الباب.» # ولكن لنا ميزة على القدماء - على بني شيبان - هي أعظم الميزات؛ ذلك أنهم تخرجوا يوم كان ~~محيطهم متعطشا لأمثالهم، ونحن نتخرج اليوم ومحيطنا غاص بأمثالنا. يوم نزلتم إلى معركة ~~الحياة، يا بني شيبان، كانت المزاحمة غير حادة، فكانت اللقمة سائغة. أما اليوم فالمزاحمة خطرة، ~~والعراك قاتل في بعض الأحيان. # فنحن إذن لنا الميزة عليكم؛ فاللقمة التي نأكلها سنختطفها من فم الأسود؛ فهي إذن ألذ ~~طعما، وقد قال الشاعر الاسكتلندي # Leigh Hunt # في هذا ~~المعنى: ~~«ألذ الحلويات تلك التي نسرقها على غفلة من عين الرقيب، وأطيب القبلات تلك التي نغتصبها ~~اغتصابا من خد الحبيب.» # حذار اليوم يا شيبان منا # بنو بكر ~~عليكم حاملونا # ألما تعرفوا منا ومنكم # كتائب ~~يطعن ويرتمينا؟ # فنحن الآكلون إذا طعمنا # ونحن ~~الشاربون إذا سقينا # ونحن الدافعون إذا قبضنا # لوقف ~~جماعة المتخرجينا # وفي إسبانيا شدنا قديما # من الأحلام ~~«قعقورا» مبينا # لئن ضاقت بنا كل المناحي # وأفلسنا ~~نصير معلمينا ~~••• # وداعا جنة الدنيا وإنا # على رغم ~~لربعك تاركونا # على أنا إذا اليوم انتثرنا # نظل على ~~العهود محافظينا # إذا الأشبال جالت في الفيافي # هل ~~التجوال ينسيها العرينا؟ # تخذنا حبها دينا علينا # ولولا ~~الكفر سميناه دينا # ولو أن الخمور لنا أتيحت # شربنا ~~النخب ms68 كاسات مئينا # نهز لواءها في الأرض فخرا # وإن متنا ~~سيرفعه بنونا ~~••• # أذيعوا في الملا نبأ مريعا # بأنا ~~للمعارك خارجونا # بنو بكر عليكم قد أغاروا # بني شيبان ~~فروا هاربينا! ms69