######OpenITI# #META# URI: 1379SacidTaqiDin.Taballaghu.Hindawi61849404 #META# Tags: literature #META# ID: 61849404 #META# Title: تبلغوا وبلغوا #META# AuthorID: 35727531 #META# Author: سعيد تقي الدين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # خارطة وحياة‏ # قفص الشعاع‏ # حين استجبت النفير‏ # وثبة نحو الضياء‏ # في أول مارس ولد الذي بعث الأمة‏ # أريد أن أنشق فوح دمي ...!‏ # حين تروكب العدالة‏ # هذا مذهبي‏ # نحن نخاف التاريخ يا سمو الأمير‏ # السيد فهد المارك‏ # رفة جناح‏ # ما لك وللأحزاب؟‏ # زحزح الصخر‏ # نقاط السطور‏ # اكتشاف ...!‏ # در المعرفة وبلوطها!‏ # مدرستان ...!‏ # برسم الأجانب‏ # ثورة في التفكير ...!‏ # الجندي قائد‏ # إخبارية ...؟‏ # رفات تنتقل‏ # هذا النادي‏ # الجاهل الثاني ...!‏ # هذه دغدغة ...!‏ # نكتة مستمرة‏ # البوابة ...!‏ # صقيع يحرق ...!‏ # لو أني صاحب الجلالة!‏ # الفرق ...!‏ # عجين البغضاء‏ # العيش والحياة‏ # انهيار وترميم‏ # طريق ضهر البيدر وطريق مرجعيون‏ # تبلغوا وبلغوا‏ # لو أننا نؤمن بالاغتيال لتدحرجت رءوس كثيرة‏ # حكاية دخولي الحزب السوري القومي الاجتماعي‏ # جورج عبد المسيح هو الذي منع الاغتيالات‏ # اليد التي توقع الصلح مع إسرائيل ... تقطع من العنق‏ # أمام الحزب سبع سنوات لينتصر أو يتلاشى‏ # مواطن الضعف في الحزب القومي‏ # علاقة الرئيس شمعون بالحزب القومي‏ # الجزيرة الغرقى‏ # خارطة وحياة‏ # قفص الشعاع‏ # حين استجبت النفير‏ # وثبة نحو الضياء‏ # في أول مارس ولد الذي بعث الأمة‏ # أريد أن أنشق فوح دمي ...!‏ # حين تروكب العدالة‏ # هذا مذهبي‏ # نحن نخاف التاريخ يا سمو الأمير‏ # السيد فهد المارك‏ # رفة جناح‏ # ما لك وللأحزاب؟‏ # زحزح الصخر‏ # نقاط السطور‏ # اكتشاف ...!‏ # در المعرفة وبلوطها!‏ # مدرستان ...!‏ # برسم الأجانب‏ # ثورة في التفكير ...!‏ # الجندي قائد‏ # إخبارية ...؟‏ # رفات تنتقل‏ # هذا النادي‏ # الجاهل الثاني ...!‏ # هذه دغدغة ...!‏ # نكتة مستمرة‏ # البوابة ...!‏ # صقيع يحرق ...!‏ # لو أني صاحب الجلالة!‏ # الفرق ...!‏ # عجين البغضاء‏ # العيش والحياة‏ # انهيار وترميم‏ # طريق ضهر البيدر وطريق مرجعيون‏ # تبلغوا وبلغوا‏ # لو أننا نؤمن بالاغتيال لتدحرجت رءوس كثيرة‏ # حكاية دخولي الحزب السوري القومي الاجتماعي‏ # جورج عبد المسيح هو الذي منع الاغتيالات‏ # اليد التي توقع الصلح مع إسرائيل ... تقطع من العنق‏ # أمام الحزب سبع سنوات لينتصر أو يتلاشى‏ # مواطن الضعف في الحزب القومي‏ # علاقة الرئيس شمعون بالحزب القومي‏ # الجزيرة الغرقى‏ # | تبلغوا وبلغوا # | تبلغوا وبلغوا # تأليف # سعيد تقي الدين # إذا لم أكن في بلادي منارا # ودفقة دم وانتصارا # فماذا أكون؟ # إذا لم أكن دربها الصاعده # وشعلتها الخالده ms01 # وموعدها وهي لا تشعر # ووثبتها وهي لا تشعر # فماذا أكون؟ # إذا لم أفجر حياتي حبا # وأحمل على مهجتي بلادي # وأرصف وجودي دربا # لغزو الذرى، للجهاد # فما أنا إلا خيال وحلم # ولمع سراب ووهم # وما أنا إلا فراغ وطن # أدونيس (في أسره) # | خارطة وحياة # هذه سورية - بلادنا. # غيرنا يطلق عليها اسم «الهلال الخصيب». # نحن نؤمن بها وحدة قومية اجتماعية، لها ولاؤنا المطلق النهائي الأول ~~والأخير. # إنها إحدى وحدات العالم العربي الأربع، الثلاث الباقيات هي: وادي النيل، ~~الجزيرة العربية، والمغرب. # هذه الوحدات الأربع تؤلف الجبهة العربية، التي يجب أن نتعسكر فيها قوة تسحق ~~أعداءها، وإن استطاعت هذه الجبهة، في مستقبل الأيام، أن تنصهر في وحدة ~~سياسية - نحن نرى أنها مستحيلة التحقيق لانعدام مقوماتها - فليس منا من ~~يسعى لهذه الوحدة أن لا تكون. # وهذه الجبهة العربية، لبلادنا - لا لسواها - مسئولية قيادتها، إذن وقد ~~انتدبتنا الحياة، بما عتقت فينا من مواهب وركزت من قوى متفوقة بهذه ~~المسئولية؛ فأولى واجباتنا في قيادة العالم العربي أن نفهم العروبة نقية ~~صافية، فقد أثبتت الحروب أن أفعل المقاتلين هم من يفهمون ما من أجله ~~يقاتلون، والعروبة هي شيء نقاتل من أجله. # بلادنا مزقها ضعفنا، ومزقها الاستعمار، علينا بالقوة أن نطرد الاستعمار ~~ونتغلب على الضعف. والاستعمار هو صهيونية اغتصبت أرضنا، ودول أجنبية ~~احتلت أو بسطت نفوذا، ومن هذه الدول الأجنبية المستعمرة دولة تحاول ~~السيطرة علينا بالتسلل إلى نفوس مواطنينا، شيوعية تفسدها. # كانت بلادنا عبر أجيال طويلة ضعيفة، ولكن القدرة الجبارة هي أبدا كامنة ~~فيها، تثور مبعثرة هنا وهناك براكين من عبقريات وبطولات، غير أن بلادنا ~~عبر تاريخها الطويل ما كانت على الضعف الذي هي عليه اليوم، بعد أن تمزقت. ~~مهمة الحزب السوري القومي الاجتماعي أن ينقذ هذه الأمة بأن يبعث قواها ~~فتستعيد وحدتها؛ والقوة في جوهرها هي إيجابية بناءة. # هذه الخارطة تسمي وتحدد بلادنا؛ فهي إذن تسمي وتحدد حياتنا، فحياة أي منا، ~~وبلاده، هما لفظتان لمدلول واحد؛ لهذا كانت هتفتنا، وستبقى - تحيا ~~سورية. # | قفص الشعاع # بعد مائة سنة، أو ms02 خمسين، سيطبق تلميذ التاريخ كتابه ويقهقه، ثم يستعيد ~~رصانته، ويتساءل بألم: «أكانت بلادنا من الجهل والضعف بحيث وجدت في ~~الحركة القومية الاجتماعية شيئا غريبا؟» # ثم يتأمل رجاء أن يهتدي إلى سر بقاء هذا الحزب، وانتشاره وثبوته للصدمات ~~وتغلبه عليها، ويبحر ليستقري سبب تهاوي غيره من المنظمات والهيئات ~~والتشكيلات، ثم يعجب أن كيف يعقل، وكل هذه، كالحزب السوري القومي ~~الاجتماعي، تعبئ قواها من خزان الأمة الواحد؛ فتندثر هي ويبقى هذا الحزب، ~~لا ليركد بل ليثور ويتفولذ ويقهر. # وقد يرتد دارس التاريخ إلى تحليل غير هذه الحركة من الحركات المنقذة في حياة ~~سوانا من الأمم؛ فيكتشف أنها محاولة وثوب من هوة إلى قمة، ويلمس في ~~جميعها العناصر الأساسية المشتركة الواحدة، ويجد في قادتها ومؤسسيها، كما ~~يجد في أنطون سعادة الصفات الغلابة، التي تسم كل من بحق دعي زعيما، ~~ويجد في تلامذته من الصفات ما ميزت تلامذة سواه من أصحاب الدعوات. فيهم ~~البطل، وفيهم الجاهل المهووس، وفيهم من سئم طول الطريق، وفيهم الخائن، ~~وفيهم المرتد، وفيهم من يحاول أن يشرد ليتزعم فئة أخرى. ولكنه لن يكتشف - ~~تلميذ التاريخ - واحدا اعتنق عقيدة صاحب هذه الدعوة ولم تفعل في نفسه ~~هذه الدعوة، فتسمها بطابع لا يمحى. # وسيجد تلميذ التاريخ أن جموع هؤلاء التلامذة هم أسمى أخلاقا، وأرهف إحساسا، ~~وأشجع قلبا، وأقل أنانية وفوضى منهم قبل أن يدخلوا هذه المدرسة، وسيجدهم ~~فريقا منظما، تسودهم روح الفريق لا جمهرة أشخاص، وسيتعلم إذ يواكبهم في ~~طريق الصراع أن لا يستفهم عن عددهم ونسبته إلى عدد سائر المواطنين؛ فدارس ~~التاريخ لا يطول به الأمر حتى يفقه أن العدد هو ضعف سلبي إن كان خلايا ~~ميتة، ولا يصبح العدد من عناصر القوة حتى يكون كهارب حياة، اذكروا ~~فلسطين. # فأحزاب بلادنا، إن استثنيت منها الحزب الشيوعي ساقت عددا من المواطنين، ~~وأكثرهم مخلصون بانفعالية مستعجلة نحو أهداف قريبة ومطالب ملحة، فتراكضوا ~~وتفرقوا؛ ذلك لأن هذه الأحزاب - بقطع النظر عن خطأ حوافز بعضها، وجهل ~~قادة البعض، وخداع متزعمي البعض - أهملت؛ لاستعجالها ترويض أفرادها ms03 ~~قبل أن أدخلتهم في السباق. فالحزب السوري القومي الاجتماعي ثبت في ~~الميدان؛ لأن أفراده مروضون، ولأنه في جوهره حركة تربوية ثقافية، تفعل في ~~الذات أولا قبل أن تحاول الذات أن تفعل فيما عداها؛ لذلك أبطأت ~~انتصاراتها، وإن لم يكن لسعادة مؤسسها، من فضل يخلده، لكفاه أنه لم يخدع ~~نفسه؛ فلم يرتض بنصر قريب فرعي عن النصر الكبير الشامل، والقرائن في كل ~~يوم تتوفر على أنه كان موقنا في نفسه على أنه سيكون وقود مرجل الحركة، ~~فجاء موته شرطا لانتصار قضيته. # وليس أدل على أن هذه الحركة الثقافية، قد روضت نفوس معتنقيها، وتوجهت تستهوي ~~فضائلهم - ومن أبرز الفضائل المثابرة والاستمرار - من الظاهرة التي تثبت ~~أن فاعلية الحزب هي على أشدها في الأزمات؛ فالتبرعات لا تكون ضخمة، ~~والتضحيات لا تكون كبرى، ولا التوتر النفسي على ذروته إلا حين يواجه ~~الحزب، كما هو يواجه اليوم، محنة كبرى. فلو أن الحزب طغت عليه الملعنة ~~المشرقية - ما شاع أنه ذكاء وسياسة - لانهزم أعضاؤه إلى ملاجئ التستر ~~والحيل، وجنحوا عن القتال العلني في ساحات التحدي. # وهذه الحركة - ككل حركة سواها - تشكو وتنعم، وتضعف وتقوى بأن بين المبشر بها ~~وتلامذته هذا الأوقيانوس الواسع من الفرق في عمق الإيمان، واتساع آفاق ~~النظرة الشاملة، والمناقبية، والثقافة؛ فقوتها أن دستورها، وأقوال زعيمها ~~هي المرجع الذي يضبط ويحفز، وضعفها أنها ما انبثقت من ذاتية جنودها؛ ~~فأمست في خطر عبودية التقليد، والتردد والاتكالية، على ما قال معلمها ~~وفعل وارتأى. ولكن من الواضح أنها نجت من هذا الخطر، ومن خطر تعبد ~~البطولة، وتجاوزت بنجاح أدق مراحلها؛ إذ إنها بعد مصرع زعيمها، وخلال ~~نقاهة من جراح خالها المجرمون مميتة، لملمت قواها وانبثقت فيها، فيما ~~كانت تستشفي، قوة الإبداع متجسدة في كلمة خطابية ألقيت، أو عبارة نثرية ~~كتبت، أو أغنية من قصيدة نظمت، أو لحن جديد أنشد؛ فتقلصت آفاق أبعدت بين ~~المعلم والتلميذ وضاق ذلك الأوقيانوس؛ ففي مجال البطولة الجسدية مثلا، ~~وهو أقصر أشواط الحياة وأصعبها، تساوى بعض التلامذة بمعلمهم؛ هكذا نرى أن ~~الإيمان بنجاح ms04 هذه الحركة ليس مصدره طبيعة التفاؤل، بل إنه حقيقة، يراها ~~كل من راقب زحف الصفوف جبهة متحدة نحو الأفق، الذي يبدو في كل يوم أقرب ~~فأقرب. # كنت ذات يوم أتنزه وصديقي الدكتور فؤاد صروف ونحن نتحدث، وفجأة وقف صروف ~~وبلهجة فيها هلع، وبقلق من يطلب تأكيدا من صديق، يعكس ما به هو مقتنع، ~~باح لي: «إنني أشعر بخيبة في الحياة؛ لأنني لم أبدع شيئا؛ فأنا لم أنظم ~~قصيدة، ولا خلقت قصة، وما اخترعت آلة.» # أجبت، وما كنت أحاول التعزية ولا الموعظة المنفوقية: ~~«إنك لم تستنبط شيئا، وقد لا تكون مواهبك قمة أو قمما، ~~غير أن في مجموعة كفاءاتك، وقد لا تبدو غير عادية، ~~ما يجب أن يطمئنك إلى أنها بنت لك عشا في ~~السقف.» # في مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي وضوح وبساطة، ورتابة تستهوي الرجل ~~العادي مثلي، الذي ليس له ولع بالنظريات والآراء المعقدة، والذي يرى أن ~~ليس لبلاده أن تنغمس اليوم في هذا الترف العقلي، والذي كل همه أن يصح ~~ويتوفر تطبيق هذه المبادئ حتى تمسي فعالية في الحياة، وجهاز نهضة تحررية. ~~وفي هذه الجمهرة من المبادئ، وهي في ظاهرها عادية عظمة، غير أن فيها ~~كذلك من العمق، والفلسفة، وعلوم السياسة، والاقتصاد، والاجتماع ما يتحدى ~~المفتونين بهذه المواضيع، ولكن هؤلاء المفتونين هم بعض نكبات أمتنا؛ إذ ~~إنهم يختارون من نظريات العقيدة القومية الاجتماعية أهدافا، يصوبون ~~إليها مدفعية الكلام، ويتخذون من سفسطات المنطق ذريعة لتخلفهم عن موكب ~~الحياة الفاعلة. «إنا فوق الأحزاب»، وإن بلادنا وهي على ما هي عليه من ~~الضعف تقول لمن ليس هو في حزب «ما أنت فوق الأحزاب - تحتها بكيلو ~~مترات». ~~••• # تاريخ هذه الحركة ما كتب ولن يكتب، قد يدون البعض أحداثها وحوادثها، ~~ولكن هذه الحركة تزوبع في صميم نفس المواطن؛ فيأتي تفاعلها بقدر عدد ~~معتنقيها وأمزجتهم وأجهزتهم العقلية والجسدية والروحية، ويتجسد هذا ~~التفاعل بمليون أثر وصورة وانفعال وعمل. فكيف لأي أن يسجل هذا أو ~~يرويه. وإن اعتبرت كيف تحدت هذه القوة، بالإقناع والتبشير، تحجرنا وضعفنا ~~وخوفنا ms05 ، وأوهامنا سلبا وإيجابا، هدما وبناء؛ تحققت أن المواطن حين ~~ينضم إلى هذه الحركة يجترح عجيبة. # الصفحات التي تقرأ تدون بطريقة عابرة تجاوب نفسي بعد أن تجندت، وإني لأشعر ~~أنني أجني على الحقيقة؛ إذ أدون ما فعل الإيمان في نفسي، إذ أقفص هذا ~~التجاوب بين دفتي كتاب أو ألف كتاب. # | حين استجبت النفير # ما أنا بالمتمرد على القوانين، ولا بالذي يعصاها. # ما دامت السلطات لا تعترف بالحزب السوري القومي الاجتماعي؛ فما أنا من ~~أعضائه. # غير أن الحكومة أصدرت مرسوما يحل الحزب، ولا يحل العقيدة - وهذا هو الإيمان ~~الذي لا يسجن ولا يسحق. # لقد أنفقت، بعد عودتي من المهجر، ما يقرب من سنوات أربع أدرس الناس - أعمالهم ~~لا أقوالهم. وظفرت بصداقات حميمة مع قادة أحزاب وجماعات، ورجال عاديين ~~وغير عاديين، ورسميين وغير رسميين، من مختلف الثقافات، والغباوات، ~~والادعاءات، والطبقات والطوائف. # وحدقت بهذه المواكب السائرة على الدروب ببصر جهدت أن يكون متجردا. # فرأيت المواطنين وقد صاروا يكالون أحمال بوسطات، ويستعملون كطوائف النور - ~~للرقص، للحدا، للقواص، للفرجة. # وأصغيت إلى المصلحين يحركون ألسنة تنطلق بالحلاوة، فيما تبطنها ~~السموم. # ولمست الرجعية في معسكرين تعاهدا في ميثاق، هو في جوهره خيانة في التفكير؛ إذ ~~إنه اعتراف بأننا أمتان لا أمة واحدة. # وتطلعت إلى هذا الكرنفال يمثل فيه الحواة والمشعوذون والمهرجون، وتحلق في ~~هوته الخفافيش، وتروج فيه البضائع المغشوشة من مخلفات الاستعمار، ومن ~~مصانع الزيف التي شيدت أخيرا. # واعتبرت كيف نعمت الحياة وترهلت العقائد! وكيف صبغ الجهل - الطائفية من ~~عناصره - والجشع (الترف من أسبابه) كل عمل وكل تفكير! # واستعرضت المنظمات والأحزاب: # فإذا هنالك عروبة هي، حين تنقى، طقطقة مسبحة، وفناجين قهوة، وتندر بطرائف ~~بالية، ونكات هرمة، ومحاولة لعصر قنينة فارغة، وشيزوفرنيا، ذلك النوع من ~~الجنون الهادئ اللذيذ، إذ ينطوي المصاب على شخصيته، ويبايع نفسه ملكا في ~~مملكة الأحلام والأوهام. # وهي، أي العروبة، في فريق ثان، كبريت من التعصب الأكال. # وإذا هنالك لبنانية، حين تصفو، تتلاشى أغنية في موال عتابا، وتذوب نشوة في ~~كأس عرق، وقد تتصلب بطولة معكوسة ms06 في ضربة عصا، أو تتجسد خنوعا في وفد ~~ينحدر لتهنئة وزير، وتشرئب ثورة كاسحة في تلغراف احتجاج على شاويش ~~المخفر. هؤلاء هم قرويو ضيعة يدعون أنهم مواطنو أمة. # وهي هذه اللبنانية، إذ تعكر وتموج، تمسي بطولة في معارك ما حدثت، وكركرة ~~الماء في أركيلة ليس فيها تنباك، وشوكة تصوب إلى عين الجار، فيما يقال: ~~إنها سيف في وجه الغريب. # ثم هنالك عقائد أجنبية، إحداها الشيوعية، وهي الظل الأسود للغيمة الحمراء ~~العالقة في سمائنا، مترقبة اللحظة الحاسمة كي تنفجر وتنهمر نارا ودمارا ~~وكفرا وجرائم. يمرح في عتمة هذا الظل الأسود جماعة من المهووسين، ~~والمأجورين، والناقمين، وفئة مخلصة جربت ما توهمته مليحا فوجدته قبيحا، ~~فجاءت تجرب هذا القبيح أملا بأن تجده مليحا، فتعلقت بهذا القطار المسرع ~~نحو الهاوية. # وفي الزمن الأخير، قيل لفتى: إنه نبي، فراح يفتش عن رسالة، ويلملم بخرقة ~~مرقعة من مختلف الأنسجة والأمزجة، تمتص ما تسرب من براميل العقائد، ما ~~تفسخ منها وما تكسر، سائلا عديم اللون والطعم والفعالية، ولكان عديم ~~الرائحة لولا أن رشت عليه حفنة من بهارات الهند وفلافلها؛ هذا الخليط من ~~السوائل صبه فتانا في قالب إقطاعية وبلبلة تفكير، ونادى به على الناس أنه ~~اشتراكية تقدمية، تكفل الشفاء من الأمراض جميعها، وقد يكون أقرب الأشياء ~~التي تشابها كيس الخيش الذي نستورده من الهند، والذي لا يقف إلا حين ~~يمتلئ بمحصول غريب عن وعائه، على أن في أعلاه من الشيوعية زيحا ~~أحمر. # وفي هذا البلد منظمات كصواني المعابد يطاف بها لاستجداء المال، وغيرها ~~لاستجداء النفوذ، وتشكيلات رجعية جديدة، كلها ثقوب مستحدثة في غربال ~~متهرئ عتيق. # هذا والشعب في نقمته، متفرق في ركدته وجهوده؛ فمنهم من يرفه عن نفسه إذ ~~يتثاءب في مقالة واعظة، أو من يفرج عن كربته بشتيمة، ومنهم من يبرئ ~~ذمته بالدعوة إلى مساعدة الفقراء والمظلومين، فيما هو ينتعش من تخمة ~~لينغمس في تخمة، ويفرغ من عد أرباح صفقة، ليرتب أرباح صفقة. # ومنهم من يهمهمون ويهمون، ولا يعزمون ولا يفعلون. # ومنهم المسرف في العويل والصهيل ms07 ، يحسبهما للجهاد نفيرا. # ومنهم من تطلع إلى ما تحت سريره، فلما أمن أن ليس هنالك ما يخيفه؛ أوصد الباب ~~ونام قريرا. # ومنهم جماعات لم تتحرر بعد من غريزة البهائم؛ فهي تسير خلف كل من ارتفعت ~~أذناه عن القطيع وعوى أمامه. # وربة باخرة دوى صوت ربانها، وازدهى ملاحوها، وشعت نوافذها، وضخمت مداخنها، ~~وغاصت في وحول المفوضيات والجاسوسية مراسيها. # غير أن جمهور هذه الأمة نبيل، يتوق إلى الكبر، والنظام، والحرية، والحق، ~~والقوة، والعدالة الاجتماعية. # ولقد استجاب الله لصلوات هذه الأمة؛ فظهرت في الشرق - وقد اقتصرت رسائل الشرق ~~حتى اليوم على الروحانيات - لأول مرة عقيدة مادية روحية، قومية اجتماعية، ~~واضحة الهدف، والموحيات، والوسائل، ساذجة ككل شيء عظيم نبيل، تقول بفصل ~~الدين عن الدولة، وبهدم الحيطان التي سورت الطوائف، وبتنظيم الاقتصاد على ~~أساس الإنتاج، وبإنصاف العامل والفلاح؛ فاعتنق هذا الإيمان فتيان وفتيات، ~~كبروا في عيون أنفسهم حين تحققوا أنه يجب أن تكون لهم كرامة المواطنين، ~~وفولذت العقيدة أرواحهم، فلم يعودوا رمالا تذريها الرياح، ولا حصى ~~تتطاير تحت الأقدام، بل قطعة من باطون تحطم ولا تحطمها الرءوس. # تدافعوا على طريق الحياة نحو المصلحة العامة؛ إذ إنهم لا يعرفون أن هم مصلحة ~~خاصة. # ما تبجحوا بالأرواح على ما وقفوها، ولكنهم وهبوها. # ما تغنوا باللاطائفية؛ لأنهم يحيون الإخاء الصحيح، هدفهم وجغرافيتهم وشخصيتهم ~~واضحة بينة الخطوط، لا بالمعقدة ولا بالمزدوجة. # أحيا الفرد منهم نفسه على أتمها وأجملها وأقواها، حين أفنى نفسه في ~~مجتمعه. # في صلب دستورهم وتعاليمهم أن المرأة والرجل متساويان في الحقوق، ومن عناصر ~~إيمانهم أن ليس في الأمة طبقات. # وهذه الحركة رميت بالتهم، ورشقت بالوحول، وفي كل مرة ارتدت التهم ~~والوحول خزيا في وجوه الرامين والراشقين. # هذه الموجة يجب أن تنطلق لتغسل أدران هذا المجتمع، ولتشد قوتها إلى عجلة ~~حيويتنا؛ فنصبح الأمة التي نستحق أن نكونها، إن مئات الألوف من المواطنين ~~يتلمسون في نفوسهم الشوق إلى الإصلاح، والتقدم، والمساهمة القومية، ~~ويجدون في هذه العقيدة مدرسة تربية عالية للرجولة الحقة. # إن التجدد والإصلاح والنهضة، تختصر بعمل واحد ms08 ، وهو أن تفسح السلطات ~~المجال لهذه العقيدة؛ فتحتكم إلى الشعب، وتضع بين يديه سفرها، وللشعب أن ~~يتقبلها أو يرفضها. # لا أدري من يبسم لي في غد ومن يعبس، فللباسم أقول: «أعود إلى تفكيري وكتابتي، ~~فأجدك يا أخي رفيقا لي منذ عهد الصبا والتلمذة، ولكننا اليوم تعارفنا.» ~~وللعابس، من قريب أو غريب، أصيح: «لقد بلغت أنا في حياتي وتسياري نقطة ~~اللارجوع، فإن كان هذا يغيظك يا أخي، فهنا نفترق.» # كنت أحسب أن الكبر، كل الكبر، في الخلق والسيادة، ولأول مرة في حياتي أشعر أن ~~في الخضوع كبرا إذ انحنيت واعتنقت عقيدة من خلق وساد، ثم اختصر ~~البطولة إذ ركع، وقال لجلاديه: «شكرا.» # | وثبة نحو الضياء # بعد أن ثارت علي عاصفة صحفية كان أكثر الذين زوبعوها ~~من أصفى أصدقائي وعشرائي. ~~*** # أكثر الدروب في لبنان تؤدي إلى الهاوية. # وقبل أن تنزلق الأقلام التي تصدت للرد على بياني إلى صعيد من الجدل لا أريده، ~~ولن أهوي إليه، أريد أن أعترف فورا بكل نقيصة رميت بها؛ فأقر أني ~~رجل لا شأن له في الحياة، وأن حافزي إلى هذه الخطوة طموح جامح؛ لكي أظفر ~~بعضوية في بلدية بعقلين، وإني مدفوع ومأجور، وأعلن سلفا أن كل ما ~~ساتهم به صحيح؛ فأختصر الطريق على المهاجمين بالاعتراف عن جرائم ~~سوداء في ماضي وحاضري. # وأعتذر إلى بعض الصحافيين الأصدقاء الذين عتبوا علي؛ لأن البيان لم يصلهم، ~~بالقول إن جريدة «الأحد» هي التي تولت توزيعه، ويؤكد لي مديرها أنه أرسل ~~البيان إلى الصحف جميعها في وقت واحد. # وفي هذا الإيضاح ما يجب أن يقنع أصدقاء من الصحافيين آخرين ذكروا أنني توجت ~~البيان بمديح عن نفسي؛ إذ إنه ليس من المعقول لو أني أنا الذي مهدت ~~للبيان بمقدمة أن أقول عن نفسي «صاحب المؤلفات الشهيرة»، بل كنت قلت أكثر ~~من هذا بكثير! # ولو أن ذلك الصديق الحبيب يحسن القراءة بقدر ما هو يبدع في الكتابة؛ لما اتخذ ~~من أقوالي موضوعا لافتتاحية، بل لكان هو أول المهتدين. # أما أصحاب «البيرق» فأهنئ فيهم التهذيب ms09 الرفيع، والأمانة لأخوة لنا شرف ~~وراثتها أكثر مما لنا فضل خلقها، وأنهم وسواهم من أشراف الناس لو أعملوا ~~البصيرة، وتحرروا، فحاولوا أن يحملوا الماضي الجميل إلى الحاضر، بدلا من ~~أن يشدوا هذا الحاضر إلى الماضي، لاكتشفوا أنهم في صفوفنا «صفوف النهضة»، ~~وأن الأحباء من أحياء وغائبين، تروقهم هذه القفزة إلى الأمام. # غير أني أود أن أذكر هؤلاء الإخوان، وغير الإخوان، أنني لست أنا رهن ~~المحاكمة. # إنني راض بما يعرفه الناس عني، وبما يلهجون به وبما كان يجيء على ألسنة ~~ناقدي اليوم، المغدقين المديح علي في أمسي. # ما أنا بالشخص الذي يعنيني هذا البحث، نحن أمام حاضر أمة ومستقبلها ووسائل ~~النهوض بها. # يعيبون على عقيدة الحزب السوري القومي الاجتماعي أنها تناهض العروبة، هذه ~~مغالطة وتشويش، نحن نقول بالعالم العربي وبالجبهة العربية - جبهة تصطف ~~فيها القوميات كما يقررها التاريخ، القديم والحديث والمعاصر، وكما ~~تتطلبها مقتضيات اليوم. لا نريد عروبة يكون الدين من عناصرها؛ لأنها هكذا ~~تحمل في نفسها أسباب هلاكها. # لا نريد عروبة البكاء على الأندلس، وحفظ أقوال الزمخشري، وما حدث به ابن المعتز عن ابن المهتز. # لغيرنا العزة القعساء، نريد عزة هي موديل 1951-1952. # ويتهمون أصحاب عقيدتنا بالتنكير للبنان، أي منطق هذا! من يزعم أن من يريد ~~خدمة أمته هو بحكم الطبيعة متنكر لأمه؟ # نريد لبنان فكرا شاملا وقوة منطلقة ساحقة. لقد نشرت لي مجلة «الصياد» كلمة ~~منذ سنوات خمس، قبل أن عدت من المهجر جاء فيها: «أريد الوحدة السورية بعد ~~أن تقرع لها أجراس الكنائس في بشراي، وبكفيا، ودير القمر»، هذا ما تبشر ~~به عقيدتنا اليوم، وما بشرت به أمس، وهذا ما تبتغيه الفئة الصافية الذهن ~~المتطلعة إلى المستقبل. # لقد بشر «هربرت هوفر» ب «عالم واحد»، فما سمي خائنا ولا نصبوا له مشنقة، ~~نحن لا نؤمن بلبنانية تفجر الديناميت في المآتم وتقتصر على التسبيح ~~للأرز، وتلهو بذكرى أمجاد غابرة، ووصف الحنين إلى المغتربين. # لقد قلت لهم في حفلة «الكتائب» في السنة الماضية: إن فخر الدين مات والمير ~~بشير مات، وصلاح ms10 الدين الأيوبي مات؛ وأقول الآن للذين يتهمونني بأني غيرت ~~عقيدتي: إن أكثر ما ناديت به قبل اليوم نشر في الصحف، فهاتوا لي عبارة ~~واحدة مجدت بها حزبا، أو دعوت بها لعقيدة، ارجعوا إلى ما طبعتموه ~~أنتم، وأروني كلمة واحدة قلتها تشرد عن موقفي اليوم. # ثم اتركوا النظريات التي تبدأ بجدل لا ينتهي، وقولوا لي أي داء كان أفتك بنا ~~من الطائفية؟ وأي شخص محا عمليا الطائفية من نفوس المواطنين؟ وأي إيمان ~~غير إيمان القوميين الاجتماعيين اجترح هذه المعجزة حتى أعتنقه؟ # حين أعلنت الحرية في زمن السلاطين العثمانيين تعانق رجال الدين في بيروت، وفي ~~سنوات فيصل هتف الشباب المحمدي للشباب المسيحي، ومنذ سنتين تجسد الوئام ~~والود في وليمة تاريخية بين «الجناحين»، تمثلهما النجادة والكتائب. وبعد ~~أن تجسد الوئام وزال التعصب تفجر الود في العيدين على ساحة البرج في ~~العام الفائت، رصاصا من رشاشات ومسدسات ودويا من قنابل. # صار لنا عشرات السنين والهلال يعانقه الصليب والجناحان يرفان، والقوافي تؤلف ~~بين الأهلة والصلبان؛ والأمة سائرة القهقرى، حتى جاء إيمان الوطنية الحق ~~الذي شفى الأمة من أفتك أوبئتها. # لا أحتاج إلى تسمية هذا الإيمان، بل أحور قولا للرفيق أسد الأشقر: «كوم ~~التبن لن تبدد الزوبعة.» # | في أول مارس ولد الذي بعث الأمة # في سنة 1946 وجه سعيد تقي الدين - وكان عامئذ في ~~الفلبين - رسالة إلى صديقه محيي الدين النصولي، قال ~~فيها: «سينقذ الأمة من أسميه «رجل رأس بيروت»، ~~ولقد أطلقت عليه هذا الاسم؛ لأن كتفيه ستكونان أعرض ~~من صخور الروشة، ورأسه أرفع من المنارة.» ومن الغريب ~~أن الكاتب سنة 1946 لم يكن قد سمع بعد بمن هو اليوم ~~موضوع مقاله هذا. ~~*** # لم أعش بعد أن انجلى عني ظل أبوي إلا مرات ثلاثا في ظل إنسان، استمرت ~~أولاها شهورا ستة حين لجأت - هكذا تبدو الحقيقة اليوم - إلى مكتب كامل ~~حمادة في «مانيلا»، فعقدت معه شراكة أقاسمه فيها أرباحا مرجوة، وبينما ~~نحن ننتظر الأرباح، كثيرا ما فصلت بيني وبين الجوع إشارة بقلم رصاص ~~يدونها كامل حمادة ms11 أمرا لأمين صندوقه بدفع ريالات خمسة، وفيما كان ~~الامتنان يغمر قلبي، ولا أفوه به إذ ذاك، وأنتشي بإذاعته اليوم، كنت ~~كثيرا ما يتأكلني البغض - بغض كامل حمادة - وأسائل نفسي: أي حظ، أي ~~نظام، أي قدر حكم ظلما؛ فجعل من هذا الرجل محسنا، وجعل مني ~~محسنا إليه؟ # وفي حزيران الماضي عشت ساعات أربعا في ظل رجل آخر هو شارل مالك، حين خلوت به ~~في «النادي الدولي» أتحدث إليه لأحدث الناس عنه، وإني على شغفي به لم ~~أملك نفسي خلال تلك الساعات من كبح موجات من النار، تثور في نفسي وأنا ~~أسائلها: لم أحدث الناس عن هذا الرجل بدلا من أن يتولى هو التحدث ~~إلى الناس عني؟ إن كان في الدنيا من لا ينقم على نفسه؛ لأنها ليست في ~~الذروة فهو إله يعبد أو صعلوك لا شأن له. # وأن مقياس كبر النفس ليس في انعدام هذا الشعور بالنقمة، وهي من حوافز الطموح، ~~بل في أن تتهرأ هذه النقمة على نفسك؛ فتصبح حسدا لسواك، أو في أن تتصلب ~~وتخشن؛ فتنطلق عدوانا لئيما يتنقص من قيمة من يتفوق عليك. # واليوم - وهذه هي المرة الثالثة التي أحيا خلالها في ظل إنسان - إذ أصبحت ~~القومية الاجتماعية دفة حياتي - أسائل نفسي: هل انعدم في نفسي شعور ~~النقمة على خالق هذه العقيدة بسبب أن جسده دفين؟ أتراني كنت انضممت إلى ~~صفوف القوميين الاجتماعيين لو أن مبدعها لم يضم رفاته التراب؟ أكانت ~~أنانيتي وكان اعتدادي يردعانني عن الاعتراف بتفوق مخلوق؟ وقد يكون من ~~السهل الكذب والجواب «نعم»، أو من مجاورة الحقيقة أن أقول: «لا أدري»، ~~ولكن الذي يعنيك من هذا الأمر ويعنيني هو أني اليوم أشد احتراما لنفسي؛ ~~إذ أقررت بفضل كامل حمادة وأحببته، وحين وجدت لذة بأن أتحدث عن شارل ~~مالك. # وهذه النون المتقعرة بين ألفين، صميم ال «أنا» هذه الذات التي عبدتها وطالما ~~ازدهيت بها، والتي من صلب العقيدة القومية الاجتماعية، وأول شروطها أن ~~تذوب وأن تفنى، أحقا أنها امحت؟ أليس من العبث أن يقوى الإنسان على ms12 أن ~~يفني نفسه وأن يذوب؟ # الجواب بسيط ليس فيه اضطراب ولا تناقض، بل إن فيه حقيقة وعمقا؛ إن الواحد ~~منا يحيي نفسه ويذكيها إذ ينكرها. إن أشهى لقمة تأكلها هي لقمة تطعمها ~~لسواك، إن الأمومة التي جوهرت نفس أمك وأمي ورفعتهما ووسمتهما بطابع ~~الألوهية، إن هي إلا إنكار الذات وتذويبها وإفناؤها، وبالتالي ~~إحياؤها. # يسألونني: هل عرفت ذاك الذي نفذ عقيدته فناء بخلود؟ أقول: لقد اجتمعت إليه ~~مرتين خلت ثانيتهما طويلة؛ واليوم أرى أنهما جاءتا تمهيدا لاجتماعات ~~مقبلة، وها أنا أجتمع إليه كل يوم من جديد وأتعرف إليه كل ساعة. # لعل أرخص أنواع البوح عن النفس هو الكلام، قد يكون المهندس أشد إفصاحا عن ~~عبقريته حين يصمت، مشيرا إلى الطريق التي اشتقها، والجسر الذي بناه، ~~والقصور التي شادها. هذه الطريق التي أسير ويسير عليها الألوف من الرفقاء ~~اشتقتها يداه، وهذا الجسر الذي وصل ماضيا بعيدا مجيدا بمستقبل قريب ~~مجيد هو الذي بناه، وهذه القصور التي شادها صاحب العرزال في نفوس ~~المواطنين، كلها تحدث بالتصاميم والخرائط والبناء التي صنعتها يدا رجل ~~الجيل الجديد. # في تاريخنا الحديث ظهر في بلادنا من أوحى البطولات نقمة على شيء، واستثار ~~الناس إلى هدمه. لأول مرة في تاريخنا الحديث ظهر من استثار البطولات ~~استنفارا لصنع شيء، وكانت النقمة في هذه البطولات عنصرا جزئيا لا ~~الحافز الطاغي. # إن البطولة تمجد كيفما ظهرت، ولكن البطولة التي تحدوها بهيمية البغضاء فحسب، ~~لا تبني ولا تحيا، بل هي تنتحر حين تفترس، هو ذا تاريخنا في كلمتين بعد ~~عهد الاستعمار: افتراس فانتحار، أما القومية الاجتماعية فهي أبعد ما تكون ~~عن الحقد والعداء والبغضاء، فهي تسمو كلما انتصرت؛ لأن الافتراس والتهديم ~~ليسا من حوافزها، وهذه العقيدة ليس لها حد تقف عنده؛ إذ إن الانتصار ~~المتجسد بتحقيق هدف جغرافي، حدده العلم والتاريخ والمنطق والمصلحة - هذا ~~الانتصار ما هو بالغاية النهائية الكبرى التي نهدف إليها، بل إن هذا ~~الانتصار هو نتيجة جزئية محتمة لانتفاض النفس القومية الاجتماعية، التي ~~لا حدود لإمكانياتها. إذن فحركتنا هي بطبيعتها ms13 أبدا متجددة منطلقة تأبى ~~الوقوف عند حد أو الجمود أو الركود؛ فنحن لن نصل إلى يوم نهلل فيه: قد ~~وصلنا. # ولقد سبق أن قام في هذه الأرض من جمهر الناس إغراء أو تخويفا أو تملقا ~~ووعودا، ولكن من معجزات رجل الجيل الجديد - وأعماله لا توصف بأقل من ~~أنها معجزات - بل إن من معجزات رجل الجيل الجديد أنه استهوى بالحقيقة ~~وبالعلم المجرد، فجاء الإيمان بعقيدته أقوى الإيمان؛ لأنه استهوى من ~~النفس البشرية اسمى عواطفها، وأعمق مداركها، لا بهيميتها ولا أثرتها؛ ~~ولأنه دلها على الاقتدار الكامن فيها - في الروح التي يحيا بها جسدها، ~~وفي الجسد الذي هو جهاز روحها؛ ولأنه عرف أرضها جبهة يقاتل من أجلها ~~مواطنون وفيها ينتجون. # إن الذي ولد في أول مارس، وارتفع رأسه إلى أعلى من منارة رأس بيروت، وعرضت ~~كتفاه؛ فهما أقوى من الروشة وأضخم، هذا الرجل يمد فيئه في هذه البلاد ~~يوما بعد يوم، وأن الألوف من الرجال والنساء هم أشد احتراما لأنفسهم ~~وثقة بها وبمستقبل الأمة؛ لأنهم يعيشون في ظل عقيدته. # | أريد أن أنشق فوح دمي ...! # مقدمة المقدمة: مهدت للمقال بالمقدمة؛ إذ إن القانون منع ~~التحدث عن جورج عبد المسيح، وهو المحكوم بالإعدام ~~مرات كثيرة. # كان مطعم مطار بيروت مكتظا حين فتشت عن كرسي فلم أجد، ~~وهممت الخروج، فإذا بفتى منفرد إلى طاولة يدعوني، ~~ويقدم لي الكرسي الوحيد قبالته، وتعارفنا وسهرنا؛ ~~فقرأ علي الكثير من كتاباته، وحدثني عن أسفاره، ~~وأخبرني أنه مسافر إلى البرازيل، ورجاني أن أنشر له ~~الحديث الذي تذيعه اليوم «صدى لبنان»، حديث أشرف ~~عليه - كالعادة - رفيقي محمد يوسف حمود، ولا أدري ~~كيف نسيت اسم محدثي ذاك. # ولكنه وعد أن يكتب لي ثانية. ~~*** ~~«بلى، بلى، إني أعرف هذا الرجل، لقد اجتمعت به فيما سبق، أين ...؟ أين ...؟ مدينة ~~بومباي ...!» # بهذه الكلمات كنت أحدث نفسي حين واجهني جورج عبد المسيح لأول مرة. # وكدت لا أسمع الكلمات القصيرة التي تعارفنا بها. وظلت مدينة بومباي ماثلة ~~أمام عيني حتى دخلنا غرفة صغيرة كأنها قفص، وراح جورج عبد ms14 المسيح يقدم ~~كرسيا حاملا غلاية قهوة، عرفت فيما بعد أنه أعدها بيديه، ونظف مرمدة ~~سكاير، ثم نقل طاولة إلى حيث جلست، وكان يقوم بهذه الأعمال لا بتأدب من ~~يتعمد الكياسة الاجتماعية، بل شأن من ألفت يداه تولي أموره. # وكنت متأكدا من أنني لم أشاهد لهذا الرجل صورة من قبل، ترى كيف خيل ~~لناظري أنني اجتمعت به فيما سبق؟! «بومباي بومباي ... ما علاقة جورج عبد ~~المسيح بمدينة في الهند؟!» # وبعد أن نظف وأصلح وهندس، دار بظهره إلي في طريقه إلى كرسيه خلف طاولته، ~~فإذا الشعر الكثيف يبدو كلبدة، وإذا بصخرين يموران فوق عضلات، في زندين ~~وساعدين، تكاد تمزق الكمين، وإذا هو يخطو على مهل، كأنه يمشي على وقع ~~موسيقى هادئة. # وحدقت به فإذا هو أقصر مما ظننت وأضمر مما توقعت. # وتطلع بي من غير أن يعبس ومن غير أن يبتسم؛ فشخصت بي لمحة عينان فيهما حذر ~~وفيهما يقين، تتألق بهما الشجاعة لا شرسة مبتذلة، بل صافية سامية ~~هادئة. # وشعرت بشيء من الرهبة حين خلوت به في تلك الغرفة التي تشبه القفص، وتكلم جورج ~~عبد المسيح؛ فإذا في صوته بحة وفيه هدير، ولاحت مدينة بومباي من جديد، ~~وفجأة أدركت كيف يتآمر الشعور مع العقل اللاواعي؛ ففي مدينة بومباي رأيت ~~الأسد لأول مرة وسمعت تهداره، وكان الأسد في قفص. # واستأذنني دقيقة ليكتب مقالا، وما إن ذكر كلمة «أكتب» حتى شعرت بتيار يصخب ~~في عروقي، ويثب موجة عارمة تنصب في فراغ كان هناك. وإذا بنفسي نقمة محرقة ~~على هذا الجالس قبالتي - هي ثورة الرجولة على تأنث الخضوع، الذي تملكني ~~لمحة، وإذا بي بركان من البغض والمقت والكراهية والازدراء يجيش على هذا ~~الذي استحال عدوا في لحظة واحدة، وكأنما هو أراد أن يسهل مهمة ~~الكراهية علي حين انبرى «يكتب» في «حضرتي». # وأنست بهذا الهزء يطفو على تحرق العداء، ورحت أنظر إلى تلك اليد الضخمة، ~~وطابة من عضلات تكومت هضبة بين الإبهام والسبابة. # إنه «يكتب». # إنه لمشهد مضحك - جورج عبد المسيح «يكتب». هذه يد خلقت لتلتف ms15 حول معول لا ~~قلم، أو لتغرف قنبلة. # إنه «يكتب» هذا الجورج عبد المسيح. # وأسرعت الصفحات أمامه تمتلئ، كيف يكتب هذا «الكاتب»؟ أهذا القلم حنفية تنفتح ~~عن برميل؟ وشارة «الزوبعة» أمامه وخلفه وعلى الحيطان! # وسألته أن يطلعني على ما سطره بلهجة المعلم يطلب من التلميذ أن يقدم له ~~«الفرض» الذي كتبه. # وقرأت ما كتبه جورج عبد المسيح، فكان ذلك بدء الطريق التي لا تنتهي. # منذ تلك اللحظة أيقنت أن من يصيب القليل من الشهرة، يستقطر غروره من أثرته ~~خمرة تنفخ أوداجه؛ فتثمل عيناه، ويسفنكس هناك متعبدا في صومعة ~~ذاته. ~~••• # وكثر ترددي عليه بعد الزيارة الأولى، وتأرجحت عواطفي حياله من مقت وكراهية، ~~إلى ود ومصافاة، وإني لأذكر ساعات كان أشهى ما لدي أن يغيب هذا الرجل عن ~~فكري ونظري إلى الأبد، وها أنا اليوم - بعد ما يقرب من السنتين - أجدني ~~أشغف ما أكون به أخوة وإعجابا. # في يقيني أن لهذا الشعور سببين: أولهما أن قد ترفعت نفسي عن تلك الأثرة التي ~~تستثير العداء لكل متفوق في السلطة أو القوة - أي مناحيها - من عقلي ~~وجسدي، واتحدت في ولاء لإيمان صهر الجهود؛ فأصبح الواحد يجد في ~~انتصارات رفيقه وكبره كبرا لنفسه وانتصارات لها، والسبب الثاني أن سنتين ~~من معاملة ومباحثة كشفت لي عن هذا الرجل، كل مناحي نفسه؛ فتمادى إعجابي ~~به وودي له حين وضح قطعة إنسانية كاملة. # ولغير مناسبة، ولغير سبب، قصدت إليه أستنطقه هذا الحديث، وقد لا يكون لهذا ~~الحديث من حافز إلا أني صرت أفهم هذا المواطن بعد أن اختبرته غاضبا، ~~راضيا، ثائرا، ساكنا، واعظا، متعظا. وصار من الواجب أن تتعرف الأمة ~~من جديد إلى هذا المواطن، وهو بعض ثروتها الوطنية الموارة في ~~حناياها. # سألته السؤال التقليدي فأجابني: ولدت في زاوية البيت، وبيتنا اليوم خربة ~~فوق «عين المشرع» قرب «بيت مري». ~~- أبوك؟ ~~- مات أبي إبان هربي في 2 آذار 1943. ~~- ممن هربت؟ ~~- من سلطات الحلفاء التي تمركزت في حلب، حكموا علي بالإعدام بتهمة التجسس ~~للألمان، وكنا، نحن القوميين الاجتماعيين، معتقلين عند الألمان ms16 الذين ~~اتهمونا بالتجسس لهم . الحقيقة أن الإنكليز قبل زحفهم نحونا من فلسطين ~~نفثوا قطيعا من اليهود، الذين يتكلمون العربية، فجاءت تقاريرهم تقول: ~~إننا نحن القوميين الاجتماعيين نؤلف قوة مقاتلة؛ فبادروا إلى شطبنا من ~~هذه المنطقة الحساسة. ~~- وأمك؟ ~~- هي في بيت مري، عمرها 83 سنة، إنها لن تراني؛ فهي قد فقدت نظرها، أمي ~~عمياء، لا تسلني عنها، لا أقدر أن أتكلم عن أمي، سل سواي يخبرك، عبد الله ~~قبرصي مثلا، أو أسد الأشقر، أو جورج مصروعة. ~~- قل لي شيئا عن طفولتك، عن ثقافتك. ~~- أول محاضرة سمعتها كانت من أبي، كنا نحرث في الحقل، أي إن أبي كان يسوق ~~الفدان، وأنا أضرب بالمعول خلفه، اقتلعت الكثير من جذور قاسية عميقة - ~~جذور التيول - وحملتها إلى حقل جارنا العدو، ورميتها لكي تنشب في أرضه، ~~ورجعت أخبر أبي فخورا بما فعلت؛ فخلع أبي النير عن الفدان ومشى بي إلى ~~فيئ شجرة، وهنالك جلسنا أستمع إلى أول محاضرة في حياتي. إن أبي لم يأمرني ~~بأن أفعل شيئا، ولكني بعد سماع محاضرته رحت إلى حقل جارنا وأحرقت جذور ~~التيول. هذه أول معركة انتصرت فيها على نفسي. ~~- وغيرها من المعارك؟ ~~- كثيرة، أذكر منها معركة الخوف في الحرب العالمية الأولى، وكان عمري 6-7 ~~سنوات، وكان لي عم، اسمه جورج عبد المسيح أيضا، حكم عليه الأتراك ~~بالإعدام لانضمامه للحركة اللامركزية، وكان مختبئا في الحرش قرب بيت ~~مري، وكنت أذهب إليه في الليل، مارا بالثكنات العسكرية حاملا الزوادة، ~~وكثيرا ما رأيت الوحوش تنهش جثث موتى الجوع، وصرت أستلذ الأخطار، وأتمهل ~~في سفراتي الليلية. لي عم آخر اسمه يوسف عقل عبد المسيح مات في نيوزيلند ~~متحرقا، لقد قصر عمره عبيد الأتراك، وعبيد الإنكليز، وعبيد ~~فرنسا. ~~- حدثني عن أنباء قتالك. ~~- كثيرة، فلسطين مثلا، حاربنا سنة 36 وسنة 38، فرقة الزوبعة، قتل هناك ~~سعيد العاص. ~~- أكان سعيد العاص قوميا اجتماعيا؟ ~~- بالطبع كان قوميا اجتماعيا، أنا الذي كرسته، كنا في فرقة واحدة، ولكننا ~~لم نكن معا في المعركة التي قتل فيها. مات وشارة «الزوبعة» على صدره، ms17 ~~وقد انتزعها ضابط بريطاني حملها إلى بيروت يفتخر بها، وقد هنأه يومئذ ~~مواطنون أفاضل، اتهمونا فيما بعد أننا تحالفنا مع اليهود. بعض هؤلاء ~~الأفاضل هم اليوم في بيروت، في مراكز السلطة والمال تحفل الجرائد بصورهم ~~وأخبارهم ومواعظهم الوطنية. كان قائد فصيلي في فلسطين عبد الرحيم الحاج ~~محمد. أذكر من الأبطال رفيقي بشير فلاحة «دمشقي»، وبشير الزعيم هو رئيس ~~الأمن العام في اللاذقية اليوم، استشهد بعضنا في تلك المعارك - ~~عشرة، اثنا عشر، لا أذكر، نحن لا نعد قتلانا. وبعد وقوف المعارك أردنا أن ~~نقيم لشهدائنا حفلة في بيروت؛ فاعتقلنا الفرنساويون وحاكمونا ~~وسجنوننا. ~~- حدثني عن سرحمول سنة 1949. ~~- كنا في سرحمول ثمانية. ~~- قتل أحدكم - محمد ملاعب في تلك المعركة؟ ~~- لا، لا، محمد ملاعب لم يقتل، إنه جرح في المعركة، ونقلوه إلى السجن ~~مكبلا ودمه ينزف، وأحذية ثقيلة ضخمة تدوسه في الشاحنة وفي باحة ~~الأسر. # وهنا خرس لسان جورج عبد المسيح؛ فسمعت صرير أضراسه تجرش الذكريات، ورأيت ~~قذائف الكلام تطلقها عيناه لا شفتاه، ثم أردف متحرقا على محمد: في ساحة ~~الأسر ضربوه وشتموه، وهناك رفع محمد ملاعب رأسه وضرب به الأرض، إن ~~العشرات من مواطنينا رجال الدرك ما يزالون يروون المشهد الصارخ، كما ~~يردده العشرات من رفقائنا، الذين كانوا يطلون آنذاك من وراء قضبان الحبس، ~~إن القوميين الاجتماعيين كلهم يحسون في جباههم اليوم وإلى الأبد عزة جراح ~~محمد ملاعب، وفي قلوبهم رجفة أرض بلاده حين هزها هذا الشهيد ~~برأسه. ~~- ما هي أكبر حسرة في حياتك؟ ~~- هي أنني لم استشهد حتى اليوم، أريد أن أموت بالرصاص، متخبطا متضرجا بدمي، ~~أريد أن أنشق فوح دمي، أريد أن أراها تشخب متفجرة من عروقي، وأن تطول ~~ساعة احتضاري، وأن لا يغيب وعيي لأتمتع برؤية نفسي كيف تموت لتحيا ~~سوريا. # وسألته: كنت أتوهم أن مقتل سعادة كان لك أكبر صدمة عاطفية؟ ~~- عن أية صدمة عاطفية تتكلم؟ # لم أفجع بالزعيم إلا كما يفجع الجندي بقائده، صرعته الخيانة في أوج ~~المعركة، كنا - ولا نزال - في ذروة معركة إنقاذ هذه الأمة من ms18 مشعوذيها، ~~من خونتها ولصوصها وطواغيتها، من مستغلي عمالها وفلاحيها وفقرائها ~~وجهالها وضعفائها، من الذين اخترعوا المثالية وسيلة للأنانية؛ فتردوا ~~بمسوح الأنبياء. أراد الزعيم ونريد، إنقاذ هذه الأمة من النظام، الذي صنف ~~المواطنين طبقات، وطوائف، ووسم الشعب بميسم العبودية للأجنبي، ولعميل ~~الأجنبي ولتجار الدين والوطنية. ~~- من هم أعداؤك؟ ~~- ليس لي عدو، وأنا فرد لا أهمية له إلا بمقدار ما ينتج، في سبيل حركة تعبر ~~عن الحياة وعن عظمة هذه الأمة. والحركة أعداؤها أعداء هذه الأمة، ونحن ~~نعتقد أن في كل مواطن خيرا أعتقته فيه حياة أمتنا، وأن حركتنا من ~~مهماتها أن تكشف عن القوة والخير والجمال الكامنة في نفوس المواطنين. ليس ~~لنا عدو، وكل من نفذ مبادينا فهو صديقنا، على أن يستحيل على فرد أن ينفذ ~~كل مبادينا، ويفصح عن كل إيماننا إلا إذا انتظم وفعل. ~~- أصحيح أن في نفسك حسرة لابتعادك ورفقائك عن لبنان، ولبقاء المساجين ~~القوميين في الحبوس؟ ~~- نحن لا نعرف من الحسرة إلا الحسد، حسد الرفيق للرفيق يسرت الحوادث ~~لأحدهما شرف التضحية واستثنت الآخرز أما الابتعاد والسجن والموت والفقر ~~والاضطهاد فكلها مخاطر توقعناها وتحديناها، عندما تجندنا لخدمة الأمة، ~~وما لم نفطن له نبهنا الزعيم إليه بقوله: «إن آلاما عظيمة، آلاما لم ~~يسبق لها مثيل في التاريخ تنتظر كل ذي نفس كبيرة منا.» يتوهم البعيدون ~~عنا أن أيام صراعنا ولت، أقول لك: إن أيام الكفاح أمامنا لا خلفنا. ~~اختبرنا الخونة والكذابين والدساسين، وعرفنا المغاور والسجون وميادين ~~القتال. المبتعدون؟ أي مبتعدين؟ أما الذين منا عن لبنان مبتعدون، فمن هو ~~في الكويت أو الموصل أو القامشلي؛ فهو في وطنه لا مغترب عنه، ومن هو عبر ~~الحدود فهو معنا في الحركة، وأما الأسرى - أقول الأسرى - فلا نحن نلتاع ~~عليهم، ولا هم يلتاعون، إنهم ينفذون واجبا عاديا؛ وليس أسفنا إلا بقدر ~~حرمان هذه الأمة من إنتاجهم الكامل، غير أنهم هم ينتجون لحد ما، والإنتاج ~~من تبشير، وتثقيف، وتقوية نفس، هو من فروض القومية الاجتماعية. ~~- ما حالة الحركة القومية الاجتماعية في هذه الأيام - انتشارها ms19 وحيويتها ~~وفعاليتها؟ ~~- الحركة مثل كل حياة هي تنمو وهي تنتصر، وهي أبدا تمر في أزمات خلال ~~صراعها. ولكننا منتصرون، ولقد فعلنا حتى في نفوس أعداء أمتنا؛ إذ أصبحت ~~أساليبهم في مقاومتنا أقل خساسة، وفي بعض القطاعات اقتصرت المقاومة على ~~الصراع الفكري، وهذا ما نحترمه ونريده. # ولسبب ما تراءى في خاطري جان جلخ، يحاضر في مطعم العجمي، وفيليب ضرغام خلف ~~مذياعه تحت شجرة العدلية، وتصورتهما يقرأان هذا الحديث ويعلقان عليه؛ ~~فهرعت أنتقل إلى موضوع سياسي مثير. # قلت: ما موقفكم من العداء القائم بين المعسكرين الروسي والغربي؟ وهذا الحديث ~~عن تفاهم مع تركيا؟ # أجاب: إن تركيا التي استعمرتنا يشوقها أن تستعمرنا من جديد، وعبيد الاستعمار ~~من الذين تستلذ رقابهم النير لذة «فرودية» بدءوا يرحبون بهذه الفكرة. ~~يهمنا من النزاع العالمي مصلحة أمتنا؛ ولن نضحي بهذا من أجل شرق ولا غرب، ~~نحن أعداء الاستعمار ونقاوم الشيوعية؛ لأنها وسيلة استعمار روسي؛ ولأنها ~~عقيدة مضللة باطلة، ولكننا لن نسمح للغربيين أن يستغلوا عداءنا هذا ~~للشيوعية ليبيعونا بيعا مصالح هي من حقنا، ولا تنس أن المواطن يبقى ~~مواطنا لنا حتى ولو ضللته الشيوعية، يدعي الغربيون أنهم يشتغلون من أجل ~~عالم حر، ونحن لم نر من أعمالهم إلا اضطهادا للحرية. # قلت: حدثني ماذا فعلت هذه الحركة؟ # أجاب: إنها انتصرت فينا. # وكأنه لمح صورة جان جلخ وفيليب ضرغام تتخايل أمام عيني، فأوضح: اسمع، كل من ~~اعتنق عقيدة النهضة طهرت نفسه، فلم يعد طائفيا ولا قبائليا ولا ~~أنانيا يسخر المصلحة العامة لمصالحه الخاصة، وشعر بمسئولية نحو بلاده ~~تحفزه للعمل من أجلها، واحترم نفسه؛ فانتفض مطرحا عبوديته للأجنبي، ~~وللإقطاعي ولتجار الوطنية والدين، وتعاون مع رفقائه ومواطنيه و... ~~و... # فقاطعته: وهذا الصيت الذي انتشر من أنكم جماعة إرهابية؟ ~~- نحن لا نؤمن بالعنف، ولكن قطار الحياة يمحق معترضه، نحن جنود لا قبضايات. ~~إن القائمين على الأمر في لبنان اليوم يفهموننا، وإن كانوا يتجاهلون، هم ~~يعرفون عنا بالاختبار والتجربة متى نعلن التعبئة ولماذا. نحن ننفذ إرادة ~~أمتنا ومصالحها وميعادها مع العظمة، ليس منا ms20 من يبغي شيئا لنفسه، ومن ~~طلب شيئا لنفسه فما هو بالقومي الاجتماعي. نحن أبدا مستعدون للتضحية عن ~~وعي في سبيل المصلحة العامة ولا نأبه للتوافه والحقارة. # الحياة صراع، والموت من شروط استمرار الحياة وتغذيتها. الحياة تفرض النمو ~~وتنتدب للموت سلبا وإيجابا، من صفوفنا أو من خارج صفوفنا، من يفنى ~~ليحيا فيزول، أو يزيل حاجزا يعرقل الحياة. هذه نظرتنا للواجب، والقومي ~~الاجتماعي ليس له من حقوق بأكثر من أي مواطن آخر، غير أن حركتنا تقسو ~~عليه بأكثر من قسوتها على سواه؛ لأنه أشد وعيا، فهو إذن أكثر مسئولية، ~~تلك المرأة العمياء في بيت مري - أمي - لن أقوم بواجب البنوة نحوها؛ فأفي ~~حق الأمومة إلا إذا كنت متفانيا مع أبناء بلادي من أجلها، ومن أجل كل أم ~~ووالد وولد في بلادي، في نابلس، في النبطية، في أهدن، أو في بغداد. أرملة ~~الشهيد - شهيدنا عساف كرم وأيتامه - ليس لهم علينا أكثر مما لسائر أرامل ~~وشهداء الأمة وأيتامهم في ذمتنا. # ودوى في الغرفة سكون، فإذا بشارات الزوبعة التي من حوله تهم أن تعصف، ~~فتداركتها بسؤال عادي: وكيف تقضي أيامك؟ ~~- أكتب نحوا من عشر ساعات، وأطالع خمس ساعات، وأحاضر ويأخذني التنظيم ساعات، ~~وفي بعض الليالي أنام. # ودفعت إليه بورقة بيضاء وقلت له: اكتب عليها أسماء من تعتقد أنهم أفضل ~~القوميين الاجتماعيين. # قال: ليس بيننا مفاضلة؛ مبادئنا وإيماننا وتعاليمنا ووسائلنا معروفة، من ~~فعلت به صيرت منه المواطن الأمثل، لا يفضل أحدنا الآخر إلا بقدر ما فعلت ~~فيه العقيدة. # قلت: اكتب لي أسماء من جعلت منهم العقيدة المواطن الأمثل. # فتناول الورقة، وكتب على صفحتيها: «أنطون سعادة». ~~- وأنت؟ # فأجاب مهمدرا: لا، لا أنا ولا سواي، أنت تعرف مئات، وأنا أعرف ألوفا من ~~رفقائنا قد تحسب أيا منهم المواطن الأمثل، ولكن هذه الورقة بيضاء إلا ~~من اسم الزعيم، وستبقى بيضاء حتى تبلغ هذه الأمة هدفها، وهدفها يتصاعد ~~ويسمو أبدا كلما اقتربت منه. صاحب هذا الاسم مات راكعا على رمل بيروت، ~~ويداه مربوطتان بحبل - بهذا الحبل (وأراني قطعة منه راحت ms21 تلاعبها ~~أصابعه). # قال ذلك من غير انفعال ! # وسألته عن ثقافته، فأجاب أنه تخرج من الجامعة الأميركية سنة 1933 شبه متخصص ~~بالاقتصاد، وأنه تعلم الفرنسية في المدرسة وأتقنها في السجن، وأنه أسس ~~وترأس «الجمعية الحورانية» في مدرسة بيت مري أو برمانا سنة 1925، ~~انتصارا للثورة الحورانية ضد الفرنسيين، وأن أحد شعراء لبنان أعجب شديد ~~الإعجاب بشعر منثور قرأه عليه جورج عبد المسيح، على أنه ترجمة عن ~~الصينية، ولكنه كان من تأليفه. والأدب؟ «لن يبرز حتى يتركز الأساس ~~الاقتصادي، والأديب يجب أن يشق أثلاما ويبذر. وفي هذه الخمسين سنة قام ~~أديب واحد في سوريا اسمه جبران خليل جبران، وفي لبنان اليوم شاعر واحد ~~حي، وآخر هم بأن يكون شاعرا. والنهضة القومية الاجتماعية؟ «إن أدبها ~~بدأ بالظهور.» # والسياسة؟ إن القومي الاجتماعي يجب أن لا يهتم بها، والحركة القومية تعتبر ~~السياسة لأجل السياسة ليست عملا قوميا، وهي آخر ما تهتم به، ومبعث ~~الاهتمام هو أن المقاليد في أيدي رجال عقيدتنا أقرب إلى التنفيذ لمصلحة ~~الأمة منا في أيدي سواهم، مشتغلون بالسياسة أراخنة ينافسون الكوكا كولا ~~والبيبسي كولا بالإعلان عن أنفسهم، نحن نعرفهم كلهم، وخبرناهم كلهم، ~~وعاملناهم كلهم - كل أرخون منهم، لكل واحد رداء يزين ويضخم، ويخبئ شخصا ~~واحدا اسمه «أنا». والشعب في تشوفه إلى الإصلاح والتقدم يرى الواحة في ~~سراب الأراخين؛ فيكثر في فترات من الغفلة المنبهرون المعجبون المهللون - ~~المخدوعون، وما هي إلا يقظة وعي حتى يعودوا لا منبهرين ولا معجبين ولا ~~مهللين - لا مخدوعين. # والموسيقى؟ يعرف عنها، والفلسفة ... ها ... هنا لا تفتح كتابا بل مكتبة، هو ~~يعتقد أن أنطوان سعادة أعظم فيلسوف، ويتلوه زينون الروائي، ولكنه يناقش ~~في عشرات آخرين من الفلاسفة إن كنت من تلامذتها وطاب لك التحدث عنها من ~~غير أن تخاف جان جلخ أو فيليب ضرغام. ~~••• # وعدت أسائل نفسي ما الذي يميز هذا الرجل عن سواه؟ فكان الجواب سؤالا ثانيا ~~«هل في هذا الرجل ما يميزه عن سواه؟» # لقد استمعت إلى جورج عبد المسيح يقصف نقدا مدمرا، ورأيته يتلقى قنابل ~~النقد، ms22 وإنك لتقرأه بشوق وإمعان، وتستفيد منه معجبا بعمق تفكيره ~~وواقعيته، أصغيت إليه يروي بخيلاء صبيانية، كيف كسب في أربعة أشهر - ~~أربعة أشهر فقط - مبلغا صخما 1200 ليرا (ألف ومائتي ليرا، لا أقل) ~~متجرا بالحطب، وكيف تطلع إلى شجرة فرازها بعينيه، وحكم: «إنها تزن أربعة ~~قناطير»، وجاء الوزن - ويا للعبقرية - أربعة قناطير، وأصغيت إليه يشرح لي ~~عبارة عمقت عن فهمي، وسمعت منه ألف «رفة جناح»: «هربوا وهم قاعدون» «لبخ ~~خبيزة على وجع الرأس». «حاملة الجرة لا ترى الجرة»، وتطلعت إليه يستمع ~~إلى جمع من الطلبة عادوا من سجن في مصر أيام فاروق (يا نديم دمشقية، يا ~~ابن خال محمد البعلبكي، يا من كنت يومئذ في المفوضية اللبنانية في مصر، ~~يسرني أنك ابن خال محمد البعبكي لا ابن خالي) يقصون أنباء سجنهم، ويشيرون ~~إلى رفيق لهم خاط شفتيه بإبرة وخيط احتجاجا على سجنهم، رأيته يستمع إلى ~~الحديث من غير أن يلتفت إلى الطالب القومي الاجتماعي أو يظهر إعجابه، ~~ورأيت وجهه يشرق حين لبس بدلة جديدة (بدلته الوحيدة عمرها خمس سنوات) ~~أرسلها له هدية جورج حداد، من تقول؟ أي جورج حداد؟ نعم هو بذاته، ذلك ~~الذي اقتلع أذني بأسنانه، نحن لا نحقد؛ على كل حال أذن واحدة ~~تكفيني. # جورج عبد المسيح يصلح أن يكون موضوعا لكتب لا لمقال. # ما الذي يميزه عن سواه؟ والجواب هو سؤال: هل في هذا الرجل ما يميزه عن ~~سواه؟ # من السخف أن نشبهه بالأسد. من السخف تشبيه الإنسان بالحيوان. الشجاعة؟ متى ~~تخلص الإنسان من الخوف «وباعها»، يتساوى مع الذين باعوها. القوة الجسدية؟ ~~أنت وأنا نعرف من هو أشد عضلات منه. الفكر؟ هو تلميذ فلسفة عميق التفكير، ~~ولكنني أعرف من يضاهونه. الأدب؟ في بيروت عشرات من هم أعلى منه أدبا ~~بالمعنى الشائع. الإيمان؟ كلنا يؤمن بشيء، المرتشي يؤمن بالرشوة، وتاجر ~~الوطنية يؤمن بالتدجيل. # إذن ما الذي يميزه؟ # لا شيء، إلا أنه آمن بعقيدة نظمت تفكيره، ونسقت أعماله، عقيدة ارتكزت على ~~العلم والقيم الإنسانية - أو بعبارة ثانية عقيدة صحيحة. # قالت ms23 له هذه العقيدة: اطلب القوة في نفسك وانتظم مع رفقائك. قالت له: أعط. ~~وقالت له: ولاؤك الأول والأخير لأمتك ومصالحها. قالت له: أنت لا شيء ~~وحدك، والمجتمع كل شيء معك؛ فشعر أنه كل شيء لأنه المجتمع. قالت له: كن ~~شجاعا ولا تكن أزعر بهوارا، واغسل نفسك من أدران التفكير الحقير، ~~وأوهام الطائفية، والإقطاعية، وعلم الغيب. ما استهوته بالخبز، ولا ~~بممتلكات سواه، ولا أوغرت صدره على جيرانه فلم تغر بهيميته. بل قالت له: ~~كلكم مواطنون متساوون - رجالا ونساء - حقا في الكسب، وواجبا في ~~الإنتاج. لم تحتقر المادة ولم تؤلمه الروح؛ لأن الحياة كما نفهمها وكما ~~هي، هي مادة وهي روح (هذه هي المدرحية). # لم تعده العقيدة بالحل الرخيص، ولا الطريق المختصر، ولم تقلده رقية من نشوة ~~مبهمة، بل استهاجت القوى التي تؤمن أنها كامنة فيه؛ فهبت فيه الرجولة ~~الواعية، الرجولة التي جاءت لتعطي وتصارع، لا الحقارة التي هرعت تحدوها ~~الغريزة العمياء، لتنهب وتتمتع، فحين اشرأب الكبر في نفسه صار جورج عبد ~~المسيح. # لا، لا، جورج عبد المسيح هو رجل عادي، آمن بشيء يؤيده العلم؛ فانتفضت عناصر ~~نفسه، وانتظمت، بطولة فكر، وجرأة. # في يقيني أن في وسع أي واحد من مواطني هذه الأمة أن يصبح كجورج عبد المسيح، ~~أو أفضل منه. تلك الورقة التي خط عليها الأمين عبد المسيح اسم أنطون ~~سعادة ... لن تبقى بيضاء. إن السطر الأول، والاسم الأول، والقومي الاجتماعي ~~الأول لن يكون السطر الأخير ولا الاسم الأخير. # قطعة الحبل التي تقلبها جورج عبد المسيح، خيوطها أبدا تتكاثر وتتفولذ، ذلك ~~الحبل الذي التف على معصمي من آمن أن موته شرط لانتصار قضيته، سينشل ~~الغرقى كلهم من مهاوي وادي أبو جميل إلى مشارف ضهور الشوير. # | حين تروكب العدالة # أطلق مجهول على الأستاذ يوسف شربل رئيس مجلس الشورى ثلاث ~~رصاصات، وروت الصحف أن مطلق الرصاص روكب (تعطل) ~~مسدسه، وقيل يومئذ: إن مطلق النار فتى اسمه حسين ~~الشيخ، من أعضاء الحزب القومي الاجتماعي. ~~*** # الحضارة - إن شئت وصفها اختصارا - وجدتها صراعا مع الشر. # ما ms24 اطمأن الإنسان الأول إلى ملجأه في كهفه إلا بعد أن سحق أفاعي الكهف، وطرد ~~منه الخفافيش، ونور فيه العتمة. # وما أمن الإنسان إلى حراثة الأرض إلا بعد أن بطش بكواسرها، وأبعد عن مساكنه ~~وحوشها، والحضارة - شئنا وصفها اختصارا بأنها صراع مع الشر - لا تقاس ~~إلا بمقدار ظفرها في هذا القتال؛ فالطب ينجح حين يفني مكروب المرض، ~~والمعلم ينجح حين يطرد الجهل بالعلم من نفس تلميذه، والطائرة تنجح حين ~~تبطش بالمسافة. # ولقد ابتكر الإنسان، في سياق صراعه مع شر الفوضى، نظام الحكومة وضبطها ~~بالقوانين. # وجاء القانون، ككل ما اخترعه الإنسان، أداة طيعة تصلح للخير أو تستخدم لعكسه؛ ~~فليس من جريمة في الدنيا أفظع من جريمة يقترفها من يغتال باسم القانون، ~~ويسجن الأبرياء باسم العدالة. # ويا طالما صاح خطباء بلادنا، واصطفت مقالات كتابنا تنادي أن أزمة الحكم في ~~بلادنا هي أزمة تنفيذ القوانين، أو إساءة تنفيذها، أو الإعراض عن ~~تنفيذها، أو تنفيذها معكوسة. # والحضارة - وهي لا تزال موضوع حديثنا - نشأت في بلادنا وفيها ازدهرت. ~~وحضارتنا، وقد تكون القوة مقياسها، تصابت أو هرمت على مقدار ما تغلبنا ~~على الشر أو تغلب الشر علينا. # وتاريخ بلادنا الحديث حفل بالبطولات وبالمصلحين وبالمبشرين، الذين حاولوا ~~القضاء على الشر، وبالتالي دفع هذه الأمة في سيرها الحضاري، ولكن هؤلاء ~~المصلحين والمبشرين والأبطال ما تناولوا من مناحي الحياة إلا بعضها، وما ~~توجهوا إلى الشعب بكامله، وما استثاروا متسلحين بالواقع وبالعلم؛ فهدرت ~~بطولات الحركات في تموجات ضعيفة على سطح المجتمع. # وجاء أنطون سعادة. # إن من يحيا حركته يجد كتبه - وكلها عظيم - في ما تنص، وفي ما توحي ثروة من ~~مناقبية ثقافة لا تحصر في دفتي كتبها العديدة. # وتجد أنها في جوهرها تعبير شامل عن حياة وعن مجتمع، فهي حين تماوجت واشرأبت ~~انطلقت لتملأ كل فراغ، ولتغسل كل درن، ولتغرق فيها كل بارجة يرفرف عليها ~~علم مستعمر. # لذلك حكموا بالإعدام على أنطون سعادة منذ أن رفع علم الزوبعة في وجه المستعمر ~~الأجنبي، والمستعمر الداخلي. # هذه الحركة القومية الاجتماعية - أنطون سعادة - ماذا ms25 تريد؟ # جريمتها الأولى أنها قالت لمواطني هذه الأمة: لا تصدقوا الغربان أنكم زرازير، ~~فأنتم أنتم الشواهين. # ومن جرائمها أن جعلت المواطن مسئولا عن بلاده لا متفرجا ولا مستغلا لها، ~~وأن صرعت الطائفية في نفوس معتنقيها، وأنها استثارت فيهم البطولة ~~والإيمان بنفوسهم وبلادهم، وأنها ثقبت بالونات التزعمات، وتهجأت أسماء ~~الخائنين، وسرحت بلبلة التفكير في من يبغي وضوح التفكير. # كانت الحركة، وستبقى، حركة عنفوانية. # تحدت الشر لتصرعه. إن أنطون سعادة ما ثار حتى يصبح نائبا أو وزيرا، ~~إنه استنهض وعي الأمة، وعبأه وجنده لظفر نهائي حاسم، فما هادنت نهضته ~~الشر، ولا هادنها الشر؛ فالمستعمرون الفرنسيون سجنوا القوميين ~~الاجتماعيين، ونكلوا بهم وخربوا بيوتهم، وعهد بشارة الخوري قبل أن ينطوي ~~- هل انطوى؟ - قتل واغتال وشرد. # تحدثت فيما مضى إلى الرئيس السابق الأستاذ بشارة الخوري في أواسط حزيران عام ~~1951، فقلت: يا فخامة الرئيس، إني منذ أن انضممت إلى الحزب القومي ~~الاجتماعي بدأ اختلاطي معهم تفهمي لمبادئهم. ليس من الممكن يا فخامة ~~الرئيس أن يلقي البوليس، أو أن يشنق القضاة مبادئ صحيحة، كل ما يريده ~~القوميون الاجتماعيون رخصة حزبية، ليس من منطق ولا بلد متمدن أن يحجبها ~~عن جماعة، ويريدون إطلاق سراح هؤلاء السجناء، والكل يعرف حكاية محاكمتهم. ~~إن هؤلاء القوميين - وهم مواطنوك - بعد أن أعدم زعيم حركتهم، والكثير ~~من رفقائهم، وهدم بيوتهم وسد الاضطهاد باب الرزق في وجوههم، في مزاج ~~مخيف؛ يا ويل المعتدي من مؤمن مضطهد. في رأيي إن انتظام القوميين في حزب ~~مرخص له مسئول هو أقل خطرا على أعدائهم من أن يبقوا ثائرين ناقمين، لا ~~يضبطهم مسئول حزبي، يشاركني بهذا الرأي كل عالم اجتماعي أو قائد عسكري أو ~~موجه إنساني. # إن هم البارزين اليوم في هذه الجماعة هو أن يكبحوا القمة لا أن ~~يستثيروها! # ولقد قال بيار أده لأحدنا جبران حايك: إن أباه المرحوم أميل أده، وما كان قط ~~بالزعيم سعادة مغرما، قال: «إن إعدام سعادة اغتيال» # c’est un assassinat ~~. # وذكرت جريدة «الهدف» في عدد 7 تموز 1949 أن الزعيم سعادة قال ms26 للسيد فريد شهاب ~~مدير الأمن العام، وهما صاعدان على درج مركز الدرك السيار: «إني أعتبر قضيتي اغتيالا سياسيا» # Je considère mon cas comme une liquidation politique ~~. # واليوم يتحدثون عن اغتيال جديد، يقولون: إن حسين الشيخ حاول اغتيال يوسف ~~شربل، ويلغطون بأن حسين الشيخ قومي اجتماعي؛ إن صح هذا، فما هو سبب إطلاق ~~الرصاص، ومن المسئول عنه؟ من روايات الجرائد أن حسين الشيخ لم يعرف يوسف ~~شربل، ولم يكن له معه أي علاقة، وليس حسين الشيخ بالمجرم المحترف ليحاول ~~قتل أحد من الناس لقاء رشوة. # ترى ما هو الحافز؟ # نحن نتكهن، ونستنتج، ونحكم العقل، نلجأ إلى كل هذا؛ لأنه ليس لدينا ~~معلومات قبل الحادثة، أو بعدها يصح الاستناد إليها. # منذ أن أنشأ الحزب القومي الاجتماعي صراعا مع الشر المتمترس خلف القوى ~~المسلحة، والتعصب الطائفي، والضعف الذي أشاعه الخوف والاستعمار والفساد ~~في نفوس جمهور المواطنين، جند الشر كل قواه في معركته مع الوعي ~~والمثالية. # لقد لبست الخيانة روبا، ووضعت المثالية في قفص الاتهام. # الذين خدموا الاستعمار، ونهبوا الشعب، وجعلوا من الحدود مع إسرائيل بوابة ~~كبرى، يسلكها الخونة والجواسيس، لا يريدون أن نأخذ رخصة لعمل حزبي هو في ~~جوهره حركة ثقافة، تفهم المواطن مسئوليته وحقوقه. # والذين نبشوا وينبشون شوارعنا، وعتموا ويعتمون بيوتنا، يقولون: إن مبادئنا ~~تنشر الظلام. # والذين توسطوا للمجرمين فاستصدروا العفو عنهم، يستبقون أحرارنا في السجون وفي ~~الإبعاد. # والذين صادروا «المحاضرات العشر» لسعادة، وأحرقوها غير مستندين إلى قانون، ~~ولا دستور، يتهموننا أننا جماعة خلقت لخرق القوانين. # وأساتذة التطبيق والصفقات وعمال الأجانب لا يريدوننا فئة قوية؛ لأن في قوتنا ~~نهاية لأعمال التجسس والانصياع للسفارات. # القوادون الذين يريدون بيروت «شانهاي» الشرق، أو «طنجة» المغرب، لا يريدون أن ~~نوجه الشعب إلى جعل بيروت عاصمة ثقافة للبلاد السورية كلها. # إن في القوميين الاجتماعيين جراحا لا تزال تنبض آلامها، ورائحة دماء لا ~~يزالون ينشقونها. # أمن أجل هذا أطلق حسين الشيخ رصاصاته - إن صح أنه المطلق؟ # تراه شعر الأرض تهتز حين ضرب محمد ملاعب رأسه بالأرض بعد معركة ms27 ~~سرحمول؟ # تراه تحدث إلى جورج حداد، وتحسس طعنة حربة الدركي في رئته؟ # تراه استمع إلى أم سيمون بهنا تروي كيف عاد سيمون إلى البيت، وكلماته تنضح ~~بالدم المتدفق من تحت أظافر رجليه؟ # أتراه رأى امرأة إلياس متى، وأم فؤاد متى تسير كل سبت بالزوادة إلى حبس ~~القلعة، والله أعلم كيف تجمعت الزوادة؟ # أتراه ذكر ألوف القوميين الذين تشردوا، والألوف الذين سجنوا، والمئات الذين ~~فصلوا عن موارد رزقهم، والمئات الذين احتلت بيوتهم، وفقدوا ~~أموالهم؛ كل ذلك لأنهم مثاليون، انتدبوا نفوسهم «لتحقيق أمر خطير يساوي ~~وجودهم؟» # أتراه وعى أن الاضطهاد والتهم والملاحقة عايشت الحزب منذ نشأته، وأن هذا ~~الاضطهاد بلغ ذروته قبل ثورة 1949 ثم بعدها؟ # أم تراه - ترى حسين الشيخ - تطلع فيما حوله، فوجد أن موكب الفساد لم يتغير ~~فيه إلا بعض الوجوه، وأن الشياطين يقرءون علينا من كتاب الواعظين، وأن ~~الذين شمخت قصورهم، وعلا أمرهم، وضخمت أموالهم وزخرت مواردهم - جاءتهم ~~النعم على حساب البلاد، والمواطن. # تراه فقه أن المثالية صارت جريمة، وأن الخيانة أصبحت فضيلة؟ # من يدري؟ لعل حسين الشيخ نفسه لا يدري، لعله قرأ أن خمسين ألف ليرا ~~دفعت أو ستدفع للأستاذ محسن سليم؛ فأعياه الحساب، حساب كم يجب أن ~~يدفع تعويضا للحزب القومي الاجتماعي؟ # لعله تحدث إلى أحد معارفه أو أقاربه العائدين من الغرب فتحقق أن الدول لا ~~تبنى إلا على مبادئ القومية الاجتماعية. # لعله ذكر الاغتيالات، فأراد أن يسجل احتجاجا عليه، ويقطع الطريق على ~~اغتيالات جديدة، ويفسح مجال التكفير للذين يريدون أن يكفروا! # لعله أراد أن يوقظ سواه، ولم توقظهم القنبلة التي شحنت إلينا من ~~إسرائيل؟ # من يدري؟ نحن لا ندري! # ولعل حسين الشيخ نفسه - إن صح أنه مطلق النار - لا يدري! # لعل العهد الجديد يدري، ويقدر أن يوضح لنا، لنفسه، للأمة كلها. # لا يطيب الغناء في الخراب إلا للبوم. # والدم الذي سال على رصيف شارع يؤلمنا منظره؛ لأنه بعض دمنا، دم هذه ~~الأمة. # لقد روكبت العدالة فيما مضى، وعلى هذا العهد أن يساهم في صراع الشر، ms28 وأن يزيل ~~آثام الماضي لا أن يرسخها. # وكل ما نبغي حياة إنتاج وإشعاع وحق. # حياة لا تعزل أحرار الأمة في السجون، ولا تحرق كتب فيلسوف، ولا تمنع إجازة ~~عمل تجود بها حتى على «شهود يهوه». # من مهماتنا أن نغسل الأحقاد، وأن نحول دون تفكير يستفز حسين الشيخ أو سواه، ~~وكلما أردنا التعاون مع العهد الجديد - ونحن لا نزال نحسبه عهدنا - وجدنا ~~أن العدالة روكبت من جديد. # | هذا مذهبي # هل لي مذهب؟ ما هو المذهب؟ أمن الضرورة أن يكون للرجل مذهب؟ وأهم من كل هذا ~~أصادق أنا بالجواب؟ أهي الحقيقة عارية أظهرها للناس، أم أنا أصيح بها: ~~هيا البسي ثوبك أنيقا، وتبرجي واخرجي؛ ففي الصالون زائرون يبغون التعرف ~~إليك؟ # إن أهل القلم أكبر مزوري الدنيا، وإني ما دونت سطرا، وما حاضرت في جمع، وما ~~خطبت في حفلة إلا واشرأبت في نفسي موجة عارمة حارقة، يطلقها الضمير؛ ~~فأحاسب نفسي أصادق أنا فيما أقول وفيما أكتب؟ # فالقانون يعاقب الطبيب، والصيدلي، وسائق السيارة، إن أخطأ أو تعمد الجريمة، ~~أما مطلق الآراء - كتابة أو خطابة - فله أن يكذب ويضلل، وليس من يحاسبه، ~~بل إن جمهور الناس قد نسجوا حول الأديب هالة تروعهم؛ فهم يقبلون على ~~القراءة مأخوذين بسحر الكلمة المطبوعة، ويصغون بخشوع لأي متكلم ترسخت ~~شهرته. # إذن فكان الأصح أن يحور هذا السؤال؛ فيمسي: «ما يجب أن يكون مذهبك؟» ~~فقليلون يحيون مذهبا. إنه ثوب نتزين به في الأعياد والحفلات وأيام ~~العطلة، وإن اتفق أن لقيت من يؤمن أن أجمل ما في الفن هو الصدق، وأرخم ما ~~في الحياة هي الحقيقة؛ فقلما يكون هذا الذي تلتقيه من الفنانين، أو من ~~القادرين على الإفصاح عن الحقيقة كتابة أو خطابة. # أما أنا فقد اعتنقت في حياتي مذاهب ثلاثة: فلقد كنت حتى السادسة عشرة أدين ~~بقرويتي الضيقة، فأنا ابن الضيعة في لبنان، أؤمن بعائلتي، بتفوقها، ~~بأحقادها وصراعها مع جيراننا من أجل سؤددها، وهذه العائلية القروية ارتدت ~~الطائفية، وامتشقت سيفا، واعتمرت خوذة؛ فأنا درزي، والدروز أشجع أهل ~~الأرض، وأنبلهم، وكل ms29 من عداهم لا بأس أن يعيش على وجه الأرض، ولكنه يجب ~~أن يكون خانعا ذليلا مطيعا للدروز، بل لعاصمة الدروز، بلدة اسمها ~~«بعقلين »، هناك حيث تتبوأ عرش الآلهة - عائلة تقي الدين - يزبطر بينهم ~~ذلك الجبار العبقري سعيد، مصوبا إلى الدنيا طربوشه الأحمر فوق حاجب، ~~قوسه أفق العالم. # وراحت الحياة تفكك عقدا في النفس وتصوغ سواها، فأنا متحرر من قرويتي، ~~وعنصريتي، كافر بهما، ولكني بدأت أعبد - صدقت فمن سواه أعبد ذلك الجبار ~~العبقري سعيد؟ صليت له، ومجدته طوال ثلاثين سنة، كانت لتعظيمه مؤلفاتي، ~~وفي سبيل عزه الأموال التي جنيت، ولإذاعة صيته الإحسان الذي بذلت، ~~ولتخليد اسمه النادي الفخم - نادي متخرجي الجامعة الأمريكية - الذي بنيت، ~~كان مغرما بنفسه حين عشق الفتاة التي تزوج، وبعد أن صارت ابنتهما صبية، ~~كانت الجماهير تصفق لظفره، حين تصفق لموسيقى تعزفها ابنته على ~~«البيانو». # واستفقت، لا، إن الإفاقة لا تكون عفوية ولا فجائية، تبدأ أولا بشعور وعي ~~يرافقه خدر، يتلاشى ببطء مؤلم لذيذ. كنت في بلادي حين انفتحت عيناي، في ~~مغتربي، في الشرق الأقصى، «الفلبين»، كنت أصيح بالناس أخبرهم من أنا، ومن ~~هي أمتي. حين استفقت في بلادي لم أسأل نفسي من أنا؟ وكدت أسمرهما هناك ~~بين قدمي، ولكن يدا امتدت إلى ذراعي وشدت عليها، وإذا هنالك كتاب ضخم ~~كبير بعضه كلمات مطبوعة، وبعضه دماء، وبعضه صفحات لا يحل رموزها إلا ذلك ~~الذي يستثيره الإيمان، وبين وريقات ذلك السفر صفحات بيضاء تدعوك أن ~~تملأها أنت؛ لأن هذا لكتاب الكبير الضخم - سفر مذهبي - يبشر أن فينا قوة ~~لو فعلت؛ لغيرت وجه التاريخ، فافعل واملأ ما تريد من الصفحات على قدر ~~عزمك ومواهبك. # كاذب من يقول لك: إنه اعتنق مذهبا، لسبب واحد من الأسباب، أكثرنا يرث ~~المذهب الذي يعتنق، مذهبي ما جاءني وراثة، وكاذب أنا إن قلت: إنه يمثل، ~~مائة بالمائة، كل ما أصبو إليه، ولكنه - هذا المذهب - يجيب السؤال ~~الكبير، الذي تمتمته حين استيقظ وعيي «من نحن؟» لا «من أنا؟» وما يجب أن ~~نكون؟ ويخط الطريق إلى الوصول ms30 إلى ما يبتعد عنا كلما سرنا إليه؛ لأننا ~~كلما علونا امتد أفقنا وابتعد، ذلك القوس تحت الطربوش الأحمر، هو أبدا ~~في اتساع وابتعاد . # وهذا المخطط لا يرسم لك الطريق فحسب، إنه لا يعطيك الخارطة، بل هو يقول لك: ~~إن الخارطة والطريق وعزمك على السير والسير عليها، هي كلها عملية موحدة ~~لا تتجزأ، فما أنت بصاحب مذهب إن لم تسر، وتختط، وتحمل خارطة وتسير على ~~الدرب، الدرب الوعرة التي لا يقصرها إلا سرعة سيرك. # مذهبي هو إذن قوميتي أعمل لها في جهاز اسمه حزب. # لم الحزب؟ الحزب هو الإيمان؛ فليكن إيمانك في نفسك، واعمل له منفردا ~~مستقلا، لم الحزب؟ لم النظام يقولبك ويشل نشاطك، ويفرض عليك قيودا ~~ليست من صنعك؟ # لم الحزب؟ # لم الجيش للدولة؟ لم الملاحون للمركب والطائرة؟ كل مذهب ليس له جهاز ~~تنفيذ ما هو بمذهب؛ إنه رأي لا قيمة له، قد يتبادر إلى الذهن أن الفرد ~~يصح أن يكون جهاز المذهب، قد يصح هذا على بعض المذاهب: الوجودية تقدر أن ~~تمارسها وحدك، الرمزية في الشعر يكتبها قلم واحد تحركه يد واحدة، أما ~~القومية، وهي تهدف إلى تقوية مجتمع؛ فلن يكون الفرد فيها فعالا كل ~~الفاعلية إلا إذا انصهر في جهاز يفولذه، النظام يبقي القوة - بعض هذه ~~القوة هي الحرية - بتنفيذ الواجب. # ولفظة «انصهر» هنا ما هي بخمسة أحرف: إنها التخلي عن الكثير، واحتمال الكثير، ~~والتعود على أشياء غير مألوفة قد تكرهها، والتسلط على الكثير، ومحق ~~الكثير، مصاعب فكرية، وجسدية، ومناقبية، تقحمها، وكلما غلبت واحدة منها ~~استشعرت بالقوة؛ فلا تتحقق أن هذا المذهب قد فعل في نفسك إلا بقدر ما هو ~~يعبأ فيها من قوى، فتأتيك - أو تترسخ فيك - الشجاعة الجسدية والأدبية، ~~وتستقيم مقاييسك حتى لتمشي حافيا، وتحس أنك منتعل جزمة عسكرية؛ وينتهي ~~بك الأمر إلى الاكتشاف أن هذا المذهب الذي صهرك فردا في فريق مقاتل، ~~وسحق أنانيتك من أجل خير مجتمع وأمة وشعب ووطن، قد عززك فردا؛ فتشع تلك ~~النون القابعة بين سروتي الألف؛ فإذا أنت حين تسمع ms31 سؤال «من نحن؟» لا تغض ~~الطرف؛ لأن «أنا» هي جزء من «نحن»، وإذن أنت إنسان أقرب إلى الله، وأحب ~~إلى الجيران والمواطنين، وإذا أنت إنسان أرفع؛ لأنك مواطن أفضل. # يقول علماء الذرة: إن ذرات جسد الإنسان تتغير، أو يتغير منها 98 بالمائة كل ~~سنة، فهل يتغير الإنسان مرة كل سنة؟ # مذهبي فتى يبقى دائما في ريعان الشباب، إنه ربيع الحياة الدائم؛ لأنه حركة ~~حياة، إنها حركة توحي بأكثر مما هي تنص، إن ذراتها تستبدل ليتجدد جسدها، ~~ويفعل عقلها. # مذهبي هو الحركة السورية القومية الاجتماعية، التي تعلي شأن الفرد حين تجنده ~~نفرا في جيش، وتسير بنا نحو الحلم الكبير لتحقيق الإنسانية الشاملة، حين ~~تعد إحدى وحدات هذه الإنسانية - أمتنا - فتجعل منها مجتمع حرية وقوة ~~وواجب ونظام. # | نحن نخاف التاريخ يا سمو الأمير # يوم جاء جلالة الملك سعود - وكان إذ ذاك لا يزال ولي العهد - إلى بيروت تفجرت ~~أنهار المديح وطوفانات التملق التقليدية. # فكان المقال التالي والرسالة التي تليه. ~~*** # منذ أيام والعمال يرفعون أقواس النصر لاستقبالك، والخدم يعدون القصر لإقامتك. ~~ومتسولون بعضهم في مرتفعات السلطان، وبعضهم في شرفات الفصاحة، يعملون ~~الفكر في سبيل تصيد لفتة من سموك - لفتة تترجم إلى درهم من مال، أو درهم ~~من جاه. # إنهم لا يمثلون أمتنا، هؤلاء المتهافتون، ولئن انبرى أحد أبناء هذه الأمة ~~لمخاطبتك؛ فلأنك ما أنت بالغريب البعيد عنا، إنك من حراء اللغة التي تكتب ~~بالقلم # اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم ~~الإنسان ما لم يعلم ~~. # أنت من أمة كانت لها عزتها، وما هانت سيادتها، يوم قالت الدنيا في ~~رسولها: # وراودته الجبال الشم من ذهب # عن نفسه، فأراها أيما شمم # وأنت يا سعود، مواطن دولة عربية، هي إحدى دول العالم العربي الذي نشيد، والذي ~~من أجله شئنا جبهة عربية نتجند في متاريسها. # وإن شرد من هذه الرسالة قول ما هو من مألوف من عبارات الترحيب؛ فعذرنا ~~أننا من أبناء الحياة، الذين جعلوا أقصر المسافات تلك التي لا تفصل ~~قلوبهم عن شفاههم، وأن هذا الكلام ms32 الذي يصاغ من أجلك، يخط وأطياف ~~الشهداء ماثلة توحي، وصراخات المتشردين تدوي، وعيون أحرارنا من الأسرى ~~والمبتعدين تحملق بكم وبنا، وأعداء لأمتكم وأمتنا - مغتصبو أرضنا - ~~رابضون بينكم وبيننا - أعداء كواسر جاعت موائدهم، وشبعت معاقلهم؛ فهم ~~متحفزون للوثوب عليكم وعلينا. # كل هؤلاء، وكل هذا، يجعل من واجبكم الإصغاء، كما يجعل من واجبنا إرسال ~~النداء. # نحن لا نذكر الكارثة لنستدر دمعة، نحن لا نؤمن بالتحسر، ولا بالعتاب. # فذكر إن نفعت الذكرى # فنحن نذكر لننتفع لا لنتحرق، نذكر أن العدو ما كان سيفه عند أعناقكم ~~وأعناقنا، لو لم ينهزم أكثرنا يوم جبن البعض عن بطولة الفعال، وخرس آخرون ~~عن بطولة المقال، وها هي الحياة، وما بخلت عليكم، تسخو من جديد؛ إذ تفسح ~~أمامنا مرة ثانية - وقد تكون الأخيرة - فرصة البطولات. # لقد تركت يا ولي العهد الدولة، دولة تشيعك فيها أقواس النصر، ونزلت دولة ~~تستقبلك فيها أقواس النصر، على من انتصرنا؟ على ماذا انتصرنا؟ سل جلالة ~~أبيك كيف يكون النصر ينبئك أنه إيمان تسلح، وأن أعداءكم وأعداءنا، يا ~~طويل العمر، آمنوا وتسلحوا؛ فكثرت مصفحاتهم وقلت سياراتهم، لقد انتصروا ~~حين آمنوا بذلك النوع من العطاء، الذي لا يشجع الاستعطاء؛ فألبوا الجند ~~لا المتسولين، واصغوا إلى الصادقين لا المتملقين، وفهموا السيادة قوة حق ~~فاعلة قادرة، لا أغنية تبدأ بطرب وتنتهي بنواح. # نرحب بك، يا سمو الأمير، لا كضيف جاءنا في زيارة ملوكية، بل كمواطن كبير ~~الشأن في دنيا عربية، فجرت ينابيع قوة عالمية، وطاقة بشرية، تسنم عرشها ~~أبوك حين آمن، وتسلح فانتصر - دنيا ما غلبت يوما على أمرها، كما غلبت ~~يوم كفرنا نحن بالحق فلم نعد له، وآمن اليهود بالباطل فتسلحوا ~~له. # هي أيام قليلة ستقضيها في بيروت ودمشق، يا سعود. نحن نخاف التاريخ - ذلك ~~الشيخ القاسي، الذي لا يستعرض الحقائق إلا عارية؛ ليكن لك في كل لحظة ~~عمل. كل ما تفعله في سبيل لبنان هو في سبيل السعودية، وغدا ستستعرض في ~~الشام قوى مسلحة، هي تصون الرياض، حين تدافع عن دمشق؛ فإن الذين استباحوا ~~القدس ms33 الشريف يشوقهم أن يستبيحوا مكة المكرمة. # إن العلم والحق والحقيقة خطباؤنا وشعراؤنا، حين نصارحك أن ما تبذله لمصلحة ~~أمتنا هو في مصلحة أمتك؛ فأخطاركم أخطارنا، وقد يكون في مكاننا من ~~الخارطة ما يجعلنا أفعل في تلقي الضربة، وإرسالها، عن العالم العربي، ~~ومن العالم العربي. # معذرة يا ضيفنا الكبير، فالتاريخ يحمل ساعة لا يسمع دقاتها المسرعة، إلا من ~~أرهف التاريخ سمعه. # | السيد فهد المارك # مندوب مقاطعة إسرائيل في السفارة السعودية، بيروت # سيدي # لسبب يتضح بعد سطور ستدرك، يا سيدي، لماذا أبطأت بالجواب على ~~رسالتك تاريخ 6 أيار. # غير أني أود أن أشكرك شكرا حارا، لا يمليه أدب المراسلة فحسب ~~على توجهك إلي بكتابك المذكور. # وإنني واثق أنك لا تبغي تصيد المديح ولا شراءه، فمن الواضح أن هذه ~~القمة التي أحيا في ذروتها، ويحيا فيها رفقائي، حرم فيها ~~القنص على مدار السنة؛ وما كانت فيها الكلمة، ولن تكون سلعة ~~برسم البيع، بل إن الكلمة كانت فيها، وستبقى، إفصاحا عن فكر ~~وعاطفة كثيرا ما يتزين بها نبيل فقير، ويعرى عن ارتدائها ثري ~~أمير. # لذلك أبتهج بسؤالك عن الأثر، الذي تركته زيارة سمو الأمير سعود، ~~موقنا أن غايتك التعرف الطاهر إلى المنافع، التي جناها العالم ~~العربي لقاء ما بذل سموه وبذلناه من وقت ومن مال. # وأخالك على معرفة تامة أن الفريق الذي يشرفني أن أكون في معسكره، ~~يؤمن بالعروبة الصحيحة، ويهمه أن تأتي زيارة أمير عربي توظيفا ~~نافعا لجهد ومال، لا هدرا لهما ولا دعسة مغلوطة على محرك ~~سيارة العروبة، يقذف بها إلى الوراء بدلا من دفعها إلى ~~الأمام. # كذلك لا أجد تصادما بين نشاطك في المفوضية كمندوب لمقاطعة ~~إسرائيل، وبين اهتمامك بنشر كتاب عن الانطباعات الخاصة، التي ~~تركتها زيارة سمو الأمير؛ فنحن الذين نؤمن بمدرحية الحياة، ~~نفهم مظاهرها التي تبدو للجاهل أو الساذج، متضاربة. # ننطلق يا سيدي، من قاعدة رئيسية واحدة، هي أننا نحن هنا، وأنتم في ~~المملكة العربية السعودية، نعيش في لذاذات الأعزل المترف، وفي ~~ظلال حراب جائع مسلح، اغتصب بعض دارنا، ms34 ويتحفز لاغتصاب دارنا ~~وداركم، وهو في رأي الكثيرين قادر على الظفر ساعة يريد. # إذن فسؤالك يجب أن يصاغ في كلمات ثانية، قد تصبح قراءتها ~~هكذا : ~~«ما الذي فعلته هذه الزيارة في سبيل إقصاء ظلال حراب العدو، الذي ~~يهددكم ويهددنا؟»، والجواب يتناثر في أجوبة كثيرة؛ فإنه من ~~الجميل أن يكون سمو الأمير قد تعرف إلينا وإلى بلادنا، ونحن قد ~~تعرفنا إليه، وأنه من المسر أن يكون سموه قد تحدث إلى جلالة ~~أبيه في الليلة الثانية من إقامته بيننا؛ فسمعناه على الراديو ~~الخاص يهتز صوته قائلا: «إن لبنان زحف لملاقاتنا حريما ~~ورجاجيل.» # كانت في صوته غنة بدوية تستحب، وحمية عاطفة، سرنا أن أوحيناها، ~~ومن المعروف يا سيدي، أن سموه وهب الكثير من الأموال، بعضها ~~كانت دعسات مغلوطة، وبعضها كان خطوات في السبيل السوي. # ولو أن سفارتكم تنشر ما ظهر في ذلك الكتاب، حيث وقع عليه ~~القابضون إيصالاتهم، فعرفنا كل الأسماء، لاتقينا خطر حكم يبنى ~~على معلومات ناقصة، لا يعززها إلا الحدس والتخمين، ولكن مبدأ ~~الهبة هو مبدأ مغلوط، وقد ينتهي العالم النفسي، الذي يتحرى ~~الحوافز إلى تصنيف الكريم والشحيح في مقعد واحد هو الأثرة؛ ~~فتنقبض كف البخيل مدافعة عن أنانية، وتبسط كف الكريم ناشرة ~~أنانيته؛ لذلك نراهم نظموا الإحسان في الغرب، ومن أجل هذا علقت ~~الكاتبة الأميركية «دروثي طمسن» بشيء من الهزء على ما رأته في ~~«جدة» من كرم بقولها: # والعطاء عند هؤلاء الناس يعد ~~فضيلة. # هذا تعليق امرأة فاضلة عرفت بصداقتها لنا، وعرفت أنها تنتمي إلى ~~أكرم شعب عرفه التاريخ، وهي بقولها هذا تعني أن الهبات للأشخاص ~~هي عادة شرقية تشبه الرذيلة، وقد تهدم خلق الواهب والموهوب، ~~وأنه في العصر الذي يجب فيه علينا أن نبني دولة، ونكشف عن قوى ~~أمة يجب أن يأتي البذل لهذه الدولة، وفي سبيل هذه الأمة لا ~~بخشيشا يرمى في كف متسول، لكانت هذه الزيارة أكثر نفعا، لو ~~أن ما بذله سمو الأمير جاء قرضا لدولة أو إعانات لمؤسسات ~~عامة؛ ولكان أجدى لنا ولكم أن يبذل ms35 هذا المال لا للمداحين ~~والمستجدين، بل ثمنا لقاذفة أو لبعثة عسكرية أو لتشييد مستشفى ~~خيري. # أما إذا تعدينا المال والهبات، فإني لأذكر أن في بيروت اليوم ~~سياسيين ثلاثة، كنت أتصل باثنين منهم تلغرافيا وتلفونيا في ~~كل ليلة من مانيلا (الفلبين)، حيث كنت مقيما، وكان هؤلاء ~~الثلاثة في نيويورك أعضاء لوفدين من وفود الدول العربية، وإني ~~أذكر بحرقة وبألم ما سمعته من أحدهم ذات ليلة على التلفون، وفي ~~إبان معركة التصويت، على تقسيم فلسطين أن الكارثة تحجبها كلمة ~~تصدر عن المملكة العربية السعودية، تلك الكلمة التي لم تنطق ~~بها مملكتكم يا سيدي سنة 1947. وإنه ليؤلمني أن أقرأ اليوم عدد ~~20 مايو من جريدة «الهرلد تربيون» أنباء مقابلة فوستر دالز مع ~~سمو الأمير فيصل وزير خارجيتكم؛ فأجد أنهما تحدثا في الرياض عن ~~العلاقة الودية التي تربط مملكتكم بأميركا، فأستمع وزير ~~خارجيتكم إلى دالز يقول: # إنه سيسعى إلى تحسين العلاقة الأميركية والدول ~~العربية، وأنهما بحثا ببعثات أميركية تأتي إلى ~~السعودية، وأنهما تحدثا عن مشكلة البريمي مع ~~بريطانيا، وأنهما جاءا على ذكر آبار الزيت وآبار ~~الماء. # يؤلمني يا سيدي، أن لا تنطق السعودية اليوم بالكلمة، التي كان يجب ~~عليها أن تنطق بها عام 1947، وأنه من الظلم أن نتجنى على ~~المسئولين في المملكة السعودية؛ فنقول: إن الذنب ذنبهم وحدهم. ~~الذنب ذنبك يا سيدي، وذنبي أنا وجريمتك وجريمتي وجريمة هؤلاء ~~المتعاظمين، المحيطين بالمسئولين في بلادك، تستثيرهم نفسية ~~الفراشين والحجاب والخصيان و«الكورتزان»؛ فلا يسعفون الأمراء ~~وسواهم على تفهم الأمور، وهؤلاء لم تترسخ فيهم بعد عقلية ~~الدولة، وما تحرروا من فضائل البداوة التي ما عرفت الدولة، ~~وعرفت القبيلة. # هل اغتنمنا من وجود سمو الأمير بيننا فرصة لإيضاح المسئولية ~~الكبرى، ولاستثارته لتجنيد قواه الهائلة من مالية واستراتيجية؟ ~~أم إننا اقتصرنا في حفلاتنا وضيافتنا على التملق والترفيه؟ قد ~~يكون من الظلم أن نصدر حكما باكرا، ومن العدل والروية أن ~~ننتظر الأسابيع المقبلة لنتثبت من أن هذه الزيارة عوضت عن موقف ~~السعودية عام 1947، أو أنها أيقظت ضميرها. # أما من الناحية الاقتصادية، ms36 فمن الواضح أن إنفاق مليون ونصف ليرة ~~أو مليوني ليرة، وهو المبلغ الذي أنفقه سموه هنا، لا تضر ~~بلبنان، ولكنه كان أنفع للبنان أن يصدر تشريع في جدة يبيح ~~أسواقها للفاكهة اللبنانية، ويمنع عن السعودية الفاكهة ~~الإيطالية التي تكاد تحتكر أسواقكم. # أما في ما يتعلق بشركات النفط وعلاقاتكم معها معروفة، فهل اغتنم ~~أحدهم أو اغتنم سموه هذه الزيارة ليتفهم أن الذين سرقوا ~~حكومتهم، لا يأنفون من سرقة حكومتكم، وأن الذين تحاكمهم محاكم ~~العدل في بلادهم يستحقون أن تحاكمهم محاكم العدل في بلادكم؟ ~~وهل تقصى في بيروت خلال هذه الزيارة، لماذا عقد مجلس الأمن ~~الأميركي جلستين في عهد ترومن، وفي عهد أيزنهاور، وتقدم إلى ~~النيابة العامة في وشنطن سائلا أن تمنع التحقيق الجنائي عن ~~شركات النفط صونا لأسماء أميركية وغير أميركية، تشتغل في ~~دوائر الاستخبارات؟ وهل تساءل سموه، وهو يهز الأيدي ويتقبل ~~الترحاب في بيروت من مواطنين لنا وغير مواطنين، وممن يتمتعون ~~بثقة سموه، وينعمون بعطفه وعطف أسرته عن الحلف الشرير، الذي ~~يؤلف بين أفراد هذه العصابة؟ وهل تقصى سموه وتقصيتم - ~~بحكم مهمتكم كمندوب لمقاطعة إسرائيل - وبيروت قاعدة الجاسوسية ~~والتهريب لإسرائيل - في أي وخم ازدهرت بواسق بعض الأشجار في ~~هذه الغابة، وفي أعماق أي ظلمة غابت هذه الجذور، ومن يدفع ومن ~~يقبض ليرش على هذه القاذورات أغلى العطور؟! # هل اخترقت الأصوات الصادقة هذا الكوردون الذي سور سموه؛ فسمع أن ~~ليس له في دمشق وبغداد وعمان إلا كل صديق وكل حليف، أم إن ~~مسمعه لم يصغ إلا إلى تجار الوشاية ومستغلي التفرقة؟ # أية انطباعات أحدثتها زيارة صاحب السمو؟ استمع إلى الجواب من تل ~~أبيب تعلنه إذاعتها - أنهم أقاموا معرضا للأسلحة بعضها ~~الرشاش، الذي أطلقوا عليه اسم «هوزي»، وأنت يا سيدي تريد أن ~~تصدر كتابا ملؤه مديح وثناء أكثره مشترى بمال. # هلا قرأت أسرار سقوط فرنسا المفاجئ في الحرب الأخيرة، وهي الدولة ~~التي لعبت أدوارا رئيسية في تاريخ الدنيا؟ رجوتك أن تطالعها ~~لتتعرف إلى من سبب سقوطها، حتى لو اطرحنا المثالية جانبا؛ ~~لوجدنا ms37 في الخطر الذي ينقض عليك وعلي وعلى سموه ما يجعل هذه ~~الصراحة واجبا بسيطا، ويسم التمويه بطابع الخيانة. # لك ودي، ولك رجائي أن تجعل من نفسك في وظيفتك وحياتك ونشاطك ~~جنديا، يطيب له الحرمان وتطيب التضحية. # نحن أقرب إلى النار مما تظن. إنهم يربون في «تل أبيب» البزاة ~~والصقور والعقبان، ونحن هنا نتلف أعشاشها. # رجوتكم يا سيدي أن لا تصدر هذا الكتاب. # | رفة جناح # خفق الأجنحة # كنت قبل انضمامي للحركة القومية الاجتماعية أنشر عبارات قصيرة تحت ~~عنوان «رفة جناح»، وصرت أنشر مقالات تحت عنوان «خفق الأجنحة» ~~هذا بعضها: # | ما لك وللأحزاب؟ # ما لك وللأحزاب؟ # نصيحة في سؤال يلقيه عليك حكماء هذا البلد، الذين يتطوعون لوصف كل ~~الأدوية، ويعرفون كل داء. # وهؤلاء هم المثقفون الواعظون الناضحون بالمعرفة، المصرعزون # 1 # بأن مجتمعنا لن يستقيم إلا بالحزبية ~~المنظمة. # أما كيف يوفقون بين التبشير بالحزبية والنهي عن الاشتغال بها؛ فأمر ~~يدق عن أفهام الناس، إلا الذين يدركون أن فلسفة بعض القادة في ~~هذا البلد مخنثة، تريد أن تربح المعارك من غير أن تخوضها، ~~ويفهمون النهضة رواغا وسياسة، ومساومة وشانتاجا، ويجهلون أنها ~~تربية شعبية تنطلق عملا وتصارع. # لا يليق بأن يعتنق عقيدتنا القومية الاجتماعية من يؤثر البقاء في ~~ملجأ - من مركز سياسي أو مالي. # ولن ينال شرف مرافقتنا من همه اكتساب الحصانة في الحياة. # ويسألونك لماذا لا تتروى؟ # الشلل، هو نشاط يتروى. # الانحطاط، هو تقدم يتروى. # بقيت تركيا مئات السنين تتروى، وتحتضر: ثم أفاقت ووثبت. # ونحن في زمن وجب أن يصبح الإسراع فيه بعض عناصر الروية. # | زحزح الصخر # كنت أشعر بزهو حين يرن التلفون، فأسمع صوتا يداعبني، بل يستعطفني ~~سائلا مقالا - أي مقال؟ # كنت أرتجف خوفا حين أسمع أزيز الطائرة؛ فأذكر شهور الغارات الجوية ~~في المهجر. # كنت لا أستطيع الكتابة إلا في الصباح بعد أن تمتلئ عروقي بالقهوة، ~~وينتشي سمعي بالموسيقى. # كنت أهلع حين أسمع انتقادا أو إشاعة مؤذية. # كنت أسكر بالمديح. # كنت ألتذ بتصدر مجلس، ورئاسة جمعية، وإدارة مكتب، وبإصدار أمر، ~~وبالاستمتاع بمظاهر الطاعة. ms38 # واليوم يرفض رفة أجنحتنا من كان بالأمس، يتحرق لنشر جناحي، ~~فأزهو. # وفي وسعي أن أركب الطائرة التي كنت أخافها؛ فأدور حول الدنيا ولا ~~آبه. # وينطلق قلمي على الورق في الليل والنهار من غير قهوة ولا ~~موسيقى. # ولا يهمني الهزء ولا النقد، ولا التجريح، ويطيب لي أن أصغي وأأتمر؛ ~~فأشعر بالقوة وبالجرأة في الروح وفي الجسد. # نشوة لا يتحسسها، ويهزأ بها القابع في كهف الرخاء، والحذر والحيرة، ~~من يقنع نفسه بأن ليس خارج الكهف لا شمس، ولا هواء نقي، ولا ~~رفقاء. # زحزح الصخر عن باب كهفك أيها الخائف الحائر، واطفر إلى الشمس؛ ~~فتكتشف أنك كنت تعيش وحدك في العتمة، وأصبحت تحيا مع أبناء ~~النور - أبناء الحياة. # | نقاط السطور # أود أن أذيع عليك سرا قد أحاكم نفسي من أجله: رأت «النهار - كل ~~شيء - الأحد - صدى لبنان - الأجيال - البيدر» وكبرى جرائد ~~سوريا، أن لا تنشر أي إطراء يوجه إلي. # هذا الخبر الصغير يحمل في طيه سر العقيدة القومية الاجتماعية ومعدن ~~قوتها - وهو أنها إيمان يحياه معتنقوه إذ يعلنونه، فما دام بعض ~~مبادئنا أن يذوب الفرد في المجتمع؛ فمن الضروري إذن أن لا ~~تنصرف جرائدنا إلى تمجيد أحد من كتابها، هكذا يمارس أبناء ~~العقيدة ما به يبشرون. # هل استمعت إلى بائع يذرع لك القماش، فيما هو يقسم، ويكذب، وينافق، ~~ويغلظ الأيمان، وخلفه رقعة كتب عليها «شعارنا الصدق»؟ هذا شأن ~~باعة المبادئ وتجار الوطنية. إن قوة القومية الاجتماعية، وما ~~يميزها عن سواها هي أنها بضاعة أصيلة، وإني أصارحك فورا بأن ~~الذي استهواني هو ما قدرت هذه العقيدة على تنفيذه في نفوس ~~أبنائها، فلو أن الحياة كانت جدلا، وكلاما وخطبا، ونظريات، ~~وتصاميم؛ لحار العاقل في أي طريق يمشي. أكثر من تلقاه يفيض ~~مواعظ ومبادئ، في الكثير من مناهج الأحزاب ما يستفز التصفيق. ~~الكريم واللئيم كلاهما يجهران بحبهما للحق، مزية الكريم أنه ~~يضمر ويحيا ما الذي به يجهر. # وإني في هذه الرسائل متوجه إلى غير القوميين الاجتماعيين، أنا ~~أحاول أن أجيب على السؤال البسيط، الذي يفوه به ms39 المواطن الصادق ~~الحائر الذي أهمل دراسة هذه العقيدة، أو الذي فاته أن يلاحظ ~~حيويتها في أبنائها، أو الذي اختلطت عليه صحتها من الأنباء ~~الكاذبة، والإشاعات وغوغاء الأحاديث من عنف وثورة وعصيان، ومن ~~محاولة أعدائها تجريح صيتها وتهديم قلاعها. # لقد كنت مثلك يا مواطني، أجهل ما هي القومية الاجتماعية، فلما ~~باحثت القليلين من أبنائها؛ اكتشفت أنها هي إيماني ومبادئي، ~~وستكتشف أنت أيها المواطن، أن هذه العقيدة هي إيمانك ومبادؤك، ~~غير أن إرادتك اليوم مشلولة، وكذلك جهودك مشتتة. الإيمان يشدها ~~وينظمها وينضدها. في كفك الحبات، وفي وسعك أن تجعل من هذه ~~الحبات نفسها قلادة - حين تنضم إلى النادي. وإن أنت لم تفعل، ~~فستبقى مساعيك مشوشة، وعلى الأكثر ضائعة، ولن تقوى على إقناع ~~نفسك بأنك أديت واجبك نحو مجتمعك، بل تظل أعمالك المشكورة ~~دفعات على الحساب صغيرة، وتبقى أنت غير مسدد الحساب ~~الكبير. # لقد مرت بي أيام - بعضها سنوات - كنت أعجز فيها عن شراء ثوب لجسدي، ~~أو كرسي لبيتي، ولكنه لم يمر بي يوم عجزت فيه عن شراء صحيفة أو ~~مجلة أو كتاب. منذ 32 سنة أقرأ الكلمة المطبوعة في أمهات الصحف ~~والمجلات وفي كتاب، أو كتابين كل شهر؛ ولقد خلصت إلى الاعتقاد ~~أن أشد أنواع الغباوات، هي غباوة الثقافة، فإن كنت يا مواطني، ~~تريد أن تتفهم عقيدتنا عن طريق عينيك وأذنيك، وعقلك ما اختزن ~~به من منطق، ومعلومات، وقوة ملاحظة مرهفة، منعتقة من الخضوع ~~لإقطاعية التفكير؛ فأنت وأنا رفيقان منذ هذه اللحظة. وأما إن ~~آثرت أن تأتي بالشواهد من بهروز بهرام المولود في بومباي، أو ~~المؤرخ قرقحفوش المستكي المتوفى في القرن التاسع؛ فيؤسفني أن ~~نفترق الآن وهنا، فإننا نحن رفقاء العقيدة، نحيا هذا اليوم، ~~ونستعد للحياة في الغد، ولا نفهم من الماضي إلا ما نستطيع أن ~~نشده قوة إلى حاضرنا ومستقبلنا. # تعال إذن، واذكر أننا في سنة 1000 و900 و2 و50، وأنك تريد أن تتجند ~~لخدمة أمة؛ لذلك تعوزك الشجاعة، وأول خطواتك الجريئة هي أن ~~تحاول تفهمنا وتفهم تعاليمنا بتجرد تام. # وإننا ms40 لنصارح الذين يهمون بهذه القفزة إلينا، أننا لا نفتح الباب ~~لزبائن سينما، يدخلون القاعة ليجلسوا فيها على الكراسي ~~متفرجين، نحن جبهة صراع وتضحية، وأيام الجهاد أمامنا، لن نأمل ~~من غدنا أن يكون أشد رفقا بنا من أمسنا، كلما اعترضت سطورنا ~~نقطة حمراء، نعلم أن عبارة انتهت، وعبارة بدأت. # | اكتشاف ...! # من الناس من لا يتذوق الطعام إلا وهو لابس الردنكوت، جالس إلى ~~مأدبة، تبدأ بتقديم الشوربا، وتنتهي بجبن الركفورت، هؤلاء لا ~~يفهمون الحروف الأبجدية إلا إذا عرضتها عليهم بالترتيب من ~~الهمزة إلى الياء، غير فاطنين إلى أن ليس للحروف من أهمية إلا ~~متى تنسقت كلمات لها معنى. # لم يكن الغرض من هذه السلسلة معالجة العقيدة القومية الاجتماعية ~~بالأساليب المألوفة؛ فنردد ما قيل فيها، ونعيد نشر تعاليمها، ~~ففي المقال الأول ذكرنا أن ما يعنينا من المجتمع هو كيف يجب أن ~~نحيا فيه؟ وفي ما تلاه أثبتنا كيف نفذت العقيدة الإيمان لشعب؛ ~~فأيقظت فيه الكرامة الإنسانية، وجعلته يستشعر القوة لنفسه ~~وأمته وثقته بهما. # وفي المقال السابق شرحنا كيف نشأ النظام، وهو من مقومات الحياة ~~وعناصر الاقتدار، واليوم نجيء على ذكر «الولاء»، وحين نفرغ من ~~ذكر هذه الفضائل التي نمارسها - وأهمية الفضيلة ممارستها - ~~عدنا إلى الحذر، وقلنا: كيف جاءت الأثمار. عدنا إلى النصوص؛ ~~ففهمنا مبعث القوة. # نحن شعب عاطفي؛ لذلك جاءت فضائلنا ونقائصنا حادة، نسرف في الود كما ~~نسرف في العداء؛ إذن فليس بمستغرب أن يأتي ولاؤنا عنيفا ~~صارخا وهاجا، هي فضيلة كبرى لو ضبطناها، ولو أنها توجهت إلى ~~الغاية المشروعة النافعة لكنا دولة عظمى، الولاء للطائفة هو ~~بطبيعته عداء لطائفة أو طوائف، والطائفة وليدة الدين؛ ففي قصر ~~الجهود على خير أي طائفة كفر بالدين، وتهديم للمجتمع الذي ~~نسميه أمة. الولاء لدولة أجنبية هو الخيانة، الولاء للمير ~~والبيك والشيخ هو من أنواع العبودية التي تتنافى مع الكرامة ~~الإنسانية، الولاء لكل من ولي الحكم هو خنوع وسخ تعطر ~~بالكولونيا، وتجارة من نوع حديد بقضامي. # لأول مرة في تاريخنا الحديث ينطلق الولاء مهدما الحيطان التي ~~سورت ms41 جهودنا؛ فيعلن جهاده في سبيل فكرة وأمة. ولقد أثبت هذا ~~الولاء أنه جوهر صاف وأنه معدن، لا مصنوع سنتاتيكي بدليل أنه ~~لم يفن حين تبعثر، ولم ينعدم حين سحق، وأنه ينظم نفسه ~~ويتألف أبدا في سبيل عمل إيجابي. لقد سما أبناء العقيدة إلى ~~ذروة الوعي القومي، حين استشعروا الولاء المطلق لأمتهم. الولاء ~~الصافي الصلب للفكرة وللأمة لم يستشعره وينقذه إلا أبناء هذا ~~الإيمان. # إن أولى واجباتك يا مواطني، إن كنت في حقيقة الأمر متوثبا إلى ~~المساهمة بحركة الإنقاذ، أن تعتنق هذه العقيدة، وستجد أنك قد ~~أحسنت إلى نفسك كثيرا حين تخطو؛ فمن قصد إلى النور اكتشف، ~~لأول مرة، من مباهج الحياة أن عينيه تبصران. # | در المعرفة وبلوطها! # هذا المقال كتب ردا على مغالطات ~~شاعر. ~~*** # كثيرا ما يجدب الفكر حين يخصب اللفظ، ورب أديب أحسن إلى نفسه ~~لو اقتصرت جهوده على الإنتاج في نطاق مواهبه؛ فراح ينظم الشعر، ~~ويترسل في الإنشاء الفخم، فلا يتوهم إذ ذاك، ولا يوهم قراءه أن ~~في جزالة اللفظ بديلا عن وضوح التفكير، وفي تصيد النقاش معذرة ~~عن الإنتاج في حقل، يتحتم على المشتغلين به مجابهة الحرمان ~~والتضحية والصلابة - وهذه الفضائل ما هي من مرادفات الشاعرية، ~~والبلاغة والترسل. # في «نهار» سابق ظهر مقال وقعه «ثعلبة» - مقال يلاطم أوله آخره، ~~ووسطه حائر يتلفت بين طرفيه - يتساءل فيه كاتبه - بين مد ~~الإنشاء وجزر التفكير - عن العقيدة والطقوس، ثم هو يذكر شيئا ~~عن بعض العقاقير. أما الطقوس، فنحن لم نتحدث عنها لسبب بسيط، ~~وهو أنه ليس عندنا طقوس، فلماذا جاء صاحبنا على ذكرها؟ وأما ~~الأدوية فكل ما أعرف عنها أن بعض البرشانات السامة تطلوها ~~حلاوة ملونة، وأما العقيدة التي يريد شرحها، فقد شرحها مبدعها ~~في اثني عشر كتابا، وشرحها معتنقوها في ألوف من الصفحات، خلال ~~عشرين سنة من جهاد وتضحية ودروس ونقاش وبحوث، فهل يريدني ~~المستفهم أن أقضي العمر مرددا: «يا ليل»؟ وهل هو حقا يتوخى ~~البحث في جوهر العقيدة؟ إذن فلماذا لا يمد يده، ويتناول مجلدا ~~يقرأ فيه الأصل ms42 والشرح؟ بل لماذا لا يمعن النظر في القطع، التي ~~نشرتها «النهار» و«كل شيء» و«الأحد»؛ فيجد أني أوضحت الواضح في ~~عبارات، لا تسبح في «مياه البحيرة»، ولا تتزين «بالدر ~~والياقوت : در المعرفة، وياقوت المحبة»، ثم هو ينكر علي أن ~~أبحث «في أعمال هؤلاء الذين ساروا على هذه الطرق، واجتازوا تلك ~~المسالك»، ويرجو «أن لا نتعب الأقلام في التحدث عن المؤمنين ~~بالعقيدة»، يا جميل، يا حلو، يا لطيف، الله يخزي العين! يعني ~~أن كل ما في الأمة هو دستور الأمة، أما تنفيذه والقائمون على ~~تنفيذه فليس لهم أهمية، يا لسمو التفكير! يعني أنه يجب على ~~المزارع أن يفني السنين، متحدثا عن كتاب «زراعة التفاح»، أما ~~جنينة ريشار عبد النور في «المديرج» فلا تستحق ~~الالتفات. # هذا هو المميز الأساسي للعقيدة الاجتماعية؛ إذ إنها إيمان يمارسه ~~معتنقوه، وغيرها من العقائد إيمان يتغنى به من ينادون عليه، ~~وقد سطعت هذه الحقيقة في 22 الشهر الماضي - يوم الاستقلال - إذ ~~إنه في الساعة التي كان فيها الذين يفهمون العقيدة طقوسا من ~~أغان، ومشاعل، وخطب، واستعراضات، وإذاعات، وافتتاحيات، يملئون ~~بها شوارع بيروت، كان فتيان من القوميين الاجتماعيين يتفقدون ~~قبرا منسيا، لرفيق لهم استشهد وحده في معركة الاستقلال (عين ~~عنوب - بشامون)، واسمه سعيد فخر الدين، كان يبحث في ذلك اليوم ~~كبير أولاد الشهيد عن عمل يرتزق منه، وفي اليوم الذي ابتعد به ~~سائر أولاد الشهيد سعيد فخر الدين عن المدرسة؛ لأن حكومة هذا ~~المجتمع قطعت عنهم المنح، كان المؤمنون بنظرية «ثعلبة» يبحثون ~~في مغزى الاستقلال، ويمجدون أبطاله، أما القوميون الاجتماعيون ~~فما تغنوا، بل مارسوا إيمانهم؛ فاتخذوا الخطوات العملية لتأمين ~~عيش أولاد الشهيد، وتجسيد العزة الوطنية في بناء ضريح لمن فهم ~~«جوهر العقيدة» ومارسها استشهادا. # هذا هو الفرق بين «در المعرفة» وبلوطها، ولك مني «ياقوت المحبة» يا ~~«ثعلبة». # | مدرستان ...! # الملاحظ في هذا المقال أنه كتب من غير أن ~~يعطي النائب العام سلاح الاتهام القانوني، وظهر على ~~أثر وشاية تقدم بها أحدهم ضد رفقائنا، الذين ما ~~زالوا في السجون. ~~*** # السفر مدرسة، ms43 الجندية مدرسة، الحياة مدرسة، ولقد سمعتني أقول إن ~~القومية الاجتماعية مدرسة. # غير أنه ليس للحرف المطبوع، مهما شع، أن يسطع بمثل روعة الوقائع؛ ~~لذلك أريد أن أحدثك عن مدرستين وهما في سجن، ولكني أرجوك أن ~~تذكر أننا لا نتحدث عن القوميين الاجتماعيين، ولا عن سجن ~~القلعة، ولا عن بيروت - هذا أمر مهم يجب أن تذكره أنت، وأن ~~تذكره - النيابة العامة - لو فرضنا أنه، مثلا. فإنها رسالة ~~تلقيتها من «الفلبين»، تحدثني عن حركة «الهو كبلاهب» في إحدى ~~الجزر، التي تدعى «مامباهو»، وانتهى الأمر - مؤقتا - بأن دخل ~~السجن بأحكام مختلفة مؤبدة وغير مؤبدة فتيان آمنوا بعقيدة، غير ~~أن مدرسة الحركة التي أنجبتهم غرست فيهم تقوية النفس والجسد ~~والذهن؛ فانكبوا في ساعات النهار على الدرس والمطالعة، فصار ~~أميهم متعلما، والذي يحسن القراءة منهم مطالعا متفهما، ~~فعلوا ذلك - كفتيان - نظام ودربة - ضمن القوانين، روحها ~~وحروفها، التي تسود السجن. # وكان على الحاكمين، وقد صفوا الحساب معهم يوم عزلوهم عن الناس أن ~~يوفروا لهم هذه الثقافة التي وفرها المساجين لنفوسهم. # وارتجفت الأرض مرة، وكثيرا ما تهتز الأرض في الفلبين، ويؤكد علماء ~~الجيولوجيا أنها معرضة للزلزال؛ فاغتنم السجانون هذه الفرصة، ~~ووشوا بالمساجين أنهم جماعة شغب وقلاقل، وأنهم هم الذين ~~يزلزلون الأرض. # والسجانون مثل سواهم من الناس هم خريجو مدرسة أيضا، ولكن هذه ~~المدرسة تبشر بهدف واحد هو الوصول إلى مراكز النفوذ، ولا بأس ~~أن تسلك إليها أسباب الوشاية والرشوة والكذب على حساب النفوس ~~البشرية؛ فاتخذت الإجراءات الزجرية بحق المساجين. # أنت يا سيدي القارئ، تجد في هذا السجن مدرستين: واحدة تنشر النور ~~في ظلمة الحبس، وثانية تنشر الظلمة خارج الحبس، أناس ينامون ~~على مضجع الخوف والأسلحة في أيديهم، ومضطهدون يضطجعون على فراش ~~الطمأنينة والحراب مصوبة إليهم، في السجن مدرسة إيمان ومدرسة ~~سلطان، وإذا كانت المدارس تشكر أو ترذل بسبب تلامذتها أو ~~خريجيها فلك أن تختار بين اثنتين، ولك أن تخبرني من هو السجين ~~ومن هو السجان. # ولا تنس يا سيدي القارئ، أننا لا نتحدث عن القوميين الاجتماعيين، ~~ولا ms44 عن سجن القلعة ولا عن بيروت، هذا أمر مهم يجب أن تذكره ~~أنت، وأن تذكره النيابة العامة - لو فرضنا أنه مثلا. # | برسم الأجانب # كثيرا ما تلتقي بأجنبي ما، فيسحب من تحت إبطه عبارات، تلفها ~~حلاوة الفصاحة، مغلفة بأوراق ملونة من جمال المنطق؛ فيبادرك ~~بقوله: «ماذا نستطيع أن نفعل من أجلكم؟ ليس من حقنا التدخل ~~بشئونكم، معضلاتكم الداخلية هي آلام في رءوسكم لا رءوسنا، ثم ~~إنه علينا أن نتعامل مع الحكومات والسلطات الشرعية فاسدة كانت ~~أو صالحة.» # ليفهم الفرنجة أن المواطن، الذي يحترم نفسه، ويفهم استقلاله لا ~~يهرع مستنجدا بالغريب. نحن لا نطلب تدخل الأجنبي، بل نحتقر من ~~يطلب تدخله، وإننا ليخجلنا أن نسمع أن المفوضيات الأجنبية تعنى ~~بشئوننا الداخلية أو الخارجية، ولولا خنوع أرباب السلطة وتهرؤ ~~ضمائرهم، وتلاشي قواهم الشعبية؛ لما أذنوا للأجنبي أن يبحث ~~معهم الموقف الداخلي أو الخارجي. كذلك لا تمثل هذا الشعب فئة ~~وسمها طابع العبودية، يشوقها أن تتمرغ على أعتاب الأغراب، ~~مستجدية حمايته وأشوته وإحسانه. # نحن نقول للأجنبي: «ليس من حقك، ولن نرضى لأنفسنا أن تساهم أنت في ~~حملة التطهير، التي ما فتئ شعبنا يتطلبها، ولكن من واجبك أن ~~تطهر صفوفك، قبل أن تذم اللصوص من أبناء قومنا، فتش على اللصوص ~~من أبناء قومك، وقبل أن تشمخ علينا، وتهزأ بمؤسساتنا وأنظمتنا، ~~تطلع إلى مؤسساتك هنا كيف تنهب هذا الشعب، وكيف يحالف أشرارها ~~أشرارنا؟ ثم دلني على بادرة صداقة واحدة قامت بها الدول ~~الغربية نحو دولنا منذ جريمة فلسطين حتى هذا اليوم. # إن الغربيين الذين يهمهم جدا أن تستقر هذه البقعة من الدنيا، ~~وتصبح شعوبها حليفتهم؛ يجب أن يفهموا أن التهويل علينا بأخطار ~~الشيوعية لا يكفي لكسب رضانا، ولسنا نحن من الذين يعتقدون أن ~~المعسكر الغربي غير مساهم في إفساد الحكومات في ~~أقطارنا. # إن إنكلترا في سياستها الخارجية منذ الحرب الأخيرة لم تكن أشد ~~نجاحا منها يوم عكست تفكيرها التقليدي، وخرجت من الهند، ولم ~~تكن بأشد فشلا منها يوم استمرت بسياستها التقليدية في إيران، ~~متبعة سياستها القديمة. ms45 # والغربيون بوجه عام لن ينفذوا إلى قلوب الشعب، ولن يظفروا بوده إلا ~~حين يبدءون صفحة جديدة؛ فيعكسون موقفهم من كل شخص، وحكومة، ~~وشعب، ومعضلة ويرمون بالمنظار الملون، الذي ما برحوا يضعونه ~~على عيونهم هنا. # منذ أسبوعين مشى في شوارع طهران الشيوعيون والوطنيون متضافرين في ~~مظاهرة دامية. # ليفهم الغربيون الذين يريدون مكافحة الشيوعيين أن جمهور هذا الشعب ~~يهم أن يتخذ موقفا هو: علي وعلى أعدائك يا غريب! # وما داموا هم يتدخلون بشئوننا؛ فأقل واجباتهم نحو نفوسهم، وسلامة ~~مصالحهم أن يوجهوا نفوذهم هذا، غير المشروع، في السبيل القويم ~~المشروع. # | ثورة في التفكير ...! # تأتي جهود الفرد كبيرة أو صغيرة، على قدر الأحداث التي تجابهه، حتى ~~لقد يقفز الكسيح من سريره حين تهدده النار. # وللأمم مثل هذه الوثبات؛ فتركيا التي كانت رجل أوروبا المريض، ~~انتفضت بعد الحرب العالمية الأولى انتفاضة، نعتها يومئذ ~~الرجعيون بأنها ستؤدي بها إلى العدم، وإنكلترا بعد ويلات الحرب ~~العالمية الثانية اهتزت، واعتنقت نظاما قال فيه كبار المفكرين ~~التقليديين من لابسي المونوكل إن عنفه سيذهب بها إلى الخراب في ~~عامين أو أقل. # أما هنا بعد كارثة فلسطين، فإن تفكيرنا الكسيح لم يقفز من فراشه، ~~بل ازداد العويل ونتف الشعر وقرع الصدور، وسادت فكرة واعظة ~~تقول بتغيير الأشخاص والحكومات. # وما كانت ولن تكون الحكومات والأشخاص إلا من بعض مظاهر عافية الشعب ~~أو مرضه. # نحن أشد ما نكون حاجة اليوم إلى قفزة من السرير، قفزة في التفكير ~~ثورية. # هذه الوثبة المنقذة، قد وفرتها دفعة واحدة، ونظمتها العقيدة ~~القومية الاجتماعية، وسيبقى أمر مستقبل هذه الأمة وحاضرها من ~~نجاح أو فشل، رهن ما ينفذ في المجتمع، ما نفذه ويمارسه ~~القوميون الاجتماعيون في صفوفهم. # | الجندي قائد # كثيرا ما تساءلت كم بطشت مفاهيمنا المغلوطة بحيويتنا ~~المنتجة. # في هذا الشطر من الدنيا نتوهم الشراسة رجولة، والغطرسة ~~فروسية. # إن مآسي كثيرة وجرائم كان من الممكن تلافيها، لو أننا ربينا على ~~التفهم الصحيح من أن الكبر في قولك «عفوا» «لا تؤاخذني» «أنا ~~أخطأت»، وأن من الفروسية أن تفسح الطريق لسواك ms46 لا أن تسدها ~~عليه. # ولا يقتصر هذا الجهل على الأشخاص، بل يتعداه إلى الجماعات، في ~~التفكير الواعي والباطن. # في هذا البلد فئات كثيرة متذمرة ناقمة، مستعدة أن تعتنق أية عقيدة ~~تصلح لأن تكون أداة إنقاذ، ولكنها في تفكيرها الباطني أو ~~الواعي لم تنعتق بعد من إقطاعية الأجيال المظلمة أو الطائفية ~~المحرقة؛ فهي تأبى أن تسير في جيش عبأه رجل من الشعب اسمه ~~«أنطون»، بل لكانت تتهافت على اعتناق هذه المبادئ نفسها، لو أن ~~الذي بشر بها رجل وقور اسمه بندر بك سيسبان حفيد سيسبان ~~باشا، الذي كان متصرفا على نابلس في زمن الأتراك، والذي جد ~~خاله كان ترجمانا في قنصلية فرنسا سنة 1794. # وفي هذا البلد ألف مخلص يهمه أن يسير في حركة وطنية شرط أن يكون ~~رئيسها أحد أبناء عائلته، أو على الأقل أحد أبناء طائفته أو ~~منطقته. # وتاريخ بلادنا في القرن العشرين يحفل بالأحزاب التي خلقها، ثم ~~قتلها خالقها أو خالقوها. # خل عنك ما يقولون في نابوليون؛ فهو على رغم عبقريته العسكرية، يعرف ~~علماء التاريخ أن سر قوته كمن في أنه كان يقود جيشا مدربا، ~~في حين كانت دول أوروبا تحارب بجماعات مسلحة. # إن سر القوة في أبناء العقيدة القوة الاجتماعية هو أنهم جيش منظم، ~~آمنوا برسالة رجل برز من الشعب؛ فما اشترط عليهم ولا اشترطوا ~~عليه منطقة أو دينا أو طبقة. # وإنهم، حين يسيرون اليوم على طريق الحياة، لا يهمهم أين مكانهم في ~~هذه الجبهة، وما هي رتبهم؛ لذلك بلغوا ذروة القوة، فلفظوا ~~جانبا كل من أراد أن يندس في صفوفهم وحافزه الوحيد أن ~~يتزعمهم. # وسيستمرون في النضال، وسيتكاثرون، وسينتصرون؛ لأن كل واحد منهم هو ~~قائد وطنية. # | إخبارية ...؟ # اتخذ بعض صغار الموظفين في مختلف الدوائر، ~~خلال العهد الماضي مهنة الدس والوشاية يتملقون بها ~~رؤساءهم؛ فكل يوم أنباء عن الحزب ونشاطه ولوائح ~~سوداء بأسماء من سيغتاله الحزب، هذا المقال ظهر على ~~أثر إشاعة. ~~*** # تقرير سري خطير يرفعه الموظف الأستاذ شمدص جهجاه إلى رئيس دائرته ~~بخصوص نشاط حزب منحل: # سيدي! ms47 # حين تحركت شفتاكم الكريمتان بالأمر، أطعته حالا، ~~وانطلقت أعد العدة للتجسس على هؤلاء الأوباش، ~~المهووسين الخونة عمال الألمان والطليان؛ فرأيت أن ~~أقوم بهذا الأمر منفردا ومتخفيا؛ لذلك لبست ~~بنطلوني؛ لأنه لا يخفاكم أنه ليس من أصالة الرأي أن ~~أقوم بأعمال الاستخبار من غير بنطلون، ولم أكتف ~~بلبس البنطلون بل زررته، وحالا توجهت إلى موقف ~~سيارات، فناداني سائق تاكسي عرفت فورا أنه قومي ~~اجتماعي؛ لأنه ناداني بقوله «نعم يا أستاذ»، وفي ~~غفلة منه فتحت خزان السيارة، وغرزت فيه أنفي ونشقت، ~~وركبت الأوتوموبيل، فوضح لي أن هذا الشخص فدائي؛ لأن ~~ما كان في خزان سيارته هو سائل متفجر يدعى بنزين، ~~وعدا عن ذلك فقد كانت دواليب السيارة الأربعة ~~مستديرة، ثم إن الشوفير كان يزمر عند كل كوع مما يدل ~~على أنه كان يعطي إشارات لبعض المتآمرين. وقد لحظت ~~أن أمامه مرآة تمكنه من رؤية ما وراءه، وحين خرجنا ~~من بيروت تفجر السائق بأغنية ثورية حربية، مطلعها ~~«هيهات يا بو الزلف»؛ فحالا أعلنت حالة الطوارئ، ~~وقبعت في مقعدي، أترقب تطورات الموقف بدقة وحذر، ~~وكان من الطبيعي أن أداهم مناطق الشبهة، فتوجهت ~~حالا إلى الشوف، والمتن، والكورة، وطوقت جميع القرى ~~دفعة واحدة، ويؤسفني أننا في الخريف، غير أني تمكنت ~~أخيرا من رؤية ورقة تين واحدة اختبأت وراءها. فما ~~إن جاء المساء حتى بدأت جموع المسلحين تزحف نحو ~~القرى، وكل واحد حامل بارودة حربية من آخر طراز ~~طويلة طويلة، وفي يسراه سلة قذائف جهنمية، وليس يخفى ~~عليكم أنني من البسالة ما تعرفون، ولعلكم تذكرون ~~أنني في السنة الفائتة، ليلة العيد، أطلقت مائتي ~~رصاصة في ساحة البرج، لا أقول هذا على سبيل التبجح، ~~بل لأثبت أن بطولتي أمر معترف به؛ لذلك وثبت على ولد ~~صغير في يمينه البارودة الطويلة، وفي يسراه سلة ~~المتفجرات، وفاجأته بسؤالي: «ماذا تحمل؟» فارتعب ~~الولد وقال: «هذه سلة زيتون، وهذا مفراط.» فتأمل في ~~هذه الجماعة كيف حذق أفرادها فن التضليل والإنكار. ~~حينئذ فككت الحصار عن مناطق الشوف - المتن - الكورة ~~مطمئنا إلى أن ms48 الحالة فيها لعنة تنذر بشر مستطير، ~~وتوجهت إلى البقاع متفحصا الأمور في زحلة، بعلبك، ~~الهرمل، راشيا، في وقت واحد؛ لأن الحالة تستدعي ~~العمل السريع. # أما في زحلة فالجو مريب جدا ؛ لأنني ذهبت إلى وادي ~~العرائش، وهو كما تعرفون موضوع التغني، وقد كان في ~~الصيف الماضي يعج بالألوف، أما الآن فهو مهجور، ما ~~هو السبب؟ هذا هو السؤال العظيم، لماذا أقفلت ~~المقاهي، ولماذا انقطع الناس عن ارتياد «وادي ~~العرائش» في زحلة! في الأمر ما يشغل البال. أما في ~~جنوب البقاع فإن النشاط باد للعيان، والمعدات ~~الحربية تنتقل وتهدر، وقد اقتحمت بما عرف عني من ~~جرأة، أحد المعسكرات القومية الاجتماعية، وسألت ~~القائد ماذا يفعل؟ فتظاهر بأنه يجهل العربية - ~~والمعروف عن هذه الجماعة أنها معادية للعروبة - ~~وتكلم بالفرنسية، مدعيا أنه يفتش عن الزيت (نفس ~~المعدن الذي منه تصنع المتفجرات، التي ملأت خزان ~~سيارة الشوفير القومي)، وأن بيده مأذونية من الحكومة ~~اللبنانية؛ ففورا ونهائيا اعتقدت أنه كاذب، مثل ~~ذلك الغلام الذي أراد أن يوهمني أن القنابل في السلة ~~هي زيتون، والبارودة الحربية هي مفراط. # وفي بعلبك الحالة خطرة جدا، فقد بنى القوميون ~~الاجتماعيون حصنا ضخما يعرف باسم «قلعة بعلبك» ~~يا سيدي، أنا لا أبالغ إذا قلت لكم إن العواميد ~~علوها 18 مترا، وعرض الحائط أربعة أمتار، حيطان ~~هائلة، ودهاليز لها أول وليس لها آخر، والناس تأتي ~~للفرجة على عينك يا تاجر. الصحيح أن الحكومة أسرفت ~~في تدليل هؤلاء الخونة المهووسين عمال الألمان ~~والطليان، ولأسباب لا تخفى لم أذهب إلى الهرمل، ~~أنا شجاع إنما غيري أشجع مني، وأكثر مني، ولم يذهب ~~إلى الهرمل، وأعتقد أنكم تعذرونني يا سيدي، ولكني ~~فهمت شيئا يثير الشك، وهو أنه لم يقع خلال ال 24 ~~ساعة الماضية ولا قتيل في الهرمل! هذا سؤال كبير ~~يحرك الظنون، لماذا لم يقع قتيل واحد خلال 24 ساعة ~~في الهرمل؟ وفيما أنا في هذه المناطق، كنت كذلك في ~~طرابلس، حيث أتوقع انفجارا في أية لحظة كانت، ~~والسبب هو أبيات شعر ألقاها شاعر حموي في ms49 حفلة ~~تأبين، جاء فيها على ذكر الوحدة السورية، والرأي ~~العام ساخط على الحكومة؛ لأن بدر الدين الحامد ذكر ~~الوحدة السورية، ولم تثب السلطات لسحق القوميين ~~الاجتماعيين، مع أن بعض الصحف الوطنية المخلصة ~~حرضتها على مثل هذا العمل. ولا تعتقدوا يا سيدي أنني ~~أهملت أمر بيروت؛ فإني قمت بهذه الجولة التفتيشية من ~~غير أن أبرح العاصمة اللبنانية، وقد أوافيكم بتقرير ~~مفصل، غير أنني أبشركم أنني توصلت بوسائلي البوليسية ~~الخاصة إلى الحصول على بعض أعداد: «النهار» «كل شيء» ~~«الأحد»، وأرجو أن تلاحظوا اللون الأحمر في هذه ~~الجرائد، مما يثبت أن حلفا بين القوميين ~~الاجتماعيين وبين الشيوعيين قد أعلن في الخفاء ~~(عبارة سأشرحها فيما بعد)، والمهم أن تنقلوا إلى ~~المسئولين أن الحالة خطرة وخطيرة؛ فليأخذوا التحفظات ~~الضرورية، وأهمها البطش بهؤلاء الجماعة. # خادمكم المطيع: شمدص جهجاه # حاشية: واصلكم 12 سمنة ودجاجة أرض، مأكول الهنا. وفي هذه المناسبة ~~أذكركم بضرورة تعيين ابن خالنا، محسوبكم بندر علوش، كأحد ~~أساتذة الجامعة اللبنانية العتيدة، فهو فقير ذو عائلة، ولا ~~يستطيع كسب الرزق بسبب أنه يجهل القراءة والكتابة. # | رفات تنتقل # يتولى عني اليوم تحرير هذا الحقل رجل لم أسمع به من قبل أن قرأت ~~رسالته إلى جريدة التيمز النيويوركية مؤرخة في 30 أكتوبر سنة ~~1951، واسم هذا المراسل «جاد تلر» # Gudd l.Teller # يرد بها على مراسل آخر سماه ~~ممتازا، ويدعى هنسن ~~بولدون # Hanson W.Baldwin # وقد كان هذا سبق فنشر مقالا ~~ينذر به الغربيين من حرب العصابات التي قد يقوم بها العرب، فرد ~~عليه بقوله: لا تخافوا؛ فالعرب لن يقاتلوا. # ولقد استلفت نظري هذا المقطع الذي جاء في مقال المراسل «جاد تلر»: # إن العربي لا يزال مقاتلا باسلا خطرا، غير ~~أنه من الظاهر أن ليس في وسع قادته أن يثيروه، وليس ~~له من ثقة فيهم ولا في قضيتهم. أما قادة صفوفه ~~الثانية والثالثة، فأكثرهم انتهازيون، متنعمون، ~~مثقفون على يد الغرب، محجمون عن المخاطرة بأعناقهم ~~فيما هم يحرضون العامة كي يقاتلوا من أجلهم. # إن العقيدة القومية الاجتماعية ما هي بعقيدة تحريض، وأبناؤها ms50 لا ~~يكلون إلى سواهم أمر القتال، بل هم يتولون بأرواحهم الدفاع ~~عن إيمانهم. # وفي مقابر بيروت رفات، تحركت وانتقلت، لتنبئ الناس عن الإيمان الذي ~~ليس بين معتنقيه خاصة وعامة، وعن الأبطال الذين لا يحرضون بل ~~يبدءون بنفوسهم، بدلا من أن يقصروا همهم على التحريض والتغني ~~الخامل بذلك الذي قال منذ أكثر من ألف عام: «أبدأ ~~بنفسي.» # | هذا النادي # هل لك في هذه الدنيا صديق؟ إن كان جوابك نفيا فالذنب ذنبك؛ إذ إنه ~~ليس من المعقول أن لا يكون بين ملايين البشر من يستحق إخاءك، ~~ولعل أدق موازين النجاح في الحياة كثرة الأصدقاء أو قلتهم، وإن ~~من مظاهر العفن في التفكير، والمرض في النفوس، شيوع هذه ~~الأمثال عن استحالة وجود الصديق. # غير أن الميدان الضيق الذي يحبس نشاط المرء من: جوار، ومهنة، ~~وعائلة، وجبهة عمل - لا ييسر له أن يظفر إلا بعدد من الأصدقاء ~~هو، مهما كثر، يبقى ضئيلا إذا قيس بعدد مواطني الأمة. # وتولد العقيدة القومية الاجتماعية، وليس لها اليوم في لبنان ~~سقف يظللها؛ فتوفر فورا لمعتنقيها ألوفا وألوفا من ~~الأصدقاء، رجالا ونساء، من كل الطوائف، ومن كل المدن والقرى، ~~ومن كل الطبقات؛ فيشعر المؤمن بها وقد صار رفيقا، أن القلوب ~~فتحت له، وأنه حين أذاب نفسه في هذه الموجة ارتفع معها في قوة ~~وكبر. # وفي بيروت بعض أندية، كثيرا ما شمخ روادها بأنهم من أعضائها، وفي ~~لبنان ناد ليس له رسوم للدخول فيه، وليس له من طقوس، هو بدون ~~ريب أقوى الأندية، وأشرفها وأكثرها عدا، وأنبلها روحية. ناد ~~يسهل لك إخاء الألوف والألوف، كل ما تحتاج إلى الانضمام إليه، ~~أن توسع آفاقك؛ فتدرس منهاجه، وتعتبر بالخدمة التي أداها ~~ويؤديها للوطن، هذا النادي - نادي القومية الاجتماعية - لن ~~يفتح لأحد أبوابه؛ لأن ليس له أبواب، هذا النادي يصبح ملكك حين ~~تصبح ملكه، وأن نشاط الحياة العادي، الذي يقصر خطواتك على ~~الشوط القصير، وصداقتك على الأشخاص القليلين، يفتح أمامك جبهة ~~لا حدود لها، ويشد يدك إلى أيد غفيرة العد، حين تشرفك الحياة ms51 ~~بأن تمسي من رفقاء أبناء الحياة. # وإن كنت تحسب أنك من العلو بأنك تنخفض حين تواكب بائع الجرائد ~~وماسح الأحذية، فاذكر إن خفق الأجنحة التي تسمو بالطير عن صعيد ~~البسيطة هي حركة عنف تصل مرتفعا بمنخفض؛ فإذا هنالك لا انخفاض ~~ولا ارتفاع. # | الجاهل الثاني ...! # يريدون نقاشا علميا. # ويفهمون بالعلم عبارات ضخمة، وكلمات تعددت مقاطعها، واستشهادات ~~تتبرج بأسماء فلاسفة وشعراء وقادة نهضة. # ولقد ترددت لفظة «العلم» حتى خدعت الناطقين بها. # إن كان هذا علما، فإني لأظهر في غد بأوراقي المدرسية، ألوح بها ~~أني كنت من علماء هذا البلد. # الكيمياء علم، الحساب علم، ولكن من الثابت أن ليس في الاجتماع ~~«علم». # ولعل أسطع مظاهر الجهل التبجح بالعلم. # للثقافة رسالة واحدة، وهي أن تزودك بمعلومات، وتثير في نفسك حب ~~الاستطلاع؛ فتوسع آفاق تفكيرك، وترهف بصرك، وتضع بين يديك رصيد ~~العبرة التي استللتها من تجاربك؛ كل هذا تمهيد لقرار تمليه ~~عليك يقظة النفس وسلطة العقل وهزة الضمير. # أما علماء هذه الأيام، فينعتون بالعلم سطورا تتدحرج من الكتب، لا ~~فكرا يعي ويثور، يتشوفون بنظارات تطمس الأبصار، ولا تعكس إلا ~~الكتب التي تقع اتفاقا تحت هذا المنظار. # إن كان العلم نقلا وسرقة واستشهادا، وبسط معلومات، لا تفكيرا ~~ودرسا وملاحظة وتفاعلا ذهنيا يتجسد إنتاجا؛ فتاريخنا ~~المعاصر قد نكبنا بغبيين اثنين طواهما الردى، يجهلان العلم: ~~أحدهما جبران خليل جبران. # | هذه دغدغة ...! # أحقا أن للألم لذة؟ إذن فنحن اليوم، وفي هذه الزاوية، ننعم بلذة ~~كبرى، لا أطيقها - وهي لذة الجدل، يسوقنا إليها أقوال بعض ~~الصحف في صدد حفلة تأبينية. # درج البعض على عادة شعراء العرب الأقدمين، فمن الغزل إلى الفخر إلى ~~التفجع على الطلول، حتى يخلصوا أخيرا إلى الهجوم على من كانوا ~~من أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي. # لذلك لم يكن من الغريب أن يأتي بيت شعر قاله بدر الدين حامد، في ~~حفلة رثاء عبد الحميد كرامة في طرابلس سببا منطقيا إلى ~~الانتهاء بالتحريض على الحزب، وقد كان الحزب غريبا عن الحفلة، ~~وهو في لبنان غير موجود - وإلصاق التهمة ms52 بأنه «يدغدغ دلاله ~~المتنفذون». أما الترويج ضد الكيان اللبناني، فإن أبناء ~~العقيدة القومية الاجتماعية لا يريدون وحدة تفرض فرضا، بل كل ~~همهم أن يبشروا وبالأساليب المشروعة؛ فيولدوا وعيا شاملا حتى ~~إذا بلغ التطور والتفهم درجة الاقتناع في مجموع الشعب ، وزالت ~~عوامل الحذر؛ إذ يغمر النور والإيمان والثقة نفوس أفراد الشعب، ~~اتخذت الأمة آنئذ خطوات قانونية مشروعة، تتجسد فيها إرادتها. ~~وهذا التطور والتفهم هما رهن الزمن، وفي كندا وفي الولايات ~~المتحدة منظمات وأشخاص بارزون، يقولون بوحدة معجلة أو مؤجلة ~~بين كندا والولايات المتحدة، ولم نسمع بأن أحدا منهم وصم أو ~~مثل أمام المحاكم، أما، «الدلال الذي يدغدغه المتنفذون» ~~والمسيطرون، فمن بعض مظاهره: (1) عدم توظيف أحد من أبناء ~~العقيدة في الحكومة. (2) طرد الكثيرين من الدوائر الرسمية. (3) ~~إذاعة سرية إلى الشركات أن لا تستخدم الشيوعيين ولا أعضاء ~~الحزب السوري القومي السابقين. (4) عرقلة مصالح القوميين ~~الاجتماعيين في كل الدوائر. (5) رقابة شديدة على التلفونات ~~والتجول، وقد تسربت إلى دوائر الأمن بعض أوراق القوميين ~~الخاصة. (6) وأخيرا ومؤخرا اتخاذ بعض التدابير الزجرية ضد ~~بعض المساجين، وهم في مكان لا يستطيعون به أذية أحد. # أما حرية البحث في الإيمان، وهو حق تكفله دساتير الأمم الحرة؛ فهذا ~~حصار ما فك عنهم ولكنه حصار خرقوه، وليس منهم من تراوده نفسه ~~بأعمال العنف، ولكن من مصلحة بعض محترفي السياسة أن يبقوا بعض ~~محترفي السياسة في حالة ذعر مستمر. # | نكتة مستمرة # الجاهل يدفع ثمن جهله، دولة كان أم فردا. # إنكلترا فقدت بعض أجزاء إمبراطورية؛ لأنها لم تفهم الشعوب. فرنسا ~~هوت إلى مقام دولي ثانوي للسبب نفسه. وأميركا حرمت أكبر سوق ~~عالمي - الصين - وهي تدفع الدم في كوريا ثمنا لجهلها ~~الشعب. # رجال الحكم المزمنون هنا - من هم اليوم في السراي، ومن كانوا ~~أمس، ومن قد يأتون في الغد القريب، يفهمون من أمور الشعب أنه ~~غير موجود؛ فأحاديثهم وتفكيرهم ومزاحهم وأعمالهم تنطلق من ~~فلسفة خاصة - هذه قاعدتها، بل هذه هي النكتة المستمرة، تستثير ~~القهقهات في الدواوين والحفلات، ورسخ هذه الفلسفة في ~~المخيلات موضة ترداد ms53 شرحها كتابة وخطابة. # ولكن من درس النهضات يعلم أن الشعب قد يهفو أو يغفو، ولكنه لا ~~يموت، بل إن حيويته تثبت موجوديتها أبدا - في ثورة، في نقمة، ~~في صحافة، في مظاهرة، أو في انتخاب. # والشعب بطبيعته، وبسبب النشوء والارتقاء ، جاهد أبدا نحو الأفضل ~~والأكمل. # فإن كانت حقيقة العلم والمنطق والواقع تثبت أن الشعب هو أبدا واثب ~~نحو الإصلاح والرقي؛ فما الغرابة في أن يكون بين الشعب أفراد ~~هذا حافزهم لا سواه؟ # حقيقة لا يريد البعض أن يراها فينا، نحن القوميين الاجتماعيين، ~~لغرض في النفس، ولا يراها آخرون؛ لأن شعاع وضوحها يبهر ~~الأبصار. # في كل قطر، وفي كل زمن، أثبتت الحوادث أن أصحاب النكتة المستمرة ~~يستفيقون فجأة ليكتشفوا أنهم كانوا يضحكون بالمقلوب. # | البوابة ...! # من احتقر نفسه، لن يحترمه الناس. وعلماء النفس يثبتون أن من عوامل ~~تقوية الشخص لنفسه أن يحدث نفسه أنه قوي، بل من الشروط ~~الأولية في تربية الصغير أن تؤكد له أنه ذو شأن وأن تظهر له ~~الإعجاب. # أما الأكثرية الساحقة - اللفظة مزدوجة المعنى - من شعب هذه البلاد ~~في عشرات السنوات الأخيرة، فقد كانت تنطق بلسان أكثر قادتها ~~ومتزعميها أننا أمة انتهى أمرها؛ فطلبنا القوة من سلاطين بني ~~عثمان، وصحنا «الله وفرنسا»، وتغنينا بأسطول إنكلترا، ورفعنا ~~علما هو من وبر الجمال، وحلفنا يمين الوفاء لموسكو، ~~وللقياصرة، ولويلسون، ولعلم النجوم والخطوط. انتظرنا القوة ~~ترسل إلينا طردا في البريد من مختلف أنحاء الدنيا، وغفلنا عن ~~حقيقة أمر يقره علم النفس، وهو أن القوة كامنة في ~~نفوسنا. # إن العقيدة القومية أيقظت في صدور أبنائها هذه الحقيقة الاجتماعية ~~ورسختها. قالت للناس وبرهنت للناس أن قوانا هي فينا، ولم يكن ~~هذا القول بيانا وكلاما منمقا ولا تملقا يبتغي استهواء ~~الجماهير. # انظر ماذا فعل اليهودي حين حدث نفسه بأنه قوي، اليهودي الذي كان ~~حتى سنوات سلفت رمز الجبن والانهزام، وهدف الاضطهاد، صار ~~شجاعا بطاشا مضطهدا سيدا على نفسه وعلى سواه. واعتبر في ~~الصينيين واقرأ بأي بطولة هم يحاربون في شمال كوريا، ثم اسألني ~~وسل أي ms54 شخص عرف الصينيين في الماضي كيف كان يسوقهم الكرباج، ~~ويذعرون من عطسة. # الإنسان هو بعض الله، والله قوي. وكل ما يحتاجه المرء لأن يستشعر ~~بقوته وأن يمارسها هو أن تهزه، والقومية الاجتماعية هزت نفوس ~~معتنقيها. هذه هي فضيلتها الأولى ، وهذا هو السبب الأول الذي ~~حدا بي إلى اعتناقها، وهذا ما يوجب عليك يا مواطني أن تقبل على ~~تفيؤ علمها. # غير أن المسكنة والخنوع والاستسلام ليست وحدها من مظاهر الحقارة ~~والضعف. إني أذكرك بأن العلم - علم النفس - أثبت أن ~~الاستعلاء هو بعض مظاهر الصغارة والجبن، كل بهوار جبان، كل ~~متعجرف صعلوك؛ لذلك ما هو بكبر ما تسمعه من تبجح بماض وبحاضر، ~~بل هو حقارة انتفخت. # إن التطلع إلى الكراسي هو الدليل الأكبر على أن المتطلعين إليها هم ~~أدنى منها. كانت إحدى سيدات المجتمع حين تدعو العظماء إلى ~~مائدتها لا تهتم بالبروتوكول في توزيع المقاعد بحجة «أن الذين ~~لهم شأن لا يهمهم أين يجلسون، والذين يهمهم أين يجلسون ليس لهم ~~شأن؛ فلا ضير إن استاءوا». # في كل بيت من بيوتات العصور الوسطى بوابة كبرى، في أسفلها باب ~~صغير، يستشعر الداخل فيه منحنيا أنه حقير يدب إلى كبير. لعل ~~الجريمة الكبرى عندنا هي إقفال البوابة الكبرى والباب الصغير؛ ~~فلا يدخل صالون الأمة إلا من ضمر وهزل، فانسل من ثقب الرتاج، ~~أو زحف من تحت الباب والعتبة. # إن القومية الاجتماعية حين فتحت البوابة الكبرى للشعب، على ~~مصراعيها، ليدخل المواطنون رفقاء متساوين مرتفعي الجباه، ردت ~~للمواطن ثقته بنفسه، وردت إليه بالتالي ثقته بأمته كمجتمع يوفر ~~لكل فرد منه كرامته كإنسان. # | صقيع يحرق ...! # أبناء هذه العقيدة القومية الاجتماعية، يحاربون بالسذاجة ذكاء من ~~يريد خداعهم أو عداءهم. # حقيقة يصعب على أساطين الهمس والغمز والتطبيق فهمها. # ولا يريد أولئك الحاذقون أن يسلموا بأمر بديهي أثبته تاريخ هذه ~~العقيدة وحاضرها، وهو أنها تغلبت وتتغلب على من يريد أن يلعب ~~بها، أو يستعين بأبنائها ختلا ورياء. # ما هم بشطار فتيان هذا الإيمان. يتساءل المتعاظمون: «من هو فلان من ~~قادة هذا ms55 الفكر؟ ومن هو فلان؟ ومن هو فلان؟» # ما هم بجبابرة - فلان وفلان وفلان، هم بعض السابلة على طريق الحياة ~~يسيرون فوقها بنخوة ونظام. # لا تحتقر أمر الجندي، هو شيء لا أهمية له. صحيح، ولكنه الجيش الذي ~~أفنى فيه هذا الجندي ذاتيته هو الشيء المهم. # هذا الجيش القوي الباسل النبيل، يجب أن لا يحتقر ولا ~~يخاصم ولا يستفز. ولا شيء أسهل من صداقة هذا الجيش، ~~أعني أبناء هذه العقيدة؛ إذ إنه ليس فيهم من يبغي كرسيا أو ~~غنيمة، فودهم يكتسب ولا يشرى. # من يعطهم حبة من الإخلاص، ردوها له إهراء من حبوب. # ومن حاول بالدهاء والمناورات استغلالهم أو طمسهم، اكتشف في آخر ~~الأمر أن في سذاجتهم شطارة، وأن في شطارته غباوة. # بعض أنواع الجليد يشتد صقيعه؛ فيمسي نارا محرقة. # | لو أني صاحب الجلالة! # هذه الرسالة كانت موجهة إلى الرئيس السابق ~~الأستاذ بشارة الخوري بعد أن هوى فاروق، وقبل أن ~~يعتزل الخوري. «أنا إنسان» كلمتان افتتح بهما الرئيس ~~بشارة الخوري مؤتمر الأونسكو حين عقد في ~~بيروت. ~~*** # كل عاقل ليس به مس من الجنون، فهو بليد الذهن. # وأنت يا قارئي مثلي تدعي الذكاء؛ إذن فيجب أن تعترف بأن فينا ~~شيئا من الجنون، تراك مثلي مصاب بجنون الأحلام؟ يا طالما حدثت ~~نفسي بأني ملك في «غمدان» وأن من زملائي فاروق، واستفقت من ~~حلمي مذعورا أتطلع إلى حرس الفاروق، يصوبون أسلحتهم إلى القصر ~~المحروس، ثم يسيرون به فيركبونه «المحروسة». رجوتك يا قارئي ~~أن لا تسمعني بعد اليوم الدعاء المألوف «الله يحرسك»؛ فإن هذا ~~يذكرني بالحرس والمحروس و«المحروسة». # وتفجرت الأفراح مظاهرات، وأغاني، وشتائم، وحقولا في الصحف سوداء ~~ضخمة العناوين. إن نفسي لتتقزز من هذا الجذل الحيواني؛ ~~فالشماتة إحدى مظاهر البهيمية. أنا إنسان؛ إذن فأنا أتعظ ~~وأعتبر. ليشتم الناس فاروقا ما أرادوا، أنا أشكره، إنه أحسن ~~إلي، إنه أعطاني درسا. أنا إنسان، إذن فأنا في كل يوم أتفهم ~~رسالة جديدة. # لقد نصحني فيما مضى صديق لي، على مسمع من الناس، أن أخلو إلى نفسي ~~فأعرفها. أخال أن ms56 ما يجب أن أفعل اليوم هو أن أبتعد عن نفسي ~~حتى أراها، بل سأبتعد عن نفسي، وأكون وحيدا وحيدا، ولن أسمح ~~حتى للخوف أن يرافقني. أنا إنسان؛ إذن فأنا مفكر. الخوف يشل ~~التفكير فيجب أن أطرده عني. # ها أنا مبتعد أنظر إلى مملكتي، فأراها فوضى وغوغاء من نقمة وظلم ~~وفقر وشعوذة وثروات واستغلال. أنا إنسان؛ إذن فالخطأ من ~~معائبي. أنا إنسان؛ إذن فالجرأة يجب أن تكون من فضائلي. هو ذا ~~أول قول جريء أتفوه به، لقد أخطأت. # القول، ما فائدة القول إذا لم يترجم عملا؟ الجائع لا يشبعه القول، ~~ولا البائع ولا المحروم ولا المضطهد. إن مملكتي صغيرة جميلة، ~~وشعبها طيع نبيل، لقد كنت معبوده فيما مضى، لقد أسمعني الهتاف ~~الذي لا يزال يسكر مسمعي، ولكنه كان هتافا غير مأجور. لماذا ~~يرسل اللعنات نحوي اليوم، لعنات لو أنها تشعل النار لأمسى قصر ~~«غمدان» رمادا؟ # لقد أخطأت، لقد حقرت شعبي فحقرني. لن أكون ساذجا. إني أعلم أن ~~أكثر الثائرين علي هم من محترفي المشاغبة، يبغضونني مخطئا، ~~ويبغضونني مصلحا، ويبغضونني ملاكا أو إلها. إن صاحب الجلالة ~~له أبدا أعداء؛ لأنه صاحب الجلالة. أنا إنسان وغيري كذلك ~~إنسان، والإنسان يحسد الإنسان. # غير أني لن أقنع نفسي أن هذه النقمة الحادة الجارفة هي ليست من ~~صنيعي. # هؤلاء المتزعمون المستثمرون ما شأنهم في هذه الدولة؟ إنهم لا شيء، ~~الشعب يمقتهم، قوتهم تهويل مستمد من القوة التي سلمتها إياهم ~~الدولة. # أنا إنسان، إذن فأنا تلميذ التجربة. شريت الولاء فانكشف بضاعة ~~مزيفة. جربت البطش ودفنت الحراب؛ فنبت في طريقي ألوف من حراب ~~جديدة. رقعت هذا الثوب فبدا خرقا مضحكة، لا تزين ولا ~~تدفئ. # إن القوى المسلحة هي رهن أمري، ولكنها كانت كذلك رهن أمر القوتلي ~~وفاروق. البوليس إنسان، الدركي إنسان، الجندي إنسان؛ إذن فهو ~~كذلك قد ينقم ويرتد ويثور. # أنا إنسان، ماذا ينقصني في هذه الدنيا؟ أنا صاحب الجلالة في ذروة ~~هذا البلد، المال موفور لي ولمن أحب، ولمن أتوهم أني أحب، كل ~~ما أحتاجه هو الإرادة ms57 للإصلاح والعزم على الإصلاح. الإرادة ~~تخلق الكلمة، والكلمة تطاع؛ لأن وسائل التنفيذ لا تزال في يدي، ~~علي أن أنفذ. # فإن عجزت عن التنفيذ؛ فأول واجب نحو نفسي هو أن لا أخدع نفسي؛ ~~فأفسح لها مجال التقوى، إذ ذاك قد أعتزل الدنيا فأترهب. أنا ~~إنسان فلماذا لا أكون واقعيا؛ فأبدأ بحزم حقائبي، وأودع ~~غير مطرود، فأكون الرابع في لعبة بردج مع فاروق والقوتلي ~~وزميلي الإيطالي الملك «أومبرتو». أنا إنسان، قد يشلني ~~«الروتين»، قد لا أفعل شيئا، إن لم أبتعد عن نفسي. # لو أني صاحب الجلالة، لابتعدت عن نفسي فهززت الصولجان أو ~~رميته. # | الفرق ...! # «لا، لا، إياك أن تذكر اسمي، قل: إني لبناني صميم.» # وودعت اللبناني الصميم، وهو صديق قديم حميم، حشد في خزان الدهر ~~ثلاثين سنة من حياة مفعمة بالجهود الوطنية، ومن صداقات غالية ~~تخطت حدود المناطق والطوائف، ومن حلقات أدب وفكر وصفاء لم يعرف ~~لبنان لها شبيها، ولعلها لن تبعث، ومن سلوك شخصي يقدر أن ~~يعرضه على الجماهير في شريط سينمائي فخورا بمشاهده ~~وحوادثه. # ودعت اللبناني الصميم بعد جلسة طويلة، هذا ما قال فيها: # يا أخي نحن نحترمكم، نحن لا نتهمكم بالخيانة، نحن معجبون ~~بإخلاصكم واندفاعكم، ولكن تعالوا نشتغل في هذا ~~المجتمع اللبناني، حتى تستقيم الأمور، فإن سيطر ~~الوعي علينا هنا، وعليهم هناك، إلى حيث شئنا وشاءوا، ~~أو أراد أولادهم، وأراد أولادنا أن ننصهر في دولة ~~مثل الولايات المتحدة - فما الضرر؟ نحن لهذه ~~المبادئ، ولهذا الهدف. # قلت لصديقي اللبناني الصميم: «أنت وأنا كلانا قومي اجتماعي، موحد ~~الفكر، والغاية والأساليب. # والفرق بيني وبينك أنك تصر على أن يبقى اسمك مكتوما، وأصر على أن ~~أضع توقيعي في ذيل ما أكتب.» # | عجين البغضاء # إن من يقرأ آداب اللغة العربية بعينيه الاثنتين، لا بالعيون ~~التقليدية، والذي درس حركاتنا الوطنية بوعي ما تعود أن ينصاع ~~لموض الكلام، يخلص إلى استنتاج هو أن شعوب هذه البقعة من ~~الدنيا أمست تعتاض بالبغضاء - وهي غريزة بهيمية سلبية - عن ~~الوطنية، وهذه شعور، وتفكير، وإنتاج إيجابي. لقد ساهمنا في طرد ms58 ~~الأتراك لكرهنا للأتراك، واشتركنا بالحصول على الاستقلال ~~لحقدنا بالأكثر على الفرنسيين، وأردنا أن ننتصر على اليهود ~~ببغضهم وشتمهم وتحقيرهم. # وأنت إن وقفت يا صديقي، واستعرضت أشخاصا تعرفهم وتذكرهم، تتحقق ~~أنهم برءوا نفوسهم أمام ضمائرهم وأمام قومهم بأنهم وطنيون ~~غيورون بسبب بغضهم للصهاينة، ومنهم من اتجروا وتزعموا وباعوا ~~وشروا، أو من اقتصر إنتاجهم على سلبية البغض. # لعل هذا ما يفسر الإفلاس الذي نزل بعد الاستقلال بمن تسموا قادة ~~حكومات وشعوب؛ إذ وضح عند الفوز بالسيادة الخارجية والداخلية ~~أن كل وطنية عجينها البغضاء هي وطنية مزيفة. من فضائل العقيدة ~~القومية الاجتماعية أنها لم تنشأ نكاية بأحد من الناس، ولا ~~لمناوأة فئة أو طائفة؛ لذلك قدرت هي - وهي وحدها فقط، من سائر ~~كل العقائد والمنظمات، أن تصهر في كيانها أشخاصا من كل ~~الطبقات والطوائف والمناطق، وليست هي في ذلك مثل غيرها من ~~العقائد والأحزاب - التي اقتصرت على عشيرة، أو طائفة أو منطقة ~~من الوطن، واستعملت أسماء أشخاص قلائل غرباء عن تلك العشيرة أو ~~الطائفة أو المنطقة، للزينة ولرد التهم. # إن القومية الاجتماعية تعلم وتمارس أننا كلنا للوطن، وأن الوطن لنا ~~كلنا، وهي استطاعت - هي وحدها استطاعت - أن تغرس في المواطن ~~العادي زهو العزة الوطنية، فلم يعد غريبا عن بلاده، شأن زلم ~~الإقطاعيين، أو عبيد الأجانب، أو السواح المقيمين في هذا ~~الوطن، وليس لهم من إيمان إلا ورقة هوية يحملونها وحملها من ~~قبلهم أجدادهم، ولا شأن من يعتبرون الوطنية بغضا ونقمة ~~وشتيمة. # سيسجل التاريخ الحديث أن أيديولوجية الوطنية، كما تفهمها الثقافة ~~الحديثة وضعت أسسها في بلادنا قوميتنا الاجتماعية. # | العيش والحياة # لم يكن مجاملا، صديقي المحامي، حين جلس يشاطرني القهوة في الصباح، ~~ويتكلم بحمية عن نهضتنا. من الكلام ما يفيض ألفاظا تسري عبر ~~الأذن، ومن الكلام ما ينطلق؛ فيلفح السمع بلذعة الصدق، وقد ~~تحققت أن جليسي كان مؤمنا بالعقيدة القومية الاجتماعية، حين ~~قال: «أنتم الوحيدون الذين يستحقون الاحترام، ومبادئكم كما ~~كتبت وشرحت، وكما نفذت هي وحدها، لا سواها، كفيلة ~~بالإنقاذ.» # ودهشت إذ ذكرت أن زائري ms59 نشأ في بيئة معادية لهذه الحركة، ولم يكن ~~في سيرته، ولا في حاضره، ما يدل على أنه من المقاتلين، ولا من ~~أبناء الصراع - غير أن نخوته واقتناعه وحماسته واحترامي الشخصي ~~له أهابت بي، فسألت: «إذن فأنت في طريقك إلينا؟» أجاب: معاذ ~~الله! أنا محام، يكاد قصر العدل أن يمسي بيتي، هل تريدني أن ~~أخسر كل دعاوي؟ # الفرق بين صديقي المحامي وبين أبناء الحياة، أن هؤلاء لا يهمهم ~~خسارة دعاويهم الخاصة ما داموا يشتغلون في ربح الدعوى ~~الكبرى. # هو يقنص العيش في قصر العدل وهم يبنون الحياة من عرزال يطل على ~~الدنيا، ويقزم قصورها. # | انهيار وترميم # من أبشع مشاهد الدنيا الخراب، وإن الذين صفت نفوسهم لا يفسحون لها ~~مدى التلذذ برؤية الانهيار؛ فإن كل مواطن يتهدم هو مواطن ~~خسرناه. # وإنه لمن المؤلم أن نرى بعض الشخصيات المعروفة تنتحر مرارا كل ~~أسبوع، وتنتثر شظايا في مقالات من المغالطات والافتراءات، ~~وليست الكارثة في أن سياسيا تناثر الناس من حوله وانتهى ~~أمره، بل إن الفاجعة بخيبة فئة من الناس عقدت الآمال عليه؛ فإن ~~في ذلك ما يحجر شيئا من حيوية الشعب ويلاشيها. كان علماء ~~الألمان ممن تولوا قيادة الحرب السيكولوجية، في المجزرة ~~البشرية الأخيرة، يثيرون الأنباء المغرضة الكاذبة بين جماهير ~~أعدائهم، ثقة منهم أن خيبة الآمال توقع في معنويات الشعب، وأنت ~~اليوم حين تلمس الريبة في نفوس مواطنينا؛ فلأنهم خلال الثلاثين ~~سنة التي مضت كانوا يوما بعد يوم يتفاءلون بشخص ما، ثم ~~يكتشفون سريرة أمره فيبتسمون بمضض خائبين. # اليوم تكتشف القومية الاجتماعية حقيقة أمر من حالفها يوم كان في ~~حاجة إلى أبنائها، وشن عليها الحرب الكلامية لغير سبب وفي غير ~~مناسبة، وفيما هو يحاول تهديمها هدم نفسه بسرعة وبصورة ~~نهائية. # نحن لا نفرح برؤية هذا الخراب، بل نأمل نحن الذين ساعدنا من أراد ~~خصومتنا أن يكشف عن نفسه، أن يتعظ بمصابه فيجد نفسه - ~~أخيرا. # إذ ذاك نكون قد مددنا له يد المعونة مرتين: مرة حين تهدم فاكتشفت ~~حقيقته، ومرة حين وقف على أطلال أمجاده ms60 فلم يشتم، ولم يتهم، ~~ولم يفتر، بل كرجل ثاب إلى رشده وتاب عن ذنب، أنقذ من الدمار ~~شيئا يثير الاحترام. # أضف إلى فضائل القومية الاجتماعية أنها لا تخيب آمال من اعتنقها ~~ولا تخون. # | طريق ضهر البيدر وطريق مرجعيون # من عادة أهل الكتابة أن يظفروا بالأكل مجانا، حين يحسب المضيف أن ~~في كرمه حافزا للإعلان عن متجره، وقد يكون من نتائج هذا ~~المقال أن ينقطع أصحاب المطاعم والفنادق عن هذه الحاتمية، أو ~~الرشوة؛ فهذه الأسطر لا تروج للإقامة، في فندق «المسابكي» ~~شتورة، حيث أكلت وشربت مرارا عدة، وكل مرة كنت أدفع بكلمة شكر ~~أوجهها إلى الخواجة، صاحب الفندق بواسطة الجرسون، الذي ينقل ~~إلي الرسالة السخية. # ووصلنا «شتورة» في عاصفة من الثلج، راجعين إلى بيروت، فاستقبلتنا ~~على الطريق بارودة الدركي، وقهقهته وأوامره معلنة أن الطريق ~~مقفلة، وأنه من «الحكمة» أن نبقى في شتورة. # لا أدري لماذا قهقه الدركي، قد يكون ذلك من قبيل فرحه بمصيبتنا، ~~لعل أول تسجيل في نفس الإنسان حين يسمع بموت صديق له هو فرحه، ~~بأن الموت نزل بصديقه لا به، ترى ألهذا السبب ضحك ~~الدركي؟ # ودخلنا الفندق، يعني اللوكندة؛ فإذا هو حافل بالضيوف، وحافل ~~باللاجئين، لو سئلت تسمية هذا العصر، لقلت: إنه عصر التندر ~~والطرائف؛ فكل من تلقاه، يمد يده إلى جعبته، فيتناول منها ~~قصصا يرويك بها، وكان من الطبيعي، والدنيا ثلوج وأرياح ~~وأمطار، أن تنحرف الذكريات إلى منحى الطبيعة، وكانت القصة ~~طبعا تنتهي ببطولة راويها. أذكر أن أحد اللاجئين إلى الفندق ~~قص علينا كيف كان يقطع الثلوج في ضهر البيدر ذات شتاء، ~~فهاجمه قطيعان من الذئاب: واحد من اليمين وآخر من اليسار، فراح ~~محدثنا البطل يقبض على ذنب الذئب المهاجم من اليمين، فيرمي به ~~الذئب المهاجم من اليسار فيصرع الاثنين معا. # وقبعنا في الفندق والثلوج والأقاصيص تتراكم، والأرياح تهب، وكذلك ~~دخان الأراكيل، وكان الثلج يتعالى في ضهر البيدر عند دخول كل ~~«لاجئ» جديد، والنكبات تزداد كلما جاء من يطلب الدفء والأمن في ~~قاعات اللوكندة؛ حتى حسبنا أن ms61 في الخروج خطوة من الفندق مقامرة ~~وغمارا. # وجاءت «ساعة الوحشة» في المساء الباكر، ونحن في النشوة التي تملك ~~من هو في المكان الأمين، وسط العاصفة المخيفة، وإذا بمسافر ~~تملأ قامته الباب، وتملأ ابتسامته الفندق يدخل، فيطلب قطعة من ~~اللحم كبرى ابتلعها، ثم راح يغسلها في جوفه بكأس من ~~الوسكي. # ورفع المسافر صوته متغنيا بالطبيعة وبجمال الليل، معلنا أنه ~~سيواصل طريقه إلى بيروت عن طريق مرجعيون، طريق خطرة وطويلة، ~~ولكنها الطريق السالكة غير المسدودة، وأن القمر سيطلع بعد ~~قليل، وأن السير في ذلك المساء سيكون بهيا، وأنه سيبلغ ~~بيروت. # وكانت نبرات صوته، ولهجته الواثقة المتفائلة، وإصراره على الوصول ~~إلى حيث هو قاصد، نفحة من النسيم المنعش النقي، في جو الخوف ~~والدخان، والنوادر التي ملأت غرف اللوكندة. # ووثبت مع المسافر الجريء إلى سيارته؛ فإذا القمر في السماء، وإذا ~~بنا نبلغ بيروت عن طريق مرجعيون، وكان في ذلك شيء من المغامرة ~~خصوصا حين لففنا بعض الأكواع، ولكننا بلغنا بيروت، فيما بقي ~~حتى هذه الساعة - بعد أيام أربعة - رفقاؤنا في «شتورة». # في بلادنا اليوم ذهنية طاغية، تأوي، وحولها العاصفة، إلى «فندق» ~~فيه السلامة والدفء، والأحاديث عن بطولات وهمية وحقيقية سلفت، ~~أناس يحدثون عن استحالة العبور عن طريق ضهر البيدر، حيث تسد ~~الثلوج الطريق، وحيث تتدهور السيارات، وقليلون - مثل ذلك ~~المسافر الجريء - عزموا على الوصول إلى الهدف - بيروت - واثقين ~~أن طريق «مرجعيون» سالكة، ولكنها طويلة وخطرة. # ولكنك لن تصل إلى بيروت إلا حين تعزم وتسير نحو بيروت، ولن تزيل ~~ثلوج ضهر البيدر أحاديث القابعين في فندق «شتورة»، الذين ~~أقنعوا أنفسهم، ويحاولون أن يقنعوك أن الوصول إلى بيروت ~~مستحيل، وحين تعزم على الوصول إلى بيروت في العاصفة، فلا ~~يفاجئنك ظهور دركي يلوح ببارودته، ويأمر، ويقهقه! # | تبلغوا وبلغوا # التصريح وما يليه من مقالات ثمانية قد نشرت جميعها متتابعة في مجلة ~~«كل شيء» الأسبوعية. # | لو أننا نؤمن بالاغتيال لتدحرجت رءوس كثيرة # الأضواء تتركز في هذه الأيام على الشيخ سعيد ~~تقي الدين، عميد الإذاعة في الحزب القومي الاجتماعي ~~... # فهو ms62 الذي يخوض اليوم مع المسئولين السوريين ~~أعنف معركة في سبيل أن يبقي على كيان الحزب ~~القومي، الذي داهمته عواصف النقمة بعد مقتل العقيد ~~المرحوم عدنان المالكي. # ووضعت «كل شيء» هذه الأسئلة أمام الشيخ سعيد ~~تقي الدين، فأجاب عليها بهذه الصراحة ~~المطلقة. ~~*** # قلنا له: توجه إلى الحزب القومي تهم عديدة، منها: أنه حزب ~~يسلك طريق الاغتيال السياسي لتحقيق مبادئه، وأنه هو الذي قتل ~~رياض الصلح في الماضي، وعدنان المالكي في الحاضر؛ فما هو ~~دفاعكم عن هذه التهمة؟ # وأجاب الشيخ القومي: مبدأ «الدفاع» عن التهمة هو مبدأ مغلوط؛ ~~فالمبدأ الذي اعتمد منذ عهد السوريين الأقدمين إلى عهد ~~الإغريق، فالرومان، إلى اليوم هو أنه على المتهم - بكسر الهاء ~~- أن يثبت التهمة. كل ما يريده الحزب هو ممارسة حق المواطن، ~~الذي يكفله كل دستور في الدول، التي تسمى بحق أنها دول ~~ديمقراطية. نريد حق التبشير بالطرق الثقافية الإذاعية ~~المشروعة، ولقد قاوم ممارستنا هذا الحق الرجعيون والأنانيون، ~~وهؤلاء يقاومون كل حركة إصلاحية؛ لقد اضطهدوا كل رسالة دعت إلى ~~الثورة على الضعف المتحجر، سواء أكانت هذه الدعوة سماوية أو ~~سياسية أو اجتماعية. أستعيد ذكرى المقاومة والاتهامات التي ~~لقيتها الدعوة المسيحية والمحمدية، والاضطهادات التي تعرض لها ~~كل من دعا إلى إصلاح؛ لذلك كان من الطبيعي أن يستعمل أعداء ~~الإصلاح كل الأسلحة ضد الحزب القومي الاجتماعي، ولو أن مبدأ ~~الاغتيال يقره الحزب؛ لتدحرجت بعد استشهاد الزعيم ورفقائه ~~الستة رءوس كثيرة، ولكننا نؤمن بممارسة الوسائل المشروعة، ~~وأعداء هذه الأمة هم الذين يحرموننا ممارسة هذه ~~الوسائل. # وسكت الشيخ سعيد قليلا ثم استطرد قائلا: وإنهم، وهم يملكون أدوات ~~التنفيذ في الدولة، يحاربوننا بالحراب، وتسخير القوانين، ~~وبالاغتيالات، وبالتشريد. إن الحالة السائدة في الجمهورية ~~السورية تشبه ما كان عليه العراق في سنوات 1932-1936، وأذكر أن ~~هنالك جرائم كثيرة سبقت مقتل العقيد المالكي، أذكر أن العقيد ~~محمد ناصر، وهو من ألمع ضباط الجيش اغتيل وعرف قاتلوه. لقد ~~كان تدخل الجيش في السياسة. إن إدخال السياسة على الجيش السوري ~~كارثة، والحزب الذي ضبطت سجلاته حيث ms63 كانت، واعتقل أعضاؤه ~~بعد أن تلفنت شرطة الجيش لعصام المحايري أنهم قادمون للقبض ~~عليه. هذا الحزب أذاع منذ اللحظة الأولى أن لا علم له بالقتل، ~~ولكن تخطيط أعداء الأمة من: رجعيين، ونفعيين، ويهود، وشيوعيين ~~استهدف القضاء على هذه القوة المؤمنة المقاتلة، وتوهم أن هذه ~~المناسبة سانحة مثلي؛ فراح بعض الضباط يبطشون ويفظعون، إنهم ما ~~وجدوا ولن يجدوا برهانا واحدا يثبت التهمة. # ثم تنهد وقال: لقد اقتلعوا أظافر رفقائنا، ولم يقتلعوا منهم كلمة ~~تدل على أن أحدا له معرفة بالحادثة. أذكر أن إثبات التهمة يقع ~~عبؤها على مطلقها. أذكر أن يونس عبد الرحيم بعد أن فاز بامتحان ~~لدخول سلاح الطيران منعوه، وأنه نجح ثلاث مرات بامتحان ترقية ~~وأنهم حجبوا عنه الترقية، وأن عناصر كثيرة في الجيش متبرمة ~~بكثير من قادته. لقد تعددت تأكيداتهم بأنهم وجدوا وثائق تدين، ~~وفي كل مرة يعكسون موقفهم. # وتركنا الشيخ سعيد تقي الدين يستريح قليلا على المقعد، ثم عدنا ~~نسأله بعد لحظات: يتهمون «الحزب» بأنه «يقبض» من الدول الغربية ~~لقاء مناهضة الشيوعية، وبأنه «يقبض» أيضا من العراق ليؤيد ~~الأحلاف؟ # فهز برأسه ساخرا وأجاب: وهذا بعض سلاح الاتهامات، إنه سؤال غير ~~مشروع وغير وارد؛ حزبنا حزب بطولات، والبطولات ما كانت تباع ~~وتشرى. إن أعداء الحزب، أعداء الأمة، يطلقون أبدا هذه ~~الاتهامات الحقيرة، غالبا لا نرد عليها. أذكر أن الزعيم سعادة ~~«ثبت» عليه أنه متآمر مع اليهود. لقد نشرنا رأيا ظهر في ~~جريدة «البناء» ضد الأحلاف، وأخذنا من مقتطفات منشور الحزب ~~مقاطع أعدنا نشرها ولك أن تنشرها. لقد ناهضنا الحلف التركي ~~العراقي؛ لأنه لم يعط بلادنا كلها «الهلال الخصيب» الضمانات ~~القومية التي نريدها، اقرأ المنشور وهو فيما يزيد على الستين ~~صفحة، ودلنا أين قلنا إننا نوافق على الحلف التركي العراقي، ~~ولكن اختراع التهم باب لا ينتهي؛ ولذلك نحن في أكثر الأحيان لا ~~نرد عليه. # وقلنا له: إذن من أين يأتي الحزب بالمال لتسديد نفقاته، وهل صحيح ~~أن أموالا ومساعدات تصل إليكم من أعضاء الحزب في ~~المهجر؟ # فأجاب: هذه المئة ms64 ليرة التي تراها جاءني بها بائع جرائد، كان قد ~~اذخرها ليستأجر «واجهة» يعرض فيها الكتب، لا تنس أن الحزب هو ~~حزب عطاء، وأن عدده عشرات الألوف، وأن لنا فروعا عبر الحدود ~~في: فنزويلا، والشاطئ الذهبي، وليبيا، والبرازيل، والأرجنتين، ~~وأميركا الشمالية، والمكسيك، وبلدان أخرى. # وسألناه إذا كان لأرملة الزعيم سعادة نشاط عملي في الحزب، أم إنها ~~زعيمة روحية فقط، فأجاب بحدة: إن حضرة الأمينة الأولى لا تمارس ~~أية مسئولية في الحزب، إنها رفيقة الزعيم؛ ليس لها صلاحيات ~~دستورية، أو في المعنى الشائع ليس لها «وظيفة» في الحزب. إن ~~القوميين وأشراف المواطنين يجدون فيها رمزا لبطولة المرأة في ~~بلادنا. إن الذين سجنوها لوثوا أقدس تقاليد أمتنا. أسباب ~~اعتقالها يعرفها من ارتكب جريمة الاعتقال وجرائم التعذيب، ~~حسبوا أنهم يذلون الحزب بالتجني على هذه الشخصية المقدسة. إنه ~~بطش الجبان. # وسألناه أخيرا: هل كان الحزب في سوريا يطمع في إحداث انقلاب وتسلم ~~الحكم سواء الآن أم بعد سنوات؟ # فأجاب وهو ينتقل إلى مكتبه الذي تزينه صورة الزعيم سعادة: إن ~~الانقلاب الذي نعمل له هو الانقلاب الخلاق في نفس المواطن، ~~واستلام الحكم في الشام خلال السنوات الأخيرة كان أبدا في ~~مقدورنا، لو أن غايتنا كانت استلام الحكم بالعنف. إن حركتنا هي ~~في جوهرها حركة تثقيفية هادئة، تكون نتيجتها وعيا يسير ~~الحكم نحو خير البلاد وقوتها، لم نستهدف أبدا ترجمة القوة إلى ~~وظائف ولا منافع. إن عدد أعضاء الحزب وفعاليتهم وأهميتهم تفوق ~~أية قوة سواها منفردة، نحن لم نشغل القوى المسلحة بالسياسة أو ~~بالأغراض المحلية، ما أردنا إلا أن يكون رفقاؤنا في الجيش ~~جنودا ممتازين. # | حكاية دخولي الحزب السوري القومي الاجتماعي # اليوم بلغت من العمر الواحدة والخمسين، وإني ~~إذ أتمهل فألقي خلفي نظرة تستعرض الطريق التي مشيت، ~~أجد أن نفسي لا تزال مترسخة في طفولتها ~~وقرويتها. # هذا المقال يسرد بطريقة مستعجلة، مشوشة، حكاية ~~دخولي الحزب السوري القومي الاجتماعي. ~~*** # وتبدأ القصة في طفولتي وقريتي «بعقلين»، ونحن في بعد ظهر كل يوم ~~نجلس أمام بيتنا على البوابة، والناس عند ms65 العشية يمرون بنا ~~بالبوابة، عائدين من الحقول يقفون؛ ليدعوا الجالسين إلى ~~مشاركتهم بما يحملون من عنب ومن تين. وإن الجالس المراقب يعرف ~~من طريقة إلقاء السلام من الذين يمرون، أكان المسلم صديقا أو ~~عدوا: فأما الصديق فيلقي التحية بحرارة ويرددها، ويستفهم ~~مرارا عن الصحة وعن أفراد العائلة جميعا. # وأما العدو فيتمتم سلاما مسرعا ويمضي. # وإني لا أزال أذكر من هؤلاء شخصا طويل القامة، عريض الكتفين، يحمل ~~شمسية صفراء من «ستكروزا»؛ فهو حين يمر بالبوابة لا يتمتم ~~السلام، ولا يلقيه حارا، بل يصوب الشمسية نحونا حتى لا نراه ~~ولا يرانا. # ذلك كان عدونا الأول في «بعقلين» - محمود الطويل. # لا أذكر كم كان عمري إذ ذاك، ولكني أذكر أنني مررت يوما أمام ~~بيته؛ فقال لي: «هذه الطريق خصوصية يا بني.» ... وأذكر أنني لم ~~أعلم يومئذ ما معنى كلمة «خصوصية»، واستفهمت أبي عنها. ~~••• # نحن في أواخر سنة 1945، وقد ارتفع عنا في «الفيلبين» ستار الحصار، ~~الذي شطرنا عن الدنيا خلال الحرب ثلاث سنوات ونصف، وإذا ~~بالبريد يحمل إلي من نيويورك نبأ من قريبنا، أمين أبو حمزة ~~يقول فيه: إن عمي الدكتور رشيد تقي الدين فوجئ بشلل، وكان ~~معدما، وأن الدروز في الولايات المتحدة تعاونوا على تطبيبه ~~وإعاشته، وذكر أسماء المتبرعين والمبالغ التي دفعوها، وكان بين ~~الأسماء اسم فرحان الطويل، واقترح أمين أبو حمزة في رسالته أن ~~أوجه كتب شكر إلى المتبرعين. # وأيقظ اسم «الطويل» في مخيلتي الشمسية العدائية، وكبر علي أن ~~أشكر عدوا على إحسان؛ فآثرت - ولم يكن من اللياقة أن أرد ~~المال للمحسنين - أن أستعيد كرامة العائلة بتبرع ضخم لجمعية ~~درزية، ولسواها، وأعتقد أن ما أرسلته إلى نيويورك بلغ نحو ~~الثمانية آلاف دولار، وكان من السهل أن يفتدى هذا المبلغ ~~برسالة شكر. # يقولون لك: إن الإحسان فيض من القلب. لحد ما هذا صحيح، ولحد كبير ~~إنه خيلاء ودعاية، وفي هذه الحادثة أعتقد أنه كان ~~نكاية. # وعدت إلى لبنان سنة 1948، ووجدت قريتي بعقلين تقريبا كما تركتها ~~منذ ثلاث وعشرين سنة، وكان في المعسكر المعادي ms66 حسن الطويل بن ~~محمود الطويل، ولكنه لم يكن في «المعسكر» المعادي على الطريقة ~~التقليدية، بل قيل لي: إنه في شيء اسمه «الحزب». # وكنت بعد ذلك أسمع ضجة عن الحزب القومي، ولكني لم أكن أقرأ شيئا ~~من كتابات الزعيم سعادة أو أقرأ عنه، وصحيح القول أني لم أكن ~~أقرأ في الصحف، ما عدا الأخبار، إلا المقالات التي أكتبها ~~أنا. # وفي مستهل سنة 1949 رشحت نفسي لرئاسة جمعية متخرجي الجامعة ~~الأميركية، وقيل لي يومئذ: إن أنطون سعادة أصدر أمرا بتأييدي ~~عن غير معرفة، وكان منافسي الأستاذ إلياس المر، وأخوه كان ~~حينئذ وكيل رئيس الوزارة في يوم الانتخاب، وتوجهت بعد الانتخاب ~~أشكر، في زيارة تقليدية، رئيس الحزب الذي أيدني، ورد لي ~~الزيارة في سهرة طويلة استمع بها إلي، ولم أستمع بها إليه، ~~ولقد أخبروني بعد ذلك أنه كان من عادته أنه يصغي، ويصغي، ~~ويتلقف الكلمات قبل أن يدخل في نقاش. # وأعدم سعادة سنة 1949، وتمكنت أن ألمحه خلال دقائق في قاعة ~~المحكمة العسكرية، في فترة الاستراحة. # وفي اليوم الثاني كتبت مقالا في عشرين سطر نشرته «كل شيء» مهملة، ~~أو أن الرقابة حذفت، ثلاثة سطور منه، عنوان المقال «الرصاصة ~~الثالثة عشر». # وفي صيف 1949 ألفت مسرحية ذات فصل واحد، اسمها «المليون الضائع»، ~~ورحت أقرأ هذه الرواية على بعض أصدقائي الأدباء، وأقرأها على ~~نفسي، وكنت أحس أن فيها نقصا تلمسته فما التقطته؛ فهي تعرض ~~مشكلة ولا تحلها. وبقيت هذه الرواية بين يدي نحوا من سنتين لا ~~أجد لها الخاتمة الفنية الصالحة، ولا أدري إن كانت هي في حقيقة ~~الأمر فصلا أو لا من مسرحية ذات ثلاثة فصول، إلى أن جاءتني ~~يوما رسالة من سجين، وهو من أعضاء الحزب، يقول لي فيها «قرأت ~~مقدمة كتابك «غابة الكافور»، وفيها تقول: «إن أكبر همي في ~~الحياة أن أقنع أمي أني لم أعد طفلا.» وزاد السجين معلقا ~~«ليس من الصعب على المرء أن يقنع أمه أنه لم يعد طفلا، بل إن ~~الصعوبة العظمى هي في أن يقنع أمته أنه صار ms67 رجلا.» # وتوهمت حين قرأت هذه الرسالة أن خاتمة مسرحية «المليون الضائع» قد ~~وجدتها، وأنني كذلك أهم بأن أجد حلا يصلح خاتمة لمشكلة ~~حياتي؛ وكأن عنوان المسرحية استحال من «المليون الضائع» إلى ~~«المنبوذ»، وكأن حياتي استحالت من جهود فردية مبعثرة إلى ~~نظامية نشاط في مؤسسة. # ولقد جرى ذلك بعد أن جاءني الأستاذ عبد الله قبرصي، مصطحبا كتب ~~الحزب يقول: «لقد درسنا كتاباتك كلها، ولاحظنا سلوكك؛ فاكتشفنا ~~أنك منا، وأنه لا ينقصك إلا أن تحلف اليمين وتطلع على ~~العقيدة.» وشوقني إلى قراءة الكتب التي يصطحبها، قلت: «ما لك ~~وللمطبوعات؟ تعال أفهمني ما هي مبادئكم»، فلما شرحها صحت: ~~«أهذا كل ما في الأمر؟ لماذا لم تأتوا إلي فور عودتي إلى ~~لبنان؟ لا أرى في هذه المبادئ شيئا جديدا، ولا شيئا ~~مغلوطا، غير أنني قبل أن أنتظم أريد أن أتثبت من أمور ثلاثة: ~~أولها أن الحزب لا يحاول هدم لبنان؛ فإن الذي قال: «إذا قيل: ~~لبنان قل: موطني إلهي، وصل له واسجد» هو عمي أخو أبي، وقد أفصح ~~عن الكثير مما في نفسي نحو لبنان، وأما الأمر الثاني فهو أن لا ~~يكون العنف من بعض أساليبكم، وثالثها: أن لا أؤمر بكتابة شيء ~~أو الكف عن كتابة شيء.» فأجاب: فأما لبنان فهو بعض دمنا، وهو ~~بعض بلادنا، وأما العنف فهي تهمة من التهم التي تصوب إلينا، ~~وأما الكتابة فلك أن تكتب ما تشاء، أو أن تهمل كتابة ما تشاء، ~~غير أنني - كذا قال الأستاذ قبرصي - أتنبأ لك بثروة أدبية ~~تجنيها من تفاعل العقيدة في نفسك. # ولما رفعت يدي باليمين كان حسن الطويل الشاهد الموقع اسمه على ~~بطاقة الانتساب؛ ولقد شعرت إذ ذاك بسبب ما ترسب في نفسي من ~~أحقاد قروية، بشيء من الذل، وأخال حسن الطويل أحس بشيء من ~~خيلاء الظفر؛ لعلنا كلانا إذ وقعنا البطاقة تراءت لنا الشمسية ~~الصفراء. # هذه الطفولة، هذه القروية - وفيها الكثير من الفضائل هي التي في ~~نقائصها، تسور مواطني هذه الأمة عن بعضهم بعضا، وهذا التحجر ~~القروي أو الطائفي أو ms68 العائلي هو العقبة الكبرى في سبيل انتشار ~~الأحزاب التي تستحق شرف هذه التسمية. # | جورج عبد المسيح هو الذي منع الاغتيالات # خيروني، بعد أن دخلت الحزب السوري القومي الاجتماعي، بين أن أبقى ~~عضوا سريا أو أن أعلن انضمامي، وتواعدنا على أن نلتقي بعد ~~أسبوع؛ لأعطيهم الجواب. وخلال هذا الأسبوع جرت حادثتان قررتا ~~أن أذيع أمر دخولي: فقد كنت أتناول الغداء مع الأستاذ عبد الله ~~قبرصي في مقهى «أبو سليم» على الروشة، إذ مر بنا الأمير فريد ~~شهاب مدير الأمن العام وسلم، وبعد أن مشى خطوات دار نحونا وصوب ~~نحوي نظارتيه، ومن خلفيهما عينان تبرقان بالشك والذكاء، وصاح ~~مبتسما، وسبابته حربة تكاد تمرق من كفه: «أو ... و... عى»؛ فشعرت ~~إذ ذاك بشيء من الخداع اكتشفته لأول مرة في نفسي، إذ أخفيت - ~~هكذا اعتقدت - ما كان يجب أن أجاهر به. # وخلال ذلك الأسبوع أحسست كأنني في بيتي وبين عائلتي وجمهور عشرائي ~~وأصدقائي، كلهم للحزب عدو، كأنني على كل هؤلاء الأحباء طابور ~~خامس. وكنا على أن نلتقي في بيت الأمين أديب قدورة في الساعة ~~الرابعة بعد الظهر، وقبل الموعد حضرت مأدبة غداء في البريستول، ~~تكريما للشاعر جورج صيدح، وكان بين الحاضرين الأستاذ جميل ~~مكاوي، ومعرفتي به إذ ذاك سطحية وحديثة، غير أن صديقي طارق ~~إليافي كان قد اجتمع به مرات كثيرة في باريس وفي سويسرا، وكان ~~طارق شديد الإعجاب بجميل مكاوي، مشيدا بجرأته ووطنيته ~~وبالمواقف المثلى التي وقفها في الميادين القومية، وبأعمال ~~دبلوماسية باهرة من أجل عرب المغرب، ودارت الأحاديث حول ~~المائدة في مختلف المواضيع، وجاء ذكر الحزب القومي الاجتماعي؛ ~~فكالوا له الوزنات المعهودة من شتائم وسخرية واتهامات، ولقد ~~تضايقت جدا في تلك المأدبة. # وبعد الغداء إذ كنا نتناول القهوة، ولسبب لا أدريه، انفردت بجميل ~~مكاوي، وقلت له: «أنت مسافر في غد إلى سويسرا، وستسمع بعد أيام ~~أنني دخلت الحزب السوري القومي الاجتماعي، ما رأيك؟» ولم يكن ~~جواب الأستاذ مكاوي محقرا ولا مسيئا للحزب، بل إني أذكر أنه ~~أثنى على مبادئه وتمنى لي النجاح. ms69 وكان مكتبي التجاري يومئذ ~~على محطة الداعوق، وخرجت منه حوالي الساعة الثالثة والنصف ~~قاصدا إلى بيت أديب قدورة، وفي ما أنا أنتظر تكسي، لم أشعر ~~إلا وأتومبيل «كوبيه» يقف، وصوت صديق يدعوني إلى الجلوس معه، ~~فدرنا على البولفار متمهلين متنزهين، وحين وصلنا إلى قرب بيت ~~أديب قدورة شكرت صاحب السيارة الذي أوصلني، وكان الشيخ بيار ~~الجميل. # ذكرني في مستقبل الأيام أن أروي لك، وقد جئنا على ذكر الأمير ~~فريد شهاب - قصة المأدبة التي كدت أن أدعو إليها في أيار سنة ~~1949 ثم لم أفعل، ذكرني أن أروي لك هذه القصة، وكيف كان مكتبنا ~~الهندسي، يقوم بعملية ترميم قصر الأمير فريد شهاب في ~~الحدث. # شعرت بعد دخولي الحزب في الشهور الأولى بخيبة كبرى أين الدهاليز ~~والأسرار؟ أين القائمة السوداء؟ أين الطلاسم؟ أين ~~العبقريات؟ # أهؤلاء الذين أجتمع بهم هم قادة الأمة وأصحاب الكفاءات، والمؤهلون ~~للنهوض بهذه البلاد، والسير بها إلى قمم الحضارة ~~والقوة؟ # لقد كثرت التقولات عن أسباب دخولي الحزب القومي الاجتماعي: ~~فالدكتور نمر طوقان مثلا: يجزم أنني ما انضممت إلى الحزب إلا ~~لكي أتخذ حجة لنشر ذلك البيان - عفوا يا قارئي، البيان الشهير ~~- وهنالك عبقري أكد أن حافزي هو تحقيق أمنية حياتي الكبرى بأن ~~أصبح رئيس بلدية «بعقلين». # بل كانت الخيبة هي أولى اختباراتي في الحزب، وكان من أهم أسباب ~~الخيبة ذلك الكره الشديد، الذي في نفسي عند لقائي الأول لجورج ~~عبد المسيح؛ فإن مظاهره الجسدية، وصوته الأبح، وتلك القذائف ~~الكلامية التي قصف بها أذني وهي خليط من: فلسفة، ومواعظ، ~~وذكريات، وتقريع عن تهامل في الميدان الوطني، وتلك الغرفة ~~المعتمة أظلمتها السجف على شباكيها، وعتمها بابان مقفلان؛ كل ~~ذلك هدم في نفسي شيئا، فشعرت أنني قد تركت البولفار الجميل ~~الذي كنت أتنزه عليه، ودخلت أكمة كلها أشواك وحلك، ولم تسعفني ~~وما أعادت الطمأنينة إلى نفسي، حملة صحفية استهدفتني، وما هو ~~بالشيء الهين أن تكتشف الجفاء والبعد حتى والعداء فيمن أحببت ~~وعاشرت طوال حياتك. # عدم المؤاخذة، فاتني أن أخبرك أن الشاعر عمر ms70 أبو ريشة، والصديق ~~نقولا خير كانا من القلائل الذين استشرت قبل دخولي ~~الحزب. # لم يطل الأمر حتى نشأت بيني وبين جورج عبد المسيح، عدا العلاقة ~~الحزبية، أخوة، لا أعلم، وأنا منذ طفولتي كثير الأصدقاء، أن ~~بيني وبين سواه مثلها؛ فهو لي جد وأب، وأخ، وعم، وابن وحفيد، ~~وأعتقد أنني أفهمه أكثر من سواي؛ لأنني مثله، برغم السنين ~~وتنوع التجارب، لا أزال قرويا. # جورج عبد المسيح ما هو بالشخص الذي شاع عنه. إن الصورة الراسخة في ~~ذهن الشعب أن هذا الرجل بطاش يسكر بالدماء، ولقد وجدته بعد أن ~~عاشرته وعاملته على كل السويات الشخصية والحزبية أنه طفل له ~~جسد جبار وعقله، وله ثقافة الجبابرة، ولا أعلم في الألوف ~~الذين عاشرت من الناس أن في أحدهم من يبزه مناقبية ورفعة ~~أخلاق، ولا أعلم أن في الدنيا من يمكن أن يتجاوزه في الانصراف ~~لخدمة بلاده وإعطائها كل ما في نفسه من مقدرة عطاء. # يقولون: إن جورج عبد المسيح يوحي بالاغتيالات، خذها مني أن الذي ~~منع الاغتيالات هو جورج عبد المسيح، ويقولون: إنه شرس يأمر ~~بالهدم. إن الشراسة في جورج عبد المسيح تطفو في بعض أحاديثه، ~~ولكني لا أعلم من كان، سواه، يقدر أن يضبط هذه القوة الناقمة ~~الثائرة، التي قتل زعيمها وستة من أعضائها واضطهد وشرد ~~ألوفها، من كان يقدر أن يضبطها لو لم تمسك بأعنتها يدان قويتان ~~هما يدا جورج عبد المسيح، لقد اتهمه البعض من القوميين ~~الاجتماعيين بالجبن وبالتخاذل وبالحيرة بعد كارثة 1949؛ لأنه ~~لم يرد عليها فورا وبعنف، ولقد سمعته مرات لا عداد لها يعظ ~~بالفتيان الذين كانوا يأتونه يوميا متطوعين لأعمال العنف، ~~قائلا لهم: إن الانتقام حقارة وأننا لن نثأر لسعادة إلا ~~بانتصار مبادئه. ولو لم يكن لجورج عبد المسيح ماض في القتال ~~وشهرة في البأس؛ لما احترم مواعظه المتهوسون من أعضاء الحزب ~~السوري القومي الاجتماعي. أذكر أن آخر من يطلب القتال هو ~~الجندي، وجورج عبد المسيح تخرج في الميادين، ويحمل في جسده ~~جرحين اثنين: أحدهما في فلسطين، والثاني ناله ms71 في لبنان. ~~••• # ومن الشخصيات الحزبية التي تعرفت إليها المقدم غسان جديد، اجتمعنا ~~لأول مرة بعد أن سرحوه من الجيش، وستثبت الأيام أن هذا الرجل ~~له كفاءات تؤهله؛ لأن يكون من قادة العالم العربي. # إنه صقيل الثقافة عميقها، يتكلم الفرنسية كأحد أبنائها، ويتكلم ~~الإنكليزية بلكنة وتوقف، شأن المثقفين الذين تعلموا لغة على ~~كبر، وهو كاتب يجيد الكتابة في المواضيع العسكرية والفنية، عاش ~~في أميركا نحوا من أربع سنوات، ملحقا عسكريا في الوفد ~~السوري إلى منظمة الأمم، وكان الثقة الذي استشارته الوفود ~~العربية في كل ما يختص بقضايانا مع اليهود؛ لأنه كذلك ترأس ~~اللجنة السورية لأعمال الهدنة، وقد نال تهاني عديدة من الجيش ~~السوري لأعماله في هذا الميدان، أما شأنه كجندي في القتال، ~~فلقد بدأت شهرته سنة 1947؛ إذ تسلل بمائة وعشرين جنديا، ~~تخفوا في ألبسة الجيش الأردني، وهاجموا مخيما بريطانيا في ~~حيفا. # قيدها أمامك: من قادة العالم العربي غدا المقدم غسان جديد. ~~••• # كل كاتب يقنص الأفكار والألفاظ حيث يجدها، «سنلتقي» عنوان مقال ظهر ~~لي أخيرا، اقتبستها لفظة كتبت على صورة أرسلها جورج عبد ~~المسيح إلى الرفيق مشهور دندش، كذلك عنه أخذت «أكثر المنهزمين ~~يهربون وهم قاعدون»، أما عنوان «أخ ... تفه ...» فقد اقتبسته عن ~~الرئيس فضل الله أبو منصور، وكان ذلك بعد أن ترك الشيشكلي ~~البلاد السورية. فضل الله أبو منصور من أبطال الانقلابات، ومن ~~أبطال الجيش السوري، وقد فصله الشيشكلي عن الجيش. في أواخر ~~أيام «أديب» شخص عصام المحايري إلى حمص، حيث كان غسان جديد ~~آمر لوائها، وموقف غسان جديد هو الذي قرر انهيار عهد الشيشكلي، ~~لا تنس أن تذكرني لأقص لك حكاية مؤتمر حمص، عسى «كل شيء» لا ~~يفوتها أن تطلب مني مقالا موضوعه: «قوة الحزب وأخطاؤه». على ~~كل حال توجه فضل الله أبو منصور بمفارز من لواء غسان جديد ~~ورابط خارج دمشق، على أن يهاجمها إن لم يعتزل الشيشكلي الحكم. ~~فضل الله أبو منصور ابن جبل حوران - جبل الدروز، كان في ~~الخامسة عشرة من عمره، حين استهوته ألبسة الجيش الفرنسي ms72 ~~وأسلحته وخيوله؛ فجاء إلى قائد الموقع الفرنسي، وقال له: أريد ~~أن أتطوع في الجيش، أجابه القائد: ارجع إلى بيتك يا غلام وكل ~~كثيرا من البرغل، ثم ارجع إلي بعد سنتين. كل ما في حوران ~~حبيب إلى قلب فضل الله أبو منصور، إنه يتحدث عن سلطان الأطرش ~~ككاهن يجيء على ذكر قديس. بعد حوادث الشيشكلي ومذبحة جبل ~~الدروز والدور البطولي المشرف، الذي وقفه الحزب جاءني إلى ~~بيروت في صباح باكر فضل الله أبو منصور، ناولته جريدة أسبوعية ~~كانت بين يدي، فقرأ فيها البرقية المزورة، وقرأ فيها أننا ~~جواسيس الشيشكلي. رمى فضل الله أبو منصور الجريدة من يده، ~~وصاح: «أخ ... تفه» قيل لي، وفضل الله أبو منصور لا يزال في ~~البلاد السورية، إنه قرأ مؤخرا الجريدة الأسبوعية، وصاح ~~ثانية: «أخ ... تفه ...» # ولا يعرف أهمية الانضباط الحزبي والمعجزة التي حققتها الحركة ~~القومية الاجتماعية، إلا الذي تعرف إلى بطولات فضل الله أبو ~~منصور، وكيف اكتنزت الأجيال البطولة في دمه؛ فجاء الحزب ~~فروضها، فإذا بابن حوران كأي قومي اجتماعي آخر يقبل الأمر ~~ويطيعه. # هنا أتمهل بكثير من الخشوع لأتحدث عن زوجة الشهيد ورفيقته التي ~~سجنوها. # سنة 1948 كنت في سجن مع سعد الدين الجارودي وكامل حمادة في مانيلا، ~~ودخل ذلك السجن الرهيب مواطنون لنا منهم: فؤاد جريديني، وعبد ~~الله معصب. حتى ذلك التاريخ كانت الدنيا تحسب أن البشر لم ~~ينتجوا ضواري أشرس وأظلم وأحط من بعض اليابانيين، ولكن هؤلاء ~~اليابانيين أنفسهم، وقد سجنوا سعد الدين الجارودي، وفؤاد ~~جريديني، وعبد الله معصب، وسجنوني، كانوا يمنحوننا «شرف ~~الفروسية»؛ إذ إنهم تعلموا في مدارسهم أن بلادنا اشتهرت ~~بالفروسية، وبذلك الاحترام يوجه للنساء. # يا خجل ضواري اليابانيين ويا خجلنا أمام الدنيا؛ إذ سجل أنذال من ~~شعبنا أحقر جريمة عرفها تاريخنا؛ إذ شدوا بشعر زوجة الشهيد ~~أمام طفلات أنطون سعادة وشتموها! # تعددت اجتماعاتي بحضرة الأمينة الأولى؛ فهي رفيقة كل قومي اجتماعي، ~~وهي أمه وهي أخته، كان كل همي حين أتحدث إليها أن أفجر تلك ~~الدموع الحبيسة التي وقفت خلف عينيها. ms73 كنت أخال أنني أعده ~~ظفرا أن أنجح بتفجير خزان الآلام فتنهمر بكاء، كنت أتمنى أن ~~أذكرها بالزعيم وحوادثه وحياته رجاء أن تموع فتبكي، ولكنها لم ~~تفعل، كلما أتمناه اليوم أن تضعف الأمينة الأولى، فتبكي ولو ~~مرة واحدة ولكني أخالها لن تفعل. # ما معنى لفظة «الأمين» أو «الأمينة»؟ إنه لقب يعطي لأي قومي ~~اجتماعي، بعد أن يمر عليه سنوات خمس في الحزب يظهر خلالها في ~~الإنتاج، شيئا من التفوق، ليس للأمين أية مسئولية كانت إلا أن ~~له الحق أن يساهم في انتخاب المجلس الأعلى، وفيما عدا ذلك، إن ~~هو لم يتسلم مسئولية ما؛ فشأنه وشأن أي قومي اجتماعي آخر سواء، ~~والأمينة الأولى بحكم أمومتها وشهادة الزعيم، ما اشتركت في ~~المسئوليات ولا تسلمتها ولا طلبتها وهي بعيدة - في أكثر ~~الأحيان - عن نشاط الحزب. # توهمت فور دخولي الحزب أنني في غابة مظلمة؛ ذلك لأن عيني بهرهما ~~مزيف الشعاع في ذلك الصالون الذي كنت أعيش فيه، واليوم أرى ~~الأشياء في العتمة كما هي؛ لأن عيني استعادتا النظرة الطبيعية ~~الصحيحة للأشياء. # | اليد التي توقع الصلح مع إسرائيل ... تقطع من العنق # ... وحين شاع أمر دخولي الحزب سرت إشاعة أنني أصبحت زعيمه «خليفة ~~سعادة»؛ ذلك لأن الأكثرين يجهلون أن ما يضبط الحزب هو دستور، ~~والذي يسيره هو شيء فوق الدستور، شيء غير مكتوب - إرادة ~~القوميين الاجتماعيين - وهي لا تفرض عليهم، بل هي شيء ~~يكتسب بالولاء والإنتاج الحزبي. # ذكرت أمر «زعامتي» للحزب بعد شهور من انضمامي للحركة، إذ كنت أقرأ ~~في النظام الجديد، منتظرا إذنا بالدخول على أحد المسئولين، ~~أذكر أنني قرأت نحوا من 82 صفحة، فيما كان المسئول منشغلا ~~عني وأنا خارج الباب، والناس إذ ذاك يتحدثون بأنني «زعيم» ~~الحزب ... وبقيت من غير مسئولية «وظيفة» حتى في الانتخابات ~~النيابية عام 1953، إذ كان بعضهم يفاوضني بتأييد الحزب له - لم ~~يعرف الأكثرون أن كل شأني حينذاك كان تدبير سيارات للدكتور عبد ~~الله سعادة مرشحنا في الكورة، هنا يثور سؤال: لمن الرأي في ~~الحزب؟ # فالناس يتوهمون أن أمرا يصدره شخص ms74 فيطاع، هذا صحيح وغير صحيح؛ ~~فالأمر يصدره شخص، وفي أكثر الأحيان تصدره هيئة مسئولة، ولكنني ~~لا أعرف خلال ما يقرب من سنوات خمس أن أمرا صدر إلا بعد دراسة ~~وتشاور وتقارير، كان أكثر ما يوحي هذه الأوامر الرأي العام بين ~~القوميين الاجتماعيين؛ لذلك كثيرا ما أضحك حين أسمع، وبالأخص ~~في أيام الانتخابات، أن المرشح الفلاني صرح بأنه صديق لفلان من ~~«أركان» الحزب، وأنه يستطيع أن يستصدر أمرا برفة عين وينتهي ~~الأمر. # لمن الرأي في الحزب؟ لمن الشأن؟ # الدستور حدد الصلاحيات والمسئوليات، ولكن الرأي هو للرأي. إن هنالك ~~قرارات هامة أوحى بها اقتراح من عضو في مديرية «القلمون» مثلا ~~قرب طرابلس، والشأن في الحزب - بقطع النظر عن المسئولية - هو ~~للذي يكسب بالقدوة وبالعمل وبالولاء احترام الأعضاء، وهذا ~~الاحترام لا يقترع عليه، بل هو شيء تلمسه وتحس به، لا أعلم ~~أناسا أشد قساوة من القوميين الاجتماعيين على رفقائهم، إنهم ~~يحاسبون بعضهم على كل كلمة يقرءونها أو يسمعونها، وعلى كل عمل؛ ~~وفي المدى البعيد هذا وحده ما يقرر شأن القومي الاجتماعي في ~~حزبه. # وأخيرا تسلمت مسئولية منفذية بيروت، ومول هذه المنفذية، فور ~~نشوئها، من باع حاجيات في بيته ضرورية حتى ركز أمورها المالية. ~~وبعد شهرين تولد موقف في أحد الليالي أوجب ما يسمى «حالة ~~تنبه»، وجلست لأكتب الأمر الأول الذي أخطه، فبدأت الرسالة: ~~«حضرة الرفيق فلان ... أرجو أن تأتوا إلى بيروت»، وكان إلى جانبي ~~مرشد من القدامى في الحزب، فتناول الورقة مني، وكتب سواها ~~هكذا: «حضرة الرفيق فلان ... تبلغوا وبلغوا أن عليكم ...» # وبعد أربعين دقيقة أقبل الرفيق ليلقي التحية ويتلقى التعليمات، ~~طفنا في تلك الليلة على المديريات مرتين: الأولى لنتفقد القوى، ~~والثانية لنذيع انتهاء حالة التنبه. ~~«تبلغوا وبلغوا ...» # كلمتان حفرتا في عقلي وقلبي شيئا لا يمحى. هذا الحزب الذي لا يعد ~~أعضاء إلا بالتضحية والحرمان، أي شيء فيه يوحي الطاعة. ~~«تبلغوا وبلغوا ...» # وفي اجتماع إحدى المديريات انتصب أمامي أحد مشهوري الرياضيين في ~~هذه البلدة، ورحت أعنفه بقساوة عن تقصير، وهو - كما يجب أن ms75 ~~يكون - ساكت، وفي ذروة فصاحتي لمع في ذهني هذا التساؤل: أي ~~سلطة لي على هذا الرجل؟ من الواضح أن في عضلاته قوة لو شاءت ~~لرمتني من النافذة، وفجأة أخرستني دمعة؛ في هذا الحزب شيء كبير ~~ضخم لا تقرأه في منشوراته، يجب أن تحياه حتى تفهمه. # غير أن حياة المسئول في الحزب ما هي كلها أوامر يصدرها، جاءني ~~يوما أحد الأعضاء برسالة في مغلف مقفل موجهة إلى عميد الحزب، ~~سألته ما في الرسالة حتى أقفلها عني، أجاب العضو «هذا سؤال ليس ~~من حقك أن تسأله؛ فالدستور كفل لي حق الاتصال بمن هو فوقك ~~بالمسئولية، أما وقد طرحت هذا السؤال، فخذ علما أن في هذا ~~المغلف شكوى عليك.» # وبالطبع فقد وصلت الرسالة إلى المرجع المختص، وكانت من رفيق مهنته ~~الحلاقة. # ومرة ثانية جاءني غيره برسالة مقفلة إلى الرئيس، وغلب علي ~~الفضول؛ فطرحت السؤال، فأجابني العضو «هذه أمور هامة أجد أنها ~~أكبر من أن يعالجها منفذ في الحزب، فوجهت الأمر إلى حضرة ~~الرئيس.» # دستور الحزب كفل حق العضو فيما هو حتم عليه، ممارسة الواجب. # بين الأوراق التي صادرها الجيش السوري في دمشق شكاوى ودعاوي حزبية ~~لا عد لها، أذكر أن الحزب طرد أحد أعضائه فور خروجه من السجن، ~~حين ثبت سلوكه الشائن بين جدران السجن، أذكر أن أحد القوميين ~~تقدم بدعوى ضدي؛ لأنني سمحت لألبر رزق - «عدو الحزب» بتعهد ~~«نادي المتخرجين»، بدلا من أن ألزم النادي لأحد ~~القوميين. # وبعد أن أصبحت «منفذ بيروت» اتصل بي أحد الأجانب يريد بحث أمر ~~سياسي، فاستمهلته وتلفنت المسئول؛ فجاء الجواب «باحثه علنا في ~~ساحة البرج، أو سرا في قاع البحر»، وتعددت بعد ذلك خلال ما ~~يقرب من سنتين اجتماعاتنا بأجانب سياسيين وثقافيين وتجار: ~~بعضهم يتستر بمهن، ولكنهم في حقيقة الأمر رجال استخبارات، وهم ~~ينتمون إلى دول مختلفة؛ وكانت كل اجتماعاتنا تنتهي بعراك ~~فتنقطع ثم تتجدد. # ماذا كانت هذه الأبحاث تتناول؟ # كانوا يعظون بأن الشيوعية تهدد العالم - وبالتالي بلادنا - ~~بالإفناء، وكان الجواب أن الحزب أدرك هذا الخطر منذ ms76 نشأته، ~~وحارب الشيوعية حربا غير متقطعة، وكافحها في فترات كان ~~الغربيون خلالها يتساقون كئوس الشمبانيا مع سادة الكرملين، ~~كانوا يطلبون معلومات عن الشيوعية، وكنا نجيبهم نحن سادة ~~البلاد وأنتم الأغراب، فإن شئتم مكافحة الشيوعية، فزودونا أنتم ~~بما عندكم من معلومات عالمية؛ فاستخباراتنا هي لمعلوماتنا نحن، ~~والشيوعيون هم مواطنون لنا وإن كانوا مواطنين مرضى، ولا نسمح ~~لغريب أن يتجسس عليهم، وكانوا يسألون ماذا تريدون؟ وكان الجواب ~~أن ينقطعوا عن التدخل في شئون بلادنا، وأن يمحقوا هذا الحلف ~~الشرير القائم بينهم وبين الضعفاء والفاسدين من حكامنا ~~ومتنفذينا، وكانوا - أكثر ما كانوا يبحثون - بصلح مع ~~«إسرائيل»، وبتعايش سلمي معها؛ وأنهم إذ ذاك يغرقون بلادنا ~~بالإعانات والأموال، وكان الجواب «أن اليد التي توقع الصلح مع ~~إسرائيل نقطعها من العنق». # | أمام الحزب سبع سنوات لينتصر أو يتلاشى # حين رجعت إلى بيروت في نيسان 1948 كان بين الأحلام التي حققتها ~~الحياة اجتماعي برفيق في الدراسة، كان ولا يزال من أحب الناس ~~إلي، وكنت كأي مغترب عائد هدفا لنصائح يتطوع بإسدائها كل ~~زائر، غير أن هذا الصديق كانت لكلماته نبرة الود الأصيل، وفيها ~~اختبارات الحياة، قال لي: «البلاد ليست كما تركتها، وأنت عائد ~~من جهنم حرب، اسمع مني وتعال نقضي سائر الحياة مفتشين عن أحسن ~~مقهى وأفخم مطعم وأطيب أركيلة وأجمل امرأة، تعال نضرب هذه ~~الدنيا بصرمة.» أجبت: «إن فعلنا كل ذلك ألا تكون الدنيا قد ~~ضربتنا بصرمة؟» # هذا الصديق أجتمع إليه مرات متقطعة، نعيش خلالها في واحة من الود ~~الطاهر والأخوة الصحيحة، غير أني في الشهرين الأخيرين لم أجتمع ~~إليه، وقد تلفن إلي مساء يقول: إنه قادم لزيارتي، فسألته ألا ~~يفعل؛ إذ إنه في تلك الليلة وفي الليلة التي سبقتها حدثت حول ~~بيتي حوادث عدة، منها: القبض على جاسوس للمكتب الثاني كان ~~يراقب بيتي، ومنها أن «جيب» وفيه بعض رجال المكتب الثاني، كان ~~يدور حول بيتي ويقف بالقرب منه؛ فيستفهم السائق عن محلات الآ. ~~ب. ث. مثلا، ومن هذه الحوادث أن بعض قوى الأمن طاردت شيوعيين ms77 ~~كانوا تحت إشراف الأستاذ حسيب نمر مرابطين حول بيتي، وتأتي ~~أنباء المعذبين في دمشق، فإذا بالبرابرة يسألون الكثير عن سعيد ~~تقي الدين وعن بيته والتحصينات التي فيه والحرس المرابط حوله ~~وعن المختبئين في البيت. # أسائل نفسي ما الذي فعلت حتى أستحق كل هذا التكريم؟ ولا أستعمل ~~لفظة «التكريم» بروح العبث أو السخرية أو الدعابة، لقد اجتمعت ~~مؤخرا بمسئول كبير في هذه الدولة، فقال لي في معرض النصح: «كل ~~الناس أصدقاؤك، كلهم يودونك ويحترمونك. لماذا لا تنسحب من ~~الحزب السوري القومي الاجتماعي، فترجع صديقا للجميع؟ إن ~~انسحبت أنت من الحزب، فما الذي يبقى فيه؟» هذا السؤال هو الذي ~~كان يعذبني كثيرا، فإني كثيرا ما أحاسب نفسي أن كتاباتي ضخمت ~~شأني في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وأن مساهمتي لا تستحق ~~هذا التكريم لا من الرفقاء ولا من الأعداء. الحزب هو يوسف قائد ~~بيه، وخليل الطويل خلف قضبان السجن، الحزب هو ناظر التدريب في ~~منفذية، النبي عثمان يترك بستانه وينطلق في جرود بعلبك مبشرا، ~~الحزب هو خالدة صالح الفتاة الأديبة تتطوع للمخاطر، الحزب هو ~~«أدونيس» الشاعر تتلوى نفسه من الظلمات، الحزب هو ألف «جميل ~~عريان» يتطوع بمهمة تنتهي به للتعذيب أو للموت، أما الذين تضج ~~بهم الصحف، فهم أقل من في الحزب أهمية، لو أن هذا الحزب كان ~~كتابة وخطابة وفصاحة وبيانا، لكان انتهى أمره من زمن بعيد؛ ~~إذن وقوة الحزب هي غير منظورة وغير ملحوظة وغير ضجاجة، فما هي ~~بعض مواطن الضعف فيه؟ في اللغة الفرنجية لفظة: # Atavism # لا أدري إن ~~كانوا قد نقلوها إلى العربية بلفظة تؤدي المعنى، لعل أقرب ~~الإصلاحات لترجمتها هي: «الردة الوراثية»، وهي التي تظهر ~~بالوليد مزايا من: جسدية ونفسية ترجع إلى جد بعيد بعيد. # في صفوف الحزب القومي الاجتماعي بين أعضائه تظهر هذه الردة، هذه ال # Atavism # في كثير من ~~الحالات؛ لأن الحركة القومية الاجتماعية نهضة تربوية، تثقف ~~المواطن بما كان يجب على المدرسة وعلى البيت وعلى الأبوين أن ~~يثقفوه بها؛ فهذه التربية وقد جاءت أعضاء الحزب ms78 على «كبر»، ~~وابتنت على غير أساس متين بنته العائلة أو المدرسة، هي أبدا ~~معرضة لردات في النفس إلى مفاسد وضعف سيطر على هذه النفس قبل ~~اعتناقها القومية الاجتماعية. في صفوف الحزب وبين أعضاء معنيين ~~كثير من الوشوشة والثرثرة، من تحليل لحوادث 1949 أجد أن أكثر ~~الخيانات التي سرى أمرها بين الناس هي غير صحيحة سببها الوشوشة ~~والثرثرة. لقد كان في الحزب خونة، ولكن عددهم كان أقل بكثير ~~مما ينتظر في مؤسسة كذا عدد أعضائها. للحزب شهرة بالنظامية، ~~ولكنني أعتقد أن الإيمان في الأعضاء هو أشد من نظاميتهم، هو ~~هتفة في النفس لا تحتاج إلى ترويض، والنظام هو تدريب أكثر منه ~~عاطفة. منذ أسبوعين دخل علي في البيت أحد الأعضاء، وتاريخه ~~الحزبي ناصع مشرق فوجدني، كما يجدني كل زوار بيتي في الصيف، ~~مرتديا القميص والكلسون؛ فاغتاظ وظن أن استقبالي له في هذه ~~الحالة تحقير له؛ ذلك لأن هذا الرفيق نشأ كما نشأنا جميعا على ~~أن إظهار بعض أجزاء الجسد هو «عيب»؛ لذلك نحن نقول: «رجلي، أنت ~~أكبر قدر»، ونحن لو فقهنا لعرفنا أن القدم، كالأذن وكالقلب ~~والعين، لا تستحق التحقير. # فبعض مواطن الضعف في الحركة القومية الاجتماعية هي هذه الردة إلى ~~خلايا في النفس، محتها هذه النهضة أو خلايا في النفس، تبعث في ~~النفس بعض أو كل ما نشرته في النفس القومية الاجتماعية من ~~فضائل. كانوا في ما مضى يغنون: «نعبد في الدنيا ربين - الله ~~وأنطون سعادة»؛ ذلك لأن المقبلين على حركة أرادت أن تحررهم من ~~عبودية شخص ثارت فيها الردة، فأرادت أن تعبد شخصا آخر، هذه ~~الأغنية بحث المسئولون في الانقطاع عنها بأمر حزبي، ولكن هذه ~~الأغنية خرست إلى الأبد بفضل التربية، التي فعلت في نفوس ~~القوميين ومن غير أمر. # هذه الردة ستظهر في المحاكمات التي ستجري في دمشق؛ فإن أكثر ~~القوميين أظهروا جرأة وشجاعة وبطولة، ولكننا نترقب أن يكون ~~بينهم في يوم المحاكمات من تثور في نفسه الردة - خلايا الضعف ~~والفساد - التي خدرتها النهضة. بين الأمين معروف صعب وبين ms79 رئيس ~~الحزب عداء أسبابه كثيرة، منها: أن جورج عبد المسيح قوي الجسد ~~قوي الروح مقاتل، ومنها أن جورج عبد المسيح شديد القساوة في ~~مقاييسه الحزبية، ومنها ذلك الطبع الإنساني الذي يبغض التفوق ~~خصوصا حين يتضح قوة جسدية، بسبب كل هذا كان الأمين معروف صعب ~~قيد المحاكمة الحزبية، وكان عداؤه لرئيس الحزب جورج عبد المسيح ~~سافرا، ولن يكون متحجبا في يوم المحاكمة. # يقول بعض علماء الاجتماع: إن كل نهضة لا تنتصر في الثلاثين سنة ~~الأولى من حياتها تفنى وتتلاشى. والنهضة القومية الاجتماعية ~~عمرها ثلاث وعشرون سنة. الملاحظات الاجتماعية ليست لها دقة ~~العلم، على أننا لو سلمنا بهذه النظرية؛ فأمام الحزب السوري ~~القومي الاجتماعي سبع سنوات ليحقق فيه النصر أو يتلاشى، برغم ~~كل مواطن الضعف التي أوردناها، وبرغم الردة التي شرحناها؛ ففي ~~يقيني أن هذه السنوات السبع المقبلة ستسجل النصر، وأكبر الظن ~~أن لن يأتي في سبع سنوات، بل في سبعة شهور، وأنني أستمر في ~~نشاطي؛ لأن خلايا نفسي لن تخضع للردة، فلن أفتش عن أطيب أركيلة ~~وأفخم مطعم وأجمل امرأة! # | مواطن الضعف في الحزب القومي # أتمهل هنيهة طويلة قبل أن أسطر هذا المقال. # ما الضعف؟ ما القوة؟ # هل هناك جوهر مجرد اسمه ضعف - أو كله ضعف - أو قوة؟ # أم تحمل القوة في نفسها عناصر الضعف، والعكس بالعكس؟ # الحزب، مرهق فقير، ودعاوته تتحدى ما يبدو مستحيلا، وتعابيره ~~الحزبية للوهلة الأولى غريبة، وفي أكثر الأحيان مزعجة ~~صافعة. # أفي ذلك ضعف أم قوة، أم كلاهما مجتمعان؟ # لك أن تجيب على هذه الأسئلة على لسان بشار بن برد: «خرجت بالصمت عن ~~لا ونعم.» # أتستطيع هذه الحركة أن تنجح، وليس في صندوقها قرش؟ # وهذا البراز المستمر إذ تقول لمن نشأ وانتشى على أنه درزي، أو ~~ماروني، أو شيعي، أو سني: «أنت سوري»، وإذ تقول لهذا الجيل ~~الطالع في لبنان: «أنت سوري من لبنان»، ولابن العراق الذي ما ~~عرف إلا أنه عراقي أو عربي، كيف لهذه الحركة أن تقنعه أنه ~~سوري، هذا مستحيل، ولماذا كل هذه الكركبة؟ ms80 هنالك أساليب سهلة ~~فلماذا لم يتبعها سعادة؟ وهذه ال «تحيا سورية» لماذا؟ مرحبا، ~~وبونجور، صباح الخير، ونهارك سعيد، كلها أخف على السمع وأقرب ~~إلى القلب. # أما المال فليس أكثر تقديرا له من الذي هو في حاجة إليه. # وفي حياتي الحزبية لم تمر بي أيام، شعرت فيها بحاجة الحزب للمال، ~~وبسهولة تناوله من فترة انتخابات المتن الأخيرة، التي عقبت ~~وفاة الأستاذ أميل لحود. كان المرشحون ثلاثة: سليم لحود، خليل ~~أبو جودة، شاهين شاهين، والثلاثة أغراب عن الحزب، ولا أعتقد أن ~~انتخاب أي واحد منهم يغير في مجرى تاريخ بلادنا، وكلهم أنفق ~~على الانتخابات، وكلهم كان في شوق حار لتأييدنا له، وبدلا من ~~أن نؤيد أحدهم هرعنا إلى حبيب عقل - بعد أن تخلى عنه حزبه - ~~وحملناه أن يرشح نفسه، ولحد ما تكبدنا بعض مصاريف، ~~لماذا؟ # ما السبب الذي قرر هذه الخطوة؟ هذا هو السؤال. # ما الذي يجعل القومي الاجتماعي وليا لحزبه مقاتلا من ~~أجله؟ # أمليون ليرا مخبأة في مصرف، أم تحرق لتحقيق غاية يناضل فيما هو ~~يناضل، من أجلها، العوز وصعوبة أسباب العيش؟ # في تاريخ الأحزماب حركات نجحت حين وجدت من يمولها، وحركات نجحت وهي ~~ضامرة الخصر؛ المال يختصر الطريق، والمال إذ يشيع الرخاوة يقعد ~~بالسائر عن السير في الطريق. الثورة السورية 1925-1927 تلاشت ~~حين تدفقت عليها أموال المغتربين، ودولة «إسرائيل» ما كانت ~~لتنشأ، لو أن أحد المسئولين في دولة عربية وقع شيكا بمئة ~~ألف جنيه ثمن مخيم عتاد حربية، جاء ثلاثة ضباط بريطانيون إلى ~~«سان جورج» ليبيعوه، هو نفس المخيم الذي مشى إليه المقدم غسان ~~جديد على رأس قوة من مائة وعشرين مقاتل، عبر المستعمرات ~~اليهودية، ونال بسبب هذه البطولة أرفع وسام يمنحه الجيش ~~السوري، ولا يتزين بهذا الوسام إلا اثنان أحدهما غسان ~~جديد. # المال يقوي والمال يضعف. «خرجت بالصمت عن لا ونعم». # عقيدة سعادة تؤمن بالمادة وبالروح، كلاهما واحد، هذه هي على ما ~~أفهم، المدرحية. # والمال - عدم وجوده - هو الذي هدم بالحزب منذ نشأته. سعادة كان ~~يركب الترامواي بصحبة من ms81 كان يدفع عنه. من الأرجنتين كان يكتب ~~لتلميذ في الولايات المتحدة اسمه غسان تويني، يستعجل تبرع ~~الرفقاء بخمسمائة دولار، وبعد ثلاث وعشرين سنة وتلامذة سعادة، ~~وفيهم اليوم الثري والموسر، لا يزال المال - عدم وجوده - يؤخر ~~في سير الحركة، أو يدفع بها إلى الأمام. # ولكن الاشتراكات والتبرعات - خصوصا في الأزمات - تستمر سيلا ~~شحيحا أو متدفقا، والخدمات المجانية التي يتطوع لها الرفقاء ~~خلال السنة لا تشتريها الملايين، كثيرا ما تفاخر أن الحزب ~~فقير. بعضنا لا يجد في الفقر مدعاة المفاخرة. # أما الدعاوة فالضعف فيها - أو القوة - مردها إلى أمرين: هذه الحدة ~~والقساوة، وكدت أقول: الشراسة في كلام بعضنا أو كتاباتهم ~~كثيرا ما أبعدت عنا الناس. أذكر في سنة 1950 كنت في جريدة ~~«النهار» إذ وثب إلي - خلت أنه واثب إلى عنقي - فتى من خلف ~~جهاز الراديو، وراح يقصفني بكلمات «الزعيم ... الزعيم ... سوريا ... ~~أمة تامة ... الخصوصيات المرتكزات ... المعطيات ... أن فيكم قوة ...» ~~واستمر هذا القصف أكثر من ساعة، لا أذكر من تلك المباحثة إلا ~~أن نظارتين كانتا ترتجفان أمام عيني، وساعدين يدوران في الجو ~~كدولاب الناعورة، وأخيرا سألت الفتى اسم حضرتك؟ أجاب: «أنا ~~القومي الاجتماعي جبران حايك»، من المؤكد أن لهجة جبران ~~العدوانية أبعدتني عن الحزب. # ما سبب هذا؟ وهل هو ضعف أم قوة؟ # السبب هو أن الواحد متى تجند في الحزب أصبح يحس حدة مشكلات بلاده؛ ~~فالحدة في نفسه، فهو ناقم على كل مواطن يحسب نفسه سائحا في ~~بلاده، متفرجا على ما يجري، وهو كذلك يوقن أن أمر إنقاذ بلاده ~~هين إن تحسس مشاكلها كل مواطن، فهو عنيف ينحو باللائمة على ~~المتفرجين، ثم إن النظام الحزبي وما توقظ بالرفيق «روح ~~الجماعة» يجعله مقاتلا، هذا العنف في الحديث وفي الكتابة أضعف ~~الحزب بأن أبعد عنه الكثيرين، ولكن ما حيلتك وأكثر رأسمال ~~الحزب - كأكثر رأسمال أي جيش - أن أفراده، يجب أن يكونوا ~~ملتهبين حماسة بالإيمان مستعدين للصراع. # وما دمنا قد جئنا على ذكر جبران حايك، فما قولك أنني اليوم أخاطبه، ~~ويخاطبني، ب «حضرة الرفيق»، ولماذا ms82 كل هذه «العجقة» في ~~الاصطلاحات، وفي السلام، وفي الجلوس، وفي افتتاح الجلسات ~~واختتامها؟ # الجواب بسيط؛ كل شيء مدروس وله أسباب سيكولوجية، وأكثر ما نمارسه ~~تمارسه سوانا من المؤسسات الراقية. إن مخاطبة سواك ب «يا حضرة ~~الرفيق» يغمركما بلياقة وكياسة تمنع الاصطدام؛ فكم من مرة كاد ~~يتضارب أحدنا مع الآخر لولا حضرة الرفيق، يستحيل أن تقول لأحد ~~مثلا: «حضرة الرفيق يلعن أبوك»؛ فهذه الكياسة المفروضة، وهي ~~تمارس في كل الجيوش - تصون التعامل، فيما تصون وتستبقيه في ~~دائرة الكياسة. # وبعد، فهذه حركة هي إنقاذ، كذا قالت للناس، كذا قالت لنفسها، كذا ~~وعدت وكذا تنفذ. # من يقدر أن يخطط لعظائم الأمور، جالسا إلى كأس عرق أو في جو من ~~الدعاب. في الكنيسة، وفي المسجد، وفي مكاتب العمل طقوس عبادة، ~~وسلوكية عمل، وهذه الحركة تتبع مناقبية سلوك وشكليات تزعج ~~المتفرجين على بلادهم؛ فهي ضعف بأنها لا تستهويهم إلى صفوفها، ~~ولكن هذه النهضة لا تتودد إلى السواح بل إلى المناضلين. # يا حضرة القارئ - حضرة الرفيق - كل تغير، كل تمرد، كل تحول، كل ~~ثورة فيها الغريب، وكل جديد غريب، وحركتنا فيها الغرابة، فيها ~~غير المألوف؛ لأنها في جوهرها تريد أن تغترب عن المألوف الذي ~~حجرنا. # | علاقة الرئيس شمعون بالحزب القومي # كثرت كتابة المأجورين في الأسابيع الأخيرة عن ~~صداقات ود، تربطني بفخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، ~~وعن اجتماعات الرئيس بجورج عبد المسيح، بل إن ~~مسئولا كبيرا في دمشق، تعلم أساليب الدعاية ~~المرهفة، راح يوشوش زائريه مستحلفا إياهم بحفظ السر ~~أن بين يدي حضرة المسئول في دمشق صورة رئيس ~~الجمهورية، مجتمعا إلى جورج عبد المسيح، واندفع ~~مأجور آخر يذكر الناس بخطاب ألقيته في حفلة ~~«الكتائب»، وبخطاب آخر في حضرة الرئيس السابق بشارة ~~الخوري، الذي كنت معه كأني من أهل بيته ألاعبه ~~«البردج» في السهرات. ~~*** # من أكبر مواطن الضعف في الحزب القومي أن ليس فيه من يلاعب رؤساء ~~الجمهوريات - البردج، وليس فيه من يدخل قصر الجمهورية كأنه من ~~أهل البيت. # وما دمنا قد جئنا على هذا الموضوع؛ فلا بأس من ms83 أن أذكر أن الخطاب ~~الذي ألقيته في حفلة الكتائب، وعنوانه: «خطاب يفتش عن موضوع» ~~كان من جملة الأسباب التي حفزت بعض مسئولي الحزب السوري القومي ~~إلى دعوتي إليه، وأن خطابي «القرميدة المكسورة»، الذي ألقيته ~~في حفلة الرئيس بشارة الخوري كان أعنف انتقاد وجه إلى رئيس ~~جمهورية، ضمن كياسة الأدب، ألقي في حضرته، كلاهما منشوران ~~في كتابي «سيداتي سادتي». # لنتبسط قليلا، من أجل تلمس مواطن الضعف في الحزب، بالحديث عن ~~فخامة الرئيس، وعن وزير الأشغال، الأستاذ مغبغب. # على الصعيد الشخصي كان أبي، محمود تقي الدين، وكان أب الرئيس ~~الحالي نمر شمعون صديقين حميمين، نفيا معا إلى الأناضول في ~~زمن الأتراك، وكنت أراهما مرارا لا عداد لها على بلكوننا في - ~~الحدث - مع سواهما من موظفي حكومة جبل لبنان أيام الحرب ~~العالمية الأولى، يتساقون كئوس العرق، ولقد درست في دير - مار ~~أنطون - في بعبدا مع أميل شمعون وفؤاد شمعون، ومن «الفيليبين» ~~تكلمت على التلفون إلى نيويورك مع رئيس الوفد اللبناني الأستاذ ~~كميل شمعون مرات عديدة، وتبادلت وإياه تلغرافات تعد كلماتها ~~بالألوف، بمناسبة تقسيم فلسطين، وقبل أن أرجع إلى لبنان كتبت ~~مقالا ظهر في «الصياد» عنوانه: «وجهان عربيان»، وكان عن عادل ~~أرسلان وكميل شمعون. # وكان الحزب - منذ سنة 1948 - يساند كميل شمعون المعارض ضد رئيس ~~الجمهورية بشارة الخوري، وإن اعتبرت بكم صوت فاز المعارضون ~~الخمسة في الشوف سنة 1951، وكم للحزب من قوة في هذه المنطقة ~~انتهيت إلى حقيقة، وهو أن عهد بشارة الخوري كان قد طحن ~~المعارضة، على الصعيد الانتخابي، لولا أصوات الحزب. # وقبيل اعتزال بشارة الخوري الحكم كانت علاقة المعارضة بالحزب ~~متوثقة، وكانت اجتماعات الأستاذ كميل شمعون بممثلي الحزب يومية ~~والتعاون على أتمه، وفي أزمة أيلول، وقد سبقها يوم «دير القمر» ~~كان للحزب فضل - ولا نريد أن نقول كل الفضل - في استمرار ~~الإضراب في بيروت، وفي أن السلطة العسكرية أشارت على بشارة ~~الخوري بالاعتزال؛ فالرئيس شمعون وبعض أصدقائه الخلص يعرفون من ~~كان مستعدا، لو لم يعتزل بشارة الخوري الحكم. # أما وزير الأشغال الأستاذ ms84 مغبغب، فهو ابن خال لأمين في الحزب، وبين ~~عائلته وبين أعضاء الحزب صداقات عائلية ترجع إلى ما قبل مولد ~~نعيم مغبغب، ولقد سانده الحزب، وكان فوز مغبغب بأصوات ضئيلة في ~~الانتخابات الأخيرة، لسبب واحد هو أن نعيم مغبغب في أزمة لبنان ~~الكبرى - أزمة الصراع من أجل التخلص من المستعمر ونيل ~~الاستقلال - نعيم مغبغب هذا رمى قنابل، وأطلق رصاصا، وحمل ~~بارودة في سبيل الحرية. # وما الذي نلناه في عهد رئاسة شمعون ووزارة نعيم مغبغب؟ # لم يرخص الرئيس شمعون للحزب بالعمل، لم يطلق سراح مساجينه - نسميهم ~~«الأسرى» - مئات منا مثلوا أمام القضاء «بتهمة» الاجتماع. كتب ~~الحزب ضبطت وأحرقت، مئات دخلوا السجن يوم الاضطراب الطائفي ~~في بيروت، وزعنا منشورا خطه سعادة ضد التعصب الطائفي، منشورا ~~تفخر بأن تعلقه على حائط صالون بيتك ليحفظه أولادك ويقرأه ~~زائروك، سأمثل أمام القضاء، في محكمة أميل شمعون؛ لأدافع عن ~~نفسي في جريمة توزيع هذا المنشور. # وفي عهد شمعون، ووزير الأشغال نعيم مغبغب، قريب بعضنا، وصديق ~~بعضنا، الوزير الذي انتخبه، لحد بعيد، الحزب نائبا، على ماذا ~~حصلنا؟ في وزارته أعمال المطار، والمرفأ، وأكثر أشغال النقطة ~~الرابعة، والأوتوستراد وأشغال الطرقات وسواها - على ماذا ~~حصلنا؟ أتحدى أيا كان من الناس أن يقول من هو القومي ~~الاجتماعي الذي حاز على وظيفة أو ترقية، أو التزام؟ وحتى أكون ~~صادقا مائة بالمائة؛ فإن المنفعة الوحيدة التي نلناها في هذا ~~العهد أن الوزير مغبغب عين لنا - بعد مراجعة أربعة شهور - ~~الرفيق فايز ملاعب من بيصور رئيس ورشة بمعاش أربع ليرات ~~يوميا. # يا ليت الرئيس شمعون من أصفيائنا، لقد قابلته مرة واحدة طوال عهده، ~~وقابلت رئيس الجمهورية السورية ثلاث مرات، أقول هذا بخجل كثير؛ ~~لأن من أهم مواطن الضعف في الحزب السوري القومي الاجتماعي أنه ~~لم يترجم قوته الشعبية إلى نفوذ في السرايات. # بدون شك أن نقولا بسترس - ولا أقصد أن أحقره أو أسيء إليه، بل هو ~~اسم ورد إلى خاطري - له في السرايات نفوذ أكثر من الحزب السوري ~~القومي الاجتماعي. # هل هذا الضعف يلام ms85 عليه الحزب؟ لحد ما نعم. ولحد ما لا؛ فبعض ~~الذين أوصلهم الحزب إلى حفلات الكوكتيل داخوا بكئوسها، وبعض ~~الذين جاءوا إلى الحزب عن طريق الحفلات تركوه، أو أتركوه؛ إذ ~~إن العمل الحزبي ما هو بحفلة. أديب الشيشكلي كان عضوا إلى حين ~~دارت به الكرسي فداخ. # إن الحزب السوري القومي الاجتماعي سيختصر الطريق إلى نجاحه، حين ~~يتمكن أن يصبح قوة في السراي. # ولعل هذا هو السبب الذي من أجله أقفلت بوجهه أبواب السراي. # | الجزيرة الغرقى # استلفت نظر بعض العلماء أن أسراب الطيور في هجرتها السنوية، من ~~شمالي أوروبا إلى أميركا الجنوبية، كانت تتمهل فوق نقطة معينة ~~من الأوقيانوس الأطلانتيكي؛ فتحوم وتحوم، ثم تستمر في طيرانها ~~نحو الجنوب. # وبحث العلماء واستقروا، فإذا في تلك النقطة المعينة، تحت المياه، ~~جزيرة غرقى، وإذا بالطيور، بحكم غريزة تحدرت إليها من آبائها، ~~تقف فوق المياه وتهم بأن تحط، ولكن الجزيرة التي كانت تأوى ~~إليها الطيور فيما مضى غاصت في مياه الأوقيانوس منذ مئات ~~السنين. # إن مواطنينا أسراب طيور، يريدون أن يهجروا المسكن القديم، ولكنهم ~~يحومون فوق جزر لن يقدروا أن يلجئوا إليها، ولا أن يجعلوا منها ~~معاقل؛ لأنها جزر غرقى. # فالذي يقول لك: إن الإسلام يوحي الجهاد - اليوم - لا يفقه أن تركيا ~~وإيران والأفغانستان هي دول إسلامية - على التحديد الشائع - ~~وأنها تتعامل مع إسرائيل. # وهو نفسه يتناسى أن الدول التي سلمت لليهود ما اصطلح الناس على ~~تسميته «الأرض المقدسة» هي دول مسيحية. # وهو نفسه الذي يذكر أن دروز لبنان سنة 1925 كانوا يهرعون بالمئات ~~لنصرة ثورة درزية، يوم أحرق سلطان الأطرش داره حين عجزت عن ~~أن تحمي لاجئا، وهو نفسه الذي لا يريد أن يتعرف إلى الحوادث ~~الأخيرة: وإحداها أن رجال المكتب الثاني اقتحموا دار الأمير ~~حسن الأطرش؛ فنكلوا بابنه ونقلوه إلى «الجيب» مغميا عليه، ~~بعد أن أهانوا قريبات السلطان والأمير حسن، هذه الحوادث ما ~~استثارت في لبنان نقمة درزية، فلا تجمعات، ولا تطوعات، حتى ولا ~~تلغرافات. # والذي يريد أن يسير نحو القوة عن طريق «العائلة»، ms86 يتناسى أن ليس في ~~بلادنا عائلة واحدة غير منقسمة على نفسها، وأشهى ما عند الواحد ~~منها أن يفنى قريبه، وأن العشيرة كذلك لم تعد موجودة. وأن ~~«القرية» لا تجمع على أمر عظيم، إلا إذا كان هذا الأمر العظيم ~~من منافع العيش كطريق أو إعانة لبلدية؛ فليس في لبنان اليوم ~~ضيعة تثور إذا احتل اليهود جبل عامل مثلا. # والذين لا يزالون يتطلعون نحو الغرب هم كذلك يحومون على جزيرة ~~غرقى؛ ففي الماضي جسدت الدول الغربية أحلامنا للانعتاق من ~~الاستعمار التركي، ولكن الأجانب خدعونا مرتين: الأولى حين ~~استعمرونا بعد تحررنا من الأتراك، والثانية حين سلموا بعض ~~بلادنا لليهود؛ فكل تطلع اليوم نحو أية دولة أجنبية هو - في ~~أبسط مظاهره - تحويم فوق جزيرة غرقى، بعض الروم الأرثوذكس، في ~~بعض المناطق، ينشدون العون الروسي، متوهمين أن روسيا هي حصن ~~الطائفة الأرثوذكسية. # إن بلادنا في سيرها الحضاري انسلخت عن شيء، ولا تزال تفتش عن شيء. ~~هي اليوم في هوة؛ لأنها في فجوة. # إن أنطون سعادة لم يكتشف شيئا جديدا حين بشر بالقومية، كل ما فعل ~~أنه نادى بها عارية عن الأوهام؛ لذلك اصطدمت الحقيقة بالأوهام، ~~والأوهام هي لذة عقلية وخدر لا يريد الضعيف ويصعب عليه، أن ~~يتخلى عنه؛ وإنها لحقيقة علمية أن الإقلاع عن المخدرات يتحدى ~~قوة جبارة في النفس، ويعرض المقلع عنه - في بادئ الأمر - إلى ~~صداع في الرأس شديد. # والمواطنون في بلادنا إن لم يعزموا على التخلص من الأوهام، وينشدوا ~~التعسكر في النظام الجديد؛ فسيستمرون يحومون فوق الجزيرة ~~الغرقى، عصائب طير بعضها يزقزق، وبعضها ينعب، وهي في تجمعها ~~واستعراض أسرابها وألوانها تحسب القوة في مجرد تجمعها وضجيجها، ~~وعددها، وتتوهم الاقتدار في الظل الذي ترميه على ~~المياه. # وضعفنا اليوم هو في أننا ضجة وأظلة على مياه طمرت شيئا إلى ~~الأبد اختفى؛ لأن الحضارة فيما تبني الأشياء هي تطمر ~~الأشياء. ms87