######OpenITI# #META# URI: 1380MahmudKhafif.AhmadCurabiZacimMuftaraCalayhi.Hindawi48370362 #META# Tags: history #META# ID: 48370362 #META# Title: أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه #META# AuthorID: 40919408 #META# Author: محمود الخفيف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # الصبي القروي‏ # في صفوف الجيش‏ # يقظة ونهوض‏ # الجندي الثائر‏ # الفلاح الزعيم‏ # الوطنيون والعسكريون‏ # دسائس ومخاوف‏ # يوم عابدين‏ # رجل أمة‏ # توفيق والثورة‏ # بين عرابي وبلنت‏ # الثعالب وبنات آوى‏ # غضبة جديدة‏ # عرابي الوزير‏ # وطنية لا نزق‏ # أماني الصلح‏ # مراوغة وتربص‏ # إعنات وإحراج‏ # بغي وعدوان‏ # عرابي ملاذ البلاد‏ # بين عرابي والسلطان‏ # مأساة الإسكندرية‏ # العدوان الفاجر‏ # عرابي بطل الجهاد‏ # نصرك الله يا عرابي‏ # كفر الدوار‏ # التل الكبير‏ # أودت الخيانة بعرابي‏ # بعد وترلو‏ # توفيق يدخل العاصمة‏ # ثواب وعقاب‏ # البطل السجين‏ # مهزلة المحاكمة‏ # إلى المنفى‏ # الحياة في سرنديب‏ # العائد الذي نسي‏ # غريب في الوطن‏ # قضى الزعيم نحبه‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # الصبي القروي‏ # في صفوف الجيش‏ # يقظة ونهوض‏ # الجندي الثائر‏ # الفلاح الزعيم‏ # الوطنيون والعسكريون‏ # دسائس ومخاوف‏ # يوم عابدين‏ # رجل أمة‏ # توفيق والثورة‏ # بين عرابي وبلنت‏ # الثعالب وبنات آوى‏ # غضبة جديدة‏ # عرابي الوزير‏ # وطنية لا نزق‏ # أماني الصلح‏ # مراوغة وتربص‏ # إعنات وإحراج‏ # بغي وعدوان‏ # عرابي ملاذ البلاد‏ # بين عرابي والسلطان‏ # مأساة الإسكندرية‏ # العدوان الفاجر‏ # عرابي بطل الجهاد‏ # نصرك الله يا عرابي‏ # كفر الدوار‏ # التل الكبير‏ # أودت الخيانة بعرابي‏ # بعد وترلو‏ # توفيق يدخل العاصمة‏ # ثواب وعقاب‏ # البطل السجين‏ # مهزلة المحاكمة‏ # إلى المنفى‏ # الحياة في سرنديب‏ # العائد الذي نسي‏ # غريب في الوطن‏ # قضى الزعيم نحبه‏ # | أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه # | أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه # تأليف # محمود الخفيف # | الإهداء # إلى الأشبال النواهض الميامين من شباب هذا الجيل، في وادينا المبارك، وفي الأقطار ~~العربية الشقيقة أهدي سيرة هذا الزعيم المصري الفلاح، الذي جاهد في سبيل الحق ومات ~~على دين الحق، والذي آن أن ينصفه التاريخ وأن يحدد له مكانه بين قواد حركتنا القومية. # محمود الخفيف # | مقدمة # كان المصريون إلى عهد قريب يذكرون اسم عرابي فلا يبتعث هذا الاسم - وا أسفاه - في أذهانهم ~~إلا صور العنف والنزق، وتراهم - وإن لم يقصدوا - يقرنون اسم عرابي بمعاني الهزيمة ~~والاحتلال والمذلة، كأن هذه المعاني من مرادفاته. # وما أذكر مجلسا تطرق الحديث فيه إلى عرابي إلا وسرت في الوجوه كآبة، وتسابقت الألسن ~~إلى الهزء به ms001 وتعديد مساوئه وإبراز مثالبه، اللهم إلا قلة لا يعجبهم هذا الكلام، ولكنهم ~~لا يعرفون كيف يدفعون عنه هذا الظلم ... # وكنت أبدا أحد المخالفين الذين يحسون في قرارة أنفسهم أن الرجل مظلوم وأنه مفترى ~~عليه، وكنت أسأل نفسي دائما: أما آن للتاريخ أن ينصف هذا المصري الفلاح، وأن يحدد له ~~مكانه بين قواد حركتنا القومية؟ # والحق أنه قل أن نجد في رجالنا رجلا ضاعت حسناته في سيئاته كما ضاعت حسنات عرابي فيما ~~افتري عليه من سيئات، كذلك قل أن نجد في رجالنا رجلا كرهه أكثر بني قومه مضللين، ~~واستنكروا أعماله جاهلين، بقدر ما كره هؤلاء عرابيا، واستنكروا ما فعل وما أسند إليه من ~~الأعمال زورا وإفكا، وفي ذلك دليل قوي على أن التاريخ قد يظلم عامدا كما قد يخطئ غير ~~عامد، وفيه كذلك دليل على أن الأمور كثيرا ما تجري فيه كما يشاء الحظ لا كما يكون العدل ~~والقسطاس، فيكون نصيب بعض الرجال من التعظيم والتوقير بقدر ما يتوافى لهم من حظ لا ندري ~~كيف اتفق لهم دون غيرهم، بينما يجني على كثير من ذوي النفوس الصحيحة والعظمة الصادقة ما ~~يلحق بهم من سوء الطالع وما يحيط بهم من نحس الأيام ... # وما كان عرابي فيما أعتقد إلا طالب حق يلحق به في طلب الحق الخطأ والصواب كما يلحق ~~بغيره، ولعلي استطعت أن أجلو ذلك في سيرته بقدر ما وصلت إليه من الأدلة في تلك السيرة التي ~~بالغ كثير من ذوي الأغراض في تشويهها والحط من قدر صاحبها. # ومهما يكن من الأمر فما أحسب أن في الناقمين على عرابي من يستطيع أن يماري في أنه كان ~~زعيم حركة وداعية فكرة وأنه - أخطأ أو أصاب - كان مخلصا فيما يفعل أو يقول، وأنه قبل ذلك ~~كله وفوق ذلك كله كان أول مصري فلاح في مصر الحديثة نجم من بين عامة الفلاحين في قرية من ~~قرى مصر فاضطلع بقضية من القضايا الوطنية الكبرى، ونادى على رأس المنادين بمطالب مصر، وصار ~~اسمه في ظرف هام من ms002 ظروف نهوضها علما على الجهاد ورمزا للمقاومة ومثلا للقومية حتى شاءت ~~الأقدار فامتشق الحسام وسار على رأس جيش من بنيها الفلاحين يذود عن أراضيها ويقف غير طامع ~~ولا هازل في وجه الغادرين الباطشين من أعدائها. # بهذه الروح كتبت عن عرابي، وعلى هذا الأساس بينت سيرته. فالإخلاص في الرجال هو عندي ~~مقياس بطولتهم بل هو - فيما أرى - أصح المقاييس وأهمها. أما الصواب والخطأ وما إليهما ~~فأمور توجد في الأبطال وغير الأبطال، ولا فرق فيها في كثير ولا قليل بين هؤلاء وهؤلاء ~~... # وإني إذ كنت أكتب سيرة عرابي، كانت تقوم في ذهني المفتريات التي افتريت عليه، ولكن ذلك ~~لم يضعف قط إحساسي بأنه كان شديد الإخلاص لقضيته، متوقد الحمية في وطنيته، شديد ~~الأنفة في قوميته. وليس بضائره بعد ذلك ما يرميه به المبطلون أو المغرضون، ولو قد واتاه ~~الحظ الأعمى كما واتى الآلاف غيره من الزعماء والقواد فانتصر في معركة التل الكبير، أو لو ~~أنه لم يحط به من الخيانة في أصرح صورها وأقبحها ما أحاط به وأبلى في تلك المعركة بعض ~~البلاء أو قتل في غمرتها لرأينا اليوم له التماثيل في عواصمنا، ولزخرت الكتب بالثناء ~~عليه. # وعندي أنه من أكبر الظلم أن تنسى حسناته وهي لعمر الحق كثيرة ولا تذكر إلا أخطاؤه ما ~~اقترفه وما افتري عليه منها، لتساق أدلة على ما يشاء بعض المؤرخين نعته به ... # ولقد كان هذا الظلم الذي لقيه الرجل على أيدي فريق من بني قومه هو حافزي للكتابة، فأخذت ~~أنشر سيرته تباعا في مجلة الرسالة الغراء، وما إن رأى بعض أبنائه المقال الرابع حتى ~~تفضلوا بزيارتي بدار المجلة معبرين لي عن شكرانهم، ثم وضعوا بين يدي مذكراته المخطوطة ~~وبعض الكتب التي كانت ترد إليه في منفاه وغيرها من الوثائق والصور العظيمة القيمة، مما ~~أثنى عليهم من أجله أعظم الثناء ... # ومما طبت له نفسا ما أفضى إلي به أحدهم ومؤداه أن والده رحمه الله تنبأ بأن الذي ~~سيدافع عنه هو شاب من شباب الجيل القادم الذي لم ms003 يفسده الاحتلال ... # وما زادتني هذه النبوءة إلا اهتماما بدراسة سيرته لعلي أكون هذا الشاب الذي يحسن أن ~~يدافع عن عرابي. ولقد كنت قبل هذا - كما ذكرت - أحس أنه مظلوم وأن أعداءه بالغوا في ~~الكيد له والزراية عليه، وآلمني من هذا الظلم فضلا عما يلحق عرابيا منه أنه ينال كذلك ~~من حركة مصر القومية على يديه، تلك الحركة الجليلة التي حاول المبطلون تشويهها. ~~••• # وبعد فهذا كتابي أقدمه للقراء، فإن كنت وفقت إلى ما أحببت فحسبي جزاء على ما بذلت من ~~جهد أني أنصفت مظلوما قضى نحبه ولم ينصفه أحد، وأني بسطت سيرة الحركة القومية ولعل ~~في هذا البسط عبرة وذكرى لهذا الجيل الذي يتوثب ويتطلع إلى المجد، وإن كنت قصرت عما أردت ~~فعذري أن هذا جهد ما استطعت، ولتكن هذه خطوة متواضعة يسرني أن أشهد بعدها خطوات يخطوها ~~غيري من الكرام الكاتبين في سبيل هذا الوطن الذي نخلص له الحب والولاء. # وفقنا الله للعمل لمصر، وهيأ لمصر المكان المرجو من العزة والسؤدد والحرية. # محمود الخفيف # | الصبي القروي # يجد كتاب التراجم الذين يتناولون سير العظماء، طائفة من الأنباء التي تجلو حياة ~~هؤلاء إبان طفولتهم فيستعرضونها مستخرجين منها ما يعدونه من أمارات النجابة ومن بشائر ~~النبوغ والتبريز، أو ما يرون أنه من الشواهد على قوة الشخصية وبعد الهمة ومضاء العزيمة ~~وما إليها مما تقوم عليه العظمة. # ونحن إذ نتكلم عن أحمد عرابي تعوزنا المصادر التي يمكن أن نعلم منها الكثير عن سيرته ~~وخلاله في طفولته، وقصارانا أن نقول إنه ولد في شهر مارس سنة 1841 في هرية رزنة، وهي قرية ~~بالشرقية تقع غير بعيد من مدينة الزقازيق ... # ونشأ الصبي القروي كما ينشأ الآلاف مثله في قرى مصر على نمط من العيش لا نحسبه يختلف ~~كثيرا أو قليلا في قرية عنه في أخرى من هاتيك القرى التي نبتت منذ الأزل على ماء ~~النيل. # نشأ في هذه القرية الصغيرة ذلك الصبي الذي قدر له أن يجري اسمه يوما ما على كل لسان ~~في مصر، والذي ms004 صارت حياته فيما بعد فصلا من تاريخ وطنه، والذي تداولت اسمه ألسن الساسة في ~~إنجلترا وفرنسا دهرا طويلا، والذي أجبر الخديو على النزول إليه حيث وقف على رأس الجيش يوم ~~عابدين ليسمعه كلمة الأمة، والذي يحتل جهاده أبرز مكان في كل كتاب تناول ما تعارف ~~المؤرخون على تسميته المسألة المصرية ... # ودرج الصبي القروي بين لداته في هرية رزنة عرضة للأوبئة المختلفة، يحيط به في قريته ~~الجهل والفقر والمرض أينما اتجه، ولا يجد حوله من مظاهر الحياة والعمران مثل ما يجده من ~~ينشأ في مدينة كبيرة أو يتلقى العلم في مدرسة منظمة. # وكان أبوه محمد عرابي شيخ هرية رزنة، أو على الأصح أحد «مشايخها» على حد الاصطلاح ~~الإداري، فكانت تقسم القرى في تلك الأيام أقساما يسمى الواحد منها «حصة»، ويعين على كل ~~حصة شيخ يختار لبروز شخصيته إما بالثراء أو بالقوة أو بالاستنارة بشيء من التعليم أو بها ~~جميعا، ولم تكن وظيفة العمدة على النحو القائم في القرى الآن قد عرفت بعد. # ويذكر عرابي عن أبيه في مذكراته # 1 # أنه كان «شيخا جليلا رئيسا على عشيرته عالما ورعا تقيا نقيا موصوفا ~~بالعفة والأمانة»، ونراه عند ذكر نسبه يعدد آباءه حتى يصل إلى السيد صالح البلاسي، فيذكر ~~أنه ينسب إلى بلاس، وهي كما يقول قرية صغيرة ببطائح العراق، كما يذكر أنه أول من هبط مصر من ~~أجداده، وأنه تزوج بالسيدة صفية شقيقة السيد أحمد الرفاعي الصيادي، وما يزال عرابي يرتقي ~~بنسبه إذ يذكر آباءه بعد البلاسي هذا حتى يصله بالإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق ~~بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي الزاهر زين العابدين بن الإمام الحسين (رضي الله ~~عنه). # ويذكر عرابي كذلك فيما يذكره من أنباء والده قوله: «وكان قد أمر والدي بترتيب درس فقه في ~~المسجد الذي جدده للعامة بعد عصر كل يوم وبعد صلاة العشاء فتفقه عامة أهل البلد في ~~دينهم، وصحت عبادتهم، وحسن حالهم بفضل قيام المرحوم والدي على تعليم قومه وأهل ~~بلده.» # وأدخله أبوه مكتب ms005 القرية وهو كما يقول من منشآته فيها، وفي هذا المكتب فتحت عينا الصبي ~~على نور العلم، فحفظ شيئا من القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة ... ~~••• # ويمكننا أن نتصور حال هذا الصبي في أول عهده بالتعليم قياسا على ما نعرف من حال أمثاله ~~من أبناء المكاتب في كل قرية، وهي حال تكاد أن تكون في القرى جميعا واحدة، فلا فرق بين ~~مكتب ومكتب إلا بقدر ما يكون من فرق بين قرية وقرية. # فهذا صبي في جلباب طويل من القطن أو التيل وفوق رأسه قلنسوة، يخطر بين صبية مثله إلى ~~المكتب وتحت إبطه لوح من الصفيح وبيده محبرة فيها الأقلام الغاب خزانة، أو هي محبرة ذات ~~«مقلمة» كما يقول أبناء المكتب. وهو لا يمتاز عن بقية الصبية في شيء إلا بما عسى أن يكون في ~~قدميه من نعل؛ لأنه ابن شيخ البلد، وأكثرهم حفاة، وما يحضر في جيبه من فطائر يأكلها متى ~~جاع، أو يدفعها إلى «الفقيه» على جوعه، في حين لا يوجد في جيوب لداته إلا الخبز اليابس ~~... # وفي المكتب يجلس الصبي على الأرض بين أقرانه، ولعل العريف يرفعه درجة فيجلسه على حصير أو ~~على دكة من الخشب ثم يكتب له بعض كلمات في لوحه ليكتب مثلها، أو بعض أرقام الحساب ليقلد ~~رسمها، فلا يضع لوحه إلا حين يتلو العريف على الصبية بعض سور القرآن الصغيرة جملة فجملة، ~~فيرددون ما يتلو في نغمة مثل نغمته، ويردد الصبي كما يفعلون، ولكنه أفصح منهم لسانا وأسرع ~~حفظا، فالفصاحة هي أول ما يظهر من صفات ذلك الصبي وبها يتحدث العريف إلى أبيه! # وتعهده صراف القرية كذلك ميخائيل غطاس فعلمه مبادئ الحساب، وكان تعلم الحساب يحدث ~~عادة على يد هؤلاء الصيارفة، وبخاصة لأبناء المشايخ الذين يتصل بهم هؤلاء ويحرصون على ~~مودتهم ورضائهم. ~~••• # ومات أبوه وهو في الثامنة من عمره، ولكن يتمه لم يحل بينه وبين أن ينال قسطا من ~~التعليم في الأزهر، فقد أرسله أخوه الأكبر محمد عرابي إلى هناك عسى أن يكون عالما من ms006 ~~علمائه، ولكن الصبي لم يلبث بالأزهر إلا أربع سنوات تعلم فيها على طريقة الأزهر يومئذ شيئا ~~من الفقه والتفسير والنحو، وحفظ الصبي القرآن بالضرورة كما يفعل من يلتحقون بهذا الجامع ~~العتيد. # وعاد الصبي إلى قريته ولسنا نعلم ما الذي حمله على العودة، أكان ذلك نفورا من التعليم ~~وركونا إلى البطالة، أم كان لرغبة منه في أن يسلك في الحياة سبيلا غير سبيل الأزهر؟ ذلك ~~ما لا نستطيع أن نتبينه على وجه اليقين. وكان من الممكن أن يعيش هذا الصبي القروي بقية ~~عمره في تلك القرية زارعا ثم يموت فيها كما يعيش ويموت سواه من الفلاحين. # ولكن الأقدار تخرجه بعد قليل من القرية ليغدو فيما بعد رجلا من رجال مصر، بل ليكون أول ~~مصري فلاح ينطق بحق مصر وتتمثل في حركته الروح القومية لمصر وقد استيقظت من سبات طويل، ~~وأخذت تنفض عنها غبار القرون، أجل أخرجت الأقدار هذا الفلاح من قريته ليقف وجها لوجه ~~تلقاء خديو مصر يعلن إليه في بسالة وفي غير طيش أن «أهل مصر ليسوا عبيدا، وأنهم لن ~~يورثوا بعد اليوم»، ويفتتح بهذه الوقفة وبهذه الكلمة فصلا جديدا في تاريخ هذه البلاد، ~~فيكون فضله فضل الرواد يخطون الخطوة الأولى فيظل لهم الفضل ويظل لهم الحمد وإن اتسعت ~~بعدهم الخطوات وتوالت الوثبات. وما نحسب خطوة عرابي في طريق الحرية والقومية كانت أقل ~~خطرا من وثبة سعد، ذلك الفلاح الذي نهض من بعده والذي غضب مثل غضبته ووثب مثل وثبته واتجه ~~نفس وجهته، ولكنه لم يكن من رجال السيف فلم يشهر إلا القلم سلاحا، ولم يمتط إلا أعواد ~~المنابر مجاهدة وكفاحا. ~~••• # ونحب أن نقف عند أمرين في نشأته كان لهما أثر بعيد في تكوين خلقه وخلق شخصيته؛ أما أولهما ~~فهو أن أباه كان شيخا في القرية، وأما الثاني فهو أنه في التحدث عن نسبه يصل أجداده ~~بالحسين عليه السلام. # كان يجد أبناء الحكام في القرى حتى وإن لم يكن حظ آبائهم من الثراء كبيرا أنهم في موضع ~~يصغر دونه موضع ms007 أبناء الزراع ، ففيهم على لداتهم شيء من الترفع وفي نفوسهم شيء من ~~الكبر على من حولهم من الناس، إذ يجد الصبي منهم أباه محاطا بالتوقير مخوف الجانب يتقدم ~~الناس إذا سار ويفسح له صدر المجلس إذا جلس، وتبدو عليه إذا كان ذا مال آثار النعمة في ~~مظهره وملبسه كما تبدو تلك الآثار في مسكنه وفيما يقتني من دواب وفيما يقوم على خدمته من ~~خدم أو يلوذ به من أتباع أو يحيط به من بطانة، لذلك كان إذا خرج هؤلاء الأبناء من ~~القرية إلى مجال أوسع منها خرجوا وفي أنفسهم ذلك الاعتزاز الذي ألفوه في بيئتهم الأولى ~~فما يحبون أن يسمعوا كلمة نابية، بل إنهم ليكرهون أن يجدوا عدم الاكتراث لهم بله التطاول ~~عليهم. ولقد يوحي إلى الصبي منهم ما غرس في نفسه منذ صغره أن يثور على الوضع الجديد إما ~~بإظهار القوة البدنية على من كانوا في مثل سنه، أو بالتفاخر عليهم بالمال والنسب، وإما ~~بالعناد والشغب على من لهم عليه حق الطاعة من المربين والرؤساء. ولقد يسرف هؤلاء فيتوهمون ~~المذلة فيما ليس فيه مذلة، أو يفسرون بالإهانة ما لم يقصد به أية إهانة فيبدون لذلك ~~كثيرا من الإباء ويغالون فيه حتى ينقلب إباؤهم شراسة أو حتى يحسبه الناس شراسة. ~~••• # ونحس من سيرة عرابي أنه كان أحد هؤلاء، فلما قدر له أن يخالط قوما كانوا ينظرون إلى ~~المصريين جميعا نظرة الاحتقار، ويجعلون نعتهم بالفلاحين مسبة لهم، ثارت في نفسه ~~الحمية، ثم عصفت في رأسه النخوة، فكان صوته أول صوت مصري مثل القومية المصرية، ~~وإن كان بذلك يفصح عن شعور غيره ممن أحسوا مثل إحساسه ولكن لم يكن لهم مثل جرأته وقوة ~~شخصيته. # وزاد الحمية تسعرا في نفس عرابي ثاني الأمرين اللذين أشرنا إليهما، وذلك وصله أجداده ~~بالحسين بن علي رضي الله عنهما، فسواء أصحت هذه الصلة أم لم تصح فقد كان بها مؤمنا، وكان ~~إيمانه بها كفيلا أن يملأه أنفة وعزة، فمن كان مثله كما يزعم شريفا عربيا ينتمي ~~إلى ms008 الحسين عز عليه أن يستذل، وبخاصة بأيدي قوم يرى أنهم مهما علوا فهم دونه علوا ~~وشرفا، وإنك لتلمح اعتزازه بنسبه في تمثله ببيت الفرزدق «أولئك آبائي.» في خاتمة كلامه ~~عن نسبه في مذكراته. # بقي الصبي في قريته لا يعلم ماذا يكون من أمره في غده، ولا يخالط إلا الفلاحين من أبناء ~~القرية. أما الشراكسة المترفعون الذين يمقتون الفلاحين فلم يك يعلم من أمرهم شيئا، ولا ~~كان يسمع يومئذ بوجودهم، وأنى له ذلك في قريته، ولكن الأقدار عما قريب سترمي به إلى حيث ~~يجد نفسه - كما يجد بني قومه - موضع ازدراء هؤلاء، فلا يطيق هذا الفلاح المصري ترفعهم ~~وكبرياءهم والتمتع بأكبر المناصب في الجيش، وإذ ذاك يناضل عن قوميته ويغضب لكرامته، ويكون ~~في هذه الدائرة الضيقة - وإن لم يقصد - ممثلا مصر كلها التي كرهت الأجانب يومئذ وقد ~~استيقظت فيها روح القومية، تلك الروح التي تتمثل فيما امتلأت به نفس ذلك الفتى القروي ~~القادم من قرية مصرية. # | في صفوف الجيش # لم يطل بالصبي المقام بالأزهر، ولم يطل به كذلك المقام في قريته؛ فإن القدر الذي لم يشأ ~~له أن يكون شيخا من أشياخ الأزهر، ولا فلاحا من فلاحي القرية، قد شاء له أن يكون جنديا ~~في صفوف الجيش. # أراد سعيد باشا أن ينهض بالجيش المصري، فأمر أن يكون في صفوفه أبناء المشايخ والأعيان، ~~كيلا يحتقر الجندي في نظر الناس، إذ كانوا لا يرون إلا المستضعفين والفقراء يحشدون ~~ويساقون إلى الجيش ليكونوا عسكره، أما ضباطه وقواده فكان أكثرهم من الشركس. # وكان بين من ألحق بالجيش من أبناء الأعيان هذا الفتى الأزهري القروي، وكان يومئذ في ~~الرابعة عشرة من عمره، وبالتحاقه بالجيش تبدأ مرحلة جديدة في حياته، ثم تنتهي من ناحية أخرى ~~مرحلة تعليمه، ومن ذلك ترى أن كل ما ناله هذا الفتى من المعرفة لم يعد ما تلقاه في المكتب ~~ثم في الأزهر حتى سن اليفاعة، اللهم إلا ما كان من مطالعاته فيما بعد، وهي أمر لا نستطيع ~~تحديده ... # انتظم عرابي في سلك ms009 الجيش جنديا صغيرا، ولكن حظه من القراءة والكتابة على قلته، ~~وإلمامه بشيء من علم الحساب قد أجدى عليه من أول الأمر؛ فعين في عمل من أعمال الكتابة ~~بالأورطة الرابعة من آلاي المشاة الأول. # 1 # وما لبث أن رقي عرابي بعد سنتين إلى رتبة ملازم ثان، ثم إلى رتبة ملازم أول، فيوزباشي ~~في نفس السنة، وكان يومئذ في السابعة عشرة، ولم يمر عامان بعد ذلك حتى وصل إلى رتبة ~~قائمقام، وكان عرابي أول مصري وصل إلى هذه الرتبة كما يقول في مذكراته. # وصل هذا الجندي من رتبة الجاويش إلى رتبة قائمقام في أقل من أربع سنوات، وما كان ذلك عن ~~حظوة له عند أحد، وإنما كان سلاحه ذلك القدر من العلم الذي أشرنا إليه، فبه تمكن عرابي ~~أن يدرس القوانين العسكرية ويجتاز بها الامتحان متفوقا، ويدلنا ذلك على ندرة ~~المتعلمين في ذلك الجيش، ولا شك في أن هذا الترقي السريع قد بث في نفس الفتى القروي ~~كثيرا من الطموح والإقدام ... # على أنه كان طموحا بطبعه، جريئا في عصر كثيرا ما كانت تعد الجرأة فيه ضربا من ~~العصيان والتمرد كما سيأتي بيانه، ولسوف نرى من مواقفه في ذلك العصر ما يزيد معنى بسالته ~~وضوحا، ويظهرها مضاعفة. # وأول ما عرف عنه في الجندية كراهته للعنصر الشركسي، فكان لا يفتأ يقارن بين نصيب هذا ~~العنصر ونصيب المصريين من المناصب، فلا تزيده المقارنة إلا غضبا وكراهية لهؤلاء الأجانب ~~... # أليست هذه النزعة فيه هي نزعته الوطنية في الجيش يوم تبدأ الحركة العسكرية؟ ثم ألسنا نجد ~~فيها جانبا من الوطنية ونحس معنى من معانيها؟ # ولكن بعض المؤرخين لا يفهم هذا من جانب عرابي إلا على أنه ضرب من الأنانية والجشع، بل لقد ~~يسرف بعضهم فيرمونه بالتبجح قائلين: ما لهذا الفلاح وعليا المراتب في غير جدارة؟ وإنهم ~~في الحق ليمتدحونه بذلك من حيث لا يشعرون، ولئن كان الطموح بالنفس والشعور بالقومية تبجحا، ~~فماذا نسمي التقاعد والتخاذل والاستخذاء أمام الأجنبي؟ ألا ليت كل تبجح يكون كتبجح عرابي ~~هذا، فما ms010 أجدره بالإعجاب والثناء ! # وكيف يستطيع رجل في مثل موقفه أن يقنع المكابرين أن نزعته كانت قومية يقصد بها بني قومه ~~جميعا؟ وأي عيب في أن يبدأ بنفسه فيرقى بها؟ أليس مصريا؟ وهل كان يعتز إلا بمصريته إذ ~~اعتز بنفسه؟ على أنه لو أراد بالرقي نفسه فحسب دون أي اعتبار قومي فما وجه العيب في ذلك؟ ~~أيكون من العيب أن يتطلع الإنسان إلى المعالي، ولا يكون من العيب أن يرضى بتقدم غيره عليه ~~في غير حق، حتى ولو كان ذلك الغير أجنبيا؟ # كره عرابي الأجانب في الجيش كرها شديدا، وبخاصة هؤلاء الشراكسة المتعصبون لأنفسهم ~~المترفعون على المصريين، واستقر هذا الكره في أعماق نفسه، ولسوف يجر عليه عنتا كثيرا ~~وضيقا، ولكنه لن يأبه لذلك، ولسوف يظل على عناده وإصراره حتى يصبح الأمر أمر الوطنيين ~~جميعا في الجيش لا أمر أحمد عرابي فحسب. # وظل عرابي في مرحلته الأولى في الجندية ساخطا على هؤلاء الأتراك والشركس لا يفتر سخطه ~~ولا ينقطع عليهم شغبه، يكيدون له ويكيد لهم، وإنا لنلمس في هذا سببا قويا من أسباب ~~زعامته للحركة العسكرية فيما بعد، فلسوف يلتقي في دار هذا المتبرم الساخط رؤوس الساخطين ~~الحانقين من رجال الجندية يوم يزمعون أن يشتكوا إلى الحكومة في أوائل عهد توفيق مما يلحق ~~بهم من أذى من جراء سياسة وزير الجهادية الشركسي عثمان رفقي ... # ويذكر عرابي في مذكراته ما كان بينه وبين سعيد باشا من حسن الصلة حتى لقد اختاره ياورا ~~له في زيارته المدينة المنورة، فكان على مقربة منه أثناء هذه الرحلة، وقد أهدى إليه هذا ~~الوالي كما يذكر تاريخ نابليون مترجما إلى العربية، ولقد قرأ عرابي هذا التاريخ كله في ~~ليلة، كما قال في مذكراته عن نفسه التي كتبها لمستر بلنت والتي أثبتها هذا في آخر كتابه، ~~وقد ذكر فيها عرابي أن سعيدا ألقى بالكتاب مغضبا على الأرض إذ رأى أن نابليون استطاع أن ~~يفتح مصر بثلاثين ألف جندي، وتناول عرابي الكتاب فلم ينم حتى أتمه، وجاء إلى سعيد ~~ينبئه ms011 أن نابليون استطاع ذلك بالجيش المدرب، وأن سعيدا يستطيع أن يجعل لمصر جيشا مدربا ~~على نمط جيش نابليون، ولست أستطيع أن أتبين على وجه اليقين ما تركته قراءة مثل هذا ~~التاريخ من أثر في نفسه، فلم يعلق هو على ذلك إلا بقوله: «ولما طالعت ذلك الكتاب شعرت ~~بحاجة بلادنا إلى حكومة شورية دستورية، فكان ذلك سببا لمطالعتي كثيرا من التواريخ العربية.» # 2 # ولست أدري كيف توحي قراءة تاريخ نابليون بحاجة مصر إلى حكومة شورية دستورية؟ على أن قراءة ~~سيرة ذلك الجندي المغامر الفذ الذي وصل إلى قمة المجد الحربي، وبلغ أوج الشهرة والجاه، ~~توحي إلى كل من يقرؤها معاني الإقدام والبطولة، وتملأ النفس تطلعا وحماسة، وعلى هذا فلا ~~يصعب أن نتصور ما عسى تلقيه تلك السيرة من المعاني في نفس كنفس عرابي الجندي المتطلع ~~المتوثب ... # ويشير عرابي في مذكراته إلى أن سعيدا كان يميل إلى المصريين في الجيش، ويريد أن يرفع ~~عنهم ما لحقهم من غبن على يد الشركس، كما يشير إلى أنه كانت لسعيد نزعة وطنية تتجلى في ~~محبته لمصر وللمصريين، وفي رغبته أن ينالوا قسطهم الحق من الترقي في الجيش. # وما يعنينا من ذكر هذه العلاقة بين سعيد وعرابي إلا ما فيها من إقبال عرابي على كل من يحب ~~المصريين، فهذا الإقبال دليل على أن النزعة الوطنية القومية كانت منبعثة من أعماق نفسه، ~~وعلى أن شغبه على الشركس والترك لم يك بدافع الأثرة كما يحلو لبعض الناس أن يرموه ... # ويقول عرابي: إن ميول سعيد الوطنية قد تبينت في خطبة ألقاها في حفل جمع كثيرا من ~~علية القوم، وقد أثبت عرابي في مذكراته بضعة أسطر تحت عنوان: خطبة المرحوم سعيد باشا، ~~وبدأها بقوله: قال مرتجلا. # فهل أثبت عرابي خطبة الباشا وهو يلقيها؟ إذا صح ذلك كان لكلام سعيد الذي يورده عرابي ~~أهميته في الدلالة على اتجاه هذا الوالي يومئذ، وإذا كان عرابي يذكر ما وعته ذاكرته فحسب، ~~فإن في هذا الذي يذكره عن سعيد ما هو كاف لأن يكشف ms012 عن نزعته. وقد جاء في هذه الخطبة قول ~~سعيد حسبما أثبت عرابي: «وحيث إني أعتبر نفسي مصريا فوجب علي أن أربي أبناء هذا الشعب ~~وأهذبه تهذيبا حتى أجعله صالحا لأن يخدم بلاده خدمة صحيحة نافعة، ويستغني بنفسه عن ~~الأجانب، وقد وطدت نفسي على إبراز هذا الرأي من الفكر إلى العمل.» # يقول عرابي: «فلما انتهت الخطبة خرج المدعوون من الأمراء والعظماء غاضبين حانقين مدهوشين ~~مما سمعوا، وأما المصريون فخرجوا ووجوههم تتهلل فرحا واستبشارا. وأما أنا فاعتبرت هذه ~~الخطبة أول حجر في أساس نظام مصر للمصريين. وعلى هذا يكون المرحوم سعيد باشا هو واضع أساس ~~هذه النهضة الوطنية الشريفة في قلوب الأمة المصرية الكريمة.» # ولقد كتب عرابي هذه الآراء بعد الثورة، ولعل في ذلك ما يدعو إلى ضعف الثقة في قيمتها عند ~~بعض المؤرخين، كما هو الحال مثلا في مذكرات نابليون التي كتبها في منفاه في سانت هيلانة، ~~فلقد أخذها بعض المؤرخين على أنها دفاع من جانب نابليون عن أعماله بعد أن خلا إلى نفسه فنظر ~~وتدبر. # ولكن أعمال عرابي التي لا ينكرها المؤرخون، حتى المغرضون منهم، لا تتناقض مع كثير مما جاء ~~في مذكراته، وعلى الأقل في هذا الجانب الذي نتلمس فيه الدليل على ما نحسه من أن عرابيا قد ~~اتجه منذ نشأته اتجاها وطنيا قوميا، وهذا أمر نراه على جانب عظيم من الأهمية، ففي ~~هذه النزعة القومية نرى عرابيا الحقيقي. أما عرابي الذي صوره خيال المغرضين من المؤرخين ~~والمدافعين عن الاحتلال من كتاب الإنجليز فما أبعده عن هذا! وهل كان يحلو لهؤلاء الذين ~~استغلوا حركة عرابي أقبح استغلال إلا أن يصوروه أقبح صورة، فلا يكون عندهم إلا جنديا ~~جاهلا مغرورا، واتته الظروف فراح يخبط في حماقته لا يلوي على شيء، وما زال في جنونه ~~يلوح بسيفه حتى اضطر آخر الأمر إلى أن يسلمه صاغرا إلى قائد جيش الاحتلال الإنجليزي ~~... # ما كانت حركة عرابي عسكرية بحتة كما يتصور البعض، وما كان هو بالأحمق ولا بالمجنون، ~~وإنما كان لابد أن تلتقي الحركة ms013 العسكرية - وهي لا تخلو من الصفة الوطنية - بالحركة الوطنية ~~العامة، ولقد تم هذا الالتقاء في شخص عرابي، وكان النجاح حليفه فيما طلب باسم الأمة يوم ~~عابدين، ولا لوم عليه بعد ذلك ولا جناح أن تحاك الدسائس وتوقد نار الفتنة تنفيذا لسياسة ~~مرسومة سوف نميط اللثام عنها بكل ما وسعنا من حجة. # هذه النزعة الوطنية القومية في نفس هذا المصري الفلاح مع ما توافر له من صفات الغيرة ~~والبسالة هي التي جعلت إليه قيادة الحركتين يوم التقتا، وما نشير إليها الآن هذه الإشارة في ~~غير موضعها من سيرته إلا لنبين هنا أنها نزعة أصيلة فيه جاشت بها نفسه منذ شب، وكانت ~~الثورة التي نشير إليها هي مظهرها فيما بعد. كتب في ذلك مستر بلنت، وكان من أصدقاء عرابي، ~~يقول في علاقة عرابي بسعيد: «وقد حظى عرابي، وكان شابا حسن الطلعة، بعطفه، حتى لقد اختاره ~~أركان حرب له ورافقه إلى المدينة في السنة التي سبقت وفاته، وقد كون عرابي آراءه السياسية ~~الأولى أثناء هذه الصلة القريبة بسعيد، وهذه الآراء هي المساواة بين طبقات الأمة، وما يجب ~~للفلاح من احترام باعتباره العنصر الغالب في القومية المصرية، وهذا الدفاع عن حقوق الفلاح ~~هو الذي جعل لعرابي ميزة بين مصلحي ذلك العصر. فقد كانت حركة الأزهر ترمي إلى إصلاح حال ~~المسلمين عامة بغير تمييز، بينما كانت حركة عرابي في جوهرها قوامها الجنسية، وهذا جعلها ~~أوضح في معنى القومية ومن ثم قدر لها أن تكون أكثر شهرة وذيوعا.» # ولقد كان لصلة عرابي بسعيد على هذا النحو أثرها في حنق عرابي على إسماعيل، فلم يكن في قلب ~~هذا الوالي شيء مما كان في قلب سلفه من الميل إلى المصريين، بل لعل ميله كان إلى الشراكسة، ~~وقد أدى ذلك منه إلى ازدياد كراهية عرابي لهؤلاء واضطغانه عليهم، إذ يرى أن كل حظوة لهم عند ~~الوالي إنما هي على حساب الوطنيين. # وقويت في نفسه النزعة الوطنية، وزادها قوة اتصاله بتلك الحركة الوليدة التي أخذت تدب ~~في جسم الأمة وقد ms014 كرثتها الكوارث من وراء سياسة إسماعيل وديون إسماعيل. # وازدادت كذلك في نفسه نزعة التمرد والسخط، وتجلت في مواقف له كان من أهمها ما كان بينه ~~وبين خسرو باشا الذي ما زال يكيد له ويسعى بالوشاية به عند أولي الأمر حتى رفت من ~~الجندية. # وكان خسرو هذا شركسيا، وقد رقي حتى أصبح في مرتبة اللواء، وصار رئيسا لعرابي الذي ~~كان يومئذ قائمقاما للآلاي السادس. ويذكر عرابي أنه رقي «لا بعلمه ومعارفه، بل لكونه ~~شركسيا ومن الخارجين على الدولة العلية مع إبراهيم باشا بن محمد علي باشا في تلك الفتنة ~~الدهماء التي دكدكت سياج الإسلام وكسرت شوكة الدولة العلية الحامية لجميع ~~الموحدين». # ويعزو عرابي سبب رفته إلى أن خسرو قد سار بالوقيعة بينه وبين وزير الجهادية متهما إياه ~~بأنه «صلب الرأي شرس الأخلاق لا ينقاد لأوامره ولا يحفل بما يصدر منها عن ديوان الجهادية»، ~~ثم يقول عرابي معقبا على ذلك: «وما بي والله من شراسة، ولكني جبلت على حب العدل ~~والإنصاف وبغض الظلم والإجحاف.» # ويذكر عرابي سببين للخلاف بينه وبين خسرو، أولهما أنه لم يشايعه فيما ذهب إليه من رغبة في ~~ترقية أحد الضباط ممن كان عرابي من ممتحنيهم، وكان في نظر عرابي لا يستحق الترقية، بينما ~~كان خسرو شديد الرغبة في ترقيته، هذا في الوقت الذي أبعد فيه خسرو عن الترقية ضابطا آخر ~~يستحقها، وأوعز خسرو إلى أحد الضباط فدبر مكيدة لعرابي، فاتهم بإساءة استعمال سلطته، ~~وحكم عليه بالحبس واحدا وعشرين يوما، ولكنه رفع ظلامة إلى المجلس العسكري الأعلى فقضى ~~ببراءته. # أما السبب الثاني، ولعله فيما أحس أقوى السببين، فهو أن خسرو سعى سعيه حتى حرم عرابي من ~~أرض أنعم عليه بها الخديو إسماعيل فيمن أنعم عليهم من رجال الجيش، وذلك عقب حفلة سر فيها ~~الخديو من حسن نظام الجند. # وما زال خسرو يكيد له حتى رفت من الجندية كما أسلفنا، ولنا أن نتصور مبلغ ما وقع في ~~نفسه من السخط والثورة على خسرو وعلى الشراكسة جميعا في شخص خسرو. # والذي ms015 يعنينا مما كان بينه وبين خسرو أنه يصور لنا شدة الخلاف بين عرابي ورؤسائه في ~~الجيش مهما كانت أسباب ذلك الخلاف. # كذلك يكشف لنا ما علق به عرابي على هذه القصة عن ناحية من نواحي عقله، فلقد راح يذكر ما ~~حل بمن آذوه من مصائب معددا أسماءهم مبينا ما لحق بكل منهم، موردا ذلك على أنه ~~انتقام له من الله ... وفي هذا نوع من السذاجة في رأي من ينظرون إلى مثل هذه العقائد نظرة ~~يقولون: إنها حرة، ونوع من الإيمان في نظر آخرين لا يعرفون هذه النظرة التي يصفها أصحابها ~~هذا الوصف، كما أن فيه دليلا على ما كان للدين من سلطان على عقل عرابي وقلبه. # على أن خصومه قد استغلوا هذه الناحية الدينية من حياته استغلالا مرذولا؛ إذ يحاولون ~~أن يسوقوها دليلا على أنه كان رجلا لا يختلف كثيرا عن عامة الناس في جميع أفكاره ~~ونزعاته، وليتهم يشعرون أنهم بهذا التعميم الذي لا مبرر له إنما ينالون من عقولهم، وأنهم ~~يسيئون إلى أنفسهم ولا يسيئون إليه. # كان للدين سلطان على عرابي ما في ذلك شك، ولكن تلك كانت نزعة العصر، على أننا نسأل: ماذا ~~يضيره من ذلك؟ وكيف يساق هذا على أنه من مساوئه وخليق به أن يعد من حسناته؟ وهل عاب ~~أحد هذا العيب على كرمول، وهو جندي مثله، في تزمته وتقشفه وصرامته في دينه؟ وهب أن ~~عرابيا كان يغلو أحيانا فيخلط بين ما يتصل بالدين وما يتصل بالسياسة، فهل مال به ذلك عن ~~منهاجه السياسي أو صرفه عن وجهته التي عمل على بلوغها؟ وهل يستطيع أحد من خصومه أن يقيم ~~الدليل على أنه اتخذ يوما من الدين سلاحا في غير موضعه؟ أو أنه استغنى بالدعوة الدينية ~~عن الجهاد والقتال حتى النهاية حين عملت خيانة بني قومه ودسائس أعدائه على انتزاع النصر من ~~بين فكيه؟ # ظل عرابي ثلاث سنوات مبعدا عن وظيفته إلى أن عفا عنه الخديو بعد أن ظلت ظلامته لديه ~~هذه السنوات الثلاث مهملة لغير سبب ms016 ظاهر، ولقد تأصل في نفسه كره الاستبداد في كافة صوره ~~كما استقر في قلبه حب الانتقام من هؤلاء الشراكسة الذين يراهم أذى ونقمة على العنصر ~~الوطني. # وطلب عرابي أن يحال على الأعمال المدنية ليبعد عن دسائس أعدائه كما يقول في مذكراته، وإنه ~~ليذكر أنه بذل في تلك الأعمال جهدا عظيما ووفر في أحدها للخزانة مبلغا كبيرا كان - ~~لولا نشاطه - ذاهبا لا محالة إلى خزانة إحدى الشركات الأجنبية، ولكنه رأى غيره يكافأ ~~مكافآت مالية. أما هو فكان جزاؤه كما يقول: «وكوفئت أنا على تلك الأعمال الشاقة الجليلة ~~بالتقاعد والراحة من غير معاش لحين ظهور خدمة أخرى، فيالله ما أمر وأصعب تلك المكافآت ~~المقلوبة على النفوس الحساسة الشريفة! وما أكثر العجائب في الحكومات المطلقة المستبدة ~~الظالمة!» # على أن بلنت يذكر في كتابه أن تكليف عرابي بتلك الأعمال كان على غير رغبته، وأن ذلك كان ~~سببا من أسباب نقمته على العهد القائم يومئذ ومن دوافع انضمامه إلى الساخطين ~~والمتذمرين. # ولم يلبث عرابي أن أعيد إلى صفوف الجيش، وكانت الحكومة تستعد للحملة الحبشية فرقت ~~بعض رجال الجيش إلى مناصب أعلى مما كانوا فيها، ولم يرق عرابي، وكان قد جعل على ديوان ~~الحربية في ذلك الوقت الأمير حسين كامل بن إسماعيل باشا. ويقول عرابي في مذكراته: «وبعد ~~اختيار المختارين للفرقة الثانية من الذين ترقوا بحضرة الأمير المشار إليه قال للذين ~~تأخروا عن الترقي: اجتهدوا أيها الضباط في التعليم والتمرين حتى تدركوا ما وصل إليه ~~إخوانكم الذين ترقوا، والله يشهد وفطاحل الجهادية أن المتأخرين في الترقي هم أساتذة ~~الذين ترقوا في العلوم الحربية وهم أرقى أخلاقا وأدبا ... ولكن الغرض يعمي ويصم ... ثم ~~التفت الأمير إلي وقال بلهجة الأسف: إني طلبت من أفندينا ترقيتك إلى رتبة الميرالاي، ~~فقال: إنك من بتوع سعيد باشا، فقاطعته الكلام، وقلت: إني لست بتاع أحد، بل خادم الحكومة ~~والوطن وبلدي هرية رزنة بمديرية الشرقية، ولكن بتاع سعيد باشا هو راتب باشا لأنه ملكه، ~~فقال: لا تفتر همتك في تأدية واجباتك وإني سأبذل ms017 جهدي في ترقيتك عند ترتيب الفرقة الثالثة، ~~فشكرت له وخرجت وأنا شاعر بأني لا أنال خيرا في عهد والده لأني متحقق من أن خسرو باشا، ~~وراتب باشا ورؤساء الشراكسة يعارضون في ترقيتي بكل ما في قدرتهم. وقد سمعت من أحد أمرائهم ~~وهو رجل معتدل غير متعصب لبني جنسه على ما فيه من غلظة أنه حضر مجلسا لأولئك الشراكسة حيث ~~تذاكروا في اختيار الذين يريدون ترقيتهم إلى الفرقة الثالثة فعرض عليهم ترقيتي إلى رتبة ~~الأميرالاي مراعاة للحق والإنصاف فأبوا عليه ذلك، فقال لهم: ربما ترقى قهرا عنكم ~~يوما ما إذا لم يرتق برضائكم واختياركم وأنتم تعلمون أنه أقدم القائمقامات وأعلمهم، وفيكم ~~من كان تحت إمرته، فالأولى بكم ألا تعرضوا أنفسكم للانتقاد، ولكنهم لم يزدادوا إلا ~~عتوا ونفورا، ولما ترتبت الفرقة الثانية والثالثة وتم ترقي الضباط، لم يقدر ناظر ~~الجهادية الأمير حسين كامل باشا على الوفاء بوعده لإصرار السردار راتب باشا على رفض ترقيتي، ~~ومن الغريب أن الآلاي الذي تحت إدارتي ظل خاليا من ضابط من رتبة الأميرالاي مدة ثمانية ~~أعوام، وكنت أنا القائم بوظفية الأميرالاي بأحسن نظام وأكمل تربية وأدق تعليم وأحسن هيئة ~~عسكرية، فما أوضح هذا الظلم المبين!» # هذا كلام عرابي، ومهما يكن من أمره فإن حرمانه من الترقية سواء أكان مرده إلى دسائس ~~الشراكسة أم إلى أي سبب آخر كان خليقا أن يحمله على الثورة والسخط، وأن يميل به إلى اعتناق ~~مبادئ الحركة الوطنية التي أخذت تشيع في نفوس الساخطين على حكم إسماعيل. # وألحق عرابي بالحملة الحبشية، ولكن عمله في هذه الحملة لم يكن عمل الجندي المحارب، فقد ~~كان يعمل في منصب «مأمور مهمات» بمصوع، ولقد حنق عرابي على تلك الحملة، فهو ما يفتأ يندد ~~بها في مذكراته ويصف ما حل فيها بالجيش من كوارث في غير موجب، وقد اتهم لورنج القائد ~~الأمريكي الجنس فيها بالخيانة، إذ كان يتصل عن طريق أحد القساوسة بالأحباش ويطلعهم على كل ~~شيء ... ~~••• # ويقول بلنت في كتابه: «إنه قد عاد من الحملة ساخطا كما ms018 سخط العائدون على ما كان فيها من ~~الفوضى، وإليها يرجع اتجاه نفسه نحو السياسة، وازدياد بغضه وغضبه، ذلك الغضب الذي كان في ~~ذلك الحين متجها أكثر ما يتجه إلى الخديو.» # وفي شهر فبراير عام 1878 وقعت مظاهرة الضباط الخطيرة، تلك المظاهرة التي نلمح فيها بوادر ~~الثورة العسكرية، ويتلخص هذا الحادث في أن عددا من الضباط بزعامة البكباشي لطيف سليم قد ~~توجهوا إلى وزارة المالية يطالبون بمرتباتهم المتأخرة، فلما حضر نوبار باشا رئيس الوزراء ~~وكان معه السير ريفرز ولسن وزير المالية هجم هؤلاء الضباط عليهما وأشبعوا نوبار لطما ~~ولكما، وراحوا يجرونه من شاربيه، وامتدت أيديهم كذلك إلى وزير المالية، وكاد يتفاقم الحادث ~~لولا أن خف إلى هناك الخديو بنفسه في فرقة من حرسه حينما نمى إليه ذلك النبأ، وأمر الخديو ~~بإطلاق النار إرهابا، فأطلقت رصاصات في الهواء وفر المتظاهرون. # ولكن تهمة القيام بهذه المظاهرة وتدبيرها قد وجهت إلى عرابي واثنين آخرين من الضباط، ~~وعقد لهم مجلس عسكري يحاكمهم، وأصدر المجلس حكمه بتوبيخهم وفصل كل منهم عن آلايه إلى جهة ~~بعيدة، وكان الإسكندرية من نصيب عرابي، وفيها اتصل بكثير من الأوروبيين. # ويدفع عرابي التهمة عن نفسه مقررا أنه لم يكن له بد فيها قط، إذ كان في رشيد وقت وقوع ~~الحادث، ذكر ذلك في مذكراته، وذكره كذلك في التاريخ الذي كتبه لمستر بلنت بناء على طلبه ~~عام 1903 بعد عودته من منفاه. ولقد أطلع مستر بلنت الشيخ محمد عبده على ما كتب عرابي، ~~فوافق على براءته من هذا الحادث. ~~••• # ولقد أدى اتهام عرابي على هذا النحو إلى ازدياد كراهته لإسماعيل وعهد إسماعيل، ولسوف ~~يكون ذلك من أهم الدوافع التي توجهه إلى الاتصال بالوطنيين بغية معاونتهم والاستعانة بهم ~~على تنفيذ ما كانوا يأملونه من وجوه الإصلاح. قال عرابي في ذلك التاريخ الذي كتبه لصديقه ~~بلنت، والذي أثبته هذا في آخر كتابه: «ولكن قبل أن نفترق اجتمعنا فاقترحت أن نتحد ونخلع ~~إسماعيل، ولو أننا فعلنا ذلك لكان خير حل للقضية؛ لأنه كان يسر القناصل ms019 أن يتخلصوا من ~~إسماعيل على أية صورة، ثم إنه كان يوفر على البلاد ما حدث بعد ذلك من تعقد في الأمور، كما ~~كان يوفر تلك الملايين الخمسة عشر التي حملها إسماعيل معه عندما خلع، ولكنه لم يكن هناك ~~يومئذ من يقود هذه الحركة، ولذلك فإن مقترحي لم ينفذ وإن حاز القبول، وقد ألقى خلع ~~إسماعيل بعد ذلك عبئا ثقيلا عن كواهلنا وعم الفرح، ولكن لو أنا فعلنا ذلك بأنفسنا لكان ~~أفضل؛ إذ إننا كنا نستطيع أن نتخلص من أسرة محمد علي كلها، فإنه لم يكن فيها حاكم صالح ~~إلا سعيد، وكنا نستطيع أن نعلن إقامة جمهورية، وقد اقترح الشيخ جمال الدين على الشيخ محمد ~~عبده أن يقتل إسماعيل عند كوبري قصر النيل ووافقه محمد عبده على ذلك.» ~~••• # ومن هذا الذي ذكره عرابي يتبين مبلغ حنقه على إسماعيل، ولولا أن سعيدا كان يعطف على ~~المصريين حقا وأن إسماعيل لم يكن يبدو منه ما كان يبدو من سعيد من مظاهر هذا العطف، لجاز ~~أن يتهم عرابي بأنه يحب سعيدا ويبغض إسماعيل متأثرا بدوافع شخصية. # أما عن اتهام عرابي وزميليه في هذا الحادث، فإن عرابيا يورد له سببا، فهو يتهم ~~إسماعيل بأنه كان المحرض على هذه الفتنة ليتخلص من الوزارة الأوروبية، ولكي ينفي عن نفسه ~~الشبهة، فإنه اتهم هؤلاء الضباط الثلاثة بأنهم مدبرو الحركة. # | يقظة ونهوض # أخذت إنجلترا وفرنسا تتنافسان في بسط نفوذهما في مصر منذ حملة بونابرت على هذه البلاد، ~~ولكنهما وجدتا في محمد علي رجلا يمد سلطانه ولا يفقد ذلك السلطان، فاكتفت أولاهما بالعمل ~~على تحطيمه، وفرحت الثانية بمصادقته ... # وساقت الأقدار ولاية العهد لإسماعيل قبل موت سعيد، فاستبشر الناس وارتقبوا الخير في عهد ~~هذا الأمير الذي ذاع من صفاته فيهم ما حببه إليهم، وكانوا قد علموا أنه من ذوي النباهة ~~والحزم، وبخاصة في شؤون المال، ولم يطل ترقب الناس فقد آل إليه الأمر عام 1863. # وراحت مصر تستقبل طورا من أطوار تاريخها. نحار أشد الحيرة ماذا نسميه وبأي الصفات ننعته ~~... طورا كان ms020 غريبا حقا، تترك غرابته العقول في دهشة، وتكلف من يريد الإنصاف في درسه ~~عسرا شديدا. # ما برحت فرنسا وإنجلترا تراقبان سير الحوادث في وادي النيل، أما فرنسا فكانت لا تني تعمل ~~على أن تزيد نفوذها في مصر، ذلك النفوذ الذي وضعت أساسه حملتها على هذه البلاد، والذي ما ~~فتئ يعظم ويتزايد في عهد محمد علي، وها هو ذا في عهد إسماعيل قد بلغ مبلغا عظيما حينما ~~اتصل البحران واستطاع دي لسبس أن يجري بينهما القناة التي سوف تغير مجرى تاريخ هذا ~~الوادي ... وأما إنجلترا فكانت دائبة على سياستها تحول دون ظهور قوة في مصر، وقد استراحت من ~~محمد علي، وراحت اليوم تقف في وجه حفيده، وتحرص على أن يظل خاضعا للخليفة، ولما التقى ~~البحران أصبح همها متجها إلى السيطرة على مصر لتسيطر على القناة. # ونصبت كل من الدولتين شباكها وعولت كل منهما على أن تتدخل في شؤون مصر من طريق المال ~~أولا ثم من طريق السياسة بعد ذلك. # شهدت مصر في هذا العهد جلائل الأعمال ومظاهر الاستقلال، كما شهدت عوامل البلى وعناصر ~~الانحلال، شهدت يد التعمير تبعث الحياة والنشاط والقوة في العاصمة وعلى صفحة الوادي، وشهدت ~~يد التخريب تهوي بمعولها في غير رحمة أو هوادة فتزلزل البنيان وتقوض الأركان، شهدت العظمة ~~الشامخة والثروة الباذخة وشهدت الذلة المستخذية والفقر المستكين، شهدت دوافع الحرية وشهدت ~~نوازع الاستبداد، شهدت مواقف البطولة والصدق وشهدت مخازي الدس والبهتان ... شهدت مصر ذلك كله ~~وشهدت زيادة عليه ما تشهده الفريسة تجمعت عليها الذئاب وأوهنها طول الدفاع والجلاد ~~... # أراد إسماعيل أن يسبق عصره فيما يطلب من أوجه الكمال، فلن يجمل بمصر وهو واليها أن تكون ~~قطعة من أفريقيا ولا أن تكون جزءا من تركيا، ولن يهدأ له بال حتى تنتسب مصر إلى أوربا، ~~وحتى تحطم الأصفاد وتطرح من عنقها نير الاستعباد ... # ولم يمض من عهد هذا الأسير الفذ اثنا عشر عاما حتى غمر مصر فيض من الإصلاح، وتهيأ لها من ~~أسباب الرقي ما لم يكن يتهيأ مثله في ms021 أقل من قرن إذا سارت الأمور سيرها العادي ... ففي تلك ~~الفترة القصيرة وصل بين البحرين، وشقت الترع الطويلة تحمل إلى أنحاء الوادي من مياه ~~النيل وغرينه ما يدرأ عنه رمال الصحراء، ومدت سكك الحديد وأسلاك البرق، ونظم البريد ~~ومهدت السبل، وأقيمت الجسور، وأصلحت الموانئ، وشيدت المنائر، وبنيت المصانع، ~~وافتتحت دور العلم للبنين والبنات على نحو يذكر بالحمد والإعجاب. # وفي تلك الفترة تقلص نفوذ السلطان، وأحاطت بوالي مصر مظاهر السيادة فلقب بالخديو ونظمت ~~ولاية العهد، وسمح للوالي بمنح الألقاب، وأطلقت يده فأصلح القضاء وأدخل على النظام الإداري ~~كثيرا من الإصلاح ... # وفي تلك الفترة سارت القاهرة تستبدل حياة بحياة، ومظهرا بمظهر، فتتخلص ما وسعها الجهد من ~~أفريقيا ولا تني تقترب من أوربا، وراح الخديو العظيم ينشر فيها من مظاهر همته ما جعل أعماله ~~في هذا المضمار من عجائب القرن التاسع عشر، وما برحت القاهرة طول عهده غاصة «بالمونة ~~والأحجار» تلك التي كانت هوية الخديو ومسرة فؤاده ... # ولكن إسماعيل وا أسفاه أنفق في سبيل ذلك المجد ما زاد على خمسين مليونا من الجنيهات لم ~~يكن لديه منها شيء يذكر، ولذلك لم يلبث أن رأى مصر التي أراد أن تكون قطعة من أوربا تساق ~~على رغمه لتكون ملكا لأوربا! فمن أوربا استدانت تلك الملايين، ولما عجزت عن دفع دينها ~~كانت رهينة لهذا الدين! # ولما أرادت مصر أن تجد لمشكلتها المالية حلا سنحت الفرصة لإنجلترا فراحت تتنكر لمصر ~~وتتربص بها الدوائر، وكان لابد للمسألة المالية أن تنتهي إلى ما انتهت إليه من تغلغل ~~الإنجليز والفرنسيين في صميم شؤون مصر. # على أن هذا التدخل لم يك شرا كله كما اعتاد المؤرخون أن يصوروه، وحسبنا مما انطوى ~~عليه من عناصر الخير أن قد استيقظت على صخبه وضجيجه مصر، فانبعثت القومية المصرية ومضت مصر ~~تنفض عن كاهلها غبار القرون على صورة أروع وأقوى مما بدا في ثورتها على نابليون ثم على ~~كليبر، ومما ظهر من آمالها وروحها ومشيئتها يوم ذهب أبناؤها وعلى رأسهم عمر مكرم والشرقاوي ~~يلبسون محمد ms022 علي الكرك والقفطان دون أن يرجعوا في ذلك إلى السلطان ... # وتراكمت الديون على مصر حتى إنها لم تك تقل عن تسعين ألف ألف من الجنيهات في عام 1875، ~~فمن ديون سائرة كانت في ذاتها أبلغ ما نال الخديو من معاني الغبن، إلى ديون ثابتة فيها أوضح ~~معاني الشره وأقبحها من جانب الدائنين، إلى قروض داخلية لجأ إليها «المفتش»، ذلك الذي قام ~~على شؤون مصر المالية، فكان في ذاته عبئا فوق ما أثقلها من عبء، ومن تلك القروض الدالة على ~~الارتباك والخلل دينا المقابلة والرزنامة ... # عندئذ تحركت إنجلترا نحو هدفها، وكانت أولى حركاتها في هذا المضمار شراء نصيب مصر من أسهم ~~القناة، اشتراه دزرائيلي رئيس وزرائها يومئذ بثمن بخس، ولم يرده عن ذلك عطلة البرلمان في ~~تلك الأثناء، وكيف يفوت ذلك الداهية أمر كهذا الأمر يجعل مقام بلاده في القناة كمقام ~~فرنسا أو أعظم، ويصحح خطأ وقعت فيه إنجلترا ألا وهو استهانتها بالمشروع أول الأمر ظنا ~~منها أنه لن يتم، ثم تراخيها في شراء الأسهم بعد ذلك رغبة في إحباطه؟ # ولكن مصر بعد بيع أسهمها لا تزال في حاجة إلى المال لتدفع به بعض ما جره عليها المال من ~~وبال، وأنى لها المال بعد هذا كله؟ وأية دولة تمد إليها يدها؟ إذا فلتفكر مصر في ~~الإصلاح، ولتفكر إنجلترا في اصطياد الفريسة. # طلب الخديو موظفا إنجليزيا يدرس لمصر شؤون مالها، ويصلح ما يراه من أوجه الخلل، ~~فتلكأت إنجلترا أول الأمر لأنها عن دهاء وجشع تحب أن تتدخل ولكنها لا تحب أن تفتح أعين ~~غيرها ... # وجاء الموظف ولكنه كان مزودا من قبل حكومته بأوامر، فعليه أن يدرس وعليه فوق ذلك أن ~~يحقق ويدقق ثم يرفع إلى حكومته تقريرا عما رأى! وما لهذا أراده إسماعيل، فما كان يريد ~~والي مصر إلا أن يكون هذا الموظف معينا له على إصلاح مالية البلاد. # ورفع «كيف» التقرير إلى حكومته! وجاد دور دزرائيلي فأعلن في البرلمان الإنجليزي في غير ~~تردد ولا استحياء أنه يرغب عن نشر التقرير لأن الخديو ms023 رجا منه ألا يفعل، ولعمر الحق ما رجا ~~الخديو منه شيئا ولا أشار إلى ذلك من قريب ولا من بعيد ... # ذعر الدائنون، وهبطت قيمة أسهم مصر كما يقول رجال المال، وتلقى الخديو الصدمة العنيفة ~~ممن أمل على أيديهم الإصلاح، وقال في مرارة وغيظ: «لقد احتفروا لي قبري.» وهي كلمة موجعة ~~جامعة، فبعد هذا التصريح من جانب دزرائيلي سيكون الطوفان ... # وما كان في تقرير «كيف» إلا أن مصر «تشكو مما ينتشر في الشرق من أمراض، منها الجهل ~~والإسراف والاختلاس والإهمال والتبذير، وأنها تشكو من كثرة النفقات التي سببتها محاولة ~~إدخال مدنية الغرب، والتي تترتب على مشروعات لا تجدي نفعا وعلى مشروعات نافعة ولكنها تنطوي ~~على الخطأ»، بل لقد ذكر «كيف» في عبارة صريحة: «أن مصر تستطيع أن تدفع ما عليها من الديون ~~إذا أحسنت إدارة البلاد»، ولكن للسياسة مطامعها وأغراضها، ولها من أجل ذلك أساليبها التي ~~كثيرا ما تسخر مما تواضع عليه أغرار الناس من قواعد الخلق والاستقامة. # لم تستطع مصر أن تفلت من دائنيها، فكان لابد من إذعانها لمراقبة مندوبيهم، وأقيم في مصر ~~«صندوق الدين العام»، فكان حكومة صغيرة من الأجانب داخل حكومتها، ثم وافق الخديو مكرها ~~على تعيين مراقبين أجنبيين: أحدهما إنجليزي للدخل، والآخر فرنسي للصرف، وعين لهذين موظفين ~~من الأجانب بأجور ضخمة، وعني الخديو حقا بإصلاح الحال يومئذ، ولكن يد الغدر كانت من ~~ورائه تبعث الارتباك وتنصب الشباك. # وقبل الخديو فيما قبل على رغمه تأليف لجنة من الأجانب سميت «لجنة التحقيق العامة» ~~جعل على راسها دي لسبس، ومنحت سلطة واسعة غير محدودة، فما كادت تعمل حتى اصطدمت، وكان ~~اصطدامها في بدء عهدها لسوء حظها، برجل من رجال مصر كان يتحفز ويتحين الفرصة ليثب، وكان ~~هذا الرجل هو محمد شريف باشا ... # استدعت اللجنة شريفا ليمثل أمامها لتستفهمه فتعاظمه الأمر فأبى، فأصرت اللجنة وقد ~~خشيت على هيبتها ونفوذها، ولكنه خشي هو أيضا على كرامته وكرامة منصبه فأصر كما أصرت ... ~~أيمثل شريف أمام لجنة من الأجانب؟ ولم لا تنتقل إليه اللجنة ms024 وهو العزيز بنزاهته ~~واستقامته، الكبير بشخصه ومنصبه، العظيم بوطنيته وكرامته؟ إذن فليطلق شريف المنصب غير آسف، ~~وقد كان ما أراد فاستقال، وهزت البلاد استقالته بما تنطوي عليه يومئذ من المعاني؛ فلقد ~~كانت وثبة منه في حينها كأنما جاءت على قدر من الأيام، ففي مصر يتوثب مثله رجال وتخفق ~~بالوطنية قلوب وتضيق من تدخل الأجانب صدور، وقدر لشريف أن يكون في تاريخ وطنه من أولئك ~~الأماثل الذين توحي مواقفهم البطولة وتخلق الأبطال! # كان في استقالة شريف معنى الغضب، ولكنه لم يكن غضب فرد لشخصه فحسب، وإلا لما كان له ما ~~كان يومئذ من خطر، كان غضب رجل لشخصه ولقوميته معا أمام لجنة من الأجانب تريد أن تظهر ~~بمظهر السيادة، وتحرص أشد الحرص على ذلك المظهر، ولذلك كان هذا الغضب ثورة، وما لبثت تلك ~~الثورة أن بعثت في كل نفس من نفوس الأحرار ثورة مثلها، وبذلك تهيأت البلاد لأن تثبت للأجانب ~~وجودها، واغتدى شريف بما فعل أول رجالها ورأس أبطالها. # ورب قائل يقول: وماذا كان في ذلك الموقف من معاني البطولة؟ هذا رجل اعتزل منصبه فكيف يكون ~~الاعتزال رجولة؟ ولكن الذين يعلمون مبلغ نفوذ الأجانب ومبلغ ما مني به المصريون يومئذ من ~~خور وما عرف عنهم إذ ذاك من الحرص على المناصب والألقاب يدركون ما ينطوي عليه موقف شريف من ~~عزة وتضحية، هذا إلى ما سبق استقالته من تحد منه للجنة وسلطانها، ولو أن الخديو آزر ~~شريفا لما ترك منصبه وكان بذلك يدع اللجنة في أحرج المواقف كما أمعن في عصيانه وترفعه ... ~~ولكن الخديو على جلال قدره طلب إلى اللجنة فيما يشبه الرجاء أن تكتفي من شريف بأن يرد على ~~أسئلتها كتابة، ولما رفضت اللجنة ذلك لم يرد الخديو عليها بعمل أو قول يكون فيه معنى ~~التأييد لرجله والاستنكار لفعل الأجانب، ومعنى ذلك أنه لم يبق أمام شريف إلا أن يتخذ من ~~استقالته مظهرا من مظاهر الاحتجاج على تدخل الأجانب في شئون البلاد، فكان ذلك المظهر أول ~~إنذار بالثورة. # أخذت لجنة التحقيق ms025 العامة تدرس الحالة، ولقد جعلت اللجنة هدفها بالضرورة العمل لصالح ~~الدائنين، ولذلك لم تأل جهدا في أن ترجع بكل المساوئ إلى الخديو وحكومة الخديو متناسية ما ~~فعله الدائنون من مخاطراتهم بأموالهم ابتغاء الربح الوفير وما جره جشعهم على البلاد من ~~دمار، وما انطوى عليه مكرهم من غدر وبهتان وزور واختلاس. # تعامت اللجنة عما كان يقاسيه الفلاحون يومئذ من شقاء، ولم تراع في تقريرها بؤس أولئك ~~الذين أثقلتهم الضرائب وهدهم الجوع، أولئك المساكين الذين كانوا كثيرا ما يفرون من ~~أراضيهم لكثرة ما كان يطلب منهم، أولئك الذين غمرهم في سنة من تلك السنين السود سيل جارف ~~لم يكن أقل هولا عليهم من طالبي الضرائب، ألا وهو فيضان النهر على قراهم وأراضيهم، أولئك ~~الذين أحاط بهم الربويون والأمراض معا، وباتوا يتمنون الموت من قبل أن يلقوه! # وتغافلت اللجنة عن أولئك الأجانب الذين كانوا يهربون بضائعهم وينجون بها من الجمارك ثم لا ~~يدفعون عنها شيئا داخل البلاد في ظل تلك الامتيازات المشؤومة التي كانت من أكبر المساوئ في ~~مصر، والتي قل أن يجد المؤرخ مثيلا لما كانت تنطوي عليه من جور، وما كانت تقوم عليه من ~~باطل وبهتان، وكذلك تغافلت اللجنة عن أولئك الأجانب الذين تزايد عددهم في الحكومة المصرية، ~~والذين كانوا يتقاضون الأجور العالية جزاء على ما اتصفوا به من الكسل وقلة المروءة ~~وجمود العاطفة، بينما كانت مرتبات الوطنيين لا تدفع لهم إلا في مشقة وعناء، وهي من القلة ~~بحيث كانت تؤدي بالكثيرين إلى الاختلاس والتهاون في العمل ... # واقترحت اللجنة في قرار تمهيدي أن يتنازل الخديو عن سلطته المطلقة إلى وزراء يسألون عن ~~أعمالهم، أي أن تكون عليهم تبعة ما يعملون، وأن ينزل عن أملاكه نظير مبلغ معين، وكذلك تنزل ~~أسرته عن أملاكها، كل ذلك دون أن تفكر اللجنة في أن يتنازل الدائنون عن شيء من ديونهم، وهي ~~تعلم كيف تراكمت تلك الديون وكيف تزايدت أرباحها حتى بلغت ما بلغته. # وقبل الخديو تأليف الوزارة المسئولة، فاستدعى نوبار من أوربا وعهد إليه تأليف ms026 وزارة ~~يتضامن أعضاؤها في التبعة وتقوم بالحكم في البلاد، ونظر المصريون فإذا وزارة المالية تسند ~~إلى رجل إنجليزي، وإذا وزارة الأشغال تسند إلى رجل فرنسي، وهكذا يسيطر الأجانب على مصر ~~سيطرة تامة! # ومن غريب أمر هذه الوزارة أنها كانت لا تعبأ بشيء إلا بما يرى الأجانب، فلم يك لمجلس ~~شورى النواب حق إسقاطها، بل لم يك له حق محاسبتها، ولم يك للخديو نفسه في الواقع سلطان ~~عليها، فكانت الوزارة بهذه الصورة سخرية من سخريات الأجانب هي في ذاتها من أبلغ نكاياتهم ~~يومئذ بالبلاد وأهل البلاد ... # على أنه سرعان ما دب الخلاف بين الخديو ووزرائه، أو على الأصح بينه وبين نوبار ~~والوزيرين الأجنبيين، فلقد كان في الوزارة رجال غير شريف يدينون بالولاء لحاكم البلاد ~~الأعلى، ومن هؤلاء علي مبارك ورياض ... وتزايد هذا الخلاف حتى أصبح إسماعيل ولا هم له إلا ~~أن يتخلص من هذه الوزارة التي لم تدع له من السلطة إلا اسمها. # وسنحت له الفرصة في حادث مظاهرة الضباط الذي أشرنا إليه، فأعلن إسماعيل على أثر الحادث ~~أنه غير مسؤول عن الأمن في البلاد ما دام محروما من السلطان، ومن ثم رأى نوبار أن لا قبل ~~له بمواجهة الحال بعد ذلك فرفع إلى الخديو استقالته، وبذلك تخلص الخديو وتخلصت البلاد من ~~تلك الوزارة التي اعتاد الناس أن يسموها الوزارة الأوربية. # وكانت تولد بالبلاد يومئذ حركة وطنية قوية، كان باعثها الأول هذا البلاء الذي كانت ~~تعانيه، ولسوف تلتقي هذه الحركة فيما بعد بالحركة العسكرية التي هي في جوهرها غضبة قومية ~~على أجانب من جنس آخر هم الشراكسة، وتتألف من التيارين تلك الثورة التي كان بطلها أحمد ~~عرابي، والتي تعمد كثير من المؤرخين تشويهها، والتي أخطأ فهمها عدد منهم ليس بالقليل من ~~جراء ما هوش وافترى كتاب الاحتلال ... # وكان لهذه الحركة الوليدة مركزان: أولهما المركز الرسمي وهو مجلس شورى النواب، وثانيهما ~~المركز الأهلي وهو بيت السيد البكري نقيب الأشراف، حيث كان يلتقي الأحرار من العلماء ~~والنواب والأعيان وضباط الجيش الناقمين. # وكان قد ms027 هبط مصر السيد جمال الدين الأفغاني يبث فيها مبادئه ويحمل إليها قبسه، وكان جمال، ~~ذلك الرجل الذي أطلعه الشرق ليضيفه إلى كواكبه الزهر، يرى أن علة العلل في هذا الشرق ~~المغلوب على أمره أن شعوبه سليبة الإرادة، تحكم على رغمها وتسخر لحساب الحاكمين، ولا ~~مخرج لها إلا أن تعود حرة كما كانت من قبل حرة، ولن يكون هذا إلا أن تقوم الشورى مكان ~~الاستبداد، وأن ينسخ نور العلم ما تراكم في الشرق من ظلمات بعضها فوق بعض. # وكانت التربة في مصر صالحة لبذوره، فنمت نموا سريعا يحمل على الدهشة، فما أسرع أن ظهرت ~~في البلاد حركة حرة كأعظم وأجمل ما تكون الحركات الحرة، وراح تلاميذ جمال الدين يذيعون في ~~البلاد مبادئه، يقول في ذلك الشيخ محمد عبده أنبغ تلاميذه وأحبهم إليه: «وكان طلبة العلم، ~~طلبة جمال الدين، ينتقلون بما يكتبونه من تلك المعارف إلى بلادهم أيام البطالة، والزائرون ~~يذهبون بما ينالونه إلى أحيائهم، فاستيقظت مشاعر وانتبهت عقول، وخف حجاب الغفلة في ~~أطراف متعددة من البلاد، وبخاصة في القاهرة.» ~~••• # وظهرت في تلك الأيام الصحافة العربية، وراح الناس يقرأون فيها نفثات الوطنية، وأخذت تهب ~~عليهم من بين سطورها نسمات الحرية، فانتعشت أرواحهم، وهفت إلى الانطلاق من الأسر ~~قلوبهم. # وأدى اتصال المصريين بالأجانب، وقد كثر مجيئهم إلى مصر، إلى تتبع الأنباء العالمية في ~~الحرب والسياسة، فزادت معرفتهم بأحوال العالم، وقارنوا بين حال الشعوب الحرة وبين حالهم، ~~وراحوا يستنبطون أسباب ما بانوا فيه من شقاء وذلة. # وبهذه العوامل مجتمعة قام في مصر رأي عام يعد شيئا جديدا حقا في تاريخها الحديث، ~~فقد اشتد الوعي القومي، وكان من أكبر بواعثه، ذلك العدوان الذي أسرف فيه الأجانب على مصر ~~في غير حياء أو مبالاة. # أخذت تشتد الروح الوطنية وتتغلغل في النفوس، وكان شريف باشا يرقب حركة الأحرار الذين ~~كانوا يجتمعون في بيت البكري، وكان لا يفتأ ينصح لهم ويشير عليهم بما يعملون، وكان يتمنى ~~أن يتخذ منهم قوة يناوئ بها الأجانب ويحد من سلطان الخديو، ولن ms028 يتم ذلك فيما يرى إلا أن ~~يكون الوزراء مسئولين أمام نواب الأمة كما هو الحال في المجالس الأوربية التي تسير وفق ~~القواعد الدستورية ... # وسقطت الوزارة الأوربية، ولكنها ألفت ثانية برئاسة الأمير توفيق، فلقد رفض قنصلا ~~إنجلترا وفرنسا أن يرأس إسماعيل نفسه الوزارة كما طلب، ولقد أرادت الدولتان على لسان ~~قنصليهما أن يدخل نوبار الوزارة الجديدة فرفض الخديو وصمم على الرفض، ورأت الدولتان مبلغ ~~حرص إسماعيل على إبعاد نوبار، فاشترطتا لقبول ذلك أن يعطى العضوان الأوربيان في الوزارة حق ~~«الفيتو» على قرارات مجلس الوزراء، ورضي إسماعيل بذلك، فصار للعضوين الأوربيين حق إيقاف أي ~~قرار لمجلس الوزراء لا يوافقان عليه، ومعنى ذلك أنهما يحكمان البلاد حكما لا يدع للخديو في ~~مصر سلطة أو ظلها ... # وآن لمجلس شورى النواب أن يخطو خطوة ما كان أعظمها من خطوة، نمى إلى المجلس فيما نمى ~~إليه من أنباء الوزارة الأوربية أنها تأتمر بالمجلس وتنوي التخلص منه، فصمم الأعضاء ألا ~~يتفرقوا وأن يظلوا في أماكنهم للنظر في شئون البلاد في تلك الآونة العصيبة ... ألسنا نرى في ~~ذلك صورة مما حدث في فرنسا في مستهل عهد ملكها لويس السادس عشر، حين اشتدت الضائقة المالية ~~ورأى نواب الشعب وجوب العمل على وضع حد لسوء الحال؟ ولسوف تؤدي الظروف إلى أن يصبح ذلك ~~المجلس الذي لم يكن له حول ولا قوة، هيئة تحاسب الوزراء على أعمالهم، وتملك إقصاءهم عن ~~مناصبهم إذا تهاونوا في حقوق البلاد. ولقد كان لشريف باشا الفضل كل الفضل فيما ناله المجلس ~~من حقوق، حتى ليعد شريف بذلك مؤسس الحركة الدستورية في مصر. # وكان المجلس في وزارة نوبار قد أرسل إلى السير ريفرز وزير المالية بدعوة ليحضر أمامه ~~ليسأله عن بعض الأمور فسوف وماطل، ثم لم يحضر أو يرسل إلى المجلس شيئا مما طلب المجلس ~~أن يطلع عليه من المشروعات، وضاق المجلس بما فعل وزير المالية، وفسر عمله بأنه إهانة ~~موجهة إلى الأمة المصرية في أشخاص نوابها ... # وفي وزارة الأمير توفيق استصدر وزير الداخلية وهو يومئذ رياض ms029 باشا أمرا من الخديو إلى ~~النواب بأن مدة مجلسهم قد انتهت فعليهم أن ينفضوا، وذهب رياض يتلو على النواب هذا الأمر، ~~وهنا وقف النواب وقفة جديرة بأن تفخر بها مصر فيما تفخر به من مواقف البطولة، فلقد رفضوا أن ~~يذعنوا، وهددوا رياضا بما عسى أن يقع من الحوادث في البلاد بسبب سياسة الوزارة، وجعلوا ~~تبعة ذلك عليها، ولكم نرى من أوجه الشبه بين موقف هذا المجلس ومجلس طبقات الأمة في فرنسا، ~~حين وقف فيه نواب الشعب الفرنسي يتحدون قرار الملك على أثر صيحة ميرابو المدوية التي ~~نقلت تاريخ فرنسا من فصل إلى فصل. # ولكن النواب هنا لم يكونوا في الحقيقة يتحدون الخديو، فقد كانوا يعلمون أنه يعطف على ~~حركتهم ليتخلص بهم من تدخل الأجانب في شئون مصر، ذلك التدخل الذي حرمه كل سلطة، وإنما كان ~~النواب يتحدون الوزارة الأوربية ويريدون أن يأخذوا السبيل عليها ... # وكانت مطالب المجلس يومئذ تنحصر في المسألتين الدستورية والمالية، أما أولاهما فتتلخص في ~~أن تكون الوزارة مسئولة أمام المجلس بحيث يصبح هيئة لها مكانها الفعلي في حكومة البلاد، ~~وأما الثانية فمؤداها أن يبحث المجلس المسألة المالية دون الأجانب، وأن يقرر في أمر الدين ~~والضرائب ما تمليه عليه مصلحة البلاد. # وأصر النواب على ما طلبوا فكانت حركتهم هذه حركة قومية إلى أقصى ما يتسع له معنى هذه ~~الكلمة، وكان يظاهر النواب أحرار البلاد من العلماء والأعيان والتجار، الذين لم تنقطع ~~اجتماعاتهم في بيت البكري، وأخيرا اتفقت كلمتهم جميعا على أن يتوجهوا إلى الخديو بما عرف ~~باسم اللائحة الوطنية، وفيها يعترض النواب على اقتراحات ريفرز ولسن التي كانت ترمي إلى ~~إعلان إفلاس مصر، ويقررون أن إيراد مصر يفي بدفع ديونها، ويطلبون إلى الخديو تقرير مبدأ ~~مسئولية الوزارة أمام المجلس، وتأليف وزارة وطنية تقوم مقام هذه الوزارة الأوربية التي ضاقت ~~بسياستها البلاد. # ولقد وضعت هذه اللائحة لجنة من النواب تحت إشراف شريف، فكانت هذه اللائحة الخطيرة كبرى ~~حسناته إلى هذه البلاد، كما كانت أهم خطواته السياسية وأبعدها أثرا في ms030 مجرى الحوادث، ~~ووقع على اللائحة ستون من أعضاء المجلس، ومثلهم من العلماء، وفي مقدمتهم شيخ الأزهر، كما ~~وقع البطريرك والحاخام، وكذلك وقع عليها عدد كبير من الأعيان والتجار والموظفين والضباط، ~~ودفعت بعد ذلك إلى الخديو فرأى أن قد حان الوقت ليوجه إلى النفوذ الأجنبي ضربة قوية، ~~فالبلاد من ورائه تشد أزره، ولذلك لم يتردد في الموافقة على اللائحة، وسرعان ما هزت ~~البلاد فعلته هزة قوية، هي هزة الفرح بانتصار الحركة الوطنية والأمل في مستقبل تحطم فيه ~~البلاد أغلالها وتنعم بالراحة والرخاء. # واستقالت وزارة توفيق، فاتجهت الأبصار إلى شريف، واتفقت عليه القلوب والأهواء، وما لبث أن ~~تضاعف سرور البلاد بأن أسندت إليه رئاسة الوزارة الوطنية، وأصبح شريف زعيم الحركة الوطنية ~~ورئيس وزارة الأمة. # وراح الخديو يكيد للأجانب كيدا شديدا، وظهر كمن يريد أن يثأر لنفسه؛ فلم يكتف بإجابة ~~الوطنيين إلى ما طلبوا، بل لقد ذهب إلى حد مشاركتهم مظاهر ابتهاجهم بالعهد الجديد حتى لقد ~~حضر بنفسه حفلا أقامه في داره السيد علي البكري ودعا إليه كبار رجال الحركة الوطنية، فكان ~~موقف الخديو في ذلك موقف الزعيم. # وتلقى الأجانب الضربة ولكنهم لم يطيشوا أو يذهلوا عما يجب عليهم أن يعملوا إزاء موقف ~~الخديو. ومن أجل ذلك لقيت وزارة شريف منهم عنتا بالغا، فتبددت في ضوضائهم كل دعوة إلى ~~الحكمة، وضرب الحقد على آذانهم، وجعل الغضب على أبصارهم غشاوة ... # ولكن شريفا ظهر يومئذ بمظهر جدير بالإعجاب حقا، فلا هو خشي جانب الأجانب فتخاذل عما ~~بسبيله، ولا هو مال كل الميل فانقلبت سياسته شططا، وبذلك جمع شريف بين حمية الوطني الثائر ~~وكياسة السياسي الماهر وروية المجرب البصير ... # احتج الأجانب على إبعاد الوزيرين الأوربيين، واستقال كثير منهم من مناصبهم، وراحت إنجلترا ~~وفرنسا تتهددان الخديو وحكومته وتنددان بهما، وتوجه الدائنون إلى المحاكم المختلطة فرفعوا ~~أمامها القضايا. # وأعلنت لجنة التحقيق أن الحكومة مفلسة منذ أكثر من عامين، ولما عرض شريف على هؤلاء ~~الأجانب الصاخبين استعداده لإعادة المراقبة الثنائية وفق ما كانت تقضي به تعهدات الخديو في ~~حالة ms031 ما إذا أخرج الوزيران الأجنبيان أو أحدهما، رفضوا ذلك الحل مبالغة منهم في الكيد، ~~ورغبة في زيادة الأمور حرجا وتعقيدا؟ ... # ولكن شريفا لم يلوه حرج الموقف عن وجهته، وما كانت وجهته إلا أن يجعل مرد الأمور ~~إلى الأمة، ولئن كان يمقت تدخل الأجانب فإنه كان كذلك يكره استبداد الخديو بالأمر أشد ~~الكراهية، لذلك جعل محور سياسته أن يكون الوزراء مسئولين أمام مجلس شورى النواب، وتم له ~~ما أراد؛ فجاء في كتاب الخديو إليه بتأليف الوزارة عبارات لا تقبل تأويلا فيما يذكر الخديو ~~أنه يرجع بالأمور إلى الأمة ويوافق على مسئولية الوزارة أمام مجلسها. ~~••• # بهذا كان شريف كما ذكرنا أبا الدستور في مصر؛ فإن ذلك المجلس الذي تعهده برعايته منذ ~~نشأته سنة 1866 قد تمت له السلطة على يديه سنة 1879؛ فصار الحكم في مصر دستوريا لا تشوبه ~~شائبة مهما يقل القائلون في طريقة الانتخاب يومئذ وجهل سواد الناس بأصول الحكم. # أجل، إن العهد الدستوري في مصر يرجع إلى سنة 1879، وهذا الدستور إنما نالته مصر بجهاد ~~بنيها، وما كان دستور سنة 1923 إلا الدستور الثاني للبلاد أو بعبارة أخرى ما كان إلا توقدا ~~لتلك الجمرة التي ظلت مطمورة تحت رماد الاحتلال حتى جاء سعد فخلف عرابيا في قيادة الحركة ~~القومية فأزاح ذلك الرماد ونفخ في تلك الجمرة فأوقد نارها. # لم تكد البلاد، وا أسفاه تفرغ من مظاهر فرحها حتى جاءت الأنباء بعزل عاهلها؛ إذ ما زالت ~~إنجلترا وفرنسا بالسلطان حتى استطاعتا إقناعه بعزل إسماعيل؛ فخلفه على أريكة مصر ابنه ~~توفيق، وبخروج إسماعيل من مصر فقدت البلاد الرجل الذي كان يمكن الاعتماد عليه في مناهضة ~~نفوذ الأجانب. # ورفع شريف استقالته إلى الخديو الجديد كما تقضي التقاليد الدستورية، فطلب إليه الخديو ~~إعادة تأليفها، وأشار توفيق صراحة في أمره وخطابه أمام مجلس الشورى ميله إلى العطف على ~~الأماني القومية كما تظهر في الحركة الدستورية الوطنية، وسار شريف على نهجه الدستوري يدعم ~~ما بنت يداه ويجهتد في توطيد أسسه. # ولكن توفيقا ما لبث حين وصل إليه ms032 فرمان توليته أن تنكر للحركة الوطنية، فما كان في ~~موقفه الأول إلا مدعيا يكتسب الوقت، فلما اطمأن إلى منصبه بدأ سياسته الجديدة بأن رفض ~~أن يجيب رئيس وزرائه إلى ما طلبه بشأن توسيع مجلس الشورى، ووضع نظام الحكم على أساس دستوري ~~ثابت، ورأى شريف في هذا نية إقصائه عن الحكم فاستقال، وجاءت استقالته هذه المرة كذلك عاملا ~~قويا من عوامل إذكاء الروح الوطنية وإشعال جذوتها. # وما كان أحوج الخديو يومئذ إلى شريف دون غيره من الرجال، أجل ما كان أحوجه إلى ذلك الرجل ~~الذي كانت تجتمع فيه الرجال، وتلتقي في سياسته الآمال. # وما أشبه توفيقا بملك فرنسا لويس السادس عشر، ذلك الملك المسكين الذي قال عنه بعض ~~المؤرخين إنه ورث عن أسلافه الثورة والعرش معا، فلقد تجمعت عوامل الثورة الفرنسية قبل ~~عهده، وما زالت تنمو وتتزايد، وما زالت تلك الأقلام الجبارة أقلام فلتير، وروسو، وأضرابهما ~~تحدوها وتمهد الطريق لها حتى جاء عهد ذلك الملك؛ فانفجر البركان وكانت الراجفة التي زلزلت ~~فرنسا زلزالا شديدا. # وأرى توفيقا قد ورث عن سلفه كذلك العرش والثورة؛ فلقد تجمعت عوامل الثورة العرابية في ~~عهد ذلك الخديو المخلوع، ثم راحت تحدوها وتمهد لها أقلام جمال الدين وتلاميذه حتى جاء عهد ~~توفيق فرجفت الراجفة. # وما كانت الثورة العرابية حركة عسكرية فحسب كما يحلو لكثير من المؤرخين أن يصوروها عن ~~عمد، أو عن غفلة، وأن الذين يفعلون ذلك منهم ليأتون من ضروب الخطأ ما نعجب كيف يحملون على ~~قبوله أنفسهم وعقولهم، وإنما كانت الثورة العرابية إذا أردنا وصفها في جملة هي التقاء ~~الحركتين الوطنية، والعسكرية، واندماجهما، فلما ذهب عرابي إلى الخديو على رأس جنده في اليوم ~~التاسع من سبتمبر سنة 1881 ذهب يحمل إليه مطالب الجيش ومطالب الأمة معا، ومن ذلك الوقت صار ~~سلاح الثورة السيف وقد كان سلاحها القلم، أو بعبارة أخرى حارت قيادتها بين السيف ~~والقلم. # ما لبث المصريون كما أسلفنا أن فجعوا في آمالهم بتدخل الدولتين تدخلا جريئا في ~~شئونهم أدى إلى عزل الخديو وتركهم ms033 ذاهلين تتنازع أفئدتهم عوامل الحنق والخوف والتشاؤم من ~~المستقبل . # وتولى قيادة السفينة توفيق، فما كادت تسير حتى اكتنفتها الرياح الهوج، وقامت أمامها ~~العقبات من كل جانب، فها هم أولاء المصريون تتأجج نيران الحقد في قلوبهم على الأجانب، ولن ~~يطيقوا بعد اليوم أي جنوح إليهم، وها هي ذي إنجلترا تتحفز وتتربص، ثم ها هي ذي فرنسا تتحين ~~الفرص لتتغلب على منافستها، وهناك تركيا جاءت آخر الأمر تطلب أن تعيد سلطانها في مصر سيرته ~~الأولى فتردها الدولتان المتنافستان على عقبيها. # والربان غير عليم بالسياسة وأنوائها، ولكنه على الرغم من ذلك يستغني عن أعلم رجاله بها، ~~فتخلص من شريف وهو أحوج ما يكون إليه، وتنكر للحركة الوطنية وكان حقيقا أن يعطف عليها ~~عسى أن يحبه الوطنيون وعسى أن يحملهم هذا الحب على تناسي ما لحق بمنصب الخديوية من هوان صغر ~~به في أعينهم، ولكن توفيقا غفل عن هذا أو تغافل عنه لما رآه من إقصاء أبيه عن منصبه على ما ~~كان له فيه من جاه وقوة. # وحل رياض محل شريف؛ فآلم ذلك دعاة الحركة الوطنية، وأزعجهم أن يروا رياضا يجاري الخديو ~~في استكثاره الدستور على المصريين، فيقنع بما لا يقنع به وطني مكتفيا بمبدأ مسئولية ~~الوزارة عن أعمالها، مستغنيا عن مجلس شورى النواب الذي يحرص عليه الوطنيون كل ~~الحرص. # وجاء قانون التصفية في عهد رياض؛ فازداد به الوطنيون آلاما على آلامهم، ورأوا ما فيه من ~~غبن شديد يتجلى في إلغاء دين المقايلة، وقد أخذ من جيوبهم، كما رأوا فيه ما هو أكثر من ~~الغبن؛ ألا وهو عدم تنازل الأجانب عن شيء من الدين وهم يعلمون كيف كانت تقترض الأموال ~~ومبلغ ما كان يصل مصر منها، وهم يعلمون كذلك ما كان من مجازفة الأجانب بأموالهم مما يلقي ~~عليهم كثيرا من التبعة، هذا إلى أنهم رأوا مرتبات الموظفين الأجانب في الحكومة المصرية ~~تبقى على حالها من الارتفاع، فلم يدر بخلد من وضعوا تلك التصفية أن يراعوا ذلك في قرارهم ~~فينزلوا بها إلى الحد اللائق ... # تلك ms034 هي الحركة الوطنية، أو تلك هي نذر الراجفة، وما كانت الحركة العسكرية التي بدأت في ~~عهد إسماعيل واستفحل أمرها في عهد توفيق إلا بعض هذه الحركة الوطنية العامة، حتى قدر أن ~~يكون لها القيادة آخر الأمر، وأن تسمى بالثورة العرابية نسبة إلى الجندي الوطني الثائر ~~أحمد عرابي. # | الجندي الثائر # بدأت الثورة العسكرية كما أسلفنا في عهد إسماعيل، وكان أول مظهر لها ذلك الحادث الذي ~~اعتدى فيه فريق من الضباط على نوبار أمام وزارة المالية، وكان ما دفع الضباط إلى ذلك الحادث ~~في الواقع أو ما جعل التحريض أيا كان مصدره، يحدث أثره فيهم، ما لحقهم من الضيق بسبب ~~الاستغناء عن عدد كبير منهم، ومن تأخر مرتباتهم عنهم، بينما كان لا يلحق بالشراكسة في ~~الجيش شيء من هذا ... # ويذكر بلنت في كتابه «التاريخ السري» حركة لنفر من الضباط المصريين في شهر مايو سنة 1880، ~~وكان من بينهم أحمد عرابي. وخلاصة هذه الحركة - كما يصفها بلنت - أن هؤلاء الضباط قدموا ~~شكوى إلى وزارة الجهادية من تأخر مرتباتهم، ونظرت الوزارة في الأمر، وكان قنصلا إنجلترا ~~وفرنسا قد تدخلا فيه وألفت لجنة لتحقيق المسألة، وقد أقرت هذه اللجنة مطالب الضباط، ~~ولكن رياضا ووزيره رأيا في ذلك العمل القانوني حركة جريئة، وخروجا على النظام. # ويقول بلنت: إن قنصل فرنسا البارون دي رنج أبدى كثيرا من العطف على هؤلاء الضباط، وأصبح ~~محبوبا لديهم، وكان بين هذا القنصل وبين رياض كثير من الحزازات ... # وكان لعرابي - كما يذكر بلنت - نشاط ملحوظ في هذه الحركة، ولكنه كان معتدلا حتى لقد ~~اكتسب باعتداله ثناء القناصل عليه. # ويتهم بلنت الخديو بأنه وجد في هذه الحركة فرصة للدس والكيد لوزيره رياض، فاتصل بالضباط ~~وكان رسوله إليهم علي فهمي رئيس الآلاي الأول لحرس الخديو، وكان علي فهمي صديقا لعرابي وإن ~~لم يكن له ضلع في هذه الحركة ولا وجهة معينة في السياسة ... # ويذهب بلنت إلى القول بأن توفيقا أخبر الضباط على لسان علي فهمي بأن رياضا ووزير ~~الجهادية يبيتان لهم الكيد، وأنهم إن لم ms035 يعملوا على إقصائهما عن منصبيهما حاق بهم السوء، ~~ولن يبخل الخديو بمعاونتهم لأنه يعطف على مطالبهم ... # ولو صح هذا الذي يرويه بلنت لكشف لنا عن جانب من ضعف توفيق، ذلك الذي يستعين بالضباط ~~على وزيره؛ لأن يده كانت مغلولة عنه بسلطة الأجانب. # ولكن هذا الذي يذكره بلنت لم يرد ذكره فيما كتبه عرابي في مذكراته، ولا في ذلك الموجز ~~الذي كتبه لبلنت فأثبته في آخر كتابه، وما كان عرابي ليسهو عن أمر كهذا لا يخفى ما له من ~~أهمية. # وكذلك لم أقع على ذكر هذا الذي ينسب إلى الخديو فيما تناولته من الكتب التي عنيت بتفاصيل ~~الحركة العسكرية، ولعل بلنت ينفرد بهذه الرواية. # على أن مسلك الخديو لو صحت الواقعة أمر لا يستغرب، فقد استعان إسماعيل نفسه بالضباط على ~~نوبار وزميليه من قبل، إذ عجز عن مناوأتهم مناوءة علنية خوفا من الأجانب ... # استغني عن عدد كبير من الجند الوطنيين في أوائل عهد توفيق حتى نزل عدد الجيش المصري ~~عما اتفق عليه في بداية هذا العهد، وولي وزارة الجهادية في حكومة رياض عثمان رفقي الشركسي، ~~وكأنما جعل هذا الوزير أساس سياسته الكيد للمصريين ما وسعه الكيد، فلقد راح يذيقهم من كيده ~~ونكاله بقدر ما راح يفيض على الشراكسة من عطفه وإحسانه، ولم يكن ذلك عجيبا من جانبه، ففي ~~دمه ما في دم بني جنسه من بغض قديم للمصريين الذين كانوا في رأيهم فلاحين لا يصلحون إلا ~~ليكونوا عبيدا ... # وكان طبيعيا أن يجعل هذا الوزير الشركسي أكثر الترقيات في الجيش للشراكسة، وأخذ عثمان ~~رفقي يعد مشروع قانون يمنع به ترقية الجند من نحت السلاح لكي يبقى الشراكسة في الجيش هم ~~العنصر الذي يسود. # أما عن كبار الضباط فقد بدأ يعزلهم أو يقصيهم عن مواضعهم، كما حدث في أمر أحمد عبد الغفار ~~قائمقام السواري، إذ عزله رفقي وعين مكانه أحد الشراكسة وهو شاكر طمازة، وكما حدث في نقل ~~عبد العال حلمي إلى عمل في ديوان الوزارة ووضع شركسي مكانه طاعن في السن لا ms036 كفاءة له؛ وهو ~~خورشيد نعمان. # وأما عن الجند فقد كانت الحكومة تسخرهم في أعمال لا تمت بصلة إلى الجندية كحفر الترع ~~والزراعة في أرض الخديو وغير ذلك، ومما هو جدير بالذكر هنا أن عرابيا عارض معارضة شديدة ~~في أن يعمل جنوده في حفر الرياح التوفيقي، وهذا بلا شك موقف من مواقف شجاعته، تلك الشجاعة ~~التي يأبى خصومه أبدا إلا أن يروها تهورا، والتي نراها في أكثر الأحوال على خير ما تكون ~~شجاعة أولي الحمية والإخلاص من الرجال، وأي مأرب كان لعرابي في مثل هذا الموقف وفيم تكون ~~معارضته في أن يسخر جنده في مثل تلك الأعمال إذا لم يكن مبعثها الإنصاف والغيرة؟ وما يكون ~~إنصافه وغيرته في موقف كهذا إلا بسالة وإقداما. # وكان رجال الجيش بوجه عام يحسون قلة عناية الوزارة بالأمور العسكرية، بل كانوا يلمسون ~~إهمالها هذه الأمور في الوقت الذي أولت فيه شيئا من عنايتها غيرها من المسائل ... # ولو أن الوزارة عالجت هذه الحال بما يقتضيه العدل والإنصاف لما قدر للحركتين: الوطنية، ~~والعسكرية أن تمتزجا فيكون منهما تلك الثورة التي اقترنت باسم عرابي ... لكن كان دون علاجها ~~عقبات، فهناك تعصب رفقي وغطرسته، وجهل رياض بالشئون الحربية وترفعه عن هؤلاء الفلاحين ~~من الجند، لأنه كان يترفع عن الفلاحين جميعا، ثم هناك دسائس الشراكسة في الجيش وكيدهم ~~للمصريين، ذلك الكيد الذي لم يكن يفتر ... # علم عرابي بما أراده عثمان رفقي بكل من أحمد عبد الغفار وعبد العال حلمي قبل أن ينشر، إذ ~~كان مدعوا إلى وليمة بدار أحد الباشوات، وقد أنبأه هناك أحد أصدقائه بما اعتزمه رفقي فقال ~~عرابي غاضبا: «إن هذه لقمة كبيرة لا يقوى عثمان رفقي على هضمها.» كما جاء في مذكراته، ~~ويقول عرابي في تلك المذكرات: «وبعد تناول الطعام جاءني ضابط وأخبرني بأن كثيرا من الضباط ~~ينتظرونني بمنزلي فتوجهت إليهم في الحال فوجدت من ضمنهم الأميرالاي عبد العال بك حلمي ~~حكمدار الآلاي السوداني الكائن مركزه في طره، والبكباشي خضر أفندي من الآلاي المذكور أيضا، ~~وعلي بك فهمي ms037 أميرلاي الحرس الخديوي بقشلاق عابدين والبكباشي محمد أفندي عبيد من الآلاي ~~المذكور، والبكباشي ألفي أفندي يوسف من الآلاي الرابع البيادة حكمداريتي، والقائمقام أحمد ~~بك عبد الغفار من الآلاي السواري وغيرهم. وكانوا جميعا في هياج عظيم؛ إذ بلغهم صدور أوامر ~~ناظر الجهادية قبل إرسالها إليهم، فلما رأوني أفضوا إلي بما سمعته من نجيب بك وإسماعيل ~~باشا كامل من قبل، فقلت لهم: قد سمعت هذا من غيركم فماذا تريدون؟ قالوا: وليس الأمر كذلك ~~فقط، بل إنه قد كثر اجتماع العنصر الشركسي في منزل خسرو باشا الفريق، وهم يتذاكرون في تاريخ ~~دولة المماليك في كل ليلة بحضور عثمان باشا رفقي ويلعنون خيري بك لتسليمه وإذعانه للسلطان ~~سليم، ويقولون إنه قد حان الوقت لرد بضاعتهم إليهم، وإنهم لا يغلبون من قلة، وظنوا أنهم ~~يملكون مصر ويستبدون بها كما فعل أولئك المماليك من قبل، ثم عقب الضباط بأنهم قد تحققوا صدق ~~تلك الأنباء ممن يوثق بخبره، فقلت: وماذا تريدون إذن؟ فقالوا: إنما جئناك لنرى رأيك؟ فقلت: ~~رأيي أن تطيبوا نفوسكم وتهدئوا روعكم وتعتمدوا على رؤسائكم وتفوضوا إليهم النظر في ~~مصالحكم، وهم يتخذون من بينهم رئيسا لهم يثقون به كل الثقة ويسمعون قوله ويطيعون أمره، ~~ويحفظونه بمعاضدتكم إذا أرادت الحكومة به شرا، فقالوا كلهم: إنا فوضنا إليك هذا الأمر، ~~فليس فينا من هو أحق به وأقدر عليه منك. فقلت: كلا، بل انظروا غيري وأنا أسمع له وأطيع ~~وأنصح له جهدي، فقالوا: إنا لا نبغي غيرك ولا نثق إلا بك، فأبنت لهم أن الأمر عصيب ولا يسع ~~الحكومة إلا قتل من يتصدى له، فقالوا: نحن نفديك ونفدي الوطن العزيز بأرواحنا. فقلت لهم: ~~أقسموا لي إذن على ذلك فأقسموا. وفي الحال كتبت عريضة إلى رئيس النظار مصطفى رياض باشا ~~مقتضاها الشكوى من تعصب عثمان رفقي باشا لجنسه وإجحافه بحقوق الوطنيين، وطلبت فيها أولا: ~~عزل ناظر الجهادية المذكور وتعيين غيره من أبناء الوطن عملا بالقوانين التي بأيدينا، ~~ثانيا: تشكيل مجلس نواب من نبهاء الأمة تنفيذا للأمر الخديوي الصادر عقب ms038 ارتقائه مسند ~~الخديوية، ثالثا: إبلاغ الجيش العامل إلى 18000 تطبيقا للفرمان السلطاني، رابعا: تعديل ~~القوانين العسكرية بحيث تكون كافلة للعدل والمساواة بين جميع الموظفين بصرف النظر عن ~~اختلاف الأجناس والمذاهب. # ثم تلوت العريضة المذكورة على مسامع الحاضرين فوافقوا عليها، وأمضيتها بختمي وختم علي بك ~~فهمي وعبد العال بك حلمي، وبعد ذلك صار ترتيب ما يلزم لحفظ الخديو والعائلة الخديوية ~~والوزراء إذا حدث أي حادث من الضباط الشراكسة مع ترتيب ما يلزم لحفظ البنوك وبيوت التجار ~~الأجانب والوطنيين من مطامع الرعاع، وكذلك ما يلزم لحفظنا من بطش الحكومة إذا أرادت ~~الإيقاع بنا، وانتهى الاجتماع على ذلك.» # ويتضح من اجتماع الضباط بمنزل عرابي على هذه الصورة وفيهم من لم ينلهم في أنفسهم شيء من ~~الأذى أن السخط على رفقي كان من كل قلب، وأن المسألة في حقيقتها كانت شعورا قوميا تجاه ~~تعصب هؤلاء الشراكسة وعلى رأسهم كبيرهم الذي يمكن لهم على حساب المصريين أو الفلاحين كما ~~كانوا يسمونهم، وفي هذا أبلغ رد على الذين تشاء لهم أهواؤهم أو يدفعهم جهلهم إلى تشويه ما ~~كان يدفع عرابيا إلى التمرد من نبيل الشعور، وذلك بقولهم: إنه كانت تحركه دوافع ~~شخصية. # ويجدر أن نبين هنا لماذا انضم إليهم رجل مثل علي فهمي وقد كان في حرس الخديو، والواقع ~~أنه فعل ذلك نتيجة لسياسة رفقي كذلك، فقد وشى به رفقي عند الخديو حتى غيره عليه، وأحس ~~فهمي أن مكانته عند توفيق لم تعد كما كانت، فانطوت نفسه على الضغن، وصمم على أن ينتقم من ~~رفقي متى سنحت الفرصة، وما لبث أن أحس مثل ما كان يحسه عرابي من كراهية هؤلاء الشراكسة ~~جميعا، والتعصب للقومية المصرية، وهو بلا ريب نتيجة لتأثره بشخص عرابي بعد مصاحبته وتفطنه ~~إلى ميوله وأفكاره. # يذكر عرابي في مذكراته هذه أنه قد جاء في الشكوى تشكيل مجلس نواب وزيادة عدد الجيش، ويذكر ~~ذلك أيضا في التاريخ الموجز الذي كتبه عن نفسه وأثبته بلنت في آخر كتابه، ولكني لم أقع في ~~مصدر آخر على ms039 أن العريضة احتوت المطالبة بتشكيل مجلس نيابي وزيادة عدد الجيش ، ولقد علق بلنت ~~على ذلك قائلا: «أظن أن عرابيا قد وقع هنا في خطأ فخلط بين ما احتوته العريضة وبين هذين ~~المطلبين اللذين جاءا فيما بعد يوم 9 سبتمبر، ولكن عرابيا أصر على أن المطالب الثلاثة ~~جاءت أول ما جاءت في فبراير، وأنها كتبت يومذاك.» وقد عرض بلنت ما كتبه عرابي عن تاريخ ~~حياته على الشيخ محمد عبده سنة 1903 في منزله بعين شمس، فأقر أكثره ولكنه وضع ملاحظاته على ~~بعضه، ومنه محتويات تلك الشكوى. ويؤكد الشيخ محمد عبده أنه لم يكن في تلك الشكوى أية إشارة ~~إلى تشكيل مجلس نواب أو إلى زيادة عدد الجيش. # ويقول كرومر في كتابه «مصر الحديثة»: «لقد جاء في العريضة أن وزير الحرب عثمان باشا رفقي ~~عامل الضباط المصريين في الجيش معاملة غير عادلة فيما يتصل بالترقية، وقد سلك في ذلك مسلكا ~~كما لو كان هؤلاء أعداءه، أو كما لو أن الله قد أرسله ليصب غضبه على المصريين. وقد طرد ~~الضباط من فرقهم بغير تحقيق قانوني، وعلى ذلك فقد طلب الشاكون مطلبين: أولهما أنه يجب إقصاء ~~وزير الحرب لأنه غير كفؤ لهذا المنصب العالي، وثانيهما أنه يجب أن يجري تحقيق يتناول مبلغ ~~كفاءة الذين ظفروا بالرقي.» # هذا ما ذكره كرومر عن محتويات الشكوى، ولو أنه كانت بها إشارة إلى ذينك المطلبين اللذين ~~أشار إليهما عرابي ما أغفلهما كرومر لما يكون لمثلهما من خطر في ذلك التاريخ الذي يكتبه ~~... # ويقول الأستاذ عبد الرحمن الرافعي في كتابه «الثورة العرابية»: «ويلوح لنا أن ورود هذه ~~المطالب كلها في عريضة الضباط أمر مبالغ فيه ومشكوك في صحته، فالمستر بلنت - وقد قص له ~~عرابي واقعة قصر النيل - يقول: إن العريضة كانت مقصورة على عزل عثمان باشا رفقي من منصبه، ~~والشيخ محمد عبده ينفي رواية عرابي ويقول إن العريضة تتضمن الشكوى من الحيف الذي وقع ~~بالضباط من عثمان رفقي وطلب عزله، وإنه لم يرد بها أية إشارة إلى الدستور أو ms040 إلى زيادة ~~الجيش إلى 18000 جندي. وقال علي باشا فهمي في استجوابه إن العريضة مقصورة على طلب عزل عثمان ~~رفقي. وذكر البارون دي رنج قنصل فرنسا العام في مصر في رسالته عن واقعة قصر النيل أن ~~العريضة مقصورة على إعادة قائمقام الفرسان.» ويرى الأستاذ الرافعي أن عرابيا «حين كتب ~~مذكراته بعد وقوع حوادثها بسنين خلط بين مطالب الضباط في واقعة قصر النيل ومطالبهم بعد ~~انتصارهم فيها». # وأنا أميل إلى ما ذهب إليه الرافعي، وأحس أن عرابيا لم يعن بالدقة في بعض تفاصيل هذا ~~الحادث ومنها ما احتوته العريضة، فقد ذكر في ذلك التاريخ الموجز الذي كتبه لبلنت بناء على ~~طلبه أنه علم في بيت نجم الدين باشا أن عثمان رفقي كان ينوي عزله وعزل عبد العال، وهذا ~~يخالف ما جاء في مذكراته، وكذلك جاء في ذلك الموجز أن عبد العال اقترح عليه حينما وافاه ومن ~~معه في منزله الذهاب إلى بيت عثمان رفقي والقبض عليه أو قتله، وأنه رد على عبد العال ~~قائلا: «كلا، بل نشتكي إلى رئيس الوزراء، فإن لم يقبل فإلى الخديو.»، وهذا أيضا يخالف ما ~~جاء في المذكرات، ومنه يحس المرء أن عرابيا كان يكتب من ذاكرته أحيانا، ولذلك كان يختلط ~~عليه الأمر في بعض المسائل. # ومهما يكن من أمر محتويات العريضة، فالذي تكاد تتفق عليه الروايات أن الضباط طالبوا بعزل ~~عثمان رفقي من منصبه، وليس هذا بالأمر الهين، بل إنه لجرأة عظيمة في عهد كذلك العهد ~~... # يذكر عرابي في مذكراته أنه بين للضابطين خطورة الحركة، ولكنهما أصرا عليها فطلب ~~إليهما أن يقسما أمامه أن يخلصا له النية، ولنا أن نتساءل هنا: لم اختير عرابي قائدا لهذه ~~الحركة دون غيره، وقد كان فهمي في حرس السراي وله صلات برجال الحاشية، ولم يكن عبد العال ~~دون عرابي مرتبة وخبرة؟ لم عقد الضباط اجتماعهم في داره وأرسلوا يطلبونه وقد نمى إليهم مما ~~يدبر رفقي ما نمى؟ # إن اختيار رجل من الرجال دون غيره لقيادة حركة من الحركات أمر ينطوي ms041 لا ريب على معنى، فما ~~ولدت الزعامة في الغالب إلا على هذه الصورة ، ففي ذلك الرجل توجد صفات يتميز بها من سواه ~~فتجتمع عليه القلوب والأهواء في لحظة لا يكون للتنافس الشخصي فيها مجال، وهذا في رأيي من ~~أفضل مقاييس الزعامة، وبخاصة إذا كان من يختار معروفا من قبل لمن يختارونه، فلا يكون ~~إقبالهم عليه إعجابا وقتيا لا يلبث أن يتبين خطأهم فيه. # ولن يشذ عرابي عن هذه القاعدة، فإنما اختاره الضباط لما عرفوا فيه من صفات الجرأة ~~والحماسة والإخلاص، ولما عهدوا ما عليه من الصدق وحسن الطوية، هذا إلى أنه كان يفوقهم من ~~ناحية لا غنى عنها لزعيم من الزعماء ألا وهي فصاحة اللسان، فلقد كان هذا الرجل الذي جعل ~~الجهل في مقدمة عيوبه أفصح الضباط لسانا، ولقد كانت الخطابة إحدى مواهبه حتى ليعد من أخطب ~~رجال ذلك العهد، لا في الجيش فحسب، بل بين المواطنين جميعا ... # وامتاز أحمد عرابي بشيء آخر لعله خير ما امتاز به، وذلك أنه كان أكثر المصريين في الجيش ~~سخطا على الشراكسة وأشدهم نفورا منهم، وأعظمهم اعتزازا وشعورا بقوميته، وهذا لعمري ما ~~سوف يظل التاريخ يذكره عن هذا الرجل الذي جهله أكثر بني قومه زمنا طويلا، وما ستظل ~~الأجيال تزداد منه وثوقا حتى يغدو هذا المصري الفلاح من أحب زعماء مصر إلى قلوب أهل مصر ~~... # وما كان اضطغان عرابي على الشراكسة لدافع شخصي، فهو مصري قبل كل اعتبار، وما يلحقه من أذى ~~أو احتقار على أيدي هؤلاء إنما يناله رجلا ويناله مصريا في وقت واحد، ولم يقف سوء ~~معاملاتهم عنده حتى يقال إنه غضب لما لحقه، وإنما كانت سياسة الشراكسة تعصبا لجنسهم على ~~حساب المصريين، فكان هذا الضابط المصري أكثر أقرانه من المصريين نخوة وأعزهم نفسا، وفضلا ~~عن هذا كله فقد حظي عرابي نفسه في أوائل عهد توفيق بالرقي إلى مرتبة أميرالاي، وكان ذلك ~~كفيلا أن يزيل ما عسى أن يكون قد بقي في نفسه مما لحقه من أذى في عهد إسماعيل. # أعد الضباط ms042 عريضة بمطالبهم، ووقع عليها عرابي وزميلاه، وذهب ثلاثتهم فرفعوها إلى رياض ~~باشا في منتصف يناير سنة 1881، وإنهم ليعلمون ما كان ينطوي عليه هذا العمل من جرأة في ذلك ~~الوقت، وكان عرابي هو الذي يتكلم باسم زميليه وباسم الضباط جميعا، كما كان سعد يتكلم حينما ~~ذهب مع زميلين له كذلك في مستهل الثورة الثانية إلى مقر المعتمد البريطاني يرفع مطالب مصر ~~عقب الهدنة التي ختمت بها الحرب العالمية الأولى ... # وكان رياض يكره تقديم العرائض مهما كان من عدالة ما تحتوي من المطالب، وكان يلقي في السجن ~~أو يحكم بالنفي على من يخطون مثل هذه الخطوة، كما حدث للسيد حسن موسى العقاد؛ فقد نفي إلى ~~السودان لأنه انتقد إلغاء قانون المقابلة في الصورة التي جاءت بها لجنة التصفية، وكما حدث ~~لكثيرين غيره ممن أخرجوا من مصر بسبب آرائهم الحرة. # وقابل رياض الضباط مغيظا محنقا، وخاطبهم في كبرياء وغلظة كما يقول عرابي، فقال لهم فيما ~~قال: «إن أمر هذه العريضة مهلك، وهو أشد خطرا من عريضة أحمد فني الذي أرسل إلى ~~السودان.» # وكان هذا الفتى قد نفي كذلك لأنه طلب المساواة في المعاملة بغيره من موظفي الديوان ~~محتجا على ما كان يجري من صور المحسوبية، وقد قضى في منفاه نحبه. # يقول عرابي: «فأجبته بأننا لم نطلب إلا حقا وعدلا، وليس في طلب الحق من خطر؛ وإنا ~~لنعتبرك أبا للمصريين، فما هذا التلويح والتخويف؟ فقال: ليس في البلاد من هو أهل لأن يكون ~~عضوا في مجلس النواب، فقلت له: إنك مصري وباقي النظار مصريون والخديو أيضا مصري، أتظن ~~أن مصر ولدتكم ثم عقمت؟ كلا فإن فيها العلماء والحكماء والنبهاء، وعلى فرض أن ليس فيها من ~~يليق لأن يكون عضوا في مجلس النواب، أفلا يمكن إنشاء مجلس يستمد من معارفكم ويكون كمدرسة ~~ابتدائية تخرج لنا بعد خمسة أعوام رجالا يخدمون الوطن بصائب فكرهم، ويعضدون الحكومة في ~~مشروعاتهم الوطنية؟ فانبهر وكأنما كبر لديه ما سمعه منا، ثم قال: سننظر بدقة في طلباتكم ~~هذه، فانصرفنا على ذلك.» ms043 # ويتضمن كلام عرابي هذا أنه طالب بمجلس للنواب، ولكن بلنت يورد الحادث في كتابه على صورة ~~أخرى قائلا إنه يورده كما علمه من عرابي، قال عرابي في رواية بلنت ما ترجمته: «ذهبنا ~~بعريضتنا إلى وزارة الداخلية، وطلبنا أن نقابل رياضا فأدخلنا حجرة خارجية ودخلنا ننتظر حتى ~~قرأ الوزير العريضة في حجرة داخلية، ثم ما لبث أن جاء إلينا يقول: إن عريضتكم مهلكة، ماذا ~~تطلبون؟ أتطلبون تغيير الوزارة؟ وماذا تضعون مكانها، ومن تقترحون ليدير شئون الحكومة؟ ~~وأجبته قائلا: يا سعادة الباشا، هل مصر امرأة ولدت ثمانية أبناء ثم عقمت، وقد أردته بهذا ~~والوزراء السبعة تحت إمرته.» # واشتد غضب رياض لمطالبة الثائرين بعزل عثمان رفقي؛ فقد رأى في هذا الطلب نوعا من ~~التمرد الجريء؛ إذ ما دخل الجيش في سياسة الحكومة حتى يطالب بعزل وزير من الوزراء، وكانت ~~الحكومة لا ريب محقة في هذا الغضب، ولكنها لم تسلك إزاء هذه الحركة ما كانت تقتضيه السياسة ~~الرشيدة، فكان عليها أن تنظر في مطالب الجيش فتجيب منها ما يزيل أسباب الشكوى، ثم تقنعهم ~~بعد ذلك بأن ليس من حقهم المطالبة بعزل رفقي. # سكت رياض أسبوعين وهو يحاول إقناع الضباط بسحب العريضة ولكنهم يصرون عليها، وغضب الخديو ~~أشد الغضب وأشار عليه بعض المحيطين به باتباع العنف نحو الضباط، ثم نمى إلى رياض أن ~~سكوته قد يفسر بأنه ممالأة للجيش وعدم موالاة للخديو، ويقول بلنت في كتابه: إن الخديو من ~~ناحيته أراد أن ينتهز هذا الحادث للانتقام من رياض فيوقع العداوة والشحناء بينه وبين رجال ~~الجيش، وكان من رأي رياض ألا يجعل من المسألة قضية تتجه إليها أذهان الناس، كما أن رفقيا ~~كان يخشى أن تظهر المحاكمة سوء سياسته. # ولما فطن رياض إلى ما قد يفسر به سكوته وافق على محاكمة الضباط، ووقع الخديو على أمر ~~بمحاكمتهم، ودعى وزير الجهادية الضباط الثلاثة إلى ديوان الجهادية بقصر النيل بحجة ~~الاستعداد لحفلات زفاف إحدى الأميرات، فأخذتهم من الدعوة ريبة؛ إذ لم تجر العادة بمثل هذا، ~~وأخذوا للأمر ما ms044 يجب من حيطة، فاتفقوا مع فرقهم أن تذهب إليهم إذا تأخرت عودتهم عن ساعتين، ~~ثم ذهبوا إلى حيث طلب إليهم أن يحضروا ... # وكان الضباط في الواقع على علم بما دبر لهم، فلم يكن من العسير عليهم في مثل ذلك الموقف ~~أن يدركوا ما عسى أن تبيته لهم الحكومة من كيد، ولقد قيل إن قنصل فرنسا كان على اتصال بهم ~~فأخبرهم بما عقدت الحكومة النية عليه. # وما كاد ثلاثتهم يدخلون وزارة الجهادية، وكان ذلك أول فبراير سنة 1881 حتى ألفوا ~~أنفسهم بين صفوف مسلحة من الشراكسة فقبض عليهم وانتزعت منهم سيوفهم وأودعوا السجن وهم ~~يسمعون عبارات السب والشماتة يقذفهم بها هؤلاء الشراكسة الأجلاف، وكانت كلمة «فلاح» أكثر ما ~~أطلق به ألسنتهم هؤلاء السفهاء من الشراكسة، وقد ساء وقعها في نفوس الضباط الثلاثة، وفي نفس ~~كل من علم بها من المصريين. وكان دخولهم السجن توطئة لمحاكمتهم؛ فقد انعقد لهم مجلس عسكري ~~يحاكمهم برئاسة رفقي نفسه. # وعين رفقي ثلاثة غيرهم على آلاياتهم؛ فأحل محمود طاهر محل عرابي، وخورشيد نعمان محل عبد ~~العال حلمي، وخورشيد بسمي محل علي فهمي، وعمل رفقي على تنفيذ هذا الأمر ساعة صدوره ... ~~••• # شاع الخبر في الجند الوطنيين فثارت ثائرتهم، وكان أكثرهم جرأة وإقداما ووفاء الضابط ~~الباسل محمد عبيد بطل التل الكبير فيما بعد، وكان في آلاي علي فهمي بقشلاق الحرس ~~بعابدين، فنادى جنده نداءه العسكري فاحتشدوا، فأمرهم بالسير إلى قصر النيل، فاعترضه خورشيد ~~بسمي ذلك الذي حل محل فهمي؛ فلم يستمع محمد عبيد إليه، بل لقد اعتقله في إحدى حجرات ~~القشلاق، وشهد الخديو تأهب الجند للمسير؛ فأرسل إليهم الفريق راشد باشا حسني سير ياوره ~~ليصدهم عن سبيلهم فيما استمعوا له، وأرسل توفيق يستدعي عبيدا وبعض إخوانه فرفضوا أن يذهبوا ~~إليه ... # وأحكم عبيد الهجوم على قصر النيل، ولاذ رفقي بالهرب من إحدى النوافذ في صورة مخزية، وهرب ~~أعضاء محكمته، واعتدى الجند على أفلاطون باشا وستون باشا وبعض من صادفهم من الضباط الأجانب، ~~وما زال عبيد يبحث عن الضباط الثلاثة هو ms045 وجنوده، وراحوا يحطمون الأبواب والنوافذ حتى عثروا ~~عليهم؛ ففك عبيد قيودهم وأطلق سراحهم ... # وتحرك آلاي طرة قاصدا قصر النيل، واستمر رجاله في سيرهم على الرغم من أنهم علموا أن ~~الضباط الثلاثة قد أخلي سبيلهم، وعلى الرغم من أن الخديو أرسل لقائدهم خضر أفندي خضر ~~ينهاه عن الحضور، وتوجه خضر إلى عابدين وقد علم أن عرابيا وصاحبيه قد ساروا إلى ~~هناك. # ولم يتخلف إلا آلاي العباسية وهو آلاي عرابي نفسه، وقد ندموا بعد ذلك على قعودهم، وأقبل ~~بعضهم على بعض يتلاومون، ثم جاءوا عشاء إلى عابدين؛ فألقوا معاذيرهم بين يدي عرابي، وأكدوا ~~له الولاء. # ويحسن أن نورد هنا ما وصف به عرابي موقفه هو وزميليه بعد أن دخلوا السجن قال: «ولما أقفل ~~علينا باب الغرفة تأوه رفيقي علي بك فهمي وقال: لا نجاة لنا من الموت وأولادنا صغار، ثم ~~اشتد جزعه حتى كاد يرمي بنفسه في النيل من نافذة الغرفة؛ فشجعته متمثلا بقول الإمام ~~الشافعي (رضي الله عنه): # ولرب نازلة يضيق بها الفتى # ذرعا وعند الله منها المخرج # ضاقت فلما استحكمت حلقاتها # فرجت وكان يظنها لا تفرج # وتمثل عرابي بأبيات أخرى نسبها إلى السيدة زينب رضي الله عنها إلى أن قال: «فلا والله ~~ما كانت إلا هنيهة حتى جاءت أورطتان من آلاي الحرس الخديوي وأحدق رجالهما بديوان الجهادية ~~وأسرع بعض الضباط والعساكر فأخرجونا من السجن، ففر ناظر الجهادية ورجال المجلس وغيرهم من ~~المجتمعين، وقصدوا جميعا إلى سراي عابدين ...» # وإنما نورد هنا ما ذكره عرابي لأنه من جهة يصور لنا جانبا من شخصيته وناحية من ثقافته، ~~ويرينا نزعة اتكاله على الله، تلك النزعة التي سوف لا تنخلع عنه حتى بعد أن تنخلع عنه ~~عزيمته عند انصراف أنصاره عنه عقب مأساة التل الكبير، ثم لأن كلامه من جهة أخرى متفق مع ~~ما يقول الرواة، فلا ضير أن نورد القصة على لسانه. ~~••• # ذهب الضباط الثلاثة ومن ورائهم من أخرجوهم من الأسر إلى الخديو يسمعونه شكواهم، وكان بعض ~~أعوان الخديو يشيرون عليه بأخذهم بالشدة ومعاملتهم ms046 معاملة الثائرين ولو أدى الأمر إلى إطلاق ~~النار عليهم، وقال البعض إنه من العبث أن تلجأ الحكومة إلى البطش وليس لديها وسائله، فالفرق ~~جميعا تؤيد عرابيا ومن معه. والرأي أن يسلك الخديو معهم جانب اللين فيطفئ بذلك نار ~~الفتنة، وكان ممن أشاروا بهذا الرأي محمود سامي البارودي الذي سوف يغدو من زعماء العرابيين ~~... # وتغلبت الحكمة على الطيش، ووضع اللين في موضع البطش، فأوفد الخديو إلى الضباط الثلاثة ومن ~~ظاهرهم من الجند تحت نوافذ قصره يخبرهم بإجابته مطلبهم الأول فقد عزل رفقي، وطلب إليهم أن ~~يختاروا من يحل محله حتى لا يعودوا إلى الشكوى؛ فوقع اختيارهم على البارودي، ووعدهم الخديو ~~أن ينظر في بقية مطالبهم، وأن يعمل على إنصافهم بعد أن أعادهم إلى مناصبهم والتمس الضباط ~~الإذن على الخديو، فلما مثلوا بين يديه أعربوا له عن امتنانهم وصادق ولائهم لشخصه وعظيم ~~إخلاصهم لعرشه، ثم انصرفوا وانصرف الجند فرحين مستبشرين. # ولقد كان على الخديو أن يتدبر في الأمر منذ بدايته وينظر ما إذا كان لديه قوة يقمع بها ~~الحركة إن كان لابد من وضع العنف موضع العدل، فإن عدم القوة كان أمامه أن يلجأ إلى اللين ~~غير مكره ولا مغلوب على أمره، ولكنه تصرف على نحو ما رأينا فأفضى به تصرفه إلى نتائج خطرة ~~وسوف تؤثر أثرها في مجرى الحوادث، فظفر الجند بمطالبهم في عنف. وعجز الحكومة عن مقاومتهم ~~وسلوكها ذلك المسلك الشائن قد وضع الخديو وحكومته في موضع الضعف، وأحل عرابيا وحزبه محل ~~التوثب والتطلع، وجعلهم مناط الأمل والرجاء، هذا إلى ما تركه هذا الحادث من سخيمة في نفس ~~الخديو يصعب بعدها كل تفاهم، ويسهل أن يلبس فيها كل حق بالباطل، وما بثه من حذر وريبة ~~في نفوس الجند بحيث يرون في كل حركة من حركات الحكومة شبح الغدر ويلبسان كل عمل من أعمالها ~~ثوب الرياء ... # | الفلاح الزعيم # أدى حادث قصر النيل وانتصار عرابي وزميليه على هذه الصورة التي وصفنا إلى ذيوع صيت عرابي ~~على نحو لم يسبق لفلاح قبله في ms047 مصر منذ قرون، فما يذكر تاريخ مصر منذ أن منيت بالفتح ~~والقهر أن قام من بنيها رجل من أعماق القرى فتمرد على ما يعتقد أنه ظلم يحيق به وببني ~~جنسه، كما تمرد واجترأ هذا الفلاح فأبعد من الوزارة شركسيا قوي الشوكة، وأملى رغبته على ~~رئيس الحكومة بل وعلى الخديو إملاء ونال بغيته غلابا، ولم يك بالذي يغفل عما كان عسيا ~~أن يؤدي إليه صنيعه هذا من هلاك ... # والحق أن هذا العمل يومذاك كان بالغ الجرأة، فقد كان المصريون يدينون بالطاعة للخديو ~~ويهابون سلطانه وجاهه، ويرون فيه سيدا وضعه الخليفة حيث كان ليطاع ولتعنو له الوجوه، وما ~~كان يتصور أحد أن يذهب إلى مقر سلطانه رجل نشأ في قرية ومن ورائه جند فلاحون مثله فيقولون ~~له: نحن نريد ونحن نطلب ثم يظفرون بما أرادوا وينقلبون لم يمسسهم العذاب الأليم. # وسرعان ما دار اسم ذلك الفلاح الثائر الظافر على كل لسان في القاهرة، وسمع بذلك الاسم ~~من لم يسمع به من قبل من الأجانب ومن لم يكن يعرفه من المصريين ... # ولم يقف الأمر عند القاهرة، فقد رن هذا الاسم في القرى وتغلغل في أعماقها؛ فأفاق على ~~رنينه أولئك الأعيان والشيوخ الذين تعودوا منذ القدم أن يخضعوا خضوعا مطلقا للأتراك ~~والشراكسة الذين كانوا ينظرون إلى الفلاحين جميعا مهما يكن من ثراء بعضهم نظرتهم إلى ~~دوابهم، والذين كرههم الفلاحون بقدر ما خافوهم، ولكنهم لم يجدوا من الإذعان لهم من بد ~~... # عجب أولئك الفلاحون أن يجرؤ رجل منهم على تحدي الخديو والرؤساء الشراكسة، فتعلقوا بهذا ~~الرجل ولم يروه، ورغب الكثيرون منهم في رؤيته، فقدموا إلى القاهرة يحملون إليه الهدايا ~~ويعربون له عن محبتهم إياه وإعجابهم بمبادئه التي كان قوامها إنصاف الفلاحين في الجيش، وراح ~~عرابي يخطبهم شاكرا إياهم باثا فيهم روح الحرية والإباء. # وليت شعري ماذا تكون الزعامة إذا لم تكن هذه زعامة؟ ألسنا نرى الآن في عرابي شخصيتين: ~~شخصية الجندي الذي يسير بمطالب الجند على رأس الجند، ثم شخصية الفلاح الزعيم الذي بدأ ~~الفلاحون ms048 به يرفعون رؤوسهم وقد خفضوها أجيالا طويلة؟ ألا إني لألمس في تلك الصحوة فجر عصر ~~جديد للقومية المصرية، كان عرابي أول مؤذن به، ألمس ذلك الفجر الذي سوف ينبلج صباحه بعد ~~قليل على صيحة أخرى كانت صدى لهذه الصيحة هتف بها فلاح آخر برز من القرى كما برز عرابي، ~~وذلك هو سعد ابن مصر العظيم وأحد أبطالها ومفخرة رجالها ... # ولئن كان جمال قد أيقظ الغافين في المدن، فإن عرابيا قد بعث بإقدامه أهل القرى من ~~مراقدهم، فإن عمله هذا أوحى إليهم أنه من الممكن أن يخرج من بينهم من يشمخ بأنفه على ~~أولئك الذين طالما استذلوا في مصر الرقاب ... # ولقي عرابي - وقد أصبح في رأي الناس حامي الأمة من المظالم - تأييدا من العلماء الذين ~~أعجبوا بجرأته وحميته. # ولم يبلغ عرابي هذه المكانة في نفوس الناس بعلم اشتهر به أو فلسفة عمل على تمكينها في ~~النفوس، أو آراء في الإصلاح والنهوض عمل على إذاعتها في الناس كما فعل جمال الدين وكما فعل ~~من بعده تلميذه محمد عبده، وإنما بلغ عرابي ما بلغه من الصيت بحميته وغيرته، ثم بصلابة ~~عوده وجرأته، وكانت تلك الخلال هي أخص ما يطلب يومذاك، حيث كان يحيط بالناس البطش والتخويف، ~~ويقعد بهم الذل والخوف. # وعلى الذين ينكرون أقدار الرجال أن يتدبروا في موقف عرابي هذا، ثم لينظروا بعد ذلك هل ~~كان صنعه ضئيلا كما يزعمون، ولكنا لا نوجه القول إلى هؤلاء وأمثالهم ممن يكتمون الحق وهم ~~يعلمون ... # وهل ذاع صيت ميرابو واغتدى في قومه زعيما بفلسته وثقافته وهو المفكر الواسع الأفق، أم ~~كان ذلك بصيحة منه تحدى بها القوة فملأت أسماع قومه ونفذت إلى كل قلب في فرنسا يؤمن ~~بالحرية، يوم كانت فرنسا في مفترق الطرق إما إلى الحرية، وإما إلى العبودية؟ # ولو أن جاندارك كتبت ألف كتاب أو خطبت الناس ألف خطبة، أكان ذلك يساوي لبسها الدرع ~~واعتلاءها صهوة جواد وسيرها تقود الرجال مؤمنة إما إلى القبر وإما إلى النصر؟ # إن الخطوة الأولى في كل حركة ms049 تتطلب إقداما وبسالة كانت - وما تزال - هي التي تنقل ~~التاريخ من صفحة إلى صفحة ، وما يغفل عن قيمة الإقدام وخطره وبعد أثره إلا مكابر جحد به ~~واستيقنته نفسه ... # وما ندعي أن عرابيا قد اتفقت له صفات الزعامة كلها أو أكثرها، ولكنا منه تلقاء صفة لن ~~تقوم بدونها زعامة، تلك هي الشجاعة التي يأبى معها الرجل أن يذل، ويزيد في جلال هذه ~~الشجاعة بروزها في وقت كذلك الوقت الذي نتحدث عنه، ذلك الوقت الذي لم يكن يجد فيه الشجاع ~~إلا قليلا ممن يتأسى بهم أو يسير على نهجهم، والذي ألف فيه الذل حتى نسي الناس أنهم في ~~ذل، والذي لم يكن فيه لذي النخوة عاصم من قانون أو دستور أو رأي عام، أو ما إليها مما ~~يستعصم به الناس اليوم من جور الطاغين ومكر المستبدين. ~~••• # يقول بلنت في كتابه: «كان تاريخ هذه القلاقل العسكرية في قصر النيل هو أول فبراير سنة ~~1881، وقد حدث وكنت لا أزال في مصر ولكن بعد أن غادرت القاهرة، ولست أتذكر أني سمعت اسم ~~عرابي يذكر قبل حدوثها، ولكن الدور الذي لعبه في ذلك اليوم قد أكسبه شهرة سريعة، وسرعان ما ~~صار اسمه على كل لسان، اسم رجل نجح في تحدي الحكومة والظهور عليها وإحداث تغيير في الوزراء، ~~وأصبح مقامه في بضعة أسابيع مقام رجل ذي نفوذ وقوة في مصر أو على الأقل أصبح يعزى إليه ~~القوة، وصارت تتقاطر عليه - كما هي العادة في مصر - الظلامات من أناس عانوا الظلم ويطلبون ~~معونته للوصول إلى العدالة. ولقد أذاع صيته خارج القاهرة ظهوره في ثورته بمظهر الذي يحمي ~~الفلاحين من جور الحكام الشراكسة، واتصل به كثيرون من الأعيان ومشايخ البلاد، وكان يرد على ~~كل بما يسعه من رد حسن أو بما يدخل في طوقه المحدود من عون، وكان يؤثر في الناس تأثيرا ~~حسنا أينما لقوه بحسن محضره وبابتسامته الجذابة وفصاحته في الحوار، ولقد اتفق كل ~~الاتفاق لعرابي في مظهره الشخصي من المواهب ما يهيئه إلى ما ندب له من ms050 دور يلعبه في تاريخ ~~مصر ممثلا طبقته، فهو فلاح كأدق ما تكون صورة الفلاح ، طويل القامة، ثقيل الساقين، بطيء ~~الحركة إلى حد ما، وبهذه الصفات تتمثل لنا فيه قوة البدن الممتلئ التي هي من خصائص الفلاح ~~العامل في دلتا النيل، ولم يكن له شيء من خفة الجندي، وكان في ملامحه شيء من ذلك السكون ~~الذي أكسبه الوقار والذي يلمحه المرء في وجوه مشايخ القرى، وكانت ملامحه مظلمة في حال ~~سكونه، وكانت لعينيه نظرة جامدة كنظرة الحالم، وليس يفطن المرء إلا حين يبتسم أو يتكلم إلى ~~ما بنفسه من ذكاء عظيم وعطف، فعندئذ يشرق وجهه كما يشرق المنظر المظلم بنور الشمس ... ويجب ~~أن نذكر أنه في تاريخ مصر كله لم يبرز في مدى ثلاثة قرون على الأقل فلاح بسيط إلى أن يصبح ~~ذا مكانة سياسية لها خطرها، أو إلى أن يصبح داعية إصلاح أو إلى أن يهمس بكلمة تدعو حقا ~~إلى الثورة.» ~~••• # والحق أن مجرد غضبة مصري في مثل ذلك الوقت لمصريته ودفاعه عن قوميته كان يعد من ضروب ~~الشجاعة التي تبلغ - لما أحاط بها من ملابسات - حد البطولة، ولن ينكر على عرابي المصري ~~الفلاح ما في غضبته من معاني الزعامة والبطولة إلا مغرض أو جاهل، وهو لم يغضب فحسب ولم ~~يعلن غضبه حتى رأى الخوف فنكص، وإنما طالب رئيس الوزراء بما اعتقد أنه الحق غير هياب ولا ~~متلعثم، وأخذ يعد العدة بعدها لما عسى أن يدبر له من كيد، ولم يرض من الغنيمة بنجاته ~~مما وقع فيه، وإنما ذهب على رأس جنده وحمل الخديو على إجابة ما يريده الجيش، فأبعد من منصبه ~~ذلك الوزير الشركسي الذي كان يبعد المصريين من مناصبهم لا لشيء سوى أنهم مصريون ... # بهذا الذي فعله ذلك الفلاح الثائر حقت له الزعامة على الفلاحين من بني قومه، ولكن الأمر ~~لم يقتصر على الفلاحين، فقد بات يخطب وده رجال الحزب الوطني كما سنبينه في موضعه ... ~~••• # وأصبح بيت عرابي مقصد الكثيرين من الأحرار كما كان موئل رجال الجيش، ولم ms051 يجعل منه ~~الوطنيون أداة لتنفيذ أغراضهم كما زين البغي أو الجهل لبعض المؤرخين أن يقولوا، فلقد كان ~~مؤمنا بمبدأ الشورى كإيمانهم به، كما كان يكره المستبدين من الشراكسة ومن المصريين أكثر ~~مما كان الوطنيون يكرهونهم، ولقد تجلى من قبل ميله إلى كل من يعطف على المصريين في علاقته ~~بسعيد باشا وشدة ولائه له ... # وهكذا أصبح عرابي الفلاح ملتقى الآمال، يحرص على الصلة به الوطنيون والجند والفلاحون، ~~ولقد بلغ من ذيوع صيته أن أصبح توفيق يغار منه حتى ما يستطيع أن يخفي تلك الغيرة. # ومما ذكره بلنت في هذا الصدد قوله: «وكان توفيق كما رأينا رجلا متقلب الأهواء، فبينما ~~كان لا يزال ينوي أن يعتمد على الجيش للتخلص من رياض، كانت تساوره نوبات من الحقد على عرابي ~~لما يرى من سرعة ذيوع صيته، وكان هذا الصيت جد ملحوظ طيلة أشهر الصيف، وقد أدى إلى اتصاله ~~بعدد كبير من شيوخ القرى وأعيانها، أولئك الذين كانت دعوة تحرير الفلاح - تلك الدعوة التي ~~تولى قيادها - شيئا تتوق إليه نفوسهم، وأخذ الناس في الأقاليم يذكرونه بقولهم: «الوحيد». ~~وقد استحق هذه التسمية حقا؛ فإنه كان في مدى عدة قرون الرجل الوحيد من صميم عنصر ~~الفلاحين الخالص الذي استطاع أن يقاوم بنجاح طغيان رجال الطبقة الحاكمة من الأتراك ~~والشراكسة.» ~~••• # آن لمصر بعد طول المذلة أن تجد الرجل الذي يترجم عن آمالها ويدافع عن حقوقها وينطق ~~باسمها، فاتجهت كما اتجه الجيش إلى هذا الفلاح الزعيم. # وعندي أن الحركة التي تعد مكملة لثورة عرابي أو بعثا لها هي ثورة مصر الثانية سنة 1919، ~~وأن الزعيم الذي يلحق جهاده بجهاد أحمد عرابي وتضاف مبادئه إلى المبادئ التي دعا إليها أحمد ~~عرابي هو سعد زغلول الفلاح الزعيم الثاني، ولكن في صورة غير صورة سابقه، وفي ظروف غير ~~ظروفه ومجال أوسع من مجاله وإن اتفقا في روح مبادئهما وقومية بواعثهما وأغراضهما، كل من ~~الثورة التي حمل لواءها ... # وما ننسى أن سعدا قد أعطى هذا الزعيم الأول حقه؛ إذ كان يستعرض ذات مرة أطوار ms052 الوطنية ~~المصرية فذكر له ما لا يمكن أن ينسى له من فضل. # | الوطنيون والعسكريون # بينا مبلغ ما أصيب به الأحرار في آمالهم منذ أن عزل إسماعيل وعين توفيق، ورأينا ~~ما صدم النفوس من خيبة إذ استكثر توفيق الدستور على مصر، الأمر الذي أغضب شريفا فاستقال، ~~وحل محله رياض ... # لم يكن لرياض مثل ما كان لشريف في قلوب الوطنيين من محبة، فقد كان على الرغم مما اشتهر به ~~من براعة واستقامة متكبرا محافظا يسيء الظن بالوطنيين وحركاتهم ويوجس خوفا منها، كما كان ~~في خلقه شيء من الغموض والتحفظ؛ فلم يكن له مثل صراحة شريف ولا مثل شجاعته الأدبية وإقدامه ~~ونزعته الدستورية الحرة ... # وقد استطاع رياض أن يجعل من نفسه الحاكم المطلق الفعلي للبلاد، وذلك بضمانه رضاء توفيق، ~~بأن جعل له حق رئاسة مجلس الوزراء متى أراد، وقد حرص في الوقت نفسه على السير في إدارة ~~شئون البلاد وفقا لمبدأ مسئولية الوزارة عن أعمالها، ذلك المبدأ الذي قرره إسماعيل في ~~أغسطس سنة 1878، والذي بمقتضاه لا يتنصل وزير من مسئولية عمله برده إلى مشيئة الخديو كما ~~كان الحال قبل تقرير هذا المبدأ ... # وكانت تطغى على الرأي العام المصري روح الاستياء العام، فكان عهد وزارة رياض كجميع العهود ~~التي تتهيأ فيها الأمم للثورات، فتكون في نفس كل امرئ ثورة وإن لم تدر على وجه التحديد ما ~~بواعثها. # والحق أن استياء النفوس هو وليد ما بينا من أسباب تعصب المصريين وسخطهم أثناء حكم ~~إسماعيل باشا، وجاءت وزارة رياض عقب استقالة شريف من أجل تمسكه بالدستور، فلم يبق مجال ~~للأمل وخيم اليأس على النفوس، حتى لم يعد هناك بد من متنفس لهذا الشعور المكبوت. # ولو أن رياضا فطن إلى تلك الحال النفسية لأمكنه أن يعمل على تجنب عواقبها، ولكن رياضا ~~على حد تعبير الشيخ محمد عبده كان «لا يخالج فكره ريبة في سكون المصريين إلى إطاعة كل ما ~~يؤمرون به حملا لهم على سوابقهم وسالف عهدهم، فكان في غاية الطمأنينة من ناحيتهم ولم ير ~~أنه يجب ms053 أن ينظر فيما عساه أن يثيرهم من جهة المقابلة في تنفيذ السلطة أو من ناحية الساخطين ~~عليه من الوطنيين والأجانب». # أو كما قال عنه أنه كان «صادق النية مخلص السريرة في خدمة البلاد، ولكن لا يبالي في تأدية ~~ما يراه واجبا عليه بما يجرح القلوب ويؤلم النفوس، ويظن أن من الواجب على كل أحد أن يعلم ~~حسن نيته، وإن لم يبينها هو، وأن يرضى بعمله وإن لم تظهر الغاية الصالحة منه». # وزاد الناس نفورا من العهد كله، ضعف شخصية توفيق في ذاته وما لحق منصب الخديو من مهانة ~~بسبب خلع إسماعيل، فقد ألقى في روع الناس وبخاصة حين رفض الدستور قاعدة للحكم أن مثله لا ~~يرجى خير على يديه، وأنه بات صنيعة للأجانب يأتمر بأمرهم من وراء ستار بعد ما رآه من عزل ~~أبيه، وأن رفضه الدستور لم يكن إلا مشايعة للأجانب في نظرتهم إلى المصريين ... # ولم تكن في مصر طبقة راضية عن وزارة رياض أو عن الحال القائمة يومذاك بوجه عام، سواء نسبت ~~إلى رياض أم لم تنسب إليه، فخاصة المصريين، الذين كانوا يدركون حال بلادهم حق الإدراك، ~~والذين أثرت فيهم آراء جمال الدين، كانوا منذ عهد إسماعيل ساخطين على تغلغل نفوذ الأجانب ~~في مصر، وعلى السياسة التي جرت على مصر العسر والدين، ومن هؤلاء سوف يتكون الحزب الوطني في ~~عهد رياض كما سنبينه في هذا الفصل. # وكان أعيان البلاد ينقمون على رياض إلغاء دين المقابلة، ويرون أن هذا أقبح الغبن إذ تلغي ~~وزارة مصرية دينا أخذ من المصريين ولا تجرؤ على إلغاء شيء من أموال الأجانب، تلك الأموال ~~التي شعر الناس جميعا بمبلغ ما كان فيها من مغالطة وسرقة. # وكان رجال الجيش ينقمون على رفقي تعصبه لجنسه، ويشركون رياضا معه في هذا الإثم بالضرورة ~~لأنه أقره ولم يكن يشكو الجند من تعصب رفقي فحسب، بل كان يؤلمهم سوء ما يعاملون به مما يدل ~~على الرغبة في امتهانهم وإذلالهم، فكان يكتفي بمجرد التهمة ليفصل الجندي من الخدمة، أو ~~تنزع ms054 منه درجته أو ينفى إلى مكان سحيق في السودان ولو لم يثبت شيء عليه . وكان ذلك خليقا ~~أن يملأ النفوس بالحفيظة ويدفعها إلى الرغبة في الانتقام، فليس الأمر أمر ظلم فحسب، ولكنه ~~بتحيز الحكومة للشراكسة الذين يحتقرون المصريين كان ظلما على ظلم ... # وزاد السخط في نفوس العسكريين إنقاص وزارة رياض عدد الجيش إلى اثني عشر ألفا، أي إلى أقل ~~مما يقضي به الفرمان الذي أرسله السلطان إلى توفيق، والذي يقضي بجعل الجيش ثمانية عشر ~~ألفا. وقد أدى هذا إلى صرف عدد من الضباط والجند إلى مواطنهم؛ فأصابهم العسر، وكانوا من ~~الساخطين، كل ذلك والشراكسة لا يمسهم شيء، بل لا يجدون إلا التقلب في النعمة والتمتع ~~بالرقي. # وكان الناس بوجه عام، ومنهم الفلاحون، يشعرون أن لا عدالة ولا قانون يحمي المظلومين من ~~تجبر الظالمين، الحكام منهم وذوي الجاه والثراء، فالكرباج والسخرة والنفي إلى السودان ~~وأمثالها من العقوبات تقع على الناس في غير رحمة، بل في غير حق، وظل التعذيب والسخرة ~~والإذلال أمورا شائعة في القرى على أيدي المديرين والأغنياء على الرغم من إصدار رياض ~~أوامره بالكف عنها، ولقد كان نهيه عنها مما يحمد له، ولكن قعوده عن إبطالها كان مما يؤخذ ~~عليه لا ريب. ولقد بلغ عدد الذين تقدموا إلى شريف باشا يلتمسون منه رفع الظلم عنهم حين ~~ألف وزارته بعد يوم عابدين نيفا وتسعمائة كان تقرر إبعادهم إلى السودان! # وكان مما يتألم منه الفلاحون اندساس كثيرين من المرابين الأجانب بينهم، والعمل بكافة ~~الحيل على إيقاعهم في الشرك والاستيلاء على أكثر ما يستطيعون الاستيلاء عليه من ~~أموالهم. # كانت الحكمة تقضي أن يأخذ رياض الأمور بالرفق عله يتجنب انبعاث العاصفة، ولكنه عمل ~~بسياسته على ثورانها، ولعل مرد ذلك إلى جهله بحقيقة ما كان يحيط به، واستبعاده الثورة على ~~المصريين ... # ولعله كذلك خيل إليه أنه قادر بالقمع والعنف على أن يحكم البلاد، ولذلك رصد عيونه ~~يتعقب الساخطين من الخاصة، وكان يشتبه في كل حركة ويخاف من أقل بادرة ... # وأنزل العقاب الشديد بمن يعارض ms055 سياسته، ومن ذلك ما حل بالسيد حسن موسى العقاد، الذي كان ~~كل ذنبه أن دعا الناس إلى التوقيع على مظلمة ترفع لولاة الأمر مما وقع على الناس من غبن ~~بإلغاء دين المقابلة، وكان جزاؤه على ذلك النفي إلى فازوغلي بالسودان، ومنه أيضا ما لحق ~~الفريق شاهين باشا كنج الوزير السابق؛ فقد جرد من رتبه وألقابه لمجرد اتهامه أنه يتصل ~~بالوطنيين الناقمين ... ~~••• # وتعقب رياض الصحف بالتعطيل الوقتي والإنذار والإلغاء، بتهمة إثارة الرأي العام، ومنها ~~جريدتا: «مصر، والتجارة»، وقد جاء في قرار الوزارة بإلغائهما قولها: «حيث سبق صدور ~~الإنذارات مرارا عديدة وتنبيهات شفاهية من إدارة المطبوعات إلى أصحاب الجرائد الأهلية ~~عموما، وإلى صاحب امتياز جريدتي «مصر، والتجارة» خصوصا بعدم خروجهم عن حدود وظائفهم ولا ~~ينشرون ما يوجد تشويش الأفكار، صدر له آخر إنذار بأنه إذا رجع لمثل ذلك، فتلغى جريدتاه ~~بالكلية، وحيث إنه بعد هذا الإنذار لم يترك مسلكه الأول لما نشره في جريدة التجارة نمرة 123 ~~الصريح في أنه لا يرجع عما هو عليه، وحيث ما اعتادت على نشره هاتان الجريدتان ضرره أكثر من ~~نفعه، اقتضى الحال صدور الحكم بإلغائهما مؤبدا.» # وتناول بطش رياض غير هاتين من الصحف فلم تنج في عهده صحيفة من التعطيل أو الإلغاء أو ~~الإنذار. # أدت هذه السياسة التي جرى عليها رياض، إلى أن ينشط الناقمون في العمل على مقاومته والتخلص ~~من حكمه، وكان هؤلاء الناقمون هم قادة الحركة الوطنية الذين كانوا يجتمعون منذ أواخر عهد ~~إسماعيل أي قبل ذلك بنحو أربعة أعوام في بيت نقيب الأشراف السيد البكري، ونظرا لما بثه ~~رياض من عيون تحصي عليهم حركاتهم فقد تركوا القاهرة وجعلوا اجتماعاتهم سرا في حلوان، ~~ومن ثم تألف حزب أطلق عليه أول الأمر جمعية حلوان ثم صار يعرف بالحزب الوطني ... وكان من ~~أشهر رجال هذا الحزب محمد سلطان وسليمان أباظة وحسن الشريعي ومحمد شريف وإسماعيل راغب وعمر ~~لطفي، وقد نشروا في أواخر سنة 1879 أول بيان سياسي لهم وطبعوا منه آلاف النسخ وأذاعوها بين ~~الناس. ولقد ms056 حنق رياض أشد الحنق على ناشري البيان، وبذل جهدا كبيرا ليعرف أسماءهم كي ~~يرسلهم إلى السودان ، فلم يهتد إلى أحد ... # وأوفد الحزب أديب إسحق إلى أوربا ليدافع عن مبادئ الوطنيين فأنشأ في باريس جريدة القاهرة، ~~وكان من أشد الساخطين على رياض لأنه عطل له جريدتيه: «مصر، والتجارة»، ثم إن أديبا كان من ~~تلاميذ جمال الدين، وكان من المؤمنين بالدستور والمبادئ الحرة. ولقد حمل حملة شديدة على ~~رياض في جريدته الجديدة ندد باستبداده وقسوته، ونسب إليه الظلم والجهل والحمق، وعاب عليه ~~ما رماه به من الخضوع للأجانب والركون إليهم على حساب أمته، ولم يدع عيبا يستطيع أن يرميه ~~به إلا بالغ فيه وأعاده وكرره، ولم يترك غميزة في خلقه أو فعله إلا أبرزها وراح ينوشه بأوجع ~~الهجاء، وكان رجال الحزب الوطني يحصلون سرا على نسخ من هذه الجريدة ويوزعونها في البلاد، ~~وكان من بينهم اثنان من المديرين هما: سليمان باشا أباظة مدير الشرقية، وحسن باشا الشريعي ~~مدير المنيا ... # وكان رجال الحزب الوطني، يطالبون بالدستور قاعدة للحكم، ويعملون على منع الأجانب من ~~التدخل في شئون البلاد لا من ناحية السياسة فحسب، ولكن من ناحية المال كذلك، وقد أيقنوا أن ~~الحكم الدستوري الذي يرد فيه كل أمر إلى الأمة هو وحده العلاج الشافي من كل الأدواء القائمة ~~... # ولكن رجال هذا الحزب كانوا لا يزالون في المرحلة السرية من جهادهم خوفا من بطش رياض ~~ومن ورائه توفيق، وخوفا من تفرد الأجانب ودسائسهم، وحسب المرء أن يذكر أن الحكم كان يومئذ ~~وفق العرف ليدرك مبلغ ما كان يتمتع به رياض من سلطة ومبلغ ما كان يخشاه الوطنيون من نكال ~~... # وفي نفس ذلك الوقت الذي كان فيه يتشاور الوطنيون فيما يعملون، كان السخط قد بلغ أشده في ~~صفوف الجيش، على رفقي وسياسته، ومن ثم على رياض ووزارته،وكان سخط الجند بلا ريب ناحية من ~~ذلك الاستياء العام الذي شمل مصر كلها، ولذلك فإن من ينظر إلى الحركة العسكرية يومئذ على ~~أنها حركة منفصلة إنما يخطئ خطأ كبيرا، ms057 وبخاصة إذا تذكر أن مبعث سخط العسكريين في جوهره ~~كان تحيز رفقي لبني جنسه الشراكسة على حساب هؤلاء المصريين الذين كانوا ينعتون ~~بالفلاحين. # إذن فقد كان عرابي يمثل ناحية من الحركة الوطنية القومية حين ذهب إلى رياض يشكو إليه ~~رفقي، وما كان الجند مدفوعين بمصالحهم وحدها، وإنما كان يغضبهم الجور ويدفعهم إلى ~~الشكوى، ولو لم يكن هناك شراكسة يظفرون دونهم بالرقي والنعمة لما كان لحركتهم هذا الطابع ~~القومي الذي نعجب كيف يماري فيه المارون! ولن ننسى في هذا الصدد أن نشير مرة أخرى - وقد ~~رأينا مبلغ خوف الناس جميعا من سطوة رياض - إلى ما كان في موقف عرابي من جرأة وشجاعة وعزة ~~لن يجحدها إلا الظالمون ... ~~••• # وكان مما يقضي به منطق الحوادث أن يلتقي الوطنيون والعسكريون، فهم أبناء أمة واحدة يجمعهم ~~على كره رياض والاستياء من العهد كله ما كان يحيق بهم جميعا من المظالم، وما كانوا ~~يستشعرونه جميعا في أنفسهم من أن مرد ذلك إلى الحكم المطلق الذي يسير عليه توفيق ~~ووزيره ومن ورائهما تدخل الأجانب. # ولذلك ما كاد عرابي يخطو خطوته حتى حقت له الزعامة كما بينا، فقد اتجهت إليه القلوب، ~~إذ هزت الناس جرأته وحميته، وأحس الناس في دخيلة نفوسهم أن الثورة قد هيئ لها الرجل ~~الذي يقودها. # ولئن زين لبعض الناس أن يقولوا إنه ما كان ليستطيع أن يفعل هذا لو لم يكن يستند إلى الجيش ~~فإنا نقول لهم ولم لم يضطلع بالقضية رجل غيره من رجال الجيش، ولم يكن أعلاهم مرتبة؟ ولقد ~~كان معه زميلان حين وثب وثبته فلم لم تنسب الحركة إلا إليه، ولم لم يجر على الألسنة ~~اسم غير اسمه؟ ومن أدراه أن الجيش لن يخذله إذا جد الجد؟ وهل قعد به تفكيره في ذلك وهو ما ~~دار بخلده بالضرورة حين أقدم على هذا الأمر الخطير عن أن يخطو خطوته؟ وهل كان يغنيه ما أخذه ~~على زملائه من المواثيق والأيمان إذا خاف الجند جانب الحكومة فقعدوا كما قعد آلايه هو عن ~~التحرك من ms058 العباسية إلا بعد العشاء؟ ألا إنها الحمية التي تقوم عليها كل زعامة من الزعامات ~~... # وندع للشيخ محمد عبده أن يبين لنا كيف اتجهت النفوس إلى عرابي، قال في مذكراته عن ~~الثورة العرابية: «شاع هذا الخبر بين الناس على حسب العوائد في مصر، وعلم الكثير من الأعيان ~~والعلماء والموظفين بإصرار الضباط على طلب ماس بالوزارة، وأحسوا بخلاف بين الخديو ورئيس ~~نظاره، فهب عند ذلك جميع الراغبين في تغيير الحال من علماء وأعيان وذوات كرام ومقربين من ~~الجناب العالي، واتحدت وجهتهم في الغاية وإن اختلفت الدواعي والبواعث، فطلاب مجلس النواب ~~يؤملون في التغيير أن ينالوا تشكيله، والمتضجرون من استبداد بعض المأمورين، والخائفون ~~من أن يؤخذوا بالشبه يرجون بالتبديل كشفا لكربتهم وأمنا على أنفسهم، والواجدون على السلطة ~~الأجنبية يرجون شفاء شيء من وجدهم، والذوات الكرام الطامعون في رجوع سلطتهم على أبدان ~~الرعية وأموالها يطمعون في إرضاء شرههم، والأجانب الربويون يتطلعون إلى انقلاب تزيد به ~~الشدة المالية حتى تتسع لهم طرق الكسب الماضية، وقنصل فرنسا البارون درنج يسعى في الانتقام ~~من رياض باشا ويحب أن يأتي خلف له يمكنه مجاراته في مطالبه، والجناب الخديو لا يكره أن ~~يتخلى رياض باشا عن رئاسة النظار، بل تلك أمنية من أمانيه. # فأخذت هذه العوامل جميعها تشتغل لتقوية جانب الضباط وتشجيعهم على الإلحاح في الطلب، وكل ~~من وصل إليهم من أولئك بنفسه أو أمكنه أن يبعث إليهم من يعبر عن أفكاره يؤيد لهم عدالة ~~الطلب، وموافاته للرغائب الوطنية، وأن ما يأتيه ناظر الحربية لا يمكن الصبر عليه ثم كانت ~~تأتيهم الأخبار بأن الجناب الخديو لا يأبى إجابة طلبهم، بل يحب أن يمكن لهم أمنيتهم، وإنما ~~رياض باشا هو الذي لا يريد ذلك. والله أعلم من أين كانت تأتيهم هذه الأخبار، مع أن رياض ~~باشا كان يريد تحقيق الأمر حسب ما طلبوا في تقريرهم كما قدمنا.» # رأى الوطنيون ما أصاب رجال الجيش من ظفر سريع، بينما قد لحقهم هم الفشل، واستطاع توفيق أو ~~استطاع في واقع الأمر رياض أن ms059 يأخذ عليهم مسالك القول والعمل، فسرعان ما اهتدوا إلى الطريق ~~الذي يوصلهم إلى أغراضهم فتقربوا من عرابي وتوددوا إليه، فأخذ شريف يراسله ويعقد بينه ~~وبينه أواصر المودة، وحذا حذو شريف زعماء حركة الإصلاح في الأزهر وزعماء النواب مثل سلطان ~~باشا ذلك الذي كان يمثل الأعيان كذلك لأنه منهم، واتضح لهؤلاء أنه يجب عليهم أن يستعينوا ~~بهذه القوة الجديدة لإقصاء رياض عن موضعه، وبعث الدستور الموؤود وتحقيق الإصلاح ~~المنشود. # ويقول بلنت عن ذلك في كتابه: «وفضلا عن أن عرابيا قد رأى أعيان الفلاحين يسعون إليه، ~~فإنه قد رأى المطالبين بالدستور كذلك يجعلون منه حليفا لهم، وقد كان الكثيرون منهم أعضاء ~~في الطبقة الحاكمة، وكانوا في قرارة أنفسهم يقاومون حرية الفلاح كما يقاومها رياض نفسه ... ~~وكان شريف رئيس هؤلاء الدستوريين، وقد أدى به مجرى الحوادث في الصيف إلى أن يجد نفسه ذا ~~صلة وثيقة بعرابي وإن لم تكن صلة مباشرة، وذلك كوسيلة لبعث الدستور الذي هو وسيلته لاستئناف ~~سلطته، ولما كان عرابي على الدوام ميالا إلى مبدأ الدستور منعطفا إليه فقد لبى مرحبا ~~بالفكرة، وزاده إقبالا عليها أن سلطان باشا نفسه - أقوى أعيان الفلاحين يومئذ - كان من أشد ~~أنصار الدستور، وقد اتخذ دور الوسيط في الصلة بينه وبين شريف.» # والآن نقول: إن الثورة العرابية في حقيقة أمرها هي التقاء الوطنيين والعسكريين على هذه ~~الصورة التي بيناها، ولسنا بحاجة بعد ذلك فيما نعتقد إلى كثير ولا إلى قليل من القول ~~لنرد على الذين يزعمون أن الثورة العرابية لم تكن إلا حركة عسكرية بعثتها دوافع شخصية، فأما ~~الذين يزعمون هذا الزعم عن جهل فما نرتاب في أنهم يرجعون عن زعمهم بعد هذا، وأما الذين ساءت ~~نيتهم فزعموا هذا الزعم مغرضين فما لنا إلى إقناعهم وسيلة ... # إن تجريد الثورة العرابية من صفتها القومية الدستورية هو من صنع كتاب الاحتلال، ومن ~~ذهب مذهبهم من المخدوعين ومن المبطلين، وماذا كان يصنع الاحتلال غير هذا ليبرر وجوده؟ لقد ~~شوه القضية وحصرها في فتنة عسكرية حمقاء هوجاء، وبذل غاية ms060 جهده واستعان بجاهه ليصرف ~~الأذهان عن أي معنى من المعاني السامية في ثورة عرابي الذي ألقي به وبالأبطال من زملائه ~~في منفى بعيد بدعوى أنهم من العصاة المفسدين في الأرض، ثم دأب كتاب الاحتلال وصنائعه على ~~تضليل أبناء الجيل الذي أعقب الثورة، وجاراهم في ذلك من الكتاب المصريين - وا أسفاه! - ~~الجهلاء الذين انخدعوا بما عمل الاحتلال على إقراره في الأذهان، والضعفاء الذين راعوا جانب ~~توفيق ثم جانب ابنه من بعده. ذلك الذي ما كان يستطيع أحد أن يجهر بالثناء على عرابي في ~~عهده، وملئت كتب المدارس بالأغاليط والأباطيل، حتى ما يذكر الذاكرون اسم عرابي وثورته إلا ~~قرنوها بمعاني الطيش والسفه والاحتلال ... # ولكن الحق إن أخفي عن الناس ردحا من الزمن، لا يستطاع إخفاؤه عنهم إلى الأبد، وإلا ~~ما كان حقا، فجوهر الحق في أنه لابد منتصر مهما طال عليه الأمد ومهما استعدى عليه الباطل ~~من ألوان الخداع والبهتان. # وإن مصر اليوم لتعطف على عرابي وثورة عرابي، وقد آن لها أن تنصف هذا المصري الفلاح وأن ~~تحدد له مكانه بين قواد حركتها القومية ... # وليس بعجيب أن يموه كتاب الاحتلال وصنائعهم وأن يلبسوا الحق بالباطل ويكتموا الحق وهم ~~يعلمون، نقول ليس ذلك بعجيب ونحن نجد - وا أسفاه! - رجلا من خيرة رجالنا ومن مفاخر أبطالنا ~~يكتب عن عرابي صاحبه في الجهاد وزميله فيما كان يطمح إليه من آمال، فينكر عليه زعامته ويقدح ~~فيه قدحا كم تألمنا لصدوره عن بالذات، وله في نفوسنا ما له من الإجلال والإكبار، ذلك هو ~~الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ... # وإنا إذ نحرك القلم لننقل هنا ما كتبه ذلك الشيخ الجليل عن عرابي لنحس بكثير من الخجل ~~والأسف، فما كنا نحب إلا أن يتنزه الإمام الكبير عما وقع فيه غيره وما نريد بنقل ما كتبه ~~الأستاذ الإمام عن عرابي وبيان ما أحاط به من ملابسات أن نسيء إلى ذلك الشيخ؛ فتوقيرنا إياه ~~وإجلالنا له فوق كل شك، وإنما قصدنا أن نبين كيف تبعد أحيانا بالمرء على رغمه عوامل ~~وظروف ms061 عما يجب من إنصاف، ويهمنا بوجه خاص حدوث ذلك من الشيخ محمد عبده بالذات، فقد هان ~~بعده كل اتهام يوجه إلى عرابي، وصغر كل ادعاء من ادعاءات المغرضين، وإذا كان الشيخ محمد ~~عبده يكتب عن عرابي هذا الذي نورده وهو العليم به الخبير بأحداث عصره، وهو فوق ذلك الإمام ~~الزعيم، فكيف بالظالمين الغاصبين من أنصار الاحتلال وأبواقه؟ # وكأني بالقارئ يقول في نفسه: ولم لا يكون حقا ما قاله الأستاذ الإمام عن عرابي، ~~وللقارئ أن يتساءل هذا التساؤل، ولكنه لن يلبث حتى يعلم اليقين ... # كتب الأستاذ الإمام محمد عبده مذكراته عن عرابي بطلب من الخديو عباس حلمي، وهذه دعوى لا ~~تحتاج إلى دليل؛ فقد جاء في مقدمتها قوله: «هذا مقام الذاكر لنعمتك، العارف بقدر منتك، ~~العاجز عن الإيفاء بحق شكرك، التالي في سره وجهره لآيات حمدك، طوقتني إحسانا لم أكن ~~أتأمله، إذ أمرتني أمرا ما كنت أتخيله، أمرت أن أكتب ما شهدت وما سمعت وما علمت وما ~~اعتقدت في الحوادث العرابية من عهد نشأتها إلى نهايتها.» إلى أن يقول: «مولاي: أرفع إلى ~~سدتك السنية ما وقفت عليه بنفسي غير ناظر في كتاب ولا راجع إلى مقال سبقني به غيري، اللهم ~~إلا بعض الأوامر الرسمية أو شيء من المخابرات السياسية التي تضطرني في بيان الواقع إلى ~~الإشارة إليها إذ لا غنى للقارئ عن الاطلاع عليها.» إذا كان هذا شأن هذه المذكرات فليس مما ~~يتوقعه المرء أن يمتدح محمد عبده عرابيا ويظهره على حقيقته زعيما وطنيا مجاهدا ~~مطالبا بالدستور الذي أنكره توفيق، فيسيء بذلك إلى عباس بن توفيق ... # ولقد كانت صلة الإمام بالخديو أول الأمر طيبة، فلما دب بينهما دبيب الخلاف فيما بعد ~~أمسك الأستاذ عن إتمام تاريخ الثورة العرابية، ولو أن محمدا عبده كتب هذا التاريخ بغير طلب ~~الخديو، أو لو أنه كتبه بعد الخلاف بينه وبينه لما ذكر عن عرابي ما ذكره مما سيأتي بيانه، ~~ولقد كان محمد عبده فيما كتبه عن توفيق مترفقا به كل الترفق، يلتمس له المعاذير في ms062 كل أمر، ~~وفي هذا وحده ما يكفي لبيان ما كان يحيط به من عوامل بعدت به عن الإنصاف. # يضاف إلى ما تقدم أن الأستاذ الإمام، وإن كان من دعاة الشورى والحكم الدستوري كأستاذه ~~جمال الدين إلا أنه كان يرى أن مصر لم تكن تهيأت يومئذ لهذا الحكم، وكان يميل إلى حكم رياض، ~~ويحسب أنه يجد فيه المستبد العادل الذي ينهض به الشرق، ولذلك نقم الأستاذ على عرابي ونفرت ~~نفسه من الحركة العسكرية، نجد الدليل على ذلك في قول الشيخ رشيد رضا تلميذه وكاتب تاريخ ~~حياته: «إن الأستاذ كان مؤيدا لوزارة رياض باشا الإصلاحية، ويرى أنها صورة حسنة للمستبد ~~العادل الذي يرجى أن ينهض بالأمة في مدى خمس عشرة سنة كما بين ذلك في مقالة اجتماعية ~~عامة وجيزة يراها القارئ في الجزء الثاني من هذا التاريخ، وكان يفضلها على إنشاء حكومة ~~نيابية قبل استعداد الأمة لها.» # نورد بعد ذلك ما كتبه الأستاذ عن عرابي، فنقول إنه استبعد أن يكون عرابي من طلاب الدستور ~~لذاته، فكأنه ما طالب بالدستور إلا محافظة على نفسه بعدما كان من فعلته التي أدت إلى حادث ~~قصر النيل. يقول الأستاذ: «هذه أحاديث عقل ينبو عن فهمها ذهن شخص مثل عرابي تمثلت له ~~جنايته في صور أغوال فاغرة الأفواه محددة الأنياب، ولزمه خيالها في يقظته ومنامه، فهو في ~~فزع دائم يخيل له العزل والموت في كل شيء يراه، يلتفت يمينا وشمالا فلا يرى إلا سيوفا ~~مسلولة أو حبالا منصوبة، ولا يسمع من هواجس نفسه إلا صيحة واحدة: الخلاص، الخلاص، الهرب، ~~الهرب، ولم يتمثل في مخيلته مهرب أوفى له من طلب تشكيل مجلس النواب على الصورة التي قدرها ~~له في نفسه.» # وقال في موضع آخر: «استحثه الحرص على إدراك المطلب أن يفضي به إلى ضباط الجيش وأن يثير في ~~أحلامهم الضعيفة تماثيل الأماني من العزة والسلطان والصعود إلى أعلا مراقي الرتب والمناصب، ~~وإن كل ذلك لا ينال إلا بمجلس النواب.» # وقال في موضع ثالث: «أما عرابي فلم يكن يخطر ms063 بباله ولا يهتف به في منامه أن يطلب إصلاح ~~حكومة أو تغيير رئيسها، فذلك مما كان يكبر على وهمه أن يتعالى إليه، وإنما الذي أحاط بفكره ~~وملك جميع مقاصده هو الخوف على مركزه مع شدة البغضاء لمن كان معه من أمراء الشراكسة ~~والمنافرة من عثمان باشا.» # هذه آراء أقل ما يقال فيها بعد ما أشرنا إليه من ملابسات كتابتها أنه كتبها «غير ناظر في ~~كتاب ولا راجع إلى مقال سبقه به غيره» كما ذكر في مقدمة مذكراته التي كتبها للخديو عباس، ~~أعني أنها آراء يعوزها الدليل من الحوادث أو الشواهد، على أننا إذا أخذناها على علاتها ~~فماذا نخرج به منها إلا أن عرابيا رأى الظلم محيطا به فأراد أن يعتصم بالعدل في صورة ~~مجلس نيابي؟ ولم لا تكون مصر كلها ممثلة في شخص عرابي، فكانت تحيط بها المظالم وتخشى ~~الطغيان، ولم يكن لها من عاصم إلا حكم الدستور؟ ولقد بينا مبلغ ما كانت تعانيه مصر منذ ~~حكم إسماعيل، وإذا دفع الإنسان الخوف من الظلم إلى مقاومة الظلم فهل يكون ذلك دليلا على ~~جبنه ورغبته في الهرب أم يكون دليلا على شجاعته وتحديه المخاوف؟ # إن الذي يعنيني من هذا الذي ذكره الأستاذ الإمام هو أن أبين ما لحق عرابيا من الظلم، ~~حتى من أقرب الناس إليه، عسى أن يحذر القارئ مما قد يجده من غير الإمام من هذا القبيل، وعسى ~~أن يطرح من ذهنه ما قد يكون قد علق به، وما أحسب أن في تاريخ الزعماء من تجمعت عليه المظالم ~~كما تجمعت على عرابي في حياته وبعد موته، كذلك لست أذكر حركة جردت من معانيها السامية حتى ~~تركت فارغة شوهاء تنكرها النفوس كهذه الحركة القومية التي بخسها المبطلون حقها هذا ~~البخس الشنيع. # كانت الثورة العرابية ثورة قومية جمعت بين المدنيين والعسكريين من أبناء أمة واحدة ~~أيقظتها المظالم، وإذا كان العسكريون أو زعيمهم عرابي قد طالبوا بالدستور خوفا على أنفسهم ~~كما يذكر الشيخ محمد عبده، فلماذا طلبه المدنيون؟ إن كانوا طلبوه خوفا ms064 على أنفسهم كذلك من ~~مغبة معارضتهم الخديو ووزيره، وكان ذلك معناه عند الشيخ الجبن فإنه لا قومية ولا وطنية ~~هناك، ويكون شأن الوطنيين في هذا ومنهم الشيخ محمد عبده شأن عرابي وأعوانه ... # إن الوطنيين والعسكريين قد أحاطت بهم المخاوف من كل جانب، فطلبوا الدستور وطلبه عرابي ~~فيمن طلبوا، وقد استعان به الوطنيون، ولست أفهم لماذا يفرق الشيخ محمد عبده بين الباعث ~~لعرابي على طلبه وبين باعث الوطنيين؟ لقد كان يجوز أن تعلق بكلامه بعض الوجاهة لو لم يثبت ~~أن الوطنيين اتصلوا بعرابي وطلبوا عونه، أي لو أن عرابي وحده قد التجأ إلى الاعتصام بطلب ~~الدستور كفكرة طارئة أملاها عليه الخوف وليس في البلد حركة دستورية، أما أن تكون المطالبة ~~بالدستور حركة عامة سابقة لشكوى عرابي وزميليه ويكون هو قد شايعها بوجدانه متضامنا مع ~~زعمائها لإيمانه بمبدأ الشورى ولما كان ينصب على الجميع من مظالم بيناها في موضعها، ثم ~~يصور لنا طلبه كما صوره الإمام فذلك ما لا نستطيع أن نحمل عقلنا على قبوله، ولو أن عرابيا ~~كان من طبعه الخوف والهرب لما أثار تلك الحرب على الشراكسة، ولما أقدم على رفع الشكوى إلى ~~رياض ولا على تدبير حادث قصر النيل ولا على الذهاب إلى عابدين بعد إخراجه من السجن، أجل ما ~~كان ليفعل شيئا من هذا جبان خائف، فهي أفعال لن ينهض بها إلا مقدام. قال الشيخ محمد عبده ~~فيما علق به سنة 1903 على ما كتبه عرابي من تاريخه لبلنت حين أطلعه عليه: # 1 ~~«كانت الأشهر السبعة بين حادث قصر النيل ومظاهرة 9 سبتمبر أشهر نشاط سياسي ~~عظيم شمل جميع الطبقات، وأكسبت عرابيا فعلته كثيرا من ذيوع الصيت، ووصلت بينه وبين ~~المدنيين من أعضاء الحزب الوطني، مثل سلطان باشا، وسليمان أباظة، وحسن الشريعي، وشخصي، وكنا ~~نحن الذين أبرزنا فكرة تجديد المطالبة بالدستور، وكانت وجهة نظره يومئذ أن ذلك يهيئ له ما ~~يعصمه ويعصم زملاءه العسكريين من انتقام الخديو ووزرائه، وقد أخبرني بذلك مرارا أثناء ~~الصيف، وبناء على ذلك أعددنا ms065 ملتمسات للمطالبة بالدستور، وشفعنا ذلك بحملة في الصحف، وقد ~~لقي عرابي سلطانا في الصيف مرات كثيرة وقد اهتم به سلطان - وقد كان عظيم الثراء - اهتماما ~~شديدا وأرسل إليه كثيرا من الهدايا كالمنتجات الزراعية والخيل وما إليها، وذلك كي يثير ~~حماسته، ولكي يظفر بمعونته في الحركة الدستورية، ولقد دبرت مظاهرة عابدين بالاتفاق مع ~~سلطان.» # وخلاصة ما يستخرج من هذه الفقرة أن الوطنيين والعسكريين اتفقوا على المطالبة بالدستور، ~~وأن الوطنيين أرادوا أن يستعينوا بقوة العسكريين، وأن الباعث للعسكريين كان رغبتهم في إيجاد ~~ما يعصمهم من انتقام الخديو، وأي عيب في هذا الباعث؟ وهل كان غيره منذ نشأت الحركات ~~الدستورية باعثا للأمم على المطالبة بالحكم الدستوري؟ إن كل منصف لا يسعه إلا أن يرى فيما ~~وصف به الشيخ محمد عبده عرابيا من صفات الفزع والخوف والهرب تزيدا لا مبرر له ولا ينهض ~~من الحوادث دليل عليه، بل إن الحوادث جميعا تنقضه، فالأمر هين بين ينحصر في أن عرابيا ~~وإخوانه رأوا في الحكم الدستوري عاصما لهم من الجور كما رأى ذلك الوطنيون، ومنهم الشيخ ~~محمد عبده ... ~~••• # التقى الوطنيون والعسكريون فكان من التقائهما واتجاههما وجهة واحدة، حركة قومية غايتها ~~الدستور والحرية. ولقد نجحت تلك الحركة نجاحا باهرا يدعو إلى أكبر الإعجاب، وبلغت غايتها ~~دون أقل مكدر يوم عابدين، ولولا ما كان من موقف توفيق بعد ذلك ومن كانوا يتربصون بالبلاد من ~~الثعالب وبنات آوى لسارت مصر قدما في طريق الحرية والنهوض ... # وما يشين هذه الحركة مشاركة العسكريين فيها، فليست في ذلك بدعا من الحركات، فما خلت ~~حركة قومية من عنصر الجند إما متطوعين أو من الجيش القائم، وهل يعيب حركة استقلال ~~المستعمرات الأمريكية مثلا أن وشنطون الجندي كان زعيمها؟ وهل يشين الثائرين من الأحرار على ~~استبداد الملك شارل الأول في إنجلترا استعانتهم بكرمول وجنوده؟ وهل كان في انضمام الجيش في ~~فرنسا إلى أكثر الحركات الثورية ما يذهب بجلال هذه الثورات؟ ذلك ما لا يقوله منصف ... # حق لمصر أن تفخر بأنها ثارت ثورة قومية حرة في ms066 القرن التاسع عشر؛ عصر القوميات والثورات، ~~وتلك هي الثورة العرابية التي مهدت لها عوامل وأسباب تجعلها أشبه ما تكون بأجل الحركات ~~القومية في أوربا ... # وسيخنق الاحتلال هذه الحركة القومية، ويطفئ شعلتها، ولكن جمرتها تبقى تحت الرماد إلى أن ~~ينفخ فيها سعد من روحه فتشتعل وتتوهج حتى ما يستطيع مستبد ولا طاغية بعد ذلك أن يخمد ~~نارها أو يطفئ نورها ... # | دسائس ومخاوف # كانت سياسة توفيق - إن كان ثمة له من سياسة - عقب حادث قصر النيل أهم العوامل في تطور ~~الحوادث على النحو الذي سوف نراه، فلقد أجاب الضباط إلى مطالبهم وفي نيته أن يغدر بهم متى ~~حانت الفرصة ... # وأدرك الضباط لا ريب أنه أجابهم إلى ما طلبوا لأنه لم يكن له من ذلك بد، ولذلك أحسوا أنه ~~لابد متربص بهم فتربصوا هم كذلك به ... # وكان توفيق من ناحية أخرى يكره رياضا ويعمل على التخلص منه، لذلك وضع نفسه في موضع عجيب ~~حقا، فبينما هو يسخط على الضباط ويمقت حركتهم إذا به يتخذ منهم كما سنرى أداة للكيد ~~لوزيره بغية إقصائه عن منصبه. # وهكذا تشاء الظروف النكدة أن يكون رجل كتوفيق هو الذي يحرك دفة الأمور في مثل ذلك الزمن ~~العاصف. # لم يكن أمام توفيق كما أسلفنا إلا أن يتخذ سبيله إلى قلوب الوطنيين، فيجعل من نواب الأمة ~~سندا له كما فعل أبوه في أواخر أيامه ... # ولكن توفيقا لم يلجأ إلى ذلك الحل، وما نشك في أنه كان يفطن إليه، ولكنه كان يقتضيه أن ~~ينزل عن سلطانه إلى نواب الأمة، وهو ما نشك كل الشك في أنه كان يستطيع أن يحمل نفسه عليه، ~~ومن هنا أحدقت به وبمصر الأخطار، في وقت نشطت فيه دسائس الأجانب الذين أحكموا شباكهم ~~لاقتناص الفريسة الغالية في تلك الأيام الكدرة. # وقع حادث قصر النيل في فبراير سنة 1881، وفي أعقاب الحادث مرت على مصر بضعة أشهر ما نظن ~~أنه مر على البلاد فترة مثلها في كثرة ما حيك فيها من الدسائس على قصر أمدها ... # أمر الخديو فأقيم حفل ms067 بعد حادث قصر النيل دعي إليه كبار رجال الجيش، وخطب الخديو فأعلن ~~عفوه عما حدث وأنه لا يضمر لأحد سوءا، وحث الجند على الطاعة والنظام، وأكد لهم أن الحكومة ~~تهتم بأمرهم كل الاهتمام. # وقابل الضباط خطاب الخديو بالابتهاج والشكر، وهتفوا به معبرين عن ولائهم له معلنين بين ~~يديه أنه لن يرى منهم إلا الطاعة والولاء. # ونظر البارودي وزير الجهادية الجديد في مطالب الجيش فأجابهم إلى أكثرها، وكانت تدور حول ~~زيادة المرتبات، وإصلاح قانون الترقية وقانون الإجازات، والعناية بمأكل الجيش وملبسه، كما ~~طلب الضباط إعادة أحمد بك عبد الغفار قائمقام السواري إلى الخدمة، وتم لهم ما أرادوا، فعاد ~~هذا الضابط إلى حيث كان قبل أن يعزله رفقي. # وأقام البارودي حفلا للضباط بعد إصلاح حالهم، شهده الوزراء، وخطب البارودي كما خطب رياض، ~~وأثنى رياض على الجند، وحثهم على النظام، وسألهم أن يقابلوا ما لقوا من إصلاح بالطاعة وأداء ~~الواجب، وخطب عرابي فأثنى على الخديو، وأعرب عن ولاء الجيش لسموه. # سمع الضباط أول ما سمعوا أن أعوان الخديو يغرون بالمال والمناصب بعض رجال الآلايات ~~ليكونوا في الوقت الموعود إلى جانب الخديو، ونمى إليهم فيما نمى أن رياضا يفكر في طرق ~~إجرامية للفتك بهم، ومن ذلك ما علموه من أنه كان يدبر مشاجرة في أحد الشوارع يندس فيها من ~~يقتل عرابيا أو من يحضر من زميليه ... # وحدث في آلاي طره وهو الآلاي السوداني الذي كان يرأسه عبد العال حلمي، أن كتب ثمانية من ~~صف الضباط السودانيين يتنصلون من حادث قصر النيل، ويعلنون ولاءهم للخديو، ويبدون اعتذارهم، ~~ويتهمون رؤساءهم، وأمر عبد العال بإجراء تحقيق ثبت منه أن باشجاويشا شركسيا هو الذي ~~حرضهم على ذلك، وأن الذي حرض هذا الباشجاويش هو يوسف كمال باشا ناظر دائرة الخديو الذي ~~دفع لكل من هؤلاء الثمانية، جنيهات ثمانية. وغضب عبد العال واشتكى إلى رياض، ورفع رياض ~~الأمر إلى الخديو، ونصح بعزل يوسف كمال باشا تهدئة للخواطر وقتلا للفتنة في مهدها، وأجابه ~~الخديو إلى ما طلب، وعاقب عبد العال ذلك ms068 الشركسي المحرض بالحبس ستة أشهر ... وكشف عبد العال ~~دسيسة أخرى كان يدبرها سوداني في الاستيداع هو الأميرالاي فرج بك الزيني، وكان مسكنه على ~~مقربة من مقر آلاي طره، وأثبت التحقيق أنه كان على صلة بيوسف كمال باشا، وقد ضبطه عبد العال ~~بنفسه في حقل قمح يحرض بعض الجند على كتابة المطاعن في رؤسائهم، وقد أبعد الزيني إلى ~~السودان، ويقول عرابي في مذكراته: «إن دسيسة فرج بك الزيني كانت أيضا من يوسف كمال باشا، ~~وإن الخديو أراد أن يعوضه عما فاته في مصر من رعايته، فلما نفي إلى السودان أرسل إلى رؤوف ~~باشا حكمدار السودان وقتئذ ليلحقه بخدمة الحكومة السودانية ومنحه رتبة لواء، فصار يعرف ~~بفرج باشا الزيني.» # واتهم تسعة عشر ضابطا أحد رؤسائهم بأمور نسبوها إليه أثبت التحقيق بطلانها، فأبعدتهم ~~الوزارة عن مناصبهم، فبادر الخديو بإعادتهم، الأمر الذي حنق له زعماء الجيش، إذ رأوا فيه أن ~~الخديو إنما يعضد حركة التمرد في صفوف صغار الضباط ويستميلهم إليه ضد رؤسائهم. # وكذلك سمع الضباط أن الحكومة تنوي أن ترسل الآلاي السوداني بقيادة عبد العال بك إلى ~~السودان، بحجة أن القوة الموجودة هناك غير كافية لحفظ النظام، فأحس الضباط من ذلك أن النية ~~متجهة إلى تشتيتهم للقضاء عليهم متفرقين ... # وترامى إليهم أن الخديو يمرن حرسه في الإسكندرية على إطلاق النار، وأنه يشهد ذلك بنفسه ~~وينثر الذهب على الجند متظاهرا بمكافأة المجيدين في إصابة المرمى، ولا يفسر مثل هذا العمل ~~في ظروف كهذه إلا بأنه استعداد من جانب الخديو لما كان مقبلا عليه من قمع وبطش ... # وأرادت الحكومة أن تسخر الجند في حفر الرياح التوفيقي، وكان عليهم أن يسلموا أسلحتهم إلى ~~مخازن الجهادية قبل ذهابهم إلى ذلك العمل، ورفض عرابي أن يوافق على ذلك وأيده في رفضه ~~البارودي ... # وحدث في الإسكندرية أن دهمت عربة أحد التجار وكان سائقها أجنبيا أحد الجنود فنقل إلى ~~المستشفى حيث قضى نحبه، واستشاط تسعة من الجند غضبا، وأملت عليهم سذاجتهم أن يحملوا زميلهم ~~القتيل إلى سراي رأس التين فيقتحموا ms069 أبوابها على الرغم من مقاومة الحرس، ويتصايحوا داخل ~~السراي شاكين من الأجانب، راجين أن يتدخل الخديو بنفسه لمعاقبة هذا السائق الأجنبي. وسمع ~~الخديو هذا الصخب فنهر الجند بنفسه وصرفهم من حديقة قصره، ويدل هذا الحادث فضلا عن سذاجة ~~الجند على مبلغ ما كان يتصوره الناس من عظم نفوذ الأجانب، فما يجرؤ أن ينالهم بالعقاب أحد ~~إلا الخديو نفسه، ولهؤلاء الجند بعض العذر فيما تخيلوا وإن كان ذلك لا يبرر اقتحامهم ~~القصر على هذه الصورة ... # ولكن العقاب الذي عوقبوا به على فعلتهم كان بالغ الصرامة والقسوة. فقد عوقب الجندي الذي ~~حرضهم على ذلك بالحبس المؤبد مع الأشغال الشاقة، وعوقب الثمانية الباقون بالحبس في ليمان ~~الخرطوم ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة كذلك ... # ولما ذاع النبأ في الجيش استاء الضباط والجنود أعظم الاستياء من فداحة الحكم، وكتب عبد ~~العال تقريرا للبارودي يتظلم منه ويقارن بين هذا الحكم وبين ما عومل به الضباط التسعة ~~عشر المتمردون، وأظهر البارودي ميلا إلى قول عبد العال، ونمى ذلك إلى الخديو فغضب أشد ~~الغضب على البارودي، وقد كان يكرهه ويظهر السخط منه منذ أن أشار بأخذ الجند بالرفق وإجابة ~~ملتمسهم عقب حادث قصر النيل، ومنذ أن اختاره الجند وزيرا للجهادية، فقد داخل توفيقا الشك ~~فيه، ثم أصبح يعتقد أنه من رؤوس الفتنة، وأنه هو الذي يثير الجند لأغراض يسعى لتحقيقها ~~... # واستدعى الخديو وزراءه إلى الإسكندرية، وصارحهم بأن وجود البارودي في الوزارة هو سبب ما ~~في الجيش من فوضى، ولم يسع البارودي إلا الاستقالة، وقد كان الخلاف كذلك شديدا بينه ~~وبين رياض، ثم أبلغ البارودي أن عليه أن يرحل فورا فيقيم بضيعة من ضياعه كيلا يتصل بأحد من ~~الجند أو يتصل به أحد. # وعين داود يكن باشا صهر الخديو وزيرا للجهادية، وهو شركسي لا يقل فظاظة وحمقا عن عثمان ~~رفقي، وعزل الخديو محافظ القاهرة أحمد باشا الدرمللي لاتهامه بالعطف على الجند، وأحل محله ~~عبد القادر حلمي باشا. # ولقد كان البارودي في الوزارة على صلة برجال الجيش فعلا، وكان ينبئهم ms070 بكل ما تريد ~~الحكومة بهم، وقد اتفق معه أن يكون خروجه من الوزارة علامة اقتراب الخطر. # وما لبث أن اتبع داود يكن منتهى الصرامة في معاملة رجال الجيش، فحظر عليهم الاجتماع ~~بالمنازل أو ترك مراكزهم ليلا أو نهارا، أو التحدث في السياسة، وأنذرهم بأشد العقاب إن هم ~~خالفوا أمره، ومع أن عرابيا وأنصاره قد هنأوه بمنصبه وطلبوا إليه أن يعمل على إجابة ~~مطالب الجيش التي كان يسعى البارودي في إجابتها، فإنه اكتفى بالوعود ولم يفعل شيئا ... قال ~~عرابي معلقا على أمر وزير الجهادية الجديد: «ولما كانت تلك الأوامر مخالفة للقوانين ~~العسكرية. ومهينة للشرف العسكري، فقد ردت إليه من طرف أمراء الآلايات.» # ولا يقل رد هذه الأوامر إلى الوزير مغزى عن حادث قصر النيل، إن لم يكن أشد منه خطرا، ~~فمعنى ذلك أن الجند يعصون ما يلقى إليهم من أمر لا يقرونه، وفي ذلك الثورة أبلغ ما تكون ~~الثورة ... # وبث حكمدار القاهرة الجديد عيونه وأرصاده على الضباط، وكان داود يكن يطوف بنفسه على ~~مراكزهم ليوقع الخوف في نفوسهم. # وأحيط بيت عرابي وعبد العال بالجواسيس، وجرت الشائعات بالنذر فملأ القاهرة نبأ عجيب مؤداه ~~أن الخديو قد استصدر فتوى سرية من شيخ الإسلام بقتل عرابي، وكانت الظروف يومئذ تساعد على ~~تصديق هذا النبأ الكاذب أكبر المساعدة. ~~••• # وطلب مجهول الإذن على عرابي في منزله فلم يؤذن له، وشوهد أنه عاد عقب ذلك إلى أحد مخافر ~~الشرطة، وذهب عرابي إلى منزل زميله عبد العال فعلم أنه حدث هناك مثل ما حدث عنده، فأيقنا أن ~~حياتهما يتهددها الخطر، ومما يذكره عرابي في مذكراته أن أحد الغلمان الشراكسة في منزل عبد ~~العال، وهو ابن زوج حرمه المتوفى قد دس له السم في اللبن بإيعاز غلام آخر شركسي من غلمان ~~الخديو، ولولا أن تنبهت الخادم لذهب عبد العال ضحية هذا الغدر الأثيم ... # وكان للخديو في تلك الظروف مسلك عجيب، لولا أن قام عليه الدليل ما استطاع المرء أن ~~يصدقه، وذلك هو محاولة الاتصال بعرابي وزملائه ليستعين بهم على ms071 إخراج البارودي من ~~الوزارة، وكان رسوله إلى عرابي هو علي فهمي ثالث الثلاثة في حادث قصر النيل، ولقد أظهر له ~~الخديو مودته منذ أن عاد إلى آلاي حرسه لكي يستعين به إذا لزم الأمر في تحقيق مآربه ~~... # أرسل الخديو من الإسكندرية قبل استقالة البارودي - أو إقالته على الأصح - علي فهمي بك ~~رئيس الحرس إلى زميليه في القاهرة، كما يقول عرابي في مذكراته، ليقول لهما إن الخديو يرغب ~~في عزل البارودي لما رأى من ذبذبته وسوء سياسته، وأن الخديو يعطف على مطالبهم «فهم ثلاثة ~~وهو رابعهم»، وإن سموه يطلب ألا يعلم أحد بإيفاد علي بك إليهم ... # وترجع صلة الخديو بالضباط إلى ما قبل ذلك، فإنه كان يريد الاستناد إليهم ليحرج رياضا ~~الذي كان يستند إلى الأجانب. وقد ذكر عرابي أمر هذه الصلة سنة 1904 بعد عودته من المنفى ~~لبلنت في حوار بينهما؛ إذ سأله بلنت عن مبدأ صلة الخديو بهم، فقرر أنها بدأت قبل حادث قصر ~~النيل. وقد ظن عرابي يومذاك أن علي فهمي يتجسس عليه، ولم يطمئن إلى إخلاصه إلا حين انضم ~~إليه في الشكوى إلى رياض، وقد سأل بلنت الشيخ محمد عبده عن ذلك فأيده. قال الشيخ محمد عبده: ~~«إن ما ذكره عرابي عن رسالة الخديو التي ذكر للضباط أنهم ثلاثة وهو رابعهم صحيح، وهو يصور ~~أدق تصوير الحال بينه وبينهم يومئذ.» # ولا يخفى ما في مسلك الخديو من خطورة؛ فأقل ما يوصف به أنه جعل الضباط يشعرون أن الجو كله ~~جو دسائس ومخاوف، وأنه لا يمكن بأية حال الاطمئنان إلى موقف الخديو تجاه أحد. ~~••• # هذه هي الحال في الأشهر السبعة التي أعقبت حادث قصر النيل؛ دسائس ومخاوف تحيط برجال ~~الجيش، وتوقع للانتقام في كل وقت ... # أما عن الوطنيين فقد أسلفنا القول إن صلتهم بعرابي لم تنقطع طول الصيف، وكان أكثرهم ~~نشاطا في الاتصال به سلطان باشا، وكذلك كان يعمل شريف على توثيق أواصر المودة بينه وبينه، ~~وأيقن الجميع وطنيين وعسكريين أن لا منجاة لمصر من سوء الحال إلا ms072 بإزاحة رياض عدو الدستور ~~عن الحكم، وإجبار توفيق على أن يسلم بالحكم الدستوري الذي أظهر استعداده لقبوله عند ~~توليته ثم ما لبث أن تنكر له ... # ولا سبيل لإزاحة رياض وإجبار توفيق إلا الاستعانة بالجيش أو بعبارة أخرى بزعماء الجيش، ~~وما كان زعماء الجيش إلا نفرا من المصريين يحسون ما يحسه أبناء مصر جميعا من مبادئ العهد. ~~يقول عرابي في مذكراته: «ولما كثرت دسائس الحكومة وبان ختلها وعزمها على اغتيالنا، أخذنا ~~حذرنا منها، وسهرنا على إحباط تلك الدسائس المنكرة، وكان السير مالت قنصل إنجلترا بمصر كثير ~~التردد على الخديو ليلا ونهارا دون غيره من وكلاء الدول الأوربية، فأوجسنا من ذلك خيفة ~~على مصير بلادنا، وخشينا من مطامع إنجلترا التي كانت ترمي إلى التهام وادي النيل أسوة بما ~~فعلته فرنسا بتونس؛ حتى يتم التوازن الذي تدعيه أوربا، فعرضنا مخاوفنا على جلالة أمير ~~المؤمنين ليحيط علما بما كان جاريا في مصر، ولكيلا يتورط في تصديق ما قد يصل إليه من ~~دسائس أعداء البلاد، وذيلنا العريضة المذكورة بإمضائي وإمضاءات إخواني علي بك فهمي وعبد ~~العال بك حلمي وأحمد بك عبد الغفار بالنيابة عن الجيش، وأحمد بك أبو مصطفى، وأحمد بك ~~الصباحي، وعثمان باشا فوزي، وغيرهم من وجهاء الأمة بالنيابة عن جميع المصريين.» ~~••• # ونقل مؤلف كتاب المسألة المصرية عن كتاب بلنت العبارة الآتية # 1 ~~«ثم إن الأمة بأسرها، وبعبارة أدق إن طبقاتها المستنيرة الدستورية النزعة قد ~~تبينت فجأة أنها ليست من الضعف بحيث ظنت نفسها، وأن لها في الجيش قوة كبيرة متجمعة لا ~~يستهان بها، فإذا ما استطاعت أن تضمه إلى جانبها في قضية الإصلاح الدستوري فإنه لابد قاض ~~على ما حاق بالأمة من شدة وهوان طال عهدهما، وسرعان ما أصبح عرابي وأصحابه بجرأتهم وحركتهم ~~الناجحة معقد آمال الأمة وموضع إعجابها، واستحال في نظر الوطنيين ما كان يقصد به أن يكون ~~مجرد احتجاج عسكري إلى فعلة مدنية وطنية، وأصبح عرابي رجل مصر المشار إليه بالبنان، ولقب ~~بالرجل الوحيد، وما هو إلا قليل من الزمن حتى ms073 توثقت العلاقات بينه وبين أكثر الزعماء ~~السياسيين في ذلك الزمن.» # وقال مؤلف ذلك الكتاب أيضا: «كان في وسع كل إنسان إذ ذاك أن يخبر بأن الجيش إن سنحت - أو ~~عندما تسنح - له فرصة للظهور في ميدان العمل مرة أخرى فإن ذلك لن يكون من أجل مصالح أفراده ~~أو وظيفته، ولكن من أجل مصالح الأمة السياسية العامة.» ~~••• # أعد أحمد عرابي بيانا أرسله إلى أعيان البلاد، يبين فيه أخطاء الحكومة واستبدادها، ~~ويدعو الناس إلى معاونته لانتشال البلاد مما هي فيه، وقد جاء في مذكراته وصف استعداده لهذا ~~العمل. قال: «ثم أخذت في نشر أفكاري بين علماء الأمة وأعيانها وعمد البلاد ومشايخ العربان ~~طالبا منهم مساعدتي في حفظ الأمن والراحة العمومية، حتى نتفرغ للنظر في مصالح البلاد ~~ونتوفر على انتشالها من وهدة الاضمحلال ...» إلى أن قال: «وسيلي ذلك إسقاط الوزارة الحاضرة ~~التي لا تريد بالبلاد خيرا، وتشكيل مجلس نواب يعهد إليه في الوصول بنا إلى الحرية ~~المنشودة، وختمت المنشور بطلب مساعدة أبناء البلاد وتأييدهم، وبناء على ذلك وفدت علينا ~~الوفود من جميع أنحاء القطر، وسلمت عرائض النيابة عنها، وفوضت إلينا العمل لما فيه سعي ~~البلاد وخلاصها من براثن رجال الاستبداد، معلنة تضامنها معنا في كل ما نقوم به من أعمال ~~الإصلاح وما ينتج عنه من النتائج.» # هذا ما أعده عرابي لوثبته الثانية في سبيل حرية وطنه، أو هذا ما يعتزمه من إقدام الرجل ~~الذي وصفه خصومه فيما وصفوه به بالجبن والخوف والرغبة في الخلاص والهرب ... ألا ليت كل شجاعة ~~تكون كهذا الجبن الذي يصفون، وليت كل شجاع مستطيع أن ينهض لما نهض له أحمد عرابي ... # | يوم عابدين # هذا هو اليوم التاسع من شهر سبتمبر سنة 1881، أعظم يوم في تاريخ القومية المصرية، ذلك ~~التاريخ الذي افتتح في شهر مايو سنة 1805 حين سار السيد عمر مكرم والشيخ عبد الله الشرقاوي ~~على رأس جمهور المصريين إلى منزل محمد علي فألبسوه شارة الحكم دون أن يستأذنوا السلطان ~~... # وأخلق بهذا اليوم المشهود أن يكون له في نفوس ms074 المصريين مثل ما لليوم الرابع عشر من شهر ~~يوليو في نفوس الفرنسيين ... وعلى الذين يعنون بتاريخ الحركة القومية في مصر أن يعلموا ~~أبناء هذا الشعب أن اليوم الذي نتحدث عنه هو بدء حياتهم أمة لها كرامة ... # أخذ عرابي للأمر عدته على خير ما يستعد الرجل اليقظ إلى عواقب الأمور، فكتب إلى وزير ~~الحربية يطلب إليه أن يبلغ الخديو بأن آليات الجيش جميعا ستحضر إلى ساحة عابدين في الساعة ~~الرابعة بعد ظهر يوم الجمعة 9 سبتمبر «لعرض طلبات عادلة تتعلق بإصلاح البلاد وضمان ~~مستقبلها». # وأرسل عرابي إلى قناصل الدول يقطع عليهم سبيل الدس والنقول، فأنبأهم أن لا خوف على ~~أحد من الأجانب فإنها سوف تكون مظاهرة سلمية تقتصر على أحوال البلد الداخلية ... # قال بلنت: «كان للمظاهرة كل ما يرجح أنها كانت سلمية، فلكي يقلل عرابي من خطر ما قد ~~يكون من سوء الفهم، كتب إلى الخديو ينبئه بما اعتزم هو وزملاؤه من خطة، ويقولون إن الدليل ~~على أنهم لا يبغون بها عداء لشخصه أنهم لم يذهبوا إليه في قصره بحي الإسماعيلية، وأنهم ~~قصدوا مقره الرسمي في عابدين، وتوسلوا إليه أن يلقاهم هناك ليستمع إلى شكواهم.» # ذعر الخديو وذعر رياض وقد دعاه إليه كما دعا ستون باشا رئيس أركان حرب الجيش وأحمد خيري ~~باشا رئيس ديوانه ليشاورهم في الأمر. # ورأوا أن يحاولوا إقناع عرابي بالإقلاع عن هذه المظاهرة، فأوفد الخديو إليه ياوره طه باشا ~~لطفي، ورفض عرابي أن يعدل عما صمم عليه، وأخبره بأنه لا يريد أكثر من «أن يعمل مظاهرة ~~عادلة لابد منها لضمان حرية الأمة وسعادتها». # وفي هذا الذي صنع الخديو ومن معه أبلغ دليل على ما وصلوا إليه من ضعف وقلة حيلة. # وكان الخديو في قصر الإسماعيلية فأرسل يستدعي السير أوكلند كلفن المراقب المالي ~~الإنجليزي، ولما حضر سأله ماذا عسى أن يفعل في هذا الموقف؟ قال كلفن يشير إلى ذلك: «فنصحت ~~إليه أن يقاوم؟ # 1 # فقد أخبرني رياض باشا أن في القاهرة فرقتين مواليتين، لذلك أثرت على الخديو أن ms075 ~~يدعوهما إلى عابدين مع ما يمكن الاعتماد عليه من الحرس الحربي، وأن يضع نفسه على رأسهما. ~~فإذا ما وصل عرابي قبض عليه بشخصه . فأجابني أن لدى عرابي بك المدفعية والفرسان، وربما ~~أطلقوا النار، فأجبت أنهم لن يجرؤوا على ذلك، ومتى توفرت له الشجاعة للمقاومة وعرض نفسه ~~شخصيا، فإنه يتسنى له أن يقضي على المتمردين، وإلا فإنه ضائع.» # 2 # هذا ما أشار به كلفن وما نراه يحمل كما يقول كرومر: «قسطا من تلك الروح التي تحيي جنسه ~~الإمبراطوري» إلا على المعنى الذي نفهمه نحن، وذلك أنه يلقي الزيت والحطب على النار حتى لا ~~تبقي ولا تذر، وبعدها تقتنص الفريسة، مصر المسكينة، بدعوى إنقاذ البلاد من نار الفتنة. ~~وما أظن ذلك القول محتاجا إلى دليل، فهذا الذي يدعو إليه كلفن لو وقع فلن يكون إلا حربا ~~أهلية شرها مستطير وهولها خطير ... # توجه الخديو إلى عابدين قبل حضور الفرق بزمن ليس بالقصير، ومعه كلفن ورياض وستون، فاستدعى ~~علي بك فهمي رئيس الحرس، وأشار عليه بالدخول إلى القصر بفرقته والتحصن بالنوافذ العليا، وقد ~~نصح للجند بقوله: «أنتم أولادي وحرسي الخصوصي فلا تتبعوا التعصب الذميم، ولا تقتدوا بأعمال ~~الآليات الأخرى.» # فأطاع الجند وأخذوا يتأهبون ... # وسار الخديو بعد ذلك إلى القلعة يحاول أن يثني آلايها بنفسه عما اعتزم، ولكنه لم يجد منه ~~شيئا مما وجد من حرسه من ولاء، فسار إلى العباسية حيث كان آلاي عرابي، ولكنه علم هناك أن ~~عرابيا سار منذ ساعة على رأس جنده ومعهم المدافع بطريق الحسينية إلى عابدين فقفل أدراجه ~~إليها ... # وفي عصر ذلك اليوم المشهود التاسع من سبتمبر سنة 1881 تحرك الجيش يقصد عابدين، فخطت ~~الثورة الوليدة أجرأ خطواتها وأبعدها أثرا في تطور حوادث ذلك العهد ... # وتلاقى عرابي في ميدان عابدين بالآلايات الأخرى بقيادة أحمد بك عبد الغفار وعبد العال بك ~~حلمي وإبراهيم بك فوزي وفوده أفندي حسن وغيرهم من أنصاره. وكان عدد الجند المحتشدين نحو ~~أربعة آلاف ومعهم المدفعية، وأرسل عرابي يستدعي علي بك فهمي من داخل القصر فعاتبه، ms076 فرد ~~بقوله: «إن السياسة خداع.» ثم ذهب فعاد بفرقته، وانضم إلى الجيش فأصبح القصر خاليا من كل ~~عناصر المقاومة، وكان فيما صنع علي بك فهمي كثير من الخير لأنه الجهة الوحيدة التي كان ~~يخشى منها خطر الحرب الأهلية ... # وتجمع وراء صفوف الجيش آلاف من أهل القاهرة الذين أخذتهم الدهشة لهذا المنظر لا ريب، ~~واشرأبت أعناق الشعب التي طالما ألفت الذلة، وتطلع من فوق أكتاف الجند، ومن خلال صفوف ~~الفرسان لينظر ماذا يكون في هذا الموقف الرهيب، واسم عرابي يجري على الألسن في حين تدور ~~الأبصار باحثة عن موضعه وهو على ظهر جواده أمام جنده يتأهب لمقدم الخديو ليسمعه كلمة مصر، ~~كلمة الشعب الذي ألبس جده بالأمس الكرك والقفطان شارتي الحكم دون رجوع إلى السلطان، وما ~~أعظم كلمة مصر ينطق بها فلاح من أعماق الوادي نبت ونما على ثراه ... # ووصل الخديو إلى عابدين بعد أن فشلت سياسة طوافه على الآلايات، تلك السياسة التي تدل في ~~ذاتها على منتهى الضعف، والتي لا يشفع له في اتباعها سوى أنها كانت آخر سهم في جعبته إن كان ~~هذا شفيعا. والحق أن الخديو قد لاقى في ذلك الطواف ما تنخلع منه أفئدة أقوى من فؤاده. ~~وحسبك أن فرقة القلعة ثارت في وجهه حينما أمسك بنفسه بتلابيب قائدها فودة حسن حتى لقد وضع ~~العساكر الأسنة في بنادقهم بأمر من هذا القائد، وتجمهروا حول الخديو حتى صاح بالقائد: «أفسح ~~لنا الطريق يا بكباشي.» # ودخل الخديو السراي من الباب الخلفي، باب باربز، ويقول كلفن إنه قفز من العربة وأشار على ~~الخديو أن يسير من فوره إلى الميدان ففعل توفيق ذلك، وسار إلى حيث اجتمع الجند، ووراءه ستون ~~باشا وأربعة أو خمسة من الضباط الوطنيين وواحد أو اثنان من الضباط الأوربيين، ويذكر عرابي ~~أنه كان معه كذلك كوكسن قنصل إنجلترا بالإسكندرية والجنرال جولد سمث مراقب الدائرة ~~السنية. # وتقدم الخديو ثابت الخطى، فأشار عليه كلفن أن يأمر عرابيا بتسليم سيفه متى دنا منه، ~~وأن يأمره بالانصراف ثم يطوف بعد ذلك ms077 على الفرق فيأمرها بمثل هذا الأمر. # وسار عرابي على ظهر جواده حتى إذا اقترب من الخديو، صاح به الخديو قائلا: «انزل» فوثب ~~عرابي من فوق جواده، ومشى نحو الخديو ومن حوله نحو خمسين ضابطا، فأدى التحية العسكرية، ~~وأشار الخديو إشارة ذات معنى إلى سيفه فأسرع عرابي بإغماده. # الموقف رهيب بالغ الرهبة! ففي هذا الجانب حيث يقف الجند نرى مصر التي أيقظتها المحن ~~والفواجع تتمثل في هذا الجندي الفلاح تجري على لسانه كلمتها في غير التواء أو تلعثم، وفي ~~الجانب الآخر صاحب السلطان الموروث تغضبه هذه اليقظة وتذهله، مع أنه رآها منذ بدايتها، ورأى ~~أباه على جلالة قدره يوسع له صدره ويخفض لها جناحه فيزداد بذلك رفعة ... # هنا الحرية الوليدة والديموقراطية الجديدة، وهناك التقاليد العتيدة والأوتوقراطية ~~العنيدة، ومن وراء ذلك الثعالب وبنات آوى تتمسكن لتتمكن، ونتربص لتنقض! # والتاريخ شاهد يثبت للقومية المصرية موقفا من أروع مواقفها، ومظهرا من أجل مظاهرها، ~~ويضيف بذلك إلى صفحات الحرية في سجل الأمم صفحة جديدة لن تبلي الأيام جدتها، أو تبخس ~~أغراض المبطلين قيمتها. # همس كلفن في أذن الخديو: «هذه هي ساعتك.» فأجاب الخديو: «نحن بين أربع نيران» فقال كلفن: ~~«كن شجاعا.»، فتهامس الخديو وأحد الضباط الوطنيين ثم التفت إلى كلفن قائلا: «ماذا عسى أن ~~أفعل؟ نحن بين أربع نيران ... إنهم يقتلوننا.» # 3 # ويحسن أن نورد ما حدث بعد ذلك على لسان عرابي وهو لا يخرج عن روايات هذا الحادث على ~~كثرتها. قال: «ثم صاح بمن خلفي من الضباط أن أغمدوا سيوفكم وعودوا إلى مكانكم، فلم يفعلوا ~~وظلوا وقوفا خلفي ودم الوطنية يغلي في مراجل قلوبهم والغضب ملء جوارحهم. ولما وقفت بين ~~يديه مشيرا بالسلام خاطبني بقوله: «ما أسباب حضورك بالجيش إلى هنا؟» فأجبته بقولي: «جئنا ~~يا مولاي لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة، كلها طلبات عادلة... فقال: «وما هي هذه الطلبات؟» ~~فقلت: «هي إسقاط الوزارة المستبدة، وتشكيل مجلس نواب على النسق الأوربي، وإبلاغ الجيش إلى ~~العدد المعين في الفرمانات السلطانية، والتصديق على القوانين العسكرية التي أمرتم ms078 بوضعها.» ~~فقال: «كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما ~~أنتم إلا عبيد إحساناتنا.» فقلت: «لقد خلقنا الله أحرارا، ولم يخلقنا تراثا وعقارا، ~~فوالله الذي لا إله إلا هو إننا سوف لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم.» # 4 # تلفت الخديو بعد ذلك إلى كلفن قائلا: «أسمعت ما يقول؟» فأشار عليه هذا بالعودة إلى القصر ~~إذ لا يجمل أن يزيد الأمر بينه وبين عرابي عن هذا الحد، فانصرف الخديو وبقي الجيش في مكانه ~~لا يتزحزح. # وأقبل كوكسن قنصل إنجلترا في الإسكندرية، وكان ينوب عن القنصل العام السير إدوارد مالت ~~لغيابه، أقبل هذا ومعه ترجمان يناقش عرابيا في غلظة مقصودة، وكان هذا الإنجليزي كرجال ~~الاستعمار جميعا من بني جلدته ممن يحسنون دس أنوفهم في كل شيء، ومما وجهه إلى عرابي قوله ~~أن لا حق له في أن يطالب بالمجلس النيابي وإسقاط الوزارة، فذلك من شأن الأمة، أما عن زيادة ~~الجيش فمالية البلاد لا تساعد على ذلك ... # وأجاب عرابي بقوله: إن الأمة أنابت الجيش عنها، ثم وجه نظر محدثه إلى الجموع المتراصة ~~خلف الجند قائلا: هذه هي الأمة وما الجيش إلا جزء منها، ويحسن أن نورد عبارته بنصها. قال: ~~«اعلم يا حضرة القنصل أن طلباتي المتعلقة بالأهالي لم أعمد إليها إلا لأنهم أقاموني نائبا ~~عنهم في تنفيذها بوساطة هؤلاء العساكر الذين هم عبارة عن إخوانهم وأولادهم، فهم القوة التي ~~تنفذ بها كل ما يعود على الوطن بالخير والمنفعة، وانظر إلى هؤلاء المحتشدين خلف العساكر، ~~فهم الأهالي الذين أنابونا عنهم في طلب حقوقهم، واعلم علم اليقين أننا لا نتنازل عن ~~طلباتنا، ولا نبرح هذا المكان ما لم تنفذ.» # قال القنصل: «علمت من كلامك أنك ترغب في تنفيذ اقتراحاتك بالقوة، وهذا أمر ينشأ عنه ضياع ~~بلادكم وتلاشيها ...» # قال عرابي: «كيف يكون ذلك؟ ومن ذا الذي يعارضنا في أحوال داخليتنا؟ فاعلم أننا سنقاوم من ~~يتصدى لمعارضتنا أشد المقاومة إلى أن نفنى عن آخرنا ...» # قال القنصل: «وأين هي قوتكم ms079 التي ستدافع بها؟» # قال عرابي: «عند الاقتضاء يمكن أن نحشد مليونا من العساكر يدافعون عن بلادهم ويسمعون ~~قولي ويلبون إشارتي.» # وسأل كوكسن عرابيا بعد هذا سؤالا يتجلى فيه خبثه وقد ظن أنه أحكم الرمية فقال: «وماذا ~~تفعل إذا لم تجب إلى ما تطلب؟» # فانظر إلى رد هذا الجندي في هذا الموقف الذي تخف في مثله أحلام الرجال، والذي تزدهي ~~القوة فيه القلوب فتسلب ذوي العقول اتزان عقولهم، انظر إلى عرابي في موقف الثورة يقول له: ~~«أقول كلمة أخرى.» فقال القنصل: «وما هي؟» قال عرابي «لا أقولها إلا عند اليأس ~~والقنوط!» # وأخذ كوكسن يروح ويغدو بين عرابي والخديو، حتى جاءه آخر الأمر ينبئه بقبول الخديو إسقاط ~~الوزارة القائمة، وأن سموه سينظر في بقية المطالب؛ فلابد في بعضها من مشاورة السلطان. وعرض ~~الخديو على الجيش اسم حيدر باشا لرئاسة الوزارة القادمة ولكنهم رفضوه، وجرى على الألسن اسم ~~شريف بطل الدستور ونصيره، فعاد كوكسن بعد حين يعلن إلى عرابي قبول الخديو تعيين شريف؛ فقوبل ~~ذلك بالهتاف بحياة الخديو، والتمس عرابي ونفر من زملائه الإذن على الخديو، فلما مثلوا بين ~~يديه أخذ عرابي يعبر له عن ولائه وولاء الجيش. وذكر له الخديو: «أنه وافق على تلك الطلبات ~~بنية صافية»، ثم انصرف الجيش بعد ذلك في هدوء كل فرقة إلى مقرها ... ~~••• # هذا هو يوم عابدين الذي عده خصوم عرابي من أكبر سيئاته، والذي نعده في غير مغالاة أكبر ~~حسناته، وكيف يستطيع هؤلاء مهما بلغ من اضطغانهم على عرابي ورغبتهم في الإساءة إليه أن ~~ينكروا ما ينطوي عليه هذا الموقف من معان؟! ألا أنهم ليتغافلون ليطعنوا الرجل في أجمل ~~مواقفه وأعظم خطواته، وهم إنما ينسالون بذلك من أنفسهم دون أن ينالوا منه شيئا ... # طالب عرابي بالدستور فكان في طلبه هذا زعيم ثورة تقوم على أجل المبادئ التي شاعت في ~~أوربا في القرن التاسع عشر والتي عدها المؤرخون والناس من أعظم خطوات البشرية صوب الرقي ~~والكمال، فكيف يكون مع ذلك داعية فوضى واضطراب؟ ولقد كثرت في أوربا ms080 المواقف التي يشبهها في ~~معناها ومرماها هذا الموقف فسجلتها الشعوب في ثبت مفاخرها، وعدتها من أيامها ~~المشهودة التي تمجد كل عام ذكراها. # وتم لعرابي وأنصاره ما أرادوا ، في غير عنف يشوه حركتهم أو ينقص من جلالها كما يحدث في ~~أشباهها من الحركات ... # لقد كان القصر أمام الجيش خلوا من أية قوة، فروعيت حرمته أحسن مراعاة، وروعي كذلك مقام ~~الخديو، فلم يخرج أمامه هذا الجندي الثائر عن طوره، بل لقد تمالك نفسه فترجل وأدي التحية ~~العسكرية وأغمد سيفه، ثم ذهب بعد ذلك فأعرب له عن ولائه وشكره باسم الأمة إذ أجابها إلى ما ~~طلبت على لسانه ... # ألا إنا لنعجب بذلك ونفخر به إذ نكتبه، وما نجد من الأدلة التي نسوقها على رجولة عرابي ~~وشهامته وبعده عما يرميه به خصومه أقوى أو أجمل من هذا الذي نشير إليه ... ~~••• # فإذا أضفت إلى ذلك ما كان يدبر في خبث من الدسائس في ذلك الموقف الرهيب، وذكرت كيف ~~أحبطها عرابي بمزيج من الصبر والبسالة يدعو إلى الإعجاب حقا، ازددت لا ريب إكبارا لموقفه ~~في ذلك اليوم، ولقد كانت أية كلمة نابية أو أية إشارة يساء فهمها كفيلة بأن تسيل الدماء في ~~تلك الساحة، قال عرابي: «لو حاول الخديو قتلي لأطلقت النار عليه.» # 5 # وينبغي ألا ننسى ما اتخذه عرابي من الحيطة قبل ذهابه، وذلك باتصاله بالقناصل وبالخديو، ~~فقد كان بذلك حكيما موفقا، لا يدع مسلكه محلا لغميزة أو يهيئ سببا لملامة ... # نجحت حركة عرابي أتم نجاح وأجمله، وتهيأت البلاد لأن تستقبل عهدا يسود فيه الإصلاح ~~والنظام، فلقد كان قبول الخديو مطالب عرابي التي أشرنا إليها ينطوي على معنى عظيم، ألا وهو ~~موافقة حاكم البلاد على التخلص من الحكم الاستبدادي الرجعي، والعودة إلى حكم الحرية ~~الدستورية الذي سبق أن وافق عليه يوم تبوأ عرشه ثم عاد فتنكر له حين اطمأن في مصر إلى ~~كرسيه. # وراحت مصر تستقبل في تاريخها حقبة من أسعد الحقب، فلقد نالت أمانيها دون أن تراق نقطة دم، ~~وخرجت سالمة آمنة من ثورة ms081 جديرة بأن توضع إلى جانب أهم الثورات التي قصد بها الحرية في ~~تاريخ الإنسانية، ثورة جديرة بأن توضع إلى جانب ثورة سنة 1688 في إنجلترا وإلى جانب الثورة ~~الأمريكية والثورة الفرنسية الكبرى ... ~~••• # ولولا ما كتبه عنها المغرضون المبطلون من الأجانب. وما ضربه الاحتلال على الآذان والقلوب ~~فحال بين المصريين وبين تاريخ قوميتهم الحقيقي لكان لتاريخ هذه الثورة شأن غير هذا الشأن في ~~هذا البلد المسكين ... # وصف بلنت تلك الأيام السعيدة بقوله: # 6 ~~«إن ثلاثة الشهور التي أعقبت هذا الحادث لهي من الوجهة السياسية أسعد الأيام ~~التي شهدتها مصر، ولقد ساعدني الحظ بمشاهدة ما جرى فيها بعيني رأسي، فلم أتلق معلوماتي ~~عنها بطريق السماع، ولو كان ذلك لشككت في حقيقتها. إني لم أر في حياتي ما يشبه هذه ~~الحوادث، وأخشى ألا أرى مثلها في المستقبل. إن كل الأحزاب الوطنية وكل أهالي القاهرة قد ~~اتفقت كلمتهم هنيهة من الزمن على تحقيق هذه الغاية الوطنية الكبرى، لا فرق في ذلك كما يظهر ~~بين الخديو والأمة، وسرت في مصر رنة فرح لم يسمع بمثلها على ضفاف النيل منذ قرون، فكان ~~الناس في شوارع القاهرة حتى الغرباء منهم يستوقف بعضهم البعض يتعانقون وهم جذلون مستبشرون ~~بعهد الحرية العظيم الذي طلع عليهم على حين غفلة طلوع الفجر إثر ليلة مخيفة حالكة الظلام.» ~~... # ولم يقتصر أمر هذه الفرحة الوطنية على القاهرة، وإنما حملتها الصحف إلى المستنيرين في ~~الأقاليم تبشر الناس بعهد جديد يشرق على البلاد فجره، تجد ذلك في قول بلنت: «وقد أذاعت ~~الصحف هذه الأنباء في سرعة، وقد تحررت من كثير من قيودها تحت رقابة الشيخ محمد عبده ~~المستنيرة تحررا لم يصل إلى مثله من قبل، واستطاع الناس آخر الأمر أن يلتقوا ويتحادثوا غير ~~خائفين في كل جهة من جهات الأقاليم لا يخشون من الجواسيس ولا من تدخل الشرطة، وسرت هذه ~~الروح السعيدة إلى كل الطبقات من المسلمين والمسيحيين واليهود، وشملت رجالا من كل دين ومن ~~كل جنس، ومن هؤلاء عدد غير قليل من الأوربيين الذين ms082 اشتدت صلتهم بالحياة المصرية، حتى ~~القناصل أنفسهم لم يسعهم إلا أن يعترفوا أن العهد الجديد كان خيرا من القديم، وأن رياضا ~~ارتكب أخطاء، وأن عرابيا إن لم يكن مصيبا في كل شيء فهو على الأقل لم يكن مخطئا في كل ~~شيء.» # | رجل أمة # اغتدى اسم عرابي على كل لسان في مصر، فعلى يديه تم الانقلاب المنشود، وإليه نسب كل فضل، ~~وأصبح الناس في القاهرة وفي القرى يتحدثون في إعجاب عظيم عن الفلاح ابن الفلاح الذي أسمع ~~الخديو كلمة مصر في إباء وعزة، وأجبره على أن يجيب الأمة إلى ما طلبت ... # ومن السهل على المرء أن يتصور وقع هذه الأنباء في الناس في عصر كذلك العصر، فقد تناقل ~~الناس كلمات عرابي للخديو وهم لا يكادون يصدقونها، ومن السهل كذلك أن يدرك المرء كيف اغتدى ~~بحق عرابي في مصر رجل أمة، فقد اجتمع فيه رجالها، وأضحت تتفاخر به لأنه من صميم فلاحيها، ~~ولأنها باتت تحتمي به وتحس إحساسا واضحا أن الرجل الذي كانت تتطلع إلى ظهوره كما تتطلع ~~كل أمة في مثل موقفها، قد تهيأ لها في شخصه آخر الأمر ... # ولقد نبه اسم عرابي وحقت له الزعامة عقب حادث قصر النيل، فلما كان يوم عابدين، وثق الناس ~~من بطولته وركنوا إلى زعامته، واستمدوا حميتهم من حميته، وباتوا يربطون مصيرهم بما يفعل أو ~~يقول ... # عارض شريف أول الأمر في قبول الوزارة، وكانت حجته في ذلك أنه بقبوله الحكم من غير قيد ولا ~~شرط إنما يضع نفسه تحت سلطة الحزب العسكري، الأمر الذي لا يطيق أن يحمل نفسه على قبوله، ~~ولذلك دارت بينه وبين عرابي وزملائه مفاوضات استمرت بضعة أيام تحرجت الأمور فيها حتى أوشك ~~شريف أن يتنحى عن قبول الوزارة ... # ولكن بوارق الأمل ما لبثت أن لاحت، وكان جميلا أن تلوح من جانب ذلك الرجل الذي لا ~~يزال نفر من المصريين حتى وقتنا هذا يرمونه بالفوضى، ويردون أسباب ما لحق مصر من ويلات ~~إليه، فيقيمون الدليل بذلك على أنفسهم أنهم إما ذوو أغراض ms083 أو أولو جهل بحقائق الأمور معيب ~~... # كان جميلا أن يبرق الأمل من جانب عرابي فيخفض جناحه لشريف ويذعن لما اشترط من شروط في ~~صدق إخلاص وعن طيب خاطر ... # دعا عرابي رجال الحزب الوطني وأعضاء مجلس شورى النواب المعطل، وعرض عليهم الأمر، وكان على ~~رأسهم سلطان باشا، وذهب وفد من هؤلاء إلى شريف يرجون منه قبول الحكم، فعرفوا أنه يشترط ألا ~~يتدخل الجند في شيء، وأن يرحل عرابي وعبد العال بفرقتيهما إلى مكانين يختاران لهما، وأن ~~يترك حرا في اختيار وزرائه؛ لأن عرابيا كان يطلب إليه إعادة البارودي وإدخال مصطفى فهمي ~~باشا في الوزارة، وكان شريف يرفض ذلك لأنهما لم يثبتا على عهدهما فدخلا وزارة رياض عقب ~~إقالة وزارته ... # وتعهد سلطان ووفده أنهم يضمنون لشريف خضوع عرابي والحزب العسكري، وكان بين الوفد نفر من ~~ذوي المنزلة في البلاد كأباظة والشريعي والمنشاوي والمويلحي والشمسي والوكيل، وهم أهل نفوذ ~~وجاه يعرف شريف قيمة انضمامهم إليه ... # تسمع عرابي ما عرضه سلطان ومن معه فذهب بنفسه إلى شريف يستحثه على سرعة تأليف الوزارة ~~ويظهر له ما يخشاه من الإبطاء، قال عرابي: «وفي يوم 14 سبتمبر سنة 1881 قابلته مرة أخرى ~~وقلت إنه لا يمكن ترك البلاد بلا وزارة فأصر على الرفض فقلت له: إن لم تؤلف الوزارة اليوم ~~فسنطلب غيرك ولا تظن أن ليس بالبلاد سواك ففيها بعون الله العلماء والحكماء، ولم يكن ~~اختيارك لعدم وجود غيرك لهذا المركز ... فاغرورقت عيناه بالدموع ولم يحر جوابا، ثم خرجنا من ~~عنده وبعد قليل جاءنا الشيخ بدراوي عاشور وكيل زراعته وقال: إن الباشا قبل ما عرضته ~~عليه.» # وألف شريف وزارته الثالثة، وكانت هذه أولى ثمار الثورة، وقد قبل الوزيرين اللذين أشار ~~بهما عرابي، كما قبل رجاء الحزب العسكري وهو النظر في القوانين الخاصة بالجيش، وذلك في ~~مقابل أن يخضعوا لحكمه ويبتعدوا عن كل تدخل في شئونه. # ودعا وزير الحربية عرابيا، فأفهمه رغبة الحكومة في أن يسافر بفرقته إلى رأس الوادي، وأن ~~يسافر عبد العال إلى دمياط، فقبل عرابي ms084 ذلك، ولكنه اشترط أن يصدر أمر الخديو بالانتخاب ~~لمجلس شورى النواب قبل السفر، ولا ريب أن هذا الشرط من جانب عرابي خروج منه على ما أخذه على ~~نفسه من عدم التدخل في شئون الحكومة، وهو أمر لا يسعنا إلا أن نحسبه عليه، بل نلومه عليه ~~مهما كان ما ينطوي عليه طلبه من خير للبلاد، ومهما كان في هذا الطلب من معاني حرصه على ~~الدستور والحياة النيابية، وبخاصة لأن على رأس الحكومة رجلا مثل شريف ... # أما عن امتثاله لأمر الحكومة بقبول السفر، فهو في ذاته على الرغم مما أحيط به من اشتراط ~~يعد من محامد عرابي، إذ يدل على مرونة وكياسة ورغبة في التفاهم شتان بينها وبين ما يعزوه ~~إليه خصومه وجاهلو أمره من حماقة ونزق وعنف في كل ما يطوف بهم من سيرته، كما أنه يقدم ~~بطاعته دليلا على نبل غرضه وحسن طويته فيما سعى إليه ... # وخرج عرابي في اليوم الثامن من شهر أكتوبر بقصد السفر بفرقته إلى رأس الوادي، وذلك بعد ~~مرور أربعة أيام على موافقة الخديو على دعوة مجلس شورى النواب، وكان قد سبقه عبد العال في ~~السفر إلى دمياط ... # سار عرابي بطريق الحسينية حتى بلغ مسجد الحسين رضوان الله عليه «فوقف الآلاي مقابلا ~~للمسجد تعظيما وإجلالا لسبط الرسول عليه الصلاة والسلام»، ودخل عرابي المقام الحسيني مع ~~الضباط، «وأمر بيرق الآلاي على الضريح الشريف» ... # وسار بعد ذلك إلى المحطة فما كاد يتوسط المدينة حتى ألفى الشوارع مكتظة بالناس، وإنهم ~~ليهتفون باسمه في حماسة ويحيونه تحية الزعيم المنقذ، ويلقون في طريقه الزهر ~~والرياحين. # وفي المحطة وجد عرابي جميع ضباط الجيش المصري وجمهورا عظيما من الأعيان وذوي المكانة ~~وعددا هائلا من عامة الناس فاحتفوا بمقدمه، وكانت توزع الحلوى وتنشر الزهور في فناء ~~المحطة، وكان يتسابق الخطباء والشعراء في تمجيد ذلك الذي جرى اسمه على كل لسان في مصر، ووقف ~~عرابي في هذا الجمع خطيبا فقال: «سادتي وإخواني: بكم ولكم قمنا وطلبنا حرية البلاد، وقطعنا ~~غرس الاستبداد، ولا ننثني عن عزمنا ms085 حتى تحيا البلاد وأهلها، وما قصدنا بشعبنا إفسادا ولا ~~تدميرا، ولكن لما رأينا أننا بتنا في إذلال واستعباد ولا يتمتع في بلادنا إلا الغرباء ~~حركتنا الغيرة الوطنية والحمية العربية إلى حفظ البلاد وتحريرها والمطالبة بحقوق الأمة، وقد ~~ساعدتنا العناية الإلهية ومنحنا مولانا وأميرنا الخديو ما طلبناه من سقوط وزارة المستبد ~~علينا السائر بنا في غير طريق الوطنية، وتمتعنا بمجلس الشورى لتنظر الأمة في شئونها وتعرف ~~حقوقها كباقي الأمم المتمدنة في العالم، ومن قرأ التاريخ يعلم أن الدول الأوربية ما نالت ~~الحرية إلا بالثورة وإراقة الدماء وهتك الأعراض وتدمير البلاد، ونحن اكتسبناها في ساعة ~~واحدة من غير أن نريق قطرة دم أو نخيف قلبا، أو نضيع حقا أو نخدش شرفا، وما وصلنا إلى ~~هذه الدرجة القصوى إلا بالاتحاد والتضافر على حفظ شرف البلاد.» وهتف عرابي بحياة الخديو ~~واهب الحرية، وحياة الجيش، وحياة الحرية، ثم امتدح الوزارة ورئيسها، ووصف البارودي بقوله: ~~«رئيسنا الوطني الحر القائم بخدمة الوطن وأهله.» وحذر إخوانه في الجهادية من الوشاة ~~والحساد، وحثهم على الاتحاد قائلا: «البلاد محتاجة إلينا، وأمامنا عقبات يجب أن نقطعها ~~بالحزم والثبات وإلا ضاعت مبادئنا ووقعنا في شرك الاستبداد بعد التخلص منه.» # ولنا إلى هذه الفقرة من خطبته عودة كما أن لنا عودة إلى فقرة غيرها نكتفي الآن بالإشارة ~~إليها وهي قوله: «وقد فتحنا باب الحرية في الشرق ليقتدي بنا من يطلبها من إخواننا الشرقيين ~~على شرط أن يلزم الهدوء والسكينة ويجانب حدوث ما يكدر الراحة.» # واختتم خطابه بعبارات ذات مغزى مثل قوله: «إن الطمأنينة عادت كما كانت، وعدنا إلى ما ~~نشأنا عليه من طاعة مولانا الخديو وخضوعنا له ولوزرائه الفخام، فلا تأخذكم الأراجيف وإشاعات ~~أعداء الوطن، وثقوا بسعي أميرنا ورجاله.» ومثل قوله: «إن قيامنا كان لطلب الحقوق لا ~~للعقوق.» وقوله: «وبيننا من الأعداء من يسعى في تفريق كلمتنا وإضرام نار الفتنة ~~بيننا.» ~~••• # واستقبل عرابي بحفاوة كبيرة في المحطات التي وقف بها القطار، وكان يخطب الناس مرافقه في ~~الرحلة السيد عبد الله نديم كما حدث ms086 في الزقازيق حيث كان على رأس مستقبليه فيها أمين بك ~~الشمسي، ووقف عرابي يخطب الناس هناك فكان مما قاله: «أنا أخوكم في الوطنية واسمي أحمد ~~عرابي، ولدت في بلدة هرية رزنة من بلاد الشرقية هذه، فمن عرفني منكم فقد عرفني، ومن لم ~~يعرفني عرفته بنفسي، وها أنذا واقف بين الأهل والخلان، وقد بلغكم ما طلبناه من قطع عرق ~~الاستبداد وتحرير البلاد وأهلها، وبعناية الله سبحانه منحنا مولانا الخديو هذه الأمنية، ~~فنحن لم نخرج من العاصمة عصيانا ولا تظاهرا بعدوان، وإنما سرت بالجيش ووقفت بين يدي ~~الخديو وقفة الطالب الراجي كرم مولاه، فلا تعولوا على الأراجيف وإشاعات أهل الفساد، ~~واعلموا أن البلاد محتاجة إلى الخدمة بالقوة والفكر والعمل، فأما القوة فنحن رجالها، ولا ~~ننثني عن عزمنا وفي الجسم نفس، وأما الفكر فهو منوط بأميرنا العظيم ووزرائه الكرام، وأما ~~العمل فهو منوط بكم فإن القوة والفكر يعطلان بفقد ثروة تربتنا الطيبة المباركة، وقد طلبنا ~~لكم مجلس الشورى لتكون الأمور منوطة بأهلها، والحقوق محفوظة لذويها.» # وقال عرابي في خطبة أخرى بالزقازيق ألقاها في وليمة أعدها له أمين بك الشمسي رئيس تجار ~~الزقازيق: «سادتي وإخواني الأعزاء، أحلي أسماعكم باسم مولانا أميرنا الخديو الساعي في عمار ~~الوطن وقطع عروق الاستبداد منه، وأذكركم بمدة حجبت عنا فيها أنوار الحرية واستعبدتنا فيها ~~الظلمة حتى صرنا نتألم ولا يرحمنا أحد، وأصبحت أموالنا وأرزاقنا معرضة للنهب والسلب تتخطفها ~~أيدي المستبدين قد تمكنت القسوة من قلوبهم، وألفوا الظلم وكرهوا العدل والإنصاف حتى كانت ~~عاقبة أمرهم أن أصبح الناس قيد الفقر وذل الفاقة، والقطر معرضا للأخطار مهيأ لامتداد ~~أيدي الطامعين إليه فعز على إخوانكم وأولادكم الجهادية حماة البلاد، وتحركت فينا الحمية ~~العربية الوطنية، فتعاهدنا على حفظ البلاد ووقاية أميرنا من كل سوء، وسرت بهذا الجيش ~~ووقفت بساحة عابدين أمام مولانا الخديو، حفظه الله، وقد اشتدت شوكة جيش البغي وقويت ~~معارضته ... وأنقذناكم من يد من لم يعرف لكم حرمة ولا يعترف بحق، ولا يرى أنكم مثله من نوع ~~الإنسان، وشكرنا مولانا وأميرنا ms087 الخديو على حسن عنايته بنا وبالأمة وعلى ما تفضل به من ~~مجلس الشورى، أنتم الآن مهيئون للانتخاب؛ فلا تميلكم الأهواء والأغراض لانتخاب ذوي ~~الغايات، بل عولوا على الأذكياء والنبهاء الذين يعرفون حقوقكم ويدفعون المظالم عنكم، ~~ويفتحون باب العدل والإنصاف في بلادنا.» ~~••• # وفي الزقازيق دعى عرابي لوضع أساس المدرسة الأميرية فذهب ووضع الحجر الأساسي باسم الخديو. ~~قال: وتلوت على الحاضرين خطبة ذكرت لهم فيها فوائد التعليم ومنافعه وفضل العالم على الجاهل ~~والبصير على الأعمى، وحرضتهم على الاهتمام بأمر تعليم أولادهم ليكونوا مستعدين لخدمة ~~بلادهم في المستقبل.» # وأولمت لعرابي عدة ولائم في دور بعض وجهاء مديرية الشرقية، سافر بعدها إلى رأس الوادي. ~~وليس يخفي ما ينطوي عليه من معان تكريم هذا الفلاح الذي نشأ في بيت متواضع، على أيدي ~~هؤلاء السادة والكبراء؛ ففي ذلك أول مظاهر الديموقراطية الوليدة في هذا الوادي الذي خضع قبل ~~ذلك زمنا طويلا لمظاهر السيادة والأرستوقراطية. # | توفيق والثورة # لندع عرابيا في رأس الوادي، ولننظر ماذا كان من أمر شريف ووزارة شريف. وهنا نبادر إلى ~~القول بأن هذه المرحلة من تاريخ مصر الحديث كانت أهم المراحل جميعا منذ الحملة الفرنسية، ~~وأدقها وأبعدها أثرا فيما هي مقبلة عليه بعد من مراحل ... # ظن الناس أن قد انجلت الغاشية على نحو ما صور بلنت ولكنهم لم يكونوا يعلمون، أو لم يكن ~~يعلم إلا القليلون منهم أن وراء هذا الصفو كدرا، وأن سماء السياسة كانت يومئذ كسماء ~~الطبيعة تصفو هنيهة لتتلبد بعدها بالسحب المركومة، ولتتلاقى في جوانبها أبابيل سود من ~~الغربان الناعبة فتكون حلكتها بعد الصفو أقبح ما تكون منظرا، وأشد ما تكون إيلاما للنفوس ~~وإزعاجا للخواطر. # وكيف كان يرجى دوام الصفاء وقد كانت الشباك منصوبة، وقد أخذ الصائدون يدفعون الفريسة ~~إليها دفعا بعد أن أعياهم الأمر فلم يستطيعوا أن يأخذوها بالحيلة، أو أن يعصبوا عينيها كما ~~كانوا من قبل يفعلون؟! # كيف كان يرجى الصفاء، وقد كان الخديو يضمر عكس ما يظهر كأن لم يكفه ما أصاب البلاد من ~~جراء سياسته وتنكره للحركة ms088 الوطنية، وإيجاده بما فعل الثغرة التي كانت تنفذ منها الثعالب ~~وبنات آوى إلى صميم حركتها وقلب نهضتها؟! # وما أشبه توفيقا في ذلك الموقف بل في أكثر مواقفه كما أسلفنا بملك فرنسا لويس السادس ~~عشر، ذلك الملك الذي كان يدفع الثورة في بلاده دفعا، والذي يعزى إلى سياسته الملتوية ~~المذبذبة أن تنكبت تلك الثورة منهاجها السلمي العاقل، واندفعت في سبيل جرت فيها الدماء، ~~وتجمعت على جانبيها الأشلاء. # ظهر ذلك الملك للنواب أول الأمر في جلد الأسد، ثم ما لبث أن استخزى بعد وثبة ميرابو، ولكن ~~الشائعات طافت بأهل باريس أن الملك أخذ يستعد ويجمع حوله الجند، فما لبث أن جرت الدماء في ~~باريس ودك الناس الباستيل رمز العبودية والجبروت، ثم رأى أهل باريس بين الدهشة من الملك ~~والزراية عليه والتهزؤ به أنه يركب في جماعة من النواب كان في مقدمتهم ميرابو فيزور باريس ~~ويطوف بأنحائها، ويمر بخرائب الباستيل مظهرا عطفه على الثورة والثوار، ولكنه يعود بعد ذلك ~~فيأتي من معاني التحدي والنزق ما يجعل الشعب يذهب فيقتحم عليه غرف قصره في فرساي ويعود ~~به إلى باريس ليكون رهينة فيها، ويتم الدستور فيرفع إليه فيوافق عليه. ولكن ريثما يعد ~~العدة للهرب، ثم يضبط المسكين وفد أوشك أن يجتاز الحدود فيقضي عليه هذا العمل، وتمضي الثورة ~~في طريقها مجنونة لا تلوي على شيء حتى تأكل آخر الأمر نفسها. # ولقد كان توفيق يسلك تجاه الثورة العرابية مسلك لويس تجاه الثورة الفرنسية مع فارق واحد، ~~وهو أن الخديو، كان من ورائه الإنجليز، فلما لجأ إليهم توفيق كما هرب لويس لم يقض هذا ~~العمل عليه، وإنما قضى على مصر ... # تخلص توفيق من رياض وقد كان يسعى إلى التخلص منه. فكيف كان يريد أن يسلك مع شريف مسلكه مع ~~رياض ولقد كان الفرق بين الرجلين هو الفرق بين الديمقراطية والاستبداد؟! # عادت الظروف من جديد تبين للخديو بأجلى وضوح أن الطريق الوحيد هو الانضمام إلى الحركة ~~الوطنية ومشايعتها في صدق وإخلاص، ففي ذلك منجاته من تطرف هذه الحركة ms089 وجموحها، وفي ذلك ~~منجاة البلاد من تدخل الأجانب باسم المحافظة على عرش الخديو، ثم من احتلال البلاد باسم ~~القضاء على الفتن والقلاقل ... # ولكن الخديو تنكب هذا الطريق فدفع تيار الثورة بمسلكه هذا ليعج عجاجه، وليس في نفسه ~~الآن إلا أن يتخلص من هذه الحركة الوطنية التي وضعت السلطة موضعها الطبيعي في يد الأمة ~~... # ومن أعجب الأمور، بل من أقبح المظالم أنه لما انتهت الثورة إلى ما انتهت إليه فيما بعد من ~~عنف وجموح حمل زعماؤها كل أوزارها وخرج عرابي المسكين بالنصيب الأوفى من هذه الأوزار، وهي ~~لو عرضت على حقيقتها، وردت فيها الأمور إلى أصولها لرد ما يعزى إلى عرابي أو أكثره إلى ~~الخديو دون أن يكون في ذلك أقل تجن على هذا ولا أدنى تحيز لذاك ... # لقد ألقى الخديو بنفسه في أحضان الإنجليز منذ استعان بكلفن يوم عابدين ومنذ أن جعل كوكسن ~~رسوله إلى عرابي وهو على رأس جنده أمام القصر، فلقد ظهر هذان بمظهر من يعطف على توفيق ومن ~~يستنكر على عرابي ما فعل، وقر في نفس توفيق أنهما ولياه وأن بني مصر أعداؤه ... # منذ ذلك الحين صار الإنجليز في ظاهر الأمر أسناد الخديو وفي حقيقته ثعالب تحتال على ~~اصطياد الفريسة. وسيظل هذا شأن توفيق حتى يدخل عاصمة مصر بعد هزيمة الجيش المصري، في حراسة ~~الإنجليز وحمايتهم، فيصطف عساكرهم، من المحطة إلى قصره وتحيط بعربته كتيبة منهم وتستقبله ~~على أبواب القصر كتيبة بالنشيد الملكي البريطاني ... بل إننا نستطيع أن نقول إن ركون توفيق إلى ~~الإنجليز يرجع إلى يوم خلع أبيه، فقد رأى أباه يخلع بنفوذ هؤلاء الإنجليز لدى السلطان، فآثر ~~أن يركن إلى الأقوياء علهم يرضون عنه! ونكرر القول إن منجاته ومنجاة مصر كانت في ركونه إلى ~~الحركة الوطنية، ولكن كيف كان يركن إلى من ينتزعون منه السلطة ليردوها إلى الأمة صاحبتها ~~الحقيقية، ولا يركن إلى من يتظاهرون لديه أنهم يظاهرونه ليزيدوا سلطاته ويقضوا على ~~مناوئيه؟ # سار شريف على نهج حكيم فأرضى الأجانب أو عمل على إرضائهم بقبوله ms090 المراقبة الثنائية، وأرضى ~~الوطنيين بتحقيق الآمال الوطنية، ولكنه ما لبث أن رأى هؤلاء الأجانب لا يدعون وسيلة لضم ~~الخديو إليهم إلا اتبعوها، حتى لقد ترك شريف بعد أمد قصير يعمل وحده، وكأنما وضع الخديو ~~نفسه بنفسه في عزلة ... # ولو أنها كانت عزلة عن الوطنيين دون اتصال الأجانب، وبخاصة الإنجليز، لهان أمرها، ولكن ~~توفيقا سوف يخلق أول الأمر بعزلته ريبة ومخاوف في قلوب المصريين، ثم تنقلب الحال إلى ~~كراهة وتؤدي الكراهة إلى المقاومة من جديد، ولقد كان أمام توفيق في الواقع هيئتان: الوطنيون ~~بزعامة شريف، والعسكريون بزعامة عرابي، وكان يستطيع بشيء من حسن السياسة ألا يدع مجالا ~~لتدخل العسكريين من جديد، ولقد رأى بنفسه ما كان من أمر هذا التدخل بالأمس القريب ... # افتتح مجلس شورى النواب في اليوم السادس والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1881، وقد جاء في ~~خطاب توفيق في حفلة الافتتاح ما يأتي: «أبدي لحضرات النواب مسروريتي من اجتماعهم لأجل أن ~~ينوبوا عن الأهالي في الأمور العائدة عليهم بالنفع، وفي علم الجميع أني من وقت ما استلمت ~~زمام الحكومة عزمت بنية خالصة على فتح مجلس النواب، ولكن تأخر للآن بسبب المشكلات التي كانت ~~محيطة بالحكومة، فأما الآن فنحمد الله تعالى على ما يسر لنا من دفع المشكلات المالية ~~بمساعدة الدول المتحابة ومن تخفيف أحمال الأهالي على قدر الإمكان، فلم يبق مانع من ~~المبادرة إلى ما أنا متشوق لحصوله، وهو مجلس النواب الذي أنا فاتحه في هذا اليوم ~~باجتماعكم.» ~~••• # هذا هو كلام الخديو فهل كانت هذه نياته؟ تلك هي المسألة ... ونرى أن خير ما نجيب به هو أن ~~ننظر في الحوادث التي تلت ذلك، ومنها يستبين إلى أي حد كان الخديو ينوي أن يعمل كما ~~يقول. # دأب الذين كانوا يعملون من وراء ستار، أو دأبت الثعالب وبنات آوى على تخويف الخديو من ~~ناحيتين: ناحية الحركة الوطنية، وناحية تركيا، موحين إليه في الأولى أن حكم الدستور معناه ~~ضياع سلطة الخديو، وفي الثانية أن تركيا لا ترتاح إلى توفيق وأنها تبيت له ما ms091 لا يحب، وغرض ~~هؤلاء الذين يعملون في الظلام واضح، وهو أن يركن الخديو إليهم ليخلص من هذا كله. # أما عن حكم الدستور فكان ذلك يقتضي حقا أن يتنازل الخديو عن جانب كبير من السلطان ~~المطلق إلى نواب الأمة، وتلك هي المشكلة، وما كانت مشكلة مصر وحدها، بل لقد كان لها مثيلات ~~في جميع ما شهد العالم من حركات دستورية، فما نجم الخلاف بين الملكية والشعب في فرنسا إبان ~~ثورتها الكبرى إلا من هذه الناحية، وما استمرت القلاقل قرونا بين الملكية والشعب في ~~إنجلترا إلا بسبب ذلك، وما استقرت الأمور في الدولتين إلا حينما أثبت الشعبان ~~قوتهما. # وإذن فكان لابد أن يتفاقم الخلاف بين الشعب والخديو في مصر حتى يثبت الشعب قوته أو ~~يتنازل الخديو عن مبدأ الحكم المطلق، ومن هذا الخلاف أتيحت الفرصة للثعالب ... ~~••• # وأما عن تركيا فقد كان توفيق يستريب ويخاف من سياستها ... فكر السلطان أولا أن يرسل جيش ~~احتلال إلى مصر ليعيد فيها نفوذ الخلافة سيرته الأولى قبل عهد محمد علي، ولكن إنجلترا ~~وفرنسا ما زالتا به حتى استطاعتا بالسياسة حينا وبالتهديد بعد ذلك حينا حتى أقلع عن هذه ~~الفكرة، ولقد أفادتا من ذلك فائدتين: بقاء الوضع في مصر على ما هو عليه بحيث يسمح لهما ~~بالتدخل في شئونها، والتأثير على الخديو أنهما هما الملاذ والسند ... # ولقد كان الأمير عبد الحليم بن محمد علي في الآستانة يدس الدسائس ويسعى سعيا متصلا ~~لخلع توفيق وتولي حكم مصر بدلا منه، وكانت سيرة ذلك النشاط تزعج توفيقا وتقلق مضجعه ~~... # وأخيرا أوفد السلطان وفدا إلى مصر برئاسة علي نظامي باشا، وقد فعل السلطان ذلك دون علم ~~الدول الأوربية، ولم تعلم بذلك الحكومة المصرية إلا عند قيام الوفد ... # وكان عرابي قد كتب إلى السلطان قبل يوم عابدين، ولعل السلطان أوجس خيفة من الحركة القائمة ~~في مصر، وظن أنها حركة تنطوي فيما تنطوي عليه على فكرة انفصالية ترمي إلى خلع سيادة الأتراك ~~... # وكان عبد الحميد يومئذ يقاوم الحرية في بلاده ويبطش بالداعين إليها، ومكث ms092 الوفد أياما ~~بمصر، ثم رحل فقرر عند السلطان نيابة عن الخديو أن البلاد هادئة ليس فيها ما يخيف، وجاء على ~~لسان رئيس الوفد أن رجال العسكرية والزعماء جميعا يؤكدون ولاءهم للسلطان، وأنه لذلك يثني ~~عليهم ولا يخالجه شك في حركتهم ... ~~••• # وقامت إنجلترا وفرنسا بمظاهرة بحرية في مياه الإسكندرية إذ أحضرت كل منهما بارجة إلى ~~الميناء، فلما سألتهما الحكومة المصرية عن سبب ذلك أجابتا أن سفينتيهما تغادران الإسكندرية ~~في اليوم الذي يسافر فيه الوفد العثماني عائدا إلى الأستانة، وقد تم ذلك فعلا حينما غادر ~~الوفد البلاد، ومعنى ذلك أن الدولتين لن تسمحا للسلطان حتى بمجرد النظر في أحوال مصر، ومعنى ~~ذلك أيضا أن يلقيا في روع الخديو أن يلجأ إليهما إذا لزم الحال حتى ضد السلطان نفسه ~~... # ورب قائل يقول: إن في مسلك تركيا ودسائس عبد الحليم ما يدع للخديو العذر في الاعتماد على ~~الدولتين، ولكن هذا زعم باطل، فرجال مصر جميعا وإن لم يكونوا في تلك الأيام يفكرون في ~~الخروج على السلطان، إلا أنهم كانوا لا يسمحون له أن يتعدى الفرمانات المقررة، وهب أن ~~للخديو العذر في أن يخاف جانب السلطان، فهل كانت الدولتان تحميانه إلا لغرض؟ وهل كان هذا ~~الغرض إلا رغبة كل منهما أن تحل محل السلطان؟ # إن الحوادث جميعا كانت تشير للخديو إلى الطريق الوحيد الذي كان عليه أن يسلكه، ولكنه ~~اختار الانحياز إلى إنجلترا منذ حادث عابدين كما أسلفنا القول مع تظاهره بأنه يعطف على ~~أماني البلاد، وفي ذلك الخطر كل الخطر، وفيه مسئولية الخديو عن اتجاه الحوادث بعد ذلك إلى ~~تلك السبيل التي أفضت بالبلاد إلى كارثة الاحتلال، ومع هذا فإن بعض المصريين كانوا إلى عهد ~~قريب ولعل منهم من لا يزال حتى اليوم يقرن الاحتلال باسم عرابي كلما ذكر هذا الاسم، فإذا ~~قلت لهم: إن عرابيا هو الذي جرد سيفه وقاد جيشا من المصريين ليصد الاحتلال، وبذل من ~~الجهود وحمل من الأعباء ما لا يبذل أو يحمل مثله إلا أولو العزم من الرجال، وأنه ms093 لولا ما ~~أحاط به من خيانة لم يحط مثلها بقائد قبله لكان النصر حليفه لا محالة، حملوا كلامك هذا ~~على المبالغة، وصعب عليهم أن يصدقوه، وقد أضلهم كتاب الاحتلال وصنائع الاحتلال ... # | بين عرابي وبلنت # نعود إلى عرابي، فنقول: إن الحكومة استدعته من مقره في رأس الوادي وأسندت إليه منصب وكيل ~~وزارة الحربية، وصدر الأمر العالي بذلك في اليوم الرابع من شهر يناير سنة 1882 وهو يعزو ذلك ~~إلى ما بلغ الحكومة على ألسنة جواسيسها أنه يجول في بلاد مديرية الشرقية فيتصل بالوجهاء ~~وشيوخ العرب محرضا داعيا إلى مبادئه وأغراضه ... # ويذكر عرابي أنه فوتح في أن ينعم عليه يومئذ برتبة اللواء فيصبح أحمد عرابي باشا، ولكنه ~~رفضها مخافة أن يتهم أنه يعمل لشخصه، ولئن صح هذا - وهو ما لا نستبعده - لكان لنا فيه ~~حسنة نضيفها إلى كبريات حسنات هذا الرجل، فإن التهافت على الرتب والألقاب لم يزل حتى ~~اليوم في بلادنا المسكينة داء عياء يتغلغل في نفوس سادتنا وكبرائنا ... # ونقول: لئن صح ذلك لأن الخبر من جانب عرابي فهو في مرتبة الدعوى ... ونقول: إنا لا نستبعده، ~~مستندين في ذلك إلى شاهد قوي، فهذا الرجل كان بطل الانقلاب، وعلى يده وصلت إلى ما وصلت ~~إليه، ولكنه لم يصب مغنما ما، ولو كانت في نفسه أطماع وقتئذ لرأيناه يصل إلى مرتبة الوزير، ~~فقد كان في موقف تحكم فيه في الخديو وفرض عليه الشخص الذي يؤلف الوزارة، وهو موقف يوحي ~~إلى النفس بالغرور، فلو خالج نفس عرابي يومئذ طمع في جاه أو منصب لما وقف دونه إلى ما يبتغي ~~حائل ... # وأقام عرابي بالقاهرة في منصبه الجديد، وكانت داره تمتلئ كل يوم بالناس من كل نمط: ~~الوطنيين، والأوربيين، ورجال الصحافة من الأجانب والمصريين، ورجال السياسة الذين كانوا ~~يسألونه عن مرمى حركته، وعما يطمح إليه، ويستكتبونه البيانات عن آماله، فازدادت شخصيته بذلك ~~خطرا وذاع في الأوربيين صيته، وكانت زعامته تزداد رسوخا في قلوب مواطنيه، حتى لقبوا بيته ~~باسم «بيت الأمة» # 1 # وبات يقصده كل متظلم يطلب ms094 معونته حتى في أتفه الأمور ... # وكان ممن اتصلوا بعرابي يومئذ مستر بلنت فتعارفا، وجرى بينهما حديث أثبته كل منهما في ~~مذكراته، وفيه أشار عرابي إلى ارتياحه لتخلص مصر من مساوئ حكم إسماعيل ومن دسائس الشراكسة، ~~ولكنه أبدى مخاوفه من سياسة إنجلترا وفرنسا نحو مصر، وعبر في كياسة عن أمله في أن تعطف ~~إنجلترا على حركة الحرية في مصر وهي الدولة التي تعلن دائما أنها نصيرة الحرية ~~والديمقراطية. وذكر عرابي أنه يتوقع العطف من إنجلترا أكثر مما يتوقعه من فرنسا، ولاسيما من ~~جانب جلادستون الذي اشتهر بعطفه على الحرية في كل مكان ... # وليت شعري ماذا يطلب الذين يرمون عرابيا بالطمع والجهل والنزق أكثر من هذه البراهين ~~التي نسوقها على أنه كان بريئا من هذا كله؟ ألم يأن لهؤلاء أن يقرءوا سيرة هذا الرجل في ~~غير تحامل عليه حتى يعرفوا لهذا المصري المجاهد قدره وأثره في نهضتهم القومية؟ وهل يوجد في ~~المعايب القومية عيب أشد قبحا من جهل قوم برجالهم في الوقت الذي يرون فيه غيرهم من الأمم ~~يمجدون ذكرى الرجال؛ فيوحون إلى الأجيال القادمة معاني البطولة بما يقدمون لهم من ~~الأمثلة؟ # لقد أعجب بلنت بعرابي ووقعت عباراته من نفسه موقعا حسنا، قال بلنت يصف كيف تعرف إلى ~~عرابي وكيف كان وقع لقائه في نفسه: «كان عرابي يومذاك في قمة صيته، يتحدث عنه الناس في طول ~~مصر وعرضها بقولهم «الوحيد»، أعني أنه الرجل الوحيد، وكان القوم من جميع أنحاء القاهرة ~~يتزاحمون على داره حيث يدعون ظلاماتهم بين يديه، وكانت حجرته الخارجية تمتلئ كل يوم ~~بالمتوسلين وكذلك كان مدخل داره من الشارع ... # وكان قد سمع عني أني ممن يعطفون على قضية عنصر الفلاحين وأني من أصدقائهم، ولقيني بكل ما ~~في وسعه من حفاوة، وبخاصة، كما قال لي: لما نمى إلى علمه من صلة أسرتي ببيرون ذلك الذي كانت ~~له في نفسه مكانة عالية وإن لم يعرف شيئا عن شعره، لما كان من عمله من أجل حرية اليونان ... ~~وهذا أمر جدير بالملاحظة لما فيه ms095 من دلالة خاصة على منحى عرابي بالنسبة للإنسانية كلها بغير ~~تفرقة من جنس أو عقيدة. فلم يكن فيه شيء من التعصب إذا كان التعصب معناه الكراهية الدينية، ~~وكان على أهبة أبدا لأن يتعاون من أجل قضية الحرية مع اليهود والنصارى أو مع الكفرة على ~~الرغم من تقواه التي لا التواء فيها بأية حال ... # ولقد كلمته طويلا وفي غير تحفظ، ودار الحديث حول المسائل التي كانت تشغل الأذهان يومئذ، ~~ووجدته يصارحني كما أصارحه ويتكلم في يسر، وقد عبر عن ولائه التام للخديو طالما أنه يحافظ ~~على وعوده ولا تظهر أية محاولة من جانبه ليسلب المصريين حريتهم الموعودة، ولكن كان من ~~الأمور البينة أنه كان لايثق فيه كل الثقة، وعد من واجبه أن يراقبه في حذر مخافة أن ~~يتنكب الطريق ... # وفي كتاب أرسلته إلى جلادستون بعد ذلك بقليل أي في 20 ديسمبر بعد أن تمت مقابلات ومناقشات ~~أخرى بيني وبين عرابي، قلت عن عرابي: إن الآراء التي يفصح عنها ليست تكرارا للعبارات ~~المتداولة في أوربا الحديثة، ولكنها تقوم على أساس من معرفته بالتاريخ والتقاليد الحرة ~~للفكر العربي، تلك التقاليد الموروثة من عهد حرية الإسلام، وهو ينكر كما أعتقد كل مطمع ~~شخصي، وليس هناك شك في إخلاص الجيش والأمة له ... وقد تحدث عن مكانه في تواضع قائلا: إني ~~أمثل الجيش لأن الظروف جعلت الجيش يثق بي، ولكن الجيش نفسه إن هو إلا ممثل الشعب وحاميه ~~حتى يأتي الوقت الذي لا يحتاج فيه إليه، ونحن في الوقت الحاضر القوة القومية الوحيدة التي ~~تقوم بين مصر وبين حكامها الأتراك، الذين لا يتورعون في أية لحظة إذا أخلي سبيلهم أن ~~يجددوا مساوئ عهد إسماعيل. # وتحول المراقبة الأوربية دون ذلك، ولكن في صورة جزئية فحسب، ولا تتخذ شيئا من الحيطة ~~بتعليم الشعب حكم نفسه ارتقابا لليوم الذي تتخلى فيه عن مهمتها المالية، وهذا أمر علينا أن ~~ننظر فيه، لقد كسبنا للشعب حق التكلم في مجلس يضم الأعيان، وإنا لنعمل على ألا يطردوا ~~أو يخوفوا فيخرجوا منه، وإنا ms096 في هذا لا نعمل لأنفسنا بل لأعقابنا وللذين وضعوا ثقتهم ~~فينا ... ونحن الجند الآن في وضع كالذي كان فيه أولئك العرب الذين أجابوا الخليفة عمر حين ~~سألهم في شيخوخته عما إذا كانوا راضين عن حكمه وعما إذا كان فيه قد استقام على طريق ~~العدالة، قالوا: يا ابن الخطاب، إنك استقمت على الطريق حقا ولهذا أحببناك، ولكنك لست تعلم ~~أننا كنا قريبين منك وكنا على أهبة لو أنك سلكت سبيلا معوجة لنردك إلى الطريق السوي ~~بسيوفنا ... وإني على ثقة من أنه لن تكون بنا حاجة إلى العنف، فنحن - معشر المصريين - لا نحب ~~الدماء، ونأمل ألا نسفك شيئا منها، ومتى تعلم برلماننا الكلام فسينتهي واجبنا، ولكنا نعتزم ~~إلى أن نصل إلى ذلك الوقت أن ندافع عن حقوق الشعب مهما كلفنا ذلك من ثمن، ولن نخاف ~~بمعونة الله أن نثبت أهليتنا لرعاية تلك الحقوق إذا لزم الأمر ضد كل من يعمل على إسكاتها ~~... # وقد أثر في تأثيرا جد عميق هذا النمط من الكلام الذي يختلف كثيرا عما يستعمله ~~السياسيون الشرقيون في أحاديثهم مع الأوربيين، وقد كشفت لي عن فارق عقلي كبير بين عرابي ~~وبين زعيم آخر من زعماء الحرية قابلته في دمشق وحادثته، وهو مدحت باشا، فلم يكن في حديث ~~عرابي شيء من ذلك اللغو حول السكك الحديدية والترع والترام كمشروعات للإصلاح يعمر بها ~~الشرق، ولكن كان فيه كلمات تنفذ إلى أعماق الأشياء، وتحدد تبعة الحكومة الصالحة بحيث تلقيها ~~على الكواهل التي تستطيع وحدها أن تحملها، وأحسست أن مثل هذه الكلمات خليقة بأن يصغى إليها ~~في مجلس العموم إذا قدر لها أن تسمع هناك ... # وأما عن السلطان وعلاقة مصر بتركيا، فقد كان كلام عرابي كذلك مبينا، لقد أخبرني أنه لا ~~يحب الأتراك الذين أساءوا حكم مصر عدة قرون، ولا يحب أن يسمع عن تدخل من القسطنطينية في ~~شئون مصر الداخلية، ولكنه يجعل فرقا بين الحكومة العثمانية وبين السلطة الدينية للسلطان، ~~وذلك أنه كأمير للمؤمنين تحت طاعته والإجلال له إذا عدل، وكذلك يوحي إليه ms097 عمل فرنسا في تونس ~~بعد أن انتزعتها من الإمبراطورية واستولت عليها، ضرورة المحافظة على الصلة برأس العالم ~~الإسلامي، قال عرابي: نحن جميعا أبناء السلطان ونعيش معا كما تعيش أسرة في بيت، ولكن كما ~~هو الحال في الأسر لكل منا نحن أهالي الأقطار الإسلامية، حجرة مستقلة يترك لنا أمر ~~تنظيمها حسب إرادتنا، ولا يسمح حتى للسلطان نفسه بالتدخل في ذلك. ولقد اكتسبت مصر هذا الوضع ~~بمقتضى ما منحته الفرمانات، وسنحرص على أن نحتفظ به، ونحن إذا طالبنا بأكثر من ذلك فإنا ~~نركب متن الشطط، وربما فقدنا حريتنا فقدانا تاما ... # وسألته في شيء من الثقل عما إذا كان ذا صلة شخصية بالقسطنطينية كما تؤكد الإشاعات، ولاحظت ~~عليه شيئا من التحفظ في الإجابة، فمما لا شك فيه أن حديثه مع أحمد راتب ذلك الحديث الذي لم ~~يكن لي به علم وقتذاك، كان يجول بخاطره وسبب هذا التردد، ولكنه لم يشر إليه ... # وأخيرا تكلمنا عن علاقة مصر بالمراقبة الثنائية، مراقبة إنجلترا وفرنسا، فأقر عرابي ما ~~تم من خير في عهدهما كتحرير البلاد من إسماعيل، وتنظيم الشئون المالية، ولكنهما يجدر بهما ~~ألا يقفا في سبيل الحركة القومية بتعضيدهما سلطة الخديو المطلقة ومن حوله من الباشوات ~~الشراكسة، وقال إنه ينظر إلى إنجلترا أكثر مما ينظر إلى فرنسا لنصرة الحرية الوليدة في مصر، ~~وبخاصة جلادستون الذي هو من أنصار الحرية، وشكا من مالت وتصرفاته، وعملت على أن أدخل ~~الطمأنينة عليه من هذه الناحية بقدر ما استطعت، ثم افترقنا. # وقد أثر في نفسي أثرا حسنا هذا اللقاء الأول مع هذا القائمقام الفلاح، حتى لقد ذهبت ~~من فوري إلى صديقي الشيخ محمد عبده لأعبر له عن تأثري، واقترحت عليه أن يكتب برنامج ~~الحركة الوطنية بالمعنى الذي ذكره عرابي كي أرسله إلى جلادستون، فإني أعتقد أن برنامجا ~~كهذا لو أبلغ إليه من جهة يثق فيها جدير بأن يحدث في نفسه أثرا طيبا لصالحهم، وحدثت مالت ~~كذلك بهذا الاقتراح فذكر أنه يعتقد أنه يحدث ذلك الأثر الطيب، وعلى ذلك وضعت بالاشتراك ms098 مع ~~الشيخ محمد عبده وبعض زعماء الوطنيين، وكان يعاوننا سابونجي، برنامجا يتضمن آراء الحزب ~~الوطني، وعرضنا ذلك على البارودي فأقره، وعرضناه كذلك على عرابي، وبعد أن تم ذلك أرسلته ~~إلى جلادستون قائلا: إنه وضع على علم من مالت، وبإقرار منه لما جاء فيه، وشرحت له الموقف ~~كله، ورجوت منه أن يعطف على حركة هي قريبة من المبادئ التي يعتنقها.» # هذا هو كلام بلنت عن عرابي نقلناه عن كتابه، فماذا يرى فيه خصوم عرابي ممن جهلوا حقيقة ~~أمره، ومن المتقولين عليه؟ # أيبقون على إصرارهم فلا يرون فيه إلا جاهلا غرا لا دراية له بالسياسة وشؤونها؟ ألا ~~يزال ينكر هؤلاء أنه كان مؤمنا برسالة يطمع أن يؤديها إلى بني وطنه، رسالة الحرية والكرامة ~~القومية؟ # حسب المرء أن يذكر مبلغ ذلك العصر من العلم ومن اليقظة القومية، ومبلغ ما كان فيه من ~~الرجال إذا قورن بالعصر الذي نحن فيه، ليرى كيف بلغ عرابي بحميته وإخلاصه وصادق حبه لوطنه ~~مبلغا من الزعامة خليقا بأن يسلكه في عداد الأفذاذ من رجالنا في تاريخنا كله. # وإن الذي يخطو الخطوة الأولى في كل ما يتطلب جرأة ليعظم فضله ويعلو اسمه على كل من يخلفه ~~حتى ولو كان في هؤلاء الخلف من هو أكثر جرأة وأجل أثرا وأعظم خطرا وأكبر عقلا، وذلك لأن ~~الفضل للبادئ. ولن يوجد في الخلف من يكون أعظم فضلا ولا أخلد مجدا. # وإن الرجل الذي يقتدي بمن سبقه من الأبطال من بني قومه، أو الذي يلقي معاني البطولة في ~~نفسه كثرة الأبطال من حوله ليحمد على بطولته، فكيف بمن ينشأ على غير سابقة وينهض مدفوعا ~~بما في فطرته من معاني الإباء والأنفة كهذا الفلاح الذي كبر عليه أول الأمر أن يستذله ~~ويستذل إخوانه المصريين رفقي، وما زال به حتى عزله، والذي تفتحت نفسه للدستور فوضع يده في ~~أيدي الوطنيين وما استبعد الشقة أو قعد به ملل حتى ظفر لوطنه بالدستور، وأبعد رياضا وأحل ~~محله شريفا، والذي يحرص بعد ذلك على القومية المصرية، ويخشى أن ms099 يعصف بها كيد الكائدين ~~فيتربص كما يتربصون، ويتأهب كما يتأهبون ... # لقد أعجب بشخصه وبآماله بلنت، وحق له أن يعجب به. ولقد قارن بينه وبين مدحت باشا فرجحت ~~كفته على كفة مدحت، وذهب من فوره يعلن للشيخ محمد عبده مبلغ تأثره بهذا الجندي الفلاح أو في ~~الواقع بهذا الزعيم المصري الذي أنجبته مصر ... # | الثعالب وبنات آوى # قدر على شريف أن يلاقي عنتا شديدا من مسلك الخديو من أول الأمر ... وأخذت وزارته تشق ~~طريقها في حذر شديد بين تلك الصعاب القائمة، وكان أعظمها دسائس الأجانب وتوثبهم في ذلك ~~الوقت، ولقد هال هؤلاء الأجانب انبعاث الروح الوطنية؛ إذ رأوا فيها بوادر القضاء على ما ~~كانوا يمنون به أنفسهم في مصر ... # وسارت سفينة الحكم بين هذه التيارات المختلفة، تنكر الخديو لقضية الدستور، ونشاط ~~المدافعين عن هذه القضية، وتربص الدولتين بالحركة جميعا ... # كان طبيعيا أن تفيق البلاد على صيحة عرابي، وأن تنطلق النفوس من عقالها، فلقد أتيح ~~للناس قدر من الحرية وهم إليها عطاش تتحرق نفوسهم، فبدأ الوطنيون يعبرون عما احتبس في ~~صدورهم منذ عزل إسماعيل، وعادت الصحف تعبر عن مساوئ التدخل الأوربي، وتندد بأساليب الدخلاء ~~في مصر، أولئك الذين سلبوها أقواتها بالحيلة، وحالوا بينها وبين أمانيها زمنا بالإرهاب ~~والبطش، والذين كان يحتل الكثيرون منهم المناصب المصرية الخطيرة ويؤجرون على أعمالهم فيها ~~- إن كان ثمة لهم فيها من أعمال - أجورا غالية من خزانة مصر الفقيرة ... # وأخذت جريدة «الطيف»، وكان يصدرها عبد الله نديم تقاوم البهرج الزائف الذي أخذ يلتمع في ~~مصر، فيخطف سرابه أبصار الجاهلين، والذي سماه الأوربيون مدنية ليكون لهم منه سلاح من طراز ~~خاص يضيفونه إلى أسلحة الدس والكيد التي سلطوها على البلاد، وحمل الكرام الكاتبون على ~~المراقص وحانات الخمور ودور المجون ومواخير الدعارة وغيرها من عباءات الفسوق التي كان ~~يذيعها في مصر أولئك الذين جعلوا من مبررات تدخلهم في شئون البلاد رغبتهم في هداية أهلها ~~إلى المدنية! ... # وأخذ صيت عرابي يطغى على صيت جميع الرجال من حوله حتى البارودي وشريف، وكان لهما ms100 الحكم ~~والجاه، والحق أن القلوب قد تعلقت بعرابي تعلقا يستحيل معه أن يعتزل السياسة أو تعتزله ~~السياسة، بعد أن خطا في تاريخ قومه تلك الخطوة الجريئة التي كان النجاح حليفها ... # أخذنا على عرابي أنه حينما طلب إليه أن يخرج من القاهرة بفرقته اشترط أن يكون ذلك بعد ~~صدور أمر الخديو بدعوة مجلس شورى النواب، فهل نأخذ عليه أنه تدخل في الأساس الذي يجتمع عليه ~~المجلس؟ فقد كان يرى شريف أن يكون ذلك وفق لائحة سنة 1866، أي أول لائحة للمجلس وقد وضعت في ~~السنة التي أنشئ فيها، على أن يضع بالتعاون مع مجلس الوزراء لائحة جديدة تجعل منه مجلسا ~~نيابيا يلائم حال البلاد، وبعد معارضة شديدة وافق عرابي على ذلك ... # وتدخل عرابي في مسألة أخرى وهي الميزانية المخصصة لإبلاغ الجيش ثمانية عشر ألفا من ~~الجند، ولقد أبدت المراقبة المالية عدم موافقتها على المبلغ اللازم كله، وبعد أخذ ورد وافق ~~عرابي على ما تيسر دفعه من هذا المبلغ على أن يوفر الباقي من وجوه أخرى. # لقد قطع عرابي على نفسه عهدا كما أسلفنا ألا يتدخل في شئون الحكومة القائمة، وعلى هذا ~~الأساس قبل شريف رئاسة الوزارة، لذلك نرى أن تدخل عرابي في الأمور التي ذكرناها يوجب ~~ملامته، ولن يشفع له أنه كان يطلب الخير، ولن يخفف من اللوم عليه أنه رضي آخر الأمر ولم ~~يسبب للحكومة عنتا، فهذه الأمور من اختصاص الحكومة، وهي لا تمس جوهر قضية البلاد. # ووجه اللوم على عرابي أنه هيأ لأعداء الحركة القومية في مصر أن يمعنوا في تصويرها ~~صورة عسكرية بحتة سببها تدخل الجند في شئون الدولة. # لم ين أعداء هذه الحركة الوليدة عن مناوأتها في مصر وفي خارج مصر، وإلى هذه المناوأة ~~يرجع سبب جموح هذه الحركة والتوائها على شريف ثم خروجها آخر الأمر من يده، ولو أنه قدر ~~لمصر في تلك الأيام العصيبة أن سلك الخديو غير ما اختار لنفسه من مسلك فآزر كبير وزرائه ضد ~~ما كان يحاك للبلاد من دسائس لأمكن أن يسير ms101 شريف بالسفينة إلى شاطئ السلامة، لكن الخديو - ~~وا أسفاه - لم يكتف بعدم المؤازرة، بل لقد التجأ إلى الأجانب، فكان عمله هذا أقوى مساعد على ~~نجاح سياستهم ... # وكان كلفن العضو الإنجليزي في لجنة المراقبة المالية وإدوارد مالت قنصل إنجلترا في مصر ~~هما اللذان يحكمان الشباك حول الخديو، وكانت لهما سياسة ماهرة غادرة تقوم على أسس أحكم ~~وضعها أولهما وفق ما تعلم في الهند، فهما يظهران الولاء للخديو فيدسان له بذلك السم في ~~الملق، ثم هما يخوفانه أبدا من تركيا والعرابيين جميعا فيذران قلبه هواء، وهما بعد ذلك ~~يضللان الرأي العام في بلادهما ويرسلان التقارير السرية عما يجب أن يتبع إلى وزير الخارجية ~~الإنجليزية ... # وكانت وسيلتهما في تضليل ذلك الرأي العام السيطرة على الصحف بالسيطرة على مراسليها، وكان ~~كلفن نفسه مراسلا لإحدى الصحف، وكان مراسل التيمس يستقي منه المعلومات، أما شركتا روتر ~~وهافاس فقد كان يعطى لكل منهما ألف جنيه في العام من خزائن مصر! وقل أن نصادف في تاريخ ~~السياسة عملا أشبه فجورا من أن تحارب قضية شعب بنقود من خزانته. # وكانت الحركة الوطنية تلاقي أشنع الكيد خارج مصر من جانب الصحافة أول الأمر، إلى أن منيت ~~بعد هذه المقدمة بالتدخل الرسمي الفاجر الذي لم يدع في تاريخ العالم عرفا إلا خرج عليه ~~ولا قاعدة إلا سخر منها وحطمها تحطيما ... # أخذ محررو الصحف في إنجلترا وفرنسا ينددون بثورة مصر ويسخرون من نهضة مصر، ولو أنهم كانوا ~~يحترمون المبادئ التي نادت بها بلادهم حقا لمنعهم ذلك مما فعلوه ... # وماذا جنت مصر يومئذ حتى تستقبل أوربا حركتها بأسوأ ما تستقبل به الحركات؟ ألم تجر في ~~أوربا الدماء أنهارا في سبيل أمثال تلك المبادئ التي كان ينادي بها المصريون؟ وكيف تكون ~~نغماتها عذبة مشتهاة إذا تغنت بها أوربا ثم تكون ممجوجة مملولة إذا هتف بها ~~الشرقيون؟! # هذا شعب ينفض عنه غبار القرون، ويخطو نحو الحرية كما خطت أوربا، ثم هو يذب الأجانب عن ~~قوميته وقد ثقلوا عليها بامتيازاتهم الأثيمة الظالمة ثقل الحشرات والهوام، فماذا ms102 كانت ترى ~~أوربا في هذا من معاني الفوضى والهمجية ولم يصحب حركة المصريين عدوان على أولئك الأجانب ~~على ما كانوا يلاقونه منهم من عنت وإفساد؟ إلا أنها السياسة والأطماع الاستعمارية تقلب عرف ~~الناس نكرا وتجعل المبادئ التي ينادي بها دعاة الإنسانية في نظر الساسة أحلاما لا تجد لها ~~مستقرا إلا في رؤوس الحمقى من الفلاسفة ورؤوس الأغرار من مصدقيهم ... أما الساسة فقد كانوا ~~لا يتوانون عن الكيد، ولا يفتر لهم سعي في تلمس السبيل التي يستولون بها على الفريسة، ~~وكان موقف إنجلترا وفرنسا من مصر ينطوي على كثير مما يبعث الألم والضحك معا. وكم من المآسي ~~ما تضحك منه النفوس ضحكات لن يبلغ الدمع مبلغها! # كان موقف الدولتين كموقف رجلين يطمعان في استلاب شيء، وكلاهما يريده لنفسه دون الآخر، ~~ولكنه يموه على صاحبه، ويفهم كلاهما حق الفهم أن أن الآخر يدرك حقيقة موقفه منه، ولكنهما ~~على الرغم من ذلك يتغابيان ويضللان! # هذا هو موقف الدولتين على مسرح السياسة في تلك الأيام، ولكم شهد المتفرجون يومئذ من ~~الأساليب الميكيافيلية وأوضاعها، ولكم شهدوا من أساليب غيرها لو قورنت هذه بها لكانت منها ~~كالحسنات، ثم يسدل الستار والمتفرجون من أهل مصر لا يملكون أن ينطقوا بكلمة استهجان لما ~~رأوا، بل لقد فرض الاحتلال عليهم أن ينظموا أناشيد المدح وإلا عد سكوتهم جحودا وعنادا. ~~وأي شيء أنكى وأوجع من أن يرغم شعب على تقبيل الأيدي التي استلبته حقوقه والأغلال التي ~~دارت حول عنقه؟ # ويظهر أول شاهد على السياسة الإنجليزية في تقرير كتبه كلفن بعد يوم عابدين بعشرة أيام جاء ~~فيه: «أرى أن ليست الحال الحاضرة بطبيعتها إلا هدنة، وإن ما وصلنا إليه من التسوية ليعطينا ~~مهلة نستجم فيها ونلم فيها بالقوى التي تعمل حولنا ونسعى في الاستفادة منها أو القضاء عليها.» # 1 # وليس في هذه العبارة أول شاهد على السياسة الإنجليزية فحسب، بل إن فيها خلاصة هذه ~~السياسة، فستتربص إنجلترا بالحركة حتى يحين الوقت وحتى تستطيع أن تعمل بمفردها دون فرنسا ~~... # وكان شريف يقظا ms103 يفطن إلى دقة الموقف، ويدرك مرامي السياسة الإنجليزية وأساليبها، ولذلك ~~كان لا يفتأ يحض أنصار الحركة الوطنية على اتباع الحكمة ومجانبة الشطط؛ حتى لا يكون ~~من أعمالهم وأقوالهم ما تسيء أوربا تأويله فتسوء بذلك العاقبة ... # وأخذ فريق من رجال الحركة الوطنية يعاونون شريفا على تثبيت قواعد سياسته، وكان من أثر ~~ذلك أن تنازل عرابي عن رأيه في الموقفين السالف ذكرهما، وكان من أثر ذلك أن خففت الصحف من ~~لهجتها وكفكفت من غلوائها، ولقد كان للشيخ محمد عبده فضل كبير في توجيه العناصر الوطنية نحو ~~هذا المسلك، فآثرت مصر أن تركن إلى الحكمة وإن نفوس بنيها لتضطرم بالثورة ... # ولكن الأفق ما لبث أن تجمعت في حواشيه الغيوم، وأحست السفينة بوادر عاصفة قوية ما عتمت ~~أن هبت شديدة عاتية نفد لها صبر الربان أو كاد، وتلك هي أزمة الميزانية الشهيرة، وهل كانت ~~الثعالب تعجز عن خلق ما تشتهي من أزمات؟ # فرغ شريف من إعداد لائحة المجلس ثم عرضها على النواب، وشد ما كانت دهشتهم أن رأوا ~~شريفا يقرر فيها ألا يكون من اختصاص المجلس عند النظر في الميزانية البحث في جزية الباب ~~العالي والدين العام وكل ما فرضه قانون التصفية على الخزانة من نفقات ... # وهال النواب وأغضبهم أن يكون ذلك باتفاق شريف مع المراقبين، فرفضوا ذلك وأصروا على أن ~~ينظروا الميزانية كاملة، وعدوا ذلك من الحقوق التي لا تقبل مساومة مهما يكن الأمر ... # وأخذ شريف المسألة من الناحية العملية، فلم يشايع النواب في نظرياتهم، وأخذ يطلب إليهم ~~الأناة والحذر، ويريهم عواقب التطرف والتعجل، ولكنهم لم يلتفتوا إليه، وظهرت في الوزارة ~~نفسها بوادر التفكك، فلقد كان البارودي يطمع في الحكم بعد شريف، فكان لذلك يؤيد الوطنيين في ~~موقفهم سرا. # وكان سلطان باشا رئيس المجلس ينقم على شريف أن لم يسلكه في سلك وزارته؛ فوجد في الخلاف ~~القائم فرصة ينال بها من شريف، فسرعان ما اتهم شريف بالاعتدال، ثم حمل اعتداله على الجبن ~~والضعف. ثم بلغ الأمر حد اتهامه بالخيانة ... # ووقف شريف يواجه العاصفة ms104 في صبر وجلد، وهو يؤمل أن يجنح النواب إلى السلام ~~والاعتدال، واقترح عليهم تأجيل النظر في هذه المسألة حينا، ونشط الشيخ محمد عبده في معاونة ~~شريف، وكان مما ذكره في هذا الصدد قوله: «لقد ظللنا ننتظر حريتنا مئات السنين أفيصعب علينا ~~أن ننتظرها بضعة شهور أخرى؟» # ثم بدا على الأفق بعد حين ما يبشر بقرب انكشاف الغمة، فلقد أخذ النواب يتدبرون في عاقبة ~~هذا التشدد، وبدأ العقل يتغلب شيئا فشيئا على العاطفة. # وخيل لشريف أن الأزمة بسبيل أن تحل، ولو أنه اطلع على الغيب لعلم أنها كانت تتضاعف ~~ويشتد خطرها لتتخذ في النهاية الوضع الذي سوف يغير تاريخ هذه البلاد! # لمح الصائدون في هذه العاصفة الفرصة المرتقبة! ... وهيهات أن يضيع هؤلاء فرصة طال بهم ~~انتظارها، إن الخلاف قائم بين الوزارة والمجلس فليعملوا على زيادة هذا الخلاف، وليدفعوا ~~بالخديو ليخطو أول خطوة بعد يوم عابدين ضد الحركة الوطنية فيخسر بذلك الوطنيين والعسكريين ~~جميعا، ويفقدوا هم الثقة فيه كل الفقد فيقرب بذلك من الأجانب أو على الأصح يزداد قربا ~~منهم. # ولن يعدم الإنجليز وحلفاؤهم أن يخلقوا ألف مبرر لما يفعلون، ومن أيسر الأمور عليهم أن ~~يعلنوا أن البلاد تشيع فيها الفوضى، وأن الأجانب ومصالحهم تكتنفهم الأخطار من كل صوب، وأن ~~الخديو بات يخشى على عرشه ولا مخرج له مما هو فيه، بل ولا مخرج لمصر مما هي فيه من خلل ~~وارتباك إلا أن يضرب على أيدي الثائرين المفسدين في الأرض ... # ومن غريب أمر هؤلاء الإنجليز أنهم بينهم وبين أنفسهم غيرهم بينهم وبين الشعوب الشرقية، ~~فهم لا يقبلون من هذه الشعوب ما يعدونه عندهم من مفاخر الإنسانية، وإنهم ليرمون أهل هذه ~~الشعوب بأشنع التهم وأقساها، فالتألم من المظالم التي تنصب على رؤوسهم تمرد، والسعي ~~إلى الحرية فوضى وهمجية، والدفاع عن البلاد وذب الدخيل عنها وحشية وإجرام! ... على أن هذه ~~سنة الحياة بين القوي والضعيف منذ كان الإنسان يتخذ سلاحه من الحجر وينحت مأواه في الجبل ~~... # ولقد كانت الدولتان تعملان على الكيد للحركة الوطنية ms105 في مصر قبل انعقاد المجلس، وكانت ~~بينهما مراسلات في هذا الصدد، وكانت فرنسا هي المحرضة هذه المرة! فرنسا التي كانت سياستها ~~منذ فشل الحملة الفرنسية تدور على مناوأة النفوذ الإنجليزي في مصر! ... # ولي المسيو ليون جمبتا أمر وزارة الخارجية في فرنسا في شهر ديسمبر سنة 1881، فسرعان ما ~~اتصل بوزير خارجية إنجلترا اللورد جرانفل محدثا إياه في شأن مصر، مبينا له وجوب تضامن ~~الدولتين في العمل إزاء ما يجري هناك من أمور. # وحار جرانفل أول الأمر ماذا يجيب به على هذه الدعوة؟ فهو إن قبلها أصبح مقيدا بالعمل مع ~~فرنسا، وإن هو رفضها قطع على دولته الطريق وجعل لفرنسا المكان الأول في شؤون مصر ... # وتلقى جرانفل من مصر أنباء فاجرة مالت به إلى الطريق التي اختارها ... # كانت مشكلة ميزانية الجيش لا تزال قائمة بين عرابي والمراقبين، فأرجف المرجفون أن ~~عرابيا يعتزم أن يأتي بثورة جديدة لإسقاط وزارة شريف وتنصيب البارودي مكانه ... # وكتب السير إدوارد مالت وهو رجل مسؤول، إلى اللورد جرانفل يشكو من تدخل عرابي، ويتساءل في ~~لهجة ساخطة برمة: كيف يستطيع شريف أن يقوم على رأس الحكومة مع وجود عرابي صاحب النفوذ ~~الفعلي في البلاد؟ وهكذا يسمح هذا الرجل لنفسه أن يكذب فيرمي عرابيا بما هو بريء منه؛ إذ ~~يصوره في صورة المتعسف الذي تدفعه المآرب الشخصية، ولا يستحي بعد ذلك أن يكتب إلى رئيسه ~~ينبئه بخضوع عرابي لرأي المراقبين! ... ولكن جرانفل كان قد خطا نحو فرنسا خطوة لا يمكنه ~~النكوص بعدها ... # وكتب كلفن كذلك إلى جرانفل يقول: «والحقيقة أن الإدارة المصرية شركة ثلاثية، فإذا لم تكن ~~الدول على استعداد لتعديل نصيبها، فعليها أن تحافظ عليه وتقويه في هذا الوقت الذي أصبح فيه ~~المصريون في حال تطور وانتقال.» # 2 # هذا عدا ما ذكره في تقريره عما يتوقعه من خطر إذا زيدت سلطة المجلس وثبتت قواعد ~~الدستور المصري ... # وكان مستر بلنت قد أرسل برنامج الحركة إلى جريدة التيمس، وفيه أقوى حجة على براءة هذه ~~الحركة من عناصر الثورة أو المساس بحقوق ms106 الأجانب المالية، وكان يأمل بلنت وأصدقاؤه من ~~الوطنيين أن يكون لنشر هذا البرنامج أثره الحسن في نفس جرانفل، ولكنه نشر في أول يناير سنة ~~1882 بعد أن قضي الأمر، فلقد وافقت إنجلترا على وجهة نظر فرنسا في يوم 31 ديسمبر، أي عقب ~~اجتماع المجلس بخمسة أيام ... # وخطا شريف باشا في تلك الأثناء خطوة حكيمة فأعلن بيانا # 3 # يشير فيه إلى منهاج حكومته، فذكر أنها تقوم على أساس الاعتراف بحقوق السلطان ~~والامتيازات التي حصلت عليها مصر، والاعتراف بالخديو حاكما دستوريا، والتسليم بقاعدة ~~المراقبة الثنائية، ثم إنكار كل اتجاه ثوري، ومنح الحرية الدينية والسياسية لجميع سكان ~~البلاد، والسير على قاعدة الحكومة المسؤولة أمام مجلس نيابي ... # ولم يكن في الإمكان يومئذ السير على منهاج أفضل من هذا المنهاج الحكيم، الذي كان خليقا ~~أن يبعث الطمأنينة في نفوس الساسة من الدولتين، وكذلك لم يكن هناك برهان على حسن نيات ~~الوطنيين أقوى مما نشرته التيمس لمستر بلنت وهو شاهد عدل من الإنجليز للمصريين ... # ولكن المسألة لم تكن مسألة اقتناع، وإنما كانت نية مبيتة، وهيهات أن تجري الأمور في ~~السياسة على الإقناع والاقتناع، فدوافع الأقوياء إلى العمل في ذلك المضمار أطماعهم، ~~وبرهانهم أسلحتهم، وما يكون الكلام إلا تعلة الضعيف، وما أشبه كلام الضعفاء في مثل هذه ~~المواقف بصراخ الفريسة قبل تمزيقها ... # ويذكر بلنت سببا لانحياز إنجلترا إلى فرنسا فيقول: إن إنجلترا كانت تسعى إلى عقد معاهدة ~~تجارية مع فرنسا فيها فائدة كبيرة للتجارة الإنجليزية، ومن أجل ذلك هاودت إنجلترا فرنسا، ~~وطاوعتها فيما تقترح في شؤون مصر، فباعت إنجلترا بذلك مصر إلى فرنسا ... # وما نظن أن إنجلترا كانت من الغفلة بحيث تتنازل عن أغراضها في مصر من أجل مثل هاتيك ~~المعاهدة التجارية، وإنما الذي نفهمه أن إنجلترا كانت تراوغ فرنسا لتفوز بهذه المعاهدة ثم ~~تقف من فرنسا بعد ذلك فيما يتعلق بمصر موقف الاتفاق في الظاهر، بينما تعمل في الباطن وفق ما ~~تمليه عليها أطماعها، ومما يؤيد ما نقول التحفظ الذي أبدته إنجلترا وأقرته فرنسا ومؤداه ~~«أن ms107 الحكومة الإنجليزية يجب ألا تعد مقيدة بسبب هذه المذكرة بسلوك خطة خاصة إذا ما بدا لها ~~أن العمل ضروري». ولسوف نرى من سياسة إنجلترا في مصر ما يؤيد ما نقول. # تم الاتفاق بين الدولتين، وكان المجلس في مصر كما تقدم يخالف الوزارة في مسألة ~~الميزانية، وكان بعض الوطنيين يعملون على الخروج من المأزق بالحسنى، ولاحت في أفق السياسة ~~بوادر انكشاف الغمة ... # وما أشد ما نحسه من ألم ومن غيظ أن نذكر أن البلاد ما لبثت أن تلقت من الدولتين في ~~اليوم الثامن من شهر يناير سنة 1882 تلك الصيحة المشؤومة التي سميت بالمذكرة المشتركة، ~~والتي قل أن نجد في التاريخ السياسي ولا فيما يحكى للأطفال من خرافات مثالا أوضح منها ~~لتحكم القوي في الضعيف واستهتاره به في غير حياء أو تحرج ... وحسبك أن تقرأ هذا الكلام ~~الذي بعثت به إنجلترا وفرنسا زعيمتا الحرية والديموقراطية! جاء في المذكرة # 4 ~~«إن الحكومتين الإنجليزية والفرنسية تريان أن بقاء سمو الخديو على العرش ~~بالشروط التي قررتها الفرمانات السلطانية واعترفت بها الحكومتان رسميا هو الضمانة الوحيدة ~~في الحاضر والمستقبل لاستتباب النظام في مصر واطراد رخائها، وهما الأمران اللذان تهتم ~~بهما فرنسا وبريطانيا العظمى، وإن الحكومتين اللتين اتفقتا اتفاقا تاما في عزمهما على أن ~~تمنعا كل أسباب الارتباك الداخلية والخارجية التي يمكن أن تهدد النظام القائم بمصر، لا ~~يداخلهما ريب في أن جهرهما بما عزمتا عليه رسميا في هذا الأمر سيحول دون الأخطار التي ~~تتعرض لها حكومة الخديو والتي لابد أن تقاومها فرنسا وإنجلترا معا، وإن الحكومتين لتثقان ~~بأن سموه سيستمد من هذا التأكيد ما يحتاج إليه من الثقة والقوة لتدبير شؤون بلده ~~وشعبه.» # وأي كلام يمكن أن يعبر عما تنطوي عليه هذه المذكرة من لؤم وفجور؟ ما معنى الإشارة إلى ~~بقاء سمو الخديو على العرش؟ وما شأن الدولتين حتى تهتما بهذا الأمر؟ وبأي حق تضطلعان بمنع ~~أسباب الارتباكات الداخلية والخارجية؟ وعلى أي أساس يقوم ادعاؤهما وجود هذه الارتباكات؟ ~~وكيف يجوز أن يعتمد الخديو عليهما، ويستمد ms108 الثقة منهما مع وجود السلطان؟ # هذه هي المذكرة المشتركة التي أشار إليها بلنت بقوله: «هذه المذكرة المشؤومة التي إليها ~~يرد كل ما وقع من المصاعب أثناء ذلك العام، والتي أفقدت مصر حريتها كما أفقدت جلادستون ~~شرفه، وكما أفقدت فرنسا نفوذها في وادي النيل.» # ولا تسل عما أحدثته هذه المذكرة الحمقاء من سوء الأثر في مصر، لقد بلغ من إثارتها الشعور ~~وإحراجها الصدور أن نقم عليها مالت وكلفن وتمنيا لو لم تكن! وقد كانا يريدان ألا تكون بمثل ~~هذه الصراحة الطائشة. # وكانت النتيجة الطبيعية أن انضم المعتدلون من رجال الحركة الوطنية إلى العسكريين، وهو على ~~خلاف ما كانت تنتظره الدولتان في غباء مضحك أو في غفلة لا ندري كيف وقعا فيها، إلا أن تكونا ~~أرادتا إيقاظ الفتنة، وهو خير ما يفسر هذا الذي نحار فيه. # رأى عنصرا الأمة، الرجعية المسلحة ... بل رأوا الغدر الأثيم يتهدد قضيتهم، وانبعثت الصيحات ~~من كل مكان أن إنجلترا ألقت بنفسها في أحضان فرنسا، وأن فرنسا تريد أن تصنع بمصر ما صنعته ~~بتونس، ولذلك يجب الاتجاه إلى السلطان والمناداة بمبدأ الجامعة الإسلامية لمقاومة هذه ~~الحركة الأثيمة ... # وعظم سخط المصريين جميعا حين علموا أن الخديو قد قبل هذه المذكرة، ولم يكتف بهذا القبول ~~المشين، فكتب إلى القنصلين يشكر حكومتيهما على ما تبديان من عطف نحوه، وفي هذا دليل صريح ~~على أن الخديو آثر الانحياز إلى جانب الدولتين، ونسي موضعه من السلطان، ولم يعبأ بما يجد في ~~مصر من الغضب على مسلكه ... # وضاع كل أمل في تهدئة الخواطر، فأصر مجلس شورى النواب على موقفه في وجوب نظر الميزانية، ~~ورأى شريف في المجلس إجماعا ضده وحماسة ما رأى مثلها من قبل، ولقد رغب جرانفل في ملاينة ~~الأعضاء في هذه المسألة كأنما يريد أن يعالج بعض خطئه، ولكن جمبتا رفض ذلك بحجة أنه يسقط ~~هيبة الحكومتين أمام الوطنيين! وما أعجب أمر هذا الرجل الذي يرى أن الهيبة تكتسب ~~بالحماقة! # على أن جرانفل ما لبث أن شايع جمبتا في حماقته؛ فلقد كتب ms109 إليه مالت يقول # 5 ~~«إن المجلس باق وسيظل باقيا ما لم يحل بالقوة، وهذا أمر لا يكون إلا ~~بالتدخل الذي هو آخر سهم في كناتنا، والذي لا يسوغه أبدا ما قد يكون من خرق قانون ~~التصفية ... إني أعترف أني أفضل أن يعطى المجلس ما يطلبه من الحق وألا نتدخل حتى يسيء ~~استعمال هذا الحق ... ويجب ألا ننسى أن الأمة المصرية قد أخذت تسلك طريق الحكم النيابي خيرا ~~كان ذلك أو شرا، وأن قانون المجلس الأساسي هو صك حريتها ...» # هذا ما ذكره مالت نفسه، ولكن جرانفل لم يعبأ به، وأرسل إلى جمبتا ينبئه بموافقة الحكومة ~~الإنجليزية على آرائه، ونسي جرانفل أو تناسى أنه كتب إلى مالت قبل ذلك بنحو شهرين يقول له ~~مشيرا إلى حرية المصريين الوليدة: «إن الحكومة الإنجليزية إذا ما رغبت في نقص تلك الحرية ~~أو العبث بتلك النظم التي يرجع وجودها إليها فإنها تتبع سنة تخالف تقاليد تاريخها الوطني ... ~~ليس من شيء يحملنا على سلوك خطة أخرى غير قيام حالة فوضوية في مصر.» # فليت شعري ما الذي حدث في مصر حتى تخالف إنجلترا على هذه الصورة أجمل تقاليد تاريخها ~~الوطني؟ إلا أنها السياسة التي لا تتورع عن شيء ولا تستحي من شيء، وليتدبر في هذا الموقف ~~من لا يزالون في هذا الشرق يتحدثون عن الضمير البريطاني والشرف البريطاني ... # حاول شريف أن يحصل على مذكرة تفسيرية يستعين بها على تسكين الخواطر، فرفض جمبتا حتى هذه ~~المذكرة، وعاد جرانفل فشايعه في هذا مشايعة عمياء على الرغم من نصح الناصحين من الإنجليز ~~والوطنيين ... # ولست أدري كيف كانت ضمائر هؤلاء الساسة تطاوعهم مع هذا على أن ينعتوا رجال مصر بالفوضى، ~~وأن يصوروهم أطفالا في السياسة لا يدرون ما يأخذون وما يدعون؟ ولكن ما لي أعود إلى حديث ~~الضمائر والأمر أمر السياسة وجشع السياسة؟ # وضاقت بشريف السبل فلم يدر ماذا يفعل، ووقفت السفينة لا تستطيع حراكا، والريح من حولها ~~عاصفة وليس في الجو بارقة أمل، والنواب لا يفتر إصرارهم ولا تنقطع زمجرتهم ... # وعاد ms110 مالت يحذر جرانفل فقال في صراحة: «إن التدخل المسلح سيصبح أمرا محتوما إذا ~~تشبثنا بمنع المجلس من التصويت على الميزانية، ومع ذلك فجميع الحكومات تهتم بمنع ما يوجب ~~هذا التدخل الذي إذا أقدمت عليه الدولتان وحدهما أدى إلى سوء المنقلب في هذا البلد .» # ولينظر في كلام مالت أولئك الذين يعودون باللوم على عرابي إذا ذكر الاحتلال والتدخل ~~المسلح في شؤون مصر، ومتى يعلم هؤلاء أنه لو لم يوجد عرابي لعمل الإنجليز على خلقه؟ # على الرغم من تحذير مالت أبلغت الحكومة المصرية رسميا في اليوم العشرين من شهر يناير ~~سنة 1882، أن المجلس لن ينظر في الميزانية إلا إذا أخل بالأوامر العالية التي أنشئت ~~بمقتضاها المراقبة الثنائية ... # وكان المجلس قد جنح إلى الاعتدال على الرغم من أنه يرى تدخل الدولتين عملا لا موجب له، ~~فتساهل تساهلا لا يدع مجالا لاتهامه بالشطط أو التورط، فقبل أن يقتصر نظره في ~~الميزانية على القدر الباقي منها بعد الجزية وقانون تصفية الديون والالتزامات الدولية ~~... # ولكن الدولتين أبتا عليه حتى هذا، وأكدتا لشريف أنهما لن يقبلاه بحال، وهذا في الحق هو ~~الشطط، بل هذه هي الفتنة، والمسألة لا تحتاج إلى بيان، فما كانت مسألة الميزانية إلا ذريعة ~~للتدخل الفاجر ردا على نجاح الثورة القومية بعد يوم عابدين، فقد كان هذا النجاح مؤذنا ~~كما يبدو لأول وهلة بانقضاء عهد سيطرة الأجانب على البلاد ... ولئن تظاهر مالت وأمثاله من ~~الإنجليز بأنهم لا يريدون التدخل فذلك كلام يسبق كل رغبة في التدخل تأتي من جانب المستعمرين ~~... والذي يفطن إليه المرء في غير طول نظر أن مالت كان ينصح بعدم التدخل لأنه كان يريد أن ~~يبعد فرنسا فلا يحب أن يكون التدخل مشتركا، وإنما يحب كل الحب أن تكون الفريسة من نصيب ~~إنجلترا وحدها. # قال بلنت يصف لقاءه كلفن وقت اشتداد الأزمة بين شريف والنواب: «كان الخصام بين النواب ~~وشريف في أشد حالاته، فسأله عن رأيه في الموقف فقال: إنه يراه خطيرا جدا. وكان من الأمور ~~الواضحة أن زعماء الحركة القومية ms111 قد صمموا على إسقاط شريف، فإذا نجحوا في ذلك فإنه كما ~~قال يقطع صلته بهم، ثم أخبرني بأنه غير آراءه تغييرا تاما فيما يتصل بهؤلاء؛ فإنه ظنهم ~~يجنحون إلى التعقل، ولكنه يرى ألا سبيل إلى تعقلهم، ولذلك سيبذل قصارى جهده للقضاء عليهم ~~إذا وصلوا إلى الحكم، فسألته: كيف يتسنى له أن يقترح ذلك، وكيف يعترض حركة أقرها أخيرا، ~~وقد خرجت عن طوقه وطوق كل شخص غيره؟ كيف يتسنى ذلك إلا بنفس التدخل الذي كنا نحاول جميعا ~~أن نتجنبه؟ فقال: إنه غير رأيه حول التدخل كذلك، وإنه يراه الآن ضروريا، ويرى أنه لا ~~مناص منه، وسوف لا يألو جهدا في العمل عليه، فاعترضته مبينا أن التدخل معناه الحرب والحرب ~~معناها ضم مصر، فقال: إنه يدرك هذا المعنى كل الإدراك ... إن ما يحدث في مصر قد شوهد مثله ~~مرات في الهند، وإن إنجلترا لن تتخلى عما تم لها من النفوذ في مصر، ومن العبث الكلام في ~~حقوق المصريين وأخطائهم، فذلك ما لا يصح اعتباره، ثم كرر ما سلف أن قاله عن تحطيم الحركة ~~القومية والحزب الوطني مضيفا إلى ذلك أنه لم يعد يجعل آراءه هذه سرا من الأسرار.» # وذكر بلنت كذلك كتابين جاءاه من صديقين له في إنجلترا أحدهما من الأحرار، وهو جون مورلي، ~~والآخر من المحافظين، وهو ليتون. وكان قد كتب إليهما يسألهما عطفهما على الحركة القومية في ~~مصر، فأما أولهما فيقول: «إني أشك في أن مشروعاتك تصادف نجاحا في هذا الوقت، إن مصر لسوء ~~حظ أهلها ميدان للتنافس الأوربي، وستمنع تسوية شريفة فيما يهم مصالح أهلها لكي يتمشى ذلك ~~مع ما يلائم فرنسا، وليست لي حيلة في ذلك، فإنها تلك النقمة التي نزلت بالدنيا ألا وهي: ~~السياسة العليا التي ستفسد كل شيء.» # وأما ثانيهما فيقول: «إن هذه الفئة القليلة من الشعب الإنجليزي التي تفكر في الأمور ~~الخارجية، قد امتلأت أذهانها من قبل واضطربت أفكارها بسبب ذلك الوضع الخاطئ الذي ننساق إليه ~~في مصر، ويكادون يخافون أكبر الخوف من الجهر بآرائهم ms112 عن الموضوع، ويظهر لي أن آراءهم واهية، ~~وفي رأيي أن هذه أولى ثمار تلك السياسة الخاطئة من أساسها التي أدت بنا إلى أن نفقد ~~التعاون مع ألمانيا والنمسا، ووضعتنا في الواقع تحت رحمة فرنسا، تلك الدولة التي لا يمكننا ~~أن نعقد معها تحالفا على أساس متين يدعو إلى الاطمئنان.» # وما نظننا بحاجة بعد هذا الذي يذكره بلنت إلى الرد على الذين يرون أن تمسك النواب بنظر ~~الميزانية هو سبب ما منيت به البلاد من التدخل الأجنبي ... # ولما وجد النواب شريفا يميل إلى موافقة الدولتين، سار وفد منهم إلى الخديو فطلبوا عزله، ~~وتعيين رئيس للوزارة يستطيع أن يسير مع نواب البلاد في سياستهم. # وسقطت وزارة شريف في اليوم الثاني من فبراير سنة 1882. ويرى بلنت أن من عوامل سقوطها كذلك ~~تهديد كلفن بالتدخل العاجل، وحلت محلها وزارة البارودي بعد ثلاثة أيام، وهي الوزارة التي ~~سوف تعرف باسم وزارة الثورة ... # | غضبة جديدة # ذكرنا أنه كان من نتائج تلك المذكرة المشؤومة اتحاد الوطنيين والعسكريين، ونذكر الآن أن ~~عرابيا ما لبث أن اتجهت إليه أنظار الجميع على نحو ما حدث قبل يوم عابدين، ورأى الوطنيون ~~أنه الرجل الذي يجب أن يحرصوا على معونته لا لأن الجيش من ورائه، بل لأن الأمة المصرية لا ~~تذكر غيره ولا تتجه عند الخوف إلى سواه ... # وتأهب عرابي ليخطو في تاريخ هذا البلد خطوة جديدة، وقد تآمرت الثعالب وبنات آوى على ~~اقتناصه هذا التآمر الوضيع ... # ولقد أحس مالت بما كان للمذكرة من أثر في عودة عرابي إلى طليعة الصفوف؛ فأوفد إليه في ~~مكتبه بوزارة الحربية صديقه بلنت، وكان يطمع في أن يكسب عرابيا إلى جانبه أو على الأقل ~~كان يتمنى أن يهدئ خاطره لتفطنه إلى ما يكون لصنيعه هذا من عظيم الأثر في ذلك الموقف العصيب ~~الذي سببته رعونة جمبتا وصاحبه ... # يقول بلنت: «ذهبت بناء على ذلك إلى قصر النيل ظهر يوم 9، وكان نص المذكرة قد وصل يوم 8، ~~ووجدت عرابيا وحده في مكتبه، وكان غاضبا، وهذه هي المرة الأولى والمرة ms113 الوحيدة التي ~~رأيته فيها كذلك ... وكان وجهه كالسحابة الراعدة، وتألقت عيناه ببريق خاص، وكان قد اطلع ~~على نص المذكرة وإن لم تكن قد نشرت بعد، فإنها حتى ذلك الوقت كانت أرسلت بالبرق فحسب، ~~وسألته كيف فهمها؟ فأجابني قائلا: بل أخبرني كيف فهمتها أنت ؟» وعندئذ أفضيت إليه برسالتي ~~فقال: «لابد أن السير إدوارد مالت يظن أننا أطفال لا ندرك معنى الكلمات ... إنها قبل كل شيء ~~لغة تهديد فليس في هذه الإدارة كاتب يستعمل هذه العبارات لمثل هذا المعنى.» وألمح إلى تلك ~~الإشارة للأعيان التي جاءت في الفقرة الأولى من المذكرة قائلا: إن هذا تهديد لحريتنا، ~~ومضى يقول: إن إعلان اتحاد إنجلترا وفرنسا في السياسة معناه أن إنجلترا سوف تغزو مصر كما ~~غزت فرنسا تونس ... ألا فلتدعهم يحضرون، إن كل رجل وكل طفل في مصر سوف يحاربهم ... إنه مما ~~يتنافى مع مبادئنا أن نبدأ بالعدوان فنضرب الضربة الأولى، ولكننا نعرف كيف نردها ... ثم قال ~~عما جاء بصدد الدفاع عن العرش: «إن العرش إذا كان ثمة من عرش هو عرش السلطان، وليس الخديو ~~بحاجة إلى حماية أجنبية ... إنك تستطيع أن تخبرني بما تشاء، ولكني أفهم معنى الكلمات خيرا ~~مما يفهم السير إدوارد مالت ... # وفي الحق أن كلام مالت كان هراء، وقد أحسست أني أحمق بين يدي عرابي، وشعرت بالخجل أن سمحت ~~لنفسي أن أكون حامل هذا اللغو إليه، ولكني أكدت له أني أديت الرسالة كما حملنيها إليه ~~السير إدوارد، وقلت له: إنه يطلب إليك أن تصدقها، وأنا أطلب إليك أن تصدقه. # وعند انصرافي عاد إليه شيء من الهدوء، وأمسك بذراعي وهو يشيعني إلى أسفل البناء، وقد ~~دعاني إلى أن أظل على مودته فأزوره في منزله كما كنت أفعل، فقلت: إني سوف أحضر حين ~~تكون لدي أنباء طيبة لك فحسب، وكنت أقصد بذلك القول أن ألمح له إلى ما كنا نرجوه من تفسير ~~للمذكرة، أبرق مالت يستأذن في أن يتقدم به ... # ولما عدت إلى مالت وسألني عما صنعت قلت له: إنه لا يرجى الصلح ms114 الآن؛ فإن المذكرة قد ألقت ~~بهم بين ذراعي السلطان.» # هذا كلام بلنت ومنه نتبين مبلغ غضب عرابي من هذه المذكرة، كما أننا نفهم جانبا مما كان ~~يجيش في نفس هذا الزعيم الثائر، فهو لن يجبن، ولكنه لن يبدأ بالعدوان، وهو يلمح نيات ~~إنجلترا في هذه المذكرة، وما كان عرابي مسرفا في تصوير نيات الإنجليز، فلسوف نرى أن جرانفل ~~كان في ذلك الوقت قد وطد العزم على التدخل بالقوة ... # عاد عرابي إلى الميدان، وفي الناس من تبلغ بهم الغفلة إلى حد أن يأخذوا عليه هذه العودة، ~~وفيهم من يذهبون في اتباع أهوائهم إلى أن يجعلوا ذلك من أكبر خطيئاته، قائلين في مثل منطق ~~البلهاء، إن كان ثمة للبلهاء منطق: إنه بعودته هذه قد ساق البلاد إلى ما سيقت إليه من دمار، ~~كأن على كل رجل إذا رأى كرامته تداس وشرفه يهان أن يقف مكتوف اليدين وإلا ساق نفسه إذا ~~غضب إلى الدمار. إلا أن الرجولة خلاف ذلك، فالرجل الذي يجد نفسه في موطن الإهانة لا سبيل له ~~يمسك بها رجولته إلا أن يدافع عن نفسه أنفة وحفاظا ولو أيقن أنه هالك. # ومن المؤلم المثير حقا أن يقول هؤلاء الناس هذا الكلام، دون أن ينظروا في موقف الخديو ~~وموقف الإنجليز على نحو ما بينا، وهم لا يدركون من المسألة كلها إلا أن عرابيا كان ~~رجلا ذا أطماع شخصية لا يدري ماذا يفعل، وكلما هدأت البلاد لا يفتأ يعمل بنزقه على إثارتها ~~ليصل إلى تحقيق أطماعه. إلى آخر هذه النغمة الباردة المرذولة التي ألقى بها الاحتلال في ~~أذهان الأطفال ... # وأحسب الآن بعد الذي رأينا من موقف أعداء البلاد أن هذا الكلام قد أصبح خليقا بأن يخجل ~~منه قائلوه، وإنا لنكاد نقطع منذ الآن أنهم بعد أن نفرغ من سيرة هذا الزعيم المفترى عليه ~~على نحو ما نبين من أوجه الحق لن يعودوا إلى مثل هذا الكلام، فسبيلنا - كما يرون - في ~~إقناعهم الحجة نستخلصها من الحوادث في عدالة يفرضها الحق، وفي عطف يوجبه الإنصاف ms115 ... ~~••• # تعهد عرابي ألا يتدخل في شؤون الحكومة، فكان إذعانه لهذا أمرا لابد منه. ولو أنه رفضه ~~لكان في ذلك مخطئا أشد الخطأ، ولكن عرابيا لم يتعهد أن يدع وطنه وشأنه، لا تهزه بعد ~~يوم عابدين نحوه عاطفة أو يحركه لنجدته ما عسى أن يلم بقضيته من الأحداث، ولم يكن ~~ليستطيع عرابي أن يتعهد بمثل هذا، ولن يستطيع ذلك غير عرابي من الناس، ولو أنه فعل ذلك ~~لأجرم في حق هذا الوطن جريمة ما كان ليغفرها له التاريخ ... # وكيف يفعل ذلك عرابي أو أي رجل غيره ولا يكون بذلك مجرما مفرطا في حق وطنه؟ وأي فرق بين ~~مثل هذا التعهد وبين المروق والخيانة والجمود في أوضح صورها وأقبحها؟ ... # إلا إنه للحق كل الحق أن يطلب إلى بني الوطن ألا يتدخلوا في أعمال الحكومة، ولكن على ~~شرط ألا يكون من تلك الأعمال نفسها ما يحفز الناس إلى التدخل أو يوجبه عليهم ... أما أن تفرط ~~الحكومة في حق الوطن، وأما أن توضع العقبات في سبيل قضيته، ثم يطلب إلى الناس بعد ذلك أن ~~يدعوا الحكومة وشأنها، فهذا هو الباطل في أرذل صوره وأشدها فجورا، ومن أطاع ذلك من الناس ~~فقد ضل في حق بلاده ضلالا بعيدا ... # لن يكون لقيام الحكومات من مبرر إلا العمل لخير المحكومين وصلاح أمرهم، على هذا الأساس ~~ولدت الديمقراطية، وبهذا المبدأ اقترنت الحرية، ولكم نادى بذلك القادة ودعاة الإنسانية في ~~الغرب منذ هدموا صروح الظلم وحطموا أغلال الماضي، وفصموا سلاسل الرجعية والعبودية ... ~~••• # وما لنا نستشهد بالغرب وهذه الحكومة الإسلامية الأولى التي ولدت في الصحراء قد جعلت تلك ~~المبادئ أساس قيامها، وما أروع وأجمل أن يقول الخليفة الأول للناس: «أيها الناس إني وليت ~~عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن صدفت فقوموني.» وأن يقول لهم الخليفة الثاني: «من ~~رأى منكم في اعوجاجا فليقومه.» فيرد عليه أعرابي من أوزاع الناس بقوله: «لو رأينا فيك ~~اعوجاجا لقومناه بسيوفنا.» وأبلغ وأروع من قول أبي بكر وعمر قول الرسول الكريم: «إن ~~الناس إذا رأوا ms116 الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده.» # قبل عرابي أن يدع الحكومة وشأنها على أن تجري الأمور وفق ما أقرته الثورة من مبادئ، فكيف ~~لعمر الحق كان يستطيع أن يحمل على السكوت نفسه وقد رأى من الدسائس الأثيمة التي كانت تحاك ~~حول تلك الحرية الوليدة ما أغضب أكثر الناس اعتدالا وأقلهم علاقة بالسياسة وشؤونها؟ ~~... # إذن فالفرق كبير بين أن يتدخل عرابي في شؤون الحكومة وبين أن يغضب لما حل بقضية وطنه، وفي ~~هذا الغضب دليل وطنيته ووطنية كل غاضب معه ... # لقد كان من أصعب الأمور على هذا الرجل أن يدع هذه القضية وشأنها، بل لقد كان ذلك عليه ~~مستحيلا. وإني لأرجو من الذين خاصموا هذا الرجل في غير حق والذين خاصموه مضللين أن ~~يستمعوا إلى هذا الرأي الذي أسوقه عنه؛ ألا وهو أن الحرية كانت من طبعه، فطر عليها ولم ~~يتكلفها يوما أو توجهه إليها الحوادث وهو يجهل كنهها، كما يقول الذين يريدون ألا يدعوا ~~له محمدة إلا جعلوها بالباطل مذمة ... ~~••• # كانت الحرية من طبع ذلك الجاويش الذي نقم على الشراكسة في الجيش استبدادهم، فأكثر من ~~الشغب عليهم، وكانت الحرية هي التي دفعت هذا الرجل إلى أن يقف موقفه المشهود في ساحة عابدين ~~عصر اليوم التاسع من شهر سبتمبر سنة 1881، ولسوف تكون الحرية هي حافزه إلى ما يثب بعد ~~المذكرة المشؤومة من وثبات. # ولقد استوثق بلنت من ذلك كما أسلفنا حينما اتصلت أسباب المودة بينه وبين كيف ازداد ~~عرابي محبة له إذ علم بالصلة بين أسرته وأسرة اللورد بيرون. # وكيف يمجد هذا الفلاح اللورد بيرون نصير الحرية إلا أن يكون هذا تجاوبا بين نفس حرة ~~وأختها؟ ولقد كان بيرون يدافع عن اليونانيين لا عن المصريين، فلم يكن حب عرابي إياه إذن ~~مشوبا بعاطفة غير عاطفة حب الحرية أينما كانت وكيفما كانت جنسية الداعين إليها وكيفما كان ~~دينهم ... # ولنعد إلى خطبته التي ألقاها في محطة مصر، لقد أفصح فيها وهو يرتجلها عن كثير مما كانت ~~تنطوي ms117 عليه نفسه. والخطيب في مثل ذلك الموقف الحماسي ينسى نفسه فلا يملك التكلف والتصنع، بل ~~لقد يكشف الخطيب عما يريد أن يغطيه إذا نسي نفسه في رهبة الموقف وحماسته دون أن يملك لذلك ~~دفعا. قال عرابي: «البلاد محتاجة إلينا، وأمامنا عقبات يجب أن نقطعها بالحزم والثبات، وإلا ~~ضاعت مبادئنا ووقعنا في شرك الاستبداد بعد التخلص منه ...» وقال: «وقد فتحنا باب الحرية في ~~الشرق ليقتدي بنا من يطلبها من إخواننا الشرقيين على شرط أن يلزم الهدوء والسكينة.» ~~••• # وقد مر بنا رأي بلنت عن حبه للحرية، ونورد هنا رأي جون نيليه # 1 # وهو رجل سويسري حر عاشره وعرفه معرفة خبرة ووثوق كما عرفه بلنت، قال: «كان ~~أحمد عرابي رجلا مستقيما وخادما لوطنه، وشغوفا بالحرية ومؤمنا بالحق، وخطيبا فصيحا، ~~وكانت شهرته تبلغ شأو غاريبلدي.» # وإنا لنرى في هذه الأدلة على حبه للحرية من القوة ما لا تجدي معه مكابرة، وعلى ذلك ~~نتساءل: ألم يأن للناس أن ينصفوا هذا الرجل وقد قضى عليه أعداؤه، ثم قضوا بعد ذلك على ~~تاريخه الحق؟ # إننا بلد لا يعد غنيا الغنى المنشود في الرجال، وهذه حقيقة نثبتها والألم يرمض جوانحنا، ~~فكيف نرضى مع ذلك أن نشايع أعداءنا فلا نثبت في سجل رجالنا هذا الرجل الذي يحق لنا أن ~~نفخر به؟ # ألم يأن لأبناء هذا الوطن أن ينظروا وهم بصدد قضية استقلاله إلى هذا الرجل نظرتهم إلى ~~زعيم جاهد في الوطن حق جهاده، وأن يكفوا عن تلك النظرة الظالمة التي تصوره رئيس عصابة من ~~الأوزاع والهمج لا يسيرون على نهج ولا يبتغون من وراء سيرهم غاية؟ # ألم يأن لأبناء هذا الوطن أن يفطنوا إلى أن الاحتلال هو الذي صور عرابيا هذه الصورة ~~المنكرة ليبرر بذلك وجوده؟ وأنهم بمجاراتهم الاحتلال وصنائعه إلى يومنا هذا فيما ادعى إنما ~~يثبتون على أنفسهم الغفلة ويسيئون إلى رجل ما فكر يوما في الإساءة إلى وطنه؟ رجل إن كثرت ~~أخطاؤه فقد حسنت نياته، وإن فاته النجاح فقد عظم في سبيل النجاح بلاؤه، في حين قد ms118 قل ~~في المحنة نصراؤه، وتعدد غداة الروع أعداؤه ... ~~••• # لا جناح على عرابي أن يعود إلى ميدان النضال في سبيل المبادئ التي اعتنقها المصريون ~~ووطدوا العزم على تحقيقها، بل إن ذلك لا غيره ما كان ينتظر منه، وما كان ليقبل منه قعود، ~~ولو أنه وقف في جهاده عند وثبته الجريئة يوم عابدين لحق عليه ما نسبه إليه خصومه من النزق ~~والسير على غير هدى ... # ومن أعجب ما يسمعه المرء من أقوال هؤلاء الخصوم قولهم: لقد أجيبت مطالب الجند على نحو ما ~~كان عرابي نفسه يحب، فما عودته إلى التدخل فيما ليس من شأنه؟ وأي غفلة أشد من هذه الغفلة؟ ~~وإذا كان مثل هؤلاء يجهلون حقيقة الثورة العرابية هذا الجهل المعيب فكيف السبيل إلى ~~إقناعهم؟ # وها هم أولاء الوطنيون يسقطون شريفا، ويتمسكون بحق مجلس الشورى بالنظر في الميزانية. ~~وقد رأوا من أعداء البلاد غدرهم الأثيم، فهل نرمي هؤلاء بالفوضى والشطط؟ وإذا كنا نسمي ~~عملهم تحمسا وغيرة وطنية، فلم نستكثر ذلك على عرابي وقد غضب كما غضبوا وتحمس كما ~~تحمسوا؟ # سيعود عرابي إلى الجهاد فيقف في وجه الدولتين الطامعتين، وسيسير زعيم الثورة على رأس جيش ~~من أبناء هذا الوادي ليذود عنه في بسالة جريئة وحفاظ مر وفق ما توجبه الوطنية والرجولة، ~~وهذا لعمر الحق ما كان يطلب منه في مثل هاتيك الظروف، أما الفوز فأمر قد يخرج عن تصريفه، ~~وسبيله إليه محدود بحدود طبيعته ومقدرته، ولقد يتوفر للقائد من أسباب الفوز ما يكاد معه ~~يعتقد أنه قبل وقوعه حقيقة لا سبيل إلى الريبة فيها، ثم ينظر فإذا تلك الحقيقة خيال أو دون ~~الخيال، ولئن أخطأ قائد أبلى مثلما أبلى عرابي فلن تحمل أخطاؤه على معنى آخر كما حملت أخطاء ~~عرابي ظلما وعدوانا على معاني الخيانة والمطامع الشخصية ... # حسب عرابي أن يجاهد وأن يقاتل وأن يثبت للدنيا أن في مصر من يذود عنها وعن الحق بالسيف ... # | عرابي الوزير # اختير عرابي وزيرا للجهادية في وزارة البارودي، وجلس هذا الفلاح على الكرسي الذي كان ~~يجلس عليه ms119 بالأمس القريب رفقي الشركسي، وكان صيت عرابي في البلاد قد بلغ غايته، وكان بيته ~~كما أشرنا وكما ذكر بلنت مفزع المظلومين ومتجه المعجبين المؤمنين بحرية هذا الوطن ~~... # وكانت سياسة جمبتا قد صبغت بالصبغة الدينية عند المصريين، وقر في أذهان الناس أنه كان ~~مدفوعا في سياسته بكراهيته للمسلمين، وخوفه أن ينهضوا وتقوى بينهم أواصر الإخاء فيكونوا ~~بذلك حائلا بين فرنسا وبين أطماعها في الشرق، ويفسر بلنت نفسه مسلك جمبتا هذا التفسير، ~~ويقول: إن من نتائج المذكرة أن بات الناس يتجهون نحو السلطان كمنقذ لهم، وأصبحوا ينظرون إلى ~~عرابي أنه عضد السلطان في مصر والحصن الذي تحتمي فيه الآمال بعد أن يئسوا كل اليأس من توفيق ~~... # ويظهر أن عرابيا كان يميل من زمن إلى أن يجعل من خطته الاعتماد على السلطان، ولعل بلنت ~~فهم ذلك من أحاديثه معه، نجد إشارة إلى ذلك في قول بلنت عن أثر المذكرة المشتركة «وجد ~~المصريون أنفسهم لأول مرة مرتبطين كل الارتباط، فإن الشيخ محمد عبده ومن معه من المعتدلين ~~من أنصار الإصلاح الأزهريين ألقوا بأنفسهم في زمرة الحزب الذي سبقهم بخطوات، وشعر الناس ~~جميعا حتى الشراكسة شعور الاشمئزاز من التدخل الأجنبي، ومن ناحية أخرى فإن أشد الناس ~~نفورا من الأتراك من عنصر القوميين ومنهم صديقي الأزهري الشيخ الهجرسي، أصبحوا يرون أن ~~عرابيا كان على حق في اعتماده سرا على السلطان ... وبهذا كسب عرابي كسبا عظيما في ذهاب ~~الصيت والتوقير، ولم أسمع لعدة أيام بعد ذلك من أصدقائي المصريين إلا الكلام عن الجامعة ~~الإسلامية.» # وأنعم على عرابي برتبة الباشوية، وهو يقول إنه قبلها هذه المرة كارها، فلولا أن المنصب ~~كان يقتضي قبولها ما قبلها، وأما عن قبوله المنصب، فما نظن أنه كان يستطيع أن يبقى بمعزل عن ~~الوزارة، وقد صار له في سياسة البلاد هذا الشأن بعد حادث عابدين، وإنا لنعجب أشد العجب ~~للذين يعيرون رجلا لقبوله منصبا من المناصب، ويتخذون ذلك القبول دليلا على أنه يبتغي ~~الخير لنفسه فحسب، فهل كانت المناصب عند الناس جميعا وسيلة ms120 إلى إشباع المطامع وجلب ~~المنافع؟ وأي شيء يجعل هذا الأزمة حتمية للمنصب؟ وأي شيء يمنع من أن تكون المناصب عند بعض ~~الناس وسيلة لتحقيق غاية جليلة شريفة هي العمل للصالح العام؟ واي قرينة تمنع أن نسلك ~~عرابيا في سلك هؤلاء الداعين إلى الخير العام ، الذين يتخذون من المنصب أداة لخدمة ~~المجتمع؟ إن أبسط قواعد العدالة تضع المتهم على قدم المساواة مع البريء حتى تثبت إدانته، ~~فأية إدانة يلصقها بعرابي أولئك الذين عابوا عليه دخول الوزارة؟ # إنهم إذ يتهمونه بالسعي لصالحه هو لا يعدون بذلك حد التهمة، فله على أسوأ الفروض ~~موضع البريء من العدالة حتى تثبت إدانته، وما أيسر أن تكال التهم لأي فرد من الناس في غير ~~حساب، وما أصعب البينة على الذين يفترون الكذب وهم يعلمون ... # إن الذين يرون في الحكم مغنما لهم، إنما هم أولئك المفرطون في حقوق أوطانهم الموالون ~~للدخلاء فيها، والمستضعفون من الرجال، والذين في قلوبهم مرض، والمغترون بأوهام الحياة ~~والمالئون بطونهم كما تأكل الأنعام، أما أولو النخوة والعزة من الرجال فلن تلهيهم عن دوافع ~~أنفسهم الحياة الدنيا وزينتها، ولن تطفئ الحمية في قلوبهم ما يحلي به الأغرار صدورهم من ~~أوسمة، أو تزدهي نفوسهم الكبيرة الألقاب والرتب، أو يزيغ بريق الذهب أبصارهم عن الحق؛ لأن ~~هذه جميعا عندهم مظاهر وهم يحتقرون كل مظهر إذ يطلبون الجوهر. ومن كان في هذه الدنيا ~~كبيرا بنفسه فما به حاجة إلى أن يتكبر، ومن تكبر وهو بنفسه صغير، فلم يعد أن أضاف إلى ~~حقارة نفسه ما هو أحقر. # ولو كان عرابي من ذوي الأطماع الشخصية لرأيناه يتنكب طريق الجهاد، ولرأينا الضعف ~~يتسرب إلى نفسه فتفتر حميته وتبوخ وطنيته. وما ضعف عرابي وما استكان حتى مني بما مني به ~~من محنة يوم التل الكبير لا بأيدي الآثمين الطامعين من الأجانب فحسب بل بأيدي الخوانين ~~المارقين من بني الوطن، وظل حتى هزيمته الرجل الذي يخشى جانبه وتتقي غضبته. ولقد رأينا ~~كيف أرسل إليه مالت يحاول أن يهدئ خاطره عقب المذكرة المشتركة، ms121 ولو أنه كان ممن يشترون ~~بالمال لأمكن شراؤه كما اشتري بعد ذلك سلطان مثلا، الذي كان يتظاهر بأنه من أكبر أنصار ~~الحركة القومية، ولكن عرابيا كان مؤمنا بجهاده مخلصا لقضيته؛ فارتضى أن يخوض غمار ~~الموت، وأن ينفى بعد ذلك من الوطن، وأن يسلب جميع ما ملك. # ورفض عرابي أن يكون وليا لذوي الغايات والأطماع، جاء في مذكراته عن نوبار باشا قوله: ~~«أرسل إلينا أحمد قبودان البكري من موظفي بوغاز الإسكندرية ليشكرنا على إنقاذ الوطن من ظلم ~~الظالمين وجور المستبدين، ويعرض علينا أنه مستعد لأن يقود حركتنا الوطنية بصائب رأيه إذا ~~دعوناه إلى رئاسة الحكومة واعتمدنا عليه وسلمنا أمورنا إليه، فعجبنا لذلك، وأجبناه بأن ~~مبدأنا هو أن تكون مصر للمصريين، وللنزلاء عندنا حسن الضيافة ومزيد الإكرام. وإنا لا نجهل ~~الأدوار التي لعبها نوبار باشا في مسألة تغيير قواعد فرمان الوراثة الخديوية، وفي مسألة ~~تشكيل المجالس المختلطة في مصر، تلك المجالس التي صرف عليها 12 مليونا من الجنيهات من ~~أموال المصريين المساكين على يده وبسعيه، وكان هو أكبر مساعد للمستبدين وله الحظ الأوفر ~~من تلك الغنائم.» # ويذكر كذلك عن البارودي أمرا خطيرا قال: «وفي أوائل شهر يناير سنة 1881 خلوت بالمغفور ~~له محمود باشا سامي ناظر الجهادية، فأطنب في الثناء علي لقيامي بنشر راية الحرية في مصر ~~وملحقاتها من بعد مضي خمسة آلاف سنة على المصريين وهم يرسفون في قيود الاستبداد ~~والاستبعاد، ثم أقسم أنه مستعد لأن يضحي حياته ويجود بآخر نقطة من دمه في تنفيذ رغبتي، ~~ويجرد حسامه وينادي باسمي خديويا لمصر إذا رغبت في ذلك، فقلت له: مه يا محمود باشا فإني ~~لا أريد إلا تحرير بلادي، ولا أرى سبيلا لنوالنا ذلك إلى بالمحافظة على الخديو كما صرحت ~~بذلك مرارا وتكرارا، وليس لي مطمع أصلا في الاستئثار بالمنافع الشخصية، ولا أريد انتقال ~~الأريكة الخديوية إلى عائلة أخرى لما في ذلك من الضرر.» # ولقد كان عرابي كبير النفس كبير الآمال، فكان المنصب عنده وسيلة من وسائل الجهاد، وبابا ~~من أبوابه، فما ms122 يعيبه أن يقبل الحكم، وإنما يعيبه أن يعرض عن الحكم وبخاصة في مثل تلك ~~الشدة التي ساق فيها الطامعون البلاد على غير إرادتها، والذي يعد قبول الحكم فيها تأهبا ~~للذود عن ثورة الحق على الباطل ... ~~••• # على أن الناس ما كانوا ينظرون إلى عرابي نظرتهم إلى وزير من الوزراء فحسب، بل لقد كانوا ~~ينظرون إليه نظرتهم إلى الرجل الذي تعلق عليه الآمال فيما كانت البلاد مقبلة عليه، وكانت ~~تقوم نظرتهم إليه على ما بلوا بأنفسهم من إخلاصه، وما شهدوا من بسالته وحميته، وبخاصة في ~~يوم عابدين المشهود، وعلى ذلك فما زاده المنصب في أعين الناس ما يطلبه غيره ليزداد به من ~~مظاهر الجاه، وأي شرف يطمع فيه الرجل أعظم من أن يكون في بني قومه معقد الرجاء وموضع الثقة ~~...؟ # ولقد كان عرابي في الوزارة إذا أردنا الحق أكثر من وزير، فكانت الكلمة كلمته وكان الرأي ~~رأيه أراد ذلك أو لم يرده، ونقول أراده أو لم يرده لأنه بات في الزعماء رجلا ليس لأحدهم ~~مثل ما له في قلوب الناس من مكانة وسحر ... وهل كان سعد في كرسي الرئاسة كغيره من رؤساء ~~الوزارات، ليس لشخصه من تأثير في قلوب الناس إلا ما تبعثه هيبة المنصب ورهبته؟ أم كان سعد ~~في الناس رجلا غير ما ألفوا، تحف به هالة من أمجاده فتخلق له شخصية وسطا بين الملائكة ~~والناس؟ وهل ازداد سعد بالمنصب شيئا في أعين الناس أم أن المنصب هو الذي ازداد به علوا ~~ومهابة؟ # على هذا القياس صور لنفسك شخصية عرابي بين قومه يومئذ، فلقد صار له من المكانة بعد يوم ~~عابدين مثل ما صار لسعد من بعد في قومه، فهو الرجل الذي تتمثل في شخصه ثورة أمة ويجتمع فيه ~~تاريخ حركة، لذلك فهو بين الناس أكبر من أن يكون أحدهم، تحيط به هالة من السحر تلقى في روع ~~محدثه أنه تلقاء تاريخ يحدث أثره لا تلقاء رجل يعيش كما يعيش الناس ... ~~••• # أما الفلاحون وأعيان البلاد ممن كانت تقاس أقدار الرجال عندهم ms123 بالألقاب والمناصب، فقد كبر ~~عرابي في أعينهم وازداد قدرا في أنفسهم، وأصبح هذا الفلاح الباشا الذي يجلس على كرسي وزارة ~~الجهادية موضع أحاديثهم كما تذاكروا فيما بينهم أحداث البلاد في ذلك الوقت. # ولست أريد بقولي أن الرأي كان رأيه أنه كان يستبد بالأمر، أو كان يأخذ السبيل على ~~البارودي فيما يريد من قول أو عمل، وإنما أريد أن البارودي وغيره من الزعماء ما كانوا يخطون ~~خطوة إلا على بينة مما يكون فيها مما عسى أن يرضي عرابيا أو يغضبه لأنه بينهم، وإن لم ~~تكن له الرئاسة الرسمية، الزعيم الذي تشايعه البلاد، والذي استقر في أذهان أهلها وقلوبهم ~~أنه موضع الأمل ومناط الرجاء ... # وقد بدأ عرابي باشا عمله في الوزارة بإرسال مكتوب إلى جميع وحدات الجيش يعلن إليهم نبأ ~~تعيينه فقال: «حيث إن مسند نظارتي الجهادية والبحرية الجليلتين قد أحيل إلى عهدتنا من طرف ~~الجناب الخديو المعظم، بإرادة سنية موشحة بتاريخ 15 ربيع الأول سنة 1299 نمرة 11 فاعتقادي ~~ووثوقي بمساعدة حضرتكم وعموم حضرات الضباط والصف الضباط والعساكر في القيام بواجبات هذه ~~النظارة مع الاستمرار في سيرها على المحور اللائق، الموافق لنص أحكام القوانين العسكرية، قد ~~جرأني على قبول هذا المسند الجليل حالة كوني عالما بما أنتم عليه من وثوق حضرة الجناب ~~الخديوي بنا، ولهذا لزم تحريره لحضرتكم إخطارا بما ذكر وإعلان كافة الضباط والصف وعساكر ~~الآلاي إدارة حضرتكم. وفقنا الله جميعا لما فيه النجاح والإصلاح ...» ~~••• # وأخذ عرابي يقوم بتنفيذ القوانين الخاصة بإصلاحات العسكرية التي كان يطالب بها رياضا ~~وشريفا من قبل، وتناول بالترقية كثيرا من المصريين في الجيش، وقد حظي بالباشوية كل من علي ~~فهمي وعبد العال حلمي وطلبة عصمت وعلي الروبي وحسن مظهر ويعقوب سامي ... # وقد تألم العنصر الشركسي لهذه الترقيات، وعدها زعماء الشراكسة صورة من صور الفوضى ~~والتعصب في الوزارة، كأن النظام كل النظام أن يرقى الشراكسة، وأما أن يرقى المصريون ~~الفلاحون فذلك هو التعصب المذموم وهو الفوضى الجامحة. # ولن يقتصر هؤلاء الشراكسة على الصخب والعيب، بل سوف ms124 يعملون على الانتقام، كأنما كان ~~المصريون يسلبونهم حقا من حقوقهم، ونسي هؤلاء أو تناسوا ما كان يفعل رفقي من قبل ... # واتجه عرابي إلى إصلاح شأن وزارته فبث فيها النشاط والجدة. قال روثستين: «وقد جد عرابي ~~بنوع خاص في إصلاح نظارته التي كانت في منتهى الفوضى والخراب، وذلك ليستعد للطوارئ كلها، ~~فأظهر همة فائقة في إصلاح حصون السواحل، ونظم احتياطي المدفعية ووزعه على تلك ~~الحصون.» ~~••• # وأحسن عرابي في منصبه الجديد الظهور بمظهر الوزير في غير صلف أو ادعاء. وصفه بلنت حين ~~زاره بعد أزمة المذكرة يحمل إليه نبأ وساطته لدى جلادستون قال: «قفلت راجعا إلى القاهرة في ~~سرور وقد تسلحت بما علمته من حسن نية جلادستون، واستطعت أن أخبر عرابيا أنني لم أؤكد له ~~عواطفي نحوه عبثا، وقد وجدته في ديوان وزارة الحربية يحيط به أصدقاؤه، وكان يتحدث مع ~~بطريرك الأقباط، ومع طائفة من أهل الملق من الأوربيين وأجناس شرقي البحر الأبيض المتوسط ممن ~~جاءوا يحيون هذه الشمس المشرقة، وقد ظهر فيهم الوزير الجديد في حسن سمت وسمو كانا به ~~لائقين، فلم يلبث بعد ذلك الجندي قائد الفرقة، ولكنه أضحى رجلا تمتلئ مشاعره بالمسؤولية ~~العامة، وكان لا يزال بعد فلاحا ولا يزال وطنيا ولكن في صورة الرجل السياسي، وقد انتحى ~~بي جانبا فأطلعته على كتاب جلادستون وقلبناه بيننا في سرور وعددناه رسالة ذات فأل طيب ...» # | وطنية لا نزق # حل البارودي محل شريف وفي البلاد ما فيها من أثر تلك المذكرة التي جاءت في تلك الظروف ~~التي بينا دليلا على سوء تدبير واضعيها وعلى قصر نظرهم ورعونتهم، ولكن لما لنا نشير إلى ~~قصر نظر الدولتين فيما فعلتا ونحن لا يتداخلنا شك في أنهما كانتا تريان عاقبة فعلهما، ~~وأنهما إنما أرادتا إثارة الخواطر وزيادة أسباب الخلاف بين الخديو وزعماء البلاد المدنيين ~~منهم والعسكريين، فبهذا يتيسر لهما الوصول إلى الغرض المرسوم ... # وكان طبيعيا أن يسير البارودي على نهج غير الذي سار عليه شريف، فهو بحكم مركزه بين ~~الزعماء العسكريين، وبحكم الظروف التي أدت إلى ms125 استقالة شريف، لم يكن ليستطيع أن يحمل نفسه ~~على الهوادة والملاينة، وإلا ففيم كان إحراج شريف ثم إخراجه من الحكم؟ ... والأمر قبل كل شيء ~~أمر كرامة الوطن تلقاء تحدي الأجانب وتحرشهم السخيف الآثم بحريته ... # ومن ذلك يتبين لنا أن البارودي لم يكن له منتدح عن السياسة التي جرى عليها ، وأن مردها ~~في الحق إلى مسلك الدولتين، وعلى ذلك فمن الظلم أن نرجع باللوم كله على تلك الوزارة فيما ~~أبدت من تطرف، فإن جانبا كبيرا من اللوم، بل لعل اللوم كله، يقع على الذين دفعوا ~~الوزارة بقبح تدبيرهم وسوء نيتهم في تلك الطريق التي ما لبثت أن رأت نفسها فيه تخرج من أزمة ~~لتدخل في أزمة غيرها ... # وهكذا تدفع الدولتان البلاد في طريق الثورة دفعا، ثم تتهمانها مع ذلك بالفوضى، وتجعلان ~~من مبررات تدخلهما القضاء على الفتن والقلاقل الداخلية وإنها لمن صنعهما ... ولن يكون في صور ~~الظلم أبلغ وأوجع من أن يضرب مضعوف فوق رأسه فإذا تأوه ونفر من ألم الضرب عد تأوهه ~~جموحا ونفوره ثورة! # كان على وزارة البارودي من بادئ الأمر أن تواجه أزمة الميزانية، وقد نجمت هذه الأزمة كما ~~رأينا من تجني الدولتين على البلاد ومن غضب نواب الشعب لكرامة بلادهم واستمساكهم بحقهم ~~تلقاء باطل أعدائهم، وكان من الطبيعي أن تعمل وزارة البارودي، أحد الزعماء العسكريين، والتي ~~كان عرابي نفسه أحد وزرائها، على تحقيق آمال البلاد، بل لقد كان أمرا حتميا على هذه ~~الوزارة أن تفعل ما كانت مقدمة على فعله، فعلى هذا الأساس كان قيامها بالحكم ... # وما أسخف كلام المبطلين وأرذله تلقاء هذه الحقيقة التي تنهض الحوادث دليلا عليها! أجل ما ~~أرذل أن ترمى وزارة البارودي بالنزق والعناد والرغبة في إثارة الفتنة، كالذي يأخذ على شخص ~~طريقه في غير مبرر فإذا طلب إليه أن يخلي سبيله انتهره وتوعده، فإذا خطا خطوة ليتقدم رماه ~~بالشطط والجنون وخوفه عاقبة أمره! # لقد قامت وزارة البارودي على إرادة الأمة، لا مراء في ذلك، فإن النواب حينما أظهروا لشريف ~~أسفهم أن يكون ms126 المجيب لمطالبهم رجلا غيره، وحينما ذهبوا إلى الخديو يشكون إليه حالهم كانوا ~~معبرين في ذلك عن مشيئة الأمة، وآية ذلك أن الخديو لما سألهم بأي حق يطلبون إقالة شريف ~~قالوا: هذه إرادة الأمة. # ولم يسع الخديو إلا أن يذعن، ولكن على طريقته في الإذعان ريثما تسنح الفرصة، فدعا ~~شريفا والقنصلين الأجنبيين وعرض عليهما الأمر، فلم يكن أمام شريف غير الاستقالة، ثم إن ~~الخديو سأل زعماء النواب عمن يرضون لرئاسة الوزارة، فبعد أن بينوا له أن ذلك من حقه ~~اختاروا البارودي واشترطوا أن يكون قيام وزارته على أساس إجابة مطالب النواب. # 1 # ولقد أضاف الخديو إلى أخطائه خطأ جديدا بقبوله هذا الوضع، فمن حقه وحده اختيار رئيس ~~وزرائه، ولكنه خطا حتى هذه الخطوة بإشارة القنصلين، فلقد أوهماه أن في هذا خيرا له، فبه ~~يخلو من التبعة ويلقيها على عاتق النواب والزعماء ... ولكنهما كانا في الواقع يريدان أن ~~يوسعا مسافة الخلاف بين الخديو ونواب البلاد، ومن السهل عليهما أن يوحيا إليه على لسان ~~أعوانهما بعد ذلك أنه أصبح وليس له من الأمر شيء. # على أن مالت وكلفن وأشياعهما ما لبثوا أن راحوا يذيعون المفتريات في مصر وفي أوربا عن ~~الوزارة، ويرمونها بكل أباطيل الاتهام، فهي وزارة عسكرية لا تعرف سياسة أو تنظر في عاقبة ~~أمر من الأمور، وإنما قوام أعمالها العنف والثورة، وهي وزارة لا تحسب لأي سلطة غيرها ~~حسابا، فليس للخديو وجود فعلي بإزائها، وليس للأجانب على ما لهم من ديون في مصر حق أو شبه ~~حق إلى غير ذلك من اللغو والإفك ... # أما عن عرابي فقد خرج بأوفر نصيب من التهم الباطلة، ومن هذه التهم ما نسبته إليه جريدة ~~التيمس من أنه تهدد شريفا، وأنه شهر سيفه في وجه سلطان وهدده بتيتيم أطفاله في صدد الخلاف ~~على مسألة لائحة المجلس، ولقد كان مالت من مروجي هذه الإشاعة ومن المتمسكين بها، بل لقد ذهب ~~مالت إلى أكثر من هذا فأثبت في يومياته كذلك أن الخديو ما قبل استقالة شريف إلا تحت ms127 تأثير ~~تهديد لا يقل عن هذا ... # ويذكر بلنت أنه يرجح أن الخديو هو مصدر هذه الفرية لما كان يبدو منه يومئذ من بالغ ~~الحقد على الوزارة، وقد أصبح لهذه الفرية خطرها حين أرسل مراسل روتر إلى أوربا يزعم ضغط ~~العسكريين على شريف. # قال بلنت: «ومع ما يبدو من سخف هذه القصة فقد غضب منها سلطان غضبا شديدا، ولما كنت ~~يومئذ معروفا لدى النواب بأني صديقهم طلب إلي سلطان لقاءه، وسألني أن أحمل إلى مالت ~~إنكاره القصة كلها إنكارا تاما، وعلى ذلك توجهت إلى بيت سلطان باشا حيث جمع عددا كبيرا ~~من النواب ومن علية القوم ومن بين هؤلاء المفتي الأكبر العباسي وعبد السلام المويلحي بك ~~وأحمد السيوفي بك وأحمد محمود أفندي وهمام حمادي أفندي وشديد بطرس أحد كبار نواب الأقباط. ~~وقد أنكر هؤلاء جميعا مع سلطان أنهم عملوا تحت أي إكراه، وتكلم سلطان في غضب عن سخف القصة ~~فيما يتصل به قائلا: إن أحمد عرابي بمثابة ابن لي، وهو يعرف ما هو من حقي وما هو من حقه، ~~فمكاني في البرلمان ومكانه في وزارة الحربية. وجدير به أن يطلب نصحي لا أن يجرؤ على أن ~~ينصحني فيما يعنيني من الأمور، وأما عن شهره السيف في حضوري فإنه لا يفعل ذلك إلا تلقاء عدو ~~يهاجمني، وهذه قصص لا يصدقها من يعرفنا كلينا، وإنها لباطلة كل البطلان، وتستطيع أن تأخذ ~~على اليقين أن أقل عضو هنا ممن يمثلون الشعب أحسن حكما على مطالبه من أكبر جندي. إننا ~~نحترم عرابيا لأننا نعرفه وطنيا ورجلا ذا فطنة سياسية لا لأنه جندي. # وقد أثبت كلمات سلطان باشا هذه في حينها، وقد اشتكى إلي هذا الشيخ من سياسة مالت ~~وتعضيده مخترعي الأباطيل، وطلب مني أن أطلعه على الحقائق وأن أبرقها إلى جلادستون وأذيعها ~~في الصحف الأوروبية، وقد فعلت ذلك على خير ما يدخل في وسعي، فأرسلت نصا كاملا منها إلى ~~«التيمس»، ومع ذلك فإنها على ما أذكر لم تنشره لسبب ما، وكذلك أرسلت تلغرافا بالمعنى نفسه ms128 ~~إلى مستر جلادستون، ثم كتبت إليه كتابا مطولا أشرح فيه الموقف كله. # وذهبت من فوري إلى مالت وناقشته في شدة، ولكنه أصر على صدق قصته التي استقاها كما أخبرني ~~أول الأمر من سلطان نفسه، والتي عاد يقول إنه استمدها ممن يمكن الاعتماد عليه، ولما ألححت ~~عليه أن أعرف من هو المصدر غضب وقال إنه ليس لي من حق أن أستجوبه على هذه الصورة.» # هذا هو كلام بلنت عن هذه الفرية، وما أجمل ما وصف به سلطان عرابيا فهو لا يحترمه لأنه ~~جندي، ولكنه يوقره لوطنيته ولمقدرته السياسية، ومثل هذا الكلام لا يصدر عن مثل سلطان عن خوف ~~أو تملق، فقد كان أكبر من أن يخاف أو يتملق، وهو بطبعه شديد الكبر كثير المباهاة بجاهه ~~والاعتزاز بثروته، بل إن صدور هذا الكلام عن رجل هذه صفاته إنما يزيد في قيمته، ويجعل منه ~~وثيقة خطيرة ندعو الذين يجهلون حقيقة عرابي إلى قراءتها في روية وحسن طوية ... # ويذكر بلنت أن التيمس لم تنشر تكذيبه لسبب ما، والأمر واضح لا يحتاج إلى طويل شرح، ~~فالتيمس وأمثالها من الصحف الإنجليزية تخدم قضية الاستعمار أبدا، وهي خير من يدرك نيات ~~الساسة في بلدها، وأول من يطلع على حقائق الأمور، فلم تكن تجهل يومئذ ما كانت تبيته ~~إنجلترا لقضية الأحرار في مصر، بل وما كانت تنتويه السياسة الإنجليزية العليا من الاستيلاء ~~على مصر قبل أن تستولي عليها، ولذلك فما كانت لتنشر رأيا مثل هذا الرأي يأتي على لسان رجل ~~مثل بلنت، فيكون به من الإنجليز شاهدا من أنفسهم عليهم ... ~~••• # في مثل هذا الجو الذي كدرته دسائس الماكرين والطامعين، راحت وزارة البارودي تعالج ما كانت ~~تشكو منه البلاد، ومن ورائها نواب الأمة يشدون أزرها، وإنهم ليعلمون ما كان يحيط بوطنهم ~~من الكيد والإعنات. # وأحس البارودي من أول الأمر بتزايد الجفاء بينه وبين الخديو، فما كان ليسيغ توفيق أن ~~يصبح الأمر بينه وبين الوزارة قائما على غير ما ألف من مبادئ السيطرة ونوازع الاستبداد، ~~ولكن الوزارة استعاضت عن معونة ms129 الخديو بمؤازرة البلاد ... # وكان أول ما واجهته الوزارة تلك المشكلة التي خلقها الكائدون، وهي مسألة الميزانية، أو ~~بعبارة أخرى لائحة المجلس التي استقال بسببها شريف أو أجبر في الحق على الاستقالة ... # ويجمل بنا أن نأتي بالحديث على سرده في هذه المسألة لنتبين إلى أي مدى كان افتيات ~~الدولتين على البلاد ، وليرى الذين رموا حركتها الوطنية ورجلها بمختلف التهم مبلغ ما في ~~مزاعمهم من جهل أو عدوان ... # جاء في خطاب شريف باشا الذي تقدم به إلى المجلس بعد انعقاده قوله: «فإنه لم يحجر عليكم في ~~شيء ما، ولم يخرج أمر مهم عن حد نظركم ومراقبتكم، إنما لا يخفاكم الحالة المالية التي كانت ~~عليها مصر مما أوجب عدم ثقة الحكومات الأجنبية بها، ونشأ عن ذلك تكليفها بترتيب مصالح، ~~وتعهدها بالتزامات ليست خافية عليكم، بعضها بعقود خصوصية، والبعض بقانون التصفية، فهل يتيسر ~~للحكومة أن تجعل هذه الأمور موضعا لنظرها أو نظر النواب؟ حاشا لأنه يجب علينا قبل كل شيء ~~القيام بتعهداتنا وعدم خدشها بشيء ما، حتى نصلح خللنا، وتزداد ثقة العموم بنا، ونكتسب أمنية ~~الحكومات الأجنبية، ومتى رأت منا تلك الحكومات الكفاءة لتنفيذ تعهداتنا بحسن إخلاص بدون ~~مساعدتها فنتخلص شيئا فشيئا مما نحن فيه!» # بهذه الكلمة مهد شريف لخطته فيما يتعلق بلائحة المجلس، أو ما نسميه دستوره، وبخاصة ~~فيما يتصل بالميزانية، ثم جاءت اللائحة تحرم على المجلس النظر في الميزانية ... # ولقد كان المجلس يطمع في أن ينظر في الميزانية ما دام هو القيم على حقوق البلاد، ولكن ~~الحكمة قضت عليه أن يتواضع فيقبل كما أسلفنا النظر في نحو نصف الميزانية وهو القدر الباقي ~~بعد الجزية وما يقتضيه قانون التصفية، ففعل ذلك، ولكنه لم يفد وا أسفاه من حكمته شيئا، فقد ~~كبر على الدولتين أن ينظر المجلس حتى في هذا القدر؛ فرمتاه بالمذكرة المشئومة التي كان من ~~نتائجها ما رأينا من تطرف المعتدلين وثورة المتطرفين والتقائهما جميعا، وتمسكهم بالنظر في ~~الميزانية مهما يكن من العواقب، الأمر الذي أطاح بوزارة شريف وأحل محلها وزارة البارودي ms130 ~~... # وجاءت وزارة البارودي، فلم يكن أمامها إلا طريق واحد، هو السير وفق رغبة النواب والرأي ~~الوطني العام في البلاد، فخطت هذه الخطوة معتمدة على حقها مستندة إلى مؤازرة الأمة إياها، ~~فكان ما قررته في مسألة الميزانية ما يأتي: «لا يجوز للمجلس أن ينظر في دفعيات الويركو ~~المقرر للآستانة أو الدين العمومي أو فيما التزمت به الحكومة في أمر الدين بناء على ~~لائحة التصفية أو المعاهدات التي حصلت بينها وبين الحكومات الأجنبية.» ~~«وترسل الميزانية إلى مجلس النواب فينظرها ويبحث فيها، بمراعاة البند السابق، ويعين لها ~~لجنة من أعضائه مساوية بالعدد والرأي لأعضاء مجلس النظار ورئيسه، لينظروا جميعا في ~~الميزانية ويقرروها بالاتفاق أو بالأكثرية.» # ووافق المجلس على اللائحة الجديدة التي تقدمت بها إليه وزارة البارودي، وكان هذا الرأي ~~الأخير، أعني تكوين لجنة من أعضاء المجلس مساوية في العدد لأعضاء مجلس النظار قد عرض كحل من ~~الحلول على وزارة شريف، فأبت الدولتان قبوله، فلما قضت وزارة البارودي في الأمر حسب مشيئة ~~النواب، ثارت ثائرة الدولتين اللتين جاءتا لنشر روح المدنية والحرية في الشرق ... # ولقد جعلت الوزارة الأمر للأمة فيما إذا وقع خلاف بين المجلس والوزارة، فنص في دستور ~~المجلس أو لائحته الأساسية ما يأتي: «إذا حدث خلاف بين مجلس النواب ومجلس النظار، وأصر كل ~~على رأيه بعد تكرار المخابرة وبيان الأسباب ولم تستعف النظارة فللحضرة الخديوية أن تأمر بفض ~~مجلس النواب وتجديد الانتخاب على شرط ألا تتجاوز الفترة ثلاثة أشهر من تاريخ يوم الانفضاض ~~إلى يوم الاجتماع، ويجوز لأرباب الانتخاب أن ينتخبوا نفس النواب السالفين أو بعضهم.» ~~«وإذا صدق المجلس الثاني على رأي المجلس الأول الذي ترتب الخلاف عليه ينفذ الرأي المذكور ~~قطعيا.» # وقد فرح النواب، وفرح الناس جميعا من وطنيين وعسكريين لصدور اللائحة أو الدستور، وأخذت ~~مصر تستقبل عهدا دستوريا كان يعد بداية طيبة جدا للديمقراطية في مصر، بل وفي الشرق ~~كله ... # ويتجلى فرح مصر في تلك الحفلات التي أقيمت غداة صدور الدستور، ومنها حفلة جمعية المقاصد ~~الخيرية، وكانت بالغة الروعة والجلال. ms131 وقد شهدها البارودي، وعرابي، وجمهور كبير من العلماء ~~والأعيان، ورجال الجيش، وتبارى الخطباء وفي مقدمتهم السيد عبد الله نديم في بيان مزايا ~~الدستور وإعلان ابتهاج النفوس به، والشيخ محمد عبده الذي دعا إلى نشر التعليم ليقوم الدستور ~~على أساس سليم قوي. # ومن تلك الحفلات حفلتا نائبي البحيرة الشيخ أحمد محمود وإبراهيم أفندي الوكيل، ثم حفلة ~~أحمد بك أباظة وحفلة أحمد بك يكن وغيرهم، وتدل هذه الحفلات دلالة بينه على أن روح الحرية ~~والدستور كانت متغلغلة في نفوس مثقفي الأمة، وأن البلاد كانت تنهض فيها حركة قومية حرة لو ~~أنها حدثت في بلد غير مصر لم يرزأ بالاحتلال لكان لها في سجل الحركات القومية العالمية شأن ~~جليل، وما يضيرنا اليوم ما فعل الاحتلال بتاريخنا القومي، وقد خطونا خطوات لن يكون بعدها ~~نكوص ... # رأينا الحل الذي عالجت به وزارة البارودي مشكلة الميزانية، ذلك الحل الذي من أجله حقت ~~عليها لعنة الدولتين، وحق عليها عقابهما، مع أنه لا يمكن أن يكون هناك تساهل في مثل هذا ~~الأمر وفي مثل هاتيك الظروف أكثر من هذا التساهل الذي جرت عليه الوزارة ... # هؤلاء نواب شعب يجتمعون باسمه للنظر في صالحه، فكيف يتسنى لهم ذلك إن لم يكونوا ~~قوامين على ماليته وهي أساس كل شيء ودعامة كل إصلاح؟ وكيف يكون الحكم قائما على أساس ~~ديمقراطي إذا حيل بين نواب الأمة وبين النظر في الأموال التي تجبى من أفرادها؟ # وإذا كانت لمصر ظروف خاصة ناشئة من ديونها التي لم يكن لأهلها يد فيها، فأي شيء كان يطمع ~~فيه من نوابها أكثر من أن يتركوا ما يتعلق بالدين دون تدخل فيه؟ # ولكن الدولتين كانتا تحاربان المجلس فحسب مهما بلغ من اعتداله وحكمته، كانتا تحاربانه ~~فتحاربان فيه الوطنية المصرية؛ لأنها إن ازدادت قوة ضاعت الفرصة وخرجت مصر سالمة مما كان ~~يدبر لها. انظر إلى الاحتجاج الذي كتبه المراقبان الأجنبيان في 12 يناير سنة 1882 عندما ~~علما بنية النواب في وزارة شريف قالا: # 2 ~~«يظهر أن مجلس شورى النواب يتهيأ لأن ms132 يطلب حق تقرير الميزانية، ولهذا نرى من ~~واجبنا أن نقول: إن إعطاء النواب هذا الحق ولو اقتصر على الإدارات والمصالح التي تخصص ~~إيراداتها للدين يفسد الضمانات المعطاة للدائنين؛ لأنه سيكون من نتائجه الضرورية أن تنتقل ~~إدارة البلاد من يد مجلس النظار إلى يد مجلس النواب.» # ولا تسل عن مبلغ غضب هؤلاء الطامعين الكائدين لمصر على وزارة البارودي حينما حلت المشكلة ~~على النحو المتواضع الذي بيناه، فلقد انطلقت ألسنة الساسة منهم مع ألسن السفهاء من ~~مراسلي الصحف بكل فاحشة وجارحة في الوزارة والنواب جميعا على نحو خليق بأن تخجل منه ~~الإنسانية، فهذا نظام موضوع بأسره تحت سيطرة جيش ثائر كما صوره كلفن في تقريره، وهذه وزارة ~~جامحة تسوق مصر إلى الخراب، وهؤلاء نواب لا يعرفون من معاني الوطنية إلا التعصب الأعمى ~~فضلا عن جهلهم وضيق عقولهم ... # كتب مالت يصف النواب قائلا: # 3 ~~«إن ما يتظاهرون به من طموح إلى العدل والحرية قد انتهى بأن حلت سلطة الجيش ~~الغاشمة محل كل سلطة مشروعة.» # وقال كوكسن يصف قانون الانتخاب الذي وضعته الوزارة السامية: «إن الغرض منه في هذا البلد ~~أن تكون كل المزايا الانتخابية لمن رشحتهم السلطة الحاكمة الآن وهي سلطة الجيش.» # وليس بعجيب أن يبلغ حنق هؤلاء على الحركة الوطنية القومية هذا المبلغ، ذكر الشيخ محمد ~~عبده في مذكرات متتابعة مرقمة أثبتها في ورقة لعله كان يجمع فيها عناصر فصل يكتبه وأوردها ~~بنصها مترجمة الشيخ رشيد رضا # 4 ~~... قال الأستاذ الإمام: «مجلس النواب قرر تعيين لجنتين للتحقيق في بعض الشكاوى ~~التي رفعت على مصلحة المساحة وعلى إدارة الجمارك، وظهرت وجوه الخلل في أعمال الموظفين ~~الأوربيين، وتحقق ما كان يخشاه المراقبون من مقاصد المجلس، وقد رفض مسيو كاليار مدير ~~الجمارك أن يحضر جلسات التحقيق وعارض في أعماله ...» ~~«وقف المجلس على تقرير قدم للمراقبين من أحد موظفي الدومين المسمى «روفسل» يطلب فيه ~~مراقبة المجلس حيث أعطى الفلاحين آمالا في أن يصلوا بالطفرة إلى ما يقال من حريتهم، واشتكى ~~من أن المدير لا يحبس في ms133 الحال من يطلب منه حبسهم لتوقفهم عن العمل، ومن أن كل شخص يحبس ~~بغير أمر قضائي يرسل بالتلغراف إلى نائبه، وعلى ذلك يسأل المدير عن السبب في الحبس، وهذا ~~تظاهر من الأهالي بالأحوال الجديدة التي يبنون عليها حريتهم وخلاصهم ...» # وأوعز مالت إلى وكلائه في الأقاليم أن يكتبوا تقارير عن مبلغ ما وصلت إليه الحال من سوء ~~في البلاد، وأرسل هذه التقارير إلى حكومته، وبلغ من الجرأة على الحق، بل بلغ من صفاقة أحد ~~هؤلاء الطامعين أن كتب يندد بإلغاء الكرباج فقال: «وما أعجب وما أسخف ما قال: # 5 ~~«إن الحاكم الشرقي إذا حرم كرباجه، وحظر عليه أن يسجن من يشاء عجز عن سياسة قوم ~~اعتادوا منذ القدم أن يخضعوا لحكومة فردية قوية، إن الطريق الذي سارت فيه الحركة منذ عام، ~~جعل الفلاح يعتقد أنه يستطيع الوصول طفرة إلى ما يسمونه له حرية. في حين أن ما اكتسبته هذه ~~الحركة من قوة جديدة بإسلام أزمة الأمور إلى طائفة من الخياليين النظريين. جعل أثرها في ~~السلطة على وجه العموم أثر الماء تصبه على قطعة من السكر.» # هذا ما قاله ذلك الإنجليزي الذي تفتخر دولته بأنها سبقت الدول إلى الحرية، والتي ما فتئت ~~منذ عهد كرومر في مصر تفاخر بأن معتمدها هو الذي أبطل الكرباج في هذه البلاد! # وإنا لنسأل الذين يقرأون هذه المفتريات وأشباهها، والذين تتبعوا أساليب إنجلترا وفرنسا في ~~الكيد لمصر، نسأل هؤلاء السادة الذين يعلمون هذا، ومع ذلك يعيبون على عرابي وزملائه تطرفهم، ~~أكانوا يفعلون غير ما فعل عرابي وأصحابه إذا كانوا يحبون أوطانهم حقا، وكانوا يعيشون في ~~مصر في تلك الأيام؟ # أما الذين كانوا يجهلون هذه الدسائس التي تبثها إنجلترا في مصر، وحملوا لجهلهم بها على ~~عرابي ما حملوا مجاراة منهم لما أشيع عنه، فحسبنا أن نريهم حقيقة الأمر ونكل المسألة بعد ~~هذا إلى فطنتهم وضمائرهم. # وما ندافع عن عرابي إلا لأننا نعتقد أنه ظلم، وأن الذين ظلموه هم أعداء البلاد الذين ~~استباحوا ذمارها وألحقوا بها الذل والهوان ... # وما ms134 يجدر بمصري وبلاده فقيرة فقرها هذا في الإبطال أن يشايع الذين حاولوا أن يطمسوا ~~بالباطل تاريخ رجل كانت البطولة في مقدمة صفاته، فيصفون وطنيته ووطنية أصحابه بأنها نزق ~~وفوضى ... # ولقد جعل الكائدون لمصر الجيش هدفهم فيما راحوا يشيعونه من مفتريات، انظر إلى قول مالت ~~في تقرير له عن «تزايد اختلال الأمن في البلاد لقلة اكتراث الأهالي بأولياء الأمور ~~الملكيين، ويعزى ذلك إلى سلوك رجال الحزب العسكري الذين لا يعاملون زملاءهم الملكيين ~~بالاحترام الضروري لإدارة البلاد، وقد أخذت الرشوة تعود إلى سابق عهدها بين الموظفين، ~~ومما يساعد على انتشارها كثرة التغيير والتبديل في كبار الموظفين.» # ثم يقول في وصف ما زعمه من ضيق وقع فيه الفلاحون في سبيل الحصول على المال «ويعزو الملاك ~~قلة رؤوس الأموال وما هم فيه من الضيق إلى سياسة الحكومة الحاضرة التي لا تبعث على الثقة ~~بها، ويجهرون بأنهم إذا عجزوا عن دفع الضرائب فالتبعة واقعة على الوزارة.» # وليس بعجيب أن يسلك كلفن ومالت وأشياعهما هذا المسلك في الطعن على الوزارة، وقد أدركا ما ~~كانت تنويه حكومتهما من العمل على تمهيد السبيل للتدخل المسلح بعد هذا التدخل السياسي ~~... # ولقد كانت تلك المذكرة المشئومة خطوة واسعة نحو هذا الغرض المرسوم، فكان لابد أن تتفاقم ~~الحوادث بسببها لتصل بالبلاد إلى كارثة الاحتلال ... # كتب قنصل فرنسا إلى حكومته يوم 29 يناير يقول: «إن الرغبة البادية على مجلس النواب من ~~جانب، في أن يصير برلمانا، والخطة القوية التي رأت الدولتان من جانب آخر، أن تختاراها، ~~والتي كانت مذكرة 7 يناير تعبيرا عنها هما السببان الجوهريان اللذان اصطدم كل منهما بالآخر ~~فأوجدا الموقف الحالي.» # وكتب كذلك يقول: «يمكن أن يقال إن الانقلاب الذي أحدثه مجلس النواب المصري هو جواب منه ~~على مذكرة 7 يناير، فلقد أعلنا في هذه المذكرة أننا نحتفظ بالنظام الحالي ضد الجميع، فأجاب ~~المجلس على ذلك بأن غير هذا النظام تغييرا جوهريا، وبذلك وضعنا أنفسنا في موضع صارت ~~الضرورة قاضية علينا فيه بأن نتدخل أو نعدل سياستنا.» # وهذا الذي ms135 ذكره ذلك القنصل يصور الحال تصويرا صادقا، وما كان موقف الدولتين يخفى على ~~أحد من الوطنيين، وعلى ذلك يقضي الإنصاف على الذين يحكمون على أعمال رجال ذلك العهد وفي ~~مقدمتهم عرابي أن يضعوا في أذهانهم قبل كل شيء أطماع هؤلاء الساسة، وأن يصوروا تلك الأعمال ~~على هذا الأساس ... ~~••• # مضت الوزارة في سبيلها غير عابئة بصراخ أعدائها لا تتخاذل من دون غايتها، ولا تستبعد ~~الشقة، وذلك على الرغم من أنها كانت لا تجاوز عقبة إلا قامت في سبيلها عقبات. # ولقد قبع الخديو في زوايا العزلة، وجعل الخوانون الغدارون بينه وبين وزرائه حجابا من ~~الأباطيل التي أحكموا نسجها ... # والواقع أن الخديو لم يكن على شيء مما كان يجب أن يتصف به من يضطلع بأعباء الحكم في مثل ~~هاتيك الظروف، فلقد كان مستطار القلب حائر اللب مما يجري حوله، فهو لا يسيغ الحركة الوطنية ~~ولا يستطيع أن يصالح عليها طبعه، وهو مستريب في نيات الحكومة العثمانية نحوه ونحو عرشه، وهو ~~فزع مما يشاع من دسائس الأمير عبد الحليم، بل ودسائس أبيه ومساعيه في مصر والآستانة على يد ~~أعوانه، ثم هو فضلا عن هذا كله قد بات تحت سيطرة الأجانب، وبخاصة الإنجليز منهم، فما يقطع ~~أمرا حتى يوافقوا عليه، بل لا يخطو خطوة حتى يرى رأيهم فيها ... # ومن كان هذا شأنه في موقف كهذا الموقف الدقيق الذي كانت تقفه مصر من أعدائها يومئذ كان ~~مثله مثل الراعي أحاطت الضواري بقطيعه فما يرجو أكثر من أن ينجو هو بنفسه ولو هلك القطيع ~~جميعا ... # وكانت الدولتان كما سلف القول تراوغ كلتاهما الأخرى، وتغافلها بغية الظفر بالفريسة وحدها، ~~وهذه هي حقيقة السياسة الخارجية التي لا تفهم تلك السياسة على وجهها الحق دون الانتباه ~~إليها. # وحسبنا أن نذكر في هذا الصدد ما كتبه ريناخ أحد أصدقاء جمبتا عن سياسة الدولتين قال: # 6 ~~«إن الرأي العام في إنجلترا قد وقع تحت تأثير بعض رجال حزب الشورى الذين ~~اعتقدوا أن خير ما يعمل هو استعجال الحوادث جهد الطاقة أملا في ms136 إيجاد فرصة لدخول وادي ~~النيل دون فرنسا.» # حسبنا تلك العبارة التي حاول كرومر أن يفندها، فلم يستطع أن يأتي بدليل أو شبه دليل على ~~صحة رأيه، وما ملك غير أن ينفي، وما كان مجرد النفي مما ينهض دليلا يؤخذ به في أمر من ~~الأمور ... # وكان جمبتا من أشد أعداء مصر، بل من أشد أعداء الإسلام قاطبة، وكان هذا اليهودي على صلة ~~برجال المال من الدائنين، وكان يحيط به في باريس ريفرز ولسون ونوبار يوحيان إليه بما ~~يريان، وكان بطبعه ممن يميلون إلى اللجوء إلى القوة في كل ما يتعلق بالشرق ~~والشرقيين. # وكان هذا الوزير كما بينا يحاول أن يدفع إنجلترا لتأخذ بسياسته، ولكن جرانفل راح ~~يراوغه مظهرا له أن خيرهما في أن يتفقا، وفي الوقت نفسه كان يحذره عاقبة التدخل المسلح في ~~شؤون مصر، سواء أكان ذلك من جانب إحدى الدولتين أم من جانبيهما معا؛ لأن ذلك العمل كان من ~~شأنه أن يجر في أعقابه كثيرا من المشاكل. # ولقد رأينا مبلغ تشدده في وجوب إرسال المذكرة المشتركة، ثم إصراره بعد ذلك على عدم تخفيف ~~وقعها بأي وجه من الوجوه، ولقد كانت كل من الدولتين تحرص على ألا تنفرد فتنكشف، لذلك كانت ~~تجاري إحداهما الأخرى وإنها لمستكرهة أشد الاستكراه وأقبحه. وكانت إنجلترا تأخذ نفسها ~~بالصبر حتى تحين الفرصة فتقتنصها. # على أن جمبتا لم يلبث في الحكم طويلا فسقطت وزارته في أول فبراير سنة 1882، أي قبل تأليف ~~وزارة البارودي بخمسة أيام، وحل محله في الوزارة دي فريسنيه، وكان هذا من أول الأمر يرى في ~~المسألة المصرية ما لا يتفق وسياسة جمبتا ... # ولكن الأمور كانت قد تحرجت في مصر بما فعل جمبتا، وفقدت العناصر الوطنية في البلاد كل ثقة ~~في الدولتين جميعا، حتى أصبح من أصعب الأمور التفاهم على السياسة العامة ... ~~••• # لقد ارتخص هؤلاء الساسة من دعاة المدنية الناقمين على أهل الشرق ما كانوا فيه من تأخر كل ~~كرامة ابتغاء الوصول إلى أغراضهم، وانقلبت عندهم الأوضاع التي تعارف الناس عليها، فلقد عز ~~على ms137 هؤلاء السادة الذين راحوا يدلون بمدنيتهم ويتطاولون بما فعلوا في سبيل حرية الإنسان أن ~~يروا أهل مصر ينزعون حقا إلى الحرية، ويعملون على الرقي بوطنهم جادين غير متوانين، ~~يتعاونون على الحق ويتناسون ما بينهم من دواعي الخلاف ويطرحون الأثرة ويحرمون على أنفسهم ~~الطيبات ليتم لهم ما أرادوا ... # وذعر هؤلاء الكائدون لمصر الطامعون فيها أن أفاق أهلها على هذا النحو، وقد كانوا يظنونهم ~~أمواتا أو كالأموات، وهالهم أن يروا فريقا من هؤلاء الفلاحين يستلبون سلطة الخديو شيئا ~~فشيئا، ويحاولون أن يضعوا أنفسهم بحيث تكون الأمة وهم نائبون عنها مصدر كل سلطان ... # وأدركوا أن هذا البعث الذي أفاقت عليه مصر من نومها الطويل هو الصبح الذي يهتك أسدالهم ~~ويبدد آمالهم، فما ونوا يوما كما بينا عن محاربة مصر وزعماء مصر ورميهم بكل فاحشة، وفي ~~مقدمة هؤلاء جميعا ذلك الرجل الذي خطا نحو الحرية الخطوة الأولى، وصرخ في وجه الظلم الصرخة ~~الأولى ... # ولم ير هؤلاء لوزارة البارودي حسنة واحدة، ولكن هذه الوزارة كانت لا تعبأ بما يرجف ~~المبطلون، فمشت إلى غايتها على الشوك، وقد عقد أعضاؤها النية على إنقاذ بلادهم من طمع ~~الطامعين وكيد الكائدين، وعلى تعهدها بضروب الإصلاح في شتى مرافقها حتى تقوى فتعز على كل ~~باغ ظلوم من خصومها ... # وما كان في الوزارة من عوامل الضعف سوى جهل رئيسها وأعضائها باللغات الأوربية، إلا وزير ~~الخارجية مصطفى فهمي باشا، وقد ضم إلى الوزارة ليكون لسانها في الصلة بالأوربيين، ولكنه كان ~~من رجال العهد القديم على حد قول مؤرخي الثورة الفرنسية، فلم يكن ينظر إلى الوطنيين نظرة ~~الاحترام والتوقير، وإنما كان يرى فيهم فريقا من الفلاحين يتطلعون إلى ما ليسوا أهلا له، ~~شأنه في ذلك شأن الشراكسة وأشباههم من سادات مصر وكبرائها في ذلك العهد ... وعلى ذلك فقد كان ~~وجود هذا الرجل في وزارة الخارجية عبئا يضاف إلى أعباء الوزارة، وذلك أمر لم تفطن إليه إلا ~~بعد فوات الوقت ... # وفيما عدا ذلك كانت وزارة البارودي وزارة وطنية حقا تعمل صادقة مؤمنة على تحقيق ms138 آمال ~~البلاد والنهوض بها على الرغم مما كان يحيط بها من دسائس وما كان يملأ أسماع رجالها من نباح ~~وعواء. # انتهى دور انعقاد مجلس النواب في السادس والعشرين من شهر مارس سنة 1882 فقضى بذلك في ~~العمل نحو ثلاثة أشهر، وهي مدة قصيرة كان يشغل الأعضاء فيها ترتيب أعمالهم، ولكن المجلس على ~~الرغم من ذلك قد قسم أعضاءه إلى لجان مختلفة أخذت تتصل بالوزارات وتبحث معها ما يهم البلاد ~~من الشؤون العامة ... # جد المجلس في دراسة نصوص المعاهدات والتعاقدات العامة والخاصة المبرمة بين الحكومة ~~المصرية والحكومات الأجنبية ورعاياها ... # وأخذت الوزارات تعد مشروعات الإصلاح المختلفة لعرضها على المجلس في دور انعقاده القادم، ~~فكانت تنظر فيما يتطلبه النهوض بالتعليم، وتفكر في إنشاء مصرف زراعي ينتشل الفلاحين من ~~وهدتهم، وتعمل على إصلاح المحاكم المختلطة واختصاصاتها، كما تناولت قانون الانتخاب بالدراسة ~~لتعد قانونا جديدا يجعل للمحكومين الرقابة الفعلية على الحاكمين ... وقد أشرنا إلى ما أبدى ~~عرابي من همة في إصلاح شؤون وزارته وبث روح النهوض فيها ... # ولكن الوزارة كانت كلما تقدمت خطوة في إصلاحها ازدادت لهجة الصحف الأوربية في العيب ~~عليها والطعن فيها، واشتدت وطأة الساسة في نقد أعمالها، ونشطت دسائسهم من حولها، وكان على ~~رأس هؤلاء كلفن ومالت اللذان أدركا الآن - أو على الأصح وجها - إلى أن مهمتهما في مصر ~~أصبحت استعجال الحوادث تمهيدا للتدخل العسكري ... ~~••• # والحقيقة التي لا يماري فيها إلا المغرضون المبطلون أن البلاد كانت تشيع فيها روح الوطنية ~~الصادقة التي تبرهن على صدقها بالأعمال لا بالأقوال، ولو أنه قدر للوزارة السامية أن تسير ~~على هذا النهج لكان أثرها بعيدا في تاريخ مصر، بل وفي تاريخ القرن التاسع عشر كله، فلقد ~~كانت تعد المسألة المصرية من كبريات المسائل في ذلك القرن ... # وليس أبلغ في الدلالة على وجود الوطنية العاملة في مصر مما نهض به أعضاء مجلس الشورى من ~~جليل الأعمال في تلك المدة القصيرة التي عقد فيها جلساته «فإن أعمالهم في المجلس ومناقشاتهم ~~تدل على مستوى ممتاز في الكفاية والغيرة الوطنية، ms139 وسداد الرأي، فقد طرقوا في مقترحاتهم ~~ومناقشاتهم كل أبواب الإصلاح الذي تحتاج إليه البلاد في التعليم والقضاء والري والزراعة ~~والمالية والاقتصاد والإدارة والمواصلات، وكانت خطبهم ومناقشاتهم وجيزة واضحة المعنى، بعيدة ~~عن التطويل الممل والعبارات الجوفاء، وكانت لهم نظرات صادقة في كثير من الشئون وآراء صائبة ~~تدل على سلامة المنطق والإلمام بالنظام النيابي وحسن الإحاطة بالشئون الحيوية، اعتبر لهم ~~ذلك في مناقشتهم الخاصة بانتخاب الوكيلين والأغلبية المطلقة والأغلبية النسبية، وبحثهم في ~~علاج الخلل الذي كان موضع شكوى الجمهور في مصلحة المساحة، ومناقشتهم في علاج غلاء الأسعار ~~وتضخم المعاشات واستعجال إصلاح القضاء، ومقترحاتهم في نظام الري. وتأمل في الاقتراح الخاص ~~بمشروع خزان أسوان وملاحظاتهم السديدة على مشروع قانون امتيازات العرب ومناقشاتهم في مشروع ~~تعميم التعليم، تجد أنهم على قصر المدة التي اجتمع فيها المجلس قد بذلوا أقصى ما أمكنهم من ~~الجهد لأداء واجبهم، وبدت منهم رغبة صادقة في أن يتابعوا البحث والدرس في فترة عطلة المجلس، ~~وبرهنوا على أريحيتهم بما تعاهدوا عليه من أن ينشئ كل نائب مدرسة في بلده على نفقته، ~~فبرهنوا على روح طيبة في تقرير العلم والبذل في سبيل الصالح العام.» # 7 ~~••• # وكذلك نستدل على وجود الروح الوطنية في مصر يومئذ بهاتين العبارتين اللتين نوردهما وندعو ~~القارئ أن يتدبر فيهما. # أما أولاهما فهي ما كتبه دي فرسنيه في كتابه «المسألة المصرية» حيث يقول معلقا على مجلس ~~النواب واختصاصاته: «إن كتاب ذلك العصر اجتهدوا في أن يسخروا من طلب الذين كانوا يطلبون ~~توسيع اختصاص المجلس، حتى ليخيل إلى الذي يقرأ خطابات بعض الخطباء أن الوطنية المصرية كانت ~~في ذلك الوقت تلفيقا، وأن وادي النيل لم يكن يحتوي إلا على فلاحين تحني العصا ظهورهم. فكل ~~ما نرد به على هؤلاء الكتاب والخطباء، هو أن آباءنا كانوا أقل من هذا امتهانا للوطنية ~~المصرية في عهدهم، وذلك أن نوابنا في سنة 1840 لم يترددوا في أن يتكلموا في خطبهم عن ~~الرعاية الواجبة للوطنية المصرية الناشئة. فقد كانت هناك إذن وطنية مصرية ناشئة تستحق ms140 ~~الرعاية في سنة 1840، ولست في هذا مبالغا ولا أنا ممن يحبون المبالغة، ولكن لا ريب في أنه ~~كانت توجد في قلوب المصريين من أربعين سنة مضت مطامح كان من الممكن أن تراعى في حدود ~~معتدلة. تلك حقيقة لا تحتمل جدلا، غير أن الذين كانوا يقبضون على حظ مصر لم يكونوا يرون ~~من المصريين غير قوم مدينين، فلم يكونوا يعرفون في معاملتهم إلا مصلحة واحدة، هي مصلحة ~~الدائنين الأوربيين التي يجب أن تقدم على ما عداها. وبذلك لم ينتبهوا إلى أن مثابرتهم على ~~اعتبار مصر رهنا، وتدخلهم في شؤونها تدخلا أدى بحكومتها إلى أن تصير في أيدي الأجانب كانا ~~قد انتهيا على طول الأيام بأن يجرحا شعور الشعب المصري الذي هو شعب حي مهما يقل القائلون في ~~تعوده الطاعة والخضوع من أجيال.» ~~••• # وأما ثانية العبارتين فهي ما كتبه من باريس سنت هيلير إلى قنصل فرنسا العام في مصر في ~~السابع من أكتوبر سنة 1881 قال: «ليس من السهل علينا أن نقرر من هنا قوة هذه المطامح ~~الشرعية ولا كيف يمكن إرضاؤها، ولكن هذه المطامح حقيقية إلى أعظم حد، ومبررة من بعض ~~الوجوه إلى أعظم حد أيضا، فلا يمكن إهمالها ولا يمكن على الخصوص التفكير في خنقها.» # 8 # ليتدبر القارئ في هاتين العبارتين، وليتدبر فيهما كذلك من يريد أن يحكم على رجال ذلك ~~العهد وفي مقدمتهم عرابي، وليشفق على أنفسهم الذين يرمون عرابيا ورجاله بالفوضى والجهل ~~والأنانية، ليشفق هؤلاء على أنفسهم فلن يجدر بهم أن يظلوا يجهلون تاريخ هذا الرجل فيحملون ~~الذين يعلمون حقيقة هذا التاريخ على الاستخفاف بهم والزراية عليهم، فليس أدعى إلى الاستخفاف ~~بعقل رجل من أن تراه يجهل أمرا من الأمور ثم إذا هو يدلي فيه برأي قاطع في لهجة يتردد في ~~اتباعها الراسخون في العلم ... # ونضيف إلى هاتين العبارتين قول كرومر: «ليس هناك ريب في أن حركة عرابي كانت من بعض الوجوه ~~حركة قومية. وليس من شك كذلك في أنه لو ترك عرابي وأتباعه في القيام على الشئون ms141 من غير ~~مراقبة، فإن حالة من أشد حالات الاضطراب كانت تنشأ في مصر، وإن تدخلا أجنبيا مسلحا من ~~نوع ما كان يصبح ضرورة من الضرورات.» ~~••• # وغني عن البيان ما تكشف عنه عبارته الأخيرة مما يريد به أن يمحو أثر اعترافه بقومية ~~حركة عرابي، فهذا المؤرخ الإنجليزي الذي كان من أكبر أساطين الاحتلال لا يستطيع إلا أن ~~يمحو بشماله ما أثبته بيمينه ... # ما كان عرابي طائشا ولا داعية فوضى، ولكن كان زعيما مخلصا يعمل بوحي من وطنيته ويصيب ~~ويخطئ كما يصيب الزعماء غيره ويخطئون كل على قدر ما اجتمع له من الكفاية والمقدرة! # والخطأ والصواب من خصائص البشر ومردهما إلى العقل وسعته أو ضيقه، أما الصدق والإخلاص وما ~~إليهما من صفات الزعامة والبطولة فلا تسامح فيها ولا تهاون، بل لا يصح أن تكون هذه أمورا ~~يجوز فيها التفاوت إذا عقدت المقارنة بين زعيم وزعيم وبين بطل وبطل! وكيف يجوز في عقل أن ~~يكون هناك صدق ونصف صدق وإخلاص ونصف إخلاص؟ إن هذه أمور جلالها وجمالها بل وجوهرها في أن ~~تكون غير قابلة لزيادة أو نقص. وعلى الذين لا يزالون يخاصمون عرابيا أن يأتوا بدليل واحد ~~على كذبه أو مروقه، أما الخطأ والصواب فليقولوا فيهما ما يشاءون، وليس ما نعنى به خطأ ~~عرابي أو صوابه فليخطئ عرابي أو فليصب، ولكن لو أنه كما زعم خصومه كان مدعيا أو مداجيا ~~ولو في موقف واحد من مواقف حياته السياسية ما استطعنا أن نكتب عنه كلمة واحدة ... # ومع ذلك فبيننا وبين خصوم هذا الرجل حوادث هذه الثورة الوطنية على قدر ما علمنا من أمرها، ~~وهي كفيلة بأن ترينا مبلغ ما في مزاعمهم من خطأ ... # | أماني الصلح # لم يكن جهد أحمد عرابي منحصرا في المطالبة بالدستور، بل كانت تنطوي نفسه على كثير من ~~الأماني التي يتوق إلى أن يراها حقائق ماثلة أمامه. # كانت تخالج نفسه منذ صلته بسعيد باشا رغبات في الإصلاح مبعثها تعصبه لقوميته ذلك التعصب ~~المحمود الذي انبعث في نفسه مما كان يراه من ms142 حرمان بني قومه في وطنهم من كل ما يشعرهم ~~بالعزة والكرامة، بينما يتمتع بالسيادة أجلاف من الشراكسة، لم يكن لهم من حق في هذه البلاد ~~إلا أنهم بقية هؤلاء المماليك الذين اشتروا أول أمرهم كما تشترى السلع في ~~الأسواق! # وكان يفطن هذا الجندي الثائر أو هذا الوطني الصادق العقيدة إلى أن الإصلاح المنشود، ينبغي ~~أن يأتي من الأعماق فيبدأ بهؤلاء الفلاحين الذين هم عصب القومية المصرية، فمتى صلح حال ~~هؤلاء واستشعروا في وطنهم الكرامة والعزة، قامت القومية المصرية على أساس وطيد، ومضت مصر ~~قدما في طريق الرقي والمجد، وعزت على الطامعين والكائدين ... # وكانت أماني هذا الرجل تظهر في خطبه التي يلقيها في شتى المناسبات، فكان كثير الإشارة إلى ~~القضاء على الاستبداد والعناية بالعلم والمعرفة. ولكن شيئا أشبه بخطة موضوعة يتبين في حديث ~~له مع صديقه الإنجليزي مستر بلنت، ونحب أن يتدبر من يحبون عرابيا، ومن لا يزالون يكرهونه ~~في هذا الحديث، ففيه جانب شخصية هذا الرجل الذي مسخ البهتان والعدوان شخصيته، وما كان ~~الإنجليز - لعمر الحق - يرضون أن يكون عرابي داعية إصلاح وزعيم قومية، ويكونون هم من قضوا ~~عليه تحقيقا لمآربهم الاستعمارية ثم يدعون مع ذلك أنهم جاءوا لإصلاح مصر والقضاء فيها على ~~عوامل الفوضى ... لذلك عملوا على إنكار كل معنى من معاني الجد والنهوض في تاريخه، وتعمدوا ~~أن ينظروا إليه نظرة الرجل المدل بحكمته وتجربته إلى الطفل الذي يدعي لنفسه ما ليس له. ومن ~~أدلة ذلك أن الجهل والغرور في مقدمة الصفات التي ينعته بها كتاب الاحتلال، وإنهم ليعلمون ~~بينهم وبين أنفسهم أن همة هذا الرجل وجرأته وما كان يبتغي لقومه من ضروب الإصلاح جديرة بأن ~~تجعل منه زعيما أنجبته مصر، كما تنجب الأمم الزعماء، وأن تلك الصفات في أحمد عرابي المصري ~~الفلاح لن تختلف في جوهرها عما يعزى من صفات إلى أبطال الوطنية والقومية في غير مصر من ~~أمم الأرض. # قال بلنت بعد كلام طويل جاء في صدد شرائه حديقة الشيخ عبيد بين المرج والمطرية، ولنعد إلى ~~زيارتي ms143 التوديعية لعرابي قبل سفري. ففي هذه المناسبة تناولنا بالحديث جميع المسائل التي ~~كانت تدور فيها المناقشات وقتئذ بين رجال الحركة القومية والتي كانت تتضمن خططهم في سبيل ~~الإصلاح وآمالهم ومخاوفهم في الداخل والخارج. # وإن الأسابيع القليلة التي قضاها عرابي في منصبه السامي قد أكسبته نضجا وقوت عزيمته، ~~فتناول معي الأمور بكل ما يمكن من سداد في الفكر ولغة الحوار. # ولقد أكد لي تأكيدا وثيقا أنه وأصحابه الوزراء يتطلعون أكبر التطلع إلى تفاهم ودي مع ~~الحكومة الإنجليزية على كافة المسائل القائمة بينهم وبين وكلائها في القاهرة. على أنه اشتكى ~~في شدة من مالت وكلفن؛ فإن صنعهما الأخير والدور الذي أخذاه في معركة تشويه الحركة الوطنية ~~في الصحف البريطانية يدلان على عداوتهما ... ثم قال عرابي: إنه لن يقوم سلام في القاهرة ~~طالما أنه ليس لدينا غير هذين نتعامل وإياهما لأننا نعلم أنهما يدبران لنا السوء في السر ~~وإن لم يبد ذلك في العلن، وسوف ننأى بجانبنا عنهما كليهما، ولكن ليس معنى ذلك أننا لهذا ~~نريد أن نخاصم إنجلترا، فليرسل إلينا مستر جلادستون من يشاء غيرهما لنتعامل معه ونحن نتلقاه ~~مرحبين بأذرع مبسوطة. # وتكلم عرابي كلاما طويلا عن الإصلاحات التي كان يفكر فيها محمود سامي والوزراء، تلك ~~الإصلاحات التي وضع معظمها في ثبت الحسنات التي أسداها الاحتلال البريطاني إلى مصر والتي ~~ادعاها اللورد كرومر لنفسه. ومن أمثلة تلك الإصلاحات إبطال السخرة التي أنزلها الأغنياء ~~من الباشاوات الترك بالفلاحين وإبطال احتكار هؤلاء الأغنياء مياه الري عند زيادة النيل، ثم ~~حماية الفلاحين من زبانية الربا من اليونانيين الذين وضعوهم بين براثنهم معتمدين على عيوب ~~المحاكم المختلطة، وتناول التفكير في الإصلاح حتى ذلك العلاج الأخير لهذه النكبة الزراعية، ~~ذلك العلاج الذي طالما جعله اللورد كرومر من مفاخره بوجه خاص، ألا وهو إنشاء مصرف زراعي تحت ~~إشراف الحكومة ... # وتكلم عرابي فيما تكلم فيه من المسائل عن إصلاح العدالة التي تطرق إليها الفساد في صورة ~~مخيفة، وعن تعليم الرجال، بل وتعليم النساء كذلك، وعن طريقة الانتخاب التي تنتقى ms144 للبرلمان ~~الجديد، وعن مشكلة الرق ... # وقد تكلم طويلا عن هذه المشكلة الأخيرة، وذلك لأن الموظفين الأوربيين في الإدارة المختصة ~~بالقضاء على الرق، قد بدأوا كما بدأ غيرهم من الموظفين الأجانب يبدون مخاوفهم من أن النظام ~~الاقتصادي الجديد للحكومة الوطنية سوف يؤدي إلى إنقاص رواتبهم، ولذلك عمدوا إلى ادعائهم أن ~~نهضة الإسلام سوف تفضي إلى انتعاش تجارة الرقيق، وأظهر لي عرابي مبلغ ما في ذلك الكلام من ~~ضعف الحجة قائلا: إن الذين لا يزالون يمتلكون الرقيق في مصر أو الذين يريدون امتلاك الرقيق ~~إنما هم أمراء الأسرة الخديوية وأغنياء الباشاوات، أولئك الذين توجه ضد مظالمهم حركتنا ~~القائمة، حركة الفلاحين القومية، وإنه حسب مبادئ الحرية الجديدة سوف يكون الناس جميعا منذ ~~الآن سواسية لا فرق بينهم بسبب الجنس أو اللون أو الدين، وإن انتعاش تجارة الرقيق لهو آخر ~~شيء يمكن أن يتمشى مع هذه المبادئ ... # وتناول آخر الأمر ما يتصل بضرورة الاستعداد الحربي لما يتوقع من حرب، ذلك الأمر الذي كان ~~يعنيه بصفة خاصة لأنه جندي ولأنه وزير الحرب. وقد تحدث عن هذا في بساطة ونشاط ... # قال: إن الحكومة القومية سوف لا تضع السلاح أو تغفل عما يجب من الحذر حتى تتوطد دعائم ~~النظام الدستوري وتعترف به أوربا. وأعرب عن أمله ألا يتجاوز المخصصات الحربية التي اتفق ~~عليها مع كلفن، وألا يضطر أن يزيد عدد المجندين عن الثمانية عشر ألفا الذين تسمح بهم ~~الفرمانات، فإذا استمر تهديدهم بالتدخل المسلح فإنهم سوف يتبعون الأسلوب البروسي القائم ~~على فكرة قصر مدة الخدمة، وبهذا يصلون إلى إيجاد قوة كبيرة هي بمثابة جيش احتياطي تحت ~~السلاح. # وسألني عرابي رأيي عن مبلغ إمكان التصادم، فقلت في جلاء إنه كما يتبين لي مما تفاخر به ~~كلفن أمامي من نية العمل على وقوعه، ومن لهجة الصحف التي وجهها لتتمشى مع ذلك، فإن الخطر ~~حقيقي، وإن غرضي من ذهابي إلى إنجلترا هو أن أقضي على حملة الكذب التي بدأت، بكل ما في ~~وسعي. وسيكون ما أدعو إليه هناك هو السلام ms145 وخلوص النيات. ولكني من جهة أخرى لست أنصح له ~~إلا بأن يظل على ثباته وعزمه، فإن خير وسائل السلام أن يستعد المرء للدفاع، وإن كبار أعداء ~~مصر ليسوا بين صفوف رجال الحكومات كما هم بين صفوف رجال المال، وإن هؤلاء سوف يترددون ~~طويلا قبل أن يحرضوا على هجوم مسلح إذا عرفوا أن ذلك يعرض مصالحهم في مصر لخطر حرب طويلة ~~الأمد كثيرة النفقات، وإن أمة مسلحة قد عقدت العزم على الدفاع عن حقوقها لأمة يصعب أن ~~يبطش بها. وأذكر أني اقتبست له أبياتا من بيرون تبدأ بقوله: «لا تثق في طلب الحرية ~~بالفرنجة.» وقد وافق على ذلك الكلام موافقة قوية، وأظن أن ذلك كان آخر ما دار بيننا من ~~كلام، وقد وعدته أنه إذا وصلت الأمور إلى أسوأ ما تصل إليه فسوف أعود لآخذ بنصيبي بين ~~صفوفهم في المعركة من أجل الاستقلال.» # وبعد، فإن نظرة في هاتيك الأماني التي كانت تتمثل في خاطر أحمد عرابي ترينا بعد ما بين ~~هذا الرجل في صورته الحقيقية وبينه في صورته التي صورها المغرضون. # ثار هذا الرجل ثورته فأثبت في سجل القومية المصرية يوما لا يمحى هو يوم عابدين المشهود، ~~بل لقد أضاف أحمد عرابي بما صنع في ذلك اليوم فصلا إلى تاريخ الحرية في هذا الوجود ~~... # وظفر أحمد عرابي بالدستور، ثم التفت بعد الدستور إلى الإصلاح الاجتماعي في ظل هذا ~~الدستور، ثم رأى الإنجليز يتربصون به وبمصر، فأخذ يعد العدة للمقاومة، ولسوف يجد الجد ~~فتجتمع فيه آمال أمة وتتمثل فيه بطولة شعب يطلب الكرامة، ويرى التاريخ لأول مرة مصريين من ~~صميم قرى مصر يخوضون الحرب في سبيل مبادئ سامية. # فماذا كان يطلب منه أكثر من ذلك ليعترف له خصومه بالزعامة والبطولة؟ أكل ذنبه عندهم أنه ~~هزم؟ ألا ما أصدق قول القائل: «ولام المخطئ الهبل.» # على أن الخيانة والخنوع من جانب فريق من المصريين كما سنرى من الحوادث هي التي سوف تودي ~~به وبحركته ... # ولو أن عرابيا انتصر يوم التل الكبير، أو لو أن ms146 الخديو كان في صفه وكان المصريون ~~جميعا من ورائه وواتاه الحظ فظفر برد الإنجليز عن مصر، أكان يجد بنو مصر في تاريخهم رجلا ~~قبله يستحق أن يقرنوه به؟ # ألا إن خصوم هذا الرجل إنما يخاصمونه لأنهم يجهلونه فليقرأوا تاريخه في غير تحيز ~~وليطرحوا من نفوسهم ما بثه فيها الاحتلال، ومن أضلهم عن الحق الاحتلال ... # | مراوغة وتربص # جدير بنا ألا ننسى ما أسلفنا الإشارة إليه في أكثر من موضع، ألا وهو موقف الدولتين ~~إحداهما من الأخرى موقف المراوغة والمداراة، ذلك الذي كان طرفاه أول الأمر جمبتا ~~وجرانفل. # ولقد تغير هذا الموقف تغيرا أساسيا من جهة فرنسا حينما حل دي فرسنيه في الحكم محل ~~جمبتا، وذلك أن هذا الرجل قد انتهج في المسألة المصرية نهجا جديدا ما لبث أن بينه ~~لإنجلترا حين ولي الحكم ... # وقد ألقيت إلى فرسنيه مقاليد الحكم كما ذكرنا قبل أن يخلف البارودي شريفا بخمسة أيام، ~~فكتب إلى الحكومة الإنجليزية أنه لا يميل إلى أي تدخل عسكري في مصر، سواء أكان هذا التدخل ~~من جانب إنجلترا وفرنسا مجتمعين، أم من جانب كل منهما على حدة، وأنه كذلك يرفض كل الرفض أن ~~يقر أي تدخل من جانب الباب العالي. # ولعل جرانفل قد رأى فيه سياسة فرسنيه ما يسهل عليه الوصول إلى غرضه، مع ما قد يبدو لأول ~~وهلة من أنها تؤدي إلى عكس ذلك، وذلك لأنه يستطيع الآن أن يلزم دي فرسنيه بسياسته التي ~~وضعها بنفسه، بينما يلتمس هو الأسباب لتتدخل حكومته بمفردها، ولن يعدم أن يتخذ من الحوادث ~~مبررا لتدخله، فإن لم يجد فما أيسر خلق الحوادث واستغلالها ... حتى إذا سنحت الفرصة أفلت من ~~فرنسا وانقض على الفريسة وحده. # وإذا بدا لتركيا أن تتدخل فلتستتر إنجلترا خلف فرنسا؛ لأن فرنسا هي التي تعلن أنها تمانع ~~في تدخل الباب العالي، وأن إنجلترا لتمانع أكثر مما تمانع فرنسا حتى لا تعود مصر إلى حوزة ~~السلطان فتضيع على إنجلترا كل آمالها، ولكنها تلقي هذه الممانعة في مهارة على عاتق فرنسا ~~فتزداد نياتها ms147 خفاء، وتزداد في نفس الوقت قربا من غايتها. # وكان جمبتا يشير أبدا بالالتجاء إلى القوة ضد الوطنيين في مصر، ومن هنا جاءت المذكرة ~~المشتركة، وكان يرى أن تتدخل الدولتان سريعا تدخلا عسكريا في مصر، ولكن جرانفل تباطأ ~~وراح يبين له ما تنطوي عليه هذه السياسة من أخطار، وإنه ليخفي في نفسه ما يخفي. ولقد جاء ~~كلام جرانفل هذا إلى جمبتا في رسالة وصلته قبل سقوط وزارته بيوم واحد، وجاء في خاتمة هذه ~~الرسالة قوله: «إن حكومة جلالة الملكة توافق على أن للدولتين مركزا خاصا في مصر، وذلك ~~بناء على الاتفاقات الدولية وعلى الظروف القائمة، وإنها كذلك تعتقد أنه قد تنجم بعض ~~المتاعب من دعوة عدة دول في مسألة حكومية كهذه، ولكن حكومة جلالة الملكة تكل إلى الحكومة ~~الفرنسية أن تنظر فيما إذا لم يكن الموقف يتطلب الاتصال بالدول الأخرى كخير وسيلة لتناول ~~حالة من الحالات يتبين أنها ذات مساس بالفرمانات السلطانية وعلاقات مصر الدولية.» # وقد كانت السياسة الإنجليزية تدور منذ حملة بونابرت على مقاومة نفوذ فرنسا في وادي النيل، ~~ثم الاستيلاء عليها متى أمكن ذلك، وبخاصة بعد فتح قناة السويس، دون مراعاة أي شيء في سبيل ~~الوصول إلى هذا الغرض ... # واستفهم فرسنيه الحكومة الإنجليزية ماذا أرادته بذلك الاحتياط الذي أبلغته جمبتا بعد ~~موافقتها على المذكرة المشتركة، فكان الجواب أن الحكومة البريطانية تحتفظ لنفسها بتعيين نوع ~~العمل إذا لم يكن من العمل بد، وفي تقرير وجوب العمل أو عدم وجوبه على وجه العموم ~~... # ثم أراد جرانفل أن يخفف من وقع هذا الكلام في نفس فرسنيه، فذكر أنه ليس في مصر ما يدعو ~~إلى القلق فإن الوزارة الجديدة تجهر برغبتها في المحافظة على تعهدات مصر الدولية، وإذا وقع ~~ما يقتضي التدخل فإن الحكومة الإنجليزية تجعل أساس ذلك تضامن أوربا مع وجوب اشتراك السلطان ~~في كل خطوة وفي كل مفاوضة يؤدي إليها هذا التدخل. # وفي تلك الأثناء كان كلفن ومالت يحكمان دسائسهما في البلاد ويباعدان بين الخديو ووزرائه، ~~ولا يتوانيان في خلق الضرورة ms148 التي تقضي بالعمل! # وكانت الحكومة الإنجليزية التي تقف من فرنسا ذلك الموقف الذي أشرنا إليه تفكر في ذلك ~~الوقت في إعداد حملتها على مصر! ففي اليوم الخامس عشر من شهر مارس، أي بعد استلام البارودي ~~أزمة الحكم بأربعين يوما، زار مستر بلنت السير جارنت، ولسلي الذي سوف يكون عما قريب قائد ~~الحملة على مصر، فدار بينهما الكلام عن هذا المشروع، يقول مستر بلنت: «ففي اليوم الخامس عشر ~~من شهر مارس ذهبت لمقابلة سير جارنت ولسلي وجرت بيني وبينه محاورة تستحق أن تذكر في ~~اهتمام، فبعد حديث قصير عن قبرص اتجه الكلام إلى مصر، وما عسى أن يكون لدى القوميين من ~~مقاومة إذا وقع تدخل، وسألني رأيي في ذلك، فقلت إنهم بالضرورة سيحاربون، ولن يقتصر الأمر ~~على الجند، بل سيشاركهم الناس جميعا، وربما لجأوا بعد ذلك إلى وسائل أخرى، فرفض أن يصدق ~~أن الجيش سوف ينهض لحرب ما، فصممت على عكس ذلك وقلت له: إنهم إذا أرسلوه لقهر مصر فيجب عليه ~~أن يسير في ستين ألفا على الأقل، وبهذا قد بالغت في تصوير المسألة بلا ريب لأني أردت أن ~~أجعلها صعبة، بحيث إنه يجب على الحكومة أن تفكر مرتين قبل الإقدام عليها. ثم أخبرني من ~~تلقاء نفسه أنهم شاوروه مرتين أو ثلاثا أثناء الشتاء في احتلال عاجل، وأكد لي مع ذلك أنه ~~لا يحب التدخل، وأن القيام باحتلال مصر عمل لن يقابله الجيش بالاستحسان، وأنه هو نفسه سوف ~~يؤسفه جدا أن يناط به هذا العمل، وأعرب لي أنه خير لمصر كثيرا أن تسرح جيشها وتعتمد ~~على حماية أوربا، ولكني أخبرته بأني لا أستطيع أن أفصح للمصريين بذلك، وأن الأمة التي تنوي ~~الحرب نية صادقة قلما هاجمها عدو، فقال: إنه ليس هناك ما يسمى بالشرف في الحرب، وإنه إذا ~~كانت المسألة مسألة حرب فيجب ألا يثقوا بنا أكثر مما يثقوا بأية أمة أخرى ... ثم تكلم بعد ~~ذلك عن الطرق الحربية المؤدية إلى القاهرة كطريق بونابرت على الضفة اليسرى للنيل، ثم طريق ~~الصحراء ms149 بوجه خاص بين ترعة السويس والدلتا، ولقد شعرت أنه إذا ما أنزلت جنود إنجليزية في ~~مصر فعلا فإنها ستسير في الطريق الثاني، ولكني كنت حريصا ألا أدلي إليه بما يكون فيه أقل ~~فائدة له من المعلومات. ولم أبد إلا الضحك عندما سألني بين الجد والمزاح عما إذا كنت ~~أرافقه لأدله على الطريق إذا ما بلغت الأمور حدا ترسل معه حملة.» # ويكفي هذا الحديث وحده للدلالة على ما كانت تبيته إنجلترا لمصر وما كانت تراوغ به فرنسا ~~... # وبينما كانت تدبر الدسائس لمصر في الداخل والخارج، لم يكن للوزارة المصرية من وسائل ~~الدعاية شيء ما، فكان أعداؤها يتقولون عليها ما شاءوا وما شاءت لهم أطماعهم، حتى لقد ~~صور زعيم الحركة الوطنية في مصر أحمد عرابي صورا بلغت أقصى حدود الغرابة، فهو تارة رئيس ~~عصابة من المتمردين الخارجين على القانون والنظام، وهو طورا داعية إسماعيل اشتراه بالمال ~~ليعمل على إعادته إلى مصر، وهو بالإضافة إلى هذا عند بعض الإنجليز أسباني أو فرنسي في زي ~~مصري، إلى غير ذلك من الأقاويل التي لا ندري أنقابلها بالألم أم السخرية! # وانطلقت الصحف تذيع في الناس الأراجيف في غير حياء أو فتور، وليس لمصر لسان يدافع عنها ~~إلا بلنت، فلقد سافر هذا الرجل الحر كيما يقابل كل من لهم صلة بالمسألة المصرية ليريهم وجه ~~الحق في هذه القضية، وليصحح ما جاز على عقول بعض الساسة من خداع، وليكاشف الذين يدعون ~~أنهم لا يعلمون الحق بما يعلم هو من الحق لعلهم يرجعون إليه. # ولقد قابل جماعة من النواب ومن رجال المال، ثم ما زال يسعى حتى ظفر بمقابلة جرانفل وزير ~~الخارجية فتحدث إليه عما لديه من المعلومات ودافع عن قضية الحرية في مصر بكل ما في طوقه من ~~وسائل الدفاع، ولكن شد ما كانت دهشته وألمه عندما انطلق جرانفل نفسه يخبره أن لديه من ~~المعلومات ما يؤيد عنده أن عرابيا إن هو إلا صنيعة إسماعيل، وأن المسألة من أولها إلى ~~آخرها ما هي إلا سلسلة من الدسائس لإرجاع ms150 الخديو السابق إلى عرشه! # وعول بلنت بعد ذلك على مقابلة جلادستون، وقد كانت شهرته قائمة على أساس ميله إلى الحرية، ~~والأخذ بيد الشرقيين جميعا لينهضوا من سباتهم، فلما مثل بلنت بين يديه اندفع يتحدث عن ~~الحركة الوطنية في مصر في حماسة وطلاقة، وظل جلادستون صامتا ينصت إليه كأنه مقبل عليه مؤمن ~~بما يقول يقدره حق قدره، قال بلنت: «ثم سألني عن الجيش المصري، وسبب ظهوره في المسائل ~~الوطنية، فإنه خشي عاقبة ذلك، فأوضحت له تاريخ الحركة كلها، وأكدت له أن ما زعمه البعض عن ~~تدخل الجند أمر مبالغ فيه، وأن ما أذيع من الأنباء عن الجند وتوعدهم النواب ليست إلا ~~مفتريات، وقلت: إنه ليس هناك من سبب لما تبديه مصر من الاستعداد إلا خوفها من الاعتداء ~~والتدخل.» # ولكن ماذا كان ينتظر بلنت من جرانفل وجلادستون، ولم تكن المسألة مسألة إقناع وحجة؟ ماذا ~~كان يأمل بلنت ولم تكن المسألة ماذا يجب أن يعمل، وإنما كانت متى ينفذ ما انعقدت النية ~~عليه؟ # وإني لأحس فيما قرأته مما كتبه بلنت عن مقابلته لجرانفل وجلادستون أنهما كانا ينظران إليه ~~نظرتهما إلى غر لا يفهم ما يجب أن يتبعه الإنجليزي في معاملة الشعوب الشرقية، أو إلى ~~ناشئ في السياسة لا يدري أن الكلام شيء والخطط المرسومة شيء آخر ... # ولقد علق كرومر في كتابه «مصر الحديثة» على مساعي بلنت فقال: «ومن هؤلاء الذين عطفوا على ~~القضية نرى أبرزهم مستر ولفرد بلنت، ولقد عاش مستر بلنت زمنا بين المسلمين، وكانت له لذة ~~شديدة في كل شيء يتصل بهم وبدينهم، ويظهر أنه كان يعتقد في إمكان إحياء الإسلام على قواعده ~~الأصلية، وقد تصادف أنه كان في مصر في شتاء سنة 1881، 1882، فألقى بنفسه بكل ما تبعثه ~~الطبيعة الشاعرية من حماسة في جانب القضية العرابية وأصبح مرشدها وفيلسوفها، كما أصبح ~~الصديق لعرابي وأتباعه، ورأى مستر بلنت أنه كان يعنى بحركة هي إلى حد معين حركة قومية بلا ~~نزاع، وفشل في أن يفهم فهما كافيا تلك الحقيقة، وهي أن سيادة الحزب ms151 العسكري كان فيها ~~القضاء على العنصر القومي في الحركة. وكان في وقت ما يعمل وسيطا بين السير إدوارد مالت ~~والقوميين. # ولكن هذا الاختيار لم يكن موفقا، لأنه يتبين بأجلى وضوح مما ذكره بلنت في كتابه عن ~~مساعيه أنه فيما عدا بعض المعرفة باللغة العربية لم يكن على شيء من الصفات اللازمة لتحقيق ~~النجاح في مسألة لها ما لهذه المسألة من دقة وصعوبة، ولقد نصح للقوميين أن يعنوا بالجيش ~~وإلا غالتهم أوربا، وكان يعني النصيحة بلا ريب، ولكنها كانت في غير وقتها كما كانت خبيثة، ~~فلئن كان ثمة من خطر من جهة الغزو الأوربي فإن موطن هذا الخطر كان في انضمام الحزبين الوطني ~~والعسكري، أكثر مما كان في انفصالهما، ولقد كان من السهل على السياسي المجرب أن يدرك هذا، ~~ولم يكن للمستر بلنت تجربة سياسية ذات قيمة، وإنما كان رجلا متحمسا يحلم بيوتوبيا ~~عربية.» # هذا ما يراه كرومر في بلنت، وليس عجيبا أن يكون هذا رأي كرومر، وهو من أساطين الاستعمار، ~~في رجل مثل بلنت كان بلا مراء من كبار الأحرار، وإنما نورد رأي كرومر هذا لأنه يكشف عن جانب ~~من أساليب المستعمرين الإنجليز في محاولة طمس الحقائق في سبيل الوصول إلى ما يطمعون فيه من ~~أغراض، وهو من ناحية أخرى يشف عما كان يمكن أن يقابل به مسعى رجل مثل بلنت في دوننج ستريت ~~إبان تلك الظروف التي نتحدث عنها، ظروف مقاومة الوزارة الوطنية في مصر ... # ولم يكن ينتظر أن يصيب بلنت غير الفشل، وقد كانت وزارة جلادستون تتعجل الحوادث لتفلت من ~~فرنسا وتنفرد بوضع يدها على مصر حتى تخلص من الموقف الحرج الذي وضعها فيه فرسنيه، فلقد ذهب ~~هذا الوزير في تجنب العدوان على مصر إلى حد أنه كتب إلى قنصل فرنسا في القاهرة يأمره «أن ~~يلزم خطة التحفظ والحذر، وإن كان ذلك لا يمنعه من أن يحسن صلته بكل حكومة في مصر تحترم ~~الاتفاقات الدولية وتحافظ على النظام». # ولقد زاد فرسنيه على هذا أن استدعى المسيو دي بلنيير ms152 العضو الفرنسي في المراقبة لما كان ~~يعلم من مسلكه نحو الحركة الوطنية في مصر، وباستدعاء دي بلنيير خلا الجو لكلفن ومالت، ~~فراحا ينفثان سمومهما ويتعجلان الحوادث في غير أناة ولا استحياء. # ومضت إنجلترا تتربص بمصر كما يتربص الوحش بالفريسة، وبعد شهرين من سحب دي بلنيير وقع في ~~القاهرة ما عرف بحادث المؤامرة الشركسية. # وسيرى القارئ فيما يلي كيف استغل مالت وكلفن هذا الحادث العادي دون أي وازع من ضمير أو ~~قانون أو عرف، فلننظر ماذا كان من أمرهما وأمر الخديو في هذا الحادث الذي لولا أطماع ~~السياسة وتربص القوي بالضعيف ما كان ليثير شيئا مما أثار من متاعب للوزارة، وما كان ~~ليلد ما ولد من أحداث ... # | إعنات وإحراج # كان الإنجليز في مصر يعملون جهد طاقتهم لحساب دولتهم كما بينا، حتى إذا حانت ساعة ~~العمل لم يكن بينهم وبين فريستهم حائل ... ولقد ظلوا متربصين بمصر بعد أن نجحت وزارة البارودي ~~في حل مسألة الميزانية، ينتظرون أن تواتيهم فرصة فيعملوا على تنفيذ ما بيتوا. # وأخيرا وقع في مصر حادث ما نظن في تاريخ الاستعمار الأوربي كله أن استغل حادث كما استغل ~~هذا الحادث في قبح ما بعده قبح، على بعد ما بينه وبين السياسة العامة للبلاد، وذلك هو ~~حادث المؤامرة الشركسية المشئوم ... # نمى إلى عرابي وزملائه أن فريقا من الضباط الشراكسة يأتمرون به وأصحابه ليقتلوهم، فكان ~~أن قبضت عليهم الحكومة كما يقضي بذلك واجبها وساقتهم إلى المحكمة فقضت فيهم قضاءها ... # وليس في هذا الحادث ما يتصل بالسياسة العامة للبلاد بسبب من الأسباب، وما كانت أية وزارة ~~تستطيع أن تسلك فيه سبيلا غير ما سلكته وزارة البارودي ... # ولكن الطامعين المفترين ما لبثوا أن عادوا يملؤون الدنيا صياحا وتنديدا، وتهديدا ~~ووعيدا، فقد واتتهم فرصة جديدة بعد أن أفلتت من أيديهم أزمة الميزانية. # ونسي هؤلاء كل شيء إلا تحقيق أطماعهم من وراء هذا الحادث، فكان من أقوالهم وأفعالهم ما هو ~~خليق بأن يسمهم بميسم الخزي والعار، بل ما هو خليق بأن يساق بين أقوى الأدلة ms153 وأنصعها على ~~صحة مبدأ القائلين بأن هذه المدنية المزعومة قد أفسدت بني الإنسان فزادتهم قربا إلى ~~الحيوانية، بقدر ما باعدت بينهم وبين ما يرجى للآدمية من سمو ... # والحق لقد دل مسلك دعاة المدنية الأوربية على مبلغ ما يمكن أن يصل إليه غدر الإنسان ~~بالإنسان في عصرنا هذا، وما برح مثل عملهم هذا يوحي إلى ذوي الأحلام من البشر أن الإنسان لا ~~يزال هو الإنسان، وأنه إذا كان ارتقى في شيء ففي وسائل الكيد والبطش، أما غرائزه الأولى - ~~غرائز السيطرة والأنانية - فما زالت بحيث لم يطرأ عليها أي تهذيب على الرغم مما يحلم به ~~الخياليون من حماة الإنسانية ... # وإنا لا نجد في بيان مدى ما بلغه هؤلاء الساسة من انحطاط خيرا من أن نعرض المسألة في ~~وضعها كما حدثت مكتفين بذلك عن كل تعليق عليها، فما يمكن أن يبين كلام ما يقوم في الذهن أو ~~يعتلج في أطواء النفس، تلقاء هذا العدوان الشنيع ... # أراد الشراكسة المتذمرون من سياسة عرابي والمضللون منهم أن يقتلوه هو وأصحابه من كبار ~~رجال الحركة الوطنية، وقد نمى ذلك إلى علم عرابي من طلبة باشا عصمت قائد اللواء الأول، وهذا ~~علمه من أحد المتآمرين، وهو راشد أنور أفندي الذي خالف إخوانه فسارع إلى إفشاء سرهم ~~... # وفي اليوم الثاني عشر من شهر أبريل سنة 1882، قبض على تسعة عشر ضابطا وسيقوا إلى مجلس ~~عسكري ألف لمحاكمتهم بعد أن عرض الأمر على الوزراء وعلى الخديو، وقد جعلت رئاسة المجلس ~~للفريق راشد باشا حسني وهو شركسي، وقد اختير كما ذكر عرابي في مذكراته المخطوطة # 1 # لنزاهته وتقواه واعتداله ... # وبعد عشرة أيام بلغ عدد المقبوض عليهم ثمانية وأربعين، وكان من بينهم عثمان باشا رفقي ~~نفسه «وقد اعترف أحدهم وهو القائمقام يوسف بك نجاتي بالمؤامرة، وأقر بأن راتب باشا هو ~~مدبرها، وأنه أغرى الضباط الشراكسة بحضور عثمان باشا رفقي بقتل عرابي، واعترف بعض الضباط ~~المتهمين بما يؤيد اعتراف نجاتي بك.» # 2 # وقضى المجلس بإدانة أربعين رجلا منهم رفقي، فحكم بتجريدهم جميعا من ألقابهم ms154 ونفيهم إلى ~~أعالي النيل الأبيض في ربوع السودان ... وعوقب بهذا العقاب اثنان من المدنيين مع حرمانهما من ~~الحقوق المدنية، وأحيل خمسة على المحاكم الأهلية، وعوقب راتب باشا المدبر للمؤامرة كما رأى ~~المجلس بالحرمان من الرتب العسكرية والامتيازات والنياشين، ومنع من العودة إلى مصر، وإذا ~~عاد فينفى من فوره ... وذكر المجلس أن الخديو إسماعيل هو الذي حرك المؤامرة، واقترح أن ينظر ~~مجلس الوزراء في مرتباته ... ~~••• # اختلفت الآراء في بواعث هذه المؤامرة الشركسية، ومن هذه الآراء ما ذكره بلنت حيث يعزوها ~~إلى الخديو إسماعيل، الذي وكل بها رجلا عرف بعداوته القاسية للحركة الوطنية ووجوهها يدعى ~~راتب باشا، وكان إسماعيل يطمع أن يصل بهذه المؤامرة إلى العودة إلى عرشه ابتغاء القضاء على ~~القلاقل والفتن المزعومة التي عجز توفيق عن القضاء عليها كل العجز، وكان يمني نفسه بأن ~~توافق إنجلترا على ذلك فتقنع به تركيا أو تجبرها عليه ... # ويؤكد بلنت هذا الرأي قائلا: إنه عرفه من جملة مصادر منها إبراهيم بك المويلحي سكرتير ~~إسماعيل، ولقد أيد الشيخ محمد عبده هذا الرأي فيما جاء بكتابه إلى بلنت بعد سفره إلى ~~أوربا عن هذه المؤامرة قال: «أما فيما يتصل بالمؤامرة الشركسية على حياة عرابي باشا فليست ~~بذات خطر حقيقي، فإن الخديو السابق إسماعيل أكبر عدو رأته مصر والرجل الذي لا يزال يحقد على ~~ما بلغناه من سعادة، لا يفتأ منذ مدة طويلة يضع ألغام مؤامرته ليدمر حكومتنا الحالية ~~ظنا منه أن ذلك يمهد السبيل لعودته، ولكن الله القادر قد بعثر آماله أدراج الرياح، حيث ~~إن كل مصري يعرف أن عودة إسماعيل معناها خراب مصر.» # 3 # ولقد بدأت المؤامرة بتذمر الضباط الشراكسة في الجيش مما اتخذه وزير الحربية الجديد ~~أحمد عرابي باشا من إجراءات الترقية، زاعمين أنها إجراءات ظالمة تنطوي على الكيد لهم ~~والانتقام منهم، لا عن جريرة ارتكبوها ولكن لأنهم ليسوا مصريين، ومما غاظهم كما زعموا إلحاق ~~بعضهم بالمناصب الخالية بالجيش المصري في السودان ... # والذي يقف على أساليب السياسة الإنجليزية الماكرة في تعكير كل جو ترى ms155 مصلحتها في ~~تعكيره لا يستبعد أن يكون لمن كان يقيم بمصر من الإنجليز يومئذ أثر كبير في الإيحاء إلى ~~هؤلاء الشراكسة بهذه الآراء لكي تشيع فيهم الفتنة، ثم تجاوزهم إلى المصريين فلا تصيب ~~الذين ظلموا منهم خاصة ... # ومما يميل بنا إلى الاعتقاد في صحة هذا القول الذي نقول - فضلا عما أسلفنا بيانه من ~~سوابق السياسة الإنجليزية - ما رمى به الإنجليز الوزارة الوطنية من التهم على ألسنة ~~صحفهم ومندوبيهم في مصر، وبخاصة ما ذكروه من الإفك حول الجيش وسيطرته على كل شيء. # والواقع أنه لم يكن فيما فعل عرابي إلا ما يقتضيه تطبيق القوانين العسكرية الجديدة التي ~~وافقت الحكومة السالفة عليها، فإن تلك القوانين تنص على وجوب إحالة المرضى والذين بلغوا ~~سنا معينة على الاستيداع، ولقد دافعت الوزارة بهذا، ولكن الخراصين المناوئين لم يحملوا ~~هذا العمل إلا على الرغبة في الانتقام ... # ولقد كان ممن نقلوا إلى السودان ستة وثمانون من المصريين وتسعة من الشراكسة فحسب وستة من ~~الأتراك، فأي معنى للكيد والانتقام في هذا؟ # ونحن إذا جارينا هؤلاء الكائدين لمصر وحركتها فيما زعموه من أن الوزارة متهمة فلا تصدق ~~فيما تورده دفاعا عن عملها، فإن فيما كتبه الشيخ محمد عبده إلى صديقه مستر بلنت في كتابه ~~المشار إليه أقوى دليل على براءة عرابي والوزارة السامية مما اتهمت به؛ قال: «أما عن ترقية ~~الضباط التي لا تزال تلغط بها الصحف الأوربية فاسمح لي أن أشرح لك الحقائق، فأول كل شيء إن ~~هذه الترقيات ليست من عمل عرابي باشا وحده ولا كانت رشوة يقصد بها اجتذاب الضباط نحو ~~عرابي، فإنها كانت نتيجة للقوانين العسكرية الجديدة التي تقضي بأن يحال على المعاش من ~~يبلغون سنا معينة ومن يصابون بالمرض أو التقاعد أو العجز، وقد بدأ تنفيذ هذا القانون من ~~عهد شريف باشا ووضع في قائمة الإحالة على المعاش ثمانية وخمسون وخمسمائة ضابط، ثم أرسل ستة ~~وتسعون إلى حدود الحبشة وإلى زيلع وأماكن أخرى، وأخرج من الجيش نحو مائة ضابط ألحقوا ~~بالوظائف المدنية، ويبلغ عدد ms156 هؤلاء جميعا أربعة وخمسين وسبعمائة ضابط، فكان من الطبيعي إذن ~~أن تجرى ترقيات لملء المناصب الخالية، ولا يزال في الجيش خمسون منصبا يحتفظ بها لخريجي ~~المدرسة الحربية.» # هذا ما ذكره الشيخ محمد عبده ومنه يتبين الحق في هذه المسألة. على أننا لو فرضنا أن ~~عرابيا قد آثر المصريين بالرقيات وتخطى بذلك نفرا من الشراكسة، فلن يكون في رأينا مخطئا ~~حتى في هذا العمل. فحسب هؤلاء الشراكسة ما نالوه من حظوة طوال العهود السابقة، وبخاصة في ~~عهد رفقي، وذلك على ما كانوا يضمرونه وما كانوا يبدونه من حقد واحتقار لمصر والمصريين، وحسب ~~المصريين وهم أبناء البلاد الذين تجبى منهم الضرائب ما ذاقوا من هوان ومذلة على أيدي هؤلاء ~~السادة الذين استنزفوا دماءهم، واتخذوا منهم عبيدا وإماء ... # وماذا كان ينتظر من عرابي غير أن يطبق القانون، وهذا أقل ما يفعله رجل هو زعيم ثورة كان ~~هذا القانون ثمرة من ثمارها؟ ماذا كان ينتظر من ذلك الذي ظل طول عمره ناقما على حرمان ~~المصريين في الجيش واستئثار الشراكسة فيه بالخير، فلم يكف عن الشغب على هؤلاء الشراكسة ~~الباغين منذ أن كان جاويشا ليس له من الأمر شيء ولم يفتر عن مقاومتهم ومصاولتهم في كل ~~خطوة خطاها في سلك الجيش حتى انتهت إليه زعامته؟ # أجل، ماذا كان ينتظر من هذا الرجل، وما كان حقده على هؤلاء في يوم ما صادرا عن صغار أو ~~أنانية، وإنما كان مبعثه ما يحس في أعماق نفسه من حماسة وطنية وغيرة قومية هما في مقدمة ~~ما كان يتصف به من صفات؟! # ومهما يكن من الأمر فما كان عمل عرابي في أية صورة له، مما يقابل بالقتل! ولا كان تقديم ~~المتآمرين إلى المجلس العسكري مما يستأهل كل ذلك السباب الذي راحت تنبح به جوقات ~~الاستعمار، وهل نسي هؤلاء أن عرابيا وصاحبيه قد قبض عليهم في صورة مخزية غادرة تبعث على ~~الاشمئزاز والسخرية، لمجرد أنهم تقدموا ليرفعوا شكواهم إلى أولي الأمر مما كانوا يحسونه من ~~إجحاف بحقوقهم دون أن يفكروا في ms157 قتل أحد أو العدوان على أحد؟ # وكيف لا يستحي دعاة الاستعمار من أن يلوموا هذا الرجل بالأمس ويتهموه بالفوضى لمجرد أنه ~~شكا أمره إلى رؤسائه، حتى إذا قبضت الحكومة عليه عد ذلك منها عين الصواب، ثم يعودون اليوم ~~فينددون به ويستصرخ بعضهم بعضا عليه لا لشيء إلا لأنه يقدم إلى المحاكمة فريقا ممن ~~يتآمرون على قتله! ألا ما أشد ما تحسه النفس من ضيق وغيظ تلقاء هذه المقارنة بين ~~الموقفين! # واتت الفرصة كلفن ومالت وأشياعهما من الثعالب وبنات آوى، وهيهات أن تواتي الإنجليز فرصة ~~فيضيعوها، لذلك ما كان أسرعهم إلى استغلال الحادث فبدأوا أولا يذكرون التعصب الأعمى، ثم ~~انتقلوا إلى ذكر الفوضى الحكومية، وعدوا ترقية الوطنيين مظهرا من مظاهر الرشوة التي ~~أريد بها التأثير في رجال الجيش كي يكونوا على استعداد عند أول صيحة، ثم رأوا في محاكمة ~~الشراكسة مظهرا من مظاهر الظلم والاستبداد الغاشم قائلين في منطق عجيب ليس مثله في معنى ~~الصفاقة والتبجح: إن المؤامرة وهمية لم توجد إلا في رأس عرابي، وإن الغرض منها لم يكن سوى ~~التخلص من الشراكسة بأي وسيلة، وإن المحكمة العسكرية التي فصلت في الأمر كانت جلساتها سرية ~~فكانت تعمل بما يشير به عرابي، لذلك جاء حكمها في منتهى القوة بحيث لا يقل عن الإعدام، ولم ~~يكفهم ذلك حتى يدعوا في جرأة وفي إمعان في القحة أن عرابيا كان يذهب إلى السجن فيعذب ~~هؤلاء الشراكسة أيام المحاكمة ويشفي غليل نفسه بمنظر ذلتهم وخضوعهم ... # ولقد جعل الأفاكون الخراصون هذه المحاكمة من أكبر سوءات ذلك العهد ومن كبائر خطيئات ~~عرابي، وحذا المؤرخون من الإنجليز حذو الساسة في موقفهم من هذه المسألة، وما كان ينتظر ~~منهم أن يفعلوا غير ذلك، ومن هؤلاء كرومر، وهو رجل كان بحكم صلته برجال ذلك العهد جميعا ~~يعلم حقيقة الأمر، ومع ذلك طاوعه ضميره على أن يقول في كتابه «لم يظهر دليل جدير بالتصديق ~~ولا ظهر دليل على أن تهمة المؤامرة كانت تهمة حقيقية، وكان حكم المحكمة العسكرية وثيقة ~~وحشية تحمل ms158 طابع المظاهرة السياسية أكثر مما تحمل طابع الحكم القضائي، وكان عرابي كثير ~~الظنون شأنه في ذلك شأن كل جاهل من الرجال، ولم تعش المؤامرة على قتله إلا في خياله هو ~~فحسب.» # هذا الذي شاء أدب كرومر أو على الأصح شاءت سخيمته أن يكتبه مع علمه باعتراف بعض المتآمرين ~~بالتهمة ... # ولقد أخذ بعض المؤرخين من المصريين هذا الكلام المرسل على عواهنه وشايعوا الإنجليز - ~~وا أسفاه - في رأيهم هذا في عرابي كما شايعوهم في غير هذا من الآراء، الأمر الذي يؤلم النفوس ~~أكبر الألم، فليس يعنينا ما يقول خصوم الوطن وخصوم عرابي، ولكنا نضيق كل الضيق أن تجوز ~~الأباطيل على المصريين في رجل منهم، ومن هنا ضاع تاريخ عرابي وأنكره بنو قومه، ونجح ~~الاحتلال في مآربه فساق الجيل الذي خلف جيل عرابي كما يحب، فأضاف هؤلاء إلى عيب خضوعهم ~~للدخيل فضيحة مشايعته فيما يسبهم به في شخص بطل من أبطالهم! ... # ويجدر بنا أن نضع أمام عيني القارئ بعض ما كتبه الشيخ محمد عبده تعقيبا على المؤامرة ... ~~قال في كتابه إلى بلنت: «كانت الوزارة يخالجها منذ زمن طويل شبهات عما عسى أن ينجم من شر، ~~فمنذ أن عاد راتب أول مرة إلى مصر، طلب البارودي رئيس الوزراء الحالي وكان يومئذ وزير ~~الحربية، من شريف باشا في حضرة الخديو إخراج راتب، فقد داخلته الريبة بسبب أن راتبا ترك ~~الخديو السابق فجأة في نابلي، ولكن شريفا رفض ذلك على الرغم من أن البارودي حمله تبعة ما ~~عسى أن يقع من الحوادث يوما ما، وكان ذلك لأن راتبا كان صهر شريف، وربما كان شريف لذلك ~~يرى رأيه في العمل على إعادة إسماعيل.» # ثم قال الشيخ محمد عبده: «وقد أحدث هذا الحادث شيئا من الهياج بين عامة الناس. إن كل ~~امرئ يعلم أن حياة عرابي معرضة للخطر كل يوم كحياة غيره، كما أنه لا يتفق لرجل مهما يكن ~~من عظمته ألا يكون بين الناس من يريده بالسوء، ولكننا لا يسعنا إلا أن نضحك إذا أعلن أن ~~إنجلترا ms159 على وشك الفوضى لأن أحد المجانين من المدنيين أو من العسكريين حاول قتل ~~ملكتكم.» # وليت هؤلاء المغرضين قد اقتصر أمرهم على الكذب والاتهام، فلم يخطوا تلك الخطوة النكراء ~~التي أكدت القطيعة بين الخديو والوزراء وعجلت الكارثة للبلاد، وما كانت ادعاءاتهم إلا مقدمة ~~بدأوا بها ما كانوا يبيتون من المكر السيئ ... يقول في ذلك بلنت: «وفي تلك الأثناء بلغت ~~الحوادث في مصر مبلغا عظيما من الحرج بسبب المؤامرة الشركسية التي وصلت أنباؤها لندن في ~~الأسبوع الثالث من أبريل، ولم أعرها أول الأمر كثيرا من الاهتمام، وأخذتها على أنها ~~إحدى الشائعات التي كانت تذاع يومئذ، ولكن سرعان ما أصبحت ذات خطر كبير لا من حيث هي في ~~ذاتها، ولكن بوجه خاص لأنها أمدت رجالنا السياسيين بالفرصة التي طالما ترقبوها، لكي يوقعوا ~~الخلاف الصريح بين الخديو ووزرائه، وكان مالت يومئذ قد خضع تمام الخضوع لكلفن، وصار منذ ذلك ~~الحين يهتدي في حركاته حتى النهاية بما يعرض كلفن من آرائه الإنجليزية الهندية.» # عرض قرار المحكمة العسكرية على الخديو فأسقط في يده، أيوافق على هذا الحكم فيظهر أمام ~~الإنجليز أنه يظاهر وزراءه فيخسر الذين يظاهرونه هو، أم يرفض التصديق عليه فيرضي الإنجليز ~~ويقضي على كل أمل في إرضاء عواطف الوطنيين؟ # وكان مالت قد أشار عليه برفض هذا الحكم الذي ينطوي على القسوة والظلم على حد قوله، ~~وللقارئ أن يقدر مبلغ ما في هذا التدخل من تطفل وقحة؛ إذ ما شأن مالت وهذا الحكم مهما كان ~~ظالما كما يزعم؟ وإنهم ليعلمون أن جلسات المحاكم العسكرية كانت سرية حتى في عهد المراقبة، ~~وأن الخديو لا يملك رفض أحكامها، وكل ما له من حق في هذا الصدد هو تخفيف تلك الأحكام بعض ~~الشيء بعد التصديق عليها ... # حار توفيق واشتدت حيرته ورأى الأمر جد خطير، وأي شيء أخطر من أن يتحدى وزراءه في غير حق ~~وفي موقف كهذا تحيط فيه بهم الدسائس من كل جانب ويعترض طريقهم من الصعاب ما يتطلب تذليله ~~جهودا متواصلة. # لذلك وقف الخديو أول الأمر ms160 موقفا مبهما، وسرعان ما شاعت الشائعات عنه من ناحية، وعن ~~الوزارة من ناحية أخرى، وكلما مر يوم ازدادت ريبة الوطنيين وتعاظم غيظهم وغضبهم، ووجدت ~~الدسائس الجو الصالح لنجاحها، فنشطت نشاطا كبيرا، ولازم مالت الخديو يوحي إليه ويوسوس ~~له. # ولم تطل حيرة توفيق؛ فإنه آثر جانب مالت، وخطا بذلك خطوة أخرى من خطواته التي كانت تعجل ~~سير الحوادث أبدا نحو الغاية التي رسمها الإنجليز والتي كان بلوغها من جانبهم معناه ~~التهام مصر وازدراد تلك اللقمة التي طالما منت إنجلترا نفسها بازدرادها ... # ولعلنا نذكر من مواقف توفيق السالفة ما كان يدفع به الحوادث في طريق العنف والثورة دفعا، ~~فهو الذي أدى إلى انضمام الحزبين العسكري والوطني وتضافرهما يوم تنكر للدستور، وأخرج ~~شريفا من الوزارة، وهو الذي تقع على عاتقه قبل غيره مسؤولية مظاهرة عابدين، ثم هو الذي قبل ~~المذكرة المشتركة فأحبط أعمال شريف للمرة الثانية وصدم الوطنيين صدمة لم تدع لهم بعد رجاء ~~فيه. # وليس بعجيب أن تكون خطى توفيق كلها مفضية إلى الاقتراب من الكارثة، فهو إنما يعمل بوحي من ~~الإنجليز. وقد عين هؤلاء الهدف الذي يقصدون إليه بسياستهم، وكان الخديو قد دان بمبدأ نحسب ~~أنه جرى في نفسه مجرى العقيدة، وذلك أن يؤثر جانب الإنجليز في كل شيء لأن في ذلك كما توهم ~~منجاته من الصعاب التي كانت تحيط بعرشه. # رأى الخديو كما أوحى إليه مالت أن حكم المجلس العسكري على المتآمرين من الشراكسة حكم لا ~~يسعه الموافقة عليه، ورأت الوزارة من جانبها أنها سلكت في المسألة منذ بدايتها مسلكا لا ~~غميزة فيه، فهي بذلك تتمسك بالحكم الذي أصدره المجلس، هذا إلى أن رفض الحكم من شأنه أن ~~يضيع هيبتها وينتقص من نفوذها، ثم إنها إلى ذلك ترى التحيز واضحا من جانب الخديو، ذلك ~~الذي كان يتشدد بالأمس أعظم التشدد يوم سيق عرابي وصاحباه إلى السجن لا لشيء سوى أنهم شكوا ~~إلى أولي الأمر حالهم ... ومن هنا قامت أمام البلاد مشكلة من أدق المشاكل وأخطرها ... # وكان الذي يغضب الأمة والوزارة ms161 في الواقع أشد الغضب وآلمه تدخل الإنجليز في تلك ~~المسألة التي لا صلة لهم بها ولا شبه صلة، وأحست الوزارة أن غرضهم هو إحراجها فحسب، ومن هنا ~~اتخذت المشكلة مظهرا دقيقا غاية الدقة، خطيرا كل الخطر، فلقد وجد الوطنيون البلاد ~~تلقاء موقف ... تمتحن فيه الكرامة الوطنية، والعزة القومية، ورأوا الظروف تعود من جديد فتظهر ~~للخديو أن لا سبيل له إلا سبيل الوطنيين لأنه بانحرافه عن هذه السبيل إنما يطعن البلاد طعنة ~~نجلاء في صميم قوميتها. # ولقد فرح المستعمرون لا ريب أن تتعقد المشكلة على هذا النحو، وزاد فرحهم أنها من صنع ~~أيديهم، لذلك كانوا لا يألون جهدا في العمل على تفاقمها بكل ما وسعهم من مكر وخبث، وراحت ~~صحفهم تزيد نار الخلاف اشتعالا لا تتورع ولا تتوانى، ومن ورائها رجال السياسة ورجال المال ~~يصورون مصر في أشنع حالات الفوضى والاضطراب، فلقد سيطر رجال العسكرية وسيطر زعيمهم عرابي ~~على كل شيء حتى ما يقف في طريقه حائل من قانون أو التزامات حتمتها الديون والظروف على مصر ~~... # وكان الخديو في الواقع تلقاء آخر فرصة يستطيع أن ينقذ بها مصر مما كان يبيت لها، ولكنه ~~ألفى نفسه سليب الإرادة أمام إرادة الإنجليز، بل إنه في الحق قد فرح أن يلطم وزارة ~~البارودي لطمة يتخلص بها منها ويتخلص من عرابي الذي بات يغار منه أشد الغيرة ويمقته أشد ~~المقت حتى ما يطيق أن يسمع اسمه. # وليت توفيقا تحرك من تلقاء نفسه، إذن لهان الخطب وخفت وطأة البلوى على النفوس، فقد كان ~~يمكن أن يقال يومئذ إنه ارتأى رأيا، وإنه ينتوي الخير أو ينتوي الشر حسبما يرى، ولكنه ~~وا أسفاه كان يقوى على الوطنيين بضعفه، فلم يكن يريد شيئا وإنما كان يراد له كل ما يأخذ أو ~~يدع من أمر ... # وبدا لمالت فأوعز إلى الخديو أن يتخلص من المأزق بعرض الأمر على السلطان، وحجته أن عثمان ~~رفقي يحمل لقب الفريق، فلا يجوز لأحد غير السلطان أن ينزع منه هذا اللقب، وسرعان ما فعل ~~توفيق كما ms162 أشار به مالت فزاد الأمور ارتباكا وتعقيدا. # ولقد أخطأ مالت خطأ كبيرا فيما أشار به، فإنه جرجر بذلك تركيا إلى الدخول في ذلك ~~النضال، الأمر الذي كانت تحذره الدولتان أعظم الحذر، وإن كانت إحداهما تخفيه، بينما الأخرى ~~لا تتحرج من أن تعلنه في كل مناسبة وتبديه ... # أما الوطنيون فقد غضبوا لذلك أشد الغضب، ورأوا فيه ضربا جديدا من لؤم مالت، فأجمعوا أن ~~يمنعوا تدخل تركيا مهما كلفهم ذلك من وجوه الصعاب والمشاق. وبلغ الغضب برئيس الوزراء أن ~~أعلن في عزم وتصميم: «أنه إذا أرسل الباب العالي أمرا بنقض حكم المجلس العسكري على ~~الشراكسة السجناء، فإننا لن نطيع هذا الأمر، وإذا أرسل الباب العالي من قبله مندوبين، فسوف ~~لا نسمح لهم أن يهبطوا مصر، وسوف نردهم بالقوة إذا لزم الأمر.» # 4 # وهذه لا ريب ثورة غضب من البارودي نعدها من أخطائه، فلقد أفضى بهذا التصريح إلى مالت، ~~وهذا أرسله إلى حكومته وإنه لشديد الاغتباط به إذ يسوقه دليلا على أن الأمور قد بلغت غاية ~~الحرج، ثم إنه يسوقه من جهة أخرى دليلا على صحة ما ذكره مرارا وهو تسلط زعماء الجيش ~~واستهتارهم بكل سلطة. ولم ينج عرابي من حملات الكائدين له، وحمل مسؤولية هذا التصريح ~~كأنما كان هو قائله، وأرجف المرجفون أن البارودي إنما يعمل بوحي من عرابي الذي يعد الحاكم ~~الحقيقي للبلاد! ... # الحق أن البارودي قد أساء إلى القضية إساءة كبيرة بهذا التصريح. فهو فضلا عما ذكرنا، ~~إنما يتحدى السلطان في ذلك الوقت العصيب فيضيف إلى أعدائه عدوا جديدا، وإن الذي يحيط به ~~الأعداء من كل جانب لجدير به أن يحتال ليستل السخائم من صدورهم، أو ليكسب من الأعوان ~~والأصدقاء من يكونون له في الشدة قوة وسندا. # وكانت النتيجة المباشرة لهذا التصريح استحكام الأزمة بين الوزارة والخديو، فلقد رأى توفيق ~~أنه أصبح في الواقع وليس له من الأمر شيء، فإذا كان البارودي يقف هذا الموقف في وجه السلطان ~~نفسه فكيف إذا جاءت المعارضة من الخديو؟ وهذا هو المعنى الذي لا ms163 يفتأ مالت وأعوانه يوحونه ~~إلى الخديو في تلك الأزمة العصيبة. # ولو كانت الوزارة أصرت يومئذ على موقفها من العناد والصرامة لحملت قسطا كبيرا من ~~التبعة عن تعقد الأمور وتحرجها، ولكنها ما لبثت أن خطت خطوة حميدة حقا كانت تنطوي على ~~كثير من الكياسة وبعد النظر، فإنها تقدمت إلى الخديو تقترح أن يخفف هو الحكم من تلقاء نفسه ~~دون الرجوع إلى تركيا أو غيرها. والوزارة ترضى أن ينفى المحكوم عليهم من مصر إلى أي جهة من ~~الجهات دون أن تمس رتبهم أو ألقابهم، وإنما تستبعد أسماءهم من سجلات الجيش المصري ... # وهذا المقترح لا ريب دليل صادق على حسن نية الوزارة ورغبتها في أن تنتهي المسألة وتنجو ~~البلاد من كيد الأعداء، وهي فيما تقدمت به على هذا النحو متساهلة في الواقع أكبر التساهل، ~~فما دام المجلس العسكري قد حكم بإدانة هؤلاء فإن إبعادهم من البلاد يقتضي إبعادهم من سجلات ~~الجيش، ولكن الخديو وا أسفاه قد تنمر وتنكر، فرفض أن يجيبها حتى إلى هذا الاقتراح ~~... # وكان مالت من ورائه لا ينفك يوسوس له ويزين فعل السوء، وكان جرانفل قد أنكر من مالت ما ~~أشار به على الخديو من دعوة تركيا إلى التدخل، فكتب إليه أن يسير على وفاق مع ممثل فرنسا، ~~وفي هذا تلميح إلى ما كان في سياسته من خطأ، وكان ممثل فرنسا يسير بوحي من فرسنيه، ولكن ~~عز على مالت أن يتراجع بعد هذه الخطوات فينقض ما نسجه من غزل بيده، فانظر إليه كيف يخلع ~~النقاب على صورة قل أن يوجد مثيل لها في سجل السياسة العام فيكتب إلى جرانفل قائلا: ~~«اسمحوا لي أن ألاحظ أنه عند النظر في الخطة التي يجب أن يسلكها الخديو بإزاء حكم المجلس ~~العسكري يجب أن نلقي نظرة عامة على الحال كلها، وأن نذكر أن الوزارة الحاضرة تسعى لتضييق ~~نطاق الحماية الإنجليزية الفرنسية، وأن نفوذنا آخذ كل يوم في النقصان، وقد يستحيل علينا أن ~~نستعيد سلطتنا العليا حتى تخضد شوكة الحكم العسكري الذي يرزح القطر تحته ms164 الآن، وفي اعتقادي ~~أنه لابد من حدوث ارتباكات شديدة قبل الوصول إلى حل مرض للمسألة المصرية، وأن الحكمة تقضي ~~باستعجال هذه الارتباكات لا بتأجيلها.» # 5 # وأي كلام يمكن أن نعلق به على هذا الذي يقول مالت، وبخاصة تلك الحكمة التي يشير إليها؟ ~~أهكذا تطغى المطامع على القول والقلوب حتى تجعل من الحكمة استعجال الارتباكات؟ ولكن خرافة ~~الذئب والحمل لن تزال أبدا الأساس الذي يقوم عليه منطق الكلام بين القوي والضعيف في هذا ~~الوجود! # وأي دليل أبلغ من هذا على صحة ما ذكرناه وما يذكره كل منصف عن السياسة الإنجليزية تجاه ~~مصر منذ كان لها في هذا الوادي أطماع؟ ألا إنا لنقرر تلقاء هذا في غير تردد أن هذه السياسة ~~اللئيمة كانت خليقة بأن تقابل من جانب الوطنيين بكل مقاومة، بل إنها لسياسة كان يغتفر في ~~مقاومتها يومئذ كل عنف، ويجب أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول إنها سياسة كان لا يغتفر معها ~~الاعتدال ولا تمتدح الحكمة، إن كان الاعتدال والحكمة معناهما إقرار المذلة ومقابلة الغدر ~~واللؤم بالصفح والمغفرة! # ولكن بعض الناس لا يزالون يأخذون على عرابي وحزبه تشددهم وعدم مصانعتهم خصومهم، ويعدون ~~إباءهم الوطني من السيئات التي لا تغتفر ولا تنسى، وما نظن أن هؤلاء الناس يعلمون ما كانت ~~تبيته السياسة الإنجليزية لوطنهم من غدر وإذلال، فمن أصعب الأمور أن يتصور المرء قبولهم ~~الذلة على أوطانهم حتى ينكروا على الوزارة ما فعلت ... # ورأى جرانفل أن يشايع فرسنيه في هذه المسألة، وكان يرى فرسنيه أن يخفف توفيق الحكم كما ~~ترى الوزارة فتنتهي الأزمة، ولكن كيف يدع مالت الفرصة تمر وهي من صنع يديه؟ وكيف يطيق أن ~~تخرج الوزارة من الأزمة ظافرة فيكون ظفرها في الواقع هزيمة له؟ لذلك لم يزل بتوفيق حتى وقع ~~على أوراق الحكم بنفي المتآمرين إلى خارج البلاد لا إلى السودان مع عدم استبعاد أسمائهم من ~~سجلات الجيش، ومعنى ذلك أن النفي مؤقت ... # وتلقت الوزارة اللطمة وتلقتها معها البلاد، وآلم عرابيا وضباط الجيش من الوطنيين هذا ~~الترفق ms165 بالمتآمرين، وقد كان عرابي ومن شايعه على وشك أن يفقدوا رؤوسهم بالأمس أو ينفوا ~~إلى أقصى السودان لأنهم شكوا من سوء ما صنع بهم رفقي ... # وأعلنت الوزارة على لسان رئيسها أن لابد من قرار يلغي هذا القرار حتى تمحى الإهانة التي ~~وجهت إلى الوزارة وإلى البلاد في شخصها، ولكن مالت حذر الخديو أن يجيب وزراءه إلى ما ~~طلبوا، ويستطيع القارئ أن يدرك خطورة هذا الموقف، فلقد تأكدت القطيعة بين الخديو ووزرائه، ~~وانعدمت الصلة وتفاقم البلاء ... # وصل كل من الطرفين إلى الموقف الذي يفسر فيه كل عمل حسب ما يجري في أطواء النفوس، ففي ~~كل حركة ريبة، وفي كل بادرة إهانة، وكل نية لن تكون إلا نية سوء، وكل جنوح إلى السلم لن ~~يؤخذ إلا على أنه ضرب من الهزيمة والتسليم، وكل كلمة نابية أو شديدة لن تفهم إلا على أنها ~~نوع من التحدي يراد به إعنات القلوب وإحراج الصدور ... # وفي هذا الموقف راح مالت يجني ثمار غرسه وإنه ليطفر من الفرح كما يطفر الشيطان. كتب إلى ~~جرانفل في اليوم الثامن عشر من شهر مايو سنة 1882، أي بعد قرار الخديو بتسعة أيام يقول: ~~«لقد انقطعت الصلة بين الخديو ووزرائه، ووصل الموقف إلى أقصى الخطورة ...» # وتقدمت الوزارة لترد على الخديو فخطت خطوة جريئة بالغة الجرأة، فدعت مجلس النواب من ~~عطلته دون الرجوع إلى الخديو لتعرض عليه الأمر، فازدادت الأمور حرجا على حرج، فلقد عد ~~أعداء البلاد هذا العمل من الوزارة بمثابة خروج على الحاكم الشرعي لا يقل في مغزاه عن خلعه ~~عن عرشه، ونسوا أو تناسوا أن الخديو باتباع مشورتهم هو الذي دفع الوزارة حتى أوقعها في مأزق ~~ضيق بحيث لم يبق أمامها إلا أن تقر الخديو على خروجه على الدستور ومشايعة أعداء البلاد ~~أو تستقيل، وفي كلا الأمرين تفريط منها في حقوق البلاد فضلا عن كرامة رجالها ... # وانطلقت الشائعات من هنا ومن هناك، فالبارودي يريد أن يثب إلى العرش، والجيش على أهبة ~~لأن يتحرك إلى عابدين ليرغم توفيقا على قبول مطالب ms166 الوطنيين كما أرغمه على مثل ذلك في ~~اليوم التاسع من شهر سبتمبر من العام الماضي، والخديو يعد العدة للمقاومة، إلى غير ذلك من ~~الأراجيف التي كان من طبيعة ذلك الموقف أن يخلقها. # ولو كانت الروح العسكرية هي المسيطرة على الحكم يومئذ كما أرجف المرجفون لما وقف دون ~~الجيش حائل إلى القصر، وليكن بعد ذلك النصر أو الطوفان، ولكن الوزارة رأت أن تحتكم إلى نواب ~~البلاد، ولما كانت واثقة أن الخديو لن يدعو المجلس دعته هي ليفصل في الأمر، ولا عبرة بالشكل ~~في سبيل تحقيق الجوهر ... # وسئل رئيس الوزراء عن وجهة نظره في دعوة المجلس دون الرجوع إلى الخديو، فكان جوابه أن ~~الخديو قد نشأ الخلاف بينه وبين وزرائه بحيث لا يمكن الاتفاق بينه وبينهم، ولذلك فقد دعى ~~المجلس دون مراعاة سلطته في هذا، ثم قال: «إن شكوانا من سموه هي أنه سلك مسلكا يقضي على ~~استقلال مصر، وكثيرا ما فعل ذلك دون مشاورة وزرائه.» # 6 # والحق أن توفيقا كان يود التخلص من هذه الوزارة بأي ثمن، وكان فيها البارودي الطامع في ~~عرشه، وعرابي زعيم مصر وقائد حركتها القومية، الذي يسير بطبيعة حركته في طريق تعد عند ~~الخديو طريق الضلال والعصيان، وتعد كل خطوة فيها ثورة وتكبرا، وأي شيء هو آلم لنفسه من أن ~~يرى فلاحا من أبناء هؤلاء الذين ما خلقوا في رأيه إلا للفأس والطاعة يتربع على كرسي ~~الوزارة، ويتكلم إذ يتكلم باسم الأمة، ويقبل ما يقبل أو يرفض ما يرفض باسم الأمة؟ ... # ولقد عاب كثير من الناس على البارودي وعرابي مسلكهما تجاه الخديو في الأزمة، وحجتهم أن ~~الواجب كان يقضي على البارودي أن يترك الحكم ما دام الخلاف قد استحكم بينه وبين الخديو، ~~ولقد يبدو هذا الكلام وجيها لمن ينظرون في النتائج دون تمحيص المقدمات، أما الذين لا ~~يصدرون حكما إلا عن تقص وفهم، فهم لا يذهبون مذهب هؤلاء، ولا يقيسون قياسهم. # وليست المسألة دقيقة على الأفهام حتى تتشعب فيها وجوه الرأي، فحسب هؤلاء العائبين على ~~الوزارة مسلكها ms167 أن يذكروا أن الخديو كان يعمل بوحي من الإنجليز، وعلى ذلك فإجابته لن تكون ~~إلا تسليما لأعداء البلاد، الأمر الذي لن يقبله وطني ... # ولو أن الأمر كان خلافا بين الخديو ووزرائه، وكان الخديو يريد وجه الوطن، فالسبيل واضحة ~~أمامه، وذلك أن يحتكم إلى الأمة ممثلة في مجلسها النيابي، ويجعل للمجلس عن طيب خاطر القول ~~الفصل في الخلاف. # وهل كان يحمد من الوزارة أن يكون قصارى جهدها الاستقالة من الحكم، وإنها لفي موقف جهاد ~~ومقاومة لدسائس الدساسين ومطامع الطامعين، وإن الخلاف بينها وبين الخديو في جوهره لخلاف على ~~السلطة لمن تكون؟ ... كلا، بل إنا لنرى استقالتها في مثل تلك الظروف ضربا من الفرار ومثلا ~~من أبلغ أمثلة الضعف، وبخاصة إذا سلمنا بموقف الخديو من القضية كلها على النحو الذي نذكره ~~والذي لن نجد دليلا على صحته أبلغ مما ذكره كرومر في كتابه حيث يقول عن الخديو: «إنه بين ~~للسير إدوارد مالت في يوم 6 مايو أنه يؤثر أن تفقد مصر بعض امتيازاتها على يد الباب العالي ~~وتعود إليها السلطة المنظمة على أن تبقى في مثل تلك الفوضى.»، ومعنى ذلك أنه كان يريد أن ~~تطلق يده في مصر فيحكمها كما يشاء ولا عبرة في سبيل الوصول إلى هذا الغرض بما تفقد مصر مما ~~حصلت عليه من امتيازات خطت بها خطوات واسعة نحو الاستقلال ... # لم يكن أمام الوزارة إلا أن تحتكم إلى نواب الأمة، وقد لجأت إلى ذلك بدعوة المجلس إلى ~~الاجتماع ما دام الخديو لم يدعه ... # ووقف وزارة البارودي لا تتحول ولا تلين، فكان موقفها هذا ثورة لا شبهة فيها، ثورة قومية ~~كأروع وأجمل ما تكون الثورات القومية، وهو موقف نراه جديرا بالإعجاب والتقدير، وما نحسبه ~~لو كان في بلد غير بلدنا إلا كان يعد من المواقف المشهودة التي تذكر في مواطن الفخر ~~والمباهاة ... # وكانت الوزارة قوية بادئ الأمر لأنها كانت معتزة بالنواب وإجماعهم على الأخذ بناصرها، ~~ولكنها نظرت فإذا بينهم تغامز وفي صفوفهم إسرار وإعلان! وإذا كبيرهم سلطان يدعوهم إلى ~~الحكمة ms168 والروية ... وكم تحمل على الحكمة والروية أعمال ليست منهما بسبب من الأسباب! # قال سلطان باشا يومئذ للسير إدوارد مالت: «لقد أسقط المجلس شريفا تحت ضغط عرابي، وإن نفس ~~الأعضاء الذين ألحوا في ذلك أكثر من غيرهم يتوقون اليوم إلى إسقاط الوزارة وقد استبان لهم ~~أنهم خدعوا.» # 7 # ولو اطلع عرابي على الغيب يومذاك لرأى أن هذه أخف ضربة من ضربات سلطان هذا الذي ~~بدأ يتنكر للحركة القومية، تلك الضربات التي سوف يسددها إلى قلب مصر في ضجيج الجهاد وسكرات ~~الاستشهاد ... # انحاز سلطان إلى توفيق منذ ذلك الوقت، فطلب من النواب الحكمة والروية، وما نلقي هذا القول ~~على عواهنه فهذا كلامه لمالت الإنجليزي عدو مصر اللدود ينبئ عن ذلك؛ إذ إنه يكشف الوزارة ~~أمام الكائدين لها من الإنجليز ويجعلهم يستهينون بما تستند إليه من سلطة الأمة. # وكتب مالت إلى حكومته في اليوم الثالث عشر من شهر مايو يصف الحال في مصر، أو على الأصح ~~يصف مبلغ ما أصابته من نجاح دسائسه الإجرامية، قال: «يظهر أن رئيس المجلس والنواب يميلون ~~إلى جانب الخديو، ولقد سألوا سموه أن يأخذ بالعفو فيصالح وزراءه، ولكن الخديو رفض ذلك ... ~~ويصر سموه على رأيه فلن يصالح وزارة تحدته صراحة وتهددته هو وأسرته، واعتدت على القانون ~~بدعوة المجلس إلى الانعقاد دون الرجوع إليه، وفي القاهرة قدر غير قليل من القلق، وكثير من ~~الناس يغادرونها.» # 8 # إزاء موقف السلطان وفريق من النواب انخلع عن رئيس الوزراء عزمه، وتزايل إصراره شيئا ~~فشيئا، حتى رأت البلاد البارودي يرفع إلى الخديو استقالته فيرتكب بذلك إثما نعيبه عليه ~~أشد العيب، فقد كان عليه أن يستطلع رأي النواب صراحة في جلسة يعقدونها، فإذا ناصروه كان ~~عليه أن يبقى في مكانه حتى يقال فيحظى بشرف الإقالة أو ينتظر فيكون له فخر الانتصار ~~... # لقد رفض النواب أن يجتمعوا في مجلسهم، أي أنهم رفضوا أن يشايعوا الوزارة في تحديها ~~الخديو، واجتمعوا في منزل رئيسهم، ولكن هذا أمر شكلي لا يمس جوهر الموضوع، فالأمر الذي كان ~~يهم الوزارة ms169 هو معرفة رأي ممثلي البلاد، وسواء لديها اجتماعهم في مجلسهم أو في أي مكان، ~~فليس ثمة من فرق بين الاجتماعين إلا أن هذا رسمي وذاك غير رسمي، ولم يكن المجال يومئذ مجال ~~شكليات، وقد جرى الخديو في مضماره الذي اختاره على الرغم من إرادة البلاد، وهل كان نواب ~~الشعب الفرنسي الذين التقوا في ملعب التنس في مستهل ثورتهم الكبرى لا يعبرون عن رأي الشعب ~~لأنهم لم يجتمعوا في قاعة مجلسهم؟ ~~••• # الحق أن البارودي قد هدم ما فعل جميعا باستقالته هذه، ولو أنه نال شرف الإقالة، لكان ~~منطقه متسقا، ولأضاف بذلك إلى نفسه وإلى وزارته معنى من معاني الإباء، وحمل الخديو ~~والموحين إليه وزرا جديدا يضاف إلى سابق أوزارهم. # وعجز الخديو عن أن يقيم في مصر وزارة، فقد أشفق من الحكم الرجال يومئذ، وأشفق مصطفى فهمي ~~باشا حين عرضت عليه رئاستها عملا باقتراح ممثلي إنجلترا وفرنسا الذين صار لهما الآن حق ~~إسقاط الوزارة إلى من يرضيان عنهم في مصر. # وصرح الوزراء على الرغم من استقالة رئيسهم أنهم لا يستقيلون إلا إذا كان ذلك بأمر من مجلس ~~النواب. # هنا يعود عرابي فيثب إلى مكان الصدارة من حوادث قومه بعد أن تنحى البارودي، ولقد كان ~~عرابي في الواقع في رأي الناس وفي رأي الأوربيين في مكان الصدارة دائما وإن كانت رئاسة ~~الحكومة للبارودي ... # عاد عرابي فوثب إلى الطليعة، وقد ضاق البارودي بالأمر ذرعا، فهو الذي أوحى إلى الوزراء ~~بما فعلوا وقد عز عليه أن يبعد الوزراء عن مناصبهم بمشيئة غير مشيئة الأمة، وتلك خطوة أخرى ~~نضيفها في غبطة وفخر إلى سابق خطواته ... ~~••• # ووقف عرابي في مكانه لا يتزعزع وما كان أصلبه وأشد مراسه إذا وقف في أمر يرى أنه الحق، ~~ولقد المبطلون وقفته هذه أنها عودة إلى الثورة المسلحة يوشك أن يفاجئ البلاد بيوم آخر كيوم ~~عابدين، فما حفل بكلامهم ولا خشي تهديدهم، وكتبت الحكومات إلى ممثليها في مصر أن «يرسلوا ~~إلى عرابي فيبلغوه أنه أصاب النظام خلل فسوف يجد أوربا وتركيا كما ms170 يجد إنجلترا وفرنسا ضده، ~~وأنهم يحملونه تبعة ذلك.» # 9 # وتلقى عرابي هذا الكلام رابط الجأش، وإن كان ليفطن إلى خطورة الموقف، وأصر ذلك ~~الفلاح الذي لولا ما كان من حميته وأنفته منذ حداثته لكان يجيل الفأس يومئذ في حقل من حقول ~~هرية رزنة ولا يدري من أمر السياسة والحكم شيئا ... # وظل الرجل على عناده يكشف عن كرم عنصره فيفهم يريد أن يفهم أن بين أولئك الفلاحين من ~~أمثاله الذين يجيلون فؤوسهم في صبر وصمت في حقول هذا الوادي لا ينقصهم إلا العلم والحرية ~~ليبهروا العالم ببسالتهم ونبوغهم ... # وصرح سلطان وقد أخذ يكيد للبارودي وعرابي معا «إنه ليس من الممكن تغيير الوزارة ما دامت ~~القوة الحربية مجتمعة في يد عرابي باشا.» # 10 # ولم يكن يدري سلطان أن وراء تلك القوة الحربية قوة أخرى لولاها ما قام غيرها. لم يكن يدري ~~سلطان أن هذه القوة الحربية التي يشير إليها كانت قائمة في مصر من قبل، فلم يظهر أثرها ~~وخطرها إلا في يد عرابي دون غيره من الرجال، ولو أن رجال وطنه جميعا التفوا حوله ما نالت ~~إنجلترا منهم شيئا، ولسوف يكون سلطان هذا وأمثاله ممن نكبت بهم مصر، من أكبر عوامل الهزيمة ~~يوم التل الكبير. ~~••• # حلت الأزمة بأن أشار ممثلا إنجلترا وفرنسا على الخديو «بأن يطرح المسائل الشخصية ~~جانبا، وبما أن سموه لم يستطع أن يقيم وزارة جديدة فإنهم يطلبون إليه أن يجدد علاقته ~~بالوزارة القائمة». # وبقيت الوزارة في كراسيها، وانتصرت كلمة الأمة من جديد على يد ذلك الذي خرج من هرية رزنة ~~ولم يلق إلا قسطا من العلم في الأزهر، والذي درج على الرغم من ذلك في مدارج الرقي، فكان ~~نموه كما تنمو الشجرة الطيبة لا كما ينمو العليق الذي لا يرتفع إلا على غيره ... # ولولا ذوو الأطماع من المتربصين بمصر وحرية مصر لجنت البلاد من هذا الانتصار أطيب الثمرات ~~ولعزت بذلك كلمة الأمة حتى ما تذل بعدها أبدا ... # ولكن مصر وا أسفاه سوف تجني من انتصارها هذا العلقم والحنظل. # | بغي ms171 وعدوان # وكيف كانت ترجى لمصر السلامة، والإنجليز وراء الخديو يتربصون ويكيدون؟ لقد آن لمالت الآن ~~أن يدعو حكومته إلى التدخل المسلح فقد حانت الساعة وواتت الفرصة، ولن يهم إنجلترا أن تكون ~~هي المدبرة لكل ما حدث فلن يكون احتجاج الضعفاء إلا صرخة ضائعة ولن يكون منطقهم إلا ثرثرة، ~~وشكواهم إلا تبجحا. # لم تكن في البلاد ثورة ولا خاف فيها أجنبي على حياته أو متاعه، ولكن أعوان السوء صوروها ~~يومئذ صورة منكرة انزعجت منها أوربا أشد الانزعاج ، مع أن هؤلاء كانوا يعلمون حقيقة الأمر ~~ويوقنون أن المسألة لا تعدو أن تكون خلافا بين الوزارة والخديو ما كان ليبلغ ما بلغه من ~~الشدة لولا تدخلهم على ذلك النحو الأثيم الذي بينا. # لم تكن البلاد في مثل تلك الحال من الفوضى التي ذكرها المبطلون، وحسبنا أن نورد هنا بعض ~~ما جاء في كتابين أرسلهما عرابي باشا أن نورد هنا بعض ما جاء في كتابين أرسلهما عرابي باشا ~~إلى مستر بلنت، وكان ذلك في أوائل شهر أبريل أي قبل الأزمة التي نحن بصددها بنحو شهر، قال ~~عرابي: «وفيما يتصل بنا فنحن نشكرك على ما أسديت من صنيع يهم مصر وإنجلترا معا، وإنا نأمل ~~أن تكون إنجلترا أقوى صديق يعيننا على وضع نظام طيب مؤسس على الحرية وعلى أن نحذو حذو الأمم ~~الحرة المتمدنة. # وأما عن نصيحتك التي تعطفت فأسديتها إلينا، فإنا نشكرك عليها، ونرجو منك أن تقول عنا إننا ~~لا نألوا جهدا في المحافظة على الهدوء والنظام، لأننا نعد ذلك واجبا من أهم واجباتنا، ~~وإنا لنحاول أن نحظى بالنجاح، ونستطيع أن نؤكد لك أن الهدوء الآن يشمل كل شيء، والسلام يسود ~~البلاد كلها، ونحن نبذل غاية ما في وسعنا ومعنا إخواننا الوطنيون للدفاع عن حقوق من يقيمون ~~في بلادنا، بصرف النظر عما ينتمون إليه من الأمم، وإنا نحترم كافة المعاهدات والاتفاقات ~~الدولية كل الاحترام، ولن نسمح لأحد بالمساس بها ما دامت الدول الأوربية تحافظ على علاقاتها ~~الودية بنا ... # أما عما يهددنا به كبار أصحاب ms172 المصارف ورجال المال في أوربا، فإنا سنحمل ذلك في ثبات ~~وحكمة، ففي رأينا أن ذلك الوعيد لن يضر إلا أنفسهم وإنه ليؤذي تلك الدول التي ~~يضللونها. # وإن غرضنا الأوحد هو أن تتخلص بلادنا من العبودية والظلم والجهل، وأن نرفع بني مصر إلى ~~مستوى يستطيعون معه أن يحولوا دون أي رجعة للاستبداد، الذي كان يضع مصر فيما سلف من الأزمنة ~~في زوايا الإهمال ... # وإن هذا الذي أكتبه إليك هو ما يفكر فيه كل مصري حر العقل محب لبلاده ...» # هذا ما يقوله عرابي الذي يصوره مالت نزقا جاهلا مستبدا، والذي ظل فريق من بني قومه ~~حتى يومنا هذا لا يجدون له في خواطرهم من صورة إلا ما صور الاحتلال، فإذا ذكرت للرجل منهم ~~عرابيا راح يتلو عليك ما لقنه في المدرسة وا أسفاه من أوصاف هي أبعد ما تكون عن حقيقة هذا ~~الرجل المظلوم، ومن أغراض شتان بينها وبين ما كان يبتغيه لقومه هذا الزعيم المفترى ~~عليه. # أجل! لا زلنا مع بالغ الأسف نسمع حتى اليوم من بعض المصريين ومنهم من له في الناس مكانته، ~~قدحا في عرابي، فإذا جادلناه لا نجد لديه من علم إلا أن عرابيا كان طائشا جاهلا، لا ~~يدري شيئا من شئون بلاده، إلى أمثال تلك العبارات المحفوظة التي لا تغتفر لصبي في المدرسة، ~~وإذا كان عذر هؤلاء عن قدحهم أنهم يجهلون تاريخ هذا الرجل، فإنا لن نجد لهم عذرا عن هذا ~~الجهل، فذلك هو العذر الذي يوصف بأنه أقبح من الذنب ... # لينظر هؤلاء فيما بينا من آمال هذا المصلح وفيما قدمنا من أدلة بسالته وحميته، ~~وليتدبروا في هذا الذي يكتب لصديقه بلنت، وليسألوا أنفسهم بعد ذلك: ألا يزالون يرون في هذا ~~الرجل جنديا طائشا مغرورا لا يدري من أمور بلاده شيئا. # إن هذا الذي يقوله عرابي لبلنت هو ما كان يرجوه المصريون من إنجلترا قبل الاحتلال، وهو ~~الذي ظلوا يرجونه منها بعد الاحتلال حتى يوم الناس هذا، وكم تكرر في مصر من أشباه ونظائر ~~لهذا الموقف؟ وكم ms173 جاء مثل هذا الكلام على ألسن غير لسان عرابي، ولكنا نحجز القلم عن الاتجاه ~~إلى غير ما نحن فيه، وقصارانا أن نقول إن السياسة الإنجليزية في مصر هي هي وإن تغير الزمن ~~واختلفت على موضع الزعامة الرجال ... # وقد أكد عرابي نياته في كتابه الثاني ومما جاء فيه قوله: «إننا نميل أشد الميل إلى ~~التفاهم على روابط الصداقة والمصالح المشتركة بيننا وبين الدول التي تربطنا بهم علاقات، ~~فإنه بالصداقة وحدها يستطيع من لهم حقوق في بلادنا أن يجنوا ثمار المعاهدات والعقود التي ~~نجد من واجبنا العمل على احترامها وحمايتها، فإذا وقع خلاف فإنه لا يؤثر فينا فحسب، ولا ~~تكون نحن أكثر تأثرا به من غيرنا، وإنما تتأثر به الدول الأخرى جميعا وبخاصة إنجلترا. ولا ~~يخفى على السياسي الواسع العقل ما يكون من فوائد لإنجلترا من وراء مصادقتنا ومعاونتنا في ~~كفاحنا ... # وفيما يتعلق بالمراقبة فكن على يقين أنه ليس هناك ما يحول بينها وبين أداء واجبها حسب ~~الحقوق التي قررتها الاتفاقات الدولية. ولم يكن في نيتنا قط ولا في نية أحد في هذه البلاد ~~أن يمس حقوق المراقبين أو يعتدي على أية معاهدة دولية ... # ولئن كان ممثلو الدول في بلادنا مخلصين حقا لواجباتهم ولمصالح دولهم فلن يجدوا خيرا من ~~معاونتنا في جهودنا القومية الحقة، وليثبتوا بأعمالهم ما يعدوننا به في أقوالهم ... # لقد صممنا أن نبذل كل ما في وسعنا لكي يكون لبلادنا موضع بين الأمم المتمدنة، وذلك بنشر ~~المعرفة في البلاد، والمحافظة على الوحدة والنظام، والقضاء بالعدل بين الجميع، ولن يردنا ~~شيء عن عزمنا قيد أنملة، ولن يخيفنا وعيد ولا تهديد أو يلوينا عن قصدنا، ولن نخضع إلا لشعور ~~الصداقة التي نتقبلها ونقرها بكل ما في وسعنا ... # أما عن هدوء البلاد، فليس هناك أي قلق، ونحن نحاول الآن أن نقضي على ما خلفته لنا ~~الحكومات السالفة من مساوئ ... # فلندع الله أن يهدي المفكرين من رجال السياسة في أوربا إلى الصواب، وعسى أن يعنوا ~~بمعرفة أحوال بلادنا وبذلك يؤدون صنيعا إلى بلادهم كما ms174 يؤدون إلى بلادنا بتقوية روابط ~~المودة، نسأل الله أن يهيئ لنا جميعا التمتع بنعمة السلام والمودة ...» # ويذكر بلنت تعقيبا على كتاب عرابي أن الشيخ محمد عبده كتب إليه كذلك يؤكد له في ذلك ~~الوقت قيام النظام والسلام في مصر ... # لم تكن البلاد إذن في حالة تدعو إلى القلق إلا إذا كان الخلاف بين الخديو ووزرائه مشكلة ~~تستدعي حتما تدخل الدول الأوربية لحلها، فما يتسنى علاجها إلا على هذه الصورة. # لم يكن هذا الخلاف إلا الذريعة التي باتت إنجلترا تتحينها لتخطو الخطوة التي كانت ~~سياستها طوال القرن التاسع عشر متجهة في مصر إليها، وكانت إنجلترا قد صممت أن تقطع ~~العقدة إذا لم يتيسر لها حلها، فبقطع تلك العقدة تصيب في الواقع غرضين: السيطرة على مصر، ~~وهذا قصارى آمالها في الشرق، والتخلص من مشاركة فرنسا إياها فيما هي فيه من شئون مصر، وهذا ~~ما كانت مصلحتها توجب الإسراع في تنفيذه. # والإنجليز قوم نبغوا في أن يأخذوا كل شيء وألا يعطوا شيئا، وأن يستبطنوا دخيلة كل عدو أو ~~حليف دون أن يكشفوا له عن شيء مما تنطوي عليه نفوسهم، ولهم في ذلك أساليب يعد نجاحهم فيها ~~من أكبر أسباب تفوقهم ... # لذلك تقدم هؤلاء ليلعبوا إحدى لعباتهم السياسية وقد سهلت عليهم سياسة فرسنيه الأمر، ~~فقد رأى هذا أن تبتعد إنجلترا وفرنسا عن التدخل المسلح في شؤون مصر، وفاته أنه إن استطاع ~~أن يوجه سياسة بلاده نحو هذا الهدف فما له حيلة في إنجلترا إن استعصت عليه أو غدرت به ~~... # وتقدم فرسنيه يعرض على إنجلترا مقترحات لحل المشكلة، فطلب على لسان سفيره في إنجلترا أن ~~ترسل الدولتان سفنا من أسطوليهما إلى مياه الإسكندرية، وأن تطلب الحكومتان إلى تركيا ألا ~~تتدخل في شؤون مصر في ذلك الوقت، ولكن فرنسا لا تعارض إذا حضرت بعثة عثمانية إلى مصر بدعوة ~~من الدولتين على أن يكون عملها محدودا وأن تكون تحت مراقبتهما. # ورأى فرسنيه أن تحاط روسيا والنمسا وألمانيا وإيطاليا بما تتخذه إنجلترا وفرنسا حيال ~~المسألة المصرية، على أن ms175 تكون تعليمات تلك الدول إلى سفرائها في الأستانة عين تعليمات ~~الدولتين ... # أما عن الخديو فقد عدلت فرنسا عن رأيها في خلعه، ذلك الرأي الذي كانت ترى قبل ذلك أنه لو ~~اتبع كان قضى على كثير من الصعاب ... # وكان فرسنيه يريد من المظاهرة البحرية أن يلقي الرعب في قلوب الوزراء ليقلعوا عن مقاومة ~~الخديو فينتهي ما كان بينه وبينهم، ولقد وافق جرانفل على مقترحات فرسنيه في جملتها، ورأى أن ~~يبلغ الباب العالي، واحتاط للمستقبل بقوله إنه قد تعرض عليه في المستقبل مقترحات أخرى ~~... # ولكن فرسنيه لم ير هذا الرأي، لأنه لم يكن يرغب في التقرب إلى تركيا، ولذلك رفضه بادئ ~~الأمر، على أنه عاد فقبله بعد إلحاح جرانفل، وكتب إلى سفيره بالأستانة أن يبلغ السلطان أنه ~~«ليس من المستبعد أن تقدم اقتراحات أخرى إلى تركيا فيما بعد». # وأراد جرانفل أن يبعد عن نفسه وعن حكومته تهمة الرغبة في التدخل في شؤون مصر، فاقترح أن ~~تدعى الدول الأوربية إلى إرسال سفن إلى الإسكندرية تقف إلى جانب السفن الإنجليزية ~~والفرنسية، وما كان جرانفل جادا فيما يقول، فإنه كان على يقين أن اقتراحه هذا سيقابل من ~~فرنسا بالرفض، ولو كانت لديه شبهة أن ستقبله فرنسا ما تقدم به، بل لو أن هذا الاقتراح كان ~~من جانب فرنسا لعارضت فيه إنجلترا أشد المعارضة ... ولو أن إنجلترا كانت جادة في مقترحها ~~هذا لبذلت قصارى جهدها لتحمل فرنسا على قبوله، ولكنها اكتفت بأن تبلغ فرسنيه على لسان ~~وزيرها أنها تأسف ألا تقرها فرنسا على وجهة نظرها، وأنها تعد من الخطأ عدم دعوة الدول إلى ~~الاشتراك في تلك المظاهرة، ولكن بما أن فرنسا قد ذهبت في الموافقة على السياسة البريطانية ~~إلى مثل ما ذهبت إليه فإن إنجلترا لا يسعها إلا أن توافق فرنسا على ما ترى ... # وآمن فرسنيه بنزاهة السياسة الإنجليزية، ولو كان غير فرسنيه في موضعه لآمن بها كما آمن ~~هذا، فلم يكن يدور بخلد أحد يومئذ أن إنجلترا كانت تترقب الفرصة لتنقض على الفريسة وحدها ~~دون ms176 فرنسا، ولا ظهر من عملها ما يبعث على الريبة ... # ولكن الإنجليز خير من انتصح بنصائح مكيافلي في هذا العالم وخير من حذقها، ولو قد تأخر ~~الزمن بهذا الرجل لأخذ عنهم مبادئه ولوجد في أساليبهم وخططهم أبلغ أمثلة كتابه ... # الحق أن هذا المكر كان يدق على فرسنيه وغير فرسنيه من أولي الدهاء والخبرة من الرجال، ~~وما كان ليفطن إلى هذا إلا من يسيء الظن بإنجلترا فيكون مبعث فطنته سوء الظن لا حسن الفهم، ~~ونحن إنما نفطن إلى مرامي هذه السياسة بعد أن تكشفت عنها حجب الدهاء وتعاقبت عليها ~~السنون، ولقد فطن إليها فرسنيه ورجال حكومته وشعبه الأريب، يوم وقعت الواقعة وانفردت ~~إنجلترا بضرب الإسكندرية غير حاسبة لأي شيء من حولها حسابا. # وكانت إنجلترا تبغي من سياستها هذه أن تصرف نظر الدول عن مصر، فإن دعوة تلك الدول إلى ~~مشاركتها في المظاهرة البحرية يظهرها بمظهر من لا غرض له إلا الصالح العام، في حين أن عملها ~~هي وفرنسا يغضب الدول ويجعلها تميل إلى التدخل لتنال حظا من الغنيمة في مصر أو في غير مصر ~~يوم يكون الحساب وتوزع الأسلاب. # وفضلا عن ذلك فقد كانت إنجلترا تحذر أشد الحذر أن تغضب السلطان فينحاز إلى عرابي وحزبه ~~ضد توفيق، فيظهر عرابي بمظهر المحافظ على حقوق السلطان صاحب الحق الشرعي في مصر، ضد الخديو ~~ومشايعيه من الطامعين، وعلى ذلك فكل تهمة بالعصيان توجه إلى عرابي أمام الشعب المصري ~~إنما تذهب أدراج الرياح ... # ولقد فطن مالت إلى خطورة هذا الأمر، وكتب إلى حكومته ينذرها أن إغفال تركيا من شأنه أن ~~يضم النواب إلى العسكريين فيقفوا جميعا صفا واحدا ضد أوربا أو على الأقل أنه يقوي ~~جانب عرابي وأشياعه. # وكانت إنجلترا في الواقع تتبع سياسة حاذقة أكبر الحذق، فهي تشايع فرنسا في منعها تدخل ~~تركيا، ولكنها في الوقت نفسه تحرص على ألا تغضب تركيا فقد تضطر إليها يوما ما، وفي إغضابها ~~ما قد يثيرها فتتدخل. وتعمل إنجلترا في مصر على يد مالت عملا متصلا لتخويف الخديو ولإذاعة ms177 ~~المفتريات عن سوء الحال في مصر، وذلك لتمهد السبيل إلى غاية يفضي إليها منطق الحوادث كما ~~تزعمه، وتلك الغاية هي التدخل المسلح على أي صورة ما محافظة على أموال الأجانب وأرواحهم في ~~مصر، وما عليها إلا أن تتحين الفرصة لتنفرد بالعمل، وهي لن تحجم أن تضع فرنسا أمام الأمر ~~الواقع كما فعلت بإزاء محمد علي حين صمم بالمرستون على القضاء عليه ... ولكنها الآن تتظاهر ~~بالنزاهة وتحرص على الظهور بمظهر دولي في سياستها نحو مصر، فتقترح اشتراك الدول في المظاهرة ~~البحرية تارة، وتقترح دعوة السلطان إلى حل الأزمة تارة أخرى ... كل ذلك في مهارة ودقة، ولكنها ~~مع الأسف مهارة من تجرد من الشرف فسهلت عليه غايته، لا لشيء إلا لأنه يسلك إليها كل ~~سبيل، ولا عبرة عنده أي سبيل يسلك ... # ولما وجدت إنجلترا أن فرنسا تصر على استبعاد تركيا والدول جميعا، كتبت إلى الدول قرارا ~~ينفي أية نية من جانبها في احتلال مصر، وأكدت أنها لم ترد بالمظاهرة البحرية إلا إقرار ~~السلام داخل مصر، وأنها سوف تترك مصر وشأنها إذا قضي على ما فيها من القلاقل، وإذا لم ~~تنجح تلك الوسائل السلمية فسوف تتفق إنجلترا والدول على ما تراه هي وفرنسا خير سياسة تتبع ~~... # وتحدث اللورد دوفرين سفير إنجلترا بالأستانة إلى وزير الخارجية العثماني في لهجة شديدة ~~قائلا: «إنه إذا لم تعمل تركيا ما من شأنه أن يسهل على إنجلترا خطتها فسوف تزيد إنجلترا ~~عدد القطع في الإسكندرية وتطيل أمد بقائها جميعا هناك.» # ولكن السلطان آلمه وأغضبه أن توجد السفن الإنجليزية والفرنسية أمام الإسكندرية، فلم يكف ~~عن احتجاجه وإعلان سخطه، مما زاد الموقف حرجا وتعقدا ... # وبينما كانت فرنسا وإنجلترا تتبادلان الرأي على النحو الذي نذكر، كان الحنق في مصر على ~~الخديو يزداد يوما بعد يوم، وما زال الناس في قلق وخوف من موقفه ومشايعته الإنجليز على هذه ~~الصورة حتى وصلت السفن إلى الإسكندرية. # ولقد أخذ بعض الناس على الوطنيين أنهم لم يخلعوا الخديو في ذلك الوقت ويتصلوا بتركيا ~~لتعين على مصر ms178 غيره، والواقع أنها مسألة دقيقة، فمن الناحية الوطنية كان يرى الوطنيون ضرورة ~~خلعه، وحجتهم أن السكوت معناه التفريط في جانب الوطن، ولكنهم من ناحية أخرى كانوا يرون أن ~~عملهم هذا ينقلب وبالا عليهم في ظروف كتلك الظروف التي أذاعت فيها أوربا عنهم المزعجات من ~~الشائعات ... # وفي هذه الآونة وقع في صفوف النواب ما تخجل أشد الخجل من ذكره، فقد انحاز كبيرهم سلطان ~~إلى الإنجليز بعد أن تودد إلى الخديو كما أسلفنا، وشايعه عدد من النواب، ولم يكن للوطنيين ~~من عاصم في هذه المحنة إلا الاتحاد والثبات، وكأنما تأبى الأيام إلا أن تجعل من أبناء مصر ~~بعضهم لبعض عدو، وكان ذلك لكثرة ما يتكرر منهم، من طباعهم التي فطروا عليها. ولطالما نكب ~~هذا الشرق المسكين بتخاذله وانقسام أبنائه بعضهم على بعض مع أنهم يرون أبدا أن الظالمين ~~الطامعين فيهم من أهل الغرب في الكيد لهم بعضهم أولياء بعض ... # وكان انحياز سلطان والمستضعفين من النواب إلى إنجلترا أولى ثمرات المظاهرة البحرية، فإن ~~سلطانا حينما علم بها من الخديو فكر وتدبر فرأى أن المستقبل للخديو وللإنجليز، فلما حضرت ~~السفن اطمأن إلى الإنجليز، وآثر أن يبادر بالانحياز إليهم لتكون له الحظوة والمكانة عند ~~أولي الجاه والبأس يوم يتخلصون من عرابي على أية صورة ... # وأمثال سلطان هذا إنما يعملون لأشخاصهم فحسب، وعلى ذلك فهم عبيد القوة وإن تعاظموا، وهم ~~أضعف الناس وإن تطاولوا، وهم أحرص الناس على عرض الدنيا وإن تظاهروا بالنبل والعفة، وهم ~~إنما يدلون بجاه من يركنون إليهم من الأقوياء إدلال الخادم بسيف سيده، وسنرى يوم يكافأ ~~سلطان بالذهب لا يحصي له عدا وينفى عرابي من الأرض، وتصادر أملاكه التي رزقه الله، ولا ~~يبقي له الإنجليز في مصر صاحبا ولا ولدا ... # ونشط مالت وأعوانه من جديد يذيعون أسوأ الأنباء عن مصر، وبخاصة عن عرابي وحزبه، حتى لقد ~~وقف جرانفل في مجلس اللوردات في اليوم الخامس عشر من شهر مايو سنة 1882 يتوعد مصر ~~ويتهددها، ويصرح في غير حياء منه مما يكذب به على ms179 العالم أن النواب والأمة جميعا في جانب ~~الخديو! # وكانت أكبر دعوى يدعيها مالت أن في ازدياد نفوذ الحزب العسكري أكبر خطر على حياة ~~الأوربيين، وأن نفوذ هذا الحزب قد بلغ أقصى ما يصل إليه من زيادة، والواقع أن مالت لم يكن ~~يهمه ما قد يتعرض له الأوربيون من خطر حسب مزاعمه، وإنما كان يهمه الوصول إلى غرضه بأي ثمن ~~ولو ذهبت في سبيل ذلك بعض الأرواح، تجد الدليل على ذلك في رده على جرانفل حين سأله قبل ~~إرسال الأسطول هل يكون في ذلك العمل خطر على الإنجليز والفرنسيين في مصر فقد أجابه قائلا: # 1 ~~«يشرفني أن أبلغ فخامتكم أني أنا وزميلي الفرنسي نرى أن ما في وصول الأسطول ~~المشترك إلى الإسكندرية من الفائدة السياسية كبير جدا، يفوق في أهميته الخطر الذي يمكن أن ~~يصيب بسببه من في القاهرة من الأوربيين.» # ويعلق روثستين على هذا الرد الذي أخفته الحكومة الإنجليزية بقوله: «إن الذي نريد أن نقوله ~~هو أن هذه الرسالة أكبر دليل على سياسة السير إدوارد مالت وبره بالإنسانية. ولا ريب أنه لم ~~يكن يقصد إظهارها. وإن الإذن بنشرها فيما بعد لمما يؤخذ مرة أخرى على مقدرة اللورد جرانفل ~~السياسية، وإن فيها دليلا واضحا على أن كل ما كانوا يخافونه من الأخطار التي يتعرض لها ~~الأوربيون بسبب السيادة العسكرية كان كله زورا وبهتانا ولا غاية منه إلا تهيئة السبيل ~~للتدخل المسلح. ومهما يكن من شيء فإن الأمر لا يخرج عن إحدى اثنتين: فإما أن تكون هذه ~~المخاوف كلها لا أصل لها، وعندئذ تتبين لنا مقدرة السير إدوارد مالت السياسية، وإما أن تكون ~~قائمة على أساس ثابت وعندئذ يتبين لنا مقدار بره بالإنسانية. وسواء أكانت هذه أم تلك فإن ~~ما قاله السير إدوارد مالت كاف للحكم عليه بأنه من أحط طبقات الساسة الدساسين.» # وكان بلنت لا يزال يسعى سعيه في إنجلترا، فلما أعلن جرانفل تصريحه أبرق بلنت إلى عرابي في ~~اليوم السادس عشر من مايو يقول: «ذكر لورد جرانفل في البرلمان إن ms180 سلطان باشا والنواب قد ~~انحازوا إلى الخديو ضدك، فإن كان هذا غير صحيح فاطلب إلى سلطان باشا أن يرسل إلي تكذيبا، ~~إذا تضامنتم فلا خوف عليكم ... ألا يمكنكم إقامة وزارة يرأسها سلطان؟ على أية حال عليكم ~~بالثبات.» # وأبرق إلى سلطان في الوقت نفسه يقول: «أعتقد أن كل من يحبون مصر يجب أن يتحدوا، لا تختلف ~~مع عرابي، إن الخطر جسيم.» # وكذلك أبرق بلنت إلى كل من بطرس باشا وأبو يوسف ومحمود باشا الفلكي والشيخ محمد عبده ~~والشيخ الهجرسي وعبد الله نديم يقول: «هل الحزب الوطني في جانب عرابي الآن؟ الحكومة ~~الإنجليزية تدعي غير ذلك. إذا اختلفتم ضمتكم أوربا.» # ورد سلطان على بلنت فقال: «زال الخلاف الذي كان بين الخديو والوزارة ولم يبق له أثر. ~~كلنا متفقون على المحافظة على الأمن والسلام وعلى مناصرة الوزارة الحاضرة.» # وتلقى بلنت كذلك برقية من الشيخ الإمبابي شيخ الجامع الأزهر نصها: «من الشيخ الإمبابي شيخ ~~الإسلام، سوي الخلاف بين الوزارة والخديو، والحزب الوطني راض عن عرابي، والجيش والأمة ~~متحدان.» # وأبرق إليه الشيخ محمد عبده بما لا يخرج عما جاء في برقية الشيخ الإمبابي، كما يشير إلى ~~ذلك بلنت في كتابه ... # ولكن أمل بلنت ما لبث أن خاب، فإن مجيء السفن إلى الإسكندرية قد ألقى في روع الخديو أنه ~~اليوم قادر على أن ينزل بالوطنيين والعسكريين ما يشاء من انتقام، وطالما تمنى توفيق أن ~~تواتيه الفرصة فيشفي غليل نفسه من هؤلاء الذين كانت يده مكفوفة عنهم وإنه ليكاد يتميز من ~~الحنق عليهم ... # وأخذ سلطان ومعه فريق من المستضعفين كما ذكرنا يمالئون الخديو ويتنكرون لأنفسهم على نحو ~~كم تمنينا لو خلا منه تاريخ القومية المصرية ... # وأدى انقلاب سلطان ومن أخذ مأخذه من أشباه الرجال إلى ازدياد حرج الوزارة، وسهل على أعداء ~~البلاد ما كانوا مقبلين عليه يومئذ من عدوان وإثم ... # وود مستر بلنت لو اتحد المصريون في تلك الآونة التي لم يكن لهم فيها من أمل إلا اجتماع ~~كلمتهم، وإنه ليعلم ما كان يدبر لهم من كيد، ms181 والواقع أنه إن كان الاتحاد قوة في كل وقت فقد ~~كان ضرورة كذلك في هذا الوقت. ومن هذا يتبين لنا مبلغ ما جره على البلاد سلطان ومن معه من ~~أمثال هؤلاء الذين لم يخل منهم جيل في تاريخ هذا البلد المنكود، أولئك الذين يكونون عدة ~~الغاصب أبدا ومطيته إلى مطامعه، دون أن يخالج ضمائرهم أي ندم، أو أن يميل بهم عن نهجهم ~~شعورهم أنهم يقترفون أشنع الآثام ويأتون أقبح ضروب الإجرام. # وضاقت بالوزارة السبل، بل لقد أخذت كل سبيل عليها، وحزبها الأمر فما تغني فيه حيلة، ~~فها هو ذا الخديو أداة في يد الإنجليز، وها هم أولاء بعض النواب يظهرون بمظهر الانقسام ~~والتخاذل ... # واضطرب الوطنيون ممن يشايعون الوزارة، وأخذ يتسرب الوهن إلى النفوس، وتناصرت وساوس ~~اليأس على حجج العقول، فزين لبعض الوطنيين أن يتخلصوا من الخديو فيأخذوه غيلة سرا أو ~~علانية فما لهم مما هم فيه مخرج غير هذا. # لم يعمل سلطان بما أشار به بلنت في برقيته، فإنه لم يبق يومئذ على حب بلاده، وإنما غدا من ~~الإمعات الطامعة، ولقد رأى الدنيا مقبلة على الخديو مدبرة عن عرابي، فآثر أن يكون له على ~~الخديو يد فينال عنده الحظوة في غد كما أسلفنا، ولكنه ظل على الرغم من ذلك يتذبذب بين ~~الجانبين شأنه في ذلك شأن كل إمعة، فبينما نراه يعارض الوزارة في موقفها من الخديو إذا به ~~يرسل تلك البرقية التي أشرنا إليها في اليوم السادس عشر من شهر مايو إلى بلنت ردا على ~~برقيته. # أما الوزارة فقد رضيت أن تخطو في ذلك الموقف العصيب خطوة نحمدها لها كل الحمد، بل إنا لا ~~نجد من عبارات الثناء ما يفي بما فعلت في ظرف كهذا الظرف. # لم تهتم الوزارة بما عسى أن يفسر به عملها من ذلة وخوف، فتوجه الوزراء إلى الخديو، ~~وأعلنوا لديه ولاءهم له وعبروا عن رغبتهم في الوئام، فمصلحة الوطن مقدمة على كل اعتبار، ~~وإحباط كيد الكائدين هو الواجب الوطني الذي لا يقدم عليه واجب غيره، ويقال ms182 إن سلطان توسط في ~~ذلك فأخذ دور الشفيع ليتصل بكل من الجانبين بسبب، ولعل هذا يفسر رده على برقية بلنت. # آثرت الوزارة مصلحة البلاد فقبلت أن توصف بالمذلة من أجل مصر، وكان موقفها موقف القائد ~~الشجاع الذي يفعل ما يعتقد أنه الصواب دون أن يبالي بما عسى أن يقول الناس، فينسحب ليجمع ~~قواته ويعيد النظر في خططه غير مكترث بما قد يفسر به الانسحاب في ذاته. # يقول روثستين في كتابه «المسألة المصرية»: # 2 ~~«وكان السخط على الخديو آخذا في الازدياد، ولولا الخوف من انتقام الدولتين ~~لخلع توفيق، ولكن كثيرا من النواب قد عارض في ذلك الأمر، وانقسم المجلس على نفسه، فانحاز ~~رئيسه سلطان باشا إلى جانب العدو دفعة واحدة، وأخذ يعمل على إسقاط الوزارة، ورأى غيره من ~~الأعضاء أن يسعوا مرة أخرى للتوفيق بين الطرفين وتخفيف الأزمة بشيء من التساهل. وبينما هم ~~كذلك إذا بالأسطول الفرنسي قد وصل في 15 مايو، وإذا باللورد جرانفل قد بعث في اليوم نفسه ~~إلى السير إدوارد مالت برقية مضمونها أنه فضلا عن المظاهرة البحرية فإنا نحفظ لأنفسنا ~~الحرية في أن نستخدم من الوسائل ما نراه ضروريا لإقرار النظام والمحافظة على سلطة الخديو. ~~وقد قرر عرابي ورفاقه أن يعملوا بمشورة القائلين بالسعي مرة أخرى للتوفيق بين الطرفين؛ ~~فذهبوا بأجمعهم إلى الخديو وعرضوا عليه خضوعهم التام، وذهبوا كذلك إلى مالت وأكدوا له أنهم ~~سيبذلون غاية جهدهم في حفظ السكينة العامة. يا أسفا عليهم! لقد ظهروا في مظهر مؤلم للنفس ~~وقد يكون غير مشرف لهم، ثم هم لم يجنوا من ورائه شيئا على الإطلاق ...» # على أن موقف الوزارة لم يخل على أية حال من فائدة، فقد أراد الوزراء بما فعلوا أن يبطلوا ~~حجة القائلين بوجوب التدخل لتفاقم الخلاف بين الخديو ووزرائه، وهم إن لم ينجحوا وأصر ~~الخديو على انحيازه إلى أعداء البلاد، أظهروه بمظهر المتجني الذي لا يريد أن يغفر لهم حتى ~~في مثل هذا الموقف، ما زعم أنه كان من دواعي الخلاف، وهذا أسلوب سياسي جدير ms183 بكل إعجاب ~~... # ولا يصح أن يقول قائل إنه كان أولى بالوزارة ألا تغضب الخديو من أول الأمر. لا يصح أن ~~يقال ذلك بعد الذي بيناه من مكر السياسة الإنجليزية، فالنية مبيتة من قبل على ~~التهام مصر، ونعود فنكرر ما قلناه إنه لو لم يوجد عرابي لعمل الإنجليز على خلقه ... # وكأن الذين ينكرون على الوزارة إغضابها الخديو من أول الأمر يريدون أن يقولوا إنه كان على ~~الوزارة أن ترضى بالحكم المطلق ووأد الدستور، وتسلط الشراكسة، وإذلال مصر بالقضاء على ~~حركتها القومية الناشئة حتى لا يغضب الخديو، أعني أنه إذا خير الوطنيون بين التمسك ~~بالدستور وإغضاب الخديو، وبين وأد الدستور وإرضاء الخديو، كان عليهم أن يقبلوا الوضع الثاني ~~وإلا كانوا طائشين مفسدين في الأرض. وهذا كلام لا يستحق أن يوضع موضع المناقشة ... # لقد سلكت الوزارة المسلك الوطني الذي يتفق وهذه الحركة الوطنية الدستورية التي بدأت في ~~مصر منذ عهد إسماعيل، فكانت حركة طبيعية اقتضاها تطور الأحوال، وعملت على وجودها عوامل ~~كالتي عملت في كافة الأمم التي سبقت مصر إلى الدستور والحرية، ولقد بينا اتجاه الوزارة، ~~وقدمنا الأدلة على صدق وطنيتها وعلى ما كانت تتوخاه من ضروب الإصلاح ... # وما كان التجاؤها إلى الخديو تنازلا منها عن مبادئها، فهذا ما لا يتصوره عقل وإلا كانت ~~الحركة من بدايتها إلى نهايتها لعب لاعب، وإنما أرادت الوزارة الوئام والصفاء وإزالة ما ~~تركه حادث المؤامرة الشركسية في نفس الخديو من غضب، فهو نوع من الاعتذار والتودد تقتضيه ~~مصلحة الوطن اتقاء لخطر محدق بالبلاد ... أما الدستور وسلطة الأمة وما يتصل بها من مبادئ ~~الحرية والقومية فدون التنازل عنها، بل دون التساهل فيها بذل الرقاب. # وكان توفيق خليقا ألا يميل إلى المعتدين من غير دينه، ولقد كان لهذا الاعتبار الديني ~~شأنه العظيم في النفوس يومئذ، وكان كذلك خليقا أن يدرك أن عدوانهم على مصر هو في ذاته ~~عدوان على السلطان صاحب الحق الشرعي وصاحب الولاية عليه ... # ولكن توفيقا لم يعد يبالي بالسلطان؛ فلقد اطمأن إلى قوة الدولتين وبخاصة إنجلترا، ms184 وكان ~~إلى جانبه مالت يوحي إليه ما يشاء ويزين له ما يريد ويقوي عزمه كلما آنس منه تخاذلا عما ~~كان يدفعه إليه، ولا ريب أن موقف الخديو كان يزداد بذلك حرجا أمام البلاد وأمام السلطان ~~مهما سندته الدولتان ... # وأوحى مالت إلى الخديو ألا يثق بما يقول وزراؤه، وما كان توفيق في حاجة إلى هذا الذي يوحي ~~به مالت، فهو يتطلع إلى الساعة التي يلطم الوزراء فيها لطمة تشفي ما بنفسه من غل ~~... # ولم يطل ترقبه تلك الساعة، ففي اليوم التاسع عشر من شهر مايو أوعزت الحكومتان إلى ~~ممثليهما أن يشيرا على الخديو بأن يغتنم فرصة وصول السفن إلى الإسكندرية فيطيح بالوزارة، ~~ويعهد بتأليف وزارة جديدة إلى شريف باشا أو إلى سواه ممن تتوفر فيهم مثل ثقتهما في ~~شريف. # ورد الممثلان بأن المسألة ليست من السهولة بحيث يصنع الخديو ذلك، فلن تقوم في البلاد ~~وزارة غير الوزارة القائمة ما دام للحزب العسكري ما له فيها من نفوذ وسلطة ... # واقترح مالت أن يشير على عرابي وثلاثة من أشهر رجاله بمغادرة مصر، وبدأ فعلا يسعى إلى ~~ذلك فاختار أحد موظفي القنصلية الفرنسية ليفاوض عرابيا لأن هذا كان يعرف العربية، ولكنه ~~رفض أن يلعب هذا الدور، ففوتح سلطان فقبل في غير خجل، وذهب يشير بذلك على عرابي فعظمت دهشة ~~الوزير! ورفض أن يسمع بقية الحديث، وأعلن إصراره على عدم ترك مصر مهما يكن من الأمر، وأكد ~~أنه لن يترك منصبه فضلا عن موطنه في تلك الظروف. # ووصل هذا الحديث إلى الضباط فقابلوه بالاستياء حتى لقد صرح أحدهم على مسمع من أحد رجال ~~القنصلية الفرنسية أن الجيش يمزق عرابيا إذا هو اعتزلهم يومئذ. # وأخذت الوزارة تتأهب لملاقاة ما كان ينذر به الموقف من جسيمات الحوادث، وصمم الوزراء ~~ألا يقروا أي تدخل لإنجلترا وفرنسا، وأن تكون إجابتهم على أي إنذار رسمي أنهم لا يعترفون ~~بسيادة غير سيادة السلطان. # وتزايد انحياز الرأي العام إلى عرابي بقدر ما تزايد سخطه على الخديو والأجانب ومن انحاز ~~إليهما من الإمعات ms185 والمستضعفين، وعاد بعض الذين انشقوا من الحزب الوطني ينضمون إليه في تلك ~~الساعة الرهيبة، وشاعت في البلاد دعوى المحافظة على حقوق السلطان أمير المؤمنين وحامي حمى ~~المسلمين ... # وهنا نسأل الذين يستريبون في شجاعة عرابي وزعامته: أيرون دليل جبنه في إصراره هذا على ~~البقاء في مكانه مخلصا لواجبه؟ لقد كان من اليسير عليه أن يسافر إلى القسطنطينية أو إلى ~~أوربا متحيزا إلى السلطان أو إلى إنجلترا، وكانت إنجلترا ترحب بذلك كل الترحيب وتطرب له ~~أشد الطرب، ولكن ما هكذا يفعل الرجال ... # لقد صمم عرابي على البقاء حيث هو كما صمم سعد زغلول على البقاء في مكانه مخلصا لواجبه ~~حين طلب إليه في موقف من مواقف جهاده أن يذهب إلى عزبته ليقيم بها تحت مراقبة مدير الإقليم، ~~وآثر عرابي أن يواجه المحنة والبلاء كما آثر سعد أن ينفى من مصر، ولكن الأمة التي وضعت على ~~رأس سعد من أجل ذلك أكاليل الغار، لا يزال فريق من أبنائها ينسبون إلى عرابي البطل أسباب ~~الهزيمة والعار! ... # وصمم عرابي على امتشاق الحسام ليجاهد في سبيل مصر أشق الجهاد وأعظمه وليكن بعد ذلك ما ~~يكون؛ فإما نصر، وإما فناء، أما مغادرة مصر في ساعة العسرة، فذلك هو الهرب الذي لا يفعله ~~إلا الجبناء ... # ولما فشل مالت في طريقته الشخصية اتفق وزميله الفرنسي فأرسلا إلى حكومتيهما يطلبان أن ~~تطلق يديهما كي يتقدما إلى الحكومة المصرية رسميا بمذكرة تنص على إبعاد عرابي من مصر هو ~~وكبار العسكريين على أن تؤيد المذكرة بعمل إيجابي في حالة ما إذا رفضت، ومما ذكره مالت ~~قوله: «إن الموقف الحالي قد سببه الوزراء، والناس يعتقدون أن إنجلترا وفرنسا لن ترسلا ~~جنودا، وأن معارضة فرنسا تجعل تدخل الترك مستحيلا.» # 3 # وأرسل عرابي كتابا إلى بلنت في اليوم الحادي والعشرين من شهر مايو، ومما جاء فيه قوله: ~~«إن جميع الأهالي ليطوف بهم الحزن لمجيء السفن الإنجليزية والفرنسية، وهم يرون في هذا العمل ~~ما يبيت من سوء للبلاد، كما أنهم يرون فيه عدوانا لا مبرر له ms186 ولا ضرورة تدعو إليه. على أن ~~المصريين قد صمموا على ألا يسلموا للدولة التي تريد أن تتدخل في شؤونهم وفي إدارة البلاد ~~الداخلية، وهم كذلك قد جمعوا عزمهم على الاحتفاظ بالامتيازات التي ثبتتها المعاهدات، ولن ~~يسمحوا لأحد بانتقاص هذه الامتيازات أو مسها ما دام فيهم رمق، وهم في الوقت نفسه حريصون على ~~المحافظة على مصالح الأوربيين وحياتهم وممتلكاتهم ما داموا لا يتعدون الحدود التي رسمتها ~~لهم القوانين، ونحن جميعا نبذل ما في وسعنا في أداء واجبنا، وعلى الله اتكالنا في الدفاع ~~عن حقوقنا وبمعونته سننال غايتنا، وتنحصر غايتنا في إسعاد الوطن ونشر الأمن والسلام بين ~~سكانه، ولا زلنا نأمل في عدالة أوربا ألا تتعدى علينا، بل إنا على خلاف ذلك نرجو أن يحسنوا ~~سلوكهم معنا لأن في هذا مصلحتهم وهو يؤدي إلى تحقيق رغباتهم، وجدير بإنجلترا ألا تثق ~~بوكلائها هنا فإنهم قوم لهم مآرب خفية شخصية يبتغون تحقيقها، ونرى أن نجاحهم في تحقيق ~~مآربهم يعود بالضرر على بلادهم وعلى حكومتهم، وفي هذا القدر ما يكفي الآن وسيأتيك الغد بما ~~يجد من الأنباء.» # 4 # ولكن ماذا كان عسيا أن يفعل بلنت وقد نشط مالت في إذاعة أسوأ الأخبار عن مصر وإحباط كل ~~سعي يؤدي إلى نجاتها؟ # يقول بلنت في كتابه مشيرا إلى برقياته وما جاءه عنها من ردود: «ولكن جاء الصباح فذهبت ~~آمالي أدراج الرياح، وانقلب فوزي هزيمة، فقد كنت قضيت الليل بمنزلي بلندن في شارع جيمس رقم ~~10، وأرسلت في طلب الصحف فوجدت فيها جميعا برقية لشركة روتر وفيها نص البرقية التي أرسلتها ~~إلى أعضاء المجلس في مصر، وقلت لهم فيها إن أوربا ستضم مصر، وفيها أن شيخ الإسلام تبرأ من ~~الرد الذي جاءني باسمه، ووجدت في صحيفة ذي ستاندارد برقية من مراسلها بالقاهرة، مؤداها أن ~~سلطان باشا صرح له أن يكذب البرقية التي أرسلتها والتي نشرت بالتيمس، وأن برقية سلطان هذه ~~إنما كتبت تحت تأثير الإرهاب العسكري ...» # وعلى أي حال فما كان يغني عن بلنت صدقه وحسن مسعاه، وقد رسمت ms187 السياسة الإنجليزية الخطة ~~التي تنتهجها، ولقد كانت الحكومة الإنجليزية على علم بكل شيء، ولذلك فما كانت بها حاجة إلى ~~دفاع بلنت وأنبائه. # وهل كانت إنجلترا تتحرى في المسألة وجه الصواب حتى تسير على هدى ما تعلم؟ حسب الإنجليز ~~أن يحققوا أطماعهم التي طال بهم العمل على تحقيقها في مصر، ذلك هو الواقع الذي لا يغيره ~~جدال مهما طال، وليجر بعد ذلك بلنت في مضماره ما شاء، وليطلق هذا الشاعر الذي يعطف على ~~حرية المصريين وآمالهم العنان لخياله حسبما يريد، فلن يؤثر ذلك في مجرى الحوادث، ولن يغير ~~شيئا مما عقد النية جلادستون وجرانفل عليه ... # والسياسة على أي حال شيء، والشعر والأحلام شيء آخر، وكثيرا ما سخر الساسة من أماني دعاة ~~الإنسانية، وضحكوا ملء أفواههم من هؤلاء الذين يحلمون فيتخيلون أحلامهم حقائق راهنة كما ~~يتخيل الأطفال! # تلقت الحكومة المصرية، وتلقى الخديو في اليوم الخامس والعشرين من شهر مايو المذكرة ~~المشتركة الثانية وفيها تطلب الدولتان: «أن يخرج عرابي باشا من مصر مع احتفاظه بلقبه ~~وراتبه، وأن يبتعد كل من عبد العال باشا وعلي فهمي باشا إلى داخل القطر مع احتفاظهما كذلك ~~بلقبيهما وراتبيهما وأن تسقيل الوزارة الحالية من الحكم ...» # ومن أعجب الأمور أن ممثلي الدولتين قد عزيا هذا الطلب إلى ما نصح به سلطان باشا لرئيس ~~الوزارة، فقد جاء نصه كما يأتي: «إن ممثلي فرنسا وبريطانيا العظمى الموقعين على هذا يحيطان ~~علم عطوفتكم بأنه من حيث إن عاطفة الوطنية حملت سعادة سلطان باشا رئيس مجلس النواب وكذا ~~رغبته في تأييد سلم مصر ورفاهيتها على عرض الشروط الآتية على عطوفتلو محمود سامي باشا رئيس ~~مجلس النظار، إذ رأى أنها الواسطة الوحيدة لوضع حد لحالة الاضطراب في مصر ...» ثم أوردا بعد ~~ذلك الشروط أو الإنذار ... ولقد أنكر الوزراء وساطة سلطان باشا كما أن سلطان تنصل منها ~~... # قال الشيخ محمد عبده: # 5 ~~«حصلت مذاكرة في المذكرة التي قدمها وكلاء الدولتين بحضور سلطان باشا والنظار ~~فوضع سؤال: هل يمكن لنا أن نجمع المجلس؟ فأجاب سلطان: أظن ms188 أن ذلك لا يكون إلا بأمر الخديو ~~فنسأله في ذلك ولا ريب أنه يوافق عليه، فقال له أحد النظار: الخديو الذي كنت تطلب خلعه إن ~~لم يكن قتله قبل أيام؟ # قبل هذا جاء كلام في الخديو في جلسة فطلب سلطان باشا قتله وأبى عرابي، وكان سلطان يقول: ~~اقتلوا الثعبان سلالة الجناة الناهبين الذين باعونا للأجانب ... هذا هو سلطان الذي كان رئيس ~~الحزب الوطني، وهو لا يريد الآن إلا مجاملة الخديو، ذلك الخديو الذي لا يبغي إلا بيع البلاد للأجانب. # 6 # اجتماع مجلس النواب حق للشعب، ونحن نوابه، ولابد لنا أن نطلب النواب إلى القاهرة حتى لو ~~أراد عرابي أن يوافي ما طلب من إبعاده إرضاء للساسية الأجنبية فليفعل، أما نحن فلا نخضع ~~لمثل هذه المطالب مهما أدى إليه الخلاف ... # سلطان رجع عن رأيه إلى رأي الحاضرين مع الحيرة فيما وعد به الخديو والقنصلين وفيما اضطر ~~إليه من موافقة الثائرين ...» # قررت الوزارة في غير تردد رفض هذه المذكرة المشتركة الثانية، وأبلغ هذا الرفض إلى ممثلي ~~الدولتين. ومما جاء فيه قول الوزارة: «إن سعادة سلطان باشا صرح أمام الوزراء عند انعقاد ~~مجلسهم بأن أعاد على رئيس مجلس الوزراء ذكر محادثة جرت بينه وبين قنصل جنرال فرنسا، وأنه لم ~~يبدأ بذكر مقترحات أو إشارات لا يعنيه أن يقدمها ولا يبديها باسمه الشخصي، ولا بصفة كونه ~~رئيس مجلس النواب فإن هذا المجلس غير ملتئم الآن، أما الطلبات المدونة في اللائحة التي ~~قدمها قنصلا إنجلترا وفرنسا فتتعلق بمسائل داخلية تختص بالأمور الإدارية التي اعترفت الدول ~~الكبرى دائما بأن حرية العمل فيها من خصائص الحكومة المصرية، ولا يمكن لحكومة الجناب ~~الخديوي أن تولج في باب المناظرات والمباحثات في هذه القضايا بدون التعدي على الفرمانات ~~السلطانية والمعاهدات الدولية التي حددت مقام مصر الخصوصي وبدون نقض القوانين الشورية لهذه ~~البلاد التي هي أعظم كفالة تتكفل ببقاء الحال على ما هو عليه.» # وأصر الوزراء وفي مقدمتهم عرابي على موقفهم، هذا الموقف الوطني الجليل، وأيدهم كبار ~~الضباط وأعلنوا أنهم معهم ms189 ولو أدى الأمر إلى القتال ... # ولكن ماذا عسى أن يغني عن الوزارة جلال موقفها في هذه الأزمة العصيبة، ولم يمض يوم واحد ~~حتى قبل توفيق مذكرة الدولتين، وأعلن ذلك في غير تحرج من هذا الفعل على شناعته ~~البالغة؟ # ولم يجد البارودي بعد ذلك مناصا من الاستقالة، فكتب استقالة الوزارة على النحو ~~التالي: # القاهرة في 26 مايو سنة 1882 # إن جنابكم العالي قد بلغنا عند وصول الدوننمتين: الإنجليزية، والفرنسية بأنكم حررتم ~~إلى الآستانة بطلب التعليمات، ولما كنا منتظرين ورود خطاب من الباب العالي وإذا بقنصلي ~~فرنسا وبريطانيا الكبرى قدما لحضرة رئيس مجلس نظاركم لائحتهما بتاريخ 25 مايو، وبناء ~~على أوامر جنابكم العالي اجتمعنا والتأم مجلسنا وقرر هذا الخطاب المرفق مع هذا، وعندما ~~توجهنا إلى جنابكم العالي لاستشارتكم أخبرتموننا بأنكم قبلتم لائحة وكيلي فرنسا ~~وبريطانيا العظمى، وهذا القبول مباين لما أجمع عليه رأي كل النظار إجماعا كليا، فإن ~~قبول تدخل الدول الأجنبية في هذه القضية يمس بحقوق الحضرة السلطانية، وبناء على ~~ذلك نتشرف بأن نقدم لجنابكم استعفاءنا جميعا ...» # ولم يتردد الخديو، وكان وراءه مالت في قبول استقالة الوزارة قائلا إنه يقبلها لأن هذه هي ~~إرادة الأمة، وفيما عدا ذلك فإنها أمور بينه وبين السلطان الذي يحترم حقوقه دائما. وتنفس ~~الخديو الصعداء، ظانا أن الأمر انتهى إلى غايته، ولم يعلم أن صنيعه هذا كان معجلا ~~بالكارثة، بل لقد كان هذا الصنيع في ذاته هو الكارثة، فلولا ما كان من ركونه على هذه الصورة ~~إلى الأجانب، ما أقدمت إنجلترا على تنفيذ ما بيتته طويلا من غدر بالبلاد ... # ومع ذلك فإن كارثة الاحتلال لا زالت على ألسنة بعض المصريين تنسب إلى عرابي، ذلك الرجل ~~الذي تلفتت القلوب إليه وقد اشتدت الأزمة وأزفت الآزفة تأمل على يديه النجاة من الخطر ~~المحدق ... # إن القضية كلها يمكن تلخيصها وقد قرب دوي العاصفة في كلمة قصيرة، هي أن خلافا داخليا ~~وقع في مصر بين الخديو المتمسك بالحكم المطلق وبين زعماء الشعب المتمسكين بالحكم ~~الدستوري، فانتهز الإنجليز هذه الفرصة لتحقيق ms190 نياتهم المبيتة من قبل هذا الخلاف، ولم يشأ ~~الخديو أن يتنازل عن مبدأ الاستبداد، فركن إلى الأجانب ليتخلص من الوطنيين، وعمل هؤلاء ~~الثعالب على زيادة الخلاف وعلى رأسهم مالت كبير شياطينهم، حتى كانت المذكرة المشتركة ~~الثانية وهي الضربة التي تصيب الحركة القومية في مقتل، فلم يجد عرابي وأعوانه بدا من دفع ~~هذا العدوان الفاجر عن البلاد أنفة وحفاظا ولو ذهبت أرواحهم في سبيل ذلك ... # فليت شعري كيف كان ينتظر منهم أن يفعلوا غير ذلك في موقف كهذا الموقف؟ ألا فليحترموا ~~عقولهم أولئك الذين يردون سبب الاحتلال إلى عرابي، إن كانوا يرجون لأنفسهم ولوطنهم وقارا ... # | عرابي ملاذ البلاد # كان لقبول استقالة البارودي أسوأ وقع في البلاد جميعا، وأحس الناس فيها نذر الخوف ~~وبوادر العاصفة، وقر في نفس كل وطني أن الخديو اليوم في قبضة الأجانب وبخاصة الإنجليز، ~~وأن مالت هو الذي يحركه ويوحي إليه ما يريد ... # ولم يعد خافيا على أقل الناس دراية مغزى قبول الخديو المذكرة الثانية، ومغزى قبول ~~استقالة الوزارة. # وأظهر توفيق صرامة لم يألفها الناس منه، فأصر على قبول استقالة الوزارة على الرغم من ~~إحجام شريف ومصطفى فهمي وغيرهما عن تأليف وزارة جديدة ... # وبادر توفيق بإرسال أمر منه إلى المديرين قال فيه: «بما أن هيئة النظار الحاضرة استعفت ~~وصار قبول استعفائها فليكن معلوما ذلك لديكم لتصرفوا جهودكم وقدرتكم في المحافظة التامة ~~منكم ومن مأموري المديرية الموكلة لإدارتهم والدقة والانتباه لحسن سير الأشغال والمصالح ~~المتعلقة بكم، كما أنه من حيث إن السفن الحربية الأجنبية التي حضرت إلى الإسكندرية لم يكن ~~حضورها إلا بوجه سلمي فقط، ولم يكن هناك شيء آخر خلاف ذلك، فليس هناك لزوم لإرسال أحد من ~~عساكر الإمدادية الذين صار طلبهم أخيرا بمعرفة الجهادية، بل إن الموجود منهم تحت الحضور ~~لهذا الطرف يصير إعادته لبلده، والذي تحت الحضور من البلاد يتنبه بصرف النظر عن حضوره، ~~وإعلان المراكز والأقسام بالتنبيه على مشايخ وعمد البلاد بهذا المضمون للعلم بعدم الاقتضاء ~~لجمع عساكر، وانتباه كل لأشغاله وزراعته بدون اشتغاله في ms191 غير ذلك، هذا وإن الأمور المهمة ~~التي كان قد جرى العرض عنها لنظارة الداخلية يجب أن يعرض عنها من الآن لمعيتنا إلى أن تشكل ~~هيئة نظارة جديدة كما هو مطلوبنا.» # وهذه أوامر من الخديو تعد بالغة الخطورة، فهو يهون من حضور السفن الأجنبية، ثم يريد أن ~~يحبط الدفاع الوطني، وذلك بمنع إرسال الجنود التي كانت وزارة البارودي قد استدعتهم من الجيش ~~الاحتياطي قبل استقالتها، وهو يحث الناس على الاشتغال بالزراعة دون غيرها أعني ألا يلبوا ~~إذا دعا داعي الجهاد، وفوق ذلك جميعه فهو يستبد بالأمر كي يلقي في روع الناس أنه السيد ~~الوحيد الذي يجب طاعته في البلاد. # وأي رضاء بالاحتلال والتمهيد له يكون أصرح مما يفعل توفيق بأوامره هذه في وقت كذلك الوقت ~~الذي يحدق فيه الخطر بالبلاد؟ # إنما يريد توفيق أن يعترض طريق ثورة مشروعة في مصر مبعثها تدخل الأجانب في شئونها ~~الداخلية توطئة لالتهامها، وأن يظهر عرابيا ومن معه بمظهر العصاة المتمردين، الذين ~~يعمل هو ومن يعضده من الأجانب على قمعهم والقضاء عليهم، وليس أكثر من هذا الذي يفعل ممالأة ~~للعدو واندماجا في سياسته ... # ولكن ما لبث توفيق ومؤيدوه أن تبينوا أن الأمر ليس من السهولة كما تصوروا، وأن أمامهم من ~~الصعاب ما ينوء من حمله أقدر الرجال ... # وكان مالت قد تصور الأمر هينا كما تصوره توفيق، فقد أبرق إلى جرانفل في اليوم التالي ~~لسقوط الوزارة يقول: «رأى الوزراء أنهم إذا رفضوا الشروط التي قبلها توفيق فإنهم بذلك ~~يبيتون في ثورة مكشوفة بدلا من ثورتهم المستترة، وهذا موقف أشفقوا منه، وعلى ذلك فإن سقوط ~~الوزارة يرجع إلى المسلك الحاسم الذي سلكه سموه.» # 1 # واطمأنت كذلك الحكومة الفرنسية، وظنت أن مصر قد ماتت فيها روح المقاومة بسقوط الوزارة ~~السامية، وكانت إنجلترا قد عادت إلى مراوغتها في اليوم الرابع والعشرين من مايو، أي قبل ~~سقوط الوزارة بيومين فاقترحت على فرنسا أن تحاط الدول علما بما تراه إنجلترا من علاج ~~للحال، وهو أن يكون جيش تركي على أهبة الاستعداد للذهاب ms192 إلى مصر، فكتب ممثل فرنسا في لندن ~~إلى جرانفل قبل سقوط البارودي بيوم يقول: «أبرق إلى مسيو دي فرسنيه أن مجلس الوزراء الذي ~~عرض عليه مقترحكم قد أجمع رأيه على أنه ليس في الموقف الحالي ما يبرر الالتجاء إلى قوة ~~تركية، فقد وصلتنا مذكرة من قنصلنا العام بمصر في اليوم الخامس والعشرين من هذا الشهر وفيها ~~أن الوزارة في سبيلها إلى الاستقالة وأن عناصر المقاومة في طريقها كما يتضح إلى الانحلال، ~~وعلى ذلك فلدينا كل ما يدعو إلى انتظار ما عسى أن تصير إليه الحوادث.» # 2 # ولكن مالت ما لبث أن أبرق إلى حكومته أنه قد طلب إلى شريف باشا أن يؤلف وزارة فرفض ذلك ~~مصرحا بأنه لا يمكن إقامة حكومة في مصر طالما يقيم بها العسكريون، ثم قال مالت: «ولكن ~~الخديو يحاول الآن إقامة وزارة ولو أن أمله ضعيف في أن يوفق إلى وزارة ذات كفاية إن كان ثمة ~~من أمل في إمكان قيام وزارة ما.» # 3 # وعاد مالت يقترح أن يستعان بالسلطان ليعيد النظام في مصر، وذلك بأن يرسل ضابطا من لدنه ~~في أقرب وقت «وكذلك يرى توفيق أن مبعوثا تركيا يمكنه أن يسمع العسكريين صوته وأن يعيد ~~إلى مصر الهدوء». # والحق أن سقوط الوزارة السامية قد هز البلاد من أعماقها، وبات الناس يتوقعون الاعتداء ~~في كل لحظة، ولم تبق في البلاد هيئة أو طبقة إلا أسخطها مسلك الخديو. قال عرابي في مذكراته: # 4 ~~«وما طير البرق خبر استعفاء الوزارة واحتجاجها على قبول الخديو للائحة إنجلترا ~~وفرنسا حتى بلغ الاضطراب في جميع بلاد القطر مبلغا عظيما، وأخذ القلق من النفوس مأخذا ~~جسيما، فكثر اللغط وزادت بواعث الإيجاس والخوف، ثم حضر إلى العاصمة جميع أعيان البلاد ~~ومستخدمي الحكومة، وقدموا لنا مئات العرائض بواسطة مديريهم محتجين فيها على عمل الخديو ~~هذا وطالبين أحد أمرين: إما رفض اللائحة المشتركة المذكورة، وإما عزل الخديو الذي قبل ~~تدخل الأجانب في أحوال البلاد الداخلية.» # ويتبين لنا مبلغ ما لقي توفيق من عسر في الاجتماعين ms193 اللذين عقدهما في الصباح وفي المساء ~~برئاسته بسراي الإسماعيلية في اليوم التالي لسقوط الوزارة، ففي اجتماع الصباح حيث شهده ~~النواب وكبار العلماء والأعيان وكبار الموظفين، عرض الخديو الوزارة على شريف باشا فاعتذر ~~وأصر على اعتذاره، وحضر أثناء الاجتماع قنصل فرنسا العام ينبئ الخديو بأن برقية وردت عليه ~~من حكومته تأمل فيها فرنسا أن يقبل شريف باشا الوزارة وستعضده الحكومة الفرنسية بكل جهودها، ~~ولكن شريفا ظل على إحجامه وخوفه ... ثم اشترط أن يقبل وزارة الحربية معه عمر باشا لطفي ~~محافظ الإسكندرية فرفض ذلك عمر باشا، وعرض الخديو رئاسة الوزارة على عمر فأشفق منها ~~... # وفي اجتماع المساء صارح الخديو المجتمعين بأنه سوف يشكل الوزارة برئاسته وستكون له وزارة ~~الجهادية، ثم عاد يبين للمجتمعين ما حدا به إلى قبول مذكرة الدولتين، وهدد الخديو وتوعد ~~وقال إنه مع عفوه عما مضى لن يسمح بعصيان أو مخالفة في المستقبل، ثم أراد أن يخفف من وقع ~~البوارج الحربية فعاد يؤكد أنها ما جاءت إلا لأغراض سلمية ... # وكل ذلك يدل على مبلغ ما أحاط بتوفيق من حيرة كما يشير إلى شدة شعوره بما يجد في نفسه من ~~حرج مما فعل، وإن تظاهر أنه لا يبالي بشيء ... # وتكلم طلبه باشا عصمت أحد الزعماء العسكريين، فقال يرد على تهديد الخديو: «إننا مطيعون ~~جميعا للجناب السلطاني الشاهاني وللجناب الخديو، ولكن هذه اللائحة يستحيل علينا تنفيذها، ~~ولا حق للدولتين في طلب تنفيذها، فهي تتعلق بمسائل من اختصاص الباب العالي أن ينظر فيها، ~~ويستحيل علينا قبول أحد رئيسا للجهادية خلاف رئيسنا أحمد عرابي باشا.» # 5 # وفي هذا الكلام تحد صريح للخديو يدل على مبلغ ما كان في نفوس العرابيين من استياء منه، ~~ومن حماسة وطنية أوقد جذوتها مسلكه بانحيازه إلى الأجانب. # وزاد الموقف خطورة أن ورد على الخديو برقية من كبار رجال الجيش والشرطة بالإسكندرية ~~يقولون فيها إنهم لا يطمئنون لغير عرابي ناظرا للجهادية، وإنه إذا مضت اثتنا عشرة ساعة ولم ~~يعد عرابي إلى منصبه فهم غير مسئولين عما تفضي إليه الحوادث ms194 ... # وكان مالت لا ريب فرحا لوقوع توفيق في مأزق كهذا، فإن ظاهر الأمر يؤيد قوله إن تسلط ~~الجيش هو سبب كل خوف، وإن كانت حقيقة الأمر تقطع بأنه هو وكلفن كما بينا أصل كل المصائب ~~... # ويذكر كرومر في كتابه «إن سلطان باشا وبعض النواب أخبروا الخديو في حضور القنصلين الفرنسي ~~والإنجليزي أنه ما لم يوافق على إعادة عرابي وزيرا للجهادية فإن حياته يحف بها ~~الخطر.» # وعلى الرغم من ذلك، كما ذكر كرومر أيضا، فإن الخديو أصر على رفضه كما جاء في تقرير ~~مالت ... # وفي نفس اليوم الذي عقد فيه الخديو اجتماعيه عقد اجتماع شعبي في دار سلطان باشا وقد شهده ~~كبار العلماء والنواب، كتب عرابي يصف هذا الاجتماع فقال: «في ليلة السبت 27 مايو سنة 1884 ~~دعيت إلى منزل محمد سلطان باشا رئيس مجلس النواب، فذهبت إليه ومعي إخوتي علي باشا فهمي، ~~وعبد العال باشا حلمي، ومحمد بك عبيد، وغيرهم من الإخوان، فلما وصلنا المنزل المذكور وجدناه ~~غاصا بأعضاء مجلس النواب ومعهم قاضي قضاة مصر الشيخ عبد الرحمن نافذ، والشيخ عبد الهادي ~~الإبياري إمام المعية، وحصل الاتفاق على ملازمة الراحة والسكون وأن الخديو يرفض اللائحة ~~الثنائية ويأمر برجوعي إلى نظارة الجهادية والبحرية أو يعزل عزلا، وفي أثناء ذلك حضر ~~بحديقة المنزل جماعة من الضباط والنبهاء من الملكية وغيرهم، وصاحوا بقولهم: اعزلوا الخديو ~~الذي دعا الأجانب للتدخل في أمرنا وتهديدنا بأساطيلهم ... # ثم خرجت بمن معي من الضباط وتوجهنا إلى منزل محمود باشا سامي فوجدنا كثيرا من الذوات ~~هناك ينتظرون ما عسى أن يحدث من مخبآت الدهر فقابلنا عبد الله باشا فكري الذي كان أستاذا ~~أو مربيا للخديو في صغره وقال لنا: إن قتلتموه؟ فقلت له: إننا لا نقتل أحدا بغير حكم ~~شرعي، فلا يليق بك أن تتكلم بهذا الكلام، ثم توجه كل منا إلى منزله.» # وفي اليوم الثامن والعشرين من مايو، أبرق الصدر الأعظم إلى الخديو ينبئه بأن «مبعوثا من ~~لدن السلطان يرسل إلى مصر إذا تلقى السلطان طلبا رسميا بذلك.» ms195 # 6 # وكان ذلك ردا على ما أرسله توفيق إلى الآستانة في اليوم التالي ليوم استقالة ~~الوزارة من أنباء مؤداها أن الجند غير راضين عن إسقاط الوزارة، وأن الوزارة احتجت في ~~استقالتها على تدخل الدولتين ... واشترطت تركيا هذا الشرط لإيفاد المبعوث خوفا من إنجلترا ~~وفرنسا أن تغضبا إذا هي تدخلت من تلقاء نفسها ... # وسأل توفيق القنصلين ماذا يصنع فيما جاءه من الصدر الأعظم؟ وأبرق مالت إلى حكومته يقول: ~~«لقد ذكرت للخديو أنه إذا كانت حياته معرضة للخطر، فلست أستطيع أن أنصح بشيء يخالف الخطوة ~~التي يقترحها إذا ظهر أنها هي فرصة الخلاص الوحيدة، واقتصر مسيو سينكويكس على قوله إنه ~~سيطلب رأي حكومته، ثم تركنا الخديو بدون أن نفضي إليه بأكثر من هذا، مع أن الخديو كان يلح ~~علينا بضرورة إرسال رد عاجل إلى الصدر الأعظم.» # ووصف مالت موقف توفيق في هذا الظرف بقوله: «إن موقف الخديو موقف مؤلم أعظم الألم، فهو ~~مهدد بالقتل، ثم إننا صرفناه عن الذهاب إلى الإسكندرية حيث كان في الوقت متسع لهذا، وكذلك ~~لم نخل بينه وبين الالتجاء إلى الجهة التي يأتيه منها تأييد ذو أثر، ولذلك فهو والحال كما ~~أذكر خليق بأن يشعر شعور المرارة تلقاء ما يبدو له الآن من عواقب اتباعه نصحنا واعتماده على ~~تأييدنا.» # وهكذا نرى مالت يضغط ضغطا شديدا على حكومته لتعجل بالتدخل المسلح المنشود، وكان من أثر ~~ذلك أن كتب جرانفل دون أن ينتظر مشورة الحكومة الفرنسية إلى اللورد دوفرين في الآستانة ~~بقول: «إن حكومة جلالة الملكة ترى الضرورة ملحة بألا يضيع السلطان شيئا من الوقت دون أن ~~يرسل أمرا به يؤيد الخديو، ويرفض الاتهام الذي عزته الوزارة الساقطة إلى سموه، ويأمر كبار ~~العسكريين الثلاثة، وكذلك رئيس الوزارة السابق إذا دعا الحال، بأن يحضروا ليشرحوا مسلكهم في ~~القسطنطينية.» # ويتضح من ذلك أن الحكومة الإنجليزية تخطو خطوة سريعة نحو الانفراد بالعمل وتنفيذ خطتها في ~~التهام مصر، ولا نجد في تفسير سياستها خيرا من قول كرومر في هذا الظرف تعليقا على الموقف: ~~«إن ms196 النتيجة على أي حال لم تكن بعيدة، فإنه كان يتضح يوما بعد يوم أن عرابي لن يخضع إلا ~~بالقوة، فإذا لم تتبع القوة المطلوبة أي جهة أخرى فإن هذا العمل يلقى بالضرورة على عاتق ~~إنجلترا.» # هذا هو الذي كانت ترمي إليه السياسة الإنجليزية من جميع مراوغاتها واقتراحاتها، ولسوف ~~تنفرد عما قريب بضرب الإسكندرية، وحجتها في ذلك تأييد سلطة الخديو تجاه عرابي الثائر الذي ~~تحركه الأطماع والمآرب الشخصية! # واشتد خوف الأجانب في مصر حين فهموا أن الخديو عاجز عن تأليف وزارة، فذهب وفد من ~~القناصل إلى عرابي في الثامن والعشرين من مايو، وقد أشار عرابي إلى ذلك في قوله: «ولما ~~تعاظم الخوف حضر لمنزلي جميع قناصل الدول ما عدا قنصلي إنجلترا وفرنسا يطلبون مني التأمين ~~على رعاياهم فأجبتهم بأني قد استعفيت ولا صفة لي تخولني تحمل هذه المسئولية العظيمة، ~~فقالوا إن الجيش لا يخالف إرادتك، وأنت رئيس الحركة الوطنية فلا نأمن على رعايانا وأنفسنا ~~إلا بإعطائك لنا كلمة الشرف بحفظ رعايانا، فلأجل طمأنينتهم وتسكين روعهم كتبت تلغرافا إلى ~~جميع مراكز العسكرية بصفة أني رئيس الحزب الوطني أرغب إليهم فيه أن يلتزموا الهدوء ~~والسكينة، وأن يحافظوا على راحة العموم، وخصوصا رعايا الدول الأجنبية، وأن يعاملوا الجميع ~~بحسن المعاملة وكمال المجاملة.» # وقابل هؤلاء القناصل الخديو، ورجوا منه أن يعيد عرابي إلى الجهادية حفظا للأمن في مصر ~~وتفاديا للأخطار. # أما الوطنيون فقد اشتد قلقهم وقد مضى يومان والخديو عاجز عن إقامة وزارة، ونشط سلطان ~~باشا، وأكثر من مقابلة الخديو، وفي نفس اليوم الذي قابله فيه القناصل، ذهب سلطان إلى سراي ~~الإسماعيلية وتحدث مع الخديو طويلا، ولكنه وجد منه تصميما على موقفه ... # واجتمع بمنزل سلطان باشا عدد كبير من النواب والعلماء والأعيان وكبار ضباط الجيش، واتفقوا ~~على أن يذهب وفد منهم إلى الخديو يرجو منه أن يعيد عرابي وزيرا للحربية، ففي ذلك ضمان ~~الأمن والسلامة. # وذهب وفد مؤلف من سلطان باشا وحسن باشا الشريعي وسليمان أباظة إلى سراي الإسماعيلية ~~وقابلوا الخديو وعرضوا عليه ملتمسهم أن ms197 يعيد عرابي إلى الوزارة؛ فرفض الخديو وأصر على ~~رفضه، وبعد طول توسلهم وتوسط سلطان باشا أجابهم الخديو إلى طلبهم قائلا: «بما أنكم أتيتم ~~طالبين تقليد نظارة الجهادية لسعادة عرابي باشا حيث إنكم تظنون أن هذا التعيين يساعد على ~~حفظ النظام فلا مانع من إجابتكم ...» # وإن اتفاق هذا العدد الكبير من رجالات الأمة على إعادة عرابي حتى يطمئن الناس ويتحقق ~~الهدوء لدليل لا شبهة فيه على أن الرجل فضلا عما تحقق له من الزعامة قد أصبح بحق ملاذ ~~البلاد، أما الخديو فلم يعد في رأي الناس إلا أداة طيعة في يد مالت يصرفه كيف شاء ~~... # أشار إلى ذلك روثستين في كتابه بعد أن أشار إلى احتجاج ضباط الجيش ورؤساء الشرطة في ~~الإسكندرية على الخديو بقوله: «وسرعان ما وصل نبأ هذا الاحتجاج إلى أهل القاهرة، فقام إلى ~~الخديو وفد مؤلف من رؤساء الأديان المختلفة، علماء الإسلام، وبطريرك الأقباط، وحاخام ~~اليهود، وطلب إعادة عرابي وزملائه، فكان ذلك مظهرا من مظاهر إرادة الأمة غير متوقع بالمرة ~~... وعندما قدم سلطان باشا على الخديو مهرولا يكاد يقتله الخوف، وتوسل إليه أن يرجع ~~النظار إلى مناصبهم وإلا كانت حياته في خطر، نقول عند ذلك أذعن توفيق وأصحابه البررة، ~~وأعيدت الوزارة، وأرسلت الأوامر إلى الأقاليم بإلغاء أوامر التسريح السابقة ... ولم تدم هذه ~~المأساة الهزلية أكثر من ثلاثة أيام، ولكنها كانت كافية في إظهار شعور الأمة الحقيقي. وإن ~~في السرعة التي أرسلت بها الأوامر إلى الأقاليم لوقف جميع وسائل الدفاع لبيانا لسبب كره ~~الدبلوماسيين البريطانيين عرابي ورفاقه، فقد رأوا أنه ما دام هؤلاء قابضين على أزمة الأمور ~~فلا يحتمل أن تقع مصر غنيمة باردة في أيدي المعتدين.» # ولكن مالت لم يرقه هذا المظهر فكان مما افتراه فيما أبرق به إلى حكومته ما جاء في ~~قوله: «في هذا المساء توجه رؤساء رجال الدين وفيهم البطريرك، والحاخام، كما توجه النواب ~~جميعا والعلماء وغيرهم إلى الخديو، وسألوه أن يعيد عرابي وزيرا للجهادية، فرفض الخديو، ~~ولكنهم توسلوا إليه قائلين: لئن كان الخديو مستعدا ms198 ليضحي بحياته فينبغي ألا يضحي بحياتهم ~~هم، وإن عرابي يهددهم جميعا بالموت إن لم يحصلوا له على موافقة الخديو، وإن حرس القصر قد ~~ضوعف، وإن أوامر صدرت إليهم بأن يمنعوا مغادرته القصر طلبا لرياضته المعتادة، وأن يطلقوا ~~النار إذا حاول أن يشق طريقه بالقوة ... ولم يجد الخديو أمام هذه الظروف إلا الإذعان لا لينجي ~~نفسه، بل لينقذ المدينة من سفك الدماء.» # إلى هذا الحد يبلغ افتراء مالت فيصور توفيقا سجينا في قصره ويجعله عرضة لأن يطلق حرسه ~~النار عليه، وهذه رواية لم يوردها غير مالت بين جميع من كانت لهم صلة بهذا الموقف من ~~القناصل ومن المؤرخين. ومن الأمور البديهية أنه لم يحجم عن أن ينقل مثل هذه الشائعات ~~المفزعة إلى توفيق نفسه ليملأ قلبه رعبا، ويوحي إليه أن يطلب النجدة ... # وفي مساء اليوم الثامن والعشرين من مايو، أصدر الخديو أمرا إلى عرابي باشا بإعادته إلى ~~وزارة الجهادية والبحرية هذا نصه: «ولو أنكم استعفيتم ضمن هيئة النظار التي استعفت، ولكن ~~مراعاة لحفظ الراحة والأمن رأينا بقاءكم على نظارة الجهادية والبحرية، وأصدرنا أمرنا هذا ~~لكم لتعلموه وتبادروا بإجراء ما فيه انتظام أحوال العسكرية بالطريقة الكفيلة لحفظ الأمن ~~العام على الوجه المرغوب كما هو مقتضى إرادتنا.» # يقول عرابي في مذكراته: «حضر لي رئيس مجلس النواب سلطان باشا وحسين باشا الشريعي وسليمان ~~باشا أباظة، وسلموني أمر الخديو القاضي برجوعي إلى نظارة الجهادية والبحرية، وأخبروني بأنهم ~~لما وفدوا على الخديو وجدوا جميع القناصل في حضرته ما عدا قنصلي فرنسا وإنجلترا، وأنهم ~~طلبوا من الخديو صدور أمره برجوعي إلى نظارة الجهادية والبحرية لأجل اطمئنان العموم، فكان ~~القناصل مع النواب على رأي واحد، وحينذاك فرح الضباط والجنود وجميع الوطنيين وسروا بذلك ~~سرورا عظيما ... # وبعد ذلك توالى اجتماع قنصلي إنجلترا وفرنسا الجنرالين بالخديو ليلا ونهارا، ثم إني ~~أصدرت منشورا إلى قناصل الدول، وتكفلت لهم فيه بتأييد الأمن والراحة لجميع سكان القطر ~~المصري وطنيين وأجانب، مسلمين وغير مسلمين، وطلبت من الخديو لزوم جمع العساكر لاستكمال ~~الآلايات على مقتضى ms199 القدر المقرر في الفرمانات السلطانية فأجابني بالموافقة على ذلك، وصدر ~~أمر الجهادية بجمع عساكر الإمدادية نمرة2، ونمرة 3، استعدادا لما عسى أن يطرأ من ~~الحوادث.» # وأخذت الطمأنينة تحل محل القلق في نفوس الناس، إلا من كانوا يفطنون إلى حقيقة الموقف، ~~فليست المسألة مسألة الخلاف بين توفيق وعرابي، وإنما المسألة هي نوايا السياسة الإنجليزية! ~~ولذلك ما كانت أية تسوية داخلية لتجدي فتيلا والإنجليز متربصون، ومالت يسعى جهده لتعكير ~~الماء كي يسهل عليه الغدر ... # والواقع أن تعلق الناس بعرابي إلى هذا الحد واطمئنان الوطنيين والأجانب إليه، أقوى رد ~~يدفع به باطل مالت وأشياعه ممن خوفوا أوربا من نفوذ الحزب العسكري وأنذروها بالويل والثبور، ~~فها هم أولاء الناس من وطنيين وأجانب لا يجدون لهم ملاذا غير عرابي ليطمئنوا على حياتهم ~~وأمنهم ... # وكان عجز الخديو كذلك عن إقامة وزارة أبلغ فشل لسياسة مالت، فإن طوائف الأمة تؤيد الجيش ~~ما عدا سلطان ونفرا من النواب، وما تلتف الأمة حول الجيش ورئيسه عرابي إلا لأنه اليوم في ~~نظر الجميع أكثر مما كان من قبل أمل البلاد في إنقاذها من التدخل الأجنبي، وهل يقول أحد إن ~~الأمة كانت في صف توفيق بعد قبوله المذكرة المشتركة الثانية؟ # إذن فالقضية تزداد وضوحا يوما عن يوم، فهذه أمة تطلب الحرية، ولكن إنجلترا وعلى رأسها ~~جلادستون زعيم الحرية تتهمها بالتمرد والفوضى، كي تتقدم لالتهامها، كما اتهم الذئب الحمل ~~في تلك الخرافة التي يقصونها على الأطفال بأنه يعكر عليه الماء، والذئب في رأس المنحدر، ~~والحمل في أسفله؟! # وما أرذل موقف مالت بعد التفاف الأمة حول عرابي على هذه الصورة، وما أكثر ما يكشفه الموقف ~~من صفاقته ولؤم طبعه ... يقول روثستين: «لا شك أن السير إدوارد مالت قد ساءه الإخفاق الذي ~~لقيه وهو يحاول التخلص من وزارة سامي، ولو أنه كان على شيء من الشعور بكرامة النفس لاستعفى ~~وقتئذ من عمله. ولكن الرجل لم يكن يريد المحافظة على كرامة نفسه، وإنما كان يريد إحداث ~~تدخل مسلح، فإذا لم تؤده إلى ذلك طريق سياسة سلكها، ms200 فلا بأس بأن يعيد الكرة ويسلك طريقا ~~أخرى تكون أقصد وأهدى إلى وجه النجاح. لذلك لم يكن الإخفاق الذي لقيه إلا ليزيده إقبالا ~~على العمل ومضيا فيه، فقد كتب عن رجوع الوزارة # 7 # إلى رئيسه في 30 مايو يقول: إن القوم يعدونه إيذانا بإخراج المسيحيين من مصر ~~ورجوع الأرض التي يمتلكها الأوربيون أو يرتهنونها، كما يعدونه إيذانا بإلغاء الدين العام ~~...» # وكيف كان يطيق مالت أن يضمن عرابي الأمن في مصر؟ وكيف كان يطيق أن ينجح عرابي فيما تعهد ~~به؟ إن معناه بطلان كل حجة له، بل بطلان حجته الوحيدة التي لا يفتأ يرددها ألا وهي اختلال ~~الأمن في البلاد، وقلق الأجانب على أموالهم بسبب تسلط العسكريين ... # لذلك يبالغ مالت في وصف ما يدعي من سوء الحال في مصر، ولا يكتفي بما ذكره فيما أورده ~~روثستين، بل إنه يبرق إلى حكومته في نهاية شهر مايو قائلا: «ربما وقع تصادم في أي وقت بين ~~المسلمين والمسيحيين» # 8 # ولنا عودة إلى هذه البرقية الخبيثة عند كلامنا على مأساة الإسكندرية ... # ويذكر مالت فيما يذكره لحكومته أن البلاد في حالة ذعر، وأن الأوربيين يغادرون القاهرة ~~أفواجا، وأن الوزارات جميعا ما عدا وزارة الجهادية تكاد تكون معطلة الأعمال، إلى غير ~~ذلك من المفتريات الفاجرة ... # ويشايع مالت إنجليزي آخر، هو كوكسن قنصل إنجلترا في الإسكندرية الذي رأيناه يلعب دور ~~الشيطان يوم عابدين، فقد أبرق قبل اليوم الأخير من مايو يقول: # 9 ~~«إن كل يوم نتأخره يزيد روح العسكريين الخطرة كما يزيد تحديهم المتواصل للنظام ~~...» # ويقول كذلك وما أبعد ما يقول عن الحق: «إن ضباط الجيش يحصلون بالقوة على توقيعات من الناس ~~على عريضة بطلب عزل الخديو. وإن رئيس مجلس النواب طلب إلى الأعضاء أن يستقروا في بيوتهم لكي ~~يخلصهم من إرغام الجند إياهم على التوقيع.» # 10 # وللقارئ أن يتدبر في قول كوكسن: «إن كل يوم نتأخره»، ومعنى ذلك أنه كان كصاحبه مالت ~~يستعجل دولته بالعدوان الغادر على البلاد ... # | بين عرابي والسلطان # ذكرنا أن الحكومة العثمانية أجابت الخديو ms201 بأنها مستعدة لإرسال مندوب إلى مصر إذا جاءها من ~~مصر طلب رسمي بذلك، ويقول كرومر في كتابه: إن هذا الطلب الرسمي أرسل فعلا إلى الآستانة، ~~ومهما يكن من الأمر فإن السلطان في اليوم الثاني من شهر يونيو سنة 1882 عين مصطفى درويش ~~باشا مندوبا عثمانيا ساميا، وأمره بالسفر إلى مصر رئيسا لوفد يعالج الحال فيها، ولعل ~~السلطان كان يرى أن هذا الوفد أو هذه البعثة التي اشتهرت باسم بعثة درويش باشا كانت كفيلة ~~بوضع الأمور في موضعها الصحيح، وإزالة أسباب الشكوى من جميع الجوانب على أساس الاستفادة من ~~الخلاف بين الفريقين ابتغاء تثبيت سلطة الدولة في مصر ... # ووصل درويش باشا ووفده إلى الإسكندرية في اليوم السابع من يونيو، وقد أقلهم إليها اليخت ~~السلطاني «عز الدين»، وكان من أهم أعضاء الوفد الشيخ أحمد أسعد أحد ذوي الحظوة والمكانة عند ~~السلطان عبد الحميد، وبلغ عدد أعضاء البعثة ورجال حاشيتها ثمانية وخمسين ... # ويجدر بنا قبل الكلام على بعثة درويش أن نأتي على تاريخ الصلة بين عرابي والسلطان منذ ~~بدأت بينهما، لما لذلك التاريخ من أهمية لعلاقته بما كان من أمر درويش ومسلكه نحو الخديو ~~ونحو عرابي ... # كانت أولى خطوات عرابي نحو الاتصال بالآستانة تقابله مصادفة في اليوم السادس عشر من ~~أكتوبر سنة 1884 بأحمد راتب باشا، أي بعد يوم عابدين بشهرين وبضعة أيام، وقد ذكر عرابي نبأ ~~هذه المقابلة في موضعين: الأول في مذكراته، والثاني في حديثه مع مستر بلنت بالشيخ عبيد في ~~اليوم الثاني من شهر يناير سنة 1904، أي بعد عودته من منفاه بأكثر من عامين، وقد أثبت بلنت ~~هذا الحديث في آخر كتابه ... # قال عرابي في مذكراته: «وفي 16 أكتوبر تقابلت مع أحمد راتب باشا أحد رجال الوفد العثماني، ~~وأحد رجال المابين المقربين من جلالة السلطان الأعظم في محطة الزقازيق، وكان قاصدا بندر ~~السويس ليبحر منه إلى الحجاز لمأمورية فوق العادة، فركبت معه في عربة واحدة وعرفته بنفسي، ~~ثم أخبرته بكل ما أجريناه من أول الأمر إلى آخره، وإننا لم نشق ms202 عصا الطاعة كما يدعي ~~الأوربيون، بل طلبنا الإصلاح باسم الذات الشاهانية، وبذلك علم الصغير والكبير بأن لنا ~~سلطانا شرعيا هو صاحب السيادة العظمى على البلاد المصرية وأن الخديو هو نائب عن جلالته ~~فقط، من بعد أن كانوا لا يعرفون لهم حاكما شرعيا غير الخديو. ولما وصلنا إلى رأس الوادي ~~حضر الضباط والصف ضباط، واصطفوا صفا واحدا تعظيما وإجلالا للذات المشار إليها، وهتفوا ~~بقولهم: يعيش السلطان، ثم ودعناه والتمسنا منه عرض إخلاصنا وطاعتنا على الحضرة السلطانية ~~حين عودته إلى الآستانة العلية، وقام به القطار بين أصوات المودعين والدعاء له وللذات ~~الشاهانية.» # وقال في حديثه مع بلنت: «ولما جاء علي باشا نظامي إلى القاهرة ومعه أحمد راتب باشا من قبل ~~السلطان، انزعج الخديو مخافة أن يحدث تحقيق، ولما كان محمود سامي قد عاد إلى نظارة الجهادية ~~فقد أمرنا أن نغادر القاهرة، فذهبت إلى رأس الوادي وذهب عبد العال إلى دمياط، وبقي علي فهمي ~~في القاهرة، ولم أر علي نظامي ولا كانت لي صلة به، ولكن حدث أن كنت في الزقازيق ذات يوم ~~في زيارة صديقين لي هما: أحمد أفندي الشمسي، وسليمان أباظة باشا، وبينما كنت راجعا بالقطار ~~إلى رأس الوادي، تصادف أن كان أحمد باشا راتب في طريقه إلى السويس ليبحر منها في رحلة إلى ~~مكة، ووجدت نفسي في العربة التي كان يجلس بها، وتبادلنا التحية كشخصين يجهل كلاهما الآخر، ~~وسألته عن اسمه، وسألني عن اسمي، وحدثني عن رحلته وعن أشياء أخرى، ولكنه لم يشر إلى بعثته ~~للخديو، وكذلك لم أسأله عنها، ولكني أخبرته عن ولائي للسلطان بصفته رئيسا لديننا، وقصصت ~~عليه جميع ما حدث، فقال: خيرا ما فعلتم، وتركته عند رأس الوادي، وقد أرسل إلي مصحفا من ~~جدة. ولما عاد إلى استانبول كتب إلي يخبرني أنه ذكرني بخير عند السلطان، وبعد ذلك ~~تلقيت كتابا أملاه السلطان على الشيخ محمد ضفر يخبرني فيه # 1 # بما تعلم.» # أما عن بعثة علي نظامي فإن عرابي لم يكن له بها صلة لولا ما كان من ms203 لقائه أحمد راتب باشا ~~على الصورة التي ذكرناها، وكانت بعثة نظامي هذه هي الوفد العثماني الأول، وقد وصلت مصر في ~~اليوم السادس من أكتوبر سنة 1881، وسميت بعثة درويش بعد ذلك بالوفد العثماني الثاني ~~... # نزل أعضاء الوفد الأول بقصر النزهة ضيوفا على الحكومة، واستقبلهم الخديو في اليوم التالي ~~مرحبا بهم في قصر الإسماعيلية، وأبلغوه تحيات السلطان، وثناءه على ما يبذل الخديو من همة ~~في تحسين أحوال البلاد، وأفهموه أن الغرض من مجيئهم هو تأييده وتثبيت حكمه في مصر ... وعبر ~~الخديو أمامهم عن عظيم شكره للسلطان وولائه له، ورد لهم الزيارة في قصر النزهة ... # وزار علي نظامي باشا ديوان الحربية في مقرها بقصر النيل، وكانت مقر الآلاي الثاني، ~~واستقبله البارودي بالحفاوة، وألقى نظامي باشا خطابا بالتركية على الضباط والجند حثهم فيه ~~على طاعة الخديو، وترجمه لهم البارودي، وأجاب طلبه عصمت بقوله: «إن العساكر المصرية جموعا ~~وأفرادا على قدم الطاعة والانقياد لولي أمرنا الخديو المعظم، يتلقون أوامره بالامتثال، ~~ويقفون عند حد نواهيه، فإن كلا منا يعلم أن أول واجب على الجند هو إطاعة ولي الأمر ~~والإذعان لما يأمر به، وما منا إلا محب للجناب الخديوي ميال بكليته إلى الامتثال ~~لإشارته.» # وصافح نظامي باشا الضباط جميعا، وأثنى على ما يظهرون من ولاء وحسن نظام. # وزار نظامي باشا شيخ الجامع الأزهر ونقيب الأشراف وبعض كبار العلماء، فلقي منهم جميعا ~~ثناء على الجيش، وشهدوا بحسن نياته وولائه للسلطان وللخديو، وكان زعيم الجند أحمد عرابي ~~أثناء ذلك في رأس الوادي فلم يره نظامي. # ويبدو عجيبا أن نظامي لم يحاول أن يتصل بعرابي، ولعل مرد هذا إلى أن السلطان لم يكن يؤيد ~~يومئذ الحركة الدستورية في مصر، فقد حارب عبد الحميد مثل هذه الحركة في بلاده، وذلك بتعطيل ~~القانون الأساسي العثماني وإغلاق مجلس النواب وتشتيت أنصار الدستور والحرية ... # وكانت بعثة نظامي في الواقع مظاهرة سياسية، أراد بها الباب العالي أن يستعيد نفوذه ويثبت ~~سلطانه في مصر، وقد قوبلت كما أسلفنا بمظاهرة سياسية مثلها من قبل الدولتين ... # أما خطوة ms204 عرابي الثانية نحو الصلة بالآستانة فتتلخص فيما جرى من مكاتبات بين بعض رجال ~~السلطان وبين عرابي ... # وقد أشار بلنت في كتابه إلى هذه المكاتبات بقوله بعد أن ذكر ما كان من لقاء بين راتب ~~وعرابي: «وقد أدى ذلك إلى مكاتبات بينهما، وتحت يدي أصل وثيقتين هامتين وقعت عليهما ضمن ~~إضبارة كبيرة من الأوراق أثناء محاكمة عرابي، وهما كتابان أرسلا إلى عرابي بعد تأليف وزارة ~~سامي بنحو ثلاثة أسابيع أي في فبراير سنة 1882، وهي الوزارة التي كان عرابي فيها وزيرا ~~للجهادية، أما أولهما فمن أحمد راتب، وأما الثاني فمن الشيخ أحمد ظافر أحد كبار شيوخ الدين ~~بالقسطنطينية الذي كان في ذلك الوقت يقوم على شئون المكاتبات السرية للسلطان، وقد كتبت ~~هاتان الرسالتان بأمر السلطان شخصيا.» ثم أورد بلنت بعد هذا نص الرسالتين. # ويذكر عرابي في مذكراته أن الأصل التركي للرسالتين ضبط بعد موقعة التل الكبير وترجمتا إلى ~~اللغة الإنجليزية ثم أورد عرابي تعريبهما عن الإنجليزية ... # أما عن قصة هاتين الرسالتين فيقول عرابي: «ولما رأينا كثرة تردد السير مالت قنصل إنجلترا ~~الجنرال على الخديو ليلا ونهارا واستسلام الخديو لما يوحي به إليه، علمنا أن إنجلترا ~~طامعة للاستيلاء على وادي النيل الخصيب عملا بقاعدة التوازن الدولي، لتضارع بعملها هذا عمل ~~فرنسا في استيلائها على ولاية تونس الخضراء، فكتبنا بذلك للحضرة السلطانية، وحيث لم يكن لنا ~~واسطة في الآستانة تبلغ عنا مقاصدنا للسدة الشاهانية اتخذنا الشهم المقدام الصادق الأمين ~~علي راغب قبودان أحد شبان ضباط البحرية المصرية رسولا، وكلفناه بإبلاغ عريضتنا إلى ~~الحضرة السلطانية بواسطة الشيخ محمد ظافر شيخ السادة الشاذلية وشيخ الحضرة السلطانية، فصدع ~~بالأمر وأوصل الرسالة إلى الشيخ المذكور. وكذلك بلغ أحمد راتب باشا ما أوصيناه به بعد عودته ~~من مأموريته الحجازية إلى دار السعادة. # فكتب لنا الشيخ ظافر بما صدر به النطق الشريف، وكذلك فعل أحمد راتب باشا، وكان الحامل ~~لهذين الخاطبين السيد أحمد أسعد أفندي وكيل الفراشة النبوية عن الحضرة السلطانية الذي حضر ~~أخيرا بمعية درويش باشا، وهاك ترجمتهما عن ms205 اللغة الإنجليزية من تاريخ المستر برودلي وتاريخ ~~المستر بلنت لأن أصلهما التركي ضبط بعد واقعة التل الكبير وترجم إلى اللغة ~~الإنجليزية.» # وأشار عرابي إلى المكاتبات بينه وبين السلطان في موطن آخر، وذلك أثناء سجنه في مقر ~~الدائرة السنية قبيل محاكمته، فقد كتب وهو في السجن ملخصا لقضيته كلها ليستعين به محاميه ~~مستر برودلي في الدفاع عنه، ولقد أثنى برودلي على حضور ذهنه وترتيبه الحوادث ترتيبا ~~منطقيا حسن السياق على الرغم مما كان يحيط به. قال عرابي في هذا الملخص # 2 # وقد تكلم عن بعثة درويش ما نعربه كما يأتي: «أشعر الآن أن من واجبي نحو مصر ~~ونحو نفسي أن أذكر في وضوح عند هذه النقطة اتصالي بصاحب الجلالة السلطان أثناء الحوادث ~~الأخيرة في هذا البلد. لقد بدأت على هذه الصورة: أرسل طلعت باشا الشركسي في نوفمبر سنة 1881 ~~في رسالة إلى القسطنطينية من جانب الخديو. وقد كلف أن يصور للوزراء الأتراك وللسلطان أن مصر ~~في حالة ثورة، وأن هناك اقتراحا لإنشاء إمبراطورية عربية، وأن أحمد عرابي والحكومة ~~البريطانية قد اتفقا فيما بينهما على هذا الأمر ... وقد أحدثت هذه الإشاعات التي نشرها طلعت ~~أثرها في الآستانة، ولم يكن لنا وكيل هناك يدفع هذه الأباطيل، فاضطررت إزاء ذلك إلى الاتصال ~~بالعالم الورع الشيخ محمد ظافر كاتم سر السلطان ومشيره الديني، ذلك الذي عرفته بشهرته ولم ~~أقابله شخصيا قط. فكتبت إليه وحمل رسالتي إليه علي راغب مفندا جميع المزاعم التي ~~عزيت إلينا، وطلبت إليه أن يشرح للسلطان صادق ولائي، وشدة تعلقي بالمبادئ الأساسية لديننا ~~المقدس، تلك التي تجعل من واجبنا أن نطيع أمير المؤمنين. # ولقد رد علينا هذا الشيخ في سرور فحمل علي راغب السالف ذكره كتابا باللغة التركية، قال ~~فيه إنه ألقى بين يدي السلطان ما تضمنه كتابي، وإن السلطان أظهر اقتناعه بولائي، وإنه ~~يأمرني أن أظل على طاعتي، وأضاف الشيخ أن جلالة السلطان يطلب إلي أن أدافع عن بلدي بكل ~~ثمن ضد الاحتلال، وإلا كان نصيبه نصيب تونس، وأنه لا يعنيه ms206 إسماعيل أو حليم أو توفيق، وما ~~يعنيه إلا الرجل الذي ينفذ ما يأمر به، وكتب إلي بمثل هذا أحمد راتب باشا الذي قابلته ~~مقابلة شخصية طويلة عندما كان بمصر، والذي جاء كتابه إلي مع كتاب ظافر.» # هذه قصة الرسالتين الخطيرتين بين عرابي وبلاط السلطان، أو تاريخ الصلة بين عرابي والسلطان ~~قبل بعثة درويش، ولقد راجعت الرسالتين كما أثبتهما عرابي فيما بين يدي من مذكراته المخطوطة ~~على الترجمة الإنجليزية التي أثبتها بلنت في كتابه عن الأصل التركي، فوجدت التشابه بينهما ~~تاما، ولذلك آثرت أن أوردهما للقارئ في عبارة عرابي فيما يلي: # ولنبدأ بكتاب الشيخ محمد ظافر، قال: # ناظر الحربية المصرية، سعادتلو أفندم ... قد قدمت الخطابين الكريمين الواردين منكم إلى ~~جلالة السلطان، وجلالته علم من فحواهما جميع عواطفكم الوطنية وتيقظكم، وخصوصا وعودكم ~~بمساعيكم لحفظ مصالح جلالته بكل إخلاص وأمانة، فإنها وقعت لدى جلالته موقعا حسنا، حتى ~~إن جلالته أمرني أن أبين لكم سروره ورضاه وأكتب لكم كالآتي: # حيث إن حفظ الخلافة واستقامتها فرض على كل واحد منا، فيجب على كل مصري السعي بمزيد ~~الاهتمام وراء تثبيت سلطتنا لمنع خروج مصر ووقوعها في قبضة الأجانب الطامعين كما وقعت ~~ولاية تونس في أيدي الفرنسيين، فنحن وضعنا ثقتنا فيكم يا ولدي لاستعمال قوتكم وعمل كل ~~ما في الإمكان لمنع حدوث شيء مثل ذلك. فكن على حذر دائما ولا تغض النظر طرفة عين عن ~~هذه النقطة المهمة، ولا تتركوا أية طريقة أو وسيلة من وسائل الاحتياطات والطرق المتخذة ~~في عصرنا هذا، واضعا نصب عينيكم دائما الغرض الذي ترمي إليه، ألا وهو الدفاع عن ~~ملتكم وبلادكم، وخصوصا يجب عليكم أن تثابروا على حفظ ثقتنا بكم والروابط التي ~~تربطكم بنا. # تلك البلاد هي بلاد مصر التي لها أهمية عظمى لدى إنجلترا وفرنسا، وخصوصا لدى الأولى. ~~ويوجد شرذمة من أصحاب الدسائس والفتن في الآستانة يمالئون هاتين الدولتين ويشتغلون من ~~زمن بعيد بمشروعاتهم الفاسدة التي تؤدي إلى الخراب وسوء المصير. ومذ رأوا من صالحهم ~~ازدياد تلك الدسائس والفتن في مصر، ms207 وجهوا عنايتهم إلى ذلك بنشاط وغيرة، فرغبة جلالته ~~الخاصة هي أن تحذروا من أولئك الخونة الأشرار ومكائدهم، وتراقبوا أعمالهم بعيون ساهرة ~~لا تنام! # وبناء على التلغرافات والأخبار المرسلة من الخديو توفيق باشا أحد أعضاء الجمعية ~~المومأ إليها نرى أنه ضعيف ومتقلب، ولاحظنا أيضا أن كل تلغراف من تلغرافاته لا يؤيد ~~الآخر، بل جميعها على طرفي نقيض. وأزيدكم معرفة بأن علي نظامي باشا وعلي فؤاد بك قد ~~أثنيا عليك ثناء جميلا لدى الحضرة السلطانية، وكذا أحمد راتب باشا، فقد قص على ~~جلالته موضوع الحديث الذي دار بينكما في عربة السكة الحديدية ما بين محطتي الزقازيق ~~والمحسمة، وبما أن جلالته يضع عظيم ثقته في أحمد باشا راتب، فقد كلفني بهذا السبب أن ~~أظهر لكم ثقته فيكم وأخبركم بأنه حيث إن جلالته يعتبركم رجلا ذا استقامة وأمانة فهو ~~يطلب منكم قبل كل شيء منع وقوع مصر في قبضة الأجانب، وألا تتركوا لهم حجة تمكنهم من ~~التدخل في شئون مصر ... # هذا وإن التعليمات التي ستصدر إلى راتب باشا في هذا الشأن ستكتب لكم على حدتها ~~... # وقد كتب خطابي هذا وخطاب أحمد راتب باشا بأمر جلالته بمعرفة أحد كتاب جلالته ~~الخصوصيين، وبعد أن وقعنا عليهما بأختامنا في حضرته العلية ختمنا على الظرفين. # هذا وأعلمكم بصفة خاصة وسرية أن جلالة السلطان لا يعول على إسماعيل ولا حليم ولا ~~توفيق، بل يعول على الرجل الذي يفكر في مستقبل مصر ويثبت الروابط التي تربطه بالخلافة ~~ويحترم جلالته الاحترام الواجب، ويعمل بمقتضى الفرمانات السلطانية بلا تعطيل ولا تغيير، ~~ويؤيد سلطته المستقلة في الآستانة وخلافها، ولا يعطي رشوة لأولئك الموظفين الخائنين، ~~ولا يحيد قيد شعرة عن طريق واجباته، ويكون له دراية تامة بدسائس أعدائنا الأوربيين ~~وأعمالهم التي يقصد منها إيقاع الفتن والمشاغبات، ويكون واقفا لهم بالمرصاد، ويحافظ ~~على بلاده وملته من أن يمسها سوء، فمن يفعل ذلك يرض جلالة متبوعنا الأعظم ويكن ~~مقبولا لدى جلالته. # وإني أرجوكم ألا تؤاخذوني في عدم كتابة تفصيلات أخرى بخطابي هذا، حيث إن أحمد راتب ms208 ~~باشا حضر منذ ثلاثة أيام فقط، ومع ذلك ففي المدة القصيرة نظرا للأقوال التي صرح بها ~~عن حسن مقاصدكم الشريفة وإخلاصكم لجلالته أظهر عظيم ثقته فيكم. هذا وقد وصلني بالأمس ~~الخطاب الذي أرسلته لي وأتعشم بإمكان إرسال خطابه لكم في بريد الأسبوع الآتي متضمنا ~~تفصيلات أكثر. وعلى كل حال فاحذروا من وقوع أي خطاب من الخطابات التي ترسلونها في أيدي ~~الغير، واجتهدوا في الحصول على مراسل خاص بيننا تثقون به، وأما في هذه المرة فالأوفق ~~هو تسليم رد هذا الخطاب ليد حامله. # 4 ربيع الآخر سنة 1299 # محمد ظافر # ونورد بعد ذلك كتاب أحمد راتب باشا ونصه كما أثبته عرابي كما يأتي: # إلى ناظر الحربية المصرية أحمد عرابي بك # 3 # قد بلغت جلالة السلطان الأعظم المحادثة التي حصلت بيننا بالسكة الحديدية ما ~~بين محطتي الزقازيق والمحسمة عند عودتي من الآستانة، وقد أحدثت تلك المحادثة سرورا ~~عظيما عند جلالته، وأمرني أن أبلغكم محظوظيته الملوكانية. وإني بلغت جلالته المعاملة ~~الحسنة التي عوملت بها، والإكرام الذي رأته عيناي مدة وجودي بالمحروسة، وجلالته أظهر ~~عظيم محظوظيته، حتى إن الرضا الذي حصل عنده أقنع جلالته بحسن ولائكم وعبوديتكم أضعافا ~~مضاعفة ... # هذا وقد سعى أناس في جعل جلالته يفتكر أنكم كنتم تسيرون على خطة مخالفة للطريق ~~القويم، ولا أدري كيف ذلك، ونجحوا في تغيير فكرة جلالته نحوكم. وأما الآن بعد أن أوضحت ~~لجلالته حقيقة المسألة أقسم لكم أن جلالته متأسف جدا لكونه سمع للأقوال الكاذبة ~~والمختلفة التي بلغته عنكم، والذي يثبت لكم ذلك هو أن جلالته أمر بأن أحرر هذا لكم ~~وأوضح لكم فيه الخواطر الآتية: # لا أهمية فيمن يكون خديو مصر، ويجب أن تكون أفكار والي مصر ومقاصده وسيرته خالصة من ~~الشوائب، بحيث إن جميع حركاته تكون متجهة لصيانة مستقبل مصر ولتوطيد عرى العلاقات ~~الوثيقة مع عرش الخلافة، وفي الوقت نفسه يجب عليه أن يظهر الغيرة التامة والإخلاص في ~~تأييد حقوق البلاد، ويلزم أن يتصف بهذه الصفات كل من يتربع من الولاة على الأريكة ~~الخديوية. ms209 # إسماعيل باشا وأسلافه، أولئك رشوا غالي باشا وفؤاد باشا ومدحت باشا ونائبيهم الخائنين ~~في الباب العالي، وبعد أن أغمضوا عيون أولئك الموظفين المذكورين اجترأوا على ظلم ~~المصريين وفرض الضرائب الثقيلة عليهم ومعاملتهم بالضغط والقسوة، وزيادة على ذلك فإنهم ~~تداينوا ديونا ثقيلة وجعلوا المصريين يئنون تحت تأثير العبودية. واليوم حالتهم في نظر ~~الدنيا تستدعي رأفتنا الخاصة بهم، فالمركز بأكمله في غاية من الضعف ويحتاج إلى البحث ~~الدقيق وراء الدواء الشافي العاجل، وعليه يهمكم قبل كل شيء منع ما عساه أن يؤدي إلى ~~التدخل الأجنبي، وألا تحيدوا عن الطريق الحق القويم، ولا تصغوا إلى الخلافات التي تسبب ~~الخدعة، بل يجب عليكم في كل الأحوال منع حدوث المؤامرات الأجنبية التي يقصد منها إثارة ~~الفتن بكل يقظة، وهذا هو غاية جلالة السلطان العظمى ... # وبما أننا سنكاتب بعضنا في المستقبل يلزمكم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لعدم وقوع ~~خطاباتنا في أيدي الغير، وأسهل طريقة وآمنها يمكنكم اتخاذها الآن هي أن تعطوا رسائلكم ~~إلى الرجل الصادق الأمين الذي يحمل هذا، وآخر من الشيخ محمد ظافر، وأزيد على ذلك أنه من ~~الضروري إرسال ضابط سرا يكون عالما بأحوال مصر ويكون بين أحد أصدقائكم الذين تضعون ~~ثقتكم فيهم ليقدم إلى أعتاب جلالة السلطان تقارير مسهبة حقيقية عن أحوال البلاد، هذا ~~وأرجوكم رد هذا بمعرفة الرجل الذي يحمل هذا الخطاب ... في 4 ربيع الآخر سنة 1299 الموافق ~~22 فبراير سنة 1882، ياور جلالة السلطان أحمد راتب ... # من هذا يتبين لنا أن الصلة كانت وثيقة بين عرابي والسلطان قبل مجيء بعثة درويش، وهو أمر ~~له خطورته البالغة؛ فقد كان عرابي في نظر من يعلمون هذه الصلة من شيعته المدافع عن حرية ~~المصريين وعن حقوق السلطان ضد إنجلترا وفرنسا، في حين ظهر الخديو بمظهر الناقم على المصريين ~~ما يطلبونه من حرية والممالئ لسياسة الدولتين المعتديتين، وخاصة إنجلترا ... ولسوف تكون هذه ~~الصلة أهم ما يدفع به محاميه عنه تهمة التمرد والعصيان يوم يساق هذا المجاهد السيئ الحظ ~~إلى المحاكمة ... # ولقد أشار عرابي إلى أهمية هذه ms210 الصلة في تقريره الذي كتبه في السجن قبيل المحاكمة، فقال ~~بعد أن أتم تاريخ هذه الصلة إلى ما بعد بعثة درويش: «لم يستنكر السلطان أبدا ما فعلنا، لا ~~في أثناء تلك المفاوضات ولا فيما بعدها حتى وقتنا هذا، بل إن السلطان أيد أفعالنا ~~بالقول وبالعمل، فكيف أكون مع ذلك متمردا؟! أليس يعد السلطان في نظر الأمة الإنجليزية صاحب ~~السيادة على مصر؟! # وإنا لا نجد في بيان أهمية هذه الصلة خيرا مما كتبه بلنت في صددها قال: «إن هاتين ~~الرسالتين وثيقتان، لهما من عظيم الأهمية التاريخية أنه إذا قدر لمذكراتي أن تطبع يوما ~~فيجب أن تلصقا بها بنصهما وحروفهما، وإنهما لتفسران كثيرا مما سيحدث بعد ذلك في يونيو ~~أثناء بعثة درويش، وكذلك تقيمان الدليل على أنه إذا كان عرابي أخذ على عاتقه وقتئذ وأثناء ~~شهور الحرب مسئولية حكم مصر حكما ديكتاتوريا فإن ذلك لم يكن بغير مبرر قوي من وجهة النظر ~~الإسلامية، وهذا المبرر هو أوامر الخليفة أمام دينه في أن يدافع عن القطر في وجه الدول ~~الأوربية. وترينا الوثيقتان كذلك لماذا لم يكن عبد الحميد ميالا في شهر أغسطس إلى أن ~~يطلق على عرابي لفظ المتمرد، وكيف بلغ من السخف نعته بذلك عند المحاكمة ... # وعلى أي حال فينبغي ألا يؤخذ من ذلك أن عرابيا قد جعل من نفسه أداة للسلطان في أي شيء ~~يتصل بالإدارة الداخلية المستقلة لوطنه، إن موقفه في هذه المسألة كان ثابتا لا يتزعزع، فقد ~~كان يكره الترك وكان على وجه اليقين يرد بقوة السلاح أي تدخل حربي من جانب القسطنطينية، ~~وإن كتاب الشيخ محمد عبده لدليل قوي على صحة هذا الذي أقول، # 4 # وهو يشاكل جميع ما أفضى به إلى عرابي نفسه ... لهذا كان موقفه من بلاط الخليفة ~~موقفا متقلبا عرضة للتغيير، ولقد كان له صديقان هناك في شخص أحمد راتب ومحمد ظافر، ولكن ~~كان له كذلك أعداء أشداء.» # نعود بعد ذلك إلى بعثة درويش لنبين مبلغ ما كان فيها مما نحن بصدده من صلة بين ms211 عرابي ~~والسلطان، ثم لننظر في الغرض منها وأثرها في مجرى الحوادث بوجه عام ... # لخص عرابي علاقته وعلاقة أشياعه بدرويش في هذه الفقرة التي جاءت ضمن تقريره الذي كتبه ~~في سجنه قال: «وكان أن وصل درويش باشا عند ذلك الوقت، وبعد أن أجرى تحرياته عن مسلك الجيش ~~أعلن أنه يرى أن الجيش كان مطيعا دائما، وأنه حافظ على النظام العام، وأنه لا ملامة ~~توجه إليه، وبناء على ذلك فقد طلب من السلطان نحو مائتي وسام للضباط وللمدنيين، وطلب لي ~~الوسام المجيدي من الطبقة الأولى.» # وقد أنعم فعلا على عرابي بهذا الوسام الجليل الشأن. أبرق مستر كارتريت وكيل قنصل ~~الإسكندرية إلى اللورد جرانفل في اليوم الخامس والعشرين من يونيو يقول: # 5 ~~«سيدي اللورد ... أخبر الخديو السير أوكلند كلفن أن السلطان منح سموه منحة من ~~الجواهر علامة على الرعاية وحسن النظرة إلى مقامه، وأضاف سموه أن السلطان مع الأسف قد أنعم ~~على عرابي بالوسام المجيدي الأكبر، وأنه أنعم على سلطان باشا بوسام روميلي بيلربي. # ولكن الخديو يقرر أن جميع جهود درويش باشا في تسكين ثائرة عرابي باشا بالملاينة أو بالقوة ~~قد منيت بالفشل التام، وأن درويش نفسه يتخذ المسألة لهوا وهزرا، ويتمسك عرابي الآن بأن ~~ما يتضمنه هذا الإنعام الأخير عليه من الرضا والعفو لا يدع ثمة ضرورة لأن يتخذ خطوات أخرى ~~يبرر بها سلوكه، ويبدو من درويش باشا أنه يتراجع عن أن يبذل أية محاولات أخرى للتأثير ~~عليه.» # ويتضح من هذه البرقية مبلغ ما وصل إليه توفيق من الحقد على عرابي والخوف من نفوذه، وأنه ~~ينظر إلى المسألة كلها نظرة شخصية. # ولا ريب أن توفيقا على الرغم مما أنعم به عليه، يفطن إلى معنى الإنعام على عرابي، فهو ~~تأنيب عملي لتوفيق على صلته بالدولتين، وهو في الوقت نفسه دليل على أن السلطان يريد أن يقول ~~إنه يرى في عرابي المدافع عن حقوقه في مصر ... # وقد وصل الوسام ومعه فرمان من السلطان في اليوم الرابع من يوليو وسلمهما الخديو بيده ~~لعرابي، معبرا له ms212 عن رضائه عنه وثنائه عليه لإخلاصه في أداء خدماته وانتباهه إلى واجبه. ~~وشكره عرابي شكرا حارا على هذا العطف، كما أبرق عرابي إلى الآستانة يرفع شكره إلى ~~السلطان، وجاءته برقية تتضمن رضاء السلطان عنه وثناءه على حسن سلوكه وإخلاصه لواجبه ~~... # وقد أظهر عرابي كياسة ولباقة في استلام الوسام، وذلك أنه أبى أن يتسلمه إلا من الخديو ~~حتى لا يكون في تسلمه من مندوب السلطان معنى التحدي للخديو. # 6 # ولم يستشر توفيق في الإنعامات جميعا، وقد وزعها درويش مباشرة على أصحابها باسم السلطان. # 7 # ظن السلطان أنه يستطيع أن يستعيد نفوذه في مصر بالتفرقة بين الفريقين المتنازعين فيها: ~~توفيق ومن يشايعه، وعرابي وأعوانه ... # لهذا جعل رئاسة الوفد لدرويش المعروف بالقوة وبكراهية العناصر الحرة، وجعل فيه أسعد ~~مشيره في شئون من يتكلم العربية من رعاياه ومرجعه في دعوة الوحدة الإسلامية، واتفق الباب ~~العالي وأسعد على «شفرة» خاصة للمكاتبات لا يعرفها درويش، وأفهم أسعد أن يلاين عرابي ويلقي ~~في روعه أن السلطان راض عنه وعن حزبه كل الرضاء، فلا بأس عليه مما عسى أن يجد من غلظة من ~~جانب درويش، وطلب كذلك إلى أسعد أن يطلع السلطان على حقيقة شعور المصريين، وخاصة علماء ~~الأزهر، فكان أسعد في الواقع رقيبا على درويش الذي لا يأمن السلطان أن تصله هدايا توفيق ~~... # ويذكر جون ثينيه فيما كتبه عن مذبحة الإسكندرية وقد مهد لها بالكلام عن بعثة درويش أن ~~درويشا كانت لديه أوامر سرية بأن يعمل على خلع توفيق إذا أمكنه ذلك توطئة لتعيين حليم ~~... # وأرسل الخديو مندوبا يستقبل الوفد في الميناء، وهو ذو الفقار باشا، وأرسل عرابي رسولا ~~بصفته المهيمن يومئذ على الحكومة؛ إذ كان وصول الوفد بعد سقوط البارودي بعشرة أيام، وقد ~~أحسن درويش لقاء المندوبين جميعا، الأمر الذي أسخط الخديو أشد السخط ... # وخرج درويش من الميناء يقصد سراي رأس التين، فإذا بالشوارع التي مر بها هو ووفده ملأى ~~بالمصريين وقد جاءوا يحيون الوفد، وترجمت لدرويش بعض الهتافات مثل قول المنادين: # 8 ~~«اللايحة اللايحة»، ورد ms213 الباقين: «مرفوضة مرفوضة» ... ومثل قول المتظاهرين: ~~«ابعدوا السفن الأجنبية.» # ووقعت في نفس درويش ووفده موقعا مهيبا هذه المظاهرة القوية، ووجدوا أنفسهم أمام دليل ~~قوي باهر على قوة الحركة الوطنية في مصر ... # وكان عبد الله نديم قد سافر إلى الإسكندرية قبيل وصول الوفد، فخطب في الناس خطبا حماسية، ~~كانت عظيمة الأثر في إذكاء الروح الوطنية وإثارة شعور الوطنيين على المذكرة المشتركة والسفن ~~الأجنبية ... # وزار الوفد ضريح السيد البدوي بطنطا وهو في طريقه إلى القاهرة. وقد سافر إليها في اليوم ~~التالي بقطار خاص، وفي القاهرة نزل الوفد بسراي الجزيرة ... # ومما يذكره جون نينيه عن هذا السفر قوله: إن أعوان الخديو أرادوا أن يحولوا بين مندوب ~~عرابي وبين الركوب صحبة درويش في عربته، فأخذه درويش بذراعه وأدخله معه في العربة، وكذلك ~~يذكر نينيه أن جماعات من المصريين حيت الوفد في كل من دمنهور، وكفر الزيات، وطنطا ~~... # وتلقاهم الخديو بسراي الإسماعيلية مرحبا مظهرا عظيم الحفاوة بهم، ثم رد الزيارة ~~لدرويش باشا بسراي الجزيرة، وهناك أظهر له استياءه من حسن لقائه مندوب عرابي، ومن جفاء ~~لهجته في مخاطبته إياه في سراي الإسماعيلية، فطيب درويش خاطره مظهرا أنه ما جاء إلا لتثبيت ~~سلطة الخديو ... # وأظهر درويش في القاهرة عظيم دهشته وشديد نفوره مما رأى من تحمس الناس وجرأتهم، وخاصة ~~علماء الأزهر الذين أظهروا عطفهم الشديد على عرابي ومبادئه، ولم يستثن منهم إلا الشيخ ~~الإمبابي شيخ الجامع الأزهر والشيخ العباسي والشيخ البحراوي والشيخ السادات # 9 # الذين آثروا الانحياز إلى الخديو ... # وذهب وفد كبير من العلماء إلى درويش باشا، يحملون مكتوبا موقعا عليه منهم ومن عدد عظيم ~~من الناس يطلبون فيه رفض الإنذار الأجنبي، وخاصة ما جاء فيه عن إبعاد عرابي ... # وأغلظ درويش في مخاطبة الشيخ الذي تكلم باسم العلماء، وهو الشيخ محمد خضير، وانتهره ~~قائلا: «أمسك لسانك، فما جئت هنا لأستمع إلى النصائح من أحد، وإنما جئت لآمر أوامري.» ثم ~~صرفهم في جفاء وخشونة، وفي الوقت نفسه أعطى الحلة العثمانية لشيخ الإسلام ولبعض العلماء ~~... # وحسب درويش أنه ms214 بذلك أخاف العلماء، ولكن ما لبث أن تبين له خطأه ... فقد اجتمع طلاب الأزهر ~~في اليوم التالي بسبب ما علموا من إهانة علمائهم، وتعددت الاجتماعات في جهات من المدينة، ~~وبدأ الناس يظهرون خوفهم وسخطهم على الوفد التركي، وخاصة أن عددا كبيرا من الأعيان ~~أرسلوا إليه يحتجون على مسلكه نحو رجال الدين ... # ورأى درويش أن عليه أن يصلح ما أفسد، وأيقن أن لهجة الأمر والنهي لم تعد تجد في مصر ~~جوا ملائما لها، وفطن إلى أنه تلقاء أمة جادة، خلعت منذ يوم عابدين عن أعناقها أغلال ~~العبودية، ومضت قدما في سبيل الكرامة القومية ... # وكان الرجل غافلا يظن أنه كفيل - وهو مندوب السلطان - أن يلقي الرعب في قلب كل امرئ ~~مهما علا مقامه، وفاته أن مصر اليوم غيرها بالأمس؛ لأن فيها حركة وطنية تغلغلت في أقاليمها، ~~وشملت جميع طبقاتها ... # وفي يوم السبت الموافق اليوم العاشر من يونيو، أرسل درويش في طلب عرابي ومحمود سامي، وكان ~~حتى ذلك الوقت يظهر أنه لا يحب أن يراهما ... # وقد أورد جون نينيه حديث هذا اللقاء، وأخذه عنه بلنت قائلا إنه يثق في صحته كل الثقة، ~~أما نينيه فيذكر أنه أخذه عن عرابي، # 10 # وأنه سمع مثله من البارودي على أن الشيخ محمد عبده قد ذكر عن هذا اللقاء ما لا ~~يختلف في جوهره عن حديث جون نينيه. # قال جون نينيه: «أظهر درويش المودة لعرابي ولسامي وأجلسهما بجانبه تكريما لهما، ثم قال: ~~نحن هنا جميعا أشبه بإخوة، ونحن أبناء السلطان، وأنا بلحيتي هذه البيضاء أقوم منكم مقام ~~الأب، وهدفنا جميعا واحد، وهو مقاومة الدخيل والعمل على رحيل الأساطيل، التي هي إهانة ~~للسلطان وتهديد لمصر، ثم ذكر أنه يجب عليهم أن يعملوا جميعا لهذه الغاية، وخاصة عرابي ~~والوزارة ليظهروا حماستهم نحو مولاهم، وأن خير ما يفعل في ذلك هو اعتزالهم مناصب الجندية ~~ولو في ظاهر الأمر فقط، ولكي يرضي عرابي السلطان ينبغي أن يسافر إلى الآستانة ليقيم هناك ~~بعض الوقت. وأجاب عرابي على ذلك بقوله إنه مستعد لأن ms215 يعتزل، ولكن الظرف دقيق، ولما كان قد ~~أخذ على عاتقه تبعة عظمى هي حفظ النظام والأمن فإنه لا يرضى بأنصاف الحلول، وإنه إذا اعتزل ~~فإنما يعتزل حقا، ولكنه لن يفعل ذلك إلا إذا أخلي كتابة من كل تبعة، لأنه لا يقبل أن يكون ~~مسئولا عن أشياء لم تكن له يد فيها، لقد اتهم بإساءة التصرف والاستبداد والإرهاب وغير ~~ذلك، ولذلك فهو لا يدع منصبه إلا إذا أبرئت ذمته كتابة من جميع هذه التهم، وسوف يذهب إلى ~~القسطنطينية بعد هدوء الحال فردا عاديا ليقدم ولاءه للسلطان ... ولم يكن درويش يتوقع هذه ~~الإجابة ولذلك فقد كرهها، وتغير وجهه، ولكنه قال: دعنا نعد المسألة منتهية ولتبرق في ~~الحال إلى محافظة الإسكندرية وقائد حاميتها أنك اعتزلت ما أنت مكلف به ووضعته في يدي، وأنك ~~وكيلي منذ اليوم، وعندما يجتمع القناصل والخديو يوم الاثنين في عابدين سأعطيك ما يعفيك من ~~كل تبعة ... # ورفض عرابي رفضا باتا أن يجيبه إلى ذلك قائلا: إنه ما لم يصل إليه هذا الإخلاء فإنه ~~محتفظ بمنصبه وبمسئوليته ... # ولم تقدم في هذا الاجتماع قهوة أو سجائر، وقد أكد لي محمود سامي بعد ذلك هذا الذي أورده ~~عن الاجتماع ...» # نجد في هذا الحديث شواهد جديدة على بسالة عرابي وصراحته في القول، وعدم فراره من ~~المسئولية، وحضور ذهنه وحسن تخلصه، وفطنته إلى ما يدور حوله، وما أبعد ذلك عما يرميه به ~~الجاهلون والمبطلون من سذاجة وجهل وتهور وعدم دراية بالأمور ... # ولقد شك الخديو في نيات درويش وأوجس في نفسه خيفة منه، فمنحه خمسين ألفا من الجنيهات، ~~فضلا عن جواهر تساوي نصف هذه القيمة، وقد أيدت كثير من المصادر نبأ هذه الرشوة، وما كان ~~أغنى توفيقا عنها فإن درويشا لم يكن في وسعه أن يصنع بالخديو شيئا، ولم يستطع أن يزحزح ~~عرابي من مكانه ... # وقد أرسل صابونجي # 11 # رسالة من القاهرة بتاريخ اليوم الحادي عشر من يونيو إلى بلنت في إنجلترا، وجاء ~~في هذه الرسالة أنباء لها أهميتها عن الحال يومئذ بوجه عام ... # فمن ms216 ذلك الذي ذكره صابونجي، أن الشيخ عليش أحد علماء الأزهر أفتى بأنه لا يصح أن يكون ~~توفيق حاكما للمسلمين بعد أن باع مصر للأجانب باتباعه ما يشير به القنصلان، ولذلك وجب ~~عزله، وأن مصر تؤيد عرابي، الأقباط والمسلمون على السواء، وليس يخرج على عرابي من ~~المديرين وعددهم أربعة عشر إلا ثلاثة، وأن الشيخ الإمبابي شيخ الإسلام، تمارض كيلا يحرج في ~~حضور درويش بين الخديو والحزب الوطني ... وكذلك ذكر صابونجي أن عرابي يصمم على الجهاد ~~والمقاومة إلى آخر رمق من حياته قائلا: «إننا إذا متنا جميعا فسوف يدخلون بلدا خربة وسوف ~~يكون لنا مجد الاستشهاد في سبيل وطننا.» ~~••• # ويشير صابونجي إلى موقف سلطان، فيقول إنه اعتزل عرابي وانحاز إلى توفيق منذ مجيء السفن، ~~وليس مع سلطان من النواب إلا تسعة وهم جميعا ومعهم الخديو يتهمون بالخيانة ويطلق عليهم ~~اسم الخونة ... # والأزهر علماؤه وطلابه ما عدا أربعة من شيوخه في جانب عرابي والحركة القومية، ويخطب فيهم ~~نديم خطبا حماسية مستشهدا بالقرآن والحديث وأحداث التاريخ. # والناس جميعا يستنكرون المذكرة المشتركة، حتى إن الصبية في الأزقة والنساء في نوافذ ~~المنازل يرددون الهتاف الذي بات مألوفا وهو: «اللايحة ... اللايحة ... مرفوضة ... مرفوضة ~~...» # ولندع الكلام الآن عن درويش، فسوف تتبين لنا مقاصده ونواياه فيما يأتي من الحوادث حتى ~~يرحل هو ووفده من مصر في اليوم التاسع عشر من شهر يوليو سنة 1882، أي بعد ثمانية أيام من ~~الاعتداء الغادر على البلاد ... # | مأساة الإسكندرية # بدأت هذه المأساة في يوم الأحد الموافق الحادي عشر من شهر يونيو سنة 1882 في صورة مشاجرة ~~بين أحد الوطنيين واسمه السيد العجان وبين مالطي من ساكني الثغر، هو من رعايا الإنجليز ~~... # كان الوطني صاحب حمار ركبه المالطي وقتا طويلا متنقلا من مقهى إلى مقهى حتى انتهى به ~~المطاف في نحو الساعة الثانية بعد الظهر في حانة قريبة من «قهوة القزاز» على بعد خطوات من ~~مخفر اللبان بآخر شارع «السبع بنات»، وظهر منه أنه لا ينوي دفع أجرة ركوبه، فلما طالبه ~~صاحب الحمار، لم يدفع ms217 له إلا قرشا واحدا، فاختلفا على الأجر، واستل المالطي سكينا وطعن ~~به صاحب الحمار عدة طعنات فأرداه قتيلا ... # وخف رفاق القتيل ليمسكوا بالقاتل، ولكنه هرب إلى بيت قريب، وسرعان ما رأى الوطنيون الذين ~~تجمعوا عقب الحادث، طلقات الرصاص تتهاوى عليهم من بعض النوافذ والأبواب القريبة، فسقط بعضهم ~~بين قتيل وجريح، واجتمع الوطنيون للانتقام، فأخذوا ما اتفق لهم من العصي والحجارة ~~والكراسي وانهالو على كل ما يصادفهم من الأجانب ضربا لا يخشون أي عاقبة ... # واستمرت المعركة حتى الساعة الخامسة مساء، وكان الوطنيون يستنفرون إخوانهم للقتال ~~صائحين: «جاي يا مسلمين! جاي! بيقتلوا إخواننا.» # 1 # ونهبت بعض الدكاكين، وامتدت الفتنة إلى الشارع الإبراهيمي وإلى شارع الهماميل وشارع ~~المحمودية وإلى جهة الجمرك والمنشية وشارع الضبطية، # 2 # وسقط في هذه الشوارع جرحى وقتلى من الأجانب والوطنيين. # وقد ذكر جون نينيه، الذي شهد المعركة بنفسه، أن عدد القتلى بلغ 238، منهم 75 من الوطنيين ~~و163 من الأجانب ... # كان لهذه المأساة خطر أي خطر في الظروف القائمة حينذاك، وقد حاول كل حزب أن يتهم الآخر ~~بتدبيرها، فالإنجليز والخديو يعزونها إلى الوطنيين، وهؤلاء يعزونها إلى الإنجليز وإلى عمر ~~لطفي محافظ المدينة ومن ورائه توفيق ... # وظل الحال كذلك حتى قدم عرابي للمحاكمة بعد التل الكبير فما استطاع خصومه أن يثبتوها ~~عليه وهم أصحاب الجاه والنفوذ ... # ورمى محاميه مستر برودلي بالتهمة خصوم عرابي من المصريين، وألح في ذلك، ولعله إنما أراد ~~به أن يبعد الشبهة عن بني جنسه من الإنجليز ... # وفي سنة 1883، تجددت قضية هذه المأساة في مجلس العموم البريطاني، إذ تقدم اللورد راندلف ~~تشرشل يحمل حملة عنيفة على وزارة جلادستون، فاتهم الخديو ومحافظ الإسكندرية عمر لطفي ~~بأنهما المدبران للمأساة، وقد جمعت أدلة اتهامه في كراسة من كراسات الكتاب الأزرق الإنجليزي ~~هي الكراسة «مصر رقم 4 سنة 1884.» # ويجدر بنا أن نتبين وجه الحق في هذه المأساة، لما كان لها من عظيم الخطر في مجرى الحوادث، ~~فننظر هل كانت مبيتة؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن بيتها؟ وماذا كان غرضه من هذا الفعل ms218 الأثيم؟ ~~... # كان إجماع الإنجليز عقب المأساة على أنها مبيتة، وذلك لأنهم أرادوا أن يلصقوها بالحزب ~~الوطني، فلما عجزوا عن ذلك راح كتابهم ومؤرخوهم ومنهم كرومر يقولون إن الحادث من الحوادث ~~التي تقع في المدن كل يوم وإنه ابن وقته فلا تبييت هناك ولا غدر من أحد ... # أما أن هذا الحادث في ذاته ابن وقته فذلك ما يقبله العقل في غير صعوبة، بل ما يرجحه على ~~الفرض الثاني، وأما أن الفتنة على الصورة التي ذكرناها كانت كذلك بنت وقتها، فذلك ما يصعب ~~تصوره، على أن المسألة ليست مسألة تصور، إنما هي مسألة حقائق، فلننظر فيما يحيط بها مما يصح ~~أن يساق مساق الحقائق أو مساق الأدلة الصحيحة ... # قرر مستر جويس المهندس الإنجليزي، أن أحد باعة الخضر قال له صباح السبت: اشتر وكل فإن ~~النصارى سيذبحون غدا، ويقول هذا المهندس إن مثل هذه العبارات قيلت لغيره من الأجانب ~~... # وقال إنجليزي آخر يدعى هيوارت: «أعتقد كل الاعتقاد بناء على ما لدي من معلومات ~~استقيتها من عدة مصادر أن مذبحة 11 يونية كانت نتيجة خطة مدبرة.» # وقال ثالث يدعى ألكسندرفيس: «بناء على معلومات تلقيتها تباعا، كونت رأيا قاطعا ~~هو أن المسألة قد دبرت من قبل، وقد بدأت في عدة أماكن في وقت واحد تقريبا. # وقال مستر جورج بلافاتشي: «إن معركة يوم الأحد مع المالطيين تلك المعركة التي دبرها من ~~قبل أعوان البوليس قد أدت إلى تلك المناظر العنيفة المرعبة مناظر الفتك والقتل التي كنا نحن ~~شهودها وضحيتها، وإن هذه الحقيقة ألا وهي انبعاث الاضطرابات من ثلاثة أمكنة مختلفة لدليل ~~على أنها كانت مدربة من قبل ...» # ويقول فيلبوليس: «كنت في السوق يوم 8 يونية الساعة الثالثة بعد الظهر فشاهدت كثيرا من ~~البدو يحملون بنادق، وكانوا يضعونها في مخازن لتحفظ فيها كما يبدو، وفي اليوم التالي بينما ~~كنت جالسا في مقهى اقترب مني أحد العرب وهو صديق لي وطلب إلي أن آخذ حذري، لأن العرب كانوا ~~سيقتلون الأجانب إما في ذلك اليوم أو في اليوم الذي ms219 يليه.» # وكتب لورد جرانفل إلى نائب قنصل الإسكندرية مستر كارتريت يقول: «أنبأني مسيو سينادينو أحد ~~أعضاء مصرف يوناني بالإسكندرية أن كل ما لديه من المعلومات يميل به إلى الاعتقاد بأن ~~الاضطرابات الأخيرة بالإسكندرية كانت من قبل مدبرة ...» # وكتب إليه بعد ذلك يشير إلى هذه الرسالة مضيفا إليها قوله: «لقد ذكر أن رسالة أرسلت إلى ~~كل قنصل من الأجانب كي يحضر إلى بيت المحافظ، وأنهم بناء على ذلك اخترقوا المدينة في وقت ~~الاضطرابات، وقد تبين من البحث بعد ذلك أن رسالة كهذه لم يرسلها محافظ ~~الإسكندرية.» # ويقول دكتور جويس: «إني أرى أن هذه المذبحة دبرت من قبل، وليس هذا شأنها فحسب، بل لقد ~~نفذت في مهارة، وإن الذين خاضوا غمارها كانوا في الوقت نفسه يبحثون عن أسلاب، ولقد جمعوا في ~~الواقع بين العملين في وقت واحد.» # ويقول مستر ستونتون: «عند نزولي إلى البر ومروري في عربة بشوارع المدينة رأيت الناس في ~~الطرقات المؤدية إلى الحديقة العامة هادئين جدا لا يبدو عليهم شيء من الشر، ولما ~~بلغتنا أنباء الاضطرابات بعد ذلك بثلاث ساعات، وشهدت مئات من الوطنيين مسلحين جميعا ~~بالعصي والمدى، استقر رأيي على أن الفتنة مدبرة.» # وقرر مستر جروسجيان، ذلك الذي اختاره اللورد جرانفل ليجمع أدلة تفضي إلى إدانة عرابي ~~باشا، أنه وصل إلى أن الحوادث مدبرة، ولكنه لم يصل إلى شيء يلصقها بعرابي # 3 ~~... # نورد بعد ذلك بعض ما قاله جون نينيه، وهو رجل سويسري أقام بمصر أكثر من أربعين سنة منذ أن ~~قدم في عهد محمد علي في عمل يتصل بزراعة القطن، وقد خالط أهل مصر من جميع الطبقات وعرف ~~أحوالها معرفة وثوق كأنه من أهلها، وقد شهد مأساة الإسكندرية، وكان يتنقل في أركان شوارعها ~~اثناء القتال متباعدا حذر الغيلة، قال بعد أن وصف ما أحدثه مجيء السفن من هياج: «لقد نظر ~~الأوربيون إلى ذلك كأول عمل من أعمال الحرب، وأصبح سلوكهم نحو الوطنيين ينطوي على التهديد ... ~~وقد أزعج الهياج الأوربيين، وخاصة الإنجليز والمالطيين، فاتصلوا بقناصلهم يسألونهم عن ~~الوسيلة ms220 التي يحمون بها أنفسهم إذا وقع الاضطراب؟ وقد أخبرهم مستر كوكسن بأن عليهم أن يحموا ~~أنفسهم، وقد علم في أواخر مايو أو في أوائل يونيو أن أسلحة أرسلت من اليونايين في ~~الإسكندرية.» وقال جون نينيه يصف القتال: «ولكن على بعد نحو مائتي ياردة كان الدهماء ~~يتحركون كالبحر، ورأيت طلقات نارية تنبعث من بعض النوافذ، واتجه القتال سريعا إلى ~~حيث كنا نقف، ولذلك تراجعنا حتى إذا كنا على مقربة من مدرسة لازارست، رأيت أمام أحد ~~المقاهي عددا من اليونانيين مسلحين بالغدارات وقد أخذوا يطلقونها على الناس في غير تمييز ~~عقب مرورنا بهم مباشرة ... وعند ذلك رأيت عربة في داخلها أحد رجال المستحفظين جريحا أو ~~ميتا، ولعله هو الذي طاف بالنذير. ذلك لأني رأيت في أثره عددا من المسلمين وبعضهم من ~~السود والبدو قادمين من عدة جهات يحملون عصيهم ... ثم اتسع نطاق القتال وإطلاق النار ~~واتخذت طريقي إلى بيتي.» # ويقول أحمد رفعت بك، وهو من كبار الموظفين، وقد كان السكرتير العام لمجلس الوزراء في ~~وزارة البارودي: «إن هناك شيئا واحدا يحمل على اليقين، وذلك أن هذا الحادث كان مدبرا من ~~قبل، فقد قام الدليل على أن عددا من «النبابيت» قد وزع على الدهماء قبل يوم 11 يونية بأيدي ~~بعض العناصر الخفية، وأن هذه النبابيت ظهرت في وقت واحد في عدة أماكن في المدينة في نفس ~~اللحظة التي قتل فيها أحد المالطيين حمارا لسبب تافه.» # 4 # ويقول الشيخ محمد عبده: «في هذه الحالة رؤي مستر كوكسن نازلا من بيت أحد ~~المالطيين بلباس ملكي ومعه قواصه، فتبعه المتشاجرون وضربوه ضربا خفيفا عندما أراد أن يركب.» # 5 # يضاف إلى ما سلف برقية مالت في أواخر مايو التي سبق أن أشرنا إليها وهي قوله: إن تصادما ~~سوف يقع قريبا بين المسلمين والمسيحيين، # 6 # ولقد أشار الشيخ محمد عبده إلى هذه البرقية في تلك الورقة التي كان يدون بها ~~بعض ملاحظاته بقوله: «مسألة تسلح الأجانب وإيهام مستر كوكسن أن حوادث ستحدث ...» # هذه كلها أدلة نقطع معها أن ms221 هذه المأساة كانت مبيتة قبل وقوعها، وأنه لو لم يكن حادث ~~السيد العجان، والمالطي، لوقعت المأساة عقب أي حادث من نوعه أو من أي نوع آخر ... # وإذا كانت المأساة مدبرة على هذه الصورة فجدير بنا أن ننظر من دبرها، وسبيلنا في ذلك ~~أيضا أن نورد الحقائق التي تنهض أدلة على ما نذهب إليه ... # ولما كان عمر لطفي باشا هو محافظ المدينة وقت وقوع المأساة فخليق بنا أن نبدأ به فنستعرض ~~ما كان من مسلكه أثناء ذلك الحادث، فمن هذا يتبين لنا مبلغ ما يقع على كاهله من تبعة، إن ~~كان الأمر فيما يتصل به أمر خطأ أو تقصير، ومبلغ نصيبه من الجريمة إن كان أمر إجرام وتدبير ~~... # وإن أول ما نذكره عن عمر لطفي أنه كان بصفته محافظ المدينة المسئول عن الأمن والنظام ~~فيها، كما نذكر أنه منذ استقالة الوزارة لم يكن لأحد عليه من سلطان إلا الخديو، وذلك حسب ~~الأمر الذي أصدره الخديو عقب استقالة الوزارة بعرض ما كان من اختصاص وزارة الداخلية على ~~القصر ... # ونذكر بعد ذلك أن عمر كان من أنصار الحزب الوطني حتى منتصف شهر مايو، ثم انحاز إلى الخديو ~~فيمن انحازوا إليه بعد ذلك، والدليل على ذلك أن الخديو عرض عليه منصب وزير الجهادية بعد ~~سقوط وزارة البارودي ... على أنه ظل إلى ما بعد سقوط الوزارة يتظاهر بالولاء للحزب الوطني، ~~فيحضر حفلات هذا الحزب بالإسكندرية ويحرص على الصلة بكبار رجاله ... # وتذكر بعض المصادر الهامة نبأ برقية من الخديو إلى عمر لطفي على أعظم جانب من الخطورة ~~نعربها فيما يأتي «لقد ضمن عرابي الأمن العام ونشر ذلك في الجرائد، وقد تحمل مسئولية ذلك ~~أمام القناصل، فإذا نجح في ضمانه، فإن الدول سوف تثق به وسوف نفقد بذلك اعتبارنا، يضاف إلى ~~ذلك أن أساطيل الدول في مياه الإسكندرية، وأن عقول الناس في هياج، وأن الحرب قريبة الوقوع ~~بين الأجانب وغيرهم ... والآن فاختر لنفسك هل تخدم عرابي في ضمانه أم هل تخدمنا.» # 7 # وكان عرابي فعلا قد أخذ ms222 على عاتقه مسئولية الأمن بعد إعادته إلى وزارة الجهادية، وأعلن ~~ذلك رسميا في الصحف بعد الاتفاق عليه مع الخديو ... # ويذكر عرابي باشا في تقرير كتبه لبلنت قوله: «قبل كل شيء أرسل الخديو إلى عمر لطفي محافظ ~~الإسكندرية ليحضر إلى القاهرة بقطار خاص يوم 9 يونية، وقد تحدث معه الخديو عقب وصوله مدة ~~طويلة، وأعطاه ما يلزمه من التنبيهات لإحداث فتنة في الإسكندرية.» # وكانت شرطة المدينة تحت رئاسة عمر لطفي، وقد اشترك هؤلاء في الجرائم بدل أن يعملوا على ~~القضاء عليها كما يقضي بذلك أول واجب عليهم، واشتراك الشرطة في المأساة ثابت من تقارير ~~أشخاص لهم خطرهم، ومن هؤلاء مستر جروسجيان السالف ذكره، وقد كانت مهمته كما اختاره مالت ~~بإشارة من جرانفل أن يجمع الأدلة على اشتراك عرابي في الجريمة، وقد قال جروسجيان أن الشرطة ~~اشترت قبل الحادث بأيام قليلة عددا كبيرا من النبابيت، وأنها وزعتها على عدد من سفلة ~~البدو، وكان توزيعها من بيت قريب من مقر الضبطية، ولم تتخذ إجراءات ضد موزعي تلك النبابيت ~~... كما يذكر جروسجيان أن عشرة من الأطباء الأجانب قرروا أن جراح المصابين جميعا كانت إما من ~~النبابيت، وإما من الحراب، وكانت هذه هي أسلحة الشرطة ... # وقرر مستر جويس المهندس بالأسطول الإنجليزي: «إن المستحفظين أو الخفراء قد أخذوا بنصيب ~~فعال في الفتنة، فكانوا يقتلون المسيحيين حين لا يفعل الوطنيون ذلك، وينظرون في سكون في ~~حالة اعتداء الوطنيين.» # وذكر مستر هيوارت وهو من رجال المال وقد أقام سبعة عشر عاما في الإسكندرية: «أن الشرطة ~~بدلا من أن تقضي على الفتنة عملت على زيادتها، وأن معظم الجراح كانت من أيديها، وأنها كانت ~~توزع النبابيت على العرب، وأن بعض الأوربيين كانوا يلجأون إلى الضبطية، فكانوا يذبحون على ~~مقربة منها أو بداخلها، وأنه لولا حضور الجيش في النهاية لتفاقم الخطب، وأن الأجانب يدينون ~~بأرواحهم لرجال الجيش» ... # ولقد وقف عمر لطفي موقفا سلبيا من هذه الأحداث. يتضح ذلك في قول جون نينيه: «تصادف أن ~~قابلت عمر لطفي في الساعة الثالثة، وكان ms223 يمشي بملابس عادية ومعه بعض رجال الشرطة، فسألته: ~~لماذا لم تفعل شيئا لإيقاف الفتنة؟ فقال: إنه كان مع القنصل الإنجليزي وقد اعتدي عليه، ~~فقلت: ولماذا لم تذهب بملابسك الرسمية وتستصحب نحو خمسين رجلا من رجال الشرطة الفرسان ~~لتقضي على الفتنة؟ فأجاب بأنه لم يعثر على قنديل رئيس الشرطة، فسألته: ولماذا لم يفعل الجند ~~شيئا؟ فقال: إنهم لم يتلقوا أوامر فلا يستطيعون التحرك، فسألته: وماذا فعل القناصل؟ ~~فقال: إنهم عقدوا اجتماعا، فقلت: ولماذا لم تبرق بما حدث إلى الخديو وإلى عرابي باشا؟ ~~فأجابني في خشونة قائلا: «وما شأنك والمسألة عن هذا؟» # ويقول روثستين: «ابتدأت الفتنة حوالي الساعة الواحدة بعد الظهر، واستمرت حتى الساعة ~~الخامسة ... حدث هذا كله ورجال البوليس كانوا تارة لا يفعلون شيئا وتارة يشتركون في الفتك ~~والقتال، أما عمر لطفي فكان في أثناء ذلك قد استحوذ على مكتب التلغراف ليكون على اتصال ~~بالخديو، ولم يخبر سليمان سامي قائد الحامية بشيء عن الفتنة إلا بعد مضي الساعة الرابعة. ~~وحتى في هذه الساعة قد أمر بأن يقود الجنود عزلا من السلاح، على أن الرجل تولى الأمر بنفسه ~~فبرز في الساعة الخامسة وأخمد ثورة المذبحة.» # ويقول عرابي: «إن عمر باشا وهو المحافظ لم يرسل إلي أي نبأ عن الحادث مع أنه يعلم أني ~~أخذت على عاتقي حفظ الأمن والنظام في البلد كله.» # وفي الوقت نفسه كانت الصلة بين عمر لطفي وتوفيق مستمرة أثناء الحوادث كما يشهد بذلك أحمد ~~رفعت بناء على ما وصل إلى علمه من موظفي التلغراف بالقصر. ولقد كتب وهو في السجن أنه ~~يستطيع أن يثبت ذلك، ولكنه بالضرورة لم يتمكن من شيء ... # وقرر كذلك جون نينيه أن مصلحتي التلغراف في الإسكندرية والقاهرة قد شغلتا طوال الوقت ~~بالاتصال بين الخديو وعمر لطفي. # ويقول الشيخ محمد عبده في تقرير له كتبه في منفاه بسوريا: «حقا إن أكثر من اتهموا ومن ~~قبض عليهم بعد الحادث بيوم كانوا يصيحون بقولهم: «لا لوم علينا؛ فإن سعادة المحافظ نفسه هو ~~الذي كان يأمرنا بأن نضرب ms224 وأن نسرق.» # 8 # وجاء كذلك في تلك الورقة المرقمة التي كان يثبت بها ملاحظاته قول الأستاذ: «وعلى القرب من ~~زيزينيا رؤي عمر لطفي فسأله سائل: كيف تكون هنا والمذابح على خطوات منك؟ فقال: لست بقائد، ~~وهذا لا يعنيني ... فسأله: ولماذا لم تحضر بلباسك الرسمي على حصانك شاهرا سيفك في حراسة ~~خمسين من عساكر المحافظين وبذلك كان ينتهي الأمر؟ فأجابه: انصرف ليس هذا من شأنك، وهل أنت ~~محافظ البلد؟» # وجاء فيها أيضا قوله: «لم يصل الخبر عرابي إلا الساعة الرابعة والربع بعد الظهر مع أن ~~القليل من موظفي التلغراف الذين يشتغلون بعد الظهر مع أن القليل من موظفي التلغراف الذين ~~يشتغلون بعد الظهر لم يكن عندهم وقت للعمل إلا في تلغرافات المحافظ، حتى إن رسالتين هامتين ~~من أحد الميرالايات في الإسكندرية لم تقبلا لاشتغال الكثرة بتلغرافات المحافظ.» # وقوله: «ذهب نينيه عند قنصل روسيا وحدثه بما رآه من المحافظ ، فتعجب وقام للمخابرة مع ~~إخوانه القناصل، وبعد ذلك كتب للخديو ودرويش وعرابي، وكانت الساعة الرابعة بعد ~~الظهر.» # وقوله: «سليمان سامي كان مستعدا لإرسال العساكر إذا ورد له الأمر من نظارة الجهادية، ~~ولكن لم يكتب أحد بذلك إلى النظارة لأن الأمر بيد المحافظ.» # وقوله: «عمر لطفي باشا طلب إنزال جند إنجليز لعجز عرابي عن حفظ الأمن.» # وقال أحمد رفعت: «ولما كنت في الإسكندرية بعد الحادث باثني عشر يوما سمعت الناس يقولون ~~في صوت واحد: إن المحافظ عمر لطفي هو الذي أدى بتفاقم الأمر إلى هذا الحد؛ لأنه كان حاضرا ~~ولم يصدر أي أمر لإيقافه.» # هذا ما يتصل بموقفه السلبي من الأحداث، ذلك الموقف الذي ينطوي على أشد الريبة، وإنه ~~ليصعب على المرء أن يتصور أن محافظا في مدينة ما يرى القتال بين الناس ثم يقف منه مكتوف ~~اليد كما وقف عمر لطفي من حوادث الإسكندرية، ثم لا يتهم بأنه إن لم يكن مدبر الجريمة، فهو ~~على الأقل راض عنها لأنها جاءت وفق ما يريد ... # على أن جون نينيه يذكر نبأ عظيم الخطورة عن هذا ms225 المحافظ ويقول إنه سمعه من سكرتير سيمور ~~أدميرال الأسطول، ومؤداه أن عمر لطفي ذهب إلى ذلك الأدميرال في قارب بعد المأساة بأربعة ~~أيام وطلب إليه أن ينزل جنودا بالإسكندرية؛ لأن عرابي لن يقوى على حفظ الأمن. # وقد رأينا أن الشيخ محمد عبده يشير إلى شيء مثل هذا في مذكراته، كما أن أحمد رفعت بك يذكر ~~مثل هذا النبأ فيقول: إن الخديو وقت الحادث أبرق إلى لطفي أن يستعين بجنود من الأسطول لا ~~بفرق من الجيش المصري، كأنما يستعجل توفيق الاحتلال ويخشى أن تفلت الفرصة من يده. # ومن أخطر ما يتصل بموقف عمر لطفي أنه كان يعلم قبل المأساة أن الأجانب يسلحون أنفسهم، ~~ثم لم يتخذ أي إجراء احتياطي لما عسى أن يؤدي إليه هذا التسليح، ولا هو أبلغ عرابي بشيء ~~من هذا أو أبلغ الخديو ليتصل بعرابي، وكان علمه بهذا التسلح حقيقة ثابتة، فقد ذكر كوكسن ~~في رسالة منه إلى مالت في اليوم السادس من يونية أن يعد العدة للتسلح، ثم قال: «ويصح أن ~~أذكر أن محافظ المدينة زارني منذ أيام وكان معي بعض زملائي وأبلغني أنه علم أن الأجانب ~~يسلحون أنفسهم.» # 9 # ولننظر بعد ذلك في موقف الخديو من هذه المأساة، ولنبين ما عسى أن يكون من صلة بينه وبين ~~عمر لطفي، وما عسى أن يكون من مغزى لهذه الصلة بينهما ... # ذكر اللورد راندلف تشرشل في قرار اتهامه الذي أثاره في مجلس العموم البريطاني في سنة ~~1883، أن الخديو توفيقا، اتصل ببعض البدو في مديرية البحيرة وخاصة قبيلة أولاد علي، وذلك ~~عن طريق مدير الإقليم إبراهيم توفيق، وكان الخديو يرمي إلى غرضين: اتخاذ هؤلاء البدو قوة له ~~يقاوم بها قوة الجيش، ثم الاعتماد عليهم في إحداث فتن وقلاقل تظهر الوزارة بمظهر العجز أمام ~~دول أوربا، وقد أنفق الخديو على ذلك نحو عشرين ألفا من الجنيهات وزعت على مشايخ هؤلاء ~~البدو، واستقبل توفيق هؤلاء الشيوخ في مقره وأكرم مثواهم، واتفق معهم على أن يدخلوا عددا ~~من أتباعهم القاهرة عن طريق الجيزة، ms226 وكان يريد أن تقع الفتنة في القاهرة، ولكن هؤلاء البدو ~~تخاذلوا عن القاهرة لما رأوا من يقظة الحكومة، على أن عمر لطفي قد استعان ببعض هؤلاء البدو ~~في مأساة الإسكندرية # 10 ~~... # وذكر بلنت في كتابه هذه المؤامرة وأكدها، وكذلك ذكر أحمد رفعت بك في تقرير كتبه في سجنه ~~... # ويقول روثستين: «في هذا اليوم وقعت بالإسكندرية مذبحة الأجانب التي دبرها الخديو ومحافظ ~~المدينة عمر باشا لطفي، وقام بها رجال البوليس وجماعة من الفتاك المستأجرين، وهي مثل ~~صحيح لما يقع في زمننا هذا من مذابح اليهود المدبرة ... # لقد كان الخديو يعلم حق العلم أن هيجة صغيرة تقع بمصر إنما هي ضالة السياسة البريطانية ~~التي ما برحت تنذر بأشد الويل للأجانب إذا لم يقض على «الفوضى» التي يؤيدها حزب سامي ~~وعرابي بنفوذه «العسكري». وفي 31 مايو، وليس قبل، أنهى السير إدوار مالت إلى اللورد جرانفل ~~أن المسلمين والمسيحيين قد يصطدم بعضهم ببعض وقتا ما، وقد رأينا أن ذلك أدى إلى تعزيز ~~الأسطولين ... # ومع هذا فإن الخديو باطلاع مستشاريه الأجانب، أو بغير اطلاعهم قد عقد العزم على أن ~~يتعجل تلك الفتنة المنشودة بشيء من الكياسة ولطف الحيلة إذا كان سير الحوادث الطبيعي لا ~~يعجل وقوعها. ولكن ترى أين تقع هذه الفتنة؟ إنها إذا وقعت في القاهرة فلا تؤمن عاقبتها على ~~الإطلاق. ففي القاهرة عرابي ورفاقه، وفي القاهرة الجيش الذي يستطيع أن يقطع دابر الفتنة في ~~طرفة عين، أما إذا وقعت في الإسكندرية فإنها يكون لها شأن آخر. فمحافظ المدينة هو عمر باشا ~~لطفي الذي كان وطني الميل زمنا ما، والذي رشحه الخديو لنظارة الحربية في فترة اليوم التي ~~أعقبت استقالة وزارة سامي، فأصبح من مصلحته أن يعمل على سقوط عرابي.» # وقال اللورد تشرشل بعد أن أشار إلى برقية توفيق الخطيرة إلى عمر لطفي: «إن لدي أدلة على ~~أنه أثناء الأسبوع التالي، أرسل حيدر باشا ابن عم الخديو مرتين إلى الإسكندرية، وكان يلقاه ~~الخديو عقب عودته تحت ستار الليل، وقد ثبت أن حيدر هذا نفسه ms227 كان حاضرا بالإسكندرية يوم ~~الفتنة ومنها سافر إلى القاهرة عقب الحادث مباشرة.» # وأورد أحمد رفعت بك مثل هذه الرواية عن حيدر باشا، وزاد عليها أنه صحب الخديو بعد ذلك عند ~~سفره إلى الإسكندرية ... # ولا يفوتنا ونحن في صدد الكلام عن صلة توفيق بالمأساة أن نشير إلى برقيته الخطيرة إلى عمر ~~لطفي، التي طلب إليه فيها أن يختار لنفسه، هل يكون معه، أم يكون مع عرابي ... # كذا لا يفوتنا أن نشير هنا إلى ميله لإنجلترا وقبوله المذكرة المشتركة الثانية، وإلى ~~رغبته في التخلص من عرابي وحزبه بأي ثمن ... # وقد ذكر أحمد رفعت بك فيما ذكره عن المأساة بعد نفيه من مصر: «في يوم الأحد الموافق 11 ~~يونية كان المندوب العثماني درويش باشا، الذي وصل إلى مصر قبل ذلك بثلاثة أيام، يقطع في ~~عربته الطريق بين قصر الجزيرة وجسر قصر النيل، وكان قد لقي في مقره عرابي باشا والوزراء ~~المستقيلين لقاء طويلا، وكان متجها إلى قصر الإسماعيلية حيث كان يقيم الخديو ليفضي إليه ~~باتفاق كان يؤدي كما قيل إلى صلح بين الخديو والوزراء. # وعلى مقربة من الجسر قابله طلعت باشا سكرتير الخديو، وقد أرسله سيده ليبلغه بأن فتنة وقعت ~~في الإسكندرية، وأنها استمرت ثلاث ساعات، وأن الأوربيين والمسيحيين كانوا يقتلون أينما ~~وجدوا، وقد أدى طلعت الرسالة في مظهر المنتصر، وظهر عليه سرور شديد، وكأنما كان يريد أن ~~يقول إن عرابي الذي عمل من أجله ما عمل كان سبب ما حدث ... # وأرسل درويش باشا أحد الضباط المرافقين له في العربة ليعود من فوره إلى عرابي، ولما كنت ~~حاضرا فقد أفسحت لرسول درويش مكانا في عربتي وأخذته إلى بيت محمود سامي حيث كان عرابي ~~حاضرا في ذلك الوقت. وشاعت الأنباء سريعا في المدينة، وقد انزعج لها الناس جميعا، ~~واستولى الحزن على عرابي وصحبه. أما في قصر الخديو وحده فكان الفرح واضح المعالم.» # وقد جاء في تقريره وهو بالسجن ما لا يخرج عن هذا، وقد ذكر في نهايته أنه يستطيع أن يثبت ~~ما يقول بشهادة ms228 شهود لا يمكن أن تحوم حولهم شبهة ... ~~••• # ومما هو جدير بالاعتبار أن الخديو عين عمر لطفي باشا على الرغم من سلوكه أثناء الفتنة ~~رئيسا للجنة التحقيق التي كلفت بالبحث عن المسئولين، وكان أول شيء يجب أن يعمل لو سارت ~~الأمور سيرا بريئا أن ينحى عمر لطفي لكي يستطاع سؤاله عن أسباب تقصيره، ذلك التقصير ~~الذي لا يستطيع أن يماري فيه أحد ... # وكان الغرض من لجنة التحقيق إلصاق تهمة المذابح بعرابي وحزبه، فلما لم يتيسر ذلك بأي وجه ~~انسحب الإنجليز كما سنرى من لجنة التحقيق، ونصح الخديو لعمر لطفي أن يطلب إجازة بحجة السفر ~~إلى خارج القطر للراحة. # وبقي عمر لطفي بمصر حتى أعلنت الحرب، ولما عزل عرابي في اليوم السادس والعشرين من شهر ~~يوليو عينه الخديو وزيرا للحربية مكانه. # ومما يذكر في صدد هذا أن حيدر باشا كذلك قد ظفر بمقعد بين الوزراء ... ~~••• # ننظر بعد ذلك فيما كان من أمر عرابي وحزبه تلقاء هذه الفتنة، ولنبدأ بما ذكره روثستين في ~~هذا الصدد. قال: «وأعجب ما يتصل بهذا الحادث وأغربه أنهم حاولوا فيما بعد أن يجعلوا لعرابي ~~يدا فيه مع أنه قاسى من جرائه ما لم يقاسه غيره. فزعموا أنه ناسج برد المؤامرة لحمته ~~وسداه، والآمن بالمذبحة، والناهي رجال الحامية عن التعرض لها. ولكن التهمة تطايرت بشكل ~~يرثى له عندما أدركوا أن اللجاج في الأمر قد يزيح الستار عمن قاموا حقيقة بتلك الفظيعة ~~المنقطعة النظير. ثم ظهرت الحقيقة على الرغم من ذلك كله، وكان الفضل في ظهورها راجعا إلى ~~جهود المستر بلنت. وفي سنة 1883 بسط اللورد رندلف تشرشل لأعضاء البرلمان الأمر ~~بأجمعه.» # ونحسب أن المسألة واضحة كل الوضوح في بعد عرابي وحزبه عن هذه المأساة، فمما لا ريب فيه ~~أنها موجهة ضدهم، فقد ضمن عرابي الأمن، ولا يمكن أن يطعن نفسه بنفسه فيأتي بما يهدم كل ما ~~يدعي، كذلك ما كان من الممكن أن يقف سليمان سامي قائد حامية المدينة مكتوف اليدين من ~~المأساة لو أنه أحيط علما بها وقد ms229 علم أن تبعة الأمن ملقاة على عاتق عرابي ... # وقد أرسل كوكسن برقية إلى مالت عقب إعادة عرابي إلى الوزارة يصف الإسكندرية فقال: «كل شيء ~~هنا هادئ، والسلطات المحلية تؤكد لي أنه لا خوف من وقوع اضطراب، وقد تلقت فرق الجيش ردا ~~من القاهرة اتفقت بناء عليه أن تظل ساكنة في الوقت الحالي.» # ولم يكن لعرابي من سلطان علي عمر لطفي؛ إذ كان هذا بعد استقالة البارودي يتلقى الأمر من ~~الخديو مباشرة، وقد ثبت أنه لم يتصل بعرابي عند وقوع المأساة حتى يمكن أن يقال إن عرابي ~~تراخى في الإشارة عليه بما يجب أن يعمل. # هذا وقد أعاد الجيش الأمن إلى المدينة بأمر من عرابي بمجرد أن علم بالنبأ، ومما هو جدير ~~بالنظر أنه لم يحدث بعد ذلك في المدينة حتى وقعت الحرب أي شغب منذ أن تدخل الجيش وفطن الحزب ~~الوطني إلى الدسيسة. # ولقد كان وقع النبأ إليما في نفس عرابي ونفوس أصحابه، حتى إن عرابيا ظل صامتا مكتئبا ~~يضغط بيده على قلبه ويتنهد تنهدات طويلة. # 11 # واهتم عرابي بالتحقيق اهتماما كبيرا يتضح ذلك فيما أرسله إلى سليمان سامي إذ يقول: ~~«لست تجهل أهمية مركزك في الوقت الحالي فيما يتصل بلجنة التحقيق، وذلك لأن أعضاء اللجنة ~~ليسوا كما تعلم مساوين في العدد لأولئك الذين يهمهم شرف الجيش والأمة، وهذا يجعل من الضروري ~~أن تتخذ كل الحذر أثناء التحقيق، وأن تعمل على كشف الدافع الحقيقي إلى هذه الفتنة.» # والأمر كما نذكر لا يحتاج إلى كثير من القول ولا إلى قليل لبيان موقف عرابي وحزبه، فإذا ~~أراد المرء أن يبحث عمن ارتكب جريمة ما فلينظر من له مصلحة في اقترافها، ولقد كان في هذه ~~المأساة الضرر كل الضرر على عرابي وعلى قضية الحزب الوطني. ~~••• # يأتي بعد ذلك الكلام عن موقف الإنجليز من المأساة، وأول ما نذكره أن ذلك المالطي الذي قتل ~~السيد العجان كان أخا لخادم مستر كوكسن، وقد يكون ذلك من قبيل المصادفات، ولكنه لا يمنع من ~~القول بأنه تجرأ على ms230 الطعن لما كان يعلمه من نية مبيتة بينه وبين أشباهه من ~~المالطيين. # وكذلك نذكر أنه كان بين القتلى رجل يدعى ستراكت، وكان يعمل خادما للسير بوشمب سيمور ~~أدميرال الأسطول، وقد أقسم هذا الأدميرال العظيم الذي جاء لضرب الإسكندرية أن يثأر من أهل ~~المدينة لمصرع خادمه. # 12 # على أن هناك من الشبهات والقرائن ما هو أهم وأقوى من هاتين القرينتين، وحسب المرء أن يقلب ~~صفحات الكتاب الأزرق ليرى أنه تلقاء يقين لا يخالطه شك ... # ولقد أشرنا إلى بعض ما كان يدبره مالت وكوكسن وأشياعهما، ونكرر هنا الإشارة إلى برقية ~~كوكسن الخبيثة بأن تصادما سوف يقع بين المسيحيين وبين المسلمين، وكذلك نعيد الإشارة إلى ~~ما أرسله مالت إلى جرانفل في اليوم السابع من مايو، ومؤداه أنه لابد من حدوث ارتباكات قبل ~~تسوية المسألة المصرية، وأن الأصوب استعجال هذه الارتباكات لا تأجيلها. # 13 # ونعود بالقارئ إلى ما سقناه من أدلة على أن المأساة مدبرة، وخاصة تسليح الأجانب أنفسهم ، ~~ولنبسط القول بعض البسط في هذه المسألة، فنقول إن كوكسن كان دائب السعي في تسليح الأجانب، ~~وخاصة الإنجليز كما هو ثابت صراحة في الكتاب الأزرق، وقد اتصل بالسير سيمور أكثر من مرة ~~كما اتصل بالسير إدوارد مالت مرات، وكان يقول لمالت كل مرة إنه يحرص على سرية هذا التسليح ~~مخافة أن يحدث ذعرا إذا عرف، والواقع أن الغرض منه كان تبييت الغدر حتى تحين الساعة ~~المقصودة ... # وليس يخفى ما ينطوي عليه هذا التسليح من تحريض على الفتنة بطريق الإيحاء، ولعل ذلك ما دعا ~~مالت إلى شيء من التحفظ ليفلت من التبعة، ويتضح هذا التحفظ في برقية منه إلى اللورد جرانفل ~~يوم الفتنة بالذات إذ يقول: «لي الشرف أن أذكر لفخامتكم أن قنصل السويد العام وصل اليوم من ~~الإسكندرية، وعرض علي مشروعا للدفاع العام عن الأجانب، ورغب في موافقة ممثلي الدول عليه. ~~وقد أجمع الممثلون على أن تسليح ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف تمهيدا لهذا الدفاع عمل بالغ ~~الخطورة، وأنه بجانب ذلك عمل في ذاته يفضي ms231 إلى التصادم في أي وقت، وعلى ذلك فقد اتصلوا ~~بقناصلهم كيلا يشاركوا في شيء من هذا. وبناء على ذلك أبرقت إلى مستر كوكسن ألا يشارك بعد ~~الآن في شيء منه، وفي حال ما إذا خيف الخطر على البريطانيين فعليه أن يعتمد على مساعدة ~~الأدميرال، وأن يعمل حسبما يشير به من نصائح، ولما وجدت الأمر يقضي أن تبقى تعليماتي سرية ~~إذ إنها تتصل بالرجوع فجأة عن خطة بانت معلومة إلى حد ما، فقد أشرت على مستر كوكسن بأن ~~يجعل ما سلف من الأمور السرية، وفي الوقت نفسه عليه أن يحاول أن يقضي على المخاوف بأن يذيع ~~أنه ليس ثمة نزاع بين الوطنيين والأجانب، وأن المفاوضات في الوقت الحالي في يد درويش باشا ~~المندوب العثماني الذي يعمل باسم السلطان. وطلبت إلى مستر كوكسن أن يطلع على هذه التوجيهات ~~الأدميرال السير. ب. سيمور.» # وأدعى من هذا التسليح إلى إثارة الشبهة موقف الإنجليز من التحقيق الذي أزمعت وزارة راغب ~~باشا إجراءه عقب تأليفها ... # أراد الإنجليز أن يعزوا هذه المأساة إلى عرابي، ولم يعنوا بالبحث عن الحقيقة في ذاتها، ~~وقبلت ضمائرهم أن يتجهوا هذا الاتجاه وهم الذين طالما عابوا على الشرقيين انحطاطهم وتفاخروا ~~عليهم بمدنيتهم، أرسل جرانفل إلى مالت يقول له: «أطلب إليك أن تتخذ الخطوات التي تؤيد هذا ~~الدليل، وخاصة ما يتصل منه بمسلك نديم ووكلاء عرابي وعلاقة قنديل بعرابي.» # ثم تلقى كارتريت نائب قنصل الإسكندرية من جرانفل برقية بتاريخ 24 يونية، وفيها يقول: «لقد ~~ذكر في الصحف العامة أن راغب باشا أمر بإجراء تحقيق في الاضطرابات التي وقعت بالإسكندرية ~~يوم 11 الحالي، وإذا كان الأمر كذلك فإن حكومة جلالة الملكة ترغب منك أن تقف بمنأى عن هذا ~~التحقيق، وعليك أن تخبر قنصل جلالتها بما تلقيت من توجيهات في هذه المسألة.» # ونفذ كارتريت ما أمر به، وأغرى زميله القنصل الفرنسي بأن يسلك مسلكه، وكان سبب انسحاب ~~هذين من لجنة التحقيق أن اللجنة أرادت أن تفتش منازل الأجانب والوطنيين على السواء، وكان ~~أولى بهما لو ms232 أرادا إنصافا أن يزدادا اطمئنانا إلى عدالة اللجنة بهذا القرار، وأن يجعلاه ~~سببا لانضمامهما إليها لا لابتعادهما عنها ... # وعرض راغب باشا على الأجانب أن يؤلفوا لجنة جديدة يحدد عملها فرفض كارتريت هذا العرض ~~وأيده جرانفل في رفضه. وفي الوقت نفسه طلب إلى كارتريت أن يجمع المعلومات لحسابه هو، وخاصة ~~ما يتصل منها بمسلك وزارة الجهادية تجاه الحادث، وبما حصل من تأخير في إرسال الجنود إلى ~~أمكنة الاضطرابات. # 14 # علق اللورد رندلف تشرشل على ذلك بقوله: «وهكذا نرى أن الاضطغان المتعمق في نفس اللورد ~~جرانفل على الحزب الوطني، وأن الاعتقاد القائم على غير أساس منه ومن السير إدوارد مالت بأن ~~المذابح كانت من صنع الحزب العسكري، وبأن عرابي وأصحابه أرادوا أن يطمسوا الحق بأي ثمن، وقد ~~كانوا في الواقع يعملون على إبرازه ... نرى أن ذلك كان سببا في صد التحقيق عن وجهه، ذلك ~~التحقيق الذي أجري عقب الفتنة مباشرة، وكان صنيعا فذا من عرابي باشا، وفضلا عن ذلك ~~فإنه كان من الأهمية بمكان عظيم أن يعقب التحقيق الفتنة مباشرة لا ابتغاء الوصول إلى معرفة ~~مدبري الفتنة فحسب، ولكن لمنع ما قد يعقبها من ظلم، وكان التحقيق عقب الحادث هو الوسيلة في ~~ذلك الوقت فقط التي بها يمكن الوصول إلى أدلة يوثق بها، وليس من ريب في أنه بناء على تعطيل ~~التحقيق على يد اللورد جرانفل قد عوقب كثير من الأبرياء ومن سيئي الحظ بالموت والنفي ~~والسجن.» # وثمة حقيقة أخرى جديرة بكل اعتبار في صدد الكلام عن سياسة الإنجليز في المأساة، وهي خليقة ~~بأن تثير أكبر الشبهات، وذلك أنه ما من برقية أو رسالة بين الخديو ومالت أو بين مالت وسيمور ~~أو بين عمر لطفي والخديو، عما كان يحدث أثناء الفتنة، ما من شيء من ذلك أثبت في مجموعة ~~الكتاب الأزرق، ولا يعقل بأية حال أن المخابرات انقطعت بين هذه الجهات أثناء وقوع ~~الاضطرابات. # وحقيقة أخرى جديرة بالنظر، وقد سبق الإشارة إليها في موضع آخر، وتلك هي إطلاق النار من ~~النوافذ على ms233 الوطنيين بمجرد مقتل السيد العجان على يد ذلك المالطي الذي هو شقيق خادم كوكسن، ~~فكأن الأجانب أعدوا هذا الحادث إيذانا ببدء ما سبق به الاتفاق ... # ويتصل بذلك ما ذكره جون نينيه في قوله: «وفي طريقي قابلت مستر كوكسن في عربة، وأخبرني ~~أحد الواقفين بجانبي أنه كان في بيت أحد المالطيين أثناء إطلاق النار، وأنه اعتدي عليه عند ~~خروجه من ذلك البيت؛ لأن الدهماء عدوه مسئولا عن إطلاق النار.» # ولا يفوتنا كذلك أن نشير إلى مساعي مالت وكوكسن بوجه عام ضد وزارة البارودي وضد عرابي ~~منذ قامت هذه الوزارة، ومزاعمهما عن تسلط الحزب العسكري، ورغبتهما الملحة في إسقاط تلك ~~الوزارة التي أعلنت الدستور وقضت على نفوذ الرقيبين الأجنبيين، والتي زادت روح الوطنية ~~تأصلا في نفوس المصريين بحيث بات يخشى الأجانب استعصاءها على المقاومة لو تركت وشأنها. ~~ولقد ازداد غضب مالت وكوكسن بصفة خاصة منذ عودة عرابي إلى الوزارة بعد سقوطها والتجاء ~~الأجانب والوطنيين إليه لحفظ الأمن، وإعلانه أنه يأخذ ذلك على عاتقه، وواضح أن نجاحه فيما ~~تعهد به إسقاط لحجتهما من أساسها، وقضاء على محاولتهما الشيطانية لتنفيذ السياسة المرسومة، ~~سياسة احتلال مصر ... # والآن بعد أن أثبتنا أن المأساة مدبرة، وبعد الذي عرضناه من مسلك عمر لطفي ومن ورائه ~~الخديو، ومسلك الإنجليز قبل المأساة وبعدها، يمكننا القول في غير أدنى شعور بالحرج إن ~~المأساة كانت من تدبير مالت وكوكسن وقبيلهما من شياطين الاستعمار، وإن عمر لطفي كان شريكا ~~لهما فيما دبرا، إن لم يكن بالتواطؤ الصريح فبالموافقة الضمنية، كمن يعلم سلفا أن نارا ~~سيشعلها بعض الجناة فيظل يرتقبها لأن له مصلحة في إشعالها، حتى إذا اندلعت ألسنتها تركها ~~تأكل كل شيء، ويزيد في تبعته أنه كان بحكم منصبه المسئول الأول عن الأمن في المدينة. # والحق عندي أن كوكسن ولطفي كانا في الشر سواء، ولا يقل أحدهما تبعة عن صاحبه في تدبير ~~هذه المأساة. # ولا يستطيع منصف أن يبرئ عمر لطفي إلا إذا استطاع أن يبرئ كوكسن ومالت، ولن يبرأ هذان إلا ~~إذا ms234 أدين عرابي وأصحابه، وهو ما لم يستطع أعداء عرابي بكل ما وسعهم من جهد أن يصلوا إليه ~~... # قال الشيخ محمد عبده: «وفي يوم هذه الحادثة توجهت إلى السراي فرأيت موظفيها في جدل عظيم ~~مما حدث، وكانوا يبالغون في رواية الأخبار، ويضحكون من عهد عرابي بالمحافظة على الأمن ~~العام، ومن المعلوم أن موظفي السراي لا يقولون إلا ما يسر الخديو، فإذا كانت الأخبار سارة ~~تكلموا وضحكوا، وإلا تظاهروا بالحزن والكآبة جهدهم. # 15 # وبعد اثني عشر يوما من هذا التاريخ كنت في الإسكندرية، فسمعت الناس جميعا يقولون إن ~~المحافظ عمر لطفي سمح بانتشار الفتنة إلى هذا الحد لأنه كان مقيما في البلد ولم يصدر أمرا ~~بتوقيفها، ولم يذهب إلى مكان الفتنة إلا بعد مضي وقت، ولم يطلب مساعدة العسكر النظامي مع ~~أنهم كانوا على مقربة منه، وأجمع الناس على أن عمله هذا موعز به من الخديو. وعلمنا أيضا ~~أنه لما كانت المذبحة على وشك النهاية وكان المحافظ يتجول من مكان إلى آخر، وإذا بأجنبي في ~~شباك وفي يده مسدس فقال أحد البدو: أأرمي هذا الرجل يا باشا؟ فقال له: ارمه، فأطلق البدوي ~~عليه الرصاص فقتله، وكثير من المنهوبات دخلت بيته وبيوت أقربائه في ذلك اليوم الأسود ... وقد ~~سمعت أيضا أنه حرض بعض الناس أثناء المذبحة وشجعهم على ذلك، وأنه أشار إلى البوليس ألا ~~يتدخل قائلا: دعوا أبناء الكلاب يموتون. # ولم تسأل اللجنة التي تألفت للنظر في أسباب هذه الفتنة عمر لطفي عن شيء مما حدث مطلقا، ~~بل كان الخديو أوعز إليه بأن يستقيل بحجة المرض. # كان عمر لطفي محافظ الإسكندرية زمن الفتنة، وقد أهمل أمر القيام بحفظ الأمن العام على أنه ~~هو الشخص الوحيد المسئول عنه. هذا إذا لم نقل إنه هو المحرض عليها، فإذا كان فعل ما فعل ~~إطاعة لأمر عرابي كما ادعى، مع أن وظيفته تابعة رأسا إلى الخديو - لأن الخديو أصدر أمرا ~~خاصا صرح فيه أنه بعد استقالة وزارة سامي أفضت أمور الداخلية وشئونها إلى السراي - فكيف ~~نعلل تعيينه ms235 وزيرا للحربية جزاء لطاعة عرابي وعصيانه لسيده الخديو؟ وإذا كان الأمر ~~إهمالا منه فكيف يصح مع إهماله وعدم كفاءته تعيينه وزيرا للحربية؟ ولماذا لم يسأل ~~سؤالا واحدا عما جرى مع أنه كان يجب أن يكون أول من يسأل؟ # لا ريب في أن استقراء سير الحوادث، يظهر أتم الظهور أن الخديو بالاشتراك مع عمر لطفي ~~كانا سبب هذه الفتنة، أي مذبحة الإسكندرية.» # 16 # ويعتقد برودلي اعتقادا جازما بإدانة عمر لطفي، فقد كتب إليه اللورد تشرشل يسأله رأيه ~~عقب عودته من مصر ليقدم هذا الرأي إلى جلادستون، فكتب برودلي إليه، بأنه سأل في السجن اثنين ~~من كبار السياسيين النابهين لا ترقى إليهما شبهة ولا تخفى عنهما حادثة، # 17 # فتوافقت روايتاهما بما يدين عمر لطفي، وكانا كل في معزل عن صاحبه في السجن بحيث ~~لا يمكن التقاؤهما ... # أما كوكسن فقد لعب في هذه الفتنة دور الشيطان، ويقيني أنه لو سار التحقيق كما أراد عرابي ~~لأخذ بجريمته، ولكن توفيقا بادر بتعيين عمر لطفي رئيسا للجنة التحقيق، ولم يعارض عرابي ~~في هذا رغبة منه في المحافظة على المودة بينه وبين الخديو، وقد أقسم كل منهما قبل ذلك ~~بأيام على أن يحمي الآخر كما يحمي نفسه، ثم أحبط الإنجليز عمل اللجنة بانسحاب مندوبهم منها ~~فنجا كوكسن من الاتهام ... # أما الغرض من تدبير هذه المأساة فيتبين لنا في تتبع سير الحوادث صوب الهدف المقصود، ~~وحسبنا أن نذكر الآن أنها كانت من أقوى الضربات التي نزلت بالحركة الوطنية القومية، وكانت ~~فاتحة المآسي التي سوف يأتي بعضها في إثر بعض حتى تقع المأساة الكبرى يوم التل الكبير. # | العدوان الفاجر # هذا هو العدوان الذي لا نجد في تاريخ الحروب أقبح منه أو أشد منه فجورا، والذي سوف تنطوي ~~العصور ويظل في تاريخ الإنسانية من أبلغ الأمثلة على ما يفعل الأقوياء بالضعفاء، وفي تاريخ ~~الاستعمار المثل الرائع على ركوب أية وسيلة إلى الغاية في غير مبالاة بما يسمى الشرف أو ~~الحق أو العدالة ... # هذا العدوان الغادر الشنيع هو إطلاق المدافع من ms236 الأسطول الإنجليزي على مدينة الإسكندرية ~~في اليوم الحادي عشر من شهر يوليو سنة 1882. # وإنه لتاريخ خليق بأبناء هذا الوادي وبني الشرق جميعا أن يذكروه، كلما تحدث متحدث عن ~~الضمير والشرف البريطاني وعن الحضارة الأوربية بوجه عام في هذا الشرق المسكين ... # وإنه لعدوان خليق بأن يخجل منه ساسة الإنجليز إذا نسوا أطماعهم فترة، وفكروا فيما ينطوي ~~عليه من غدر وقحة ... # وإنه لثأر جدير بكل أب وبكل أم في هذا الوادي أن يتحدثوا به إلى أبنائهم وبناتهم، إذا ~~أرادوا أن يغرسوا في نفوسهم الغضب لكرامة وطنهم، والاشمئزاز والنفور من الغاصب الدخيل ... # وما ندري بأية وسيلة نعبر عما نحس به إزاء هذا العدوان الغادر وليس في مقدورنا أن نعبر ~~بالكلام عما يختلج في ثنايا الصدور ... ~~••• # قبل الخديو المذكرة المشتركة كما أسلفنا، واستقالت ~~وزارة البارودي في اليوم السادس والعشرين من شهر مايو، وظن المتربصون بمصر أن الحزب الوطني ~~وأن الحركة القومية قد انتهى أمرهما بسقوط الوزارة، ولكنهم ما لبثوا كما بينا أن تبينوا ~~أن الأمر أكبر مما يظنون، واضطر الخديو إلى إعادة عرابي بعد يومين وزيرا للجهادية لحفظ ~~الأمن والنظام ... # ولكن مالت بدل أن يكف عن دسائسه أمعن فيها، وبات همه الشاغل استعجال الحوادث التي تفضي ~~إلى احتلال مصر، وكان جرانفل بالضرورة وإياه على اتفاق، وكان من ورائهما جلادستون أحد دعاة ~~الحرية والمشتهرين بنصرتها! # وكانت السياسية الإنجليزية قد حددت سياستها نحو مصر، وتتلخص هذه السياسة في الانفراد ~~باحتلال مصر وتحين الفرصة لذلك، وهي في الواقع سياسة قديمة ترجع إلى حملة نابليون على هذه ~~البلاد، وقد نشطت نشاطا عظيما منذ فتحت قناة السويس ... # وكان أمام إنجلترا في الخارج عقبتان: موقف فرنسا من المسألة المصرية، وحق تركيا صاحبة هذه ~~البلاد، وفي الداخل عقبة كؤود هي الحركة القومية بزعامة عرابي، وكان سبيلها في الخارج ~~المراوغة والتربص، وسوف يكون سبيلها في الداخل البغي والعدوان ... # ولتمض إنجلترا إذن في مراوغتها بعد المذكرة المشتركة، ولتحرص أشد الحرص، كما حرصت من قبل، ~~على أن تظهر لفرنسا والدول جميعا أنها لا تنوي ms237 العمل بمفردها ولتدع تركيا إلى التدخل، ~~ولتطع فرنسا في كل ما تدعو إليه، لتفعل إنجلترا ذلك كله فليس يضيرها شيء منه، بل إنه لستار ~~تختفي وراءه إلى حين، ولن تعدم ذريعة لانفرادها بالتدخل حين تحين الفرصة، وإنها لتفيد من ~~تردد تركيا وتراخيها؛ إذ يهيئ لها ذلك أن تقول: إنها اضطرت آخر الأمر أن تضطلع بحماية ~~الأجانب ومصالحهم وأموالهم في مصر ... # وكانت إنجلترا منذ إرسال المذكرة المشتركة الثانية إلى وزارة البارودي تزعم دائما في ~~صلتها بالدول، وخاصة فرنسا، خطورة الحال في مصر، وتبالغ في الإنذار والتخويف. # وبعد سقوط وزارة البارودي بأربعة أيام أرسل دي فرسنيه إلى السفير الفرنسي بلندن يقول «لم ~~يعد من أمل في حل سلمي بالضغط الأدبي القائم على وجود الأسطولين الفرنسي والإنجليزي وعلى ~~المساعي الطيبة التي يبذلها عمال الدولتين في القاهرة». # واقترح فرسنيه أن يعقد مؤتمر دولي لحل المسألة المصرية، وكان غرضه من هذا كما فعل حين ~~اقترح مجيء السفن إلى الإسكندرية أن يحول بين إنجلترا وبين الانفراد بالعمل ؛ فقد بات يتوجس ~~خيفة من سياستها ... # وقبلت إنجلترا الاقتراح، وأخذت تعمل في نشاط لتنفيذ الفكرة، مدعية أن الأحوال ~~الداخلية في مصر تتطلب عملا عاجلا حاسما. ولن تخيب إنجلترا في أن تجعل من المؤتمر أداة ~~تنتفع بها في تحقيق ما تبيته ... # ومما يدل على حيرة السياسة الفرنسية أن فرسنيه، كما أسلفنا، كان يرى إبان أزمة وزارة ~~البارودي أن لا داعي إلى التدخل في شؤون مصر، وأرسل رأيه هذا إلى جرانفل على لسان سفيره في ~~لندن ... # على أنه ما لبث أن رأى جرانفل يخطو خطوة صوب الانفراد بالعمل؛ وذلك أنه كتب إلى اللورد ~~دوفرين في الثامن والعشرين من مايو أن ينصح للسلطان بمؤازرة توفيق، وأن يرسل في طلب عرابي ~~وزميليه والبارودي إلى القسطنطينية، وكتب في نفس الوقت إلى مالت؛ كي يشير على الخديو بطلب ~~مندوب عثماني يحافظ على حياته ... ثم إنه بعد ذلك أخبر فرسنيه بما فعل. # 1 # وصرح السير إدوار مالت قبل ذلك بيوم أنه لا يعد نفسه مقيدا باتباع ms238 الوسائل المنطوية على ~~اللين والاعتدال والتي تضمنتها المذكرة المشتركة الثانية. # 2 # وبعث أدميرال الأسطول الإنجليزي إلى حكومته بعد ذلك بيوم يخبرها أن مصر تنشئ طابية جديدة ~~تجاه إحدى سفن الأسطول ويطلب إليها زيادة السفن، وقد أجابته حكومته إلى طلبه دون أن تستشير ~~فرنسا ... # من أجل ذلك اقترح فرسنيه عقد المؤتمر؛ ظنا منه أن في ذلك عرقلة لسياسة جرانفل، ولم يشأ ~~جرانفل أن يرفض المقترح فيكشف سياسته، ولذلك رحب به، بل وعمل على تنفيذه ... # وحرص جرانفل على أن يظهر بمظهر من لا غرض له إلا المصلحة الدولية العامة، كما فعل حين كتب ~~إلى الدول غداة وصول السفن إلى الإسكندرية يؤكد لها أن لا غرض لإنجلترا من وراء ذلك إلا ~~إقرار السلام في مصر، وأنه ليس لها من مطمع، ولا هي ترمي إلى الانفراد بالعمل، و«أن الحكومة ~~البريطانية لم تفكر قط في أن تنزل إلى البر جنودا ولا أن تحتل البلاد احتلالا عسكريا، ~~وفي عزم حكومة جلالة الملكة، متى أعيدت السكينة إلى مصر وزال الخوف على مستقبلها أن تترك ~~مصر وشأنها وتسحب سفنها الحربية، فإذا وقع عكس ما نرجو بأن تعذر حل المسألة حلا سلميا ~~فإنها تتفق مع الدول ومع تركيا على ما تكون قد رأته هي والحكومة الفرنسية أنجح الوسائل. # 3 # وكان مظهر حرص إنجلترا على التجرد من الغرض حين قبلت اقتراح فرنسا لعقد مؤتمر أن أبدت ~~رغبتها في أن تشترك تركيا في المؤتمر، ثم إنها أرادات بهذه الرغبة أن تعرقل مساعي فرنسا ~~لعقد المؤتمر؛ إذ كانت تعلم أن تركيا لا تميل إلى هذا الاتجاه ... # وكانت سياسة تركيا تجاه الدولتين في مصر تدعو إلى الدهشة والأسف، ومردها فيما نرى إلى ~~أنها كانت في حيرة بين توفيق وبين عرابي، فهي إن آزرت توفيقا فكأنما توافق على انحيازه إلى ~~الدولتين، وهو في الواقع منحاز إليهما منذ أن خلع أبوه. وهي إن آزرت عرابي وافقت على ~~النزعة الدستورية الحرة في مصر وقوت شوكة الفلاحين ضد الأتراك والشراكسة، وقد كانت هذه ~~اليقظة القومية التي تعد ms239 في جوهرها موجهة ضد السيادة التركية تتمثل في عرابي زعيم مصر ~~الفلاح ... # والواقع أن اضطراب سياسة تركيا نحو مصر يرجع كذلك إلى غفلتها عن كثير من دسائس الإنجليز ~~وعن السياسة الدولية بوجه عام، ثم إلى فساد رجالها وإيثارهم مصالحهم الشخصية على مصالح ~~الدولة، وإمكان توجيههم بالرشوة الوجهة المطلوبة ولو كان في ذلك ضياع دولتهم ... # ورفض السلطان أن يشارك في المؤتمر، ولكن ذلك زاد في حرج موقفه؛ إذ كيف يرفض إرسال مندوب ~~إلى المؤتمر وفي الوقت نفسه لا يعمل عملا ما تجاه سياسة الدولتين في مصر؟ لذلك أوفد بعثة ~~درويش ورأى في ذلك سببا عمليا يحتج به على رفضه فكرة المؤتمر ... # وجاءت بعثة درويش وقد رأينا ما كان من سياستها المزدوجة، كما رأينا عجز درويش إزاء الرأي ~~الوطني العام وتأثره بهدايا الخديو، وتذبذبه بسبب ذلك بين حاكم مصر وبين زعيم مصر ... # ورأينا إنعام السلطان على عرابي بالوسام المجيدي الأكبر، وفي ذلك - فضلا عما بيناه من ~~معان - معنى آخر هو أن عرابي لم يكن بالمتمرد ولا بالمتسلط، بل إنه الرجل الذي لاذ به ~~الجميع لحفظ النظام، وبذلك فلا وجه لما يذيعه الإنجليز عن خطر الحزب العسكري في مصر، ومن ثم ~~فلا حاجة إلى مؤتمر، ولا إلى تدخل من أي نوع كان ... # ولكن أين هذا الأسلوب من دهاء السياسة الإنجليزية وخبثها وطول مرانها على اللؤم والمكر ~~السيئ؟ لقد دبر الإنجليز وشركاؤهم مأساة الإسكندرية؛ لتكون حجة لهم على صحة ما يقولون ... ومن ~~هنا يتبين لنا خطر هذا الحادث المشؤوم ... # ولذلك نعود بأشد اللوم على عرابي؛ لأنه أذعن لتوفيق حين جعل عمر لطفي رئيسا للجنة ~~التحقيق، ولأنه تراخى بعد ما كان من إقدامه أول الأمر على أثر انسحاب الإنجليز من اللجنة، ~~وكان عليه أن يتعقب الجناة مهما كان شأنهم وأن يواجههم بالأدلة ثم يضرب على أيديهم، ولو أنه ~~فعل ذلك للعب لعبة بعيدة الأثر في مجرى الأحداث؛ إذ كان يفضح أعداءه ويحبط كيدهم ويردهم ~~خاسرين ... # ولن يشفع لعرابي أنه آثر الحرص على مودة الخديو، ولا ms240 أنه خشي أن يفسر عمله بالتحدي ~~لسلطته فيهيئ لأعدائه دليلا على صحة ما يزعمون من تدخله وتسلطه. # لن يشفع له شيء من هذا؛ فقد اضطلع بحفظ الأمن وتعهد بذلك، وكان بعد استقالة البارودي ~~الحاكم الفعلي بل الحاكم الوحيد، وقد أعيد إلى منصبه في الوزارة لهذا الغرض بالذات ... إلا ~~أنه لخطأ من أكبر أخطائه السياسية سوف يعود عليه وعلى مصر بأوخم العواقب. ~~••• # ولندع الآن موقف تركيا من المؤتمر لنعود إلى ما كان بين فرسنيه وجرانفل ... # في أول شهر يونية، أي في اليوم التالي لاقتراح فرسنيه، أرسل إليه اللورد جرانفل يقترح مرة ~~أخرى رجاء الدول العظمى أن ترسل إلى السلطان تطلب إليه إرسال جنود تركية إلى مصر، ورد ~~فرسنيه أن الأولى أن تنظر الحكومتان: هل توافق الدول على عقد المؤتمر أم لا؟ وأجاب جرانفل ~~بأن سؤال السلطان إرسال جنود إلى مصر ينبغي أن يكون مما يشار به على اللورد دوفرين فيما ~~يتصل ببرنامج المؤتمر، وأظهر فرسنيه تململه من هذا الرد؛ لأن أجوبة الدول على الدعوة إلى ~~المؤتمر لم ترد بعد ... # وكان جرانفل في الواقع يماطل ويسوف؛ عله يستطيع أن يتخلص من عقد المؤتمر؛ وإن تظاهر ~~أمام فرنسا أنه يرحب به ... # ولما وقعت مأساة الإسكندرية عادت إنجلترا إلى تخويفها العالم من سوء الحال في مصر؛ علها ~~تجد في ذلك ذريعتها للتدخل قبل هذا المؤتمر الذي تشير به فرنسا. # أرسل مالت إلى جرانفل بعد المذبحة بيومين أي في اليوم الثالث عشر من يونية يقول: إن بعثة ~~درويش قد فشلت فشلا تاما في مهمتها، وأن مندوب السلطان اضطر إلى الخضوع لسلطة عرابي، ~~وأنه أدلى إلى ممثلي الدول بقوله: إنه تحت ضغط الظروف الملحة يشارك عرابي باشا في تنفيذ ~~أوامر الخديو، وإنه وزع الأوسمة على العرابيين وعلى الخديوين، وأن تأثيره قد ذهب. # وأراد فرسنيه أن يأخذ الطريق على السياسة البريطانية بفكرة أخرى فأعلن أنه بعد سيطرة ~~عرابي على الموقف «قد تهيأ كل ما يمكن من تسوية المسألة المصرية بالاتفاق مع عرابي». # وردت الحكومة البريطانية على ذلك ms241 ردا حاسما صريحا قائلة: «إنه لا يمكن وضع تسوية ~~ثابتة مقبولة إلا بالقضاء على عرابي باشا والحزب العسكري في مصر». # 4 # واهتم الإنجليز في مصر، أكثر من قبل، بإذاعة الأنباء عما يزعمونه من سوء الحال؛ وذلك كي ~~يردوا على قول درويش وقول السلطان من أن الحال هادئ لا يستدعي شيئا من القلق ... # وأراد جرنفل أن يستغل حادث الإسكندرية قبل أن تظهر حقيقته فكتب في اليوم الثالث عشر من ~~يونية دون الرجوع إلى فرسنيه، إلى القناصل الإنجليز في الدول المختلفة بأن يعرضوا على هذه ~~الدول اقتراحا مؤداه أن يطلب إلى السلطان إرسال جنود إلى مصر بشروط معينة؛ أهمها: عدم ~~الاعتداء على الفرمانات المقررة ... # ورأى فرسنيه ألا يدع إنجلترا تتصرف وحدها فوافقها ~~مرغما مشترطا أن يكون هؤلاء الجنود خاضعين لأوامر الخديو العليا، وقبل جرانفل هذا الشرط، ~~وإنه ليجعل من هذا كله ستارا لنياته ... ثم كتب فرسنيه إلى قناصله؛ لتفعل كما فعل القناصل ~~الإنجليز ... # واتفقت الدولتان على عقد المؤتمر عاجلا بمشاركة إنجلترا أو بغير مشاركتها؛ إذ إن السلطان ~~كان لا يزال على رفضه بحجة أن (درويش) قد نجح في مهمته، وأن وزارة شكلت في مصر وعادت ~~الأمور إلى مجراها العادي. # وبعد شيء من الأخذ والرد اجتمع المؤتمر في الآستانة في اليوم الثاني والعشرين من شهر ~~يونية دون أن يحضر فيه أحد من قبل السلطان. # ولندع المؤتمر ريثما ننظر نظرة إلى الحال الداخلية في مصر ... # في اليوم الثاني عشر من يونية وهو اليوم التالي ليوم الفتنة ذهب قناصل الدول إلى الخديو ~~وطلبوا منه تأمين أرواح رعاياهم بمصر وأموالهم، وكان ذلك بحضور درويش باشا، فأرسل الخديو في ~~طلب عرابي وأخبره بذلك وطلب إليه «نشر التنبيهات والتأكيدات على كافة العساكر المصرية ~~وضباطهم وأمرائهم الموجودين بمصر والإسكندرية والأقاليم والبنادر بزيادة الدقة والتحفظ». # 5 # وبناء على ذلك أرسل عرابي إلى جميع قادة الجند يخبرهم بما طلب الخديو ويدعوهم إلى اليقظة ~~قائلا: «يحق لنا الأمل في هممكم التي علمت فيكم ونشاطكم الذي عرفتم به بحيث لا يقع أمر ~~من ms242 الأمور - صغيرا كان أو كبيرا - في أي نقطة من النقط التي أنتم بها إلا كنتم حصنا ~~منيعا بينه وبين سكان ديارنا على اختلاف طبقاتهم ومعتقداتهم وتبعيتهم، كما يجب على حضرتكم ~~بذل الهمة ودوام السعي في تسكين كل اضطراب ومنع ما يوجب قلقا أو تشويشا في الأفكار، وفي ~~كل هذا تتخذون حسن المعاملة مع جميع الأهالي والأجانب شعارا لوظائفكم مع التمسك بالآداب ~~المدنية والحقوق الوطنية في سائر الحركات والسكنات كما هو الواجب على كل وطني محب لوطنه ساع ~~في حفظه ونجاة أهله، ونسأل الله - تعالى - أن يوفقنا لحفظ هذا النظام العائد ثمرته على ~~الوطن العزيز». # 6 # وكانت الشائعات تنتشر في الإسكندرية - ولم يمض على الفتنة يوم - أن الأوربيين يستعدون ~~لهجوم جديد فاجتمع رؤساء الجند وكتبوا إلى القناصل؛ ليطلبوا إلى رعاياهم السكينة والنظام، ~~وأصدر القناصل نداء للأوربيين يحثونهم فيه على التزام السكينة ... # وغادر الخديو القاهرة في اليوم الثالث عشر من يونية إلى الإسكندرية بحجة الاصطياف حسب ~~عادته كل عام وصحبه درويش باشا، وقد ودعه عرابي في المحطة، وقبل تحرك القطار أوصى الخديو ~~عرابي بالسهر على الأمن وأخذ الحيطة لمنع وقوع أي حادث ... # وقد أستراب الناس في سفر الخديو فجأة عقب الفتنة، وفسروا ذلك بأنه أراد أن يبتعد عن عرابي ~~وحزبه؛ ليكون في حمى الأسطولين بالإسكندرية، وأحسوا في هذا السفر المفاجئ شيئا من الخوف ~~وقالوا: إن الخديو على علم بقرب وقوع الحرب ... # والواقع أن الخديو كان يريد السفر إلى الإسكندرية منذ مجيء السفن الأجنبية ... تجد الدليل ~~على ذلك من برقية قنصل فرنسا إلى فرسنيه في اليوم الثامن عشر من مايو؛ إذ يقول: «إن أهم ~~مسألة مستعجلة في الوقت الحاضر هي إقناع الخديو بعدم السفر إلى الإسكندرية؛ فإن هذا السفر ~~يشبه أن يكون فرارا، وتركه العاصمة في الوقت الحاضر معناه العدول عن العودة إليها. # 7 # ونجد دليلا آخر في برقية لمالت - سلفت الإشارة إليها - يصف فيها موقف الخديو فيقول عن ~~الإنجليز: إنهم هم الذين صرفوه عن السفر إلى الإسكندرية. ومعنى ذلك أنه لولا مساعيهم ms243 لسافر ~~إليها. # وقد علق فرسنيه على سفر الخديو بقوله: «كانت رغبة الخديو متجهة منذ وصول العمارة ~~الإنجليزية الفرنسية إلى الالتجاء إلى الإسكندرية؛ ليكون قريبا من مدافعها، وعبثا أريد ~~إقناعه بأن مركزه يجب أن يكون على رأس حكومته قريبا من وزرائه؛ ليتسنى له توجيه أفكارهم ~~وعلى الأخص ملاحظتهم، ولكن مذبحة الإسكندرية كانت له فرصة يحقق فيها رغبته، وقد زعم أنه قصد ~~إليها بحجة تدارك الخطر مع أن النظام كان قد عاد إلى نصابه». # 8 # وفي الإسكندرية قوبل الخديو بفتور، وقد أطلقت المدافع تحية له واصطف الجند على الجانبين ~~حتى سراي رأس التين، وقد وجل الناس عند سماع المدافع؛ ولم يكونوا يعلمون بمجيء الخديو، ~~وظنوها مدافع الحرب ... # وزاره القناصل في سراي رأس التين عدا قنصلي فرنسا وإنجلترا؛ إذ كانا بالقاهرة، فأعرب لهم ~~عن أسفه لما حدث يوم الفتنة، ووعدهم بأن يوجه عنايته حتى لا يحدث شيء من هذا في المستقبل ... # وسرعان ما ذاع في الإسكندرية أن الخديو أسر إلى كلفن أنه لا يأمن تجدد الفتن، وأن بعثة ~~درويش قد أخفقت ، وأنه لا بد من مجيء جنود عثمانية، وكان ذلك ردا على ما أثنى به درويش ~~على رجال الجهادية. # 9 # ويورد عرابي في مذكراته أن الخديو طلب جنودا إنجليزية؛ «لأنه لا يصح أن يطلب جنودا ~~عثمانية من عامل إنجليزي مثل كلفن». # ووقع ما أسر به الخديو إلى كلفن وقعا مؤلما في النفوس وعادت إليها عوامل الخوف، وزادت ~~هجرة المهاجرين من الأجانب في حالة أشبه بالذعر كأنما تنتظر الحرب بين ساعة وساعة، أو ترتقب ~~فتنة أشد هولا من الفتنة السالفة ... # وتتابعت هجرة الأوربيين من الإسكندرية والقاهرة ومدن أخرى، حتى ضاقت بهم عربات القطارات ~~وازدحمت القوارب والسفن، ورأى عرابي أن يدعو الناس إلى الاطمئنان فأصدر بلاغا يقول فيه: ~~«ناظر الجهادية أحمد باشا عرابي يعلن كل سكان القطر المصري من المصريين والأوربيين رسميا ~~أن الحضرة الخديوية الفخيمة كفلت الأمن والراحة في جميع جهات القطر المصري أمام حضرات قناصل ~~الدول المتحابة، وتكفل ناظر الجهادية أيضا بصيانة الأرواح ms244 والأموال وحفظ سكان البلاد على ~~اختلاف طبقاتهم ومعتقداتهم وتابعيتهم، وقد انتقل الجناب الخديو إلى الإسكندرية بعائلته؛ ~~لدفع الأوهام من الأفكار واطمئنان القلوب، وبقي ناظر الجهادية بمصر؛ لمراقبة الأحوال وصيانة ~~البلد، وكتب لأمراء العسكرية في سائر الجهات ببث الراحة والسهر على حفظ الأمن وصيانة ~~النفوس، وعلى هذا فديوان الجهادية يعلن الجميع؛ حفظا للأفكار من الأراجيف والإشاعات الكاذبة». # 10 # وظل عرابي في القاهرة، وكان بيته حسب المعتاد يمتلئ كل يوم بالناس وفي مقدمتهم زعماء ~~الحركة الوطنية ومن أبرزهم نديم ومحمد عبده والهجرسي والشريعي والسيد حسن العقاد، وكبار ~~رجال الجيش مثل البارودي وعبد العال وعلي فهمي وكان حديث هؤلاء لا ينقطع عن موقف توفيق من ~~الأجانب وخاصة منذ سفره إلى الإسكندرية، وعن نيات درويش، الذي كان يكرهه نديم أشد الكره ~~ويوجس منه خيفة، وطالما أعلن إلى أصحابه أنه لا يأمن الأتراك بوجه عام ولا يدري هل جاء ~~درويش للقضاء على عرابي أم للقضاء على توفيق ... # وكان عرابي يغشى بيت البارودي كثيرا؛ حيث يجتمع ~~أنصاره فيتحدثون أحاديثهم السياسية، ويذكر صابونجي في كتاب له أرسله إلى بلنت: «أن الناس ~~كانوا ينهضون وقوفا على جانبي الطريق إذا أبصروا عرابي في عربته ويهتفون قائلين: «الله ~~ينصرك يا عرابي» ... # ومما يذكره صابونجي كذلك أنه بينما كان في بيت الشريعي باشا؛ حيث كان هو وعرابي وسامي ~~ونديم والهجرسي وعبد العال وعلي فهمي ضيوفا على صاحب الدار، إذ دخل ضابط ومعه كتاب من سيدة ~~أجنبية تطلب حماية عرابي، وقد نصح الناس لها بالهجرة من القاهرة، فطلب إليه عرابي أن يكتب ~~لها مؤكدا حماية عرابي إياها كما يحمي نفسه ... # ويقول صابونجي: «إن عرابي قد غدا بطلا عند كثير من الأوربيات، وقد سمعتهن يثنين عليه لما ~~يعلمن من استعداده لحمايتهن، وأنهن ليهرعن إلى الشرفات والنوافذ إذا سارت به عربته في الشارع». # 11 # وكان عرابي شديد الشك في نيات توفيق، فإذا تحدث عما تم بينهما من صلح قال: إنه من جانبه ~~لا يخون عهدا، ولكنه إذا وجد الخيانة من غيره نقض عهده، وإذا ms245 غشه الخديو «فسيدفع له من جنس ~~عملته». # وسأله صابونجي رأيه في حليم فقال: «إنه يفضله على توفيق، ولكنه يرى أنه لو تخلص توفيق من ~~تأثير مالت فكل شيء يسير سيرا حسنا، ولقد أضل كلفن صاحبه مالت، ولقد سببا ضررا بليغا ~~لدولتهما كما سببا ضررا بليغا لمصر وذلك بتشويههما الحقائق». # وتحدث عرابي عما يتوقع من حرب فقال: «لن نكون نحن المعتدين، ولكننا سنقاوم كل من يعتدي ~~علينا، نحن أمة مخلصة نعترف بالجميل لمن يأخذ بأيدينا ويعيننا على إصلاح وطننا، ونحن لا ~~نبغي إلا الإصلاح، ولكن الذين يريدون أن يغشونا سوف يجدون منا كل غش». # ويصف صابونجي زيارته للشيخ الإمبابي شيخ الجامع الأزهر ذات يوم بصحبة عرابي، فيقول: إن ~~الشيخ كان جالسا على وسادة فنهض واقفا وتقدم خطوات يلقي عرابي محتفيا به، وقد خلع عرابي ~~نعليه عند دخول الحجرة؛ إجلالا للشيخ وقبل يده، وكان مع الشيخ نفر من العلماء فتقدموا ~~وسلموا على عرابي وحفوا من حوله مرحبين، وقد طلب عرابي من الشيخ أن يذيع في الناس نداء ~~يحثهم فيه على الهدوء والسكينة ويطلب إليهم - وفق تعاليم الدين الإسلامي - ألا يعتدوا على ~~أموال اليهود والنصارى ولا على أرواحهم، ووعده الشيخ بإذاعة هذا النداء ... ~~••• # وكان يسر الإنجليز ويهمهم أن تبقى البلاد بغير وزارة ففي ذلك ما ينتحلونه لإثبات ~~مزاعمهم عن الفوضى الداخلية، وتسلط عرابي، وعجز الخديو، وما إلى ذلك من البهتان ... # وكان يرضي الخديو كذلك أن يشهد الدول على أنه طالما توجد السلطة في يد عرابي فلا أمل في ~~تأليف وزارة ولا رجاء في إصلاح الحال ... # وكذلك كان يرى توفيق أن تأليف وزارة معناه الرجوع إلى حكم الدستور؛ إذ لا يمكن لوزارة ما ~~أن تحكم البلاد حكما مطلقا، وهو يتطلع إلى اليوم الذي يقضي فيه على هذا الدستور الذي سلبه ~~مشيئته وألقى بها في يد الأمة، وكان أكبر ما يغيظ توفيقا أن يصل الحزب الوطني أو حزب ~~الفلاحين في مصر - كما كان يسميه الأتراك - إلى ما وصل إليه، وبلغ به الحنق أنه كان لا ms246 يطيق ~~سماع اسم عرابي الذي تتمثل فيه زعامة الأمة كما يتمثل مبدأ الحكم الدستوري ... # فلما وقعت الواقعة في الإسكندرية أشفق قنصلا ألمانيا والنمسا ونصحا للخديو بإسناد ~~الوزارة إلى رجل يرضى عنه العرابيون، وقد فطنا إلى لؤم السياسة الإنجليزية وحيرة السياسة ~~الفرنسية وعقم السياسة التركية، وكانت دولتاهما غير مرتاحتين إلى استئثار إنجلترا وفرنسا ~~بالمسألة المصرية، وقد أظهر بسمارك شيئا من العطف على عرابي في قوله: «إن عرابي قد غدا قوة ~~يحسب لها حسابا» ولعله بهذا كان يرمي كذلك إلى مناوأة الدولتين ... # ولم يكن ليقوى توفيق على تبعة بقاء مصر بلا وزارة، فأقل ما يقال في ذلك: إنه عاجز عن ~~إقامة وزارة، لذلك قبل على رغمه مشورة القنصلين: الألماني والنمسوي، وعرض الوزارة على راغب ~~باشا فقبلها في اليوم السابع عشر من يونية، وصدرت المراسيم بتألفيها في اليوم العشرين منه ... # ولم يكن راغب باشا من الموالين للخديو؛ ولذلك وافق عرابي عليه؛ فقد أرسل إليه الخديو ~~ينبئه بإسناد الوزارة إليه ويدعوه إلى معاونته، وجاء رد عرابي بالموافقة وبالثناء على راغب، ~~وظل عرابي في وزارة راغب وزيرا للجهادية والبحرية ... # ولقد خاف جرانفل أشد الخوف من دخول ألمانيا في النزاع، فلم يكن بسمارك بالسياسي الذي ~~يؤمن جانبه، بل إنه وحده بين ساسة أوربا الذي يلف لف الإنجليز ويدور دورانهم ويمكر ~~مكرهم أو أشد من مكرهم ... # لذلك أرسل جرانفل إلى بسمارك يقول على لسان السفير البريطاني ببرلين: «إن حكومة جلالة ~~الملكة لم يكن لها يد في النظام الذي وضع بمصر حديثا # 12 # وإنه إذا كانت الحكومة قد سلمت بضرورة هذا النظام لحفظ حياة الأوربيين ~~وممتلكاتهم من الاعتداء فإنها لا تعده حلا للمسألة السياسية بحال من الأحوال» ... # ولا يفوتنا أن نلاحظ مغزى إخبار توفيق عرابيا بإسناد الوزارة إلى راغب، فكأنما يقول ~~بذلك: إنه يستأذنه؛ لأنه هو المتسلط، ثم إنه يطلب معونته. قال: «فليكن في علمكم إحالة مقام ~~الرئاسة لعهدة الباشا المشار إليه، وكونوا جميعا يدا واحدة في المساعدة والمعاونة وصرف ~~الاقتدار والإمكان له فيه انتظام الإدارة وحسن السير ms247 في الأعمال واستتباب الأمن والراحة ~~بأطراف وأكناف البلاد» ... # وكان في رد عرابي شيء من التحفظ يتضح في قوله: «وحيث إن أوامر الحكومة إنما تصدر لصالح ~~البلاد ورفاهيتها وتمتعها بالراحة الكاملة، فنحن مستعدون لتنفيذ تلك الأوامر ونؤدي واجباتنا ~~في ذلك بكل ما في الوسع والطاقة ونسأل الله حسن التوفيق». # 13 # ووضع راغب باشا في كتابه الذي رفعه إلى الخديو منهاجا لوزارته يتضح منه أنه كان ينوي أن ~~يحكم البلاد حكما دستوريا قوميا، يكفل للدستور الاستقرار والتقدم، ويقطع الطريق على ~~دسائس الإنجليز، فبعد أن أشار راغب باشا إلى احترام الفرمانات المحددة مركز مصر واستقلالها ~~ومراعاة الاتفاقات الدولية المتصلة بالديون واحترام مبدأ الدستور والسير وفق أحكامه قال: ~~«فجميع هذه الأصول الثابتة التي روعيت قبل الآن بكمال الضبط ستراعى في هيئة النظارة الجديدة ~~بغاية الدقة بل إن هذه الهيئة ستأخذ بجميع الأسباب الموجبة لتثبيت هذه الأصول وتقوية جانبها ~~فإنها ترى في ذلك توفيقا بين المصالح يعود على البلاد بأجل المنافع. # وأما الأصول التي يجب بذل الجهد في ترتيبها على قواعد أساسية موافقة للأصول الثابتة توضع ~~باشتراك هيئة النظارة مع مجلس النواب وتصديق عظمتكم؛ فهي الأصول الأساسية التي تعيد حقوق ~~الحكام والمحكومين من كل صنف والقوانين الإدارية والقضائية وتنظيم حالة الإدارة والقضاء على ~~وجه يلائم مصالح البلاد ويحفظ لها صورتها المدنية فهذه الأصول ستأتي بما في الوسع لإصلاحها ~~ومنها ما نخصه بالذكر لضرورة الأحداث التي طرأت على البلاد أخيرا ويبتدئ العمل به من أول ~~يوم يستلم فيه النظار وظائفهم وهو: # أولا: # أن يصدر عفو عام ويدرج في الجرائد الرسمية باللغتين العربية والفرنسية عن ~~كل من عليه مسؤولية أو له اشتراك في الأحداث الأخيرة، وهذا عدا المشتركين ~~والمسؤولين في حادثة الإسكندرية وفي المواد الحقوقية، فلا يشملهم العفو ... # ثانيا: # لا يعامل أحد بجزاء إلا بعد محاكمته في مجلس بمقتضى القانون وصدور الحكم ~~عليه ... # ثالثا: # لا تجرى مخابرات في المصالح السياسية من مأموري الحكومة مع أحد وكلاء ~~الدول بالقطر المصري إلا من طرف ناظر خارجية حكومتكم فقط، وعليه ms248 أن يستشير ~~مجلس النظار في الأمور الهامة وإن حصلت مخابرة من أحد المأمورين فلا ~~تعتبر ولا يعتد بها # 14 ~~... # رابعا: # الأوامر التي تصدر بالإجراء والعمل يكون إصدارها على موجب الديكريتو ~~العالي المؤرخ في 28 أغسطس سنة 1878 # 15 ~~... # ومما نرى الاهتمام به واجبا علينا إيجاد الوسائل لتوسيع دائرة المعارف والصنائع وتحسين ~~أحوال الزراعة والتجارة وكل ما يعود على البلاد بالثروة، فهذه يا مولاي هي المبادئ التي ~~يكون عليها العمل في هيئة نظارتكم الجديدة. # ولا ريب في أنها تكون كافلة لأهالي الديار المصرية بأتم الفوائد، وإن لي ثقة تامة بأن ~~الدول العظيمة ستعد هذه الأصول ضامنة للراحة والهدوء الأبديين، وأنها جميعها ستساعدنا كل ~~المساعدة على القيام برعايتها خصوصا دولتنا العلية العثمانية التي لا يسرها إلا أن ترى ~~أهالي أوطاننا في رغد العيش ورفاهية البال، فإن حسن لدى مولاي # 16 # ما أوضحته في هذا البيان فليحسن بالتصديق على التقرير، وإني لعظمتكم الخاضع ~~والخادم المتواضع ...» # من ذلك نرى أن وزارة راغب باشا كانت كفيلة ببرنامجها هذا أن تعيد السكينة والهدوء إلى ~~مصر، وأن ترضي الوطنيين وتضمن حقوق الأجانب المالية، ولقد وافق الخديو بكتاب رسمي إلى راغب ~~باشا على هذا البرنامج الوطني السليم، ولن يضيره أن يوافق؛ فذلك كله في نظره من الأمور ~~العابرة. # وكان منهج هذه الوزارة أبلغ رد على السياسة الإنجليزية وادعاءاتها، ولو أنها وجدت في مصر ~~حاكما غير توفيق لنجت البلاد من الكارثة المحدقة ... # ولكن ماذا كان في طوق راغب أن يفعل، وقد خاصم توفيق الدستور والوطنيين خصاما لن يجدي معه ~~تفاهم، وآثر الانحياز إلى الإنجليز حتى لقد أحرق القوارب جميعا من ورائه كما يقولون ~~... # وهل كان الإنجليز يدعون راغبا ينفذ برنامجه؟ وإذن ففيم كانت دسائسهم الماضية جميعا؟ ~~وهل هم انصرفوا عن احتلال مصر حتى يدعوا هذه الوزارة وشأنها؟ لقد قابلوها بأشد الجفاء من ~~أول الأمر، وأخذت أبواقهم تذيع ما كانت تذيعه عن البارودي ووزارته وأشد منه، وعادوا إلى ~~نغمتهم القديمة المرذولة وهي أن الوزارة في يد الحزب العسكري، وسوف يدأبون ms249 - كما نرى - على ~~اختلاق الأكاذيب، ووضع العراقيل في سبيل هذه الوزارة، وخاصة ليؤثروا على المؤتمر الذي انعقد ~~في الآستانة بعد تأليف وزارة راغب بثلاثة أيام ... # وكانت أولى هذه العراقيل امتناع كارتريت - بأمر من جرانفل - عن تمثيل إنجلترا في لجنة ~~التحقيق التي ألفتها الوزارة للبحث عن مدبري حوادث الإسكندرية، ولم يكتف كارتريت بذلك، بل ~~راح يثير الشكوك حول اللجنة متهما أعضاءها بممالأة العرابيين؛ خوفا من نفوذ الحزب العسكري ~~... # وكان توفيق لما علم بعزم الوزارة على تحقيق أسباب هذه الفتنة وتأليف لجنة جديدة بدل ~~اللجنة الأولى التي انحلت بانسحاب الإنجليز منها، قد كتب إلى راغب يطلب إليه الاهتمام بهذا ~~الأمر ويستنكر حوادث الإسكندرية، وغرضه من هذا أن يظهر بمظهر المحايد الذي يريد تحقيق ~~العدالة ... ~~••• # اجتمع المؤتمر بدار السفارة الإيطالية بالآستانة، ورأسه الكونت كورتي سفير إيطاليا بصفته ~~أقدم السفراء. # وكانت الجلسة الأولى في اليوم الثالث والعشرين من يونية كما أسلفنا القول وفيها قرر ~~المؤتمر إرسال مذكرة إلى حكومة السلطان ينبئها باجتماعه ويعبر عن أسفه لعدم انعقاده برئاسة ~~وزير خارجية تركيا وعن أمله في اشتراك تركيا في الاجتماعات المقبلة. # وعقد المؤتمر جلسته الثانية في الخامس والعشرين من يونية، وفيها وضع ميثاق «البراءة من ~~الغرض» وهذا نصه: «تتعهد الحكومات التي يمثلها الموقعون على هذا أنها في كل تسوية يقتضيها ~~علمها المشترك لتنظيم شؤون مصر لا تسعى إلى امتلاك شيء من أراضيها، ولا إلى أي إذن بأي ~~امتياز خاص، ولا إلى أي فائدة تجارية لرعاياها، إلا ما كان عاما يمكن أن تناله أية أمة أخرى». # 17 # هذا هو الميثاق الذي وقعت عليه إنجلترا على رؤوس الأشهاد، والذي لم يمض عليه ستة عشر ~~يوما حتى ضربت إنجلترا الإسكندرية بمدافعها الضخمة، كذلك على رؤوس الأشهاد، ولقد وقعت ~~عليه إنجلترا التي لا تسكت قط عن التغني بشرف سياستها، بعد أن أعدت كل ما استطاعت لاحتلال ~~مصر! # يقول روثستين: «فالطريقة التي أنفذت بها إنجلترا هذا الاتفاق تعد في تاريخ القانون الدولي ~~من أشنع المخازي، ولا عجب إذا عني المؤرخون الذين ms250 ينتصرون لها بتحاشي ذكر ذلك الاتفاق ~~القاطع لحججهم كلها». # والواقع أن إنجلترا كانت قد فرغت منذ زمن طويل من تحديد ما تعمله في المسألة المصرية، ~~يقول كرومر في كتابه: وقد جاء دور الكلام عن المؤتمر: «ليس من الضروري أن نقف طويلا عند ~~إجراءات المؤتمر المملة؛ فقد كان من الأمور الجلية كما قال اللورد سالسبري في مجلس اللوردات ~~يوم 24 يولية أن المجمع الأوربي ما هو إلا وهم، وفي أحد الجانبين كانت الحكومة البريطانية ~~ويمثلها في المؤتمر رجل من أقدر دبلوماسييي ذلك الوقت، وكان اللورد جرانفل واللورد دوفرين ~~يفهمان تمام الفهم ماذا يريدان، ولقد رغبا في أن يوطدا النظام في مصر، وكانا يقظين إلى تلك ~~الحقيقة التي مؤداها أنه بغير استخدام القوة المادية فلن يوطد ذلك النظام». # ومما يدعو إلى الأسف والسخرية أن تركيا ظلت غافلة عما تبيت إنجلترا حتى ذلك الوقت، وظلت ~~تأمل أن يفشل المؤتمر، وكانت لا تفتأ تردد قولها على لسان سفيرها في لندن أن وزارة ~~ألفت في مصر، وأن الحال في غاية الهدوء، وأن تقرير درويش باشا يدل على طاعة الجند ~~وبعدهم عن أي غرض سيئ. # وكان من الممكن أن يكون لكلام تركيا قيمته وخطره لو أنها اشتركت في المؤتمر واستطاعت أن ~~تقنع به مندوبي الدول أو بعضهم فتأخذ الطريق على إنجلترا. # على أن إنجلترا لم تستهن بأقوال تركيا هذه، فهي لا تأمن أن يلقيها في المؤتمر مندوب دولة ~~أخرى يكون لها غرض في مناوأة إنجلترا، ولذلك حرصت كل الحرص أن تصور الحال في مصر حسبما تريد ~~هي من السوء، لا كما يشهد به الواقع. # ولقد وصل تقرير درويش إلى الآستانة في اليوم الذي اجتمع فيه المؤتمر، وأنعم على عرابي ~~بالوسام المجيدي الأكبر بعد ذلك بيومين، وأبلغ موزروس باشا وزير خارجية تركيا جميع وكلاء ~~تركيا لدى الدول الأجنبية مضمون ما جاء في تقرير درويش باشا، وطلب إليهم أن يبلغوا الدول ~~باهتمام تركيا بشؤون مصر بحيث لا يدعو الحال إلى تدبير خاص، وكان يقصد بذلك عقد المؤتمر ~~الدولي. ms251 # وكانت إيطاليا قبل عقد المؤتمر قد اهتمت بكلام تركيا، ولعل مرد ذلك إلى أنها كانت تميل ~~إلى ألمانيا والنمسا ضد إنجلترا وفرنسا في السياسة الأوربية بوجه عام وقد كان بسمارك يعمل ~~في إيقاع الخلاف بين إنجلترا وفرنسا فتدخل في المسألة المصرية تدخلا ظهر في نصيحة قنصله ~~وقنصل النمسا للخديو بتأليف وزارة في مصر. # ويتبين اهتمام إيطاليا فيما أرسله باجت السفير البريطاني بروما إلى جرانفل من أن مانشيني ~~وزير خارجية إيطاليا أفضى إليه بأن الكونت كورني السفير الإيطالي بالآستانة تلقى من وزير ~~الخارجية العثماني ما يفيد بهدوء الحال في مصر بتأليف وزارة راغب باشا وأنه لم يبق هناك من ~~داع للمؤتمر الدولي ... # ويقول باجت: إنه ما زال بمانشيني حتى صرفه عن ميله إلى الاعتبار في كلام تركيا «وقبل ~~أخيرا أن ينتظر ما تخابره به سائر الدول في هذا الشأن؛ ليقف على آرائها». # 18 # وكذلك اهتمت روسيا بمسألة مصر، يقول روثستين: «إن مسيو ده جيير وزير خارجية هذه الدولة قد ~~اهتم في التعليمات التي أرسلها إلى سفرائه بمناسبة انعقاد المؤتمر بوجوب بقاء المؤتمر حتى ~~يفصل في أمر مصر، قائلا: إن كل حل للمسألة يأتي من غير هذا الطريق حل غير مقبول، وإنه إذا ~~لم يكف التأثير الأدبي في تذليل الصعاب فإن المؤتمر بأجمعه يقرر ما يراه من الوسائل الأخرى، ~~فإذا اقتضت الضرورة هذا الأمر فتركيا أحق الدول بإعادة المياه في مصر إلى مجاريها، فإن أبت ~~تركيا ذلك؛ فقد يعهد الأمر إلى إنجلترا وفرنسا على شرط أن يرافق جيوشهما مندوبون من طرف ~~الدول الأخرى، فإذا استقر النظام في نصابه أعيد النظر في جميع التزامات مصر الدولية بقصد ~~إلغاء المراقبة الثنائية ووضع نظام دولي يحول دون عبث معتمدي الدول ويجعل كل تعرض آخر لشؤون ~~مصر الداخلية أمرا مستحيلا». # لذلك كانت لا تأمن إنجلترا أن تعود إيطاليا أو غيرها إلى مناوءتها، فعمدت إلى التهويل في ~~تصوير خطر الحال في مصر وأنها تنذر بأوخم العواقب. # فمن ذلك ما أذاعوه من أن أربعة عشر ألفا من المسيحيين ms252 قد غادروا مصر، وأن ستة آلاف غيرهم ~~ينتظرون في لهفة وصول السفن التي تقلهم من البلاد، ومن غريب أمر هؤلاء الإنجليز أن هذه ~~الهجرة تمت بتحريضهم وإذاعتهم أنباء السوء في الوقت الذي كان فيه عرابي يؤمن الأجانب على ~~أرواحهم وأموالهم المرة بعد المرة والذي هدأت فيه الحال بعد الفتنة التي كانت من صنع أيديهم ~~ألا وهي مسألة الإسكندرية النكراء! # ومن ذلك ما أنذروا به الدنيا بالهول، ألا وهو ادعاؤهم أن عشرة من اليونانيين وثلاثة من ~~اليهود قتلوا في بنها بأيدي المتعصبين من الوطنيين، وقد أرسل كارتريت هذا النبأ إلى ~~جرانفل، ولم يخجل من أن يقول: إنه سمعه من مصدر موثوق به # 19 # وهذا كل أدلته على ما يزعم! # ومنه ما أشيع عن عرابي أنه عرض على مجلس الوزراء أن يصادر أملاك كل مصري يغادر مصر، ومما ~~يدعو إلى الضحك قول كرومر معقبا على ذلك بأن عرابي يسلك في ذلك مسلك اليعاقبة في الثورة ~~الفرنسية على غير وعي منه، ثم يعود فيقول: «إنه من الممكن أن يكون عرابي قد فعل ذلك بوعي ~~منه؛ فقد أخبرت من مصدر يوثق به أنه كان في ذلك الوقت يوجه اهتماما كبيرا إلى دراسة تاريخ ~~الثورة الفرنسية»، وهكذا يكون عرابي عالما يقرأ ويطلع إذا شاء كرومر أن يكون العلم وسيلة ~~لاتهامه، ويكون جاهلا طائشا إذا كان رميه بالجهل وسيلة لتشويه حركته القومية، وليس وراء ~~ذلك فجر أو لؤم ... # ومنه ما أرسله كارتريت إلى جرانفل في اليوم السادس والعشرين من يونية يقول: «نظرا لما ~~يلوح من أن فكرة تسود الآن في الآستانة مؤداها أن وزارة راغب باشا تسير سيرا مرضيا، ~~وأن نفوذ عرابي يتناقص، وأنه ليس ثمة ما يدعو إلى تدابير لتهدئة الحال، رأيت من الصواب أن ~~أخبر سفير حكومة جلالة الملكة بالآستانة عما لا نزال نحسه هنا من عدم الاطمئنان الذي ترد ~~كل أسبابه إلى مسلك الحزب العسكري.» # وخير ما يوضح لنا نفوذ عرابي الشامل هو تسلط الجيش تسلطا لا يتوقف وادعاءاته التي لا ~~هوادة فيها ms253 وسلوكه مسلك التهديد، تلك الأمور التي أدت إلى ازديادها الاعتراف بعرابي في ~~الوزارة الجديدة. # 20 # وأطلق كارتريت في برقيته هذه العنان لمزاعمه عن لجنة التحقيق ومن ذلك قوله: «إن يعقوب ~~باشا العضو العسكري في اللجنة والذي هو وكيل وزارة الحربية قد عارض معارضة شديدة وصمم على ~~ألا يجرى تحقيق مرض، الأمر الذي أدى إلى انسحاب العضو الإنجليزي، وأن بطرس باشا وكيل ~~وزارة العدل والعضو المدني في اللجنة قد قرر أكثر من مرة بأنه ما من شخص يجرؤ على تقديم ~~أدلة لا يرضاها الحزب العسكري وأنه هو نفسه مضطر إلى تأييد يعقوب باشا ولو أنه يخالفه في ~~آرائه كل المخالفة ... وإنه لا يزال في السجن عدد من الأوربيين، احتجزوا هناك منذ 11 يونية، ~~ويرفض يعقوب باشا إطلاقهم؛ لأن ذلك يغضب الجنود وفي مثل تلك الحال لا يسأل عن حفظ ~~النظام». # وقال عن راغب: «إنه لا يستطيع أن يعمل عملا فيه إغضاب للجيش على أية صورة، وأذكر تأكيدا ~~لذلك أن لغة سعادته أصبحت مطابقة للغة عرابي». # وقال عن عرابي: «إن إنعام جلالة السلطان على عرابي باشا في الوقت الذي كاد يكون فيه شخصه ~~هو الوحيد الذي يبعث على القلق، قد أدى إلى زيادة ارتفاع مقامه زيادة عظيمة، كما أدى إلى ~~ازدياد ثقة الجيش في نفسه وسيادته، وأينما ظهر عرابي باشا في المجتمع أعدت المظاهرات ~~لاستقباله، وإنه هو وحده بين الوزراء الذي يحيط به كوكبة من الفرسان كتلك التي تحيط بسمو الخديو». # 21 # ثم أخذ يبالغ في وصف تسلط العسكريين في جميع دواوين الحكومة وكيف يشكو المديرين في ~~الأقاليم وسائر الموظفين من تدخل الجند في كل شيء. # وبعد ذلك بيومين أبرق كارتريت مرة ثانية إلى جرانفل: «يلقى راغب باشا صعوبة شديدة في ~~محاولته السيطرة على العنصر العسكري في وزارته، وعلمت أن سعادته يشعر بالقنوط تلقاء ما يلقى ~~من فشل، ويجد الجند أكثر اشتغالا بمشروعاتهم الحربية وتدابيرهم من أن يوجهوا أي انتباه جدي ~~إلى الوسائل المؤدية إلى الطمأنينة أو إلى الحاجة إلى خطوات جديدة ms254 يقصد بها إقرار ~~النظام». # وعقد المؤتمر جلسته الثالثة في اليوم السابع والعشرين من يونية، وكأنما عاودت إيطاليا ~~الشكوك في نية إنجلترا؛ فقد قدم العضو الإيطالي اقتراحا هذا نصه: «ينبغي أن يكون معلوما ~~أنه ليس لأية دولة أن تقوم بعمل انفرادي في مصر ما دام المؤتمر منعقدا». # وأحس اللورد دوفرين أن إيطاليا - وقد قبل المؤتمر هذا الاقتراح - قد ضربت مطامع إنجلترا ~~في مقتل ولكنه بدهائه تدارك الأمر، فما زال بالمؤتمر حتى أقنعه بإضافة تحفظ إلى هذا ~~الاقتراح مؤداه استثناء ما تقتضيه الظروف القاهرة كضرورة محافظة كل دولة على أرواح رعيتها، ~~وقد استعان في دفاعه عن وجوب قبول هذا التحفظ بما قدمه من أنباء عن سوء الحال في مصر، ومن ~~أعجب العجب أن المندوب الفرنسي أيده في هذا التحفظ بعد التشاور فيما بينهما! # وكتب دوفرين إلى جرانفل ينبئه بهذا الانتصار قائلا: «إن الغرض من إضافة ذلك التحفظ إطلاق ~~أيدينا في العمل إذا طرأ طارئ ما ... وإننا في الحقيقة لم نعد اقتراح السفير الإيطالي ذا شأن ~~كبير بعد هذا التحفظ الذي نرجع إليه عند الحاجة». # ولكن جرانفل لم يرض أن تكون الظروف القاهرة مقصورة على محافظة كل دولة على أرواح رعاياها ~~فذلك مجال ضيق، وكتب إلى دوفرين ليتدارك الأمر وما كان دوفرين بالذي تعوزه حيلة إذا كان ~~الأمر أمر خداع. # وعقدت الجلسة الرابعة في اليوم الثلاثين من يونية، فتقدم دوفرين بسؤال: ماذا يكون الموقف ~~إذا لم يعترف السلطان بالمؤتمر وأرسل من تلقاء نفسه جنودا إلى مصر؟ وقال قائل: يمنع ~~الأسطولان جنود السلطان من النزول. واعترض مندوب فرنسا قائلا: إنه ما دام المؤتمر منعقدا ~~فليس للأسطولين أن يتدخلا بهذه الصورة. فقال دوفرين: «إذن نعد من الظروف القاهرة مثل هذا ~~التدخل من السلطان، كذلك لو هددت قناة السويس وطرأ في الحال السياسية تغير فجائي أو مخيف ~~يخشى منه على المصالح الخاصة. # 22 # ومن غريب أمر المندوبين أنهم قبلوا هذا من دوفرين، فألغوا بذلك المقترح الإيطالي! # وفي الجلسة التالية للمؤتمر ألقى دوفرين خطبة عن الحالة في ms255 مصر، فملأها بالمطاعن على مصر ~~وأهلها وحركتها القومية، وكان مما ادعاه: أن الفوضى قد شاعت في مصر بسبب تمرد الجيش وخروجه ~~على سلطة الخديو، وقد اختلت الإدارة وارتبكت الحال بوجه عام، وشلت حركة التجارة، وعجزت ~~الحكومة عن الوفاء بتعهداتها المالية، وعجز الأهالي عن سداد الضرائب ... # وعقب على فتنة الإسكندرية واتهم الوطنيين بتدبيرها، وبالغ في الكلام عما يتعرض له ~~الأوربيون من خطر، وأشار إلى هجرتهم المتزايدة كل يوم من البلاد، ونفى ما ذكرته تركيا من أن ~~الحالة هادئة وأن وزارة راغب قد أعادت الأمور إلى مجراها العادي، وسمى هذه الوزارة «الوزارة ~~الهزلية» قائلا: إنها أداة في أيدي المتمردين، وإن الخديو سليب الإرادة لا حول له ولا قوة ~~... # ثم قال: إن إنجلترا وفرنسا لا يسعهما السكوت على هذا ~~الوضع في مصر، وكشف النقاب عن وجهه، فصرح بوجوب التدخل المسلح في مصر، وأهاب بالدول أن تضرب ~~على أيدي الثائرين وأن تأخذ الثورة بالشدة وإلا استفحل نفوذها واستعصى بعد ذلك قمعها ... # على أنه يرى أن هذا التدخل يجب أن يكون من جانب السلطان، ثم قال: إنه علم من مصدر يوثق به ~~أن (درويش باشا) اعترف بإخفاقه في مهمته، وإنه لا يستطيع أن ينقذ الخديو من تسلط الجيش إلا ~~بقوة حربية لا تقل عن عشرين طابورا، وإن الوزارة المصرية الجديدة ما هي إلا أداة في يد ~~عرابي، وسيبقى الخديو سليبا من كل إرادة ما لم ينفذ إليه جيش يعيد إليه سلطانه ... # وكان يتلو دوفرين على المؤتمر البرقيات التي أرسلت إلى جرانفل ويسوقها مساق الأدلة، ولن ~~يكون عبث بالعقول أشد من هذا مدعاة إلى السخرية والاشمئزاز! ألم تك تلك البرقيات من صنع ~~الإنجليز؟ ولم تكون هي المصدقة وتكون أقوال تركيا المكذبة، ولا فرق على الأقل بين هذه ~~وتلك في قابليتها للكذب أو للصدق؟! # كان أعضاء المؤتمر يصغون إلى دوفرين ولديهم من ~~الأنباء ما يحملهم على عدم تصديقه في كثير مما يقول، وقد صرح بعضهم فعلا أنهم لا يستطيعون ~~قبول هذه الآراء ... # ولكن المؤتمر رأى ما تبيته ms256 إنجلترا من نية الانفراد بالعمل في مصر فمال إلى تقييدها بآخر ~~قيد بقي لديه وهو أن يكون التدخل على يد تركيا، ولهذا قبل الأعضاء النظر في اقتراح دوفرين ~~وقرروا إبلاغ دولهم بشأنه على أن ينظر فيما بعد في تفاصيله، إلا العضو الفرنسي فإنه صرح بما ~~يشبه التحفظ على الاقتراح المذكور. # 23 # وأبرق دوفرين يزف نبأ انتصاره الجديد إلى جرانفل فقال: «أبلغتك في رسالتي السابقة عما ~~ينزع إليه المؤتمر في سير أعماله، وأبلغك أن ما أطلعته عليه من أنباء المذبحة في بنها قد ~~كان عظيم الوقع في نفوس زملائي، وكذلك أحدث مثل هذا الأثر في نفوسهم ما سردته من الأمثلة ~~على طغيان الحزب العسكري وعلى مظاهر الخراب المالي الذي جاء تفصيله في برقية مستر كارتريت ~~بالأمس، وقد كان لزميلي الفرنسي اليوم الزعامة؛ إذ أصر في حماسة عظيمة على ضرورة اتخاذ علاج ~~ناجح للفوضى المتزايدة في مصر، تلك الفوضى التي يخشى كما قال أن تؤدي في وقت ما إلى استحالة ~~الأقاليم الإفريقية على سكنى الأوربيين. # ولما رأيت من الأعضاء الآخرين ما يشعر بتسليمهم بخطورة الحال أكثر من زميلهم الفرنسي أو ~~أقل، بدا لي أن الوقت ملائم لأتقدم باقتراح صغته ، مؤداه دعوة السلطان لأن يرسل تحت شروط ~~معينة ومن أجل غرض خاص، جنودا تركية إلى مصر لها من القوة ما تسيطر به على الموقف وتقضي ~~على استبداد العسكريين، ولاحظ زملائي واحدا بعد الآخر أنهم لا يستطيعون إبداء الرأي في ~~اقتراح هام كهذا دون الرجوع إلى حكوماتهم، ولكنهم في الوقت نفسه أعلنوا استعدادهم لدراسته ~~في جميع احتمالاته، وفي ظني أنه يحق لنا أن نرضى بالصورة التي قوبل بها مقترحنا، ولقد وافق ~~كل شخص على أنه لا بد من عمل شيء، ولم يجرؤ أحد على أن يقترح خلاف ذلك. # 24 # ظن المؤتمر كما ذكرنا أن خير وسيلة يقيد بها إنجلترا هو إقراراه مبدأ تدخل تركيا بقوة ~~حربية، وكانت إنجلترا على يقين من أن السلطان لن يفعل ذلك؛ لتردده وارتباك شؤونه المالية ~~والسياسية، وبعد ذلك يسهل ms257 عليها وهي لا تكف عن الإنذار بالويل من سوء الحالة في مصر، أن ~~تضطلع هي بعبء التدخل متظاهرة أنها تفعل هذا لا على أنه ضرب من القرصنة أو الخروج على قرار ~~المؤتمر، وإنما على أنه عمل توجيه الإنسانية والشهامة؛ لأنه دفاع عن الرعايا الأجانب في مصر ~~ودفاع عن الأوربيين كافة، وما أسهل عليها وهي التي دبرت بالأمس مأساة الإسكندرية أن تخلق ما ~~تدعي أنه من «الظروف القاهرة»! ألا ساء ما يفعل الأقوياء، وما أرذل ما يتبجحون به من الشرف ~~والحق في هذا الشرق الذي لا ندري متى يفيق! # أخذ المؤتمر يدرس كيفية التدخل التركي ونظر في ذلك ثلاث جلسات، وكان دوفرين يستعجل ~~المؤتمر ليموه عليه أن الحالة في مصر لا يقبل معها إبطاء، وأنه يقظ إلى كل ما عساه أن يحبط ~~سعيه، وأنه يوحي إلى شياطين الاستعمار في مصر أن يحرضوا على هجرة الأوربيين وأن ينشطوا في ~~نشر الرعب والأنباء الكاذبة. # وفي آخر شهر يونية أرسل دوفرين إلى حكومته يقول: «إن المؤتمر لم يفعل شيئا حتى ذلك ~~الوقت، وإنه ما لم تتخذ خطوة عاجلة فإن إطالة مدة وجوده تظهر أنه عديم الجدوى» ... # وفي اليوم الثاني من يولية قرر المؤتمر «أنه إذا رفض السلطان الدعوة الموجهة إليه لإرسال ~~جنود إلى مصر فإن المؤتمر يحتفظ بحق التعبير عن رأيه فيما عسى أن يتخذ في الفرصة ~~المناسبة». # وقد أبرق كارتريت إلى جرانفل في التاسع والعشرين من يونية يقول: «إن هجرة الأوربيين ~~وإعدادهم العدة للهرب بعد أن خفت زمنا عادت إلى الزيادة في صورة شديدة، وأن الفنادق تغلق ~~أبوابها وعمال السفن قد نقلوا مقرهم إلى مقربة من الشاطئ، وأن ما بقي من المصارف يعد العدة ~~لنقل المواطنين إلى السفن، ومن المستحيل تصور الانهيار والخراب، الذي دهم البلد هكذا فجأة ... ~~إن الوطنيين حتى شيوخ الدين منهم، يرفعون أصواتهم اليوم ضد الحزب العسكري، ويغادر القطر عدد ~~كبير من ذوي الاحترام من العرب كما يتزايد بصورة شديدة رحيل الأسر التركية». # وأبرق إليه أول شهر يوليو يصف سوء ms258 الشعور في القاهرة تجاه الأوربيين ويستأذن أن يسمح لهم ~~بالهجرة. # وأبرق إليه ثاني أيام الشهر يقول: «لي الشرف أن أبلغكم إنه في جلسة مجلس الوزراء بالأمس ~~ألح عرابي باشا وزير الحربية على زملائه ليقرروا إعلان التجنيد العام؛ توقعا للأعمال ~~العدائية، وقد عارض بشدة محمود باشا الفلكي وزير الأشغال وعبد الرحمن بك وزير المالية، وعلى ~~ذلك لم يتخذ المجلس هذا القرار وفي نفس الوقت يستدعي الاحتياطي وعساكر الرديف في ~~نشاط». # وفي اليوم السادس من شهر يولية أصدر المؤتمر في جلسته السابعة هذا القرار الخطير وذلك بعد ~~أخذ ورد بين دوفرين ودي نواي العضو الفرنسي «أن الدول الكبرى مقتنعة كل الاقتناع بأنه أثناء ~~وجود الجند العثماني بمصر سيحتفظ بحال البلاد المعتادة، ولا يتعرض للأمور التي أعفيت منها ~~مصر، ولا لما خصت به من الامتيازات بموجب الفرمانات السابقة، ولا لعمل الإدارة المعتادة، ~~ولا للنظم والاتفاقات الداخلية المبنية عليه، وأن تكون مدة بقاء الجنود الشاهانية التي ~~سيعمل ضباطها بالاتفاق مع الخديو ثلاثة أشهر ما لم يسأل الخديو مد هذا الأجل، فإذا فعل، حدد ~~الأجل الجديد بالاتفاق مع تركيا والدول الكبرى، وأن تتحمل مصر نفقات الاحتلال ... وأنه إذا ~~وافق السلطان - كما ترجو الدول - على هذا النداء الصادر من الدول الكبرى فإن إنفاذ المواد ~~والشروط الآنفة الذكر يكون موضوع اتفاق آخر بين الدول الست وبين تركيا». # وأرسل المندوبون هذا القرار إلى حكوماتهم ولبثوا ينتظرون ما ترد به ... # وظنوا أنهم قيدوا إنجلترا، وحالوا بينها وبين الانفراد بالتدخل في مصر، كما ظنوا أنهم ~~حالوا بينها وبين الانفراد بتركيا والضغط عليها، وفاتهم أن إنجلترا قد أعدت عدتها لجميع ~~الاحتمالات ... # كان على إنجلترا أن تخلق هذا الظرف القاهر قبل أن تعتمد الدول هذا القرار المشترك وتقدمه ~~إلى الباب العالي وأن تضرب الإسكندرية فتضع المؤتمر أمام الأمر الواقع، وتذر قرار المؤتمر ~~قصاصة من الورق لا قيمة لها، فليتدبر في ذلك الذين يسخطون ويتكلمون كما تتكلم الببغاوات ~~كلما ذكر عرابي فيردون سبب الاحتلال إليه. ليتدبر هؤلاء في مسلك إنجلترا فها هي ذي ms259 على ~~الرغم من كل شيء تصمم على احتلال مصر؛ تنفيذا لسياستها المرسومة سواء وجد عرابي أم لم ~~يوجد، فلو لم يكن عرابي لكان أي رجل غيره من الناس أو أي حادث ذريعة لها ... # وكانت إنجلترا قد فكرت في الظرف القاهر فعلا قبل ذلك وأعدت له كثيرا من الصور فإن لم ~~تلفح هذه لجأت إلى تلك ... # ولم يتوان الإنجليز في مصر عن إذاعة أنبائهم المختلفة ومن ذلك ما أبرق به كارتريت في ~~اليوم الخامس من يولية قائلا: «في مجلس الوزراء الذي عقد بالأمس تكلم عرابي باشا كلاما ~~عظيم العنف ضد السلطان، وفوق ذلك فإنه أمر ضباط الجيش المصري أن يقطعوا كل صلة بدرويش باشا ~~الذي يجب أن يفضى إليه بأن بعثته في مصر انتهت». # وبعد خمسة أيام فحسب من قرار المؤتمر أي في اليوم الحادي عشر من شهر يولية ذلك التاريخ ~~الأسود وقع من الإنجليز عدوانهم الغادر على مصر، رغم أنف الدول جميعا، والمؤتمر قائم في ~~الآستانة لا يدري ماذا يفعل، وتركيا لم تبت في الأمر بعد ... # وستبلغ مهزلة المؤتمر تمامها حين يعقد جلسته بعد ضرب الإسكندرية بأربعة أيام لينظر في ~~الأمر! # فكر المؤتمر طويلا في التدخل المسلح في مصر وقد اتخذ قراره كيف يكون هذا التدخل، ولكنه ~~ما فكر لحظة أنه يتدخل لقتل حركة قومية صادقة في مصر قوامها الحرية، والحكم الدستوري، وإذا ~~كانت إنجلترا موطن الحكم النيابي والديمقراطية قد أذهلتها عن مبادئها أطماعها الاستعمارية ~~فجعلتها كعادتها في كل مواقف الاستعمار، ذات سياستين: صراحتها ونزاهتها في حكم نفسها، ~~ونفاقها وفجرها في معاملة الأمم وخاصة أهل الشرق، وإذا كانت روسيا والنمسا وألمانيا قد ~~انصرفت بحكم أوتوقراطيتها عن نداء الدستور والحرية، فكيف غفلت عن ذلك فرنسا موطن الثورة ~~الكبرى ومبعث الحرية والإخاء والمساواة؟! وكيف ذهلت عنه إيطاليا المجاهدة، بلد مازيني ~~وجاريبالدي العظيمين؟! ولكن الإنسان هو الإنسان مهما اهتدى إليه عقله من مبادئ، ولن تزال ~~الأثرة هي أساس كل تعامل بين أفراد هذا النوع من الحيوان مهما تبجح بعلمه وسموه، ولن تزال ~~هي ms260 الرابطة التي تقترنه على رغمه بدواب الأرض من العجماوات ... # كانت إنجلترا قد أعدت بالفعل تدبير «الظرف القاهر» قبل أن يقترحه دوفرين فاقرأ خرافة ~~الذئب والحمل في صورة جديدة هي قصة النزاع بين بوارج الأسطول الإنجليزي وقلاع الشواطئ ~~بالإسكندرية. # في اليوم التاسع والعشرين من مايو، أي قبل تحفظ دوفرين بنحو شهر، أبلغ السير بوشامب سيمور ~~أدميرال الأسطول البريطاني بالإسكندرية اللورد جرانفل، كما سبق ذكره، أن المصريين يقيمون ~~تحصينات في شواطئ الإسكندرية وأن هذا يعد عملا عدائيا موجها إلى الأسطول، وطلب زيادة ~~السفن وقد أجابته حكومته إلى ما طلب دون استشارة فرنسا ... # وسألت إنجلترا الباب العالي عما يراد بهذا الإجراء، فردت تركيا بأنه لا تحصين هناك ولا ~~استعداد وإنما هو إصلاح في بعض الحصون المتهدمة، ومع ذلك؛ فقد أمرت تركيا بوقفه، وأعربت ~~تركيا عن أملها في أن يتجنب قائدا الأسطولين ما عسى أن يثير أدنى نزاع ... ووقفت المسألة عند ~~هذا الحد ... # ولكن الأدميرال سيمور عاد في أول يولية فأبرق إلى سكرتيرية الأدميرالية أن عرابي يستعد ~~بجمع السلاح والرجال وأنه يعلن أن النبي يوحي إليه كل ليلة، وأنه سوف يضع الأسطولين في فخ ~~وذلك بسد البوغاز بالأحجار. # 25 # وفي اليوم الثاني من يولية أبرق كارتريت إلى جرانفل بأنه سمع أن مجلس الوزراء المصري قرر ~~استئذان السلطان في العودة إلى أعمال التحصين بشواطئ الإسكندرية، وأبرق جرانفل إلى سيمور في ~~نفس اليوم يبلغه ذلك ويطلب إليه أن يأخذ حذره. # 26 # وتلقى سيمور في اليوم الثالث هذه البرقية الخطيرة: «امنع كل محاولة لسد البوغاز إلى ~~الميناء، وإذا استؤنف العمل في التحصينات أو إذا وضعت مدافع جديدة، فبلغ القائد الحربي بأن ~~لديك أوامر بمنع ذلك، فإذا لم يوقف ذلك فورا فحطم التحصينات وأسكت البطاريات إذا أطلقت ~~نيرانها.» # 27 # وتلقى كارتريت في الوقت نفسه نبأ ما أرسل إلي سيمور، مشفوعا بالتنبيه عليه أنه في حالة ~~ما إذا أقدم سيمور على عمله فيجب أن يخطر الرعايا البريطانيون في القاهرة وغيرها ~~ليغادروا مصر قبل فوات الوقت. # 28 # وأرسلت برقية أخرى ms261 إلى سيمور هذا نصها: # قبل أن تأتي عملا عدائيا ادع الأدميرال الفرنسي إلى التعاون معك ولكن لا تؤجل ~~العمل كما طلب إليك؛ لأن الفرنسي رفض الانضمام. # 29 # وفي اليوم الرابع من يولية أبرق كارتريت إلى جرانفل أنه توجه وبصحبته القنصل الفرنسي إلى ~~راغب باشا، فأجابهما إجابة شبيهة بما اعتاد أن يجيب بها في مسائل أخرى مؤداها أنه ليس ثمة ~~ما يدعو إلى الخوف وذكر كارتريت أنه أنذر الرعايا البريطانيين ليكونوا على أهبة ~~للسفر. # 30 # وفي اليوم الخامس أبرق كارتريت إلى جرانفل: «أنه رغبة في أن يهيئ زمنا للرعايا ~~البريطانيين كي ينسحبوا من القاهرة؛ فقد اقترحت على الأدميرال السير بوشامب سيمور أن يؤجل ~~إلى يوم الخميس اتصاله بقائد حامية المدينة بشأن مسألة وضع البطاريات في الحصون؛ ذلك أني ~~أخشى أن يؤدي الاتصال السريع إلى تعجيل سير الحوادث وبذلك يجعل من الصعب انسحاب البريطانيين ~~من القاهرة. # 31 # وفي نفس اليوم أبرق كارتريت يقول: «لي الشرف أن أبلغكم أن وكيل وزارة البحرية قابل ~~الأدميرال السير بوشامب سيمور أمس بعد الظهر، وذكر له تأكيدات بشأن عمل إصلاحات في مدخل ~~الإسكندرية وبعد ذلك بقليل تلقى الأدميرال من قائد الحامية إجابة مكتوبة صيغت في عبارة ~~شبيهة بعبارات صاحبه، وتلقى الخديو صباح اليوم برقية من السلطان ينبئه بأنه سيعد هو ووزراؤه ~~مسؤولين إذا لم توقف أعمال التحصينات؛ لأن هذه الأعمال إذا استمرت فسوف تؤدي إلى ضرب ~~الإسكندرية بمدافع الأسطول البريطاني، وسيجتمع مجلس الوزراء اليوم للنظر فيما جاء من السلطان. # 32 # وفي اليوم السادس، وهو اليوم الذي اتخذ المؤتمر فيه قراره النهائي أبرق كارتريت إلى ~~جرانفل يقول: «لي الشرف كذلك أن أبلغكم أن الأدميرال # 33 # السير بوشامب سيمور قد أرسل لتوه إلى قائد الحامية يطلب إليه إيقاف التحصينات ~~والمباني الشاطئية، وقد أرسلت تبعا لذلك تحذيرا رسميا أخيرا إلى الرعايا البريطانيين ~~ليغادروا القاهرة، وسوف أبلغ في الحال القناصل الأجانب بما اتخذ من ~~الخطوات». # 34 # وأرسل سيمور للمرة الثانية إلى طلبة باشا قائد حامية الإسكندرية في اليوم السادس من ~~يولية ms262 يقول: «البارجة أنفنسبل في 6 يولية سنة 1882: سيدي، لي الشرف أن أحيط سعادتكم علما ~~بأني علمت من مصدر رسمي أن مدفعين أو أكثر أضيفا بالأمس إلى خطوط الدفاع البحرية، وأن ~~استعدادات حربية يجري عملها في الواجهة الشمالية للإسكندرية ضد الأسطول الذي تحت قيادتي، ~~وأرى لزاما علي - والحالة هذه - أن أنبه سعادتكم إلى أنه إذا لم توقف هذه الأعمال، أو إذا ~~أوقفت، ثم استؤنفت، فإن واجبي يقضي بأن أطلق مدافعي على الأعمال الجاري بناؤها» ... # ورد طلبة باشا بقوله: «عزيزي الأدميرال الإنجليزي لي الشرف أن أبلغكم أني تلقيت كتابكم ~~المؤرخ 6 يوليو، الذي تخبرونني فيه أنكم علمتم من مصدر رسمي وضع مدفعين وأن أعمالا أخرى ~~جارية على شاطئ البحر، وردا على ذلك أؤكد لكم أنه لا أساس من الصحة لهذه الأخبار، وأنها ~~من قبيل خبر التهديد بسد مدخل البوغاز الذي أبلغتم به وتحققتم من كذبه ... # وإني لمعتمد على مشاعركم الإنسانية الصادقة وأرجو أن تتقبلوا احتراماتي». # 35 # وأبرق جرانفل في اليوم السابع إلى سفير حكومته بفرنسا يقول: «أرسل إلي لوردات الأدميرالية ~~صورة برقية وردت من السير بوشامب سيمور بتاريخ أمس يقرر فيها أن قائد الحامية أكد له أنه لم ~~توضع حديثا مدافع أو تجرى عمليات حربية، وقد أكد هذا درويش باشا أيضا، وقد قرر الأدميرال ~~أنه لم يلاحظ عمليات منذ يوم 5 بعد الظهر، ولكنه لن يتوانى عن العمل إذا استؤنفت العمليات، ~~وقد ألقى إلى الأدميرال الفرنسي أن ينسحب في حالة الاعتداء». # 36 # وقد جاء في برقية سيمور إلى الأدميرالية قوله: إن وقف العمليات منذ التاريخ الذي أشار ~~إليه ربما كان تنفيذا لأمر السلطان # 37 # وفي هذا دليل بل اعتراف من سيمور بأن العمليات أوقفت ... # وفي اليوم السابع كتب القناصل بالإسكندرية إلى سيمور يسألونه عما إذا كان مقتنعا برد ~~الحكومة المصرية بشأن أعمال التحصين، ويبلغونه بأنهم على استعداد لأن يأتوا له بما يقنعه، ~~ويرجون منه أن يبلغهم ماذا بقي لديهم من وقت لحماية رعاياهم، ثم يشيرون إلى أن ضرب ~~الإسكندرية على أية حال ms263 يفضي إلى ضرر جسيم بالأجانب بالمدينة وبالوطنيين كذلك، كما أنه يحطم ~~كثيرا من الممتلكات الأوربية ... # ورد الأدميرال ردا رسميا حاسما قائلا: «إنه إذا كان لهم من النفوذ ما يحمل قائد ~~حامية الإسكندرية على الإخلاص فلا يستمر في أعمال التحصين، وإنه مستعد لإجابة طلبهم، أما ~~التأكيدات الكتابية مهما كانت عبارتها فإنها قليلة الجدوى لديه فيما هو بصدده، وإنه لا يقصد ~~ضرب المدينة، وإن عمله إذا لزم الحال سيكون ضد الحصون، وإنه سوف يبلغ حكومته بكتاب القناصل، ~~علما بأنه ما يزال عند عزمه كما أبلغ قائد الحامية إذا لاحظ استئناف أدنى عمل دفاعي، وعلى ~~أية حال فسوف تكون هناك مهلة قدرها أربع وعشرون ساعة. # 38 # وأبرق كارتريت إلى جرانفل في اليوم التاسع يقول: «لي الشرف أن أبلغكم بأن الأدميرال السير ~~بوشامب سيمور تلقى نبأ بأن مدفعين أضيفا إلى قلعة السلسلة تجاه الميناء الجديد، ولن يستطيع ~~الأدميرال أن يتغاضى عن هذا العمل العدائي، ولذلك صمم على أن يفتح أفواه نيران مدافعه في ~~مطلع شمس الثلاثاء 11 الحالي، وسأبلغ هذا المساء القنصل العام والخديو ودرويش باشا وسأعد ما ~~يلزم لنزول جميع الرعايا البريطانيين إلى السفن الليلة أو صباح الغد». # وأبرق سيمور في اليوم التاسع إلى سكرتيرية الأدميرالية البريطانية يقول: «إيماء إلى ~~برقيتي المؤرخة 4 يولية سنة 1884، أقول: إنه ليس لدي أي شك في حدوث الاستعدادات الحربية، ~~وقد وضعت مدافع جديدة في حصن السلسلة، وسأبلغ قناصل الدول الأجنبية صباح غد وأبدأ بالضرب ~~بعد 24 ساعة ما لم تسلم إلي الحصون القائمة في شبه جزيرة رأس التين والحصون المشرفة على ~~مدخل الميناء». # 39 # وجاء في برقية إلى سيمور من سكرتيرية الأدميرالية طلب إليه فيها أن يستبدل بكلمة «تسلم» ~~الواردة في برقيته عبارة «تسلم مؤقتا بقصد تجريدها من السلاح». # 40 # وفي صباح اليوم العاشر من يولية تلقى طلبة باشا إنذارا نهائيا هذا نصه: «لي الشرف ~~أن أخطر سعادتكم أنه لما كانت الاستعدادات العدائية الموجهة ضد الأسطول الذي أتولى قيادته ~~آخذة في الازدياد طول نهار أمس في حصون ms264 صالح وقايتباي والسلسلة، فقد عقدت العزم أن أنفذ ~~غدا 11 الحالي عند شروق الشمس ما أعربت لكم عنه من عمل في كتابي المؤرخ يوم 6 الحالي وذلك ~~إن لم تسلموا إلي في الحال قبل هذه الساعة البطاريات الموضوعة في شبه جزيرة رأس التين وعلى ~~شاطئ ميناء الإسكندرية الجنوبي بقصد تجريدها من السلاح». # 41 # هذه هي قصة النزاع بين بوارج الأسطول الإنجليزي وقلاع الشواطئ بالإسكندرية أو أقصوصة ~~الذئب والحمل في صورتها الجديدة. # وما ندري بأي كلام نعقب عليها وأي عبارات اللغة تفي بوصف سماجة السير بوشامب سيمور ذئب ~~هذه الأقصوصة؟ # لقد قرر دي فرسنيه رئيس الوزارة الفرنسية في كتابه المسألة المصرية أن المعلومات التي ~~لديه لم تكن بالخطورة التي تبدو من رسائل الأدميرال سيمور بحيث إن ضرب الإسكندرية في الظروف ~~التي وقع فيها إنما كان عملا هجوميا لا دفاعيا وقرر كذلك أن «سد البوغاز لم يشرع فيه ~~في وقت من الأوقات». # 42 # وقد أرسل الأدميرال الفرنسي كونراد إلى حكومته يصف تحرش سيمور ويذكر أنه لم يشاهد أي ~~عملية في الحصون. # 43 # ويقول نينيه وقد حضر ضرب الإسكندرية: «إني أؤكد بشرفي ما تحققته؛ إذ كنت أزور الحصون ~~يوميا بصحبة كبار الضباط، أنه منذ يوم مجيء أوامر السلطان بالكف عن الترميمات لم يطرأ أي ~~تغيير على أية بطارية من جهة الميناء أو على البحر، ولم يحصل أي ترميم في الحصون ولم ينصب ~~فيها أي مدفع جديد. # 44 # ولا يستطيع المرء أن يتصور كيف يكون تحصين أمة شواطئها تلقاء سفن أجنبية تتهددها عملا ~~عدائيا يسوغ الشر والاعتداء؟! إن مثل ذلك كمثل لص أراد أن يقتحم دارا وسلاحه في يده ~~والشر في معارف وجهه، فإذا تناول صاحب الدار شيئا يدفع به عن نفسه هذا العدوان، عد ذلك منه ~~حقا للص يسوغ له أن يقتله ويأخذ متاعه وداره، وليس في تاريخ العدوان كما ذكرنا أقبح من ~~هذا ولا أشد منه فجورا ... # وكيف يجوز في عقل أن تكون قلاع الإسكندرية هي المعتدية على بوارج الأسطول والقلاع لم ms265 ~~تنتقل إليها لتضربها وإنما جاءت السفن تهدد المدينة والمؤتمر الدولي قائم في الآستانة ينظر ~~في المسألة المصرية؟! # إن من حق كل دولة، بل من واجبها أن تعد وسائل الدفاع عن كيانها في كل وقت وفي غير مناسبة ~~معينة، وتكون أكثر التزاما بأداء هذا الواجب إذا هددها عدو، ذلك ما لا يستطيع أن يماري فيه ~~أحد. # ولكن الأدميرال العظيم السير بوشامب سيمور - أو قل: ولكن جلادستون زعيم الأحرار - وجرانفل ~~السياسي القدير رأيا في هذا الواجب - الذي ثبت أن مصر لم تؤده فيما يتصل بحصون الشواطئ - ~~مسوغا لإطلاق نيران المدفعية على مدينة وادعة مسالمة كمدينة الإسكندرية ... ألا ما أتعس هذا ~~الشرق المسكين! # ويزيد في سماجة هذا التحرش السخيف من جانب الأدميرال العظيم أنه اعترف بأن أعمال الترميم ~~أوقفت، والحق أنه كان يظهر الهدوء ريثما ينقل الرعايا البريطانيون، فلما تم ذلك عاد إلى ~~إنذاره، ثم لم يكتف بما تقدم به أول الأمر حتى طلب تسليم بعض الحصون! # ولقد طلب تسليم بعض الحصون؛ لأنه من الممكن إقامة الدليل المادي على أنه ليست هناك ~~تحصينات وبذلك تسقط حجته - إن كانت هذه حجة - وإن ذئب الأقصوصة هذا ليعلم أن هذا التسليم لن ~~يكون، وبذلك تواتيه الذريعة السمجة المضحكة لضرب الإسكندرية، ولقد ضربها سيمور وكوفئ على ~~ذلك بأنه أصبح اللورد السستر! # يقول روثستين في كتابه المسألة المصرية يصف عمل إنجلترا: «إن عملها هذا كان يخشى منه ~~عليها، ولكنه أفلح كما يفلح كل عمل وقح تقوم به دولة شديدة البطش والسلطان». # وقال أيضا: «والحق أنه لا شيء أحط قيمة ولا أصرح نفاقا من الحجة التي شرع بها الإنجليز ~~في ضرب الإسكندرية». # وقال: «وهذه حجة أجاد تسخيفها المستر ريشردز في البرلمان؛ إذ قال: أجد رجلا يحوم حول ~~بيتي وعلامات الإجرام بادية عليه، فأبادر إلى إحضار الأقفال والمتاريس وأحكم سد نوافذي ~~فيقول: إن هذا إهانة له وتهديد، ويحطم علي أبوابي، ويعلن أنه إنما فعل ما فعل دفاعا عن ~~نفسه ليس غير». # ولقد خطر لنا هذا الذي يذكره المستر ريشردز قبل ms266 أن نقع عليه، ولا ريب أنه يخطر على بال كل ~~من يقرأ قصة هذا العدوان الغادر ... # ومما يزيد الأمر غرابة ويزيد موقف إنجلترا سخفا أنها تجعل مما أدعته من أعمال التحصين ~~«ظرفا قاهرا» لتدخلها، في الوقت الذي كانت قد فرغت فيه من نقل رعاياها من ~~البلاد! ~~••• # بعد أن أرسل سيمور إنذاره النهائي إلى طلبة عصمت، أرسل كارتريت إلى رئيس الوزارة المصرية ~~يقول: «سيدي الوزير: بناء على البلاغ الذي أرسله الأدميرال السير بوشامب سيمور صباح اليوم ~~إلى قائد حامية الإسكندرية، أراني مضطرا إلى أن أخلي قنصلية صاحبة الجلالة، وأن أقطع في ~~الوقت الحاضر العلاقات التي كانت بين سعادتكم وبين شخصي بصفتي وكيل القنصل العام عن جلالتها ~~في مصر». # والواقع أن العلاقات تعد مقطوعة بين الإنجليز ووزارة راغب باشا منذ قيامها؛ فقد قابلوها ~~كما ذكرنا بالجفاء الشديد، يتبين ذلك من ردهم على إخطار الحكومة المصرية إياهم بقيام هذه ~~الوزارة؛ إذ لم يزيدوا على قولهم: إنهم علموا بما أخطروا به. دون أي عبارة من عبارات ~~المجاملة المعتادة ... # وقد غادر مالت القنصل العام الإسكندرية منذ اليوم السابع والعشرين من يونية وأناب عنه ~~كارتريت وغادرها أيضا كوكسن إبليس مذبحة الإسكندرية وشيطان يوم عابدين، وأوعزت الحكومة ~~الإنجليزية إلى أوكلند كلفن الرقيب المالي الإنجليزي بالامتناع عن حضور جلسات مجلس الوزراء ~~... # ويذكر بلنت في كتابه أن رحيل مالت كان بمساعيه؛ إذ كتب إليه صابونجي وكيله بالقاهرة يقول ~~بضرورة إخراج مالت من مصر؛ فكل الناس لاعنه وكلهم قاتله إذا بقي، فذهب بلنت إلى وزارة ~~الخارجية والتمس نقل مالت إلى إحدى السفن وأجيب إلى طلبه. # ومهما يكن من الأمر فإن الإنجليز منذ مجيء سفنهم إلى الإسكندرية كانوا يترقبون اليوم الذي ~~يطلقون فيه مدافعهم على المدينة ... # أما الخديو فهو في كنف الإنجليز وحمايتهم منذ قبوله المذكرة المشتركة الثانية بتاريخ ~~اليوم الخامس والعشرين من شهر مايو، وذلك في ظل السفن الأجنبية، بل إنه في كنفهم منذ يوم ~~عابدين، أو في الواقع منذ عملوا على تعيينه بعد خلع أبيه ... # لهذا كان يجاري وزارة ms267 راغب؛ انتظارا لتدخل الإنجليز، وكان في الوقت نفسه يتعجل هذا ~~التدخل، وقد رأينا ما كان منه ومن عمر لطفي في فتنة الإسكندرية ... # ولم يكن يضيره أي اتفاق مع راغب، وهو يوقن أن العاقبة للإنجليز، بل لقد كانت مداراته ~~راغبا سترا لنياته أمام درويش حتى ينفض يده من كل ذلك عما قريب ويركن إلى الغالبين ... # ولسنا نرسل هذا الكلام الخطير على عواهنه، ولسنا كذلك نكتفي بما سلف من مواقف الخديو، وهي ~~في ذاتها براهين تثبت ما نقول وخاصة قبوله المذكرتين المشتركتين واحدة بعد الأخرى، وقد جاء ~~في أولاهما إشارة الحكومتين إلى بقائه على العرش و«أن سموه سيستمد من هذا التأكيد ما يحتاج ~~إليه من الثقة والقوة لتدبير شؤون بلاده وشعبه» # 45 # وقد كانت الثانية تدخلا فعليا في شؤون البلاد الداخلية، ولا نقتصر على ~~الإشارة إلى موقفه من الحركة القومية الدستورية بوجه عام، وشدة كراهته لعرابي بوجه خاص، لا ~~نكتفي بذلك كله، وإنما نعرض على القارئ نص البرقيتين الآتيتين: # كانت البرقية الأولى من كاتريت إلى جرانفل في اليوم السابع من يولية وفيها يقول: «أتشرف ~~بإبلاغ فخامتكم أن الخديو استدعى السير أوكلند كلفن هذا الصباح ليدلي إليه بالطريق الذي ~~يقترح سموه اتباعه في مواقف معينة تتصل بحركاته الشخصية، إن سموه يعتزم البقاء في مصر إذا ~~وقع الضرب، فإنه لا يستطيع كما ذكر أن يعتزل الذين وقفوا بإخلاص إلى جانبه أثناء المحنة، ~~كما لا يستطيع أن يغادر مصر؛ إذ تهاجمها دولة أجنبية لمجرد - كما يصح أن يقال - أنه يريد أن ~~يضمن سلامته الشخصية، وإذا حاولت تركيا الغزو ولقيت جيوشها مقاومة فإن سموه ودرويش باشا سوف ~~يعلنان الجيش أنهما كرجلين من رعايا السلطان الموالين يعدان نفسيهما مقصرين في أداء واجبهما ~~إذا اقرا المقاومة وعلى ذلك فإنهما يأويان بأحسن وسيلة ممكنة إلى يخت درويش باشا، وفي حالة ~~ضرب الإسكندرية بمدافع الأسطول البريطاني سيأوي سموه إلى قصر ترعة المحمودية؛ حيث يرافقه ~~درويش باشا، وكلما كان الفراغ من الأمر كله أسرع قل الخطر الذي يتعرض له شخصيا، وقد ms268 كانت ~~لهجة سموه أثناء المقابلة كلها هادئة وكان يضبط نفسه، واختتم حديثه بأن رجا من السير أوكلند ~~كلفن أن يطلع فخامتكم على ما اعتزمه ... # وإني اقترح في حالة الضرب أن أبلغ درويش باشا قبل إقلاعي أن حكومة جلالة الملكة تلقي على ~~عاتقه تبعة سلامة سموه الشخصية». # 46 # أما البرقية الثانية فهي من جرانفل إلى كارتريت في اليوم التالي وهذا نصها: «توافق حكومة ~~جلالة الملكة على ما ذكرته في برقيتك بالأمس وهو أنك ترى أن تبلغ درويش باشا في حالة ما إذا ~~أدت الضرورة إلى ضرب الإسكندرية بأنك تلقي على عاتقه سلامة الخديو الشخصية». # 47 # ولسنا بحاجة إلى التعقيب بكلمة واحدة على كلام الخديو، فما يأتي كلام أصرح من كلامه في ~~موقف كهذا الموقف وخاصة قوله: «إنه كلما كان الفراغ من الأمر كله أسرع قل الخطر الذي يتعرض ~~له شخصيا». # ولسوف يزداد شأن توفيق وضوحا فيما يأتي من الحوادث إن كان شأنه يحتاج إلى وضوح ... ~~••• # لم يكن هذا التحرش السخيف من جانب سيمور ليطرأ على بال أحد، وخاصة لانعقاد مؤتمر الآستانة ~~واتخاذه قراره بدعوة السلطان إلى إرسال جيش إلى مصر، لذلك لم تأخذ وزارة راغب باشا أهبتها ~~لتقوية مدفعية الإسكندرية وإعدادها للقتال كما زعم الإنجليز من مزاعم اتخذوها ذريعة ~~لعدوانهم ... # وأراد راغب باشا أن يتلافى الخطب بكل ما في وسعه فاستعان - عقب تلقي الإنذار - بقنصل ~~إيطاليا العام؛ ليدعو زملاءه القناصل؛ ابتغاء السعي لدى سيمور عسى أن يرجعوه عن عزمه، ~~واجتمع القناصل ولكنهم لم يستطيعوا عمل شيء؛ لأنهم كانوا على يقين أن ضرب الإسكندرية غدا ~~أمرا مقررا ... # وأشار القناصل على راغب أن يذهب بنفسه لمفاوضة الأدميرال، فتوجه بصحبة عبد الرحمن رشدي بك ~~وزير المالية ونجران بك سكرتير مجلس الوزراء، وقابلوا سيمور على ظهر البارجة أنفنسبل فوجدوا ~~منه إصراره على إنذاره فأعلنوه أنهم سيرسلون ردهم في المساء، وتوجه راغب باشا لمقابلة ~~الخديو ... # وعقد الخديو مجلسا من الوزراء وكبار رجال الدولة شهده درويش باشا؛ لينظروا ماذا يكون ~~جواب الحكومة على إنذار سيمور. # وبعد أن ms269 تداول المجلس طويلا انتهت أغلبيته إلى رفض ما طلب الأدميرال، وكانت المداولة في ~~أمرين: هل تقبل مطالب الإنجليز؛ تجنبا للعدوان. أم هل ترفض؛ إبقاء على الكرامة القومية ~~وتفاديا للمذلة؟ # وكانت حجة القائلين باختيار الرأي الأول أن الحصون ضعيفة لا تجدي مقاومتها، وأن الحكومة ~~أخذت على غرة فلم تأخذ للأمر أهبته، وكان أصحاب الرأي الثاني يقولون: إن العدوان واقع لا ~~محالة سواء قبلت مطالب الإنجليز أم لم تقبل، فلن يعجز الإنجليز عن تحرش من نوع آخر ... # ورجح رأي الفريق الثاني، بيد أن الوزارة رأت أن تسلك سبيل الحكمة حتى آخر لحظة، يقول ~~عرابي في مذكراته: «تقرر بالمجلس المذكور بأنه لا يمكن إجابة طلب الأميرال المذكور؛ لما في ~~ذلك من الخزي والعار الذي يلحق بالمصريين إلى الأبد حيث إن الاستحكامات والطوابي المذكورة ~~ما أنشئت إلا لحفظ الثغور، والعساكر ما وجدت إلا للدفاع عن الوطن العزيز والذود عن حياضه، ~~فلا يجوز لهم أن يخربوا معاقلهم بأيديهم لمجرد طلب العدو الطامع في بلادهم، بل الواجب عليهم ~~أن يدافعوا عن بلادهم ويقوموا بما تحتمه عليهم واجباتهم الحربية إلى آخر رمق من حياتهم؛ ~~دفاعا عن شرف الوطن، ولكن قفلا لباب الشر وقطعا لاحتجاجات الأميرال سيمور رئيس الدوننمة ~~الإنجليزية رؤي أن يرسل له وفد مؤلف من عبد الرحمن بك رشدي ناظر المالية وقاسم باشا وكيل ~~البحرية السابق ومحمد كامل باشا وكيل البحرية حينذاك وتجران بك باشكاتب مجلس النظار ~~ويتلطفوا معه في المقال ويوضحوا بأن المصريين ليسوا أعداء للإنجليز، وأنه لا يمكن سد ~~البوغاز بالأحجار كما قيل، وأنه يمكن ضبط المراكب المشحونة بالأحجار عند شروعها في العمل إن ~~وجدت ... وأما إنزال المدافع فهو أمر لا يمكن قبوله؛ لما فيه من مخالفة قوانين البحرية، ولما ~~يتبع ذلك من الإهانة والمذلة، وإنما يمكن إجابة لطلبه وفضا للإشكال تنزيل ثلاثة مدافع من ~~ثلاث طوابي إحداها طابية المكس والثانية طابية صالح والثالثة طابية برج السلسلة وأن يكتفى ~~بذلك ردا لشرف الدوننمة كما يزعم ... فذهب الوفد وبلغ الرسالة ثم رجع وأبلغ بأن الأميرال ms270 ~~المذكور لم يقبل ما عرضه عليه وصمم على وجوب إنزال جميع المدافع، كما طلب، وإنما تكرم بأن ~~عافى عساكره البحرية من معاناة مشقة إنزال المدافع وتخريب الطوابى وسمح للعساكر المصرية بأن ~~يعانوا هذه الأعمال ويخربوا معاقلهم بأيديهم، وزاد على ذلك أنه يطلب من الحكومة أمرا ~~صريحا بإعطائه طابية المكس وما وراءها من الأراضي وطابية العجمي وطابية باب العرب؛ ~~لاتخاذها معسكرا للعساكر الإنجليزية وأنه إذا لم يجب إلى طلباته المذكورة باشر القتال عند ~~طلوع الشمس في يوم غد». # ويؤيد ما يذكره عرابي ما أورده اللورد تشرشل في اتهامه عن هذا الموقف؛ فقد أثبت نص برقية ~~لمراسل المانشستر جارديان يذكر فيها أن الخديو عقد مجلس الوزراء برئاسته في اليوم العاشر من ~~يولية، وكان عرابي غائبا عن هذا المجلس وقد قرر المجلس أن يرسل رئيس الوزراء إلى سيمور ~~يعرض عليه إنزال ثلاثة مدافع إما من حصن واحد وإما من ثلاثة حصون، وإبقاء على علاقات المودة ~~بين الحكومة المصرية والإمبراطورية البريطانية، وكلف الخديو رئيس الوزراء بأن يكتب بهذا إلى ~~الأدميرال فإذا رفض وأصر على ضرب المدينة فإن الحصون لن تجيب إلا بعد الطلقة الخامسة من ~~البوارج، وبعد ذلك يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين». # 48 # وأرسل الوزراء في المساء الرد الآتي على الإنذار النهائي: «لم تأت مصر شيئا يقضي ~~بإرسال هذه الأساطيل المتجمعة، ولم تعمل السلطة المدنية ولا السلطة العسكرية أي عمل يسوغ ~~مطالب الأميرال إلا بعض إصلاحات اضطرارية في أبنية قديمة، والطوابي الآن على الحالة التي ~~كانت عليها عند وصول الأساطيل، ونحن هنا في وطننا وبيتنا، فمن حقنا، بل من الواجب علينا أن ~~نتخذ عدتنا ضد كل عدو مباغت يقدم على قطع أسباب الصلات السلمية التي تقول الحكومة ~~الإنجليزية: إنها باقية بيننا، ومصر الحريصة على حقوقها الساهرة على تلك الحقوق وعلى شرفها ~~لا تستطيع أن تسلم أي مدفع ولا أية طابية دون أن تكره على ذلك بحكم السلاح، فهي لذلك تحتج ~~على بلاغكم الذي وجهتموه اليوم وتنفي مسؤوليات جميع النتائج المباشرة وغير ms271 المباشرة التي ~~تنجم إما عن هجوم الأساطيل أو من إطلاق المدافع على الأمة التي تقذف في وسط السلام القنبلة ~~الأولى على الإسكندرية المدينة الهادئة مخالفة بذلك لأحكام حقوق الإنسان ولقوانين ~~الحرب». # وتأهب الأدميرال العظيم لضرب المدينة، ويجدر بنا قبل أن نصف هذه المأساة الشنيعة أن ننظر ~~ماذا كان موقف فرنسا وقد كان لها أسطول بالإسكندرية، ثم ماذا كان موقف تركيا وكان لها الحق ~~في مصر ... # في اليوم الرابع من شهر يولية أبلغ اللورد لايونز سفير إنجلترا في باريس المسيو دي فرسنيه ~~نبأ التعليمات التي أرسلت إلى سيمور قبل ذلك بيوم باستعمال القوة ضد قلاع الإسكندرية، وسأل ~~السفير المسيو فرسنيه عما إذا كانت فرنسا سترسل مثل هذه التعليمات إلى الأدميرال ~~كونراد. # وكان كونراد قد أبلغ حكومته ما رأى وما علم، وقد قرر - كما أسلفنا - أنه لم يكن هناك ~~أعمال في الحصون كما ادعت إنجلترا. # وعقد فرسنيه مجلس الوزراء، ولم تكن فرنسا رسمت لنفسها خطة بشأن هذا التحدي المفاجئ، ولم ~~يدر بخلد فرنسا أن تجرؤ إنجلترا على هذا العمل مهما بلغ من تطلعها إلى الانفراد بضرب مصر؛ ~~وذلك لأن المؤتمر قائم في الآستانة يدرس كيف يكون التدخل في شؤون مصر، وكانت تظن فرنسا أنها ~~بهذا المؤتمر الذي اقترحته قد أخذت السبيل على إنجلترا فجعلت المسألة المصرية مسألة ~~دولية. # وكذلك كانت فرنسا مطمئنة إلى أن الظرف القاهر الذي أضافه دوفرين إلى مقترح السفير ~~الإيطالي لم يظهر بعد، وليس في شؤون مصر ما يدعو إلى القلق، وقد كان فرسنيه يقظا إلى أن ~~الإنجليز يبالغون في تصوير ما يزعمون من سوء الحال في مصر ... # وقرر مجلس الوزراء الفرنسي لسوء حظ مصر الامتناع عن مشاركة إنجلترا فيما هي مقدمة عليه؛ ~~وذلك لأن هذا العمل يعد خروجا على مؤتمر الآستانة، وهو يجر إلى اعتداء لا موجب له على مصر ~~ولا يمكن عده عملا دفاعيا، هذا إلى أن الحكومة لم تعرض الأمر على مجلس النواب الفرنسي، ~~ولا يمكنها أن تدخل في حرب بدون إقرار هذا المجلس. # وكتب دي ms272 فرسنيه إلى السفير الفرنسي بلندن ليبلغ الحكومة الإنجليزية قرار مجلس الوزراء ~~الفرنسي وأنه أرسل التعليمات للأدميرال كونراد، أنه إذا أصر القائد الإنجليزي على ضرب ~~الإسكندرية فعليه أن يغادر الإسكندرية بالأسطول الفرنسي ويرسو قرب بورسعيد. # وهكذا تخلي فرنسا السبيل لإنجلترا لتنفرد بضرب مصر، وكم لحقت بمصر النكبات من جراء ضعف ~~السياسة الفرنسية، ولم تنس مصر أن فرنسا بعد أن شدت أزر محمد علي وأغرته زمنا بالوقوف في ~~وجه إنجلترا تخلت عنه أمام تهديد بالمرستون وتركته ينهار وحده ... # الحق أن فرنسا كانت تفطن إلى أن إنجلترا تريد أن تنفرد باحتلال مصر، ولم تأنس فرنسا في ~~نفسها القوة لتناوئ إنجلترا مناوأة فعلية؛ خشية أن يدب الخلاف بينهما وألمانيا التي ضربتها ~~تلك الضربة القاصمة منذ اثنتي عشرة سنة في حرب السبعين لم تزل لها بالمرصاد ولم يزل بسمارك ~~يرمي إلى إضعاف فرنسا حتى لا تنهض من كبوتها فتثأر لما لحقها من هوان. # لهذا تغافلت فرنسا على كره منها وأفسحت السبيل لإنجلترا فأضاعت بذلك جهودها الدبلوماسية ~~الماضية جميعا في عرقلة السياسة الإنجليزية ... # أما تركيا فقد تراخت وتهاونت في الأمر وأظهرت ضعفا وترددا وحيرة هي خليقة بدولة مثلها ~~قامت على القوة والدسائس وعدمت الوسائل الدبلوماسية الصحيحة. # في اليوم الثامن من يولية أبرق دوفرين إلى جرانفل يقول: «أتشرف بإبلاغكم أن وزير خارجية ~~تركيا قد خرج لتوه من عندي، وجاء يتوسل لاعتبارات إنسانية أن تطلبوا إلى الأدميرال سيمور ~~ألا يفعل شيئا يعجل الأزمة في الإسكندرية، وأجبته أن الأمر كله بيد السلطات المصرية هناك، ~~وما عليهم إلا أن يعملوا حسب ما طلب إليهم وبذلك فلن تطلق قذيفة واحدة، ولاحظ سعادته أنه ~~ربما كان فيهم بعض ذوي النزق والحمق، فقلت: ولماذا لم يذهب السلطان بجنوده إلى هناك ليجبرهم ~~على النظام؟ ثم ذكرت له أنه إذا استطاع أن يدع لدي من الضمانات ما يؤكد لي أن السلطان سيفعل ~~كما أردنا، فإن ما أدلي به إلى فخامتكم بشأن مقترحاته سوف يلقى منكم الاعتبار الودي، في حين ~~أن مجرد طلبه الذي أراد أن ms273 أبلغه إليكم لا يكون له الأثر المطلوب طالما أنه لا يقوم على ~~شيء، فقال: إنه لا يملك أن يعطيني أي تأكيد؛ فإن المسألة تدرس الآن وأمله أن يستطيع يوم ~~الاثنين أن يفضي إلي بشيء ... ولم يقل أكثر من ذلك، ولما ألححت على سعادته قال: إن عرابي اتخذ ~~سبيل العناد والواضح أنه لا بد من عمل شيء». # 49 # ومن هذه البرقية يتبين لنا مبلغ ما في السياسة التركية من حيرة وتردد، وما فيها من ضعف ~~يتجلى في هذا التوسل باسم الإنسانية، وترينا هذه البرقية الهامة كذلك مبلغ ما في السياسة ~~الإنجليزية من لؤم وكذب، فإن استعداد الإنجليز للرجوع عن ضرب الإسكندرية إذا عمل السلطان ~~كما يحبون فيه أبلغ دليل على أن خوفهم من أعمال التحصينات المزعومة وعدهم ذلك ظرفا قاهرا ~~للتدخل كان من أسخف الأكاذيب وأحطها، وأن ضرب الإسكندرية كان نية مفروغا منها ... # وفي اليوم العاشر من يولية أبلغ دوفرين حكومة تركيا ما يأتي: «تتشرف سفارة حكومة جلالة ~~الملكة بأن تبلغ حكومة الباب العالي بأنه بناء على استمرار السلطات الحربية في مصر في تسليح ~~الحصون بالإسكندرية، فإن الأدميرال الإنجليزي سوف يعلن هذا الصباح أنه ما لم تسلم الحصون ~~مؤقتا بقصد تجريدها من السلاح فإنه سيطلق مدافعه بعد أربع وعشرين ساعة». # 50 # وأبرق في نفس اليوم إلى حكومته يقول: «أتشرف بأن أبلغكم أني ناشدت السلطان للمرة الأخيرة ~~بكرة هذا الصباح، وأبلغته أن ما تلقت به حكومة جلالة الملكة تأكيداته من اقتناع قد قضي ~~عليه قضاء تاما بسبب مسلكه بعد ذلك، وأجاب السلطان أنه سوف يرسل إلي في الساعة الخامسة ~~من صباح الغد إجابة مبوبة على رسالتي، وفي نفس الوقت طلب أن يؤجل ضرب الإسكندرية فأجبت ~~جلالته ردا على ذلك أني سأبلغ فخامتكم رسالته، ولكن إذا رفضت الشروط التي طلبها الأدميرال ~~سيمور - تلك الشروط التي بلغتها الوزير صباح اليوم بناء على توجيهكم - فإنه لا يبقى لدي أمل ~~في تعديل اتجاه ما اعتزم عمله». # 51 # وفي نفس اليوم العاشر أبرق جرانفل في الساعة الخامسة ms274 والنصف بعد الظهر إلى سفرائه في ~~باريس وبرلين وفينا وروما وبطرسبرج والآستانة، ليبلغ كل منهم الدولة التي يوجد بها أن ~~«المسلك الذي سلكه أدميرالنا لم يكن إلا عملا مشروعا لا أقل ولا أكثر للدفاع عن النفس، ~~وأن عمله - إذا أدى سوء الحظ إلى العمل - لن يكون رائده غير هذا دون أن يكون لنا أي مأرب ~~خفي، ولقد تبين من تقريره أن السلطات في الإسكندرية مستمرة في تدبيراتها العدائية على الرغم ~~من أوامر السلطان ومن رغبة الخديو، ومما ذكروه لنا مرارا من تأكيدات». # وأضيف إلى هذه البرقية عبارة لدوفرين خاصة وهي: «أننا نعتقد أننا نعمل وفق مصالح السلطان ~~المفهومة حق الفهم، وقد أغفلت سلطته في مصر». # 52 # وللقارئ أن ينظر فيما في هذه البرقية من حجة الدفاع عن النفس ومراعاة مصلحة السلطان، ~~واستمرار السلطات في الإسكندرية في تدبيراها العدائية؛ ليرى مثلا رائعا للسياسة ~~الإنجليزية كيف تلجأ إلى الكذب الصريح في سبيل تحقيق ~~أطماعها الاستعمارية! ... # وفي اليوم الحادي عشر، وهو اليوم الذي حدث فيه الضرب، أبرق دوفرين إلى جرانفل في الساعة ~~الرابعة صباحا يقول: «حضر إلي الآن سعيد باشا وزير الخارجية ليسلمني مذكرته المرسلة مع ~~هذا ... وليبلغني أنه في المساء يستطيع أن يقترح علي حلا معقولا للمسألة المصرية، وقد ~~طلبت إليه إيضاحا، فقال: إن كل ما عنده الآن أن الحل سيكون معقولا، فقلت: إنه لا مجرد ~~دخول عضو تركي في المؤتمر ولا مجرد العودة إلى دعوة عرابي باشا إلى هنا يكون حلا معقولا، ~~فعاد يكرر قوله: إن الحل سيكون معقولا. ورجاني أن أرسل إليكم وإلى الأدميرال سيمور ما سلف ~~في الحال ومشفوعا بتوصية بقصد تأجيل الإنذار لكي يدع ذلك متسعا من الوقت يسمح بأن تصل ~~رسالة أخرى من الباب العالي إلى فخامتكم. فقلت: إني لم أمنح سلطة التدخل في عمل الأدميرال ~~سيمور، وإن عبارة الحل المعقول من الغموض بحيث لا تدع لي أكثر من أن أعيد لفخامتكم ما قال ~~بنصه، وأضفت إلى ذلك قولي: إني على أي حال سوف أرسل إلى السير ms275 بوشامب سيمور صورة برقية ~~لمذكرة الباب العالي ولما طلبه مني أخيرا، مقترحا أنه في حالة ما إذا كانت التعليمات ~~المرسلة إلى الأدميرال تسمح له بالتأجيل، أن يؤجل سعادته الضرب ثلاث ساعات أو أربع؛ ابتغاء ~~إفساح الوقت لتصل إليكم رسالة الحكومة العثمانية إذا كنتم ترغبون أن ترتبوا عليها عملا ما ~~... # وقد جرؤت على أن أبين لسعيد باشا مبلغ ما كان في التراخي الدبلوماسي من حمق، وبين أيدينا ~~مسائل عظيمة كهذه حتى أصبح من المستحيل ماديا أن نتدخل في مجرى الحوادث». # 53 # أما مذكرة الباب العالي فهذا نصها وكانت بتاريخ اليوم العاشر: «ردا على المذكرة الشفوية ~~لسفارة صاحبة الجلالة البريطانية بتاريخ 10 الحالي والتي تلقاها الباب العالي بعد ظهر اليوم ~~نفسه، تتشرف وزارة الخارجية بإبلاغ السفارة أنه وفقا لتلغراف أرسل اليوم من الخديو ~~والماريشال درويش باشا، قد أعلن سموه والحكومة المصرية أدميرال الأسطول البريطاني ~~بالإسكندرية أن السلطات المحلية سوف لا تتعرض بمقاومة في حالة ما إذا أقدم الأدميرال على الضرب. # 54 # ومن الجلي أن عملا كهذا إذا وقع يؤدي إلى افتيات خطير على الحقوق الملكية لصاحب الجلالة ~~الشاهانية السلطان وعلى مصالح الإقليم، وأن الحكومة الشاهانية الواثقة من أن مجلس وزراء سان ~~جيمس إذ ينظر إلى ما ذكر نظرة الاعتبار الجدي يتخذ الخطوات التي تؤدي إلى أن ينصرف ~~الأدميرال سيمور عن أي عمل من طبعه أن يفضي إلى مثل هذا الوضع النهائي وأن يرسل إليه ~~التعليمات بهذا المعنى، وأن الحكومة الشاهانية على أي حال سوف تتشرف بإخبار سفارة صاحبة ~~الجلالة البريطانية عن القرار الذي ربما وصلت إليه غدا الثلاثاء في الليل بشأن رسالة ~~السفارة السالف الإشارة إليها بأعلى هذا، وبشأن البرقية الواردة من الخديو ~~والمارشال. # وإن الباب العالي ليرجو من مجلس وزراء سان جيمس أن يتكرم بسرعة إرسال التعليمات بما طلبنا ~~أعلاه إلى الأدميرال». # 55 # هذا كان ما فعلته تركيا ولا نجد في المكاتبات الدبلوماسية أسوأ من هذه البرقيات التي تنطق ~~بالحيرة والضعف والتسويف والارتباك ... ~~••• # كانت مصر وحدها تتلقى ضربات الاحتلال الأولى ممثلة ms276 في الاعتداء الآثم على الإسكندرية، ~~وسوف يبذل الوطنيون ما في وسعهم تلقاء هذا الاعتداء وإن كانوا ليوقنون أن قوتهم المادية ~~أضعف كثيرا من قوة اعدائهم، ولكن الحر إذا وجد نفسه في موطن يوقن فيه أنه هالك لا محالة ~~كان عليه أن يبذل ما في وسعه من مقاومة؛ أنفة منه وحفاظا ... # ولكنا والأسف يملأ نفوسنا سنجد أول خطوة من خطى التخاذل في مسلك الخديو توفيق منذ يبدأ ~~الضرب وسوف يكون لمسلكه بعد هذا أبعد الأثر في بث روح التردد والانقسام حتى يفضي الأمر إلى ~~الهزيمة، وعلى الذين يعنون بتاريخ مصر أن يذكروا أن وجود توفيق باشا على رأس حكومة مصر ~~يومئذ كان العامل الجوهري في نجاح مدبري الاحتلال ... # ثم انتقل الخديو في عصر اليوم العاشر من يولية من سراي رأس التين في موكبه الرسمي إلى ~~سراي الرمل، وسيبقى بها حتى يقع الضرب ويتبين عاقبته ثم يعود إلى رأس التين؛ حيث يتلقاه ~~سيمور ويعد له ترجمانا يلازمه ويضع البوارج على مقربة من القصر لحمايته. # وكان كارتريت قد أشار عليه قبل ذلك الحديث الذي أفضى به إلى كلفن، بأن يأوي إلى إحدى سفن ~~الأسطول ولكنه رأى أن الوقت لم يحن بعد لهذه الخطوة الجريئة، كما أنه كان في شك من العاقبة ~~... # يقول الشيخ محمد عبده: «11 يولية، أحد الميرالايات الذين في معية الخديو قال له: ما مصير ~~الإسكندرية لو ضربها الإنجليز؟ # فأجاب الخديو: ستين سنة ... وهز كتفه. # فقال الضابط: لكن السكان سيحرقونها فأرجو أن تتوسط لدى الأدميرال، والوقت لم يزل يسمح ~~بذلك، اطلب (ذو الفقار) وبلغه أن يحافظ على المدينة فعنده من الرجال الكفاية ... # فأجاب: فلتحرق المدينة جميعها ولا يبقى فيها طوبة على طوبة، حرب بحرب، كل ذلك يقع على رأس ~~عرابي وعلى رؤوس الفلاحين، وسيذوق الأوربيون عاقبة هروبهم مثل الأرانب ... # ذهب الخديو من رأس التين إلى الرمل، والمحافظ وموظفو المحافظة انسحبوا واختفوا. # 56 # ويقول بلنت في كتابه بعد أن ذكر ما أفضى به توفيق إلى كلفن: «كان هذا هو البرنامج الذي ~~سار ms277 على وفقه الخديو ولم يخرج عنه إلا في أنه لم يذهب إلى قصر المحمودية وإنما ذهب إلى سراي ~~الرمل على بعد ثمانية أميال من الإسكندرية وهو مكان أكثر أمنا في حالة إطلاق النار من ~~مدافع سيمور. # وبعد الحرب بزمن قصير وقعت بطريقة غريبة على سبب تردد توفيق وذلك من مصدر له معرفته ~~الوثيقة، ولم يكن هذا المصدر غير اللورد شارلس برسفورد نفسه الذي قاد السفينة كندور من سفن ~~المدفعية بالأسطول وقت الضرب والذي صار مارشال الإسكندرية بعد ذلك؛ فقد ذكر لي أن الخديو في ~~لحظة من لحظات الصراحة غير عادية شرح له سبب بقائه في المدينة أثناء الضرب، ولم يكن ذلك سوى ~~أنه كان في حيرة شديدة أي المتحاربين سيصمد أكثر إزاء خصمه؟ فقد كان الرأي السائد في مصر أن ~~السفن سوف تغرق، ولقد ظل الخديو في حالة من الشك الباعث على الخوف طول نهاره في الرمل حتى ~~لقد كان يهرول إلى سطح القصر كل نصف ساعة ليرى ماذا كان من أمرها، ولما أن تبين في المساء ~~أنها ظلت سليمة وأن الحصون قد أسكتت، عقد العزم عند ذلك فقط على أن يضع نفسه تحت حماية ~~سيمور ... وقد أدت تجارب برسفورد في الأسابيع التي قضاها بالإسكندرية إلى أن ينظر نظرة ~~الاحتقار إلى توفيق، وأن يشعر بشيء من العطف على عرابي والفلاحين الذين نهضوا بأعباء الحرب ~~على الرغم من انشقاق أميرهم». # 57 # في الساعة السابعة من صباح اليوم المشؤوم، الحادي عشر من شهر يولية سنة 1882، أطلق ~~الأدميرال العظيم السير بوشامب سيمور أولى قذائفه على مدينة الإسكندرية، باسم الدفاع العادل ~~المشروع عن النفس، والدنيا كلها تشهد هذا البغي الأكبر، وليس فيها دولة يتيقظ ضميرها لما ~~تصبه إنجلترا على الحركة القومية القائمة على السلام والدستور في مصر! # كانت حصون الشاطئ تمتد من ناحية العجمي في الغرب إلى أبي قير في الشرق وكان عددها نحو ~~عشرين حصنا أو طابية كما كانت تسمى ويدخل في ذلك اثنان في داخل المدينة هما كوم الناضورة، ~~وكوم الدكة ... # وإذا ms278 استثنينا الحصنين الأخيرين وهما من منشآت نابليون، وقلعة قايتباي وهي ترجع إلى القرن ~~الخامس عشر كانت بقية الحصون من منشآت محمد علي، وقد ظلت على حالها منذ ذلك الوقت إلا بعض ~~إصلاحات أدخلها عليها إسماعيل، وكانت مدافعها وتبلغ تسعة وعشرين ومائتين، قديمة الطراز ~~ضعيفة، قريبة المرمى، ولولا أن إسماعيل وضع فيها تسعة وأربعين مدفعا من المدافع القوية من ~~طراز أرمسترنج ما صلح فيها للدفاع من شيء ... # وكان الأسطول البريطاني مكونا من ثماني مدرعات كبيرة وخمس مدفعيات وسفينة للطوربيد وأخرى ~~لأعمال الكشف، وكانت مدافع الأسطول ويبلغ عددها سبعا وسبعين من النوع الضخم القوي من طراز ~~أرمسترنج ... # والمعروف في الحرب البحرية أن أكبر الأخطار تعرض السفن للقلاع ذات المدافع القوية، فشتان ~~بين ما يستند إلى الماء وبين ما يستند إلى الصخر، هذا إلى ارتفاع القلاع وتمكنها وصلتها بما ~~تطلب من العتاد والرجال ... # ولكن للسفن ميزة عظيمة على القلاع الضعيفة المدافع، فإن السفن تستطيع أن تتجمع فتدك قلعة ~~بعد قلعة، في حين أن القلاع لا تستطيع أن يدفع بعضها عن بعض ... وكذلك كان الحال مع شديد ~~الأسف في قلاع الإسكندرية. # وكان آلاي طوبجية السواحل يتألف حسب الإحصاء الرسمي من اثنين وستين وسبعمائة وألف رجل ما ~~بين ضابط وصف ضابط وجندي، وكان يقودهم الأميرالاي إسماعيل بك صبري ... ولكنهم يوم الضرب كانوا ~~دون ذلك كثيرا؛ فقد ذكر عرابي في مذكراته أنهم كانوا لا يزيدون عن سبعمائة. # وكان بالمدينة من قوات الجيش أربعة آلايات، يكون اثنان منهما اللواء الثالث ويرأسه خورشيد ~~باشا طاهر تحت قيادة الفريق إسماعيل باشا كامل، ويكون الباقيان اللواء الثاني بقيادة طلبة ~~باشا عصمت قائد حامية الإسكندرية، وكان مجموع هذه الآلايات اثني عشر ألفا من المشاة ... # أصدر عرابي باشا تعليمات إلى صبري في الليلة السابقة للصباح المشؤوم وأبلغه أن مجلس ~~النظار قرر ألا تجيب الحصون إلا بعد الضربة الخامسة من الأسطول، ووزع صبري ضباطه على ~~الحصون؛ استعدادا للمعركة، وكان يعاونه وكيله محمد بك نسيم الذي وكل إليه صبري الدفاع عن ~~الحصون الغربية ... # وكان ms279 عرابي ليلتئذ بالترسانة يصحبه محمود فهمي باشا وطلبة عصمت باشا ومحمد كامل باشا وكيل ~~نظارة البحرية ... # ووزع عرابي حامية المدينة وراء الحصون من قلعة العجمي إلى برج السلسلة وعهد إلى أورطتين ~~من الفرسان بالمراسلة بين الحصون ... # أجابت الحصون بعد خمس دقائق من ابتداء الضرب، واستمر آلاي السواحل في الدفاع وأبدى همة ~~ونشاطا وحماسة وطنية شهد بها كثير من الأجانب، وذلك على الرغم من عنف المدافع الإنجليزية ~~وشدة فتكها وعظم تدميرها، ومهارة السفن الإنجليزية في الابتعاد والاقتراب والاعتصام بدخان ~~كثيف يغطيها أثناء الضرب، وشباك قوية من الفولاذ كانت ترد عنها قذائف الحصون ... # واستمر الضرب من الجانبين حتى الساعة الحادية عشر، وكانت قذائف الإنجليز تلقي النار ~~والدمار على المدينة في شدة مروعة، وسكتت السفن قليلا ثم استأنفت الضرب وجاوبتها الحصون ~~حتى الساعة الثانية بعد الظهر ... # قال صابونجي في رسالة إلى بلنت يصف هذا الضرب وقد كان في سفينة على مقربة من الأسطول: «في ~~صباح اليوم الثلاثاء عند الساعة السابعة تماما انبعثت أول طلقة على الحصون، وقد كنت على ~~ظهر السفينة سعيد على مقربة من الأسطول الإنجليزي ... غادر درويش الإسكندرية بمجرد أن بدأ ~~الضرب وأبحر إلى حيث لا يدري أحد مكانه، ومن بين 1170 شخصا كانوا معي هذا الصباح وشهدوا ~~الضرب كنت أنا وحدي الذي رجوت حسن الحظ والنجاح لعرابي وأنصاره، وعندما انبعثت أول طلقة ~~تموجت في الهواء القبعات والمناديل والأيدي، مشفوعة بالهتاف وعلامات الرضاء، وكان الرجال ~~والنساء وفيهم القساوسة على اختلاف درجاتهم متهللين جذلين يتنبأون بسقوط الحصون في ساعتين، ~~ولكن شعورهم بالخيبة ما لبث أن ظهر، الساعة الآن الواحدة والنصف بعد الظهر ولم تنقطع ~~النيران من الجانبين، وإن الدفاع يعد حتى الآن فائقا، ولا يمكن لأحد أن يقول الآن ما عسى ~~أن تكون النتيجة ... أكتب إليك من ظهر السفينة وأنا أشاهد الضرب وأثبت كل ما أستطيع أن أراه، ~~ولكن ماذا عسى أن يرى المرء خلال سحب كثيفة من الدخان إلا الرعد والبرق من المدافع ... لم يكن ~~أصدقاؤنا، وكذلك لم يكن حتى القناصل، ms280 واثقين من عزم إنجلترا على الحرب، ولم أكن أنا واثقا ~~من ذلك». # 58 # واستأنف الأسطول الضرب بعد الساعة الثانية واستمر يرسل قذائفه الهائلة في شدة حتى منتصف ~~الساعة السادسة، أي قبل غروب الشمس بنحو ساعة، ثم نزل الليل وقد سكتت الحصون فلن تجيب بعد؛ ~~إذ قد دمرتها مدافع الأسطول تدميرا ... وتهدمت في المدينة أبنية كثيرة ومساكن واحترق بعضها، ~~وقد هجرها كثير من أهلها منذ بدأ الضرب في هرولة ورعب. # وهكذا وقف المصريون - وإن حاقت بهم الهزيمة - موقف ~~الدفاع والكرامة، وليس يماري أحد في أنهم فعلوا فعل القلة تحارب من تكاثروا عليها حتى تهلك ~~أو ينثلم سلاحها ... # وإنه لمما يذكر في مواطن الفخر ما أظهره نفر من أهالي المدينة من الحمية والبسالة وخاصة ~~النساء، أشار إلى ذلك عرابي باشا في مذكراته فقال: «وفي أثناء القتال تطوع كثير من الرجال ~~والنساء في خدمة المجاهدين ومساعدتهم في تقديم الذخائر الحربية وإعطائهم الماء وحمل الجرحى ~~وتضميد جروحهم ونقلهم إلى المستشفيات». # وقال الشيخ محمد عبده: «تحت مطر الكلل ونيران المدافع كان الرجال والنساء من أهالي ~~الإسكندرية هم الذين ينقلون الذخائر ويقدمونها إلى بعض بقايا الطوبجية الذين كانوا يضربونها ~~وكانوا يغنون بلعن الأميرال ومن أرسله». # 59 # وقال محمود فهمي باشا: «ورأيت في ذلك الوقت بعيني ما حدث من غيرة الأهالي بجهة رأس التين ~~وأم كبيبة وطوابي باب العرب، وهمتهم في مساعدة عساكر الطوبجية من جلبهم المهمات والذخائر ~~وخراطيش البارود والقذائف هم ونساؤهم وأولادهم وبناتهم والبعض من الأهالي صار يعمر المدافع ~~ويضربها على الأسطول». # 60 # وقد وصف عرابي المعركة في مذكراته فقال: «أطلقت ألكسندرة مدفعها الأول في الساعة السابعة ~~والدقيقة أربعة وكان مركزها في الطرف الشرقي من خط القتال موجهة نحو استحكامات رأس التين ... # وبعد ذلك بخمس دقائق بدت من جانب الأنفنسبل علامة ~~الحمل العام على استحكامات الإسكندرية فأخذت السفن مونارك وبينلوب وألكسندرة وسلطان وسوبرب ~~تطلق مدافعها على بطاريات رأس التين وطابية الفنار، فأجابتها القلاع بنار شديد حامية، وقد ~~أصاب السفينة مونارك من أسباب الانقطاع عن إطلاق ms281 النار أكثر مما أصاب غيرها ... # وكانت السفن الثلاث ألكسندرة وسلطان وسوبرب تنتقل على التعاقب من الجنوب الغربي إلى ~~الشمال الشرقي وتطلق مدافعها على الاستحكامات إطلاقا متواليا وتقدمت المدفعية سينت إلى ~~جهة رأس التين وأخذت ترميها بالنار. # وكانت السفينة أنفلكسيبل تطلق مدافع أحد برجيها على رأس التين والآخر على حصن المكس وحذت ~~حذوها المدرعة بينلوب وكذلك المدرعة تمرير. # ولقد أصاب طابية المكس نارا لا تبقي ولا تذر فتعطلت مدافعها ما عدا أربعة منها من العيار ~~الأعظم؛ فقد ثابرت على رمي سفينة الأميرال «أنفنسيبل» وقد أحكمت مقذوفاتها إلى هذه السفينة ~~جيدا، وفي الساعة العاشرة والنصف وقعت قنبلة على مخزون البارود الكائن في طابية المكس ~~فأشعلته وكان لدوي التهابه صوت هائل. # ولما بلغت حالة القتال إلى هذه الدرجة عمد حصن مارابوت # 61 # إلى الاشتراك في الدفاع فوجه ناره على السفن الثلاث التي كانت مستقرة فيما داخل ~~المضايق فانسلخت المدفعية كوندور عن المدرعة تمرير؛ لعدم احتياجاها إليها واندفعت نحو ذلك ~~الحصن ترميه بنارها فاشتبك بينهما القتال شديدا، وفي الساعة العاشرة والنصف قدم لنجدتها ~~السفن بيترن وبيكن ودكوى وسينت واستمرت على القتال حتى تعطلت مدافع الحصن المذكور ولم يبق ~~منها غير مدفع واحد صالح للعمل ... # ثم اتجهت السفن الأربع المذكورة إلى ناحية الحصن واشتركت مع المدرعات في تدميره فتركته ~~أثرا بعد عين، وكذلك تقدمت السفن ألكسندرة وسلطان وسوبرب على مسافة 700 متر من حصن فاروس ~~وطابية أطه وأخذت في إطلاق مدافعها عليها غير غافلة عن رمي بطاريات رأس التين ببعض القنابل ~~... # وكان إسماعيل بك صبري في الطابية أطه يدير حركة القتال في الحصنين المذكورين فصب على ~~السفن السابق ذكرها من لهيب ناره ما اضطرها إلى طلب النجدة من المدرعتين أنفلكسيبل وتمرير ~~وأبلى في قتالها بلاء حسنا. # وفي نحو الساعة الثانية بعد الظهر اندفعت قنبلة من السفينة أنفلكسيبل نسفت مخزن البارود ~~الكائن في حصن طابية أطه، وعند الساعة الرابعة خمدت نار الحصنين المذكورين إثر تخريبهما ~~وتعطيل أسلحتهما واستشهاد رجالهما. # وفي الساعة الخامسة استأنفت المدرعتان مونارك وبينلوب ms282 إطلاق المدافع على حصن نابليون ~~والاستحكامات الواقعة في داخل الميناء، وفي الساعة الخامسة والنصف انقطعت النار عن خط ~~القتال بناء على أمر الأميرال» ... # وقال يصف المدافع المصرية: «ومن الأسف أن قاذفات المدافع القديمة كانت لا تصل إلى السفن ~~الإنجليزية، ومدافع الأرمسترنج لم تكن لها المساطر التي بها تعرف المسافات وتحكم الإصابة ~~بواسطتها اللهم إلا مسطرة واحدة كانت في محل التعليم بالعباسية «بالبوليجون» استحضرت ليلا ~~وسلمت إلى الشهم المقدم سيف النصر بك قومندان طابية الفنار فكان يطلق المدافع بنفسه وينتقل ~~من محل إلى آخر ويحكم الإصابة بواسطة المسطرة المذكورة، فكانت معظم المدرعات التي تعطلت، من ~~جراء المقذوفات التي أحكم إطلاقها، ولو كانت مدافع الأرمسترنج كلها ذات مساطر لأمكنها تعطيل ~~المدرعات الإنجليزية بما تقذفه من القاذفات الصائبة». # ووصف جون نينيه ما فعله الأدميرال العظيم في قوله: ~~«وكان رجال المدفعية المصرية يطلقون قذائفها في إحكام وحماسة أدهشت خصومهم الذين ظل عملهم ~~الجهنمي متواصلا عشر ساعات ونصف الساعة، دون أن يستطيعوا المباهاة بالنصر الحاسم، وكانت ~~تغطي المدينة أثناء الضرب طبقات من الغبار والدخان وكان قصف المدافع يصم الآذان ... وكنا حين ~~تبدد الرياح سحب الدخان نشاهد قذائف المدافع المصرية تسقط في البحر في منتصف المسافة بينها ~~وبين سفن الأسطول، وقد أدى رماة مدافع أرمسترنج عملهم على خير ما يرجى وذلك على الرغم من أن ~~مدافعهم كانت أقل عيارا من مثيلاتها من المدافع الإنجليزية وقد أصابوا سبع مدرعات إصابات ~~بعضها خطير وبعضها ضئيل ... # وكانت سفن الأسطول تجري ها هنا وهنا ترمي قذائفها وهي على مسافة بعيدة فتصيب الشاطئ ولا ~~تستهدف للخطر، وكانت كل قذيفة تزيد على المتر طولا وتزن 480 رطلا وتحتوى على 370 رطلا من ~~البارود، وكان ثمن كل واحدة منها 70 جنيها، وسقطت أولى هذه القذائف الضخمة في قلعة رأس ~~التين دون أن تنفجر فنظر إليها الجند والضباط، وقال أحد الضباط مشيرا إليها: هلم أيها ~~الإخوان لتشهدوا مثلا من إنسانية إنجلترا، وقد أدى عبارته بلهجة تنم عن الذكاء والسخرية ~~وضحك إخوانه جميعا، وواجهوا ما ms283 يلقى عليهم باسمين. # وكانت السفن الإنجليزية تسير مثنى مثنى في تؤدة وروعة تجاه كل طابية وتطلق عليها قذائفها ~~حتى تدكها دكا، وبعد ذلك تقترب منها شيئا فشيئا، وتنسف ثم تفتك بالرجال فتكا ذريعا ~~بنار المترليوزات المركبة في ساريات البوارج ... # ولا يسعنا أن نعترف بأنها كانت مجزرة وحشية لا موجب لها ولا مسوغ ولم يكن الباعث عليها ~~إلا الشهوة الوحشية المتعطشة إلى الدماء، وكنت أتوق إلى أن أسال أولئك الذين كانوا يضربون ~~ويطلقون مترليوزاتهم: هل يستطيعون حين يعودون إلى بلادهم ويتحلقون حول موائد الشاي في ~~بيوتهم أن يتحدثوا إلى ذويهم عما فعلته تلك المجازر البشرية من الفتك والتخريب؟ إني لفي شك ~~من هذا، فأية إهانة لحقت الأمة البريطانية حتى تثأر من مصر على هذه الصورة الفظيعة؟ # ومع هذا فما كان أروع منظر الرماة المصريين الذين كانوا خلف مدافعهم المكشوفة، كأنما هم ~~في استعراض حربي لا يخافون الموت الذي يحيط بهم، وكانت معظم الحصون بلا حواجز تقيها ولا ~~متاريس، ومع هذا فقد كنا نلمح هؤلاء البواسل من أبناء النيل خلال الدخان الكثيف، كأنهم ~~أرواح الأبطال الذين سقطوا في حومة الموت؛ قد بعثوا ليناضلوا العدو ويواجهوا نيران مدافعه ~~وكان القادة يزورون الحصون ويستحثون الرجال، ولقد أدى الجميع واجبهم رجالا ونساء كبارا ~~وصغارا، ولم تكن ثمة أوسمة أو مكافآت تستحث أولئك الفلاحين على أداء واجبهم، وإنما كانت ~~تثير الحماسة في نفوسهم عاطفة الوطنية والثورة على ما استهدفوا له من فظائع، وهم في مواقفهم ~~البواسل المجهولون الذين لم يفكر أحد فيما تحملوا من آلام ... # وقد بدأ نقل جثث القتلى منذ الساعة العاشرة صباحا، وظلت عربات النقل حتى هبط الليل تحمل ~~الجثث من الحصون وتخترق المدينة إلى شارع محطة الرمل حيث المستشفى العسكري، وهناك كانت تدفن ~~بعد المعاينة بغير احتفال في المقابر المجاورة للمستشفى ... # وكان الجرحى ينقلون إلى المستشفى على عربات النقل، وكان مما يؤلم النفوس حقا منظر تلك ~~العربات تقل الواحدة عشرين أو ثلاثين قتيلا من الأهالي أو الجند وقد شدوا بالحبال على ~~ألواح من ms284 الخشب فوق العربات، والدماء تقطر من أجسامهم ... # وكانت بعض الأمهات يحتضن أبناءهن وهم يلفظون أنفاسهم، وكانت النسوة يجرين جموعا خلف ~~العربات نادبات صائحات، يلعن من كانوا سبب هذه المجازر ... # وكنت واقفا عند منعطف «الإجبسيان بار» فمرت أمامي عربتان تحملان جثث القتلى، ولمحني ~~النسوة هناك فصحن مولولات واستنزلن علي اللعنات؛ إذ كن يلعن كل إنجليزي وكل أوربي، وصرخن في ~~وجهي قائلات: «أتقتلون أبناءنا وتتفرجون على جثثهم؟ اقتلوا هذا، اقتلوه»، وكاد يحاط بي لولا ~~أن رآني أحد رجال الأمن فأنقذني وعاد بي إلى داري، وقد قل رجال الحفظ ولم أعد أرى أوربيا ~~واحدا في الشوارع والحارات؛ فقد خيم السكون الرهيب على هذه الشوارع التي كانت عامرة من قبل ~~بالناس زاخرة بالحياة حتى غدت كأنما هي شوارع مدينة أودى بأهلها الوباء ... # وكانت الدكاكين والنوافذ والأبواب مغلقة في المدينة كلها، وخيل إلي أنني في بلدة محاها ~~الخراب الأبدي، وكانت قذائف الأسطول الضخمة تنصب على المدينة وتخترق أحياءها في كل جهة، ~~وكانت تدور فوق رؤوسنا وهي تدوي في صورة مفزعة، وكانت تدمر المنازل هنا، وتشعل النار هناك ~~وترسل الموت إلى كل مكان ... # وقد مرت من فوق سطح المنزل الذي كنت أقيم به تجاه حمامات كارتوني بالقرب من محطة الرمل ~~خمس قذائف من رسائل «الإنسانية الغربية» على حد تعبير أحد الضباط، وأصابت إحداها مدرسة ~~فدمرتها، وأصابت ثلاث بعض قصور الأغنياء على مقربة من شارع باب شرقي فهدمتها، وقتلت الخامسة ~~11 شخصا وجوادين بأول شارع محرم بك، ولم يقابل هذه القذائف الفتاكة شيء من جانب المصريين؛ ~~فقد رأى عرابي منعا للخراب ألا تشترك قلعتا كوم الناضورة وكوم الدكة في الضرب لوجودهما وسط ~~المدينة ... # وكنت أرى بمنظاري المقرب على بعد 1800 متر على الأكثر طابية قايتباي أو ما تسمى قلعة ~~فاروس، قائمة بالمينا الشرقي في أقصى حاجز الأمواج الأبيض، وكانت هذه القلعة رائعة المنظر ~~ببنائها الضخم وبروزها على صخرة تحيط بها أمواج البحر ومخاطره في ذلك البساط الأزرق من مياه ~~البحر الأبيض المتوسط على صورة تنجذب إليها المشاعر ms285 ... وكان يزينها مسجد بني منذ سنة 1450 ~~للميلاد، تعلوه منارة تعد من بدائع الفن العربي ومن تحفه، مزدانة بالنقوش العربية الجميلة ~~التي يقدرها أصحاب الفنون ... وكانت هذه القلعة هدفا لضرب شديد استمر منذ شروق الشمس حتى ~~تخربت بين الساعة 11 ووقت الظهر ... وكم كانت دهشتي إذ رأيت في نحو الساعة الرابعة مساء ~~سفينتين شامختين من سفن الإنجليز ترابط غربي القلعة وتقذف نيرانها من جديد على هذا البناء ~~الذي هوت معظم مدافعه وانقلبت على الأرض ... # ولكن الإنجليز الذين ضربوا قلعة برج السلسلة وقلعة كوم الدكة ولم تشتركا في الدفاع، قد ~~أرادوا كما يبدو لي هدم هذا المسجد الجميل. # ولم يسكت المصريون تلقاء هذه الوحشية فأطلقوا بعض القذائف من مدفعين كانا لا يزالان ~~قائمين في الجهة الغربية الشمالية من القلعة ... ولكن قذائفهم لم تجدهم شيئا؛ إذ قد ~~انصبت عليهم القذائف الهائلة من السفن، وقد أحصيت بنفسي اثنتين وثلاثين من هذه القذائف تصوب ~~إلى هذا البناء الأعزل الجميل وقد طاش نصفها فلم يصب الهدف تماما، وكانت معظم القذائف تصيب ~~الصخور فتنسفها وتذريها في الهواء، ثم إذا بها تنصب في الماء وتنبعث ثانية في دوي هائل ~~فتبعث في الهواء عمودا من الماء كأنه إعصار بحري لا يقل ارتفاعه عن 60 قدما ألا ما أشد ~~روعة هذا المنظر ...! # وهوى المسجد الصغير المسكين في منتصف الساعة 6 مساء وقد تهدم كله ووقعت أنقاضه على 12 ~~جريحا كانوا يأوون إليه فدفنوا تحت أنقاضه ... # ولقد شاهدت بمنظاري أولئك الجرحى التعساء وهم يأوون إلى المسجد حيث ماتوا، ولم يكن في ~~الإمكان نقلهم إلى المستشفى العسكري تجاه برج السلسلة؛ إذ كانت قذائف المترليوزات المعدة ~~للإجهاز على الجرحى تنصب منذ الصباح متصلة كالمطر فتمنع الصلة بين القلعة والأرض اليابسة ~~على الرصيف الضيق الذي يصلها بالمدينة ... # وانفجر مخزن البارود في قلعة الأطه بعد الظهر بوقت قصير فسكتت مدافع هذه القلعة التي ~~امتازت بقوتها في الدفاع ... # ووقف الضرب من جانب الأسطول في نحو الساعة السادسة مساء، وقد بث الأدميرال سيمور الموت ~~والدمار في ms286 أنحاء المدينة وهو الذي تعهد ألا يضرب إلا القلاع، ورأيت النيران تندلع ألسنتها ~~في جهات كثيرة دون أن يقوى أحد على إخمادها». # هذا ما ذكره جون نينيه السويسري المحايد الذي شهد الحوادث بنفسه، وأهم ما جاء في كلامه ~~شهادته ببسالة المدافعين وقوة روحهم المعنوية على الرغم من تفوق عدوهم عليهم في عتاده، ثم ~~تقريره أن القذائف كانت تنصب على المدينة ذاتها وأنها أحدثت بعض الحرائق، ولهذا القول ~~أهميته؛ لأن الإنجليز الذين دبروا من قبل مذبحة الإسكندرية وألصقوها بعرابي وحزبه قد أحرقت ~~قذائفهم المدينة اليوم فعادوا يتهمون بالحريق كذلك عرابي ورجاله! ~~••• # اشتد ذعر الناس حين سمعوا المدافع ترعد وترسل ~~صواعقها المدمرة على المدينة ولم يكن لهم عهد بمثل ذلك من قبل، وتعاظم الفزع حين سرت ~~الشائعات بين الناس بما حدث من دمار وفتك، وحين رأوا العربات تحمل جثث القتلى والجرحى، ~~ورأوا سحب الدخان من المنازل والأبنية المحترقة تدفعها الرياح في تلك الأحوال، على أن الهول ~~في ذاته كان يغني عن التهويل، فحسب الناس أن تتساقط القذائف عليهم من السماء فتدمر بيوتهم ~~تدميرا ... # لذلك لاذ الناس بالهجرة فهرولوا جموعا إلى المحطة وتزاحموا على القطارات التي أعدت ~~لنقلهم بالمجان، ولم يتحمل كثيرون منهم التزاحم على القطارات فخرجوا من أبواب المدينة إلى ~~حيث يبتعدون عنها فحسب لا يدرون أين يذهبون ولا يقعد بهم التعب من المشي عن طلب النجاة من ~~الهول حتى نزلوا بالقرى والبنادر، وبلغت أفواج منهم القاهرة في حالة تبعث على الرثاء وتطلق ~~عصى الدمع. # وقد وصف الشيخ محمد عبده هذه الهجرة وكان مع عرابي بالمدينة يوم الضرب فقال: «نحو مائة ~~وخمسين ألفا من السكان مجردين من كل شيء أخذوا في الحركة لغير قصد ولا لمأوى، الموت والفزع ~~ملء نفوسهم على شواطئ المحمودية إلى دمنهور وجسر السكة الحديد من دمنهور إلى ~~القاهرة. # كانت المهاجرة تكون خطوطا سوداء تارة عريضة وأخرى رقيقة، متحركة في كل جهة، أشبه بسلسلة ~~إنسانية طويلة، هنا ينزلون، هناك يمشون ببطء، لا وقاية ولا رعاية ... على طرفي تضاد مع ms287 سماء ~~صافية وأرض خضرة نضرة. # أما الهاربون فكانوا كالأعاصير أو كالماء انكسر سده فاندلق، يتصل بعضهم ببعض مزدحمين ~~متراكمين، في حالة عقلية أشبه بالجنون سائقين أمامهم أو حاملين على ظهورهم ما خف حمله من ~~أمتعتهم: حيوان، أثاث ضئيل، ثياب رثة، حتى بعض المفروشات التي لا قيمة لها. # في هذه الحالة - حالة شعب طرد من بيته - كان الحر شديدا، وغيم من الغبار سد الأفق، وأظلم ~~الجو، نساء يبحثن عن أولادهن، يتشاجرون بعضهن مع بعض، يتضاربن في أخلاط لا يمكن التعبير ~~عنها، عربات بلا عجل استعملت مساكن، عربات من كل نوع، بعضها ساقط في المحمودية، بعضها ~~مقلوب، بعضها بالخيل وبعضها بغير خيل، رائحة شواء اللحم، صياح على المارة: الخبز! الخبز!» # 62 # على أن بني مصر قد أحسنوا إيواء المهاجرين، وجادوا بالتبرعات أينما نزل فريق منهم، وظهرت ~~في أجمل مظهر عواطف الوطنية المصرية في القاهرة وفي القرى، وعنيت الحكومة بأمر المهاجرين، ~~فأسكنتهم في القاهرة مدرسة المبتديان بالناصرية، وأمدتهم بما يحتاجون إليه من مأكل وملبس ... ~~••• # في اليوم التالي عاودت الأدميرال العظيم رغبة في الضرب، وقد أسكرته لذة النصر على تلك ~~الحصون البالية كأنما هدمت مدافعه قلاعا اشتد خطرها عليه فأحس ما يحسه الأبطال من نشوة بعد ~~خوض الشدائد. # وعادت مدافعه تضرب المدينة في الساعة العاشرة، وأرسلت قذائفها على طابية قايتباي وطابية ~~الأسبتالية. # وكان مجلس الوزراء قد اجتمع في اليوم السابق للنظر في الأمر برئاسة الخديو وحضره عرابي ~~باشا، وبعد أن تداول الوزراء والخديو قرر المجلس الاتصال بالأدميرال وإبلاغه أن ما كان ~~يطلبه قد تحقق له بضرب الحصون فلا داعي بعد ذلك للضرب وانفض المجلس على أن ترفع في الغد ~~الراية البيضاء وهي راية طلب الهدنة للمفاوضة. # ورفعت الراية البيضاء على بعض الحصون وعلى وزارة الحربية، فتوقف الضرب وذهب طلبة باشا ~~يصحبه ترجمان فصعد إلى ظهر اليخت الخديو «المحروسة» وهناك التقى بمندوب من قبل سيمور ... ~~فسأله عما يريد من رفع الراية البيضاء، فأبلغه طلبه قرار مجلس الوزراء، فأجاب المندوب في ~~صلف وسماجة بأن الأدميرال يطلب ms288 الترخيص له بإنزال جند من بحارة السفن لاحتلال ثلاث قلاع هي: ~~العجمي، والدخيلة، والمكس، فإن لم يأته الرد في الساعة الثانية بعد الظهر استأنف الضرب ... # وهكذا يأبى الأدميرال العظيم أن يتكلم إلا بلسان مدافعه، فليس الأمر أمر تفاهم وإنما هو ~~أمر قوي يملي إرادته على ضعيف لا يملك له دفعا ... # وطلب عصمت باشا أن يطيل الأدميرال ما تفضل به من مهلة؛ ليستطيع أن يبلغ الخديو رده ويعود ~~إليه ... ولكن سيمور رفض هذا الطلب ... # وذهب طلبة باشا فعرض الأمر على الخديو، واجتمع لدى الخديو مجلس ضم الوزراء والكبراء ممن ~~تصادف حضورهم واتفق رأي الحاضرين على أنه لا يجوز لمصر أن تسمح بنزول جنود أجنبية إلى البر، ~~وذهب وفد برئاسة طلبة باشا يبلغ سيمور هذا القرار ... # ولكن الوفد لم يجد أحدا يتصل به؛ إذ عاد مندوب سيمور إلى السفن، وأمر سيمور في نحو ~~الساعة الرابعة باستئناف الضرب فأرسلت أنفنسبل قذيفة واحدة على قلعة المكس، فلم تجاوب ~~القلعة، ثم رفعت الراية البيضاء ثانية على بعض الطوابي، فوقف الضرب، وظلت السفن في موقف ~~القتال حتى الساعة السادسة مساء وأرسل سيمور سفينة إلى الميناء وبها مندوب من قبله فلم يجد ~~المندوب أحدا يتفاوض معه، فعاد ينبئ الأدميرال أن المدينة تبدو وكأن ليس بها أحد ... ~~••• # بلغ عدد الضحايا من المصريين في الإسكندرية نحو ألفين غير من جرحوا، أما الإنجليز فلم يزد ~~قتلاهم عن خمسة وجرحاهم عن تسعة عشر، وقد ذكر عرابي أنه استشهد من رجال الطوابي وحدهم مائة ~~رجل، وقتل هناك امرأتان من المتطوعات كانتا تعنيان بالجرحى ... # أما السفن الإنجليزية، فقد أصيبت أنفنسبل ثلاث عشرة إصابة عطلت ست الأجزاء غير المدرعة ~~منها وجرحت واحدة ستة رجال، وأصيبت سلطان بثلاث وعشرين ضربة وأتلفت سواريها ومدخنتها، ~~واخترقت قذيفتان جدرانها غير المدرعة وتعطلت الزوارق الملحقة بأنفلكسبل، واخترقت قذيفتان ~~درع سوبرب ومدخنتها وقد أصيبت عشر مرات وعطل في بنلوب أحد مدافعها، ولحق ضرر حفيف ~~بألكسندرة على الرغم من أنها أصيبت ثلاثين مرة وعطل مدفعان من مدافعها ... ~~••• # وأما المدينة التي كانت ms289 تراوحها نسائم البحر الندية وتغاديها، فقد اندلعت فيها ألسنة ~~النيران في صورة مروعة كأن الجحيم تزفر عليها بنارها، وقد لبثت النار بها بضعة أيام، وظلت ~~سحب الدخان تتراكم وتنعقد فوق شوارعها الموحشة المتهدمة وخيمت الكآبة على الثغر الذي ماتت ~~بسمته أياما طويلة نتيجة لعدوان سيمور ... # ولقد ذهبت الآراء عدة مذاهب بشأن هذا الحريق، وقد حاول الإنجليز أن يعزوه إلى عرابي كما ~~عزوا إليه من قبل مذبحة الإسكندرية التي اقترفوها، على أن التحقيق فيما بعد قد برأه منها ~~كما برأه من مذبحة الإسكندرية كما سيأتي بيانه في موضعه ... # وذهب جون نينيه إلى أن النيران كانت من فعل قذائف الأسطول، قال عن اليوم الأول: «رأيت في ~~ذلك الصباح عددا كبيرا من القذائف يمر فوق داري، وسقطت بعض القذائف من ذات الحجم الأكبر ~~تحمل اسم «الإسكندرية» في الدار المجاورة لداري، وقد قتلت القذيفة الثالثة من القذائف التي ~~مرت فوق داري أحد عشر رجلا وجوادين عند باب محرم بك، وهدمت وحرقت بيوت كثيرة ومبان في كل ~~ناحية بفعل قذائف السفن». # وقال عن اليوم الثاني: «كان عدد من قبيلة أولاد علي ينهبون دكاكين المدينة وقد دخلوا ~~إليها من ناحية القباري أو باب عمود بمبي، وقد رأيت كثيرين منهم قد قبض عليهم وصودر ما ~~يحملون بأمر من سليمان بك سامي أثناء محاولتهم الهرب من المدينة بمنهوباتهم، وكان عرابي ~~باشا قد أمر قبل مغادرته المدينة بإغلاق هذا الباب لحراسة الشوارع الرئيسية وحفظ النظام ~~فيها، كما أنه ترك فرقتين من الاحتياطي ... # وكان طلبة باشا في الرمل بعد الظهر يفاوض الخديو، وكنت طوال ذلك الوقت في حجرة ميس الضباط ~~قرب باب رشيد! وكان هناك كثير من الباشوات، منهم: محمود سامي البارودي، ومحمود فهمي باشا، ~~وقد غادرت المدينة معهم وعدد من الأطباء والضباط عند الساعة السادسة لألحق بالجيش ... وبعد ~~أن غادرت المدينة حملت الريح الدخان إلى حيث كنا وكانت المدينة تحترق في عدة جهات، ولم ~~يكن في المدينة نار حين غادرناها، ولم يشعل الجند نارا بالمدينة، بل لقد بذلوا كل ms290 ما في ~~وسعهم لمنع امتداد النيران التي سببها الضرب ... ومن الممكن أن يكون بعض جنود الفرقتين اللتين ~~تركتا بالمدينة قد شاركوا البدو في النهب، وكان هذا مخالفا بالضرورة لأوامر عرابي باشا ~~والضباط ... وأستطيع أن أؤكد أنه لم يخطر ببال عرابي باشا أو أحد من الضباط بأي حال أن مدينة ~~الإسكندرية ستحرق بأيدي البدو أو غيرهم، وإني أعلم أن عرابي ومن كان معه من الضباط أظهروا ~~أسفهم ودهشتهم عند رؤية المدينة تحترق عقب مغادرتهم إياها، وعبروا عن أملهم في أن يبذل ذو ~~الفقار باشا - محافظ المدينة ومن أكبر أصدقاء الخديو - ما في وسعه لإخماد النار وإعادة النظام». # 63 # ويقول نينيه في موطن آخر من كتابه: «عرابي باشا» أن عدة عناصر اشتركت في هذا الحريق، منها ~~بعض الأوربيين الذين بقوا في المدينة بقصد النهب، ومنها بعض الأروام والمالطيين من أصحاب ~~الدكاكين؛ كي يطلبوا بعد ذلك تعويضا كبيرا ومنها بعض البدو من قبيلة أولاد علي، وبعض ~~عساكر الرديف، وبعض الأشقياء الذين أخرجوا من سجن الترسانة ... # ويقول الشيخ محمد عبده: «بين من حرقوا الإسكندرية أروام بلباس عرب رؤيت جثثهم بتلك الثياب ~~أثناء الحريق، ومنهم عربان من أولاد علي ممن كانوا على صلة بالخديو، ومنهم من أهالي ~~الإسكندرية، ومنهم أوربيون بقصد المبالغة في التعويضات وذلك بعد أن أخليت الإسكندرية ممن ~~يخشى عليهم». # 64 # وهناك من يذهب إلى أن سليمان سامي داود قائد الآلاي السادس هو الذي أمر جنوده بإضرام ~~النار في المدينة كعمل يقتضيه الدفاع إذا أراد به أن يعرقل نزول الإنجليز إلى المدينة، أو ~~لعله فعل ذلك بدافع الحمق والغيظ من عزم الإنجليز على دخول المدينة، ولقد شهد عليه كثيرون ~~أثناء المحاكمة، وكانت أقواله هو دليلا عليه؛ ففيها ما يشبه الاعتراف، وخاصة اتهامه لعرابي ~~بأنه هو الآمر بحرق المدينة؛ ليتنصل هو من التبعة، يتبين ذلك في مثل قوله: ~~(س1) # هل كان عرابي أعطاك أمرا بالكتابة بحرق المدينة؟ ~~(ج1) # أمرني شفويا ... ~~(س2) # هل يجوز في قانون الجهادية حرق مدينة بناء على أمر شفوي؟ ~~(ج2) # لا ms291 يجوز ... وأنا لم أفعل سوى إبلاغ ما نبه به «ثم قال: إنه ليس متحققا إن ~~كان القانون يجيز ذلك أم لا». # 65 # على أن عرابي في مذكراته يعقب على أقوال سليمان سامي في التحقيق بقوله: «الحقيقة أن ~~سليمان بك سامي لما شاهد هول تأثير مقذوفات سفن الإنجليز حدث له هلع وطيش أثر على مخيلته ~~فصار يتحفز ويميل لعمل غير العقلاء، فبدرت منه كلمات تدل على جنونه كقوله: احرق واضرب يا ~~ولد. في حالة هياجه، وقوله: إني أمرته لكل ما يتخيله في مخيلته، ولكن أجمعت الشهود على أنه ~~لم يفعل من ذلك شيئا، وأنه خرج بآلايه من المدينة قبل الغروب، وأنه ترك المنشية وخرج إلى ~~باب شرقي الساعة 11 عربي ولم يعد إليها، وأن الحريق لم يبتدئ إلا بعد الغروب وبعد خروج ~~العساكر من المدينة كشهادة سعد بك أبو جبل وعلي بك داود وغيرهم، وأن الحريق لم يكن إلا من ~~أوباش الخدم والبدو وغيرهم من الأوربيين والفقراء الذين تخلفوا في مدينة الإسكندرية؛ ~~ليحصلوا على شيء من الصيد والغنيمة، ولذلك لم يقل أحد بأنه رأى سليمان سامي يفعل الحريق ~~بنفسه ولا بغيره، وعلى ذلك يكون سليمان سامي ذهب شهيد طيشه وغضبه والحساب على الله. # وثمة رأي على أعظم جانب من الخطورة، وذلك أن سليمان سامي كان متواطئا وأنه أحرق المدينة ~~بأمره، وقد صرح بهذا الرأي في مجلس العموم الإنجليزي اللورد تشرشل في حملته على وزارة ~~جلادستون سنة 1882 بعد إعدام سليمان سامي، قال صابونجي فيما أورده من كلام تشرشل: إن هذا ~~ذكر في المجلس قوله: «إن الخديو الذي كان يرغب في الذهاب إلى الإسكندرية يوم الأحد ما ~~استساغ الدخول إليها قبل موت سليمان سامي لكي لا يرى بعينيه شنق الرجل الذي أحرق الإسكندرية ~~بأمره وطاعته. «فلما قال اللورد تشرشل هذا الكلام قامت في البرلمان ضجة أعقبتها دهشة» ثم ~~قال الورد تشرشل: «إن الأمر الصادر بحرق الإسكندرية كان مختوما عليه من الخديو نفسه، وأنا ~~أطلب للميدان كل وزراء الحكومة الجلادستونية إذا كان فيهم ms292 من يتجرأ على أن ينكر هذه ~~الحقيقة، وإني أقول علنا أن مستر جلادستون ووزراءه وأحزابه قد ارتكبوا جناية من أقبح ~~الجنايات في قتل سليمان داود، وأن دم هذا الرجل على رأس مستر جلادستون وشركائه إلى الأبد ~~وهم المطالبون به». # 66 # ومما ذكره تشرشل فيما أورده صابونجي أن الحكومة الإنجليزية عجلت بشنق سليمان سامي قبل ~~أن يبوح بأسرار خطيرة تدين الخديو؛ وذلك لأن محاميه طلب بدء التحقيق من جديد، ومواجهته بمن ~~شهدوا عليه ... # ومهما يكن من الأمر، فمن الخطأ أن يرد الحريق إلى سبب واحد من الأسباب التي ذكرت، ~~والمعقول أن تسببه هذه العناصر جميعا، وخاصة قذائف الأسطول وطيش سليمان سامي. # غادر عرابي الإسكندرية على رأس حاميتها، فلندعه الآن ولننظر ماذا كان من أمر توفيق منذ أن ~~أوى إلى قصر الرمل ... # كان مما تحرص عليه الحكومة الإنجليزية أن يظل الخديو منحازا إليها لتمشي عند الحرب ~~بالتفرقة بين الأمة؛ لأن من أكبر المخاطر عليها أن تكون الأمة صفا واحدا حتى ولو غلبت ~~على أمرها؛ لأن إنجلترا في مثل ذلك الوضع لا تستطيع أن تضرب فريقا بفريق كما تفعل في الأمم ~~التي تستطيع أن تجعل منها معسكرين أو أكثر. # ويدلنا على اهتمام الإنجليز بهذا الأمر هذه البرقية التي وصلت من جرانفل إلى كارتريت في ~~اليوم الثاني عشر من يوليو، أي في اليوم الثاني للاعتداء، قال جرانفل: «رأيت أن أرسل إليك ~~هذا لتعمل مع الأدميرال السير ب. سيمور على بذل ما يمكن من المحاولات لاستحضار أنباء بشأن ~~الخديو فإن حكومة جلالة الملكة تحس كثيرا من القلق من جراء الاهتمام بسلامته ويشاركها أهل ~~هذه البلاد» ... # وكان الخديو كما ذكر نينيه يهرول إلى سطح القصر بين حين وحين في اليوم الأول يستطلع أنباء ~~القتال، وكان يخشى جانب الجيش أشد الخوف لما يعرف عنه بينهم من أنه في جانب الإنجليز، وقد ~~نمى إلى علمه أن عديدا من عرب البحيرة بلغ نحو خمسمائة جاءوا في اليوم الثاني للضرب إلى ~~مكان قريب من قصره، فلما سئلوا عن سبب مجيئهم ms293 قالوا: إنهم جاءوا لنجدة الخديو فهم عبيده ~~وخدمه، ثم لم يقف لهم أحد على أثر بعد ذلك. # على أن هناك رواية مؤداها أن سليمان سامي قد أرسل إلى القصر في نفس اليوم نحو أربعمائة من ~~الفرسان بقيادة البكباشي محمود منيب وكتيبة من المشاة، وأحاط هؤلاء بالسراي، فأوجس الخديو ~~خيفة وأرسل يسأل القائد عن سبب وجود هؤلاء الجنود، فأجاب بأنهم جاءوا لحماية الخديو ~~والمحافظة على السراي. # وذهب بعض رجال السراي يذيعون في أنحائها أنهم سمعوا من البكباشي منيب أن هؤلاء الجند ~~جاءوا للقبض على الخديو وإرساله إلى القاهرة. # وذكر طلبة باشا في محضر استجوابه أثناء المحاكمة أن وفدا جاء من قبل الخديو لمقابلة ~~عرابي، وأخبرهم عرابي أنه لا يعلم بما حدث وأرسل طلبة باشا لرفع هذا الحصار فرفعه، ويقول ~~طلبة: إنه قابل الخديو فقال له: «لماذا أحضرتم هؤلاء العساكر وحاصرتم السراي بهم، هل أنتم ~~خائفون أن أهرب؟» # ويقول: إنه بعد عودته من السراي قابل عرابي وسأله عمن أمر بهذا العمل، فأجابه بأن ~~سليمان سامي هو الذي أصدر هذا الأمر. # 67 # ويقول عرابي في مذكراته: «وفي صباح يوم 12 يوليو جاءنا رسول من قبل الخديو يدعونا إليه، ~~فتوجهنا مع راغب باشا؛ تلبية لدعوة الخديو، وكان في الرمل، فأبلغنا بأنه قد حضر نفر من ~~العسكر إلى السراي، وسألني عن سبب حضورهم، فأجبته بأن لا علم لي بذلك، ولعلهم حضروا لتقوية ~~الحرس، فقال: لا لزوم لذلك؛ فإن فرقة الفرسان الموجودة هنا كافية، فاصدر أمرا برجوعهم إلى ~~مكانهم، فتوجهت إلى القشلاق ووجدت أربعة بلوكات من آلاي سليمان بك سامي ومعهم الصاغ علي ~~أفندي أبو غنيمة - أو هشيمة - فسألته عن سبب حضوره مع العساكر إلى سراي الخديو؟ فقال: إن ~~حكمدار الآلاي سليمان بك سامي أمره بذلك، فحضر لتقوية الحرس الخديو، فأمرته بالعودة إلى ~~آلايه مع عساكره لعدم لزوم تلك القوة». # وسواء كانت رواية طلبة أو رواية عرابي هي الصحيحة، وقد تكونا صحيحتين معا، فإن ما يستخلص ~~منهما أن سليمان هو الذي فعل هذا، ولقد كان سليمان ms294 من أكبر المتحمسين الساخطين على الخديو ~~وعلى الإنجليز ... # وفي اليوم الثالث عشر شاور الخديو من كان معه من الأمراء والكبراء ماذا يعمل إزاء احتلال ~~الإنجليز مدينة الإسكندرية، فلم يرض أحد أن يبقى بها وأشار عليه درويش بالسفر إلى بنها ثم ~~إلى السويس، وأشار غيره بالذهاب إلى العاصمة، فما يليق بحاكم البلاد أن يظل مقيما في بلد ~~وقعت في يد أعدائه. # ولكن هؤلاء كانوا يشيرون بذلك، على أساس أن الخديو لا ينتوي شيئا ... # ولكن الخديو فاجأهم بقوله: «إن أهم الأمور أن نجعل الأميرال سيمور على علم بأمرنا إذا ~~أمكن لنا ذلك. # 68 # ويبدو أن الخديو ذهب بنفسه إلى الميناء على ظهر يخت درويش باشا في اليوم الثالث عشر من ~~يوليو؛ فقد أرسل سيمور في هذا التاريخ برقية قصيرة نصها: # علمت أن الخديو ودرويش باشا سالمان على ظهر سفينة في الميناء. # 69 # والذي نلاحظه أن الكتاب الأزرق حريص كل الحرص على أن يقتصد ما أمكن في ذكر حركات الخديو ~~وخاصة ما يظهر نياته الحقيقية نحو الاحتلال ... # وفي اليوم الرابع عشر أبرق سيمور برقية جاء فيها: «لقد أحتلت رأس التين ووضعنا فيها ~~بحارة ومدفعية كما وضعنا ست بطاريات تواجهها، لا تزال الإسكندرية تحترق، ولكني أرفع الأنقاض ~~من الشوارع، والخديو سالم في قصره يحرسه 700 من البحارة». # 70 # والواقع أن الخديو آثر أن يخطو الخطوة الأخيرة، وقد اطمأن إلى قوة الإنجليز فانضم إليهم ~~صراحة، ونأى بجانبه عن السلطان ومندوب السلطان، أما المصريون وقادة الحركة الوطنية فما كان ~~يعترف بهم في يوم ما. # أرسل الخديو إلى سيمور رسولا يخبره أنه اعتزم الحضور إلى سراي رأس التين ومعنى ذلك أنه ~~اعتزم أن يكون في رعاية الإنجليز وحمايتهم وأنه اختار لنفسه ما يحلو له ... # قال بلنت يتحدث عن حصار قصر الرمل: «كان ذلك في الواقع لكي يبقى توفيق تحت المراقبة وبقصد ~~أن يرسل إليه عرابي أنه نظرا لأن سيمور يهدد بإعادة الضرب فإنه يرى أن يسحب الحامية، ويدعو ~~الخديو إلى أن يبتعد معهم عن مرمى مدافع الإنجليز ms295 ومن ثم يذهب إلى القاهرة ... وكان يجب على ~~عرابي بغير شك أن يذهب بنفسه مرة ثانية ليرى أن هذه الدعوة لم تهمل لأي عذر من الأعذار، وأن ~~يحمل معه توفيق بالقوة أسيرا إذا لزم الأمر، فإن مثل باي تونس كان أمامه، وكان لديه مما ~~جربه بنفسه من أساليب الخديو ما يكفي لأن يجعل من المستحيل أن يكل شيئا إلى شرفه ... ولقد ~~كان إهمال عرابي هذا الأمر من الأخطاء الجسيمة. # على أن عرابي كان مشغولا في الصباح بحركة إخلاء المدينة من الجند، بحيث لم يكن لديه وقت ~~ليذهب ثانية إلى الرمل، وتمكن الخديو بعد الظهر بما بذل من «بقشيش» - كما أخبر بذلك أصدقاؤه ~~الإنجليز - أن يفلت من حرسه إلى الإسكندرية في نفس القطار الذي أرسل ليحمله إلى القاهرة ~~وهناك وضع نفسه صراحة تحت حماية سيمور! وقد أخذ معه جميع من كانوا في القطار بما في ذلك ~~درويش والوزراء، وبذلك أظهرهم إلى حد ما شركاء له في خيانته». # ويؤيد كلام بلنت برقية من كارتريت في اليوم الثالث عشر من يوليو جاء فيها: «عاد الخديو من ~~الرمل إلى الإسكندرية في الساعة الرابعة بعد ظهر اليوم بعد أن ضمن ولاء الحرس والجند ~~والفرسان الذين تركهم عرابي لمراقبته». # 71 # وأرى أن إشارة بلنت إلى «البقشيش» وإشارة كارتريت إلى ضمان ولاء الحرس تلقي ضوءا عل ~~الرواية القائلة بأن البكباشي منيب انشق ومعه نحو 250 من الجند الذين أرسلهم سليمان سامي، ~~وأعلن ولاءه للخديو وأقسم أنه وجنوده يموتون بين يديه إذا دعت الضرورة # 72 # ولئن صحت هذه الرواية، رأينا في هذا العمل أولى بوادر الانقسام وأولى خطوات ~~الهزيمة في الجيش المصري. # وبلغ الخديو السراي في الساعة الرابعة بعد ظهر يوم 13 يوليو فإذا الحرس ببابها من جنود ~~البحرية البريطانيين وإذا بالأدميرال سيمور يتلقاه في ساحتها يحيط به عدد من كبار رجاله، ~~ولقد هنأوا الخديو بسلامته، ودخل توفيق القصر ومن هناك سوف يعود إلى عاصمة بلاده في حماية ~~جيش الاحتلال، فيتلقاه في قصره الثاني قواد الاحتلال مهنئين بسلامة ms296 الوصول كما استقبله في ~~الإسكندرية سيمور ... # وهكذا نرى الأمة من أول الأمر فريقين: أولياء الاحتلال وعلى رأسهم الخديو ونفر ضئيل من ~~المصريين، والمجاهدين الأحرار يقودهم عرابي ومن ورائهم الأمة المصرية كبراؤها وعلماؤها ~~وفلاحوها ... ونعود فنكرر القول: إن موقف الخديو هذا سوف يكون أقوى عامل في نجاح الإنجليز ... # وبعد فهذه قصة العدوان الغادر على مصر، قصة البغي الأكبر على بلاد كل ذنبها أنها تطالب ~~بالحرية، والحكم الدستوري أسوة بأوربا المتمدنة، ومن أعظم الأمور إثارة للنفوس وأدعاها إلى ~~الكفر بمدنية الغرب ومبادئه أن يأتي هذا العدوان على يد رجل مثل جلادستون ... بيد أن المطامع ~~الاستعمارية وإقامة صرح الإمبراطورية شيء، ومبادئ القومية والحرية شيء آخر! ولكن متى يفهم ~~ذلك المغترون بضلال أوربا؟ # على أن الحرية لا تعدم أنصارا حتى في أحلك الساعات وإن لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا؛ فقد ~~استقال مستنكرا الضرب المستر جون برايت أحد أعضاء وزارة جلادستون؛ لأن ضميره وذمته لم ~~يتسعا لهذا العدوان الذي وصفه بأنه «انتهاك صارخ للقانون الدولي ومبادئ الأخلاق». # ولقد احتج أحد نواب الأحرار على العدوان في الثاني عشر من يوليو بمجلس العموم قائلا: ~~«إنه شناعة دولية وعمل ينطوي على القسوة والجبن والإجرام». # ويقول روثستين في كتابه المسألة المصرية: «يا له من تدهور في عالم الشهرة والمبدأ مؤلم ~~للنفس وقد يكون أشد مما شاهدناه في أيامنا مدة حرب البوير». # وقال كذلك: «إن إنجلترا قد خرقت حرمة القانون الدولي وأتت أمرا همجيا لم يسبق له مثيل، ~~أمرا لو صدر من دولة أضعف منها لحوسبت عليه حسابا عسيرا» ... ~~••• # وإنه ليحلو لبعض الكتاب والمؤرخين أن يعيبوا على عرابي وأنصاره أنهم تركوا حصون ~~الإسكندرية ضعيفة فلم تستطع مقاومة السفن الإنجليزية بسبب ذلك، ولا ندري كيف يلقون هذا ~~القول ولا يتذكرون أنه طالما كان الخديو في صف الإنجليز والفرنسيين منذ حضرت سفن الدولتين، ~~لم يكن في وسع الوطنيين عمل شيء، ولقد قبل الخديو المذكرة المشتركة وقبل استقالة الوزارة ~~الوطنية بمجرد أن واتاه شيء من القوة ... # ألا فليعلم هؤلاء العائبون أن الخلاف الداخلي ms297 الذي فصلنا قضيته كان سبب كل ضعف، وماذا عسى ~~أن يصنع حزب وطني في البلاد يخاصمه الخديو من أجل تمسكه بالحكم المطلق ورغبته في القضاء على ~~الدستور؟ # هل كانت تستطيع وزارة البارودي أن تعد العدة لمحاربة إنجلترا والخديو الذي يملك حق ~~إبعادها عن كراسيها في صف الإنجليز؟ # على أن عرابي قد بذل في وزارته جهدا محمودا في إصلاح الحصون ولولا إسقاط وزارة البارودي ~~لكان يرجى أن يسير في هذه السبيل حتى يتم ما بدأه. # 73 # لقد قامت القيامة وأنذر الإنجليز الدنيا بالويل لنبأ من مفترياتهم هم، ألا وهو ما زعموه ~~من تحصين في قلاع الإسكندرية واتخذوا من ذلك وسيلة لإنذارهم مصر ثم الاعتداء عليها، فكيف ~~يجوز في عقل عاقل أن يقال: إن الوزارة ملومة لأنها لم تقو الحصون؟ ~~••• # فإذا أضفنا إلى ذلك أن عمل إنجلترا كان مفاجئا لا لمصر وحدها لكن للمؤتمر الدولي القائم ~~في الآستانة تبين لنا مبلغ ما في هذا اللوم من ضعف وسخف ... # على أن الوطنيين قد جاهدوا في الوطن حق جهاده وأبوا أن يسلموا بما طلبت إنجلترا إلا ~~مكرهين، ولم يفروا أو يتخاذلوا من ضعف أو مباغتة ... # والأن بعد أن أقدمت إنجلترا على عملها الإجرامي المعدوم النظير، وبعد أن ألقى الخديو ~~بنفسه في أحضانهم، ستجاهد الأمة المصرية أصدق الجهاد، وستعد ما استطاعت من قوة ومن رباط ~~الخيل، وستبدو وطنيتها وحميتها قوية رائعة على الرغم من قعود نفر من بنيها من الإمعات ~~والمستضعفين والطامعين ... # | عرابي بطل الجهاد # رأى عرابي نية الخديو قبل عودته إلى رأس التين، وإنه ليعلم ما يكنه توفيق في نفسه للحركة ~~القومية منذ يوم عابدين ... # لذلك أيقن عرابي وأصحابه أن الحرب غدت أمرا محتما بين الأمة المصرية وبين إنجلترا، ~~ورأوا أن الإسكندرية لا تصلح ميدانا للقتال، وأن الدفاع عنها بعد تحطيم حصون الشواطئ ~~مستحيل، وهو أكثر استحالة بعد انضمام توفيق إلى الإنجليز ... # وكان الخديو يأمل أن يدافع عرابي زمنا عن قلعة العجمي، وبذلك يستطيع الإنجليز أن ينزلوا ~~جندا يقطعون عليه الطريق ويأسرونه في الإسكندرية، ms298 يقول بلنت في ذلك: «لقد كان جيشه جيشا ~~مكسورا، ولو أنه لم يفقد روحه المعنوية إلا أنه كان من السهل أن يصل إلى ذلك لو أن قوة ~~صغيرة نزلت من السفن واستولت على السكة الحديد وقطعت طريق ارتداده، ولقد كان من المؤكد في ~~خطة الإنجليز أنهم كانوا يريدون تطويق عرابي إذا أمكن، وربما كانت تلك الحمية التي بدت في ~~الدفاع على غير ما كان منتظرا، أو كانت خدعة الراية البيضاء هي التي حالت بين سيمور وبين ~~إنزال جنده». # 1 # ولذلك حنق توفيق على عرابي لانسحابه، ولم يكن مبعث حنقه أنه ترك المدينة بغير دفاع كما ~~سيزعم عند الضرورة، قال عرابي في تقريره الذي كتبه إلى محاميه المستر برودلي في السجن: ~~«أصدر الخديو أمره في مجلس الوزراء إلى جنودنا ليحتلوا قلعة العجمي ويمنعوا نزول الجنود ~~البريطانية، فأفهمت سموه أن المشاة لا يستطيعون ذلك؛ لأنهم يتعرضون بذلك لنيران مدفعية ~~السفن كثيرا، ويكونون عرضة كذلك لأن يقطع عليهم الطريق إلى الإسكندرية، فظهر على الخديو ~~الغضب وقال: «لماذا تسمون أنفسكم جنودا إذا كنتم لا تستطيعون أن تمنعوا عدوا من أن ينزل ~~جنوده في بلادنا؟» # 2 # لذلك انسحبت الحامية لتتخذ مكانا حصينا يصلح لإقامة خطوط الدفاع عن داخل البلاد، وقد ~~اتخذت جهة كفر الدوار موقعا لهذا الدفاع. # وهكذا ينتقل تاريخ الثورة القومية إلى فصل جديد، هو الحرب بين مصر الناهضة بالأمس القريب ~~مما رزحت تحته زمنا طويلا من الحكم الفردي المطلق، والتي لم تستوف أسباب القوة المادية ~~بعد أن حطمت الدول قوى محمد علي، وبين إنجلترا ذات الإمبراطورية التي لا تغيب عنها ~~الشمس! # ولم يكن أمام مصر إلا أن تختار أحد سبيلين: التسليم بالاحتلال وما يقضي به على نهضتها ~~القومية الحرة وقبول هذه المذلة طائعة مختارة، أو الحرب التي تبذل فيها الأموال والأنفس ~~والتي تنتهي إما إلى نصر يتحقق به كل شيء، وإما إلى هزيمة تذهب بكل شيء إلا الشرف والكرامة ~~... # واختارت مصر السبيل الثانية تحت راية عرابي، وتركت للخديو ومن شايعه السبيل الأولى، وما ms299 ~~كان لعرابي وأصحابه أن يفعلوا غير ما فعلوا وإلا كانت حركتهم القومية ونهضتهم الإصلاحية ~~هزرا ولعبا من أول الأمر، وما كانت لعمر الحق إلا الجد كأعظم وأجمل ما يكون الجد. # يقول بلنت في هذا الصدد: «إن خير صفات عرابي - كما أعتقد - هي إصراره على ألا ينصرف عن ~~وضع كان هو الأصل في إعلانه وذلك أنه وإن كان على استعداد لأن يسالم الدنيا كلها، إلا أنه ~~كان يرى من واجبه أن يدفع عن وطنه كل عدو مغير ... وهذا قد أدى لبني وطنه في تلك الأسابيع ~~خدمة لا تقدر، خدمة أرى أن من الحق أن يذكر بها، فليس هناك شيء أكثر يقينا من أنه لو كان ~~عرابي أقل عنادا مما كان في رفضه التهديد أو الرشوة # 3 # عندما طلب إليه مغادرة مصر ولم تنشب الحرب تبعا لذلك، لبقي الفلاحون كما كانوا ~~سنة 1880 عبيدا لسادتها الأتراك وعبيدا للأوربيين، وماذا يرى أي وطني ما كان يمكن أن ينتج ~~من إذعان عرابي؟ أهو حرية من أي نوع؟ أهو استمرار لحكم الشعب نفسه؟ أهو حكم أجنبي أخف وطأة ~~مما هو عليه الآن؟ # 4 # لا شيء من ذلك يقينا، إن ما كان ينتج يتضح في النظام الذي أقيم في القاهرة عقب ~~الحرب، أنه كان لا يخرج عن نوع من استبداد الشرطة والغدر والعقوبات الخفية، دون أن يخفف من ~~ذلك أي اهتمام بعد بالقومية المصرية كما ينظر إليها بالمعنى المفهوم في أوربا، ومن الممكن ~~من الوجهة الشكلية أنه كان يسمح لمجلس من الأعيان أن يظل يعقد بعض جلسات، من قبيل ما يسمى ~~هيئة استشارية، ولكنه لن يكون ذا قوة كما أنه لن تكون له قط روح وطنية، وكان يعاد الحكم ~~الشركسي أشد مما كان، وكانت تحرص الرقابة المالية - وقد قويت شوكتها بسلطة سياسية جديدة، ~~واهتمت بأمور مالية ومصالح أوربية بحتة - على ألا تحرر الفلاحين من سادتهم الأتراك وقد غدا ~~هؤلاء الأتراك عبيدا لأوربا، وكانت تذهب أسطورة الحركة القومية للفلاحين هباء في صورة ~~مشينة؛ لأن الشعب الذي لم ms300 يجرؤ قط على الدفاع عن وجوده جدير بالاحتقار ... وكانت المطبوعات ~~القومية تهوى إلى مثل ما هوت إليه في تونس، وكان لا يجد المرء أثرا للحرية المدنية ولا ~~للحرية الشخصية ولا لأي اعتبار للحقوق القومية، وكانت مصر في الواقع ترى كما رؤيت سنة 1883 ~~أرضا لا يستطيع المرء فيها أن يزيد على الهمس ولا يأمن جاره أن يشي به ... # وقد خلص عرابي بني وطنه على أقل تقدير من هذا كله ... ولئن لم يتفق لهم أن يروا فيه ~~جنديا كما رأوا فيه وطنيا، فإنه أنقذهم من وصمة شنيعة، وتلك أنهم لم يحاربوا قط في ~~المرة الوحيدة التي أتيحت لهم في مدى تاريخهم حين واتتهم الفرصة ليدافعوا عن حريتهم». # 5 # وإن عبارة بلنت هذه لتلخص القضية كلها أبلغ تلخيص وأجمله، وما نجد خيرا منها نسوقه للذين ~~ينعون على عرابي أنه حارب، ويقولون في سذاجة مثيرة: إنه حارب فجلب البلاء على مصر. كأنما ~~كانت هذه الحرب لعبة طرأت على خياله فلعبها ... أو هكذا يفكر هؤلاء كما يفكر الصبيان ... # وقفت مصر إذن تدافع عن حريتها وعن شرفها، وتخوض حربا لأول مرة في تاريخها تحت قيادة فلاح ~~من أبنائها يعاونه في القيادة فلاحون مثله، فإما إلى النصر وإما إلى القبر ... وهي في أقل ما ~~توصف به مظاهرة للشرف والكرامة ... ~~••• # أعلنت الأحكام العرفية في مصر ابتداء من اليوم الحادي عشر من يوليو؛ فقد أرسل راغب باشا ~~إلى جميع المديرين برقية هذا نصها: «حيث ابتدأت الحرب بيننا وبين الإنجليز فبمقتضى القانون ~~تكون الإدارة تحت أحكام العسكرية، والخيول والبغال الموجودة جميعها بالمديريات والمحافظات ~~ترسل لديوان الجهادية بأثمان موافقة على الجهادية فليسرع بالمبادرة بإرسالها». # 6 # وهذه البرقية صريحة في أن الحرب ابتدأت بين مصر وبين الإنجليز، وصدورها من رئيس مجلس ~~الوزراء لن يكون إلا بإذن من الخديو ... # ومنذ أن قرر الخديو مجلس وزرائه رفض الإنذار النهائي تعتبر البلاد في حالة حرب مع ~~إنجلترا، وقد أصدر الخديو أمره إلى عرابي باشا بدعوة 25000 من الاحتياطي بالأقاليم، هذا وإن ~~القرار الذي اتخذه ms301 مجلس الوزراء في اليوم العاشر من يوليو، ذلك المجلس الذي كان عرابي ~~غائبا عنه، والذي أشار إليه اللورد راندلف تشرشل في مجلس العموم متعجبا من أن الكتاب ~~الأزرق أغفل نشره ومبينا أن مرد ذلك إلى أنه صريح في أن توفيقا أعلن الحرب على إنجلترا، ~~نقول: إن ذلك القرار كان ينص نصا صريحا على أن الحصون سترد على ضرب الأدميرال بعد ~~القذيفة الخامسة من جانب السفن # 7 ~~... # ولينظر القارئ بعد هذا فيما كان من راغب وتوفيق في هذا الجهاد القومي الذي لم يكن لعبة ~~وإنما كان حياة أو موتا لأمة ... # أرسل راغب باشا في اليوم الخامس عشر من يوليو إلى وكيل وزارة الجهادية بالقاهرة يطلب إليه ~~إعادة المهاجرين إلى الإسكندرية؛ لأن الحالة قد تحسنت وأن «جميع من خرجوا من البلد جاز ~~رجوعهم إليها وإن أبوا العودة أرسلوهم ولو جبرا». # 8 # وكان راغب باشا يريد أن يقول: إن البلاد ليست في حرب مع الإنجليز مع أن الإنجليز قد ~~احتلوا الإسكندرية فعلا منذ غادرتها الحامية واتخذوها قاعدة يزحفون منها إلى داخل البلاد ... # وهكذا ينقلب راغب فإذا هو من الإمعات، وإذا هذا الشيخ الذي نيف على السبعين يختار أن يختم ~~حياته أسوأ خاتمة ... # ولم يقف راغب عند هذا، بل كتب في اليوم السابع عشر من يوليو إلى الأدميرال سيمور يقول - ~~وما أسخف وأشنع ما قال: لي حظ الشرف أن أعلن لحضرتكم أن عرابي يشتغل الآن بإعداد وسائل ~~للدفاع، وذلك مخالفة لأوامر الجناب الخديو، وقد صدر له الأمر بالكف عن هذه التجهيزات، ~~فكونوا إذن على علم بأن الجناب الخديو عزم على عزله من وظيفته، فهو لذلك وحده المسؤول عما ~~يحدث، فأرجوكم أن تعلنوا مآل هذه الرسالة إلى حكومة جلالة الملكة». # 9 # وإن المرء ليتملكه العجب والأسف معا، بل الحزن العميق؛ أن يرسل رئيس وزارة مسؤول كلاما ~~كهذا إلى أدميرال دولة أجنبية معتدية لا تزال أرض الوطن مخضبة بدماء من فتكت بهم قذائفها في ~~غير مسوغ! # وهل غدا سيمور حاكم البلاد الشرعي حتى يكتب له راغب ms302 هذا الكلام؟ كلا فلن يزال توفيق ~~حاكمها الشرعي من قبل السلطان الذي عينه، ولكن سيمور قد غدا صاحب النفوذ الفعلي في ~~الإسكندرية على الخديو الذي لاذ به وعلى الوزراء الذين أصبحوا منذ أن صحبوا توفيق إلى رأس ~~التين أشبه بسجناء في المدينة ... # وليس أدل على ما بات لسيمور من سلطة من ذلك المنشور الذي أصدره باسم الخديو في اليوم ~~السابع عشر من يوليو يحث فيه الناس على الهدوء والنظام ويعلن إليهم أنه مكلف بذلك من جانب ~~الخديو ... # وهكذا أخذ الإنجليز يخطون خطواتهم نحو احتلال البلاد ~~والسيطرة عليها باسم الخديو والدفاع عن الخديو الحاكم الشرعي أمام العصاة الثائرين من بني ~~شعبه، تلك الدعوى التي ادعوها منذ حضور سفنهم، والتي ألقوها في روع الخديو منذ يوم عابدين ... # ولن يفسر عمل راغب إلا بأنه تم بعد اتفاق بينه وبين سيمور وتوفيق، وهذه بديهية لا تحتاج ~~إلى دليل ... # وأدهى وأمر من فعلة راغب وأدعى إلى الأسف والألم والدهشة جميعا برقية الخديو الآتي نصها ~~والمرسلة في اليوم السابع عشر من يوليو إلى عرابي بكفر الدوار؛ حيث أخذ يبني خطوط الدفاع عن ~~الوطن في نشاط وبسالة، قال توفيق - وما أعظم ما تحس النفس من ألم وثورة تلقاء ما قال: ~~«اعلموا أن ما حصل من ضرب المدافع من الدوننمة الإنجليزية على طوابي الإسكندرية وتخريبها، ~~إنما كان السبب فيه استمرار الأعمال التي كانت جارية بالطوابي وتركيب المدافع التي كلما ~~يصير الاستفهام عنها كان يصير إخفاؤها وإنكارها، والآن وقد حصلت المكالمة مع الأميرال، ~~فأفاد أنه ليس للدولة الإنجليزية مع الحكومة الخديوية أدنى خصومة ولا عداوة، وأن ما حصل ~~إنما هو في مقابلة ما كان من التهديد والتحقير للدوننمة، وأنه إذا كان بيد الحكومة الخديوية ~~جيش منظم وممتثل ومؤتمن فهو مستعد لتسليم مدينة الإسكندرية إليها، ولذلك إذا حضرت عساكر ~~شاهانية فالحكومة الإنجليزية تحترمهم وتسلم إليهم المدينة؛ فقد تحقق من هذا أن الدولة ~~الإنجليزية ليست محاربة مع الحكومة الخديوية وأنه تقرر من كافة الدول المعظمة بالقونفرانس # 10 # بأنه لا يصير مس ms303 امتيازات الحكومة المصرية ولا حريتها، ولا مس حقوق الدولة ~~العلية، بل هي تبقى ثابتة لها كما كانت، ولن يصير إرسال عساكر شاهانية لأجل استتباب الراحة ~~بمصر، فلذلك يلزم أن تصرفوا النظر عن جمع العساكر وعن كافة التجهيزات الحربية التي تجرونها ~~بوصول أمرنا هذا، وتحضروا حالا إلى سراي رأس التين لأجل إعطاء التنبيهات المقتضية الشفاهية ~~على حسب أمرنا هذا وما استقر عليه رأي مجلس النظار». # 11 # وفي هذه البرقية العجيبة - الذي لا ينتهي عجبنا منها - يحمل توفيق عرابيا تبعة ضرب ~~الإسكندرية ويعلن حسن مقاصد الإنجليز وأنهم لا يبتغون إلا الخير لمصر! ويقول: «إن سبب ~~الضرب يرجع إلى الأعمال التي كانت جارية بالطوابي وتركيب المدافع التي كلما يصير الاستفهام ~~عنها كان يصير إخفاؤها وإنكارها»! # وتناسى الخديو أنه أرسل برقية إلى السلطان في اليوم السابع من يوليو ينفي فيها حدوث هذه ~~الأعمال التي يشير إليها، ويقول: «إن التأكيدات أرسلت إلى الأدميرال بنفيها». # 12 # وكانت دعوة عرابي إلى الإسكندرية خدعة مكشوفة لا تجوز على أبسط الناس عقلا؛ بغية القبض ~~عليه بحجة أنه ثائر متمرد خارج على إرادة الخديو داع إلى الفوضى، ولسنا بحاجة إلى تلمس ~~الدليل على صحة ما نقول، فحسبنا أن نورد نص البرقية الآتية التي أرسلها كارتريت إلى جرانفل ~~في اليوم الخامس عشر من يوليو، قال: «قلت النار قلة محسوسة، يعود الأوربيون إلى المدينة، ~~أنشئ شرطة من الوطنيين ليعملوا مع البحارة الأمريكان، أبرق عرابي باشا هذا الصباح من كفر ~~الدوار إلى الخديو يقول: إنه سوف يسر سموه أن يعلم أن الرديف قادمون ليساعدوه في محاربة ~~الإنجليز وأجاب الخديو بدعوته إلى هنا، إذا حضر فسيقبض عليه، وإذا رفض فسيعلن عصيانه وخروجه ~~على القانون، القاهرة هادئة كما نعتقد، الشعور القومي إلى أقصى ما نستطيع أن نراه في جانب ~~الخديو، مع عرابي نحو 400 جندي». # 13 # والواقع أن الخديو كان قد فرغ من عرابي وقضى فيه قضاءه بعزله من وزارة الجهادية قبل أن ~~يستدعيه إلى الإسكندرية بيوم، تجد ذلك صريحا في برقية لكارتريت بتاريخ اليوم ms304 السادس عشر من ~~يوليو جاء فيها: «أتشرف بأن أخبركم أن الخديو عزل عرابي باشا من منصب وزير الجهادية، وأصدر ~~أمره بمنع جميع المصريين من مساعدته وسيذاع هذا الأمر بكافة الوسائل التي في متناول سموه ~~وبناء على اقتراح الخديو أنفذ الأدميرال السير بوشامب سيمور سفينتين من سفن جلالتها إلى أبي ~~قير؛ مخافة أن يقطع عرابي الساحل ويدع ماء البحر يطغى». # 14 # وهكذا يعزل توفيق عرابيا قبل أن يستدعيه، ولم يعلن قرار العزل رسميا إلا في اليوم ~~الثاني والعشرين من يوليو. # ولندع لعرابي الرد على توفيق؛ فقد أبرق إليه ردا على برقيته يقول: «مولاي ... في شريف علم ~~مولاي المعظم أن الحرب التي وقعت بيننا وبين الإنجليز، وبلغت مسامع عظمتكم، وعرضت على مجلس ~~نظاركم - المنعقد تحت رئاسة سموكم بحضور كثير من أعيان البلاد المنتخبين ودولت درويش باشا ~~نائب الحضرة السلطانية - ولما تحقق عند جميعهم أن هذه الطلبات مضرة بالحكومة الخديوية ومخلة ~~بشأن البلاد، استقر رأيهم على معارضة طلب الأميرال ولو أدى ذلك إلى الحرب، وبناء على ذلك ~~قرر المجلس لزوم زيادة 25000 عسكري، وصدرت الأوامر إلى المديريات بطلبهم، وقرر المجلس أيضا ~~أنه لا تطلق المدافع من جهتنا إلا بعد إطلاق خمسة مدافع من السفن الإنجليزية، ولما ابتدأت ~~السفن بضرب النيران على مدينة الإسكندرية لم نقابلها إلا بعد عشرين طلقة، ولم يكن عندنا قبل ~~وقت الضرب أدنى استعداد، لاستمرار الأوامر بعدم الاستعداد، ثم بعد ذلك أعلن حضرة رئيس مجلس ~~النظار وناظر خارجية حكومتكم إلى جميع جهات الإدارة بصيرورة البلاد حربا مع الإنجليز، ~~وأنها صارت تحت الأحكام العسكرية كما هو حكم القانون زمن الحرب ... فلهذه الأسباب يا مولاي ~~تكون حكومتكم الخديوية المصرية محاربة لدولة الإنجليز بوجه الحق والشرع، ولم يحصل من ~~الحكومة ولا من عساكرها أدنى تحقير ولا ازدراء بالدوننمة كما هو معلوم لدى عظمتكم، وإنما ~~كانت الحرب عدوانا من الإنجليز على الحكومة التي لم يبد منها أي شيء يستوجب الحرب، فإن كان ~~الأميرال في مخابرته مع سموكم أظهر أنه عدل عن الحرب إلى السلام ms305 فذلك بعد وقوع الحرب يعد ~~طلبا للصلح وسعيا في تجديد العلاقات، ولا يجوز أن يكون إنكارا للحرب بالمرة وتبرأ من ~~العدوان بعد وقوعهما، ولا شك في أني أطابق أفكار سموكم في الميل إلى الصلح مع حفظ شرف ~~البلاد والحكومة، وإن كان الأميرال يريد تسليم المدينة لجيش حكومتكم المنظم بعد أن تخربت ~~بمدافع السفن الإنجليزية هدما وحرقا فها هو جيشها المنظم الذي لم يقع منه أدنى أمر يخل ~~بنظامه، مستعد؛ لأن يستلمها بعد سحب السفن عن مياه الإسكندرية، وللمحافظة على شرف حكومتكم ~~الوطنية ينبغي الاستمرار على الاستعداد العسكري كما وافق رأي سموكم أولا حتى تنسحب السفن ~~من السواحل المصرية خوفا مما عسى أن يحدث من قبيل ما سبق؛ فقد صارت الحادثة الماضية ~~برهانا جليا على أن الوعد بالسلام من الإنجليز لا يمكن الثقة به، وإنما هو لأجل شغلنا عن ~~الاستعداد واقتراح مطالب مضرة بمصالح البلاد، وإنني كنت أتمنى أن تمثل بين يدي عظمتكم ~~لإبداء هذه الملاحظات، لكن من الأسف أنه تحقق عندي من الاكتشافات الحقيقية أن مدينة ~~الإسكندرية مشغولة الآن بعساكر الإنجليز، فمن المعلوم عند مولاي أنه لا يمكنني الحضور بتلك ~~المدينة لهذا السبب، فإذا حسن لدى مولاي، فليصدر أمره السامي بحضور حضرات النظار أو سعادة ~~رئيس مجلس النظار إلى مركز الجيش للمداولة في هذا الأمر، لنكون على بينة من الحقيقة حتى ~~يمكننا بعد ذلك صرف العساكر وترك التجهيزات الحربية والحضور إلى المدينة، والأمر لمن له الأمر». # 15 ~~••• # ووقف عرابي في خطوط دفاعه، لا لينتظر شيئا من الخديو بعد ذلك، ولكن لينتظر كلمة الأمة ~~المصرية تحكم بها بينه وبين الخديو وأعوانه من الإنجليز والخوارج من المصريين، وعما قليل ~~ستأتيه الأنباء من أعماق مصر بأن الأمة التي مجدته بالأمس زعيما قوميا مناضلا في سبيل ~~حريتها ودستورها، ستنطوي اليوم تحت لوائه قائدا مجاهدا مدافعا عن الحرية التي استخلصها ~~لها، وعن الدستور الذي حرس مهده، وعن شرفها الذي يمتحنه ببغية الاحتلال ... # وحسبه مجدا وفخرا وجزاء بما جاهد وصابر أن ترى فيه أمته رمز الخلاص ms306 وبطل الجهاد ... # | نصرك الله يا عرابي # ما ذاعت في القاهرة والأقاليم أنباء ما فعل الإنجليز في الإسكندرية وما كان من موقف ~~الخديو بعد ذلك، وما ذاع رد عرابي على استدعاء توفيق إياه حتى امتلأت القلوب عطفا على ~~عرابي وإجلالا له، وازدادت محبة الناس له أضعافا مضاعفة، وصار من الكلمات الشعبية التي ~~يسمعها المرء في المدن أينما سار في شوارعها ودروبها وأينما حل في مقاهيها ومتنزهاتها، وفي ~~القرى أينما وجدت شمالا أو جنوبا تلك الكلمة التي غدت شعار الشعب وهي: «الله ينصرك يا عرابي» # 1 ~~... # ولم تقتصر الأمة على الهتاف والدعاء، فلسوف نرى أنها بذلت من أبنائها ومن أقواتها ~~وأموالها ما هو خليق أن يسجل لها في تاريخ الحركات القومية مثلما يسجل للأمم الأبية الكريمة ~~من دواعي الفخر ... ~~••• # فطن عرابي منذ أن جاءته برقية الخديو إلى أن الإنجليز من أول الأمر سيتخذون من الخديو ~~أداة لتحقيق أغراضهم، وكان أول اتجاه نحو هذا أن يصدر قرارات ضد عرابي تذيع الانقسام في ~~البلاد ... # لذلك رأى أن الظروف تحتم عليه أن يقضي على هذا السلاح، فبادر بإرسال برقية إلى جميع ~~المديريات والمحافظات يعلن فيها للناس انضمام الخديو إلى الإنجليز ويحذرهم من اتباع أوامره ~~ويدعوهم إلى الاستعداد وجمع ما يلزم للقتال # 2 ~~... # وأرسل عرابي برقية أخرى يعلن فيها للمديرين أن الوزراء أسرى عند الخديو وأنه يريد أن يتخذ ~~منهم أداة لتنفيذ أغراضه في شل حركة الدفاع عن الوطن وعلى ذلك فليعلم الحكام والمديرون أن ~~ما يأتي من رئيس الوزراء من البرقيات بطلب الكف عن الاستعداد إنما هو مجبر عليه فلا طاعة ~~له، وأن الذين يخونون وطنهم لا يكون جزاؤهم العقاب وفق قوانين الحرب فحسب، بل سيلعنون في الآخرة # 3 ~~... # وأرسل كتابا خطيرا في اليوم السابع عشر من يوليو إلى يعقوب سامي باشا وكيل وزارة ~~الجهادية بالقاهرة يعلن إليه فيه خيانة الخديو للبلاد وأنه سبب ما نزل بها من الكوارث ~~ويدعوه إلى عقد جمعية من الكبراء، والعلماء للنظر في الأمر وإصدار قرار بشأن الخديو، وفيما ~~يجب ms307 عمله لصالح الأمة وتقرير مدى «صلاحية هذا الوالي عليها». # 4 # وقد اهتم الإنجليز بأنباء هذه الاتصالات وغاظهم أن يسبقهم عرابي إلى السلاح الذي أرادوا ~~أن يحاربوه به، وأبرق كارتريت إلى جرانفل في اليوم الحادي والعشرين من يوليو يقص عليه ~~أمرها، فرد عليه جرانفل ببرقية في نفس اليوم هذا نصها: «بالنظر إلى لهجة عرابي باشا في ~~بلاغاته التي ذكرتها لي في برقيتك اليوم، رأيت أن أوجهك بشدة إلى أن تؤثر على الخديو بضرورة ~~إصدار بلاغات مضادة من جانبه إلى الشعب المصري، وأن تخبر سموه بأن حكومة جلالة الملكة تعد ~~العدة لإرسال قوة كبيرة إلى البحر الأبيض المتوسط». # ومعنى ذلك أن إنجلترا كانت تعد حملتها لاحتلال مصر وأنها خشيت من نشاط عرابي وقطعه الطريق ~~على أساليبها ... # وكان الخديو قد أعلن فعلا بعزل عرابي في اليوم الثاني والعشرين من يوليو وبنى قرار العزل ~~على أمور نسبها إليه سوف نذكرها، ولكن الإنجليز لم يكتفوا بذلك وأرادوا أن يستمر الخديو في ~~إصدار القرارات ضد عرابي ... # وكان يعقوب سامي باشا من المخلصين للثورة الوطنية وكان يكره أشد الكره من الخديو انضمامه ~~إلى الإنجليز، ويرى أن ذلك خيانة منه للبلاد، وكان يعقوب باشا كذلك من أكبر أنصار عرابي ~~المتحمسين له ... # فلما جاءته برقية عرابي اجتمع في نفس اليوم في مقر وزارة الحربية بقصر النيل مع عدد من ~~صفوة أنصاره وتشاوروا في الأمر، واستقر رأيهم على دعوة مجلس من وكلاء الوزارات وبعض كبار ~~الضباط وكبار الموظفين، وقد انعقد هذا المجلس وعرف باسم المجلس العرفي، وسيبقى يدير شؤون ~~الحرب والإدارة طول مدة القتال. # وقرر المجلس العرفي في نفس اليوم دعوة جمعية عامة تضم رؤساء الأديان والعلماء ووجوه الأمة ~~ممن يوجدون بالقاهرة وكبار موظفي الدولة، للنظر في هذه الأمور الخطيرة واتخاذ القرارات التي ~~يراها صالحة للبلاد ... # وانعقدت الجمعية العامة - أو مجلس العموم كما سميت - في مساء الاثنين في السابع عشر من ~~يوليو سنة 1882 الموافق غرة رمضان سنة 1299 في وزارة الداخلية، وشهد هذا الاجتماع الخطير ~~نحو 400 عضو، كان ms308 بينهم الأمراء الموجودون بالعاصمة ورؤساء الأديان وفي مقدمتهم الشيخ ~~الإمبابي شيخ الإسلام، ثم كبار العلماء وقاضي قضاة مصر ومفتي الديار المصرية والنواب ووكلاء ~~الوزارات والقضاة وكبار الأعيان والتجار ... # وعرضت على أعضاء الجمعية البرقيتان المتبادلتان بين الخديو وعرابي، والبرقية التي أرسلها ~~عرابي إلى يعقوب سامي، وبعد أن تشاورا طويلا في الأمر، اتخذوا قرارا خطيرا يدل على قوة ~~روح الأمة ومناصرتها المجاهدين من أبنائها؛ وذلك أن الجمعية رأت الاستمرار في إعداد العدة ~~للقتال ما دامت سفن الإنجليز في الشواطئ المصرية وجنودهم في الإسكندرية، كما رأت استدعاء ~~الوزراء من الإسكندرية لسؤالهم عن حقيقة الأمر، وأوفدت لجنة من ستة مندوبين من أعضائها ~~للسفر إلى الإسكندرية لإبلاغ الوزراء قرار الجمعية ... ~~••• # وكان الخديو في قصر رأس التين بالإسكندرية يحيط به أعوانه من الإنجليز ويختلط بحرسه بحارة ~~الأسطول البريطاني وإنه لينتظر بصبر فارغ ذلك اليوم الذي يؤتى إليه فيه برأس عرابي حيا أو ~~ميتا ... # أبرق كارتريت في التاسع عشر من يوليو يقول: «أرسل الخديو في طلب السير أوكلند كلفن صباح ~~اليوم وطلب إليه أن يستحث حكومة جلالة الملكة لتخطو خطوة جديدة بلا إبطاء، ويقول سموه: إنه ~~من ناحيته يرى أن هذا العمل ضروري جدا، وإنه يسر سموه إذا أحيط علما بالخطوات التي ينظر ~~فيها، وقد وصف سموه قوة عرابي باشا بأنها الآن بلغت من العظمة حدا ينشر الرعب ويبثه في ~~عقول الوطنيين جميعا، وأن سيطرته على البلاد وخاصة القاهرة يجعل عائلات جميع الموالين ~~للخديو وأملاكهم تحت رحمته، أو الذين يستراب في أمرهم أنهم موالون، ومن ناحية أخرى فإن هناك ~~إشاعة مستفيضة بأن إنجلترا سوف يحال بينها وبين خططها بسبب الخلاف بينها وبين الدول، وستكون ~~عاقبة هذين الاعتبارين أن يصبح من الصعب على سموه أن يحتفظ بمن يشايعونه متحدين». # 5 # وهذه البرقية صريحة في أن الخديو لا ينضم إلى الإنجليز فحسب، بل إنه يستعديهم على مصر ~~ويستحثهم في صورة من القول لا تحتاج إلى تعقيب ... # وجاء إلى الإسكندرية من بورسعيد عمر باشا لطفي بطل مأساتها، يقص على الخديو ms309 والإنجليز ~~مزيجا مهوشا من الأباطيل ليس فيه من الحق إلا ما كان من صالح الخديو إعلانه، وحتى هذا ~~القدر من الأنباء قد جاء به على صورة ممسوخة أملتها ضغائنه ومن ذلك ما ذكره عن حوادث اغتيال ~~بعض الأوربيين داخل البلاد ... # ومن ذلك وصفه المجلس العرفي بأنه مجلس عدائي حضره نحو مائة من العلماء والباشوات والتجار، ~~ومنه ما ذكره عن الشيخ حسن العدوي أنه قال: إنه بأمر الله ورسوله لن تطاع أوامر الخديو بعد ~~اليوم، وإن الوقت قد حان لنشوب حرب مقدسة وقد وافقه الشيخ عليش على ذلك، ومنه أن أحد ~~الباشوات اعترض على الشيخين وتشكك في صحة ما أرسله عرابي من الأنباء وطالب بالدليل عليها ~~فوثب إليه بعض الضباط وأرادوا قتله، ولما أعيد النظام أبدى بعض الحاضرين أنه إذا كان للأمة ~~أن تشكو شيئا من الخديو فإن السلطان هو الذي ينظر في شكواها وليس للمجلس هذا الحق، وقال ~~بطريق الأقباط: إننا سمعنا من جانب واحد هو جانب عرابي ولم نسمع شيئا من الخديو ... إلى آخر ~~هذا الخلط المرذول ... # ومما أورده بطل مذبحة الإسكندرية كذلك مشوها ممسوخا قوله: إنه شاهد من القطار وهو مسافر ~~إلى القاهرة عقب ضرب الإسكندرية جثث كثير من الأوربيين ملقاة على الطريق وقد اغتالهم الجند ~~وقطاع الطرق، وإنه شاهد في محطة طوخ مقتل ألماني وزوجته، وإن طنطا ودمنهور والمحلة نهبت ~~نهبا تاما وقتل جميع من كانوا فيها من الأوربيين. # وإنه بأمر عرابي باشا قد سجن من كبار الموظفين إبراهيم باشا أدهم مدير الغربية وحسن بك ~~مدير المنوفية وكمال بك مدير القليوبية. # وإن الضباط يعقدون اجتماعات كثيرة برئاسة محمود سامي باشا في قصر النيل، وإن عرابي باشا ~~قد طلب إلى المديريات إرسال سدسي عدد الذكور في كل منها إلى كفر الدوار مسلحين بالنبابيت، ~~كما أنه طلب للخدمة جميع الجنود القدامى من كل سن ومنهم من بلغ أرذل العمر؛ حيث كانوا في ~~جيش محمد على نفسه. # وإن الخيل والأقوات تجلب قسرا من داخل المديريات، وإن المديريات جميعا في حال ms310 عامة من ~~الفوضى التامة، ويسود القاهرة ذعر عظيم وإن لم يقع فيها حتى الآن ما يخل بالنظام # 6 ~~... # وقد أبرق كارتريت بأقوال عمر لطفي هذه إلى حكومته لتنتفع بها في الحملة على عرابي في كل ~~فرصة دولية تسنح لها ... # وليس أدل على تشويه عمر لطفي الحقائق، وبعده بعدا كبيرا عن الأمانة من إيراده نبأ حبس ~~الموظفين في صورة تشعر المرء بطغيان عرابي، مع أنه حبس هؤلاء الموظفين رهن المحاكمة؛ لأنهم ~~تهاونوا فوقعت حوادث اغتيال في أقاليمهم استاء لها عرابي أعظم الاستياء، وكان في مقدمة ~~المتهاونين إبراهيم أدهم باشا مدير الغربية؛ فقد تمارض وترك الغوغاء يعيثون في الأرض فسادا ~~حتى لقد شاركهم بعض خفراء المديرية، وكان من جراء ذلك أن قتل في طنطا نحو ثمانين من ~~الأجانب وفي المحلة نحو تسعة منهم ... # وقد أرسل عرابي فرقا من الجيش على الفور إلى طنطا والمحلة وشبين الكوم، وأرسل قطارات ~~تنقل من يرغب في السفر من الأجانب بالمجان إلى الإسماعيلية، وبورسعيد ... # وممن كان لهم همة مشكورة في إخماد هذه الفتنة، أحمد ~~باشا المنشاوي؛ فقد آوى في بيته نحو 300 من الأوربيين والمسيحيين وظلوا في حمايته ورعايته ~~حتى انتهت الحرب ... # وما إن بلغ الخديو قرار الجمعية العامة حتى أعلن قراره في اليوم الثاني والعشرين من يوليو ~~بعزل عرابي من نظارة الجهادية والبحرية، ذلك القرار الذي صدر منذ اليوم السادس عشر كما جاء ~~في برقية كارتريت إلى جرانفل، وكان الخديو في هذه الأيام الستة بين إصدار القرار وإعلانه ~~يحاول استدراج عرابي إلى الإسكندرية كما بينا، للقبض عليه غدرا وعدوانا ... # وقد أعلن الخديو أن هذا الأمر بالعزل كان بناء على قرار من مجلس الوزراء وعين الخديو عمر ~~باشا لطفي مكان عرابي ناظرا للجهادية. # أما قرار العزل فهذا نصه: «إن ذهابكم إلى كفر الدوار مستصحبا العساكر وإخلاء ثغر ~~الإسكندرية من غير أن يصدر لكم أمر بذلك، وتوقيف حركة السكة الحديد وقطع جميع المخابرات ~~التلغرافية عنا ومنع ورود البوستة إلينا ومنع حضور المهاجرين إلى وطنهم بالإسكندرية ~~واستمراركم في التجهيزات ms311 الحربية ... وارتكابكم عدم الحضور طرفنا بعد صدور أمرنا بطلبكم، كل ~~ذلك يوجب عزلكم؛ فقد عزلناكم من نظارة الجهادية وأصدرنا أمرنا هذا لكم بما ذكر ليكون معلوما». # 7 # وأذاع الخديو عملا بنصيحة كارتريت وتنفيذا لتعليمات جرانفل منشورا علق على الجدران ~~بشوارع الإسكندرية في اليوم الثاني والعشرين من يوليو وفيه يبرر الخديو عزله عرابي، ومما ~~احتواه هذا المنشور، قول الخديو: «ليعلم كل من يقرأ هذا الأمر سبب عزل أحمد عرابي باشا؛ ذلك ~~أنه بعد عشر ساعات من ضرب الشواطئ حطمت قلاعنا وحطم 400 مدفع من مدافعنا وقتل القسم الأكبر ~~من رجال مدفعيتنا أو عطلوا، بينما لم يفقد الأسطول الإنجليزي إلا خمسة رجال ولم تصب سفنه ~~إصابات ذات بال، وجاءنا حينذاك أحمد عرابي باشا يعلن إلينا النبأ المؤلم عن تحطيم حصوننا، ~~وقد طلب الأدميرال الإنجليزي منا إخلاء قلاع العجمي والدخيلة والمكس لتحتلها جنوده، ولما ~~كان مجلس الوزراء منعقدا بحضور درويش باشا؛ فقد تقرر أنه لا يمكن إخلاء القلاع إلا بأمر من ~~صاحب الجلالة الشاهانية السلطان، وأنه على عكس ذلك صار من الضروري العمل على تدبير وسائل ~~الدفاع عنها وذلك بوضع حاميات جديدة تمنع نزول الجنود الأجنبية، وفي نفس الوقت أرسلنا برقية ~~بذلك إلى الباب العالي، ولكن عرابي باشا توجه إلى جهة باب رشيد بالإسكندرية دون أن يتخذ أي ~~إجراء حربي، فأرسلت إليه أحد ياوري ليذكره بأنه يجب عليه إرسال إمدادات إلى القلاع ~~المذكورة، فأجاب بأنه لا يستطيع أن يرسل جنديا واحدا، وأمر الجند، بأن ينسحبوا معه وعسكر ~~في كفر الدوار تاركا المدينة بغير دفاع». # 8 # وإن المرء ليعجب حتى ما يفرغ عجبه من هذا الكلام! ويتساءل بحق: هل كان الخديو يقرأ هذا ~~قبل إذاعته؟ إذ كيف يجمع الخديو بين هذا القول وبين ما جاء في برقيته إلى عرابي بكفر ~~الدوار؛ إذ حمله تبعة الضرب نظرا «لاستمرار الأعمال التي كانت جارية بالطوابي وتركيب ~~المدافع التي كلما يصير الاستفهام عنها كان يصير إخفاؤها وإنكارها» وإذ دعاه إلى أن «يصرف ~~النظر عن جمع العساكر وعن كافة ms312 التجهيزات الحربية»! # ومن المضحك المؤلم معا أن يقول توفيق في نفس الوقت: «ولو لم يتحقق لدينا أن نية الإنجليز ~~والفرنسيين ليست نية استيلاء، بل نية إصلاح أو كان عندنا أدنى شبهة في ذلك لكنا أول من يقوم ~~بالمدافعة بأرواحنا وأموالنا إلى أن يقضي الله أمرا مفعولا». # 9 # ولكن ماذا عسى أن يقول توفيق غير هذا وهو لا يستطيع أن يجعل من الباطل حقا، ولا يستطيع ~~في الوقت نفسه أن يسكت ومن ورائه كارتريت وفي دخيلة نفسه شديد مقته لعرابي وعظيم سخطه على ~~الثورة؟ # وأرسل كارتريت في اليوم الثاني والعشرين كتابا إلى جرانفل يقول: «إيماء إلى رسالتي ~~بتاريخ الأمس بشأن ما حدث في قصر الرمل أثناء الضرب وبعده، أفيدكم أني تلقيت من المصدر نفسه ~~زيادة على ما سلف أن عرابي باشا حينما سأله الخديو ماذا ينوي عمله في المستقبل أجاب بأنه ~~سوف يلجأ إلى تدبيرات غير نظامية حيث إنه لا قبل له بمقاومة الإنجليز، وكان عرابي بهذا يمهد ~~لما كان من إحراق المدينة وتخريبها وحبس الماء عنها، # 10 # ولقد لمح عرابي باشا قبل ذلك في حديث له مع رجل إنجليزي إلى ما سوف يتبعه من ~~وسائل المقاومة. # ومن الجلي أن قوة عرابي الرئيسية كائنة في وسائله البربرية التي لا وازع يصرفه عنها، وإنه ~~ليسود بين موظفي القصر الآن خوف شديد مما عسى أن يصنعه عرابي بأملاكهم في القاهرة وفي ~~غيرها، حتى إن ذلك ليشمل عمل الخديو، وإن سموه ليحجم عن إعلان عصيان عرابي بسبب ما يفضي ~~إليه ذلك من مكايلته بكيله ... # وفي مقابلة لي مع سمو الخديو بالأمس حاولت أن أصور له ما يحدثه مثل هذا الإعلان من أثر ~~أدبي، وما يبثه من الشجاعة في قلوب من لا يزالون موالين لسموه في القاهرة وغيرها، فأجاب ~~الخديو بأنه ليس هناك ما يدعو في الإسكندرية إلى القول بأن قوى عرابي قد ذهبت، أما عن ~~القاهرة فإنه أبرق إليها الآن بعزل عرابي من بورسعيد، وليس لديه وسيلة لإذاعة بلاغ ضده ~~هناك، وأضاف سموه أن ms313 المديرين في الأقاليم لا يجرءون في الظروف الحالية إطاعة أوامره، ولكنه ~~يتخذ الخطوات لإذاعة منشور فيهم بأيدي بعض البدو ... # وإنه ليؤسفني أن أقرر، أنه على نقيض ما يذكر الخديو بشأن الإسكندرية، لا يزال يغادرها ~~كثير من العرب لينضموا إلى عرابي، وربما كان مرد ذلك إلى خوفهم مما تهدد به من عقاب في ~~بلاغاته الأخيرة وإن كان يمكن القول إلى حد ما بأن ذلك يرد إلى الذعر الذي استولى عليهم من ~~نقصان الماء نقصانا واضحا». # 11 # ومن عجيب ما يذكر في هذا الصدد، أن كارتريت قد اقترح على حكومته الاعتراف بوزارة راغب ~~باشا بعد طرد عرابي منها وتجديد العلاقات معها على أساس المودة، مع أن راغب يعد مسؤولا عن ~~كل شيء يسأل عنه عرابي، بل هو بحكم كونه رئيس مجلس الوزراء أكثر مسؤولية منه إذا سلمنا ~~جدلا بأن في الأمر مسؤولية، ومما يزيد الأمر غرابة أن عرابي كان نائبا عن المجلس الذي ~~انعقد في اليوم العاشر من يوليو بقصر رأس التين برئاسة الخديو؛ ذلك المجلس الذي قرر أن ~~الحصون سترد على الأسطول بعد القذيفة الخامسة ... فكيف تجدد الحكومة الإنجليزية علاقتها ~~بوزارة راغب التي أصدرت هذا القرار وتمعن في معاداتها عرابي الذي لم يشهد هذا ~~المجلس؟ # وللقارئ أن يمعن النظر في هذه البرقية التي أرسلها كارتريت إلى جرانفل في اليوم الثاني ~~والعشرين من يوليو قال: «بما أن الوزراء قد تجنبوا الآن كل فكرة عدائية وبما أنهم يظهرون ~~صراحة ولاءهم للخديو؛ فقد طلب إلي سير أ. كلفن أن أعرض على فخامتكم ما يذهب إليه من أنه مما ~~ينصح به تجديد العلاقات الدبلوماسية معهم مع استثناء عرابي باشا بالضرورة من بينهم، وإن مثل ~~هذه الخطوة كفيلة بأن تساعد الوزارة المصرية في محاولتها كسب الشعب ثانية إلى جانب توفيق ~~باشا كما أنها تبث الثقة في نفوسهم بشأن ما تنويه الحكومة الإنجليزية، وقد شرح السير أوكلند ~~في مقابلة شخصية بينه وبين وزير المالية سبب المعارضة التي كانت توجهها المراقبة إلى ~~الوزارتين اللتين اشترك فيهما عرابي، فذكر ms314 أن ذلك يرجع إلى أن هاتين الوزارتين كان قيامهما ~~خطرا على قانون التصفية، ولم يكن في الأمر أي اعتبارات سياسية أو دولية، ولما كان الخديو ~~قد أسقط عرابي باشا؛ فقد أصبح من الأمور الهامة أن نستعيد ثقة البلاد، وأن نثبت للملأ أن ~~المعارضة التي كان يوجهها من قبل ممثلو حكومة جلالة الملكة لم يقصد بها إلا العصابة ~~العسكرية الذين كانوا يؤدون بسياستهم إلى القضاء على الوضع المقرر والإخلال بمالية الدولة! ~~ولا يمكن أن تقصد بها وزارة تؤيد بولائها الخديو، وتجلس في كراسيها بإرادته! ويقول السير ~~أوكلند كلفن: إن شرحه هذا قد صادف نجاحا كبيرا، ويرى أنه إذا لقيت الوزارة الحالية ~~اعترافا من حكومة جلالة الملكة (دون أن يؤثر ذلك بالضرورة في حرية الخديو في العمل بشأن ~~استمرارها أو تغييرها في المستقبل) أدى ذلك إلى تأثير حسن بوجه عام، وفي حالة ما إذا صادف ~~هذا الرأي قبولا لديكم فإنه يقترح أن يسمح للرقيبين ثانية بحضور اجتماعات مجلس الوزراء». # 12 # وفي هذه البرقية الخبيثة أبلغ الأدلة على أن الحكومة الإنجليزية لم ترم إلا إلى القضاء ~~على الحركة الوطنية القومية التي يمثلها عرابي، إن كان الأمر لا يزال يحتاج إلى دليل ... # لم تحفل الأمة بأمر الخديو القاضي بعزل عرابي، بل لقد زادها ذلك تمسكا به والتفافا ~~حوله، وكان الناس يتجهون بوجوههم إلى السماء ويرفعون أكفهم كلما ذكر عرابي قائلين: «الله ~~ينصرك يا عرابي». # وكره الناس انضمام الخديو إلى الإنجليز أعظم الكره، ونظروا إلى عرابي نظرهم إلى المدافع ~~عن كيان البلاد في وجه الغاصب الذي لم يرع حرمة القانون والذي أطلق مدافعه على ~~الإسكندرية في غير وازع من ضمير أو شرف ... # ولذلك أضاف الناس إلى ألقاب عرابي - رئيس الحزب الوطني، وقائد الجيش الوطني - لقبا ~~جديدا هو «حامي حمى الديار المصرية»، وهذا ما خاطبته به الجمعية العامة ... # وفي هذا الذي فعلته الأمة المصرية دليل على أن الثورة القومية قد تغلغلت إلى أعماقها لا ~~كما يقول بعض المؤرخين عن جهل مشايعين في ذلك كتاب الاحتلال ... # وأما ms315 عرابي فلم يعبأ بقرار عزله وقد وطد نفسه على الدفاع عن مصر ووقف في خطوط كفر الدوار ~~معتمدا على تأييد الأمة وعلى عدالة قضيته وشرف جهاده في سبيل الحق والحرية ... # وأرسل عرابي إلى يعقوب سامي باشا ليدعو الجمعية العامة ثانية للنظر في الأمر واجتمع ~~المجلس العرفي وقرر دعوة الجمعية إلى الانعقاد. # وفي يوم السبت الموافق الثاني والعشرين من يوليو اجتمعت الجمعية بوزارة الداخلية، وكان ~~اجتماعا قوميا خطيرا أعظم وأشمل من الاجتماع السابق، فهو مؤتمر وطني عام شهده نحو ~~خمسمائة من وجهاء الأمة المصرية وفي مقدمتهم ثلاثة من الأمراء هم: الأمير إبراهيم باشا ابن ~~الأمير أحمد باشا، والأمير كامل باشا فاضل ابن الأمير مصطفى فاضل وهو ابن عم الخديو توفيق، ~~والأمير أحمد باشا كمال ابن الأمير أحمد باشا ... # وشهده كبار علماء الأزهر وفي مقدمتهم شيخ الإسلام الإمبابي وقاضي قضاة مصر والمفتي ونقيب ~~الأشراف، وكان من أبرز الحاضرين من العلماء الشيخ محمد عبده والشيخ حسن العدوي والشيخ محمد ~~عليش والشيخ محمد أبو العلا الخلفاوي ... # وشهده كذلك بطريرك الأقباط ووكلاء البطريكخانات وحاخام اليهود ... # وشهده وكلاء الوزارات والنواب وعدد كبير من الباشوات وكبار الضباط وكبار موظفي الدولة ~~الإداريين والقضاة ومديرو الأقاليم ... # ومن الأهالي شهده كبار التجار والأعيان ورؤساء العشائر من الأقاليم ... # ومن أهم ما امتاز به هذا الاجتماع التاريخي العظيم هو تمثيل الأسر المصرية الكبرى فيه من ~~معظم مديريات مصر صعيدها وريفها. # 13 # فقد شهده من كل إقليم عدد من كبار العمد كانوا هم في الوقت نفسه عمداء أسرهم وكبراء ~~الجهات التي ينتمون إليها، وبذلك كانت مصر كلها ممثلة في هذا المؤتمر الوطني العظيم ... # وفي ذلك أبلغ رد على الذين يزعمون أن الحركة القومية في مصر كانت فتنة عسكرية لم تؤيدها ~~الأمة المصرية فها هي ذي الأمة المصرية بجميع طوائفها تقول قولها الفصل في موقف من أعظم ~~مواقف الثورة، موقف الجهاد والذود عن كيان البلاد تحت راية زعيم الثورة أحمد عرابي ~~باشا. # وكان الاجتماع برئاسة حسين باشا الدرمللي وكيل الداخلية ، وتولى قراءة المكاتبات الشيخ ms316 ~~محمد عبده، وقد تليت في الاجتماع فتوى شرعية من المشايخ حسن العدوي ومحمد عليش ومحمد أبو ~~العلا الخلفاوي مؤداها أن الخديو بانحيازه إلى العدو المحارب لبلاده يعد مارقا عن الدين ... # ثم تداول المجتمعون في الموقف الحربي وانتهوا إلى قرار خطير أجمعوا عليه؛ وذلك هو عدم ~~الاعتراف بقرار الخديو الصادر بعزل عرابي باشا من نظارة الجهادية والبحرية ... وهكذا تأكدت ~~لعرابي زعامة الأمة ... # وهذا القرار الخطير في الواقع مضافا إلى فتوى مروق الخديو من الدين هو بمثابة خلع توفيق ~~من منصبه ... # وسأل يعقوب سامي باشا أعضاء المجلس قائلا: «حيث قرر هذا المجلس المحترم عدم عزل عرابي ~~باشا من نظارة الجهادية والبحرية ورأى لزوم بقائه في الوظيفة فأرجو من المجلس أن يرى رأيه ~~في أوامر الخديو التي تصدر لي من جنابه، وكذلك ما يصدر من حضرات نظاره المقيمين معه هل ~~يلزمني قبولها وتنفيذها أم لا؟» # وتداولت الجمعية في هذا وأصدرت القرار الآتي: «بعد تلاوة الأوامر الصادرة من الخديو أولا ~~وآخرا، وفيها الأمر الصادر بعزل أحمد عرابي باشا ... وتلاوة منشورات عرابي باشا، وبعد سماعنا ~~ما عرضه وكيل الجهادية (بصفة هذه الوظيفة وكونه رئيس المجلس المشكل لإدارة أشغال الحكومة) ~~على المجلس وهو هل وجود الخديو في الإسكندرية هو ونظاره تحت محافظة عساكر الإنجليز يقتضي ~~عدم تنفيذ أوامره أم لا، وإذا صدرت له أوامر من الخديو هل يعمل بها أم لا، رأينا أن وجود ~~العساكر في الإسكندرية والسفن الإنجليزية في السواحل المصرية، ووقوف عرابي باشا بمدافعة ~~العدو يقتضي وجوب بقاء الباشا المشار إليه في نظارة الجهادية والبحرية مداوما على قيادة ~~العساكر ومتبعا في أوامره المتعلقة بالعسكرية وعدم انفصاله من تلك الوظيفة، ورأينا وجوب ~~توقيف أوامر الخديو وما يصدر من نظاره الموجودين معه كائنة ما كانت لأي جهة من الجهات وعدم ~~تنفيذها حيث إن الخديو خرج عن قواعد الشرع الشريف والقانون المنيف، ويلزم عرض قرارنا هذا ~~على الأعتاب العالية الشاهانية بواسطة وكلاء النظارات». # 14 # أما المجلس العرفي برئاسة يعقوب سامي باشا فكان هو الذي يتولى شؤون الإدارة ms317 العامة في ~~البلاد وكان أشبه بمجلس الوزراء وقد أدى المجلس واجبه على خير ما يرجى من الهمة والوطنية، ~~ومن أهم قراراته، وضع الرقابة على الصحف والتلغراف، ومنع السفر إلى الخارج ما دامت الحرب ~~قائمة ... # وكان الفيضان عاليا في تلك السنة فبذل المجلس همة عالية في حراسة ضفاف النيل حتى لا يدهم ~~البلاد خطر الغرق في وقت الحرب ... # هذا إلى ما أمد به الجيش في خطوط الدفاع بالذخيرة والرجال والعتاد في نشاط وحمية وإخلاص، ~~وما أظهره من كفاءة في حفظ الأمن والنظام داخل البلاد ... ~~••• # وكان نفوذ الخديو لا يعدو الإسكندرية، بل إنه في الواقع لم يكن له شيء من النفوذ هناك؛ ~~فقد كان الأمر كله للإنجليز، ولم يعد الخديو إلا اسما يستترون خلفه ويصدرون قراراتهم ~~وأوامرهم منسوبة إليه ... # ونشط السير بوشامب سيمور كما زعم في المحافظة على النظام والقضاء على الفوضى حتى لقد عاقب ~~ثلاثة من الوطنيين وواحدا من اليونانيين بالقتل رميا بالرصاص بتهمة إثارة الفوضى، ولكنه ~~فاته أن يؤدب جنوده الإنجليز الذين يستعين بهم على إقرار النظام والذين جاءوا مصر للقضاء ~~على عرابي وأصحابه من العصاة؛ فقد سرق هؤلاء الإنجليز قصر الخديو بالرمل وانطبق عليهم بذلك ~~المثل القائل: «حاميها حراميها». # أبرق كارتريت إلى جرانفل في السادس والعشرين من يوليو يقول: «تلقى الخديو كتابا من الرمل ~~بالأمس فيه أن جندا بريطانيين اقتحموا قصر سموه وعاثوا في أنحائه للسرقة، وقد توجه إلى ~~هناك فورا الميجور جنرال سير أ. أليسون الذي أخبر بهذا الحادث لتحقيق المسألة ... وقد أخبرني ~~صباح اليوم الميجور أردغ الذي رافق الجنرال أنه يعتقد أن القصة لا أساس لها، وظهر أن مدخلا ~~فتح خلال شباك في الطابق الأسفل وقد أفرغت محتويات الصناديق والصواوين جميعا، ولكن ليس ~~هناك من ريب في أن هذا عمل بضع ساعات وأنه وقع قبل وصول فرقنا». # 15 # وانظر إلى هؤلاء الإنجليز كيف يهونون الأمر هنا وينفونه عن جنودهم بنفس الأسلوب الذي ~~يتبعونه حين يهولون ويسرفون في محاولة إلصاق تهمة لا دليل عليها بالمصريين، وبعرابي بوجه ~~خاص ms318 ... # وتولى رئاسة البوليس في الإسكندرية شارلز برسفورد، وقد أذن للتجار فتح دكاكينهم ليلا، ~~كما حتم على كل شخص يسير بالليل أن يحمل مصباحا وإلا قبض عليه، وذلك ريثما تعود شركة الغاز ~~إلى عملها ... # وأخذت الحياة تعود إلى المدينة شيئا فشيئا، وبذل البوليس جهدا كبيرا في إزالة الأنقاض ~~ودفن جثث القتلى، ولم ينته شهر يوليو حتى أضيئت المدينة بالغاز كما كانت وفتحت القنصليات ~~أبوابها ... # على أن أشد ما خوف الإنجليز والأجانب عموما هو تناقص الماء الآتي من ترعة المحمودية؛ فقد ~~سدها الجيش بالقرب من جهة كنج عثمان، ولذلك أصدر البوليس بطاقات لتوزيع الماء من الصهاريج ~~حسب الحاجة، ويتبين مبلغ خوف الإنجليز من سد الترعة في برقية أرسلها كارتريت بهذا الشأن في ~~العشرين من يوليو، يقول فيها: إن ذلك سوف يؤدي إلى هجرة الوطنيين إلى داخل البلاد وإلى ~~التجاء الأوربيين للسفن ليشربوا من ماء الأسطول ... وكذلك أبرق سيمور يبدي تخوفه من هذا ~~العمل، ولعلهما بذلك كانا يستحثان حكومتهما لإعداد الحملة على مصر ... ~~••• # وأما تركيا، فقد ظلت على حالها من التلكؤ والتردد، ~~ولم تصدر شيئا بشأن توفيق ولا بشأن عرابي، على أن (درويش باشا) الذي غادر مصر خفية في ~~اليوم التاسع عشر من يوليو، قد أعرب عن استيائه من موقف الخديو حتى من قبل أن ينضم صراحة ~~إلى الإنجليز، وذلك فيما أرسله إلى كارتريت في اليوم العاشر من يوليو ردا على تحميله تبعة ~~سلامة الخديو؛ فقد قال درويش بعد أن استعرض قضية الضرب كلها في صراحة وقوة وأظهر تعسف ~~الإنجليز وتنكبهم طريق الصواب: «أما عن دعوتك إياي أن أعمل بكل ما في قوتي على ضمان سلامة ~~سمو الخديو فيجب علي أن ألاحظ أنه ليس من سلامة المنطق أن يفرق بين الذات الفخمة، ذات سمو ~~توفيق باشا، وبين حكومته، وإنه من الأمور الطبيعية أن يشغل الخديو نفسه بضمان أمن البلاد ~~التي يحكمها وسلامتها أكثر مما يشتغل بما يهم شخصه». # 16 ~~••• # وقبل أن نختم هذا الفصل نشير إلى خدعة ثانية أراد بها الخديو أن يتصيد ms319 بها عرابي أو يبث ~~في صفوفه التردد والانقسام؛ وذلك أنه أرسل إليه على لسان علي مبارك باشا أحد أعضاء الوفد ~~الذي أرسلته الجمعية العمومية إلى الإسكندرية عقب اجتماعها الأول يقترح تأليف لجنة للصلح ~~ممن ينتدبهم عرابي من رؤساء الجند لتنضم إليهم لجنة أخرى من الأعيان ... # وكانت خطوة علي مبارك باشا خدعة لا ريب فيها، وإن ذهب بعض المؤرخين إلى أنها كانت رغبة ~~منه في إصلاح ذات البين، بل إنا لنقول في غير إسراف: إن عمله بالنسبة إلى عرابي وأصحابه من ~~قادة الثورة القومية يعد ضربا من الخيانة، وإنا لنشعر بعظيم الأسف؛ إذ نثبت هذا عن رجل له ~~جلائل أعماله وله مكانته في نهضة مصر الحديثة، ولكن الحق فوق كل اعتبار، وحسبنا أن نورد ما ~~يأتي من الأدلة على سوء ما فعل ... # أبرق كارتريت إلى جرانفل في الرابع والعشرين من يوليو يقول: «أتشرف بإبلاغكم أن علي مبارك ~~باشا وزير الأشغال السابق في وزارة رياض نجح في الوصول إلى الإسكندرية من القاهرة، كان يسود ~~الهدوء في القاهرة وقت مغادرته إياها، ولكن هناك قدرا من القلق بين الناس، وعند كفر الدوار ~~رأى عرابي باشا وهو يصف وصفا حيا ما رأى هناك من الأمور، أعلنت الحرب المقدسة، بتأثير ~~الشيوخ، ويأتي إليه أعداد كبيرة من المتطوعين القرويين، ويوزع السلاح على القادمين ويبلغ ~~المجموع الكلي للقوات الآن 30000 رجل، وتتوفر لديه الأقوات والخيل، ويقول ضباط عرابي: إن ~~رغبة إنجلترا هي طرد عرابي باشا نفسه وتسريح الجيش، وتكوين فرق أجنبية أو تركية تحل محله ~~ولكن هذا لن يكون ... ويقول علي باشا مبارك: إن العلاقات بين عرابي والبدو ليست متينة، وقد ~~علمت من مصدر آخر أن البدو اعتزلوا معسكره كلية». # وأبرق كارتريت بعد ذلك بيوم يقول: «إيماء إلى رسالتي بالأمس بشأن التقارير التي تلقيناها ~~من القاهرة وكفر الدوار، أبلغكم أن علي مبارك باشا الذي جاء بها زار سير أ. كلفن صباح ~~اليوم، وأفهمه أن عرابي باشا وطلبة باشا يترددان في الواقع في السير في الطريق التي ~~يسلكانها الآن ms320 ... بل لقد استحثاه بصفة شخصية أن يجس نبض الإنجليز بشأن شروط للصلح، وقد أجاب ~~سير أ. كلفن بأنه لا يملك عمل شيء، وأنه يصح أن يذهب علي باشا مبارك إلى الأدميرال السير ~~بوشامب سيمور، ولكن الأمر على كل حال بيد المؤتمر ولا يستطيع الأدميرال أن يعمل إلا عمل ~~الوسيط، وبعد سماع هذه التحفظات استمر علي باشا مبارك في كلامه فقرر ما يأتي: «إنه يظن أنه ~~بعد أن يزال في الحال السد من ترعة المحمودية كدليل على الإخلاص سوف يقترح العصاة على السير ~~بوشامب سيمور أن يسرح الجيش وأن يعود الجميع إلى مواطنهم ويكتفي بنفي القادة المحرضين، فقال ~~السير أ. كلفن: إن كان ثمة من شروط تقترح، فيجب ألا يضيع شيء ما من الوقت؛ لأن قوات عظيمة ~~تعد الآن، ولما كان كل مخرج ممكن من البلاد محاصرا فإن خاتمة المحرضين قد فرغ منها ... وأضاف ~~إلى ذلك أنه إذا ابتدأ القتال فإنهم سيسلكون الطريق التي رسموها ... # ورد علي باشا مبارك فأفصح عما في نفسه بالتحديد قائلا: إن معظم الضباط وفيهم طلبة ~~يتلهفون إلى ضمان سلامتهم، وإنهم إذا نجحوا في الحصول على شروط لأنفسهم بانسحابهم عن عرابي، ~~فإنه وأشياعه الأقربين مهما يبدو من إصرارهم سوف يضطرون في عزلتهم إلى طلب الصلح، ويعتقد ~~أنه بهذا يمكن بعثرة الجيش وبذلك تنتهي المقاومة ... وأكد له سير أ. كلفن ثانية أن كل مقاومة ~~سوف لا تجدي، وأنه لا يترتب على أعمال التحطيم إلا خراب مصر؛ لأنه لا بد من فرض غرامة ~~عليها، وانصرف علي باشا مبارك مصمما أن يتصل بطلبة باشا، ولكن السير أ. كلفن كان حريصا ~~فلم يذكر أي اقتراحات عما تكون عليه الشروط ولا عما عسى أن يتوقع إذا قبلت شروط من أي نوع ~~ما ... وقد علم السير بوشامب سيمور بما حدث، ومن الخير أن ترسل إليه بعض التعليمات ليهتدي بها ~~في حالة الضرورة». # ورد جرانفل في نفس اليوم فقال: «تؤيد حكومة جلالة الملكة بقوة لغة السير أ. كلفن في هذا ~~الأمر، ولكنها ترى ألا ms321 يشار إلى شيء من هذا في المؤتمر في المرحلة الحالية، وحكومة جلالة ~~الملكة على استعداد أن تنظر في أي مقترحات من جانب عرابي على شرط أن يكون أساسها الإخلاص، ~~ولكن يجب أن يكون مفهوما بأنها لا تقبل إلا الخضوع التام ... على أنه إذا فتحت ترعة ~~المحمودية فسوف تعد هذه الخطوة من جانبه علامة على حسن مقاصده، ولما كانت حكومة جلالة ~~الملكة واثقة من ثبات السير أ. كلفن فإنها تسند كثيرا من الأمور إلى حكمته، وفي الوقت نفسه ~~فإن حكومة جلالة الملكة لن تتراخى في تدبيراتها الحربية، اتصل بالأدميرال بشأن موضوع هذه الرسالة». # 17 # هذا ما صنعه علي باشا مبارك الذي يؤسفنا أشد الأسف أن يكون مثله من دعاة التردد والهزيمة، ~~وأن يكون طليعة هؤلاء الذين سوف يكونون أشد خطرا على عرابي من أعدائه الإنجليز ... ~~••• # وعظمت دهشة عرابي أن يكون اقتراح الصلح على أساس قبول عرابي ما جاء في المذكرة المشتركة ~~الثانية التي استقالت بسببها وزارة البارودي، ولذلك بادر برفض هذا الاقتراح السخيف معلنا ~~أنه لا يجوز تأليف لجان بعد قرار الجمعية العمومية. # وأذاع عرابي من فوره بلاغا إلى داخل البلاد حتى لا تثمر هذه الخدعة ثمرتها من الانقسام ~~والتخاذل؛ وذلك إذ يعلم الجيش وتعلم البلاد أن عرابي يطلب الصلح وقد جاء في هذا البلاغ أن ~~الخديو انضم إلى الإنجليز فلا طاعة له على الناس واختتم بلاغه بقوله: «وها نحن بجيشنا ~~المظفر المنصور في مراكز الحرب قد بعنا أنفسنا في حياة بلادنا وحفظها من الأعداء، ولا يردنا ~~عن ذلك إلا الظفر والنصر أو ارتحال العدو من مياه الإسكندرية بأساطيله ورجاله، وإلا فإننا ~~نقابل القوة بمثلها ولا نسلم البلاد لأحد وفيها ذو روح يتنفس، والله يؤيد بنصره من يشاء». # 18 # وكان يقرأ الناس هذا البلاغ فيرددون كلمتهم التي ألفوها والتي صارت شعار البلد كله: «الله ~~ينصرك يا عرابي». # | كفر الدوار # رابط عرابي عند كفر الدوار، وهذا المكان هو ما يعرف في الثورة باسم الميدان الغربي، ولقد ~~اختاره عرابي عند انسحاب الحامية من ms322 الإسكندرية، كما ذكر محمود فهمي باشا في محضر استجوابه، ~~وكما ذكر عرابي في التقرير الذي كتبه لمحاميه وهو في سجنه، قال محمود فهمى باشا: «توجهنا ~~إلى كفر الدوار ... وطلعنا إلى المحطة ومنها إلى كنج عثمان وتقابل معنا حسن بك ابن كنج عثمان ~~فوجدنا هناك تلا قديما، فسأل عرابي عن اسم هذا التل فقال له حسن بك: اسمه تل الناصر، ~~فالتفت إلى عرابي وقال: إن ابتداء استحكاماتنا يكون هنا، وأمرني بإنشاء استحكامات، وحرر ~~بطلب العساكر وطلب الأنفار للعملية». # وقال عرابي: «وجرت مناقشة فيما عسى أن نفعل إذا عاد الأدميرال الضرب؟ وإلى أي مكان ينسحب ~~الجيش إذا اضطررنا لإخلاء المدينة؟ وسمحت لمحمود باشا فهمي وخليل بك كامل أن يذهبا إلى ~~المحمودية ويفحصا الجهة ابتداء من حجر النواتية إلى كفر الدوار ويضعا رسما للموضع الذي ~~يريانه أليق من غيره». # 1 # وقال في مكان آخر: «أمرت قوادهم أن يتجهوا بفرقهم صوب ترعة المحمودية ... وعند الغروب بلغت ~~جسر السكة الحديد الذي يعبر الترعة وهنالك وراء الجسر مباشرة اخترت مكان المعسكر، وتوافد ~~الجند من الإسكندرية والرمل أثناء الليل، وكانت الساعة الثانية صباحا حين وصل الجند الذين ~~تركتهم بالإسكندرية؛ فقد تأخروا بسبب الزحام الشديد من الناس والدواب والعربات في الطريق ... ~~وفي الصباح وجدنا أن معسكرنا معرض للضرب من السفن فانتقلنا مبتعدين بجنودنا إلى مكان يسمى ~~عزبة خورشيد على بعد نحو خمسة آلاف متر من محطة الملاحة». # 2 # ويعزو بلنت اختيار هذا الموضع إلى محمود فهمي باشا ويصف المكان في قوله: «وكان الفضل في ~~اختيار هذا المكان المنيع الواقع على الخط الحديدي إلى القاهرة والذي تكتنفه من الجهتين ~~بحيرة مريوط الضحلة وبعض المناقع راجعا فيما أعتقد إلى مهارة محمود فهمي الهندسية، ولم يكن ~~في وسع عرابي أن يصنع خيرا من اتخاذه هذا المكان مستقرا لمعسكره الجديد، لقد كان بعيدا ~~البعد الكافي عن مدافع سيمور، ولم يكن يستطيع جيش مهاجم أن يبلغه إلا عن الطريق الضيق الذي ~~مهده خط السكة الحديد، وبهذا لم يكن يمكن اقتحامه من جهة الإسكندرية ms323 في حين أنه من جهة ~~الأرض كانت الدلتا مفتوحة للجيش بإمداداتها التي لا تكل، وكان الجيش حر الاتصال بالقاهرة، ~~وهنا استطاع الجيش المصري أن يثبت أمام الإنجليز بنجاح نحو خمسة أسابيع، يصد كل الهجمات بل ~~يدفع العدو بهجمات مضادة إلى ما يقرب من أبواب الإسكندرية، ولو لم يكن هناك باب آخر لدخول ~~مصر غير كفر الدوار لظفرت الحركة القومية بالنجاح». # 3 # وقال عرابي في مذكراته المخطوطة: «أن الاستحكامات في كفر الدوار كانت تمتد من عزبة خورشيد ~~إلى كفر الدوار، وأنشأوا في كفر الدوار استحكامات من ترعة المحمودية إلى الملاحة وحفروا ~~خندقا عرضه أربعة أمتار، وجعل خط الدفاع في المقدمة عند عزبة خورشيد على طول الخط من ~~المحمودية إلى الملاحة، وجعل ما وراء هذا الخط من التلال والمرتفعات مواقع حصينة ركبت فيها ~~مدافع كروب، وكذلك التلال الكائنة بين المحمودية وسد أبي قير ... وقد تم إجراء هذه الأعمال ~~الدفاعية بمعرفة المهندس الحربي العظيم محمود باشا فهمي ورجال الهندسة الحربيين ومساعدة ~~خمسة آلاف رجل من الأهالي من مديريات البحيرة والغربية والمنوفية». # وممن كان لهم عظيم فضل في بناء هذه الاستحكامات الميرالاي محمد بك شكري أحد الضباط ~~المصريين النابهين في أركان حرب الجيش المصري. # وكانت خطوط الدفاع في هذا الميدان ثلاثة، يبعد كل واحد عن الذي يليه بأربعة آلاف أو خمسة ~~آلاف متر، وكان بين كل خطين خندق عمقه 15 قدما، وبنيت على جميع المرتفعات الصالحة قلاع وضع ~~فيها نحو 50 مدفعا. ~~••• # وأقام عرابي خيمته عند كنج عثمان، وكان يفد إليه فيها - غير ضباطه وأركان حربه - الأعيان ~~والعلماء وكبار التجار وغيرهم من ذوي المكانة والجاه، وكانت خيمة فخمة هائلة، وحسبك أنها ~~خيمة سعيد باشا نفسه، تفضلت أرملته فقدمتها إلى عرابي هدية قومية مشفوعة بأصدق أمانيها أن ~~يؤيده الله بنصره. # 4 # وكانت مصر كلها حينذاك في قبضة عرابي، تدين له طوعا لا كرها، شعارها: «الله ينصرك يا ~~عرابي»؛ لأن انتصار عرابي كان في نظر الأمة خلاصها من جشع الأجانب ومن استبداد الترك ~~والشراكسة. # واستجابت الأمة ms324 لا بالدعاء فحسب، لهذا الفلاح من أبنائها الذي يقف موقف الشرف والكرامة، ~~وأمدته بسخاء بما طلب من مال وعتاد ورجال. # وقل أن نجد في تاريخ الحروب حربا كهذه الحرب التي لم ينفق فيها قرش واحد من خزانة ~~الدولة، والتي قامت على ما بذل الشعب طائعا من أقواته وأمواله ودمه. # وإن المرء ليتملكه شعور الإعجاب والفخار تلقاء هذه الصفحة المشرقة التي هي بحق أنصع صفحة ~~في تاريخ هذه الحرب، والتي نسوقها دليلا جديدا على قوة روح هذه الأمة وكرم عنصرها، وعلى ~~أن ثورتها القومية كانت منبعثة من أعماق القرى، وأنها كانت تهز مشاعر أبنائها هزا، وتنفض ~~عنهم سبات القرون الطويلة. # هؤلاء فلاحون يعملون في خطوط الدفاع، إلى جانب جند فلاحين من إخوانهم، يقودهم مثلهم ~~فلاحون، وجميعهم تحت إمرة فلاح مثلهم من قرية صغيرة، ولم يكن أبوه من الباشوات ولا كان ~~يفتخر بنسب شركسي أو تركي، وإنما كان هو محمد عرابي شيخ بلدة هرية رزنة. # وكان هؤلاء الفلاحون يدافعون عن مبدأ استشعرته أنفسهم وإن لم يدرك أكثرهم كنهه كما يدرك ~~المتعلمون منهم والمثقفون، وكانوا في حملتهم أشبه حالا بأبناء فرنسا أيام ثورتها الكبرى ~~فالبذل والتطوع كان قوام الحركتين، ولكن ثوار فرنسا كان وراءهم تاريخ طويل من المعرفة ~~والثقافة، في حين لم يكن وراء ثوار مصر إلا ما عانوه وما عاناه آباءهم وأجدادهم زمنا ~~طويلا من الجهل والمذلة، على أن ذلك لن يضير المصريين شيئا، بل إنه ليحسب لهم لا عليهم، ~~فحسبهم أن يقفوا وقفتهم هذه ونهضتهم بنت الأمس ... # وقال الشيخ محمد عبده في تقريره الذي كتبه لمستر برودلي وهو بالسجن: «هل يقدر أحد أن يشك ~~في كون جهادنا وطنيا صرفا بعد أن آزره رجال من جميع الأجناس والأديان؟ فكان يتألب ~~المسلمون والأقباط والإسرائيليون لنجدته بحماس غريب، وبكل ما أوتوه من حول وقوة؛ لاعتقادهم ~~أنها حرب بين المصريين والإنجليز ... إني لم أعلم أنه قيل: إن الخديو كان يحارب جيشه، بل ~~المعروف عند الناس أن الحرب وقعت برضاه وبأمره، وقد رسخ هذا الاعتقاد عندما ms325 علم الناس أنه ~~أقال عرابي من منصبه؛ لأنه لم ينفذ أمره؛ بالاستمرار على المقاومة وتحصين بعض المراكز؛ ~~اتقاء لنزول غزاة من البحر ... # وفي أثناء ذلك طفق العلماء يقرأون البخاري في الأزهر ومسجد سيدنا الحسين، ويدعون بالنصر ~~لعساكر عرابي والهزيمة للإنجليز، وكان إمام الخديو الشيخ الصالح العالم الإبياري في طليعة ~~الملتهبين غيرة ووطنية، فنشر قصيدة إبراهيم دريد في غارة التتار على بغداد في أيام الخليفة ~~العباسي المعتصم، وهي عبارة عن دعاء وابتهال وقد أضاف إليها أبياتا من نظمه فكان من الناس ~~من يقرأها ويتلوها بعد قراءة البخاري ... # وقد تبرع الأمراء والأعيان والعلماء وسائر أفراد الحاشية الخديوية، حتى النساء، بالخيل ~~والحبوب والنقود والميرة اللازمة للجيش، وأظهر المديرون والموظفون - على اختلاف طبقاتهم - ~~والكتبة غيرة وحمية في جمع الميرة المطلوبة وحشد المتطوعين للجيش ولسائر الأشغال العسكرية ... # وقد رأيت الناس من فلاحين وبدو ذاهبين إلى الحرب برضاهم واختيارهم، متشوقين لقتال ~~الإنجليز، وقد شمل هذا الحماس الأقباط، وكان يشجعهم على ذلك رؤساؤهم، وكان شبان القاهرة ~~يمرحون في المدينة ليلا يتغنون بمديح عرابي، وفي أي اجتماع ذكرت فيه الحرب كان الناس يدعون ~~الله طالبين النصر لجيوشنا». # 5 # وقال نينيه: «كانت ترد كل يوم إلى كفر الدوار إعانات الشعب من المال والقمح والشعير ~~والبقول والسمن والخضر والفاكهة والخيل والماشية، وقد أبدى أعيان الوجهين البحري والقبلي ~~شهامة عظيمة في إمداد الجيش، وفي مقدمتهم أحمد باشا المنشاوي زعيم طنطا الوطني، الذي أنقذ ~~من الموت في حوادث 13و14 يوليو عددا من المسيحيين واليهود، وقد بدا من الأهالي ما يدل على ~~شدة تعلقهم بالدفاع عن وطنهم وظهروا بمظهر الشرف». # 6 # وقال عرابي في مذكراته المخطوطة تحت عنوان: «كرم المصريين وسخاؤهم»: قامت هذه الحرب ~~الشعواء وليس في خزانة الحكومة درهم؛ لأن المراقب الإنجليزي المستر كلفن أخذ الأموال من ~~خزينة المالية، وأنزلها في الدوننمة الإنجليزية قبل إعلان الحرب بأيام، وكذلك الأموال ~~الموجودة في صندوق الدين العمومي، وقد حملها أعضاء قومسيون الصندوق إلى السفن الحربية حيث ~~أمنوا عليها ... # وبناء على ذلك أرسل المجلس العام إلى ms326 المديريات بتحصيل الأموال من الأهالي عشرة قروش عن ~~كل فدان، ومن شاء أن يتبرع بشيء إعانة للجند المجاهدين في سبيل الدفاع عن الوطن وحفظ ~~الكرامة والشرف يقبل منه مع إعلان الشكر ... # ولما أعلن ذلك للعموم جادت الأمة على اختلاف طبقاتها بالمال والغلال والخيل والجمال ~~والأبقار والجاموس والأغنام والفاكهة والخضروات، حتى حطب الحريق ... # وقد تبرع موسى بك مزار الرجل الوطني ب 1300 ثوب من البفتة و30 عجل بقر عن طيب خاطر، ~~ووالدة الخديو إسماعيل تبرعت بجميع خيول عرباتها، وجاراها في هذا المضمار باقي أفراد ~~العائلة الخديوية، وكذلك حرم خيري باشا رئيس الديوان الخديو، وحرم رياض باشا، وكثير غيرهم ~~من الذوات رجالا ونساء، كل ذلك فضلا عما مدوا به الجيش من الأقمشة والأربطة اللازمة ~~لتضميد جروح الجند وغيرهم، وتبرع بعض الأهالي بنصف ما يملكونه من الغلال والماشية، ومنهم من ~~خرج عن جميع مقتنياته، ومنهم من عرض أولاده للدفاع عن الوطن لعدم قدرته على الدفاع بنفسه، ~~وبالجملة فإن الأمة المصرية عن بكرة أبيها قدمت من التبرعات وأظهرت من النخوة والغيرة ما لم ~~يسبق له عهد في القرون الماضية، أسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يجزي الأمة خير الجزاء وأن ~~يرد لها حريتها واستقلالها». # 7 # وجاء في كتاب أرسله عرابي من منفاه إلى صابونجى في يوليو سنة 1883، قوله: «أرجو أن تذكر ~~صديقنا المستر بلنت، فضلا عما كتبناه إليه بتاريخ 15 الحالي أن جميع النفقات التي لزمت ~~لمائة ألف جندي مصري أثناء الحرب كانت كلها تبرعات من الأمة المصرية بغير تمييز بين ~~العقائد؛ فقد بدأت الحرب ولم يكن هناك أكثر من عشرة آلاف جندي تحت السلاح، ولا أكثر من ألف ~~ومائتي حلة عسكرية في المخازن، وحتى هذه لم تكن كاملة، ولم يكن لدينا أكثر من ألف وخمسمائة ~~عدل من الحبوب، ولكنه عند نهاية الحرب كان لدينا في مستودعات الجيش وفي المديريات المختلفة ~~والمخازن ما يزيد قيمته على مليون من الجنيهات من المال والمنتجات الزراعية والبقر والجاموس ~~والغنم والأقمشة، وكل ذلك قدم هدايا من الأمة لجيشها المدافع ms327 عن وطنها ... ولم ينفق على الجيش ~~اثناء القتال درهم واحد من خزانة الحكومة». # 8 # وتجلت حماسة الأمة للثورة والحرب فيما ألقاه نفر من أبنائها من الخطب وما كتبوه من ~~المقالات وما نظموه من الشعر وكلها ناطقة بنضج هؤلاء وحرصهم على الحرية والدستور ونفورهم من ~~الاستبداد والعبودية، وإن الذي يقرأ ذلك ليوقن أنه حيال حركة صادقة قوية جديرة بكل ثناء ~~وإعجاب، ولو اتسع المجال لأوردنا طائفة منها، فلنكتف بذكر أسماء نفر من أصحابها، وقد كان ~~في مقدمة هؤلاء عبد الله نديم خطيب الثورة وكاتبها الأشهر وصاحب جريدة «الطائف» لسان حال ~~الثورة ومرآتها، والشيخ محمد عبده أحد أفذاذ الحركة الأعلام، والأستاذ الشاعر الشيخ أحمد ~~عبد الغني من علماء الأزهر، والشيخ علي المليجي، والشيخ محمود إبراهيم خطيب أسيوط، والشيخ ~~محمد أبو الفضل خطيب مسجد الحنفي، والشيخ حميدة الدمنهوري، والشيخ عبد الوهاب أبو عسكر، ~~والشيخ محمد فتح الله، والملازم علي أفندي غالب، والشيخ أحمد سيف الباري، وغيرهم من الخطباء ~~ورجال القلم ... ~~••• # وكان جيش مصر العامل تحت السلاح عند بدء الحرب لا يزيد عن عشرة آلاف كما ذكر عرابي، ولعل ~~عرابي يقصد القوات التي كانت في كفر الدوار؛ فقد ذكر الشيخ محمد عبده في مذكراته إحصاء عدد ~~الجيش فقال: «كان الجيش مؤلفا من 8000 منظمة مع 80 مدفعا من كروب، وكان يوجد في أبي قير ~~ثلاثة آلاف وخمسمائة، وألفان وخمسمائة في رشيد، وخمسة آلاف في دمياط، المجموع أحد عشر ~~ألفا، أما الخيالة فلم يكن لهم وجود إلا قليلا». # 9 # وإحصاء الشيخ محمد عبده قريب من إحصاء عرابي؛ لأنه كان يقصد بالثمانية آلاف التي ذكرها ~~أولا الجيش القائم في كفر الدوار، فإذا أضيفت هذه إلى تلك الآلاف الإحدى عشرة الموزعة على ~~النحو الذي ذكر كان الجيش في مجموعه نحو تسعة عشر ألفا. # ويقول بلنت: إن الجيش المصري لم يكن يزيد عن ثلاثة عشر ألفا من الجنود النظامية، كان ~~منهم ثمانية آلاف في كفر الدوار ... # وذكر نينيه أن الجيش النظامي لم يكن يزيد عن تسعة عشر ألفا، ms328 كان منهم ثمانية آلاف في كفر ~~الدوار، وثلاثة آلاف وخمسمائة في أبي قير، وألفان وخمسمائة في رشيد، وخمسة آلاف في دمياط، ~~ويتفق هذا الإحصاء مع ما ذكره الشيخ محمد عبده. # أما الصحف الإنجليزية، فقد بالغت في عدد الجيش، حتى كانت ترتفع بهذا العدد أحيانا إلى ما ~~يقرب من خمسين ألفا ... # وانضمت إلى الجيش النظامي أعداد من المتطوعين لم يتوصل إلى حصرهم، ولعل هذا هو السبب في ~~اختلاف الآراء في إحصاء عدد الجيش المصري وقت القتال، والواقع أن المتطوعين كانوا أضعاف ~~النظاميين وقد وزعوا على أعمال مختلفة تتصل بالجهاد ... # وقد عين عرابي باشا محمود فهمي باشا رئيسا لهيئة أركان حرب الجيش المصري عقب ضرب ~~الإسكندرية، وكان محمود باشا فهمي من أكفأ رجال الهندسة الحربية في مصر، وقد تخرج في مدرسة ~~المهندسخانة ببولاق، ونبغ في الفنون الهندسية أثناء التحاقه بالجيش المصري، ثم عين أستاذا ~~لعلم بناء الاستحكامات والفنون العسكرية في المدارس الحربية في عهدي سعيد وإسماعيل باشا، ~~وقد عهد إليه بتحصين الشواطئ المصرية الشمالية، فأكسبه ذلك خبرة عملية، كما أنه اشترك في ~~حرب البلقان التي نشبت بين تركيا وروسيا سنة 1876، فاكتسب مرانا وخبرة ... # وقد وضع محمود فهمي باشا خطة حكيمة للدفاع عن مصر كانت كفيلة بأن تصد الإنجليز وتنقذ مصر ~~من تدبيرهم وسوء مكرهم، وسنرى مبلغ ما دخل على هذه الخطة من عوامل أضعفتها وأحبطتها في ~~النهاية ... # عين محمود باشا خمسة مواقع رئيسية للدفاع، أولها في كفر الدوار، وثانيها في رشيد، وثالثها ~~بين رشيد وبحيرة البرلس، ورابعها في دمياط، وخامسها في الصالحية والتل الكبير، وكان الغرض ~~من هذا الأخير صد هجوم الإنجليز من ناحية قناة السويس. # وقد سد محمود باشا ترعة المحمودية بالقرب من كنج عثمان ووضع المدافع على السد لحمايته، ~~كما أشار بسد ترعة الإسماعيلية لمنع المياه العذبة عن الإسماعيلية والسويس وبورسعيد، وبسد ~~قناة السويس نفسها لمنع اتخاذها قاعدة عسكرية للإنجليز ... # أما القيادة، فقد عين طلبة عصمت باشا قائدا لفرق كفر الدوار تحت إمرة عرابي، وخورشيد ~~باشا طاهر على رشيد وأبي ms329 قير، وعلي باشا الروبي على مريوط، وعبد العال باشا حلمي على دمياط، ~~ومحمود باشا سامي البارودي على الصالحية، والفريق راشد باشا حسني لخطوط الدفاع في الميدان ~~الشرقي. # وبعد ... فهذه أمة ممثلة في مؤتمر وطني وقد نهضت نهضتها بالأمس القريب، وهذا جيش أمة يقوم ~~على تطوع أبنائها، وهذا قائد أمة يذود عنها في وجه إنجلترا صاحبة الإمبراطورية العظمى، ~~ومالكة الأساطيل الضخمة، وذات النفوذ السياسي العظيم ... # وقد واتت إنجلترا الفرصة لتحقيق حلمها الذي ساورها منذ إخراج حملة نابليون من مصر، والذي ~~بدده محمد علي سنة 1807 حين أجبر فريزر على الانسحاب بعد أن أحبط كيده وقد كان يمني نفسه أن ~~ينضم إليه بعض زعماء المماليك كما ينضم الخديو إلى سيمور اليوم ... والذي عاد يغازل خيالها ~~حين فتحت قناة السويس وصار فيها النفوذ لفرنسا، والذي باتت منه اليوم على قيد خطوات بعد ضرب ~~الإسكندرية واحتلالها ... # ونحب من الذين لا يزالون ينكرون الحرب على عرابي أن ينظروا في هذا الذي نقول، وأن يذكروا ~~ما قدمناه في صفحات هذا الكتاب من الأدلة على أن نية إنجلترا في الاستيلاء على مصر كانت ~~سابقة لعهد عرابي، وأن يستعيدوا ما قلنا في أكثر من موضع؛ إنه لو لم يوجد عرابي لعمل ~~الإنجليز على خلقه ... # وليذكر هؤلاء حقيقة أخرى لا يخلق بمصري أن يجهلها، وهي أن الإنجليز حاربوا الحركة القومية ~~الدستورية في مصر؛ لأنها قامت في أواخر عهد إسماعيل لتنقذ مصر من دسائسهم ومن شباكهم ~~المالية، ولأنهم أيقنوا أنهم لو تركوها وشأنها استعصى عليهم بعد ذلك قمعها وضاعت فرصة ~~اصطياد مصر من أيديهم! # ونظن أنه لم يعد في مصر من يماري في هذه الحقائق، وعلى ذلك فمن لغو القول ومن تفاهة ~~التفكير وسخفه أن يردد إنسان في مثل نغمة الصبية قول الجاهلين بحقيقة هذه الثورة القومية ~~وحقيقة أطماع الإنجليز في مصر: إنه لولا عرابي وثورته ما دخل الإنجليز مصر ... # ما سعى عرابي إلى هذه الحرب، ولكنه لما رأى أن إنجلترا قد ساقت البلاد إليها بسياستها، ~~وأيقن أن الأمر بات ms330 أمر كرامة وشرف ودفاع عن حرية يراد بها أن تخنق، لم يجد بدا من خوض ~~غمرتها كما ذكرنا فإما نصر يتحقق به كل شيء، وإما هزيمة تذهب بكل شيء إلا الشرف والكرامة، ~~ولم يكن ينتظر من وراء التسليم بلا قتال كما ذكر بلنت شيء يخالف ما حدث فعلا بعد الحرب، ~~وعلى هذا فضلت مصر أن تقف موقف الكرامة، وما حملها عرابي على هذا الموقف كرها وإنما كان ~~ممثل إرادتها وقائد ثورتها ... # وقد حاول عرابي ورجال الحزب الوطني أكثر من مرة أن يقنعوا جلادستون بعدالة قضيتهم، وبأن ~~العدوان عليهم ليس طريق الصواب، وكان سفيرهم في هذا السعي صديقهم مستر بلنت، ولكن المسألة - ~~كما ذكرنا - في أكثر من موطن في هذا التاريخ لم تكن مسألة إقناع وإنما هي نية مبيتة، ~~والإنجليز في سبيل إمبراطوريتهم ومطامعهم الاستعمارية لا يبالون بشيء ... # وكانت آخر محاولة من عرابي في هذا السبيل ما أملاه على صابونجي ليرسله إلى بلنت كي يحمله ~~هذا إلى جلادستون، وكان ذلك في اليوم الثاني من يوليو أي قبل العدوان الغادر على البلاد ~~بتسعة أيام ... قال عرابي بعد أن أنذر بسوء ما يترتب على نية إنجلترا في الشرق الإسلامي كله: ~~«لقد سمحت الحكومة الإنجليزية لنفسها أن يخدعها وكلاؤها، فكلفها ذلك مكانتها في مصر، وستجد ~~إنجلترا نفسها أنها عملت بنصح أسوأ إذا حاولت أن تستعيد ما فقدته بالقوة الوحشية، قوة ~~المدافع والحراب ... ومن الناحية الأخرى فإن هناك وسائل إنسانية ودية إلى هذا الغرض، إن مصر ~~على استعداد، بل إنها لترغب، في أن تصل إلى تفاهم مع إنجلترا على أساس أن تكون صديقتها وأن ~~تحمي مصالحها في مصر كما تحمي طريقها إلى الهند، وتكون حليفتها، ولكن يجب على إنجلترا أن ~~تظل في حدود ما تخوله لها القوانين، فإذا آثرت إنجلترا أن تظل على انخداعها وأن تتباهى ~~علينا وتهددنا بأساطيلها وفرقها الهندية فلها أن تختار ما تشاء، ولكن على ألا تقدر وطنية ~~الشعب المصري قدرا ينزل بها عن حقيقتها، أن ممثليها لم يطلعوها على التغيير الذي ms331 طرأ علينا ~~منذ أيام طغيان إسماعيل. # وإن الأمم في عصرنا هذا لتخطو خطوات مفاجئة هائلة في طريق التقدم، وجملة القول : أنه ينبغي ~~أن تكون إنجلترا على يقين من أننا عقدنا العزم على أن نحارب، وأن نموت شهداء أوطاننا كما ~~يقضي بذلك ما جاء به رسولنا، أو ننتصر فنعيش سعداء مستقلين، وإن السعادة في الحالين هي ما ~~نوعد به، وإن أمة تؤمن بهذا لن يعرف لشجاعتها حد». # 10 # واختارت إنجلترا سبيل القوة وضرب أسطولها الإسكندرية واعتدت عدوانها الغادر على مصر ~~والمؤتمر الدولي الذي انعقد في الآستانة - والذي قرر أن يكون للسلطان وحده حق التدخل في ~~مصر- لا يزال قائما لم ينفض ...! ~~••• # اختلقت إنجلترا الظرف القاهر الذي اتخذته ذريعة لضرب الإسكندرية، ثم فعلت ذلك في غير تحرج ~~من شناعة ما تفعل، والآن بعد أن خطت الخطوة الأولى وأنزلت جنودها بالإسكندرية، اتجهت ~~سياستها إلى إتمام ما بدأت وتحقيق حلمها القديم باحتلال ~~مصر ... # وانحصر همها الآن في أن تصل بسياستها إلى أحد أمرين: إما أن تظفر من المؤتمر بتفويضها ~~بدخول مصر وبذلك يلغي قراراته جميعا، وإما أن تفعل ذلك دون مبالاة بالمؤتمر كما فعلت حين ~~ضربت الإسكندرية ... # وكان الخطر - الذي زعمت أنه محدق بالأجانب - هو الذي خوفت به المؤتمر بالأمس، فبماذا تخوف ~~المؤتمر اليوم وقد رحل الأجانب عن داخل البلاد وبقي منهم من بقي بالإسكندرية؟ ولكن هل يعدم ~~الإنجليز حيلة؟ لقد راحوا يخوفون المؤتمر وينذرونه بويل جديد هو الخطر المحدق بقناة السويس ~~... # وأحست إنجلترا أن أمامها صخورا يجب أن تتجنبها في حذق ويقظة، فهي لا تأمن أن تراجع فرنسا ~~نفسها فيما فعلت فتطرح حيادها، وهي لا تأمن جانب الدول الأخرى كروسيا وألمانيا والنمسا ~~وإيطاليا، وهي لا تستبعد أن توافق تركيا على الانضمام إلى المؤتمر، وقبول قراره الذي أصدره ~~في اليوم السادس من يوليو وإرسال قوة تركية إلى مصر بناء على هذا القرار ... # لذلك عادت إنجلترا إلى مراوغاتها، وقد أعدت لكل أمر حسابه، وسوف تعتمد هنا كذلك على سياسة ~~الأمر الواقع، تلك السياسة التي نبغت في ms332 اتباعها، والتي تسبقها بمفاوضات ومراسلات تقصد بها ~~إلى التمويه، ثم تباغت بالخطوة المبيتة، كما تفعل سفنها؛ إذ تثير الدخان من حولها ثم تضرب ~~ضربتها ... # ما كاد يفرغ سيمور من ضرب الإسكندرية حتى أرسل جرانفل إلى دوفرين بيانا مطولا ليفضي به ~~إلى زملائه، وفيه تفصيل للحوادث التي أدت إلى ضرب الإسكندرية واختتمه بقوله: «إن حكومة ~~جلالة الملكة لا ترى الآن غير اتباع القوة للقضاء على حال لن تطيق بعد صبرا عليها ... وإنها ~~ترى أن أصلح وضع وأقربه إلى مبادئ القانون الدولي والعرف أن يكون الجيش الذي يؤدي هذا الغرض ~~هو جيش الدولة صاحبة السيادة، فإذا لم يتيسر ذلك لتردد السلطان صار من الضروري النظر في طرق ~~أخرى ... ولا تزال حكومة جلالة الملكة عند رأيها الذي أبدته في منشورها بتاريخ 11 فبراير ~~ومؤداه أن كل تدخل في مصر يجب أن يكون مظهرا لإرادة أوربا وتضامنها». # 11 # إذن ترى إنجلترا الاستمرار في الحرب ولكن ماذا تقصد «بالطرق الأخرى؟» ذلك ما سوف تتكشف ~~عنه سياستها، وهل تكون الطرق الأخرى غير انفرادها بدخول مصر كما انفردت بضرب ~~الإسكندرية؟ # وفي اليوم الخامس عشر من يوليو، أي بعد ضرب الإسكندرية بأربعة أيام اجتمع المؤتمر ~~لاستئناف أعماله فبلغت المهزلة في تاريخه أقصى ما تبلغه؛ ففي ذلك اليوم تلقى أعضاء المؤتمر ~~اعتماد حكوماتهم للمذكرة المشتركة وأرسلت إلى تركيا الدعوة للاشتراك في المؤتمر وإرسال جيش ~~عثماني إلى مصر؛ تنفيذا لقراره ... # وتباطأ السلطان وتلكأ وصار يقدم رجلا ويؤخر أخرى حتى بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد، ~~ويبدو أن إنجلترا كانت واثقة من أن السلطان لن يقبل ما طلبت الدول؛ فقد أبرق جرانفل إلى ~~دوفرين في اليوم التاسع عشر يطلب إليه إما أن يمهل السلطان اثنتي عشرة ساعة أو يشرع في ~~البحث عن وسائل أخرى، # 12 # وأخيرا فاجأ السلطان المؤتمرين في اليوم التاسع عشر نفسه بأنه قبل الاشتراك في ~~المؤتمر للمباحثة في إقرار الوسائل الكفيلة بإعادة الأمور إلى وضعها السليم! ... # ولعل تركيا كانت تتوقع أن تؤيدها ألمانيا فتضع العراقيل في سبيل ms333 إنجلترا؛ إذ كانت ألمانيا ~~منذ مؤتمر برلين سنة 1878 تميل إلى ملاينة تركيا واستدراجها إلى جانبها؛ تحقيقا لأطماعها ~~في البلقان والشرق، ولكن بسمارك كان يرمي من جهة أخرى إلى الإيقاع بين إنجلترا وفرنسا؛ وذلك ~~بإطلاق يد إنجلترا لتنفرد بالدخول في مصر فتثير بذلك فرنسا، كما أنه في الوقت نفسه كان يريد ~~أن يوقع إنجلترا وحدها في سوء عملها ليحاسبها على ذلك عند الضرورة، ولهذا رأى بسمارك أن ~~يترك إنجلترا وشأنها فلم يمنحها تفويضا كما فاوضته وساومته ولم يضع في وجهها العراقيل كما ~~توقعت تركيا أن يفعل، ففي اليوم العشرين من يوليو أبرق دوفرين إلى جرانفل خلاصة حديث جرى ~~بينه وبين القائم بأعمال السفارة الألمانية فقال: «إنه بعد انفضاض الاجتماع أعاد علي وعلى ~~السفير الفرنسي، القائم بأعمال السفارة الألمانية ما سبق أن ذكره في اليوم السالف ومؤداه أن ~~دول الشمال لن ترضى بتفويض ما، وأنه خير لنا أن نتقدم وحدنا من غير إبطاء، وأن كل إنسان ~~يقر أن التحفظ الذي أثبتناه باسم الظروف القاهرة يشمل كل ما نضطر إلى عمله في مصر، وقد حذا ~~حذوه السفير النمسوي في الاجتماع الأخير». # 13 # ولقد كان سفير النمسا أكثر صراحة من القائم بأعمال السفارة الألمانية؛ وذلك أنه قال: «إنه ~~لا يعارض في أن تعمل إنجلترا أو فرنسا على شرط ألا يفهم من ذلك أنها تعمل بتفويض من أوربا». # 14 # ويبدو أنه لما يئست تركيا من ألمانيا وأحست ما كان بين مندوبها وبين دوفرين مالت أخيرا ~~إلى الاشتراك في المؤتمر. # وكان عمل تركيا هذا خليقا أن يسبب ارتباكا شديدا للسياسة الإنجليزية، ولكن إنجلترا سوف ~~لا تبالي به ولن تعدم أن تخلق شروطا ومباحثات مع تركيا حتى تباغتها بالأمر الواقع ... # ولم تنتظر إنجلترا ما عسى أن يفعل المؤتمر ولا ما عسى أن تفعل تركيا؛ فقد رأت في موقف ~~ألمانيا والنمسا ما يسهل لها عملها تسهيلا كبيرا. # ففي اليوم الثاني والعشرين من يوليو شرح جلادستون سياسة الحكومة الإنجليزية في مجلس ~~العموم حيال المسألة المصرية فأدلى بتصريح جلي ms334 وصل به إلى وضع المؤتمر أمام الأمر الواقع، ~~وواضح أنه كان يقصد به إلى الرد على قبول تركيا دخول المؤتمر وتنفيذ قراره قال: «إننا نشعر ~~أننا لم نؤد واجبنا إذا لم نحاول أن نغير الحال الداخلية القائمة في مصر الآن من الفوضى ~~والفتن إلى السلام والنظام، وسوف ننظر فيما تبقى لدينا من وقت في تعاون دول أوربا المتمدنة ~~وإيانا إذا كان سبيل ذلك التعاون مفتوحا أمامنا» ثم أضاف إلى ذلك بين هتاف النواب ~~واستحسانهم قوله: «فإذا أعيتنا جميع الوسائل المؤدية إلى التعاون فإن هذا العمل سوف تضطلع ~~به إنجلترا وحدها». # 15 # ولكن إنجلترا لم تكن تريد أن تذهب في معارضة تركيا إلى حد إغضابها؛ وذلك لأنها كانت ~~تدخرها لأمر خطير ذلك هو أن يعلن السلطان عصيان عرابي فيذهب بذلك ما جاءه من مكانة في نفوس ~~الناس من ناحية أنه المدافع عن حقوق أمير المؤمنين ... لذلك سوف تعمد إنجلترا إلى المراوغة ~~والمصانعة حتى تظفر بهذا التصريح الخطير ثم تدير ظهرها لتركيا آخر الأمر في غير مبالاة وفي ~~غير هوادة ... # وهل يمنع إنجلترا قبول تركيا تنفيذ قرار المؤتمر والاشتراك فيه عن إعداد حملتها على مصر ~~والسير فيها إلى نهاية الشوط؟ كلا بل إن ذلك كان حافزا لها على سرعة البت لتضع تركيا ~~وغيرها حيال الأمر الواقع ... # وما كانت معارضة تركيا سياسة إنجلترا لتغني عنها شيئا، وإن إنجلترا لتفهم ما بين الدول ~~من تيارات خفية يصعب معها إجماع كلمتها على مناهضتها، وتدرك مبلغ استعداد كل منها للتدخل ~~الفعلي في شؤون مصر ... # ومضت إنجلترا في سياستها، ففي اليوم السابع والعشرين من يوليو وافق البرلمان على المبلغ ~~اللازم للحملة وقدره 23 مليونا من الجنيهات بأغلبية 275 عضوا تلقاء 19 من المعارضين ... # وأعد خمسة عشر ألفا من الرجال للسفر إلى مالطة وقبرص وأمر بإرسال خمسة آلاف من الهنود ~~إلى مصر وعين السير جارنت ولسلي قائدا عاما للحملة الإنجليزية على مصر «ليقضي على ثورة ~~عسكرية في تلك البلاد ورغبة في تأييد سلطة سمو الخديو كما قررتها الفرمانات ms335 السلطانية ~~والعلاقات الدولية القائمة». # وكانت إنجلترا قد أخذت تعمل على وضع الصعاب في وجه تركيا منذ أن ثبت لديها أنها قبلت قرار ~~المؤتمر فأرسل جرانفل إلى دوفرين في الحادي والعشرين من الشهر يطلب إلى السلطان: «في عبارات ~~مناسبة أنه بعد المراسلات التي جرت والتباطؤ الذي حدث، لم يبق له من أمل به يستعيد ثقة ~~حكومة جلالة الملكة إلا أن يعلن في الحال بلاغا في صالح الخديو وفيه قرار بأن عرابي يعد من العصاة». # 16 # وكانت إنجلترا ترمى بذلك إلى المراوغة كما ذكرنا ريثما تعد العدة لحملتها وتتبين سياسة ~~الدول الأخرى ولعلها كذلك تظفر بهذا البلاغ الذي سوف تعيد الكرة للظفر به مهما كلفها ذلك من ~~جهد ... # أما عن موقف فرنسا، فكان يتحكم في سياستها نحو المسألة المصرية عامل قوي؛ وذلك أنها كانت ~~لا تستطيع إغضاب إنجلترا؛ لأن سياسة بسمارك كانت موجهة في نشاط إلى وضعها في عزلة سياسية، ~~وكانت تدرك فرنسا بعد أن انضمت إيطاليا في مايو سنة 1882 ~~إلى التحالف بين ألمانيا والنمسا، أن سياسة بسمارك في طريقها إلى النجاح، وأنه خير لفرنسا ~~أن تحرص على مودة إنجلترا وروسيا، وهي لا تأمن إن شاركت إنجلترا في حملتها على مصر أن يؤدي ~~ذلك إلى الخلاف بينهما، كما أنها بالضرورة لا تستطيع أن تقف منها موقف المعارضة لهذا ~~الاعتبار. # وكان بسمارك لا يفتأ يلاين إنجلترا في المسألة المصرية؛ ليثير بذلك فرنسا علها تتدخل ~~فيصيب بذلك غرضين: أن يجعل فرنسا في وضع لا يبعد فيه أن ينشب الخلاف بينها وبين إنجلترا ثم ~~توزيع جزء من قواتها في مصر وقد وزع جزء منها في تونس منذ أحتلتها فرنسا سنة 1881. # لهذا انقسم الرأي العام في فرنسا قسمين: فريق يرى التدخل في شؤون مصر، وفريق يدعو إلى عدم ~~إثارة ما يمس التحالف بين إنجلترا وفرنسا ... على أن كلا الفريقين اتفقا على وجوب اتخاذ ~~الوسائل الفعلية للدفاع عن قناة السويس بقطع النظر عن دخول مصر. # وكان رئيس الوزارة المسيو فرسنيه يرى أن أسلم حل هو أن ms336 تتولى تركيا التدخل وفقا لقرار ~~المؤتمر، وبذلك لا تنفرد إنجلترا باحتلال مصر ولا يكون هناك مجال للخلاف بينها وبين فرنسا ~~ولكن أنى له أن يظفر بهذا الحل؟ # وفي الثاني والعشرين من يوليو أرسل جرانفل إلى السفير الإنجليزي في باريس يقول له: «قدم ~~هذه المقترحات إلى الحكومة الفرنسية: # أولا: # ما لم يرد من الباب العالي موافقة من نوع يمكن أن نعول عليه في الحال، ~~ففي هذه الحال ترسل تعليمات إلى المندوبين الإنجليزي والفرنسي ليقولا لبقية ~~السفراء أن إنجلترا وفرنسا لم تعودا تعتمدان على التدخل التركي، ولما كانتا ~~تريان ضرورة العمل السريع لمنع أي خسارة جديدة في الأرواح ولمنع استمرار ~~الفوضى، فإنهما تعتزمان - إذا لم يكن لدى المؤتمر خطة أخرى - أن تبحثا مع ~~دولة ثالثة الوسائل المؤدية إلى حل. # ثانيا: # أن يطلب إلى إيطاليا أن تكون هي الدولة الثالثة. # ثالثا: # أن نتشاور في الحال في تقسيم العمل. # رابعا: # أن تكون قناة السويس ضمن المشروع العام لهذا العمل الائتلافي». # 17 # وفي الرابع والعشرين رد القائم بأعمال السفارة الفرنسية في لندن على هذه المقترحات «بأن ~~الحكومة الفرنسية قد صممت على أن تفصل مسألة حماية قناة السويس عن المسألة التي عرفت ~~بالتدخل في مصر ... وأنها ستبتعد عن أي عمل في داخل مصر إلا إذا كان لرد عدوان مباشر، وإذا ~~كان الجيش الإنجليزي يرى من الملائم أن يضطلع بهذا العمل فليس له أن يعتمد على مشاركة ~~فرنسا، وفي الوقت نفسه فإن مسيو فرسنيه يرغب أن يكون مفهوما أن الحكومة الفرنسية لا تعارض ~~في إقدام إنجلترا على هذا إذا عزمت على الإقدام. # 18 # وبعد ذلك بيوم أرسل السفير الإنجليزي بباريس إلى جرانفل يقول: إنه قابل فرسنيه فقال: إن ~~رد الحكومة الفرنسية «هو أنها في الوقت الحالي لا ترى الذهاب إلى ما هو أبعد من التعاون ~~المحدود على حماية قناة السويس، ذلك الذي تم الاتفاق عليه» وأضاف السفير الإنجليزي أن ~~فرسنيه لم يبد اعتراضا على اعتزام الحكومة الإنجليزية دعوة إيطاليا. # 19 # وكان غرض إنجلترا من دعوة إيطاليا في ms337 الواقع أن تتمادى في ادعائها أنها لا تريد الانفراد ~~بالعمل، وأنها لما لم تجد عونا من فرنسا التمسته عند إيطاليا، وأنها تبذل ما في وسعها في ~~سبيل التعاون الدولي الذي زعمه جلادستون في تصريحه بمجلس العموم؛ لكيلا يكون لأوربا بعد ذلك ~~حجة على إنجلترا ... # واشتدت المعارضة في وجه فرسنيه في المجلس التشريعي الفرنسي على أثر اتصال بينه وبين ~~السفير الألماني في باريس ذكر فيه ذلك السفير أن ألمانيا ترى أن خير وسيلة لحل المسألة ~~المصرية هو التدخل التركي ... # ورأى الفرنسيون أن بسمارك يريد بذلك أن يسند وزارة فرسنيه، وعدوا ذلك تدخلا في شؤونهم ~~الداخلية فغضبوا على وزارتهم أيما غضب. # وفي الوقت نفسه أرسلت إنجلترا إلى فرنسا تقول، في اليوم السابع والعشرين من يوليو: «إن ~~حكومة جلالة الملكة وإن كانت تقبل اشتراك تركيا فيما يتعلق بالتدخل في مصر إلا أنها ستمضي ~~فيما شرعت فيه من الوسائل». # 20 # لذلك حينما استمرت المناقشة في المجلس التشريعي الفرنسي في التاسع والعشرين من الشهر، ~~خذلت الوزارة بأغلبية 416 عضوا حيال 75، فاضطرت إلى الاستقالة وخلفتها وزارة سوف تنفض يدها ~~عما قريب من المسألة المصرية. # ففي اليوم التالي ردت الحكومة الإيطالية على اقتراح اشتراكها في التدخل برفضها هذا التدخل ~~من جانبها تاركة إنجلترا تتحمل تبعة التدخل وحدها. # ومما يحمل على العجب أن إيطاليا كانت قد ثارت ثائرتها أول الأمر لرغبة إنجلترا في ~~الانفراد بالعمل وحملت الصحف الإيطالية على سياسة إنجلترا حملة شديدة وحملتها تبعة ما وقع ~~في مصر من ارتباك ونددت بمطامعها الاستعمارية، وكانت إيطاليا الطامعة في شمال إفريقيا حانقة ~~على فرنسا التي استولت على تونس وزاد حنقها على إنجلترا التي همت بالتهام مصر، وكان من ~~أسباب دعوة إنجلترا إياها لمشاركتها في مصر هذا الحنق، ووجه العجب أن تنفض يدها بعد ذلك من ~~المسألة بهذه السهولة. ~~••• # وأشارت روسيا على مندوبها بعدم حضور المؤتمر في نهاية يوليو؛ وذلك «لأنها اشتركت فيه على ~~أن تكون قراراته ذات قيمة لا على أن يكون مسجلا لحقائق واقعة فحسب». # 21 # وبذلك أخلت ms338 جميع الدول سبيل إنجلترا للعمل بمفردها، وهي إن لم تظفر بتفويض من المؤتمر ~~بتدخلها لن يضيرها ذلك ما دامت قد أطلقت يدها، وما كانت إنجلترا تعبأ يوما بالشكل دون ~~الجوهر. # ولم تعد إنجلترا تحفل بتركيا، وإنما استمرت في خطتها التي راحت توهمها بها أنها جادة في ~~دعوتها إياها للعمل على حل المسألة، حتى تظفر منها بإعلان قرار العصيان الذي ترمي عرابي به ~~فتصميه، وتنال به منه أكثر مما تنال بجنودها وأسلحتها ... # ولندع المؤتمر عند هذا الوضع من مهزلته لنعود إلى خطوط الدفاع عند كفر الدوار، ولنا بعد ~~ذلك عودة لنبلغ بمهزلة المؤتمر نهايتها ولنتتبع سياسة إنجلترا حتى نهاية الشوط ... # كان أول عمل من جانب المصريين هو سد ترعة المحمودية ~~كما سلف الإشارة إليه لمنع المياه العذبة عن الإسكندرية، ولقد انزعج الإنجليز من هذا العمل ~~وأخذتهم منه حيرة ... # وفي اليوم السادس عشر من يوليو أبرق كارتريت إلى حكومته أنه يخشى من هجوم ليلي على ~~الإسكندرية، وأن الأدميرال أرسل سفينتين إلى أبي قير؛ مخافة أن يقطع عرابي الشاطئ ويدع ماء ~~البحر ينساب، وقد سلفت إشارة منا إلى ذلك ... # بقي الحال على ذلك بقية شهر يوليو وإنجلترا تعد العدة لحملتها الكبرى وتبذل نشاطها ~~السياسي في المؤتمر وفي العواصم الأوربية حتى أطلقت يدها في نهاية الشهر كما بينا ... # ففي اليوم الخامس من أغسطس بدأ الإنجليز هجومهم ببعض ما لديهم من الجند قبل أن يأتيهم ~~المدد، فزحفوا من الرمل في نحو ألفي مقاتل من المشاة يقودهم الجنرال أليسون، فلما صاروا على ~~بعد ألف وخمسمائة متر من الخطوط المصرية، تصدى لهم المصريون في أورطتين في مثل عددهم تحت ~~قيادة البكباشين أحمد البيار ومصطفى حسان وأوقفوا زحفهم ... ثم جاء خورشيد باشا طاهر على رأس ~~ثلاث بلوكات من الفرسان، وحمل المصريون على الإنجليز حملة قوية، وبعد ثلاث ساعات ونصف ساعة ~~اضطر الإنجليز إلى التقهقر وفروا إلى الرمل مهزومين. # 22 # ويقول عرابي في مذكراته المخطوطة تعقيبا على هذه المعركة التي سماها واقعة أبي قير: «ولم ~~يستشهد أحد من عساكرنا ms339 الأبطال، وكان ابتداء المحاربة الساعة الأولى من النهار وانتهاؤها في ~~تمام الساعة الرابعة، فمدة القتال ثلاث ساعات ونصف ساعة، أبلت في خلالها رجالنا بلاء ~~حسنا، بيد أنه لم تعرف خسائر العدو لرفعه إياها من الميدان أولا فأول». # 23 # عاد الإنجليز إلى الهجوم في اليوم التالي وقد أعدوا له عدة قوية هذه المرة، فتقدمت ~~ميمنتهم بطريق السكة الحديد من القباري، وميسرتهم على ضفة الترعة المحمودية من الرمل، وتحرك ~~القلب من طريق الجسر الذي يعبر المحمودية، وكان يقودهم أليسون. # وثبت لهم المصريون ثباتا خليقا بالإعجاب حقا، ودافعوا في هذه المعركة دفاعا مجيدا، ~~وقد شهدها من المصريين طلبة عصمت الذي ولي القيادة بعد أحمد عبد الغفار، وكان على رأس ~~الفرسان والبكباشية محروس ومحمد فودة وسليمان تعيلب ورزق الله حجازي والقائمقام أحمد عفت ... # وأبلى البكباشي محروس بلاء حسنا في صد ميسرة الإنجليز ولم يمنعه جرحه الشديد من أن يشد ~~عليهم برجاله، وكذلك أظهر البكباشي محمد فودة بسالة وجلدا عظيمين في الهجوم على قلب ~~الإنجليز وميسرتهم، وجاءه المدد مرات بقيادة أحمد عفت وتعيلب وحجازي، ثم جاء طلبة باشا ومعه ~~فرقة الفرسان بقيادة أحمد عبد الغفار، وبعد ست ساعات من القتال الشديد، ارتد الإنجليز ~~منهزمين ولحق بهم المصريون حتى حجبهم الظلام عنهم ... # وقد عقب عرابي على هذه المعركة بقوله: «فلما قربوا مسافة 800 متر اشتبكوا في القتال مع ~~أورطة محروس أفندي البكباشي وأورطة المستحفظين حكمدارية محمد أفندي فودة الذي أظهر من ~~الشجاعة ما يقصر اليراع عن وصفه، ولما اشتد القتال بن الطرفين، تقدم الرجل الشجاع أحمد بك ~~عفت حكمدار المقدمة ومعه أورطة سليمان أفندي تعيلب وأورطة رزق الله حجازي البكباشي، وأصلوا ~~العدو نارا حامية، ثم قام في الحال طلبة باشا عصمت قومندان فرقة كفر الدوار ومعه الآلاي ~~برنجي سواري حكمدارية أحمد بك عبد الغفار، وحرك الأورطة جهة المقدمة فتقارب الجيشان واختلط ~~الفريقان وتقاتلوا بالسلاح الآلي وجها لوجه، ولما أظلم الليل وضعفت قوة العدو قفل راجعا ~~وعساكرنا في أثره تأخذ عليه الطريق وتضيق عليه السبل وتضربه حتى ms340 حال الظلام بين الفريقين ... ~~وعند تفقد عساكرنا وجد من المستشهدين 29 من الأنفار والصف ضباط والملازم الشجاع أحمد أفندي ~~علي، والجرحى البكباشي محروس أفندي الذي توفي بسبب جراحه واثنان من الملازمين و65 من الصف ~~ضباط والأنفار ... ~~••• # ولقد أبدى كل من الضباط والعساكر من الشهامة والثبات في هذه الموقعة ما يستحقون من أجله ~~الثناء الجميل في الدنيا وعظيم الأجر في الآخرة ... وخسائر العدو كانت عظيمة وقد ترك عساكر ~~الإنجليز بميدان القتال 17 جثة منها الملازم ديز وصار دفنه في جسر المحمودية، وقد شوهد ~~الكثير من عساكر الإنجليز يحملون قتلاهم وجرحاهم، وفي اليوم الثاني كانت ساحة القتال مشوهة ~~بالدماء وآثار جر الموتى ظاهرة في نقط عديدة». # ولما استيقن الإنجليز أنهم عاجزون عن زحزحة المصريين عن خطوطهم القوية انكفأوا راجعين إلى ~~الإسكندرية لينتظروا هناك ما يأتيهم من المدد ... # أما عرابي وأصحابه فما زالت تسعى إليهم الوفود في خيمته عند كنج عثمان، حاملة للجيش ما ~~جادت به البلاد من مال وثمار وماشية للدفاع عن الوطن وكرامته ... # وأما الخديو؛ فقد بادر بتهنئة الإنجليز على ما أصابوا من انتصار في المعركتين! كأنما ~~يستحيل على توفيق أن يتصور الإنجليز إلا غالبين ولو كانت هزيمتهم أمرا محققا. # وفي الوقت نفسه أصدر توفيق بلاغا في اليوم السابع من أغسطس يحذر فيه المصريين من مشايعة ~~عرابي، ورماه فيه بالعصيان والثورة وتوعد كل من يشايعه بعقاب شديد من لدنه. # 24 ~~••• # واستمر مجيء المدد إلى الإنجليز، فأصبح لديهم في الإسكندرية حوالى اليوم العاشر من أغسطس ~~نحو أربعة عشر ألفا من المشاة، وثلاث فرق من الفرسان، ونحو ألف من رجال المدفعية، ونيف ~~وخمسمائة من المهندسين، وعدد آخر من المختصين بأعمال الجسور وأسلاك البرق والخطوط الحديدية ~~... # وفي اليوم الثالث عشر من أغسطس وصل إلى الإسكندرية السير جارنت ولسلي القائد العام للحملة ~~الإنجليزية ... # لنعد بعد ذلك إلى مهزلة المؤتمر أو إلى مراوغة السياسة الإنجليزية وانتصارها تحت سمع ~~المؤتمر وبصره وسلوكها - وأنوف أعضائه في الرغام - سبيلا غير التي أرادوها من أول الأمر ... # انطلقت تركيا من جمودها ms341 آخر الأمر كما بينا وانضمت إلى المؤتمر وقبلت إرسال جند عثمانية ~~إلى مصر، أي أنها قبلت أن تعمل بما كانت تلح به إنجلترا عليها من قبل، ولكن إنجلترا لن تسمح ~~لها اليوم بشيء من هذا ... # في اليوم السادس والعشرين من يوليو أفضى سعيد باشا وزير الخارجية وعضو المؤتمر إلى ~~الأعضاء بأن الجنود العثمانية على أهبة السفر إلى مصر، وفي الوقت نفسه أفصح للمؤتمر عن أمل ~~حكومته في «أن التدخل الحربي بجنود أجنبية في مصر لم تعد له ثمة ضرورة». # ولو أن المؤتمر كان يريد الإنصاف لكان فيما تقدم به سعيد باشا أقرب وضع إلى الحل المنشود ~~الذي وضع المؤتمر قراره في اليوم السادس من يوليو ... # ولكن الدول كما بينا تراجعت في صورة مضحكة مخجلة عن قرارها للأسباب التي بيناها وجنحت إلى ~~ترك إنجلترا تعمل على مسؤوليتها مكتفية بأنها لم تعطها تفويضا بهذا، وهل كانت إنجلترا تطمع ~~في أكثر من أن تعمل على مسؤوليتها؟ # وليتدبر القارئ في رد إنجلترا على كلام سعيد باشا ولينظر مبلغ ما فيه من مناقضة لسياستها ~~يعد من أكبر دواعي الخجل لو أن السياسة الإنجليزية كانت تعرف الخجل يوما ما، قالت إنجلترا ~~في برقية إلى دوفرين في التاسع والعشرين من يوليو: «إن حكومة جلالة الملكة تقبل وصول قوات ~~عثمانية إلى مصر، وتقبل التعاون معها على شرط أن تكون الصفة التي تأتي بها محددة تحديدا ~~مقنعا، وأن تكون خالية من كل ما يجعلها تؤول تأويلين بسبب تصريحات السلطان السابقة». # 25 # وكانت ترمي إنجلترا بهذه العبارة: «خالية من كل ما يجعلها تؤول تأويلين» أن يصدر السلطان ~~قرارا ضد عرابي ورجاله، وذلك أن الصدر الأعظم كان قد أخبر دوفرين قبيل ذلك «أنه ليس من ~~الحكمة إصدار هذا القرار قبل بلوغ الجنود العثمانية مصر» وقد رد عليه دوفرين بقوله: «إذا ~~كان السلطان يرغب في التعاون مع حكومة جلالة الملكة، فإن من الضروري أن يحدد في وضوح ما ~~يعتزم اتباعه نحو عرابي وعصابة الثوار». # 26 # وفي نفس هذه البرقية قالت إنجلترا: «ترغب ms342 حكومة جلالة الملكة أن تخبر سعيد باشا والمؤتمر ~~بأنها لا يمكنها سحب جنودها من مصر ولا التراخي في إعداد العدة». # وقالت كذلك: «إن قعود السلطان عن العمل ذلك القعود الذي طال أمره حيال وضع كهذا الذي ~~تمثله الحال في مصر قد ألقى على عاتق إنجلترا عبثا تضطلع به الآن في سبيل الصالح العالم ~~وفي سبيل صالحها كذلك، وإن حكومة جلالة الملكة ترغب في أن يكون معلوما لدى المؤتمر أنه ~~حالما ينتهي العمل الحربي المراد فإنها ستستعين الدول في وضع نظام قويم لحكم مصر في ~~المستقبل». # إذن فإما أن يعلن السلطان ذلك القرار الخطير الذي تريده إنجلترا فتقبل تعاونه معها في ~~بلاده، وإما أن يحجم عن ذلك فتمضي إنجلترا إلى غايتها، وهكذا تستدرج إنجلترا السلطان خطوة ~~فخطوة، ولسوف يضطر إلى قبول هذا الشرط ليظفر بتفضل إنجلترا عليه بقبول معونته إياها في بلد ~~هو صاحبها الشرعي، ولكن هل تجود إنجلترا عليه بهذا الفضل حتى بعد قبوله ما تشترط؟ ذلك ما ~~نرى الجواب عليه فيما يلي: # في اليوم الثاني من أغسطس تعهد سعيد باشا أن يعرض على المؤتمر صيغة قرار يعلن فيه السلطان ~~أن عرابي من العصاة # 27 # وهكذا تخطو تركيا على رغمها خطوة أخرى في ~~صالح السياسة الإنجليزية؛ وذلك كي يسمح لها بالتدخل في بلاد هي صاحبتها! ألا ما أشد وما ~~أقسى ما يجلبه الضعف من مذلة، وهذا في الوقت نفسه هو عبد الحميد الذي لا يتنفس الناس في ~~بلاده إلا بإذنه! # وردت إنجلترا على ذلك بأنها فضلا عن إعلان قرار العصيان الذي تعده ضمانا لأغراض ~~السلطان، ترى من الأمور الضرورية أن يعقد مؤتمر حربي بين الدولتين للنظر في التعاون كيف ~~يكون بينهما. # وأبلغ دوفرين حكومة الباب العالي في الخامس من أغسطس: «أنه ما لم يعد السلطان قرارا ذا ~~صفة مرضية وما لم توافق الحكومة التركية على الدخول في مؤتمر حربي مع حكومة جلالة الملكة، ~~لن يسمح للجنود العثمانية بالنزول في مصر». # 28 # ومن ذلك نرى أن إنجلترا حين رأت السلطان يقبل ms343 إعلان العصيان المنشود ذلك القرار الذي تصل ~~به إلى ضالتها، ابتدعت المؤتمر الحربي لتؤجل تدخل تركيا حتى تفرغ هي من دخول مصر فلا يكون ~~ثمة داع إلى جنود عثمانية ... ولا يمكن أن يكون في الصلات الدبلوماسية أكثر من هذا استهتارا ~~من أمة قوية بأمة ضعيفة، كما لا يمكن أن يبلغ الضعف بأمة أكثر مما بلغ بتركيا التي يشبه ~~موقفها هذا الاستجداء الذليل ... # وأبلغ دليل على ذلك هذه البرقية التي أرسلها جرانفل إلى دوفرين في الرابع من أغسطس أي قبل ~~الاتصال بالباب العالي ينبئه فيها أنه أرسل تعليمات إلى سيمور، قال: «أرسلت تعليمات إلى ~~الأدميرال سيمور أنه إذا قدمت أي سفينة تحمل جنودا تركية إلى بورسعيد أو إلى الإسكندرية أو ~~إلى جهة أخرى فعليه أن يبلغ قائدها في أكثر الصيغ مودة ورفقا أنه ينتظر تعليمات من حكومته ~~بشأن مؤتمر حربي بين تركيا وإنجلترا الغرض منه معاونة الأولى لنا في القضاء على العصاة، ~~ولكنه لم يتلق أنباء بأن هذا المؤتمر قد عقد وبناء على ذلك فإن إرسال جنود تركية لا بد أن ~~يكون عملا سابقا لأوانه أو بني على سوء فهم، وأن الأوامر التي لديه هي أن يطلب إلى القائد ~~أن يواصل السير إلى كريت أو أي جهة أخرى وأن يخاطب الحكومة التركية لإرسال تعليمات أخرى؛ ~~نظرا لأن الأدميرال سيمور لا يستطيع أن يدعوه إلى النزول في مصر ... وقد سمحنا لسيمور أن ~~يمنع نزول الجنود إذا لم ينتصحوا بنصحه». # 29 # تلقاء هذا اضطرت تركيا أن تعلن في المؤتمر في السابع من أغسطس أن الباب العالي يقبل ~~الدعوة إلى التدخل الحربي في مصر على أساس المذكرة المشتركة بتاريخ 15 يوليو بما تحتوي عليه ~~من بنود وشروط». # ومعنى ذلك أن تركيا تقيدت بالشروط التي وضعها ~~المؤتمر في السادس من يوليو والتي وافقت عليها الحكومات في الخامس عشر منه والتي كانت تركيا ~~تعارض فيها أشد المعارضة، # 30 # وهي إذ تتقيد بهذه الشروط تلتزم في الوقت نفسه بأساس التعاون مع إنجلترا، أي أن ~~التدخل الآن ليس ms344 لتركيا وحدها وإنما هو بصفتها شريكة لإنجلترا ولكن إنجلترا سوف لا تمكنها ~~حتى من هذا الوضع الذي هو دون ما رفضته من قبل بمراحل ... # وفي التاسع من أغسطس أرسل قرار عصيان عرابي إلى دوفرين ليطلع عليه وفي العاشر منه قبلت ~~صيغة القرار بعد إدخال بعض التعديل عليه. # وأخذت إنجلترا تتصل بتركيا بشأن المؤتمر الثنائي الذي يحدد طريقة العمل بينهما مع أنه ~~يتعارض مع قرار المؤتمر العام الذي جاء فيه أنه إذا وافق السلطان كما ترجو الدول على هذا ~~النداء الصادر من الدول الكبرى فإن نفاذ المواد والشروط الآنفة الذكر يكون موضع اتفاق آخر ~~بين الدول الست وبين تركيا». # وكانت إنجلترا ترمي من وراء المؤتمر الثنائي، إلى الأخذ والرد بينها وبين تركيا حتى ينتهي ~~الأمر كما ذكرنا وذلك ما سوف تؤيده الحوادث. # أما المؤتمر العام؛ فقد بلغت مهزلته منتهى سخفها، حين قرر في اجتماع عقده في اليوم الرابع ~~عشر من أغسطس تأجيل انعقاد جلساته إلى أجل غير مسمى، وبذلك أسدل الستار على أسخف مهزلة في ~~تاريخ المؤتمرات السياسية ... ~~••• # ولنعد إلى مصر، فنجد عرابي في خطوط دفاعه تمده الأمة بما تجود به ويؤيده أبناؤها جميعا ~~كبراؤها وفلاحوها، وتتطلع إليه القلوب في موقفه المجيد، وقد ازداد الناس أملا في النصر بعد ~~ما كان بين الجيش المصري وبين الإنجليز من تلاحم أثبت فيه المصريون أنهم جادون وأنهم إذ ~~يحاربون إنجلترا ذات الإمبراطورية الكبرى لا تنخلع أفئدتهم كما يظن أعداؤهم من فاجر ~~الظنون. # وكان عرابي قد أرسل إلى السلطان برقية أورد نبأها دوفرين فيما أرسله إلى جرانفل في السادس ~~والعشرين من يوليو؛ إذ قال: «علمت أن عرابي باشا أبرق مباشرة إلى السلطان يعبر عن ولائه ~~للخلافة، ويقول: إنه وقد حمل حملا على الحرب يمتلك كل ما يلزم لقهر أعدائه وذلك بفضل ~~المساعدة المقدسة وما تفيض به مصر من خير، وإنه لا يصدق ما يؤكده أعداء وطنه ودينه من أنه ~~سيجد فرقا عثمانية في طريقه فإن ذلك سيضعه أمام الضرورة القاسية التي تجعله يعامل إخوانه ~~في ms345 الدين معاملة الأعداء. # 31 # وفي اليوم الخامس من أغسطس أبرق جرانفل إلى دوفرين يقول: «نشرت جريدة الطائف في تأييد ~~عرابي باشا تقول: إن الباب العالي أرسل برقية يهنئ بها الجنود المصرية على ما أبدوه من ~~شجاعة أثناء ضرب الإسكندرية، كما ورد إلى تركيا في برقية كان قد أرسلها درويش باشا». # 32 # أما توفيق فإن يد السلطان مكفوفة عنه منذ قبوله المذكرة المشتركة الثانية في الخامس ~~والعشرين من مايو، وقد بلغت به الجرأة أن أفضى إلى كلفن في الحادي والثلاثين من يوليو: «أنه ~~شديد الخوف من دسائس الترك وأنه يثق من أن الترك سوف يراقبون مراقبة دقيقة». # 33 # ولقد كان السلطان يريد عزله وتعيين حليم مكانه، وتقدم بهذا الاقتراح إلى إنجلترا عقب ضرب ~~الإسكندرية مباشرة ممتدحا حليم قائلا: «إنه يكون حاكما ممتازا» وإن تعيينه «يحقن الدماء ~~ويرضي كل إنسان»، ولقد رفضت الحكومة الإنجليزية هذا الاقتراح رفضا باتا عاجلا وأبلغت ~~السلطان أنه «يضيع الوقت فحسب بعرضه مثل هذه الاقتراحات». # 34 # في التاسع عشر من أغسطس أذاع الجنرال ولسلي البلاغ الآتي: «بأمر الحضرة الخديوية، إعلان ~~للمصريين: يعلن الجنرال قائد الجيوش الإنجليزية بأن مقاصد الدولة البريطانية في إرسالها ~~تجريدة عسكرية إلى القطر المصري ليست إلا لتأييد سلطة الحضرة الخديوية، وعساكرنا يحاربون ~~فقط حاملي السلاح ضد سموه، فعموم الأهالي الذين في سلام وسكينة تصير معاملاتهم بكل ود ~~وإنسانية ولا يحصل لهم أدنى ضرر، بل يحترم دينهم ومساجدهم وعائلاتهم، والأشياء التي تلزم ~~الجيش يصير دفع ثمنها وعليه ندعو الأهالي لتقديم ذلك، وأن الجنرال قائد الجيوش يسر جدا من ~~زيارة مشايخ البلاد وخلافهم ممن يرغبون المساعدة لردع العصيان الذي هو ضد الحضرة الخديوية ~~الحاكم والوالي الشرعي على القطر المصري المعين من لدن الذات الشاهانية». # 35 # وفي نفس اليوم أعاد الإنجليز وقد جاءهم المدد هجومهم على خطوط كفر الدوار، وزحفوا هذه ~~المرة بقوات كبيرة نقلتها القطارات المسلحة من جهة القباري وأعانتها قوات أخرى جاءت من جهة ~~الرمل، والتحم الجيشان ودارت معركة شديدة استمرت ثلاث ساعات حتى غربت الشمس، ms346 وكانت قيادة ~~المصريين لطلبة عصمت وكان معه رضا باشا ومصطفى بك عبد الرحيم وعيد بك محمد وأحمد عبد الغفار ~~والقائمقام أحمد بك عفت، والقائمقام سليمان سامي داود وحكمدار المدفعية بدوي بك، وارتد ~~الإنجليز إلى الإسكندرية بعد أن خسروا خسائر جمة. # وأعاد الإنجليز الكرة عقب ذلك أياما ثلاثة متوالية، كانت تنشب فيها المعارك حامية بينهم ~~وبين المصريين حتى الغروب، والمصريون يردونهم كل يوم إلى الإسكندرية بعد دفاع قوي ~~مجيد. # وهكذا كانت وقائع كفر الدوار أو الميدان الغربي سجلا مجيدا لحرب الثورة، وحسب هؤلاء ~~الفلاحين فخرا أن يخوضوا غمار المعارك لأول مرة في تاريخهم الطويل مدافعين عن مبدأ من أسمى ~~المبادئ الإنسانية، ألا وهو مبدأ الحرية الزهراء، وحسب قائدهم أن يكون أول فلاح في مصر نادى ~~بالحرية في قومه ثم وقف يذود عنها في ميدان من ميادين القتال، وإنه لأمر وايم الحق ~~جليل. # ولكن توفيق رد على هذه الجهود الوطنية الرائعة بهذا البلاغ الذي جعل عنوانه: «إلى جميع ~~أهالي وسكان القطر المصري» والذي قال فيه: «ليس خافيا ما أقدم عليه أحمد عرابي وشيعته ~~الضالة من الأفعال المغايرة والتشبثات الفوضوية التي أخلت بنظام القطر وأضعفت الثقة به، بل ~~أورثته الخسائر والأضرار الجسيمة ولا سيما بانضمام الجيش المصري إليه واتحادهم معه في البغي ~~والمجاهرة بالعصيان لحكومتنا الخديوية حتى ارتبكت الأحوال وخيمت العواقب فبادرت الدول إلى ~~عقد المؤتمر الدولي بالآستانة للنظر في المسألة وتقرير ما به حلها، وبالبحث والمذاكرة في ~~ذلك استقر رأيهم على اتخاذ الطرق التي يترتب عليها عودة سلطتنا الخديوية وتأديب هؤلاء ~~الخارجين لتستتب الراحة وتزول أسباب المفاسد حرصا على عمارية القطر واحترازا مما عسى أن ~~يلم به من الدمار. # ولما كانت الدولة البريطانية الإنجليزية لها فيه المنافع الكبرى ولا سيما بالنظر إلى ترعة ~~السويس التي هي طريقها الوحيد للخطة الهندية المهمة؛ فقد أخذت على عهدتها وتحت إمرتها ~~التداخل الفعلي لقمع هؤلاء المفسدين ومحو آثار الفتن دون أن تمس حقوق السلطة ولا الامتيازات ~~المصرية، ولتحققنا أن نيتها سليمة في الظاهر والباطن ليس إلا ms347 الإصلاح ولا غاية لها في ~~الاستيلاء على البلاد ولا الفتك بأهلها لعداوة دينية ولا غير ذلك مما يذيعه العصاة تنفيرا ~~منهم للعامة وتبغيضا لهم في الأمة الإنجليزية على حسن مقاصدها المذكورة، ولا يزال العاصون ~~على حالهم من المقاومة وتجسيم الحال المؤدي إلى زيادة الخراب حتى اعترفتهم السلطنة السنية ~~عصاة مخالفين للأحكام الشرعية فاستدراكا للأمر ومراعاة للمصلحة العامة قد رخصنا لحضرة ~~القائد العام للجيش الإنجليزي بالتجول نحو جموع العصاة واستعمال الحيل القاهرة لتبديد شملهم ~~وسرعة القبض على رؤسائهم لمحاكمتهم بما يستحقون من أشد العقاب ... # وبما أن العساكر الإنجليزية يعدون في هذه الحالة نائبين عنا في قطع دابر المفسدين وتطهير ~~البلاد منهم؛ ليعود الأمن والراحة ويزول الشقاء عن العباد ومن كانت هذه صفتهم فإنهم جديرون ~~بالمعاونة والمساعدة ولا ريب من جهتهم بوجه من الوجوه، فينبغي أن لا يرهب منهم أحد ولا يظن ~~فيهم سوءا أو مكروها وألا يعاملوا بما يستوجب المنافرة، بل على كل مصري يحب وطنه ويخشى ~~خرابه أن يعاملهم لقاء حسن نياتهم بالإكرام اللائق بهم ولا يتأخر أحد عن مساعدتهم في تقديم ~~ما ربما يحتاجون إليه من المؤونة بأثمانها السائرة التي هم مستعدون لأدائها فورا فمن فعل ~~ذلك؛ فقد وفى بما يجب عليه من حقوق الوطنية الصادقة واستوجب رضاء الله، ورضانا عنه فضلا ~~عما يراه منهم من المكرمة، ومن أبى ... # | التل الكبير # كانت التل الكبير مركز الميدان الشرقي في جهاد ~~الثورة كما كانت كفر الدوار مركز الميدان الغربي، ولقد دارت في هذا الميدان الشرقي معارك في ~~مجال أوسع وفي أعداد أكبر مما كان في كفر الدوار، وكانت في هذه المعارك الشرقية صفحات مشرقة ~~يطرب لها قلب كل مصري وتتهلل أسارير وجهه وصفحات مظلمة يندى لها جبين كل مصري وتتلون صفحة ~~محياه ... كانت فيها البطولة الباهرة إلى جانب الخيانة السافرة الغادرة، وكان فيها الإخلاص ~~المتين للوطن المستصرخ أحاط به العدو من كل ناحية إلى جانب الأثرة الحقيرة على حساب هذا ~~البلد المسكين، نكب بفريق من الخائنين كانوا أشد عليه من أعدائه، ms348 والحق أنه قلما نجد في ~~تاريخ الحروب معركة جمعت بين النقيضين كهذه المعركة التي لم ير فيها العدو طريقا توصله إلى ~~غرضه إلا سلكها مهما كان فيها من عدوان على الفضيلة والحق، ولم يتورع فيها الخونة ~~المستضعفون على اقتراف كل ما ينزل بالإنسان عن مرتبة الإنسانية ... # في هذه المعركة استشهدت الحركة القومية، ووضعت الأغلال في عنق الحرية وفيها اختتم أسوأ ~~خاتمة جهاد زعيم أحاط به من الخيانة ما لم يحط قط بزعيم من قبله ولا من بعده، أجل ... ولكن ~~ترك فيها الأحرار من دمائهم ومن أشلائهم ما قدموه مهرا غاليا للحرية الزهراء، وما وضع به ~~التاريخ حركتهم - وإن غلبوا - في صف الحركات التي طبعها بطابع الخلود والمجد والتضحية ~~والفداء ... ~~••• # كان أكبر أخطاء عرابي وأركان حربه فيما أعتقد إهمالهم هذا المنفذ الشرقي إلى مصر إهمالا ~~قل أن نجد له نظيرا، وصرف همهم كله إلى كفر الدوار، ولعل مرد ذلك فيما أفهم من حوادث هذه ~~الحرب إلى خطأ آخر لا يقل خطره عن هذا الخطأ الأول ألا وهو اطمئنان عرابي وأصحابه إلى حيدة ~~قناة السويس وحرصهم على إرضاء الدول بالمحافظة عليها ... ولنأت بالحديث على سرده حتى يتبين ~~لنا في هذه القضية وجه الحق ... # ما كاد الإنجليز يفرغون من ضرب الإسكندرية حتى أخذوا يخوفون الدول بما زعموا من خطر محدق ~~بقناة السويس، وتأهبوا ليلعبوا نفس الدور الذي لعبوه في ضرب الإسكندرية ... # وكانوا يريدون من إثارة المخاوف - كما أسلفنا - أن يزعموا أمام دول المؤتمر أن الظرف ~~القاهر الذي يستلزم التدخل الحربي في شؤون مصر لا يزال قائما على الرغم من رحيل الأوربيين ~~... # وهم من جهة أخرى يتخذون من إذاعة هذه المخاوف المزعومة ذريعة لخطوات يخطونها في الناحية ~~الشرقية تتصل بخطتهم الحربية العامة، دون أن يظهروا تلك الخطة؛ إذ إنهم لا يزالون يموهون ~~على الدول أنهم لا يبتغون تدخلا بمفردهم وأنهم ينتظرون رد تركيا على قرار المؤتمر الذي ~~زعموا أنهم يحترمونه كل الاحترام ... # وهكذا توصل الإنجليز إلى السير في خطتهم الحربية المرسومة عقب ضرب الإسكندرية ms349 في غير ~~إبطاء؛ إذ كانت سياسة الأمر الواقع هي معولهم الذي حرصوا عليه ليواجهوا بها الدول والوطنيين ~~على حد سواء ... # والواقع أن إنجلترا بدأت تظهر ما تزعمه من مخاوف عن القناة منذ أواخر شهر يونيو، كما ~~يتبين فيما أرسله جرانفل إلى سفير إنجلترا في باريس في الرابع والعشرين من يونيو ليخبر ~~فرسنيه بأن «حكومة جلالة الملكة تلقت أنباء مزعجة لديها من الأسباب ما يحملها على تصديقها ~~مؤداها أن خططا وضعت ضد القناة نفسها». # 1 # وزادت إنجلترا في إثارة المخاوف عقب ضرب الإسكندرية مباشرة؛ فقد أرسل جرانفل في الثاني ~~عشر من يوليو إلى سفراء إنجلترا في كل من باريس وبرلين وروما وفينا وبطرسبرج والقسطنطينية ~~ليخبر كل منهم الدولة المقيم فيها بما يخشى من خطر على القناة، ويسألها ماذا تراه من «علاج ~~لحالة قد تفضي إلى كارثة بالتجارة الدولية». # 2 # ودارت بعد ذلك الاتصالات بين فرنسا وإنجلترا للنظر في اتحاد الدولتين على ما يعمل لحماية ~~القناة، حتى استقالت وزارة فرسنيه عل نحو ما ذكرنا من قبل، بعد أن أظهرت من التردد حيال هذه ~~المسألة مثل ما أظهرت حيال ضرب الإسكندرية. # وكذلك اتصلت إنجلترا بإيطاليا، وطلبت معونتها في هذا الأمر حتى نفضت إيطاليا يدها من ~~المسألة المصرية كلها ... # ومهدت إنجلترا بهذه التعمية المقصودة لانفرادها بالعمل هنا كذلك على نحو ما فعلت في ضرب ~~الإسكندرية، وفي الثاني والعشرين من يوليو عادت إنجلترا إلى نغمتها السمجة في الشكوى من ~~تحصينات تقام على الساحل غربي بورسعيد، في طابية الجميل على مدخل بحيرة المنزلة، ومن ثم ~~أصدرت الحكومة الإنجليزية أمرها إلى الأدميرال العظيم بوشامب سيمور فاتح الإسكندرية باحتلال ~~بورسعيد والإسماعيلية. # وفي السادس والعشرين من يوليو اخترق الإنجليز قناة السويس غير مبالين بشيء ولا حاسبين ~~لقانون حسابا، أوليسوا يدافعون عن القناة مما يحدق بها من خطر لينقذوا التجارة الدولية من ~~كارثة محققة؟! # اقتحمت القناة في هذا اليوم من الشمال السفينة الحربية أوريون بقيادة فتزوري، وفي اليوم ~~التالي وقفت في بحيرة التمساح على 800 متر من الإسماعيلية. # وفي التاسع ms350 والعشرين منه، وصل إلى السويس على مقربة من مدخل القناة من الجنوب الأدميرال ~~هوت يقود أربع سفن حربية ووصل إلى بورسعيد على مقربة من مدخل القناة من الشمال الأدميرال ~~هوسكن، وكان فتزوري كما رأينا في بحيرة التمساح على مرأى من الإسماعيلية ... # وفي اليوم الثاني من أغسطس أنزل الإنجليز عساكرهم في السويس واحتلوا ثكناتها التي أخلاها ~~الجيش المصري بغير مقاومة ... # ولا ريب أن إخلاء السويس على هذه الصورة كان من أكبر العيوب في هذا الميدان، على أنه جزء ~~من العيب الشامل ألا وهو إهمال تحصين المدخل الشرقي إلى ~~مصر، كله ... # وأرسل جرانفل إلى دوفرين في السابع من الشهر يقول: «في حالة ما إذا سئلت عن شرح لاحتلال ~~السويس يمكنك القول إن حكومة جلالة الملكة لم ترسل تعليمات بهذا الشأن، ولكن أدميرال سير و. ~~هوت، وكانت لديه السلطة أن ينزل جنودا حيثما وجد الضرورة تدعو إلى ذلك، ولقد فعل ذلك بناء ~~على ما تعرضت له المدينة من خطر ووافقته حكومة جلالتها على ما فعل، وقد كان يعمل لصالح ~~الخديو الذي أعطى قائد القوات البحرية البريطانية السلطة ليتخذ من الخطوات ما يراه ضروريا ~~لحماية القناة باسم سموه». # 3 # ولينظر القارئ مبلغ ما في هذه البرقية مما يشبه حال اللص؛ إذ تعوزه الحجة ومبلغ ما فيها ~~من استغلال اسم الخديو واتخاذ الإنجليز انضمامه إليهم وسيلة لتحقيق خطتهم في التهام مصر ... ~~••• # ومما يعجب له المرء أن الإنجليز كانوا بعد هذا الذي بلغوه من سيطرة على القناة يزعمون ~~أنهم لم يعتدوا عليها بشيء وإنها لفي قبضتهم الآن في واقع الأمر وإن لم يمنعوا دخول السفن ~~فيها بعد كما سيفعلون، تجد هذا الزعم في قول جرانفل في آخر هذه البرقية: «وأحب أن أشير إلى ~~أن مدينة السويس تعد خارجة عن القناة» ... # يفسر موقف عرابي من قناة السويس إهماله وأركان حربه تحصين الميدان الشرقي، ونقصد بموقف ~~عرابي من القناة أنه ارتكب خطأ من أكبر أخطائه بإحجامه عن ردم القناة حتى ضاعت الفرصة ~~واحتلها الإنجليز، ونحن نوافقهم كل الموافقة ms351 على رأيهم هذا في غير تردد فما كان غرضنا من ~~كتابة هذه السيرة إلا وجه الحق مجردا من كل محاباة، ولكنا نحالفهم كل المخالفة في أمور ~~أحاطوا بها هذا الخطأ فأسرفوا فيها إسرافا شديدا وخاصة كتاب الإنجليز ممن دافعوا عن ~~الاحتلال. # نخالفهم في أن دي لسبس كان يخدع عرابي وأن عرابي جازت عليه الخدعة ونخالفهم في أن عرابي ~~لم يفطن بسبب جهله إلى أهمية ردم القناة كوسيلة من وسائل الدفاع، ونخالفهم في أن عدم ردم ~~القناة كان السبب الأساسي للهزيمة، ونخالفهم في أن عرابي أحجم بسبب جبنه عن ردم القناة، ~~ونخالفهم في أن العمل كان من السهولة كما يصفون ... أجل، نخالفهم في ذلك كله مستندين إلى ما ~~نقدم من أدلة نثبت بها ما نقول ... # ومن الصعب على المرء أن يمحو من الأذهان فكرة استقرت فيها بفعل السنين منذ أن أذاعها خصوم ~~عرابي مهولين في الأمر قبل يوم الناس هذا بنيف وستين عاما، ولم نجد ردا عليها طوال هذه ~~المدة كأنها من الحقائق المقررة التي لا تحتاج إلى نظر، وإنك لتتحدث إلى الناس في سيرة ~~عرابي فتسمع فيما تسمع قولهم: لقد كان عرابي ساذجا خدعه دي لسبس وغرر به فصدقه، أو على حد ~~تعبيرهم العامي: «ضحك عليه» فلم يردم القناة ... # ولكن الخطب يسير إذا نظر المرء في هذا الأمر نظرة مجردة من المزاعم السالفة جاعلا غايته ~~الوصول إلى الحق في غير محاباة لعرابي ولا تجن عليه ... # في التاسع عشر من يوليو ذكر كارتريت فيما أبرق به إلى جرانفل قوله: «أتشرف بإبلاغكم بوصول ~~المسيو دي لسبس إلى الإسكندرية، ويظهر أنه في مقابلته للخديو لم يتحدث كثيرا عن الموقف ~~السياسي، ولكن مجيئه إلى مصر الآن يعد من سوء الحظ». # 4 # وفي الثلاثين من الشهر أبرق جرانفل إلى سفير إنجلترا بباريس يقول: «إيماء إلى الطريق الذي ~~يسلكه المسيو دي لسبس فيما يتصل بحماية قناة السويس، أرغب أن تبسط للمسيو دي فرسنيه أن ~~حكومة جلالة الملكة ترى من المسلم أن المسيو دي لسبس لم يعط ms352 سلطة ليتكلم أو يعمل باسم ~~الحكومة الفرنسية، وعليك أن تطالب برد سريع بحقيقة الأمر ويسر حكومة جلالة الملكة أن تتلقى ~~الضمان قبل أن ينفض يديه كلية من مقاليد الحكم». # 5 # وفي الرابع من شهر أغسطس أبرق جرانفل البرقية الخطيرة الآتية إلى نفس السفير يقول: «أرغب ~~أن تبسط للحكومة الفرنسية أن حكومة جلالة الملكة وصل إلى علمها أن المسيو دي لسبس يعارض ~~معارضة قوية أعمال حكومة جلالة الملكة في مصر، وذلك بتهديده بتعطيل القناة إذا أنزلت جنود ~~بريطانية في أي مكان في القناة أو على مقربة منها، وحكومة جلالة الملكة لا ترغب الآن أن ~~تتخذ شيئا لقاء ما حدث منه؛ نظرا لأنه من رجال فرنسا ذوي المكانة؛ ولأنه رئيس مجلس إدارة ~~الشركة، إلا إذا ألجأتها الضرورة الملحة إلى ذلك، وأن الحكومة لتأمل أن تتجنب هذه الضرورة ~~وذلك بما تبسطه الحكومة الفرنسية للمسيو دي لسبس مما يصرفه عن مسلكه، وأن حكومة جلالة ~~الملكة لواثقة من أن لها أن تتوقع هذا من الحكومة الفرنسية؛ نظرا لما بين الدولتين من ~~علاقات الصداقة ولاتفاق مصالحهما في القناة وفي شؤون مصر بوجه عام». # 6 # وفي الخامس من أغسطس عقد مجلس إدارة الشركة اجتماعا غير عادي وكان مما أعلنه فيه تمسكه ~~بحياد القناة وانضمامه تبعا لذلك إلى رئيسه فيما يدافع به عن حقوق الشركة المهددة ووجه ~~الثناء إلى هذا الرئيس وقد خالف هذا القرار العضو الإنجليزي مستر ستاندن. # 7 # من هذا يتبين أن دي لسبس كان جادا في المحافظة على حيدة القناة، وأنه كان يخشى من سياسة ~~الإنجليز أن تؤي إلى سدها أو تحطيمها بأيدي الوطنيين، ولذلك كان شغله الشاغل أن يحمل ~~بمعارضة الإنجليز حكومته على التدخل لحماية القناة ... # وإذا رجعنا إلى سياسة فرسنيه وجدنا أن دي لسبس كان على حق في انتظار تأييد حكومته، ولذلك ~~وقف من الإنجليز موقف الجد والصرامة، فإن فرسنيه وإن لم يوافق على التدخل في مصر إلا أنه ~~كان لا يعارض في مشاركة إنجلترا في حماية قناة السويس كما بينا؛ إذ إنه ms353 فصل المسألتين ~~إحداهما عن الأخرى وقد خطا فعلا خطوات في هذا السبيل واعتمد له المجلس التشريعي المال ~~اللازم، وأرسلت التعليمات إلى الأدميرال الفرنسي ببورسعيد ليتفق مع هوسكن على ما ينبغي عمله. # 8 # لكن سقوط وزارة فرسنيه في آخر يونيو ذهب بهذه السياسة؛ إذ كان برنامج خلفه الابتعاد عن ~~المسألة المصرية كلها ومن ثم ضعف دي لسبس، وتنمرت الحكومة الإنجليزية وأبلغت فرنسا التهديد ~~الذي أشرنا إليه. # ولا يمكن مع هذا الذي ذكرناه من الحقائق أن يكون دي لسبس مخادعا لعرابي، فليس في الأمر ~~خديعة وإنما غلب دي لسبس على أمره بسياسة الأمر الواقع ... # والحق أن عرابي لم يحج عن ردم القناة منخدعا بأقوال دي لسبس وإنما كان هناك اعتبار على ~~قدر عظيم جدا من الأهمية يشغل ذهن عرابي، وذلك هو ما كان يحيط به من ظروف ... # كانت إنجلترا تصور عرابي وأنصاره أنهم عصاة مخربون، وإن لم يعملوا شيئا ما يبرر هذه ~~التهمة النكراء، فكيف يكون الحال لو أن عرابي أقدم على ردم القناة والمؤتمر منعقد ~~بالآستانة، ومجلس إدارة الشركة خائف يترقب؟ ولقد رأينا كيف خوفت إنجلترا الدنيا مما زعمته ~~من خطر محدق بالقناة قبل أن يحدث أي شيء ... # للقارئ أن يصور لنفسه مبلغ ما كان يصيب الحركة القومية في مصر من سوء السمعة، الأمر الذي ~~كان ينفر عرابي منه أشد النفور؛ لأنه كان شديد الحرص على أن يظهر للملأ أن حركته عادلة ~~سليمة وأن لا يبدأ بالعدوان أحدا وإن كان لا يحجم عن رد ما يوجه إليه من عدوان. # وليت الأمر كان يقتصر على سوء السمعة، بل إن الدنيا كلها كانت تصبح عدوة لعرابي وحركته، ~~وحسبه ما كان يلاقيه من إنجلترا التي لم تدع وسيلة لتشويه حركته إلا أذاعتها ... # وليس لأحد أن يقول: وماذا صنع المؤتمر بإنجلترا وقد خرجت على قراره وضربت الإسكندرية؟ لأن ~~هذا قياس مع فوارق بينة، فإنجلترا فعلت فعلتها الآثمة بحجة الدفاع عن مصالح الأوربيين في ~~مصر وأرواحهم، وإنجلترا تستند إلى قوتها وأسطولها ونفوذها السياسي، وإنجلترا تزعم أنها ms354 تعمل ~~عملا مشروعا لتأديب قوم تعدهم من العصاة، وأين هذا كله من عرابي الذي لم يجد أحدا يعطف ~~عليه وهو المظلوم، فكيف إذا ظهر بمظهر الطاغية الذي يردم القناة ويعطل تجارة ~~الدنيا؟! # ولسنا نريد بذلك أن نبرر عدم ردم القناة وإلا فما كان هناك مجال لأن نناله باللوم، وإنما ~~قصدنا أن نبين سبب تردده وإحجامه وأن ننفي أنه كان في ذلك ساذجا جازت عليه خدعة دي لسبس ~~التي زعمها المبطلون أو الجاهلون ... # وقد أحسن جون نينيه تلخيص هذه القضية في كتابه «عرابي باشا» في قوله: «فلما حل موعد ~~المعركة لم تركن إنجلترا إلى قوانين القتال وقواعد الحرب، ولم تأبه بحيدة القناة التي ~~تضمنها الدول بل أسرجت خيول سان جورج، # 9 # وأطلقتها في ميدان السبق لتحرز نصرا قائما على الغدر والخيانة ومستندا إلى ~~الدسيسة والرشوة ... وقد وقع نزاع خطير في فرنسا حول الدفاع عن قناة السويس؛ وذلك لكى ينفذ دي ~~لسبس ما وعد به عرابي، فإنه تعهد لزعيم الثورة المصرية وقائد الجيش المصري بأن تقاوم قوة ~~حربية إلى جانبه إذا نزلت جنود إنجلترا في الإسماعيلية أو اعتدت على حياد القناة الدولية ... ~~ولم يكن دي لسبس كاذبا، ولكن السياسة عرضة للكذب؛ فقد تقدم مسيو دي فرسنيه إلى المجلس ~~التشريعي بفتح اعتماد لإعداد الحملة الحربية للدفاع عن القناة فلم يجبه المجلس إلى طلبه ~~فاستقال في أول أغسطس سنة 1882». # 10 # وقال عن عرابي بعد أن أشار إلى نصحه إياه بردم القناة: فلم يجبه المجلس إلى طلبه فاستقال ~~في أول اغسطس وذوو عقول مدبرة وعلى جانب عظيم من فنون الحرب والهندسة، ولكن عرابي باشا لم ~~يستمع لنصحهم، فكان يخشى بالوهم ما يسميه الرأي العام الأوربي، ولطالما أفهمته أن هذا الرأي ~~العام حديث خرافة، وأن أوربا طامعة في الشرق كله» ... # ونحب أن نورد ما كتبه الشيخ محمد عبده في هذا الصدد وما ذكره بلنت في تعقيبه على رسالة من ~~رسائل عرابي إلى دي لسبس، قال الأستاذ الإمام: «عرابي اعتمد على دي لسبس في حماية القنال، ~~وكان ms355 يظن أن مس القنال يهيج عليه جميع الأمم لهذا ترك هذه الناحية عوراء، وعندما أحس دي ~~لسبس بأن الجيش المصري قد يتحرك ناحية القنال كتب تلغرافا لعرابي يقول له: من المستحيل أن ~~عساكر الإنجليز تمر من القنال ... وبعد واقعة مهمة في ناحية كفر الدوار جاء الخبر عقبها بأن ~~اثنتين وثلاثين سفينة توجهت إلى القنال فورد تلغراف من دي لسبس يقول: لا تسرع في شيء يمس ~~القتال، لا يمر عسكري إنجليزي إلا ومعه فرنسي، أنا مسؤول عن كل ما يحدث. فأجيب بأن هذا غير ~~كاف وتقرر إرسال جيش، ثم أرسل الجواب ببطء، وقبل أن يتحرك عسكري إلى ناحية القنال، كان ~~الجيش الإنجليزي قد احتله؛ وذلك لتأخر الجيش 15 ساعة في إبلاغ دي لسبس، ويظهر أنه كان في ~~الحاضرين خونة نقلوا الأخبار وأخطأوا في التبليغ». # 11 # وأوجه نظر القارئ إلى قول الأستاذ الإمام: «وكان يظن أن مس القنال يهيج عليه جميع الأمم ~~لهذا ترك هذه الناحية عوراء» وإلى قوله: «فأجيب بأن هذا غير كاف وتقرر إرسال جيش» ففي هاتين ~~العبارتين ما يلخص المسألة كلها ويقطع بأن الأمر أمر تردد له سببه الوجيه لا أمر خدعة طال ~~فيها كلام العائبين ... # أما بلنت؛ فقد أورد في كتابه أحد ردود عرابي على دي لسبس وهذا نصه: «لما كنت أحترم حيدة ~~القنال احتراما كليا وخاصة أنها عمل من الأعمال العظيمة ولأن اسم سعادتكم سوف يقترن بها ~~في التاريخ، فإني أتشرف بإبلاغكم أن الحكومة المصرية سوف لا تعتدي على هذه الحيدة إلا عند ~~الضرورة القصوى وفي حالة ما إذا ارتكب الإنجليز بعض الأعمال العدوانية في الإسماعيلية ~~وبورسعيد أو في أي جزء آخر من القنال». # ويعقب بلنت على ذلك بقوله: «هنا نجد المبدأ قد وضع وضعا طيبا في وضوح ولكن موضع الضعف ~~فيه يرى في أنه يدع للعدو أن يقترف أول خطوة عدائية بدل أن يحول بينه وبين ذلك من قبل ~~ويمنعه». # وأين الخديعة في كلام عرابي مع هذا التحفظ الذي يبديه في كتبه وفي كلامه؟ إلا أن ms356 العيب ~~كله ينحصر في التردد الذي أضاع الفرصة وهو ما استحق عليه عرابي اللوم بلا مراء، لا في ~~الغفلة التي حاول زورا أن يلصقها به المغرضون ... # أما قصته مع دي لسبس فأمرها هين وإن ألقى عليها المغرضون شبهات من الأهمية والخطر ... يقول ~~عرابي في مذكراته: «في 14 يوليو سنة 1882 ورد لنا تلغراف من المسيو دي لسبس مدير شركة ~~القنال المذكور يستعلم عن رأينا في القنال بالنسبة للحركات الحربية فأجبته في التاريخ ~~المذكور بالتلغراف أيضا: إننا نعتبر القنال حرا للمنافع العامة الدولية، ولذلك فإننا لا ~~نتعرض له بضرر إذا أمكنه منع السفن الحربية الإنجليزية من خرق حرمة الحياد واحترامها لقانون ~~الشركة وإلا فنكون أحرارا في مقابلتهم بالمثل ... # فورد تلغراف في اليوم المذكور يفيد أنه ضامن ومتكفل بمنع الإنجليز عن اختراق القنال ما ~~دام فيه عرق ينبض؛ ظنا أن فرنسا تدافع عن حقوقها وتحافظ على حرية القنال ولا تلدغ من جحر ~~مرتين». # واستمرت الرسائل بين عرابي ودى لسبس، ونكتفي منها بما أرسله عرابي في 27 يوليو و4 أغسطس ~~و25 منه، و3 أخرى بغير تاريخ، وكلها تبين لدي لسبس ما يقف عليه عرابي من حركات الإنجليز ~~العدوانية في منطقة القنال، وقد تساءل عرابي في بعضها: أهذا ما يريده دي لسبس بحياد القنال؟ ~~... ومعنى ذلك أن عرابي كان على بينة من ضعف دي لسبس أمام الإنجليز وأنه لم يخدع بأنه قادر ~~على منعهم من دخول القنال، وأنه إنما تردد لذلك الاعتبار الدولي الذي بيناه ... # وقد حصل بلنت على هذه المكاتبات من دي لسبس أثناء المحاكمة وأثبتها في آخر كتابه، وقد ~~أرسلها إليه دي لسبس مع كتاب منه جاء فيه: «إني أرسل إليك الترجمة الفرنسية لتلك الرسائل ~~التي من شأنها أن تشرف متهما يحملك كرمك على الدفاع عنه». # 12 # وأخيرا، لما لم يجد عرابي بدا من العمل خرج من تردده وأصدر أمره بردم القناة ولكن بعد ~~أن ضاعت الفرصة وهو ما عددناه من أكبر أخطائه بلا جدال ... # ولم يكن عرابي يجهل أهمية هذا العمل ms357 في الدفاع عن مصر كما زعم خصومه؛ فقد نصح به محمود ~~باشا فهمي في خطته التي ذكرناها، ونصح به جون نينيه إلى عرابي أكثر من مرة كما ذكر في ~~كتابه؛ إذ قال: «فأحجم عرابي عن سد القناة في حينه وتمسك برأيه على الرغم مما كانت تقضي به ~~الخطط الحربية الفنية، وعلى الرغم مما ذهب إليه زملاؤه وما ذهبت إليه أنا وكررته له عشر ~~مرات، تارة بشديد الكلام، وتارة بالكتابة ... على الرغم من ذلك كله ظل عرابي على رأيه فمهد ~~للجنرال ولسلي نصرا من أسهل ما عرف في تاريخ الحروب» # 13 # حيث قال في موضع آخر: «لن يجد الإنجليز صعوبة في احتلال القناة فهم لا يبالون ~~بالمعاهدات والقوانين ولا يعنيهم إلا مصالحهم، وإذا بلغوا الإسماعيلية فمعنى ذلك أن الحملة ~~بلغت النهاية». # 14 # ومما يزيدنا ثقة في أن عرابي كان يدرك أهمية هذا العمل أنه صرح به لمراسل إحدى الصحف ~~بالإسكندرية قبل ضربها قائلا: «سوف نحترم القناة ما دام العدو يحترم استقلالنا، ولكن إذا ~~نشبت الحرب فإننا سنهدم القناة مؤقتا عند أول طلقة من مدفع، وسأفعل ذلك آسفا؛ لأن القناة ~~من طرق التجارة المحايدة». # 15 # وكذلك نجد دليل على هذا في ذلك الكتاب الذي أملاه عرابي على صابونجي ليرسله إلى بلنت كي ~~يحمله إلى جلادستون والذي ذكرنا طرفا منه في الفصل السابق؛ فقد ذكر فيه عرابي أن «الحرب ~~تجعل مصر في حل من الالتزام بالعهود والمعاهدات وأنها سوف تحطم جميع القنوات وتعطل كل المواصلات». # 16 # وأما قول القائلين: إن عدم ردم القناة كان السبب الأساسي للهزيمة، فينفيه ما حدث في معركة ~~القصاصين الثانية؛ إذ كان المصريون على قاب قوسين من النصر، ولولا الخيانة كما سنبينه في ~~حينه لتغير وجه الحرب كلها ... ولكان اليوم لعرابي تماثيل في كبرى العواصم ... وكل ما يمكن أن ~~يقال هو أن دخول الإنجليز من القناة قد سهل عليهم إلى مدى عظيم النجاح في خطتهم بوجه ~~عام. # وأما أن عرابي أحجم عن ردم القناة لجبنه فرأي سخيف؛ لأن تردده ms358 لذلك الاعتبار السياسي الذي ~~فصلناه فسر بالجبن، وفرق بين أن يجبن الإنسان عن تحمله تبعة فعل من الأفعال وبين أن يقارن ~~بين فعله وتركه فيرى حينا أن تركه أجدى عليه وعلى قضيته من فعله فيقف زمنا موقف الحيرة ~~بين الرأيين ... # وأما أن ردم القناة كان من السهولة كما يصوره خصوم عرابي في نعيهم عليه أنه لم يفعله في ~~الحال، فذلك ما ينفيه الواقع؛ وذلك أن الإنجليز ما كادوا يفرغون من ضرب الإسكندرية حتى ~~اتجهوا إلى حماية القناة، وكان على عرابي أن ينشئ خطوط كفر الدوار ليصد الإنجليز الذين ~~دخلوا الإسكندرية فعلا، فإذا ذكرنا أنهم فرغوا من ضرب الإسكندرية في اليوم الثاني عشر من ~~يوليو، وأنهم سيطروا على مدخلي القناة قبل نهاية الشهر، واحتلوا السويس في اليوم الثاني من ~~الشهر التالي، وأن جانبا من أسطولهم كان يستطيع الانتقال فورا إلى بورسعيد - إذا ذكرنا ~~ذلك كله أدركنا مقدار ما كان يواجه عرابي ورجاله من صعوبة إذا هم أقدموا على عمل جبار كردم ~~قناة السويس. # وليس معنى ذلك أنه كان يستحيل عليهم هذا العمل وإلا سقط عنهم اللوم وذلك ما لم نقله، ~~وإنما كان الأمر صعبا وقصاراهم أنهم كانوا يستطيعون أن يوزعوا جهودهم بين كفر الدوار وقناة ~~السويس، ولا يخفى ما يكون في ذلك من خطر على الميدان الغربي. # والواقع أن سرعة الإنجليز ورسمهم خطة محكمة من زمن بعيد هو الذي أوقع المصريين في الحيرة، ~~ولا يصح أن يقال: إن عرابي ملوم على كل حال؛ لأنه كان عليه أن يبادر بالعمل من قبل ذلك، ~~ولقد رددنا على مثل هذا الكلام عما وجه إليه من لوم بشأن حصون الإسكندرية. # والقضية كلها تتلخص في كلمة، فطالما كان عرابي وزيرا في وزارة يملك الخديو إسقاطها في أي ~~وقت، وطالما كان الخديو في صف الإنجليز، فلن يستطيع عرابي أن يتأهب للحرب فضلا عن إقدامه ~~على عمل كردم قناة السويس، وما كان يستطيع عرابي أن يفعل شيئا إلا بعد سقوط الوزارة وبعد ~~عجز توفيق عن إقامة وزارة غيرها ms359 واضطراره إلى إبقاء عرابي في وزارة الجهادية، والمدة بين ~~عودة عرابي إلى الوزارة وبين ضرب الإسكندرية هي شهر ونصف انشغل فيها عرابي بالأمن وقضيته، ~~ومأساة الإسكندرية وما جرته في أعقابها، ودرويش وبعثته ودسائسه مما لم يدع له مجالا ~~للاستعداد ولو سرا، هذا إلى أن عملا كردم القناة لا يكون إلا في موقف له مبرراته، أعني ~~لا يكون إلا عند نشوب الحرب أو توقع نشوبها بين حين وحين وهو ما لم يخطر ببال أحد في مصر ~~على هذه الصورة من السرعة وخاصة بعد انعقاد مؤتمر الآستانة ... ~~••• # ولم يقتصر نشاط الإنجليز في المنطقة الشرقية من مصر على ما فعلوه بشأن قناة السويس، وإنما ~~لجأوا كذلك إلى أسلوب فيه أقوى الأدلة على مبلغ ما للشرف البريطاني عندهم من رعاية واحترام، ~~ويتضح هذا فيما فعله الأستاذ بالمر وشريكه الكابتن جل ... وفيما استعان به الإنجليز بعد ذلك ~~من رشوة خسيسة ودس دنيء ... # كانت إنجلترا تدرس خطة احتلال مصر منذ أوائل سنة 1882، أي قبل نفاذها فعلا بنحو ستة ~~أشهر، وقد أشرنا إلى حديث جرى بين مستر بلنت والجنرال ولسلي في 15 مارس تحدث فيه ولسلي عن ~~أسهل الطرق إلى القاهرة وأبدى اهتماما بالصحراء الشرقية. # وفي منتصف شهر يونيو، أي عقب مذبحة الإسكندرية قررت وزارة الحرب بالاتفاق مع الأدميرالية ~~تمهيد السبيل للحملة وذلك بالاعتماد على رشوة واسعة النطاق وخاصة بين البدو في المناطق الشرقية. # 17 # واستدعت إدارة الأدميرالية البريطانية إدوار بالمر أستاذ اللغات الشرقية في كمبردج، وقد ~~رأت في هذا الرجل خير من يصلح لأداء العمل المراد لمعرفته اللغة العربية ولخبرته بالمنطقة ~~المقصودة؛ إذ تصادف أنه كان من قبل عضوا في جمعية كشف فلسطين. # وتحدث إليه اللورد نورثبروك وعرض عليه أن ينهض بهذا العمل الوطني المشرف - كما قال - ألا ~~وهو ضمان انضمام البدو شرقي القناة إلى الجيش الإنجليزي وذلك بالإفادة من قابليتهم للرشوة، ~~وقدم له نورثبروك 500 جنيه غير نفقات الرحلة ووعده بمكافآة عظيمة إذا اتفق له النجاح ... # وكان المستر بالمر معسرا فقبل الاضطلاع بهذا العمل الوطني ms360 المشرف، وتهيأ للسفر وهو يرجو ~~لعمله هذا النجاح، ويقول بلنت: إنه مر به قبل سفره وتظاهر أنه عين مراسلا لجريدة ~~«أستاندارد» وطلب منه أن يزكيه لأصحابه من رجال الحزب الوطني في مصر، وكان ذلك ليخفي - كما ~~يذكر بلنت - العمل الذي كلف بأدائه. # أما التعليمات التي ألقيت إليه فهي أن يذهب إلى الإسكندرية حيث يتشاور في خطته مع سيمور، ~~وبعد ذلك عليه أن يذهب في غير إبطاء إلى يافا حيث يتنكر في زي عربي ويزور الصحراء جنوبي غزة ~~وغربيها، ويتصل بقبيلتي الطياحة والطرابين ... # وقد اطلع بلنت على يوميات بالمر وأورد منها بعض فقرات كقول الأستاذ: «أعطاني الأدميرال ~~مسدسا وبندقية وكثيرا من الطلقات» وقوله عن الأدميرال: إنه قال: «يهنأ الوطن بوجود رجل ~~قدير مثلي يضطلع بمثل هذا العمل الصعب». # وانطلق بالمر إلى يافا على ظهر قارب بخاري فوقه العلم البريطاني وكان معه في القارب ~~بحاران، وهناك اتصل بالقنصل الإنجليزي، وأرسل القنصل ابنه إلى غزة ليمهد السبيل للرحلة، ~~واشترى بالمر الملابس العربية المطلوبة وبدأ بعد ذلك رحلته الصحراوية متظاهرا أنه من تجار ~~الإبل ... # واستمر بالمر في رحلته وقد ذكر في يومياته أنه اتصل ببعض مشايخ الطرابين وأنه تعاقد مع ~~الطياحة، وأنه قطع شوطا كبيرا صوب النجاح، وأن البدو كانوا يحبونه ويقبلون عليه ويدعونه ~~عبد الله أفندي، وكان يسمعهم الشعر العربي فيطربون له وقد أكل معهم الخبز واللحم كعهد بينهم ~~وبينه أن يحمي كل منهما الآخر حتى الموت. # وفي أول أغسطس بلغ بالمر السويس واشترك مع الجند الذين احتلوها ثم خرج إلى الصحراء ثانية؛ ~~ليعمل على قطع أسلاك التلغراف وإحراق الأعمدة؛ لتنقطع المواصلات بين عرابي وتركيا ... # وبعد ذلك بيومين التقى بالكابتن جل وقد أعطاه هذا عشرين ألف جنيه لتوزيعها على البدو ولقي ~~بالمر حتفه في السابع من أغسطس هو وجل وإنجليزي آخر؛ إذ صادفهم في صحراء سيناء عدد من البدو ~~من قبيلتي الحوايات والحويطات، فعرفوا أن معهم مالا كان يحمله بالمر إلى الطياحة، فأوثقهم ~~البدو وأخذوا المال وقتلوهم رميا بالرصاص في وادي صدر. # ولم ms361 يقل نشاط جل غربي القناة عن نشاط بالمر شرقيها؛ فقد اتصل باثنين من أكبر مشايخ البدو، ~~هما سعود الطحاوي في جهة الصالحية ومحمد البقلي في وادي الطميلات كما جاء في يومياته، ويذكر ~~جل في هذه اليوميات أنه تلقى هذين الاسمين من الخديو نفسه وقد كتبهما الخديو بخط يده، وكان ~~آخر ما كتبه جل في اليوم السادس من أغسطس، أي قبل مصرعه بيوم، قال: «يسرني أني تخلصت من ~~العشرين ألف جنيه؛ إذ إنني أعطيت هذا المبلغ لبالمر ليوزعه على البدو» ... ~~••• # ونرى قبل أن نتكلم عن وقائع الحرب في الميدان الشرقي أن نذكر ما كان من سعي الخديو ~~واتصالاته في هذه الجهة، وذلك لما كان لفعله هذا من عظيم الأثر في نتيجة الحرب ... # كان من أكبر أعوان الخديو في هذا الميدان أولا الكابتن جل؛ فقد أرسله توفيق إلى الشيخين ~~البدويين الطحاوي والبقلي وكان الإنجليز يعينون رسل الخديو من المصريين كذلك ويمدونهم بما ~~يطلبون من سلاح ومال ... # ويلي الكابتن جل في هذا المضمار محمد سلطان باشا الذي كان رئيس الحزب الوطني قبل رئاسة ~~عرابي إياه والذي لقب يوما ما أبا المصريين، والذي نراه اليوم يسعى سعيه جنديا متحمسا ~~للخديو وللإنجليز ... # قال الشيخ محمد عبده في مذكراته: «مركز الدسائس والمخابرات كان في الإسكندرية في مكتب ~~يسمى قسم المخابرات العسكرية اجتمع فيه كثير من الإنجليز من موظفي الحكومة المصرية ومن ~~المقيمين بمصر، وكان روح الجميع سلطان باشا، عرف سلطان باشا أن توزيع النقود باسم الإنجليز ~~لا يفيد، وعرف مقدار سلطة النقود على الأرواح، فأخذ في التوزيع باسم الخديو والسلطان واختار ~~لبث الأفكار الحاوي الطحاوي أحد ثقاة عرابي». # وقال أيضا: «في 27 أغسطس جاء بلاغ بأن فارسين خرجا من الإسكندرية وتوجها من الناحية ~~الشرقية من البحيرة وهما بدويان من قبيلة أولاد علي من عائلة مشهورة بالفيوم فقبض عليهما ~~عند مرورهما من قرب معسكر كفر الدوار ووجد معهما منشورات من سلطان باشا، ورسائل منه إلى ~~رؤساء القبائل وبعض الضباط يدعوهم إلى ترك عرابي والالتحاق بالجيش العثماني الذي ms362 جاء لإخضاع ~~العصاة ... استجوبا فاعترفا بكل شيء، وذكر أن جنديا بحريا إنجليزيا يسمى جيل حمل 30 ألف ~~جنيه من سيمور ليلحق بالأستاذ بالمر يستميل معه عرب غزة وحمل معه رسائل من توفيق ومن سلطان ~~باشا إلى رؤساء العرب في الشرقية، وأن مبلغا لا يقل عن المبلغ السابق سيصحب القائد ~~الإنجليزي إلى الزقازيق، وبعد أن سلم الضابط أوراق المرور إلى القائد ذهب إلى السويس ~~لمقابلة بالمر وقد قطع سلك التلغراف الذي يصل بين مصر والآستانة». # وقال بلنت: «ولم يكن ذلك الشخص غير زعيم حركة الفلاحين القديم الذي لم يساوره الخجل وقد ~~ألقى بنفسه في أحضان الإنجليز كلية، أن يبذر بذور الشقاق بين أولئك الذين لا يزالون يتمسكون ~~بوطنيتهم، ولقد يبدو من الصعب على الجيل الحديث في مصر أن يفهم كيف يهوي رجل اتصف بصفة ~~عالية هي صفة الوطنية إلى ذلك السبيل الوضيع ... وقد أرسل كتبا إلى عدد من أصدقائه السابقين ~~في القاهرة يشرح لهم فيها أن التحالف بين الخديو والإنجليز إنما هو ضرورة مؤقتة، ويقول: إن ~~الجنود الإنجليز لن تبقى بمصر بعد إعادة سلطة الخديو، وإن عرابي قد فقد ثقة السلطان، وأن ~~المقاومة المستمرة في القاهرة أمر ينقم عليه المسلمون ... وقد أحدثت أثرها هذه الكتب التي ~~أحكم توزيعها، ولعب المال مرة ثانية دوره القوي ...» # وقال في موضع آخر: «لقد وجدت هذا مكتوبا في يومياتي عن سنة 1887 # 18 # 13 فبراير، زارني عبد السلام المويلحي من مؤسسي الدستور وعضو مجلس سنة 1882، ~~وأخبرني أنه كان صديقا حميما لسلطان باشا ومن أعوانه وأنه كان أحد الذين انضموا إليه في ~~خصومته لعرابي، ولكن الأسف يتملكهم جميعا الآن أن لم يتحدوا، وهو لا يقر مسلك سلطان أثناء ~~الحرب؛ فقد خدع مالت سلطانا الذي غرر به ليفعل ما فعل واعدا إياه وعدا واضحا أن حقوق ~~البرلمان المصري سوف تحترم، وقد وعد مالت هذا الوعد شفويا وطلب سلطان أن يكتب له هذا ولكن ~~الخديو صرفه عن الإلحاح في هذا الطلب قائلا: إن كلمة الوكيل الإنجليزي لها قيمة الصك، ms363 ولما ~~رأى الرجل الشيخ بعد الحرب مبلغ ما خدع به حزن حزنا شديدا ومات وهو يأمل أن يسامحه عرابي ~~وألا ينتقل اسمه في الأعقاب موصوما بالخيانة لوطنه». # وقال نينيه في كتابه: «وكان بجانب الأمناء في جيشنا بالشرقية فريق من الخونة يسوقهم ~~الإنجليز ويمدونهم بالمال ويحرضهم توفيق باشا ويعدهم، وفريق من الشراكسة الباشوات الذين ~~يحقدون على الفلاحين المصريين، ومن هؤلاء علي يوسف الشهير بخنفس، وقد زعم البعض أنه من صميم ~~المصريين والحق أنه من حثالة الأتراك، وكان مع الأسف الشديد قائد قلب الجيش المصري وهو الذي ~~اشترى سلطان باشا ذمته للإنجليز، فانسحب بفرقته فأفسح الطريق لجيش ولسلي». # وكان سلطان باشا أثناء القتال يرافق الجيش الإنجليزي نائبا عن الخديو؛ فقد أصدر الخديو ~~أمرا بتعيينه نائبا عنه لمرافقة الجنرال ولسلي في زحفه على العاصمة. # 19 # من هذا الذي ذكرناه عن سلطان، يتبين لنا مبلغ ما بذل من نشاط في صفوف المدنيين ~~والعسكريين، ومبلغ ما أدى من خدمة لجيش الاحتلال على حساب وطنه؟ ولقد كوفئ بعد الحرب بلقب ~~السير من الإنجليز وبعشرة آلاف جنيه قبضها من الخديو ... ألا بئس ما باع به نفسه ووطنه ... # أما من اشتراهم سلطان بالمال، فمن أشهرهم سعود الطحاوي من البدو، وعلي يوسف خنفس، وعبد ~~الرحمن حسن قائد فرقة الاستطلاع السواري، وراغب ناشد، وهو قائمقام في المقدمة، وسيأتي من ~~عظيم الأسف والخجل الكلام على خيانة كل من هؤلاء في موضعها. # وممن عمل غير سلطان من المصريين مثل عمله عثمان بك رفعت ياور الخديو الذي وصفه بلنت ~~بالمهارة والذكاء وقال: إنه أحدث تأثيرا كبيرا في نفوس عدد كبير من الضباط وخاصة من كانوا ~~من أصل شركسي؛ إذ راح يريهم أن لا فائدة من المقاومة وأن الخير للشخص منهم أن يتجنب سوء ~~العاقبة قبل فوات الوقت وسبيل ذلك هو الولاء للخديو، وكان عثمان بك يعرف فريقا من الضباط ~~فاستطاع أن يتصل بهم سرا ويغريهم ... # ومما يبعث على الأسف أن بعض الضباط المصريين من الموالين للخديو غير من اشتراهم سلطان من ~~الذين أخفوا ms364 خيانتهم في أنفسهم حتى يحين الوقت، قد رافقوا الجيش الإنجليزي وأرشدوه وأعانوه ~~بالاستطلاع والتجسس بأمر الخديو؛ وهم: الأميرالاي زهراب بك، والقائمقام يوسف ضيا بك، ~~واليوزباشي توفيق أفندي. # 20 # وسوف نرى أن السبب الأساسي للهزيمة كان مرده إلى هذا السعي الأثيم الذي قل أن يوجد له ~~نظير في تاريخ بلد من بلاد العالم ... # كانت الخطة الأساسية للحملة الإنجليزية غزو مصر من الشرق كما ذكرنا، وكان ذلك يقتضي ~~اقتحام قناة السويس واتخاذ الإسماعيلية قاعدة للزحف على القاهرة. # وقد رأينا ما كان من نشاط الإنجليز في هذه المنطقة حتى أوائل شهر أغسطس وما كان من إهمال ~~المصريين إياها حتى ذلك التاريخ، وفي اليوم التاسع عشر من أغسطس أبحرت الحملة الإنجليزية من ~~الإسكندرية إلى بورسعيد تحت قيادة سيمور وكان الإنجليز قد حصنوا مدخل الإسكندرية تحصينا ~~قويا؛ خشية أن يدخلها الجيش المصري من كفر الدوار وربطوا بينها وبين بورسعيد من البحر ~~بأسلاك التلغراف. # وفي الأسبوع الأول من أغسطس كان عرابي قد أرسل محمود فهمي باشا لبناء ما يمكن بناؤه من ~~الاستحكامات عند التل الكبير والصالحية، وبعض المواقع الأخرى، كما أرسل بعض القوات فرابطت ~~على مقربة من الإسماعيلية. # وفي العشرين من أغسطس بلغت السفن الإنجليزية المقلة للحملة بورسعيد، وكان عدد رجال الحملة ~~نحو 30 ألفا، وفي هذا اليوم احتل الإنجليز بورسعيد واقتحمت السفن الحربية قناة السويس رغم ~~أنف القانون وعلى حيادها ألف سلام، ومنعت السفن التجارية من دخول القناة من الشمال ومن ~~الجنوب ... # واحتلت جنودهم الإسماعيلية كذلك في هذا اليوم، وشرعوا في إنزال عتادهم بها ليتخذوها قاعدة ~~لزحفهم على القاهرة، وتحقق لهم بذلك خطوة هامة من خطوات حملتهم، فبين الإسماعيلية والقاهرة ~~ما لا يزيد عن 159 كيلو مترا في حين أن بين الإسكندرية والقاهرة نيفا ومائتي كيلو مترا ... ~~هذا؛ وإن الطريق في الصحراء أسهل منه في الدلتا حيث الترع التي تعوق سير الجيش وحيث يخشى ~~قطع الجسور وتهديد مؤخرة الجيش الزاحف، من القرى والمدن. # وأرسل عرابي إلى دي لسبس في هذا التاريخ يقول: «حيث إن الإنجليز ms365 اعتدوا على حياد القناة؛ ~~فقد صارت مصر مضطرة إلى سدها وتعطيلها لمنع عدوانهم عليها». # وحاول الجيش تنفيذ هذا العمل فلم يستطع؛ إذ حرس الإنجليز بسفنهم ومدفعيتهم شواطئ القناة ~~فكان كلما قرب العمال من مكان أبلغت طلائع الإنجليز عنهم فأقبلت القوارب بمدافعها تصليهم ~~نار قذائفها فيولون الأدبار، ولم يتسن للمصريين إلا سد الترعة العذبة فمنعوا وصول الماء ~~إلى السويس والإسماعيلية ... # وكانت السفن الإنجليزية منذ وصولها لا تزال تضرب نفيشة أول معسكر للمصريين بقنابلها ~~لتشغلهم عن العمل في ردم القناة ولتلقي الرعب في نفوسهم، ولا تبعد نفيشة عن الإسماعيلية إلى ~~الغرب إلا بنحو 3 كيلو مترات ... # بلغ ولسلي الإسماعيلية في 21 أغسطس، وبدأ يعد العدة للزحف على الصحراء، وفي هذا اليوم ~~وصلت القوات الهندية إلى السويس ... # يقول عرابي في مذكراته: «في 21 أغسطس توجه الفريق راشد باشا حسني إلى الخط الشرقي ومعه ~~فرق من البيادة والطوبجية والسواري تحت قيادة خالد باشا نديم، ومحمد عبيد بك الميرالاي، ~~وعبد القادر بك عبد الصمد الميرالاي، ثم صار وضع أورطة في محطة فايد، وأخرى في نفيشة، ~~وجعلوا المركز العمومي في المسخوطة بواسطة الأهالي المتطوعين وسد الترعة الحلوة». # وفي 23 من الشهر التحم الإنجليز والمصريون أول التحام في الميدان الشرقي، وبعد قتال شديد ~~ارتد المصريون عن نفيشة فاحتلها الإنجليز ... # وفي اليوم التالي هاجم الإنجليز موضع سد الترعة الإسماعيلية وكان يسمى المجفر واحتلته ~~جنودهم ... # ودارت معركة عنيفة بين الجيشين في المسخوطة في 25 أغسطس، وقد أبلى راشد باشا بلاء حسنا ~~في هذه المعركة، ولكن تكاثر العدو عليه اضطره إلى الانسحاب فسقطت المسخوطة. # وفي هذه المعركة أصيب الدفاع الوطني بضربة من أشد الضربات وخسر خسارة كبيرة وذلك بأسر ~~رئيس أركان حرب الجيش وكبير مهندسيه محمود فهمى باشا كأنما قدر على الجيش المصري أن يصادفه ~~النحس في أولى خطواته. # وبيان ذلك أنه خرج في المساء وكان يرتدي ملابس مدنية ومعه ياوره فترك الياور في قرية هناك ~~وسار وحده حتى بلغ قمة تل غير مرتفع على الجانب الآخر من وادي الطميلات ms366 ليلقي نظرة على ~~الصحراء في اتجاه الإسماعيلية وتصادف أن كانت ثلة إنجليزية صغيرة بهذا المكان فأحاطت به ~~وظنته يتجسس، ولكنه أوهم هؤلاء أنه مالك من أصحاب الأرض في القرية القريبة وكادوا يصدقونه ~~ويطلقونه، ولكن رئيس هذه الثلة رأى أن يأخذه إلى معسكر الإنجليز، ربما كان في الأمر شيء، ~~وبقي الياور في القرية لا يدري ماذا وقع لرئيس أركان حرب الجيش؟ وهكذا لحقت الجيش المصري ~~خسارة فادحة في أيسر صورة. # ولهذا ظن عرابي الظنون بمحمود فهمي باشا وحسب أنه فعل هذا ليقع أسيرا في يد الإنجليز؛ ~~فقد قال في مذكراته: «وأما محمود فهمي باشا فإنه لم يرد أن يرجع مع العساكر وآثر الوقوع في ~~الأسر على البقاء في الجيش لشدة ما هاله من منشور السلطان بعصياننا # 21 # وطمعا منه في قبوله لدى الخديو بسبب استسلامه إلى الإنجليز ولذلك خالف خالد ~~باشا وثبت على موقفه مع خادمه حتى قبض عليه الإنجليز بصفة كونه نفر بسيط». # واستولى الإنجليز على المحسمة في نفس اليوم الذي استولوا فيه على المسخوطة وهي على مسافة ~~22 كيلو مترا من نفيشة ونحو 24 كيلو مترا من التل الكبير، وكانت خسائر المصريين في ~~المحسمة 7 مدافع كروب وكمية كبيرة من البنادق وقطار محمل بالذخيرة ... # ودخل الإنجليز القصاصين بعد مقاومة صغيرة، فأصبحوا على مسافة 15 كيلو مترا من التل ~~الكبير وعند ذلك رأى عرابي أن ينتقل إلى الميدان الشرقي فسافر إلى هناك من كفر الدوار ~~بالقطار يصحبه عدد من الضباط وقوة من الحرس، وكان معه عبد الله نديم خطيب الثورة وكاتبها ~~وقد جاء يستنهض الهمم بأحاديثه وخطبه بين صفوف الجيش. # واستقبل عرابي في الزقازيق استقبالا حارا؛ فقد خف للقائه الأعيان والعمد والموظفون ~~وأرباب الطرق الصوفية وحيته الجموع المتزاحمة لرؤيته بالدعاء المعروف: «الله ينصرك يا ~~عرابي» وكانت النساء والصبية على خط السكة الحديد يرددون أغنية أولها: «يا مولانا يا عزيز، ~~أهلك عسكر الإنجليز!» ثم يهتف أحد الشباب قائلا: «الله ينصرك» فتردد جموع الشباب قائلة: ~~«يا عرابي» وتألف من هذا مظاهرة شعبية ms367 جميلة فيها الدعاء وفيها الرجاء ... # وأقيمت لعرابي بالتل الكبير خيمة سعيد باشا التي كان يقيم بها في كفر الدوار، وأحيطت ~~بالحرس؛ خوفا من كيد الكائدين. # وتشاور عرابي وكبار رجاله في الموقف الحربي فتقرر اتخاذ خطة الهجوم في الحال، وقد وصل إلى ~~الميدان الشرقي من القاهرة علي فهمي باشا يقود الآلاي الأول من المشاة، ثم وصل بعد ذلك عيد ~~محمد بك بآلايه من كفر الدوار، وكذلك أحمد عبد الغفار بك، وعبد الرحمن بك حسن ومعهم ~~الفرسان، ووصل من دمياط خضر بك خضر ومعه أورطتان من السودانيين. # على أن مجموع هذه القوات لم يكن يزيد في الميدان الشرقي عن 13 ألفا من الجنود النظامية، ~~أما المتطوعون والأنفار والعمال فكان عددهم يزيد كثيرا عن ذلك. # وفي 28 أغسطس تهيأ المصريون للهجوم وقد اشتعلت الحماسة في نفوسهم على الرغم مما انبث فيها ~~من أسف على أسر محمود فهمي باشا ... # يقول عرابي في مذكراته: «ثم عقد مجلس حربي تحت رئاستنا تقرر فيه الهجوم على العدو، وعرف ~~الرؤساء كيفية ترتيب الجيش وسيره وأعطي لكل واحد منهم رسم الشكل الحربي مبينا فيه الدقيقة ~~التي يلزم أن توجد الفرق فيها على خط النار أمام العدو؛ حيث كان معسكرا في القصاصين، وكان ~~الترتيب على هيئة شكل مقعر يكتنف العدو من كل جهة فكانت أورطة محمد أفندي الرملاوي في ~~الجناح الأيمن للترعة الحلوة، ومعه أورطة من السواري ومدفعان وجانب من العربان، وفي هذا ~~الجناح من يسار الترعة أجى آلاي بيادة حكمدارية أحمد فرج بك وخلفه مدفعان، وفي القلب ثلاث ~~أرط يتقدمها 8 مدافع من الكروب وخلفها أورطة من البيادة و6 مدافع والجميع تحت حكمدارية علي ~~فهمي باشا، والطوبجية تحت حكمدارية حسن رأفت بك، وفي الجناح الأيسر 6 أرط من السواري تحت ~~حكمدارية أحمد بك عبد الغفار، وأورطتان من البيادة ومدفعان تحت حكمدارية عيد بك، وقومندان ~~هذا الجيش هو راشد باشا حسني، وكذلك محمود باشا سامي حكمدار الجيش المعسكر في الصالحية وهو ~~مكون من 12 ألف عسكري، يقوم بجيشه ليلا بحيث ms368 يصل إلى يسار جيش رأس الوادي عند مطلع الفجر، ~~ويحيط بميمنة العدو والقوة التي على يمين الترعة تحيط بميسرته والعربان يقتحمون الترعة من ~~خلفه وتقطع عليه خط الرجعة، وبذلك لا يتمكن العدو من الفرار، وقد كان مع العدو الدوق أوف ~~كنوت ثالث أنجال ملكة الإنجليز، وانفض المجلس على ذلك». # وهي خطة محكمة كما نرى، وقد نفذت كذلك بإحكام فهجم المصريون على مواقع الإنجليز في ~~القصاصين في 28 أغسطس بقيادة راشد باشا حسني الشهير بأبي شنب فضة، ودار قتال شديد جدا ~~وتحمس المصريون وقويت روحهم المعنوية وكأنما تذكروا المبادئ التي يحاربون في سبيلها، فشدوا ~~على الإنجليز مستبسلين، وعظمت قوة هجومهم، فأجلوا الإنجليز عن مواقعهم الأمامية واستولوا ~~عليها ... # واستعاد الإنجليز قوتهم وهجم فرسانهم بقيادة الجنرال لو، وبعد تلاحم شديد استردوا مواقعهم ~~من المصريين، وقد هبط الليل والحرب سجال بين الجانبين، وقتل من الإنجليز في المعركة 8 منهم ~~ضابط وجرح واحد وستون، منهم 10 من الضباط ... وهذا هو إحصاء الإنجليز أنفسهم # 22 # وتعرف هذه المعركة بمعركة القصاصين الأولى. # أما التقرير الرسمي الذي أعلنه وكيل الجهادية بناء على ما ورد إليه من ميدان القتال، ~~فيقول: إن المصريين أسروا 70 إنجليزيا، وإن جثث الإنجليز في ساحة المعركة بلغت 800 ~~«وجدوهم مجندلين بأسلحتهم وألبستهم وذخيرتهم، وهم غير الذين سيعثر عليهم فيما بعد، وغير ~~الذين تمكن العدو من حملهم إلى مراكزه أو إحراقهم؛ فقد ورد إلينا من علي فهمي باشا أنه رأى ~~حريقا في جهة الكبرى فأرسل إلى تلك الجهة من يستكشف خبر هذا الحريق فظهر أنه حريق قتلى ~~الهنود من جيش الإنجليز وقد استشهد من عساكرنا في هذه المعركة 60 شهيدا، وجرح 85». # أورد عرابي في مذكراته تقريرين للإنجليز عن هذه المعركة، ومما جاء في أولهما: «وكان ~~العرابيون بعدد عظيم لم تقو عليه الفرق الإنجليزية فوردت إليها نجدة من المحسمة، ثم اشتد ~~القتال واستمر إلى أول الليل فتشتت شمل العرابيين وتكبدوا خسائر جسيمة منها عدة مدافع غنمها ~~الإنجليز ... أما خسائر الإنجليز فكانت قتيلا واحدا و6 جرحى من ms369 الضباط و19 قتيلا و52 ~~جريحا من الجند». # ومما جاء في التقرير الثاني وهو للجنرال جراهام قائد هذه المعركة: «ففي الظهر أطلق العصاة ~~علينا نارا شديدة من مدافع العيار الأول فلم يلحق بنا أقل ضرر وفي الساعة الثالثة بعد ~~الظهر أمرت رجالي بالرجوع إلى مراكزهم، فعادت فرقة الخيالة إلى المحسمة وكانت قد وفدت علي ~~إمدادات ونجدات، وفي الساعة الرابعة تقدمت نحونا فرقة من المشاة من الأعداء وحاولت التغلب ~~على ميمنة الجيش وإكراهه على التسليم» ... ولم يشر هذا التقرير إلى القتلى والجرحى ... # ويتبين من هذه الروايات على كل حال، تكافؤ الجانبين في المعركة، ولا نجد أحسن من هذا نرد ~~به على الذين يتحدثون عما ليس لهم به علم، أو الذين أضلهم الاحتلال فقالوا: إن المصريين لم ~~يحاربوا فما هو إلا أن رأوا الإنجليز حتى فروا هاربين! وليت شعري ماذا يريد هؤلاء بترديد ~~تلك الأباطيل عن جيش أمنهم؟! هل لكي ينكروا الجهاد على عرابي؟ ألا ما أشد ما لقي هذا الرجل ~~من نكران للجميل؟! # ويجدر بنا أن نلاحظ أمرا على جانب عظيم من الأهمية؛ وهو أن الإنجليز الذين كانوا يوالون ~~الزحف إلى الأمام قد توقفوا بعد هذه المعركة أياما، ولم يستأنف القتال إلا بعد أن هجم ~~المصريون عليهم مرة ثانية في 29 سبتمبر؛ وذلك لأن دسائس سلطان وأعوانه لم تكن قد نجحت بعد، ~~فخشي الإنجليز التقدم دون أن يستعينوا بهذا السلاح الدنيء ... سلاح الرشوة والخيانة والغدر، ~~كما أنهم كانوا يعدون لعرابي الضربة القاصمة وهي إعلان قرار عصيانه، وحسبنا هذا دليلا على ~~خوف الإنجليز من خطوط المصريين وعلى أنهم قد عرفوا ثبات المصريين واستبسالهم في هذه ~~المعركة؛ حيث تبين لهم أن الأمر جد وما هو بالهزل. # والحق أن المصريين منذ معارك كفر الدوار حتى نهاية معركة القصاصين الأولى، قد خلا جهادهم ~~المشرف من كل شائبة، وهو حتى هذا الطور خليق بكل ثناء وإعجاب فحسب المرء أن يبذل ما في وسعه ~~في سبيل النجاح وفي سبيل الشرف، أما إدراك النجاح فعلا فقد يفلت من أعظم ms370 القواد كفاءة ومن ~~أقوى الجيوش بأسا لأمور لم تجر لأحد في حساب ... # لا بد لنا قبل أن نتتبع أدوار الحرب، من أن ننظر فيما كان من أمر تركيا والمؤتمر الحربي ~~بينها وبين إنجلترا، ومساعي الإنجليز كي يصدر السلطان قراره ~~بعصيان عرابي ... # أرادت تركيا أن يظل المؤتمر العام منعقدا؛ أملا في أنه ربما جد خلاف بين الدول، ولذلك ~~لم توافق على التأجيل وأعلنت احتفاظها بحقها في دعوة المؤتمر في أي وقت، ولكن مساعيها ذهبت ~~هباء، وذهب كذلك المؤتمر إلى غير رجعة ... # ووجهت تركيا همها إلى المؤتمر الحربي الثنائي بينها وبين إنجلترا، وكان السلطان يتحرق ~~شوقا إلى اليوم الذي تنجح فيه مساعيه للاشتراك مع إنجلترا في الحملة على مصر وذلك بالسماح ~~له بإرسال جنود إلى مصر التي هي جزء من سلطنته! # واستغلت إنجلترا هذا الاهتمام الشديد لتظفر ببغيتها ألا وهي «قرار العصيان» وراح دوفرين ~~يتوعد تارة، ويصانع تارة أخرى أثناء المناقشة في الشروط المقترحة للعمل المشترك، وهو في ~~الحالتين إنما يمثل على الحكومة التركية ويعاملها معاملة الشيخ الخبيث الماكر، لحدث لا يحيط ~~بشيء مما حوله؛ بغية اكتساب الوقت والظفر «بقرار العصيان» فحسب ... # وكان السلطان راغبا عن هذا القرار؛ لما يكون من سوء أثره في العالم الإسلامي، ولأنه يوقن ~~أن عرابي إنما يدافع عن حقوقه في مصر، وأراد السلطان أن يظهر شيئا من الغضب فمنع إرسال عدد ~~من البغال اشترتها إنجلترا لجيشها في مصر، ولكن ما كاد دوفرين يحتج على ذلك في عنف حتى ~~تراجع السلطان وأرسل إليه رسولا خاصا يبلغه أنه يأمر بإرسال البغال المطلوبة ... # واغتنم دوفرين الفرصة فأبلغ رسول السلطان بأن الحالة في مصر تستدعي عملا حاسما وهو يشير ~~بذلك إلى القرار المطلوب، وفي 23 أغسطس زار دوفرين سعيد باشا، وبعد مناقشة في أحد بنود ~~المؤتمر المطلوب عقده؛ إذ كان السلطان يريد أن تنزل جنوده بالإسكندرية بينما كانت إنجلترا - ~~ضياعا منها للوقت - تقترح غير جادة أن يكون ذلك في أبي قير، ورشيد، ودمياط، أشار دوفرين ~~إلى قرار العصيان، وأجاب سعيد باشا ms371 بأن حكومته ترى أنها خطوة ليس من الميسور اتخاذها لأول ~~وهلة، وتريد أن تستبدل بها قرارا آخر يقوم على النصح لعرابي ومناشدة ولائه مناشدة أخيرة، ~~وإذ ذاك نهض دوفرين غاضبا معلنا أنه من المستحيل أن يعود ثانية إلى التحدث مع تركيا بشأن ~~المؤتمر أو في أي أمر آخر. # 23 # وأحدثت هذه الغضبة أثرها؛ إذ رافقه سعيد باشا، وقاسم باشا إلى أسفل الدار ثم إلى الشارع ~~معتذرين، وقالا: إنهما تقدما بهذا الاقتراح على غير مشيئتهما، ورد دوفرين في صلف: إنه لن ~~يوقع على قرار عقد المؤتمر إلا إذا وصله قرار العصيان باللغتين العربية والفرنسية. # وفي 25 أغسطس أرسل دوفرين إلى حكومته يقول: إن السلطان عاد يضع العقبات في سبيل ما يعده ~~التجار لإمداد الإنجليز بما يريدون إرساله إلى جيشهم في مصر وإنه يهدد بالسجن أي تركي يرافق ~~الحيوانات المزمع إرسالها بقصد المحافظة على حياتها ... # وفي اليوم نفسه أبرق مالت إلى جرانفل يشكو من أن عمل السلطان من شأنه ألا يجعل العصاة ~~يصدقون أنه سوف يساعد الحملة؛ لذلك فإن الحملة لن تحصل منه على التأييد الأدبي المطلوب، ~~ويقول: إن شريف ورياض يعارضان في مجيء جنود تركية إلى مصر ويخشيان مما ينجم من المتاعب بسبب ~~ذلك فيما بعد. # 24 # وفي 27 أغسطس عاد سعيد باشا يلح وقد أفضى إلى دوفرين بأن تركيا مستعدة لقبول الشروط التي ~~تراها إنجلترا لعقد المؤتمر وأن قرار عصيان عرابي يصدر عقب التوقيع على الاتفاق الأخير ... # ووافقت إنجلترا على شرط أن يعلن قرار العصيان حالا وهو في الواقع ما كانت تبتغيه إنجلترا ~~بهذه الاتصالات وعلم ذلك في مصر في 31 أغسطس على إثر برقيته إلى مالت، وعاد السلطان يبذل ~~آخر محاولة لأن تنزل جنوده بالإسكندرية وذلك في ضراعة وتوسل يدلان على مبلغ ما انحدر إليه ~~هذا الطاغية المستبد في قومه أمام الإنجليز من هوان؛ فقد أرسل دوفرين يقول: «إن السلطان جاث ~~على ركبتيه وإني لأجرؤ على أن أتقدم إلى حكومة جلالة الملكة في إخلاص أن تقبل تضرعاته» # 25 # وزاد ms372 دوفرين على ذلك: «إن السلطان يعد في نظير ذلك أن يعمل كل شيء تريده ~~إنجلترا بشأن القرار ضد عرابي، وأن يأمر الصحف بتغيير لهجتها». # وعلى الرغم من هذه المذلة في الرجاء لم تقبل الحكومة الإنجليزية نزول الأتراك بالإسكندرية ~~التي هي من أملاك السلطان! وفي اليوم السادس من سبتمبر أعد السلطان القرار ونشر في الصحف ~~قبل أن يرسل إلى دوفرين. # وما إن ظفرت إنجلترا بتوقيع السلطان على القرار، حتى راحت في لؤم، ليس له مثيل، تتنصل من ~~وعدها بقبول المؤتمر بحجة أن قرار العصيان لم يكن في الصيغة التي أرادتها إنجلترا ~~تماما! # واستؤنفت بعد ذلك الاتصالات بين الدولتين في صورة مملة حسبنا منها هذا القدر لنعود إلى ~~الحرب في مصر. ~~••• # في 9 سبتمبر وقعت معركة القصاصين الثانية وكانت آخر معركة أثبت فيها المصريون شجاعتهم ~~وكاد جيش مصر رغم قلته يظفر بالجيش الإنجليزي رغم كثرته، ولكن وا أسفاه، كانت الدسائس قد ~~أفرخت؛ فحيل بين المصريين وبين الظفر وهم منه على خطوة، ولذلك كانت هذه في الوقت نفسه أول ~~معركة سجل فيها نفر من المصريين على أنفسهم عار الخيانة في أقبح صورها وأشنعها، وبسبب هذه ~~الخيانة الغادرة حلت الهزيمة السوداء حين التمعت بوارق النصر ... # كانت لا تخرج خطة هذه المعركة في جوهرها عن خطة المعركة الأولى، وكان المصريون هنا كذلك ~~البادئين بالهجوم على الإنجليز، وهي ظاهرة تسجل لهم بالحمد؛ إذ كان عمل المصريين في كفر ~~الدوار قاصرا على الدفاع ... # وقد وصف بلنت هذه المعركة بقوله: «إنها كانت أفضل فرصة أتيحت للمصريين لصد تقدم الإنجليز ~~وآخرها، ولم تكن بعيدا جدا من النجاح» ... # ويقول بلنت: «ولو أنها نجحت فليس يعرف ما كانوا لا يحصلون عليه من الاعتراف بهم ~~ومصالحتهم؛ وذلك لأن الرأي العام في إنجلترا كان قد تغير فعلا في هذا الوقت بالذات وأخذ ~~الناس يشعرون بالخجل من حرب تشن على الفلاحين الذين يحاربون؛ ليخلصوا حريتهم من استبداد ~~قديم». # وكان قد وصل في 31 أغسطس كما ذكرنا إلى مصر، نبأ موافقة السلطان على إصدار قراره ms373 بعصيان ~~عرابي، ونشرت صحف الآستانة هذا النبأ وتناقلته الصحف الإنجليزية والصحف المؤيدة للخديو، وقد ~~طرب لهذا النبأ توفيق باشا وأعوانه أيما طرب، وهرول سلطان باشا إلى الإسماعيلية؛ ليعمل على ~~الاتصال ببعض ضباط الجيش المصري بعد معركة القصاصين الأولى، ورأى أن الفرصة سانحة ليوهم بعض ~~المستضعفين أن حياتهم تتوقف فيما بعد على ما يفعلون الآن ... # قال عرابي في مذكراته: «ولما بلغ الخديو هول هذه الواقعة أرسل وفدا إلى الإسماعيلية ~~مؤلفا من محمد سلطان باشا، وعمر لطفي باشا، وفريد باشا، وزكي بك ابن أخت يعقوب باشا سامي، ~~وعثمان بك رأفت، ومعهم مقادير عظيمة من نسخ الجوائب المندرج فيها منشور السلطان بعصياننا، ~~ومنشور الخديو القاضي بمساعدة الإنجليز وإنه لا مطمع لهم في بلادنا، وقد انضموا إلى زهراب ~~بك المعين مع الجيش الإنجليزي من قبل ليبثوا العيون والجواسيس على جيشنا وليتفقوا مع بعض ~~الضباط المصريين الذين فسدت ضمائرهم، وضعفت عزيمتهم ويوزعوا عليهم تلك المنشورات ... وقد كلف ~~بعض رجال الوفد المذكور بالتنقل في البلاد الريفية لدعوة العمد والأعيان لطاعة الإنجليز ~~ومساعدتهم وفقا للمنشور الخديو وقد انخدع وانضم إليهم في هذه الخيانة السيد أفندي الفقي من ~~مديرية المنوفية وأحمد أفندي عبد الغفار عمدة تلا، وغيرهم من المصريين الذين انخلعت قلوبهم ~~من منشور السلطان المندرج بالجوائب المشار إليها». # أحكم مستر بلنت: أن السير شارلز ولسن أحضر لي خطة المعركة حين كنت بالسجن في القاهرة ~~وسألني عما إذا كانت من رسم يدي؟ فأجبته: نعم. فأخبرني كيف حصلوا عليها، ثم قال: إنها خطة ~~جيدة وربما كنتم بها تنتصرون علينا». # ولكن ما جدوى إحكام الخطة مع الخيانة في أشنع صورها وقد أحدثت دسائس سلطان أثرها في بعض ~~صغار النفوس فهووا إلى موضع يتندى وايم الله جبيننا خجلا إذ يذكره! وأي شيء يخجل منه مصري ~~يتحدث عن تاريخ وطنه هو أشد وأفظع من أن يقول: إن مصريا من بني وطنه أرسل - وا أسفاه - ~~خطة المعركة بحذافيرها إلى العدو، بل لقد سرق النسخة الأصلية التي رسمها عرابي بيده فأضاف ~~إلى جريمة الخيانة ms374 فضيحة السرقة فكانت خيانة على خيانة؟ وكان هذا المصري الخائن هو علي يوسف ~~خنفس الذي وقف بآلايه في ميسرة خط القتال، وأي فضيحة في تاريخ الحروب أفظع من هذه الفضيحة ~~الفاضحة؟ # قال عرابي فيما تحدث به إلى بلنت: «إن الخطة أفشيت للعدو على يد علي يوسف خنفس الذي أرسل ~~الرسم الأصلي الذي رسمته بيدي إلى الجنرال ولسلي، وكان هو وغيره من رجال الجيش قد أفسدهم ~~أبو سلطان الذي كان يعمل لصالح الخديو». # وقال الشيخ محمد عبده: «في واقعة القصاصين كان الرسم كما ينبغي وكانت العساكر المصرية يجب ~~أن تزحف في الساعة الثانية بعد منتصف الليل على الجيش الإنجليزي، وما راع القواد المصريين ~~إلا وجود الفرق الإنجليزية زاحفة وأخذة جميع الطرق في الساعة الواحدة وكانت الخيانة وصلت ~~والنقود قد وصلت إلى قلب الجيش وإلى كثير من الضباط بسعي سلطان باشا ومراسلة ~~العربان». # وليس فيما يذكره المتحدثون عن فنون القتال من شيء هو أشد خطرا على جيش محارب من أن تكون ~~خطته معروفة لعدوه؛ ذلك لأنه بنى هذه الخطة على أساس مفاجأة العدو وأخذه من حيث لا يدري، ~~فإذا عرف العدو الخطة انقلب الوضع وفوت على عدوه قصده وكان هو المباغت، هذا فضلا عما يحدثه ~~انكشاف الخطة في النفوس من ذعر وقت القتال ... # قاد الجيش المصري في المعركة الفريق راشد باشا حسني، وقد بدأ الهجوم في الثلث الأخير من ~~الليل، والتحم الجيشان والعدو على علم بالهجوم فلم يباغت وإن كان قد فوجئ بابتداء المعركة؛ ~~لأن علمه بخطتها ساعد على ثباته حتى ينجلي النهار، وأسفر الصبح والمعركة حامية بين الجيشين، ~~والمدفعية من الجانبين ترسل قذائفها في سرعة وقوة، وتكافأ الفريقان على الرغم من تفوق ~~الإنجليز في العدد ... # وتلفت قواد المصريين يتوقعون دخول محمود باشا البارودي الميدان قادما بجيشه من الصالحية ~~ليكر على ميمنة العدو، ولكنه تأخر عن موعده فلم يدخل في غبش الفجر كما كانت تقضي به الخطة، ~~ولما كان الإنجليز على علم بمقدمه؛ فقد رصدوا له قوة من المدفعية حالت بينه وبين ms375 الوصول إلى ~~موضعه من المعركة، ومما يذكر مع عظيم الأسف أن رجال سعود الطحاوي هم الذين أضلوه عن وجهته ~~في الصحراء فتأخر وصوله ... # ومضت ساعات ونار الحرب مستمرة، وقد توالى الجزر والمد بين الجيشين، وثبت كل من البطلين ~~المصريين علي فهمي باشا وراشد باشا حسني بطولة فذة طول النهار ومن حولهم الجيش المصري لا ~~يتزحزح ولا يهن ... # ولكن المعركة قد انقلبت من أولها بسبب الخيانة إلى معركة دفاعية بعد أن كانت خطتها ~~هجومية، قال مستر بلنت: «بناء على أقوال الجانب المصري عن المعركة قد فوجئ العدو بالهجوم، ~~وظلت المعركة زمنا طويلا غير معروفة العاقبة، وأوشك دوق كنوت في وقت ما أن يقع أسيرا». ~~ثم أشار بلنت إلى تأخر البارودي وسببه بما لا يخرج عما ذكرناها إلى أن قال: «ومن المؤكد أن ~~أحد القواد المصريين وهو علي بك يوسف قد خان رفقاؤه عن قصد». # وظل القتال على أشده طول النهار، ولكن القدر أبى إلا أن يصيب المصريين بمصيبة لا تقل ~~شأنا عن أسر محمود فهمي باشا، كأن لم يكفه ما أحاط بهم من خيانة، وذلك أن كلا من بطلي ~~المعركة: علي فهمي، وراشد حسني قد تلقى رصاصة في جسمه أقعدته، الأول في ساقه، والثاني في ~~قدمه، فخرجا من المعركة، وبخروجهما ضعف هجوم المصريين وانقضى اليوم ولم يظفر بالنصر هؤلاء ~~ولا هؤلاء. # قال عرابي في مذكراته: «وأما راشد باشا حسني وعلي باشا فهمي ومن معهما من الجيش، فقد ~~ثبتوا ثبات الأبطال إلى آخر النهار، حتى إذا جرح راشد باشا حسني في قدمه برصاصة، وعلي باشا ~~فهمي برصاصة أيضا في ساقه، وخسر كل من الجيشين خسارة كبيرة من ضرب البنادق والمدافع التي ~~كانت مقذوفاتها كالمطر المنهمر في الميدان، وكانت هذه المعركة أشد حرب نشبت بيننا وبين ~~الإنجليز؛ إذ كانت قوة الجيشين عظيمة وثباتهم نادر المثال، تراجع الجيشان بانتظام». # قال الأستاذ محمد رفعت بك في كتابه تاريخ مصر السياسي في الأزمنة الحديثة: «وقد أبلى ~~المصريون بقيادة الفريق راشد حسني باشا - المعروف بأبي شنب فضة ms376 - في هذه الواقعة بلاء ~~حسنا، فأوقعوا خسائر جمة بصفوف الإنجليز وزحزحوهم عن مواقعهم، وكادوا يظفرون بالنصر إلى أن ~~جرح راشد حسني جرحا بليغا، فذاع الخبر بين المصريين وبدأوا يتقهقرون». # وإن وقفة المصريين على هذه الصورة الرائعة في معركة القصاصين الثانية على قلة عددهم ~~بالنسبة لعدد الإنجليز؛ إذ كان هؤلاء يقربون فيها من ضعفهم، لتجعلنا نعتقد في غير تردد أنه ~~لولا الخيانة لأحاط المصريون بجيش ولسلي فهزموه في صحرائهم، وهم القادرون على شمسها وحرها ~~في شهر سبتمبر، ولولد في هذا المكان عصر جديد في تاريخ مصر، ولازدانت ميادين عواصمنا ~~بتماثيل عرابي منقذ مصر ... ~~••• # أرسل البطلان الكبيران علي فهمي وراشد حسني إلى القاهرة مع جرحى المعركة في القطارات ~~الخاصة التي أقلتهم، وهكذا خلا الميدان الشرقي من ثلاثة رجال هم من أعظم قواد عرابي خبرة ~~وبسالة. # وأخذ ذلك يحدث أثره في نفوس المصريين، فليس بالأمر الهين غياب رجال من المعركة تعقد ~~عليهم الآمال في النصر، وليس يخفى ما يكون لشهرة القواد ولأسمائهم من وقع في نفوس الجند، ~~تشتد به عزائمهم وتنتعش آمالهم. # على أن أعظم ما أثر في النفوس وبث فيها التردد الذي هو مقدمة الهزيمة، إنما هو ما سعى ~~به سلطان وأعوانه من تخويف الجند والضباط من عاقبة بقائهم على الولاء لعرابي، وقد جاءوا في ~~ساعة الفصل يوهمونهم أن النصر للإنجليز، ولن يشفع لأحد بعد ذلك شفيع، وسبيل الخلاص من ~~العقاب الشديد هو ترك جانب عرابي على الفور قبل أن يحصى العصاة الثائرون على الخديو، وأن ~~حسابهم في الغد لعسير ... # ومن أكبر ما كفل النجاح لسلطان هو إذاعة قرار الخليفة بعصيان عرابي، ذلك القرار الذي بذلت ~~إنجلترا ما بذلت من جهد للحصول عليه من عبد الحميد الذي يعد بفعلته هذه شريكا فيما وقع من ~~خيانة؛ فقد طعن بهذا القرار عرابي من وراء ظهره بعد الذي أبداه من عطف عليه وعلى حركته، ~~ولئن كان بالأمس قد أنعم عليه بالوسام المجيدي الأكبر، فها هو ذا اليوم يثبت في ظهره الخنجر ~~... # ولقد نشط سلطان ومن ms377 أخذ مأخذه من أعوان الخديو في نشر أنباء القرار بمجرد أن وافق عبد ~~الحميد على إصداره، وراحوا يوزعون على الجند والضباط، كما بينا، أعدادا من الصحف التي نشرت ~~هذا النبأ منذ نهاية أغسطس، بل لقد أرجفوا به قبل ذلك، وما زالوا يرجفون حتى أصبح إرجافهم ~~حقيقة، فلما نشر القرار في اليوم السادس من سبتمبر، وأذاعت نصه جريدة الجوائب، استحضر ~~الإنجليز آلافا من نسخ هذه الجريدة، وشمر سلطان وفريقه سواعدهم فوزعوا هذه النسخ على الجيش ~~قبيل معركة التل الكبير ... # ومن السهل أن ندرك مبلغ ما كان لهذا القرار من أثر في نفوس الجند الذين كانوا يعتقدون أن ~~جهادهم كان وطنيا دينيا في وقت واحد، فهم جند مصر وجند السلطان خليفة المسلمين الذي ~~يعتدي الإنجليز الكفرة على حقوقه. # وكان نص هذا القرار ما يأتي: «إن الدولة العلية السلطانية تعلن أن وكيلها الشرعي بمصر هو ~~حضرة فخامتلو دولتلو محمد توفيق باشا، وأن أعمال عرابي باشا كانت مخالفة لإرادة الدولة ~~العلية، ثم التمس من جناب الخديو العفو فعفا عنه، ونال أيضا من الحضرة السلطانية العفو ~~العام، وأن الشرف الذي ناله أخيرا من الحضرة العلية السلطانية، إنما كان من تصريحه بالطاعة ~~لأوامر السلطان المعظم الخليفة الأعظم. # وقد تحقق الآن رسميا أن عرابي باشا رجع إلى زلاته السابقة واستبد برئاسة العساكر بدون ~~حق، فيكون قد عرض نفسه لمسؤولية عظيمة لا سيما أنه تهدد أساطيل دولة حليفة للدولة العلية ~~السلطانية ... # وبناء على ما تقدم يحسب عرابي باشا وأعوانه عصاة ليسوا على طاعة الدولة العلية ~~السلطانية. # وأن تصرف الدولة العلية السلطانية بالنظر إلى عرابي باشا ورفقائه وأعوانه يكون بصفة أنهم ~~عصاة، ويتعين على سكان الأقطار المصرية حالة كونهم رعية مولانا وسيدنا الخليفة الأعظم أن ~~يطيعوا أوامر الخديو المعظم الذي هو في مصر وكيل الخليفة وكل من خالف هذه الأوامر يعرض نفسه ~~لمسؤولية عظيمة، وأن معاملة عرابي باشا وحركاته وأطواره مع حضرة السادات الأشراف هي مخالفة ~~للشريعة الإسلامية الغراء ومضادة لها بالكلية». # 26 # والواقع أن هذا المنشور كان ضربة ms378 شديدة لعرابي، بل إنا لا نسرف إذا قلنا: إنه قد فعل وحده ~~بجيش عرابي ما لم تفعله الجنود الإنجليزية مجتمعة ... # قال عرابي: «ولما نشر منشور السلطان بعصياننا ومن معنا بجريدة الجوائب؛ إرضاء للإنجليز ~~أرسل منه مئات الألوف إلى الهند والأفغان والحجاز والعراق والترك ومصر والمغرب الأقصى وجميع ~~بلاد الإسلام بواسطة أبي سلطان باشا ومن معه من المخدوعين - كما أسلفنا - وتذمر بعض أمراء ~~العسكرية وقالوا: إننا إذن عصاة على السلطان مخالفين لكتاب الله وسنة رسوله كما فعل محمد ~~علي باشا رأس العائلة الخديوية وابنه إبراهيم باشا ومن مات منا مات عاصيا لا أجر له مثل ~~الذين ماتوا من المصريين في قتال الدولة العلية، فنصحناهم بأن هذا المنشور مخالف لأحكام ~~الدين الإسلامي؛ لأننا إنما نقاتل أعداء المسلمين الذين يريدون أن يستولوا على بلادنا ~~الإسلامية، وأن الجهاد في سبيل حماية الدين والمال والوطن فرض واجب علينا وأن سلطان ~~المسلمين لا يسمح بمثل هذا المنشور وإنما هو دسيسة إنجليزية تمكنوا من إنفاذها بواسطة ~~الرشوة، ولو فرض وصدر مثل ذلك من سلطان المسلمين لوجب على المسلمين خلعه لمخالفته لأحكام ~~الدين ... # إلا أن تلك النصائح لم تؤثر في الذين يجهلون أحكام الدين مثل أحمد بك عبد الغفار قومندان ~~السواري، وعبد الرحمن بك حسن حكمدار 2 جي آلاي سواري وعلي بك يوسف ميرالاي 3 جي بيادة، ~~ولكنهم أظهروا قبول ما أوضحناه لهم وأسروا الغدر والخيانة، والحساب على الله». ~~••• # واشتدت حيرة عرابي بعد إصابة علي فهمي وراشد حسني، ~~من يخلفهما على القيادة، وكان عبد العال حلمي خير من يصلح لهذا، ولكنه كان بدمياط مع الآلاي ~~السوداني للدفاع عن هذا الموضع العام؛ مخافة أن ينزل الإنجليز به فرقا بقصد تطويق التل ~~الكبير ... # واستدعى عرابي علي باشا الروبي من مريوط، فكان حضوره قبل معركة التل الكبير بيوم واحد، ~~ولذلك لم يستطع أن يدرك حقيقة الحال في الميدان إدراكا تاما، ولم يكن له في الواقع مثل ~~منزلة علي فهمي أو راشد حسني في القيادة ولكنه كان من أكبر المخلصين لعرابي. # لم ms379 تكن خطوط الدفاع في التل الكبير متينة كخطوط كفر الدوار؛ لأنها أنشئت على عجل، وقد عمل ~~في إنشائها آلاف الفلاحين بإشراف محمود باشا فهمي قبل أسره، وكانت عبارة عن خنادق جافة تمتد ~~نحو ستة كيلو مترات من الجنوب إلى الشمال وتتراوح أعماقها بين متر ومترين واتساعها بين ~~مترين وثلاثة أمتار. # وكان مركز الجيش المصري على هضبة وراء هذه الخطوط يبلغ ارتفاع قمتها نحو 30 مترا وتنحدر ~~انحدارا بطيئا نحو الشرق والشمال، وعلى المنحدر الشرقي للهضبة وراء مركز الجيش أقيمت خيمة ~~عرابي على بعد أربعة آلاف متر من الخطوط الأمامية. # وكان جيش عرابي لا يزيد عن 12 ألف جندي من الجنود النظامية # 27 # وكانت بقية الفرق النظامية في كفر الدوار بقيادة طلبة عصمت وفي دمياط بقيادة ~~عبد العال حلمي ... على أن عرابي استحضر أورطتين من الآلاي السوداني بدمياط فانضمتا إلى جيش ~~التل الكبير ... وكانت مدفعية هذا الجيش تتألف من نحو 70 مدفعا. # أما جيش ولسلي فكان يتألف من 13 ألف حسب ما جاء في تقريره الذي أرسله إلى حكومته عن ~~الواقعة وكان معه نحو 60 مدفعا. # وكان سعيد الطحاوي لا يفتأ يلقي في روع عرابي أن الإنجليز لم يعدوا العدة للزحف بعد، ~~وكان كلما سأله عرابي عن حركات الجيش الإنجليزي أملت عليه خيانته أن يهون أمرها، ويوحي ~~إلى عرابي أن بين الإنجليز وبين الزحف أيام. ويقبض ثمن هذا الكلام، ثم يذهب إلى المعسكر ~~الإنجليزي فيطلع ولسلي على كل ما يهمه معرفته ويبسط يده لذهب الإنجليز ولا ينسى نصيبه كذلك ~~من سلطان ... # وفي اليوم الثاني عشر من سبتمبر أرسل علي يوسف من المقدمة إلى عرابي يقول: إن الإنجليز لن ~~يتحركوا اليوم، فركن الجيش إلى الراحة بأمر قواده ... # وإن بعض المؤرخين ليعيبون على عرابي أنه لم يضع في مقدمة الجيش طلائع ترشده عن حركات ~~العدو، وأنه يحق للمرء أن يعجب من إنكار الحقائق على هذه الصورة، فهل كان هؤلاء يريدون أن ~~ينسبوا الخطأ إلى عرابي، أم كانوا يريدون أن يخفوا خيانة علي يوسف؟ ms380 # وفي مساء ذلك اليوم نفسه 12 سبتمبر تأهب ولسلي للزحف، واختار الليل كي يتقي حر النهار وكي ~~يتخذ من الليل ستارا لخطته القائمة على المباغتة التي هيأ لنجاحها سعيد الطحاوي وعلي ~~خنفس! # وزحف الجيش في سكون بعد منتصف الليل بساعتين، وقد شدد ولسلي التحذير وأمر بألا يرتفع صوت ~~أو توقد نار، إلا نار المعسكر الإنجليزي التي تركوها وراءهم؛ إيهاما للجيش المصري بأنهم لا ~~يزالون قائمين في خطوطهم لا يتحركون ... # وكان يرشد الجيش الإنجليزي في الصحراء ضباط من بحارة الأسطول ممن يعلمون الاهتداء ~~بالنجوم، ولكن علمهم لم يغنهم شيئا فكان اعتماد ولسلي على نفر من الضباط المصريين الموالين ~~للخديو تقدم ذكرهم، وعلى فريق من عرب الهنادي اشترى الإنجليز ذممهم بالمال، إن كان لهم ثمة ~~من ذمم ...! # وتقدم جيش ولسلي مطمئنا لا يتهيب طلائع الجيش المصري، ولكن فيم التهيب وقد كان في مقدمة ~~الطلائع عبد الرحمن حسن قائد فرقة الاستطلاع السواري ، ثم يليه من ورائه خنفس؟ وكان عبد ~~الرحمن قد انضم إلى الإنجليز والخديو، كما انضم خنفس، وقبل الرشوة كما قبلها خنفس، ولم يعرف ~~مقدار ما أخذ عبد الرحمن، أما خنفس فإنه بعد الحرب لم يخجل من أن يشكو؛ لأنه لم ينل سوى ألف ~~جنيه ولأنه لم يمنح ما وعد به، وهو عشرة آلاف جنيه، # 28 # كأنما كان يريد أن يكون نصيبه مثل نصيب سلطان نفسه كبيرهم الذي علمهم ~~الخيانة! # وكان عبد الرحمن يحرس الطريق الآتي إلى الصحراء من الشرق، فاتجه بفرقته إلى الشمال، وترك ~~الجيش الإنجليزي يمر في سلام وأمن وليت شعري كيف تبلغ خيانة هذا الإنسان مبلغها هذا، وفي أي ~~معارك الدنيا نعثر على مثيل لها؟! # ومر الجيش الإنجليزي حتى كان على مقربة من موضع خنفس، فكان هذا أعظم خيانة من سلفه فإنه ~~لم يكتف بترك الجيش الإنجليزي يمر، بل وضع له الفوانيس على المسالك التي يخترقها في يسر، ~~وإنا لنحتقر أن نعقب على ما فعل خنفس بكلمة ... # وكان المصريون نائمين في خطوطهم فما راعهم إلا أصوات البنادق والمدافع والرصاص ms381 يحصدهم في ~~صورة وحشية مروعة، وكان ذلك في الساعة 4 والدقيقة 45 صباحا ... # وكان هجوم الإنجليز على نصف دائرة فأحاطوا بميمنة ~~المصريين وميسرتهم وتقدمت فرقة من المدفعية حتى صارت وراء خطوطهم وفتكت بنادق الإنجليز ~~ومدافعهم بالمصريين فتكا ذريعا، ولم تكن هذه في الواقع معركة ولكنها كانت قرصنة في ~~الصحراء لا ندري كيف يجعلها الإنجليز من مفاخر ولسلي فينعمون عليه من أجلها بلقب اللورد ~~وكان خليقا بهم أن يدركوا أنها من مخازيهم ومخازيه، فهذا السطو القائم على الخيانة والغدر ~~أقرب إلى عمل اللصوص منه إلى عمل الجند، وإن تبجح العسكريون بأن الحرب تبرر كل شيء ... # وفر أكثر الجيش المصري مذعورين، ولكن الميدان في هذه المحنة وفي هذه المباغتة التي تطيش ~~فيها الأحلام لم يخل من نفر من المصريين حفظوا شرف قومهم من الانهيار، فأثبتوا في مستنقع ~~الموت أرجلهم والهول محيط بهم والموت يأتيهم من كل مكان، وإن جلال عملهم هذا ليمحو من ~~النفوس شيئا كثيرا مما تركته فيها خيانة خنفس ومن حذا حذوه من الخزي والألم، وهؤلاء ~~الأبطال الميامين البواسل هم: الشهيد البطل الميرالاي محمد عبيد، وأحمد بك فرج، وعبد القادر ~~بك عبد الصمد، وحسن أفندي رضوان. # وقف هؤلاء الأربعة بفرقهم مستبسلين وكان مجموعها لا يزيد عن ثلاثة آلاف، وكان أكثرهم ~~بسالة وإقداما، محمد عبيد بطل الهجوم على قصر النيل يوم أن أخرج عرابي وصاحبيه من سجنه؛ ~~فقد صمد هنا للإنجليز برجاله السودانيين وأوقف زحفهم وقاتلهم قتالا شديدا مات فيه معظم ~~رجاله فتقدم واستقبل الموت راضيا مرضيا، وذهب شهيد وفائه وبطولته. # ويلي محمد عبيد في البسالة حسن رضوان قومندان الطوبجية الذي أصلى الإنجليز نارا حامية ~~بمدافعه وأوقع بهم رغم تفوقهم خسائر جسيمة حتى سقط جريحا في الميدان، ولما حمل أسيرا إلى ~~ولسلي وأقبل يقدم له سيفه لم يشأ أن يأخذه منه؛ احتراما له، وأثنى على بسالته. # واستمرت المعركة بين هؤلاء البواسل وبين الإنجليز نحو 40 دقيقة، وكان القتلى من المصريين ~~نحو ألفين، أما الجرحى فلم يحص عددهم لفرارهم، وأما الإنجليز؛ فقد ms382 قتل منهم 57، منهم 9 ~~ضباط، وجرح 204، منهم 27 من الضباط. # وأما غنائم الإنجليز فكانت مدافع الجيش المصري ومهماته وذخائره ومؤونته جميعها ... # وأما عرابي فكان يؤدي صلاة الفجر فانتبه على صوت المدافع وكانت خيمته على نحو ألف متر من ~~المعركة، وأرسل إليه علي الروبي لينتقل إلى موضع آخر حيث إن الإنجليز أوشكوا أن يحيطوا ~~بالجيش ... # وأدى عرابي الصلاة ولبس ملابسه العسكرية وركب جواده واتجه إلى حيث كان يوجد نحو ألفين من ~~الرجال على مقربة من خيمته فدعاهم ليذهبوا معه صوب المعركة ولكن كان أكثرهم من الاحتياطي ~~فولوا الأدبار خائفين، فاتجه صوب المعركة إلى حيث كان يقف محمد عبيد، فرأى الفارين قادمين ~~في ذعر، وعبثا حاول أن يحملهم على الوقوف، وكانوا يلقون أسلحتهم وما منهم إلا من يجري على ~~ساقي نعامة! # واقترب الإنجليز حتى صاروا على نحو 600 متر من خيمته وأطلقوا عليها قذيفة اقتلعتها وأطاحت ~~بها في الهواء، وألح على عرابي خادمه محمد سيد أحمد # 29 # أن ينجو بنفسه؛ إذ لا فائدة بعد ذلك من القتال ولوى عنان فرسه بالقوة وما زال ~~يتوسل إليه حتى أطاعه. # ويذكر جون نينيه في كتابه أن الذي حمل عرابي على طلب النجاة هو طبيبه لا خادمه قال: «ونجا ~~كل الخونة؛ لأنهم دبروا فرارهم قبل خوض غمار المعركة الصورية المزيفة ليعلنها الإنجليز ~~نصرا مؤزرا، وهم يعلمون أنها كانت تكون لهم هزيمة منكرة لو لم يلجأوا إلى الخيانة والرشوة ~~... وكنت بجانب عرابي وبيدي بندقية، ولما أوشك الإنجليز أن يطبقوا على عرابي رجوته في الثبات ~~فاستعد للموت والاستشهاد، ولكن طبيبه الدكتور مصطفى بك نصح له بالفرار على صهوة جواده». # 30 # وفي قول جون نينيه أبلغ رد على الذين يقولون: إن عرابي ما كاد يعلم نبأ ما حدث في المعركة ~~حتى ركب جواده ولاذ بالفرار ... # أما بعض من لا تمتلئ قلوبهم سخيمة على عرابي، فيقولون: إنه كان خيرا له لو أنه استشهد في ~~معركة التل الكبير، ونحن نميل إلى رأيهم هذا فلو أنه قتل في المعركة؛ لتخلص من السجن ms383 ومن ~~النفي إلى سيلان ومما تقول عليه المبطلون من الفرار والجبن وما إليهما، كما كان خيرا ~~لنابليون لو أنه قتل في وترلو ولم يذهب إلى سانت هيلين ... # ولكن نعجب أشد العجب من جرأة الذين يجترئون على الحق بقولهم: إنه فر من خوف ويأس، فإن من ~~الحقائق الثابتة بالأدلة كما سنبين ذلك في موضعه أنه عجل بالذهاب إلى القاهرة ليدافع عنها ~~قبل فوات الوقت وقبل أن تؤثر في نفوس أعضاء المجلس العرفي أنباء الهزيمة. # وأدعى من هذه الجرأة إلى العجب إنكار الذين ينكرون عليه محاولته الدفاع عن القاهرة، وأن ~~هؤلاء لمن الذين يكتبون التاريخ كما تشاء أهواؤهم لا كما حدثت حوادثه؛ وذلك لأنهم يريدون ~~بالكتابة غرضا في أنفسهم. # يقول عرابي عن معركة التل الكبير ما يأتي: «وطلبنا علي باشا الروبي قومندان مريوط ليتولى ~~قيادة جيش رأس الوادي فحضر في عصر يوم الثلاثاء الموافق 28 شوال سنة 1299 / 12 سبتمبر سنة ~~1882 وتوجه توا إلى المقدمة فأمر بانتقال آلاي علي بك يوسف (خنفس) وعبد القادر بك عبد ~~الصمد من الجناح الأيسر الذي كان مائلا إلى الوراء على شكل زاوية منفرجة ليحمي العسكر من ~~هجوم العدو، ووضعهما على استقامة الخط المستحكم الممتد من الترعة الحلوة إلى الجهة الشرقية، ~~وأمرهما باتخاذ دروة خفيفة من التراب في أثناء الليل، فعمل عبد القادر بك عبد الصمد خط ~~استحكام خفيف بعساكره حيث كان في نهاية الجناح الأيسر، وأما علي بك يوسف فإنه جمع عساكر ~~آلايه في هيئة القول، ولم يجر عمل شيء يقيهم قاذفات العدو إذا هجم على الجيش، وتقدم أحمد بك ~~عبد الغفار وعبد الرحيم بك حسن بعساكر السواري إلى الأمام على بعد ألفي متر ليمنعوا تقدم ~~العدو إذا أراد الهجوم على معسكرنا، ولكن وا مصيبتاه خاب الأمل فيهما. # وفي يوم 29 شوال سنة 1299 / 13 سبتمبر سنة 1882 كنت في صلاة الفجر؛ إذ سمعت ضرب بالمدافع ~~والبنادق بشدة، فخرجت ونظرت فوجدت ضرب النار على طول خط الاستحكام، ورأيت بطارية طوبجية ~~سواري على مرتفع من الأرض ms384 تبعد عن الخيمة التي كنت فيها بنحو 600 متر صبت مقذوفاتها على ~~مركزنا العمومي، وكان مركزنا المذكور خلف الاستحكامات بأربعة آلاف متر ولم يكن هناك إلا ~~الأهالي المتطوعون مع الشيخ محمد عبد الجواد وأخيه الشيخ أحمد عبد الجواد، وجابر بك من بندر ~~ببا بمديرية بني سويف، وكانوا نحو ألفي نفر فدعوناهم للهجوم معنا على تلك البطارية ~~فامتنعوا، ودهشوا، فذكرناهم بحماية الدين والعرض والشرف والوطن، ولم يجد ذلك نفعا، بل ~~تفرقوا فرارا، فجاء ضابط من طرف علي باشا الروبي القومندان الجديد يخبرني باتخاذ مركز آخر، ~~ثم نظرت فوجدت الميدان مزدحما بالخيل والجمال والعساكر، مشتتين ومولين ظهورهم للعدو، فذهبت ~~إلى القنطرة التي على الترعة هناك لأمنع العساكر عن الفرار، وصرت أناديهم وأحرضهم على ~~الرجوع والثبات والصبر على قتال العدو، وأذكرهم بالشرف الإسلامي والعرض والوطن، فما كان من ~~سميع ولا بصير، فألقوا بأنفسهم في الترعة وسبحوا إلى البر الغربي، فذهبت إلى بلبيس لجمع ~~المنهزمين هناك واتخاذ مركز آخر لمنع العدو من الوصول إلى القاهرة، وكان معي أخي السيد صالح ~~عرابي وخادمي محمد إبراهيم وجاويش بررجي يدعى عطية محمد، فقط، وكان قاذفات الطوبجية السواري ~~تتساقط علينا من كل جهة حتى تركنا حدود التل الكبير، فلما وصلت إلى بلبيس وجدت علي باشا ~~الروبي سبقني إليها، فسألته عما دهاهم؟ فلم يزد على قوله: إنه خذلان، وكان على أثرنا فرقة ~~من خيالة العدو فهجوما علينا، فأرخينا للخيل العنان حتى وصلنا إلى محطة أنشاص، فوجدنا هناك ~~قطارا فركبناه وذهبنا إلى القاهرة لاتخاذ الوسائل اللازمة لحفظها من الأعداء قبل وصولهم ~~إليها، وأسباب هذا الخذلان هو أنه في خلال تلك الأيام كانت الرسائل تبعث من قبل الخديو إلى ~~كبراء الضباط بالوعد والوعيد معلنة لهم أن الجيش الإنجليزي لم يحضر إلى مصر إلا بأمر من ~~السلطان خدمة للخديو وتأييدا لسلطته وكانت توزع تلك الرسائل بواسطة محمد باشا أبي سلطان ~~رئيس مجلس النواب ومن معه الذين هم مع الإنجليز، في الإسماعيلية بأمر الخديو وبواسطة ~~الجواسيس من المصريين كأحمد عبد الغفار عمدة تلا ms385 والسيد الفقي العضوين في مجلس النواب عن ~~مديرية المنوفية، وأثروا على قلوب علي بك يوسف قومندان الآلاي الثالث، وأحمد بك عبد الغفار ~~قومندان السواري؛ لشدة ضغط ابن عمه عليه، وعبد الرحمن بك حسن حكمدار آلاي السواري الثاني ~~وحسن بك رأفت قومندان الطوبجية. # واستمر ذلك إلى أن كانت ليلة الأربعاء 13 سبتمبر سنة 1882، فأشاع علي بك يوسف أنه علم من ~~الجواسيس أن الإنجليز لا يخرجون في هذه الليلة من مراكزهم، ولذلك لم يفعل ما أمر به علي ~~باشا الروبي من عمل خط استحكام من التراب، وجمع عساكره في نقطة واحدة في شكل قول وكانت ~~العساكر الإنجليزية قد سارت من أول الليل وفي مقدمتها بعض ضباط أركان حرب من المصريين الذين ~~انحازوا إلى الخديو بطرف الإنجليز، وأمامهم عربان الهنادي يرشدونهم إلى الطريق واستمروا ~~سائرين إلى أن بلغوا المقدمة في آخر الليل، وكانت من السواري تحت حكمدارية أحمد بك عبد ~~الغفار وعبد الرحمن بك حسن، فبدل أن تناوش العدو القتال وتوقف سيره رجعت أمامه كأنها تقوده ~~إلى أن بلغوا محل آلاي علي بك يوسف الذي كان خاليا من عساكره فمروا بين العساكر بلا مانع ~~يمنعهم، وأطلقوا النار على الاستحكامات من الخلف والأمام، وأوقعوا بالجند على حين كان ~~راقدا، فدهشت العساكر وتولاها الذهول، حيث رأوا ضرب النار عليهم ومن خلفهم وأمامهم، فألقوا ~~أسلحتهم وفروا طالبين النجاة لأنفسهم، إلا آلاي المشاة الأول حكمدارية أحمد بك فرج وآلاي ~~محمد بك عبيد وآلاي عبد القادر بك عبد الصمد، فإنهم ثبتوا في مراكزهم وقاتلوا أعداءهم حتى ~~النهاية فاستشهد منهم من استشهد وجرح من جرح، وصار الميدان ظلاما من دخان البارود، واختلط ~~الجند المنهزم بالحيوانات المنتشرة في تلك الصحراء الواسعة، واشتعلت النار بعربات السكة ~~الحديد التي بها الذخيرة الحربية وما جاورها من عربات المؤونة من قاذفات الطوبجية السواري ~~التي عمدت إلى ضرب المركز العمومي ... وهكذا تم استيلاء الإنجليز على مركز التل الكبير ~~ومهماته وذخائره، وبه كانت نهاية الحرب والخسارة عظيمة بسعي الخديو ومن انحاز إليه من ~~المصريين الذين نشأوا ms386 تحت ضغط الاستبداد، واستمرأوا عيش الاستعباد، وبمساعدة المنافقين من ~~عمد وأعيان المنوفية وعرب الهنادي بالشرقية الذين كافآهم الخديو، خصوصا الشيخ أحمد أبو ~~سلطان وإخوته من عربان الهنادي القاطنين بالشرقية، فإن الخديو أقطعهم خمسة آلاف فدان في رأس ~~الوادي مكافآة لهم على خيانتهم للدين والوطن الذي نشأوا فيه» ... # وقال في حديثه الذي أفضى به إلى صديقه بلنت بعد عودته من المنفى: «أديت الصلاة وأسرعت ~~بجوادي إلى حيث كان يوجد الاحتياطي، وناديتهم ليذهبوا معي، ولكنهم كانوا جماعة من الفلاحين ~~فحسب، وكانت القذائف تتساقط بينهم فولوا هاربين، فاتجهت وحدي بجوادي إلى الأمام ولم يكن معي ~~إلا خادمي محمد، فحينما رآني وحيدا وأدرك أني ذاهب إلى الموت المحقق أمسك بجوادي وتوسل إلي ~~أن أرجع، ولما رأيت أننا خسرنا المعركة وأن الجميع كانوا يفرون، رجعت ومعي محمد، وعبرنا ~~الوادي عند التل الكبير وسرنا في محاذاة ترعة الإسماعيلية حتى بلغنا بلبيس، وهناك كونت ~~معسكرا جديدا ورأيت عليا الروبي قد سبقني إلى هناك، فاتفقنا على الوقوف في بلبيس، ولكن ~~ما إن وصل فرسان دروري لو ، حتى هم الجميع بالفرار ولم يرض أحد أن يقف، فتركنا كل شيء وركبنا ~~قطارا إلى القاهرة». ~~••• # من مهازل السياسة حقا أن تركيا كانت حتى ذلك اليوم - يوم التل الكبير - لا تزال تفاوض ~~إنجلترا في شروط إرسال جيش عثماني إلى مصر، وكان السلطان في نفس هذا اليوم قد دعا إليه ~~دوفرين في قصره فمكث عنده 11 ساعة في أخذ ورد ... # ولما بلغت أوربا هزيمة التل الكبير كانت فرنسا أول من أشار على إنجلترا بأنه لم تعد ثمة ~~حاجة إلى ذلك المؤتمر الثنائي المزمع عقده، وكانت فرنسا لا تميل إلى وجود جند عثمانيين ~~بمصر؛ وذلك جريا وراء ميلها من أول الأمر ... # وأفضى الخديو إلى مالت «أنه إن كان ثمة شيء من شأنه أن يزيد قيمة النصر، فذلك أنه قد قضى ~~على كل حجة للتوقيع على مؤتمر مع تركيا، وإنه لينظر إلى الماضي والحزن ملء نفسه؛ إذ يفكر ~~فيما كان عسى أن يحيق بمصر من ms387 خطر لو أن السلطان استطاع بجنوده أن يتدخل في شؤون مصر». # 31 # لذلك أبرق جرانفل عصر ذلك اليوم المشؤوم إلى دوفرين يقول: «إن حكومة جلالة الملكة ترى - ~~وقد قضي الأمر - أن صاحب الجلالة السلطان لم يعد يجد هناك حاجة لإرسال جند إلى مصر»، ~~وانقطعت بذلك المفاوضة بين الدولتين، وأسدل الستار هنا كذلك على مهزلة من أسخف مهازل ~~السياسة. # وبادر المسيو تيسو سفير فرنسا بلندن إلى مقابلة جرانفل وهنأه باسم الحكومة الفرنسية على ~~هذا الانتصار، ولم تدر فرنسا أن هذا الانتصار هو خيبة كبرى لسياستها في مصر، أو لعلها كانت ~~تتبع مثل أسلوب النعامة، ورد جرانفل بقوله: «إن واقعة التل الكبير إنما هي انتصار لأوربا؛ ~~فلو أن الجيش الإنجليزي قد هزم فيها لكان ذلك كارثة على جميع الدول التي يقلقها التعصب الإسلامي». # 32 # وهنأ مسيو دوكلرك رئيس وزراء فرنسا السفير الإنجليزي بباريس قائلا: «إن انتصار ~~الإنجليز على العرب في مصر أمر طيب النتائج لفرنسا في كل من تونس والجزائر». # 33 # والمسألة كلها من جهة فرنسا مسألة جشع استعماري لا أقل ولا أكثر، والحق أن المرء قلما يقع ~~على ما هو أقبح وأرذل من جشع فرنسا في الاستعمار؛ تلك الدولة التي تزعم أنها موطن الحرية ~~وبلد الديمقراطية، إلا أنها أوهام انخدع بها الشرق زمنا فسهل التهامه، ثم أخذ يتعلم ~~المدنية والحرية على أيدي آكليه! عقب روثستين في كتابه المسألة المصرية على انتصار ~~إنجلترا بقوله: «وهكذا صدقت الأحلام، إننا إذا جرينا على رأي أنصار الاحتلال قلنا: إن مصر ~~إنما صارت إلى الإنجليز مصادفة واتفاقا، ولكن الذين يكونون قد قرأوا هذه القصة بشيء من ~~التنبه والالتفات يقولون معنا: إن السياسة البريطانية والجمهور البريطاني لم يهملوا قط ~~الانتفاع بكل حادث من شأنه تسليم مصر إلى إنجلترا، وإنهم كانوا إذا ما أعوزتهم الحوادث ~~خلقوها بالكيد والاحتيال، وإن إنجلترا في جميع علاقاتها بمصر لم تخفف عنها الوطأة لحظة ~~واحدة، بل كانت - على العكس - تجتهد في شد الوطأة عليها ما استطاعت وفي إحلال نفسها محل ~~فرنسا التي كانت ms388 تنافسها وتباريها، وإنه لم يكن من سبب لجميع عدائها لإسماعيل باشا، ثم ~~لعرابي من بعده غير خوفها بحق أن مصر إذا كانت دستورية سهل عليها الإفلات من قبضتها، ~~وإنها لم يمنعها أن تغلظ على مصر ويضطرها إلى استعانة الباب العالي غير ظنها أن كل محاولة ~~منها لضم مصر توقعها في حرب مع أوربا، أو على الأقل في مشاكل لا يستهان بها، وإنها عندما ~~رأت أن هذه المخاوف لا أساس لها اغتبطت بتلك المفاجأة اللذيذة. ولا يفوتنا أن نذكر أنها هي ~~نفسها إلى هذا كله كانت عاملا فعالا في الأمر؛ فقد سعت إلى تلك «المفاجأة» عندما برزت إلى ~~حومة الوغى وتحدت بضربها الإسكندرية دون أوربا كلها. # 34 # | أودت الخيانة بعرابي # «الولس كسر عرابي» ... هذه هي الكلمة الجديدة التي حلت في أفواه المصريين وا أسفاه محل ~~الكلمة السالفة «الله ينصرك يا عرابي» ولا يزال الناس في القرى حتى يومنا هذا كلما استفظع ~~أحد الغش أو الخيانة وأراد أن يعبر عن سوء عاقبتهما قال في جد وألم: «الولس كسر عرابي» ... # وها نحن أولاء نرى بعد معركتي القصاصين الثانية والتل الكبير مبلغ ما في هذه العبارة من ~~صدق. # ولسنا نريد بذلك أن الخيانة وحدها هي التي أدت إلى الهزيمة؛ فقد كان للهزيمة عاملان آخران ~~على قدر كبير من الأهمية ألا وهما إهمال الميدان الشرقي، وانضمام الخديو إلى الإنجليز من ~~أول الأمر، وإنما نريد أن نقول: إن العامل الجوهري في الهزيمة كان الخيانة، بمعنى أنه لو لم ~~ينكب بها الجيش لكان من المرجح نجاحه في رد الغزو عن البلاد، وبعبارة أخرى لو فرضنا أن ~~المصريين كانوا حصنوا حدودهم الشرقية كما حصنوا خطوط كفر الدوار، وردموا القناة، ثم وقعت ~~الخيانة على الصورة الشنيعة التي ذكرناها لانحلت العزائم ووقعت الهزيمة ولو بعد حين ...؛ إذ ~~إنه ليس من الضروري أن تفعل الخيانة فعلها أثناء القتال فحسب، فمن الميسور إحداث فتنة ~~داخلية أثناء الحصار تؤدي إلى انهيار الدفاع كله، وكنا نرى الهرب والخوف وقطع المدد عن ~~الجيش في الخطوط ms389 وما إلى ذلك من عوامل الفشل، وما كان سلطان ومن معه يغفلون عن هذه الناحية ~~التي بدأوا بعض خطواتهم الأثيمة نحوها فعلا، والتي أغناهم عنها ما حدث في صفوف الجيش ... # ولقد رأينا مبلغ اهتمام الإنجليز والخديو بهذا السلاح فجاءت الخيانة على عدة صور فقبائل ~~البدو في الصحراء قد أفسدها بالمر، وجل، وسلطان، وبعض ضباط الجيش أصبحوا في جانب العدو إلى ~~درجة لم يعرف لها نظير في تاريخ الحروب، والسلطان نفسه يعلن عصيان عرابي في الساعة الفاصلة، ~~وليت شعري ماذا كان يصنع بونابرت نفسه لو أنه أحيط بما أحيط به عرابي؟! # وثمة صورة أخرى من صور الخيانة أحاطت بعرابي، ألا وهي حقد بعض رجاله عليه؛ إذ رأوه - وقد ~~كان دونهم - يغدو رجل الأمة ومناط رجائها، ولعل ذلك هو ما أحفظ سلطان عليه وجعله يسعى سعيه ~~ضده ... # ولكن خطر هذا الحقد كان في صفوف الجيش، وقد أشار بلنت إلى ذلك في قوله: «ولو أن طبقات ~~الجيش الدنيا قد اتبعت عرابي في ولاء وحماسة شديدين، إلا أنه أثار حقدا ليس بالقليل بين ~~رجال طبقته العليا من الضباط؛ وذلك لأنهم كانوا يعدون أنفسهم كجند أكفأ كثيرا منه». # 1 # وذكر بلنت في موضع آخر فيما أورده في يومياته سنة 1884، أن الأمير كامل # 2 # قال له: «إن عرابي قد خانه كل من كانوا حوله، وقد خانه بعضهم ابتغاء الحصول على ~~الذهب، وبعضهم بدافع الحقد، وقد كان محمود سامي يحقد على عرابي ولذلك أفسد معركة القصاصين ~~الثانية؛ فقد كان عليه أن يتقدم من الصالحية ولكنه لم يصل في الموعد الذي اتفق مع علي فهمي ~~عليه». # ولقد شك بلنت في يعقوب سامي نفسه رئيس المجلس العرفي وقال عنه: إنه تأثر كذلك بمسعى ~~الخديو آخر الأمر، ولو أن الخديو نفاه مع من نفوا إلى سيلان: «وأن الأوراق لناطقة بالأدلة ~~القوية على حقده على عرابي، ومن الممكن أنه بعد أن عجز علي فهمي بسبب إصابته، أن يكون بذل ~~أقصى ما في وسعه ليضع عرابي في عزلة؛ كي يعجل انهياره في ms390 التل الكبير، فإنه بدلا من أن ~~تعطى القيادة لعبد العال أعطيت لرجل موال ولكنه غير كفء لها وذلك هو علي باشا ~~الروبي». # ومن السهل على المرء أن يرى الهزيمة ماثلة في جيش هذا حاله، وأن يدرك استحالة النصر على ~~قائد تحيط به مثل هذه المهلكات التي تكفي واحدة منها للقضاء عليه. # نقول: من السهل أن يدرك المرء ذلك حتى ولم لم يعلم ما حدث من خيانة سافرة غادرة أثناء ~~القتال، وحسب المرء أن يذكر من هذا إرسال الخطة إلى العدو في معركة القصاصين الثانية على يد ~~علي يوسف خنفس، وقد زاد الأمير كامل على ذلك فيما تحدث به إلى بلنت في ذلك الذي أثبته في ~~تلك اليوميات المشار إليها «أنه حدث أثناء هذه المعركة أن كانوا نحو 18 ألفا من المصريين ~~على مقربة من نحو 2500 من الإنجليز فيهم دوق كنوت، ولو أن علي يوسف الذي كان يقود القلب ~~تقدم لسحق الإنجليز وأسر الدوق، ولكنه تأخر برجاله وترك العدو يحيط بالجناحين». # ولقد رأينا كيف كانت خطة هذه المعركة محكمة الوضع ورأينا كيف أثنى عليها أحد قواد ~~الإنجليز أنفسهم قائلا: إنه كان يمكن بها أن يتحقق للمصريين النصر ... # ولولا خيانة علي يوسف وتأخر البارودي بسبب خيانة الطحاوي لكان من أقرب الظنون إلى اليقين ~~أن يولد في القصاصين عصر جديد في تاريخ مصر. # قال الأستاذ عبد الرحمن الرافعي في كتابه «الثورة العرابية» عن الجنرال ولسلي: «لم يكن ~~الجنرال ولسلي من القواد الذين اشتهروا بالكفاءة العالية في القيادة ولا ممن امتازوا في ~~معارك سابقة بالنبوغ في الفنون الحربية، بل كل ما عرف عنه أنه اشترك من قبل في حرب القرم ~~وفي بعض الحملات الاستعمارية الإنجليزية، وكان لم يزل برتبة قائمقام جنرال حين تولى قيادة ~~الحملة على مصر سنة 1882، فلما انتهت بهزيمة العرابيين في التل الكبير واحتلال العاصمة ~~انهالت عليه ألقاب الشرف والتكريم، فنال لقب لورد «فيكونت» ولسلي أوف كايرو، ورتبة جنرال ~~وغير ذلك من علامات التقدير، على أنه تولى فيما بعد سنة 1882 ms391 قيادة الحملة على قوات المهدي ~~في دنقلة، فانتهت بإخفاقها ومقتل غوردن باشا، وتولى سنة 1903 قيادة الجيش الإنجليزي في حرب ~~البوير بالترنسفال فباء بالهزيمة والخسران، وعدته حكومته مسؤولا عن النكبة التي حلت ~~بالجيش الإنجليزي، فعزلته عن قيادته وعينت بدله الجنرال اللورد روبرتس، من هذا يتضح لك أن ~~قيادة الجيش الإنجليزي وذات الجيش الإنجليزي الذي هاجم مصر سنة 1882 لم يكونا كافيين للظفر ~~بها واحتلالها، لولا الانقسام الذي أضعف قوة الدفاع عنها». # والواقع أن ما يخرج به المرء من أنباء معركة القصاصين الثانية، هو شعوره بأن المصريين لم ~~يكن بينهم وبين النصر على الإنجليز إلا خطوة فكيف لو لم تقع الخيانة؟ # أما في التل الكبير فكان مثل المصريين كمثل قوم ناموا في دارهم ووضعوا على بابهم حارسا ~~يوقظهم إن قرب منها عدو، ولكن الحارس سار مع العدو جنبا إلى جنب حتى وقف به على رؤوس ~~النائمين وقال له: اضرب من تشاء في غير خوف ... # لقد أحيط بجيش نابليون في وترلو ولم يكن ذلك على حين غفلة كما أحيط بجيش عرابي في التل ~~الكبير، ففر الفرنسيون البواسل، وطلب نابليون الموت ففاته حتى الموت، ففر نابغة الحروب ~~ونادرة العصور مع الفارين عسى أن يملك الدفاع عن باريس ... وكذلك الحال في كل جيش يحاط به ~~فإما الفرار أو التسليم أو الموت ... # ولعل معركة التل الكبير - التي كانت في الحقيقة مذبحة - هي أروع مثل في تاريخ الحروب ~~للخيانة كيف تودي بجيش من الجيوش، وماذا بعد أن يؤخذ القوم وهم نائمون؟! # هكذا كسبت إنجلترا المعركة بالذهب، وليته كان ذهبا خالصا؛ فقد كان رصاصا يغطيه الذهب ~~كما ذكر الأمير كامل للمستر بلنت، وقد ظهر في القاهرة بعد الحرب فأسرعت الحكومة إلى شرائه ~~من السوق وكان الجنيه يباع بخمسة فرنكات أو عشرة وقد كسر الأمير بعض هذه القطع ورأى ما فيها ~~من رصاص فكأنما تأبى إنجلترا إلا أن تخون حتى في أداة الخيانة! # تبقى بعد ذلك مسألة يوردها خصوم عرابي ساخرين منه بها جاعلين منها سببا من أكبر ms392 أسباب ~~هزيمته وذلك لكي يقللوا من شأن الخيانة أو لكي يصرفوا عنها النظر ويحصروها فيما زعموه من ~~أخطاء عرابي، ألا وهي أنه سهر طول ليلة المعركة في حلقة ذكر مع جيشه وفي قراءة الأدعية مع ~~رجال الطرق الصوفية، فلم ينم العساكر وبذلك لم يستطيعوا الحرب في الصباح. # ولسنا ندري أبلغ الاستخفاف بعقول الناس هذا الحد، فجعل هؤلاء الخراصين ينتظرون أن يجوز ~~كلامهم هذا على الناس، أم أنهم كانوا هم البلهاء فصدقوا ما يذيعونه في الناس ...؟! # وبعد، فليتهم صدقوا! وليت العساكر قد قاموا الليل يذكرون الله إذن لما استطاع العدو أن ~~يدهمهم وهم نيام، وكيف يجتمع مثل هذا العدد في حلقة ذكر مع قائد الجيش وقد كان بين خيمته ~~وبين خطوط الدفاع الأولى نحو أربعة آلاف متر؟ # وإذا صح أن عرابي قد استدعى عددا من رجال الطرق الصوفية أو أنهم هم الذين قدموا عليه، ~~فأرسلهم إلى الفرق في مراكزها يستحثونهم ويستنهضونهم ويثيرون حماستهم في الله والوطن وهذا ~~ما نعتقد أنه ما حدث، فما عيب هذا؟ وأي عيب في أن يقرأ عرابي القرآن في خيمته ويدعو الله مع ~~نفر من رجال الدين ؟ هل جعل ذلك كل عدته للجهاد فدعا الله أن يمده بالملائكة مسومين ليضربوا ~~له العدو ثم نام؟! ألا خسئ الخراصون الأفاكون. # وأي فرق في جوهر الأمرين بين أن ينشد رجال الدين بين الفرق أناشيدهم الدينية يقصدون ~~استنهاض هممهم وإثارة حماستهم، وبين الأناشيد التي يهتف بها الجند في كافة الجيوش الحديثة؟ ~~وما الغرض من الموسيقى الحربية والخطب والنشرات؟ أليست كلها وسائل تبعث الروح المعنوية في ~~الجند وتهز عواطفهم النبيلة للفداء والنضال؟ وإذا لجأ عرابي إلى الوسائل التي كانت تتفق مع ~~البيئة ومع العصر الذي كان يعيش فيه وهي لا تخرج في جوهرها وفي الغرض منها عن وسائل الجيوش ~~الحديثة فكيف يعد ذلك مما يسخر به منه ولا يعد مما يسجل له الالتفات إلى كل معنى يراد به بث ~~الحمية في قلوب الجند؟ # إن مرد المسألة كما قلنا إلى الرغبة في صرف ms393 الأنظار عن الخيانة وإلى الرغبة في قلب محاسن ~~عرابي كلها مساوئ بطريقة مدبرة محكمة، جاز أكثر مفترياتها زمنا على البسطاء. # ومن أحسن ما يذكر في هذا الصدد أن هذه الحملة الإنجليزية بالذات قد أقيمت لها الصلوات عند ~~خروجها من إنجلترا وباركها كبير الأساقفة مع عدد من رجال الدين، وقد أورد ذلك هربرت سبنسر ~~في كتابه «أصول علم الاجتماع» أثناء كلامه على الدين وأثره في حياة المجتمعات، ومن أجمل ما ~~علق به على ذلك قوله: «إن هذه الحملة كانت موجهة إلى قوم يحاربون في سبيل الحرية ~~والاستقلال». # ألا إنها الخيانة الغادرة السافرة هي التي أودت بعرابي، وكانت كفيلة بأن تودي بأي قائد ~~غيره في مكانه، وفي التاريخ شواهد كثيرة على أثر الخيانة في انهيار الجيوش ولعلنا لم ننس ~~الأمس القريب حين كان الجنرال ويفل في صحرائنا الغربية يجمع بقلته المتهيبة جموع الطليان ~~جمعا فيأسرهم بلا قتال؛ لأنهم كانوا فريقين: أحدهما في صف الملك، والثاني في صف الزعيم، ~~كما كان المصريون فريقين: أحدهما في صف الخديو، والثاني في صف عرابي. # والخيانة مسألة تكمن في النفوس، ولن يستطيع أن يعرف الخونة ليردهم عن وجهتهم الآثمة قائد، ~~وما لم يكن له وازع من ضمائرهم فإن خطرهم في الساعة الفاصلة شديد، وعلى ذلك فلن يلام عرابي ~~على وجود الخيانة في جيشه وقد رأينا كيف تمكن اثنان أو ثلاثة من هؤلاء المنافقين من القضاء ~~على ذلك الجيش وهم يظهرون له الولاء والفداء، وما حيلته أو حيلة غيره في نفوس تشترى بالمال ~~كما يشترى الرقيق؟! # | بعد وترلو # ما أشبه حال عرابي بعد التل الكبير بحال نابليون بعد وترلو، كلاهما هرول إلى عاصمة بلاده ~~بعد أن حلت الهزيمة بجيشه على غير انتظار، وكلاهما دعا قومه إلى مواصلة الجهاد ولكنهم ~~خذلوه، وخلعوا طاعته في غير خوف وقد زال عنه سلطانه بزوال النصر، أو على الأصح بحلول ~~الهزيمة، وهما موقفان تتمثل في كل منهما مأساة من مآسي التاريخ سوف تبقيان في فرنسا وفي مصر ~~بقاء الزمن ... # مضى عرابي إلى القاهرة ms394 فبلغها قبل الظهر وبصحبته علي الروبي وقصد من فوره إلى قصر النيل، ~~وكان المجلس العرفي منعقدا منذ الصباح ينتظر أنباء من التل الكبير، ولكنه لم يتلق شيئا ~~فساور الأعضاء كثير من القلق، وكان يعقوب باشا قد تلقى وهو في مكتب التلغراف كثيرا من ~~الأنباء ولكنه لم يفض بشيء منها إلى أحد حتى فاجأ الحاضرين بقوله: إن عرابي باشا قادم بعد ~~حين إلى القاهرة، فوجمت الوجوه وعرف الأعضاء ما حدث وإن لم يزد يعقوب باشا شيئا على هذه ~~الكلمة. # وبلغ عرابي مقر المجلس العرفي فتلقاه الأعضاء واجمين، وكان الأسف الشديد باديا على ~~محياه، ولبث لحظة لا يدري ماذا يقول؟ ثم أظهر المجلس على كل شيء وشكا كثيرا من الخيانة ومن ~~تفرق كلمة الجند وفرارهم لا يلوون على شيء وهو يدعوهم فلا يستجيبون له ... # وانضم إلى المجلس العرفي بعض الأمراء والكبراء، وتشاوروا فيما يعملون؟ أيسلمون القاهرة ~~للإنجليز أم يدافعون عنها؟ ... # وكان عرابي يستحثهم على الدفاع ذاكرا لهم إنه من الوجهة الحربية لم يزل الأمل قويا ~~فهناك حامية القاهرة في القلعة بمدفعيتها، وهناك حامية دمياط بقيادة عبد العال، وفي إمكانها ~~التحرك أثناء الدفاع عن القاهرة لرفع الحصار عنها وكذلك هناك حامية كفر الدوار وفي استطاعة ~~طلبة أن يرسل المدد المطلوب، فبالثبات والصبر يمكن معالجة الأمر، فليس طريق الإنجليز سهلا ~~كما ظن البعض. # ونهض الأمير إبراهيم باشا أحمد ابن عم الخديو وأهاب بالحاضرين أن يثبتوا وأن يقاوموا ~~وقال: «إن مصر غاصة بالجند والمخازن مليئة بالمؤن والذخائر، والأسلحة ومعدات الدفاع متوفرة ~~فالواجب علينا إذن الدفاع ما دام فينا بقية ... فأجاب الجميع بالموافقة». # 1 # وأخذ شبح اليأس يبتعد عن عرابي ونهض من فوره ليعد العدة للدفاع، وكان قد ترك في بلبيس ~~عددا من التلغرافات في مكتب التلغراف يستنهض بها البلاد لترسل المدد لمقاومة زحف الإنجليز، ~~ومضى عرابي إلى العباسية ومعه بعض الفنيين لإنشاء خط استحكامات هناك للدفاع عن القاهرة ... # وفي هذا الذي فعله عرابي ما يثبت الكذب الوضيع على الذين عابوا عليه فراره من التل الكبير ms395 ~~قائلين: إنه فعل ذلك لينجو بنفسه لا ليستأنف الجهاد الذي كان ممكنا لو أنه أراده، ومما ~~يملأ النفس أسى وألما أن يعمد هؤلاء إلى إنكار الحقائق وهم يعلمونها، وأمرهم في ذلك عجيب، ~~فإننا نفهم أن يخطئ المرء فهم حقيقة أو أن يؤولها بدافع الغرض والهوى تأويلا يساير هواه، ~~ولكنا لا نفهم كيف يعمد إنسان إلى قلب الوضع قلبا تاما فيقول في موقف كهذا شهدت به أكثر ~~المصادر: إن عرابي هرب لا ليقاوم ولا ليدافع عن القاهرة ولكن لينجو بنفسه فحسب! ... # ولم يكن الاستيلاء على القاهرة بالأمر الهين لو وجدت من يدافع عنها، قال المسيو بيوفيس: ~~«ولم يكن الجنرال دروري لويسير في زحفه في طريق آمنة؛ إذ لم يكن معه سوى عدة مئات من الجند، ~~وكان أمامه مدينة آهلة بالسكان تدافع عنها حامية قوية كبيرة العدد ترابط في العباسية ~~والقلعة وفي المعاقل التي بنيت أخيرا فوق جبل المقطم، وأمامه ذكريات الثورات الهائلة التي ~~سببت المتاعب والخسائر الكبيرة لنابليون وكليبر خلال الحملة الفرنسية، ولكن جبن الرؤساء ~~العرابيين قد أخرجه من المأزق» # 2 ~~... # قال عرابي: «ثم استقر الرأي على إنشاء خط دفاعي في ضواحي المحروسة ، وبناء على ذلك ذهبت ~~إلى العباسية ومعي محمود باشا المرعشلي باشمهندس الاستحكامات ومحمود باشا رضا لواء الخيالة ~~وحسن باشا مظهر لواء مأمور تشهيل إرسال الذخائر الحربية إلى مركز الجيش، وتقرر اتخاذ الخط ~~الدفاعي أمام المطرية شرقي عين شمس يستند يمينه على الجبل ويمتد شمالا إلى ترعة ~~الإسماعيلية ثم ينعطف غربا على الترعة المذكورة إلى النيل عند فم رياح الترعة المذكورة ~~بالقرب من شبرا ... ثم ذهبنا جميعا إلى مركز الطوبجية وأردنا استعراض العساكر الموجودة هناك ~~فلم نجد إلا نحو ألف رجل من خفراء البلاد بدون ضباط ونحو 40 نفرا من السواري في مركز مساكن ~~الخيالة مع الأميرالاي أحمد بك نير، فقال الأميرالاي المذكور: إنه يقف في وجه العدو ويقاتله ~~برجاله الأربعين حتى يموت معهم» ... # أين الجند وأين الضباط؟ هنا أدرك عرابي مرة ثانية ما فعلته الخيانة وما فعله قرار ms396 السلطان ~~بإعلان عصيانه؛ فقد انحلت العزائم وهرب الرجال وأصبح هم كل امرئ الدفاع عن نفسه، وعاد اليأس ~~فأحاط بعرابي من كل ناحية ووقف وحده لا يجد من يمد يد المعونة إليه ... # والإنجليز زاحفون على القاهرة في غير إبطاء، ولندع عرابي يقص علينا نبأ هذه المحنة، قال: ~~«فلما شاهدنا كل ذلك رأينا أن الأولى حقن الدماء وحفظ القاهرة من غوائل الخراب والدمار كما ~~حدث في الإسكندرية ما دامت المقاومة لا تجدي نفعا، وفضلنا تقديم أنفسنا فداء عن الأمة ~~المصرية السيئة الحظ، فرجعنا إلى المجلس سالف الذكر وبلغناه بما عن لنا، ثم قلنا: حيث إن ~~الإنجليز يحاربوننا الآن باسم الخديو لانحيازه إليهم ففي إمكانه إيقاف هذه الحرب وعدم خراب ~~القاهرة وغيرها ويصنع بنا بعد ذلك ما هو أهله ... # فلم يجد أرباب المجلس المذكور أفضل من رفع عريضة باسمنا إلى الخديو نعترف فيها بوقف الحرب ~~ونلتمس منه الوساطة لدى الإنجليز بعدم دخولهم القاهرة؛ حفظا عليها من الخراب بعد تقديم ~~الطاعة له والخضوع، فحرروا العريضة وأرسلوها إليه بعد أن ذيلتها بإمضائي مع بطرس باشا غالي ~~ورؤوف باشا وعلي باشا الروبي ويعقوب باشا سامي رئيس المجلس العسكري في قطار خاص، وكان ذلك ~~في يوم الخميس الموافق غرة ذي القعدة سنة 1299 / 14 سبتمبر سنة 1882 فلم يجدهم ذلك نفعا؛ ~~فإن مساعيهم أخفقت وآمالهم خابت بأن أبى الخديو قبول العريضة وإجابة الالتماس وأمر بإلقاء ~~يعقوب باشا سامي وعلي باشا الروبي في السجن فسجنا في الإسكندرية». # ودخل الإنجليز بلبيس والزقازيق في نفس اليوم الذي وقعت فيه معركة التل الكبير، وفي اليوم ~~التالي 14 سبتمبر بلغ الجنود الإنجليز العباسية في نحو الساعة 4 مساء ... وتلقى عرابي نبأ ذلك ~~في الساعة 6 وكان في منزل علي باشا فهمي ولم يكن علي باشا قد شفي من جرحه بعد، فأرسل عرابي ~~إلى قائد ثكنات العباسية يأمره بالتسليم ... # ونصح جون نينيه - وكان في منزل علي باشا فهمي - ~~لعرابي ولطلبة عصمت - وكان هذا قد جاء إلى القاهرة - ولمحمود سامي بتسليم أنفسهم أسرى حرب ms397 ~~للجيش البريطاني؛ خوفا عليهم مما يحل بهم على يد توفيق، واستصوب رأيه عرابي وطلبة ورفضه ~~البارودي قائلا: «إني ذاهب إلى منزلي فإن أرادوني فإنهم يعرفون أين يجدونني» ... # وذهب عرابي إلى منزله وارتدى ملابسه العسكرية، وتقلد سيفه وتأهب ومعه طلبة للتسليم، قال ~~يصف ذلك: «وفي عصر يوم 15 سبتمبر سنة 1882، ورد تلغراف من الجنرال لو، خيالة الإنجليز ~~بالعباسية إلى إبراهيم بك فوزي مأمور ضبطية القاهرة بأنه يريد مقابلتي بالعباسية ومقابلة ~~طلبة عصمت باشا، فتوجهنا إلى العباسية واجتمعنا بالجنرال المذكور، فابتدرنا بقوله: هل ~~تقبلون أن تكونوا أسرى حرب لجلالة الملكة؟ فقلنا له: نعم، نريد ذلك حقنا للدماء، فلو أن ~~عندنا من القوى الحربية ما يمكننا بها إطالة زمن القتال والدفاع عن البلاد لما قبلنا ذلك، ~~ولكنا قاتلنا حتى يقضي الله بيننا، ولكن حيث علم لنا أن الإنجليز لا مطمع لهم في الاستيلاء ~~على بلادنا، وما كان مجيئهم إلى مصر إلا ليؤيدوا السلطة الخديوية ويسلموا البلاد إلى الخديو ~~ثم يعودوا إلى بلادهم فنحن كففنا عن القتال ورضينا بأن نسلم سيوفنا إلى قائد الجيش ~~الإنجليزي واثقين بعدالة الأمة الإنجليزية أن تعاملنا كأسرى حرب. وسلمنا سيوفنا، وقضينا تلك ~~الليلة داخل غرفة من غرف قشلاق الطوبجية لا فراش فيها ولا غطاء، وكان الجنرال في غرفة أخرى ~~مثلها. # وفي عصر يوم السبت قمنا من العباسية بكوكبة من خيالة الهنود وضابط إنجليزي إلى قشلاق ~~عابدين فوجدناه محتلا بآلاي حرس ملكة الإنجليز حكمدارية الميرالاي تين من منزل شريف في ~~أحرار الإنجليز، فقابلنا الميرالاي المذكور وقال لنا: أنتما أسيرا حرب عند جلالة ملكة ~~الإنجليز فلا بأس عليكما ... وأقمنا في غرفة مقابلة للغرفة التي هو فيها وكان، أميرا كريم ~~السجايا يأتي إلينا كل يوم ويعزينا على ما أصابنا ويعترف بظلم الإنجليز لنا، وأن الاستبداد ~~لا يزال كامنا في قلوب الإنجليز أكثر من كل الأمم ... وبعد ذلك وصلت جيوش الإنجليز إلى ~~القاهرة أفواجا أفواجا، وكانت نساء رجال حكام المصريين المستبدين يحيين عساكر الإنجليز ~~عند مرورهم في الشوارع بلباسهم الأحمر وأسلحتهم السوداء على ms398 عواتقهم، بالزغاريد؛ تقربا ~~إليهم وشكرا لهم على إطفاء شعلة الحرية المصرية» ... # وعصف الغضب برؤوس بعض المدنيين من سكان القاهرة وثارت النخوة في نفوسهم، ولم تكن الرشوة ~~قد فعلت بهم ما فعلته بالجيش فتجمعوا من باب الشعرية والحسينية وتهيأوا للثورة، وكادت ~~القاهرة ترى ما رأته أيام نابليون وكليبر، ولكن محافظ المدينة بذل أقصى جهده للقضاء على ~~الفتنة في مهدها، مبينا للثائرين أن عملهم لا يجدي نفعا وليس وراءه إلا سفك الدماء ... # وفي نفس اليوم 15 سبتمبر دخل الجنرال ولسلي القاهرة وكان يصحبه سلطان باشا نائبا عن ~~الخديو، ونزل ولسلي في سراي عابدين وقد أعدت له بأمر الخديو. # وكان الإنجليز قد استولوا على القلعة من طريق الجبل في اليوم الذي بلغوا فيه القاهرة، وقد ~~سلمهم مفاتيحها مغتبطا علي خنفس منتظرا ما وعد به من الذهب قبل معركة التل الكبير، ولكن ~~الإنجليز أداروا له ظهورهم، فلم تعد بهم حاجة إليه ... # واحتل الإنجليز قصر النيل، كما احتلوا القلعة، والعباسية، وهكذا أخذوا القاهرة من ~~أطرافها، وصح حلمهم الذي ساورهم منذ عهد محمد علي ... # وبعد؛ فهذه قصة تسليم عرابي، لا نرى فيها شيئا مما افتراه المفترون من مذلة وهوان، ~~فالقانون العسكري يقضي بأن يسلم القائد المغلوب سيفه ، ولقد سلم عرابي سيفه للجنرال لو، ~~قائلا: إنه يفعل ذلك على الرغم منه فلو أنه استطاع مواصلة القتال ما سلم ... # وماذا كان في وسع عرابي غير هذا، ولم يكن أمامه إلا الفرار والهرب إلى بلد آخر أو التسليم ~~للجيش المنتصر، ولو أنه هرب ثم قبض عليه وجيء به إلى مصر، أو لم يقبض عليه وظل طريدا ~~شريدا أكان ذلك يعجب خصومه؟ # لست أفهم ماذا كان هؤلاء يريدون؟ هل سلم سيفه والجيش من حوله يستطيع المقاومة والدفاع؟ أم ~~أنه فعل ذلك حين هرب الرجال فلم يجد حوله إلا 40 رجلا في خطوط الاستحكامات؟ # غلب نابليون على أمره بعد أن وضع إحدى قدميه في مدريد والأخرى في موسكو، فكتب إلى الأمير ~~الوصي على عرش إنجلترا يقول: «يا صاحب السمو الملكي، رأيت ms399 أن أختم حياتي السياسية إذ رأيتني ~~معرضا للخلاف الذي يفرق بني وطني شيعا، وللعداء الذي تناصبني إياه دول أوربا الكبرى فجئت ~~كثموسكليز لألقي بنفسي في جوار الشعب الإنجليزي، وإني أضع نفسي في حماية قوانينه وأرجو من ~~سموكم الملكي أن تمنحوني هذه الحماية حيث إنكم أقوى أعدائي وأعظمهم مصابرة وكرما». # 3 # وصعد نابليون إلى ظهر إحدى السفن التي كانت تراقب الشاطئ فحيا ضابط هذه السفينة برفع ~~قبعته الأمر الذي لم يكن يفعله كثيرا من قبل تلقاء الملوك والقياصرة، فهل يعاب على نابليون ~~ويتهم بالجبن والمذلة من أجل كتابه ومن أجل تسليمه نفسه على هذه الصورة؟ # ولكن الذين كتبوا سيرة عرابي عقب الاحتلال من أعدائه لم يدعوا ناحية من هذه السيرة إلا ~~شوهوها؛ لكى تبث في أذهان الجيل القادم الصورة التي وضعها الاحتلال لعرابي فجعله رجلا ~~جاهلا طائشا لم يحارب من أجل مبدأ من المبادئ وإنما كانت تحركه أطماعه الشخصية، وما زال ~~يخبط في حماقته وجهله حتى اضطر آخر الأمر إلى أن يسلم سيفه صاغرا إلى قائد جيش الاحتلال ~~الإنجليزي. # وأما أن يكون عرابي ضحية مبادئ سامية حارب في سبيلها حتى لم يبق في قوسه منزع، وأما أن ~~يكون أول فلاح في مصر نادى بالحرية والدستور وأول زعيم وطني وضع جهاد وطنه على أساس قومي ~~فافتتح بذلك فصلا جديدا في تاريخ هذا الوطن، فذلك ما لا يطيق أن يسمعه الاحتلال أو يسمح ~~حتى أن يهمس به ... # | توفيق يدخل العاصمة # انتظر توفيق بضعة أيام ريثما تسلم بقية المعاقل كي يدخل القاهرة دخول الظافر، ولسوف ~~يدخلها في حماية الإنجليز كما دخل البربوني لويس الثامن عشر باريس في حماية الحلفاء بعد ~~هزيمة نابليون مما جعل الفرنسيين يقولون: إن جلالته جاء في الحقائب في عربة البضاعة. # توقفت حاميات «أبو قير» و«مريوط» و«رشيد» بعض الوقت عن التسليم، ولعل ذلك لأنهم لم يصدقوا ~~نبأ الهزيمة، وتوقف عبد العال باشا عن تسليم دمياط مدة أسبوع، ثم لم يجد بدا من التسليم ~~فسلم وقبض عليه وأرسل إلى القاهرة، أما معاقل ms400 كفر الدوار؛ فقد تركها الضباط والجند منذ ~~أن رحل طلبة باشا إلى العاصمة واستولى الإنجليز عليها ونسفوا ما فيها من الحصون ... # وفي 25 سبتمبر أي بعد 12 يوما من معركة التل الكبير سافر الخديو بقطاره الخاص من ~~الإسكندرية إلى القاهرة وفي معيته كبير وزرائه شريف باشا والوزراء إلا رياض الذي كان في ~~القاهرة يعد العدة لاستقباله ... # زينت العاصمة بالأعلام على جانبي الشوارع وفي الشرفات والمنافذ، ولكن الناس كانت ترتد ~~أبصارهم خاسئة؛ إذ يرون بين الرايات المصرية هنا وهناك راية جديدة، هي راية الجيش المحتل ... # ولم ير المصريون - وا أسفاه - على جانبي الشوارع أولئك الجنود المصريين والسودانيين الذي ~~ألفوا رؤيتهم في مثل هذه المناسبة؛ فقد ألغى الخديو الجيش المصري بجرة قلم، وإنما رأوا ~~نمطا عجيبا من الجند حمر الوجوه طوال الأجسام يضعون فوق رؤوسهم القبعات ويبعث منظرهم ~~الرهبة في قلوب المصريين، ويشعر المصريون حيالهم بالاشمئزاز والكره الشديدين، ولكنه شعور ~~خفي مكبوت لا يجرؤ أن يظهره أحد. # وقد بلغ عدد هؤلاء الجنود الحمر المقبعين نحو 5000 اصطفوا من المحطة إلى سراي ~~الإسماعيلية، ليمر من بين صفيهم الطويلين خديو مصر القادم إلى مقر حكمه. # وبلغ القطار القاهرة في منتصف الساعة العاشرة صباحا، ونزل توفيق فتقدم لتحيته الأمراء ثم ~~ولسلي قائد جيش الاحتلال ودوق كنوت نجل الملكة فكتوريا، وإدوارد مالت المعتمد البريطاني، ثم ~~محمد سلطان باشا ورياض باشا وكبار المصريين من العلماء ورجال الدولة والأعيان ... # وتقدم الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري بين يدي الخديو ودعا له بالتأييد والنصر وكان يردد ~~الحاضرون دعاءه ... # وكانت المحطة مفروشة بالبسط مزينة بالرايات والرياحين، وقد حشد فيها رياض ما أمكنه حشده ~~من أعيان البلاد وهتف رياض باشا عند مرور الخديو من بينهم: «يعيش الجناب العالي مؤيدا ~~بالنصر والإجلال» وردد الحاضرون هتافه، ويعلم الله كم كان فيهم من انبعث هتافه من قلبه، وكم ~~كان فيهم من أيقن مع ما كان يرى حوله أن هذا نصر وأن هذا إجلال ... # وكانت مدافع المحطة ترسل طلقاتها مدوية؛ تكريما للخديو الظافر، وكانت تجاوبها مدافع ms401 ~~القلعة، كما كانت الموسيقى تصدح بالسلام الخديو ... # وجلس عن يسار الخديو في مركبته دون كنوت وجلس أمامه ولسلي ومالت وأحاطت بهذه المركبة ~~كوكبة من الفرسان الإنجليز، ومن خلفهم مركبات الأمراء والوزراء ورجال الدولة ... # ونظر أهل القاهرة ساخطين إلى فاتحة عهد الاحتلال، ولسوف يبقى هذا السخط كامنا في نفوسهم ~~الجريحة حتى يأذن الله ببعث من يثور على الاحتلال ... # وظن توفيق أنه استعاد سلطانه ولكنه لن يلبث حتى يجد نفسه مجردا من كل سلطان، وحسب أن له ~~السيادة اليوم ولكنه لن يلبث حتى يرى أن هذه السيادة تتمثل في مظاهر كاذبة ... في حرس يحيط ~~به، وفي موسيقى تصدح أمام قصوره، وفي ألقاب التمجيد تضاف إلى اسمه، أما فيما عدا ذلك ~~فالسيادة للإنجليز، ولقد بدأ كبار المصريين يولون وجوههم قبل من أصبح لهم السلطان الحقيقي ~~في البلاد ... # ففي 28 سبتمبر ذهب سلطان إلى رياض ومعه وفد من عمد البلاد وأعيانها، فأبلغ الوزير أن ~~هؤلاء الأعيان يريدون تقديم هدايا من السلاح الفاخر إلى سيمور، وولسلي ولو شكرا لهم «على ~~إنقاذ البلاد من غوائل الفتنة العاصية» ... # وأعدت الهدايا بعد سفر هؤلاء الثلاثة وأرسلت إليهم في إنجلترا، إلى سيمور مخرب ~~الإسكندرية، وولسلي بطل مذبحة التل الكبير، ولو، أول من دخل القاهرة من الإنجليز وآسر عرابي ~~... # وأرسل هؤلاء كتب الشكر لسلطان باشا ومن انضم إليه من الإمعات وطلائع أعوان الاحتلال، قال ~~عرابي في مذكراته: «وفي 28 سبتمبر سنة 1882 وفد على نظارة الداخلية محمد سلطان باشا وأحمد ~~بك السيوفي وغيرهما من المخدوعين، وأبلغوا رياض باشا بأنهم يعتزمون أن يقدموا نوعا من ~~الأسلحة الفاخرة المحلاة بالجواهر الثمينة هدية منهم للأدميرال سيمور قائد الدوننمة ~~الإنجليزية وللجنرال ولسلي قائد الجيش الإنجليزي، وللجنرال لو، الذي كان أول قادم إلى ~~القاهرة بعد سقوط التل الكبير، فاستحسن رياض باشا منهم تلك الأريحية ورخص لهم في تقديم ~~الأسلحة الفاخرة المذكورة للقواد المومأ إليهم، وكانوا قد عزموا قبل ذلك على أن يؤلفوا ~~لجانا من كل جهة ينشؤون فيها اكتتابا لجمع نقود كافية لإنفاذ هذا الغرض ms402 ولكنهم فشلوا في ~~ذلك واكتفوا بشراء الهدية من مالهم الخاص فأعطوا الجنرال ولسلي سيفا مجوهرا، وكذلك ~~الجنرال لو، سيفا، وأما الأميرال سيمور فأهدوه طبنجة مجوهرة بالماس مكافأة لهم على ~~احتقارهم للأمة المصرية وإذلالها» ... # وفي 30 سبتمبر سنة 1882، اصطف الجيش الإنجليزي في ميدان عابدين، في المكان نفسه حيث وقف ~~عرابي قبل ذلك بعام، وقفته المشهورة ومعه الجيش المصري في 9 سبتمبر سنة 1881 يسمع الخديو ~~مطالب الأمة ويعلن إليه مشيئتها ... # ولا تقع عينا توفيق الآن على جنود يتحدونه بل تقع على جنود يحيونه ويحييهم رافعا يده ~~بالسلام العسكري وكم أثلج فؤاده أن يرى هذه القوة التي ظن أنها تسند عرشه، ولو أنه فكر ~~قليلا لفطن إلى أنها كانت تمتهن ذلك العرش! # وكان الخديو في المقصورة التي أعدت له يرتدي ملابسه الرسمية، وكان يحيط به الوزراء ~~والكبراء بملابسهم وأوسمتهم الرسمية ... # وكان الجنرال ولسلي والدوق كنوت على ظهر جواديهما إلى جانب مقصورة الخديو، وسارت فرق ~~الجيش الإنجليزي أمامه حتى انتهى عرضها في ساعة ونصف ثم أبدى الخديو سروره وإعجابه وأثنى ~~على الجيش ورؤسائه. # وقد جاء في عدد الوقائع الصادر في أول أكتوبر سنة 1882 أنه قد «انشرحت صدور الحاضرين ~~وأعجب الجناب الخديو المعظم بما رآه من مهارة رؤسائهم وضباطهم وحسن انتظام العساكر وكمال ~~نظامهم وشكر الكل لهم ما قاموا به من إخماد فتنة العصاة وإطفاء ثورتهم». # ومما يدعو إلى أعظم الأسف ما نشر عن احتلال العاصمة في هذه الجريدة في 31 سبتمبر أي في ~~اليوم التالي للعرض وقد جاء فيه: «حضرت العساكر الإنجليزية إلى العباسية في غروب يوم الخميس ~~غرة ذي القعدة فسلمت العساكر التي كانت مجتمعة فيها أسلحتها وتوجهوا إلى بلادهم من غير أن ~~يمس أحد منهم بسوء، ثم دخلوا مصر ليلة الجمعة واحتلوا الأماكن العسكرية كالقلعة وقصر النيل ~~وقشلاق عابدين فسلمت العساكر التي فيها أيضا أسلحتها وتوجهوا إلى بلادهم آمنين، وبعد هذا ~~قبض على الشقي أحمد عرابي، ومشت العساكر الإنجليزية في شوارع المحروسة بالهدوء والسكينة ولم ~~يظهر واحد منهم أدنى شيء ms403 ينفر منه طبع أحد المصريين خلافا لما كان يزعمه ويشيعه أحمد عرابي ~~العاصي وأتباعه الأشقياء، ولهذا لم نر شيئا تعطل من المصالح ولا من الأعمال لا في المحروسة ~~ولا في ضواحيها». # وفي ليلة 3 أكتوبر أقام الخديو مأدبة كبرى وحفلة سمر باهرة ساهرة في سراي الجزيرة؛ ~~تكريما للقواد والضباط الإنجليز، وكان في مقدمة من شهدها سيمور وولسلي ودوق كنوت ومالت ~~ولو، وفي هذه الحفلة الكبرى أنعم الخديو على 60 من هؤلاء الإنجليز بالأوسمة ~~المختلفة. # يقول عرابي في مذكراته: «وكانت تلك النياشين التي حضرت من الآستانة بطلب درويش باشا ~~المندوب السلطاني لأجل إعطائها للضباط المصريين». # | ثواب وعقاب # بالقضاء على الثورة الوطنية وبدخول توفيق العاصمة في حماية جيش الاحتلال بدأ في تاريخ مصر ~~عهد من أسوأ العهود التي يمنى بها تاريخ أمة من الأمم، فهو العهد الذي ينطوي فيه الأباة على ~~ما في أنفسهم؛ خوف النكال والهلاك، والذي يمالئ المستضعفون فيه الأقوياء إما جلبا لمنفعة ~~أو دفعا لضرر، والذي ينتقم فيه من خصومه من واتته الفرصة للانتقام، والذي يرتزق فيه حثالة ~~الناس بوشاية بعضهم ببعض، والذي يتسلط فيه المستبدون فيأخذون بالظنة؛ رغبة في إظهار جاههم ~~وسلطانهم فحسب، والذي يضيع فيه الحق في ضجيج الباطل فلا سميع ولا شفيع ... # هذا هو العهد الذي اختفت فيه روح الوطنية وتوارت شعلة الحرية، والذي وئد فيه الدستور وهو ~~في مهده، وقتلت القومية المصرية وهي لا تزال تحبو، والذي نفي فيه عن مصر أباة الرجال، ~~وتسلط فيها الاحتلال ... # وهذا هو العهد الذي بدأ فيه الإنجليز يبثون في النفوس هيبة الاحتلال وهيبة جيش الاحتلال، ~~وأخذوا يعلمون الوزراء وكبار الموظفين من المصريين وعلى رأسهم الخديو - إن كانوا في حاجة ~~إلى تعليم - أن السلطة للإنجليز، والطاعة للإنجليز، وأن نصائح المعتمد البريطاني في مصر ~~واجبة الاتباع. # وقد افتتح هذا العهد بما يشاكله من الثواب والعقاب، أما الثواب فللذين عدهم الخديو من ~~الموالين له والذين سماهم المصريون الخائنين، وأما العقاب فللذين كانوا في رأي الخديو عصاة ~~ثائرين وإن عرفهم بنو مصر مجاهدين ms404 في الله والوطن صادقين ... # وكان أول من حظى بالثواب محمد سلطان باشا الرئيس الأول للحزب الوطني والذي سماه الناس من ~~قبل كما ذكرنا أبا المصريين وقد أنعم عليه توفيق بالوسام المجيدي من الدرجة الأولى؛ جزاء له ~~على بث روح الخيانة في الجيش المصري، ثم منحه فوق ذلك عشرة آلاف من الجنيهات ذهبا لا زيف ~~فيه؛ وذلك كما قال الخديو: «لما أظهره من الصداقة لحكومتنا الخديوية ومعارضته للعصاة في ~~جميع أمورهم وعزائمهم بالمخاطرة على حياته وما حدث له بسبب ذلك من الضرر والتعدي منهم على ~~شخصه وأقاربه وإتلاف موجوداته ومقدار جسيم من مزروعاته» ... # أما الإنجليز؛ فقد جعلوه السير محمد سلطان فأنعمت عليه ملكة إنجلترا بوسام سان ميشيل وسان ~~جورج مكافأة له على ما بذل في سبيل نجاح معركة التل الكبير ... # وظهر الثواب بعد ذلك في المناصب بصورة واسعة ومن أمثلة ذلك إعادة إبراهيم أدهم باشا ~~مديرا للغربية وإعادة الشيخ محمد العباسي المهدي شيخا للجامع الأزهر بعد إقالة الشيخ ~~الإمبابي وذلك علاوة على منصب الإفتاء الذي كان يشغله وقد تجلت هذه الروح في تأليف وزارة ~~شريف فرأينا فيها عمر لطفي ورياض ومبارك ومدحت. # وأما العقاب؛ فقد بدأه الخديو بإلغاء الجيش المصري ~~جملة بحجة أنه انضم إلى العصاة، وكان هذا توطئة لمحاكمة قواده وضباطه إلا من انحاز أثناء ~~الحرب إلى الخديو ... # وكان سلطان باشا يأمر بالقبض على من يشاء وإلقائه في السجن، ولذلك تم الكثير من ~~الاعتقالات بأمره، قال عرابي في مذكراته: «إنه أمر بسجن جميع الضباط وجميع رجال الملكية ~~والعلماء وخطباء المساجد والتجار والأعيان إلا من كان من الجواسيس والمنافقين حسب ما هو ~~مندرج بسجلات الخديو، فسجنوا جميعا إلا علي بك يوسف وأحمد بك عبد الغفار وعبد الرحمن بك ~~حسن مكافأة لهم على خيانتهم وغدرهم في التل الكبير، وكذلك صار سجن جميع الذين بالمديريات ~~والمحافظات من المستخدمين والموظفين والعمد والأعيان والقضاة والمفتين وغيرهم من عامة الناس ~~حتى غصت بهم السجون بما يربو على ثلاثين ألفا من المصريين». # 1 # وللمرء أن يتصور مبلغ ms405 ما كان يرتكب من المظالم في حال كهذه يقع فيها القبض على الناس بغير ~~حساب ولا رقابة من قانون أو عرف، وما أشبه هذا الموقف بعهد الإرهاب الأكبر في فرنسا أيام ~~ثورتها، يقول عرابي: «وانتهز حكام المديريات من رجال الاستبداد فرصة القبض على وجوه البلاد ~~وأعيانها وانتزفوا مادة ثروتهم حتى أثروا وامتلكوا الأراضي الواسعة ومن ضن عليهم بماله ~~كان جزاؤه الإعدام بدعوى أنه من العصاة وأنهم مصرون على الانتقام» ... # وقد اعتقل كبار رجال الجيش من الثوار وجميع زعماء الثورة من المدنيين إلا عبد الله نديم؛ ~~فقد اختفى ولم يعرف له مقر، وعدد كبير من العلماء في مقدمتهم الشيخ محمد عبده والشيخ حسن ~~العدوي والشيخ محمد الخلفاوي والشيخ محمد عليش، وعدد من كبار الموظفين كان بينهم أحمد رفعت ~~بك مدير المطبوعات وأحمد بك ناشد مدير الشرقية ويعقوب بك صبري مدير الفيوم وعدد من النواب ~~وعدد من الأعيان والتجار ... # كما قبض على حسن باشا الشريعي وزير الأوقاف في وزارتي البارودي وراغب، وعبد الله باشا ~~فكري وزير المعارف في وزارة البارودي؛ وذلك لاستنكارهما انضمام توفيق إلى الإنجليز وعزله ~~عرابي وهو بكفر الدوار ... # هذا عدا من أشرنا إلى القبض عليهم من الكافة في القاهرة والإسكندرية وطنطا وغيرها من جهات ~~الأقاليم، مما فزعت منه البلاد زمنا كان في مصر حقا عهد الإرهاب. # وكان السيد حسن موسى العقاد والقائمقام سليمان سامي داود قد فرا على ظهر إحدى السفن إلى ~~كريت، فعلمت الحكومة بمقرهما فأرسلت إلى الحكومة التركية تطلب تسليمهما فأرسلا إلى ~~الإسكندرية مقبوضا عليهما في 9 نوفمبر سنة 1882. # وأصدر الخديو أمره بتأليف لجنة للتحقيق بالقاهرة وذلك في 28 سبتمبر سنة 1882، وكانت تسمى ~~القومسيون أو اللجنة المخصوصة، وقد تكونت من 10 أعضاء برئاسة إسماعيل أيوب باشا، وكلفت ~~باستجواب كل من اتهم بجريمة العصيان أو التعدي على سلطة الخديو أو إتيان أي عمل فيه ~~إهانة للجناب العالي، سواء كان المتهم فاعلا أصليا أو شريكا لغيره، وكان من سلطة هذه ~~اللجنة القبض على أي شخص بمجرد أن تبلغ ذلك ms406 إلى وزير الداخلية، ولها أن تقدم من ترى أنه ~~مدين إلى المحكمة العسكرية التي تؤلف للحكم في هذه التهم وإيفاد مندوب من قبلها لإقامة ~~الدعوى أمام هذه المحكمة. # وتألفت من هذه اللجنة لجنة فرعية لتحقيق التهم المنسوبة لأهل الأقاليم والمدن ... # وصدر أمر من الخديو في نفس الوقت بتأليف محكمة عسكرية لمحاكمة من ترى اللجنة تقديمهم ~~إليها، وجعل رئيسها محمد رؤوف باشا وهو من الموالين للخديو وكان أعضاء المحكمة - إلا واحدا ~~- من أصل تركي أو شركسي وكانوا جميعا من الناقمين على عرابي وحركته القومية وممن يدركون حق ~~الإدراك ماذا يريد الخديو؛ لأنه اختارهم على هذا الأساس. ~~••• # وألفت محكمة عسكرية بالإسكندرية تعاونها لجنتان لتحقيق حوادث الإسكندرية وطنطا على نحو ~~ما يحدث في القاهرة واختير أعضاء اللجان جميعا بالضرورة لا من المحايدين الذين يريدون وجه ~~الحق ولكن من أنصار الخديو المملوءة قلوبهم غيظا وحقدا على عرابي وعلى الثورة ... # وكان رياض باشا من أشد الناقمين على عرابي وزعماء الثورة، يتطلع في صبر فارغ إلى اليوم ~~الذي يرى فيه وهو وزير الداخلية جسد عرابي متدليا في حبل المشنقة أو ممزقا برصاص الجند ... # وكان شريف باشا كذلك ساخطا على هؤلاء جميعا منذ أن ~~أخرجوه من الوزارة بسبب أزمة الميزانية ولئن ظل حريصا على الدستور كمبدأ للحكم إلا أنه قد ~~أمتلأ قسوة وغيظا على الثوار ، وقد كان بطبعه يكره التطرف ولذلك نظر بمنظاره إلى عرابي ~~وأنصاره فكانوا عنده من أشد المتطرفين وإن لم ينكر بينه وبين نفسه أنهم طلاب دستور وحرية ~~وأنهم من حيث المبدأ كانوا في الواقع يتجهون اتجاهه القائم على محاربة الاستبداد والنفور ~~منه ... # | البطل السجين # ظل عرابي معتقلا في قشلاق عابدين حتى 5 أكتوبر، ثم أسلم إلى الحكومة المصرية، فألقت به ~~مع زعماء الثورة وعدد كبير من المعتقلين في بناء الدائرة السنية الذي أحالته إلى معتقل عام، ~~وجعلت فيه حجرة للجنة التحقيق. # وبانتقال عرابي إلى سجنه هذا بدأ عهد إهانته على صورة لولا أننا نريد أن نوفي هذا التاريخ ~~حقه ما ذكرناها؛ لفرط ما ms407 نحس من مجرد ذكرها من خزي وألم ... # قال عرابي في مذكراته المخطوطة: «وصار نقلنا من قشلاق عابدين إلى سجن الدائرة السنية ~~المذكورة لأجل المحاكمة ومعي طلبة باشا عصمت، وسجن كل منا في غرفة منفردة أسوة بمن فيها من ~~المسجونين، ثم أغلقوا المنافذ ومنعوا عنا السراج ليلا بعد أن فتشونا وأخذوا ما معنا ~~وأهانوا البعض منا خصوصا عبد العال حلمي». # وقال فيما كتبه وهو في سجنه لمحاميه المستر برودلي: «بعد ذلك أسلمنا إلى السلطات المصرية ~~ووضعنا في السجن المصري يوم 5 أكتوبر، وكان ذلك من أيامي الحزينة التي لا تنسى؛ فقد فصل ~~بيني وبين صديقي طلبة باشا، وألقي بي في حجرة ليس فيها شيء - حتى الكرسي - وأغلقوها علي، ~~وجاء خادمي إلي ولكن الحراس لم يسمحوا بإدخال شيء إلي سوى بساط وملحفة ... # وعقب ذلك أقبل فريق ممن أرسلوا لإهانة السجناء وتهديدهم كما تبين من أمرهم، وفتشوني ~~وأخذوا كل ما لدي من الأوراق الخاصة التي طلبتها لجنة التحقيق، وبعد هذا جاء فريق ثان ~~ومعظمهم من موظفي الخديو وكان بينهم عثمان بك القائم على شؤون خيله، وحسين أفندي فوزي وله ~~صلة بشؤون الخديو المنزلية الخاصة ومعهما أغا تركي هو الذي يركب أمام سموه حيث إنه أحد رجال ~~حرسه الخاص، وقد أعاد هؤلاء تفتيشي حتى إنهم نزعوا قميصي، ولكنهم لم يجدوا شيئا إلا تميمة ~~كنت ألبسها فانتزعها أحدهم بقوة، ولما قلت: إني أخلعها بنفسي صاح أحدهم قائلا: كلا لقد ~~أمرت أن أفعل ذلك وأن أخلع حتى حذاءك لتفتيشه ... # وبعد ساعة جاء ليزورني بشارة تكلا محرر جريدة الأهرام، وظننت أنه قدم ليعزيني وليبدي ~~عواطفه نحوي، وقد كان ممن يدينون بمبدئنا قبل الحرب وقد أقسم بدينه وشرفه أنه واحد منا وأنه ~~يعمل لحرية وطننا، وقد عددناه في الحق من الوطنيين، ولكنه لما دخل علي توقح أشد التوقح، ثم ~~قال: أي عرابي ماذا صنعت وماذا حل بك؟ ورأيت أن الرجل خائن ولا شرف له، ولما لم أجبه أدار ~~ظهره وانصرف. # وما هي إلا دقيقة ثم جاء فريق ثالث ms408 معظمهم من خدم الخديو وأتباعه وفيهم أتراك وجند من ~~حرسه، وفتشوا بساطي وملحفتي وقلبوهما ظهرا لوجه ثم انصرفوا، وأقاموا طول الليل على باب ~~غرفتي حراسا علي وعلى السجناء». # 1 # هذا ما عومل به عرابي أول يوم أدخل فيه السجن، ولكن خصومه لم يروا في ذلك ما يشفي ما في ~~نفوسهم من غل، فأوفدوا إليه بعد 4 أيام من ألحق به - وهو السجين الذي لا يملك الدفاع عن ~~نفسه - إهانة يؤسفنا ويخجلنا أن نذكرها ولندع عرابي يصف ما حدث: # قال: «في 9 أكتوبر سمعت الباب يفتح حوالي الساعة التاسعة والنصف وقد خلعت ملابسي واضطجعت ~~لأنام ودخل علي جماعة تتألف من 10 و12 شخصا، ولما كان الظلام حالكا لم أستطع أن أتبين ~~منهم أحدا، وصاح أحدهم فجأة: آه ... عرابي، ألا تعرفني؟ وحسبت أنه قادم ليقتلني فنهضت ~~قائلا: كلا لست أعرفك ... فصاح بي: أنا إبراهيم أغا، ثم أخذ يقسم الأيمان متوعدا وقال لي: ~~أيها الكلب ... أيها الخنزير، وبصق علي 3 مرات، فوقفت ساكنا في هدوء، ثم تبينت شيئا فشيئا ~~أنه إبراهيم أغا حقا توتونجي الخديو». # 2 # وقد أعاد عرابي ذكر هذا الكلام لمحاميه يصف به الحادث الشنيع وذلك فيما كتب له من تقرير ~~عام وكان قد صرح به حين زاره لأول مرة، وسلمه ورقة جاء فيها ما يأتي: «لقد سلمت سيفي وشخصي ~~إلى الجنرال لو، ممثل القائد العام للجنود البريطانية ، وكان ذلك مني ركونا إلى شرف إنجلترا ~~... وفي 5 أكتوبر ألقي بي في سجن مصري حيث ألحقت بي إهانة على صورة تظل صارخة في وجه الشرف ~~البريطاني ووجه كل إنجليزي» ثم أورد عرابي الحادث بما لم يخرج عما سلف واختتم ورقته بقوله: ~~«إن مسلكا كهذا لا يمكن أن يرضي شرف إنجلترا وسمعتها، وخاصة نحوي أنا الذي أسلمت نفسي ~~مصدقا بشرف الشعب الإنجليزي». # ولم يكن عرابي وحده مصدر هذه الرواية حتى يمكن أن يقال: إنه اختلقها أو أسرف فيها؛ فقد ~~عرفها بلنت بين ما عرف من صديق له لا يمكن أن يتطرق الشك إلى ms409 معلوماته ألا وهو المستر بيمان ~~ترجمان مالت، والذي اختاره ليحضر التحقيق نائبا عنه وكان بيمان يجيد اللغة العربية وكان ~~قائما بأعمال مالت القنصل العام في الأسابيع التي سبقت ضرب الإسكندرية. وقد أرسل هذه ~~المعلومات في 6 نوفمبر، ويقول بلنت: إن المعلومات التي أخذها عن بيمان على أعظم جانب من ~~الأهمية التاريخية، قال بيمان عن حادث إبراهيم أغا: أحسب أن حادث إبراهيم أغا وحده كاف ~~ليظهر الخديو على حقيقته، ولقد سمعت القصة كلها من القصر مباشرة، وكيف أن توتوتجي حامل ~~غليون الخديو قد لثم يد الخديو ورجا منه أن يسمح له بأن يبصق في وجوه السجناء، وكان ذلك هو ~~ما استقصى عنه السير شارلز ولسن # 3 # ووجده صحيحا، وعلى الرغم من تبينه صحة الحادث فقد أغفله؛ وذلك لأنه كان للخديو ~~قطعة قذرة جدا من القماش يجب أن تغسل في هذا الموضوع، # 4 # ولقد اقترحت إذ رأيت الشهود جميعا يحنثون في أيمانهم أن يحلفوا يمين الطلاق ~~الثلاث، وكان السير شارلز ولسن يميل إلى ذلك، ولكن مقترحي ما لبث أن أسكت، وأن أسرة سموه ~~لا تستطيع الآن أن تنكر فيما بينها وقوع هذا الحادث، وبعد؛ فهذا هو الرجل الذي من أجله جئنا ~~إلى مصر». # 5 # ويقول بلنت: «إن حادث إرسال توفيق أعوانه لإهانة زعماء الحركة القومية في السجن قد ذكره ~~الشيخ محمد عبده الذي كان من أوائل المقبوض عليهم، والذي كان من ضحايا الحادث، وقد ذكر ما ~~لقي في السجن في تصريح قدمه إلى السير شارلز ولسن في 29 أكتوبر، ولكنه لم يرد في الكتاب ~~الأزرق». # 6 # وقد ذكر مستر برودلي في كتابه: «كيف دافعنا عن عرابي؟» أنه زار كلا من علي فهمي وعبد ~~العال حلمي، والشيخ محمد عبده في حجراتهم، وأن عبد العال ذكر له «أن إبراهيم أغا توتونجي ~~الخديو دخل حجرتي ومعه 3 أشخاص وقال لي: يا عبد العال أتعرف من أنا؟ فقلت: كلا لست أعرفك. ~~فقال: أنا إبراهيم أغا توتونجي الخديو، ثم دنا مني وبصق على وجهي وضربني بقلم كان ms410 في يده ~~على وجهى مرتين وقال: انتظروا لقد وقعتم يا أولاد الكلب سأريكم». # وقال الشيخ محمد عبده: «إني أعلن مع عظيم احترامي لسمو الخديو - حفظه الله - أن إبراهيم ~~أغا توتونجي حضر إلي في الخامس من هذا الشهر وأهانني، وكان معه بعض أتباع الخديو، وقد ~~فتشوني وأخذوا مني 3 مجلدات، 2 منها هما كتاب العقد الفريد، والثالث عن الفرنسية ... ولما ~~سألتهم: لماذا يأخذون الكتب؟ ألكي يعيدوها إلى بيتي؟ قال لي: ألك بيت؟ فرأيت أن ~~أسكت». # وأحسب أن هذه الفضيحة لا تحتاج إلى تعقيب سوى الإشارة إلى ما نحسه من الحسرة والخجل من أن ~~ينزل الناس في الخصومة إلى مثل هذا الحد، وأن يعامل رجال كهؤلاء - هم بنفوسهم وجهادهم سادة ~~أعزة وفي مقدمتهم زعيم ثورة وقائد جيش ووزير دولة - معاملة لا تليق بأصغر الناس وأحقرهم ~~شأنا. # وكان عرابي يقضي أيامه في سجنه على هذه الحال من سوء المعاملة وليس في حجرته كرسي واحد ~~كما ذكر هو وكما شهد محاميه ولم يجد فيها محاميه مستر برودلي وزميله مستر نابيير عندما سمح ~~لهما بزيارته إلا البساط والملحفة وحشية ووسادتين ومصحفا وبعض الآنية من الخزف ~~والنحاس. # وكان عرابي يلبس سروالا حربيا وقميصا أبيض، وسترة - كان يستبدل بها أحيانا - ~~إستامبولية سوداء أو معطفا تركيا، وكانت في يده مسبحة صغيرة لا تفارقها إلا نادرا كما ~~ذكر مستر برودلي. # ويقول محاميه: إنه بناء على طلب السير شارلز ولسن قد أحضر له ولزميليه منضدة وبعض ~~الكراسي . # وكان لا يزيد اتساع الحجرة عن 14 قدما في مثلها وكانت مرتفعة السقف، وكان ينفذ إليها بعض ~~النور من نافذتين صغيرتين تطلان على الشارع، أما بالليل فكانت حالكة الظلمة؛ حيث لم يسمح ~~بمصابيح أو شموع لأحد من السجناء ... # ولهذه الظلمة قصة؛ فقد طلب عرابي على لسان محاميه أن يسمح له بالنور ليلا فرفضت إدارة ~~السجن؛ لأنها علمت أن الخادم أراد أن يدخل له النفط ليحرق السجن، ومن أجل ذلك منع الخدم من ~~أن يدخلوا الطعام إلى السجناء، وقد غضب عرابي لهذه التهمة التي ms411 أشارت إليها جريدة التيمس ~~غضبا شديدا، وكتب إلى مراسلها بالقاهرة تكذيبا لها قائلا: إنه لم يسمح له برؤية خادمه ~~منذ يوم 5 أكتوبر، وإنه ليس هناك ما يدعوه إلى أن يحرق نفسه ويموت ضد القانون؛ فهو لم ييأس ~~يوما من براءته مما نسب إليه». # وكان مما يؤلم نفس عرابي في سجنه أسلوب سجانه في تقديم الطعام له، وحق له أن يتألم وأن ~~يأسى، قال يصف هذه المعاملة: «منذ أن ألقي بي إلى السلطات المصرية يأخذ أحد الحراس - وهو ~~تركي - الطعام من خادمي متى حضر، ويفتح الباب دقيقة ويلقي بالطعام أمامي ثم يغلق الباب في ~~غلظة كما لو كنت وحشا في قفص». # وقد شكا عبد العال إلى برودلي مخاوفه وقص عليه قصة محاولة قتله بالسم منذ بضعة أشهر مما ~~دعا برودلي إلى تصديقها ولذلك طلب من السير شارلز ألا يكون مقدمو الطعام للسجناء أتراكا أو ~~شراكسة. ~~••• # ولندع عرابي في سجنه لننظر كيف أتيح له أن يدافع عنه برودلي وزميله، فإن لهذا قصة، هي قصة ~~الوفاء والنجدة والمروءة ... # لم يكن يجرؤ أحد من المصريين بالضرورة في مثل تلك ~~الأيام أن يفكر في الدفاع عن عرابي وإلا عد من العصاة والجناة وقبض عليه وأودع السجن، وربما ~~كان مصيره الموت، وحسب كل امرئ أن ينجو بنفسه من هذا الإرهاب الذي يكاد يحصي على الناس ~~أنفاسهم ... # وكان توفيق يريد رأس عرابي بأية صورة، وقد عقد العزم على ذلك وإنه ليتطلع منذ أشهر إلى ~~هذا اليوم الذي يظفر فيه برأس خصمه وكان رياض يذهب مذهب توفيق ولا يقل عنه حنقا وتطلعا ... # وكان الإنجليز يريدون التخلص من عرابي بالموت، ويقرر مستر بلنت أنهم كانوا لا يترددون في ~~رميه بالرصاص في موضعه لو أنهم أسروه في التل الكبير، ويقول: إن هذا ما عقد ولسلي عليه ~~العزم ولم يرده عن رأيه إلا السير جون أداي وهو قائد أكبر سنا وأكثر تجربة من ولسلي وقد ~~بين له ما يكون في مثل هذا العمل من عار؛ إذ كيف لا يظفر قائد ms412 جيش نظامي استدعى مجيء 20 ~~ألفا من الإنجليز لمحاربته، بما يظفر به كل قائد في مثل ظروفه حسب قوانين العالم من معاملة ~~شريفة عادلة؟ # 7 # وسنرى فيما وقف عليه بلنت من معلومات أثناء سعيه للوصول إلى تحقيق عادل والسماح لمحام ~~إنجليزي بالدفاع عن عرابي، أن الحكومة الإنجليزية نفسها كانت ترمي إلى التخلص من عرابي ~~بالموت على أن يأتي ذلك على يد توفيق، وما أسلم عرابي إلى السلطات المصرية إلا لهذا الغرض، ~~ولنأت بهذه القصة، قصة محاولات بلنت على سردها ... # يقول بلنت: إن أخشى ما كان يخشاه بعد هزيمة عرابي أن يعمد جلادستون إلى تغطية مذبحة التل ~~الكبير وذلك بأن يجعل عرابي كبش الفداء عن هذه الخطيئة فيقتله ويجد ما يعتذر به عن ذلك فيما ~~يزعمه من أنه قصاص عادل من ثائر عاص لا يمكن أن يعامل معاملة زعيم وطني أو قائد جيوش نظامية ~~... # وبعد أن أورد بلنت ما علمه من اعتزام ولسلي - الذي أشرنا إليه - وعن موقف السير جسون أداي ~~قال: «وكان جلادستون مصمما على هذا الاتجاه تصميم جرانفل أو أي شخص آخر من لوردات الهويج ~~في مجلس الوزراء» ثم ذكر بلنت أن برايت - الوزير الذي استقال محتجا على ضرب الإسكندرية - ~~قد أسمع جلادستون احتجاجه على هذه النية التي تنويها الحكومة، وأن الضغط الشديد من جانب ~~الرأي العام البريطاني هو الذي صرف الحكومة الإنجليزية عن أن تجعل عرابي يؤدي بحياته الفداء ~~عن جريمتها السياسية ... # واستعان بلنت بصديق له من رجال الصحافة هو مستر بتن مراسل جريدة التيمس، وبحسن مسعى هذا ~~الصديق نشرت التيمس أنه لن يعدم عرابي أو أحد من رفاقه إلا بعد موافقة الحكومة الإنجليزية ~~وأنه سوف يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم على يد محام كفء. # وتوصل بلنت بهذا إلى أن يضع الحكومة الإنجليزية، كما قال، في نظر الرأي العام في وضع كريم ~~بحيث يصعب عليها أن تتراجع عن عمل إنساني نسب إليها ... # ثم زار بلنت مستر برودلي في منزله في 19 سبتمبر، أي بعد التل الكبير بسبعة أيام ms413 وكان لا ~~يزال عرابي في معتقله بعابدين، واتفق معه على أن يكون هو محامي القضية وجعل له أجرا على ~~ذلك 800 جنيه غير ما يلزم من مصروفات ... # وكتب بلنت في اليوم عملا بمشورة برودلي كتابا مطولا إلى جلادستون وكان مما ذكره فيه ~~أنه يخشى من عدة أمور في التحقيق مع عرابي، فأعضاء المحكمة العسكرية لا بد أن ينحازوا إلى ~~الخديو، وإذا فرض أنهم لن يفعلوا ذلك فإن الشهود من الوطنيين سيؤدون أقوالهم تحت تأثير ~~الخوف، وسيعمد الكثيرون إلى التزوير، أما الشهود من الأوربيين فسيتكلمون عن ضغن وحفيظة، ~~وسيكون المندوب الإنجليزي نفسه في لجنة التحقيق تحت تأثير الاتجاه السياسي الذي يتسلط الآن ~~على الموقف في القاهرة، وإذا أضيف إلى المحكمة العسكرية ضباط من الإنجليز كما نأمل أن يحدث، ~~فإن جهلهم باللغة العربية سيحول بينهم وبين تتبع أقوال الشهود وسيكون اعتمادهم على ~~المترجمين الذين لا يؤمن جانبهم ... وبناء على ذلك فإنه لن تتحقق العدالة ما لم تتبع خطوات ~~خاصة نحو هذا الغرض ... # ثم ذكر بلنت أن العلاج الذي يراه هو أن يسمح بأن يدافع عن المتهمين محام إنجليزي كفء، وأن ~~يصحبه بلنت إلى مصر ليجمع له المعلومات، وأن يرافقهما صابونجي الذي يجيد عدة لغات منها ~~العربية والإنجليزية والذي يعرف الكثير عن أحوال المتهمين وأشخاصهم ... واختتم كتابه بوعد منه ~~ألا يتدخل في السياسة أثناء ذلك، وأفصح عن عظيم رجائه أن ينال مقترحه قبولا لدى جلادستون ~~وأن يأتيه منه رد سريع على كتابه ... # وتلقى بلنت ردا من دوننج ستريت في 22 سبتمبر، مؤداه أن جلادستون قرأ كتابه، وكل ما ~~يستطيع قوله في الوقت الحاضر أنه سوف يعرض هذا الكتاب على اللورد جرانفل؛ ليرى فيه رأيه كي ~~يشاوره فيه، ولكنه لا يمكنه أن يؤكد أنه سوف ينتهى به الأمر إلى القبول ... # وكتب بلنت إلى عرابي كتابا في 22 سبتمبر يقول له فيه: إنه خليق أن يدرك وهو الجندي ~~الوطني لماذا لم يكتب له أثناء الحرب، ثم ذكر له أنه وقد انقضت الحرب سوف يرى أن ms414 صداقته له ~~أعظم من أن تكون كلاما فحسب، ويخبره بما اتخذ من خطوات في سبيل الدفاع عنه، ويطلب إليه أن ~~يرسل تفويضا بذلك إلى محاميه - الذي اكتتب عدد من العلية الأحرار في دفع أجره - ويؤكد له ~~أنه سوف يعنى بأسرته أثناء اعتقاله، ويدعو له الله أن يهبه الشجاعة ويكون في عونه ... # وأرسل بلنت كتابه هذا إلى صديقه عن طريق السير إدوارد مالت، ولكن ما كان أشد أسفه وألمه؛ ~~إذ رد مالت إليه ذلك الكتاب مشفوعا بكلمة قصيرة جافة مؤداها أنه يفعل ذلك بأمر الحكومة ~~الإنجليزية، ويقول بلنت: إنه ليس أدل على ما كانت تنوي الحكومة أن تفعل بعرابي وأصحابه من ~~هذا الذي صنعه مالت ... # وسافر برودلي إلى تونس وقد طال انتظاره البت في الأمر، ورأى بلنت أن يبقى في إنجلترا حتى ~~يستطيع أن يفعل شيئا؛ لأنه في مصر لن يظفر بشيء مما يريد ما لم يكن لديه ما يشق به طريقه ~~من سلطة يحصل عليها من الحكومة الإنجليزية ... # وزاد لغط الصحف بتوقع الحكم على عرابي بالموت، ولم يرتفع بالاحتجاج على ذلك إلا أصوات ~~خافتة ضئيلة وتلقى بلنت من صديق إنجليزي من ذوي المكانة بالقاهرة كتابا يقول فيه: «إني أشك ~~أكبر الشك في أنه سوف يسمح بشيء من قبيل التحقيق العادل فإنهم يعلمون حق العلم أنهم إن ~~فعلوا ذلك أدى إلى إدانتهم هم، وأن رجال السياسة أشد مكرا من أن يدفعهم أحد إلى شيء من هذا ~~القبيل، وعلى أية حال فإنك على حق في محاولتك الوصول إلى تحقيق عادل». # ولم يجد بلنت مناصا من أن يكتب ثانية في 27 سبتمبر إلى جلادستون يسأله عن مصير كتابه ~~الأول وعن رأيه ورأي جرانفل في الأمر بعد تشاورهما، ويشكو إليه مما فعل مالت من رد كتابه ~~إلى عرابي إليه ويخبره أنه اتفق فعلا مع أحد المحامين النابهين لهذا الغرض، وأنه قرأ في ~~جريدة التيمس برقية من القاهرة مؤداها أن المحكمة العسكرية سوف تعقد غدا وأن الخديو وشريف ~~ورياض يصرون بشدة على أن الضرورة القصوى ms415 تقضي بالحكم بالموت على زعماء المجرمين، ويقول شريف ~~باشا وهو من اشتهر بسماحة خلقه: إنه يرى ذلك لا لأنه يحمل أي ضغن لهم ولكن لأنه أمر حتمي كي ~~يضمن الأمن لكل من يريد أن يعيش في هذه البلاد، واختتم بلنت كتابه الثاني بقوله: إن إلحاح ~~الضرورة هو ما يجعله يرجو ردا عاجلا ... # ولكن هذا الكتاب الثاني لم يصل جلادستون في موعده؛ وذلك لسفره إلى خارج لندن، وقد أحاله ~~الموظف القائم على شؤون رسائله إلى وزارة الخارجية، وكتب إلى بلنت يبلغه أنه سوف يتلقى ~~ردا رسميا من جرانفل عما قريب وفهم بلنت من ذلك أن جلادستون خرج عن لا ونعم، بإحالة ~~الأمر إلى جرانفل، ولم يتلق من جرانفل شيئا؛ إذ كان هذا كذلك خارج لندن، ولكن ما لبث أن ~~أبلغه أحد الموظفين أن اللورد جرانفل اطلع على كتابيه وأنه يأسف ألا يستطيع الدخول معه في ~~مراسلات بشأن هذا الموضوع ... # وهكذا ذهبت محاولات بلنت عبثا، ولكن اليأس لم ينل منه؛ فقد ظل ما نشرته جريدة التيمس ~~يلزم الحكومة أدبيا، ولذلك عاد بلنت يستعين بصديقه بتن ووعد بتن وقد كانت له مكانة ممتازة ~~لدى شنري رئيس تحرير جريدة التيمس، بأن ينشر ثانية ما يفيد قضية بلنت وأن يلح حتى يحمل ~~اللورد جرانفل على الاتجاه صوب تحقيق عادل مع عرابي وأصحابه. # وعول بلنت على أن يبرق إلى برودلي في تونس ليكون على أهبة للسفر إلى القاهرة، وطفق يبحث ~~عن محام آخر يسبق بلنت إلى مصر ليعمل باسمه حتى يحضر فوقع على رجل هو خير من ينهض بهذا ~~الأمر وذلك هو مارك نابيير؛ فقد كان نايبير لبقا ذا همة وعزم، يفهم ألاعيب السياسة كما كان ~~ضليعا في القانون يجيد اللغة الفرنسية ويحسن المجادلة والمخاصمة ... # وسافر نابيير ليطلب إلى مالت السماح له بالاتصال بعرابي بصفته محاميه، وقد طلب إليه بلنت ~~أن يحتج ما وسعه الاحتجاج إذا رفض مالت طلبه وألا يدع وسيلة لإثبات هذا الرفض إلا سلكها، ~~وكان نابيير خفيفا إلى غايته ليس في يده إلا ms416 حقيبة صغيرة كانت كل متاعه ... # أما بلنت فقد صمم أن يستأنف المعركة في وزارة الخارجية وفي الصحف، وقد نمى إليه أن خطة ~~الخديو وحكومته هي أن يقدم المتهمون إلى محكمة مصرية تنظر في أمرهم في مدى يومين ثم تقضي ~~بإعدامهم وقد تبين لها أنهم عصاة، وألا يسمح لمحامين من الإنجليز بالدفاع عنهم؛ لأن هذا يعد ~~تدخلا من الأجانب لا يسمح به في الوضع التشريعي للبلاد. # وما زال أحد اللوردات من أصدقاء بلنت وهو اللورد دي لاوور حتى حصل من جرانفل على تصريح ~~يؤكد به أن الخديو سوف يتيح كل فرصة معقولة للدفاع عن المتهمين، وهو تصريح مبهم لا يفيد ~~المرء منه شيئا، ولكن بتن لعب دور الصحفي اللبق فنشر في جريدة التيمس ما يأتي: «كتب اللورد ~~جرانفل بأن يمنح المساجين في مصر وأصدقاؤهم كل ما من شأنه أن ييسر لهم الوصول إلى محامين ~~يدافعون عنهم» وغضب جرانفل مما كتبته جريدة التيمس ولكنه لم يستطع أن يتراجع فيكشف سياسته ~~وسياسة حكومته، فاضطر إلى السكوت الذي هو نوع من الرضاء ... وقد رأى بلنت أنه كسب المعركة على ~~هذه الصورة بوسيلة هينة ... # وأبرق بلنت إلى برودلي ليسافر إلى القاهرة في الحال واتجهت نية الحكومة الإنجليزية إلى ~~إنجاز المحاكمة في سرعة لتتم قبل أن يصل برودلي إلى القاهرة، ولم يكن لديها علم بنابيير ~~واشتراكه في الدفاع ... # وصدرت الأوامر بنقل عرابي من معتقل الجيش البريطاني إلى السلطات المصرية؛ حيث تحول بينه ~~حكومة الخديو وبين أية صلة بالعالم خارج السجن وتكون الحكومة الإنجليزية بعيدة بذلك عن ~~اللوم، ثم أوعز إلى الحكومة المصرية أن تعلن أنه لن يسمح لأحد بالمرافعة إلا باللغة العربية ~~... # واختارت الحكومة الإنجليزية رجلين ليمثلاها في التحقيق هما: السير شارلز ولسن، والمستر ~~بيمان، وكانا كلاهما صديقين لبلنت، ويشهد بلنت أنهما من ذوي الضمائر الحية والقلوب الرقيقة ~~وأن اختيارهما كان من المصادفات الطيبة. # ولم يظفر نابيير من مالت بأكثر من اعترافه بشرعية موقفه كمحام من عرابي وأصحابه، وظل يطلب ~~منه السماح له بمقابلة عرابي في ms417 غير جدوى؛ إذ كان يحيله على رياض باشا، وكان رياض يماطل ~~ويراوغ حتى أدرك نابيير أنه يعبث به، ثم رأى الحكومة المصرية تستعجل التحقيق كي يتم قبل أن ~~يبت في مسألة قبول المحامين الإنجليز ... # وفي 18 أكتوبر تلقى بلنت من اللورد دي لاوور، أنه بناء على معلوماته «ما لم تتخذ خطوات ~~عاجلة حاسمة فإن حياة عرابي في خطر عظيم: وأسرع بلنت إلى بتن فأفضى إليه بهذا النبأ السيئ، ~~ووجد لديه من المعلومات ما يتفق مع هذا النبأ كل الاتفاق، وصمم الرجلان على الاحتكام إلى ~~الرأي العام في صورة قوية أخاذة ... # وكتب بلنت كتابا إلى جلادستون يحمل فيه على جرانفل وسياسته ويذكر جلادستون بعطفه ذات يوم ~~على زعيم الحركة القومية في مصر، ويشير إلى تبعة الحكومة البريطانية فيما ينوي الخديو عمله ~~في المحاكمة. # وطلعت جريدة التيمس صباح الجمعة ومقالها الافتتاحي يدور حول هذه المسألة، وذكرت أن ~~المحاكمة سوف تكون يوم السبت، وأن الحكم سوف يصدر يوم الاثنين، وأن إعدام عرابي سيعقب الحكم ~~مباشرة، فأيقظت الرأي العام ونبهت شعوره في صورة اهتم بها جلادستون وحكومته أشد الاهتمام ... # وذهب الوزير المستقيل الحر مستر برايت وأفضى شخصيا إلى جلادستون برأيه وصارحه بأنه سوف ~~يقرن اسمه بالعار في صفحات التاريخ لانحرافه عن مبادئه الإنسانية بإقراره مثل هذه الجريمة ~~الكبرى. # وكللت مساعي بلنت بالنجاح؛ إذ لم يجد جرانفل بدا من أن يبرق إلى مالت بقرار الحكومة ~~الإنجليزية القاضي بالسماح بدفاع إنجليزي عن المتهمين ... # وقد عقب بلنت على قصة سعيه بقوله: «لقد وجدت الضرورة تقتضي أن أفصل قصة محاكمة عرابي؛ ~~وذلك لأنه بهذه الوسيلة وحدها يمكن أن أقضي على تلك الأسطورة السخيفة الكاذبة التي نجمت في ~~مصر ومؤداها أنه كان هناك من أول الأمر شيء من التفاهم السري بين جلادستون وعرابي على حفظ ~~حياته، وإني لأستطيع أن أؤكد أن جلادستون قد بلغ من بعده عن الرثاء لحال «كبير العصاة» أو ~~التفاهم وإياه على أي صورة ما إنه قد اتحد مع جرانفل في العمل على موته وذلك بأيدي ms418 أعوان ~~الخديو المتأهبين لهذا العمل، بعد محاكمة صورية، من شأنها ألا تثير أسئلة، وبهذا يتحقق لهما ~~أضمن وسيلة وأسرعها للوصول إلى السكون ولتبرير أخطائهما الأدبية الهائلة أثناء الأشهر الستة ~~الأخيرة في مصر، ولم يكن تأثم جلادستون هو الذي منعه عن السير في خطته إلى النهاية، ولكن ~~الذي منعه عن ذلك هو صوت الرأي العام المفاجئ الذي أخافه وأنذره أن في ذلك خطرا على ما ذهب ~~له من الصيت، وهذه هي حقيقة المسألة في بساطتها، مهما بلغ ما يضيفه إليها المدافعون عن ~~جلادستون وعن سمعته الإنسانية، ومهما يكن من خيال كتاب فرنسا السياسيين الذين أرادوا أن ~~يجدوا سببا لتسامح مستر جلادستون حيال عرابي بعد الحرب، فلم يبد للمسألة عندهم وجه مفهوم ~~إلا أن يكون هناك تفاهم سري سابق بين رئيس الوزارة البريطانية وزعيم الثورة المصرية». # 8 ~~••• # بلغ نابيير القاهرة في 7 أكتوبر، أي بعد نقل عرابي إلى سجن الدائرة السنية بيومين، وفي ~~القاهرة أشرك نابيير معه أحد رجال القانون من أصدقائه المشتغلين بالاستشارات القضائية ويدعى ~~المستر ريتشارد إيف، وظل نابيير يسعى سعيه لدى مالت كما ذكرنا عدة أيام دون أن يظفر بشيء ~~سوى أنه كان يحيله على رياض باشا. # وحاول نابيير أن يظفر بشيء من السير شارلز ولسن ولكن هذا كان يحيله كذلك على رياض باشا، ~~وتخلص منه رياض باشا بقوله: إنه سوف يتصل بالسير إدوارد مالت. # وقدم نابيير مذكرة كتبها صديقه إيف، إلى رياض باشا يطلب فيها إيف بصفته مستشار عرابي أن ~~يسمح له بالاتصال به في سجنه ليتفق معه على أوجه الدفاع عنه في التهم المنسوبة إليه، ولكن ~~رياض لم يرد على هذه المذكرة، وذكر لهما السير إدوارد مالت أن رياض لن يقبل إلا محامين ~~وطنيين وأنه سيتصل بوزارة الخارجية يسألها عما إذا كان لديها تعليمات أخرى ... # وكتب نابيير احتجاجا على منعه من الاتصال بعرابي وعلى موقف رياض باشا منه على الرغم من ~~أنه أعلنه مرارا أنه قدم للدفاع عن عرابي، وعلى عدم إبلاغ عرابي حتى ذلك الوقت بمجيء ms419 محام ~~للدفاع عنه ... # وفي 14 أكتوبر جاءهما السير شارلز ولسن بالنبأ السار، ألا وهو السماح لهما بالدفاع عن ~~عرابي وقرب مقابلتهما إياه. # وكتبا من فورهما طلبا قدماه إلى رياض باشا ليدخلا على عرابي، ولكن ولسن ما لبث أن جاءهما ~~مرة ثانية يخبرهما بأن الحكومة المصرية عدلت عن موافقتها. # وفي اليوم التالي علما أن مجلس الوزراء المصري انعقد بضع ساعات وأنه يؤثر الاستقالة على ~~السماح لهما بالدفاع عن عرابي وأصحابه ... # وذهبا إلى مالت واليأس ملء نفسيهما فأخبرهما بأن التحقيق لن يبدأ إلا بعد أن يريا عرابي ~~والمتهمين، وأنه سوف يسمح لهما بالوقت الكافي لإعداد دفاعهما عنه. # وفي 18 أكتوبر بلغ برودلي القاهرة وسمع من نابيير هذه الأنباء وأعجب بنشاطه ونشاط صاحبه ~~وأثنى على حسن مسعاهما ... # وفي 21 أكتوبر أرسل السير شارلز ولسن برقية صغيرة إلى برودلي جاء فيها هذه العبارة: «اسمح ~~لي أن أقدم إليك نجل عرابي باشا». # وشكا محمد بن عرابي باشا إلى مستر برودلي ما تلقاه أسرته وزوجته من سوء المعاملة ~~والإهانة، وخاصة منذ أن نقل عرابي باشا إلى سجنه الحالي بالدائرة السنية، ولكن محمدا ما ~~لبث أن طاب نفسا حين علم أن برودلي وصاحبيه ذاهبون من فورهم إلى لقاء أبيه في سجنه توطئة ~~للدفاع عنه، ولم يستطع الفتى أن يحبس دمعه من الفرح ... # ودخل المحامون على عرابي يصحبهم السير شارلز ولسن، يقول برودلي: «ولما أن ظهر الكيرنل ~~ولسن نهض رجل طويل قوي البنية من فوق سجادة كان يجلس عليها في ركن إلى جوار النافذة وأقبل ~~يحييه ... وقدمنا إلى عرابي وطلب السير ولسن منضدة وبعض الكراسي ... وبعد أن انصرف السير شارلز ~~ولسن قدمت إليه كتابا من المستر بلنت أحضره معه المستر نابيير واستأذننا في قراءته ... # وبينما كان يفعل ذلك أتيحت لي فرصة نادرة لأدرس وجه رجل هو ملء أسماع أوربا كلها، ورأيت ~~أنه في حال سكونه ترتسم على محياه تقطيبة ثابتة ويخالطها عبوس فيلقيان في روع المرء الشعور ~~بما لصاحبهما من جهامة، ولكني لم ألبث أن وجدت أن ذلك ms420 يرد إلى التفكير الطويل العميق أكثر ~~مما يرد إلى الجفاء أو عنف المزاج، ولقد جعل اعتياد عرابي التفكير الدائم عددا كبيرا من ~~الناس أعداء له، وهؤلاء ممن يحكمون على الأمور بمظاهرها ... فإذا تهلل محياه كان التغير الذي ~~يطرأ على وجهه من العجب بحيث يصعب عليك أن تتبين أنه الرجل نفسه، وإن عينيه لتمتلئان ~~بالذكاء، وإن في ابتسامته كثيرا من الجاذبية، ويرى محياه أرق من محيا ابنه، ولكن أنفه ~~الأفطس الذي يبلغ في ذلك حدا كبيرا، وشفتيه البالغتي الغلظ يحولان دون أن أصفه بالملاحة، ~~ويزيد طوله عن ستة أقدام ويتناسب عرضه مع هذا الطول، وقد تغير منظره ماديا أثناء وجوده في ~~السجن؛ وذلك بإطلاق لحيته الشهباء، ويدور حول معصمه وشم أزرق على عادة الفلاحين، ولا يدع من ~~يده مسبحته السوداء الصغيرة إلا نادرا، ويدير حباتها بين أصابعه أثناء الحديث، وقد انقشعت ~~شيئا فشيئا سحب القلق التي أحاطت به وكاد يعود إلى بشاشته قبل أن تنتهي مدة سجنه. # وكان عرابي يبتسم غالبا أثناء قراءته كتاب المستر بلنت، وكان يرفع يده إلى جبينه علامة ~~الشكر، وعرفان الجميل وكانت هذه العادة التي تظهر من عرابي في تناول رسائله تروعني دائما ~~بما تنم عليه بصورة خاصة من كرم السجية، وكانت وداعته على الصورة الخاصة به تؤثر دائما ~~فيمن لهم به صلة. # وبعد أن فرغ عرابي من قراءة الكتاب استأذنني أن يستعمل المداد والأقلام التي أحضرناها ~~معنا ليكتب كلمة شكر للمستر بلنت وزوجته، ولما فرغ من ذلك أشار عليه المستر إيف أن يكتب ~~توكيلا للمستر نابيير ولي لنكون محامييه، وقد أجاب هذا الطلب في الحال وختم على التوكيل ~~بخاتمه ... ثم طلبت من عرابي أن يثق فينا كل الثقة، وأن يتكلم في غير تحفظ عما يدافع به عن ~~نفسه، فكان أول ما ذكره - وذلك كما فعل من قبله كثير من القواد غيره ممن فاتهم النجاح - أنه ~~وضع سيفه وشرفه بين يدي الجنرال لو، وقد فعل ذلك واثقا كل الثقة أن أعداءه في الميدان لا ~~خصومه السياسيين هم ms421 الذين سوف يكونون قضاته، وقال: إنه حفظ النظام، وراعى أصول الحرب عند ~~الأمم المتمدنة وعامل السجناء بالرفق والإنسانية ... وحق له في الواقع أن يطلب أن يعامل ~~معاملة خيرا مما لقي على أيدينا، أوليس في مجيئنا اليوم إليه على الرغم من أعدائه ما يدل ~~على أنه لم يكن يعد مخطئا من الجميع؟ لقد قاد المصريين في جهادهم من أجل الحرية، وقطع ~~شوطا في طريق النجاح قبل أن توقف جنودنا تقدمه، ثم تحطمت مطامحه التي كان يظهرها للملأ ~~بإرادة الأمة كلها وذلك بهزيمته في التل الكبير، ثم سحقها سحقا لا أمل معه ما أعقبها من ~~قسوة الأتراك والشراكسة ... # وقال عرابي: «إنكم إذا بحثتم فسوف تجدون أن مصر كلها كانت إلى جانبي، وسوف يمكنكم إقامة ~~الدليل على ذلك، فكانت تؤيدني عائلة الخديو ورجالها القدامى الباقون من عهد محمد على، كما ~~كان يؤيدني العلماء والجيش والفلاحون، ولكن في حالتنا الراهنة من القبض والسجن والإرهاب من ~~يعترف بي الآن؟ إني لن أعجب إذا أنكرني أولادي أنفسهم تلقاء وجهي إذا مثلوا أمام لجنة ~~التحقيق» ... # وذكر عرابي ما لحقه في سجنه قائلا: «إنه إذا كان يعامل هذه المعاملة فماذا عسى أن يبقى ~~لأتباعه وخاصة الطبقة المتواضعة من أمل؟ ثم ذكر أن أتباعه في طول البلاد وعرضها قد ألقي بهم ~~في السجون، وأن كل من يعرف هذه البلاد يدرك ما يكون لهذا من تأثير في عقول الناس، ولقد ~~استجوبته اللجنة، ولكن لم يكن له حيلة إزاء ما سمته أدلة ذكرتها، وإنه ليخشى مما رأى أن ~~يجبن أقوى أتباعه جنانا من أمثال محمود سامي ويعقوب سوف يكونون قضاته، وقال: «إنه حفظ ~~النظام، وراعى من عجز في وضعهم الحالي ... # وفيما يتصل بسلوكه هو فإنه يحسب أن لديه دفاعا جيدا عنه، وقال: «إني أقسمه قسمين: ما ~~حدث قبل 11 يوليو، وما حدث بعده، ولن أعد عاصيا في هذا ولا ذاك، فلقد وافق الخديو على ~~رأينا في وجوب الرد على نيران الإنجليز، وعبر السلطان مرات عن رضائه عن أعمالي، وبعد ذلك ~~أصبح ms422 الخديو أسيرا عندكم، وبقيت أنا أنفذ أوامر مجلس الوزراء التي أيدتها الأمة كلها ~~وأكسبتها مشروعيتها، والتي ظل السلطان يقرها، وإذا كان الخديو والسلطان رئيسي فإني أكون ~~عدوا لكم ولكني لن أكون عاصيا لهما، وإني آمل أن أستطيع إقامة الحجة على ما أقول، ولست ~~أخشى شيئا طالما أنه لم تكن لي صلة بفتنة الإسكندرية في يونيو ولا بما أعقب ضربها من نهب ~~وتخريب». # ووعد عرابي أنه حالما يستطيع مقابلة ابنه سوف يمدنا بما يفيد قضيته من أوراق، وقال: إنه ~~يتوق إلى أن يضع بين أيدينا تعليمات تتصل بالدفاع عنه، ولا ينقصه إلا أن يسمح له ببعض أدوات ~~الكتابة ... # وأفصح عرابي عن أمله ألا ننسى إخوانه المسجونين، حتى ولو وجدناهم أجبروا على أن يرموه ~~بالتهم أو يشركوه معهم فيما يتهمون به، وكل ما طلبه فيما يتصل بالسجن هو أن يسمح له بالنور ~~ليلا، وأن يسمح لخادمه بإحضار الطعام إليه حتى مكانه، ثم شرح لنا وهو يبتسم ابتسامة ذات ~~معنى ما يتعرض له الطعام من خطر بمروره بين أيدي الحراس الشراكسة، وقص علينا كيف أوشك ~~صديقه عبد العال أن يموت مسموما في مرحلة مبكرة من مراحل الحركة القومية، ولهذا ليس مما ~~يدعو إلى العجب في مثل هذه الظروف أن يطلب إلينا عرابي أن يوضع حراس من الإنجليز داخل السجن ~~كما يوضعون خارجه. # وغادرنا السجن وفي نفوسنا شعور طيب جدا تركه فيها حديث موكلنا ذي الصيت الذائع، وما ~~رأيناه من ثباته وتجمله». # 9 # هذا ما ذكره برودلي عن عرابي في سجنه والحق أنه لمما يدعو إلى الإعجاب بزعيم الحركة ~~القومية، ولكم يروقنا هذا الوفاء الذي يتجلى في توصيته بإخوانه حتى ولو آذوه وذلك مع ما ~~هو فيه من محنة، وهكذا شأن عظماء النفوس وأحرار الشمائل ... # ولقد أثنى بلنت على شجاعته وقوة روحه وحرصه على كرامته قائلا: «إنه كان يمتاز إلى درجة ~~عالية بالشجاعة الأدبية وإن الفرق كان عظيما بينه في تجمله وثباته وبين أكثر الذين سجنوا ~~مثله، ولم تخب قط شجاعته في أن تحمل ms423 على الإعجاب به كل من رآه، وذكر بلنت من أدلة شجاعته ما ~~كتبه بلا تردد في سجنه من تقرير أثبت فيه تاريخ الحركة القومية في صراحة وأسلوب أخاذ ... # ولقد جاء في هذا التقرير ما يدل حقا على إباء نفسه وشجاعة روحه وعلى أنه فطر على الشمم ~~والقوة، ومن أمثلة ذلك قوله: «دخل الخديو الإسكندرية وأسلم نفسه وقد أخليت المدينة من الجيش ~~ومن الناس، ولم يكن تبعا لقوانيننا مما يليق بحاكم أمة ولا مما يسمح به أن يفعل ذلك فينحاز ~~إلى أمة تحاربنا، أمة عقد هو نفسه العزم في مجلس موقر على مقاومتها، وإن قانون الإنسان وإن ~~كلمة الله لينهيان عن هذه الأعمال الهادمة للشرف، ولا يمكن أن يكون مثل هذا الرجل مسلما ~~ولا أن يحكم فريقا من المسلمين». # وقوله عن الحرب: إنه يدهش كيف أن دولة عظيمة الصيت كإنجلترا تقول: إنها صديقة الإنسانية ~~وإنها تحرر العبيد وتحترم القوانين التي تبين الحق من الباطل، كيف أن دولة كهذه تقدم على ~~محاربة أمة كل جريمتها أنها قاومت حاكمها حين رأته لا يحترم قانون شعبه ولا حقوق هذا ~~الشعب. # ومن أدلة شجاعته كذلك في هذا التقرير ذكره ما لحقه من إهانة في سجنه وتعقيبه في ذلك بما ~~أشرنا إليه من قوله: إن هذا يصرخ في وجه الشرف البريطاني وفي وجه كل إنجليزي ... # وهذا التقرير تلخيص أمين حسن السياق للحركة القومية ~~وأطوارها والحرب وأدوارها، وقد كتبه عرابي في سجنه مع ما كان يحيط به من آلام، وبغير أن ~~يرجع إلى كتاب أو مذكرة وفي ذلك برهان قوي على خصوبة ذهنه وحسن إلمامه بما يجري حوله ... # وبعد فهذه قصة الدفاع عن عرابي نبسطها صفحات مشرفة ونقذف بها على باطل الذين يكتبون ~~التاريخ بلا علم والذين يكتبون عن هوى فيقولون: كيف يليق بزعيم وطني أن يدافع عنه محاميان ~~إنجليزيان؟ فهل غاب عن هؤلاء صفة المحكمة العسكرية التي ألفت لمحاكمته، وهل غاب عنهم ما ~~كان يريده توفيق ورياض به في غير وازع من ضمير أو رادع من ms424 قانون؟ أم أنهم يعلمون ذلك ومع ~~علمهم هذا يطلبون من الرجل أن يسلم نفسه إلى من يريد قتله بأي ثمن فلا يدافع عن نفسه دفاعا ~~ينقذ به شرفه حتى ولو لم ينقذ به حياته؟ وإذا قيض الله له هذه الدفاع على يد صديق مد له يد ~~المعونة في محنته، أكانوا يريدون منه أن يرفضه؟ وأين كان يجد عرابي الدفاع الوطني عنه؟ أكان ~~يجرؤ أحد من المصريين حتى على أداء الشهادة الحق عنه وسيف الطغيان مسلط على الأعناق؟ وأين ~~هم المصريون ومنهم 30 ألفا في السجون؟ # الحق أننا في حيرة مما يقول هؤلاء الجاهلون والمغرضون وفي عجب. كيف لم يدعوا ناحية من ~~حياة عرابي إلا شوهوها بالباطل، وحاولوا طمس حقائقها باللغو، ولكن الباطل لا يعيش، واللغو ~~لا يجدي شيئا ولن يموت الحق ولا مناص من أن يظهر وإن طال احتجابه. # ومن أسخف أنواع البهتان وأدلها على جهل هؤلاء الذين كتبوا عن عرابي كتابة هوى وحقد، ~~قولهم: إن الإنجليز كانوا يعطفون عليه، وإن جلادستون كان يهتم بحياته، وإنه كتب في السجن ~~يتملق الحكومة الإنجليزية، وإن ذلك من أشد ما يعاب على زعيم وطني. ولن يعترف هؤلاء له ~~بالزعامة الوطنية إلا حين يبتغون أن ينالوا منه بإفكهم، وما ينالون إلا من أنفسهم ولكن لا ~~يشعرون! ولقد بينا مبلغ ما بين أقوالهم هذه وبين الحق من بعد وفصلنا كيف آن للتاريخ أن ينصف ~~عرابي على الرغم من باطل هؤلاء المبطلين وجهل هؤلاء الجاهلين ... # ويؤلمنا قبل أن ندع الكلام عن البطل السجين أن نشير إلى ما حل ببيته وأهله، وهو من أشد ~~الأدلة على ما بلغ بالطاغين من روح الطغيان وعلى مبلغ ما وصلوا إليه من انحطاط في الخصومة، ~~بل من بعد عن الإنسانية. # كان أول ما شكا منه محمد أحمد عرابي إلى برودلي ما يتعرض له هو وأمه وأسرته من إهانات ~~متصلة على أيدي بعض خدم الخديو وأتباعه، وقد أشار إلى ذلك برودلي - كما أسلفنا - عند كلامه ~~على لقائه نجل عرابي. # وذكر بلنت في ms425 صدد الكلام عن أوراق عرابي أن زوجته وأهله لم يسمحوا لمحاميه ومن معه بالبحث ~~عنها إلا بعد لأي؛ وذلك لأنهم فيما كان يحيط بهم من إرهاب قد سبقت لهم كذلك بعض «الزيارات» ~~من جانب خدم الخديو وأعوانه ... # ويذكر برودلي في كتابه ما يأتي: «عند دخولنا القاهرة كان قد تحطم أثاث عرابي كله أثناء ~~البحث عن أوراق تثبت إدانته وخيانته، وقد تمزقت الفرش والوسائد، وكانت الليدي سترانجفورد قد ~~طلبت أن تأخذ المنزل، وأعطاها الخديو إياه، ولست أدري كيف استولى عليه؟ وكانت حجراته ~~الفسيحة المرتفعة - التي كانت قبل ذلك بثلاثة أشهر تزدحم بالمعجبين - ملائمة كل الملاءمة ~~لما استعملت فيه الآن». # وكانت هذه السيدة قد أحالت بيت عرابي إلى مستشفى، وقد امتلأت حجراته بالجرحى من ضباط ~~الإنجليز وعساكرهم، ومما يذكره برودلي أن بعض خصوم عرابي قد خوفوا هذه السيدة من قطة سوداء ~~كبيرة ذات ذيل أبيض كانت لا تزال تغشى البيت كأنما تبحث عن سكانه السالفين، وكانوا يحدثونها ~~عما بثه عرابي في المنزل من الأرواح الشريرة، ولكن عرابي - وقد علم بذلك من برودلي - أرسل ~~إليها صورته وشكرها على عملها الإنساني قائلا: إنه ليس أحب إليه من أن يستعمل بيته فيما ~~استعمل فيه ... # وقالت أخت الخديو ذات مرة لصديقة من صديقات الليدي ~~سترانجفورد: ليت عرابي يصيبه المرض فينقل إلى هذا المستشفى لنعطيه فنجانا من القهوة على ~~الطريقة الشرقية ... # وامتدت قسوة خصوم عرابي إلى المرضى والأطفال المرضى؛ فقد أصاب المرض طفلا له، فلم يجرؤ ~~طبيب وطني على التقدم لعلاجه. ونحب أن ينظر في هذا الذين أنكروا منه أن يستعين بمحامين من ~~الإنجليز ... # ولما ضاقت السبل بنجله محمد، ذهب إلى مستر برودلي وشكا إليه هذا الاضطهاد، وأرسل برودلي ~~إلى طبيب إنجليزي صديق كما أرسل نابيير إلى طبيب الليدي سترانجفورد، فذهبا من فورهما ~~لمعاجلة الطفل وأديا هذا العمل الإنساني الذي أحجم عنه الأطباء المصريون، فكان إحجامهم مثار ~~للغط جديد من جانب القصر؛ إذ قال شيعة الخديو: إن في ذلك لدليلا على أن عرابي ليس يحبه أحد ~~... # أما ms426 الذين يشايعون عرابي؛ فقد رأوا كما يذكر برودلي في هذا العمل دليلا على قسوة خصومه ... ~~وتجادل الطبيبان على صفحات الجريدة الطبية الإنجليزية فيمن كان له منهما شرف معالجة ابن ~~عرابي، وتخاصما في ماهية المرض الذي ألم به. # واهتمت جريدة التيمس نفسها بالأمر فنشرت كلمة بعنوان «طفل عرابي» قالت فيها: «ترى الصحيفة ~~الطبية الإنجليزية أن طفل عرابي الذي أصيب بمرض قيل: إنه خطير - والذي أحجم الأطباء ~~المصريون لأسباب سياسية عن معالجته - مصاب بتهيج في الجلد، وقد تبين ذلك بعد عرضه للعلاج ~~على أطباء بريطانيين». # ولا يستطيع المرء أن يتصور كيف تصل القسوة ببعض بني الإنسان إلى حد أن يجعلوا إسعاف طفل ~~مريض عملا يجلب الغضب على صاحبه، ولولا أن رأى الأطباء المصريون ذلك ما أحجموا عن معالجة ~~هذا الطفل المسكين، وفي هذه المسألة وحدها ما يكفي لبيان مبلغ ما كان يحيط بعرابي وأهل ~~عرابي من اضطهاد ومبلغ ما كان يشيع في مصر كلها من إرهاب. # وهكذا يتنكر الناس لعرابي عدا الفلاحين والعامة؛ فقد كانت قلوبهم معه وإن لم يملكوا له ~~عونا، وكثيرا ما كانت تطوف جماعات منهم بسجنه، يتطلعون ولا يتكلمون ولا يرون شيئا إلا ~~الحراس من الإنجليز، فينصرفون وهم يدعون الله أن ينقذه من الموت ... # زاره ذات صباح مستر برودلي فوجده في شغل بكتابة مذكراته التي كان يكتبها في ثبات ويقين ~~ونشاط، يقول مستر برودلي: «ثم وجه عرابي الحديث إلي فجأة قائلا: أتحب أن أريك برهانا ~~على أن شعب مصر كان معي؟ انظر هنا ... وأخذ بذراعي وقادني إلى نافذة فرأيت خلال ثقوبها عددا ~~من النساء والصبية يبكون على الجانب الآخر من الشارع، وكان يزداد الازدحام شيئا فشيئا كل ~~يوم، حتى ليضطر الحراس إلى تشتيتهم، ولم أر عرابي أكثر ضيقا مما رأيته عند ذاك». # ويقول برودلي: إن كثيرا من الأوربيين كانوا يعطفون على عرابي في سجنه، وقد أرسل محاميان: ~~أحدهما إنجليزي، والثاني فرنسي، إلى برودلي يقترحان بعض أوجه الدفاع عنه، وكانت سيدات ~~أمريكيات يتنافسن بغية الحصول على صورته، وكن يرسلن إليه ms427 تحياتهن، راجيات له الخلاص من ~~أعدائه. # | مهزلة المحاكمة # عقدت لجنة التحقيق، أو القومسيون المخصوص كما كانت تسمى، أولى جلساتها في 10 أكتوبر ~~برئاسة إسماعيل أيوب باشا، وبدأت أعمالها باستجواب أحمد عرابي باشا، وقد استغرق استجوابه ~~ثماني جلسات، وامتد بضعة أيام، وكان مما تريد اللجنة أن تلصقه بعرابي من التهم تدبيره مذبحة ~~الإسكندرية ثم إحراقها بعد إطلاق مدافع الإنجليز على الطوابي، وعدم مراعاة القانون الحربي ~~الخاص برفع الراية البيضاء، وعصيان الخديو ... # واستجوبته اللجنة أياما فلم تستطع أن تقحمه في مسألة واحدة، وإن من يطلع على محاضر ~~استجوابه، ليزداد إعجابا به وإدراكا لحقيقة شخصيته، فلم يتنصل عرابي من حادث، وترفع أن ~~يكذب أو يداجي، أو قل إنه بطبعه لم يستطع أن يكذب، هذا إلى حضور ذهنه وقوة بديهته ومتانة ~~حجته وشجاعة قلبه، ولولا أن هذه المحاضر تقع في قرابة مائتي صفحة ما تركنا منها كلمة واحدة ~~إلا أوردناها، وقصارانا أن نلم بأهم ما جاء فيها ... # ناقشته اللجنة في الجلسة الأولى في مظلمته إلى رياض باشا بشأن عثمان رفقي، فأجاب بما لم ~~يخرج عن كلامه وقت تقديم هذه المظلمة، وكذلك كان الحال في إجابته عن حادث قصر النيل وقال: ~~إن الخديو أصدر عفوه عما وقع فكأنه لم يكن ... # وسئل عن ذهابه بالجند إلى قصر الخديو «ولماذا تجاسر على هذا الفعل المضاد للنظام ~~العسكري» يوم عابدين؟ فأجاب بقوله: «إن الأسباب التي دعت لذلك هي عدم الأخذ بالعدل ~~والمساواة في المعاملات شأن البلاد التي لم يكن فيها قوانين، أو فيها قوانين ولم يراع فيها ~~الإجراء على مقتضاها، فلذلك اعتمد أعيان البلاد على أبنائهم رؤساء العسكرية وتاقت أنفسهم ~~إلى تشكيل مجلس نيابي بالبلاد يحفظ لهم حقوقهم ويدفع عنهم ما ألم بهم من المظالم ... فأجمعوا ~~أمرهم على ذلك وتحرر منهم بذلك عرضحالات وختم عليها نحو ألف من عمد وأعيان وتجار وغيرهم، ~~ولخوفهم من البطش بهم أنابوني مع إخواني الضباط في عرض طلباتهم؛ لأننا إخوانهم وأبناؤهم وهم ~~أهلونا يضرنا ما يضرهم وينفعنا ما ينفعهم». # ووجهت إليه اللجنة سؤالا ms428 في غاية السخف هذا نصه: «لو فرض أن الحضرة الخديوية لم تسلم ~~بهذه الطلبات فماذا كان يحصل؟» وما أعجب وأغرب أن يسأل المرء عن شيء لم يحدث! وأن هذا في ~~سخفه ليذكرنا بقصة الخجول الذي سأل عروسه أيحب أخوها التفاح؟ فلما ذكرته أن ليس لها من أخ ~~عاد فسألها: «أقصد إذا كان لك أخ أكان يحب التفاح؟!» # ورد عرابي على سؤال اللجنة بقوله: «لا لزوم للفرض والتقدير لأننا واثقون بكرم الخديو ~~ووفائه بوعده» ... # واتهمته اللجنة بأنه نادى مع المنادين بخلع الخديو في اليوم التالي لسقوط وزارة البارودي، ~~فانظر إلى إجابة هذا الرجل الذي رماه خصومه بالجبن قال: «مما توضح يعلم أنه لشدة تأثير ~~اللائحة المذكورة التي قبلها الجناب الخديو، ما كان يمكن قبولها ولو أدى ذلك إلى خلع الخديو ~~وكنت أنا وكل الناس على هذا الرأي» ... # وسئل لماذا لم يغادر مصر مع علمه بقبول الخديو اللائحة، فأجاب في شجاعة بقوله: «إن أفكار ~~الناس وقتها وحالة البلاد وشرف الأمة منعتني من ذلك، وأما ما ذكر من لزوم موافقة النظار ~~للحضرة الخديوية لما لها من الامتيازات الخاصة فذلك لا يكون أمرا لازما في الحكومات ~~الشورية، خصوصا وأن جنابه الكريم أوجب على نفسه جعل الحكومة شورية وأن يشترك مع نظاره ~~ونواب البلاد في الرأي، ولحرص النظار على تلك الامتيازات وما رأوا في قبول تلك اللائحة من ~~التدخل في الأمور الإدارية ومس الامتيازات المصرية لم يصر قبولها كما تقدم الإيضاح ~~بالأجوبة السابقة». # وسئل عن رفضه ما شار به عليه درويش باشا من الذهاب إلى الآستانة فقال: «قلت له: إني أود ~~ذلك، بل هو أعظم شيء أتمناه، ولكن لتعلق الناس بي وازدحامهم علي في كل وقت بحيث إنهم لا ~~يمكنونني من تناول غذائي الذي هو من ألزم ضرورياتي المعيشية إلا بمشقة، أخشى أن يحولوا بيني ~~وبين ذلك إذا علم لهم أني أريد السفر إلى خارج القطر لما يتوقعونه مما يحيق بهم من الضرر في ~~المستقبل ويترتب على ذلك حدوث فتنة داخلية». # وانتقلت اللجنة إلى مأساة ms429 الإسكندرية فاتهمت عرابي بأنه أرسل تعليمات إلى وكيل الجهادية ~~بإبعاد الشبهة عن الأهالي والعساكر وهذا ما يفهم منه أن الحادثة «إما أن تكون بأمركم أو ~~بتعليماتكم» ... # ونفى عرابي أن يكون حادث كهذا من تعليماته وهو الذي يحافظ على الأمن؛ حرصا على سمعة ~~مصر، وكان اتهام اللجنة ضعيفا جدا في هذا الحادث فلم تجد لديها إلا كتابا من عرابي كان ~~قد أرسله إلى وكيل الجهادية المنتدب في لجنة تحقيق ذلك الحادث فتلته عليه وسألته هل لي علم ~~به وكيف يقول مع ذلك: إنه لم يرسل تعليمات؟ # والذي يدعو إلى الدهشة حقا أن هذا الكتاب مما يصح أن يقدمه عرابي دليلا على براءته ~~وهذا مما يدل على تخبط اللجنة، وأنها كانت تريد مجرد الاتهام لعلمها أن الحكم في نهاية ~~الأمر معروف، فلم يكن الغرض الوصول إلى الحق وإنما هو تحقيق صوري فحسب ... # وقد جاء في هذا الخطاب قول عرابي: «ولا تقبلوا كل ما يقال في جانب الوطنيين والحكومة من ~~غير تدقيق وبحث طويل وتحقيق تعرفون صدقه وعدم تصنعه، ولا تميلوا بجانبكم لأحد من أعضاء ~~اللجنة؛ خشية أن يخدعكم ويستميلكم لأمر ظاهره الإصلاح وباطنه الفساد ... وأما ما يلزم ~~للمراقبة العامة فيلزم أن تلاحظوا البلد وأخبارها وتتأكدوا مما تسمعونه وترونه وتبادروا ~~بإبلاغنا أولا بأول عن جميع الأعمال». # وأجاب عرابي بقوله: «نعم صدر مني هذا الخطاب الذي هو عبارة عن الأخذ بالحزم في إظهار ~~الحقيقة والعمل بالحق وليس فيه ما ينكر عليه» ... # وسئل عن سبب اصراره على عدم إبطال التجهيزات بالطوابي وعدم امتثاله لأمر الخديو فقال: ~~«إنه على حسب العادة السنوية كان جاري ترميم بعض طوابي الإسكندرية، ولما ورد تلغراف من ~~الحضرة السلطانية إلى الحضرة الخديوية بناء على تبليغات سفير إنجلترا بالآستانة بإبطال ~~إنشاء تجديد استحكامات الإسكندرية؛ إذ يعد ذلك تهديدا للمراكب الحربية الإنجليزية، وصدر ~~أمر الخديو بذلك ففي الحال صار إبطال الترميمات وتعيين من لزم من رجال المعية لمشاهدة إبطال ~~العمل». # ومن أهم ما سئل عنه في الجلسة سبب رفضه أمر الخديو وعدم مجيئه ms430 إلى الإسكندرية، وتلي ~~عليه كتاب الخديو الذي استدعاه فيه، فأجاب عرابي في صراحة وشمم قائلا: «إن الحرب التي حصلت ~~لم يسبق لها مثيل؛ إذ هي خارجة عن حد القياس؛ حيث إن الحرب المذكورة ما صار إجراؤها إلا ~~بمقتضى قرار من مجلس مؤلف من النظار والذوات الاختيارية تحت رئاسة الحضرة الخديوية بحضور ~~أعضاء الوفد العثماني، فكان إجراؤها على مقتضى الحق والقانون، ثم بعد خروج العساكر من ~~الإسكندرية توجه الجناب الخديو من سراي الرمل إلى داخل الإسكندرية التي تركها أهلها ~~والعساكر، فلما بلغنا ذلك تحقق لنا أن انتقال جنابه العالي إلى الإسكندرية مع حدوث ~~المناوشات الحربية بين مقدمات العساكر المصرية والعساكر الإنجليزية إما أن يكون لأخذه ~~أسيرا وإما لانحيازه إلى الطرف المحارب لبلاده، فمن أجل ذلك كتبنا لوكيل الجهادية يعقوب ~~باشا سامي بما حدث للمشاورة مع رجال الحكومة في هذا الأمر الذي لم يسبق له مثيل. # وبناء على ذلك صار عقد اجتماع عام من وكلاء الدواوين والمديرين والأمراء والعلماء وشيخ ~~الإسلام، والقاضي السيد السادات والسيد البكري وأعيان التجار والعمد وغير ذلك، تشاوروا فيما ~~بينهم في هذا الأمر الذي دهم البلاد، واستقر رأيهم جميعا على إعطاء قرار بعدم استماع أوامر ~~الحضرة الخديوية وتوقيفها عن الأعمال؛ حيث إنه توجه للطرف المحارب للبلاد وعرضوا ذلك ~~تلغرافيا للحضرة السلطانية ببيان أسماء الشاهدين من أعضاء ذلك المجمع العام». # وفي الجلسة الرابعة سئل عن صلته بنديم وهل يعلم أنه سافر الإسكندرية قبيل المذبحة فأثار ~~فيها الفتنة وعما كان يكتبه بجريدته «الطائف». وأجاب عرابي بأنه لم يعلم بإثارة الفتنة ولم ~~يكن له أن يمنع نديم عن كتابة ما يشاء في جريدته ... # وسئل عن سبب اختفاء حسن موسى العقاد فأجاب بقوله: «يؤخذ من هذا السؤال أني أسال عن كل من ~~غاب من الناس ولو يوجد، مع أني لست بمأمور عليهم ولا مسؤول عنهم!» # وسئل عن صلته بحليم باشا وهل وصلت إليه من الآستانة صورته؟ فأجاب «بأنه وصلته صورة منه ~~وأن كثيرا من الناس وطنيين وأجانب كانوا يرسلون إليه صورهم ... # ووجهت ms431 إليه اللجنة هذا السؤال: «لما كنت بكفر الدوار هل صدر منك تلغراف إلى كل من راشد ~~باشا قومندان خط الشرق ومحمود فهمي باشا رئيس أركان حرب بردم قناة السويس المالح وسد الترعة ~~الحلوة؟» # وأجاب عرابي بقوله: «التلغرافات التي تداولت بيني وبين المسيو دي لسبس تعلن وتؤكد احترام ~~قناة السويس ما دامت على الحياد ولم تتخذ فيها أعمال حربية، فلغاية دخول السفن الحربية ~~الإنجليزية في قناة السويس وحدوث الضرب منها في الإسماعيلية على العساكر التي كانت بجهة ~~نفيشة كان قد حدث احترام القنال المذكور، ومن بعد ذلك حيث اتخذ القنال المذكور ميدانا ~~للحرب - ولنا الحق في كل ما أمكن إجراؤه من الأعمال الحربية - إذ ذاك تحرر لرئيس أركان حرب ~~محمود فهمي باشا بتلك الجهة باتخاذ ما أمكن إجراؤه من التدابير الحربية وسد الترعة الحلوة ~~لما صار إعلان المسيو دي لسبس بأن الحالة الحربية أرغمتنا على ذلك لعدم احترام الإنجليز ~~لحياد القنال». # وسئل عرابي عن المجلس العرفي من شكله فلم يتنصل منه وقال: إن الذي شكله وكلاء النظارات ~~بموافقته. # وأهم ما وجه إليه في الجلسة الخامسة أن ما سماه مساعدات من جانب الأمة لم يكن إلا إجبارا ~~لها على ذلك بالقوة فأجاب: «قد قلت في أجوبتي المتقدمة في هذا الخصوص: إنه لا يتصور أحد ~~أصلا حصول تهديدات بمجلس مؤلف من أعيان الأمة المصرية ورؤسائها ونبهائها يزيدون عن 400 ~~نفس، كما أن المساعدات والتبرعات التي كانت ترد للجيش المدافع عن البلاد مدافعة شرعية لم ~~تكن بتهديدات أيضا، بل من الناس من تبرع بنصف ماله ومن الناس من تبرع بماله كله ابتغاء ~~مرضاة الله وغيرة على الوطن، ومنهم موسى بك مزار تبرع من ماله بثلاثة آلاف إردب غلال و30 ~~رأس من الخيل وألف ومائتي ثوب بفتة تبرعا لمساعدة الجيش؛ إذ إن الحرب الشرعية إما أن تكون ~~بالنفس والمال، أو بالمال فقط أو بالرأي، ومنهم حميد بك أبو ستيت تبرع ب 1500 إردب غلال، ~~ومن ضمن من تبرع وافتتح باب المساعدة دوائر العائلة الخديوية وفي ms432 مقدمة الجميع دائرة والدة ~~الخديو السابق وأغلب الذوات تبرعوا أيضا، ولو استكشفت التلغرافات التي كانت ترد من جميع ~~أهالي المديريات حتى من مديرية إسنا بدون واسطة مديرياتهم تعلم أن الأمة المصرية كلها كانت ~~محاربة بمالها ونفسها، ورأيها متفق على ذلك، ولو استكشفت قوائم التبرعات لعلمت أنه لم يتأخر ~~أحد من أولي الرئاسة في المساعدة، ومن ضمنهم دائرة سعادة خيري باشا حالة كونه لم يشهد الحرب ~~بل كان في الإسكندرية مع الخديو عند الإنجليز، ومن ضمنهم دائرة دولتو رياض باشا وغير هؤلاء، ~~فهل كل هذا كان رغما عن الناس؟ ومن ذا الذي كان يرغمهم؟! # إن هذا الأمر حق تعرفه أهل البصائر الثاقبة والضمائر الحية، وأما الذين وجدوا مسجونين في ~~القلعة فأظنهم لا يزيدون عن مائة نفس من أرباب الجنايات المحكوم عليهم بالحبس ومحضرين من ~~المديريات وإنه لم يصدر مني أصلا أمر بسجن أحد في القلعة أو غيرها، وأما طلب إبراهيم باشا ~~أدهم فذلك مبني على ما حدث بطنطا بين مهاجري الإسكندرية وبين الأوربيين، كما أن شاكرا باشا ~~وغيره لم يكن عزلهم من المديريات التي كانوا بها إلا بأمر المجلس الإداري لا بأمري». # وفي الجلسة السادسة اطلع عرابي على كتاب وقع عليه بأنه رئيس الحزب الوطني وسألته اللجنة ~~سؤالا يدل على تعسفها ولغوها قالت: «تعلمون أنه بالممالك المنتظمة ووجود الحضرة الخديوية ~~بمقر الحكومة، لا يجوز وجود أحزاب حتى تمضوا تلك المكاتبة بصفة رئيس الحزب الوطني فهل صرح ~~لكم من الحضرة الخديوية بذلك؟ وإذا كان لم يصرح لكم فهل جعل نفسكم رئيسا لحزب داخل الحكومة ~~لا يعد عصيانا؟ وإن كنتم تركنون على عدم وجود وظيفة لكم وقت تحرير هذا الخطاب أفما كان ~~يمكن أن توضعوا في الإمضاء ناظر الجهادية سابقا كالجاري فيمن يرفتون من مأموري الحكومة؟» ~~وأجاب عرابي بقوله: «من المعلوم بداهة أن مصر آهلة بأجناس وعناصر مختلفة وكل عنصر منهم ~~يعتبر نفسه حزبا كما أن أهل البلاد وهم حزب قائم بذاته يعتبر عند الآخرين منحطا عنهم ~~ويطلقون عليه لفظ فلاحين؛ إذلالا لهم ms433 وتحقيرا وأولئك هم الحزب الوطني وهم أهل البلاد ~~حقيقة، وحيث إنهم أنابوني عنهم في طلب ما يكفل لهم الحرية في حفظ الحقوق وكنت أنا القائم ~~بطلب ذلك ولم تكن لي صفة في الحكومة في ذلك الوقت فوضعت إمضائي بذلك لما لي من حق الرئاسة ~~على الحزب الوطني، وليكون ذلك أدعى لاجتناب ما يخل بأمر الراحة العامة - كما هو واضح ~~بالكتاب المذكور - ولا يعد ذلك عصيانا؛ لأن كل أمة من الأمم المتمدنة الراقية فيها أحزاب ~~مختلفة قائمون بحفظ حرية بلادهم والدفاع عن حقوقهم». # وفي الجلسة السابعة وجه إليه السؤال الآتي: «قد وجد في الأوراق التي ضبطت ورقة محرر فيها ~~صورة سؤال استفتاء من العلماء عن جواز عزل الخديو لأسباب تمويهية مخترعة في تلك الصورة فها ~~هي الورقة المذكورة اطلع عليها وأجب». # ونفى عرابي معرفته بهذه الورقة وقرر أنها ليست بخطه وقال: إنه ربما كانت مع أحد الناس ~~وتركها على المنضدة التي كانت عليها الأوراق ... # وسألته اللجنة هذا السؤال: «منذ أيام سقوط وزارة محمود سامى كنتم جارين تحرير محاضر ~~بمنزلكم بعزل الخديو، وجارين إحضار الأهالي والعلماء لتختيمهم عليها رغما منهم، واستحضارهم ~~لمنزلكم كان بواسطة ضابطين من الآلايات وأشخاص من مستخدمي الضبطية كما هو واضح من التحقيقات ~~التي جرت بهذا القومسيون فأفيدوا عن أسباب ذلك». # وأجاب عرابي: «لما تقدمت اللائحة المقدمة من قنصلي دولتي الإنجليز وفرنسا وقبلها الخديو ~~ولم تقبلها الوزارة، وحضر أعضاء مجلس النواب وأشيع ذلك بين الناس توافدوا أفواجا وجماعات ~~من المديريات والمحافظات ومصر والإسكندرية لرفض اللائحة المذكورة ورفض من يقبلها محررين ~~بذلك عرائض ومحاضر، فهل كذلك كان كل هذا رغما من الناس؟ وكنت أنا مرغما لهم؟ الحق أن جميع ~~المسلمين تأثروا لقبول هذه اللائحة وأنكروها، بل إن جميع المصريين أنكروها؛ لما فيها من ~~تدخل الأجانب في أمور بلادهم الداخلية» ... # وسألته اللجنة: «إلى أين توافد الناس؟ هل إلى منزلكم أو أي جهة؟ وهل كانت المحاضر التي ~~يحررونها ترد إليكم مختومة أو تختم بمنزلكم؟ وما الذي أجريتموه في ذلك؟» # أجاب بقوله: «كانت ms434 تأتي المحاضر مختومة، وكان حضور الناس بها جهرة لا خفية وبحضور الجميع ~~لمنزلي ولمنزل رئيس النظار محمود باشا سامي، وكانوا يأتون بها ويقدمونها إلينا إعلانا بعدم ~~قبولهم اللائحة المذكورة ومن يقبلها، وكان ذلك بحضور كثير من أعضاء مجلس النواب وكلهم ~~موافقون على ذلك، وكما قلنا أولا: إن الأمة المصرية لم تختلف في هذه الكارثة، وكانت تلك ~~المحاضر باقية طرف أربابها وبحضور دولتو درويش باشا وتشكيل وزارة راغب باشا وصدور العفو ~~العام صرف النظر عن هذا وذاك». # ولم يكن في الجلسة الثامنة شيء ذو بال، وعلى ذلك انتهت اللجنة من التحقيق، ومنه يتبين أن ~~ما وجه إليه لم يعد حد الاتهام، فلم تستطع اللجنة أن تثبت عليه شيئا مما حاولت أن تلصقه به ~~من عصيان أو فتنة أو حريق، ولو أن هذا التحقيق أجرته لجنة عاجلة لما وجدت فيه ما يدعو إلى ~~إرسال المتهم إلى المحكمة ... # واستدعت اللجنة عددا كبيرا من المتهمين ومن الشهود، وليس يعنينا إلا أقوال زعماء الحركة ~~من أصدقاء عرابي وهم: علي فهمي وعبد العال حلمي ومحمود سامي ويعقوب سامي وطلبة عصمت ومحمود ~~فهمي ... وقد نفوا جميعا ما حاولت اللجنة إلصاقه بعرابي من التهم وخاصة فتنة الإسكندرية ~~وحرقها ... # أما تهمة العصيان التي وجهتها اللجنة إليهم جميعا، فكانت تتلخص في أنهم أطاعوا عرابي بعد ~~أن علموا بقرار عزله، وكان إجاباتهم عن ذلك قوية؛ إذ إنهم عللوا ذلك إلى رأي الأمة ممثلة في ~~المجلس العام الذي قرر بقاء عرابي واستمرار القتال وعدم إطاعة أوامر الخديو. # وكانت إجابات كل من علي فهمي وعبد العال حلمي قائمة على تصوير الوقائع صورة شرعية لا أثر ~~فيها لعصيان الخديو، ولكن لم يحاول أحدهما أن يسيء إلى عرابي أو إلى الجند بشيء ... # أما البارودي؛ فقد أساء إلى الحزب العسكري بأن نسب ~~إليهم العنف والإرهاب وقال: إن إرهابهم تناوله هو كذلك بالذات، ولكن البارودي لم يذكر عرابي ~~بسوء ولا اتهمه بشيء ... # ولما سئل البارودي عما يعلمه عن حريق الإسكندرية أجاب بقوله: «هذه المسألة شنيعة جدا ~~وكل ms435 الناس وبالجملة أحمد عرابي استقبحها». # ومما يعاب على البارودي أنه حاول التنصل من مسألة اعترف بها أكثر المتهمين ولم يجدوا فيها ~~ما يدعو إلى التنصل منها وهي مسألة القسم الذي أدوه بقشلاق عابدين، والذي تلا عليهم صيغته ~~الشيخ محمد عبده، ولما واجهته اللجنة بالشيخ محمد عبده قال البارودي: إن الشيخ محمد عبده ~~يكذب، ولما واجهته بيعقوب سامي باشا عاب عليه يعقوب باشا إنكاره وذكره بأنه كان حاضرا ~~وأقسم مع من أقسموا، فاضطرب البارودي وناقض أقواله السالفة ... # واعترف محمود فهمي بأنه أسلم نفسه للإنجليز طائعا، وهذا يتفق مع رأي عرابي في هذا ~~الحادث، قال محمود باشا: «أما أنا وخادمي فمسكنا ضفة الترعة البحرية قاصدين المحسمة، فسألني ~~خادمي عن قصدي فقلت له: إننا سنتوجه لطرف الإنجليز، وأمرته بقطع غابة وتعليق منديل أبيض ~~فيها، وحدث ذلك وتوجهنا ودخلنا عند الإنجليز في مقدمة جيشهم فقابلني ضابط إنجليزي يعرف ~~الفرنسية ولما رآني أرتدي ملابس ملكية قال لي: «أنت شيخ البلد؟ فقلت له: نعم». # وسألته اللجنة: «لماذا كنت ترتدي ملابس ملكية؟» # فأجاب بقوله: «لأني لم أكن أريد الحرب، فلو كنت أريد الحرب كنت ارتديت ملابسي الرسمية ~~وطبنجتي وحاربت» ... # ولما سئل محمود باشا فهمي عما يعرف عن حريق الإسكندرية، شهد أن عرابي اهتم بالأمر ولم ~~يرض عنه، وأرسله في طلب سليمان سامي، فلما حضر سليمان نهره عرابي وقاله له: «إني بريء مما ~~فعلته». # ومما يجدر بنا الإشارة إليه في هذا المقام بعض أقوال الشيخ حسن العدوي - وكان شيخا يشرف ~~على الثمانين فلم تقل السن ولا السجن من شجاعته شيئا - ولندع برودلي يقص علينا ما شهده من ~~بسالة هذا الشيخ الجليل الذي يسجل له ولأمثاله ما يشهد له التاريخ المصري ... # قال برودلي: «وفي صوت كصوت الرعد سأل إسماعيل أيوب باشا الشيخ الضعيف الطاعن في السن: ~~ألم يوقع ويختم بخاتمه على قرار يقضي بأن سمو الخديو توفيق باشا يستحق العزل؟ وظهر على حسن ~~العدوي كأنما استعاد حمية شبابه، واتكأ على المنضدة وبسط يده وثبت نظره في وجه إسماعيل أيوب ms436 ~~وقال: أيها الباشا لم أر الورقة التي تتحدث عنها ولا يمكنني أن أقول شيئا عما إذا كنت ~~وقعت عليها أو ختمتها بخاتمي، ولكني أقول لك ما يأتي: إنك إذا أحضرت إلي ورقة تحتوي على ~~مثل المعنى الذي ذكرته فإني أبادر بالتوقيع عليها وختمها بخاتمي في حضورك الآن، وهل إذا ~~كنتم مسلمين هل تستطيعون أن تنكروا أن توفيقا باشا - وقد خان بلاده وذهب إلى الإنجليز - لم ~~يعد يصلح للحكم؟» # ولو أن قذيفة ألقيت فجأة وسط الحجرة ما أعقبت من الوجوم والغم مثل ما أعقبته كلمات ذلك ~~الشيخ، لقد ظهرت الصفرة في وجنتي إسماعيل أيوب السمراوين ولم ينبس أحد ببنت شفة، ثم طلب إلى ~~الشيخ في رفق أن يبرح الحجرة، ولم يفكر أحد بعدها في استجوابه قط، وبعد بضعة أيام أطلق ~~سراحه على شرط أن يذهب إلى قريته حيث لا تكون له صلة بعد بتاريخ مصر». # 1 # وكذلك يخلق بنا أن نشير إلى جرأة أحمد رفعت بك وحسن دفاعه، ولندع كذلك برودلي يتلو علينا ~~بعض ما رأى من ذلك، قال: «... وبعد تبادل التحيات وتقديم القهوة والسجائر، دخل رفعت، وكان ~~يبدو في حالة عصبية شديدة، وجلس على كرسي بجانبي، وأظن أني أسأت إلى ولاء الأعضاء بمصافحته، ~~ولن أنسى أبدا التماع الشر في عيني إسماعيل أيوب حين تناول عددا قديما من جريدة «الطان» # 2 # كان يحتوي على مقارنة صريحة لا مجاملة فيها بقلم أحمد رفعت بين المدنية ~~الفرنسية والرصاص الإنجليزي، وقال رئيس اللجنة يخاطبني: يا صديقي العزيز، أظن أنه يجب أن ~~تتنحى عن الدفاع عن مثل هذا الرجل بعد هذا، وألقى إلي بالصحيفة، وقرأت المقال وكتبت على ~~ورقة صغيرة: «لو أنني كنت في مكانه لفعلت مثل ما فعل» ... # وسأل رئيس اللجنة المتهم عن برقية في تلك الصحيفة فيها دفاع عن عرابي إذا كان هو ~~مرسلها؟ فقال رفعت بك: «نعم ... وذلك بأمر مجلس الأمة الذي كنت أنت نفسك عضوا فيه» ... # وقال الرئيس: «إني أنفي نفيا قاطعا أني كنت حاضرا أثناء بحث هذه المسألة». # وأجاب رفعت، ms437 فكان مما جبه به الرئيس قوله: «لست أتذكر ما إذا كنت سعادتك قد وقعت على سجل ~~الجلسات، ولكني أذكر أنك ذهبت معي يوم الجمعة 18 أغسطس في قطار خاص وكان بصحبتنا رؤوف باشا، ~~وعثمان باشا فوزي وحسين باشا الدرمللي، إلى عرابي بكفر الدوار لتعبر له عما ترجوه له من ~~نجاح» ... # وقال الرئيس محتدا: إني أمنعك عن الكلام لولا أنك تتكلم عني، وعاد رفعت يذكره أنهم ~~جميعا تناولوا الغداء مع عرابي، وأن طلبة طاف بهم على خطوط الدفاع وأنه - أي الرئيس - تمنى ~~وهو الجندي القديم لو أتيح له الاشتراك في القتال، وفطن الرئيس إلى ما يرمي إليه رفعت في ~~دهاء وكياسة، فقال: إن كل إنسان يعلن أني ذهبت إلى هناك بما في ذلك الخديو، وكان هذا بدافع ~~حب الاستطلاع ... # وأحس الرئيس كذلك أنه صار في مثل موقف المتهم فتدارك الأمر وسأل رفعت عما إذا كان ما جاء ~~في البرقية من أفكاره، وأجاب رفعت بقوله: «نعم من أفكاري، كما أنها من أفكار كل امرئ ~~سواي». # وسأله الرئيس: كيف سمح وقد كان مديرا للمطبوعات أن تنشر جريدة «الطائف» مقالات فيها طعن ~~على الخديو، فكان مما أجاب به رفعت: «إن ما قالته جريدة الطائف وما قالته غيرها من الصحف ~~كان نتيجة لقلق الرأي العام من مسلك الخديو بعد انعقاد المجلس العام مرتين بوزارة الداخلية، ~~وإن جريدة الطائف عبرت عما اعتاد أن يقوله حتى الصبية في الشارع»، وسأله الرئيس: هل معنى ~~ذلك أنه يقر ما جاء بتلك الجريدة؟ فأجاب رفعت في شجاعة: «لقد تقرر في المجلس العام الذي ~~انعقد بوزارة الداخلية والذي شهده العلماء والقواد والأعيان أن الخديو خرج على الشرع ~~المقدس، وحيث إني مصري فلم يكن في وسعي أن أخرج على ما أجمع عليه الناس فأعاقب جريدة الطائف ~~مخالفا بذلك ما في نفسي»، ووجه إليه الرئيس هذا السؤال: «لقد ذكرت من قبل أن الخديو أمرك ~~أن تحضر بعض السجلات، وأنك آثرت أن تتبع أوامر عرابي فكيف تفسر ذلك؟» # وكان مما أجاب به رفعت قوله: ms438 «حيث إن عرابي كان ناظر الجهادية والبحرية، وكانت السجلات ~~المذكورة تتصل بعمله؛ فقد ذهبت إليه لأبلغه بأمر الخديو، ثم أسلمها لسموه، ولكن عرابي باشا ~~أمرني ألا أسلمها له قائلا: إني مسؤول شخصيا إذا فعلت ذلك. فكتبت في الحال لمحمد بك خليل ~~أبلغه بذلك ولم أتلق إلا جوابا شفويا». # وبعد يومين استؤنف استجواب رفعت بك، ويذكر برودلي أنه دخل قاعة الجلسة هذه المرة وليس ~~يبدو عليه شيء من الاضطراب ... # وأطلعه الرئيس على صور لبرقيات أرسلت إلى الآستانة وسأله عنها، فقال رفعت: إن المجلس ~~العام كان يريد إبلاغ الباب العالي بكل شيء، وإن برقية منها كتبت بموافقة رؤوف باشا # 3 # وإنه يعتقد أنها لم تصل إلى غايتها بسبب قطع الأسلاك. # وسأله الرئيس عما إذا كان ما جاء بهذه الأوراق يتفق ~~مع آرائه، أم أنه أرغم على إرسالها؟ وعاد رفعت يؤكد أن البرقيات إنما أرسلت بقرار من المجلس ~~الذي كان يمثل الرأي العام فيه أعضاء يرجع صيت بعضهم إلى عهد محمد علي، وأنه لم يرغم على ~~شيء ... # وقال الرئيس: إنه يرى من إحدى البرقيات أنه تقرر ردم قناة السويس فهل كان ذلك من رأي ~~المتهم؟ وأجاب رفعت بك بأنها كانت ضرورة قضت بها الحرب وأنه يأسف لذلك ... # ووجه إليه الرئيس هذا السؤال: «جاء في إحدى البرقيات المرسلة إلى القسطنطينية أن المجلس ~~العام أمر محافظ السويس بأن يبلغ الأدميرال الإنجليزي أن المجلس القائم بالقاهرة هو وحده ~~الحكومة الشرعية في مصر، فهل كانت هذه عقيدتك؟» # وأجاب رفعت بشجاعة: «لقد قلت في اليوم السابق أن قوة سمو الخديو قد أوقفت بمقتضى قرار ~~المجلس العام الذي عقد في القاهرة، والذي تألف من كبار المصريين من العاصمة ومن البلاد، ~~وبناء على ذلك أصبح هذا المجلس هو الحكومة الحقيقية لمصر، وقد أيدته وعضدته الأمة كلها ~~واضطلع بالدفاع عن الوطن». # وسأله الرئيس: «هل وقعت على هذا القرار؟ وهل كان هذا باختيارك؟» فقال رفعت: «وقعت عليه ~~بمحض إرادتي ولم أجبر أنا ولم يجبر أحد غيري على التوقيع». # ورفعت الجلسة على أن ms439 تعقد في اليوم التالي، وكان أحمد بك رفعت قد أدلى بأقوال للجنة قبل ~~مجيء مستر برودلي فيها مطاعن واتهامات لرجال الجيش بأنهم لجأوا إلى العنف والتهديد وأنه كان ~~مرغما على ما فعل ... # فلما عقدت اللجنة في الموعد المحدد، سأله الرئيس عن سبب تناقض أقواله وطلب إليه أن يبين ~~وجه الحق فقال: «إذا سمحت لي أن أتكلم في صراحة فإني أشرح هذا التناقض، وأن هذا حق يسمح به ~~لأي مجرم عادي وأنا أطالب به». # وقال الرئيس: «يمكنك أن تفعل ذلك إذا التزمت بالمسائل التي يدور حولها الكلام». # وأجاب رفعت: «لقد عوملت أسوأ معاملة في السجن فإن إبراهيم أغا توتونجي ...» # وقاطعه الرئيس قائلا: «كف عن هذا ... ليس هذا هو الموضوع، ونحن نعلم جميعا أنه لم يشك من ~~توتونجي إلا عرابي وعبد الغفار». # ورد السير شارلز ولسن قائلا: «ليس الأمر كذلك وإني أشعر أن واجبي يقضي علي أن أقول: إنه ~~أثناء زياراتي الأسبوعية سمعت من جميع المسجونين تقريبا شكواهم من زيارات هذا الرجل ومن ~~إساءاته». # واستدعى الرئيس المسيو برودلي المستشار القضائي للحكومة وسأله مستر برودلي عما إذا كانت ~~المحكمة ملزمة بأن تسجل إجابة المتهم كلها، وأجاب بورني أنها ملزمة ولكن يجب عليه أن ~~يوجز. # ومضى رفعت فقص على اللجنة ما لقيه من إهانة وتهديد بالموت في سجنه وقال: إنه عقب ذلك ~~استدعي للوقوف أول مرة أمام لجنة التحقيق. ~~••• # قضت اللجنة نحو شهر ولم تضع يدها بعد هذه الاستجوابات على شيء تدين به عرابي، وكانت أكثر ~~أسئلتها للمتهمين جميعا ترمي إلى إدانة عرابي وبعد ذلك يحق عليهم بالتبعية ما حق عليه ... # وكان برودلي ذات ليلة عقب الفراغ من استجواب رفعت عند عرابي، فقص عليه عرابي أن شيئا ذا ~~بال حدث في مقر اللجنة، وذلك أنه بعد مغادرة السير شارلز ولسن السجن عاد أعضاء اللجنة ~~فاجتمعوا بعد أن كانوا قد تفرقوا وأقاموا في هذا المبنى حتى ساعة متأخرة من الليل، واستطاع ~~عرابي أن يسمع أن اجتماعا عقد في الحجرة المجاورة وأنه استمر بضع ساعات، كما ms440 استطاع أن ~~يرى من بين ألواح الخشب في نافذته أن رسلا من القصر كانوا يجيئون ويذهبون # 4 ~~... وارتاب عرابي في أن شيئا يدبر ... # وسمع برودلي مثل هذا الذي ذكره عرابي من رفعت ومن سجين آخر هو خضر بك خضر، وظل في حيرة ~~إلى أن علم من الحراس أن سليمان سامي استجوب في مقر اللجنة ساعات متوالية، فطلب برودلي من ~~المسجونين أن يكتبوا له ما سمعوا وانطلق إلى مسكنه ضائق النفس بما أيقن أنه يدبر في الخفاء ~~... # وكان سليمان سامي قد أحضر من كريت فوصل إلى الإسكندرية في 9 نوفمبر، وظل تحت مراقبة ~~أعوان الخديو منذ أن بلغ الإسكندرية حتى دخل السجن في بناء الدائرة السنية فلم يتصل به أحد ~~قط، وذلك أنه اتفق معه على أن يكون شاهد إثبات! # فقد طلعت جريدة الإجبشيان جازيت بعد 3 أو 4 أيام من حضوره تعلن للناس نبأ مدهشا، وذلك ~~أن سليمان بك سامي اعترف بأنه أحرق الإسكندرية وأنه فعل ذلك بأمر من عرابي باشا ألقاه إليه ~~على مرأى ومسمع من بعض الناس، واعترف كذلك بأمر أعظم خطرا، ألا وهو أن عرابي أرسله ليقتل ~~الخديو بقصره في الرمل، ولكنه قابل وهو في طريقه إلى القصر، كلا من سلطان باشا وحسن باشا ~~الشريعي، وحالما رأى هذين الرجلين ثاب إلى رشده وندم على اعتزامه ما اعتزم واعترف لهما به، ~~ثم عاد أدراجه ... # قال برودلي: «وكان لدى ما قاله في التحقيق كل من سلطان وحسن الشريعي فلم أجد فيه أقل ~~إشارة إلى شيء من هذا الذي لو أنه حدث لذكره سلطان على الأقل إذا كان لديه أي سبيل ~~لتأكيده». # وكتب برودلي إلى إسماعيل أيوب باشا يحتج ويذكر أن ما حدث في غير حضوره يخالف ما اتفق ~~عليه، ولذلك فهو لا يتقيد بهاتيك الأقوال التي جاءت على لسان سليمان ويعدها كأن لم ~~تكن. # وفرح رجال القصر وأعوان الخديو فرحا عظيما، ولكن فرحتهم لم تطل، فإن جميع من ذكرهم ~~سليمان سامي في كلامه عندما واجهوه في اليوم التالي أمام ms441 اللجنة رفضوا أن يشايعوه فيما ذهب ~~إليه، وأنكر حسن الشريعي - وكان سجينا - رواية سليمان، كما أنكرها سلطان باشا كل الإنكار ... # يقول برودلي: «وكان أحد الأوربيين من أشد الناقمين على الحركة القومية حاضرا عندما جاء ~~وفد من قبل اللجنة يسأل سلطانا في داره عن رواية سليمان، ونفى سلطان نفيا باتا حدوث ما ~~سئل عنه فقال زائره الأوربي: يا للأسف ... إن إجابة مخالفة لهذه كانت تحسم الأمر ~~كله». # ويعقب برودلي على ذلك بقوله: «فهل كانت تؤلم بقية من الضمير عقل سلطان باشا في أواخر ~~أيامه؟ إني أظن ذلك». # وكان يرد إلى برودلي رسائل من مجهولين، مما يدل على مقدار ما كان يساور الناس من خوف، ومن ~~أعجبها رسالة يعزوها برودلي إلى أحد الأعضاء الماسونيين، قال مرسلها: «عزيزي الأخ: النصر ~~للحق! أتشرف بإبلاغك أن سلطان باشا ينفي أنه رأى سليمان سامي في طريقه إلى قصر الرمل، وقد ~~أفضى إلى كثير من الناس أخيرا بأن عرابي لم يحرق الإسكندرية ولا أصدر أمرا بإحراقها، وذكر ~~أيضا أنه تحقق من ذلك بنفسه حينما ذهب إلى عرابي ليتحدث إليه بشأن الجند الذي أحاطوا بقصر ~~الرمل يوم 12 يوليو، فإنه وجد عرابي خارج الباب الشرقي يسخط بأعلى صوته على أعمال النهب ~~والحريق ويعنف الجند على ما حدث، حتى لقد أخذ من أيدي بعض الجند ما نهبوه وأمر بإحراقه، ~~وسأله سلطان من فعل هذا؟ فأجاب عرابي: إنهم يقولون: إنه سليمان سامي ... أرجو منك أن تزور ~~سلطان، فإن لديه الكثير مما يريد أن يقوله لك ... حقا إنه في انتظارك، وسوف يؤكد لك ما ~~أقوله الآن ... احرق هذا ولك الفضل ... من أخيك؟» # ويقول برودلي: «أما عرابي فلم يبد عليه أنه اهتم كثيرا بما اتهمه به سليمان ولم يؤلمه ~~إلا شدة شعوره بما يحيط به من خيانة وهو ضحيتها ... قال: إني لم يعلم عني قط أني أسات أو ~~ألحقت الضرر بأي مخلوق، وقد كنت أحرس الخديو في القاهرة مدة ثلاثة أشهر حراسة شديدة يوما ~~بعد يوم، ولو كنت أردت مرة أن أقتله ms442 لكان ذلك في وسعي في أية لحظة، فلماذا أفكر في قتله في ~~الوقت الذي كنت أعده من أسوأ أوقاتنا جميعا؟» ~~••• # هذا ما كان من أمر التحقيق وقد كان ما تبتغيه اللجنة إثبات التهم التي ذكرناها على عرابي، ~~ولكن برودلي كان من ناحيته يعد كل ما في وسعه للدفاع لا عن عرابي وحده، بل عن كبار أنصاره ... # وأول ما وجه إليه برودلي اهتمامه هو الحصول على أوراق عرابي، ففي 23 أكتوبر زار برودلي ~~عرابي في سجنه، وطلب إليه ما أخفى من أوراق، ويقول برودلي: إنه تحدث إليه طويلا فيما يلزم ~~من ثقة تامة بين المحامي وموكله، وفيما ينجم من خطر إذا أخفى الموكل عنه شيئا حتى اقتنع ~~عرابي وقال: «لكي تحصل على ما تريد لا بد لي أن أرى نجلي محمدا أو خادمي محمد بن أحمد، ~~فإنه لا تزال لدي أوراق كثيرة، بعد أن أخذت كمية منها من بيتي في القاهرة وكمية من خيمتي ~~بالتل الكبير». # واستعان برودلي بالسير إدوارد مالت والسير شارلز ولسن، حتى سمح لمحمد بن أحمد خادم عرابي ~~بالدخول على سيده مع محاميه، ولثم محمد يد سيده في احترام شديد وناوله ورقة عرف برودلي أنها ~~من أميرة مصرية لم يذكر اسمها من زعيمات الحركة القومية وقد رجت فيها من عرابي أن يعطي ~~الأوراق المطلوبة لمحاميه، وأمر عرابي خادمه أن يعطي الأوراق للمستر برودلي ودله على ~~الأماكن التي يجدها فيها، ومضى الخادم وقد وعد أن يحضرها في الصباح بعد أن أوضح له برودلي ~~أهمية ذلك ... وجاء الخادم في الصباح ومعه محمد بن عرابي فقالا: إن زوجة عرابي وقد أحاط بها ~~الخوف قد اختفت وأخذت معها الأوراق، وإذ ذاك غضب برودلي وخاطبهما محتدا، فوعدا أن يبحثا ~~مرة ثانية، ثم عادا بعد ساعتين ومعهما الأوراق المطلوبة، وفرح برودلي وزميله فرحا عظيما، ~~وحملا الأوراق إلى القنصلية الإنجليزية لتكون في مأمن وليسهر بيمان على ترجمتها ... # ويقول برودلي: «لو أن معركة الدفاع استمرت حتى نهايتها لكان لهذه الوثائق التي ألقى بها ~~عرابي في أيدينا ms443 أهمية عظيمة في إثبات براءته من تهمة العصيان». # كانت تحتوي هذه الوثائق على الكتابين اللذين جاءاه من السلطان على لساني محمد ظافر وأحمد ~~راتب ... وهما وثيقتان على أكبر جانب من الخطورة في صدد ما اتهم به عرابي من عصيان؛ لأنهما ~~شهادتا براءته، وفيهما رضاء السلطان عن أعماله حتى قبيل هزيمته في التل الكبير ... # وكان في تلك الأوراق كذلك ما يثبت كما يقول برودلي «أن الأمة كلها كانت معه» على حد تعبير ~~عرابي نفسه؛ فقد جاءته من مصر كلها من أقصى الصعيد إلى الإسكندرية كتب عليها مئات التوقيعات ~~من أعيان البلاد وكبرائها وعلى بعضها آلاف، وكلها تؤيد عرابي في رفضه المذكرة المشتركة ~~الثانية وتقرر الثقة التامة به وبوزارة البارودي الوطنية، وتستنكر «اللائحة ومن يقبلها» ... # وكان من بينها فتوى موقع عليها من كبار العلماء، ومؤداها أن الخديو بقبوله اللائحة قد ~~انحرف عن الشرع وقد أورد فيها العلماء قوله تعالى: # يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ~~. # 5 # ويعقب برودلي على هذه الوثائق بقوله: «إنها كانت أكثر مما يلزم لنفي تهمة العصيان في ~~معناها العادي، وإنها لتبين أنه إن يكن قد ثار فإنما فعل ذلك قائدا لخمسة ملايين من ~~الأهالي وإنه كان على رأس شعب مصر كله» ... # واعتمد برودلي كذلك في دفاعه على ما كتبه له أحمد بك رفعت والشيخ محمد عبده ويعقوب سامي ~~باشا، وكان ما كتبه رفعت بك والشيخ محمد عبده يدور حول معنى عام هو أن الأمة في مجلسها ~~الشامل قد أعلنت كلمتها وأيدت عرابي في الدفاع عن الوطن وقررت عدم إطاعة توفيق لانحيازه إلى ~~الأجانب، وعلى ذلك فكل عمل ينسب إلى عرابي وأصحابه بعد هذا التاريخ هو عمل مشروع؛ لأنه وليد ~~إرادة الأمة ... أما يعقوب سامي؛ فقد كان أكثر اهتمامه بنفسه ... # أثنى برودلي على رفعت بك لثقافته الفرنسية، وذكائه وذوقه الأدبي، كما أثنى على الشيخ محمد ~~عبده وقال: إن له بين هؤلاء الزعماء مكانة عظيمة فهو أكثرهم علما وفطنة ms444 ونورا ... # وقال برودلي: إنه بزيارته لرفعت بك قد ازداد أملا وثقة؛ وذلك لما ظهر له من شجاعته ~~ودفاعه عن زعيمه، وتصويره إياه أنه كان زعيم شعب بكل ما تحمله الزعامة من معنى وأنه ظفر ~~بمحبة الناس وعطفهم عليه وأن حركة مصر القومية من أقوى الحركات وأنبلها، وأن الحق سوف يظهر ~~وسيعرف عرابي على حقيقته وتتبين قضيته الوطنية للعالم ... # أما يعقوب سامي؛ فقد انخلع عنه عزمه وكان يبكي في سجنه ويشكو مر الشكوى مما لحقه من ~~إهانة، كضربه والبصق على وجهه، وقد تنمر لزعامة عرابي وتخلى عنه في غير خجل، ولما ناوله ~~برودلي كتابا من عرابي يعبر له فيه عن اهتمامه بأمره ومواساته له قال: «أرجو أن تبلغوا ~~عرابي أني لا أستحق هذه الكلمات الطيبة التي يرسلها إلي». # وكان لا يهمل عرابي في سجنه أن يرد على كل ما يقع عليه من اتهام لقضيته، وكان يعنى ~~بالقضية العامة أكثر مما يعنى بشخصه، وكان يبدي رأيه في شجاعة وصراحة جديرتين حقا بأعظم ~~الثناء والإعجاب، وإذا كان خصومه بعد الذي قدمناه من سيرته لا يزالون في حاجة إلى برهان ~~جديد على إبائه وقوته فليقرؤوا هذا الذي أرسله إلى جريدة التيمس من سجنه لينشر ويذاع على ~~العالم، وليتدبروا ما جاء فيه عن الخديو ومسلكه، وكان ذلك ردا على جريدة الجوائب التي ~~كانت تعترف ببطولته، حتى صدر قرار السلطان بعصيانه فصارت تنعته بالعاصي وقد اطلع في السجن ~~على مقال نشرته وفيه طعن على الحركة القومية فكتب يقول: «سيدي ... اطلعت في العدد 1105 من ~~جريدة الجوائب تحت عنوان «القبض على العاصي في مصر» على مقال ذكر فيه أنه ألقي في السجن عدد ~~كذا وكذا من الضباط والعلماء والأعيان والتجار والمديرين وشيوخ البدو، والآن يا حماة الحرية ~~إذا كان الجند هم العصاة فلماذا ألقي في السجن من ذكر من العلماء والأعيان والقضاة حيث ~~أذيقوا الهوان؟ وإذا كانت الأمة كلها بكافة طبقاتها تتجه اتجاها واحدا وتفكر تفكيرا ~~واحدا فلماذا تميزون الجند باسم العصاة؟ إني أعلن باسم الحق أنه ms445 لظلم مبين أن يعاملوا هذه ~~المعاملة، لقد كانت الحرب وفق قانون الله وقانون الإنسان، وقد أعلنت بناء على قرار موقر ~~لمجلس عقد برئاسة الخديو ودرويش باشا مندوب السلطان، وبعد أن غادر الجيش والأهالي ~~الإسكندرية ذهب الخديو إلى هؤلاء الذين كانوا يحاربون أمته، الأمر الذي ينهى عنه كل ~~قانون. # لقد أجمعت الأمة كلها على ضرورة وقف توفيق باشا لخروجه على الشرع الحنيف والقانون المنيف، ~~وطلبت الاستمرار في أعمال الدفاع عن الوطن بقرار رفع إلى جلالة السلطان، أبعد هذا نكون ~~عصاة؟! إننا كنا ندافع عن وطننا بطريقة تقرها شريعة الله والإنسان، وكل من يقول غير هذا ~~كائنا ما كان فهو عبد للهوى والمال، وأضيف إلى ذلك أن علماء الاسلام والمسلمين في كل بلاد ~~العالم، يسلمون أننا لم نتجاوز حدود ما أنزل الله في كتابه وهم يستنكرون ما نلقى من سوء ~~المعاملة؛ لأنه يتنافى مع العدل. # يا دعاة الحق! هل من العدل أن يحرم أبناء الوطن من كل وظيفة ويأخذ الأجانب أماكنهم ومن ~~حضر إلى مصر من الشراكسة والألبان والبلغار بحيث إن جميع الرتب حتى أحطها مثل رتبة ~~اليوزباشي في الجيش قد احتلها الأجانب دون أبناء مصر؟ ولكنا سنجد بين حماة الإنسانية من ~~يدافعون عن الحق في وجه طغيان هذا العهد الذي يسود منه وجه الإنسان ... أحمد عرابي المصري». # 6 # هذا ما كتبه في سجنه عرابي الجاهل الجبان! ألا ما أجمل هذا الجهل وما أعظم هذا الجبن وما ~~أحط ما ذكره عنه المغرضون من بهتان. # وكان برودلي في شغل دائم بإعداد دفاعه الذي أقامه على ما اقتنع به من أمور هامة وصل إليها ~~بطول أناته وإحاطته بموضوع القضية التي هو بصددها جملة وتفصيلا، وكان من ذلك الذي اقتنع به ~~نبل الدوافع التي دفعت عرابي في حركته من أول الأمر، وموافقة توفيق إياه حتى 12 يوليو، ~~وكذلك موافقة السلطان إلى ما بعد ذلك التاريخ، هذا إلى انضمام الأمة كلها إلى عرابي مما ~~يجعل حركته حركة قومية عامة لا حركة فردية، ويجعل سلوك عرابي مسلكا ms446 إنسانيا فائقا أثناء ~~الحرب. # هذا من ناحية عرابي، أما من ناحية خصومه؛ فقد أعد ~~برودلي الأدلة على سخف التهمة القائلة بإهانة الراية البيضاء وبطلان تهمتي الاشتراك في فتنة ~~الإسكندرية وإحراقها ... # ثم إنه اعتزم أن يقيم الأدلة على عدم شرعية المحكمة العسكرية في تألفيها على هذه الصورة، ~~وعلى ما كان في إجراءات التحقيق من نقص قبل مجيئه هو وزميله، وعلى ما لقي المسجونين من ~~إهانة وتعذيب بقصد إرهابهم قبل استجوابهم وحملهم على غير ما يريدون ... # كذلك أراد برودلي أن يتبين كيف كان توفيق يطعن الإنجليز في رسائل منه إلى الآستانة، حتى ~~إذا اطمأن إليهم ألقى بنفسه في أحضانهم وأدار للسلطان ظهره ... # ولكن قوة الدفاع لا تغني شيئا في جو كذلك الذي كان يحيط به وبزميله منذ مجيئهما؛ فقد ~~عمدت الحكومة المصرية وخاصة رياض، ومن ورائه توفيق، إلى وضع الصعاب في سبيله هو وزميله منذ ~~حضورهما، ولجأت لجنة التحقيق إلى أساليب أقل ما توصف به أنها ملتوية، ومن أمثلة ذلك ما كان ~~من أمر سليمان سامي، ثم خروجها في كثير من الأحوال على الاتفاق الذي وقعه برودلي وزميله ~~بشأن ما يتبع من أصول أثناء التحقيق وفي ساحة المحكمة ... # والواقع أن السماح لعرابي بمحاميين إنجليزيين، قد ألقى الفزع من أول الأمر في نفس الخديو ~~ورجال حكومته؛ فقد يقلب التحقيق فرحهم غما ويكشف عن أمور ظنوا أنهم بانتصار الإنجليز ~~والقضاء على عرابي قد خلصوا منها إلى الأبد، ولذلك لجأوا إلى وسائل الغش والتدليس والإرهاب ~~وإعداد شهود الزور والتجسس على رسائل برودلي وزميله إلى حد فض الكتب، وتلك أمور جعلت عملهما ~~محفوفا بالخطر، وزادهما خوفا أنه لا يبعد أن تغمض الحكومة الإنجليزية عينيها وتدع الخديو ~~يصنع ما يشاء بعرابي وزملائه، ولم تحجم المحكمة العسكرية عن أن تعلن آخر الأمر على الرغم من ~~كل دفاع أنها اقتنعت بإدانتهم ثم تحكم عليهم بالموت وينفذ حكمها في الحال ويسدل الستار على ~~المأساة، وتذهب جهود برودلي وزميله عبثا، وتتنصل إنجلترا بعد ذلك من كل تبعة قائلة: إنها ~~فعلت ما ms447 كان في وسعها أن تفعله وهو السماح لعرابي بدفاع حر، ولم يكن في وسعها أن تتدخل في ~~حكم المحكمة العسكرية ... # وكان المتفق عليه من أول الأمر بين بورلي نائبا عن الحكومة المصرية وبين برودلي تجنب ~~الخوض في الأمور السياسية والاكتفاء بالإشارات التي يقتضيها المقام إذا دعت الضرورة إلى ~~ذلك، وقد أرسلت الحكومة الإنجليزية إلى مالت في 13 أكتوبر رغبتها في ألا يسمح بمجادلات أو ~~أدلة تتصل بالدافع أو الأسباب السياسية التي تبرر التهم المعلنة، إلا ما كان منها لإثبات أو ~~نفي تلك التهم». # 7 # وقبل برودلي ذلك؛ لأنه سمح له بشروط معقولة لإجراء التحقيق والمحاكمة ومن أهمها، أن يسمح ~~للدفاع بدعوة من يشاء من الشهود وأن يناقشهم بحضور المتهمين، بصرف النظر عما إذا كانوا أدوا ~~شهادة قبل ذلك أم لا ... # ولكن حدث بعد ذلك أن الحكومة المصرية - وقد كان أخشى ما تخشاه هذا الشرط - لم تتقيد بما ~~وافقت عليه، وتجلى ذلك في شاهدين وقع عليهما برودلي مصادفة، أما أولهما فهو علي راغب وقد ~~رأى برودلي في الممر المؤدي إلى مقر اللجنة وذلك في 2 نوفمبر فتحدث إليه بالإنجليزية حديثا ~~مقتضبا في حذر وخوف؛ إذ كان يحيط به الجند قائلا: إن اسمه علي راغب وهو الضابط البحري ~~الذي كان يحمل كتب عرابي إلى الآستانة ويحمل كتب الآستانة إليه، وإنه حكم عليه بالنفي إلى ~~السودان 10 سنوات مع الأشغال الشاقة، ولديه معلومات تفيد قضية عرابي ويرجو أن يؤدي الشهادة ~~عنه، ولكن حينما طلب برودلي استدعاءه بادرت الحكومة بإرساله إلى السودان ليمضي هناك 15 سنة ~~لا 10، وأما ثانيهما فشخص يدعى كارمي كان يقيم في بيروت أثناء الحرب وكان يتمتع بالحماية ~~البريطانية، وقد كان كاتبا لدى أسرة الشمسي، وقد حدث أن أعيد إلى وظيفته مدير الشرقية الذي ~~فصل وقت الحرب، وواتته الفرصة الآن للانتقام من شخصين ظن أنهما عملا على فصله وهما أمين بك ~~الشمسي وأحمد بك أباظة، وكانا من أنصار عرابي، فجيء بهما من سجن القاهرة إلى سجن الزقازيق، ~~حيث ألقيا في حجرة ms448 مظلمة والأغلال في أيديهما، وأرغما وهما من علية القوم على كنس السجن ~~وتنظيفه، وتصادف أن جاء كارمي فأرسلته أسرة الشمسي إلى برودلي ليقدمه شاهدا وسرعان ما قبضت ~~الحكومة عليه وقد أخبرها عنه جواسيسها وأخرج من مصر عنوة إلى بيروت ... # وفي 7 نوفمبر استدعت اللجنة برودلي وزميله وسألتهما عما ينويان عمله؟ قال برودلي: «ووجدنا ~~أننا أمام اللجنة كأنما خضعنا لنوع من الاستجواب يقصد منه القضاء على ما أعددناه من إجراءات ~~الدفاع، كم يستغرق استجوابنا الشهود من أيام؟ ومن يوجه الأسئلة عمليا؟ وأي التراجمة يعول ~~على ترجمته؟ وهل يسمح للمتهمين بالكلام؟ وهل لدينا ما يمنع عن إرسال أوراق عرابي إلى اللجنة ~~في الحال؟ ثم أليس المسجونون في إنجلترا يقضى في أمرهم بعد استجواب هين؟ إلى أمثال ذلك من ~~أسئلة وجدنا أنها عقبات تدل على ما تنويه اللجنة ...» # وكان من أكبر الصعوبات كذلك في طريق برودلي وصاحبه أن اللجنة كانت تستدعي شهود الإثبات ~~وتسألهم في غيابهما، وكانت تلجأ إلى ما تستطيع من وسائل التهديد والإغراء لحملهم على ما ~~تريد، وكانت تطلب إليهم أن يقدموا إليها كتابة ما يعرفونه عن الاتهامات، وتوحي إليهم بما يفعلون. # 8 # وفي 14 نوفمبر منه مكن رياض باشا المستر برودلي من زيارة موكليه في السجن ما عدا عرابي ~~بحجة أن موظفيه من الكتبة ينقلون أنباء من المسجونين إلى ذويهم خارج السجن مما يخشى منه أن ~~يؤدي إلى هياج. # وظل الأفق هكذا مظلما أمام برودلي وصاحبه تتجمع فيه السحب من كل جانب، وكانا يرسلان إلى ~~بلنت هذه الأنباء السيئة وقد طالت إقامتهما بمصر وكثرت نفقات القضية كثرة أوشكت أن تعجزه ... # وفي رسالة من بيمان إلى بلنت في 17 نوفمبر تبين أن السحب قد تمزقت في بعض نواحي الأفق، ~~قال بيمان: «أكتب إليك هذه الكلمة لأبلغك أن الأمور تسير الآن سيرا طيبا، فإن شهادة ~~سليمان سامي التي طرب لها الاتهام ما لبث أن تبين أنها لا تساوي قلامة ظفر؛ إذ إنها لفقت ~~لوقتها وليس فيما مضى من الأقوال ما يؤيدها، وأن ms449 السؤال القائم الآن هو: هل يطلق المسجونون ~~بغير محاكمة أم هل تهيأ لهم الفرصة في عدالة ليتكلموا مدافعين عن أنفسهم؟ وإني مقتنع هنا أن ~~الحكومة تبذل كل ما في وسعها للقضاء على إجراءات التحقيق؛ لأن الحقائق التي سوف يبرزها ~~استجواب الشهود سوف تمس كل شخص تقريبا ممن بيدهم السلطة الآن، وسوف تكشف عن أشياء تتصل ~~بالخديو مما لا يحمد، ولهذا السبب الأخير أحسب أن حكومتنا ستحس في نفسها الميل إلى أن تعرض ~~على عرابي بعض شروط خشية أن يظهر التحقيق أن أكبر الآثمين في مصر هو الرجل الذي أحضرنا ~~جيشنا لنصرته، فإني أكاد أجزم شخصيا أن الخديو وعمر لطفي هما مدبرا فتنة الإسكندرية لتكون ~~ضربة لعرابي الذي أعلن فيها مباشرة أنه يضمن الأمن العام». # 9 # والحق أن بيمان قد تسقط هذ الأنباء مما كان يتحدث به همسا في الحلقات الإنجليزية مثل ~~مجيء دوفرين إلى مصر؛ فقد أوفدته الحكومة الإنجليزية إلى مصر لحل هذه المشكلة فبلغ القاهرة ~~في 16 نوفمبر 1882. # وأقام دوفرين بقصر النزهة يستفسر الإنجليز وغيرهم، وقد لقيه برودلي وصاحبه بقصر النزهة، ~~يقول برودلي: «وفي حجرة من حجرات هذا القصر لقيني اللورد دوفرين وزميلي نابيير في 11 ~~نوفمبر، وهيأ لي في الحال الفرصة ليسمع قضيتي، فقصصت عليه كل ما حدث لنا منذ حضورنا حتى ~~ساعة لقائه، وكان يصغي في صبر وصمت إلى قولي، ولم يتكلم إلا قليلا، شأن السياسي المحنك، ~~واقتنعت أنه آن للزعماء القوميين ألا ييأسوا من العدالة». # وتلقى بلنت برقية من برودلي في 18 نوفمبر هذا نصها: «أعتقد أنه من الممكن الوصول إلى ~~تسوية طيبة ... لا تهاجم إدارة الشؤون الخارجية ... الحرص على السر أمر جوهري». # ولكن السحب ما لبثت أن تقاربت لتتجمع ثانية على الأفق حيث يتبين ذلك في الرسائل ~~الآتية: # في 20 نوفمبر أبرق برودلي يقول: «لندن تشاور دوفرين ... ضعف ميل الحكومة المصرية إلى عقد ~~تسوية؛ وذلك لظنها أن الرأي العام في إنجلترا قد تغير بسبب أقوال سليمان سامي». # وفي 21 نوفمبر، أبرق يقول: «أزمة خطيرة ماثلة، ms450 يؤكد أصدقاء الحكومة المصرية تصميمها على ~~شنق عرابي لا تغادر لندن». # وفي اليوم نفسه أرسل برقية أخرى يقول فيها: «لا يعبر أي كلام في استطاعتي عن مسلك الحكومة ~~المصرية الشائن، إنها تضرب باتفاقنا وإياها على إجراءات التحقيق عرض الحائط ... إنها لا تبالي ~~بشيء طالما أنها تعالج المسألة دبلوماسيا لشنق عرابي». # وأبرق نابيير أيضا في اليوم نفسه يشكو من الحكومة المصرية، ويشير إلى ما يرجى من معاونة ~~دوفرين، ولكن الوزارة المصرية ماضية في سبيلها بسرعة نحو غايتها ... # وعاد إلى برودلي شيء من التفاؤل بعد بضعة أيام، فأبرق إلى بلنت في 27 يقول: «ألقيت ~~بالبريد ما يشرح لك الموقف شرحا كاملا، لدي ما يجعلني أعتقد أنه لو وافق عرابي ومحمود ~~سامي وطلبة موافقة صورية على تهمة العصيان - أعني الاستمرار في الحرب على الرغم من أوامر ~~الخديو - فإن الحكومة المصرية توافق على نفيهم أو اعتقالهم في رأس الرجاء الصالح أو في أي ~~جهة أخرى». # ورد بلنت في 28 يقول: «لا أقبل الشروط المقترحة ورأس الرجاء الصالح بوجه خاص، سأشاور أحد ~~أصدقائي الليلة بشأن النفقات، موقفنا من الوجهة السياسية في منتهى القوة، سيصلك الرأي ~~القاطع بعد». # وكان برودلي قد شرح الموقف في كتابه الذي أرسله بالبريد قائلا: «إنه لم يبق صعوبة في ~~القضية إلا حادث حريق الإسكندرية فإنه وإن كان عرابي بريئا من حرقها إلا أن في مسلكه ~~أمورا تجعل للاتهام سبيلا للجدل والكلام، ومن ذلك أنه لم يبذل أية محاولة لوقف النار ~~والنهب، كما أن صلته بسليمان سامي استمرت بعد ذلك، ولم يعاقب المسؤولين، فضلا عن وجود ~~أوراق فيها شراء كميات كبيرة من النفط، هذا إلى ما ظهر من الجند من الميل إلى ازدياد الحريق ~~بدلا من إطفائه ... # واقترح برودلي أن تقبل التسوية وإلا فأمامهم محاكمة طويلة لا يؤمن معها تقلبات الرأي ~~العام ، على أنه على استعداد لخوض غمار المعركة في قوة حتى نهايتها ... # وكتب نابيير كذلك إلى بلنت في 27 نوفمبر يقترح قبول التسوية، وإن كان على استعداد هو ~~وزميله للمرافعة قائلين: ms451 إنهما قادران على أن يجعلا تهمة حريق الإسكندرية هباء، وأن يجعلا ~~من مذبحة 11 يونيو مسألة حامية بينهم وبين خصومهم ... # وفي 28 أبرقا معا إلى بلنت يقولان: «قابلنا دوفرين طويلا، نرجو منك أن ترسل إلينا ~~مستشاريك لتحصل على أحسن شروط ممكنة، الإبطاء يقضي علينا، اعتمد على حكمنا، لا جدوى من ~~انتظار المعونة من إدارة الشؤون الخارجية، يميل دوفرين إلى أن يزيد تعليماته لصالحنا، يحكم ~~دوفرين الحكومة المصرية، الدفاع عن مسألة حريق الإسكندرية يحيط به شيء من الشك، خدمات ~~دوفرين الطيبة ضرورية جدا، أبرق لنا بتعليماتك، سنقابل دوفرين غدا في الساعة ~~العاشرة». # وأبرق نابيير إلى بلنت في اليوم نفسه: «أقول لك بشرفي: إني موافق على البرقية السالفة، ~~الأمر يستدعي أشد الاستدعاء أن ترسل تعليماتك، ليس ثمة أي مصلحة شخصية فيما طلبنا». # وذكر برودلي في كتابه أنه منذ 27 نوفمبر رغبت جميع الجهات في تسوية للموقف، فالحكومة ~~الإنجليزية التي أعلنت من قبل عصيان الجند، والتي سمت الحركة كلها ثورة عسكرية والتي أرسلت ~~حملة لقمعها أنفقت فيها ملايين الجنيهات لا يمكنها أن تطلق عرابي بعد هذا بلا قيد ولا شرط، ~~ولن يوافق جلادستون على قرار مؤداه أن عرابي قد سقطت عنه تهمة العصيان بعد كل هذا، ولكن ~~الحكومة الإنجليزية من ناحية أخرى لم تعد تقوى على إصدار حكم بالموت على عرابي، وإن كانت لا ~~تعترض على الحكومة المصرية إذا ألقته في السجن إلى أي وقت تشاء. # وكانت تركيا تريد أن تنتهي هذه المسألة على أي وجه إلا الكابوس الذي يزعجها وهو محاكمة ~~عرابي، ويعتقد برودلي أنها استعانت بألمانيا لتتوسط لدى دوننج ستريت لمنع ذكر ما من شأنه أن ~~يمس السلطان من فضائح في القاهرة ... # ورأت حتى الحكومة المصرية - ما عدا رياض - أن تتجه هذا الاتجاه وذلك بعد أن عجز سليمان ~~سامي عن إقامة الدليل على عرابي، وبعد أن أبلغ شريف باشا بأن الحكومة الإنجليزية لا تستطيع ~~أن تصدر حكما بالموت على عرابي، وأصبح هم الخديو أن يخرج العصاة من مصر جملة حد تعبيره ms452 # 10 ~~... # وفي 28 نوفمبر أبرق بلنت إلى برودلي يقول: «لا أقر شيئا أقل من نفي شريف: عدن، مالطة، ~~قبرص في حدود هذا، أترك الأمر لحكمتك». # واتفق على أن تكون التسوية كما يأتي: تستبعد جميع التهم عن عرابي ما عدا تهمة عصيان أمر ~~الخديو، ويقدم إلى المحاكمة متهما بهذه التهمة الأخيرة بها، وتصدر المحكمة حكمها عليه ~~بالموت، ولكن مرسوما خديويا بتعديل الحكم يتلى في قاعة الجلسة ويقضى بنفيه من مصر، ويصدر ~~بعد ذلك قرار بتجريده من لقبه وممتلكاته ما عدا ممتلكات زوجته، ثم يقسم عرابي بشرفه أن يذهب ~~إلى الجهة التي تحدد له وألا يبرحها إلا إذا سمح له بذلك ... # وقد كان هذا الاتفاق من وضع اللورد دوفرين، ويقول برودلي: إن الحكومة المصرية قبلته على ~~الرغم منها، وقد غضب رياض غضبا شديدا؛ إذ كان يصر على موت عرابي، وسوف يستقيل عقب تنفيذه ~~وإن لم يذكر سبب استقالته ... # وأوعز رجال السراي إلى مراسلي الصحف الفرنسية فأثاروا حملة شديدة على الإنجليز وعلى ~~عرابي، حتى لقد أبرقوا إلى صحفهم بأن هناك اتفاقا سابقا بين الحكومة الإنجليزية وعرابي ... # وينتقد برودلي مسلك الحكومة المصرية انتقادا شديدا ويقول: إنها بدل أن تظهر شيئا من ~~الصفح والتسامح يبعد عنها الشبهات قد أدت بما فعلت إلى إظهار نفسها بمظهر المغلوبة على ~~أمرها ... الأمر الذي لا يليق بكرامة أية حكومة، ولكن الخديو هو الذي كان يدير ذلك كله من ~~وراء ستار. # ولم يكن عرابي حتى 29 نوفمبر يعلم شيئا من هذا كله، فلما ذهب إليه برودلي في صباح ذلك ~~اليوم ومعه ترجمانه المستر سانتلا، قص عليه القصص وقال: لا تخف ... نجوت من القوم الظالمين ... # وفكر عرابي قليلا، وقد أخذته الدهشة، ثم قال: «أعترف بصراحة أني كنت أفضل المحاكمة لأسمع ~~أوربا كلها قضيتي، وألقى من اتهموني وجها لوجه في ساحة المحكمة» وتساءل عرابي: «أليس يرجى ~~أن يفضي ما عسى أن يلقى من ضوء على المسائل المصرية في المحكمة إلى تحقيق الإصلاحات التي ~~عجزت الحرب عن تحقيقها؟» # وذكر له مستر برودلي ما ms453 يتعرض له من الخطر من جانب محكمة كهذه؟ فتدبر، ثم قال: «إذا قبلت ~~ما تتحدث عنه من شروط، فماذا عسى أن يكون مصير إخواني؟» وأبلغه محاميه أنهم سيعاملون مثل ~~معاملته ... # وأطرق عرابي لحظة، ثم صاح قائلا: «كيف أقول: إني عاص؟! ألم أفعل ما أمر به السلطان ~~والخديو؟! وإذا كان الخديو قد انحاز إلى الإنجليز فهل أسمى أنا عاصيا؛ لأنى أطعت إرادة ~~الأمة المصرية؟!» # وحار برودلي لحظة ماذا يقول، ثم أجاب بقوله: «إن الحكومة الإنجليزية لا يمكنها أن تتراجع ~~عما أعلنته ولذلك قضت الضرورة بهذا الحل». # ولكن عرابي سأله: «وهل عاملت الحكومة الإنجليزية عدوا غلب على أمره من أعدائها مثل هذه ~~المعاملة من قبل؟!» # وكان اللورد راندلف تشرشل قد سأل جلادستون هذا السؤال في البرلمان الإنجليزي قبل ذلك ~~بثلاثة أسابيع ورد جلادستون بأن حال نابليون بعد فترة المائة يوم هي أشبه شيء بحال عرابي ~~اليوم. # وذكر برودلي ذلك لعرابي، فقال عرابي: وأين أنا من نابليون حتى أعامل بما عومل به؟ فذكره ~~برودلي بأن الذي عقد هذه المقارنة هو خصمه الذي يقرر مصيره. # ونهض البطل السجين وأخذ يمشي في غرفته جيئة وذهابا وعلى وجهه علامات التفكير العميق، وظل ~~على هذه الحال زمنا ليس بالقصير، ثم توجه إلى محاميه قائلا: «عندما جئت إلى هنا أول مرة ~~ائتمنتك على حياتي وشرفي، وإني أفعل الآن ما فعلته حينذاك، ولذلك فإني مستعد أن أقبل نصحك، ~~فأما ما يتصل بالألقاب فلست أعبأ بأن أفقدها؛ لأني ما سعيت إليها، وأما الممتلكات فليس عندي ~~إلا ما خلفه لي أبي وهو لا يكاد يطعمنا الخبز، إني لست أنتظر أن تغير إنجلترا ما عقدت عليه ~~العزم الآن، ولكني على يقين أنها سوف تفعل ذلك في المستقبل وسأكتب لك كتابا يتيح لك من ~~السلطة ما توافق به على ما تراه عادلا مشرفا من الشروط، ولكني أرجو منك أن تكون شهيدا ~~على أني أفعل ذلك؛ ابتغاء إنقاذ إخواني أكثر مما أفعله من أجل شخصي». # 11 # وكتب عرابي هذا الكتاب، وذكر فيه أنه يدع ms454 للمستر برودلي أن يفعل ما يراه لصالحه «مع تذكر ~~قضايا إخواني السياسيين وغيرهم من المواطنين المسجونين» وأنه يثق أن ذلك سوف يكون كما يشاكل ~~شرف إنجلترا «حيث إننا أبرياء جميعا من التهم الوحشية الموجهة إلينا». # هذا موقف عرابي المؤمن بعدالة قضيته، والذي ظن أن خصومه في مصر يريدون وجه الحق وما كانوا ~~يريدون إلا رأسه بأي ثمن وعلى أية صورة، ولو أتيحت له محاكمة عادلة على أيدي قضاة عادلين ~~لكانت البراءة الناصعة عاقبته في غير مشقة، فليقبل حكم الظروف وقد حرم حكم القضاء ... # كان على برودلي بعد ذلك أن يعد تمثيل المهزلة مع المسؤولين، وكان برودلي قد استقال؛ لأنه ~~«لا يستطيع الاشتراك في مهزلة سياسية كهذه» كما قال، ويذكر برودلي أن الخديو هو الذي أوعز ~~إليه بهذا ففعله؛ مشايعة لبقية بني جنسه الفرنسيين، ولذلك كان على برودلي أن يتصل بتجران ~~باشا الذي حل محله وقد بذل تجران أقصى ما في وسعه ليكتم غضبه من اضطلاعه بهذا العمل. # وكان على ممثلي المهزلة أن يبحثوا في القانون العثماني عن مادة تنطبق على مثل هذا ~~العصيان، فوجدوا مأربهم في المادة 96 من القانون العسكري، والمادة 59 من قانون العقوبات ... # وكتبت لجنة التحقيق إلى المحامين تبلغهما أنها رأت تقديم عرابي إلى المحكمة العسكرية ~~بمقتضى هاتين المادتين وتسألهما إن كان لديهما اعتراض على هذا ... # ورد برودلي وصاحبه أنهما لا يعترضان، وعلى ذلك أرسل إسماعيل أيوب باشا عضو المجمع الشعبي ~~العام وضيف عرابي في كفر الدوار # 12 # إلى رؤوف باشا عضو ذلك المجلس العام أيضا # 12 # يقول: ~~إنه بعد استجواب عرابي باشا اقتنع بتقديمه إلى المحكمة العسكرية وفقا للمادتين المشار ~~إليهما. # على هذه الصورة فرغ من إعداد المهزلة في 2 ديسمبر واتفق على أن يكون تمثيلها في اليوم ~~الذي يليه ... ~~••• # كانت قاعة مجلس النواب المصري # 13 # قد أعدت من أول الأمر لانعقاد جلسات المحكمة العسكرية، ووضعت فيها المقاعد ~~لجمهور كبير يشهد الحكم على عرابي بالموت ومما يذكره المستر برودلي وقد شهد القاعة عقب ~~مجيئه إلى مصر ms455 أنه لم يكن فيها مكان للدفاع ... # وشاءت الأقدار لهذه القاعة التي كانت مجالا لنواب الأمة والتي كان فيها منبر حريتهم، ~~والتي هي الآن مقر مجلس شيوخها الموقر، ألا يشهد حكما كهذا على زعيم الحركة القومية في مصر ~~أحمد عرابي باشا. # وكان تمثيل المهزلة في مكان غير هذا الحرم الشعبي الجليل؛ فقد اختيرت قاعة من قاعات مبنى ~~الدائرة السنية حيث كان المسجونون، وحيث كان مقر لجنة التحقيق ... # وفي صباح 3 ديسمبر سنة 1882 بدأ تمثيل المهزلة، فتأهب رؤوف باشا رئيس المحكمة العسكرية ~~بملابسه الرسمية ووسامه المجيدي الأكبر، وتأهب بقية القضاة بأوسمتهم وملابسهم الرسمية كذلك ~~في حجرة مجاورة. # ودخل قاعة الجلسة بعض الإنجليز من العسكريين، والمدنيين، وبعض الأوربيين وعدد صغير من ~~الأوربيات وفريق من مراسلي الصحف الأجنبية، كالتيمس، وستاندارد، والديلي نيوز، والديلي ~~تلغراف، والنيويورك هرالد، والجرافيك، والألستراسيون وغيرها، ولم يكن شهود الجلسة أو ~~الملهاة يزيدون في مجموعهم عن أربعين. # قال برودلي: «... ودنا مني إسماعيل أيوب باشا وفي يده ورقة وقال: إنه يأمل ألا أعترض على ~~قراءته من أجل بعض المظاهر فقط، عبارة من وضعه، فأجبته في غير التواء: إن له أن يفعل ما ~~يقضي به رأيه، ولكن إذا استعملت أية رقعة غير الرقعتين اللتين اتفق عليهما فسيعلن عرابي أنه ~~غير مذنب ... فتنهد تنهيدة طويلة في هدوء ودس رقعته تحت المنشفة ولم يعرف عنها شيء بعد» ... # أما الرقعتان المتفق عليهما ففي إحداهما عبارة قصيرة وقع عليها عرابي هي «إني بإرادتي ~~وعملا بنصيحة محامي أقر ما يتلى علي الآن من اتهام» وفي الثانية يتعهد كجندي أن يبقى في ~~المكان الذي تحدده له الحكومة الإنجليزية وفقا للحكم الذي يتلى عليه ... # وكان مراسلو الصحف المصورة يرسمون القاعة ومن فيها تاركين موضع القضاة في أوراقهم خاليا ~~حتى يحضروا وكذلك موضع المتهم، وقد أعد الذين لم يبلغهم نبأ المهزلة أوراقا كثيرة وأقلاما ~~يحسبون أنهم سيملأونها بالأوصاف والأنباء ... # يقول برودلي: «وفي الساعة الثامنة دخل القضاة التسعة قاعة الجلسة، وجلسوا على كراسيهم ذات ~~الظهور المخملية الحمراء، وجلس السير شارلز ولسن ms456 وراء قمطر يواجه هذا المكان، وكانت المنصة ~~المخصصة لممثل الاتهام خالية ... # وبعد دقائق رأيت عرابي من الباب المفتوح يقطع الفناء ومعه نابيير في ردائه التقليدي ~~وعثمان شريف وحارسان شركسيان، ودار عرابي حول مؤخرة القاعة، وبعد أن مر بمقعد طويل كان ~~مخصصا لجلوس نحو 20 شخصا على الأقل، جلس بجواري، واتخذ المستر نابيير كذلك مكانه إلى ~~جانبي، وساد الصمت العميق هنيهة، وكان يبدو على عرابي بعض الاضطراب العصبي أول الأمر ولكنه ~~ما لبث أن تمالك نفسه، وتناول رؤوف باشا ورقة وتلا ما بها وهذا نصها: # أحمد عرابي باشا ... أنت متهم الآن أمامنا بناء على قرار لجنة التحقيق بجريمة عصيان ~~سمو الخديو، مخالفا بذلك المادة 96 من القانون العسكري العثماني والمادة 59 من ~~قانون العقوبات العثماني، فهل أنت مذنب أم غير مذنب؟ # وقد نهض عرابي بمجرد أن أخذ رؤوف باشا يتلو هذه العبارة، فلما فرغ منها أجاب عرابي ~~قائلا: «إن محامي سوف يرد عني». # ونهضت وتلوت الترجمة الفرنسية لاعتراف عرابي وأبرزت الأصل العربي وعليه خاتمه وقرأه كاتب ~~كان يجلس على مقربة من الرئيس، ونظر رؤوف باشا إلى عرابي متسائلا، فأومأ برأسه علامة ~~الموافقة، فأعلن الرئيس تأجيل الجلسة إلى الساعة الثالثة بعد الظهر ... # وفي الموعد المحدد ازدحمت القاعة بشهود الجلسة وحضر عدد غير قليل من السيدات، وكانت بينهن ~~زوجة نابيير، وكان الطريق أمام الدائرة السنية مزدحما بالناس، وانعقدت المحكمة، فناول رؤوف ~~باشا كاتب الجلسة نص الحكم وأمره بتلاوته، فتلاه ... وبعد فترة قصيرة من السكون ناوله ورقة ~~أخرى واتجه إلى عرابي قائلا: «أحمد عرابي ... ستسمع المرسوم الصادر من سمو الخديو، وتلا ~~المرسوم المذكور» ... # وكان الحكم يقضي بالموت على عرابي، والمرسوم يستبدل به النفي المؤبد، وانفضت الجلسة بعد ~~عشر دقائق وأسدل الستار على المهزلة ... # وتقدم المهنئون إلى عرابي، وتزاحم عليه مراسلو الصحف مصافحين إياه في حماسة، وقدمت له بعض ~~السيدات الأوربيات باقات من الزهور فتقبلها شاكرا. # ويذكر مستر برودلي أن زوجة زميله المستر نابيير كان أمامها باقة من الزهور صغيرة كانت ~~أعدتها لترسلها إلى عرابي ms457 بعد المحاكمة، فأخذها أحد الجالسين من غير شعور ووضعها في يد ~~عرابي، ولقد أثار هذا كثيرا من اللغط وخاصة من جانب أعوان الخديو؛ إذ عجبوا أن تفعل ذلك ~~سيدة على مرأى من الناس، ولكن هذا اللغط ما لبث أن ذهب بظهور حقيقة ما حدث. # وأعيد عرابي إلى السجن ليبقى فيه ريثما ينفذ الحكم. # | إلى المنفى # كان أول شيء فعله عرابي بعد عودته إلى سجنه أن صلى لله وأطال سجوده؛ شكرا له سبحانه، ~~ولما خرج من الصلاة وجد محامييه في الحجرة فوجه إليهما بعد الله شكره، وأعادا عليه ~~تهنئتهما، وخرجا بعد حديث جرى بينهما وبينه، وتركاه ليكتب لصديقه مستر بلنت الذي أبلى في ~~سبيل إنقاذه ما أبلى. # وذكر برودلي أنه علم علم اليقين أن الوطنيين من أهل القاهرة قد باتوا ليلتهم في فرح ~~عظيم وإن لم تخرج مظاهر الفرح من بين جدران المنازل؛ خوفا من الحكومة والخديو، فوزعت ~~الصدقات والملابس وأطعم الفقراء، وأقيمت الصلوات، وكان فرح الناس منبعثا من أعماق نفوسهم، ~~أو على الأصح مستقرا في أعماقهم. # وزاره برودلي صباح اليوم التالي وأخبره أنه لم يبق لديه مما يشغل باله إلا قلقه على ~~إخوانه المسجونين، ورغبته أن يبين لأهل أوربا حقيقة اعترافه الشكلي بعصيانه أمر الخديو ... # وطاب عرابي نفسا بما ذكره له برودلي من أنه يأخذ على عاتقه قضية إخوانه، وأنه لن يألو ~~جهدا في العمل على إنقاذهم ... # وكتب عرابي إلى جريدة التيمس كتابا تاريخيا طويلا قال فيه - بعد أن أثنى أعظم الثناء ~~على محامييه: إنه اتبع ما أشارا به عليه وذكر «أن الوزراء الإنجليز قد أعلنوا قبل ذلك أكثر ~~من مرة أني ثائر ولست أتوقع أن يغيروا رأيهم فجأة» وأشار إلى براءته من تهمتي المذبحة ~~والحريق، وقال: «إنه يغادر مصر مرتاح الضمير وملء نفسه الثقة في المستقبل؛ لأنه يعتقد أن ~~إنجلترا لن تستطيع أن تعوق الإصلاحات التي حارب في سبيلها، وعما قريب ستلغى الرقابة ~~الإنجليزية الفرنسية، وتتخلص مصر من قبضة الموظفين الأجانب الذين يشغلون كل منصب دون ~~المصريين، وستطهر محاكمنا ms458 الوطنية من العيوب، وستوحد القوانين ويكون لها سلطة، وسيكون للأمة ~~مجلس نواب ذو رأي مسموع وله حق التدخل في شؤون الشعب المصري، وسيطرد المرابون من القرى، ~~وعندما يرى الشعب الإنجليزي تحقيق هذا كله يستطيع أن يتبين أن عصياني كان له مسوغ ~~عظيم. # إني ابن فلاح مصري وقد بذلك جهد طاقتي في سبيل الحصول على هذه الإصلاحات لوطني العزيز ~~الذي أنتمي إليه والذي أحبه أشد الحب، ولكن سوء حظي حال بيني وبين ما أردت ... وإذا لم تقف ~~إنجلترا في وجه هذه الإصلاحات وسلمت مصر للمصريين كما تقتضيها ذمتها وشرفها فيومئذ يتبين ~~للعالم كله حقيقة مساعي عرابي العاصي وحقيقة أغراضه». # وأثنى عرابي أعظم الثناء على مستر بلنت «الذي لم يدخر جهدا ولا مالا ليعينني في ساعة ~~محنتي وحاجتي، في حين تخلى عني جميع أصدقائي المصريين الذين كانوا يلازمونني في أيام ~~اليسر». # واختتم رسالته بقوله: «إني أغادر مصر مقتنعا كل الاقتناع أنه كلما مرت الأيام اتضح ~~للعالم عدالة قضيتنا شيئا فشيئا، وسوف لا تندم إنجلترا على ما أظهرت من إنسانية وتسامح ~~إزاء رجل حاربها وحاربته». # وبعد أربعة أيام من صدور الحكم على عرابي قدم إلى المحكمة العسكرية كل من محمود سامي وعلي ~~فهمي، وعبد العال حلمي وطلبة عصمت، وكان مصيرهم مثل مصيره، وكذلك كان مصير محمود فهمي باشا ~~ويعقوب سامي بعد هؤلاء بثلاثة أيام ... # واتفق أخيرا على أن تكون سرنديب منفى عرابي، فذهب إليه برودلي وبيمان يبلغانه بذلك في 8 ~~ديسمبر فارتاح عرابي لذلك المكان، قائلا: «إني أخرج من مصر بستان الدنيا؛ لأذهب إلى سرنديب ~~جنة آدم»، وأخذ يحدث بلنت عما يذكره التاريخ القديم عن قصة هبوط آدم وكيف أنه حل بهذه ~~الجزيرة فصارت تعرف بجنة آدم كما ذهبت حواء إلى الحجاز فصار يعرف بجنة حواء ... واستبشر عرابي ~~وشاع في نفسه السرور ... # ويذكر برودلي أن اللورد شارلز برسفورد كان يجمع المعلومات عن أسباب الحرب أثناء إقامته ~~بالقاهرة فأحب أن يعرف ما يقول عرابي ، وحمل نابيير إلى عرابي هذه الرغبة فكتب له تاريخا ~~موجزا ms459 للأيام السابقة لضرب الإسكندرية، ثم وصف كيف قررت الحرب وكيف بدأت. # وكان عرابي شديد التطلع إلى معرفة ما تكتبه عنه الصحف الأوربية، وقد آلمه تغير الصحف ~~العربية، وتنكرها له ولحركته، وترجم له التراجمة أقوال بعض الصحف الأجنبية كجريدة التيمس ~~وستاندار والديلي نيوز، فسري عنه كثيرا، وكان ذلك من أسباب كتابته لجريدة التيمس. # وكتبت جريدة «تروث» الإنجليزية # 1 # تمتدح عرابي وتثني على الحركة القومية في مصر، فسر عرابي لهذا سرورا عظيما ~~وأعجبه اسمها وترجمته بالعربية «الحق» وقال: إنه يريد أن يعبر عن الحق في جريدة «الحق»، ~~فكتب إلى محررها المستر لابوشير رسالة افتتحها بقوله: «أرجو أن تسمح لي بأن أقدم إليك أصدق ~~شكري على ما أعلنته دائما من الحق فيما يتصل بي وبإخواني في أيام محنتهم، وإني مقتنع كل ~~الاقتناع ببراءة مقاصدك وأنك أردت دائما أن تظفر بما يتفق مع الحق من عدالة، وليس من شك في ~~أن أولي العدل من الرجال الذين يجودون بالعون لمن لحقهم سوء الحظ، في ساعة حزنهم. # وبعد، فإنه لما كان لا يعنيني شيء أكثر مما يعنيني رخاء وطني وتقدمه وسعادة أهله، وذلك ~~على الرغم من أني أغادره الآن إلى الأبد، فإني أحب أن أذكر لك بعض الأمور الجوهرية التي لو ~~روعيت جلبت الخير الكثير لوطني وأفادت أهله فائدة عظيمة، وأحسب أنه لن يبلغك هذه الأمور في ~~غير هوى مثل رجل مجرب فقد كل ما يملك في سبيل حب وطنه». # ومضى عرابي يذكر ما يرجوه من أوجه الإصلاح معقبا على كل وجه بما يفسره، فأشار إلى ضرورة ~~وجود مجلس نواب تام السلطة على أساس انتخاب حر، كما هو الحال في الأمم المتمدنة، يسأل ~~أمامه الوزراء وينعقد لمدة محدودة لا تنقص عن خمس سنوات، وإلى ضرورة المساواة بين المصريين ~~في المعاملة وفي الضرائب، وإلغاء السخرة، بحيث يكافأ الناس على ما يؤدون من أعمال؛ لأن حياة ~~الفقير تتوقف على عمله اليومي، وإلغاء الربا في القرى، ووضع قانون عادل يطبق في المحاكم ولا ~~يعتدي عليه أحد، وأن تكون وظائف ms460 الدولة للوطنيين جميعا على أساس الكفاءة والاستعداد، ولا ~~بأس من أن يستخدم بعض الأجانب مع مراعاة الحالة الاقتصادية. # واختتم رسالته بقوله: «وإذا وافقت إنجلترا على اقتراحاتي هذه فلست أبالي بالنفي أو بأي ~~شيء آخر يخبئه لي القدر». # 2 # وما زال يسعى برودلي حتى رفعت الحواجز الخشبية الغليظة التي كانت تفصل بين الردهات ~~والحجرات، واستطاع المسجونون السبعة أن يلتقوا في 13 ديسمبر، فكان لقاء اهتزت له نفوسهم، ~~عناق وضغط على الأيدي ودموع في المآقي، وأصبحت حجرة عرابي ملتقاهم كل يوم؛ حيث كانوا ~~يجتمعون أمامه وينظرون إليه جميعا كما كانوا يفعلون من قبل نظرتهم إلى كبيرهم وزعيمهم، ~~وكانوا لا يبرمون أمرا إلا برأيه ولا يتناقشون في شيء إلا في مجلسه ... # وامتلأت الحجرات بالزائرين والزائرات من الأقارب القاهريين والقرويين، وكان أقارب ~~المسجونين جميعا يذهبون إلى حجرة عرابي فيلثمون يده ويحظون بالجلوس ساعة بين يده وأعينهم ~~لا تتحول عن وجهه ... # وأحضر الخدم ما يلزم من متاع في المنفى، من سرر وكلل وستائر وبسط وآنية وغير ذلك، حتى ~~امتلأت به الحجرات ... # وطلب إليهم صديقهم المستر برودلي أن يعد كل منهم قائمة بأسماء من يريد أن يرافقوه إلى ~~المنفى ليحمل تلك القوائم إلى وزير الداخلية، وكان حينذاك إسماعيل باشا أيوب الذي حل محل ~~رياض ... # وذهب برودلي فقابل الوزير، وبلغه الوزير أن الحكومة تفكر في أن ترسل بعض المنفيين إلى هنج ~~كنج، فغضب برودلي؛ لأن في ذلك إخلالا بالشروط المتفق عليها، وبعد جدال طويل عدل الوزير عن ~~رأيه، ولكنه أبدى اعتراضا على القوائم وأصر على وجوب إنقاصها، ولم يجد برودلي بدا من أن ~~يعود بها إلى المسجونين لينقصوها، وقد وقع ذلك من نفوسهم وقعا سيئا، ولكنهم نزلوا على حكم ~~الضرورة ... # وفي 14 ديسمبر صدر أمر الخديو بمصادرة أملاك الزعماء السبعة وأموالهم، وحرمانهم حق امتلاك ~~أي عقار في الدولة المصرية بطريق الإرث أو الهبة أو البيع أو بأي طريقة ما، مع صرف معاش ~~سنوي لكل منهم بما يكفي معيشتهم ... # وما إن صدر هذا القرار حتى سلكت الحكومة مسلكا ms461 حقيرا؛ إذ أسرعت بإرسال جند اقتحموا ~~منازل الزعماء في غلظة ولم يراعوا حرمة شيء، وكانوا يقلبون الأمتعة رأسا على عقب، ولا ~~يسمحون بدخول أحد أو خروجه إلا بعد تفتيشه، ولقد بلغت الغلظة والوقاحة أن كانوا يقتحمون على ~~السيدات خدورهن، وكانت السيدات في تلك الأيام لا يرين الرجال إلا والنقاب على وجوههن، ~~وللقارئ أن يتصور مبلغ ما نالهن من ألم وفزع ... # ولقد شكا الزعماء إلى برودلي مما حل بزوجاتهم، وبيوتهم، وذهب برودلي فقابل إسماعيل أيوب ~~فتظاهر بأنه لا يعلم شيئا عن هذا، وأحاله إلى رئيس الشرطة أو الحكمدار، وهو حينذاك عثمان ~~باشا غالب ... # ويقول برودلي: إن غالبا باشا ظل ساعة يتحدث في غير ما جاء من أجله، ثم أشار إلى قمطر في ~~حجرته، وقال: إنه ملئ بصور عرابي الفوتوغرافية، وإنه حطم في محال بعض المصورين زجاجات لصورة ~~عرابي وصادر آلافا مطبوعة منها، وقال: إنه لا يعرف وقد فشل عرابي ماذا يريد الناس منه بعد ~~ذلك؟ # وبعد إلحاح برودلي وعد غالب ألا يدخل الجند بيوت الزعماء، وألا يفتشوا الداخلين والخارجين ~~على هذه الصورة المهينة، ولكنه لم ينفذ ما وعد به ... # ويذكر برودلي أن زوجة نابيير أرسلت إلى زوجها كتابا من منزل علي فهمي تبلغه بأن الجند ~~اقتحموه، وروعوا السيدات واقتحموا الحجرات، وطلبت من زوجها أن يأتي إليها؛ لأنها تخشى أن ~~يمنعها الحرس من الخروج. # وذهب برودلي ونابيير إلى هناك، وتصادف أن كان الخديو في طريقه من عابدين إلى قصر ~~الإسماعيلية وكان مارا بمنزل علي فهمي، فما راعه إلا سيدة حاسرة الرأس تعترض عربته ~~فتوقفها وتصيح به: «يا توفيق حاربت الرجال، أم يكفك هذا حتى تحارب النساء؟! إنك تراني الآن ~~بغير نقاب وفي وضع ينال من شرفي، ولكن عار ذلك يلحقك كما يلحقني» وتقدم بعض من شهدوا ~~المنظر، فقادوا هذه السيدة في رفق إلى منزلها وهي زوجة علي باشا فهمي، ولم يعد الخديو يسلك ~~بعد هذا الطريق ... وشكت السيدة ألمها إلى برودلي وصاحبه من وراء ستار بكلمات تتخللها إجهاشات ~~مؤلمة ... # ولم تكف الحكومة ms462 عن هذا الطغيان إلا بعد أن تدخل دوفرين في الأمر، فلم يجد برودلي مناصا ~~من الشكوى إليه ... # وحدث أن أبدت الحكومة تعنتا في أمر جديد؛ وذلك أن السفينة لا تتسع للزعماء جميعا ومن ~~معهم، وعلى ذلك فلن يسافروا معا، وكتب اثنان منهم رسالة وقعا عليها ليرسلاها إلى الحكومة ~~وقد دعيا فيها للخديو بالتوفيق، وما إن رآها عرابي حتى صاح بيعقوب سامي غاضبا أشد الغضب: ~~«هل وقعت على هذه الرسالة؟ إني أؤثر أن أمزق إربا قبل أن أفعل شيئا كهذا، لقد قلت وما زلت ~~أقول: إن توفيقا لم يكن يصلح ليحكمنا فكيف أكذب اليوم وأدعو له؟ إننا على أية حال لم نبلغ ~~هذا القدر من السقوط». # وفي 24 ديسمبر، نشرت «الوقائع المصرية» أمرا خديويا آخر بتجريد الزعماء السبعة من جميع ~~الرتب والألقاب وعلامات الشرف التي كانوا حائزين لها، ومحو أسمائهم من سجلات ضباط الجيش ~~المصري إلى الأبد. # وفي 25 ديسمبر، وهو يوم عيد الميلاد، زار برودلي عرابي وأصحابه في سجنهم، وهنأه عرابي ~~وزملاؤه بالعيد، ولم يجد عرابي لديه ما يقدمه له هدية وذكرى غير مسبحته وبساطه، وتقبلهما ~~برودلي شاكرا وتبادل وعرابي وأصحابه الصور، وقد أعربوا له جميعا عن خالص مودتهم وعظيم ~~شكرهم له ولزميله وللمستر بلنت. # وأبت الحكومة إلا أن تمضي في تعسفها وتتمادى فيه قبل سفر الزعماء؛ إذ تلت عليهم قرار ~~تجريدهم من رتبهم وألقابهم على مرأى ومسمع من الجند والناس ... # أحضرت عربتان إلى باب الدائرة السنية، وأمر المسجونون فجأة، بعد الساعة الثانية بقليل، أن ~~ينزلوا في غير إبطاء، ولم يبلغهم أحد عما يراد بهم، ولكن هذا العمل لا يختلف عن معاملة ~~المجرمين العاديين ... # ونزل الزعماء وهم يخشون أن يكون في الأمر غدر جديد فأمروا بالدخول في العربتين، وسارتا ~~بهم في حراسة بعض الضباط إلى قصر النيل، حيث اصطف بعض الجند على هيئة مربع، واجتمع في إحدى ~~الشرفات عدد من عساكر الإنجليز وضباطهم يشاهدون ويصفقون، ووضع الزعماء وسط المربع، وأخذ أحد ~~الضباط يتلو عليهم قرار الخديو ، ولما فرغ من تلاوته ms463 صاح الجند: «يعيش سمو الخديو»، وسئل ~~الزعماء عن سيوفهم، وشاراتهم أين هي؟ وهو سؤال سمج،؛ لأنهم بملابسهم المدنية وليس معهم شيء، ~~ثم أعيدوا إلى العربتين فسارتا بهم إلى مقرهم في السجن ونفوسهم مليئة بالسخط على هذه ~~الأفعال الحقيرة ... # وكان قد اجتمع عدد من الناس خارج قصر النيل، فنظروا إلى عرابي وصحبه في حسرة وألم، ولم ~~يستطع إلا واحد أن يهتف: «حماكم الله» ثم اندس في الجموع، وكان يشهد الحادث خادم مصري كان ~~قد استأجره المستر برودلي منذ أن جاء إلى مصر ويدعى حسن، وكان شديد الميل لعرابي وقد زاد ~~تأثره وهو يقص على برودلي ما رأى، وعقب على غياب السيوف والشارات التي كانت تكسر وتنتزع ~~لو أنها وجدت، بقوله: «الله أكبر! حتى الخديو لم يستطع أن ينال من عرابي». # وذهب برودلي ونابيير إلى السجن، وأخذا يهدآن خواطر الزعماء بالكلمات الطيبة، ويقول ~~برودلي: إنه تنفس الصعداء؛ إذ علم أن السفينة ماريوتس # 3 # دخلت قناة السويس فعلا؛ لتكون على أهبة السفر من السويس إلى سيلان في مساء ~~اليوم التالي ... # وبقيت مسألة هامة، فليس مع عرابي ولا أحد من أصحابه مال، وقد بذل برودلي مساعيه حتى صرف ~~لكل منهم ثلاثون جنيها مقدما مما قرر صرفه لهم بسرنديب ... # وقد كتب بيمان بعد ذلك بنحو سنة معقبا على ذلك في إحدى الصحف # 4 # فكان مما قاله: «إن عرابي الذي كان يستطيع أن يجمع لنفسه مليونا من الجنيهات ~~لم يجد ما يشتري به ملابس له عند سفره، وقد أرسل له بعض أصدقائه حقيبة مليئة بالملابس ~~والقطار على أهبة السفر، وكانت أسرته تعيش وهو في السجن على صدقات يدفعها بعض محبيه سرا ~~وكنت أنا الذي أحملها إليها بيدي ... ولست أكتب هذا بدافع عبادة البطولة، وإنما لأبين لماذا ~~اختار الشعب المصري رجلا نشأ من طبقة الفلاحين وتمسك به؛ لأنه يعرف ما يشكو منه، وكيف ~~يدافع عن حقوقه المكتسبة، وآثر ذلك على أن يظل خاضعا للسلطان الموروث». # وفي 26 ديسمبر، تأهب عرابي وأصحابه للسفر، وأرسلت إليه بعض فضليات السيدات ms464 على يد برودلي ~~كثيرا من الهدايا # 5 # في حذر؛ خوفا من توفيق، فأرسلت إحداهن حقيبتين إنجليزيتين كبيرتين وأخرى ~~مصحفا فخما وثالثة سجادة للصلاة، ورابعة حقيبة مليئة بالملابس وخامسة سلة جميلة ... # ولندع لبرودلي وصف هذا الرحيل، يقول: «كان المفروض أن يبرح القطار الخاص قصر النيل إلى ~~السويس في الساعة العاشرة على وجه التحديد ... وفي الساعة الأخيرة بلغنا أن الرحلة ستؤجل إلى ~~موعد آخر بسبب رداءة الجو في السويس، ولكنا أخذنا الحيطة فتركنا حسن عند السجن لينظر ماذا ~~يحدث؛ خشية أن نفاجأ مفاجأة آخرى ... # وأقبل حسن قبيل الساعة العاشرة منقطع الأنفاس من شدة الجري فأبلغنا أن الزعماء غادروا ~~لتوهم الدائرة السنية وكان نابيير في شغل بالبحث عن متاعه؛ لأنه كان يتأهب لمرافقتهم حتى ~~السويس، فركبت عربة وأسرعت إلى قصر النيل ... # وكان منظر القصر واضحا في نور القمر الساطع الذي كاد يمحو نور المشاعل التي حملها بعض ~~الحراس المصريين وكان أمام عربات القطار بعض شهود الرحيل وكان بينهم السير شارلز ولسن ~~والمستر ماكنزي ولاس وعثمان باشا غالب ... # وكان القطار عظيم الطول يكاد يمتد من أول الفناء إلى آخره، وكان في مقدمته السيدات ومعهن ~~أطفالهن وفي مؤخرته الخدم والمتاع الثقيل وفرقة من الجند الإنجليز تحت إشراف الميجور فريزر، ~~وبعض الجند والضباط المصريين الذين كلفوا أن يرافقوا المنفيين حتى السويس، وخصصت في وسط ~~القطار عربة من عربات الدرجة الأولى لعرابي وأصحابه، وكانوا قد أخذوا أماكنهم في القطار ~~عندما بلغ قصر النيل ... وبدا عليهم من البشاشة أكثر مما كان يبدو على وجوه فريق مثلهم من ~~الإنجليز لو كانوا في مثل موقفهم، وأسرعت إلى النوافذ لأسمعهم بعض كلمات التوديع، وأعاد ~~عرابي علي كلمات ثنائه وشكره الطيبات ... # وكان الأمر بالرحيل على وشك أن يصدر، ولكن بيمان أعلن أن رجال الشرطة عند منزل عرابي ~~منعوا زوجة ابنه وأختها من مغادرته ... وما الحيلة؟ لقد حانت ساعة الرحيل، ولم يكن ناظر محطة ~~القاهرة يسمح بأي تأخير للقطار وكان الحي الذي يقع فيه بيت عرابي بعيدا وعندئذ قال السير ~~شارلز ولسن لعثمان ms465 غالب باشا في لهجة حاسمة: إن القطار لن يبرح مكانه إلا إذا حضرت ~~السيدتان، وأرسل غالب باشا عربته ليجيء بهما ... وأعقب ذلك فترة صمت محير ... وقد جاء بعض الخدم ~~يحيونني، وبحث المستر نابيير عن مكان له ولحقائب عرابي وتقدم بعض الضباط الإنجليز فصافحوا ~~عرابي وجلس إلى جانبه الميجور فريزر، الأمر الذي ارتاح له عرابي ارتياحا ظاهرا ووصلت ~~أخيرا سيدتان تلبسان ملابس بيضاء وسرعان ما توارتا في إحدى العربات بين فريق السيدات، ولم ~~يكد يغلق الباب عليهما حتى صدرت إشارة برحيل القطار، وغاب عرابي وأصحابه وراء جدار قصر ~~النيل ... # هكذا أخرج عرابي ليلا إلى حيث لا يرجو له خصومه عودة، لم يره من الشعب المصري أحد، ولا ~~ودعه من محبيه أحد، وتنفس توفيق وحزبه الصعداء مرة ثانية. ~~••• # ولئن حيل بين عرابي وبين بني قومه وأخرج على هذه الصورة المدبرة، فها نحن أولاء نودعه على ~~صفحات التاريخ بما هو أهل له من الإجلال والاحترام ... # أخرج عرابي من مصر مغلوبا على أمره وأسدل الستار على حركته، ومهما يكن من حقد خصومه ~~عليه ومن محاولاتهم المتصلة النشيطة لتشويه حركته منذ أن ذاع صيته بحادث عابدين، فإن شيئا ~~واحد هو حسبه من المجد والفخر سوف يبقى على الرغم من كيدهم وسوف تزيده الأيام وضوحا ~~ورسوخا، ألا وهو أن عرابي كان الزعيم القومي الأول في مصر، فهو أول فلاح من أعماق القرى ~~هتف بحرية مصر واستخلص لها الدستور وآنف أن يخضع لحكم الفرد، وفرق بين ما هو حركة إسلامية ~~عامة وبين ما أصبح بحق في مصر حركة قومية مصرية قوامها أن يكون أبناء مصر من الفلاحين هم ~~السادة وهم مصدر كل سلطة؛ لأنهم عماد الثروة ودافعو الضرائب، ولأنهم قبل ذلك أهل البلاد ~~وأصحابها الحقيقيين ... وهذه هي الديموقراطية بأحدث معانيها كما يفهمها الناس اليوم ... # كانت حركة عرابي حركة قومية على الرغم من باطل المبطلين، وقد جحد بها كثيرون من خصومه ~~واستيقنتها أنفسهم ولم يستطع حتى كرومر نفسه كما ذكرنا من قبل أن ينكر قومية هذه الحركة وقد ms466 ~~جاء في موضع آخر من كتابه قوله: «إن حركة عرابي أكثر من أن تكون مجرد فتنة عسكرية، لقد كان ~~فيها إلى حد ما طبيعة الحركة القومية الحقيقية، ولم تكن هذه الحركة موجهة كلها أو في جوهرها ~~ضد الأوربيين والتدخل الأوربي في الشؤون المصرية ولو أن النفور من الأوربيين والتجني عليهم ~~كانا يسيطران على عقول قواد هذه الحركة، إنما كانت هذه الحركة إلى مدى عظيم موجهة من ~~المصريين ضد الحكم التركي». # 6 # ولقد بينا في أكثر من موضع في هذا الكتاب كيف التفت الأمة حول عرابي وقد تجلى هذا ~~المظهر بوجه خاص فيما جادت به طوائفها جميعا أثناء القتال، كما تجلى في المجلس العام الذي ~~مثلت فيه طوائف الأمة جميعا حتى الأمراء فكان هذا المجلس بحق مؤتمرا وطنيا عاما يتكلم ~~باسم الأمة ... # وممن كتبوا عن عرابي فأنصفوه وأنصفوا حركته السير ماكنزي ولاس الذي رافق اللورد دوفرين ~~إلى مصر، قال: «لم يظهر من عهد محمد علي أو من قبل ذلك بزمن بعيد رجل في مصر كان له على ~~البلاد من السيطرة مثل ما كان لعرابي، فإنه لم يقتصر أمره على أن الشرطة والجيش كانا رهن ~~إشارته بحيث يستطيع أن يأخذ بالإرهاب كيف يشاء، بل كان يتمتع كذلك بعطف كل الطبقات في مصر ~~تقريبا، ولم يحصل عرابي على نفوذه أو يحافظ عليه بالإرهاب؛ لأنه عند بدء حركته لم يكن لديه ~~أية قوة يضر بها أحدا، ولم يعلم عنه أنه في أثناء قوته ذبح شخصا أو شنقه أو رماه بالرصاص، ~~ولو أنه خاض معركة انتخابية خالية من وسائل الغش، وكان خصمه فيها توفيق، لفاز عليه بأغلبية ~~هائلة من أصوات الناخبين الأحرار». # 7 # وقال في موضع آخر: «إذا كنا لم نرد أن نقيم نظاما دائما في مصر فلماذا ذهبنا إلى هناك؟ ~~وإذا كنا لم نرم إلى إقامة حكومة صالحة حقا فلماذا قضينا على الحزب القومي الذي كان لديه ~~فرصة لإقامة نظام من أي نوع، كان خيرا ممن يصنع الخديو الذي أعدناه إلى سلطته». # 8 # وكذلك ms467 ممن أنصفوا عرابي اللورد شارلز برسفورد الذي اشترك في ضرب الإسكندرية؛ فقد كتب في ~~جريدة التيمس بتاريخ 8 يناير سنة 1883: «حقا إن من الممكن أن تسمى حركة عرابي حركة قومية؛ ~~فقد نعتها بعض الإنجليز بهذا في شهر مايو سنة 1882 وعندما تحرجت الأمور تحرجا خطيرا، وكان ~~منهم بعض الضباط البحريين من ذوي المكانة والذين حضروا في الأسطول الذي جاء إلى الإسكندرية ~~... ونحن إذا نظرنا إلى المسألة من وجهة النظر المصرية لا يخالجنا أدنى شك في أن عرابي كان ~~يحظى بعطف الشعب المصري ... ويستطيع عرابي وأصحابه أن يقولوا: إنهم كانوا يحاربون في سبيل ~~الإصلاح، وإن الدليل الذي يؤيد عدالة قضيتهم هو أن إنجلترا آخذة في تنفيذ إصلاحاتهم بالذات، ~~ويستطيعون كذلك أن يبرهنوا بحقيقة أخرى، هي أنهم لم يأخذوا من الشعب قرشا واحدا إلا ما ~~رأوا أنه ضروري لخير الشعب، الأمر الذي يعد نادرا في الشرق» ... # أما برودلي فيقول عن عرابي: «إني لا أكتفي بأن أقول: إن الأمة كلها كانت في جانب عرابي، ~~بل إني أقرر في غير خوف من نقض آرائي أن عرابي وأصحابه قد أظهروا في أداء رسالتهم أمانة ~~تامة واعتدالا وروحا إنسانية تشرفهم على مدى العصور» ... وقال في موضع آخر: «ليس يخامرني ~~أقل شك في أن عرابي وأصحابه كان لديهم القدرة على أن ينهضوا بحكم أمتهم حكما شعبيا وأن ~~ينفذوا في جدارة كل التغييرات والإصلاحات التي خلفوها لنا بصفتنا ورثتهم وخلفاءهم، لم يكن ~~عرابي من ذوي الأحلام أو من ذوي التحمس، وإنما كان - إذا قيس بالمقياس المصري - رجلا ~~متعلما ذا مقدرة ملما بشؤون وطنه، وما تحتاج إليه بلاده، وهب كثيرا من النشاط وقدرا ~~عظيما من أمانة الغرض» ... # وكان الأمراء والعلماء والأعيان - وهم صفوة الأمة - يحترمون عرابي ويرفعون قدره ... كتب ~~إليه الأمير إبراهيم باشا وهو بكفر الدوار فكان مما خاطبه به قوله: «إلى صاحب السعادة حامي ~~حقوق مصر أحمد عرابي باشا». # 9 # وأثنى الأمير في كتابه على همته ونخوته وعبر له عن مودته ومحبته ... # وقال الشيخ محمد عبده فيما كتبه ms468 للمستر برودلي بعد أن ذكر ما كان بينه وبين عرابي من خلاف ~~في الرأي قبل يوم عابدين: «إن الاجتماعات العامة المتنوعة التي عقدت بعد ذلك مباشرة للحصول ~~على دستور برئاسة سلطان باشا حولت في الحال مقام عرابي من قائد جيش إلى قائد مصر، وحينئذ ~~أصبحت وسلطان باشا والبلاد المصرية قاطبة من أتباع أحمد عرابي». # 10 # وقال برودلي عن الشيخ محمد عبده: «إنه أمدنا بقدر كبير من المعلومات عن الأيام الأولى ~~للحركة القومية، ووصف وصفا حيا كيف أصبح عرابي بطل مصر الذائع الصيت، وكيف أن آلافا من ~~الآباء المصريين أطلقوا على أبنائهم اسمه وكيف ذهب اسم توفيق من الأرض». # 11 # وكانت أميرات الأسرة الخديوية - ما عدا زوجة توفيق وأمه - يعطفن على عرابي ويتحمسن ~~لقضيته، ومن بينهن الأميرة أنجه هانم أرملة المرحوم سعيد باشا التي أهدت إلى عرابي خيمة ~~زوجها، وقد كتبت هذه الأميرة إلى المستر برودلي بعد الحكم على عرابي تثني عليه أعظم الثناء ~~وتشكره على صنيعه، وقدمت إليه وإلى زميله هدايا غالية ... # وذكر برودلي حديثا طويلا جرى بينه وبين أميرة لم يذكر اسمها وكان يشير إليها بقوله ~~الأميرة ثم يضع خطا مكان اسمها، ومما قالته هذه الأميرة: «كانت تعطف كل واحدة منا على ~~عرابي سرا؛ لأننا عرفنا أنه يعمل لخير مصر، وقد ظننا في وقت ما أن توفيقا يؤيده، ولكنا ~~لما رأيناه ينوي أن يخون مصر كرهناه أشد الكره، وقد بذل كل ما في وسعه ليشقينا منذ ذلك ~~الوقت، ولقد حدثته الأميرة أنجه - التي نجلها كل الإجلال - ولكن في غير جدوى، وذهب توفيق ~~عقب ذلك إلى الإسكندرية وانضم إلى الإنجليز، ومنذ ذلك الوقت اتجهنا صوب عرابي للدفاع عن ~~الوطن ... وكانت حماستنا له لا تعرف حدا، وكنا نكتب له جميعا الرسائل والبرقيات نهنئه ونشد ~~أزره ... وقد كتبت له الأميرة - خطابا عظيم الحمق - تعرض عليه أن تتزوجه؛ لأنها تراه منقذ مصر». # 12 # وذكر بلنت في كتابه «أنه رجع إلى يومياته بتاريخ 31 يناير سنة 1887، فوجد فيها أنه زار ~~الأميرة نازلي التي يعد ms469 حديثها ممتعا في أي جماعة من جماعات الدنيا، والتي كانت تعطف على ~~عرابي أشد العطف، ومما ذكرته الأميرة قولها: «كان عرابي أول وزير مصري حمل الأجانب على ~~طاعته، وقد رفع المسلمون رؤوسهم في عهده على الأقل، ولم يجرؤ اليونانيون ولا الإيطاليون على ~~الاعتداء على القانون، وقد أخبرت توفيقا بذلك أكثر من مرة، والآن ليس هنا من يحفظ النظام، ~~فإن المصريين وحدهم هم الذين يقعون تحت سلطان الشرطة ويفعل الأوربيون ما يشاؤون». # 13 # وقد أورد برودلي رأيا لشخص لا يمكن المرء أن ينتظر ~~منه كلمة طيبة عن عرابي، وذلك الشخص هو توفيق نفسه! قال برودلي: «أتيح لي أن أرى توفيقا ~~مرتين، وذلك عندما سمح أن يلقاني في قصره بعابدين ... وبعد أن قدم لي سيجارة بدأ الحديث فأكد ~~لي أن أوربا أخطأت فهم آرائه فيما يتصل بالتحقيقات الأخيرة، فهو لم يرد قط موت المسجونين ~~ولا اعتنق هذه الفكرة، وكان تغيير الحكم عليهم تجربة سارة للتسامح أملتها عليه إرادته ... ~~وحاولت أن أتكلم قليلا عن عرابي فقال الخديو: إنه يرى حتى في هذا الوقت أن عرابي من خيار ~~الرجال، وإنه لم يصدق لحظة قط أن عرابي أراد أن يقتله، ولو أنه كان ينوي شيئا من هذا ~~لاستطاع أن ينفذه في فرص عديدة أتيحت له عندما كان وإياه في القاهرة». # 14 ~~... # هذا جانب مما يقوله المنصفون عن عرابي وحركته من ناحية حياته العامة، أما من الناحية ~~الشخصية فكان من أبرز صفاته - كما رأينا من سيرته - الورع وخشية الله والوفاء والإباء الذي ~~قل أن كان له فيهما نظير بين أقرانه، والإيثار الذي جعله يقدم مصلحة مصر وقضية مصر على ~~مصلحته الشخصية، وقد رأينا كيف خرج من الحرب صفر اليدين كما قال المستر بيمان، كما رأينا ~~أنه لم يكن يخطو خطوة واحدة بدافع الطمع الشخصي، وقد تجلى ذلك في حرصه الشديد - الذي هو من ~~صفات الزعامة الصادقة - على قضية مصر وهو في محنته واهتمامه بأن يرد على كل مطعن يوجه إليها ~~دون أن يعنى قليلا أو كثيرا ms470 بما يقال عن شخصه ... ~~••• # أقلعت بعرابي وأصحابه السفينة مريوتس من السويس في الساعة الواحدة بعد ظهر يوم 27 ~~ديسمبر، وهي سفينة إنجليزية حمولتها نحو 1400 طن، وقد استأجرتها الحكومة المصرية لنقل هؤلاء ~~المنفيين ... # ولم يقتصر الأمر على هؤلاء السبعة المنفيين؛ فقد صدرت في مصر بعد ذلك أحكام أخرى على عدد ~~كبير جدا من المصريين، فصدر الحكم على الروبي باشا والسيد حسن موسى العقاد بالنفي 20 سنة ~~في مصوع، وعلى أحمد عبد الغفار بالنفي 8 سنوات خارج مصر، وعلى الشيخ محمد عبده بثلاث سنوات ~~قضاها في بيروت ... # وحكم على نحو 35 غير هؤلاء بالنفي مددا تتراوح بين سنة وخمس سنوات، وقضي على طائفة من ~~كبار الأعيان بتجريدهم من الرتب والامتيازات، وأن يقيم كل منهم في بلدة معينة تحت رقابة ~~الحكومة المحلية مع دفع تأمين مالي كبير، وكذلك قضي على عدد من كبار الباشوات بأحكام كهذه ~~وإن خلت من التأمين المالي ... # أما العلماء؛ فقد قضي بتجريد عدد كبير منهم من رتبهم وشارات شرفهم وامتيازاتهم، ومن هؤلاء ~~الشيخ حسن العدوي وابنه الشيخ أحمد العدوي والشيخ محمد أبو العلا الخلفاوي والشيخ أحمد عبد ~~الغني ... # وقضي على عدد كبير من الموظفين والعمد والأعيان بمثل هذا الحكم، كما فصل أكثر من 250 ~~ضابطا من ضباط الجيش وجردوا من رتبهم وامتيازاتهم، وحرموا من مراتب الاستيداع ومعاش ~~التقاعد ... # ومن أكبر مآسي هذه الأحكام ما حكم به على يوسف أفندي أبو دية؛ فقد كان هذا الضابط ياورا ~~لعبد العال قائد دمياط وأرسله في أمر إلى عرابي بكفر الدوار، وتصادف أثناء مروره بطنطا أن ~~شهد فيها تلك الفتنة التي أشرنا إليها بين الأجانب والمصريين، فذهب إلى المدير إبراهيم باشا ~~أدهم فألفاه متمارضا فعبر له عن أسفه وكان في كلامه شيء من اللؤم، ولما أخبر عرابي بذلك ~~بادر عرابي بإصدار أمره بالقبض على أدهم باشا والتحقيق معه ... # ومن المؤلم حقا أن يقبض بعد هزيمة عرابي على هذا الضابط الأمين ثم يتهم بإثارة الفتنة ~~في طنطا ويحكم عليه بالموت، وينفذ عليه الحكم ms471 فيشنق وهو بريء ... ومما يزيد في معنى هذه ~~المأساة أن الخديو أصدر عفوا عنه ولكن البرقية المرسلة بهذا العفو لم تصل إلى المختصين إلا ~~بعد أن شنق الشهيد ... وحسبنا هذا الحادث وحده للدلالة على ما كان يسود هذه الفترة التي أعقبت ~~الثورة من إرهاب وبطش ومظالم كثيرة ... ~~••• # وفي 9 يناير سنة 1883 رست السفينة مريوتس بميناء كولومبو بسرنديب ونزل الزعماء السبعة؛ ~~ليعيشوا بالجزيرة ما بقي من أعمارهم كما كان مقررا في حكم النفي. # وإن المرء ليمتلئ ألما وحنقا على هذا الحكم الجائر الذي يقضي بحرمان هؤلاء الأمجاد ~~الميامين من وطنهم الذي أحبوه في غير ذنب إلا هذا الحب ... # ولو أن عرابي قدم إلى محكمة عادلة تريد إحقاق الحق لما كان هناك شك في براءته من جميع ما ~~نسب إليه من تهم؛ فقد رأينا كيف عجزت لجنة التحقيق مع اضطغانها عليه من أن تدينه في تهمتي ~~تدبير فتنة الإسكندرية وإحراقها. # أما العصيان فلم يكن له أي أساس أو شبه أساس كما بينا، وإنما قضت الظروف أن يقر عرابي ~~إقرارا صوريا جانبا منه وهو عصيان أمر الخديو وذلك بالاستمرار في الحرب بعد أن طلب ~~وقفها ... # وما سمعنا أنه في تاريخ المحاكمات في الدنيا كلها تقدم الحاكمون يساومون المتهم على أن ~~يقبل كيت وكيت ثمنا لإعفائه من الموت! # كذلك ما سمعنا أن متهما يتفق معه على ما يحكم به عليه قبل مثلوه أمام القضاء، ولو أن ~~عرابي ضمن أن يكون قضاته ممن يطمئن إلى عدالتهم ما قبل هذا الوضع وهو متأكد من البراءة ... # ومن أبلغ الظلم في هذه المهزلة الهازلة أن يمن على امرئ بريء بأن ينفى بدل أن يموت، كأن ~~من التفضل عليه أن يظلم هذا الظلم الفادح بحرمانه بقية حياته من العيش في وطنه ومن ممتلكاته ~~التي أحلها الله له ومن أهله وعشيرته، وقد كان بنو مصر جميعا أهله وعشيرته ... # ولكن هكذا شاءت سياسة إنجلترا، فإن حملتها جاءت إلى مصر لأسباب بسطناها تتلخص في تحقيق ~~حلمها القديم، ولكنها ادعت أنها جاءت ms472 للقضاء على العصاة، ولو برئ هؤلاء العصاة فكيف كانت ~~تبرر إنجلترا مجيئها إلى هذه البلاد؟ ذلك ما جعل دوفرين يقترح ما اقترح، وذلك ما قامت عليه ~~مهزلة المحاكمة وما نتج عنه هذا النفي أو هذا الظلم العظيم ... # | الحياة في سرنديب # تبلغ مساحة هذه الجزيرة التي نزل بها عرابي وأصحابه نيفا وخمسة وعشرين ألف ميل مربع، ~~وتكثر بها سلاسل الجبال بالجنوب ويتخللها كثير من السهول الواسعة الخصبة التي تنمو فيها ~~غابات عظيمة وعرة المسالك كثيرة الأحراج والألفاف ... وتبلغ أعلى قمة فيها 8 آلاف قدم، ومن ~~أشهر هذه القمم قمة جبل آدم وتبلغ ما يزيد عن 7 آلاف قدم ... # ومناخ الجزيرة استوائي ولكن إحاطة البحر بها يلطف حرارتها، ومن أشهر مدنها كولومبو وهي ~~عاصمتها وأهم ثغورها، ثم جافنا وكندي وكالوتارا ... # والتربة عظيمة الخصوبة وتكثر فيها أشجار الفاكهة والخضر وجوز الهند، ويزرع فيها الشاي ~~والبن والأرز والقطن والتوابل والطباق، وتعد سيلان من أعظم حقول الشاي في العالم ... # ومن حيواناتها الفيلة والنمور والدببة والجاموس والغزلان، وتكثر فيها أنواع الزواحف ~~وأنماط الطيور. # وقد حل بها البرتغاليون منذ أوائل القرن السادس عشر الميلادي، والهولنديون منذ منتصف ~~القرن السابع عشر، وفي سنة 1785 امتلكها الإنجليز وكانت ملحقة بمدراس، ثم جعلوا منها ~~مستعمرة قائمة بذاتها سنة 1801 ... # ومن سكانها الأصليين قبائل السنهاليز، وأصلهم من الهنود من حوض نهر الكنج وقد حلوا بها ~~منذ القرن السادس قبل الميلاد ولغة هؤلاء أقرب إلى الهندية الحديثة وديانتهم البوذية، ثم ~~قبائل التامل وقد نزحوا إليها من جنوب الهند وديانتهم الهندوكية. # ويقطن الجزيرة عدد من المسلمين من أصل عربي أو من أصل هندي، وهم من أذكى سكانها وأكثرهم ~~نشاطا. # كما أن بها بقايا البرتغاليين والهولنديين وعددا من الأوربيين من مختلف الأجناس وعددا ~~من أهل جاوة والملايو وغيرهم من الآسيويين. # ويقول عرابي في مذكراته المخطوطة: إن تعداد أهلها زمن إقامته بها كان نحو ثلاثة ملايين، ~~منهم 250 ألف مسلم، وأن السنهاليز والتامل أهل دعة وسكون يكرمون الغريب ويحسنون معاملته ~~... ~~••• # ويتحدث عرابي عن نزوله بالجزيرة ms473 قائلا: «وفي غروب يوم 9 يناير سنة 1883 دخلت الباخرة إلى ~~ميناء ثغر كولومبو بجزيرة سيلان، وألقت مرساها، فحضر إلينا وكيل حكومة سيلان، وحيانا تحية ~~القدوم، وأبلغ موريس بك # 1 # بأن الحكومة أعدت أربعة بيوت لذوي العائلات منا وفيها الخدم وكل ما يلزم من ~~أسباب الراحة كالسرر المفروشة اللازمة للنوم والكراسي وأدوات المطبخ والسفرة والدواليب وغير ~~ذلك، وذخيرة ثلاثة أشهر ضيافة لنا، ولكن على حساب مصر، وثمن تلك الأدوات ثلاثة آلاف جنيه، ~~ثم أمضينا تلك الليلة في الباخرة المذكورة، وفي صباح غرة ربيع الأول سنة 1300 الموافق 10 ~~يناير سنة 1883 خرجنا إلى البر فوجدنا رصيف الميناء مزدحما أيما ازدحام بإخواننا المسلمين ~~من أهل الجزيرة المذكورة وأهل جاوة والهند والملايو وأعيان طائفتي التامل والسنهاليز أهل ~~البلاد من عباد الأوثان على مذهب بوذا وكانوا يشيرون إلينا بالسلام وزيادة الاحترام. # ثم تقدمت لنا العربات فركبنا وتوجهنا إلى البيوت المذكورة، وكان قد خصص لنا بيت عظيم يسمى ~~«ليك هاوس» ومساحة بستانه 14 فدانا، وأعظم أشجاره من جوز الهند والموز وغيره، فتوجهنا إليه ~~والناس مزدحمون على جانبي الطريق من الميناء إلى البيت المذكور يهتفون لنا بالترحيب ~~والإكرام إلى أن وصلنا إلى المنزل المذكور، وأخذنا معنا طلبة باشا عصمت وعبد العال باشا ~~حلمي ليقيما معنا حيث إنهما تركا عائلتيهما بمصر، وكذلك توجه محمود باشا سامي مع محمود باشا ~~فهمي ليقيما في منزل واحد؛ لأن الأول ترك أهله وأولاده بمصر أيضا، وانفرد كل من علي باشا ~~فهمى ويعقوب باشا سامي في بيت على حدته لوجود عائلتيهما معهما. # ولما دخلنا البيوت المعدة لنا أخذت تلك الطوائف تتوافد علينا للسلام بوجوه باشة وقلوب ~~مليئة بالمحبة والحنان ليلا ونهارا». # وكان عدد من رافقوا الزعماء السبعة من الأهل والخدم 41، وكانوا عند وصولهم كأبناء أسرة ~~واحدة جمعت بينهم المحنة كما جمعت الصداقة من قبل ووثقت الغربة أواصر المحبة ... # وبعد ثلاثة أيام من وصول الزعماء إلى الجزيرة أقام لهم كثير من أعيانها وتجارها الولائم، ~~واشترك في ذلك المسلمون وزعماء السنهاليز والتامل، وقد ms474 استمرت تلك الولائم بضعة أيام، وكان ~~يدعو إليها كبار سكان كولومبو، فعرفوا زعماء المصريين وألفت تلك الاجتماعات بينهم. # وأقام عرابي وأصحابه لهؤلاء وليمة كبيرة وصفها عرابي بقوله: «وبعد ذلك أقمنا وليمة جامعة ~~لأعيان المسلمين والإنجليز والتامل والسنهاليز، وكان عدد المدعوين إليها 200 شخص من مختلف ~~الأجناس والمذاهب، والمعتقدات ... شكرا لهم على حسن حفاوتهم بنا». # وكانت الحكومة المصرية قد أرجأت تقرير ما يلزم ثمنا لمعيشة كل من المنفيين حتى تعلم حال ~~الجزيرة من حيث رخص الأسعار أو غلائها، وفي فبراير سنة 1883 وصل إلى الجزيرة حاكم جديد هو ~~السير أرثر جوردن فخاطب الحكومة المصرية فقررت لعرابي 50 جنيه شهريا ولكل من أصحابه 38 ~~جنيها ... # وكان عرابي وأصحابه يقضون أوقاتهم في القراءة والكتابة، وتعلم اللغة الإنجليزية وفي ~~التزاور بينهم وبين حكام الجزيرة وأعيانها. # وكتب عرابي إلى صديقه برودلي كتابا في 24 يناير سنة 1883، كان مما جاء فيه: «وقد لقيتنا ~~السلطات هنا في الجزيرة بالحفاوة، وأعدوا بيوتا لراحتنا، وزودونا بقدر كبير من الأطعمة ~~الدسمة التي كفتنا وأسرنا بضعة أيام ... ونجد الجزيرة ملائمة لسكاننا كل الملاءمة بمناخها، ~~ونعتزم أن نرسل أبناءنا إلى المدارس المحلية، وأن نتعلم نحن اللغة الإنجليزية ... ويبعث إليك ~~إخواني وأبناؤهم خالص مودتهم، وإني أرجو أن تذكرنا لأخى أحمد بك رفعت إذا كان عندك، وإلى ~~أمك العزيزة التي هي موضع إجلالنا جميعا». # وأبى وفاء بلنت ألا أن يزور صديقه في منفاه، وقد اضطر أن يبقى بلندن كما رأينا ليدبر ~~وسائل الدفاع عنه فلم يستطع أن يزوره في مصر. # يقول عرابي: «وفي 20 أكتوبر سنة 1883، حضر صديقنا المستر بلنت من إنجلترا لزيارتنا ~~وتهنئتنا على نجاتنا من أيدي خصومنا، وبوصول القطار كولومبو، هرع جميع سكان الثغر المذكور ~~لاستقباله؛ حيث كانوا على استعداد تام لذلك قبل وصوله، وقد أخذنا نحن وإخواننا وأولادنا ~~زورقا بخاريا وذهبنا إلى القطار المذكور ثم صعدنا إليه وحظينا بمقابلته ومقابلة السيدة ~~الفاضلة الليدي آنا بلنت، وكان بمعيتهما القس لويس صابونجي، ثم نزلنا بعد ذلك إلى الرفاص ~~وعدنا إلى البر والزوارق الأهلية ms475 محيطة بنا يهتف من فيها بعبارات الترحيب ويشيرون بأيديهم ~~علامة للسلام والإعظام ... # ولما وصلنا إلى البر تكاثرت علينا جموع المحتفين بقدوم السير ولفرد إسكاون بلنت حتى تعسر ~~علينا الوصول إلى المركبات، ولولا تدخل الشرطة لمنع ذلك البحر الزاحف من التكدس حولنا ~~اضطررنا إلى الوقوف في الميناء الساعات الطوال ... # ثم ركبنا العربات وتوجهنا إلى سراي مورجن المعدة لإقامة ذلك الضيف الكريم مدة ضيافته، وهي ~~كائنة على بعد ثلاثة أميال من الميناء بجهة متوال، مشرفة على البحر، وكان الناس مصطفين على ~~جانبي الطريق الموصل إلى السراي وهم يحيون المستر بلنت ونحن معه في المركبة بوجوه باشة ~~وأسارير نضرة حتى وصلنا قصر الضيافة». # وبالغ أهل المدينة في الحفاوة بضيف عرابي وبزوجته فوضعوا الزينات على الدار التي نزل ~~فيها، وأقاموا أقواس النصر على مقربة منها وزينوها للناظرين بالأغصان من كل صنف وبالأزهار ~~المختلفة الألوان، وكتبوا عليها بالإنجليزية: «مرحبا بالصديق الوفي المستر ولفرد إسكاون ~~بلنت». # وأعدوا له مأدبة كبيرة شهدها أكثر من 200 مدعو، وخطب بعض الخطباء مرحبين بالضيف العزيز، ~~وأثنوا على وفائه وإخلاصه، ورد بلنت شاكرا لهم حفاوتهم وشريف إحساسهم ... # وأقام بلنت وزوجته بالجزيرة 22 يوما، وكان لمقامه بين الزعماء أثر طيب؛ فقد أخذ قبيل ~~مجيئه يدب دبيب الخلاف بين عرابي وبعض إخوانه وخاصة محمود فهمي باشا الذي استوحش المنفى ~~فاضطربت أعصابه، وهو في الحق منذ أن أسلم نفسه للإنجليز في الميدان الشرقي لا يخلص الود ~~لعرابي، ولعله كان يرجو من وراء ذلك أن يخفف عنه، فلما نفي مع المنفيين ضاق صدره وأخذ يكره ~~عرابي ويرد إليه سبب ما لحقه ... # وأعاد بلنت الوئام بينهم ولم يختلفوا بعدها أبدا، وإن كان محمود فهمي باشا ليخفي في نفسه ~~ما لا يستطيع أن يبديه من السخط والنفور. # وفي شهر نوفمبر سنة 1883 زار عرابي في كولومبو اثنان من اللوردات الإنجليز، هما اللورد ~~روزبري واللورد ماكدونالد، واستطلعا رأيه في حركة المهدي بالسودان، وكان يترجم الحوار ~~بينهما محمود فهمي باشا، فسألا عرابي هل محمد أحمد هو المهدى المنتظر عند ms476 المسلمين؟ وأبدى ~~عرابي دهشته قائلا: وماذا يعنيكم من أمره؟ فقالا: إن أمره يهم إنجلترا فإن في الهند 60 ~~مليونا من المسلمين يعتقدون أن المهدي المنتظر يجمع شتات المسلمين تحت رايته. وأجاب عرابي ~~بأن كل داع إلى الخير والإصلاح هو مهدي ولكنه لا يكون المهدي المنتظر! وقال اللوردان: إن ~~الحكومة الإنجليزية أرسلت جيشا مكونا من عشرين ألفا بقيادة هكس، وسألا عرابي: هل يكفي ~~هذا الجيش للتغلب على المهدي؟ فقال عرابي: «نحن نرى أن وجود قائد إنجليزي على جيش يكون من ~~صالح المهدي فإنه يحكم بكفر المصريين الذين يقاتلون المسلمين تحت قيادة مسيحية ويستبيح ~~قتلهم بسبب هذه القيادة، وإذا استولى على أسلحة هذا الجيش وذخيرته أصبح قويا يخشى ~~جانبه». # ونصح عرابي بمقابلته في منتصف الطريق بأن تقيمه مصر أميرا على السودان على أن يكون ~~تابعا للتاج المصري وتنبأ عرابي باندحار حملة هكس، وفي اليوم التالي أذاعت البرقيات هلاك ~~الحملة كلها ... # وفي شهر يناير سنة 1884 زار عرابي في كولومبو مهراجا سلطنة لاهور، يقول عرابي: «فلقيناه ~~بما يجب لجلالته من التعظيم والاحترام، وكان بمعيته مستشار إنجليزي حتى لا ينبس نبسة إلا ~~حفظها الرقيب عليه في حبة قلبه، وبعد نصف ساعة عادا إلى دار حكومة سيلان». # ووردت عرابي بكولومبو رسالة خطيرة من المستر بلنت في أواخر سنة 1884 ذكر فيها بلنت أن ~~الحكومة الإنجليزية تفكر في تعيين عرابي سفيرا مؤقتا إلى المهدي لرفع الحصار عن غوردون ~~على أن يعزل توفيق ويعين أمير غيره يستطيع الاتفاق مع المهدي، وأن النية متجهة إلى إعادة ~~إسماعيل بشرط أن يكون عرابي رئيسا لوزارته باعتباره زعيم مصر المختار، وطلب بلنت رأي ~~عرابي، فأبرق إليه أنه يرفض ذلك وأنه يؤثر المنفى على مثل هذه العودة وهذا الحكم تحت رئاسة ~~إسماعيل الذي لا يشاكل مبادئه وخطته، وقد أدى مقتل غوردون إلى الانصراف بالضرورة عن هذه ~~المسألة ... # وكان لغوردون قبل ذلك مساع لإعادة عرابي إلى وطنه؛ فقد كتب بلنت في جريدة «البول مول ~~جازيت» في 25 أغسطس سنة 1887 مقالا جاء فيه ms477 قوله: «يجب أن أشير إلى أن الحكومة الإنجليزية ~~أدركت خطأها واعتزمت إصلاح موقفها وذلك بأن تعيد عرابي بعد سنة أو سنتين من نفيه، وتساعد ~~على تشكيل الحزب الوطني من جديد ويؤيد رأيي هذا كتاب وصلني من الجنرال غوردون، وإني أسمح ~~لنفسي بإذاعة محتوياته لأول مرة؛ فقد كتب لي من الكاب يبلغني بميله وعطفه على عرابي باشا ~~طوال مدة الحرب، ولما عاد إلى إنجلترا في ديسمبر سنة 1882 تفضل بزيارتي ليؤكد لي عزم ~~الحكومة ونياتها، وها أنذا حين رجعت إلى مذكراتي التي كتبتها عن هذه المقابلة وجدت أنني ~~كتبت فيها: «زارني الجنرال غوردون وتناول معي الغداء بمنزلي الكائن بشارع جيمس، وقد تبين لي ~~أنه كان يعطف عطفا تاما على عرابي إبان الحرب وقال الجنرال: «إنه أتى ليدرس معي أمر ~~إنشاء حكومة حرة في مصر تحت ملاحظة إنجلترا» ... # وكانت حياة الزعماء بالجزيرة حياة رتيبة لا تغير فيها ولكنهم لم يشعروا بالملل؛ وذلك لما ~~كان بينهم وبين سكان الجزيرة من صلات الود ومن تبادل المراسلات والزيارات. # وفي سنة 1888، توفي لعرابي ابن في الثالثة من عمره كان اسمه صالح، وقد كان مصابا ~~بالدفتريا، وحزن عليه حزنا شديدا ... # وحدث بعد ذلك سنة 1891 أن قضى عبد العال باشا حلمي نحبه في شهر مارس، وكان لوفاته حزن ~~عميق في نفوس أصحابه، ورأوا في مصيره شبح مصيرهم فعظم عليهم ذلك، وقد ذكر عرابي نبأ وفاته ~~بقوله: «وفي سنة 1310 توفي شهيد الوطنية والغربة عبد العال باشا حلمي، ودفن في قرافة قسم ~~مردانة أيضا وضريحه مشهور يزار، ومن كراماته ما شهدناه من اجتماع أسراب الطير فوق نعشه ~~تسير بسير الجنازة حتى واريناه التراب، وقد أخذ العجب من الناس كل مأخذ». # وفي سنة 1891، زار السير توماس لبتن صاحب مزارع الشاي المعروفة باسمه، عرابي باشا ودعاه ~~إلى زيارة مزارعه على نفقته، على أن يصحبه من يشاء من إخوانه، وقد رحب عرابي بهذه الزيارة ~~ترويحا للنفس واستجلاء للجنان من أكداس الصدأ الذي اصطلح عليه. # وعين السير توماس اثنين من وكلائه الإنجليز ms478 لمرافقة عرابي، ولم يذهب مع عرابي من أصحابه ~~إلا علي باشا فهمي وكان أشدهم إخلاصا ومحبة له ... # يقول عرابي: «فقمنا من كولومبو ومعنا أخونا علي باشا فهمي والوكيلان المذكوران إلى مدينة ~~كندي العاصمة القديمة ومقر الحكومة بطريق السكة الحديد، فوصلناها بعد أن قطع بنا القطار 72 ~~ميلا، ومن ثم ركبنا قطارا آخر إلى نوراليه، وهي آخر محطة للسكة الحديد، فبلغناها بعد قطع ~~20 ميلا، ومن هناك ركبنا المركبات وصعدنا إلى سطح جبل هناك، وأقمنا ليلتين في فندق يقال ~~له: جراند أوتل ... ولما سمع المسلمون بمقدمنا حضروا لزيارتنا والاحتفال بنا زرافات ووحدانا ~~... فشكرناهم على حسن ترحيبهم بنا ... وفي اليوم الخامس وصلنا إلى دمبتنا، وهناك استقبلنا أهلها ~~من المسلمين وغيرهم بكل بشاشة وإكرام، وبعد أن تغدينا في نزلها امتطينا جيادا كانت معدة ~~لنا وصعدنا إلى سراي السير توماس لبتن البعيدة عن النزل بحوالي أربعة أميال ... وهناك وجدنا ~~أسباب الراحة متوفرة، فأقمنا شهرا كاملا في ضيافة صديقنا سالف الذكر ... ولإيجاد نوع البن ~~اليمني في بلادنا المصرية أرسلنا إلى صديقنا المرحوم أحمد باشا المنشاوي تقاوي تكفي لزرع 20 ~~فدانا حتى يعم انتشاره، كما أرسلنا له لهذا الغرض أحسن أنواع المانجة والموز الأحمر ~~والأصفر المضلع أيضا وغيره من الأصناف المتعددة من الفاكهة الزكية الرائحة اللذيذة الطعم ~~مما رجوت انتشاره في مصر، وبعثنا إليه أيضا بأنواع الحبهان والقرنفل والمنلا الطيبة ~~الرائحة ... ثم زرنا مصانع صديقنا السير لبتن بجهة بيراسيا ومكثنا بها شهرا أيضا» ... # وفي سنة 1892، أي بعد نحو عشر سنوات من مجيئه إلى كولومبو، انتقل عرابي إلى مدينة كندي، ~~وسوف يظل بها حتى يعود إلى مصر ... وقد أمر الحاكم بسفره إليها في صالونه الخاص بالسكة الحديد ~~... # وقد سبق عرابي إلى مدينة كندى محمود سامي، ويعقوب باشا سامي فهمي، ولم يبق في كولومبو غير ~~محمود فهمي باشا وكان قد أصيب بالفالج في جنبه الأيسر. # وذهب محمود باشا فهمي إلى كندي لتبديل الهواء، ونزل ضيفا على محمد عرابي نجل عرابي باشا، ~~وهناك قضى نحبه في 17 يوليو سنة ms479 1894 ... # يقول عرابي: «ومدينة كندي هذه كائنة في واد ذي ثلاث شعب بين ثلاثة جبال، وبها بيت للحاكم ~~ومحكمة نظامية في بيت ملوك طائفة السنهاليز ... وفي المدينة المذكورة ضريح السيد شهاب الدين ~~على مرتفع من الأرض يصعد إليه بمرتقى نحو 20 سلما ومسجده عظيم متقن وهو حرم المدينة ... ~~وهناك مسجد آخر لطائفة الملاي، وكنيسة للبروتستانت وأخرى للكاثوليك، ومعابد لطائفتي ~~السنهاليز والتامل ... ويبلغ تعداد هذه المدينة 20 ألف نفس، منهم نحو 10 آلاف من المسلمين ~~وكلهم على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه» ... # وصار لعرابي مكانة عظيمة بين سكان هذه المدينة، وقد سارع المسلمون باستيراد الطرابيش من ~~الخارج، ولبسها أسوة به وبأصحابه، وبلغ من حبهم لعرابي وإجلالهم له أنهم كانوا يطلقون عدة ~~طلقات من مدفع بجوار المسجد الذي كان يؤدي فيه صلاة الجمعة كل أسبوع. # وذهب لعرابي صيت في الجزر المجاورة مثل ملاديف ولاكاديف وفي الهند وبورما والملايو، وقد ~~أرسل إليه سلاطين هذه الجهات وبعض مهراجات الهند كثيرا من الهدايا، وظلوا على مودته حتى ~~عاد إلى مصر، وكان يستشيره سلطان جاوا في كل أموره ويعد رأيه دستورا لا يمكن نقضه، ولما ~~كان عرابي ممنوعا من مغادرة الجزيرة كان ينيب عنه بعض أولاده في إجابة الدعوات التي ترسل ~~إليه، ومن ذلك دعوة أمير حيدر أباد في الهند ودعوات سلطان جاوا وبعض سلاطين الملايو وغيرهم ~~في جهات كثيرة. # وظل بعض أصحاب عرابي - وهم قلة قليلة - في مصر على الوفاء له، فكانوا يرسلون إليه الكتب، ~~ومن هؤلاء أحمد باشا المنشاوي ومحمد بك الزمر وخضر بك خضر، والنجدي بك والشيخ أحمد عبد ~~الغني، والشيخ محمد خليل الهجرسي وكان منفيا بالحجاز، وقد ضرب هذا الأخير المثل الأعلى في ~~الوفاء؛ وذلك أنه لما انتهت مدة نفيه وهي خمس سنوات أرسلت إليه الحكومة إذنا بالعودة إلى ~~وطنه فرفض أن يعود «حتى يعود عرابي وحتى يموت توفيق أو يتنحى عن عرشه» ... # ودأب الشيخ الهجرسي على إرسال كتبه إلى عرابي من ~~الحجاز، وكان إذا سمع عن أحد رجال الثورة الباقين ms480 انحرافا عن مبادئها كتب إلى عرابي ليسقطه ~~من حسابه، ويتبين هذا فيما كتبه عن أمين بك الشمسي؛ فقد قابله أثناء الحج فكتب إلى عرابي ~~كتابا جاء فيه: «وقد زار المدينة عدة أناس منهم أمين الشمسي الزقازيقي، وإني لألتمس من ~~دولتكم ألا تخاطبوه أبدا في هذه الغربة حتى تنقضي هذه الكربة، فإنه أسيف على ضياع بعض ~~أمواله وتغير بعض أحواله بسبب هذه المسألة ولا أسف له على المهم الأكبر من ضياع القطر وما ~~حل بأعظم رجال الدين في هذا الأمر؛ لأن أمثاله في خدمة الدنيا فقط، أسال الله الكريم بجاه ~~هذا النبي العظيم أن يردكم الرد الجميل مع الحظ والنصر والسعد الجزيل» ... # وظل على الوفاء له من الإنجليز المستر برودلي، فلم تنقطع رسائله إلا بعد وفاته، وقد أرسل ~~إلى أولاده بعد وفاة أبيهم يذكر لهم أنه على استعداد لمعاونتهم في المطالبة برد أملاك أبيهم ~~... # وكان صديقه بلنت وزوجته آنا بلنت حفيدة اللورد بيرون يرسلان إليه الرسائل المملوءة بالعطف ~~والمودة، وكانت آنا تكتب العربية في طلاقة. # 2 # وكتب له غير هذين عدد من المعجبين بحركته من الإنجليز، وخاصة بعض أصحاب الصحف والمجلات، ~~وكانوا يسألونه كثيرا عن حوادث ثورته ... # وقد ذكر لي أحد أبنائه أنه على علم ممن لا يجهل ولا يكذب أن كثيرا من الرسائل تبادلها ~~والده ومصطفى كامل في أول حركته، وأن فارس نمر باشا حصل على الرسائل التي كانت لدى مصطفى ~~كامل ... # وفي فبراير سنة 1900 سمحت الحكومة المصرية لطلبة باشا عصمت بالعودة إلى مصر حيث ساءت صحته ~~وقررت جمعية من الأطباء وجوب سفره في تلك السنة ودفن بمدافن الإمام الشافعي. # وفي أكتوبر سنة 1900 توفي بكندي يعقوب باشا سامي ودفن بجوار قبر محمود باشا فهمي، وكان ~~قدر صدر العفو عنه ولكنه قضى نحبه قبل أن يصل إليه النبأ ... # وأصيب محمود باشا سامي البارودي برشح في القرنيتين أفقده البصر وقرر الأطباء ضرورة عودته ~~إلى مصر لمعالجته في المناخ الذي نشأ فيه، وعفا عنه الخديو عباس حلمي فعاد إلى مصر وردت ms481 ~~إليه ممتلكاته المصادرة وجملة ريعها ولكن لم يعد إليه بصره، وتوفي سنة 1904. # وقد حدث في 12 مايو سنة 1901، أن زار الجزيرة ولي عهد إنجلترا الملك جورج الخامس - فيما ~~بعد - فاستقبل عرابي ورحب به وسأله عن صحته وعن حاله، وكانت هذه الزيارة سببا في عودة ~~عرابي، ولندع لعرابي أن يصف كيف كانت عودته، قال: «عرضت على سموه أني أعتبر تشريفه للجزيرة ~~فكاكا لنا من الأسر، فتكرم علينا بأنه سيسعى لدى الخديو في تحقيق أمنيتنا، ثم دارت ~~المخابرة بين سموه وبين الحكومة الإنجليزية والحكومة المصرية في هذا الشأن ... # وفي 24 من الشهر المذكور، جاءنا تلغراف من حاكم الجزيرة يقول فيه: إنه قادم إلى كندي ~~ليبلغنا شخصيا صدور أمر الخديو بالعفو عنا وعودتنا إلى وطننا العزيز، وعند حضوره توجهنا ~~إليه وشكرناه على سعيه وعرضنا عليه أن لنا الحق في السفر على نفقة الحكومة التي حملتنا إلى ~~تلك الجزيرة. # وفي أغسطس بارح علي فهمي باشا جزيرة سيلان، وبلغ القاهرة في أول سبتمبر من السنة المذكورة ~~... # وفي 4 سبتمبر بارحنا مدينة كندي صباحا وكان صالون الحاكم معدا لنا فأقلنا القطار إلى ~~كولومبو، أما احتفال أهل كندي بوداعنا؛ فقد كان عظيما حتى غصت أرصفة المحطة بالمودعين وفي ~~مقدمتهم محمد أفندي يوسف والدكتور كيت طبيب عائلتنا وإبراهيم لبي وغيرهم، ولما وصلنا ثغر ~~كولومبو نزلنا في منزل صديقنا المحترم كرمجي جعفرجي، وأقمنا به في انتظار السفينة المسماة ~~برنس هنري الألمانية الآتية من الصين، وفي تلك المدة دعينا لتوزيع المكافآت على الناجحين من ~~تلاميذ مدرسة ميردانة الإسلامية التي افتتحت بحضورنا على نفقة المسلمين. # وفي أصيل 21 سبتمبر سنة 1901 الموافق 6 جمادى الآخرة سنة 1319 دخلت السفينة البرنس هنري ~~ميناء كولومبو، وتغطى وجه الماء بالزوارق والرفاصات، وتكدست جموع المودعين تكدسا هائلا ~~حتى لم نتمكن من الوصول إلى السفينة إلا بشق النفس، وهناك تليت علينا قصائد التوديع من نخبة ~~أهل سيلان، ثم سلمت إلينا في محافظ من الفضة الخالصة البديعة الصنع ... # ولما استقر بنا المقام في السفينة بعد مغادرة تلك ms482 الجموع المكتظة بها أقلعت بعد ساعتين ~~باسم الله مجريها ومرساها تمخر في عرض المحيط الهندي لأول مرة، وقبلتها كنانة الله العزيز ~~الحكيم، وكانت حمولتها 12000 طن وسرعة سيرها 16 عقدة في الساعة وهي مستوفية لأسباب الراحة ~~وكانت الرياح هادئة، وبعد قليل غابت شواطئ الجزيرة عن الأنظار ... # على هذا النحو مرت الأيام والليالي حتى وصلنا خليج عدن والسفينة تتهادى في مياه البحر ~~الأحمر ... وبعد أن قطعت نحو ثلاثة آلاف ومائتي ميل رست في ميناء السويس وذلك في غروب يوم 14 ~~جمادى الآخرة سنة 1319، فقضيا تلك الليلة في السفينة وفي الصباح ودعنا من فيها وخرجنا إلى ~~البر ونحن نتنفس الصعداء ونلهج بالدعاء لله - سبحانه وتعالى - بالوصول إلى بلادنا سالمين ~~بعد مرور 19 عاما تحملنا فيها آلام الفراق». # | العائد الذي نسي # غاب عرابي عن مصر 19 عاما، وأقام بها الاحتلال الذي جاء للقضاء على العصاة فحسب هذه ~~الأعوام التسعة عشر، وعمل الاحتلال في هذه السنين الطويلة على مد جذوره وبسط فروعه، على ~~الرغم من وعوده المتكررة بالجلاء، بل يفضل هذه الوعود التي لم يكن يقصد بها إلا خدعة ~~المسؤولين ... # لم تكد تمضي خمسة أشهر على دخول الإنجليز مصر حتى تمت لهم السيطرة على الجيش والشرطة، أما ~~جيش الثورة؛ فقد حله توفيق بجرة قلم كما ذكرنا بتهمة العصيان، وأحل الاحتلال محله جيشا ~~جديدا هزيلا في قبضة سردار إنجليزي، ولم يكن للروح المعنوية سبيل إلى قلوب رجاله، بل كان ~~السبيل للرهبة والنظر إلى الإنجليز نظرة السادة الذين أعادوا للخديو سلطته فهو مدين لهم ~~بكرسيه، وإذا كان «أفندينا» يظهر الخضوع والولاء للإنجليز صغارهم وكبارهم، فكيف بالجند؟ ~~وبلغ هذا المعنى أقصى مداه في حادث الحدود في يناير سنة 1894؛ فقد أبدى الخديو ملاحظات على ~~فرقة من الجيش المصري بقيادة ضابط بريطاني عند وادي حلفا، وعاب على الجيش سوء نظامه، فعد ~~السردار اللورد كتشنر كلام الخديو إهانة له ولكرامة إنجلترا، وكان جزاء الخديو وقد بلغ ~~الفيوم عند عودته إلى القاهرة أن منع منعا صريحا من دخول العاصمة إلا أن ms483 يعلن ثناءه على ~~الجيش وإدارته؛ ليكون هذا بمثابة اعتذار منه، ولم يجد الخديو بدا من الإذعان، ثم سمح له ~~بعد ذلك بدخول عاصمته، وثبت في نفوس الجند أن سلطة أي ضابط بريطاني أكبر من سلطة الخديو، ~~وأن الرقي والإسعاد لمن كان له عند الإنجليز حظوة ... # وأما الشرطة؛ فقد عين رئيس عام لهم من البريطانيين كان له سلطة الإشراف التام عليهم ... # وسيطر الإنجليز على الشؤون المالية، وذلك بأن ألغوا الرقابة الثنائية، وعينوا مستشارا ~~عاما ماليا إنجليزيا في أوائل سنة 1883 لا يبرم أمر من الأمور يتصل بالمال إلا بإذنه ~~... # وقبض الإنجليز على ناصية الحكم والإدارة، فكان لكبار موظفيهم وصغارهم في الدواوين الكلمة ~~العليا، والجاه والهيبة، تكفي كلمة من أحدهم لنقض أي أمر لأي وزير، والدليل على ذلك في هذا ~~البلاغ الذي أصدرته الحكومة البريطانية إلى سفيرها في مصر ليحمله إلى شريف باشا بمناسبة ~~إصراره على الاحتفاظ بالسودان: «ما دام الاحتلال المؤقت قائما فيلزم أن تكونوا على يقين من ~~أن النصائح التي تزجونها لسمو الخديو وحكومته يؤخذ بها وتنفذ، ويجب أن يعلم النظار ~~والمديرون صراحة، أنه ما دامت إنجلترا مضطلعة بالمسؤولية في مصر، فإن حكومة جلالة الملكة لا ~~بد أن تطمئن إلى تنفيذ سياستها المرسومة وإلا وجب على النظار والمديرين أن يتركوا ~~كراسيهم». # أما الدستور فيا أسفا عليه، قد ألغاه الاحتلال وأحل محله في مايو سنة 1883 ما عرف ~~بالقانون النظامي، وبمقتضاه أنشئ مجلس شورى القوانين وأنشئت الجمعية العمومية، وهما هيئتان ~~لا سلطة لهما ولا شبه سلطة الغرض منهما خداع الأمة بأن لها مجلسين، بدلا من مجلس واحد، ~~وشتان بين هذين وبين ذلك المجلس النيابي الذي كانت الوزارة مسؤولة أمامه والذي وضعت وزارة ~~البارودي أو وزارة الثورة دستوره، فجعلت به الأمة مصدر السلطات كما هو الحال في الدساتير ~~الحديثة. # هكذا قضى الاحتلال على كل شيء، وجعل همه بث هيبة إنجلترا في نفوس المصريين والقضاء في عنف ~~على أية محاولة لبعث الروح الوطنية مهما كان من ضآلتها، وألقيت مقاليد الأمور إلى كرومر أحد ms484 ~~بناة الإمبراطورية وأحد أساطين الاستعمار ... # وكان دعاة الاحتلال وألسنته يلقون في روع الناس أن حركة عرابي لم تكن إلا عصيانا أهوج ~~بعثه الطمع الشخصي، وأنه لولا أن تداركت إنجلترا البلاد من فوضى هذا العصيان الأحمق للحق ~~بها الهلاك ... # وثبت في أذهان ناشئة الجيل الذي أعقب الاحتلال أن عرابي هو سبب النكبة وأن «هوجة» عرابي ~~هي التي جلبت الاحتلال، ومما يؤسف له حقا أشد الأسف أن بعض المصريين ما يزالون حتى الآن ~~يرددون هذا الكلام . # وشاع الانحلال القومي في الأمة، وماتت روح المقاومة وخيل للناس أن الاحتلال قوة لا تقاوم ~~أبدا وأن هؤلاء الإنجليز المتسلطين لن يغلبهم غالب ... # وفي هذا الجو الكئيب وصل أحمد عرابي باشا زعيم الثورة القومية إلى مصر، فلم يجد أحدا من ~~الجيل الناشئ يذكره ويذكر ثورته إلا بالسوء من القول، ولولا بقية ممن شهدوا الثورة وعرفوا ~~حقيقة أمرها، ما لقيه في مصر أحد ... # يقول عرابي بعد أن وصل السويس: «وهناك نزلنا في منزل الشيخ البخاري، بعد أن كتبنا إلى ~~محافظ البندر مصطفى بك ماهر الذي كان من تلاميذ السيد عبد الله نديم، وكان معروفا بحبه ~~للحرية والوطنية، فأنكرنا وأعرض عنا ولم يرد علينا، فأرسلنا برقية إلى قائمقام الحضرة ~~الخديو فخري باشا # 1 # فكتب إلى مصلحة السكك الحديدية بحجز صالون لنزولنا وعائلتنا ومن معنا من السويس ~~إلى القاهرة على نفقة الحكومة ... وفي 16 جمادى الآخرة سنة 1319 الموافق أول أكتوبر سنة 1901، ~~برحنا السويس ووصلنا القاهرة قبيل الغروب، وكان ازدحام الناس لتوديعنا في محطة السويس ~~عظيما، وكذلك عند استقبالنا في الزقازيق، وبنها، وخاصة في القاهرة، فإن ازدحام الناس بلغ ~~أشده، بالرغم من إعلان المحافظة بعدم التجمهر والاحتفاء ... # ولما نزلنا في محطة القاهرة أخذنا المركبات إلى منزل أولادي الكائن بشارع الملك الناصر في ~~شارع خيرت، واجتمعنا بهم بعد غياب 19 عاما، و4 أشهر» ... # وعاش عرابي في منزل أولاده بشارع خيرت كما يعيش عامة الناس، الرجل الذي كانت مصر كلها في ~~قبضته، والذي خلعت الأمة طاعة الخديو لتطيعه في الدفاع عن ms485 وطنه، والذي أيده السلطان وراسله، ~~والذي لم تجد إنجلترا بدا من إعداد حملة تحاربه وتحارب مصر المتوثبة في شخصه ... # وكانت جريدة «اللواء» تناصر عباس فرأت أن تتلقى عرابي لقاء كريها؛ ابتغاء مرضاته، كما ~~رأى شوقي شاعر الأمير أن يهجو الزعيم العائد؛ تزلفا إلى الأمير وعملا بسنة قديمة للشعراء، ~~مؤداها أن يمتدح الشاعر من يرضى عنه أميره وأن يذم من يغضب عليه ذلك الأمير دون أن يكون بين ~~الشاعر وبين من يمدح أو يذم أية صلة ... # وقالت جريدة «اللواء» وهي تعلم أنها كاذبة فيما تقول: إن اللورد كرومر جاء بنفسه إلى محطة ~~القاهرة لاستقبال عرابي؛ وذلك لتلقي في روع الناس أن عرابي من صنائع الإنجليز ~~... # ونشر شوقي قصيدة قال في مطلعها: # صغار في الذهاب وفي الإياب # أهذا كل شأنك يا عرابي؟ # وفي مثل هذا الهذر من شاعر الأمير صورة من أخلاقه وصورة من روح العصر كله، ودليل على ما ~~نقوله من اجتماع عوامل كثيرة على تشويه سيرة عرابي، كان القصر أيام توفيق وأيام ابنه عباس ~~من أهمها ... # ولو صدقت جريدة «اللواء» لخف إلى المحطة مع كرومر مئات من المصريين للقاء عرابي والحفاوة ~~به لا ليظهروا له مودتهم، ولكن ليظهروا تملقهم لعميد الاحتلال صاحب القوة والجاه في مصر ... # قال عرابي: «غير أن رجوعنا إلى وطننا العزيز لم يرق في نظر خصومنا الجهلاء؛ ظنا منهم ~~أننا بعنا ذلك الوطن للإنجليز على اتفاق بيننا وبينهم، فأوعزوا إلى بعض الجرائد المأجورة، ~~وفي مقدمتها جريدة «اللواء» بالتنديد بنا، والخروج علينا بألسنتها فوجهت إلينا سهام جهلها ~~وضغنها». # ولولا أن إنجلترا قد وثقت كل الثقة من أن عودة عرابي لن تسبب لها متاعب في مصر ما أعادته ~~... # ولم يكن عرابي ليستطيع بعد أن بسط الاحتلال سلطانه على هذه الصورة أن يعيد حياته سيرتها ~~الأولى من الجهاد والعتاد، فإن الرماد الكثيف يطمر الجمرات التي أشعلها بالأمس وجعل نارها ~~تتأجج ... # وستبقى هذه الجمرات تحت الرماد حتى يهيئ الله لها زعيما فلاحا آخر، هو سعد زغلول فما هو ~~إلا أن ينفخ ms486 فيها من روحه القوية حتى تنبعث جبارة عاتية لا يطفئها طغيان ... # وسوف تكون ثورة سعد في تاريخ مصر هي البعث لثورة عرابي وتكملتها، فعلى يد سعد تعود ~~القومية المصرية التي بدأها عرابي، وعلى يد سعد يخذل الاحتلال الذي خنق ثورة عرابي، وعلى يد ~~سعد يبعث الدستور الذي هتف به في مسمع الزمن أحمد عرابي حين واجه توفيقا يوم عابدين بأنه ~~جاء يتكلم باسم الأمة التي تطلب الدستور، ولا ترضى غيره قاعدة للحكم ... # | غريب في الوطن # رأى عرابي وقد أصدر الخديو عفوه عنه أن أدب اللياقة يقضي عليه أن يتقدم إليه بالشكر، وقد ~~تصادف - كما ذكرنا - أن بلغ عباس الإسكندرية عائدا من إحدى رحلاته في اليوم الذي بلغ عرابي ~~فيه السويس عائدا من منفاه، فأبرق إلى القصر يعبر عن شكره للخديو ويهنئه بسلامة العودة ~~ويستأذن في المثول بين يديه ... ولكنه لم يظفر من القصر حتى بالرد عليه ... # وزار عرابي الوزراء في بيوتهم، فلم يرد أحدهم له الزيارة، وقد تألم عرابي لذلك كثيرا؛ إذ ~~إنه ما زارهم إلا لأن الواجب يقضي بذلك، قال في مذكراته: «وما فعلت ذلك إلا قياما ~~بالواجب». # وخشي كبار الموظفين الاتصال بعرابي، وإلا أغضبوا الخديو، وكذلك أصدر كرومر أوامره للوزراء ~~ألا يتصل به أحد؛ خشية أن يستغل اسمه في تنبيه الأذهان إلى مذلة الاحتلال، كما أشار إلى ذلك ~~بلنت في بعض مذكراته ... وهكذا يعامل عرابي معاملة من أساء إلى وطنه، وليس في مصر حينذاك من ~~أحسن إلى مصر مثله. # وأحس عرابي أنه غريب في وطنه؛ فقد أنكره أكثر من كانوا يلتفون حوله إبان سلطانه، ومنهم من ~~كان يود لو وجه إليه حينذاك عرابي نظرة، أو حياه بتحية. # ولولا بقية من أولي الفضل والإباء ممن كان الوفاء فيهم طبعا لضاق عرابي بالحياة في وطنه ~~وفضل عليها حياته في المنفى، وكان في مقدمة هؤلاء الذين تنكروا له علي فهمي باشا زميله في ~~الثورة وفي المنفى، وإبراهيم فوزي باشا مأمور ضبط القاهرة إبان الثورة، والشيخ محمد خليل ~~الهجرسي الصديق الوفي، والزبير ms487 باشا، ومحمد بك الزمر، والسيد باشا شكري المهندس وأحمد بك ~~ناشد مدير الشرقية في أثناء الحرب، ورزق حجازي بك من رجال الثورة، وعبد الحميد باشا ~~العبادي، وأحمد حمدي باشا، والشاعر حافظ بك إبراهيم، والدكتور محجوب ثابت، ومحمد بك أبو ~~شادي المحامي وعلي بك آصف، ونفر قليل ممن كانوا يجلون عرابي ويحبونه ... # ومما يؤسف له أن البارودي لم يزره إلا بعد عودته بأسبوع، ثم انقطع عنه ولم يزره بعدها ~~أبدا ... وفي أكتوبر سنة 1901 جاء صديقه المستر بلنت إلى مصر، وزاره في منزله، وكان يزوره ~~دائما كلما جاء إلى مصر، وفي 24 من هذا الشهر جمع بلنت بينه وبين الشيخ محمد عبده بحديقته ~~بالشيخ عبيد وقد شهد هذا اللقاء علي باشا فهمي. # وتعانق الزعيم الشيخ، والأستاذ الإمام عند اللقاء، وقد اجتمعت ذكريات الثورة في هذه ~~اللحظة، ولكن عرابي ما لبث أن أغلظ للإمام في القول حين تشعب الحديث إلى الثورة وحوادثها ~~ولامه على مصانعته الخديو في بعض ما كتب ... # وكان عرابي يؤدي صلاة الجمعة في جامع الرماح بالناصرية، أو بمسجد السيدة زينب، أو بمسجد ~~الحسين - رضي الله عنهما - وكان يتزاحم عليه الناس لرؤيته والسلام عليه ... # وقد حدثني كثيرون ممن رأوه في تلك الأيام، فقالوا: إنهم لن ينسوا قامته الطويلة ولا لحيته ~~البيضاء ولا وجهه الذي تنبعث منه هيبة شديدة ويشع منه الإيمان والورع في وقت واحد، ولا ~~مسبحته التي كانت لا تفارق يده، ولن ينسوا إقبال الناس عليه كلما رأوه وإشارتهم إليه، ~~وتزاحمهم لرؤيته إذا كان جالسا في دكان، أو في مسجد، وقولهم: هذا هو عرابي، وسؤال بعضهم ~~بعضا: هل رأيت عرابي؟ ها هو ذا عرابي ... # وكان عرابي يخرج أصيل كل يوم في فصل الصيف للرياضة، فيذهب في عربته إلى الجزيرة أو شارع ~~الهرم فيقضي ساعة أو بعض ساعة، وكان وجهاء المدينة في الشوارع التي يمر بها ينهضون وقوفا ~~إذا مر بهم وهم جلوس أمام منازلهم حسب عادة الناس في تلك الأيام ويحيونه برفع أيديهم إلى ~~رؤوسهم إجلالا له، وكان يرد ms488 عليهم تحياتهم شاكرا لهم جميل صنعهم ... ~~••• # وكان من أشد ما يتألم منه عرابي وهو مقيم مع أولاده بعمارة البابلي بشارع خيرت، ضيق ذات ~~يده، فإن المعاش لم يكن يكفيه هو وأسرته الكثيرة العدد ... # وحق للرجل أن يتألم؛ فقد كان من الجحود أن يظل هذا الزعيم محروما من أملاكه التي حللها ~~الله له، فيعيش وهو الأبي الكريم حياة المعسرين، وقد كانت مصر كلها طوع يمينه ذات يوم ... ~~وذلك ما كان يبث في نفسه الشعور بالغربة في وطنه، فهل هذا جزاء ما قدمت يداه من خير لهذا ~~الوطن، وما بذل من جهود في سبيل إصلاحه والنهوض به؟ # وقضى عرابي أياما كانت شديدة الوطأة عليه، يحسبه الجاهلون غنيا من التعفف، وإنه ليقاسي ~~مما هو فيه العذاب الأليم ... # وكتب عرابي للخديو، يرجو منه رفع هذا الحيف عنه، فما رجع من كتابته بطائل، ولم يظفر حتى ~~برد، وكتب للحكومة فأعرضت عنه أشد إعراض، وكانت حجته في تلك المكاتبات أن مصادرة أملاكه لا ~~تتفق مع العدالة ولا مع الشرع؛ لأنه لم يصدر بناء على حكم شرعي ثم إن العفو صدر عنه فرجع ~~إلى وطنه، فلم يكن العفو ناقصا لا يشمل العقوبة كلها؟ # وكان يكرر عرابي ما أورده على أنه حديث وهو: «مال المسلم على المسلم حرام» ... # ونسي عرابي، أو لعله تناسى أن العفو عنه لم يكن بإرادة عباس، وإنما كان بشفاعة ولي عهد ~~إنجلترا، وهي شفاعة لا ترد، ولو أنها شملت إعادة ما أخذ منه لأعيد إليه دون أن ينقص درهما ~~واحدا ... # واشتكى عرابي إلى من كانوا السبب في نفيه، ولكن الإنجليز يحيلونه على الحكومة المصرية ~~قائلين: إنهم لا يستطيعون التدخل في مسألة هي من اختصاص الحكومة المصرية، وذلك هو دأبهم، ~~يتدخلون في كل شيء تقضي مصلحتهم بالتدخل فيه ويحتجون حين لا يريدون التدخل في أمر بأن ذلك ~~من اختصاص الحكومة المصرية ... # والواقع أن مصادرة ممتلكات عرابي وأصحابه على الصورة التي تمت بها لا تستند إلى شيء من ~~القانون أو الشرع فالمعروف أن تباع أملاكه ويؤدى ms489 إليه ثمنها، أما أن تؤخذ هكذا بغير حكم ~~قضائي وليست وفاء لدين أو تعويضا عن مال سلب، فهذا ما لم يسبق به حكم في مصر ولا في غير ~~مصر ... # ولقد يئس عرابي من إقناع أولي الأمر برد حقه المغتصب، يقول في مذكراته: «ومن حيث إن ~~الحكومة المصرية لا تريد أن تسمع الحق، ولا ترد على من يتظلم إليها أو هي لا تقدر على ~~الإجابة ولا على أي عمل ضد إرادة الإنجليز، كما أن الحكومة الإنجليزية لا تريد أن تتوسط في ~~إقامة العدل ودحض الظلم ورد أملاكي المنهوبة بقوة الاحتلال وتحيل شكواي على حكومة سمو ~~الخديو وهي لا تقدر على عمل ما بدون أمر الإنجليز؛ فقد تركت لأولادي وحفدتي من بعدى وذريتي ~~جيلا بعد جيل الحق في المطالبة بحقوقي وأملاكي المنهوبة من الحكومة المصرية ومن المجلس ~~النيابي المصري حين تسترد الأمة حريتها واستقلالها ومجلسها النيابي، وإني واثق بأن أمتي ~~المصرية الكريمة لن تنساني، ولن تترك أولادي حين يأتي اليوم الذي تعرف فيه حقيقة أعمالي ~~الوطنية الواجبة على كل وطني حر». # ونحن نقول: أنه حان أن تنصف مصر عرابي وأن تعرف حقيقة أعماله الوطنية كما يقول، ولقد دأب ~~أبناؤه؛ عملا بوصية أبيهم؛ ورغبة في الوصول إلى حقهم المهضوم، بالشكوى إلى ولاة الأمور منذ ~~أن تألفت الوزارة الوطنية الثانية برئاسة الزعيم القومي الثاني، سعد زغلول، ولئن حالت دون ~~إحقاق هذا الحق مشاغل وظروف لا داعي لتفصيلها الآن فإنا نحسب أن الوقت الذي ترد مصر فيه ~~الجميل لعرابي هو هذا الوقت الذي تقتلع فيه ما بقي من جذور الاحتلال ... # ويسرنا أن نثبت في هذا التاريخ آخر خطوة رسمية حتى يومنا هذا؛ فقد تقدمت اللجنة المالية ~~إلى مجلس الوزراء في صيف سنة 1947 بمذكرة جاء فيها: «وقد استخرجت مصلحة الأملاك بيانا عن ~~مساحة هذه الأملاك من الملفات المحفوظة، فوجدت أنها 12 س، 69 ط، 461 ق، وقدرت ثمنها حسب ~~الأسعار الحالية بمبلغ 48661422 جنيها. # وقد طالب ورثة عرابي باشا مرارا وتكرارا بإعادة أملاك مورثهم إليهم، ms490 تلك الأموال التي ~~يقدرونها بتسعمائة فدان، إلا أن هذه المطالبات كان نصيبها الحفظ في 24 مارس سنة 1938، 2 ~~يوليو سنة 1940، 27 مايو سنة 1942». # ومن أجمل ما ذكرته اللجنة المالية قولها: # وتذكر وزارة المالية أن مسألة إعادة أملاك أحمد عرابي باشا المصادرة، إلى ورثته ~~يجب أن ينظر إليها بمنظار اليوم، لا بمنظار الأمس الذي انقضى بآثاره ونتائجه وتقادم ~~عهده وانقضى عليه زهاء ثلثي قرن، تعاقبت فيها أجيال وتغيرت فيها النظريات والعقائد، ~~وأصبح ينظر إلى الثورة العرابية بأنها كانت حركة وطنية صميمة في مصريتها، نبيلة في ~~أغراضها، سامية في مقاصدها، وقد دافع عرابي باشا عن المبادئ والحريات التي يحارب من ~~أجلها العالم الآن والتي يضحى لها بالملايين من البشر، وإن النظرة الحديثة إلى ~~عقوبة مصادرة الأملاك لا تعتبرها عقوبة عادلة رادعة، كما كان يؤخذ بها في العصور ~~الماضية، بل عقوبة متعدية إلى غير الشخص المقصود بذاته، إلى ورثته الأبرياء الذين ~~لم يقدموا على جرم أو يقترفوا ذنبا يستحقون عليه الحكم بالفقر، والعوز، ~~والحرمان. # | قضى الزعيم نحبه # على تلك الحال التي ذكرنا قضى عرابي أيامه في مصر بعد عودته من المنفى، يتلقى أصحابه في ~~منزله ويزورهم في منازلهم، وكانوا يتجاذبون ذكريات الماضي ويألمون مما آلت إليه مصر من حكم ~~المستعمرين لها وقضائهم على دستورها، وكان هؤلاء الإخوان يحدثون عرابي عن عباس وكيف أخذ ~~يناهض الاحتلال حتى أذله كرومر وأرغمه على مصانعة الاحتلال، وعن تخاذل النفوس أيام أن كان ~~عرابي في منفاه، وكان الأسى يرمض جوانح هؤلاء الذين خاضوا غمار الثورة وشعروا بالعزة ~~القومية قبل الاحتلال، وهم لا يملكون اليوم إلا أن يسألوا الله أن يجعل لمصر مخرجا مما هي ~~فيه ... # وكان عرابي في أواخر أيامه يكثر من تلاوة القران، ويحرص على أن يؤدي أبناؤه الصلوات في ~~أوقاتها، وكان يؤمهم ويحرم على الذكور منهم التحلي بأية حلية ذهبية ويحفظهم القرآن الكريم، ~~وقد قرأ عليه أحدهم نهج البلاغة وهو غلام، وكان يحبذ لهم الجد والاحتشام، ومن ذلك أنه غضب ~~على أكبر أبنائه؛ لأنه حلق لحيته ms491 ولم يرض عنه حتى أطلقها مرة ثانية ... # وكان عرابي يتألم كلما سمع الناس يثنون على حركته القومية ويعدونها الخطوة الأولى لما ~~بعدها من نهوض، كما كان يتألم جدا إذا علم أن الجيل الناشئ يجهل هذه الحركة التي لم تجد ~~دفاعا عنها، والتي عمل الاحتلال على أن يصورها صورة بعيدة كل البعد عن حقيقتها ... # حدثني أحد أبنائه أن أباه قال له ذات مرة غاضبا لما رآه من جهل الجيل الجديد بحركته: إن ~~هذه الحركة سوف يقيض الله لها من يفهمها حق الفهم من أبناء الجيل القادم الذين يفطنون إلى ~~ألاعيب الاحتلال وتثور نفوسهم عليه وحينئذ يعرفون ما فعلناه من أجل الوطن ويعملون على ~~هذا الطريق ... ~~••• # والحق أن الاحتلال قد أضل الناس كثيرا عن ثورة عرابي، وساعد الاحتلال عدة عوامل، منها ~~الخوف، والجهل، وعدم التمكن من نشر شيء عن هذه الثورة بقصد الدفاع عنها؛ لأن هذا يغضب ~~الاحتلال من جهة، ويغضب الخديو من جهة أخرى؛ إذ كان عباس يحقد أشد الحقد على عرابي معتقدا ~~أنه أراد يوما أن يخلع أباه ويقيم حليما بدله. # وكان الاحتلال ينشر في مدارسنا أن عرابي جاهل، أحمق، مغرور، ساق البلاد إلى الفتنة ~~والخراب. # ولم ينصف عرابي إلا صديقه بلنت حين نشر سنة 1907 كتابه «التاريخ السري للاحتلال ~~البريطاني لمصر» ولكن هذا الكتاب لم يقرأه إلا عدد من الإنجليز، فلم يكن له أثر يذكر في مصر ~~... # وكل ما استطاع عرابي أن يفعله للدفاع عن نفسه وعن قضية الوطن هو أنه كتب لبلنت - بناء ~~على طلبه - تاريخا موجزا لحياته وحركته سلمه إليه الشيخ عبيد في 26 مارس سنة 1903 فنشره ~~بلنت في آخر كتابه عند طبعه ... # ظل عرابي حتى السنوات الأخيرة من عمره مرتفع الهامة منتصب القامة حتى أشرف على السبعين ~~وهو قوي البدن جم النشاط، إلى أن أصيب بمرض أقعده؛ ذلك هو السرطان الذي أصابه في المثانة ... # وتولى علاجه ثلاثة من الأطباء هم: أحمد بك عيسى ومحجوب ثابت، وأنيس أنسي، ولكن هذا الداء ~~قد استعصى على العلاج ... # وكان ms492 عرابي قد دون مذكراته عن الثورة في ثلاث كراسات كبيرة # 1 # تكلم فيها عن حوادث الثورة جميعا، فلم يترك ناحية منها إلا ذكرها ... وقد حرص ~~على كتابة ثلاث صور منها، إحداها محفوظة بدار الكتب المصرية، والثانية والثالثة لدى أبنائه ~~... ~~••• # وفي 26 يوليو سنة 1910 فرغ من كتابة هذه المذكرات وقد اختتمها بذكر جميع من فتحوا مصر ~~وتغلبوا عليها منذ عهد الفراعنة حتى الاحتلال البريطاني ووضح كيف تخلصت مصر منهم جميعا، ثم ~~قال: «فعلى الجيل الجديد أن يجد ويجتهد ويعمل ليلا ونهارا على استرداد مجده واستقلاله ~~وحريته المسلوبة منه ومطالبة الإنجليز بالجلاء حتى ينكشف عنه هذا البلاء، ثم إني أدعو الشعب ~~المصري ألا يقلد التمدن الأوربي المزيف حتى لا يرتكب المنكرات التي نهى الله عنها وأن يأمر ~~بالمعروف الذي أمر الله به، وأن يترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن وأن يقيم شعائر الدين ~~الحنيف ويحيي مناسكه، فلا عز ولا انتصار بغير الدين وهو وحده يكفل لمن اتبعه بإخلاص هناء ~~الدنيا وثواب الآخرة، ثم أناشدهم أن يشدوا أواصر الإخاء بين أبناء وطنهم وينزعوا ما في ~~قلوبهم من غل وضغينة ويعملوا يدا واحدة وقلبا واحدا لرفع شأن بلادهم وإعزاز كلمة دينهم، ~~فإذا فعلتم كل ما ذكرت وأرهفتم آذانكم للسمع وأصختم إلى نصائح حكيم مجرب، عندئذ يخرج الله ~~أعداءكم ويولي عليكم خياركم والله على كل شيء قدير» ... # وفي 20 سبتمبر سنة 1911 اشتدت وطأة المرض على الزعيم الشيخ وكان قد انتقل إلى منزل في ~~المنيرة فأوصى أولاده بنشر مذكراته مهما قابلهم من عقبات؛ ليعلم الناس حقيقة أعماله وما ~~أراده من الخير لوطنه، وأن يلحوا على المطالبة بحقهم حتى ينالوه ... ~~••• # وغاب الزعيم الشيخ عن وعيه 36 ساعة لم يتكلم فيها أو يفتح عينيه أو يدري شيئا مما حوله، ~~ثم وافاه الأجل المحتوم في 22 سبتمبر سنة 1911 الموافق 27 رمضان سنة 1329، فأصبح في ذمة ~~الله وسجل التاريخ. # ولم يكن لدى أولاده من المال ما يكفي لتجهيزه ودفنه فاضطروا إلى عدم إعلان نبأ وفاته حتى ms493 ~~اليوم التالي، حتى قبضوا معاشه؛ إذ صرفت وزارة المالية المرتبات والمعاشات في هذا اليوم ~~بمناسبة عيد الفطر المبارك ... # ولم يشيعه إلى مقره الأخير رجل رسمي واحد، أو يحضر في مأتمه، ولكن مصر الوفية التي طغى ~~عليها الاحتلال فتباعدت عنه في حياته، أبت إلا أن تكرمه ميتا فأحاط بنعشه الألوف من ~~أبنائها وتألفت من هؤلاء جنازة شعبية عظيمة سارت في صمت وخشوع من داره بالمنيرة حتى قبره ~~بالإمام الشافعي؛ حيث أهيل عليه التراب، بين ترحم المترحمين وبكاء الباكين ... # وستنقضي العصور والأعوام، ويبقى في أذهان بني الأجيال القادمة أن أحمد عرابي كان زعيم ~~القومية المصرية الأول وكان الفلاح المصري الأول الذي دعا إلى حرية قومه وحارب في سبيلها ~~ونفي وذاق ألم الفاقة والحرمان من أجل مصر، وكان صاحب الصيحة الأولى وصاحب الخطوة الأولى في ~~سبيل الكرامة القومية والنهوض بمصر على أساس الدستور والحرية، جزى الله عرابي جزاء المحسنين ~~عن أمته وأسكنه فسيح جناته ... ms494