######OpenITI# #META# URI: 1380MahmudKhafif.FaslFiTarikhThawraCurabiyya.Hindawi40358268 #META# Tags: history #META# ID: 40358268 #META# Title: فصل في تاريخ الثورة العرابية #META# AuthorID: 40919408 #META# Author: محمود الخفيف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # لماذا حدثت الثورة؟‏ # الثورة‏ # جهاد مصر ضد المعتدين‏ # تمهيد‏ # لماذا حدثت الثورة؟‏ # الثورة‏ # جهاد مصر ضد المعتدين‏ # | فصل في تاريخ الثورة العرابية # | فصل في تاريخ الثورة العرابية # تأليف # محمود الخفيف # | تمهيد # كانت الثورة العرابية حركة وطنية قومية انبعثت في مصر في أواخر القرن الماضي، حين ثار ~~الوطنيون من مدنيين وعسكريين على تدخل الأجانب في شؤون مصر، وعلى فساد الحكم الذي كانت تخضع ~~له البلاد وما آلت إليه من فساد أحوالها جميعا، وقد انتهت زعامة هذه الحركة القومية ~~العظيمة التي عمل الاحتلال البريطاني على تشويهها والحط من قيمتها إلى الزعيم الوطني أحمد ~~عرابي أحد ضباط الجيش المصري، ويجدر بنا قبل أن نذكر أسباب هذه الثورة، وقبل أن نسرد ~~حوادثها أن نلم بنشأة هذا الزعيم المصري العظيم. # نشأة أحمد عرابي # ولد أحمد عرابي في شهر مارس سنة 1841 في قرية «هرية رزنة»، وهي قرية صغيرة بالشرقية ~~تقع غير بعيد من مدينة الزقازيق. # نشأ في هذه القرية الصغيرة ذلك الصبي الذي قدر له أن يقترن اسمه بحركة من أكبر ~~الحركات الإصلاحية في تاريخ مصر الحديث، والذي صارت حياته وأعماله فصلا من تاريخ وطنه، ~~والذي كان أول مصري فلاح واجه حاكم مصر المطلق في شجاعة وإباء فأسمعه أن المصريين لم ~~يعودوا عبيدا، وأنهم جديرون بأن يعيشوا أحرارا «وأنهم لن يورثوا بعد اليوم». # وكان أبوه محمد عرابي شيخ هرية رزنة، ويذكر عرابي عن أبيه في مذكراته التي كتبها في ~~أواخر حياته أنه كان «شيخا جليلا رئيسا على عشيرته عالما ورعا تقيا نقيا ~~موصوفا بالعفة والأمانة»، ويذكر كذلك فيما يذكر من أنباء والده قوله: «وكان قد أمر ~~والدي بترتيب درس فقه في المسجد الذي جدده للعامة بعد عصر كل يوم وبعد صلاة العشاء، ~~فتفقه عامة أهل البلد في دينهم وصحت عبادتهم، وحسن حالهم بفضل قيام المرحوم والدي على ~~تعليم قومه وأهل بلده». # وأدخله أبوه مكتب القرية وهو كما يقول من منشآته فيها؛ وفي هذا المكتب فتحت عينا ~~الصبي على نور العلم فحفظ شيئا من القرآن ms01 الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة. # وعرف الصبي في المكتب بفصاحة اللسان وسرعة الحفظ وبهما تحدث معلمه إلى أبيه. وتعهده ~~صراف القرية ميخائيل غطاس، فعلمه مبادئ الحساب وتحسين الخط. # ومات أبوه وهو في الثامنة من عمره، ولكن يتمه لم يحل بينه وبين أن ينال قسطا من ~~التعليم في الأزهر، فقد أرسله أخوه الأكبر محمد عرابي إلى هناك عسى أن يكون عالما من ~~علمائه، ولكن الصبي لم يلبث بالأزهر إلا أربع سنوات تعلم فيها على طريقة الأزهر يومئذ ~~شيئا من الفقه والتفسير والنحو، وحفظ الصبي القرآن بالضرورة كما يفعل من يلتحقون بهذا ~~الجامع العتيد. # وعاد الصبي إلى قريته ولا ندري ما الذي حمله على العودة. وكان من الممكن أن يعيش هذا ~~الصبي القروي بقية عمره في تلك القرية يعمل في الزراعة أو غيرها، ثم يموت فيها كما يعيش ~~ويموت سواه من الفلاحين. # ولكنه سوف يخرج بعد قليل من القرية؛ ليخطو أجرأ خطوة في تاريخ مصر حتى ذلك الوقت؛ ~~وليصبح زعيمها وقائد ثورتها على الفساد والاستبداد والباطل. # خرج الفتى من القرية إلى الجندية، فإن سعيدا باشا حين أراد أن ينهض بالجيش المصري قد ~~أمر أن يكون في صفوفه أبناء المشايخ والأعيان؛ كيلا يحتقر الجندي في نظر الناس إذ كانوا ~~لا يرون إلا المستضعفين والفقراء يحشدون ويساقون إلى الجيش ليكونوا عساكره، أما ضباطه ~~وقواده فكان أكثرهم من الشركس. # وكان عرابي يومئذ في الرابعة عشرة من عمره، وقد عين أول الأمر «جاويشا» في عمل كتابي ~~«بالأورطة الرابعة من آلاي المشاة الأول»، وما لبث أن رقي بعد سنتين إلى رتبة ملازم ثان ~~ثم إلى رتبة ملازم أول، ثم إلى يوزباشي بعد سنة، ولم يمر عامان بعد ذلك حتى وصل إلى ~~رتبة قائمقام، وكان أول مصري وصل إلى هذه الرتبة. # وكان سلاح عرابي في هذا الرقي ذلك القدر من التعليم، الذي حصل عليه فيه تمكن من دراسة ~~القوانين العسكرية واجتياز الامتحانات في تفوق، ولا شك أن هذا الترقي السريع قد بث في ~~نفس هذا الفتى القروي كثيرا ms02 من الطموح والإقدام. # وأول ما عرف عن عرابي الجندي كراهته للعنصر الشركسي في الجيش لترفع هؤلاء على ~~المصريين. فكان لا يفتأ يقارن بين نصيب هذا العنصر ونصيب المصريين من المناصب، فلا ~~تزيده المقارنة إلا غضبا وكرها لهؤلاء الأجانب. وعرف هؤلاء الأجانب فيه هذه النزعة ~~فظلوا يكيدون له، ولكنه كان حسن الصلة بسعيد باشا، فلم يصبه أذاهم في عهده. ويقول عرابي ~~في مذكراته: إنه أحب سعيد باشا؛ لأنه كان يميل إلى المصريين في الجيش، ويريد أن يرفع ~~عنهم ما لحقهم من غبن على يد الشركس. # ولقد أهدى إليه سعيد باشا تاريخ نابليون مترجما إلى العربية فقرأه عرابي، واشتد ~~إعجابه بذلك القائد العظيم. ومن كراهة عرابي للأجانب في الجيش ومن حبه لسعيد بسبب عطفه ~~على المصريين، نستطيع أن نتبين في نفس عرابي نزعة قومية وطنية صادقة، أشار إلى ذلك مستر ~~بلنت بقوله: «وقد كون عرابي آراءه السياسية الأولى أثناء هذه الصلة القريبة بسعيد، وهذه ~~الآراء هي المساواة بين طبقات الأمة، وما يجب للفلاح من احترام باعتباره العنصر الغالب ~~في القومية المصرية، وهذا الدفاع عن حقوق الفلاح هو الذي جعل لعرابي ميزة بين مصلحي ذلك ~~العصر، فقد كانت حركة الأزهر ترمي إلى إصلاح حال المسلمين عامة بغير تمييز، بينما كانت ~~حركة عرابي في جوهرها قوامها الجنسية، وقد جعلها هذا أوضح في معنى القومية، ومن ثم قدر ~~لها أن تكون أكثر شهرة وذيوعا». # وفي عهد إسماعيل وشى به شركسي في الجيش اسمه خسرو، وما زال يكيد له حتى تمكن من فصله ~~من الجندية، وجاء في تقرير خسرو عنه: «أنه صلب الرأي شرس الأخلاق لا ينقاد للأوامر، ولا ~~يحفل بما يصدر منها عن ديوان الجهادية». # ويذكر عرابي في مذكراته أن خسرو كان يمقته؛ لأنه مصري؛ ثم لأنه لم يشايعه فيما أراد ~~من ترقية أحد الضباط ممن كان عرابي من ممتحنيهم، وكان في نظر عرابي لا يستحق الترقية ~~بينما كان خسرو شديد الرغبة في ترقيته، هذا في الوقت الذي أبعد فيه خسرو عن الترقية ~~ضابطا آخر ms03 يستحقها . # وظل عرابي ثلاث سنوات مبعدا عن وظيفته إلى أن عفا عنه الخديو، بعد أن ظلت ظلامته ~~لديه هذه السنوات الثلاث مهملة في غير سبب ظاهر. # وألحق عرابي بالحملة الحبشية في تلك الحرب التي شنتها مصر على الحبشة في عهد إسماعيل، ~~ولكن عمله في تلك الحرب لم يكن عمل الجندي المحارب، فقد كان «مأمور مهمات» بمصوع. ولقد ~~حنق عرابي على تلك الحرب حنقا شديدا، وما فتئ يندد بما كان فيها من إهمال وخيانة ~~ورشوة، ولقد اتهم لورنج أحد قوادها وهو أمريكي الجنس بأنه كان يتصل عن طريق أحد ~~القساوسة بالأحباش ويطلعهم على كل شيء. كما نقم عرابي وكثير غيره من الضباط المصريين ~~على الخديو الذي لم يكن يبالي بشيء في سبيل المظهر الكاذب بالفتح والتوسع، في حين أن ~~قتلى المصريين قد تكدست أجسادهم بعضها فوق بعض، إذ كان ينقصهم السلاح والمؤونة والقيادة ~~الصالحة؛ ولقد استقر في نفس عرابي منذ هذه الحرب أن لا صلاح لمصر إلا بالقضاء على ~~الفساد من أساسه، يقول بلنت في كتابه: إنه «قد عاد من الحملة ساخطا كما سخط العائدون ~~على ما كان فيها من الفوضى، وإليها يرجع اتجاه نفسه نحو السياسة، وازدياد بغضه وغضبه، ~~ذلك الغضب الذي كان في ذلك الحين متجها أكثر ما يتجه إلى الخديو». # وفي شهر فبراير سنة 1879 اتهم عرابي بتدبير مظاهرة الضباط الخطيرة، ويتلخص هذا الحادث ~~في أن أربعة مئة من الضباط بزعامة البكباشي لطيف سليم، قد أثارهم إحالة 25 ضابطا إلى ~~الاستيداع بنصف راتب وكان لهم على الحكومة مبالغ متأخرة، فتوجهوا إلى وزارة المالية، ~~ولما حضر نوبار باشا رئيس الوزراء وكان معه السير ريفرز ولسن وزير المالية هجم هؤلاء ~~الضباط عليهما، وأشبعوا نوبار لطما ولكما وامتدت أيديهم كذلك إلى وزير المالية، وكاد ~~يتفاقم الحادث لولا أن خف إلى هناك الخديو في فرقة من حرسه فانصرف الضباط. # وحكم على عرابي واثنين من الضباط المصريين بالتوبيخ، وفصل كل منهم عن آلايه إلى جهة ~~بعيدة، وكانت الإسكندرية من نصيب عرابي وفيها اتصل ms04 بكثير من الأوروبيين . # عرابي الجندي # ولم يكن لعرابي يد في هذه التهمة إذ كان في رشيد وقت وقوع الحادث؛ وإن في اتهامه على ~~هذا النحو لدليلا على ما كان يشيع في ذلك العهد من دسائس، وما كان يدبر للأحرار من ~~مكائد، ولقد كان ذلك يومئذ من أبرز مساوئ الحكم. # ولقد أدى اتهام عرابي إلى ازدياد كراهته لإسماعيل وعهد إسماعيل، ولسوف يكون ذلك من ~~أهم الدوافع له على الثورة. ولقد أخذ يزداد اتصاله بالناقمين من المدنيين ممن كانوا ~~يجتمعون في بيت البكري في أواخر عهد إسماعيل كما سيأتي بيانه؛ قال في ملخص أرسله في ~~أواخر حياته لصديقه بلنت، وأثبته هذا في آخر كتابه «التاريخ السري للاحتلال البريطاني ~~لمصر»: «ولكن قبل أن نفترق اجتمعنا فاقترحت أن نتحد ونخلع إسماعيل، ولو أننا فعلنا ذلك ~~لكان خير حل للقضية؛ لأنه كان يسر القناصل أن يتخلصوا من إسماعيل على أية صورة، ثم إنه ~~كان يوفر على البلاد ما حدث بعد ذلك من تعقد في الأمور، كما كان يوفر تلك الملايين ~~الخمسة عشر التي حملها إسماعيل معه عندما عزل؛ ولكنه لم يكن يوجد يومئذ من يقود هذه ~~الحركة؛ ولذلك فإن مقترحي لم ينفذ وإن حاز القبول؛ وقد ألقى عزل إسماعيل بعد ذلك عبئا ~~ثقيلا على كواهلنا وعم الفرح، ولكن لو أنا فعلنا ذلك بأنفسنا لكان أفضل إذ إننا كنا ~~نستطيع أن نتخلص من أسرة محمد علي كلها، فإنه لم يكن فيها حاكم صالح إلا سعيد، وكنا ~~نستطيع أن نعلن إقامة جمهورية. وقد اقترح الشيخ جمال الدين على الشيخ محمد عبده أن يقتل ~~إسماعيل عند جسر قصر النيل، ووافقه محمد عبده على ذلك». # هذا هو عرابي قبل الثورة نراه متحمسا شديد النقمة على الأجانب تواقا إلى الإصلاح، ~~فلننظر ماذا كان من أمر وثبته على الفساد والطغيان. # | لماذا حدثت الثورة؟ # فساد الأحوال الداخلية في عهد إسماعيل # يتلخص هذا الفساد في أمور ثلاثة: الحكم المطلق، والأزمة المالية، وتغلغل نفوذ الأجانب ~~في البلاد. أما عن الحكم المطلق فإن الخديو كان ms05 حاكما بأمره؛ مشيئته هي القانون وليس ~~هناك من يحاسبه على فعل أو يراجعه في أمره، وليس ثمة من فرق بين خزانة الدولة وجيبه ~~الخاص، ولقد ألف الخديو مجلسا من 75 عضوا سماه مجلس الشورى النواب، ولكن لم يكن لهذا ~~المجلس سلطة ولا ظل من السلطة، وعلى الرغم مما أدخله هذا الخديو في مصر من ضروب الإصلاح ~~في نواحي التعليم والزراعة والصناعة والمواصلات وغيرها، فإنه جر بسوء تصرفه في ~~الاستدانة الخراب على البلاد، وبدل أن يجعل مصر قطعة من أوروبا كما كان يحب أن يقول، ~~جعلها رهينة لأوروبا بما أغرقها من ديون. كل أولئك دون أن يستطيع أحد أن يرده عما ~~يريد. # وأما عن الأزمة المالية، فمردها إلى إسراف الخديو في الاستدانة، حتى لقد بلغت الديون ~~على مصر 91 مليونا من الجنيهات سنة 1875، ولقد أدت هذه الديون الباهظة إلى اشتداد وطأة ~~الضرائب على الفلاحين، أولئك المساكين الذين كانوا كثيرا ما يفرون من أرضهم لكثرة ما ~~كان يطلب منهم ولكثرة ما كانوا يذوقونه من عذاب، والذين كانت تفتك بهم الأمراض ويسلب ~~أموالهم المرابون من الأجانب، بينما كان يتمتع كبار الملاك بما أنعم عليهم من ضياع أو ~~«أبعديات» كانوا يسخرون الفلاحين في زراعتها. # وأما عن تغلغل نفوذ الأجانب في البلاد، فقد كان ذلك من أخطر نتائج تلك الاستدانة التي ~~اشتط فيها إسماعيل. وأخذت فرنسا وإنجلترة تتنافسان في بسط نفوذهما في مصر منذ أن خرجت ~~الحملة الفرنسية من البلاد، أما فرنسا فقد عملت على مصادقة محمد علي تعويضا لها عما ~~ضاع عليها بسبب فشل حملتها، وأما إنجلترة فقد عملت على تحطيم قوته حتى تم لها ما ~~أرادت. # وما برحت الدولتان ترقبان سير الحوادث في وادي النيل، وكان هم إنجلترة أن تحول دون ~~ظهور دولة قوية في مصر، واكتفت بذلك أول الأمر، إلى أن فتحت قناة السويس 1869 فاتجهت ~~سياستها إلى الاستيلاء على مصر كي تضمن سيطرتها على القناة. # ونصبت كل من الدولتين شباكها حين أخذ إسماعيل في الاستدانة، فلما غرقت مصر في الدين ~~سنحت ms06 الفرصة لإنجلترة على الأخص للعمل على التدخل الفعلي في شئون البلاد توطئة ~~للاستيلاء عليها. # طلب الخديو موظفا إنجليزيا يعينه على إصلاح الحال المالية، فتلكأت إنجلترة أول ~~الأمر كي لا تفتح عيون غيرها، ثم أرسلت إلى مصر مستر كيف # cave # مزودا بأوامر، فعليه أن يحقق أسباب الأزمة ثم يرفع تقريرا إلى ~~حكومته، وما لهذا أراده إسماعيل؛ فإن والي مصر لم يكن يطلب من هذا الموظف إلا أن يعينه ~~على إصلاح مالية البلاد. # ورفع كيف التقرير إلى حكومته وأعلن دذرائيلي رئيس الوزارة البريطانية يومئذ في ~~البرلمان، أنه لا يرغب في نشر التقرير؛ لأن الخديو رجا منه ألا يفعل ذلك. وما رجا ~~الخديو منه ذلك. ولقد ذعر الدائنون من هذا التصريح وهبطت قيمة الأسهم في الأسواق، وتلقى ~~الخديو هذه الصدمة بقوله: «لقد حفروا لي قبري». # ولم تستطع مصر أن تفلت بعد هذا من دائنيها، وأقيم في مصر ما عرف باسم «صندوق الدين ~~العام» وهو إدارة لشئون الدين معظم موظفيها من الأجانب، ثم ما لبث الخديو أن قبل تعيين ~~مراقبين أجنبيين أحدهما إنجليزي للدخل والآخر فرنسي للمنصرف، وعين لهذين موظفون من ~~الأجانب بأجور ضخمة. # ولم يقف التدخل الأجنبي عند هذا الحد، فقد قبل الخديو على رغمه تأليف لجنة من الأجانب ~~سميت «لجنة التحقيق العامة» ومنحت سلطة واسعة، ولكنها ما كادت تعمل حتى اصطدمت برجل من ~~أحرار المصريين هو شريف باشا وزير الحقانية، فقد استدعت اللجنة شريفا لتستفهمه فأبى أن ~~يمثل أمام لجنة من الأجانب، وأبت اللجنة أن تأخذ برأي الخديو وهو أن تكتفي باستفهام ~~الوزير كتابة، وأصر شريف على رفضه ثم أعقب هذا الرفض بالاستقالة من الوزارة. وهزت ~~البلاد استقالته بما تنطوي عليه يومئذ من المعاني، فهذا مصري يغضب لكرامته وكرامة قومه ~~أمام لجنة من الأجانب، تريد أن تظهر بمظهر السيادة وتحرص أشد الحرص على هذا ~~المظهر. # ولندع لجنة التحقيق في عملها لنرى ما كان من أثر هذه المفاسد في نفوس ~~المصريين. # حركة وطنية تنشأ في مصر # كانت تولد بالبلاد يومئذ حركة وطنية قوية، ms07 كان الباعث عليها هذا البلاء الذي كانت ~~تعانيه مصر من الحكم المطلق والضائقة المالية، وتدخل الأجانب في شؤونها. # وكان لهذه الحركة الوليدة مكان يجتمع فيه زعماؤها هو بيت السيد البكري نقيب الأشراف، ~~حيث كان يلتقي الأحرار من العظماء والنواب والأعيان وضباط الجيش الناقمين. # وكان قد هبط مصر منذ سنة 1871 السيد جمال الدين الأفغاني، وأخذ يبث فيها مبادئه ويبذر ~~بذلك بذور الثورة على الطغيان، وكان يرى جمال الدين أن علة العلل في هذا الشرق أن شعوبه ~~مسلوبة الإرادة تحكم على رغمها وتسخر لحساب الحاكمين، ولا مخرج لها إلا أن تعيش حرة، ~~ولن يكون هذا إلا أن تقوم الشورى مكان الاستبداد وأن يمحو نور العلم ما تراكم في الشرق ~~من ظلمات بعضها فوق بعض. # وكانت التربة كما رأينا صالحة لنمو بذوره هذه، فما أسرع أن ظهرت في البلاد حركة حرة ~~كأعظم ما تكون الحركات الحرة. يقول في ذلك الشيخ محمد عبده أنبغ تلاميذ جمال الدين ~~وأحبهم إليه: «وكان طلبة العلم، وطلبة جمال الدين ينتقلون بما يكتبونه من تلك المعارف ~~إلى بلادهم أيام البطالة، والزائرون يذهبون بما ينالونه إلى أحيائهم، فاستيقظت مشاعر ~~وانتبهت عقول، وخف حجاب الغفلة في أطراف متعددة من البلاد وبخاصة في القاهرة». # ولقد كانت تعاليم جمال الدين من حيث تأثيرها في النفوس أشبه شيء بتعاليم ڨلتير وروسو، ~~ممن مهدوا في فرنسا للثورة الفرنسية الكبرى. # الشيخ محمد عبده أيام الثورة. # وظهرت في تلك الأيام الصحافة، وراح الناس يقرأون في المجلات والصحف أحاديث الوطنية ~~والحرية وأنباء الحرب الروسية، التي نشبت عام 1871 بين روسيا وتركيا، وبخاصة موقف ~~إنجلترة من دولة الخلافة الإسلامية. # وأدى اتصال المصريين بالأجانب وقد كثر مجيئهم إلى مصر، إلى تتبع الأنباء العالمية في ~~السياسة والحروب شؤون الحكم، فزادت معارفهم عن العالم وقارنوا بين حوال الشعوب الحرة ~~وبين حالهم، وأخذوا يستنبطون أسباب ما كانوا فيه من شقاء ومذلة. # بهذه العوامل مجتمعة قام في مصر رأي عام. ويعد هذا شيئا جديدا في تاريخها الحديث، ~~فقد انبعث الوعي القومي وكان من ms08 أكبر بواعثه ذلك العدوان الذي أشرنا إليه من الأجانب ~~على مصر، بينما وقف الخديو حاكمها المطلق موقف الحيرة، بعد أن أسرف على نفسه في مظاهر ~~العظمة والترف والجاه. # وإلى جانب هذه الحركة الوطنية، كانت تعقد اجتماعات سرية للضباط يتداولون فيها الأمر ~~بينهم وكيف يكون المخرج من هذه الحال، وكان زعيم هؤلاء الضباط هو أحمد عرابي، ولسوف ~~تتألف الثورة العرابية بمعناها الصحيح من التقاء العنصرين المدني والعسكري، وإعلان ~~مطالب البلاد على لسان عرابي في صراحة وجرأة على نحو ما سنفصله في موضعه. # الوطنيون يظفرون بالحكم الدستوري # كان من اقتراحات لجنة التحقيق أن ينزل الخديو عن سلطانه المطلق، فتتولى الحكم وزارة ~~مسؤولة عن أعمالها، ولقد أسندت هذه الوزارة إلى نوبار باشا عام 1878، ولكن الوطنيين ~~آلمهم أن يجدوا في هذه الوزارة وزيرا إنجليزيا وآخر فرنسيا. ووجد الخديو أنه أصبح ~~ولا سلطة له أمام نوبار والوزيرين الأجنبيين، ومن ثم أخذ الخديو يتقرب إلى الوطنيين ~~الثائرين الذين زادهم غيظا هذا المظهر الجديد من تدخل الأجانب في شؤون البلاد، ثم ما ~~لبث الخديو أن تخلص من هذه الوزارة إثر حادث الضباط الذي سلفت الإشارة إليه. # ولكن الخديو لم يستطع أن يحل محلها وزارة وطنية بحتة، واكتفى بأن أسند الوزارة إلى ~~ابنه توفيق وفيها العضوان الأجنبيان، وإذ ذاك هدد ريڨرز ولسن بأنه سوف يعلن إفلاس ~~الحكومة المصرية. # وثارت ثائرة الوطنيين ونددوا بالوزارة الأجنبية وبوجود الأجانب بوجه عام وتوالت ~~عرائضهم إلى الخديو، وأخذت نذر الثورة تتوالى يوما بعد يوم، وكان شريف باشا يرقب حركة ~~الأحرار في بيت البكري ويشير عليهم بما يعملون. # وتحمس أعضاء مجلس شورى النواب، وقد علموا أن الوزارة الأوروبية تريد حل مجلسهم وكان ~~بينهم عدد من الوطنيين، وصمموا أن يظلوا في أماكنهم للنظر في شؤون البلاد في تلك الآونة ~~العصيبة. وكان عملهم هذا أشبه بما فعله أعضاء مجلس طبقات الأمة في فرنسا قبيل ~~الثورة. # وكانت مطالب الوطنيين في المجلس وخارج المجلس تنحصر في المسألتين الدستورية والمالية، ~~بغية القضاء على الفساد من أساسه. أما أولاهما: فتتلخص ms09 في أن تكون الوزارة مسئولة أمام ~~المجلس بحيث يصبح هيئة لها نفوذها الفعلي في حكومة البلاد، وأما الثانية فمؤداها أن ~~يبحث المجلس المسألة المالية دون الأجانب، وأن يقرر في أمر الدين والضرائب ما تمليه ~~عليه مصلحة البلاد. # واتفقت كلمة الوطنيين جميعا على أن يتوجهوا إلى الخديو بما عرف باسم «اللائحة ~~الوطنية»، وقد وضعتها لجنة من النواب تحت إشراف شريف ووقع عليها ستون من أعضاء المجلس، ~~ومثلهم من العلماء وفي مقدمتهم شيخ الأزهر، كما وقع البطريرك والحاخام وكذلك وقع عليها ~~عدد كبير من الأعيان والتجار والموظفين والضباط. # وكان أهم ما في اللائحة تقرير مبدأ مسئولية الوزارة أمام المجلس، وتأليف وزارة وطنية ~~تقوم مقام الوزارة الأوروبية التي ضاقت بها البلاد. # ورأى الخديو الفرصة سانحة ليوجه ضربة قوية إلى النفوذ الأجنبي فوافق على اللائحة، ~~وسرعان ما هزت البلاد فعلته هزة قوية، هي هزة الفرح بانتصار الحركة الوطنية، والأمل في ~~حل المشكلة المالية، واستقالت وزارة توفيق وأسندت الوزارة الوطنية إلى شريف. # وبالغ الخديو في الكيد للأجانب حتى لقد حضر بنفسه حفلا أقامه في داره السيد علي ~~البكري ابتهاجا بالعهد الجديد. وحرص شريف على أن يجعل مرد الأمور إلى الأمة، ولئن كان ~~يمقت تدخل الأجانب فإنه كان كذلك يمقت استبداد الخديو أشد المقت؛ لذلك جعل محور سياسته ~~أن يكون الوزراء مسئولين أمام مجلس شورى النواب، وتم له ما أراد فجاء في كتاب الخديو ~~إليه بتأليف الوزارة عبارات لا تقبل تأويلا فيها، يذكر الخديو أنه يرجع بالأمور إلى ~~الأمة، ويوافق على مسئولية الوزارة أمام مجلسها. وبذلك تخلصت البلاد من الحكم المطلق ~~وتهيأت لأن تحكم حكما دستوريا. # | الثورة # عزل إسماعيل وتعيين توفيق # لم تكد البلاد تنتهي من فرحها حتى فوجئت بعزل إسماعيل، إذ ما زالت إنجلترة وفرنسا حتى ~~استطاعتا إكراهه على خلعه، وأمر الخديو بمغادرة البلاد في موعد حدد له فغادرها على ~~الباخرة المحروسة إلى إيطاليا. # وخلفه على العرش توفيق أكبر أنجاله وكان في السابعة والعشرين من عمره، ولم يكن توفيق ~~بالرجل الذي يصلح للحكم في ظروف ms10 البلاد يومئذ، فقد كان ضعيف الإرادة محدود الأفق، قليل ~~الذكاء والتجربة ؛ ولذلك سرعان ما أصبح ألعوبة في أيدي الأجانب. وكان وجود مثله على عرش ~~مصر في ذلك الوقت مما يضاف إلى أسباب شقائها وسوء طالعها. # وما أشبه توفيقا في ذلك الموقف بملك فرنسا لويس السادس عشر، ذلك الذي قال عنه بعض ~~المؤرخين: إنه ورث عن أسلافه العرش والثورة معا، فلقد تجمعت عوامل الثورة الفرنسية قبل ~~عهده ثم انبعثت أيام حكمه. ولقد ورث توفيق عن أبيه المعزول العرش والثورة كذلك، فها هي ~~ذي عواملها تجتمع من قبل أن يلي عرش البلاد. # تظاهر توفيق أول الأمر بأنه يوافق الوطنيين في آمالهم، ثم ما لبث أن تنكر للحركة ~~الوطنية، وذلك أن شريفا كان قد وضع نصب عينيه ألا يعود الحكم المطلق فقدم للخديو ~~مشروعا لدستور يجعل الوزارة مسئولة أمام مجلس تختاره الأمة، ولكن الخديو رفض هذا ~~المشروع؛ لأن البلاد في رأيه لم تتهيأ بعد لمثل ذلك الدستور. ولم يجد شريف بدا من ~~الاستقالة فاستقال في 18 أغسطس سنة 1879، فبادر الخديو بقبول استقالته، وأسند الوزارة ~~إلى رياض، وكانت استقالة شريف في ذلك الوقت عاملا من أهم عوامل إذكاء الروح الوطنية ~~وإشعال جذوتها. # فقد غضب الوطنيون أشد الغضب إذ رأوا آمالهم تذهب مع الريح، وكانوا يحسون أن رجعية ~~توفيق إنما جاءت بوحي من الأجانب، وأن الأجانب هم الذين يسيطرون فعلا على البلاد. ~~وكانت المراقبة المالية الثنائية قد عادت في أول عهد توفيق، واشترط ألا يجوز فصل ~~المراقبين بدون رأي حكومتيهما، وبذلك أصبحت المراقبة إدارة تابعة في الواقع للدولتين ~~المتدخلتين في شؤون البلاد. # وكره الوطنيون من رياض شدته وموافقته الخديو على أن البلاد لم تتهيأ للحكم الدستوري، ~~فكثرت الاجتماعات بين الوطنيين وصار مقرها في حلوان بعيدا عن جواسيس رياض، كما ازدادت ~~الجماعات السرية في صفوف الجيش. # ثورة الضباط على وزير الحربية # استغنى عن عدد كبير من الضباط الوطنيين في أوائل عهد توفيق، وكان وزير الحربية في ~~وزارة رياض شركسي الجنسي هو عثمان رفقي، وكان هذا يكره ms11 المصريين كما يكرههم بنو جنسه؛ ~~ولذلك كان يجعل أكثر الترقيات والألقاب في الجيش للشراكسة، وأخذ هذا الشركسي يعد ~~مشروعا يمنع به ترقية الجند من السلاح لكي يبقى الشراكسة في الجيش العنصر الذي ~~يسود. # وكان يسخر الجند في أعمال لا تمت بصلة إلى الجندية كحفر الترع، ومد السكك الحديدية ~~والزراعة في أرض الخديو وغير ذلك، ولقد عارض عرابي معارضة شديدة في أن يعمل جنوده في ~~حفر الرياح التوفيقي، ولم يبال بغضب الحكومة من معارضته ولم يغب عن أذهان الجند ~~والضباط، كيف استرخصت أرواح الجيش في حرب إسماعيل في الحبشة، وكيف امتهنت كرامة الجيش ~~هناك. # لذلك أخذت تتوالى الاجتماعات سرا بين الضباط، وأخذوا يتصلون بالجنود ليضموهم إلى ما ~~يبيتون. # واشتد التذمر حين نما إلى الضباط أن عثمان رفقي أخذ يفكر في عزل كبار الضباط أو ~~إبعادهم عن مراكزهم، ومن ذلك ما انتواه من عزل أحمد عبد الغفار قائمقام السواري وتعيين ~~شركسي مكانه، ونقل عبد العال حلمي أميرلاي السادس السوداني إلى عمل بديوان الوزارة، ~~ووضع شركسي كذلك مكانه. # واجتمع عدد كبير من الضباط بمنزل أحمد عرابي وأرسلوا يدعونه إذ كان غائبا ومنهم علي ~~فهمي الديب قائد الحرس الخديوي، وعبد العال حلمي، وأحمد عبد الغفار وعلي الروبي، ومحمد ~~عبيد، ولما حضر عرابي اختاروه لينوب عنهم في رفع شكوى إلى رئيس الوزراء من تعصب عثمان ~~رفقي. قال عرابي في مذكراته الخطية: «قالوا كلهم: إنا فوضنا إليك هذا الأمر فليس فينا ~~من هو أحق به وأقدر عليه منك، فقلت: كلا، بل انظروا إلى غيري وأنا أسمع له وأطيع وأنصح ~~له جهدي، فقالوا: إنا لا نبغي غيرك ولا نثق إلا بك فأبنت لهم أن الأمر عصيب ولا يسع ~~الحكومة إلا قتل من يتصدى له، فقالوا: نحن نفديك ونفدي الوطن العزيز بأرواحنا، فقلت ~~لهم: أقسموا على ذلك فأقسموا». # وقد اختير عرابي لما عرف عنه من الجرأة والإخلاص والصدق؛ ولأنه كان أشد المصريين في ~~الجيش سخطا على الشراكسة، وذلك اعتزازا منه بمصريته وقوميته، فلقد ظفر بالترقية إلى ~~مرتبة أميرالاي ms12 في أوائل عهد توفيق، وكان ذلك كافيا لأن تزيل ما عسى أن يكون قد بقي في ~~نفسه مما لحقه من أذى في عهد إسماعيل. # وذهب عرابي وبصحبته زميلاه عبد العال حلمي وعلي فهمي، فقابلوا رياضا ورفعوا إليه ~~باسم الضباط عريضة موقعا عليها منهم يطلبون فيها عزل عثمان رفقي من وزارة الحربية، ~~وإسناد هذا المنصب إلى وزير وطني. # ودهش رياض أشد الدهشة من هذه الجرأة وعدها تمردا واستشاط غضبا. وكانت لهجة العريضة ~~شديدة، وكان رد عرابي عنيفا على رياض حين كان يتكلم باسم زميليه. ثم تجهم وجه رياض ~~وقال للضباط في غلظة وكبرياء: «إن أمر هذه العريضة مهلك وهو أشد خطرا من عريضة أحمد ~~فني الذي أرسل إلى السودان». وكان هذا قد نفي إلى السودان حيث قضى نحبه؛ لأنه احتج على ~~المحسوبية وطلب مساواته بغيره. # وسكت رياض أسبوعين وهو يحاول إقناع الضباط بسحب العريضة، ولكنهم أصروا عليها وتوالت ~~اجتماعاتهم بمنزل عرابي، وغضب الخديو أشد الغضب وأمر بمعاقبة الضباط الثلاثة. ثم دعاهم ~~رفقي إلى وزارة الجهادية بقصر النيل بحجة الاستعداد لحفلات زفاف إحدى الأميرات. # وما كادوا ثلاثتهم يدخلون الوزارة وكان ذلك في أول فبراير سنة 1881، حتى وجدوا أنفسهم ~~بين صفوف مسلحة من الشراكسة فقبض عليهم وانتزعت منهم سيوفهم وأودعوا السجن، وهم يسمعون ~~عبارات السب يقذفهم بها هؤلاء الشراكسة. # الضباط الثلاثة # وكانت كلمة «فلاح» أكثر ما أطلق به ألسنتهم هؤلاء السفهاء. ولبث الضباط في السجن ~~ينتظرون المحاكمة أمام مجلس عسكري، وقد عزلوا بادئ ذي من مناصبهم. # وشاع الخبر في الجند الوطنيين فثارت ثائرتهم، وكان أكثرهم جرأة وإقداما ووفاء ~~الضابط الباسل محمد عبيد بطل معركة التل الكبير فيما بعد، فقد هجم بجنوده وكان في ألاي ~~علي فهمي بحرس عابدين، على قصر النيل، ولاذ رفقي بالفرار من إحدى النوافذ في صورة مخزية ~~وهرب أعضاء محكمته، وحطم الجند الأثاث والمكاتب ثم حطموا الأبواب، وأخرجوا الضباط ~~الثلاثة من السجن وفك عبيد قيودهم وحياهم هو وجنوده. # وتوجه الجميع إلى عابدين وجددوا طلب عزل رفقي، فأجابهم الخديو إلى مطلبهم ms13 وأعادهم إلى ~~مناصبهم، ثم عين محمود سامي البارودي وزيرا للجهادية وهو يضمر في نفسه ~~الانتقام. # وأدى انتصار عرابي وزملائه على هذه الصورة إلى ذيوع صيته لا في القاهرة وحدها بل في ~~القرى كذلك. ولقد عجب الأعيان والفلاحون أن يجرؤ رجل هو منهم على تحدي الخديو والرؤساء ~~والشراكسة على هذا النحو، وأحبه الناس وإن لم يروه. وجاء كثيرون إلى القاهرة يحبونه ~~ويشكرونه. يقول بلنت في كتابه عن هذا الحادث وقد كان في مصر عند وقوعه: «ولست أتذكر أني ~~سمعت اسم عرابي قبل ذلك، ولكن الدور الذي لعبه في ذلك اليوم قد أكسبه شهرة سريعة، وأصبح ~~مقامه في بضعة أسابيع مقام رجل ذي نفوذ وقوة في مصر، أو على الأقل أصبح يعزى إليه ~~القوة. وصارت تتقاطر عليه كما هي العادة في مصر الظلامات من أناس عانوا الظلم، ولقد ~~أذاع صيته خارج القاهرة ظهوره بمظهر من يحمي الفلاحين من جور الحكام الشراكسة، واتصل به ~~كثيرون من الأعيان وأشياخ البلاد، وكان يرد على كل بما يسمعه من رد حسن أو بما يدخل في ~~طوقه المحدود من عون، وكان يؤثر الناس تأثيرا حسنا أينما لقوه بحسن محضره وبابتسامته ~~الجذابة وفصاحته في الحوار. ويجب أن نذكر أنه في تاريخ مصر لم يبرز في مدى ثلاثة قرون ~~على الأقل فلاح بسيط إلى حد أن يصبح ذا مكانة سياسية لها خطرها، أو إلى حد أن يصبح ~~داعية إصلاح أو إلى أن يهمس بكلمة تدعو حقا إلى الثورة» وقال في موضع آخر: «وأخذ ~~الناس في الأقاليم يذكرونه بقولهم: «الوحيد»، ولقد استحق هذه التسمية حقا». # بهذا الذي فعله عرابي أصبح بيته مقصد الكثيرين من الأحرار من المدنيين، ومن العلماء ~~ومن رجال الجيش. والحق أن عمله يومذاك كان بالغ الجرأة كما كان عظيم الأهمية، فإن ~~الخطوة الأولى في كل حركة تتطلب إقداما، هي التي تنقل التاريخ من صفحة إلى ~~صفحة. # رأى الوطنيون ما نال رجال الجيش من ظفر سريع بينما قد لحقهم هم الفشل، وقد شدد عليهم ~~رياض الرقابة وراح يلغي ms14 الصحف ويصادرها، فسرعان ما تقربوا من عرابي وأخذ شريف يراسله، ~~وحذا حذو شريف زعماء الإصلاح في الأزهر وزعماء النواب مثل سلطان باشا الذي كان يمثل ~~الأعيان كذلك؛ لأنه منهم. # وما الثورة العرابية في معناها الصحيح إلا التقاء الوطنيين والعسكريين على غرض موحد، ~~هو إزالة ما كانت تشكو منه البلاد من أسباب الفساد، ولسوف يغدو عرابي زعيم المدنيين ~~والعسكريين جميعا. # سوء سياسة الخديو وحكومته # كانت الشهور التي أعقبت حادث قصر النيل مليئة بكل ما من شأنه أن يخيف العسكريين ~~والوطنيين، ولقد كانت سياسة توفيق من أهم العوامل في تطور الحوادث على النحو الذي سوف ~~نراه، وهكذا تشاء الظروف النكدة أن يكون رجل كتوفيق هو الذي يدير دفة الأمور في ذلك ~~الجو العاصف. # أجاب البارودي الضباط إلى كثير من مطالبهم المتعلقة بإصلاح الجيش فهدأت نفوسهم نوعا ~~ما، ولكن الشائعات أخذت تحيط بهم عن نيات الخديو ورياض. # ومن ذلك ما نما إليهم من أن رياض يدبر مشاجرة بين الجند يندس فيها من يقتل عرابيا ~~أو من يحضر من زميليه؛ ومنه ما علمه من تحريض بعض أعوان الخديو في الجيش على كتابة ~~عرائض ضد عرابي وأنصاره، وما سمعوه من أن هؤلاء الأعوان يغرون بالمال والمناصب بعض رجال ~~الألايات؛ ليكونوا في الوقت الموعود إلى جانب الخديو. # واتهم تسعة عشر ضابطا أحد رؤسائهم بأمور أثبت التحقيق بطلانها، فأبعدتهم الوزارة عن ~~مناصبهم، فبادر الخديو بإعادتهم متحديا بذلك البارودي. # وترامى إلى عرابي وإخوانه أن الخديو يريد تشتيتهم ليقضي عليهم متفرقين، كما علموا أن ~~الخديو يمرن حرسه على الرماية، وأنه يشهد ذلك بنفسه وينثر الذهب على المتفوقين. وأرادت ~~الحكومة أن تسخر الجند في حفر الترع لإبعادهم فرفض عرابي وأيده البارودي في ~~رفضه. # وحدث أن دهمت عربة لأجنبي في الإسكندرية أحد الجنود فقتلته، واستشاط تسعة من الجند ~~غضبا وأملت عليهم سذاجتهم أن يحملوا القتيل إلى سراي رأس التين؛ ليشكوا إلى الخديو وقد ~~اقتحموا الباب راجين أن يتدخل الخديو بنفسه لمعاقبة هذا الأوروبي. وكان ما عوقب به ~~هؤلاء الجند على اقتحامهم ms15 السراي بالغ الصرامة؛ فقد عوقب الجندي الذي حرضهم بالأشغال ~~الشاقة المؤبدة وعوقب الباقون بالسجن ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة بليمان ~~الخرطوم. # لما ذاع النبأ في الجيش اشتد استياء الضباط والجند من فداحة الحكم، وكتب عبد العال ~~حلمي إلى البارودي يقارن بين ما عومل به هؤلاء السذج وبين ما عومل به الضباط التسعة ~~عشر، وأقره البارودي على رأيه فغضب الخديو غضبا شديدا. # ثم إن الخديو صرح أمام الوزراء أن البارودي هو سبب ما في الجيش من فوضى، فاستقال ~~البارودي وعين الخديو مكانه صهره داود يكن. # واتبع داود منتهى الصرامة في معاملة رجال الجيش، فحظر عليهم الاجتماع بالمنازل أو ~~التحدث في السياسة، ولكن أمراء الآلايات ردوا إليه هذه الأوامر قائلين: إنها مخالفة ~~للقوانين العسكرية ومهينة للشرف العسكري. # أما عن الوطنيين، فقد شدد حكمدار القاهرة عليهم الخناق بأمر رياض وأحاط منازلهم ~~بالجواسيس. # يوم عابدين ووثبة عرابي على الطغيان # أيقن الوطنيون أنه لم يعد بد من عمل حاسم يحملون به الخديو ورياضا على قبول الدستور، ~~فإن الحكم المطلق هو العقبة الكؤود في سبيل أي إصلاح، وهو الذي يهيئ للأجانب التدخل في ~~شؤون البلاد، وهو الذي يحول دون حل المشكلة المالية حلا في مصلحة الشعب. # واجتمع عرابي برؤساء الحزب الوطني، وكان قد تجمع لديهم عرائض من الشعب يطالب الشعب ~~فيها بعزل وزارة رياض ودعوة مجلس نواب على أساس دستوري، واتفق الزعماء على أن يقوم ~~الجيش بمظاهرة سلمية تأييدا لمطالب الأمة، وحدد لهذه المظاهرة الوطنية الكبرى اليوم ~~التاسع من سبتمبر سنة 1881. # وإن هذا اليوم المشهود ليعد حتى ذلك الوقت أعظم يوم في تاريخ القومية المصرية، ذلك ~~التاريخ الذي بدأ حين سار السيد عمر مكرم والشيخ عبد الله الشرقاوي في شهر مايو سنة ~~1805 على رأس جمهور من المصريين، فألبسوا محمد علي شارة الحكم بإرادة الشعب المصري دون ~~رجوع إلى السلطان. # وأخلق بهذا اليوم أن يكون له في نفوس المصريين مثل ما لليوم الرابع عشر من شهر يوليه ~~في نفوس الفرنسيين، فإنه بدء حياتهم أمة لها كرامة. ms16 # أخذ عرابي للأمر عدته، فكتب إلى وزير الحربية ينبئه بأن آلايات الجيش ستحضر إلى ساحة ~~عابدين في الساعة الرابعة بعد ظهر يوم الجمعة 9 سبتمبر؛ «لعرض طلبات عادلة تتعلق بإصلاح ~~البلاد وضمان مستقبلها». # وأرسل عرابي إلى قناصل الدول ينبئهم ألا خوف على الأجانب، فإنها مظاهرة سلمية. # ذعر الخديو ووزراؤه واجتمعوا ليتشاوروا في الأمر، وأوفد الخديو ياوره طه باشا لطفي ~~إلى عرابي ليقنعه بالعدول عن المظاهرة، فرد عرابي بقوله: إنها «مظاهرة عادلة لا بد منها ~~لضمانة حرية الأمة وسعادتها». وفي هذا الذي صنعه الخديو ومن معه، أبلغ دليل على ما ~~وصلوا إليه من ضعف وقلة حيلة. # واستدعى الخديو إلى قصره بالإسماعيلية السير وكلند كلڨن المراقب المالي الإنجليزي ~~فاستشاره ماذا يفعل. قال كلڨن يشير إلى ذلك: «فنصحت إليه أن يقاوم فقد أخبرني رياض باشا ~~أن في القاهرة فرقتين مواليتين؛ لذلك أشرت على الخديو أن يدعوهما إلى عابدين مع ما يمكن ~~الاعتماد عليه من الحرس الحربي، فإذا ما وصل عرابي قبض عليه بشخصه، فأجابني أن لدى ~~عرابي بك المدفعية والفرسان وربما أطلقوا النار. فأجبت بأنهم لن يجرؤوا على ذلك، ومتى ~~توفرت له الشجاعة وعرض نفسه شخصيا فسيقضي على المتمردين وإلا فهو هالك». # ويتضح من كلام هذا الإنجليزي أنه كان يريد أن يتفاقم الأمر، وتحدث الفتنة التي تسهل ~~لدولته التهام مصر. # توجه الخديو إلى قصر عابدين قبل حضور الفرق بزمن طويل وكان معه كلڨن ورياض، فاستدعى ~~علي بك فهمي رئيس الحرس، وأشار عليه بالدخول إلى القصر بفرقته والتحصن بالنوافذ العليا. ~~وقد نصح للجند بقوله: «أنتم أولادي وحرسي الخاص، فلا تتبعوا التعصب الذميم ولا تقتدوا ~~بأعمال الألايات الأخرى»؛ ودخل الجند القصر وأخذوا يتأهبون. # وطاف الخديو بنفسه على الألايات الأخرى في القلعة والعباسية يحاول منعها عن الحضور، ~~فرفضت الفرق طاعته، ولقد ثارت فرقة القلعة في وجهه حينما أمسك بتلابيب قائدها فودة حسن، ~~ووضع العساكر الأسنة في بنادقهم وتجمهروا حول الخديو حتى أطلق القائد. # وفي عصر ذلك اليوم المشهود تحرك الجيش المصري نحو عابدين، فخطت الثورة الوليدة ms17 أجرأ ~~خطواتها وأبعدها أثرا في تطورات الحوادث فيما بعد. # واحتشد في عابدين نحو أربعة آلاف جدي معهم مدفعيتهم وضباطهم. وأرسل عرابي يستدعي علي ~~بك فهمي من داخل القصر، فعاتبه، فرد علي فهمي بقوله: «إن السياسة خداع»، ثم انضم بفرقته ~~إلى الجيش، فأصبح القصر خاليا من كل عناصر المقاومة. # وتجمع وراء صفوف الجيش آلاف من أهل القاهرة، واشرأبت أعناق الشعب الذي طالما صبر على ~~المذلة، وتطلع من فوق أكتاف الجند، ومن خلال صفوف الفرسان لينظر ماذا يكون في هذا ~~الموقف الرهيب، واسم عرابي على الألسن وهو على ظهر جواده يتأهب لمقدم الخديو ليسمعه ~~كلمة مصر، كلمة الشعب الذي اختار جده بإرادته بالأمس واليا على البلاد. وما أعظم أن ~~ينطق بهذه الكلمة اليوم فلاح من أعماق القرى، فيتحدى بها الخديو الذي كان يظن ألا رأي ~~إلا رأيه. # وخرج الخديو إلى الميدان ووراؤه ستون باشا رئيس أركان حرب الجيش المصري ومستر كوكسن ~~القنصل الإنجليزي بالإسكندرية، وبعض الضباط من الأوروبيين والوطنيين. # وتقدم الخديو نحو الجند، فأشار عليه كلڨن أن يأمر عرابي بتسليم سيفه متى دنا منه، وأن ~~يأمره بالانصراف، ثم يطوف بعد ذلك على الفرق فيأمرها بمثل هذا الأمر. # وتقدم عرابي على ظهر جواده حتى إذا اقترب من الخديو صاح به الخديو قائلا: «انزل» ~~فوثب عرابي من فوق جواده ومشى نحو الخديو ومن حوله نحو خمسين ضابطا، فأدى التحية ~~العسكرية. وأشار الخديو إشارة ذات معنى إلى سيفه فأسرع عرابي بإغماده. # الموقف بالغ الرهبة، فهذا حاكم مصر المطلق يتمثل فيه الجاه الموروث وأبهة السلطان، ~~ومن ورائه الطامعون من الأجانب، وهذا زعيم الشعب تتمثل فيه الحرية الوليدة والنهضة ~~الجديدة، ومن ورائه الطامحون من أهل مصر جميعا. # وهمس كلفن في أذن الخديو: «هذه هي ساعتك» فأجاب الخديو: «نحن بين أربع نيران» فقال ~~كلڨن: «كن شجاعا»، فتهامس الخديو وأحد الضباط الوطنيين ثم التفت إلى كلڨن قائلا: ~~«ماذا عسى أن أفعل؟ نحن بين أربع نيران ... إنهم يقتلوننا». # ويحسن أن نورد ما حدث بعد ذلك على لسان عرابي، وهو لا ms18 يخرج عما ذكره المؤرخون قال: ~~«ثم صاح بمن خلفي من الضباط أن أغمدوا سيوفكم وعودوا إلى مكانكم. فلم يفعلوا وظلوا ~~وقوفا خلفي ودم الوطنية يغلي في مراجل قلوبهم، والغضب ملء جوارحهم، ولما وقفت بين يديه ~~مشيرا بالسلام خاطبني بقوله: «ما أسباب حضورك بالجيش إلى هنا؟» فأجبته بقولي: «جئنا يا ~~مولاي لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة وكلها طلبات عادلة»، فقال: «وما هي هذه الطلبات؟» ~~فقلت: «إسقاط الوزارة المستبدة وتشكيل مجلس نواب على النسق الأوروبي، وإبلاغ الجيش إلى ~~العدد المعين في الفرمانات السلطانية، والتصديق على القوانين العسكرية التي أمرتم ~~بوضعها»، فقال: «كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا خديو البلد أعمل زي ما أنا عاوز ~~وقد ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا»، فقلت: «لقد ~~خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا وعقارا، فوالله الذي لا إله إلا هو إننا سوف لا ~~نورث ولا نستعبد بعد اليوم». # صورة تاريخية تمثل عرابي يتقدم ضباط الجيش في ساحة عابدين، حيثما ذهب ~~ليقدم إلى الخديو توفيق مطالب البلاد. # تلفت الخديو بعد ذلك إلى كلڨن قائلا: «أسمعت ما يقول؟» فأشار عليه هذا بالعودة إلى ~~القصر، إذ لا يجمل أن يزيد الأمر بينه وبين عرابي عن هذا الحد. فانصرف الخديو إلى ~~القصر، وكان به الوزراء وقناصل الدول وبقي الجيش في مكانه لا يتزحزح. # وأقبل كوكسن ومعه ترجمان فأخذ يناقش عرابيا في غلظة ليثير الفتنة، ومما وجهه إلى ~~عرابي قوله: إنه لا حق له في أن يطالب بالمجلس النيابي وإسقاط الوزارة فذلك من شأن ~~الخديو، أما عن الجيش فمالية البلاد لا تساعد على ذلك. ورد عرابي بقوله: إن الأمة أنابت ~~الجيش عنها، ثم أشار إلى الجموع المتراصة خلف الجند، وقال: «هذه هي الأمة وما الجيش إلا ~~جزء منها». # ثم إنه ظل يخوف عرابيا من الالتجاء إلى القوة؛ وأخيرا سأله سؤالا خبيثا: «وماذا ~~فعل إذا لم تجب إلى طلبك؟»، وكان عظيما حقا من عرابي أن يضبط نفسه في هذا الموقف، ~~فقال ردا على ذلك: ms19 «أقول كلمة أخرى»، فقال ذلك الإنجليزي: «وما هي؟» فأجاب عرابي: «لا ~~أقولها إلا عند اليأس والقنوط». # محمد شريف باشا # وأخذ كوكسن يغدو ويروح بين عرابي والخديو حتى جاءه آخر الأمر ينبئه قبول الخديوي ~~إسقاط الوزراة، وأن سموه سينظر في بقية المطالب فلا بد في بعضها من مشاورة السلطان، ~~وعرض الخديو على الجيش اسم حيدر باشا لرياسة الوزارة ولكنهم رفضوه. وجرى على الألسنة ~~اسم شريف بطل الدستور، فعاد كوكسن بعد حين يعلن إلى عرابي قبول الخديو إسناد الوزارة ~~إلى شريف، فقابل الجيش ذلك بالهتاف بحياة الخديو. وطلب الضباط مقابلة الخديو فأذن لهم ~~ثم قال لهم: «إنه وافق على تلك الطلبات بنية صافية»، وشكره عرابي باسم الأمة؛ وعاد ~~الجنود إلى معسكراتهم ... # هذا هو يوم عابدين المشهود. تم فيه للجيش ما أراد فجعل كلمة الأمة هي العليا في غير ~~عنف يشوه حركته أو ينقص من جلالها، ولقد كان القصر أمام الجيش خاليا من أية قوة، ~~فروعيت حرمته أحسن حرمة، وروعي كذلك مقام الخديو، فلم يخرج أمامه هذا الجندي الثائر عن ~~طوره، بل لقد تمالك نفسه فترجل وأدى التحية وأغمد سيفه، ثم شكر الخديو باسم الأمة حين ~~أجابها إلى ما طلبت على لسانه. وقد فوت عرابي بهذا الموقف العظيم على الدساسين كيدهم ~~وأحبط مؤامراتهم، وهذا مما يدعو إلى الإعجاب والإكبار حقا، فلقد كانت أية كلمة نابية ~~أو أية إشارة يساء فهمها كفيلة بأن تسيل الدماء في تلك الساحة؛ قال عرابي فيما كتبه من ~~مذكراته فيما بعد: «لو حاول الخديو قتلي لأطلقت عليه النار». # نجحت الثورة نجاحا يدعو إلى الفخر، وتهيأت البلاد لأن تستقبل عهدا يسود فيه الإصلاح ~~والنظام والحرية؛ ولذلك فهذه الثورة جديرة بأن توضع إلى جانب الثورات التي قصد بها ~~الحرية في تاريخ الإنسانية كثورة سنة 1688 في إنجلترة وثورة استقلال أمريكا، والثورة ~~الفرنسية الكبرى. وحسبها أنها قضت على الحكم المطلق وقررت مبدأ سيادة الشعب. وصف بلنت ~~الأيام التي أعقبت هذه الثورة بقوله: «إن ثلاثة الشهور التي أعقبت هذا الحادث لهي من ~~الوجهة ms20 السياسية أسعد الأيام التي شهدتها مصر، ولقد ساعدني الحظ بمشاهدة ما جرى فيها ~~بعيني رأسي. إني لم أر في حياتي ما يشبه هذه الحوادث. إن كل الأحزاب الوطنية وكل أهالي ~~القاهرة قد اتفقت كلمتهم فترة من الزمن على تحقيق هذه الغاية الوطنية الكبرى لا فرق في ~~ذلك كما يظهر بين الخديو والأمة، وسرت في مصر رنة فرح لم يسمع بمثلها على ضفاف النيل ~~منذ قرون؛ فكان الناس في شوارع القاهرة حتى الغرباء منهم يستوقف بعضهم البعض يتعانقون، ~~وهم جذلون مستبشرون بعهد الحرية العظيم الذي طلع عليهم على حين غفلة طلوع الفجر إثر ~~ليلة حالكة الظلام». # صفاء لم يدم # قدر على مصر مع الأسف ألا تنعم طويلا بهذا الصفاء، وكيف كان يرجى ذلك وفي الأفق من ~~أول الأمر بوادر الكدرة؟ فهذا الخديو يبيت الغدر فيدفع البلاد بالتوائه وغدره إلى ~~العنف؛ وهؤلاء الأجانب يتربصون بمصر الدوائر، وقد غاظهم نجاح الحركة الوطنية على هذا ~~النحو. # وزارة شريف # ألف شريف وزارته بعد أن تردد كثيرا، وكانت حجته أنه بقبول الوزارة يضع نفسه تحت ~~سلطة العسكريين؛ ولذلك دارت بينه وبين عرابي وزملائه مفاوضات استمرت أيام تحرجت الأمور ~~فيها، حتى أوشك أن يتنحى شريف عن تأليف الوزارة. # واشترط شريف ألا يتدخل الجند في شيء، وأن يرحل عرابي وعبد العال بفرقتيهما إلى مكان ~~يختار لهما وأن يترك حرا في اختيار وزرائه، وقبل عرابي ما اشترط شريف، فحلت الأزمة ~~وقد كان ذلك بوساطة فريق من الزعماء. # وأصدرت الوزارة الوطنية في سبتمبر سنة 1881 القوانين العسكرية التي اقترحتها لجنة ~~إصلاح الجيش في عهد البارودي، فارتاح لذلك رجال الجيش، وفي أكتوبر استصدر شريف أمرا من ~~الخديو بانتخاب أعضاء مجلس شورى النواب، على أن يجتمع المجلس في 23 ديسمبر من نفس ~~العام. # وتقرر أن يسافر عرابي وآلايه إلى رأس الوادي بمديرية الشرقية، وأن يسافر عبد العال ~~حلمي وآلايه السوداني إلى دمياط. # وخرج عرابي وآلايه في اليوم الثامن من أكتوبر سنة 1881، فما كاد يتوسط القاهرة حتى ~~ألفى الشوارع مكتظة بالناس، وإنهم ليهتفون ms21 باسمه في حماسة عظيمة ويحيونه تحية الزعيم ~~المنقذ، ونثر الناس في طريقه الزهور والرياحين. # وفي المحطة وجد عرابي جميع ضباط الجيش المصري، وجمهورا عظيما من العلماء والأعيان، ~~وذوي المكانة، وعددا هائلا من الناس، وكانت توزع الحلوى وتنثر الزهور في طريقه. وخطب ~~عبد الله نديم الذي سوف يغدو خطيب الثورة، ثم أنصت الجمع إلى عرابي فألقى خطابا خطيرا ~~جاء فيه قوله: «سادتي وإخواني: بكم ولكم قمنا وطلبنا حرية البلاد ولا ننثني عن عزمنا ~~حتى تحيا البلاد وأهلها، وما قصدنا بشعبنا إفسادا ولا تدميرا، ولكن لما رأينا أننا ~~بتنا في إذلال واستعباد ولا يتمتع في بلادنا إلا الغرباء، حركتنا الغيرة الوطنية ~~والحمية العربية إلى حفظ البلاد وتحريرها والمطالبة بحقوق الأمة»، وقال عن الظفر ~~بالحقوق: «ونحن اكتسبناها في ساعة واحدة من غير أن نريق قطرة دم، أو نخيف قلبا، أو ~~نضيع حقا أو نخدش شرفا وما وصلنا إلى هذه الدرجة القصوى إلا بالاتحاد والتضافر على ~~حفظ شرف البلاد»، ومن أهم ما جاء في خطابه قوله: «البلاد محتاجة إلينا وأمامنا عقبات ~~يجب أن نتخطاها بالحزم والثبات، وإلا ضاعت مبادئنا، ووقعنا في شرك الاستبداد بعد التخلص ~~منه»، وقوله: «وقد فتحنا باب الحرية في الشرق ليقتدي بنا من يطلبها من إخواننا ~~الشرقيين». # واستقبل عرابي بحفاوة كبيرة في المحطات التي وقف بها القطار. وكان مما قاله عرابي ~~في الزقازيق: «أنا أخوكم في الوطنية اسمي أحمد عرابي من بلدة هرية رزنة من بلاد الشرقية ~~هذه»، ومما جاء في خطابه هذا قوله: «لا تعولوا على الأراجيف وإشاعات أهل الفساد، ~~واعلموا أن البلاد محتاجة إلى الخدمة بالقوة والفكر والعمل»، وقال في خطبة أخرى ~~بالزقازيق: «لقد أنقذناكم من يد من لم يعرفوا لكم حرمة ولا يعترفون بحق، ولا يرون أنكم ~~مثلهم من بني الإنسان ... وأنتم الآن مهيئون للانتخاب فلا تميلكم الأهواء والأغراض ~~لانتخاب ذوي الغايات، بل عولوا على الأذكياء والنبهاء الذين يعرفون حقوقهم، ويدفعون ~~المظالم عنكم ويفتحون باب العدل والإنصاف في بلادنا». # وأولمت لعرابي ولائم كثيرة في دور وجهاء مديرية الشرقية، ms22 واحتفى به الفلاحون حفاوة ~~عظيمة أينما حل، وليس بخفي ما ينطوي عليه من معان تكريم هذا المصري الفلاح الذي نشأ ~~في بيت متواضع، على أيدي هؤلاء السادة والكبراء، ففي ذلك أول مظاهر الديموقراطية في هذا ~~الوادي الذي خضع قبل ذلك زمنا طويلا لمظاهر السيادة والأرستوقراطية. # وافتتح مجلس شورى النواب في 26 ديسمبر سنة 1881، وجاء في خطاب الخديو ما يشبه ~~الاعتذار عن تأخر افتتاحه حتى ذلك اليوم، وأوصى بمراعاة قرار لجنة تصفية الديون كما ~~أوصى بالاعتدال والتأني، وقد وسع شريف سلطة المجلس، وقرر مبدأ مسئولية الوزارة أمامه ~~إلى حد ما. # ولكن الخلاف ما لبث أن دب بين شريف والمجلس، فكان يرى النواب أن من حقهم مناقشة ~~الميزانية والموافقة عليها، ما دام لهم حق الرقابة على الإدارة العامة للبلاد؛ ورأى ~~شريف أن ذلك يعرض المراقبة الثنائية وقانون التصفية، وكل ما يتصل بالديون لتدخل النواب، ~~وكان شريف قد اتفق مع ممثلي الحكومتين الإنجليزية والفرنسية أن لا يكون ذلك من سلطة ~~النواب، مخافة أن يؤدي ذلك إلى تدخل الدولتين؛ ولكن النواب أصروا على رأيهم، فنشأت بذلك ~~أزمة حادة بين الوزارة والمجلس عرفت باسم أزمة الميزانية. # سنحت الفرصة لتدخل الدولتين، وكانتا تتربصان السوء بالبلاد كما أسلفنا فتقدمتا بما ~~عرف بالمذكرة المشتركة في 8 يناير سنة 1882، ومما جاء فيها: «إن الحكومتين متفقتان كل ~~الاتفاق على ضرورة منع أسباب الارتباك، سواء كانت هذه الأسباب داخلية أم خارجية، ويكون ~~من شأنها تهديد النظام القائم في مصر، وذلك بتوحيد جهودهما، ولا يخالجهما شك في أن ~~إعلان هذا التصريح الرسمي سيمنع حدوث ما عسى أن يطرأ من الأخطار التي تتعرض لها حكومة ~~الخديو، والحكومتان مقتنعتان بأن الخديو سيجد من هذا التصريح الثقة والقوة اللتين يحتاج ~~إليهما في إدارة شؤون مصر وأهلها». # ولقد عظم سخط المصريين جميعا حين علموا أن الخديو قد قبل هذه المذكرة، ولم يكتف بهذا ~~القبول المشين. فكتب إلى القنصلين يشكر حكومتيهما على ما تبديان من عطف نحوه؛ وفي هذا ~~دليل صريح على أن الخديو آثر الانحياز إلى ms23 الدولتين، ونسي موضعه من السلطان ولم يعد ~~يعبأ بالرأي العام في مصر. # وظلت الأزمة قائمة بين شريف والنواب بالرغم من أن النواب ارتضوا أن يبعدوا من ~~اختصاصهم كل ما هو متصل بالديون والجزية. فذهب وفد منهم يطلبون من الخديو إسقاط شريف. ~~وقد أجمع على ذلك المدنيون وزعماء الجيش، فقدم شريف استقالته، ثم أسندت الوزارة إلى ~~محمود سامي البارودي، وقد اختير عرابي فيها وزيرا للجهادية. # وزارة البارودي أو وزارة الثورة # واجه البارودي أزمة الميزانية في شجاعة فلم يشايع المتطرفين، ولم يخف من الخديو أو ~~مما تنطوي عليه المذكرة المشتركة من تهديد. فأقر حق المجلس في مناقشة ما يتبقى من ~~الميزانية بعد استبعاد الجزية المقررة للسلطان، وما يتصل بالدين وبالتزامات الحكومة نحو ~~الأجانب؛ كما أقر مسئولية الوزارة أمام المجلس على أساس دستوري صحيح، وضمن ذلك كله ~~لائحة وافق عليها المجلس في 8 فبراير سنة 1882. # وقد فرح النواب وفرح الناس جميعا من مدنيين وعسكريين لصدور اللائحة أو الدستور، ~~وأخذت مصر تستقبل عهدا دستوريا كان بعد بداية طيبة جدا للديموقراطية في مصر والشرق ~~كله، لولا دسائس الدولتين. # ويتجلى فرح مصر في الحفلات العديدة التي أقيمت غداة صدور الدستور في القاهرة وغيرها ~~من البلاد، مما يدل على أن البلاد كانت تنهض فيها حركة قومية حرة، لو أنها حدثت في بلد ~~غير مصر لم يرزأ بالاحتلال، لكان لها في سجل الحركات القومية العالمية مكان ~~عظيم. # وبقدر ما فرح الوطنيون كان استياء الأجانب، الذين أخذوا يشيعون المفتريات عن الوزارة، ~~ويصفونها بالتطرف والتعصب والغفلة، واشتدت لهجة الصحف الإنجليزية والفرنسية في توجيه ~~المطاعن إليها، وذلك على الرغم مما ظهر من اعتدالها في مسألة الميزانية. # وظل الإنجليز ينتظرون أن تسنح لهم فرصة أخرى للتدخل، حتى وقع حادث المؤامرة الشركسية ~~المشؤوم فاستغله الإنجليز أقبح استغلال وأرذله، على بعد ما بينه وبين السياسة العامة ~~للبلاد. # أراد بعض الشراكسة أن يقتلوا عرابيا وأصحابه، وقد نمى ذلك إلى علم عرابي من طلبة ~~باشا عصمت قائد اللواء الأول، وهذا علمه من أحد المتآمرين وهو راشد ms24 أنور أفندي، الذي ~~خالف إخوانه فسارع إلى إفشاء سرهم. # وفي اليوم الثاني عشر من أبريل سنة 1882 قبض على تسعة عشر ضابطا، وسيقوا إلى مجلس ~~عسكري ألف لمحاكمتهم بعد موافقة الخديو، وقد جعلت رياسة المجلس لضابط شركسي هو الفريق ~~راشد باشا حسني؛ وبعد عشرة أيام بلغ عدد المقبوض عليهم ثمانية وأربعين منهم عثمان باشا ~~رفقي، وقد اعترف بعض الضباط بالمؤامرة وعزوها إلى راتب باشا أحد أعوان إسماعيل. # وقضى المجلس العسكري بإدانة أربعين رجلا كان بينهم عثمان رفقي، فحكم بتجريدهم جميعا ~~من ألقابهم ونفيهم إلى السودان ... وعوقب بهذا العقاب اثنان من المدنيين وأحيل خمسة على ~~المحاكم الأهلية؛ وعوقب راتب باشا بالحرمان من العودة إلى مصر فإذا عاد نفي من فوره ... ~~وذكر المجلس أن الخديو إسماعيل هو الذي دبر المؤامرة، واقترح أن ينظر مجلس الوزراء في ~~مرتباته. # ثارت ثائرة الإنجليز والفرنسيين على هذا الحكم، وراحوا يصفون الحكومة بالتعصب الأعمى ~~والفوضى والظلم، ثم اتخذوا منه فرصة ليوقعوا بين الخديو والوزارة. # أشار السير إدوارد مالت قنصل إنجلترة في مصر على الخديو برفض هذا الحكم. وحار توفيق ~~واشتدت حيرته، ورأى الأمر جد خطير، فهو بالرفض يتحدى الوزراء والرأي العام في غير حق، ~~وفي موقف كهذا تحيط فيه الدسائس بالوزارة الوطنية. ووقف الخديو موقفا مبهما أول ~~الأمر، ولكنه ما لبث أن أخذ برأي مالت، فخطا بذلك خطوة أخرى من خطواته التي كانت تعجل ~~سير الحوادث نحو الغاية التي رسمها الإنجليز وهي الاستيلاء على مصر. # ولعلنا نذكر من مواقف توفيق السالفة ما كان يدفع به الحوادث في طريق العنف والثورة ~~دفعا. فهو الذي أدى إلى انضمام المدنيين والعسكريين يوم تنكر للدستور وأخرج شريفا من ~~الوزارة، وهو الذي تقع على عاتقه مسئولية مظاهرة عابدين؛ ثم هو الذي قبل المذكرة ~~المشتركة فأحرج شريفا مرة ثانية وصدم الوطنيين صدمة عنيفة؛ وها هو ذا ينحاز إلى جانب ~~القنصل الإنجليزي في أمر لا دخل للإنجليز فيه قط. والحق أن الخديو يتحين الفرص للقضاء ~~على الحركة الوطنية منذ حادث قصر النيل، ولقد أصبح ms25 في الواقع تحت حماية الدولتين، ~~وبخاصة إنجلترة منذ يوم عابدين. # واتخذت الأزمة بين الوزارة والخديو مظهرا خطيرا كل الخطر، فهي في الواقع صراع بين ~~الحكم المطلق وبين مشيئة الأمة؛ ثم إن الخديو رأى بإيحاء مالت أن يرجع إلى السلطان، ~~فغضب الوزراء؛ لأن معنى ذلك ضياع استقلال مصر. # ثم أرادت الوزارة أن تحبط كيد الأجانب، فتقدمت إلى الخديو تقترح عليه أن يخفف الحكم ~~من تلقاء نفسه، والوزارة ترضى أن ينفى المحكوم عليهم إلى أي جهة من الجهات دون أن تمس ~~رتبهم أو ألقابهم وإنما تستبعد أسماؤهم من سجلات الجيش، ولكن توفيقا لم يرض حتى بهذا ~~وكان وراءه مالت يوحي إليه؛ فوقع على أوراق الحكم بنفي المتآمرين إلى خارج البلاد مع ~~عدم استبعاد أسمائهم من سجلات الجيش، ومعنى ذلك أنه نفي مؤقت. # وتلقت الوزارة اللطمة وآلم عرابيا وضباط الجيش هذا الترفق بالمتآمرين، وقارنوا بين ~~ذلك وبين غضب الحكومة والخديو على الضباط الثلاثة، لمجرد أنهم تقدموا بعريضة يشكون فيها ~~من جور رفقي. # وأعلن البارودي أنه لا بد من قرار آخر يلغي هذا القرار؛ ووسوس مالت إلى الخديو ألا ~~يفعل ذلك؛ ونجح مالت وكتب إلى وزارة الخارجية البريطانية في 18 مايو سنة 1882 يقول: ~~«لقد انقطعت الصلة بين الخديو ووزرائه، ووصل الموقف إلى أقصى الخطورة». # وتقدمت الوزارة لترد على الخديو والذين يوحون إليه، فدعت مجلس النواب من عطلته دون ~~إذن من الخديو، فازدادت الأمور حرجا على حرج، إذ رأى أعداء البلاد أن هذا العمل لا يقل ~~في مغزاه عن خلع الخديو. # وسئل رئيس الوزراء عن وجهة نظره، فكان جوابه أن الخلاف قد استحكم بين الوزارة ~~والخديو، بحيث لا يمكن الاتفاق بينه وبينهم، «وإن شكوانا من سموه هي أنه سلك مسلكا ~~يقضي على استقلال مصر، وكثيرا ما فعل ذلك دون مشاورة وزرائه». # ولقد ضاق الخديو بالحركة الوطنية حتى ما يهمه استقلال البلاد. وصار يسمي هذه الحركة ~~حكم الفوضى؛ ولن نجد دليلا على ذلك أبلغ مما ذكره كرومر في كتابه مصر الحديثة، حيث ~~يقول عن الخديو: ms26 «إنه بين للسير إدوارد مالت في يوم 6 مايو أنه يفضل أن تفقد مصر بعض ~~امتيازاتها على يد الباب العالي، وتعود إليها السلطة المنظمة على أن تبقى في مثل تلك ~~الفوضى ». # وكانت الوزارة قوية بادئ الأمر؛ لأنها كانت مغترة بإجماع النواب على تأييدها، ولكنها ~~نظرت في هذه الظروف الشديدة، فإذا برئيس المجلس سلطان باشا يدعو إلى الحكمة والروية، ~~وقد أخذ ينحاز إلى جانب الخديو؛ ولقد ذهب سلطان في هذا إلى حد أن قال للسير إدوارد ~~مالت: «لقد أسقط المجلس شريفا تحت ضغط عرابي، وإن نفس الأعضاء الذين ألحوا في ذلك أكثر ~~من غيرهم يتوقون اليوم إلى إسقاط الوزارة، وقد استبان لهم أنهم خدعوا». # وعلمت الوزارة أن بعض النواب قد انحازوا كذلك إلى الخديو؛ ولقد آثر النواب أن يجتمعوا ~~في منزل رئيسهم سلطان باشا، ولم يجتمعوا في مجلسهم، فكان عملهم هذا نوعا من التردد في ~~مشايعة الوزارة. # إزاء ذلك قدم البارودي استقالته إلى الخديو؛ ولكن توفيقا عجز عن إقامة وزارة في ~~البلاد؛ ولقد صرح الوزراء على الرغم من استقالة رئيسهم، أنهم لا يستقيلون إلا إذا كان ~~ذلك بأمر من مجلس النواب. # إلى هذا الحد تحرجت الأمور بسبب انحياز الخديو إلى الأجانب، وبخاصة السير إدوارد ~~مالت. ولقد كان عرابي هو الذي أوحى إلى الوزراء أن يقفوا موقفهم هذا، وقد عز عليه أن ~~يبعد الوزراء عن مناصبهم بمشيئة غير مشيئة الأمة. وكتبت الحكومات إلى ممثليها في مصر أن ~~«يرسلوا إلى عرابي فيبلغوه أنه إذا أصاب النظام خلل، فسوف يجد أوروبا وتركيا كما يجد ~~إنجلترة وفرنسا ضده، وأنهم يحملونه تبعة ذلك». # وتلقى عرابي هذا الكلام رابط الجأش، وإن كان ليفطن إلى خطورة الموقف. ولما لم يجد معه ~~التهديد حلت الأزمة بأن أشار ممثلا إنجلترة وفرنسا على الخديو «بأن يطرح المسائل ~~الشخصية جانبا، وبما أن سموه لم يستطع أن يقيم وزارة جديدة، فإنهم يطلبون إليه أن يجدد ~~علاقته بالوزارة القائمة». # وبقيت الوزارة قائمة وعدت عجز الخديو على هذا النحو عزاء لها عن موقفه في حادث ms27 ~~المؤامرة الشركسية. # إنذار نهائي # بينما كانت الوزارة تعمل في داخل البلاد على إشاعة الهدوء بعد نفي المحكوم عليهم من ~~الشراكسة إلى سوريا، إذا بالدولتين عملا باقتراح فرنسا ترسلان سفنا فرنسية وإنجليزية ~~إلى الإسكندرية، وقد وصلت هذه السفن في 19 مايو سنة 1882، وكان مبعث سياسة فرنسا هذه ~~أنها تخشى تدخل تركيا في مصر، فأرادت بذلك منع تدخلها. # ووافقت إنجلترة على الاقتراح ففي وجود السفن إرهاب كذلك للوزارة الوطنية وتأييد ~~للخديو، وأحدثت هذه المظاهرة البحرية بعض تأثيرها الملطوب، فقد أخذ سلطان رئيس مجلس ~~النواب يجاهر بتأييد الخديو، كما انضم إليه صراحة عدد من النواب. # واضطرب الوطنيون ممن يشايعون الوزارة، وقد أخذ توفيق يتنمر وقد واتته الفرصة بمجيء ~~السفن، ليضرب الحركة الوطنية ضربة قاضية. # أما الوزارة فقد آثرت أن تخطو في هذا الموقف العصيب خطوة جديرة بالثناء. فتوجه ~~الوزراء إلى الخديو وأعلنوا له عن رغبتهم في الوئام مقدمين مصلحة الوطن على كل اعتبار ~~متناسين كل شيء في سبيل مصر وحمايتها مما تبيت الدولتان. وكان الوزراء يرجون أن يجعل ~~توفيق مصلحة مصر فوق المسائل الشخصية، فإنهم لم يبالوا بما عسى أن يوصف به عملهم هذا من ~~ضعف، في سبيل المصلحة، كالقائد الشجاع الذي يتراجع؛ لأنه يعتقد أن عمله هو ~~الصواب. # وأوحى مالت إلى الخديو ألا يعتد بقول وزرائه، وما كان توفيق في حاجة إلى هذا الذي ~~يوحي به مالت، وهو يريد أن يشفي ما بنفسه من غل. # وأخذت الوزارة في الوقت نفسه تتأهب لملاقاة ما يندر به الموقف من جسيمات الأمور، وصمم ~~الوزراء ألا يقروا أي تدخل لإنجلترة وفرنسا في البلاد. # وتزايد انضمام الرأي العام إلى عرابي بقدر ما تزايد سخطه على توفيق والإنجليز، ومن ~~انحاز إليهم من المستضعفين وذوي الأطماع. # وفي 25 مايو سنة 1882 تلقت الوزارة إنذارا نهائيا من قنصلي الدولتين، مؤداه أن ~~يخرج عرابي باشا من مصر مع احتفاظه بلقبه وراتبه، وأن يبعد كل من عبد العال حلمي وعلي ~~فهمي إلى بلده مع احتفاظه كذلك بلقبه وراتبه، وأن تستقيل الوزارة من ms28 الحكم. # وقررت الوزارة في غير تردد رفض هذا الإنذار، وأبلغت الرفض إلى قنصلي الدولتين محتجة ~~على تدخلها في شؤون البلاد. # ولم يمض يوم واحد على هذا الموقف الوطني من جانب الوزارة، حتى أعلن الخديو موافقته ~~على الإنذار، فلم يجد البارودي بدا من الاستقالة، وقد ذكر في كتاب استقالته أن قبول ~~الخديو الإنذار فيه مساس بحقوق السلطان. # ولم يتردد الخديو في قبول استقالة الوزارة مهما تكن النتائج؛ فهو لم يعد يهمه إلا ~~استعادة سلطته المطلقة، ولو أدى ذلك إلى ضياع البلاد. # الخديو يعجز عن إقامة وزارة # أبرق مالت إلى دولته في اليوم التالي لسقوط الوزارة يقول: «رأى الوزراء أنهم إذا ~~رفضوا الشروط التي قبلها توفيق، فإنهم بذلك يبيتون في ثورة مكشوفة بدلا من ثورتهم ~~المستترة، وهذا موقف أشفقوا منه، وعلى ذلك فإن سقوط الوزارة يرجع إلى المسلك الحاسم ~~الذي سلكه سموه». # على أنه ما لبث أن أرسل برقية أخرى جاء فيها: «يحاول الخديو للآن إقامة وزارة ولو أن ~~أمله ضعيف في أن يوفق إلى وزارة ذات كفاية، إن كان ثمة من أمل في إمكان قيام وزارة ~~ما». # وظل الخديو يومين في حيرة، وزاد الموقف خطورة أن ورد على الخديو برقية من كبار رجلال ~~الجيش والشرطة يقولون فيها: إنه إذا لم يعد عرابي إلى منصبه في اثنتي عشرة ساعة، فهم ~~غير مسئولين عما تقضي إليه الحوادث. # وعقدت عدة اجتماعات في منزل سلطان والبارودي وعرابي، شهدها النواب والأعيان والعلماء ~~والتجار وممثلو الأديان؛ وذهب وفد من هؤلاء إلى الخديو فما زالوا يتوسلون إلى توفيق حتى ~~رضي بعد إلحاح شديد بإعادة عرابي وزيرا للحربية، وقبل عرابي أن يضمن الأمن والنظام ~~أمام قناصل الدول. # صورة أحمد عرابي الضابط الزعيم وعليها توقيعه. # وفي هذه الأثناء كان لا يفتأ مالت يبرق إلى حكومته يصف لها ما يزعمه من سوء الحالة في ~~البلاد، وخوفه من تعرض الأجانب للخطر، ويستحثها على التدخل السريع. # مندوب من قبل السلطان # في اليوم السابع من يونيو سنة 1882، وصل إلى مصر وفد من قبل السلطان ms29 عبد الحميد ~~برياسة المشير مصطفى درويش باشا، ومن أهم أعضائه أحمد أسعد أحد ذوي المكانة والحظوة عند ~~السلطان وقد جاء رقيبا على درويش. # وقوبل الوفد في الإسكندرية والقاهرة بمظاهرات عظيمة، كانت تهتف بسقوط الإنذار النهائي ~~وكان يسميه الناس يومئذ اللائحة، وكان الهتاف الشعبي أن يقول أحد الناس: «اللايحة ~~اللايحة» ... فيرد الجميع قائلين: «مرفوضة مرفوضة»، وعظمت الهتافات لعرابي وللدستور، حتى ~~لقد عجب درويش ووفده من هذه الروح الطيبة وشيوعها في جميع طبقات الشعب. # ويظهر أن درويشا كان مزودا بتعليمات: أن يظهر العطف على الخديو من جهة، وأن يشجع ~~عرابيا من جهة أخرى نكاية من السلطان في إنجلترة وفرنسا وتوفيق؛ ثم لكي يستعيد سلطانه ~~في مصر بأن يجعل الجانبين يلجآن إليه. # وقد أخذ درويش يستقصي أسباب الخلاف بين عرابي والخديو، ويسأل عن مسلك الجيش، ولم يقبل ~~عرابي أن يصحبه إلى الآستانة حين عرض عليه ذلك، كما أنه لم يقبل أن يتنازل له عما أخذه ~~على عاتقه من حماية الأمن، إلا إذا حصل منه على كتاب رسمي يخليه فيه من كل تبعة. # وطلب درويش من السلطان نحو مئتي وسام للضباط وللمدنيين. فأجابه السلطان إلى طلبه ~~وأنعم على عرابي بالوسام المجيدي الأكبر. وقد ضايق توفيقا هذا الإنعام فهو تأنيب عملي ~~له على ... بالدولتين؛ كما أن فيه معنى الرضاء عن عرابي؛ لأنه يقف في وجه الدولتين ~~المتدخلتين في شؤون مصر. وأبرق عرابي يشكر السلطان. فجاءته برقية من السلطان تتضمن ~~رضاءه عنه، وثناءه على حسن سلوكه وإخلاصه لواجبه. # توفيق يتآمر ضد البلاد - حادث 11 يونيو بالإسكندرية # حدثت في يوم 11 يونيو سنة 1882 مشاجرة بين أحد الوطنيين، واسمه السيد العجان وبين ~~مالطي استأجر حمار هذا الوطني، فقد طعن المالطي صاحب الحمار بسكين عدة طعنات فقتله؛ ~~وذلك لأنهما تخاصما على الأجر. # وخف رفاق القتيل ليمسكوا بالقاتل ولكنه هرب إلى بيت قريب، وسرعان ما رأى الوطنيون ~~الذين تجمعوا الرصاص يتهاوى عليهم من بعض النوافذ والأبواب القريبة، فسقط بعضهم صرعى ~~وجرحى، وعظم الهياج وتنادى الوطنيون للانتقام فأخذوا ما اتفق ms30 لهم من العصي والحجارة ~~والخناجر، وانهالوا على كل من صادفهم من الأوروبيين ضربا، لا يبالون أين يقع؛ ونهبت ~~بعض الدكاكين واستمرت الفتنة حتى الساعة السابعة مساء، حيث حضر الجند فأعادوا الأمن ~~إلى المدينة. وقد انبعثت الفتنة من ثلاثة أمكنة مختلفة بمجرد حدوث المشاجرة. وقد اختلفت ~~المصادر في عدد القتلى من الجانبين وهو على أي حال لا يقل عن خمسين من الأجانب، وأكثر ~~من ذلك من الوطنيين، فضلا عن الجرحى من الجانبين. # وحادث المشاجرة بين صاحب الحمار والمالطي حادث عادي في ذاته، لم يأت نتيجة تدبير بل ~~هو ابن وقته. ولكن الأدلة قد توفرت بما لا يدع مجالا للشك على أن ما أعقب المشاجرة من ~~فتنة كان أمرا مبيتا مدبرا من قبل، وأنه لو لم يقع حادث السيد العجان والمالطي، ~~لوقعت المأساة عقب أي حادث من نوعه أو من أي نوع آخر. # ولقد كان لهذه المأساة نتائج خطيرة في ذلك الوقت بالذات، فقد جاءت عقب إعلان عرابي ~~أنه يضمن الأمن؛ ولذلك فهي ضربة موجهة للحركة الوطنية في الصميم، وهي حجة للخديو ~~وأعوانه من الأجانب على فساد الأحوال الداخلية، وتعرض أموال الأوروبيين وأرواحهم للخطر ~~بسبب الحركة القومية، التي ظل ينعتها الإنجليز منذ قامت بالفوضى. # أما عن أدلة تدبير هذه المأساة فيكفي أن نذكر أن الإنجليز أنفسهم هم الذين يسوقون هذه ~~الأدلة، فقد حدث سنة 1883 أن حمل في مجلس العموم البريطاني اللورد راندلف تشرشل زعيم ~~المحافظين حملة عنيفة على مستر جلادستون زعيم الأحرار، فكان مما ذكره عن مساوئ الأحرار ~~أنهم يحمون خديو مصر مع أنه هو وعمر لطفي محافظ الإسكندرية المدبر لمأساة الإسكندرية، ~~وساق تشرشل طائفة من أقوال الأوروبيين من مختلفي الأجناس وكلها تقرر أن المسألة مبيتة. # 1 # ولقد جاء في كتاب كرومر «مصر الحديثة» أن مالت أبرق إلى حكومته في نهاية شهر مايو ~~قائلا: «إنه قد يقع التحام في أي وقت بين الأوروبيين والمسلمين». # وأما من دبر هذه المأساة، فقد تجمعت الأدلة كذلك على أنها من جانب العنصر المصري في ~~الهياج، ms31 تمت بالاشتراك بين الخديو وعمر لطفي. فقد ذكر رندلف تشرشل في مجلس العموم بين ~~أدلة اتهاماته نبأ برقية من الخديو إلى عمر لطفي على أعظم جانب من الخطورة وهي: «لقد ~~ضمن عرابي الأمن العام ونشر ذلك في الجرائد، وقد تحمل مسئولية ذلك أمام القناصل، فإذا ~~نجح في ضمانه، فإن الدول سوف تثق به وسوف تفقد بذلك اعتبارنا، يضاف إلى ذلك أن أساطيل ~~الدول في مياه الإسكندرية، وأن عقول الناس في هياج وأن الحرب قريبة الوقوع بين ~~الأوروبيين وغيرهم ... والآن فاختر لنفسك هل تخدم عرابيا في ضمانه أم هل ~~تخدمنا؟» # ولقد شهد كثير من الأوروبيين بأن شرطة المدينة، وهم تحت إمرة لطفي قد اشتركوا في ~~القتل والضرب بدل أن يقضوا على الفتنة. ومن أخطر هذه الشهادات من نزلاء الإسكندرية قول ~~مستر أمبروز رالي: «لكي نرى مبلغ خيانة المسئولين، فحسبنا أن نعلم أن الفتنة وقعت في ~~الساعة الثالثة، وأن الشرطة قد تمت على أيديهم معظم حوادث القتل، وأن ذلك استمر حتى ~~الساعة السابعة حين وصلت أخيرا فرقة من الجند، كانت كفيلة بأن توقف الفتنة في ربع ساعة ~~من بادئ الأمر لو أن المسئولين أرادوا ذلك». # ويقول الشيخ محمد عبده في تقرير له كتبه في منفاه بسوريا: «حقا إن أكثر من اتهموا ~~ومن قبض عليهم بعد الحادث بيوم كانوا يصيحون بقولهم: لا لوم علينا فإن سعادة المحافظ هو ~~الذي كان يأمرنا بأن نضرب وأن نسرق». # إلى هذا الحد بلغ حقد توفيق على الوطنيين حتى ليتآمر هذا التآمر الخطير على سلامة مصر ~~وسمعتها. ولسوف تتخذ الدولتان من هذه المأساة حجة لهما على أن بعثة درويش باشا لم تفد ~~شيئا في علاج الحالة، وعلى أن عرابيا لم ينجح في ضمان الأمن كما أعلن، وأنه لا بد من ~~عمل حاسم سريع. # وبعد هذه المأساة بيومين حضر الخديو إلى الإسكندرية؛ ليقيم بها كي يكون على مقربة من ~~السفن الإنجليزية، ولينفض يديه من الأحوال الداخلية مؤقتا ريثما يتم القضاء على الحركة ~~الوطنية واستعادة سلطانه. وقد استدعى إسماعيل راغب ms32 باشا في 18 يونيو، وكلفه تأليف وزارة ~~بعد أن ظلت البلاد بلا وزارة مدة أسبوعين، وظل عرابي وزيرا للجهادية، والحق أن وزارة ~~راغب باشا كانت صورية، بعد أن ارتمى توفيق على هذا النحو في أحضان الإنجليز ... # الإنجليز ومأساة الإسكندرية # لم يكن الإنجليز بمعزل عن مأساة الإسكندرية، بل لقد كان لهم في تحريض الأجانب، ما كان ~~لعمر لطفي ومن ورائه توفيق في تحريض الوطنيين؛ وحسبنا أن نكرر الإشارة إلى برقية كوكسن ~~الخبيثة بأن التحاما سوف يقع بين الأوروبيين والمسلمين؛ ومن هذا القبيل برقية أرسلها ~~مالت إلى وزارة الخارجية البريطانية في مايو يقول فيها: «إنه لا بد من حدوث اضطرابات ~~قبل تسوية المسألة المصرية، وأن الأصوب استعجال هذه الاضطرابات لا تأجيلها». # وكان كوكسن دائب السعي في تسليح الأوروبيين وبخاصة الإنجليز، يتبين ذلك من برقية ~~أرسلها مالت إلى حكومته جاء فيها: «إن قنصل السويد العام وصل اليوم من الإسكندرية وعرض ~~علي مشروعا للدفاع عن الأوروبيين ورغب في موافقة ممثلي الدول عليه، وقد أجمع ~~الممثلون على أن تسليح ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف تمهيدا لهذا الدفاع عمل بالغ الخطورة؛ ~~وأنه بجانب ذلك عمل في ذاته يفضي إلى التصادم في أي وقت، وعلى ذلك فقد اتصلوا بقناصلهم ~~كيلا يشاركوا في شيء من هذا، وبناء على ذلك أبرقت إلى مستر كوكسن ألا يشارك بعد الآن في ~~شيء منه». # وقال المسيو جون نينيه وهو سويسري أقام بمصر زمنا طويلا: «وفي الطريق قابلت مستر ~~كوكسن في عربة، وأخبرني أحد الواقفين بجانبي أنه كان في بيت أحد المالطيين أثناء إطلاق ~~النار، وأنه اعتدي عليه عند خروجه من ذلك البيت؛ لأن الدهماء عدوه مسئولا عن إطلاق ~~النار». # وكان لكوكسن تنقلات في المدينة أثناء الفتنة، يتضح ذلك مما كتبه إلى مالت بعد ذلك ~~بخمسة أيام إذ يقول: «وقد أعنت على النهوض والتوجه صوب مخفر الشرطة، حيث لم يتحرك أحد ~~منهم لحمايتي على الرغم من أن الدماء كانت تسيل من جسمي، ومن خلفي بعض النابحين من ~~العرب يضربونني بالعصي». # | جهاد مصر ضد ms33 المعتدين # كانت الدولتان قد اتفقتا قبل مأساة الإسكندرية على وجوب العمل على حل المسألة المصرية، إذ ~~لم يفد وجود الأسطولين شيئا؛ وقد اقترح رئيس حكومة فرنسا على إنجلترة في 30 مايو سنة 1882 ~~عقد مؤتمر دولي للنظر في الأمر، إذ إن الحالة في مصر تتطلب ذلك. وكانت فرنسا ترمي من وراء ~~ذلك في الواقع أن تحول بين إنجلترة وبين الانفراد بالعمل، فقد باتت تتوجس خيفة من سياستها، ~~ووافقت إنجلترة على ذلك لتخفي نياتها. ولن تعجز إنجلترة أن تتخذ من المؤتمر أداة تنتفع بها ~~إذا لزم الحال، كما أنها لن تعدم حيلة للانفراد بالعمل إذا دعت الضرورة، كما سيأتي ~~بيانه. # وكانت تركيا تعارض فكرة هذا المؤتمر؛ لأنها صاحبة الحق الشرعي في مصر ولا حق لغيرها من ~~الدول في النظر في المسألة المصرية؛ لذلك أوفد السلطان درويشا ورأى في ذلك سببا عمليا ~~يبرر به رفضه فكرة المؤتمر؛ وكان في إنعامه على عرابي وشكره إياه على إخلاصه في أداء واجبه ~~ما يتضمن ألا محل لما تدعيه إنجلترة وفرنسا من خطر العسكريين في مصر. # ولكن أين ما يعمل السلطان مما كان يدبر الإنجليز؟ لقد دبر الإنجليز وشركاؤهم مأساة ~~الإسكندرية؛ لتكون كما أسلفنا حجة لهم على صحة ما يقولون، ومن هنا يتبين لنا خطر هذا الحادث ~~المشؤوم. # انعقاد المؤتمر بالآستانة # انعقد المؤتمر في 23 يونيه في السفارة الإيطالية بالآستانة، ولم يشترك فيه السلطان ~~وذلك على الرغم من أن البلد الذي يبحث المؤتمر في شؤونه تابع للسلطان. وكان المؤتمر ~~ينظر في إرسال قوة تركية إلى مصر، ويبحث الشروط التي توضع لذلك؛ والحق أن المؤتمر كان ~~مهزلة من المهازل السياسية: فقد كان مما أصدره المؤتمر الميثاق الآتي، وذلك في 25 ~~يونيه: «تتعهد الحكومات التي يمثلها الموقعون على هذا أنها في كل تسوية يقتضيها عملها ~~المشترك؛ لتنظيم شؤون مصر ألا تسعى إلى امتلاك شيء من أراضيها، ولا إلى أي إذن خاص ولا ~~إلى أي فائدة تجارية لرعاياها إلا ما كان عاما يمكن أن تناله أية أمة أخرى». # وفي ms34 6 يولية أعلن المؤتمر في جلسته السابعة قرارا يقضي بإرسال قوة تركية إلى مصر ~~لإعادة الأمن والنظام فيها. وبعد ستة عشر يوما من الميثاق وخمسة أيام فقط من ذلك ~~القرار، ضربت إنجلترة الإسكندرية بمدافعها الضخمة وبدأت تحتل مصر، ولا يزال المؤتمر ~~قائما في الآستانة للنظر في المسألة المصرية على أساس دولي؛ وستبلغ مهزلة المؤتمر ~~غايتها حين يعقد ذلك المؤتمر جلسته الثامنة بعد ضرب الإسكندرية بأربعة أيام لينظر في ~~الأمر! ولقد كان من قرارات المؤتمر الصريحة، قبل ذلك أن وافق المجتمعون نيابة عن ~~حكوماتهم على عدم التدخل في مصر أثناء انعقاد المؤتمر. # ولقد استطاع لورد دفرين مندوب إنجلترة في المؤتمر بعبارة واحدة أن يجعل الأمر كله ~~لعبة لاعب، وذلك بأن حمل المؤتمر على إضافة تحفظ على قرار عدم التدخل نصه: «إلا عند ~~الضرورة القصوى»، وما أيسر أن تخلق إنجلترة في أية لحظة تلك الضرورة القصوى. والواقع إن ~~إنجلترة كانت قد وطدت العزم على الانفراد بالعمل، انظر إلى قول كرومر في كتابه وقد جاء ~~ذكر المؤتمر: «ليس من الضروري أن نقف طويلا عند إجراءات المؤتمر المملة ... وقد كان ~~اللورد جرانفل واللورد دوفرين يفهمن تمام الفهم ماذا يريدان، ولقد رغبا في أن يوطدا ~~النظام في مصر، وكانا يقظين إلى تلك الحقيقة التي مؤداها أنه بغير استخدام القوة ~~المادية فلن يوطد ذلك النظام». # الضرورة القصوى # ما كانت هذه الضرورة القصوى التي برر بها الإنجليز اعتداءهم الغاشم على مصر، إلا ~~خرافة الذئب والحمل تعرض في صورة جديدة هي قصة النزاع بين بوارج الأسطول الإنجليزي ~~وقلاع الشواطئ بالإسكندرية. # في اليوم التاسع والعشرين من مايو، أي: قبل تحفظ دوفرين بنحو شهر، أخبر سير بوشامب ~~سيمور أدميرال الأسطول البريطاني بالإسكندرية لورد جرانفل أن المصريين يقيمون تحصينات ~~في شواطئ الإسكندرية، وأن هذا يعد عملا عدائيا موجها إلى الأسطول! # واستفهمت إنجلترة الباب العالي فردت تركيا بأنه لا تحصين هناك، وإنما هو إصلاح في بعض ~~الحصون المتهدمة؛ ومع ذلك فقد أمرت بوقفه. # وفي أول يوليه كتب سيمور إلى حكومته أن عرابيا ms35 يستعد بجمع السلاح، وأنه سوف يضع ~~الأسطولين في فخ، وذلك بسد البوغاز بالأحجار. وتلقى سيمور في 3 يوليه هذه البرقية ~~الخطيرة: «امنع كل محاولة لسد البوغاز إلى الميناء، وإذا استؤنف العمل في التحصينات أو ~~إذا وضعت مدافع جديدة، فأخبر القائد الحربي بأن لديك أوامر بمنع ذلك ؛ فإذا لم يوقف ذلك ~~فورا فحطم التحصينات، وأسكت البطاريات إذا أطلقت نيرانها». # وفي 6 يولية أرسل سيمور إلى طلبة عصمت قائد حامية الإسكندرية يقول «سيدي: لي الشرف أن ~~أحيط سعادتكم علما، بأني علمت من مصدر رسمي أن مدفعين أو أكثر أضيفا بالأمس إلى خطوط ~~الدفاع البحرية، وأن استعدادات حربية يجري عملها في الواجهة الشمالية للإسكندرية ضد ~~الأسطول الذي تحت قيادتي؛ وأرى لزاما علي والحالة هذه أن أنبه سعادتكم إلى أنه إذا لم ~~توقف الأعمال، أو إذا أوقفت ثم استؤنفت. فإن واجبي يقضي بأن أطلق مدافعي على الأعمال ~~الجاري بناؤها». # ورد طلبة باشا برسالة جاء فيها «وردا على ذلك أؤكد لكم أنه لا أساس لهذه الأخبار، ~~وأنها من قبيل خبر التهديد بسد مدخل البوغاز الذي اتصل بكم وتحققتم من كذبه، وإني ~~لمعتمد على مشاعركم الإنسانية الصادقة وأرجو أن تتقبلوا احتراماتي». # وأبرق سيمور إلى حكومته في 9 يوليه يقول: «إنه ليس لدي أي شك في حدوث الاستعدادات ~~الحربية، وقد وضعت مدافع جديدة في حصن السلسلة، وسأخطر قناصل الدول الأجنبية صباح غد، ~~وأبدأ بالضرب بعد أربع وعشرين ساعة ما لم تسلم إلى الحصون القائمة في شبه جزيرة رأس ~~التين، والحصون المشرفة على مدخل الميناء». # وفي صباح 10 يوليه تلقى طلبة باشا إنذارا نهائيا هذا نصه: «لي الشرف أن أخطر ~~سعادتكم أنه لما كانت أعمال الاستعدادات العدائية الموجهة ضد الأسطول، الذي أتولى ~~قيادته آخذة في الازدياد طول نهار أمس في حصون صالح وقايتباي والسلسلة، فقد عقدت العزم ~~أن أنفذ غدا 11 الحالي عند شروق الشمس ما أعربت لكم عنه من عمل في كتابي المؤرخ يوم 6 ~~الحالي، وذلك إن لم تسلموا إلي في الحال قبل هذه الساعة البطاريات ms36 الموضوعة في شبه ~~جزيرة رأس التين، وعلى شاطئ ميناء الإسكندرية الجنوبي بقصد تجريدها من السلاح». # هذه هي أقصوصة الذئب والحمل في صورتها الجديدة. ولا نستطيع أن نتصور كيف يكون تحصين ~~أمة شواطئها تلقاء سفن أجنبية تتهددها عملا عدائيا يسوغ الشر والعدوان؟ إن مثل ذلك ~~كمثل لص أراد أن يقتحم دارا وسلاحه في يده، فإذا تناول صاحب الدار شيئا يدفع به عن ~~نفسه هذا العدوان جعل اللص من ذلك مسوغا لأن يقتله، ويأخذ متاعه وداره! وكيف تكون قلاع ~~الإسكندرية هي المعتدية على بوارج الأسطول، والقلاع التي لم تنتقل إلى السفن لتضربها، ~~وإنما السفن هي التي جاءت تتهدد المدينة في غير موجب، والمؤتمر الدولي قائم في الآستانة ~~ينظر في المسألة المصرية؟ # ومع ذلك فقد قرر دي فرسنيه رئيس الوزارة الفرنسية في كتابه المسألة المصرية «أن ~~المعلومات التي لديه لم تكن بالخطورة التي تبدو من رسائل الأدميرال سيمور، بحيث إن ضرب ~~الإسكندرية في الظروف التي وقع فيها، إنما كان عملا هجوميا لا دفاعيا»، وقرر كذلك ~~أن «سد البوغاز لم يشرع فيه في وقت من الأوقات». # ويقول جون نينيه السويسري في كتابه «عرابي باشا»: إني أؤكد بشرفي ما تحققته إذ كنت ~~أزور الحصون يوميا مصحوبا بكبار الضباط، أنه منذ مجيء أوامر السلطان بالكف عن ~~الترميمات لم يطرأ أي تغيير على أية بطارية من جهة الميناء أو على البحر، ولم يحصل أي ~~ترميم في الحصون ولم ينصب فيها أي مدفع جديد». # موقف فرنسا وتركيا # أما فرنسا فإنها منذ يوم 3 يوليه قد رفضت أن تعمل مع إنجلترة، وذلك احتراما منها لما ~~أقره مؤتمر الأستانة؛ ولأنها تعد مثل هذا التدخل عملا عدائيا لا دفاعيا، وكتبت ~~الحكومة الفرنسية إلى قائد الأسطول الفرنسي بالإسكندرية بأن يبتعد إلى بورسعيد إذا أصر ~~القائد الإنجليزي على الإنذار النهائي بضرب الإسكندرية. وتنفست إنجلترة الصعداء، فذلك ~~ما كانت تتمناه من زمن لتنفرد بالعلم ولتلتهم مصر وحدها. # أما تركيا فإن موقفها من الأزمة من أول الأمر موقف المتردد الحائر كما تجلى في بعثة ~~درويش. ms37 # وقد ظلت حكومة تركيا حائرة بين أن تأخذ جانب توفيق، وقد انحاز إلى الأجانب على حساب ~~مصالحها وحقها في مصر، أو أن تأخذ جانب عرابي فتؤيد بذلك الحركة الدستورية الحرة، العمل ~~الذي كانت تخشاه شر خشية، وبخاصة في ولاية تابعة لها فهي ما تزال تحكم بلادها حكما ~~مطلقا. # ولقد اتصفت إزاء مؤتمر الآستانة بالتردد والغفلة حتى صارت إنجلترة لا تقيم لها وزنا، ~~وأقبلت تعتدي على مصر كأنه لا علاقة بين مصر وبين السلطان. # مصر تجاهد وحدها ضد العدوان # وقفت مصر موقف البطولة والشرف في هذه العزلة الدولية، فقد عقد مجلس الوزراء برياسة ~~الخديو وحضره درويش باشا. واضطر توفيق أن يجاري الوطنيين ريثما تحين له الفرصة كعادته ~~في جميع مواقفه، وأرسلت مصر ردها التاريخي على الإنذار ونصه: «نحن هنا وفي بلادنا، ومن ~~حقنا بل ومن واجبنا أن نصونها ضد كل عدو يبادئنا بالعدوان ... إن مصر المحافظة على حقوقها ~~وعلى شرفها لا تستطيع أن تسلم أي مدفع أو أية قلعة مهما تكن إلا إذا اضطرتها الحرب؛ إن ~~مصر لتحتج على إرسالكم إنذار اليوم، وتلقي مسئولية تعدي الأسطول وضرب الإسكندرية ~~ونتائجه المباشرة وغير المباشرة على رأس الدولة التي تجرؤ في وسط هذا السلام الشامل على ~~قذف القنبلة الأولى ضد الإسكندرية، تلك المدينة المسالمة، مستهترة بحقوق الأمم وقوانين ~~الحرب». # وكان الخديو قد تدبر من قبل أين يقيم عند الضرب، فقد أرسل مستر كارتريت الذي ناب عن ~~مالت برقية إلى حكومته يوم 7 يوليه جاء فيها: «أتشرف بإخبار فخامتكم أن الخديو استدعى ~~السير أوكلند كلڨن هذا الصباح؛ ليدلي إليه بالطريق الذي يقترح سموه اتباعه في مواقف ~~معينة تتصل بحركاته الشخصية، وفي حالة ضرب الإسكندرية بمدافع الأسطول البريطاني سيأوى ~~سموه إلى قصر ترعة المحمودية حيث يرافقه درويش باشا، وكلما كان الفراغ من الأمر كله ~~أسرع قل الخطر الذي يتعرض له شخصيا، وكانت لهجة سموه أثناء المقابلة هادئة، وكان يضبط ~~نفسه واختتم حديثه بأن رجا من السير أوكلند كلڨن أن يطلع فخامتكم على ما اعتزم، وإني ~~أقترح ms38 في حالة الضرب أن أخبر درويش باشا قبل إقلاعي، أن حكومة جلالة الملكة تلقي على ~~عاتقه تبعة سلامة سموه الشخصية». # وتلقى في اليوم التالي ردا بموافقة حكومته على أن يلقي على عاتق درويش سلامة ~~الخديو. # ضرب الإسكندرية # في الساعة السابعة من صباح ذلك اليوم المشؤوم 11 يوليه سنة 1882 أطلق الأدميرال ~~الإنجليزي سيمور أولى قذائفه على مدينة الإسكندرية دون أي اعتداء منها؛ بحجة الدفاع ~~العادل المشروع عن النفس! وذلك على مسمع من العالم المتمدن كله. وبدأ بذلك هذا العدوان ~~الشنيع على مصر، وليس في العالم يومذاك دولة يتأثم ضميرها؛ مما تصبه إنجلترة على الحركة ~~القومية الوطنية وعلى السلم والدستور في مصر. # وكان الأسطول البريطاني مكونا من ثماني مدرعات كبيرة وخمس مدفعيات، وسفينة للطوربيد ~~وأخرى لأعمال الكشف، وكانت مدافع الأسطول سبعة وسبعين من النوع الضخم القوي من طراز ~~أرمسترونج. # وكانت حصون الشاطئ تمتد من ناحية العجمي في الغرب إلى أبو قير في الشرق، وكان عددها ~~نحو عشرين حصنا أو طابية، ويدخل في ذلك اثنان في داخل المدينة هما كوم الناضورة وكوم ~~الدكة. # وإذا استثنينا الحصنين الأخيرين وهما من منشآت نابليون وقلعة قايتباي، وهي ترجع إلى ~~القرن الخامس عشر، كانت بقية الحصون من منشآت محمد علي، وكانت مدافعها ويبلغ عددها تسعة ~~وعشرين ومئتين قديمة الطراز ضعيفة، قريبة المرمى، إلا تسعة وأربعين منها كانت من طراز ~~آرمسترونج. # ومما يحاول بعض المؤرخين إلصاقه بعرابي من المآخذ، أنه ترك حصون الإسكندرية ضعيفة فلم ~~تستطع مقاومة السفن الإنجليزية، وينسى هؤلاء أنه ما دام أن الخديو كان في جانب الإنجليز ~~والفرنسيين منذ حضرت سفن الدولتين، ومنذ قدمت المذكرة المشتركة لم يكن في وسع عرابي أن ~~يعمل كما يحب. وماذا عسى أن يكون الحال إذا رفض الخديو؟ إن وزارة البارودي لم تستطع أن ~~تنفذ حكم المجلس العسكري على الشراكسة؛ لأن الخديو عارض في ذلك. هذا إلى أن الأجانب ~~كانوا لمصر بالمرصاد، وقد رأينا كيف أقام سيمور الدنيا وأقعدها؛ لأنه كما زعم رأى ~~تحصينات في السواحل المصرية. # وكان طوبجية ms39 السواحل تحت قيادة إسماعيل بك صبري، ويقول عرابي في مذكراته: إنهم لم ~~يكونوا يزيدون عن ستة مئة. # وكان بالمدينة من قوات الجيش اثنا عشر ألفا من المشاة؛ وقد أصدر عرابي تعليماته إلى ~~صبري في ليلة 10 يوليو، وأعلمه أن مجلس الوزراء قرر ألا تجيب الحصون إلا بعد الضربة ~~الخامسة من الأسطول؛ ووزع صبري ضباطه على الحصون استعدادا للمعركة ، ووزع عرابي حامية ~~المدينة وراء الحصون من قلعة العجمي إلى برج السلسلة، وعهد إلى أورطتين من المشاة ~~بالمراسلة بين الحصون. # وأجابت الحصون بعد خمس دقائق من ابتداء الضرب، واستمات آلاي السواحل في الدفاع، وأبدى ~~همة ونشاطا وحماسة وطنية شهد بها كثير من الأجانب، وذلك على الرغم من عنف المدافع ~~الإنجليزية وشدة فتكها وعظم تدميرها، ومهارة السفن الإنجليزية في الاقتراب والابتعاد، ~~والاعتصام بدخان كثيف أثناء الضرب، وشباك قوية من الفولاذ كانت ترد عنها قذائف ~~الحصون. # واستمر الضرب من الجانبين حتى الساعة الحادية عشرة، وكانت قذائف الإنجليز تلقي النار ~~والدمار على المدينة في شدة مروعة، وسكتت السفن قليلا، ثم استأنفت الضرب وجاوبتها ~~الحصون حتى الساعة الثانية بعد الظهر، واستأنف الأسطول الضرب في شدة وظلت تجاوبه الحصون ~~حتى منتصف الساعة السادسة. ثم أظلم الليل وقد سكتت الحصون فلن تجيب بعد ذلك. فقد دمرتها ~~مدافع الأسطول تدميرا ... وتهدمت في المدينة أبنية كثيرة ومساكن واحترق بعضها، وقد هجرها ~~كثير من أهلها منذ بدأ الضرب في هرولة ورعب. # مدافع الإنجليز تهدم الإسكندرية (ميدان المنشية). # وقف المصريون وإن حلت بهم الهزيمة موقف الكرامة والبطولة فبذلوا غاية ما في طوقهم، ~~ولطالما ألقي في روع الناس أن مصر لم تجاهد حين اعتدي عليها، مع أن المصريين من الجند ~~ومن أهالي الإسكندرية أثبتوا شجاعتهم في هذا اليوم وفي الأيام التي جاءت بعده وتطلبت ~~دفاعا وإباء، قال جون نينيه وقد شهد هذا اليوم: «ولا يسعنا إلا أن نعترف بأنها كانت ~~مجزرة وحشية لا موجب لها ولا مسوغ، ولم يكن الباعث عليها إلا الشهوة الوحشية المتعطشة ~~للدماء، وكنت أتوق إلى أن أسأل أولئك الذين ms40 كانوا يضربون، ويطلقون مدافعهم هل يستطيعون ~~حين يعودون إلى بلادهم، ويتحلقون حول موائد الشاي في بيوتهم أن يتحدثوا إلى ذويهم عما ~~فعلته تلك المجازر البشرية من الفتك والتخريب؟ إني لفي شك من ذلك، فأية إهانة لحقت ~~الأمة البريطانية حتى تثأر من مصر على هذه الصورة الفظيعة؟ ومع ذلك فما كان أروع منظر ~~الرماة المصريين الذين كانوا خلف مدافعهم المكشوفة، كأنما هم في استعراض حربي لا يخافون ~~الموت الذي يحيط بهم، وكانت معظم الحصون بلا حواجز تقيها ولا متاريس، ومع هذا فقد كنا ~~نلمح هؤلاء البواسل من أبناء النيل خلال الدخان الكثيف، وكأنهم أرواح الأبطال الذين ~~سقطوا في حومة الموت قد بعثوا ليناضلوا العدو ويواجهوا نيران مدافعه. وكان القادة ~~يزورون الحصون ويستحثون الرجال، وقد أدى الجميع واجبهم رجالا ونساء، كبارا وصغارا، ~~ولم تكن ثمة أوسمة أو مكافآت يستحث أولئك الفلاحين على أداء واجبهم. وإنما كانت تثير ~~الحماسة في نفوسهم عاطفة الوطنية والثورة على ما استهدفوا له من فظائع، وهم في مواقفهم ~~البواسل المجهولون الذين لم يفكر أحد فيما تحملوا من آلام». # وقال الشيخ محمد عبده: «تحت مطر الكلل ونيران المدافع كان الرجال والنساء من أهالي ~~الإسكندرية، هم الذين ينقلون الذخائر ويقدمونها إلى بعض بقايا الطوبجية الذين كانوا ~~يضربونها، وكانوا يغنون بلعن الأدميرال ومن أرسله». # مدافع الإنجليز تدمر الإسكندرية (شارع جامع إبراهيم). # وفي اليوم التالي عادت السفن إلى الضرب في الساعة العاشرة. وكان مجلس الوزراء قد ~~اجتمع في اليوم السابق، وقرر إبلاغ سيمور أن ما كان يطلبه قد تحقق له بتهديم الحصون، ~~فلا داعي بعد ذلك للضرب وليس بين إنجلترة ومصر ما يستوجب العدوان، وقرر أن ترفع الأعلام ~~البيضاء لطلب الهدنة توطئة للمفاوضة. وقد تم ذلك بعد أن استؤنف الضرب. # ولكن سيمور طلب الترخيص له بإنزال جند من بحارة السفن؛ لاحتلال ثلاث قلاع هي العجمي ~~والدخيلة والمكس. وعرض هذا الطلب على الخديو، ولكنه لم يجرؤ على قبول هذا الطلب، ثم إنه ~~كان لا بد له أن يرجع إلى السلطان؛ لأنه لا يملك ms41 التنازل عن أي جزء من الأراضي ~~المصرية. # واستأنفت السفن الضرب في الساعة الرابعة، ثم رفعت الراية البيضاء ثانية على بعض ~~الطوابي فسكتت السفن. وقد بلغ عدد الضحايا من المصريين نحو ألفين غير من جرحوا، أما ~~الإنجليز فلم يزد قتلاهم على خمسة وجرحاهم على تسعة عشر. # وأما المدينة التي كانت تراوحها نسائم البحر الندية، وتغاديها فقد اندلعت فيها ألسنة ~~النيران في صورة مروعة كأن الجحيم كانت تزفر عليها بنارها، وقد لبثت النار بها بضعة ~~أيام، وظلت سحب الدخان تتراكم وتنعقد فوق شوارعها الموحشة المتهدمة، وخيمت الكآبة على ~~ذلك الثغر الذي انطفأت بسمته أياما طويلة نتيجة لعدوان سيمور. # ولقد ذهبت الآراء عدة مذاهب بشأن هذا الحريق، وقد حاول الإنجليز أن يعزوه إلى عرابي ~~كما عزوا إليه من قبل مذبحة الإسكندرية التي اقترفوها، وذهب جون نينيه إلى أن النيران ~~كانت من فعل قذائف الأسطول في الغالب، وإن كانت عدة عناصر في رأيه اشتركت في هذا ~~الحريق، منها بعض الأوروبيين الذين بقوا في المدينة بقصد النهب، ومنها بعض الأروام ~~والمالطيين من أصحاب الدكاكين؛ كي يطلبوا بعد ذلك تعويضا كبيرا، ومنها بعض البدو من ~~قبيلة أولاد علي. # ويقول الشيخ محمد عبده: «بين من حرقوا الإسكندرية أروام بلباس عرب رؤيت جثثهم بتلك ~~الثياب أثناء الحريق، ومنهم عربان من أولاد علي ممن كانوا على صلة بالخديو، ومنهم ~~أوروبيون بقصد المبالغة في التعويضات». # وهناك من يذهب إلى أن سليمان سامي داود قائد الآلاي السادس هو الذي أمر جنوده بإضرام ~~النار في المدينة، كعمل يقتضيه الدفاع إذا أراد أن يعرقل به نزول الإنجليز إلى البر. أو ~~لعله فعل ذلك بدافع الغيظ من عزم الإنجليز على دخول المدينة، ومهما يكن من الأمر، فمن ~~الخطأ أن يرد الحريق إلى سبب واحد من الأسباب التي ذكرت، والمعقول أن تسببه هذه العناصر ~~جميعا وبخاصة قذائف الأسطول. # مدافع الإنجليز تحرق الإسكندرية (شارع شريف). # وغادر عرابي وقواده وجنوده المدينة ليتخذوا ما يلزم من عدة للدفاع عن البلاد. # وكان الخديو مقيما في سراي الرمل أثناء الضرب ms42 ليبعد عن الخطر، وفي يوم 13 يوليه شاور ~~الخديو من كان معه من الأمراء والأعيان ماذا يعمل إذا احتل الإنجليز الإسكندرية، فلم ~~يرض أحد أن يبقى بها، وأشار عليه درويش باشا بالسفر إلى بنها ثم إلى السويس، وأشار غيره ~~بالذهاب إلى العاصمة فما يليق بحاكم البلاد أن يظل مقيما في بلد تقع في يد ~~أعدائه. # ولكن الخديو كان قد عقد العزم على الالتجاء إلى الإنجليز. وهذا من أخطر الحوادث في ~~تاريخ هذه الثورة؛ لأن الإنجليز سيزعمون أنهم يدافعون عن سلطته الشرعية ضد ~~الثائرين. # وفاجأ الخديو الحاضرين بقوله: «إن أهم الأمور أن نجعل الأدميرال سيمور على علم بأمرنا ~~إذا أمكن ذلك». # وفي نفس اليوم أرسل توفيق إلى سيمور يخبره أنه اعتزم الحضور إلى سراي رأس التين، وبلغ ~~توفيق السراي في الساعة الرابعة بعد الظهر، ومعه أسرته وحاشيته ودرويش باشا فإذا به يرى ~~الحرس ببابها من الجنود البريطانيين، وإذا بسيمور يتلقاه في ساحتها يحيط به كبار رجاله، ~~ولقد هنأوا الخديو بسلامته، كما هنأه قناصل الدول، ودخل توفيق القصر وحرسه اليوم من ~~البريطانيين. # وفي 14 يوليه أبرق سيمور إلى حكومته يقول: «لقد احتلت رأس التين ووضعنا فيها بحارة ~~ومدفعية كما وضعنا ست بطاريات تواجهها. لا تزال الإسكندرية تحترق، ولكني أرفع الأنقاض ~~من الشوارع، والخديو سالم في قصره يحرسه 700 من البحارة». ومعنى ذلك أن الخديو أصبح ~~نهائيا تحت حماية الإنجليز، ولم يعد يبالي بالسلطان ولا بمندوب السلطان. # وتوالى نزول الإنجليز إلى المدينة يوم 15 يوليه توطئة لاحتلال البلاد، وإذا كان ~~الإنجليز قد ضربوا قلاع الشواطئ؛ لأنها كانت تهدد سفنهم كما زعموا، ففيم نزولهم بعد ذلك ~~إلى المدينة؟ # الأمة تقاوم الاحتلال # انسحبت حامية الإسكندرية لتتخذ مكانا حصينا؛ وذلك لإقامة خطوط للدفاع عن داخل ~~البلاد، وقد اختارت جهة كفر الدوار موطنا لهذا الدفاع. # وهكذا ينتقل تاريخ الثورة القومية إلى طور جديد، هو الحرب بين هذه الثورة وبين ~~الطامعين المستعمرين من الإنجليز. # ولم يكن أمام مصر في الواقع إلا أن تختار إحدى سبيلين: التسليم طائعة مختارة ms43 للإنجليز ~~ليقضوا على نهضتها القومية الحرة، أو الحرب التي تبذل فيها الأنفس والأموال والتي تتنهي ~~إما إلى نصر يتحقق به كل شيء، وإما إلى هزيمة تذهب بكل شيء إلا الشرف والكرامة. # وقد اختارت مصر السبيل الثانية تحت زعامة عرابي، وتركت للخديو السبيل الأولى. وما كان ~~لعرابي وأصحابه أن يفعلوا غير ما فعلوا، وإلا فقد كانت حركتهم إذن من أول الأمر هزوا ~~ولعبا . # تنكر راغب باشا رئيس الوزراء كما تنكر الخديو للحركة القومية، فأرسل في 17 يوليه إلى ~~سيمور يقول: «لي الشرف أن أعلن لحضرتكم أن عرابي يشتغل الآن بإعداد وسائل الدفاع، وذلك ~~مخافة لأوامر الجناب الخديوي، وقد صدر له الأمر بالكف عن هذه التجهيزات، فكونوا إذن على ~~علم بأن الجناب الخديوي عزم على عزله من وظيفته فهو لذلك وحده المسئول عما يحدث، ~~فأرجوكم أن تعلنوا مآل هذه الرسالة إلى حكومة جلالة الملكة». # وأرسل توفيق إلى عرابي بكفر الدوار يدعوه إلى الإسكندرية، ومن عجيب أمر توفيق الذي ~~وافق بالأمس على أن ترد الحصون على السفن إذا ضربت المدينة، أنه يقول في رسالته هذه إن ~~ضرب المدينة «إنما كان السبب فيه استمرار الأعمال التي كانت جارية بالطوابي، وتركيب ~~المدافع التي كلما كان يصير الاستفهام عنها كان يصير إخفاؤها وإنكارها». # وكانت دعوة عرابي إلى الإسكندرية خدعة للقبض عليه. أرسل كارتريت في 15 يوليه إلى ~~حكومته برقية جاء فيها: «أبرق عرابي باشا هذا الصباح من كفر الدوار إلى الخديو يقول إنه ~~سوف يسر سموه أن يعلم أن الرديف قادمون؛ ليعينوه في محاربة الإنجليز وأجاب الخديو ~~بدعوته إلى هنا. إذا حضر فسيقبض عليه وإذا رفض فسيعلن عصيانه وخروجه على ~~القانون». # ورد عرابي على توفيق يقول إن البلاد في حالة حرب مع إنجلترة، وأنه إذا جلا الإنجليز ~~عن الإسكندرية فإنه لا يتردد عن الحضور، وإلا فواجب الحكومة أن تأخذ الأهبة لصدهم عن ~~البلاد. # وفطن عرابي إلى أن توفيقا سوف يصدر قرارات ضده تذيع الانقسام في البلاد، فبادر هو ~~بإحباط ذلك قبل وقوعه، فأرسل إلى جميع المديريات ms44 والمحافظات يعلن للناس فيها انضمام ~~الخديو إلى الإنجليز، ويحذرهم من اتباع أوامره ويدعوهم إلى الاستعداد وجمع ما يلزم ~~للقتال، وكذلك أرسل يحذر من راغب قائلا: «إن ما يأتي من رئيس الوزراء من البرقيات بطلب ~~الكف عن الاستعداد، إنما هو مجبر عليه فلا طاعة له». # وأرسل رسالة خطيرة في 17 يوليو إلى يعقوب سامي باشا وكيل وزارة الجهادية بالقاهرة، ~~يعلن إليه فيها خيانة الخديو، وأنه سبب ما نزل بها من الكوارث ويدعوه إلى عقد جمعية من ~~الكبراء والعلماء للنظر في الأمر، وإصدار قرار بشأن الخديو وفيما يجب عمله لصالح الأمة ~~وتقرير مدى «صلاحية هذا الوالي عليها». # وقد اهتم الإنجليز بأنباء هذه الاتصالات وغاظهم أن يسبقهم عرابي إلى ما أرادوا أن ~~يحاربوه به، وأبرق كارتريت في 21 يوليو إلى حكومته يقص عليها ذلك، فجاءته برقية في نفس ~~اليوم هذا نصها: «بالنظر إلى لهجة عرابي باشا في بلاغاته التي ذكرتها لي في برقيتك ~~اليوم رأيت أن أوجهك بشدة إلى أن تؤثر على الخديو بضرورة إصدار بلاغات مضادة من جانبه ~~إلى الشعب المصري، وأن تخبر سموه بأن حكومة جلالة الملكة تعد العدة لإرسال قوة كبيرة ~~إلى البحر الأبيض المتوسط». # وقد جمع يعقوب سامي عند وصول برقية عرابي عددا من أنصاره وكان من المتحمسين لعرابي، ~~فاستقر رأيهم على دعوة مجلس من وكلاء الوزارات، وبعض كبار الضباط وكبار الموظفين، وقد ~~انعقد هذا المجلس وعرف باسم المجلس العرفي، وسيبقى يدير شؤون الحرب والإدارة طول مدة ~~القتال. # وقرر المجلس العرفي في نفس اليوم دعوة جمعية عمومية. وقد انعقدت هذه الجمعية في ~~المساء في وزارة الداخلية، وشهد هذا الاجتماع الخطير نحو أربعة مئة كان بينهم الأمراء ~~الموجودون بالقاهرة ورؤساء الأديان، وفي مقدمتهم الشيخ الإنبابي شيخ الإسلام، ثم كبار ~~العلماء وقاضي قضاة مصر ومفتي الديار المصرية والنواب، ووكلاء الوزارات والقضاة وكبار ~~الأعيان والتجار. # وقد اتخذت الجمعية بعد التشاور في الأمر قرارا خطيرا يدل على قوة روح الأمة، وعلى ~~أن نهضتها حقيقية. ومؤداه أن تعد الأمة العدة للقتال ما دامت سفن ms45 الإنجليز في الشواطئ ~~المصرية وجنودهم في الإسكندرية، كما قررت استدعاء الوزراء إلى القاهرة، وأوفدت لجنة من ~~أعضائها للسفر إلى الإسكندرية لإبلاغ الوزراء قرار الجمعية. # ولما بلغ توفيقا هذا القرار أصدر أمره بعزل عرابي من وزارة الجهادية، وعده وحده ~~مسئولا عما يحدث لإصراره على الاستعداد للحرب، ورفضه الحضور إلى الإسكندرية. # ولم يكتف توفيق بذلك بل إنه مع الأسف الشديد كان قد أرسل منذ يومين يستعدي الإنجليز ~~صراحة على بلاده. أبرق كارتريت في 19 يوليو إلى حكومته يقول: «أرسل الخديو في طلب سير ~~أوكلند كلڨن صباح اليوم، وطلب إليه أن يستحث حكومة جلالة الملك لتخطو خطوة جديدة بلا ~~إبطاء. ويقول سموه: إنه من ناحية يرى أن هذا العمل ضروري جدا وأنه يسر سموه إذا أحيط ~~علما بالخطوات التي ينظر فيها، وقد وصف سموه قوة عرابي باشا بأنها الآن بلغت من العظمة ~~حدا ينشر الرعب في عقول الوطنيين جميعا. ومن ناحية أخرى فإن هناك إشاعة مستفيضة بأن ~~إنجلترة سوف يحال بينها وبين خططها بسبب الخلاف بينها وبين الدول، وستكون عاقبة هذا أن ~~يصبح من الصعب على سموه أن يحتفظ بمن يشايعونه متحدين». # لم تحفل الأمة بأمر توفيق القاضي بعزل عرابي، بل لقد زادها ذلك استمساكا به ~~والتفافا حوله؛ لأن الناس باتوا لا يطيقون اسم توفيق، بينما كانوا يرون في عرابي ~~المدافع عن كيان البلاد، وأضاف الناس إلى ألقاب عرابي لقبا جديدا هو «حامي حمى الديار ~~المصرية»، وهذا ما خاطبته به الجمعية العامة. # وفي يوم 22 يوليو عقدت الجمعية جلسة أخرى، وكان اجتماعا قوميا أعظم وأشمل من ~~الاجتماع السابق. فقد كان أشبه بمؤتمر وطني عام شهده نحو خمسة مئة من كبار المصريين وفي ~~مقدمتهم الأمراء ورجال الدين، وقد انضم إلى الجمعية هذه المرة رؤساء العشائر من ~~الأقاليم، فكانت بذلك تمثل الأمة المصرية أصدق تمثيل. # وقد تليت في الاجتماع فتوى شرعية من بعض العلماء مؤادها أن الخديو بانحيازه إلى العدو ~~المحارب لبلاده يعد مارقا عن الدين. # ثم تداول المجتمعون في الموقف الحربي، وانتهوا إلى قرار ms46 بالغ الخطورة أجمعوا عليه، ~~وذلك هو عدم الاعتراف بعزل عرابي باشا من نظارة الجهادية والبحرية، ووجوب استمراره ~~للدفاع عن البلاد، وكذلك قرر المؤتمر عدم إطاعة أوامر الوزارة. # وهذان القراران في الواقع مضافا إليهما فتوى مروق الخديو من الدين هو بمثابة خلع ~~توفيق من منصبه بإرادة الأمة. وإن في تكوين هذا المؤتمر الوطني على هذه الصورة، وفيما ~~قرره لأبلغ رد على الذين يزعمون أن الثورة العرابية ما كانت إلا فتنة عسكرية لم تؤيدها ~~الأمة، وأي تأييد أعظم من أن تقول الأمة بجميع طوائفها قولها الفاصل في موقف من أعظم ~~مواقف الثورة، موقف الجهاد والذود عن كيان البلاد تحت راية زعيم الثورة أحمد ~~عرابي؟ # عين عرابي باشا محمود فهمي رئيسا لهيئة أركان حرب الجيش المصري، وكان من أكفأ رجال ~~الهندسة الحربية في مصر. تخرج في مدرسة المهندسخانة ونبغ في الفنون الهندسية، ثم عين ~~أستاذا لعلم بناء الاستحكامات في المدارس الحربية، وقد اشترك في حرب البلقان التي نشبت ~~بين تركيا وروسيا سنة 1876 واكتسب خبرة عملية. # وقد وضع هذا المهندس الكبير خطة حكيمة للدفاع عن مصر كانت كفيلة بأن تصد الإنجليز، ~~وتنقذ مصر من تدبيرهم وسوء مكرهم، لولا عوامل الدس والخيانة. # عين فهمي باشا خمسة مواقع رئيسية للدفاع، أولها في كفر الدوار، وثانيها في رشيد ~~وثالثها بين رشيد وبحيرة البرلس، ورابعها في دمياط، وخامسها في الصالحية والتل الكبير، ~~وكان الغرض من الموقع الأخير تحاشي هجوم الإنجليز من الناحية الشرقية لمصر. # وقد سد محمود باشا ترعة المحمودية بالقرب من كنج عثمان، ووضع المدافع على السد ~~لحمايته، كما أنه وضع في خطته سد ترعة الإسماعيلية لمنع المياه العذبة عن الإسماعيلية ~~والسويس وبورسعيد عند اللزوم، وسد قناة السويس نفسها لمنع اتخاذها قاعدة عسكرية ~~للإنجليز. # ومن الصحائف المشرفة لمصر حقا تبرع البلاد لهذه الحرب، فإنه قل أن تجد في تاريخ ~~الحروب حربا كهذه لم ينفق فيها قرش واحد من خزانة الدولة، بل قامت على ما بذل الشعب ~~المصري طائعا من أقواته وأمواله لجيشه الباسل. فلقد أخذ مستر ms47 كلڨن جميع الأموال من ~~الخزانة، ووضعها لدى الإنجليز في الإسكندرية. # محمود فهمي باشا رئيس هيئة أركان حرب الجيش المصري. # وكانت حماسة الأمة للتبرع عظيمة قال عرابي: «جادت الأمة على اختلاف مذاهبها ونحلها ~~بالمال والغلال، والدواب والفاكهة والخضروات، حتى حطب الحريق ... وذلك فضلا عما مدوا ~~به الجيش من الأقمشة والأربطة اللازمة لتضميد جراح العساكر، ومن الأهالي من تبرع بنصف ~~ما يملكه من الغلال والمواشي، ومنهم من خرج عن جميع مقتنياته، ومنهم من عرض أولاده ~~للدفاع عن الوطن لعدم قدرته على الدفاع بنفسه». # وقال الشيخ محمد عبده: «هل يقدر أحد أن يشك في كون جهادنا وطنيا صرفا بعد أن آزره ~~رجال من جميع الأجناس والأديان؟ وقد تبرع الأعيان والأمراء والعلماء حتى النساء بالخيل ~~والحبوب والنقود والميرة اللازمة للجيش، وأظهر المديرون والموظفون على اختلاف مراتبهم، ~~والكتبة، غيرة وحمية في جميع الميرة المطلوبة وحشد المتطوعة للجيش ولسائر الأشغال ~~العسكرية، وقد رأيت الناس من فلاحين وبدو ذاهبين إلى الحرب برضاهم واختيارهم متشوقين ~~لمقاتلة الإنجليز، وقد شمل هذا الحماس الأقباط وكان يشجعهم على ذلك رؤساؤهم». # وقال نينيه: «كانت ترد كل يوم إلى كفر الدوار إعانات الشعب من المال والقمح والشعير ~~والفول والسمن والخضر والفاكهة والخيل والماشية، وقد أبدى أعيان الوجهين البحري والقبلي ~~شهامة عظيمة في إمداد الجيش». # ومع هذه النخوة العظيمة من جانب الأمة درج بعض المؤرخين على أن يصفوا هذه الحركة ~~الوطنية المشرفة، بأنها كانت فتنة عسكرية طائشة جرت إلى احتلال مصر، وعذر هؤلاء ~~المؤرخين - إن صح هذا عذرا - أنهم كانوا يأخذون عن كتاب الإحتلال. # عبد الله نديم # وقد تجلت حماسة الأمة كذلك للثورة والجهاد فيما ألقاه نفر من أبنائها من الخطب، وما ~~كتبوه من المقالات وما نظموه من الشعر، وكلها ناطقة بأنها حركة صادقة قوية جديرة بكل ~~ثناء وإعجاب، ومن زعماء الخطباء والكتاب الشيخ محمد عبده وعبد الله نديم والشيخ خليل ~~الهجرسي. # في الميدان الغربي - كفر الدوار # كانت قيادة كفر الدوار لطلبة عصمت تحت إمرة عرابي. وكان عدد الجيش هناك نحو عشرة ~~آلاف، وكانت ms48 خطوط الدفاع في هذا الميدان ثلاثة، يبعد كل واحد عن الذي يليه بأربعة أو ~~خمسة آلاف متر، وكان بين كل خطين خندق عمقه خمسة عشر قدما، وبنيت على جميع المرتفعات ~~الصالحة قلاع وضع فيها نحو خمسين مدفعا، وقد عمل في بناء هذه الاستحكامات مع الجيش نحو ~~خمسة آلاف رجل من أهالي البحيرة والغربية والمنوفية. # وأقام عرابي خيمته عند كنج عثمان، وجعل هذا المكان المركز العام للقيادة وكانت هذه ~~الخيمة خيمة سعيد باشا نفسه، قدمتها أرملته هدية مشفوعة بأصدق أمانيها أن يؤيده الله ~~بنصره. # كان أول عمل من جانب المصريين هو سد ترعة المحمودية لمنع المياه العذبة عن ~~الإسكندرية، ولقد انزعج الإنجليز من هذا العمل وأخذتهم منه حيرة، وخافوا أن يهاجر ~~الوطنيون إلى داخل البلاد وأن يلجأ الأوروبيون للسفن؛ ليشربوا من ماء الأسطول وبقي ~~الحال على ذلك بقية شهر يوليو، وإنجلترة تعد العدة لحملتها على الرغم من مؤتمر الآستانة ~~وتعهداتها فيه. # وفي 5 أغسطس هجم الإنجليز قبل أن تأتي حملتهم، على كفر الدوار، فزحفوا من الرمل في ~~نحو ألفي مقاتل، حتى صاروا على مقربة من الخطوط المصرية فحمل المصريون عليهم حملة قوية، ~~اضطرتهم إلى التقهقر بعد ثلاث ساعات فعادوا إلى الإسكندرية. # وجدد الإنجليز هجومهم في اليوم التالي، واستمرت المعركة بينهم وبين المصريين ست ~~ساعات، ثم اختلط الجيشان وتقاتلا بالسلاح الأبيض، وارتد الإنجليز مهزومين إلى ~~الإسكندرية، وتبعهم المصريون حتى حجبهم الظلام عنهم. # وزخرت كفر الدوار بالوفود من المصريين يشدون أزر عرابي ويقدمون له تبرعاتهم، أما ~~توفيق فقد أصدر بلاغا عقب المعركتين يحذر فيه المصريين من مشايعة عرابي، ورماه فيه ~~بالثورة والعصيان، وتوعد كل من يشايعه بعقاب شديد. # وفي 13 أغسطس وصل إلى الإسكندرية سير جارنت ولسلي قائد الحملة الإنجليزية، وبدأت ~~إنجلترة تحقق حلمها الذي أخذ يساورها منذ رحل نابليون عن مصر، وكان عدد الحملة ~~الإنجليزية نحو أربعين ألفا من الفرسان والمشاة والمدفعية، وذلك عدا تسعة آلاف من ~~الهنود جاءوا عن طريق السويس. # وفي 19 أغسطس أذاع ولسلي بلاغا جاء فيه أنه «بأمر ms49 الحضرة الخديوية يعلن الجنرال قائد ~~الجيوش الإنجليزية، بأن مقاصد الدولة البريطانية ليست إلا لتأييد سلطة الخديو؛ ولردع ~~العصاة والقضاء على الفتن، ولا مقصد لإنجلترة في غزو أو فتح». # وهجم الإنجليز في نفس اليوم على كفر الدوار، وزحفوا هذه المرة بقوات كبيرة نقلتها ~~القطارات المسلحة من جهة القباري، وأعانتها قوات أخرى من جهة الرمل، والتحم الجيشان ~~ودارت معركة كبيرة، كاد يظهر فيها المصريون على الإنجليز، وارتد الإنجليز إلى ~~الإسكندرية وكانت خسائرهم كثيرة. # ثم أعاد الإنجليز الكرة أياما ثلاثة متوالية، كانت تنشب فيها المعارك حامية بينهم ~~وبين المصريين، والمصريون يردونهم كل يوم إلى الإسكندرية بعد دفاع قوي مجيد. # وهكذا كانت وقائع كفر الدوار أو الميدان الغربي سجلا مجيدا لحرب الثورة، وحسب ~~المصريين فخرا هذا الثبات الذي لم يكن يتوقعه الإنجليز من هؤلاء الذين سموهم ~~العصاة. # ورد توفيق على هذه الجهود الوطنية ببلاغ جعل عنوانه: «إلى جميع أهالي وسكان القطر ~~المصري»، وقد جاء فيه: «ليس خافيا ما أقدم عليه أحمد عرابي وشيعته الضالة من الأفعال ~~المغايرة، والتشبثات الفوضوية التي أخلت بنظام القطر وأضعفت الثقة به، ... ولما كانت ~~الدولة البريطانية الإنجليزية لها فيه المنافع الكبرى، ولا سيما بالنظر إلى ترعة السويس ~~التي هي طريقها الوحيد للخطة الهندية المهمة؛ فقد أخذت على عهدتها وتحت إمرتها التداخل ~~الفعلي لقمع هؤلاء المفسدين ومحو آثار الفتن ... وبما أن العساكر الإنجليزية يعدون في هذه ~~الحالة نائبين عنا في قطع دابر المفسدين وتطهير البلاد منهم؛ ومن كانت هذه صفتهم فإنهم ~~جديرون بالمعاونة والمساعدة». # وأصدر توفيق كذلك منشورا إلى ضباط الجيش وعساكره، يدعوهم فيه إلى طاعة ولسلي وأوامره ~~كما لو كانت صادرة منه «فمن يخضع له، فكأنه خضع لنا شخصيا ومن خالفه كان عاصيا لنا ~~ويعامل معاملة العصاة». # في الميدان الشرقي # لما أيقن الإنجليز بعد خمسة أسابيع من بدء هجومهم على كفر الدوار أن اختراق هذا ~~الموقف من الأمور العسيرة، صمموا على مهاجمة مصر من الجهة الشرقية، ولقد دارت في هذا ~~الميدان الشرقي معارك في مجال أوسع، وفي أعداد أكبر مما ms50 كان في الميدان الغربي، وفي ~~تاريخ هذه المعارك الشرقية صفحات مجيدة مشرفة يطرب لها كل مصري وصفحات مخجلة مظلمة، ~~يندى لها جبين كل وطني. # وقبل أن نذكر ما فعل المصريون في هذا الميدان، يجدر بنا أن نوضح مسألة طالما ساقها ~~المغرضون من المؤرخين والجاهلون مساق الحقائق المقررة، مع بعدها كل البعد عن الحق، وتلك ~~هي أن دي ليسبس خدع عرابيا فلم يردم قناة السويس، وبذلك سهل على الإنجليز ~~الدخول. # أما عن بعد هذه المسألة عن الحق، فيكفي في هذا المجال أن نقول: إن دي ليسبس لم يخادع ~~عرابيا قط، وإنه كان جادا في المحافظة على حيدة القناة، تجد أدلة ذلك فيما ~~يأتي: # في 4 أغسطس أبرق وزير الخارجية البريطانية إلى سفير إنجلترة في فرنسا يشكو من دي ~~ليسبس قائلا: «أرغب في أن تبسط للحكومة الفرنسية أن حكومة جلالة الملكة، وصل إلى علمها ~~أن المسيو دي ليسبس يعارض معارضة قوية في أعمال حكومة جلالة الملكة في مصر، وذلك ~~بتهديده بتعطيل قناة السويس، إذا أنزلت جنود بريطانية في أي مكان بالقناة أو على مقربة ~~منها». # ويقول الأستاذ الإمام محمد عبده: «وبعد واقعة مهمة في كفر الدوار جاء الخبر عقبها بأن ~~اثنين وثلاثين مركبا، توجهت إلى القناة فورد تلغراف من دي ليسبس يقول: لا تسرع في شيء ~~يمس القناة، لا يمر عسكري إنجليزي إلا ومعه فرنساوي، أنا مسئول عن كل ما يحصل. فأجيب ~~بأن هذا غير كاف وتقرر إرسال جيش، ثم أرسل الجواب ببطء، وقبل أن يتحرك عسكري إلى ناحية ~~القناة، كان الجيش الفرنساوي قد احتله؛ وذلك لتأخر الجيش 15 ساعة في مخابرة دي ليسبس»، ~~ويقول جون نينيه: «وقد وقع نزاع خطير في فرنسا حول الدفاع عن قناة السويس؛ وذلك لكي يبر ~~دي ليسبس بما وعده به عرابيا، فإنه تعهد لزعيم الثورة المصرية وقائد الجيش المصري بأن ~~تقاوم قوة حربية إلى جانبه إذا أنزلت إنجلترة جنودها في الإسماعيلية، أو اعتدت على حيدة ~~القناة الدولية ... ولم يكن دي ليسبس كاذبا، ولكن السياسة عرضته للكذب، ms51 فقد تقدم مسيو دي ~~فرسنيه إلى المجلس التشريعي بفتح اعتماد لإعداد الحملة الحربية للدفاع عن القناة، ولكنه ~~استقال في أول أغسطس سنة 1882». # أما رد عرابي على دي ليسبس فهو «لما كنت أحترم حيدة القناة احتراما كليا، وبخاصة ~~لاعتبار أنها عمل من الأعمال العظيمة؛ ولأن اسم سعادتكم سيقترن بها في التاريخ، فإنني ~~أتشرف بإخباركم أن الحكومة المصرية سوف لا تعتدي على هذه الحيدة إلا عند الضرورة ~~القصوى، وفي حالة ما إذا ارتكب الإنجليز بعض الأعمال العدائية في الإسماعيلية وبور سعيد ~~أو في أي جزء آخر من القناة». # وقد ذكرنا أن ردم القناة كان من الخطط التي وضعها محمود باشا فهمي للدفاع. فلم يكن في ~~المسألة إذن خداع وإنما هي مسألة وقت، ولم يتسع الوقت لهذا العمل الذي يحتاج إلى جهود ~~جبارة، وذلك أن الإنجليز ما كادوا يفرغون من ضرب الإسكندرية حتى اتجهوا إلى حماية ~~القناة، وكان على عرابي أن ينشئ خطوط كفر الدوار؛ ليصد الإنجليز الذين دخلوا الإسكندرية ~~فعلا، فإذا ذكرنا أنهم فرغوا من ضرب الإسكندرية في 12 يوليه، وأنهم سيطروا على مدخل ~~القناة قبل نهاية الشهر وأخلوا السويس في 2 يوليه، إذا ذكرنا ذلك أدركنا مقدار ما كان ~~يواجهه عرابي ورجاله من صعوبة إذا هم أقدموا على عمل جبار كردم قناة السويس، ويجب أن ~~نذكر كذلك أنه ما دام أن عرابي كان وزيرا في وزارة يملك الخديو إسقاطها في أي وقت، وما ~~دام أن الخديو كان في صف الإنجليز، فلم يكن ليستطيع عرابي أن يبادر بهذا العمل، وقد ~~رأينا موقف الإنجليز في أقصوصة تحصين شواطئ الإسكندرية. # أهم المعارك في الميدانين الغربي والشرقي. # الحرب في الميدان الشرقي # استعان الإنجليز والخديو في هذا الميدان بالرشوة، فاشتروا ذمم بعض رؤساء البدو، وبعض ~~الضباط المصريين مع عظيم الأسف. وكان من أعوان الإنجليز وتوفيق في الاستعانة بالرشوة ~~إنجليزيان هما پالمر وچل، ومصري هو سلطان باشا. أما پالمر فكانت منطقة عمله شرقي ~~القناة، وكان من قبل أستاذ اللغات الشرقية في جامعة كمبردچ، وكان له إلمام بهذه ms52 ~~المنطقة؛ لأنه كان عضوا في جمعية كشف فلسطين، وقد اتصل بالبدو من قبيلتي الطياحة ~~والطرابين قبل مجيء الحملة إلى السويس، وقد أقبلوا عليه إذ كان يسمعهم الشعر العربي، ~~وقد شهد احتلال السويس، ثم خرج ثانية إلى الصحراء ليستعين بالبدو على التجسس، ولكنه لم ~~يلبث أن قتل طمعا فيما كان معه من المال. # وأما چل فكان نشاطه غربي القناة وقد اتصل باثنين من أكبر مشايخ البدو وهما سعود ~~الطحاوي في الصالحية، ومحمد البقلي في وادي الطميلات، وسوف يكون لتجسس الطحاوي أثر كبير ~~في هزيمة المصريين كما سنرى. # وأما سلطان فقد كان يرافق الجيش الإنجليزي نائبا عن توفيق، فقد أصدر الخديو أمره ~~بتعيينه نائبا عنه؛ لمرافقة الجنرال ولسلي في زحفه على العاصمة. # قال الشيخ محمد عبده في مذكراته: «مركز الدسائس والمخابرات كان في الإسكندرية، اجتمع ~~فيه كثير من الإنجليز من موظفي الحكومة المصرية ومن المقيمين بمصر، وكان روح الجميع ~~سلطان باشا ... أخذ في توزيع النقود باسم الخديو، واختار لبث الأفكار الحاوي الطحاوي أحد ~~ثقاة عرابي». # أما من اشتراهم سلطان بالمال، فمن أشهرهم غير سعيد الطحاوي علي يوسف الشهير بخنفس، ~~قائد قلب الجيش المصري، وعبد الرحمن حسن قائد فرقة الاستطلاع السواري، وراغب ناشد ~~قائمقام في المقدمة، ولسوف يكافأ سلطان الذي كان من قبل أحد زعماء الوطنيين، بعد انتهاء ~~الحرب، بلقب السير من الإنجليز وبعشرة آلاف جنيه من الخديو». # في 20 أغسطس اقتحمت السفن الإنجليزية قناة السويس، وهم الجيش المصري بتعطيل الملاحة ~~في القناة، ولكن قوارب الإنجليز كانت تصلي العمال نيران مدافعها فيولون مبتعدين. ولم ~~يتسن للمصريين إلا سد الترعة العذبة، فمنعوا الماء عن السويس والإسماعيلية. # وبلغ ولسلي الإسماعيلية في 21 أغسطس. وبدأ يعد العدة للزحف على الصحراء وفي نفس اليوم ~~وصلت القوات الهندية إلى السويس؛ وفي الثالث والعشرين من أغسطس التحم الإنجليز ~~والمصريون في نفيشة، وبعد قتال شديد ارتد المصريون عن نفيشة، وكانت تبعد نحو ثلاثة مئة ~~كيلو مترات عن الإسماعيلية فاحتلها الإنجليز، وفي اليوم التالي استولى الإنجليز على ~~موضع سد الترعة وكان ms53 يسمى المجفر. # ودارت معركة عنيفة بين الجيشين في المسخوطة بعد يومين، وقد أبلى الفريق راشد باشا ~~حسني قائد المعركة بلاء حسنا، ولكن تكاثر الإنجليز اضطره إلى الانسحاب، وقد منى ~~الدفاع الوطني بخسارة كبرى في هذه الموقعة إذ أسر محمود باشا فهمي رئيس أركان حرب ~~الجيش. وفي نفس اليوم استولى الإنجليز على المحسمة، وكانت خسائر المصريين فيها سبعة ~~مدافع وكمية كبيرة من البنادق وقطارا محملا بالذخيرة. # ودخل الإنجليز القصاصين، بعد مناوشة صغيرة، فأصبحوا على خمسة عشرة كيلو مترا من التل ~~الكبير . وحضر عرابي إلى الميدان الشرقي فاتخذ المصريون خطة الهجوم. # وفي الثامن والعشرين من أغسطس تهيأ الجيش المصري للهجوم بقيادة راشد باشا حسني، بعد ~~أن وضعت خطة محكمة، وكان عدد المصريين ثلاثة عشر ألفا من الجنود النظامية. # وهجم المصريون على مواقع الإنجليز، ودار قتال شديد جدا وتحمس المصريون، وقد تذكروا ~~المبادئ التي يحاربون من أجلها عدوهم المغتصب، واستطاعوا أن يجلوا الإنجليز عن مواقعهم ~~الأمامية فاستولوا عليها. واستعاد الإنجليز قوتهم وهجم فرسانهم بقيادة الجنرال لو وبعد ~~تلاحم شديد استردوا مواقعهم من المصريين، وقد هبط الليل والحرب سجال بين ~~الجانبين. # الفريق راشد باشا حسني (بطل القصاصين). # وتوقف الإنجليز بعد هذه المعركة أياما وهم الذين كانوا يوالون الزحف؛ وما ذلك إلا ~~لأن دسائس سلطان وأقرانه لم تكن قد أفرخت بعد، فخشى الإنجليز التقدم حتى يستوثقوا من ~~نجاح هذا السلاح الدنيء. # وفي اليوم التاسع من سبتمبر عاد المصريون إلى الهجوم، وكانت خطة المعركة في جوهرها هي ~~خطة المعركة الأولى، وكان مقررا أن يهجم البارودي من الصالحية على ميسرة العدو عند ~~الفجر فيباغته، ويشيع في صفوفه الارتباك. # ولكن ما جدوى إحكام الخطة مع الخيانة في أشنع صورها؟ لقد أرسلت خطة الجيش المصري إلى ~~الإنجليز قبل المعركة! يقول في ذلك الشيخ محمد عبده: «في واقعة القصاصين كان الرسم كما ~~ينبغي، وكانت العساكر المصرية يجب أن تزحف في الساعة الثانية بعد منتصف الليل على الجيش ~~الإنجليزي، وما راع القواد المصريين إلا وجود الفرق الإنجليزية زاحفة، وآخذة جميع الطرق ms54 ~~في الساعة واحدة ... وكانت الخيانة وصلت والنقود قد وصلت إلى قلب الجيش، وإلى كثير من ~~الضباط بسعي سلطان باشا ومراسلة العربان». # بدأ راشد باشا حسني الهجوم في الثلث الأخير من الليل، والتحم الجيشان والعدو على علم ~~فلم يباغت. وأسفر الصبح والمعركة حامية بين الجيشين، وتكافأ الفريقان على الرغم من تفوق ~~الإنجليز في العدد، وتلفت قواد المصريين يتوقعون دخول البارودي الميدان، ولكنه لم يأت ~~في موعده، فقد كان الإنجليز على علم بمقدمه فرصدوا له قوة من المدفعيات حالت بينه وبين ~~الوصول إلى موضعه من المعركة. ومما يذكر مع الأسف أن رجال سعيد الطحاوي هم الذين أضلوه ~~عن وجهته في الصحراء فتأخر وصوله. # وارتفع النهار ونار الحرب مستعرة بين الجانبين، وقد أثبت كل من البطلين علي باشا فهمي ~~وراشد باشا حسني بطولة فذة ومن حولهم الجيش المصري لا يتزحزح عن موضعه. وظل القتال على ~~أشده حتى استطاع المصريون أن يوقعوا خسائر جمة بصفوف الإنجليز، ثم زحزحوهم عن مواقعهم، ~~وكادوا يكسبون المعركة. ولكن ما كاد يلوح النصر في جانبهم حتى منوا بمصيبة أعظم من أسر ~~محمود فهمي. وذلك أن كلا من بطلي المعركة راشد حسني وعلي فهمي قد أصيب برصاصة أخرجته ~~من الميدان، وبخروجهما ضعف هجوم المصريين، وانقضى اليوم ولم يظفر بالنصر الحاسم أحد ~~الجانبين. # وفي هذه المعركة، معركة القصاصين الثانية، أبلغ رد على الذين يقولون: إن المصريين لم ~~يحاربوا، فما هو أن رأوا الإنجليز حتى فروا. وإن وقفة المصريين على هذه الصورة مع قلة ~~عددهم بالنسبة للإنجليز، إذ كان هؤلاء يقربون فيها من ضعف عددهم، لتجعلنا نعتقد أنه ~~لولا الخيانة لأحاط المصريون بجيش ولسلي فهزموه في صحرائهم، وهم القادرون على شمسها ~~وحرها، ولولد في هذا المكان عصر جديد في تاريخ مصر ولازدانت ميادين عواصمنا بتماثيل ~~عرابي. # مهد الإنجليز بعد ذلك للزحف على التل الكبير بما أعدوه من الرشوة، وبسلاح آخر كان أشد ~~فتكا ألا هو قرار من السلطان يعلن فيه عصيان عرابي. # كانت إنجلترة تضغط من زمن على السلطان ليعلن عصيان عرابي، ms55 فقد كان الجيش والوطنيون ~~يعدون توفيقا من الخونة لخروجه على خليفة المسلمين، وكانوا يرون عرابيا مدافعا عن ~~الخليفة ضد إنجلترة المعتدية. وما زالت إنجلترة بالسلطان عبد الحميد الذي أنعم على ~~عرابي بالأمس بالوسام المجيدي الأكبر حتى حملته على أن يطعنه طعنة قاتلة بذلك القرار، ~~وقد نشر بجريدة الجوائب التركية في 6 سبتمبر. واستحضر الإنجليز آلاف النسخ من هذه ~~الجريدة، وأخذ أعوان سلطان يوزعونها سرا في صفوف الجيش. ولسنا نغالي إذا قلنا: إن هذا ~~القرار وحده قد فعل بعرابي وجيشه أكثر مما فعله الجيش الإنجليزي! فقد أخذت تضعف الروح ~~المعنوية ضعفا شديدا، ومما جاء فيه قول الخليفة: «إن الدولة العلية السلطانية تعلن أن ~~وكيلها بمصر هو حضرة فخامتلو دولتلو محمد توفيق باشا، وأن أعمال عرابي باشا كانت مخالفة ~~لإرادة الدولة العلية ... وأن تصرف الدولة العلية السلطانية إلى عرابي باشا ورفقائه ~~وأعوانه يكون بصفة أنهم عصاة، ويتعين على سكان الأقطار المصرية حالة كونهم رعية مولانا ~~وسيدنا الخليفة الأعظم، أن يطيعوا أوامر الخديو المعظم الذي هو في مصر وكيل ~~الخليفة». # كان مركز الجيش المصري على هضبة وراء خنادق الدفاع الأمامية، وهي خنادق ضعيفة أنشأها ~~محمود فهمي على عجل، وقد أقيمت خيمة عرابي على بعد أربعة كيلو مترات من الخطوط ~~الأمامية. # وكان لا يزيد جيش عرابي على اثني عشر ألفا من الجنود النظامية، وقد استدعى عرابي ~~للقيادة علي باشا الروبي من دمياط فحضر قبل المعركة بيوم واحد، فلم يكن يعرف حقيقة ~~الحال في الميدان؛ وكانت مدفعية الجيش تتألف من نحو سبعين مدفعا، أما الجيش الذي زحف ~~به ولسلي فكان يتألف من ثلاثة عشر ألفا، وكان معه نحو ستين مدفعا. # وكان سعيد الطحاوي يلقي في روع عرابي أن الإنجليز لم يعدو العدة للزحف بعد، ثم يذهب ~~إلى المعسكر الإنجليزي فيطلع ولسلي على كل ما يهمه معرفته، ويبسط يده لذهب الإنجليز ولا ~~ينسى نصيبه من سلطان. # وفي اليوم الثاني عشر من سبتمبر أرسل علي يوسف خنفس من المقدمة إلى عرابي يقول: إن ~~الإنجليز لن يتحركوا اليوم ms56 فركن الجيش إلى الراحة بأمر قواده ... # الخيانة كما رمزت إليها صحيفة فرنسية. # وفي مساء ذلك اليوم زحف ولسلي واختار الليل ليتقي حر النهار، وليكون الليل ستارا له ~~في خطته القائمة على المباغتة، والتي هيأ نجاحها سعيد الطحاوي وعلي خنفس وتحرك الإنجليز ~~في سكون، وقد شدد ولسلي التحذير وأمر بألا يرتفع صوت أو توقد نار إلا نار المعسكر ~~الإنجليزي التي تركوها وراءهم؛ إيهاما للجيش المصري بأنهم لا يتحركون. # وتقدم جيش ولسلي مطمئنا لا يتهيب طلائع الجيش المصري، وفيم التهيب؟ لقد كان في ~~مقدمة الطلائع عبد الرحمن حسن الذي اشتراه سلطان، وكان خنفس وراءه. # وكان عبد الرحمن يحرس الطريق الآتي إلى الصحراء من الشرق، فاتجه بفرقته إلى الشمال. ~~وترك الجيش الإنجليزي يمر في أمن! ولن نجد في تاريخ الحروب أشنع من هذه الخيانة إلا ~~خيانة خنفس الذي لم يكتف بأن ترك جيش العدو يمر، بل وضع له المصابيح على المسالك ~~ليخترقها في يسر! وقد كان خنفس هو الذي أرسل خطة معركة القصاصين إلى الإنجليز. # وكان هجوم الإنجليز على نصف دائرة فأحاطوا بميمنة المصريين وميسرتهم، وتقدمت فرقة من ~~المدفعية حتى صارت وراء خطوطهم، وفتكت بنادي الإنجليز ومدافعهم بالمصريين فتكا ذريعا، ~~ولم تكن هذه معركة في الواقع فهي أشبه بأعمال القراصنة في الصحراء، ولقد فر أكثر الجنود ~~مذعورين. # ولكن الميدان في هذه المحنة وفي هذه المباغتة التي تطيش فيها عقول الرجال، لم يخل من ~~نفر من المصريين حفظوا شرف قومهم من الانهيار، فأثبتوا في مستنقع الموت أرجلهم، والهول ~~محيط بهم، والموت يأتيهم من كل مكان، وهؤلاء البواسل هم الشهيد البطل محمد عبيد ثم أحمد ~~بك فرج وعبد القادر بك عبد الصمد وحسن أفندي رضوان، وإن جلال عملهم ليمحوا من النفوس ~~شيئا مما تركته فيها خيانة خنفس، ومن حذا حذوه، من الخزي والألم. # البطل المصري الشهيد محمد عبيد # وقف هؤلاء الأربعة بفرقهم مستبسلين وكان مجموعها لا يزيد عن ثلاثة آلاف، وكان أكثرهم ~~بسالة وإقداما محمد عبيد بطل الهجوم على قصر النيل، فقد وقف للإنجليز برجاله ms57 ~~السودانيين وأوقف زحفهم وقاتلهم قتالا شديدا فني فيه معظم رجاله، فتقدم واستقبل الموت ~~راضيا مرضيا، وذهب شهيد وفائه وبطولته. ويلي محمد عبيد في البسالة حسن رضوان قومندان ~~الطوبجية الذي أصلى الإنجليز نارا حامية بمدافعه، وأوقع بهم على تفوقهم خسائر جسيمة ~~حتى سقط جريحا في الميدان. ولما حمل أسيرا إلى ولسلي، وأقبل يقدم له سيفه لم يشأ ~~ولسلي أن يأخذه منه احتراما له وأثنى على بسالته. # حسن رضوان من أبطال معركة التل الكبير. # وبلغ قتلى المصريين نحو ألفين، أما الجرحى فلم يحص عددهم لفرارهم، وأما الإنجليز، فقد ~~قتل منهم سبعة وخمسون منهم تسعة ضباط، وجرح أربعة مئة منهم سبعة وعشرون من الضباط، وقد ~~غنم الإنجليز مدافع الجيش المصري ومهماته وذخائره. # وفي هذه الأثناء اتجه عرابي نحو الميدان، وكان يوجد نحو ألفين من الرجال على مقربة من ~~خيمته فدعاهم ليذهبوا معه، ولكن كان أكثرهم من الاحتياطي فولوا الأدبار خائفين، وعبثا ~~حاول عرابي أن يوقف فرار الفارين من المعركة، واقترب الإنجليز حتى صاروا على نحو ستة ~~مئة متر من خيمته، وأطلقوا عليها قذيفة أطارتها في الهواء. وألح عليه خادمه محمد سيد ~~أحمد أن ينجو بنفسه إذ لا فائدة من القتال، ولوى عنان فرسه بالقوة، ويذكر جون نينيه في ~~كتابه أن الذي حمل عرابيا على طلب النجاة هو طبيبه قال: «وكنت بجانب عرابي وبيدي ~~بندقية، ولما أوشك الإنجليز أن يطبقوا على عرابي رجوته في الثبات فاستعد للموت ~~والاستشهاد، ولكن طبيبه الدكتور مصطفى بك نصح له بالفرار على صهوة جواده». # وفر عرابي لا لينجو بنفسه؛ ولكن كي يدافع عن القاهرة كما سنبينه، وما أشبه فراره هذا ~~بفرار نابليون من ميدان وترو ليدافع عن باريس. # وقبل أن نذكر ما فعل عرابي للدفاع عن القاهرة، نرى ألا بد من الكلام عن مسألة يوردها ~~دائما مؤرخو الاحتلال ساخرين بها من عرابي، كما سخروا من دعوى انخداعه بأقوال دي ~~ليسبس، ألا وهي أنه سهر طول ليلة المعركة في حلقة ذكر مع جيشه! وفي قراءة الأدعية مع ~~رجال الطرق الصوفية، ms58 فلم ينم العساكر وبذلك لم يستيطعوا الحرب في الصباح! # ألا ليت هؤلاء صدقوا! إذن لما استطاع العدو أن يباغت المصريين وهم نيام. وإذا صح أن ~~عرابيا قد استدعى عددا من رجال الطرق الصوفية، فأرسلهم إلى الفرق في مراكزها يثيرون ~~حماستهم في الله والوطن، وهذا ما حدث فعلا، فما وجه العيب في ذلك؟ # وأي فرق بين أن ينشد رجال الدين بين الفرق أناشيدهم الدينية يقصدون بها إثارة ~~حماستهم، وبين الأناشيد التي يهتف بها الجند في الجيوش الحديثة جمعاء؟ وما الغرض من ~~الموسيقى الحربية والخطب والنشرات؟ أليست كلها وسائل تبعث الروح الوطنية في الجند، وتهز ~~عواطفهم النبيلة للفداء والنضال؟ وإذا لجأ عرابي إلى الوسائل كانت التي تتفق مع البيئة، ~~ومع العصر وهي لا تخرج في جوهرها، وفي الغرض منها عن وسائل الجيوش الحديثة، فلماذا يعد ~~ذلك مما يسخر به منه، ولا يعد من أدلة انتباهه إلى كل ما عسى أن يكسبه النصر؟ # ومن أحسن ما يذكر في هذا الصدد أن هذه الحملة الإنجليزية بالذات قد أقيمت لها الصلوات ~~عند خروجها من إنجلترة، وباركها كبير الأساقفة مع عدد من رجال الدين، وقد أورد ذلك ~~هوبرت سبنسر في كتابه «أصول علم الاجتماع»، ومن أجمل ما علق به على ذلك قوله: إن «هذه ~~الحملة كانت موجهة إلى قوم يحاربون في سبيل الحرية والاستقلال». # وما قصد المؤرخون المغرضون بهذه القصة، إلا أن يقللوا من شأن الخيانة في هزيمة عرابي ~~أو يصرفوا عنها الأنظار. وما أودى بعرابي إلا الخيانة، وهي من مخازي الإنجليز، ولقد ~~كانت مثلها كفيلة بأن تودي بأي قائد غيره في مكانه. # عرابي يحاول الدفاع عن القاهرة # بلغ عرابي القاهرة قبل الظهر في قطار كان قد صادفه عند بلدة إنشاص، وذهب إلى مقر ~~المجلس العرفي فتلقاه الأعضاء واجمين وكان الأسف باديا على محياه. وانضم إلى المجلس ~~بعض الأمراء والكبراء، وتشاوروا في الأمر: أيسلمون القاهرة إلى الإنجليز أم يدافعون ~~عنها؟ # وأخذ عرابي يستحثهم على الدفاع ذاكرا لهم أنه من الوجهة الحربية لا يزال الأمل ~~قويا، فهناك ms59 حامية القاهرة في القلعة بمدفعيتها، وهناك حامية دمياط بقيادة عبد العال، ~~وفي إمكانها التحرك أثناء الدفاع عن القاهرة؛ وكذلك يمكن أن يأتي المدد من كفر الدوار، ~~وبالثبات والصبر يمكن معالجة الأمر. # وثار في وجه عرابي بعض الأعضاء، ولكن أغلبية المجلس وافقته على وجوب الدفاع. وأخذ شبح ~~اليأس يبتعد عنه، ونهض من فوره ليعد العدة للدفاع، وكان قد ترك في بلبيس عددا من ~~البرقيات في مكتب التلغراف يستنهض بها البلاد لترسل المدد لمقاومة زحف الإنجليز. ومضى ~~عرابي إلى العباسية، ومعه محمد باشا المرعشلي باشمهندس الاستحكامات لإنشاء خط للدفاع عن ~~القاهرة. # بعد ذلك أرسل عرابي يطلب الحامية؛ وهنا أدرك للمرة الثانية ما فعلته الخيانة، وما ~~فعله قرار السلطان بإعلان عصيانه، فقد انحلت العزائم وهرب الرجال، وعاد اليأس فأحاط ~~بعرابي ووقف وحده لا يجد من يمد المعونة إليه، والإنجليز يزحفون على القاهرة في غير ~~إبطاء. # الإنجليز يدخلون القاهرة # بلغ الإنجليز العباسية في 15 سبتمبر، ومنها ساروا إلى القلعة وكان بها أربعة آلاف ~~جندي فسلم لهم خنفس مفاتيحها، ثم احتل الإنجليز معسكر قصر النيل. وهكذا صح حلمهم الذي ~~ظل يساورهم منذ عهد محمد علي، وقد نزل ولسلي وكان معه سلطان نائبا عن الخديو، في قصر ~~عابدين، وقد أعد له بأمر من توفيق. # صورة تاريخية نادرة لعرابي في معتقله بعد سقوط القاهرة. # وأرسل الجنرال لو قائد خيالة الإنجليز إلى حكمدار القاهرة يقول: إنه يريد مقابلة ~~عرابي وطلبة عصمت بالعباسية، فتوجه عرابي وصاحبه إلى العباسية، وتلقاهم لو فسأل ~~عرابيا: هل يقبلون أن يكونوا أسرى حرب لجلالة الملكة؟ فقال عرابي: «لو أن عندنا من ~~القوى الحربية ما يمكننا به إطالة زمن القتال والمدافعة عن البلاد لما قبلنا ذلك»، ثم ~~رضي بالأسر حقنا للدماء. # وعصف الغضب برؤوس بعض المدنيين من سكان القاهرة، ولم تكن الرشوة قد فعلت بهم ما فعلته ~~بالجيش، فتجمعوا من باب الشعرية والحسينية وتهيأوا للثورة، وكادت القاهرة ترى ما رأته ~~أيام نابليون وكليبر. ولكن محافظ المدينة بذل أقصى جهده للقضاء على الفتنة في مهدها ~~مبينا ms60 للثائرين أن عملهم لا يجدي نفعا، وليس وراءه إلا سفك الدماء. # توفيق يدخل العاصمة # انتظر توفيق بضعة أيام حتى تم تسليم المعاقل؛ كي يدخل القاهرة دخول الظافر. وفي اليوم ~~الخامس والعشرين من سبتمبر، سافر الخديو إلى القاهرة وفي معيته كبير وزرائه شريف باشا. ~~وحيا توفيقا في محطة العاصمة ولسلي قائد جيش الاحتلال، ودوق كنوت نجل ملكة الإنجليز ~~وكان في الحملة، وإدوارد مالت ومحمد سلطان باشا، وكبار العلماء والأعيان. # وجلس عن يسار الخديو في مركبته دوق كنوت وجلس أمامه ولسلي ومالت، وأحاطت بالمركبة ~~كوكبة من الفرسان الإنجليز، واصطف على جانبي الطريق إلى سراي الإسماعيلية نحو خمسة آلاف ~~جندي بريطاني؛ ليمر من بينهم خديو مصر القادم إلى مقر حكمه. # وفي 30 سبتمبر اصطف الجيش الإنجليزي في ميدان عابدين في المكان نفسه، الذي وقف فيه ~~عرابي قبل ذلك بنحو سنة وقفته المشهودة، ومعه الجيش المصري يسمع الخديو مطالب ~~الأمة. # وكان الخديو في المقصورة التي أعدت له يرتدي ملابسه الرسمية، وكان الجنرال ولسلي ودوق ~~كنوت على ظهر جواديهما إلى جانب مقصورة الخديو، وسارت فرق الجيش الإنجليزي أمامه حتى ~~انتهى عرضها. # وقد جاء في عدد الوقائع الصادر في أول أكتوبر أنه قد «انشرحت صدور الحاضرين، وأعجب ~~الجناب الخديو المعظم بما رآه من مهارة رؤسائهم وضباطهم وحسن انتظام العساكر وكمال ~~نظامهم، وشكر الكل لهم ما قاموا به من إخماد فتنة العصاة وإطفاء ثورتهم». # وفي ليلة الثلاثاء 3 أكتوبر أقام الخديو مأدبة كبرى، وحفلة سمر باهرة في سراي الجيزة ~~تكريما للقواد والضباط الإنجليز، وكان في مقدمة من شهدها سيمور وولسلي ودوق كنوت، ~~ومالت، ولو. وفي هذه الحفلة الكبرى أنعم الخديو على ستين من هؤلاء الإنجليز بالأوسمة ~~المختلفة. # الانتقام من زعماء الثورة # بدأ الخديو بإلغاء الجيش المصري جملة؛ بحجة أنه انضم إلى العصاة، وكان هذا توطئة ~~لمحاكمة قواده وضباطه إلا من انحاز أثناء الحرب إلى الخديو. # وكان سلطان باشا يأمر بالقبض على من يشاء وإلقائه في السجن، وقد اعتقل كبار رجال ~~الجيش وجميع زعماء الثورة من المدنيين، إلا ms61 عبد الله نديم فقد اختفى زمنا ولم يعرف له ~~مقر، وعدد كبير من العلماء والأعيان والموظفين والعمد ومشايخ البلاد، حتى لقد بلغ عدد ~~المقبوض عليهم ثلاثين ألفا. # وصدر أمر من الخديو بتأليف محكمة عسكرية، تقدم إليها لجنة ألفت للتحقيق مع من ترى ~~تقديمه من المتهمين، وكان رئيس المحكمة محمد رؤوف باشا من أنصار الخديو، وكان الأعضاء ~~إلا واحدا من أصل شركسي ومن الناقمين على عرابي. # وسجن عرابي مع زعماء الثورة في بناء الدائرة السنية وقد جعل معتقلا عاما، وكان ~~توفيق يتطلع إلى اليوم الذي يساق فيه عرابي وأصحابه إلى المشنقة ولم يكن رياض باشا وزير ~~الداخلية أقل تطلعا إلى ذلك اليوم من توفيق. # ومن أسوأ ما يذكر أن توفيقا كان يرسل بعض خدمه إلى عرابي في السجن فيسبونه ويهددونه. ~~وقد وضع عرابي في حجرة صغيرة مرتفعة السقف، حالكة الظلمة وبخاصة بالليل حيث لم يكن يسمح ~~للسجناء بمصابيح، وكانت الحجرة خالية من الكراسي، وليس بها إلا بساط وحشية وملحفة ~~ووسادتين وبعض الآنية من الخزف والنحاس. # وكان المقرر أن يعدم عرابي، وأن تترك الحكومة الإنجليزية ذلك إلى توفيق، ولكن صديقه ~~مستر بلنت أثار حملة صحفية على جلادستون ووزارته في إنجلترة، حتى اضطر إلى السماح ~~لعرابي بأن يتولى الدفاع عنه محام إنجليزي هو مستر برودلي وقد استأجره بلنت. # وكانت المحاكمة مهزلة من المهازل، فقد وضع لورد دوفرين، وكان قد حضر إلى مصر عقب ~~الاحتلال، الخطة الآتية: تستبعد جميع التهم عن عرابي ما عدا تهمة عصيان أمر الخديو حين ~~دعاه إلى الحضور إلى الإسكندرية، ويقدم إلى المحكمة فيعترف بالتهمة، وتصدر المحكمة ~~حكمها عليه بالموت؛ ولكن مرسوما خديويا بتعديل الحكم يتلى في قاعة الجلسة، ويقضي ~~بنفيه من مصر ومصادرة أملاكه. # وذهب محاميه إليه في السجن ومعه ترجمانه، وأطلعه على ذلك فبدت عليه الدهشة ثم قال: ~~«أعترف بصراحة أني كنت أفضل المحاكمة لأسمع أوروبا كلها قضيتي، وألقي من اتهموني وجها ~~لوجه في ساحة المحكمة»، وذكر له مستر برودلي ما يكون من الخطر عليه من محكمة كهذه ms62 ~~المحكمة، وقال عرابي: «كيف أقول: إني عاص؟ ألم أفعل ما أمر به السلطان والخديو؟ وإذا ~~كان الخديو قد انحاز إلى الإنجليز، فهل أسمى أنا عاصيا؛ لأني أطعت إرادة الأمة ~~المصرية؟» وحار برودلي لحظة ماذا يقول ثم أجاب بقوله: «إن الحكومة الإنجليزية لا يمكنها ~~أن تتراجع عما أعلنته؛ ولذلك قضت الضرورة بهذا الحل»، ثم تساءل عرابي: «إذا قبلت ما ~~تتحدث عنه من شروط فماذا عسى أن يكون مصير إخواني؟» وأخبره محاميه أنهم سيعاملون مثل ~~معاملته، وخرج عرابي من المأزق بأن قال لمحاميه: «سأكتب لك كتابا يتيح لك من السلطة ما ~~توافق به على ما تراه عادلا مشرفا من الشروط، ولكني أرجو منك أن تكون شهيدا على أني ~~أفعل ذلك ابتغاء انقاذ إخواني أكثر مما أفعله من أجل شخصي». # برودلي المحامي الإنجليزي يخبر عرابيا في سجنه أنه نفي إلى ~~سرنديب. # ومثلت هذه المهزلة الهازلة في المحكمة، ولم يتكلم عرابي حين وجه إليه الاتهام وإنما ~~أحال الأمر على محاميه، وقد عومل معاملة عرابي كل من محمود سامي وعبد العال حلمي وطلبة ~~عصمت وعلي فهمي ومحمود فهمي ويعقوب سامي، ونفوا جميعا إلى جزيرة سرنديب، # 1 # وبذلك أسدل الستار على الثورة العرابية. # آراء بعض المنصفين في هذه الثورة وزعيمها # يجدر بنا أن نعرض ما يتسع له هذا المجال من آراء المنصفين في هذه الثورة التي ظلمها ~~المغرضون من المؤرخين، ومن هؤلاء سير ماكنزي ولاس الذي رافق لورد دوفرين إلى مصر قال ~~«في كتابه مصر والمسألة المصرية»: «لم يظهر من عهد محمد علي أو من قبل ذلك بزمن بعيد ~~رجل في مصر كان له من السيطرة مثل ما كان لعرابي، فإنه لم يقتصر أمره على أن الجيش ~~والشرطة كانا رهن إشارته، بحيث يستطيع أن يأخذ بالإرهاب كيف يشاء، بل كان يتمتع كذلك ~~بعطف كل الطبقات في مصر تقريبا. ولم يحصل عرابي على نفوذه أو يحافظ عليه بالإرهاب؛ ~~لأنه عند بدء حركته لم يكن لديه أية قوة يضر بها أحدا. ولم يعلم عنه أنه في أثناء ~~قوته ms63 ذبح شخصا أو شنقه أو رماه بالرصاص. ولو أنه خاض معركة انتخابية خالية من وسائل ~~الغش، وكان خصمه فيها توفيق لفاز عليه بأغلبية هائلة من أصوات الناخبين ~~الأحرار». # وقال في موضع آخر: «إذا كنا لم نرد أن نقيم نظاما دائما في مصر فلماذا ذهبنا إلى ~~هناك؟ وإذا كنا لم نرد إقامة حكومة صالحة حقا، فلماذا قضينا على الحزب القومي الذي ~~كان لديه فرصة لإقامة نظام من أي نوع آخر، كان خيرا مما يصنع الخديو الذي أعدناه إلى ~~سلطته؟» # وكتب لورد شالرز برسفورد الذي اشترك في ضرب الإسكندرية، يقول في جريدة التيمس في 8 ~~يناير سنة 1883: «حقا إنه من الممكن أن تسمى حركة عرابي حركة قومية، فقد نعتها بعض ~~الإنجليز بهذا في شهر مايو سنة 1882 عندما تحرجت الأمور تحرجا خطيرا ... ونحن إذا نظرنا ~~إلى المسألة من وجهة النظر المصرية لا يخالجنا أدنى شك في أن عرابيا كان يحظى بعطف ~~الشعب المصري، ويستطيع عرابي وأصحابه أن يقولوا إنهم كانوا يحاربون في سبيل الإصلاح، ~~وإن الدليل الذي يؤيد عدالة قضيتهم هو أن إنجلترة آخذة في تنفيذ إصلاحاتهم بالذات، ~~ويستطيعون كذلك أن يبرهنوا بحقيقة أخرى هي أنهم لم يأخذوا من الشعب قرشا واحدا إلا ما ~~رأوا أنه ضروري لخير الشعب، الأمر الذي يعد نادرا في الشرق». # ويقول برودلي: «إني لا أكتفي بأن أقول: إن الأمة كلها كانت في جانب عرابي، بل إني ~~أقرر في غير خوف من نقض آرائي أن عرابيا وأصحابه قد أظهروا في أداء رسالتهم أمانة ~~تامة واعتدالا وروحا إنسانية تشرفهم على مدى العصور»، وقال في موضع آخر: «ليس يخامرني ~~شك في أن عرابيا وأصحابه كانت لديهم كل المقدرة على أن ينهضوا بحكم أمتهم حكما ~~شعبيا، وأن ينفذوا في جدارة التغييرات والإصلاحات التي خلفوها لنا بصفتنا ورثتهم ~~وخلفاءهم. لم يكن عرابي من ذوي الأحلام أو من ذوي التحمس، وإنما كان - إذا قيس بالمقياس ~~المصري - رجلا متعلما ذا مقدرة، ملما بشؤون وطنه، وما تحتاج إليه بلاده وهب كثيرا ~~من النشاط وقدرا عظيما ms64 من أمانة الغرض». # وكتب مستر أردرن بيمان أحد مندوبي إنجلترة في لجنة التحقيق، في سنة 1883: «إن ~~عرابيا الذي كان يستطيع أن يجمع لنفسه مليونا من الجنيهات لم يجد ما يشتري به ملابس ~~له عند سفره، وقد أرسل له بعض أصدقائه حقيبة ملأى بالملابس والقطار على أهبة السفر. ~~وكانت أسرته تعيش وهو في السجن على صدقات يدفعها بعض محبيه سرا، وكنت أنا الذي أحملها ~~إليه بيدي ... ولست أكتب هذا بدافع عبادة البطولة، وإنما لأبين لماذا اختار الشعب المصري ~~رجلا نشأ من طبقة الفلاحين وتعلق به؛ لأنه يعرف ما يشكو منه، وكيف يدافع عن حقوقه ~~المكتسبة، وآثر ذلك على أن يظل خاضعا للسلطان الموروث». # وفي كتاب لمستر بيمان نفسه صدر سنة 1929 بعنوان «عزل الخديوي» أعني الخديوي عباس، ~~قال: «حين تظفر مصر باستقلالها الحقيقي كما يجب أن يحدث ذلك في يوم ما، فإن أول تمثال ~~يجب أن يقام في أحد ميادين القاهرة هو تمثال أحمد عرابي». # ولم يستطع حتى كرومر أن ينكر قومية هذه الحركة قال: «إن حركة عرابي أكثر من أن تكون ~~مجرد فتنة عسكرية. لقد كان فيها إلى حد ما طبيعة الحركة القومية الحقيقية، ولم تكن هذه ~~الحركة موجهة كلها أو في جوهرها ضد الأوروبيين والتدخل الأوروبي في الشؤون المصرية، ولو ~~أن النفور من الأوروبيين والتجني عليهم كانا يسيطران على عقول قواد هذه الحركة. وإنما ~~كانت هذه الحركة إلى مدى عظيم موجهة من المصريين ضد الحكم التركي». # وقال الشيخ محمد عبده فيما كتبه لمستر برودلي، بعد أن ذكر ما كان بينه وبين عرابي من ~~خلاف في الرأي قبل يوم عابدين: «إن الاجتماعات العامة المتنوعة التي عقدت بعد ذلك ~~للحصول على دستور برياسة سلطان باشا، حولت في الحال مقام عرابي من قائد جيش إلى قائد ~~مصر؛ وحينئذ أصبحت وسلطان باشا والبلاد المصرية قاطبة من أتباع أحمد عرابي». # وذكر برودلي كيف أمده الشيخ محمد عبده بمعلومات عن الأيام الأولى للحركة القومية ~~«ووصف وصفا حيا كيف أصبح عرابي بطل مصر الذائع الصيت، وكيف ms65 أن آلافا من المصريين ~~سموا أبناءهم باسمه وكيف ذهب اسم توفيق من الأرض». # عرابي في المنفى # قضى عرابي في جزيرة سرنديب تسعة عشر عاما، وكانت هذه الجزيرة ملكا للإنجليز منذ سنة ~~1785 وكانت ملحقة بمدارس، ثم جعلوا منها مستعمرة قائمة بذاتها سنة 1801، ومن سكانها ~~الأصليين قبائل السنهاليز، وأصلهم من الهنود من حوض نهر الكنج وديانتهم البوذية، ثم ~~قبائل التامل وقد نزحوا إليها من جنوب الهند وديانتهم الهندوكية، وكان بالجزيرة نحو ربع ~~مليون من المسلمين من أصل عربي ومن أصل هندي، وهم من أزكى سكانها وأكثرهم نشاطا. ~~وعاصمة هذه الجزيرة كولومبو. ومناخ الجزيرة استوائي لكن البحر يلطف حرارتها. # ولقد رحب سكان الجزيرة وبخاصة المسلمين منهم بعرابي وأصحابه ترحيبا عظيما وأولموا ~~لهم الولائم، وظلوا على مودتهم وولائهم له طول مدة إقامته. وقد جعلت الحكومة المصرية ~~لعرابي معاشا مقداره خمسون جنيها كل شهر. # وكان عرابي وأصحابه يقضون أوقاتهم في القراءة والكتابة وتعلم اللغة الإنجليزية، وقد ~~زاره في الجزيرة صديقه المستر بلنت سنة 1883. # وفي سنة 1884 وردت إلى عرابي بكولومبو رسالة خطيرة من المستر بلنت، ذكر فيها بلنت أن ~~الحكومة الإنجليزية تفكر في تعيين عرابي سفيرا مؤقتا إلى المهدي لرفع الحصار عن ~~غوردون. وأن النية متجهة إلى إعادة إسماعيل إلى مصر على أن يكون عرابي رئيسا لوزارته ~~باعتباره زعيم مصر المختار، وطلب بلنت رأي عرابي فأبرق إليه عرابي أنه يرفض ذلك وأنه ~~يؤثر المنفى على مثل هذه العودة؛ لأنه لا يستطيع أن يعمل مع إسماعيل. وقد أدى مقتل ~~غوردون إلى الانصراف عن هذا. # وأصبح لعرابي مكانة عظيمة بين سكان الجزيرة والجزر المجاورة. وقد سارع المسلمون إلى ~~استيراد الطرابيش من الخارج، ولبسوها أسوة به وبأصحابه. # غاب عرابي عن مصر هذه الأعوام الطويلة، فعمل الاحتلال على مد جذور وبسط فروعه على ~~الرغم من وعود الإنجليز المتكررة بالجلاء. ولم تكد تمضي خمسة أشهر على دخول الإنجليز ~~مصر حتى تمت لهم السيطرة على الجيش والشرطة، فقد حل توفيق الجيش بجرة قلم كما ذكرنا، ~~وأحل محله جيشا جديدا تحت ms66 رياسة سردار إنجليزي. وأما الشرطة فقد عين لهم رئيس عام من ~~البريطانيين كان له الإشراف التام عليهم. # عرابي في سرنديب بين اثنين من أنجاله. # وسيطر الإنجليز على الشئون المالية، وذلك بأن ألغوا الرقابة الثنائية، وعينوا ~~مستشارا عاما ماليا إنجليزيا في أوائل سنة 1883 لا يبرم أمر يتصل بالمال إلا ~~بإذنه. # وملك الإنجليز ناصية الحكم والإدارة، فكان لكبار موظفيهم وصغارهم في الدواوين الكلمة ~~العليا والجاه والهيبة. تكفي كلمة من أحدهم لنقض أي أمر لأي وزير؛ تجد الدليل على ذلك ~~في هذا البلاغ الذي أصدرته الحكومة البريطانية إلى معتمدها في مصر؛ ليبلغه شريف باشا ~~بمناسبة إصراره على الاحتفاظ بالسودان «ما دام الاحتلال المؤقت قائما، فيلزم أن تكونوا ~~على يقين من أن النصائح التي تزجونها لسمو الخديو وحكومته يؤخذ بها وتنفذ؛ ويجب أن يعلم ~~النظار والمديرون صراحة، أنه ما دامت إنجلترة مضطلعة بالمسئولية في مصر فإن حكومة جلالة ~~الملك لا بد أن تطمئن إلى تنفيذ سياستها المرسومة، وإلا وجب على النظار والمديرين أن ~~يتركوا كراسيهم». # وأما الدستور فقد ألغاه الاحتلال وأحل محله في مايو سنة 1883 ما عرف بالقانون ~~النظامي، وبمقتضاه أنشئ مجلس شورى القوانين، وأنشئت الجمعية العمومية وهما هيئتان لا ~~سلطة لهما ولا شبه سلطة، أريد بهما مخادعة الأمة بأن لها مجلسين بدلا من مجلس واحد. ~~وشتان بين هذين المجلسين وبين ذلك المجلس النيابي الذي كانت الوزارة مسؤولة أمامه، ~~والذي وضعت وزارة البارودي أو وزارة الثورة دستوره، فجعلت الأمة مصدر السلطات كما هو ~~الحال في الدساتير الحديثة. # هكذا قضى الاحتلال على كل شيء، وجعل همه بث هيبة إنجلترة في نفوس المصريين والقضاء في ~~عنف على أية محاولة لبعث الروح الوطنية. وألقيت مقاليد الأمور إلى كرومر أحد بناة ~~الإمبراطورية البريطانية وأحد أساطين الاستعمار. # وراح الإنجليز يبثون في عقول الناس أن عرابيا هو سبب النكبة؛ ومما يؤسف له حقا أن ~~كثيرا من المصريين كانوا إلى زمن قريب يرددون هذا الكلام السخيف مخدوعين بما أوحى به ~~كتاب الاحتلال. # ولقد شاع في تلك السنين التي أعقبت ms67 الاحتلال، الانحلال القومي في الأمة، وماتت روح ~~المقاومة، وخيل للناس أن الاحتلال قوة لا تقاوم وأن الإنجليز لن يغلبهم غالب. # عرابي يعود إلى وطنه # حدث في الثاني عشر من شهر مايو سنة 1901 أن زار الجزيرة ولي عهد إنجلترة (الملك جورج ~~الخامس فيما بعد)، ولقي عرابيا وترفق به وأظهر له البشاشة وسأله عن صحته وعن حاله، ~~فكانت هذه الزيارة سببا في عودة عرابي إلى مصر. فإن الأمير قد سعى سعيه حتى وافقت ~~الحكومة الإنجليزية على أن يصدر الخديو عفوا عن عرابي وأصحابه. # وقد سافر عرابي من كولمبو إلى مصر في سبتمبر سنة 1901، وودعه أهل سرنديب وداعا ~~عظيما. وبلغ عرابي مصر في أواخر ذلك الشهر فلم يجد الزعيم العائد أحدا من الجيل ~~الناشئ يذكره ويذكر ثورته إلا بالسوء من القول، ولولا بقية ممن شهدوا الثورة وعرفوا ~~حقيقة أمرها، احتفوا بعودته، ما لقيه في مصر أحد. ولم يكن عرابي ليستطيع بعد أن بسط ~~الاحتلال سلطانه على الصورة التي ذكرناها أن يعيد حياته سيرتها الأولى من الجهاد؛ لذلك ~~قضى أيامه بمصر في هدوء تحت مراقبة الاحتلال، وكان يتألم عرابي أشد الألم مما آلت إليه ~~مصر من حكم الأجنبي إياها، وقضائه على دستورها كما كانت تملأ الحسرة نفسه كلما علم أن ~~الجيل الناشئ لم يكن يعلم حقيقة حركته التي شوهها الاحتلال والتي لم تجد من يدافع ~~عنها. # عرابي بعد عودته من المنفى. # ولم يستطع عرابي أن ينشر في مصر شيئا عن ثورته؛ لأن الاحتلال كان يمنع ذلك كما يمنعه ~~الخديو عباس الذي كان ينقم على عرابي أشد النقمة لموقفه من أبيه. # وعكف عرابي على كتابة مذكراته عن الثورة، فكتبها في ثلاثة دفاتر كبيرة وقد فرغ من ~~كتابتها سنة 1910. وقد اختتمها بقوله: «فعلى الناشئة المصرية أن تجد وتجتهد وتعمل ليلا ~~ونهارا على استرداد مجدها واستقلالها وحريتها المطلوبة منها، ومطالبة الإنجليز بالجلاء ~~حتى ينكشف عنها هذا البلاء». إلى أن قال: «ثم أناشدهم أن يقووا أواصر الإخاء بين أبناء ~~وطنهم، ويخرجوا ما في قلوبهم من غل وضغينة، ms68 ويعملوا يدا واحدة ورجلا واحدا لرفع شأن ~~بلادهم ... هنالك يخرج الله أعداءكم ويولي عليكم خياركم، والله على كل شيء قدير». وفي ~~العشرين من شهر سبتمبر سنة 1911 اشتدت وطأة المرض على الزعيم الشيخ. وبعد يومين قضى ~~الزعيم نحبه. ولم يشيعه إلى مقره الأخير أو يحضر في مأتمه رجل رسمي واحد مخافة الاحتلال ~~والخديو. ولكن مصر الوفية أبت إلا أن تكرمه ميتا وإن تباعدت عنه حيا، فأحاط بنعشه ~~الألوف من أبنائها وتألفت منهم جنازة شعبية عظيمة سارت في صمت وخشوع حتى قبره بالإمام ~~الشافعي (رحمة الله عليه). وستطوى العصور ويبقى في أذهان بني مصر أن أحمد عرابي كان ~~زعيم القومية المصرية الأول، وكان الفلاح المصري الأول الذي دعا إلى حرية قومه، وحارب ~~في سبيلها وذاق ألم النفي والفاقة من أجل مصر وكرامة مصر. ms69