######OpenITI# #META# URI: 1380MahmudKhafif.MinWaraMinzar.Hindawi79526926 #META# Tags: novels #META# ID: 79526926 #META# Title: من وراء المنظار: صور انتقادية فكهة من حياتنا الاجتماعية #META# AuthorID: 40919408 #META# Author: محمود الخفيف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # هذا المنظار ...‏ # عجول وأناسي ...!‏ # بين معمم ومقبع ومطربش!‏ # يا خسارة!‏ # طلاب لهو وطلاب قوت وطلاب موت‏ # هكذا تكون الشرطة!‏ # أنا وكيل نيابة‏ # متحمس ...!‏ # متحمسان ...!‏ # حجرة التحمس!‏ # حمار آخر ...!‏ # في زوايا الطريق!‏ # شيخ وشيخ‏ # شرف!‏ # ولكنني كسبت القضية!‏ # بين الأرقام والأحلام‏ # ذات صباح ...‏ # زهرة وزهرة ...‏ # أيام في القرية‏ # من الفأس إلى السلاح‏ # عرفان الجميل‏ # آدمي ...!‏ # القاهرة ليلة الجمعة!‏ # قطط وكلاب وناس!‏ # ساع في الدرجة الخامسة!‏ # في حجرة البك الناظر!‏ # صنع في إنجلترة ...‏ # كرنفال!‏ # بين «دغف» وصعلوك ومغفل ...!‏ # مجلس ظريف‏ # دب في الترام‏ # حلاقو القاهرة ...!‏ # صاحب السلطان‏ # صاحب السلطان الزائل‏ # صاحب السطان الزائف‏ # صاحب السلطان الحقيقي‏ # مصري من الخارج‏ # رئيس ...!‏ # فتوات ميري!‏ # صاحب الديوان‏ # صاحب الديوان أيضا‏ # صاحب الديوان الظريف‏ # صاحب الديوان المجد‏ # صاحب الديوان المتمرد‏ # في حجرة صاحب ديوان ...!‏ # الفارس الجديد‏ # شاعر عبقري‏ # المتعاظمون‏ # في عيد الفسيخ‏ # محمد أفندي ...!‏ # من خوف الكوليرا في كوليرا!‏ # القرآن في شارع فؤاد!‏ # هذا المنظار ...‏ # عجول وأناسي ...!‏ # بين معمم ومقبع ومطربش!‏ # يا خسارة!‏ # طلاب لهو وطلاب قوت وطلاب موت‏ # هكذا تكون الشرطة!‏ # أنا وكيل نيابة‏ # متحمس ...!‏ # متحمسان ...!‏ # حجرة التحمس!‏ # حمار آخر ...!‏ # في زوايا الطريق!‏ # شيخ وشيخ‏ # شرف!‏ # ولكنني كسبت القضية!‏ # بين الأرقام والأحلام‏ # ذات صباح ...‏ # زهرة وزهرة ...‏ # أيام في القرية‏ # من الفأس إلى السلاح‏ # عرفان الجميل‏ # آدمي ...!‏ # القاهرة ليلة الجمعة!‏ # قطط وكلاب وناس!‏ # ساع في الدرجة الخامسة!‏ # في حجرة البك الناظر!‏ # صنع في إنجلترة ...‏ # كرنفال!‏ # بين «دغف» وصعلوك ومغفل ...!‏ # مجلس ظريف‏ # دب في الترام‏ # حلاقو القاهرة ...!‏ # صاحب السلطان‏ # صاحب السلطان الزائل‏ # صاحب السطان الزائف‏ # صاحب السلطان الحقيقي‏ # مصري من الخارج‏ # رئيس ...!‏ # فتوات ميري!‏ # صاحب الديوان‏ # صاحب الديوان أيضا‏ # صاحب الديوان الظريف‏ # صاحب الديوان المجد‏ # صاحب الديوان المتمرد‏ # في حجرة صاحب ديوان ...!‏ # الفارس الجديد‏ # شاعر عبقري‏ # المتعاظمون‏ # في عيد الفسيخ‏ # محمد أفندي ...!‏ # من خوف الكوليرا في كوليرا!‏ # القرآن في شارع فؤاد!‏ # | من وراء المنظار # | من وراء المنظار # | صور انتقادية فكهة من حياتنا الاجتماعية # تأليف # محمود الخفيف # يا قارئي العزيز: # إن قرأت هذا الكتاب فأغضبك فإني أعيذك أن ms001 تلعنني، وإلا كنت كمن رأى صورته في المرآة ~~فكرهها فحطم المرآة بغيا وظلما؛ وإن أنت أحببته وضحكت معي إذ أضحك، وتألمت معي إذ ~~أتألم فحسبي جزاء أني أدخلت السرور على قلبك ساعات، وأني بعثت في نفسك شيئا من الألم ~~الذي تطهر به النفوس. # محمود الخفيف # | هذا المنظار ... # ضقت بالكتب حتى لأخشى أن ينقلب هذا الضيق قطيعة ليس بعدها صلة، والحق أني حائر في تعليل ~~هذا الضيق الشديد، وأنا الذي ظل الكتاب زمانا مبعث أنسي وبهجتي، فلا أمله إذا قعدت، ولا ~~أدعه إذا خرجت، كأنما كان ضرورة كالهواء الذي أتنفس فلا تقوم حياتي إلا به، أو كأنه بعض ~~ملابسي التي لا أستطيع أن أبرح المنزل إلا وهي على جسدي، بل كثيرا ما خيل إلى رفاقي أني ~~أستغني عن كل شيء ولا أستغني عن الكتاب، وإن كنت لا أفتحه بينهم إلا دقائق معدودات ... # أيكون مرد هذا الضيق إلى ما يبعثه طول الألفة من سأم؟ أم يكون مرده إلى أن الكتب وقد صارت ~~عندي درسا وملهاة قد شغلتني عن كثير من متع هذه الحياة، فأنا أصدف عنها كيلا أنسى نصيبي من ~~الدنيا، فأحرم من زينة الله التي أخرج لعباده؟ # ولكني لا أرتاح إلى هذا السبب ولا إلى ذاك، ففي نفسي مما يبغض الكتب إلي ما هو أعظم ~~خطرا مما ذكرت ... ذلك أنه قد استحوذ على قلبي خيال لا أدري ما إذا كنت فيه مخطئا أم ~~مصيبا، وهو أن الكتب على طول صحبتي لها لم تعلمني شيئا مما ينبغي لي أن أعلمه من شئون هذه ~~الحياة، ولا يزال هذا الخيال آخذا بخناقي يوسوس إلي أني إن جعلت كل همي إلى كتبي، فسوف ~~ينقطع ما بيني وبين هذا الوجود ...! # ولا تحمل أيها القارئ كلامي هذا على المبالغة أو على المزاح فلو شئت لجئتك بألف دليل على ~~ما يثبت لي العذر فيما أقول، وحسبك أن الكتب قد بينت لي كثيرا من أصول الفضائل وقواعد ~~الخلق، فلما أتيح لي أن أتبين ذلك في سلوك من أخالط من ms002 الناس وجدتني في حيرة مما تقول ~~الكتب، وأنكرت أكثر هؤلاء الناس وأنكروني، ولا شك أنهم رموني من الغفلة والحمق بقدر ما ~~رميتهم بالضلال والسفه ... # وحسبك أن كثيرا من خلاني الأدنين - عفا الله عنهم - قد سخروا مني أكثر من مرة، سخرية ~~كانت تنال من نفسي بعض الأحيان حتى لأهم أن أثبت لهم حماقتهم بالغضب منهم والثورة عليهم؛ ~~فهم - سامحهم الله - يتهمونني بالغفلة إذا جادلتهم في أمر، كما أرى ذلك أحيانا في أعينهم ~~وأحيانا في ألفاظهم، ولقد يجمعون على هذا إذ يجادلونني حتى لأوشك أن أطمئن إلى صوابهم، ~~ومعنى ذلك الشهادة على نفسي أني مغفل، ولكني حين أذكر ما قرأت في الكتب لا ألبث أن أراهم ~~بما يبدون من آراء من أكبر الحمقى، ومن عظماء المغفلين، أو هكذا يخيل إلي! # ولقد يصارحني من يجد نفسه في مأمن من غضبي، إما لكبر سنه وإما لسمو مكانته عندي أن أبرز ~~عيوبي - وهي والحمد لله كثيرة - أني رجل خيال، أو بعبارة أصح رجل كتب لا أدري شيئا مما ~~تقوم عليه الحياة بين من يفهمون الحياة، ومعنى هذا كما ترى أني جاهل غر، وإن كانوا ليصطنعون ~~الذوق في شتمي إن جاز اصطناع الذوق في السباب! # وأكثر من ذلك لقد كان مرد كثير من أخطائي - وهي والحمد لله كذلك كثيرة - إلى جهلي بطباع ~~من تربطني بهم صلة العمل الذي أكسب منه قوتي، أو قل: إلى جهلي بمبادئهم، ولطالما سبب لي ذلك ~~كثيرا من العنت والحيرة وأظهرني عندهم بمظهر المشاغب الذي يحب المعارضة والمماحكة في سبب ~~وفي غير سبب، وما بي والله شيء من حب الشغب ولا كانت المماحكة من طبعي، وإنما هي الكتب - ~~لعنها الله - تريني أنني على حق إذا تدبرت ما تقوله، وأنهم غارقون في الباطل إلى أذقانهم ~~الجليلة؛ وأظل حائرا أأسير طوع الكتب فلا أفرغ من الخصام والحرب، أم أسير وفق مبادئهم ~~وسلوكهم، فأغنم الهدوء والسلام وعلى الضمير والخلق والفضيلة ألف تحية وألف سلام؟ # وكثيرا ما كانت تقل ثقتي بنفسي لما أرى مما يشبه الإجماع ms003 ممن أعاشر، على إنكار مسلكي، ~~وكثيرا ما سألت نفسي أأنا الغر حقا أم أنهم هم الأغرار الأغفال؟ # لذلك لم يكن عجبا أني طويت الكتب زمنا، ورحت أتعلم مكر الناس لا لأمكر مكرهم ولكن لآمن ~~مما يمكرون، كما رحت أطالع الحياة لأستعيض بما فيها من مسلاة عما كنت أتسلى به من الكتب ~~... # ونظرت من وراء منظاري ورحت أتدبر، فزادتني التجربة يقينا أن الكتب جنت علي بقدر ما ~~قدمت من كلام إلي! ... وما لبثت أن رأيت منظاري يقع بي على كثير مما أصيب فيه الدرس ومما ~~أجد فيه المتعة والبهجة؛ ووجدتني على ضآلتي أشبه نفسي غرورا وتطاولا بأولئك الفحول من ~~الكتاب والمفتنين من أساطين القصة الذين لم يأخذوا فلسفتهم من الكتب، وإنما أخذوها من ~~الحياة ولأن أكون منهم كالقزم من العمالقة، فلخير لي أن أكون قزما مقلدا من أن أرضى ~~بالضآلة والغفلة معا ... # وليت لي مثل بصيرة هؤلاء ... إذا لأفدت من العلم من وراء منظاري، ما لن يأتيني نصفه من ~~جميع ما في دار كتبنا العظيمة من مجلدات! # ولكن لا ضير أن أنظر وأن أطيل النظر، وأن أدور ~~بمنظاري هنا وهناك، في المدينة وفي القرية في كل زاوية وفي كل طريق، في المنتديات وفي ~~الحقول وفي الأسواق، وفي غير ذلك من نواحي هذا المسرح العظيم أو هذا المضطرب الواسع، الذي ~~يمثل كل امرئ عليه دوره ... # ولعل طول النظر وتنوعه يعوض علي بعض ما فاتني من العلم فيما تصرم من سني عمري بين ~~أوراقي وكتبي ... # هيا ... هيا ... أيها المنظار، هذا هو المسرح الذي لا يسدل عليه ستار. # | عجول وأناسي ...! # - يا شيخ ... يا معلم، صل عا النبي! ~~- أصلي عا النبي إيه ... اسكت يا عم خليك في حالك ...! # صاح بالعبارة الأولى رجل في المدخل الشمالي لميدان السيدة زينب، ينادي بها فظا غليظ ~~القلب من بني آدم كان بالليل يسوق أمامه عددا من العجول الصغيرة قد سلكها جميعا في حبل، ~~وصار يدفعها بإحدى يديه في غير هوادة إلى حيث تذبح، ويهوي على أجسامها لا يبالي أين ms004 يقع ~~ضربه بحبل غليظ معقد كلما أبطأت، أو على الأصح كلما جهدت وتقطعت أنفاسها فاضطرها ~~الإعياء والكلال إلى الإبطاء ... # ورد ذلك الفظ في غلظة ووحشية يطلب إلى من يسأله الرفق أن يبقى في حاله فلا يتدخل في شأنه؛ ~~وما ملك هذا إلا أن يحوقل ويستغفر الله ويستعيذ به، ويركن بعد لسانه إلى أضعف ~~الإيمان! # ونظرت فإذا بذلك الغليظ الفظ يزيد الضرب بحبله على أجسام هاتيك العجول الجاهدة، ويزيدها ~~دفعا ولكما؛ ووقع أحدها على الأرض فجذب الصف كله وجذبه الصف فانقلب على ظهره، وزعق زعقة ~~مثلت لي ألمه بصورة لم يكن ليمثلها لي كلامه لو أنه تكلم! ... زعقة أشبه بزعقة الآدمي يبتعثها ~~منه الألم وفمه مزموم، فهي بين حنجرته وخيشومه ... وكأنما يقول العجل الصغير: آه ... وخيل ~~إلي كأنما يدعو العجل ضاربه أن يصلي على النبي! وأهوى الغليظ الجلف بحبله المعقد على ~~العجل المسكين وحده، وقد تمدد على جنبه وهو يحاول أن يضع صدغه على الأرض، فتجذبه العجول وقد ~~اضطرب نظامها، وإن جسده كله لينتفخ ويهبط في سرعة من فرط ما يلهث، وإنه ليحاول النهوض من ~~ألم الضرب فما يزيد على أن يبسط أرجله ويثنيها في الهواء تارة، وعلى الأسفلت الجامد جمود ~~قلب هذا الغليظ تارة أخرى ... ثم جذبه الجلف من إحدى أذنيه ومن ذيله جذبة قوية وركله ركلة ~~شديدة، فوقف على رجليه يلهث، ومشى مع بقية العجول، وصاحبه الفظ يمسك بذيله مخافة أن يقع ~~ثانية على الأرض ...! # وتحرك قلبي لما رأيت، ولكنني لم أستطع أن أصنع شيئا، ولا يعيبن القارئ علي أضعف ~~الإيمان، فالرجل غليظ وحبله أغلظ، وما تعلمت الملاكمة، أو كانت لي حتى بمخاطبة الغلاظ ~~الجهال طاقة ... ولم يكن على مقربة مني شرطي أستعينه ... شرطي؟ والله لو وجد لسخر مني أن أدعوه ~~إلى مؤاخذة الرجل على صنعه، ولظن بعقلي الظنون ... # وأعيذك أيها القارئ أن تعجب أن يتحرك قلبي لمثل هذا المنظر، فما أحب إلا أن تكون رفيقا، ~~وإذا أنت ترفقت بالعجول كنت حريا أن تترفق ببني آدم ... ولقد تداعى لهذا ms005 المنظر الأليم في ~~ذهني معنى ... بل معان ... فكم من الآدميين من يرتبطون هكذا على خسف، ويسقطون من كلال وإعياء، ~~وعلى جنوبهم وظهورهم تهوي أيد خفية بما هو أقسى من الحبل المعقد الغليظ ... أجل كم من آدمي في ~~الأصفاد والأغلال، وإن لم تعض بساقيه سلسلة، أو يخنق عنقه غل ... كم من البشر من يساقون كما ~~تساق هذه العجول ليكدحوا في لظى الصيف، وفي زمهرير الشتاء؛ كي يسعد فريق مثلهم من بني آدم ~~بطيبات الحياة، وأي فرق لعمري بين هذا وبين الرق؟! # آه لقلبي ... وأف لمنظاري ... يا عجبا! ما أسرع ما تمثل لي هذا المعنى الذي طاف بخاطري، ~~فإذا هو صورة مجسدة تدب على الأرض، فها هو ذا عسكري غليظ شديد يسوق أمامه رهطا من الغلمان، ~~قد ربط ذيل هذا في ذيل ذاك، أو يد هذا في يد جاره، إن لم يكن لهما ذيلان يربطان، وقد ~~التقطهم جميعا من الشارع، وكان ذلك في نفس الميدان من مدخله الجنوبي، ولا بد أن قطيع ~~العجول قد مر برهط الصبية قبل أن تقع عيني عليهم بدقيقتين أو ثلاث! # وأخذ العسكري الغليظ الفظيع يهوي بكفه الثقيلة المعقدة بما يتحلى به من خواتم غليظة، على ~~قفا هذا الصبي الهزيل مرة، وعلى قفا ذاك المريض النحيل مرة، والويل لمن يلتفت وراءه من ~~الصبية؛ وكان هؤلاء المساكين كلما سمعوا وقع الكف الثقيلة المعقدة على قفا أحدهم، رفعوا ~~أكتافهم ونزلوا برءوسهم ليخفوا أقفيتهم، والرعب ملء جسومهم وحسبهم ما هم فيه من جوع وعري ~~ومرض وشقاء ... # ولم أطق صبرا فدنوت من هذا العسكري العاتي، فليس في يده حبل أخاف منه، وإنه لحري أن ~~يغره تدخلي وجرأتي فيحسبني من رجال النيابة مثلا أو من أولي الجاه على أي حال، وقلت في ~~لهجة الآمر لا في لهجة المستفهم: «لا تضرب هؤلاء المساكين يا شاويش.» # وصدق ظني فقد رفع العسكري يده إلى رأسه بالتحية، وراح يفهمني أن هؤلاء هم سارقو الجيوب ~~وخاطفو الحلي ... و... و... فقاطعته وأنا أوهمه أني أحفظ رقمه قائلا: «لا تضربهم ms006 مرة ثانية.» ~~ونظر إلي هؤلاء المساكين وقرأت في كل وجه من وجوههم الشاحبة معنى هو أسمى من أن أصفه ~~بالشكر ... ووقعت نظراتهم من نفسي موقعا لن ينهض لتصويره أبلغ الكلام ... # وتدخل شاب حاسر الرأس عليه حلة أنيقة وتحت إبطه مجلات وكتب، فخاطب الشرطي في عنف قائلا: ~~«ألك أولاد يا شاويش؟ أترضى أن يعامل أولادك هذه المعاملة؟» ثم أدار إلي الحديث قائلا: ~~«ومع ذلك فنحن كما نزعم أمة متمدنة ... في أي بلد متمدن يوجد مثل هؤلاء المساكين في الشوارع ~~على هذه الصورة؟ وأين ما نسمع عنه من أسماء المبرات وجمعيات الإحسان والخير؟ ... لقد مر بي ~~منذ لحظة قطيع من العجول يدفعه فلاح عات كما يدفع هذا الشرطي الصبية، فاشمأزت نفسي لذلك ~~المنظر وتكدر خاطري، ثم ما لبثت أن رأيت هؤلاء المساكين ... ألا إن بيننا وبين الرقي أجيالا ~~وأجيالا، وإنما تخدعنا العمارات الضخمة والسيارات الفخمة والعواصم الكبيرة.» # وانطلق الشاب وقد غاب عن بصره وبصري الشرطي والغلمان، وقلت لنفسي: ما أوسع الفرق بين مصير ~~العجول ومصير الصبية، فإنما تساق هذه العجول إلى حيث تريحها سكين الجزار، ويساق هؤلاء ~~الصبية إلى حيث ينتظرهم العذاب الأليم! # | بين معمم ومقبع ومطربش! # الحر شديد تلفح زفراته الوجوه، والترام مزدحم بالناس قعودا ووقوفا، وما منهم إلا من ملأ ~~الفتور بدنه كأنما أخذتهم جميعا سنة فهم صامتون مطرقون. وليس ما يدب فيه النشاط والقوة إلا ~~هذا الترام السريع الذي ينحدر إلى القاهرة من مصر الجديدة منطلقا كالسهم، يهز ركابه ~~الوسنانين هزات قوية تنفض عنهم بعض فتورهم، وتكاد تلقي بالجالسين منهم على أطراف المقاعد ~~إلى أرض العربة، في منعرجات الطريق ... # وفي زاوية من العربة جلس ثلاثة: معمم على أحد المقاعد يواجهه على المقعد المقابل مقبع ~~ومطربش. # أما المعمم فهو في حدود الأربعين أنيق الثياب جدا، نظيفها كأنما هو قادم بها من فوره من ~~دكان الخياط، ولست أدري ماذا يصنع يوم العيد ليشعر الناس أنه «غير» ملابسه، ممتلئ البدن، ~~أبيض الوجه في حمرة، متورد الوجنتين، تنبئك ملامح وجهه بأنه فكه خفيف ms007 الروح، وتحدثك عيناه ~~ولفتاته ونظراته فيمن حوله - على الرغم من الفتور الذي لحقه كما لحق غيره - أنه «ابن بلد» ~~بأوسع معنى لهذه الكلمة. # أما المقبع فهو عتل في نحو الستين، ثقيل الظل جامد الطبع فيما يبدو من ملامحه وهيكله ~~جميعا، وبخاصة حاجباه الكثيفان ومنخاراه الواسعان وعيناه الضيقتان، وفمه الذي ما إن رأيته ~~حتى جزمت بأنه لم يبتسم مرة في سنواته الستين، ولو طلب إلي أن أؤدي يمينا عن هذا ~~لأديتها في غير حرج. # أما المطربش فأرجو أن تعفيني من وصفه، فذلك هو أنا صاحب المنظار! # وحدث بين هؤلاء الثلاثة ما بعث الركاب جميعا من سنتهم، وما أضحكهم على الرغم من الحر ~~والغبار وجهد اليوم ... # مد المقبع إحدى رجليه فوضعها على المقعد حتى مس حذاؤه ملابس المعمم أو كادت، فنظر إليه ~~هذا نظرة استنكار عله يسترد رجله، ويبعد ذلك الحذاء الذي خيل إلي لكبره أنه مركب من مراكب ~~الأطفال؛ فقال له المعمم: «من فضلك يا خواجه.» وأشار إلى حذائه؛ فنظر إليه المقبع متثاقلا، ~~وقال: «لا ... أنا حر.» ونطق الحاء خاء فازداد ثقلا على ثقل. # وازداد وجه المعمم حمرة ورأيته أخذ يتحمس، ولكنها حماسة من يعرف كيف يسلك في مثل هذا ~~الموقف ما يشاكله من مسلك: «أنت حر في بيتك ولكن هنا لا ...» ونطق المعمم كذلك الحاء خاء، كأنما ~~هو حيال «نص» لا يملك له تبديلا. # ولم يلتفت المقبع إليه فازداد بذلك جمودا على جمود! # ولم يرع هذا العتل إلا رجلا الشيخ جميعا تمتدان، فتستقران لا على المقعد ولكن في حجره، ~~وقد ضغط الشيخ بنعليه على بطنه وهو يقول: «أنا كمان حر.» وأصر على جعل الحاء خاء. # وضحكت حتى تبادر دمعي وضحك من شهدوا المنظر جميعا، وطار عنهم فتورهم؛ ونهض المقبع كأنما ~~لدغته عقرب، وهو يرطن بلغته، وكأنما فمه بالوعة غصت بالماء وقد انتفخ شدقاه فازداد غلظا ~~على غلظ. # ونظر إلي المعمم وهو بين الضحك من فعلته، وما أثارته من ضحك عام وما كللت به من نجاح ~~أعجبه، وبين الغيظ مما يرطن ms008 به المقبع، وقال لي: «ترجم حرفيا ما يقول لألقي به تحت ~~الترام.» فأحجمت وما زدت على أن ضحكت، فقال الشيخ وقد حبس ابتسامته وبدا الجد في وجهه: ~~«أتمتنع عن ترجمة ما يقول هذا الخنزير؟ أهذه غيرتك على كرامة بني وطنك؟» # ورأيتني على رغمي قد دخلت خصما ثالثا في القضية! # ونظرت إلى الشيخ وقلت: «أفتراني - يرحمك الله - أتبين شيئا مما يقول؟ ومع ذلك فهل تظنه ~~يمتدحك ويثني عليك؟» # وأعجب الشيخ ردي فابتسم أو كاد ثم عاد إلى عبوسه وتقطيبه، على أنه ما لبث أن ضحك مع من ~~ضحكوا لهذا الرد. # ورأيت أني أحرجت الشيخ إذ حرمته مما أراد أن يتعلل به من جهله بما يقول خصمه، وكفى الله ~~المؤمنين القتال ... وصار لزاما أن يلقي بذلك المقبع تحت الترام وإلا فقد قبل شتائمه. # وأنقذ المقبع من الموت المحتم تحت عجلات الترام، أو قل: أنقذ الشيخ من حرجه وقوف الترام ~~على آخر محطة، بحيث لم تعد عجلاته تفعل شيئا! # وانطلقت وأنا أدير في رأسي هذه القضية الصغيرة التي فسرت لي تفسيرا عمليا معنى الحرية، ~~وظللت ساعة لا تبرح خيالي رجلا الشيخ يضغط بنعليهما على بطن ذلك المقبع، الذي ظن أنه لا ~~يزال لقبعته ما كان لها قبل من هيبة! # | يا خسارة! # المجلس حافل كعهده كل ليلة بالشخصيات من كل نمط، ففيه القاضي والمحامي والأستاذ والنائب ~~والكاتب والشاعر والصحفي وغير هؤلاء ممن أداروا ظهورهم للعمل، وركنوا إلى المعاش أو إلى ~~الراحة ... # ويتشقق الحديث حتى لينسى السامرون كيف بدأ ولا أين اتجه، ثم لا يلبث أن ينتهي بنكتة أو ~~ينقطع بسلام قادم يأبى على عادتنا إلا أن يصافح الجالسين، من يعرف منهم ومن لا يعرف في ~~حماسة وشوق ... # وظل هذا حال المجلس ساعة ثم انتظم الحديث وأخذ سمته إلى غايته، واتجهت الأنظار إلى شاب من ~~صحابتي لم أقدمه إلى أحد، وإن كان يعرف الكثيرين بأسمائهم وأشخاصهم. # أخذ هذا الفتى يتكلم بعد صمت، وأنصت السمار إليه أول الأمر يتبينون من هذا القادم الجديد، ~~وإني لأعلم من ms009 قبل أنه سوف يأسرهم بحديثه، ففي صوته ما ترتاح إليه الآذان من إشباع في غير ~~غلظ، ومن رنين في غير حدة، وفي منطقه ولهجته من الظرف والهدوء وحسن السياق ما يجذب إليه ~~النفوس من حيث لا تشعر؛ وفي محياه من الفتوة والقسامة، وفي عينيه من البريق والدعة، وفي فمه ~~من الابتسام والسلام، في كل أولئك وفي حسن إشارته وإيماءته ما يجعله حديث مجالس من طراز ~~نادر. # هو في الخامسة والثلاثين أو زاد عليها قليلا، مهندم الثياب في تواضع يدل على رقة الحال ~~أكثر مما يدل على السعة، ولكن خفة روحه وبراعة تحدثه يصرفان الأعين عن ثيابه إلى شخصه ثم عن ~~شخصه إلى حديثه ... # واتجه الحديث بعد أن انتهى شوط منه إلى السياسة بعد الأدب، فأعجب هذا الشاب الواسع ~~الاطلاع سامعيه على اختلاف مذاهبهم، إذ أشار إلى أن بعض النقص في كمال هذا الزعم يعوضه بعض ~~الكمال في نقص ذاك. # وانتقل الكلام إلى الاقتصاد فأنصت مليا ثم أدلى برأيه، فلخص ما سمع من آراء تلخيصا ~~جميلا، فكأنما أتى برأي جديد، وهو لم يأت بشيء إلا ما نسقت فطنته وأدت بلاغته ... # ومال الحديث بالسامر إلى قضية المرأة والرجل، فقال: إنه لا الرجال صالحون للحكم على ~~النساء، ولا النساء صالحات للحكم على الرجال، وهذه هي القضية التي لا يوجد فيها حكم من غير ~~الطرفين، ولسوف تنعقد جلساتهم ثم تؤجل إلى أجل غير مسمى؛ وذلك لأن الرجال والنساء لا يرتضون ~~الحكم الأول الذي صدر من الغيب على آدم وحواء ... # وضحك السامرون وخرجوا من الجد إلى المزاح، وراح كل يدلي بما يحفظ من نكتة أو يذكر من ~~نادرة، ثم أنصتوا إلى صاحبي الشاب فأضحكهم جميعا بنكاته وأقاصيصه، وراعهم بحافظته وسرعة ~~انتقاله من نكتة إلى نكتة، وهو ينسبها جمعيا لأصحابها بل ويذكر الصحف التي نشرتها ~~والمناسبة التي أخرجتها. # وبدا لأحد الجالسين فسأل هذا الشاب ما عمله؟ وابتسم ~~الشاب ابتسامة عريضة تجلت فيها خفة روحه، ولكن مازجها شيء من الدعابة الناقمة، وقال: أنا ~~ناظر مدرسة ... # وعاد سائله ms010 يستفهم أثانوية أم ابتدائية هذه المدرسة؟ # ورد الشاب بقوله: «لا يا فندم إلزامية بس.» # وصاح أحد الجالسين من غير وعي قائلا: «يا خسارة!» # وضج بعض الجالسين بالضحك؛ ونظر آخرون في ساعاتهم يريدون أن ينصرفوا؛ وصمت في غيظ وعبوس ~~شخص كان يناديه تارة يا أستاذ وتارة يا بك، وانتحى البعض جانبا مزورين وهم ينظرون ~~نظرات كريهة إلى هذا الذي أعجبوا به منذ دقائق. # وارتفع صوت أحد الفضلاء يقول للذي أعلن الخسارة: حسبتك والله تقول: «ونعم» ... حتام يا قوم ~~تغرنا الألقاب والرتب؟ وحتام نحترم الرجل لجاهه أو لماله أو للقبه؟ أليس في ذلك معنى من ~~معاني العبودية؟ وكم عندنا من نظار المدارس الابتدائية أو الثانوية من نضعهم إلى جانب هذا ~~الأستاذ في سعة اطلاعه ورجاحة عقله. ألا إن المرء بأصغريه ... ألا إن المرء بأصغريه. # أما صاحبي فلم يأبه بما حدث؛ لأنها كما حدثني ليست أول مرة يلقى فيها مثل ما لقي، وما زاد ~~على أن ضحك ملء نفسه من المزورين جميعا، وإن كنت أحسست في ضحكه المرارة والألم ... # | طلاب لهو وطلاب قوت وطلاب موت # كل أولئك رأيتهم في ليلة واحدة وفي شارع واحد، لعله أكبر وأحفل شوارع عاصمتنا، وكل أولئك ~~قل أن يخلو منهم شارع من الشوارع الكبيرة في عاصمتنا العظيمة ... # أما طلاب اللهو فهم أنماط من الناس حسب ما يبتغي كل لنفسه مما يلهو به أو يزجي به فراغه، ~~وأكثر هؤلاء بادون للأعين في غير حاجة إلى منظار، فالشوارع بهم مكتظة، ومنهم فريق هم طلاب ~~اللهو الخفي والعياذ بالله لا يكاد يتبينهم المنظار حتى يرتد عنهم فرارا أو يختفوا هم عنه ~~... # وأما طلاب القوت فهم كذلك طوائف وأنماط من الخلق، ولكن دع عنك أصحاب الملاحي والمتاجر، ~~فهؤلاء في الحق طلاب ذهب لا طلاب قوت ... # وإنما أعني بطلاب القوت أولئك الذين «يسرحون» من بنين وبنات وفتيان وكهول بأوراق ~~«اليانصيب»، أو بالصحف أو بصناديق مسح الأحذية أو بصناديق الحلوى أو أدوات الحلاقة أو ~~السكائر أو غيرها؛ ثم أولئك الذين لا تجد في أيديهم ms011 شيئا من هذا، وتراهم يتساقطون على ~~الموائد تساقط الذباب، أو يقعون على مقربة منها إقعاء القطط وغير القطط من الدواب، ينتظرون ~~لقمة أو يفتشون في قمامة، أو يلتقطون ما يلقى من أعقاب السكائر ... # وطلاب القوت هؤلاء وبخاصة من يطلبونه بغير عمل، قذى في العيون بأسمالهم وأذى للنفوس ~~بألفاظهم ومعاركهم وصخبهم ... # ولكن أكبر ظني أن ولاة الأمر قد اقتنعوا أنهم زينة ينقص بغيابهم جمال العاصمة نقصا ~~كبيرا، أو لعلهم أيقنوا أنهم باتوا بحق من تراثنا القومي ومن تقاليدنا الأهلية، فلو خلت ~~الشوارع منهم بمعجزة من المعجزات لبثت الحكومة عينوها، وأرصدت أعوانها حتى يأتوا بهم ~~طائعين، فيعود للعاصمة جمالها الذي غاضت بشاشته ورونقها الذي انطفأت بهجته ... # وأما طلاب الموت فأحسب ذهنك أيها القارئ قد وثب إلى أولئك الجنود الذين كانوا يدبون ~~بالعاصمة كالجراد المنتشر، ولكني لست أقصد هؤلاء فقد أراحنا الله - سبحانه - من عفاريتهم ~~الحمر والسمر والسود إلى غير رجعة إن شاء الله ... # إنما طلاب الموت هم أولئك العظام الملقاة على طوارئ الشارع، والذين يعدون في الأحياء وهم ~~من الموتى لولا أنفاس ضئيلة في صدورهم تتردد. # رأيت خمسة من هؤلاء على مسافات متقاربة، أما أولهم فقد تكور في ثيابه كالقنفذ، وبجانبه ~~زجاجة لعله كان يدور بها في نهاره على المستشفيات، وتحسبه في الثمانين وقد لا يزيد عن ~~الأربعين. # وأما ثانيهم فغلام في نحو الخامسة عشرة بسط إحدى ذراعيه على الأرض ووضع الثانية على بطنه، ~~حيث موضع الألم أو موضع الجوع، وفي وجهه الذابل المتجه إلى السماء صفرة الموت، وفي ساقيه أو ~~في عظمتيه الممدودتين فقاقيع حمراء مخيفة تشيع في صفرتها، ولقد حسبت أنه لن يرى وجه النهار ~~... # وأما ثالثهم فكهل ضرير ناحل البدن، خائر القوة تدور حول صدغيه من أسفل ذقنه إلى قمة رأسه ~~لفائف بيضاء تحتها قطع من القطن، ولعله قدم بها من إحدى «العيادات الخارجية»، واستلقى هنا ~~يطلب الراحة لبدنه بالموت ... # وأما رابعهم فشيخ تدل لحيته البيضاء ويداه المعروقتان وجبينه المغضن على أنه جاوز ~~السبعين، وقد ألقى عصاه بجانبه ووضع ms012 تحت رأسه بعض العلب من الصفيح، لعله كان يلعق ما ترك ~~فيها من طعام. # وأما خامسهم فقد آلمني مرآه أكثر مما فعل مرأى سابقيه جميعا، فهو مقطوع اليدين والرجلين ~~كأنه بقية تمثال قديم، ولست أدري كيف يتحرك المسكين وكيف يأكل إن وجد ثمة من أكل! # وقلت لصاحبي، وقد زفرت زفرة طويلة: أيرى الناس ~~هؤلاء كما أرى؟ فضحك وليس المجال مجال ضحك وقال: أف لمنظارك، فأجبته: بل أف لهؤلاء الذين ~~يملئون الصحف بأسماء المؤسسات والمبرات، والذين يتكلمون كثيرا عن أوجه الإصلاح وأنماط ~~المشروعات ... # ومضيت وأنا أسائل نفسي: في أي بلد من بلاد العالم يجمع فيه شارع واحد بين اللاعبين ~~بالذهب، وبين الذين يعيشون كما تعيش الكلاب والقطط، والذين يطلبون الموت فلا يظفرون حتى ~~بالموت؟ # | هكذا تكون الشرطة! # يا سيدي! بالباب عسكري يقول إنه يريد أن يسلمك محضرا! # بهذا النبأ المزعج دخل علي الخادم في نحو الساعة الثامنة من مساء ليلة قريبة، وأنا جالس ~~إلى مكتبي أفتش في المراجع دون أن أقع على طلبتي حتى ضاق صدري، فلم يسر عني ما بي إلا هذا ~~النبأ البهيج! ووثبت من فوري أتلقى البشرى، فلقد والله زادني الخادم غيظا على غيظي ~~بابتسامته البلهاء التي شفع بها هذا الخبر الأسود، كما لو أنه جاء يبشرني بما تنبسط له ~~نفسي! # ومشيت وأنا أسأل الخادم، أو على الأصح أصيح به محنقا - فقد خيلت إلي أعصابي المكدودة ~~أنه يشمت بي إذ يبتسم أو يظن بي خوفا: أي محضر؟ ولم أخرج من داري نهاري كله، ولا أذكر أني ~~فعلت بالأمس ولا قبل الأمس شيئا يستوجب المحضر، ولا أنا - ولله الحمد - ذو سيارة حتى أدوس ~~بها أحدا أو أخالف بها نظام المرور، ولست ممن يعودون إلى دورهم بعد منتصف الليل ... ولا ... ~~ولا ... # ومضيت إلى الباب الخارجي فما راعني إلا عتل أبرز ما فيه شارباه وأنفه وطول قامته، حتى ~~لقد ذكرني ذلك العملاق بتلك الصور الكاريكاتورية التي ترسمها بعض المجلات لبني جنسه، وأشهد ~~والله بعد رؤيته ما فيها شيء مما كنت أظنه ms013 من مبالغة! ~~- ماذا تريد يا شاويش؟ ... وليصدقني القارئ أني أتأدب حتى في خطاب من يسلمني محضرا. ~~- معي محضر يا أفندي من فضلك وقع عليه بالاستلام! ~~- لمن هذا المحضر؟ ~~- لا أعرف. ~~- ما موضوعه؟ ~~- لا أعرف. # هذه والله - في غير تحريف - إجابة الشاويش الهمام لم أصنع بها شيئا إلا أني عربتها! ~~وحبست ضحكي تأدبا علم الله وبنفسي أن أقهقه لولا أني لا أحب أن أسيء حتى إلى مثل هذا العتل ~~وقلت: إذا كنت لا تعرف صاحب المحضر ولا موضوع المحضر ... فلم اخترت بيتنا هذا بالذات؟ ~~- قالوا: عند المزلقان ... # ومددت يدي أتناول الورق منه، فدفعه إلي بعد تردد وحذر؛ وألقيت نظرة فإذا هو لفلان في ~~بيته المرقوم بكيت ويقع كذلك عند مزلقان وهو بشأن سيارة لم يعنني أن أعرف موضوعها، وتبسمت ~~وقلت للشرطي: ليس المحضر لنا، ورحت أصف له موضع البيت المقصود وأذكر له اسم الشخص المطلوب، ~~وحسبت أنه سوف يحمد لي هذا الإرشاد؛ ولكنني نظرت فإذا به يداعب شاربه ويرميني بنظرة اشتركت ~~فيها عيناه وأنفه وغلظه وجهله، وإنه ليبتسم ابتسامة أسمج من هيكله، وكأنما يريد أن يذكرني ~~أنه من رجال البوليس وأنه ليس يضحك أحد أو يمكر برجال البوليس، ثم قال: وقع على الورق يا ~~أفندي. مافيش لزوم للزوغان! # ورأيت أني أكون أجهل منه لو ناقشته بعد ذلك، فهممت أن أوقع وأن أتحمل تبعة المحضر وما فيه ~~لمجرد التخلص منه، وليفهمه رؤساؤه بعد خطأه؛ وعدت أؤكد له أني لست الشخص المطلوب، وهو ينظر ~~إلي ويصب علي سماجته كلها، حتى ضقت به فقلت: لن أوقع، وإذ ذاك تراجع وطلب إلي أن أدله ~~على البيت المكتوب في الورق ... فتنفست الصعداء وقلت: أتعرف بيت محمد باشا محمود؟ ~~- محمد باشا محمود؟ ومين محمد باشا محمود ده؟ ومين يا أفندي اللي يعرفني بالكلام ~~ده؟! # وجذبته من ذراعه وسرت معه خطوات حتى وقفت به في الشارع المجاور، وهو شارع الفلكي، وقلت ~~له: أنت الآن تتجه «بحري» فأين يدك اليسرى؟ ومد إلي يده اليسرى في سذاجة، فقلت: تظل ~~ماشيا ms014 في هذا الشارع إلى أن تجد بيتا كبيرا يقف ببابه، ويقع عن شمالك، عسكري مثلك، ~~فاسأله أين البيت المطلوب ... # وانطلق العملاق يتمتم بكلمات ولعله كان يستنزل لعنة الله على من كلفوه ما لا يطيق؛ وعدت ~~إلى مكتبي ومراجعي وأنا أقول لنفسي: هذا وأمثاله هم حفظة الأمن والنظام، وهذا وأمثاله من ~~يستلم المرء محضرا حقا إذا انتهرهم أو ضاق بهم فدفعهم من طريقه أو من مدخل داره ... هذا ~~وأمثاله وليسوا قليلين هم شرطتنا، ألا متى يفهم القائمون بالأمر، حفظة الأمن الكبار - حفظهم ~~الله - أن تغيير هذا الصنف كله بات من أوجب الواجبات؟ # | أنا وكيل نيابة # أعيذ فطنتك أيها القارئ أن تحسبني ظفرت فجأة بهذا المنصب الخطير، الذي يجعل لي من السلطان ~~أن أقبض على من أشاء في أي وقت أشاء، فما كنت وربك إلا صاحب هذا القلم المتواضع، وصاحب هذا ~~المنظار اللعين الذين يأبى إلا أن يقع بي على ما لست أحب ... ولكنه عنوان اقتضاه ~~المقام. # هذه مواقف ثلاثة من مواقف التحمس، ولكنه تحمس رسمي والعياذ بالله، فيه قبض وتحقيق وحبس، ~~أو هكذا ظهر لي ولمن شهده من الناس، ولقد سمعت هذه العبارة التي جعلتها عنوانا لكلمتي هذه ~~بنصها وحروفها في كل من هاتيك المواقف الثلاثة. # شهدت الموقف الأول وسمعت هذه العبارة، وهممت أن أكتب ولكنني آثرت العافية وأنف المنظار في ~~الرغام؛ ثم لم يكد يمضي يومان حتى وقع منظاري على الموقف الثاني وسمعت نفس الكلمة، فجمعت ~~أطراف شجاعتي ولكني ما كدت أشرع القلم حتى عدت فآثرت العافية واستعذت بالله من الشيطان ... ~~ويأبى منظاري اللعين إلا أن يريني الموقف الثالث حيث سمعت العبارة بنصها، وعندئذ لم يبق لي ~~إلا أن أشهد على نفسي بالجبن أو أكتب، فآثرت الثانية، فوالله للضر مع الشجاعة خير من ~~العافية مع الجبن، وما كانت العافية لتدوم يوما لجبان ... # أما الموقف الأول فكان في عاصمة إحدى المديريات، وهناك سيارة عامة كبيرة، لا يريد سائقها ~~أن يبرح بها مكانها إلا أن تمتلئ بالركاب حسب العدد المقرر، ولم يكن ms015 ينقصه لتمتلئ إلا ثلاثة ~~أو أربعة؛ وجاء شاب حدث في نحو الخامسة والعشرين يخطر في مشيتة خطرة من يريد أن يشعر الناس ~~بعظم مكانته، وكان الوقت موعد الانصراف من الدواوين، فما إن وضع رجله على سلم السيارة ليركب ~~حتى أهاب بالسائق أن ينطلق بالسيارة، ثم أثبت في وجهه نظرة حادة إذ رأى منه شيئا من عدم ~~المبالاة؛ ورد السائق بقوله: «حاضر لما يتم العدد.» وثار الشاب وصاح بالسائق: «هيا، اسمع ~~الكلام.» ولم يزد السائق على أن ينظر إليه متعجبا، ودق الشاب بيده على زجاج السيارة وهو ~~يقول في تحمس شديد: «أتدري من يكلمك؟ أنا وكيل نيابة ال...» وقال السائق وقد داخله شيء من ~~الرهبة: «يا سيدي حاضر كلها نفرين أو ثلاثة.» # ووثب الشاب من مكانه ونادى أحد «الكونستبلات» وأمره بالقبض على السائق معلنا له وظيفته. ~~وما كان أشد عجب هذا الشاب وعجب الركاب والسائق قبلهم جميعا بالضرورة، حين سمعوا هذا ~~الشرطي يقول: «وإيه يعني وكيل نيابة؟!» ... وكأنما سرت هذه الكلمة عند الناس فانبعثت ضحكاتهم ~~على الفور عالية مجلجلة ... # ونادى الشاب وقد بلغ حنقه غايته أحد العساكر، وكان هذا يعرفه فأسرع نحوه وحياه التحية ~~العسكرية، فأصدر إليه أمره بالقبض على «الكونستبل» بتهمة إهانة النيابة، وسبقهما إلى مقر ~~التحقيق ونجا السائق المسكين، وهكذا مصائب قوم عند قوم فوائد. # أما الموقف الثاني فقد شهدت شابا كذلك يثب في أول ميدان باب الخلق، فيدرك الترام ويتعلق ~~به، ثم يقف بباب الحريم لا يتزحزح ولا ينحرف، يميل طربوشه ويبرز طرف منديله فيتدلى على ~~صدره، ويضبط ربطة عنقه، ويصف شعر فوديه، ويرسل النظرات الحادة إلى داخل المكان، حتى جاء ~~المحصل فنبهه في هدوء إلى ما لا يحمد من وقفته هذه، فقال في غضب وعنف وتحمس شديد: «موش شغلك ~~... اسكت.» ونفخ المحصل في زمارته متحمسا كذلك فوقف الترام؛ واشتدت حماسة المحصل واستغنى عن ~~التلميح بالتصريح. وجن جنون ذلك الشاب ونزل وأمسك بذراعه وهو يقول: «أتدري من تكلم ... أنا ~~وكيل نيابة.» وأخذ المحصل شيء من الخوف إذ أشار ms016 هذا الشاب إلى أحد العساكر ليقبض عليه، ~~وتدخل بعض الناس، وقبل الشاب بعد لأي شفاعتهم وترك المحصل قائلا له في كبرياء الظافر الذي ~~يعفو عن قدرة: «أما بارد قليل الأدب صحيح.» وتعلق المحصل بالترام، وهو يقول إذ يدق كفا ~~بكف: «أنا البارد القليل الأدب؟» # ولست أدري أكان «صاحبنا» كما ادعى وكيل نيابة حقا، أم أنه يهوش بذلك على الناس؟ # ويأتي بعذ ذلك ثالث المواقف أو ثالثة الأثافي؛ فنحن في سيارة عامة في أحد شوارع القاهرة، ~~ليس فيها إلا من هو ذاهب إلى عمل أو حريص على ميعاد، وكان في المقعد الأمامي شاب كذلك تبدو ~~عليه سيما الهدوء والرزانة، فطلب إلى السائق الوقوف بالسيارة لينزل، فقال السائق: «ما فيش ~~محطة هنا.» فقال الشاب: «محطة إيه؟ إسمع، نزلني.» ولم يسمع السائق ولم يقف، فصكه الشاب على ~~صدره صكة جمع فيها كل تحمسه وأفرغ كل غيظه وهو يقول: «استنى يا حمار.» # ووقف السائق سيارته والتفت نحو الشاب وفي وجهه مثل نظرات المجنون، فقال له الشاب: «إوع ~~تتكلم ... أتدري من أنا؟ أنا وكيل نيابة ... تعرف شغلك بعدين.» # ووقف المحصل بينهما يخشى أن يفضي الأمر إلى شر خطير والسائق يقول: «إفرض أنك حتى رئيس ~~نيابة ... تضرب الناس بدون سبب؟» والركاب يتفرجون وما فيهم إلا من ضاق ذرعا بهذا الصلف وبهذه ~~الوقفة التي لا يدري أحد متى تنتهي؛ وأحسست أنا ثلاثة أمثال ضيقهم، وقد شهدت المنظر ثلاث ~~مرات. # وكان السائق هو القابض هذه المرة، إذ إنه لم يجد متنفسا لغيظه إلا أن يقسم يمينا ~~بالطلاق ألا يدع هذا الأفندي إلا في القسم ولو قطعت رقبته. ولم يبق محل لشفاعة الشافعين، ~~بعد أن نطق السائق بهذه اليمين، ومضيا معا إلى القسم، ومضينا نحن الركاب يبحث كل منا عن ~~وسيلة أخرى يصل بها إلى حيث يريد. # وبعد فأنا أؤكد لك أيها القارئ أني لم أزد شيئا على ما شاهدت، وإلا فإني مستعد أنا ~~الواضع اسمي أدناه لأن أتلقى قرار القبض علي بتهمة أنا والله منها بريء، وهي «إساءة ms017 ~~استعمال» قلمي ... أو على الأصح ... منظاري. # | متحمس ...! # يتحمس في كل شيء: في رأيه، في إشارته، في نطقه، في عبارته، في جلسته، في حركته، فيما ~~يختار من ألوان مبلسه، في ضحكته، ولا بد أنه قياسا علي كل هذا متحمس كذلك في بكائه، وكم ~~تمنيت - على شدة كراهيتي للبكاء - لو رأيته يبكي لأرى مبلغ حماسته في دمعته! # قارب الثلاثين أو جاوزها قليلا. حديث العهد بشهادة من شهادات إحدى جامعتينا فهو بها معتز ~~مغتبط متحمس في اعتزازه واغتباطه، ولست أجد في ذلك ما يلام عليه فهذا ما يفعله كثيرون غيره ~~ممن يظفرون بالألقاب العلمية الضخمة، ومن منهم لا يحب أن يصبح دكتورا مرموق المكانة عظيم ~~الخطر؟ # وصاحبنا الذي اختلس منظاري النظر إليه ساعة، وحملقت فيه عيناي أكثر من مرة من شدة إعجابي ~~به، ولست أقول من فرط تعجبي منه، قد عقد النية فيما علمت من أنبائه على أن يكون دكتورا ~~مهما كلفه ذلك من جهد، ثم ما زال حتى ظفر بهذا اللقب في يسر فما أيسر أن تصنع جامعتنا ~~الدكاترة، وإلا فماذا تكون رسالتها في مصر؟ على أنني لا أذكر أني رأيت فيمن يحملون هذا ~~اللقب العظيم من هو أشد ذهابا بنفسه من صاحبنا هذا، ولا من يصطنع لهجة الأستاذية والضلاعة، ~~ولا من يقطع بالرأي في سرعة ويقين، ولا من يقذف بالأحكام العريضة في سخاء ويسر، كما يفعل ~~هذا الذي أصبح دكتورا منذ قريب، وهذا هو سر إعجابي به، فما أحسب إلا أنه يستطيع أن يستغني ~~بذلك كل الغنى عن جميع الألقاب؛ لأنه سوف يغدو بما يفعل ويتحمس، فيلسوفا. # كل وصف عنده، سواء وصف ما يرضيه أو وصف ما يسخطه، يأتي على وزن أفعل كما يقول النحاة، ~~فهذا أحسن مؤلف ظهر حتى اليوم، وفلان أكبر عالم في البلد، وهذا أجهل رجل بكيت وكيت من ~~المسائل، وهذه أحسن خطة؛ وهكذا دائما على وزن أفعل النحاة، أو على طريقة أفعل التجار في ~~مثل قولهم: أحسن صنف وأفخم قماش وأجمل لون وأرخص سعر «وأعظم ملبن»! # وهو ms018 على أهبة دائما لأن يعارضك فيما تبدي من رأي، وليته يقارعك حجة بحجة، أو يعنى حتى ~~بمجرد الاستماع إلى أن تتم رأيك، فإنك ما تكاد تشير إلى فكرة حتى تراه يثب عليك وينهال بما ~~حفظ من مسائل، فيورد طائفة مختلفة من الآراء، وليس يهمه إن كانت تتصل من قريب أو من بعيد ~~بما يدور الكلام حوله، وإنما يكفيه أنه هكذا قرأها، وإنه ليوردها أحيانا مبتورة مشوهة ~~فيقحمها عليك إقحاما، فإن غيرت مجرى الحديث لتصحح له نصوصه عاند، وأصر على أن الصحيح ما ~~يقول، فلا مناص إذا من أن تجد نفسك وإياه وقد خضتما في حديث جديد لتنتقلا منه بنفس الطريقة ~~إلى غيره ثم إلى غيره، وحينئذ ينظر إليك نظرة الظافر، ويبتسم ابتسامة من يرثي لضيق عقلك ~~وقلة اطلاعك، وإنه لأهون عليك ألف مرة أن ترضى بذلك من أن تسايره في جدله. # وإنه ليلتفت إلى متحاورين في المجلس فما أسرع ما يجعل من نفسه خصما ثالثا وما سأله أحد ~~رأيه، وإنه ليسفه كلا الرأيين المجادلين، فما تدري ماذا يريد، ثم يهجم هجومه على أسلوبه ~~المعتاد، فهذا الرأي أضعف ما قيل في هذه المسألة، وذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة، وقول فلان ~~هذا يرفضه أبسط متعلم، ولا يجوز عند أقل الناس إلماما وأضعفهم إدراكا، وإن الرأي الصحيح ~~بل أدق الآراء وأحذقها هو ما ذكره العلامة فلان والفيلسوف علان في كيت وكيت من الكتب، وإنه ~~ليرتعش من جميع نواحيه وتهتز أطرافه من فرط تحمسه، وتتعاقب الصفرة والحمرة على محياه ~~الكريم، بحيث لو دخل زائر في هذه الحال لما شك أنها معركة تبودلت فيها أقذع التهم وأفحش ~~المطاعن؛ وتراه ينظر إلى كل متحدث نظرة من يريد أن يقول: ما لهذا الجاهل ومناقشة الفلاسفة؛ ~~والغريب أنه يفترض الجهل في كل شخص غيره وإنك لترى في وجهه من الغباء والظلمة ما يحملك على ~~الضحك منه بل الرثاء له ... # وإنك لتقرأ في وجهه العجب والغضب من أنك تطاوله، فضلا عن أن تنكر عليه ما يقول، فهل قرأت ms019 ~~مثل ما قرأ أو بعضه؟ وكيف لا تؤمن بطول باعه ورسوخ قدمه، وإنك لتراه يتناول كل معضلة ويجادل ~~في كل فن ولا تغرب عن ذهنه صغيرة ولا كبيرة من المسائل، فإن تكلم في المجلس اقتصادي انبرى ~~له، وإن تحدث لغوي وثب عليه، وإن جادل سياسي أخذه من أقطاره، وإن شرح طبيب سبب علة أبان له ~~وجه الخطأ فيما يقول، وإن أرخ مؤرخ لحادث شهده بنفسه أو روى حديثا عن عظيم طواه الموت ~~جابهه بما يشبه التكذيب؛ لأنه لا يمكن أن يعتقد وقوع ذلك فإنه أبعد ما يكون عن العقل ~~والمنطق، وأضعف سندا من أن يعتمد عليه! هكذا يأبى وهو الفيلسوف أن يقبل شيئا يرفضه العقل، ~~ولو كان مرده إلى النقل ... # وبعد فما كانت الحماسة عيبا، وإننا معشر المصريين لمن أكثر بني الدنيا تحمسا في معظم ~~الأمور، وإنما هو هذا المنظار اللعين يأبى إلا أن يستخرج من هذه الحماسة الشائعة ما يسوقه ~~مساق التندر والمعابثة، ولست أشك أن القارئ يخالفني أشد المخالفة في إنكاري التحمس، ويرى من ~~أفظع الظلم وأرذل القسوة وأكبر المغالطة، وأوجع الجمود أن أنال باللوم هذا المتحمس ~~النابغة. # | متحمسان ...! # كنا ذات صباح نحو عشرين رجلا قد وقفنا واحدا خلف واحد ننتظر في قلق حتى تفتح نافذة ~~تذاكر السفر؟ وأخذ يتزايد عددنا دقيقة بعد أخرى، وكان كل قادم يأخذ مكانه في ذيل هذا الخط ~~الطويل الذي ذكرني ما كنا نفعل ونحن صغار حين كنا نقلد القطار ... # وكنا جميعا لا نفتأ ننظر في ساعاتنا وصفير القطر، وصوت رحيلها على الأفاريز القريبة ~~يملأ أسماعنا، وحركة المسافرين والحمالين وهم يسرعون في موجب وفي غير موجب تزيدنا قلقا على ~~قلق، ونشاط صارفي التذاكر في النوافذ المفتوحة على جانبي نافذتنا الموصدة يلقي في نفوسنا ~~الشك في وجود من يفتحها، أو يميل بنا إلى الظن أنه ربما ربكه في حجرته عمل آخر، وكان أكثرنا ~~نظرا في ساعاتهم من كانوا أكثر بعدا عن النافذة؛ على أن القلق قد اشتد بنا جميعا حتى ~~أوشك أن يتحول إلى ms020 ضجر ... وأخيرا فتحت النافذة. # وأقبل بائع التذاكر على عمله في هدوء وتؤدة، بعد أن ألقى نظرة على المنتظرين، وكان مبعث ~~اطمئنانه فيما يبدو أنه كفيل ببيع التذاكر جميعا قبل تحرك القطار بوقت كاف، فهو خبير بعمله ~~وقلما داخله ما يداخل المسافرين من قلق. # وأخذ كل منا يخطو خطوة كلما خلا من مقدمة الصف رجل، وبينما نحن على هذا النظام مقلدين ~~نزلاءنا منذ كثر عددهم بيننا في هذه الحرب، إذ أخذت عيناي، لا بل أخذ منظاري شابا مقبلا ~~بادي الأناقة، متكلف العظمة، يلتمع شعر رأسه الحاسر التماعا لا يضاهيه إلا التماع رباط ~~عنقه الأحمر، وإنه ليخطو في خيلاء تشبه الصلف، يضرب الأرض بقدميه ضربا قويا حتى ليحدث ~~حذاؤه صوتا واضحا في ضوضاء الفناء، وما أسرع ما فطنت إلى أني منه تلقاء متحمس، وإني لشديد ~~المحبة للمتحمسين عظيم الشغف برؤيتهم. # ومشى هذا المتحمس إلى النافذة، فوضع نفسه في رأس الصف وهيهات أن يرضى متحمس أن يكون في ~~المؤخرة، ولكنه ما كاد يمد يده بالنقود حتى سرت في الصف كله موجة احتجاج كانت أكثر شدة في ~~آخره؛ وارتفع صوت من الوسط ينبه هذا المخالف: أرجو أن تأخذ دورك وإلا فما معنى أن كلا منا ~~قد ارتضى دوره؟ ~~- هذا ليس من شأنك ... أأنت مفتش؟ أأنت مراقب؟ ~~- يا سيدي هذا لا يليق ... ارجع إلى موضعك من فضلك. ~~- موش شغلك يا أفندي ... اشكني إلى مدير المصلحة. # وتحير هذا الذي يحتج ماذا يقول، ولكنه ما لبث أن صاح قائلا في غضب: «يظهر أنه ما زال ~~بيننا «جليطة» كثير.» ونظرت فإذا بي منه تلقاء متحمس ثان في نهاية سن الكهولة، وأنا كما ~~ذكرت لك أحب المتحمسين وأطرب أشد الطرب لرؤية تحمسهم. # وجاء أجنبي في تلك اللحظة فقصد إلى النافذة كما فعل المتحمس الأول؛ ولعله قد رأى مزاحمته ~~فظن الأمر فوضى، وما كان ينبهه أحدنا حتى عاد إلى موضعه في ذيل الصف معتذرا عن خطئه، وفي ~~وجهه حمرة شديدة من فرط الخجل. # وإذ ذاك نظر المتحمس الثاني إلى المتحمس ms021 الأول قائلا وهو يشير إلى ذلك الأجنبي: «ألا ~~ترى؟ ذلك لأنه بني آدم.» # ولكن صاحبنا لم يتزحزح عن موضعه وكأنه يتمسك بمبدأ الثبات حتى الموت، وإلا فما له لا ~~يبالي بضجر المتضجرين في الصف كله - إلا أنا بالضرورة - ولا يبالي بنظرات الازدراء تصوب ~~نحوه في شدة كادت تجعل من في الصف جميعا ما عداي متحمسين؟ # ولم يعبأ على الرغم من ذلك وظل متمسكا بمبدئه القويم ومد يده بالنقود إلى بائع ~~التذاكر، فما أشد ما أخذه من حيرة إذ سمع ذلك البائع يقول له في هدوء: «من فضلك اذهب إلى ~~موضعك.» # وثارت ثائرة هذا المتحمس، فقال في صوت أشبه بالصراخ وهو يضرب النافذة بقبضته: «أتمتنع عن ~~بيع التذكرة؟» وتطلعت في فرح أحسبني أظفر برؤية متحمس ثالث، ولكن البائع ظل هادئا ونظر ~~إليه مبتسما وهو يقول: «اشكني إلى مدير المصلحة.» # وتناول البائع النقود من كل مسافر حسب دوره في الصف، وظل «صاحبنا» في موضعه قرب النافذة ~~متمسكا بمبدأ الثبات حتى الموت أو على الأقل حتى يسافر القطار! وكان يرشقه كل من أخذ ~~تذكرته بنظرة ازدراء، حتى جاء دور المتحمس الثاني، وقد امتلأت نفسه إعجابا ببائع التذاكر ~~وعدالته، فنظر نظرة نصفها إلى ذلك الذي لم تجده حماسته وقال متهللا: «والله ما يصلح أن ~~يكون مدير المصلحة غيرك.» ثم صوب نحو خصمه الذي ماتت حماسته من الخزي نظرة شامتة، وهرول إلى ~~حيث يقف القطار. # ومضيت صوب القطار، وبنفسي لو استطعت البقاء لأشهد ما عسى أن يأتي من تحمس جديد من جانب ~~هذا الذي سوف يبقى إلى جوار النافذة حتى يتحرك القطار، يغيظه بائع التذاكر الذي يأبى أن ~~يثار! # | حجرة التحمس! # ما دخلها قط إنسان إلا انقلب بعد دقائق - مهما بدا من هدوئه أول الأمر - متحمسا من أشد ~~المتحمسين، شهدت ذلك بنفسي وأنا قابع في ركن منها أتفرج من وراء منظاري على ما لم أستمتع ~~بمثله في أية دار من دور اللهو ... # هي حجرة في ديوان إحدى الوزارات كتب على بابها: «المستخدمين» هكذا بالجر! دخلتها ms022 والحر ~~شديد وبنفسي ضيق وضجر فسرعان ما روح عني الضحك المتصل، حتى لقد أنساني ضجري كما أنساني ما ~~جئت له. # الحجرة صغيرة مزدحمة بالقماطر أو ما يسميه الموظفون ~~بالمكاتب، وعلى كل قمطر ما عدا واحدا أضابير من الورق يعلم الله مبلغ ما قضته كل ورقة حيث ~~رأيتها، من عمر ... # وأما كل قمطر - ما عدا واحدا غير ذلك الذي خلا من الورق - موظف، وهم جميعا فيما يخيل ~~إلي من أعمارهم دون الأربعين، وفيهم من هم دون الثلاثين ... # وكان أحدهم يقضم قضمات من رغيف أمامه، ويأتدم بقطعة من الجبن وكان آخر يطالع في جريدة؛ ~~وكان ثالث يشرب القهوة، واشتغل أربعة بأوراقهم، وبقي واحد لا يعمل شيئا قط فليست أمامه ~~ورقة وليس في يده قلم أو صحيفة أو شيء غير هذا مما يؤكل أو يشرب، وكان ينظر في ساعته بين ~~حين وحين ليرى متى ينصرف ... وفهمت أنه من «المحاسيب» الذين يعينون لا ليعملوا ولكن ليرتزقوا ~~... # ودخل كهل هادئ الحركة فقصد أحد القماطر، ورفع صاحبه رأسه فتجهم وتكره إذ رآه، مع أن ~~القادم كان يبسم له ويظهر الاحترام ويختار أرق الكلام؛ ولكن سرعان ما ارتفع صوت هذا القادم ~~وهو يقسم بالله العظيم ثلاثا، ويهز سبابته كما يفعل الخطيب أنه جاء من أجل مسألته ما لا ~~يقل عن ثلاثين مرة، ولا يدري ما يعمل بعد ذلك، وبلغ به التحمس أن أعلن أنه ذاهب من فوره إلى ~~المدير، وقالها بلهجة من ينذر بالموت كأن الذهاب إلى المدير عنده فيه القضاء على الموظف ~~المسكين، وخرج من الحجرة، وما استدار ليخرج حتى أخرج له ذلك الموظف لسانه، وضحك هو وزملاؤه ~~ملء أشداقهم ... # ولم يكد يبتعد خطوة حتى دخل شاب يمسح العرق عن جبينه وصفحة وجهه بمنديله، ودنا من موظف ~~آخر وسأله لعله يذكر موضوعه، فقال له في دماثة متكلفة، وهو يكتم ضحكه: «أيوه يا سعادة ~~البيه، مر علينا بعد ثلاثة أيام تجد كل شيء على ما يرام.» وتحمس سعادة البك تحمسا صامتا ~~تجلى في احمرار وجهه، وإرساله الزفرات ms023 وانصرف ليمر بعد ثلاثة أيام؛ وتفكه الموظفون بالسخرية ~~من سعادته والتهكم عليه. # ودخل ثالث فسأل أحدهم عن أمر فقال له: «عند فتحي أفندي في الحسابات.» فخرج ثم عاد بعد ~~قليل ليقول: إن فتحي أفندي لا علم له بالأمر فقال له: «اترك لي المسألة ومر بعد يومين أو ~~ثلاثة تجدها خالصة.» ففكر صاحبنا في الأمر قليلا ثم بدا له فتحمس وصاح قائلا: «ما هذا؟ ~~أديوان حكومة هو أم دكان؟» ودق القمطر بيده قائلا إنه ذاهب إلى المدير، وانطلق والتحمس ~~ملء بدنه، وتحمس الموظفون في الضحك منه ... # ودخل رابع تبدو عليه الرزانة والتؤدة، فسأل عن عبد المنعم أفندي من يكون فدله أحدهم عليه، ~~فمشى إليه في عسر بين القماطر، وأخرج علبة سكائره ومد بها إليه يده وألح حتى تناول واحدة، ~~ثم كلمه في صوت خافت فتظاهر أنه يفكر، ثم قال: مر غدا فإن عمر أفندي غائب وهو الذي عنده ~~مسألتك، فقال: لقد جئت مرتين وعملي في حضن الجبل وأنا قادم هذه المرة في «تاكسي»، وهو عند ~~الباب يدور عداده فهلا صنعت معروفا فأعنتني؟ فأجابه لا يمكن حتى يحضر عمر أفندي، وانصرف ~~عنه إلى أوراقه، فهز صاحب «التاكسي» رأسه مرات وتنهد ثم قال وقد انقلب هدوءه ثورة، وإنه ~~ليدق القمطر بيده دقات عنيفة: ما هذا، مرة عمر أفندي في البنك ومرة عند المدير ومرة في ~~إجازة ... هذا لعب ومسخرة وقلة ذوق ... وبدا التحمس في جميع حركاته وإشاراته ... وانطلق من الحجرة ~~يتوعد ويتهدد. # وجاء الخادم يطلب عبد المنعم أفندي لمقابلة المدير، فذهب إليه ثم عاد بعد دقيقة، ففتش في ~~قمطر عمر أفندي وأخذ منه أوراقا، وخرج ثم رجع بعد قليل يقوله لزملائه: «خلصنا منه يا سيدي، ~~وأمضي المدير أوراقه وبلاش غلبة ونفخة كدابة.» # ودخل بعد لحظة شيخ معمم ذو لحية فحيا بتحية الإسلام ثم ضم أطراف جبته بيده، ومضى إلى ~~أحدهم ينفذ في عسر بين القماطر، فقال له: هل وجدت الورق؟ فقال: لا زلت أبحث عنه، وما كاد ~~ينطق بهذا حتى صرخ الشيخ قائلا ms024 : ما هذا؟ حتى متى تسخر من ذقني هذه يا ولد؟ ونهض الأفندي ~~مغضبا يدق القمطر بقبضته ويقول: عيب يا سيدنا الشيخ لولا أنك كوالدي ... # ودق الشيخ بقبضته قائلا: العيب أن تكذب وأن تضيع الأوراق وتستخف بمصالح الناس وأوقاتهم، ~~وعاد الموظف يدق بيده دقات ويقول: عيب يا سيدنا الشيخ، والشيخ يعقب كل دقة منه بدقة من ~~قبضته القوية حتى أيقنت أن القمطر لا شك متحطم؛ ولكني لم أحفل بالقمطر وإنما خشيت أن تنقلب ~~الدقات لكلمات أو لطمات، فقد بلغ تحمس الشيخ أقصاه، وجحظت عيناه واصفر وجهه ودنا من الفتى ~~ولولا أن سحبه إخوانه سحبا من وجه الشيخ لأهوى عليه بكلتا يديه؛ وخرج الشيخ وهو يستنزل ~~خيبة الله عليه وعلى زملائه أجمعين! # وساد في الحجرة الصمت لحظة، ولم يفطن الموظفون إلى وجودي إلا وهم في هذه الحال من الخزي ~~والغم، فسألني أحدهم ما طلبي، فأشرت إلى مكتب عمر أفندي، فقال: إنه لن يحضر اليوم؛ ومعنى ~~ذلك أن أنصرف فنهضت للخروج وإني لأقسم للقارئ بمحرجات الأيمان غير متحمس، أني ذهبت إلى تلك ~~الحجرة من أجل مسألتي أكثر من خمسين مرة في مدة سنتين، وقضاؤها والله لا يستغرق ساعة؛ ولم ~~أستدر عند الخروج، بل خرجت بظهري مخافة أن يسروا عن صاحبهم بحركة منهم يكون فيها الزراية ~~علي ... # وبعد فهل نعيش حتى نرى دواويننا تتميز ولو بشيء قليل من النظام والسرعة من مصاطب العمد ~~و«وكالات» البلح والصابون، وسوق العصر و«مولد» المحمدي و«تكايا» الأوقاف؟ وحتى نراها تخلو ~~من «تنابلة» السلطان أو مرتزقة «الميري»؟ يومئذ فقط نضع أقدامنا على أول الطريق المؤدية بنا ~~إلى المدنية ... # | حمار آخر ...! # الترام الجاهد يسير محملا ليس فيه ركن أو ممر أو مدخل أو شبر على السلم إلا ويشغله ~~الراكبون متلاصقين متضاغطين، كأنما لم يأتهم نبأ هذه الهيضة التي خوفت الناس بعضهم من بعض ~~... # وأنا في مقعدي أسأل نفسي متعجبا كيف ينزل من يريد أن ينزل فضلا عن أن يركب من يريد أن ~~يركب! ودقت باب الدرجة الأولى يد وحاولت فتحة، ولكنه ms025 لم يفتح؛ لأن شخصا كان يسند ظهره ~~إليه، وهو لا يستطيع أن يتحرك من موضعه إلا أن يتحرك من يقف أمامه، ولن يستطيع هذا أن يفعل ~~إلا أن يمكنه من يليه ... واشتد طرق الباب فتضاغط الواقفون، وانفتح الباب ودخل هذه الحجرة ~~المكتظة فتاتان، عجبت وعجب الراكبون كيف خلصتا من الزحام حتى دخلتا الحجرة، وما أحسبهما إلا ~~استحالتا هواء فنفذتا من الأرجل أو من فوق الرءوس حتى بلغتا حيث وقفتا بين الواقفين. # ووقف الترام فنزل اثنان من الواقفين، وقد شقا طريقهما في جهد من جهة السائق، ولم يركب ~~أحد، ثم وقف ونزل ثلاثة ولم يركب أحد، وبقيت الفتاتان فاستندت إحداهما إلى باب والثانية إلى ~~الآخر. # وكانت إحداهما على جانب عظيم من الملاحة والسحر تحدث أثرها في النفوس بنظراتها، وبما يبدو ~~من براعة ذوقها في اختيار ألوانها وأشياء زينتها؛ وكانت الثانية كأنما تصحبها لتزيد جمالها ~~أو لتنبه عليه، فقد كانت بحيث إن انتماءها إلى جنسها مما يجعل أحيانا نعته باللطف نوعا من ~~السخرية ... # وصوبت الحسناء نظرة إلى شاب كان في سمت بصرها، فكأنما نفذت نظرتها إلى قلبه، وكأنما أراد ~~أن يبرهن لها على أنه جدير منها بهذه النظرة، فنهض واقفا ودعا الفتاة إلى الجلوس في موضعه، ~~وإنه ليتظرف ويتأنق ويستلين في إشارته وحركته، ويلطف في نبرته، حتى لقد أوشك أن يكون ما ~~ينعت به جنسه من الخشونة ضربا من التعسف ... # ونظرت الفتاة وقد استقرت في مقعدها، إلى صاحبتها، مزهوة دون أن تشكر هذا المتلطف بكلمة، ~~وضحكت وقالت عبارة لا هي عربية ولا فرنسية ولا إنجليزية؛ وضحكت الثانية وأظهرها ضحكها ~~برهانا آخر على مبلغ ما يكون بين جنسها وبين اللطف من بعد الشقة ... واحمر وجه الفتى حتى ~~كاد أن يقطر منه الدم، وأشار بيده إلى التي سحرته فتخلى لها عن مكانه، إشارة من نسي شيئا ~~على المقعد، فلم تكد تقف حتى انفتل فعاد إلى مكانه، وجلس وهو يقول لها في غيظ: ابحثي عن ~~حمار غيري فلست حمارا! # واصفر وجه الفتاة بقدر ما احمر ms026 وجه الفتى، ولم تكن تدري أنه يعرف الطليانية، فقد نظر ~~الفتى الظريف الناعم إلى من حوله وهو يدق يدا بيد، ويقول: إنها تقول لصاحبتها: انتظري ~~ريثما يقف حمار آخر فاجلسي، فيكون جزائي على إنسانيتي أن أكون عندها حمارا، وأن يكون هذا ~~مبلغ شكرها لي! # وكان حقا أن نغضب جميعا وأن يحاول كل منا أن يتنصل من حماريته بكل ما في طاقته، فقال ~~كهل من الجالسين يخاطب الفتى: «ليس هذا جزاءك على إنسانيتك وإنما هو جزاؤك على مصريتك، فإنا ~~في الواقع لسنا كرماء لضيوفنا بل نحن عبيد لهم، أفهم أن تنهض لتجلس مريضة أو عجوزا أو ~~أما بين ذراعيها طفلها أما أن تقف لهذه ... أرأيت أجنبيا ينهض لمصرية قط؟ متى نفهم هؤلاء ~~الأجانب أننا سادة في بلادنا وإذا كنا لا نستطيع أن نفهمهم ذلك بأخذ ما في أيديهم مما بنوه ~~في غفلتنا، فلا أقل من أن يعلموا أننا صحونا، لا أقل من أن يفهموا أننا لم نعد بعد ~~حميرا.» # ونظر هذا الثائر الكهل إلى الفتاة المسيئة وقال لها ~~في مثل شراسة النمر: «انزلي من هنا روحي في داهية.» وتنمرت الملعونة كأنما تذكرت أيام ~~الامتيازات، ورأيتها بجوار الباب كالقطة وجدت نفسها في مأزق، فعولت على أن تعض بأسنانها ~~وتخمش بمخالبها ... # ولكن النمر الغاضب جذبها من ذراعها، ونادى السائق فوقف، وصرخت القطة صرخة جمعت علينا ~~الركاب من العربة الأخرى، وأقسم الرجل إن لم تنزل هي وصاحبتها على أرجلهما، فسوف يلقي بهما ~~من النافذة ... # وتساءل الناس وتألموا مما علموا وأجبرت الفتاتان على النزول، وفي نظرنا أن كلا منهما ~~تنتمي إلى اللطف ظلما، هذه بوقاحتها، وتلك بقبحها. # وخجل الشاب الذي استرد إنسانيته، حتى ما يستطيع أن ينظر طويلا في وجه ذلك النمر الغاضب ~~... # وضحك أحد الجالسين يريد أن يذهب عنا الغضب، وقال: أحب أن أعرف من ذا الذي يرضى بعد هذا في ~~الترام أو في السيارة أو في المتجر أو في المصنع أو في السينما، أو في الشارع أن يكون ~~الحمار الآخر ؟ وضحكنا وضحك حتى ms027 النمر الهائج. # | في زوايا الطريق! # دقت إحدى الساعات الكبرى على مقربة مني دقات ثمان، والليل بارد الأنفاس وأنا أنقل الخطى ~~في زحمة الناس على طوار الشارع وئيدة ثقلية، لا من كلال ولا من ضنى، ولكن مما كان يثقل قلبي ~~من صور وقع بي عليها هذا المنظار اللعين ... # وأريد أيها القارئ أن تقاسمني بعض ما أثقل قلبي، فمما يزيده لعمرك ثقلا أن أحمله وحدي، ~~وكثيرا ما سقت إليك ما أضحكك، فإن أنا صببت عليك اليوم بعض همي فلا تكن من الغاضبين ~~... # هؤلاء غلمان وبنات من أبناء الشارع وبناته، قد أقعوا على باب أحد المطاعم يطعمون بأعينهم ~~مع الطاعمين بأسنانهم، وقد حرمهم التقمم رفع القمامة من الشوارع حذر الكوليرا، وهو منظر قد ~~زال عنه معناه لكثرة ما ألفناه، ولكن ها هم أولاء جماعة ممن يأكلون بأسنانهم، جماعة ليسوا ~~من أهل هذا البلد الذي آواهم فأشبعهم، يأبون إلا أن يبرزوا المعنى الذي غاب، فهم يقلون ببعض ~~اللقم والقشور، ويلهون ضاحكين بمرأى هؤلاء الغلمان كيف يقعون عليها كما تقع الكلاب والقطط، ~~وكيف يتزاحمون ويختصمون. # ومضيت ثقيل الخطى، ثقيل القلب، فلم أذهب غير بعيد حتى انعطفت عند زاوية فإذا رجل خشبية ~~تمتد إلى جوار رجل من عظام ولحم، وإذا صاحب الرجلين قد أسند ظهره إلى الحائط واستراح من بعض ~~همه بغفوة، وأمامه علب الكبريت لعله لم يبع منها بما يتبلغ به فنام؛ وابنه الهزيل النحيل ~~يدفعه بيده دفعا رقيقا ليوقظه؛ لأنه جائع، وألقيت إلى الصبي قرشا فما وثق منه في كفه حتى ~~اندفع يوقظ أباه في شدة وسرعة ليزف إليه البشرى ... # ومشيت ثقيل القلب وئيد الخطى، فما هي إلا خطوات حتى وقفت حيال منظر كم تمنيت لو رآه كل ~~رجال الفن؛ فها هو ذا ضرير قد اضطجع حتى أوشك أن يتمدد على سلم دكان مغلق، وأسند ظهره إلى ~~دركة ورفع وجهه صوب السماء فانعكس عليه نور مصباح قريب، ومد يده يستجدي في صمت، لا ينطق ولا ~~يتحرك أية حركة، فكان منه في هذا الوضع تمثال ms028 بالغ الروعة لو وقع عليه فنان لما ساوى ذلك ~~عنده وقوعه على كنز، فما يصور البؤس شيء أحسن مما تصوره هاتان العينان الغائرتان، وهذا ~~الوجه الضارع وهذه اليد المعروقة المرتجفة، ونور المصباح القوي في وجهه يجعل من ذلك كله ~~صورة ترى ولا ينهض لوصفها كلام؛ وجاء غلام فانقض على التمثال كالفرخ الجائع، وأخرج في مثل ~~خطرة الطرف ما في جيبه من مليمات وقروش، وولى لا يلوي على شيء وانتفض التمثال انتفاضة حسبت ~~أن قد تحرك لها رخام السلم، وأقبل بعض من شهدوا هذا السطو، فألقوا إليه من قروشهم ما أذهب ~~روعه ... # ومشيت موجع القلب ثقيل الخطى، فلم أكد أنعطف عند زاوية أخرى حتى إذا بي تلقاء رجل يزحف ~~على استه ويديه، وقد ثنى إحدى رجليه، أما الرجل الأخرى فلم يبق منها إلا جزء من الفخذ قد ~~كشف عنه؛ لأنه موضع «الإعلان» وبرهان العجز عن العمل، ومر الناس به لا يتألم أحد فيما أرى؛ ~~لأنهم ألفوا أن يروا مثل هذا كما ألفت أنا، ولكني تألمت وتألمت، وأرجو منك أيها القارئ أن ~~تصدقني أنني تألمت، كما أتشفع عندك بكل عزيز لديك أن تتألم مثلي. # فإن لم يكن آلمك هذا فدونك شيء آخر وقعت عليه عند زاوية أخرى، دونك شيء ولا أقول رجلا، ~~فليس ثمة إلا الجذع فقط لا يدان ولا رجلان، ومع ذلك فهذا الشيء يزحف ويقطع الطوار كله ~~زاحفا ... # يا إله العالمين إني أستغيثك! إن لم تكن الملاجئ لمثل هذا فلمن تكون؟ وفي أي شرع يكون على ~~هذا أن يعمل - أستغفر الله - بل أن يزحف ليكسب قوته، وحوله السيارات الفخمة تنهب الأرض ~~باللاعبين بالذهب! # ومشيت باكي القلب بطيء الخطى، حتى كنت أمام «جروبي»، فإذا بنتان من بنات الشارع تتشاجران ~~في عنف على أعين الناس، وقد ألقتا ما معهما من ورق اليانصيت، وأنشبت كل منهما أظفارها في ~~عنق الأخرى؛ وذلك لأن إحداهما قطعت الطريق على صاحبتها فباعت دونها ورقة! # ونظرت فإذا معركة أخرى أشد عنفا تدور غير بعيد بين فتاتين ناهدتين من ms029 خدم المنازل، وقد ~~شدت كل منهما شعر الأخرى وأهوت عليها بحذائها؛ وذلك لأن إحداهما، كما علمت، غلبت الأخرى على ~~عيشها فأخرجتها من عملها واستمتعت بالأجرة دونها، وتقاطر السابلة يشهدون هذه المعركة ~~الكبرى، وقال أجنبي من المارة لصاحبه وهو يضحك: انظر ... فهذا نذير الحرب العالمية الثالثة ~~... # والتفت على حرب أهلية ثالثة بين حوذي أوقف جواديه الهزيلين، ووثب من عربته التي شهدت فيما ~~أحسب القاهرة في عهد إسماعيل، وراح يصخب في لهجة الحوذية ونغمتهم، ويطلب إلى الراكب بقية ~~حقه، وإلا فمن أين يأكل، ومن أين تأكل الخيل، وهو يستغيث الله والمسلمين، ويخوف هذا الذي لا ~~يريد أن يدفع عاقبة الظالمين، وقد دارت حولهما حلقة من المتفرجين، والحوذي يتدفق بلاغة، إذ ~~يصف الغلاء وما صنع بالناس، ويصخب وكأن في فمه «ميكروفون». # ومشيت ضائق الصدر، حيران الخطى، ملء نفسي الألم مما أشهد من مخازي مجتمعنا العظيم، فإذا ~~أنا تلقاء عتل يستوقفني قل أن رأيت مثله ضخامة وطولا، له عنق هو وحده أضخم من ذلك الجذع ~~الذي كان يزحف على الأرض، أما بدنه فيضل البصر في ضواحيه، ومد إلي ذلك المارد يدا تتسع ~~لحمل أو غلام، وقال في غير تلعثم أو تردد: «يا بيه ... أنا جوعان ... عاوز حق لقمة.» وحرت ~~والله بين أن أضحك فأسري عن نفسه بعض ما بها، أو أصرخ في وجهه علي أنفس عني بعض همي، ~~وغلبتني الثانية فقلت: اغرب عني، فلن يشبعك كل ما في جيبي، إنك تبني عمارة وحدك، وتمشي ~~جماعة وحدك، فهل يصح أن تطلب لقمة! # وبعد، فيا حكومة ... يا وزارة الشئون الاجتماعية ... يا جماعات البر والإحسان ... يا دعاة ~~الإصلاح ... يا من تغارون على كرامة وطنكم وسمعة عاصمتكم ... الغوث ... الغوث ... إن جميع ما رأيته ~~في زوايا الطريق في ليلة واحدة، وعلى أبعاد متقاربة في أهم بقاع القاهرة العظيمة الجميلة، ~~مما بينته وكثيرا مثله مما لم أبين، يصرخ صراخا عاليا لمن كان له سمع أن هذا عيب ... ~~اجعلوها من باب الترف، فأزيلوا من الطرقات هذا الأذى، فما أطمع أن تجعلوها ms030 من ~~الإنسانية! # | شيخ وشيخ # هأنذا في الريف أضع على أنفي منظار القرية، وقد تركت فوق مكتبي في «الرسالة» منظار ~~القاهرة حتى أعود إليه بعد حين، وكان أول ما وقع عليه في القرية منظاري الجديد بعض ما صنع ~~هذان الشيخان في ضحى يوم من أيام رمضان. # أما أولهما فشيخ من حيث الاصطلاح والملبس، فقد لبث في الأزهر من عمره سنين، ولا يزال في ~~القرية يضع على رأسه عمامة هي كل حجته على العلم والورع، وإن كانت بعض وسائله إلى المال ~~والشبع، وأما ثانيهما فشيخ من حيث العمر، فقد تخطى السبعين منذ سنتين وبعض سنة كما ذكر لي ~~حين حدثني عن سنه ... # جلست أمام داري عند مخرج القرية إلى الحقول، وأنا أعجب كيف يغدو الفلاحون إلى أعمالهم ~~صابرين، وقد قضى الصوم والحر على كل ما كان من نشاط في بدني، فما أتحرك لكي أبقى في الظل ~~إلا في مشقة وجهد، وبينما كنت أتفكر في أمر هؤلاء المساكين، إذا أقبل علي أحدهم فسلم وجلس ~~القرفصاء إلى جانب كرسي وأسند إلى الحائط ظهره، ونظرت إليه فإذا هو من فرط نحوله وشحوبه ~~أشبه شيء بعود الذرة جف، فاغتدى عودا من الحطب! # وتكلم فقال: «لن ينقذني من الشيخ فلان إلا أنت؛ فقد اضطرتني الحاجة إلى أن أقترض منه منذ ~~شهرين جنيهين ونصف جنيه، على أن أعطيه وفاء لديني إردبا كاملا من القمح الجديد، ولما ~~كنت أستطيع أن أبيع الإردب اليوم بخمسة جنيهات، فقد ألححت عليه أن يأخذ ثلاثة جنيهات؛ ولكنه ~~تمسك بإردب القمح كاملا، وها هي ذي ثلاثة جنيهات ونصف أرجو منك أن تتوسط لدى الشيخ ~~ليقبلها.» ومد الرجل إلي يده بالنقود وهي ترتعش، ولمحت في وجهه من السخط المكظوم ما زاده ~~بؤسا على بؤس ... ولكنني أخذت منه قيمة الدين ورددت إليه جنيها، فنظر إلي دهشا ~~وسكت. # ومضيت إلى الشيخ وفي خاطري خيال «شايلوك» يهودي شكسبير، وسلمت، وقلت: إن فلانا ذو عسرة؛ ~~وقد توسل إلي أن أؤدي عنه ما عليه لك من دين ، ومددت إليه يدي ms031 بجنيهين ونصف جنيه فحسب، فما ~~إن عدها حتى اصفر وجهه وتكره لي كأني أشتمه، ثم أخذته حيرة من أمره، وتمتم وعبس وتأفف، ودس ~~المال في جيبه وهو يلعن هؤلاء الفلاحين الذين لا أمانة لهم ولا عهد ولا ذمة، وتعجبت أو ~~تظاهرت بالتعجب وقلت متجاهلا: ها هو ذا دينه يؤدى إليك، فنظر إلي نظرة كلها لؤم وخبث ~~يتبين ما إذا كنت أعلم شيئا عن قصة إردب القمح، ثم تركته في غيظه وألمه ينتفض انتفاضة من ~~لدغته عقرب، ويقسم أغلظ القسم أن لن يعين أحدا من هؤلاء الفلاحين ناكري الجميل بعد اليوم ~~... # ومررت أثناء عودتي بدار «عم محمد» النجار، فأبصرته في مدخل الدار وبين يديه أدوات عمله ~~وبعض أشياء من الخشب كان يصلحها؛ فسلمت على الشيخ فنهض للقائي في خفة ودعاني إلى الجلوس، ~~فجلست بجانه على حصيره وهو يكرر في بشاشة وترحاب قوله: «رمضان كريم.» وإنه ليعلم أني أحبه ~~كما أعلم أنه يحبني ويأنس إلي، وقلما رآه أحد من القرية يقبل على امرئ أو يهش له كما يقبل ~~علي ويهش لي، وذلك أن هذا النجار الشيخ على فاقته الشديدة يظن الظنون بمن يراهم أكبر منه ~~قدرا أو أكثر منه مالا؛ لأنه يكره أشد الكره أن يتكبر عليه أحد مهما بلغ من جاهه أو ~~ثرائه، والويل كل الويل لمن يغلظ له في القول من أعيان القرية، فإنه عند ذاك ينقلب من شيخ ~~وديع هادئ إلى نمر شرس هائج لا يخيفه شيء، وقد أحس الشيخ أني أكبره وأحب حديثه فخفض لي ~~جناحه وبسط لي مودته. # ونظرت إلى وجهه المسنون وإلى عينيه البراقتين وهو يصلح بعض أدوات الزراعة، وكأنما يزداد ~~هذا المحيا بشاشة ونضرة كلما علت بصاحبه السن، وأراد أن يعتذر إلي من عدم انصرافه عن ~~العمل احفتاء بي كما كان ينبغي في رأيه، فقال إنه يصلح هذه الأشياء الزراعية الصغيرة بغير ~~أجر في رمضان من كل عام؛ ليغنم الثواب مضاعفا على الصوم، وهو لا يحب أن يخلف الوعد، فعما ~~قليل سيأتي أصحاب هذه الأدوات ms032 ليأخذوها، وأثنيت عليه ما وسعني الثناء، فقال إنه يحمد الله ~~على العافية وأنه يرى أعظم أنعم الله عليه أنه لم يقف مرة واحدة موقف الحاجة من أحد، وأنه ~~لا يذكر لأي امرئ يدا عليه حتى أولاده الأربعة الذين يعيشون كل في داره عيشة هي أوسع من ~~عيشته، ونظر إلي مبتسما وقال: إن خير ما أدعو لك به وأنا أحبك، أن يديم الله عليك ~~العافية وألا تحتاج يوما إلى إنسان ... # وبينما كان يتحدث إلى النجار وهو يصلح تلك الأدوات الزراعية، إذ دخل عليه رجل فسلم وقال: ~~يا عم محمد ... علمت أنك تبيع فجلك المزروع في جهة كيت فجئت لأشتريه ... وتفكر النجار الشيخ ~~قليلا وقال: كم تدفع ثمنا له؟ فقال الرجل: ستة جنيهات، فنظر إليه النجار وقال: انتظر ~~قليلا، وطلب النجار إلي أحد المارة أن يرسل فاطمة بائعة الفجل، فلما حضرت قال لها: هذا ~~الرجل يشتري الفجل بستة جنيهات وقد بعته لك، فما رأيك هل تبيعينه إياه؟ لقد صرت صاحبته وليس ~~لي فيه شيء، وإن لم أقبض منك ثمنه بعد. فقالت المرأة: بعته إياه، وتناول النجار الجنيهات ~~الستة، فأخذ منها أربعة هي ما اتفق مع المرأة عليه ثمنا لفجله، ودفع لها جنيهين ... # وازداد في قلبي قدر هذا النجار الشيخ، وظللت لحظة أقلب نظري في محياه الأبلج السمح، وهو ~~منكب على أدوات الزراع يصلحها في نشاط وهمة؛ وانصرفت وأنا أدير في رأسي قصة القمح وقصة ~~الفجل، أو قصة الشيخ الذي تعلم ويأكل الربا أضعافا مضاعفة، وقصة النجار الذي لم يعرف غير ~~أدوات نجارته، ويتصدق بعمله على الزراع في رمضان، ويأبى أن يكون وقد أربى على السبعين كلا ~~على إنسان. # | شرف! # مشى العمدة في جلبابه النظيف المهندم وعلى رأسه طربوشه الطويل الأقتم، وفي يده عصاه ~~الغليظة المحلاة بالذهب، ومن خلفه بعض وجوه القرية وبعض خفرائها، وإنه ليحرص أبدا أن يسير ~~ومن ورائه عدد من الناس ليوقع الرهبة في نفوس من يمر بهم من أهل قريته، وما يلمح أحد من أهل ~~القرية هذه «الزفة» إلا ms033 نهض محييا يتكلف أكثر ما يستطيع من التأدب والخشوع، فإن كان من ذوي ~~المكانة جرؤ على أن يضيف إلى عبارات تحيته: «تفضل يا حضرة العمدة ... شرفنا يا سعادة البك.» ~~وقنع من حضرة العمدة ردا على تحيته وعلى دعوته بإشارة خفيفة من يده علامة على الرضاء لا ~~تكاد ترى، أو بتمتمة خافتة على شفتيه لا تكاد تسمع؛ وإن كان من عامة الناس فما يستطيع إلا ~~أن ينهض خاشعا إذا أبصر العمدة من بعد، ثم يظل في خشوعه لا يلتفت يمنة ولا يسرة، ولا يرفع ~~رأسه حتى يمر به العمدة، فيرفع يده إلى رأسه في ضراعة، ويرد في اهتمام تلحظه في نغمته، تحية ~~الإسلام التي يلقيها إليه أحد من في ساقة هذا الركب في صوت خافت، فما يجوز أن يلقي السلام ~~إلى أحد غير العمدة، ثم يجلس بعد أن يمر به الركب كله؛ وفي خياله شارب العمدة وعبوس وجهه ~~وطربوشه الأقتم الطويل، وعصاه المذهبة الغليظة، وحسبه جرأة أنه استطاع أن ينظر إلى ذلك ~~الشارب المهيب، وإن كان ذلك بعد أن يمر به العمدة أو يكاد، فيلمح طرفي شاربيه وهو ينظر إليه ~~من وراء ظهره. # لم يبق على أذان المغرب إلا ساعة أو بعضها، ويرى الناس وكأنهم سكارى مما فعل بأبدانهم ~~وأرواحهم الحر والصيام، وامتداد النهار وشدة الغلاء، وطول انقطاع ماء الري حتى هلكت الذرة ~~الوليدة أو كادت، وتفتحت بعض لوزات القطن المحترق قبل أوانها ووقفت سوقه فلا تنمو. # ووقف العمدة وركبه عند أول السكة الزراعية في مفرق الطرق بين قريته وقريتنا وبعض القرى ~~المجاورة، وهو مكان به عدد من الدكاكين وكثير من الناس، وما إن وقع بصره على رجل من أهل ~~قريته حتى ناداه في عنف، فخف المسكين إليه وهو يتمتم في صوت سمعه بعض الناس: «يا نهار إسود ~~... يا خرابي.» ويحاول أن يبلع ما أبقى الصيام والقيظ في فمه من ريق فلا يجد شيئا، ووقف ~~المسكين بين يدي حضرة العمدة، فهل رأيت العصفور الهزيل بين يدي صقر جارح ؟ وراح العمدة ينهره ms034 ~~في صوت كالرعد أكبر ظني أن المسكين لم يسمعه من فرط رعبه ... يا كيت وكيت يا ابن كيت وكيت ... ~~من هاتيك الألفاظ التي تجري بها ألسنة العمد وأصحاب السلطان في القرى، وأمسك العمدة هذا ~~المسكين بإحدى يديه وصفعه بالأخرى مرتين على وجهه المصفار في عنف وغلظة، فما تركه حتى سقط ~~المسكين على الأرض يعفره التراب، فركله العمدة كما يفعل بكلب حقير. # ولم أدر سببا لهذا الضرب، غير أني أحسست بالدم يصعد حارا قويا إلى وجهي، وطاف برأسي ~~في مثل لمحة الطرف طائف مما نلوكه نحن المتعلمين من ألفاظ الحرية والديمقراطية والدستور، ~~ومجلس الأمن وأضرابها مما نخادع به أنفسنا، وهممت أن أنقض على هذا الصقر، وأبعثها حربا بين ~~الأسرتين والقريتين، حتى ولو كان المضروب من أكبر المجرمين، وما كدت أسمع ممن حولي أنه من ~~المساكين المسالمين، حتى انتفضت انتفاضة المحموم، وخطوت أوقد نار الحرب علي أطفئ بها نار ~~غضبي! # ونهض المسكين يبكي ويئن ويضع يديه على وجهه مكررا قوله: «أمري إلى الله ... أمري إلى ~~الله.» وكأنما عز هذا على أحد حاشية العمدة فنهره قائلا: «اخرس يا حمار ... بوس يد العمدة ~~وقل له: ضربك شرف يا سعادة البك، وبذلك يصفح عنك.» # وسبقني إلى حيث يقف العمدة وحاشيته شاب يلبس جلبابا أبيض، ويضع طربوشا فوق رأسه، علمت ~~أنه أخو المضروب، فالتفت إلى ذلك المتكلم الأخير قائلا: «بل اخرس أنت يا سافل.» ومرق مروق ~~السهم إلى العمدة، فوقف يعترض طريقه في جرأة قائلا: لماذا تضرب أخي يا حضرة العمدة؟» ... ~~وأخذت العمدة أول الأمر ربكة من هذه الجرأة التي لم ير مثلها قط في سنوات حكمه الثلاثين، ~~ولكنه نظر إلى هذا المطربش في استهزاء، كما ينظر المرء إلى مجنون لا يحاسب على قوله أو ~~فعله، وأخذ هذا المطربش يقول في عبارة فصيحة: «ما هذا الجبروت؟ إلام الظلم؟ الناس سواسية ~~كأسنان المشط ... نحن في عهد الدستور ... قضية الحرية تعرض على مجلس الأمن ... يا ناس كفى ظلما ~~واستعبادا لخلق الله ... فيم هذا الضرب وهذا الجبروت!» # وتقدم المضروب ms035 بدوره، فازداد الناس عجبا إذ سمعوه يتوثب أمام العمدة قائلا: «إيه ~~الجبروت ده ... دا ظلم ... دا جبروت!» ودفعهما أعوان العمدة من طريقه، ومضى العمدة وهو يلعن ~~الدستور والحرية، ويسخر في صوت مسموع من هذه البدع التي أفسدت الناس، ويكظم غيظه من هذا ~~المعلم الإلزامي الثائر الذي غضب لضرب أخيه، والذي يفسد هو ونظراؤه القرى! # واستمر المعلم الجريء النبيل يرفع صوته متحديا معلنا أنه سيرفع إلى النيابة شكواه، ~~واستشهد بي وبغيري، فقبلت أن أشهد مغتبطا، وأنا أقول لنفسي: هؤلاء هم الذين يصلحون القرى ~~لا الذين يفسدونها، وما يفسدها إلا أمثال هذا المتجبر الطاغية الذي يعيش بجهله وجاهه في ~~القرن الماضي ... ومشيت إلى داري قرير النفس - وقد ذهب عني الغضب - وأنا أقول: لن يكون لمصر ~~دستور بالمعنى الصحيح، حتى يتعلم أبناؤها، ولن تقوم الديمقراطية الحق إلا على أساس من ~~العلم! # أما الذين رفضوا أن يؤدوا الشهادة، فقد انقلبوا إلى دورهم وهم يفكرون فيما سوف يحل بهذا ~~المعلم الإلزامي من نكال أقله تقليع زرعه أو حرقه، أو إهلاك ماشيته بالسم، ومطاردة أهله ~~وذوي قرباه، إلا أن تعصمهم من عذاب هذا الطاغية رحمة من الله! # | ولكنني كسبت القضية! # هي قضية أعرضها عليك يا قارئي العزيز بعد أن كسبتها ~~على حد تعبير حضرات المحامين ... # وأحب أن تعلم قبل أن أحدثك عن القضية أنني رجل لا أطيق أن أرى مخلوقا في موطن من مواطن ~~الضعف أو المذلة، ولقد يجبهني شخص بما لا أحب، فأفضل ذلك على أن أراه يستعطف ويبكي؛ ولقد ~~أحب من أحد تلاميذي أن يكلمني في شيء من الجرأة وأن يجهر لي بالقول، ولا أحب منه أن يستخزي ~~ويضعف ويستكين ... # ومن أراد أن يزحزحني عن شيء عقدت العزم على ألا أتزحزح عنه، ومن أراد أن يستلب مني أي شيء ~~عزيز علي إن كان ثمة عندي ما يستلب، فليأت إلي ثم فليتصنع الضراعة وليظهر التفجع والتوجع، ~~فإنه إذ ذاك يراني تراجعت تراجعا عجيبا، ثم ليجهش إجهاشة واحدة، فعندئذ يراني قد سلمت ~~تسليما ... # وليغفر لي القارئ ms036 إسرافي هذا في الحديث عن نفسي، فما كنت لأفعل لولا أنه يتصل بسبب قوي من ~~قضيتي التي أريد أن أتحدث عنها ... # دخلت على أحد ذوي قرباي في بيته، وهو ممن يشغلون أحد المناصب الكبيرة، فلمحت في وجهه من ~~أمارات الغضب والتكره ما لم أر مثله في هذا الوجه السمح قبل، وما كاد يراني حتى ابتدرني ~~بقوله: ادخل هذه الحجرة فستجد سيدة مع زوجتي فأخرجها وإياك أن تبطئ أو تتهاون. # فدخلت الحجرة مندهشا، فإذا بي تلقاء سيدة في حدود الأربعين غارقة في دموعها كما يقولون، ~~يقطر منديلها الدمع وتسح عيناها سحا، وتجهش حتى لا تكاد تبين الكلام، وإلى جوارها ابنة ~~لها في نحو الخامسة عشرة حسناء رائعة لولا ذبول وصفرة في محياها ونحول في بدنها، وطفلان ~~أحدهما في العاشرة أو فوقها قليلا والثاني طريده في العمر، وكانت البنت تجهش لإجهاشات أمها ~~والطفلان ينظران في دهشة وألم، ويمسح كبيرهما عينيه بمنديله. # وعلمت أن زوج السيدة مختلس، وأن التحقيق أدانه، وأن زوجته باعت حليها وأدت عنه ما اختلس، ~~وأنها علمت أنه سيطرد من عمله، وأن قريبي هو الذي أعد مذكرة يقترح فيها هذا الطرد؛ وأخرجت ~~السيدة صورة طفلين آخرين من أولادها وقالت: ماذا نصنع جميعا وإلى أين نذهب؛ ثم أجهشت ~~إجهاشة طويلة استفرغت فيها كل ألمها، ووضعت بنتها وجهها بين كفيها وشهقت شهقة طويلة. # وما وقعت والله عيناي على صورة الطفلين الصغيرين، وما سمعت بكاء الأم وبنتها حتى انخلع ~~قلبي، وأحسست بالدموع تتساتل على وجنتي ساخنة وأنا لا أدري ماذا أقول، وما أحسبك أيها ~~القارئ إلا تحبس دمعك في جهد الآن أو لعلك تسخر مني - عفا الله عنك - وتضحك من ضعفي. # واستبطأني قريبي فناداني، فخرجت إليه وأنا على هذه الحال، ورحت أتوسل إليه أن يخفف ~~العقاب، قائلا: ما ذنب هؤلاء وأين تذهب هذه البنت؟ وكيف تطعم الأم هؤلاء الصغار؟ # ونظر إلي طويلا وهو يتفكر ثم قال: «ولكنه مختلس وإنه يسلب حق المجتمع، إنني تلقاء ~~اختلاس محض ... ألم يكن يعلم هذا المختلس السافل أن ms037 له زوجة وبنتا وأطفالا؟» # وقلت: ناشدتك الله أن تعفيني من سماع هذا كله. ماذا يصنع هؤلاء وما جريرتهم؟ # وتنهد وقال: أنت لا تصلح أن تكون قاضيا، فقلت: يرحمك الله ما سألت أحدا أن يجعلني ~~قاضيا، ولو أعطيت أضعاف ما أعطى أجرا على عملي ما قبلت أن أكون هذا القاضي، وإلا فقد ~~أطلقت كل مستعطف ودفعت ما أقبض من أجر لكل باك متوسل. # وضحك قريبي وقال: لم أرفع المذكرة إلى الوزير بعد، وسأقترح خصم نصف مرتبه وإنذاره بالرفت ~~... # وأسرعت إلى الحجرة فما كدت أفضي إليها بهذا النبأ، حتى أقبلت علي تريد أن تقبل يدي، ~~فحلت بينها وبين ذلك في رفق، ثم سألتها كيف تعيش الشهر بنصف المرتب؟ فقالت: «وعد إخوانه إن ~~وصل الأمر إلى هذا أن يجمعوا له إعانة ... ولكني لن أرضى بهذا، وسوف أبيع صيوان ~~الملابس.» # وخرجت ولست أنسى أبدا نظرة الشكر في عينيها وعيني بنتها، وعدت إلى قريبي فنظر إلي يسخر ~~من ضعفي وأعاد علي قوله: أنت لا تصلح أن تكون قاضيا ... وابتسمت وأجبته وبقية الدمع في عيني: ~~ولكنني كسبت القضية. # وإياك أن تسخر من ضعفي أيها القارئ، وخير ما أرجوه لك أن تكون ضعيفا مثلي، وإن لم تبلغ ~~في الضعف حد البكاء. # | بين الأرقام والأحلام # كنت أذهب مساء كل يوم إلى حديقة نادي الموظفين في عاصمة من عواصم مصر العليا، فأجلس في ~~ركن هادئ من أركان تلك الحديقة الفسيحة ساعة أشاهد قرص الشمس وهو يغيب خلف التل في إحدى ~~عدوتي الوادي. # وكان لا يدنو مني هناك إلا رجل إنجليزي حاسر الرأس سريع الخطى، أراه كل يوم وفي إحدى يديه ~~ساجور كلبه، وفي الأخرى عصا غليظة، يدخل من باب النادي في ساعة معينة لا يتقدم عنها ولا ~~يتأخر، حتى لقد كنت أضبط ساعتي على مرآه كما أضبطها إذا انتبهت إلى صوت المدفع، وكان الرجل ~~متى بلغ النادي يجري في حديقته ساعة يلاعب كلبه كما يفعل صبي في العاشرة، ثم يدع الكلب ~~ويجلس غير بعيد مني على كرسي، ويمد رجليه ms038 على آخر، ويفتح كتابا يخرجه من جيبه فيقرأ بعض ~~الوقت، ثم يبرح وكلبه النادي عند ساعة لا يتقدم عنها كذلك ولا يتأخر ... # وتعارفنا أنا ومستر «للي» وهذا اسمه وأنس إلي «جوي» وهذا اسم كلبه، وأحسست من الرجل ما ~~يشبه طبيعة المصري في سرعة الألفة، وذكرت له ذلك فضحك وامتدح في كياسة هذه الطبيعة المصرية ~~قائلا، وقد لمح على محياي ما داخلني من سرور: «هذا بعض ما أحببت من شمائل شعبكم الطيب؛ وقد ~~عرفت الكثير منها من مخالطتي عملائي هنا في بنك بركليز.» ~~- هالو! مستر خفيف! سعيدة ... التفت ذات مساء على تحية مستر للي هذه يلقيها إلي بالعربية ~~ضاحكا، ثم تقدم إلي وصافحني كما نفعل نحن المصريين كلما التقيا، ولو وقع ذلك في اليوم ~~مائة مرة. ~~- جوي! جوي! العب وحدك اليوم فلن أشاركك مرحك ... إن في توثبك دعوة إلي ولكني لن ألبيها، ~~إني متعب من زحمة الأرقام في رأسي طول اليوم. # بهذه العبارة كان الرجل يخاطب كلبه بلغته الإنجليزية كما لو كان يخاطب ابنا له، ثم التفت ~~إلي قائلا: «لينصرف كل منا إلى كتابه فبنفسي ميل إلى القراءة.» وبعد مدة ألقى كل منا ~~كتابه ودنا مني ذلك الإنجليزي باسما، وهو يقول: «والآن فلنتحدث.» # وتبادلنا الحديث وانتقلنا من موضوع إلى موضوع حسبما اتفق؛ وكثيرا ما عدنا إلى الحرب ~~ومآسيها وأنبائها، ثم تحدث مستر للي عن وحدته وكيف يعيش هو وكلبه، ثم استدرك قائلا: «هذا ~~إذا لم نعتبر الكتب وما في بطونها من ناس، فهؤلاء تغص بهم الكتب أو يزدحم بهم ~~البيت.» # وسألته عن كتابه الذي ألقاه الساعة من يده، فأجاب متهللا: «هذا مختارات من شعر تنيسون ... ~~لشد ما تعجبني موسيقاه ومعانيه! أجل لشد ما يبهج نفسي ويؤنس وحدتي تنيسون العظيم! ... إني ~~لأقدمه على الشعراء ما عدا شكسبير وملتن ... آه لهذا الساحر!» # وكان الرجل في كلامه عن الشعر والشعراء فياض المعاني بادي التحمس، وقد بدا وجهه الوسيم ~~المتورد كوجه غلام في أول الشباب، وظللت أنصت إليه متعجبا من هذا الذي يقضي نهاره بين ms039 ~~الأرقام في المصرف، ثم يختتمه باللعب وقراءة الشعر، وزادني إعجابا به أنه يقضي وقتا ~~طويلا من ليله يقرأ ويستمع للموسيقى إلى جانب المذياع. # ولشد ما أبهج الرجل أن رآني أحب ذلك الشاعر كما يحب؛ وأنصت إلي فرحا وأنا أطري بعض ~~قصائده، ثم قال: «لا بد من الشعر في هذه الدنيا، لا شيء يسمو بالنفس الإنسانية كما يسمو بها ~~الشعر، لا تصاحب من لا تجد في نفسه شعرا ... إنني طول نهاري بين الأرقام فما كان أشقاني لولا ~~الشعر والموسيقى، ثم هذه الحرب ما كان أتعسني بويلاتها لولا هذا الروح العلوي ... حقا إن ~~القراءة أعظم متعة ... لا تصاحب من ليس في نفسه شعر.» # وكانت الشمس قد مالت لتغيب خلف التل في العدوة القريبة، وانعكست خطوط من التل على قبة ~~السماء، وطرزت حواشي الأفق حمرة الشفق، ثم زحفت ظلال الطفل لتشرب هذه الحمرة، وتراءت القلاع ~~البيض على صفحة النهر الأزلية يزيد بياضها خضرة الزرع على جانبيه، والتفت صديقي الإنجليزي ~~قائلا: «مد عينيك! هذه قصيدة رائعة، فلنصل لحظة.» # وصلينا خاشعين لحظة طويلة، ونهض صاحبي وهو يقول: «إن هذا التل وهذا النهر ليملآن نفسي ~~بخيال الماضي، فضلا عما يريانني من صور الجمال.» ونادى الرجل كلبه ثم قال وهو يشير إليه: ~~«أحب هذا الكلب؛ لأنه شديد الإحساس بالحياة؛ ولذلك سميته جوي ... آه كم أحب أن ألعب مثله ~~فأشعر أني صبي وأنسى أني في الرابعة والخمسين!» # ووضع الرجل عصاه على ذراعه والساجور في عنق جوي، وانصرف قائلا: «هذا برنامج كل يوم؛ ألست ~~تحب ذلك؟» # ولكم أحببت ذلك وأحببت هذا الشاعر، وأغرمت بخياله الذي حبب إليه الحياة أو هونها على ~~نفسه. # | ذات صباح ... # أوشكت أن تنشق على الأفق الشرقي كله الصباح الوردية ~~عن جبين الشمس، وأنا جالس في مصلى على حافة ترعة كانت تفهق بذلك الفيض الحبشي الذي حمله ~~النيل من هضبات وادينا الحبيب؛ وكانت تحجبني عن الطريق العريض على الضفة الأخرى للترعة ~~أغصان الصفصاف المتهدلة، التي تمس الماء فتبدو كأنما تحنو على هذا النضار الغالي، وجلست ~~بحيث ms040 أتبين المارة في يسر من خلال الصفصاف الحاني، ولا يكاد يتبينني أحد إلا في مشقة ~~... # ورحت أرقب طلوع الشمس على الأفق، ولعلي إنما طلبت الفضاء في السماء حيث غطت الفضاء على ~~الأرض عيدان الذرة، وقد استطالت واستغلظت على سوقها وأخرجت سنابلها، وعيدان القطن وقد طالت ~~فروعها وتدلت زهراتها، فلم يبق أمام ناظري على الأرض إلا ذلك الطريق القريب على الضفة ~~الأخرى للترعة، تتقاطر فيه أسراب الصبايا عائدات بجرارهن من الترعة الكبيرة في هذه البكرية ~~الرخية، خفيفات تتماوج قدودهن الممشوقة الناهدة تحت الجرار الثقيلة الطافحة بالفرات العذب ~~الذي يجري به النيل ... # وجاءت فتاتان فآثرتا أن تملآ جرتيهما على مقربة من المصلى، فكنت أراهما من حيث لا ترياني، ~~أما إحداهما فلما لبثت أن عرفتها فهي بهيجة بعينها! بهيجة تلك البنية الريفية التي ما كنت ~~ألقاها وهي بين العاشرة والثانية عشرة إلا استوقفتها وضاحكتها، والتي كنت أحدث نفسي يومئذ ~~بما سوف يكون لها من فتنة وسحر ... # وها هي ذي في الثامنة عشرة أو فوقها قليلا، شمس يضيء جبينها الأبلج كما تضيء شمس الأفق، ~~قد أفرغت فيها الطبيعة الريفية سحرها إفراغا كما يصنع الفنان بدميته، حين يريد أن يبلغ بها ~~منتهى قدرته، وملأت ناظري من خصرها الدقيق وردفها المليء وصدرها الناهد؛ وشمرت عن ساعديها ~~وكشفت عن ساقيها لتنزل على حجر في الماء، فما حسبت ساقيها وذراعيها لولا تحركها، وتثنيها ~~إلا صنعة فنان بالغ في تسوية مرمره ليتحدى به الطبيعة. أما وجهها فما تغني اللغة عنه، فلن ~~يتصور جماله إلا أن يرى ... # أما صاحبتها فسمراء لعوب في وجهها وفي هيكلها وفي حديثها ما نسميه خفة الروح، وهي لا تفتأ ~~تضحك وتداعب رفيقتها ولا تزيد بهيجة على أن تبتسم ابتسامة طفيفة لا تلبث أن تنطفئ ... # وحيرني هذا الهم في وجه بهيجة، فعلى فمها الدقيق وفي عينيها الواسعتين الزرقاوين الطويلتي ~~الهدب، خيال الألم والحزن الدفين وفي خديها شيء من الشحوب، لولا تلك الحمرة الشديدة التي ~~تمتاز بها صفحة هذا الوجه ... # وقالت فاطمة - وهذا اسم صاحبتها كما تبينت ms041 - تحدث بهيجة، وهي فوق الحجر يغطي الماء ما فوق ~~خلخالها قليلا: أأدفعك يا بهيجة في الماء فتغرقين وتلتهمك الجنية؟ وقالت بهيجة: ليتني أغرق ~~فلن ينجيني إلا الموت! ألا ليتني أتزوج الموت نفسه! # وعجبت مما أسمع وازددت تطلعا إلى معرفة ما يحزنها، ~~فما أشد ما يؤلم النفس مرأى الجمال الحزين، وأنصت إلى فاطمة وقد ألقي في روعي أنها سوف تكشف ~~هذا السر ... # وقالت فاطمة، وقد خرجت صاحبتها من الماء بعد أن ملأت الجرتين، وجلست مستندة إلى جذع شجرة: ~~فيم هذا الهم يا أختاه وغدا ليلة الحناء؟ # وحاولت بهيجة أن تبتسم، فما افتر ثغرها الجميل حتى ~~انطبق، وامتلأت مقلتاها الساحرتان بالدمع، وتساتل الدمع فجرى فوق خديها، ثم دفنت وجهها في ~~كفيها وأجهشت إجهاشة كادت تطلق الدمع من عيني ... وما أيسر ما ينطلق دمعي فلا أمسكه إلا بجهد ~~... # وأمسكت فاطمة عن الضحك وراحت تهدهد صاحبتها، وتقول: لعل الخير فيما تكرهين، وما عيب حسن ~~وهو ابن الجمل والناقة، في بيته الخير وزوجات إخوته من أحسن البيوت، وإن لم يكن جميلات، ~~وسوف تكونين أنت زينة الدار ... وبأي شيء يمتاز إبراهيم عنه؟ وكيف تقوى الواحدة منا على ~~مخالفة أبيها؟ رأى أبوك أن يزوجك من حسن فهل تعصينه؟ وما جدوى البكاء وقد صرت في ~~عصمته؟ # وأثار كلام فاطمة حزنها كله فاسترسلت في بكائها، وصحب هذا البكاء أنين متقطع، كأنما كان ~~ما ألقي في سمعها من كلام طعنات خنجر شاعت في جسمها كله ففي كل موضع منه طعنة ... ونظرت في ~~وجه فاطمة تحسب أنها من أعدائها، ورأيت في وجهها كأنها تريد أن تري فاطمة ما تعتزم من عصيان ~~... # ولمحتني فاطمة من خلال الصفصاف، فغمزت صاحبتها وهمست في أذنها، ومسحت بهيجة عينيها بذيل ~~ثوبها الأبيض الذي سحبته من تحت ردائها الخارجي الأسود، وأصلحت الفتاتان حويتيهما ووضعتاهما ~~على رأسيهما ومر رجل فأعانهما على حمل جرتيهما وانطلقتا صوب القرية ... # ولاحظت على بهيجة أنها لا تكاد تقوى على حمل جرتها، فكانت خطوتها أثقل من خطوات صاحبتها، ~~وكان عودها اللدن يتثنى من إعياء ms042 لا من عجب تحت جرتها الثقيلة، وما زلت أتبعها بنظراتي حتى ~~غيبتها عني في منعطف عيدان الذرة ... # وبقيت ساعة يكرب نفسي ما يحزن بهيجة، كما تكدر خاطري طيوف منكرة سوداء من السم والحريق ~~والقتل، وإتلاف الزرع من جرائم الريف يمثلها لي هذا السبب الذي سمعته بأذني؛ وطاف برأسي ~~الطلاق والنفقة والهجر والخصام، وبيت الطاعة والمعارك بين الأسر، بله ما روعني من صورة ~~الخيانة والفجور وغيرها من أفعال الظلام، وما تجره في أعقابها من شر وانتقام، كل أولئك ~~مثلته لي ثورة بهيجة ... # | زهرة وزهرة ... # جلست أنتظر في حجرة مدير المكتب حتى يأتي دوري، فيؤذن لي بالدخول على كبير من أصحاب ~~الديوان في إحدى الوزارات، وكانت الحجرة ملأى بالمنتظرين مثلي؛ وكلما رن الجرس وأسرع المدير ~~إلى الحجرة المهيبة وخرج منها، تأهب كل امرئ يحسب أن الإذن له، فيشير المدير إلى من يعرف، ~~وينادي اسم من لا يعرف، فيصلح الداخل حلته ويزرها ويعدل رباط رقبته، وقد ينزع طربوشه ويمسحه ~~بمنديله أو بطرف ردنه، ويضعه على رأسه في اهتمام، ويدق الباب في احتشام، ويدخل ثم يخرج بعد ~~حين وعلى وجهه غبرة أو ابتسامة ... وكان يقع منظاري على هؤلاء، وأنا أحمد الله أن لم تكن بي ~~حاجة إلى هذا الكبير، فما جئت إلا لأقدم إليه «كتابي» ... # ودخل أكثر من بالحجرة وخرجوا، وبقيت سيدة على أحد المقاعد، حيث وقع نظري عليها منذ دخلت ~~هذه الحجرة ... سيدة هي الحزن نفسه تمثل إنسية في ثياب الحداد! # كنت أنظر إلى وجهها الضارع فتغمز على قلبي وعلى كبدي هذه اللوعة الناطقة فيه، وكانت تدور ~~طرحة سوداء بهذا الوجه، وهو في لون العاج المصفار، فتزيد بياض صفحته وتبرز معنى الثكل فيه ... ~~وكانت هذه السيدة الحزينة تنظر دائما إلى الأرض، فلا تكاد ترفع بصرها حتى ترده إلى حيث كان ~~في ضراعة وتخشع، وكم كان يحزن نفسي ما أراه من حمرة في جفونها، كلما التقى بصري بعينيها ~~الواسعتين الهادئتين، اللتين أطفأ الحزن والسقم ما كان فيهما من بريق! # وكانت هذه الزهرة الذابلة رائعة ms043 الحسن على الرغم من لوعتها وضراعتها، تروعك ملاحة وجهها ~~بقدر ما يروعك حزنها ... وهكذا جعل الحزن روعتها روعتين، وجعل ما يحسه القلب حيالها من لوعة ~~كأنما يذوقها مرتين! # وكانت شابة لا تزيد على الثلاثين فيما أحسب، وفهمت أنها أرملة كبير من أصحاب هذا الديوان، ~~فعجبت كيف يدعها موظفو المكتب حيث هي فلا يعينونها على ما جاءت له من أمر، ولو لم يكن زوجها ~~من أصحاب هذا الديوان من قبل، لكان لها من هذا الحزن الضارع أكبر شفيع ... بل لكان لها من ~~مجيئها ولم تخلع ثوب الحداد بعد، ما هو خليق أن يلين لها القلوب ولو كانت من الصخر ... # ولكن ... فيم العجب، ولو أن زوجها نفسه قد أحيل على المعاش، كما يقول أصحاب الديوان، وجاء ~~بعد يوم واحد إلى نفس الديوان، لتنكر له من كانوا من قبل يرجون مودته، ولحياه من يحييه، ~~وكأنما يريد أن يفهمه أنه يتفضل عليه بهذه التحية، فكيف وقد طواه الموت؟! # بهذا حدثتني نفسي وأنا أنظر إلى هذه التي يغطي السواد جسدها كله، فلا يرى إلا وجهها ~~ويداها، والتي كنت أتخيل أن ما يطرأ على خاطري من هذه المعاني هو عين ما كان يطرأ على ~~خاطرها في تلك اللحظة ... # ودخلت بعد حين غانية أخرى في زينتها ودلها وألوانها، تخطو خطوات رشيقة سريعة، وتتثنى ~~وتتخلج كأنما تمشي لا برجليها وحدهما، وإنما بهيكلها كله، وقد فاح في الحجرة عطورها، وارتفع ~~بالتحية صوتها، وهي تقول إنها تريد أن تقابل سعادة البك. ~~... وجلست هذه الزهرة الناضرة، وقد هش لها مدير المكتب، وأقبل عليها يحدثها حتى ما كان يعي ~~تحيات القادمين ولا نداء الموظفين، ولا يفطن إلى ما يلقونه إليه من أوراق! ... حتى الجرس نفسه ~~- جرس الرئيس المهيب - كان يتوانى في إجابته، ثم يهرول ليعود بعد لحظة يصور لمحدثته مبلغ ما ~~لدى رئيسه من أوارق ينظر فيها؛ وذلك كي يجعل له عليها فضل الحصول على الإذن ... # ودخل الحجرة بعض الخبثاء من الموظفين يتظاهرون أنهم قدموا لعمل ... فكانت تناديهم بأسمائهم ، ~~فيسرعون إليها فتسأل ms044 الواحد منهم عما تم في مسألتها ... فيحدثها في تظرف واهتمام، ويصف لها ~~مقدار ما يبذل من جهد وعناية في هذا الأمر، وهي تخرج الكلام من فمها تارة ومن أنفها تارة، ~~ولا تكاد تستقر في موضعها وتتهددهم ضاحكة أنها سوف تشكوهم إلى سعادة البك، وأنهم ليؤكدون ~~لها في ميوعة وخبث أنهم «في الخدمة»، وأن «الهانم» لن تعود بعد يومين إلا وقد انتهى كل شيء ~~... وتنظر إلى هذا فتقول: يا لئيم! وإلى ذلك فتقول: يا نصاب! وإلى ثالثهم فتقول: يا مكير! ~~وتغمز بعينيها وتضحك ... ويتكلمون بالأحداق، أو يتغامزون بالأيدي، وينصرفون ليقولوا خارج ~~الحجرة ما يشاءون! # وتنظر المحزونة إليها فيتضاعف حزنها، وإن صاحب القلب المحزون ليعرف أقصى حزنه حين يجد ~~نفسه وحده بين قوم لاهين ضاحكين! وأنظر إلى هذه الثكلى لا يعنى بها أحد، ولا يفكر في أمرها ~~أحد، فتشمئز نفسي من لؤم هذه الحياة! # ورن الجرس، فخف المدير إلى حجرة رئيسه، ثم عاد يشير إلى صاحبته لتدخل، ومشت إلى الباب في ~~خفة كأنما تريد أن تجري، ورائحة عطرها تملأ الخياشيم ... ونظرت إلى تلك الزهرة التي لا يفوح ~~منها عطر، فإذا حمرة تورد هذا العاج المصفار في وجهها هي حمرة الغضب، وإذا بجفونها ~~المقروحة تتندى، وإذا بها تمسك دموعها في جهد! # وتمشي إلى مكتب المدير في أناة وخشوع، وتقول له في صوت مختنق متهدج ... إنها تعتذر إذ لا ~~تستطيع البقاء، فما يزيد على أن يقول لها في سماجة: «على كيفك يا ستي ... الناس لسه منتظرين ~~كلهم أهم ... وأنا أعمل إيه؟» # وانصرفت المسكينة فما بلغت الباب حتى انهمرت دموعها، فمسحت عينيها بمنديلها، وما في ~~الحجرة ممن ينتظرون الإذن إلا من تحرك قلبه شفقة عليها ورثاء لها! # ولا أريد أن أذكر للقارئ متى جاء دوري أنا «المؤلف الفاضل»، أحد حملة القلم المتواضعين ~~الذي ما جئت أرجو في شيء، والذي يعرفني منذ سنوات هذا الكبير الذي لا تخلو من أمثاله وأمثال ~~مديره أكثر الدواوين! # | أيام في القرية # لن أجد إذا أردت التعبير عن مبلغ حبي لقريتي ms045 كلاما أجمل ولا أصدق من كلام أستاذنا صحاب ~~«الرسالة»، جزاه الله أحسن الجزاء عما يسدي من صنيع، بقلمه «ورسالته» إلى الفن الرفيع، ولست ~~أزيد عليه سوى أني أعيش في القرية أبدا إذا جئتها كواحد من فلاحيها؛ فأنا أخالط هؤلاء ~~الفلاحين، وأتكلم بلهجتهم، وأؤدي ما أريد من المعاني بألفاظهم، وأضرب في الحديث مثالهم، ~~وأنهج في سوق الكلام نهجهم، لا أتكلف ولا أتعسف؛ إذ لا حاجة بي إلى ذلك، وأنا قروي قبل كل ~~شيء، ومثلي إذا عدت إلى قريتي كمثل النبات، تنقله إلى بيئته، فيبدو لك من خصائصه ما لا يبدو ~~إلا في هذه البيئة ... # هبطت القرية وبيني وبين العيد يومان، وتركت منظاري لينظر من ورائه صاحب «الرسالة»، ~~فيستعيذ بالله آخر الأمر منه، ويسألني في ختام حديثه البارع الممتع: أيرسله إلي أم ~~يجربه على عين الأستاذ المبارك؟ وما درى أن لي في القرية «منظارا» غير ذلك المنظار الذي ~~لا ينفذ فيها إلى مثل ما ينفذ إليه في المدينة، ونسي أن للمبارك عينا لا تحب المنظار؛ ~~لأنها تنفذ وهي عارية إلى كل شيء ولو كان بينها وبينه أكثف ستار! # درت بمنظاري هذا فوقع من حياة «القرية» ومجاليها على ما لو طاوعت قلمي في سرده، لضاق عنه ~~عشرة أمثال هذا المجال، وحسبي أن أقصر الكلام على ما كان أعمق أثرا في نفسي بين ما شاهدت ~~... # شاعت الخضرة في الحقول، ورف في مزارعه بين بطاح البرسيم نوار الفول، واهتزت الأرض ~~أخيرا وزخرت بالحياة، بعد أن فعلت بها دودة البرسيم أياما طويلة ما لا يفعل الجراد، ~~فالتهمت جموعها الخفيفة العنيدة، البراعم الطرية الوليدة، وتركت الناس حيارى لا يجدون لما ~~أصابهم من علة، إلا أنه غضب من الله ... وأبهجت نفسي مظاهر الحياة والبشر في النبات الرفيف ~~والشمس الصاحية، بيد أني - وا أسفاه - رأيت إلى جانبها مظاهر الموت والعبوس في الغدران الناضبة ~~والأشجار العارية، ثم في تلك البهائم العجاف الهزيلة التي تلتهم البرسيم في نهم، ولا تنال ~~منه إلا بقدر. # وجاء العيد فكان من أجمل معانيه وقعا في ms046 نفسي تحية أهل القرية جميعا بعضهم بعضا، ~~وتصافحهم إذا ما التقوا لا فرق بين غني وفقير، ولا بين كبير وصغير، ثم تزاور الناس منذ ~~خروجهم من صلاة العيد إلى متوع النهار جريا على أصول لن تعرف في المدن إلا بين من تربطهم ~~صلة من قرابة أو من صداقة، وكثيرا ما يقوم فيها مقام الشخص ما يدفع إلى الخادم أو في صندوق ~~البريد من بطاقة ... # وارتاحت نفسي لحظة لهذا المعنى؛ غير أني ما لبثت أن كدرني خاطر طاف بنفسي؛ وهو أن عيد ~~هؤلاء القرويين كطبيعة حقولهم، فهذا البشر الذي يبدو على وجوههم يكاد يشف عما وراءه من هم ~~جلبته عليهم الأزمة التي حلت بهم من هلاك الزرع، وبيع القطن بثمن بخس، ولن تغرب شمس هذا ~~اليوم حتى يعودوا إلى ما كانوا فيه من عناء ونكد. # ورأيت العيد في دنيا الأطفال غير العيد في دنيا الكبار، فهؤلاء الصغار هم الذين ينعمون ~~حقا بالعيد، وهم الذين ينجلي بهم معنى العيد؛ ولكم بث مرآهم من النشوة في قلبي، وبعث من ~~جميل الذكريات في أطواء نفسي، فذقت السرور الصادق برهة في تذكري أيامي التي خلت والتي كان ~~قصاراي فيها حلتي الجديدة وقروشي القليلة، وتمتعي ساعة بالأرجوحة التي أسمع اليوم صليل ~~«جلاجلها» النحاسية وصرير أخشابها العالية، ولكن بأذن - وا أسفاه - غير تلك الأذن الصغيرة! وما ~~أعجب هذا السرور الذي يجر في أعقابه الأسف والكآبة ... # وخرج الصبايا أسرابا عصر يوم العيد كعادتهن إلى الترعة البعيدة يحملن جرارهن، ويتجملن ~~بحليهن ويخطرن في جديد ملابسهن، والشباب يأخذون عليهن الطريق جماعات جماعات، وهم مزهوون ~~بحللهم الجديدة، وطواقيهم البيض وعصيهم الرفيعة من الخيزران ... ولكن نظرات البنات فاترة ~~ساهمة، فليس من هؤلاء الفتية في هذا العام الباحث الخاطب والزوج المرتقب، وقد قل المال ~~ورفعت الحب ثمن كل شيء. # وتجمعت في الأفق ظلال الغروب وراحت كدرتها تطوي نور النهار وبهجة العيد معا، وأويت إلى ~~داري أعد في نفسي ما تصرم من أيامي في القرية، وأحصي ما بقي منها، وأعجب لسرعة انقضاء ~~الأيام هنا ms047 على هذا النحو، وأقول: متى يقبل الصيف لأقضي في قريتي ما أقضي كل عام من شهوره، ~~وكان آخر سؤال طرأ على خاطري: متى يعنى أدباؤنا بالريف وحياته فيصدق هذا الأدب وتتضح ~~معالمه ويذهب عنه ما يعلق به من بهرج زائف وتقليد سخيف؟ ومتى يعنى أغنياؤنا بالريف وأهله، ~~فيعرفون موضع الداء فيه؛ ليصلوا إلى العلاج الناجع ويستبدلوا بالكلام الذي لا غنية فيه ما ~~يطلبه الريف وأهله من عمل نافع؟ # | من الفأس إلى السلاح # خففت إلى القرية منذ بضعة أيام، وقد أغراني الصحو والدفء أن أنعم بهما هناك يوما أو ~~يومين في ملاعب صباي ومسارح هواي وجنة أحلامي؛ ورحت في رونق الضحى أثب كالفراشة من حقل إلى ~~حق ومن غدير إلى غدير، وفي قلبي فرحة الغلام، وفي خيالي أحلام الشاعر. # وجلست أستريح ساعة في مصلى على جانب الطريق، أستند إلى جذع شجرة التوت العتيقة التي ~~جردتها يد الشتاء العاتية من أوراقها، والتي طالما استروحت نسيم الأصيل الرخي في ظلها ~~السابغ أثناء الصيف، وأخذت عيناي من بعد شخصا قادما في زي «الأفندية»، فلما صار بحيث ~~أتبينه، رأيته في زي «الجند» وما لبث أن دنا مني فعرفته، ولما بلغ حيث أجلس نطق بالسلام ~~مبتسما ورفع يده إلى رأسه محييا بالتحية التي تعلمها في الميدان ... وعجب إذ نهضت واقفا ~~له، وإذ مددت إليه يدي أصافحه في اهتمام ثم جلس على حافة المصلى. # هذا هو حسن الفتى القروي المرح، القسيم المحيا، الذي تعرفه القرية كلها بمواويله الساحرة ~~العذبة التي كان يمليها عليه في الأفراح ما هز قلبه من حب عف شديد، والتي ما لحق به في ~~مضمارها أحد من منافسيه ... ولقد طالما رأيته بالأمس يخطر في ملابسه القروية في تلك البقاع، ~~ولقد طالما سمعته من قريب أو من بعيد يبدأ أغانيه الحلوة بقوله: «آه ... ياما جرى لك يا ~~قلبي.» # واليوم أراه في حلته العسكرية ينتعل ذلك الحذاء الضخم، ويضع على رأسه الطربوش ويمسك بيده ~~عصا رفيعة من الخيزران، وقد زال عن وجهه سفع الشمس إلا قليلا، ms048 فبدا أكثر وضاءة وأجمل ~~قسامة وأنضر عافية. # ولمحت في عينيه شيئا من القلق ولكن لم يغب عني سببه، فأنا أعرف أن هذا المصلى مكان ~~انتظاره من يهواها قلبه، وهي قافلة من الترعة أو ذاهبة إليها؛ وأشرت إلى ذلك مداعبا ~~ممازحا، فضحك ضحكة جميلة مازج الطلاقة فيها الخجل ... ولكن إشارتي إلى ما في نفسه زادت قلقه، ~~كما تبينت في صفحة وجهه، فوجم برهة، وأدركت أنه يهم بالانصراف فأخذت أهدئ بالحديث ~~روعه. # ولم يطل ذلك الحديث فقد رأيت الصفرة تغشى وجهه والخجل يتزايد في عينيه، فالتفت فإذا هي ~~مقبلة تحمل جرتها، ورأيتها حينما دنت منا قد أخذتها ربكة المفاجأة فاضطرب هيكلها ثم أسرعت ~~فأخفت وجهها بطرحتها ... وبدا لي فناديتها حين مرت، فأبطأت ولكنها لم ترد ولم تلتفت، فأكدت، ~~فوقفت، ثم تغاضبت فأقبلت في حياء شديد، فصحت بها لتقدم وإلا نهضت فجئت بها على رغمها، ~~فجاءت ووضعت يدها في يد خطيبها ثم انتزعتها مسرعة دون أن تتكلم، وهي تتلفت مخافة الرقيب، ~~وأشرت إليه فحط عنها الجرة وأرغمتها على الجلوس، فجلست إلى جانب المصلى تحجب طرحتها نصف ~~وجهها المتورد الجميل، وملء بدنها الاضطراب والنشوة والدهشة. # وانعقد لسان الجندي فلم يدر ماذا يقول، «فأنقذت الموقف» أنا بامتداحي حياة الجندية ~~وبثنائي في عبارة سهلة يفهمانها على أولئك البواسل الذين يفتدون بلادهم بأرواحهم ... ولمعت ~~عينا الجندي الشاب، ثم تندت بدموع الفرح مقلتاه وأنسته الحماسة خجله فقال وهو الذي كان يحمل ~~الفأس بالأمس إنه يفدي بلاده بدمه إذا لزم الفداء ... ونظرت إليه الفتاة نظرة عاجلة لم أر ~~فيها إلا معاني الإعجاب والارتياح، ونهضت قائلا: إني أتركهما برهة ليقولا ما ~~بنفسيها. # وعدت إذ رأيته يضع على رأسها الجرة، وواجهتني ذاهبة صوب القرية، فإذا هي مستبشرة راضية ~~تكتم ضحكتها وفي وجهها شيء من الحياء يخالطه شيء من التصنع؛ ودنوت من ذلك الجندي أسأله لم ~~لا يصف ذلك في موال من مواويله، وهو ذلك الشاعر الذي ما عي لسانه في موقف ... ولكنه لم ينطق ~~بموال حينذاك، وإنما راح يتكلم عن حب ms049 الوطن وعن معاني الفداء والبطولة، ولشد ما أعجبني ~~قوله: «الواحد منا ما يستهلش خير بلاده إذا ما دفعش عنها بدمه، والراجل إيه فائدة عافيته ~~وشبابه؟ يا ترى يقعد زي البنت؟» وأكد لي أنه لا يأسف على فراق قريته في سبيل وطنه، وتلعثم ~~ثم قال: إن حب بلاده فوق كل حب! # واستأذن الجندي الفلاح فوقفت أصافحه في حماسة وشيعته بنظرات الإكبار وهو يمشي مشية متزنة ~~سريعة، وعجبت كيف تغير الجندية عقلية هؤلاء الفلاحين بمثل هذه السرعة، وأثلج صدري أن أرى في ~~ذلك الفتى المتحمس الدليل الحي على صحة ما يقوم أبدا في نفسي، من أن هذا الذي يجيل الفأس ~~في تربة وادينا الوديع الهادئ كفيل بأن يدير في يده السلاح بنفس المهارة إذا هو قلد السلاح ~~... ومن أين جاءت جنود تحتمس ورمسيس وإبراهيم؟ وكم بين هؤلاء السذج زرق الجلابيب من قادة ~~أمجاد وعلماء أفذاذ وشعراء فطاحل وساسه أمائل، ولكنهم تركوا في غمار الجهل والفاقة لا ~~يعلمون إلا أن يجيلوا الفأس في ثرى الوادي في صمت وصبر جاهدين. # | عرفان الجميل # نهضت للقائه وقد أقبل علي هاشا محييا، وصافحته شاكرا له تحيته مجيبا عليها بأحسن ~~منها، وجلست وجلس وهو يحمد الظروف التي جمعت بيننا في القرية على غير انتظار. # وكان يعلم أني لا تتاح لي فرصة للمجيء إلى القرية إلا اغتنمتها، فمال بالحديث إلى ذلك ~~المعنى، وأخذ يبدئ ويعيد في بيان مبلغ كراهته للقرية، وهو لن يرى أبلغ من أن يقول إنه ~~يكرهها اليوم بقدر ما أحبها بالأمس، وإنما يجيء إليها مضطرا في بعض عمله ثم يغادرها أسرع ~~ما يستطيع. # ولما كنت أفهم العلة الحقيقية لتلك الكراهية لم أشأ أن أناقشه فيما أبداه غيرها من العلل ~~الزائفة، بل لقد ثقل علي كلامه، وأنكرت ما يفيض به من تكلف سخيف وما ينطوي عليه من خبث ~~بغيض. # ورأيته يبالغ في الحذر على ملابسه أن يعلق بها التراب، فهو لذلك يمسحه عنها بمديله بين ~~آونة وأخرى لا يمل ذلك ولا يفتر عنه؛ وكيف يطيق أن يرى ms050 الغبار على حلته «الإفرنجية»، وإنه ~~ليزهى أكبر الزهو بأن يخطر فيها على أعين الناس في القرية يذكرهم بها كيف أنه أصبح ذلك ~~«الأفندي» الوجيه الذي لا يقل في وجاهته وعظمته شأنا عن سراة القرية، ولعل هذا المظهر الذي ~~تبتهج له نفسه هو وحده الذي يجعله يطيق البقاء يوما أو بعض يوم في تلك القرية. # وقطع علينا الحديث قدوم شيخ أربى فيما قدرت على الستين يتوكأ على عصا غليظة، ويكاد من ~~الضغف لا تقوى على حمله رجلاه، ولم يكن ذلك الشيخ المتهدم إلا والد ذلك الأفندي الوجيه، ~~ونهضت أستقبله مظهرا له حفاوتي به، وعجبت أن أرى ابنه يقف متثاقلا متباطئا، وأسند الرجل ~~عصاه إلى أحد المقاعد وأراد أن يجلس على الأرض، فأمسكت بيده وأجلسته بعد إلحاح على ~~المقعد. # وأطرق الرجل لحظة، ولكني تبينت في عينيه كلاما؛ وفطنت إلى أنه يرتاح لوجود ابنه معي في ~~تلك الآونة إذ يستطيع أن يسمعه ما يريد ويشهدني على قوله ويبثني شكواه؛ وزدت وثوقا من ذلك ~~بما رأيته من اضطراب وغيظ على ملامح ابنه الوجيه. # وتنهد الرجل تنهدة طويلة ثم انطلق يتحدث ولم يكن حديثه إلى شكاة مرة موجعة من هذا الذي ~~أنفق عليه الرجل ماله جميعا، حتى صار إلى ما صار إليه، وذكر لي فيما ذكر والدموع تبلل ~~لحيته البيضاء، أنه ذهب إلى بيت ابنه في المدينة، فأنكر الابن وجوده هناك، فذهب أبوه يطلبه ~~في مقر عمله فدله عليه بعض الخدم، فانتحى به الابن جانبا هو يحاول كتمان غيظه ثم صرفه بعد ~~دقائق، فما كان الرجل يبلغ عتبة الحجرة حتى سمع ابنه يقول لزملائه ضاحكا: إن هذا الرجل كان ~~فيما قبل زارعا أجيرا عند أسرته، وإنه يطلب إحسانا ... وخنقته العبرات لحظة ثم عاد إلى ~~حديثه يسألني. هل يكون ذلك نتيجة التربية؟ وهل يكون جزاؤه على بيع ما كان يملك في تعليم ~~ابنه أن يقابله بما بقابله به؟ والتفت أطلب الجواب من الوجيه المتعلم الذي يكره القرية ~~وحياة القرية، فهالني ما سمعته من عبارات فاجرة أخذ ms051 يوجهها إلى الذي كان سببا في نعمته، ~~دون أن يستحي، وكانت أقل تهمة ألصقها بأبيه أنه قد صار شيخا خرفا لا يؤاخذ. # وبلغ بي الغيظ كل مبلغ ولولا أدب الضيافة لصرفت هذا المتبجح السمج من مجلسي في غلظة، ~~ونصحت للرجل من فرط غضبي، وليتخذني شاهدا، أن يرفع إلى القضاء دعواه، فنظر إلي نظرة شكر ~~ولكنه قال: «يا بني نضحك علينا البلد ونسمع بنا الناس؟ لا، أنا عندي أموت من الجوع ولا يقول ~~الناس إن ابني ناكر للجميل.» # وأخذت أسري عن الرجل بما أستطيع من الكلام وقد عزني في هذا الموقف الكلام، كل ذلك وابنه ~~صامت كأنه جماد لا يتكلم ولا ينصرف على الرغم من عنفي عليه، ثم وعدت الشيخ أني سأبذل قصارى ~~جهدي من أجل راحته وودعته مواسيا مشفقا. # وهم ابنه بالانصراف بعده فمددت إليه يدي على كره مني، وجلست وأنا أقول: أيكون بعد ذلك ~~غريبا أن نجهل القرى وحياة ساكني القرى، وأن نظل وكأننا بما بيننا وبين هؤلاء المساكين من ~~قطيعة شعبان يعيش أحدهما من كد الآخر؟ وإذا كان هذا شأن بعض الأبناء مع الآباء، فكيف تكون ~~الحال فيمن لا تربطهم بأولئك المساكين بنوة أو قرابة؟ # | آدمي ...! # كان يوم رأيته آخر مرة في الحقل يبدو مصفارا مضعوفا، لم تبق العلة في وجهه غير أثر ~~ضئيل مما كان يترقرق فيه من نضرة العافية، ولم يدع السقم في بدنه إلا بقية طفيفة مما كان ~~يكمن فيه من فتوة الشباب؛ وكان يجيل الفأس في حركة أشبه بحركة الآلة البخارية نفد وقودها أو ~~كاد، فبدت كأنما أوهنها طول العمل. # وألح عليه الداء فلم يبرح داره أياما، وساورتني رغبة قوية أن أذهب لأعوده، ولم أكن أعرف ~~موضع بيته من القرية فاستصحبت من يدلني عليه. # مشيت دقيقتين أو ثلاثا فيما يسمى في القرية شارع «داير الناحية»، ثم قادني صاحبي إلى ~~حارة لا يزيد اتساعها على ثلاثة أمتار أخذت تلتوي، فأنعطف تارة نحو اليمين وطورا صوب ~~اليسار وأنا أمر على الجانبين بهاتيك المباني المتلاصقة التي تتشابه ms052 في كل شيء، في صغر ~~منافذها وقلتها، وفي حجم أبوابها ووضاعة مظهرها، ثم في هذه الأقراض الجافة المتخذة من روث ~~الماشية والمرصوصة فوق هامتها كأنها الأكاليل! # ولم أكن دخلت من قبل دارا من هاتيك الدور البائسة، ولم أر إحداها من الداخل إلا بالنظرة ~~العابرة حين أمر بباب مفتوح من تلك الأبواب القبيحة، التي تزين صدر كل منها ضبة أشد قبحا ~~منه. # ووجدتني في فناء دار ذلك المريض الذي جئت لأعوده، وهو فناء لا يزيد اتساعه كثيرا على ~~ثلاثة أمتار في مثلها، في ناحية منه مصطبة عليها جرة من تلك الجرار التي يحمل فيها الماء من ~~الترعة؛ وإلى جانب المصطبة موقت من الطين أحسب أنه لم توقد فيه نار من زمن طويل، فلا أثر ~~للرماد فيه، وفي ناحية أخرى من الفناء وقفت جاموسة هي أثمن ما في الدار من متاع، بل هي أصل ~~ما في الدار من متاع، وعليها وحدها يتوقف ما فيها من معيشة، وكانت أرض الفناء إلا مساحة ~~قليلة مبللة بالماء الذي ينساب إليها من فوق المصطبة حينا، ومن تحت الجاموسة ~~أحيانا! # ودهشت زوجة المريض إذ رأتنا، أخذتها ربكة حتى ما تجد كلاما تقوله، وبدت الدهشة في عينيها ~~وفي وجهها وفي ارتعاش أطرافها، وتعثر خطواتها وهي تشير إلى القاعة التي يرقد فيها زوجها ... ~~وما كنا لنخطئ تلك القاعة لو لم تدلنا عليها، فلم يك أمامنا غير باب تحكم إغلاقه ضبة عتيقة، ~~وآخر انفرج قليلا؛ وليس مما يجوز في العقل أن تلك الضبة العتيقة تغلق الباب دون المريض، ~~فليس مما يدعو إلى حبسه سبب ظاهر أو خفي فيما نعلم ... # وأسرعت المرأة أمامنا فدخلت قاعة المريض تخبره بمجيئنا، وتألمت إذ أدركت أنه سيحاول ~~القيام، فأسرعت في إثرها لأقسم عليه ألا يفعل، ودخلت ولكني لم أره أول الأمر، فالقاعة مظلمة ~~لا يدخلها نور النهار إلا من كوة صغيرة قرب السقف. # وسمعت صوتا يئن ويقول في إعياء وهمود بالغين: «كتر خيرك يا سيدي ... الحمد لله ... الله ~~يخليك يا رب، ولا يريك اللي أنا ms053 فيه.» # وحركت نبرات ذلك الصوت نفسي من أعماقها، وخيل إلي أني داخل قبر أستمع إلى صوت آدمي عادت ~~إليه الحياة منذ لحظة، فهو لطول عهده بالصمت لا يستطيع إخراج الألفاط إلا في عسر شديد ... ~~وكاد يغلب الخيال يقيني، فرحت أستمع إلى ذلك الأنين المؤلم، وفي وهمي أنه يخلص إلي من تحت ~~الأرض. # ولكني رأيت الرجل حينما اعتادت النظر في الظلمة عيناي، فسألته عما به فأشار إلى فخذه ~~واسترسل في أنينه، وقالت امرأته وهي تحبس دمعها: «بعيد عنك، طالع له طلوع في فخذه وجسمه سخن ~~زي النار.» # ونظرت فرأيت الرجل ممددا على التراب، فليس تحت جسده فرش ما ولا تحت رأسه وسادة اللهم إلا ~~خرقة قديمة كورتها له امرأته، وعاد الخيال يغريني أنه ميت بعث، وأنه برز من جوف الأرض، حتى ~~لقد توهمت أني أرى خضرة الكفن فيما تهدل على جسده الهزيل من ثياب! # ونظرت حولي في القاعة، فلم أجد غير بعض الحبال ومنجل وفأس في زاوية، فوثبت إلى ذهني صورة ~~أخرى من صور الموت، فقد كان آباؤنا الأقدمون يضعون مع الميت في قبره متاع دنياه! # وخرجت أستدعي الطبيب وخلفي زوجة المريض تقول في نبرات حزينة: «حصلت البركة، مستعجل ليه يا ~~سيدي، خليك نذبح لك خروف.» # أيها التعساء البائسون! إن بهائم سادتكم الذين يسخرون مثلكم في فلاحة الأرض لأسعد حالا ~~منكم، ومع ذلك فأنتم آدميون كما أن هؤلاء السادة آدميون! # | القاهرة ليلة الجمعة! # أحب الطواف بأنحاء العاصمة ليلة الجمعة من كل أسبوع، فأسير أينما اتجهت بي قدماي لا أدري ~~متى أقف ولا من أي طريق أعود، ولقد أقصد أحيانا إلي حيث تقوم دور الملاهي، وأنا لسوء حظي ~~أو لحسنه - حسبما يرى القارئ - أجدني أبدا غريبا في ذلك الحي، بل إني في الواقع غريب في ~~المدينة كلها على الرغم من أني قضيت فيها من عمري سنين! # وعين الغريب كثيرا ما ترى ما لا تراه الأعين التي ألفت ما تقع عليه، ولعل هذا هو الذي ~~يحبب إلي ذلك الطواف الطويل ، ولقد كانت آخر ms054 مرة طفت فيها بذلك الحي ليلة الجمعة الماضية ... ~~على أني وددت ليلتئذ لو أن قدمي سارتا بي إلى مكان غير ذلك المكان، فلقد كنت أحس شيئا من ~~الهم على الرغم من أن جيبي كان لا يزال عامرا بمرتبي الذي تناولته قبلها بيوم، وخشيت أن ~~يؤثر ذلك الهم في تصوير ما تقع عليه عيناي. # ووقع ما خشيته فأنا أرى كل شيء بقلبي لا بعيني، فها هي ذي مناظر شاهدت مثلها كثيرا، ~~ولكنها تزيدني هما على هم. # هذه «شلة» من الرفاق أنستهم جيوبهم التي أحسب أنها كانت لا تزال عامرة مثل جيبي، وأنساهم ~~شبابهم ما يجدر من الاحتشام بأمثالهم من «الأفندية»، فأخذوا يتصايحون ويهوشون وينادي الواحد ~~منهم صاحبه بأفظع ما يتصور من عبارات السباب، كأنما راحوا يتنافسون في فحش القول ... ولمحني ~~أحدهم وهو يعرفني، وقد عرفته من قبل وقورا هادئا فاندس من الخجل واختفى في أصحابه. # ودرت بعيني، ولكنهما وقعتا على قوم آخرين أراهم أجدر من سالفيهم بالوقار والتحشم، فإن ذلك ~~مما تقضي به على الأقل طرابيشهم «الميري» وسراويلهم التي تزينها الأشرطة الحمر المهيبة، ~~ولكنهم كانوا أكثر من السابقين تهريجا وتبذلا، ولا عجب فهم فرحون مزهوون بهذه الملابس ~~التي باتوا يخطرون فيها على أعين الناس. # ولكم كنت أضيق بهم حينما كانوا يزحمون الغادين والرائحين، وعلى الأخص الغاديات والرائحات ~~... # والتفت على صوت هرج شديد، فرأيت في مقهى قريب معركة حامية وعلمت من أمرها أن أحد ~~«اللاعبين» هجم بسكين المائدة على صاحب له؛ لأنه أخذ منه آخر قرش بقي معه، ولم يشأ أن يقرضه ~~من تلك القروش شيئا يعود به إلى عياله. # ورأيت في مطعم حول بعض موائده الممدودة رهطا من أولئك الغلمان الذين يلقطون بقايا ~~الدخائن، ويترامون على ما يلقى إليهم من فتات تلك الموائد، ينازع بعضهم عليها بعضا كما ~~تفعل الكلاب، فيزيدون المنظر بذلك سوءا وقبحا، ومضيت أخرج من هذا الحي فلم يعد لي في تلك ~~الليلة جلد على رؤيته، فما كدت أنعطف في أول شارع حتى ألفيت في المنعطف «لقاء» تكتفه ms055 ~~الريبة، ف «هو» يضحك مرتبكا و«هي» لا تكاد تضحك حتى يطفئ الخوف والقلق ضحكها ... ومررت بهما ~~وأنا أسائل نفسي: أله زوجة ولها زوج؟ # وكأنما تأبى المكاره إلا أن تأتي في وقت معا! فهذا مترنح متخلج يمسك أصحابه بذراعية ~~مخافة أن يقع، وهو شاب بادي الوجاهة، ولقد سقط طربوشه حينما قربت منه ولست أدري لم قصدني ~~أنا، فالتفت إلي ضاحكا وقال: «من فضلك ناولني البلغة يا أفندي.» # وألفيت عند محطة الترام أنماطا من الشباب فرادى وجماعات، ورأيت منهم من مرت بهم جميع ~~المركبات وهم مع ذلك وقوف في أماكنهم يمدون أعينهم إلى كل مركبة في مكان معين منها، وعلام ~~يستعجل هؤلاء العودة إلى منازلهم ولا تزال بينهم وبين امتحاناتهم شهور؟ # وأراد نكد طالعي أن يكون آخر ما يقع منظاري عليه جماعة من أولئك الغلمان في إحدى الطرق ~~ينبشون صندوق القمامة، يبحثون فيه عما يقتاتون به ... وكثيرا ما رأيت مثل هذا المنظر - وا ~~أسفاه ... فرفعت بصري إلى أعلى وقد ضاق بالأرض وما عليها، فوجدت القمر من فرجة بين بيتين ~~عاليين، وأحسست أنه في تلك المدينة غريب مثلي، ولست أدري لماذا فسرت ابتسامته في تلك الساعة ~~بأنها سخرية من حياة المدينة ومفارقاتها؟ ... وأشد ما أمضني أني لم أر شيئا مما كرهت من أحد ~~غير بني قومنا الأعزاء، على كثرة ما بين ظهرانينا من النزلاء! # | قطط وكلاب وناس! # منظر كم رأيته وكم تمنيت بعده لو لم تقع عليه عيناي! ومع ذلك فقد لبثت دقائق كثيرة أحملق ~~فيه وأطيل النظر، كأنما وقعت منه على فرجة تبتهج لها النفس! # في شارع كبير من شوارع هذه المدينة العظيمة - القاهرة عين أفريقية وملتقى الحضارتين ~~الشرقية والغربية - وقفت على مقربة من صندوق القمامة، فإذا بي أرى في ناحية قططا ثلاثة، ~~وفي ناحية أخرى كلبين، وعلى قيد خطوة من هذه المخلوقات بنتين وصبيين وعجوزا. # وقفت أنظر ... فيا لشناعة ما رأيت من منظر، ويا لهول ما جاشت به نفسي من المعاني تلقاءه! ~~وإني أعيذك أيها القارئ أن تستكثر علي استشعار الهول ms056 فيما رأيت، وأن ترده إلى استغراق في ~~العاطفة يلحق بالضعف، وإلا رميتك أنا بالقسوة، وعندي أن القسوة هنا - على أي حال - إنما هي ~~شر مما تزعم من ضعف. # راحت هذه المخلوقات، الآدمي منها وغير الآدمي، تنبش القمامة فتمد الكلاب والقطط أرجلها ~~الأمامية ويمد الآدميون أكفهم، حتى لتكاد تلتقي تلك الأرجل وهاتيك الأيدي كأن لا فرق بينها ~~في شيء. # وجعلت أنقل البصر من القطط إلى الكلاب، ومن هذه إلى البنتين والغلامين والعجوز، وأول ما ~~برز لي من المعاني هو صورة من تنازع البقاء في هذه الدنيا لاحت بين أفراد كل فريق من جهة، ~~ثم بين كل فريق وفريق من جهة أخرى. # كانت القطط تقوس ظهورها وتنفش شعورها وتخطف العظام إحداها من الأخرى، فإذا أرادت أن تختطف ~~شيئا من الكلبين دارت معركة قصيرة بين الفريقين، فإذا زجر الصبيان الكلبين والقطط في حذر ~~وخوف، جرت القطط فتربصت على خطوتين لتعود بعد لحظة، واستعلن الشر في وجهي الكلبين، فتركهما ~~الزاجرون من الآدميين ومضى كل إلى ما كان فيه من عمل، وكان يفرح هؤلاء التعساء من الآدميين ~~إذا دارت المعركة بين الكلاب والقطط، واستمرت لحظة طويلة، فيكبون إذ ذاك في عجلة ونشاط في ~~التقاط ما تنكشف عنه القمامة من بقايا العظام، ولقيمات الخبز، وقشور الفاكهة، وما إليها قبل ~~أن يعود فيشاركهم في التقاطها أفراد الفريقين الآخرين. # وكان كل من الصبيين والبنتين والعجوز يزحم الآخر، ويسابقه في نبش كومة جديدة من الكناسة، ~~فإذا عثر أحدهم على لقمة كبيرة نوعا لاح في وجهه، مثل ما يلوح في وجه الباحث عن الذهب في ~~أرض الذهب إذا التمع في عينيه عرق من المعدن النفيس، ويقذف الصبي باللقمة في حجره، وقد ~~زادها قيمة عنده أنها خلصت له من قرنائه ومن القطط الثلاثة ومن الكلبين. # ومرت بي أثناء ذلك بعض السيارات الفخمة تحمل أنماطا من سراة القوم، ومن هؤلاء من لاحظت ~~أن عيونهم رأت ما رأت عيناي إلى جوار صندوق القمامة، ولكني لم أتبين في وجه من هاتيك الوجوه ~~الناعمة الراضية ms057 أية اختلاجة من أسف أو من رثاء، أجل لم أتبين في هؤلاء السادة «عبيطا» ~~مثلي يرى في ذلك المنظر ما يستوقف بصره، وإذ ذاك ازداد رثائي ضعفين على أولئك التعساء الذين ~~يشاركون الكلاب والقطط في نبش الكناسة، وليس يملك مثلي لهؤلاء إلا العطف والرثاء. # ألا ليت أولئك السادة انتبهوا ففطنوا إلى أن هؤلاء الذين نزلوا إلى مستوى الكلاب، ينتمون ~~إليهم في «آدميتهم»، وأنهم في هذا الوضع يشينون الجنس كله، ثم ألا ليت أولئك السادة تذكروا ~~أن القليل مما ينفقون في شهواتهم كفيل بأن يقضي على أمثال هذه المناظر، إن كان يهمهم القضاء ~~على تلك المناظر ... # آه ... ليت أولئك السادة حين تقع أعينهم على بنيهم وبناتهم، إذ يلقونهم فرحين بما يتقلبون ~~فيه من نعمة، يذكرون أنهم رأوا بنين وبنات من تعساء الإنسانية تلتقي أيديهم الهزيلة بأرجل ~~الكلاب والقطط في نبش صندوق القمامة. # | ساع في الدرجة الخامسة! # بلغها بدماثة خلقه، لا ريب عندي في ذلك، ومن كان في ريب مما أقول فليعرفه من كثب كما ~~أعرفه، ثم لينظر فإن لم يمح اليقين من نفسه الريبة فأنا المخطئ وهو المصيب ... # وإن أنداده ليعجبون كيف يتخطى أكثرهم إلى تلك الدرجة التي باتت عندهم حلما من الأحلام، ~~وإنهم ليقسمون أنه دونهم في الكفاية، ويستدلون على ذلك، إذا لم يغن القسم، بأخطائه الجسيمة ~~التي لم يسأل قط عن شيء منها، وذلك ما يزيد دهشتهم وحيرتهم. # ولكني أنا أعجب كيف فاتتهم دماثة خلقه، ورقة شمائله ولطف معاشرته، وإليها مرد ما نال من ~~حظوة! ومتى كانت تقدر الأعمال بالكفاية فحسب؟ وإن من الكفاية لما يلحق بصاحبه الأذى، وإن ~~منها لما يقف بينه وبين ما يشتهي. # رأيته أول مرة فرحب بمقدمي ترحيبا ملك قلبي، وأقبل علي يحدثني ويجود علي من الألقاب ~~بما كاد يعتريني الزهو، ويداخلني الغرور من أجله، وما هي إلا دقائق حتى كنت منه كما لو كان ~~يعرفني من زمن بعيد، وآية ذلك أنه صار يعرفني إلى أقرانه وهو يشير إلى فطنتي وسعة اطلاعي، ~~ويثني على كرم ms058 خلقي، كل ذلك في طلاقة أدهشتني وإن كادت تضحكني ضحكات لست أدري ماذا كنت ~~أسميها! # وتاقت نفسي إلى رؤيته أمام رئيسه، ولم يطل تطلعي فقد أقبل الرئيس فرأيته يثب من موضعه، ~~فينظم وضع طربوشه على رأسه ويزر حلته ويهرول تجاه القادم مبتسما، حتى إذا دنا منه أقبل على ~~يده في لهفة ولسانه يلهج بالسؤال عن صحة «سعادة البك» وأنجال «سعادة البك» ويجيب في سرعة ~~ونشاط على سؤال وجه إليه بقوله: «نعم كما أرمت سعادتك يا سعادة البك.» وأعجبني لعمر الحق ~~دماثة خلقه هذه واستيقنت نفسي من أدبه وظرفه. # وانقضى يوم فازددت اطلاعا على حسن شمائله وجميل تواضعه، فهو يعزو كل شيء إلى همة سعادة ~~البك، وهو لا يفعل شيئا إلا «بأنفاس سعادته»، وهو لا يكتم خبرا ولا يضن بحديث سمعه على ~~رئيسه، وإن كان منها ما لا يصح ذكره، فذلك عنده من الأمانة والإخلاص، وإن عبارات الإجلال ~~والتعظيم لهذا الرئيس لتثب إلى ذهنه في سرعة عجيبة ولباقة مدهشة، أعجب معهما لمن ينكرون ~~عليه الكفاية حتى لا يسعني إلا أن أنكرها عليهم هم؛ وإن كنت في ذلك مثلهم، إلا أنني لا ~~تحركني الغيرة للعيب عليه. # ورأيته لا يقع بصره على رئيسه مبارحا إلا خف إليه مودعا، ولكنه يمشي على قيد خطوة أو ~~خطوتين وراءه، وذلك لا شك تأدب منه، وإن تقول عليه خلاف ذلك المبطلون، الذين يحقدون عليه ~~لبلوغه دونهم الدرجة التي يتحرقون شوقا إليها. # وهو مرب على رغم ما سماه به بعض المغيظين منه؛ وإنه ليشعر أن من واجبات مهنته أن يوحي إلى ~~تلاميذه دماثته وأدبه، وأن يلهمهم الصدق ويعودهم احترام النفس، وإنه ليعتقد أنه يفيد طلابه ~~من هذه الناحية أكثر مما يفيدهم غيره من أقرانه، وإلا فمن بلغ منهم مبلغه من الدماثة وكرم ~~الطبع؟ # ولن تفوته فرصة لإظاهر دماثته تلك التي أصبحت مضرب المثل بين عارفيه، وهو لا يرمي من وراء ~~ذلك إلى شيء سوى أن يكون فيه لأبنائه أسوة حسنة، ولن يبتغي عليه جزاء ولا شكورا، ومن أروع ms059 ~~مواقفه التي لست أشك أنها من خير ما يقتدى به، أنه التقط ذات مرة على مرأى من الطلاب دخينة ~~سقطت على الأرض من يد رئيسه فأعادها إليه، ولكن ما كان أعظم دهشة الطلاب أن يروا ذلك الرئيس ~~يقذف بها بعيدا بعد أن يأخذها منه، وهو عابس الوجه وعلى شفتيه ما يشبه الازدراء، وما لا ~~يكون إلا استنكارا، ولقد قارن الطلاب لا شك بين رقة الأستاذ وغلظة الرئيس، ولست أدري أيهما ~~كانت أقرب إلى نفوسهم البريئة. # وشاعت الحادثة في الزملاء الحاقدين منهم والمسالمين، فقال أحدهم: «ما أراه إلا ساعيا في ~~الدرجة الخامسة.» فقلت: وكيف يكون ساعيا من كان في الدرجة الخامسة؟ فنظر إلي نظرة غاضبة ~~كأنما ضايقه جهلي وقال: وإنك لترى من هؤلاء من هم في الرابعة وإن شئت ففي الثالثة ... والطريق ~~إليها جميعا سهل معبد، ولكن لمن يرضى أن يكون ساعيا. # | في حجرة البك الناظر! # «البك الناظر» هي كلمة الإجلال التي يجري بها العرف على ألسنة الطلاب والموظفين والأساتذة ~~في مدارسنا طول العام، وعلى ألسنة آباء التلاميذ وأولياء أمورهم في الأسبوع الأول من العام ~~الدراسي فحسب ... # وافتتحت المدارس أول الأسبوع الماضي، وجلس البك الناظر في كل مدرسة على كرسيه المحترم، ~~أمام مكتبه الموقر، وتأهب للقاء طالبي الإذن عليه، وقد استجمع أكثر ما يطيق من الجد حتى ~~لينقلب هذا الجد في كثير من الحالات عنفا، وأقصى ما يستطيع من الحزم حتى ليستحيل هذا الحزم ~~شططا، ولا يسعك إلا أن تلتمس العذر لأكثرهم من فرط ما يتوسل المتوسلون ويلحف الملحفون ~~... # ودخلت حجرة البك الناظر في مدرستنا وهو رجل طويل ~~التجرية حازم عن أصالة، تهز كريما إذ تهزه، ولكنك على طيبة قلبه مهما بذلت من جهد ومهما ~~اصطنعت من حيلة لا تستطيع أن تزحزحه قيد شعرة عن رأي اقتنع به، وبخاصة فيما يتصل بسلوك ~~طلابه ... # واستأذن والد أحد التلاميذ وهو موظف في أحد الدواوين، وطرق الباب طرقة خفيفة، ودخل يظهر ~~التخشع والاحتشام وسلم وتلعثم، ثم أخذ يتوسل إلى الناظر أن يقبل ابنه المفصول ms060 رحمة به؛ ~~وقطع عليه الناظر حديث توسله بقوله: مثلت هذا الدور أول العام الماضي، وقلت هذا الكلام ~~وقبلت ابنك يومها على مضض فما كاد يدخل المدرسة حتى عاد إلى رذالته واستهتاره وطيشه، وكان ~~هذا سبب رسوبه فكيف تعود إلى الرجاء، وكيف يتسنى لي أن أقبله؟ # وقال الرجل: وما ذنبي وكيف تأخذني بجريرة ابني؟ وتعجب البك الناظر وأوشك أن يغضب، ثم قال: ~~لم أفصلك ولكني فصلت ابنك، وما ذنب المدرسة وذنب أبناء الناس حتى أضع بينهم تليمذا كهذا ~~يفسد مدرسة وحده؟ وعاد الرجل إلى التوسل والتضرع والتخشع، واستنفد عبارات الاسترحام من مثل ~~قوله: المسامح كريم ... المعروف لن يضيع عند الله ... اعمل معروف! وحياة أولادك ... وهكذا، حتى ~~استحال الرجاء إلى نوع غريب من التنطع، وضاق صدر الناظر وضاق صدري، ولكني والله قد أخذتني ~~الشفقة وأحسبني لو كنت البك الناظر ما كنت إلا مفسد المدرسة بنصف هذا التوسل بل بثلثه ... ~~ولكن ناظرنا لم يشأ أن يستجيب له وخرج الرجل وهو يكاد يبكي ... # وما كدت أرثي لحال الناظر مما يلاقي من ضيق حتى طرق الباب قادم آخر، ودخل فإذا برجل يدلف ~~للسبعين فيما يبدو لعيني، حسن الهندام بادي الوجاهة، يتوكأ على عصا ولكنه يخطو في نشاط وإن ~~كان في مشيته عرج، وقال قبل أن يصل إلى المكتب: اعذرني يا سعادة البك إذ أدخل بعصاي فساقي ~~مكسورة في حادث سيارة ... وجلس وهو يتنفس في عسر ويحاول أن يجد ريقا في فمه؛ ليبتلعه فلا ~~يكاد يجد إلا في مشقة؛ ولمحت في عينيه الألم الممض، وتعرفت في وجهه حيرة ذي الكبرياء بين ~~كبرياء نفسه وبين ما تفرضه ظروف الحياة؛ واختلجت شفتا الرجل كأنما يجد عسرا في إخراج ~~الكلام، ثم تنهد تنهدة طويلة، وقال وإن كلامه ليتقطع بتقطع نفسه: أنا والد فلان وما جئت ~~لأدافع عنه فابني بطال. بطال ... وإنما أردت أن أسألكم وأنتم أطباء الأرواح ماذا أصنع لعلاجه؟ ~~لقد ضربته الآن حتى بكيت وبكى؛ وليست لي حيلة فيه، وهو ابن هذه المدرسة طيلة خمس سنوات ... ~~وتوقف الرجل ms061 ومد يدا معروقة ناحلة شاحبة وهو يحك سبابتها بوسطاها إذ يشير بهما، وبلع شيئا ~~من ريقه في عسر وتنهد يستجمع نفسه، وقال: أريد أن أقول شيئا آخر وإن لم يكن في الموضوع ... ~~ليس لي ولد غير هذا ولكن لي بنات ستا ... وهذا موضع أملي وأنا رجل أودع الدنيا، وخدمت الأمة ~~مهندسا عشرات السنين ... # ونظرت فإذا الرجل يحبس دمعه جاهدا وإذا العرق يلمح في جبينه، وقد أزاح بيده طربوشه عنه ~~وصار يدق بكفه على قبضة عصاه دقات، ويتأوه في صوت خافت، وتدلت شفته السفلى فكشفت عن ثناياه ~~الذهبية التي لاءمت صفرتها صفرة خديه الذابلين الغائرين، والتفت إلى البك الناظر فإذا ~~وجهه رثاء كله لحال الرجل حتى لقد ظننته قبل ابنه؛ ولكنه أشار إلي وقال للرجل: هذا أستاذه ~~فاسمع رأيه فيه ... وحرت والله ماذا أصنع وما أستطيع الكذب ... وفطن الرجل إلى حيرتي وإنه لذو ~~فطنة وكياسة فقال: أنا أعرف كل شيء وما جئت مدافعا كما ذكرت، وإنما عدمت الحيلة فأعينوني ~~على أمري؛ وكدت لعمر الله أبكي وأعود فأقول: لو أنني البك الناظر لغفرت لهذا التلميذ ذنوبه ~~الماضية وذنوب عام قادم معا، أقول ذلك على علم بأنه خروج على ما يسمونه قواعد التربية، ~~ولكن ما الحيلة وأنا رجل ضعيف، وإني أحذر وزارة المعارف أن تجعلني ناظرا أبدا، وإلا أفسدت ~~لها الدنيا ... وإن كنت لأزعم أن ما أصنعه من مغفرة إنما هو إصلاح، وإن خفي ذلك على فحول ~~التربية الذين يسألون التلاميذ وحدهم عن الفساد. # وقال البك الناظر يوجه الكلام إلى الرجل وهو يدق مقبض عصاه ويتأوه: لو كان الأمر أمر ابنك ~~وحده لقبلته من أجل خاطرك، ولكني أبعدت سبعة غيره، وارتاح الرجل لهذه الكلمة، وقال: هذا ~~كلام طيب أشكرك عليه وهو من كرم خلقك، ثم نهض يبتلع ريقه في عسر، ويستجمع نفسه المتقطع وسلم ~~والألم والحسرة في عينيه وملامحه، وخرج من الحجرة يتكئ على عصاه ويكرر عبارات الشكر والتحية ~~... # وبعد، أفلم يأن لمدارسنا أن تغير أسلوبها، فلا تجعل المسألة يوما يبدأ وينتهي على ms062 أية ~~صورة وبرامج تقطع تأهبا لامتحانات فاسدة لا تدل على شيء، ثم لا يبقى بعد ذلك التفات إلى ~~خلق، ولا عناية بتربية، ولا رعاية لمستقبل أمة؟ إن على مدارسنا التبعة قبل الآباء في فساد ~~من تطرد من الفاسدين، وإن علينا أن نصلحهم أجمعين، وإلا فبأي وجه نكون من المربين؟! # | صنع في إنجلترة ... # جلسنا نتحدث فمال بنا الحديث فيما مال عن مبلغ شعورنا بقوميتنا، ومبلغ حرصنا على مظهرها، ~~ورحنا نتساءل هل نحن كرماء لضيوفنا حقا، أم أن في الأمر شيئا غير الكرم؟ واحتدم الجدل ~~كالمعتاد وعلت الأصوات، وتشعب الكلام واضطرب نظامه، وضاعت الحجج جميعا سليمها وسقيمها في ~~ذلك الضجيج المتصل، وكانت أشد الدعاوى إيلاما لنفوسنا أننا قوم نتلاشى في غيرنا، ويسهل على ~~أي قوة أن تسوقنا حسبما تريد. # وقطع هذا الضجيج دخول صديق لنا في رفقته شاب أخذ يقدمه إلينا، فحيا وحيينا، ثم جلسنا برهة ~~صامتين، واتجهت أنظارنا إلى هذا الشاب الذي بدأت معرفتنا به، وما هي إلا برهة حتى فطنت إلى ~~أن منظاري قد وقع منه على شخصية أضيفها إلى ما عرفت من أشباهها من الشخصيات، التي لا تكاد ~~تفترق إحداها عن بقيتها في شيء. # وفي نفسي عن هذه الشخصيات التي عرفت معان استيقنتها فما أشك فيها أبدا، بيد أني أميل إلى ~~تبينها في كل شخصية منها، فقد جرى الأمر في ذلك عندي مجرى التسلية، إن جاز أن فيما يؤلم ما ~~يسلي، كما جاز أن في المصائب ما يضحك! # ونظرت فإذا صاحبنا يضطجع في مقعده ويشمخ بأنفه، ورأيته يضع إحدى رجليه على الأخرى أولا، ~~ثم يمدهما معا إلى حيث تستقر قدماه على مقعد خال ونعلاه قبالة الجالسين في غير تحرج ولا ~~استحياء ... # وأدخل يده في جيبه فأخرج «بيبته» وحشاها وأشعلها، وراح ينفخ في الجو من دخانها، دون أن ~~يشاطرنا ما أخذنا فيه من الحديث. وشعرت وشعر أصحابي جميعا بهذا التكبر السخيف، كأننا لم ~~نكن أهلا لمحادثته، ولكن كيف نكون عنده أهلا لذلك، وليس فينا من خرج من مصر، كما تبين ms063 له ~~من كلامنا؟ # وكانت تختلج على شفتيه ابتسامة ليس فيها إلا معاني السخرية من عقولنا أو قل: من جهلنا، ~~وفي نفسه أننا لا زلنا على عقليتنا الشرقية جامدين ضيقي المعرفة، وتمنيت أن يتكلم لأرى ~~شيئا من عقليته الغربية التي عاد بها من إنجلترة ... # ولم يطل تطلعي فلقد أخذ يجيب على سؤال وجه إليه، فسمعت وأنا أجهد في كتمان ضحكي عبارة ~~بين العربية والإنجليزية، فهي عربية الحروف إنجليزية النطق، الأمر الذي جعلها في جملتها ~~قردية اللهجة والجرس ... # وكانت لا تسعفه ذاكرته أو كان يتكلف أن ذاكرته لا تسعفه ببعض الألفاظ العربية، فكان ينطق ~~بها إنجليزية ثم يشرحها لنا كأنما يثق أننا لا نفهم تلك اللغة فهمه؛ وكان يكرر قوله: «لما ~~كنت في إنجلترة ...» # كأنما يخشى أن ننسى أنه كان هناك، وهو يقدم تلك الحقيقة بين يدي حججه؛ ليجعلها بذلك قاطعة ~~صادعة. # وليته ظل ساكتا فلقد حمدت الله بعد كلامه الطويل على عقليتي الشرقية ... وحيا الشاب تحية ~~نصفها شرقي ونصفها غربي، وانطلق هو وصاحبه، والتفت إلى أحد أقراني، وقال: أرأيت الدليل ~~المادي على صحة ما أقول؟ وقال آخر: ما لهؤلاء لا يتكبرون ولا يزهون، وقد افترضت الدولة فيهم ~~الكفاية لمجرد ذهابهم إلى أوروبا وإن بدا لها من أكثرهم تقصيرهم في أعمالهم، وافترضت في ~~كثير غيرهم ممن لم ينالوا شرف الاغتراب الجهل، وإن بدا لها فطنتهم وكفايتهم فيما يناط ~~بهم؟ # وقلت في نفسي: متى يفهم هؤلاء أن ليس بين التكلف والصعلكة كبير فرق؟ وأن في المصريين من ~~سافروا مثلهم فتلقوا العلم في أوروبا، ثم عادوا إلى وطنهم محتفظين بمظاهر قوميتهم فإن قلدوا ~~غيرهم قلدوهم في العظائم، وأخذوا عنهم ما يشرفهم أخذه، ونبذوا ما يشينهم من سخيف المحاكاة ~~... # وساورني خيال غريب عن أولئك المتكلفين، وذلك أنهم يضعون أنفسهم موضع السلعة في السوق، ~~والسلع الإنجليزية يكتب عليها عادة «صنع في إنجلترة» لتزحم غيرها في الأسواق، وهؤلاء يباهي ~~الواحد منهم بأنه - على حد تعبيره - # England man ~~. # | كرنفال! # أبدا لا تقع عيناي أو لا يقع منظاري على ms064 هذا الذي أحدثك عنه، إلا اعتلج في نفسي شعور من ~~الهم والخزي يلازمني فترة طويلة بعد فوات المنظر، ويتجدد كلما تجدد في خاطري طيفه، وأنا ~~أكتب هذا على أثر رؤية جديدة لذلك المنظر الذي أنكره أشد الإنكار، وما أزال أزداد إنكارا ~~له في كل مرة عني في سابقتها. # وإنما أكتب لأدعو القارئ إلى أن يغضب معي، فإن لم يغضب، ومر على هذا الذي أقول مر الكرام، ~~فلا شك عندي أنه قوي الأعصاب جدا ولا أستطيع أن أقول أكثر من هذا، قوة لا أدري أيحمد ~~عليها أم يذم من أجلها؟! # على أني لا أشك في أن كثيرا من القراء غضبوا مثلما غضبت، وسيغضبون كلما وقعت أعينهم على ~~ذلك المنظر البغيض، منظر جنائزنا «البلدية» في أجمل وأعظم أحياء القاهرة العظيمة مهبط ~~السائحين في الشتاء من أنحاء الغرب والشرق! # وللقارئ أن يخطر باله صورة لجنازة من هاتيك الجنائز ... فهناك في الطليعة أنماط من الناس ~~منهم من يرتدون هلاهيل من القماش كانت من قبل جببا وقفاطين، ويضعون فوق رءوسهم ما يشبه ~~العمائم، أو ما يصح أن يكون أبلغ صورة هزيلة للعمامة، وكأنما يقول الواحد منهم: «متى أضع ~~العمامة تعرفوني.» فهو كما أتخيل بل كما أكاد أعتقد يتخذ هذه الهيئة عن عمد؛ ليكون جديرا ~~بأن يظهر في الطليعة! وإني لأرى أبدا هذا الصنف من الخلائق على أشكال متقاربة في ~~صورها. # ويندس بين هؤلاء «الفقهاء» الحمقى من «الجدعان» من أهل الحي الذي خرج منه الميت، وهم ~~يخطرون جميعا في جلابيبهم «البلدية»، وإنما تتميز رءوسهم بأشكال من الطواقي و«اللاسات» وما ~~شئت من أنواع «الكلبوش» وألوانه ... # وينطلق هؤلاء وهؤلاء في نشاط عجيب، وقد تأبط كل منهم ذراع جاره، ويطلقون حناجرهم بأفظع ~~الأصوات وأنكرها، يستجمعون لها كل قواتهم، ويمضون في ترديد عبارة حفظوها، أو يتغنون بورد من ~~الأوراد، لا يفترون ولا تكل حناجرهم أبدا، كل أولئك وهم يتمايلون ويتسابقون في النعيق على ~~صورة أجدر أن تكون فرحا في موت هذا الذي يحملونه من أن تكون حزنا عليه، وإلا فكيف ms065 يكون ~~هذا الزعيق، وهذا التهريج حزنا في أي وضع من الأوضاع؟! # ولو أن مفتنا في التهريج أراد أن يحشد «كرنفالا» من المهرجين، لما تعلق خياله بأبلغ ~~وأروع من ذلك الكرنڨال الجنائزي. # وتأتي بعد ذلك الآلة الحدباء يحف بها من رهبة الموت وجلاله ما لا يتفق مع هذا التهريج ~~المنكر أمامها ... ومن ورائها ذيل أسود طويل بغيض، لعله أشد نكرا من الطليعة؛ ويتألف من ~~هؤالاء النسوة الماشيات أو الراكبات عربات «الكارو» ومنهن من تدور طرحتها حول عنقها كالحبل، ~~ومنهن المصفقة كفا بكف، والمشيرة بمنديلها إشارات عجيبة مزعجة معا، والمولولة المترنحة ~~ذات اليمين وذات الشمال؛ وأفظع من هؤلاء الصابغات وجوههن «بالنيلة» في شكل لا يمكن أن يتخيل ~~معه أنهن ينتمين إلى بنات حواء ... ولا أريد أن أزعج خاطرك - أيها القارئ - بوصف أصواتهن التي ~~تجيء مع ذلك الزعيق في المقدمة نشازا على نشاز، وشناعة على شناعة ... # وبعد، فهل في هذا شيء يتفق مع الدين أو يجوز في عرف معقول أو يليق بسمعة أمة؟ ... ولشد ما ~~يوجع نفسي أن أذكر - وا أسفاه - أني رأيت مثل هذا المنظر مرتين في أسبوع واحد أمام دار ~~الآثار مرة، وأمام دار البريد الكبرى مرة؛ فسألت نفسي والألم والخزي يحزان في صدري: ماذا ~~عسى أن يقول نزلاء مصر عن حياتنا الاجتماعية إذا رجعوا إلى قومهم؟ وهل هم يرون «الأنتيكة» ~~في مصر داخل «الأنتيكخانه» حقا؟ أم أنهم يرون ما هو أبلغ في معناه منها في شوارع العاصمة ~~الكبيرة؟! # يا وزراة الشئون الاجتماعية ... هذا والله في صميم الشئون الاجتماعية ... «شيعي» هذا المنظر ~~إلى حيث لا يعود، فهذا لعمري وعمرك خير من نشر ألف صحيفة من صحف الدعاية عن مصر ~~والمصريين. # | بين «دغف» وصعلوك ومغفل ...! # أبدا يظل الترام لمنظاري موضع فرجة لا تنفد، وذلك أنه من ناحية ملتقى ضيق يحشر فيه كل ~~ساعة أنماط من الناس من هذا المضطرب الواسع الذي ندعوه المجتمع، ثم هو من ناحية أخرى المركب ~~الوحيد الذي أتخذه في ذهابي إلى مقر عملي وفي أوبتي من هناك، فما ms066 كان لي وقد ضممت الفخر من ~~أطرافه كما يقول مهيار وجمعت بين الحسنيين: وظيفة التدريس وحرفة الأدب، أن تكون لي سيارة، ~~وبحسبي أن أركب كل شهر أو شهرين مع صديق في سيارته أو أن أزحم الناس لأتخذ لي موضعا بشق ~~النفس في سيارة عامة هي والترام شيء واحد! # كان الترام الجاهد بما يحمل من الخلق يجري جري من تقطعت أنفاسه ذات صباح، وكان بيني وبين ~~موعد الدرس الأول دقائق معدودات، وكنت لا أفتأ أنظر إلى ساعتي وإني لضائق بسرعة عقربها بقدر ~~ما أنا ضائق ببطء الترام، أخشى أن أتأخر فلا أدري بماذا أعتذر لتلاميذي، ولا كيف أخفي عنهم ~~خجلي، دع عنك «البك الناظر» ونظراته على رأس السلم وغيظه المكظوم الذي لا آمن أن يظل ~~مكظوما ... # وظللت أدعو الله ألا تفسد الزمارة أو تخرج «السنجة» عن خيوط الكهرباء، أو تتدلى عجوز ~~لتنزل فتزل قدمها، أو يمر رتل من سيارات الجيش فيقف المرور، أو يدفع القدر أحد الناس إلى ~~حيث يلتهمه الترام، وقضيت لحظة أليمة على هذه الحال، أسأل الله وأستعجل الكمساري وأرهف أذني ~~إلى زمارته، وأتلفت نحوه كلما أبطأ في النفخ فيها. # وأبطأ الكمساري، والتفت فإذا شاب «أفندي» يقف على سلم المركبة، والكمساري يرجوه ويتوسل ~~إليه أن ينزل، فلا يجود عليه ولو بنظرة؛ ويغلظ له الكمساري شيئا فشيئا، ولكنه يظل ثبت ~~الجنان منتصب القامة مرفوع الهامة؛ وأنظر وقد كاد يخنقني الغيظ، وينظر الراكبون جميعا نحو ~~ذلك الأفندي عسى أن يستحي، فلا يشاء أن يرد أو يلتفت إلى أحد، ويعود الكمساري فيلين ويستعطف ~~مبتسما ابتسامة فيها معنى ذلك الصفاء الذي يسبق العاصفة، ويذكر الأفندي بأن منع الوقوف ~~على السلم قد بات أمرا معلوما لكل الناس، ولا حيلة له في ذلك فهي مشيئة مجلس الإدارة ~~والحكومة، وعليه وحده الغرم إن تهاون ... كان ذلك وصاحبنا لا يلتفت إليه، ثم إنه ييأس أخيرا ~~فيقابل العناد بالعناد، ويقسم أن لن يسير الترام إلا إذا نزل ذلك الأفندي «المتشعبط»، كل ~~ذلك وهذا الأفندي لا يزداد إلا إصرارا ms067 واستكبارا! # ويضج الراكبون، ويتقدم أحدهم بالرجاء في رفق إلى ذلك الظريف المتعلق بالترام فيرد عليه ~~بقوله: «موش شغلك يا أفندي.» وتجري على الألسن عبارات الاستنكار والتقريع والتوبيخ ... وهو ~~برغم ذلك مصر كأنه يجاهد في قضية من قضايا الأوطان، فلا يعرف فيها معنى الهوان أو ~~الخذلان! # ويأتي صعلوك حافي القدمين، حاسر الرأس، في يده عود ضخم من قصب السكر، كأنه مدفع لمطاردة ~~طائرات العدو، وفي جلبابه آثار تمزيق، كأنه قادم لساعته من معركة، ويتعلق هو أيضا بالترام، ~~فلا يتمالك الناس أنفسهم أن يضحكوا، على رغم ما كانوا يعانون من ضيق وغيظ! # ويحار الكمساري بين الصعلوك والأفندي، فقد أعلن أولهما أنه لن ينزل حتى ينزل الأفندي، ولم ~~يدر أنه بذلك قد علق الأمر على المستحيل وأصبحت المصيبة مصيبتين؛ وراح يتساءل ذلك الصعلوك ~~في حدة: لم يطلب إليه وحده النزول؟ أذلك لأنه «غلبان»؟ ويصرخ الكمساري في وجه الأفندي ~~ضجرا، فيرد عليه أخيرا بقوله: «أما مغفل صحيح.» ويوقن الكمساري أن الحرب واقعة لا محاولة ~~فيرد عليه بقوله: «إذا كنت أنا مغفل تبقى حضرتك دغف.» ويكتفي الصعلوك بذلك فينزل معتذرا، ~~وقد كان كفيلا أن يحطم رأس الكمساري بذلك «المترليوز» في يده، لو دعت الحال إلى ~~ذلك. # وينفد صبر المغفل فيجذب «الدغف» من كتفيه ويطول النزال ويعظم هول القتال، ويتزاحم ~~المتفرجون من السابلة ويتعطل الطريق، ويضيع نصف الدرس وتنجلي المعركة أخيرا عن هزيمة ~~«الدغف» ... ويمضي الترام وأنا أسأل نفسي أيهما المغفل حقا، وأيهما «الدغف» حقا، وأيهما ~~الاثنان معا؟ ولكني لا أحتاج إلى طويل فكر لأقول: إن المغفل لم يفعل ما يستحق من أجله أن ~~ينعت بهذا اللقب، وإن نعته به من جانب ذلك الأفندي المهذب لهو الغفلة بعينها؛ ثم أسأل نفسي ~~كذلك أي الرجلين كان أفضل وأكبر في أعين الناس أهو الصعلوك أم الأفندي؟ وأيهما إذا هو ~~الصعلوك حقا؟ # أولى بنا والله أن نتساءل متى نتعلم النظام، وأن ندرك أن هناك آدابا اجتماعية عامة لا بد ~~منها ليكون الإنسان إنسانا؛ أولى بنا أن نعترف بعيوبنا لنصلحها ms068 قبل أن نلوك عبارات الكرامة ~~والمدنية والاستقلال، ألا متى نرى شيئا ولو ضئيلا من روح المسئولية يسري إلى ~~نفوسنا. # عفوا يا قارئي العزيز، أو فاغضب ما شاء لك الغضب، فأنا بنجوة من غضبك، لا أتلقى لكمتك ~~ولا أسمع لعنتك. # | مجلس ظريف # شهدت من كثب ذلك المجلس في مقهى، ومن عجب أن تقع عيناي على مجلس ظريف في مثل ذلك المكان ~~الصاخب الذي يضج بدقات أحجار النرد، وقهقهات اللاعبين وزعيق المتحدثين، أقول ذلك وإن عجب ~~القارئ لقولي؛ على أني أرجو منه المعذرة، فأنا أكره المقاهي حتى ما أطيق الجلوس فيها إلا ~~لضرورة، ولئن أنكرت وجود مجلس ظريف في أحدها، فقد يكون مرد ذلك إلى جهلي بها وأنا جاهل بها ~~لا ريب في ذلك ... ولست أدري لم أسأل نفسي أبدا كلما مررت بمقهى: أيتفرج الجالسون فيه على ~~السابلة، أم هم أنفسهم صنف من المعروضات يتفرج المارة برؤيتهم فيما يتفرجون به من معروضات ~~الشارع؟ أما عن نفسي فأنا أتفرج دائما برؤية هؤلاء الجلوس ضاحكا؛ وكم يذهب خيالي في ~~تصويرهم مذاهب لن أطاوع قلمي في ذكرها. # ذهبت في المساء أطلب الهدوء في أحد أطراف المدينة، فملت إلى مقهى هناك كاد يكون خاليا، ~~وقد اجتذبني ما بدا لي من هدوئه. وجلست وحدي في ركن من أركانه أمني النفس بجلسة تعيد لي ~~خيال منعزلي في القرية؛ ولكني لم أكد أستشعر الهدوء حتى أقبل جماعة لم أشك أنهم من طالبي ~~الهدوء مثلي، وآية ذلك أنهم كانوا يضحكون في جلبة شديدة، ويقطع بعضهم على بعض الحديث قبل أن ~~يأخذوا أماكنهم! ألا ما أسوأ حظي وما أشد نكدي! ورأيتهم جلسوا في نصف دائرة أمام واحد منهم ~~جعلوا له الصدارة، وقد دل مظهره على أنه جدير بهذه الصدارة، والحق لقد كان في مجموع شكله ~~يخيل إلي أنه نكتة تمثلت بشرا! # وبدأ الحديث، أو قل استمر، فهم لم يمسكوا منذ رأيتهم مقبلين. وكأنما اعتزم هؤلاء أن ~~يضحكوا أكثر ما يستطيعون من الضحك، كما لو كانوا واثقين أن هذه آخر فرصة للضحك ms069 في ~~حياتهم! # كانوا إلا واحدا أو اثنين قد جاوزا الأربعين بقليل كما تراءى لي. وأما كبيرهم فأحسبه كان ~~يحبو للخمسين من عمره المبارك، وكانوا جميعا يشتركون في صفة واحدة؛ وذلك أن عليهم طابع ~~الديوان، فما تلبث العين - ولو بعين منظار - أن ترى فيهم نفرا من هؤلاء الذين يتربعون أمام ~~المكاتب أثناء النهار، وقد ارتسمت على وجوههم أمارات الجاه واتضحت دلائل الحكومة. # ودار حديثهم أول ما دار حول «عزومة» كانوا خارجين منها لتوهم، فلم أسمع إلا النكتة تلو ~~النكتة، ولقد غابت عني لسوء حظي أكثر هاتيك النكات فيما كان ينطلق من أفواههم من قهقهات ~~عالية متواصلة! ورأيتهم يرسلون ضحكاتهم العريضة قبل النكتة وبعدها، فما تنفرج شفتا زعيمهم ~~حتى تنبعث الضحكات مجلجلة من بين شفاههم، وإن لم يسمعوا ما يقول! فلقد كان يضحك الواحد منهم ~~أحيانا ملء شدقيه، ثم يميل على جاره يسأله: ماذا كانت النكتة؟ وكانت تسمج بعض النكات، ولكن ~~الضحك يظل على حاله من الشدة والتحمس، حتى لا أدري أيحمل هنا على المجاملة أم أن سخف ~~النكتبة أحيانا إذا اشتد قد يكون في ذاته باعثا من أكبر بواعث الضحك منها؟ على أنني رأيت ~~للمجاملة هنا شأنا كبيرا، فكل من هؤلاء يضحك لكي يضحك لقوله الآخرون بدورهم، وإن كان ~~أحيانا ليجاوز في الخف أبعد حدوده ... # ومن غريب أمر هؤلاء الظرفاء أنهم لم يتورعوا عن ذكر اسم مضيفهم المسكين أكثر من مرة، ولم ~~يتركوا شيئا مما قدم لهم من الطعام، ولا مما رأوه من متاع بيته إلى جعلوه موضعا لظرفهم، ~~وقلبوه على أوضاعه جميعا، فهذا زفت مجسم سمي «بالكفتة»، وهذه «الفتة» كان ينقص أن تقدم في ~~طست الغسيل؛ وهذا الصنف جيء به من «المسمط»، وهذا الخبز سيسأل عن تقديمه لهم بين يدي الله، ~~وذلك البرتقال من «سوق الكانتو»، وتلك الأطباق والملاعق لا شك وقف عزيز من أوقاف المرحوم ~~جده ... وإنه إذا أراد أن ينتقم غدا من الرئيس فلان، فليس أبلغ في الانتقام منه من أن يدعوه ~~إلى أكلة كهذه الأكلة ... # وليتهم استمروا ms070 فيما هم فيه، ولم يخرجوا منه إلى استعراض الكثير غيره من أعراض الناس في ~~مجلسهم الظريف، وللحديث شجون كما يقولون، وليس يبالي هؤلاء القوم في ساعة «حظهم» والعياذ ~~بالله من هذا الحظ إلى من يتطرق الحديث، ولا أي موضوع يتناول. # وشبعت نفسي مما طلبت من هدوء وأي هدوء هو أجمل من هذا، وانصرفت مسرورا برؤيتي هذا المجلس ~~أحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه؛ وأنا أقول في نفسي: كم يوجد من أشباه هذا المجلس ~~الظريف ونظائره في الطبقات الأخرى من المجتمع، وفي غير أركان المقاهي من النواحي، فما تلك ~~المجالس إلا براهين قاطعة على أننا قد بدأنا نأخذ أنفسنا بالجد من الأمور، وأننا إذا لهونا ~~فإنما نحسن اللهو كما نحسن الجد في هذه الحياة. # | دب في الترام # أرى الناس في هذه المركبة أبدا مرهفي الأعصاب، وقل من رأيته فيهما مطمئنا هادئا، وعلى ~~الأخص في الصباح وعند الظهيرة، وليس الأمر قاصرا على الراكبين، فقاطع التذاكر عصبي اللفتة ~~عصبي الكلمة عصبي الزمارة؛ والسائق من فرط يقظته، أو فرط توجسه مما يخبئه له القدر، زائع ~~البصر، مذعور الوجه والعينين؛ يغضب لأي بادرة، وينفد صبره - إن كان ثمة لديه من صبر - لأقل ~~سبب أو لغير سبب! # وأمر قاطع التذاكر وصاحبه يمكن أن نرده إلى أسبابه في غير مشقة ... ولكنني من أمر الراكبين ~~في حيرة! ممن تضيق صدورهم وتنقبض نفوسهم، حتى لتقع العين منهم على قوم كأنما يساقون على ~~رغمهم إلا ما لا يحبون؟ # أيكون مرد ذلك إلى أنهم في الصباح مقبلون على عبء اليوم من العمل، فهم متبرمون عابسون، ~~وأنهم في الظهيرة خارجون من أعمالهم، فهم مكدودون ساهمون؟ أم يكون ذلك لأنهم يستبطئون هذه ~~المركبة وليس لهم عنها منتدح؟ # ومهما يكن من سبب، فتلك ظاهرة أشاهدها في معظم الوجوه كل يوم، ولم أخل أنا منها، ولكنني ~~لا أتبرم من العمل أو يئودني حمله، وليصدقني القارئ في ذلك أو فليكذبني إذا شاء فليس هذا ما ~~أردته بهذه الكلمة. # وإنما أردت أن أصور له منظرا ms071 رأيته جديرا بأن يغضب الراكبين جميعا، ولو كانوا كلهم ~~هادئين، فهذا شاب آخر غير ذلك الذي سبق الحديث عنه والذي لم يجد قاطع التذاكر يومها بدا ~~من نعته بأنه «دغف» أقول: هذا شاب من شبابنا المثقفين، أو ممن يدعون من الوجهة الرسمية ~~«مثقفين» انتهت المسافة التي تبلغه إلى نهايتها تذكرته؛ فطلب إليه قاطع التذاكر أن يدفع ~~أجرا جديدا إذا شاء أن يستمر راكبا، ولكن صاحبنا أبى ذلك دون أن يبدي أية علة، ثم استكبر ~~أن يجادل الرجل فاتجه ببصره إلى الأمام، ورفع رأسه إلى آخر ما يستطيع حتى كادت تتدلى إلى ~~الخلف! # ونفخ الرجل في زمارته، فوقف الترام وانتزع السائق مفتاحه، وجاء إلى حيث وقف صاحبه، ووقف ~~خلف هذا الترام خمسة غيره أو ستة، وأخرج معظم الراكبين ساعاتهم، وشاعت في وجوههم أمارات ~~الغضب والقلق والاستنكار ... # وجاء نفر من هؤلاء العمال، ووقفوا جميعا ينظرون إلى هذا الذي كان سببا في التوقف: فرأوا ~~فتى بادي الفتوة، عبل الساعدين، عريض المنكبين، غليظ العنق، ورأوه لا يلتفت إليهم، بل لا ~~يعبأ بتلك النظرات التي رشقته من كل ناحية من نواحي العربة، وهو في جلسته شامخ الرأس، هادئ ~~المحيا كأن لم يجر حوله شيء! # وحار هؤلاء العمال - أول الأمر - ماذا يصنعون، وليس فيهم من عابث من قبل دبا أو قرب ~~منه. # ثم استجمع أحدهم قوته وقرب من هذا الدب وهو على أهبة أن يقفز إلى الخلف عند أية بادرة، ثم ~~رجا منه أن يدفع الأجر حتى لا يتعطل الناس، فرماه الدب بنظرة كانت وحدها كافية لأن ينكمش ~~ويتراجع من فوره! # وازداد الناس ضيقا وسخطا وقلقا، وبلغ حنقي غايته ... ثم جرؤ أحد الراكبين فاقترب من الدب ~~في هيئة لم يسعني معها إلا أن أضحك على الرغم من غيظي، فقد أخذ هذا الراكب يتلطف ويتظرف، ~~ويحاول أن يبتسم، ثم يربت على كتف الدب في رفق ويقول وهو يلوي عنقه مبالغة منه في التواضع: ~~«ألا ترى أنك بهذا تسبب عطلا لنا جميعا؟» وكأن الدب لم يعبأ به لضعفه، ms072 فلم يزد على أن قال ~~له في هدوء: «أنت حضرتك عاوز تتفلسف؟» ... وما سمعها الرجل حتى وثب متراجعا لا يلوي على ~~شيء. # وكان في العربة بعض الأجانب، فتخاطبوا بالأحداق، وعلقوا على المنظر بالإيماء والابتسام ... ~~وكان قاطع التذاكر المسكين قد ذهب ليحضر الشرطي، فعاد وهو في صحبته، وقد بلغ قلق الناس ~~أقصاه! وسمع الشرطي القصة ... فما كان أشد عجب الناس أن يسمعوه يعنف «الكمساري»، ويلومه ~~قائلا له: «ياعني يا سيدي هم الستة مليم دول اللي حايزودوها؟ اطلع يا شيخ بلا عطلة دي محطة ~~أو تلاتة وينزل!» # وكان خزيي أمام الأجانب وخزي الراكبين جميعا مما فعل الشرطي أعظم من خزينا مما فعل ذلك ~~الفتى المدل بقوته، ولعله خاف أن يقرب من الدب كما خاف غيره، وأمره في ذلك أدهى وأمر ~~... # وعدت أقول لنفسي كما قلت في موضع سابق: متى تشيع فينا الآداب الاجتماعية؟ ومتى نحس بالوسط ~~الاجتماعي؟ ... ورجوت أن ينسى هؤلاء الأجانب هذا الحادث وأشباهه إذا حدثوا قومهم عن مبلغ ما ~~وصلنا إليه من المدنية، فبهذا الذي تقع عليه أعينهم بيننا تقاس المدنية، كما رجوت ألا ~~يحكموا على شرطتنا جميعا بما رأوا من هذا الشرطي الهمام الذي لن يوجد ند له في لندن ~~ذاتها فيما أعتقد، في سرعة خاطره وحسن تصرفه وسعة حيلته ... اللهم إني أستغيثك ... اصرف عنا ~~الأذى يا أرحم الراحمين ... # | حلاقو القاهرة ...! # لا تفهم يا قارئي العزيز أني أعقد لك فصلا تاريخيا عن منظر من مناظر القاهرة العظيمة ~~في زمن ابن طولون، أو في زمن الحاكم بأمر الله أو في زمن قلاوون عليهم رحمة الله، فإني لا ~~أكتب إلا عما يقع عليه منظاري، وإنما أنا محدثك عن منظر من مناظر هذه العاصمة الكبيرة قبيل ~~منتصف القرن العشرين. # ولا تتوهم أني فيما أصف لك أذهب بك إلى تلال زينهم، أو إلى أعلى الدراسة أو إلى جوار ~~المحمدي أو إلى ما وراء سيدي الحلي؛ فإنك قد تنكر علي ما أقول لجهلك فيما أظن بمظاهر ~~العيش في هاتيك البقاع ... على أنه قد لا ms073 يكون جهلك بها أكثر من جهلي. # وإن لك في أقرب شوارع المدينة غنية عن الذهاب إلى أطرافها، فسر في شارع ماسبيرو على ضفة ~~النيل أو في شارع شبرا، حيث المدرسة التوفيقية أو في شارع الملكة نازلي أو حول حديقة ~~الأزبكية، وانظر ماذا ترى. # لا شك أنك رأيت هؤلاء الحلاقين الذين يتربعون على الأرض أو على الأسوار، ويأخذون في حلق ~~رءوس زبائنهم ولحاهم في صورة تدعو إلى الاشمئزاز والأسف والضحك جميعا. # وقفت على مقربة من أحدهم ورأيته وقد شمر عن ساعديه وأمسك بالموسى ودعا إليه من زبائنه ~~الجالسين حوله من جاء دوره، ومثل الرجل بين يديه وله لحية ما أحسبه أجرى عليها الموسى منذ ~~مثل هذا اليوم من العام الماضي، ووضع الحلاق كفه في إناء بجواره، فاغترف غرفة من الماء بيده ~~ورشها على تلك الأشواك الكثيفة في وجه صاحبنا وأجرى عليها قطعة من الصابون، ثم شحذ الموسى ~~على ذراعه بأن حكها عدة مرات في سرعة عجيبة، ولما استيقن مضيها راح يقطع هذه الأشواك، ثم ~~يمسح ما تجمع منها على حافة سلاحه، في ظهر يساره، أو يأخذها على سبابته، ويقذف بها في الجو ~~لا يبالي أين تقع ولا من تصيب برشاشها من عباد الله! # ونظرت إلى الحلاق وزبائنه أتبين ما إذا كان يخالجهم شيء من المبالاة، فلم أصب في وجوههم ~~إلا مثل ما يرى في وجوه الحيوانات من عدم المبالاة فيما تأتيه من أعمالها جميعا على أعين ~~الناس؛ وكأن هؤلاء جلوس في دكان لا تقتحمهم فيه الأعين! # وهممت أن أدور بمنظاري عن هذا المنظر الذي لست أدري لم وقفت إليه تلك اللحظة، وقد كنت ~~أبدا أمر به مسرعا، وإني لأضيق به أشد الضيق، وكأن الظروف أرادت أن تكيد لي أشد الكيد، ~~فلا تقلع عن معاندتي حتى في مثل هذا الموقف التافه، فهذا أجنبي مقبل ومعه سيدة وفي يده آلة ~~تصوير، وإنه ليضحك ملء شدقيه كأنما يقع من الحلاق وزبائنه على بغية طالما تمناها. # وأعد الإفرنجي آلته للتصوير، ولشد ما غاظني أن أرى ms074 الحلاق ومن حوله يضحكون ضحكة البلهاء، ~~كأنما يفرحهم أن «الخواجة» يصورهم، وسمعت ذلك «الخواجة» يقول لصاحبته بالإنجليزية ما ~~ترجمته: «انظري فسنحصل على صورة ظريفة لحلاقي القاهرة.» ودنوت منهما فسلمت وتكلفت الابتسام ~~أولا، ثم عبست وبالغت في العبوس لأعبر عن احتجاجي الشديد، وتكلمت في لهجة استخزى لها ذلك ~~الغريب، وحار ماذا يقول وأشارت إليه صاحبته فطوى آلة التصوير، وكأنما أملى عليه إحساسه ~~بالغربة أمام احتجاجي أن يتلطف فاعتذر، ولكنه أعقب اعتذاره بقوله: «جميل منك أن تغضب لسمعة ~~شعبك، ولكن أجمل من ذلك أن تزيحوا عن الأعين ما يشوه هذه السمعة.» # وجميل من الرجل قوله هذا لا ريب؛ ولكن ما حيلتي وما أملك إلا القرطاس والقلم؟ # ليس يهمني من هذا المنظر وأشباهه ما عسى أن يقول عنا الأجانب بسببه فحسب، وإنما أراه بصرف ~~النظر عن ذلك شيئا تتأذى به العيون وتشمئز منه النفوس، ولئن لم تقع عليه وعلى أمثاله أعين ~~غير أعيننا، ففيه مما يشعرنا بالضعة والهمجية. # وأعجب من عدم مبالاة هؤلاء الحلاقين «العصريين»، وأدعى إلى الاشمئزاز والألم من همجيتهم ~~إغفال المسئولين أمرهم إلى هذا الحد ... ولكن كيف أطمع من هؤلاء المسئولين أن يلتفتوا إلى ما ~~هو أفظع عيبا من هذا في عاصمتنا الكبرى، وأدعى إلى الخزي والعار، وإنه لكثير في أنحائها، ~~والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. # على أن هؤلاء جميعا أهون شرا وأقل خطورة من ذلك الذي جلس في طرف المقعد إلى اليسار، ~~وأخذ يبصق كل بضع ثوان بصقة لا يبالي على أنف من، ولا على عين من وقع رشاشها العذب الذي ~~ينثره الهواء على من خلفه، كأنما يتحتم على راكب الترام أن يلبس قناعا من الأقنعة ~~الواقية! # ومثل ذلك الظريف يتحرك لينزل فيطأ بنعله وجه نعلك، أو يفزع بيده طربوشك فما تدري إلا وقد ~~طار عن رأسك، أو يتحاشى الانزلاق إذ يقرب من السلم فتستقر لطمة منه على عينيك أو خدك أو ~~أنفك، بحيث لو سددها إليك من يتعمد ذلك - لا قدر الله - ما جاءت محمكة كما ms075 تجيء من يد ذلك ~~الذي يمر بك أثناء نزوله من الترام، وإنه ليقع منه ذلك فلا يلتفت إليك بكلمة اعتذار أو ~~بنظرة أسف! وسبحان الذي سوى الجبلات، اللطف، اللطف، يا لطيف! # ودع عنك غير من ذكرت «المتشعبطين» على السلم والمتحاربين مع «الكمساري» من أجل مليم مشكوك ~~في أمره، أو على الأكثر من أجل قرش زائف، دع عنك هؤلاء فالأمر بينهم وبين «الكمساري» إلا ~~إذا نفخ في زمارته، فأوقف الترام وأخذ الجميع بذنب صفيق أو صفيقين. # أقسم لك أن ذلك كله حدث في الترام في وقت معا، فإن لم تصدقني بعد هذا القسم فليس لدي شك ~~في أنك لم تركب هذه المركبة قط. # | صاحب السلطان # حملني من لا أطيق مخالفته من ذوي قرباي على مصاحبته لزيارة ذلك الذي أنعته بصاحب السلطان، ~~فبلغنا داره وقد متع النهار أول أيام العيد ... # واستقبلنا صاحب السلطان لدى مدخل حجرته، ونظرت - وهو يمد يده للسلام - إلى وجهه المنتفخ ~~المتورد، فإذا الذي يكون ابتساما على غير وجهه من الوجوه لم يكن على وجهه هو إلا شبه ~~ابتسام، وطاف برأسي خيال؛ ذلك أنه لا يبتسم قط إلا حين يضطره العيد إلى مثل ذلك النوع من ~~الابتسام، الذي بدا على وجهه كما يبدو الشيء في غير موضعه. # وجلسنا فأتممنا حلقة من الزائرين كانوا بين يدي صاحب السلطان قبل مقدمنا، ودرت بعيني أو ~~على الأصح درت بمنظاري في نوحي الحجرة الفسيحة، فعجبت لأول وهلة أن رأيت كل شيء حولي تشيع ~~فيه الحمرة، فالبسط حمراء لا أثر فيها لنقش، والأرائك حمراء، والستائر حمراء، ونقوش الجدر ~~حمراء. # واستقرت عيناي على وجه صاحب الدار، ونظرت إلى شاربيه الغليظين المرهفين فوق شفته الضخمة ~~وتحت أنفه الذي حرت فيه، والذي لا أزال منه في حيرة أهو الذي زاد الشاربين رهبة، أم هما ~~اللذان زاداه غلظا وفخامة! # ولست أدري لم قرنت وأنا أنظر إليه، تلك الحمرة التي شاعت حولي في كل شيء بلون الدم، وكان ~~الأحرى ونحن في العيد أن أقرنها بلون الورد، ولكن هيهات أن ms076 يتعلق خيالي بالورد وأنا أنظر ~~إلى تلك السحنة، والأحاديث التي سمعتها عن صاحبها تتواثب إلى ذاكرتي في نشاط عجيب، وتتداعى ~~صورة إلى صورة كلما بدت منه حركة أو ارتسم على محياه معنى ... ولو أن الورد الجني كان في تلك ~~الحجرة ساعتئذ لما رأيت في الورد نفسه إلى لون الدم! # وأسند صاحب السلطان ظهره إلى المقعد، فظهر بطنه المتكرش أعظم ضخامة، ونزل بذقنه حتى مست ~~صدره فبدت لغاديده أعظم هولا، وتكلم فإذا صوت كصوت الطبل إذا نقر ينبعث في الحجرة وفيه على ~~نكره صلف، فهو يتضخم مرة في الحنجرة، ويبدو مرة أخرى كأنه ينبعث من الأنف وتسبقه في كل مرة ~~غمغمة يربد معها وجهه، ويبدو الشر في عينيه كأنما يتهيأ لما اعتاده في غير ذلك الوقت من ~~سباب. # وينصت من في الحلقة وكأن أكثرهم من فرط اهتمامهم يستمعون إلى من يتلو عليهم حكم الإعدام، ~~اللهم إلا حين كان يشرق وجهه قليلا إذ يزهى بما يتلو عليهم من غالي الحكم، فيبتسمون ~~ابتسامات عريضة، ويتنافسون في عبارات الموافقة والإطراء والإعجاب، وإن لم يفقهوا شيئا من ~~حكمه الغوالي. # وتقاطر الزارعون والفلاحون للسلام على «البك»، فكان يخلع الرجل منهم نعليه عند عتبة ~~الحجرة، ويسير حافيا على البساط الأحمر كأنما يخطو على نطع ليضرب عنه؛ ففي وجهه من معاني ~~الفزع ما لم يخفف منه إلا تذكره أن اليوم يوم عيد، فإذا بلغ إلى حيث يتكئ البك، ومد إليه ~~البك أطراف أصابعه تناولها وانكب عليها فلثمها ورجع خطوتين دون أن يدير ظهره، ومشى إلى ~~الباب فلبس حذاءه، وكأنه ألقى عن كاهله عبئا أي عبء. # وكان البك ينظر إلى كثيرين منهم نظرات ذات معنى، فكأنما يذكر هذا بما بقي عليه من ~~الإيجار، وكأنما يتوعد هذا حتى ينتهي العيد، وكأنما يستنجز غيره ما وعد، وكأنما يقول بعينيه ~~لآخر: إنه لولا العيد لما سمح له بالدخول عليه؛ إلى غير ذلك من المعاني التي كانت توحيها ~~إلي نظرات هذا المتجبر المتكبر. # وازدادت الحلقة واتسعت إذ انضم إليها من يجرءون على مجالسة ms077 البك، أو من يستطيعون ذلك في ~~العيد على الأقل؛ وكان يسلم على كل قادم بمقدار ما له من مكانة ولو في عرف الناس، فهو مقتنع ~~بما تنطوي عليه تحياته من معاني الشرف؛ ولذلك فهو ضنين بها عن الابتذال، فلا يجود منها حتى ~~في العيد إلا بمقدار. # وأدار صاحب السلطان الحديث إلى الحرب، كأنه وقد رأى في زائريه بعض المطربشين، يريد أن ~~يبرهن للجميع على أنه وإن كان من غير أبناء المدارس على حد قوله، إلا أنه يعلم من أمور ~~الدنيا ما يغيب أكثره عن الكاتبين القارئين. # وبدأ بألمانيا وانطلق يتحدث وأنا أعاني في كتمان الضحك ما أعاني، وأتمنى أن يجود البك ~~بنكتة من سخيف نكاته لأفرغ في جلبة الحلقة ما بنفسي من ضحك مكتوم كم خشيت أن ينطلق على ~~رغمي، فأكون موضع استنكار الجالسين. # وما لي حيلة في أن أصور للقارئ كلامه، وحسبك مما أذكره أنه كان يتحدث عن «هتلر» كما ~~يسميه، كما لو كان يتحدث عن أبي زيد الهلالي والزناتي خليفة وعنترة بن شداد وأضرابهم من ~~المغاوير. # ويحرص البك أشد الحرص ويتوخى الدقة إذا تحدث عن أقطار الأرض، وإن كانت سويسرا وسوريا عنده ~~شيئا واحدا، وإن كانت كندا لتاخم الهند، وإن كانت دولة البلقان لمن أعظم دول الأرض، إن ~~كانت أستراليا لتقع جهة السودان، وإن كان جبل طارق لذات ثروة عظيمة وبخاصة في القمح والقطن، ~~وذات خطر يحسب له ألف حساب، إلى غير ذلك من الأدلة على سعة علمه بجغرافية هذا ~~الكوكب. # ولن يقل علمه بالتاريخ عن علمه بالجغرافية، يتجلى ذلك في سبب تفضيله هتلر على نابليون، ~~فنابليون كان يحارب منذ أكثر من خمسمائة سنة، فكانت أمامه أمم ضعيفة، أما «هتلر» فإنه يحارب ~~إنجلترة التي ملكت العالم وسادت البحار. # ويحاول البك أن يتكلم العربية كما يفعل المتعلمون، فيأتي بضروب من القافات لم يسبقه فيها ~~سابق، ولن يلحقه لاحق إن شاء الله، فالقسطول الإنجليزي قسطول هائل، وقيران دولة صديقة ~~لنا، وحدث كيت في زمن بني قمية ... إلى غيرها مما أخشى ms078 إن ذكرته أن يحمل على المبالغة. # وينتقل صاحب السلطان إلى المباهاة بجاهه فيما يذهب فيه من ضروب الحديث؛ فيصف كيف يقف له ~~سعادة المدير إذا دخل عليه، وكيف يقدم له القهوة والسكائر، ويذكر من شملهم بعطفه فعينهم في ~~وظائف، مشيرا إلى أنه إنما فعل ذلك لا يقصد غير البر والإحسان، ويفخر بمن يزور داره من ~~الحكام ومن وجوه البلاد، ويقص الأقاصيص عن خوف رجال الشرطة منه، وآخر ما حدث له معهم أنهم ~~ما كادوا يعلمون أن الحمير «المسلوخة»، التي قبضوا عليها منذ يومين ملك له حتى أطلقوا ~~سراحها معتذرين! وأنهم عاجزون عن أن يقبضوا على رجل من رجال عزبته إلا بأمره، وبدهي أنهم ~~متى عجزوا عن الحمير كانوا عن الرجال أعجز. # وتكلم عن الفلاحين، وناهيك بحديثه عن الفلاحين، فله في ذلك من جوامع الكلم ومن أصول ~~الاجتماع ما يعجب ويطرب، خذ مثالا لذلك قوله: «اضرب الفلاح على رأسه تأكل خيره.» وقوله: ~~«الفلاح جنس ما يستهلش النعمة.» و«الفلاح يخاف ولا يختشي.» ولقد كان يذكر هذه العبارات في ~~لهجة الخبير الواثق الذي لا يقبل فيها جدلا، وهل كان في الجالسين من يجرؤ على ~~جداله؟! # وتداعت الصور في ذهني وهو يتحدث عن الفلاحين، فتذكرت منظره وهو بين المزارع تركض به دابته ~~وخلفه فلاح يجري والعرق يقطر من جبينه، وإنه ليلهث كما يلهث الكلب، وتذكرت أني رأيته يركل ~~رجلا توسل إليه أن يترك له بضعة قروش بقية إيجار لضيق ذات يده، ركلة قلبته على ظهره، ~~وتذكرت أنه أمر بجماعة من الفلاحين فطاف بهم أعوانه في القرية عراة بعد أن ألقيت ملابسهم في ~~النار؛ لأنهم اعترضوا سيارة قريب له على غير علم كانت قد دهمت جاموسة لأحدهم، وتذكرت أنه ما ~~من فلاح يستطيع أن يحجز الماء ليصرفه إلى حقله حتى تروى أرض البك كلها، وإن تركت أرضه هو ~~قاحلة جرداء. # وحمل البك حملة قاسية على ما يسمونه الحرية ورد إليها أسباب جميع الجرائم، ولعن العصر ~~وسخافاته وترحم على الأيام الماضية أيام لم يكن يسمع أحد ms079 بحرية وانتخاب «ولا كلام فارغ زي ~~ده»، ونسي البك الهمام أنه كان نائبا مرتين! # وانصرفنا من لدنه وأنا أقول في نفسي: إذا كان مثل هذا يتصدى للنيابة عن أولئك الفلاحين، ~~وإذا كان يفكر هذا التفكير في هذا العصر، فيا ضيعة العلم ويا خيبة الآمال في الدستور ~~والحرية، فكم من أمثال هذا من يظفرون بالجلوس في برلماننا، وقد قدموا من بلادهم فلم يغيروا ~~إلا حللهم ... # | صاحب السلطان الزائل # أقبل فسلم في صوت كأنه الهمس، وأحسست ولم أكن عرفت بعد شيئا من أمره روح المذلة في صوته؛ ~~ومد إلى من نهض لتحيته يدا معروفة كأن بها استخزاء من أن تصافح الأيدي الممدودة إليه، ~~ونهضت فيمن نهضوا فسلمت وأنا في حيرة من عبارات التحية تزجى إليه مشفوعة بلقب ~~«البك». # وأخذت نعته بهذا اللقب على أنه من المزاح، فكثيرا ما رأيت بعض المازحين في القرية ينادون ~~بهذا اللقب رجلا عندنا بلغت به الفاقة حدا جعله مضرب المثل في البؤس، وجعل لقب «البك» ~~مضافا إليه رائع البلاغة فيما يتضمن من تهكم، وفيما يثير من ضحك باستعماله هذا ~~الاستعمال. # ولكني لم أر للمزاح أثرا في وجوه الجالسين، بل لم أر فيها إلا التزام الجد والحرص على ~~مظهر الاحتشام والسكون، وفهمت أن الابتسام يتقى بين الجلوس فيما يدور بينهم من حديث، وبخاصة ~~إذا خوطب صاحبنا على أنه البك، فما تكاد تنفرج الشفاه حتى تنضم في استدراك سريع. # واتجه منظاري إلى هذا البك الجديد، وأخذت أختلس النظر إليه وكان كلما زدته نظرا، زادني ~~دهشة ذلك اللقب، الذي يسبغ عليه في جد لا أثر للعبث فيه، وظللت أنظر إلى معطفه الذي تراكم ~~عليه ما تراكم من آثار الزمن، وإلى جلبابه الذي لم أعرف ماذا كان لونه قبل أن يعلق به ما ~~علق من تشويه، والذي راح يستر خروقه بأطراف ذلك المعطف الذي يعد تسميته بالمعطف، وهو على ~~تلك الحال من قبيل تسمية صاحبه بالبك! أما طربوشه، فقد اتسق في هذا النظام اتساقا بليغا، ~~إذ كانت أسطوانته من لون وقرصه ms080 من لون آخر، غير أن أحد جانبيه أكثر كدرة من الجانب الثاني، ~~وإن كانت تلك الألوان جميعا بقايا حمرة زائلة. # وعرفه إلي وعرفني إليه أحد الخبثاء الذي أخذ ينظر إلى منظاري، وكأنه كان يرى فيه - كما ~~حدثني بذلك بعد - آلة تصوير، وما كاد يذكر لي اسمه حتى ذهب اللغز من ذلك اللقب الذي لقب به، ~~وقلت في نفسي: أهذا هو الذي سمعت من أخباره ما سمعت؟ # وتزاحمت في ذهني صور ما علمت من أنبائه، وبرزت من بينها صورة كانت بين غيرها من الصور، ~~كما يكون المارد بين الأقزام، فهذا الرجل الذي أراه أمامي، هو بعينه الذي أشعل ذات ليلة ~~دخينة لإحدى المغنيات في بندر قريب، لا بعود من الكبريت كما يفعل عامة الناس، ولكن بإحراق ~~رقعة من الورق تركها حتى أتت عليها النار بعد أن أشعل بلهيبها تلك الدخينة، ولم تك هاتيك ~~الورقة بذات قيمة كبيرة، فهي من فئة الخمسة جنيهات فحسب! # واضطجع صاحب السلطان الزائل اضطجاعة فيها بقايا الكبرياء، ونظرت إلى وجهه فرأيت في سحنته ~~خيال تعاظمه الماضي واستكباره، يحيط به خيال استخزائه الحالي ومسكنته، والحق لقد كانت ~~نظراته مزيجا عجيبا من العظمة والمذلة والرضاء والضجر والخجل والتبجح، ثم كان وجهه الشاحب ~~يذكرني بتلك الصورة التي كانت تعلق على الجدران لمحاربة «الكوكايين»! # ووجهت إليه بعض عبارات التحية فرد في هدوء واتزان، وهو ينظر إلي نظرات من يريد أن يستوثق ~~من صدق تحياتي، كأنه لا يصدق أنه اليوم أهل للتكريم بعد أن هلك عنه سلطانه، على أنه ينتمي ~~إلى أسرة معرقة لا يزال لبعض أفرادها جاه عظيم وثراء، وإن كان ثراؤها لا يبلغ اليوم في ~~مجموعه عشر ما كان لها منه بالأمس، ولعل خيال ذلك الجاه الباقي في أسرته هو الذي يجعل ~~الكبرياء تتغلب في وجهه أحيانا على الاستخزاء، وإن كان الاستخزاء قد بات طابعه ~~الجديد. # وقدم إليه أحد الجلوس دخينة فتناولها في صورة عجيبة، وفي وجهه أمارات توحي بأنه يفهم من ~~هذه التحية أنها ضرب من إعطاء المحروم، وعلى ms081 شفتيه ابتسامة تصور هذا المعنى وتبرز ما في ~~قرارة نفسه منه، وأيد ذلك لي إسراعه بإخراج علبة الدخائن من جيبه وتقديمه دخينة إلى من سبق ~~فقدم إليه مثلها، ثم إنه تقدم في خفة وظرف فيهما طيف أريحيته الماضية، فأشعل الدخينة لصاحبه ~~ولكن بعود من «الكبريت». # وأردت أن يتكلم لعل الحديث يميل به إلى الإفضاء ببعض ما يقوم في نفسه من هذه الحال التي ~~تدلى إليها بعد عزة، ولكنه لزم الصمت، وكان صمته أيضا يجمع بين الحياء والاستعلاء. # ودخل علينا شيخ من أهل القرية فما وقعت عيناه على ذلك البك حتى أقبل عليه في اهتمام شديد، ~~وهو لا يفتأ يكرر قوله: «شرفت بلدنا يا بك! أهلا وسهلا بابن الأكابر، دي البلد كلها منورة ~~بوجودك فيها! الله يرحم والدك البك الكبير.» # وأخذ ذلك الشيخ يفيض في وصف سجايا البك الكبير وأبهته وجاهه، ويحكي في ذلك الحكايات ~~الطويلة، ويذكر الضياع التي عمل فيها عنده بأسمائها، ويقارن بين ما كانت تخرجه من خيرات ~~هاتيك الضياع، مستشهدا برأي البك الصغير كأنها لا تزال ملك يديه يتمتع بخيراتها جميعا؛ ثم ~~تنهد ذلك الشيخ وختم حديثه في سذاجة محبوبة قائلا: «هيه سبحان من له الدوام! يا ابني ما ~~تزعلش أنت ابن الأكابر على كل حال، وعندنا إحنا يا فلاحين نقول: إن دبلت الوردة ريحتها ~~فيها.» # ومضى الشيخ وأنا أفكر فيما ضرب من مثل، وأنظر إلى الوردة الذابلة فلا أحس من سابق رائحتها ~~شيئا فيها، ويتملكني الإشفاق حينا، ولكني أذكر الورقة ذات الجنيهات الخمسة، وأتصورها ~~مشتعلة في يده فينفي الإشفاق من قلبي شعور يكاد يقرب من الشماتة لولا أني أكره الشماتة، ~~شعور هو في الواقع إحساس خفي بعدالة الجزاء، وتطابق الجريمة والعقاب ... # ولما ذكر أمامي اسم البك الكبير وذكرت ثروته الهائلة التي انتهت إليه هو كذلك من والده، ~~وموطن هؤلاء وأسرتهم الكبيرة قرية تقع غير بعيد من قريتنا، عجبت كيف بدد هذا البك الصغير ~~الماثل أمامي أو هذا الشيطان الكبير ثروة أبيه على هذا النحو حتى لم يبق ms082 له منها إلا ~~الذكرى. # وتكلم أخيرا صاحب ذلك السلطان الضائع، وكأن حديث ذلك الشيخ أثار شجونه، وأخذ يصف لنا كيف ~~كان يعيش، وهو لا يدري أنه يسرد علينا قصة سفهه! ... ولعله كان يحس أن لم يبق له من الثروة ~~إلا فخاره بما كان له من ثروة، إن كان ذلك من دواعي الفخار، ونسي سكونه الأول فأطنب وأفاض ~~في غير تحفظ أو استحياء، ومن درر حديثه قوله: «ياما شوفنا عز! دا الواحد كان يأخذ معه ألف ~~جنيه إلى الإسكندرية أو مصر فيعود بعد أسبوع سالف أجرة الوابور ... دا أنا كنت هارون الرشيدي ~~اللي بيقولوا عليه.» # وقلت: وكان ذلك المال من إيراد أملاكك طبعا، فتلعثم قليلا وقال: لو كان ذلك المال من ~~إيراد أملاكي ما ضاعت أملاكي؛ إنما كان بعضه من الإيراد وبعضه من البنك، وآه من البنك ... آه ~~من البنك! # وإذ ذكر لي البنك ذهب من نفسي كل عجب، فكم استدرج البنك من أمثال هذا الذي ورث فلم يشعر ~~بقيمة ملكه حتى ذهب عنه كما جاء إليه، ثم سألته عن مصير هذه الضياع فقال: الخواجه خريستو ~~تاجر القطن، وأحزنني أن يمتلك مثل خريستو من ثرى هذا الوادي أرضا أولى بها بنوه، أرضا ~~كانت تكفي لأن يعيش عليها أكثر من مائتي أسرة من تلك الأسر التي تكدح صابرة في وهج الشمس، ~~وتسقي بعرق جباهها تربة وادينا ولا تمتلك الواحدة أكثر من فدانين أو ثلاثة فدادين. # وسألته عن شعورده إذا مر اليوم بهاتيك الضياع، ولشد ما أدهشني قوله إنه لم يرها كلها، ~~وإنه لا يعلم إلا موضع ما كان يحيط بقصره منها؛ فلقط كان أمر زراعتها وتعهدها مفوضا إلى ~~نظاره الثلاثة الذين يمتلك الواحد منهم اليوم ما لا يقل عن ثلاثين فدانا، من أرض ~~أجداده. # وكان مجلسنا هذا في دكان بدال، ولما هم البك بالانصراف طلب من التاجر أشياء، ولكن التاجر ~~نفى وجودها عنده، فلمحت عينا البك بعض الأصناف المطلوبة على رف من الرفوف، فأشار إليها ~~قائلا: «أمال إيه ده !» وأجاب التاجر بأن ms083 غيره دفع ثمنها وسيرسل في طلبها، وضحك صاحب ~~السلطان ضحكة مرة وهو يهز رأسه قائلا: «هيه ... طيب! السلام عليكم.» ثم خرج، وتنفس التاجر ~~الصعداء. # واتجه إلينا ذلك التاجر وقال في لهجة اعتذار: إن قريبه فلان بك الذي ينفق عليه أمره ألا ~~يعطيه شيئا إلا بإذن كتابي قال: «دا مسكين ضيع كل ما يمتلك في المكيفات اللهم احفظنا، وباع ~~عفش بيته، وهل تاب بعد كده؟ لا، دا صنف لا يستحق النعمة.» # ومضيت وفي نفسي كلمة التاجر الأخيرة، وأنا أحدث النفس قائلا: كم ذا بمصر من هذا الصنف ~~الذي لا يستحق النعمة! # | صاحب السطان الزائف # ليس لديه من دواعي السلطان غير رتبة البك، أما المال فحظه الحقيقي منه قد لا يسلكه حتى في ~~أمثالنا من عباد الله القانعين المتواضعين، ومع ذلك، فقد توافى له من البأس والسلطان ما ~~يندر أن يتوافى لغيره من ذوي الثراء العميم والحسب القديم؛ واتفق له في غير مشقة من وسائل ~~جمع المال ما لو اتفق لسواه من أهل الكدح والجد، لعد عندهم من أنعم الله التي ينسى معها كل ~~عنت ويهون في سبيلها كل نصب ... وهو والحق يقال أحد أفراد أسرة فيها من رزق حظا عظيما من ~~الثراء، وإن لم تكن كغيرها من الأسر الكبيرة القائمة حولها معرقة في الفضل والحسب. # كان يتداخلني العجب كلما ترامى إلي شيء من أنبائه، حتى لقد تاقت نفسي آخر الأمر إلى ~~رؤيته كما كانت تتوق وهي غريرة إلى رؤية الغول مثلا، ولكن على بعد وفي مأمن من أظفاره ~~وأنيابه وكما كانت تتوق قبل اليوم إلى رؤية الدتشي مثلا وغيره من غيلان الإنسانية، رؤية ~~آمنة من غير الورق أو السينما! ولقد تميل النفس إلى رؤية ما تكره كما تميل إلى رؤية ما تحب ~~وهذا من عجائب غرائزها! # وتحققت لي رؤيته أخيرا في قريتنا وهي ملتقى عدد من القرى، بينها قرية ذلك الآمر الناهي، ~~وكان ساعة رأيته يجلس في حاشية من «محاسيبه» أمام مقهى من المقاهي على الطريق العام، وهو لا ~~يحلو له ms084 الجلوس إلا حيث يراه الغادون والرائحون، فما يراه أحد من ذوي المكانة إلا أقبل عليه ~~مرحبا مسلما، وما من صاحب حاجة إلا ويشكو إليه حاجته، ويلتمس عنده طلبته. # وجلست غير بعيد أنظر إليه في جلبابه الفياض، وقد دفع طربوشه إلى مؤخر رأسه، واتكأ على ~~عصاه تحت إبطه، وشمخ بأنفه، ورفعه رأسه إلى آخر ما يسمح به وضع طربوشه الذي ظللت أتوقع من ~~حين إلى حين سقوطه وراء ظهره، حتى رأيته يهوي فعلا ولكن ليرفعه أحد الجالسين في أقل من ~~ارتداد الطرف، وقد تزاحم عليه نفر منهم يطمع كل واحد أن يحظى بشرف إزالة ما علق به من ~~التراب بكم جلبابه. # وجاء الندل مذ رأوه فأحنوا جباههم ورفعوا أيديهم يحيون «سعادة البك» في ابتسام واحتشام، ~~ودارت أقداح الشاي والقهوة على الجالسين، وكان لا يني البك عن طلبها لكل قادم في لهجة كريمة ~~حازمة. # وشكا البك من غبار الطريق، وسأل محنقا: ماذا يصنع المجلس القروي إذا؟ ووعد أن يتحدث في ~~ذلك إلى المأمور فسيلقاه في المركز غدا، وإذا جاء ذكر المأمور تقدم رجل في يده عريضة، وهو ~~يقول: «يا سعادة البك الله يخليك ...» وقطع عليه سعادة البك كلامه متسائلا: ألم تنته مسألته ~~بعد؟ ثم تناول منه ورقته ودسها في جيبه، وصرفه طالبا إليه أن يقابله عند باب المركز صباح ~~الغد، وما لبثت العرائض أن تزاحمت على جيب البك ... فهذا يرجو أن يكون خفيرا، وذلك يطمع أن ~~يعين فراشا، وفلان يرجو نقل ابنه إلى بلد قريب، وآخر يستعجله ما وعد في أمره، وهو يكرر لهم ~~جميعا وعوده مؤكدا مستمهلا إلى أمد قريب ... # وتسلل أحد جلسائه إلى هؤلاء، فتحدث إلى كل منهم على انفراد برهة، ثم عاد إلى حيث يجلس ~~سيده وفي جيبه هو أيضا ورق ولكن من نوع آخر! # ولاح ضابط الشرطة مقبلا فأفسح الجالسون له مكانا قبل وصوله، وأقبل فسلم على البك في ~~اهتمام عظيم، لا تفلته عبارة من عبارات الترحيب ولا يفوته شيء مما يحفظ من التحيات، يشفعها ~~جميعا بألقاب التعظيم ms085 والتبجيل وبدا لي أنه ضابط ذكي إذ كان يزيد في ترحابه وتحياته كلما ~~رأى أثرها الطيب على قسمات البك، وقل في الضباط من لا يتقن هذا التهويل في مناسبة كهذه، فهو ~~لا يكلفهم شيئا، أما ما يعود عليهم منه فأقل ما يرجونه أن يكف عنهم أمثال صاحب السلطان هذا ~~ألسنتهم عند أولي الأمر؛ إن لم يجودوا عليهم بالثناء والإطراء بل وبالشفاعة والرجاء، إذا ~~اقتضى الحال شفاعة أو رجاء. # وارتاح البك إلى حضور الضابط، فانطلق يتحدث عن مقابلاته التي ضاق بها ذرعا، فحسبه أن ~~قابل فلانا وفلانا من الوزراء في أسبوع أكثر من ثلاث مرات، أما مقابلاته للمدير فأكثر من ~~أن يحصرها عد؛ ثم يمسك البك قليلا ويعود فيقسم بحياة أبيه، وقد تصنع الغضب، أنه لولا ~~ابتغاء وجه الله لما رضي بأن يسود وجهه من أجل الناس على مثل تلك الحال الأليمة. # وتعلق منظاري بمرآه فما يكاد يتحول عنه؛ وذكرت ما ترامى إلي قبل من أنبائه، وصدقت ما ~~كنت أحمله قبل رؤيته على المبالغة؛ فهذا الرجل جدير حقا أن يذهب بنفسه كما علمت، وقد ~~توسلت به بغي معروفة فراح يرجو لها من بيدهم الأمر ألا يحول الشرطة بينها وبين ما تأتيه من ~~الفجور في أحد الموالد، لا لشيء إلا ليثبت جاهه في ساحة المولد ... وهذا الرجل جدير بأن يوهم ~~أغرار الناس بأنه قادر حتى على أن يحول بينهم وبين يد العدالة، وإلا فكيف ذهب يتوسل إليه ~~ليشفع لهم، كما قد علمت علما لا يداخله شك، من كانت تهمتهم جريمة القتل؟ وهذا الرجل جدير ~~حقا بأن يفهم كل من له به صلة بأن جاهه لا يقف عند الخفراء والفراشين، وإنما يتعدى هؤلاء ~~إلى العمد وإلى من هم أكبر خطرا من العمد من جماعة الموظفين، وهذا الرجل جدير بأن يحتجز ~~سيارات النقل عند مدخل قنطرة على حدود قريته، فلا تمر إلا أن تدفع قدرا معينا من المال، ~~وأخيرا هذا الرجل جدير بأن يصب نقمته على من يشاء، وأن يختص بنعمته من يشاء، وله ms086 في مجال ~~النقم حديث طويل أراه نقمة بالغة أن أوذي به أنفس القراء. # أما زرعه إذا حان وقت الزرع، وأما حصاده إذا أراد الحصاد، فحدث عنهما ولا حرج، فأهل قريته ~~جميعا لا يسألونه على جهودهم أجرا إلا الرضا ... # على أن حظه من الزرع والحصاد لا يتطلب عظيم مشقة لقلة ما يمتلك من الأرض، إلا إذا شاء له ~~جاهه فاستأجر أرضا من أصحابها وزرعها في نظير أجر لا يحظى بمثله في قلته غيره من ~~الناس. # وحمدت الله أن لم تقع علي عين البك، فلقد كنت منه كالجن أراه من حيث لا يراني، فما لي ~~طاقة بأن أتلقى منه نظرات الكبرياء والاحتقار التي رأيته يشيع بها كل فرد ممن يسميهم ~~المتعلمين، سواء من سلم عليه منهم أو من أعرض عنه، وكان لا يفوته أن يسأل عمن يعرض عنه ثم ~~يذكر آباءهم متسائلا - وإنه ليعلم - تساؤل الساخر المستطيل، وهو يرد إلى هذا الصنف ممن ~~يسمون المتعلمين في القرى كل أسباب الفساد والرذيلة، ولست أدري ماذا كان عسيا أن يحدث ~~بيني وبينه إذا أخذتني عيناه فنظر إلي وهو لا يعرفني، مثل هاتيك النظرات؟ على أنه لم يفطن ~~إلى مكاني وكفى الله المؤمنين القتال! # وأرسل البك في طلب سيارة فحضرت، ووقف السائق حتى نهض البك للركوب فخف به جلساؤه، ونادى ~~أحد الندل ووضع يديه في جيبه، ولكن النادل أسرع قائلا: «الحساب خالص يا سعادة البك.» وأشار ~~إلى أحد الحاضرين، وتظاهر هذا بالحياء، وشكره البك واتخذ مكانه في السيارة بعد أن سلم على ~~مودعيه، وركب معه من يستصحبهم من أهل قريته. # وانطلقت السيارة تحمل ذلك الوجيه العظيم، ومن عجيب أمره أنه على عظمته التي رأيت لا يملك ~~سيارة، ولكن كل سيارة في هذه الجهة ملك له، فهي جميعا رهن إشارته، ولن يعدم أن يجد «الحساب ~~خالص» إذا اتخذ إحداها، على يد رجل ممن يصحبونه، وهو غالبا لا يتخذ سيارة إلا إذا أحضرها ~~له صاحب حاجة يرجو قضاءها على يديه، فإن اتخذ سيارة في أمر خاص به ms087 وركبها وحده، فهو لا يمسك ~~الأجر عن صاحبها إلا إذا سها، وقليلا ما يسهو؛ لأنه قل أن يتخذ سيارة وحده. # وبعد، فأمثال هذا العظيم الجلف في الريف غير قليلين، ولكنا نقول على رغم ذلك: إننا في عهد ~~العرفان والنور، وليت شعري إذا كان هذا في عهد النور، فكيف كانت الحال في عهد الظلام، وكيف ~~تكون حالنا غدا إذا نحن أغمضنا العيون عما يشين، ولم نتلمس السبل للخلاص منه؟ # | صاحب السلطان الحقيقي # 1 # وهذا صاحب سلطان آخر لم أدر بادئ الرأي ماذا أسميه، وترددت بين أن أنعته بصاحب ~~السلطان الثعلبان، وأن أسميه صاحب السلطان المهرج أو المشعوذ أو النصاب، حتى رأيتني ~~أدعوه آخر الأمر على رغمي صاحب السلطان الحقيقي، ولعلها بعد كرامة من كراماته! والحق ~~أني لم أر حتى اليوم من أصحاب السلطان من بلغ من الجاه نصف ما بلغه هذا الألعبان ~~الثعلبان. # دخل الحجرة في نفر من حاشيته، فسلم مسبل العينين خافض الجناح مطأطئ الرأس يكاد يتهدم ~~من الضعف، ويبدو كأنما ينوء بعمامته الحمراء الضخمة التي تعلو جبينه العريض، والتي زاد ~~في حمرتها شدة بياض لحيته وشعر عارضيه وفوديه؛ وجلس وهو يلملم هلاهيله ويضمها بحيث لا ~~تخفي مسبحته العظيمة التي تدور بعنقه، وتتدلى إلى منتصف بطنه، وما برح يتمتم ويحرك ~~شفتيه وهو يخلع نعليه حتى تربع على الكنبة وأسند عصاه إلى جانبه. # وأحسست - وقد استوى على الأريكة - جوا من الهيبة يشيع في المكان كله، فقد سكت ~~الجلوس سكوتا لم تتخلله إلا عبارات الترحيب والتحيات تزجى إلى الشيخ من كل ناحية، وهو ~~لا يرد إلا همسا كأنما يحدث نفسه؛ وما دخل إنسان من أهل القرية تلك «المنظرة» التي جلس ~~فيها الشيخ، والتي اتخذها العمدة مكان سهره وموضعا للفصل بين المتخاصمين، إلا أقبل على ~~الشيخ فتناول يده من فوق المتكأ، فلثمها وردها إلى مكانها في خشوع ورهبة، وفي نفسه من ~~الغبطة من لثم يد الشيخ ما ينسيه قضيته إن كان صاحب قضية أو يذهب كربته إن كان ذا كربة، ~~وما رأيت قط ms088 من جرؤ على الإفضاء بما جاء من أجله في حضرة الشيخ، فليس من اللائق أن ~~ينشغل المجلس عن الشيخ بقضية من القضايا مهما بلغ من خطرها، وإن كان الشيخ ليبدو وكأنه ~~في شغل عمن حوله بما هو فيه من تمتمته وإطراقه. # ولبث الشيخ على تلك الحال إلى أن رأيته ورآه من في الحجرة يهز رأسه هزا عنيفا ذات ~~اليمين وذات الشمال، ثم يدق كفا بكف قائلا في صوت مرتفع وعيناه مغمضتان: «الله: الله ~~لطيف بعباده ... يا حي يا قيوم اصرف عنا الأذى، اصرف عنا الأذى يا الله.» # ونهض الشيخ فراح يمشي في الحجرة جيئة وذهابا وفي وجهه عبوس وضجر وخوف، وقد فتح عينيه ~~ولكنه لم يرفعهما عن الأرض كما أنه لم يفتر عن هز رأسه تلك الهزة السريعة العجيبة، ودخل ~~الحجرة فتى يلبس جلبابا أبيض فضفاضا واسع الردنين والطوق إلى درجة غير مألوفة، وتبينت ~~أنه من حاشية الشيخ فقد جلس بين أصحابه دون أن يسلم على أحد، حتى على أهل المنزل، وهذه ~~أمور يتقنها هؤلاء «المجاذيب» وينفردون بها من دون الناس إلا من المجانين. # ورأيت الشيخ يلمحه عند دخوله لمحة خاطفة ما أحسب أحدا لاحظها لفرط سرعتها؛ وبعد أن ~~قطع الشيخ الحجرة في ذهابه ومجيئه بضع مرات عاد إلى مكانه، وجلس فأطرق قليلا ثم هب ~~واقفا في حركة «بهلوانية» عجيبة كأنما أطلقه لولب خفي وصاح قائلا: «يا خفي الألطاف.» ~~وعاد فجلس والعيون ترمقه في دهشة وحيرة، ودخل الخادم يقدم القهوة فبدأ بالشيخ ولكن ~~الشيخ أشار إليه بيده إشارة عصبية، ونهض اثنان من دراويشه فصرفا الخادم عنه؛ لأنهما ~~يعلمان من حال شيخهما ما لا يعلمه ذلك الخادم الذي التقت الدهشة في وجهه بالرهبة ~~والاحتشام، ثم إن الشيخ عاد فوثب من موضعه وثبة من لدغته عقرب لدغة أطارت صوابه، وصاح ~~في صوت مزعج: «يا لطيف، حوش يا رب حوش بحق جاه سيد المرسلين، الطف يا لطيف سقت عليك ~~النبي، سليمة إن شاء الله، قلنا يا نار كوني بردا وسلاما.» # ولم يكد يتم ms089 كلامه حتى سمع الجالسون صفير الخفراء من أطراف القرية البعيدة، وخف ~~العمدة ومعه بعض الرجال، ثم عادوا بعد حين يعلنون أن الحرائق الثلاث أخمدت سريعا ~~والحمد لله، ونهض الشيخ يريد الخروج فقد رأى في وجه العمدة ما لا يخفى معناه عليه، وخرج ~~الناس وراءه وما منهم إلا من يتمسح به، ويزحم غيره ليحظى بلثم يديه فإن لم يستطع قنع ~~بلثم ردائه، وقد ازداد الشيخ عظمة في نفوسهم بما أظهر من كرامة لا تنكر؛ ولما كانوا عند ~~الباب الخارجي سمع لغط شديد وجلبة تتخللها الأيمان بالله وبالطلاق، وتبينا أن كلا من ~~هؤلاء يتمسك بأن ينال شرف مبيت الشيخ عنده؛ وفصل الشيخ في الأمر بإشارة منه أذعن لها ~~الجميع، فقد اختار من بينهم من يضيفه، وأنعم عليه بهذا الشرف العظيم. # ودارت الأيام ورأيت الشيخ في مواطن كثيرة، أرجو أن أسوق إلى قارئي العزيز بعض ما ~~التقطه منظاري منها؛ ليؤمن معي إن لم يكن قد آمن بعد بأن الشيخ هو على رغم الشانئين ~~المنكرين من أمثالي صاحب السلطان الحقيقي. # 2 # قدمت صاحب السلطان الحقيقي إلى قرائي في المرة السالفة، أو بالأحرى قدمتهم إليه! فهو ~~من يقدم إليه الناس جميعا ولا يقدم قط إلى أحد، ومن كان يماري في ذلك فليشهد مجلسا من ~~مجالسه، ثم لينظر هل يقدم هو مهما كان من خطره إلى صاحب السلطان أم يقدم صاحب السلطان ~~إليه. # حرصت بعد المرة الأولى على رؤيته حرصا أنساني كل متعة، وحقر في نفسي كل فرجة، فأعددت ~~منظاري وظللت أنتظر بصبر فارغ وشوق نازع، حتى حانت الفرصة فدعاني إلى داره رجل من أطراف ~~القرية رأيت وجهه يقطر السرور، وهو يفضي إلي بما نال من شرف ضيافته الشيخ في تلك ~~الليلة. # وتفضل الرجل فدعا شابا من ذوي قرباي كان معي، فقبل كما قبلت واشترط مثلما اشترطت ~~ألا نمكث حتى العشاء، فما كان كلانا يتطلع إلا إلى رؤية الشيخ، وكان رفيقي الشاب قد ~~تشوق إلى رؤيته بعد ما سمعه عنه، وكان وقد ظفر بالأمس القريب بإحدى ms090 الإجازات العليا ~~تمتلئ رأسه بفلسفة الفلاسفة، ولعله كان يرغب أن يعد لنفسه منظارا مثل منظاري، أو لعله ~~كان يريد أن يطبق على الشيخ ما في رأسه من فلسفة، فقد حدثني أنه يعلم من أمر هؤلاء ~~الأشياخ أنهم جد أذكياء، وأنهم يسيرون على قواعد «سيكولوجية» دقيقة تغيب عن الأغفال من ~~العامة. # وكان صاحبي ونحن في الطريق إلى تلك الدار التي احتوت الشيخ وحاشيته، يحدثني ضاحكا ~~أنه كف يده في الصباح بعد أن هم بالتصدق على مسكين بنصف ريال، وأنه يخشى أن يظهر الشيخ ~~كرامته، فيفضح بخله في المجلس. # وبلغنا الدرا فإذا حشد من أنماط الناس من رجال ونساء قرب الباب، وإذا الشارع أمامها ~~مكنوس مرشوش، وإذا وفود المدعوين يدخلون الدار قبلنا؛ وإذا الدخان يتصاعد من النوافذ، ~~ولما كنا في وسط الدار لم يفت منظاري ذلك النشاط الذي ملأها، فهؤلاء النسوة مشتغلات كل ~~منهن بعمل يتصل بإعداد الطعام، وفتيان الدار يدخلون ويخرجون من المنظرة التي جلس فيها ~~الشيخ، وفي أيديهم «صينيات» القهوة والقرفة والشاي، ووجوههم جميعا متهللة ~~مستبشرة. # ودخلنا المنظرة فهب من فيها جميعا وقوفا لتحيتنا إلا الشيخ؛ ولأهل الريف أريحية ~~جميلة في اللقاء والترحيب، ورفع الشيخ عينيه وهو متكئ على وسادتين في صدر القاعة، وما ~~إن رآنا من عنصر المطربشين حتى سرت في وجهه غمة أسرع فأخفاها، وتكلف البشاشة، وسرنا ~~نحوه فتظاهر أنه يهم بالوقوف فأقسمت عليه ألا يفعل، ومد إلينا يده وهو جالس فسلمنا، وما ~~كان أعظم دهشة هؤلاء الوقوف من الرجال حينما رأونا لا نقبل يد الشيخ! وما كان أعظم أسفي ~~أن أكدر عليهم صفوهم بهذا الذي فعلت وصاحبي! ولكن ما الحيلة ولأن أبكيهم جميعا أسهل ~~عندي من أن ألثم تلك اليد الكريمة؟ # وأرادوا أن يفسحوا لنا مكانا في صدر الحجرة، ولكن الشيخ حريص على أن يظل دراويشه إلى ~~جانبه، وأنقذت أنا الموقف فأشرت عليهم بإحضار كرسيين لنا قرب الباب؛ لنستريح في جلستنا ~~في ملابسنا الإفرنجية، وقبل أن نجلس سألت الشيخ ألا يؤاخذنا إن جلسنا ونحن أعلى منه ، ~~فطيبت ms091 بذلك خاطر صاحب الدار وضيفانه، ثم قلت: إن بركة الشيخ لتمسنا ونحن بعيدان، فشرفني ~~بنظرة مستريبة، ثم ردها سريعا وفي وجهه الراحة والضيق معا، فهو مرتاح إلى هذا التكريم ~~الذي يصدقه مني الجلوس وإن لم يصدقه هو، ثم هو ضائق بخبثي وبحضوري وصاحبي في تلك ~~الساعة. # واتجهت الأنظار إلى الشيخ وكان صاحبي من الدهشة كأنه ذهل عن نفسه؛ وساد السكوت لحظة ~~فما يتكلم أحد حتى يتكلم الشيخ، وكنت قبل دخولنا الحجرة تبينت صوته وهو يتحدث عن المال ~~وأنه عرض زائل، وعن الجود والبخل، وفطنت إلى أنه كان في سيرة أحد البخلاء، ولم يفطن ~~صاحبي إلى شيء لدهشته؛ ولأنه لا يعرف صوت الشيخ، وغمغم الشيخ ثم عاد إلى ما كان فيه من ~~حديث، ولحديث البخل عنده قيمته فقال: «هيه ... سبحان من يرث الأرض ومن عليها ... هو حد منا ~~رايح يأخذ حاجة معاه ... إيه نصف ريال ولا نصف جنيه ولا حاجة فارغة زي دي، ياما فلوس ~~بتورح في المسخرة.» # وتشعب الحديث، وأديرت علينا أقداح القرفة أكثر من مرة ونحن لما نسمع من الأيمان لا ~~نستطيع لها ردا، ثم سمعت صاحب الدار يسأل عن شخص اسمه عمر ورأيت الشيخ ينهض واقفا ثم ~~يجلس بعد بضعة ثوان؛ ولكنه لا يلبث حتى ينهض مرة ثانية، فعجبت وخفت أن يكون ذلك منه ~~نذيرا بحريق جديد، وما جلس للمرة الثانية حتى صاح صاحب الدار بمن يدعى عمر كرة أخرى ~~فهب الشيخ واقفا من فوره، وعلمت أنه لن يطيق أن يسمع اسما من أسماء الخلفاء الراشدين ~~وهو جالس، وتتبعته أنظر مبلغ ما في هذا الذي ألقي إلي من صحة فاتسق لي القياس كل ~~مرة. # وكان ذلك قد ألهاني لحظة عن صاحبي الذي سرت الدهشة في وجهه لذكر نصف الريال، والذي ~~أخذ إجلاله للشيخ وإيمانه به يتغلب شيئا فشيئا على مظاهر النكران والجحود في وجهه ~~وخوافي العلم والفلسفة في نفسه ورأسه! # ودخل رجل فشكا إلى الشيخ أن ابنه لا ينام ليله مستريحا، وتناول الشيخ ورقا وقلما ~~وخط له حجابا ms092 وصرفه فخرج الرجل فرحا مطمئنا، ودخل ثان فشكا إليه أنه محروم من ~~البنين، وأنه يتحرق شوقا إلى غلام يؤنسه وللشيخ ما يطلب. وضحك الشيخ من سذاجته إذ يصرح ~~أمام الناس أو يظن أن الشيخ يطلب شيئا، وطلب الشيخ منه منديلا فلم يجد معه شيئا فأخذ ~~طاقيته ووضعها في حجره، وقرأ ثم قرأ وردها إليه وبشره بغلام؛ ونهض الرجل وكأنه يحمل بين ~~يديه ذلك الغلام ... # ودخلت امراة ملففة في ثيابها وطرحتها ترجو من الشيخ رقية لوحيدها كي يعيش، فجاد عليها ~~الشيخ برقية وخرجت المرأة مزهوة، ودخلت بعدها أخرى تستجير ببركة الشيخ، فإن ابنتها ~~يرتعد جسدها الملتهب، وتمسكها «الملعونة» حتى ما تفارقها، وفهمت أنا أن المسكينة مريضة ~~بحمى ربما كانت الملاريا، وأمرها الشيخ أن تحضر وعاء به ماء، فذهبت فأحضرته، وتناوله ~~الشيخ فقرأ ثم قرأ، وصاحبي ينظر دهشا، وبصق فيه الشيخ والعياذ بالله، بصقة على رغم علم ~~صاحبي وفلسفته، وناوله المرأة لتشرب ابنتها من ذلك الماء أثناء الليل وكم تمنيت لو قفزت ~~من مكاني، فحطمت ذلك الوعاء وأسلت بركته على رأس الشيخ! # ودخل شاب قوي البنية، بادي الجرأة، فما دنا من الشيخ حتى صرخ الشيخ في وجهه يطرده ~~ويصيح به: أيها العاصي، ابعد عني، وتوسل الشاب إليه حتى سمح له بالجلوس، وأمر الشيخ ~~دراويشه، فطرحوا ذلك الفتى ورفعوا رجليه على نحو ما يفعل معلم الصبيان في المكتب، ~~وتناول الشيخ عصاه وهم بضربه، فاستجار الفتى بالنبي، فما كاد يسمع الشيخ لفظ النبي حتى ~~ألقى العصا وهم واقفا، ثم أمر أعوانه فأطلقوه، وأخذ عليه الشيخ العهود والمواثيق ويده ~~على المصحف، ثم صرفه والناس يعجبون كيف عرف الشيخ أنه شقي، ونسوا أن للشيخ دراويش هم ~~مصدر علمه اللدني العجيب. # وجاء بعد ذلك أمر حيرنا معا أنا وصاحبي، وحار منظاري حتى كدت أظن أن الشيخ أفسد ما ~~له من سحر بكراماته، فقد جيء للشيخ بأربعة فتيان متهمين في سرقة، فجلسوا أمامه يرتعدون ~~فرقا وكلهم ينكر ما نسب إليه، ولما يئس منهم الشيخ طلب بيضة بطة أو ms093 إوزة فذهب صاحب ~~الدار ليحضرها، ولما عاد بها قابله أحد الدراويش عند الباب وأخذها منه، ثم وضعها في ~~جيبه حتى طلبها الشيخ فأخرجها وأعطاها إياه أمام أعيننا ووضعها الشيخ تحت يسراه، ثم قرأ ~~وقرأ وقال إنه سيرفع يده فتتجه البيضة إلى السارق، ونظر في وجوه الفتية فأصروا على ~~إنكارهم، وما كان أشد عجبي وعجب الجالسين جميعا أن رأينا الشيخ يرفع يده فتظل البيضة ~~في مكانها بضع ثوان، ثم تبدأ تتدحرج وتقف، ثم تتدحرج وتقف، وعظم خوف السارق بطبيعة ~~الحال، وقبل أن تنحرف البيضة إلى من سرق أخذها الشيخ وقد بعدت عنه نحو ثلاثة أذرع، وأمر ~~الفتية أن يخرجوا فيفضي من سرق منهم بسره إلى من يرسله معهم من الدراويش، وعاد ذلك ~~الدرويش بعد قليل يحمل الحلي المسروقة! # وأقبل من في الحجرة على الشيخ يقبلون يديه، ونظر إلي صاحبي وقال في لهجة عجيبة: ~~«وما قولك؟ بل ماذا يرى منظارك في هذه المعجزة؟» ونهض الشيخ واقفا، فدعا دراويشه ومن ~~جلس معه إلى «حلقة ذكر» وبدأ ذلك الذكر في حماسة شديدة، واشتدت الحركات وارتفعت ~~الأصوات، ونسي الناس أنفسم حول الشيخ وعظمت الرهبة في وجه صاحبي الشاب، فأمسكت بذراعه ~~مخافة أن يثب فينضم إلى الحلقة! # وكان موعد تقديم الطعام قد قرب فانتظرنا وصاحبي حتى انتهت لحظة التجلي، وخرجنا بعد أن ~~سلمنا من بعد على الشيخ ومن معه، وسرنا وصاحبي يسألني في لهجة كلهجة طفل خارج من ملعب ~~يستوضح أباه حركة «بهلوان»؛ ولم نكد نبعد حتى سمعنا من يشاركنا الحديث، فإذا هو أحد ~~دراويش الشيخ السالفين وهو اليوم من الخارجين عليه، وقال ضاحكا: طول ما في البلد ~~مغفلين، وأكل العيش سهل يا سيدنا الأفندي البيضة كانت مجودة في جيب صاحبنا الشيخ غير ~~البيضة الثانية، وهي فارغة وفي جوفها خنفسة ... دا شغل إحنا عارفينه، وبكرة ياما يشيل ~~الشيخ من الطيور والسمن والخرفان وهو خارج من البلد ... # وضحك صاحبي وأخذ يعود إلى جحوده ونكرانه. # | مصري من الخارج # عرفته قبل أن يسافر ولقيته بعد عودته من الخارج ، وأشهد ms094 لقد آمنت إيمانا لن يكون بعده ~~جحود بما للخارج من عظمة، وتعاظمني ما بيننا نحن الشرقيين من بون في الحضارة وبين سادتنا ~~الغربيين، حتى لقد أوشك يتملكني اليأس من أي إصلاح لحالنا، إلا أن نرتل جميعا عالمنا قبل ~~جاهلنا وكبيرنا قبل صغيرنا - اللهم خلا من سلف له أن سافر - بعثة واحدة في وقت معا إلى ~~بلاد الغرب لنعود بعدها كأهل تلك البلاد لنا ثقافتهم، ولنا ذوقهم ولنا أسلوبهم فيما يأتون ~~من ضروب التفكير والأعمال، ما جل منها وما هان. # ولا يحملن القارئ كلامي على اللهو والمبالغة، فالأمر أجل وأخطر من أن يسمح بشيء من هذا، ~~ولو أنه رأى ذلك الذي أتحدث عنه، كما رأيته قبل سفره وبعد أوبته، لأيقن أني جاد كل الجد، ~~مقتصد غاية القصد فيما أقول، وحسبك أنه اغترب زمنا ثم عاد إلى وطنه العزيز، وهو شخص آخر قد ~~تغير تغيرا جوهريا من جميع نواحيه إلا ناحية واحدة ستعلم نبأها بعد حين، وقد تم له ذلك ~~على صورة أرى من الميسور معها علي أن أصدق أن لماء التاميز وغيره من أنهار إنجلترة فعلا ~~سحريا، فما هو إلا أن ينزل المرء فيه أو أن يغترف منه غرفة فحسب، حتى يصبح مهما كانت ~~جنسيته، بل إنه ليصبح وإن لم تك جنسيته إلا تلك الحلقة المفقودة التي لفقها خيال العلماء، ~~إنجليزي المظهر والجوهر والخلق! # ما ذهب صاحبنا هذا مذهبا في حديث له إلا جعل غايته تلميحا أو تصريحا، أن يلقي في روع ~~السامع أنه كان في إنجلترة، وأنه بذلك فوق مستوى من لم يتواف له مثل حظه مهما تكن مكانته؛ ~~وكيف يكون لمن لم يحظ بذلك مكانة في نفسه على أية صورة من الصور؟ كذلك يعتقد ذلك الأستاذ ~~الذي يتندر تلاميذه، فيما أعلم من عبثهم، أنهم يحصون عليه إشاراته إلى ذلك الشرف في دروسه، ~~وإن أحدهم ليراهن صاحبه على درس يأمل أن ينسى فيه الأستاذ ذكر ذلك، ولكنه يخسر كل مرة، حتى ~~لتحدثه نفسه أخيرا أن يذهب إلى أستاذه فيتوسل إليه ms095 أن ينسى مرة واحدة، وله ما شاء بعدها من ~~الإذعان والمودة! # وكيف ينسى الأستاذ، وإن هذا الأمر ليجري في نفسه مجرى النفس في رئتيه لا يكاد يتسغني ~~عنه لحظة؟ وأول ما يستطيل به عليك - إذا اغتررت بنفسك فطاولته - وأول ما يشتكي به إليك - ~~إذا اطمأن إليك فأفضى إليك بهمه على الرغم مما يتقلب فيه من نعمة - أنه رجل # qualified ~~، وليعذرني القارئ إذا ذكرت عبارته كما ~~يوردها، فإني لأخشى ألا يؤدي تعريبها ما يريد من معنى، فيضيف بذلك إلى أدلة جهلي عنده ~~دليلا آخر، ولا تنس أن من لم يذهبوا إلى الخارج هم عنده جميعا جهلاء أدعياء! # وهو لا يسمح أن تكون كفايته موضع شبهة من أحد رئيسا كان أو مرءوسا، وإنه ليخطئ الخطأ في ~~جدله لا يختلف اثنان في أنه خطأ، ومع ذلك فإنك لتزحزح الجبل الراسخ عن موضعه ولا تزحزحه هو ~~عن موقفه بأية وسيلة من الوسائل؛ ويظل في مكانه لا ينحرف قيد شعرة، ولن تزداد أنت بمحاولتك ~~عنده إلا أنك تمعن في المكابرة، وتسرف في الحمق، وتبالغ في الغفلة، وإنه لن يؤمن أنه يخطئ ~~إلا إذا كان يجادل أحدا ممن اغتربوا ولو إلى قبرص! # وليته يقف عند هذا الحد، فإنه ليقحم نفسه في كل جدال، فيستمع لحظة حتى إذا قرر أحد ~~المتكلمين أمرا جابهه بأنه يقرر الخطأ قائلا: «لا، هذا خطأ.» يقولها في غير مراعاة منه ~~لأي وضع من أوضاع الذوق، ثم يزيدك نكدا بأن يسمعك نصف عباراته بالإنجليزية ونصفها ~~بالعربية، ولقد يستكثر النصف على العربية أحيانا، فلا يأتي منها إلا ببعض ألفاظ، ويمعن في ~~الكيد لك فيستدل على رأيه بما قرأ من كتب يذكر أسماءها، والله يعلم نصيب كل منها من الوجود، ~~ولن يذكر فيما يستدل به من الكتب اسم كتاب عربي، وكيف يفعل هذا وهو لا يتورع أن يقول في ~~صراحة إنه يضن بريال من ماله على شراء أي كتاب عربي، بينما يدفع جنيها كاملا أو أكثر، ~~ثمنا لأي كتاب إفرنجي؟! # إذا صرفت النظر عن طربوشه ms096 وسحنته فأنت منه - إذا تبقى بعد ذلك شيء - حيال إنجليزي لا حيال ~~مصري؛ فسرواله وحلته وحذاؤه، كلها إنجليزية اللون والتفصيل، وغليونه إنجليزي الوضع والهيئة ~~والحجم، وأسلوبه في تفريغ ذلك الغليون بدقة على كعب حذائه وفي حشوه وإشعاله أسلوب إنجليزي ~~على رغمي ورغم غيري من الذين ينكرون عليه كفايته؛ لأن الغيرة تملأ نفوسهم والحقد يوغر ~~صدورهم. # وإنه ليدق الأرض دقا بحذائه الغليظ إذا مشى، ويومئ برأسه مع كل دقة إيماءة الكبرياء، ~~فيكون في ذلك إنجليزيا أكثر من الإنجليز أنفسهم؛ وهو يكمل بذلك أدلته على أنه قد صار أحد ~~هؤلاء الإنجليز الذين أخذ عنهم؛ وإني لن يسعني مع هذا إلا أن أسلم له بأنه # Qualified # حقا، وإلا فهل ثمة من فرق بينه وبين من ~~يتشبه بهم؟ # ويسيطر على سلوكه خيال إنجليزيته سيطرة عظيمة عند علماء النفس تأويلها فيما يسمونه مركب ~~النقص؛ أما أنا فعملي عمل المصور الخبيث، فأراه حين يتكلم الإنجليزية مثلا - وقل أن يتكلم ~~غيرها - يلعب بفكيه لعبا لن أستطيع أن أنكر ما فيه من مهارة، وإلا كنت مكابرا حقا، ~~وأراه يلعب دور الملحن أيضا، فهو لا يقنع بالمبالغة في إمالة ما يتطلب الإمالة من الحروف، ~~ولا بتفخيم بعض الألفاظ وترقيق البعض، ولا بمد أواخر كلمات واختطاف أواخر كلمات غيرها، ولا ~~بالإتيان بغنة وشنشنة هناك، ولا بقلقلة لسانه فيما يقابل «الراء» عندنا من الحروف ~~الإنجليزية؛ ليخرجه بعد حشره بين وسط اللسان وسقف الفم ... لا يقنع بذلك كله وإنما يحاول أن ~~يكون صوته كصوت الإنجليز، فلا يتسق له - وا أسفاه - إلا خليط من اللغط والمواء يحمل أشد ~~المحتشمين على الضحك، ولقد رأيت أحد الإنجليز يستمع إليه وهم، أراحنا الله منهم، أهل كياسة ~~ودماثة، فلم يتمالك نفسه من الضحك فحجب وجهه بورقة في يده، وضحك ملء نفسه ثم عاد يحاول في ~~جهد الاحتشام والوقار ... # وإذا اضطره إلى العربية جانب من عمله جاءك بها في ثوب إنجليزي، وتسمعها على لسانه غربية ~~أكثر عوجا ولكنة في جرسها وإخراجها، مما لو جرت على لسان أحد أساتذة ms097 إكستر أو لفربول ~~تعلمها منذ أسبوعين. # وهو برم بمجتمعنا وتقاليده، فكل شيء فيه سخيف عنده؛ وإنه ليعترف لديك في غير تحرج أو ~~استحياء أنه لا يزور ذوي قرباه إلا كل عامين أو ثلاثة؛ لأن صدره يضيق بما يرى بينهم من ~~تقاليد وعادات بالية عتيقة. # رجا منه مرة أحد أصدقائه ألا ينسى أمرا من الأمور، فهال الصديق أن يراه يغضب أشد الغضب، ~~ثم يصعر خده ويشمخ بأنفه قائلا: «أنا أنسى؟ # no it is you who ~~forgets ~~.» # وليس للفن المصري في رأيه أثر في الوجود، ولا للموسيقى المصرية وقع في النفس، ولا للأدب ~~نصيب من الحياة، ولا للحياة المصرية كلها وضع من أوضاع الذوق ... لا ولا للشرق جميعا تراث ~~يصح أن يسمى مدنية! # وبعد فليت هذا الذي يتشبه بالإنجليز هذا التشبه يحاكيهم في غير الحلة والحذاء والغليون ~~واللهجة! نعم ليته ينقل عنهم بعض ما بهروا به العالم من خلقهم، بل ليته علم أن الإنجليز ~~أبعد الناس عن التقليد السخيف؛ لأنهم لا يرون بينه وبين الانحلال والتبذل كبير فرق! # ليته نقل علمهم وأتقن أسلوب تفكيرهم، ثم اقتنع بهذا الجد وحافظ على مظهر قوميته وروح ~~وطنيته، وإن بعض إخوانه ليعود إلى وطنه، وما أغناه ماء التايمز عن ماء النيل، وما إن يرضى ~~بأن يقيم من نفسه دليلا على شعوره بحقارته! # وما حاجة هذا المتكلف إلى العلم وبيده «رخصة» بأنه كفء على الدوام أحسن أو أساء، وما به ~~حاجة إلى أن يعمل فهو سابق غيره إن جد وإن أهمل وإن ظهر من جهله ما يضحك، مهما يبلغ من ~~كفاية هذا الغير، وذلك بحكم هذه الوثيقة بل هذه الحجة الدامغة التي تغني عن كل شيء! وإن ~~وثيقته هذه لتذكرني «بصكوك الغفران» التي كانت تبيعها الكنيسة للناس في العصور الوسطى، ~~فتغفر لهم ما تقدم ما ذنوبهم وما تأخر. # وإن إكبار المجتمع لأمثال هذا المصري الآتي من الخارج ليجري على أسلوب كأسلوب العلوم الذي ~~تراه في مثل قولهم: «فلان متربي في بلاد بره.» أو كأسلوب بعض جهلاء الذوات ms098 في الجيل المنصرم ~~عندما كانوا يقولون: «فلان جي من إستنبول.» # لقد ذهب الزمن الذي كان يراد فيه لغاية مرسومة وضع هؤلاء القادمين من الخارج مهما يكن من ~~عجزهم موضع التفوق، ومات الغرض من ذلك بتيقظ قوميتنا وانبعاث نهضتنا، فحتام نشهد على أنفسنا ~~بالضعة ونقدح في كفاية معاهدنا وأساتذتنا؟ ... حتام يا أولي أمرنا ... حتام؟! # | رئيس ...! # عدت إلى منظاري فوضعته على أنفي، وقد أزلت عنه ما علق به من الغبار والصدأ؛ وما زال لهذا ~~المنظار سحره العجيب، فهو يريني من دنيا الناس ما لا تريني العين المجردة، فلولاه مثلا ما ~~استوقف بصري هذا الذي أحدثك عنه، والذي أضيف إليه لقب الرياسة العظيم، وما هو من ذوي الجاه ~~ولا العظمة، إذ ما زاد على أنه كبير الخدم بالمدرسة التوفيقية الثانوية! # وأنا يا قارئي العزيز رجل ساذج أو عبيط إذا شئت، فقد لا أرى شيئا من العظمة ولا من ~~الرياسة في بعض من تواضع الناس على أنهم عظماء ورؤساء، وقد أرى العظمة كل العظمة والرياسة ~~حق الرياسة في رجل كالذي أحدثك عنه، ولست بالضرورة أدعوك إلى أن ترى ما أرى، فأنت وشأنك، ~~وإنما أدعوك لأن تقرأ هذه في غير سخرية مني ... # إن «عم أحمد حسين» كما يسيمه الطلاب «والريس أحمد العهدة» كما يدعوه زملاؤه، أو على الأصح ~~مرءوسوه، هو رجل يريني منظاري من خلقه وسمته ما يحملني على أن أرى فيه رئيسا، بل ورئيسا ~~محبوبا إن أردت الحق. # أول ما حببه إلي وقاره إذا تكلم أو مشى، ووفرة شعوره بشخصيته والأنفة ممن كان في مثل ~~موضعه تحمل على الإعجاب والمحبة، فكم نسي الأنفة كثيرون هم أرفع درجات منه بحكم العمل، وليس ~~في أنفته شيء مما يرى في غيره من ذوي الرياسات من صلف أو غرور، وإنما هي الكرامة تلمحها في ~~وجه «عم أحمد حسين» حين يؤمر في صلف أو ينهر في غير موجب، فتراه عندئذ يرشق آمره أو ناهره ~~بنظرة ثائرة فيها التمرد الصامت والعتاب الذي يشبه الازدراء، وبين يديه ثمانية وثلاثون ~~عاما قضاها ms099 بين جدران ذلك المعهد العتيق، فمثله ليس بالشخص الذي يرهب سطان متسلط، وقد درج ~~تحت بصره في هذا المعهد مئات من رجالات هذا البلد فما أساء إليه أحد بكلمة. # وحببه إلي كذلك حيويته وأدبه وإخلاصه في عمله، وعظيم تأثيره في مرءوسيه وقد علت به السن؛ ~~فما تدور بعينيك في ركن من أركان الدار إلا طالعك منه «عم أحمد» في جلبابه الجيد النظيف، ~~وقد تجعد شعر فوديه الأبيض تحت طربوشه القاتم الطويل الذي يدفعه دائما إلى الخلف قليلا، ~~بحيث تتدلى خيوطه فوق أذنه اليمنى، وكأنما يكسبه هذا الوضع مهابة إلى جانب ما يكسبه منها ~~شعره الأبيض، وطول أعوام خدمته، أو هكذا خيل إلي منظاري ... # ويعجبني منه ذكاؤه وسرعة خاطره وخفة روحه، فهو سريع الفطنة إلى ما يسرك من ألوان الحديث ~~وكيفية الخطاب، فيحدثك وهو ينظر بعينيه اللامعتين إذ تسمع، فإن لمح أثر ارتياحك عى محياك ~~استرسل، وإن آنس فيه كدرة أدار الحديث في لباقة وسرعة حتى يقع على ما تحب. # وأجمل حديثه ما كان عن تاريخ المدرسة وتلاميذها القدماء، فيسمعك أسماءهم كما كانت تسمع في ~~فناء الدار، خالية من ألقاب العزة والسعادة والمعالي وما إليها، وكأنه يريد أن يلقي في روع ~~الطلاب اليوم أن هؤلاء كانوا بالأمس مثل ما هم عليه الآن، وهو إيحاء يحبه الطلاب، ومن يدري ~~فلعل فيهم من يحمل في غد أكبر الألقاب، أو من يستغني بنباهة اسمه عن جميع الألقاب. # على أن أكرم خلال ذلك الرئيس هي وفاؤه لكل من يعمل معهم، وغيرته على سمعة ذلك المعهد الذي ~~يعمل فيه، وإن جميع من عرفوه ليلمسون فيه هذا الوفاء. # وإذا شئت دليلا على وفاء هذا الرجل، فاعلم أنه يرسل كل عام في عيد الميلاد كتابا إلى ~~مستر إليوت بإنجلترة، ومستر إليوت هذا كان ناظرا للمدرسة التوفيقية منذ ربع قرن، وهو لا ~~يملك له اليوم ضرا ولا نفعا؛ ولذلك فوفاؤه لا تعلق به شائبة من تلك الشوائب التي قلما ~~خلا منها «وفاء» في هذه الأيام، وقل في الناس من ms100 يوادك إلا لعلة. # ولقد رد عليه مستر إليوت هذا العام بكتاب يخاطبه فيه محاطبة الصديق: أرأيت معي أن «عم ~~أحمد حسين» خيلق بأن يدعى الرئيس، وبأن رياسته خليقة بأن تحب؟ إن كنت في ريب من هذا فأخطر ~~ببالك من تطمئن إلى الاعتراف لهم بالرياسة، وانظر إن كنت تجد فرقا بينه وبينهم، ومرد الأمر ~~فيما تحكم إلى ذمتك، أما أنا فلست أشك في أنه أكرم عندي من كثيرين، وإذا كان هذا الكتاب ~~الذي أشرت إليه دليلا على ديمقراطية الناظر القديم، فإن فيه لك شهادة على أن كبير الخدم ~~أحمد حسين جدير بأن يذكر وبأن يحب. # وإليك نص الكتاب كما عربته بقلمي «للرئيس» عن الأصل الإنجليزي: # من ناظر إلى فراش # عزيزي أحمد حسين: # لك جزيل شكري على كتابك الذي تسلمته الساعة، وما يبعث كتاب في قلبي من دواعي ~~السرور أكثر مما تبعثه كتبك التي تصلني في نظام أول كل عام، وإنه لعجيب بعد تلك ~~الأعوام الطويلة التي مرت منذ أن تعارفنا، وهي الآن خمسة وعشرون أن تظل محتفظا ~~نحوي ونحو أسرتي بذكريات مودة وصداقة، وإن ذلك لدليل على وفائك حقا، ولا أزال ~~أتلو كتبك مرة ومرة في سرور بالغ، ولا ينقصني إلا أن نلتقي كما كنا نفعل في الأيام ~~الماضية فأصافحك، ولكن هذا بالضرورة مستحيل فليس لدي إلا أن أصافحك بكتابي وهذا ما ~~أفعله الآن ... وكذلك أصافح ذلك الشيخ الكبير عزيزي الحاج عبد القادر، وكم تتوق نفسي ~~إلى رؤية ذلك الرجل الطيب العجوز: وأكبر ظني أنه قد علت به السن جدا الآن كما علت ~~بي، ولكن من دواعي الغبطة الشديدة أنه لا يزال حيا، وأنك لا تزال على صلة به ولو ~~أنك لا تراه، وأنك تبلغه رسالاتي التي أبعثها إليه عن طريقك، بلغه أني كثيرا ما ~~أذكره كلما أذكرك، وأذكر جميع الأخيار من الأصدقاء الذين عاشرتهم بالمدرسة ~~التوفيقية في تلك الأيام الطيبة الخالية، ولقد رغبت إلى زوجي أن أقول لك: إنها كذلك ~~لا تزال تذكركم جميعا في عطف ومودة، وإنها جد فرحة ms101 بأنك لم تنسها. # وبعد فإني أسرد عليك شيئا عن حال أسرتي كما طلبت، وعلى الأخص حال ولدي، إنها ~~والحمد لله بخير، وإننا في أيام الحرب هذه لنشكر الله على أنهما لا يزالان كذلك، ~~وإنه ليؤسفني أنك كنت غائبا حينما زار أصغر الأخوين المدرسة التوفيقية سائلا عنك ~~وكذلك يشعر هو بالأسف، ولم يكن لديه متسع ليعاود الزيارة كما ذكرت أنت مع أنه رغب ~~في تلك؛ كان جيمس أصغرهما هو الذي زار المدرسة لا وليم، وهو الآن «ليفتنانت كيرنل» ~~في فرقة المدفعية وهو يحارب على رأس رجاله في جبال إيطاليا. ولقد كان وليم على ~~مقربة من القاهرة حديثا إذ كان يصحب مستر ونستون تشرشل أثناء المؤتمر الذي عقد في ~~ديسمبر الماضي في مينا هوس، ولم يكن ليستطيع أن يتغيب طرفة عين عن مكانه قرب ~~الأهرام، وعلى ذلك فلم يتمكن من زيارة المدرسة كما كان يحب أن يفعل، ولقد رقي الآن ~~إلى مرتبة نائب مارشال الطيران، وسيذهب لقيادة قوة الطيران الملكية في جبل طارق وهو ~~عمل شائق يتطلع إليه في شغف، وقد يكون ممكنا أن يطير من جبل طارق يوما ما إلى ~~القاهرة، فإذا تم ذلك فمن المؤكد أنه يحب أن يراك وأنه لذلك سيزور المدرسة، وآمل أن ~~تكون وقتئذ حاضرا، ولكني لا أستطيع طبعا أن أذكر متى يفعل ذلك إن كان ثمة ذلك في ~~طوقة، ولوليم الآن طفلان هما حفيداي الحبيبان: بنت في السادسة وصبي في الرابعة، ~~ولقد قضيا هنا عندنا أسبوعين، وكان جميلا أن نراهما وعلى الأخص ذلك الصبي، فقد ولد ~~في بدء الحرب ولم نره قبل اليوم أبدا، وهو ولد جميل قوي البنية لن يتعب من اللعب؛ ~~ولذلك تراني أتعب قبل أن يتعب هو إذا ما لعبنا معا ولما تنته اللعبة، فإن جسمه ~~الصغير أكبر قوة من جسمي الذي هده الكبر. # ليست زوجي على خير ما أحب لها من العافية، أما أنا فعلى خير ما أرجو إذا ذكرت أني ~~أدلف إلى الثمانين من عمري، فلا زلت أستطيع أن أصعد في ms102 تل قريب حيث أطل منه على ~~منظر بهيج، وإن كنت بالضرورة لا أستطيع أن أفعل ذلك في مثل ما كنت عليه سالفا من ~~السرعة، كما أني لا أبلغ من التل ما كنت أبلغه من قبل. # أشكرك ثانيا على كتابك الكريم وما جاء فيه من عبارات طيبة، وأرسل إليك أطيب ~~تمنياتي وتشاركني في ذلك زوجتي، كما نرسل حبنا ومودتنا لكل من لا يزال يذكرنا، ~~وبخاصة أنت والحاج عبد القادر العزيز. # المخلص # ج. إليوت # | فتوات ميري! # ما أحسبك أيها القارئ إلا قد اتجه ذهنك إلى ما أريد لأول وهلة، فاستحضرت صورة نفر من ~~شرطتنا الأبطال والعياذ بالله تعالى، وإلا فمن غير هؤلاء يصدق عليهم هذا النعت وهو مصدر ~~وحيه إلي كما يوحي الشيء الرائع بالمعنى الرائع؟ # ولست أكتم عنك أيها القارئ أني بهؤلاء الأبطال ضائق أبدا، يغيظني مجرد مرآهم، وأكدر ~~الأصباح عندي صباح يطالعني فيه بطل من هؤلاء قبل أن تقع عيناي على سواه من عباد الله، وإنه ~~والله بعدها ليوم أسود، أظل أسأل الله فيه العافية. # ولست أتبين في نفسي على وجه اليقين ماذا دس فيها الحفيظة على هؤلاء حتى لأطيق كل صنف ~~غيرهم من الأرذال، ولا أكاد أطيق حتى مجرد ذكرهم، ولو تمثلت لي الشياطين وتراقصت حولي ~~بأشكالها وألوانها عن يمين وشمال لأنست إليها، ولألفتها قبل أن أستطيع أن أصبر عل مرأى واحد ~~من هؤلاء «الفتوات الميري». # وأرجع بالذاكرة القهقرى ربع قرن فأراني على سور نادي «سيروس» أتدلى لأهبط في حديقته، وأنا ~~صبي في الرابعة عشرة وفي يدي كتبي جئت بها من المدرسة مضربا؛ لأستمع إلى سعد يخطب بعد ~~أوبته من جبل طارق، وقد حال العساكر عند الباب بيني وبين آلاف غيري من الدخول، فما أدري إلا ~~وعصا شديدة تهوي على وسطي، فأقع على ظهري صارخا وتتناثر كتبي ولا ينقذني من الرعب والهلاك ~~إلا أحد الضباط، وأنسى الألم لفرحتي بالدخول إلى حيث أسمع سعدا ... أيكون مرد بغضي هذه ~~الطائفة إلى ذلك الحادث؟ ولكني بيني وبينه ربع قرن. # وتثب ذاكرتي إلى ms103 الأمس القريب فأجدني أتهيأ للنزول من الترام ذات يوم، فإذا بعملاق من ~~هؤلاء يتحمس وهو على السلم في تحية أحد ضباطه، ولكن يده الهابطة عن جبينه تقع في عنف على ~~منظاري، فإذا به يطير عن أنفي، ولولا أنه استقر على ذراع أحد الواقفين على السلم لما وقفت ~~له على أثر، على أنني وجدته قد تحطمت إحدى زجاجتيه، ولا تسل عن مبلغ ما نال أنفي من الألم ~~وما ركبه من ورم بضعة أيام، فهل كان هذا اللعين يثأر لنفسه ولطائفته مقدما من هذا المنظار؟ ~~لست أدري ... وهل يرجع شيء من حفيظتي على هذه الطائفة إلى ذلك الحادث أيضا؟ ولكني ضائق بهم ~~من قبل ذلك ضيقا شديدا ... # ولقد زادني غيظا من هؤلاء وسخطا عليهم مناظر تتابعت منذ أيام بعضها في إثر بعض، كأنما ~~تآمرت بها الظروف على كيدي. # هذا رجل ملقى على الأرض ذات مساء على الطوار أمام الغرفة التجارية يقيء من فوق ومن تحت، ~~وقد أقيم على هذا الطوار ثلاثة من الشرطة غلاظ شداد؛ ليمنعوا السابلة أن تطأ أقدامهم القيء ~~حذر الموت وانتشار الوباء، وكان أحدهم في وسط الطوار، والثاني في طرفه الشرقي والثالث في ~~طرفه الغربي، وكان ما كلفوا به من أمر جد خطير، ولكنهم اجتمعوا ثلاثتهم يتحدثون وظهورهم إلى ~~المريض والسابلة يطئون القيء، ويحملون منه ما يكفي لإبادة القاهرة كلها، ولست أدري أين ذهب ~~وقتذاك الأطباء والمسعفون، وانزعج أحد المارة لتحذير الناس إياه وهو شاب كان يتأبه ويتنبل ~~بمشيته وملابسه، ولكنه وطيء القيء ونظرت فإذا به جن جنونه وراح يشتم هؤلاء ما وسعه الشتم، ~~ثم دخل صيدلية قريبة فطهر حذاءه وعاد يستأنف الشتم ويتم المعركة ... أتظن بعد ذلك يا قارئي ~~العزيز أنهم - أعني هؤلاء العساكر الأماثل - عادوا كل إلى موقفه فلبث فيه؟ كلا والله، فما ~~لبثوا أن تجمعوا ثانية يتحدثون ويضحكون والسابلة يطئون القيء، وهم لا يعلمون مبلغ ما يخوضون ~~من هول، وكان يكتفي أحد الشرطة البواسل بأن يدير وجهه بين حين وحين فيقول لأحد المارة: «ما ~~قلنا يا ms104 سيدي ألف مرة: بلاش مرور من هنا .» # ورأيت مرة أخرى عددا من هؤلاء وعلى رءوسهم خوذات الحديد المهيبة، وقد جلسوا على مقاعد ~~جلبوها من أحد المقاهي عند أول شارع قصر العيني في مدخل ميدان الإسماعيلية، وراحوا يمصون ~~وعلى رءوسهم تلك الخوذات عيدان قصب السكر، يا لطيف ... يا دافع البلاء يا رب! هل يرى نزلاؤنا ~~مسخرة في مصر أروح من هذه المسخرة؟ # ورأيت مرة ثالثة، فريقا من هؤلاء - والعياذ بالله مما رأيت - كانوا يضربون بعض ~~المتظاهرين بهراواتهم، فهل رأيت «الفتوات» ذات مرة في أحد أحيائنا البلدية يتهيئون لمعركة، ~~ثم يمعنون في الحي كله تحطيما وضربا لا يبالون ماذا يحطمون ولا من يصيبون؟ على هذا النحو ~~انطلق «الفتوات الميري» يضربون كل مار فيصيبون طبيبا أو مهندسا أو شيخا أو أستاذا، وكان ~~آلم ما شاهدت ضربة فظيعة تهوي على ظهر تلميذ في نحو الثانية عشرة، فما يكاد يصرخ المسكين ~~حتى تنحبس صرخته في صدره فلا يستطيع إطلاقها من فرط ألمه، وذقت معه الألم مرتين فقد ذكرت ~~العصا التي «أكلتها» على سور نادي سيروس. # وتشاء المصادفات الأليمة أن أصطبح منذ يومين باثنين من هؤلاء الشجعان ينظران في أقفال ~~الدكاكين، في الصباح الباكر وقد ألفيت نفسي حيالهما فجأة عند منعطف في أحد الشوارع ... يا ~~حفيظ ... قل أعوذ برب الفلق! لقد كان يكفيني من الهم مجرد رؤيتهما، فما بالك أيها القارئ وقد ~~سمعت أحدهما يغني ...! إي والله يغني وفي يديه هراوته قائلا: «أنا من ضيع في الأوهام عمره.» ~~ولست أدري كيف يكون لهذا الحيوان عمر؟ وكيف يضيع في الأوهام عمره وما ضيعه إلا في الجهل ~~والإجرام ... # وبعد فلو أني مضيت أسرد ما يغيظني ويحفظني على هؤلاء لضاق عنه أضعاف هذا المجال، فبحسبي ~~تفكهة للقارئ ودرءا لما قد يكون ناله من سيرة هؤلاء البواسل من ضيق، أن أقص عليهم تلك ~~القصة ... أمر أحد شرطتنا في حفلة من الحفلات منعا للتزاحم أن يدخل الناس، اثنين اثنين، ~~ووقف الشرطي الهمام النبيه، فجاء أحد الباشوات ومشى وحده في غير زحمة، ms105 ولكن الشرطي منعه من ~~الدخول فهو لا يدخل حسب الأمر إلا اثنين، وضحك الباشا وعاد فاستصحب سائق سيارته، فما أسرع ~~ما أفسح الجندي لهما الطريق ودخل الباشا يضحك ملء نفسه، ويدق كفا بكف ويقص النكتة على ~~المحتفلين قائلا: «دخلت بنفس هذا السائق.» # وهنيئا لحكومتنا «فتواتها الميري»، فأنا على يقين أنها تتنازل عن متاحفنا جميعا في يسر، ~~ولا تتنازل عن هذا الطراز العجيب النادر من شرطتها الذين يحق أن تباهي بهم العالم، وتبلغ في ~~مباهاتها حد الإعجاز. # | صاحب الديوان # إياك أن تظنه «ديوان شعر» فمثل هذا أهون من أن يحفل به إلا من كانوا مثله من ذوي الأحلام ~~والأوهام، في هذه الدنيا التي باتت لا تحفل بالأحلام ولا بذوي الأحلام. # ولعلك فطنت بعد هذا ما أعنيه بهذا اللقب؛ ثم لعلك فهمت لم أسميه «صاحب الديوان»، فما كان ~~لفظ «الموظف» أو «المستخدم» وما يجري مجراهما مما يفي بالغرض في معرض الحديث عن ذلك الذي ~~توافى له من أسباب الجاه والسلطان ما يسمو به على الناس، رضوا بذلك أو لم يرضوا؛ وما أرى ~~نعته بمثل تلك الألقاب المتواضعة إلا ضربا من الخطأ أسبق مجمع اللغة في تلافيه، فأضع له ~~هذا الاسم الجديد، وبودي لو وقعت له على اسم آخر أكثر فخامة وأضخم جرسا وأبلغ رهبة. # ولست أدري وقد وقع منظاري على أنماط وأشكال من أصحاب الديوان من منهم أدير إليه الحديث ~~أولا، فأجعله في طليعة أصحابه فإني لست بمعفيهم جميعا من حديثي، ولو لحقني بعدها من ~~سطوتهم ما أعض أصبع الندم عليه. # أأبدأ بالحديث عن ذلك الشاب الماجن المتظرف الذي لا تساوي الدنيا في نظره شيئا؟ أم أبدأ ~~بصاحبه المتزمت المتبرم الذي يحمل الدنيا كلها على رأسه؟ أم أدعهما إلى ذلك الكهل الذي أخلق ~~برد الشباب على مقعده وهو يلتفت إلى الماضي في حسرة، ويحتمل الحاضر في ملل، وينظر إلى ~~المستقبل في يأس، ولا يني عن احتقار من هم دونه والحقد على من خلفوه وراءهم وكانوا وإياه في ~~صف واحد عند بدء الشوط؟ ms106 أم أبدأ من عل غير متهيب، فأتحدث عن ذلك الذي يخضع له هؤلاء جميعا، ~~ويتملقه أكثرهم وليس فيهم من لا يكره أن يودع كرسيه في أقرب فرصة؟ # الحق أني حائر، ولا مخرج لي من هذه الحيرة إلا بأن أعرض عليك صورة لفريق أصحاب الديوان في ~~قاعة من قاعاتهم قد وقفت منهم، بل جلست جلسة المتفرج ساعة. # دخلت تلك القاعة في شأن من الشئون، فوجدت نحو خسمة عشر من هؤلاء ينصتون إلى من يتلو عليهم ~~حديثا وهم على مكاتبهم يرنون إليه حتى إذا فرغ من قصته انطلقوا يضحكون في صخب عظيم، ثم أخذ ~~كل منهم يسابق الآخر في التعقيب عليها بما يسعه من نكتة أو قصة مشابهة، ومضى على ذلك وقت ~~ليس بالقصير، وأنا واقف في ركن عند مدخل القاعة لا أدري من أقصد، ولا أجد من يلتفت إلي ~~كما لو كنت «صاحب ديوان» مثلهم لا حرج علي ولا غرابة في أن أكون معهم في حجرتهم. # وكان قد مضى على بدء العمل أكثر من ساعة، ولكن أغلب المكاتب كان لا يزال خاليا من ~~الأوراق، وبعضها كانت خالية حتى من أصحابها، ونظرت إلى الباب فإذا فريق من الصبية يدخلون ~~وفي أيديهم أصناف «الصينيات»، فهذا يحمل «الفول»، وذلك يقبل «بالطعمية»، وثالث لا يحمل غير ~~القهوة. # وأخذ أصحاب الديوان في تناول طعام فطورهم أو في شرب القهوة، اللهم خلا ثلاثة أو أربعة، ~~راح أحدهم يقرأ في جريدة الصباح وراح الآخر ينظر إلى السقف كأنما كان يفكر في حل معضلة، ~~ولعله كان ينتظر أن يفرغ صاحبه من جريدته ليتناولها بعده، وأخذ الثالث يفتح قمطرات مكتبه ~~ويغلقها ولا يخرج منها شيئا، أما الرابع فقد تناول بعد «الدوسيهات» وصار ينظر فيها واحدا ~~بعد الآخر، ثم فتح أحدها أمامه، وأخذ يصفر بشفتيه لحنا جميلا. # وكنت قد جلست على مقعد خال بجانبي، وليس ما يمنع - وإن لم يكن في يدي عمل - أن أكون ~~أحدهم، ولعلهم ظنوا - إن كان فيهم من عني بأن يظن - أني أنتظر أحد الغائبين بناء على ms107 موعد ~~سالف؛ وكان علي في الواقع أن أنتظر، ولكني كنت أنتظر الحاضرين حتى يفرغوا من طعامهم ~~وشرابهم، أو قراءة صحفهم لأستطيع أن أعرف من بينهم من يوجد لديه حل مسألتي. # ودنوت من أحدهم فسألته فسرعان ما أحالني على موظف سماه في «قلم» من الأقلام، ورأيت في ~~وجوه إخوانه كأنهم رأوا في فريسة جديدة لعبثهم، وتبينت فيها ضحكات مكتومة، فقد أحالني على ~~موظف غائب وعلمت أنها حيلتهم في صرف كل قادم أو في «زحلقته» على اصطلاحهم. # | صاحب الديوان أيضا # مضيت إلى الديوان للمرة الثانية، وأنا أمني النفس أن أحظى هذه المرة بما لم أحظ به في ~~المرة السالفة من حل لمسألتي؛ ولقد حرصت على أن يكون حضوري إلى الديوان في ساعة بحيث لا يدع ~~مجيئي مجالا للشك في بدء العمل به؛ فكنت هناك في نحو الساعة العاشرة من صباح أحد ~~الأيام. # ورأيت في إحدى الردهات من توسمت فيه أنه صاحب ديوان، فاتجهت إليه مبتسما محييا، ورجوت ~~منه أن يدلني أين أذهب للسؤال عن كيت وكيت، فأجاب دون أن يقف، وأنا أسرع الخطو لألحق به، ~~كأنما كان في سبيله لتلافي خطر من الأخطار الداهمة: «عند حسني أفندي في الشطب هناك على ~~شمالك وراء السلم.» # وذهبت إلى «الشطب»، فإذا هو قاعة كبيرة، فيها نحو عشرين من أصحاب الديوان، ورأيتهم جميعا ~~لأول نظرة، والحق يقال، منكبين على أوراقهم، فقصدت أقربهم إلى الباب، فحييت وقلت: «حضرتك ~~حسني أفندي؟» فلم يزد على أن أشار بإصبعه إلى من أردت دون أن تنفرج شفتاه ولو برد التحية، ~~ولعله كان في شغل بعملية حسابية معضلة، أو بتدبير حل لمشكلة من مشاكل عمله الخطير. # ونظرت إلى حسني أفندي وأنا أخطو إليه، أحاول أن أتبين شيئا عن خلقه من مظهره، فخانتني ~~فراستي إما لقصر المدة؛ وإما لأني رأيت منظره يدل على ألف معنى فلا يدل من أجل ذلك على ~~معنى! ووقفت أمام مكتبه فحييت في هدوء مبتسما متظرفا أحرص الحرص كله على أن أكون خفيفا ~~ظريفا على نفسه ما وسعني الظرف ms108 ... ولكن ظرفي أو قل تظرفي ذهب عبثا ، فإنه لم يرفع رأسه من ~~بين أوراقه ليراه، ولمحت دلائل الغضب على محياه فتهيبت! ولكني استعنت ثانية بابتسامة عريضة ~~أطرح بها ثقلي، وألبس ما استطعت من الظرف، وكررت التحية فرفع رأسه هذه المرة ونظر إلي ~~قائلا: «أهلا وسهلا يا فندم.» ثم عاد إلى أوراقه كأني ما جئت إلا لأتبادل وإياه عبارة ~~التحية على هذه الصورة الجميلة، ثم أنصرف! # وانتظرت برهة، وهو ينقل عينيه من هذا الدفتر إلى ذاك، ويكتب هنا كلمة وهنا سطرين، دون أن ~~يخطر على باله أن هناك أحدا يريد التحدث إليه، ولعله قد تعود ذلك فما يأبه لمن يقف أمام ~~مكتبه، ولو ظل هناك إلى موعد الانصراف. # وطال انتظاري حتى أوشك أن ينفد صبري، والمرء على أي حال لا يطيق مهما بلغ من حلمه ألا ~~يأبه به الناس في غير داع إلى ذلك ... على أني عدت فتلطفت، وإن كرهت من نفسي هذا التلطف الذي ~~أخذ يسمج كسماجة ذلك الذي لا يريد أن يلتفت إلي، وناديته باسمه في صوت مسموع، ونفسي تحدثني ~~أنه قد يكون بانكبابه هذا على العمل من ذوي النشاط فعسى أن أفيد من نشاطه في إنجاز ما جئت ~~له. # وأخيرا بدا له أن يستجيب إلي؛ فقال في كثير من التؤدة وعدم المبالاة: «نعم يا أفندي.» ~~فأخذت أشرح له أمري، ولكنه ظهر كمن لا يعي مما أقول حرفا وبدا في وجهه التململ والامتعاض ~~ثم مد يده إلى أوراق كنت أعددتها في يدي، فنظر فيها نظرة ثم قال: «لا، دا هناك في ~~المستخدمين عند عزت أفندي.» وعاد بعدها قبل أن أدير ظهري إلى ما كان فيه من جسيمات المشاكل، ~~كان الله في عونه. # وانطلقت أبحث في «المستخدمين» عن عزت أفندي هذا لأخبره بما قال حسني أفندي الذي في ~~«الشطب»، فكان حالي معه كما كان من سلفه: تشاغل عني وصلف في الرد علي، وما كان جوابه سوى أن ~~قال هو أيضا: «يا فندم موضوعك ده في الحسابات عند مراد أفندي.» وخرجت ms109 من لدنه أسأل نفسي ~~أأخرج من الديوان إلى غير عودة، فقد آلمني ما ألاقيه وليس في مسلكي ولا في مظهري ما يستأهل ~~هذه المعاملة، أم أعتصم بالصبر فأحظى بالمثول بين يدي مراد أفندي أيضا؟ وملت بعد تردد إلى ~~الرأي الثاني، ولكن مراد أفندي أكد لي أن مسألتي عند حسني أفندي في الشطب، وإلا فهو لا يعرف ~~في الديوان شيئا. # ولعله كان بين مراد وحسني ما جعل أولهما ينهض ليذهب معي إلى الثاني، وعدت إلى حسني أفندي ~~في الشطب، وبين يدي هذه المرة صاحب ديوان مثله، وبعد نظرات كريهة رماني بها حسني وبعد مشادة ~~ليست بالهينة بين صاحبي الديوان، تبين أن المسألة عند هذا الذي أحالني من أول الأمر على ~~غيره! ولكنه لم ينظر فيها بل استمهلني إلى غد، ولم يسمعني، وقد رأيت ما رأيت إلا أن أخرج ~~وأمري لله! # ولعله في غد يحيلني على أحد الغائبين من أصحاب الديوان، فقد ثبت لدي أن هؤلاء يعرفون ~~الغائب من إخوانهم في أية حجرة، فيحيلون كل قادم عليه، وبهذا يفرغون لحل معضلاتهم الجسيمة ~~كان الله معهم وجزاهم عن عباده الحائرين أحسن الجزاء. # | صاحب الديوان الظريف # أما إنه ظريف حقا فذلك ما يتبين من هذا الحديث الذي أسوقه عنه، ولكم تمنيت لو كان أصحاب ~~الديوان جميعا على شاكلة هذا الشاب الذي ساقتني الظروف السعيدة إليه ... # ولن يتسع المجال إذا أردت أن ألم بنواحي ظرفه جميعها؛ ولذلك فحسبي أن أقصر الحديث على آخر ~~لقاء كان بيني وبينه. # دخلت حجرة عمله فما رآني مقبلا عليه حتى خف للقائي ضاحكا مرحبا يمد لمصافحتي يمناه، ~~ويقدم إلي كرسيا بيسراه على صورة لفتت أنظار الكثيرين ممن حوله من أصحاب الديوان، ~~وأمثال هؤلاء لن يلفت أنظارهم الرصينة المنكبة على حل المعضلات إلا أمر غير مألوف. # وجلست ترمقني العيون برهة وحرت أول الأمر كيف أبدأ الكلام وما جئت زائرا، ولا أنا بصديق ~~لهذا الذي أسرني ظرفه، وما كانت معرفتي به إلا من كثرة ترددي عليه من أمر لي عنده. # وبدأ هو ms110 الكلام فقال: «قهوة ولا قرفة ولا شاي يا سعادة البيه؟» واعتذرت شاكرا فما زاده ~~اعتذاري إلا إلحاحا، بل وتوسلا أن أتنازل فآخذ شيئا مما ذكر، ولست أدري ماذا كان بلغ من ~~قوة إلحاحه، بل قوة تراجعه لو تبين على وجهي أمارة القبول، على أني - والحق يقال - لم أر في ~~وجهه إلا أنه جاد، وإلا فبما يفسر هذا التوسل الذي ما فتر والذي لم ينته في الوقت نفسه آخر ~~الأمر إلى شيء؟ # وابتسمت وتواضعت وتصنعت الحياء وقلت في رفق يتناسب مع ما لقيت من ظرف: «لعلك انتهيت من ~~مسألتي.» فقال: «أيوه يا فندم قربنا ... حالا إن شاء الله، الحكاية كثرة عمل والمدير كل ساعة ~~يطلبنا، وكل عام وأنت بخير إجازة المولد ... على كل حال كن مطمئنا إحنا محاسيب يا فندم ~~...» # وجاء أحد السعاة فاستدعاه لمقابلة المدير، فنظر إلي كأنما يقول هكذا لا يني المدير عن ~~طلبه، وأخذ في يده مجموعة من الأوراق كان ينظر إليها في اهتمام، واستأذنني وهو يرجو أن يعود ~~فلا يجدني. # وجلست أنا متعجبا حائرا كيف يكون هذا الذي أرجو منه حل مسألتي محسوبا لي، وهو لا ~~يعرفني كما ذكرت إلا من ترددي عليه؟ وتنازعني الضحك والغضب، فأما الضحك فمن هذه الحركات ~~«البهلوانية» المحكمة؛ وأما الغضب فلأنه يظن أني لست أفهم أنه يسخر مني، دع عنك إهمال أمري ~~الذي استمهلني آخر مرة جئته فيها من أجله ثلاثة أيام، فما عدت إليه منذ ذلك اليوم إلا بعد ~~ثلاثة أسابيع، ومع ذلك يقول: «قربنا» والمسألة في غير مبالغة لا تستغرق منه أكثر من ربع ~~الساعة! # وعاد فوجدني لا أزال في موضعي، فتلاقى في وجه التجهم والابتسام في وقت واحد، وهو من كثرة ~~مرانه يعرف كيف يبتسم بأحد صدغيه، ويتجهم بالصدغ الآخر ... ثم غلبت ابتسامته تجهمه في أسرع من ~~ارتداد الطرف، ونظر إلى من ابتسم إليه من أصحاب الديوان ابتسامة فهمت منها أنهم يضحكون منه؛ ~~لأنه لم يستطع أن يصرفني أو يضحكون من أني على الرغم من ألاعيبه بقيت ثابتا لا ms111 ~~أتحول. # وجاء شخص غيري رقيق الحال يلبس جلبابا عليه معطف يسأله هو أيضا عن مسألته، فقال في نفس ~~ظرفه وأدبه: «حاضر يا عم - إن شاء الله - تجينا بعد يومين تكون مبسوط.» ولما شكا الرجل وغضب ~~قال له باسما: «حلمك يا بويا إن الله مع الصابرين قلت لك: إن شاء الله تكون مسرور.» ولما ~~أدار الرجل ظهره لينصرف نظرت إلى صاحب الديوان، فإذا به يخرج له لسانه، وابتسم ابتسامة ~~عريضة وضحك من رآه من أصحاب الديوان، وكثيرا ما أضحكهم بمثل هذه الأمور كما قرأت ذلك على ~~وجوههم. # واتجه إلي قائلا: «شرفت يا بيه.» وفهمت معناها فليست إلا مطالبة بالجلاء، وهممت أن ~~أنصرف، وقد تأكد لي ما سبق أن عرفته من أن الأوراق عند أصحاب الدواوين قسمان، قسم يعلم به ~~المدير أو الرئيس، وهذا هو الذي ينجز ويعد، وقسم لا علم للرئيس به، وهذا لا يتناوله أصحاب ~~الديوان، ولو بمجرد القراءة، وعلى مصالح الناس ألف سلام! # وسلمت فنهض يصافحني في ظرفه ولباقته، وهو يقول: «ما تأخذناش يا بيه، والله الواحد خجلان ... ~~حالا إن شاء الله.» ومضيت ولكني التفت عند الباب أنظر إليه، فلست أدري لم ألقي في روعي ~~أنه ظل يخرج لي لسانه منذ ودعته. # | صاحب الديوان المجد # مجد في عمله، لا يعرف في جده هوادة؛ فإذا رأيته يقرأ جريدة من الجرائد أو مجلة من ~~المجلات، فمن أعظم التجني عليه أن تحمل عمله على أنه مضيعة للوقت في غير جدوى، فما هو إلا ~~استجمام لا بد منه لمن يعاني مثل عنائه المتصل؛ وإذا رأيته يبدأ عمله عند العاشرة أو في ~~منتصف الحادية عشرة، فاعلم أن ذلك من أثر إجهاده نفسه وتحامله على أعصابه في اليوم السالف، ~~لا شيء غير ذلك، وإذا رأيته يتزاور عن مكتبه، فيحرق دخينة في أثر دخينة، أو يرتشف القهوة في ~~هدوء وسكون، ويقضي في ذلك ساعة أو بعض ساعة، فترفق بهذا الجسم الذي أنهكه الجهد، ولا تأثم ~~فتظن بصاحبه الظنون. # وصاحب الديوان هذا لا يطيق أن يرى وجوه ms112 الناس، فإذا أبصر أحدهم مقبلا، أحس كأنما يقبل ~~عليه مكروه من مكاره الزمن، فيلقاه متأففا، متبرما، وإنه ليتمتم حين يراه بألفاظ لا أدري ~~أيسوقها ضد القادم الكريم، أم ضد المزمن اللئيم الذي وضعه حيث يستقبل هؤلاء، الذين يصرفونه ~~عما هو فيه من جد لا يعرف معه هوادة؟! # دخلت عليه ذات يوم قبيل العاشرة، فرأيته لسوء حظي أو لحسن حظي - لست أدري أيهما الصواب - ~~يترك مكتبه ليغادر الحجرة إلى حيث لا أعلم من الحجرات أو من الجهات، فحاولت أن أستوقفه ~~مترفقا، فاستمهلني دقيقة واحدة وهو عابس، ثم ازور عني في حركة سريعة خيل إلي معها أنه ~~يخشى أن أرجعه بالقوة إلى مكتبه. # ولبثت أنتظره في مقعد تفضل به علي أحد زملائه، مرت اللحظات ثقالا طوالا ولم يعد، حتى ~~إذا يئست من رجوعه وهممت بالانصراف رأيته مقبلا، وجاء وفتح بعض أدراج مكتبه وأغلقها، ولكنه ~~لم يأخذ منها شيئا ولا وضع شيئا، وفعل ذلك دون أن يجود بنظرة علي أو أن يخطر بباله أن ~~أحدا من عباد الله ينتظره لأمر متصل بعمله ولن يؤديه سواه. # واعترضت طريقه إذ رأيته يتأهب للخروج مرة ثانية، وما التقت أعيننا وانفرجت شفتاي في ~~ابتسامة هادئة عن قولي: من فضلك ... حتى أشاح بوجهه عني مقطبا قائلا في تبرم وضيق: «عن إذنك ~~يا أفندم.» ومضى وإنه لضائق بثقلي وثباتي في موضعي، وخيل إلي بل لقد أيقنت أنه عقد النية ~~على ألا يكلمني ما دمت هناك، كأنه لا مفاوضة عنده هو أيضا إلا بعد الجلاء! # وصممت من جانبي ألا أنصرف أو يكلمني، وإن أخذتني الحيرة كيف أحمله ولو على أن يلتف إلي ~~فضلا عن أن يحادثني، ولقد كنت أرجح عودته إلا إذا غادر الديوان إلى داره، وترك طربوشه حيث ~~كان على مكتبه يحدث كل سائل عنه أنه هنا وأنه قادم بعد دقيقة، وإن تتابعت في غيابه الدقائق ~~بل والساعات! # وجاء أخيرا فاستوى على كرسيه وفتح دفترا كبيرا، وراح ينظر فيه وعلى وجهه أمارات الجد ~~وأمارات تجاهله وجودي في وقت واحد، ms113 ثم قطع عليه جده المصمم زميل له فأخبره بأن فلانا من ~~الرؤساء استفهم عنه، فأجاب متكلفا عدم المبالاة، أنه ما كان يلعب وأنه هلك من الجري هنا ~~وهناك في الأرشيف والمستخدمين وتحت وفوق باحثا عن أوراق تتصل بما في يده من ~~المسائل. # وظللت ساكتا لحظة، فأقبل شخص بادي الوجاهة، يطأ أرض الحجرة في صلف وينظر نظرة ذي جاه، ~~وفرحت إذ رأيته يتجه إلى صاحب الديوان المجد، فيسأله في لهجة الآمر عن مسألة طال به انتظار ~~الإجابة عنها؛ وتجهم له صاحب الديوان ولم يأبه، ولما تهدده الرجل أن يرفع الأمر إلى رئيسه، ~~انطلق صاحب الديوان مزمجرا، ونهض واقفا يخبط المكتب بقبضة يده عدة مرات حتى لقد أشفق ذلك ~~الرجل أن تمتد واحدة منها إلى صدره أو إلى بطنه فتراجع قليلا، وقد تطايرت الأقلام من ~~مكانها، وسال المداد من المحابر، وتناثرت الأوراق، وزلزت الدفاتر وخشعت الأصوات في جوانب ~~الحجرة، والتفت أصحاب الديوان يتفرجون على عاصفة جديدة كم رأوا قبلها من عواصف؛ وانطلق لسان ~~المجد الثائر بعباراته المألوفة «يافندي أنت بتهددني؟ من فضلك ما تعطلنيش يافندي ... أما شيء ~~غريب والله، روح اشتكي زي ما أنت عاوز ... هو أنا فراش عندك؟ الواحد طول النهار هلكان من ~~العمل وجاي حضرت تفلقنا؟» # ولم يكن لي بعد هذا الذي رأيته إلا الجلاء بلا قيد ولا شرط، ولقد أصابني من دوار العاصفة ~~ما زعزع إيماني بقوتي، ولم لا أقرر الحق فأقول: إني منذ رأيت أهاويل الشر في وجه صاحب ~~الديوان هذا قد رضيت من الغنيمة بالإياب؟ # وأرجو ألا يظلمه القارئ فيرميه بالإهمال وأكل العيش من طريق غير حلال، فما هو إلا مجد ~~أحسن ما يكون الجد، وإن كنت أيها القارئ في ريب مما أقول فابحث عن رئيسه، فلعلك تجده قد طلب ~~ترقيته مكافأة على جده. # | صاحب الديوان المتمرد # لست أدري أثورة روحه أعظم من ذكاء عقله، أم أن ذكاء عقله أرجح من ثورة روحه؟ فهو إن أردت ~~فيه كلمة الحق ذكي ملتمع الذكاء، ثائر ملتهب الثورة، وهو فتى ms114 في ربيع الحياة لم يعد فيما ~~أظن الثالثة والعشرين من عمره. # رأيته أول ما رأيته هادئا كالطفل الذي يحلم أحلام نفسه الغريرة، ولكني لم ألبث أن وقعت ~~منه على ثائر تأكل ثورته أعصابه، وتحرق دمه في غير هوادة ولا إبطاء، على أنني رأيت من عذوبة ~~روحه مع ذلك ما جعلني أعجب كيف يجتمع مثل هذا التمرد الصاخب، ومثل هذا الظرف الفكه في نفس ~~واحدة، وإن أسارير وجهه لتتشكل بما يجري في نفسه، فتكون صفحة محياه كسماء أمشير لا تصفو حتى ~~تتجهم، ولا تتجهم حتى تنقشع من رقعتها الغيوم، دنوت منه ألتمس حل مسألة عنده، وما أكثر ما ~~تدفعني المسائل دفعا إلى أصحاب الديوان، وما يثقل شيء على نفسي مثل أن ألتمس معروفا عند ~~صاحب ديوان كبيرا كان أو صغيرا، صديقا كان أو كان لا يربطني به سبب من معرفة، وأنا وإن ~~كتبت عن أصحاب الديوان وأنا مطمئن في حجرتي ولدي مكتبي، ليركبني الخوف ويتملكني الحياء ~~وتأخذني الربكة من جميع أقطاري كلما دخلت حجرة أحدهم لأحادثه في أمر جل أو هان، حتى ولو كان ~~لتحية، وسبب ذلك لا يزال مجهولا عندي، ولن يزداد على الأيام إلا غموضا وخفاء! # وأقبل علي صاحب الديوان هاشا مرحبا، وترك أوراقه كلها جانبا، وأخذ يستمع إلي، ولم أكد ~~أستعيد توازني أو أسترد مواقف دفاعي كما يقول المتحدثون عن الحرب في هذه الأيام، حتى قطع ~~علي الكلام ومال بالحديث عن مجراه ودفعه في شئون كثيرة لا علاقة لها ألبتة بما جئت من أجله، ~~وأخذ يتحدث ثم يتحدث، وكل حديثه شكوى، وهو لا يكاد يقع على أمر حتى يطير عنه إلى غيره - لا ~~يعني متى يطير ولا أين يقع - فللمحسوبية نصيب من حملاته، ولعدم إخلاص الناس في أعمالهم بعض ~~سهام لومه، وللحرب القائمة والمسئولين عنها جانب من غضبه، ولفوضى الأخلاق قدر كبير من صخبه، ~~ولتقلب الجو قسط من تهكمه تجلت فيه براعة مقارنته بين أخلاقنا وطبيعة جونا، وللفن والأدب ~~والتعليم وغيرها من الأمور مما لا يسعني حصره، كثير ms115 من غمزاته والتفاتات ذهنه ... كل أولئك ~~وأنا مصغ أسلم على طول الخط بكل ما يقول، لا أخالفه ولا أراجعه عله يفرغ فألتمس السبيل إلى ~~موضوعي من جديد، ولكن ثورته كانت كالسيل الجارف لا يلوي على شيء، وكان يدخل أثناء الحديث ~~كثير من الخدم، فيقدمون إليه أوراقا، فيأخذها ويضعها على غيرها من الأضابير دون أن ينظر ~~فيها، فإذا أشار أحدهم إلى أن فيها ما تستعجل الإجابة عنه صرفه بقوله: «قل له حالا ... ~~دقيقة واحدة.» ثم عاد إلى حديثه، فجرى فيه على غير تحبس أو ملل. # وجاء بعض زملائه يستعجلونه أوراقا، وكان يلتف بعضهم إلي قائلا: «لا مؤاخذة يا بيه.» ~~كأنما كنت أنا سبب ما يشكون من عطلة، وهو منصرف عنهم بحديثه لا يزيد على أن يستمهل من ~~يستعجله منهم دقيقة، ثم يستأنف حديثه وهو أنشط وأهدأ بالا مما كان، وانتهزت فرصة فعبرت له ~~عن اعتذاري، وقد غالطت نفسي ونسبت إلي أنا السبب في ضياع هذا الوقت كله، وفهم صاحب ~~الديوان إشارتي، فابتسم وقال: «لا ... العفو يا أخي، لازم كلامي لم يتشرف برضاك.» ونفيت ذلك ~~بكل ما أملك من معاني التأكيد، ومضيت أثني على حديثه بكل ما وسعني من عبارات الثناء، ~~فاطمأن قليلا، وسكت هنيهة ثم قال: «إنت عاوز الحق؟ الواحد أهو بيشتغل على قدر القرشين ~~بتوعهم.» ولم أستطع أن أرد على ذلك القول الذي يتضمن السكوت عليه نوعا من الاشتراك في ~~الأخذ بما يدعو إليه، وما كان سكوتي إلا لأعود إلى موضوعي، وقد عقدت العزم على أن أعود إليه ~~بأي ثمن. # وبلغت ثورته أقصاها إذ تداعت إليه من هذا الكلام قصة الأقدمية، فراح يشكو في ألم واضطراب ~~من أن الترقي بالأقدمية معناه أن يتساوى المجد والمتكاسل والذكي والغبي والكفء والعاجز، ~~فالمسألة مسألة زمن فحسب، ومتى مرت الأيام صار الموظف بحكم الزمن وحده كفؤا مهما كان من ~~عجزه وتقصيره فما معنى أن يجهد المرء نفسه إلا أن يكون «عبيطا»، وهو لا يدري «عبطه»؟ وضرب ~~المثل بنفسه: فهو يحمل شهادة عالية ورئيسه من ms116 حملة الابتدائية، وضحك صاحب الديوان وقال: ~~«أبدأ جحشا ثم يمر الزمن فأصبح حمارا، وعند ذلك أصير أهلا للرقي ... وعلى هذا القياس كم من ~~حمار في هذا الديوان! # وتكلم في هذا الأمر وحده ضعف كلامه منذ أن دخلت عليه! # وكان موعد انصراف أصحاب الديوان قد حان، فنهض ومد إلي يده ضاحكا وهو يعبر عن أسفه؛ لأن ~~الوقت لم يتسع لموضوعي، ويدعوني إلى الحضور مرة أخرى. # ولست أدري أي قصة يريد أن يقصها علي في المرة الأخرى، وأي مسألة ستكون موضع شكواه وما ترك ~~مسألة إلا شكا منها ... ولكن هل أعود إليه مرة أخرى؟ # | في حجرة صاحب ديوان ...! # استأذنت فسرعان ما أذن لي بالدخول عليه، ولقيني بترحاب وبشاشة يعرفهما فيه كل من دخل ~~حجرته، وقل في أصحاب الديوان من كان له مثل أريحيته ونبله على رفعة منصبه وسعة نفوذه، فإن ~~أكثرهم - وا أسفاه - لتسفل نفوسهم بارتفاع مناصبهم، وإنهم ليتأبهون على الناس، ويتكرهون لهم حتى ~~لكأنهم يحيون ويميتون ... وليس لهم في الواقع من الأمر شيء ... # وإنه لينزلني منه منزلة الصديق وأنا تلميذه، ويرفع مكانتي عنده، ويحب «منظاري» ولا يفتأ ~~يحدثني عنه. # ومن أعظم ما حببه إلي على كثرة ما أحببت من صفاته، أنه يستمع في أناة عجيبة إلى كل شاك، ~~لا يتبرم ولا يقاطع ولا ينفد صبره، ثم يقول ما له وما عليه، لا يلتوي ولا يغالط ولا ~~يتحفظ. # كان على مقعد قريب من مكتبه وكيله في العمل، وهو يكبر رئيسه فيما أعلم بنحو سبعة أعوام، ~~ويسبقه في التخرج بمثل هذه السنوات، ولم يخف على منظاري أن بنفسه من ذلك شيئا بل أشياء ~~... # واستبقاني الرئيس بعد أن أفضيت إليه بما جئت من أجله، ودخل شاب بعد أن أذن له فسلم وظل ~~واقفا، وقرأت في وجهه أنه يكتم غضبه، وأذن لقادم آخر فدخل وهو كهل في أول الكهولة فيما ~~قدرت، وأشار إليه الرئيس فجلس على مقعد ينتظر دوره في الكلام ... ولمحت كذلك في وجهه أنه ~~يمتلئ حفيظة وغضبا ... # وقال الرئيس للشاب: أظن أنه ينبغي ms117 أن تسافر، فإن فلانا بك مصر على ألا يقبلك بعد اليوم ~~عنده؛ ومشت في هيكل الشاب رعدة وقال في عبارة مضطربة وفي لهجة تصور مرارة نفسه: معنى ذلك أن ~~الموظف بهيم لا إرادة ولا رأي ولا كرامة له؟ ... لم لا يفهم فلان بك أنه أخطأ حتى لا يعود ~~ثانية إلى الخطأ، وإلا فما وجه خطئي أنا كيلا أقع فيه من بعد؟ ينبغي إذا أن أصانع كل رئيس ~~على حساب الحق والكرامة والصالح العام ... لا ... لا ... هذا كثير ... # وظلت في وجه الرئيس بشاشته على الرغم مما كان يرتسم على محياه من علامات الألم لما يقول ~~الشاب، وقبل أن يتكلم الرئيس، انطلق ذلك الكهل الذي كان ينتظر دوره، وقد نهض كالخطيب فقال ~~يخاطب الشاب: اسمح لي أن أنصح لك نصيحة مجرب: طلق الكرامة والذمة والحق والأمانة ما دمت ~~قبلت الوظيفة، كرامة؟ رأي؟ إرادة؟ إنك يا بني تحلم ... أنت في مصر. إنك تكلف نفسك رهقا ~~شديدا إذا تمسكت منذ الآن برأيك، وحكمت ضميرك وأرضيت خلقك ... أنت يا بني عبد ... لا تغضب فأنا ~~عبد مثلك ... وكل موظف عبد من أكبر كبير إلى أصغر صغير وإنما يستعبد بعضنا بعضا. كرامة؟ رأي؟ ~~ضمير؟ ... أنت فين؟ ... المسألة أكل عيش بأي شكل، وكل واحد لا يهمه إلا نفسه ... الصالح العام؟ ~~أين هو؟ ... إحنا فين؟ ... داحنا في مصر ... # وظل صاحب الديوان على هدوئه وبشاشته، وجلس الخطيب الكهل بعد كلام طويل من هذا القبيل؛ ~~وأخرج الشاب ورقة من جيبه فدفعها إلى الرئيس، فإذا هي استقالته، وراجعه الرئيس متلطفا ثم ~~استمهله يومين لينظر في الأمر؛ وخرج الشاب، والتفت إلى الكهل فإذا قضيته هي قضية ذلك ~~الشاب ولكنه كما قال: لا يستقيل؛ لأن له بنين وبنات ينفق على تعليمهم وليس يملك غير مرتبه. ~~ووعد الرئيس كذلك أن ينظر في أمره من أجل أولاده، فانصرف وهو يقول: حسبي الله ... # ونظر إلى الرئيس وقال باسما: كأني أراك تكتب «منظارك»؛ وما كاد يلتفت حتى طلب الإذن ~~مستأذن فأدخل، فإذا بشاب في نحو الخامسة والثلاثين دمث ms118 مهذب فيما يبدو، في وجهه من الهم ~~والكدرة أكثر مما فيه من غضب، وسلم وقال: أنا فلان، وسرد تاريخ حياته، ثم ذكر أن فلانا من ~~فرقته رقي وهو ثاني الفرقة، وأنه هو لم يرق وهو الأول، ويحب أن يعلم لم تخطاه الثاني، فإن ~~كانت له عيوب فمما يشفي نفسه أن يعرفها، أما أن يقال له: إنك «ممتاز» وأما أن يثني عليه ~~رؤساؤه جميعا ثم يترك، ويرقى من هو دونه فذلك ما لا يستطيع أن يسيغه ولا أن يحمل على قبوله ~~عقله، وهو ما لا تطيقه كرامته ... # وعند ذلك انطلق الوكيل الذي ظل صامتا منذ أن دخلت، فأخذ دور ذلك الكهل الخطيب، وقال في ~~اتزان ولكن في كثير من التحمس: اسمع يا أستاذ ألا زلت من السذاجة، لا تؤاخذني ... ألا زلت من ~~الطيبة بحيث تفهم أن الأمر أمر كفاية واستحقاق ...؟! ابحث تجد صاحبك تزوج حديثا فترقى، أو ~~جرى في ركاب عظيم فنال الأجر، أو هو قريب فلان باشا أو علان بك، أو غير ذلك مما أستحي أن ~~أذكره، فإن استطعت أن تفعل مثله أو يكون لك مثل ظروفه فستظفر بالرقي، وإلا فستبقى حيث أنت ~~إلى أن يشاء الله، أنت في مصر على رأي صاحبنا الذي خرج ... أنت في مصر يا بني ... انظر فهأنذا ~~بيني وبين الستين أربعة أعوام، وقد تخطاني من لا أحسبهم جاهدوا في الحياة جهادي، وخدموا ~~البلد خدمتي ... ثم ضحك ضحكة مرة ونظرت فإذا في وجه الرئيس شيء من الحرج، وفي عينيه ما لا ~~يخفى معناه من اختلاج، وفطن الوكيل فتدارك الأمر قائلا ... لا مؤاخذة يا بك فأنت ذو فضل وما ~~عنيتك بما أقول ... معاذ الله، ثم ضحك ضحكة أخرى لم أدر أقصد بها التبسط، أم قصد إظهار ما في ~~نفسه من غضاضة ... # وقال الرئيس لهذا الأستاذ: اترك لي مذكرة فسأنظر في أمرك، وقال الأستاذ وهو يهم ~~بالانصراف: إني سأقبل على عملي غير متأثر بشيء وإن كان الألم ملء نفسي، ولكني أخشى أن يأتي ~~الوقت الذي أصبح فيه كالحصان ms119 تدفعه العربة إن لم يجرها ... وضحك الوكيل قائلا: ... لست أول ~~عبيط ولن تكون الأخير ... أتظن أن في الرؤساء واحدا يعنى بأن يفكر في هذا؟ حسبه التفكير في ~~نفسه! # ونظر الرئيس إلي ضاحكا وقال: وأنت ما شكواك؟ فقلت: إني أستكبر أن أشكو ... قال: هل تكتب ~~هذا الذي رأيت وسمعت؟ قلت: لست أصبر إلا بجهد حتى أكتبه. # وقال الوكيل: وما جدوى كتابتك؟ يظهر أنك عبيط آخر ... # لا تؤاخذني ... اكتب ما شئت إنك لا تسمع من في القبور ... أتحسب هذه أمورا مجهولة تكشف عنها ~~بما تكتب فتنبه ذا غفلة؟ كلا إن ذلك كله معلوم، وقد شاع الفساد حتى شمل الدولاب كله فماذا ~~تقول؟ وماذا تريد بكتابتك ... أأنت صاحب معجزة؟ والله لو جاءتك معجزة ما استطعت أن تغير ما ~~نحن فيه ... يا شيخ الله يفتح عليك ... أنت في مصر ... ها ... ها ... ها ... غير الجيل كله وابدأ من ~~جديد! # وتنهد الرئيس وقال: لا أخفي عنكما وأحدكما زميلي والآخر تلميذي، أني كرهت العمل وأني ~~أتمنى لو استطعت أن أفعل فعل ذلك الشاب الذي دفع إلي استقالته ... أتدرون ماذا يقول؟ يقول ~~إنه يريد أن يهاجر إلى الأرجنتين لينسى أنه مصري! ... إني أريد أن أعمل شيئا فلا ~~أستطيع. # لقد فسد الدولاب من فوق فنزل الفساد إلى كل جزء ... هأنذا أسمع الشكايات طول يومي، ثم أرفع ~~الأمر إلى من هم فوقي فلا أظفر بشيء، وأحمل الأوراق المكدسة إلى منزلي، فأسهر الليل في ~~تصريفها وعملي لا يعدو أن يكون في الغالب تنفيذ ما أومر به. # | الفارس الجديد # له أريحية الفارس ونزعاته وإن لم يكن له جواده ولا درعه؛ ولا تنس يا قارئي أن الدفاع عن ~~الضعيف وإغاثة اللهيف، ومحاربة الرذيلة، وكف عدوان المعتدين ودفعهم عن الناس، كانت كلها في ~~عصور الفروسية صفات لا يكون الفتى فارسا إذا هو لم يجعلها في مقدمة ما يتحلى به. # وصاحبنا الذي شاءت الظروف أن يكون أول من يستوقف منظاري، وقد وضعته على أنفي بعد أن تركته ~~زمنا حتى كاد يأكله الصدأ، فارس لا يتكلف ms120 ولا يقلد، وإنما تجري الفروسية في نفسه مجرى الدم ~~في عروقه، ولو قد سلف به الزمن وعاش في عهد الفروسية ورزق بسطة في جسمه، لكان في الفرسان ~~واحدهم المعلم وكميهم الذي تعنو لرمحه الرماح. # لقيته في بلد كنا غريبين فيه إن جاز أن يكون المصري غريبا في بلد من بلدان مصر، ولست ~~أدري لماذا أحسست لأول وهلة أني وقعت منه على أحد هؤلاء، الذين ينجذب إليهم منظاري حتى ما ~~يريد أن يتحول عنهم. # هو فتى في نحو الثلاثين من عمره، صغير الجرم نحيف الجسم، لا يلبس فوق رأسه شيئا، أو على ~~الأصح لم يكن فوق رأسه غطاء ساعة رأيته، أما ملابسه فهي إنجليزية المظهر والسمت واللون؛ ~~تتألف من سروال واسع رمادي فوقه حلة بظهرها حزام، ولونها مزيج من الأزرق والأخضر، ويتدلى من ~~فوق كتفه اليسرى شريط من الجلد، يمر طرف منه بصدره والآخر بظهره، ويلتقيان تحت ذراعه اليمنى ~~فينتهيان بآلة للتصوير في كيس من الجلد نظيف، فيخيل لمن يراه بعد أن يتبين فروسيته، كأنه ~~يريد أن يصور بتلك الآلة ما يرى من عيوب المجتمع؛ ليجعل منها مادة لدرسه، أو على الأقل كان ~~هذا خيالي. # وهو إذ يتكلم تراه يغمض عينه اليمنى ويفتحها، كأنما يتكلم بعينه وفمه معا، وتراه يصعر ~~خده ولكنك لا ترى فيه أثر الكبرياء، وتسمع له نبرة هادئة، إذا أنت أضفت إليها حركة عينه ~~ونحافة عنقه وسعة جبهته، ودقة ذقنه ونتوء وجنتيه، وذبول محياه، خيل إليك أنه شيخ يدلف إلى ~~الستين. # وفارسنا هذا ظريف الحديث، له مقدرة عجيبة على تناول كل شيء مما يدور في المجلس، وله كذلك ~~مقدرة عظيمة على خلق الألفة بينه وبين من يحيطون به، فتراه ولم يرهم إلا منذ دقائق، وكأنه ~~يعرفهم منذ سنين، وهو طيب القلب يكاد يصل في ذلك إلى السذاجة، ولعل طيبة قلبه هي التي مكنته ~~من عقد أواصر الألفة بينه وبين الناس، ثم إن فيه شيئا آخر لا أدري ما هو، يجعلني لا أتمالك ~~نفسي من الضحك لكل ما يبدر ms121 منه من إشارة أو حديث، والحق أنه في مجموع شكله يدعو إلى نوع من ~~الضحك، سمه ما شئت إلا أن تربطه بالسخرية بسبب من الأسباب. # ضمتني وإياه حلقة من الرفاق في مقهى، فسرعان ما ظهرت لنا ناحية من فروسيته، فلقد كان ~~أحدنا يتلو صحيفة ونحن نستمع فجاء أحد الباعة وصرخ في حلقتنا صرخة وهو يعلن عما معه، فوثب ~~إليه الفارس وعنفه في لهجة عجبت معها كيف صبر عليها ذلك البائع، وقد كان من الطول والعرض ~~بحيث لو لطم صاحبنا لطمة ما استطعنا أن نقفه من التدحرج مجتمعين؛ وراح الفارس يسمعه درسا ~~في الأدب، وكيف أنه يكون بغيضا بصوته الغليظ، فضلا عن قلة ذوقه، إذ هو يرى الجالسين ~~منصتين إلى من يقرأ لهم، ثم يصرخ فيهم مثل هذه الصرخة المفزعة. # وانصرف الرجل وهو يبتسم، ولكنه لم يكد يبتعد حتى جاء ماسح الأحذية، فما انفك يدق صندوقه ~~بممسحته دقا مزعجا وهو يردد في صوت أشد إزعاجا قوله: «بويه»، «ورنيش»، وشاء له سوء حظه ~~أن يقف أمام الفارس، وينظر إلى حذائه ويدق له الصندوق، وإذ ذاك هب الفارس مغضبا وراح يرجه ~~من كتفه ويقول له: لست بالأصم ولست أنت بالأعمى، وإذا كنت ترى حذائي أنظف من وجهك، ففيم هذا ~~الزعيق البغيض؟ ومضى الرجل وهو يتمتم، ولست أدري مم خاف، ولعله ظن أن جرأة الفارس هذه على ~~نحافته مردها إلى أن ما يحمل تحت إبطه شيء آخر غير آلة التصوير. # ومضى الفارس على هذا النحو يزجر باعة الصحف، وباعة اللب وباعة اليانصيب، إلى أن رأيناه ~~يقفز إلى جماعة من أهل الريف على مقربة من حلقتنا، ولم نتبين أول الأمر ماذا ارتكبوا من ~~ذنب، وقد كانوا خافتي الأصوات إلى أن سمعناه يقول لهم مغضبا: المجلس بكسر اللام هو الصحيح ~~فلم تقولون: المجلس؟ هذا عيب يا ناس، أتموت لغتنا في بلادنا؟ واعتذر أحدهم مندهشا باسما، ~~وعاد الفارس إلى موضعه حيث أخرج دفترا صغيرا وقلما، أظنه أضاف فيه هذا الخطأ إلى ما ~~يضايقه من أخطاء. # ووثب الفارس ms122 إلى جماعة كانوا يلعبون النرد، ويضحكون في جلبة ويدقون الصندوق دقات عنيفة ~~بأحجار اللعب، فعنفهم قائلا: ما ذنب الجالسين حتى يعذبوهم بهذا العجيج وهذا الضجيج ... ~~ونظروا إليه وتخاطبوا بأحداقهم ورفع أحدهم سبابته إلى فوده خلسة، وهز الآخرون رءوسهم ~~وتظاهروا بالطاعة، فما استدار الفارس حتى أخرج له أحدهم لسانه في حركة بين الضحك والغضب، ~~وانطلقت ضحكاتهم ولكنهم قطعوها وأخرج الفارس دفتره وأخذ يكتب في غيظ. # ودنوت من الفارس وقلت له إنه يكلف نفسه شططا بما يفعل، فلامني بنظرة وقال: نحن ~~المتعلمين مسئولون عن هذه العيوب الشائعة في المجتمع، ولو أننا حاربناها لما استشرت فيه على ~~هذا النحو المنكر، وهكذا يأبى الفارس إلا أن يقاوم ما يرى من عيوب بيده ولسانه وقلبه ~~جميعا، لا يقنع إلا بأقوى الإيمان، وهذه ناحية كما ترى يا قارئي العزيز من أهم نواحي ~~فروسيته. # وكنا قد تواعدنا عند انصرافنا أن نشهد تمثيل رواية في أحد مسارح المدينة، وجاء المساء ~~فالتقينا في المسرح، وجلس وسطنا الفارس، وسرعان ما اكتظ المكان على سعته؛ ورأيت الفارس قبل ~~بدء التمثيل يدور بعينيه هنا وهناك، وهو لا يفتأ يتوثب في مكانه، ولا تني يده عن الكتابة في ~~دفتره ما يكاد يرده إلى جيبه حتى يخرجه فيكتب، ثم يعيده ليخرجه، وكم وددت لو رأيت ما كتبه، ~~وبلغ به الغيظ أن كان يحدث نفسه بين حين وحين قائلا: «شوف السافل ... شوف المنحط.» وما أشك ~~أنه ما كان يحجم - لو أنه استطاع - أن يذهب إلى هؤلاء السفلة والمنحطين، الذين يراهم من حيث ~~لا يرونه، فيذيقهم بأسه. # وراعنا أن نرى الفارس في فترة الاستراحة يحاول أن يقفز من فوق المقاعد، وهو يصيح بأحد ~~الأفندنة على مقربة منه قائلا: «يا منحط، يا سافل يا وقح.» والأفندي يرد عليه تحياته بأحسن ~~منها! ... وخفنا أن يفلت منا الفارس أثناء التمثيل، فظللنا ممسكين به، وكانت الرواية مضحكة، ~~وكان ما يصنع الفارس الهمام أشد إثارة للضحك حتى لقد آثرته على التمثيل، وظل الناس جميعا ~~يضحكون من القصة إلا فارسنا، فقد كان ms123 الدم يغلي في عروقه من الغيظ، وهو يقول: «مثل هذا ~~الوقح لا يليق به أن يحضر المجتمعات، ألا يرى أن من خلفة سيدات يجلسن؟ ... دعوني من فضلكم، ~~أين البوليس، اتركوني أؤدب هذا السافل ...» # ورأينا ذلك الأفندي يلطم شابا من الباعة مر به لطمة على وجهه دوت في أرجاء القاعة، ~~وتبينا أن ذنبه لم يعد أنه وطئ بقدمه الحافية على غير قصد نعل هذا الأفندي ولم يعتذر، ~~وانهال الأفندي على البائع المسكين وشد شعر رأسه في عنف حتى لوى عنقه، وجعله يصرخ مستغيثا، ~~ولا تسل عن الفارس فقد أخذ يحاول الإفلات منا بكل ما في وسعه، وهو يعض على يديه من ~~الغيظ. # وما إن انتهى التمثيل حتى رأينا الفارس يثب إلى ذلك البائع، وكان طبيعيا أن يجد فيه ~~حليفا يستعينه على الأفندي وتحمس البائع، فأطلق في الأفندي لسانه بالشتم المقذع، ولكن ~~الناس رأوا اثنين من الشرطة يشدان الوثاق على البائع، ويوسعانه ضربا وتبين للناس أن هذا ~~الأفندي المتجبر الباطش من ذوي الجاه والسلطان الذين يجب على الجمهور الإذعان لهم طوعا أو ~~كرها، فقد كان حضرته «كونستبل» البندر، وما أدراك ما كونسابل البندر، وإن كان في غير ~~لباسه الرسمي. # على أن الفارس لم يحجم، وهل كان لمثله أن يحجم؟! فتقدم من الكونستبل وسط الزحمة يسمعه ~~كلمات القانون والحرية الشخصية والمساواة بين الأفراد، ويسأله ألم يكفه ما كان من استهتاره ~~بالآداب العامة، وما خلق مثله إلا لحماية الآداب؟ ولم يفرغ من هذا حتى كان «الكونستبل» قد ~~أشار إلى الجنديين إشارة خفية، فانهالت لكماتهما على رأس الفارس في غير توان أو توقف، وقد ~~أمسكا بخناقه في غلظة وقسوة على ضآلة جرمه ونحافة جسمه، وإن كان لقوي الروح، لا يطيش في ~~الملمات صوابه وشققت في جهد طريقي إلى الشرطيين، وكانا قد أبصراني نهارا في زيارة رئيسهما ~~الضابط في غرفته، فصرخت فيهما مهوشا عليهما أعلمهما أن هذا الفارس يشغل وظيفة لها خطرها في ~~الحكومة، فأجفلا وتركاه وإنه ليلهث إذ يخاطبني: أترى جرحا في عيني؟ إني أحس ms124 مثل لهب النار ~~فيها، انظر هذه أخلاق البوليس عندنا، لولا خوفي على الفوتغرافية أن تضيع في الزحام لعلمت ~~هذين السافلين ومن أمرهما كيف يحترمون القانون؛ وأخرج الفارس منديله ووضعه على عينه وهو ~~يكتم ما يحس من ألم شديد؛ ثم دس الفارس منديله في جيبه وأخرج دفتره وقلمه، فكتب وكان ينظر ~~إلى ساعته في ظهر يده، ولعله كان يثبت اللحظة التي وقع له فيها هذا الحادث الخطير. # وصحبنا الفارس إلى مقر الشرطة، وجاء «الكونستبل» يعتذر إليه اعتذارا فيه كل معاني الذلة ~~والمسكنة، وقد انخلع عنه جاهه أمام رئيسه، وعجبنا أن نرى الفارس وقد أبت عليه أريحيته إلا ~~أن يغفر «للكونستبل» اعتداءه على الرغم مما كان يقاسيه في عينه من ألم، وعلى الرغم مما ~~أصابه على أعين الناس، ففعل ما تقضي به الفروسية، وتنازل عن شكواه، وهل كان وهو فارس يستطيع ~~أن يفعل غير ذلك؟ وتشفع الفارس الهمام للبائع فأطلق سراحه وكان الشرطة قد أدخلوه «الحجز»؛ ~~ليكيلوا له الضرب كيلا في ظلمة الليل، وخرج المسكين ورجال الشرطة يمنون عليه بأنهم أطلقوه، ~~ولقد ناله في الطريق وفي المسرح من الصفع واللكم والوكز ما لو نزل على ثور لهده. # ومضى الفارس إلى داره ومنديله على عينه وفوتغرافيته تحت إبطه، ودفتره المزدحم بالملاحظات ~~والمخاطرات في جيبه، وإنه لفرح بما أحرز طول يومه من انتصار، فخور بما قاوم من منكر، رضي ~~النفس بما قدم بين يديه من اعتذار. # | شاعر عبقري # رأيت هذا العبقري، أستغفر الله، بل حظيت بشرف لقائه والاستمتاع مرة بسماع بعض درره ~~الغوالي، وليس بالأمر الهين لقاء مثل هذا الشاعر في زمن قل فيه العباقرة، وحط فيه من قدر ~~الشعر، حتى اعتبره بعض الناس شيئا لا غناء فيه ولا متعة من ورائه؛ وذهبوا في ذلك إلى أنه ~~لن تمضي سنوات معدودات، ثم لا يتصل الشعر بحياة هذا الزمن بسبب من الأسباب ... # ولئن سعد جدك فمثلت ساعة كما مثلت بين يدي هذا الشاعر، لوقعت منه على شاب تتوزع الظنون ~~فيه عقلك وخيالك، فإن كنت ممن ms125 يجهلون سمات العبقرية، ظللت في حيرتك ودهشتك بل لقد يذهب بك ~~جهلك إلى أن تعزو ما يبدو لك منه إلى الحماقة والبله، فتلحد بذلك في الفن من حيث لا تدري، ~~إلحادا شديدا. # والحق أني حرت في أمره برهة حين رأيته ... فهو يطيل النظر في وجوه جلسائه في صمت عميق، ~~فيحسبونه معهم وما هو معهم ... ثم هو يرفع عينيه في بطء إلى السقف، ويظل كذلك برهة غير قصيرة ~~كمن أخذته عن نفسه حال من غم أو ذهول، على أني لم ألبث أن رددت أمره إلى ما علمت عن ~~العباقرة، فهم كثيرا ما يذهلون عن أنفسهم بما تعرج فيه أرواحهم من معارج علوية، وكيف يكون ~~عبقريا ولا تسبح روحه وتعرج إلى السموات كما تسبح أرواح العباقرة وتعرج؟ # ورأيت الشاعر قد أطال شعر رأسه، ثم تركه دون ترتيب، حتى تهدل على فوديه، فغطت خصلات منه ~~أذنيه، وتدلت خصلات فوق عنقه؛ بنيما تراكم بعضه على بعض، حتى كان منه ما يشبه الأكمة فوق ~~جبينه ... وهو لا يحرص على شيء من مظهره حرصه على أن يكون شعره هكذا كشعر أقرانه من كبار ~~الفلاسفة ونوابغ أصحاب الفنون دليلا فوق رءوسهم لا يكذب على النبوغ، وبرهانا لا يخطئ على ~~الفن. وتكلم الشاعر الشاب في نبرات الشيوخ ولهجتهم، فأخذ يشكو من قلة فهم أهل زمانه لشعره ~~وعدم تفطنهم إلى فنه، ولكنه ما لبث أن أشرقت أسارير وجهه حينما ذكر بعض من يفهمونه وقولهم ~~إنه جاء قبل أوانه، وإنه لا بد أن تعرف قيمة فنه يوم تنجاب عن العقول حجب الغفلة ... أولم ~~يشك المتنبي بأنه كان في أمته غريبا كصالح في ثمود؟ ... ولكم سر الشاعر بهذه المقارنة ~~البارعة بينه وبين عبقري آخر كالمتنبي على شاكلته. # وأفاض شاعرنا العبقري في أنه يسير على نهجه رضي الناس أو لم يرضوا، فإنه إنما يغني خلجات ~~وجدانه، وعرض للمادة والحياة الدنيا وزينتها، فأكد أنه ليس من ذلك كله في شيء، ولست أدري لم ~~وثبت إلى رأسي حينذاك قصائده الطويلة - وكنت نسيتها - في مدح ms126 فلان وفلان ممن لا يكون مدحهم ~~إلا وجها من الزلفى؟! ولكن لفرط هيبتي من الشاعر، أو قل لفرط إيماني بعبقريته لم أستطع أن ~~أشير إلى شيء من هذا، وهل أرضى أن أضع نفسي عنده موضع الأغرار والحمقى؟ ولعل فعله كان سرا ~~من أسرار العبقرية لا ينهض له اليوم خيالي. # وأشار أحد أصحابه إشارة خفية إلى تلك «الروح السامية» التي ألهمته أغانيه، فبدت على وجهه ~~مثل أمارات الخجل وضحك ضحكة غريبة، ثم رمى صاحبه بنظرة غاضبة، كأنما خيل إليه أن ذلك الصديق ~~يشك وجود تلك الروح، أو يظن أنها بعض ما يجوز أن يجري فيه الكلام في مجالس بني الطين، وما ~~كان شعره فيها إلا صلوات قدسية تتنزل عليه من عليين، وهي كعبقريته، أمر لا يعلق به شك إلا ~~في رءوس الجاحدين والهازلين. # وألح عليه صاحب آخر أن يطربنا ببعض ترانيمه، فتفرس في وجهي يتبين أأنا ممن تبدو عليهم ~~مخايل الفطنة! أم أنا من الذين لا يفهمون ... ولعله كان أقرب إلى الأولى، إذ قد أخذ يسمعنا من ~~شعره ... وأشهد لقد وقعت منه على كلام من السحر الحلال تتقطع دون بلاغته الأوهام ... ولكم وددت ~~لو أني استطعت أن أحفظ شيئا منه، على أني أذكر من أوصافه ما لست أشك لو ذكرتها لك أنك ترى ~~معي أنها آيات من الفن تقصر عنها بدائع ابن هانئ وروائع بشار، ويتخاذل دونها فن الطائي وسحر ~~الوليد ومعجز أحمد وبدع ابن الرومي، وافتنان شيخ المعرة ... دع عنك شوقي وجيل شوقي ومن خلا من ~~قبله في مصر، ومن خلف من بعده من الشعراء ... وليس يهمه أن الأغفال في هذا الجيل لم يفطنوا ~~إلى أسلوبه ومعانيه، فليس عليه أن يفهم من لا يفهمون. # وإنه لينكر على شوقي ما توافى له من ذهاب الصيت، ويستكثر عليه لقبه الذي عرف به، ويعزو ~~ذلك أيضا إلى غفلة هذا الجيل، وتتحرك في نفسه العبقرية، فيتساءل: ماذا يجد الإنسان لشوقي ~~من الشعر الحق، ولقد كان كلامه مرثيات ومدائح لا روح فيما؟ ولعله لم يقرأ ms127 فيها أرى شعر ~~شوقي، ولست أدري، فلعل هذا كذلك سر من أسرار العبقرية. وتوسلنا إلى الشاعر أن يجود على ~~الناس بنشر ما أسمعنا فرفض قائلا إنه يضيق بهؤلاء الناس حتى ليود ألا ينظم بعد اليوم ~~بيتا من الشعر ... فتوسلنا إليه ألا يفعل حرصا على دولة الشعر، وإشفاقا على مكانة ~~العربية. # وكم ذا بمصر من المضحكات # ولكنه ضحك كالبكى # | المتعاظمون # هذا الفريق من بني آدم أو هذا الصنف كثير شائع، ولكني أقصر الحديث هنا على بعض أصحاب ~~السلطان منهم؛ ولسوء حظك أو لسوء حظي أنا - على أقرب الرأيين إلى الصحة - أن يرى هؤلاء في ~~كثير من المجالس، ولست بحاجة إلى منظار، بل ولا إلى عينين - لا قدر الله - لترى هؤلاء ~~الناس، أو تحس سلطانهم إن صح عندهم أنهم ناس من الناس ... فهم يأبون إلا أن يكونوا فوق ~~الناس. # ومن عجيب أمر هؤلاء أنهم وإن كانوا على رغم أنوفهم الشم ناسا يجري عليهم ما يجري على ~~سائر الخلق، لا يؤمنون إلا بأنهم فوق مستوى البشر، وعسير عليك أشد العسر أن تقنعهم من بعيد ~~أو من قريب بأن لهم مثلك يدين ورجلين وحواس، وما إليها من جوارح وأحشاء، وأنهم يأكلون كما ~~تأكل، وإن لم يكن مما تأكل، وأنهم يشربون وينامون ويفرحون ويغضبون ويمرضون ويموتون، كما ~~يجري عليك من أحكام الطبيعة سواء بسواء. # هذا الفريق الذي أتحدث عنهم هم أصحاب السلطان من أصحاب الديوان، ولعلك لم تنس بعد أحاديثي ~~عن أصحاب الديوان، وإن كنت وقفت بك عند صغارهم لا خوفا من كبارهم علم الله، وما لي أقسم ~~وهأنذا أعرضهم عليك جملة، وأحشرهم أمام المنظار في غير تهيب ولا رفق: ترى الشخص منهم - وهو ~~شخص رضي أو لم يرض - في ردهة من ردهات دور للهو، أو في سيارة عامة، وإن لم تكن له سيارة ~~خاصة، أو في عرض الطريق، فتحييه تأدبا منك وعملا بما يوجبه الذوق وتفرضه الإنسانية، ~~فيدهشك أنه يبدو عليه كأنه يلقى منك إهانة؛ وإلا فما باله وقد كان منبسط الأسارير: يتجهم لك ms128 ~~ويشمخ بأنفه ويرميك بنظرة كريهة كأنه يريد أن يخيفك في غير داع لذلك ولا مناسبة، ثم يرد ~~تحيتك الحارة برفع سبابته قليلا تجاه رأسه العالي، أو بإيماءة بسيطة، ويمضي وكأنه لم يكن ~~يرد تحية، وإنما كان يرد على توسل سائل بإلقاء مليمين في كفه المبسوطة! # ولقد تعجب لذلك، ولكن عجبك دليل بساطتك أو طيبة قلبك، والحق أني أريد أن أقول: دليل ~~«عبطك» فاقبلها مني ولا تدعني أموه فأتحايل على الألفاظ، ولخير لك على أي حال أن تكون كما ~~أذكر، وتكون لطيفا، من أن تكون فظا غليظ القلب، وإلا فلك الخيار، ولكن على شرط أن يتوافى ~~لك السلطان قبل كل شيء. # وفيم تعجب وعنده أن التحية توجه إلى مقامه ممن هم دونه، إنما هي ضرب من عدم الاحتشام بين ~~يديه، فهي لذلك ضرب من عدم اللياقة، أو هي جرأة تلحق بقلة الأدب عند بعضهم، وما أردت أنت ~~إلا أن تكون مؤدبا، ولقد يصور له كبرياؤه وغروره أن ذلك منك تحد لذاته الخطيرة والعياذ ~~بالله، وفي ذلك سر تجهمه وتعاظمه وكريه نظراته وتفسيره تأدبك بأنه قلة أدب، وكأني بك، أيها ~~القارئ، تضحك مني وتقول في نفسك: إنما يصور بما يكتب ما وقع له، وأريد أن أكون صادقا، ~~فأسلم لك بصحة هذا، ولكن قل لي بربك: ما ذنبي لتضحك مني يا أخي - سامحك الله - وأينا أجدر ~~بضحكاتك، أنا أم ذلك المتعاظم المتكبر؟ ثم اعلم أني لم أغضب ولن أغضب لما يكون بيني وبين ~~هؤلاء المتعاظمين، لم أغضب؛ لأن ما حدث هو ما كنت أتوقعه، بل إني لأضحك إذ أقع من ذلك على ~~صورة لمنظاري، ثم إني لن أغضب؛ لأني أعرف كيف أكيل لهم بكيلهم متى أردت فأزيدهم غيظا ~~وأزداد منهم ضحكا، ولو علمت الحق لرأيت أني دائما ألقاهم بالعصيان المدني، وهو سلاحي ~~السلبي الوحيد الذي لا سبيل لي إلى غيره. # جمعني بفريق من هؤلاء مجلس من المجالس، أو قل: قادتني الظروف على رغمي إلى المجلس، فما ~~كان لي أن أغشى مجالس أصحاب السلطان ms129 مختارا، فانتحيت ناحية وجلست، وقادت الظروف كذلك بعض ~~أصدقائي ممن هم في مثل سني، وفي مثل مركزي الصغير، فحمدت الله وزال عني القلق، فلقد كنت أحس ~~نفسي غريبا قبل مجيء هؤلاء الذين لا جاه لهم ولا سلطان، وانفرجت شفتاي لأول مرة منذ جلست ~~أرد على تحيات هؤلاء الأصدقاء، فما وجه إلي أحد من أصحاب السلطان تحية تنفرج لها الشفاه، ~~فلم تك ثمة إلا إيماءات متكلفة لاذعة قصيرة، أو إشارات باليد آلية لا روح فيها، اللهم خلا ~~رجل منهم تلطف فجاد علي بتحية مناديا إياي باسمي، ولكن بعد أن فعل ذلك من هم على شاكلتي ~~من الخلان. # وجلست صامتا أترقب وأنا أخفي ضحكي مما رأيت على وجوه أصحاب السلطان من معاني الازدراء ~~عند دخول أصحابي، ولقد حياهم هؤلاء السذج في أصوات طلقة، وفي إشارات وانحناءات دمثة جميلة، ~~فما عادوا إلا بإشارات وإيماءات أرستقراطية، فيها تعاظم أصحابها وسماجتهم وتناسيهم نشأتهم ~~الأولى! # واستأنف أصحاب السلطان ما كانوا فيه من حديث، واحتدم النقاش بين هؤلاء السادة، فهذا يعترض ~~على ذاك، وذاك يرى ما يرى جاره وثالث لا يرى الصواب في رأيه، وفي وجوه الجميع بشر أو تحمس ~~أو ضحك من دعابة أو نكتة، يطرد من هاتيك الوجوه شبح الكهولة أو يستمهل الشيخوخة ~~لحظات. # وبدا لأحد السذج من الرفاق - رفاقي أنا - فحشر نفسه في الحديث كما يفعل إذ يكلمني أو يكلم ~~أحد أقرانه، فما أسرع ما بدت الدهشة على وجوه الجميع! ثم تغافلوا عنه بإطراقهم، وقطع عليه ~~أحدهم كلامه فساق الحديث إلى رأي جديد، وذهبت كلمات المسكين هباء أو أقل من الهباء. # ثم تكلم شاب آخر لم يتعظ بما جرى لسالفه، فكان من أحب المناظر عندي - ولا أقول من أبغضها ~~- أن أرى على وجوه أولئك السادة ذلك الاتفاق الذي لم يقصدوا إليه؛ لأنهم اعتادوه كلما تطفل ~~على حديثهم العالي متطفل لم تصل بعد مداركه إليه، ولا هيأه مركزه حتى لمجرد الاستماع له، ~~وهو اتفاق على المقاطعة أو الإغفال لأمر المتكلم، وأحسب أنهم لو نظروا ساعتئذ ms130 إلى ذلك ~~الساذج الثاني لأخذتهم الشفقة لحمرة الخجل تتوقد في محياه، فما تقسو قلوبهم مهما بلغ من ~~غلظها إلى حد أن يعرضوا عنه وهو على تلك الحال. # على أن اثنين منهما رمياه بنظرة ولكن بعد أن خفت في وجهه حمرة الخجل، ورأيتهما يزدريانه ~~في صمت، فهو مرءوسهما في الديوان، ولا يجمل به أن يجرؤ مثل هذه الجرأة فيناقش رؤساءه، وكم ~~أتمنى لو يتاح لي من البيان ما أصور به ما ارتسم على محياهما الكريمين من اشمئزاز، وكم ~~يؤلمني ألا تسعفني الألفاظ بما أريد! # وأتى أحدهم بنكتة تصلح لأن تكون نكتة، ولكنه أتى بها لسوء حظه في ضجيج النقاش فلم يفطن ~~إليها غيري فضحكت بصوت يسمع، فالتفت نحوي ضاحكا مسرورا، وصاحب النكتة يبحث دائما عن ~~الضاحكين من نكتته ويسر إذ يجدهم ... على أن هذا ما لبث أن قطع ضحكته بغتة، كأنما أزعجه أن ~~يتبادل وإياي الضحكات، ثم تكلف العبوس ونظر إلي، ولكني لم أقطع ضحكتي، فقد كانت هذه ~~الحركة منه أدخل في معنى النكتة من عبارته وأدعى إلى الضحك. # وما يريد أصحاب السلطان ممن هم أصغر منهم إلا أن يتزلفوا إليهم، فينهضوا وقوفا إذا أقبل ~~أحدهم ويشيعوه إذا انصرف، فإذا تقدم أحد هؤلاء الصغار ففتح باب السيارة حتى يركب «سعادة ~~البك» أو حمل له معطفه حتى يلبسه، فذلك ما يكبر به في عين سعادته؛ ولذلك دخل كبير في قياس ~~كفايته في علمه، وإن لم يكن لعمله صلة بما يعمل «الجرسونات» وكثيرا ما شهدت مثل هذا من ~~وراء منظاري، والعجيب أنك ترى الرجل من هؤلاء يتصاغر، وينكمش كأنما يدخل بعضه في بعض إذا ~~كان أمام من هم أكبر منه، وذلك بقدر ما يتعاظم وينتفخ إذا نظر إلى من هم دونه. # وبعد فقد أفهم أن أرى أصحاب السلطان في دواوينهم متعاظمين وإن عد ذلك مرذولا منهم أينما ~~كانوا، فإن الرجل منهم يكون هناك في «منطقة نفوذه»، وما يذهب إليه في الغالب حيث مقر سلطانه ~~إلا طالب حاجة عنده. # ولكن كيف أفهم لعمري أي ms131 يتعاظم عليك هؤلاء خارج دواوينهم، ولقد تكون بحيث لا تربطك بهم ~~صلة من عمل أو من حاجة؛ بل كيف يتعاظمون، وإن كان يصلك بهم العمل أكبر صلة؛ وإن منهم من لا ~~يفضلك إلا بما ساقته إليه الظروف من منصب، بحيث لو رجع القهقرى إلى مثل سنك لكنت أحسن منه ~~عقلا، وأقوى تفكيرا وأكثر اطلاعا، ولقد تكون اليوم أكثر منه ذكاء على رغم جاهه، بل ولقد ~~يكون من الغباء بحيث لا يصح أن تقيس عقلك إلى عقله، إلا إذا أردت أن تمتهن نفسك. # وبعد فنحن أمة تكثر الكلام في الديموقراطية، وتبالغ في السخرية أحيانا من حيث لا تدري، ~~فتطيل الكلام في المقارنة بينها وبين الأمم التي اعترفت قولا وعملا بحق الفرد مهما كان، ~~في الحياة الحرة الكريمة. # | في عيد الفسيخ # أرجو ألا يحمل القارئ تسميتي هذه على المزاح، فلست لعمر الحق مازحا، وما أستطيع أن أسمي ~~الأشياء بغير أسمائها حتى في هذا الزمن الذي يسمى كل شيء فيه بغير اسمه. # وإنما تسمى الأعياد بأبرز خصائصها، على هذا النحو كان عيد الأضحى وعيد الميلاد، وليس في ~~القراء من يستطيع أن يجادلني في أن الفسيخ قد أصبح أبرز خصائص ذلك اليوم الذي نسميه شم ~~النسيم؛ فليت شعري وهذا هو شأن الفسيخ فيه لم لا نسميه عيد الفسيخ، وقد تلاشى في جمال ~~الفسيخ كل جمال؟ # الأصل في هذا اليوم أنه عيد الربيع، عيد الورد، عيد النسيم الذي ينفح بالعطر ويزخر بصور ~~الحسن، ولست أشك في أصله؛ ولكني لست أدري ماذا جعل الفسيخ فيه يطغى على الزهر؟ ولعمري ما ~~أرى أي رابطة بين هذا وذاك، وليس من ينازعني حتى المولعون بالفسيخ أنفسهم أن هذا شيء وذاك ~~شيء آخر أبعد ما يكون عنه عنصرا ومعنى؛ وإن كان في الناس من يقول: «يخلق من الفسيخ ~~شربات.» # درت بمنظاري فحار المنظار أو حارت عيناي من وراء المنظار، ماذا تسجل وماذا تدع؟ أأستطيع ~~أن أمر، دون أن أضحك، بهؤلاء الذين جلسوا للطعام على بسط الربيع، فما كان أمام الكثرة ms132 ~~المطلقة منهم إلا هذا الصنف من الطعام الذي يجب أن يكون آخر ما يؤكل خارج المنزل، إن جاز أن ~~يؤكل في أي مكان قط؟ وكان مبعث ضحكي من هؤلاء أنهم يعانون رهقا شديدا في تناوله، ومع ذلك ~~فهم يقبلون عليه في شراهة جلعتني أعتقد أن أسمى الجمال عندهم في هذا اليوم هو في ذلك ~~«السلخ»، وذلك «النتش» وما يصحبهما من تلويث الأيدي والملابس فضلا عن تلويث الجو كله رائحة ~~احتبست منها أنفاس الزهر، دع عنك مخلفاته الثمينة التي تزيد بتناثرها هنا وهناك هاتيك ~~البساتين جمالا على جمال! # وما كان هذا المنظر وحده هو الذي انقبضت له نفسي، فلقد كان ما رأيت في النهار كله دليلا ~~لا يكذب على أن الناس ما خرجوا من دورهم لاجتلاء جمال الربيع، والاستمتاع بصفاء الربيع، ~~وإنما جاءوا ليشوهوا جمال الربيع عامدين بكل ما في وسعهم من أسباب التشويه. # على أي وضع من أوضاع الذوق والجمال يعتبر منظر هؤلاء «الأفندية»، الذين تحلقوا على ~~الحشائش فما خفت لهم صوت منذ جلسوا، وما جرت ألسنتهم إلا بكل عوراء مخزية من النكات ~~والحكايات، حتى لعبت برءوسهم بنت زجاجاتهم فازدادوا نكرا وقحة وعلى جوانبهم أسر فيها أوانس ~~وسيدات؟ # وعلى أي وضع من أوضاع الذوق والجمال يعتبر منظر هؤلاء الشباب المتعلمين، الذين يأخذون ~~السبيل على كل غادية ورائحة، ولا يتنادون إلا بأشنع السباب وأوقح الأسماء والذين لا يطربهم ~~أكثر من عبارات السب توجه إليهم ممن يغازلن «ويعاكسن»؟ ثم ما هذه «الشلل البلدي» الذين ~~اصطحبوا من اصطحبوا ممن كن وإياهم على موعد في هذا اليوم الجميل، فجاءوا وجئن يضيفون إلى ~~معاني جماله هذا المنظر المخزي البغيض؟ # بل ما هذا الأفندي الوجيه الذي خلع سترته، وألقى بطربوشه ووقف يرقص في حركات بهلوانية ~~وحوله من يصفق له ممن يعرفونه ومن لا يعرفونه، وهو لا يزداد على التصفيق إلا جنونا ~~وانتشاء، ثم لا يفتأ يعاود حركاته كلما استخفه التصفيق ممن أولعوا باستخفافه؟ وما هؤلاء ~~الشحاذون الذين انتشروا هنا وهناك، فكانوا أثقل على الهادئين من المهرجين، ms133 ومن الذباب ومن ~~رائحة الفسيخ؟ ما هذا الضجيج، وما هذه الفوضى التي تلاشى فيها جمال الربيع وصفو الربيع، ~~واستخزى لها وجه الربيع، حتى لو استطاع ربيعنا لبحث له عن أرض غير هذه الأرض، وناس غير ~~هؤلاء الناس؟! # رأيت هذا، فذكرت يوم شم النسيم في القرية، وطاف برأسي عذارى الريف يسبقن الفجر زرافات إلى ~~الترع، فيستحممن ويملأن جرارهن ويغطينها بالريحان والنوار، ويعدن مغنيات ضاحكات تنفحهن ~~أنفاس الفجر الندية الرخية، وترمقهن باحتشام عيون الشبان في طريقهم إلى شجر التوت، وفي ~~أيديهم الريحان والسعد والنعناع والورد، فلا يكون بين هؤلاء وأوليائكن إلا الابتسامة الحلوة ~~أو التحية العفة، ويكون نهارهم ونهارهن فيضا من الجمال والهدوء والانبساط، ومما شاءوا وشئن ~~من هوى عذري تبقى ذكراه وذكرى يومه سحر العام كله. # | محمد أفندي ...! # قيل وما أكثر ما قيل: إن قلة الذوق في مجتمعاتنا مردها في الغالب إلى خلوها من المرأة، ~~وإلى هذا أشار صاحب «الرسالة» في أكثر من مناسبة، وعنده أن الشباب إذا ازدانت مجتمعاتهم ~~بالأوانس شدوا الشكيمة وكبحوا الجماح، وحرص كل امرئ منهم على أن يظهر على خير ما يحب من ~~دماثة الخلق، ورقة الحاشية، ولطف الحديث. # ولكن منظاري - قاتله الله بل عافاه الله وصرف عنه كل غشاوة - يأبى إلا أن يكشف لي عن موقف ~~لا تتحقق فيه هذه الفكرة بل لقد نقضت فيه من أصولها، وجاء الأمر على عكس ما تفاءل ~~المتفائلون وتمنى الكاتبون. # كنت مسافرا إلى الريف الحبيب في قطار فالتقيت في ممر من ممراته بثلاثة من الشبان تقاربت ~~أعمارهم، وكان كل منهم بادي العافية حسن البزة متهلل القسمات؛ ونادى أحدهم رابعا لهم كان ~~في اتجاهي يسبقني بخطوات فقال له: أمامك في هذه العربة قبل الآخر بديوان تجد محمد أفندي إلا ~~جانب الشباك الأيمن، وقد حجزنا أمكنة فانتظرنا هناك. # ودخل «رابعهم» هذا الديوان المشار إليه، وأحسست كأني أنجذب إلى هذا الديوان نفسه فدخلت ~~واتخذت مكاني، ولكني لم أجد إلى جانب الشباك الأيمن غير آنسة أجنبية لم تقع عيني في نهاري ~~كله على أجمل ms134 منها صورة وأملح منها محيا، وبدت لي في منتصف العقد الثالث من عمرها، ~~كالوردة في زمن الورد بلغت أقصى تفتحها ومنتهى ريعانها. # وكانت متجهة ببصرها إلى النافذة، لا تلتفت إلا ريثما ترمق الداخل، ثم تعود فتتجه اتجاهها ~~الأول، وكان على محياها الجميل ما يشبه الهم من فرط سكونها واحتشامها. # وتحرك القطار وجاء الشبان الثلاثة، وجلسوا في ضوضاء بعد أن نظر كل منهم إلى هيئته في ~~المرآة، فأصلح ما تشعث منها، وتشاغلت عنهم بكتاب في يدي، ولكن منظاري لم يغفل عنهم، فرأيتهم ~~يتخاطبون بالأحداق لحظة، وعلى فم كل منهم ابتسامة خبيثة، وكلهم يومئ لصاحبه برأسه نحو ~~النافذة اليمني. # وقطع أحدهم فترة هذه الإشارات اللاسلكية بقوله: «محمد أفندي تقلان علينا يعني قوي.» وضحك ~~الآخرون ضحكات ماجنة مائعة ... وفطنت أن محمد أفندي لم يكن غير تلك الآنسة التي تتجه بنظرها ~~إلى الفضاء الممتد خارج القطار! وليغفر القارئ لي بطء فهمي إلى هذا الحد. # وأيقن أربعتهم أنها لا تعرف العربية، فانطلقت ألسنتهم بألوان من القحة، عجبت ولن أزال في ~~عجب، أن لم يبد على وجه أحدهم أي شيء من الخجل، وقد كان من ألفاظهم ما أخجل الآن لمجرد أن ~~أتذكرها! ثم ذهب كل منهم يتظرف بما وسعته سماجته، فهذا يأتي بضروب من النكات لا يسيغها إلا ~~ذوقه وذوق أصحابه، وذلك يداعب خاتمه الماسي وساعته الذهبية، وآخر يخرج حافظة نقوده فيقلب ~~الأوراق المالية ثم يردها إلى جيبه، هذا فضلا عما تنافسوا في سرده من المغامرات التي صرف ~~فيها ما صرف من الأموال، وكلها بالضرورة من نسج الخيال - كل أولئك و«محمد أفندي» في شغل عن ~~ظرفهم، ولطف حديثهم بالنظر إلى فضاء الأرض. # ولما أفرغوا ما في جعبهم من بارد النكات وسخيف الحكايات، انتظرت أن يتطرق إليهم اليأس أو ~~يمسهم شيء من برودة الموقف فيخجلوا؛ ولكنهم انتقلوا إلى ما هو أدهى وأمر مما كانوا فيه، ~~فراحوا يصفون في طريقة بهيمية جمال تلك الآنسة وهي ساكنة لا يبدو على قسماتها إلا ما يبدو ~~على قسمات تمثال من التماثيل ms135 من الثبات على حال واحدة، ثم شاءت لهم دماثتهم أن يجعلوها ~~موضعا لنكاتهم، فهي ابنة بائع إسفنج في الريف أو هي لا تكلف أكثر من نصف ريال يدفع لخريمي، ~~إلى غير ذلك مما أمسك القلم عن ذكره من عبارات هؤلاء الظرفاء المهذبين! # ودنا القطار أخيرا من إحدى المدن فنهضت الفتاة لتنزل، ومدت يدها إلى الرف لتأخذ حقيبة ~~صغيرة فتقدم أحد هؤلاء الظرفاء، وأنزلها لها فتناولتها، وهي تقول له في عبارة فصيحة: «أشكرك ~~جدا يا أفندي.» ثم خرجت من الديوان. # ونظرت إلى وجوههم وحمرة الخجل تلهب وجنتي، وأشهد لقد شاع في تلك الوجوه الصفيقة شيء من ~~هذه الحمرة، ولكن لعل مرد ذلك إلى وجودي، ولعلهم لو كانوا وحدهم لأجابوها بضحكة من ضحكاتهم، ~~أو بنكتة من ظريف نكاتهم. # | من خوف الكوليرا في كوليرا! # دخلت أزور ابن عم لي في داره فلقيتني زوجه في الدهليز وما وقع بصرها علي حتى قالت وهي ~~تضحك: هلم فهذا منظر خليق بأن تراه من وراء منظارك، ولقد خطرت ببالي الساعة وأنت على السلم، ~~وقادتني إلى حجرة الطعام حيث كان زوجها يتهيأ لتناول عشائه. # ودخلت في سكون ولم أحي فلم ينتبه إلي، ونظرت فإذا بالمسكين يجلس إلى المائدة وقد وضع ~~رجله اليمنى في «حلة» على الأرض عن يمين مقعده تبينت فيها سائلا ما، ورجله اليسرى في ~~«حلة» أخرى عن شماله، وهو يغسل يديه في وعاء على خوان قريب منه، وعلى صفحة وجهه سحابة ~~مركومة من الهم، وضحكت وضحكت زوجته فرفع رأسه، وابتسم ابتسامة ضئيلة لم تلبث أن غرقت في ~~هذا السحاب المركوم، وأراد أن ينهض فلم يستطع لبعد ما بين الحلتين، ثم قال في إشارة حازمة ~~وفي لهجة جازمة: لا تؤاخذني أرجو أن تغسل يديك في هذا الوعاء، ونظر إلى زوجته نظرة عتب ~~وسألها لم لم تطلب إلي أن أغسل يدي في الوعاء الخارجي لدى الباب، وكأنه لم يعجبه ~~ضحكها في هذا الموطن، موطن الجد الرهيب، فطلب إليها في شيء من العنف أن تغسل يدها، وفهمت ~~أن ذلك؛ ms136 لأنها سلمت علي، فمشت حمرة خفيفة في محياها الأبلج، ولم تجد بدا من إطاعته ~~إشفاقا عليه، كما قالت مداعبة إياه في رفق ... # وراحت ربة البيت تشرح لي هذه السوائل التي يغمس فيها رجليه ويديه، وتضحك إذ تقص علي كيف ~~يغسل يديه كلما لمس شيئا، وكيف يدعو بائع اللبن وبائع الصحف وغيرهما إلى غسل أيديهم قبل أن ~~يناولوه شيئا، وكيف لا يفوته كلما نقص وعاء الغسيل لدى الباب أن يملأه بالمحلول. # وينظر إليها زوجها إذ تضحك فيمتلئ غيظا، ويسألها كيف لا تدرك وهي المثقفة المهذبة أن ~~الأمر جد لا هزل، وفيم هذا الضحك الذي ينطوي على عدم المبالاة، والذي يفهم منه أنها لن تعمل ~~في غيبته شيئا مما يدعوها إليه من وقاية؟ # ولم تغب عن منظاري بقية «الاستحكامات» في الحجرة، فهذه مضخة قريبة، بها من السائل كيت ~~وكيت، وتلك أخرى بها من المساحيق كيت وكيت، وثالثة ينطلق منها إذا فتحت غبار كثيف لمطاردة ~~الذباب، وكم ذكرتني بشبيهاتها من المدافع التي كانت تنصب لمطاردة الطائرات زمن الحرب ~~... # ونظر رب الدار فإذا أحد الأطباق يظهر جانب منه من تحت الغطاء القماشي، فتأفف ونظر في ~~وجه امرأته نظرة حنق وسحب القماش فغطى الطبق، وسألته فيم هذا الغطاء؟ فنظر إلي وكأنه ينظر ~~إلى معتوه ثم قال: ألا ترى أن ذبابة واحدة كفيلة بأن تقبل من في المنزل جميعا، بل من في ~~الحي كله بل المدينة كلها إذا قعت على الطعام؟ فقلت: إذا كان هذا مبلغ خوفك من الذباب في ~~الليل، وهذه المدافع من حولك فليلطف بك الله في النهار. # وضحكت زوجته ضحكة عالية، ثم نظرت إليه معاتبة وما تريد إلا أن تسري عنه، وقالت: أتذكر ~~الحرب؟ صور لنفسك إحدى طوائر الألمان المنقضة، وقد هبطت من السماء على دارك، فهذا هو شأنه ~~تلقاء ذبابة مسكينة من الذباب. # وما أتمت كلامها حتى نظر إليها وراح يقلد لهجتها ونطقها مستهزئا وهو يقول: ذبابة مسكينة ~~من الذباب! المسكين أنت! لقد كان من المخابئ عاصم من الطائرات، والآن ما الذي ms137 يعصمنا من ~~ذبابتك المسكينة؟ # وقلت له : ما الذبابة بمسكينة ولا زوجتك بمسكينة، وإنما أنت المسكين فهذا عذاب ليس مثله ~~عذاب، وضحكنا جميعا وكشف الغطاء عن الطعام ليأكل، وقمنا نداعبه فوقفت عن يمينه، وفي يدي ~~إحدى المضختين وقامت زوجته عن يساره وفي يديها المضخة الأخرى، وكلما ابتلع لقمة حمد الله ~~ونحن ندعوه إلى الطمأنينة، فلن نسمح لذبابة أن تقرب من المائدة حتى يفرغ من طعامه ... # وانصرفت، وفي نفسي أني لن أرى من هو أشد من ابن عمي وهما، ولكن منظاري وقف بي في صباح ~~اليوم التالي على منظر أنقله للقارئ في غير نقص أو زيادة: # انحنت عجوز أمام باب إحدى جرائدنا الكبرى، وراحت تقيء وفزع الناس بالضرورة وابتعدوا عنها ~~واقترح بعضهم طلب الإسعاف، ومر شاب وجيه المنظر بادي الفتوة كثير الأناقة، وقد فرغت العجوز ~~من قيئها فخيل إليه أنه مس بحذائه هذا القيء، بعد أن فطن إلى أنها كانت تقيء، فكأنما نزلت ~~به صاعقة من السماء، ونظرت فإذا صفرة كصفرة الموت تمشي في محياه، وإذا العرق يلتمع في ~~جبينه، ونظر إلى الناس لهفان كأنما يستنجدهم، ولبث في مكانه لحظة لا يدري ماذا يفعل، ثم مر ~~قريبا منه «تاكسي»، فاستوقفه ومد يده فخلع حذاءه وجوربه في حذر بحيث لا يمس إلا وجهه، ثم ~~مشى حافيا ودخل السيارة وانطلق، وترك الحذاء الجميل والجورب الثمين حيث كان يقف، ولم يلتفت ~~إليه لفتة كأنما كان يخشى حتى مجرد منظره! # وكم كان يبعث على الضحك منظر السابلة بعد ذلك، إذ يلقون نظراتهم على هذا الحذاء في تعجب، ~~وهم لا يعلمون لم ألقي به هناك، وبماذا يفسر وجوده، وكان يمشي بعضهم في سكون ودهشة، بينما ~~كان يستفهم البعض أحد الواقفين، واجتمع عدد من الخلق فمنهم من ينظر إلى العجوز، ومنهم من ~~ينظر إلى الحذاء، واختلط الأمر على الناس حتى لقد سمعت من كانوا في مؤخرة الزحمة يقول: إنها ~~قنبلة! ووثق بعضهم من الأمر فراح يصف طولها وحجمها وشكلها! وهكذا ينقلب الحذاء الجميل ~~الهادئ إلى نوع مفزع من ms138 المفرقعات! # وذكرت ليلة الأمس ومبلغ خوف ابن عمي، وحرت بين البطلين أيهما أولى بالرثاء، أهو ابن العم ~~أم هو صاحب الحذاء؟ # | القرآن في شارع فؤاد! # إن عجبت من هذا الذي يطالعك به العنوان، فإني أزيدك عجبا إذ أضيف إليه أن ذلك كان في نحو ~~الساعة العاشرة من مساء يوم الأحد! ... حيث يمتلئ هذا الشارع، وما تفرع منه بطلاب اللهو من ~~الأجانب والمصريين في عطلة الأسبوع ... # انعطفت وصديقاي من شارع عماد الدين إلى شارع فؤاد، فإذا بميكروفون عظيم يملأ الشارع كله ~~بكلام الله في صوت كان على شدة علوه من أحلى الأصوات وأبعثها للطرب. # وعجبت وعجب صاحباي وقلنا: ما هذا؟ إنه والله للقرآن! ونظرنا فإذا متجر جديد جميل، تزين ~~الأنوار المتوهجة المتلألئة واجهته وجوانبه، ومنه ينبعث هذا الصوت القوي الساحر بقول الله - ~~سبحانه: # والشمس وضحاها * والقمر إذا ~~تلاها ~~. # وأسرعنا الخطى صوب النور الذي نرى، والنور الذي استشعرته نفوسنا فيما يشرق في السمع من ~~كلام الله، ووجدنا أنفسنا وسط أصناف من خلق الله يذهب البصر فيهم هنا وهناك، وهم حائمون على ~~هذا النور كالفراش يقعون عليه من كل صوب، وأرواحهم مستشرفة إلى هذا الصوت الجميل القوي ~~يسترسل في تنغيمه وتطريبه، وآذانهم مرهفة وقلوبهم خاشعة وكأن عليهم الطير مما سكنوا؛ وما إن ~~يقف صاحب هذا اللحن العلوي عند قول الله: # ونفس وما سواها ~~* فألهمها فجورها وتقواها # حتى تنبعث بالتصفيق ~~أكفهم، وتنطلق بعبارات الاستحسان حناجرهم. # وأجلت منظاري في الجمع المحتشد فإذا به خلق من كل طبقة ومن كل نمط، ففيه المقبعون ~~والمقبعات، والمعممون والمطربشون، وفيه العلية يقفون إلى جوار سياراتهم الفخمة، وفيه ~~المتواضعون مثلي من عباد الله ممن يدبون على أقدامهم، وفيه عدد من العمال والخدم والحوذية، ~~وسائقي سيارات الأجرة وغيرهم، بيض وسود من كل سن وفي كل زي، وفيه المسلمون وفيه لا ريب ~~النصارى واليهود، والجميع ينصتون إلى الشيخ مصطفى إسماعيل يتلو آيات الله، وينظرون إلى اسم ~~الطرابيشي المصري تلألئه الأنوار القوية على واجهة متجره الجميل الجديد ... # وامتلأ طوار الشارع حتى لم يبق ms139 فيه موضع، وغص الشارع نفسه بالسيارات والعربات من كل نوع، ~~حتى الترام نفسه يبطئ سائقوه إذ ينصتون ويقفون على مقربة من المتجر، فلا يحبون أن ينطلقوا ~~فيبتعدوا عن هذا الصوت الندي الحلو الذي سحر الناس جميعا، والذي يرسله الميكروفون قويا ~~صافيا لا حشرجة فيه ولا تسلخ ولا كدرة، فيملأ به الشارع. ~~«الله أكبر ... بسم الله الرحمن الرحيم # والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا ~~جلاها * والليل إذا يغشاها * والسماء ~~وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس ~~وما سواها * فألهمها فجورها ~~وتقواها ~~.» # بهذا التنزيل المجيد كان يصلصل حلق القارئ البارع، في صوت يرتفع إلى عنان السماء ثم يهبط ~~إلى قرار قريب، فتحس فيه تموج الشعاع وتأود الجدول وترسل الكروان وتنغيم البلبل، وتجد نفسك ~~مسحورا بهذا الصوت اللين الحلو، وهذا الإيقاع العبقري الجميل، في إمالة سائغة لأواخر هذه ~~الآيات الكريمة، يهفو لها السمع وتترشفها النفس، وكانت ترتفع مع اللحن نفوس السامعين وتهبط ~~وهم صامتون خاشعون حتى يفرغ ذلك النفس الطويل، نفس القارئ المفتن، فتضج أصوات السامعين بلفظ ~~الجلالة. # كان المسلمون يطربون للتنزيل الحكيم، وقد وجلت قلوبهم لذكر الله وزادتهم آياته إيمانا، ~~وكانوا يعجبون بذلك الصوت العبقري القادر، وهذا الترتيل الشجي الساحر؛ وكان غير المسلمين ~~مأخوذين بهذا التطريب العجيب الذين يحسون أثره ولا يتبينون سره؛ وكان الأجانب مذهولين بهذا ~~المتجر الذي ينبثق منه النور، والذي جاء يزحم متاجرهم ويبدأ بهذا التحدي، فيفتح أبوابه يوم ~~الأحد ويذيع كلام الله في شارع فؤاد ...! # ودخلنا على الرغم من الزحمة فناء المتجر، فإذا به ممتلئ بالناس، وإذا باقات كبيرة من ~~الزهر تبلغ الواحدة منها قامة الرجل طولا تزين جوانب الفناء، وكلها مهداة إلى المتجر ~~الجديد من أصحاب المتاجر الكبيرة، كما دل على ذلك ما علق عليها من بطاقات. # وكان كل ما في المتجر يملأ النفوس سحرا وشعرا، فهذه الأنوار المتألقة، وهذه الزهور ~~الناضرة وهذه التلاوة العذبة، ثم هذه البضائع الجديدة المنسقة على الرفوف اللامعة النظيفة ~~في أناقة وحسن ذوق، كل أولئك كان يبعث البهجة في النفوس ويلقي السحر ms140 في الخواطر. ~~«الله أكبر ... بسم الله الرحمن الرحيم # ألم نشرح لك صدرك ~~* ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ~~ظهرك * ورفعنا لك ذكرك ~~.» أخذ الشيخ إسماعيل يرتل ~~هذه السورة ويرددها وقد أفرغ فيها كل فنه، وبلغ صوته فيها غاية حلاوته، والناس يهزون رءوسهم ~~في تخشع ونشوة معا، ويودون لو ظلوا وقوفا يستمعون حتى ينصدع على الأفق عامود الصباح ~~... ~~«الله أكبر ... بسم الله الرحمن الرحيم # والضحى * ~~والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى ~~.» # ما كاد الشيخ يقف عند هذا الوقف حتى انتزع الناس الزهور من الباقات، وأمطروه بها من كل ~~جانب وهو في الطابق الأوسط، وتشققت حناجرهم بالهتاف، حتى كأنما طاف بهم طائف من الجنون وقال ~~أحدهم: «والله هذا رجل انسرق من الجنة.» # وختم الشيخ تلاوته وأخذ الناس ينصرفون وملء نفوسهم البهجة من هذا الافتتاح الموفق، فنظرت ~~إلى المتاجر الأخرى فطاف برأسي معنى لعله طاف برءوس غيري من الناس، وذلك أن المتاجر الأخرى ~~على طوار الشارع باتت تحس هذه الليلة ذل الغريب، وكأنما كان هذا القرآن فتحا في هذا الحي ~~الإفرنجي الذي ما شهدنا فيه مثل هذا من قبل، وكأنما كان متجر الطرابيشي غزوا يباركه كتاب ~~الله ... وشعرت بالعزة الوطنية حق العزة، وأحسست لأول مرة في هذا الشارع أن الدار داري والأهل ~~أهلي والوطن وطني ... واغتلى خيالي وأنا الشاعر الذي يطير به الخيال كل مطير، فخيل إلي أن ~~الغافقي لم يرتد عن بواتييه، وأني أسمع القرآن لا في شارع فؤاد ولا في القاهرة ولكن في ضفة ~~السين! ms141