######OpenITI# #META# URI: 1380MuhammadKamilHusayn.FiAdabMisrFatimiyya.Hindawi97186416 #META# Tags: history :: literature #META# ID: 97186416 #META# Title: في أدب مصر الفاطمية #META# AuthorID: 40602736 #META# Author: محمد كامل حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الأولي‏ # الكتاب الأول: في الحياة العقلية‏ # الباب الأول: في الدعوة الفاطمية‏ # 1 - عقائد الفاطميين‏ # 2 - مراتب الدعوة الفاطمية ومراكزها‏ # 3 - مجالس الحكمة التأويلية‏ # 4 - أشهر علماء الدعوة الفاطمية‏ # الباب الثاني: في الحياة العلمية‏ # 1 - العلوم الفلسفية‏ # 2 - علوم اللغة العربية والفقه‏ # 3 - التاريخ والسير‏ # الكتاب الثاني: في الحياة الأدبية‏ # الباب الأول: في الشعر‏ # 1 - ازدهار الشعر‏ # 2 - الشعر والأئمة‏ # 3 - الشعر والوزراء‏ # 4 - الشعر والحرب الصليبية‏ # 5 - في الغزل‏ # 6 - أغراض أخرى في الشعر‏ # خاتمة القول في الشعر‏ # الباب الثاني: في النثر‏ # 1 - ازدهار النثر‏ # 2 - كتاب ديوان الإنشاء‏ # خاتمة‏ # المصادر والمراجع‏ # المصادر والمراجع الإفرنجية‏ # مقدمة الطبعة الأولي‏ # الكتاب الأول: في الحياة العقلية‏ # الباب الأول: في الدعوة الفاطمية‏ # 1 - عقائد الفاطميين‏ # 2 - مراتب الدعوة الفاطمية ومراكزها‏ # 3 - مجالس الحكمة التأويلية‏ # 4 - أشهر علماء الدعوة الفاطمية‏ # الباب الثاني: في الحياة العلمية‏ # 1 - العلوم الفلسفية‏ # 2 - علوم اللغة العربية والفقه‏ # 3 - التاريخ والسير‏ # الكتاب الثاني: في الحياة الأدبية‏ # الباب الأول: في الشعر‏ # 1 - ازدهار الشعر‏ # 2 - الشعر والأئمة‏ # 3 - الشعر والوزراء‏ # 4 - الشعر والحرب الصليبية‏ # 5 - في الغزل‏ # 6 - أغراض أخرى في الشعر‏ # خاتمة القول في الشعر‏ # الباب الثاني: في النثر‏ # 1 - ازدهار النثر‏ # 2 - كتاب ديوان الإنشاء‏ # خاتمة‏ # المصادر والمراجع‏ # المصادر والمراجع الإفرنجية‏ # | في أدب مصر الفاطمية # | في أدب مصر الفاطمية # تأليف # محمد كامل حسين # | مقدمة الطبعة الأولي # هذا الكتاب «في أدب مصر الفاطمية»، حلقة جديدة من سلسلة: «أدب مصر الإسلامية»، وكان ~~من حقه أن يكون بين يدي الجمهور منذ خمسة عشر عاما، ولكننا لم نشأ أن نخرجه للناس قبل ~~أن نعطيهم صورة صحيحة لتلك النزعة الدينية التي تمايز بها عصر الفاطميين عن غيره من ~~عصور مصر؛ فقد خضعت مصر لهذا المذهب الديني، واتخذها أئمة هذا المذهب قاعدة ملكهم، ~~فأصبح هذا المذهب هو المحور الذي تدور عليه الحياة المصرية من اجتماعية وسياسية وفكرية ~~وأدبية، بحيث لا نستطيع أن نعرف حقيقة هذه الألوان المختلفة من الحياة المصرية في عصر ~~الفاطميين ms001 إلا على ضوء عقائد هذه الفرقة من فرق المسلمين. # أدركنا هذه الحقيقة، وقرأنا الكتب التي تحدثت عن الفاطميين وعقائدهم، فرأينا هذه ~~الكتب تعطينا صورا متناقضة أشد التناقض عن عقائد الفاطميين بحيث لا يستطيع أن يطمئن ~~إليها باحث؛ ففي الوقت الذي نرى فيه هذه الكتب تذهب إلى أن الفاطميين أقاموا دولتهم على ~~أساس ديني إسلامي، وأن الخلفاء الفاطميين اتخذوا سندهم من نسبتهم إلى الرسول الكريم # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن الفاطميين احتفلوا بالأعياد الدينية الإسلامية احتفالا لم يعهد من ~~قبل، وأنهم أسسوا المساجد لإقامة الصلوات، وكانوا يخرجون لإمامة الناس والخطبة في ~~الأعياد، إلى غير ذلك من المظاهر التي تشعر بأن الفاطميين كانوا من أشد الناس حرصا ~~على الإسلام وتقاليد المسلمين، في الوقت نفسه نرى هذه الكتب أيضا تذهب إلى أن ~~الفاطميين كانوا يقولون بالإباحة وتحليل ما حرمه الله تعالى، ونبذوا الصلاة والصوم ~~والحج، بل عملوا على طرح الأديان، ودانوا بالتناسخ والحلول والتلاشي، وادعوا معرفة ~~الغيب ... إلى غير ذلك. قرأنا ذلك كله، وعجبنا أشد العجب لهذا التناقض الذي وقع فيه ~~القدماء والمحدثون، فحرصنا على أن نرجع إلى كتب دعوة الفاطميين، وراعنا أن القاهرة التي ~~أنشأها الفاطميون وكانت قاعدة ملكهم الواسع، لا تحتفظ بكتاب واحد من كتب الدعوة، ~~فسعينا إلى البحث في غير مصر، وكان السعي شاقا عسيرا كلفنا من الجهد والمال الشيء ~~الكثير، وما حيلتنا إذا كانت أكثر كتب الدعوة في حوزة طاهر سيف الدين الذي لقب نفسه ~~بسلطان البهرة، وزعم أنه الداعي المطلق لإمام مستور من نسل الأئمة الفاطميين، وهو رجل ~~شحيح بهذه الكتب على الباحثين بدعوى أنها كتب الدعوة السرية، ولكن حجته هذه أوهى من بيت ~~العنكبوت؛ فإن الأئمة الفاطميين - الذين ورث دعوتهم - لم يستروا علومهم، بل عملوا على ~~نشرها وإذاعتها: شجعوا العلم والعلماء، وأنشئوا دار العلم وخزائن الكتب ليطلع عليها ~~من يشاء متى يشاء، وكانوا يطلبون من العلماء تأليف الكتب على النحو الذي سنراه في هذا ~~الكتاب، فطاهر سيف الدين الآن يعمل عكس ما عمله الأئمة، ويأتي بآراء لم ms002 نعهدها في عصر ~~الفاطميين، ولعله يريد أن يظل أتباعه في جهل مطبق حتى يستطيع أن يخدعهم بهذه الآراء ~~الرجعية التي لا سند لها من تقاليد الأئمة ونظمهم، ومن يدري لعله يريد أن يستغل ما ~~عليه أتباعه من جهل بحقيقة الدعوة الفاطمية كي يستولي على أموالهم باسم الدين، شأنه في ~~ذلك شأن كل دجال مشعوذ، ومع ذلك كله ففي طائفة البهرة عدد من المثقفين المستنيرين ~~الذين لا يعبئون بطاهر سيف الدين، ولا يقيمون وزنا لضلالاته، زودونا بالكتب التي ~~حرصنا على تقديمها للجمهور قبل أن نقدم إليهم هذا الكتاب، حتى يدركوا حقيقة الدعوة ~~الفاطمية من كتب الدعاة أنفسهم، فقد نشرنا ستة كتب فاطمية، وسيتبعها كتب أخرى إن شاء ~~الله. # والدعوة الفاطمية دعوة شيعية، وقبل أن نتحدث عنها وعن أثرها في مصر نتساءل: إلى أي حد ~~عرفت مصر التشيع قبل دخول الفاطميين بها؟ # كان المسلمون في مصر بعد الفتح العربي يجمعون على مذهب واحد، ويخضعون لإمام واحد، فلم ~~نعرف أنه كان بين العرب الوافدين من خالف في مسألة الإمامة، أو تحدث عن تفضيل خليفة على ~~آخر، ولكن بدأ المسلمون في عهد عثمان بن عفان يتحدثون عن سياسته وتصرفاته، فانتهز بعض ~~المسلمين في مصر هذه الفرصة ودعوا لخلعه، ويروي الطبري قصة عجيبة عن ثورة المصريين ضد ~~عثمان، وأن ذلك كان بتأثير عبد الله بن سبأ! # يقول الطبري: «كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء، أمه سوداء، فأسلم زمان ~~عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم؛ فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ~~ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر ~~فيهم، فقال لهم فيما قال: لعجب من يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدا يرجع، وقد قال ~~الله - عز وجل: # إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرادك إلى معاد # فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، فقبل ذلك عنه، ~~ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، ms003 ~~وكان علي وصي النبي. ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء ... إلخ.» # 1 # وهكذا ساق الطبري هذه الرواية بين روايات عديدة عن سبب قيام المصريين ضد ~~عثمان، ونحن نعجب لهذه الرواية؛ إذ لم أجد في كتب التاريخ التي وضعها المصريون عن بلدهم ~~وعن تراجم رجال مصر، مثل كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم، وكتب الكندي وابن الداية وابن ~~زولاق، أو في كتب المتأخرين الذين نقلوا عن هؤلاء المؤرخين القدماء ما يشير إلى وفود ~~شخصية عبد الله بن سبأ على مصر، أو أن أحدا من المصريين قال بمثل هذه المقالة التي زعم ~~الطبري أن ابن سبأ علمها للمصريين، فلو صحت رواية الطبري لرأينا شيئا من إنكار ~~الصحابة الذين كانوا في مصر إذ ذاك لهذه الدعوة السبئية، ومعارضتهم لها، ولا سيما أن ~~ابن عبد الحكم وغيره رووا بعض الأحاديث عن صحابة مصر وترجموا لهم، ولم يرد ذكر ابن ~~سبأ ولا آرائه، ولم يذكروا شيئا عن إنكار هذه الآراء أو معارضتها، فقصة ابن سبأ في ~~مصر، وأنه بث آراء التشيع بين المصريين هي أقرب إلى الخرافات منها إلى أي شيء ~~آخر. # حقيقة ثار بعض المصريين على عثمان، وقام محمد بن أبي حذيفة بانتزاع الإمارة في مصر، ~~وطرد عامل عثمان من الفسطاط سنة 35ه، وزج بعدد من شيعة عثمان في السجون، ولكن ليس ~~معنى ذلك أن ابن سبأ هو الذي أثر على الناس وألبهم على عثمان، إنما كان ذلك ~~بتدبير بعض أبناء الصحابة الذين كرهوا أن يكون أمير مصر هو عبد الله بن أبي سرح أخو ~~عثمان في الرضاعة، وكبر في نفوسهم أن يعزل عمرو بن العاص عن مصر، فلم تكن ثورة ~~المصريين ضد عثمان تمت بسبب إلى تشيع المصريين إلى علي بن أبي طالب أو المطالبة ~~بإمامته، وعلى الرغم من أن المصريين هم الذين بايعوا عليا بالخلافة بعد مقتل عثمان، ~~فإن ذلك لم يكن عن حب خالص له أو عن عقيدة بأنه أحق الناس بها، فالمفاوضات التي كانت ~~قبل مبايعته تدل على ms004 أنهم نظروا إلى علي بن أبي طالب نظرتهم إلى غيره من الصحابة، ~~أضف إلى ذلك أن المصريين بعد أن بايعوا عليا عادوا إلى الفسطاط وهم يرجزون: # خذها إليك واحذرن أبا الحسن # إنا نمر الحرب إمرار الرسن # بالسيف لن نخمد نيران الفتن # ففي هذا الرجز تحذير للإمام الجديد علي بن أبي طالب، فإن سار على نهج عثمان في سياسته ~~فهي الحروب الدائمة والفتن المستمرة، فهذا دليل على أن المصريين لم يذهبوا في علي بن ~~أبي طالب ما رواه الطبري عن ابن سبأ، وأن المصريين لم يقدسوا عليا أو يقولوا ~~بوصايته. ثم إننا نرى المسلمين في مصر انقسموا بعد مقتل عثمان إلى فريقين: فريق يطالب ~~بدم المقتول، وفريق يؤيد خلافة علي، وكانت مصر من الولايات التي خضعت للأمراء الذين ~~أرسلهم علي، ولكن أنصار علي لم يكن لهم شأن كبير في الأحداث التي جرت، ولم يقيموا ~~وزنا للنزاع بين علي ومعاوية؛ فقد سم الأشتر النخعي على حدود مصر، وقتل الوالي ~~محمد بن أبي بكر الصديق، وأدخلت جثته في إهاب حمار، وأحرقت على مرأى من المصريين، ~~فلم يحرك شيعته ساكنا، فلو كان التشيع في مصر قويا لأسهم الشيعة في النزاع بين ~~علي ومعاوية، ولناصروا عليا، ونحن نتساءل أيضا: أين كان شيعة مصر عندما قتل ~~علي وبعد مقتل الحسين؟ وأين كان شيعة مصر إبان حركة المختار الثقفي؟ هذه أسئلة لم ~~يجب عنها المؤرخون، فالمصادر التي بين أيدينا لم تذكر شيئا عن قيام الشيعة بمصر في ~~المساهمة في الحركات الشيعية التي كانت في الأقطار الأخرى، مما يجعلنا نذهب إلى أن ~~الشيعة في مصر كانوا من الضعف لدرجة أنهم لم يؤثروا في الحياة السياسية والعقلية؛ ~~ولذلك نعجب لقول المؤرخين الذين يزعمون أنه بعد أن تم الأمر للأمويين أصبح الجند وأهل ~~شوكة مصر عثمانية وكثير من أهلها علوية، # 2 # والمقصود بالعثمانية أهل الكف الذين قالوا: كن عبد الله المقتول ولا تكن ~~عبد الله القاتل. وإذا كان هذا موقف الشيعة في مصر من علي وابنه الحسين، فكيف نرى ~~عددا ms005 من المصريين يخرج لمناصرة عبد الله بن الزبير في ثورته سنة 64ه ضد الأمويين، بل ~~نرى ابن الزبير يرسل واليا من قبله على مصر هو عبد الرحمن بن جحدم الفهري وهو من ~~الخوارج، وقد قدم مصر ومعه عدد كبير من الخوارج، فأظهروا بمصر التحكم ودعوا إليه، # 3 # ثم عادت الشوكة والقوة للعثمانية بعد فشل الزبيريين وعودة مصر لسلطان ~~الأمويين، وكان الأمويون يظهرون في مصر سب علي بن أبي طالب دون خشية ثورة الشيعة، ~~وذلك لضعف شأن الشيعة في مصر، ومع ذلك فقد روى المقريزي عن يزيد بن أبي حبيب المتوفى ~~سنة 128ه أنه قال: نشأت بمصر وهي علوية، فقلبتها عثمانية. # 4 # فإن صح هذا القول عن يزيد، فإنما يدل على أن بعض المصريين كانوا يتحدثون ~~عن فضائل علي، وأن يزيد استطاع أن يصرف الناس عن ذلك، ويجعلهم يميلون إلى رأي أهل الكف ~~والمسائل الفقهية، ولا نستطيع أن نقول إن المصريين شغلوا بالآراء الشيعية التي شغلت ~~شيعة العراق وفارس؛ فإننا نستطيع أن نمر بالعصر الأموي في مصر دون أن نسمع شيئا عن ~~الشيعة بمصر، ومن يدري لعله كان بمصر شيعة هواهم مع أبناء علي وقلوبهم مع أهل البيت، ~~ولكن سيوفهم كانت مع بني أمية، وأغفلت كتب التاريخ الحديث عنهم فأصبحنا لا ندري شيئا ~~عن نشاط الشيعة في مصر في هذا العصر الأموي، ولا عن العقائد التي دانوا بها إلا ما قيل ~~عن قصة فرار مروان بن محمد إلى مصر من وجه المسودة؛ فقد وجد الدعوة الجديدة سبقته إلى ~~مصر، ووجدت بين المصريين قبولا، وقد ذكر الكندي أسماء زعماء هذه الحركة بمصر؛ ففي ~~الحوف الشرقي كان أول من لبس السواد شرحبيل بن مذيلفة الكلبي، وفي الإسكندرية كان ~~الأسود بن نافع، وبالصعيد عبد الأعلى بن سعيد الجيشاني، وبأسوان يحيى بن مسلم. # 5 # ونحن نعلم أن دعوة المسودة في أول أمرها كانت للرضا من أهل البيت، وتوهم الشيعة في ~~جميع الأقطار الإسلامية أن الدعوة لهم فاستجابوا لها، ونشطوا مع القائمين بها، فلعل ~~هؤلاء الذين ms006 دعوا للمسودة في مصر كانوا من الشيعة، وتوهموا ما وهمه غيرهم، فإن صح ذلك ~~فتكون هذه أول حركة شيعية في مصر علمنا بها. # ومهما يكن من شيء فإن مروان استطاع أن يقضي على هذه الحركة وأن يقتل زعماءها ، ولكن ~~القدر لم يمهله كي يستمر في حكم مصر، فقد دخلت جيوش العباسيين مصر سنة 133ه، وقبض على ~~مروان بن محمد ومن معه من الموالين للأمويين، وخضعت مصر للعباسيين، وكان العباسيون في ~~مبدأ أمرهم يتحببون إلى الشيعة، فمحي من مصر سب علي وآله، وظن العلويون أن الأيام ~~أقبلت عليهم، وجاءت دولتهم التي طالما حلموا بها، ولكنهم سرعان ما فطنوا إلى أن ~~العباسيين نقمة حلت بهم؛ ذلك أن العباسيين نكلوا بأهل البيت ومن لاذ بهم أو من عرف ~~بولايتهم، فلا غرابة إذا كنا نرى في العصر العباسي سلسلة حركات شيعية تظهر من وقت إلى ~~آخر، وأمعن الشيعة في التقية، وأكثروا من الدعوات السرية المختلفة، وكانت مصر من ~~الميادين التي ظهرت فيها بعض حركات الشيعة في العصر العباسي، ففي خلافة أبي جعفر ~~المنصور قدم مصر سنة 144ه علي بن محمد بن عبد الله ودعا لأبيه النفس الزكية، وانتشرت ~~دعوته في البلاد على يد الداعي خالد بن سعيد بن ربيعة الصدفي، ولكن الوالي العباسي ~~استطاع أن يقضي على هذه الحركة. # 6 # وفي عهد المتوكل العباسي أرسل إلى والي مصر بإخراج كل أهل البيت من مصر إلى العراق، ~~فأخرج الوالي إسحاق بن يحيى سنة 235ه بعض أهل البيت بعد أن فرق فيهم الأموال ليتحملوا ~~بها، فأعطى كل رجل ثلاثين دينارا والمرأة خمسة عشر دينارا، # 7 # فاضطر من كان بمصر من الشيعة إلى التقية خوفا من بطش العباسيين، ولا سيما ~~بعد أن أصبح أكثر الولاة في مصر من الأترك الذين كانوا شديدي التعصب ضد الشيعة، ولعل ~~أكثر الولاة الأتراك اضطهادا للشيعة ومطاردة لهم هو الوالي يزيد بن عبد الله الذي ولي ~~مصر سنة 242ه، وظل على مصر حتى سنة 255ه، وتذكر كتب التاريخ قصصا عديدة عما أتاه ms007 هذا ~~الوالي من اضطهاد للشيعة، من ذلك أنه ضرب رجلا من الجند في شيء وجب عليه، فأقسم الجندي ~~بحق الحسن والحسين إلا أعفاه، فزاده الوالي ثلاثين درة، ورفع صاحب البريد أمر هذا ~~الجندي إلى الخليفة في بغداد، فأمر بضربه مائة سوط، ثم حمل بعد ذلك إلى بغداد، # 8 # وفي أيامه دل على علوي هو محمد بن علي بن الحسن بن علي زين العابدين، ~~فذهب الوالي وأحرق الموضع الذي به العلوي بعد أن قبض عليه، # 9 # وفي أيامه أيضا أتاه من بغداد بأن لا يقبل علوي ضيعة ولا يركب فرسا، ولا ~~يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها، وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد، ~~ومن كانت بينه وبين أحد العلويين خصومة قبل قول خصمه فيه ولم يطالب ببينة، # 10 # وفي سنة 250ه أخرج هذا الوالي ستة رجال من الطالبيين إلى العراق، وفي رجب ~~من السنة التالية أخرج ثمانية منهم، # 11 # وكانت هذه السياسة التعسفية سببا في أن ينضم أحد العلويين وهو عبد الله بن ~~أحمد بن محمد المعروف بابن الأرقط، إلى ثورة جابر المدلجي سنة 252ه، وقوي الثائرون ~~بانضمامه إليهم، وزاد عددهم فهزموا جيش الوالي الذي استعان بالخليفة العباسي فأمده ~~الجيش بقيادة مزاحم بن خاقان فأخمدت الثورة، واستأمن ابن الأرقط العلوي فأخرج من مصر. # 12 # وفي سنة 254ه ثار بغا الأكبر وهو أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن طباطبا، ~~ولكنه هزم وقتل، وفي سنة 255ه في ولاية أحمد بن طولون خرج بغا الأصغر وهو أحمد بن ~~محمد بن عبد الله بن طباطبا، وانتشرت دعوته في الإسكندرية وبرقة والصعيد ولكنه قتل، ~~وفي هذه السنة أيضا خرج بمصر ابن الصوفي وهو إبراهيم بن محمد بن يحيى من نسل عمر بن ~~أبي طالب، واستمر ثائرا يحارب ابن طولون أربع سنوات إلى أن هزم، فاضطر إلى أن يهرب ~~إلى مكة سنة 259ه. # وكانت المصائب التي صبها الجند من السودان على الشيعة بمصر أضعاف ما نال الشيعة ~~من اضطهاد الولاة، فقد كثر عدد ms008 السودان في مصر واستفحل أمرهم، فأصبحوا مصدر فتن بين أهل ~~السنة والشيعة، ففي سنة 350ه خرج شيعة مصر إلى قبر كلثوم بنت القاسم بن محمد بن جعفر ~~الصادق، وأقاموا هناك مأتم الحسين، فتدخل الجند واضطربت الأمور بين الجند والشيعة، ~~وقتل جماعة من الفريقين، فلم يكتف الجند من السودان بذلك بل ساروا في الطرقات ~~يصيحون: معاوية خال علي! حتى إنهم كانوا يصيحون بنقيب الأشراف الحسنيين أبي جعفر مسلم، ~~ويهتفون بذلك في وجهه، # 13 # ولما ورد الخبر بقيام بني الحسن بمكة ومحاربتهم الحاج، خرج خلق من ~~المصريين، ولقوا كافورا الأخشيدي بالميدان، وصاحوا: معاوية خال علي! وسألوه أن يبعث ~~جيشا لمحاربة بني الحسن. # 14 # وهكذا كان حال الشيعة في مصر، فقد أصابهم ما أصاب غيرهم في الأقطار الإسلامية من ~~اضطهاد العباسيين ونقمتهم، وهذه الأمثلة التي أوردنا بعضها إن دلت على شيء فإنما ~~تدل على أن التشيع بدأ يدخل مصر، بل أخذ يقوى ويشتد أزره، وأصبح الشيعة يؤثرون في ~~الحياة العامة بمصر، ويقومون بثورات ضد الولاة. أضف إلى ذلك أن مصر في هذا العصر ~~شاهدت عددا من العلماء الذين كانوا يفضلون عليا على الشيخين، ويخلصون في حبهم لأهل ~~البيت، ولعل الشافعي أصدق مثل لذلك، ففي شعره ما يدل على عاطفة مخلصة قوية لأهل البيت، ~~فهو يقول: # يا آل بيت رسول الله حبكم # فرض من الله في القرآن أنزله # يكفيكم من عظيم الفخر أنكم # من لم يصل عليكم لا صلاة له # 15 # فهذا قول إمام من أئمة أهل السنة، وصاحب مذهب فقهي من مذاهبهم، فقد ذهب إلى أن حب أهل ~~البيت فرض أنزله الله تعالى في القرآن، وأن الله تعالى لا يقبل صلاة من لا يصلي على ~~أهل البيت، وهذه آراء شيعية لا يقول بها إلا متعصب في تشيعه، ونحن نشك في أن تصدر مثل ~~هذه الآراء من الشافعي، ونخشى أن تكون موضوعة ونسبت إليه، ولكن الشافعي يظهر مرة ~~أخرى أنه يحب عليا، ولا ينكر فضل الشيخين، وهذا الرأي يخالف الرأي السابق، فالشافعي ~~يقول: # إذا ms009 نحن فضلنا عليا فإننا # روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل # وفضل أبي بكر إذا ما ذكرته # رميت بنصب عند ذكري للفضل # فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما # بحبيهما حتى أوسد في الرمل # وهكذا كان الشافعي في أحاديثه وأماليه وأشعاره يشيد بفضل علي وحبه، وأخذ المصريون ~~عن الشافعي فيما أخذوه هذا الحب لأهل البيت، واتخذ المصريون عادة التبرك بأهل البيت ~~أحياء وأمواتا، فقد قيل: إنه في سنة 208ه توفيت بمصر السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد، ~~فأراد زوجها إسحاق بن جعفر الصادق أن يحملها ليدفنها بالمدينة، ولكن أهل مصر سألوه أن ~~يتركها في مصر ليتبركوا بها، # 16 # فدفنت في مصر وبنى قبرها الوالي عبيد الله بن السري بن الحكم، ولا يزال ~~قبرها إلى الآن مقصد المسلمين في مصر يتبركون بها. ووضع النسائي المحدث المعروف ~~كتابا في فضائل علي بن أبي طالب رواه عنه المصريون، ومنهم القاضي الفقيه محمد بن أحمد ~~بن الحداد، # 17 # وكان هذا القاضي ممن يفضلون عليا، ولكنه لم يستطع أن يصرح بذلك خوفا ~~من السلطان ومن شغب العامة، ويروي ابن زولاق أن ابن الحداد كان في مجلس أبي القاسم بن ~~الإخشيد مع جماعة، فلما نهض ابن الحداد أمسكه ابن الإخشيد وسأله: أيهما أفضل أبو بكر ~~وعمر أم علي؟ فقال القاضي: الاثنان حذاء واحد. فكرر عليه السؤال فقال ابن الحداد: إن ~~كان عندك فعلي، وإن كان بره - في الخارج - فأبو بكر. # 18 # وشبيه بهذا ما يرويه ابن زولاق أيضا عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ~~فقيه مصر ورئيس مذهب مالك في عصره، أن رجلا سأله: أيهما أفضل أبو بكر وعمر أم علي؟ ~~فاستعفاه ابن عبد الحكم، فألح عليه الرجل، فقال له ابن عبد الحكم: إن أخبرت أحدا ~~عما أقول لك كلمت أحمد بن طولون الأمير فضربك بالسياط، علي أفضل. # 19 # وقبل أن يموت ابن المزرع كان في حلقته يلقي دروسه الأدبية واللغوية على ~~المصريين، فتطرق الحديث عن أبي بكر وعمر وعلي، فانقسم الناس إلى طائفتين؛ طائفة تزيد ~~فضائل ms010 علي، وطائفة تزيد فضائل أبي بكر، وكانت هذه الطائفة الأخيرة أكبر، # 20 # فهذا كله يدل على أن المصريين أخذوا ينقسمون بين أبي بكر وعلي، وأن الحديث ~~قد كثر في التفضيل بينهما، ولكن الذين كانوا يفضلون عليا كانوا يتسترون خوفا من شغب ~~العامة، وبطش الولاة وجندهم من السودان. # على أن أمر الشيعة بمصر أخذ يقوى منذ استطاع دعاة عبيد الله المهدي مؤسس الدولة ~~الفاطمية بسط دعوتهم في شمال أفريقيا، وتقويض أركان دولة بني الأغلب، وقد كان للمهدي ~~دعاة وأنصار بمصر، ويحدثنا القاضي النعمان في كتابه افتتاح الدعوة، أن المهدي نفسه دخل ~~مصر مستترا في زي التجار هربا من العباسيين، فأتت الكتب من بغداد إلى والي مصر بصفة ~~المهدي والأمر في طلبه، وكان بعض أهل خاصة ذلك الوالي وليا مؤمنا «بدعوة المهدي» ~~فأسرع إلى المهدي بالخبر، ولطف في أمره إلى أن خرج المهدي من مصر ومعه القائم وبعض عبيده. # 21 # ويروي صاحب سيرة جعفر بن علي الحاجب: وسرنا - أي المهدي ورجاله - من الرملة ~~إلى مصر، فاستقبلنا أبو علي الداعي، وكان مقيما يدعو بها وأكثر دعاة الإمام من قبله، ~~وكان فيروز الذي رعاه ورباه وزوجه ابنته أم أبي الحسين ولده، فتقدم إليه المهدي ~~قبل دخولنا مصر بأن لا ينزله عنده ولا عند من يشار إليه بشيء من أمرنا، وأن ينزله عند ~~من يثق به، فأنزله عند ابن عياش. # 22 # ويقول في موضع آخر عن داعي المهدي بمصر: ولما صح عند فيروز خروج المهدي ~~إلى المغرب تغيرت نيته وعزم على النفاق، وكان قد زوج ابنته كما ذكرنا أولا بأبي ~~علي الداعي بمصر، ومحمد أبو الحسين بن أبي علي الداعي ولده، وقد بلغ محمد أبو الحسين ~~هذا مع الأئمة المهدي بالله والقائم بأمر الله والمنصور بالله والمعز لدين الله - صلوات ~~الله عليهم - المحل الجليل العظيم، وكان داعي الدعاة. # 23 # ولما تم الأمر للمهدي بالمغرب سنة 296ه راسله شيعته بمصر للنهوض إليها، ~~وفعلا حاول الفاطميون غزو مصر عدة مرات، منها تلك الحملة التي كانت بقيادة حباسة ms011 بن ~~يوسف الكتامي التي نجحت في دخول الإسكندرية، ولكن تكاثرت جيوش العباسيين فانهزم حباسة، # 24 # وشعر والي مصر أن بين المصريين من كاتب الفاطميين لغزو البلاد، فتتبعهم ~~الوالي، وسجن منهم عددا كبيرا، وعذب آخرين بقطع أيديهم وأرجلهم، # 25 # وفي ذلك قال الشاعر المصري ابن مهران: # وقد وافى حباسة في كتام # بكل مهند وبكل خطي # وقد حشدوا لمصر ودون مصر # له خرط القتاد وأي خرط # وأقبل جاهلا حتى تخطى # وجاز بجهله حد التخطي # بكتب جماعة قد كاتبوه # من أقباط بمصر وغير قبطي # وكل كاتبوه ونافقونا # وكل في البلاد له موطي # فقل لحباسة إن كنت عنا # مضيت فإن قتلك ليس يبطي # 26 # كذلك نذكر الحملة التي كان يقودها القائم بأمر الله في سنة 307ه، فقد فتح القائم بأمر ~~الله الإسكندرية، ثم سار إلى الفيوم، وكاتب المصريين بالنثر تارة وبالشعر تارة أخرى، ~~فكان القائد مؤنس الخادم يصادر هذه المكاتبات، ويرسلها إلى الخليفة العباسي المقتدر، ~~وظلت أحوال القائم بمصر مضطربة حتى اضطر إلى العودة إلى المغرب سنة 309ه، وقد حفظ عريب ~~بن سعد القرطبي صورة مقطوعة من الشعر، قيل: إن القائم أرسلها إلى شيعته من المصريين ~~يستنهض همهم، وذهب عريب إلى أن هذه المقطوعة أرسلت إلى بغداد، وأن الخليفة أمر محمد بن ~~يحيى الصولي بالرد عليها، وهاك المقطوعة: # أيا أهل شرق الله زالت حلومكم # أم اختدعت من قلة الفهم والأدب # صلاتكم مع من؟ وحجكم بمن؟ # وغزوكم فيمن؟ أجيبوا بلا كذب # صلاتكم والحج والغزو ويلكم # بشراب خمر عاكفين على الريب # ألم ترني بعت الرفاهة بالسرى # وقمت بأمر الله حقا كما وجب # صبرت وفي الصبر النجاح وربما # تعجل ذو رأي فأخطأ ولم يصب # إلى أن أراد الله إعزاز دينه # فقمت بأمر الله قومة محتسب # وناديت أهل الغرب دعوة واثق # برب كريم من تولاه لم يخب # فجاءوا سراعا نحو أصيد ماجد # يبادونه بالطوع من جملة العرب # وسرت بخيل الله تلقاء أرضكم # وقد لاح وجه الموت من خلل الحجب # وأردفتها خيلا عتاقا يقودها # رجال كأمثال الليوث لها جنب ms012 # شعارهم جدي ودعوتهم أبي # وقولهم قولي على النأي والقرب # فكان بحمد الله ما قد عرفتم # وفزت بسهم الفلح والنصر والغلب # وذلك دأبي ما بقيت ودأبكم # فدونكم حربا تضرم كاللهب # 27 # وتتابعت غزوات الفاطميين لمصر فكانت ترد مهزومة مدحورة، فاضطر شيعة المهدي إلى ~~اتخاذ التقية وإلى الدعوة السرية حتى ولي كافور نيابة عن ابن سيده الحسن بن عبد الله ~~بن طغج، وكان ابن طغج ضعيفا، فطمع فيه الجند وكرهوه، واستغل ضعفه أحد دعاة الفاطميين ~~وهو أبو جعفر بن نصر، وحبب إليه دخول مذهبه، ومكاتبة المعز لدين الله. # 28 # ويذكر ابن زولاق أنه كان بمصر داعية آخر يسمى بأبي عيسى عبد العزيز بن أحمد، # 29 # ويخيل إلي أن أبا جعفر بن نصر الداعي كان معروفا أكثر من صاحبه، ~~وأنه كان من جلساء كافور وبني طغج، وعرف عنه الدعوة للفاطميين في مصر، ولا أدري سبب ~~سكوت الأمير عنه. ويذكر ابن زولاق أن هذا الداعي بنى دارا له بمصر، فمر عليه سيبويه ~~المصري فقال: كافور الأسود غدا يؤخذ بأذنه، إنما بنيت هذا الدار لصاحب المغرب تؤخذ ~~فيها البيعة على كل تابع ومتبوع، وذليل مرفوع، تغير فيها الأحوال وتحمل إليها الأموال. # 30 # معنى هذا كله: أن الدعوة الفاطمية كانت أسبق إلى مصر من جيوش الفاطميين، ~~وأن الدعاة استطاعوا أن يبذروا بين بعض المصريين عقائد الفاطميين، فاستجاب لهم من ~~استجاب، وكانوا عونا لجيش جوهر القائد في دخول مصر سنة 358ه. # إذن كان بمصر شيعة، ولكننا لا ندري إلى أي فرقة من فرق الشيعة كان المصريون، ويغلب ~~على ظني أن المصريين لم يعتنقوا مذهبا من مذاهب التشيع كغيرهم من فرق الشيعة الأخرى، ~~ولم يتخذوا التشيع من ناحية العبادة العملية كما فعل غيرهم، إنما كان هواهم مع علي بن ~~أبي طالب وأهل بيته، ولكنهم لم يجاهدوا كما جاهد الشيعة في الأقطار الأخرى، ولم ~~يفلسفوا عقيدتهم الدينية على النحو الذي نراه عند غيرهم، بل اكتفوا بالقول بتفضيل علي، ~~وحرصوا على حبهم وولائهم لأهل البيت، يكرمون الأحياء ويتبركون بالأموات، حتى ms013 دخل جوهر ~~مصر، ووجد المصريون أنفسهم أن لا طاقة لهم بقتاله وصده عن ديارهم، فأرسلوا إليه وفدا ~~برياسة أحد العلويين بمصر كان نقيب الأشراف الحسنيين بها، وهو أبو جعفر مسلم بن عبد ~~الله الحسني، وطلبوا من جوهر الأمان والصلح، فأجابهم، وكتب لهم الأمان، وفيه نص بتأمين ~~المصريين على عقيدتهم، فقد كان السواد الأعظم من المصريين حريصين أشد الحرص على أن لا ~~يتحولوا عن مذهبهم الديني الذي كانوا عليه، وهو مذهب أهل الجماعة والسنة، وأن لا يتعرض ~~الفاطميون لعقائدهم التي دانوا بها، فألحوا في أن يذكر جوهر ذلك في كتاب أمانه لهم. فهل ~~وفى الفاطميون في مصر بذلك؟ الواقع أن الفاطميين لم يحترموا الأمان الذي أعطاه جوهر ~~للمصريين، فقد عملوا على تشيع المصريين على النحو الذي سنراه في هذا الكتاب، فأصبحت مصر ~~شيعية، لها من الآراء ما تتمايز به في هذا العصر عن جميع عصورها التاريخية، وأثرت ~~هذه العقائد الفاطمية الجديدة على الحياة المصرية، بل تعدت مصر إلى غيرها من ~~البلدان الأخرى ولا سيما التي خضعت لنفوذ الفاطميين، فأثرت في الحياة العقلية ~~الإسلامية تأثيرا كان له خطره في جميع البلدان الإسلامية. # وهذا الكتاب هو محاولة الكشف عن الحياة العقلية والأدبية بمصر في عصر الفاطميين، وهو ~~عصر غامض لنا أشد الغموض على الرغم مما كتب حوله، وكان عصر الفاطميين عصرا زاهرا في ~~الأدب والعلم، ولكن ما بقي لنا من آثار هذه الفنون والعلوم شيء قليل جدا متفرق في كتب ~~مختلفة، وقد حاولنا مما بقي لنا أن نعطي صورة لما كانت عليه الحياة العقلية والأدبية، ~~ونرجو أن نكون قد وفقنا في هذه المحاولة. # محمد كامل حسين # جزيرة الروضة في 15 أبريل سنة 1950 # 27 جمادى الآخرة سنة 1369 # | الكتاب الأول: في الحياة العقلية # الباب الأول # | في الدعوة الفاطمية # الفصل الأول # | عقائد الفاطميين # جاء الفاطميون مصر يدعون إلى عقيدة تختلف عما كان عليه أكثر المسلمين؛ فقد كان ~~السواد الأعظم من مسلمي مصر ينقسمون بين مذهب مالك وبين مذهب الشافعي، وقليل منهم ~~من كان على ms014 مذهب أبي حنيفة، ومهما كانت الفروق بين هذه المذاهب فكلها من مذاهب أهل ~~السنة والجماعة التي تخالف عقائد الفرق الشيعية وتباينها؛ والفاطميون فرقة من ~~فرق الشيعة عرفت بالإسماعيلية نسبة إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق. قال ~~الفاطميون بنبوة محمد عليه السلام، ووصاية علي بن أبي طالب، # 1 # وإمامة ابنه الحسن، فالحسين، فزين العابدين، فمحمد الباقر، فجعفر ~~الصادق. فهم على هذا النحو يتفقون في تسلسل الإمامة مع الشيعة الاثني عشرية، وبعد ~~وفاة جعفر الصادق سنة 148ه انقسمت الشيعة الإمامية إلى الإسماعيلية، وهي الفرقة ~~التي قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر، فابنه محمد بن إسماعيل، فأئمة «دور الستر» وهم: ~~عبد الله بن محمد، فأحمد بن عبد الله، فالحسين بن أحمد، # 2 # ثم أئمة دور الظهور، وأولهم عبيد الله المهدي مؤسس الدولة ~~الفاطمية. وإذا قرأنا كتب دعاة الفاطميين استطعنا أن نطمئن إلى أن الفاطميين نظروا ~~إلى أئمتهم على أنهم من البشر، يجري عليهم ما يجري على البشر من موت وحياة، فهم في ~~ذلك يخالفون الغلاة من الشيعة الذين ألهوا عليا والأئمة من ذريته، وقالوا: إنهم ~~أحياء يرزقون، ويخالفون الشيعة الاثني عشرية الذين ذهبوا إلى غيبة الإمام محمد بن ~~الحسن العسكري، وأنه سيظل حيا حتى يعود ليملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا. ~~وقال الفاطميون: إن الإمامة تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ولا تنتقل من أخ إلى أخ ~~بعد انتقالها من الحسن إلى الحسين ابني علي بن أبي طالب، فالأب ينص على ابنه في ~~حياته. وهذه العقيدة أصل من أصول المذهب في تسلسل الإمامة عند الفاطميين، وقد ~~أولوا قول الله تعالى: # وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه # بأن الله - سبحانه وتعالى - لا يترك العالم خاليا من إمام ~~ظاهر مكشوف أو باطن مستور، تنتقل الإمامة إليه بعد أبيه الإمام من نسل علي بن أبي ~~طالب. # والإمام حجة الله على عباده، وهاديهم إلى الطريق القويم؛ فوجب على كل مؤمن أن ~~يتبع هذا الإمام، وجعلوا ولاية الإمام أحد أركان الدين ودعائمه، بل ذهبوا إلى أن ~~الولاية أفضل دعائم الدين وأقواها، ms015 ولا يستقيم الدين إلا بها. قال المؤيد في الدين ~~هبة الله الشيرازي في مجالسه: «فلو أن رجلا عمل بفرائض الله تعالى وسننه التي جاء ~~بها رسوله كلها، ثم لم يقترن بعمله اعتقاد ولاية الرسول - عليه الصلاة والسلام - ~~الآتي بها لم يغن عنه ما عمل فتيلا، ولم يتبع غير أهل النار سبيلا؛ إذ ولاية ~~الرسول كالمركز الذي تدور عليه دائرة الفرائض، فلا يصح وجودها إلا بوجوده، وإذا ~~كانت هذه نصبة الرسول في حياته كانت نصبة من يوليه أمر دينه مثلها، ومثل ذلك ~~نصبة من يليه ومن يلي من يليه ما انتقلت الولاية من واحد إلى واحد، وورثها ولد ~~عن والد؛ إذ الولاية هي الأصل الذي يدور عليه موضوع الفرائض.» # 3 # وبهذا الرأي يقول الشيعة الإمامية جميعا، وهو ما يتمايزون به عن جمهور ~~أهل السنة، وأيد الشيعة الإمامية ومنهم الإسماعيلية هذا الرأي، بقصة تروي أن ~~النبي بعد أن أدى حجة الوداع ونزل عند «غدير خم» في اليوم الثامن عشر من ذي ~~الحجة، هناك أنزل عليه قوله تعالى: # يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ~~، فذهب الشيعة ~~إلى أن النبي الكريم صدع بأمر ربه وأمر بالصلاة، حتى إذا انتهى منها أخذ بيد ~~علي بن أبي طالب فقال: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى. ~~قال: «ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟» قالوا: بلى. قال: «من كنت مولاه ~~فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل ~~من خذله، وأدر الحق معه حيث دار.» واعتبر الشيعة قول الرسول - عليه السلام - ~~تبليغا لأمر الله تعالى، ونصا صريحا بوجوب اتباع علي وولايته، ومن بعده ~~من ذريته المنصوص عليهم. وقد أخرج أحمد بن حنبل في مسنده الكبير من حديث البراء بن ~~عازب هذه القصة وأتبعها بقوله: «فلقيه - أي لقي عليا - عمر بن الخطاب، فقال: ~~هنيئا لك يابن أبي طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة.» # 4 # فالشيعة الإمامية ms016 على اتفاق مع الإسماعيلية في وجوب ولاية الوصي علي بن أبي طالب، ~~ويروون عن النبي أحاديث كثيرة في شأن علي، مثل قولهم: «أنا مدينة العلم وعلي ~~بابها.» و«علي مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي.» و«أنا المنذر ~~وعلي الهادي من بعدي.» و«النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض.» ~~و«من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.» و«أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها ~~نجا ومن تركها غرق.» و«إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي.» # 5 # واشترك الفاطميون في رواية هذه الأحاديث وغيرها. # واتخذ الفاطميون دليلا آخر أخذوه من تاريخ الأنبياء الذين سبقوا دور محمد - ~~عليه السلام - فذهبوا إلى أن لكل نبي وصيا يكل إليه أمر المؤمنين، وأن الله تعالى ~~هو الذي يوحي إلى نبيه بإعلان من اختاره الله وصيا لنبيه، وخليفة له، فكان ~~وصي آدم هابيل، ووصي نوح ابنه سام، ووصي إبراهيم ابنه إسماعيل، وكان وصي ~~موسى أخاه هارون، ووصي عيسى بن مريم حواريه شمعون الصفا - سمعان بن يونا ~~المعروف بالصفا # 6 ~~- فوجب أن يكون لمحمد وصي، شأنه في ذلك شأن غيره من الأنبياء السابقين، ~~وأن الله تعالى اختار علي بن أبي طالب لمرتبة الوصاية، ويخيل إلي أن ~~الفاطميين أخذوا هذا الرأي مما جاء في إنجيل يوحنا في مواضع متعددة أن سمعان بن ~~يونا هو الذي سماه المسيح بطرس أو صفا، وأمره المسيح أن يرعى بعده خرافه أي ~~جماعة المؤمنين، فصبغ الشيعة هذه العقيدة بالصبغة الإسلامية، اتخذوا لها أدلة من ~~القرآن والأحاديث، على أن الإسماعيلية الذين جعلوا عليا وصيا للنبي جعلوا ~~عليا من ناحية أخرى يشارك النبي في كل صفاته وخصائصه وفضائله، إلا في مرتبة ~~النبوة والرسالة اللتين خص بهما النبي وحده، فكل الآيات القرآنية التي جاءت في ~~النبي كقوله تعالى: # وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين ~~، و # إنما أنت منذر ~~ولكل قوم هاد # إلى غير ذلك من الآيات، هي في محمد وفي علي ~~أيضا، بل جعلوها في كل الأئمة المنصوص عليهم من نسل ms017 علي. # ولم يكتف الإسماعيلية بذلك بل ذهبوا في تأويل كثير من آيات القرآن إلى أن الله ~~تعالى يشير فيها إلى علي والأئمة من ذريته، مثل قوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ~~، وقوله: # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها ~~إلا العالمون ~~، وقوله: # وأولي الأمر ~~منكم ~~، وقوله: # ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا # وغير ذلك. فقد أولت جميع ~~هذه الآيات بأن الإشارة فيها إلى علي بن أبي طالب والأئمة من أهل بيته الذين ~~اصطفاهم الله واختارهم دون غيرهم من البشر. فمحمد وعلي عندهم صنوان متشابهان في ~~كل الصفات إلا في مرتبة النبوة التي أطلقوا عليها اسم «مرتبة الاستيداع»، فقد اختص ~~بها محمد عليه السلام، على حين اختص علي بمرتبة الوصاية والإمامة التي أطلقوا ~~عليها اسم «مرتبة الاستقرار»؛ # 7 # ولذلك يروون أن النبي قال: لم أزل أنا وأنت يا علي من نور واحد ~~ننتقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية، كلما ضمنا صلب ورحم ظهر لنا قدرة ~~وعلم، حتى انتهينا إلى الجد الأفضل والأب الأكمل عبد المطلب، فانقسم ذلك النور ~~نصفين في عبد الله وأبي طالب، فقال الله تعالى: «كن يا هذا محمدا، ويا هذا كن عليا.» # 8 # ولهذه العقيدة التي تجعل من علي شريكا وشبيها للنبي في كل شيء قال ~~الإسماعيلية بعصمة الأنبياء والأوصياء والأئمة، بل لعل الفاطميين لم يدينوا بعصمة ~~الأنبياء ولم يؤولوا قصص الأنبياء هذا التأويل الذي نراه في كتبهم، # 9 # إلا لإثبات عصمة أئمتهم، ولا ينفرد الإسماعيلية بالقول بهذه العصمة، ~~إنما هو رأي جميع فرق الشيعة، وكان موضوع عصمة الأنبياء من موضوعات الجدال بين ~~علماء الكلام. # ولعل المشاركة الكبرى التي جعلوها بين محمد وعلي هي عقيدتهم في التأويل الباطن، ~~وهو العلم الذي خصوا أنفسهم به، وسموا من أجله بالباطنية، فقد جعلوا محمدا هو ~~صاحب تنزيل القرآن، وجعلوا عليا صاحب تأويله، أي إن القرآن الكريم أنزل على ~~محمد بلفظه ومعناه الظاهر للناس، أما أسرار الدين وأسرار التأويل الباطن فقد ~~أنزلت على ms018 محمد، ولكنه خص بها عليا وأبناءه من بعده دون غيرهم من البشر، وأن ~~عليا وأبناءه من الأئمة هم الذين يدلون الناس على هذه الأسرار. أخذ الإسماعيلية ~~بعض آيات القرآن الكريم دليلا على عقيدتهم في وجوب التأويل كقوله تعالى: # وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث ~~، وقوله: # وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث ~~، ~~وقوله: # سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا # إلى غير ذلك من الآيات القرآنية التي ذهبوا في ~~تفسيرها إلى أن الله تعالى جعل لدينه تأويلا خاصا، يختلف عما يقول به جمهور أهل ~~السنة والجماعة الذين أطلق الإسماعيلية عليهم لقب أهل الظاهر أو العامة. # واستدلوا بقول الله تعالى: # هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ~~ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو ~~الألباب # على أن الأنبياء والأوصياء والأئمة هم الراسخون في العلم، ~~وهم الذين يعلمون تأويله، وذهب علماؤهم إلى أن قوله تعالى: # والراسخون في العلم # نسق على الله؛ وقوله: # يقولون آمنا به # أخرجوه مخرج الحال بمعنى أنهم ~~ليعلمونه ويقولون آمنا به؛ إذ لو لم يكن الراسخون في العلم يعلمونه لكان مستحيلا ~~منهم أن يقولوا آمنا به؛ لأن الإيمان معناه التصديق، والتصديق بالشيء لا يثبت إلا ~~بعد إحاطة العلم به، ولا يجوز تصديق المرء بما لم يعلمه. ثم إنه ليس يخلو من أن ~~يكون النبي علم بتأويل ما أتى به أو لم يعلم، فإن كان علم به بطل الوقف بعد لفظ ~~«الله» في الآية السابقة، ووجب دخول النبي في شرط من علمه، وهو أول الراسخين في ~~العلم وأفضلهم، وعنه أخذ من أخذ من الراسخين في العلم؛ وإن كان النبي لم يعلم ~~فإرسال الله تعالى إياه بشيء إذا سئل عنه لا يعلمه، خارج عن الحكمة والرسالة. # 10 # فالنبي كان يعلم بتأويل القرآن، ومن يقوم مقام النبي في ms019 كل عصر يعلم ~~هذا التأويل أيضا، وضربوا مثلا بقصة موسى مع الرجل الصالح التي وردت في القرآن ~~الكريم بأن الله خص الرجل الصالح بأسرار لم يعرف كنهها نبي ناطق من الأنبياء، ~~وهو موسى، فقصة موسى هذه دليل عندهم على أن العامة من المسلمين أضعف وأقصر من ~~النهوض بأعباء تأويل القرآن الذي اختص به الوصي والأئمة، وفي ذلك يقول المؤيد في ~~الدين: # وإن أجزنا ظاهر الكلام # في ذاك أسلمناه للخصام # ففي اختلافات القران كثرة # من كل قول مع كل زمرة # يا قوم سر الملكوت هذا # يجعل أصنامكم جذاذا # سر له صاحب موسى الخضرا # قال معي لن تستطيع صبرا # وقال موسى سوف ألفى صابرا # فلم يكن إذ ذاك إلا قاصرا # تدبروا القصة ماذا يمما # من قصها إن لم تكونوا نوما # لعلكم أن تحسبوها سمرا # إذن أسأتم النفوس النظرا # من كان ذا عقل وذا عينين # يبلغ حقا مجمع البحرين # 11 # ولهم أدلة عقلية على وجوب التأويل أخذوها أيضا من القرآن الكريم، كقوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم ~~، وفي قوله: # وفي الأرض آيات ~~للموقنين * وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون ~~، فذهبوا إلى أن مثالة الدين تؤخذ من خلقة السموات ~~والأرض، وتركيب الأفلاك، وجميع ما يتأمل مما خلقه الله تعالى، فقد ركزت في ~~المخلوقات كل معاني الدين الذي حمله القرآن الكريم، فآيات القرآن إذن في حاجة إلى ~~من يخرج كنوز هذه المعاني، # 12 # وبناء على هذه الطريقة التي اتخذوها لأنفسهم للتأويل، وهذه القاعدة ~~التي بها يستدلون بما في هذه الطبيعة والمخلوقات على الدين؛ جعلوا المخلوقات قسمين: ~~قسم ظاهر للعيان، وقسم باطن خفي، وجعلوا الظاهر يدل على الباطن، وسموا الباطن ~~ممثولا والظاهر مثلا، ولذلك أستطيع أن أطلق على نظرية التأويل عندهم «نظرية المثل والممثول»، # 13 # وقد أخذت هذا الاسم مما كتبه دعاة الفاطميين، فالمؤيد في الدين يقول في ~~مجالسه: «خلق الله أمثالا وممثولات؛ فجسم الإنسان مثل ونفسه ممثول، والدنيا مثل ~~والآخرة ممثول، وإن هذه الأعلام التي خلقها الله تعالى، وجعل قوام الحياة بها من ~~الشمس والقمر ms020 والنجوم، لها ذوات قائمة يحل منها محل المثل، وإن قواها الباطنة التي ~~تؤثر في المصنوعات هي ممثول تلك الأمثال.» # 14 # وقول صاحب المجالس المستنصرية: «معشر المؤمنين، إن الله تعالى ضرب لكم ~~الأمثال جملا وتفصيلا، ولم يستح من صغر المثال إذا بين به ممثولا، وجعل ظاهر ~~القرآن على باطنه دليلا.» # 15 # ويقول المؤيد في الدين: # اقصد حمى ممثوله دون المثل # ذا إبر النحل وهذا كالعسل # 16 # وإذن فالقاعدة في التأويل عند الإسماعيلية هي تطبيق نظرية المثل والممثول، فظاهر ~~القرآن مثل وباطنه ممثولات، والظاهر: هو هذه المعاني التي يعرفها العامة، وينطق بها ~~علماء أهل السنة. والباطن : هو هذه المعاني التي يستخلصها الوصي والأئمة من أهل ~~البيت دون سواهم من سائر المسلمين. وعلى الرغم من أن الإسماعيلية أتوا بأدلة من ~~القرآن الكريم على التأويل وعلى نظرية المثل والممثول، فإن هذه النظرية وإن كانت قد ~~صبغت بالصبغة الإسلامية، فإنها هي نظرية المثل الأفلاطونية القديمة، أدخلوها في ~~عقيدتهم بعد أن غيروا فيها بما يتفق مع تعاليمهم وعقائدهم الإسلامية. # ويخيل إلي أن فكرة التأويل الباطن على هذا النحو الذي نراه عند الإسماعيلية ~~لم تعرف لدى المسلمين قبل عصر الترجمة والحركة العلمية التي ظهرت في عصر المأمون ~~العباسي وبعده، وبعد أن ترجمت الكتب الفلسفية اليونانية، فالمعروف أن بعض فلاسفة ~~الإسكندرية، وعلى الأخص فيلون وتلاميذه، حاولوا تأويل التوراة تأويلا باطنيا - ~~إن صح هذا التعبير - وأن القديس أوغسطين هو أول من حاول تأويل الإنجيل ~~تأويلا باطنيا كذلك، وجاء الإسماعيلية وأخذوا فكرة التأويل مما نقل إلى العرب ~~من آثار هؤلاء الفلاسفة، ولكنهم صبغوا تأويلهم بالصبغة الإسلامية كعادتهم دائما في ~~كل ما أخذوه عن العلوم والفلسفة الأجنبية، ومع ذلك كله لم يستطع الإسماعيلية ألا ~~يتخلوا جملة عما أخذوه من العلوم والفلسفة الأجنبية، فقد ظهرت في تأويلاتهم آثار ~~هذه العلوم والفلسفة كما ظهر تأثرهم بالعقائد والأديان القديمة التي غمرت العالم ~~قبل الإسلام وبعده. # ويخيل إلي كذلك أنهم لم يتخذوا هذا التأويل الباطن إلا إمعانا منهم في ~~زيادة شرف علي بن أبي طالب ms021 والأئمة، وخصهم بميزات تبعدهم بعض البعد من سائر ~~البشر، فكأن الولاية هي المحور الذي تدور عليه جميع العقائد الفاطمية، فتأويلاتهم ~~وفلسفتهم في الإبداع والخلق وكل عقيدة في النفس والعقل كلها تنتهي إلى نتيجة واحدة ~~هي الوصي والأئمة، ففي التأويل الباطن أن «وجه الله» و«يد الله» و«جنب الله» هم ~~الأئمة، والشمس محمد، والقمر علي والأئمة، والأهلة هم الأئمة، بل ذهبوا كما ذهب ~~بعض فلاسفة الإسكندرية إلى أن الله أبدع الكلمة «اللوجوس»، فقالوا: إن الكلمة هي ~~«كن» من قوله تعالى: # إنما أمره إذا أراد شيئا ~~أن يقول له كن فيكون ~~، وكلمة «كن» حرفان كاف ونون، ولكنها في ~~التأويل الباطن مثلان للحدود الروحانية المقربة إلى الله، فالكاف رمز للعقل الأول ~~أو «القلم» وهو أقرب الحدود إلى الله، وهو الذي ورد فيه الحديث النبوي الذي رواه ~~البخاري: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: أقبل فأقبل. فقال له: أدبر فأدبر. ~~فقال: بعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أعز علي منك، بك أثيب وبك أعاقب ... إلخ.» ~~والعقل الأول الذي ذكر في ظاهر القرآن بالقلم، ولأنه أقرب الحدود إلى الله تعالى ~~وأسبقهم إلى معرفة الله وتوحيده سمي بالسابق. أما النون فهي رمز للنفس الكلية، ~~وهي التي رمز إليها في القرآن باللوح وسميت بالتالي، وبناء على نظرية المثل ~~والممثول يجب أن يكون في العالم الأرضي عالم جسماني ظاهر يماثل العالم الروحاني ~~الباطن؛ فالإمام هو مثل السابق، وحجته مثل التالي، وكل خصائص العقل الأول «السابق» ~~جعلت للإمام، فمثلا نرى الإسماعيلية ينزهون الله تعالى عن كل الصفات والأسماء، ~~وقالوا: إن أسماء الله الحسنى هي أسماء العقل الأول «السابق»، وإن الله سبحانه ~~يتعالى على أن يتصف بصفة، وإنه ليس أيسا وليس لبسا، إنما كل ما جاء في القرآن ~~الكريم من صفات الله فهي صفات العقل الأول «السابق»، وإذن فهذه الصفات يوصف بها ~~أيضا مثل العقل الأول في العالم الجسماني وهو الإمام، وعلى ضوء هذه النظرية نستطيع ~~فهم قول ابن هانئ الأندلسي في مدح المعز لدين الله الفاطمي: # ما شئت لا ms022 ما شاءت الأقدار # فاحكم فأنت الواحد القهار # فقد فهم القدماء من هذا البيت وأمثاله من شعر ابن هانئ أنه يؤله إمامه، وحكموا ~~بأن الأئمة الفاطميين ادعوا الألوهية، بدليل هذا البيت وأمثاله، ولو كان القدماء ~~يعرفون حقيقة العقيدة الفاطمية ما وجدوا في هذا القول تأليها ولا غلوا في ~~العقيدة، وسنتحدث عن ذلك كله في باب الشعر. # وإذن فالتأويل الباطن عندهم لسبب واحد هو إغداق صفات التمجيد والتفخيم لأئمتهم. ~~على أن الإسماعيلية الذين قالوا بالباطن وضرورته، قالوا أيضا بالظاهر معه، فلا ~~يقبل الظاهر دون الباطن، ولا ينفع الباطن دون الظاهر، «فإن الظاهر والباطن كالروح ~~والجسد إذا اجتمعا انقدحت الفوائد وعرفت المقاصد». # 17 # ومن عبد الله تعالى بظاهر دون باطن، أو بباطن دون ظاهر، فهو ممن ~~يعبده على حرف، # 18 # والظاهر عندهم هو هذه العبادة العملية من طهارة، وإقامة الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والجهاد في سبيل الله، فيجب على المؤمن أن يؤدي هذه ~~الفرائض العملية الظاهرة كما ورد في كتاب الله وما سنه رسول الله، وفي الوقت نفسه ~~يجب أن يؤمن بعلم الباطن الذي هو العبادة العلمية التي خص بها الوصي والأئمة، ~~فالفاطميون إذن لم يعملوا على طرح الأديان وإبطال العبادة كما وهم الكتاب ~~والمؤرخون الذين تحدثوا عن الفاطميين، بل كانوا كما قال شاعرهم المؤيد في ~~الدين: # فإننا لأهل علم وعمل # لله دنا بهما عز وجل # 19 # وشاركوا غيرهم من المسلمين في هذه العبادة الظاهرة، ودعوا إليها دعواتهم إلى ~~عبادتهم الباطنة، وإذا قرأنا كتب الفقه الإسماعيلي مثل كتاب دعائم الإسلام للقاضي ~~النعمان بن محمد، وكتاب المجالس المستنصرية للداعي ثقة الإمام علم الإسلام؛ وجدنا ~~أن الفقه الإسماعيلي لا يكاد يختلف عن فقه أهل السنة وفقه مالك على وجه خاص، مع ~~أن الإسماعيلية لا يأخذون في أحكامهم الشرعية بالرأي ولا بالقياس، إنما يأخذون ~~بالأحكام التي يشرعها الإمام، ومع ذلك لم يختلفوا عن مذهب أهل السنة إلا في بعض ~~مسائل فرعية، لعل أهمها مسألة ابتداء شهر الصوم، فقد كانت هذه المسألة من أهم ms023 ~~المسائل التي أثارت سخط المسلمين على الفاطميين، ذلك أن الفاطميين لا يبدءون صوم ~~رمضان برؤية الهلال على ما يذهب إليه جمهور أهل السنة، فقد وجد الفاطميون أن الهلال ~~إذا غم في بلد من البلاد بسبب سحاب أو غيره، فقد يظهر في بلد آخر قريب، فلا يصوم ~~أهل البلد الأول على حين يصوم أهل البلد الآخر، وكثيرا ما يحدث اضطراب في بدء ~~الصيام في البلد الواحد، فيقع ما يسمى بيوم الشك، وهو ما نشاهده كل عام إلى ~~اليوم؛ ومن ثم لجأ الفاطميون إلى الفلك والحساب، فعملوا تقويما قمريا يحسبون ~~بمقتضاه سير القمر، ويقدرون منازله حتى يعرفوا أن هلال رمضان قد أهل حقا، ~~فجعلوا الشهور العربية شهرا تاما، والتالي له ناقصا دائما، وبذلك أصبح شعبان ~~ناقصا دائما ورمضان تاما دائما، ومن هذا التقويم الدقيق عرفوا متى يبدأ رمضان ~~ومتى ينتهي، دون الرجوع إلى رؤية الهلال رؤية نظر، بل جعلوا قول النبي الكريم ~~«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» أنها رؤية استبصار لا رؤية إبصار. وهذا التقويم ~~الفاطمي جعلهم يصومون قبل جمهور أهل السنة بيوم أو يومين، ويبدءون عيد الفطر قبل ~~جمهور أهل السنة بيوم أو يومين، ومن هنا أساء المؤرخون والعلماء الذين تحدثوا عن ~~الفاطميين فهم حقيقة دعوتهم، ورموهم بالخروج عن الجماعة وعن الإسلام. # ومن الخلافات بين الفاطميين وجمهور أهل السنة، بل بين الشيعة عامة وبين السنيين: ~~مسألة ميراث البنت، فالشيعة يورثون البنت كل ما تركه الأب إذا لم يترك ولدا ~~ذكرا، ومن الخلافات أيضا مسألة مسح الرجلين في الوضوء؛ فقد ذهب الشيعة إلى وجوب ~~المسح، على حين قال أهل السنة بوجوب غسل الرجلين، ومن أهم الخلافات التي بين الشيعة ~~الاثني عشرية والإسماعيلية أن الفرقة الأولى تقول بأن إمامهم الثاني عشر حي ~~يرزق منذ اختفى في السرداب، وأنه سيظهر ليملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا. على ~~حين يذهب الإسماعيلية إلى أن الإمام من البشر، يجري عليه ما يجري على البشر من حياة ~~وموت، فمن السخف أن يقال: إن إماما يعيش طول هذه المدة. ومن ms024 الخلاف أيضا قول ~~الاثني عشرية بتحليل زواج المتعة، على حين يحرمه الإسماعيلية. # ولم يذهب الفاطميون بالقول بالرأي كالمعتزلة، ولا بالقياس كأهل السنة، بل رفضوا ~~الأخذ بالرأي والقياس، وقالوا بالرجوع إلى الإمام المعصوم وإلى علوم أهل البيت التي ~~خصهم بها الله تعالى دون غيرهم من سائر البشر، فعلم الباطن الذي خص به الأئمة ~~دعاهم إلى القول بأن إعجاز القرآن من ناحية المعنى أقوى من إعجازه من ناحية اللفظ، ~~فالقرآن معجز بلفظه ومعناه، ولكن إعجازه يظهر بما يحتويه من معان، وفي ذلك يقول ~~المؤيد: # إن كان إعجاز القرآن لفظا # ولم ينل معناها منه حظا # صادفتم معقوده محلولا # من أجل أن أنكرتم تأويلا # وفكرة عصمة الإمام دعتهم كما دعت الشيعة عامة إلى القول بعصمة الأنبياء، أما ما ~~ورد في القرآن الكريم عن معاصي الأنبياء، فقد ذهبوا في تأويلها إلى أوجه لم يعرفها ~~المفسرون، ولا أدري من أين أتوا بها. راع ما كتبناه عن تأويل الأنبياء في كتاب ~~«ديوان المؤيد في الدين». # وهكذا ترى الفاطميين لا يكادون يختلفون في عبادتهم العملية الظاهرة عن غيرهم من ~~المسلمين، فهم يحرمون ما حرمه الله تعالى، ويتجنبون المآثم والمعاصي، ويحللون ~~ما أحله الله تعالى للمسلمين، ولكن التأويل الباطني للإسماعيلية هو الذي جعلهم ~~يوسعون الهوة بينهم وبين غيرهم من المسلمين، فقد أرادوا بتأويلهم الباطني إسباغ ~~الفضائل على الأئمة، فجعلوا يناسبون العقل الأول، وصفات الله وأسماؤه الحسنى ~~المذكورة في القرآن الكريم جعلوها للعقل الأول، وتبعا لذلك جعلوها للأئمة، أما ~~الله - سبحانه وتعالى - فقد نزهوه عن كل صفة، ووحدوه التوحيد كله. # نوحد الله ولا نشبه # فقد انتفت عنا بذاك الشبه # 20 # فالإمام مثل سائر البشر مكون من جسم ونفس، وبعد موته يتحلل كل قسم إلى ما ~~يناسبه، فالجسم الترابي يعود إلى التراب، والنفس الشريفة تعود إلى ما يجانسها ~~ويناسبها، فتصبح نفس الإمام عقلا من العقول المدبرة للعالم، فلا تتناسخ ولا ~~تتلاشى؛ لأن الفاطميين لا يدينون بالتناسخ، وهي المنقصة التي رماهم بها خصومهم، ولا ~~يقولون بالتلاشي، بل ناقشوا أصحاب هذه العقائد وسفهوا ms025 آراءهم، كما كفروا ~~الغلاة الذين ألهوا عليا والأئمة من أبنائه. قال المؤيد في الدين داعي ~~الدعاة: # فكيف شرع الأنبياء ندفع # وما لنا إلا النبي مرجع # بنوره في الدرجات نرتقي # وبالكرام الكاتبين نلتقي # يا رب فالعن جاحدي الشرائع # وارمهم بأفجع الفجائع # والعن إلهي من يرى الإباحة # بلعنة فاضحة مجتاحة # والعن إلهي غاليا وقاليا # ولا تذر في الأرض منهم باقيا # يا رب إنا منهم براء # هم واليهود عندنا سواء # فأخزهم وأخز من رمانا # بريبة ولقه الهوانا # 21 # ويقول في الرد على القائلين بالتلاشي والتناسخ: # أيها المدعي التلاشي حمقا # ذا الذي تدعي عليك وكيل # أترى هذه الصنائع طرا # عبثا، ما لصانع محصول # حركات الأجرام قل لي لماذا؟ # ولماذا طلوعها والأفول؟ # ألها في مجالها الفعل أم لا؟ # فبغير إذن يجوز تجول # إن تقل ذاك فعلها باختيار # أنكرت منك ما ادعيت العقول # إن فيما دنا من الماء والنار # على ما علا لنا التمثيل # ولئن قلت: ذاك غير اختيار # قلت: كل مدبر محمول # فإذا كان هكذا ثبت الحامل # الفاعل اللطيف الجليل # فإذا كان فاعل متقن الفعل # وما دونه له مفعول # فالتلاشي لفعله مستحيل # جل عما به عليه تحيل # والذي قال إنه النسخ والفسخ # وماذا بغير دنيا حلول # فهو عن جوهر النفوس البسيطا # ت ومن حيث بدؤها مسئول # فلئن كان يثبت الأصل منها # فكذا نحوه يكون القفول # ولئن كان نافيا قيل مهلا # فلهذي المشاهدات أصول # فثواب يكون بالأكل والشرب # فذاك العذاب والتنكيل # 22 # ومع هذا كله نرى المؤرخين والكتاب يرمون الفاطميين بالإباحة المطلقة، والقول ~~بالتناسخ والحلول، إلى غير ذلك من الاتهامات التي أظهر البحث الحديث أن الفاطميين ~~براء منها، على أني لا ألوم هؤلاء الكتاب الذين أظهروا العقيدة الفاطمية على أنها ~~مباينة للإسلام وتوحيد الله، بقدر ما ألوم بعض الغلاة من الدعاة الذين غيروا ~~المذهب الفاطمي، وخرجوا به عن منهجه الصحيح، حتى اضطر الأئمة إلى إعلان عصيان هؤلاء ~~الدعاة وطردهم من الدعوة، وتحذير الناس من ضلالاتهم. نذكر من هؤلاء الدعاة: علي بن ~~الفضل الذي كان من أسبق ms026 الدعاة في أواخر دور الستر الأول في إظهار الدعوة في اليمن، ~~ولكنه ضل طريق رشده، فتبرأ منه الإمام وطلب من الداعي الحسين بن حوشب المعروف ~~بمنصور اليمن أن يحاربه ويمحو أتباعه، # 23 # ونذكر أحمد بن الكيال الذي كان داعيا للإسماعيلية فغير المذهب ودعا لنفسه، # 24 # والقرامطة الذين استباحوا المحرمات، ونادوا بالإباحة؛ فاضطر عبيد الله ~~المهدي قبل ظهوره بالمغرب إلى عزلهم عن الدعوة، فحاربوه وقتلوا بعض أهل البيت ~~وسلبوا متاعهم، فاضطر المهدي إلى الفرار منهم إلى الرملة فمصر، إلى أن رحل إلى شمال ~~أفريقيا حيث أقام دولته، # 25 # واستمر العداء بين القرامطة والفاطميين ردحا طويلا من الزمان، وقامت ~~الحروب بين الفريقين على نحو ما ذكر في كتب التاريخ، وكذلك نقول عن فرقة الدرزية ~~التي ظهرت في عهد الحاكم بأمر الله، فأمثال هؤلاء الدعاة كانوا أسلحة ماضية ضد ~~المذهب، حتى قال القاضي النعمان: «ذكر المعز لدين الله رجلا أصابه بلاء عظيم في ~~نفسه، ووصف ما صارت حاله إليه، وكان هذا الرجل قد ألحد في أولياء الله، وغلا في ~~دينه، وقد كان قلد شيئا منه وناله بسبب ذلك من سخط الأئمة ما نعوذ بالله منه، فقال ~~المعز لدين الله لما ذكر ما صار حال هذا الرجل إليه: ما ألحد أحد فينا، ولا أراد ~~إدخال النقص على شيء من أمرنا إلا إبتلاه الله في عاجل الدنيا ببلاء يكون نكالا، ~~ولعذاب الآخرة أخزى وأشد وأبقى. # ثم ذكر من تجاوز هذا الرجل وتعديه، وما أدخل على الدين من الشبهة على ضعفاء ~~المؤمنين ما يطول ذكره. قال: وتقرر عند المنصور بالله أنه يقول: عندنا من حكمة ~~الله وعلمه ما نزيل به الجبال، ولنا من أوليائنا في الدين من تزول السماوات ~~والأرض، ولا يحول ولا يزول. فأعظم ذلك المنصور بالله من قوله، وأحضر جماعة من ~~الأولياء، فذكر ذلك لهم عنه ولعنه، ثم قال المعز لدين الله: أعظم آيات موسى فلق ~~البحر، فهذا الشقي ادعى فوق ذلك لنفسه، وهو ينسب إلينا، ويدعي علمنا ~~ومذهبنا وقولنا. نحن نبرأ إلى الله ms027 من دعواه وقوله، وما ينسبه إلى نفسه، أن ينسب ~~إلينا وإلى من يتصل بنا. ثم قال: سمعت القائم بأمر الله يقول: إنما أراد الدعاة ~~إلى النار الذين انتسبوا إلينا بما ينحلونا إياه أنا نعلم الغيب وما تخفي الصدور، ~~وأشباه ذلك مما افتروه علينا ونسبوه إلينا أن يجعلوه عدة لنفاقهم ... إلخ. # 26 # وقال حميد الدين أحمد بن عبد الله الكرماني: إن أعظم الفرق ضلالا ~~فرقة الغلاة، ضلت وأضلت غيرها، فانسلخت عن جملة أهل الدين والديانة.» # 27 # ويقول المؤيد في الدين: «استعيذوا بالله من قوم يقولون بأفواههم أنهم ~~شيعة، وهم من طلائع الكفر والإلحاد شر طليعة، يستوطئون مركب الإباحة، ويميلون ميل ~~الراحة، ويحتجون بكون الصلاة إشارة إلى حد من حدود الدين، فإذا عرف سقطت الصلاة، ~~وأن الزكاة إشارة إلى مثله فإذا عرفت بطلت الزكاة، وأن الصوم هو السكوت عن إفشاء ~~سرهم إلى غير أهله، فإذا هم سكتوا لم تبق بهم حاجة إلى الصوم واحتمال كده، وأن ~~النهي عن شرب الخمر هو عن موالاة بعض الأضداد، فإذا هم كفوا كان شربها حلالا سهل ~~القياد، ولا يزالون كذلك حتى يحلوا من تكاليف الشريعة كل عقد، ويردوا من مهاوي ~~الردى في تحليل المحرمات شر ورد، وهؤلاء أضر بالدين وبالمؤمنين ممن شهر سيفه وشرع ~~رمحه إلى أئمتهم بالبغضاء، ولم يزل من مضى من أمير المؤمنين علي والأئمة من ~~ذريته إلى إمام الزمان براء إلى الله تعالى ممن هذه سبيله سرا وجهرا، ينشرون ~~في صحف الخزي على من دان دينهم ... إلخ.» # 28 # فهؤلاء الدعاة الذين نسبوا أنفسهم إلى الدعوة الإسماعيلية، كانوا سببا ~~في أن يذهب المؤرخون القدماء ومن تبعهم من المحدثين إلى فساد عقيدة الفاطميين، ~~ومن يتعمق في دراسة العقيدة الفاطمية كما جاءت في كتب دعاتهم وعلمائهم - وهي ~~الكتب التي لا يقر بها إلا من بلغ درجة رفيعة في الدعوة - يجد الفاطميين براء من ~~كثير مما نسب إليهم، ولولا هذا التأويل الباطني الذي جعلوه قوام عقيدتهم، ~~لتساووا مع غيرهم من المسلمين في كل شيء، ولما وجد خصومهم ms028 مطعنا في ~~عقيدتهم. # والذي ألاحظه على عقائد الفاطميين أنها مزيج من مجموعة المذاهب والديانات القديمة ~~التي عرفت وانتشرت في الأقطار الإسلامية منذ زمن بعيد، بتأثير امتزاج المسلمين ~~بغيرهم من الشعوب المختلفة، واستطاع الفاطميون أن يخضعوا هذه المذاهب والآراء ~~القديمة للآراء الإسلامية، ويصبغوها بالصبغة الإسلامية، فالباحث يستطيع أن يتعقب ~~أكثر عقائد الفاطميين، ويردها إلى أصولها القديمة، فمثلا قال قدماء المصريين بأن ~~روح الملوك تنتقل إلى العالم العلوي، وتصبح من الآلهة، فقال الفاطميون: إن روح ~~الإمام تصبح ملكا من الملائكة وعقلا من العقول الروحانية المدبرة لعالم الكون ~~والفساد، وذهب بعض فلاسفة اليونان إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يرى شيئا إلا ~~بمساعدة ضوء الشمس أو القمر أو الشعل، فقال الفاطميون: إن العقل البشري في تبصره ~~لا يستطيع الوصول إلى معرفة شيء وإدراكه إلا بمساعدة خارجية تأتيه من الأئمة، ومن ~~أقوال فلاسفة اليونان أيضا: إن النفس كانت صفحة بيضاء، فإذا حلت في جسم نقش ~~عليها ما اكتسبه الإنسان، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فقال الفاطميون بهذه ~~المقالة. وأخذ الفاطميون عن العبرانيين والبابلية القديمة عقيدة الأدوار السبعة، ~~وعن الأفلاطونية الحديثة مذهب الإبداع وظهور النفس الكلية عن العقل الكلي، وخلق ~~العالم بوساطة الكلمة؛ مع خلاف أن الأفلاطونية الحديثة جعلت الكلمة هي العقل الكلي، ~~على حين قال الإسماعيلية بأن الكلمة هي السابق والتالي، أي القلم واللوح، وأنها هي ~~كلمة كن من قوله تعالى: # إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون # كما أخذ الإسماعيلية عن ~~الأفلاطونية الحديثة الفيوضات ومراتبها، بأن جعلها الإسماعيلية الحدود الروحانية ~~والجسمانية، وأخذوا عن أفلاطون نظرية المثل، وعن الزرادشتية القديمة مذهب ~~التخميس، وعن الفيثاغوريين القدماء مذهبهم في التوحيد وجعل الأعداد أصولا ~~لعقائدهم، بل كان نظام دعوتهم هو النظم الفيثاغورية عينها. وهكذا يستطيع الباحث أن ~~يرد كثيرا من الآراء والعقائد الفاطمية إلى أصولها الأولى، على الرغم من صبغ هذه ~~الآراء والعقائد بالصبغة الإسلامية، حتى ليتوهم الباحث في كتبهم أن كل عقائدهم ~~إسلامية لم يطرأ عليها أي علم أو رأي دخيل. # وخلاصة ms029 القول في العقائد الفاطمية: أن الولاية هي محور هذه العقائد، وأن فلسفتهم ~~كلها تدور حول الإمام وتمجيده أكثر من أي شيء آخر، وهم يعتقدون بكل ما يعتقد به ~~غيرهم من المسلمين من موت وحياة وبعث ونشر وثواب وعقاب، ويقومون بفرائض الدين، ~~ويحرمون ما حرمه الله، ولا يقولون بالتعطيل أو الإباحة، ولم يعتنقوا التناسخ أو ~~الحلول أو التلاشي، غير أنهم قالوا بأدوار الأنبياء، فلكل نبي دوره، ويأتي النبي ~~الذي بعده ينسخ شرع النبي قبله، فلما جاء دور محمد وهو خاتم الأنبياء جمع الله له ~~كل أدوار الأنبياء قبله، فمحمد هو آدم وهو نوح وهو إبراهيم وهو موسى وهو عيسى، وأن ~~ما حدث في أدوار هؤلاء الأنبياء يحدث مثله في دور محمد، وما حدث لأوصياء الأنبياء ~~يحدث لوصي محمد والأئمة بعده، وأولوا ذلك كله تأويلا يتفق مع عقيدتهم هذه، ونراه ~~واضحا في أشعار شعرائهم ورسائل كتابهم، على النحو الذي نراه في باب الشعر من هذا ~~الكتاب. # الفصل الثاني # | مراتب الدعوة الفاطمية ومراكزها # رتب الفاطميون لدعوتهم نظاما دقيقا محكما لا أكاد أجد له مثيلا في تاريخ ~~الدول والدعوات، حتى في عصرنا هذا الذي عرف فيه للدعاية قدرها ومكانتها، ولعل ~~الفاطميين هم أول من أقاموا للدعاية مناصب رسمية في دولتهم، ومن الحق علينا أن ~~نذكر أنه كان للعباسيين نقباء يدعون لهم قبل أن يستولوا على الحكم، ولكن هؤلاء ~~النقباء لم يظهر لهم شأن بعد أن تم الأمر للعباسيين، وكان للمعتزلة دعاة يدعون ~~لآرائهم في الأقطار الإسلامية، ولكن المعتزلة لم يكن لهم كيان سياسي، ولم تكن لهم ~~دولة لها حكومتها. أما الفاطميون فكان لهم نظم لدعوتهم قبل ظهور دولتهم على مسرح ~~السياسة وبعد ظهورها، بل لا تزال هذه النظم قائمة إلى اليوم بين من ورث دعوتهم، ~~وهم المعروفون بالبهرة، والمعروفون بالإسماعيلية الأغاخانية. # وكما أنهم في تأويلهم الديني يطبقون نظرية المثال والممثول التي تحدثنا عنها ~~في الفصل السابق، كذلك نراهم قد طبقوا هذه النظرية أيضا على نظم الدعوة، أي إنهم ~~أخذوا هذه النظم من المشاهدات المحسوسة، ms030 أي من نظام دورة الفلك، وتقسيم السنة إلى ~~شهور وأيام وساعات، فالسنة اثنا عشر شهرا، والشهر ثلاثون يوما، واليوم أربع ~~وعشرون ساعة، منها اثنتا عشرة بالنهار واثنتا عشرة بالليل، فكذلك قسمت مراتب ~~الدعوة. فالسنة التي تجمع الشهور والأيام مثل على النبي في عصره أو الإمام الذي ~~يجمع جميع مراتب الدعوة، والاثنا عشر شهرا مثل على رؤساء الدعوة في الجزائر، # 1 # ويسمون حجج الجزائر، ولكل من هؤلاء الحجج ثلاثون داعيا أو نقيبا، ~~ولكل داع من هؤلاء الدعاة أربعة وعشرون داعيا مأذونا أو مكاسرا، ولكل مرتبة من ~~هذه المراتب عمل خاص به، فالإمام يختار من شيعته أقواهم لسانا، وأصدقهم جنانا، ~~وألحنهم بالحجة، وأغزرهم علما؛ فيجعله في مرتبة داعي الدعاة أو باب الأبواب، وهذه ~~المرتبة أعلى مراتب الدعوة؛ لأنها تلي مرتبة الإمام مباشرة من الناحية المذهبية، ~~فهو المالك لجماعة الحجج والدعاة، وإليه الإشراف على الدعوة في جميع الأقطار. وقد ~~وصف أحد علماء المذهب هذه المرتبة بقوله: «وحد الباب هو من الحدود الصفوة واللباب، ~~فهو أفضل الحدود، وهو حد العصمة، ولا ينتهي إلى ذلك إلى الآحاد والأفراد.» # 2 # وقال آخر: «هو باب صاحب الزمان الذي يؤتى منه إليه، وحجته على الخلق، ~~وحامل علمه، وصاحب دعوته.» # 3 # فنسبة الحجة إلى الإمام كنسبة الوصي إلى الناطق، والحجة هو صاحب ~~التأويل في عصر الإمام، فهو الذي يعقد مجالس الحكمة، ويتلو على المستجيبين علوم أهل ~~البيت، أي علم الباطن. # ولكل إقليم أو جزيرة من الجزائر التي قسموا إليها العالم حجة، هو كبير دعاة ~~الإقليم والمشرف على الدعوة فيه، وهو الذي ينوب عن باب الأبواب في عقد مجالس الحكمة ~~وتلاوة المجالس، وهذا الحجة على صلة وثيقة بباب الأبواب الذي اختاره الإمام، ولكي ~~ندرك مكانة حجة الجزيرة هذا في نفوس أتباعه أنقل ما كتبه أحدهم، وهو المؤيد في ~~الدين هبة الله الشيرازي في سيرته، وهو يحادث الوزير بشيراز: «معلوم ما بيني وبين ~~الديلم من الأحوال الممهدة، والأسباب المؤكدة، وأن أحدهم إذا اختصم مع أهله ليلا ~~فإنه يباكرني شاكيا إلي، وموردا ms031 جملة أمره وتفصيله علي.» # 4 # فمكانة حجة الجزيرة في جزيرته لا تقل عن مكانة الوالي أو القاضي؛ ولكل ~~حجة جزيرة ثلاثون داعيا نقيبا يقومون بهداية الناس وبث الدعوة في نفوس ~~المستجيبين، وهم الذي يفاتحون الذين دخلوا في الدعوة بالعلم بعد أن يأخذوا عليهم ~~العهد والميثاق، وهم الذين يجمعون النجوى منهم، ويكون أمرهم لحجة الجزيرة. ولكل ~~نقيب من هؤلاء النقباء أربعة وعشرون داعيا مأذونا مكاسرا، وهو الداعي الذي ~~يشكك المسلمين في عقائدهم المذهبية، ويوقع الوهم في نفوس المتدينين أنهم على ~~ضلال، ولا يزال بهم حتى يطلبوا إليه أن يدلهم على الصواب المبين، ولكنه يحاورهم ~~ويداورهم حتى إذا وثق من اقتناعهم بأنهم على ضلال، أحالهم على الداعي أو النقيب ~~الذي يبدأ في مفاتحتهم بأسرار الدين شيئا فشيئا، بعد أن يأخذ عليهم العهود ~~والمواثيق، وهكذا يصبح المستجيب أو الطالب في زمرة الدعوة، ومن ذلك يتبين أن ~~الداعي المأذون هو الذي يكاسر الناس بأن يمطرهم بأسئلة لا يستطيعون الإجابة عنها؛ ~~ولذلك يشترط في من يتولى هذه المرتبة أن يكون على علم وافر بمذاهب الفرق ~~الإسلامية جميعها، وموضع الضعف في كل مذهب من المذاهب، وأن يكون متمكنا من أصول ~~مذهبه، وأن يكون لسنا مجادلا، وقد حدد الفاطميون الصفات التي يجب أن تتوافر ~~في الداعي، نلخصها في سعة العلم والثقافة وشدة التقوى والورع والعمل بأحكام ~~الشريعة، وأن يكون حسن السياسة مع من يتصل بهم ولا سيما أتباعه، وهذه المرتبة هي ~~أقل مراتب الدعوة، فما بالك بالشروط التي يجب أن تتوافر في مراتب الحدود التي هي ~~أعلى شأنا من مرتبة المكاسر. # ويحدثنا الداعي أحمد حميد الدين الكرماني في كتابه راحة العقل عن الحدود ~~الجسمانية الذين إليهم أمر الدعوة، ورتبهم بالترتيب الآتي: ~~(1) # الناطق: وله رتبة التنزيل. ~~(2) # الأساس: وله رتبة التأويل. ~~(3) # الإمام: وله رتبة الأمر. ~~(4) # الباب: وله رتبة فصل الخطاب. ~~(5) # الحجة: وله رتبة الحكم فيما كان حقا أو باطلا. ~~(6) # داعي البلاغ: وله رتبة الاحتجاج وتعريف المعاد. ~~(7) # الداعي المطلق: وله رتبة تعريف الحدود العلوية والعبادة ~~الباطنية. ~~(8) # الداعي المحدود: وله رتبة ms032 تعريف الحدود السفلية والعبادة ~~الظاهرة. ~~(9) # المأذون المطلق: وله رتبة أخذ العهد والميثاق. ~~(10) # المأذون المحدود، الذي هو المكاسر: وله رتبة جذب الأنفس المستجيبة. # 5 # هكذا ذهب الكرماني في ترتيب الحدود الجسمانية، ولكننا نتساءل عن الطريقة التي ~~رتبوا بها هذه الحدود بعد وفاة الناطق والأساس، ولا سيما وقد ذكر الفاطميون في ~~كتب الدعوة أن الإمام يقوم مقام الناطق بعد وفاته، ثم نتساءل مرة أخرى عن مرتبة ~~الإمام في عهد الناطق؛ إذ المعروف أن الناطق له جميع المراتب، وأن الإمامة كانت له، ~~فما معنى وجود الإمام مع وجود الناطق؟ # وضع هذا النظام للدعاة بحيث لا يخلو بلد من دعاتهم، وفي ذلك قال المعز لدين الله ~~الفاطمي: «إن أكثر الناس يجهلون أمرنا، ولا يظنون أنا لا نعنى إلا بمن شاهدناه ~~وكان بحضرتنا، ولو كان ذلك لكنا قد ضيعنا من بعد عنا، وقد أوجب الله على ~~جميع خلقه ولايتنا ومعرفتنا واتباع أمرنا والهجرة والسعي إلينا من قرب ومن بعد، ~~ولكنا للرأفة بهم، ولما نرجوه ونحبه من هدايتهم، قد نصبنا بكل جزيرة لهم من يهديهم ~~إلينا ويدلهم علينا.» # 6 # وعلى الرغم من أن الدعوة كانت سرية قبل العصر الفاطمي، وكان الأئمة ودعاتهم ~~يتخذون الستر تقية على أنفسهم خوفا من بطش العباسيين، فقد استطاع الباحثون ~~المحدثون بفضل الكشف عن بعض مخطوطات الفاطميين أن يعثروا على أسماء بعض الدعاة ~~الذين كانوا في دور الستر الأول، نذكر من هؤلاء الدعاة الحسين بن حوشب بن زادان ~~الملقب بمنصور اليمن، وهو الذي أوفده الإمام الثالث من أئمة دور الستر - الحسين ~~بن أحمد بن عبد الله - للدعوة باليمن، وهو الذي أوفد تلميذه أبا عبد الله الشيعي ~~داعية إلى المغرب، # 7 # ومنهم الداعي فيروز، وكان داعي الدعاة في زمن المهدي قبل ظهوره ~~بالمغرب، وكان من أجل الناس عند الإمام، ومن أعظمهم منزلة، والدعاة كلهم ~~أولاده، ومن تحت يده، وهو باب الأبواب إلى الأئمة، # 8 # ومنهم أبو جعفر الجزري، وكان له أيضا محل جليل عند المهدي؛ لأنه كان ~~من كبار الدعاة، ووكله المهدي بالحريم ms033 عندما فر من سلمية، # 9 # وتوفي هذا الداعي برقادة بعد أن فتحها المهدي، وكان الداعي بمصر في وقت ~~فرار المهدي إلى المغرب رجلا يعرف بأبي علي الداعي، وكان رأس الدعاة بمصر، وأبو ~~علي هذا هو الذي ذكره جعفر بن منصور اليمن في كتابه: «الفترات والقرانات» ملقبا ~~بالشيخ الأجل المفيد، وهو أحد تلاميذ فيروز وزوج ابنته، # 10 # وأنجب ابنه محمدا أبا الحسين بن أبي علي الداعي الذي بلغ مع الأئمة ~~المهدي بالله والقائم بأمر الله والمنصور بالله والمعز لدين الله، المحل الجليل ~~العظيم، وكان داعي الدعاة، # 11 # وجاء في كتاب استتار الإمام أن عددا من الدعاة اجتمعوا للبحث عن ~~الإمام المستور، وهم: أبو غفير، وأبو سلامة، وأبو الحسن بن الترمذي، وجياد الخثعمي، ~~وأحمد بن الموصلي، وأبو محمد الكوفي، # 12 # وهؤلاء جميعا لا نعرف عنهم شيئا. أما في دور الظهور - الذي يبدأ ~~بظهور المهدي بالمغرب إلى انقراض الدولة الفاطمية - فقد وصلت إلينا أسماء عدد كبير ~~من الدعاة، كما وصلت إلينا بعض كتبهم. # 13 # قلنا: إن من أهم أعمال داعي الدعاة، عقد مجالس الحكمة التأويلية لقراءة علوم أهل ~~البيت على جمهور المؤمنين، فاتخذت مراكز لإلقاء هذه المجالس التأويلية، ولعل أهم ~~هذه المراكز في مصر هي: (1) المساجد. (2) القصر. (3) دار العلم. # المساجد # كانت المساجد تقوم مقام المدارس والجامعات في أيامنا الحديثة، فقد كان الناس ~~يتحلقون في المساجد حول العلماء يستمعون إلى ما يلقيه هؤلاء عليهم من علوم ~~وآداب، على النحو الذي نراه إلى الآن في بعض المساجد في مصر؛ فالمساجد على هذا ~~النحو لم تكن مكانا لإقامة الشعائر الدينية فحسب، بل كانت دور علم أيضا، وعرف ~~الفاطميون هذه الحقيقة فلم يتوانوا في اتخاذ المساجد مجالا لنشر دعوتهم ~~الدينية وبث عقائدهم المذهبية، ولعل هذا هو السبب الذي من أجله أكثروا من بناء ~~المساجد، وجعلها تتناسب مع عظم ملكهم أولا، وما أرادوه من اتخاذها وسيلة من ~~وسائل نشر دعوتهم ثانيا؛ لذلك نرى القائد جوهر الصقلي عندما وضع أساس مدينة ~~القاهرة لم ينس أن يبني مسجده العتيد - الجامع ms034 الأزهر - أنشأه بأمر مولاه ~~الإمام المعز لدين الله، وشرع في بنائه في يوم السبت، لست بقين من جمادى ~~الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، # 14 # وتم بناؤه لتسع خلون من رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ثم جدد ~~فيه العزيز بالله والحاكم بأمر الله الذي وقف عليه رباعا بمصر، ثم جدده ~~المستنصر بالله والحافظ لدين الله الذي أنشأ فيه مقصورة بجوار الباب الغربي، ~~وهكذا كان هذا المسجد في العصر الفاطمي محل رعاية الأئمة وعنايتهم، فلم يقصروا ~~في تجديده والزيادة فيه، حتى قيل إنه كان يصدر في محرابه منطقة فضة قلعها صلاح ~~الدين الأيوبي سنة 569ه، فكان وزنها خمسة آلاف درهم سوى قناديل الفضة وتنورين ~~من الفضة، ووقفوا لمؤذنيه وخدمه ووسائل نظافته وإنارته وفرشه ما هو مذكور في ~~كتب التاريخ. # والذي يهمنا الآن هو أن الفاطميين كانوا يشجعون العلماء والفقهاء للتحليق في ~~هذا المسجد العتيد، واتخذوا منه جامعة علمية، فعد بحق أقدم جامعة عرفها ~~التاريخ، ففي هذا المسجد اتخذت الدعوة الفاطمية مكانا لها بين أماكن أخرى، ~~ففيه عقد أول اجتماع بمصر للاحتفال بعيد الغدير، وفي ذلك يروي المقريزي عن ~~المسبحي أنه في يوم الغدير ثمانية عشر من ذي الحجة سنة 362ه، اجتمع الناس بجامع ~~القاهرة والقراء الفقهاء والمنشدون، فكان جمعا عظيما أقاموا إلى الظهر، ثم ~~خرجوا إلى القصر، فخرجت إليهم الجائزة، وكان هذا أول ما عمل بمصر، # 15 # وبالجامع الأزهر كان داعي الدعاة يعقد مجلسا للنساء يلقي عليهن ~~شيئا من علوم أهل البيت، # 16 # وفيه جلس القاضي عبد العزيز بن محمد بن النعمان، وابتدأ في قراءة ~~كتاب جده: «اختلاف أصول المذاهب.» # 17 # ويذهب المقريزي إلى أن أول ما عرف من إقامة درس من قبل السلطان ~~بمعلوم جار لطائفة من الناس بديار مصر في خلافة العزيز بالله نزار، وعمل ذلك ~~بالجامع الأزهر، # 18 # ويقول القلقشندي: إن الوزير أبا الفرج يعقوب بن كلس سأل العزيز ~~بالله في حمله رزق جماعة من العلماء كانوا بمسجد القاهرة، وأطلق لكل منهم ~~كفايته من الرزق، وبنى لهم دارا بجانب ms035 الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة ~~حلقوا بالجامع بعد الصلاة، وتكلموا في الفقه، وأبو يعقوب قاضي الخندق رئيس ~~الحلقة والملقي عليهم إلى وقت العصر، وكانوا سبعة وثلاثين نفرا، # 19 # وجاء في خاتمة النسخة الخطية من رسالة مباسم البشارات: «تمت رسالة ~~مباسم البشارات بالإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين عليه السلام، وصلواته ~~وبركاته وتحياته على رسوله وخيرته من خلقه محمد وآله الأئمة الطاهرين، وهي ~~الرسالة التي كتبها علي بن حسين بن أحمد الأصبهاني المؤذن بالجامع الأزهر، عن ~~الداعي أحمد بن عبد الله بن محمد الكرماني مؤلفها قدس الله روحه. كتبت من ~~نسخته وقرئت عليه وعلى جمهور المؤمنين.» # 20 # ويحدثنا الكرماني في مقدمة هذه الرسالة أنه وفد إلى مصر - ~~ويخيل إلي أنه جاء مصر إبان ثورة الدرزي - فاضطر إلى تأليف هذه الرسالة ~~وقراءتها على الناس، فنقلها عنه مؤذن الجامع الأزهر. فهذا كله يؤيد ما ذهبنا ~~إليه من أن الفاطميين اتخذوا من المسجد الجامع الأزهر مركزا من مراكز دعوتهم، ~~ومعهدا تلقى فيه علوم أهل البيت. # وهنا نقف لنتساءل: هل كان هذا المسجد معهدا لتعليم الدعوة الفاطمية فحسب، ~~فلا نجد أثرا لحلقات الشافعية والمالكية والحنفية؟ يخيل إلي أن ~~الفاطميين كانوا يتسامحون مع علماء أهل السنة بأن أذنوا لبعض فقهاء أهل السنة ~~أن يلقي دروسه وتعاليمه في الجامع الأزهر؛ فقد قيل: إنه في سنة 383ه رتب رجل ~~جعفري للجلوس في الجامع للفتوى على مذهب أهل البيت، فشغب عليه الفقهاء من أهل ~~الجامع، فبلغ القاضي ذلك فقبض على بعضهم. # 21 # فمن هذا النص نستطيع أن نتبين أنه كان بالجامع فقهاء يخالفون ~~العقيدة الفاطمية، وأنهم كانوا يفتون على حسب مذهبهم وعقيدتهم، فلما جاء هذا ~~الفقيه للفتيا على المذهب الفاطمي شغبوا عليه، فاضطر القاضي إلى أن يقبض على ~~بعضهم لا لشيء سوى أنهم لم يتسامحوا مع هذا الفقيه مثل ما تسامحت الدولة معهم. ~~ويروى أيضا أن الحاكم بأمر الله أمر بطلب فقيهين، وأمرهما بتدريس مذهب ~~مالك في الجامع، ثم بدا له فقتلهما بعد ذلك. # 22 # أضف إلى ذلك ms036 أن مصر شاهدت في العصر الفاطمي عددا من فقهاء ~~الشافعية والمالكية، كذلك وفد على مصر عبد السلام بن محمد بن بندار أبو يوسف ~~القزويني شيخ المعتزلة، وأقام بها أربعين سنة # 23 # يلقي تعاليمه التي تخالف تعاليم الفاطميين، وسنتحدث عن ذلك كله في ~~الفصل الخاص بفقهاء أهل السنة؛ وإذن نستطيع أن نقول إن الفاطميين كانوا يسمحون ~~لأصحاب المذاهب الأخرى بإلقاء تعاليمهم بجانب ما كان يلقى من تعاليم ~~الفاطمية، وقد تكون هذه سياسة وضعت لأن تقام المناظرات بين علماء هذه المذاهب ~~وبين دعاة الفاطميين، حتى يستطيع جمهرة المستمعين أن يتبينوا بعض المآخذ على ~~المذاهب غير الفاطمية، وأن يقتنعوا بحجج الدعاة وأدلتهم، وتبهرهم فصاحتهم ~~فيدخلوا في الدعوة. # وإلى جانب الجامع الأزهر نرى الفاطميين قد بنوا جامع الحاكم خارج باب الفتوح، ~~وجامع راشدة، وجامع المقس، وجامع القرافة، والجامع الأقمر، وكثيرا من المساجد ~~التي لا يزال بعضها ماثلا أمام أعيننا الآن، وقد نقل الفاطميون إليها المصاحف، ~~وجلس فيها الفقهاء والعلماء ودعاة المذهب الفاطمي، فكانت هذه المساجد بمثابة ~~مدارس لتلقين الدعوة الفاطمية. # القصر # يحدثنا القاضي النعمان بن محمد بأنه: «لما فتح المعز لدين الله (ص) ~~للمؤمنين باب رحمته، وأقبل عليهم بوجه فضله ونعمته، أخرج إلي كتابا من علم ~~الباطن، وأمرني أن أقرأه عليهم في كل يوم جمعة في مجلس في قصره المعمور بطول ~~بقائه، فكثر ازدحام الناس وغص بهم المكان، وخرج احتفالهم عن حد السماع، ~~وملئوا المجلس الذي أمر باجتماعهم فيه.» # 24 # وفي موضع آخر قال القاضي النعمان: وسمعته صلى الله عليه - أي سمع المعز - ~~يقول لبعض الأولياء: ما تنظرون اليوم في شيء تنتفعون به، ما تقرءون شيئا، ما ~~تسمعون شيئا؟ فسكتوا، وكنت قبل ذلك قد سمعت بعضهم يحرض بعضا في الاجتماع ~~لقراءة كتاب دعائم الإسلام الذي بسطه المعز لدين الله (صلع)، وجعله في مجلس من ~~مجالس قصره، وأباح لهم حتى أحبوا استماعه وقراءته وانتساخه والتعلم منه ~~والتفقه فيه، وقال بعض من حرض على ذلك: ويحكم! أما تخافون إن قصرتم في هذا ~~أن يكون حجة من ms037 الله ومن وليه عليكم أن يختبركم فيه، وقد أباحه لكم دهرا ~~طويلا فيختبركم فيه أو في بعض أبوابه، فلا يجدكم حفظتم شيئا منه ولا انتفعتم ~~به، فيقال لكم: إذا كنتم لم تقوموا بما أعطيناكم من ظاهر دينكم الذي تعبدكم ~~الله بالقيام به، فكيف ينبغي لنا أن نعطيكم من باطنه؟ # 25 # ولعل هذه القاعة التي أشار إليها النعمان، والتي ألقى فيها هذا العلم الباطن، ~~هي المكان نفسه الذي خصصه الفاطميون للدعوة وعرف باسم المحول ... فكان المحول ~~في العصر الفاطمي أشبه شيء بقاعات المحاضرات العامة في عصرنا الحديث، وكان يؤم ~~المحول الخاصة وشيوخ الدولة وخدم القصر والطارئون على مصر وعامة الناس، # 26 # وهكذا جعل الفاطميون جزءا من قصرهم للدعوة لمذهبهم، ومكانا يلقي ~~فيه العلماء والدعاة علوم أهل البيت، وهي المجالس التي عرفت بمجالس الحكمة ~~التأويلية. ولم يكتف الأئمة الفاطميون بأن يكون المحول في قصرهم، بل نراهم ~~يهتمون اهتماما خاصا بمكتبة القصر، حتى عدت هذه المكتبة من مفاخر ~~الفاطميين، فقد تميزت عن جميع مكتبات العالم الإسلامي في ذلك الوقت، ويقول ~~المقريزي نقلا عن ابن أبي طي بعد ما ذكر استيلاء صلاح الدين الأيوبي على ~~القصر: «ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا، ويقال إنه لم ~~يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر، ومن ~~عجائبها أنه كان فيها ألف ومائتا نسخة من تاريخ الطبري، إلى غير ذلك. ويقال: ~~إنها كانت تشتمل على ألف وستمائة ألف كتاب.» # 27 # ويقول المقريزي: ومما يؤيد ذلك أن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي ~~لما أنشأ المدرسة الفاضلية بالقاهرة، جعل فيها من كتب القصر مائة ألف مجلد. # 28 # ويروى عن المسبحي أن عدة الخزائن التي برسم الكتب في سائر العلوم ~~بالقصر أربعون خزانة، بعضها داخل القصر لا يتوصل إليها أحد، وبعضها في خزائن ~~القصر البرانية، وكانت هذه الخزائن تشتمل على مجلدات في كل فن من فنون العلوم ~~الإسلامية؛ فمن فقه على سائر المذاهب، إلى نحو ولغة وكتب حديث وتاريخ ms038 ونجامة، ~~وروحانيات وكيميا، غير المصاحف الكثيرة. ويقال: إن العزيز بالله ذكر عنده ~~كتاب العين للخليل بن أحمد، فأمر خزان دفاتره فأخرجوا من خزائنه نيفا وثلاثين ~~نسخة من كتاب العين منها نسخة بخط الخليل نفسه، وحمل إليه رجل نسخة من كتاب ~~تاريخ الطبري اشتراها بمائة دينار، فأمر العزيز خازنه فأخرج له من الخزانة ما ~~ينيف عن عشرين نسخة منها نسخة بخط ابن جرير ... إلخ. # 29 # وهكذا كانت خزانة كتب القصر، ولعلنا نستطيع أن ندرك من هذه اللمحة القصيرة ~~مدى عناية الخلفاء الفاطميين باقتناء الكتب في كل فن، وحرصهم على أن تجمع ~~خزائنهم الطرائف والنفائس في كل علم، وذلك تشجيعا منهم للعلم والعلماء، ولا ~~غرو في ذلك، فإن مذهبهم الديني يدعو إلى العلم والعمل، وإلى الاستزادة من جميع ~~العلوم والآداب، حتى يتسنى لدعاتهم أن يكاسروا خصومهم بأدلة علمية، وأن ~~يتخذوا من سعة أفقهم ومداركهم وثقافتهم مجالا يجلون فيه حتى يبزوا غيرهم، فلا ~~نعجب إن رأينا داعيا من دعاتهم مثل هبة الله بن موسى الشيرازي المعروف ~~بالمؤيد في الدين كان يلم بجميع ألوان العلوم التي كانت معروفة في عصره، ~~واستطاع بما حصله من علم أن يرد على جميع المذاهب والفرق الإسلامية، وأن ~~يدحض رأي الزنادقة المارقين أمثال ابن الراوندي والثغوري، وأن يناظر بعض ~~الشاكين أمثال أبي العلاء المعري، وأن يجادل خصومه هؤلاء بأدلة علمية منطقية ~~وحجج قوية، فلولا ما أوتيه من علم، لما استطاع أن يعرف مواطن الضعف عند هؤلاء ~~جميعا، فيهاجمهم ويدحض حجتهم نثرا وشعرا، ويترك لنا هذه الذخيرة في مجالسه ~~وديوانه، ونستطيع أن نقول كذلك عن الداعي أحمد حميد الدين الكرماني، وعن الداعي ~~أبي حاتم الرازي، وعن السجستاني وغيرهم من فحول دعاة المذهب الذين تم على ~~أيديهم فلسفة المذهب، وتبلورت عقائده. # لكن هذه الكنوز العلمية من نفائس الكتب التي حافظ عليها الفاطميون في ~~قصرهم، أصابها ما أصاب الفاطميين أنفسهم، وكان ابتداء هذه المحنة التي نكبت بها ~~مكتبات القصر إبان الشدة العظمى التي حلت بالبلاد أيام المستنصر بالله ~~الفاطمي، وقد شاهد المسبحي ms039 المؤرخ المصري شيئا من هذه المحنة، وصفها بقوله: ~~«وكنت بمصر في العشر الأول من محرم سنة إحدى وستين وأربعمائة، فرأيت فيها خمسة ~~وعشرين جملا موقرة كتبا، محمولة إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر ~~المغربي، فسألت عنها، فعرفت أن الوزير أخذها من خزائن القصر هو والخطير بن ~~الموفق في الدين بإيجاب وجبت لهما عما يستحقانه وغلمانهما من ديوان الجبليين، ~~وأن حصة الوزير أبي الفرج منها قومت عليه من جاري مماليكه وغلمانه بخمسة آلاف ~~دينار، وذكر لي من له خبرة بالكتب أنها تبلغ أكثر من مائة ألف دينار، ونهب ~~جميعها من داره يوم انهزم ناصر الدولة بن حمدان من مصر في صفر من السنة ~~المذكورة، مع غيرها مما نهب من دور من سار معه من الوزير أبي الفرج وابن ~~أبي كدينة وغيرهما، هذا سوى ما كان في خزائن دار العلم بالقاهرة، وسوى ما صار ~~إلى عماد الدولة أبي الفضل بن المحترق بالإسكندرية، ثم انتقل بعد مقتله إلى ~~المغرب، وسوى ما ظفرت به لواتة محمولا مع ما صار إليه بالابتياع والغصب في بحر ~~النيل والإسكندرية، في سنة إحدى وستين وأربعمائة وما بعدها، من الكتب الجليلة ~~المقدار المعدومة المثل في سائر الأمصار صحة وحسن خط وتجليد وغرابة التي ~~أخذ جلودها عبيدهم وإماؤهم برسم عمل ما يلبسونه في أرجلهم، وأحرق ورقها، تأولا ~~منهم أنها خرجت من قصر السلطان أعز الله أنصاره، وأن فيها كلام المشارقة الذي ~~يخالف مذهبهم، سوى ما غرق وتلف، وحمل إلى سائر الأقطار، وبقي منها ما لم ~~يحرق، وسفت عليه الرياح التراب فصار تلالا باقية في نواحي آثار تعرف بتلال الكتب.» # 30 # هذا ما عاينه هذا المؤرخ المصري الكبير وذكره في كتبه، وعنه أخذ من جاء بعده ~~عن هذه الذخيرة العلمية، ومقدار ما أصابها إبان الشدة المستنصرية من تلاعب ~~الوزراء والخدم، بعد أن ضعف أمر الخلافة الفاطمية، وأصبح الوزراء والأمراء ~~أصحاب الحول والطول في البلاد، ومع ذلك كله بقي في مكتبات القصر عدة آلاف من ~~الكتب. # ويحدثنا ابن ميسر أنه ms040 وجد في ثروة الأفضل بن بدر الجمالي خمسمائة ألف مجلد من الكتب، # 31 # لا أشك أن أكثرها كان في خزائن القصر، وأبادها صلاح الدين الأيوبي ~~كما أباد دولة الفاطميين، وقد ذكرنا ما أخذه القاضي الفاضل من خزائن القصر ~~لمدرسته الفاضلية. ويذكر المقريزي أن ابن صورة دلال الكتب باع منها جملة في ~~مدة أعوام، # 32 # وكذا ضاعت كنوز الفاطميين العلمية بيد التعصب الممقوت. # كان في هذه الخزائن كتب الدعوة، وما ألفه الأئمة، وكانت هذه الكتب مما ~~يحافظ عليه الفاطميون أشد المحافظة حتى لا يصيبه الفساد، ويحدثنا منصور الجوذري ~~الكاتب أن المنصور بالله أرسل إلى جوذر الصقلبي رسالة نسختها: «بعثت إليك ~~كتبي وكتب الأئمة آبائي الطاهرين. وقد ميزتها فأقررها عندك مصونة من كل شر، ~~فقد وصل الماء إلى بعضها فغير فيه، وما من الذخائر شيء هو أنفس عندي منها، ~~فأمر محمدا كاتبك ينسخ لك منها ثلاثة كتب، ففيها من العلوم والسير ما يسرك ~~الله به.» # 33 # فهذا يدل على شدة العناية التي كان يوجهها الفاطميون إلى كتب ~~الأئمة، وهي كتب الدعوة ومحافظتهم عليها؛ فلا شك أن مثل هذه الكتب العزيزة ~~لديهم كانت تحفظ داخل القصر فلا يقربها إلا الأئمة والدعاة فقط، أما المكتبات ~~التي عبر عنها المسبحي «بالبرانية»، فأرجح أنها كانت كالمكتبات العامة في ~~عصرنا هذا، ولا سيما في تلك الأيام التي كان يجتمع فيها الناس بالقصر لسماع ~~مجالس الحكمة التأويلية. # فهذه المكتبات التي كانت في القصر لعبت دورا هاما في الدعوة ونشرها، فحرص ~~الفاطميين على اقتناء الكتب على اختلاف فنون العلم والآداب، وشغفهم بالمحافظة ~~عليها سهل للدعاة الاطلاع وإدمان النظر فيها، والمجادلة فيها بينهم، ~~والمناظرة في هذه العلوم حتى يتخذوا منها وسيلة لغايتهم، وسلاحا من أسلحة ~~دعوتهم. حقا لم يذكر لنا القدماء أن الفاطميين استخدموا هذه المكتبات التي ~~كانت بالقصر في خدمة الدعوة، فلم يعقد فيها الدعاة مجالس الحكمة، ولكن هذه ~~الكتب الكثيرة لم توجد في القصر عبثا، ولم يحافظ عليها الفاطميون ليباهوا بها ~~غيرهم ومنافسيهم فحسب، بل كانت أداة من ms041 أدوات تثقيف الدعاة وتعليمهم حتى تكون ~~لديهم ذخيرة علمية للقيام بما تفرضه عليه طبيعة عملهم، ولا سيما هذه الكتب التي ~~كانت في داخل القصر والتي لا يقربها إلا الخاصة، وهي الكتب التي قلنا إنها كتب ~~الأئمة، أي كتب الدعوة، فكيف يتأتى للداعي أن يقوم بما فرض عليه من الدعوة ~~إلا بمعرفة هذه الكتب ودراسة ما فيها دراسة كاملة شاملة، ولا سيما أن الداعي ~~كان عرضة دائما للمجادلات والمناظرات مع علماء المذاهب الأخرى المخالفين ~~لمذهبه، وقد ذكرنا شيئا من صفات الداعي العلمية، وما يجب أن يكون عليه من سعة ~~الاطلاع والإلمام بمذهبه؛ وإذن فلنا أن نقول: إن هذه المكتبات التي كانت في ~~القصر استخدمت في الدعوة من طريق غير مباشر، وهكذا استخدم القصر في العصر ~~الفاطمي في نشر الدعوة الفاطمية بمحوله ومكتباته، وفي المحول كان يجتمع الناس ~~لسماع المحاضرات - مجالس الحكمة التأويلية - وكان الجمهور يقسم إلى أقسام؛ ~~فكان للأولياء مجلس، وللخاصة وشيوخ الدولة وخدم القصر مجلس، ولعوام الناس مجلس، ~~وللطارئين مجلس، وللنساء مجلس، # 34 # وهكذا، وسنتحدث عن ذلك في فصل مجالس الحكمة التأويلية. # دار العلم # ومن مآثر الفاطميين تلك الدار التي أنشأها الحاكم بأمر الله سنة 395ه، ~~وسماها بدار العلم، وجعلها جزءا من قصره، ولعلها هي الخزائن التي أشار إليها ~~المسبحي باسم الخزائن البرانية، وقد حمل إلى هذه الدار الكتب من خزائن القصر من ~~سائر العلوم والآداب ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قط من الملوك، وأباح ذلك ~~كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها؛ فجلس فيها ~~القراء والمنجمون وأصحاب النحو واللغة والأطباء، فكان ذلك من المحاسن ~~المأثورة التي لم يسمع بمثلها من إجراء الرزق السني لمن رسم له بالجلوس فيها ~~والخدمة لها من فقيه وغيره، وحضرها الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين ثقافاتهم ~~وفنونهم العلمية؛ فمنهم من يحضر لقراءة الكتب، ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم ~~من يحضر للتعلم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق، # 35 # فدار العلم إذن كانت مكتبة عامة على نحو ms042 ما نراه اليوم في المكتبات ~~العامة، ولكنها بجانب ذلك كانت جامعة علمية للتعليم، وكثيرا ما كانت تقام ~~المناظرات بين علمائها. من ذلك ما يرويه السيوطي أن جنادة بن محمد بن الحسين ~~الأزدي الهروي أبا أسامة اللغوي النحوي قدم مصر، وصحب الحافظ عبد الغني بن سعيد ~~وأبا إسحق علي بن سليمان المعري النحوي، وكانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة، ~~وتجري بينهم مباحثات ومذكرات، # 36 # ويروي المقريزي عن المسبحي أنه في سنة 403ه أمر الحاكم بإحضار ~~جماعة من دار العلم من أهل الحساب والمنطق، وجماعة من الفقهاء منهم عبد الغني ~~بن سعيد، وجماعة من الأطباء إلى حضرته، للمناظرة بين يديه، وكانت كل طائفة تحضر ~~على انفراد، ثم يخلع الحاكم على الجميع ويصلهم. # 37 # ومن أشهر العلماء الذين ألقوا بعلومهم في دار العلم رجل مكفوف يقال له ~~أبو الفضل جعفر، قدم مصر فأعجب به الحاكم وخلع عليه، ولقبه بعالم العلماء، ~~وجعله يجلس في دار العلم يدرس النحو واللغة. # 38 # ومنهم أبو بكر الأنطاكي الفقيه المالكي الذي سمح له الحاكم ولشيخ ~~مالكي آخر أن يقيما بدار العلم، ويلقيا دروسا في المذهب المالكي. # 39 # فهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن دار العلم كانت بمثابة ~~جامعة فيها أساتذتها وبها مكتبتها، وفيها كل ما يبعث على النشاط العلمي والبحث ~~والتحصيل؛ فالفاطميون بإنشائهم الجامع الأزهر ودار العلم كانوا أسبق الناس إلى ~~إنشاء الجامعات التي تمتاز بها المدنية الحديثة في أيامنا هذه! # جعل الحاكم بأمر الله النظر على دار العلم إلى عبد العزيز بن محمد بن ~~النعمان قاضي القضاة، # 40 # وظلت تؤدي أغراضها العلمية، ويقبل عليها الطلاب والعلماء من كل ~~صوب، إلى أن كانت أيام وزارة الأفضل بن بدر الجمالي، وعلم الوزير أن جماعة من ~~المترددين على دار العلم يحاولون بث دعوة إلحادية بين الطلاب، وأن بعضهم ~~ادعى الألوهية، فاضطر الوزير إلى أن يغلق هذه الدار سنة 516ه، بعد أن عمرت ~~أزيد من قرن، وكأن إغلاق هذه الدار العلمية وقع وقع الصاعقة على الخليفة ~~الفاطمي ms043 الآمر بأحكام الله، وعلى بعض العلماء الذين كانوا في خدمته، ولكن ~~الخليفة كان مسلوب الإرادة مع وزيره، فصبر على مضض، حتى قتل الأفضل وتولى ~~الوزارة المأمون البطائحي، ففاتحه الآمر في إعادة دار العلم على ما كانت عليه، ~~وما زال الخليفة بوزيره حتى قبل أن يعيد افتتاحها بشرط أن تكون بعيدة عن ~~القصر، وأن يتولاها رجل دين، وأن ينظر فيها الداعي ابن عبد الحقيق، وأن يقام ~~فيها متصدرون برسم قراءة القرآن، فوافق الخليفة الآمر على ذلك كله، واستخدم في ~~هذه الدار الجديدة أبا محمد حسن بن آدم، # 41 # ولكن هذه الدار الجديدة لم تعمر طويلا؛ إذ قضي عليها بالقضاء على ~~الدولة الفاطمية. # كانت دار العلم من مراكز الدعوة الفاطمية، فكان الداعي يجلس فيها، ويجتمع ~~إليه من التلاميذ من يتكلم في العلوم المتعلقة بمذهبهم، # 42 # كما كانت هذه الدار المكان الذي يجتمع فيه داعي الدعاة بالدعاة ~~والفقهاء لتنظيم أمور الدعوة. # 43 # ومن يدري لعل في دار العلم كانت تحضر مجالس الحكمة التأويلية التي ~~كان يلقيها داعي الدعاة نائبا عن إمامه. # ومهما يكن من شيء فالقصر والمساجد ودار العلم كانت أبرز مراكز الدعوة في ~~العصر الفاطمي، ولما كانت هذه المراكز في القاهرة كان في كل بلد من البلدان ~~مركز للدعوة هو المسجد أو منزل الداعي في هذا البلد. يحدثنا المؤيد في الدين ~~وكان داعيا في أول الأمر بشيراز: «فلما كان يوم عيد الفطر من سنة تسع وعشرين ~~وأربعمائة كنت بيوم قبله مستعدا له في تحصيل فرش وآلة وسجادات يصلي عليها ~~المصلون، ولا يستغنى عنها المتعبدون. فرفع الخبر بأنني أستجمع الجموع للصلاة ~~والخطبة في غد، وأضرب في ساحة داري المضارب والفازات، ولما كان في غد، وهو ~~العيد، اجتمع الخلق الكثير من الديلم للصلاة فصليت بهم، فلما أتممت عكفت عليهم ~~بالوعظ والإنذار ... إلخ.» # 44 # فالداعي هنا كان يتخذ منزله مركزا للدعوة، ولكنه كان في بلد يخضع ~~لحكم العباسيين، أما في مصر فقد كانت الدعوة ظاهرة مكشوفة تؤيدها الدولة ~~بمالها وسلاحها، فكان الدعاة يتخذون المنازل والمساجد ms044 للدعوة دون خشية، وفي ~~المساجد كانوا يلقون مجالسهم التأويلية. # الفصل الثالث # | مجالس الحكمة التأويلية # من أجل أعمال داعي الدعاة ونوابه في الجزائر: عقد مجالس الحكمة التأويلية، ~~أو بعبارة أخرى إلقاء محاضرات على جمهور المؤمنين بدعوتهم، يبثهم فيها الداعي عقائد ~~مذهبهم والتأويل الباطن للدين، وهي العلوم التي عرفت بعلوم أهل البيت، والتي هي ~~السر الذي يجب أن يظل مدفونا في صدور الأولياء لا يبوحون به لأحد، فكل المجالس ~~التي عقدها الدعاة هي مجالس تعليمية، ولكن لهذه المجالس درجات، ولكل طبقة من ~~المؤمنين مجلس خاص كما ذكرنا من قبل؛ فللعامة مجلس، وللنساء مجلس، وللخاصة مجلس، ~~وهكذا. ولم تقسم هذه المجالس على حسب الطبقات الاجتماعية لجمهور المؤمنين، إنما ~~قسمت على حسب مرتبة الحاضرين في مدارج الدعوة، فلا يلقي داعي الدعاة على دعاته ~~ما يلقيه على المبتدئين في دخول الدعوة، ولا يلقي على العامة من أهل البلد ما يلقيه ~~على الغرباء، فلكل طبقة من هذه الطبقات أسلوب خاص، وعلوم خاصة، بحيث ينتهي إلى ~~أسرار الدعوة التي يجب ألا يقربها إلا كل ذي قدم راسخة في الدعوة، ومن بلغ فيها ~~مرتبة رفيعة كأن يكون داعيا مثلا. # وداعي الدعاة - ويعرف بباب الأبواب، وباب حطة، وبالحجة - هو الذي يعد هذه ~~المحاضرات، ويرفعها إلى الإمام، فيوقعها هذا بعلامته، ويعيدها إلى كبير دعاته، ~~فيلقيها على المستجيبين في المحول أو غيره، فإذا انتهى من قراءتها مسح على رءوس ~~الناس بعلامة الإمام تبركا بها، وتكتب هذه المجالس عادة على أنها صادرة من ~~الإمام فتظهر للجمهور وكأن الإمام هو الذي كتبها، وأن داعي الدعاة هو قارئ لما كتب ~~الإمام؛ ولذلك يختفي اسم الداعي ولا يظهر في كتب المجالس، مع أن المعروف أن حجة ~~الإمام هو صاحب التأويل في عصره. # تبدأ هذه المجالس عادة بحمد الله، والصلاة على نبيه، والأئمة من نسل علي، ~~ويردفها الداعي بشيء من الوعظ والإرشاد، ثم يبدأ في تأويل آية من آيات القرآن، أو ~~حديث نبوي، أو أثر عن الأئمة، أو يئول شيئا من فرائض الدين العملية، ويختم مجلسه ms045 ~~بالدعاء والصلاة والحمد. وتلقى هذه المجالس مرتين في الأسبوع: يوم الإثنين ويوم ~~الخميس، ويخيل إلي أن مجالس يوم الخميس كانت للخاصة، وفيها يقول ~~المؤيد: # يا صباح الخميس أهلا وسهلا # زادك الواحد المهيمن فضلا # أنت عيد للمؤمنين عتيد # جمع الدين منهم فيك شملا # نحن نجني ثمار جنة عدن # كلما أقبل الخميس وولى # من رياض أنهارها جاريات # وبها الحور في المقاصر تجلى # تتروى الأرواح منها بماء # هو أشفى من الزلال وأحلى # رتبة خصنا بها صاحب العص # ر أمين الإله عز وجلا # 1 # وبين يدي الآن عدة كتب جمعت مجالس الحكمة التأويلية التي كان يلقيها بعض الدعاة، ~~مثل كتاب تأويل دعائم الإسلام للقاضي النعمان بن محمد، وكتاب المجالس المؤيدية ~~ويحتوي على ثمانمائة مجلس من مجالس التأويل، وكتاب المجالس المستنصرية للداعي ~~الموسوم بعلم الإسلام ثقة الإمام، # 2 # وهذه المجالس تختلف باختلاف الداعي، فمجالس القاضي النعمان في تأويل ~~فقه الفاطميين، والمؤيد يميل في تأويله إلى فلسفة المذهب، أما ما جاء في المجالس ~~المستنصرية فهو تأويل بدائي، ويخيل إلي أن المجالس المستنصرية كانت تلقى ~~على المبتدئين في الدعوة، وقد رأيت أن أقدم صورة من هذه المجالس المختلفة: # المجلس العاشر من الجزء الرابع من تأويل دعائم الإسلام للقاضي ~~النعمان # بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جل عن تقدير المتوهمين، ولطف ~~عن لطيف بحث المتوسمين، وصلى الله على محمد النبي وعلى الأئمة من ذريته ~~الطاهرين، ثم إن الذي يتلو ما تقدم ذكره ما جاء عن أمير المؤمنين علي - ~~عليه السلام - أنه قال: أول الصفوف أفضلها، وهو صف الملائكة، وأفضل المقدم ~~ميامن الإمام. تأويله ما تقدم القول به من أن أمثال الصفوف في الصلاة ~~أمثال درجات المستجيبين إلى دعوة الحق على مقادير فضلهم وسبقهم، وأن أمثال ~~الملائكة من الناس أمثال المملكين أمور العباد، وهم أولياء الله من رسله ~~وأئمة دينه ومن ملكوه شيئا من أمور العباد وأرسلوه لهم وما أرسلوهم له، ~~والملك والملائكة فيما ذكر أهل اللغة مشتقة أسماؤها من الرسالة، والألوك ~~والمألكة في لغة العرب الرسالة، وقد ms046 قال الله جل من قائل: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس # فالصف الأول من صفوف ظاهر الصلاة لا ينبغي أن يقف فيه ~~إلا أفضل أهل المسجد من علمائهم، كما قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «ليلني ~~منكم أولو النهى والعلم.» وينبغي أن يكون على يمين الإمام في الصف من خلفه ~~أفضلهم، ومن يصلح أن يكون إماما إن حدث به حدث يوجب خروجه من الصلاة؛ لأن ~~انصرافه إذا انصرف من الصلاة إنما يكون عن ذات اليمين، فيكون من يقدمه ~~هناك، فيأخذ بيديه ويقدمه مكانه. # وعلى هذا تجري مراتب أهل الدعوة في حدودها: أن يكون الذين يلون القائم ~~بها في الدرجة العالية من درجات المؤمنين الذين هم أهلها، وأن يكون أقربهم ~~منه عن يمينه، وهي أفضل درجاتهم، من يصلح لمقامه من بعده، ويتلو ذلك ما ~~جاء عنه - عليه السلام - أنه قال: سدوا فرج الصفوف، ومن استطاع أن يتم ~~الصف الأول أو الذي يليه فليفعل، فإن ذلك أحب إلى نبيكم، وأتموا الصفوف ~~فإن الله وملائكته يصلون على الذين يتمون الصفوف. # وعن جعفر بن محمد - صلوات الله عليه - أنه قال: «أتموا الصفوف، ولا يضرك ~~أن تتأخر إذا وجدت تضييقا في الصف الأول فتتم الصف الذي خلفك، وإن رأيت ~~خللا أمامك فلا يضرك أن تمشي منحرفا حتى تسده.» يعني وهو في الصلاة، وعن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «صلوا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم، ولا ~~تخالفوا بينها فتختلفوا ويتخللكم الشيطان كما يتخلل أولاد الحذف.» فتعديل ~~الصفوف وسد ما فيها من الفرج وتمامها واعتدال وقوف القيام فيها من واجب ~~الصلاة وحدودها في الظاهر، ومثله في الباطن اعتدال أهل الدرجات في دعوة ~~الحق على درجاتهم وحدودهم التي حدت لهم، لا يتجاوز أحد منهم حده إلى ~~غيره، ومن رأى منهم خللا في حد من الحدود التي فوقه أو دونه، فينبغي له ~~أن يسعى ويجتهد فيما يبلغه إلى تلك الدرجة، ويوجب له سد ذلك الخلل، وبأن ~~يكون أهل كل حدود درجة قد استوت بهم الحال ms047 فيها، وأوجبت لهم الأحوال ~~والأعمال أن يكونوا متساوين في ذلك على ما أمروا به من التساوي فيه، لا ~~يتقدم أحد منهم أحدا في ذلك، كما وجب في ظاهر الصلاة أن يحاذي أهل كل ~~صف منها بين مناكبهم، ولا يتجاوز أحد منهم أحدا، وأنهم إن فعلوا ذلك ~~اختلفوا وتخللهم الشيطان. وتأويل ذلك أن أهل مراتب الدعوة إذا تعدى أحدهم ~~حده، وخرج عنه إلى حد غيره، أوجب ذلك اختلافهم، ودخل بينهم ما يجب أن ~~يختلفوا عن أعداء أولياء الله الذين أمثالهم أمثال الشياطين. وقوله: «كما ~~يتخلل أولاد الحذف.» فالحذف ضرب من الغنم الصغار السود، واحدتها حذفة، ~~تتخلل الغنم وتمشي بينها، فشبه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تخللها ومشيها بتخلل ~~الشيطان ومشيه بالتخريب بين المؤمنين لما يريده من تقاطعهم وتدابرهم وأمروا ~~بلزومها. # ويتلو ذلك ما جاء عن علي (ص) أنه قال: قال لي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~«يا علي ~~لا تقومن في العيكل.» قلت: وما العيكل يا رسول الله؟ قال: «تصلي خلف الصفوف ~~وحدك.» فهذا مما يكره في ظاهر الصلاة، أن يقف المصلي خلف الصفوف وحده، ~~وهو يجد فيها مكانا يقوم فيه، فإن لم يجد ذلك قام إلى أن يأتي من يقوم ~~إلى جانبه، أو يصلي كذلك وحده إن لم يأت أحد، ولم يجد في الصفوف موضعا ~~يقوم فيه، وتأويل ذلك في الباطن؛ نهى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عليا - عليه ~~السلام - عن أن يفعله في الظاهر؛ لأنه ليس هو حده في الباطن، وحده في ~~الباطن أعلى الحدود وأرفع الدرجات دون درجة النبوة، فكره له أن يقوم في ~~الظاهر في مكان لا يشبه مكانه في الباطن، وكذلك لا ينبغي له أن يخلف بنفسه، ~~وأن يتواضع عن الدرجة التي جعلها له رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # ويتلو ذلك قول محمد بن علي - عليه السلام: «ليكن الذين يلون الإمام أولي ~~الأحلام والنهى، فإن تعايا لقنوه.» وقد جاء في مثل ذلك ما تقدم القول ~~به من أن ذلك كذلك يجب في ms048 ظاهر الصلاة أن يكون الذين يلون الإمام إذا صلى ~~بالناس، علماءهم وأهل الفضل منهم، فإن تعايا وتوقف في القراءة لقنوه، ~~وإن سها في الصلاة سبحوا له ليتذكر ما سها فيه، فيرجع إلى الواجب منه، ~~وإن ذلك في الباطن كذلك لا يلي صاحب دعوة الحق في الرتبة والدرجة إلا أفضل ~~أهل تلك الدعوة، فإن سها عن شيء عندهم من علم ذكروه إياه على ما تقدم ~~القول به. # ويتلو ذلك قول أبي جعفر محمد بن علي - عليه السلام: «إذا صلى النساء مع ~~الرجال قمن في آخر الصفوف، لا يتقدمن رجلا ولا يحاذينه، إلا أن يكون ~~بينهن وبين الرجال سترة، فهذا هو الواجب في ظاهر الصلاة، وتأويله ما قد ~~تقدم القول به من أن الرجال أمثال المفيدين، والنساء أمثال المستفيدين، ~~وأن درجة المفيدين فوق درجة المستفيدين، ولا ينبغي للمستفيد أن يتجاوز ~~حدا إلى حد المفيد ولا أن يدانيه، بل ينبغي له كما ذكرنا أن يقع دونه ~~ويتواضع له.» وأما قوله: «إلا أن تكون بينهن وبين الرجال سترة.» تأويله ~~أن يكون المفيد مستترا لحال التقية، فيعامل المستفيد منه في السر ويفيده، ~~ويتقدم إليه ألا يدل عليه شيء من إجلاله ولا التواضع له، فيطرح ذلك ~~المستفيد في ظاهر أمره تقية على مفيده وعلى نفسه. فافهموا بيان التأويل يا ~~ذوي النهى والعقول، جعلكم الله ممن يفهم ويعلم ويعمل بما علم، وصلى الله ~~على محمد نبيه وعلى الأئمة من ذريته وسلم تسليما، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل. # صورة من المجالس المؤيدية # المجلس التاسع من المائة الثانية # بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علا عن كل معلوم، وسما عن كل ~~موسوم، وكبر عن كل موهوم ومفهوم، وصلى الله على ربيب رحمته المعمور، وبحر ~~حكمته المسجور، محمد المبشر به في التوراة والإنجيل والزبور، وعلي أخيه ~~وابن عمه فارس يوم الهياج، ومستودع سر ليلة المعراج، علي بن أبي طالب ~~البرزخ بين البحرين، العذب الفرات والملح الأجاج، وعلى الأئمة من ذريته ~~هداة من ذرأ الله من خلقه، والمستحفظين لدينه وحقه، والمتمين ms049 كلمة عدله ~~وصدقه. معشر المؤمنين، آمنكم الله من الفزع الأكبر، وحشركم مع من تحبون في ~~يوم المحشر، القليل الطيب خير من الكثير الخبيث، فكونوا طيابا، وكونوا في ~~جانب الخير ولا تيمموا لشر جنابا، والخير كله طاعة الله واتباع رسوله # صلى الله عليه وسلم # فيما شرع، والاقتداء به في وصل ما وصل، وقطع ما قطع، فصلوا ما أمر ~~الله به أن يوصل بقوله تعالى: # يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم ~~، واقطعوا ما أمر الله به أن يقطع بقوله ~~تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~؛ يرض عنكم، ~~وبدلوا حرصكم على الدنيا فتورا، وفتوركم عن الآخرة حرصا، وعوضوا عن ~~نقصكم في طلب الباقي ازديادا، وعن ازديادكم في طلب الفاني نقصا، من قبل ~~أن يغشيكم غواشي الندم، ويطوف عليكم طوائف العدم، فلا دنيا أدركتم، ولا ~~بعقبى تمسكتم، وأنصتوا لما يلقى إليكم من الحكمة، فإنها تنقش صور ~~نفوسكم المستجنة في الأجسام، كما تنقش قوى الشراب والطعام صور الأجنة في ~~الأرحام، واعلموا أنها نعمة الله سبحانه على خالصة عباده، وأنتم بها ~~مشمولون، وعلى حالتي حفظكم لها وإضاعتكم لا محالة مسئولون. قال الله ~~أصدق القائلين: # ثم لتسألن يومئذ عن ~~النعيم ~~. زعم الزاعمون أنه الماء البارد في اليوم الصائف، ~~وحمى الماء البارد للبهائم كما للإنسان مباح، وأحق منه بالسؤال عنه ما هو ~~للإنسان دون البهائم متاح، وهو علم الحقيقة الذي يؤثر في النفوس اللطيفة ~~لصلاح المعاد، أكثر مما يؤثر الماء البارد لصلاح الأجسام. # وفسر بعض مفسري الشيعة أن النعيم المسئول عنه هو ولاية علي بن أبي ~~طالب (ص)، وقد صدقوا إن اعتقدوا فيه أن الولاية مصحة التوحيد، ومعرفة ~~الحدود الوقوف على معالم الإيمان، وعلم التأويل الذي نفك به أقفال القرآن، ~~وكذبوا إن اعتمدوا في معرفة الله سبحانه على عقولهم، وادعوا وقوع الغناء ~~فيها عن الرسول والوصي، على ما عليه رأي كثير من الشيعة، بزعمهم من ~~الاستظهار بالولاء والاقتداء في معرفة التوحيد بذوي القياس والآراء، ~~والجحود بالتأويل الذي ينفذ من ms050 ظلمات الاختلاف ويفضي إلى نور الائتلاف، ~~وإنما الافتقار إلى الرسول والوصي - عليهما السلام - لبلوغ ما هم بزعمهم ~~بالغوه من معرفة الله جل جلاله، فإذا كانت معرفة الله سبحانه تصح من ~~دونهما، فأي حاجة تبقى بعدها إليهما للناس، وأية فضيلة تخلص لهما، وسوى هذا ~~فإن كانت المعتزلة التي هي الفئة المبرزة بدعاوي معرفة الله سبحانه بغير ~~واسطة رسول، نزولا على رأي بعض الفلاسفة وإشراف منهم بقوا مأمونين عند من ~~أشرنا إليهم من الشيعة يقتدون بهم في توحيد ربهم، والقول في العدل على ~~قضايا مذهبهم، فلم لا يكونون مأمونين على الإمامة التي هي دونهما فيرجعوا ~~إلى ربهم فيها، ولا يناقضوهم في نقض مبانيها، عهد من يكون مأمونا على ~~انتظار، ولا يكون مأمونا على دينار؛ فقد اختل عليهم القول بولاية علي (ص) ~~بقطعهم ما أمر الله به أن يوصل من نظام الإمامة في ولده، فصاروا في معالم ~~توحيدهم وعدلهم على أضدادهم عيالا، ولو فاءوا إلى جملة المعتصمين بحبل ~~الله الممدود باتصالها لوردوا عيونا وظلالا؛ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط ~~الله، وكرهوا رضوانه، فأحبط أعمالهم، وقد كان قرئ عليكم من قول الله ~~سبحانه: # فأما الذين آمنوا فيعلمون ~~أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا ~~فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ~~. # ما شفع بالإبانة عن معنى الحق، ولم سمي حقا؟ وإن ذلك جهة كونه أصلا ~~يحتمل الوضع عليه، وانتهى الشرح إلى القول بأن الأشكال الجسمانية الكثيفة ~~موضوعة على القوى النفسانية اللطيفة، ومثال ذلك: أن السموات والأرض وما ~~بينهما محمولة على قوة إلهية لطيفة يعبر عنها بأمر الله، كما قال الله ~~سبحانه: # ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره ~~، وكذلك أجسام البشر على ثقلها محمولة ~~على الأرواح اللطيفة التي هي من أمر الله سبحانه: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي # الآية. فقد تثبت العلم أن النفسانيات حاملة والجسمانيات ~~محمولة عليها، وأن النفوس المحقونة بالثواب إذا انفكت عن عالم الجسم ثابت ~~إلى عالم النفس الذي هو الحق والأصل الحامل، وثبت أيضا من ائتلاف الجسم ~~والنفس ms051 الإنسانية عن غير قصد منها ولا إرادة، وتفرقتهما عن غير قصد ولا ~~إرادة، على كون تألف النفس الكلية بالجسم الكلية، وعالم الجسم من السماء ~~والأرض وما بينهما أيضا عن غير قصد منهما ولا إرادة، بل بأمر المبدع ~~سبحانه، وأنه إذا أراد أن يبطل دار الدنيا بأفلاكها وأنجمها، وسفلها ~~وعلوها، أمكنته القدرة منه على حسب الإمكان من التفريق بين الأنفس والأجسام ~~الذي يصير به عامر الأجسام خرابا. وأنتم تسمعون ما نقرؤه الآن عليكم من ~~قوله تعالى: # يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين # وما نلوح ~~به في معناه. # وقال قوم: إن الضلال والهدى من الله سبحانه، وهم جمهور العامة، واستشهدوا ~~عليه بهذه الآية، وما هو في معناها من مثل قوله: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~، وقوله ~~تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن ~~الله يهدي من يشاء ~~، وقوله حكاية عن نوح - عليه السلام: # ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن ~~أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ~~ربكم وإليه ترجعون ~~، ونظائرها كثيرة في ~~القرآن. # وقال أهل الرأي: إنه إن كانت الصورة هذه فقد بطل ثواب المحسنين وعقاب ~~المسيئين، وإن لهذه الآيات تأويلا يرجع إليه ويحمل الأمر عليه، وهو مثل ~~قولهم في معنى الآية: # يضل به كثيرا ويهدي ~~به كثيرا # أي يضل به عن الثواب الضالين، ويهدي به إلى ~~الثواب المهتدين بفعلهم وكسب أيديهم، واستشهدوا على ذلك بقوله سبحانه: # وقل الحق من ربكم فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~، وما يجري مجراه وهو ~~كثير في كتاب الله تعالى. # وقد سئل الصادق - عليه السلام - عن ذلك، فقيل: يابن رسول الله الناس ~~مجبورون على المعاصي؟ فقال: الله أعدل أن يجبر خلقه على المعاصي، ثم ~~يعاقبهم عليها. قيل: فمفوض إليهم؟ قال: هو أعز من أن يكون لأحد في ملكه ~~سلطان. قيل: فكيف ذلك؟ قال - عليه السلام: أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، ~~فقوله تعالى: # يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا # يوجب أن كثير الضالين قليل وقليل المهتدين كثير، ms052 وذلك ~~أن الإنسان كثير بنفسه البسيطة لا بجسمه الكثيف، فالنفس الصالحة منسرحة في ~~فضاء عالم النفس منفسحة، وصاحبها قليل من حيث الجسم المعدود المحصور، كثير ~~من حيث النفس غير المحصورة، قال الله تعالى: # إن ~~إبراهيم كان أمة ~~، والنفس الطالحة ضيقة حرجة كأنفس ~~البهائم لا خطر لها في العالم العلوي، فأربابها وإن كثروا عددا فلقد ~~قلوا محصولا كما قال الله سبحانه: # فأما ~~الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض ~~، وكما قال سبحانه: # قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو ~~أعجبك كثرة الخبيث ~~، وقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لعلي ~~- عليه السلام: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت الشمس ~~عليه.» وقوله: # يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ~~، معنى ~~الفسوق الخروج من الطاعة وعقد البيعة، وأما «الفاسقين» فمن الفسوق، ففسق عن ~~أمر ربه دور آدم - عليه السلام - الذي هو أول الأدوار وهو إبليس لعنة الله ~~عليه، فنقض بيعة الله، وفيه قال سبحانه: # وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ~~، ~~ثم نزل عن مكانه في آخر الأدوار الذي هو دور محمد # صلى الله عليه وسلم # فنقض بيعة ~~الغدير، وسار الآخر على منهاج الأول، فإبليس إمام الفاسقين أولا، وهو ~~إمام الفاسقين آخرا، جعلكم الله براء من الفاسقين، وألحقكم بالصالحين؛ ~~لتكونوا لهم في منازلهم مرافقين، والحمد لله الذي له في إظهار دينه أمر ~~يبلغه، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وصلى الله على رسوله الأمين، محمد ~~المبعوث بالبرهان المبين، وعلى وصيه السني الأقدار، علي بن أبي طالب معدن ~~الفخار، وعلى الأئمة من ذريته هداة الحق، وأولياء ~~الحق. # هكذا كانت مجالس الحكمة التأويلية التي كان يلقيها كبار الدعاة على جمهور ~~المستجيبين، كل بحسب درجته وحده في مراتب الدعوة، فكل مجالس التأويل كما ذكرنا هي ~~تطبيق النظرية التي أطلقت عليها نظرية المثل والممثول، وكل العقيدة الفاطمية إنما ~~تدور حول الإمام وولايته، ومحاولة إثبات أن الله سبحانه أشار إلى الأئمة ms053 في كتابه ~~الكريم ورمز إليهم فيه، وعلى المسلمين المؤمنين طاعة الأئمة وولايتهم وتصديق ما ~~جاءوا به، وأن الله - سبحانه وتعالى - خص الأئمة بعلم التأويل الباطن، وأمرهم ~~بستره لمستحقيه من المؤمنين. # الفصل الرابع # | أشهر علماء الدعوة الفاطمية # (1) بنو النعمان # 1 # لا أكاد أعرف في تاريخ مصر الإسلامية حتى نهاية الدولة الفاطمية أسرة كان ~~لها من الأثر في الحياة العقلية والسياسية ما كان لهاتين الأسرتين: أسرة عبد الحكم # 2 # قبل العصر الطولوني وأثناءه، وأسرة النعمان في العصر الفاطمي، فبنو ~~عبد الحكم كانوا أساتذة المدرسة المالكية في مصر، وكذلك كان بنو النعمان أساتذة ~~مدرسة المذهب الفاطمي بمصر، وكان بين بني عبد الحكم من اتجه إلى التاريخ ~~وتدوينه، كذلك كان بين بني النعمان من دون التاريخ، وكان بنو عبد الحكم ~~مقربين إلى الولاة في مصر، كذلك كان بنو النعمان في مكانة لا تقربها مكانة أخرى ~~لدى أئمة الفاطميين، فالأسرتان - بنو عبد الحكم وبنو النعمان - من أشد الأسرات ~~أثرا في الحياة المصرية، ولا سيما من الناحية العقلية. # أسس أسرة النعمان رجل عرف أنه من أشهر فقهاء المذهب الفاطمي، ومن أكثرهم ~~تأليفا للكتب، وتعد مؤلفاته من الأسس التي تبعها من جاء بعده من علماء ~~هذا المذهب، بل لا تزال بعض كتبه إلى اليوم من أهم الكتب وأقومها لدى طائفة ~~البهرة الإسماعيلية، هذا الرجل هو القاضي أبو حنيفة النعمان بن أبي عبد الله ~~محمد بن منصور بن حيون التميمي المغربي، ويعرف في تاريخ الدعوة الفاطمية باسم ~~القاضي النعمان، تمييزا له عن سميه أبي حنيفة النعمان صاحب المذهب السني ~~المعروف. اختلف الناس في تاريخ مولده، فذهب بعضهم مثل الأستاذ جوثيل إلى أنه ~~ولد سنة 259، # 3 # وتبعه الأستاذ ماسينيون في ذلك الرأي، ولكن الأستاذ آصف فيظي ~~خالفهما وذهب إلى أنه ولد في العشر الأخير من القرن الثالث، # 4 # وليس لدينا ما يرجح أحد الرأيين، بل نصرح بأنه لم يصلنا شيء عن ~~نشأته الأولى، ولا عن آبائه وأسرته، إلا ما رواه ابن خلكان: أن والده أبا عبد ~~الله محمد قد ms054 عمر طويلا، وأنه كان يحكي أخبارا كثيرة نفيسة حفظها في كبره، ~~وتوفي في رجب سنة 351، وصلى عليه ولده أبو حنيفة النعمان، ودفن بأحد أبواب القيروان، # 5 # فحياة الأسرة غامضة أشد الغموض، ولم يحفظ التاريخ شيئا عنها، ولا ~~أدري من أين استقى الأستاذ جوثيل ما رواه من أن والد النعمان كان من رجال ~~الأدب، إلا إذا كان قد فهم من نص ابن خلكان ذلك. # وليس لدينا شيء عن حياة النعمان قبل قيام الدولة الفاطمية سنة 296ه، وقبل ~~اتصاله بعبيد الله المهدي الفاطمي مؤسس الدولة الفاطمية، إلا أنه كان مالكي ~~المذهب، وتحول إلى المذهب الفاطمي، # 6 # ولكن مؤرخي الشيعة الاثني عشرية قالوا: إن النعمان كان مالكي ~~المذهب، ثم تحول إلى الشيعة الاثني عشرية، ثم انتقل إلى الإسماعيلية الفاطمية. # 7 # ويذهب أبو المحاسن إلى أنه كان حنفي المذهب قبل أن يعتنق المذهب الفاطمي، # 8 # ولكن إذا أمعنا النظر في هذه الخلافات وجدنا أن الأرجح هو ما رواه ~~ابن خلكان، فالمذهب المالكي هو المذهب الذي كان يسود شمال إفريقية والأندلس، ~~على أن المذهب الحنفي كان قليل الانتشار بين المسلمين في إفريقية وفي مصر ~~أيضا، وأن خاصة تلاميذ مالك كانوا مصريين، وعن مصر انتقل هذا المذهب المالكي ~~إلى شمال إفريقية والأندلس، وساد هذه البلاد حتى قل أن تجد فيها مذهبا آخر ~~من مذاهب أهل السنة، فمن المرجح أن النعمان كان على مذهب أهل بلاده، أما ما ~~يدعيه الأستاذ آصف فيظي أن النعمان كان إسماعيلي المذهب منذ نعومة أظفاره، ~~وأنه اتخذ التقية والستر خوفا على نفسه وعلى مذهبه، فهو كلام يحتاج إلى ما ~~يؤيده. وكذلك لم يتحدث أحد من المؤرخين الذين ذكروا النعمان عن إسماعيليته إلا ~~بعد صلته بالمهدي سنة 313ه، أي بعد أن أظهر المهدي نفسه في المغرب، وهزم ~~الأغالبة، واحتل ديارهم. دخل النعمان في خدمة المهدي واتصل به، ولا ندري نوع ~~الخدمة التي كان يؤديها ولا الصلة التي اتصلها به، ولكن بعد وفاة المهدي اتصل ~~النعمان بالقائم بأمر الله طوال مدة حكمه، وفي أواخر ms055 أيام القائم ولي النعمان ~~قضاء مدينة طرابلس الغرب، أما قبل ولايته قضاء طرابلس فلا نكاد نعرف عنه شيئا. ~~ولما بنى المنصور مدينة المنصورية كان النعمان أول من ولي قضاءها، بل ولاه ~~المنصور القضاء على سائر مدن إفريقية. # وأصبح النعمان شديد الصلة بالإمام الفاطمي مقربا منه، وظل قاضي قضاة هذه ~~المدن ومن تحته قضاتها، إلى أن ولي المعز لدين الله الإمامة، فاشتدت صلة ~~النعمان به، حتى إنه كان يجالسه ويسايره، وقل أن يفارقه بعد أن كان مستوحشا ~~منه عقب ولايته، ولكن المعز طلب إليه أن يكون في عهده كما كان في عهد أبيه ~~المنصور بالله، ثم قويت الصلة بين المعز والنعمان حتى أصبح النعمان جليسه ~~ومسايره، ووضع النعمان كتابه المجالس والمسايرات جمع فيه كل ما رآه وما سمعه من ~~إمامه المعز. ولما رحل المعز من إفريقية إلى مصر سنة 362ه اصطحب معه بني ~~النعمان، وكان النعمان إذ ذاك قاضي الجيش، وكان من الطبيعي أن يقلد النعمان ~~قضاء مصر، ولكن المعز بعد أن استقر بمصر ترك القضاء لأبي طاهر الذهلي محمد بن ~~أحمد الذي كان على قضاء مصر منذ سنة 348ه، وطلب إلى أبي طاهر أن يحكم بفقه ~~الفاطميين، فكان لابد للقاضي من أن يسترشد في أحكامه بالقاضي النعمان، وما زال ~~كذلك حتى توفي النعمان سنة 363ه. # ويقول ابن حجر: إن النعمان كان يسكن مصر، أي الفسطاط، ويغدو منها إلى القاهرة ~~في كل يوم. # 9 # ويروي ابن خلكان عن المسبحي أن النعمان كان من أهل العلم والفقه ~~والدين والنبل ما لا مزيد عليه. # 10 # ونقل ابن خلكان عن ابن زولاق أن النعمان بن محمد القاضي كان في ~~غاية الفضل، من أهل القرآن والعلم بمعانيه، وعالما بوجوه الفقه وعلم اختلاف ~~الفقهاء واللغة والشعر الفحل والمعرفة بأيام الناس، مع عقل وإنصاف. # 11 # وكل من تحدث عن النعمان من المؤرخين يذكر فضله وعلمه وسعة ~~ثقافته، فلا غرابة إذن أن نرى هذه الكتب الكثيرة التي ألفها النعمان، والتي ~~أصبحت عمدة كل باحث في المذهب الفاطمي، بل ms056 أصبحت الأصل الذي يستقي منه علماء ~~المذهب، فلا أكاد أعرف عالما من علماء الدعوة الفاطمية لم ينهج نهج النعمان في ~~فقهه، أو اختلف معه في رأي في المسائل الفقهية، وقد يكون ذلك لأن النعمان قال ~~في كتابه المجالس والمسايرات: إن الإمام المعز لدين الله طلب إليه أن يلقي على ~~الناس شيئا من علم أهل البيت، فألف النعمان كتبه، وكان يعرضها على المعز ~~فصلا فصلا وبابا بابا حتى أتمها، فهو يقول مثلا: # أمرني المعز لدين الله (صلع) بجمع شيء لخصه لي وجمعه وفتح لي ~~معانيه وبسط لي جملته، فابتدأت منه شيئا ثم رفعته إليه، واعتذرت من ~~الإبطاء فيه لما أردته من إحكامه ورجوته من وقوع ما جمعته منه بموافقته ~~(ص)، فطالعته في مقداره، فوقع إلي: يا نعمان، لا تبال كيف كان القدر ~~مع إشباع في إيجاز، فكلما أوجزت في القول واستقصيت المعنى فهو أوفق ~~وأحسن، والذي خشيت من أن يستبطأ في تأليفه، فوالله لولا توفيق الله - ~~عز وجل - إياك وعونه لك لما تعتقده من النية ومحض الولاية، لما كنت ~~تستطيع أن تأتي على باب منه في أيام كثيرة، ولكن النية يصحبها التوفيق. # 12 # وفي كتابه هذا كثير من النصوص التي تدل على أنه كان يعرض كتبه على المعز قبل ~~إذاعتها ونشرها بين الناس، كما أنه كان يقرأ مجالس المحكمة التأويلية، ومن هنا ~~لقبه ابن زولاق بالداعي. # 13 # وليس لدينا من النصوص ما يثبت أن النعمان كان من الدعاة، وإن كان ~~مؤرخو المذهب المحدثون، مثل الداعي إدريس، يحدثنا في كتابه عيون الأخبار أن ~~النعمان كان في مكانة رفيعة جدا قريبة من الأئمة، وأنه كان دعامة من دعائم ~~الدعوة، ولكنه لم يصرح بأن النعمان ولي مرتبة داعي الدعاة. ويخيل إلي أن ~~النعمان كان داهية في سياسة التقرب إلى الأئمة، وأنه استطاع بعلمه وثقافته أن ~~يجذب إليه قلوبهم، فقربوه إليهم وعرف أسرارهم ونياتهم فوضع هذه الكتب ~~الكثيرة، وادعى أن الأئمة هم الذين لقنوه إياها، بل لعلي لا أغالي إذا ~~قلت: إن النعمان هو أول ms057 من دون فقه المذهب الفاطمي، فلا أكاد أعرف فقيها ~~من فقهاء المذهب قبله كتب في هذا الفن، وبين يدي الآن كتاب المرشد إلى أدب ~~الإسماعيلية، وهو ثبت لأسماء المؤلفين والكتب الإسماعيلية، وأمامي فهرست ابن ~~النديم، ومجموعة خطية قديمة لمؤلف مجهول جمع فيه أسماء الكتب التي ألفت ~~منذ أوائل الدعوة الإسماعيلية، فلم أعثر في هذه الكتب كلها على كتاب واحد في ~~الفقه الإسماعيلي قبل القاضي النعمان بن محمد. فلا غرو أن يعرف المعز فضل هذا ~~العالم، وأن يرفعه إلى أعلى الدرجات، ولا سيما أن النعمان ذكر في كتبه أنه ~~اقتبس هذه العلوم من الإمام! حتى قال المعز عن النعمان: من يؤدي جزءا من مائة ~~مما أداه النعمان أضمن له الجنة بجوار ربه. # 14 # ويحدثنا المؤيد في الدين في سيرته أن الوزير اليازوري قال له: إن ~~النعمان بنى هذا الأمر، وإن أحق الناس بمكانه أبناؤه؛ # 15 # فالنعمان إذن قد أدى للدعوة الفاطمية هذا الفضل الذي عرفوه له؛ ~~إذ لا يزال علماء الدعوة يعيشون على الفقه الذي وضعه لهم النعمان، وربما على ~~التأويل الذي ذكره في كتبه. # لننظر الآن إلى هذه الكتب التي وضعها النعمان لأهل الدعوة، فيقول ابن خلكان: ~~إن النعمان ألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف وأملح سجع، ~~وعمل في المناقب والمثالب كتابا حسنا، وله ردود على المخالفين، له رد على أبي ~~حنيفة، وعلى مالك والشافعي، وعلى ابن سريج، وكتاب اختلاف الفقهاء ينتصر فيه ~~لأهل البيت، وله القصيدة الفقهية التي لقبها بالمنتخبة. # 16 # وسرد الأستاذ إيفانوف مؤلفات القاضي النعمان، فإذا بها نحو أربعة ~~وأربعين كتابا، بعضها لا يزال يحتفظ به أتباع المذهب وهم طائفة البهرة، ومنها ~~كتب عثر على بعض أجزائها، ومنها ما فقد ولم يعرف إلا أسماؤه، ولا تعرف ~~مكتبات أوروبا إلا ستة كتب من كتب النعمان هي: ~~(1) # جزء من كتاب شرح الأخبار بمكتبة برلين، وأحضرت دار الكتب المصرية ~~صورة فتوغرافية منه. ~~(2) # كتاب دعائم الإسلام بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن، وفي دار ~~الكتب المصرية صورة فتوغرافية منه. ms058 ~~(3) # تأويل دعائم الإسلام بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن، وفي ~~مكتبة جامعة القاهرة صورة فتوغرافية منه. ~~(4) # أساس التأويل بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن. ~~(5) # جزء من كتاب المجالس والمسايرات بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية ~~بلندن، وفي مكتبة جامعة القاهرة. ~~(6) # كتاب الهمة في اتباع الأئمة بمكتبة مكتب الهند بلندن، وعندي ~~نسخة خطية منه. # ويحتفظ أصحاب الدعوة الآن في مكتباتهم الخاصة بالكتب الآتية: (1) افتتاح ~~الدعوة، وعندي نسخة خطية منه، كما تحتفظ مكتبة جامعة القاهرة بصورة منه. (2) ~~كتاب الإيضاح. (3) كتاب الينبوع. (4) مختصر الآثار. (5) كتاب الطهارة. (6) ~~القصيدة المختارة. (7) القصيدة المنتخبة. (8) منهج الفرائض. (9) الرسالة ذات ~~البيان في الرد على ابن قتيبة. (10) اختلاف أصول المذاهب. (11) كتاب التوحيد ~~والإمامة. (12) مناقب بني هاشم. (13) تأويل الرؤيا. (14) مفاتيح النعمة. # أما كتبه التي لم يعثر عليها وعرفت أسماؤها فهي: (1) مختصر الإيضاح. (2) ~~كتاب الأخبار. (3) كتاب الاقتصار. (4) كتاب الاتفاق والافتراق. (5) كتاب ~~المقتصر. (6) كتاب يوم وليلة. (7) كتاب كيفية الصلاة. (8) الرسالة المصرية في ~~الرد على الشافعي. (9) كتاب في الرد على أحمد بن سريج البغدادي. (10) دامغ ~~الموجز في الرد على العتكي. (11) نهج السبيل إلى معرفة علم التأويل. (12) حدود ~~المعرفة في تفسير القرآن والتنبيه على التأويل. (13) كتاب إثبات الحقائق في ~~معرفة توحيد الخالق. (14) كتاب في الإمامة في أربعة أجزاء. (15) كتاب التعاقب ~~والانتقاد. (16) كتاب الدعاة. (17) كتاب الحلي والثياب. (18) كتاب الشروط. (19) ~~أرجوزة ذات المنن، وهي في سيرة الإمام المعز. (20) أرجوزة ذات المحن وهي في ~~تاريخ ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد. (21) كتاب معالم المهدي. (22) كتاب منامات ~~الأئمة. (23) كتاب التقريع والتعنيف. # هذه هي الكتب التي تركها النعمان بن محمد، ولعل أهم كتاب خالد له هو كتاب ~~«دعائم الإسلام، في ذكر الحلال والحرام، والقضايا والأحكام»، وهو الكتاب الذي ~~أمر الظاهر بأن يحفظه الناس، وجعل لمن يحفظه مالا جزيلا، ويشتمل هذا الكتاب ~~على جميع فقه الفاطميين؛ فدعائم الإسلام عندهم الولاية والطهارة والصلاة ~~والزكاة والصوم والحج والجهاد، وكل فريضة من هذه الفرائض لها أصولها وفروعها ~~وآدابها، فهو يتحدث عن ذلك كله بشيء من الإطناب، ويروي عن كل فريضة ما ورد عنها ~~في القرآن الكريم، وفي الأحاديث ms059 النبوية، وما جاء عن الأئمة. ومن يقرأ هذا ~~الكتاب ويقارن بين الفقه فيه وبين فقه مالك، لا يكاد يجد اختلافا إلا في بعض ~~أمور لا تمس الدين في شيء، اللهم ما ورد في القسم الخاص بالولاية. # والفصل الخاص الذي في أول الكتاب تحدث فيه عن الإيمان، وجعل الولاية شرطا ~~أساسيا للمؤمن، أما ما سوى ذلك من أحكام فرائض الدين وسننه والمعاملات ~~وغيرها، فلا تختلف عن الأحكام الشرعية عند المالكية. وتظهر قيمة هذا الكتاب عند ~~علماء المذهب - منذ عرف هذا الكتاب - إذا عرفنا أن عالمين من أكبر ~~علمائهم ذكراه في كتبهما، واعتمدا عليه ونوها به، أما العالم الأول فهو أحمد ~~حميد الدين بن عبد الله بن محمد الكرماني المتوفى 412ه، فقد ذكر في مقدمة كتابه ~~«راحة العقل» الكتب التي يجب أن تقرأ قبل قراءة راحة العقل، ومن هذه الكتب ~~كتاب «دعائم الإسلام»، وأما العالم الثاني فهو المؤيد في الدين هبة الله بن ~~موسى الشيرازي المتوفى 470ه، فقد ذكر في السيرة المؤيدية أنه كان يعقد مجلسا ~~خاصا كل يوم خميس يقرأ فيه على السلطان أبي كاليجار البويهي فصول كتاب ~~«دعائم الإسلام». ويعتبر هذا الكتاب الآن من أهم كتب الإسماعيلية، على الرغم ~~من أنه في علم الظاهر، ويعد من كتبهم السرية التي لا يقربها إلا علماء ~~المذهب فقط. # وقد أتبعه القاضي النعمان بكتاب تأويل دعائم الإسلام، واسمه الكامل: كتاب ~~تربية المؤمنين، بالتوقيف على حدود باطن علم الدين، في تأويل دعائم الإسلام. ~~وهو في ذكر التأويل الباطني للأحكام والفرائض التي وردت في كتاب دعائم الإسلام، ~~وهو من أهم كتب التأويل عند الإسماعيلية، وعليه اعتمد الدعاة بعد النعمان، # 17 # وقد توفي النعمان قبل أن يتم هذا الكتاب. # ومهما يكن من شيء فالقاضي النعمان يعد من أكبر علماء الدعوة وفقيهها ~~الأعظم، وتوفي هذا الرجل بمصر سنة 363ه. # كان هذا الفقيه رأس هذه الأسرة ومؤسسها، وجاء بعده أبناؤه وحفدته، وعرفوا ~~جميعا بالعلم والفقه، وتولوا الدعوة والقضاء بعده. # ولد ابنه الأكبر أبو الحسين علي بن النعمان بالقيروان، في ms060 رجب سنة 328ه # 18 # وقدم مصر مع باقي أفراد الأسرة في صحبة المعز لدين الله، ولما ~~مات النعمان اشترك علي بن النعمان في قضاء مصر مع أبي طاهر الذهلي، فظلا ~~يقضيان حتى توفي المعز وولى العزيز، وعرض لأبي طاهر القاضي مرض الفالج، ففوض ~~العزيز الحكم إلى علي بن النعمان، وذلك في صفر سنة 366، وظل منفردا بالقضاء ~~وافر الحرمة عند الإمام العزيز حتى أصابته الحمى وهو بالجامع يقضي بين الناس، ~~فقام من وقته ومضى إلى داره وأقام عليلا أربعة عشر يوما، وتوفي يوم الإثنين ~~لست خلون من رجب سنة 374ه، وصلى عليه العزيز، وهو أول من لقب بقاضي ~~القضاة في مصر، وكان عالما فقيها مثل أبيه، وكان شاعرا أورد له الثعالبي ~~شيئا من شعره، مثل قوله: # ولي صديق ما مسني عدم # مذ وقعت عينه على عدمي # أغنى وأقنى فما يكلفني # تقبيل كف له ولا قدم # قام بأمري لما قعدت به # ونمت عن حاجتي ولم ينم # 19 # ومن شعره - وقيل بل من شعر أخيه محمد بن النعمان: # 20 # رب خود عرفت في عرفات # سلبتني بحسنها حسناتي # حرمت حين أحرمت نوم عيني # واستباحت دمي بذي اللحظات # وأفاضت مع الحجيج ففاضت # من جفوني سوابق العبرات # لم أنل من منى منى النفس حتى # خفت بالخيف أن تكون وفاتي # 21 # ومن شعره أيضا: # صديق لي له أدب # صداقة مثله نسب # رعى لي فوق ما يرعى # وأوجب فوق ما يجب # فلو نقدت خلائقه # لبهرج عندها الذهب # 22 # فمن هذه الأبيات القليلة نستطيع أن ندرك أنه كان شاعرا، رقيق الشعر، عذب ~~الديباجة، متلاعبا باللفظ، ومن سوء الحظ أن شعره لم يصل إلينا كاملا حتى ~~نستطيع أن نكون رأيا دقيقا في شاعريته. # ولا أدري أيضا من أين استقى الأستاذ آصف فيظي أن أبا الحسن علي بن النعمان ~~كان في مرتبة داعي الدعاة، فليس لدي من النصوص ما يؤيد ذلك، بل الذي ذكره ~~المؤرخون أن أول من أضيفت إليه الدعوة من قضاة الفاطميين هو ولده الحسين ~~بن علي بن النعمان ms061 على نحو ما سنذكره بعد. # ولما توفي علي بن النعمان أرسل الإمام العزيز بالله إلى أبي عبد الله محمد ~~بن النعمان يقول: إن القضاء لك من بعد أخيك، ولا نخرجه عن هذا البيت. # 23 # وهكذا ولي مرتبة قاضي القضاة بعد أخيه، وكان في حياة أخيه ينوب عنه ~~في القضاء، فإنه لما سافر العزيز بالله إلى حرب القرامطة سنة 368، وسار ~~علي في صحبته استخلف أخاه محمدا في القضاء. ولد محمد بالمغرب سنة 345ه، # 24 # وقدم القاهرة مع أفراد الأسرة، وما زال بها حتى ولي القضاء، وكان ~~جيد المعرفة بالأحكام، متفننا في علوم كثيرة، حسن الأدب والدراية بالأخبار ~~والشعر وأيام الناس. # 25 # وقد مدحه الشاعر عبد الله بن الحسن الجعفري السمرقندي ~~بقوله: # تعادلت القضاة علي أما # أبو عبد الإله فلا عديل # وحيد في فضائله غريب # خطير في مفاخره جليل # تألق بهجة ومضى اعتزاما # كما يتألق السيف الصقيل # ويقضي والسداد له حليف # ويعطي والغمام له زميل # لو اختبرت قضاياه لقالوا # يؤيده عليها جبرئيل # إذا رقي المنابر فهو قس # وإن حضر المشاهد فالخليل # فلما قرأ محمد بن النعمان هذه القصيدة كتب إلى الشاعر: # قرأنا من قريضك ما يروق # بدائع حاكها طبع رقيق # كأن سطورها روض أنيق # تضوع بينها مسك فتيق # إذا ما أنشدت أرجت وطابت # منازلها بها حتى الطريق # وإنا تائقون إليك فاعلم # وأنت إلى زيارتنا تتوق # فواصلنا بها في كل يوم # فأنت بكل مكرمة حقيق # 26 # ومما يروى له أيضا قوله: # أيا مشبه البدر بدر السماء # لسبع وخمس مضت واثنتين # ويا كامل الحسن في نعته # شغلت فؤادي وأسهرت عيني # فهل لي من مطمع أرتجيه # وإلا انصرفت بخفي حنين # ويشمت بي شامت في هواك # ويفصح لي ظلت صفر اليدين # فإما مننت وإما قتلت # فأنت القدير على الحالتين # 27 # وفي سنة 375 عقد لابنه عبد العزيز بن محمد بن النعمان على ابنة القائد جوهر ~~الصقلي في مجلس العزيز، ثم قرر ابنه هذا في نيابته عنه في الأحكام بالقاهرة ~~ومصر. # وعلت منزلة محمد بن النعمان عند ms062 الإمام العزيز بالله، حتى إنه كان يصعد معه ~~على المنبر، # 28 # وكان مهيبا محترما، حتى إن أحدا لم يكن يخاطبه إلا بسيدنا. # 29 # ويروي ابن خلكان عن ابن زولاق المؤرخ المصري: «ولم نشاهد بمصر ~~لقاض من القضاة من الرياسة ما شاهدناه لمحمد بن النعمان، ولا بلغنا ذلك عن ~~قاض بالعراق، ووافق ذلك استحقاقا لما فيه من العلم والصيانة والتحفظ ~~وإقامة الحق والهيبة. # 30 # فكانت هذه المكانة التي حظي بها هذا القاضي سببا في أن ينقم عليه ~~الوزير يعقوب بن كلس. ويخيل إلي أن الوزير كان يخشى اتساع نفوذ بني ~~النعمان، فحاول ما استطاع أن يكسر شوكتهم، وينقص من قدرهم، فكان يعمد إلى أن ~~ينقض أحكام القاضي. ويروي ابن حجر العسقلاني عن المسبحي أن الوزير ابن كلس كان ~~كثير المعارضة لبني النعمان في أحكامهم.» # 31 # وروى قصة تدل على مدى خوف الوزيز من اتساع سلطانهم ونفوذهم وما كان ~~يضمره لهم، وبعد أن توفي العزيز بالله سنة 385 وولي الحاكم بأمر الله، أقر ~~القاضي محمد بن النعمان على ما بيده من القضاء، وزادت منزلته عنده رفعة، ولكن ~~محمدا تزاحمت عليه العلل، فتوفي ليلة الثلاثاء رابع صفر سنة 399، وصلى عليه ~~الحاكم ووقف على دفنه، وحزن الحاكم لوفاته، فلم يول أحدا مرتبة القضاء إلا ~~بعد شهر، فقلد القضاء أبا عبد الله الحسين بن علي بن النعمان. # ولد أبو عبد الله الحسين بن علي بن النعمان بالمهدية سنة 353ه، وقدم مع ~~أسرته إلى القاهرة المعزية، ومهر في علوم الفقه حتى صار أحد أقطاب فقهاء المذهب ~~الفاطمي، وكان ينوب أحيانا عن عمه محمد بن النعمان في القضاء حتى وليه بعد ~~وفاة عمه. وفي صفر سنة 391 بينما كان القاضي جالسا في الجامع بمصر يقرأ عليه ~~الفقه، أقيمت صلاة العصر فقام يؤدي الفريضة، وبينما هو في الركوع إذ هجم عليه ~~رجل مغربي وضربه بمنجل في رأسه ووجهه، فحمل القاضي جريحا إلى داره، وظل حتى ~~اندمل جرحه، فصار من ذلك اليوم يحرسه عشرون رجلا بالسلاح، وكان إذا صلى ms063 ~~وقف خلفه الحرس بالسيوف حتى يفرغ من الصلاة، ثم يصلي حرسه، ولا نكاد نسمع أن ~~قاضيا من قضاة المسلمين في التاريخ الإسلامي كله كان يصلي والشرطة تحرسه غير ~~الحسين بن علي بن النعمان. وزاد الحاكم في إكرامه حتى أمر أن يضاف له أرزاق عمه ~~وصلاته وإقطاعاته، وفوض إليه الخطابة والإمامة بالمساجد الجامعة، وولاه ~~الدعوة وقراءة مجالس الحكمة التأويلية بالقصر وكتابتها، وهو أول قاض أضيفت ~~إليه الدعوة من قضاة الفاطميين. # 32 # ويظهر أنه في ذلك الوقت دب دبيب الشقاق بين أبناء هذه الأسرة، ~~فهذا القاضي طالب ابن عمه عبد العزيز بن محمد بن النعمان ببعض ودائع كانت في ~~الديوان أيام ولاية محمد بن النعمان على القضاء، وتشدد القاضي في مطالبة ابن ~~عمه بهذه الودائع حتى ألزمه أن يبيع كل ما خلفه أبوه سدا لهذه المطالبة، ~~ولست في مركز يسمح لي أن أقول: أكان تشدد القاضي عن ورع ودين أم عن حسد وغيرة ~~وشقاق بين بني الأعمام. ومهما يكن من شيء فقد صرف هذا القاضي عن رتبة القضاة ~~والدعوة في رمضان سنة 394، وأمر الحاكم بحبسه، ثم ضربت عنقه في مطلع سنة ~~395ه، وهكذا لقي حتفه بيد الحاكم، بعد أن كان مكرما لديه مقربا ~~إليه. # وولي القضاء بعده ابن عمه عبد العزيز بن محمد بن النعمان، المولود في أوائل ~~ربيع الأول سنة 355ه، وهو الذي كان ينوب عن أبيه في القضاء، وكان عالما من ~~علماء الدعوة الفاطمية ينسب إليه كتاب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم في أصول ~~الدين، وهو الكتاب الذي رد عليه القاضي أبو بكر الباقلاني، # 33 # وقيل إن هذا الكتاب من تصنيف عمه علي بن النعمان. ومهما يكن من شيء ~~فالقاضي عبد العزيز بن محمد هو أول من ولي النظر على دار العلم، # 34 # وكان يجلس في الجامع، ويقرأ على الناس كتاب جده النعمان «اختلاف ~~أصول المذاهب»، وعلى الرغم من أنه خص بمجالسة الحاكم ومسايرته، فإنه لم ~~ينج من نزوات الحاكم وتقلباته، فعزله عن القضاء سنة 398ه، ثم اعتقله في ~~السنة التالية، ms064 ثم عفا عنه وأعاد إليه النظر في المظالم وخلع عليه، وفي سنة 401 ~~اضطر هذا القاضي إلى أن يهرب من وجه الحاكم هو والقائد الحسين بن جوهر الصقلي، ~~فصادر الحاكم بيوتهما وحمل كل ما كان فيها، ثم كتب الحاكم لهما بالأمان ~~وخلع عليهما، ولكنه أمر بعد ذلك بقتلهما في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ~~401ه. # وبعد هذه المأساة ضعف أمر بني النعمان وساءت حالهم، ولم تبق لهم تلك ~~السطوة ولا ذلك النفوذ، حتى إن القاسم بن عبد العزيز بن محمد بن النعمان ولي ~~القضاء سنة 418ه، ولكنه لم يمكث في هذه المرتبة سوى عام وشهرين، وأعيد مرة ~~أخرى إلى القضاء سنة 427ه، وأضيفت إليه الدعوة. ويقول عنه المؤيد في الدين: ~~«وتوجهت إلى الموسوم بالقضاء والدعوة، وهو يومئذ القاسم بن عبد العزيز بن ~~محمد بن النعمان رحمه الله وإيانا، فرأيته رجلا يصول بلسان نسبه في الصناعة ~~التي وسم بها دون لسان سببه، فارغا مثل فؤاد أم موسى عليه السلام، وفيه جنون ~~يلوح من حركاته وسكناته.» # 35 # وعزل القاسم عن هذه المراتب سنة 441ه، ويحدثنا المؤيد أن نساء ~~بني النعمان تشفعن للقاسم عند أم المستنصر، وألحفن عليها بالسؤال ~~لإعادته، فعينه الوزير اليازوري 442ه نائبا له في الدعوة، فقبل القاسم أن ~~يكون تابعا لداعي الدعاة بعد أن كان أصلا في هذه الخدمة، واستمر القاسم بن ~~عبد العزيز نائبا لليازوري في مرتبة الدعوة حتى أقعده المرض، فأناب ابنه محمد ~~بن القاسم في الدعوة بدله، واستمر محمد نائبا عن والده في نيابة الدعوة حتى ~~سنة 450ه. ثم لم نعد نسمع شيئا عن هذه الأسرة التي ظلت زهاء قرن في ~~مكانة رفيعة عالية، وفي اتصال بالأئمة الفاطميين، كما كان لهذه الأسرة أثرها ~~في بعث العقائد الفاطمية في نفوس الناس بما ألفوه من كتب، وما ألقوه من ~~مجالس الدعوة، وبما كانوا يحكمون به في القضايا على حسب فقه المذهب الفاطمي ~~الذي وضعه لهم النعمان بن محمد مؤسس هذه الأسرة. ~~(2) يعقوب بن كلس # ومن أشهر علماء الدعوة الفاطمية ms065 الذين كان لهم أثر قوي في الحياة العقلية ~~بمصر أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، ولد ببغداد في أسرة يهودية، ونشأ بها ~~حيث درس شيئا من الكتابة والحساب، واتخذ التجارة متكسبا له، شأن غيره من ~~أبناء جلدته الذين لا يتورعون عن كسب المال بشتى الطرق والوسائل، ثم رحل مع ~~أبيه إلى الشام في بعض مسائل تجارية، فنزل مدينة الرملة وأقام بها فصار وكيلا ~~للتجار بها، ثم فر منها إلى مصر. قيل إن سبب ذلك أنه اجتمع قبله مال ~~عجز عن أدائه، فهرب. # 36 # وقيل بل أرسله أبوه إلى مصر للتجارة بها. # 37 # ومهما يكن من شيء فقد وفد يعقوب على مصر إبان ولاية كافور ~~الإخشيدي، فاستطاع بذكائه وكياسته أن يتصل بكافور، وأظهر من علو النفس والجد ما ~~جعل كافورا يقربه إليه ويثق به حتى اشتدت صلة يعقوب بكافور، فعرض عليه كافور ~~الإسلام، فترك يعقوب اليهودية ودخل دين الإسلام، وذلك يوم الإثنين لثماني عشرة ~~ليلة خلت من شعبان سنة 356، ولزم التعبد ودراسة القرآن، ورتب لنفسه رجلا ~~من أهل العلم يدرس له أصول الدين الإسلامي، وكأنه في ذلك الوقت كان يتطلع ~~إلى ما وصل إليه بعد ذلك، فعمل على إتمام النقص الذي كان يشعر به، وهو يهوديته ~~السابقة، فأراد ألا يرمى بضعف إسلامه إذا بلغ ما تاقت إليه نفسه، فاجتهد في ~~الدرس والتحصيل حتى بلغ فيهما درجة عالية، وكأني بالوزير أبي الفضل جعفر بن ~~الفرات المعروف بابن حنزابة وزير كافور، عرف ما كان يرمي إليه يعقوب، فخشي من ~~صلة كافور بهذا اليهودي التاجر، فإنه بعد أن أسلم يعقوب بن كلس اشتد مقت ~~ابن حنزابة له، فنصب له الحبائل لإخراجه من البلاد، فلما توفي كافور سنة 357 ~~قبض ابن الفرات على جميع الكتاب وأصحاب الدواوين، وطلب يعقوب بن كلس فوجده قد ~~هرب إلى المغرب، واتصل يعقوب بالمعز لدين الله، فقربه المعز إليه وصحبه معه ~~إلى مصر بعد أن فتحها الفاطميون. وقيل إن ابن كلس هو الذي أطلع المعز على ~~أسرار مصر، وسهل ms066 له أمر فتحها بعد أن استعصت على جيوش الفاطميين من ~~قبل. # وبعد أن استتب الأمر في مصر للمعز ونقل عاصمة ملكه إلى مدينة القاهرة، ولي ~~يعقوب بن كلس الخراج وجميع وجوه الأموال والحسبة، وذلك في سنة 363ه، ومن مثل ~~ابن كلس يصلح لأمر المال! فاستمر في عمله حتى سنة 365، فقد زادت صلته بالمعز ~~واكتسب حبه وثقته، فولاه المعز النظر في جميع أموره في قصره، وبعد قليل توفي ~~المعز لدين الله ففوض العزيز بالله ليعقوب النظر في سائر أموره وجعله وزيرا ~~له، وذلك في المحرم 367، وفي رمضان 368 خلع العزيز عليه، ولقبه بالوزير ~~الأجل، فكان يعقوب بن كلس أول وزير في مصر الفاطمية. # ويروي ابن زولاق مؤرخ مصر ومعاصر ابن كلس: «أنه لما خلع على الوزير يعقوب بن ~~كلس، وكان مكينا من العزيز وكنت حاضرا مجلسه، فقلت أيها الوزير: روى الأعمش، ~~عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: حدثني الصادق رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه.» وهذا ~~علو سماوي. فقال الوزير: ليس الأمر كذلك، وإنما أفعالي وتوفيراتي وكفايتي ~~ونيابتي ونيتي وحرصي الذي كان يهجى ويعاب، قد مات قوم ممن كان وبقي قوم. ~~وكان هذا القول بحضرة القوم الذين حضروا قراءة السجل الذي خرج من العزيز في ذكر ~~تشريفه. قال ابن زولاق: فأمسكت، وقلت: وفق الله الوزير، إنما رويت عن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # حديثا صحيحا. وقمت وخرجت وهو ينظر إلي. وحدثني أبو عبد ~~الله الحسين بن إبراهيم الحسيني قال: عاتبت الوزير على ما تكلم به، وقلت: ~~إنما روى حديثا صحيحا بجميع طرقه، وما أراد إلا الخير. فقال الوزير: خفي عنك، ~~إنما هذا مثل قول المتنبي في كافور: # ولله سر في علاك وإنما # كلام العدا ضرب من الهذيان # وأجمع الناس على أن ذلك هجو في كافور؛ لأنه أعلمه أنه تقدم بغير سبب، ~~وابن زولاق هجاني على لسان صاحب الشريعة # صلى الله عليه وسلم ms067 ~~، فما أمكنني السكوت، وكان في ~~نفسي شيء فجعلت كلامه سببا. # 38 # فمركب النقص عند يعقوب دفعه إلى أن يعتقد أن تهنئة ابن زولاق هجاء ~~له، وشعوره بيهوديته الأولى، وأنه أصبح وزيرا مقربا إلى إمام من أئمة ~~المسلمين دفعته إلى أن يتعمق في دراسة الدين الإسلامي حتى أصبح علما من ~~أعلام علماء الدعوة الفاطمية. ومع ذلك فنحن لا ندري السبب الذي من أجله اعتقل ~~الوزير في القصر سنة 373ه عدة أشهر، فالمؤرخون لم يذكروا لنا شيئا عن ذلك، ثم ~~نرى العزيز يطلقه سنة 374ه، ويأمر بحمله على عدة خيول، وقرئ سجل برده ~~إلى تدبير أمور الدولة مرة أخرى، ووهبه العزيز خمسمائة غلام من الناشئة وألف ~~غلام من المغاربة، فاتسعت دائرته وعظمت مكانته حتى كتب اسمه على الطرز وفي الكتب. # 39 # بجانب هذه المكانة الرفيعة التي بلغها الوزير يعقوب بن كلس، وهذا السلطان ~~القوي الواسع الذي أحرزه، كان هذا الوزير محبا للعلم والعلماء مشجعا لمن ~~طلب العلم، يغدق المنح والعطايا للكتاب والشعراء. ويروي ابن خلكان: «كان ~~يعقوب يجمع عنده العلماء، وكان في داره قوم يكتبون القرآن الكريم، وآخرون ~~يكتبون كتب الحديث والفقه والأدب والطب، ويعارضون ويشكلون المصاحف وينقطونها، ~~وكان ينصب كل يوم خوانا لخاصته من أهل العلم والكتاب وخواص أتباعه، # 40 # فكان من خاصة جلسائه الحسين بن عبد الرحيم المعروف بالزلازلي ~~مصنف كتاب الأسجاع، # 41 # والتميمي المقدسي الطبيب الذي صنف للوزير كتابا ضخما في عدة ~~مجلدات سماه: «مادة البقاء بإصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء.» # 42 # وأخذ الوزير علم العروض عن شيخه البديهي، وبفتحه وهدايته قال الشعر، # 43 # وبلغ هو نفسه في علم الفقه الفاطمي درجة أهلته لأن يؤلف ~~الكتب ويعقد مجالس التأويل، فقد رتب لنفسه مجلسا في كل ليلة جمعة يقرأ فيه ~~مصنفاته على الناس، وكان يحضر هذا المجلس القضاة والفقهاء والقراء والنحاة ~~وجميع أرباب الفضائل والعدول، وغيرهم من وجوه الدولة. # 44 # كما نصب مجلسا في داره يحضره في كل يوم ثلاثاء الفقهاء ~~والمتكلمون وأهل الجدل للمناظرة بين يديه، # 45 ms068 # فرعايته للعلم والعلماء ساعدته على أن يؤلف هذه الكتب التي قرأها ~~على الناس، والتي منها كما ذكر ياقوت: # 46 ~~(1) كتاب ~~في القراءات. (2) كتاب في علم الأبدان وصلاحها. (3) كتاب في الفقه مما سمعه من ~~المعز والعزيز. (4) كتاب في الأديان وهو في الفقه. (5) مختصر الفقه وهو المعروف ~~بالرسالة الوزيرية. (6) كتاب في آداب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # هذه بعض الكتب التي ألفها هذا الوزير، ويقول إيڤانوف: إنها فقدت جميعها، ~~ولم يبق منها إلا الرسالة الوزيرية في مختصر الفقه، وهو الكتاب الذي طلب ~~الإمام الظاهر إلى الناس أن يحفظوه، وشجع على ذلك بترتيب أموال لمن حفظه. # 47 # ويحدثنا المقريزي أن الناس كانوا يفتون بكتابه في الفقه، ودرس ~~فيه الفقهاء بجامع مصر، وأن العزيز بالله أجرى لجماعة فقهاء كانوا يحضرون مجلس ~~الوزير أرزاقا كل شهر تكفيهم، # 48 # وقد ذكرنا أن هذا الوزير هو أول من جعل من الجامع الأزهر جامعة ~~علمية، ورتب لعلمائها الأرزاق. معنى هذا كله أن الوزير يعقوب بن كلس رعى ~~العلم والعلماء، فاتسعت بفضله الثقافة، وازداد الإقبال على العلم، وكذلك لقي ~~الشعر على يديه التشجيع الذي لقيه العلم، فقد كان الوزير بعد أن ينتهي من ~~مجالسه العلمية يأذن للشعراء في إنشاده مدائحهم فيه، # 49 # وكان يغدق عليهم الهبات والعطايا، ولعل أكثر الشعراء مدحا له هو ~~الشاعر أبو حامد أحمد بن محمد الأنطاكي المنبوز بأبي الرقعمق، وعبد الله ~~بن محمد بن أبي الجوع، فمن قول ابن أبي الجوع، وقد مرض الوزير من علة أصابت يده: # 50 # يد الوزير هي الدنيا فإن ألمت # رأيت في كل شيء ذلك الألما # تأمل الملك وانظر فرط علته # من أجله، واسأل القرطاس والقلما # وشاهد البيض في الأغماد هائمة # إلى العدا وكثيرا ماروين دما # وأنفس الناس بالشكوى قد اتصلت # كأنما أشعرت من أجله سقما # هل ينهض المجد إلا أن يؤيده # ساق يقدم في إنهاضه قدما # لولا العزيز وآراء الوزير معا # تحيفتنا خطوب تشعب الأمما # فقل لهذا وهذا أنتما شرف # لا أوهن الله ركنيه ولا انهدما # كلاكما لم ms069 يزل في الصالحات يدا # مبسوطة ولسانا ناطقا وفما # ولا أصابكما أحداث دهركما # ولا طوى لكما ما عشتما علما # ولا انمحت عنك يا مولاي عافية # فقد محوت بما أوليتني العدما # ومن قول أبي الرقعمق: # إن يعقوب قد أفاد وأقنى # وأعاد الندى وأغنى الضعيفا # سل سيفا من البصيرة والرأ # ي فأغناه أن يسل السيوفا # باذلا للعزيز دون حماه # مهجة حرة ورأيا حصيفا # ما رأيناه قط إلا رأينا # خلقا طاهرا وفعلا شريفا # ورأينا قرما كبيرا هماما # منعما مفضلا رحيما رءوفا # 51 # ووجد بين شعراء مصر في ذلك الوقت من كان يهجو الوزير ابن كلس، ويحدثنا ~~ابن الأثير أن الشاعر الحسن بن بشر الدمشقي هجا يعقوب بن كلس، وهجا كاتب ~~الإنشاء أبا نصر عبد الله الحسين القيرواني بقوله: # قل لأبي نصر صاحب القصر # والمتأتى لنقض ذا الأمر # انقض عرى الملك للوزير تفز # منه بحسن الثناء والذكر # واعط أو امنع ولا تخف أحدا # فصاحب القصر ليس في القصر # وليس يدري ماذا يراد به # وهو إذا ما درى فما يدري # فشكاه ابن كلس إلى الإمام العزيز، وأنشده الشعر، فقال له: هذا شيء اشتركنا ~~فيه في الهجاء، فشاركني في العفو عنه. ثم قال هذا الشاعر أيضا، وعرض بالفضل ~~القائد: # تنصر فالتنصر دين حق # عليه زماننا هذا يدل # وقل بثلاثة عزوا وجلوا # وعطل ما سواهم فهو عطل # فيعقوب الوزير أب وهذا ال # عزيز ابن وروح القدس فضل # فشكاه يعقوب إلى العزيز فامتعض منه، إلا أنه قال: اعف عنه. فعفا عنه، ثم دخل ~~الوزير على العزيز فقال له: لم يبق للعفو عن هذا معنى، وفيه غض من السياسة، ~~ونقض لهيبة الملك، فإنه قد ذكرك وذكرني وذكر ابن زبارج نديمك، وسبك ~~بقوله: # زبارجي نديم # وكلس وزير # نعم على قدر الكل # ب يصلح الساجور # فغضب العزيز على هذا الشاعر، وأمر بالقبض عليه، ثم بدا للعزيز إطلاقه فأرسل ~~يستدعيه، وكان للوزير عين في القصر فأخبره بذلك، فأمر بقتل الشاعر، فقتل. # 52 # وهكذا كان لهذا الوزير أعداء كما كان له أنصار ومحبون، وقد ms070 حزن الناس حين ~~ابتدأت علته في الحادي والعشرين من شوال سنة 380ه، ونزل إليه العزيز بالله ~~يعوده، وقال: «وددت أنك تباع فأبتاعك بمالي، أو تفدى فأفديك بولدي.» # 53 # وتوفي يعقوب بن كلس ليلة الأحد لخمس خلون من ذي الحجة سنة ~~380ه، واجتمع الناس فيما بين القصر وداره لتشييعه إلى مقره الأخير، وخرج العزيز ~~من القصر على بغلة، والناس يمشون بين يديه وخلفه بغير مظلة، والحزن ظاهر عليه، ~~وأقام ثلاثا لا يأكل على مائدته ولا يحضرها من عادته الحضور، وأقام الناس عند ~~قبر الوزير شهرا، وغدا الشعراء إلى قبره فرثاه مائة شاعر أجيزوا كلهم. فهذا ~~كله يدل على أنه كان للوزير مكانة في نفس إمامه وفي نفوس معاصريه جميعا، وذلك ~~لما عرف عنه من إنصافه وكرمه وعلمه، وما أظهره من شدة تمسكه بأهداب الدين ~~الإسلامي على مذهب القوم. ~~(3) المؤيد في الدين داعي الدعاة # 54 # وهل نستطيع أن نتحدث عن علماء الدعوة الفاطمية دون أن نتحدث عن هذا العالم ~~الذي بلغت علوم الدعوة الذروة على يديه، ذلك هو المؤيد في الدين داعي الدعاة ~~الذي عرف في تاريخ الأدب العربي بمناظرته مع أبي العلاء المعري في تحريم أكل ~~اللحم، والذي أراد الأستاذ مرجوليوث المستشرق الإنجليزي أن يعرف شيئا عن حياته ~~فخانه التوفيق، واكتفى بذكر اسمه دون حياته، فعلى الرغم من أن المؤيد لم يكن ~~مصري المولد والنشأة فقد وفد على مصر، وأقام بها زهاء ثلاثين عاما، واستمع له ~~جمهرة من المصريين، أخذوا عنه علوم الدعوة فأثر في الحياة العقلية المصرية ~~بمبادئه التي كان ينادي بها. وفي مصر أخذ عنه لمك بن مالك قاضي الصليحيين ~~باليمن، فنقلت عن مصر علوم الدعوة إلى اليمن، وأصبح اليمنيون يدينون للمؤيد ~~بالأستاذية في علوم الدعوة، وفي مصر أنشد المؤيد أكثر قصائد ديوانه، وألقى ~~مجالسه التي بلغت الثمانمائة مجلس، فلا غرابة أن نتحدث عنه في كتابنا هذا، وهو ~~كتاب خاص بمصر. # اسمه هبة الله بن أبي عمران موسى بن داود الشيرازي، ولد بشيراز في العشر ~~الأخير من القرن الرابع ms071 من الهجرة، في أسرة اتخذت العقيدة الفاطمية مذهبا لها، ~~وكان أبوه حجة جزيرة فارس أيام الحاكم الفاطمي، فنشأ ابنه هبة الله ليأخذ ~~مكانته في الدعوة في هذا الإقليم، وأخذه منذ نشأته بالإلمام بكل شيء يخص الدعوة ~~وأسرارها، وكاتب الحاكم بأمر الله بأن يولي ابنه هبة الله أمر فارس من ~~بعده، وبالفعل أصبح هبة الله حجة فارس بعد أبيه، وما لبث أن أصبح يملك نفوس ~~أتباعه فانقادوا له الانقياد كله، فكانوا يفشون إليه أسرارهم الخاصة حتى مع أهل ~~بيتهم، ويضحون في سبيله بأرواحهم، وكثر أتباعه حتى خشي السلطان أبو كاليجار ~~البويهي سطوته ونفوذه، وهم أن ينفيه مرارا من شيراز، ولكنه كان يخاف ثورة ~~أتباع المؤيد، وبلغت كراهية السلطان أبي كاليجار للمؤيد أنه كان يكره سماع اسمه ~~في مجالسه، ولكن المؤيد في الدين احتال حتى استطاع أن يتصل بأبي كاليجار، وأن ~~يجعل السلطان يستمع إليه، وأن يعقد مجالس المناظرة بين المؤيد وعلماء المعتزلة ~~والشيعة وأهل السنة؛ فكان المؤيد يبرز على خصومه ومناظريه، فاضطر السلطان أمام ~~قوة بيانه ودامغ حجته إلى أن يخضع للمؤيد، بل لأن يدخل في دعوته، وأن يعقد ~~مجلسا خاصا يلقي فيه المؤيد على السلطان شيئا من علوم أهل البيت والفقه ~~الفاطمي من كتاب دعائم الإسلام للقاضي النعمان. # كان ذلك كله سببا في غضب جمهور أهل السنة في فارس، ولا سيما القضاة ~~والعلماء، فأخذوا يوغرون صدور المقربين من أبي كاليجار وندمائه على المؤيد، ~~وانتهزوا فرصة واتتهم للإيقاع به؛ ذلك أن المؤيد زار أتباعه في مدينة الأهواز، ~~فوجد مسجدا قديما تهدمت جدرانه فأمر شيعته بتجديده ونقش على محرابه ~~بالذهب أسماء الأئمة الفاطميين، وطلب من نقبائه الأذان فيه «بحي على خير العمل» ~~أذان الشيعة، وخطب يوم الجمعة باسم المستنصر الفاطمي، فجهر بالدعوة الفاطمية ~~دون خشية، وأعلن عصيانه في بلد يدين للعباسيين، مما جعل قاضي الأهواز يرسل إلى ~~الخليفة العباسي ببغداد ينعي الدولة العباسية وضياع خلافتها على يد المؤيد في ~~الدين، كما ثار أهل السنة على أبي كاليجار، وجاء الوزير العباسي ابن المسلمة ms072 ~~موفدا من قبل العباسيين للقبض على المؤيد، وكان أبو كاليجار إذ ذاك يرنو إلى ~~ملك بغداد، فكان بين عاملين: إما ضياع هذه الفرصة من يده في سبيل رعاية ذمة ~~المؤيد، وإما أن يضحي بالمؤيد في سبيل أطماعه. # وأدرك المؤيد تردد أبي كاليجار في هذا الأمر، ولا سيما بعد أن قطع السلطان ~~مجالسه الليلية مع المؤيد، ورغبته عن لقائه، فلم يجد المؤيد بدا من النزوح عن ~~وطنه، فسار مختفيا متجنبا الطرق العامة، سالكا البراري والقفار حتى وصل ~~إلى مصر سنة 437ه. جاء مصر يحدوه الأمل فيما سيكون عليه شأنه من جاه وسلطان ~~وتوقير؛ لأنه خدم دعوته بما لم يخدمها به أحد من الدعاة قبله، وقام بأمرها حق ~~قيام، ولكنه من جهة أخرى كان يعلم أن الأمر في مصر ليس بيد إمامه المستنصر، بل ~~كانت السلطة كلها بيد أم المستنصر ووكلائها، أمثال التستري واليازوري وغيرهما، ~~يصرح المؤيد بذلك في سيرته بقوله: «بلغت بشق النفس الباب الطاهر، مترجحا بين ~~أمل ويأس، ومتعقبا لملتقى ما يلقاني من طرفي إيحاش وإيناس؛ فأما الأمل فمن جهة ~~خدمة ما خدم مثلها غيري، حداني حاديها، وناداني بالأهل والمرحب مناديها. ~~وأما اليأس فمن حيث علمت أن المقصود شمس توارت بالحجاب، ووجه نهار تبرقع ~~بالسحاب، وأن المسافة لعلها تقذفني من الإضاعة في يم، وتئويني من حيث أرادت ~~غنما إلى غرم ... أدخلوني من باب القاهرة المعزية إلى قصر الخلافة - عمرها ~~الله تعالى - فاستلمت على جاري العادة في مثله الأبواب، ولمحت الثريا ترابا ~~تحت قدمي إذ ترشفت ذاك التراب، وأجلسوني هنيهة لأفيق من غشية الهيبة التي ملأت ~~جوانحي، لما غشيت المسرة بمشاهدة ذلك المقام قلبي وجوارحي ، ثم أدخلوني إلى ~~الوزير المعروف بالفلاحي - رحمه الله - فرأيت شيخا عليه من الوقار مسحة، ومن ~~الإنسانية سمة، فأدنى وقرب، وأكرم ورحب، وخرجت فأخذوني إلى دويرة كانت ~~فرشت لي، هي من الكرامة في الدرجة الوسطى من الحال، لا بالإكثار ولا بالإقلال ...» # 55 # وهكذا استقر بمصر، واتصل برجالها، وحضر مجالس الدعوة فيها، ولكن الوشايات لم ~~تنقطع عنه، والدسائس ms073 تحاك حبالها حوله، فكان يقربه الوزراء حينا ويبعدونه ~~حينا آخر، فعاش في مصر بين الرضا والغضب، وكثيرا ما فكر في الرحيل عن ~~مصر، ولكن القوم لم يسمحوا له بالرحيل، وكان يأمل أن يولى مرتبة داعي الدعاة، ~~ولكنها كانت تفر منه كلما حاول الإمساك بها، وأخيرا عينه الوزير ~~اليازوري رئيسا لديوان الإنشاء، وزاد في معاشه، فتحسنت حاله، فظل في هذا ~~العمل إلى أن علم بقيام طغرلبك التركماني لامتلاك بغداد، وهنا تظهر لنا موهبة ~~المؤيد وتوقد ذكائه؛ إذ أدرك أن التركمانية خطر على الدولة الفاطمية، وأنه ~~إذا تم أمر بغداد لطغرلبك فإنه لا ينثني عن محاربة أملاك الفاطميين في بلاد ~~الشام وأعالي الجزيرة، فأسرع المؤيد في درء هذا الخطر عن أملاك إمامه، فكاتب ~~رجال طغرلبك يستميلهم إلى الدعوة الفاطمية، كما راسل البساسيري وغيره من رجال ~~العباسيين الذين يحقدون على التركمانية، ويخشون تملكهم للبلاد، ووعد هؤلاء ~~بإمدادات الفاطميين إن قاوموا طغرلبك. # أما البساسيري ورجاله فرحبوا بالعمل باسم الفاطميين، على حين لم يستجب رجال ~~طغرلبك. فأيقن المؤيد أن الحرب لا شك ناشبة بين الفاطميين والتركمانية، فنشط ~~للدعوة بين الوزراء ورجال مصر لحرب طغرلبك، ووجدت دعوته قبولا منهم، وأعدت ~~مصر الخلع والسلاح والعتاد والأموال، وأنفقت الدولة على هذه الحملة أموالا ~~ذكرها المؤرخون في كتبهم، وهي الأموال التي أدت إلى ضعف مصر اقتصاديا، ~~وجرتها إلى ما عرف بالشدة العظمى، وطلب من المؤيد أن يكون على رأس هذه ~~القافلة لتسليم هذه الذخائر إلى البساسيري، فاعتذر المؤيد، ولكن المستنصر ~~الفاطمي أصدر أمره بأن يكون المؤيد على رأس الركب، فلم يسع المؤيد إلا الخضوع ~~لأمر إمامه، وطلب المؤيد لأن يلبس خلع الوزارة فأبى وأمعن في الإباء. # وهكذا بدأ المؤيد حياة جديدة، حياة الرجل العسكري وحياة السياسي الداهية، فقد ~~خرج من مصر وليس معه جندي واحد، وإنما كانت معه ذخائر وأموال وعتاد حربي، ورسم ~~له أن يصطنع من الأعراب وأمراء البادية ومن العرب والأكراد من يشاء، ويغريهم ~~جميعا بالأموال والألقاب من قبل الفاطميين، فإذا كانت إنجلترا تعترف لأحد ~~أبنائها وهو ms074 «لورنس» بخدماته في تأليب العرب على العثمانيين في الحرب العالمية ~~الأولى، وتشيد بذكر أعماله وتمجد بطولته، فكيف ينسى المصريون المؤيد في الدين ~~وقيامه بما عهد إليه من حفظ ممتلكات الفاطميين، بل ما أداه من نشر الدعوة ~~الفاطمية في بلاد لم تذكر الدعوة فيها من قبل، وفي إعادة بلاد أخرى كانت ~~خرجت عن الدعوة وسلطانها. لقد وصف لنا المؤيد في سيرته حركاته ومكاتباته مع ~~أمراء العرب، وكيف استمالهم جميعا للنهوض معه في حرب التركمانية ومساعدته في ~~طردهم من العراق، حتى تكاثر الأنصار حوله، وسارع أمراء الكوفة وواسط وحلب إلى ~~الدعوة باسم الإمام المستنصر، فاستطاع المؤيد بما تجمع حوله أن ينتصر على ~~طغرلبك في موقعة سنجار التي ذكرها الشاعر ابن حيوس في قصيدة منها: # عجبت لمدعي الآفاق ملكا # وغايته ببغداد الركود # وبهذا النصر الذي أحرزه المؤيد دانت له الموصل والجزيرة وديار بكر، ولكن ~~جموعه كانت تضم نفوسا متباغضة متشاحنة، فسرعان ما دب بينها النفور، وحل ~~الشقاق، وتفرق عنه أكثر الأمراء حسدا منهم لمن قربهم المؤيد إليه، ووصف ~~المؤيد حالهم بأنه كان بين ذئاب تتخادش وكلاب تتهارش. وكان يحاول تهدئتهم ~~وإصلاح ما بينهم فلم يوفق، وعلم طغرلبك بحالهم فأسرع إليهم وهزمهم، وكان ~~المؤيد إذ ذاك في الرحبة، فاصطنع الصبر والثبات وأخذ يحث من تفرقوا عنه إلى ~~الرجوع إليه ويعدهم ويمنيهم، ولكنها كانت صيحة في واد، وخشي أن يدركه العدو ~~وهو حي، فآثر أن ينسحب إلى حلب واتخذها مقرا لقيادته، وكانت حلب في يد ~~المرداسيين الذين قطعوا خطبة الفاطميين، فما زال المؤيد بهم حتى سلموا بلدهم ~~إلى الوالي الذي أرسله المستنصر الفاطمي. # وفي حلب استطاع المؤيد أن يتصل بإبراهيم بن ينال، وأغراه أن يخالف طغرلبك، ~~ووعده بالتلقيب والخلع الفاطمية، فكانت مؤامرة ناجحة؛ إذ انفصل إبراهيم بن ينال ~~عن جيوش طغرلبك وخرج هذا لمحاربته، فانتهز المؤيد هذه الفرصة، وأمر البساسيري ~~بالمسير إلى بغداد، فتم له ذلك سنة 450ه، ودعا على منابرها باسم المستنصر ~~الفاطمي لمدة عام، ولو كان وزراء مصر استمعوا لنصائح المؤيد لتغير وجه ms075 ~~التاريخ الإسلامي، ولكانت هذه الحركة سببا في محو الخلافة العباسية منذ دخلت ~~جيوش البساسيري بغداد سنة 450ه، ولكن المؤيد عاد إلى مصر دون أن يحفل به أحد، ~~ولم تحتفل مصر بامتلاك بغداد فلم ينفخ فيها بوق واحد، ولم يقرع فيها طبل ~~واحد، ولا غرابة في ذلك فقد كان الوزير في مصر إذ ذاك هو الوزير المغربي الذي ~~لم ينس ما فعله الفاطميون بأجداده وآبائه، وهكذا أضاع وزراء مصر تلك الفرصة ~~الذهبية التي هيأها لهم المؤيد بدهائه وسياسته. # عاد المؤيد إلى مصر فولي مرتبة داعي الدعاة، وبذلك أصبح في المرتبة التي شقي ~~بالتطلع إليها ردحا طويلا من الزمان، ولكنه لم يمكث في تلك المرتبة طويلا؛ ~~إذ خشى الوزراء مكانته ونفوذه وسلطانه فنفي مرة من مصر، ثم أعيد إليها وولي ~~مرتبة الدعوة، ثم عزل عنها وولي ديوان الإنشاء مرة ثانية، وهكذا عاش حتى توفي ~~سنة 470ه بالقاهرة، ودفن في دار العلم بجوار القصر، وصلى عليه الإمام ~~المستنصر نفسه. # كان المؤيد في الدين من أكبر علماء عصره، وتدلنا كتبه التي وصلت إلينا على ~~أنه كان واسع الثقافة ملما إلماما تاما بجميع العلوم التي عرفت في ~~العالم الإسلامي إذ ذاك، قوي الحجة في مناظراته وجداله مع مخالفيه، وقد صدق أبو ~~العلاء المعري حين وصفه بقوله: «وسيدنا الرئيس الأجل المؤيد في الدين، ما ~~زالت حجته باهرة ودولته عالية ... ولو ناظر أرسطاليس لجاز أن يفحمه، أو ~~أفلاطون لنبذ حججه خلفه.» # 56 # ويكفي أن ننظر إلى مناظرات المؤيد مع المعري لندرك كيف كان شيخ ~~المعرة يتهرب من هذه المناظرة، وأنه كان يخشى قوة منطق المؤيد وحجته مع فصاحة ~~بيانه، فاعترف له بالتفوق في الجدل، وأنه ورث علم الأولين. # وضع المؤيد في الدين عدة كتب أهمها: ~~(1) # المجالس المؤيدية: # وهو أكبر كتاب وصل إلينا في الدعوة الفاطمية؛ ~~إذ يضم هذا الكتاب ثمانمائة مجلس من مجالس الدعوة التي كان يلقيها ~~المؤيد، ويثبت من هذا الكتاب أن الدعوة وعلومها بلغت ذروتها على يد ~~المؤيد، ويعد هذا الكتاب من أقوى الكتب عند ms076 طائفة البهرة، ولا ~~يقربه إلا من بلغ مرتبة خاصة من مراتب دعوتهم. وقد رتب حاتم بن ~~إبراهيم الحامدي الداعي اليمني هذا الكتاب، وقسمه إلى أبواب حسب ~~موضوعاته، وسمى الكتاب «جامع الحقائق»، وإذا نظرنا في كتب الدعوة ~~لدعاة اليمن، نرى أن جميع الدعاة كانوا يقتطفون من المجالس ~~المؤيدية ويستشهدون بها. ونرجو أن نوفق إلى نشر هذا الكتاب ~~القيم، فهو موسوعة في علوم الدعوة الفاطمية، وفي هذه المجالس نرى ~~مناظرات المؤيد ورده على المخالفين. ~~(2) # ديوان المؤيد في الدين: # كان المؤيد شاعرا كما كان أديبا ~~وعالما، وقد وصل إلينا ديوانه، فإذا به مجموعة من قصائده التي ~~أنشدها في مدح الأئمة، وفي هذا الديوان نرى تطور حياة المؤيد، ~~ووصف أحواله، وإشارات إلى جهوده، كما ملأ قصائده بالعقائد الفاطمية ~~ومصطلحاتها. وطبع هذا الديوان بشركة الكاتب المصري في سلسلة ~~مخطوطات الفاطميين. ~~(3) # السيرة المؤيدية: # ولعل هذا الكتاب أقوم كتاب تاريخي يفصل لنا ~~الحياة السياسية والاجتماعية في فارس والعراق ومصر، في المدة من ~~سنة 429 حتى سنة 450، كما يعد سجلا للوثائق التي تبودلت بين ~~المؤيد وأمراء العرب، وبينه وبين الوزراء المصريين إبان الثورة ~~التي عرفت في التاريخ باسم ثورة البساسيري، وكذلك لم أجد كتابا ~~من كتب التاريخ تحدث عن هذه الثورة كما تحدث عنها المؤيد، ~~ولا غرو في ذلك؛ إذ كان المؤيد سبب هذه الثورة ومدبرها والمشرف ~~عليها. وقد طبع هذا الكتاب بشركة الكاتب المصري في سلسلة مخطوطات ~~الفاطميين. # وللمؤيد غير هذه الكتب كتاب شرح المعاد، وكتاب الإيضاح والتبصير في فضل يوم ~~الغدير، وكتاب الابتداء والانتهاء، وكتاب تأويل الأرواح، وكتاب نهج العبادة، ~~وكتاب المسألة والجواب، وترجم إلى اللغة الفارسية كتاب أساس التأويل للقاضي ~~النعمان، وهو في تأويل قصص الأنبياء. # ويعتبر المؤيد أستاذ الدعوة في اليمن والهند، فعنه أخذ القاضي لمك بن مالك ~~علوم الدعوة، وعاد إلى اليمن يلقي على المستجيبين ما تلقاه عن المؤيد. كما ~~يعد أستاذ ناصر خسرو الشاعر الفارسي المعروف، فقد ذكره ناصر في أشعاره، ~~ووصف مجالسه، وهكذا كان للمؤيد أثر في الحياة السياسية والعقلية ~~والأدبية. ms077 # الباب الثاني # | في الحياة العلمية # | # يعد عصر الفاطميين من أزهى عصور مصر الإسلامية من الناحية العلمية، فقد بلغت ~~الحياة العلمية في مصر الفاطمية درجة كبيرة من النمو والازدهار؛ لكثرة العلماء ~~الذين كانوا في مصر أو وفدوا عليها، وكثرة المؤلفات في كل فن من فنون ~~العلم. # وقد ذكرنا أن أئمة الدعوة الفاطمية كانوا يقربون العلماء، ويشجعون الطلاب، ~~وأنهم أوقفوا أرزاقا ثابتة للمشتغلين بالعلم حتى يتهيأ لهم التفرغ لما ~~أهلوا أنفسهم له، فكان الفاطميون على هذا النحو من الاهتمام بشئون العلماء أسبق ~~مما عليه كثير من الدول التي لم تعرف للعلماء قدرهم، ولم توفهم حقهم، فشغل ~~العلماء بأمر أرزاقهم أولا، فركدت الحركة العلمية عند هذه الدول. وقد رأينا كيف ~~اهتم الفاطميون بإنشاء خزائن الكتب في القصر وفي دار العلم حتى يتسنى للعلماء أن ~~يطلعوا ويستفيدوا مما تركه السابقون، وبلغ من تشجيع الفاطميين لطلاب العلم أن ~~القاضي النعمان سمع إمامه المعز يقول: «إنا لنسر بمن نراه من أوليائنا يطلب ~~العلم والحكمة ويرغب في الخير، كما نسر بذلك في الولد.» # 1 # ففي ظل هؤلاء الأئمة، وعلى ضوء ما ذكره الإمام المعز، وجد العلماء ~~ملاذا يئويهم من العوز، ويحميهم من الفاقة، بل وجدوا ما يشجعهم على مواصلة البحث ~~والدرس والتأليف. # ويذكر المؤرخون عددا من العلماء الذين وفدوا على مصر الفاطمية، ووجدوا من ~~التشجيع ما جعلهم يذكرون مصر والأئمة بالخير، فيحدثنا ابن أبي أصيبعة أنه لما ~~وصل المهذب بن النقاش - وكان فاضلا في صناعة الطب - إلى الشام من بغداد، أقام ~~بدمشق مدة، ولم يحصل له بها ما يقوم بكفايته، وسمع بالديار المصرية وإنعام الخلفاء ~~فيها وكرمهم وإحسانهم إلى من يقصدهم ولا سيما من أرباب العلم والفضل، فتوجه إلى ~~مصر واتصل بالقاضي الأجل السديد أبي المنصور عبد الله ابن الشيخ السديد أبي ~~الحسن علي، فوهب له الأموال وأقام في مصر مكرما. # 2 # ونردد ما ذكره المؤرخون عن القاضي عبد الوهاب بن علي أحد فقهاء ~~المالكية المجتهدين في المذهب، حتى قال عنه صاحب تاريخ بغداد: «لم أر في ms078 ~~المالكية أفقه منه.» إذ وفد على مصر لضيق حاله ببغداد، وأكرمه المصريون على الرغم ~~من تمذهبه بمذهب يخالف ما هم عليه، حتى تمول وحسنت حاله جدا، ولكن أدركه ~~المرض، وكان يقول وهو في مرضه: «لا إله إلا الله، عندما عشنا متنا!» وتوفي بمصر سنة ~~422ه، وسنذكر غير هذين العالمين في الفصول التالية. # فالقاهرة المعزية أصبحت مطمع أنظار العلماء، ومحط رحال الطلاب، وفي العصر الفاطمي ~~استطاعت مصر أن تنتزع زعامة العالم الإسلامي في الحياة العلمية، وأن تبسط آراءها ~~وتعاليمها على البلدان الأخرى، حتى نرى بعض العلماء الذين كانوا ينقمون على الشيعة ~~عامة والفاطميين خاصة يفدون على مصر، ويتأثرون ببعض الآراء التي كانت سائدة فيها، ~~وأقرب مثل نقدمه لذلك هو الإمام الغزالي، فقد هاجم الفاطميين في كتبه: القسطاس، ~~والمنقذ من الضلال، والمستظهري أو الرد على الباطنية وغيرها من كتبه، ولكنه وفد على ~~مصر في أواخر حياته، ووضع كتابه مشكاة الأنوار متأثرا ببعض العقائد الفاطمية، ~~ولا سيما نظريتهم في ترتيب العقول. # ويخيل إلي أن السبب الذي من أجله شجع أئمة الفاطميين العلم والعلماء أن ~~المذهب الفاطمي نفسه يقوم على العلم والعقل قبل كل شيء، ومن طريق العلم وبالجدل ~~والمناظرات استطاعت الدعوة الفاطمية أن تنتشر في العالم الإسلامي، واستطاع ~~الفاطميون أن يكونوا دولتهم العتيدة، فعقيدة الفاطميين كانت تقوم على العمل ~~والعلم؛ فالعمل هو الظاهر والعلم هو الباطن، وعلم الباطن يقوم على استخدام العقل ~~ومطابقة المحسوس للمعقول؛ فلا غرو أن رأينا الفاطميين يشجعون العلم الذي هو دعامة ~~من دعائم العقيدة الفاطمية. # وقد أثرت الفلسفة اليونانية والمذاهب الدينية القديمة في أرباب هذه الدعوة ~~وعلمائها على نحو ما رأيناه في الباب السابق من هذا الكتاب، فكان الفاطميون يهتمون ~~بهذه الألوان من الدراسة الفلسفية والمذهبية؛ إما لإدخال بعض عناصر منها في عقيدتهم ~~وآرائهم، وإما للرد عليها وتهجين هذه الآراء القديمة، فعل ذلك الفاطميون في الوقت ~~الذي كان فيه أهل السنة في البلاد الأخرى يرمون من يشتغل بالفلسفة بالزندقة ~~والإلحاد. فالفكر اليوناني وجد ترحيبا من الفاطميين، وتوسعوا في دراسته، ms079 وقد ~~لاحظ المستشرق أوليري ذلك فقال: «إن الحركة الفاطمية بأكملها أخذت مكانتها في ~~جو مشبع بالفكر الهليني، وإحياء دراسة المواد اليونانية هو الإلهام المباشر ~~لطائفة الإسماعيلية.» # 3 # وسنرى في الفصل التالي مبلغ اهتمام الفاطميين بالعلوم الفلسفية، واصطناعهم لكل ~~من عرف بالاشتغال بفرع من فروع الفلسفة، فقد قيل إن العزيز بالله كاتب جبرائيل ~~بن بختيشوع، واستدعاه إلى مصر فاعتذر، # 4 # وأرسل الحاكم بأمر الله إلى ابن الهيثم يستدعيه فأجاب، وكتب الوزير ~~الفلاحي إلى والي حلب وأعمالها بحمل أبي العلاء المعري إلى مصر ليبني له دار علم ~~يكون متقدما فيها، وسمح بخراج معرة النعمان له في حياته وبعده، وإن والي حلب سار ~~إلى معرة النعمان، واجتمع بأبي العلاء، وقرأ السجل عليه فاستمهله، وكتب إلى الوزير ~~الفلاحي يستعفيه من ذلك فأعفاه. وتسامح الفاطميون مع العلماء الذين لم يعتنقوا ~~مذهبهم، بل كانوا متسامحين مع أصحاب الأديان غير الإسلامية، فأبو الفتح منصور بن ~~مقشر كان طبيبا للعزيز والحاكم بأمر الله، ومن المقربين إليهما، وبعد وفاته ~~استطب الحاكم إسحق بن إبراهيم بن نسطاس، وهما من أهل الذمة، ولكن الفاطميين ~~أغدقوا عليهما وعلى غيرهما من أصحاب الفلسفة الأموال والخلع والألقاب، وحفظ لنا ~~التاريخ أسماء عدد كبير منهم. # وقد ذكرنا أن الفاطميين كان لهم دعاة في جميع أرجاء البلاد الإسلامية، يناقشون ~~ويجادلون أصحاب المذاهب الأخرى، ورأينا كيف التف عدد كبير من المسلمين حول هؤلاء ~~الدعاة، وأخذوا عنهم علوم الدعوة، فنستطيع إذن أن ندرك في سهولة ويسر أن هذه الدعوة ~~الفاطمية لم تؤثر في مصر فحسب، بل أثرت في جميع البلاد الإسلامية، وتبع ذلك أن ~~الآراء اليونانية وغيرها من المذاهب القديمة من إسرائيلية ومسيحية وزرادشتية ~~ووثنية، وهي التي صبغها الفاطميون بالصبغة الإسلامية، قد انتشرت في العالم الإسلامي ~~على أيدي دعاة الفاطميين. # وإذا درسنا الحياة العقلية في العالم الإسلامي في القرن الرابع وما بعده، رأينا ~~أكثر العلماء كانوا متأثرين بهذه الآراء التي بثها دعاة الفاطميين، ونرى بعض ~~الفلاسفة الذين نبغوا في القرن الرابع وما بعده كانوا على صلة قريبة أو ms080 بعيدة من ~~العقائد الفاطمية أو العقائد الشيعية عامة، فابن حوقل كان متشيعا لهم حتى قيل إنه ~~من دعاتهم، والفارابي مثلا في حديثه عن القلم واللوح يكاد يتحدت بلسان دعاة ~~الفاطميين، ويكاد يشاركهم في حديثه عن التوحيد، # 5 # وابن سينا قيل إنه إسماعيلي المذهب، وإن أباه كان أحد دعاتهم فنشأ ~~متأثرا بعقائدهم، وجماعة إخوان الصفاء الذين يرجح أنهم ازدهروا في ظل البويهيين ~~الذين كانوا يميلون إلى التشيع، ومنهم من اعتنق الدعوة الفاطمية، وكان يراسل ~~الخليفة الفاطمي، وظهرت في رسائل إخوان الصفاء إسماعيليتهم. وابن الهيثم كان متصلا ~~بالحاكم بأمر الله الفاطمي وعاش في كنفه، وأبو العلاء المعري حكيم المعرة كان ~~متأثرا تأثرا تاما بهذه الآراء التي كانت تحيط به، فقد امتد ظل الحكم ~~الفاطمي إلى بلاد الشام، وانتشرت فيها آراء الفاطميين كما انتشرت في كل البقاع التي ~~خضعت أو لم تخضع لهم، فترى في أشعار أبي العلاء وكتابته كثيرا من الآراء الفاطمية ~~التي كانت تسود ذلك العصر، ونذكر أحمد حميد الدين بن عبد الله الكرماني فيلسوف ~~الدعوة وحجتها في العراق وكرامان، وصاحب الكتب الفلسفية الفاطمية مثل كتاب راحة ~~العقل، وكتاب المصابيح، وكتاب الهادي والمستهدي، وكتاب الأقوال الذهبية وغيرها التي ~~تدل على أن الكرماني فيلسوف ناضج التفكير، وأنه متأثر بما أخذه من فلسفة اليونان وغيرها. # 6 # ونذكر المؤيد في الدين، فهو من شيوخ الدعوة وفلاسفتها، وهكذا نستطيع أن ~~نتتبع كثيرا من فلاسفة المسلمين الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية وصبغوها ~~بالصبغة الإسلامية، وكان لهم فضل تقريب هذه الدراسات إلى جمهور المسلمين، فإن هؤلاء ~~الفلاسفة تأثروا بالعقائد الشيعية عامة والفاطمية خاصة. # ولم ينس الفاطميون العلوم العربية الخالصة، بل وجهوا إليها اهتماما ~~ملحوظا وعناية خاصة، وقد رأينا كيف كان الحاكم يجمع علماء اللغة والأدب للمناظرة ~~بين يديه، ورأينا أثر يعقوب بن كلس في نشاط الحركة العلمية والأدبية، ويحدثنا ~~عمارة اليمني أن مجالس الوزير الصالح بن رزيك لم تكن تنقطع إلا بالمذاكرة في أنواع ~~العلوم الشرعية والأدبية، وفي مذاكرة وقائع الحرب مع أمراء دولته؛ # 7 # فكانت هذه العناية ms081 الخاصة التي وجهها الأئمة ووزراؤهم وأمراء دولتهم ~~للعلوم سببا في قيام هذه النهضة العلمية الرائعة التي ظهرت في مصر الفاطمية، وفي ~~أن يكثر علماء مصر من التأليف وإنتاج الكتب في مختلف الفنون والعلوم. # حقيقة كان علماء مصر في ذلك العصر يشرحون أو ينقدون ما خلفه علماء المسلمين ~~قبلهم في هذه العلوم العربية، ولا نكاد نجد في مؤلفات المصريين في هذا العصر آراء ~~أصيلة يتميزون بها عن الذين سبقوهم، ولكن ليس ذلك بغريب؛ فالتاريخ يحدثنا أن ~~العلوم إذا تم تكوينها ووضعت قواعدها تمر على العلماء فترة بعد ذلك طويلة أو ~~قصيرة لشرح هذه القواعد أو نقدها، ويكثرون من التأليف حول هذه القواعد دون أن ~~يحاولوا وضع قواعد جديدة، بل يفرعون على هذه الأصول القديمة دون مساس بالقديم. ~~هذا ما كان عند اليونان بعد عصر الفلاسفة، وهذا ما حدث أيضا للمسلمين في جميع ~~الأقطار الإسلامية بعد أن وضعت قواعد اللغة، ودون الأدب العربي بألوانه ~~وفنونه، وبعد أن صيغت القواعد الفقهية على اختلاف المذاهب، فهذه الفترة فترة ~~ركود ذهن العلماء عن وضع أصول جديدة وقواعد متباينة عن القديم، مرت بها مصر ~~الفاطمية بل مرت بها جميع الأقطار الإسلامية، بل أستطيع أن أقول إننا لا نزال نعيش ~~على هذه الأصول القديمة، ولم نستطع أن نتحرر منها إلى الآن؛ فقواعد اللغة التي ~~دونها سيبويه، وأصول الصرف كما تركه ابن جني، وعروض الخليل بن أحمد، وأصول الفقه ~~كما دونه الشافعي ومالك وأبو حنيفة وابن حنبل، هي التي تسيطر على حياتنا العلمية ~~العربية إلى الآن، على الرغم من أن عددا كبيرا من دعاة حرية الفكر ينادون بضرورة ~~التحرر من القديم، وتعديل هذه العلوم تعديلا يلائم حياتنا الحديثة، ولكن لا تزال ~~السيطرة للقديم، ولم يستطع المصلحون إلى الآن أن يجدوا وسيلة للخلاص ~~منه. # فعلى الرغم من تشجيع الفاطميين للعلماء حتى ألفوا هذه المؤلفات الكثيرة التي ~~تحتاج إلى مجلد ضخم لسرد أسمائها، وأن هذه المؤلفات كانت التراث العلمي للعصور التي ~~تلت عصر الفاطميين؛ فإن هذه الكتب الكثيرة ولا سيما ms082 ما كان منها في العلوم العربية، ~~لا تظهر فيها شخصية مصر ولا أثر مصر، إلا إذا استثنينا كتب التاريخ التي تحدثت ~~عن مصر. ففي هذه الكتب استطاع مؤرخو مصر أن يتأثروا بما حولهم، وأن يظهروا ~~شيئا مصريا لا يستطيع غير المصريين أن يأتوا به. # وهناك سبب آخر لعدم ظهور شخصية مصر في كتب العلماء المصريين في العلوم العربية، ~~ذلك هو رحلات العلماء في الأقطار الإسلامية طلبا للعلم، فمصر بموقعها الجغرافي ~~الممتاز الذي جعل منها مركزا وسطا بين الشرق والغرب، وطريق الغرب إلى الأراضي ~~المقدسة، هذا الموقع الجغرافي جعل مصر مركزا هاما لتبادل الآراء العلمية بين ~~الأقطار الإسلامية، فعلماء الأندلس والمغرب وصقلية كانوا مضطرين إلى التعريج على ~~مصر في رحيلهم لتأدية فريضة الحج، أو في رحيلهم لطلب العلم في العراق وفارس، وتطول ~~مدة إقامتهم في مصر أو تقصر يأخذون عن علماء مصر، أو يلقون على المصريين ما عندهم ~~من علم؛ فتتلاقح الآراء وتمتزج وتصبح متشابهة، لا فرق بين أندلسي ومصري ومغربي ~~وصقلي، ولا تظهر الشخصية الإقليمية في هذا النحو من العلم، وكذلك نقول عن علماء مصر ~~الذين رحلوا في طلب العلم من الأقطار الأخرى، وعلماء الأقطار الأخرى الذين رحلوا في ~~طلب العلم أو للتعليم في مصر، فهذه الرحلات الكثيرة كانت سببا في ألا تتمايز ~~العلوم العربية بتمايز الأقطار، حتى أصبحنا لا نفرق بين كتب المشارقة وكتب ~~المغاربة إلا عن طريق تاريخ المؤلفين أنفسهم. أما من الناحية الموضوعية للكتب، فمن ~~الصعب العسير أن نصل إلى نتيجة يطمئن إليها الباحث، والأقطار العربية التي كانت ~~تتنازع فيما بينها في السياسة والمذهب الديني، وتنشب فيها الحروب المختلفة، كانت ~~تربطها وتوحدها هذه الحياة العلمية، فجعلتها كتلة واحدة تدرس علوما واحدة لا فرق ~~بين قطر وقطر، ولا تزال هذه الظاهرة إلى الآن في العلوم العربية الخالصة والعلوم ~~الإسلامية، وأملنا عظيم اليوم - وقد توحدت البلاد العربية في آرائها السياسية - ~~أن تتم وحدتها في مختلف ألوان الثقافة، حتى يعود للعرب مجدهم القديم بهذه الوحدة ~~التي لن تنفصم بعون الله ms083 وبفضل يقظة البلاد العربية. # الفصل الأول # | العلوم الفلسفية # إذا قلت العلوم الفلسفية فإنما أقصد بها جميع العلوم التي كانت تشتمل عليها ~~الفلسفة في القرون الوسطى، والتي تضمها رسائل إخوان الصفاء من رياضيات وموسيقى وطب ~~وتنجيم وطبيعيات وإلهيات ومنطق، إلى غير ذلك من هذه العلوم التي كان يحذقها فلاسفة ~~هذه العصور، والتي لا يستحق طالب الفلسفة هذا اللقب إلا إذا ألم بها جميعا. وقد ~~رأينا كيف كانت العقائد الفاطمية تعتمد قبل كل شيء على العلم وتمييز الإلهيات من ~~الطبيعيات، فلا غرو أن نرى هذه العلوم الفلسفية على اختلاف ألوانها وفنونها تزدهر ~~في العصر الفاطمي ويرعاها الفاطميون، بل كان من الخلفاء الفاطميين من أتقن هذه ~~العلوم وبرز فيها، ولا سيما رصد الكواكب، فالمؤرخون يذكرون أن المعز لدين الله ~~والعزيز والحاكم بأمر الله والحافظ كانوا يرصدون النجوم لاستقراء ما وراءها من ~~أحداث. ويذكر المؤرخون أن اهتمام الأئمة بهذه العلوم كان وسيلة لادعائهم معرفة ~~الغيب، ويروي المؤرخون بعض روايات هي أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة، كما يروون ~~بعض الأشعار كان يتهكم بها المصريون على ادعاء الفاطميين معرفة الغيب، من ذلك ~~ما روي أن العزيز بالله صعد المنبر ذات يوم، فرأى رقعة كتب فيها: # بالظلم والجور قد رضينا # وليس بالكفر والحماقة # إن كنت أعطيت علم غيب # فقل لنا كاتب البطاقة # وتضيف الرواية أن العزيز بالله أقلع عن ادعائه الغيب بعد ذلك. ويروي ابن ميسر ~~في تاريخه أن النيل زاد، وبلغ الماء الباب الجديد أول الشارع خارج القاهرة، فلما ~~بلغ الحافظ ذلك أظهر الحزن والانقطاع، فدخل إليه بعض خواصه، وسأله عن السبب فأخرج ~~له كتابا، فإذا فيه: إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد. ثم ~~قال: هذا الكتاب الذي نعلم منه أحوالنا، وأحوال دولتنا، وما يأتي بعدها. # 1 # فإن صحت هذه الرواية فهي تؤيد ما أذاعه الناس وتناقله الرواة ~~عن ادعاء الفاطميين الغيب، وأن الأئمة يعرفون ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. ~~وبين يدي الآن كتاب: «الفترات والقرانات» المنسوب إلى جعفر بن ms084 منصور اليمن من علماء ~~الدعوة في القرن الرابع الهجري - ولكني أشك في نسبة هذا الكتاب إليه - يتحدث في ~~هذا الكتاب عن أثر الكواكب في عالم الكون والفساد، ويتنبأ بما سيحدث في الأيام ~~المقبلة، وذهب مؤلفه إلى أن علم القرانات أو علم الجفر علم خص الله سبحانه به ~~آدم - عليه السلام - وورثه آدم وصيه شيث، وتداولته الأنبياء والأوصياء والأئمة إلى ~~الخلفاء الراشدين والنقباء المتوحدين بالتأييد. # 2 # ويروي علماء الدعوة أن علي بن أبي طالب كان يقول: «لو ثنيت لي وسادة وجلست عليها، ~~لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان ~~بفرقانهم، ولولا أن يقال إن ابن أبي طالب ساحر لأخبرتكم بما كان وما هو كائن إلى ~~يوم القيامة، مما علمني رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» # 3 # فهذا كله يؤيد ما قيل عن الفاطميين إنهم كانوا يدعون الغيب، وإنهم ~~كانوا يستغلون معرفتهم بحركات الأفلاك لادعاء الغيب، ولكن بجانب هذه النصوص التي ~~تثبت ذلك، نجد نصوصا أخرى تثبت عكسها، فالقاضي النعمان يحدثنا في كتابه المجالس ~~والمسايرات: «ذكر الإمام المعز لدين الله يوما، وأنا بين يديه، النجامة والمنجمين، ~~فقال: من نظر في النجامة ليعلم عدة السنين والحساب ومواقيت الليل والنهار، وليعتبر ~~بذلك عظيم قدرة الله جل ذكره، وما في ذلك من الدلائل على توحيده لا شريك له؛ ~~فقد أحسن وأصاب، ومن تعاطى بذلك علم غيب الله والقضاء بما يكون، فقد أساء وأخطأ. ~~ولقد كان المنصور بالله من أعلم الناس بها، ولقد قال لي غير مرة: «والله ما نظرت ~~فيها إلا طلبا لعلم توحيد الله وتأثير قدرته وعجائب خلقه، ولقد عانيت ما عانيت من ~~الحروب وغيرها، فما عملت في شيء من ذلك باختبار مني دلائل النجوم، ولا التفت ~~إليه.» ثم قال المعز: أتاني بعض المنجمين بكتاب ألفه يذكر فيه خلق آدم، وكيف ~~كانت الكواكب يوم خلقه الله عز وجل، وما دلت عليه بما آل أمره وأمر ذريته إليه، ~~ورأى أنه أتى في ذلك إلي بفائدة وعلم سبق إليه، فلما وقفت ms085 على كتابه سألته هل كان ~~قبل آدم شيء؟ قال: نعم، قد كان قبله. ومن كان؟ وكيف كانت هذه الكواكب قبل ذلك، وما ~~دلت عليه قبل خلق آدم؟ فلم يحر جوابا، وقال: هذا شيء ما ظننت أني أسأل ~~عنه. قلت: وهذا الذي تكلفته وجئت به ما سئلت عنه أيضا فكيف تكلفته؛ فعجبت من ~~قوم ينتهون فيما لا يعلمون ويتعاطون ما لا يدرون. # 4 # فهذا يدل على أن المنصور بالله والمعز لدين الله لم يدعيا الغيب، ~~ولم يدرسا الكواكب وحركاتها لعلم ما كان وما سيكون. ويقول جعفر بن منصور اليمن في ~~كتابه الكشف: «قال الله تعالى: # قل لا أقول لكم عندي ~~خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك ~~، وهذا قول نوح - عليه السلام - الذي ذكر الله في كتابه عنه، وكل ~~هذا دليل على أن الأئمة والرسل لا يعلمون إلا ما أعلمهم الله بوحيه وتأييده ونوره ~~وتثبته عن الله جل ذكره.» # 5 # فهذا دليل آخر نقدمه في دفع تهمة ادعاء الفاطميين للغيب. # وقال القاضي النعمان في كتابه الهمة: «فإنا لا نقول ما قاله الغلاة الضالون ~~المبطلون، الصادون عن أولياء الله، الدافعون إمامتهم، الزاعمون أنهم يعلمون غيب ~~الله، وما تخفى صدور عباده، تعالى الله الذي تفرد بعلم ذلك دون خلقه، ولم يطلع ~~على ما شاء منه إلا من ارتضى من رسله، وإنما أراد هؤلاء الفسقة بما نسبوه إلى ~~الأئمة - صلوات الله عليهم من ذلك - دفع إمامتهم؛ لأنهم لما زعموا أن الأئمة يعلمون ~~الغيب، والناس يرونهم لا يعلمون من أمور الناس إلا ما ظهر منها لهم، لم يكونوا أئمة ~~عند أولئك الفسقة، ولا عند من قبل منهم؛ إذ لم تكن تلك الصفة التي وصفوهم بها منهم.» # 6 # ولعل سبب هذا الادعاء هو تطرف بعض الدعاة في إسباغ جميع الفضائل على ~~الأئمة، حتى جعلوا أئمتهم يعلمون الغيب، وكان اختلاف الناس في هذا الأمر مصدر جدل ~~بين المصريين، وصور لنا الأمير تميم في إحدى قصائده ذلك كله، بقوله يخاطب أخاه ~~الإمام العزيز بالله: # ولما ms086 اختلفنا في النجوم وعلمها # وفي أنها بالنفع والضر قد تجري # فمن مؤمن منا بها ومكذب # ومن مكثر فيها الجدال ولا يدري # ومن قائل تجري بسعد وأنحس # ونعلم ما يأتي من الخير والشر # فعلمتنا تأويل ذلك كله # بما فيه من سر وما فيه من جهر # عن الطاهر المنصور جدك ناقلا # وكان بها دون البرية ذا خبر # فأخبرتنا أن المنجم كاهن # بما قال والكهان من شيعة الكفر # وأن جميع الكافرين مصيرهم # إلى النار في يوم القيامة والحشر # فجمعتنا بعد اختلاف ومرية # وألفتنا بعد التنافر والزجر # وأوضحت فيها قول حق مبرهن # يجلي ظلام الشك عن كل ذي فكر # فعدنا إلى أن الكواكب زينة # وفيها رجوم للشياطين إذ تسري # مسخرة مضطرة في بروجها # تسير بتدبير الإله على قدر # وأن جميع الغيب لله وحده # تبارك من رب ومن صمد وتر # وما علمت منه الأئمة إنما # رووه عن المختار جدهم الطهر # 7 # وإذن نستطيع أن نخالف المؤرخين الذين رموا الفاطميين بادعاء الغيب، فإن هؤلاء ~~المؤرخين استقوا أخبارهم من إشاعات العامة وأقوال بعض الغلاة، ولم يحققوا الأمر ~~تحقيقا علميا، فقصيدة الأمير تميم، وأقوال علماء الدعوة، تنفي ما جاء به ~~المؤرخون، وتبرئ الفاطميين من ادعاء الغيب. # حقيقة اهتم الفاطميون بالنجوم ورصدها، واستدعى الفاطميون إلى مصر عددا كبيرا ~~من المنجمين، فعندما دخل المعز لدين الله مصر قدم معه منجمه محمد بن عبد الله بن ~~محمد العتقي، # 8 # ورفع العزيز بالله منزلة المنجم أبي عبد الله بن القلانسي إلى أن توفي ~~سنة 386، # 9 # وأنشأ الحاكم بالمقطم منزلا يرصد فيه النجوم، وعمل له منجمه أبو ~~الحسن علي بن يونس الزيج الحاكمي في أربعة مجلدات، ويقول ابن خلكان عنه: إنه لم ~~ير في الأزياج على كثرتها أطول منه. # 10 # ويقول القفطي: إن ابن يونس كان يقصد تحرير زيج جامع كبير يدل على أن ~~صاحبه كان أعلم الناس بالحساب. # 11 # وهذا الزيج هو الذي سار عليه منجمو مصر بعده، ويذهب المقريزي إلى أنه ~~عمل للأفضل بن بدر الجمالي مائة تقويم لاستقبال سنة خمسمائة ms087 من الهجرة، وكان ~~منجمو الحضرة يومئذ: ابن الحلبي، وابن الهيثمي، وسهلون وغيرهم، يطلق لهم الجاري ~~في كل شهر، والرسوم والكسوة على عمل التقويم في كل سنة، فإذا كان في غرة السنة ~~حمل كل منهم تقويمه، فيقابل بينها وبين التقويمات المحضرة من الشام، فيوجد ~~بينها اختلاف كثير، فأنكر ذلك، فلما كان غرة ثلاث عشرة وخمسمائة عند إحضار التقاويم ~~على العادة، جمع المنجمين والحساب وأهل العلم، وسألهم عن السبب في الاختلاف بين ~~التقاويم، فقالوا: الشامي يحسب ويعمل على رأي الزيج المهجور المأموني، ونحن نعمل ~~على رأي الزيج الحاكمي لقرب عهده، وبين المتقدم والمتأخر تفاوت وخلف. ثم أشاروا ~~عليه بعمل رصد مستجد، وأشار عليه أبو الحسن بن أبي أسامة أن يتولى ذلك القاضي ~~ابن أبي العيش الطرابلسي المهندس العالم، ولكن الأفضل غضب على ابن أبي العيش، ~~وولى بدله أبا سعيد بن قرفة الطبيب، فنشط في إقامة المرصد، وساعده جميع المهندسين ~~وعلماء الحساب والتنجيم إلى أن قتل الأفضل سنة 515ه، وولي الوزارة المأمون ~~البطائحي، فأحب أن يتم هذا الرصد على أن يعرف بالرصد المأموني المصحح، واستمر ~~العمل إلى أن قتل الوزير البطائحي سنة 518ه، فوقف العمل به. # وكان من المهندسين الذين اشتركوا في إقامة هذا الرصد: أبو جعفر بن حسنداي، ~~والقاضي ابن أبي العيش، وأبو الحسن علي بن سليمان بن أيوب، وأبو النجا بن سند ~~الساعاتي الإسكندراني المهندس، وأبو محمد عبد الكريم الصقلي وغيرهم. ومن الحساب ~~والمنجمين: ابن الحلبي، وابن الهيثمي، وأبو النصر تلميذ سهلون، وابن دياب، والقلعي وغيرهم. # 12 # وكان الخليفة الحافظ مغرما بعلم النجوم، وله عدة من المنجمين، # 13 # ومما يدل على شدة عناية الفاطميين بحركات الكواكب ما يرويه ابن ~~السنيدي، وكان من أهل الخبرة بعمل الأصطرلاب والحركات: أن الوزير الجرجرائي تقدم ~~سنة 435 فأمر بعمل فهرست لخزانة الكتب، وبرم ما أخلق من جلودها، وأنفذ القاضي ~~القضاعي وابن خلف الوراق ليتوليا ذلك، وحضر ابن السنيدي ليشاهد ما يتعلق ~~بصناعته، قال: «فرأيت من كتب النجوم والهندسة والفلسفة خاصة ستة آلاف وخمسمائة جزء، ~~وكرة ms088 نحاس من عمل بطليموس، وكرة أخرى من عمل أبي الحسين الصوفي للملك عضد الدولة، ~~وزنها ثلاثة آلاف درهم، قد اشتريت بثلاثة آلاف دينار.» # 14 # من هذا كله نستطيع أن ندرك مدى عناية الفاطميين بهذا اللون من العلم، ~~ولكن الفاطميين لم يكونوا بدعا في ذلك كله، فهم ليسوا بأول من رصدوا النجوم، ~~وجعلوا رابطة بين الكواكب العلوية والعالم السفلي وتأثير حركات الكواكب في الأرض، ~~فهذا كله قديم معروف قبل ظهور الإسلام وبعد الإسلام؛ ففي أوائل قيام الدولة ~~العباسية عني أبو جعفر المنصور بالتنجيم والنجوم، وترجم له السندهند، وجاء خلفاء ~~العباسيين واقتدوا به حتى أصبح للتنجيم شأن كبير عندهم، وجعلوا للمنجمين رواتب، ~~واستشارهم الخلفاء في أحوالهم الإدارية والسياسية، وليس ببعيد عن أذهاننا قصة فتح ~~عمورية، وقصيدة أبي تمام التي مطلعها: # السيف أصدق إنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب # ويقول أستاذنا المرحوم كارلو ناللينو: إن التنجيم كان له شأن في قصور الخلفاء ~~والسلاطين وبين العامة، وظل كذلك إلى القرن الماضي، فكان في دخول الحضارة الغربية ~~عامة ومذهب كوبر نيقوس خاصة القضاء المبرم على التنجيم، بيد أنه لا يزال ~~موجودا في البلاد التي لم تصب من الحضارة الغربية إلا قليلا. # 15 # فالفاطميون شاركوا غيرهم من المسلمين في التنجيم والفلك، وقد يكون من ~~أهم الأسباب التي أدت إلى اهتمامهم بالفلك مسألة ابتداء شهر رمضان، فقد ذكرنا أن ~~الفاطميين جعلوا شهر رمضان ثلاثين يوما دائما، ولم يبدءوا صومهم برؤية الهلال ~~رؤية بصر بل رؤية استبصار، فرصدوا حركات الأجرام السماوية ليعرفوا مبدأ الشهر على ~~حساب أن السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، وخمس يوم وسدس يوم، وأن ~~ستة أشهر من السنة تامة وستة أشهر ناقصة، وأن كل ناقص منها يتلوه تام، ولشدة الدقة ~~في هذا التقويم اضطروا إلى استخدام عدد كبير من علماء الفلك والتنجيم والحساب ~~والمهندسين وغيرهم من الفلاسفة الذين أقاموا المراصد والزيجات. # ابن الهيثم # ولعل أشهر عالم رياضي شهدته مصر الفاطمية هو الفيلسوف أبو علي محمد ~~بن الهيثم، وقيل إنه أبو علي ms089 الحسن بن الحسن بن الهيثم، اتفق المؤرخون على أنه ~~بصري المولد والنشأة، وإن كانوا لم يذكروا شيئا عن حياته في شبابه، فإن هذه ~~الفترة من عمره غامضة أشد الغموض، والذي ذكره المؤرخون أنه رحل إلى الشام، وعاش ~~في كنف أمير من أمرائها، وأن الأمير أغدق عليه نعمه وعطاياه، ولكن ابن الهيثم ~~كان يقول للأمير: «يكفيني قوت يومي، وتكفيني جارية وخادم، فما زاد على قوت يومي ~~إن أمسكته كنت خازنك، وأن أنفقته كنت قهرمانك ووكيلك، وإذا اشتغلت بهذين ~~الأمرين فمن الذي يشتغل بأمري وعلمي؟ فما قبل بعد ذلك إلا نفقة احتاج إليها ~~ولباسا متوسطا.» # 16 # فإن صحت هذه الرواية فهي تدلنا على ما كان عليه ابن الهيثم من ~~انصراف إلى العلم ورغبة عن المال، خوفا من أن يشغله المال عن العلم، وكان ~~حريصا على أن يتمسك بما يجب أن يكون عليه العالم الفاضل من خلق وترفع عن ~~طلب الماديات، وأين هم العلماء الآن الذين لا يسعون وراء المال وإن كان ذلك ~~بطرح العلم؟ وأين العلماء الآن الذين يرفضون من متاع الدنيا ما يفيض عن حاجتهم ~~الضرورية، فإن علماء عصرنا - مع شديد الأسف - يتكالبون على جمع المال بشتى ~~الطرق والوسائل، والحقد يملأ قلب أحدهم إذا أثرى له زميل، أو ارتفع قدره، ~~ولعلنا نشاهد الآن ما عليه بعض من نطلق عليه لقب عالم يترك العلم والبحث للجري ~~وراء اقتناء الدور والأراضي ويكنز الأموال، وهو في غنى عن ذلك كله إن كان ~~عالما حقا قانعا قناعة ابن الهيثم وما تحلى به من خلق. # ويروي البيهقي قصة نذكرها الآن، لعلها تجد عند سادتنا علماء عصرنا رادعا ~~لهم عما هم عليه، فهي تدل على أن ابن الهيثم لم يأبه للمادة، ولم يطلب ~~سوى العلم للعلم. تقول القصة: إن أميرا جاء يطلب العلم عليه، فقال له ابن ~~الهيثم: أطلب منك للتعليم أجرة، وهي مائة دينار في كل شهر؛ فبذل ذلك الأمير ما ~~طلبه ابن الهيثم، وما قصر فيه، وأقام عند ابن الهيثم ثلاث سنوات يأخذ عن ~~أستاذه ms090 العلم، فلما عزم الأمير على الانصراف إلى دياره، قال له ابن الهيثم: ~~خذ أموالك بأسرها فلا حاجة لي إليها، وأنت أحوج إليها مني عند عودتك إلى مقر ~~ملكك، ومسقط رأسك، وإني قد جربتك بهذه الأجرة، فلما علمت أنه لا خطر ولا ~~موقع للمال عندك في طلب العلم، بذلت مجهودي في تعليمك وإرشادك. واعلم أن لا ~~أجرة ولا رشوة ولا هدية في إقامة الخير. ثم ودعه وانصرف. # 17 # وهكذا كان ابن الهيثم يتصف بصفات العالم بما في هذه الكلمة من معان وأوصاف، ~~وظل ابن الهيثم بالشام حتى سمع به الإمام الحاكم بأمر الله الفاطمي، وقيل إنه ~~نقل إلى الحاكم أن ابن الهيثم قال: لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل ~~به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص، فقد بلغني أنه ينحدر من موضع ~~عال وهو في طرف الإقليم المصري، # 18 # فازداد الحاكم شوقا إلى ابن الهيثم للاستفادة من علمه، وأرسل إليه ~~يرغبه في الوفود إليه، فاستجاب ابن الهيثم إلى رغبته، وخرج الحاكم نفسه ~~للقائه والترحيب به، وقربه إليه وأكرمه، ثم طلب إليه الحاكم أن ينظر في أصول ~~النيل عساه ينفذ ما خطر له وهو بالشام، فرحل ابن الهيثم في النيل حتى بلغ موضع ~~الشلال الأول قبلي أسوان، ورأى في طريقه آثار قدماء المصريين، فعلم أنه لا ~~يستطيع أن يأتي من الأعمال الهندسية ما لم يبلغ القدماء معرفته، فأظهر ابن ~~الهيثم عجزه، وعاد إلى القاهرة معتذرا إلى الحاكم. # 19 # وهذه خصلة أخرى نسجلها لهذا العالم العظيم الخلق الذي خطر له ~~رأي، فلما كلف بتنفيذه أبى عليه تواضعه العلمي إلا أن يعترف بعجزه أمام ما ~~وجده من فن القدماء، ولو لم يكن ابن الهيثم على هذا الخطر من الخلق العظيم ~~لتمادى في مشروعه، ولكلف الدولة آلاف الدنانير، ولاستفاد هو أيضا، إن ~~كان على نمط علماء عصرنا، فما أحرانا وقد مضى نحو ألف عام على وفاة ابن الهيثم ~~أن نتمثل به في قناعته وتواضعه وعلمه. وكان من المتوقع أن يغضب ms091 الحاكم بأمر ~~الله على ابن الهيثم، ولكن الإمام الحاكم حفظ له مكانته وعرف قدر خلقه وعلمه، ~~فولاه بعض الدواوين، وقبل ابن الهيثم العمل رهبة لا رغبة، ثم خاف بطش ~~الحاكم بعماله وتقلباته مع من حوله، فنزوات الحاكم وتسرعه في إراقة الدماء ~~أو التعذيب أمر عرف به هذا الإمام، فاضطر ابن الهيثم إلى أن يتصنع الجنون ~~والخبال، فتركه الحاكم في منزله، وجعل له من يخدمه ويقوم بمصالحه. # 20 # فاعتكف ابن الهيثم حتى بلغه وفاة الحاكم سنة 411، فاطمأن من نزواته ~~على نفسه، فأظهر العقل وعاد إلى ما كان عليه، واستوطن قبة على باب الجامع ~~الأزهر، وأقام بها متنسكا، واشتغل بالتصنيف والتعليم ونسخ الكتب القديمة، ~~فكان يتعيش من نسخ ثلاثة كتب كل سنة هي إقليدس والمتوسطات والمجسطي، ويبيعها ~~بمائة وخمسين دينارا هي مئونته لسنة، # 21 # ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في حدود سنة ثلاثين وأربعمائة. # اتفق المؤرخون الذين ترجموا لابن الهيثم على أنه كان عالما متقنا لعلوم ~~كثيرة، فيقول القفطي عنه: «ابن الهيثم صاحب التصانيف والتآليف المذكورة في علم ~~الهندسة، كان عالما بهذا الشأن، متقنا له، متفننا فيه، قيما بغوامضه ~~ومعانيه، مشاركا في علوم الأوائل، أخذ عنه الناس واستفادوا منه.» # 22 # ويقول البيهقي: «الحكيم بطليموس الثاني أبو علي بن الهيثم، كان تلو ~~بطليموس في العلوم الرياضية والمعقولات، وتصانيفه أكثر من أن تحصى.» # 23 # ويذهب ابن أبي أصيبعة إلى أن ابن الهيثم كان متفننا في العلوم، ~~لم يماثله أحد من أهل زمانه في العلم الرياضي، ولا يقرب منه. # 24 # ويقول المستشرق دي بور: نجد في القاهرة في أوائل القرن الحادي عشر ~~الميلادي (الخامس من الهجرة) رجلا من أعظم الرياضيين والطبيعيين في العصور ~~الوسطى، هو أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم. # 25 # وسرد القفطي أسماء سبعة وستين كتابا من تأليف ابن الهيثم، أما ابن ~~أبي أصيبعة فذكر له ما يقرب من مائتي كتاب، خلا رسائل كثيرة، فقد ألف ابن ~~الهيثم في الهندسة والطبيعيات والفلك والحساب والجبر، وفي الطب والمنطق ~~والأخلاق، فلا غرو ms092 إذا رأينا الجمعية المصرية للعلوم الرياضية والطبيعية تحتفل ~~بذكرى مرور تسعمائة سنة على وفاة ابن الهيثم، وقد أظهر أعضاء هذه الجمعية ~~الثروة العلمية التي خلفها ابن الهيثم، ونوهوا بمكانته في هذه الفنون التي ~~نبغ فيها وعرض لها في مصنفاته، فالأستاذ مصطفى نظيف «بك» قال: «إن ابن الهيثم ~~قلب الأوضاع القديمة، وأنشأ علما جديدا، هو قد أبطل علم المناظر الذي وضعه ~~اليونان، وأنشأ علم الضوء الحديث بالمعنى وبالحدود وبالأصول التي نراها الآن، ~~وإن عد نيوتن بحق رائد علم الميكانيكا في القرن السابع عشر، فابن الهيثم ~~خليق بأن يعد بحق رائد علم الضوء في مستهل القرن الحادي عشر للميلاد.» # 26 # وقال الأستاذ محمد رضا مدور «بك»: «إذا أردنا أن نقارن ابن الهيثم بعلماء ~~عصرنا الحاضر، فلا أكون مغاليا إذا اعتبرت ابن الهيثم في مرتبة تضاهي مرتبة ~~العلامة أنيشتين في عصرنا هذا.» # 27 # ويقول الأستاذ الدكتور مشرفة «باشا»: «المطلع على كتاب ابن الهيثم في حل ~~شكوك إقليدس، يلمس فيه دقة المؤلف في التفكير، وتعمقه في البحث، واستقلاله في ~~الحكم، كما يتضح له صحة إدراك ابن الهيثم لمكان الهندسة الإقليدسية من العلوم ~~الرياضية، على أنها دراسة منظمة للعلاقات والمقادير المكانية من ناحية كونها ~~علاقات أو مقادير، وبغير نظر إلى ما يمكن أن تدل عليه من موجودات. فابن الهيثم ~~في هذا الكتاب رياضي بحت بأدق ما يدل عليه هذا الوصف من معنى، وأبلغ ما يصل ~~إليه من حدود.» # 28 # فهذا كله قول مختصين يستطيعون الحكم على مكانة ابن الهيثم في ~~العلوم الرياضية والطبيعية، ولكن ابن الهيثم كان في مصر الفاطمية، فوجدت ~~تعاليمه وآراؤه ما وجدت مصر الفاطمية كلها، بسبب تعصب من أتى بعد الفاطميين، ~~وقد لاحظ الأستاذ ديبور إهمال العلماء له، فقال: إنه لم يكن لدعوة ابن الهيثم ~~ثمرة كبيرة في الشرق، ولا يعرف من تلاميذه غير واحد يعد من الفلاسفة هو ~~أبو الوفاء مبشر بن فاتك القائد. # 29 # ولكني أرى خلاف ما رآه ديبور ، فقد كان لابن الهيثم تلاميذ كثيرون، ~~وإنهم حافظوا على تعاليمه ms093 ودعوته، ولكن كما قلت كان التعصب الديني عند ~~الأيوبيين والعباسيين قويا، حتى إنهم لم يفرقوا بين عقيدة الفاطميين ~~أعدائهم وبين العلوم الرياضية، فكل من اتصل بالفاطميين فهو من زمرتهم، ~~وكل عالم من علماء مصر الفاطمية متهم بالخروج عن الدين، ويجب أن تحرق ~~كتبه، ولا تتبع تعاليمه. هذا ما حدث لابن الهيثم وغير ابن الهيثم من ~~العلماء. # أما مبشر بن فاتك الذي ذكر أنه تلميذ ابن الهيثم، فهو الأمير محمود الدولة ~~أبو الوفاء المبشر بن فاتك، وكان من أعيان أمراء مصر وأفاضل علمائها، دائم ~~الاشتغال، محبا للفضائل والاجتماع بأهلها ومباحثاتهم والانتفاع بما يقتبسه من ~~جهتهم، وكان ممن اجتمع به منهم، وأخذ عنه كثيرا من علوم الهيئة والعلوم ~~الرياضية أبو علي محمد بن الهيثم. # 30 # ويقول أمية بن أبي الصلت: إنه أدرك أبا الوفاء، وأخذ عنه شيئا من ~~المنطق، وتخصص به، وتميز عن أضرابه، وإن أبا الوفاء أدرك أبا كثير بن ~~الزقان تلميذ أبي الحسن علي بن رضوان، وقرأ بعض كتب جالينوس، ثم نصب نفسه ~~لتدريس جميع كتب المنطق، وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية، وشرح بزعمه ~~وفسر ولخص. # 31 # وكان أبو الوفاء أحد أدباء مصر العارفين بالأخبار والتواريخ، وكان ~~في أيام الظاهر والمستنصر، وله كتاب سيرة المستنصر في ثلاثة مجلدات، وله تواليف ~~في علوم الأوائل، كما كان حريصا على اقتناء الكتب، فجمع منها ما لا يحصى ~~عدده كثرة. # 32 # ويقول القفطي: إنه قرأ على المبشر فضلاء زمانه فسادوا، # 33 # ويذكر من تلاميذه الطبيب سلامة بن رحمون اليهودي الذي ناظر أمية ~~بن أبي الصلت. # 34 # ومن الرياضيين الذين كانوا في هذا العصر رزق الله المنجم النحاس الذي وصفه ~~أمية بقوله: «وله في فروع النجامة بعض دربة، وبتجرباتها بعض خبرة، وهو شيخ أكثر ~~المنجمين بمصر وكبيرهم الذي علمهم السحر، فجميعهم إليه منسوب، وفي جريدته ~~مكتوب، وبفضله معترف.» # 35 # وأبو علي المهندس المصري الذي كان قيما بعلم الهندسة، وكان يعيش ~~في أوائل القرن السادس الهجري، وكان مع ذلك أديبا شاعرا، ويظهر من شعره أنه ~~متأثر ms094 بدراسته الهندسية، فهو يقول مثلا: # تقسم قلبي في محبة معشر # بكل فتى منهم هواي منوط # كأن فؤادي مركز وهم له # محيط وأهوائي لديه خطوط # 36 # وقوله أيضا: # إقليدس العلم الذي يحوي به # ما في السماء معا وفي الآفاق # تزكو فوائده على إنفاقه # يا حبذا زاك على الإنفاق # هو سلم وكأنما أشكاله # درج إلى العلياء للطراق # ترقى به النفس الشريفة مرتقى # أكرم بذاك المرتقى والراقي # 37 # وظهر في مصر في هذا العصر عدد كبير من الأطباء، والطب كما نعلم كان في ذلك ~~العصر من علوم الفلسفة، وكثرت في مصر الفاطمية مناظرات الأطباء ومجادلاتهم، ~~فكان ذلك من أسباب ازدهار هذا النوع من العلم واتساع أفقه وكثرة التآليف حوله، ~~وقرب الفاطميون الأطباء، وأغدقوا عليهم من نعمهم وعطاياهم خلاف ما أوقفوا ~~لهم من مرتبات شهرية، فمن ذلك ما يروى أن منصور بن مقشر النصراني طبيب العزيز ~~بالله اعتل سنة 385ه، وتأخر عن الركوب مع الإمام، فلما تماثل من علته ~~كتب إليه العزيز رقعة بخطه، نسختها: # بسم الله الرحمن الرحيم # طبيبنا ~~سلمه الله # سلم الله الطبيب وأتم النعمة عليه، وصلت إلينا البشارة بما ~~وهبنا الله من عافية الطبيب وبرئه، والله العظيم لقد عدل عندنا ما ~~رزقنا نحن من الصحة في جسمنا، فتمم الله عليك النعمة، وكمل لنا صحتك ~~وعجل بها، ولا أشمت بنا فيك عدوا ولا حاسدا، ورد كيد من يريد ~~الكيد في نحره، وابتلاه مما لا طاقة له، بعد الكفاية فيك، وإقالتك ~~العثرة، ورجوعك إلى أفضل ما عودك. وصلى الله على خيرته من خلقه محمد ~~النبي وآله وسلم تسليما. # 38 # فمثل هذه الرسالة لا تصدر إلا من صديق حميم يخلص لصاحبه ويحب له الخير، فما ~~بالك إذا صدرت من إمام مسلم إلى طبيبه المسيحي، فالإمام عرف لطبيبه قدرته في ~~فنه وعلو كعبه في صناعته، فقربه واتخذه صديقا. وكذلك يقال إن المعز لدين ~~الله اصطنع لنفسه الطبيب موسى بن العيزار، وكان طبيبا عالما بتركيب الأدوية ~~وطبائع المفردات، وهو الذي ألف شراب الأصول. # 39 # ووفد على ms095 مصر في عهد المعز والعزيز الطبيب محمد بن أحمد بن سعيد التميمي، وهو ~~من بيت المقدس، واشتهر بخواص العقاقير وتركيب الأدوية، ولقي الأطباء بمصر ~~وحاضرهم وناظرهم، واختلط بأطباء الخاصة القادمين من المغرب في صحبة المعز، ~~والمقيمين بمصر من أهلها. ويقول القفطي: إنه كان منصفا في مذكراته، غير راد ~~على أحد إلا بطريق الحقيقة، وصنف للوزير يعقوب بن كلس كتابا كبيرا في عدة ~~مجلدات سماه «مادة البقاء، بإصلاح فساد الهواء، والتحرز من ضرر الأوباء»، ~~وتوفي التميمي بمصر في حدود سنة 370ه. # 40 # ومن أشهر الأطباء في هذا العصر سلامة بن رحمون أبو الخير اليهودي المصري، ~~الذي قال عنه أمية بن أبي الصلت: «وأنبه من رأيته من أطباء مصر، وأدخلهم في ~~عداد الأطباء؛ رجل من اليهود يدعى أبا الخير سلامة بن رحمون، فإنه لقي أبا ~~الوفاء المبشر بن فاتك، وأخذ عنه شيئا من صناعة المنطق تخصص به وتميز عن ~~أضرابه، وأدرك الكثير الزقاني تلميذ أبي الحسن بن رضوان، وقرأ عليه بعض كتب ~~جالينوس، ثم نصب نفسه لتدريس كتب المنطق جميعا، وجميع كتب الفلسفة الطبيعية ~~والإلهية، وشرح بزعمه وفسر ولخص، ولم يكن هنالك في تحصيله وتحقيقه، بل كان ~~يكثر كلامه فيضل، ويسرع جوابه فيزل.» # 41 # وناظره أمية، ولكن إجابات سلامة لم تجد منه قبولا، فرماه بسوء ~~التصور والفهم. # 42 # ولعل من أشهر أطباء هذا العصر هو أبو الحسن علي بن رضوان، ولد بالجيزة، ~~وكان أبوه فرانا، ولما بلغ السادسة من عمره أسلم نفسه للمعلمين، وانتقل إلى ~~مدينة مصر وهو في العاشرة لطلب العلم، وبدأ في دراسة الطب وغيره من علوم ~~الفلسفة وهو في الرابعة عشرة من عمره، ولفقره وحاجته إلى ما يستعين به في ~~الحياة اضطر إلى أن يتكسب بالطب مرة، وبالتنجيم مرة أخرى، وبالتعليم كذلك، وفي ~~الوقت نفسه كان يواظب على طلب العلم، ويجد في التحصيل حتى بلغ الثانية ~~والثلاثين من سني حياته؛ إذ بدأ يشتهر بالطب، وكفاه ما كان يكسبه عن طريقه، بل ~~تفوق على غيره من الأطباء المعاصرين، وصار له ms096 ذكر حسن في البلاد، وسمع به ~~الحاكم بأمره فاستخدمه، وجعله رئيسا على سائر المتطببين، فاتسعت حاله، ~~واقتنى الأملاك في المدينة، كما ذاع صيته في البلاد الإسلامية، حتى إن الأطباء ~~فيها كانوا يناظرونه مراسلة، ويطلبون ما عنده من علم الطب، فممن راسله ~~الطبيب أبو الفرج جرجس بن يوحنا المعروف باليبرودي الدمشقي الذي راسل ابن ~~رضوان وغيره من الأطباء المصريين. ويقول ابن أبي أصيبعة عنه: وله مسائل عدة ~~إليهم طبية ومباحثات دقيقة، وكتب بخطه شيئا كثيرا جدا من كتب الطب، ولا ~~سيما من كتب جالينوس وشروحها وجوامعها. # 43 # ويفهم من إحدى رسائل ابن رضوان أن اليبرودي زار مصر، وكان كثير ~~الاختلاط به للمناظرة والمناقشة في المسائل الطبية. # 44 # كذلك ناظره الطبيب أبو الحسن المختار بن الحسن المعروف بابن ~~بطلان النصراني البغدادي، فكان بين الطبيب المصري والطبيب البغدادي مراسلات ~~عجيبة، ولم يكن أحد منهما يؤلف كتابا ولا يبتدع رأيا إلا ويرد الآخر ~~عليه، ويسفه رأيه فيه. ثم رأى ابن بطلان البغدادي أن يفد على القاهرة ~~لمشاهدة زميله ومناظره ابن رضوان، فدخل مصر سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وأقام ~~بها ثلاث سنوات، وكان وجوده بالقاهرة المعزية من أسباب شدة المناقشات ~~والمناظرات العلمية بين الطبيبين، وخرج ابن بطلان من مصر، ووضع كتابا تضمن ~~الوقائع التي كانت بينه وبين منافسه ابن رضوان، ورد ابن رضوان عليه. # 45 # ويقول ابن أبي أصيبعة في الموازنة بين الطبيبين ابن رضوان المصري ~~وابن بطلان البغدادي: كان ابن بطلان أعذب لفظا، وأكثر ظرفا، وأميز في الأدب ~~وما يتعلق به، وكان ابن رضوان أطب وأعلم بالعلوم الحكمية وما يتعلق بها. # 46 # وحفظ لنا خمس رسائل لهذين الطبيبين في المناظرة بينهما، وطبعت ~~هذه الرسائل بكلية الآداب بجامعة القاهرة. # وكان ابن رضوان معتزا بعلمه ومهارته في فنه، فكان يرد على جميع أطباء ~~عصره وغيرهم، وكان كثير الرد على آراء من سبقه من الأطباء، وكانت عنده ~~سفاهة في بحثه وتشنيع على من يريد مناقشته، وأكثر ذلك عندما كان يرد على ~~حنين بن إسحق، وعلى أبي الفرج ms097 بن الطيب أستاذ ابن بطلان، وعلى أبي بكر محمد بن ~~زكريا الرازي. # 47 # وكان ابن رضوان دميم الخلقة، مشوه الصورة، أسود اللون، ومن ~~تأليفه مقالة في من عيره بقبح الخلقة، وبين في هذه الرسالة أن الطبيب ~~الفاضل لا يجب أن يكون جميل الوجه، وكثيرا ما كان ابن بطلان البغدادي يتحدث ~~عن قبح شكل ابن رضوان المصري، حتى إنه قال في الرسالة التي وسمها «بوقعة ~~الأطباء» يصف ابن رضوان: # فلما تبدى للقوابل وجهه # نكصن على أعقابهن من الندم # وقلن وأخفين الكلام تسترا # ألا ليتنا كنا تركناه في الرحم # وكان يلقبه بتمساح الجن؛ لشدة قبح منظره وسفاهة لسانه. # 48 # وتغير عقل ابن رضوان في أواخر أيام حياته، وقيل إن السبب في ذلك أنه في ~~إبان المحنة العظمى التي حلت بمصر أيام حكم المستنصر الفاطمي، والتي اشتدت ~~وعظمت من سنة سبع وأربعين وأربعمائة، كان ابن رضوان قد أخذ يتيمة رباها كبرت ~~عنده، فلما كان في بعض الأيام خلا لها المنزل، وكان قد ادخر أشياء نفيسة ~~من الذهب نحو عشرين ألف دينار، فأخذت الجميع وهربت، ولم يظفر منها على خبر، ~~فتغيرت أحواله منذ ذلك الوقت، وتوفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وترك من ~~مؤلفاته وتصانيفه أكثر من مائة كتاب. # كان لابن رضوان أثر كبير في الحياة العقلية بمصر؛ فهذه المناظرات الكثيرة ~~التي كانت بينه وبين غيره من الأطباء، وهذه الردود المختلفة التي كتبها في الرد ~~على الأطباء السابقين، كان لها أثرها في تنبيه الأطباء والفلاسفة إلى آراء ابن ~~رضوان وآراء خصومه، وكان لابن رضوان تلاميذ أخذوا عنه علمه وطبه، فمن ~~هؤلاء التلاميذ: الطبيب الإسرائيلي إفرائيم بن الزفان، وأبو كثير بن الحسن بن ~~إسحق، وكان من الأطباء المشهورين بمصر، واستخدمه الأئمة، وكان كثير الاهتمام ~~بجمع الكتب ونسخها حتى كانت عنده خزائن كثيرة من الكتب الطبية وغيرها، وكان ~~عنده النساخ يكتبون، ولهم ما يقوم بكفايتهم منه، ومن جملة هؤلاء النساخ ~~محمد بن سعيد بن هشام الحجري المعروف بابن ملساقة. وقيل إن أحد وراقي العراق ~~أراد شراء كتب ms098 من إفرائيم، فسمع الأفضل بن بدر الجمالي بذلك، فأمر بفسخ هذه ~~الصفقة، وأن تبقى الكتب في مصر ولا تنتقل إلى بلاد أخرى، وأمر بشرائها وإضافتها ~~إلى خزانة الأفضل، وكتب عليها ألقابه. ويقال إن إفرائيم خلف ما يزيد على ~~عشرين ألف مجلد. # 49 # وصنف الطبيب أبو جعفر يوسف بن حسداي شرحا لكتاب الإيمان من كتب أبقراط، ~~سماه الشرح المأموني، نسبة إلى الوزير المأموني بن البطائحي. # ومن هذه الأمثلة التي ذكرناها عن حركة العلوم الطبية في مصر، ندرك مقدار نشاط ~~هذه العلوم وازدهارها إبان حكم الفاطميين، وأن مصر استطاعت في هذا العصر أن ~~تنافس غيرها من الأقطار الإسلامية في مضمار هذا العلم، فوفد عليها عدد من ~~الفلاسفة نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: أمية بن أبي الصلت الأندلسي، جاء ~~مصر سنة 489ه وظل بها إلى أن نفاه الأفضل بن بدر الجمالي سنة 509ه، وكان أمية ~~عالما في فنون مختلفة، شاعرا فحلا، وأديبا ممتازا بجانب علومه الفلسفية، ~~سجنه الوزير الأفضل فصنف وهو بالسجن رسالة العمل بالأصطرلاب، وكتاب الوجيز ~~في علم الهيئة، وكتاب الأدوية المفردة، وكتابا في المنطق، وآخر سماه ~~الانتصار في الرد على ابن رضوان في رده على حنين بن إسحق. وكان له تلاميذ بمصر ~~نذكر منهم: أبا عبد الله الشامي، وسليمان بن الفياض الإسكندراني، وروى عنه ظافر ~~الحداد وغيرهم، وسنتحدث عن أمية في باب الشعر من هذا الكتاب. # ومن أشهر الفلاسفة الذين تحدثوا في الإلهيات في هذا العصر: أحمد حميد الدين ~~بن عبد الله بن محمد الكرماني، ويعرف في الدعوة الإسماعيلية بحجة العراقين، ~~وفد على مصر في عهد الحاكم بأمر الله. فهو يقول في رسالته «مباسم البشارات ~~بالإمام الحاكم»: «فإني لما وردت الحضرة النبوية مهاجرا، والسدة العلوية ~~زائرا، ورأيت السماء قد أظلت بسحاب عميم، والناس تحت ابتلاء عظيم ...» # 50 # ويخيل إلي أنه وفد على مصر عقب ثورة الدرزي، وظل بمصر ~~نحوا من عشر سنوات، وصنف بها عدة رسائل منها: «الرسالة الكافية» في الرد ~~على الشريف الهاروني الحسني، والرسالة الواعظة في الرد ms099 على الفرغاني ابن الأخرم ~~أحد دعاة الدرزية، ورسالة مباسم البشارات بالإمام الحاكم، ورسالة الصوم ... ~~وغيرها . وإذا قرأنا رسائل الكرماني وكتبه نجده يتحدث في الفلسفة الطبيعية ~~والإلهية كما في «راحة العقل»، وفي الفلسفة الإلهية كما في «الرسالة الدرية»، ~~ورسالة النظم في مقابلة العوالم، ورسالة الرضية في جواب من يقول بقدم الجوهر ~~وحدوث الصورة، والرسالة الحاوية وهي في البحث عن أيهما أسبق الليل أم النهار ... ~~وهكذا؛ نجد الكرماني تحدث في جميع أقسام الفلسفة، ولا سيما في كتابه «راحة ~~العقل» الذي يعد من أقوم كتب الفلسفة في العصر الفاطمي، فهو في هذا الكتاب ~~تلميذ من تلاميذ الفلسفة اليونانية المصطبغة بالصبغة الإسلامية على المذهب ~~الفاطمي. وحديثه عن إبداع العقل الكلي وصفاته وخصائصه، وانبعاث النفس الكلية ~~وصفاتها، وعن العالم الروحاني، وعالم الكون والفساد، يدل على أن الكرماني كان ~~من أكبر الباحثين في هذه الموضوعات الفلسفية، ولا غرو أن كان لهذا الداعي أثره ~~في تاريخ المذهب الإسماعيلي إلى اليوم، فكل من جاء بعده أخذ عنه، واقتبس من ~~رسائله وكتبه. # مما سبق نستطيع أن نكرر ما قلناه من أن العلوم الفلسفية ازدهرت في العصر ~~الفاطمي ازدهارا لا نجد له مثيلا في الأقطار الإسلامية الأخرى، بل نجد غير ~~الفاطميين كانوا يجنحون إلى اعتبار الدراسات الفلسفية دراسة إلحادية، وأن ~~القائمين بها من العلماء زنادقة، ولكن الفاطميين كانوا أوسع أفقا في تفكيرهم، ~~وكان مذهبهم يقوم على الفلسفة، فجمعوا إليهم علماءها، وعقدوا مجالس المناظرات ~~بينهم، فازدهرت بذلك الحركة العلمية، وقوي البحث للوصول إلى معرفة الحقيقة، ~~مستعينين بالمنطق وآراء الفلاسفة الأقدمين. # الفصل الثاني # | علوم اللغة العربية والفقه # (1) علوم اللغة والنحو # بجانب هذه الدراسات الفلسفية التي ازدهرت بمصر الفاطمية، كان هناك دراسات ~~عربية في علوم اللغة والنحو، ورواية للأدب القديم وشرحه ونقده، وكانت هذه ~~العلوم تسير جنبا إلى جنب مع غيرها من الدراسات التي أقبل عليها العلماء ~~والمتعلمون في مصر، وكان هؤلاء العلماء كعبة يفد إليها طلاب العلم من ~~البلدان الإسلامية الأخرى للاستفادة من علماء مصر والرواية عنهم. # لم تكن هذه الدراسات العربية ms100 جديدة على مصر، فقد ذكرت في كتاب «أدب مصر ~~الإسلامية» أن هذه العلوم وجدت في مصر منذ بدأ المسلمون في مصر يقرءون ~~القرآن الكريم عن الصحابة والتابعين، ويهتمون بإعجامه على نحو ما فعله أبو ~~الأسود الدؤلي وعبد الله بن أبي إسحق، حتى إذا دون علم النحو وظهر كتاب ~~سيبويه ونحاة الكوفة والبصرة، أقبل المصريون على الأخذ عنهم، واطرد نمو هذا ~~اللون من الدراسة حتى غمرت مصر، وفاضت على غيرها من بلدان المغرب والأندلس، وقد ~~استمر تيار هذه الدراسات بمصر في العصر الفاطمي والعصور التي تلته، وكثر ~~العلماء الذين انقطعوا إلى هذا العلم وعرفوا به، وقد ذكرنا كيف كان الخلفاء ~~الفاطميون يشجعون هذه الدراسات، ويحبسون المرتبات للعلماء، وكيف حرصوا على ~~اقتناء الكتب اللغوية والنحوية، وجعلوها مع غيرها من الكتب بين يدي العلماء ~~والمتعلمين، فلا غرو أن رأينا عددا كبيرا ينبغون في هذه العلوم، ويصنفون ~~كتبا كثيرة في هذه الفنون، ويكفي أن نلقي نظرة على كتب التراجم لندرك كيف ~~أقبل الناس على هذه الدراسات، وكيف تضاعف عدد الكتب التي ألفت ~~فيها. # وكما كان الفلاسفة يجتمعون للمباحثة والمذاكرة في فنونهم، كذلك فعل علماء ~~النحو واللغة، فقد قيل: إن جنادة الهروي والحافظ عبد الغني بن سعيد، وأبا إسحق ~~علي بن سليمان المعري النحوي، كانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة، وتقوم ~~بينهم مباحثات ومذاكرات. # 1 # وبلغ من اهتمام الفاطميين بعلوم اللغة والنحو أنهم جعلوا في ديوان ~~الإنشاء لغويين ونحويين يراجعون ما كان يصدر عن الكتاب من رسائل، حتى لا يظهر ~~في كتابات الكتاب لحن في اللغة أو خطأ في النحو، وسنتحدث عن ذلك في باب ~~الكتابة الفنية. # ومن أشهر العلماء الذين ظهروا في هذا العصر، أبو عبد الله محمد بن جعفر ~~التميمي المعروف بالقزاز النحوي، كان في خدمة العزيز بالله الفاطمي، ويقال إن ~~العزيز تقدم إليه أن يؤلف كتابا يجمع فيه سائر الحروف التي أشار إليها ~~النحويون في قولهم «إن الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى»، وأن يقصد في تأليفه ~~إلى ذكر الحرف الذي جاء ms101 لمعنى، وأن يجري ما ألفه من ذلك على حروف المعجم، وهو ~~لون جديد لم يسبق إليه أحد من النحاة، فقام القزاز بجمع مواد هذا الكتاب، فبلغ ~~جملة ما جمعه ألف ورقة. ويروي ابن خلكان عن أبي علي الحسن بن رشيق في كتاب ~~الأنموذج: أن القزاز فضح المتقدمين، وقطع ألسنة المتأخرين، وكان مهيبا عند ~~الملوك والعلماء وخاصة الناس، محبوبا عند العامة، قليل الخوض إلا في علم دين ~~أو دنيا، يملك لسانه ملكا شديدا. # 2 # ولأبي عبد الله القزاز كتاب الجامع في اللغة، وهو من الكتب ~~المختارة المشهورة، وتوفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة بالقاهرة. # ومن العلماء الذين شاهدتهم مصر في العصر الفاطمي علي بن أحمد المهلبي، فقد ~~كان إماما في النحو واللغة، ورواية الأخبار وتفسير الأشعار، وكان من جلساء ~~المعز والعزيز المقربين إليهما، وكان المهلبي قبل ذلك مقربا إلى كافور ~~الأخشيدي، وممن عاصر المتنبي في مصر، وكانت بينه وبين المتنبي بعض محاورات ~~علمية. يروي ياقوت أن المهلبي قال: وقع بيني وبين المتنبي في قول ~~العدواني: # يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي # أضربك حتى تقول الهامة اسقوني # وذلك أن المتنبي قال: إن الناس يغلطون في هذا البيت، والصواب اشقوني من شقأت ~~الرأس بالمشقاة وهو المشط. فقلت له: أخطأت في وجوه: أحدها أنه لم يرو كذلك، ~~والآخر أنه يقال شقأت بالهمزة، وأيضا فإني أظنك لا تعرف الخبر فيه، وما كانت ~~العرب تقول في الهامة؛ إنها إذا لم يثأر بصاحبها لا تزال تقول اسقوني، فإذا ~~ثأروا به سكن كأنه شرب ذلك الدم. # 3 # وللمهلبي كتاب في الرد على كتاب المقصور والممدود لابن ولاد المصري، # 4 # وقيل إن المهلبي أخذ مادة هذا الكتاب عن المتنبي ونسبها إلى نفسه. ~~وروى كثير من المصريين عن المهلبي، ومن أشهر تلاميذه: أبو يعقوب يوسف بن يعقوب ~~النجيرمي، وابنه بهزاد، وعبد الرحمن بن إسماعيل العروضي نزيل مصر، وغيرهم. ~~وتوفي المهلبي سنة 285ه. # 5 # ومن أشهر علماء مصر في ذلك العصر: أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ الذي ~~عد إمام عصره ms102 في النحو، وهو أحد الذين عهد إليهم تصحيح رسائل الكتاب في ~~ديوان الإنشاء، يروي ابن خلكان: أن الخطيب التبريزي دخل مصر في عنفوان شبابه، ~~وقرأ عليه بها الشيخ أبو الحسن بن بابشاذ النحوي وغيره علوم اللغة، ثم عاد إلى بغداد. # 6 # ألف من الكتب كتاب المقدمة المحسنية في فن العربية، ويوجد من ~~هذا الكتاب ثلاث نسخ خطية بدار الكتب المصرية، وله شرح على هذه المقدمة، وشرح ~~الجمل للزجاجي، وشرح كتاب الأصول لابن السراج، وله في النحو كتاب بلغ خمس عشرة ~~مجلدة سماها النحاة بعده «تعليق الغرفة»؛ ذلك أن تلاميذه من بعده احتفظوا ~~بهذا الكتاب عند من تصدر موضع ابن بابشاذ في حلقته بجامع عمرو، فقد انتقلت ~~إلى تلميذه عبد الله محمد بن بركات السعدي النحوي اللغوي، ثم انتقلت بعده إلى ~~صاحبه أبي محمد عبد الله بن بري النحوي، ثم بعده إلى أبي الحسين النحوي المنبوز ~~بثلط الفيل، فكان كل واحد من هؤلاء العلماء يهبها إلى أخص تلاميذه، ويعهد إليه ~~بحفظها. ولقد اجتهد جماعة من الطلاب في نسخها، فلم يتمكنوا من ذلك، وهكذا ~~انتفع الناس بعلم ابن بابشاذ وبتصانيفه، وقد تزهد في أواخر أيامه، واستقال ~~من عمله بديوان الإنشاء، وانقطع في غرفة بجامع عمرو، فخرج ذات ليلة من الغرفة ~~إلى سطح الجامع، فزلت قدمه فسقط، وأصبح ميتا في اليوم الثالث من رجب سنة تسع ~~وستين وأربعمائة. # 7 # وممن لهم أثر يذكر من علماء النحو واللغة علي بن جعفر بن علي السعدي ~~المعروف بابن القطاع الصقلي، لم يكن مصريا، ولكنه من صقلية، فيها شب، وقرأ ~~على علمائها كابن البر أبي بكر الصقلي اللغوي وأمثاله، ثم رحل عن صقلية لما ~~أشرف الفرنج على تملكها في حدود سنة خمسمائة، فوفد على مصر متخذها وطنا ~~له، ولقيه المصريون بالحفاوة، وبالغوا في إكرامه، وخصه الوزير الأفضل بن بدر ~~الجمالي بالرعاية، وجعله مؤدبا لولده في علوم العربية وفنون الأدب. وقد روى ~~ابن القطاع عن أبي بكر الصقلي كتاب الصحاح للجوهري، وعن طريق ابن القطاع اشتهرت ~~رواية هذا ms103 الكتاب في الآفاق، وله حواش على كتاب الصحاح اعتمد عليها محمد بن ~~بري النحوي المصري فيما تكلم عليه من حواشي الصحاح، ولابن القطاع عدة تصانيف ~~أخرى منها: كتاب الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة - أي جزيرة صقلية - اشتمل على ~~مائة وسبعين شاعرا، وعشرين ألف بيت شعر، وكتاب الأسماء في اللغة، جمع فيه ~~أبنية الأسماء كلها، وكتاب الأفعال هذب فيه أفعال ابن القوطية وأفعال ابن ~~طريف وغيرهما في ثلاث مجلدات، وله تاريخ صقلية، وتوفي في صفر سنة خمس عشرة ~~وخمسمائة، ودفن بقرب ضريح الشافعي. # 8 # ولا يتسع المجال هنا للحديث عن جميع النحاة واللغويين الذين نبغوا في مصر في ~~العصر الفاطمي، أمثال: محمد بن أحمد البازودي، ومحمد بن أحمد العميدي، ومحمد بن ~~أحمد الجرجاني، ومحمد بن الحسين بن عمير اليمني صاحب أخبار النحويين ومضاهاة ~~أمثال كليلة ودمنة، وهو أستاذ القاضي القضاعي، وأمثال محمد بن حميد بن حيدرة، ~~ومحمد علي بن محمد أبو سهل الهروي الذي إليه كانت رياسة المؤذنين بجامع عمرو، ~~وأحمد بن مطرف المتوفي سنة 413 الذي ولي قضاء دمياط، وله تصانيف أدبية ولغوية، ~~كما كان شاعرا له ديوان شعر، وهو الذي أجاز لأبي عبد الله الصوري ~~الحافظ. # وبجانب هؤلاء العلماء المصريين أو الذين استوطنوا مصر من البلاد الأخرى، نرى ~~عددا كبيرا من العلماء الذين كانوا يرحلون إلى الأقطار العربية في طلب العلم ~~أو الكسب به، وفدوا على مصر وأقاموا بها ردحا من الزمان، ثم تركوها إلى بلادهم ~~أو إلى غيرها من البلدان، ولكنهم تركوا في مصر تلاميذ أخذوا عنهم علومهم، كما ~~استفادوا هم من علماء مصر. نذكر من هؤلاء العلماء محمد بن عبد الله بن محمد بن ~~ظفر المكي، ولد بمكة، وقدم مصر في صباه، ورحل عنها إلى إفريقية، وأقام ~~بالمهدية مدة طويلة، انتقل بعدها إلى صقلية، ومنها إلى مصر، ثم وفد على حلب ~~وشاهد هناك الفتنة الكبرى بين الشيعة والسنة، وفي هذه الفتنة نهبت كتبه ~~فقصد حماة، وأقام بها إلى أن مات سنة 565. وكان لغويا أكثر منه نحويا، وله ms104 ~~من الكتب: ينبوع الحياة في التفسير، التفسير الكبير، الاشتراك اللغوي، ~~الاستنباط المعنوي، القواعد والبيان في النحو، الرد على الحريري في درة الغواص، ~~المطول في شرح المقامات، وغيرها من الكتب. # 9 # ومحمد بن أبي الفرج الكناني الصقلي المعروف بالذكي النحوي، كان من صقلية، ~~وطاف العالم الإسلامي حتى وصل إلى الهند، وكان من أئمة النحو، وتوفي بأصبهان ~~سنة 516ه. # 10 # ومحمد بن يحيى مزاحم أبو بكر الخزرجي، تلميذ القاضي القضاعي وراويته، وكان ~~نهاية في علوم العربية، وألف كتاب الناهج للقراءات بأشهر الروايات، وأصله ~~من لشبونة، ورحل إلى مصر حيث أقام بها ردحا من الزمن، ثم عاد إلى مدينة بطليوس ~~يحدث فيها بما رواه عن المصريين، وتوفي بها سنة 501ه. # 11 # وإبراهيم بن محمد بن أحمد الهاشمي، وهو كوفي رحل إلى الشام ومصر، ثم عاد إلى ~~موطنه، وبه توفي في شوال سنة 466، وكان له حظ من الشعر، وتفوق في النحو ~~واللغة، وهو صاحب القصيدة التي أنشدها وهو في مصر، ومنها: # فإن تسأليني كيف أنت فإنني # تنكرت دهري والمعاهد والقربى # وأصبحت في مصر كمالا يسرني # بعيدا عن الأوطان منتزحا غربا # وإني فيها كامرئ القيس مرة # وصاحبه لما بكى ورأى الدربا # فإن أنج من بابي زويله فتوبة # إلى الله ألا مس خفي لها تربا # ومن الطريف أن هذا العالم الشاعر حدثنا بأنه قال هذه الأبيات، وكان حصل له ~~من المستنصر بالله خمسة آلاف دينار مصرية، # 12 # ومع ذلك فإنه كان يشعر بشدة الغربة عن بلاده. # ونذكر من هؤلاء العلماء: الرحالة عبد الله بن أبي سعيد الأندلسي النحوي ~~الذي كانت له حلقة في جامع عمرو للإقراء، وتوفي سنة 520ه. # 13 # وعبد الجبار بن محمد بن علي المعافري اللغوي الذي قدم مصر، وأقرأ ~~بها العربية، ورحل إلى بغداد حيث ألقى بها علومه، وهو شيخ ابن بري المصري. # 14 # ومنهم الحسن بن الوليد القرطبي المعروف بابن العريف النحوي، فقد ~~خرج إلى مصر، ورأس فيها، ومات سنة سبع وستين وثلاثمائة. # 15 # كذلك نذكر نصر بن صدقة القابسي النحوي، قدم ms105 مصر، وأخذ عن علمائها، ثم توجه ~~إلى معرة النعمان، ولازم أبا العلاء المعري، وأخذ عنه ديوان سقط الزند، وكتب ~~منه نسخة جيدة لنفسه، وعاد إلى مصر فقدمها للحاكم بأمر الله الفاطمي، وقرأه ~~عليه فأعجبه نظم المعري حتى قيل: إن الحاكم أرسل إلى عزيز الدولة الوالي بحلب ~~أن يحمل المعري إلى مصر، فاعتذر المعري. # 16 # إذن نستطيع أن نلمس هذا النشاط في درس علوم اللغة بمصر في هذا العصر، وكيف ~~كثر عدد العلماء، وكثر إنتاجهم، كما تعددت أماكن هذا الدرس؛ ففي الجامع ~~الأزهر كانت تقام حلقات الدرس، وفي دار العلم كان يجتمع العلماء والطلاب، وفي ~~جامع عمرو بالفسطاط استمرت حلقات التدريس التي تحدثنا عن نشاطها في كتابنا ~~«أدب مصر الإسلامية». ولم تكن القاهرة والفسطاط مراكز الدرس في مصر فحسب، بل ~~كانت الإسكندرية أيضا تزخر بالعلماء والطلاب، وقد نقلت كتب التراجم عن ~~الحافظ السلفي تراجم عدد كبير من العلماء والمتعلمين الذين شهدتهم الإسكندرية ~~في هذا العصر، والعلماء الذين وفدوا على الإسكندرية. # كما يحدثنا السيوطي أن محمد بن حميد بن الأرقط الحسيني النحوي قرأ على ~~القاضي الأديب بأسوان الأدب، وظل بأسوان تؤخذ عنه علوم القرآن الكريم ~~والأدب، وانتقل إلى قوص، وتوفي سنة 541ه. # 17 # وكانت قوص من مراكز العلم في مصر، وسنتحدث عن ذلك كله فيما بعد، ~~ومعنى هذا كله أنه كان بمصر مراكز كثيرة للعلم والثقافة بجانب الفسطاط ~~والقاهرة. ~~(2) القراءات وعلوم القرآن # من المعروف أن العلوم العربية والإسلامية إنما نشأت بسبب القرآن الكريم، وما ~~يدور حول دراسة القرآن من ضبط حروفه، وتفسير غريبه، ومعرفة أسرار إعجازه، ~~وتفهم معانيه، فعلم النحو وعلوم اللغة لم تنشأ إلا بسبب القرآن، فلا غرو أن ~~رأينا هذه العلوم التي كانت تدور حول دراسة القرآن موضع اهتمام المسلمين في ~~جميع الأقطار الإسلامية ومنها مصر، فقد عرفت مصر هذه العلوم منذ دخلها المسلمون ~~على نحو ما ذكرناه من قبل في كتاب «أدب مصر الإسلامية»، واستمرت هذه الدراسات ~~تنمو وتزدهر حتى جاء الفاطميون فأولوا هذه الدراسات عنايتهم ورعايتهم؛ ففي كل ms106 ~~الحفلات التي كان يقيمها الفاطميون كان القراء في مقدمة الحاضرين يقرءون بين ~~يدي الإمام، وكان كل قارئ يحاول أن ينال القربى من الإمام ليفوز بأكبر قسط من ~~العطاء. وكذلك تختتم الحفلات بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، فكان هناك ~~قراء الحضرة الإمامية، وهم أشبه شيء بموظفين رسميين في الدولة، ولهم جاريهم ~~الشهري سوى الهبات والخلع، وكان عدد العلماء الذين اهتموا بهذه الدراسات كبيرا ~~جدا، كما كثرت كتبهم التي وضعوها في علوم القرآن الكريم، نذكر من هؤلاء ~~العلماء أبا الحسن علي بن إبراهيم بن سعد الحوفي، فقد كان عالما بالعربية ~~وتفسير القرآن، أخذ عن أبي جعفر النحاس وأبي بكر الأدفوي، ولقي جماعة من علماء ~~المغرب وأخذ عنهم، وتصدر للإفادة في العربية وإعراب القرآن وتفسيره، وأخذ ~~عنه خلق كثير، وله تفسير اسمه «البرهان في تفسير القرآن» في ثلاثين مجلدا، وله ~~في إعراب القرآن كتاب علوم القرآن في عشرة مجلدات، وصنف في النحو كتاب الموضح ~~في النحو، وهو أستاذ إسماعيل بن خلف الصقلي المقرئ صاحب كتاب إعراب القراءات في ~~تسعة مجلدات. توفي الحوفي سنة 430ه. # 18 # ونذكر كذلك عبد العزيز بن علي بن محمد بن إسحق أبا عدي المصري، المعروف بابن ~~الإمام، مسند القراء في زمانه، قرأ على أبي بكر بن عبد الله بن مالك، وقرأ ~~عليه عدد من العلماء المعروفين أمثال طاهر بن غليون، ومكي بن أبي طالب، وابن ~~نفيس وغيرهم. وتوفي سنة 381. # 19 # ويقول صاحب الشذرات: إن ابن الإمام كان محققا ضابطا لقراءة ورش، وإنه حدث ~~عن محمد بن زبان وابن قديد، وقرأ على أبي بكر بن سيف صاحب أبي يعقوب الأزرق. # 20 # وكان أبو بكر الأدفوي محمد بن علي بن أحمد المصري المقرئ النحوي ~~المفسر شيخ مصر وعالمها في عصره، كان أصله خشابا، ثم أخذ العلم عن أبي ~~جعفر النحاس النحوي، وقرأ برواية ورش على أبي غانم المظفر بن أحمد، وبرع في ~~علوم القرآن حتى ساد أهل عصره في مصر، وانفرد بالإمامة في وقته في قراءة نافع، ~~وكانت حلقته من ms107 أكبر الحلقات العلمية، وله كتاب في التفسير في مائة وعشرين ~~مجلدا سماه كتاب الاستفتاء في علوم القرآن. وتوفي في ربيع الأول سنة 387ه. # 21 # ويقول السيوطي: بل في سنة 388ه. # 22 # ومن العلماء أيضا عبد الجبار بن أحمد الطرسوسي، وكان شيخ القراء بمصر في ~~زمانه، ومن أساتذة أبي الظاهر إسماعيل بن خلف الصقلي، وله كتاب المجتبى في ~~القراءات، وتوفي سنة 420ه. # 23 # وكذلك نذكر فارس بن أحمد بن موسى بن عمران الضرير مؤلف كتاب ~~المنشأ في القراءات الثماني، وهو المذكور في باب التكبير في الشاطبية، وتوفي ~~سنة 401. # 24 # ويروي ياقوت عن الحافظ السلفي: «أن عثمان بن علي بن عمر السرقوسي ~~الصقلي كان من العلم بمكان، نحوا ولغة، وقرأ القرآن على ابن الفحام وغيره، ~~وله تواليف في القراءات والنحو والعروض، وصارت له في جامع مصر حلقة للإقراء، ~~وقرأ علي كثيرا، وعلى من كنت أقرأ عليه كأبي صادق وابن بركات الفراء ~~الموصلي وآخرين.» # 25 # وهكذا كان لعلوم القرآن في مصر مكانة خاصة، وكثرت فيها المؤلفات بجانب غيرها ~~من العلوم والفنون بما كان له أثره في الحياة العقلية المصرية، ونستطيع من هذه ~~اللمحة التي أسلفناها أن نتبين أن الفاطميين الذين كانوا لا يتفقون في تفسير ~~القرآن مع باقي المسلمين، مدعين أن للقرآن الكريم تأويلا باطنيا يخالف ما ~~يقول به المفسرون، قد أفسحوا صدورهم لتفسير هؤلاء العلماء الذين كانوا بمصر، ~~وسمحوا لهم بالتحلق في المساجد، وإلقاء دروس التفسير على طلاب العلم؛ فهذا ~~يدل على أن الفاطميين كانوا متسامحين مع غيرهم من أصحاب الفرق والنحل ~~الأخرى، وسنوضح ذلك فيما بعد. ~~(3) رواية الحديث # نشطت رواية الحديث في مصر كما كان عليه الأمر في البلاد الإسلامية الأخرى، ~~وكثرت الرحلة في طلبه، وكانت مصر من أهم مراكز الرواية منذ دخول الإسلام، ~~ومن أشهر المحدثين الذين كانوا في مصر الفاطمية أبو بكر محمد بن علي بن حسن ~~المصري نزيل تنيس، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وسمع النسائي وأبا علي، ~~وروى عنه الدارقطني وغيره، وتوفي سنة تسع وستين وثلاثمائة. # 26 ms108 # ومعاصره الحسن بن رشيق، أبو بكر محمد العسكري المصري، روى عن النسائي أيضا، ~~وعنه أخذ الدارقطني وعبد الغني بن سعيد، وفيه يقول ابن الطحان في تاريخه الذي ~~جعله ذيلا لتاريخ ابن يونس المصري: «ما رأيت عالما أكثر حديثا منه.» ولد ~~في صفر سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وتوفي في جمادى الآخرة سنة سبعين وثلاثمائة. # 27 # والمحدث الجوال أبو الفتح عبد الواحد بن محمد المعروف بابن مسرور البلخي، ~~روى عن ابن سعيد بن يونس، وروى عنه عبد الغني بن سعيد، وأقام بمصر وتوفي سنة ~~ثمان وسبعين وثلاثمائة. # 28 # ومن أشهر الحفاظ في هذا العصر أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي، ولد ~~سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي والده بعد خمس سنوات من ولادته، ونشأ عبد ~~الغني محبا للحديث، فروى عن حمزة بن محمد المعروف بأبي القاسم الكناني المصري، # 29 # وأبي بكر محمد بن علي، وابن مسرور البلخي، ثم اتصل بالدارقطني ~~ولازمه وروى عنه. وقيل إن الدارقطني سئل: هل رأيت في الحديث أحدا يرجى ~~علمه؟ فقال: نعم، رأيت شابا بمصر كأنه شعلة نار يقال له عبد الغني. ولما ~~خرج الدارقطني من مصر جاءه المودعون، وتحزنوا على مفارقته وبكوا، فقال لهم: ~~لقد تركت عندكم خلفا - يعني عبد الغني. وقيل أيضا: إن عبد الغني لما صنف ~~كتابه المؤتلف والمختلف عرضه على الدارقطني، فقال له: اقرأه. فقال: كيف أقرؤه ~~لك ومعظمه أخذته عنك؟ فقال: نعم، أخذته عني متفرقا والآن قد جمعته. # 30 # وروي عن الدارقطني أيضا أنه كان يقول عنه: ما رأيت في طريقي مثله، ~~ما اجتمعت به وانفصلت عنه إلا بفائدة. # 31 # وكان بين عبد الغني بن سعيد، وبين أبي أسامة جنادة اللغوي، وبين أبي علي ~~المعري الأنطاكي مودة أكيدة، واجتماع في دار العلم، ومذاكرات ومحادثات، فلما ~~أمر الحاكم بأمر الله بقتل جنادة وأبي علي الأنطاكي، استتر عبد الغني خوفا من ~~أن يلحق بهما لصداقته لهما، وأقام مستخفيا مدة حتى حصل له على الأمر فظهر، ~~وتوفي في صفر سنة 409ه، وقيل سنة 410ه. ولما أراد ms109 الحاكم بأمر الله بناء ~~جامعه جعل الحافظ عبد الغني بن سعيد على بنائه ونظره. # 32 # وقد طبع كتابه المؤتلف والمختلف بالهند سنة 1326ه. # ولعل أشهر المحدثين الذين شهدتهم مصر في أواخر الدولة الفاطمية، هو ~~الحافظ السلفي، وكان متقنا ناقدا ثبتا دينا خيرا، انتهى إليه علو ~~الإسناد، وكان أوحد زمانه في علم الحديث، وأعلمهم بقوانين الرواية. # 33 # ويقول صاحب النجوم: وكان قد طاف الدنيا ولقي المشايخ، وكان يمشي ~~حافيا لطلب العلم والحديث. # 34 # ورد بغداد فأخذ عن أبي الحسن الهراس علوم الفقه، وعن الخطيب ~~التبريزي علوم اللغة، كما روى عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره، ثم دخل دمشق ~~وأخذ عن علمائها، ودخل الإسكندرية سنة 521ه واستوطنها، فقصده الناس وسمعوا ~~عليه، وبنى له العادل بن الحسن علي بن السلار وزير الظافر الفاطمي مدرسة ~~بالإسكندرية سنة 546ه، وفوض أمرها إليه. # 35 # وصار إليه الهجرة في الحديث، حتى لم يكن في آخر أيامه مثله، ومن ~~أشهر تلاميذه: جمال الدين عبد الرحمن بن حفص الصغراوي الإسكندري، والحافظ ~~أبو الحسن علي بن فاضل الصوري، والحافظ شرف الدين السكندري، وغيرهم من حفاظ ~~الحديث الذين ظهروا في العصر الذي يلي هذا العصر الذي نؤرخه. # ولما وفد أبو حامد الغزالي على الإسكندرية لقي الحافظ السلفي وتباحثا في ~~بعض المسائل. أما كتبه وأماليه فهي كثيرة، وكذلك كان له بعض مقطعات من الشعر، ~~فمن قوله في كبر سنه: # أنا إن بان شبابي ومضى # فلربي الحمد، ذهني حاضر # ولئن خفت وجفت أعظمي # كبرا، غصن علومي ناضر # 36 # ذلك أن السن تقدمت به حتى قيل إنه جاوز المائة بخمس سنين؛ إذ توفي سنة ~~ست وسبعين وخمسمائة. # ومن الرحالين الذين وفدوا على مصر في هذا العصر في طلب الحديث الحافظ ~~أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي الأندلسي، ولقي بمصر والإسكندرية ~~جماعة من المحدثين روى عنهم، كما استفاد بعض المصريين منه، وعاد إلى الأندلس ~~سنة 493ه. # 37 # وأبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني، وكان أحد ~~الرحالين في طلب ms110 العلم والحديث بوجه خاص، روى بالحجاز والشام ومصر والثغور ~~والجزيرة والعراق وفارس، وتوفي ببغداد سنة 507ه. # 38 ~~(4) دراسة مذاهب أهل السنة # وهنا نعرض لموضوع كثر فيه اختلاف الكتاب منذ العصر الفاطمي إلى الآن، فقد ~~ذهب أكثر المؤرخين إلى أن الفاطميين كانوا شديدي التعصب لمذهبهم الديني، ~~وتطرفوا في عصبيتهم حتى إنهم أكرهوا الناس على اعتناق عقيدتهم رهبة لا رغبة، ~~وإنهم في سبيل ذلك اضطهدوا علماء مذاهب أهل السنة، بل أفنوهم تقتيلا ، ويقول ~~السيوطي: إن الفاطميين أفنوا من كان بمصر من أئمة المذاهب الثلاثة - أي ~~الشافعية والمالكية والحنفية - قتلا ونفيا وتشريدا، وأقاموا مذهب الرفض والشيعة. # 39 # وذهب قليل من المؤرخين المحدثين إلى أن الفاطميين كانوا أهل تسامح ~~ورفق بالرعية، وأن جوهر الصقلي أعطى الأمان للمصريين بأن يختاروا المذهب الديني ~~الذي يرتضونه ولا إكراه في الدين، وبلغ تسامح الفاطميين إلى أن استخدموا في ~~أكبر وظائف الدولة من لم يكن مسلما، فكان من الوزراء والنواب في الأقاليم ~~وكتاب دار الإنشاء من كان مسيحيا أو يهوديا، أما الاضطهاد الذي حاق بأهل ~~السنة فقد كان في أيام الحاكم بأمر الله الذي عرف بالتقلب في سياسته ~~وأحكامه. # فقهاء الشافعية # وإذا نظرنا في كتب الطبقات والتاريخ، رأينا عددا كبيرا من علماء مذاهب ~~أهل السنة كانوا يعيشون في مصر الفاطمية، ويلقون تعاليمهم على جمهور ~~المستمعين تحت بصر رجال الدولة الفاطمية ودعاة دعوتهم دون أن يمسهم سوء. ~~فمن علماء مذهب الشافعي: القاضي أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى البغدادي ~~نزيل مصر، فقد أملى بها وأفاد حتى توفي سنة 441ه. # 40 # وأبو القاسم نصر بن بشر بن علي، فقد كان فقيها محققا ~~ومناظرا مبرزا، وتوفي سنة 477ه. # 41 # والقاضي أبو الحسن علي بن الحسين الموصلي الخلعي المولود بمصر ~~سنة 405ه، وكان فقيها مشهورا له تصانيف وروايات متسعة، وكان أعلى أهل مصر ~~إسنادا، وجمع له أبو نصر أحمد بن الحسن الشيرازي عشرين جزءا، وخرجها ~~عنه وسماها «الخليعات»، وبالرغم من أنه كان شافعي المذهب فقد ولاه ~~الفاطميون القضاء سنة 450ه، ولكنه استقال ms111 بعد يوم واحد، ومات بمصر سنة ~~492ه، وينسب إليه مسجد الخلعي بالقرافة، وكان والده أيضا من فقهاء ~~الشافعية، توفي بمصر سنة 448ه. # 42 # ومن فقهاء الشافعية أيضا في ذلك العصر: أبو الفتح سلطان بن إبراهيم ~~بن مسلم المقدسي، الذي قال عنه الحافظ السلفي: كان من أفقه الفقهاء بمصر، ~~وعليه قرأ أكثرهم، ولد بالقدس سنة 442ه وتفقه على الشيخ نصر المقدسي، ~~ثم دخل مصر فظل بها إلى أن توفي سنة 518ه. # 43 # وكذلك نقول عن أبي الحجاج يوسف بن عبد العزيز بن علي الميورقي الذي اتخذ ~~الإسكندرية موطنا له، وصنف تعليقه في الخلاف بين الفقهاء، وهو أحد ~~الذين روى عنهم الحافظ السلفي، وتوفي بالإسكندرية سنة 523ه. # 44 # ومجلي بن جميع بن نجا المخزومي المصري صاحب كتاب الذخائر، ~~تفقه على سلطان المقدسي، وبرع في فقه الشافعي حتى صار من كبار الأئمة، ~~وتفقه عليه جماعة، منهم العراقي شارح المذهب، وعلى الرغم من تمذهبه ~~بمذهب يخالف مذهب أولي الأمر في البلاد، فقد ولي القضاء سنة 547ه ومكث في ~~القضاء عامين، ومات سنة 550ه، ومن تصانيفه: كتاب أدب القضاء، وكتاب الجهر بالبسملة. # 45 # وأبو محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي المصري الذي ولي قضاء ~~الجيزة، فقد كان فقيها ماهرا في الفرائض، أخذ عن الخلعي ولازمه مدة ~~طويلة، وهو آخر من حدث عنه، ثم ترك القضاء واعتزل في القرافة ~~متعبدا إلى أن توفي سنة 561. # 46 # وسنتحدث في فصل التاريخ عن القاضي القضاعي الشافعي وكيف ولي القضاء، وولي ~~ديوان الإنشاء بالرغم من شافعيته، وأنه صنف كتابا في مناقب الإمام ~~الشافعي وأخباره، وكتاب الشهاب في فقه الشافعية. # 47 # وهكذا نرى عددا كبيرا من فقهاء الشافعية كانوا يعيشون في العصر ~~الفاطمي، ومنهم من ولي القضاء أو غيره من مراتب الدولة الفاطمية، دون أن ~~يكون لظاهر مخالفتهم لمذهب الدولة أثر في حياتهم العلمية أو العملية. # فقهاء المالكية # وكذلك نقول عن فقهاء المالكية، فقد وجد في مصر الفاطمية عدد كبير منهم، ~~أمثال محمد بن سليمان المعروف بأبي بكر النعال، ms112 الذي كانت إليه إمامة ~~المالكية في وقته، وإليه كانت الرحلة بمصر، وكانت حلقته في الجامع تدور على ~~سبعة عشر عمودا، لكثرة الطلاب الذين كانوا يقصدونه للأخذ عنه، وتوفي سنة 380ه. # 48 # وأبو القاسم الجوهري عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي المصري صاحب مسند ~~الموطأ، المتوفي في شهر رمضان سنة 380ه. # 49 # ونحن جميعا نعلم قصة الفقيه المالكي عبد الوهاب بن علي، أحد الأئمة ~~المجتهدين في المذهب حتى وصفه الخطيب في تاريخ بغداد بأنه لم ير في ~~المالكية أفقه منه، ونعلم كيف وفد إلى مصر لضيق حاله في بغداد، وكيف أكرمه ~~المصريون حتى تمول وحسنت حاله، ولما أدركه المرض كان يقول: لا إله إلا ~~الله، عندما عشنا متنا! وتوفي بمصر 422ه. # ونسمع في هذا العصر عن عبد الجليل بن مخوف الصقلي الذي قال ابن ميسر عنه: ~~إنه أفتى بمصر أربعين سنة، ومات بها سنة 459ه. وعن علي بن الحسن بن محمد ~~بن العباس الفهري صاحب كتاب فضائل مالك وشارح الموطأ، وعن أبي بكر الطرطوشي ~~محمد بن الوليد الأندلسي نزيل الإسكندرية، وكان كثير الرحلة في طلب ~~العلم، فسافر إلى العراق، وسمع ببغداد، ثم استوطن الإسكندرية، واتصل ~~بالوزير المأمون البطائحي الذي أكرمه، فصنف له الطرطوشي كتاب «سراج ~~الملوك». كان له عدة من التلاميذ أمثال سند بن عفان بن إبراهيم الأزدي الذي ~~خلفه في حلقته، والذي شرح المدونة، وتوفي الطرطوشي سنة 525ه، وتوفي تلميذه ~~سنة 541ه. # إذن تستطيع أن تطمئن إلى أن دراسة مذهب مالك استمرت في مصر في العصر ~~الفاطمي بجانب مذهب الشافعي، بالرغم من أن الفاطميين كانوا يوجهون النقد ~~اللاذع إلى هذين المذهبين، وأن دعاة المذهب الفاطمي كثيرا ما كانوا ~~يتناولون بالتجريح هذه المذاهب السنية في مجالس حكمهم وفي أشعارهم، وها هو ~~ذا الداعي المؤيد في الدين يقول: # فما أبو حنيفة والشافعي # حيثهم قد نفعوا بنافع # 50 # ويقول مرة أخرى: # وتزيل لبس الشافعي ومالك # ببيان زين العابدين وجعفر # وقياس قياس غدا متبرجا # بالاعتزال وترهات المجبر # 51 # بيد أن الفاطميين تركوا لفقهاء هذه ms113 المذاهب حريتهم العقلية، وسمحوا ~~لهم بالتحلق في المسجد، وإلقاء تعاليم المذاهب السنية على من يشاء من ~~الطلاب، وقد ذكرنا أن الحاكم بأمر الله لما أمر بعمارة دار العلم، ونقل ~~إليها الكتب من القصر، أسكنها من شيوخ السنة شيخين، أحدهما أبو بكر ~~الأنطاكي، وخلع عليهما وقربهما، وسمح لهما بحضور مجالسه وملازمته، وأنه ~~جمع الفقهاء والمحدثين إلى دار العلم. ويحدثنا عمارة اليمني أن الملك ~~الصالح طلائع بن رزيك كان يلقى في ولايته فقهاء السنة ويسمع كلامهم، # 52 # مع ما كان عليه الملك الصالح من إفراط في التعصب لمذهبه. # 53 ~~(5) تعصب الفاطميين لمذهبهم! # أما هذه المسألة التي أثارها المؤرخون حول تعصب الفاطميين أو تسامحهم، ~~فيخيل إلي أن الفاطميين كانوا يميلون إلى صبغ البلاد كلها بصبغة مذهبهم، ~~أحيانا بالترغيب وأحيانا بالترهيب، فكان الدعاة يؤدون واجبهم في تشكيك ~~المسلمين في مذاهبهم السنية، ويحببون إليهم المذهب الفاطمي؛ فمن المصريين من ~~استجاب لهذه الدعوة عن رغبة بعد أن اقتنع بأقوال الدعاة، ومنهم من استجاب لغرض ~~التقرب إلى الحاكمين، عساه يجد حظوة لديهم وينال مآربه، وهذا اللون من الناس ~~كثير في كل البيئات والأقاليم، ومن المصريين من امتنع عن التحول عن مذهبه ~~الديني، واستمر يحافظ على عقيدته التي دان بها، والتي نشأه عليها أبواه، ولو ~~أدى ذلك إلى تعسف الحاكمين معه. وإذا كان الفاطميون استعملوا السيف في سبيل ~~نشر عقيدتهم وإخضاع الخارجين على مذهبهم، فهذا أمر طبيعي نجد مثيلا له في ظل ~~كل الحكومات التي لها نزعة خاصة حتى في عصرنا الحاضر، فقد رأينا اليوم ألوانا ~~مختلفة من الحكومات الفاشية والشيوعية والنازية، وكلها تحاول فرض سلطانها ~~ومبادئها في بلادها، وأن تصبغ هذه البلاد بصبغتها الخاصة، وأن تحكم بالقوانين ~~التي سنتها نظمها، ولو أدى ذلك إلى القتل والنفي والتشريد لكل من ~~حاول مخالفة تلك النظم والقوانين، رأينا ذلك كله ولمسناه في هذا العصر ~~الحديث، فلا نستطيع أن ننكر أن الفاطميين الذين حكموا مصر منذ ألف عام تقريبا، ~~كانوا يستعملون وسائل الإرهاب لمخالفي عقيدتهم، ولا سيما أن الشيعة عامة ~~ذاقت ms114 من العذاب والتنكيل على أيدي خصومهم ما تتحدث به كتب التاريخ. # كان الفاطميون منذ أوائل حكمهم بمصر إلى آخر عهد الظاهر يحكمون بأنفسهم، ولم ~~يكن الوزراء قد بلغوا من القوة والاستبداد بالأمر هذا المبلغ الذي نراه في عهد ~~المستنصر ومن بعده من خلفاء الفاطميين، ففي هذا العصر الأول كان اضطهاد أهل ~~السنة أمرا طبيعيا لتثبيت أركان الدولة، وحمايتها من أعدائها أمويي الأندلس ~~في الغرب، ومن العباسيين في الشرق؛ فكانت السياسة تقضي على الفاطميين أن يكونوا ~~على حذر من كل مخالف لعقيدتهم، وأن يشحذوا السيف لكل من تحدثه نفسه ~~بالخروج على سلطانهم، ولا سيما أن العباسيين وأمويي الأندلس أخذوا يسيئون إلى ~~الفاطميين في نسبهم وفي عقائدهم، وحاربوا الفاطميين بالسيف طورا وبالدعاية ~~طورا آخر، فكتبوا المحاضر في نسب الفاطميين، وطلبوا من العلماء والكتاب ~~الطعن في عقائد الفاطميين، مثل ما نراه في كتب الغزالي وغيره؛ فاضطر الفاطميون ~~إلى أن يكونوا على يقظة من أمرهم إذا جد الجد، وأن يعتبروا كل من لم يعتنق ~~عقيدتهم عدوا لهم، وبهذا نستطيع أن نفسر تطورات الحاكم بأمر الله في ~~سياسته، فكان حينا يقرب أهل السنة ويغدق عليهم أمواله، وطورا يشتت شملهم ~~ويمعن فيهم بالقتل والسجن، وهو في كلا الأمرين مضطر إلى اتخاذ هذه السياسة أو ~~تلك على حسب مقتضى الحال مع خصومه وأعدائه، فالحاكم بأمر الله لم يكن مجنونا ~~كما يصور في كتب التاريخ، وإنما كان سياسيا حازما في سياسته، يعفو في وقت ~~العفو، ويقتل حين يشتد به الأمر، وهكذا كانت الحال في سياسة الفاطميين نحو أهل ~~السنة. # فحينا ترى الفاطميين لا يفرقون بين أصحاب الفرق الإسلامية أو الذمية، ~~فهم يستخدمونهم في وظائف الدولة، ولا يتعرضون لهم بمقت ولا أذى، وقد قال ~~القاضي النعمان في كتابه المجالس والمسايرات: # 54 ~~«لما قلدني القضاء بالمنصورية، رأيت قوما لم يصلوا إلى الدعوة، ~~ورأيت فيهم مقاربة، ورجوت أن يهديهم الله إن فتح في ذلك لعباده، فلما جاء الله ~~من ذلك بما هيأه لخلقه من فتح باب رحمته لعباده تخلفوا، ورجوت أن ms115 يحاسبوا ~~أنفسهم، ورمزت لهم وطارحتهم، فلم أرهم يقبلون على شيء، فواجهتهم ~~وكلمتهم واحتججت عليهم وناظرتهم حتى قطعتهم، فلم يزدهم ذلك إلا تماديا في ~~الغي وإصرارا على الجهل، فثقل علي أمرهم، وكرهت جانبهم، وأبغضت رؤيتهم، ~~وسئمت صحبتهم، فأردت الاستبدال بهم، فرفعت ذلك إلى المعز، فوقع إلي فيهم: ~~«أبقهم على خدمتك، فإن يفيء الله بهم فسعادة ساقها الله إليهم، وثواب ~~يصير إليك بما بذلته من النصيحة لهم، وإلا فلا يمنعك جهل الحمر المستنفرة من ~~الانتفاع بها في بعض مصالحك، ويكونون بعد كما قال الله - عز وجل: # عاملة ناصبة * تصلى نارا ~~حامية ~~. # وحينا آخر كان الفاطميون يضطرون اضطرارا إلى أخذ أهل هذه المذاهب بالشدة ~~والعنف، حتى ولي المستنصر بالله سنة 427ه، فأخذ الوزراء ورجال الدولة كل سلطة ~~من الخلفاء، واستطاع الوزراء أن يكونوا هم أصحاب السلطة الفعلية في البلاد، ~~وأصبح الخليفة الفاطمي ألعوبة في أيدي وزرائه، وليس له من الأمر إلا الخطبة، ~~وظهر بين الوزراء من كان على مذهب يخالف المذهب الفاطمي. # 55 # هنا نرى حدة العصبية الأولى تخف، وتعود إلى الناس حرية العقيدة ~~أكثر مما كانت من قبل، بل ذهب الوزير أبو علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي ~~إلى أن يعين للبلاد أربعة قضاة، اثنين من الشيعة واثنين من أهل السنة، ~~فالشيعيان أحدهما فاطمي المذهب والآخر إمامي المذهب، والسنيان أحدهما شافعي ~~والآخر مالكي، وأعطى لكل واحد السلطة المطلقة في إصدار أحكامه على وفق مذهبه. # 56 # وقد ذكرنا أن الوزير أبا الحسن علي بن السلار وزير الظافر كان ~~ظاهر التسنن شافعي المذهب، وهو الذي أنشأ مدرسة للشافعية بالإسكندرية، ~~وفوض أمرها إلى الحافظ السلفي، # 57 # وهكذا بدأ الضعف يدب في الدولة الفاطمية والمذهب الفاطمي نفسه، حتى ~~هم بعض الوزراء في مصر إلى تسيير الدعوة لابني صاحب عدن، ويقول عمارة ~~اليمني في ذلك: إن الداعي ابن عبد القوي والأجل الفاضل، وشاور، والكامل، عزموا ~~على أن يتبرعوا ابتداء بتسيير الدعوة لولدي صاحب عدن بعد موته، ثم قال شاور: ~~أحضروا فلانا (يعني عمارة) وخذوا ما عنده. ms116 ولم يبق في النوبة إلا صرمها، ~~فلما حضرت وأعلموني منعتهم، وقلت: إن أهل اليمن إنما يبعثون لكم الهدايا والتحف ~~والنجاوي ويتولونكم لأجل الدعوة، فإذا تبرعتم بها فقد هونتم حرمتها، فرجع ~~الجميع عما كانوا عليه. # 58 # وقصة أخرى رواها عمارة أيضا تدلنا على ما بلغ إليه التهاون في عقيدة ~~الفاطميين، ذلك أن سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء، صهر الصالح بن رزيك، ~~توضأ ومسح رجليه ولم يغسلهما - على حسب عقيدة الفاطميين - فتناول عمارة ~~الإبريق وسكب الماء على رجليه، فجذبهما وهو يضحك، فقال عمارة: إن كان الحق ~~معكم في مسح الرجلين يوم القيامة، فما نعطى ولا نعاقب على غسلها، وإن كان ~~الحق معنا في غسل الرجلين خرجتم من الدنيا بلا صلاة؛ لأنكم تتركون غسل الرجلين ~~وهو فرض. فكان سيف الدين يقول له بعد ذلك: والله لقد أدخلت على قلبي الشك ~~والوسواس بكلامك في مسألة الوضوء. # 59 # ولعل قصة محاولة إدخال عمارة اليمني في الدعوة من القصص التي ترينا أن ~~القائمين بأمر الدولة الفاطمية في أواخر عهدها لم يأبهوا بأمر المذهب، وأنهم ~~كانوا يتسامحون مع مخالفيهم إلى حد بعيد، فبالرغم من أن الملك الصالح طلائع بن ~~رزيك كان شديد التعصب لمذهبه الفاطمي، وأنه أدخل عددا من المسلمين في ~~مذهبه، فإنه لم يستطع أن ينجح في محاولته مع عمارة. يقول عمارة: وكانت تجري ~~بحضرته مسائل ومذاكرات، ويأمرني بالخوض مع الجماعة فيها وأنا بمعزل عن ذلك لا ~~أنطق بحرف واحد، حتى جرى من بعض الأمراء الحاضرين في مجلس السمر من ذكر السلف ~~ما اعتمدت عند ذكره وسماعه قول الله - عز وجل: # فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره # ونهضت ~~فخرجت فأدركني الغلمان، فقلت: حصاة يعتادني وجعها. فتركوني، وانقطعت في منزلي ~~أياما ثلاثة، ورسوله يأتي في كل يوم والطبيب معه، ثم ركبت بالنهار فوجدته في ~~البستان المعروف بالمختص في خلوة من الجلساء، فاستوحش من غيبتي، فقلت: إني لم ~~يكن بي وجع، وإنما كرهت ما جرى في حق السلف وأنا حاضر، فإن أمر السلطان بقطع ~~ذلك ms117 حضرت، وإلا فلا، وكان لي في الأرض سعة وفي الملوك كثرة. فعجب من هذا، وقال: ~~سألتك بالله ما الذي تعتقده في أبي بكر وعمر؟ قلت: أعتقد أنه لولاهما لم يبق ~~الإسلام علينا ولا عليكم، وأنه ما من مسلم إلا ومحبتهما واجبة عليه. فضحك، وبعد ~~أيام جاءت عمارة رقعة فيها أبيات بخط الملك الصالح، ومعها ثلاثة أكياس ذهبا، ~~وفي الرقعة: # قل للفقيه عمارة يا خير من # أضحى يؤلف خطبة وخطابا # اقبل نصيحة من دعاك إلى الهدى # قل «حطة» وادخل إلينا البابا # تلق الأئمة شافعين، ولا تجد # إلا لدينا سنة وكتابا # وعلي أن يعلوا محلك في الورى # وإذا شفعت إلي كنت مجابا # وقبضت آلافا وهن ثلاثة # صلة وحقك لا تعد ثوابا # فأجابه عمارة مع الرسول بهذه الأبيات: # حاشاك من هذا الخطاب خطابا # يا خير أملاك الزمان نصابا # لكن إذا ما أفسدت علماؤكم # معمور معتقدي وصار خرابا # ودعوتم فكري إلى أقوالكم # من بعد ذاك أطاعكم وأجابا # فاشدد يديك على صفاء محبتي # وامنن علي وسد هذا البابا # 60 # ولا أدري كيف سكت الملك الصالح بعد أن طعن عمارة مذهب الفاطميين بالبيت ~~الثاني من هذه المقطوعة، ولكن الأمر لم يكن أمر تعصب من الملك الصالح بن ~~رزيك، بل هو أمر تهاون بالمذهب شمل الأمراء وغير الأمراء، ولعل هذا الضعف الذي ~~حل بالعقيدة الفاطمية هو الذي سهل الأمر لصلاح الدين الأيوبي في أن يقوض ~~أركان الدولة المتداعية، وأن يعيد إلى الناس عقيدة أهل السنة والجماعة، ~~وقبل الناس منه ذلك، فتحولت مصر بعد عشية وضحاها من شيعية إلى سنية؛ لأن ~~الدعوة الشيعية لم تكن متغلغلة في نفوس المصريين، وأن الذين اعتنقوا هذه الدعوة ~~تهاونوا بها، فسهل على الأيوبيين أن ينتزعوها منهم. # الفصل الثالث # | التاريخ والسير # رأينا في عصر الولاة بمصر # 1 # كيف أسهم المصريون في تدوين التاريخ منذ القرن الثاني للهجرة، وعرفنا ~~بعض المؤرخين الذين نبغوا في العصر الذي سبق العصر الفاطمي، أمثال عبد الرحمن بن ~~عبد الله بن عبد الحكم، وعمار بن وسيمة المصري، وابن يونس، ms118 والكندي، وابن الداية ~~وغيرهم. وقد استمر تيار هذا اللون من العلم طوال العصر الفاطمي، فظهر عدد كبير من ~~المؤرخين، وحفظت لنا أسماء مؤلفاتهم، وبعض مقتطفات من كتبهم متفرقة في كتب ~~التواريخ، ففي كتب المقريزي وأبي المحاسن بن تغري بردي والسيوطي وابن فضل الله ~~العمري والنويري والقلقشندي مقتبسات كثيرة من الكتب التي وضعها مؤرخو مصر ~~الفاطمية، وهذه المقتطفات تدلنا على أن مؤرخي مصر في العصر الفاطمي كانوا يهتمون ~~اهتماما خاصا بمصر، فأكثر كتبهم كانت تدور حول مصر، وإن كان منها ما كتب في ~~التاريخ العام. # فمن المؤرخين الذين شاهدوا هذا العصر: أحمد بن عبد الله بن أحمد الفرغاني، ولد ~~بمصر في ذي الحجة سنة 327ه، وكان أبوه مؤرخا صاحب ابن جرير الطبري وروى عنه ~~تصانيفه، وأخذ أحمد بن عبد الله عن أبيه كتبه وكتب الطبري، وصنف عدة كتب منها: ~~كتاب التاريخ وصل به تاريخ أبيه، وكتاب سيرة كافور الأخشيدي، وسيرة العزيز بالله ~~الفاطمي، وكان مقامه بمصر إلى أن توفي في ربيع الأول سنة 398ه. # 2 ~~(1) ابن زولاق # وشهد هذا العصر المؤرخ المصري الكبير الذي أخذ عنه كل من جاء بعده من ~~المؤرخين الذين تحدثوا عن مصر، ذلك المؤرخ هو الحسن بن إبراهيم الليثي المصري ~~المعروف بابن زولاق، فقد كان من أعيان علماء مصر، ولد سنة ست وثلاثمائة، وروى ~~الحديث، وأخذ عنه بعض المحدثين أمثال عبد الله بن دهبان وغيره، وأولع بالتاريخ ~~فروى عن الكندي وابن قديد وابن الداية، يقول ابن زولاق: كان أبو جعفر أحمد بن ~~يوسف بن إبراهيم الكاتب (أي ابن الداية) قد عمل سيرة أحمد بن طولون أمير مصر، ~~وسيرة ابنه أبي الجيش، وانتشرتا في الناس، وقرأتهما عليه، وحدثت بهما عنه ~~مع غيرهما من مصنفاته، ثم عملت أنا ما فاته من سيرتهما. # 3 # وكان ابن زولاق من فرط حبه لرواية التاريخ، كثيرا ما ينشد: # ما زلت تكتب في التاريخ مجتهدا # حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا # 4 # وصنف ابن زولاق عدة كتب منها: سيرة محمد بن طغج الإخشيد، وكتاب أخبار ms119 ~~سيبويه المصري، وكتاب سيرة المادرائيين - وقد طبعت هذه الكتب كلها - وكتاب ~~فضائل مصر (منه نسخة خطية بمكتبة الأزهر، وأخرى بدار الكتب المصرية، وثالثة ~~بالمكتبة الأهلية بباريس)، وكتاب سيرة كافور، وكتاب سيرة جوهر، وكتاب سيرة ~~المعز، وكتاب سيرة العزيز، وكتاب التاريخ الكبير على السنين، وله تذييل على ~~كتاب الولاة للكندي، وآخر على كتاب القضاة للكندي أيضا، وكتاب خطط مصر. وأكثر ~~هذه الكتب فقدت ولم يبق منها إلا شذرات متفرقة في الكتب، وإذا نظرنا إلى ~~الكتب التي حفظت إلى الآن نرى ابن زولاق يدون ما سمعه من الثقات العدول من ~~معاصريه، أو ما شاهده بنفسه من أحداث، فهي سجلات حوادث يتلو بعضها بعضا دون ~~أن يكون هناك رابطة بين الحادثة والأخرى، فالكتب ليست بكتب تاريخ على النحو ~~الذي نفهمه الآن من كتب التاريخ، بل هي أشبه شيء بجرائد الأخبار في عصرنا ~~الحديث، وإن كان الكتاب الواحد يجمع الحوادث التي حدثت في عصر ملك من الملوك. ~~ولم تقسم الكتب إلى أبواب وفصول، بل هي كما قلت مجرد سرد للحوادث، كما أن ~~أكثرها ليس مرتبا على السنين أو على حسب وقوع الأحداث التي ذكرها، فقد تجد ~~حادثة في أول الكتاب وتاريخ حدوثها بعد الحوادث التي جاءت بعدها، ومهما يكن من ~~شيء فقد كان تأليف كتب السير في ذلك العصر على هذا النحو الذي نراه في كتب ~~ابن زولاق، وبالرغم من ذلك فقد كانت كتب ابن زولاق مصدرا هاما من المصادر ~~التي اعتمد عليها المؤرخون الذين تحدثوا عن مصر بعده؛ فابن خلكان، والنويري، ~~وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وابن دقماق، وأبو المحاسن، وياقوت، والقلقشندي، ~~والعمري ... وغيرهم، نقلوا كثيرا من مادة كتبهم عن كتب ابن زولاق، وكانوا يطلقون ~~عليه «مؤرخ مصر» مما يدل على قيمة كتبه وأخباره، ولا غرو في ذلك فقد كان ~~محدثا، والمفروض في المحدث أن يكون صدوقا فيما يرويه، وقد تكون ميزة ابن ~~زولاق الكبرى هي صدق أخباره، حتى عرف بذلك بين معاصريه أنفسهم، فاستطاع أن ~~يكتسب مكانة رفيعة في نفوسهم، وقد ذكرنا قصته ms120 مع الوزير يعقوب بن كلس. وتوفي ~~ابن زولاق في عهد الحاكم سنة سبع وثمانين وثلاثمائة من الهجرة. # 5 ~~(2) المسبحي # ومن مؤرخي هذا العصر الذين كثر نقل المتأخرين عنهم: المؤرخ الأمير المختار ~~عز الملك بن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد المعروف بالمسبحي، الحراني الأصل، ~~المصري المولد والنشأة، ولد في رجب سنة ست وستين وثلاثمائة، واتصل في صباه ~~بخدمة الحاكم بأمر الله في زمرة جنده، وما زال يرقى في مراتب الجندية حتى صار ~~أميرا على إقليم البهنسا والقيس من أعمال صعيد مصر، ثم ولي ديوان الترتيب، ~~وينقل عنه أنه كان له مع الحاكم بأمر الله مجالس ومذكرات أودعها كتابه ~~«التاريخ الكبير»، الذي وصفه بقوله: «التاريخ الجليل قدره، الذي يستغنى بمضمونه ~~عن غيره من الكتب الواردة في معانيه، وهو أخبار مصر، ومن حلها من الولاة ~~والأمراء والأئمة والخلفاء، وما بها من العجائب والأبنية، واختلاف أصناف ~~الأطعمة، وذكر نيلها، وأحوال من حل بها، وأشعار الشعراء، وأخبار المغنين، ~~ومجالس القضاء والحكام والمعدلين والأدباء والمتغزلين وغيرهم، وهو في ثلاثة ~~عشر ألف ورقة.» ويدلنا هذا النص على أن المسبحي لم يهتم بالتاريخ السياسي فحسب، ~~بل أراد أن يجعل من كتابه موسوعة عامة عن مصر من ناحيتها السياسية والاجتماعية ~~والأدبية والاقتصادية، ومن المؤلم حقا أن يضيع مثل هذا الكتاب القيم، ولم ~~يبق منه إلا هذه الفقرات القليلة المتفرقة في كتب التاريخ، وهذا الجزء ~~الصغير المخطوط بمكتبة الأسكوريال بإسبانيا. # لم يكن الأمير المسبحي مؤرخا فحسب، بل كان أديبا له ذوق فني واطلاع واسع في ~~ميدان الأدب، وألف في ذلك الميدان كتبا كثيرة منها: كتاب «التلويح ~~والتصريح» في معاني الشعر، وكتاب «الشجن والسكن» في أخبار أهل الهوى وما يلقاه ~~أربابه، وكتاب «جونة الماشطة» يتضمن غرائب الأخبار والأشعار والنوادر التي لم ~~يتكرر مرورها على الأسماع، وكتاب «الراح والارتياح» في وصف الشراب وآلاته ~~والندامى عليه، واختيار أوقاته، وذكر الأزهار والرياض والثمار والأشجار، وكتاب ~~«الغرق والشرق»، وكتاب مختار الأغاني ومعانيها، وكتاب المفاتحة والمناكحة في ~~أصناف الجماع، وكتاب الطعام والإدام في صفة ألوان ms121 الطعام وما يقدم على الخوان، ~~وكتاب درك البغية في وصف الأديان والعبادات وذكر الملك والأنبياء والمتنبئين ~~وذكر الفرائض والآداب، وكتاب الجوعان والعريان، وكتاب القران والتمام، وكتاب ~~الأمثلة للدول المقبلة ... إلى غير ذلك من الكتب. كما كان شاعرا رقيق العاطفة ~~دقيق الحس، فمن شعره في رثاء أم ولده: # ألا في سبيل الله قلب تقطعا # وفادحة لم تبق للعين مدمعا # أصبرا وقد حل الثرى من أوده # فلله هم ما أشد وأوجعا # فيا ليتني للموت قد مت قبلها # وإلا فليت الموت أذهبنا معا # وانظر إليه وهو يرثي والده سنة 400ه: # خطب ألم من الزمان عظيم # فالدمع سح للمصاب سجوم # خطب يقل له البكاء وينطوي # عنه العزاء ويظهر المكتوم # خطب يميت من الصدور قلوبها # أسفا، ويقعد ثأره ويقيم # يا دهر قد أنشبت في مخالبا # بالأسودين لوقعهن كلوم # يا دهر قد ألبستني حلل الأسى # مذ حل شخص في التراب كريم # لو كنت تقبل فدية لفديت من # رضت عظامي فيه وهو رميم # يا من يلوم إذا رآني جازعا # من طارق الحدثان فيم تلوم؟ # بأبي فجعت فأي ثكل مثله # ثكل الأبوة في الشباب أليم # قد كنت أجزع أن يلم به الأذى # أو يعتريه من الزمان هموم # وبجانب هذه النفحة الأدبية كان المسبحي يلم بالنجامة، وله في ذلك كتاب ~~«القضايا الصائبة في معاني أحكام النجوم». من هذا كله نستطيع أن ندرك أن ~~المسبحي كان من أركان الحركة العلمية والأدبية في مصر الفاطمية، وقد استفاد منه ~~المؤرخون الذين جاءوا بعده، فاقتبسوا من مؤلفاته، ولقبوه بمؤرخ الفاطميين. ~~وتوفي المسبحي سنة عشرين وأربعمائة، ورثاه جماعة من شعراء عصره، ذكرهم ولده في ~~تاريخه وذكر مراثيهم. # 6 ~~(3) القضاعي # ومن المؤرخين النابهين في هذا العصر، أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر ~~القضاعي، تفقه على مذهب الشافعي، ومع ذلك فقد ولاه الفاطميون القضاء، ثم ~~اتصل بالوزير الجرجرائي فجعله الوزير كاتب علامته، ثم عمل في ديوان الإنشاء، ~~وأوفده أولو الأمر بمصر إلى القسطنطينية سنة 447ه رسولا من قبلهم إلى ~~الإمبراطورة تيودورا؛ لإصلاح ما فسد ms122 من العلاقات بين المصريين والبيزنطيين، ~~ولكن البيزنطيين لم يرحبوا بصداقة المصريين إذ ذاك، وفضلوا أن يتحالفوا مع ~~طغرلبك التركماني، # 7 # ولما عاد القاضي القضاعي من هذه السفارة اتخذه الوزير اليازوري ~~كاتبا لإنشائه وعلامته، وهكذا كان مقدما عند الفاطميين بالرغم من تمذهبه ~~بمذهب يخالف عقيدتهم. ألف القضاعي كتبا كثيرة نذكر منها: كتابه في مناقب ~~الإمام الشافعي وأخباره، وكتاب الشهاب، وكتاب الأنباء عن الأنبياء وتواريخ ~~الخلفاء، وكتاب خطط مصر، وقد وهم المقريزي حين قال: # 8 ~~«إن أول من رتب خطط مصر وآثارها، وذكر أسبابها في ديوان جمعه، ~~هو أبو عمر محمد بن يوسف الكندي، ثم كتب بعده القاضي أبو عبد الله محمد بن ~~سلامة القضاعي كتابه المنعوت بالمختار في ذكر الخطط والآثار، ومات في سنة سبع ~~وخمسين وأربعمائة قبل سني الشدة، فدثر أكثر ما ذكر.» فإن أول من تحدث من ~~مؤرخي مصر عن الخطط هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، في كتابه فتوح مصر، # 9 # وتبعه المؤرخون بعده. # والقاضي القضاعي كان أستاذ مدرسة في رواية التاريخ، أخذ عنه عدد كبير من ~~المؤرخين أمثال محمد بن بركات بن هلال السعدي النحوي المولود سنة 420ه، صاحب ~~كتاب خطط مصر، # 10 # وكان ابن بركات نحويا لغويا، وله في هذه العلوم كتاب الإيجاز ~~في معرفة ما في القرآن من ناسخ ومنسوخ، ألفه للأفضل بن بدر الجمالي، وله ~~تصانيف في النحو حتى قيل إنه بحر العلوم، وعنه روى الحافظ السلفي، والبوصيري ~~صاحب البردة، وأبو الميمون عبد الوهاب المالكي، وهبة الله بن صدقة المعروف بأبي ~~الرداد وغيرهم، وتوفي ابن بركات سنة 520ه. # وممن روى عن القضاعي: أبو عبد الله الحميدي، والخطيب أبو بكر أحمد بن علي ~~بن ثابت صاحب تاريخ بغداد، فقد قابل القضاعي في الحج سنة 445ه، وروى عنه. ~~وهكذا كان أثر القضاعي في معاصريه، كما أن الذين جاءوا بعده نقلوا كثيرا من ~~رواياته، واقتبسوا من أقواله. وتوفي القضاعي سنة 457ه. # 11 # ومن المؤرخين في أواخر العصر الفاطمي: ابن المأمون البطائحي، وكان والده ~~وزيرا ms123 للآمر بأحكام الله، ونحن لا نعرف شيئا عن هذا المؤرخ ولا عن كتبه، ~~ولكن المقريزي اقتبس كثيرا من كتاباته في مواضع متفرقة. ~~(4) فن السير # أما فن السير، وهو ذلك الفن الذي يعد من فنون التاريخ، فقد كان له شأن ~~كبير في الحياة الفكرية في مصر الإسلامية، ذلك أن كتاب مصر وعلماءها وجهوا ~~عنايتهم إلى كتابة سير عظمائهم وأبطالهم ومجتهديهم، وقد وصل إلينا بعض هذه ~~الكتب مثل سيرة عمر بن عبد العزيز لعبد الله بن عبد الحكم، رئيس المدرسة ~~المالكية في مصر في القرن الثاني للهجرة. # 12 # وقد ذكرنا أن ابن الداية كتب سيرة أحمد بن طولون، وسيرة ابنه أبي ~~الجيش، وكتب ابن زولاق سيرة الإخشيد، وسيرة ابنه، وسيرة كافور، وسيرة المعز ~~لدين الله، وسيرة العزيز، وسيرة سيبويه المصري. وكتب القاضي النعمان سيرة المعز ~~لدين الله، وكتب محمد بن محمد اليماني سيرة جعفر الحاجب، ويطول بنا الأمر لو ~~أحصينا كل ما وصل إلينا في فن السير مما كتبه المصريون مما يدل على كلفهم ~~بهذا الفن. ويخيل إلي أن مصر منذ أقدم عصورها اهتمت بهذا الفن اهتماما ~~خاصا، نراه ممثلا فيما تركته مصر الفرعونية من سير ملوكها وأمرائها ~~منقوشا على جدران المعابد والمقابر، أو مسطرا على ورق البردي، ونراه في مصر ~~القبطية فيما تركه الآباء البطارقة من سير من سبقوهم من الآباء والقديسين. ~~وفي مصر الإسلامية ظهرت هذه الحلقات المتتابعة في فن السير، ولعل أولها ما ~~قيل من أن ابن إسحاق صاحب السيرة النبوية وفد على مصر وروى بها السيرة، ووفد ~~ابن هشام على مصر وروى بعض أجزاء السيرة عن المصريين. # وبلغت عناية المصريين بالسير وكلفهم بهذا الفن، أنهم وضعوا للشعب سيرا ~~عن أبطال أحبهم المصريون، وردد الشعب هذه السير في اجتماعاته ~~ومغانيه، مثل سيرة عنترة بن شداد، وسيرة الهلالية، وسنتحدث عن ذلك فيما ~~بعد. # وقد حصلنا أخيرا على مخطوطين في فن السير: الأول «سيرة الأستاذ جوذر»، ~~والثاني «سيرة المؤيد في الدين». # سيرة الأستاذ جوذر # 13 # يتحدث هذا الكتاب عن حياة رجل ms124 من رجال الدولة الفاطمية الذين أغفل ~~المؤرخون ذكرهم، وهو الأستاذ جوذر الصقلي، مع ما كان له من مكانة رفيعة ~~في الدولة الفاطمية بالمغرب قبل انتقال المعز لدين الله إلى مصر، ومع ما ~~كان للأستاذ من منزلة قريبة عند الأئمة الفاطميين. يحدثنا هذا الكتاب عن ~~دخول جوذر في خدمة المهدي بالله الفاطمي، وأن المهدي أهدى هذا الغلام إلى ~~ولي العهد القائم بأمر الله، وكيف اشتدت الصلة بين العبد وسيده؛ إن القائم ~~- وكان لا يزال ولي العهد - عندما خرج لغزو بلاد المغرب حتى سنة 200ه، ~~استخلف جوذر على قصره وجميع من فيه من حرمه وأهله، ولما توفي المهدي بالله ~~سنة 222ه خص القائم عبده جوذر دون سائر أهله ورجال الدعوة بمرتبة ~~الاستيداع لولي عهده المنصور بن القائم، فظل هذا السر سبع سنوات حتى أعلن ~~القائم ولاية العهد على الملأ، وفي خلافة القائم أصبح جوذر صاحب بيت المال، ~~ووكل بخزائن الكساء، كما كان سفيرا بين الخليفة وسائر الناس. # وهكذا ارتفعت منزلة جوذر، وأصبح له نفوذ قوي في هذه الدولة الناشئة، ~~فهابه الناس، ولحبه للخير وعطفه على الشعب أحبه الناس، وتوفي ~~القائم بعد ذلك، ولكن المنصور بالله لم يعلن وفاة أبيه، فلم يعلم أحد الخبر ~~إلا جوذر، وخرج لحرب الخارجين عليه مستخلفا جوذر على دار الملك وسائر ~~البلاد، وسلمه مفاتيح خزائن الأموال، ولما عاد من حروبه أعلن موت ~~القائم، وكافأ جوذر على خدماته، فأعتقه ولقبه «مولى أمير المؤمنين»، ~~وأمره ألا يكني في رسائله أحدا، ولا يقدم على اسمه اسما إلا ~~الخليفة وولي العهد، وأن يرقم اسمه بالذهب على ملابس الخليفة وولي عهده، ~~وأن يثبت اسمه على الحصر والبسط، كل ذلك إمعانا في تشريفه. وفي خلافة ~~المعز كان جوذر موضع سر مولاه، إلى أن فتحت مصر، وأراد المعز أن يسير ~~إليها، فأرجف الناس بأن أمر المغرب سيئول إلى جوذر، ولكن جوذر أبى أن ~~يفارق إمامه فسار معه إلى مصر، ولكنه توفي بالقرب من مدينة برقة في مكان ~~يعرف بمياسر سنة 632ه. # لم تقف أهمية سيرة ms125 جوذر على هذه الناحية التاريخية من ترجمة أحد رجال ~~الدولة الفاطمية، الذين كان لهم أثر قوي في هذه الدولة منذ نشأتها، وإنما ~~يوضح هذا الكتاب بعض نواح تاريخية هامة أغفلها المؤرخون القدماء أو ~~مروا بها مرا سريعا، ففي الكتاب حديث عن تلك الثورات العنيفة التي نشبت ~~بالمغرب عقب قيام الدولة الفاطمية، وكادت تقوض أركان تلك الدولة، كما ~~يطلعنا على العلاقة بين الفاطميين وصقلية، وعلى ما كان يعانيه الفاطميون ~~من رجال هذه الجزيرة، ومن قرصان البحر، ويظهر سبب الجفاء الذي كان بين ~~المنصور وبين بني عمومته من أولاد المهدي، وكيف طلب إلى جوذر أن يشتد في ~~تأديبهم ورصد حركاتهم. أضف إلى ذلك كله أننا نستطيع أن نعتبر كتاب ~~سيرة جوذر من الوثائق الأدبية؛ فقد جمع مصنفه جميع التوقيعات التي خرجت من ~~المنصور والمعز إلى جوذر، ورسائله إليهما، وقد بلغ عددها في هذا الكتاب نحو ~~المائة ، فالكتاب أشبه بديوان توقيعات للفاطميين، ولا أكاد أعرف كتابا جمع ~~توقيعات الفاطميين سوى هذا الكتاب، وكتاب المجالس والمسايرات للقاضي ~~النعمان الذي جمع فيه مصنفه بعض توقيعات المعز إليه، وكتاب السجلات ~~المستنصرية الذي جمع فيه رسائل المستنصر إلى الصليحيين باليمن. وأجد في ~~سيرة جوذر بعض قطع من شعر المنصور بالله، وخطبة المنصور في نعي القائم، ~~وخطبة المعز في نعي المنصور، وهكذا نستطيع أن نستفيد من هذا الكتاب الصغير ~~من الناحية الأدبية والتاريخية والاجتماعية في العصر الفاطمي ~~بالمغرب. # أما مصنف هذه السيرة فهو رجل مغمور لا نكاد نعرف عنه إلا أنه منصور ~~الجوذري العزيزي، وأنه دخل في خدمة الأستاذ جوذر كاتبا له سنة 350ه، وأصبح ~~موضع سره، وظل في عمله إلى أن توفي جوذر فاتصل بالمعز فالعزيز. ويتضح ~~من كلامه أن العزيز جعله في مرتبة رفيعة هي نفس المرتبة التي كان فيها ~~جوذر، ويضيف المقريزي أن أبا علي منصورا الجوذري زادت مكانته في عهد ~~الحاكم بأمر الله، فأضيفت إليه مع الأحباس الحسبة وسوق الرقيق والسواحل ~~وغير ذلك. # 14 # هذا كل ما نعرفه عن واضع هذه السيرة، ونستدل من ms126 هذه السيرة أنها ~~صنفت في عهد العزيز بالله الذي ولي سنة 365ه، وتوفي سنة 368ه، ولكننا ~~لا نستطيع أن نحدد السنة التي ألفت فيها، # 15 # ونرجو أن نوفق إلى نشر هذا الكتاب قريبا. # السيرة المؤيدية # لا أكاد أعرف كاتبا من كتاب المسلمين، سبق المؤيد في الدين هبة الله ~~الشيرازي داعي الدعاة - الذي تحدثنا عنه من قبل - في تصنيف كتاب خاص ~~لسيرته. فقد ترجم لنفسه في هذا الكتاب، بفصل من تاريخ حياته، أي من سنة ~~429ه إلى سنة 450ه، وأودع هذا الكتاب بعض رسائله ومناظراته العلمية ~~المذهبية. ولما كان المؤيد ممن أسهم في الحياة السياسية في هذه الفترة، ~~فهو يوضح جهوده وحركاته وسكناته منذ كان في بلاط أبي كاليجار البويهي ~~بفارس، فوصف المؤيد حياته في هذه البلاد، كما وصف هذه الحياة التي كان ~~يحياها السلطان مع الندماء، وصلة السلطان بالعباسيين، وكان المؤيد متصلا ~~برجال المستنصر الفاطمي من وزراء وكتاب ودعاة، فاضطر إلى أن يتحدث عن ~~شيء من أسرار هذا العصر الغامض المضطرب، وأسرار وزراء مصر في ذلك العصر، ~~وذهب المؤيد لمؤازرة البساسيري في العراق، واجتمع بعدد كبير من أمراء العرب ~~والأتراك والأكراد، فتحدث عن هذه الحركة السياسية التي كادت تقوض أركان ~~العباسيين، فالكتاب على هذا النحو ليس ترجمة للمؤيد فحسب، بل هو مصدر هام ~~للحياة السياسية والاجتماعية في القرن الخامس الهجري؛ لأن المؤيد ترجم ~~لنفسه من حيث علاقته بالمجتمع الذي عاش فيه، والكتاب قيم جدا في دراسة ~~هذه السنوات الإحدى والعشرين التي كان بها أحداث وخطوب، وكان لها أثر قوي ~~في مجرى الحياة الإسلامية عامة، ولقيمة هذا الكتاب نشرناه، # 16 # فهو في متناول القراء الآن. # وهكذا كانت حركة التاريخ والسير قوية في مصر الفاطمية كما كانت قوية ~~قبل عصر الفاطميين، ففن التاريخ وروايته من الفنون التي ازدهرت في مصر في ~~عصورها المختلفة، شغف به المصريون فأكثروا من روايته وتدوينه. ~~(5) خاتمة القول في الحياة العقلية # قلنا إن العقائد الفاطمية كانت ميدانا فسيحا للعقل، وإن الفاطميين أفسحوا ~~صدورهم للدراسات الفلسفية في وقت كانت ms127 فيه هذه الدراسات موضع هجمات عنيفة في ~~الأقطار الإسلامية الأخرى، بل رأينا الفاطميين يأخذون من النظريات والآراء ~~الفلسفية والدينية القديمة، ويصبغون هذه الآراء والديانات بالصبغة الإسلامية ~~بما يتفق مع العقائد التي بشروا بها، فأعطوا لأنفسهم من حرية التفكير وفي ~~الأخذ عن القديم، والاجتهاد في المذهب، ما لا نراه عند غيرهم من الفرق ~~الإسلامية الأخرى، ولكن هذا الاجتهاد وهذه الحرية الواسعة في الفكر كانت ~~مقيدة بموضوع الإمامة؛ فكل مؤلفات الدعوة الفاطمية، ومجالس حكمتهم، كانت ~~تدور قبل كل شيء حول صاحب النص المعصوم، وتثبيت إمامته، وإظهار الإمام بمظهر ~~الجلال والقدسية، فكأن الفاطميين في مصر قد أعادوا إليها شيئا من الحياة ~~الفكرية التي كانت بالإسكندرية منذ عهد بطليموس؛ إذ كان أهم الدراسات ~~بالإسكندرية استرضاء الحكام وإشباع غرورهم بإسناد الفضائل كلها إليهم وإلى ~~أجدادهم، بيد أن دعاة الفاطميين اتخذوا التعاليم ذريعة للوصول إلى غرضهم، ~~فأدخلوا في الدين ما وصلت إليه الفلسفة الهلينية والأفلاطونية الحديثة، وبعض ~~الإسرائيليات والمسيحيات، وآراء هرمس الحراني، وغيرها من الآراء القديمة، وذلك ~~كله لإسباغ الفضائل كلها على الأئمة من أهل البيت، فكأنهم قالوا بحرية الفكر ~~إلى أبعد مدى هذه الحرية، ولكنهم مع ذلك قيدوا هذه الحرية بالإمامة. # وكانت هذه الحرية الفكرية سببا في ازدهار الحركة الفلسفية في مصر، وظهور عدد ~~كبير من الفلاسفة على نحو ما ذكرنا من قبل، ولكن هذه الدراسات الفلسفية كانت ~~في أغلبها تتبع عقائد الفاطميين، فدراسة الأفلاك والنجوم وإنشاء الرصد مثلا ~~كانت كلها بسبب معرفة ابتداء شهر رمضان، ويغلب على ظني أن الفاطميين لو لم ~~يدينوا برؤية الهلال رؤية استبصار وعلم، لما ازدهرت هذه الألوان من ~~الدراسات. # وروينا أن مصر الفاطمية شاهدت دراسات أدبية عربية، ولكننا نلاحظ أن هذه ~~الدراسات مقصورة على دراسة النصوص القديمة وشرحها والتعليق عليها، دون أن تنتج ~~مصر شيئا جديدا، وهذا ما كان أيضا في مصر إبان ازدهار مدرسة الإسكندرية ~~حين كانت الدراسات الأدبية تقوم على دراسة شعر هوميروس، ووضع المعجمات لمفردات ~~هذه الأشعار وغيرها من الشعر القديم، دون أن يكون للدراسات الوجدانية ms128 أثر قوي ~~في هذه الدراسات التي قوي فيها عمل العقل والآراء العلمية، أكثر مما يظهر تأثير ~~العاطفة التي تستوحى من نفسية الشعب؛ ولذلك تتفق الدراسات الأدبية في العصر ~~الإسكندري مع العصر الفاطمي في أن هذه الدراسات لا تظهر فيها شخصية مصر، وكذلك ~~في المزاوجة بين الدراسات الأدبية الخالصة والآراء الفلسفية بمصطلحاتها ~~وتعبيراتها، ومن هنا نرى سبب هذا التعقيد في أسلوب الدعاة والعلماء، حتى ~~يخيل إلينا أن هؤلاء العلماء بعدوا عن التعبيرات الأدبية التي تتمثل فيها ~~البساطة والذوق الموسيقي والعاطفي في اللفظ والمعنى، ولكن الدعاة والعلماء في ~~العصر الفاطمي حشوا كتاباتهم بالتعبيرات الفلسفية، واستعملوا مصطلحات اضطروا أن ~~ينحتوها من ألفاظ عربية، وأن يتلاعبوا بقواعد الصرف المعروفة، فجاءت كتاباتهم ~~غريبة عن الأسلوب العربي. حقيقة حاول بعض الدعاة والعلماء أن يستعيدوا ~~الأسلوب الأدبي، وأن يبتعدوا عن تعقيدات الفلاسفة، ولكنهم وجدوا مشقة في ~~تعبيرهم، وصعوبة في صناعتهم؛ فاضطروا إلى استخدام المحسنات البديعية والإغراق ~~فيها ليفتنوا الجماهير بالزينة اللفظية، فكانت نتيجة ذلك أنهم تجنبوا تعقيدا ~~ليقعوا في تعقيد آخر، وهذه الشروح والحاشيات التي وضعت حول النصوص القديمة، ~~احتاجت هي نفسها فيما بعد إلى شروح وحواش أخرى لتوضيحها وتقريبها إلى ~~المتعلمين، وهكذا كانت جناية الدراسات الفلسفية والمصطلحات العلمية على ~~الأساليب العربية. # على أن هذه الظاهرة لم تكن في مصر فحسب، بل كانت في جميع الأقطار الإسلامية ~~منذ عرفت هذه الأقطار هذه العلوم التي عرفت بالعلوم الدخيلة، ومنذ أخذ ~~أصحاب الفرق المختلفة الصياغات المنطقية والفلسفية للتعبير عن آرائهم، ودحض ~~رأي خصومهم، ومن يدري لعل هؤلاء العلماء تعمدوا تعقيد أسلوبهم حتى يقال عنهم ~~إنهم علماء، وها هو ذا الجاحظ يحدثنا عن هؤلاء الذين تعمدوا التعقيد ~~فيقول: «قلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنحو، فلم لا تجعل ~~كتبك مفهومة كلها، وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها، وما بالك تقدم ~~بعض العويص وتؤخر بعض المفهوم؟ فأجاب: أنا رجل لم أصنع كتبي هذه لله، وليست ~~هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه قلت حاجات الناس ms129 ~~إلي فيها، وإنما كانت غايتي المنالة، فأنا أضع بعضها هذا الوضع المفهوم؛ ~~لتدعوهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، وإنما قد كسبت في هذا ~~التدبير، إذ كنت إلى التكسب ذهبت.» # 17 # ومهما يكن من شيء، فقد كانت هذه الحركة العقلية في مصر الفاطمية في نمو مطرد ~~في كل نواحيها وألوانها وفنونها، وتعددت مراكزها في مصر، وكانت حلقات الدرس ~~في المساجد أو الدور في القاهرة والفسطاط وفي الإسكندرية وتنيس في الشمال، وفي ~~أسوان وقوص وقفط في الجنوب، كما كان أمراء الأقاليم يجمعون حولهم العلماء ~~والشعراء، وها هو ذا عمارة اليمني يحدثنا في «النكت» عن بعض هؤلاء الأمراء ~~وعن مجالسهم وشعرائهم؛ فالحياة العلمية كانت مزدهرة في مصر الفاطمية، وعن مصر ~~أخذ كثير من العلماء في الغرب والشرق، فلا غرو إن قلنا إن مصر الفاطمية كانت ~~بدءا للزعامة المصرية للأقطار الإسلامية، تلك الزعامة التي لا تزال مصر تحمل ~~لواءها إلى الآن. # | الكتاب الثاني : في الحياة الأدبية # الباب الأول # | في الشعر # الفصل الأول # | ازدهار الشعر # عرف الفاطميون بثراء دولتهم، وبذخهم الذي لا مثيل له بين ملوك الدول الأخرى، ~~وأكثروا من استحداث الأعياد والمواسم، وافتنوا في إقامة حفلاتهم ومواسمهم، حتى ~~يخيل إلى من يقرأ تاريخهم أن حياة مصر في ذلك العصر الزاهر كانت كلها أعيادا ~~ومواسم، وكلها لهوا ومرحا، بالرغم مما كان في هذا العصر من سني شدة وقحط ضرب ~~بها المثل، ولكن هذه الأيام العجاف لم تمنع الفاطميين من الاحتفال بأيامهم التي ~~اتخذوها لأنفسهم أعيادا بجانب تلك الأعياد التي يتخذها باقي المسلمين، والأعياد ~~التي يحييها مسيحيو مصر، ويشترك معهم فيها إخوانهم المسلمون. فكان الشعب في عصرهم ~~يتظاهر بما يجلب السرور إلى نفسه، حتى لو كان ذلك عن طريق المجون وارتكاب المعاصي، ~~وكانت الدولة تحتفل بهذه الأيام احتفالا يتناسب مع عظم ملكهم، واتساع سلطانهم، ~~ووفرة خيراتهم وأموالهم، وقد تكون هذه المبالغة منهم في حياتهم لونا من ألوان ~~التنافس السياسي بينهم وبين أعدائهم، فيقف أعداؤهم على هذه الحياة البهيجة ~~الفرحة، والنفقات الطائلة؛ فيعلمون ms130 أنهم أمام دولة قوية غنية، فتضعف همتهم عن ~~مهاجمتها. # أما هذه الأعياد التي استحدثوها في مصر؛ فقد روى المقريزي عن ابن الطوير المؤرخ: ~~أن الفاطميين كانوا يحتفلون بستة موالد: مولد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ومولد علي بن أبي ~~طالب، ومولد فاطمة بنت الرسول، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد الخليفة الحاضر. # 1 # وفي فصل آخر من خطط المقريزي تحدث المؤلف عن الأيام التي كان الفاطميون ~~يتخذونها أعيادا ومواسم، فقال: وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ~~ومواسم، وهي موسم رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشورا، ومولد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~ومولد علي بن أبي طالب، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد فاطمة الزهراء، ومولد ~~الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان، وليلة نصفه، وموسم ~~ليلة رمضان، وغرة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد ~~النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النوروز، ~~ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس. # 2 # وأضاف إلى ذلك أيام حفلات صلاة الجمعة، فقد كان الخلفاء يركبون في كل ~~سنة ثلاث ركبات لصلاة الجمعة بالناس في جامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر مرة، ~~وفي جامع الحاكم مرة، وفي جامع عمرو بن العاص مرة، وينال الناس من الخليفة في هذه ~~الجمع الثلاث رسوما وهبات وصدقات. # 3 # وأضاف أيضا أيام الركوبات التي كان فيها الخليفة يركب في كل يوم سبت وثلاثاء إلى ~~متنزهاته بالبساتين والمناظر التي بنوها لنزهاتهم، # 4 # ويوم سفر الحاج، # 5 # وركوب الخليفة في أول شهر رمضان. # 6 # وتحدث المقريزي كذلك في مكان آخر عن ليالي الجمع من شهر رجب ~~وشعبان، وليلتي النصف منهما، # 7 # فكل هذه الأيام التي كان يحتفل بها الفاطميون، سواء كانت أيام حزن مثل ~~عاشوراء، أو أيام فرح تمد فيها السمط الفاخرة، وينفق فيها عن بذخ وإسراف، ~~ويصيب رجال الدولة وكل من يتصل بالقصر من النعم والخلع، كل بما يتناسب مع مكانته، ~~وينال الشعب الذي يشارك أمراءه في أفراحهم وأحزانهم حظا مما كان ms131 يغدقه الخلفاء ~~والأمراء عليه، فإذا مصر كلها تحتفل بهذه الأيام التي استنها الفاطميون، وقد ~~يطول بي الحديث لو توخيت وصف هذه الحفلات الكثيرة، وأكتفي هنا بأن أعطي صورة ~~ليوم واحد من أيام أعيادهم، نقلا عن المقريزي عن المؤرخ المعاصر ابن المأمون في ~~وصف موسم أول العام: # وأسفرت غرة سنة سبع عشرة وخمسمائة، وبادر المستخدمون في الخزائن ~~وصناديق الإنفاق بحمل ما يحضر بين يدي الخليفة من عين وورق من ضرب السنة ~~المستجدة، ورسم جميع من يختص به من إخوته وجهاته وقرابته وأرباب الصنائع ~~والمستخدمات، وجميع الأستاذين العوالي والأدوان، وثنوا بحمل ما يختص بالأجل ~~المأمون وأولاده وإخوته، واستأذنوا على تفرقة ما يختص بالأجل المأمون ~~وأولاده وإخوته، واستأذنوا على تفرقة ما يختص بالأجل المأمون وأولاده، ~~والأصحاب والحواشي والأمراء والضيوف والأجناد، فأمروا بتفرقته، والذي اشتمل ~~عليه المبلغ في هذه السنة نظير ما كان قبلها. # وجلس المأمون باكرا على السماط بداره، وفرقت الرسوم على أرباب الخدم ~~والمميزين من جميع أصنافه على ما تضمنته الأوارق، وحضرت التعاشير ~~والتشريفات وزي الموكب إلى الدار المأمونية، وتسلم كل المستخدمين المدارج ~~بأسماء من شرف بالحجبة ومصفات العساكر، وترتيب الأسمطة، وأصمد كل منهم إلى ~~شغله، وتوجه لخدمته، ثم ركب الخليفة، واستدعى الوزير المأمون، ثم خرج من ~~باب الذهب، وقد نشرت مظلته، وخدمت الرهجية، ورتب الموكب والجنائب ومصفات ~~العساكر عن يمينه وشماله، وجميع تجار البلدين من الجوهريين والصيارف ~~والصاغة والبزازين وغيرهم قد زينوا الطريق بما تقتضيه تجارة كل منهم ~~ومعاشه لطلب البركة بنظر الخليفة، وخرج من باب الفتوح، والعساكر فارسها ~~وراجلها بتجملها وزيها، وأبواب حارات العبيد معلقة بالستور، ودخل من باب ~~النصر، والصدقات تعم المساكين، والرسوم تفرق على المستقرين، إلى أن دخل ~~من باب الذهب، فلقيه المقرئون بالقرآن الكريم في طول الدهاليز إلى أن دخل ~~خزانة الكسوة الخاص، وغير ثياب الموكب بغيرها، وتوجه إلى تربة آبائه ~~للترحم على عادته، وبعد ذلك إلى ما رآه من قصوره على سبيل الراحة، وعبيت ~~الأسمطة وجرى الحال فيها، وفي جلوس الخليفة، ومن جرت عادته، وتهيئة قصور ms132 ~~الخلافة، وتفرقة الرسوم على ما هو مستقر. # وتوجه الأجل المأمون إلى داره فوجد الحال في الأسمطة على ما جرت به ~~العادة والتوسعة فيها أكثر مما تقدمها، وكذلك الهناء في صبيحة الموسم ~~بالدار المأمونية والقصور، وحضر من جرت العادة بحضوره للهناء، وبعدهم ~~الشعراء على طبقاتهم، وعادت الأمور في أيام السلام والركوبات وترتيبها على ~~المعهود، وأحضر كل من المستخدمين في الدواوين ما يتعلق بديوانه من ~~التذاكر والمطالعات مما تحتاج إليه الدولة في طول السنة وينعم به ويتصدق، ~~ويحمل إلى الحرمين الشريفين من كل صنف على ما فصل في التذاكر على يد ~~المندوبين، ويحمل إلى الثغور، ويخزن من سائر الأصناف ما يستعمل ويباع في ~~الثغور والبلاد ... إلخ. # 8 # هذه صورة ما نقله المقريزي على المؤرخين المعاصرين عما كان يجري تحت بصرهم ~~وسمعهم في يوم من أيام هذه الأعياد الكثيرة التي استحدثها الفاطميون، ومن هذه ~~الصورة نتبين أن هذه الأعياد لم تكن أعياد الخلفاء والأمراء ورجال القصر فحسب، بل ~~كانت أعياد الشعب أيضا بما كان يقدم فيها من الصدقات والسمط، فإذا الشعب يشارك ~~الحاكمين، ويناله شيء من بذخ الفاطميين، فإذا هو في فرح وبشر، ولا يكاد يمضي عيد ~~حتى يلحقه آخر. # في هذه الحفلات كان الشعراء يتبارون في إنشاد قصائدهم، ويتنافسون في الإجادة ~~والإتقان، وينعمون بأخذ جاريهم وصلاتهم بما لم ينعم به الشعراء في الدول الأخرى، ~~فلا غرابة إن قلنا إن هذه الأعياد والمواسم كانت من دوافع ازدهار الشعر في العصر ~~الفاطمي، وموضوعا من موضوعاته، حتى إن عمارة اليمني في قصيدته التي رثى بها دولة ~~الفاطميين لم يستطع إلا أن يذكر هذه الأعياد والمواسم فقال: # أبكي على ما تراءت من مكارمكم # حال الزمان عليها وهي لم تحل # دار الضيافة كانت أنس وافدكم # واليوم أوحش من رسم ومن طلل # وفطرة الصوم إذ أضحت مكارمكم # تشكو من الدهر حيفا غير محتمل # وكسوة الناس في الفصلين قد درست # ورث منها جديد عندهم وبلي # وموسم كان في يوم الخليج لكم # يأتي تجملكم فيه على الجمل # وأول العام والعيدين ms133 كم لكم # فيهن من وبل جود ليس بالوشل # والأرض تهتز في يوم الغدير كما # يهتز ما بين قصريكم من الأسل # والخيل تعرض في وشي وفي شية # مثل العرائس في حلي وفي حلل # 9 # ولعل هذه الصورة التي صورها الشاعر عمارة اليمني لحفلات وأعياد الفاطميين تدل ~~على ما كانت عليه مصر في ذلك العصر المترف الغني. # وليست الأعياد والمواسم التي استحدثها الفاطميون هي فقط أظهر ما كان في الحياة ~~الاجتماعية في مصر الفاطمية، ولكننا نرى الفاطميين يكثرون من المباني والمنشآت التي ~~أقاموها في البلاد، ولعل عنايتهم بالمتنزهات والمناظر والإكثار منها من الأدلة التي ~~نستطيع أن نقدمها على حب الفاطميين للفنون المختلفة، فهذه البساتين التي ~~جملوا بها مدينتهم القاهرة وضواحيها، لم تتخذ متنزها لهم فقط دون غيرهم من ~~الرعية، بل أباحوا للناس دخولها والتمتع بمناظرها وجوها، فأوجد ذلك عند المصريين ~~لونا من ألوان الحياة الناضرة البهيجة، وسمت النفوس إلى حب الطبيعة وحب الجمال ~~معا. ولقد كان خروج المصريين في ذلك العصر إلى المتنزهات جزءا هاما من مقومات ~~حياتهم، وهناك كانوا يقصفون ويطربون، وينعمون بجمال الرياض وأريج الأزهار، وكان ~~الشعراء يقصدون هذه الرياض جماعات يتطارحون الشعر، ويتبارون في الإنشاد، يستوحون من ~~جمال الزهر والطبيعة وحي شعرهم، فإذا صح ما رواه القدماء أن شعراء الجاهلية كانوا ~~يخرجون إلى الصحراء لاستلهام الشعر، فكذلك خرج شعراء مصر إلى البساتين يتغنون ~~ببدائع الطبيعة، فكانت هذه المتنزهات والبساتين التي أكثر منها الفاطميون مصدرا ~~خصبا لكثير من الشعر المصري في العصر الفاطمي. # كانت الحياة المصرية إذن حياة ترف، وكان سكان مصر على حظ من الثراء والغنى، ~~يحسدهم عليه العباسيون في أوج مجدهم وسعة سلطانهم، وكان الخلفاء الفاطميون يسرفون ~~في الإغداق على الشعب مما يملكون من مال ومتاع ورقيق، مما كان يحمله إليهم الدعاة ~~من مال الخمس # 10 # وأموال النجوى، ومن هدايا الأمراء في المشرق، وكان الوزراء يتشبهون ~~بالأئمة في الظهور بمظهر الملك فأنفقوا عن سعة، وافتن الشعب في التشبه بأمرائهم ~~وحكامهم، فظهروا بمظهر صاحب الثروة، واتخذوا من الحياة أبهجها، ms134 ومن الزينة ~~واللباس أزهاها، وأكثروا من اقتناء الرقيق والقيان، وإقامة المآدب واستدعاء ~~الخلان لمجالس اللهو والشراب، حتى خيل إلينا أن حياة المصريين كانت حياة ~~لهو وقصف وسماع غناء وألحان، فكان ذلك كله وحيا للشعراء بالقريض. # ومن عوامل ازدهار الشعر في هذا العصر الفاطمي أن القائمين على شئون البلاد اتخذوا ~~من الشعر وسيلة من وسائل دعوتهم السياسية على نحو ما تتخذ الأحزاب السياسية اليوم ~~بعض الصحف لتعبر عن اتجاه هذه الأحزاب وآرائها، وقد ذكرنا أن الفاطميين عرفوا قدر ~~الدعاية فاهتموا بها أيما اهتمام، واصطنعوا كل ما يفيدهم في دعوتهم من علماء وأدباء ~~وشعراء، وكان الفاطميون على قدرة وكياسة في فن السياسة، فعرفوا أن الشعر العربي منذ ~~العصر الجاهلي كان من أهم وسائل الدعاية للقبيلة في العصر الجاهلي وللأحزاب ~~السياسية والفرق الإسلامية بعد ظهور الإسلام، وأن بعض الشعراء في العصر العباسي ~~أمثال مروان بن أبي حفصة وأبان بن عبد الحميد اللاحقي وغيرهما، أدخلوا في شعرهم بعض ~~الآراء الفقهية في الدفاع عن الخلافة العباسية ضد الطامعين من العلويين، فلم يشأ ~~الفاطميون أن يتركوا سلاح الشعر دون أن يشهروه على خصومهم، أو أن يستخدموه في ~~الدفاع عنهم والمباهاة بفضائلهم والإشادة بدولتهم، فلا غرو أن وجدنا الفاطميين ~~يبذلون العطاء الضخم الجسيم لشعراء دولتهم، ويجعلون لبعض الشعراء مرتبات شهرية، ~~وينقل المقريزي عن ابن الطوير أنه كان للشعراء رواتب جارية من عشرين دينارا إلى ~~عشرة دنانير. # 11 # ويروى أيضا أنه في يوم عاشوراء كان يخرج الرسم المطلق للمتصدرين ~~والقراء والوعاظ والشعراء وغيرهم على ما جرت به عادتهم، # 12 # ومعنى هذا أن الفاطميين كانوا يعطون الشعراء في أيام المواسم والأعياد ~~رواتب خاصة غير ما كان يعطى لهم شهريا. ويحدثنا المقريزي مرة أخرى في كلامه ~~عن بركة الحبش أنه كان بها طاقات، وعليها صور الشعراء، كل شاعر واسمه وبلده، وعلى ~~جانب كل من هذه الطاقات قطعة من القماش كتب عليها قطعة من شعر الشاعر في المدح، ~~وعلى الجانب الآخر رف لطيف مذهب، وأن الخليفة الآمر بأحكام الله لما دخل ms135 هناك ~~وقرأ الأشعار، أمر أن توضع على كل رف صرة مختومة فيها خمسون دينارا، وأن يدخل كل ~~شاعر ويأخذ صرته بيده. # 13 # فلا أكاد أعرف دولة من الدول الإسلامية أقامت للشعراء هذا التمجيد بأن يضعوا صورة ~~كل شاعر مع اسمه وبلده في طاقات في متنزهات عامة، مما يدل دلالة قاطعة على تمجيد ~~لفن الشعر والشعراء، فأين نحن الآن من مصر في العصر الفاطمي؟! # ويذكر العماد في الخريدة أن الفاطميين جعلوا من وظائف الدولة وظيفة «مقدم ~~الشعراء»، ويذكر أن مقدم الشعراء في عهد الأفضل بن بدر الجمالي هو الملقب بمسعود ~~الدولة المعروف بابن حريز. # 14 # وكانت سيدات قصر الإمامة الفاطمية يغدقن الأموال على الشعراء كلما سمعن ~~منهم شعرا جيدا في مدح الأئمة، ويحدثنا عمارة اليمني أنه بعد أن أنشد قصيدته ~~الأولى في مصر أخرجت له السيدة الشريفة بنت الإمام الحافظ خمسمائة دينار. # 15 # وهكذا نرى الفاطميين يولون الشعر والشعراء عنايتهم؛ لأن الشعراء لسان ~~من ألسن تمجيدهم والذود عنهم أمام أعداء كثيرين أقوياء، فإغداق النعم ~~الفاطمية على الشعراء كان من أشد الأسباب التي جعلت الشعراء يحرصون على إتقان الشعر ~~مع الإكثار من الإنشاد، فكثر الشعراء وكثر إنتاجهم، واستغل الفاطميون هؤلاء ~~الشعراء في رفع شأن دولتهم وخلفائهم، حتى في القسم الأخير من العصر الفاطمي الذي ~~ضعف فيه الأئمة، واستبد الوزراء بالملك، فقد طلب إلى الشاعر أبي عبد الله مسلم ~~أن ينظم «السيرة المصرية»، وجعلوا له خمسة دنانير كل شهر على ذلك، فسأل أن يجري له ~~شيء على الشعر مثل غيره من الشعراء، فزيد نصف دينار، فهجاه الشاعر مجير بن محمد ~~الصقلي المتوفى حوالي سنة 540ه بقوله: # جرى الحديث فقالوا كل ذي أدب # أضحت له خمسة تجري بمقدار # بأي فضل حواه ابن المسلم من # دون الجماعة حتى زيد في الجاري # أجروا له خمسة عن حق سيرته # فقال: لا تنقصوني حق أشعاري # نادوا عليه وسوق الشعر نافقة # فلم يزد قدرها عن نصف دينار # 16 # وهكذا كان الفاطميون يستغلون شعر الشعراء في تثبيت أركان دولتهم، حتى ms136 في وقت ضعف ~~سلطانهم. # شعر الأئمة # بجانب ذلك كله كان الفاطميون يقدرون الشعر ويتذوقونه من حيث هو فن من ~~الفنون التي تجب العناية بها، ويقدرها كل من نال حظا من الثقافة ورقة ~~الشعور ودقة الإحساس، بل يذكر المؤرخون أن من بين الأئمة الفاطميين من كان ~~ينشد الشعر، وقد رأينا كيف خاطب القائم بأمر الله المصريين بالشعر إبان ~~غزواته، ويذكر صاحب سيرة جوذر عدة أبيات للمنصور بالله، منها: # تبدلت بعد الزعفران وطيبه # صدا الدرع من مستحكمات السوامر # ألم ترني بعد المقامة بالسرى # ولين الحشايا بالخيول الضوامر # وفتيان صدق لا ضغائن بينهم # يثورون ثورات الأسود الخوادر # أروني فتى يغني غنائي ومشهدي # إذا رهج الوادي لوقع الحوافر # أنا الطاهر المنصور من نسل أحمد # بسيفي أقد الهام تحت المغافر # 17 # ومن شعر المنصور بالله أيضا يخاطب ابنه وولي عهده المعز لدين الله: # كتابي إليك من أقصى الغروب # وشوقي شديد عريض طويل # أجوب القفار وأطوي الرمال # وأحمل نفسي على كل هول # أريد بذاك رضاء الإله # وإعزاز دولة آل الرسول # إلى أن برى السير أجسامنا # وكل الركاب وتاه الدليل # فوا غربتاه ووا وحشتاه # وفي الله هذا قليل قليل # وما ضقت ذرعا ولكنني # نهضت بقلب صبور حمول # وقد من ذو العرش من فضله # بفتح مبين وعز جليل # وفي كل يوم من الله لي # عطاء جديد وصنع جميل # فلله حمد على ما قضى # وحسبي ربي ونعم الوكيل # 18 # ولعلك تلاحظ معي أن المقطوعة الأولى أقوى وأجزل شعرا من المقطوعة الثانية ~~التي هي أقرب إلى الكلام العادي منها إلى فن الشعر، فالقطعة الأولى من شعر ~~المنصور تدل على أن صاحبها شاعر حماسي ملك ناصية الفن في اللفظ والمعنى، فهو ~~يختار اللفظ الذي يتلاءم في موسيقاه مع المعنى الذي يقصده الشاعر، فيلذ الأذن ~~والعقل معا، ولكن القطعة الثانية، فلا أستطيع أن أقول إلا أن ناظمها يعبث حين ~~يدعي أنه يقول شعرا. # ويذكر ابن خلكان أن المعز لدين الله كان أديبا شاعرا، وينسب إليه هذه ~~الأبيات: # لله ما صنعت بنا # تلك ms137 المحاجر في المعاجر # أمضى وأقضى في النفوس # من الخناجر في الحناجر # ولقد تعبت ببينكم # تعب المهاجر في الهواجر # 19 # فهذه الأبيات إن دلت على شيء فهي تدل قبل كل شيء على أن الشاعر كان من ~~شعراء الزينة البديعية، فقد فتن بهذه الملاءمة اللفظية بين «المحاجر» ~~و«المعاجر»، وبين «أمضى» و«أقضى»، وبين «الخناجر» و«الحناجر»، وبين «المهاجر» ~~و«الهواجر»، ومع ظهور هذه الصنعة البديعية في هذه الأبيات، فإن خيال الشاعر كان ~~قويا في تعبيره عما تفعله العيون التي تختفي تحت المحاجر، ولكنها تصيب ~~هدفها، وتفعل في النفوس أكثر مما تفعله الخناجر في الحناجر. # وكذلك ينسب القدماء إلى المعز لدين الله هذه الأبيات: # أطلع الحسن من جبينك شمسا # فوق ورد في وجنتيك أطلا # وكأن الجمال خاف على الور # د جفافا فمد بالشعر ظلا # 20 # هنا صورة جميلة من شاعر بلغ درجة لا بأس بها من الفن، فهو يصف جمال المحبوب ~~بصورة من صور الطبيعة المحببة إلى النفس، فهي كالورد المتفتح قد غمرته ~~الشمس، ولكن الشاعر كان دقيق الحس رقيق الشعور، فخشي أن يذبل الورد من حرارة ~~الشمس، فظلله بخصلة من شعر الحبيب، فالصورة هنا لا شك جميلة، ولا غرو أن ~~رأينا القدماء قد فتنوا بها حتى قال ابن خلكان: «إن هذا معنى غريب بديع.» # 21 # ولكن هل أستطيع أن أنسب هذه الأبيات إلى المعز لدين الله كما روى ~~ابن خلكان، أم أنسبها إلى ظافر الحداد الشاعر الفاطمي الفحل؛ إذ ورد في الخريدة ~~أن ظافرا قال: # أطلع الشمس من جبينك بدر # فوق ورد من وجنتيك أطلا # فكأن العذار خاف على الور # د جفافا فمد بالشعر ظلا # 22 # لست أدري لمن أنسب البيتين، فربما حاكى ظافر الإمام المعز، فأخذهما عنه ~~بعد أن غير بعض الألفاظ، أو ربما نسب أتباع المذهب البيتين إلى المعز عندما ~~أرادوا إثبات شاعريته، ومهما يكن من شيء فإن المؤرخ ابن إياس تحدث أيضا عن ~~شعر المعز فقال: «كان المعز عاقلا حازما لبيبا فصيحا شاعرا، وله شعر جيد، ~~من ذلك قوله: # ما بان عذري ms138 فيه حتى عذرا # وبدا البنفسج فوق ورد أحمرا # همت بقبلته عقارب صدغه # فاستل ناظره عليها خنجرا # 23 # وهكذا كان المعز لدين الله ينشد الشعر، وعرف به، وكذلك كان ابنه العزيز ~~بالله نزار، وابنه المعروف بالأمير تميم، يقول أبو المحاسن عن العزيز: «كانت ~~لديه فضيلة، وله شعر جيد.» # 24 # وروى الثعالبي في يتيمته قول العزيز، وقد وافق بعض الأعياد وفاة ~~ابنه، وعقد المأتم عليه: # نحن بنو المصطفى ذوو محن # يجرعها في الحياة كاظمنا # عجيبة في الأنام محنتنا # أولنا مبتلى وخاتمنا # يفرح هذا الورى بعيدهم # طرا وأعيادنا مآتمنا # 25 # فالشاعر في هذه الأبيات صادق العاطفة يعبر عن ألم دفين وحزن كمين، فهو لم ~~يحزن لفقد ولده فحسب، بل هو يألم لما أصاب أهل البيت من محن وكوارث حتى أصبحت ~~أعيادهم مآتم، ويخيل إلي أن هذه العاطفة الصادقة هي التي دفعت العزيز لأن ~~يقول: # ولما رأيت الدين رثت حباله # وأصبح ممحو الضيا والمعالم # وأصبحت الأغنام من كل أمة # تسوم عباد الله خزم المخاطم # وتحكم في أموالها ودمائها # بغير كتاب الله عند التحاكم # غضبت لدين الله غضبة ثائر # غيور عليها مانع للمحارم # وسيرت نحو الشرق بحر كتائب # تموج بأبطال رجال قماقم # يقودون جرد الخيل تخطر بالقنا # وبالمشرفيات الرقاق الصوارم # أنا ابن رسول الله غير مدافع # تنقلت في الأنوار من قبل آدم # لي الشرف العالي الذي خضعت له # رقاب بني حواء من كل عالم # بنا فتحت أبواب كل هداية # ومنا بحمد الله (خير الخواتم) # فقل لبني العباس مع ضعف ملكهم # بأنهم أسرى بأيدي الأعاجم # غصبتم بني المروان ما غصبوه من # مواريثنا، سحقا لظالم ظالم # ولم تحفظوا فينا وصايا محمد # ولا ما ادعيتم من مناسب هاشم # سنسقيكم كأسا كما قد سقيتم # أوائلنا والله أعدل حاكم # 26 # ففي هذه الأبيات نحن أمام رجل غيور على عقيدته ودينه، شديد العداء لمن ~~خالفه من العباسيين، يتوعدهم بالانتقام لما أصاب آباءه وأجداده من محن ~~على أيديهم، شديد الفخر بنسبته إلى الرسول الكريم، وهو في ذلك كله لا ينسى ~~عقائده المذهبية ms139 التي كان إمامها، فأشار إلى أنه تنقل في الأنوار من قبل ~~آدم، فهذا المعنى لا يقوله إلا من اعتقد مذهب الفاطميين، وذلك أن الفاطميين ~~ذهبوا إلى أن الله سبحانه خلق نور محمد # صلى الله عليه وسلم # قبل أن يخلق السموات والأرض، ~~وأن هذا النور تنقل في الأصلاب الطاهرة والأرحام الزكية حتى بلغ عبد المطلب، ~~فقسم الله هذا النور قسمين، قال لأحدهما: كن يا هذا محمدا، ويا هذا كن ~~عليا. وأن هذا النور تجمع مرة أخرة بزواج علي من فاطمة بنت الرسول، ~~وتنقل في الأئمة من ذريتهما حتى كان العزيز بالله، فكأن العزيز وجد قبل ~~آدم؛ لأن النور الذي حل به وجد قبل آدم. # 27 # وكان الحاكم بأمر الله شاعرا أيضا، وينسب إليه صاحب النجوم الزاهرة: # دع اللوم عني لست مني بموثق # فلا بد لي من صدمة المتحنق # وأسقي جيادي من فرات ودجلة # وأجمع شمل الدين بعد التفرق # 28 # ولكن هذين البيتين يعود صاحب النجوم مرة أخرى فينسبهما إلى الآمر، وكذلك المقريزي. # 29 # وعندي في المجموعة الخطية عدة أبيات للحاكم، ولكن هذه الأبيات ~~ضعيفة في صياغتها وفي معناها، ويظهر فيها الانتحال، ويخيل إلي أن قائلها ~~هو أحد أتباع المذهب الذين لا يحسنون صناعة الشعر، والأبيات هي: # إذا ما انقضى لبس السواد أتيتكم # بأبيض من فوق الدماء يفور # على أشقر يغلي إذا ما ركبته # ولا صحبت رجلي بعد حمير # وأجلس عادتي كما كنت قبل ذا # ويختال بي من بعد ذاك وزير # 30 # ويحدثنا ابن بسام في الذخيرة أن الشاعر الواساني، هجا يوسف بن علي المشرف على ~~دمشق أيام الحاكم، وسمع الحاكم بأمر هذا الهجاء فقال يوما: أريد سماع هذه ~~القصيدة من رجل حسن النشيد. # 31 # فهذا يدل على أن الحاكم كان يلذ له سماع الشعر ممن يحسنون ~~النشيد. # وتكاد تجمع المصادر على أن المستنصر بالله كان شاعرا مبدعا، وأنه كان ~~متمكنا من إنشاد الشعر يرتجله في مناسبات، ويجيب عن بعض الرسائل التي كانت ~~ترد عليه بالشعر. يروي صاحب النجوم أن ناظر الدولة ms140 جاء بالأتراك سنة 460ه إلى ~~الوزير ابن كدينة، وطالبوا الوزير بالمال، فقال لهم الوزير: «وأي مال بقي عندي ~~بعد أخذكم الأموال واقتسامكم الإقطاعات.» فطلبوا من الوزير أن يرفع الأمر إلى ~~المستنصر، فكتب الوزير رقعة بما جرى وأرسلها إلى الإمام، فأجاب المستنصر على ~~الرقعة نفسها بخطه: # أصبحت لا أرجو ولا أتقي # إلا إلهي وله الفضل # جدي نبي وإمامي أبي # وقولي التوحيد والعدل # 32 # ففي هذين يظهر الألم الشديد الذي كمن في نفس الإمام لما حل به وحاق بالبلاد ~~إبان الشدة العظمى المعروفة في التاريخ، والبيت الثاني يذكرنا بما نسمعه ~~عند دفن الموتى بما يعرف بتلقين الأموات، فلعل المستنصر أراد أن يتهكم ~~بمن جاء يطالبه بالأموال، فأجاب بما يلقن به الموتى. فهو يسخر بهؤلاء الناس ~~وهو في أشد حالات الألم والحزن، فالعقدة النفسية التي كانت عند المستنصر، هي ~~التي جعلته يسخر ويتهكم على هذا النحو. # ومما يروى عن المستنصر أيضا أن المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي بعد أن ~~عاد سنة 450ه إلى القاهرة، منعه الوزير ابن المغربي من لقاء المستنصر، فأخذ ~~المؤيد يرسل إليه الكتب والرسائل، وينشد فيه الشعر حتى بلغ المستنصر قول ~~المؤيد: # أقسم لو أنك توجتني # بتاج كسرى ملك المشرق # وأنلتني كل أمور الورى # من قد مضى منهم ومن قد بقي # وقلت أن لا نلتقي ساعة # أجبت يا مولاي أن نلتقي # لأن إبعادك لي ساعة # شيب فودي مع المفرق # فلما بلغت الرقعة التي فيها هذا الشعر إلى المستنصر أجاب عليها بخطه: # يا حجة مشهورة في الورى # وطود علم أعجز المرتقي # ما غلقت دونك أبوابنا # إلا لأمر مؤلم مقلق # خفنا على قلبك من سمعه # فصدنا صد أب مشفق # شيعتنا قد عدموا رشدهم # في الغرب يا صاح وفي المشرق # فانشر لهم ما شئت من علمنا # وكن لهم كالوالد المشفق # إن كنت في دعوتنا آخرا # فقد تجاوزت مدى السبق # مثلك لا يوجد فيمن مضى # من سائر الناس ولا من بقي # 33 # وتنسب إليه قصيدة وردت في مجموعة أشعار الإسماعيلية مطلعها: # كفى ملامك ms141 يا ابنة الغمر # ما بال وفر أبيك من وفر # 34 # ولكني أرى هذه القصيدة موضوعة، ونسبت إلى المستنصر، فأكتفي الآن بالإشارة ~~إليها. # وينسب طائفة البهرة إلى المستنصر مجموعة رسائل قيل إنه كتبها إلى علي بن محمد ~~الصليحي باليمن، ولكن من يطلع على هذه الرسائل يدرك أن مثل هذه الرسائل لا ~~تصدر عن الإمام، إنما تصدر عن كتابه، وقل أن نجد خليفة من خلفاء المسلمين ~~أرسل مثل هذه الرسائل لأحد عماله، إنما كان ذلك عمل كتاب ديوان الإنشاء، ~~ونحن نشك في نسبة هذه الرسائل إلى المستنصر، ونرجح أنها كتبت بعد انتقال ~~مركز الدعوة المستعلية إلى اليمن، وأن كاتبها أحد الدعاة في اليمن، وسنعود ~~إلى هذه الرسائل في بحث آخر. # 35 # ويقول صاحب النجوم عن الآمر بأحكام الله: «كان للآمر نظم ونظر في الأدب.» # 36 # وروى له عدة أبيات منها الأبيات التي نسبها حينا إلى الحاكم، ~~وحينا آخر إلى الآمر، كما ذكرنا من قبل. وينسب ابن ميسر إلى الآمر ~~قوله: # أما والذي حجت إلى ركن بيته # جراثيم ركبان مفلعة شهبا # لأقتحمن الحرب حتى يقال لي # ملكت زمام الحرب فاعتزل الحربا # وينزل روح الله عيسى بن مريم # فيرضى بنا صحبا ونرضى به صحبا # 37 # وينسب طائفة البهرة إلى الآمر بأحكام الله رسالة تعرف «بالهداية الآمرية ~~في إبطال الدعوة النزارية»، وقد نشر هذه الرسالة صديقنا الأستاذ آصف فيظي، وذكر ~~في مقدمته لهذه الرسالة أنها ليست للآمر في الحقيقة، وربما كانت لأحد كتابه، ~~فإن هذه الرسالة من السجلات التي يكتبها رجال ديوان الإنشاد، وربما كان الآمر ~~هو الذي أوصى بها. # 38 # وهكذا كان بعض الأئمة الفاطميين ينشد الشعر، فلا غرو أن رأيناهم يقربون ~~الشعراء ويجزلون لهم العطاء، ويلتف الشعراء حولهم ويتنافسون بين أيدي أمرائهم ~~في الإنشاد، مما دعا إلى كثرة الشعر وازدهاره. # وكما كان الأئمة في عهد سلطانهم وقوتهم - أي في القسم الأول من العصر الفاطمي ~~- ينشدون الشعر ويقربون الشعراء، كان بعض الوزراء في عهد غلبة الوزراء في مصر ~~ينشد الشعر ويثيب عليه، ولا سيما ms142 أن الوزراء أصبحوا كل شيء في الدولة؛ فأصبحوا ~~مقصد الشعراء ووجهتهم، حتى إن الشعراء عندما كانوا يريدون مدح الخليفة الفاطمي ~~كانوا يذكرون بجانبه الوزير، ويطنبون في مدح الوزير أكثر مما يقولون في مدح ~~الإمام. ويروي المقريزي أن جميع الشعراء لم يكن لهم في الأيام الأفضلية، ولا ~~فيما قبلها على الشعر جار، وإنما كان لهم إذا اتفق طرب السلطان واستحسانه لشعر ~~من أنشد منهم ما يسهله الله على حكم الجائزة، فرأى القائد أن يكون ذلك من بين ~~يديه من الظروف. # 39 # إذ كان الأفضل يجلس بدار الملك التي أنشأها في مجلس العطايا، وقد ~~أمر بتفصيل ثمانية ظروف ديباج أطلس، من كل لون اثنين، وجعل في سبعة منها خمسة ~~وثلاثين ألف دينار في كل ظرف خمسة آلاف، فمن هذه الظروف كان يغدق عطاياه على ~~الشعراء الذين كانوا يقصدونه، ولعل أكثر الوزراء في العصر الفاطمي إنشادا ~~للشعر وتحببا إلى الشعراء هو الوزير الملك الصالح طلائع بن رزيك، فقد جمع ~~شعره في مجلدين كبيرين، وجمع شعر الشعراء فيه فكان شيئا كثيرا، ولكن هذه ~~الأشعار كلها فقدت، ولم يبق منها إلا شذرات، وكذلك كان الوزير الناصر ~~العادل رزيك بن الصالح الذي وصفه عمارة اليمني بقوله: وأما فهمه فكان يعرف جيد ~~الشعر ويستحسنه ويثبت عليه. # 40 # فسوق الشعر قد ازدهرت في عهد الوزراء كما كان مزدهرا في عهد ~~الأئمة على ما سنوضحه فيما بعد. # ضياع الشعر الفاطمي # وكانت الحياة في مصر الفاطمية - كما رأينا جانبا منها - تدعو إلى ازدهار ~~الشعر وإلى كثرة ما أنتجه الشعراء في كل فن من فنون الشعر، وكل موضوع من ~~موضوعاته، ولكن هذه الموجة الفنية التي طغت على مصر سرعان ما أبادها الأيوبيون ~~فيما أبادوه من تراث هذا العصر الذهبي في تاريخ مصر الإسلامية، فضاع الشعر ولم ~~يبق منه إلا النزر اليسير، أو قل لم يبق إلا اسم الشاعر أحيانا إن ~~قدر لاسمه البقاء، ونحن لا نتردد في اتهام الأيوبيين بجنايتهم على تاريخ ~~الأدب المصري بتعمدهم أن يمحوا كل أثر أدبي يمت ms143 للفاطميين بصلة، فقد حرقوا ~~كتبهم بما فيها من دواوين الشعر خوفا من أن يكون بالشعر مديح للأئمة، وهو كفر ~~بزعمهم. وها هو ذا كاتب الأيوبيين العماد الأصفهاني عندما أراد أن يجمع في ~~خريدته شعر شعراء المائة الخامسة، قال عن ابن الضيف داعي الآمر وشاعره: «وكنت ~~عازما لفرط غلوه على حطه؛ لأنه أساء شرعا وإن أحسن شعرا، بل أظهر فيه ~~كفرا، ولكنني لم أر أن أترك كتابي منه صفرا؛ لأن البحر الزاخر يركبه ~~المؤمن والكافر، ويقصده البر والفاجر، ويحمل الغثاء كما يحمل الدر.» # 41 # وقال عن ظافر الحداد: أقول ظافر، بحظ من الفضل ظاهر، يدل نظمه على ~~أن أدبه وافر، وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر، وما أكمله لولا أنه من مداح ~~المصري والله غافر. # 42 # ومع ذلك لم يرو العماد لهما شيئا في مدح الأئمة، فقد تعمد ~~العماد الأصفهاني أن يستبعد أكثر شعر مديح الأئمة من خريدته، وتبعه في ذلك غيره ~~من الأدباء والمؤرخين، فضاع أكثر شعر مصر الفاطمية بسبب هذا التعصب ~~المذهبي. # أضف إلى ذلك أن الأحداث التي كانت في مصر، ولا سيما في عهد المستنصر بالله، ~~إبان المحنة الكبرى، وفي الصراع الذي كان بين شارو وضرغام في أواخر العصر ~~الفاطمي، كانت من أهم أسباب ضياع شعر الشعراء وكتب العلماء، حتى إن الشاعر ~~عمارة اليمني عندما أراد أن يذكر لنا شيئا من شعره في مدح طي بن شاور قال: فإن ~~جميع ما قلته فيه نهب من دار الخليج. # 43 # ولم يتذكر منه شيئا يرويه، فكانت هذه الأحداث والاضطرابات مأساة ~~للعصر الفاطمي نفسه؛ إذ سببت زوال دولة الفاطميين، ومأساة للحياة الأدبية ~~والفكرية أيضا، وإلا فحدثني عن شعر الشعراء المائة الذين رثوا ابن كلس، وأين ~~ديوان ابن حيدر العقيلي؟ # 44 # وأين ديوان أبي الحسن علي بن المؤمل بن غسان الكاتب المصري، وكان ~~ديوانه في مجلدين؟ # 45 # وأين ديوان أبي الحسن بن مطير؟ # 46 # وديوان ابن الشخباء أستاذ القاضي الفاضل، # 47 # وديوان الملك الصالح بن رزيك، # 48 # وديوان القاضي الرشيد بن الزبير، # 49 ms144 # وديوان أخيه المهذب بن الزبير، # 50 # وديوان ابن الضيف، وديوان ظافر الحداد الذي وصفه أحد معاصريه، وهو ~~الفقيه نصر بن عبد الرحمن الفزاري بقوله: «وله ديوان شعر مشهور، وبالجودة له مشهود.» # 51 # وأين ديوان الفقيه الصوفي ابن الكيزاني؟ وأين شعر بني عرام شعراء ~~الصعيد؟ وأين مقطوعات ابن الصياد في أنف ابن الحباب؟ فقد قيل: إن ابن الحباب ~~كان كبير الأنف، وكان ابن الصياد مولعا بأنفه وهجاه بأكثر من ألف مقطوعة. # 52 # وأين شعر أولاد الكنز بأسوان؟ # 53 # وأين المجموعة التي جمعها عثمان بن عبد الرحيم المعروف بابن بشرون ~~التي صنفها سنة 561، وسماها: «المختار في النظم والنثر لأفاضل أهل العصر»، ~~وأين مجموع شعراء ابن رزيك؟ # 54 # وأين كتاب جنان الجنان للمهذب بن الزبير الذي صنفه سنة 558ه، ~~وجمع فيه أشعار شعراء مصر، وذيل به اليتيمة؟ وأين ديوان القاضي المفضل كافي ~~الكفاة أبي الفتح محمود ابن القاضي الموفق إسماعيل بن أحمد الدمياطي المعروف ~~بابن قادوس، وكان من أماثل المصريين وكتابهم مقدما عند ملوكهم؟ # 55 # ويطول بنا الأمر لو طالبنا بكل شعر الشعراء الذين كانت تزخر بهم مصر ~~الفاطمية، إنما ذكرنا هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحصر، لنعرف مدى هذه ~~الخسارة التي لحقت بتاريخ الأدب المصري لضياع هذه الثروة الأدبية المصرية، ~~ولندل على أن مصر الفاطمية كانت غنية بشعرائها، خصبة في شعرها. # هناك جناية أخرى ارتكبها الثعالبي والباخرزي والعماد وابن سعيد المغربي ~~وغيرهم من المؤلفين الذين أرادوا أن يحفظوا في كتبهم شيئا من الشعر، فعمدوا ~~إلى عدة أبيات من قصيدة، ولم يدونوا كل القصيدة، فقد اكتفوا بمقطوعة من ~~بيتين أو أكثر لكل شاعر، وقل أن نجد قصيدة كاملة في هذه الكتب، مما جعلنا لا ~~نستطيع أن نكون حكما صحيحا على فن الشاعر من هذه المقطوعات التي رويت ~~له؛ لأن الناقد المدقق مهما بلغت مقدرته الفنية، واتسعت ثقافته الأدبية، ~~وارتقى ذوقه الأدبي، لا يستطيع أن يحكم على شاعر بمقطوعة من قصيدة، أو بقصيدة ~~واحدة من ديوان، وإلا كنا كالقدماء الذين كانوا يفضلون شاعرا ms145 على شاعر ~~ببيت شعر قاله. فهؤلاء الكتاب الرواة كانوا من عوامل ضياع الشعر القديم، كما ~~هم في الوقت نفسه من عوامل حفظ بعضه. # ومهما يكن من شيء، فإن بين أيدينا الآن بعض آثار لحياة الشعر في العصر ~~الفاطمي، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن العصر الفاطمي كان خصبا في ~~إنتاج الشعر، بحيث استطاع شعر مصر الفاطمية أن يقف بجوار غيره من الشعر في ~~الأقطار الإسلامية في أرقى عصوره وصوره، فالعوامل التي تحدثت عنها، والآثار ~~التي وصلتنا، وما قاله الرواة عن شعر مصر، كل ذلك يجعلنا نقول: إن شعر مصر ~~الفاطمية كان يحتل هذه المكانة الممتازة في الحياة الأدبية، ويتطور هذا ~~التطور الذي نلمسه في العصر الفاطمي. # الفصل الثاني # | الشعر والأئمة # ذكرنا أن الفاطميين جاءوا بمصر يحملون مذهبا دينيا خاصا يختلف عن العقائد ~~التي كان يدين بها المصريون، وأن للمذهب الفاطمي مصطلحات خاصة لا يعرفها غير ~~المنتسبين لفرقتهم، ولا يفهمها غيرهم، فكان لهذه العقائد الفاطمية تأثير قوي في شعر ~~مصر الفاطمية، ذلك أن الشعراء الذين اتصلوا بالأئمة كانوا يمدحون هؤلاء الأئمة ~~بالصفات التي صبغها المذهب على الأئمة، ويتعمد الشاعر أن يستعمل في شعره ~~المصطلحات التي اصطلح عليها علماء المذهب ودعاته، وكلما أمعن الشاعر في استخدام ~~هذه المصطلحات، وإدخال هذه الصفات في شعره، ازدادت قيمة الشاعر عند الأئمة وكبار ~~رجال الدعوة، وكثر عطاؤه وزاد جاريه، فكان الشعراء على هذا النحو دعاة للأئمة ~~والعقائد دون أن يكون لهم في مراتب الدعوة شأن. # وفي الوقت نفسه كان الشعراء سبب اتهام المذهب الفاطمي بالغلو والميل إلى الخروج ~~عن تعاليم الإسلام؛ ذلك أن الشعر أسرع في الانتقال على أفواه الناس من كتب العلماء، ~~فإذا كانت كتب الدعاة لا يقربها إلا أتباع مذهبهم، وأن مجالس حكمتهم لا يحضرها إلا ~~من استجاب لهم، فالشعر يختلف عن ذلك كله، فإنه يسير بين الناس ويرويه الرواة، فإذا ~~سمع مستمع إلى تلك الأبيات التي زخرت بعقائد الفاطميين دون أن يكون له إلمام بعقائد ~~المذهب وما فيها من تأويلات ms146 باطنية، فهو لا يستطيع أن يدرك معنى ما جاء في هذا ~~الشعر، وما قصد إليه الشاعر في مدائحه، ومن هنا يتهم الشاعر ويتهم المذهب نفسه، وقد ~~رأينا كيف وصف العماد الأصفهاني شعر بعض شعراء الدولة الفاطمية، ونقرأ الآن أقوال ~~النقاد والمؤرخين عن ابن هانئ الأندلسي، وما وصف به من شدة الغلو في مدح الأئمة ~~حتى رماه بعضهم بالخروج عن الدين جملة، فلو كان هؤلاء النقاد يعرفون التأويل ~~الباطني لأقوال ابن هانئ، أو أنهم حاولوا معرفة ما أراده الشاعر وقصد إليه، ~~لرأيناهم يرجعون عن كثير مما اتهم به الشاعر، وذكرنا أن هذا من الأسباب التي ~~أدت إلى ضياع شعر مصر الفاطمية، ولا سيما هذا اللون من الشعر الذي ملئ ~~بالعقائد، والذي قيل في مدح الأئمة، ولكن من حسن الحظ أننا عثرنا على ديوان المؤيد ~~في الدين داعي الدعاة، وديوان الأمير تميم بن المعز، وقصيدة في مدح العزيز، وكانت ~~هذه النصوص في مكتبات رجال البهرة بالهند. # ففي مجموعة أشعار الإسماعيلية قصيدة تكاد تكون فريدة في نوعها في الشعر العربي ~~كله، وهي لشاعر مجهول من شعراء العزيز بالله، وتنسب هذه القصيدة أحيانا إلى ~~المؤيد في الدين، # 1 # وتنسب مرة أخرى إلى شاعر يلقب بالإسكندراني، # 2 # ولكني أرفض نسبة هذه القصيدة إلى المؤيد؛ لأن العزيز بالله أقدم عهدا ~~من المؤيد في الدين، وأن المؤيد لم يمدح العزيز مطلقا، إنما مدح الظاهر والمستنصر، ~~وهما الإمامان اللذان عاصرهما المؤيد، ولم يمدح غيرهما من الأئمة، أضف إلى ذلك ~~كله أن هذه القصيدة تختلف عن شعر المؤيد من ناحية فن الشعر عند المؤيد. # أما الإسكندراني الذي تنسب إليه هذه القصيدة فلا نعرف عنه شيئا، ولم تذكره ~~المصادر التي بين أيدينا، وكل ما ورد عنه في المجموعة الخطية هو: هذه قصيدة ~~الإسكندراني - رحمه الله - في مدح الإمام العزيز بالله قدس الله روحه، وهي ~~الموسومة بذات الدوحة. # 3 # قلت: إن هذه القصيدة فريدة في بابها في الشعر العربي، ذلك أن الشاعر روى الحديث ~~المنسوب إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ms147 ~~: «أهل بيتي شجرة؛ أصلها ثابت، وفرعها في السماء.» وقول ~~النبي أيضا: «أنا شجرة، وفاطمة حملها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، ~~ومحبونا أهل البيت ورقها، حقا حقا أن يكونوا معنا في الجنة.» # 4 # وأمثال هذين الحديثين. فشاء له خياله أن يمدح إمامه العزيز بالله ~~بقصيدة جعل لها جذعا وفروعا على مثال الشجرة، وسمى قصيدته ذات الدوحة، وأودعها ~~كثيرا من المصطلحات والعقائد الفاطمية، والقصيدة هي: # سئمت من البين الذي ليس يصدق # فلست بغير الحق والصدق أنطق # أأمدح رهطا غير رهط محمد # وفي الجيد عهد للإمام موثق # ولا فضل لي في ذا بل الفضل فضل من # بهم يحرم الله الأنام ويرزق # أئمة دين الله مذ قام دينه # وأنوار هذا الخلق من قبل يخلق # محبتهم فرض على الناس واجب # وعصيانهم كفر إلى النار موبق # هم العروة الوثقى، هم منهج الهدى # هم الغاية القصوى التي ليس تلحق # ولولاهم لم يخلق الله خلقه # ولم يك في الدنيا ضياء ورونق # هم دوحة الدين التي تثمر الهدى # وباليمن والتقوى تظل وتسبق # تجير من الأيام من يستظلها # وتحيي من الموت الجهول وتطلق # سقاها غمام الوحي علما فأينعت # بمكنون علم الله فالدين مونق # جرت في تخوم المحكمات عروقها # وفوق الثريا فرعها متعلق # هم الأصل منها والأئمة فرعها # ففي كل عصر نورها يتألق # إلى أن تسامت بالعزيز ولم تكن # بغير أبي المنصور لو كان يلئق # فباهت على الأيام أيامه التي # تكاد لها صم الجنادل تورق # سحائب جود لا يغيب غمامها # وبحر سماح بالندى يتدفق # لئن فقد الناس المعز لدينه # لقد قام بالدين العزيز الموفق # تجددت الدنيا علينا بيمنه # فلا العيش مذموم ولا الدهر أخرق # ولا الجود ممنوع ولا المجد خامل # ولا العرف مقطوع ولا النكر مطلق # تضوع نشر العدل في كل بلدة # ونشر الثناء الطيب للطيب يعبق # ملأت قلوب العارفين محبة # فكل على مقداره يتشوق # فلا صامت إلا بحبك ناطق # ولا مضمر إلا بشكرك ينطق # فضائل مولانا العزيز جليلة # إذا عد فضل فهو بالفضل يسبق # غرست على بيت من الشعر دوحة ms148 # لها أغصن في وزنه حين تبسق # فألفت من بيت بيوتا كثيرة # ولكنها مع ذاك لا تتفرق # فسبع وسبع عن يمين ويسرة # على كل حرف منه بيت مفلق # بمدح أمير المؤمنين لأنها # لعمري به من سائر الخلق أليق # عليه صلاة الله ما لاح كوكب # وما ناح في الأيك الحمام المطوق # فالشاعر هنا قد ألزم نفسه بأن يبني بيتين من الشعر على كل كلمة من كلمات ~~البيت الأخير، وأن يفرع عن يمين وشمال هذا البيت الأخير أربعة عشر بيتا، سبعة ~~أبيات عن يمين، وسبعة عن شمال، حتى تتخذ القصيدة شكل الدوحة، وما رأينا أحدا من ~~شعراء العربية يتلاعب بمثل هذا التلاعب قبل هذا الشاعر الفاطمي، ومن يدري لعل ~~التشجير الذي ظهر في الشعر الفارسي في القرن السادس الهجري وما بعده هو تطور هذا ~~التلاعب الذي نراه في هذه القصيدة، فقد أراد الشاعر أن يهدي إلى إمامه مثالا من ~~الشعر للشجرة التي ذكر في القرآن أن أصلها ثابت وفرعها في السماء، وشاء الشاعر ~~إلا أن يهدي لإمامه هذه الدوحة، وجعل أبيات الفروع والأغصان سبعة عن يمين وسبعة عن ~~شمال، تمثيلا لرأي الفاطميين في الأدوار السبعة إذا انتهى دور سبعة من أئمة الدين ~~تلاه دور آخر لسبعة آخرين، وقد يكون ذلك أيضا لأن المعز كان سابع الأسبوع ~~الثاني من دعوة النبي محمد، وأن العزيز هو أول الأئمة في دور الأسبوع الثالث، وهكذا ~~كان هذا الشاعر في تلاعبه في شكل القصيدة باطنيا؛ وهو باطني أيضا في المعاني ~~التي قصد إليها، ففي مدحه لإمامه أملت عليه عقيدته الفاطمية هذه المعاني، ففي ~~البيت الثاني يتحدث الشاعر عن العهد أو الميثاق الذي يأخذه الإمام على شيعته ~~والمستجيبين لدعوته، وفي البيت الثالث يشير إلى أن الأئمة مثل للعقل الأول، وبما أن ~~الله - سبحانه وتعالى - قال للعقل (وهو القلم أيضا) «بك أثيب وبك أعاقب»، # 5 # فهذه الصفات تنطبق أيضا على مثل العقل وهم الأئمة، # 6 # فيثيب الله من أطاع الأئمة، ويعاقب من خالفهم. وفي البيت الرابع ~~يتحدث الشاعر عن تنقل ms149 نور الله منذ بدأ خلقه إلى أن حل هذا النور في إمام العصر، # 7 # وفي البيت الخامس ذكر طاعة الأئمة، وأن طاعتهم فرض فرضه الله تعالى في ~~القرآن الكريم بقوله تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم ~~. وفي البيت الثامن وما بعده ~~يتحدث الشاعر عن العلم الباطن الذي خص به الأئمة دون غيرهم، وأن هذا العلم هو ~~الذي يحيي موتى النفوس، ويجلو غياهب الشك، ثم يتحدث الشاعر بعد ذلك عن عقيدة ~~الفاطميين التي شاركهم فيها غيرهم من المسلمين، وهي العقيدة التي تقول: إن الله لم ~~يخلق هذا الخلق سدى، بل لعبادته وتوحيده، ولكن الفاطميين خالفوا المسلمين في ~~الوسيلة التي تؤدي بهم إلى العبادة والتوحيد، ذلك أن العبادة عندهم لا تقبل إلا ~~بموالاة الأئمة من أهل البيت، فكأن العالم لم يخلق إلا من أجل الأئمة الذين ~~بهم يصل الإنسان إلى عبادة الله وتوحيد الله، فالشاعر في هذه القصيدة شاعر عقائد ~~قبل كل شيء، عرف عقائده فاتخذ هذه العقائد وسيلة لمدح الإمام، فالشاعر متأثر ~~بهذه العقائد فظهرت في شعره. # وها هو ذا الأمير تميم بن المعز لدين الله، الذي نعرف عنه أنه ابن إمام من ~~الأئمة، وأخ لإمام من أئمتهم، كان شاعرا من أكبر شعراء عصره، مدح أباه وأخاه ~~الإمام بعدة قصائد حفظت في ديوانه، وقد استطعنا الحصول على نسخة خطية من هذا ~~الديوان، فرأينا الشاعر يصف الإمام بالمصطلحات الفاطمية، ويلم في شعره بعقائد ~~أسرته، فهو يقول مرة للعزيز بالله: # جئت الخلافة لما أن دعتك كما # وافى لميقاته موسى على قدر # كالأرض جاد عليها الغيث منهملا # فزانها بضروب الروض والزهر # ما أنت دون ملوك العالمين سوى # روح من القدس في جسم من البشر # نور لطيف تناهى منك جوهره # تناهيا جاز حد الشمس والقمر # معنى من العلة الأولى التي سبقت # خلق الهيولي وبسط الأرض والمدر # فأنت بالله دون الخلق متصل # وأنت لله فيهم خير مؤتمر # وأنت آيته من نسل مرسله # وأنت خيرته الغراء من مضر # لو شئت لم ترض بالدنيا وساكنها # مثوى ms150 وكنت مليك الأنجم الزهر # ولو تفاطنت الألباب فيك درت # بأنها عنك في عجز وفي حصر # 8 # ففي هذه الأبيات نرى الشاعر يمدح إمامه بأنه ليس كغيره من الملوك؛ لأن نفس الإمام ~~الشريفة اللطيفة هي روح قدسية حلت في جسم كثيف ترابي، وأن هذه النفس اللطيفة تناسب ~~العقل - الذي سماه هنا بالعلة الأولى على حسب الاصطلاحات الفلسفية والفاطمية ~~أيضا - وبما أن العقل هو أول ما خلق الله فهو سابق لخلق الهيولي، ولما كان العقل ~~الأول هو أقرب مبدعات الله إليه سبحانه، فكذلك الإمام الذي هو مثل العقل أقرب ~~المخلوقات إلى الله على هذه النسبة، وهو متصل بالله تعالى؛ لأن ممثوله العقل الأول ~~متصل بالله تعالى، وأن الإمام آية الله تعالى من نسل النبي محمد؛ لأن ممثوله العقل ~~هو آية الله الكبرى، وهكذا يستمر الأمير تميم في استغلال هذه الآراء والعقائد ~~الفاطمية في مدح شقيقه الإمام العزيز بالله، بحيث لا نستطيع أن نصل إلى فهم أشعاره ~~في هذا المديح دون التوصل إلى ذلك بتطبيق نظرية المثل والممثول. انظر إليه وهو ~~يمدح الإمام: # فيابن الوصي ويابن البتول # ويابن نبي الهدى المصطفى # ويابن المشاعر والمروتين # ويابن الحطيم ويابن الصفا # 9 # فهو يصف الإمام بمعان باطنية، فمناسك الحج في التأويل الباطن هي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وبما أن الوصي والأئمة يقومون مقام النبي بعد موته فهم يوصفون بصفاته، ويكرر هذا ~~المعنى في أكثر قصائده، كقوله: # وابن الصفا والحجر وابن الهدى # وابن نبي الهدى وابن الكتاب # 10 # فبجانب هذه الصفات التي وصف بها الإمام بأنه ابن الصفا وابن الحجر، نراه يصف ~~إمامه بأنه ابن الكتاب، والكتاب هو القرآن، وفي التأويل الباطن أن القرآن والزبور ~~والتوراة والإنجيل هي مثل، والممثول هو الوصي. يقول في ذلك صاحب المجالس ~~المستنصرية: «فالقرآن العظيم هو هذا الكتاب الكريم، وقرينه في التأويل الحكيم أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه أفضل الصلاة والتسليم - لأنه في زمانه قرين ~~القرآن، والقرآن قرينه، وإنما يسمى الكتاب قرآنا لاقترانه بالعترة، يبين ذلك قول ~~رسول الله ms151 # صلى الله عليه وسلم ~~: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض.» «فالقرآن قرين كل واحد من الأئمة الطاهرين.» # 11 # ومرة أخرى يمدح الأمير تميم إمامه بصفات باطنية فيقول: # يا حجة الرحمن عند عباده # وشهابه في كل أمر مشكل # من لم يكن في صومه متقربا # بك للإله فصومه لم يقبل # 12 # فهو هنا يصف إمامه بأنه حجة الله في الأرض، وهو معنى من المعاني الباطنية، وصفة ~~من صفات الأئمة، # 13 # ويقول أيضا: إن الإمام هو النور الذي يبين للناس ما غمض عليهم، ~~ويوضح ما أشكل، وفي البيت الثاني يشير إلى عقيدة الفاطميين التي تقول: إن فرائض ~~الدين الإسلامي لا تقبل إلا باتباع المنصوص عليه من أهل البيت، فلا صيام لصائم ما ~~لم يعتقد ولاية الأئمة؛ لأن الولاية - كما قلنا - هي محور عقيدة الفاطميين، ويكرر ~~هذا المعنى الأخير في قوله: # وأنك أنت المصطفى الملك الذي # بطاعته من ربنا نتقرب # ولولاك كان الملك في غير أهله # وكان على أفق الشريعة غيهب # عليك صلاة الله ما طلع الضحى # وما حن للأوطان من يتغرب # 14 # وهكذا نستطيع أن نستخرج من ديوان الأمير تميم أثر العقائد الفاطمية في شعره، ~~ونستطيع أن نفهم ما قصد إليه الشاعر من معان إذا طبقنا «نظرية المثل ~~والممثول». # ولعل الشاعر المؤيد في الدين هبة الله بن موسى الشيرازي هو أول شاعر في هذا العصر ~~وصل إلينا ديوان شعره، فإذا بشعره كله متأثر بالعقيدة الفاطمية؛ فالشاعر جعل كل ~~قصائده التي في هذا الديوان في مدح الأئمة، ولم يتناول موضوعا آخر من موضوعات ~~الشعر، وملأ قصائده كلها بالمصطلحات الفاطمية، حتى إني لا أكاد أعرف لهذا الديوان ~~مثيلا في الأدب الفاطمي، بل في الأدب العربي كله، فنحن نستطيع أن نتخذ هذا الديوان ~~الشعري من كتب العقائد الفاطمية، ولا غرو في ذلك، فالمؤيد لم يكن شاعرا متكسبا ~~بشعره مثل غيره من الشعراء، ولم يكن شاعرا من الشعراء الذين تستهويهم حياة المجون ~~والقصف واللهو، إنما كان عالما ms152 من علماء الدعوة، بل كانت إليه مرتبة داعي الدعاة، ~~ولقبه إمامه المستنصر بالحجة نزوعا إلى رفع شأنه، فليس غريبا أن ينقطع مثل هذا ~~العالم الكبير إلى العلم، وأن يتفرغ إلى كل ما يتصل بنشر الدعوة بين الناس، فإذا ~~أنشد شعرا فيتغلب على هذا الشعر عقل العالم لا عاطفته. # ولذلك ترى هذه الأشعار الكثيرة التي ضمها ديوانه ملئت علما وتأويلا، انظر ~~إليه يقول في إحدى منظوماته التي وضعها «لمكاسرة» مخالفي مذهبه: # ما النون يا صاح ترى والكاف # فالخلق در وهما أصداف # إن الذي ظنهما حرفي هجا # مستوجب من ذي الحجا كل هجا # هل كافل بالأرض والسماء # يا عمي حرفان من الهجاء # تفهموا يا قوم ما الحرفان # إن نجاة المرء بالعرفان # ما فاعل العالم كالمفعول # كلا، ولا الحامل كالمحمول # والكاف والنون اللذان انتظما # صنع الإله منهما والتحما # وعنهما يأتلف الوجود # لمن هو المشاهد الموجود # أنى يكونان من الموات # وعنهما منابع الحياة # 15 # فقارئ مثل هذه الأبيات من نظم المؤيد يدرك لأول وهلة مقدار تأثرها بالمصطلحات ~~الفاطمية التي لا يعرفها إلا من تعمق في دراسة المذهب الفاطمي، فإن قضية ~~الإبداع، أو الحدود الروحانية والجسمانية عند الفاطميين تكاد أن تكون أدق موضوع ~~عالجه جميع الدعاة والكتاب، فأفردوا لهذا الموضوع كتبا خاصة، وفصولا من كل ~~كتاب من كتب الدعوة، والمؤيد في الدين في هذه الأبيات يشير إلى «الكاف» و«النون» ~~وهما الحرفان اللذان يأتلف منهما لفظ «كن» من قوله تعالى: # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # غير أن الفاطميين قالوا: إن «كن» هي الكلمة التي قامت بها ~~السموات والأرض وما فيهما من خلق، وإن «الكاف» و«النون» ليسا بحرفي هجاء كما يتوهم ~~العامة، بل هما ملكان روحانيان جليلا القدر عظيما الشأن، وقد أقسم الله - سبحانه ~~وتعالى - بهما في قوله: # ن والقلم # والله تعالى ~~لا يقسم إلا بأعز مخلوقاته، «فالكاف» رمز من الله «بالقلم»، و«النون» رمز إلى ~~«اللوح المحفوظ»، ويسمى «القلم» عندهم بالسابق، وهو العقل الكلي عند الفلاسفة، وله ~~كل صفات وخصائص ذلك العقل ms153 كما تحدث عنه الفلاسفة، وهو أول ما أبدعه الله - ~~سبحانه وتعالى - من الحدود الروحانية. ومن علماء المذهب من قال بأن وجود عالم ~~الإبداع ظهر دفعة واحدة عن المبدع الحق تعالى لا من شيء، أي لا من مادة تقدمت ~~عليه، ولا بشيء، أي لا بآلة استعان بها عليه، ولا في شيء أي لا مع غيره يشاكله ~~ويساويه، ولا مثل شيء أي لا مثل معلوم كان له نظير فيه، ولا لشيء أي لا لحاجة في ~~زيادة ولا نقصان في ملكه تعالى ومشيئته، فكان وجود الكل كما رمز به الحكماء ولوح به ~~العلماء عنه تعالى بحرف «الكاف» و«النون» فكان ما كان، # 16 # ولكن أغلب العلماء على أن «القلم» كان أسبق في الوجود من اللوح، ولذلك ~~سمي «القلم» بالسابق، و«اللوح» بالتالي، و«اللوح» هو ما يسمى عند الفلاسفة ~~بالنفس، وجعل الفاطميون لهذا الحد جميع الصفات التي وصف بها الفلاسفة النفس الكلية، ~~ومن «القلم» و«اللوح» وبواسطتهما أوجد الله تعالى جميع المخلوقات في السموات ~~والأرض، فهما كافلا العالم، # 17 # فحديثهم في الإبداع هو صورة لمراتب الفيوضات في الأفلاطونية الحديثة، ~~وإن كان الفاطميون صبغوها بالصبغة الإسلامية، وبتطبيق نظرية المثل والممثول، يكون ~~النبي مثلا «للقلم»، والوصي مثلا «للوح»، وبعد وفاة النبي يصبح الإمام مثلا ~~للقلم والحجة مثلا للوح، وللمثل جميع صفات وخصائص الممثول، فكأن الفاطميين لم ~~يبحثوا مسألة الإبداع إلا لإثبات مكانة الأئمة بين الحدود الجسمانية، ومماثلتهم ~~للحدود الروحانية في العالم العلوي، وإسباغ ألوان التقديس على الأئمة بهذه ~~المماثلة، وعن هذه العقيدة اشتق الفاطميون عقائدهم في صفات الإمام، وظهر أثرها في ~~الشعر الفاطمي. من ذلك ما أنشده المؤيد في الدين في مدح إمامه المستنصر: # قد خلقتم من طينة وخلقنا # نحن منها لكن بدا ترتيب # إن أجسامكم لناشئة الطين # الذي منه شق منا القلوب # 18 # فهو يمدح إمامه بأن جسم الإمام عقل كله؛ ذلك أن جسم الإمام خلق من الطينة التي ~~خلقت منها قلوب البشر، أي إن الطينة التي خلق منها جسم الإمام هي نفس الطينة ~~التي خلق منها عقل ms154 البشر، فما هو كثيف عند الإمام هو لطيف عند غيره من عامة ~~الناس، وتأويل ذلك أن عقل الإمام شريف، ويجب أن يكون ما يحل فيه هذا العقل شريفا ~~أيضا، ولكن بما أن الإمام من البشر، وجسمه ترابي كغيره من الآدميين، فجسمه خلق ~~من تراب، ولكنه التراب الذي خلق منه قلب البشر الذي يحله عقول البشر. وفي هذا ~~المعنى يقول المؤيد أيضا: # نعم قد أفاضها في البرايا # فتخلت عن شكرها أنعام # هم نهايات كل من برأ الله # وغايات خلقه والسلام # فإليهم تنمى النفوس إذ را # حت إلى الأرض تنتمي الأجسام # 19 # وقوله أيضا: # مولى مواليه الأعز # كما معاديه الأذل # ذو نسبة بالمصطفى # والمرتضى يسمو ويعلو # بكثيفه ولطيفه # فأساسه نفس وعقل # 20 # وهذا المعنى كثير جدا في شعر المؤيد، نراه في أكثر قصائده التي في ~~الديوان. # هناك عقيدة أخرى رددها المؤيد في شعره، فهو يقول مثلا: # سلام على العترة الطاهرة # وأهلا بأنوارها الزاهرة # سلام بديا على آدم # أبي الخلق باديه والحاضرة # سلام على من بطوفانه # أديرت على من بغى الدائرة # سلام على من أتاه السلام # غداة أحفت به النائرة # سلام على قاهر بالعصا # عصاة فراعنة جائرة # سلام على الروح عيسى الذي # بمبعثه شرفت ناصرة # سلام على المصطفى أحمد # ولي الشفاعة في الآخرة # سلام على المرتضى حيدر # وأبنائه الأنجم الزاهرة # سلام عليك فمحصولهم # لديك أيا صاحب القاهرة # بنفسي مستنصرا بالإله # جنود السماء له ناصرة # شهدت بأنك وجه الإله # وجوه الموالي به ناضرة # وأنك صاحب عين الحياة # وعين خصومهم غائرة # بحار الندى كفه والعلوم # مدى الدهر في قرن زاخرة # لإحياء أرواحنا الباقيات # وإنشاء أجسامنا البائرة # 21 # فالشاعر هنا يسلم على جميع الأنبياء، وعلى الوصي علي بن أبي طالب والأئمة من ~~ذريته، ولكنه ذهب إلى أبعد من التسليم فقال: «فمحصولهم لديك أيا صاحب القاهرة»، ~~وصاحب القاهرة في عصره هو الإمام المستنصر بالله، فهل معنى ذلك أنه جعل الأئمة في ~~منزلة الأنبياء؟ تقول عقيدة الفاطميين إن النبي محمدا جمع أدوار كل الأنبياء ~~والمرسلين الذين جاءوا قبله، ms155 أي إنه في دوره مثل آدم في دوره، فهو آدم على هذا ~~النحو، وهو إبراهيم في دوره ... وهكذا، فكأنه بذلك جمع أدوار جميع الأنبياء، بل قال ~~الفاطميون إن دور النبي محمد يشبه أدوار الأنبياء السابقين، وما حدث للأنبياء ~~وأوصيائهم وأئمة دورهم يحدث أيضا لمحمد ووصيه وأئمة دوره، فالأدوار واحدة، ولكنها ~~تتخذ أشكالا مختلفة، ولما كان الإمام يقوم مقام النبي فهو مجمع الأدوار أيضا على ~~هذه الصورة، فالمستنصر هو آدم وهو إبراهيم وهو نوح ... إلى آخر الأنبياء، فالنور ~~الذي تنقل بين الأنبياء حل في إمام الزمان، ليس معنى ذلك أن الأئمة كانوا ~~بمنزلة الأنبياء؛ فقد ذكرنا أن لهم نفس صفات الأنبياء إلا صفة النبوة والرسالة، ~~وهكذا نستطيع أن نفسر قصيدة المؤيد السابقة. ومن الطريف أن المؤيد نفسه في قصيدة ~~أخرى قارن بين الإمام وبين بعض الأنبياء، فقال في مقارنة المستنصر بنبي الله عيسى ~~بن مريم: # وصديق مثل العدو مداج # لا أراه إلا عدوا مضلا # جاءني حائرا فقال بجهل # ما أرى للمسيح في الناس شكلا # إن عيسى قد كلم الله في المهد # صبيا وكلم الناس كهلا # قلت: هذا مولى الأنام معد # قد حوى الملك والإمامة طفلا # قال: عيسى أحيا الموات جهارا # قلت: مهلا يا ناقص الفهم مهلا # إن هذا مولى الأنام معد # هو يحيي بالعلم من مات جهلا # قال: عيسى أبرأ العمى، قلت: مولا # ي معد يجلو العمى إن تجلى # قال: حسبي أجبتني بجواب # باطني بينت لي فيه عقلا # ثم ولى عني مقرا بفضل # لإمام الهدى ورحت مدلا # 22 # وقس على ذلك مقارناته لباقي الأنبياء، فهو يتحايل على المعاني حتى يأتي منها ~~بما يلائم مقابلة أدوار الأئمة بأدوار الأنبياء، وتكاد قصص الأنبياء التي وردت في ~~القرآن الكريم أن تئول على هذا النحو الذي رأيناه في هذه القصيدة، ويستمر المؤيد ~~في كل قصائده يمدح الإمام بمعان باطنية هي من تأثير العقيدة في نفسه وفي ~~شعره. # ويخيل إلي أن العقائد أثرت أيضا في جميع الشعراء الذين ظهروا في بلاط ~~الأئمة في عهد ضعف الأئمة، ms156 وسطوة الوزراء، وفي عهد انتقال مركز الدعوة إلى اليمن، ~~ودخول الأئمة في دور الستر الثاني، وقد ذكرنا أن الحافظ والظافر والفائز والعاضد ~~آخر ملوك الفاطميين كانوا يحكمون نيابة عن الإمام المستتر ولم يكونوا أئمة، ولكن ~~شعراء مصر أبوا إلا أن يغدقوا صفات الأئمة على هؤلاء النواب، بل من الشعراء من ~~لقب هؤلاء الملوك بالأئمة، فالشاعر الشريف أبو الحسن علي بن محمد الأخفش شاعر ~~الآمر والحافظ مدح الحافظ بقوله: # صرف جريال يرى تحريمها # من يرى الحافظ فردا صمدا # بشر في العين إلا أنه # من طريق العقل نور وهدى # جل أن تدركه أعيننا # وتعالى أن نراه جسدا # فهو في التسبيح زلفى راكع # سمع الله به من حمدا # تدرك الأفكار فيه بانيا # كاد من إجلاله أن يعبدا # 23 # فالشاعر هنا مدح الحافظ بهذه الصفات الباطنية التي هي من صفات الأئمة، ولكن ~~الحافظ كان ينوب عن الإمام المستتر فطبق الشاعر صفات الإمام على نائبه، فالإمام ~~عن طريق العقل، أي عن طريق علم الباطن، هو نور أي إنه عقل كله، والعقل الأول لا ~~يدرك بالأبصار، فهو يتعالى أن يحد بحدود ذلك الجسد، أما قوله: «فهو في التسبيح ~~زلفى راكع» فتأويل الركوع - كما يحدثنا القاضي النعمان في كتابه تأويل دعائم ~~الإسلام - هو طاعة الإمام، والإقرار بحدود الدين الروحانيين والجسمانيين، والتسبيح ~~في الركوع تأويله البراءة والتنزيه لله تعالى أن يقاس أو يشبه به أحد من حدوده أو ~~من خلقه، # 24 # وتأويل «سمع الله به من حمدا» أن كل من صار إلى الدعوة وجب عليه حمد ~~الله على ما أصاره من فضله إليه، وأطلعه من أمر أوليائه عليه، فيأمر الداعي بذلك ~~من دعاه، ويخبرهم أن الله تعالى يسمع حمدهم، ويطلع على اعتقادهم في ذلك، فإن كانوا ~~قبلوه حق القبول، واغتطبوا به كما يجب، وحمدوا الله على ما هداهم إليه منه فيحمد ~~الله كما أمرهم، # 25 # أما البيت الأخير فالشاعر يشير إلى أن الإنسان إذا فكر في أمر ~~الإمام، وأن الإمام مثل للعقل الأول، وما يوصف به هذا العقل، ms157 فيكاد المفكر من ~~إجلاله للعقل أن يعبده وأن يعبد مثله، وهذا البيت الأخير يشبه قول المؤيد في مدح ~~المستنصر: # لست دون المسيح سماه ربا # أهل شرك ولا نسميك ربا # وهو مثل قول الشريف بن أنس الدولة في مدح الحافظ، وقد صعد المنبر يوم ~~العيد: # خشوعا فإن الله هذا مقامه # وهمسا فهذا وجهه وكلامه # وهذا الذي في كل وقت بروزه # تحياته من ربنا وسلامه # 26 # فهذا المعنى الذي ورد في جميع هذه الأبيات هو من المعاني الباطنية، وكلها تخضع في ~~التفسير لنظرية المثل والممثول أيضا. فالإمام مثل العقل الأول فهو أشرف من جميع ~~المخلوقات، وإنه هو المقصود بوجه الله ويد الله وجنب الله التي وردت في القرآن ~~الكريم، ثم انظر إلى قول الشاعر: # هذا أمير المؤمنين بمجلس # أبصرت فيه الوحي والتنزيلا # وإذا تمثل راكبا في موكب # عاينت تحت ركابه جبريلا # 27 ~~«فمجلس الوحي والتنزيل» هو مجلس النبي # صلى الله عليه وسلم # الذي يقوم الإمام مقامه، أما ~~قوله: «عاينت تحت ركابه جبريل» فتأويل الملائكة في عقيدة الفاطميين هم الدعاة، فكأن ~~الشاعر يقول: إن الإمام إذا سار في موكبه سار تحت ركابه الدعاة الذين يدعون له ~~ولمذهبه. # وكان الوزير الملك الصالح طلائع بن رزيك من الشعراء الذين اتخذوا الشعر وسيلة ~~لنشر عقائد مذهبه، ولتهجين مذاهب أضداده، فمن ذلك قوله: # يا أمة سلكت ضلالا بينا # حتى استوى إقرارها وجحودها # ملتم إلى أن المعاصي لم يكن # إلا بتقدير الإله وجودها # لو صح ذا كان الإله بزعمكم # منع الشريعة أن تقام حدودها # حاشا وكلا أن يكون إلهنا # ينهى عن الفحشاء ثم يريدها # 28 # فهو هنا يشير إلى تلك المسألة التي شغلت أذهان المسلمين، وأثارها المعتزلة ردحا ~~طويلا من الزمان، وأثارت مجادلات بين علماء المسلمين، وهي مسألة الجبر والاختيار. ~~فجمهور أهل السنة على أن الإنسان مجبر، والمعتزلة تذهب إلى أن الإنسان مخير، ~~ولكن الفاطميين كانوا يذهبون مذهبا وسطا، فالإنسان مجبر في أمور، ومخير في ~~أمور، فهو ولد من غير اختيار بل هو مجبر، وتصيبه بعض الأحداث في ms158 حياته قضاء ~~وقدرا، ويموت بغير اختيار، أما أفعاله فهو مخير فيها. # ولم يكن شعراء مصر الذين مدحوا الأئمة والوزراء هم الذين ألموا في أشعارهم بعقائد ~~الفاطميين وتأثروا بها هذا التأثر الذي رأينا بعض نماذجه؛ إذ المفروض أن جميع ~~الشعراء الذين اتصلوا ببلاط الفاطميين كانوا يتمذهبون بمذهب الأئمة، ولكننا نرى ~~الشعراء الوافدين على مصر في ذلك العصر كانوا يحاولون أن يتخذوا العقائد الفاطمية ~~وسيلة للوصول إلى مدح الأئمة، وأن يزينوا شعرهم بهذه العقائد للتقرب إلى ~~الأمراء والوزراء والأئمة، وأكثر الشعراء الذين وفدوا على مصر لم يكونوا فاطميي ~~المذهب، ولكنهم اضطروا إلى أن يمدحوا الأئمة بالمعاني الباطنية على نحو ما كان ~~يفعله شعراء مصر. ويحدثنا ياقوت أن الحسين بن عبد الله الشاعر المعروف بأبي حصينة ~~المعري، المتوفي سنة 457ه، أوفد إلى المستنصر بالله، وأنه مدح المستنصر بقصيدة ~~منها: # ظهر الهدى وتجمل الإسلام # وابن الرسول خليفة وإمام # مستنصر بالله ليس يفوته # طلب ولا يعتاص عنه مرام # حاط العباد وبات يسهر عينه # وعيون سكان البلاد تنام # قصر الإمام أبي تميم كعبة # ويمينه ركن لها ومقام # لولا بنو الزهراء ما عرف التقى # فينا ولا تبع الهدى الأقوام # يا آل أحمد ثبتت أقدامكم # وتزلزلت بعداكم الأقدام # لستم وغيركم سواء، أنتم # للدين أرواح وهم أجسام # يا آل طه حبكم وولاؤكم # فرض وإن عذل اللحاة ولاموا # 29 # فالشاعر على الرغم من أنه من معرة النعمان يمدح إمام مصر الفاطمي بهذه الصفات ~~الباطنية التي تجد حظا من القبول إذا مدح بها الإمام، فقصر الإمام كعبة والركن ~~والمقام في التأويل الباطن مثل على الإمام، ولولا الأئمة ما عرفت حقيقة الدين، ~~والأئمة عقول والناس أجسام، والولاء للأئمة فرض من الله. فهذه كلها من عقائد ~~الفاطميين، واضطر الشاعر أن يزج بها في مدحه للإمام الفاطمي، ولهذا الشاعر قصيدة ~~أخرى في مدح المستنصر أيضا منها قوله: # أما الإمام فقد وفى بمقالة # صلى الإله على الإمام وآله # لذنا بجانبه فعم بفضله # وببذله وبصفوه وجماله # لا خلق أكرم من معد، شيمة # محمودة في قوله وفعاله ms159 # فاقصد أمير المؤمنين فما ترى # بؤسا وأنت مظلل بظلاله # زاد الإمام على البحور بفضله # وعلى البدور بحسنه وجماله # وعلى سرير الملك من آل الهدى # من لا تمر الفاحشات بباله # النصر والتأييد في أعلامه # ومكارم الأخلاق في سرباله # مستنصر بالله ضاق زمانه # عن شبهه ونظيره ومثاله # 30 # فالشاعر في هذه القصيدة مدح الإمام بالمعاني التي اعتاد الشعراء أن يمدحوا بها ~~الملوك، ولكنه ألم فيها أيضا بالمعاني الباطنية التي تميز مصر الفاطمية عن ~~غيرها من الدول، وتميز شعر مصر الفاطمية عن باقي الشعر العربي؛ فالصلاة على ~~الإمام وآله، وأن الإمام من نسل الرسول، وأن لا شبيه للإمام ولا مثيل، كل هذه من ~~العقائد التي كان يبثها الدعاة بين الناس. # ولعل الشاعر عمارة اليمني أصدق مثال لهؤلاء الشعراء السنيين الوافدين على مصر، ~~والذين ألموا في شعرهم بالعقائد الفاطمية، ففي أول قصيدة أنشدها في مصر قال في ~~مدح الخليفة الفائز، ووزيره الملك الصالح بن رزيك تلك القصيدة التي مطلعها: # الحمد للعيس بعد العزم والهمم # حمدا يقوم بما أولت من النعم # وفيها يقول: # لا أجحد الحق، عندي للركاب يد # تمنت اللجم فيها رتبة الخطم # قربن بعد مزار العز من نظري # حتى رأيت إمام العصر من أمم # ورحن من كعبة البطحاء والحرم # وفدا إلى كعبة المعروف والكرم # فهل درى البيت أني بعد فرقته # ما سرت من حرم إلا إلى حرم # حيث الخلافة مضروب سرادقها # بين النقيضين من عفو ومن نقم # وللإمامة أنوار مقدسة # تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم # وللنبوة آيات تنص لنا # على الخفيين من حكم ومن حكم # 31 # ويستمر عمارة في مدح الفائز، ثم ينتقل إلى مدح وزيره الملك الصالح بن رزيك، ولكن ~~الشاعر كان بعيدا عن مركز الخلافة فلم يستطع أن يعرف شيئا كثيرا من عقائد ~~الفاطميين، ولذلك لم يتحدث عن المعاني الباطنية إلا بقدر يسير، ولا سيما في البيت ~~الأخير من هذه المقطوعة، على أن الشاعر بعد أن استقر بمصر، واتصل بالبيئة المصرية ~~حوله، وسمع جدل العلماء ومناقشاتهم في مجالس الملك الصالح، ms160 وعرف شطرا من العقائد ~~الفاطمية، تأثر بهذه العقائد في شعره، وإن كان لم يعتنق دعوتهم، بل ظل على ~~عقيدة الشافعية، فهو يقول في مدح العاضد: # وعليك من شيم النبي وحيدر # للناظرين أدلة وشهود # والوحي ينطق عن لسانك بالذي # من دونه يصدع الجلمود # شخصت إليك نواظر الأمم التي # ملكتهم لك بيعة وعهود # يوم جلت فيه الإمامة عزها # ولها الملائكة الكرام جنود # 32 # في هذه الأبيات يظهر تأثير البيئة الفاطمية في شعر مارة، فالشاعر هنا متأثر ~~بالعقائد، حتى يخيل إلينا أنه أصح على دينهم وعقيدتهم، فالوحي - وهو في ~~التأويل داعي الدعاة - ينطق عن لسان الإمام بالحجج الدامغة، والبراهين القوية التي ~~لا تقف أمامها حجج أو براهين، والبيعة في عنق جميع الذين عاهدوا الإمام، والملائكة ~~وهم الدعاة جنود الإمام. ومرة أخرى يمدح العاضد بقوله: # لا يبلغ البلغاء وصف مناقب # أثنى على إحسانها التنزيل # شيم لكم غر أتى بمديحها ال # فرقان والتوراة والإنجيل # سير نسخناها من السور التي # ما شأنها نسج ولا تبديل # قامت خواطرنا بخدمة نظمها # فيكم، وقام بنثرها جبريل # شرف تبيت به قريش كلها # عولا لكم وعليكم التعويل # إن الرسول أبوكم من دونها # فمن الذي منها أبوه رسول # ولقد ورثت مقام قوم يستوي # منهم شباب في العلا وكهول # وجمعت شمل خلافة لم يختلف # في فضلها المعقول والمنقول # لما برزت إلى المصلى معلنا # وشعارك التكبير والتهليل # وخطبت فيه المؤمنين خطابة # ذابت عيون عندها وعقول # وسللت عرب فصاحة نبوية # شهدت بأنك للنبي سليل # 33 # فهو هنا يمدح العاضد بأن في سور للقرآن والتوراة والإنجيل آيات في شأن الأئمة، ~~وهذا من أقوال الفاطميين في أئمتهم حتى قال شاعرهم المؤيد في الدين: # لهم معاني الزبر # وفضل آي الزمر # 34 # وقال عمارة أيضا في هذا المعنى نفسه: # يا خير من نظم المديح لمجده # وتنزلت سور الكتاب بحمده # 35 # وانظر إليه وهو يقول في مدح العاضد أيضا: # ولاؤك دين في الرقاب ودين # وودك حصن في المعاد حصين # وحبك مفروض على كل مسلم # يقول بحب المصطفى ويدين # 36 # ولعل ms161 الأبيات التي أنشدها في رثاء الملك الصالح بن رزيك تدل دلالة واضحة على مدى ~~تأثر عمارة بالعقائد، وبتأويل الفاطميين، فهو يقول مثلا: # لا تعجبن لقدار ناقة صالح # فلكل عصر صالح وقدار # أحللت دار كرامة لا تنقضي # أبدا وحل بقاتليك بوار # 37 # فناقة صالح التي ذكرت في القرآن تئول على حجة صالح، وكذلك كان الوزير ابن رزيك ~~حجة الخليفة الفائز، ويتحدث عمارة عن الأدوار، فلكل عصر «صالح» من نبي أو إمام، ~~ولكل عصر «ناقة صالح» أي حجة للإمام، فهذا المعنى لا يأتي به إلا من عرف دقائق ~~الدعوة وأسرارها، وكان عمارة يجالس الدعاة والعلماء فعرف الكثير من أسرارهم، فجرى ~~لسانه به. وفي البيت الثاني يتحدث الشاعر أيضا عن عقيدة الفاطميين في خلود النفس ~~بعد الموت، وعودتها إلى العالم الروحاني، فإن كانت نفسا شريفة بأن كانت نفس حد من ~~حدود الدين الجسمانية عادت إلى عالم الحدود الروحانية، وتأخذ مرتبتها بين الحدود ~~الروحانية كما كانت مرتبتها بين الحدود الجسمانية. # وفي مديحه للصالح قال: # كاف هو الباب الذي من لم يصل # منه فليس له إليك وصول # إشارة إلى أن داعي الدعاة هو باب الأبواب، وهو الذي يشير فيه إلى الحديث النبوي: ~~«أنا مدينة العلم وعلي بابها.» فالإمام في عصره يماثل النبي في عصره، وداعي ~~الدعاة هو الباب أيضا، وقد ذكرنا أن الملك الصالح بن رزيك أنشد يدعو عمارة إلى ~~دخول المذهب، واستعمل الصالح هذا المصطلح أيضا: # قل للفقيه عمارة يا خير من # أضحى يؤلف خطبة وخطابا # اقبل نصيحة من دعاك إلى الهدى # قل «حطة» وادخل إلينا «البابا» # تلق الأئمة شافعين ولا تجد # إلا لدينا سنة وكتابا # 38 # وفي قضية أول رمضان، حدث أن غم الهلال، ولم يظهر بين الضباب، فلم يره الناس رؤية ~~بصر، ولكن المصريين صاموا على حسب رؤية الاستبصار والعلم بدورة الفلك، وظهر العاضد ~~ووزيره شاور بين الناس، فقال عمارة في ذلك: # ولما تراءت للهلال بصائر # يغطي الهوى أبصارها بضباب # وقفنا فهنأنا الصيام بعاضد # سناه مدى الأيام ليس بخاب # 39 # فرؤية رمضان ms162 التي نحتفل بها اليوم هي من فكرة ظهور الإمام الفاطمي معلنا صوم ~~رمضان. # وبعد القضاء على الدولة الفاطمية وموت العاضد، اتفق أن اجتمع الشاعر يحيى أبو ~~سالم بن الأحدب بن أبي حصينة، والشاعر عمارة اليمني في قصر اللؤلؤة، فأنشد أبو سالم ~~في نجم الدين أيوب: # يا مالك الأرض لا أرضى له طرفا # منها، وما كان منها لم يكن طرفا # قد عجل الله هذي الدار تسكنها # وقد أعد لك الجنات والغرفا # تشرفت بك عمن كان يسكنها # فالبس بها العز، ولتلبس بك الشرفا # كانوا بها صدفا والدار لؤلؤة # وأنت لؤلؤة صارت لها صدفا # فأجابه عمارة: # أثمت يا من هجا السادات والخلفا # وقلت ما قلته في ثلبهم سخفا # جعلتهم صدفا حلوا بلؤلؤة # والعرف ما زال سكنى اللؤلؤ الصدفا # وإنما هي دار حل جوهرهم # فيها، وشف فأسناها الذي وصفا # فقال لؤلؤة عجبا ببهجتها # وكونها حوت الأشراف والشرفا # فهم بسكناهم الآيات إذ سكنوا # فيها، ومن قبلها قد أسكنوا الصحفا # والجوهر الفرد نور ليس يعرفه # من البرية إلا كل من عرفا # لولا تجسمهم فيه لكان على # ضعف البصائر للأبصار مختطفا # فالكلب يا كلب أسنى منك مكرمة # لأن فيه حفاظا دائما ووفا # 40 # فانظر إلى قول عمارة: إن جوهرهم هو الذي حل بهذه الدار، وإن الآيات سكنتها ~~وكانت تسكن الصحف، وحديثه عن الجوهر الفرد الذي هو نور تجسم في الأئمة. # أليس ذلك كله من الأدلة التي نسوقها على تأثر عمارة بالعقائد الفاطمية على ~~الرغم من تمسكه بمذهبه السني الشافعي؟ # من ذلك كله نستطيع أن ندرك كيف استطاع الفاطميون أن يتخذوا من الشعراء ألسنة لهم ~~في نشر عقائدهم التي أذاعوها بين هؤلاء الشعراء، وكيف استغل الشعراء علم الباطن، ~~وخاصة ما خلعه علماء المذهب على الأئمة من صفات باطنية، وكيف كان الشعراء يمدحون ~~الأئمة والدعاة بهذه الصفات حتى يتقربوا إليهم، وينالوا من هباتهم وعطاياهم. ~~ويقول القلقشندي: كان الشعراء جماعة كثيرة من أهل ديوان الإنشاء وغيره، وكان منهم ~~أهل سنة لا يغلون في المديح، وشيعة يغلون فيه. # 41 # فكأن القلقشندي ms163 كان يرى أن جميع الشعراء الذين مدحوا الأئمة قد ~~ألموا في شعرهم بالعقائد الفاطمية، ولكن بعضهم كان يسرف في ذلك، وبعضهم كان ~~يقتصد. # وها هو ذا الكاتب ولي الدولة أحمد بن علي بن خيران صاحب ديوان الإنشاء في عهد ~~الظاهر والمستنصر، ينشد شعرا يدل على أنه كان يتشيع، ولكنه كان يعارض الفاطميين ~~في أمور، فهو يقول: # أنا شيعي لآل المصطفى # غير أني لا أرى سب السلف # أقصد الإجماع في الدين ومن # قصد الإجماع لم يخش التلف # لي بنفسي شغل عن كل من # للهوى قرظ قوما أو قذف # 42 # ومهما يكن من شيء فقد كان تأثير العقائد في الشعر الفاطمي، ولا سيما شعر المدح ~~الذي قيل في الأئمة، واضحا جليا نراه في هذه النماذج من الشعر التي قدمناها، كما ~~كان الشعراء من ألسنة الدعوة الدينية، فقد سار شعرهم في البلاد ورواه الناس، ~~واستغله الدعاة في نشر المذهب، وفي عصرنا الحديث لا تزال بعض قصائد المؤيد في الدين ~~تردد في المساجد، فطائفة البهرة في الهند تردد إلى الآن قصيدة المؤيد التي ~~مطلعها: # سلام على العترة الطاهرة # وأهلا بأنوارها الزاهرة # 43 # عقب صلاة الفجر كل يوم، ويرتلون قول المؤيد: # أبا حسن يا نظير النذير # ولولا وجودك فات النظير # 44 # عقب صلاة التهجد كل يوم، وينشدون قصيدته التي مطلعها: # إلهي دعوتك سرا وجهرا # أيا مالك الملك خلقا وأمرا # 45 # عقب صلاة النوافل في رمضان، ولا سيما في ذكرى مقتل علي، ويرددون قول المؤيد ~~أيضا: # هلال بدا من خلال الدجنة # إمام زمان من النار جنة # 46 # في أول كل شهر عربي. وهكذا يترنم طائفة البهرة بأشعار المؤيد شاعر المستنصر ~~الفاطمي وداعي دعاته، على نحو ما يفعله الصوفية في ترتيل الأوراد. # على أن الشعر الذي يلم بالعقائد هو في أكثره شعر صنعة، والشاعر كان يجهد نفسه في ~~أن يأتي في شعره ببعض العقائد، وأن يلائم بين هذه العقائد والألفاظ التي يختارها ~~لشعره، ثم يوفق بين هذا كله وبين ضرورات الشعر، ذلك كله يدلنا على أن الشاعر ms164 كان ~~يصنع شعره، وكان ينفق جهدا كبيرا في إنشاد الشعر؛ ولذلك نرى شعر العقائد أقرب إلى ~~النظم منه إلى الشعر الجيد الجزل، ولا غرابة إذا رأينا في القصيدة الواحدة للشاعر ~~الواحد لونين من الشعر؛ فالمقدمة التي كان يجعلها الشاعر لقصيدته لون، والأبيات ~~التي بها العقائد لون آخر، يظهر في المقدمة فن الشاعر وطبيعته، وتظهر في الأبيات ~~التي بها العقائد صناعة الشاعر وتلاعبه، وقل أن تجد شاعرا استطاع أن يوفق بين ~~طبيعته وعقله، أو بين فنه وعلمه. ومع ذلك كله فإن هذا اللون من الشعر الذي كثر في ~~العصر الفاطمي، ظهر مرة أخرى في شيء من القوة في شعر الصوفية، وهو الشعر الذي كاد ~~يكون الشعر الرمزي في الأدب العربي - وسنرى ذلك في حديثنا عن شعر الصوفية في العصور ~~التي تلت عصر الفاطميين - ويكفي أن أقول الآن: إن شعر الصوفية هو تطور شعر العقائد ~~الفاطمية، وكذلك تأويلات الصوفية هي تطور لتأويل الباطن عند الإسماعيلية. # وأكثر الشعر الذي يتأثر بالعقائد كان في مدح الأئمة الفاطميين، على أن هناك ~~شعراء مدحوا الأئمة، ولم يقربوا العقائد من قريب أو من بعيد، بل كان شعرهم في المدح ~~صورة أخرى للمدح عند غيرهم من الشعراء، ولغير الفاطميين من الأمراء، فوصف بالجمال ~~والكرم والشجاعة والسؤدد إلى غير ذلك من الصفات التي جعلها الشعراء للممدوحين، فمن ~~ذلك قول الشاعر أبي الرقعمق في العزيز: # حي الخيام فإني # مغرى بأهل الخيام # بالراميات فؤادي # بصائبات السهام # لا عذب الله قلبي # إلا بطول الغرام # سقيا لدهر تولى # بشرتي وغرامي # كأنما ذلك العي # ش كان في الأحلام # لم يبق من ترتجيه # لحادث الأيام # إلا ابن أحمد ذو الطو # ل والأيادي الجسام # كفاه أغدق جودا # من واكفات الغمام # يلقى العفاة بوجه # مستبشر بسام # معظما ترتجيه # للنائبات العظام # يرمي الخطوب برأي # أمضى من الصمصام # قرم له عزمات # تفل حد الحسام # 47 # ففي هذه الأبيات لا تجد معنى باطنيا في حاجة إلى تأويل، ولا تجد مدحا في ~~الإمام الفاطمي يختلف عن المدائح التي تقال لغير الفاطميين، ms165 فكل الممدوحين عند ~~الشعراء يوصفون بالجود والشجاعة وأصالة الرأي إلى غير ذلك من الصفات التي اعتاد ~~الشعراء أن يذكروها، وأن يصفوا بها الرجل اليوم، وغدا يصفون عدوه بالصفات ~~نفسها. # وفي قصيدة أخرى مدح أبو الرقعمق الإمام العزيز، ولم يذكر شيئا في حاجة إلى تأويل ~~باطني، فقد قال: # سيد شادت علاه له # في العلا آباؤه النجب # وله بيت يمد له # فوق مجرى الأنجم الطنب # حسبه بالمصطفى شرفا # وعلي حين ينتسب # رتبة في العز شامخة # قصرت عن مثلها الرتب # 48 # فكل هذه المعاني ليست باطنية، والشاعر قد ثبت نسب الإمام إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وعلي بن أبي طالب، وهذه المعاني تصلح أن يمدح بها كل شريف علوي. # ومن الغريب أن نرى أكثر مدائح الأمير تميم في أخيه الإمام العزيز بالله هي هذه ~~المدائح المكررة المألوفة، فهو يقول مثلا يهنئه بالعيد: # للعيد في كل عام # يوم يعيد سناه # وأنت في كل يوم # عيد يلوح علاه # ونعمة وسعود # للمعتفين وجاه # يا من تصل المعالي # إليه حين تراه # ومن يبر اليتامى # من كل خلق سواه # لو كان للفضل يوما # مني لكنت مناه # لأن منك استعار الز # مان حسن حلاه # فأنت شمس ضحاه # وأنت بدر دجاه # كفاك في كل سلم # سحاب صوب نداه # وحسن رأيك في الحر # ب سيفه وقناه # فأنت يمنى يديه # وأنت أمضى ظباه # فاسلم لسعدك يا من # يديم نحس عداه # 49 # فالأمير تميم يهنئ أخاه بيوم من أيام الأعياد الدينية، ولكنه مع ذلك كله لم ~~يأت بمعنى واحد من المعاني الدينية التي كان الشعراء يقصدون إليها في مدح ~~الفاطميين، ولو شاء الأمير تميم أن يأتي بالمعاني الباطنية في شعره لأتى بما يعجز ~~عنه غيره من الشعراء؛ لأنه أقدر على معرفة أسرار العقائد الفاطمية، فهو ابن إمام ~~وأخو إمام، بل كانت الإمامة ستئول إليه بعد أبيه، ومع ذلك كله فالشاعر هنا كان ~~شاعرا فحسب، أراد أن يمدح الإمام فمدحه بهذه المعاني المألوفة. وفي قصيدة أخرى ~~يقول تميم في مدح العزيز: # رأيت معدا ms166 كالحسين وإنما # تطول على المولود إن أنجب الجد # تعرب فهما مثلما ذاب رقة # وظرفا فما في وصف كنه له حد # به يشتفي السمع الأصم بلفظه # وتشفى برؤيا وجهه الأعين الرمد # كأن ضياء الشمس رداء نوره # وأهدى إليه قلبه الأسد الورد # وليس يبالي أن يروح ويغتدي # من المال صفرا حين يصبو له المجد # كأنك لا ترضى لنفسك خلة # إذا لم يكن في كل كف لها رفد # ولست تبالي أن تروح بعيشة # تضيق إذا كانت علاك هي الرغد # ولولا احتمال النفس كل مشقة # إذن لتساوى في العلا الحر والعبد # حجبت سنى شعري زمانا ولم يزل # لدي مصونا لا يبين ولا يبدو # ونزهته دهرا فلما هززتني # هززت حساما ليس ينبو له حد # كذا السيف لا تستخبر العين عنفه # إذا لم تفارقه الحمائل والغمد # فسار بمدحي فيك كل مهجر # وغنى به في السهل والوعر من يحدو # وصاغت له علياك حسنا وزينة # وصيغ لها من حلى ألفاظه برد # وليس لكل الناس يستحسن الثنا # كما ليس في كل الطلى يحسن العقد # وكم لك عندي من يد وصنيعة # أقر بها مني لك اللحم والجلد # فلا يعجب الحساد لي أن وددتني # فحق لمثلي من مثالك ذا الود # رأيتك يفني العذر حقدك كله # فترضى ولا يفني مواهبك القصد # ولا توعد الجاني إذا زل بل له # إذا اعتذر المعروف عندك والوعد # وتجحد ما تولي يداك من الندى # وإن كان عند المجتدى للندى جحد # ولو كفر العافون نعماك لم يكن # لطبعك منك الآن عن كرم رد # وتهتز للمدح اهتزاز مهند # تناوله يوم الوغى بطل نجد # عليك صلاة الله ما لاح بارق # وما حن مشتاق تداوله الفقد # 50 # وهكذا يمضي الأمير تميم في مديحه للإمام، فقل أن نجد الشاعر يصف أخاه بمصطلحات ~~الفاطميين، حتى يخيل إلي أن الشاعر المؤيد في الدين الذي جاء بعد تميم بزهاء ~~قرن من الزمان، لم يعجبه أن تكون مدائح تميم مثل مدائح غيره من الشعراء، فوضع ~~المؤيد قصيدته التي مطلعها: # هلال بدا من خلال الدجنة # إمام زمان ms167 من النار جنة # وجعل هذه القصيدة جوابا لقصيدة تميم بن المعز التي مطلعها: # أسرب مها عن أم سرب جنة # حكيتهن ولستن هنة # وفي قصيدة المؤيد يعرض بتميم بقوله: # سينعت فضلك مني اللسان # إذا نعت الغير توريد وجنة # وغير مديحك لهو الحديث # ومدحك دين وفضل وفطنة # فخذها جوابا لنجل المعز ~~«أسرب مها عن أم سرب جنة» # فكأن المؤيد ذهب إلى أن مديح تميم لا يليق بالإمام؛ لأن الأمير تميما مدح ~~إمامه بالطريقة التي كان يمدح بها القدماء في الابتداء بالغزل، ونعت الممدوح ~~بالجمال وورد وجنتيه إلى غير ذلك من الصفات، على حين أن المديح عند المؤيد هو من ~~صميم الدين. # وأنشد علي بن منصور المعروف بابن القارح قصيدة على وزن منهوكة أبي نواس، يمدح ~~فيها الحاكم بأمر الله، منها قوله: # إن الزمان قد نضر # بالحاكم الملك الأغر # في كفه عضب ذكر # فقد عدا على القصر # من غره على الغرر # يمضي كما يمضي القدر # في سرعة الطرف نظر # أو السحاب المنهمر # بادر إنفاق البدر # بدر إذا لاح بهر # 51 # وقال محمد بن القاسم عاصم المعروف بصناجة الدوح في مدح الحاكم، وقد حدثت زلزلة في ~~مصر: # بالحاكم العدل أضحى الدين معتليا # نجل العلا وسليل السادة الصلحا # ما زلزلت مصر من كيد يراد بها # وإنما رقصت من عدله فرحا # 52 # فأنت تقرأ هذه القصائد فلا تجد معنى من المعاني الباطنية، ولا تجد أثرا لصفات ~~العقل الأول التي اعتاد شعراء الفاطميين أن يمدحوا بها أئمتهم. # إذا نحن أمام لونين من المديح الذي قيل في الأئمة؛ اللون الأول: هو ذلك الشعر ~~الذي مدح فيه الشعراء الأئمة بصفات هي من خصائص الفاطميين، وفي هذا الشعر يظهر أثر ~~الفاطميين. اللون الثاني من المديح: فهو ذلك المديح الذي اعتاد الشعراء أن ينشدوه ~~في الملوك والأمراء، وهذا اللون لا يظهر فيه إلا فن الشاعر فقط، وقل أن نجد فيه ~~أثرا للبيئة التي تحيط بالشاعر إلا من ناحية واحدة، وهي الظروف التي أنشد فيها هذا ~~الشعر، ولذلك نرى الشعراء الذين وفدوا ms168 على مصر ومدحوا الأئمة الفاطميين ينشدون ~~شعرهم في مصر كما كانوا ينشدونه في أي بلد آخر من البلاد الإسلامية. # وكان الشعراء ينشدون الأئمة مدائحهم في المواسم والأعياد التي كثرت في العصر ~~الفاطمي، وكثيرا ما كانت هذه الأيام، وكثيرا ما كانت المناسبات التي ينشد فيها ~~الشعراء مدائحهم؛ ففي يوم فتح الخليج مثلا كان صاحب الباب يستأذن على حضور الشعراء ~~للخدمة، فيؤمر بتقديمهم واحدا بعد واحد، وكان لهم منازل على مقدار أقدارهم، ~~فالواحد يتقدم الواحد بخطوة في الإنشاد، # 53 # ومما أنشد في هذه المناسبة قول ابن جبر: # فتح الخليج فسال منه الماء # وعلت عليه الراية البيضاء # فصفت موارده لنا فكأنه # كف الإمام فعرفها الإعطاء # 54 # ومن الطريف أن المؤرخين يذكرون أن المصريين بلغوا في ذلك الوقت درجة كبيرة من دقة ~~الحس وتذوق الشعر ونقده، فإنهم لما سمعوا هذه الأبيات انتقدوه في قوله: «فسال منه ~~الماء» وقالوا: أي شيء يخرج من البحر غير الماء؟ وأن الشاعر أضاع ما قاله بعد ذلك ~~المطلع. # وفي هذه المناسبة أيضا أنشد مسعود الدولة، وكان مقدم الشعراء في عصره: # ما زال هذا السد ينظر فتحه # إذن الخليفة بالنوال المرسل # حتى إذا برز الإمام بوجهه # وسطا عليه كل حامل معول # فجرى كأن قد ديف فيه عنبر # يعلوه كافور بطيب المندل # ولكن هذه القصيدة أيضا لم تعجب السامعين؛ إذ انتقدوا عليه أيضا قوله في البيت ~~الثاني وقالوا: «أهلك وجه الإمام بسطوات المعاول عليه؟!» # 55 # وأنشد الشاعر أبو العباس أحمد في مناسبة فتح الخليج قوله: # لمن اجتماع الخلق في ذا المشهد # للنيل أم لك يابن بنت محمد # أم لاجتماعكما معا في موطن # وافيتما فيه لأصدق موعد # ليس اجتماع الخلق إلا للذي # حاز الفضيلة منكما في المولد # شكروا لكل منكما لوفائه # بالسعي لكن ميلهم للأجود # ولمن إذا اعتمد الوفاء ففعله # بالقصد ليس له كمن لم يقصد # هذا يفي ويعود ينقض تارة # وتسد أنت النقص إن لم يزدد # وقواه إن بلغ النهاية قصرت # وإذا بلغت إلى نهاية تبتدي # فالآن قد ضاقت مسالك سعيه ms169 # بالسد فهو به بحال مقيد # فإذا أردت صلاحه فافتح له # ليرى جنابا مخصبا وثرى ندي # وأمر بفصد العرق منه فما شكا # جسم فصح الجسم إن لم يفصد # واسلم إلى أمثال يومك هكذا # في عيش مغبوط وعز مخلد # 56 # فشعر المناسبات كثير جدا في العصر الفاطمي، حتى إن الخليفة الحافظ مل طول الشعر ~~وكثرته، فأمر أن يختصر الشعراء مدائحهم، فلم يعجب ذلك الشعراء، فقال أبو العباس ~~أحمد بن مفرج الشاعر يخاطب الخليفة ويمدحه: # أمرتنا أن نصوغ المدح مختصرا # لم لا أمرت ندى كفيك يختصر # والله لا بد أن تجري سوابقنا # حتى يبين لها في مدحك الأثر # 57 # فكان الشعر ينشد في مواسمهم وأعيادهم وحفلاتهم التي كانت تقام لأي حادثة صغرت أم ~~كبرت، فإذا تم عمل شمسية للبيت الحرام مثلا أنشد الشعراء، من ذلك قول الأمير ~~تميم، وقد تم عمل هذه الشمسية في عهد المعز لدين الله: # إليك مدت رقابها العرب # والملك ماء عليك منسكب # وأنت في دوحة النبوة لا # تألف إلا عداتك الريب # ألست من يرهب الإله ولا # يصده عن حدوده سبب # وكلما قال بدء عزمته # بمذهب لم يخالف العقب # فهكذا يصدع الملوك إذا # صالت، وتنفي الضلالة الشهب # ويزدهي الدين بالمعز لدين الله # والمرهفات واليلب # وكل رحراحة عزائمه دلا # صها، والرماح والقضب # وهذه الدولة التي ذخرت # فلم يسعها الزمان والحقب # يا حبذا دهرك الزلال إذا # أمر دهر، وعصرك الشنب # وحبذا الشمسة التي نصبت # يقصر عنها المديح والخطب # قايست العيد وهي حلته # وأخفت اليوم وهو منتصب # ينهب ياقوتها العيون فما # يكمل الأمر حيث ينتهب # دوائر أحدقت بغرتها # أهلة لا تحفها السحب # كأنما درها وجوهرها # نجوم ليل سماؤها ذهب # نظمتها للهدى ولبته # وإن سخطن الكواعب العرب # في كبد المسجد الحرام بها # شوق، وللبيت نحوها طرب # فلا تمسي بأهله زمن # إلا بما تشتهي وترتقب # عليك صلى الإله ما طلعت # شمس، وما انهل عارض لجب # 58 # فبالرغم من أن المناسبة التي قيلت فيها هذه القصيدة هي مناسبة دينية، وأن الممدوح ~~إمام المذهب، لم يشأ الأمير ms170 تميم أن يلم بشيء من العقائد الفاطمية في هذه القصيدة، ~~ولكنه أنشد الشعر للمناسبة فقط، فإذا تصفحنا ديوان الأمير تميم نجد هذا الشاعر أنشد ~~أكثر قصائده في مدح أبيه المعز أو أخيه العزيز لمناسبات مختلفة، فإذا فصد الإمام ~~مدحه الشاعر، وإذا شكا من مرض مدحه، وإذا سافر مدحه، وإذ أهداه شيئا مدحه، وذلك ~~كله بجانب القصائد التي قيلت بمناسبة الأعياد. # على أن من المصريين من كان ينظر إلى الأئمة الفاطميين بعين الريبة، فلم يستجب ~~لدعوتهم وانتسابهم إلى الرسول الكريم، وظل محافظا على مذهبه معترفا بخلافة ~~العباسيين، وظهر هذا في الشعر المصري، فقد قيل: إن العزيز بالله وجد بطاقة على ~~المنبر فيها: # إنا سمعنا نسبا منكرا # يتلى على المنبر في الجامع # إن كنت فيما تدعي صادقا # فاذكر أبا بعد الأب الرابع # وإن ترد تحقيق ما قلته # فانسب لنا نفسك كالطالع # أو فدع الأنساب مستورة # وادخل بنا في النسب الواسع # فإن أنساب بني هاشم # يقصر عنها طمع الطامع # 59 # وقول الآخر في الحاكم، وقيل بل في العزيز: # بالظلم والجور قد رضينا # وليس بالكفر والحماقة # إن كنت أعطيت علم غيب # فقل لنا كاتب البطاقة # وقد رأينا الشاعر الحسن بن بشر الدمشقي، وقد هجا رجال القصر وعرض بالعزيز بالله، ~~وسنرى كيف كان المصريون يهجون النصارى واليهود ممن كان إليهم بعض الدواوين في ~~العصر الفاطمي، فالفاطميون بالرغم من اتخاذهم الدين وسيلة لتوطيد سلطانهم ونفوذهم ~~وادعائهم العصمة للأئمة، فإن بعض الشعراء لم يأبه بذلك، وعرض بهذه العقائد وسخر ~~بهؤلاء الأئمة. # الأمير تميم بن المعز # والآن نتحدث عن الأمير تميم الشاعر الذي ذكرناه مرارا، وسنذكره مرارا؛ فهو ~~الأمير تميم بن المعز لدين الله الفاطمي، وهو الشاعر الذي يقرن دائما بالشاعر ~~ابن المعتز العباسي، لما بينهما من تشابه، فكلا الشاعرين من بيت خلافة، وكلا ~~الشاعرين من شعراء البديع، وكلاهما ممن أكثر من الوصف والمجون، وكلاهما ~~دافع عن عقيدته وحق ذويه في الخلافة، فهما متشابهان في أمور كثيرة جعلت مؤرخي ~~الأدب العربي يقرنون بينهما دائما. # ولد الأمير تميم بالمغرب، ms171 وفيها نشأ مع إخوته عبد الله ونزار وعقيل، وكان ~~تميم أكبرهم سنا، فلم يشك الناس في أن ولاية العهد ستكون له، ولكن المعز لدين ~~الله صرفها عنه إلى أخيه عبد الله، ولعل السبب الذي من أجله صرف تميم عن إمامة ~~الفاطميين، هو ما عرف عن تميم من مجون وفجور، فكان يشاع عنه وعن سيرته السيئة ~~ما حدا بأمير صقلية أحمد بن الحسن الكلابي أن يستأذن المعز في أن يقتل أحد ~~أبنائه؛ لأنه كان يساير الأمير تميما، ويشاركه في لهوه وفسقه. ويحدثنا صاحب ~~سيرة الأستاذ جوذر أن المعز أرسل إلى أمير صقلية رد خطابه، وفي هذا الخطاب ~~ألم المعز وغضبه لما عرف عن تميم من فسق وفجور. # 60 # ولما فتحت مصر انتقل الأمير تميم إليها مع أبيه وباقي أسرته، وفي ~~مصر توفي عبد الله (ولي العهد)، فجعل المعز ولاية عهده إلى ابنه الثالث نزار ~~الذي لقب بالعزيز، ولعل هذا هو السر فيما نراه من حزن دفين ظهر في شعر ~~الأمير تميم؛ إذ كان يمدح أخاه الصغير العزيز بالله، ولكنه لم يستطع أن يخفي ما ~~في نفسه من آلام وشعور بحنق وغيظ، كان يحاول إظهار تجلده وصبره، ولكن عاطفته ~~في الشعر هي عاطفة القانط الحاقد، فهو يقول مثلا من قصيدة في مدح ~~العزيز: # تهون علي صغار الأمور # ويصغر عني جميع الورى # أنا ابن المعز سليل العلا # وصنو العزيز إمام الهدى # وما احتجت قط إلى ناصر # ولا رحت يوما ضعيف القوى # ولم أستشر في ملم يئوب # مشيرا أرى منه ما لا أرى # ولست بوان إذا ما أمر # زمان، ولا فرح إن حلا # 61 # فهذه الأبيات تظهر فيها قوة الفخر بنفسه، وبنسبته للأئمة الفاطميين، وعدم ~~مبالاته بصروف الدهر، ولكن يستشف منها دخيلة نفس الشاعر، تلك النفس الناقمة ~~الحاقدة، ويقول يفتخر أيضا: # ليس من ساد عن ورانة جد # أو لحظ من الحظوظ مباح # يستحق الثنا ويستوجب الشك # ر ويحوي مدائح المداح # إنما السيد المعلى المفدى # من علا للعلا صدور الرماح # ورمى ليل كل خطب بهيم ms172 # بذكاء أضوا من المصباح # واقتنى العز بالظبا والعوالي # واشترى الحمد بالثنا والسماح # فكذا تنتمي المكارم والمج # د ويستبعد العدو الملاحي # لا كمن قد جرى برجل سواه # وسما طائرا بغير جناح # لا ألفت العلا ولا ألفتني # إن توسمت دونها بوشاح # أو ترفهت أو تشاغلت عنها # بأباطيل قينة أو براح # لا ولا أبيض لي سنى المجد إن لم # أستجد غسله بنزف الجراح # وألاقي العداة عنه بعزم # علوي بفل حد الصفاح # وببطش يفري الجماجم والأع # ناق فري المدى لحوم الأضاحي # أنا فرد النهى ورب المعالي # وحسام الكفاح يوم الكفاح # أنا مفتاح قفل كل نوال # يوم يغدو الندى بلا مفتاح # أنا كالجد في الأمور إذا ما # كان عيشي فيهن مثل المزاح # لا كراص من العلا بادعاء # وبعرض مجرح مستباح # فسل المجد عن صباحي وليلي # ومقبلي وغدوتي ورواحي # هل يسر العلا مقالي وفعلي # وارتياحي لكسبها واقتراحي # هاكها كالصهيل في حلبة الفخر # إذا كان غيرها كالنباح # 62 # ويخيل إلي أن بعض الوشاة سعوا بينه وبين أخيه العزيز، مما جعل العزيز ~~يغضب على الشاعر، وجعل الشاعر يتنصل من وشاية الواشين، فأخذ الشاعر يتلمس ~~الأعذار، ويقدم الاعتذار، ويذكر الإمام بأنهما شقيقان، وأن على الإمام ألا ~~يستمع إلى أمثال هؤلاء الوشاة. فأكثر قصائد المدح التي في الديوان تتحدث عن ~~هؤلاء الذين يسعون بالفساد بين الملك الصغير وأخيه الأمير الكبير. ومن شعر ~~الديوان نستطيع أن نعرف أن الأمير نفي مرة إلى عين شمس، ونفي مرة أخرى إلى ~~الرملة بفلسطين، فكان يرسل إلى إخوانه وأصدقائه مقطوعات من الشعر يبثهم فيها ~~شوقه إليهم، ويشكو غربته التي اضطر إليها اضطرارا. فقد أنشد في عين ~~شمس: # أما كفى الحب شوق موجع وأسى # مبرح يقطع الأحشاء والكبدا # حتى رمى البين بالتفريق ألفتنا # وحل من وصلنا ما كان قد عقدا # فآه من لوعة مشبوبة وجوى # في الصدر لم يبق لي صبرا ولا جلدا # قالت وعبرتها مخلوطة بدم # تجري وأنفاسها مرفوعة صعدا # لا تطلب النطق مني بالسلام فما # أبقى فراقك لي روحا ولا جسدا # فظلت ملتثما من ms173 صحن وجنتها # وردا، ومرتشفا من ثغرها بردا # وطاويا في الحشا منها رسيس هوى # لا أحسب الدهر يبلى عهده أبدا # وأنشد وهو في الرملة، وأرسل بها لي بعض أهله في القاهرة: # أنتم في المنام حلمي وأنتم # في انتباهي سؤلي وأنتم مرادي # كل عضو مني إليكم مشوق # زائد شوقه على الأبعاد # لم أفارقكم ولكن جسمي # بان عنكم وحل فيكم فؤادي # فهنيئا لكم وفائي عليكم # وهنيئا للعين طول السهاد # كلما حثني اشتياقي إليكم # قلت لبيك أنت نعم المنادي # وكان الأمير تميم في مصر يشارك المصريين لهوهم، ويخرج إلى متنزهاتها، ويعبث ~~في أديرتها، وأنشد في ذلك كله شعرا - سنتحدث عنه في فصل آخر من هذا الكتاب - ~~وشعره إن دل على شيء فإنما يدل على رقة شعوره، ورقة العاطفة وصدقها. وتوفي ~~هذا الشاعر سنة 374ه. # الفصل الثالث # | الشعر والوزراء # كان العزيز بالله أول خليفة فاطمي اتخذ له وزيرا، وكان الوزير يعقوب بن كلس أول ~~وزير في الدولة الفاطمية، ففي رمضان سنة ثمان وستين وثلاثمائة لقبه العزيز ~~بالوزير الأجل، وأمر ألا يخاطبه أحد ولا يكاتبه إلا بهذا اللقب، فعظمت مكانته ~~حتى كتب اسمه على الطرز وفي الكتب. # 1 # فكان هذا المركز الخطير الذي شغله ابن كلس في هذه الدولة الفتية إذ ذاك ~~من الأسباب التي جعلت الشعراء يسعون إليه وينشدون الشعر في مدحه، وقد رأينا من قبل ~~كيف كان ابن كلس أحد العلماء المبرزين، وكيف كان يلقي علوم الدعوة وغيرها على ~~الناس، وكيف كان يؤم مجلسه عدد من القضاة والفقهاء والشعراء ورجال الدولة يستمعون ~~إلى دروسه، ويتناقشون بين يديه، أضف إلى ذلك كله أنه كان كريم اليد يعطي ويجزل ~~العطاء، فلا غرو أن كان الشعراء يلتفون حوله، ويكثرون من مدحه. مدحه أبو الرقعمق، ~~وعبد الله بن محمد بن أبي الجوع، والأمير تميم بن المعز، وكثير غيرهم من شعراء عصره ~~الذين فقد شعرهم وضاعت أسماؤهم مع ما ضاع من الأدب الفاطمي. # وقد ذكرنا أن الشعراء الذين رثوه بلغوا مائة شاعر، فمن هم هؤلاء الشعراء؟ وأين ~~شعرهم؟ الجواب ms174 عن ذلك أولا: عند رجال الدولة الأيوبية الذين عملوا على محو كل أثر ~~علمي أو أدبي للفاطميين لخلاف مذهب الدولتين، وثانيا: عند المؤرخين والكتاب من ~~أهل المشرق الذين كانوا يدينون بالطاعة للعباسيين، فأبوا أن يرووا شيئا عن شعراء ~~مصر الفاطمية، وثالثا: عند الأتراك الذين دان لهم العالم الإسلامي مدة طويلة، ~~فأطاحوا بحضارتين من أرقى الحضارات التي شاهدها العالم، وشاهدها تاريخ الفكر ~~البشري، وهما: الحضارة البيزنطية والحضارة الإسلامية، ولم يستطع الأتراك أن يقيموا ~~حضارة أخرى تقوم مقام هاتين الحضارتين. وكان الأتراك شديدي التعصب للمذهب السني، ~~فأنزلوا نقمتهم على كل ما هو شيعي، أضف إلى ذلك كله المجاعات الكثيرة والاضطرابات ~~العديدة التي سببت محنا عديدة لمصر، ووصفها المقريزي في كتابه «إغاثة الأمة ~~بكشف الغمة»، فقد كانت من أشد العوامل في ضياع كتب كثيرة من كتب علماء الفاطميين ~~ودواوين شعر شعرائهم، وهكذا تضافرت قوى عديدة لإبادة العلوم والآداب في العصر ~~الفاطمي، حتى إن الذي بقي من هذا كله أصبح ضئيلا تافها بالنسبة لما كان في عهدهم ~~الزاهر. فقد بقي لنا جزء من قصيدة لأبي الرقعمق في مدح ابن كلس وهي: # لم يدع العزيز في سائر الأر # ض عدوا إلا وأخمد ناره # فلهذا اجتباه دوه سواه # واصطفاه لنفسه واختاره # لم تشيد له الوزارة مجدا # لا ولا قيل رفعت مقداره # بل كساها وقد تخرمها الده # ر جلالا وبهجة ونضاره # كل يوم له على نوب الده # ر وكر الخطوب بالبذل غاره # ذو يد شأنها الفرار من البخ # ل وفي حومة الوغى كراره # هي فلت عن العزيز عداه # بالعطايا وكثرت أنصاره # هكذا كل فاضل يده تم # سي وتضحى نفاعة ضراره # فاستجره فليس يأمن إلا # من تفيا بظله واستجاره # فإذا ما رأيته مطرقا يع # مل فيما يريده أفكاره # لم يدع بالذكاء والذهن شيئا # في ضمير الغيوب إلا أثاره # لا ولا موضعا من الأرض إلا # كان بالرأي مدركا أقطاره # زاده الله بسطة وكفاه # خوفه من زمانه وحذاره # 2 # فالشاعر في هذه الأبيات يمدح الوزير، ولكنه كان يذكر الإمام الفاطمي ms175 كلما وسعه ~~فنه ومواهبه في الشعر، فهو لم يستطع أن يغفل الإمام من قصائده، وذلك لقوة الإمام ~~والخلافة الفاطمية إذ ذاك، والوزير نفسه لم يكن ليصدر أمرا قبل أن يطالع الإمام ~~به ويستأذنه فيه، وعرف الشعراء ذلك فكانوا يتقربون للوزير حتى يتقربوا به ~~للإمام، فمدح الوزير كان وسيلة لغايتهم وهي الاتصال بالإمام، هكذا كان أمر ~~الشعراء مع جميع الوزراء في القسم الأول من العصر الفاطمي، وهو القسم الذي كان ~~الأئمة فيه يسيرون مرافق البلاد، ويختارون الوزراء لمساعدتهم في تنفيذ ما كانوا ~~يصدرونه من أحكام وقوانين، وكان أكثر وزراء ذلك العصر من رجال القلم أمثال ~~الجرجرائي واليازوري وابن المغربي والبابلي وغيرهم من الكتاب. ليس معنى ذلك أن ~~الشعراء أفنوا أنفسهم في الوزراء وفي مدحهم، فمن الشعراء من هجا الوزراء كالذي ~~رأيناه من هجاء ابن كلس. # وهجاه أبو محمد القاسم الرسي بقوله: # توق معز الدين شؤم ابن كلس # ولا تقبلن منه مقال مدلس # فإنا أردناه لكافور شربة # فزاد على تقريرنا ألف مجلس # 3 # وكذلك روي أن الشاعر جاسوس الفلك هجا الوزير علي بن أحمد الجرجرائي وزير الظاهر ~~لإعزاز دين الله، وكان هذا الوزير أقطع اليدين بسبب خيانة ظهرت عليه أيام الحاكم، ~~فلما ولي الوزارة استعمل العفاف والأمانة، ولكن ذلك لم يمنع الشاعر من أن يقول ~~فيه: # يا أحمقا اسمع وقل # ودع الرقاعة والتحامق # أأقمت نفسك في الثقا # ت، وهبك فيما قلت صادق # فمن الأمانة والتقى # قطعت يداك من المرافق # 4 # وقال الشاعر الحسن بن خاقان في هجاء الوزير الفلاحي وزير المستنصر: # حجاب وإعجاب وفرط تصلف # ومد يد نحو العلا متكلف # فلو كان هذا من وراء كفاية # عذرنا ولكن من وراء تخلف # 5 # ونحن نعلم أن الفلاحي كان يهوديا وأسلم، وأن أبا سعد التستري مدبر الدولة إذ ~~ذاك كان يهوديا، ولذلك قال أحد الشعراء: # يهود هذا الزمان قد بلغوا # غاية آمالهم وقد ملكوا # العز فيهم والمال عندهم # ومنهم المستشار والملك # يأهل مصر إني نصحت لكم # تهودوا قد تهود الفلك # 6 # ولكن بعد أن ms176 ضعفت الخلافة الفاطمية في عهد المستنصر، وحلت بالبلاد نكبة الشدة ~~العظمى، اضطر المستنصر إلى أن يستعين برجال السيف، وأن يتخذ منهم وزراء له، وأول ~~هؤلاء الوزراء السيد الأجل أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين ~~وهادي دعاة المؤمنين أبو نجم بدر الجمالي، تولى هذه المراتب سنة 466ه، ولكنه لم ~~يلبس خلعة الوزارة إلا سنة 468ه، وصار صاحب الكلمة النافذة في البلاد التي كانت ~~خاضعة للفاطميين، وأصبح الإمام الفاطمي شبه أسير في يدي الوزير، وظل بدر الجمالي في ~~منصبه إلى أن توفي سنة 487ه قبل المستنصر الفاطمي بأشهر، فتولى الوزارة بعده ابنه ~~القاسم شاهنشاه الأفضل، وفي عهده بلغت قوة الوزارة وسلطانها أعلى الذرى، حتى إنه ~~بعد وفاة المستنصر سنة 487ه لم يعبأ بعقيدة من أهم عقائد الفاطميين في الإمامة، هي ~~النص على من يلي الإمامة؛ إذ الإمام لا بد أن ينص قبل وفاته على خليفته، وأن يبلغ ~~ذلك إلى حجته وحجج الجزائر، ولكن الأفضل بن بدر الجمالي أبى أن يجعل الإمامة إلى ~~صاحب النص، وهو نزار بن المستنصر، وجعلها إلى المستعلي بالله وهو ابن أخته، وكان ~~صغير السن؛ وبذلك انقسمت الدعوة إلى فرعيها: النزارية والمستعلية، وكان هذا ~~الانقسام من أهم الأسباب التي أدت إلى ضعف الدولة الفاطمية، والخلافة الفاطمية، ~~وأضعفت هيبة الإمام بين الناس، وشك في إمامته بعض الأتباع والأشياع. ومهما يكن ~~من شيء فقد أصبحت الوزارة هي القوة المحركة للبلاد كلها، فاتجه الشعراء إلى الوزراء ~~يمدحونهم، ويأخذون هباتهم وصلاتهم، وتشبه الوزراء في بذخهم بالأئمة، فأسرفوا في ~~كل ما يجلب لهم الشهرة والسرور معا، وأحاطوا أنفسهم بهالة من أبهة الملك وألقابه؟ ~~واتخذوا لأنفسهم حاشية هي أشبه شيء بحاشية الملوك والسلاطين، وعقدوا مجالس للشعراء ~~على نحو ما كان يفعله خلفاء بني العباس والأئمة الفاطميون إبان قوتهم وسلطانهم، ~~فانتقل أكثر الشعراء من مدح الأئمة إلى مدح الوزراء. # وكان من الوزراء من ينشد الشعر، فالأفضل بن بدر الجمالي كان شاعرا، ومن شعره ~~قوله في غلامه تاج المعالي: # أقضيب يميس أم هو قد ms177 # وشقيق يلوح أم هو خد # أنا مثل الهلال سقما عليه # وهو كالبدر حين وافاه سعد # 7 # ومن قوله أيضا في جارية له أمر بضرب عنقها لأنه رآها تتطلع إلى الطريق، وكان ~~شديد الغيرة على نسائه، فلما جيء له برأسها قال: # نظرت إليها وهي تنظر ظلها # فنزهت نفسي عن شريك مقارب # أغار على أعطافها من ثيابها # حذارا ومن مسك لها في الذوائب # ولي غيرة لو كان للبدر مثلها # لما كان يرضى باجتماع الكواكب # 8 # فهذه الأبيات التي بقيت لنا من شعر الأفضل تدل على رقة شعور، وقدرة على التعبير ~~عما يخالج النفس من عاطفة شديدة. # وكان الملك الصالح طلائع بن رزيك جيد الشعر، وكان يثيب على شعر الشعراء # 9 # وكان شاور وولده الكامل وضرغام ممن ينشدون الشعر - وسنتحدث عنهم ~~جميعا بعد قليل - فهؤلاء الوزراء الشعراء استطاعوا أن يكونوا لأنفسهم حاشية من ~~الشعراء هي أشبه بحاشية الأئمة الفاطميين إبان سلطانهم الفعلي، فكل الشعراء من ~~مصريين ووافدين اتصلوا بهم ومدحوهم. # فممن وفد على مصر: الشاعر علقمة بن عبد الرزاق العليمي، وفد على بدر الجمالي، ~~ويقول علقمة: قصدت بدر الجمالي فرأيت أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم على بابه قد ~~طال مقامهم، فلم يصلوا إليه، فبينما أنا كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، فخرجت في ~~إثره، وأقمت معه حتى رجع من صيده، فلما قاربني وقفت على تل من الرمل، وأومأت برقعة ~~في يدي، وأنشدت: # نحن التجار وهذه أعلاقنا # در، وجود يمينك المبتاع # قلت فتشها بسمعك إنها # هي جوهر تختاره الأسماع # كسد علينا بالشآم وكلما # قل النفاق تعطل الصناع # فأتاك يحملها إليك تجارها # ومطيها الآمال والأطماع # حتى أناخوها ببابك والرجا # من دونك الثمار والبياع # فوهبت ما لم يعطه في دهره # هرم ولا كعب ولا القعقاع # يا بدر أقسم لو بك اعتصم الورى # ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا # 10 ~~(1) الأفضل وشعراؤه # ويعد عهد الأفضل بن بدر الجمالي من أزهى العصور الأدبية التي شاهدتها مصر ~~الإسلامية، فقد اتصل به عدد كبير من الشعراء، نذكر منهم: مسعود الدولة، وأبا ~~علي ms178 حسن بن زبيد، والقاضي ابن النضر المعروف بالأديب، والناجي المصري، وسالم ~~بن مفرج بن أبي حصينة، ومحمود بن ناصر الإسكندراني، ومروان بن عثمان اللكي، ~~وابن البرقي، وظافر الحداد، وأمية بن أبي الصلت ... وغيرهم من شعراء الخريدة، ومن ~~الشعراء الذين ذكرهم أمية في رسالته الموسومة «بالرسالة المصرية»، وقد ذكرنا ~~كيف كان الأفضل يجزل العطاء للشعراء، ويجلس إليهم يستمع إلى أشعارهم وروايتهم ~~للشعر، ولعل «الرسالة المصرية» من أقوم الكتب التي تعطينا صورة صحيحة عن تلك ~~الحياة الأدبية التي كانت بمصر في عهد الأفضل، ومؤلف هذه الرسالة هو أمية بن ~~أبي الصلت. # أمية بن أبي الصلت ورسالته المصرية # لم يكن أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت مصريا، إنما هو أندلسي وفد على ~~مصر في عهد الآمر بأحكام الله، واستطاع أمية أن يتصل بالأفضل، وكان سبب ~~هذه الصلة هو الأمير مختار تاج المعالي - وكان في منزلة قريبة جدا من ~~الوزير - فاتصل به أمية مادحا وقربه الأمير مختار، وكان أمية يخدمه ~~أيضا بصناعتي الطب والنجوم، فأنس به تاج المعالي كما آنس منه العلم ~~والفضل، وكان جمهور المثقفين من المصريين قد التفوا حول أمية يأخذون عنه ~~العلم والآداب، فقدمه تاج المعالي إلى الوزير وأثنى عليه، وذكر للوزير ما ~~سمعه من أعيان العلماء، وإجماعهم على تقدمه وتميزه عن كتاب وقته، ~~واشتدت صلة أمية بالوزير، ولكن الحساد من الكتاب المقربين للوزير أبوا أن ~~تستمر علاقة أمية بالأفضل، فأخذوا يتحينون الفرص للإيقاع بأمية حتى واتتهم ~~الفرصة؛ ذلك أن الوزير قلب ظهر المجن لتاج المعالي واعتقله، فوجد الكتاب ~~السبيل للنيل من أمية، فوشوا به لدى الأفضل؛ فحبسه بالإسكندرية مدة ثلاث ~~سنين وشهر، إلى أن شفع فيه بعض وجوه المصريين، فأطلق سراحه، وسار إلى ~~المغرب، واتصل بالمرتضى أبي طاهر يحيى بن تميم صاحب القيروان، وحظي عنده ~~وحسن حاله إلى أن توفي بالمهدية سنة 529. # 11 # استطاع أمية أثناء إقامته بمصر أن يدرس مصر والمصريين، وأن يعرف أحوالهم ~~وطبقاتهم وطبائعهم، وأن يتحدث عن ذلك كله في الرسالة التي عرفت ~~«بالرسالة المصرية»، وصف ms179 فيها مصر جغرافيا، وعرض لبعض المدن المصرية، ~~وتحدث عن النيل ومنابعه وزيادته ونقصانه، وروى شيئا مما قيل في النيل ~~من شعر، وما أنشد في مهرجان الخليج مما قاله القدماء ومعاصروه، فنستطيع ~~أن نعد هذه الرسالة القيمة من الكتب القليلة الممتعة التي وصلتنا عن ~~هذا العصر، كما أنها مجموعة لأشعار بعض من اتصل بهم أمية في مصر أو من ~~حفظ لهم شيئا من الشعر من المصريين. أضف إلى ذلك كله أن أمية ذكر في هذه ~~الرسالة بعض علماء أهل مصر في ذلك الوقت، ولا سيما ممن كانوا يتعاطون ~~صناعتي الطب والتنجيم، يقول أمية عن المصريين: والمصريون أكثر الناس ~~استعمالا لأحكام النجوم، وتصديقا لها، وتعويلا عليها، وشغفا بها، ~~وسكونا إليها، حتى إنه بلغ من زيادة أمرهم في ذلك إلى أنه لا يتحرك حركة ~~من حركاتهم الجزئية التي لا تحصر فنونها، ولا تحصل أجزاؤها وأنحاؤها، ولا ~~تضبط جهاتها، ولا تقيد غاياتها، ولا تعدد ضروبها إلا في طوالع يختارونها. # 12 # ويقول عن أطباء مصر في ذلك العصر: «وأكثر أطبائها المزبرقين ~~نصارى أو يهود.» وفي ذلك يقول بعضهم: # أقول للمسلمين طرا # تبغون في طبها اشتهارا # هيهات حاولتم محالا # كونوا إذن هودا أو نصارى # 13 # ويحدثنا عن بعض الشعراء الذين كانوا بعيدين عن الحضرة، فقال عن القاضي ~~علي أبي الحسن بن النضر، المعروف بين أهالي الصعيد الأعلى بالأديب: ذو ~~الأدب الجم، والعلم الواسع، والفضل البارع، وله في سائر أجزاء الحكمة اليد ~~الطولى، والرتبة الأولى، وقد كان ورد الفسطاط يلتمس من وزيرها الأفضل ~~تصرفا وخدمة، فخاب فيه أمله، وضاع رجاؤه، فقال يعاتب الزمان: # بين التعزز والتذلل مسلك # بادي المنار لعين كل موفق # فاسلكه في كل المواطن واجتنب # كبر الأبي وذلة المتملق # ولقد جلبت من البضائع خيرها # لأجل مختار وأكرم متقي # ورجوت خفض العيش تحت ظلاله # لا بد أن نفقت وإن لم تنفق # ظنا شبيها باليقين ولم أقل # إن الزمان بما سقاني مشرقي # ولعائبي بالحرص قول بين # لو كنت شمت سحابة لم تطرق # ما ارتدت إلا خير مرتاد ms180 ولم # أصل الرجاء بحبل غير الأوثق # وإذا أبى الرزق القضاء على امرئ # لم تغن فيه حيلة المسترزق # ولعمرو عادية الخطوب وإن رمت # حظي بسهم تشتت وتفرق # 14 # ويذكر شعراء آخرين من أهل الصعيد مثل أبي شرف الدجرجاوي المنسوب إلى ~~قرية دجرجا بالصعيد، والشاعر أبي الحسن علي بن البرقي من أهل قوص وغيرهما، ~~فالسيرة المصرية مرآة صادقة للحياة الأدبية في مصر أوائل القرن السادس ~~للهجرة. # كان أمية أستاذا لبعض المصريين، وذكر ياقوت أن من تلاميذ أمية الذين ~~تلقوا عنه العلم ورووا شعره: أبو عبد الله الشامي الذي ظل مخلصا ~~لأستاذه، وكان يتردد عليه إبان نكبته وسجنه. وينقل ياقوت عن أبي عبد الله ~~الشامي: وكنت أختلف إليه إذ ذاك، فدخلت إليه يوما فصادفته مطرقا، فلم ~~يرفع رأسه إلي على العادة، فسألته فلم يرد الجواب، ثم قال بعد ساعة: ~~اكتب. وأنشدني: # وكان لي سبب قد كنت أحسبني # أحظى به، فإذا دائي هو السبب # فما مقام أظفاري سوى قلمي # ولا كتائب أعدائي سوى كتبي # فكتبت عنه رسالته فقال: إن فلانا تلميذي قد طعن في عند الأمير الأفضل. # 15 # ويرى ياقوت أيضا أن الشيخ سليمان بن الفياض الإسكندراني كان ~~ممن أخذ العلم عن أمية وروى عنه. # 16 # وكان لأمية عدد من الأصدقاء في طليعتهم ظافر الحداد الشاعر ~~الذي صادقه بالإسكندرية، وحزن لسفره وبعده عن مصر، فأرسل إليه قصيدة يشكو ~~فراق الصديقين، ويذكر أمية بالأيام التي قضياها معا، والقصيدة ~~هي: # ألا هل لدائي من فراقك إفراق # هو السم لكن في لقائك ترياق # فيا شمس فضل غربت، ولضوئها # على كل قطر بالمشارق إشراق # سقى العهد عهدا منك عمر عهده # بقلبي عهد لا يضيع وميثاق # يجدده ذكر يطيب كما شدت # وريقاء كنتها من الأيك أوراق # لك الخلق الجزل الرفيع طرازه # وأكثر أخلاق الخليفة إخلاق # لقد ضاءلتني يا أبا الصلت مذ نأت # ديارك عن داري هموم وأشواق # إذا عزني إطفاؤها بمدامعي # جرت ولها ما بين جفني إحراق # سحائب يحدوها زفير يجره # خلال التراقي والترائب تشهاق # وقد كان لي كنز ms181 من الصبر واسع # فلي منه في صعب النوائب إنفاق # وسيف إذا جردت بعض غرارة # لجيش خطوب صدها منه إرهاق # إلى أن أبان البين أن غراره # غرور، وأن الكنز فقر وإملاق # أخي، سيدي، مولاي دعوة من صفا # وليس له من رق ودك إعتاق # لئن بعدت ما بيننا شقة النوى # ومطرد طامي الغوارب خفاق # وبيد إذا كلفتها العيس قصرت # طلائح أنضاها زميل وإعناق # فعندي لك الود الملازم مثل ما # يلازم أعناق الحمائم أطواق # ألا هل لأيامي بك الغر عودة # كعهدي، وثغر الثغر أشنب براق # ليالي يدنينا جواب أعادنا # من القرب كالصنوين ضمهما ساق # وما بيننا من حسن لفظك روضة # بها حسدت منا المسامع أحداق # حديث، حديث كلما طال، موجز # مفيد إلى قلب المحدث سباق # يرجيه بحر من علومك زاخر # له كل بحر فائض اللج رقراق # معان كأطواد الشوامخ جزلة # تضمنها عذب من اللفظ غيداق # به حكم مستنبطات غرائب # لأبكارها الغر الفلاسف عشاق # فلو عاش رسطاليس كان له بها # غرام وقلب دائم الفكر تواق # فيا واحد الفضل الذي العلم قوته # وأهلوه مشتاق يشم وذواق # لئن قصرت كتبي فلا غرو إنه # لعائق عذر والمقادير أوهاق # كتبت وآفات البحار تردها # فإن لم يكن رد علي فإغراق # بحار بأحكام الرياح فإنها # مفاتيح في أبوابهن وأغلاق # ومن لي أن أحظى إليك بنظرة # فيسكن مقلاق ويرقأ مهراق # 17 # فهذه القصيدة التي بعث بها ظافر الحداد إلى صديقه أمية بن أبي الصلب، إن ~~دلت على شيء فإنما تدل على مبلغ ما كان يكنه ظافر لصديقه من وفاء وإخلاص ~~وود، وما كان عليه أمية من علم وفضل، وما كان عليه الصديقان من صفاء ~~ووفاء. # أما علاقة أمية بالوزير الأفضل بن بدر الجمالي، فيقول القفطي: «ودخل مصر ~~في أيام أفضلها فلم ينل منها إفضالا، وقصده للنيل فلم يجد لديه منوالا.» # 18 # ولكني أشك في قول القفطي، وأزعم أن الأفضل قرب إليه أمية، ~~وأجزل له العطاء، فأشعار أمية في الأفضل أكبر دليل على أن الشاعر كان يميل ~~إلى الأفضل، وكان الأفضل يجزل ms182 له النوال. فمن شعر أمية في الأفضل قصيدته ~~التي أنشدها يذكر تجريده العساكر إلى الشام لمحاربة الصليبيين بعد انهزام ~~عسكره في الموضع المعروف بالبصة، وكان قد اتفق في أثناء ذلك أن قوما من ~~الأجناد وغيرهم أرادوا الفتك بالأفضل، فوقع على خبرهم، وقبض عليهم وقتلهم، ~~والقصيدة هي: # هي العزائم من أنصارها القدر # وهي الكتائب من أشياعها الظفر # جردت للدين والأسياف مغمدة # سيفا تفل به الأحداث والغير # وقمت إذ قعد الأملاك كلهم # تذب عنه وتحميه وتنتصر # بالبيض تسقط فوق البيض أنجمها # والسمر تحت ظلال النقع تشتجر # بيض إذا خطبت بالنصر ألسنها # فمن منابرها الأكباد والقصر # وذبل من رماح الخط مشرعة # في طولهن لأعمار العدا قصر # يغشى بها غمرات الموت أسد شرى # من الكماة إذا ما استنجدوا ابتدروا # مستلثمين إذا سلوا سيوفهم # شبهتها خلجا مرت بها غدر # قوم تطول ببيض الهند أذرعهم # فما يضر ظباها أنها بتر # إذا انتضوها وذيل النقع فوقهم # كالشمس طالعة والليل معتكر # ترتاح أنفسهم نحو الوغى طربا # كأنما الدم راح والظبا زهر # وإن هم نكصوا يوما فلا عجب # قد يكهم السيف وهو الصارم الذكر # العود أحمد والأيام ضامنة # عقبى النجاح ووعد الله ينتظر # وربما ساءت الأقدار ثم جرت # بما يسرك ساعات لها أخر # الله زان بك الأيام من ملك # لك الحجول من الأيام والغرر # لله بأسك والألباب طائشة # والخيل تردى ونار الحرب تستعر # وللعجاج على صم القنا ظلل # هي الدخان وأطراف القنا شرر # إذ يرجع السيف يبدي خده علقا # كصفحة البكر أدمى خدها الخفر # وإذا تسد مسد السيف منفردا # ولا يصدك لا جبن ولا خور # أما يهولك ما لاقيت من عدد # سيان عندك قل القوم أو كثروا # هي السماحة إلا أنها سرف # هي الشجاعة إلا أنها غرر # الله في الدين والدنيا فما لهما # سواك كهف ولا ركن ولا وزر # ورام كيدك أقوام وما علموا # أن المنى خطرات بعضها خطر # هيهات أين من العيوق طالبه # لو كان سدد منه الفكر والنظر # إن الأسود لتأبى أن يروعها # وسط العرين ظباء الربرب ms183 العفر # أمر نووه ولو هموا به وقفوا # كوقفة العير لا ورد ولا صدر # فاضرب بسيفك من ناواك منتقما # إن السيوف لأهل البغي تدخر # ما كل حين ترى الأملاك صافحة # عن الجرائر تعفو حين تقتدر # ومن ذوي البغي من لا يستهان به # وفي الذنوب ذنوب ليس تغتفر # إن الرماح غصون يستظل بها # وما لهن سوى هام العدا ثمر # ليس يصبح شمل الملك منتظما # إلا بحيث ترى الهامات تنتثر # والرأي رأيك فيما أنت فاعله # وأنت أدرى بما تأتي وما تذر # أضحى شهنشاه غيثا للندى غدقا # كل البلاد إلى سقياه تفتقر # الطاعن الألف إلا أنها نسق # والواهب الألف إلا أنها بدر # ملك تبوأ فوق النجم مقعده # فكيف تطمع في غاياته البشر # يرجى نداه ويخشى عندي سطوته # كالدهر يوجد فيه النفع والضرر # ولا سمعت ولا حدثت عن أحد # من قبله يهب الدنيا ويعتذر # ولا بصرت بشمس قبل غرته # إذا تجلى سناها أغدق المطر # يا أيها الملك السامي الذي ابتهجت # به الليالي وقر البدو والخضر # جاءتك من كلم الحاكي محبرة # تطوى لبهجتها الأبراد والحبر # هي اللآلئ إلا أن ناظمها # طي الضمير ومن غواصها الفكر # تبقى وتذهب أشعار ملفقة # أولى بقائلها من قولها الحصر # ولم أطلها لأني جد معترف # بأن كل مطيل فيه مختصر # بقيت للدين والدنيا ولا عدمت # أجياد تلك المعالي هذه الدرر # 19 # ويذكر المؤرخون أن أمية أرسل وهو في سجنه بقصيدتين إلى الأفضل يمدحه ~~بهما، الأولى لامية مطلعها: # الشمس دونك في المحل # والطيب ذكرك بل أجل # والثانية بائية مطلعها: # نسخت غرائب مدحك التشبيبا # وكفى بها غزلا لنا ونسيبا # 20 # وفي هاتين القصيدتين يتحدث الشاعر عن أيامه مع الأفضل، وأيادي الأفضل ~~عليه، ومدائح أمية فيه، ويعتذر إليه من أقوال الوشاة والحاسدين الذين أغرو ~~الوزير به حتى سجنه من غير جرم ارتكبه، فمثل هذه الأبيات التي أنشدها أمية ~~في الاعتذار عن وشاية الواشين، تدل على أن صلة الوزير بالشاعر كانت صلة ~~قوية، وأن الشاعر كان مقربا للوزير فحسده الناس، وأن الشاعر مدح الوزير ~~فأعطاه الوزير ms184 صلات، ومع ذلك نرى القفطي يدعي أن الوزير لم يعط الشاعر ~~شيئا، ويخيل إلي أن القفطي اتهم الأفضل بذلك لأنه حبس الشاعر مدة ~~طويلة. # ومهما يكن من شيء فقد مكث أمية عدة سنوات في مصر، اتصل فيها بالحياة ~~المصرية، وشارك المصريين في أعيادهم وحفلاتهم، وأنشد في ذلك شعرا حفظ ~~بعضه وضاع أكثره، فمما حفظ من ذلك قوله في النيل من قصيدة كتبها إلى ~~الأفضل ليلة المهرجان: # أبدعت للناس منظرا عجبا # لا زلت تحيي السرور والطربا # ألفت بين الضدين مقتدرا # فمن رأى الماء خالط اللهبا! # كأنما النيل والشموع به # أفق سماء تألقت شهبا # قد كان من فضة فصار سما # وتحسب النار فوقه ذهبا # 21 # وخرج إلى المتنزهات المصرية كما كان يفعل غيره من أهل مصر عامة، ~~والشعراء خاصة، ووصف بعضها بالنثر وبالشعر، فمن ذلك قوله في بركة الحبش: ~~فافترشنا من زهرها أحسن بساط، واستظللنا من دوحها بأوفى رواق، وطلعت علينا ~~من زجاجات الأقداح شموس في خلع البدور، ونجوم بالصفاء تنور، إلى أن جرى ذهب ~~الأصيل على لجين الماء، ونشبت نار الشفق بفحمة الظلماء، فقال في ذلك بعضنا ~~(ويقصد نفسه): # لله يومي ببركة الحبش # والأفق بين الضياء والغبش # والنيل تحت الرياح مضطرب # كصارم في يمين مرتعش # قد نسجتها يد الغمام لنا # فنحن من نسجها على فرش # ونحن في روضة مفوفة # دبج بالنور عطفها ووشي # فعاطني الراح إن تاركها # من سورة الهم غير منتعش # واسقني بالكبار مترعة # فهن أشفى لشدة العطش # فأثقل الناس كلهم رجل # دعاه داعي الصبا فلم يطش # 22 # وبالرغم من هذه الأبيات التي تدل على أن أمية نعم في مصر بطبيعتها ~~ولهوها، وقدره المصريون لعلمه وأدبه، فحظي بصداقة عدد كبير منهم، فإنه ~~خرج من مصر غاضبا يهجو مصر والمصريين، شأنه في ذلك شأن دعبل الخزاعي، وأبي ~~تمام، والمتنبي، وغيرهم من ذوي الأطماع التي لا تقف عند حد، فهؤلاء الشعراء ~~وفدوا على مصر لقصد النوال والعطاء من أمراء مصر، فأغدق هؤلاء عليهم ما ~~وسعهم، ولكن هؤلاء الشعراء لا يعرفون إلا العطاء ms185 السخي، وويل لمصر ~~والمصريين إذا لم يصلوا إلى مطامعهم، فها هو ذا أمية يهجو المصريين جميعا ~~بقوله: # وكم تمنيت أن ألقى بها أحدا # يسلي من الهم أو يعدي على النوب # فما وجدت سوى قوم إذا صدقوا # كانت مواعيدهم كالآل في الكذب # 23 # نعم، هكذا زعم أمية، كما زعم دعبل وأبو تمام والمتنبي من قبل، فمصر التي ~~أكرمت هؤلاء الشعراء فمدحوها، هي مصر التي هجوها بعد أن رحلوا عنها. # أبو علي الأنصاري # قلنا إن عددا كبيرا من شعراء مصر اتصل بالأفضل بن بدر الجمالي، وأنشدت ~~القصائد الكثيرة في مدحه في الأعياد والمواسم، فمن هؤلاء الشعراء أبو علي ~~حسن بن زبيد الأنصاري الذي أثنى عليه القاضي الفاضل بقوله: «إنه في فنه لم ~~يسمح الدهر بمثله.» # 24 # ويقول عنه صاحب الخريدة: وله قصيدة في مدح أفضلهم يصف خيمة ~~الفرح، يدل إحسانه فيها على أن بحره طامي اللجج، ودره نامي البهج، وأقتبس ~~منها قوله: # مجدا فقد قصرت عن شأوك الأمم # وأبدت العجز منها هذه الهمم # أخيمة ما نصبت الآن أم فلك # ويقظة ما نراه منك أم حلم؟ # ما كان يخطر في الأفكار قبلك أن # تسمو علوا على أفق السها الخيم # حتى أتيت بها شماء شاهقة # في مارن الدهر من تيه بها شمم # إن الدليل على تكوينها فلكا # أن احتوتك وأنت الناس كلهم # يمد من في بلاد الصين ناظره # حتى ليبصر علما أنها علم # ترى الكناس وآرام الظباء بها # أضحت تجاورها الآساد والأجم # والطير قد لزمت فيها مواضعها # لما تحققن منها أنها حرم # لديك جيش، وجيش في جوانبها # مصور، وكلا الجيشين مزدحم # إذا الصبا حركتها ماج موكبها # فمقدم منهم فيها ومنهزم # أخيلها خيلك اللاتي تغير بها # فليس تنزع عنها الحزم واللجم # علمت أبطالها أن يقدموا أبدا # فكلهم لغمار الحرب مقتحم # آمنتهم أن يخافوا سطوة لردى # فقد تسالمت الأسياف والقمم # كأنها جنة، فالقاطنون بها # لا يستطيل على أعمارهم هرم # علت فخلنا لها سرا تحدثه # للفرقدين وفي سمعيهما صمم # إن أنبتت أرضها زهرا فلا عجب # وقد همت ms186 فوقها من كفك الديم # يا خيمة الفرح الميمون طائرها # أصبحت فألا به تستبشر الأمم # ومنها يقول في مدح الأفضل: # ما قال لا قط مذ شدت تمائمه # وكم له نعم في طيها نعم # لو كنت شاهد شعري حين أنظمه # إذن رأيت المعالي فيك تختصم # أزرتك اليوم من فكري محبرة # في ناظر الشمس من لألائها سقم # ترى النجوم للفظي فيك حاسدة # تود لو أنها في المدح تنتظم # ولكن هذا الشاعر النابه، والكاتب المتقدم في ديوان المكاتبات، لقي حتفه ~~بسبب حسد الشعراء له، ذلك أن ابن قادوس الشاعر أنشد بيتين في هجاء حسن بن ~~الحافظ، ونسبهما إلى ابن زبيد الأنصاري، ودسهما في رقاعه، ثم سعى به إلى ~~ابن الحافظ، فلما وجد حسن بن الحافظ البيتين بين رقاع الأنصاري أمر بقتله، ~~ولم يشفع له جودة شعره التي بلغ بها درجة رفيعة بين الشعراء، ولا طول خدمته ~~في ديوان المكاتبات، فإن هذه الأبيات التي رويناها له في وصف الخيمة ومدح ~~الأفضل، إن دلت على شيء فإنما تدل على أن للشاعر خيالا محلقا، ومقدرة ~~مطاوعة للقريض مع حسن ديباجة. # كان الشعراء في ذلك الوقت يتجهون بمدائحهم إلى الوزراء، والويل كل الويل ~~للشاعر الذي لا يجعل شعر مدحه لهم، فهو يبعد ولا يلتفت إليه، مهما ~~ارتفع شعره وأجاد الشاعر، وهذا ما حدث مع الشاعر المعروف بابن مكنسة أبي ~~طاهر إسماعيل بن محمد، فقد انقطع هذا الشاعر إلى مدح عامل من النصارى ~~يعرف بأبي مليح، وأكثر أشعاره فيه، ولما توفي هذا العالم رثاه الشاعر ~~بقوله: # طويت سماء المكرمات # وكورت شمس المديح # ماذا أرجي في حياتي # بعد موت أبي مليح # ما كان بالنكس الدني # من الرجال ولا الشحيح # كفر النصارى بعد ما # عقدوا به دين المسيح # فلما ولي الأفضل الوزارة أراد هذا الشاعر أن يتقرب إليه ويتصل به، ولكن ~~الأفضل لم ينس شعر ابن مكنسة في أبي مليح، فلم يقبل مدائحه، حتى يئس ~~الشاعر فأرسل إلى الوزير يقول: # مثلي بمصر وأنت ملك # يقال ذا شاعر فقير # عطاؤك الشمس ليس ms187 يخفى # وإنما حظي الضرير # وبالرغم من أن هذا الشاعر كان من القلائل الذين مدحهم أمية بن أبي الصلت ~~في رسالته المصرية، وأثنى عليه بقوله: «ومن شعرائها المشهورين: أبو طاهر ~~إسماعيل بن محمد المعروف بابن مكنسة، شاعر كثير التصرف، قليل التكلف، يفتن ~~في نوعي جد القريض وهزله، وضارب بسهم في رقيقه وجزله.» # 25 # فمع ذلك كله لم يوفق إلى أن ينال حظوة عند الأفضل، فظل ~~بعيدا عن شعراء الوزارة. # ولعل ابن مكنسة كان أحسن حظا من الشاعر علي بن عباد بن الإسكندري، فقد ~~كان هذا الشاعر منقطعا لمدح الوزير أبي علي بن الأفضل عندما كان هذا ~~الوزير مستبدا بالبلاد وبالخليفة، بل حبس الخليفة الحافظ، حتى بلغ ~~استبداده حدا لا يطاق، واستطاع الحافظ أن يتمكن منه، وأن يقتله في ~~الميدان، وتتبع كل من كانوا على صلة بهذا الوزير الطاغية فقتلهم، ومنهم ~~هذا الشاعر، ويروي العماد أن هذا الشاعر مدح ابن الأفضل بقصيدة مطلعها: ~~«تبسم الدهر لكن بعد تعبيس»، وعرض فيها بالخلفاء الفاطميين ولا سيما في ~~قوله: # وقد أعاد إليه الله خاتمه # فاسترجع الملك من صخر بن إبليس # 26 # فكانت هذه القصيدة سبب مقتله، ويقول ابن ميسر: إن الحافظ أمر بإحضار ~~الشاعر، فلما امتثل بين يديه قال له: أنشدني قصيدتك. فأخذ الشاعر في ~~إنشادها حتى قال منها في بيت: # ولا ترضوا عن أنجس المناجيس # يعني الحافظ وآباءه، فأمر حينئذ أن يلكمه الغلمان حتى مات بين يديه، # 27 # بل كانت هذه القصيدة سببا في قتل القاضي ابن ميسر سنة 531ه، ~~فقد روي أن القاضي عندما سمع الشاعر ينشد القصيدة بين يدي ابن الأفضل قام ~~وألقى عرضيته طربا، فلما قتل الوزير صرف القاضي عن عمله وقتل. # 28 # وعن هذا الشاعر يقول ابن فضل الله: «علي بن عباد الإسكندري، ~~شاعر كان يجلو غرر المدائح، وكانت منن الوزراء تستعطف أعنة قصائده، فيرد ~~عليهم مسردها.» # 29 # وكان بين شعراء الأفضل من نقم عليه فهجاه، ومن هؤلاء الشاعر الملقب ~~بالناجي المصري الذي ذكره أمية في رسالته المصرية، فقد هجا ms188 الأفضل ~~بقوله: # قل لابن بدر مقال من صدقه # لا تفرحن بالوزارة الخلقة # إن كنت قد نلتها مراغمة # فهي على الكلب بعدكم صدقة # فأمر الأفضل بنفيه إلى الواحات، فأقام بها عند علم الدولة المقرب بن ماضي. # 30 # ظافر الحداد # على أن عصر الأفضل لم يشاهد شاعرا مثل ظافر الحداد، بالرغم من كثرة ~~الشعراء وتفوقهم جميعا في هذا الفن، لكن شعراء ذلك العصر كانوا على حظ من ~~الثقافة والعلم، وكان أكثرهم من كتاب الدواوين، أما ظافر فكان حدادا ~~بالإسكندرية، ولم يتلق من العلوم وألون المعرفة إلا بمقدار، وبلغت به ~~شاعريته إلى أن يضعه النقاد ومؤرخو الأدب في مصاف أكبر شعراء عصره، ~~واستطاع بشعره أن يجالس العلماء والشعراء، وأن يستمع إلى حوارهم وأحاديثهم، ~~ويأخذ من ذلك كله ما وسعته ذاكرته، فيزيد بها مداركه وثقافته، فقد رأيناه ~~صديقا لأمية بن أبي الصلت، ويحدثنا ابن خلكان أن الحافظ أبا طاهر السلفي ~~وغيره من الأعيان كانوا يروون عن ظافر الحداد. # 31 # واتصل ظافر برجال الدولة فأعجبوا به وبشعره، ولا سيما أن مثل ~~هذا الشعر صدر عن رجل من عامة الشعب في حالة متواضعة من العيش، ويروي ابن ~~خلكان قصة تدل على ذلك كله، تلك هي أن القاضي أبا عبد الله محمد بن الحسين ~~الآمدي دخل على والي الإسكندرية الأمير السعيد بن ظفر، فوجده يقطر دهنا ~~على خنصره، فسأله القاضي عن سببه، فذكر ضيق خاتمه عليه وأنه ورم بسببه، ~~فأشار عليه القاضي بقطع حلقة الخاتم قبل أن يتفاقم الأمر فيه، فاستدعى ~~ظافرا الحداد فقطع الحلقة، وأنشد بين يدي الوالي: # قصر عن أوصافك العالم # وكثر الناثر والناظم # من يكن البحر له راحة # يضيق عن خنصره الخاتم # فاستحسن الأمير الشعر، ووهب لظافر الحلقة، وكانت من الذهب، ويخيل إلي ~~أن الأمير أراد أن يستوثق من شاعرية ظافر، وأن ظافرا الحداد أدرك ما كان ~~يجول بخاطر الأمير، فاغتنم فرصة وجود غزال مستأنس، قد ربض بين يدي الوالي، ~~وجعل رأسه في حجره، فارتجل ظافر: # عجبت لجرأة هذا الغزال # وأمر تخطى له واعتمد ms189 # وأعجب به إذ بدا جاثما # وكيف اطمأن وأنت الأسد # فزاد الحاضرون في الاستحسان، وكأني بظافر وقد طمع في أن يعترف الحاضرون ~~بسرعة بديهته، وقدرته على الارتجال، فقد التفت حوله في قاعة المجلس، فوجد ~~شيئا كان على الباب ليمنع الطير من دخولها، فأنشد: # رأيت ببابك هذا المنيف # شباكا فأدركني بعض شك # وفكر فيما رأى خاطري # فقلت: البحار مكان الشبك # 32 # فهذه القصة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الشاعر كان على موهبة ~~لنظم الشعر، وأن شعره طبيعي لا تكلف فيه، وأنه كان يرتجل الشعر ببديهته، ~~مما جعل الناس في عصره يحبونه، ويعجبون به، وها هو ذا العماد الأصفهاني ~~يحدثنا عنه بقوله: «ظافر بحظه من الفضل ظافر، يدل نظمه على أن أدبه وافر، ~~وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر، وما أكمله لولا أنه من مداح المصري والله ~~له غافر، حداد لو أنصف لسمي جوهريا، وكان باعتزائه إلى نظم اللآلي ~~حريا، أهدى بروي شعره الروي للقلوب الصادية ريا، فيا له ناظما فصيحا ~~مفلقا جريا.» # 33 # ويجمع المؤرخون على أن شعر ظافر الحداد جمع في ديوان كبير، ~~ولكن هذا الديوان فقد، ولم يبق من شعره إلا أبيات من قصائد. # من ذلك قوله: # لو كان بالصبر الجميل ملاذه # ما سح وابل دمعه ورذاذه # ما زال جيش الحب يغزو قلبه # حتى وهى وتقطعت أفلاذه # لم يبق فيه مع الغرام بقية # إلا رسيس يحتويه جذاذه # من كان يرغب في السلامة فليكن # أبدا من الحدق المراض عياذه # لا تخدعنك بالفتور فإنه # نظر يضر بقلبك استلذاذه # يأيها الرشأ الذي من طرفه # سهم إلى حب القلوب نفاذه # در يلوح بفيك، من نظامه # خمر به قد جال من نباذه؟ # وقناة ذاك القد كيف تقومت # وسنان ذاك اللحظ، ما فولاذه؟ # رفقا بجسمك لا يذوب فإنني # أخشى بأن يجفو عليه لاذه # هاروت يعجز عن مواقع سحره # وهو الإمام، فمن ترى أستاذه؟ # تالله ما علقت محاسنك امرأ # إلا وعز على الورى استنقاذه # أغريت حبك بالقلوب فأذعنت # طوعا وقد أودى بها استحواذه # ما لي ms190 أتيت الحظ من أبوابه # جهدي فدام نفوره ولواذه # إياك من طمع المنى فعزيزه # كذليله وغنيه شحاذه # ومنها أيضا: # دالية ابن دريد استهوى بها # قوم غداة نبت به بغداذه # دانوا لزخرف قوله فتفرقت # طمعا بهم صرعاه أو جذاذه # من قدر الرزق السني لك إنما # قد كان ليس يضره إنفاذه # 34 # فمن هذه الأبيات وغيرها مما حفظ لنا من شعر ظافر نستدل على أن شعره ~~سهل طبيعي، ليس به تكلف غيره من الشعراء الذين كانوا يصنعون الشعر صناعة، ~~وقد لاحظ العماد أن ظافرا الحداد كان لحنة، واستشهد بقصيدته الزائية ~~الشهيرة: # حكم العيون على القلوب يجوز # ودواؤها من دائهن عزيز # كم نظرة نالت بطرف ذابل # ما لا ينال الذابل المهزوز # فحذار من تلك اللواحظ غرة # فالسحر بين جفونها مكنوز # يا ليت شعري والأماني ضلة # والدهر يدرك صرفه ويجيز # هل لي إلى زمن تصرم عهده # سبب فيرجع ما مضى فأفوز # وأزور من ألف البعاد وحبه # بين الجوانح والحشا مركوز # ظبي يناسب في الملاحة شخصه # فالوصف حين يطول فيه وجيز # والبدر والشمس المنيرة دونه # فالحسن منه يروق والتمييز # لولا تثني خصره في ردفه # ما خلت إلا أنه مغروز # تجفو غلالته عليه لطافة # فبجسمه من جسمها تطريز # من لي بدهر كان لي بوصاله # سمجا ووعدي عنده منجوز # والعيش مخضر الجناب أنيقه # ولأوجه اللذات فيه بروز # والماء يبدو في الخليج كأنه # أيم لسرعة سيره محفوز # والروض في حلل النبات كأنما # فرشت عليه ديابج وخزوز # والزهر يوهم ناظريه كأنما # ظهرت به فوق الرياض كنوز # فأقاحه ورق، وساقط طله # درر، ونور بهاره إبريز # وكأنما القمري ينشد مصرعا # من كل بيت، والحمام يجيز # وكأنما الدولاب يزمر كلما # غنت، وأصوات الضفادع شيز # يا رب غانية أضر بقولها # أني بلفظة معدم منبوز # فأجبتها: ما عازني نيل الغنى # لكن مطالبة الحميد تعوز # ما خاب من هضم التفضل ماله # كرما ووافر عرضه محروز # فأخذ عليه العماد قوله: «عازني»، والصحيح: «أعوزني»، وأخذ عليه قوله: ~~«تعوز» والصحيح: «تعوز»، وأخذ عليه قوله: «محروز» والصواب: «محرز». # 35 # ولكن ms191 نسي العماد أن الشاعر مصري، وقد ذكرنا في أدب مصر ~~الإسلامية صورا من اللحن الذي وقع فيه كتاب مصر وشعراؤها، وقلنا: إن ~~المصريين لا يراعون قواعد الصرف والنحو مراعاة إخوانهم في البلاد الإسلامية ~~الأخرى لهذه القواعد، ونحن لا نستطيع أن نؤاخذ ظافرا الحداد بهذه الألفاظ ~~التي لم يراع فيها قواعد الصرف، فقد كان أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي ~~مع معرفته، إذا أنشد بيتا من الشعر لم يقم بإعرابه، # 36 # ومن يتتبع شعراء مصر الإسلامية حتى عصرنا الحديث، فسيجد عدم ~~عناية المصريين بهذه الناحية الهامة التي هي من مقومات الشعر. # ومهما يكن من شيء، فإن حياة ظافر الحداد غامضة؛ لعدم وجود ما يكشف عنها، ~~وقد أجمع المؤرخون على أنه توفي سنة 546ه. ~~(2) شعراء بني رزيك حتى آخر الدولة الفاطمية # قتل الخليفة الظافر في المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة، فكتب خدام القصر ~~إلى طلائع بن رزيك، وإلى قوص وأسوان والصعيد، يخبرونه بقتل الخليفة، ويستنجدونه ~~على القاتل، وأرسل نساء القصر بشعورهن إليه، ولعب الشعر دورا هاما في دعوة ~~طلائع للأخذ بثأر الخليفة، فقد كانت قصيدة القاضي أبي المعالي عبد العزيز بن ~~الحباب المعروف بالجليس، التي أرسلها إلى طلائع بن رزيك، من أشد الرسائل التي ~~وصلت إليه أثرا في نفسه، فطلائع كان شاعرا مجيدا، ويصفه ابن خلكان بقوله: ~~«كان فاضلا سمحا في العطاء، سهلا في اللقاء، محبا لأهل الفضائل، جيد ~~الشعر، وقفت على ديوان شعره وهو في جزأين.» # 37 # ولذلك كان وقع القصيدة في نفسه أشد من وقع غيرها من ~~الرسائل. # فمن هذه القصيدة قول الجليس: # دهتني عن نظم القريض عوادي # وشف فؤادي شجوه المتمادي # وأرق عيني والعيون هواجع # هموم أقضت مضجعي ووسادي # بمصرع أبناء الوصي وعترة الن # بي وآل «الذاريات» و«صاد» # فأين بنو رزيك عنهم ونصرهم # وما لهم من منعة وذياد # أولئك أنصار الهدى وبنو الردى # وسم العدا من حاضرين وباد # لقد هد ركن الدين ليلة قتله # بخير دليل للنجاة وهاد # تدارك من الإيمان قبل دثوره # حشاشة نفس آذنت بنفاد # وقد كاد ms192 أن يطفي تألق نوره # على الحق عاد من بقية عاد # فلو عاينت عيناك بالقصر يومهم # ومصرعهم لم تكتحل برقاد # 38 # جاء طلائع بن رزيك مع رجاله إلى القاهرة، واستولى على الوزارة، وإذا قلنا ~~الوزارة فإنما نقصد أنه تولى الحكم الفعلي في البلاد، ولذلك لقب بالملك ~~الصالح، وقد أجمع المؤرخون الذين تحدثوا عنه على أنه كان يحب العلم والعلماء ~~والشعر والشعراء، وقد رأينا قول ابن خلكان فيه، ونقل العماد عن خطبة ديوان ~~الصالح: «فقد نشرت أيامه مطوي الهمم، وأنشرت رفات الجود والكرم، ونفقت بدولته ~~سوق الآداب بعدما كسدت، وهبت ريح الفضل بعدما ركدت، إذا لها الملوك بالقيان ~~والمعازف، كان لهوه بالعلوم والمعارف، وإن عمروا أوقاتهم بالخمر والقمر، كانت ~~أوقاته معمورة بالنهي والأمر.» # 39 # ووصفه عمارة اليمني بقوله: «فكان مرتاضا قد شم أطراف المعارف، ~~وتميز عن أجلاف الملوك الذين ليس عندهم إلا خشونة مجردة، وكان شاعرا يحب ~~الأدب وأهله، ويكرم جليسه ويبسط أنيسه.» # 40 # ويروي عمارة قصة وفوده على مصر أول مرة، وكيف دخل متنكرا في زي ~~رسول من قبله على الأجل أبي الهيجاء صهر الملك الصالح، وطلب إليه أن يحمل عنه ~~مئونة السجود عند السلام على الخليفة والوزير، فسأله أبو الهيجاء عن عمارة، ~~فقال له: هو فقيه وعنده طرف من الأدب، فقال: تعني شاعرا! قال: نعم. قال: هذه ~~نقيصة في حقه. فلما كان في اليوم التالي استدعي أبو الهيجاء للغداء عند الصالح، ~~فقال أبو الهيجاء: عندي رسول صاحب مكة، وكنت أظنه عاقلا وإذا هو ناقص. فقال له ~~الصالح: وبأي شيء عرفت نقصه؟ قال: لكونه يحسن شيئا من هذا السحت الذي تعلمه ~~أنت والجليس وابن الزبير. قال الصالح: لعله شاعر؟ قال: نعم. قال الصالح: هاته، ~~هات الرجل. ثم أنشد: # إن الذي تكرهون منه # ذاك الذي يشتهيه قلبي # 41 # فهذه القصة إن دلت على شيء، فإنما تدل على أن الملك الصالح طلائع بن رزيك كان ~~مولعا بالشعر مقربا للشعراء، ومن عجب أن يجتمع في بلاطه أكبر أعيان أهل ~~الأدب، مثل: الجليس، والموفق بن ms193 الخلال ، وابن قادوس، والمهذب بن الزبير، ~~والرشيد بن الزبير ... وغيرهم الذين وصفهم عمارة بقوله: «وما من هذه الحلبة أحد ~~إلا ويضرب في الفضائل النفسانية والرياسة الإنسانية بأوفر نصيب، وما زلت أحذو ~~على طرائقهم، وأعرض جذعي في سوابقهم، حتى أثبتوني في جرائدهم.» # 42 # فهؤلاء الأعلام كانوا يجتمعون في مجلس الملك الصالح يتناشدون ~~الشعر، ويتناظرون في بعض المسائل العلمية والأدبية، ويستمعون إلى شعر الملك ~~الصالح، وفي ذلك يقول صاحب النجوم الزاهرة: «وجعل له مجلسا في أكثر الليالي ~~يحضره أهل الأدب، ونظم هو شعرا ودونه، وصار الناس يهرعون إلى نقل شعره، ~~وربما أصلحه له شاعر كان يصحبه، يقال له: ابن الزبير.» # 43 # ويظهر أن الملك الصالح كان ينشد القصيدة أو المقطوعة، ولكنه كان ~~يعرض ما ينشده على المهذب بن الزبير، وعلى غير المهذب ممن كان يتوسم فيهم ~~مقدرة وكفاية على تثقيف الشعر؛ إذ يحدثنا عمارة اليمني: «ودخلت إليه ليلة ~~السادس عشر من رمضان، سنة ست وخمسين وخمسمائة قبل أن يموت بثلاث ليال بعد ~~قيامه من السماط، ولم أكن رأيته من أول الشهر بليلة، فأمر لي بذهب، وقال: لا ~~تبرح. ودخل ثم خرج إلي وفي يده قرطاس قد كتب فيه بيتين من شعره عملهما في تلك ~~الساعة، وهما: # نحن في غفلة ونوم وللمو # ت عيون يقظانة لا تنام # قد رحلنا إلى الحمام سنينا # ليت شعري متى يكون الحمام؟ # ثم قال لي: تأملهما وأصلحهما إن كان فيهما شيء. قلت: هما صالحان.» # 44 # فالملك الصالح كان يستعين بفحول الشعر في عصره لإصلاح شعره، وليس ~~في ذلك ما ينقص من قدرته في الشعر، والمؤرخون يحدثوننا أن بعض فحول شعراء ~~العرب كانوا يعرضون شعرهم على غيرهم من الشعراء، فمروان بن أبي حفصة شاعر هارون ~~الرشيد الرسمي كان يعرض شعره على بشار بن برد، وكان البحتري يعرض شعره على أبي ~~تمام، وكان أكثر الشعراء يعرضون شعرهم على الأصمعي أو غيره من اللغويين، فإذا ~~كان الملك الصالح طلائع بن رزيك قد استعان بالمهذب أو بعمارة أو بغيرهما من ~~شعراء ذلك ms194 العصر لإصلاح شعره، فإن ذلك يدلنا على أن هذا الوزير كان يعرف قيمة ~~الشعر، فلم يستبح لنفسه أن يعرض شعره على الناس قبل أن يتأكد من قوة هذا ~~الشعر وصلاحه، ولكن ياقوت ذكر في معجم الأدباء في حديثه عن ابن الزبير: «وقيل ~~إن أكثر الشعر الذي في ديوان الصالح إنما هو عمل المهذب بن الزبير.» # 45 # ولا أدري من أين استقى ياقوت هذا الخبر، وربما اشتبه عليه الأمر ~~فظن أن ابن الزبير هو صاحب الشعر الذي في ديوان ابن رزيك بدلا من أنه كان ~~يثقف هذا الشعر، وقد انتهت إلينا قطعة من قصيدة لابن الزبير يتحدث فيها عن ~~شعر الملك الصالح، منها: # ولنار فطنته تريك لشعره # عذبا يروي غلة الظمآن # وعقود در لو تجسم لفظها # ما رصعت إلا على التيجان # وتنزهت عن أن يرى أفوادها # لمواضع الأقراط والآذان # من كل رائقة الجمال زهت بها # بين القصائد غرة السلطان # سيارة في الأرض لا يعتاقها # في سيرها قيد من الأوزان # 46 # فابن الزبير هنا يصف شعر الصالح بهذه الصفات، وإن كان ابن الزبير قد غالى في ~~وصفه له، ولكنه كان يمدح صاحب الملك، ومهما يكن من شيء فإن المؤرخين أجمعوا على ~~أن الملك الصالح كان مكثرا من قول الشعر، حتى جمع شعره في ديوان من جزأين، ~~ولكن الذي بقي لنا من هذه المجموعة مقطوعات صغيرة، من ذلك قوله يتغزل: # ومهفهف ثمل القوام سرت إلى # أعطافه النشوات من عينيه # ماضي اللحاظ كأنما سلت يدي # سيفي غداة الروع من جفنيه # قد قلت إذ خط العذار بمسكة # في خده ألفيه لا لاميه # ما الشعر دب بعارضيه وإنما # أهدابه نفضت على خديه # الناس طوع يدي وأمري نافذ # فيهم وقلبي الآن طوع يديه # فاعجب لسلطان يعم بعدله # ويجور سلطان الغرام عليه # والله لولا اسم الفرار وأنه # مستقبح لفررت منه إليه # 47 # ويحدثنا العماد في الخريدة أن أبا الحسن علي بن قيصر أنشد في الملك الصالح ~~قصيدته التي أولها: # لا فرق بين خياله ووصاله # في سرد ماطله وفي ms195 تحقيقه # والتي منها: # والله ما للشمس في إشراقها # وضياء بهجته كبعض شروقه # لا تجعل الهجران بعض عقوبتي # فمكلف السلوان غير مطيقه # بلغ إلى الملك الهمام أمانة # تبليغها للحر من توفيقه # حتام حظي في الحضيض وإنه # في الفضل عند الناس في عيوقه # مثلي بمصر وأنت مالك رقه # مثل العقاب مفردا في نيقه # ولقد أشاع الناس أنك في الورى # من ليس ينفق باطل في سوقه # أبطل بنور العقل سلطان الهوى # واعمل بكل الجهد في تطليقه # فأجابه الصالح بقصيدة منها: # نفق التأدب عندنا في سوقه # وبدا اليقين لنا بلمع بروقه # أهدى لي القاضي الفقيه عرائسا # فيها بديع الوشي من تنميقه # فأجلت طرفي في بديع رياضه # من ورده وبهاره وشقيقه # فكأنما اجتمع الأحبة فانبرت # يد عاشق تهوي إلى معشوقه # أدب سعى منه إلى غاياته # وأتى فسد عليه مر طريقه # ولقد علمت بأن فضلك سابق # يعتد من جاراه من مسبوقه # فلذا اقتصرت ولم أر الإمعان في # شأو امرئ أصبحت غير مطيقه # وأرى الزمان جرى على عاداته # في جمعه طورا وفي تفريقه # والشوق في قلبي تضرم وهجه # فمتى أراه يكف عن تحريقه # والدمع من عيني سح، فهل يرى # من بحره يوما نجاة غريقه # نزهت في بستان نظمك ناظري # فحظيت من زهر الربا بأنيقه # أنت امرؤ من قال فيك مقالة ال # غالي فكل الخلق في تصديقه # وأنا أرى تقديم حاجة صاحبي # من دون حاجاتي أقل حقوقه # وكذا الكريم فمهمل لأموره # لا مهمل أبدا أمور صديقه # هذا النجاح فكل ما قد رمته # قد عم فانظر منه في تحقيقه # 48 # وهكذا نستطيع من هذه المقطوعات التي بقيت لنا من شعر الصالح، أن ندرك أن ~~الصالح كان من شعراء مصر الذين يهتمون بالمعاني أكثر من عنايتهم باللفظ، وأنه ~~لم يكن من الشعراء الذين يكثرون من التشبيهات والاستعارات، ولكن التشبيهات تأتي ~~في شعره بسيطة عادية من غير تكلف ولا تصنع، ولم يكن الصالح شاعرا فحسب، ~~بل كان من علماء المذهب، ويقول المقريزي: إن له قصيدة سماها الجوهرة في الرد ~~على القدرية، ms196 وإنه صنف كتابا سماه: «الاعتماد في الرد على أهل العناد»، ~~جمع له الفقهاء وناظرهم عليه، وهو كتاب يبحث في إمامة علي بن أبي طالب ~~والأحاديث النبوية التي وردت فيه. # 49 # وتوفي الملك الصالح سنة 556ه، وتولى الوزارة بعده ابنه الملك ~~الناصر رزيك بن الصالح، وكان شاعرا مثل أبيه، ناقدا للشعر عارفا بجيده من ~~رديئه، ويقول عمارة عنه: وأما فهمه فكان يعرف جيد الشعر، ويستحسنه، ويثيب عليه. # 50 # وفي رثاء عمارة للصالح ومدح الناصر قال: # لا يقولن جاهل بالقوافي # ذهب الناقد السميع البصير # فالمرجى أبو شجاع عليم # بمقادير أهلهن خبير # 51 # ولكن عمارة أثنى عليه الثناء كله؛ لأن الناصر استخدم القاضي الفاضل، يقول ~~عمارة: «ومن محاسن أيامه وما يؤرخ عنها، بل هي الحسنة التي لا توازى، واليد ~~البيضاء التي لا تجازى: خروج أمره إلى والي الإسكندرية بتسيير القاضي الأجل ~~الفاضل أبي علي عبد الرحيم بن علي البيساني إلى الباب واستخدامه.» # 52 # فكأن دقة إحساس الملك الناصر، وتذوقه للشعر والكتابة الفنية، ~~ومعرفته للجيد من الشعر والنثر، جعلت الناصر يكتشف مواهب القاضي الفاضل الأدبية ~~فيرفعه إلى مرتبة الخدمة في ديوان الجيش بالحضرة، ولولا ذلك لظل القاضي ~~الفاضل مغمورا مثل كثير من الأدباء والشعراء الذين لم تتح لهم تلك الحظوة، ~~فجهلهم الناس وغمطت مواهبهم. فلا غرو أن رأينا عمارة اليمني يرفع من شأن هذا ~~الكشف ويعده «الحسنة التي لا توازى، واليد البيضاء التي لا تجازى»، ولو كان ~~يعلم عمارة ما ستأتي به الأيام له، وموقف القاضي الفاضل منه، لجعل هذه اليد ~~البيضاء سوداء، وتلك الحسنة سيئة. # لم تمهل الأيام الملك الناصر؛ إذ قتل سنة 558ه، وبموته بدأت المنازعات على ~~الوزارة بين شاور وضرغام، وأدى الأمر إلى تدخل جيوش نور الدين زنكي في أمر ~~هذه المنازعات، وإلى تدخل جيوش الصليبيين لاحتلال مصر، ثم إلى تولية أسد ~~الدين شيركوه، ثم صلاح الدين الأيوبي الوزارة، إلى أن استطاع صلاح الدين أن ~~يقضي على الدولة الفاطمية في المحرم سنة 567ه. # ومع هذه الاضطرابات والفتن التي كانت في مصر، ms197 لم ينس الوزراء الشعر ~~والشعراء؛ فكان شاور يجلس ليستمع إلى مدائح الشعراء، وكان ضرغام ينقد شعر ~~الشعراء، ويذكر عمارة أنه أنشد الوزير ضرغاما قصيدة منها: # أوجبت في ذمة الأشعار والخطب # دينا أبا حسن يبقى على الحقب # أيامك البيض لا تحصى، وأفضلها # يوم خصصت به في قاعة الذهب # وفيت للصالح الهادي وقد غدرت # به الصنائع من ناء ومقترب # فقال ضرغام: لو قلت «بعدت» كان أصلح من «غدرت». قلت: إنما أردت مقابلة الوفاء ~~بالغدر. قال: وعلى مقابلتك تنسبنا إلى الغدر. # 53 # ولعل هذه القصة ترينا مقدار فهم ضرغام للشعر، ونفاذ بصيرته في ~~نقده، وفي هذه الأيام العجاف التي أودت بالدولة الفاطمية توفي كبار شعراء ~~العصر؛ فالجليس توفي سنة 561ه، وفي هذه السنة عينها توفي المهذب بن الزبير، ~~وتوفي الرشيد بن الزبير سنة 562ه، ولم يعد الشعراء يتكسبون كما كانوا ~~يتكسبون من قبل؛ فقد ذكر عمارة أنه أنشد شاور قصيدة مدحه بها بعد طرد ~~الصليبيين من بلبيس إبان وزارته الثانية، ومن هذه القصيدة: # أسمع بذا الفتح المبين وأبصر # واقصر عليه خطا الهناء وأقصر # فتح أضاء به الزمان كأنه # وجه البشير وغرة المستبشر # فتح يذكرنا وإن لم ننسه # ما كان من فتح الوصي لخيبر # فتح تولد يسره من عسرة # طالت، وأي ولادة لم تعسر # حملت به الأيام إلا أنها # وضعته تما عن ثلاثة أشهر # ويقول فيها: # تلقاه أول فارس إن أقدمت # خيل، وأول راجل في العسكر # هانت عليه النفس حتى إنه # باع الحياة فلم يجد من يشتري # ضجر الحديد من الحديد وشاور # في نصر آل محمد لم يضجر # حلف الزمان ليأتين بمثله # حنثت يمينك يا زمان فكفر # يا فاتحا شرق البلاد وغربها # يهنيك أنك وارث الإسكندر # يقول عمارة: وكانت هذه الأبيات أحد الأسباب التي قوت عزمي على الاستعفاء من ~~عمل الشعر؛ لأن الناس فيما تقدم كانوا يغنون الشعراء بما ليس يفوقها جودة. # 54 # وبالفعل عندما قابل شاور بعد ذلك استعفاه عمارة من قول الشعر، ~~وأمر أن ينقل الجاري على الخدمة راتبا على حكم الضيافة؛ ms198 لأن التكسب بالشعر ~~والتظاهر به أصبح نقيصة في حقه. فسأله شاور: فما منعك أن تستعفي في أيام الصالح ~~وابنه ؟ قال عمارة: كانت لي أسوة وسلوة بالشيخ الجليس بن الحباب وبابني الزبير ~~الرشيد والمهذب، وقد انقرض الجيل والنظراء. قال: تعفى. ثم أمر بإنشاء سجل بإعفائه. # 55 # ومع ذلك لم يستطع عمارة ألا ينشد شعرا في الحوادث التي كانت في ~~هذه الأيام، ولا سيما عندما تولى صلاح الدين الأيوبي الوزارة، فقد أنشد عدة ~~قصائد يهنئه فيها بانتصاره على الصليبيين، وبنصره لآل بيت الرسول، ويشبه ~~جيوش صلاح الدين بأنصار النبي # صلى الله عليه وسلم # فهو يقول مثلا: # لك الحسب الباقي على عقب الدهر # بل الشرف الراقي إلى قمة النسر # كذا فليكن سعي الملوك إذا سعت # بها الهمم العليا إلى شرف الذكر # نهضتم بأعباء الوزارة نهضة # أقلتم بها الأقدام من زلة العثر # كشفتم عن الإقليم غمته كما # كشفتم بأنوار الغنى ظلمة الفقر # حميتم من الإفرنج سرب خلافة # جريتم لها مجرى الأمان من الذعر # ولما استغاث ابن النبي بنصركم # ودائرة الأنصار أضيق من شبر # جلبتم إليه النصر أوسا وخزرجا # وما اشتقت الأنصار إلا من النصر # كتائب في جيرون منها أواخر # وأولها بالنيل من شاطئ مصر # طلعتم فأطلعتم كواكب نصرة # أضاءت مكان الدين ليلا بلا فجر # وآبت إليكم يابن أيوب دولة # تراسلكم في كل يوم مع السفر # حمى الله فيكم عزمة أسدية # فككتم بها الإسلام من ربقة الأسر # أخذتم على الإفرنجي كل ثنية # وقلتم لأيدي الخيل مري على «مري» # لئن نصبوا في البر جسرا فإنكم # عبرتم ببحر من حديد على الجسر # طريق تقارعتم عليها مع العدا # ففزتم بها والصخر يقرع بالصخر # وأزعجه من مصر خوف يلزه # كما لز مهزوم من الليل بالفجر # وكم وقعة عذراء لما اقتضضتها # بسيفك لم تترك لغيرك من عذر # وأيديكم بالبأس كاسرة العدا # ولكنها بالجود جابرة الكسر # أبوك الذي أضحى ذخيرة مجدكم # وأنت له خير النفائس والذخر # ومن كنت معروفا له فاستفزه # بمثلك تيه فهو في أوسع العذر # توقره وسط الندي كرامة ms199 # وتحمل عنه ما يئود من الوقر # وتخلفه حربا وسلما خلافة # تؤلف أضدادا من الماء والجمر # وكم قمت في بأس وجود ورتبة # بما سره في الخطب والدست والثغر # ولو أنطق الله الجمادات لم تقم # لنعمتكم بالمستحق من الشكر # يد لا يقوم المسلمون بشكرها # لكم آل أيوب إلى آخر الدهر # بكم آمن الرحمن أعظم يثرب # وآمن أركان الثنية والحجر # ولو رجعت مصر إلى الكفر لانطوى # بساط الهدى من ساحة البر والبحر # ولكن شددتم أزره بوزارة # غدا لفظها يشتق من شدة الأزر # فهنيتم فتحا تقدم حله # وبشر أن الكل يتلو على الإثر # وما بقيت في الشرك إلا بقية # تتمتها في ذمة البيض والسمر # وعند تمام الملك آتي مهنئا # وملتمسا أجر الكهانة والزجر # ولولا اعتقادي أن مدحك قربة # أرجى بها نيل المثوبة والأجر # لما قلت شعرا بعد إعفاء خاطري # ولي سنوات منذ تبت عن الشعر # فأوص بي الأيام خيرا فإنها # مصرفة بالنهي منك وبالأمر # وجائزتي: تسهيل إذني عليكم # وملقاكم لي بالطلاقة والبشر # 56 # ولما قتل شاور وتولى شيركوه ثم صلاح الدين الوزارة، وجدنا بعض الشعراء ~~يعرضون في أشعارهم بالوزير المقتول، بل يهجونه أقبح هجاء، فالشاعر حسان عرقلة - ~~ولم يكن مصريا، إنما وفد مع صلاح الدين إلى مصر، وأنشد شعرا في الحوادث التي ~~جرت في هذه الأوقات - قال لما قتل شاور وتولى شيركوه قال: # لقد فاز بالملك العظيم خليفة # له شيركوه العاضدي وزير # كأن ابن شاذي والصلاح وسيفه # على لديه شيبر وشبير # هو الأسد الضاري الذي جل خطبه # وشاور كلب للرجال عقور # بغى وطغى حتى لقد قال قائل # على مثلها كان اللعين يدور # فلا رحم الرحمن تربة قبره # ولا زال فيها منكر ونكير # وقال في قصيدة أخرى: # إن أمير المؤمنين الذي # مصر حماه وعلي أبوه # نص على شاور فرعونها # ونص موساها على شيركوه # 57 # وما كادت تدول هذه الدولة الفاطمية حتى انبرى شعراء الأيوبيين يمدحون ملوكهم، ~~ويقدحون في الدولة الفاطمية ويرمونها بالكفر، وسنتحدث عن ذلك في كتابنا عن ~~الأيوبيين، ويكفي أن نأتي الآن بمثال لهذه ms200 الأشعار، فقد قال أحد الشعراء يمدح ~~الأيوبيين: # ألستم مزيلي دولة الكفر من بني # عبيد بمصر، إن هذا هو الفضل # زنادقة سبعية باطنية # مجوس وما في الصالحين لهم أصل # يسرون كفرا، يظهرون تشيعا # ليستتروا شيئا وعمهم الجهل # 58 # وهكذا كان الأمر في الشعر لدى الوزراء، فالشعراء كانوا يلتمسون الأحداث ~~ليمدحوا الوزراء ويتقربوا إليهم، حتى دالت الدولة الفاطمية. # المهذب بن الزبير # هو الحسن بن علي بن إبراهيم بن الزبير المعروف بالقاضي المهذب، كان من ~~أهل أسوان من أصل عربي ينتمي إلى قبيلة غسان، وكان المهذب وأخوه الرشيد من ~~أكبر شعراء ذلك العصر، رحلا من أسوان إلى القاهرة، وما زالا يرتقيان في ~~مناصب الدولة حتى بلغا مرتبة القضاء وجالسا الوزراء والأمراء ... أما ~~المهذب فقد قدمه القاضي الجليس إلى الملك الصالح طلائع بن رزيك، فحظي ~~عنده، وحصل له من الملك مال جم، لم ينل غير المهذب منه أحد مثله، وأوفد ~~المهذب في سفارة من مصر إلى بلاد اليمن، وهناك أتيحت له فرصة جمع كتب ~~الأنساب، اتخذها مصدرا لكتاب كبير صنفه في عشرين مجلدا هو «كتاب ~~الأنساب»، اطلع ياقوت الحموي على بعض أجزاء منه، فوصفه بقوله: «فوجدته ~~مع تحقيقي هذا العلم، وبحثي عن كتبه، غاية في معناه لا مزيد عليه، يدل على ~~جودة قريحة مؤلفه وكثرة اطلاعه، إلا أنه حذا فيه حذو أحمد بن يحيى بن ~~جابر البلاذري، وأوجز في بعض أخباره عن البلاذري، إلا أنه إذا ذكر رجلا ~~ممن يقتضي الكتاب ذكره لا يتركه حتى يعرفه بجهده، من إيراد شيء من شعره وخبره.» # 59 # فجمع ابن الزبير بين العلم والشعر، وقد ذكرنا في حديثنا عن ~~الملك الصالح أنه كان يعرض شعره على ابن الزبير لتقويمه وإصلاحه قبل عرضه ~~على الناس، ووصف العماد شعره بقوله: «محكم الشعر كالبناء المشيد، وهو أشعر ~~من أخيه، وأعرف بصناعته وإحكام معانيه ... ولم يكن في زمانه أشعر منه، وله ~~شعر كثير، ومحل في الفضائل أكثر.» # 60 # ووصف المهذب شعره مرة وهو يعرض بابن الصياد الملقب بالمفيد ~~الشاعر: # فيا شاعرا قد ms201 قال ألف قصيدة # ولكنها عن بيته ليس تبرح # ليهنك، لا هنيت، أن قصائدي # مع النجم تسري أو مع الريح تسرح # وقال مرة أخرى يمدح الوزير الصالح بن رزيك، وكان الوزير يغري الشعراء ~~بعضهم ببعض، ويسر للاستماع إلى نقائض الشعراء وأهاجيهم: # يأيها الملك الذي أوصافه # غرر تجلت للزمان الأسفع # لا تطمع الشعراء في فإنني # لو شئت لم أجبن ولم أتخشع # إن لم أكن ملء العيون فإنني # بالقول يابن الصيد ملء المسمع # فليمسكوا عني فلولا أنني # أبقى على عرضي إذن لم أجزع # وأهم من هجوي لهم مدح الذي # رفع القريض إلى المحل الأرفع # ولو أنه ناجى ضميري في الكرى # طيف الخيال بريبة لم أهجع # وإذا بدا لي الهجر لم أر شخصه # وإذا يقال لي الخنا لم أسمع # والناس قد علموا بأني ليس لي # مذ كنت في أعراضهم من مطمع # 61 # فنحن أمام شاعر عف اللسان، محترم لنفسه بابتعاده عما يعرضه إلى هجاء ~~زملائه، وإذا عرض لأحد الشعراء فإنما يعرض له من ناحية واحدة هي ناحية فن ~~الشعر، فقد كان المهذب شاعرا من فحول شعراء العربية، ولا أغالي إذا قلت ~~إن مصر الإسلامية منذ دخلها العرب، ومنذ عرفت الشعر العربي، لم تنجب من ~~أبنائها شاعرا له شاعرية المهذب، وقوة شعره، وحسن ديباجته، وقد وصلت إلينا ~~عدة قصائد له تدلنا على ذلك كله، فمن ذلك قصيدته التي أرسلها إلى داعي ~~اليمن عندما قبض على أخيه الرشيد، يمدحه ويستعطفه، حتى أطلق سراح أخيه، ~~ففيها يقول: # يا ربع أين ترى الأحبة يمموا # هل أنجدوا من بعدنا أم أتهموا # رحلوا وقد لاح الصباح وإنما # يسري إذا جن الظلام الأنجم # وتعوضت بالأنس روحي وحشة # لا أوحش الله المنازل منهم # لولاهم ما قمت بين ديارهم # حيران أستاف الديار وألثم # أمنازل الأحباب؟ أين هم وأي # ن الصبر من بعد التفرق عنهم؟ # يا ساكني البلد الحرام وإنما # في الصدر مع شحط المزار سكنتم # يا ليتني في النازلين عشية # بمنى، وقد جمع الرفاق الموسم # فأفوز إن غفل الرقيب بنظرة # منكم إذا لبى ms202 الحجيج وأحرموا # إني لأذكركم إذا ما أشرقت # شمس الضحى من نحوكم فأسلم # لا تبعثوا لي في النسيم تحية # إني أغار من النسيم عليكم # إني امرؤ قد بعت حظي راضيا # من هذه الدنيا بحظي منكم # فسلوت إلا عنكم وقنعت إلا # منكم وزهدت إلا فيكم # ورأيت كل العالمين بمقلة # لو ينظر الحساد ما نظرت عموا # ما كان بعد أخي الذي فارقته # ليبوح إلا بالشكاية لي فم # هو ذاك لم يملك علاه «مالك» # كلا ولا وجدي عليه «متمم» # أقوت مغانيه وعطل ربعه # ولربما هجر العرين الضيغم # ورمت به الأهوال همة ماجد # كالسيف يمضي عزمه ويصمم # يا راحلا بالمجد عنا والعلا # أترى يكون لكم إلينا مقدم؟ # يفديك قوم كنت واسط عقدهم # ما إن لهم مذ غبت شمل ينظم # لك في رقابهم وإن هم أنكروا # منن كأطواق الحمام وأنعم # جهلوا فظنوا أن بعدك مغنم # لما رحلت وإنما هو مغرم # فلقد أقر العين أن عداك قد # هلكوا ببغيهم وأنت مسلم # لم يعصم الله ابن معصوم من الآ # فات، واخترم اللعين الأخرم # 62 # واعتضت بعدهم بأكرم معشر # بدءوا لك الفعل الجميل وتمموا # فلعمر مجدك إن كرمت عليهم # إن الكريم على الكرام مكرم # أقيال بأس، خير من حملوا القنا # وملوك قحطان الذين هم هم # متواضعون ولو ترى ناديهم # ما اسطعت من إجلالهم تتكلم # وكفاهم شرفا ومجدا أنهم # قد أصبح الداعي المتوج منهم # هو بدر تم في سماء علاهم # وبنو أبيه بنو رويع أنجم # ملك حماه جنة لعفاته # لكنه للحاسدين جهنم # أثنى عليك بما مننت وأنت من # أوصاف مجدك يا مليكا أعظم # فاغفر لي التقصير فيه وعده # مع ما تجود به علي وتنعم # مع أنني سيرت فيك شواردا # كالدر بل أبهى لدى من يفهم # تغدو وهوج الذاريات رواكد # وتبيت تسري والكواكب نوم # وإذا المآثر عددت في مشهد # فبذكرها يبدا المقال ويختم # وإذا تلا الراوون محكم آيها # صلى عليك السامعون وسلموا # وكفى برأي إمام عصرك ناقضا # ما أحكم الأعداء فيك وأبرموا # 63 # فهذه القصيدة تدلنا على أن الشاعر المهذب بن ms203 الزبير كان من الشعراء الذين ~~أعادوا إلينا ذكرى الشعر العربي الرصين وإشراق ديباجته، وأنه كان من ~~الشعراء الذين لم يخدعوا ببهرج اللفظ، ولم تبهرهم زينته، حقيقة قد ألم ~~ببعض مقابلات بديعية، ولكنه لم يسرف فيها إسراف غيره من الشعراء الذين ~~أعجبوا بالصنعة البديعية، فأفرطوا فيها إفراطا جعلهم يخرجون الشعر عن ~~طبيعته وسلامته، وأخلوا بالمعنى في سبيل اللفظ. ولنأخذ مثلا آخر من ~~قصيدة لهذا الشاعر في مدح الملك الصالح طلائع بن رزيك؛ لنستدل بها على أن ~~فن الشاعر قريب من فن شعراء فحول الأمويين والعباسيين: # أقصر فديتك عن لومي وعن عذلي # أو، لا فخذ لي أمانا من يد القتل # من كل طرف مريض الجفن تنشدنا # ألحاظه «رب رام من بني ثعل» # إن كان فيه لنا، وهو السقيم، شفا ~~«فربما صحت الأجسام بالعلل» # إن الذي في جفون البيض إذ نظرت # تطريا في جفون البيض والخلل # كذاك لم يشتبه في القول لفظهما # إلا كما اشتبها في الفعل والعمل # وقد وقفت على الأطلال أحسبها # جسمي الذي بعد بعد الظاعنين بلي # أبكي على الرسم في رسم الديار فهل # عجبت من طلل يبكي على طلل # وكل بيضاء لو مست أناملها # قميص يوسف يوما قد من قبل # تغني من الدر والياقوت لبستها # لحسنها فلها حلي من العطل # بالخد مني آثار الدموع كما # لها على الخد آثار من القبل # كأن في سيف سيف الدين عن خجل # من عزمه ما به من حمرة الخجل # هو الحسام الذي يسمو بحامله # زهوا فيفتك بالأسياف والدول # إذا بدا عاريا من غمده خلعت # غمد الدماء عليه هامة البطل # وإن تقلد بحرا من أنامله # رأيت كيف اقتران الرزق بالأجل # من السيوف التي لاحت بوارقها # في أنمل هي سحب العارض الهطل # ومنها: # أفارس المسلمين اسمع فلا سمعت # أعداك غير صليل البيض في القلل # مقال ناء غريب الدار قد عدم ال # أنصار لولاك لم ينطق ولم يقل # يشكو مصائب أيام قد اتسعت # فضاق منها عليه أوسع السبل # يرجوك في دفعها بعد الإله وقد # يرجى الجليل لدفع ms204 الحادث الجلل # فما تخاف الردى نفس وكم رضيت # بالعجز خوف الردى نفس فلم تبل # إني امرؤ قد قتلت الدهر معرفة # فما أبيت على بأس ولا أمل # إن يرو ماء الصبا عودي فقد عجمت # مني طروق الليالي عود مكتهل # تجاوزت بي مدى الأشياخ تجربتي # قدما وما جاوزت بي سن مقتبل # وأول العمر خير من أواخره # وأين ضوء الضحى من ظلمة الأصل # دوني الذي ظن أني دونه فله # تعاظم لينال المجد بالجبل # والبدر يعظم في الأبصار صورته # ظنا ويصغر في الأفهام عن زحل # ما ضر شعري أني ما سبقت إلا # أجاب دمعي وما الداعي سوى ظلل # فإن مدحي لسيف الدين تاه به # زهوا على مدح سيف الدولة البطل # 64 # ولعلك تلاحظ في هذه القصيدة كيف ضمن الشاعر في البيت الثاني إشارة امرئ ~~القيس إلى بني ثعل، وقول امرئ القيس: # رب رام من بني ثعل # مخرج كفيه من ستره # وكيف ضمن ابن الزبير في البيت الثالث عجز بيت للمتنبي من قوله: # لعل عتبك محمود عواقبه # فربما صحت الأجسام بالعلل # والشاعر في هذه القصيدة، بل في كل قصائده التي وصلت إلينا من ديوانه الذي ~~فقد، يظهر شاعرية فحول الشعراء، تلك الشاعرية الطبيعية التي يصدر عنها ~~هذا الشعر الجزل الرصين الذي لا نجد له مثيلا بين شعر مصر الفاطمية، ولعل ~~ذلك يرجع إلى أن المهذب بن الزبير لم ينشأ في القاهرة أو الفسطاط، ولكنه ~~نشأ في أسوان، وتطبع هناك بالبيئة التي أحاطت به، فهي محافظة أكثر من ~~بيئة القاهرة، وهي إلى البداوة أقرب؛ لبعدها أولا عن بقية بلاد القطر، ~~ولبيئتها الجغرافية التي جعلت منها بلدا يتميز بجو خاص، وتربة هي مزيج ~~من أقسام صحراوية وأخرى صخرية وثالثة خصبة، فالذين يعيشون في هذا البلد أو ~~ينشئون فيه يمتازون بأنهم أقرب إلى البداوة منهم إلى الحضر، فلعل هذا هو ~~السبب في أن شعر المهذب وشعر أخيه الرشيد رصين جزل، لا نجد فيه طراوة شعر ~~أهل القاهرة والفسطاط، ولا نعومة شعر الأمير تميم أو إبراهيم الرسي أو ~~حيدرة ms205 العقيلي، ولا شعبية شعر ظافر الحداد. # أصيب هذا الشاعر في أواخر أيامه إبان وزارة شاور بمحنة كان بريئا ~~منها؛ فقد حبسه شاور ظلما بسبب اتصال أخيه الرشيد بصلاح الدين يوسف بن ~~أيوب إبان حصار الإسكندرية، فأخذ المهذب يستعطف شاور، ويرسل إليه الأشعار ~~في مدح ابنه الكامل بن شاور، فمن ذلك قوله: # إذا أحرقت في القلب موضع سكناها # فمن ذا الذي من بعد يكرم مثواها # وإن نزفت ماء العيون بهجرها # فمن أي عين تأمل العيس سقياها # وما الدمع يوم البين إلا لآلئ # على الرسم في رسم الديار نثرناها # وما أطلع الزهر الربيع وإنما # رأى الدمع أجياد الغصون فحلاها # ولما أبان البين سر صدورنا # وأمكن فيها الأعين النجل مرماها # عددنا دموع العين لما تحدرت # دروعا من الصبر الجميل نزعناها # ولما وقفنا للوداع وترجمت # لعيني عما في الضمائر عيناها # بدت صورة في هيكل فلو أننا # ندين بأديان النصارى عبدناها # وما طربا صغنا القريض وإنما # جلا اليوم مرآة القرائح مرآها # ليالي كانت في ظلام شبيبتي # سراي وفي ليل الذوائب مسراها # تأرج أرواح الصبا كلما سرى # بأنفاس ريا آخر الليل رياها # ومهما أدرنا الكأس باتت جفونها # من الراح تسقينا الذي قد سقيناها # ومنها: # ولو لم يجد يوم الندى في يمينه # لسائله غير الشبيبة أعطاها # فيا ملك الدنيا وسائس أهلها # سياسة من قاس الأمور وقاساها # ومن كلف الأيام ضد طباعها # فعاين أهوال الخطوب فعاناها # عسى نظرة تجلو بقلبي وناظري # صداه فإني دائما أتصداها # 65 # فأطلقته هذه الأشعار من سجنه، واصطنعه الكامل بن شاور لنفسه. # وكان المهذب مثل أخيه الرشيد يذم الزمان، ويتألم لأخلاق الناس حوله، ~~فهم سواسية في اللؤم، وكان يتطلع إلى المجد، فهو يفخر بنفسه، ويفخر بشعره، ~~فهو يقول في إحدى قصائده: # تشابه الناس في خلق وفي خلق # تشابه الناس والأصنام في الصور # ولم أبت قط من خلق على ثقة # إلا وأصبحت من عقلي على غرر # لا تخدعني بمرئي ومستمع # فما أصدق لا سمعي ولا بصري # وكيف آمن غيري عند نائبة # يوما إذا كنت من ms206 نفسي على حذر # تأبى المكارم والمجد المؤثل لي # من أن أقيم وآمالي على سفر # إني لأشهر في أهل الفصاحة من # شمس، وأسير في الآفاق من قمر # وسوف أرمي بنفسي كل مهلكة # تسري بها الشهب إن سارت على خطر # إما العلا وإليها منتهى أملي # أو الردى فإليه منتهى البشر # 66 # ويقول مرة أخرى: # ومن نكد الأيام أني كما ترى # أكابد عيشا مثل دهري أنكدا # أمنت عداتي ثم خفت أحبتي # لقد صدقوا إن الثقات هم العدا # 67 # وقد توفي هذا الشاعر سنة 561ه. # القاضي الرشيد بن الزبير # أما ثاني المهذبين الأخوين الشاعرين، فهو أحمد بن علي بن إبراهيم بن ~~الزبير الغساني، وكان الرشيد أعلم من أخيه، وأخوه أشعر منه، فقد ضرب الرشيد ~~بسهم وافر في الفقه واللغة والنحو والتاريخ والمنطق والهندسة والطب ~~والموسيقى والنجوم، كما كان جيد النثر، وله تصانيف منها: كتاب «منية ~~الألمعي، وبلغة المدعي»، وكتاب المقامات، ولعل أشهر تصانيفه هو كتاب: «جنان ~~الجنان، وروضة الأذهان» الذي تحدث فيه عن شعراء مصر ومن طرأ عليها، ~~وجعله ذيلا على يتيمة الدهر للثعالبي، وهو الكتاب الذي أخذ عنه العماد ~~الأصفهاني أكثر مادة القسم الخاص بمصر من كتابه الخريدة. وللرشيد عدة كتب ~~أخرى منها كتاب «الهدايا والطرف»، وكتاب «شفاء الغلة في سمت القبلة»، ~~ومجموعة رسائله، وديوان شعره، فهو على هذا النحو عالم شاعر أفاد المصريين ~~وغيرهم، ويحدثنا العماد أن محمد بن عيسى اليمني أخذ عن الرشيد باليمن علم الهندسة، # 68 # ولكن الرشيد عرف بالشعر أكثر مما عرف بهذه العلوم، حتى ~~قيل: إن سبب تقدمه في الدولة أنه جاء القاهرة بعد مقتل الخليفة الظافر، ~~وحضر المأتم مع الشعراء، فقام آخرهم وأنشد قصيدته التي مطلعها: # ما للرياض تميل سكرا # هل أسقيت بالمزن خمرا # إلى أن وصل إلى قوله: # أفكر بلاء بالعراق # وكربلاء بمصر أخرى # فضج القصر بالبكاء، وانثالت عليه العطايا، ومن ثم بدأت صلته بالقصر ~~والوزراء، ثم أوفد مبعوثا إلى اليمن، ولا ندري الأمر الذي من أجله أوفد ~~إليها، وإن كان صاحب كتاب «الفترات والترانات» يشير ms207 إلى أن الرشيد لم يكن ~~رشيدا في بعثته، ولعل هذه إشارة إلى ما روي أن الرشيد قلد قضاء اليمن ~~ولقب هناك «بقاضي قضاة اليمن وداعي دعاة الزمن»، وأنه مكث هناك عامين ~~فقيل: إنه مدح الأمير علي بن حاتم الهمداني بقصيدة منها: # لقد أجدبت أرض الصعيد وأقحطوا # فلست أنال القحط في أرض قحطان # وقد كفلت لي مأرب بمآربي # فلست على أسوان يوما بأسوان # وإن جهلت حقي زعانف خندف # فقد عرفت فضلي غطارف همدان # فحسده داعي عدن، وكتب بهذه الأبيات إلى مصر، فكانت هذه الأبيات سببا في ~~غضب أولي الأمر بمصر عليه، كما غضب أولو الأمر بعدن، فأخذ الرشيد وحبس ~~ثم صفح عنه، وقيل: بل إن السبب غير ذلك، وذلك أن نفسه سمت إلى مرتبة ~~الخلافة في اليمن فسعى فيها، وأجابه قوم وسلم عليه بها، وضربت له السكة ~~فنقش على وجه: # قل هو الله أحد * ~~الله الصمد ~~، وعلى الوجه الآخر: «الإمام الأمجد أبو الحسن ~~أحمد»، فقبض عليه وأرسل إلى مصر مكبلا ثم أفرج عنه، ولعل الرواية ~~الأولى أصح من الثانية، فإن الرشيد وقد علمنا ما كان عليه من علم وعقل، ~~لا يبلغ به الأمر إلى أن يدعي الإمامة في الوقت الذي أنكرت فيه إمامة ~~الحافظ والفائز والظافر والعاضد، ودعي فيه للإمام المستور ولقائم ~~القيامة، ثم إن مركز الدعوة للإمام المستور انتقل من مصر إلى اليمن منذ ~~مقتل الآمر بأحكام الله، فكيف يدعي الرشيد الإمامة في اليمن، وجميعهم ~~يعرفون شروط الإمامة، وأهمها: أن يكون الإمام من نسل النبي، وأن يكون ~~الإمام قبله قد نص عليه، ولعل القائمين بأمر مصر في ذلك الوقت لم يكونوا ~~من الغباء والبله لدرجة العفو عن مثل هذا الرجل الدعي، ولا سيما في إبان ~~حكم الملك الصالح طلائع بن رزيك، وقد عرفناه من أشد وزراء ذلك العصر ~~تعصبا للمذهب والإمامة، لهذا كله أرى أن الرشيد إنما أمسك وسجن بسبب ~~حقد داعي عدن عليه. وقد رأينا قصيدة أخيه المهذب التي أرسل بها إلى داعي ~~اليمن حينما قبض على الرشيد؛ فلم ms208 نجد في هذه القصيدة إشارة إلى ادعاء ~~الرشيد الخلافة، وقد علم الرشيد بأمر هذه القصيدة فأجاب أخاه بقصيدة ~~هي: # يا ربع، أين ترى الأحبة يمموا # رحلوا، فلا خلت المنازل منهم # وسروا، وقد كتموا الغداة مسيرهم # وضياء نور الشمس ما لا يكتم # وتبدلوا أرض العقيق من الحمى # روت جفوني أي أرض يمموا # نزلوا العذيب، وإنما في مهجتي # نزلوا، وفي قلب المتيم خيموا # ما ضرهم، لو ودعوا من أودعوا # نار الغرام، وسلموا من أسلموا # هم في الحشا إن أعرقوا أو أشأموا # أو أيمنوا أو أنجدوا أو أتهموا # وهم مجال الفكر من قلبي، وإن # بعد المزار فصفو عيشي معهم # أحبابنا، ما كان أعظم هجركم # عندي، ولكن التفرق أعظم # غبتم فلا والله ما طرق الكرى # جفني ولكن سح بعدكم الدم # وزعمتم أني صبور بعدكم # هيهات لا لقيتم ما قلتم # وإذا سئلت بمن أهيم صبابة # قلت: الذين هم الذين هم هم # النازلين بمهجتي وبمقلتي # وسط السويدا والسواد الأكرم # لا ذنب لي في البعد أعرفه سوى # أني حفظت العهد لما خنتم # فأقمت حين ظعنتم، وعدلت لم # جرتم، وسهرت لما نمتم # يا محرقا قلبي بنار صدودهم # رفقا ففيه نار شوق تضرم # أسعرتم فيه لهيب صبابة # لا تنطفي إلا بقرب منكم # يا ساكني أرض العذيب سقيتم # دمعي إذا ضن الغمام المرزم # بعدت منازلكم وشط مزاركم # وعهودكم محفوظة مذ غبتم # لا لوم للأحباب فيم قد جنوا # حكمتهم في مهجتي فتحكموا # أحباب قلبي أعمروه بذكركم # فلطالما حفظ الوداد المسلم # واستخبروا ريح الصبا تخبركم # عن بعض ما يلقى الفؤاد المغرم # كم تظلمونا قادرين وما لنا # جرم ولا سبب، لمن نتظلم؟ # ورحلتم وبعدتم وظلمتم # ونأيتم وقطعتم وهجرتم # هيهات لا أسلوكم أبدا وهل # يسلو عن البيت الحرام المحرم؟ # وأنا الذي واصلت حين قطعتم # وحفظت أسباب الهوى إذ خنتم # جار الزمان علي لما جرتم # ظلما ومال الدهر لما ملتم # وغدوت بعد فراقكم وكأنني # هدف يمر بجانبيه الأسهم # ونزلت مقهور الفؤاد ببلدة # قل الصديق بها وقل الدرهم # في معشر خلقوا شخوص بهائم # يصدى بها فكر ms209 اللبيب ويبهم # إن كورموا لم يكرموا، أو علموا # لم يعلموا، أو خوطبوا لم يفهموا # لا تنفق الآداب عندهم ولا ال # إحسان يعرف في كثير منهم # صم عن المعروف حتى يسمعوا # هجر الكلام فيقدموا ويقدموا # فالله يغني عنهم ويزيد في # زهدي لهم ويفك أسري منهم # 69 # فهذه القصيدة التي أجاب بها عن قصيدة أخيه، والتي قالها الرشيد وهو أسير ~~في اليمن، تؤيد ما ذهبنا إليه من أن قصة دعوته الإمامة لنفسه، إنما هي ~~قصة موضوعة، فالرشيد لم يشر إليها ولم يعتذر عنها، وإنما يتحدث عن ~~أعدائه الذين لم يقدروا شعره، فلم تنفق الآداب عندهم، ولم يقدروا ~~إحسانه إليهم، فهم صم عن المعروف، وهم «شخوص بهائم». فالرشيد لم يكن بالرجل ~~الذي يطلب الإمامة لنفسه، ثم يقول مثل هذا القول. # كان الرشيد كما وصفه ياقوت: على جلالته وفضله ومنزلته من العلم والنسب، ~~قبيح المنظر، أسود الجلدة، جهم الوجه، سمج الخلقة، ذا شفة غليظة وأنف ~~مبسوط كخلقة الزنوج قصيرا، # 70 # فكان ذلك سببا في تهكم شعراء مصر به، فقد قيل: إن الرشيد ~~ولي على المطبخ، فقال الشريف الأخفش يخاطب الملك الصالح بن رزيك: # يولي على الشيء أشكاله # فيصبح هذا لهذا أخا # أقام على المطبخ ابن الزبير # فولى على المطبخ المطبخا # 71 # ومما يروى في ذلك أنه اجتمع ليلة عند الملك الصالح هو وجماعة من ~~الشعراء والفضلاء؛ فألقى الصالح مسألة في اللغة، فلم يجب عنها بالصواب سوى ~~الرشيد؛ فأعجب به الصالح، فقال الرشيد: ما سئلت قط عن مسألة إلا ~~وجدتني أتوقد فهما. فارتجل الشاعر ابن قادوس: # إن قلت: من نار خلق # ت، وفقت كل الناس فهما # قلنا: صدقت، فما الذي # أطفاك حتى صرت فحما # وهجاه ابن قادوس مرة أخرى بقوله: # يا شبه لقمان بلا حكمة # وخاسرا في العلم لا راسخا # سلخت أشعار الورى كلها # فصرت تدعى الأسود السالخا # وتروى عنه قصة هي أشبه بقصة الجاحظ مع المرأة التي أرادت نقش صورة ~~الشيطان على الخاتم، ولعل سواده ودمامته وقصره كانت من الأسباب التي ~~جعلته يكثر من ms210 ذم الدهر والناس، وأن يظهر في شعره سمة حزن لعدم وفاء ~~الإخوان وغدرهم به، فقد أنشد وهو في اليمن: # لئن خاب ظني في رحابك بعد ما # ظننت بأني قد ظفرت بمنصف # فإنك قد قلدتني كل منة # ملكت بها شكري لدى كل موقف # لأنك قد حذرتني كل صاحب # وأعلمتني أن ليس في الأرض من يفي # 72 # وأنشد مرة أخرى وهو في مصر: # تواصى على ظلمي الأنام بأسرهم # وأظلم من لاقيت أهلي وجيراني # لكل امرئ شيطان جن يكيده # بسوء، ولي دون الورى ألف شيطان # 73 # اتصل الرشيد بن الزبير بآل رزيك ثم بالوزير شاور وابنه، ولي سنة 559ه ~~النظر على الدواوين السلطانية بالإسكندرية، ثم اتصل بصلاح الدين الأيوبي ~~أثناء محاصرته الإسكندرية، فكان ذلك سبب غضب شاور عليه، فاختفى الرشيد ~~بالإسكندرية، وفي أيام اختفائه أرسل إليه ابن قلاقس هذه الأبيات: # تدانيت دارا والوصول نسوع # فخلك ذو الود الوصول قطوع # حجبت ولم تحجب محاسنك التي # تأنق منها يا غمام ربيع # وضيعت في صون فضعت وهكذا # يصان فتيت المسك وهو يضوع # وإنك والبيت الذي قد عمرته # لكالقلب قد ضمت عليه ضلوع # وما أنت إلا العضب لازم جفنه # لينضى بكف إذ يروق يروع # سيفتق عن زهر بديع كمامه # فما ذاك من صنع الإله بديع # وتسفر عن صبح شريق دجنة # ولا سيما قد كان منه طلوع # كأني بها يابن الكرام مغيرة # لها فوق هاتيك الربوع ربوع # بحيث تريك البر كالبحر ذبل # وبيض، وبيض أشرقت ودروع # وفرسان حرب لا البعيد عليهم # بعيد، ولا العالي الرفيع رفيع # بذلك لا تعجب فإني قائل # وإنك في الشهر الأصم سميع # 74 # وظل الرشيد مختفيا إلى أن قبض عليه، وأشهر على جمل وعلى رأسه ~~طرطور، ووراءه من ينال منه، فكان الرشيد ينشد وهو على هذه الحال: # إن كان عندك يا زمان بقية # مما تهين به الكرام فهاتها # ثم صلب شنقا ودفن حيث شنق، ومن غريب الاتفاق أن يدفن شاور بعد ~~أيام قليلة في نفس المكان الذي دفن فيه الرشيد. ورثى الجليس بن الحباب ms211 ~~صديقه الرشيد بقوله: # ثروة المكرمات بعدك فقر # ومحل العلا ببعدك قفر # بك تجلى إذا حللت الدياجي # وتمر الأيام حيث تمر # أذنب الدهر في مسيرك ذنبا # ليس منه سوى إيابك عذر # 75 # القاضي الجليس # هو أبو المعالي عبد العزيز بن الحسين بن الحباب المعروف بالقاضي الجليس ~~السعدي، ولقب بأمين الدين، # 76 # وهو أحد الشعراء الثلاثة الذين كان يقتدي بهم عمارة اليمني في ~~مدح الملك الصالح طلائع بن رزيك، والاثنان الآخران هما ابنا الزبير المهذب ~~والرشيد، ولكن يخيل إلي أن الجليس كان أقل الثلاثة جودة في الشعر، ~~وأقلهم إنتاجا في القريض، وربما كان عمله في ديوان الإنشاء مع الموفق بن ~~الخلال أيام الفائز، # 77 # جعله لا يهتم بالشعر اهتمام زميليه ابني الزبير، وقد رأينا كيف ~~كانت قصيدته في استدعاء الملك الصالح من الصعيد للأخذ بثأر الخليفة الظافر، ~~والقدماء يذكرون أن الجليس له المعاني المبدعة في شعره، ومثلوا لذلك ~~بقوله: # ومن عجب أن الصوارم في الوغى # تحيض بأيدي القوم وهي ذكور # وأعجب من ذا أنها في أكفهم # تأجج نارا والأكف بحور # 78 # ولا أدري ما الذي أعجب القدماء في هذه الصورة التي أتى بها في البيت ~~الأول، فإني لا أعجب بها كإعجاب القدماء، وإن كنت أعجب بالبيت الثاني، ومن ~~مقطوعاته التي حفظت لنا قوله يتهكم بطبيب: # وأصل بليتي من قد غزاني # من السقم الملح بعسكرين # طبيب طبه كغراب بين # يفرق بين عافيتي وبيني # أتى الحمى وقد شاخت وباخت # فعاد لها الشباب بنسختين # ودبرها بتدبير لطيف # حكاه عن سنان أو حنين # وكانت نوبة في كل يوم # فصيرها بحذق نوبتين # 79 # ثم قوله في مدح طبيب: # يا وارثا عن أب وجد # فضيلة الطب والسداد # وحاملا رد كل نفس # همت عن الجسم بالبعاد # أقسم لو قد طببت دهرا # لعاد كونا بلا فساد # 80 # وكان الجليس من كبار رجال الدولة، ولقب بالجليس لأنه كان جليس ~~الخلفاء مقربا إليهم، فلا غرو أن رأينا شعراء عصره يلوذون به، وينشدونه ~~مدائحهم فيه، # 81 # فقد مدحه ابن قلاقس بعدة قصائد منها ms212 قوله: # عفا طربي إلى عافي الرسوم # فلا روى الغمام ربى الغميم # وكنت أبا المنازل والفيافي # فصرت أخا المدامة والنديم # أميل إلى سلافة بنت كرم # وأدنو من سوالف أم ريم # هدتنا للسرور نجوم راح # بها قذفت شياطين الهموم # وكف الصبح يلقط ما تبدى # بجيد الليل من درر النجوم # فإن توجت راحي كأس راح # فشرب الإثم أولى بالأثيم # ولما أقفرت أوكار وفري # عمرت بعزمتي أكوار كومي # إلى القاضي الجليس استنجدتها # أزمة نجدة وحداة خيم # فقال لها لسان الدهر: هذا # تمام الفضل أودع في تميم # تقسم بين شمس ضحى وبحر # هداية قاصد، وغني عديم # وجلى ظلمتي خطب وجدب # برأي مجرب وندى عميم # وملك حاسديه فجاذبته # خلائقه إلى الطبع الكريم # عجبت لوجهه ولراحتيه # سنا شمس تبدى في غيوم # ومطلب مداه كبا فقلنا # أليم العيش أولى باللئيم # وقافية أهز بها إذا ما # نطقت معاطف الطرب الرميم # تسير وإن أقام بها ثناه # وأعجب ما ترى سفر المقيم # 82 # ومدحه رضي الدولة أبو سليمان داود بن مقدام، الذي أنشد قصيدة في وصف حاله ~~ومدح فيها الجليس، ومنها: # وقد بكرت تلوم على خمولي # كأن الرزق يجلبه خيالي # تقدر أنني بالحرص أحوي الث # راء وذاكم عين المحال # تقول إذا رأت إرشاد قولي # هبلت ألا تهب إلى المعالي # ومن لم يعشق الدنيا قديما # ولكن لا سبيل إلى الوصال # ولو أدليت دلوك في دلاء # متحت به من الماء الزلال # وكم أدليت من دلو ولكن # بلا بلل يرد على قذالي # ولا أنا بالكفاف النزر راض # ولا أنا عن طلاب الكثر سال # ولكن ذاك من قبل اعتمادي # على عبد العزيز أبي المعالي # 83 # كما مدحه الشاعر عمارة اليمني بعدة قصائد. # ولكن الشاعر أبا القاسم هبة الله بن البدر المعروف بابن الصياد كان ~~مولعا بهجاء القاضي الجليس، كثير التهكم بأنفه الكبير، حتى قيل: إن ابن ~~الصياد أنشد أكثر من ألف مقطوعة في أنف الجليس، # 84 # إلى أن انتصر له الشاعر أبو الفتح بن قادوس الذي هجا ابن ~~الصياد بقوله: # يا من يعيب أنوفنا الش ms213 # م التي ليست تعاب # الأنف خلقة ربنا # وقرونك الشم اكتساب # 85 # وتوفي الجليس سنة 591ه قبل المهذب بن الزبير بشهر واحد، وقيل إنه لما مات ~~ابن الحباب شمت به المهذب، ومشى في جنازته بثياب مذهبة، فاستقبح الناس فعله ~~ونقص بهذا السبب، # 86 # ورثى الجليس عدد من الشعراء منهم ابن قلاقس، فمن قوله يرثي ~~الجليس ، ويمدح ابنيه: # علمنا، وقد مات الكمال، التساويا # فيا حسنات الدهر عدن مساويا # وقمنا نرجي في المصاب مواسيا # فأعوزنا لما عدمنا موازيا # ومما شجا أن المعالي تجدلت # ولم تنتصر فيها الكماة العواليا # سألت فقالوا: مصرع لو علمته # فأيقنت لكني خدعت فؤاديا # فحين احتوت كف المنون على المنى # تقلص عن يأسي جناح رجائيا # ومن يسأل الركبان عن كل غائب # فلا بد أن يلقى بشيرا وناعيا # ولما سرى بي نحوه الوجد قاعدا # ولم أستطع عقرا عقرت القوافيا # وسيرت منها بالنوادي نوادبا # شوائد بالذكر الجميل شواديا # وعضب جدال فلل الدهر حده # وما كان إلا قاضب الحد قاضيا # ونور هدى أسرى به خابط الهدى # فلما خبت أضواؤه عاش عاشيا # لمنعاه قام الرعد بالجو نائحا # وبالبرق ملطوما وبالغيث باكيا # وأسلبت الظلماء نور غدائر # إلى أن أشاب الصبح منها النواصيا # تخرمه الدهر المخاتل صائدا # فخلف حتى الري في الماء صاديا # ولو رامه شاكي السلاح محسدا # لراح كما لا يشتهي عنه شاكيا # وهيهات جر الدهر من قبل «جرهما» # وشد على «عاد» و«شداد» عاديا # وكدر ندماني «جذيمة» بعد ما # أقاما زمانا يشربان التصافيا # جليس أمير المؤمنين أقمتها # لفقدك فاسمع صالحات بواقيا # وقد كنت أجلوها عليك تهانئا # فوا أسفا كيف استحالت تعازيا # ولولا سليلاك اللذان توارثا # حلاك ملأت الخافقين مراثيا # هما ألبساني عنك ثوب تصبر # وأعلاق قلبي باقيات كما هيا # سقى الرائح الغادي ضريحك صوبه # وإن كان يسقي الرائحات الغواديا # ولا برحت فيك القلوب عقيرة # تسيل بأسراب الدماء المآقيا # 87 # عمارة اليمني # هو الشاعر الذي يقرن اسمه بأسماء فحول شعراء العصر الفاطمي، بالرغم من ~~أنه لم يكن مصريا، ولكنه وفد على مصر في ربيع الأول سنة ms214 550ه برسالة من ~~أمير مكة قاسم بن هاشم، فأدخل عمارة قاعة الذهب بقصر الخليفة، وأنشد قصيدته ~~التي مطلعها: # الحمد للعيس بعد العزم والهمم # حمدا يقوم بما أولت من النعم # فأعجب الخليفة الفائز ووزيره الملك الصالح ورجال القصر بقصيدته، فأغدقوا ~~على الشاعر نعمهم وعطاياهم، فأمر الوزير بأن يحضر عمارة مجلسه الذي يضم ~~كبار رجال الأدب والعلم بمصر أمثال الجليس، وابن الخلال صاحب ديوان ~~الإنشاء، وابن قادوس، والمهذب بن الزبير ... وغيرهم، ومكث عمارة بمصر حتى ~~شوال سنة 550ه ثم عاد إلى مكة، ومنها رحل في صفر سنة 551ه إلى وطنه الأصلي ~~اليمن، وفي هذه السنة نفسها ذهب لتأدية فريضة الحج، فطلب منه أمير مكة أن ~~يسفر بينه وبين الملك الصالح مرة أخرى، فجاء إلى مصر حيث أمضى ما بقي من ~~سني حياته. # اتصل عمارة بمصر بالأحداث التي مرت عليها منذ وزارة الملك الصالح طلائع ~~بن رزيك حتى انقرضت الدولة الفاطمية؛ لصلته الوثيقة برجال الدولة إبان ~~هذه الحقبة من الزمان، ويعد شعر عمارة من السجلات والوثائق التي تطلعنا ~~على تاريخ مصر إبان هذه السنوات المضطربة، التي أدت إلى زوال الدولة ~~الفاطمية، فإن الجزء الذي بقي لنا من شعر عمارة يدل على أنه أنشد في كل ~~حادثة ألمت بمصر في هذه السنين؛ فقد كان يمدح الوزراء الذين كان بيدهم ~~مقاليد الأمور، وكان يمدح الأمراء الذين هم كبار رجال الدولة، فوجد من ~~الحوادث مناسبت لهذه المدائح، كما أنه وجد منها مادة لكتابة «النكت العصرية ~~في أخبار الوزراء المصرية»، وهو أوثق المصادر عن تاريخ هذه الأيام من أيام ~~مصر الفاطمية، كما أنه شارك شعراء مصر في الإشادة بالأعياد المصرية وأيام ~~المواسم، ونحن نعلم أن عمارة كان سني المذهب، بل كان متعصبا لمذهبه، ولم ~~يتحول عن هذا المذهب، بالرغم من محاولة الوزراء والأمراء معه لكي يعتنق ~~مذهب الفاطميين، ومع ذلك كله فإن عمارة تأثر بما كان يجري في مصر، وأسهم ~~مع غيره من شعراء مصر في الإشادة بعقائد الفاطميين، وقد ذكرنا طرفا من ذلك ~~فيما قبل. ونستشهد ms215 الآن بقصيدته النونية التي قالها في رثاء أهل البيت في ~~عاشوراء، وضمنها مدحا للملك الصالح، وهي القصيدة التي أولها: # شأن الغرام أجل أن يلحاني # فيه، وإن كنت الشفيق الحاني # أنا ذلك الصب الذي قطعت به # صلة الغرام مطامع السلوان # ملئت زجاجة صدره بضميره # فبدت خفية شأنه للشاني # غدرت بموثقها الدموع فغادرت # سرى أسيرا في يد الإعلان # عنفت أجفاني فقام بعذرها # وجد يبيح ودائع الأجفان # وفيها يقول عمارة: # يا صاحبي وفي مجانبة الهوى # رأي الرشاد، فما الذي تريان؟ # قبضت على كف الصبابة سلو # تنهى النهى عن طاعة العصيان # أمسي وقلبي بين صبر خاذل # وتجلد قاص وهم دان # قد سهلت حزن الكلام لنادب # آل الرسول نواعب الأحزان # فابذل مشايعة اللسان ونصره # إن فات نصر مهند وسنان # واجعل حديث بني الوصي وظلمهم # تشبيب شكوى الدهر والخذلان # غصبت أمية إرث آل «محمد» # سفها وشنت غارة الشنآن # وغدت تخالف في الخلافة أهلها # وتقابل البرهان بالبهتان # لم تقتنع أحلامها بركوبها # ظهر النفاق وغارب العدوان # وقعودهم في رتبة نبوية # لم يبنها لهم «أبو سفيان» # حتى أضافوا بعد ذلك أنهم # أخذوا بثأر الكفر في الإيمان # فأتى «زياد» في القبيح زيادة # تركت «يزيد» يزيد في النقصان # حرب، بنو «حرب» أقاموا سوقها # وتشبهت بهم بنو «مروان» # لهفي على النفر الذين أكفهم # غيث الورى ومعونة اللهفان # أشلاؤهم مزق بكل ثنية # وجسومهم صرعى بكل مكان # مالت عليهم بالتمالئ أمة # باعت جزيل الربح بالخسران # دفعوا عن الحق الذي شهدت لهم # بالنص فيه شواهد القرآن # ما كان أولاهم به لو أيدوا # بالصالح المختار من «غسان» # أنساهم المختار صدق ولائه # كم أول أربى عليه الثاني # 88 # فهذه القصيدة من شعر عمارة تدل على أن الشاعر جارى القوم في عاداتهم، وفي ~~أشعارهم، فهو لم يتشيع، ولكنه لم يستطع أن يتخلف عن غيره من شعراء مصر في ~~رثاء أهل البيت في أيام مآتمهم، وشارك المصريين في احتفالاتهم، فله عدة ~~قصائد في كسر الخليج، من ذلك ما أنشده سنة تسع وخمسين وخمسمائة في مدح ~~العاضد: # سجودا فهذا صاحب ms216 الركن والحجر # ووارث علم النمل والنحل والحجر # وفيها يقول: # تمل أمير المؤمنين مواسما # تزورك من صوم شريف ومن فطر # يواصلها سعد بجدك مقبل # فعام إلى عام وشهر إلى شهر # ركبت إلى كسر الخليج وإنما # ركبت إلى جبر الرعايا من الكسر # ولما رأيت البر بحرا من الظبا # تعجبت من بحر يسير إلى نهر # غدوت بفتح السد في زحف أرعن # يسد هبوب الريح بالأسل السمر # يرد ظلام النقع فجرا كأنما # أسنته مطبوعة بسنا الفجر # كأن على البيداء منه صحيفة # كتائبها سطر يضاف إلى سطر # إذا خفقت أعلامه وبنوده # رأيت عليها غرة العز والنصر # وقد خلع التأييد فوقك حلة # تطرز بالإحسان والعدل والبر # أوارث مجد الحافظ بن محمد # وحافظ حكم الله في محكم الذكر # إذا ما استجاب الله صالح دعوة # فمتعك الرحمن بالناصر الذخر # 89 # وهكذا اضطر هذا الشاعر السني إلى أن يتأثر بما كان في مصر في العصر ~~الفاطمي، وأن يتأثر بعقائد الفاطميين فأكثر منها في شعره، بل بلغ به ~~تأثره بالفاطميين إلى أن يرثيهم ويثني عليهم في الوقت الذي تخلى عنهم ~~جميع المصريين، وشمت بهم أعداؤهم العباسيون وجمهور أهل السنة، فعمارة ~~اليمني السني المذهب كان وفيا لهم الوفاء كله، فأنشد قصيدته التي ~~مطلعها: # رميت يا دهر كف المجد بالشلل # وجيده بعد حسن الحلى بالعطل # وفيها يقول، بعد أن وصف أيامهم وذكر أعيادهم ومنشآتهم: # والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم # ولا نجا من عذاب الله غير ولي # ولا سقى الماء من حر ومن ظمأ # من كف خير البرايا خاتم الرسل # ولا رأى جنة الله التي خلقت # من خان عهد الإمام العاضد بن علي # أئمتي وهداتي والذخيرة لي # إذا ارتهنت بما قدمت من عملي # تالله لم أوفهم في المدح حقهم # لأن فضلهم كالوابل الهطل # ولو تضاعفت الأقوال واتسعت # ما كنت فيهم بحمد الله بالخجل # باب النجاة هم دنيا، وآخرة # وحبهم فهو أصل الدين والعمل # نور الهدى ومصابيح الدجى ومحل # الغيث إن ربت الأنواء في المحل # أئمة خلقوا نورا فنورهم # من محض خالص نور ms217 الله لم يغل # والله ما زلت عن حبي لهم أبدا # ما أخر الله لي في مدة الأجل # 90 # فكانت هذه القصيدة، وما قيل من أنه اشترك مع نفر من الأوفياء للفاطميين ~~لإعادة ملكهم بتولية ابن العاضد، سببا في القبض عليه معهم وصلبه سنة تسع ~~وستين وخمسمائة، واتهمه الفقهاء بالكفر، وقال فيه تاج الدين الكندي ~~الشاعر: # عمارة في الإسلام أبدى خيانة # وبايع فيها بيعة وصليبا # فأمسى شريك الشرك في بغض أحمد # فأصبح في حب الصليب صليبا # وكان خبيث الملتقى إن عجمته # تجد منه عودا في النفاق صليبا # سيلقى غدا ما كان يسعى لأجله # ويسقى صدايد في لظى وصليبا # 91 # وهكذا أصاب عمارة ما أصاب الفاطميين الذين حبوه بأموالهم وعطاياهم، ~~وأكرموه الإكرام كله، فقابل ذلك كله بوفاء الوفي الأمين. # ابن قلاقس # أبو الفتح نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي بن قلاقس ~~اللخمي الإسكندري، ولقب بالقاضي الأعز، ولد بالإسكندرية سنة 532ه، ~~وبها نشأ وتثقف فأخذ عن الحافظ أبي طاهر السلفي وعن غيره، ~~ثم رحل عن مصر إلى اليمن، فدخل عدن سنة ~~563ه متكسبا بشعره، فمدح بها ياسر بن بلال، ثم سافر إلى صقلية سنة 565ه ~~ومدح بها القائد أبا القاسم بن الحجر، وصنف باسمه كتابا سماه: «الزهر ~~الباسم في أوصاف أبي القاسم»، وشاء العودة إلى مصر، وتوفي بعيذاب سنة 567ه. # 92 # فالشاعر كان يتجر بشعره، ويرحل إلى الممدوحين بقصد الكسب، مع ~~أنه اتصل ببعض رجالات مصر وأخذ نوالهم. مدح الخليفة الفاطمي بقوله: # في مرتقى الوحي تعلو مرتقى الأمل # فافسح رجاءك واطلب فسحة الأجل # لا تنتجع للأماني بعده دولا # فقد تأملت منه واهب الدول # وانظر إلى صفوة الخلق التي ظهرت # للناس أيامه عن صفوة الرسل # لو عاد ينطح ذو القرنين صخرته # لعاد واهي قرون الرأس كالوعل # 93 # ومدح الوزير شاور، وعرض بشيركوه بقوله: # عارض الصفح في يديك الصفاحا # ورأى البأس أن تطيع السماحا # فرفعت الجناح عن جارم الذن # ب بعفو خفضت منه الجناحا # ووضعت السلاح حين أراك ال ms218 # عزم والرأي إن وضعت السلاحا # أي ثغر سما إليه أبو الفت # ح فلم يبتدر إليه افتتاحا # بخيول طارت بأجنحة النص # ر فراحت بها تباري الرياحا # وكماة غرقد اقتطعوا اللي # ل وساقوه في العجاح صباحا # ورماح تجني فنجنيك في الحر # ب شقيقا ما كان قبل أقاحا # وظبي تقطع الترائب مهما # ألقحت بالضراب حبا لقاحا # شاركت شيركوه في النفس والما # ل وصاحت به فصاحا فصاحا # طلب الأمن فاستجيب وما يع # رف منك الطلاب إلا النجاحا # بعد ما ضيق الحمام عليه # سبلا غودرت لديه فساحا # وأقامته كالجذور حماة # ضربت بالقنا عليه القداحا # فليطل بعدها الفخار فقد را # ح طليقا لبيضكم حيث راحا # يا معل الظبا البواتر ضربا # ترك المجد والمعالي صحاحا # فيك لله والخليفة سر # أوضحاه لمبصر إيضاحا # ذاك أعطاك آية النصر تصري # حا، وهذا أعطاك ملكا صراحا # 94 # ومدح الكامل بن شاور، والقاضي الجليس، والقاضي ابن خليف، والحافظ السلفي، ~~وابن مصال، والقاضي الفاضل ... وغيرهم من رجال مصر، فمن مدائحه للكامل بن ~~شاور قوله: # حمد السرى من كنت وجه صباحه # من بعد ذم غدوه ورواحه # ورأى النجاح مؤمل ألحقته # من حسن رأيك فيه ظل جناحه # وأما وعزمك وهو أنهض فاتك # لقد انبرى والصفح تلو صفاحه # وبديع مدحك وهو أينق متجر # لقد اغتدى والعز من أرباحه # فالدهر بين فريده وفرنده # متقلد بنجاده ووشاحه # بأس تورد في خدود شقيقه # وندى تبسم في ثغور أقاحه # والكامل المسعود في آفاقه # بدر جلا الإمساء عن إصباحه # بمناقب سمت النجوم لنيلها # فاستخدمتها في رءوس رماحه # ومواهب عان السحاب معينها # فاستغرقته في بحور سماحه # يا آل شاور أنتم دون الورى # للملك كالأرواح في أشباحه # وإلى معاليكم إشارة خرسه # وعلى أياديكم ثناء فصاحه # لم لا يكون الشكر عندك منتجا # ونداك قوام بأمر لقاحه # 95 # ولكنه كان مولعا بالأسفار وركوب البحر، ولذلك يقول: # والناس كثر ولكن لا يقدر لي # إلا مرافقة الملاح والحادي # 96 # ويقول: في مدح ياسر بن بلال الداعي بمدينة عدن، وكان قد فارقه، ولكن ~~سفينته غرقت فعاد إليه مرة ms219 أخرى، وأنشده هذه القصيدة يصف فيها غرقه، ويتحدث ~~عن ولعه بالأسفار: # سافر إذا ما شئت قدرا # سار الهلال فصار بدرا # والماء يكسب ما جرى # طيبا ويخبث ما استقرا # وبنقلة الدرر النقي # ة بدلت بالبحر نحرا # وصلا إذا امتلأت يداك # فإن هما حلتا فهجرا # فالبدر أنفق نوره # لما بدا ثم استسرا # حركات عيسك ما أرد # ت مهاد عيشك أن يقرا # إما تريني شاحب ال # وجنات قد ألبست طمرا # فوقائع الأيام تخ # رج أهلها شعثا وغبرا # مدت إلى الأربعو # ن يدا وقد قهقرت عشرا # واستحدثت في لمتي # نقطا فهلا كن حبرا # ما قلت أف فإنها # شرر بأف يعود جمرا # وكفاك أني إن نظر # ت لها نظرت النجم ظهرا # كان الشباب الغض لي # لا فاستنار الشيب فجرا # ولئن تقلب بي الزما # ن كما اشتهى بطنا وظهرا # فبما قتلت صروفه # وقتلته جلدا وخبرا # غاض الوفاء وفاض ما # ء الغدر أنهارا وغدرا # فانظر بعينك هل ترى # عرفا، وليس تراه نكرا # خلق جرى من آدم # في نسله وهلم جرا # ومروعي بالبحر يح # سب أنني أرتاع بحرا # أوما درى أني بتس # هيل المصاعب منه أدرى # أعددت نظرة «ياسر» # نحوي وسوف تعود يسرا # من صرف الأقدار في # أيامه كسرا وجبرا # واستخدم الأيام في # أحكامه نهيا وأمرا # وانتاشني في نظرة # أولى سيتبعها بأخرى # فالسحب ترشح إذ جرت # في إثره بالجهد قطرا # والرعد رجع جاهدا # أنفاسه تعبا وبهرا # غرس الصنائع في الرقا # ب فأنبتت حمدا وشكرا # يقظان إن نبهته # عمرا أو استنجدت عمرا # ولرب طرة معرك # سوداء أعدته طرا # أسرى إلى أبطالها # فأبادهم قتلى وأسرى # من كل متشح على # نهر الدلاص الرعف نهرا # جروا الذوائب والذوا # بل خلفهم بيضا وسمرا # فالسيف يقرع بينهم # بثقيفه، والضيف يقرى # يا راويا عن شخصه # خبرا ولم يعرفه خبرا # والثم بنان يمينه # وقل السلام عليك بحرا # وغلطت في تشبيهها # بالبحر، اللهم غفرا # أولست نلت بذا ندى # جما، ونلت بذاك فقرا # بنوافذ ترنو الريا # ح لها بطرف الحقد شزرا # لا زال ينظر عودها # بنداه لدن المتن ms220 نضرا # 97 # وهذا الشاعر الرحالة كان يميل إلى الإكثار من المحسنات البديعية في ~~شعره، بخلاف بعض الشعراء الذين عاصروه أمثال المهذب والرشيد والجليس ~~وغيرهم، وإن كان هؤلاء الشعراء قد ألموا بالمحسنات البديعية، ولكنهم لم ~~يتعمدوها كما تعمدها ابن قلاقس الذي كان يجهد نفسه على ما يظهر لنا في ~~الإتيان بهذه المقابلات والتوريات وغيرها من ألوان الزينة اللفظية. ~~••• # من هذا الفصل نستطيع أن ندرك كيف كان للوزراء أثر في حياة الشعر في العصر ~~الفاطمي، وكيف اجتمع الشعراء حول الوزراء يمدحونهم، ويأخذون عطاياهم، أسوة ~~بما كان يحدث لدى الخلفاء أنفسهم إبان سطوتهم وقوة ملكهم، ونحن نأسف أن ~~يضيع أكثر شعر هؤلاء الشعراء، فلم يصلنا منه إلا هذه القطع المتفرقة أو ~~القصائد الناقصة، ومع ذلك فالذي بقي لنا من الشعر يدلنا على أن نهضة الشعر ~~كانت قوية، وأن تياره كان جارفا، وأن عدد الشعراء المجيدين تضاعف بحيث ~~يخيل إلينا أن كل مثقف في ذلك العصر كان ينشد الشعر، وأن كتاب ~~الدواوين والقضاة كانوا من الشعراء. ويكفي أن نلقي نظرة على مجاميع ~~الشعر، أمثال اليتيمة والدمية والخريدة، أو كتب التراجم؛ لندرك أن عددا ~~كبيرا جدا من المصريين أنشد الشعر، وأن الشعر كان من الجودة بحيث ~~استطاعت مصر أن تبز غيرها في مضمار القريض. # الفصل الرابع # | الشعر والحرب الصليبية # يخيل لكل من يقرأ تاريخ الفاطميين في مصر أن مصر في هذا العهد كان يسودها ~~الأمن، وأن المصريين كانوا يعيشون في دعة ولين، ألم يتحدث المؤرخون عن النعيم ~~الذي كان في العصر الفاطمي، والترف الذي كان يرفل فيه المصريون، والحياة الناعمة ~~اللينة التي كان يحياها الناس؟ ولكن المؤرخين أنفسهم تحدثوا أيضا عن لون آخر من ~~الحياة، هي حياة الاضطرابات والحروب الكثيرة التي كان يشنها أعداء الفاطميين على ~~بلادهم وممتلكاتهم، منذ أقام الفاطميون دولتهم في شمال إفريقية، فقد كان أعداؤهم ~~يحيطون بممتلكاتهم من كل جانب، ويتحينون الفرص للإيقاع بهذه الدولة الفاطمية التي ~~قامت لتثل عرش العباسيين في المشرق والأمويين في المغرب، كما كان أمام الفاطميين ~~عدو المسلمين ms221 العتيد - أعني الروم - ودول جنوب أوروبا التي كان يهددها الفاطميون ~~من صقلية ومستعمراتهم في إيطاليا، حتى إذا كان النصف الثاني من القرن الخامس للهجرة ~~رأينا الفاطميين يشتبكون في حروب صعبة المراس، هي التي عرفت في التاريخ بالحروب ~~الصليبية. أضف إلى ذلك كله ما ذكره المؤرخون أيضا من قيام خوارج على الدولة ~~الفاطمية في مصر وفي ممتلكاتها، وحروب بين الأمراء لتولي الوزارة. فكل هذه ~~الاضطرابات والحروب اضطلعت بها مصر بعد أن أصبحت عاصمة الإمبراطورية الفاطمية، ~~وسجل الشعراء هذه الحروب في أشعارهم ومدائحهم، فالأمير تميم مدح أخاه الإمام ~~العزيز بالله عندما هزم هفتكين الشرابي التركي - مولى معز الدولة البويهي - في ~~دمشق، ثم طلب العفو من العزيز، فوصف تميم هذا الحادث بقوله: # وإنا لقوم نروع الزمان # ولسنا نراع إذا ما سطا # ومنا الإمام العزيز الذي # به عاد سيف الهدى منتضى # سعى للشآم وقد أصبحت # بها الحرب نزاعة للشوى # فكشف من ليلها ما سجا # وقوم من زيغها ما التوى # ولما تقابلت الجحفلان # وعاد كجنح الظلام الضحى # ولم يبق في الصف من قائل: # هل؟ ولا من مجيب: أنا # وقد ولغت في الصدور الرماح # وصلت لبيض السيوف الطلى # وغنت على البيض بيض الذكور # غناء يعيد الفرادى ثنى # كأن الرماح سكارى تجول # بها الخيل في النقع قب الكلا # فلولا الإمام العزيز الذي # تداركها وهي لا تصطلى # فسكن عارض شؤبوبها # وأمسك من سجله ما انهمى # بدا لهم دارعا في العجاج # كصبح بدا طالعا في الدجى # يكر ويبسم في موقف # عبوس الكماة به قد بدا # ولم يخذل السيف منه يدا # ولم يسكن الروع منه حشا # يقود إلى الحرب من جنده # أسود رجال كأسد الشرى # فلو فدت الحرب قوما، إذن # لفدتك صارخة بالعدا # فلم تصدر الرمح حتى انثنى # ولم تغمد السيف حتى انفرى # ولم يحمل الموت حتى حملت # ولولاك ما خاب ذاك اللظى # فما انفرجت عنك إلا وأنت # بها الفارس الملك المتقى # فجاءك منهم ملوك الرجال # وفدتك منهم ذوات اللمى # ولاذوا بعفوك مستأمنين # ولم يجدوا غيره ملتجا # ولما رأى فتحها ms222 هفتكين # عليه وأخلفه ما رجا # تولى لينجو فخفت به # جيوشك واستوقفته الربا # ولو طلب العفو قبل الهروب # لكنت له غافرا ما مضى # ولكنه اعتاد فيها الإباق # وليس الفتى كل يوم فتى # ورام الخلاص وكيف الخلاص # وقد بلغ الماء أعلى الزبى # ولم يك كفؤك في حربه # وإن كان في بأسه المنتهى # وقد هزم الأسد حتى انتهاك # فلما رآك غدا لا يرى # فراح وحشو حشاه أسى # وقد ملئت مقلتاه عمى # أريتهم وقعات تزيد # على وقعات الدهور الألى # ببغداد من ذكره جولة # تذود عن المارقين الكرى # فأنفس ديلمها تغتدي # وتمسي على مثل جمر الغضا # إذا سمعوا بالإمام العزيز # أساءوا الظنون وحلوا الحبا # يخافون من بأسه وقعة # تدور عليهم بقطب الرحى # ينادي «بويه» بنيه بها # ويندبهم وهو رهن البلى # 1 # ونحن مضطرون إلى أن نترك هذه الحروب الكثيرة التي خاضها الفاطميون، وأن نمر ~~بالأشعار التي أنشدها شعراؤهم في وصف تلك المعارك، لنتحدث عن شعر الفاطميين في هذه ~~الحروب الطاحنة التي شغلت العالم الإسلامي عدة قرون، وكانت مصر هي الدولة الإسلامية ~~الكبرى التي أوقفت مواردها ورجالها للذود عن البلاد الإسلامية وعن الدين الإسلامي، ~~ووقفت أمام مسيحيي أوروبا تكافح وتناضل طوال هذه القرون، حتى أدخلت اليأس في قلوب ~~الأوروبيين، وجعلت آمالهم وأحلامهم قصورا بنيت في الهواء. # ظهرت الحرب الصليبية الأولى سنة 490ه في عهد المستعلي ووزيره الأفضل بن بدر ~~الجمالي، وليس لنا في هذا البحث أن نعرض لهذه الحروب الصليبية من الناحية ~~التاريخية، ونكتفي بأن نذكر أن الأفضل استهان بأمر هذه الحركة في أول الأمر، ولم ~~يدرك الأخطار التي نجمت عن تخاذله وتهاونه، بيد أنه بدأ يدرك خطأ تقديره بعد أن ~~استولى الصليبيون على أنطاكية ومعرة النعمان سنة 491ه، وواصلوا زحفهم إلى بيت ~~المقدس، فاضطر حينئذ إلى أن يعبئ جيوشه ويرسلها إلى فلسطين من طريق البحر والبر، ~~ولكن جيوشه هزمت أمام الصليبيين سنة 492ه بجوار بيت المقدس، واضطرت إلى الانسحاب ~~إلى عسقلان، ثم إلى العودة إلى مصر. على أن شعراء الأفضل ذكروا لنا أن سبب عودة ms223 هذه ~~الجيوش المصرية لم يكن هزيمتها أمام الصليبيين، بل سببها ثورة بعض الجنود على ~~الأفضل وتآمرهم للفتك به، ولعل قصيدة أمية بن أبي الصلت التي رويناها من قبل تدلنا ~~على أن الشعراء أخذوا يعتذرون عن الأفضل، وعن انهزامه في هذه الحرب الصليبية ~~الأولى. وفي هذه القصيدة إشارة إلى مؤامرة الجنود، كما أن الشاعر يصرح بأن وزير مصر ~~هو الوحيد الذي قام بالذود عن الدين ونصرة المسلمين، على حين ظلت البلاد الإسلامية ~~الأخرى لاهية عن هذا الخطر الذي دهمهم، فهو يقول: # جردت للدين والأسياف مغمدة # سيفا تفل به الأحداث والغير # وبعد أن تحدث الشاعر عن شجاعة الأفضل وإقدامه في الحروب، أخذ في الاعتذار عن ~~هزيمته، وتوعد الصليبيين بعودة الأفضل إليهم، والانتصار عليهم: # وإن هم نكصوا يوما، فلا عجب # قد يكهم السيف وهو الصارم الذكر # العود أحمد والأيام ضامنة # عقبى النجاح ووعد الله ينتظر # وربما ساءت الأقدار ثم جرت # بما يسرك ساعات لها أخر # ونقل المقريزي عن ابن الطوير: أن الأفضل قصد استنقاذ الساحل من يد الفرنج، فوصل ~~إلى عسقلان، وزحف عليها بذلك العسكر، فخذل من جهة عسكره، وهي نوبة النصة، وعلم أن ~~السبب في ذلك من جنده، وكان عند الفرنج شاعر منتجع إليهم، فقال يخاطب صنجل ملك ~~الفرنج: # نصرت بسيفك دين المسيح # فلله درك من صنجل # وما سمع الناس فيما رووه # بأقبح من كسرة الأفضل # فتوصل الأفضل إلى ذبح هذا الشاعر. # 2 # وعاد الأفضل إليهم، وكانت جيوشه تصاب بهزائم منكرة، ولكنه لم ييأس من الظفر، ~~واضطربت أمور مصر من بعده حتى ولي الملك الصالح طلائع بن رزيك، فأخذ يرسل الجيوش ~~المصرية لمحاربة الفرنج، فكان ينتصر حينا وينهزم حينا آخر، وسجل شعراؤه هذه ~~الحروب، فمن ذلك قول شرف الدولة ابن جبر أبو محمد يحيى بن حسن في إحدى المعارك التي ~~خاضها ابن رزيك ضد الفرنج: # أطفى ابن رزيك لهيب ضرامه # والبيض تخطب في الرءوس فتسمع # وكتائب للشرك كنت إزاءها # متعرضا فانفض ذاك المجمع # ولكم صرعت من الفرنج سميدعا # بلقائه لك قيل: أنت ms224 سميدع # 3 # وقال المهذب بن الزبير في حروب ابن رزيك، ولم يذكر العماد الواقعة التي كانت سبب ~~هذه القصيدة ولا تاريخها: # وتلقى الدهر منه بليث غاب # غدت سمر الرماح له عرينا # تخال سيوفه إما انتضاها # جداول والرماح لها غصونا # وتحسب خيله عقبان دجن # يرحن مع الظلام ويغتدينا # إذا قدحت بجنح الليل أورت # سنا يغشى عيون الناظرينا # وإن صبحت مع الإصباح عدوا # أثارت للعجاج به دجونا # كأن الشمس حين نثير نقعا # تحاذر من سطاه أن تبينا # وما كسفت بدور الأفق إلا # أسى إذ أبصرت منه الجبينا # وما اضطربت رماح الخط إلا # مخافة أن يحطمها مبينا # وما تندق يوم الروع حتى # يدق بها الكواهل والمتونا # عجبت لها تصافح من يديه # وتوصف بالظما، بحرا معينا # ويوردها ولا تحظى بري # نطافا من دروع الدارعينا # وهل يشفى لها أبدا غليل # وقد شربت دماء الكافرينا # إذا لقيت عيون الروم زرقا # حسبت نصالها تلك العيونا # تخال البحر مد به خليج # إذا ما مد بالقضب اليمينا # 4 # ومرة أخرى ذكر العماد أن الملك الصالح أرسل أسطوله سنة 553ه لحرب الصليبيين، ~~وانتصر الأسطول، فأنشد المهذب يمدح الصالح ويصف الأسطول، ومن هذه القصيدة ندرك أن ~~الموقعة كانت بالقرب من العريش: # أعلمت حين تجاوز الحيان # أن القلوب مواقد النيران # لما أبوا ما في الجفان قريتهم # بصوارم سلمت من الأجفان # وثللت في يوم العريش عروشهم # بشبا ضراب صادق وطعان # ألجأتهم للبحر لما أن جرى # منه ومن دمهم معا بحران # ومدح الورى بالبأس إذ خضبوا الظبا # في يوم حربهم من الأقران # ولأنت تخضب كل بحر زاخر # ممن تجاوب بالنجيع القاني # حتى يرى دمهم وخضرة مائه # كشقائق نثرت على الريحان # وكأن بحر الروم خلق وجهه # وطفت عليه منابت المرجان # ولقد أتى الأسطول حين غزا بما # لم يأت في حين من الأحيان # أحبب إلي بها شواني أصبحت # من فتكها ولها العداة شواني # شبهن بالغربان في ألوانها # وفعلن فعل كواسر العقبان # وقرتها عدد القتال فقد غدت # فيها القنا عوضا من الأشطان # حرب عوان حكمتك من العدا ms225 # في كل بكر عندهم وعوان # وأعدت رسل ابن القسيم إليه في # شعبان كيما يلأم الشعبان # والفأل يشهد باسمه أن سوف يغ # دو الشام وهو عليكما قسمان # وأراك من بعد الشهيد أبا له # وجعلته من أقرب الإخوان # وهو الذي ما زال يفعل في العدا # ما لم يكن ليعد في الإمكان # قتل البرنس ومن عساه أعانه # لما عسا في البغي والعدوان # وأرى البرية حين عاد برأسه # مر الجنا يبدو على المران # فليهنه أن فاز منك بسيد # أوفى برتبته على كيوان # 5 # ولعل هذه القصيدة تبين لنا ناحية تاريخية هامة لم يذكرها المؤرخون في كتبهم، ~~ولم يتحدث عنها المؤرخون من الغربيين، تلك هي علاقة الملك الصالح بن رزيك بنور ~~الدين زنكي إبان الحروب الصليبية، فالشاعر هنا يذكر نور الدين، مرة يذكره «بابن ~~القسيم» أي ابن قسيم الدولة أتابك زنكي، ويذكره مرة ثانية باللقب الذي عرف به وهو ~~«الشهيد»، ويتحدث الشاعر عن الاتفاق الذي كان بين الملك الصالح وبين نور الدين، ~~ويقضي هذا الاتفاق على أن يواصلا الحرب ضد الصليبيين حتى يتركوا الشام، فتقسم ~~حينئذ بين مصر ونور الدين، هذا الاتفاق الذي أشار إليه المهذب في هذه القصيدة لم ~~يذكره أحد من المؤرخين، ويغلب على ظني أنه لولا هذه الصلة الوثيقة التي كانت بين ~~الشاعر والملك الصالح، لما استطاع الشاعر أن يعرف مثل هذا الاتفاق الذي كان بين ~~العاهلين. # وفي عهد الملك الصالح طلائع بن رزيك، كان الصليبيون يمعنون في شن غاراتهم على ~~حوران وما حولها من البلدان، ووردت الأنباء بأن عسكر المصريين استولوا على عسقلان، ~~وقتلوا من بها من عسكر الفرنج، وسر المصريون بذلك الانتصار سرورا عظيما نلمح ~~أثره في قصيدة الملك الصالح التي أرسلها إلى أسامة بن منقذ صاحب حصن شيزر، وأحد ~~الأمراء الذين كانوا يساعدون نور الدين زنكي في حروبه ضد الصليبيين: # ألا هكذا في الله تمضي العزائم # وتنضى لدى الحرب السيوف الصوارم # وتستنزل الأعداء من طول عزهم # وليس سوى سمر الرماح سلالم # وتغزي جيوش الكفر في عقر دارها # ويوطا حماها ms226 والأنوف رواغم # ويوفي الكرام الناذرون بنذرهم # وإن بذلت فيها النفوس الكرائم # نذرنا مسير الجيش في صفر فما ان # ثنى حتى انثنى وهو غانم # بعثناه من مصر إلى الشام قاطعا # مفاوز، وخد العيس فيهن دائم # فما هاله بعد الديار ولا ثنى # عزيمته جهد الظما والسمائم # يباري خيولا ما تزال كأنها # إذا هي ما انقضت نسور قشاعم # يسير بها «ضرغام» في كل مأزق # وما يصحب الضرغام إلا الضراغم # وواجههم جمع الفرنج بحملة # تهون على الشجعان فيها الهزائم # وما زالت الحرب العوان أشدها # إذا ما تلاقى العسكر المتضاخم # وعادوا إلى حز السيوف فقطعت # رءوس وحزت للفرنج غلاصم # فلم ينج منهم يوم ذاك مخبر # ولا قيل: هذا وحده اليوم سالم # فقولوا «لنور الدين» لا فل حده # ولا حكمت فيه الليالي الغواشم # تجهز إلى أرض العدو ولا تهن # وتظهر فتورا إن مضت منك (حارم) # فما مثلها تبدي احتفالا به ولا # يعض عليها للملوك الأباهم # فعندك من ألطاف ربك ما به # علمنا يقينا أنه بك راحم # أعادك حيا بعد ما زعم الورى # بأنك قد لاقيت ما الله حاتم # بوقت أصاب الأرض ما قد أصابها # وحلت بها تلك الدواهي العظائم # وخيم جيش الكفر في أرض شيزر # فسيقت سبايا واستحلت محارم # فقم واشكر الله الكريم بنهضة # إليهم فشكر الله للخلق لازم # فنحن على ما قد عهدت نروعهم # ونحلف جهدا أننا لا نسالم # وغاراتنا ليست تفتر عنهم # وليس ينجي القوم منا الهزائم # فأسطولنا أضعاف ما كان سائرا # إليهم فلا حصن لهم منه عاصم # 6 # ومرة أخرى يرسل الملك الصالح إلى أسامة: # يا سيدا يسموا بهم # ته إلى الرتب العلية # أنت الصديق وإن بعد # ت وصاحب الشيم الرضية # يهنيك أن جيوشنا # فعلت فعال الجاهلية # سارت إلى الأعداء من # أبطالها مائتا سرية # فتغير هذي بكرة # وتعاود الأخرى عشية # فالويل منها للفرنج # فقد لقوا جهد البلية # جاءت رءوسهم تلوح # على رءوس السمهرية # 7 # وفي قصيدة للشاعر ابن الصياد حديث عن موقعه بين الملك الصالح والصليبيين، وعن قتل ~~مقدم خيل الفرنج الذي سماه ms227 ابن الصياد «بأرناط»، واسمه الصحيح «رينولد» # Renauld ~~. # قال ابن الصياد: # عن سيف دين الله سل «أرناطا» # حيث المنية كأسها يتعاطى # والمشرفية قد حكت في جيشه # في العل والنهل القطا الفراطا # قد سام طير الكفر منه منسرا # أشغى وعاين مخلبا عطاطا # هو ملبس جيش العدا في الحرب من # حلل النجيع مجاسدا ورياطا # فجياده تشكو مزاحمة القنا # وترد خرصان الرماح سياطا # هو فارس الإسلام يحفظ بالظبا # من دينه الأطراف والأوساطا # كم قد أنار من الأسنة أنجما # لما أثار من العجاج عطاطا # فتخاله ملكا رمى بشهابه # في الروع شيطان الحروب فشاطا # 8 # ويحدثنا عمارة اليمني في النكت أن في وزارة الملك الصالح غزا الصليبيون مصر، ~~ووصلوا إلى إقليم الحوف، فأرسل الوزير الجيوش بقيادة ابنه العادل الناصر خلفهم، ~~وطاردهم إلى أبي عروق من إقليم فلسطين، وعاد بجيوشه منتصرا إلى بلبيس، ففرق في ~~الجيش مالا كثيرا، وخلع على الأعيان. ويذكر عمارة أن له ولغيره من شعراء مصر ~~شعرا في هذه الموقعة، ولكن لم يصل إلينا من هذا الشعر إلا مقطوعة من قصيدة لعمارة ~~منها قوله: # أنت الذي يعقد الإسلام خنصره # عليه إن جل خطب أو طرا وطر # متوج تشرق الدنيا بطلعته # وتخجل الشمس مهما لاح والقمر # إذا أقامت على ثغر صوارمه # فللنوائب عن سكانه سفر # ومنها قوله: # أغاث أعمال «بلبيس» وأمنها # من بعد ما غالها الإشفاق والحذر # وحين أبليت عذرا في اللحاق بهم # والنصر يقسم لا فاتوك والظفر # وقال: عزمك لما أن ألح ولم # تلح له منهم عين ولا أثر # إن ينج منها «أبو نصر» فعن قدر # نجا، وكم قدرة قد عاقها القدر # وعدت نحو مقر العزم في عصب # يفنى بها الأكثران: الرمل والمطر # وللصوارم في أجفانها أسف # تكاد من حره الأجفان تستعر # 9 # هذا الشاعر الذي مدح الوزير بانتصاره على الصليبيين يحدثنا أن ابن الوزير نجا ~~من هذه الموقعة (عن قدر)، فهذا البيت إنما يدل على أن الحرب بين الفريقين كانت ~~عسيرة شاقة كاد يقتل فيها ابن الوزير، ولكن القدر فقط هو الذي أنجاه ms228 من خطر ~~محقق. ومع ذلك فقد وصلت إلينا قصيدة أخرى من شعر عمارة في مدح الملك الصالح، ~~وفيها ذكر لهذه الموقعة، منها قوله: # تيقنت الإفرنج أنك إن ترد # ديارهم لم ينجهم منك مهرب # وخافتك إن لم تعطها الأمن منعما # فجاءتك يا ليث الشرى تتغلب # وأهدوا رجال السلم آلة حربهم # ومن بعض ما أهدوا مجن ومقلب # وذلك فأل صادق أن عزهم # بسيفك يا سيف الهدى سوف يسلب # 10 # وهذه الموقعة هي إحدى الغلطات الثلاث التي كان يعدها الصالح نفسه؛ إذ يروي ابن ~~خلكان أن ثالث هذه الغلطات : خروج الملك الصالح إلى بلبيس بالعساكر، ورجوعه بعد أن ~~أنفق فيهم أكثر من مائتي ألف دينار، حيث لم يتم زحفه إلى بلاد الشام ويفتح بيت ~~المقدس، ويستأصل شأفة الفرنج. # 11 # وفي هذه الموقعة نفسها قال عمارة أيضا في مدح الملك الناصر بن ~~الصالح: # رأيتك لم تقنع بمنصبك الذي # علا فنجوم الأفق عنه سفال # فباشرت مكروه الوغى في مواطن # حرام المنايا بينهن حلال # وهل يفخر الصمصام إلا بقطعه # وإن راق منه جوهر وصقال # كأنك خلت السلم نقصا على العلا # وليس لها غير القتال كمال # ولما تشكي الخوف حيفا على الهدى # وكاد الهوى يسطو عليه ضلال # نهضت إلى الإفرنج تزجي كتائبا # تغل بها أعناقهم وتغال # فولوا وقد أبقت عليهم نفوسهم # سباسب حالت دونهم ورمال # وأتبعتهم ركضا على كل سابح # إذا الريح كلت لم يصبه كلال # 12 # والمؤرخون يذكرون قصة شاور، واستنجاده بالصليبيين ضد أسد الدين شيركوه وصلاح ~~الدين، ففي موقعة بلبيس التي انتصر فيها شاور والفرنج، قال عمارة يمدح شاور، ويعرض ~~بالغزو: # ولقد دفعت إلى ثلاث نوائب # كادت تشيب لهولها ولدانها # من معشر تغدو السماحة والندى # فيما حوت أجفانها وجفانها # فعصابة غزية غادرتها # وأجل ما نرجوه منك أمانها # وعصابة رومية عاشرتها # فتأدبت وتهذبت أذهانها # وعصابة مصرية بك أصبحت # فوق البرية راجحا ميزانها # وتداركت بلبيس منك عواطف # يسع الزمان وأهله غفرانها # أقسمت لولا حسن رأيك لاغتدى # الناقوس في بلبيس وهو أذانها # بلد لو انهدمت قواعد سوره # بيد ms229 النصارى لم يعد بنيانها # أبقيتها للمسلمين وإنه # ليعز بعد خرابها عمرانها # 13 # فهو هنا يمدح شاور باتفاقه مع الصليبيين، ولولا هذا الاتفاق لاستولى الفرنج على ~~بلبيس، ولدثر الدين في هذا البلد، ولذلك لم يهج الصليبيين في هذا الشعر، وإن كان ~~عرض بهم تعريضا خفيفا، ونستطيع أن نعرف رأي عمارة في الإفرنج إذا قرأنا مقطوعة ~~أخرى له لم يقصد بها مدح الوزير، بل هي أبيات صادرة عن عاطفة الشاعر نحو هذه ~~الأحداث والنكبات التي جرتها سياسة شاور على البلاد، فهو يقول: # يا رب إني أرى مصرا قد انتبهت # لها عيون الأعادي بعد رقدتها # فاجعل بها ملة الإسلام باقية # واحرس عقود الهدى من حل عقدتها # وهب لنا منك عونا نستجير به # من فتنة يتلظى جمر وقدتها # 14 # وفي مديحه لصلاح الدين، وذكر وقعة الجسر بالجيزة التي انتصر فيها على الصليبيين ~~بقيادة مري، يقول عمارة: # حمى الله منكم عزمة أسدية # فككتم بها الإسلام من ربقة الكفر # لئن نصبوا في البر جسرا فإنكم # عبرتم ببحر من حديد على الجسر # طريق تقارعتهم عليها مع العدا # ففزتم بها والصخر يقرع بالصخر # أخذتم على الإفرنج كل ثنية # وقلتم لأيدي الخيل مري على «مري» # وأزعجه من مصر خوف يلزه # كما لز مهزوم من الليل بالفجر # 15 # وهكذا نرى شعراء مصر يشيدون بالحروب الصليبية التي شغلت العالم الإسلامي عدة ~~قرون، ولم ير العصر الفاطمي منها سوى زهاء نصف قرن فقط، ومع ذلك فإن هذه الحروب ~~جعلت الشعراء المصريين ينشدون أشعارا حماسية يمدحون شجاعة جنود مصر الذين أخذوا ~~على عاتقهم طرد الصليبيين من فلسطين، على حين بقيت الدويلات الإسلامية تنظر إلى هذه ~~الحروب نظرة عدم اكتراث، وقد سجل المصريون في هذه الحروب جهودا كثيرة سجلها ~~الشعراء الفاطميون في شعرهم، كما سجلها شعراء الأيوبية وشعراء الفاطميين في ~~شعرهم، كما سجلها شعراء الدولة الأيوبية وشعراء المماليك في العصور التالية لهذا ~~العصر الذي نؤرخه الآن. # الفصل الخامس # | في الغزل # لا أكاد أعرف شاعرا من شعراء مصر الفاطمية لم ينشد في الغزل، فجميع الشعراء ms230 ~~الذين بلغنا شيء من شعرهم كانوا يتغزلون؛ سواء أكان هذا الغزل في المؤنث أم في ~~المذكر، شأنهم في ذلك شأن شعراء العربية في الأقطار الأخرى، فكان شعراء المدح - ~~الذين ألموا بالعقائد المذهبية في شعرهم - يتبعون سنة الشعراء الأقدمين في ~~الابتداء بالغزل، ولما أراد العماد الأصبهاني أن يروي شيئا من شعرهم، اكتفي ~~بالمقدمات الغزلية التي افتتحوا بها قصائدهم، وأبى أن يروي شيئا من مدح ~~الأئمة. # وإذا نظرنا فيما بقي لنا من شعر الغزل في هذا العصر رأينا المصريين كانوا ~~يرددون في أشعارهم هذه الصفات العديدة التي رددها الشعراء من قبل في صفات ~~المرأة، وما تمتاز به المعشوقة من فتنة ودلال وسحر، ولكن الشيء الذي يلفت نظرنا في ~~هذه الأشعار الغزلية، أن الصور التي صاغ فيها المصريون هذه الصفات اختلفت باختلاف ~~الحياة المصرية والبيئة المصرية، انظر مثلا إلى قول أبي الحسن التنيسي الملقب ~~برضي الدولة: # راح من خمر الصبا مغتبقا # ثملا، أحسن شيء خلقا # تفعل النشوة في أعطافه # فعل عينيه بأرباب التقى # رشأ قد أقسمت ألحاظه # ليريقن دما من عشقا # من عذيري من غزال كلما # سئل الرحمة أبدى حنقا # ورأيت النرجس الغض وقد # أخجل الورد بما قد أحدقا # ينهب الناهب من زهرته # ويذود اللمس عما بسقا # كم أناديه وذلي شافعي # وفؤادي يتلظى حرقا # هكذا يجزى بكم من عشقا # لاعجا يسري وقلبا موبقا # 1 # فالمعاني التي جاء بها الشاعر في هذه المقطوعة، والتي قدم بها للمدح، ليست ~~بجديدة في الشعر العربي، إنما الجديد في هذه الأبيات هي هذه الصور المختلفة التي ~~صاغ فيها هذه المعاني القديمة. # وانظر إلى قول الشاعر ابن قتادة المعدل، وقد أتى بمعان لم يطرقها القدماء في ~~غزلهم: # نظري إليك يزيد في نظري # فعلام تحجبني عن النظر # يا جملة الحسن التي اقتسمت # منها المحاسن جملة البشر # لهواك بين جوانحي كتب # قد عنونت بالدمع والسهر # 2 # فهذه المعاني التي ألم بها الشاعر في هذه الأبيات لم يطرقها - فيما أعرف - ~~شاعر عربي من قبل، وإن كان القدماء قد أكثروا من ذكر الدمع ms231 والسهر، ولكن الشاعر ~~المصري جعل لهوى المحبوب في نفسه كتبا عنوانها الدمع والسهر. # ويتغزل الشاعر أبو الحسن علي بن الحسن بن معبد القرشي الإسكندري، فيقول في ~~مقدمة إحدى قصائده: # ومهفهف طالت ذوائب فرعه # كالليل فاض على الصباح المسفر # قصر الدلال خطاه فاعتلقت به # لي مهجة عن حبه لم تقتصر # وسنان كحل السحر حشو جفونه # ففتورها عن مهجتي لم يفتر # ملك القلوب بدر سمطى لؤلؤ # عذب اللمى في غنج طرف أحور # وبوجنة رقم الجمال رياضها # ببنفسج من فوق ورد أحمر # كتب العذار على صحيفة خده # هذا بداية حيرة المتحير # وهبت محاسنه الكمال فأصبحت # فتن العقول وروض غير المبصر # 3 # ويقول مرة أخرى في مقدمة قصيدة أخرى: # وإني لأهوى رشأ ساحرا # أعار فتور العيون الظبا # إذا ما تثنى فغصن نقا # وبدر جلا شعره غيهبا # وزانت محياه خيلانه # كما يتبع الكوكب الكوكبا # وبي أسمر ناسبته القنا # يروقك خدا جلا مذهبا # سقى روض خديه ماء الشباب # ففتح زهرا به معجبا # تقلد من لحظه صارما # أسال النفوس وما ذنبا # وملك من حسنه دولة # لطاعتها كل قلب صبا # 4 # فهذه الصور المختلفة التي رسمها الشاعر في هذه الأبيات ليس بها هذه الصور التي ~~رأيناها في شعر القدماء، ولكنها صور متحضرة، لا يذكر الشاعر جزءا من أجزاء الجسم ~~إلا ليصور أثره في نفسه، ويقرن بين هذه الصورة التي أتى بها وبين صورة أخرى أخذها ~~الشاعر من الطبيعة التي حوله، والحياة التي يحياها؛ فالشاعر المصري في غزله لا يأتي ~~بأجزاء الجسم ليصفها وصفا واقعيا - إن صح هذا التعبير - إنما كان يتحدث دائما ~~عن الناحية النفسية أكثر مما يتحدث عن الصفات الحسية، وهنا نرى فرقا كبيرا بين ~~شعراء العرب القدماء وبين شعراء مصر الفاطمية، فالشاعر العربي كان ماديا في وصفه، ~~والشاعر المصري كان عاطفيا؛ وإنما جاء هذا الخلاف من تحضر مصر الفاطمية، ورقي ~~عاطفة المصريين برقي حياتهم. # ناحية أخرى نراها فيما بقي لنا من شعر الغزل في مصر الفاطمية، تلك أن المصريين ~~بدءوا يتركون الأوزان الطويلة، وينشدون غزلهم في ms232 أشعار إما مجزوءة وإما منهوكة، ~~ويميلون إلى استخدام اللغة التي يصطنعها الشعب التي لا يزال أثرها باقيا في مصر ~~إلى اليوم. انظر إلى قول الشاعر طلائع الآمري: # ملك الشوق مهجتي # حبذا من تملكا # قد رماني بحبه # ونهاني عن البكا # إنما راحة المحب # إذا أن أوشكا # ما أرى السلو عنه # وإن جاز مسلكا # 5 # فهذا الشاعر الدقيق الحس، الرقيق الشعور، وصف حالة المحب المضني، وقد تملكه الشوق ~~فلم يجد راحة إلا إذا أن واشتكى، بالرغم من أن المحب نهاه عن البكاء، فاتخذ هذا ~~الوزن الخفيف، واصطنع هذه الألفاظ التي تكاد تكون من ألفاظ الشعب، فهذه المقطوعة ~~وغيرها هي التي سنرى مثلا لها بعد ذلك واضحة في شعر البهاء زهير، ثم انظر إلى قول ~~الشاعر طلائع الآمري أيضا: # أنعموا لي بالوصال # وارحموا رقة حالي # لا تذيبوا مهجتي بي # ن التجني والدلال # ليس عذري في هواكم # قد بدا لي قد بدا لي # إنما قصدي رضاكم # قد حلا لي قد حلا لي # وإن اخترتم عذابي # لا أبالي لا أبالي # 6 # أليست هذه المقطوعة أقرب إلى لغة الشعب المصري منها إلى لغة الشعراء الذين ~~عودونا الجزالة في اللفظ مع حسن الديباجة، ولكن الشاعر هنا كان شاعرا مصريا ~~قبل كل شيء، كان يتغزل، فاصطنع هذه الألفاظ السهلة والأوزان الخفيفة. # وليس معنى ذلك أن كل شعر الغزل على هذا النحو الذي رأيناه عند طلائع الآمري، فقد ~~كان للمصريين لونان من شعر الغزل: اللون الأول الذي يختار فيه الشاعر ألفاظا جزلة ~~ووزنا قويا طويلا، أما اللون الآخر فهو الذي يترك الشاعر فيه نفسه على سجيتها ~~بلا تصنع، فلا ينتقي الألفاظ الجزلة بل ينشد ما يجري به لسانه وما تمليه عاطفته. ~~وقد رأينا طلائع الآمري في المقطوعة الأولى السابقة يميل إلى اللون الثاني من ألوان ~~الغزل، ونراه مرة أخرى ينشد المعنى نفسه، ولكن في صياغة أخرى تختلف تمام الاختلاف ~~عما رأيناه له، فهو يقول: # تريد الهوى صرفا من الضر والبلوى # لعمرك ما هذي قضية من يهوى # إذ لم يكن ms233 طرف المحب مسهدا # وأدمعه تجري، فهذي هي الدعوى # ولا حب إلا أن ترى كلفة الهوى # ألذ من المن المنزل والسلوى # وحتى ترى القلب القريح من الهوى # يمانعه الصبر الجميل من السلوى # رعى الله من أعطى المحبة حقها # وإن لم يكن فيها من الأمر ما يقوى # 7 # فالشاعر في هذه المقطوعة يختلف في غزله عما جاء به في مقطوعته الأولى، فالشاعر ~~حاول اللونين من شعر الغزل؛ على أن أكثر شعر الغزل الذي انتهى إلينا هو من اللون ~~الخفيف الذي يقرب من أسلوب العامة، فالشاعر مروان بن عثمان اللكي تلمح في غزله أثر ~~السهولة التي تتفق مع رقة الغزل وعاطفة الحب، حين يقول مثلا: # ما بال قلبك يستلين # أبه غرام أم جنون # برح الخفاء بما يجن # فأذهب الشك اليقين # حتى متى بين الجوا # نح والضلوع هوى دفين # وإلى متى قلبي المتي # م في يد البلوى رهين # يا ماطلي بديون قل # بي آن أن تقضي الديون # شخصت له فيك العيون # وتقسمت فيك الظنون # وسلبت ألباب الورى # بلواحظ فيها فنون # وقوام أغصان الريا # ض وأين تدركك الغصون؟ # الحسن في الأغصان فن # وهو في هذا فنون # من أين للأغصان ذا # ك الغنج والسحر المبين؟ # أم ذلك الورد الجني # بخده والياسمين؟ # 8 # ثم اقرأ هذه المقطوعة الأخرى من غزل ابن عثمان اللكي التي تظهر فيها عاطفة الشاعر ~~في أسلوب أهل مصر الآن، ولا سيما في البيت الثالث: # تمكن مني السقم حتى كأنني # توهم معنى في خفي سؤال # ولو سامحت عيناه عيني في الكرى # لأشكل من طيف الخيال خيالي # سمحت بروحي وهي عندي عزيزة # وجدت بدمعي وهو عندي غالي # وقد خفت أن تقضي على منيتي # ولم أقض أوطاري بيوم وصال # وهون ما ألقى من الوجد أنه # صدود دلال لا صدود ملال # 9 # وها هو ذا الشاعر أحمد بن محمد المادرائي يتغزل: # يا حبيب العمر عطفا فإني # بهواكم على لظى أتقلى # إن وصلتم، وصلتم مستهاما # عن هواكم وحبكم ما تخلى # هو عبد الهوى وليس بباغي # عتقه في هوى ms234 ولو مات قتلا # 10 # ويقول الشاعر إبراهيم بن إسماعيل الدمياطي: # يا هذه، رقي على صب دنف # صيره الهجر إلى حد التلف # رقي عليه، وصلي حباله # فإنه عن حبكم لا ينصرف # 11 # وبالرغم من أن الشاعر أبا محمد هبة الله بن عرام كان من إقليم أسوان، فإن غزله ~~كان متأثرا بالحياة اللينة التي عرفت بها مصر، ولا سيما أنه وفد على القاهرة، ~~ومدح بها الوزير رضوان وغيره من رجال الدولة، فأسهم مع غيره من شعراء مصر في التغزل ~~في الأوزان السهلة الخفيفة والألفاظ والصور الشعبية، فهو الذي يقول: # من معيني على اقتناص غزال # نافر عن حبائلي رواغ # قلبه قسوة كجلمود صخر # خده رقة كزهر الباغ # كلما رمت أن أقبل فاه # لدغتني عقارب الأصداغ # وقوله أيضا: # لدغتني عقارب الصدغ منه # فسلوه من ريقه درياقا # إنني عاشق له، وهو مذ كا # ن ظلوم لا يرحم العشاقا # 12 # وقوله: # يا لائمي في غزال # قلبي رهين يديه # لا تطمعن في سلوى # فلا سبيل إليه # كم لامني فيه قوم # وعنفوني عليه # حتى إذا أبصروه # خروا سجودا لديه # فاحفظ فؤادك فالمو # ت في ظبا مقلتيه # 13 # أضف إلى ذلك أن القدماء لاحظوا أن للمصريين بعض المعاني المبتكرة، من ذلك قول ~~الأخفش في العذار: # وكأن العذار في حمرة الخد # على حسن خدك المنعوت # صولجان من الزمرد معطو # ف على أكرة من الياقوت # 14 # ولكن العماد أخذ على الشاعر أنه ذكر «الخد» مرتين في البيت الأول، مع اعترافه بأن ~~المعنى مبتكر لم يسبق الشاعر إليه. # وكذلك قال القدماء: إن قول أبي الغمر الأسناوي في العذار من المعاني ~~المبتكرة: # وغزال خلعت قلبي عليه # فهو باد لأعين النظار # قد أرانا بنفسج الشعر بدرا # طالعا من منابت الجلنار # وقدت نار خده، فسواد الش # عر فيه دخان تلك النار # 15 # وقول أبي الغمر الأسناوي أيضا: # وغزال أبدى لنا الله من بس # تان خديه في الحياة الجنانا # قد أرانا قدا وخدا وصدغا # وعذارا وناظرا فتانا # غصنا يحمل البنفسج والنر # جس والجلنار والريحانا # 16 # وقول ms235 ابن حيدرة العقيلي أيضا، وفيه لحن من غنائه: # وعذول كان من قولي له # لست أستحسن أجفو الحسنا # قال: لو كنت أنا أنت لما # رضيت نفسي لجسمي بالضنا # قلت: دعني عنك واصنع ما تشا # ما أنا أنت ولا أنت أنا # 17 # فهذه بعض صور من مقطوعات الغناء من شعر مصر الفاطمية كما حدثنا عنها القدماء من ~~رواة شعر مصر، وهي مقطوعات غزلية يظهر فيها لون من ألوان ذوق المصريين في المقطوعات ~~الغنائية، والعاطفة التي كانت تثار عند سماع هذه المقطوعات. # ولم يشأ شعراء مصر أن يقفوا في غزلهم على تصوير مختلف مشاعرهم عند رؤية الحبيب، ~~أو أن يتحدثوا عن جماله وصفاته، وما يفعله ذلك كله في نفوسهم، إنما صوروا من ~~ناحية أخرى الشوق لرؤية المحبوب إذا بعد عن أنظارهم أو فارقهم إلى مكان آخر، ~~فالحديث عن الفراق أخذ حيزا كبيرا من غزل شعراء مصر الفاطمية، وفي حديثهم عن ~~الفراق نرى لوعة المحب الذي أضناه البعاد وخشينا عليه من الهلاك. # وها هو الشاعر علي بن المؤمل بن غسان ينشد: # فتنت بفاتن الحدق # وزاد بهجره أرقي # إذا ناديت من جزع # أخذت القلب في طلق # رويدك سوف تلقاني # بلا قلب ولا رمق # 18 # وأنشد ابن معبد الإسكندري: # يا حادي الركب رفقا بالحبيب فقد # طار الفؤاد وقل الصبر والجلد # لعل حبي يرى ذلي فيرحمني # بنظرة علها تشفي الذي أجد # يا ويح من ظعنت أحبابه وغدا # مخلفا بعدهم أكباده تقد # 19 # وقال محمد بن وهب: # ولما تنادوا بالرحيل رأيتني # أكفكف دمع العين من كل جانب # وأسأل ربي أن تذم ركابهم # عن السير حتى أشتفي بحبائبي # فلم تك إلا ساعة سار ركبهم # وسار فؤادي بين تلك الركائب # فلم أر يوم البين أعظم حسرة # وللبين عندي من كبار المصائب # 20 # وأنشد طلائع الآمري: # ما لقلبي من لوعة البين راق # أتراني أحيا ليوم التلاق # عزمة لم تدع لجفني دمعا # لا ولا في الحشا مكان اشتياق # أطمعوني حتى إذا أسروني # عذبوا مهجتي وشدوا وثاقي # واستلذوا الفراق حتى كأن لم # يعلموا ms236 أنه مرير المذاق # في سبيل الهوى نفوس أقامت # بعد وشك النوى على الميثاق # 21 # وقال طلائع أيضا: # ما أودعوك مع الغرام وودعوا # إلا ليتلف قلبك المشتاق # قف فاستلم إثر المطي تعللا # إن لم يكن لك نحوهن لحاق # وتنح عن دعوى هواك فإنه # إن لم تمت يوم الفراق نفاق # 22 # وإذن فالغزل في شعر مصر الفاطمية صورة أخرى من صور الحياة المصرية والعاطفة ~~المصرية التي سمت فبعدت عن المادية التي عرفناها عند الشعراء الأقدمين؛ وذلك ~~لاختلاف بيئة مصر عن غيرها من الأقطار العربية. # الفصل السادس # | أغراض أخرى في الشعر # التصوف والزهد # تحدثنا في الفصول السابقة عن بعض الأغراض التي قصد إليها الشعراء في مصر ~~الفاطمية، ولكن هناك بعض أغراض أخرى، لا تقل خطرا في تصوير الحياة في مصر في ~~ذلك العصر، عن هذه الأغراض التي تحدثنا عنها من قبل، فقد ذكرنا شيئا عن هذه ~~الحياة الماجنة التي طغت على مصر حتى خيل لنا أن مصر لم تعرف إلا هذا اللون ~~من ألوان العيش، ولكن المصريين كان لهم لون آخر بجانب هذه الحياة الماجنة ~~اللاهية، وهذا اللون الآخر هو التفكير في العالم الآخر، وطبيعة مصر اضطرت ~~المصريين منذ أقدم عصورهم التاريخية إلى أن يهتموا بأمور الآخرة اهتمامهم بأمور ~~الدنيا، فإذا المصري منذ عرفه التاريخ مضطر إلى أن يعيش لونين من الحياة يناقض ~~أحدهما الآخر أشد التناقض، فهو يعبث في حياته ويمجن ويمزح ما شاء له العبث ~~والمجون والمزاح، وهو في الوقت نفسه حريص على أن يفكر في آخرته فيتحدث عنها ~~ويتذكرها، ويظهر استمساكه بالدين وفرائضه وآدابه، وقد رأينا تصوير الشعراء ~~لحياة المجون، أما الزهد والتقشف فقد أكثر من الحديث عنه شعراء مصر أيضا، حتى ~~إن شعراء المجون أنفسهم كانوا ينشدون الشعر في الحث على الزهد، والتمسك بأهداب ~~الدين، وطلب سعادة الآخرة، وها هو ذا الأمير تميم الذي عرف بمجونه حتى حرم ~~ولاية إمامة الدعوة يقول في الزهد: # أفنيت دهرك تتقي # فيه الحوادث والمصائب # ولو اتقيت معاصي الر # حمن فيما أنت راكب # لأمنت ms237 من نار الجحي # م وفي الحياة من المعايب # إن لم تراقب من له # حكم عليك، فمن تراقب؟ # 1 # ويقول مرة أخرى: # يا عجبا للناس كيف اغتدوا # في غفلة عما وراء الممات # لو حاسبوا أنفسهم لم يكن # لهم على أخذ المعاصي ثبات # من شك في الله فذاك الذي # أصيب في تمييزه بالشتات # يحييهم بعد البلى مثل ما # أخرجهم من عدم للحياة # 2 # فمثل هذه الأبيات لا تصدر من شاعر عرف عنه أنه من أشد الشعراء مجونا ~~وعبثا، ولكن طبيعة مصر اضطرته إلى أن يتحدث عن الآخرة وعن الحياة بعد ~~الموت. # وها هو ذا الشاعر ابن حيدرة العقيلي الذي ذكرنا أنه شاعر الخمر في العصر ~~الفاطمي، وأحد شعراء المجون، ينشد في الزهد، ويدعو إلى التقى والورع: # قد لاح في فودك المشيب # ورث من عمرك القشيب # فكن لداعي التقى مجيبا # من قبل تدعى فلا تجيب # 3 # ونرى القاضي المعروف بالأديب أبي النضر ينشد: # النفس أكرم موضعا # من أن تدنس بالذنوب # ما لذة الدنيا لها # ثمنا وإن مزجت بطيب # فاسبق إلى إعداد زا # دك هجمة الأجل القريب # والق الإله على التقى # والخوف مزرور الجيوب # 4 # ويقول مرة أخرى يحث على الزهد وجهاد النفس: # جهاد النفس مفترض فخذها # بآداب القناعة والزهادة # فإن جنحت لذلك واستجابت # وخالفت الهوى فهو الإرادة # وإن جمحت بها الشهوات فاكبح # شكيمتها بمقمعة العبادة # عساك تحلها درج المعالي # وترفعها إلى رتب السعادة # 5 # وهكذا نرى العاطفة الدينية تسير جنبا إلى جنب مع عاطفة حب المجون، والشعر ~~المصري مملوء بالعاطفتين معا. # وقد ذكرنا في كتاب «أدب مصر الإسلامية» أن مصر عرفت التصوف، ووجدت فرقة ~~عرفت بالصوفية كان لها أثر في الحياة السياسية في العصر العباسي، وقد استمر ~~تيار الصوفية في العصر الفاطمي، وكان الأئمة الفاطميون يرعون هذه الفرقة. ~~ويحدثنا المقريزي: أن الآمر الفاطمي جدد قصر القرافة، وعمل تحته مصطبة ~~للصوفية، وكان يجلس في الطاق بأعلى القصر، ويرقص أهل الطريقة من الصوفية، ~~والمجامر بالألوية موضعة بين أيديهم، والشموع الكثيرة تزهر، وقد بسط تحتهم حصر ms238 ~~من فوقها بسط، ومدت لهم الأسمطة التي عليها كل نوع لذيذ ولون شهي من ~~الأطعمة والحلوى، أصنافا مصنفة. وكان بين الحاضرين الشيخ أبو عبد الله بن ~~الجوهري الواعظ، ومزق مرقعته، وفرقت على العادة خرقا، وسأل الشيخ أبو إسحق ~~إبراهيم المعروف بالقارح المقري خرقة منها ووضعها على رأسه، فقال الخليفة الآمر ~~بأحكام الله من طاق بالمنظرة: يا شيخ أبا إسحق. قال: لبيك يا مولانا. قال: أين ~~خرقتي؟ فقال مجيبا له في الحال: ها هي على رأسي يا أمير المؤمنين. فاستحسن ~~الآمر ذلك، فأمر في الساعة فأحضر من خزائن الكسوات ألف نصفية، ففرقت على ~~الحاضرين وعلى فقراء القرافة، ونثر عليهم متولي بيت المال من الطاق ألف دينار. # 6 # ووفد على مصر في هذا العصر سهل بن محمد بن الحسن الصوفي، حدث بالعراق ودمشق ~~وصور، ثم توجه إلى مصر فظل بها إلى أن توفي سنة 444ه، وكان أدبيا شاعرا ~~على طريقة الصوفية، ولكن شعره فقد، ولم يبق منه سوى قوله: # إذا كنت في دار يهينك أهلها # ولم تك محبوبا بها فتحول # وأيقن بأن الرزق يأتيك أينما # تكون ولو في قعر بيت مقفل # 7 # وشاهد هذا العصر فرقة من فرق الصوفية عرفت «بفرقة الكيزانية»؛ نسبة إلى ~~شيخها أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت الأنصاري المعروف بابن الكيزاني ~~الفقيه الشافعي الواعظ، ذكره العماد في خريدته ووصفه بقوله: «فقيه واعظ مذكر، ~~حسن العبارة، مليح الإشارة، لكلامه رقة وطلاوة، ولنظمه عذوبة وحلاوة، مصري ~~الدار، عالم بالأصول والفروع، عالم بالمعقول والمشروع، مشهود له بألسنة القبول، ~~مشهور بالتحقيق في علم الأصول، وكان ذا رواية ودراية بعلم الحديث، ومعرفة ~~بالقديم مكون الحديث، إلا أنه ابتدع مقالة ضل بها اعتقاده، وزل في مزلقها ~~سداده، وادعى أن أفعال العباد قديمة ...» إلى أن قال: «أعاذنا الله من ضلة ~~الحلم، وزلة العلم، وعلة الفهم. واعتقد أن التنزيه في التشبيه، عصم الله من ذلك ~~كل أديب أريب ونبيل نبيه.» # 8 # وتوفي ابن الكيزاني صاحب هذه الفرقة سنة 560ه، ودفن عند قبر ~~الإمام الشافعي، ms239 واستمرت تعاليم هذه الفرقة حتى عصر الأيوبيين، فقد ذكر العماد: ~~«والطائفة الكيزانية بمصر على هذه البدعة إلى اليوم مقيمة.» # 9 # وظهور هذه الفرقة في مصر واشتهار أمرها على النحو الذي تحدث به ~~العماد وابن سعيد في كتابه المغرب، يدلنا على مدى الضعف الذي طرأ على الدعوة ~~الفاطمية في مصر، فإننا رأينا الفاطميين ينزهون الله - عز وجل - عن التشبيه ~~أو التجسيم، وهذه العقيدة هي أساس عقيدة الفاطميين وفلسفتهم، ورأينا الدعاة ~~يكفرون كل من دان بالتشبيه أو التجسيم، ولكن جاءت فرقة الكيزانية تحت سمع ~~الفاطميين وبصرهم وقالت بالتشبيه، والتف عدد من المصريين حول شيخ هذه الدعوة ~~دون أن يعبئوا بسلطان الفاطميين وعقائدهم التي انتشرت في مصر زهاء ~~قرنين. # كان ابن الكيزاني شاعرا من شعراء الصوفية بمصر، ولكنه كان ضعيف الشعر، حتى ~~قال عنه ابن سعيد: ووقفت على ديوانه، وهو مشهور عند الناس، قريب من أفهام ~~العامة، غير مرضي عنه عند صدور الشعراء وأصحاب غوص الكلام وفرسان النظام، وقد ~~ضجرت من اختياره ومطالعته، ولم أكتب من ديوانه شيئا تهش النفس إليه، وإنما ~~أردت ترجمته لشهرة ذكره وديوانه، وكثيرا ما يباع في سوق الفسطاط وسوق القاهرة؛ ~~وكان من لا يعرف معاني الشعراء المستحسنة وألفاظه المستبدعة يحضني على الوقوف ~~عليه، فلما وقفت عليه أنشدني متمثلا: أنا المعيدي فاسمع بي ولا ترني. # 10 # ولعل ابن سعيد كان على حق في أن يصف شعر ابن الكيزاني على هذا ~~النحو، بالرغم مما ذهب إليه العماد الأصفهاني من الإعجاب بشعر ابن الكيزاني، ~~فإن المقطوعات التي رويت في الخريدة من شعر ابن الكيزاني تدل على أن الشاعر ~~لم يكن من المتفوقين في الشعر، إذا قسناه بشعراء الصوفية الذين ظهروا بمصر في ~~العصور التي تلت العصر الفاطمي، مثل ابن الفارض وغيره، أو الشعراء الآخرين ~~الذين عاصروه، وربما كان سبب ضعف شعر ابن الكيزاني أنه كان واعظا يخاطب الشعب ~~والدهماء، فكان يضطر إلى اصطناع اللغة التي يفهمها الشعب، وتقرب إلى نفوسهم. ~~فأثر ذلك في أسلوبه ولغته، فإذا بهما يقربان من الأسلوب الشعبي ms240 ولغة الشعب، ~~وقد يكون هذا السبب هو الباعث الذي من أجله أقبل العامة في مصر على قراءة ديوان ~~ابن الكيزاني. # وهو في بعض شعره واعظ أكثر منه متصوفا؛ انظر إليه يقول: # إذا سمعت كثير المدح عن رجل # فانظر بأي لسان ظل ممدوحا # فإن رأى ذاك أهل الفضل فارض لهم # ما قيل فيه، وخذ بالقول تصحيحا # أولا، فما مدح أهل الجهل رافعه # وربما كان ذاك المدح مجروحا # 11 # وهو في بعض شعره متصوف يتحدث عن العشق، ويجري في هذا الشعر مجرى شعراء ~~الصوفية الذين نهجوا نهج رابعة العدوية في الحب الإلهي، فابن الكيزاني كان أحد ~~هؤلاء المحبين العاشقين، وله في ذلك عدة مقطوعات، منها قوله: # سواء أن تلوما أو تريحا # رأيت القلب لا يهوى نصيحا # أما لو ذقتما صرف الليالي # إذن لعذرتما القلب القريحا # وكانت فرقة الأحباب ظنا # فأصبح بينهم خبرا صريحا # ولو لم ينزلوا سلمات نجد # لما استنشقت بالسلمات ريحا # ولا أهديت للأسماع يوما # غناء من حمائمها فصيحا # وهأنا قد سمحت بدمع عيني # وكنت بدمعها أبدا شحيحا # وأمكنت المحبة من قيادي # وصنت مع النأي ودا صحيحا # وقد سكن الجوى قلبا صحيحا # وقد ترك الهوى صدرا قبيحا # 12 # وقوله أيضا: # أسكان هذا الحي من آل مالك # مسالمة ما بيننا وجميل # ألم تعدونا أن تزوروا تكرما # فما بال ميعاد الوصال طويل # وحلتم عن الوعد الجميل ملالة # وأنتم على نقض العهود نزول # وإنا لنستبقي المودة والهوى # شهيد لنا إذ ليس عنه نزول # ولا تحسبوا العتبى عليكم توجعا # فيطمع واش أو يلح عذول # رضينا، رضينا أن نبيع نفوسنا # وما عاشق منا بذاك بخيل # كذاك الهوى، هذا حبيب معزز # وهذا محب في هواه ذليل # ووجد وشوق وارتياع ولوعة # وهجر وسقم دائم ونحول # دواعي الهوى محتومة فاصطبر لها # وإن جار بين أو جفاك خليل # علمنا بوشك البين أول حاله # وما حضرتنا للوداع عقول # إذا ما طمعنا أن تقر ديارهم # تداركهم بعد الرحيل رحيل # 13 # قلنا: إن الفرقة الكيزانية استمرت مدة طويلة بعد العصر الفاطمي، وكان لها ms241 أثر ~~قوي في الصوفية الذين ظهروا بعد انقراض الدولة الفاطمية، وكذلك كان الناس ~~يتداولون شعر ابن الكيزاني، فكان له تأثير قوي في شعراء الصوفية الذين كانوا في ~~عصر الأيوبيين، ففي شعر ابن الفارض مثلا بعض المعاني التي في شعر ابن ~~الكيزاني، ولكن شتان بين شاعرية ابن الفارض وشاعرية ابن الكيزاني؛ وسأترك ~~المقارنة بين هذين الشاعرين الصوفيين إلى البحث الذي سيكون في كتابنا القادم ~~«أدب مصر في عهد الأيوبيين والمماليك». # الوصف # وهناك غرض آخر من أغراض الشعر في العصر الفاطمي، هو عندي أقرب أغراض الشعر ~~إلى التصوف، ذلك هو وصف الطبيعة، فكلا الغرضين ضرب من ضروب التأمل فيما خلقه ~~الله، فكثيرا ما يؤدي بشعراء الوصف إلى التصوف، ولكن شعراء مصر لم يسيروا في ~~هذا المجرى، بل اتخذوا وصف الطبيعة وسيلة إلى وصف قصفهم؛ فقد رأينا شعراء مصر ~~الفاطمية من تلاميذ مدرسة ابن وكيع التنيسي ينشدون شعرا في الخمر والمجون ~~والطبيعة معا، وكيف كانوا يؤثرون الشراب في الرياض والمتنزهات، ويمزجون وصف ~~الخمر بوصف الرياض والمتنزهات، أو بوصف السماء وما فيها من نجوم وغيوم وسحب، ~~وتحدثنا عن خروج الشعراء إلى المتنزهات المختلفة التي كثرت في هذا العصر، ~~ينعمون بطيب هوائها، ويمتعون أبصارهم بتنسيقها وجمال أزهارها المتنوعة التي عجب ~~الرحالة ناصري خسرو من وجود عدد كبير منها في وقت واحد، فهو يقول: «رأيت في يوم ~~واحد هذه الفواكه والرياحين: الورد الأحمر، والنيلوفر، والنرجس، والترنج، ~~والنارنج، والليمون، والمركب، والتفاح، والياسمين، والريحان الملكي، والسفرجل، ~~والرمان، والكمثرى، والبطيخ، والعطر، والموز، والزيتون، والبليج (الإهليلج)، ~~والرطب، والعنب، وقصب السكر ...» إلى أن قال: «وكل من يفكر كيف تجتمع هذه ~~الأشياء التي بعضها خريفي، وبعضها ربيعي، وبعضها صيفي، وبعضها شتوي لا يصدق هذا.» # 14 # ويقول عن بساتين القاهرة: وفي المدينة بساتين وأشجار بين القصور ~~تسقى من ماء الآبار، وفي قصر السلطان بساتين لا نظير لها، وقد نصبت السواقي ~~لريها، وغرست الأشجار فوق الأسطح فصارت متنزهات.» # 15 # وطبيعة مصر اضطرت المصريين منذ أقدم العصور إلى التفكير والتأمل، ~~والأمثال العامية التي يصطنعها الشعب ms242 المصري الآن، والتي نقلت إلينا معربة ~~عن قدماء المصريين، تدل دلالة قاطعة على رقة شعور المصريين ودقة إحساسهم، وهم ~~يتأملون طبيعة مصر، ويتحدثون عنها، وآثار قدماء المصريين ملئت بالحديث عن ~~السماء والأرض واختلاف الجو وغير ذلك من آيات تفكيرهم في الطبيعة، على أن ~~الشعراء المصريين في العصر الفاطمي لم يصفوا الطبيعة على أنها لون من ألوان ~~الفلسفة الطبيعية، ولم يتحدثوا عنها حديثا يؤدي بهم إلى معرفة الخالق، بل ~~تركوا ذلك كله لعلماء المذهب الفاطمي وإلى الفلاسفة، واتخذوا لأنفسهم مذهبا ~~فنيا خالصا مصدره جمال الطبيعة، فإذا بهم يسبغون على المناظر التي وصفوها ~~ألوان الحياة التي يألفونها من ملبس ومأكل ومسكن، ويحاولون أن ينتزعوا من ~~الطبيعة صورا هي أقرب إلى صور الحياة التي اعتادوها، وألوان الزينة التي كان ~~يتزين بها المصريون في العصر الفاطمي، وها هو ذا ابن حيدرة العقيلي يصور ~~منظرا رآه في إحدى المتنزهات: # الغيم بين مزرر ومحلل # والقطر بين مسرح ومسلسل # والقضب بين مقرط ومطوق # ومدملج ومتوج ومكلل # والنبت بين مزعفر وممسك # ومخلوق ومعنبر ومصندل # ومدبج ومطرز ومصنف # ومعرض ومرصع ومثقل # فاشرب على حلل لو أمكن لبسها # كانت تكون من الطراز الأول # 16 # ويقول مرة أخرى: # أمهات الثمار بين الروابي # تائهات بلبس خضر الثياب # وبنات الكروم تجلى بما قد # صاغه الماء من عقود الحباب # فاله ما دام للشقيق خلوق # تنشر السحب فيه مسك ضباب # 17 # ويقول في وصف الرياض وقد شبهها بفرش المجالس: # عرائس القضب تجلي # على كراسي الروابي # ومجلس الروض فيه # فرش من العتابي # فابن حيدرة العقيلي، وهو من أشهر شعراء مصر الفاطمية الذين أولعوا بوصف ~~الطبيعة، كان يتخذ صوره في الوصف مما كان يدور حوله في الحياة اليومية، وهذه ~~الظاهرة ليست في شعر ابن حيدرة فحسب، بل نراها عند كثير من شعراء مصر الفاطمية، ~~فالشاعر تميم بن المعز، وهو أحد شعراء الطبيعة، وصف بركة الحبش وخليج بني وائل ~~فقال: # كأن البركة الغنا إذا ما # غدت بالماء مفعمة تموج # وقد لاح الضحى، مرآة قين # قد انصقلت، ومقبضها الخليج ms243 # ترى قمر الدجى، قمرا حذاه # طلوعا ما له فيها بروج # 18 # ووصف روضة على شاطيء النيل فقال: # ويوم خدعت الدهر عنه فلم أزل # أعلل نفسي فيه بالمراح مع صحبي # لدى روضة عالت رباها كرومها # وجاد عليها النيل من مائه العذب # كأن سحيق المسك خالط أرضها # فجالت به فيها الرياح مع الترب # كأن نبات النيل والريح تهمي # بهن طلى خيل مؤثلة شهب # وطورا تخال الماء في رونق الضحى # متون سيوف لجن مصقولة القضب # وتحسبه إن محصته يد الصبا # قوارير ما يفترن من قلق اللعب # 19 # وقال ابن عباد أحد شعراء الخريدة: # كأنما الأرض من زبرجدة # بدت إليك على غب من السحب # والأقحوانة هيفا وهي ضاحكة # عن واضح غير ذي ظلم ولا شنب # كأنما شمسه من فضة حرست # خوف الوقوع بمسمار من الذهب # وقال مجير بن محمد الصقلي في يوم مطير: # أرأيت برقا بالأبارق قد بدا # في أفقه متبسما متوقدا # كيف اكتسى ثوب السحاب ممسكا # وإخاله شنف الرداء موردا # فكأنه في الجو كأس كلما # فاتت نمير البرق صاح وعربدا # أو مرهف كشفت مداوس صيقل # عن متنه صدأ لكي يروي الصدا # فاعجب إلى ودق اللجين يسيل من # أفق أحالته البوارق عسجدا # ولؤلؤ للغيث يأخذه الثرى # فيعيده نبتا يخال زبرجدا # 20 # وقال ظافر الحداد في يوم برد: # ويوم برد عقوده برد # لها سلوك من هيدب المطر # ينثره الجو ثم ينظم منه الأرض # بالزهر كل منتشر # فهو يحاكي الحبيب في اللون واللطف # وعذب الرضاب والخصر # فالغيم يبكي والزهر يضحك والبروق # تبدي ابتسام ذي خفر # 21 # ويقول ظافر أيضا في متنزهات خليج الإسكندرية: # وعشية أهدت لعينك منظرا # جاء السرور به لقلبك وافدا # روض كمخضر العذار وجدول # نقشت عليه يد الشمال مباردا # والنخل كالغيد الحسان تزينت # ولبسن من أثمارهن قلائدا # 22 # وللشعراء المصريين جولات في وصف النجوم، وفي الحديث عن النهار والليل واختلاف ~~الجو باختلاف فصول السنة، فمن ذلك منظومة ابن وكيع التنيسي التي أوردها ~~الثعالبي في اليتيمة، والتي تحدث فيها الشاعر عن إحساسه وشعوره نحو فصول ms244 ~~السنة، وتقلبات الجو باختلاف هذه الأوقات، ويقول في مطلعها: # يا سائلي عن أطيب الدهور # وقعت في ذاك على الخبير # سألتني أي الزمان أحلى # وأيه بالقصف عندي أولى # عندي في وصف الفصول الأربعة # مقالة تغني اللبيب مقنعة # أما المصيف فاستمع ما فيه # من فطن يفهم سامعيه # فصل من الدهر إذا قيل حضر # أذكرنا بحره نار سقر # تبصر فيه النبت مقشعرا # والأرض تشكو حره المضرا # نهاره مقسم بين قسم # جميعها يعاب عندي ويذم # أوله فيه ندى مبغض # كأنه على القلوب يقبض # يلصق منه الجسم بالثياب # وتعلق الأذيال بالتراب # ويقول في الخريف: # حتى إذا زال أتى الخريف # فصل بكل سوءة معروف # أهوية تسرع في كل الجسد # وهو كطبع الموت يبسا وبرد # يخشى على الأجسام من آفاته # فأرضه قرعاء من نباته # ومنها في الشتاء: # حتى إذا ما أقبل الشتاء # جاءتك منه غمة غماء # أقبل منه أسد مزير # له وعيد وله تحذير # لو أنه روح لكان فدما # أو أنه شخص لكان جهما # يأتيك في إبانه رياح # ليس على لاعنها جناح # أما عن الربيع فقال: # جاء إلينا زمن الربيع # فجاء فصل حسن الجميع # لبرده وحره مقدار # لم يكتنف حدهما الإكثار # عدل في أوزانه حتى اعتدل # وحمد التفصيل منه والجمل # نهاره من أحسن النهار # في غاية الإشراق والإسفار # تضحك فيه الشمس من غير عجب # كأنها في الأفق جام من ذهب # لبدره فضل على البدور # في حسن إشراق وفرط نور # كجامة البلور في صفائها # أو غرة الحسناء في نقابها # 23 # وهكذا يمضي ابن وكيع في وصف فصول السنة. # ومن قول شعراء مصر في النجوم ما أنشده ظافر الحداد: # كأن نجوم الليل لما تبلجت # توقد جمر في خلال رماد # حكى فوق ممتد المجرة شكلها # فواقع تطفو فوق لجة وادي # 24 # وقال محمد بن عاصم: # ترى صفحة الخضراء والنجم فوقها # ككف سدوسي بدا فيه درهم # ترى وعلى الآفاق أثواب ظلمة # وأزرارها منها شمال ومرزم # 25 # وقال المهذب بن الزبير: # وترى المجرة والنجوم كأنها # تسقي الرياض بجدول ملآن # لو لم يكن ms245 نهرا لما عامت به # أبدا نجوم الحوت والسرطان # 26 # وقال ابن وكيع التنيسي: # قم فاسقني صافية # تهتك جنح الغسق # أما ترى الصبح بدا # في ثوب ليل خلق # أما ترى جوزاءه # كأنها في الأفق # منطقة من ذهب # فوق قباء أزرق # 27 # وقال تميم بن المعز في الصباح: # وكأن الصباح في الأفق باز # والدجى بين مخلبيه غراب # 28 # وقال ابن وكيع التنيسي في التبشير بالصباح: # غرد الطير فنبه من نعس # وأدر كأسك فالعيش خلس # سل سيف الفجر من غمد الدجى # وتعرى الصبح من ثوب الغلس # وانجلى في حلة فضية # ما بها من ظلمة الليل دنس # 29 # أما نيل مصر فكان له شأن مع شعراء مصر الفاطمية، فإنهم كانوا يكثرون من ~~ذكره في شعرهم، ويفيضون عليه صورهم كلما فاض عليهم بمائه، وها هو ذا الأمير ~~تميم يقول: # يوم لنا بالنيل مختصر # ولكل يوم مسرة قصر # والسفن تجري كالخيول بنا # صعدا وجيش الماء منحدر # وكأنما أمواجه عكن # وكأنما داراته سرر # ويقول مرة أخرى: # أما ترى الرعد بكى واشتكى # والبرق قد أومض واستضحكا # فاشرب على غيم بصنع الدجى # يضحك وجه الأرض لما بكى # وانظر لماء النيل في مده # كأنما صندل أو مسكا # 30 # ويقول تميم عند زيادة النيل: # انظر إلى النيل قد عبا عساكره # من المياه فجاءت وهي تستبق # كأن خلجانه والماء يأخذها # مدائن فتحت فاختارها الغرق # كأن تياره ملك رأى ظفرا # فكر إثر الأعادي محنق نزق # كأن ماء سواقيه لناظرها # شهب الخيول إذا ما حثها العنق # فاشرب مهنى فإن اللهو منبسط # واطرب ولذ، فهذا منظر أنق # ويقول ابن قلاقس: # انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة # وانظر لما بعدها من حمرة الشفق # غابت وألقت شعاعا منه يخلفها # كأنما احترقت بالماء في الغرق # وللهلال فهل وافى لينقذها # في إثرها زورق قد صيغ من ورق # 31 # ولم ينس الشعراء أهرام مصر، فالشاعر عبد الوهاب بن حسن بن جعفر الحاجب ~~المتوفي سنة 387، قال في وصف الأهرام: # انظر إلى الهرمين إذ برزا # للعين في علو وفي صعد # وكأنما الأرض ms246 العريضة قد # ظمئت لطول حرارة الكبد # حسرت عن الثديين بارزة # تدعو الإله لفرقة الولد # فأجابها بالنيل يشبعها # ريا وينقذها من الكمد # لكرامة المولى المقيم بها # خير الأنام مقوم الأود # 32 # ويقول ظافر الحداد: # تأمل بنية الهرمين وانظر # وبينهما أبو الهول العجيب # كعمارتين على رحيل # لمحبوبين بينهما رقيب # وماء النيل تحتهما دموع # وصوت الريح عندهما نحيب # 33 # وقول عمارة اليمني: # خليلي ما تحت السماء بنية # تماثل في إتقانها هرمي مصر # بناء يخاف الدهر منه، وكل ما # على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر # تنزه طرفي في بديع بنائها # ولم يتنزه في المراد بها فكري # 34 # أما منشئات الفاطميين ومبانيهم، فقد ذكرها الشعراء في أشعارهم، ومنها هذه ~~القصيدة التي أنشدها عمارة اليمني بعد أن دالت دولتهم، والتي تحدثنا عنها من ~~قبل، وقد ضاعت أكثر هذه الأشعار، ولم يبق إلا عدة مقطوعات قليلة في وصف مباني ~~المصريين. # قول علي بن يوسف الإيادي يذكر دارا بناها المعز العبيدي بمصر، وسماها ~~العروسين: # بنى منظرا يسمى «العروسين» رفعة # كأن الثريا عرست في قبابه # إذا الليل أخفاه بحلكة لونه # بدا ضوءه كالبدر تحت سحابه # تمكن من سعد السعود محله # فأضحى ومفتاح الغنى فتح بابه # ولو شاده عزم المعز ورأيه # على قدره في ملكه ونصابه # لكان حصى الياقوت والتبر مفرغا # على المسك من آجره وترابه # 35 # وقال أمية في وصف قصر بناه الأمير علي بن الأمير تميم بن المعز: # لله مجلسك المنيف فبابه # بموطد فوق السماك مؤسس # موف على حبك المحبة تلتقي # فيه الجواري بالجوار الكنس # تتقابل الأنوار في جنباته # فالليل فيه كالنهار المشمس # عطفت حناياه دوين سمائه # عطف الأهلة والحواجب والقسي # واستشرفت عمد الرخام وظوهرت # بأجل من زهر الربيع وأنفس # فهواؤه من كل قد أهيف # وقراره من كل خد أملس # فلك تحير فيه كل منجم # وأقر بالتقصير كل مهندس # فبدا للحظ العين أحسن منظر # وغدا لطيب العيش خير معرس # فاطلع به قمرا إذا ما أطلعت # شمس الخدود عليك شمس الأكؤس # فالناس أجمع دون قدرك رتبة # والأرض أجمع دون ms247 هذا المجلس # 36 # ووصف الشاعر علي بن محمد النيلي باب زويلة فقال: # يا صاح لو أبصرت باب زويلة # لعلمت قدر محله بنيانا # باب تأزر بالمجرة وارتدى الش # عرى ولاث برأسه كيوانا # لو أن فرعونا رآه لم يرد # صرحا ولا أوصى به هامانا # 37 # على أننا نلاحظ ما بهذه المقطوعات من غلو ومبالغة في تفخيم المباني ~~والمنشآت. # وهكذا نستطيع أن نتبع هذه العصور المختلفة التي صور بها شعراء مصر الفاطمية ~~ما رأوه في الطبيعة وفي المتنزهات، وهي صور من الحياة المصرية التي كانت تلائم ~~ما في العصر الفاطمي من ترف ونعيم، بل ذكر الشعراء الزينات المختلفة التي كان ~~الفاطميون يتخذونها في دورهم ومتنزهاتهم، ويغالون في إظهارها إمعانا في الترف ~~والبذخ، وها هو ذا ابن قلاقس يصف نخلة عليها زينة من أنوار السرج، كالذي يتخذه ~~المترفون اليوم في أيام الحفلات الخاصة: # ما عهدنا النخل لولا هذه # باسقات بثمار اللهب # هطل الغيث لها من فضة # فهي في قنوانها من ذهب # تلعب السرج على حافاتها # وتحاكي أنمل المرتعب # ولقد أحسبها ألسنة # هزها للسكر خمر الطرب # 38 # ونرى المصريين يصفون في شعرهم كل ما وقع تحت أنظارهم، فوصفوا الشمعة مثلا، ~~كما في قول المهذب بن الزبير: # ومصفرة لا عن هوى غير أنها # تحوز صفات المستهام المعذب # شجونا وسقما واصطبارا وأدمعا # وخفقا وتسهيدا وفرط تلهب # إذا جمشتها الريح كانت كمعصم # يرد سلاما بالبنان المخضب # 39 # ويقول آخر في الشمعة أيضا: # وصحيفة بيضاء تطلع في الدجا # صبحا وتشفي الناظرين بدائها # شابت ذؤابتها أوان شبابها # واسود مفرقها أوان فنائها # كالعين في طبقاتها ودموعها # وسوادها وبياضها وضيائها # 40 # ووصف الشاعر أمير الدولة أبو محمد عبد الله بن خليل - أمير شعراء المستنصر - ~~القلم والرمح بقوله: # يراعان هذا يملأ الطرس حكمة # وذاك يذيق الحتف ليثا غضنفرا # وإن ظمئا ظنناهما يردا على # نفوس العدا من غير إذن ويصدرا # فيشرب هذا أسود الليل حالكا # ويشرب هذا قاني الدم أحمرا # 41 # ويصف طلائع الآمري الخيل بقوله: # جنائب إن قيدت فأسد وإن عدت # بأبطالها فهي ms248 الصبا والجنائب # أثارت بأكناف المصلى عجاجة # دجت وبدت للبيض منها الكواكب # 42 # ويقول ابن الضيف في عدد الفرس: # كم سابح أعددته فوجدته # عند الكريهة وهو نسر طائر # لم يرم قط بطرفه في غاية # إلا وسابقه إليها الحافر # 43 # ويطول بي الأمر لو ذكرت ما وصفه شعراء مصر الفاطمية، فهم لم يتركوا شيئا دون ~~أن يتحدثوا عنه في أشعارهم، ولعل ذلك يرجع إلى ما كانوا عليه من رقة الشعور، ~~ودقة الحس، ومقدرة على القريض. # | خاتمة القول في الشعر # رأينا صورا مختلفة من الشعر المصري في العصر الفاطمي، وعرفنا موضوعاته المتنوعة ~~المتشعبة، فنحن نتساءل بعد أن رأينا ذلك كله: إلى أي حد وفق شعراء مصر في ~~التعبير عن شخصية مصر في شعرهم؟ وإلى أي حد نستطيع أن نميز الشعر المصري في هذا ~~العصر من غيره من شعر الأقطار الإسلامية الأخرى؟ # قبل أن نجيب عن مثل هذه الأسئلة، نرى أن نتحدث أولا عن بعض خصائص ظهرت في الشعر ~~العربي في كل عصوره وبيئاته، منذ عرف الشعر العربي إلى الآن، بل ستظل هذه الخصائص ~~موجودة في الشعر العربي ما وجد الشعر العربي، وهذه الخصائص هي التي تجعله - مهما ~~اختلفت بيئاته وتطورت عصوره - وحدة يشبه بعضها بعضا، فالحياة العربية تتطور وتختلف ~~باختلاف الأقاليم التي تنشد الشعر بالعربية، ولكن هذه الخصائص في الشعر لم تتطور ~~بتطور الحياة، ولم تختلف باختلاف الأقاليم، وبالتالي يتطور الشعراء فلا تتطور معهم ~~هذه الخصائص، بل ظلت مثلا عليا للشعراء جميعا دون أن يصيبها تغيير ~~جوهري. # فمثلا نجد الشعراء جميعا منذ العصر الذي اتفق المؤرخون على تسميته بالعصر ~~الجاهلي إلى عصرنا هذا ينشدون أشعارهم في ألفاظ عربية حاول النقاد أن يصفوها في ~~كتبهم وأبحاثهم بالرقة والعذوبة والجزالة والسلالة ... إلى غير ذلك من هذه الصفات ~~التي وصفت بها الألفاظ الشعرية، فلا نكاد نجد شاعرا من شعراء العربية اصطنع ~~ألفاظا توصف بصفات تختلف عن تلك التي تحدث عنها النقاد القدماء والمحدثون. ~~حقيقة حاول بعض الشعراء أن يتظرف في الشعر باستعمال بعض ألفاظ أعجمية، ولكننا ms249 ~~نستطيع أن نقول: إن ذلك كان قليلا جدا بحيث لا نستطيع أن ندعي أن هذه ظاهرة ~~يقف عندها الباحث في تاريخ الأدب العربي؛ ولذلك لم يأبه لها مؤرخو الأدب، وإذن فقد ~~اشترك الشعراء جميعا في استعمال الألفاظ العربية في أشعارهم مهما اختلفت عصورهم، ~~وتباينت بيئاتهم، فلا نستطيع أن نتخذ الألفاظ أساسا للتمييز بين شعر قطر من ~~الأقطار التي أنشدت بالعربية من شعر قطر آخر، فالألفاظ مثل من المثل العليا لشعراء ~~العربية جميعا، لم يصبها تغيير، ولن يصيبها تغيير. # كذلك نقول عن هذه الأوزان التي جرى الشعر العربي على أوتادها وأسبابها، والتي ~~تحدث عنها علماء العروض في كتبهم، فشعراء العربية لم يعدلوا عن الأوزان التي ~~عرفها القدماء، وأغلب الظن أن شعراء العربية لن يعدلوا عن هذه الأوزان مهما بعد ~~بهم الزمن عن الشعر القديم، وتلونت حياتهم بألوان مختلفة. ورب معترض يقول: إن ~~الأندلسيين أوجدوا الموشحات والأزجال، وإن المصريين اخترعوا البليق، وأدخل شعراء ~~الفرس الدوبيت والرباعيات في الشعر العربي، وهذه كلها أوزان لم يعرفها القدماء، ~~ولكن أتى بها المولدون، فكيف تكون الأوزان إذن مثلا من المثل العليا للشعر العربي ~~في كل العصور وكل البيئات! فأجيب هؤلاء المعترضين بأن المولدين لم يعدلوا عن ~~التفعيلات القديمة، ولم تخرج أوزانهم الجديدة عن الدوائر العروضية التي عرفت قبل ~~اختراع هذه الألوان من الشعر، وإنما الذي فعله هؤلاء المولدون أنهم غيروا بعض ~~أشكال الشعر، واحتفظوا بالوزن الأساسي وبلون من ألوان القافية، أي إنهم في تجديدهم ~~هذا لم يستطيعوا أن يحيدوا عن المثل القديمة في الشعر العربي، ومع ذلك كله فلو ~~ذهبنا - جدلا - إلى أن الموشحات الأندلسية والبليق المصري والدوبيت الفارسي تجديد ~~في الوزن العربي - مع أننا لا نوافق على هذا الرأي - فإن هذه الألوان من الشعر كانت ~~جزءا يسيرا جدا بجانب الشعر الآخر الذي خلفه الأندلسيون والمصريون والفرس، ~~والذي حافظ فيه الشعراء على الأوزان القديمة، وإذن فالوزن مثل آخر من المثل ~~العليا لشعراء العربية جميعا، لم يصبه تغيير إلى الآن. # كذلك نقول عن القافية وعن الأساليب الشعرية ms250 العربية، فهذه كلها مثل من مثل الشعر ~~العربي التي اتبعها الشعراء في كل العصور والبيئات، وحافظ عليها الشعراء أشد ~~المحافظة، حتى هؤلاء الشعراء الذي نزعم أنهم أسرفوا في التجديد، فالشاعر أبو نواس ~~مثلا الذي هاجم الأساليب القديمة وتهكم بها، لم يستطع أن يغير هذه الأساليب ~~ولا طرائقه في التعبير، وكذلك نقول عن المجددين اللفظيين من أصحاب البديع، الذين ~~أسرفوا في التلاعب اللفظي، واستخدام ألوان الزينة البديعية، فهم لم يستطيعوا أن ~~يعدلوا عن عمود الشعر القديم، فلم يبتكروا قافية غير القافية التي نهج عليها ~~القدماء، ولا تفعيلات غير التي عرفتها دوائر العروض، ولم يستخدموا ألفاظا غير ~~عربية. # معنى ذلك كله أن الشعر العربي في كل عصوره وبيئاته يشترك في هذه الخصائص التي ~~أصبحت مثلا للشعراء، فلا نستطيع إذن أن نقول: إن مصر لم تظهر شخصيتها في الشعر، أو ~~إن المصريين قلدوا العباسيين واتخذوهم مثلا لهم؛ لأن شعراء مصر اتبعوا هذه ~~الخصائص العامة، وكذلك لا نستطيع أن نقول: إن الأندلس أظهرت شخصيتها بأن أوجدت ~~الموشحات، فالذين زعموا أن العباسيين كانوا مثلا عليا لشعراء العرب لم يدركوا فن ~~الشعر العربي حق إدراكه، ونظروا إلى الشعر نظرة خاطفة، فتوهموا أن العباسيين ~~كانوا مثلا للشعر العربي. ألم يذهب القدماء إلى أن ابن هانئ الأندلسي كان يقلد ~~المتنبي حتى لقب بمتنبي الغرب؟ ألم يقل القدماء أيضا: إن الأمير تميم بن المعز ~~كان يقلد ابن المعتز وينهج نهجه؟ فإذا كان القدماء ذهبوا إلى أن العباسيين كانوا ~~أساتذة لشعراء مصر والمغرب والأندلس، فلم لا يذهب هؤلاء أيضا إلى أن العباسيين ~~كانوا مثلا عليا للشعر العربي؟ الواقع أن العباسيين أنفسهم خضعوا لتقاليد الشعر ~~العربي وخصائصه، شأنهم في ذلك شأن جميع شعراء العربية في كل العصور وكل البيئات، ~~فلم يكن العباسيون مثلا عليا لغيرهم من شعراء الأقاليم العربية. # وإذا كان شعراء العربية اشتركوا جميعا في هذه الخصائص، فإنهم اختلفوا في المعاني ~~التي تحدثوا عنها باختلاف عصورهم وبيئاتهم، فنحن إذا أردنا أن نبحث عن شخصية مصر ~~في الشعر، فنحن لا نجدها ms251 في الأوزان، ولا في القوافي، ولا في اللفظ، ولا في أساليب ~~الشعر، بل نجدها في المعاني التي ذكرها الشعراء، وفي الأخيلة الشعرية، وهنا فقط ~~نستطيع أن نقول: إن الشعر المصري صور البيئة المصرية والحياة المصرية أصدق ~~تمثيل، بحيث إنك إذا قرأت هذا الشعر المصري لا تستطيع أن تنسبه إلى قطر غير ~~مصر. # فمن ناحية الشعر السياسي يعتبر شعر مصر الفاطمية سجلا للأحداث التي جرت في هذا ~~العصر. حقيقة ضاع جل هذا الشعر السياسي، ولكننا نستطيع أن نحكم على ذلك بما بقي لنا ~~من آثار هذا الشعر، وقد ذكرنا شيئا عن شعراء القصر وشعراء الوزراء، وأن هؤلاء ~~الشعراء كانوا لسان الدولة في مثل هذه الأحداث السياسية، وكذلك كان أمر غيرهم من ~~الشعراء الذين كانوا ينشدون الخليفة أو الوزير، ومن البديه أن ما كان ينشد من ~~الشعر السياسي هو صورة لحياة مصر السياسية دون غيرها من الأقطار الأخرى. # ورأينا جانبا من الشعر المصري في الزهد والدين بجانب الشعر المصري في المجون ~~والإباحة، وهذان اللونان من ألوان الشعر المصري يدلان دلالة صريحة على ناحية هامة ~~من نواحي الحياة في الشعب المصري؛ فقد ذكرنا أن الشعب المصري شعب يميل إلى التمسك ~~بأهداب الدين، وأنه شعب يعمل لآخرته، ولكنا في الوقت نفسه نراه شعبا يميل إلى ~~المجون في حياته، وأنه شعب يميل لدنياه فيأخذ بنصيب من متاع الدنيا، فمصر على هذا ~~النحو متناقضة مضطربة بين متاع النفس ومتاع الجسد، وإذا الشعر المصري يضطرب أيضا ~~فيمثل الناحيتين من حياة هذا الشعب، ولعل هذه الظاهرة لا تزال ماثلة إلى اليوم في ~~حياة المصريين، وفي شعر المصريين، والذين درسوا الشعب المصري عجبوا للفكاهة ~~والدعابة المصرية، وكيف يرسل المصريون الفكاهة تلو الفكاهة، والنادرة بعد النادرة، ~~وهم يضحكون على مسمع هذه الفكاهات والنوادر بأصوات عالية، وذكر الكتاب أن الفكاهة ~~المصرية تدل على ذوق المصريين وسرعة بديهتهم، وعلى وعي شديد في تذوقها. وزعم بعض ~~الكتاب أن المصريين أكثر الشعوب حبا للفكاهة وكلفا بإطلاقها وسماعها، وأن ~~الفكاهة تجري في دم كل مصري، ms252 ولكن هذه الفكاهات المصرية أكثرها في الحديث عن ~~الناحية الجنسية، وهي تتناول بعض أعضاء الجسم، حتى إن أشد ألوان الفكاهة المصرية ~~إضحاكا هي هذه الفكاهات التي تتحدث عن العلاقة الجنسية أو أعضاء الجسم، وهذا ~~يؤيد ما ذهبنا إليه من أن للمصريين لونين من الحياة؛ لونا يميلون فيه إلى ~~المجون، ولونا آخر يميلون فيه إلى الدين، فإذا الشعر المصري في كل عصوره يمثل ~~هذين اللونين، وقد رأينا صورا لهما في الشعر المصري في العصر الفاطمي. # ونضيف إلى ذلك كله أن مصر بما تمتاز به من هذا الجو البديع الذي تكاد تنفرد به، ~~وأرض خصبة تروى في أوقات منتظمة، جعلت المصريين شعبا يميل إلى الهدوء واللين في ~~كل شيء، وظهر أثر ذلك في التفكير عند المصريين، فنحن لا نكاد نجد عند المصريين ~~عمقا في تفكيرهم وفي دراساتهم المختلفة، ولعل هذا هو السبب في أننا لا نجد ~~فيلسوفا مصريا، ولا نجد فلسفة مصرية لها أثرها في تاريخ الفكر البشري. ونحن نعجب ~~لهذا الشعب العظيم الذي استطاع أن يهضم كل المدنيات التي ظهرت، وعرف كل الدراسات ~~المتنوعة، بل استطاع أن يمصر الشعوب التي وفدت على مصر، ومع هذه القوة الكامنة في ~~مصر لم ينتج المصريون فلسفة خاصة بهم. ورب معترض يقول: إن مدرسة الإسكندرية ~~أوجدت فلسفة تباين الفلسفة الهلينية بعض التباين، ولكن فاته أن فلاسفة مدرسة ~~الإسكندرية لم يكونوا من المصريين، بل كانوا من الغرباء الذين وفدوا على مصر لطلب ~~العلم على أساتذة مدرسة الإسكندرية. # وقد ذهب بعض مؤرخي مدرسة الإسكندرية إلى أن أفلوطين من صعيد مصر، وأنه تأثر ~~بالبيئة المصرية والحياة المصرية، وظهر ذلك في آرائه التي حاول فيها أن يقرب ~~بين فلسفة اليونان والمسيحية واليهودية، ولكن حياة أفلوطين لم تكن كلها في مصر، فقد ~~وفد على الإسكندرية سنة 233، وأقام إحدى عشرة سنة في الاستماع إلى الفلسفة ~~اليونانية، ثم رحل عن مصر إلى سوريا والعراق، وفي سنة 245م رحل إلى رومة حيث لبث ~~بقية سني حياته إلى أن توفي سنة 270م. فآراء أفلوطين ms253 لم تكن بتأثير البيئة المصرية، ~~ولكنها كانت بتأثير هذه الرحلات التي قام بها، فمدرسة الإسكندرية على الرغم من ~~استمرارها في مصر عدة قرون، لم تؤثر في المصريين تأثيرا له خطره، والذي قبله ~~المصريون من دروسها هو شيء قريب إلى عقلية الشعب المصري التي تميل إلى كل شيء بسيط ~~لين؛ ولذلك لم تمكث مدرسة الإسكندرية الفلسفية طويلا عقب الفتح العربي؛ إذ انتقلت ~~تعاليمها إلى الرها وحران وأنطاكية ونصيبين، إلى أن أعاد الفاطميون تعاليم المدرسة ~~الإسكندرية مصبوغة بالصبغة الإسلامية، ثم خرجت هذه التعاليم من مصر بانقراض الدولة ~~الفاطمية، ولم تعد إليها إلى الآن، وأغلب الظن أنها لن تعود مرة أخرى إلى مصر، ~~وفي تاريخ الحياة الصوفية في مصر لم نجد صوفيا له فكرة متميزة به، وإذا قلنا: إن ~~ذا النون المصري كان من أوائل الصوفية الذين لهم رأي في وحدة الوجود؛ فإن تعاليمه ~~لم تزدهر في مصر، وإنما الذين حملوا آراءه من غير المصريين، وذلك كله لأن المصريين ~~شعب يميل إلى الهدوء واللين في حياتهم وفي تفكيرهم، وذلك من تأثير البيئة ~~المصرية . # وغلبت هذه الطبيعة المصرية على الشعراء؛ فنراهم هادئين في تفكيرهم، وفي ميلهم إلى ~~اتخاذ الأوزان الخفيفة الهادئة التي تلائم طبيعتهم، وظهر في وصفهم للطبيعة تلك ~~الصور الهادئة التي ليس بها تعقيد الفلاسفة، ولا عمق المفكرين، إنما كانت صورهم ~~هي صور الحياة اليومية التي كان يحياها المصريون. # والمصري عرف منذ القدم بشدة تعلقه ببيئته، لا يريد الابتعاد عن حياته التي ~~عرفها منذ أدرك الحياة، وإذا غاب عن بيئته فهو يحن إليها حنينا شديدا جدا، ولا ~~يلبث أن يعود إليها، وفي شعر مصر الفاطمية نجد الشعراء يعنون بتصوير هذه البيئة، ~~ولم يحاول الشاعر المصري أن يخرج فنه عن دائرة هذه الحياة التي حوله، ومن هنا كان ~~تصوير الشعر المصري للبيئة المصرية وللحياة المصرية في صور متلاحقة تكاد تكون حسية، ~~فإذا قرأنا هذه الأشعار في تصوير هذه البيئة، لا نستطيع أن ننسبها إلى بيئة أخرى ~~غير بيئة مصر، ولا يصور الشاعر شعبا غير ms254 شعب مصر، فليطمئن الذين زعموا أن مصر لم ~~تنتج أدبا، أو الذين يزعمون أن مصر لم تظهر شخصيتها في الشعر، إلى أن مصر كان ~~لها شخصية ظاهرة واضحة في الشعر المصري في العصر الفاطمي، ثم العصور التي وليت هذا ~~العصر، وأن الشعر المصري يصور حياة المصريين المتشعبة النواحي أصدق تمثيل. # أما أخيلة المصريين في التعبير عن تصوير بيئتهم وألوان حياتهم، فهي أخيلة ~~مستمدة من بيئتهم ومن حياتهم أيضا، فالفاطميون في أشعارهم التي أوردنا بعض ~~صورها استخدموا الألوان الحسية، فاستعمال الجناس والطباق إلى غير ذلك من ألوان الفن ~~تمثل لنا أخيلة شعراء العصر الفاطمي بأنها صور منتزعة من الحياة الفاطمية، وأن ~~توسع الشعراء الفاطميين في استعمال هذه الألوان والمغالاة في استخدامها هي ضرورة ~~اضطرتهم إليها حياة العصر الفاطمي نفسه. حقيقة نرى عند شعراء مصر قبل العصر الفاطمي ~~هذه الألوان الحسية في شعرهم، وقد تحدثنا عنها في كتابنا «أدب مصر الإسلامية»، ~~وأوردنا شيئا من شعر شعراء هذا العصر، مما يدل على أن هذا اللون من الفن عرفته مصر ~~الإسلامية، ولكن مصر الفاطمية كانت تمتاز بالغلو في كل شيء؛ فقد رأينا غلو ~~الفاطميين في الدين، وغلوهم في اللهو، وغلوهم في التزين والتجمل، وغلوهم في الملبس ~~والمسكن؛ غلو في أعياد فرحهم، وغلو في ذكريات مآتمهم؛ فظهر هذا الغلو في فن الشعر ~~ظهوره في نواحي الحياة المختلفة، فأسرف الشعراء في العصر الفاطمي في استخدام ألوان ~~الزينة البديعية حتى تلائم أشراف الفاطميين في حياتهم، فإن الحياة كانت تمد الشعراء ~~بهذه الألوان الحسية عن الزينة. ليس معنى ذلك أن الشعراء في غير مصر الفاطمية لم ~~يعرفوا الزينة البديعية، أو أنهم لم يسرفوا في استخدامها، بل كانت الزينة البديعية ~~في الشعر العربي أقدم عهدا من الفاطميين، وإن هذه الزينة عرفها شعراء العراق وغير ~~العراق قبل أن تقوم دولة الفاطميين في مصر، فقد فتنت الزينة البديعية الناس جميعا ~~في كل البلاد العربية، وأخذ الشعراء في استخدامها في شعرهم لإرضاء ذوقهم الفني، ~~وإرضاء الجمهور الذي فتن بها، وتبع شعراء مصر ms255 الفاطمية تيار الشعر العربي، ولم ~~يتخلفوا عنه، وإنما أسرفوا في استخدام هذه المحسنات البديعية، فسبقوا غيرهم في ~~مضماره، وذلك لما في المصريين من دقة الحس، ورقة الشعور، وميل إلى الفكاهة، وخفة ~~الروح، فإذا بك لا تشعر أن بالشعر المصري هذا التكلف الذي يظهر عند غير المصريين ~~من الشعراء، ولا تلمس جهد الشاعر في الحصول على هذه الصورة الفنية التي ابتدعها في ~~شعره، فالصور أمامهم وبين أيديهم ينتقون منها ما يشاءون دون جهد، فأحسنوا التحدث عن ~~هذه الصور وأحسنوا تعليلها، وهي صور مصرية وتعليلات مصرية منتزعة من الحياة المصرية ~~الحضرية. # وإذن فنستطيع أن نطمئن أيضا إلى أن أخيلة المصريين كانت مصرية أيضا، لم يتبعوا ~~فيها غيرهم من شعراء البلاد العربية، وهكذا ظهرت شخصية مصر في الشعر بارزة ~~واضحة. # الباب الثاني # | في النثر # الفصل الأول # | ازدهار النثر # رأينا في كتابنا «أدب مصر الإسلامية» كيف أسس ديوان الإنشاء بمصر في عهد أحمد ~~بن طولون، وأن أول من ولي هذا الديوان كان أحمد بن محمد بن مودود المعروف ~~ب «ابن عبد كان» الكاتب، وعرفنا كيف استمر تلاميذ «ابن عبد كان» يعملون في دواوين ~~الطولونيين والإخشيديين، فازدهرت الكتابة في مصر على أيديهم حتى بلغت درجة عالية من ~~درجات فن الكتابة في مصر، حتى إن القلقشندي روى أن أهل بغداد كانوا يحسدون أهل مصر ~~على طبطب المحرر، وابن عبد كان الكاتب، ويقولون: بمصر كاتب ومحرر ليس لأمير ~~المؤمنين بمدينة السلام مثلهما. # 1 # وكثر عدد الكتاب في مصر في عهد الطولونيين والإخشيديين، أمثال: الحسن ~~بن رافع، ويعقوب بن إسحق، وأحمد بن أيمن، والحسين بن مهاجر، وعلي بن أحمد ~~المادرائي، وابن الداية، وإسحق بن نصير العبادي، وإبراهيم بن عبد الله النجيرمي، ~~ومحمد بن كلاو الروزباري ... وغيرهم من الكتاب الذين اتخذوا الكتابة فنا ~~يتكسبون به، ومؤهلا لتعيين الكتاب في خدمة الأمراء وأصحاب الشأن في البلاد، ~~فكثر تنافس الكتاب في تجويد الكتابة وإتقان الصناعة، حتى علا منارها وعظم ~~شأنها. # تولى الفاطميون أمر مصر، ونهضة الكتابة فيها قوية مزدهرة، فتضاعفت هذه ms256 النهضة ~~في العصر الفاطمي بما عمل الفاطميون على النهوض أولا بالعلم وإذكاء شعلته في ~~البلاد، حتى كان للحركة العلمية أثر قوي في تيار الفكر الإسلامي عامة، وفي مصر ~~الفاطمية على وجه خاص، وقد تحدثنا عن ذلك من قبل. # ومن ناحية أخرى، ظفرت مصر الفاطمية بنهضة أدبية كان لها أثرها القوي في ازدهار ~~الشعر وازدهار الكتابة معا؛ فقد عني الفاطميون بالكتاب عنايتهم بالشعراء، بل لا ~~أغالي إذا قلت: إن عناية الفاطميين بالكتاب كانت أشد من عنايتهم بالشعراء؛ ذلك أن ~~اتساع ملكهم وتشعب نواحي حياتهم وسلطانهم اضطرتهم إلى أن يوجهوا همتهم إلى ~~العناية بالدواوين المختلفة عناية خاصة تتناسب مع غلوهم في إظهار مجدهم. ويحدثنا ~~المؤرخون عن هذه الدواوين، وعن الكتاب الذين تولوها، والتشريف الذي كان يجده ~~هؤلاء الكتاب في العصر الفاطمي، من ذلك أن صاحب ديوان المجلس كان يخلع عليه، ~~وينشأ له السجل، وله المرتبة والمسند والدواة والحاجب ... إلى غير ذلك. # 2 # ويذكر المقريزي أن أبا البركات بن أبي الليث متولي ديوان المجلس سنة ~~517ه، كان له باسمه مياومة إدرارا من بيت المال والخزائن ودار التعبية والمطابخ ~~وشون الحطب الشيء الكثير، فكان له من البقول والتوابل ما قيمته نصف دينار، ومن ~~الضأن رأس واحد، ومن الحيوان ثلاثة أطيار، ومن الحطب حملة واحدة، ومن الدقيق خمسة ~~وعشرون رطلا، ومن الخبز عشرون وظيفة، ومن الفاكهة ثمرة زهرة قصريتان وشمامة، كما ~~كان له في كل يوم إثنين وخميس من السماط بقاعة الذهب طيفور خاص، وصحن من الأرائل، ~~وخمسة وعشرون رغيفا من الخبز المائدي والسميذ، وفي كل يوم أحد وأربعاء من الأسمطة ~~مثل ذلك، وفي كل يوم سبت وثلاثاء من أسمطة الركوبات خروف مشوي وجام حلوى ورباعي ~~عنب، وكان يحضر إليه في كل يوم من الإصطبلات بغلة بمركوب محلي، وبغلة برسم الراجل، ~~وفراشين برسم خدمته. ولم يقتصر الأمر عليه وحده، بل جعلوا لولده جاريا كل يوم ~~مقداره ثلاثة أرطال لحم، وعشرة أرطال دقيق، وراتبا عشرة دنانير. # 3 # ويقول المقريزي أيضا عن ديوان التحقيق: إنه كان لا ms257 يتولاه إلا كاتب خبير، وله ~~الخلع المرتبة والحاجب. # 4 # أما صاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات، فكان أول أرباب الإقطاعات وأرباب ~~الكسوة والرسوم، وله حاجب من الأمراء الشيوخ وفراشون، وله المرتبة الهائلة والمخاد ~~والمسند والدواة، وهي من أخص الدوي، ويحملها أستاذي الخليفة. # 5 # ويحدثنا ياقوت: أن رزق ابن خيران كاتب الإنشاء في عهد المستنصر، كان ~~ثلاثة آلاف دينار في السنة، وكان له عن كل ما يكتبه من السجلات والعهودات وكتب ~~التقليدات رسوم يستوفيها من كل شيء. # 6 # فهذا التشريف الذي جعله الفاطميون لكتاب دولتهم كان من أهم عوامل ~~ازدهار الكتابة في هذا العصر، كما كان إغداق النعم على الكتاب على هذا النحو ~~الذي رأينا صورته من أسباب كثرة الكتاب، وإقبال الناس على التعليم، وإجادة ~~الكتابة ليصلوا إلى مرتبة الكتابة في الدواوين؛ فكثر عدد الكتاب، وأصبح على ~~المتأدب أن يأخذ عن الكتاب طرائقهم وفنهم. # ويحدثنا القاضي الفاضل أنه كان من عادة أرباب الدواوين في تربية أبنائهم، أنهم ~~كانوا يرسلون هؤلاء الأولاد إلى ديوان المكاتبات ليتعلموا فن الكتابة. قال القاضي ~~الفاضل: كان فن الكتابة بمصر في زمن بني عبيد غضا طريا ، وكان لا يخلو ديوان ~~المكاتبات من رأس يرأس مكانا وبيانا، ويقيم لسلطانه بقلمه سلطانا، وكان من ~~العادة أن كلا من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد وشدا شيئا من علم الأدب، ~~أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ويتدرب ويرى ويسمع، فأرسلني والدي، ~~وكان إذ ذاك قاضيا بثغر عسقلان، إلى الديار المصرية في أيام الحافظ، وأمرني ~~بالمصير إلى يدوان المكاتبات، وكان الذي يرأس به في تلك الأيام رجل يقال له ابن ~~الخلال، فلما حضرت الديوان ومثلت بين يديه وعرفته من أنا وما طلبي، رحب بي ~~وسهل، ثم قال: ما الذي أعددته لفن الكتابة من الآلات؟ فقلت: ليس عندي شيء سوى أني ~~أحفظ القرآن العزيز وكتاب الحماسة. فقال: وفي هذا بلاغ. ثم أمرني بملازمته، ~~فترددت عليه وتدربت بين يديه، ثم أمرني بعد ذلك أن أحل شعر الحماسة ~~فحللته من أوله إلى آخره، ثم أمرني ms258 أن أحله مرة ثانية فحللته. # 7 # فهذا النص يدلنا على مبلغ تعلق الناس بتعليم أبنائهم فن الكتابة، فقد كان حفظ ~~القرآن الكريم وأشعار العرب من عدد الكاتب في هذا العصر، وقد رأينا كيف طلب ~~ابن الخلال من تلميذه الذي عرف بعد ذلك بالقاضي الفاضل أن ينثر كل الأشعار التي ~~جمعها ديوان الحماسة؛ تهيئة له في الدخول في سلك الكتاب. ولم تكن ملكة الكتابة ~~وحدها تكفي أن تجعل الإنسان كاتبا، بل كان لا بد له من آلات - على نحو ما عبر ~~ابن الخلال - وهذه الآلات هي علوم العربية، حتى يتسنى للكاتب أن يسير على نهج ~~الأساليب العربية، فلا يقع في لحن نحوي أو لغوي، أو يبتعد الكاتب عن سنن كتاب ~~العربية في أسلوبهم وتعبيراتهم. ولم يقنع الفاطميون بأن تكون كتابات الكتاب سليمة ~~صحيحة، بل حرصوا أشد الحرص على ذلك، بأن جعلوا في ديوان الإنشاء لغويين ونحويين ~~لمراجعة ما كان يحرره الكتاب حتى تخرج كتاباتهم سليمة من الأخطاء، فهذا الحرص ~~على سلامة أساليب الكتابة كان من العوامل التي جعلت الكتاب أنفسهم يعملون جاهدين ~~على أن تخرج كتاباتهم خالصة متفقة مع الأساليب العربية، فلا غرو أن يقول القاضي ~~الفاضل: «إن فن الكتابة بمصر في زمن بني عبيد كان غضا طريا.» وأن تصبو نفس كل ~~متعلم إلى أن يكون كاتبا من كتاب الدواوين. # وقد يكون من عوامل ازدهار الكتابة في العصر الفاطمي، أن وزراء العصر الأول من ~~الحكم الفاطمي كانوا من الكتاب، وكانوا يعملون في الدواوين قبل اختيارهم للوزارة، ~~فالفلاحي والجرجرائي واليازوري والبابلي وبنو المغربي وابن المدبر وابن الأنباري ~~وكثير غيرهم كانوا من الكتاب، وقد بلغوا مرتبة الوزارة، حتى إن المؤرخين لاحظوا ~~أن وزراء الدور الأول كانوا من أصحاب الأقلام، وأن وزراء الدور الثاني كانوا من ~~أصحاب السيف، وليس معنى ذلك أن الكتابة ضعفت في الدور الثاني، أو أن الكتاب ~~أصبحوا في مكانة تقل عن مكانتهم الأولى، بل ظل الكتاب يتمتعون بمثل المركز الرفيع ~~الذي كانوا فيه في الدور الأول، ومنهم كان جلساء الإمام ms259 وحجابه وأصحاب مظلته، ~~ومنهم كان القضاة والدعاة، وهذه كلها كانت أكبر مناصب الدولة بعد الوزارة، ~~فالكتاب طوال العصر الفاطمي كانت لهم مكانتهم الممتازة، والنعم العميمة، ~~والعطايا الجزيلة، فلا غرابة إذن أن يقبل الناس على الكتابة، وأن تزدهر في هذا ~~العصر. # أضف إلى ذلك كله أن نظام الحكم الفاطمي كان من أشد العوامل على ازدهار ~~الكتابة؛ فإن الفاطميين كانوا يسجلون كل دقيقة وعظيمة في سجل يخرج من الديوان، ~~فتعيين الوزراء أو الكتاب أو القضاة أو الدعاة وغيرهم من أرباب وظائف الدولة كان ~~يخرج به سجل خاص مطول، فيه الحض على تقوى الله وطاعة الإمام والتمسك بأهداب الدين ~~الحنيف، ثم الإشارة إلى المنصب الذي سيعين فيه الموظف، وما يتطلبه ذلك المنصب من ~~عمل، إلى غير ذلك من ترغيب في المنصب، ومشورة في تصريف العمل، وإذا خرج الخليفة ~~لفتح الخليج أو لصلاة الجمعة أو العيد فيخرج السجل بذلك. وفي أعيادهم ومآتمهم كانت ~~تصدر هذه السجلات أيضا، حتى أصبحت هذه السجلات تاريخا للعصر الفاطمي كله، وكان ~~الكتاب يفتنون في إظهار مقدرتهم وكفايتهم في صياغة هذه السجلات، ويتنافسون في هذا ~~الفن؛ فجاءت هذه السجلات الفاطمية صورا رائعة من صور الكتابة العربية التي تمثل ~~العصر الفاطمي أصدق تمثيل. # من ذلك نستطيع أن ندرك كيف ازدهرت الكتابة في العصر الفاطمي، وكيف أقبل المتعلمون ~~على أن يلموا بفن الكتابة، حتى يصبحوا كتابا في دواوين الفاطميين، وأن ينالوا ما ~~ناله الكتاب من تكريم وتقريب ونعم. # النثر والأئمة # وكان الأئمة يجيدون فن النثر كما كانوا يعرفون بالشعر، فقد كان الأئمة يلقون ~~الخطب الدينية في المسجد الجامع، ويقرءون ما يعرضه عليهم الدعاة من مجالس ~~المحكمة، وقد يبدلون بعض أجزاء هذه المجالس. فمن خطبة المعز لدين الله في عيد ~~الأضحى سنة 341ه: # الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الأعز الأقدر، ~~الخالق المدبر، ذو الكبرياء والجبروت، والعزة والملكوت، الأحد الصمد، ~~الفرد المتفرد، الأعلى القاهر، الباطن الظاهر، الأول الآخر، مبدع ~~السموات والأرض بالقدرة، ومالكها بالعزة، ومدبرها بالحكمة، وخالقها ~~بما فيها ms260 من عجائب الفطرة، وبدائع التركيب والصنعة، الذي كل شيء من ~~موات وحي متوجه بالدعاء إليه، والدلالة عليه، والشهادة له بالتوحيد، ~~والتعظيم والتحميد، فتكوينه الأشياء كلها من عدم شاهد بأن لا شيء ~~قبله، وانتهاؤها إلى الغايات دليل على أن لا غاية له، وإحاطته بحدودها ~~منبئ بأن لا حد له، فالضعف والعجز والفقر والنقص الذي لم يخل منه ~~مخلوق، أفصح ناطق وأصدق شاهد للخالق وحده - جل ثناؤه - بالإلهية ~~والفردانية والقدرة والربوبية والتمام والكمال والأزل والدوام. # تبارك الله رب العالمين، أحسن كل شيء خلقه، وكفل لكل حي رزقه، ثم هدى ~~بالعقل الذي قامت حجته، ووجبت طاعته، والكتب والرسل الذين تمت بهم ~~حكمته. فصلى الله عليهم أجمعين، وعلى محمد سيد المرسلين، الذي رفع ذكره ~~وأعلى قدره، فأكرمه بالوسيلة، واختصه بكل فضيلة، وابتعثه هاديا للعباد ~~ونورا في البلاد، علم به من الجهل، وهدى به من الضل، وكثر به من القل، ~~وأعز به من الذل، فألف به بعد الشتات، ونور به دياجير الظلمات، صلوات ~~الله عليه وآله المهديين الأخيار الطيبين. # يا أيها الناس إن الله لم يخلقكم عبثا، ولم يهملكم سدى، ولم يجعل ~~عليكم في الدين حرجا، ولم يضرب الذكر عنكم صفحا، للعبادة خلقكم، ~~وبطاعته وطاعة رسوله أمركم، وجعل للطاعة أعلاما منصوبة، وفروضا ~~مكتوبة، ومن أفضل أعلامها وأكرم أيامها يوم الحج الأكبر إلى البيت ~~العتيق، مبوأ إبراهيم خليل الله، وقبلة محمد رسول الله، فتقربوا إلى ~~الله بما أمدكم به، ورزقكم إياه من بهيمة الأنعام، مقتدين بسنة محمد ~~نبي الرحمة والهدى، مستشعرين لله التقوى، فإن الله - عز وجل - يقول: # لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ~~ولكن يناله التقوى منكم ~~، فبالتقوى تقبل ~~الأعمال ويدرك الأمل، وكبروا الله على ما هداكم، واشكروه على ما ~~أولاكم. ألا وإن خير الهدي الإبل، وخير الإبل إناثها، وكذلك من البقر ~~ثم الفحول من الضأن، وسلامة الضحايا سلامة العين والأذن، وأن تكون من ~~حلال الأموال، نسأل الله لنا ولكم قبول العمل بامتنانه، وبلوغ الأمل من ~~رضوان الله ورحمته وإحسانه. # وجلس، ثم قام في الثانية ms261 ينعي المنصور، ويعلن موته، بعد أن كان موته قد ظل ~~مستورا عدة أشهر: # الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر شأنا، ~~وأعظم سلطانا، وأوضح آيات وبرهانا، عن أن تنكر العقول توحيده، أو ~~تروم تحديده، خالق السموات والأرض ومالكهما ومدبرهما، الفرد الصمد، ~~الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا ند، الخالق القدير، الرحمن الغفور، ~~النافذ قضاؤه، الكائن ما يشاؤه، المتقن كل شيء صنعا، الموسع كل شيء ~~رزقا، المحيط بكل شيء علما. أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأفوض ~~إليه، وأتوكل في كل الأمور عليه. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا خيرته من ~~عباده، ونجيه من بريته، وصفوته من المتطهرين، ورسوله إلى كافة ~~العالمين، وبعثه بالإمامة إلى الثقلين؛ ليبلغ حجة الرب، ويوضع محجة ~~الحق، فأدى رسالة الله، ورحم ورأف بعباد الله، وصبر على الكبار من ~~مكر الكفار، إلى أن أدال الله للحق على الباطل، والهدي على الأضائل. ~~محمد صلى الله عليه وآله أفضل الصلاة وأزكاها، وأكملها وأنماها، ~~وأخلدها وأبقاها، وعلى الأئمة المهديين، من عترته الكرام الأبرين، ~~الذين اختارهم للخلافة، وارتضاهم للإمامة ، وأكد بوصية الرسل حجتهم، ~~وأوجب في التنزيل طاعتهم، بعد تفضيله إياهم على العالمين بأبوة محمد ~~سيد المرسلين، وعلى أفضل الوصيين، وعلى من أمه سيدة النساء، خامسة ~~أصحاب الكساء صلوات الله عليهم، وعلى أميري المؤمنين، المهدي بالله ~~والقائم بأمر الله سيدي الورى، وإمامي الهدى، اللذين أعلن الله ~~بهما دعوة الحق، وأنطق بهما الإيمان والمؤمنين، وأقام بهما دعوة الدين، ~~وأزهق بحقهما باطل المدعين وأكاذيب المتخرصين، وقطع بسيوفهما دابر ~~الظالمين، صلوات الله ورحمته وبركاته ورضوانه وتحياته عليهما. # اللهم اخصص الإمام الفاضل، والوصي العادل، والبر الفاضل، والغيث ~~الوابل، ذا الآيات المعجزات، والعزائم النافذات، الباذل نفسه الكريمة ~~في حين الأزل والكربات، الصابر في البأساء والضراء حتى طهر الأرض من ~~جبابرة الأعداء، عبدك ووليك ونجيبك وصفيك أبا الطاهر، المنصور بك ~~والمتوكل عليك، والمفوض إليك، العامل بما يرضيك، ويقرب إليك، ويزلف ~~لديك. الذي فجعتنا بفقده، وأوحدتنا ببعده، وأفردتنا ms262 منه ~~وأوحشتنا، فقبلت دعاءه، وأجبت نداءه، وجمعت بينه وبين أحبته في مستقر ~~جنتك، وسعة رحمتك. إن القلق وشدة الحرق عليك يا أبتاه يا سيداه يا ~~إسماعيلاه يا أبا الطاهراه، يا بحر علوم الأئمة الطاهرين، الهداة ~~المهديين، يا بقية أبناء الرسول، وأبناء الوصي والطاهرة البتول، يا ~~إمام الأمة، ومفتاح باب الرحمة، يا سراج الهدى وشمس الورى، ومجلي ~~الطخياء، يا مخصوصا من الله بتعجيل الكرامة، عظم والله علينا المصاب ~~بك، وحل البلاء، وعدم العزاء لفقدك، وقصرت الألسن عن إدراك إحصاء ~~شمائلك وتعداد مناقبك، فوحق الذي اختصك بكرامته، وحباك بجزيل عطائه، ~~وشرفك بأبوة رسوله، لولا ما أوعزت إلي به، وأكدته علي من القيام ~~بحق الله، والذب عن أمة جدك رسول الله، واستنقاذهم من غمرة الجهالة، ~~وبحار الضلالة، ومهاوي الفتن ومعاطب المحن، وما تقرر عندي، ورسخ في ~~صدري من الجزاء بمقدار الوفاء لله ولرسوله ولأئمة الهدى؛ لضربت على ~~وجهي سائحا في البلاد، قاليا للمهاد، راضيا ببلغة من الزاد، إلى أن ~~يلحقني الموت سريعا بك، فأفوز بقربك ورحمة ربك. لكني فكرت ونظرت ~~وتدبرت؛ فلم أر لي وجها أستوجب به درجتك، واللحاق بشرفك، سوى ~~الصبر والاحتساب، فتجلدت، وصبرني ربي فصبرت، وغلب على اليقين ~~فأمسكت، فأقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم، الرحمن الرحيم، له الحمد على ما أبلى، والشكر على ~~ما أولى ... إلخ. # 8 # وأكتفي بهذا القدر من هذه الخطبة القيمة التي وردت في كتاب «سيرة الأستاذ ~~جوذر»، ولعلك تلاحظ أن المعز قد أتى في خطبته هذه ببعض العقائد الفاطمية، من ~~السهل الآن على القارئ أن يدركها، والمهم الآن أن نلاحظ هذه الصنعة الفنية في ~~أسلوب الخطبة؛ فالجمل قصيرة، وتكاد الجملة تكون على وزن وطول الجملة التي ~~تليها، والسجع ظاهر فيها، وينتقل المعز من معنى إلى آخر انتقالا طبيعيا لا ~~تكلف فيه. # وإذا قرأنا توقيعات المعز التي ضمنها القاضي النعمان بن محمد كتابه ~~«المجالس والمسايرات»، وتوقيعاته التي أرسلها إلى وليه الأستاذ جوذر التي جمعها ~~صاحب «سيرة جوذر»؛ رأينا أن ms263 هذه الصنعة الفنية في الكتابة لا تلازم الإمام ~~المعز في توقيعاته، فقل أن نجد السجع، ولا هذا التكلف الذي رأيناه في ~~خطبته، فتوقيعاته أقرب إلى الكلام العادي الذي يتحدث به أمام الناس في الشئون ~~المختلفة، مع سلامة أسلوبه، وفصيح عبارته، مثل توقيعه إلى جوذر ردا على رقعة ~~رفعها إلى الإمام يسأل فيها ضيعة يرتفق بها ابن أحد كتابه: «وقفنا على رقعتك، ~~ومحل محمد محل مثله ممن صدقت نيته، وقدمت في الجميل صحبته، ونحن نحب أن يسبغ ~~الله نعمنا على من لم يعرفنا، فكيف من لم يعرف إلا بنا، ونحن نسعف جعفرا ~~لسؤالك ما سأل فيه إن شاء الله.» # 9 # وكذلك نقول عن الأئمة الذين جاءوا بعد المعز؛ فقد كانوا على ثقافة واسعة وعلم ~~غزير جعلهم يهتمون بالكتابة، ويميزون بين الجيد منها والرديء، بل تنسب إلى ~~بعضهم رسائل مثل مجموعة الرسائل التي تنسب إلى المستنصر الفاطمي، والتي ~~عرفت «بالرسائل المستنصرية»، # 10 # والتي قيل إنها الرسائل التي تبودلت بين المستنصر وبين علي بن محمد ~~الصليحي صاحب اليمن، فمؤرخو الإسماعيلية يؤكدون أن هذه الرسائل من إنشاء ~~المستنصر نفسه، ولكني - بعد أن اطلعت على هذه الرسائل - أستطيع أن أقول إن ~~أسلوبها أقرب إلى أسلوب المؤيد في الدين داعي الدعاة. # وكذلك نقول عن «رسالة الهداية الآمرية» # 11 # التي ينسبها الإسماعيلية إلى الإمام الآمر بأحكام الله، فقد شك ~~الأستاذ آصف فيظي ناشر هذه الرسالة في نسبتها إلى الإمام الآمر، ورجح أن ~~تكون من إنشاء أحد الكتاب الذين كانوا في عصر الآمر. # ومهما يكن من شيء فإن الكتابة في العصر الفاطمي قد ازدهرت بازدهار الحياة ~~المصرية في ذلك العصر، ولشدة إقبال الناس على التماس العلم والنهل من منابعه ~~التي كثرت، وتعددت ألوانها وفنونها، وتطور الكتابة يتبع دائما تطور الحياة ~~العلمية، فإذا ارتقت العلوم تبعها رقي في الكتابة، وإذا انحطت العلوم انحطت ~~الكتابة. # الفصل الثاني # | كتاب ديوان الإنشاء # قال القلقشندي: «لما ولي الفاطميون مصر صرفوا مزيد عنايتهم لديوان الإنشاء ~~وكتابه، فارتفع بهم قدره، وشاع في الآفاق ذكره، وولي ms264 ديوان الإنشاء منهم جماعة ~~من أفاضل الكتاب وبلغائهم ما بين مسلم وذمي.» # 1 # هكذا وصف القلقشندي كتاب ديوان الإنشاء في العصر الفاطمي، «وما بلغه ~~هذا الديوان على أيدي الكتاب من رفعة القدر وشيوع الذكر، ولا غرو في ذلك؛ إذ كان ~~منصب ديوان الإنشاء لا يتولاه في الدولة الفاطمية إلا أجل كتاب البلاغة.» # 2 # ولمكانته وكفايته كان يلقب بالشيخ الأجل وبصاحب الدست الشريف، # 3 # كما كان الخليفة يستشيره في أكثر أموره، ولا يحجب عنه متى قصد المثول ~~بين يديه، # 4 # وقد تحدث ابن منجب الصيرفي - أحد كتابهم - عن الصفات التي يجب أن ~~يتحلى بها رئيس ديوان الإنشاء، نلخص أهمها فيما يأتي: ~~(1) # أن يكون ذا دين وورع وأمانة. ~~(2) # أن يكون دينه الإسلام. ~~(3) # أن يكون على مذهب الملك. ~~(4) # أن يكون من البلاغة والفصاحة إلى أعلى رتبة وأسنى منزلة، وبحيث لا ~~يوجد أحد في عصره يفوقه في هذا الفن. ~~(5) # أن يكون مضطلعا بفنون الكتابة، عالما بأصولها وفصولها. ~~(6) # أن يكون حافظا لكتاب الله تعالى، وحافظا للأشعار، راويا للكثير ~~منها. ~~(7) # أن يكون أصيلا في قومه، رفيعا في حسبه. # 5 # هذه أهم الصفات التي رأى ابن منجب أن يكون عليها رئيس ديوان الإنشاء، فهل اتخذ ~~الفاطميون هذه الصفات دستورا لهم في اختيار رؤساء هذا الديوان؟ يؤسفني أن أقول: إن ~~الفاطميين لم يأبهوا بهذه الشروط والصفات التي اقترحها أحد كتابهم في كتاب ~~قدمه لوزير من وزرائهم، ولكن ابن منجب كان من كتاب القرن السادس للهجرة، في ~~وقت بدأ فيه ضعف دولتهم وقوة أعدائهم، ولا سيما قوة الصليبيين، فلا غرابة أن نرى ~~ابن منجب يشترط أن يكو ن الإسلام دين رئيس الديوان، «وخاصة بحكم الوقت الحاضر ألا ~~يطلع على أسراره من يخالف شريعة الإسلام؛ لقرب دار العدو خذله الله وأباده.» # 6 # فإن وجود الصليبيين في بلاد الشام يناوئون الفاطميين، جعل ابن منجب ~~يضطر إلى أن يشترط أن يكون رئيس ديوان الإنشاء مسلما، أما قبل عهد الصليبيين، ومنذ ~~قامت دولة الفواطم في مصر، فقد كان يتولى ديوان الإنشاء بعض أهل ms265 الذمة، كما كان ~~يتولاه بعض المسلمين. # ويذكر المؤرخون أسماء بعض من تولى هذا الديوان من أهل الذمة، مثل أبي المنصور ~~بن نسطوروس النصراني كاتب العزيز، والرئيس فهد كاتب الحاكم، وغيرهما، كما كان يكتب ~~ابن أبي الدم اليهودي في عهد الحافظ. معنى هذا أن الفاطميين لم يأبهوا بمذهب الكاتب ~~أو دينه، بل لا أغالي إذا ذهبت إلى أن الفاطميين كانوا كثيرا ما يستعينون بالذميين ~~في دولتهم، وهذه ظاهرة سجلها المؤرخون في كتبهم عن الدولة الفاطمية، ولكن ليس ~~معنى ذلك أن الفاطميين أبعدوا المسلمين عن الدواوين، فإن الكثرة الساحقة من كتاب ~~الدواوين كانوا من المسلمين، فإذا عرضنا أسماء رؤساء ديوان الإنشاء التي وردت في ~~صبح الأعشى رأينا أكثر الكتاب من المسلمين، فقد جاء في هذا الكتاب: «فكتب للعزيز ~~بالله بن المعز، أبو المنصور بن نسطورس النصراني، ثم كتب بعده لابنه الحاكم ومات في ~~أيامه، فكتب للحاكم القاضي أبو الطاهر النهركي، ثم كتب بعده لابنه الظاهر. وكتب ~~للمستنصر القاضي ولي الدين بن خيران، ثم ولي الدولة موسى بن الحسن قبل انتقاله ~~إلى الوزارة، وأبو سعيد العميدي. وكتب للآمر والحافظ الشيخ الأجل أبو الحسن علي ~~بن أبي أسامة الحلبي، إلى أن توفي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، فكتب بعده ولده ~~الأجل أبو المكارم إلى أن توفي في أيام الحافظ، وكان يكتب بين يديهما الشيخ الأمين ~~تاج الرياسة أبو القاسم علي بن سليمان بن منجب المعروف بابن الصيرفي، والقاضي كافي ~~القضاة محمود بن القاضي الموفق أسعد بن قادوس، وابن أبي الدم اليهودي، ثم كتب بعد ~~الشيخ أبي المكارم بن أبي أسامة المتقدم ذكره، القاضي الموفق بن الخلال أيام الحافظ ~~وإلى آخر أيام العاضد، وبه تخرج القاضي الفاضل البيساني، ثم أشرك العاضد مع الموفق ~~بن الخلال في ديوان الإنشاء، القاضي جلال الملك محمود الأنصاري، ثم كتب القاضي ~~الفاضل بين يدي الموفق بن الخلال قرب وفاته سنة ست وستين وخمسمائة في وزارة الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكتب من إنشائه عدة سجلات ومكاتبات عن العاضد آخر ms266 خلفائهم. # 7 # ولكن هذه الأسماء التي جاءت في صبح الأعشى، ليست عرضا لرؤساء ديوان الإنشاء في ~~العصر الفاطمي كله، كما أن الذي نراه في كتب التراجم وفي المراجع العامة الأخرى ~~يختلف بعض الاختلاف عما ورد في صبح الأعشى؛ إذ تحدثنا هذه المراجع أن الحسين ~~بن جوهر القائد كان يلي ديوان الإنشاء في عهد العزيز، # 8 # وأنه ظل في منصبه إلى أيام الحاكم، ثم استبدل به صالح بن علي ~~الروزباري، ثم جاء بعده الكافي بن عبدون النصراني، ثم صرف وقرر بدله أحمد بن محمد ~~القشوري الكاتب، ثم زرعة بن عيسى بن نسطورس الكاتب النصراني الملقب بالشافي، ~~وبعده حسين بن طاهر الوزان. # 9 # ونفهم من كلام ابن زولاق مؤرخ مصر أن مالك بن سعيد الفاروقي كان له ~~النظر أيضا في المكاتبات في عصر الحاكم، # 10 # وتولى ابن خيران كتابة السجلات للظاهر والمستنصر، # 11 # ويذكر المؤيد في الدين لهبة الله الشيرازي في سيرته أنه ولي ديوان ~~الإنشاء بمصر سنة 443ه. # 12 # ويذهب المقريزي إلى أن الوزير ابن المغربي ولي ديوان الإنشاء بعد أن ~~صرف عن الوزارة، # 13 # وأن سناء الملك أبا محمد الزبيدي الحسني كان على رأس ديوان الإنشاء في ~~عهد الآمر. # 14 # وهكذا نستطيع أن نعرف عددا آخر من الكتاب الذين ولوا ديوان الإنشاء ~~غير الذين ذكرهم القلقشندي، كما نستطيع أن نستخرج أسماء عدد كبير من الكتاب الذين ~~كانوا يعملون في ديوان الإنشاء، ولكننا لا نستطيع أن نعرف مذاهبهم الفنية في ~~الكتابة؛ لأن آثارهم فقدت ولم يبق لنا إلا عدة رسائل وسجلات لا تكفي لأن ~~نكون رأيا صحيحا عن كل كاتب من هؤلاء الكتاب، ولكن هناك عدة خصال عامة اشترك ~~فيها كل كتاب هذا العصر، بحيث نستطيع أن نلمسها عند كل الكتاب الذين وصل إلينا ~~شيء من كتاباتهم، فأول خصلة من هذه الخصال، هي أن الكتاب جميعا التزموا السجع في ~~كتاباتهم، نرى هذه الخصلة منذ ابتدأت الدولة الفاطمية إلى أن قوض صلاح الدين ~~الأيوبي أركانها. # نراها في رسالة المعز لدين الله إلى ms267 القرمطي، # 15 # وفي رسالة العزيز بالله إلى عضد الدولة البويهي، وهذه الرسالة كانت من ~~إنشاء يعقوب بن كلس، # 16 # وفي السجلات الكثيرة التي كتبت في عهد الحاكم، # 17 # وفي رسائل المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي، وفي كتابات ابن خيران، ~~ونستمر في إدراك هذه الخصلة عند الكتاب حتى نراها في رسائل ابن الصيرفي وابن ~~الشخباء، ثم في رسائل القاضي الفاضل. # وخصلة أخرى نراها في فن هؤلاء الكتاب، وهي الاقتباس من القرآن الكريم، فكانوا ~~أحيانا يضمنون رسائلهم وسجلاتهم بعض آيات من القرآن، أو يقتبسون بعض معاني القرآن، ~~متأثرين بهذا كله تأثرا واضحا في جميع ما خلف لهم من كتابات. # وخصلة ثالثة هي المبالغة في استخدام الزينة اللفظية والمعنوية في كتاباتهم، فهم ~~يغرقون في المبالغة حين يحاولون تشخيص المعاني، ويولعون باستخدام الجناس، ويكلفون ~~في تركيب جملهم بمراعاة النظير؛ فإذا بك تجد كتاباتهم تتألف من جمل قصيرة في ~~الغالب، والجملة تتبع الأخرى في وزنها وموسيقاها ومعناها، وينتقل بك الكاتب من معنى ~~إلى آخر في رقة وعذوبة، فلا ينتقل بك انتقالا فجائيا؛ مما يدل على فطنة الكاتب ~~ومهارته، كما يدل أيضا على أن الصنعة الفنية كانت تستهوي جميع الكتاب، على أن ~~هذه الخصال التي عرفت في العصر الفاطمي عرفت أيضا في رسائل ابن عبد كان ، فلا ~~غرابة إذا قلنا: إن أثر ابن عبد كان في كتاب مصر كان قويا شديدا، وإن فنه ~~الذي عرف به في العصر الطولوني قد ظهر واضحا في العصر الفاطمي، وإن كان كتاب ~~الفاطميين قد بالغوا في ذلك كله مبالغتهم في كل شيء في حياتهم. كما أن هذه الخصال ~~نفسها هي التي عرفت بها كتابات القاضي الفاضل، وما القاضي الفاضل إلا أحد تلاميذ ~~كتاب الفاطميين وبهم تخرج، والعجب حقا أن أرى بعض الزملاء يتوهم أن للقاضي ~~الفاضل مذهبا خاصا عرف به في الكتابة، وأن له مدرسة تتميز بخصائصها وطرائقها ~~عن مدرسة الكتاب الفاطميين، وأخشى أن أذهب إلى أن هؤلاء الزملاء لم يدرسوا تطور ~~الكتابة في مصر دراسة كافية، فقصورهم في ms268 معرفة أسلوب كتاب مصر منذ أيام ابن عبد ~~كان جعلهم ينسبون طريقة ابن عبد كان إلى القاضي الفاضل، ونحن نلتمس لهؤلاء الزملاء ~~بعض العذر في حكمهم هذا؛ لأنهم كانوا تبعا في ذلك للقدماء الذين أشادوا بذكر ~~القاضي الفاضل، وتناسوا أساتذته وخصائص مذهبهم التي أخذها عنهم، وجاء المحدثون ~~يتبعون القدماء في أحكامهم دون درس وبحث. # وخصلة أخرى تتميز بها رسائل كتاب الفاطميين، ونجدها ظاهرة في كل سجلاتهم، تلك ~~هي المقدمات التي كان يبدأ بها الكتاب رسائلهم وسجلاتهم، فقد دفعتهم عقيدتهم ~~الدينية، وتمذهبهم بالمذهب الفاطمي إلى أن يبدءوا رسائلهم وسجلاتهم بالحمد لله، ثم ~~بالصلاة على النبي وعلى الوصي والأئمة من أهل البيت، ويتعمدون دائما أن يذكروا أن ~~محمدا جد الأئمة، فكأنهم كانوا يحاولون إثبات نسبهم في كل رسالة من رسائلهم، وكل ~~سجل من سجلاتهم، وكأنهم أرادوا بتكرار هذه الناحية تأكيد ما حاول خصومهم نفيه، أو ~~كأنه رد على سجلات العباسيين في دحض نسب الفاطميين، هذه الظاهرة واضحة كل الوضوح في ~~كل رسائل الفاطميين منذ دخل جوهر مصر إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية، ولعل هذه ~~الظاهرة هي التي تميز رسائل الكتاب الفاطميين عن غيرهم من كتاب الأقطار ~~الأخرى التي لم تخضع لحكم الفاطميين، بل أرى هذه الظاهرة في رسائل أتباع مذهب ~~الفاطميين إلى اليوم . وكما كانوا يبدءون كتاباتهم وسجلاتهم بالحمد والصلاة على ~~النبي والأئمة، كانوا يختمون هذه الكتابات والسجلات، لم يشذ عن ذلك كاتب من ~~كتابهم، ولعل هذه الخصلة تظهر في سجلات الفاطميين أوضح من ظهورها في رسائلهم، ~~والسبب في ذلك أن السجلات الفاطمية كانت أقرب إلى البلاغات الرسمية التي تصدر عن ~~ديوان أي ملك في عصرنا الحديث، ففي هذه السجلات التي كانت تصدر عن ديوان الإنشاء ~~تسجيل خطوات الإمام الفاطمي، فإذا خرج للصلاة صدر بذلك سجل من الديوان، وإذا خرج ~~الإمام إلى فتح الخليج صدر السجل، وإذا انتصرت الجيوش المصرية صدر السجل بالفتح ~~وهكذا، ففي كل هذه السجلات تظهر هذه الخصلة. # وكما تأثر الشعر بالعقائد الفاطمية تأثرت الكتابة بهذه العقائد تأثرا ~~يظهر ms269 في السجلات التي تصدر في الأعياد والمواسم، أو في تولية إمام أو أحد رجال ~~الدولة من وزراء وقضاة ودعاة، ففي مثل هذه السجلات كان الكتاب يلمون بالعقائد، ~~ويئولون بعض آيات القرآن الكريم تأويلا يتفق مع مذهبهم الفاطمي، ويذكرون في ~~كتاباتهم رأي الفاطميين في كل مناسبة وفي كل عيد، فالسجلات التي صدرت في عيد الغدير ~~كانت تنصب على ولاية علي بن أبي طالب والأئمة المنصوص عليهم من بعده، وسجل مأتم ~~عاشوراء كان في الحسين بن علي وما لاقاه أهل البيت من أهوال، وسجل رؤية رمضان في ~~ذكر عقيدة الفاطميين في هلال رمضان، وهكذا كانت هذه السجلات حافلة بالمعتقدات ~~الفاطمية التي لا يمكن أن تصدر عن دولة غير فاطمية المذهب. # ولعل أول قطعة نثرية وصلتنا عن الدولة الفاطمية، هي ما كتبه القائد جوهر الصقلي ~~فاتح مصر، وتلك هي الأمان الذي قطعه على نفسه وعلى إمامه للمصريين، وإن كان هذا ~~الأمان من السجلات التاريخية فهو صورة من الصور الأدبية التي دبجتها يراعة هذا ~~القائد، فقد كان جوهر كاتبا للمعز قبل أن يوليه قيادة جيوشه بالمغرب. # 18 # ويحدثنا المقريزي أن القائد جوهرا كان كاتبا بليغا، ومن مستحسن ~~توقيعاته في رقعة رفعت إليه بمصر: # سوء الاجترام أوقع بكم حلول الانتقام، وكفر الإنعام أخرجكم من حفظ ~~الذمام، فالواجب فيكم ترك الإيجاب، واللازم لكم ملازمة الاحتساب؛ لأنكم ~~بدأتم فأسأتم، وعدتم فتعديتم، فابتداؤكم ملوم، وعودكم مذموم، وليس بينهما ~~فرجة إلا تقتضي الذم لكم، والإعراض عنكم، ليرى أمير المؤمنين صلوات الله ~~عليه رأيه فيكم. # 19 # فتوقيع جوهر القائد على هذا النحو يدل على أن جوهرا كان على مقدرة وكفاية في فن ~~الكتابة، كما كان على مقدرة وكفاية في فنون الحرب. فهذه الجمل القصيرة المسجوعة، ~~وهذه المعاني المتسقة والمقابلات بين معنى الجملة والأخرى، ترينا أن فن الكاتب هو ~~نفس الفن الذي ساد العصر الفاطمي، بل كاد يسود العالم الإسلامي، فالزينة اللفظية في ~~هذه القرون كانت حلية الكتاب جميعا. # أما الأمان الذي هو أول نص حفظ لنا عن الدولة الفاطمية فقد ms270 جاء فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب من جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين ~~المعز لدين الله صلوات الله عليه، لجماعة أهل مصر الساكنين بها من أهلها ~~ومن غيرهم: إنه قد ورد من سألتموه الترسل والاجتماع معي، وهم أبو جعفر ~~مسلم الشريف أطال الله بقاه، وأبو إسماعيل الرسي أيده الله، وأبو الطيب ~~الهاشمي أيده الله، وأبو جعفر أحمد بن نصر أعزه الله، والقاضي ~~أعزه الله؛ وذكروا عنكم أنكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم في أنفسكم ~~وأموالكم وبلادكم وجميع أحوالكم، فعرفتم ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا ~~أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وحسن نظره لكم، فلتحمدوا الله على ما ~~أولاكم، وتشكروه على ما حماكم، وتدأبوا فيما يلزمكم، وتسارعوا إلى طاعته ~~العاصمة لكم، العائدة بالسعادة عليكم، وبالسلامة لكم، وهو أنه صلوات الله ~~عليه لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة، والجيوش المظفرة، إلا لما فيه ~~إعزازكم وحمايتكم والجهاد عنكم ... إلخ. # 20 # ويستمر جوهر في ذكر ما يجب على المصريين أن يتبعوه، وما على الحكومة الجديدة من ~~تعهدات نحو الشعب المصري، ويخيل إلي أن كاتب هذا النص لم يكن عنده الوقت ~~الكافي لأن يظهر صناعته الفنية في المزاوجة بين الجمل والتزام السجع في كل ~~فقراته، وإن كان الكاتب حاول أن يرتفع بأسلوبه، وأن يجعله أسلوبا ~~أدبيا. # وإذا تركنا كتاب الأمان الذي كتبه جوهر، رأينا رسالة أخرى للمعز أرسلها إلى الحسن ~~بن أحمد القرمطي، ونحن لا ندري من الذي كتب هذه الرسالة عن المعز، فالرسالة التي ~~وصلت إلينا طويلة ولكنها ناقصة، ومع ذلك فنحن نستطيع أن نتخذها صورة للكتابة في أول ~~العصر الفاطمي، حتى نستطيع أن نميز تطور الكتابة في العصر الفاطمي كله، فقد جاء ~~في هذه الرسالة: # من عبد الله ووليه، وخيرته وصفيه، معد أبي تميم المعز لدين الله أمير ~~المؤمنين، وسلالة خير النبيين، ونجل علي أفضل الوصيين، إلى الحسن بن ~~أحمد. # بسم الله الرحمن الرحيم، رسوم النطقاء، ومذاهب الأئمة والأولياء، ومسالك ~~الرسل والأوصياء السالف والآنف منا. صلوات الله علينا وعلى آبائنا، أولي ~~الأيدي والأبصار، ms271 في متقدم الدهور والأكوار، وسالف الأزمان والأعصار، عند ~~قيامهم بأحكام الله، وانتصابهم لأمر الله، الابتداء بالإعذار، والانتهاء ~~بالإنذار، قبل إنفاذ الأقدار، في أهل الشقاق والآصار، لتكون الحجة على من ~~خالف وعصى، والعقوبة على من باين وغوى، حسبما قال الله - جل وعز: # وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا ~~، و # وإن من أمة إلا ~~خلا فيها نذير ~~، وقوله سبحانه: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ~~ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من ~~المشركين ~~، و # فإن آمنوا بمثل ~~ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما ~~هم في شقاق ~~. # أما بعد، أيها الناس، فإنا نحمد الله بجميع محامده، ونمجده بأحسن ~~مماجده، حمدا دائما أبدا، ومجدا عاليا سرمدا، على سبوغ نعمائه، وحسن ~~بلائه، ونبتغي إليه الوسيلة بالتوفيق والمعونة على طاعته، والتسديد في ~~نصرته، ونستكفيه ممايلة الهوى، والزيغ عن قصد الهوى، ونستزيد منه إتمام ~~الصلوات وإفاضات البركات، وطيب التحيات، على أوليائه الماضين، وخلفائه ~~التالين، منا ومن آبائنا الراشدين المهديين المنتخبين، الذين قضوا بالحق ~~وكانوا به يعدلون. # أيها الناس: # قد جاءكم بصائر من ربكم ~~ فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها # ليذكر من يذكر، وينذر من أبصر واعتبر. أيها الناس، إن الله - جل وعز - ~~إذا أراد أمرا قضاه، وإذا قضاه أمضاه، وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن ~~خلقنا أشباحا، وأبرزنا أرواحا، بالقدرة مالكين، وبالقوة قادرين، حين لا ~~سماء مبنية، ولا أرض مدحية، ولا شمس تضيء، ولا قمر يسري، ولا كوكب يجري، ~~ولا ليل يجن، ولا أفق يكن، ولا لسان ينطق، ولا جناح يخفق، ولا ليل ولا ~~نهار، ولا فلك دوار، ولا كوكب سيار، فنحن أول الفكرة وآخر العمل بقدر ~~مقدور، وأمر في القدم مبرور، فعند تكامل الأمر، وصحة العزم، وإنشاء الله - ~~جل وعز - المنشآت، وإبداء الأمهات من الهيولات، طبعنا أنوارا وظلما، ~~وحركة وسكونا، وكان من حكمه السابق في علمه، ما ترون من فلك دوار، وكوكب ~~سيار، وليل ونهار، وما في الآفاق من آثار معجزات، وأقدار باهرات، وما في ~~الأقطار من الآثار، وما في ms272 النفوس من الأجناس والصور والأنواع، من كثيف ~~ولطيف، وموجود ومعدوم، وظاهر وباطن، ومحسوس وملموس، ودان وشاسع، وهابط ~~وطالع، كل ذلك لنا ومن أجلنا، دلالة علينا، وإشارة إلينا، يهدي به الله من ~~كان له لب سجيح، ورأي صحيح، قد سبقت له الحسنى، فدان بالمعنى ... إلخ. # 21 # ولعل أول ما يلفت نظرنا في هذه الرسالة تلك الاصطلاحات الفاطمية والمعاني ~~الباطنية، بحيث نستطيع أن نقول إنه لا يمكن أن تصدر مثل هذه الرسالة إلا من كاتب من ~~كتاب الفاطميين، حتى لو كان الكاتب لم يبدأ رسالته بأنها من إمام من أئمة ~~الفاطميين، فالاصطلاحات الفاطمية «الناطق» و«الوصي»، ثم حديثه عن خلق الأشباح - أي ~~الممثولات - قبل خلق العالم، وأن الأئمة أول الفكرة، أي إنهم مثل للعقل الأول ~~«المبدع الأول»، وأن كل المخلوقات وجدت للدلالة على الأئمة الذين هم مثل للعقل. ~~كل هذه من المعاني الباطنية التي يدين بها الفاطميون، فالرسالة كلها مملوءة بمثل ~~هذه العقائد، فليست الرسالة من الرسائل التاريخية السياسية التي تفيد المؤرخ ~~السياسي في معرفة العلاقة بين الفاطميين والقرامطة فحسب، وليست رسالة أدبية تبين ~~لنا صورة من صور الكتابة في النصف الثاني من القرن الرابع للهجرة، بل هي من أهم ~~الرسائل التي تتحدث عن العقائد الفاطمية، وترينا تطور المذهب الفاطمي إذا قارناها ~~بما جاء في كتب منصور اليمن الحسين بن حوشب، الذي وجد قبل عصر المعز؛ أو كتب ~~القاضي النعمان، وجعفر بن منصور، والمروزي، الذين كانوا في عهد المعز، ثم كتب ~~الدعاة الكبار الذين كانوا بعد عصر المعز. فمؤرخ العقائد الفاطمية يجد مجالا للبحث ~~في هذه الرسالة الهامة. # وأسلوب الرسالة هو ذلك الأسلوب الذي تحدثنا عنه من قبل، وتظهر فيه كل خصائص ~~الكتابة في العصر الفاطمي، وكل خصائص مدرسة ابن عبد كان في الكتابة. انظر إلى هذه ~~القطعة من تلك الرسالة: # فأما أنت أيها الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدي آبائه وأجداده، ~~المنسلخ عن دين أسلافه أنداده، والموقد لنار الفتنة، والخارج عن الجماعة ~~والسنة، فلم أغفل أمرك، ولا خفي عني خبرك، ولا استتر ms273 دوني أثرك، وإنك مني ~~لبمنظر ومسمع، كما قال الله - عز وجل: # إنني ~~معكما أسمع وأرى ~~، و # ما كان ~~أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ~~؛ ~~فعرفنا على أي رأي أصلت، وأي طريق سلكت، أما كان لك بجدك أبي سعيد أسوة، ~~وبعمل أبي طاهر قدوة، أما نظرت في كتبهم وأخبارهم، ولا قرأت وصاياهم ~~وأشعارهم، أكنت غائبا عن ديارهم وما كان من ~~آثارهم. # فأنت تقرأ هذه القطعة فتشعر أنك تقرأ رسالة ابن عبد كان التي كتبها إلى العباس بن ~~أحمد بن طولون عندما ثار على أبيه، فهذه الجمل القصيرة المسجوعة، والاقتباسات من ~~القرآن الكريم، وضم الجملة إلى ما يشاكلها؛ كل هذه من خصائص فن ابن عبد كان، ونقلها ~~تلاميذه عنه، واستمرت طوال العصر الفاطمي. # ووصلت إلينا رسالة كتبت في عهد العزيز بالله، كتبها إلى عامله بمصر يبشره ~~بالفتح حين خرج إلى قتال القرامطة بالشام سنة 367ه، ونحن لا نعرف أيضا كاتب هذه ~~الرسالة، ولكن لا شك في أنها كتبت في العصر الفاطمي؛ لما فيها من الخصائص ~~الفاطمية التي تحدثنا عنها من قبل، سواء أكان ذلك من حيث العقائد أو من حيث ~~الأسلوب الفني، فقد جاء في هذه الرسالة: # 22 # من عبد الله ووليه نزار أبي المنصور العزيز بالله أمير المؤمنين، إلى ~~حسين بن القاسم. سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله ~~إلا هو، ويسأله أن يصلي على جده محمد نبيه ورسوله، صلى الله عليه وعلى ~~الأئمة من عترته الأبرار، الطاهرين المطهرين وسلم تسليما. # أما بعد، فالحمد لله الملك العظيم، العليم الحليم، ذي الطول الكريم، ~~والمن الجسيم، والعز المديد، والمحال الشديد، ولي الحق ونصيره، وماحق ~~الباطل ومبيره، المتكفل بالنصر والتمكين، والتأييد والتحصين، لأوليائه ~~المتقين، وخلفائه المصطفين، الذابين عن دينه، والقائمين بحقه، والدالين على ~~توحيده، الحاكم بإعلاء كلمتهم، وإفلاج حججهم، وظهورهم على أعدائه المشاقين ~~له، الضالين عن سبيله، الملحدين في آياته، الجاحدين لنعمائه، المنزل رجزه ~~وقوارع بأسه على من عصاه فحاده، وصد عنه فناده، القاضي بالعواقب الحسنى، ~~والفوز والنعمى، لمن ms274 أسلم وجهه له، وتوكل عليه في أمره، وفوض إليه ~~حكمه، كل ذلك فضلا منه وعدلا، وقضاء فصلا، وهو الحكم العدل الذي # لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون ~~. # فأنت ترى في هذه القطعة كيف ذكر الكاتب أن محمدا جد الإمام العزيز، وأن الأئمة ~~هم صفوة الخلق المصطفون الذابون عن دين الله، فهذه كلها من المعاني الفاطمية التي ~~لا يقول بها غيرهم، فإذا مضينا في قراءة الرسالة رأينا الجزء الأول منها يجري هذا ~~المجرى الذي رأيناه في القطعة السابقة، حتى إذا وصلنا إلى الغرض من الرسالة، وهو ~~الحرب مع القرمطي رأينا الكاتب يفصل حركات العزيز وانتقالاته إثر عدوه، حتى قال الكاتب: # فبعدما طمع، قاده الحين الغالب، والقدر الجالب، وما أراد الله - عز وجل - ~~من استدراجه إلى موضع نكاله، ومنهل وباله، ورحل من بيسان رحيل من استعجلته ~~البلية، واستدعته الرزية، فحل بموضع يعرف بكفر سلام، كافرا بحدود ~~الإسلام، متجرئا على الله محاربا لنجل نبيه عليه السلام، وأقام بها ~~متلددا في حيرته، مترددا في سكرته، ثم استجره شؤمه، وقاده حينه ولؤمه، ~~إلى أن رحل فنزل بكفر سابا البريد، فأنبأه اسمها بما حل به من السبي ~~المبيد، والخزي الشديد، ثم لم يلبث أن ضرب مضاربه المأكولة، ونصب أعلامه ~~المخذولة، وأقام صفوفه المغلولة، وأظهر آلة الحرب إقداما، وأخفى عن اللقاء ~~إحجاما ... إلخ. # وعلى هذا النحو من الأسلوب سار الكاتب في هذه الرسالة، التي لا تكاد تختلف في ~~أسلوبها عن أسلوب الرسالة السابقة. # وفي عهد الحاكم الذي عرف بنزعاته وتقلباته في حكمه، كثرت السجلات والأمانات ~~في عهده، وأصاب الكتاب من تقلباته أذى كثير، ونقل المقريزي عن المسبحي صديق ~~الحاكم وجليسه: «في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة أمر «الحاكم» بعمل شونة مما يلي الجبل ~~ملئت بالسنط والبوص والحلفاء، فخامر قلوب الناس من ذلك جزع شديد، وظن كل من ~~يتعلق بخدمة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أن هذه الشونة عملت لهم، ثم قويت ~~الإشاعات، وتحدث العوام في الطرقات، أنها للكتاب وأصحاب الدواوين وأسبابهم، ~~فاجتمع سائر الكتاب بأجمعهم في ms275 خامس ربيع الأول، ومعهم سائر المتصرفين في ~~الدواوين من المسلمين والنصارى إلى الرماحين بالقاهرة، ولم يزالوا يقبلون الأرض حتى ~~وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرعون، ويضجون ويسألون العفو عنهم.» # 23 # ويروي المقريزي أيضا أنه كتب فوق المائة سجل بأمان لأهل الأسواق، # 24 # ومما أورده المقريزي صورة سجل أمان أصدره الحاكم وهو: # هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الإمام الحاكم بأمر الله ~~أمير المؤمنين لأهل مسجد عبد الله. إنكم من الآمنين بأمان الله الملك الحق ~~المبين، وأمان جدنا محمد خاتم النبيين، وأبينا علي خير الوصيين، وآبائنا ~~الذرية النبوية المهديين، صلى الله على الرسول ووصيه وعليهم أجمعين، وأمان ~~أمير المؤمنين على النفس والحال، والدم والمال، لا خوف عليكم ولا تمديد ~~بسوء إليكم، إلا في حد يقام بواجبه، وحق يؤخذ بمستوجبه، فيوثق بذلك؛ ~~ليعول عليه إن شاء الله تعالى. وكتب في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ~~وثلاثمائة والحمد لله، وصلى الله على محمد سيد المرسلين، وعلي خير ~~الوصيين، وعلى الأئمة المهديين ذرية النبوة، وسلم وتسليما ~~كثيرا. # 25 # كما ورد في صبح الأعشى # 26 # سجل بتولية الحسين بن علي بن النعمان القضاء في عهد الحاكم بأمر الله، ~~وفي هذا السجل تظهر الصنعة الفنية التي نراها في كتاب الأمان السابق، ومما جاء في ~~هذا السجل: # أمره أن يتقي الله - عز وجل - حق التقوى، في السر والجهر والنجوى، ويعتصم ~~بالثبات واليقين والنهى، وينفصم من الشبهات والشكوى والهوى، فإن تقوى الله ~~تبارك وتعالى، موئل لمن وئل إليها حصين، ومعقل لمن اقتفاها أمين، ومعول ~~لمن عول عليها مكين، ووصية الله التي أشاد بفضلها، وزاد في سناها، بما عهد ~~أنه من أهلها، فقال تبارك وتعالى: # يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين ~~. # ولا نستطيع أن نعرف الكاتب الذي سطر هذه السجلات، وكتب الأمان التي صدرت في ~~عصر الحاكم؛ لأن ديوان الإنشاء في عهده تداوله عدد كبير منهم، بحيث يصعب على ~~المؤرخ أن يعرفهم أو يعرف كم أمضى كل كاتب منهم في الديوان، ms276 واستمر الأمر في غموض، ~~ولعل أول كاتب في هذا العصر المضطرب نستطيع الحديث عنه هو ولي الدولة ابن ~~خيران. # ابن خيران # أما هذا الكاتب فهو أبو محمد أحمد بن علي بن خيران، ولقب بولي الدولة، ~~ويذكر ياقوت أن ابن خيران ولي ديوان الإنشاء بعد أبيه في عهد الظاهر، # 27 # ونحن لا نعرف شيئا عن أبيه سوى ما يرويه ياقوت: «كان أبوه أيضا ~~فاضلا بليغا، أعظم قدرا من ابنه وأكثر علما.» # 28 # كذلك لا نعرف متى ولي والده ديوان الإنشاء، ومتى ولي الابن بعده، ~~ولكن المقريزي يحدثنا في خططه أن أبا الحسن عمار بن محمد - وكان يلي ديوان ~~الإنشاء، واستوزره الحاكم، وهو الذي تولى البيعة للظاهر - قتل في ربيع ~~الأول سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، فاستوزر بعده بدر الدولة أبا الفتوح موسى بن ~~الحسين، وكان يتولى الشرطة، ثم ولي ديوان الإنشاء بعد ابن خيران. # 29 # ويخيل إلي أن ابن خيران المذكور في نص المقريزي هو الأب؛ لأن ~~ولي الدولة ظل في منصبه حتى شاهد عصر المستنصر، ومع ذلك فنص المقريزي يختلف عن ~~نص ياقوت؛ إذ يذهب ياقوت كما رأينا إلى أن الابن حل محل أبيه في ديوان ~~الإنشاء، على حين يذهب المقريزي إلى أن أبا الفتوح موسى بن الحسين هو الذي ولي ~~الديوان بعد ابن خيران، ولا نستطيع أن نرجح إحدى الكفتين؛ لأن المصادر التي بين ~~أيدينا قليلة، ولا تعطينا صورة دقيقة لرجال ذلك العصر. # ومهما يكن من شيء فإن ولي الدولة ابن خيران تقلد ديوان الإنشاء للظاهر، ثم ~~للمستنصر، ويحدثنا المقريزي: أنه في سنة أربع عشرة وأربعمائة قرر الشريف ~~الكبير العجمي، والشيخ نجيب الدولة الجرجرائي، والشيخ العميد محسن بن بدوس، مع ~~القائد معضاد، ألا يدخل على الظاهر أحد غيرهم، وكانوا يدخلون كل يوم خلوة ~~ويخرجون فيتصرفون في سائر أمور الدولة، والظاهر مشغول بلذاته، وصار شمس الملوك ~~مظفر صاحب المظلة، وابن خيران صاحب الإنشاء وداعي الدعاة ونقيب نقباء الطالبيين ~~وقاضي القضاة، ربما دخلوا على الظاهر في كل عشرين يوما مرة، ومن عداهم ms277 لا يصل ~~إلى الظاهر البتة. # 30 # وإذن فقد كان ولي الدولة ابن خيران صاحب ديوان الإنشاء في سنة ~~414ه. ويقول ابن خلكان عن الشاعر أبي الحسن علي بن أحمد بن نوبخت أنه توفي بمصر ~~في شعبان سنة ست عشرة وأربعمائة، وهو على حالة من الضرورة وشدة الفاقة، وكفله ~~ولي الدولة أبو محمد أحمد بن علي المعروف بابن خيران الكاتب الشاعر، وهذا ابن ~~خيران كان متولي كتب السجلات عن الظاهر بن الحاكم. # 31 # فهذا النص يدلنا على أن ابن خيران كان في ديوان الإنشاء سنة ~~416ه. # ويروي المقريزي أن ابن خيران وقع عن الخليفة المستنصر: «الفقر مر المذاق، ~~والحاجة تذل الأعناق، وحراسة النعم بإدرار الأرزاق، فليجروا على رسومهم في ~~الإطلاق، ما عندكم ينفد وما عند الله باق.» # 32 # فابن خيران إذن كان صاحب ديوان الرسائل في أواخر عهد الظاهر وفي ~~عهد المستنصر أيضا. ويروي ياقوت: أن رزقه كان في كل سنة ثلاثة آلاف دينار، وله ~~عن كل ما يكتبه من السجلات والعهودات وكتب التقليدات، رسوم يستوفيها من كل شيء ~~بحسبه، وكان شابا حسن الوجه، جميل المروءة، واسع النعمة، طويل اللسان، جيد ~~العارضة، وسلم إلى أبي منصور بن الشيرازي رسول أبي كاليجار إلى مصر من بغداد ~~جزأين من شعره ورسائله، واستصحبهما إلى بغداد ليعرضهما على الشريف المرتضي أبي ~~القاسم وغيره ممن يأنس به من رؤساء البلد، ويستشير في تخليدهما دار العلم؛ ~~لينفذ بقية الديوان والرسائل إن علم أن ما أنفذه منها ارتضي واستجيد. # 33 # وعلى الرغم من أن شعره فقد ولم يبق منه إلا عدة مقطوعات ~~قصيرة، فإننا نستطيع أن نقول: إن ابن خيران كان معجبا بنفسه، يكثر الإشادة ~~بشعره وبنثره. انظر إليه وهو يقول: # ولقد سموت على الأنام بخاطر # الله أجرى منه بحرا زاخرا # فإذا نظمت نظمت روضا حاليا # وإذا نثرت نثرت درا فاخرا # 34 # ويقول مرة أخرى: # خلقت يدي للمكرمات، ومنطقي # للمعجزات، ومفرقي للتاج # وسموت للعلياء أطلب غاية # يشقى بها الغاوي ويحظى الراجي # 35 # وهو القائل أيضا: # قد علم السيف ms278 وحد القنا # أن لساني منهما أقطع # والعلم الأشرف لي شاهد # بأنني فارسه المصقع # 36 # من هذه المقطوعات نستدل على أن ابن خيران قد فتن بشعره وبنثره إلى درجة أن ~~وصف نفسه بأن منطقه يأتي بالمعجزات، ويخيل إلي أن إعجابه بنفسه لم يكن في ~~الشعر أو في النثر، بل إن حياته كان يسيطر عليها هذا التيه والإعجاب بنفسه، حتى ~~لو كان في ذلك ما يجازف فيه بحياته، ولعل القصة التي أوردها ياقوت عنه تدل على ~~ذلك كله، قال ياقوت: كان ابن خيران قد خرج إلى الجيزة متنزها، ومعه من أصحابه ~~المتقدمين في الأدب والشعر والكتابة، وقد احتفوا به يمينا وشمالا، فأدى بهم ~~السير إلى مخاضة مخوفة، فلما رأى إحجام الجماعة من الفرسان عنها، وظهور جزعهم ~~منها، قنع بغلته، فولجها حتى قطعها، وانثنى قائلا مرتجلا: # ومخاضة يلقى الردى من خاضها # كنت الغداة إلى العدا خواضها # وبذلت نفسي في مهاول خوضها # حتى تنال من العدا أغراضها # 37 # وعلى الرغم من أن ابن خيران ظل مدة طويلة في ديوان الإنشاء، وأن له رسائل ~~كثيرة جمعها في حياته، فإنه لم يصل إلينا من نثره سوى هذه القطعة التي كتبها ~~توقيعا عن المستنصر، ويروي ياقوت عن الرئيس هلال بن المحسن: «أن الرسائل صالحة ~~سليمة، قد انتزعت من المنظوم على خلوة إلا من الوزن والقافية.» # وتوفي ابن خيران في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة من الهجرة. # وبعد ابن خيران تولى محمد بن أحمد بن محمد العميدي ديوان الإنشاء للمستنصر في ~~صفر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة من الهجرة، وكان نحويا لغويا، وصنف ~~عدة كتب منها: كتاب تنقيح البلاغة في عشر مجلدات، وكتاب الإرشاد إلى حل ~~المنظوم، وكتاب الهداية إلى نظم المنثور، وكتاب انتزاعات القرآن، وكتاب العروض، ~~وكتاب القوافي. # 38 # فهذه المصنفات تدلنا على أن العميدي كان متأثرا بهذه الثقافة ~~اللغوية النحوية، وأرجح أن كتابته في رسائله كانت متأثرة أيضا بهذه الألوان ~~من العلوم التي حذقها فصنف فيها هذه الكتب، مضافا إليها خصائص الكتابة في ~~مصر التي تحدثنا ms279 عنها. وقد أورد ياقوت له بيتين من الشعر هما: # إذا ما ضاق صدري لم أجد لي # مقر عبادة إلا القرافة # لئن لم يرحم المولى اجتهادي # وقلة ناصري لم ألق رافة # ولعلك تلاحظ هذه الجناس بين «القرافة» و«ألق رافة»، ولا ندري مقدار استخدامه ~~لهذه المحسنات البديعية في كتابته؛ لأننا لم نعثر على شيء منها، ولم يعمر ~~العميدي طويلا في الديوان، إذ توفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ه. # ثم توالى الكتاب بعده على ديوان الإنشاء، نذكر منها أبا الفرج الذهلي، وأبا ~~الطاهر النهركي، وولي الدولة موسى بن الحسن وغيرهم، إلى أن ولي المؤيد في الدين ~~هبة الله الشيرازي ديوان الإنشاء سنة 443ه، وقد تحدثنا طويلا عن المؤيد في ~~الدين، ونكتفي الآن بأن نعرض صورة من رسائله التي حفظها في كتابه «السيرة ~~المؤيدية»، من ذلك رسالته إلى الوزير اليازوري إبان خروج المؤيد لمؤازرة ~~البساسيري في حركته المعروفة: # رسالة من كتاب المؤيد # ووصل كتاب الحضرة العالية فاستفدت السرور بمطلعه، والسكون إلى علم ~~مودعه، من ذكر شمول السلامة والسعادة، جعلهما الله متصلتي الأسباب، ~~منهلتي السحاب، وفهمته. فأما ما ذكر جوابا عن قولي حين نهيت أن أرعى ~~تاج الأمراء سمعي، لقيني بوجه التفتير في العزم، أنني ما شاهدت تاج ~~الأمراء ولا علم لي ما يكون منه في ذلك، فإن خاطبني على شيء منه خاطبني ~~بلسان، كل الناس به ناطقون، وعليه متفقون، لو كان كلامهم في ناجعا، ~~ومني موقع القبول واقعا ، إن الحضرة العالية - حرس الله عزها - عارفة ~~بمن يلقي ذلك إلي على جهة الإشفاق وهو غل، والنصيحة وهو غش، وإنها ~~لو شاءت أن تسميهم لي أو تصدر كتبهم إلي لفعلت وذكرت ورود مكاتباتهم ~~يبذلون الخدمة في هذا الوجه، ولكنها - حرس الله عزها - تتجنب ما يوزع ~~سري، فمن أجل ذلك تكف، فقد عرفته، ومسلم للحضرة العالية - حرس الله ~~عزها - ثقوب الرأي والبصيرة والألمعية والمحاسن التي توحدها الله به. ~~فأما علم الغيب فقد انتفى منه النبي # صلى الله عليه وسلم # بدليل الكتاب: # ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت ~~من ms280 الخير وما مسني السوء ~~، ولعله نما إليها ~~- حرس الله عزها - ذكر رجل أو رجلين تكلما بذلك، هما قليل من كثير، ~~ناظروني على ذلك، وقبحوا علي فعلي كيف استجبت له وأنا بالقاهرة ~~المحروسة يومئذ، ثم في عامة الطريق ... إلخ. # 39 # ولعلك تلاحظ من هذه القطعة من رسالة المؤيد في الدين أنها لم تظهر فيها خصائص ~~الكتابة في مصر، والسبب في ذلك هو أن المؤيد في الدين لم يكن مصريا، إنما وفد ~~على مصر بعد أن استكمل خصائصه الفنية في الشعر والنثر، فلم يتأثر بمدرسة ~~الكتاب المصريين، بالرغم من أن المؤيد كان يرى نفسه أقدر في فن الكتابة من ~~الذين ولوا ديوان الإنشاء قبله، فهو يذكر أنه قال مرة للوزير اليازوري، وقد ~~جرى ذكر كتاب الإنشاء: «معلوم ما كان لمتولي هذا الديوان من الجاه الوسيع ~~والرزق السني الكثير، ولئن كانت أشخاصهم مفقودة، فإن آثارهم في صناعتهم حاضرة ~~موجودة، وأنت كاتب تفرق بين الجيد والرديء، والضعيف في الصناعة والقوي، وأريد ~~أن تعتبر من انتصب هذا المنصب من خمسين سنة إلى اليوم مقايسة إلي، فإن كنت ~~ممن يجري في حلبتهم فرسه، ويطول نحو أمرهم باعه، فأنزلني منزلتهم من الجاه ~~والمال، وإلا فقل لي ما أنت مثلهم، ولا في آفاقهم، فقد رضيتك حكما، وجئت ~~لحكمك مستسلما.» # 40 # ولكن لا ننسى أن الذي يقول ذلك هو المؤيد في الدين، الذي عرف ~~بغروره وطموحه. # 41 # وكان الذي ينوب عن المؤيد في ديوان الإنشاء أثناء غيابه عن مصر وسفره إلى ~~العراق في حركة البساسيري، هو القاضي القضاعي الذي تحدثنا عنه في فصل ~~المؤرخين، ولكن لم تصل إلينا كتاباته، # 42 # وناب عنه أيضا أبو الحسن علي بن الأنباري الذي ولي الوزارة بعد ~~ذلك سنة 457. # 43 # ثم اختلف على ديوان الإنشاء عدد من الكتاب لم تصل إلينا أسماؤهم ~~ولم تحفظ آثارهم، إلى أن نلتقي باسم اثنين من أكبر كتاب ذلك العصر، أما ~~الأول فهو أبو الفرج الموفقي الذي وصفه العماد بقوله: «أحد كتاب مصر من ~~الطبقة الأولى.» # 44 # ولكن العماد ms281 لم يحدثنا بشيء عنه سوى هذه الجملة، وأورد له ثلاثة ~~أبيات من الشعر في وصف ناعورة. أما الكاتب الثاني فكان معاصرا للموفقي ~~والمؤيد، وكان بينه وبين الموفقي بعض الرسائل، وهو ابن الشخباء. # ابن الشخباء # أبو علي الحسن بن عبد الصمد بن الشخباء، ولقب بالمجيد ذي الفضيلتين، وصفه ~~العماد بقوله: «مجيد كنعته، قادر على ابتداع الكلام ونحته، له الخطب البديعة، ~~والملح الصنيعة.» # 45 # وقال ياقوت عنه: «أحد البلغاء الفصحاء الشعراء، له رسائل مدونة مشهورة.» # 46 # ووصفه ابن خلكان بقوله: «صاحب الخطب المشهورة، والرسائل المحبرة، ~~كان من فرسان النثر، وله فيه اليد الطولى.» # 47 # ويقول ابن بسام في ذخيرته: «كان من البلغاء الأفراد؛ وأبهر نجوم ~~تلك البلاد، طلوعا من ثنايا الأدب، واجتناء لخبايا لسان العرب، فقد كاشف ~~حقائقها، واستخرج دقائقها، وأحرز مسبوقها وسابقها.» # 48 # إذن تكاد تجمع هذه المصادر على علو كعبه في صناعة الكتابة، ~~وكفايته فيها، حتى قيل: إن القاضي الفاضل كان جل اعتماده على حفظ كلامه، وأنه ~~كان يستحضر أكثره، # 49 # وربما كان هذا هو السبب الذي من أجله قال بعض الذين كتبوا عن ~~القاضي الفاضل: إنه تلميذ ابن الشخباء؛ لأنه كان يحذو حذوه في الصناعة. لم يكن ~~ابن الشخباء مصريا بل كان من عسقلان، وبالرغم من أن الحدود الجغرافية تجعل ~~عسقلان بلدا في فلسطين، ولكن يجب ألا ننسى أن فلسطين كانت ولاية من ولايات مصر ~~منذ العصر الطولوني، واستمرت تابعة لمصر، خاضعة لتأثيرها السياسي والفكري إلى ~~عهد قريب، فوحدة فلسطين مع مصر أشد وأقوى من وحدتها مع البلاد الأخرى؛ فلا غرو ~~أن رأينا ابن الشخباء العسقلاني النشأة، يتأثر بما تأثر به الكتاب الذين ~~نشئوا وترعرعوا في مصر، بهذه الخصائص التي كانت تسود الكتابة المصرية. إلا أن ~~ابن الشخباء استطاع بشخصيته أن يبرز ويتفوق في هذا الفن، وأن يبالغ في استخدام ~~المحسنات اللفظية والمعنوية حتى بهر معاصريه بفنه، وجعل المؤرخين يشيدون بفضله، ~~ويخيل إلي أن ابن الشخباء كان على علم تام بحل ما كان يحيط بالعرب في ~~الجاهلية والإسلام، حافظا ms282 لأشعارهم وحكمهم، متمكنا من لغتهم، ويظهر ذلك في ~~رسالته التي أرسلها إلى أبي الفرج الموفقي، ففيها يقول: # وصلت رقعة مولاي والصبح قد سل على الأفق مقضبه، وأزال بأنوار الغزالة ~~غيهبه، فكانت بشهادة الله صبح الآداب ونهارها، وثمار البلاغة وأزهارها، ~~قد توشحت بضروب من الفضل تقصر قاصية المدى، ويجري به في مضمار الأدب ~~مفرده. # فكأن روض الحسن تنثره الصبا # فأطلت من قرطاسها أتصفح # فأما ما تضمنته من وصفي، فقد صارت حضرته السامية تتسمح في الشهادة ~~بذلك مع مناقشتها في هذه الطريقة، وأنها لا توقع ألفاظها إلا مواقع ~~الحقيقة، فإن كنت قد بهرجت عليها فلتراجع نقدها تجدني لا أستحق من ~~ذلك الإسهاب فصلا، ولا أعد لكلمة واحدة منه أهلا، وبالجملة فالله ~~ينهضني بشكر هذا الإنعام الذي يقف عنده الثناء ويضلع، ويحصر دونه ~~الخطيب المصقع. # هيهات تعي الشمس كل مرامق # ويعوق دون منالها العيوق # وأما الفضل الذي أودعه الرقعة الكريمة من قوله: «فأما فلان فيحل في ~~قومه ويفرح بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد. قدوره عمارية، وعطسات ~~جواريه أسدية، ويهوين لو خلق الرجال خلق الضباب، يتضوعن النشر العبقسي، ~~ويرضعن مراضع ثعالة المجاشعي.» وما أمرت حضرته السامية من ذكر ما عندي ~~فيه، فقد تأملته طويلا، وعثر الخادم فيه بما أنا ذاكره، راغبا في ~~الرضا بما بلغت إليه المقدرة، وتجليل ذلك بسجوف الصفح. أما قوله: «يفرح ~~بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد» فيقع لي أنه أراد خالد بن الوليد ~~المخزومي، وذلك أن مسيلمة الحنفي كان قد تنبأ بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وحديثه مشهور - منبعث إليه أبو بكر رضي الله عنه، خالد بن ~~الوليد المقدم ذكره في جيش كثيف من المسلمين؛ ففتح اليمامة، وقتل ~~مسيلمة، وأباد جماعة كثيرة من بني حنيفة. وأما قوله: قدوره عمارية، فإن ~~هذا الفصل لما كان مبنيا على الذم، وجب أن يتطلب لهذا السبب معنى يجب ~~حمله عليه، ولم نجد ما ينسب إليه إلا قول الفرزدق: # لو أن قدرا بكت من طول ما حبست # عن الحقوق بكت قدر ابن عمار # ما ms283 مسها رسم مذ فض معدنها # ولا رأت بعد نار القين من نار # وأما قوله: «عطسات جواريه أسدية» فيقوى في وهمي أنه أراد قول الأول ~~في هجائه: # إذا أسدية عطست فنكها # فإن عطاسها طرق الوداق # وأما قوله «يهوين لو خلق الرجل خلق الضباب» فإن الجاحظ ذكر في كتاب ~~الحيوان أن للضب أيرين، وللضبة حرين. وحكى أن أير الضب أصله واحد، ~~وإنما يتفرق فيصير أعلاه اثنين، واستشهد على ذلك بقول الفرزدق: # رعين الدبا والبقل حتى كأنما # كساهن سلطان ثياب مراجل # سيحل له نزكان كانا فضيلة # على كل حاف في البلاد وناعل # والنزك: اسم أير الضب. وأنشد الأصمعي لابن دزماء فيما رواه أبو خالد ~~النمري: # تفرقتم لا زلتم قرن واحد # تفرق أير الضب والأصل واحد # ومن ها هنا قالت حبي المدنية لما عذلها أبوها في تزوجها ابن أم ~~كلاب: # وددت بأنه ضب وأني # ضبيبة كدية وجدت خلاء # وأما قوله «يتضو عن النشر العبقسي» فمن أمثال العرب: هو آخر صفقة من ~~شيخ مهو، وهو بطن من عبد القيس بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ~~نزار بن معد بن عدنان، وكان من خبره أن إيادا كانت أنس العرب، فوفد ~~وافدهم إلى الموسم بسوق عكاظ، ومعه حلة نفيسة، فقال: يا معشر العرب، ~~من يشتري مني مثلبة قوم لا تضره بحلتي هذه؟ فقال الشيخ المهوي: أنا ~~أشتريها. فقال الإيادي: أشهدكم يا معشر العرب أني قد بعت فساء إياد ~~لوافد عبد القيس بحلتي هذه، وتصافحا وافترقا متراضيين، وقد شهد ~~عليهما أهل الموسم فصارت ... # فصارت عبد القيس أفسى العرب، وقيل لابن مناذر: كيف الطريق إلى عبد ~~القيس؟ فقال: شم ومر. # فإن عبد القيس من لؤمها # تفسو فساء ريحة تعبق # من كان لا يدري لها منزلا # فقل له يمشي ويستنشق # وأما قوله: «أعطش من ثعالة المجاشعي»، فمن أمثال العرب فيما ذكره ~~الكلبي قال: هما رجلان من بني مجاشع عطشا، فالتقم كل واحد منهما أير ~~صاحبه يشرب بوله، فلم يغن عنهما شيئا، وماتا عطشا ووجدا على تلك ~~الحال، ms284 قال جرير يهجو بني دارم: # رضعتم ثم بال على لحاكم # ثعالة حين لم يجدا الشرابا # هذا ما وقع لي في هذا الفصل، وأرجو أن أكون قد ذهبت إلى ما قصده قائله. # 50 # ففي هذه الرسالة نرى كيف حاول ابن الشخباء أن يشرح بعض النصوص التي غمضت ~~على أبي الفرج الموفقي، فكان يستعين على هذا الشرح بما ورد في كتب القدماء، من ~~التاريخ حينا ومن الشعر حينا آخر، وبالأمثال مرة، وبما رواه الجاحظ عن ~~الحيوان مرة أخرى، فهذا كله يدل على أن ابن الشخباء كان ملما بهذه الألوان من ~~الثقافة والعلوم، وأنه كان يستخدمها في كتاباته، بل في شعره أيضا. # نرى ظاهرة أخرى في هذه الرسالة، وذلك أن ابن الشخباء كان يحلي كتاباته بأبيات ~~من الشعر تناسب ما جاء في نثره، وهذه الظاهرة ليست جديدة على الكتابة المصرية، ~~ولكن ابن الشخباء أكثر منها بحيث لا نكاد نرى رسالة من رسائله التي حفظت ~~تخلو من هذه الظاهرة، ولا سيما رسائله إلى إخوانه وأصدقائه، فمن ذلك ما كتبه ~~إلى صديق له: # لما حديت ركاب مولاي أخذ صبري معه، وصحبه قلبي ~~وتبعه. # فعجبت من جسم مقيم سائر # كمسير بيت الشعر وهو مقيد # وبقيت بعده أقاسي أمورا تخف الحليم، وترعى الهشيم، إن رجوت منها ~~غفلة اقتحمت، وإن رمت منها فرجة تضايقت والتحمت. وأما الوحشة، فقد ~~اصطحبت منها كأسا مترعة، وتجرعت من صابها أمر جرعة، ورأيت فؤادي إذا ~~مر ذكر مولاي يكاد يخرج من خدره، ويرغب في مفارقة صدره، حنينا يجدده ~~السماع ، وصدودا تنتفض منه الأضلاع، وزفرة يدمى في غرارها، ويطلع في ~~الترائب شرارها. # أداري شجاها كي تخلي مكانها # وهيهات ألقيت رحلها واطمأنت # وأما ما أعاني بعد مسيره فأشياء، منها عبث الألم مرة، وزوال ~~الاستمتاع بما يعرفه من تلك المسرة، ومنها اضطراري إلى كثرة مكابرة من ~~أعلم دخل سرائره، واختلاف باطنه وظاهره، وتكلف اللقاء له بصفحة ~~مستبشرة، وأخلاق غير متوعرة ... إلخ. # 51 # ولعلك تلاحظ مما أوردناه من فن ابن الشخباء في الكتابة أنه استخدم جميع ~~الخصائص ms285 المصرية في الكتابة؛ فنجد الكتابة المسجوعة، واستخدام التشخيص والتصوير ~~ومراعاة النظير، إلى غير ذلك من هذه المحسنات التي أكثر منها المصريون، وقد ~~أصيب هذا الكاتب البارع بنكبة لا ندري سببها؛ إذ حبس في خزانة البنود، ثم ~~قتل سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. # 52 # ويذهب ابن ميسر أنه قتل سنة ست وثمانين وأربعمائة، وأنه أنشد وهو ~~في سجنه: # أصبحت تخرجني بغير جريمة # من دار إكرام لدار هوان # كدم الفصاد يراق أرذل موضع # أبدا ويخرج من أعز مكان # ثقلت موازين العباد بفضلهم # وفضيلتي قد خففت ميزاني # 53 # وفي عهد المستنصر أيضا ولي أبو الفرج محمد بن جعفر المغربي ديوان الإنشاء، ~~بعد أن صرف عن الوزارة سنة 452ه، ولا أدري كيف يقول المقريزي عنه: وكان ~~الوزراء إذا صرفوا لم يتصرفوا، فاقترح أبو الفرج بن المغربي لما صرف أن ~~يتولى بعض الدواوين، فولي ديوان الإنشاء الذي يعرف اليوم بوظيفة كتابة ~~السر، وهو الذي استنبط هذه الوظيفة بديار مصر. # 54 # وواضح هذا التخبط الذي وقع فيه المقريزي؛ فإن ديوان الإنشاء في ~~الديار المصرية أقدم عهدا من أبي الفرج بن المغربي، بل أقدم عهدا من الدولة ~~الفاطمية، وقد ذكرنا أن ديوان الإنشاء وجد بمصر منذ عهد أحمد بن طولون. ومهما ~~يكن من شيء فإن أبا الفرج أحد أفراد بني المغربي الذين كان لهم شأن كبير في ~~الدولة الفاطمية منذ عهد العزيز، ولكن نشاطهم كان سياسيا أكثر منه أدبيا، ~~حقا تحدث عنهم ابن القارح في رسالته، وتبودلت رسائل إخوانية بين أبي ~~القاسم بن المغربي وبين أبي العلاء المعري، ولكن هذه الرسائل كانت إبان فرار ~~بني المغربي من مصر واستقرارهم في العراق حينا، وفي ديار بكر حينا آخر، ~~ولذلك آثرنا ألا نتحدث عنهم طويلا في هذا البحث، وكذلك لم تصل إلينا رسائل أبي ~~الفرج بن المغربي الذي ولي ديوان الإنشاء سنة 452ه. # وتمر السنون على ديوان الإنشاء، ويتعاقب عليه الكتاب، حتى نلتقي بكاتب من ~~أكبر كتاب الدولة الفاطمية، ومن أحسنهم حظا، فقد انتهت إلينا بقية صالحة من ~~رسائله وسجلاته، ms286 بل بقي لنا كتابان من كتبه الكثيرة التي صنفها، ذلك الكاتب ~~هو ابن الصيرفي المولود في شعبان سنة ثلاث وستين وأربعمائة ه. # ابن الصيرفي # قال ياقوت: الشيخ الفاضل علي بن منجب بن سليمان الصيرفي، أحد فضلاء المصريين ~~وبلغائهم، مسلم ذلك له غير منازع فيه، وكان أبوه صيرفيا، واشتهى هو الكتابة ~~فمهر فيها. # 55 # ويحدثنا ابن ميسر أن ابن منجب الصيرفي أخذ صناعة الترسل على ثقة ~~الملك أبي العلاء صاعد بن مفرج صاحب ديوان الجيش، ثم انتقل منه إلى ديوان ~~الإنشاء، وبه سناء الملك أبو محمد الحسيني الزيدي. # 56 # ويذكر ياقوت أن الأفضل بن بدر الجمالي هو الذي استخدم ابن منجب في ~~ديوان المكاتبات ورفع من قدره وشهره، ثم إنه أراد أن يعزل الشيخ ابن أبي أسامة ~~عن ديوان الإنشاء، ويفرد ابن الصيرفي به، واستشار في ذلك بعض خواصه ومن يأنس ~~به، فقال له: إن قدرت أن تفدي ابن أبي أسامة من الموت يوما واحدا بنصف ~~مملكتك، فافعل ذلك ولا تخلي الدولة منه فإنه جمالها. # 57 # وقد وصف المقريزي ابن أبي أسامة بقوله: الشيخ الأجل أبو الحسن علي ~~بن أحمد بن الحسن بن أبي أسامة، صاحب ديوان الإنشاء في أيام الخليفة الآمر ~~بأحكام الله، وكانت له رتبة خطيرة ومنزلة رفيعة، وينعت بالشيخ الأجل كاتب ~~الدست الشريف، ولم يكن أحد يشاركه في هذا النعت بديار مصر في زمانه. # 58 # فنحن إذن أمام كاتب أخذ الصنعة عن عدد من شيوخ الكتابة في مصر في العصر ~~الفاطمي، فقد كان بين يدي الشريف سناء الملك الذي كان كاتبا في أواخر أيام ~~المستنصر، وهو الذي كتب سجل تولية المستعلي، # 59 # وأصبح له ديوان الإنشاء في عهد الآمر، ثم ولي الديوان بعده الشيخ ~~ابن أبي أسامة حتى سنة 522ه، فأصبح الديوان لابنه أبي المكارم إلى أن توفي أيام ~~الحافظ، فولي ابن منجب الصيرفي الديوان بعده، فهذه المدة الطويلة التي قضاها ~~ابن منجب الصيرفي في الديوان من أسباب شهرته في الكتابة، وذيوع عدد من رسائله ~~وحفظها، وبالرغم من ms287 أنه أصبح رئيسا لديوان الإنشاء في عهد الحافظ، فإنه هو ~~الذي كتب سجل انتقال المستعلي وولاية الآمر سنة 495ه، # 60 # ثم نراه يكتب سجلات كثيرة، وهو لم يزل كاتبا في الديوان، منها ذلك ~~السجل الذي كتبه في شهر المحرم 501ه الخاص بالخراج، وتحويل السنة الخراجية، وقد ~~جاء في هذا السجل: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي ارتضى أمير المؤمنين أمينه ~~في أرضه وخليفته، وألهمه أن يعم بحسن التدبير عبيده وخليفته، وأورثه ~~مقام آبائه الراشدين الذين اختصهم بشرف المفخر، وجعل اعتقاد موالاتهم ~~سبب النجاة في المحشر، وعناهم بقوله: # يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر # وأعلى منار ~~سلطانه بمدبر أفلاك دولته، ومبيد أعداء مملكته، وأشرف من نصب للجند ~~علما وراية، ووقف على مصلحة البرية نظره ورأيه، السيد الأجل الأفضل، ~~الذي نبه في السياسة على ما أهمله من سبقه، وأغفله من تقدمه، ~~وتتبع أحوال المملكة فلم يدع مشكلا إلا أوضحه وبين الواجب فيه، ولا ~~خللا إلا أصلحه وبادر بتلافيه، إيثارا لعمارة الأعمال، وقصدا لما ~~يقضي بتوفير الأموال، واعتناء برجال الدولة العلوية وأجنادها، ~~واهتماما بمصالحهم التي ضعفت قواهم عن ارتيادها، ورعاية لمن ضمته ~~أقطار المملكة من الرعايا، وحملا لهم على أعدل السنن وأفضل القضايا. ~~يحمده أمير المؤمنين على ما أعانه عليه من حسن النظر للأمة، وادخره ~~لأيامه من الفضائل التي ضفت بها ملابس النعمة، ويرغب إليه بالصلاة على ~~محمد الذي ميزه بالحكمة وفصل الخطاب، وبين به ما استبهم من سبل ~~الصواب، وأنزل عليه في محكم الكتاب: # هو الذي ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ~~، ~~صلى الله عليه وعلى أخيه وابن عمه أبينا أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب، كافيه فيما أعضل لما عدم المساعد، وواقيه بنفسه لما تخاذل الكف ~~والساعد، وعلى الأئمة من ذريتهما العاملين برضا الله تعالى فيما يقولون ~~ويفعلون، والذي يهدون بالحق وبه يعدلون ... إلخ. # 61 # فهذا السجل صورة من صور الكتابة التي تظهر فيها خصائص الكتابة في مصر ~~الفاطمية، تلك الخصائص التي تحدثنا عنها من قبل، ms288 وهي التي تجدها عند كل ~~الكتاب تقريبا، وهذه الخصائص تظهر في كل الرسائل والسجلات التي انتهت إلينا ~~عن ابن الصيرفي، من ذلك ما كتبه في عيد النصر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ه، ~~وعيد النصر هذا من الأعياد التي ابتدعت في القرن السادس للهجرة تذكارا لخلاص ~~الخليفة الحافظ من سجنه، فقد استبد وزيره أبو علي بن الأفضل الملقب بكتفيات، ~~بالأمر وسجن الخليفة سنة 524ه، فلما قتل الوزير في سادس عشر المحرم سنة 526ه ~~أخرج الخليفة من معتقله، واتخذ هذا اليوم عيدا أسماه عيد النصر، ففي ~~ذكرى هذا العيد كتب ابن منجب إلى بعض الخطباء للاستعداد لهذا العيد: # عيد النصر وهو أفضل الأعياد وأسناها وأعلاها، وأدلها على تقصير ~~الواصف إذا بلغ وتناهى، ونحن نأمرك أن تبرز في يوم الأحد السادس عشر ~~من المحرم سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة على الهيئة التي جرت العادة ~~بمثلها في الأعياد، وتقرأ على الناس الخطبة التي سيرناها إليك قرين هذا ~~الأمر بشرح هذا اليوم وتفصيله، وذكر ما خصه الله به من تشريفه ~~وتفضيله، وتعتمد في ذلك ما جرى الرسم فيه في كل عيد، وتنتهي فيه إلى ~~الغاية التي ليس عليها مزيد. فاعلم هذا، واعمل به إن شاء الله ~~تعالى. # ولم يكن ابن الصيرفي كاتبا من كتاب الرسائل فحسب، بل كان مؤرخا ~~ومصنفا، ومن تصانيفه: كتاب عمدة المحادثة، وكتاب عقائل الفضائل، وكتاب ~~استنزال الرحمة، وكتاب منائح القرائح، وكتاب رد المظالم، وكتاب في السكر، وله ~~اختيارات كثيرة لدواوين الشعراء كديوان ابن السراج وأبي العلاء المعري وغيرهما، ~~وهذه الكتب كلها مفقودة الآن، وإنما وصل إلينا من كتبه كتابان: الأول قانون ~~ديوان الرسائل، والثاني كتاب الإشارة إلى من نال الوزارة. # أما الكتاب الأول «قانون ديوان الرسائل»، فقد صنفه ابن منجب لكي يكون ~~قانونا يعرف به من يجب أن يولى رياسة ديوان الرسائل، ومن يجب أن يكون تلوه ~~في المنزلة من المستخدمين فيه من الكتاب واحدا واحدا من الخدام الذين لا ~~غنى عنهم، والصفات التي ينبغي أن يكون عليها كل واحد منهم، التي ms289 إذا سلكت في ~~هذا الديوان أدت إلى ضبط أموره، وأمن معها من اختلال شيء منها وفساد يدخل ~~عليها، وسهل وجود ما يلتمس من علم أمور تقادم عهدها وبعدت أزمنتها، # 62 # فكأنه أراد أن يجعل من كتابه هذا دستورا لاختيار كتاب الرسائل، ~~وهو يصرح في مقدمته أن السبب الذي من أجله صنف هذا الكتاب أنه «لما رأيت أولي ~~الفطر الصحيحة والعقول الرجيحة، قد سبقوا إلى النظر في سائر العلوم، ووضعوا ~~فيها المصنفات، ونظموا ذكرها في الكتب والمؤلفات، ثم انتقلوا عن ذلك إلى قوانين ~~الأشياء، فقرروا في كل منها ما كان أصلا يعتمد عليه، ونهوا عما كان ~~فسادا لنظامها أو أدى إليه، وخالفوا بين أحكام تلك التصنيفات، لاختلاف ~~الأزمنة وتباين البلاد والأوقات، فوجدتهم قد صنفوا في كتابة الخراج كتبا ~~كثيرة، وعنوا بكتابة الجيش عناية كبيرة، فألف كل من العراقيين والمصريين في ~~ذلك ما وصلت إليه طاقته، واقتضاه ما أوجبه وقته، والبلد الذي يحتله. فأما صناعة ~~الشعر وذكر بديعه وسائر أنواعه وتقاسيمه، فقد أكثر كل منهم فيه المقال، ~~وتوسع في تصنيفه وأطال، ورأيتهم أهملوا الكلام في الكتابة الجليلة قدرا، ~~النبيهة ذكرا، الرفيعة شأنا، العلية مكانا، التي هي كتابة حضرة الملك ~~المشتملة على الإنشاء إلى ملوك الدول، والمكاتبة عنه إلى من قل من الأمم وجل، ~~وكيف يجب أن يكون متوليها وما يخصه من الأخلاق والأدوات، وما يجب أن يكون فيه ~~من الفضائل، وأن يجتنبه من القبائح والرذائل ... إلخ. # 63 # هذا السبب الذي من أجله ألف كتابه هذا، ولكن هل حقيقة قصر المؤلفون في ~~الحديث عن الكتابة بحيث لم توضع كتب مثل قانون ديوان الرسائل؟ من الحق علينا ~~أن نقول: إن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة ليست سهلة هينة، فإن أكثر كتب القدماء ~~فقدت وإن بقي أسماء بعضها، وقد عرضت بعض المراجع العامة العربية التي تهتم ~~بسرد كتب المؤلفين، مثل: الفهرست، ومعجم الأدباء، وكشف الظنون وغيرها، فوجدت ~~بعض المؤلفين وضعوا كتبا في الكتابة والكتاب، نذكر منهم عبد الحميد الكاتب ~~الذي وضع رسالة إلى الكتاب، يتحدث ms290 فيها عن فضيلة الصناعة، وما يجب عليهم أن ~~يتبعوه حتى يجودوا صناعتهم، # 64 # ووضع الصولي أدب الكتاب، وألف ابن قتيبة أدب الكاتب. # ونذكر أحمد بن سهل البلخي صاحب كتاب فضل صناعة الكتابة، # 65 # وأحمد بن محمد بن يوسف الأصفهاني صاحب كتاب طبقات البلغاء، وكتاب ~~أدب الكتاب، # 66 # وأحمد بن محمد بن الفضل الأهوازي مؤلف كتاب مناقب الكتاب، # 67 # وأحمد بن محمد النحاس المصري المتوفى سنة 337ه، صاحب أدب الكتاب ~~وصناعة الكتاب، # 68 # وغيرهم. وأكثر هذه الكتب لم تصل إلينا، فلم نعرف ما اشتملت عليه، ~~ولكن من أسمائها نستطيع أن نرجح أنها تختلف بعض الاختلاف عما أراده ابن منجب ~~من كتابه «قانون ديوان الرسائل»، فإن كتابه في الحديث عن الأحوال التي يجب أن ~~يكون عليها رئيس ديوان الإنشاء، وعن العلوم والمعارف التي يجب أن يكون حاصلا ~~عليها، وعن اختصاصه في عمله، ثم تحدث بعد ذلك عن معاونيه من الكتاب في ~~الديوان، فجعل لكل عمل كاتبا خاصا له مميزات خاصة، فمن يستخدم لتخريج ~~الكتب الواردة له صفات خاصة، ومن يستخدم برسم الإنشاء له خصائص، ومن يكون ~~ناسخا في الديوان له مميزات، وهكذا. فكتاب ابن منجب في أغلب الظن يختلف عن ~~الكتب التي وضعت في الكتاب والكتابة؛ لأنه يتحدث قبل كل شيء عن نظام ديوان ~~الرسائل، ثم عن موظفيه، فهو صورة مختصرة جدا للكتاب الذي ألف بعد ذلك، ~~وهو كتاب صبح الأعشى للقلقشندي. # أما الكتاب الثاني الذي بقي لنا من كتب ابن منجب، فهو كتاب «الإشارة إلى من ~~نال الوزارة» ... فهو كتاب تاريخ من ولي الوزارة في عهد الدولة الفاطمية، سجل ~~فيه ابن منجب اسم كل وزير وتاريخ توليته وما لقب به، وما تم على يديه من ~~أعمال، فهو من أهم الكتب التي تتحدث عن تاريخ الفاطميين. # ولابن منجب عدة مقطوعات من الشعر، ولكنه لم يعرف بالشعر كما عرف ~~بالكتابة، وروى له ياقوت قوله: # لما غدوت مليك الأرض أفضل من # جلت مفاخره عن كل إطراء # تغايرت أدوات النطق فيك على # ما يصنع الناس ms291 من نظم وإنشاء # وقوله: # لا يبلغ الغاية القصوى بهمته # إلا أخو الحرب والجرد السلاهيب # يطوى حشاه إذا ما الليل عانقه # على وشيج من الخطى مخضوب # ولكن ابن منجب لم يعد بين الشعراء، بالرغم من أن شعراء المائة الخامسة ~~كان أكثرهم من كتاب الإنشاء، ولعل ذلك يرجع إلى أنه كان مقلا في الشعر ~~مكثرا في الرسائل، حتى قيل: إن ديوان رسائله يزيد على أربعة مجلدات. # وتوفي ابن منجب في يوم الأحد لعشر بقين من صفر سنة 542ه، # 69 # ولكن ياقوت يذهب إلى أنه توفي في أيام الملك الصالح بن رزيك بعد ~~سنة خمسين وخمسمائة، # 70 # وليس بين أيدينا شيء من النصوص التي تجعلنا نرجح إحدى ~~الروايتين. # أبو الفتح بن قادوس # كان مع ابن الصيرفي في ديوان الإنشاء كاتبان شاعران من أقدر كتاب مصر ~~الفاطمية وشعرائها، أما الأول فهو الفاضل المفضل كافي الكفاء أبو الفتح محمود ~~بن القاضي الموفق إسماعيل بن حميد الدمياطي المعروف بابن قادوس، شاهد عصر ~~الأفضل بن بدر الجمالي، وامتدت به الحياة إلى أن توفي في عهد الملك الصالح ~~طلائع بن رزيك، أي إنه عاصر شعراء مصر وكتابها في النصف الأول من القرن ~~السادس، وعرف اتجاهاتهم الفنية في الشعر والكتابة، فلا غرو أن نرى أمية ابن أبي ~~الصلت يتحدث عنه في رسالته المصرية، ونرى العماد يقول عنه: «أشعاره محكمة ~~النسيج، كالدر في الدرج.» # 71 # ووصفه ابن ميسر بقوله: «كان من أماثل المصريين وكتابهم، مقدما ~~عند ملوكهم.» # 72 # لم يصلنا شيء عن حياة هذا الكاتب الشاعر، فقد فقدت ترجمة حياته، ~~كما فقدت تراجم رجال مصر الفاطمية، ومع ذلك فقد حفظت في بعض المراجع قصته ~~مع زميله وصنوه أبي علي حسن بن زبيد الأنصاري، وكيف كان ابن قادوس سببا في أن ~~يلقى زميله حتفه على نحو ما ذكرنا من قبل، فإن هذه القصة تدل على أن ابن قادوس ~~بالرغم مما قاله القدماء عن فضله وكفايته في صناعتي الشعر والنثر، فإنه كان ~~ضعيف الخلق، يحسد زملاءه ويوقع بهم في المهالك. وهناك قصة ms292 أخرى يرويها ~~القدماء عنه، وهي انتصاره للجليس بن الحباب، فقد ذكرنا أن ابن الصياد الشاعر ~~كان مولعا بهجاء الجليس، كثير الدعاية بأنفه، حتى قيل: إن مقطعات ابن الصياد ~~في ذلك بلغت ألف مقطوعة، فانبرى له ابن قادوس ينتصر للجليس قائلا: # يا من يعيب أنوفنا الشم # التي ليست تعاب # الأنف خلقة ربنا # وقرونك الشم اكتساب # 73 # فما الذي جعل ابن قادوس ينتصر للجليس؟ لا شك في أن ضعف خلق ابن قادوس جعله ~~يتوهم أن الجليس ربما ساعده في الوصول إلى مآربه الشخصية في الديوان، أو في ~~غير الديوان من مناصب الدولة، بحكم تلك الصلة القوية التي كانت بين الجليس ~~والخليفة الفاطمي من ناحية، وبين الجليس والملك الصالح طلائع بن رزيك من ناحية ~~أخرى، فلذلك انتصر للجليس، ولولا أطماعه ما كان ينشد هذين البيتين. # مهما يكن من شيء، فإن ابن قادوس كان من أماثل الكتاب في القرن السادس ~~الهجري، فالرسائل التي بقيت لنا من إنشائه تدل على مقدرته وعلو كعبه في ~~الإنشاء، فمن إنشائه ما كتبه بمناسبة ركوب الخليفة في عيد النحر، ومنها: # أما بعد، فالحمد لله ماحي دنس الآثام بالحج إلى بيته الحرام، وموجب ~~الفوز في المعاد لمن عمل بمراشد أئمة الهدى الكرام، ومضاعف الثواب ~~لمن اجتهد فيما أمر الله به من التلبية والإحرام، ومخول الغفران لمن ~~كان بفرائض الحج ونوافله شديد الولوع والغرام، وصلى الله على جدنا محمد ~~الذي لبى وأحرم، وبين ما أحل الله وحرم، وعلى أخيه أبينا أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب الذي ضرب وكبر، وحقر من طغى وتجبر، وعلى ~~الأئمة من ذريتهما أعلام الدين، وحتوف المعتدين، وسلم وكرم، وشرف ~~وعظم، وإن من الأيام التي كملت محاسنها وتمت، وكثرت فضائلها وجمت، ~~ووجب تخليد عز صفاتها ، وتعين تسيطر تأثيراتها، يوم عيد النحر من سنة ~~(كذا): وكان من قصصه أن الفجر لما سل حسامه، وأبدى الصباح ابتسامه، نهض ~~عبيد الدولة في جموع الأولياء والأنصار، وأولي العزيمة والاستبصار، ~~ميممين القصور الزاهرة متبركين بأفنيتها، ومستملين بسعادتها، وتألفوا ~~صفوفا تبهر النواظر، ويخجل ms293 تألفها تألف زهر الروض الناضر، مستصحبين ~~فنونا من الأزياء تروق، ومستتبعين أصنافا من الأسلحة يغض لمعها من ~~لمع اللهب والبروق، والأعلام خافقة، والرياح بألسنة النصر على الإخلاص ~~لإمام العصر متوافقة، فأقاموا على تشوف لظهوره، والتطلع للتبرك ~~بلامع نوره، ولما بزغت شمس سعادته، وجرت الأمور على إيثاره وإرادته، ~~وبدت أنوار الإمامة الجليلة، وظهرت طلعتها المعظمة البهية، خر ~~الأنام سجودا بالدعاء والتمجيد، والاعتراف بأنهم العبيد بنو العبيد، ~~واستقل ركابه أمير المؤمنين، ووزيره السيد الأجل الذي قام بنصر الله في ~~إنجاد أوليائه، وتكفل للإسلام برفع مناره ونشر لوائه، وناضل عن حوزة ~~الدين وجاهد، وناصل أحزاب الكفار وناهد، يقوم بأحكام الوزارة، وتدبير ~~الدولة تدبير أولي الإخلاص والطهارة، ويتبع آراء أمير المؤمنين فيما ~~تنفذ به أوامره، ويعمل بأحكام الصواب فيما تقتضيه موارده ومصادره، ~~ويحسن السياسة والتدبير، ويتوخى الإصابة في كل صغير أمور الدولة ~~العلوية وكبير، ويخلص لله - جل وعز - ولإمامه، ويكفكف من الأعداء ببذل ~~الجهد في إعمال لهذمه وحسامه. # وسار أمير المؤمنين والعساكر متتابعة في إثره، متوافقة على امتثال ~~أمره، قد رفعت السنابك من العجاج سحابا، وخيلت جنن الجند للناظرين في ~~البر عبابا، والجياد المسمومة تموج في أعنتها، وتختال في مراكبها ~~وأجلتها، وتسرع فتكسب الرياح نشاطا، وتفيد المتعرض لوصفها إفراطا، ~~وتهدي لمن يحاول مماثلتها غلوا واشتطاطا، وأصوات مرتفعة بالتهليل، ~~وأصوات الحديد تسمع بشائر النصر بترجمة الصليل، ويكاد يرعب الأرض تزلزل ~~الصهيل، وترض سنابكها الهضاب، وتغدو صلابها كالكثيب المهيل ... # 74 # وكتب ابن قادوس بالبشارة بوفاء النيل: # النعم، وإن كانت شاملة للأمم، فإنها متفاضلة الأقدار والقيم، فأولاها ~~بشكر تنشر الآفاق أعلامه، واعتداد تحكم بإدراك الغايات أحكامه، نعمة ~~يشترك في النفع بها العباد، وتبدو بركتها على الناطق والصامت الجماد، ~~وتلك النعمة النيل المصري الذي تبرز به الأرض الجرز في أحسن الملابس، ~~وتظهر حلل الرياض على القيعان والبسابس، وترى الكنوز ظاهرة للعيان، ~~متبرجة بالجواهر واللجين والعقيان، فسبحان من جعله سببا لإنشار ~~الموات، وتعالى من ضاعف به ضروب البركات، ووفر به مواد الأرزاق ~~والأقوات ... إلخ. # 75 # هذان مثلان مما كتبه ms294 ابن قادوس من سجلات هي من خصائص مصر، فلا ينازع مصر بلد ~~آخر في هذا اللون من السجلات، ولا سيما في البشارة بوفاء النيل، ولكن اللون ~~الآخر، وهو ركوب الإمام الفاطمي لصلاة عيد النحر، فهو من ترتيب الدولة ~~الفاطمية، وقد رأينا تأثير العقائد الفاطمية في السجل الفاطمي، مما لا يدع ~~شكا في أن العقائد أثرت في الكتابة كما أثرت في الشعر، أضف إلى ذلك ~~كله هذه الصنعة الفنية في الكتابة التي رأيناها عند جل كتاب الفاطميين، وقد ~~حفظ العماد قطعة من رسالة لابن قادوس كتبها إلى ابن معروف، وتظهر في هذه ~~الرسالة صنعته الفنية التي ظهرت في السجلين السابقين: # أطال الله بقاء الحضرة لغرائب مجد يبتدعها، وفرائض جود يشرعها، ~~وقوادم يذلل صعابها، ومسايف سعود يطرق جنابها، وأدام أيامها التي هي ~~للدهر تمائم، وفي المحل غمائم: # غرر من الأيام توضح فخرها # والدهر من ظلم النوائب عاتم # ملك تملكه الندى وتجمعت # في راحتيه غمائم وسمائم # فالروض يجدب وهو روض ممرع # والغيث يقلع وهو غيث دائم # وشتان ما بينهما، تلك سحاب قد رعدت بوارقها، وعدت صواعقها، وروض يجف ~~نباته، وتضوع زهراته، ومكارم الحضرة تزيد جدة على التكرار، وتماثل فعل ~~الفلك المدار، فهي تباري الشمس نهارا، وتزور مزار الطيف ~~سرارا: # منن بغير أهلة مستورة # فطلعن في فلك العلا أقمارا # ومواهب ومناقب ومناسب # رفعت له فوق السماك منارا # 76 # وتوفي ابن قادوس سنة 551 في سابع المحرم، وقيل: إن الملك الصالح حضر من ~~القاهرة إلى مصر للصلاة عليه، ومشى في جنازته إلى تربته عند مسجد الأقدام. # 77 # ووافق العماد على تاريخ وفاة ابن قادوس على هذا النحو، غير أن ~~المقريزي روى قصة طويلة زعم فيها أن أبا الفتح يانس الأزمني وزير الحافظ لما ~~عظم شأنه سنة 526ه، وثقل على الخليفة أخذ كل منهما في التدبير على الآخر، ~~فأعجل يانس وقبض على حاشية الخليفة، ومنهم قاضي القضاة وداعي الدعاة أبو الفخر ~~وأبو الفتح ابن قادوس وقتلهما، فاشتد ذلك على الحافظ وعمل على سم وزيره. # 78 # أي ms295 إنه ذهب إلى أن ابن قادوس قتل سنة 526ه، وقد وهم المقريزي في ~~هذه الرواية؛ فإن الأدلة تكاد تجمع على أن ابن قادوس شاهد عصر الملك الصالح ~~طلائع بن رزيك، من ذلك أن قصة ابن قادوس مع أبي علي حسن بن زبيد الأنصاري كانت ~~في الخلاف بين حسن بن الحافظ وأبيه، وهذا الخلاف نشأ بعد سنة 526ه، ونحن نعلم ~~أن ابني الزبير لم يتقدما في الديوان إلا بعد قتل الظافر سنة 549ه، بل لم ~~يكن لهما ذكر في الدولة قبل هذا التاريخ، وقد روينا هجاء ابن قادوس لابن ~~الزبير، فمعنى هذا أن هذا الهجاء كان بعد مقتل الظافر، أي بعد سنة 526ه أيضا، ~~ومن ذلك أن العماد يحدثنا أن الملك الصالح طلائع بن رزيك كان يغري ابن الصياد ~~بأنف الجليس بن الحباب، فأنشد ابن الصياد هذه المقطعات التي أشرنا إليها ~~مرارا، ولم يسكته إلا ابن قادوس، فنفهم من ذلك أن ابن قادوس حضر عهد الملك ~~الصالح، أضف إلى ذلك ما رواه ابن خلكان: أن الخليفة العاضد الفاطمي أشرك ~~ابن قادوس مع الموفق بن الخلال في ديوان الإنشاء، وإذن فنحن نؤيد رواية ~~العماد وابن ميسر، أنه توفي سنة 551ه. # أما الشاعر الكاتب الثاني، فهو أبو علي حسن بن زبيد الأنصاري الذي كان ~~ابن قادوس سبب قتله، وقد تحدثنا عنه شاعرا، أما صفته الكتابية، فقد وصفه ~~العماد بأنه كان من المقدمين في ديوان المكاتبات، # 79 # وقال مرة أخرى: «ومن نثره ما يدل حسنه على رونق فرنده.» # 80 # وحقا، كان أبو علي الأنصاري من الكتاب الذين ملكوا ناصية اللغة ~~والمقدرة على التصرف بالألفاظ، فكان يضع اللفظ فيما خصص له، ويختار من الألفاظ ~~ما يناسب المعنى الذي قصده مع التزامه الخصائص الأخرى التي رأيناها عند غيره من ~~الكتاب، ومن هنا ظهرت مواهب أبي علي الأنصاري في النثر كما ظهرت من قبل في ~~الشعر. اقرأ هذه الرسالة التي كتبها إلى صديق له يهنئه بالشفاء من مرض: # إذا قدم الوداد، وصح الاعتقاد، ووصفت الضمائر، وخلصت السرائر، ms296 حل ~~الإخاء المكتسب، محل أخوة النسب، وصار المتعاقدان على الإيثار، ~~والمتحابان على بعد الدار، متساهمين فيما ساء وسر، ومتشاركين فيما ~~نفع وضر، وتلك حالي وحال حضرة مولاي، فإني وإياها كنفس قسمت على ~~جسمين، وروح فرقت بين شخصين، فما آلمها فقد مضى وأزعجني، وأما ~~برؤها فقد سرني وأبهجني، وعرفت خبر إبلالها من ألم كان بها، فشكرت ~~الله على خلتين معا، ونفعين اجتمعا: أحدهما أنني أعلم تألمها، ~~فكنت ألاقي ما يكدر الشراب، ويمنع تلاقي الأهداب، وأجد على حال الصحة ~~ما يجد المريض، وأرى الدنيا على إيثارها بعين البغيض. والآخر علمي ~~ببرئها عند حلوله، ومعرفتي به عند تخييمه بساحتها ونزوله. # 81 # واقرأ له يهنئ صديقه بمولود: # وردت البشارة السارة بالقادم الأمجد، المستقبل بالطالع الأسعد، وأخذ ~~المملوك من المسرة بأوفر حظ الأولياء المخلصين في الولاء، المغمورين ~~بجزيل الآلاء، وسأل الله سبحانه تخليد الأيام المالكية مديدة الأمد، ~~وافرة العدد، نامية الأهل والولد، حتى يرى هذا المبشر بقدومه ممتطيا ~~صهوات الجياد، مخوف الشذا يوم الجلاد، يخفق وراءه اللواء، وتخاف سطوته ~~الأعداء، وتخص البلاد بقواضبه، وتشنف الأسماع بذكر مناقبه، وترى من ~~أولاده أمجادا عن الإسلام ذادة، وأملاكا لامتلاك البلاد سادة، لا ~~زالت تبلغ أقصى الأماني، وتسمع نغم التهاني، وتمد ظلها على القاصي والداني. # 82 # ثم اقرأ له هذه القطعة من رسالة في العزاء بغريق: # لعمري لقد نزهه الله عن سهك الجرباء، وملاقاة الحصباء، والمقام ~~تحت أديم الأرض، وانطباق بعضها على البعض، ورفعه عن أن يذل في الحدث ~~جبينه، ويعفر في العثير عرنينه، فجعل ضريحه في شبهه جوادا وكرما، ~~وضريبه محاسن وشيما، فتضمنه الماء، وتغطمط فوقه الدأماء، فإذا استسقى ~~السحاب، واستسمح التراب، فهو في البحر الوافر، واللج الزاخر، بحيث ~~تتفرع المناهل، ويرد كل ناهل. # 83 # فهل رأيت كيف كان أبو علي الأنصاري فنانا يجيد صناعته، فينتقي من اللفظ ~~أجوده، ومن المعاني أسماها وأجملها ؟ فلا عجب أن رأينا ابن قادوس يحسده على ~~مهارته، ويخشى منافسته، فدبر المكيدة التي أدت به إلى حتفه. # الموفق بن الخلال # ولعل آخر من ولي ms297 ديوان الإنشاء في مصر الفاطمية هو يوسف بن محمد المعروف ~~بابن الخلال، الملقب بالموفق، وقد وصفه العماد بقوله: «هو ناظر مصر وإنسان ~~ناظرها، وجامع مفاخرها، وكان إليه الإنشاء، وله قوة على الترسل يكتب كما يشاء.» # 84 # ويذهب ابن خلكان إلى أن الموفق كان صاحب ديوان الإنشاء بمصر في ~~أيام الحافظ، وأنه استمر في مرتبته إلى آخر عهد الدولة الفاطمية. # 85 # ويعد الموفق بن الخلال الأستاذ المباشر للقاضي الفاضل، وقد ~~روينا كيف وفد القاضي الفاضل إلى ديوان الإنشاء، ومثل بين يدي الموفق ولازمه، ~~وتدرب بين يديه، وكيف طلب منه الموفق أن ينثر ديوان الحماسة مرة بعد أخرى، ~~إلى أن أجاد القاضي الفاضل فن الترسل، وبلغ هذه الدرجة الرفيعة في هذا الفن؛ ~~لذلك يقول ابن خلكان: «ولم يزل ابن الخلال بديوان الإنشاء إلى أن طعن في السن، ~~وعجز عن الحركة، فانقطع في بيته. ويقال إن القاضي الفاضل كان يرعى له حق الصحبة ~~والتعليم، فكان يجري عليه كل ما يحتاج إليه.» # 86 # وابن الخلال أحد الذين ذكرهم عمارة اليمني فقال: «ووجدت بحضرته (أي ~~بحضرة الصالح بن رزيك) من أعيان أهل الأدب الشيخ الجليس أبا المعالي بن الحباب، ~~والموفق بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء، وأبا الفتح محمود بن قادوس، والمهذب أبا ~~محمد الحسن بن الزبير، وما من هذه الحلبة أحد إلا ويضرب في الفضائل النفسانية ~~والرياسة الإنسانية بأوفر نصيب، ويرمي شاكلة الإشكال فيصيب.» # 87 # إذن تكاد تجمع المصادر التي بين أيدينا، والتي حدثتنا عن ~~الموفق بن الخلال أنه كان على جانب من علو الهمة والفضل، وعلى براعته في فن ~~الترسل، وقد حفظ من إنشائه سجل كتبه بولاية شاور الوزارة لثاني مرة؛ أي بعد ~~انتصاره على ضرغام، جاء فيه: # سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ~~ويسأله أن يصلي على جده محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، صلى الله ~~عليه وعلى آله الطاهرين الأئمة المهديين، وسلم تسليما. (أما بعد)، ~~فالحمد لله مانح الرغائب ومنيلها، وكاشف المصاعب ومزيلها، ومذل كل ~~عصبة ms298 كلفت بالغدر والشقاق ومذيلها. ناصر من بغى عليه، وعاكس كيد ~~الكائد إذا فوق سهمه إليه، وراد الحقوق إلى أربابها، ومرتجع المراتب ~~إلى من هو أجدر برقيها وأوابها، ومسني الخير بتيسير أسبابه، ومسهل ~~الرتب بتمهيد طرقه وفتح أبوابه، ومدني نائي الحظ بعد نفوره واغترابه، ~~ومطلع الشمس بعد المغيب، ومتدارك الخطب إذا أعضل بالفرج القريب. مبدع ~~ما كان ويكون، ومسبب الحركة والسكون، محسن التدبير، مسهل التعسير. # قل اللهم مالك الملك تؤتي ~~الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير ~~ إنك على كل شيء قدير ~~. والحمد لله الذي ~~اختص أولياء أمير المؤمنين بالاستعلاء والظهور، وذلل لهم جوامح ~~الخطوب ومصاعب الأمور، وآتاهم من التأييد كل بديع مستغرب، وأنالهم من ~~كل غريب إذا أورد قصصه أطرب، ومكنهم من نواصي الأعداء، وشملهم ~~بعناياته في الإعادة والإبداء، وضمن لهم أحمد العواقب، وأرشدهم إلى ~~الأفعال التي ثبتت لهم في صحائف الأيام أفضل المناقب، وهداهم بأمير ~~المؤمنين إلى ما راق زلاله وتم غاية التمام، كما أنه كان لرضا الله ~~سبحانه، وحسن ثوابه ومآله، ويمدهم في المجاهدة عن دولته بالتأييد ~~والتمكين، ويحظيهم من أنوار اليقين، بما يجلو عن أفئدتهم دجى الشك ~~البهيم، ويظهر لأفهامهم خصائص الإمامة في حلل التفخيم والتعظيم، ~~ويريهم أن خلوص الطاعة منجاة في المعاد بتقدير العزيز العليم. # والحمد لله الذي استثمر من دوحة النبوة الأئمة الهادين، وأقامهم ~~أعلاما مرشدة في محجة الدين، وبين بتبصيرهم الحقائق، وورث أمير ~~المؤمنين شرف مقاماتهم، وجعله محرز غاياتهم، وجامع معجزاتهم وآياتهم؛ ~~وقضى لمن التحف بظل فنائه، واشتمل بسابغ نعمه وآلائه، وتمسك ~~بطاعته، واعتصم بولائه؛ بالخلود في النعيم المقيم، والحلول في مقام ~~رضوان كريم، # ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم ~~. # ثم يقول: # وراقب الله فيما ألقاه إليك، فقد فوض إليك مقاليد البسط والقبض، ~~والرفع والخفض، والولاية والعزل، والقطع والوصل، والتولية والتصريف ~~والصرف، والإمضاء والوقف، والغض والتنبيه، والإخمال والتنويه، والإعزاز ~~والإذلال، والإساءة والإجمال، والإبداء والإعادة، والنقص والزيادة، ~~والإنعام والإرغام، وكل ما تحدثه تصاريف ms299 الأيام، وتقتضيه مطالب الأنام، ~~فهو إليك مردود، وفيما علق بنظرك معدود. وأما العدل ومد رواقه، وإقامة ~~مواسمه وأسواقه، والإنصاف واتباع محجته، والاعتماد على أحكامه وأقضيته، ~~وكف عوادي الجور والمظالم، وحمل الأمر على قصد التصاحب والتسالم، ~~وإظهار شعار الدين، في إنصاف المتداعين إلى الشرع المتحاكمين، والدعوة ~~الهادية وفتح أبوابها للمستجيبين، وإعزاز من يتمسك بها من كافة ~~المؤمنين، والأموال والنظر فيها، والأعمال أقاصيها وأدانيها، فكل ذلك ~~محرر في تقليد وزارتك الأول، وأنت أولى من حافظ على العمل به وأكمل ... إلخ. # 88 # فمن هذه القطعة نستطيع أن نتبين كيف تبع الموفق بن الخلال ما تبعه غيره من ~~كتاب مصر الفاطمية من الخصال الفنية التي ذكرناها من قبل، ثم نتبين كيف ~~استطاع الموفق أن يستغل مصطلحات بعض العلوم، وينظمها في سلك كتابته؛ ليضيف ~~إليها قوة في الصناعة. # لم يكن الموفق كاتبا فحسب، بل كان شاعرا أيضا، شأنه في ذلك شأن عدد كبير ~~من الكتاب الفاطميين، ويظهر في شعره هذه الصنعة البديعة التي تظهر في نثره ~~أيضا، فهو يقول من قصيدة: # عذبت ليال بالعذيب خوالي # وحلت مواقف بالوصال حوالي # ومضت لذاذات تقضي ذكرها # تصبي الحليم وتستهيم السالي # وجلت موردة الخدود فأوثقت # في الصبوة الخالي بحسن الخال # قالوا سراة بني هلال أصلها # صدقوا كذاك البدر فرع هلال # 89 # كما روي أن بيتا أنشده كان سبب قطع صلة شاعر من شعراء القصر؛ ذلك أن الشاعر ~~أبا القاسم بن هانئ - وكان من سلالة الشاعر ابن هانئ الأندلسي المعروف - كان ~~يهجو ابن الخلال، فأضمر هذا له حقدا، فاتفق في بعض المواسم أن تقدم الشعراء ~~للنشيد بين يدي الخليفة، وانتهت النوبة إلى ابن هانئ، فأنشد وأجاد، فسأل ~~الخليفة الموفق بن الخلال رأيه في قصيدة ابن هانئ، فلم يسعه إلا أن يثني عليه، ~~ويبالغ في وصفه، ثم قال: ولو لم يكن له ما يمت به إلا انتسابه إلى ابن هانئ ~~الأندلسي شاعر هذه الدولة، ومظهر مفاخرها، وناظم مآثرها، لولا بيت أظهر منه ~~الضجر عند دخول جوهر هذه البلاد. فقال له الخليفة: ms300 ما هو؟ فتحرج الموفق من ~~إنشاده، وأبى الخليفة إلا أن ينشده، وفي أثناء ذلك صنع ابن الخلال بيتا هجا ~~فيه الأئمة الفاطميين. # فعظم ذلك على الخليفة، وقطع صلة الشاعر، وكاد يفرط في عقوبته. # 90 # وتوفي ابن الخلال في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ست ~~وستين وخمسمائة من الهجرة. # 91 # عمارة اليمني الناثر # وعلى الرغم من أن عمارة اليمني لم يكن من عمال ديوان الرسائل، ولم يعرف ~~عنه أنه كان كاتبا لأحد الأمراء، فإننا نستطيع أن نلمس في رسائله الإخوانية ~~التي حفظت لنا، خصائص الكتابة التي عرفت عند كتاب الدواوين، وكما ~~تأثر عمارة في شعره بمصر وبشعرائها، فقد ظهر أثر مصر وأثر كتابها في نثره. ~~ونختم هذا الفصل من الكتاب برسالة طريفة أرسلها عمارة إلى صديق له ولي على ~~أسوان، وقد رأينا أن ننقلها بأكملها؛ لما فيها من صنعة فنية، وطرائف لا نجدها ~~في السجلات الرسمية التي أوردنا صورا منها من قبل. كتب عمارة: # إن جرى بيننا وبينك عتب # أو تناءت منا ومنك الديار # فالوداد الذي عهدت مقيم # والدموع التي شهدت غزار # كان عزمي، أطال الله بقاء حضرة مولاي، أن أستفتح هذا الكتاب، بأليم ~~العتاب، وأشحنه من الخطاب بما لا يستطاب، وأقيم أعنة القوارص، ~~وأسدد أسنة الخوارص، وأجلب بخيل التوبيخ ورجاله، وأجمع بين رويته ~~وارتجاله، وأجهز تعنيفا يضيق له البحر بمراكبه، والبر بمواكبه، ثم قلت ~~السلام قبل الكلام، والملاطفة أولى من الملام، ثم عطفني حفظي لعهدك، ~~وحفاظي على ودك، وشافع أولي، ووفاء سموءلي، فلاطفاني حتى لزما كفي، ~~وخزما أنفي، فعدت من شب نار الوجد عليك، إلى التشبيب بذكر الشوق إليك، ~~وكتابي هذا صادر عن صدر مملوء بودك، وقلب مصدوع ببعدك، وأسف لفقدك، ~~لا يظعن قاطنه، ولا يخفى باطنه، وغرام لو تصور لك لبانت على وجهه ~~جناية الفراق، ومراسم الاحتراق، ولعلمت أن صورتك في القلب مغروسة، ~~ومكاتبتك منه محروسة، وأنك شغل خاطري ومسرحه، ومرمى ناظري ~~ومطرحه: # يا حبذا سفوان لي من مرقع # ولربما جمع الهوى سفوان # بل حبذا ليالي محاضرتك ومذاكرتك، ms301 ومراوحتك ومباكرتك: # وأياما لنا ولكم نعمنا # زمانا في حواشيها الرقاق # ليالي نحن في غفلات عيش # كأن الدهر عنا في وثاق # هذا يا مولاي فصل مقصور على صحيح التشوق، لا سقيم التسوق، وخاطرك، ~~والكاف ألذ من الضمير في مخاطبتك، وأعذب من الماء النمير في مكاتبتك، ~~تعلم صدق دخيلتي وودق مخيلتي. وأعود إلى ما في نفسي من عتابك، بل ~~سبابك، والتظلم من جفائك، والتألم من عدم وفائك. يا أعصى من العود، ~~وأقسى من الجلمود، بل يا قصير العزيمة وطويل الهزيمة، مضت لك شهور هي ~~عندي دهور، لم تهزك فيها ريح الأريحية، ولا شيمة النفس المضرحية، ولا ~~استفزك المنصب الأبي ولا الحسب الغري، قطعت من مكاتبتك رسمي، فلا تلفظ ~~في كتبك إلى الناس باسمي، فقد كنت أرضى منك أن أكون تحت الحسبلة لا ~~فوق البسملة، ولقد رأيت لك كتبا سلطانية، وأخرى إخوانية، فقبلت اسمك ~~من عنوانها، قبل الوقوف على بيانها. هذا وأنا كنانة سرك، وخزانة حلوك ~~ومرك، والمتهم فيك بما سمع من فيك، وأظن اسمي لو مر بسمعك، لحذفت ~~خمسيه ليكون عمى الأبصار، ولست أعلم لك عذرا أحمل فعلك عليه وأنسب ~~تحاملك إليه، إلا أن تكون طينة البلد والمنشا، غشي فؤادك منها ما غشي، ~~فإنها الطينة التي تنبت العقارب، وتعادي بين الأقارب، وأنت تعلم أن آل ~~الزبير والكنز إليهم منتهى رياسة أعلامها وسياسة أقلامها، ونحلتي سيفها ~~وضيفها، ورحلتي شتاؤها وصيفها، من منهم إلا من عداوته أسباطية لأخيه، ~~أنباطية في توخيه، يبدون المودة ويخفون العداوة، أهل حاضرة وفيهم جفاء ~~البداوة، وهذا ما ليس لهم في دفعه حيلة، ولا في منعه وسيلة؛ لأنه طبع ~~جرى في مائهم، ونسيم سمائهم، وامتزج بأهوائهم من أهوائهم، وإلا فخذ ~~إليك، واحسب على يديك، كم هنا لك من راسخ أنساب، وشامخ أحساب، وصحة ~~أديم، ومجد قديم، وفخر عميم، وكرم صميم. أو ليس أسوان بهم مأوى الطريد، ~~ومقر الشريد، وأمان الخائف، والذمة من الدهر الحائف، ثم هم سداد الثغر ~~إذا انفتح، وسداد الأمر إذا فدح، وشعلة الزناد إذا قدح، وعنوان الصدق ms302 ~~لمن مدح، العاملون إلا على الوفر، والفاصلون بين الإسلام ~~والكفر. # وأرجع يا مولاي إلى مخاصمتك ومواصمتك، ومشاتمتك وملاكمتك، والعرض من ~~عندك، والكف من عبدك، هذه مكاتبة غير مواتية، ومخاطبة الحمالين ~~والنواتية، ومقاشرة، وسوء معاشرة، وكأني بمولاي إذا انتهى إلى هذا ~~الحد، تمثل وأنشد: # لئن ساءني أن نلتني بإساءة # لقد سرني أني خطرت ببالك # أأمنت أن أغضب فأقول: لا سقاني الله بنوئك، ولا هداني بضوئك، ولا ~~بلاني بسوئك، فإنك من أسوان والهمزة إذا حذفت عنها، فهمت تثنية السوء ~~منها، وأنت الذي جلبت إليها التعنيف، وفتحت عليها الكنيف، فإن كان هوى ~~البلد أعداك، فقد هوى بك وأرداك، وإن كانت الرياسة المحدثة - ولا أكسر ~~دالها - ألهتك عن أصفيائك، وحسن وفائك، فما إخالك، وفلان خالك، تجفو ~~من ينصفك، وتنكر من يعرفك. أجدني يا مولاي قد اشتفى منك قرمي، وانطفأ ~~عنك ضرمي، وأخمدت الفتنة نارها، ووضعت الحرب أوزارها، وسفرت المسألة عن ~~جبينها، وأخذت صفقة ثمينها. # وهذا أوان تسرعي إلى حسن ذكرك، وتبرعي إلى حمدك وشكرك، وإتمام ما ~~أعرضت عنه من ذكر الشوق إلى لقائك، والدعاء بطول بقائك، وأما هذا ~~الكلام فهو هذر ساقط، وهدر ما له لاقط، وجلالة قدرك، وطهارة صدرك، ~~وجميل اعتقادك، وخالص ودادك وسؤددك، وشرف قومك ونفسك، وحسن يومك وأمسك، ~~يحملني على علمك بأن مكاتبتك من قلبي ثابتة المكان، قوية الأركان، ~~ولولا ذلك لقلت للنفس سقيت مهلا، وسلبت علما، ولبست جهلا، ووجدت ~~حزنا، وعدمت سهلا، ما هذه الجرأة على الأعراض المحرمة، والبيوتات ~~المكرمة! أتعرفين بخلت يداك بمن تسمحين؟ وعميت عيناك إلى من تطمحين؟ ~~إن لم يقك الوجل، فلينهك الخجل، وإن لم يرعك الريث فلا يستفزك ~~العجل، أما تعلمين أن هذه رتبة الأحكام الشرعية، ورتبة أهلها واجبة ~~مرعية، بل رتبة النظر والإشراف، ونفاذ الكلمة في الأوساط ~~والأطراف. # واتصل بي أن مولاي قبض يده عن أحكام القضاء، وبسطها في الأموال ~~والإمضاء، وإن كان الكسل حد من نشاط نفسك ، وطوى بعض بساط أنسك، وأنا ~~أعيذك أن تغلط في وهمك، أو يعترض الشك على فهمك، لا تقل ms303 ذهبت أجمل ~~الخدمتين، وأكمل النعمتين؛ فإن من زاد في الكراء ملك الدار، وهذه ~~الشقراء والمضمار، وأما الخدمتان: فها أنا أجلوهما على مرآة عقلك وهي ~~صافية، وأعرضهما على بصيرة فضلك وهي شافية؛ أما الشريعة فهي ملسوعة ~~عدمت الراقي، ومريضة روحها في التراقي، حدودها متروكة، وحرماتها ~~مهتوكة، ومعالمها مطموسة، وأعلامها منكوسة، وقد نفل أديمها، ونسي ~~قديمها، وعفي وردها، وبلي بردها، حتى وقعت الزهادة، في لفظ الشهادة، ~~وثقل الأذان على الآذان، وكان القضاء لا يتولاه إلا من قرأ ودرى، وشبع ~~من المعارف وتضلع، وتشوق إلى الكمال وتطلع، وبسط يده بالعطايا، وقبض ~~رجله عن الخطايا، وقد صار القضاء في وقتنا لما قضى الله به من مقتنا، ~~مبذولا لمن بذل قرضا، معروضا على من لا يصون عرضا، شعارهم طول ~~السبال والقامة، وعرض اللحية والعمامة، يعرفون أن اشتقاق الرشا من ~~الرشوة، وينكرون الفرق بين النشا والنشوة. هذه حال الشرع في الأمصار ~~الواسعة، والأقطار الشاسعة. فأما أسوان فهي كما قال أبو الفتح ~~البستي: # أكتاب بست كم يحاسدكم على # كتابة بست وهي سخنة عين # وخفي حنين فوق ما تطلبونه # فكم بينكم يا قوم حرب حنين # وهل في أحكام أسوان غريبة لا تعرف، ونازلة تستطرف؟ ما من أحد إلا وهو ~~يعرف السلف على الزبيب والتمر، والوالي يصفع المعربدين على المزر ~~والخمر، حاكمها مستريح من إقامة الناموس، وإحضار المصحف لليمين الغموس؛ ~~لأن يمين التجار «وإلا يغرق في شبر من الماء»، ويمين الحمال «وإلا عذبت ~~في صحراء عيذاب بالظما»، والعشار يقول: «وإلا فالكلب على عياله، ~~والحمار على أخت خاله.» والسفساف يقول: «وإلا لصفع الوالي قفاه، ورض ~~فاه.» # هذه الخدمة يا مولاي قد شرحت لك حالها، وعرضت عليك جمالها، وهي زبدة ~~كلها زبد، ومورد صفوه زبد، وعيبة محشوة بالعيوب، وذنوب مملوءة بالذنوب. ~~وأما التصرف في الأموال، والبسطة في الأعمال، فأنت تعلم أن المال بلغك ~~من المجلس العالي إلى أن أخلاك في ركابه، واختصك بخطابه، وكنت متكسلا ~~فتنشطت، ومنقبضا فتبسطت، ونظر إليك وخلع عليك، ووعدك من الصيت ~~والتنويه، فوق ما تأمله وتنويه، ثم ms304 افرض أنك وحاكم ثغرك وقاضي مصرك ~~قدمتما على الوالي فأدلى القاضي بالدنية، وأدليت أنت بالهدية، ومت على ~~الوالي بوقاره، ومتت بما قدمت إلى داره. هنالك والله تعرف أن الجمال ~~بخدمة المال، وإلى اليمين فضل الشمال، وأن صاحب الإحسان أمكن من صاحب ~~الطيلسان. ثم لو جمعكما مسجد الجامع، وبرزتما للناظر والسامع، لامتلأ ~~مجلسك بالعمال والخزان، والمؤدين إلى الوزان، وأطافت بك الأعوان ~~السلطانية والنواب الديوانية، وحفت بك أرباب الرواتب والجوازي، ~~ولم تجد من قولك من يراجع أو يجازي، وقلت قدموا هذا وارفعوه، وأخروا ~~ذلك واصفعوه. وأما القاضي فلم يكن مجلسه يغتص، ومقصورته تختص، إلا ~~باليتامى والأرامل، والمرضعات والحوامل، ويتيم ظلمه عمه، وأعرج رجله ~~مخلوجة، ويده مفلوجة، ومشايخ عظامهم نخرة، وكوادمهم بخرة؛ ثم القاضي - ~~أيده الله - نائب حكم الصعيد، وأنت نائب صاحب العصر والقصر ~~المشيد. # وما ضر أرباب الدواوين أنهم # نصارى وإن لم يؤمنوا بمحمد # وها نحن إن رمنا سلاما عليهم # دفعنا عن الأكمام فضلا عن اليد # وهذه صورة الحال، من غير انتحال، وكأني بك إذا فهمت أطربت، وشددت يدك ~~على ما فيها وربطت، وعلمت مقدار حظك فاغتبطت. وأريد يا مولاي أن أصطادك ~~بهذا الجنب، أربط مرزأتي في هذا الذنب، وأشوي في نارك سمكتي، وأجلب إلى ~~شوقك رمكتي. فلأمر ما نصبت هذه الراية، وأجريت إلى هذه الغاية، وجازفت ~~وحققت، وعن صبوح رققت، علمك محيط بكثرة ما أتلف، وقلة ما أخلف، وغنى ~~نفسي عن سؤال الغمام، فضلا عن الأنام، وليس للتوسع لأني مبذر، بل سائل ~~من أهل اليمن والحجاز لا يعذر، قد ركب اللجة الخضراء، والقفرة الغبراء، ~~وقصد بابي، ونزل جنابي، أفأصون صون قرضي، وأبذل عرضي: # وإن أحق الناس باللؤم شاعر # يلوم على البخل الرجال ويبخل # وأما حاشيتي الضافية، وعدتي الوافية، فأنت في كثرتها أصدق مخبر، ~~وأفصح معبر، ولما طالت محنة الغز وعرضت، ورجوناها أن تصح فمرضت، رجعت ~~إلى كنانة ذكري، وخزانة فكري، فكنت أكرم خاطر في خاطري، وأحسن وجه يمثل ~~لناظري، وسيرت إليك بعض خروجاتي للجاري الذي جمدت أنهاره، وخمدت ناره، ~~ومبلغه يسير ms305 في جنب كرمك، حقير إذا قرن بهممك. # فكم في الأرض من حسن ولكن # عليك من الورى وقع اختياري # ولا تقل كم بين الفسطاط وآخر الصعيد، إن هذا لهو المرمى البعيد، فلو ~~كنت أعلم أني عندك ممن ينده سربه، ويكدر بالأعداء شربه، لقصرت ما ~~أطلته، وبخلت بما بذلته، ولكني قلت هذا أمر قد سهلت مسالكه؛ إذ أنت ~~مالكه، وغيري يقبل من جودك بعض مجهودك، وقد أقسمت عليك وإبرار القسم ~~إليك، للنفس الأمارة: سامحيني في عمارة، واتركي عنك قصور باعك، وجفاء ~~طباعك، فإن هذا سواد الناظر، بل ضمير الخاطر، وسقف السماء، وعذب الماء، ~~وكأني بالوصول وقد آل إلى الحصول، وبالسؤال في يد الرسول: # ألا إن نفسا بين جنبي محمد # إذا هم بالمعروف قالت تقدم # ويا طالما قالت له عند فرصة # من الجود خذها لا تفتك فتندم # يا مولاي قد أجلت الرسول شهرا، وأنا أعده دهرا، وأقف حيث انتهيت ~~وأسأل الجواب عما أنهيت، فإن الحاجة سائق حثيث، والوقت غريم خبيث، ~~ولرأيك الفضل المعروف بالتفضل، والطول المشفوع بالتطول، ولولا أن هذه ~~الرسالة صادرة عن قائل لا يتقول، واردة على قابل لا يتأول، لسألت ~~كرمك عن بسط العذر عما فيها من التقصير، وحسبنا الله ونعم النصير. # 92 # فهذه الرسالة على الرغم من إسرافها في الطول، تجمع بين عدة فنون وأغراض كانت ~~من أغراض الشعر، ولكن تقدم النثر منذ القرن الثالث للهجرة في كل الأقطار ~~الإسلامية، وجعل النثر يعرض للأغراض التي كانت للشعر من قبل، ففيها ذكر الفراق ~~والعتاب، والتهكم الذي هو أقرب إلى الهجاء ... إلى غير ذلك من الموضوعات. # ثم نرى هذه الرسالة تجمع هذه الخصائص الفنية التي ظهرت عند كل كتاب مصر ~~الفاطمية، فالرسالة تقوم على السجع، ثم على هذه الألوان المختلفة من البديع، من ~~تورية واقتباس، وتضمين واستشهاد، ومراعاة النظير، وتشخيص، وغير ذلك من هذه ~~الألوان التي نفق سوقها عند كتاب مصر الفاطمية، ولم يشذ عن اتباعها كاتب واحد ~~من كتابهم، فإذا جاء القاضي الفاضل في أواخر العصر الذي نؤرخه، والعصر الذي ~~يليه ms306 وأسرف في استخدام هذه الألوان البديعية، فهو لم يأت بشيء جديد، إنما أخذ ~~عن أساتذته من كتاب مصر الفاطمية طرائفهم في الكتابة، وسار على منهجهم ~~وسننهم، ولكن اشتهر أمر القاضي الفاضل في التاريخ الإسلامي والتاريخ الأدبي ~~أكثر من شهرة أساتذته كتاب مصر الفاطمية؛ لأن القاضي الفاضل قرن اسمه باسم ~~صلاح الدين الأيوبي؛ فكان وزير صلاح الدين ومستشاره، والمؤرخون أشادوا بصلاح ~~الدين، فمن الطبيعي أن يرفعوا شأن القاضي الفاضل، ويثنوا عليه الثناء كله، حتى ~~بالغ بعض الكتاب فقال: إن القاضي الفاضل ابتدع طريقة جديدة في الكتابة ~~عرفت بالطريقة الفاضلية، وكم كنت أود ألا يتسرع بعض المحدثين في أحكامهم ~~وكتاباتهم التي ساروا فيها على نمط من سبقهم، فنسبوا إلى القاضي الفاضل هذا ~~المذهب الجديد - في نظرهم - عن الكتابة في مصر، فالقاضي الفاضل لم يكن إلا من ~~تلاميذ كتاب مصر الفاطمية. # وهذه الطريقة التي نسبت إليه، عرفها كتاب مصر الفاطمية، بل عرفها كتاب ~~مصر منذ عهد الطولونيين. # | خاتمة # لعلك أدركت الآن شيئا عن الحياة في مصر الفاطمية، وكيف تطورت هذا التطور ~~الخطير بعد عصر الإخشيديين، فقد كانت عقائد الفاطميين سببا قويا في تطور الحياة، ~~ذلك أن التشيع لم يكن له أثر يذكر في مصر منذ الفتح الإسلامي حتى دخلها دوهر ~~الصقلي، فإذا بمصر تصبح بعد ذلك دولة شيعية، ويتخذها أئمة فرقة من فرق الشيعة ~~مقرا لحكمهم، واجتهد الفاطميون في أن تكون مصر متميزة عن غيرها من الأقطار التي ~~كانت تخضع للعباسيين أو لأمويي الأندلس، وأن يبسطوا سلطان مصر على ما جاورها من ~~البلدان، فاتسعت رقعة أملاك مصر الفاطمية، كما عمل الدعاة على بث تعاليم الفاطميين ~~في كل البلاد الإسلامية، فاتجهت القلوب والأنظار ممن شملتهم هذه الدعوة إلى صاحب ~~مصر، وأصبحت القاهرة كعبتهم التي إليها يحجون، وأصبح لمصر مكانة خاصة تختلف تمام ~~الاختلاف عن مكانتها في عصر الولاة الذي سبق العصر الفاطمي. # ورأينا شيئا عن الحياة الاجتماعية، وكيف كانت مصر على جانب عظيم من الثراء، ~~فالأموال والهدايا كانت تترى على الأئمة بمصر، وهؤلاء بدورهم ms307 أسرفوا الإسراف كله، ~~وأغدقوا نعمهم على المقربين إليهم وعلى الشعب في كل مناسبة من مناسباتها، وما كان ~~أكثر هذه المناسبات في عصر الفاطميين، فهناك أعياد ابتدعها الفاطميون لم يعرفها ~~المصريون من قبل، وأعياد أدخلها المسلمون في مصر منذ الفتح العربي، ولكنها ~~ازدادت بهجة في العصر الفاطمي، وهناك أعياد أخرى ليست إسلامية، وإنما هي أعياد ~~مصرية خالصة كان المصريون منذ أقدم عصورهم يحتفلون بها، فورثها الأحفاد عن الأجداد. ~~أضف إلى ذلك أعياد المسيحيين التي اشترك فيها المسلمون في عصر الفاطميين، فكل هذه ~~الأعياد والمواسم طبعت العصر الفاطمي بطابع الترف والبهجة والتأنق في كل ~~شيء. # والعقائد الفاطمية تقوم على العلم والعمل معا؛ لذلك اهتم الفاطميون اهتماما ~~خاصا بألوان العلوم المختلفة، ولا سيما ما كان منها يمت بصلة قريبة أو بعيدة ~~إلى عقائدهم مثل علوم الفلسفة، فازدهرت هذه الدراسات في مصر الفاطمية ازدهارا لم ~~يسمع عنه من قبل، فقد احتضن الفاطميون هذه الدراسات، وشجعوا العلماء على المضي ~~في أبحاثهم، فكانت نتيجة ذلك هذه المجلدات الكثيرة التي تضمها خزانة الدعوة باسم ~~كتب الحقيقة، ولما دالت دولة الفواطم ضعفت هذه الدراسات، وقل أن نجد لها أثرا في ~~مصر، وإني زعيم أنه لو لم تكن هناك صلة خاصة بين بعض علوم الفلسفة وبين العقائد ~~الفاطمية، ما كانت هذه العلوم تزدهر وتقوى، فهي أثر من آثار العقائد الفاطمية، ~~حقيقة اهتم الفاطميون بألوان العلوم المختلفة، وأسسوا دار العلم، وجمعوا فيها ~~الكتب الوافرة في جميع ألوان العلوم والمعرفة، ولكنه هذه العلوم الأخرى كانت تسير ~~في مصر سيرها الطبيعي، وتتطور تطورها الطبيعي، حتى إنها لم تتوقف بعد عصر ~~الفاطميين، كما توقفت الدراسات الفلسفية، وكل ما في الأمر أن الفاطميين اهتموا بها ~~اهتمامهم بكل عمل علمي، فشجع الفاطميون علماء النحو واللغة والقراءات والتاريخ، ~~بجانب تشجيعهم لغيرهم من علماء الفلك والطب وعلوم الفلسفة الأخرى، ومن هنا ازدهرت ~~الحركة الفكرية في مصر الفاطمية ازدهارا عظيما. # وكذلك نقول عن الحياة الأدبية؛ فقد كان الشعراء المقربون إلى الأئمة، وهم شعراء ~~القصر أو شعراء الحضرة، يجهدون ms308 أنفسهم في أن يلموا بالعقائد الفاطمية في ~~مدائحهم، بحيث أصبحنا لا نستطيع أن نفهم مدائح الشعراء أو سجلات الكتاب، إلا إذا ~~طبقنا النظرية التي أطلقت عليها «نظرية المثل والممثول»، وهي تقوم على فهم دقيق ~~للعقائد الفاطمية، حتى ندرك ما أراده الشاعر من مدحه، وإلا كان فهمنا لهذا الشعر ~~قاصرا غير صحيح، فالعقائد أثرت تأثيرا قويا في الحياة الأدبية تأثيرها في ~~جميع نواحي الحياة. # وهنا نقف لنتساءل: هل محيت الدعوة الفاطمية من مصر بعد زوال دولة الفاطميين؟ ~~والجواب عن ذلك يعيدنا إلى الحديث عن مدى قبول المصريين لدعوة الفاطميين؛ ذلك أن ~~أكثر المؤرخين يذهبون إلى القول بأن مصر رفضت مذهب التشيع، إلى أن هددهم المعز ~~بسيفه وأغراهم بذهبه، فاعتنقوا عندئذ التشيع، وعلى الرغم مما في هذا القول من ~~مبالغة، فإننا لا ننكر أن من المصريين من اعتنق الدعوة الفاطمية رغبة أو رهبة، ~~وأن البعض الآخر استمر على مذهبه السني. وذكرنا أن من أسباب انقراض الدولة ~~الفاطمية تهاون القائمين بالأمر فيها بالإمامة التي هي عماد الدعوة، فانهارت الدعوة ~~بسبب ذلك، وسهل على صلاح الدين أن يديل الدولة، وعلى الرغم من ذلك فقد حدثنا بعض ~~المؤرخين عن شخصيات كانت تدين بالدعوة الشيعية في عهد الأيوبيين والمماليك، ونظرة ~~إلى كتاب الطالع السعيد للأدفوي، أو كتاب الضوء اللامع للسخاوي، ترينا عددا من ~~أماثل المصريين كانوا يتشيعون، من ذلك ما ذكره الأدفوي عن إبراهيم بن محمد بن علي ~~بن مطهر بن نوفل الإدفوي: «ثم عكف على حفظ كتاب الله العزيز، فاستحق به التمييز، ~~واستمر إلى آخر عمره على إقراء القرآن ملازما للصلاة والتلاوة والعبادة، وهو كل ~~يوم من الخير في زيادة، مع صدق لهجة وصيانة، إلا أنه كان من أتباع الشيعة، أصحاب ~~تلك البدع الشنيعة، شاهدته لما حضر داود الذي يدعي أنه ابن سليمان بن العاضد إلى ~~إدفو في سنة سبع وتسعين وستمائة، وهو بين يديه، وقد أخذ العهد عليه ، وهو ينشده ~~قصيدة نظمها، منها: # ظهر النور عند رفع الحجاب # فاستنار الوجود من كل باب # وأتانا ms309 البشير يخبر عنهم # ناطقا عنهم بفصل الخطاب # 1 # ويروي الإدفوي أيضا قصة قطنبة الأسفوني الشاعر، عندما شكاه بعض أهله إلى الوالي ~~بقوص، فجاء الوالي ومعه الناظر الشمسي الآمري وكان شيعيا، فلما رآه قطنبة قال: يا ~~آل أبي بكر! فاغتاظ الناظر، فأنشد قطنبة: # حديث جرى يا مالك الرق واشتهر # بأسفون مأوى كل من ضل أو كفر # لهم منهم داع كتيس معمم # وحسبك من تيس تولى على بقر # ومن نحسهم لا أكثر الله منهم # يسبوا أبا بكر ولم يشتهوا عمر # فخذ مالهم لا تختشي من مآلهم # فإن مآل الكافرين إلى سقر # 2 # ونذكر أنه عندما تحركت الشيعة حول داود بن شعبان الذي تحدثنا عنه من قبل في ~~سنة 697ه، ادعى هذا الدعي لمن استجاب له أنه يتحمل عنهم الصلاة، فقبل كلامه، ~~وفي هذا يقول علاء الدين علي بن أحمد الأسفوني لبعض أهل بلدته من قصيدة ~~أنشدها: # ارجع ستلقى بعدها الأهوالا # لا عشت تبلغ عندنا آمالا # يا من تجمع فيه كل نقيصة # فلأضربن بسيرك الأمثالا # وزعمت أنك للتكلف حامل # وكذا الحمار يحمل الأثقالا # 3 # ويقول الإدفوي أيضا عن الشيخ بهاء الدين القفطي، المتوفى سنة 697ه: «وفتح إسنا ~~فإنه كان بها التشيع فاشيا، فما زال يجتهد في إخماده، وإقامة الدلائل على بطلانه، ~~وصنف في ذلك كتابا سماه «النصائح المفترضة في فضائح الرفضة»، وهموا بقتله فحماه ~~الله منهم.» # 4 # ويذكر عن عبد القادر بن مهذب الإدفوي المتوفى سنة 725ه أنه كان ~~إسماعيلي المذهب، مشتغلا بكتاب دعائم الإسلام. # 5 # معنى ذلك أن التشيع لم يقتلع من مصر بزوال دولة الفاطميين، ووجود ~~حكومات سنية متعصبة لمذهبها، بل أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول: إن المصريين الآن لا ~~يزالون متأثرين ببعض العقائد الفاطمية التي كانت في مصر منذ ألف عام تقريبا، ~~فأهل السفه من المصريين إذا أرادوا سب شخص قالوا: يا عمر! وهذا بقية من بقايا ~~سب السلف الصالح في العصر الفاطمي، وأهل مصر إلى الآن إذا زاروا ضريح «السيدة ~~زينب»، وضعوا نماذج لسفن على الضريح، وهذا أثر ms310 آخر من تأثير العقائد الفاطمية الآن ~~في المصريين، فهم يتبعون الحديث المنسوب إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «أهل بيتي فيكم كسفينة ~~نوح، من ركبها نجا، ومن تركها غرق.» ولا يزال المصريون إلى اليوم يلتمسون البركة ~~والشفاعة من أهل البيت، ويطوفون بأضرحتهم لقضاء الحاجات! على نحو ما كان يفعل في ~~أيام الفاطميين، والمصريون إلى اليوم يذكرون عليا والحسن والحسين وفاطمة أكثر مما ~~يذكرون أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة الأبرار. ومن ناحية أخرى نرى ~~المصريين اليوم يحتفلون برؤية الهلال على نحو ما كان يفعله الفاطميون، وإن كنا ~~نخالفهم في أننا الآن نأخذ برؤية البصر، وكان الفاطميون يأخذون برؤية الاستبصار. ~~ولا نزال إلى اليوم نحتفل بمواسم الفاطميين، مثل أيام عاشوراء التي اتخذناها فرحا، ~~وكانت في أيام الفاطميين أيام حزن، ونحتفل بليلة نصف شعبان، وليلة السابع والعشرين ~~من رجب، وهي أعياد فاطمية لم يعرفها المصريون قبل العصر الفاطمي، ونرى الخطب ~~المنبرية الآن في بعضها طابع التشيع الذي كان في العصر الفاطمي. # وإذن فمصر لم تستطع إلى الآن أن تتخلص كل التخلص من آثار التشيع الذي نشره ~~الفاطميون. # وبعد، فهذا الكتاب الذي نقدمه الآن صورة من صور الحياة الأدبية والعلمية في ~~مصر الفاطمية، ولا أدعي أنها صورة كاملة صحيحة؛ لأن آثار الفاطميين الأدبية ~~والعلمية فقدت، ولم يبق منها إلا النزر اليسير، وهو الذي اعتمدت عليه في ~~هذا البحث، ولعلي وفقت. # | المصادر والمراجع # اتعاظ الحنفا بأخبار اللأئمة الخلفا للمقريزي: طبع دار الفكر ~~العربي. # أخبار الدول المنقطعة للخزرجي: نسخة فوتغرافية بدار الكتب. # إخبار العلماء بأخبار الحكماء لابن القفطي: طبع القاهرة 1316. # أسرار النطقاء لجعفر بن منصور: مخطوط بمكتبتي. # الإشارة إلى من نال الوزارة لابن منجب الصيرفي: طبع القاهرة سنة ~~1924م. # إغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزي: طبع القاهرة سنة 1940م. # افتتاح الدعوة للقاضي النعمان بن محمد المغربي: نسخة خطية ~~بمكتبتي. # أنباء الزمن في أخبار اليمن ليحيى بن الحسين: طبع برلين سنة ~~1936م. # الانتصار لابن الخياط: طبع القاهرة. # الانتصار لواسطة عقد الأمصار لابن دقماق: طبع بولاق سنة ms311 1309ه. # بحار الأنوار للمجلسي: طبع حجر بتبريز. # بدائع الزهور لابن إياس: طبع بولاق سنة 1311ه. # بغية الوعاة للسيوطي: طبع القاهرة. # تاج العروس. # تاريخ ابن الأثير. # تاريخ ابن خلدون. # تاريخ مصر لابن ميسر. # تاريخ ابن صالح الأرمني: طبع أكسفورد سنة 1894م. # تاريخ الإسلام للذهبي: نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقم 42 ~~تاريخ. # تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام لبندلي جوزي. # تجارب الأمم لمسكويه. # تأويل دعائم الإسلام للقاضي النعمان بن محمد: نسخة خطية بمكتبتي. # التمهيد في الرد على الملاحدة والشيعة للباقلاني: طبع دار الفكر ~~العربي. # تفسير الآلوسي. # تفسير الخازن. # تفسير الطبري. # تفسير القرطبي. # التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع لأبي الحسن الملطي: طبع بإستامبول ~~سنة 1936. # الجمع بين آراء الحكيمين للفارابي. # حسن المحاضرة للسيوطي. # الحضارة الإسلامية ترجمة الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده. # خريدة القصر للعماد الأصبهاني: نسخة فوتوغرافية بمكتبة جامعة ~~القاهرة. # خزانة الأدب لابن حجه الحموي. # دستور المنجمين لمؤلف مجهول: نسخة خطية بالمكتبة الأهلية بباريس رقم ~~5968. # دعائم الإسلام للقاضي النعمان بن محمد المغربي: نسخة خطية ~~بمكتبتي. # دمية القصر للباخرزي: طبع حلب سنة 1930. # الدول المنقطعة لابن ظافر: صورة فتوغرافية بدار الكتب رقم 890. # ديوان الرسائل لابن منجب الصيرفي: طبع القاهرة. # ديوان الأمير تميم: نسخة خطية بمكتبتي. # ديوان ابن قلاقس، تحقيق خليل مطران: طبع بجريدة الأهرام. # ديوان ابن هانئ الأندلسي، تحقيق زاهد علي: طبع القاهرة. # ديوان المؤيد في الدين داعي الدعاة، تحقيق محمد كامل حسين: من سلسلة ~~مخطوطات الفاطميين. # ذخيرة الأعلام بتواريخ خلفاء مصر: نسخة خطية بالمكتبة الأهلية بباريس رقم ~~1850. # راحة العقل لأحمد حميد الدين الكرماني، تحقيق محمد كامل حسين ومحمد مصطفى ~~حلمي: من مطبوعات الجمعية الإسماعيلية. # الرد على الباطنية للغزالي: طبع ليدن سنة 1926. # رسائل إخوان الصفا: طبع القاهرة. # الرسالة المصرية لأمية بن أبي الصلت: نسخة خطية بدار الكتب ~~المصرية. # رسالة الرشد والهداية لمنصور اليمن، تحقيق محمد كامل حسين: من سلسلة ~~مخطوطات الفاطميين. # رسائل الكرماني (ثلاث عشرة رسالة): نسخة فتوغرافية بمكتبتي. # الرسائل المستنصرية: نسخة خطية بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية ~~بلندن. # رفع الإصر عن قضاة مصر لابن ms312 حجر: نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقم ~~105. # روضة الأدب في طبقات شعراء العرب للشهاب الحجازي: طبع حجر ~~ببومباي. # الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة المقدسي: طبع القاهرة سنة ~~1287ه. # سرائر النطقاء لجعفر بن منصور: مخطوط بمكتبتي. # سفر نامه لناصري خسرو ترجمة الدكتور يحيى الخشاب: طبع القاهرة. # سيرة الأستاذ جوذر: نسخة خطية بمكتبتي. # سيرة المؤيد في الدين داعي الدعاة، تحقيق محمد كامل حسين: من سلسلة ~~مخطوطات الفاطميين. # صبح الأعشى للقلقشندي. # الطالع السعيد للأدفوي: طبع القاهرة سنة 1914. # عقد الجمان للعيني: نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقم 1584. # عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة: طبع القاهرة سنة 1299ه. # عيون المعارف ورياض كل متبصر عارف: طبع بومباي سنة 1297ه. # عيون المعارف وفنون أخبار الخلائف للقضاعي: نسخة خطية بدار الكتب المصرية ~~رقم 1779. # الغيث المنسجم للصفدي: طبع القاهرة. # الفاطميون في مصر للأستاذ الدكتور حسن إبراهيم حسن. # الفترات والقرانات لجعفر بن منصور اليمن: نسخة خطية بمكتبتي. # فتوح البلدان للبلاذري: طبع القاهرة. # الفخري في الآداب السلطانية لابن طباطبا: طبع القاهرة. # فرق الشيعة للنوبختي: طبع إستامبول سنة 1931. # الفرق بين الفرق للبغدادي: طبع القاهرة. # الفصل لابن حزم: طبع القاهرة. # فضائل مصر لابن زولاق: نسخة خطية بمكتبة الأزهر. # فضائل مصر للكندي: نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقم 753. # الفهرست لابن النديم: طبع القاهرة. # فهرست كتب الشيعة للطوسي: طبع كلكتا سنة 1855. # فوات الوفيات لابن شاكر: طبع القاهرة. # القاموس المحيط. # الكشاف للزمخشري. # كشف أسرار الباطنية لابن مالك الحماوي: طبع القاهرة سنة 1939. # الكشف لجعفر بن منصور بتحقيق ستروتمان: طبع القاهرة. # كنوز الفاطميين للأستاذ الدكتور زكي محمد حسن. # لسان العرب. # المجالس المؤيدية للمؤيد في الدين داعي الدعاة (ثمانمائة مجلس): نسخة ~~خطية بمكتبتي. # المجالس والمسايرات للقاضي النعمان بن محمد المغربي: نسخة خطية ~~بمكتبتي. # المجالس المستنصرية تحقيق محمد كامل حسين: من سلسلة مخطوطات الفاطميين، ~~طبع دار الفكر العربي. # مجموع أشعار الإسماعيلية: نسخة خطية بمكتبتي. # مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي: نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقم 551 ~~تاريخ. # المخصص لابن سيده. # مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري: نسخة خطية بدار الكتب ms313 المصرية. # المسالك والممالك لابن حوقل. # معرفة أخبار الرجال للكشي: طبع بمباي سنة 1317. # المغرب في حلى المغرب لابن سعيد: طبع ليدن سنة 1899. # مقالات الإسلاميين للأشعري. # المقفى الكبير للمقريزي: نسخة خطية بالمكتبة الأهلية بباريس رقم ~~2144. # الملل والنحل للشهرستاني: طبع القاهرة. # معجم الأدباء لياقوت: طبع فريد رفاعي. # معجم البلدان لياقوت. # مقولات الهند للبيروني. # المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار للمقريزي: طبع القاهرة. # النجوم الزاهرة لابن تغري بردي: طبع دار الكتب المصرية. # نظرية المثل والممثول للدكتور محمد كامل حسين: طبع القاهرة سنة ~~1948. # نقد العلم والعلماء لابن الجوزي: طبع القاهرة. # النكت العصرية لعمارة اليمني: طبع سالون سنة 18. # نهاية الأرب للنويري: نسخة خطية بالمكتبة الأهلية بباريس. # الهداية الآمرية تحقيق الأستاذ آصف فيظي: نشر جمعية الدراسات الإسلامية ~~بالهند. # الهمة في آداب اتباع الأئمة، تحقيق محمد كامل حسين: من سلسلة مخطوطات ~~الفاطميين، طبع دار الفكر العربي. # وفيات الأعيان لابن خلكان: طبع القاهرة. # الولاة والقضاة للكندي: طبع بيروت سنة 1908. # يتيمة الدهر للثعالبي: طبع بيروت. # | المصادر والمراجع الإفرنجية # Asaf A. A. Fyzee # A Chronological List of the Imams and Da’is. (J. B. B. ~~R. A. S. 1934). # Isma’ilia Law and Its Founder. # Materials For an Ismaili. bibliography. (J. B. B. R. A. ~~S. Vol. 11, 1935). # Qadi un. Nu'mans. (J. R. A. S. 1934). # Guyard (M. S.) # Fragments relatifs à la doctrine des Isamilis, ~~(paris). # De Goeje # Mémoires sur les Carmathes du Bahrain et les Fatimide. ~~(1886). # Hamadany (H. F.) # The History of the Isma’ili da’wat and its literature ~~during the last phase of the Fatimid. (J. R. A. S. ~~1932). # Ivanow, (W.) # A. Guide to Ismaili Literature. (London ~~1933). # The Organisation of the Fatimid Propaganda. (J. B. B. R. ~~A. 3.1939). # The Greed of the Fatimids (Bombay 1936). # Ismailis and Qarmatians (J. B. B. R. A. S. ~~1940). # The Rise of the Fatimids (Bombay 1942). # Lewis, (R.) # The Origins of Isma’ilism (1940). # Massignon (L.) # Salmam Pak (S. E. I.) Paris 1934. # Esquisse d’une bibligraphic Qarmate, ~~1922. # O’Leary # A short History of the ms314 Fatimids Khalifafe ~~1923. # Quatremere, (N.) # Mémoire Historiques sur la Dynastic des khalifs Fatimid ~~(J. A. 1836). ms315