######OpenITI# #META# URI: 1380MuhammadKamilHusayn.TashayyucFiShicrMisri.Hindawi42972626 #META# Tags: literary.criticism #META# ID: 42972626 #META# Title: التشيع في الشعر المصري في عصر الأيوبيين والمماليك #META# AuthorID: 40602736 #META# Author: محمد كامل حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # لمحة عن التشيع في مصر إلى سقوط الدولة الفاطمية‏ # التشيع بعد الفاطميين‏ # شعر المتشيعين‏ # أثر الفاطميين في شعر أهل السنة‏ # لمحة عن التشيع في مصر إلى سقوط الدولة الفاطمية‏ # التشيع بعد الفاطميين‏ # شعر المتشيعين‏ # أثر الفاطميين في شعر أهل السنة‏ # | التشيع في الشعر المصري في عصر الأيوبيين والمماليك # | التشيع في الشعر المصري في عصر الأيوبيين والمماليك # تأليف # محمد كامل حسين # | لمحة عن التشيع في مصر إلى سقوط الدولة الفاطمية # في بحث لنا تتبعنا فكرة التشيع في مصر الإسلامية حتى دخل الفاطميون مصر سنة 357ه، # 1 # وتلخص هذه الفكرة: في أن أكثر مسلمي مصر في هذا العهد كانوا على مذهب أهل ~~السنة والجماعة، وأن قليلا منهم كانوا يدينون بالتشيع، ولكن هؤلاء الشيعة من المصريين لم ~~يشتركوا اشتراكا إيجابيا في حركات فرق الشيعة التي ظهرت في الأقطار الإسلامية الأخرى؛ إذ ~~لم يذكر مؤرخو مصر شيئا عن صدى حركات الشيعة في مصر سوى حركة محمد النفس الزكية سنة 144ه، ~~ولكن هذه الحركة سرعان ما خمد أوارها، ولم تظهر لها في مصر نتائج سياسية، أو مذهبية. ولم ~~يكن للمصريين في هذا العصر رأي شيعي خاص بهم، ولم تظهر لهم فلسفة شيعية مثل هذه الفلسفات ~~التي نراها عند فرق الشيعة في العراق وفارس والشام، إنما كان التشيع في مصر يكاد ينحصر في ~~حب أهل البيت، وهذا رأي كثير من المسلمين غير المتطرفين، فعلماء أهل السنة في مصر وفي غير ~~مصر كانوا يحبون أهل البيت، وعندنا الشافعي والنسائي المحدث وغيرهما دليل على ذلك، بل من ~~العلماء من كان يفضل علي بن أبي طالب على الشيخين، وفي مصر كان محمد بن عبد الله بن عبد ~~الحكم رئيس المدرسة المالكية وابن الحداد القاضي وغيرهما كانوا يفضلون عليا على أبي بكر وعمر. # 2 # ومع ذلك لم ينحرف هؤلاء الأعلام عن مذهب أهل السنة والجماعة. # وهكذا عاش المصريون بعيدين عن التيارات والمعتقدات الشيعية التي كثرت في غير مصر من ~~البلدان، حتى ظهر عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية في بلاد ms01 المغرب سنة 296ه، وكانت ~~دعوته دخلت مصر من قبل على أيدي بعض دعاته من أمثال فيروز، وأبي علي، وأبي جعفر بن نصر وغيرهم، # 3 # واعتنق بعض المصريين هذه الدعوة سرا وكاتبوا المهدي لفتح مصر، فأرسل المهدي ~~هذه الحملات المتعددة التي ذكرها المؤرخون، وكان قواد هذه الحملات يكاتبون إخوانهم من ~~المصريين لتأييدهم والعمل على نجاح حملاتهم، وحفظ عريب بن سعد مقطوعة شعرية من قول أبي ~~القاسم بن المهدي (القائم بأمر الله الخليفة الفاطمي الثاني) يخاطب بها جماعة من المصريين ~~الذين استجابوا لدعوة الفاطميين، # 4 # ومع ذلك لم يذكر المؤرخون شيئا عن تحرك المصريين لتأييد حملات الفاطميين، ولم ~~نعرف أن عقائد الفاطميين انتشرت في مصر انتشارا كان له أثر في الحياة الفكرية، فقد ظل ~~أكثر المصريين على مذهب أهل السنة والجماعة يختلفون فيما بينهم بين آراء مالك والشافعي، ~~وقل أن نجد بينهم من كان على مذهب أبي حنيفة، أو من يقول بمقالات المعتزلة، أو ~~الشيعة. # ولما فتح جوهر الكاتب أحد قواد المعز لدين الله الفاطمي مصر سنة 358ه كتب أمانا ~~للمصريين، ونص على أن يترك للمصريين حريتهم في اختيار العقيدة التي يرضونها لأنفسهم، وأن ~~لا يحملهم كرها على تغيير مذهبهم أو دينهم الذي دانوا الله به، # 5 # ولكن الفاطميين لم يحترموا هذا الأمان، فقد قامت دولتهم على أساس عقيدتهم ~~المذهبية، فكان من الطبيعي أن يعملوا على صبغ البلاد التي تخضع لحكمهم بهذه الصبغة المذهبية ~~التي تمايزوا بها، فلا غرابة أن رأينا دعاتهم ينشطون في كل البلاد وفي كل المجتمعات، ~~يكالبون أصحاب المذاهب الأخرى، ويعقدون مجالس الحكمة التأويلية، ويأخذون العهد على كل ~~مستجيب، واتخذوا للدعوة لمذهبهم وسائل وتدابير مختلفة، فاستجاب كثير من المصريين إلى دعوتهم ~~وعقيدتهم، وظل بعض المصريين على عقيدته ومذهبه، ولكن عقائد الفاطميين شغلت أذهان المصريين ~~طوال الحكم الفاطمي حتى تأثر بها المصريون جميعا، سواء من دخل منهم في الدعوة أو من ظل ~~متمسكا بمذهب أهل السنة والجماعة، حتى خيل إلى كثير من الباحثين أن المصريين جميعا ~~أصبحوا يتمذهبون بعقيدة الفاطميين ms02 ويتبعون التقاليد الفاطمية، أي أن مصر قد طبعت بطابع ~~العقائد الفاطمية طوال السنين التي خضعت فيها لحكم الفاطميين. # وبالرغم من أن نفوذ العقائد الفاطمية كان متغلغلا في مصر، فإن هناك عدة عوامل عملت على ~~إضعاف هذه العقيدة في نفوس المصريين، ولعلنا لا نغالي إذا قلنا إن هذا الضعف بدأ في عهد ~~الحاكم بأمر الله (المتوفى حوالي سنة 411ه)، ولا سيما بعد أن وفد على مصر دعاة تأليه الحاكم ~~أمثال الدرزي، وحمزة، والأخرم الفرغاني، # 6 # ونحن نعلم أن المصريين ثاروا على هؤلاء الدعاة، وقتلوا الأخرم سنة 408ه، وأن ~~الدرزي وحمزة هربا، وأن الحاكم انتقم من المصريين فحرق الفسطاط، وقتل عددا كبيرا من ~~المصريين، وكانت خاتمة حياة الحاكم نهاية لهذه الدعوة الإلحادية الجريئة في مصر، ولكن كان ~~من نتائجها أن بدأ الناس يشكون في عقيدة الفاطميين وفي كل ما قاله الدعاة عن الإمامة ~~والأئمة، وظهرت هذه النتيجة بشكل لافت في عهد المستنصر بالله 427-487ه ولا سيما في تلك ~~السنوات من حكمه التي ضعفت فيها الحياة الاقتصادية وبلغت درجة من الانحطاط جعلت الناس لا ~~يرعون للإمام حرمة ولا للعقيدة وزنا، فضعفت ثقة المصريين في عقيدة الإمام المعصوم وأنه ~~الواسطة بين الله والخلق، وفي عقيدة النص على ولاية العهد، وهي العقيدة التي كانت أساس مذهب ~~الإسماعيلية وسببا في انقسام الشيعة الإمامية إلى إسماعيلية وموسوية، فتهاون المصريون بهذه ~~العقيدة مما سهل الأمر للأفضل بن بدر الجمالي في تحويل الإمامة بعد المستنصر إلى ~~المستعلي، وحرم منها صاحب النص نزار بن المستنصر، فانقسمت الدعوة إلى فرعين رئيسيين هما: ~~الإسماعيلية النزارية، التي عرفت بالإسماعيلية الشرقية أحيانا، وبالإسماعيلية الحشيشية ~~أحيانا أخرى، ويعرفون الآن بالخوجة أو الأغاخانية، وإمامهم الآن هو أغا خان المعروف. ~~والفرع الآخر هو الإسماعيلية المستعلية، أو الإسماعيلية الغربية وهي التي ظلت في مصر ~~واليمن، فكان هذا الانفصال من عوامل ضعف العقيدة وزعزعتها من نفوس المصريين. أضف إلى ذلك ~~أنه لما قتل الآمر بأحكام الله سنة 524ه ولم يكن له ولد، ذهب الصليحيون أصحاب الدعوة في ~~اليمن إلى ms03 أن الآمر لما قتل كانت إحدى جهاته حاملا، وأنها أنجبت ولدا له هو الطيب بن ~~الآمر، وأن الإمامة للطيب هذا، وأنه دخل الستر وجعل الملكة الحرة الصليحية حجته وصاحبة ~~الستر عليه، فوجد بذلك فرع جديد للإسماعيلية، وعرفت هذه الدعوة بالدعوة الطيبية ولا تزال ~~تعرف بهذا الاسم إلى اليوم، وأتباع هذه الدعوة يعرفون الآن بالبهرة، وداعيهم المطلق هو ~~طاهر سيف الدين، وإمامهم من نسل الطيب بن الآمر لا يزال في دور الستر، أما في مصر فلم يعترف ~~المصريون بشيء اسمه الطيب بن الآمر، وأقيم عبد المجيد بن محمد بن المستنصر المعروف بالحافظ ~~لدين الله كفيلا للإمام المنتظر في أول الأمر، ثم اعترف بإمامته بعد ذلك، فكان الاعتراف ~~بإمامته خارجا عن أسس الإمامة عند الإسماعيلية؛ إذ الإمامة عندهم لا تكون إلا في الأعقاب، # 7 # وأن الإمام ينص على حجته وولي عهده من أبنائه، ولا تنتقل الإمامة من أخ إلى ~~أخ، بل لا بد أن تكون من أب إلى ابن، والحافظ لم يكن ابنا لإمام فليس له حق في الإمامة، ~~ومع ذلك اعترف به المصريون إماما لهم تهاونا منهم بالعقيدة الإسماعيلية، مما أدى إلى ~~زيادة استخفافهم بالفاطميين وعقائدهم، وإلى تزعزعها من نفوس كثير ممن استجابوا لها من ~~المصريين. # وبلغ التهاون حدا بعيدا حين نرى الوزير الفاطمي أبا الحسن بن السلار المنعوت بالملك ~~العادل سيف الدين الذي تولى الوزارة للظافر سنة 544ه، يتظاهر بالتسنن على مذهب الشافعي، ~~ولما وصل الحافظ أبو طاهر أحمد السلفي إلى الإسكندرية واتخذها دار مقامه، احتفى به العادل ~~ابن السلار، وعمر له هناك مدرسة فوض تدريسها إليه، ولم يكن للشافعيين بالإسكندرية سواها # 8 # وهو عمل لا يقدم عليه الوزير إلا إذا كان على ثقة تامة أن أتباع العقيدة ~~الفاطمية لا يستطيعون مقاومته؛ وذلك لضعفهم، ولتزعزع العقيدة من نفوس أكثر المصريين، وهناك ~~قصة عمارة اليمني مع سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء صهر الملك الصالح طلائع بن رزيك، وهي ~~إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الشك في العقيدة الفاطمية ms04 دب في نفس سيف الدين، # 9 # وقصة أخرى ذكرها عمارة أيضا ترينا كيف كان الداعي ابن عبد القوي والوزير شاور ~~وابنه الكامل يفكرون في تسيير الدعوة لولدي صاحب عدن ونقل مركز الدعوة إلى عدن، فاستشاروا ~~عمارة في ذلك، فقال: «إن أهل اليمن إنما يبعثون لكم الهدايا، والتحف، والنجاوي، ويتولونكم ~~لأجل الدعوة: فإذا تبرعتم بها فقد هونتم حرمتها.» # 10 # فهذه كلها أدلة نسوقها على ما نذهب إليه عن مدى ضعف العقيدة في نفوس أكثر ~~المصريين في أواخر أيام الفاطميين، حتى في نفوس بعض الدعاة وكبار رجال الدولة. # | التشيع بعد الفاطميين # ومع هذا الضعف الذي حل بمذهب الفاطميين في مصر، فقد كان مظهر التشيع واضحا بين بعض ~~المصريين، وليس أدل على ذلك من تلك الصورة القوية التي رسمها القاضي الفاضل في إحدى ~~رسائله، يصور فيها مدى تظاهر المصريين بالتشيع وبالتقاليد الفاطمية، فقد قال: # إن كلمة السنة بها وإن كانت مجموعة فإنها مقموعة، وأحكام الشريعة وإن كانت مسماة ~~فإنها متحاماة، وتلك البدع بها على ما يعلم، وتلك الضلالات فيها على ما يفتى فيه ~~بفراق الإسلام ويحكم، وذلك المذهب قد خالط من أهله اللحم والدم، وتلك الأنصاب قد ~~نصبت آلهة تعبد من دون الله وتعظم وتفخم، فتعالى الله عن شبه العباد، وويل ~~لمن غره تقلب الذين كفروا في البلاد ... ووصلنا البلاد، وبها أجناد عددهم كثير ~~وسوادهم كبير، وأموالهم واسعة، وكلمتهم جامعة، وهم على حرب الإسلام أقدر منهم على ~~حرب الكفر، والحيلة في السر فيهم أنفذ من العزيمة في الجهر، وبها راجل من ~~السودان يزيد على مائة ألف كلهم أغنام أعجام، إن هم إلا كالأنعام لا يعرفون ربا ~~إلا ساكن قصره، ولا قبلة إلا ما يتوجهون إليه من ركنه وامتثال أمره، وبها عسكر من ~~الأرمن باقون على النصرانية موضوعة عنهم الجزية، كانت لهم شوكة وشكة وحمة ~~وحمية، ولهم حواش لقصورهم من بين داع تتلطف في الضلال مداخله، وتصيب القلوب ~~مخاتله، ومن بين كتاب تفعل أقلامهم أفعال الأسل، وخدام يجمعون إلى سواد الوجوه ~~سواد النحل، ودولة ms05 قد كبر نملها الصغير، ولم يعرف فيها غير الكبير، ومهابة تمنع ما ~~يكنه الضمير، فكيف بخطوات التدبير، هذا إلى استباحة للمحارم ظاهرة، وتعطيل ~~للفرائض على عادة جارية جائرة، وتحريف للشريعة بالتأويل، وعدول إلى غير مراد ~~الله بالتنزيل، وكفر سمي بغير اسمه، وشرع يتستر به ويحكم بغير حكمه، فما زلنا ~~نسحتهم سحت المبارد للشفار، ونتحيفهم تحيف الليل والنهار، بعجائب تدبير لا ~~تحملها المساطير، وغرائب تقدير لا تحملها الأساطير، ولطيف توصل، ما كان من صلة ~~البشر ولا قدرتهم لولا إعانة المقادير ... # 1 # هذه صورة لحالة الدعوة الفاطمية في مصر حين قام صلاح الدين الأيوبي بمحوها من البلاد، ~~رسم هذه الصورة رجل عاش في بلاط الفاطميين في أواخر أيامهم، فقد كان كاتبا من كتابهم، ~~مطلعا على أسرارهم، ثم انقلب عليهم، واستوزر لصلاح الدين فكان عضده الأيمن في القضاء على ~~الفاطميين، ولسنا في مجال الحديث عن القاضي الفاضل، وإنما الذي يهمنا في وصفه أن ~~العقيدة الإسماعيلية قد خالطت من المصريين اللحم والدم، وأنه دبر تدابير مختلفة للقضاء ~~على الفاطميين، وكان نجاحه من المقادير، والذي يقرأ هذه الرسالة للقاضي الفاضل يروعه وصف ~~القاضي الفاضل بتغلغل العقيدة الفاطمية في المصريين، بينما نذهب نحن إلى أن العقيدة ضعفت ~~عند المصريين، فالقاضي الفاضل قد وصف القصر والحاشية من كبار رجال الدولة من دعاة وكتاب، ~~وهؤلاء بحكم صلتهم بالإمام الفاطمي كانوا على نحو ما ذكره القاضي الفاضل، ثم إن القاضي ~~الفاضل قد بالغ في تصويره هذا ليضفي على ما قام به صلاح الدين الأيوبي من تقويض أركان ~~الدولة الفاطمية قيمة وخطرا، ولم يتحدث القاضي الفاضل عن الشعب نفسه، فالشعب المصري كان ~~موزع الهوى بين هذه التقاليد الفاطمية التي ورثها عن قرنين من الزمان، وبين ما طرأ على ~~هذه العقيدة الفاطمية من ضعف؛ لهذا تحول عدد من شيعة مصر إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وبقي ~~عدد آخر على تشيعه وتأثره بالفاطميين، ولا سبيل لصلاح الدين الأيوبي ولا لغير صلاح الدين ~~إلى انتزاع عقيدة من العقائد بحد السيف، أو بالتدابير التي ms06 أشار إليها القاضي الفاضل في ~~رسالته السابقة، فليس من السهل اليسير أن يقتلع دين من الأديان بمجرد تغيير النظام ~~السياسي في بلد من البلاد، إنما يحتاج التغيير إلى سنوات عديدة، وإلى تدابير ليست هي من ~~تدابير القوة والبطش فحسب، وإذا نظرنا إلى الذين استجابوا لصلاح الدين وناصروه فسنجد أن ~~جلهم بين هؤلاء الذين لم يعتنقوا المذهب الإسماعيلي، ولم يتحولوا عن عقيدتهم، عقيدة أهل ~~السنة والجماعة، وثبتوا أمام دعاة الإسماعيلية وسلطان أئمتهم، وبين هؤلاء الذين استجابوا ~~إلى مذهب الإسماعيلية، ولكن ضعفت عقيدتهم من نفوسهم؛ لما رأوا أن القائمين على هذه العقيدة ~~انحرفوا عنها، ولم يعملوا بأصولها ولا بفروعها، فتحول هؤلاء عن إسماعيليتهم وهم مطمئنون بعد ~~أن دب الشك في نفوسهم، وفريق ثالث من الذين ساعدوا صلاح الدين في قطع الخطبة للفاطميين ~~وتحويلها إلى العباسيين هم هؤلاء الذين يعرفون بأنهم يأكلون على كل الموائد، ولا يعملون إلا ~~لأنفسهم، ويحاولون الإفادة من كل تغيير، فهم أتباع كل جديد لا لشيء سوى الإفادة من النظم ~~الجديدة، فكثير من رجال الدولة الفاطمية أصبحوا من ألد أعدائها في عصر الأيوبيين، ومن ~~هؤلاء القاضي الفاضل نفسه، والقاضي ابن سناء الملك، والقاضي ابن الزبير وابنا القاضي الجليس ~~ابن الحباب وغيرهم. أما الشعب ولا سيما طبقة الجهال فقد ظلوا على إسماعيليتهم. # هكذا انقسم المصريون بين مؤيد لصلاح الدين وحركته في إبادة التشيع من مصر، وبين مستمسك ~~بتشيعه يندب أيام الفاطميين ويبكي على أئمته، وقد حاول هؤلاء مرارا أن يعيدوا الخلافة ~~الفاطمية، فكان يظهر من حين لآخر من كان يدعو في البلاد إلى الفاطميين فيلتف الناس حوله، ~~وتخف جنود الأيوبيين للقضاء على حركته، فمن ذلك ما كان في سنة 569ه إذ قام بعض رجال الدولة ~~الفاطمية برياسة هبة الله بن كامل قاضي القضاة، وداعي الدعاة بحركة لإعادة ملك الفاطميين في ~~مصر، وأسهم في هذه الحركة عمارة اليمني بالرغم من تسننه، والداعي عبد الجبار بن إسماعيل بن ~~عبد القوي وغيرهما، وامتدت هذه الثورة إلى حد أنهم كاتبوا الصليبيين وشيخ الجبل «راشد ms07 الدين ~~سنان» زعيم الإسماعيلية النزارية في الشام، ولكن هذه الحركة فشلت وقبض على رؤسائها وقتلوا ~~صلبا، كذلك نقول عن حركة الداعي قديد القفاص بالإسكندرية، وهي الحركة التي وصفها القاضي ~~الفاضل في إحدى رسائله بقوله: «وما يطرف به المولى أن ثغر الإسكندرية على عموم مذهب السنة ~~فيه، أطلع البحث أن فيه داعية خبيثا أمره، محتقرا شخصه، عظيما كفره، يسمى قديد القفاص، ~~وأن المذكور مع خموله في الديار المصرية قد فشت في الشام دعوته، وطبقت عقول أهل مصر فتنته، ~~وأن أرباب المعايش فيه يحملون جزءا من كسبهم، والنسوان يبعثن إليه شطرا وافيا من ~~أموالهن. ووجدت في منزله بالإسكندرية عند القبض له والهجوم عليه كتب مجردة فيها خلع العذار ~~وصريح الكفر الذي ما عنه اعتذار، ورقاع يخاطب بها، فيها ما تقشعر منه الجلود، وبالجملة فقد ~~الإسلام أمره، وحاق به مكره وصرعه كفره.» # 2 # ونذكر ثورة كنز الدولة بن المتوج أمير أسوان الذي جمع حوله عددا كبيرا من السودان وحاول ~~أن يعيد الأمر للفاطميين، فتقدم بجنوده حتى بلغ مدينة قوس، فسار إليه الملك العادل أخو صلاح ~~الدين في جيش كثيف سنة 570ه فهزم كنز الدولة وهرب رجاله إلى بلاد النوبة، # 3 # فطاردهم العادل وشتت شملهم، فاستقروا في السودان ولم يعودوا إلى إقليم أسوان ~~إلا بعد سنة 790ه. # 4 # وكان ابن المتوج مقصد الشعراء في عصره، اتصل به عدد كبير، نذكر منهم أحمد بن ~~محمد الأسواني الفقيه البولاقي، # 5 # وعبد الله بن أحمد بن سلامة الفقيه، # 6 # وسهل الأسواني، # 7 # وعبد الله بن محمد بن زريق، # 8 # وغيرهم من الشعراء ذكرهم الأدفوي في كتابه الطالع السعيد، ومع ذلك لم تصلنا ~~أشعارهم التي أنشدوها في ثورته ضد الأيوبيين التي أراد بها إعادة الدولة الفاطمية، ولكن ~~وصلتنا رسالة بقلم القاضي الفاضل في ذكر انتصار جيوش الأيوبيين وفتح بعض بلاد النوبة أرسلها ~~إلى الخليفة المستضيء العباسي عن صلاح الدين، ونجد هذه الرسالة في صبح الأعشى، # 9 # فليرجع إليها الباحثون. # ويروي ابن الأثير أن جماعة من الشيعة في مصر ms08 ثاروا سنة 584ه بالقاهرة ونادوا ليلا بشعار ~~الشيعة: يا آل علي، يا آل علي، وسلكوا الدروب ينادون الناس، ظنا منهم أن أهل البلد يلبون ~~دعوتهم ويخرجون معهم لإعادة الدولة العلوية، وإخراج من كان محبوسا في القصر من أسرة ~~الفاطميين، ولكن لم يلتفت أحد من المصريين إليهم ولا أعارهم سمعه، فلما رأوا ذلك تفرقوا ثم ~~أخذوا، وكتب بذلك إلى صلاح الدين فأهمه أمرهم وأزعجه. # 10 # وفي أواخر القرن السابع في سنة 697 ظهر شخص في الصعيد ادعى أنه داود بن العاضد الفاطمي، ~~ودعى لنفسه فاستجاب له عدد كبير من أهل الصعيد، ومدحه بعض الشعراء على نحو ما سنذكر بعد، ~~ولكن حركته فشلت. # نتبين من ذلك أن الأيوبيين لم يستطيعوا أن ينتزعوا العقيدة الفاطمية الإسماعيلية من نفوس ~~جميع المصريين دفعة واحدة، وأن التشيع ظل في مصر بعد زوال الدولة الفاطمية، وكان بعض ~~المصريين يحنون إلى عهد الفاطميين، ويذهب صاحب الطالع السعيد إلى أن بلادا بأكملها في ~~مصر كانت تدين بالتشيع حتى القرن الثامن من قرون الهجرة، ففي حديثه عن أدفو قال: «كان ~~التشيع بها فاشيا، وأهلها طائفتان الإسماعيلية والإمامية، ثم ضعف حتى لا يكاد يتميز به إلا ~~أشخاص قليلة.» # 11 # ويقول عن أسفون: «بلدة معروفة بالتشيع البشع، لكنه خف بها وقل.» # 12 # وعن إسنا قال: «وكان التشيع بها فاشيا، والرفض بها ماشيا فجف حتى خف.» # 13 # وفي حديثه عن بهاء الدين القفطي هبة الله بن عبد الله ابن سيد الكل حاكم إسنا ~~ومدرس مدرستها المتوفى سنة 697ه قال: «إنه فتح إسنا، فإنه كان بها التشيع، فما زال يجتهد في ~~إخماده وإقامة الأدلة على بطلانه وصنف في ذلك كتابا سماه «النصائح المفترضة في فضائح ~~الرفضة» وهموا بقتله فحماه الله منهم.» # 14 # وفي حديثه عن ابن دقيق العميد المتوفى سنة 667ه قال: «أتى إلى الصعيد في طالع ~~لأهله سعيد، فتمت عليهم بركاته، وعمتهم علومه ودعواته، وكان مذهب الشيعة فاشيا في ذلك ~~الإقليم؛ فأجرى مذهب السنة على أسلوب حكيم، وزال الرفض وانجاب، وثبت الحق حتى ms09 لم يبق فيه شك ~~ولا ارتياب.» # 15 # وحفظ أسماء عدد من العلماء والأدباء من رجال القرنين السابع والثامن من قرون الهجرة كانوا ~~يدينون بالتشيع، نذكر منهم عبد القادر بن مهذب الأدفوي - ابن عم صاحب الطالع السعيد - وقيل ~~أنه رحل إلى قوص للاشتغال بالفقه فحفظ أكثر التنبيه، وكان إسماعيلي المذهب مشتغلا بكتاب ~~الدعائم تصنيف القاضي النعمان بن محمد متفقها فيه، وكان فيلسوفا يقرأ الفلسفة ويحفظ من ~~كتاب زجر النفس وكتاب أثولوجيا وكتاب التفاحة المنسوب إلى أرسطو كثيرا وتوفي سنة 725ه، # 16 # وكان عبد الملك بن الأغر بن عمران الذي أخذ النحو والأدب عن الشمسي الرومي ~~متهما بالتشيع مشهورا به وتوفي سنة 707ه، # 17 # وأن الشاعر المحدث محمد بن محمد بن عيسى الشيباني النصيبيني كان متشيعا. # 18 # أما القاضي جلال الدين الحسن بن منصور المعروف بابن شواق المتوفى سنة 706ه فقد ~~كان يتشيع ويدرس مذهب الشيعة، ثم قبض عليه ورحل إلى القاهرة بعد أن صودرت أمواله، # 19 # ويذكر ابن حجر أن علي بن المظفر بن إبراهيم الوادعي الكندي المتوفى سنة 716ه ~~وكان كاتبا في ديوان الإنشاء كان يتشيع. # 20 # ويطول بنا الأمر لو حصرنا في هذا البحث القصير من كان يعرف بالتشيع من علماء وأدباء مصر ~~في عصر الأيوبيين والمماليك، وهذا يدل على أن العقيدة الشيعية لم تقتلع من نفوس ~~المصريين جميعا، بل ظلت عقيدة بعض المصريين بالرغم مما أصاب الشيعة في مصر في ذلك العصر ~~من ألوان الاضطهاد، وبالرغم مما قام به علماء جمهور أهل السنة والجماعة من جهود متواصلة في ~~تعليم المصريين علومهم وآراءهم بفضل تلك المدارس المذهبية السنية التي انتشرت في مصر ~~انتشارا عظيما، فكانت هذه المدارس هي السبب الأول في تحول الشيعة في مصر إلى رأي الجماعة ~~والسنة، وسنبين ذلك في بحث مستقل إن شاء الله. # | شعر المتشيعين # كان بين بقايا الشيعة في مصر عدد كبير من الشعراء، حفظت بعض قصائدهم التي يظهر فيها أثر ~~العقيدة الشيعية التي دانوا بها، نذكر من هؤلاء الشعراء أبا العباس شهاب الدين ms10 أحمد بن عبد ~~الملك العزازي 710/634ه التاجر بقيسارية جهاركس بالقاهرة، # 1 # كان أديبا بارعا ولا سيما في نظم الموشحات، وكان يتشيع ويظهر تشيعه في شعره ~~فمن ذلك قوله: # إذا أنا لم أبت دامي الأماقي # عليه وداني الكمد القصي # وأمسي فيه ذا وسن ضنين # وأصبح فيه ذا شجن شجي # فلا سارت بقافية ركابي # ولا عادت بناجحة مطي # وإلا لا اعتقدت ولا علي # ولا أضمرت حب بني علي # أناس أدركوا أمد المعالي # ونالوا رتبة الشرف العلي # هم سحب الندى يوم العطايا # ويوم الفخر أقمار الندي # إذا كررت ذكرهم كأني # فتقت لطايم المسك الزكي # أبوهم ذو الجلالة من قريش # وذو النسب الصحيح من النبي # وناصر دينه سرا وجهرا # خلافا للفريق الجاهلي # وقاهر كل كفار عنيد # وقاتل كل جبار عتي # وضارب يوم صفين وبدر # أعالي هامة البطل الكمي # وكاشف كل مشكلة ولبس # وغامضة بلا حصر وعي # أللباغي عليهم يوم فخر # كأصلهم وفرعهم الزكي # أللساعي بهم نحو المنايا # كقدرهم ومجدهم العلي # أتقدر ظلمة الليل الدياجي # تغطي آية الصبح الجلي # ترى بعد الحسين يسوغ ماء # ويحلو مورد العيش الهني # وأية عيشة تحلو وتصفو # وقد جار العدو على الولي # لقد ظلموا وما حازو حقوقا # لفاطمة البتول ولا الوصي # بكم يا آل يس وطه # تحط خطية الجاني المسي # ويحظى بالشفاعة كل عاصي # ويسعد كل مجترم شقي # سلام الله والرضوان منه # عليكم في الغدو وفي العشي # 2 # فهذه المعاني التي وردت في هذه المقطوعة لا يمكن أن تصدر إلا من شاعر يعتنق التشيع له ~~دينا، فولايته لآل البيت، وإسباغ الفضائل عليهم، وشفاعته بهم، وحزنه على الحسين بن علي ~~وعلى من قتل من العلويين، كل هذه معان شيعية خالصة لا ينشدها إلا شاعر شيعي، ولكن ~~العزازي في هذه القصيدة وفي غيرها من قصائده الشيعية في ديوانه لم يلم بالمعاني الفلسفية ~~الشيعية التي كنا نراها عند شعراء الفاطميين، بل اكتفى بإيراد المعاني الشيعية العامة التي ~~يقول بها كل فرق الشيعة غير المتطرفة على اختلاف مذاهبهم؛ ولذلك صار من الصعب علينا أن ms11 ~~نتعرف الفرقة الشيعية التي كان ينتمي إليها العزازي. # وكذلك نقول عن الشاعر ابن شواق الإسنائي جلال الدين الحسن ابن منصور الذي وصفه الأدفوي ~~بقوله: «رأيته وصحبته مدة، وكان رئيس الذات والصفات، حسن الأخلاق، كريما في نهاية المكرم ~~حليما له في الحلم علم، وقد ذكرنا كيف صودرت أمواله لتشيعه وأنه رحل إلى القاهرة، فاجتمع ~~بالصاحب تاج الدين محمد بن الصاحب فخر الدين، فأعجب هذا به وعرض عليه العمل في ديوان ~~الإنشاء فرفض، كان هذا الرجل يتشيع وكان تشيعه على النحو الذي كان عليه شيعة مصر قبل عصر ~~الفاطميين، أي حب الصحابة وتعظيمهم والاعتراف بفضلهم، إلا أنه كان يقدم علي بن أبي طالب عليهم.» # 3 # ومع ذلك كان هذا المتشيع شاعرا، وقد وصلتنا قصيدة له يمدح بها أهل البيت ~~ويصفهم بصفات هي أقرب ما يكون إلى الصفات التي يذكرها علماء الشيعة الإسماعيلية عن الأئمة، ~~فهو يقول: # كيف لا يحلو غرامي وافتضاحي # وأنا بين غبوق واصطباح # مع رشيق القد معسول اللما # أسمر فاق على سمر الرماح # جوهري الثغر ينحو عجبا # رفع المرضى لتعليل الصحاح # نصب الهجر على تمييزه # وابتدا بالصد جدا في مزاح # فلهذا صار أمري خبرا # شاع في الآفاق بالقول الصراح # يا أهيل الحي من نجد أعسى # تجبروا قلب أسير من جراح # لم خفضتم حال صب جازم # ما له نحو حماكم من براح # ليس يصغي قول واش سمعه # فعلى ماذا سمعتم قول لاح # ومحوتم اسمه من وصلكم # وهو في رسم هواكم غير ماح # فلئن أفرطتموا في هجره # ورأيتم بعده عين الصلاح # فهو راج لأولي آل العبا # معدن الإحسان طرا وللسماح # قلدوا أمرا عظيما شأنه # فهو في أعناقهم مثل الوشاح # أمناء الله في السر الذي # عجزت عن حمله أهل الصلاح # هم مصابيح الدجى عند السرى # وهم أسد الشرى عند الكفاح # تشرق الأنوار في ساحاتهم # ضوءها يربو على ضوء الصباح # أهل بيت الله إذ طهره # فجميع الرجس عنهم في انتزاح # آل طه لو شرحنا فضلهم # رجعت منا صدور في انشراح # أنتم أعلى وأغلى قيمة ms12 # من قريضي وثنائي وامتداحي # جدكم أشرف من داس الحصا # في مقام وغدو ورواح # وأبوكم بعده خير الورى # فارس الفرسان في يوم الكفاح # وارث الهادي النبي المصطفى # ما على من قال حقا من جناح # لو يقاس الناس جمعا بكم # لرجحتم جمعهم كل رجاح # يا بني الزهراء يرجو حسن # بكم الخلد مع الحور الصباح # قد أتاكم بمديح نظمه # كجمان الدر في جيد الرداح # فاسمعوا يا خير آل ذكركم # ينعش الأرواح مع مر الرياح # وعليكم صلوات الله ما # غشيت شمس الضحى كل الضواحي # وسرى ركب وغنى طائر # ألف النوح بتكرار النواح # 4 # فالشاعر في هذه القصيدة ألم ببعض عقائد الشيعة، فالأئمة قد قلدوا أمرا عظيما شأنه - ~~وهي مرتبة الإمامة - وأن الأئمة «أمناء الله في السر» أي في التعاليم الباطنية التي ائتمنوا ~~عليها والتي عجز عنها غيرهم، وضمن في شعره الآية القرآنية # إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا ~~. # 5 # وهي الآية التي ذهب الشيعة على أنها أنزلت في أهل البيت من نسل فاطمة بنت ~~الرسول. ثم ذكر أن عليا وصي النبي ووريثه، وهي العقيدة التي يتمايز بها الشيعة، بل هي ~~أساس التشيع، فهذه كلها معتقدات شيعية بها بعض التأثر بالمعتقدات الشيعية الإسماعيلية، مما ~~يدل على أن الشاعر قرأ كثيرا عن الشيعة وعقائدهم ودان بهذه العقائد، وتوفي هذا الشاعر سنة ~~706ه. # والشاعر الفقيه الشافعي محمد بن علي بن منجي المتوفى سنة 673ه لم يعرف عنه أنه تشيع، بل ~~اتجه في أواخر أيامه إلى التصوف، وبنى بأدفو رباطا ووقف عليه وقفا، # 6 # كان متأثرا بآراء الشيعة، ولا سيما في عقيدتهم، أن بولاية أهل البيت ينال ~~العفو في الآخرة، ففي قصيدته التي أولها: # حادياها خلياها وسراها # للحمى إن شئتما أن تسعداها # ختمها بقوله: # ولئن جرتم عليه في الهوى # وعدلتم نحو عذال عداها # فهو يرجو العفو يوم العرض عن # ما جناه بولاه آل طه # 7 # ولم تصلنا من أشعار هذا الفقيه الصوفي شيء في التشيع سوى هذا البيت الأخير، وإنما أوردناه ~~لندلل على أن ms13 أثر الشيعة كان قويا في نفوس بعض المصريين. # وقد ذكرنا أنه في سنة 697ه ظهرت حركة داود بن سليمان (ويقال ابن شعبان) بن العاضد، التي ~~دعا فيها لنفسه، وأن الناس اجتمعوا حوله، ومدحه الشعراء بمقطوعات تظهر فيها أثر عقائد ~~الفاطميين، من ذلك قول الشاعر إبراهيم بن محمد بن علي بن نوفل الإدفوي المتوفى سنة 735ه في ~~مدح داود هذا: # ظهر النور عند رفع الحجاب # فاستنار الوجود من كل باب # وأتانا البشير يخبر عنهم # ناطقا عنهم بفصل الخطاب # 8 # فالشاعر في هذين البيتين مدح داود بهذه الصفات التي أسبغها شعراء العصر الفاطمي على ~~الأئمة، متخذا المصطلحات الفاطمية الخالصة، «فظهور النور عند رفع الحجاب» هو ظهور الإمام ~~بعد استتاره، وفي البيت الثاني يشير إلى أن داعية الإمام - الذي عبر عنه بالبشير - جاءهم ~~بفصل الخطاب، وقد رأينا أن وظيفة الحجة في الدعوة الإسماعيلية هي فصل الخطاب، # 9 # فالشاعر كان يتحدث إذن كما كان يتحدث شعراء الفاطميين بالرغم من مرور قرن ونصف ~~تقريبا على زوال الدولة الفاطمية في مصر. # وعندما انتشرت دعوة داود هذا في بلدته أسفون أنشد الشاعر الماجن الهجاء قطنبة الأسفوني ~~- الحسين بن محمد بن هبة الله - مقطوعة شعبية في هجاء هذه الدعوة وهجاء دعاتها فقال: # حديث جرى يا مالك الرق واشتهر # بأسفون مأوى كل من ضل أو كفر # لهم منهم داع كتيس معمم # وحسبك من تيس تولى على بقر # ومن نحسهم لا أكثر الله منهم # يسبوا أبا بكر ولم يشتهوا عمر # فخذ مالهم لا تختش من مآلهم # فإن مآل الكافرين إلى سقر # 10 # فمن هذه المقطوعة الشعبية التي أنشدها قطنبة نستطيع أن نعرف أن الدعوة انتشرت بقوة في ~~بلدة أسفون، وكان لها دعاة يأخذون العهود والمواثيق، وأنهم كانوا يسبون الصحابة على نحو ما ~~كان يفعل الفاطميون، ويخيل إلي أن داود بن سليمان هذا ما هو إلا دعي، وأنه أحد دعاة ~~الإسماعيلية النزارية (الإسماعيلية الشرقية)، فإن من عقائد هذه الدعوة أن يتحمل الإمام ~~فرائض الدين عن المستجيبين وبذلك دعى داود هذا، # 11 ms14 # ولذلك لم تجد الدعوة قبولا عند أكثر المسلمين، وهجاه الشاعر علاء الدين ~~الأسفوني علي بن أحمد بن الحسين المتوفى سنة 731ه فقال: # ارجع ستلقى بعدها أهوالا # لا عشت تبلغ عندنا آمالا # يا من تجمع فيه كل نقيصة # فلأضربن بسيرك الأمثالا # وزعمت أنك للتكلف حامل # وكذا الحمار يحمل الأثقالا # 12 # فلا غرابة إذن أن نرى هذه الدعوة التي هي أقرب إلى دعوة القرامطة القديمة قد فشلت في مصر ~~سريعا ، وأن تنفر من داود ومن الذين استجابوا له قلوب سواد المصريين؛ ولذلك لم نعد نسمع عن ~~محاولات أخرى في مصر لإعادة الدعوة الفاطمية بعد محاولة داود هذا. # ومن الطرائف التي حدثت في النزاع بين أهل السنة والشيعة في هذا العصر ما سجله الشعر ~~فيما كان يحدث في عاشوراء، ففي هذا اليوم من كل عام كان الشيعة يقيمون مأتم الحسين بن علي ~~جريا على السنة التي كان يتبعها الشيعة في جميع البقاع الإسلامية، وتقليدا لما كان متبعا ~~في مصر الفاطمية، وكان الشعراء ينشدون أشعارهم في هذه المناسبة مثل ما أنشده العزازي في ~~قصيدته التي ذكرناها من قبل، ومثل قول الشاعر شهاب الدين أبي العباس أحمد بن صالح وقد وقع ~~مطر غزير في ذلك اليوم: # يوم عاشوراء جادت بالحيا # سحب تهطل بالدمع الهمول # عجبا! حتى السموات بكت # رزء مولاي الحسين بن البتول # 13 # ولكن أهل السنة أرادوا أن يكيدوا للشيعة، فكانوا يخرجون في هذا اليوم وقد كحلت أعينهم ~~وخضبت أيديهم، وفي ذلك يقول الشاعر المصري أبو الحسن الجزار: # وبعود عاشوراء يذكرني # رزء الحسين، فليت لم يعد # يا ليت عينا فيه قد كحلت # لشماتة لم تخل من رمد # ويدا به لمسرة خضبت # مقطوعة من زندها بيدي # أما وقد قتل الحسين به # فأبو الحسين أحق بالكمد # 14 # وأبو الحسين الجزار نفسه هو الذي داعب الشريف شهاب الدين ناظر الأهراء، فكتب إلى الشريف ~~ليلة عاشوراء عندما أخر عنه ما كان من جاريه: # قل لشهاب الدين ذي الفضل الندي # والسيد بن السيد بن السيد # أقسم بالفرد العلي الصمد ms15 # إن لم يبادر لنجاز موعدي # لأحضرن للهناء في غد # مكحل العينين مخضوب اليد # 15 # فالشاعر بمداعبته هذه أعطانا صورة لما كان يجري في ذلك العصر بين المتعصبين من أصحاب ~~المذهبين: المذهب السني الذين كانوا يخرجون ليلة عاشوراء للهناء، والمذهب الشيعي الذين ~~كانوا يخرجون للعزاء، ويخيل إلي أن عادة المصريين الآن ولا سيما في الأرياف بصنع أطباق ~~الحلوى المعروفة باسم عاشوراء، هي أثر من تراث هذا النزاع بين المذهبين في عصر الأيوبيين ~~والمماليك. # | أثر الفاطميين في شعر أهل السنة # وإذا تركنا هؤلاء الشيعة الذين أظهروا تشيعهم في أشعارهم، وصوروا لنا لونا من ألوان الفن ~~المتأثر بهذا المذهب الديني، فإننا نواجه ناحية هامة عند شعراء هذا العصر الذي نتحدث عنه، ~~تلك الناحية هي تأثر الشعراء بالآراء والصور التي تركها شعراء المدح في عصر الفاطميين، فنحن ~~نعلم أن الفاطميين جعلوا للأئمة صفات خاصة أخذت من صميم عقيدتهم ومذهبهم، # 1 # واستخدم جميع الشعراء الذين اتصلوا بالأئمة سبيل المدح بذكر هذه الصفات، # 2 # واستمر هذا الضرب من المديح طوال عصر الفاطميين في مصر، وبالرغم من أن الدولة ~~الفاطمية زالت على يد الأيوبيين، وأن الدعوة الفاطمية اضمحل أمرها فلم يعد الدعاة يقومون ~~بنشاطهم، فإن الشعراء استمروا في مديحهم في نفس التيار الذي رأيناه عند الفاطميين، بل خلعوا ~~على سلاطين الأيوبيين نفس الصفات التي خلعها الفاطميون على أئمتهم، بل غلا بعضهم في المدح ~~فنسب إلى السلاطين والخلفاء العباسيين ما لم ينسبه الفاطميون إلى أنفسهم، فابن سناء الملك ~~المتوفى سنة 608ه مدح صلاح الدين بقوله: # أعدت إلى مصر سياسة يوسف # وجددت فيها من سميك موسما # وأحييت فيها الدين بعد مماته # فأنت ابن يعقوب وأنت ابن مريما # بقيت إلى أن تملك الأرض كلها # ودمت إلى أن يرجع الكفر مسلما # 3 # فإذا كنا نقبل أن تكون المقارنة بين صلاح الدين ونبي الله يوسف لتشابههما في الاسم، فإننا ~~لا نقبل أن يكون صلاح الدين هو «ابن يعقوب» أو هو عيسى بن مريم؛ لأنه أحيا الدين بعد مماته، ~~إلا إذا كنا نتمذهب ms16 بالعقيدة الفاطمية التي تؤول الآيات القرآنية التي وردت في المسيح بأن ~~إحياء الموتى هو نشر الدين وإحياء النفوس حياة صحيحة بالعبادة العلمية، # 4 # أو أن نقول كما قال الفاطميون بالدور وانتقال النبوة والأئمة بالتسلسل ~~والتعاقب، وأن الخلف يرث دور السلف تماما ويحدث في أيامه ما حدث في أيام من سبقه، فإذا ~~بمحمد هو عيسى وهو موسى وهو نوح ... إلخ. # 5 # فقول ابن سناء الملك «فأنت ابن يعقوب وأنت ابن مريما» هو أثر من آثار العقائد ~~الفاطمية. # وفي قصيدة أخرى مدح هذا الشاعر صلاح الدين بقوله: # نصرت بأفلاك السماء فشهبها # خميس به يردي الخميس العرمرما # رقيت إلى أن لم تجد لك مرتقى # وأقدمت حتى لم تجد متقدما # فما يبرم المقدار ما كنت ناقضا # وما ينقض المقدار ما كنت مبرما # 6 # ففي البيت الأول يتحدث عن «أفلاك السماء» التي نصرت السلطان، وأفلاك السماء في التأويل ~~الفاطمي يعني الملائكة، وهم العقول في الاصطلاحات الفلسفية والإسماعيلية أيضا، # 7 # وفي البيت الثاني دفع الشاعر شدة المبالغة، والغلو في المديح إلى أن جعل صلاح ~~الدين في مرتبة ليس فوقها مرتبة، وهذا المعنى كثير جدا في شعر العصر الفاطمي؛ لأن الإمام ~~مثل للمبدع الأول الذي ليست فوقه مرتبة، # 8 # والبيت الثالث نفس معنى بيت ابن هانئ الأندلسي في مدح المعز لدين الله ~~الفاطمي: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار # فاحكم فأنت الواحد القهار # ثم اقرأ لابن سناء الملك أيضا قوله في مدح علي الشهيد نور الدين زنكي: # مولى الأنام «علي» هكذا نقلت # لنا الرواة حديثا غير مختلق # 9 # فالشاعر هنا نقل الحديث النبوي «من كنت مولاه فعلي مولاه» الذي قيل في علي بن أبي طالب ~~إلى علي الشهيد نور الدين، وتبع سنة شعراء الفاطميين الذين مدحوا الأئمة بأنهم موالي ~~الأنام. # ومرة أخرى يمدح صلاح الدين بقوله: # قد ملكت البلاد شرقا وغربا # وحويت الآفاق سهلا وحزنا # واغتدى الوصف عن علاك حسيرا # أي لفظ يقال أو أي معنى # ورأينا ربنا قال أطيعوه # سمعنا لربنا وأطعنا # 10 # وشعراء الفاطميون كانوا ms17 يضمنون في أشعارهم الآية القرآنية: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~، وقال ~~الدعاة: إن هذه الآية أنزلت في علي بن أبي طالب، فأخذ ابن سناء الملك هذا المعنى وأودعه ~~شعره، ولم يجعلها في الأئمة من أهل بيت علي بن أبي طالب إنما جعلها في صلاح الدين. # ولم يكتف ابن سناء الملك بأن يتأثر بهذه العقائد الفاطمية، ويتبع تيار الشعر الفاطمي في ~~مدحه لصلاح الدين الأيوبي أو نور الدين زنكي، بل نراه في مدائحه للقاضي الفاضل يأتي ~~بالمعاني التي كانت تقال للأئمة الفاطميين، ولها من عقائدهم سند، أما أن تقال للقاضي ~~الفاضل فهذا هو الأثر القوي على شعر ابن سناء الملك، فنحن نعلم أن الفاطميين وصفوا الأئمة ~~بأنهم رحمة للعالمين، # 11 # فجاء ابن سناء الملك، وقال للقاضي الفاضل: # عبد الرحيم على البرية رحمة # أمنت بصحبتها حلول عقابها # 12 # وقال الفاطميون إن قصر الإمام هو في العبادة العلمية (التأويل الباطن) هو الكعبة، وأن ~~الحج الباطن هو زيارة الإمام، # 13 # فقال ابن سناء الملك للقاضي الفاضل: # يا كعبة طاف الملوك بها # بل قبلة حج الأنام لها # 14 # وهكذا نستطيع بسهولة أن نتتبع أثر العقائد الفاطمية في شعر ابن سناء الملك وهو من شعراء ~~الدولة الأيوبية ومن كبار رجالاتها. # وها هو الشاعر الدمشقي ابن الساعاتي الذي وفد على مصر واتخذها دار إقامته، نراه قد تأثر ~~بما كان في مصر والشام من عقائد الفاطميين، ونهج نهج شعراء المدح في العصر الفاطمي، فنراه ~~يمدح الخليفة العباسي الناصر لدين الله بما كان يمدح به الأئمة فهو يقول مثلا: # فروع إلى العباس تنمى أصولها # وما خير فرع أسلمته أصول # هو النسب الزاكي أناف بفضله ~~«وصي» حوى سبق العلا ورسول # ترى اليوم طلقا حين يذكر «جعفر» # ويسمى إليه حمزة وعقيل # له شرف البيت العتيق وزمزم # وما ساقه حاد إليه عجول # وفضل الذبيحين الذي ما لفضله # نظير، وهل للنيرين عديل # علاه على السبع الشداد محله # ومجد قديم لا يرام أثيل # ففي كل يوم للملائكة العلى # طواف على أبياتكم ونزول ms18 # 15 # فهو يمدح الخليفة العباسي بأنه ينتسب إلى الرسول، والوصي علي بن أبي طالب، وجعفر بن أبي ~~طالب، وعقيل بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وهذا مدح شيعي خالص، لا يمدح به إلا الأئمة ~~من نسل علي بن أبي طالب، وفي البيت الرابع معنى من المعاني الفاطمية التي تؤول شعائر الحج ~~على أنهم الأئمة وقد شرفهم الله تعالى بذلك، # 16 # وفي البيت السادس يضمن عقيدة باطنية خالصة بأن جعل الخليفة العباسي فوق السبع ~~الشداد، أي في منزلة المبدع الأول (العقل الأول أو القلم)، وقد ذكرنا أن هذا المعنى لا ~~يمدح به إلا إمام إسماعيلي على نحو ما أوردناه في نظريتنا التي أطلقنا عليها (نظرية المثل ~~والممثول)؛ لأن الإمام في العالم الجسماني مثل العقل الأول الروحاني، ولكن ابن الساعاتي أتى ~~بهذا المعنى غلوا منه ومبالغة وتأثرا بما كان في العصر الفاطمي، وفي البيت الأخير جعل ~~الملائكة يطوفون ببيوت العباسيين، وهو معنى لم ينشد إلا في بلاط الخليفة الفاطمي، فإن ~~الفاطميين أولوا الملائكة وطوافهم ببيت الإمام على الدعاة، والحجج الذين يزورون الإمام ~~ويتجهون إليه؛ لأنه قبلة نفوسهم، وهكذا نرى شاعرا آخر من شعراء الأيوبيين يتأثر بالشعراء ~~الفاطميين. # أما الشاعر ابن النبيه المصري المتوفى سنة 619ه، فقد كان أجرأ شعراء مصر في الأخذ من ~~عقائد الفاطميين، وكان أشدهم مبالغة في مدحه للخليفة الناصر العباسي حتى إن القدماء أنفسهم ~~عابوا عليه هذه المبالغة، واتهموه في دينه، ولابن النبيه عذره، فقد وجد في عصر كانت عقائد ~~الفاطميين لا تزال ماثلة في أذهان الناس، وكان شعر شعراء الفاطميين لا يزال يروى بين ~~الناس، فسار ابن النبيه في تيار هؤلاء الشعراء وخيل له أنه يمدح إمام الفاطميين لا الإمام ~~العباسي عدو الفاطميين، بالرغم من أن الإمام الناصر العباسي نفسه كان متشيعا. # فانظر إلى ابن النبيه في إحدى قصائده في مدح الخليفة الناصر يقول: # بغداد مكتنا، وأحمد «أحمد» # حجوا إلى تلك المنازل واسجدوا # يا مذنبين، بها ضعوا أوزاركم # وتطهروا بترابها وتهجدوا # فهناك من جسد النبوة بضعة # بالوحي ms19 جبريل لها يتردد ~~«باب النجاة» «مدينة العلم» التي # ما زال كوكب هديها يتوقد # ما بين سدرته وسدة دسته # نبأ يقر له الكفور الملحد # هذا هو السر الذي بهر الورى # من ظهر آدم والملائك سجد # هذا «الصراط المستقيم» حقيقة # من زل عنه ففي الجحيم يقيد # هذا الذي يسقي العطاش بكفه # والحوض ممتنع الحمى لا يورد ~~«القائم المهدي» أنت بقيت للإس # لام تمهد تارة وتشيد # بعدا «لمنتظر» سواه، وقد بدت # منه البراهين التي لا تجحد # إن كان فوق الطور ناجى ربه # موسى، فبالمعراج أنتم أزيد # أو كان يوسف عبر الرؤيا، فكم # للغيب منكم مصدر أو مورد # الله أنزل وحيه لمحمد # وإليكم وصى بذاك محمد # الدهر في يده فجور مرسل # سبط وبأس مكفهر أجعد # يا من لمبغضه الجحيم قرارة # ولمن يواليه النعيم السرمد # لولا التقية كنت أول معشر # غالوا فقالوا: أنت رب يعبد # 17 # هذا ما أنشده ابن النبيه في الخليفة العباسي، وواضح كل الوضوح مدى غلو هذا الشاعر في ~~مدحه، هذا الغلو الذي لا أكاد أجد له مثيلا بين شعراء الفاطميين أنفسهم على ما وصفوا به ~~أئمتهم من صفات، وأسبغوا عليهم من نعوت، ولكن شعراء الفاطميين أتوا بهذه الصفات والنعوت من ~~العقيدة الفاطمية نفسها، ومن التأويلات الباطنية التي تمايز بها الفاطميون ولم يقرهم عليها ~~فرقة من فرق المسلمين، أما ابن النبيه وهو شاعر سني في ~~دولة أطاحت بالدولة الشيعية، وحاولت أن تمحو من البلاد العقيدة الشيعية، وكان يمدح الخليفة ~~العباسي، ثم يغلو هذا الغلو في المدح، فهذا هو الشيء الذي لم نكن نتوقعه في شعر المدح في ~~مصر في عصر الأيوبيين، والذين لهم إلمام بالعقائد الفاطمية يستطيعون في سهولة ويسر أن ~~يدركوا تأثر هذا الشاعر بالفاطميين، فالشطر الأول من البيت الأول هو نفسه رأي الفاطميين في ~~عقيدة الأدوار التي تحدثنا عنها من قبل، والحج في الشطر الثاني من البيت الأول، وكل البيت ~~الثاني هو نفسه رأي الفاطميين في الحج الباطني. # وعجيب أن يذهب الشاعر إلى أن الخليفة العباسي الناصر بضعة من جسد ms20 الرسول؛ لأنه ليس من ~~نسل الرسول، والحديث النبوي يقول: «فاطمة بضعة مني» ولكن مبالغة الشاعر، وغلوه في المدح جعل ~~الخليفة الناصر من أبناء فاطمة، مثله في ذلك مثل أئمة الشيعة. # ومثل ذلك قوله في قصيدة أخرى: # أهل بيت قد أذهب الله عنهم # كل رجس وطهروا تطهيرا # وكذلك قوله: «مدينة العلم» التي جعلها النبي لنفسه دون سواه فقال: «أنا مدينة العلم وعلي ~~بابها»، وشعراء الشيعة لم يذهبوا إلى أن عليا أو أحد أبنائه «مدينة العلم»، ولكن هذا ~~الشاعر السني أبى إلا أن يجعل الخليفة الناصر في مقام النبي نفسه. # أما قوله : «باب النجاة» فهو من أقوال شعراء الفاطميين، وكذلك قوله بعد ذلك إن الناصر هو ~~«الصراط المستقيم»، فهذا تأويل باطني خالص لا يقول به إلا شاعر إسماعيلي في مدح إمام إسماعيلي، # 18 # أما في قوله: هذا هو السر الذي بهر الورى ... البيت، فهو نفس ما قاله الفاطميون ~~عن مرتبة الاستيداع، (النبوة)، ومرتبة الاستقرار (الإمامة)، وتنقلهما منذ خلق آدم هذا الدور، # 19 # وهي نفس النظرية التي اعتنقها الصوفية في هذا العصر وهي نظرية «النور المحمدي»، ~~ويظهر تأثر ابن النبيه بالمصطلحات والعقائد الفاطمية ~~تأثرا واضحا في وصفه للخليفة العباسي بأنه «القائم المهدي»، فقوله هذا أخذ أخذا من ~~أقوال الفاطميين، وهو اصطلاح من مصطلحاتهم الخاصة الذي تمايزوا به عن الفرق الأخرى في وصف ~~«المهدي المنتظر» الذي هو عند الفاطميين آخر دور آدم الحالي «وخاتم السبع المثاني»، وهو عند ~~الفاطميين الناطق السابع وآخر النطقاء، فإذا كان الفاطميون قد انحرفوا عن الدين القويم بأن ~~جعلوا نبيا بعد محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن أسفنا أشد حين نجد شاعرا يتمذهب بمذهب أهل السنة ~~والجماعة، يصف خليفة عباسيا بهذه الصفة الفاطمية، وإذا كان أهل السنة يرون أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قبض ولم يوص لأحد بعده، خلافا لقول الشيعة الذين ذهبوا إلى أن النبي أوصى لعلي ~~يوم «غدير خم»، فإن الشاعر هنا جعل وصية محمد للعباسيين وهو قول لم نسمع به إلا من شعراء ~~مصر في عصر ms21 الأيوبيين. # ومن الصفات التي خلعها الفاطميون على علي بن أبي طالب أنه «قسيم الجنة والنار» أي أنه ~~يقسم الناس بين الجنة والنار، فمبغضه في النار ووليه في الجنة. # وفي ذلك قال المؤيد في الدين يمدح الإمام المستنصر الفاطمي: # بمولانا الإمام أبي تميم # هديت إلى الصراط المستقيم # قسيم النار مولانا معد # وجنات العلي وابن القسيم # فجاء ابن النبيه وجعل هذه الصفة للعباسيين، ويختم ابن النبيه هذه القصيدة بقوله، ولولا ~~تقاه لبلغ به غلوه إلى تأليه الخليفة العباسي، بينما لم يذهب إلى تأليه الأئمة الفاطميين ~~سوى الغلاة الذين طردوا من حظيرة الدعوة الفاطمية، ومن هؤلاء دعاة الحاكم، ولم يذهب شاعر ~~من شعراء الفاطميين إلى القول بهذه الدعوى، فنرى المؤيد في الدين مثلا يقول لإمامه: # لست دون المسيح سماه ربا # أهل شرك ولا نسميك ربا # وفي قصيدة أخرى لابن النبيه في مدح الخليفة العباسي الناصر لدين الله أيضا يقول: # خذ من زمانك ما أعطاك مغتنما # وأنت ناه لهذا الدهر آمره # فالعمر كالكأس تستحلى أوائله # لكنه ربما مجت أواخره # واجسر على فرص اللذات محتقرا # عظيم ذنبك إن الله غافره # فليس يخذل في يوم الحساب فتى # و«الناصر» ابن رسول الله ناصره # تجسد الحق في أثناء بردته # وتوجت باسمه العالي منابره # له على ستر سر الغيب مطلع # فما موارده إلا مصادره # يقضي بتفضيله سادات عترته # لو كان «صادقه» حيا «وباقره» # كل الصلاة خداج لا تمام لها # إذا تقضت ولم يذكره ذاكره # كل الكلام قصير عن مناقبه # إلا إذا نظم القرآن شاعره # رأيت ملكا كبيرا فوق سدته # جبريل داعيه أو ميكال زائره # 20 # فابن النبيه في هذه الأبيات يرى أن الخليفة الناصر من نسل رسول الله، وهو نفس الرأي الذي ~~قاله من قبل في قصيدته السابقة: # فهناك من جسد النبوة بضعة # بالوحي جبريل لها يتردد # فإذا كانت هذه هي نظرة ابن النبيه إلى الخليفة العباسي، فلا غرو أن نراه يصف هذا الخليفة ~~بالصفات التي قالها الشيعة عن أئمتهم، فهو إذن الشفيع يوم القيامة، ويكرر هذا المعنى في ms22 ~~قصيدة أخرى فيقول: # بولائي أمنت من سيئاتي # يوم ألقى كتابي المنشورا # بل يذهب في الغلو إلى مدى أبعد مما ذهب إليه شعراء العصر الفاطمي؛ إذ نسب إلى الخليفة ~~العباسي معرفة الغيب، وكرر هذا المعنى فذكره في هذه القصيدة وفي القصيدة السابقة، فبينما ~~طعن علماء أهل السنة أئمة الفاطميين بأنهم يدعون معرفة الغيب، وتبرأ الفاطميون من هذه ~~المقالة وممن قال بها، # 21 # نرى ابن النبيه يلصقها بالخليفة العباسي، ويذهب ابن النبيه إلى أن أئمة الشيعة ~~وخاصة جعفر الصادق، ومحمد الباقر بن علي زين العابدين، لو كانوا أحياء لقدموا الناصر ~~العباسي عليهم، ونلاحظ أنه خص جعفر الصادق والباقر دون غيرهما؛ أولا للضرورة الشعرية في ~~القافية الرائية؛ وثانيا لأن جل علوم الشيعة إنما رويت عن طريقهما، ثم يعود ابن النبيه ~~إلى عقيدة الفاطميين التي تذهب إلى أن الصلاة لا تقبل ما لم يصل على الأئمة، فالشاعر هنا ~~أخذ هذه العقيدة ونظمها مستعملا ألفاظ الفقهاء فزعم أن الصلاة خداج إن لم يكن بها الصلاة ~~على الناصر، فإذا كان الشيعة يقولون ذلك بناء على عقائدهم فنحن لا ندري على أي أساس قال ~~ابن النبيه ذلك، إلا إذا اعتبر الخليفة العباسي من أئمة الشيعة، وكرر ابن النبيه هذا ~~المعنى في قصائد أخرى، فمن ذلك قوله: # أنت يا بن النبي، خابت صلاة # لم تكن في خلالها مذكورا # ونحن نعلم أن الشيعة ذهبوا إلى أن في القرآن الكريم عددا من الآيات أنزلت في أهل البيت، # 22 # وعدوا ذلك من فضائل أئمتهم ومن مناقبهم، وها هو ابن النبيه يمدح الناصر بهذا ~~المعنى الشيعي، وختم الشاعر هذه القصيدة بأن الناصر ملك كبير، وأن جبريل داعيته وأن ~~ميكائيل زائره، وهذه من المعاني الباطنية الإسماعيلية التي لم يقل بها سوى الإسماعيلية، ~~وذلك أن تأويل الملائكة على الدعاة والحجج، وفي ذلك يقول المؤيد في الدين داعي ~~الفاطميين: # أنا آدمي في الرواء حقيقتي # ملك تبين ذاك للمسترشد # فأخذ ابن النبيه هذه العقيدة الباطنية، ونظمها في شعره وجعلها في الخليفة الناصر العباسي، ~~ومن هذه الأمثلة ms23 التي أوردناها من شعر ابن النبيه، ومن أشعاره الأخرى التي يجمعها ديوانه ~~نستطيع أن نلمس مدى تأثر هذا الشاعر بالتعاليم الشيعية عامة والفاطمية منها على وجه ~~الخصوص. # ولم يكن ابن النبيه هو الشاعر الوحيد الذي نرى في شعره أثر هذه التعاليم، فها هو زميله ~~ابن مطروح المتوفى سنة 649ه يتأثر بما تأثر به ابن سناء الملك، وابن الساعاتي، وابن النبيه ~~وغيرهم من شعراء ذلك العصر من تعاليم شيعية ومن تراث الفاطميين، ففي مديحه للخليفة المستنصر ~~بالله العباسي خلع عليه صفات الإمام الفاطمي فهو يقول: # الله أكبر أي طرف يطمح # أم أي ذي لسن يقول فيفصح ؟ # حرم الخلافة والإمام إمامنا # فمن العجائب أن لفظا يجنح # عظم المقام عن المقال فحسبنا # أنا نقدس عنده ونسبح # شرفا بني العباس ما أبقيتم # فخرا لمفتخر به يتبجح # من معشر جبريل من خدامهم # وبمثل ذا يتمدح المتمدح # لما سموا سمحوا فحدث صادقا # عن أنفس تسمو وأيد تسمح # فوق السماء خيامهم مضروبة # فلخيلهم مسرى هناك ومسرح # حيث النجوم تعد من حصبائها # والبرق منها بالسنابك يقدح # أخليفة الله الرضا، هل لي إلى # بحبوحة الفردوس باب يفتح؟ # حتى أطوف بذلك الحرم الذي # ما فاز إلا من به يتمسح # وأجيل في ملكوت قدسك ناظرا # ما زال يغبق بالنسيم ويصبح # وأقبل الأرض المقدسة التي # أرج السعادة من ثراها ينفح # هذا الذي نزل الكتاب بمدحه # فبأي شيء بعد ذلك يمدح؟ # هذا نذير النفخة الأخرى الذي # من لا يدين بحبه لا يفلح # إن الخلافة لم تكن إلا لكم # من آدم وهلم جرا تصلح # 23 # فابن مطروح في هذه الأبيات التي يمدح فيها الخليفة العباسي لا يجاري شعراء العباسيين في ~~مدائحهم، إنما هو يجاري شعراء الشيعة في مدح أئمتهم، وينهج نهج شعراء الفاطميين خاصة الذين ~~أسبغوا على الأئمة لونا من التقديس، ورفعوا مرتبة الأئمة فوق السموات العلى، ~~وجعلوا بيد الأئمة دخول الجنة أو النار، وذهبوا إلى أن ~~بالقرآن الكريم آيات وردت في الأئمة دون غيرهم، وأن من لا يدين بحب الإمام ويتولاه فهو بعيد ms24 ~~عن زمرة المؤمنين، وأن الإمام هو نذير النفخة الكبرى، وأن الإمامة تنقلت من آدم إلى أن ~~استقرت في إمام العصر، فهذه كلها من المعاني الشيعية التي لم يمدح بها إلا أئمة الشيعة، ~~ولم نسمع أن شاعرا من شعراء الأمويين، أو العباسيين مدح خلفاء الأمويين والعباسيين بمثل ~~هذه المعاني إلا في هذا العصر المتأثر بالتقاليد الشيعية الفاطمية. # فإذا اغتفرنا لابن مطروح أن يصف الخليفة العباسي بمثل هذه المعاني الشيعية؛ لأن المستنصر ~~بالله كان إمام المسلمين، وخليفة رب العالمين، ويمت إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # بصلة القرابة ~~القريبة، فغلا الشاعر في مدحه غلو الشيعة في مدح أئمتهم . # فما عذر ابن مطروح في مدائحه للملك الكامل ناصر الدين محمد بن العادل الأيوبي الذي لا يمت ~~إلى الخلافة بصلة ولا ينتسب إلى النبي صلوات الله عليه بسبب؟ ففي قول ابن مطروح في الملك ~~الكامل: ~~«قدست» من ملك عظيم الشان # متتابع الحسنات والإحسان # تتزاحم التيجان في أبوابه # عند السلام، ولابسو التيجان # حتى إذا بصرت به أبصارهم # خروا لهيبته إلى الأذقان # أفد المواكب كالكواكب والتحق ~~«بشريف ذاك العالم الروحاني» # ألقى مقاليد الممالك عنوة # لك حسن تدبير وثبت جنان # وتشوف الأملاك لاسمك كلما # ذكروا سميك عند كل أذان # أما وقد علقت يدي «بمحمد» # وظفرت منه «ببيعة الرضوان» # أنا فيك «حسان» وأنت «محمد» ~~«بمحمد» عطفا على «حسان» # 24 # فما معنى تقديس هذا الملك؟ وما الذي صبغ عليه هذه القدسية، وما الذي جعل للملك الكامل ~~الأيوبي شرف الانتساب إلى العالم الروحاني؟ وما هذه البيعة التي وصفتها بأنها «بيعة ~~الرضوان» هذه كلها مسائل نرجعها جميعا إلى مبالغة الشاعر في مدحه، وهي المبالغة التي ~~ورثها شعراء عصره عن شعراء الفاطميين، وإذا كان ابن مطروح هنا قد أساء في مبالغته؛ لأنه مدح ~~الملك الأيوبي بصفات دينية ليس بينه وبينها سبب، لكنه سار على سنة شعراء الفاطميين، وجرى ~~في تيارهم متأثرا بهم، ومثل هذا قوله في مدح الملك الأشرف مظفر الدين أبي الفتح ~~موسى: # الأشرف الملك الكريم المجتبى # موسى وتمم بالرحيم المحسن ms25 # يا أيها الملك الذي من فاته # نظر إليك فما أراه بمؤمن # والسبعة الأفلاك ما حركاتها # إلا مخافة أن تقول لها اسكني # 25 # فالشاعر هنا جعل النظر إلى الملك الأشرف لونا من ألوان العبادة! وأن الأفلاك تسير بأمره! ~~وهي صفات خلعها عليه الشاعر مبالغة وغلوا، بينما هي صفات شيعية هي من صميم عقائد الشيعة ~~في الإمامة، فإذا قيلت هذه الصفات في الملك الأشرف، أو في غيره من ملوك الأيوبيين، أو ~~سلاطين المماليك فهي السخف بعينه؛ لأنها لا تقوم على أساس مذهبي أو عقيدة دينية ولكنها ~~المبالغة والتقليد لما كان يجري في العصر الفاطمي في مصر، فبالرغم من أن الأيوبيين في مصر ~~عملوا على محو التشيع، ونجحوا سياسيا في تقويض أركان دولة الفواطم، فإنهم لم يستطيعوا أن ~~ينتزعوا من عقول المصريين هذه الآراء الشيعية، أو أن يمحوها محوا تاما، فقد رأينا من تلك ~~الأمثلة التي أوردناها من الشعر كيف كان تأثير عقيدة الشيعة عظيما في هؤلاء الشعراء، حتى ~~خيل إلينا أننا أمام شعراء من الشيعة يمدحون أئمة الشيعة. # على أننا نستطيع أن نقول: إنه بالرغم من ذلك كله، فإن التشيع ضعف في مصر شيئا فشيئا، ~~حتى كاد يمحى منها وأصبحت مصر في القرن العاشر الهجري وما بعده تدين بمذهب أهل السنة ~~والجماعة، ولم يكن ذلك عن طريق السيف والإرهاب فحسب، بل كان هنالك سبب أقوى من الإرهاب ~~والسيف، وهو نشر العلم في مصر. # انتشر المذهب الفاطمي بمصر على يد عدد من الدعاة، واهتم الفاطميون بالدعاة اهتماما ~~عظيما فوضعوا للدعاية أسسا وللدعاة شروطا، # 26 # فانبث الدعاة بين الناس؛ يكالبون أصحاب الفرق الأخرى ويحتجون عليهم، ويبطلون ~~آراءهم، وأوهموا الناس أن الحق فيما يقوله الدعاة عن الأئمة، وما زالوا بالناس حتى أقبل على ~~دعوتهم عدد كبير اعتنقوا المذهب رغبة أو رهبة، فشغلت عقائد الفاطميين أذهان الناس طوال ~~العصر الفاطمي، وجاء عصر الدولة الأيوبية فأراد القائمون عليها أن يغيروا عقائد الشيعة في ~~مصر، ورأوا أن الفاطميين نشروا مذهبهم عن طريق العلم، فحاربوا التشيع بنفس السلاح الذي ms26 ~~استخدمه الفاطميون، وهو الدعوة إلى أهل السنة والجماعة عن طريق فتح المدارس السنية أولا، ~~وتشجيع حركة التصوف ثانيا، وتشجيع المدائح النبوية ثالثا. ms27