######OpenITI# #META# URI: 1380MuhammadMustafaSafwat.QanatSuways.Hindawi27508061 #META# Tags: history #META# ID: 27508061 #META# Title: إنجلترا وقناة السويس: ١٨٥٤–١٩٥١م #META# AuthorID: 96490975 #META# Author: محمد مصطفى صفوت #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - مصر طريق للتجارة بين الشرق والغرب‏ # 2 - موقف إنجلترا من امتياز قناة السويس (1854-1869)‏ # 3 - ديزريلي وقناة السويس‏ # 4 - احتلال الإنجليز لقناة السويس في سنة 1882‏ # 5 - إنجلترا وتحديد مركز القناة (1883-1888)‏ # 6 - إنجلترا والقناة (1888-1935)‏ # 7 - موقف إنجلترا إزاء القناة من بعد 1935‏ # ملحقات‏ # من أهم المصادر والمراجع‏ # مقدمة‏ # 1 - مصر طريق للتجارة بين الشرق والغرب‏ # 2 - موقف إنجلترا من امتياز قناة السويس (1854-1869)‏ # 3 - ديزريلي وقناة السويس‏ # 4 - احتلال الإنجليز لقناة السويس في سنة 1882‏ # 5 - إنجلترا وتحديد مركز القناة (1883-1888)‏ # 6 - إنجلترا والقناة (1888-1935)‏ # 7 - موقف إنجلترا إزاء القناة من بعد 1935‏ # ملحقات‏ # من أهم المصادر والمراجع‏ # | إنجلترا وقناة السويس # | إنجلترا وقناة السويس # | 1854-1951م # تأليف # محمد مصطفى صفوت # | مقدمة # هذا كتاب في موقف إنجلترا بإزاء قناة السويس من وقت أن فكر الفرنسيون في إنشائها إلى ~~قرب أواخر السنة الماضية. # ولقد حاولت تبسيط الموضوع وعرضه من الناحية التاريخية العلمية قبل كل شيء. # لقد حاربت إنجلترا مشروع القناة بكل ما أوتيت من قوة؛ حتى إذا أصبحت القناة حقيقة في سنة ~~1869، كانت إنجلترا أولى الدول استفادة منها، وحرصت من أول الأمر على ألا تسيطر دولة ~~واحدة عليها أو على إدارة شركتها، ثم ساعدتها الأيام فاشترت أسهم الخديو في القناة في سنة ~~1875، ولم تمر ثماني سنوات إلا وقد احتلت إنجلترا القناة ومصر جميعها، وأصبح لها مركز ~~فعلي ممتاز في القناة لا ريب في ذلك، واحتفظت إنجلترا لنفسها بهذا المركز ما بقي الاحتلال ~~الإنجليزي في مصر، على أساس الحق الذي ادعته لنفسها من أنه يهمها أكثر من غيرها حماية ~~حرية المرور في القناة للسفن الحربية وغيرها في وقتي السلم والحرب. # على أن مصر لم تعترف يوما ما بهذا المركز؛ فمصر، التي تمر القناة في أراضيها هي صاحبة ~~الحق الأول في القناة، وهي الحارس الطبيعي لها، ولم تبد اعتراضا على معاهدة سنة 1888 ~~الدولية، التي حددت مركز القناة والتي اعترفت بها الدول جميعا ومنها إنجلترا. # ولم يرد الجانب المصري في معاهدة سنة 1936 أن يعطي ms001 لبريطانيا حقا دائما في الدفاع ~~عن القناة، بل جعل بموافقة بريطانيا الحق الأول في الدفاع عنها للجيش المصري. # على أنه بعد إلغاء مصر لمعاهدة سنة 1936 في 8 أكتوبر سنة 1951 ظلت بريطانيا إلى الوقت ~~الحاضر متمسكة بمركزها في قناة السويس بعد أن تقدمت هي والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا ~~بمقترحات الدول الأربع، فرفضتها مصر، وبررت إنجلترا موقفها في القناة بما يأتي: ~~(1) # أن منطقة القناة منطقة استراتيجية تصلح قاعدة للدفاع عن الشرق الأوسط والعالم ~~الحر. ~~(2) # حماية حرية المرور في القناة، وهذا - كما ترى إنجلترا - أمر لا يهم إنجلترا ~~وحدها بل يهم العالم جميعا، وما وجود إنجلترا - كما أعلن الجنرال روبرتسون ~~قائد القوات الإنجليزية في الشرق الأوسط في آخر سنة 1951، وكان يتكلم باسم ~~الحكومة البريطانية - «إلا مساهمة منها في الدفاع عن العالم الحر»، ولكن ~~العالم والمعسكر الحر لم ينتدبا إنجلترا للقيام بهاتين المهمتين، ولم ترض مصر ~~صاحبة القناة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عن وجود الإنجليز في القناة، ~~وصرحت رسميا بذلك أكثر من مرة لإنجلترا وللعالم الممثل في مجلس الأمن، بل ~~وألغت معاهدة سنة 1936 نفسها. # وإذا كان للمؤرخ أن يمتد به النظر إلى الحاضر والمستقبل، فإن استمرار الموقف الحاضر لا ~~يحقق رغبات إنجلترا ولا سياستها بأي حال؛ فالقناة لن تكون آمنة، ولن تكون مركزا ~~استراتيجيا ذا غناء إلا إذا كانت القوات الموجودة فيها مطمئنة، وإلا إذا كانت المواصلات ~~بكل أنواعها في منطقة القنال آمنة، وإلا إذا كانت الأيدي العاملة والمواد الغذائية فيها ~~متوفرة، وكلها أمور لم تتوفر بعد إلغاء المعاهدة. # ولقد وصفت صحيفة التيمز الأسبوعية في 2 يناير سنة 1952 الموقف الاستراتيجي في قناة السويس ~~من حيث وجهة النظر الإنجليزية، فقالت ما ملخصه: «إن مصلحة إنجلترا الاستراتيجية في القناة ~~عظيمة، وأن قواعدها الحربية فيها قيمة، ولكن التمسك بها في وجه عداء مصر ومقاومتها معناه ~~ربط عدد كبير من القوات دون داع؛ معناه اضطراب الأمور في الشرق الأوسط، إن القوات ~~البريطانية في مصر قوية، وقيمة قواعد قناة السويس هي في سهولة اتصالها ms002 بالبحر الأبيض ~~المتوسط شمالا وبالبحر الأحمر جنوبا، فمنها تستطيع إنجلترا إرسال قوات إلى أية جهة في ~~مساحة واسعة، وأما الغرض الآخر من وجودها، وهو الدفاع عن القناة، فهذا أمر ثانوي، ولكن إذا ~~كانت القوات الموجودة في هذه القواعد مشغولة طول الوقت بالدفاع عن نفسها، فإن قيمة هذه ~~القواعد تقل كثيرا.» # وإلى هذا التاريخ لم تحل مشكلة القناة. # ولا يسعني في هذا الكتاب إلا أن أعترف بالفضل الكبير لحضرة صاحب العزة محمد شفيق غربال بك ~~لما تفضل به من اقتراحات طيبة ونقد قيم وعون مشكور. # كما أشكر الجمعية الملكية للدراسات التاريخية التي تفضلت فقبلت أن يحمل هذا الكتاب ~~اسمها. # محمد مصطفى صفوت # الإسكندرية في مارس سنة 1952 # الفصل الأول # | مصر طريق للتجارة بين الشرق والغرب # أشرفت مصر على طريق التجارة بين الشرق والغرب حينا مذكورا من الدهر منذ أواخر العصور ~~القديمة، وظلت تشرف على هذه الطريق خلال العصور الوسطى إلى أن انتصف تقريبا القرن الخامس ~~عشر الميلادي. # وكان جانب كبير من تجارة الشرق في العصور الوسطي؛ نفائسه وكنوزه وتوابله وعطوره ومنسوجاته ~~الحريرية والصوفية ومعادنه تأتي من الشرقين الأوسط والأقصى إلى البحر الأحمر لتنتقل عبر ~~الأراضي المصرية في خليج السويس ثم في طريق مائية أو برية إلى النيل، ومنها إلى ثغور مصر ~~على البحر الأبيض المتوسط، ثم تنتقل في ذلك البحر وهو الطريق العالمية المهمة للمواصلات، ~~حيث ترسو على ثغور إيطاليا، ومن أهمها البندقية وجنوه، ومن هاتين المدينتين اللتين أصبحتا ~~دولتين قويتين غنيتين، توزع في بقية أجزاء أوروبا الغربية والوسطى. # وجنت مصر من هذه التجارة الغنية - وكانت تجارة كماليات في الغالب - أرباحا طائلة، وكذلك ~~كل الأمم المطلة على سواحل البحر الأبيض المتوسط، التي كانت تقوم بنقل أو توزيع هذه التجارة ~~أو الإشراف عليها، فلقد أصبحت الضرائب المفروضة على هذه التجارة موردا مهما من موارد ~~الإيراد المصرية. # كانت مصر إذن حلقة مهمة في سلسلة المواصلات بين الشرق والغرب، وكان المصريون في مختلف ~~العصور هم الذين يشرفون بالفعل على انتقال هذه التجارة داخل حدود ms003 بلادهم، ولم يكن هناك عنصر ~~أجنبي له حق التدخل أو الهيمنة على الطريق التي تمر فيها هذه التجارة، وكانت حكومة مصر في ~~كثير من العصور تمتع بالسيطرة التامة على البحر الأحمر وعلى شرقي البحر الأبيض المتوسط، ~~وكانت لها الحرية المطلقة في التصرف بما تمليه مصالحها الخاصة ومصالح المصريين. # وترتب على ذلك أن أصبح البحر الأبيض المتوسط أهم طريق للتجارة العالمية بين الشرق والغرب. ~~وأصبح للأمم التي تتصل بها مياهه التفوق في المضمارين التجاري والمالي. # وظلت الحال على ذلك إلى أن كاد ينتهي القرن الخامس عشر الميلادي، فشاهد العالم تغيرا ~~هاما لا في وسائل النقل المختلفة، وإنما في الطرق التي تسير فيها تجارة العالم، شاهد ~~تحولا واضحا عن البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلنطي. # وذلك بعد أن كشف البرتغاليون، وهم أولى الدول البحرية ظهورا في العصور الحديثة تلك ~~الطريق البحرية الجديدة الطويلة حول رأس الرجاء الصالح، وكان الدافع الرئيسي لهذه الدولة هو ~~الاستحواذ على تجارة الشرق الغنية، والوصول إلى مواطن الثروة فيه عن طريق لا يشرف عليه ~~المسلمون ولا يسيطر عليه الأتراك العثمانيون، ولا تهيمن عليه مصر التي كانت حتى أواخر ~~العصور الوسطى وأوائل العصور الحديثة مركز الإسلام وقلبه النابض وقوته المتفوقة وحصنه ~~الحصين. # فتح إذن المحيط الأطلنطي لأول مرة في تاريخ البشرية للتجارة العالمية، بعد أن كان بحر ~~الظلمات، بحرا مغلقا يكتنفه الغموض والأسرار والمخاطر، وتحول إليه نشاط الدول القومية ~~الأوربية التي نشأت في غرب أوروبا، لقد استيقظت هذه الدول للوحدة والنمو والاستعمار والتوسع ~~والاستحواذ على تجارة الشرق التي تجلب الثروة والغنى والقوة، استيقظت هذه الدول لاستغلال ~~شعوب الشرق التي حل بها الضعف والوهن، وتمزقت وحدتها، وتدهورت حكوماتها. # وكان أهم هذه الدول الناشئة: البرتغال وإنجلترا وفرنسا والأراضي المنخفضة - ~~هولندا. # سارعت هذه الدول يدفعها نشاطها وحبها للكسب والمغامرة إلى الهند والشرق الأقصى، بلد ~~العجائب الذي تجمعت حوله الأسرار والأساطير، ونسجت حوله القصص الغريبة، تنشئ المحطات ~~التجارية والمستعمرات والقواعد البحرية، وتكونت في الهند وفي الشرق الأقصى بصفة خاصة ~~الإمبراطوريات الاستعمارية القوية الإنجليزية ms004 والفرنسية والهولندية. # وقام النزاع عنيفا وحادا لا يبقي ولا يذر بين الإنجليز والفرنسيين، وانتهى أخيرا ~~بتفوق الإنجليز في ذلك الميدان. # وفي هذا الوقت الذي كانت فيه هذه الدول - دول غرب أوروبا - تشرئب للحياة والتوسع ~~والاستعمار، كانت دول البحر الأبيض المتوسط التي ازدهرت على تجارة الشرق، وخاصة مصر، تزداد ~~ضعفا على ضعف وتضمحل بالتدريج، وانتهى الأمر باحتلال الأتراك الحربي لمصر في أوائل القرن ~~السادس عشر الميلادي. # ولكن احتلال الأتراك لمصر لم يعمل على تحسن الأحوال في وادي النيل، بل ازدادت الحال خلال ~~عهد الأتراك الطويل سوءا على سوء من كل النواحي؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ثم ~~أخذ الأتراك أنفسهم منذ النصف الثاني للقرن السابع عشر في الضعف والانحلال، وانتهى بهم ~~الأمر إلى أن أصبحوا هم ودولتهم التي امتدت في شرقي البحر الأبيض المتوسط مطمعا للدول ~~الأوربية الغربية. # ولم يأت القرن الثامن عشر إلا وقد أخذت الدول الكبرى الأوربية تفكر جديا في كيفية تقسيم ~~ممتلكات الأتراك وفي إحياء الطريق القديمة للتجارة؛ طريق مصر؛ فإن نظرة واحدة إلى خريطة ~~العالم تكفي لأن ترى أن مصر تقع في منطقة هي ملتقى القارات الثلاث؛ أوروبا وآسيا وأفريقيا، ~~وأنها بموقعها الجغرافي هي أقرب وأيسر طريق بين الشرق والغرب، وأنه ليس من المستحيل وصل ~~البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، إما بطريق برية أو بطريق مائية، فلقد وجدت الطريقان في ~~القديم وفي العصور الوسطى. # ومن أهم الدول التي اهتمت بفتح هذه الطريق فرنسا، فحكومتها تحاول منذ القرن السابع عشر أن ~~تقنع العثمانيين بقيمة فتح هذه الطريق للتجارة الشرقية، وبذلت في ذلك جملة محاولات، ولكن ~~جهود فرنسا في هذه الناحية أثارت حسد إنجلترا، وخاصة في وقت كان التنازع الاستعماري بين ~~الدولتين على أشده، ووجد بعض مواطني إنجلترا في الشرق الأدني أنه ربما كان من الخير لوطنهم ~~أن يشارك في فتح هذه الطريق التي ربما تحولت إليها تجارة الهند والشرق، فإعادة فتح هذه ~~الطريق قد تعود على إنجلترا بالخير العميم، وربما عملت على نمو التجارة البريطانية. # وما إن تبوأ علي بك الكبير ms005 الحكم في مصر، وسيطر على بلاد العرب، وأعاد لمصر بعض مركزها ~~القديم؛ حتى زاد اهتمام الفرنسيين والإنجليز ببذل جهودهما في ذلك السبيل، فالإنجليز من ~~ناحيتهم يودون لو فتح طريق البحر الأحمر إلى السويس لسفنهم الآتية من الهند والمحيط الهندي، ~~والفرنسيون يودون لو استطاعوا الاستيلاء على تجارة الشرق عن طريق تحويلها إلى طريق ~~مصر. # ولكن الإنجليز والفرنسيين لم يظفروا في آخر الأمر بنجاح؛ فقد وجدوا عقبات كأداء في ~~طريقهم لا بد من تذليلها، فالدولة العثمانية وإن تظاهرت بالإصغاء إلى آرائهم؛ إلا أنها كانت ~~أحرص من أن تأذن بفتح هذه الطريق التي تجعل ممتلكات الدولة العثمانية في شرقي البحر الأبيض ~~المتوسط ميدانا جديدا للتنافس والتوسع الأوربي. # ولقد بررت الدولة العثمانية مسلكها هذا لدى الدولتين الكبيرتين بأن الملاحة الأوربية ~~محرمة في البحر الأحمر، فضروري للدولة العثمانية احترام مركزها بين المسلمين، ولا يكون ذلك ~~إلا بالمحافظة على حرمة الأماكن المقدسة الإسلامية من أن ترسوا على شواطئها سفن مسيحية ~~أوربية. # والدولة العثمانية، وإن كانت ضعيفة من الوجهة الحربية، ولكن ساستها برعوا حقيقة في فن ~~السياسة، فكان لهم من بعد النظر السياسي والمهارة في الانتفاع بما بين الدول من أحقاد ~~ومنافسة ما مكنهم من المحافظة على الدولة وسط التيارات الدولية العنيفة، وكان هؤلاء الساسة ~~يخشون أن يعمل إحياء طريق مصر على زيادة موارد بكوات المماليك الذي استقلوا بأمور مصر، ~~واحتقروا من الناحية العملية سلطة السلطان، وعملوا على الانفصال عن الدولة ~~العثمانية. # ولقد حاول الإنجليز والفرنسيون أن يلجوا بابا آخر للوصول إلى أغراضهم المادية، فحاولوا ~~عقد معاهدات مع بكوات المماليك أنفسهم أصحاب السلطة الفعلية والنفوذ في مصر، ولكن هذه ~~المعاهدات لم تسفر عن نتيجة، فأمور مصر السياسية لم تكن مستقرة، وأحوال الأمن الداخلي ~~مضطربة، وعهود بكوات المماليك لا يوثق بها ولا تربط أحدا، على أن ما يهمنا في هذا المكان ~~هو أن إنجلترا وفرنسا اهتمتا بأمور مصر ومستقبلها نتيجة لاهتمامها بفتح الطريق القديمة، ~~ففرنسا ترى أن فتح هذه الطريق سيجلب لها متاجر الشرق، وسيلحق بتجارة أعدائها الإنجليز ms006 الضرر ~~البليغ. والإنجليز من ناحيتهم يرون في فتح هذه الطريق غنما كبيرا لتجارتهم واقتصادا ~~كبيرا في الوقت والنفقات. # وأتى الفرنسيون إلى مصر في السنتين الأخيرتين للقرن الثامن عشر فاتحين، وقد جعلوا من ~~أهدافهم الأولى استعمار مصر واتخاذها مركزا للتوسع في الشرق الأدنى، وفتح الطريق المائية ~~التي تصل البحرين الأبيض المتوسط والأحمر. # وما إن استقرت أقدامهم في أرض مصر حتى أخذوا في دراسة مشروع توصيل البحرين دراسة جدية. ~~ولكنه لم يهيأ لهم النجاح، فبقاؤهم في مصر كان قصير المدى، شغلوا في أثنائه بالدفاع عن ~~مركزهم في هذه البلاد أمام الأهالي المصريين وأمام الأتراك وأمام الإنجليز، فضلا عن أنهم ~~في دراستهم للمشروع قد ظنوا أن مستوى أحد البحرين أعلى من مستوى الآخر. # وخرج الفرنسيون من هذه البلاد، بعد أن وجهوا - وهم لا يريدون - نظر السياسة الإنجليزية ~~إلى أهمية هذه البلاد من الناحية الاستراتيجية والحربية، ومن ناحية المواصلات ~~العالمية. # وأصبحت لإنجلترا سياسة خاصة نحو مصر وضعت أسسها في مطلع القرن التاسع عشر، اتبعتها مدة ~~طويلة، فإنجلترا لن تسمح لدولة أوربية بالاستيلاء على مصر، ولن تسمح بقيام حكومة قوية في ~~مصر تهدد مصالح إنجلترا. # على أن مشروع وصل البحرين لم ينته بخروج الفرنسيين، فلقد ظل حيا في أذهان بعض ~~الفرنسيين، ولم يكن الإنجليز في أول الأمر معارضين له، بل كانوا مرحبين به، وحاول الفرنسيون ~~والإنجليز دراسة المشروع دراسة قائمة على أسس علمية صحيحة، وحاول الفرنسيون جاهدين تحقيقه ~~في عهد محمد علي الكبير، ولكن عاهل مصر العظيم كان له من بعد النظر السياسي وفهم الموقف ~~الدولي ما جعله يغض النظر عن تنفيذه، وإن كان قد وجه عناية كبرى إلى فتح الطريق البرية التي ~~تمر خلال مصر من الإسكندرية إلى القاهرة ومن القاهرة إلى السويس، هذه الطريق اقتنعت الحكومة ~~الإنجليزية بأفضليتها على القناة من الناحية السياسية، إذ إنها اعتقدت أن تنفيذ مشروع ~~القناة سيؤدي إلى فتح بوسفور جديد وربما يضطرها إلى احتلال مصر. # ولقد عمل حكم محمد على المستنير على استتباب الأمن والطمأنينة في كل ربوع ms007 البلاد، وأعدت ~~الطريق البرية إعدادا تاما لتكون صلة مهمة بين الشرق والغرب، وما خشيه محمد علي الكبير ~~من المشروع الفرنسي هو ما كان يخشاه على مستقبل هذه البلاد من إنشاء بوسفور جديد، كان يخشى ~~عواقب إنشاء قناة بحرية تصل ما بين البحرين وتغير من مركز مصر الجغرافي وتجعل منها ~~ميدانا للتنافس الأوربي، كان محمد علي يرى أن إنشاء القناة سيجعل من مسألة مصر مشكلة دولية ~~يهم الدول البحرية جميعا التدخل في تحديد مصيرها. # ثم يأتي عباس باشا الأول ليتولى حكم مصر، ويرتسم لنفسه خطة محمد علي الكبير فيما يختص ~~بموضوع القناة، فلما اشتبكت إنجلترا وفرنسا في نضال شديد، وأيدت إنجلترا إحياء الطريق ~~البرية تأييدا كاملا بوضع مشروع للسكة الحديدية بين الإسكندرية والقاهرة والسويس، عارضت ~~فرنسا ذلك المشروع معارضة شديدة، واستغلت في سبيل ذلك ما لها من نفوذ في مصر وتركيا، ولكن ~~المشروع الإنجليزي كتب له النجاح ودخل في دور التنفيذ، وفي أثناء إنشاء السكة الحديدية بين ~~مصر والإسكندرية مات عباس باشا الأول، واعتلى سعيد باشا منصة الحكم في مصر. # وشاء الله أن ينجح المشروع الفرنسي - مشروع إنشاء القناة - كما نجح المشروع الإنجليزي من ~~قبل، وكان لشخصية فردنند دي لسبس صاحب المشروع، وصبره ومثابرته وجرأته، ثم لصلته الوثيقة ~~بوالي مصر الجديد أثر كبير في إخراج المشروع الفرنسي إلى حيز الحياة والتحقيق. # ومنح سعيد باشا دي لسبس امتياز قناة السويس بشروط مجحفة بحقوق مصر وصالح المصريين، ~~فلقد نص في الامتياز الممنوح للشركة العالمية لقناة السويس على تسخير عدد كبير من الفلاحين ~~المصريين لخدمة الشركة وتنفيذ أغراضها، كما أعطاها فرمان الامتياز من امتيازات الملكية ومن ~~حيازة مساحات شاسعة من الأراضي في منطقة القناة ما لم يسمع له نظير، وليس هنا المجال لشرح ~~نصوص ذلك الامتياز أو التعليق عليه، ولكن يكفي أن نقول: إن وجهة نظر سعيد باشا كانت عالمية، ~~فهو يرمي إلى خدمة العالم والحضارة قبل كل شيء؛ ولذا فهو يقدم كل التسهيلات ويبذل كل شيء في ~~سبيل تدعيم مركز شركة القناة وفي ms008 سبيل تحقيق المشروع. # الفصل الثاني # | موقف إنجلترا من امتياز قناة السويس (1854-1869) # كانت إنجلترا تنظر إلى مشروع قناة السويس كمشروع فرنسي قبل كل شيء من شأنه أن يجعل ~~للفرنسيين نفوذا كبيرا في مصر يمكنهم من التحكم في طريق عالمية لخدمة أغراضهم ~~الخاصة. # حقيقة كانت تربط إنجلترا بفرنسا في الخمسينات للقرن التاسع عشر في عهد الإمبراطور نابليون ~~الثالث؛ صلات ود وصداقة نمت فتحولت إلى تحالف متين الأواصر في حرب القرم؛ حين وقفت ~~الدولتان جنبا إلى جنب مع الدولة العثمانية ضد أطماع الروس، ولكنه بالرغم من وجود ذلك ~~الحلف لم تنس الدولتان أبدا تنافسهما القديم في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي ميدان ~~الاستعمار. # ففرنسا ترى أن سواحلها الجنوبية تطل على ذلك البحر، وهذا يعطيها الحق في أن تعمل على تفوق ~~نفوذها فيه، وخاصة في مصر والشرق الأدنى، فذكريات حروبها في ذلك البحر، وذكريات صليبييها ~~ومعاهداتها بصفتها بنت الكنيسة الكبرى مع الدولة العثمانية، كل هذه تشير إلى مستقبل زاهر ~~لفرنسا في ذلك البحر، وبصفة خاصة في مصر وفي شمالي أفريقيا، ولقد كانت مصر في نظر فرنسا هي ~~الميدان الذي جاهد فيه لويس التاسع في حملته الصليبية، وجاء إليه أنبغ أبناء فرنسا من رجال ~~الحرب بحملته المشهورة التي أيقظت مصر من سبات العصور الوسطى، ومصر هي البلاد التي احتلها ~~الفرنسيون، وقاموا فيها بمشروعاتهم العظيمة، وأزاحوا الستار عن ماضيها المجيد، ومصر هي ~~البلاد التي ساعدوا على نهضتها الحديثة في عهد محمد علي الكبير، وأبلى منهم بلاء حسنا ~~رجال في خدمة ذلك المصلح الكبير، في تكوين جيشه وبناء أسطوله، وتدعيم التعليم في ~~عهده. # وكانت سياسة لوي فيليب في الأربعينيات من القرن التاسع عشر عاملة بلا ريب على إحياء الدول ~~الصغيرة في البحر المتوسط وربطها بفرنسا بحبال صداقة لا تنفصم، ففرنسا في ذلك الوقت ترى أن ~~لها دالة على مصر وعلى ولاتها، ولها الحق أن تمتع بنفوذ متفوق في وادي النيل. # ولذا، فالبرغم من صلات الصداقة والود التي كانت تربط الدولة الفرنسية بإنجلترا في عهد لوي ~~فيليب ms009 ونابليون الثالث، فلقد عملت الحكومة الفرنسية - بصفة غير رسمية - على مكافحة النفوذ ~~الإنجليزي في كل مكان في البحر الأبيض المتوسط؛ في الدولة العثمانية، في شمال أفريقيا، وفي ~~مصر بصفة خاصة. # وكيف تعمل فرنسا على نمو نفوذها في مصر؟ لا يكون ذلك باحتلال مصر، فبريطانيا واقفة لها ~~بالمرصاد، ولن تسمح بذلك أبدا، بل هي على قدم الاستعداد للدخول في حرب ضروس مع فرنسا إذا ~~حاولت هذه المحاولة الجريئة، ثم إن نابليون الثالث الذي كان يدير شئون فرنسا الداخلية ~~والخارجية في ذلك الوقت كان أبعد الناس تفكيرا عن أن يقوم بأي عمل من شأنه إفساد علاقاته ~~الطيبة بإنجلترا؛ فإنجلترا هي الدولة الكبرى التي رحبت بمقدمه، وهي التي اعترفت رسميا ~~بحكمه، ونسيت تاريخ وعداوة عمه، ولم تثر عقبات في وجهه، وبعد ذلك فنابليون الثالث لا يرى ~~أبدا الدخول في حرب مع صديقته الأخرى؛ الدولة العثمانية صاحبة السيادة على مصر، وخاصة بعد ~~أن وقف في صفها وحارب بجانبها، وبعد أن أعلن إعلانا تمسكه بسياسة المحافظة على كيانها ~~وسلامة ممتلاكتها. # ولكنه مع ذلك لم يكن لدى عاهل فرنسا الكبير مانع من أن يعمل الفرنسيون على زيادة نفوذ ~~فرنسا في مصر بالطرق المشروعة، وذلك بالقيام بالأعمال والمشروعات العظيمة التي سترفع بلا ~~ريب من مركز فرنسا في مصر والعالم. # ونابليون الثالث بعد ذلك رجل عواطف وخيالات، تملأ المشروعات ذهنه وتعترض كثير من الآمال ~~الغامضة تفكيره، فهو تارة يفكر في إنشاء إمبراطورية عربية في شمال أفريقيا، وتارة تدور في ~~خلده صور لسيطرة فرنسا على أهم الطرق العالمية التي تصل بين الشرق والغرب. # فلا عجب إذن إذا أولى مشروع دي لسبس عطفه وتمنى له النجاح، وبذل له كل تأييد سياسي ممكن، ~~لا سيما وأن مشروع فردنند دي لسبس ليس مشروعا حكوميا أخذت الحكومة الفرنسية على عاتقها ~~تنفيذه، وإنما هو مشروع فردي خاص، يقوم به أحد الأفراد ~~الفرنسيين، له ولعائلته من قبل صلات وثيقة سياسية وشخصية بالشرق الأدنى ومصر، وقد أعلن ~~نابليون الثالث مرارا في سنة 1856 أنه قد اهتم ms010 بالمشروع وبدراسته، وأكد مرة لدي لسبس: «إنك ~~تستطيع أن تعتمد على تأييدي وحمايتي.» # والواقع إنه لم يكد سعيد باشا يمنح دي لسبس فرمان امتياز القناة حتى تقدم نابليون الثالث ~~فمنح سعيد باشا نيشان اللجيون دونور. # وشارك نابليون الثالث في عطفه على مشروع دي لسبس الصحافة الفرنسية التي أيدت المشروع ~~كمشروع قومي، وكذلك الهيئات العلمية وخاصة أكاديمية العلوم في باريس، وكان المشروع يجد ~~كذلك كثيرا من العطف خارج فرنسا من الدولتين النمساوية والروسية، فقد كانتا تؤمنان بقيمة ~~المشروع. # وأما الحكومة الإنجليزية فلقد كانت تفهم جيدا مرامي السياسة الفرنسية، وعملها على التفوق ~~في الشرق الأدنى، بل وسعيها لتحويل البحر المتوسط إلى بحيرة فرنسية؛ ولذلك فالحكومة ~~الإنجليزية تبذل جهودها لوقف ذلك النفوذ والعمل على تفوق النفوذ الإنجليزي، حقيقة لم تكن ~~لإنجلترا سواحل مطلة على ذلك البحر، ولكن قوة إنجلترا وتفوقها البحري، وقواعدها الحصينة في ~~جبل طارق ومالطة؛ وصلات الصداقة والتحالف التي كانت تربطها بالدولة العثمانية؛ كل ذلك جعل ~~لها مركزا قويا بل وممتازا في ذلك البحر. # وإذا كانت فرنسا تعمل جاهدة على إنشاء دول صغيرة في البحر الأبيض المتوسط مدينة لفرنسا ~~بوجودها واستقلالها؛ فلقد ناضلت إنجلترا بقوة هذه المحاولة ونجحت في ذلك نجاحا مذكورا، ~~ظهر ذلك النضال في تأييد فرنسا لمحمد علي في حركته الاستقلالية التي كانت ترمي إلى الانفصال ~~عن الدولة العثمانية في سنتي 1839، 1840، ووضع حد للسيادة التركية العتيقة البالية، وفي ~~وقوف إنجلترا في طريقه وقضائها على آماله وآمال مصر في الاستقلال. # ولقد أخذ ممثلو إنجلترا في بلدان البحر المتوسط وقناصلها على عاتقهم تنفيذ هذه السياسة ~~بحذافيرها، وغلوا في ذلك غلوا كبيرا، واشتدت حماستهم، وقام بينهم وبين زملائهم ~~الفرنسيين تنافس شديد بل ونضال حمي أواره تنوسيت فيه في كثير من الأحيان آداب ~~المجاملة الشخصية، ووصل الخصام بين الفريقين إلى حد أن قطعوا صلاتهم الشخصية، وكثرت ~~تقاريرهم إلى حكوماتهم، وطالت، وامتلأت بالصور القاتمة والتهم الكثيرة، فيكتب القنصل ~~الإنجليزي ريتشارد ود - وهو من القناصل الإنجليز الذين ~~كافحوا بهمة ونشاط النفوذ الفرنسي مدة طويلة في ms011 الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، وأحد الذين ~~أثاروا الشغب على محمد علي الكبير في الشام - يكتب مذكرة مطولة إلى حكومته بتاريخ 20 أغسطس ~~سنة 1859، يرسم فيها صورة قائمة لمشاريع فرنسا في البحر المتوسط، ففرنسا - في نظره - تبذل ~~جهودا مضنية في سبيل فصل مصر وتونس عن الدولة العثمانية، لتضم تونس إلى ممتلكاتها ~~الجزائرية، ولتحتل مصر في أول فرصة مناسبة. # وحين يصف ذلك القنصل مركز فرنسا وإنجلترا في البحر الأبيض المتوسط؛ لا يجد في سياسة فرنسا ~~الخارجية سوى محاولة إلحاق الضرر بمصالح إنجلترا، ووجد أن فرنسا قد أصبح لها مركز قوي في ~~ذلك البحر، وخاصة بعد احتلالها لإقليم الجزائر، وتركيزها لقوات بحرية وبرية كبيرة في شمال ~~أفريقيا. # وهو يسطر في مذكرته المذكورة أن فرنسا إذا أرادت الإضرار بإنجلترا؛ فهي دائما تلتجئ إلى ~~مهاجمة المصالح الإنجليزية في البحر المتوسط، وبين أن ما يرمي إليه الفرنسيون من بذل هذه ~~الجهود؛ هو أن يضعوا إنجلترا في مركز لا تستغني فيه عن صداقة الفرنسيين إذا أرادت المحافظة ~~على ممتلكاتها في الهند، وقال إن الفرنسيين يستخدمون في سبيل الوصول إلى بغيتهم كل الوسائل ~~مشروعة كانت أو غير مشروعة. # فإنجلترا إذن تكافح في سبيل منع الفرنسيين من الحصول على امتياز من والي مصر خاص بشق ~~القناة، وكلما ازدادت حماسة الفرنسيين في تعضيد مشروعهم ازدادت حماسة الإنجليز في معارضته، ~~بل لقد وضعت إنجلترا مشروعا منافسا للمشروع الفرنسي، وهو مشروع إنشاء السكة الحديدية بين ~~الإسكندرية والقاهرة والسويس، ونجحت في ذلك مع والي مصر عباس باشا الأول الذي لم ينس درس ~~سنة 1840 وعرف مقدار ما تستطيعه القوة البحرية الإنجليزية، تيقن عباس باشا الأول من أن ~~إنجلترا لديها العزم على تنفيذ سياستها في الوقت الذي هددت فيه فرنسا وأنذرت، ثم أخيرا ~~تخاذلت عن نصرة مصر في أزمتها الشديدة سنة 1840، رأى والي مصر أن يجامل إنجلترا ويؤجل ~~المشروع الفرنسي، غير آبه كثيرا لإنذار فرنسا له بالعمل لدى الباب العالي على عزله عن ~~ولاية مصر. # أرسلت إنجلترا تعليمات إلى قنصلها العام في مصر بأن ms012 يقنع عباسا الأول بقيمة مشروع السكة ~~الحديدية، وبأن مشروع القناة يكلف ما لا يطاق من الجهد والوقت والمال، فمال الوالي ناحية ~~المشروع الإنجليزي وعمل على تنفيذه. # ولكن فردنند دي لسبس استطاع أن ينتهز فرصة تولي سعيد باشا فيسارع إلى مصر مذكرا الوالي ~~الجديد بصلاتهما الوثيقة القديمة، ويجد من الوالي الجديد ترحيبا كبيرا، وينجح في إقناعه ~~بقيمة المشروع الفرنسي في فتح القناة البحرية وتوصيل البحرين، ولا يدري أحد بالدقة ماذا دار ~~بينهما من حديث، وماذا وضع دي لسبس أمام سعيد باشا من آمال، ولا ندري بالضبط ماذا كان يدور ~~بخلد والي مصر من دوافع لمنح مثل ذلك الامتياز، وإن كان البعض يظن أن غرض الوالي كان العمل ~~على اكتساب صداقة فرنسا وتأييدها لاستقلاله إذا ما تأزمت الأمور بينه وبين الباب العالي ~~صاحب السيادة على مصر. # يوافق سعيد باشا على منح فردنند دي لسبس الامتياز الخاص بمشروع فتح القناة البحرية التي ~~تتصل فيها مياه البحر الأحمر بالبحر المتوسط، ويتم ذلك في 30 نوفمبر سنة 1854. # ويسقط في يد إنجلترا، فلقد أخذ فردرك بروس ممثلها في مصر فجأة بتصميم سعيد باشا على منح ~~ذلك الامتياز وتنفيذ ذلك المشروع ولم يفلح في تحويل الوالي عن رأيه؛ حتى بعد أن أعلن منذرا ~~بأن الحكومة الإنجليزية لا تستطيع أن توافق على ذلك المشروع؛ فهو في نظرها مشروع خيالي وغير ~~عملي، ولم يحن الوقت ولا الظروف الملائمة لمحاولة تنفيذه، وأن خيرا منه هو إتمام مشروع ~~الطريق البرية الحديدي من القاهرة إلى السويس. # على أن الحكومة الإنجليزية لم تجد في ذلك الوقت أن تقدم إنذارا رسميا للوالي ضد تنفيذ ~~ذلك المشروع، فالعلاقات بينها وبين الحكومة الفرنسية كانت بصفة عامة جيدة، وتقديم مثل ذلك ~~الإنذار معناه أن الحكومة الإنجليزية تحارب رسميا مصالح الفرنسيين ومشاريعهم، فالحكومة ~~الإنجليزية لم تتخذ مثل هذه الخطوة، ولم ترد الذهاب إلى ذلك الحد. # ثم إن منح سعيد باشا للامتياز ليس بذي أهمية كبيرة؛ إلا إذا وافقت عليه الدولة صاحبة ~~السيادة على مصر، فعلى الحكومة الإنجليزية إذا ms013 أرادت عرقلة المشروع أن تبذل مساعيها لدى ~~الباب العالي، فهو صاحب السلطة الرسمية في مصر، وأن تنصحه بعدم الموافقة على الامتياز أو ~~على الأقل بتأجيل النظر فيه. # وكان سفير الحكومة الإنجليزية لدى البلاط العثماني ستراتفورد دي ردكليف - وكان يتمتع في ~~الأستانة بنفوذ لا نظير له - كان يرى أن على إنجلترا أن تبين للباب العالي خطر المشروع ~~الفرنسي على الدولة العثمانية، فما تريده فرنسا من وراء ذلك المشروع هو فصل مصر عن الدولة ~~العثمانية بممر مائي يصلح لأن يكون خطا دفاعيا حربيا، وإنشاء مستعمرة فرنسية في شرقي ~~مصر، ثم السيطرة على كل مصر بعد ذلك؛ ولذا فخير للباب العالي ألا يصدق على الامتياز، ولم ~~تقتصر محاولات ستراتفورد على ذلك، بل طلب تعليمات رسمية من حكومته تؤيد موقفه؛ ولذا وجد ~~لورد كلارندن، وزير الخارجية البريطانية، ضرورة الاتصال بسفير الحكومة الفرنسية في لندن ~~ليبين له وجهة نظر الحكومة البريطانية في مشروع القناة، فهذه الوجهة تتلخص فيما ~~يلي: ~~(1) # نظرا لأن تنفيذ المشروع يستلزم نفقات كثيرة، فالغرض الواضح منه ~~سياسي. ~~(2) # والمشروع يؤخر إتمام مشروع السكة الحديدية من الإسكندرية إلى السويس. ~~(3) # المشروع وليد سياسة عدائية بالنسبة لمصر من ناحية فرنسا. # ولم تجد محاولات فردنند دي لسبس في الاتصال بستراتفورد، وإقناعه بأهمية المشروع وعدم ~~تعارضه مع المصالح الإمبراطورية الإنجليزية، وأن المسألة مسألة مصرية تركية قبل كل شيء، لا ~~داعي فيها للتدخل الحكومي الإنجليزي أو الفرنسي. # ولقد نجح ستراتفورد دي ردكليف في نصحه للباب العالي، مما عقد الأمور لدي لسبس، ولم يقف ~~الأمر عند هذا الحد، بل أرسل الباب العالي نتيجة لمساعي إنجلترا خطابا شديد اللهجة إلى ~~سعيد باشا في مصر يحذره فيها عواقب عمله الجريء. # ومع ذلك فقد قدر للمشروع الفرنسي البقاء نظرا لتدخل الدولة النمساوية في صالح دي لسبس، ~~فلقد كانت تعضد المشروع الفرنسي تعضيدا كبيرا. # ولقد اصطدمت المصالح الإنجليزية والفرنسية في هذا المشروع وهاجت بينهما الإحن القديمة ~~إلى حد أن وجدت الحكومتان الإنجليزية والفرنسية ضرورة المحافظة على تحالفهما وعلاقاتهما ~~الطيبة، فاتفقتا فيما بينهما على أن ms014 تمتنعا عن التدخل الفعلي لا بتعضيد المشروع ولا بالعمل ~~على فشله، ولكن هذا الاتفاق لم يمنع الحكومة البريطانية من أن تتابع خطتها في بث العقبات ~~والعراقيل أمام المشروع الفرنسي، وهذا الموقف اضطر صاحب المشروع للقيام بالدعاية للمشروع في ~~إنجلترا ذاتها. # وكان على رأس الوزارة في إنجلترا في ذلك الوقت لورد بامرستون، وهو يمثل الرجل الإنجليزي ~~والسياسي الإنجليزي أصدق تمثيل، فهو مؤمن بتفوق إنجلترا، ويعمل لعظمتها وخدمة مصالحها قبل ~~كل شيء، ويرى أنه من الواجب على الدول الأخرى أن تستمع لآراء إنجلترا بما لها من مركز ممتاز ~~في العالم، وهو لا يتقيد كثيرا بالخيالات ولا تؤثر فيه النواحي العاطفية إذا ما تعارضت مع ~~مصالح إنجلترا الحقيقية، وهو ملم تماما بأمور السياسة الخارجية لا تفوته صغيرة ولا ~~كبيرة من أمورها. # وهو من أكبر دعاة الإمبراطورية، ومن القائلين بضرورة حماية مواصلاتها وطرق تجارتها، وهو ~~الذي وضع سياسة إنجلترا التقليدية في الشرق الأدنى، فليس إذن غريبا أن يعارض هذا الرجل كل ~~مشروع فرنسي، فهو لا يوافق على مشروع القناة؛ لأنه يرى أن المشروع يتعارض مع مصالح إنجلترا ~~الإمبراطورية، وهو لا يثق كثيرا في استقرار الأمور السياسية في فرنسا، وخاصة ما يتعلق ~~منها بنظام الحكم، ويرى أن إنجلترا يجب أن تتمسك بطريق الأطلنطي لأنها تستطيع الإشراف عليه، ~~وهي مشرفة عليه بالفعل. # فهو يعترف بأن حكومة نابليون الثالث صديقة لإنجلترا، ولكنه لا يستطيع أن يضمن أن الحكومة ~~التي تخلفها في المستقبل ستحافظ على ولاء إنجلترا، فقد تستغل هذه الطريق الجديدة لمناوأة ~~النفوذ البريطاني ومحاربة المصالح الإنجليزية فيما وراء البحار. # ولذلك حين حاول دي لسبس الاتصال به لم يجد منه أذنا صاغية، فلقد بين بامرستون لصاحب ~~المشروع بصراحة ووضوح، شأنه في كل تصريحاته السياسية، بأنه لا يوافق على ذلك المشروع فهو ~~غير عملي ولا يمكن تنفيذه. # على أن موقف الحكومة الإنجليزية العدائي لم يدع دي لسبس إلى القنوط أو إلى التنازل عن ~~فكرته؛ ولذا فهو يحاول الاتصال بالزعماء الإنجليز الآخرين من أمثال كوبدن، وجلادستون، وحاول ~~كذلك الاتصال ms015 بالرأي العام الإنجليزي، يقنعه بقيمة المشروع من الناحية العملية ومن ~~الناحيتين الحضارية والإنسانية، أرسل خطابات إلى أعضاء البرلمان الإنجليزي، وإلى إدارة شركة ~~الهند الشرقية، وأصحاب السفن، وأعضاء الغرف التجارية، وكبار رجال الصناعة وأصحاب المصارف، ~~يحاول أن يقنعهم بفائدة المشروع من الناحية العملية والمالية، ولم تذهب كل مساعي دي لسبس ~~دون جدوى، فلقد أظهرت شركة الهند الشرقية عطفها على مشروعه، وكذلك بعض شركات خطوط الملاحة ~~لا سيما شركة ال P. & ~~O. ~~. # والواقع أن الرأي العام البريطاني لم يكن مجمعا على معارضة المشروع، كما كانت الحكومة ~~الإنجليزية معارضة له، فلقد كان جانب منه محبذا للناحية التجارية للمشروع، وهذا شجع دي ~~لسبس على أن يسير قدما في مشروعه وفي طريقه، وأن يبين للرأي العام الإنجليزي أن المشروع ~~ممكن تنفيذه من الناحية العملية، فأعلن أن تقارير المهندسين الفرنسيين من أمثال لينان بك ~~وموجل بك قد أثبتت بطريقة لا تقبل الشك أن المشروع من الناحية الهندسية عملي وممكن ~~تنفيذه. # ولم يقتصر دي لسبس على ذلك، فهو رجل جم النشاط ممتلئ بمشروعه، موقن بقيمته، كبير الأمل ~~في تحقيقه، كون دي لسبس لجنة دولية ضم إليها عددا من كبار المهندسين الإنجليز أنفسهم ~~لفحص المشروع ودراسته والتقرير عن إمكان تنفيذه. # ولقد بدأت اللجنة الدولية عملها في سنة 1855، وانتهت من وضع التقرير في يناير سنة 1856، ~~ولو أنه لم ينشر إلا بعد ذلك، وفي ذلك التقرير أيدت اللجنة الدولية إنشاء القناة البحرية ~~التي تصل ما بين البحرين، وبينت أن التنفيذ ليس صعبا كما يتصور المعارضون، وأن النجاح في ~~إنجاز المشروع ممكن. # وعلى أساس هذا التقرير الجديد، حاول دي لسبس في يوليو سنة 1857 الإجابة على اعتراضات ~~بامرستون، وبين أن هذه الاعتراضات قائمة على أسس تجارية وفنية وسياسية، فمن الناحية ~~التجارية قيمة المشروع لا تقدر لإنجلترا، لا يحتاج ذلك إلى بيان، فطريق القناة - إذا تمت ~~- أقرب الطرق إلى الشرق وفي هذا توفير للوقت والمال والجهد، وأما من الناحية العملية فهذا ~~تقرير اللجنة الدولية التي تجمع بين أعضائها عددا من كبار المهندسين ms016 الإنجليز يقول بأن ~~المشروع عملي وممكن تنفيذه، وقد أيدت هذا التقرير أكاديمية العلوم في باريس والمعهد ~~الإمبراطوري الفرنسي، وأما من الناحية السياسية فآراء لورد بامرستون قائمة على أساس أخطار ~~وهمية على الهند والإمبراطورية العثمانية، ولا خطر على الدولة الإنجليزية من مشروع القناة ~~طالما يملك الإنجليز جبل طارق ومالطة وعدن وجزيرة پريم، أما الدولة العثمانية فمركزها مضمون ~~بالمعاهدات والمواثيق الدولية، بل إن فتح القناة سيجعل مصر بمنأى عن أطماع الدول الأوربية ~~إذ سيجعل لها مركزا محايدا، وفي هذا كما يرى دي لسبس تأييد لسياسة الإنجليز التقليدية في ~~المحافظة على سلامة الدولة العثمانية. # كان دي لسبس يرى أن لهجة بامرستون متناقضة وغير منطقية وغير معقولة، فلا داعي في نظر دي ~~لسبس لأن يعتقد بامرستون أن سياسة فرنسا مريبة، وأن فرنسا هي التي شجعت محمد علي على مناوأة ~~إنجلترا، وأن ذهب لوي فيليب ملك فرنسا هو الذي أنشأ قلاع الإسكندرية وأن مشروع القناة ~~يرمي إلى مناوأة إنجلترا. # وعلى أي حال فلقد نال دي لسبس على أساس تقرير اللجنة الدولية من سعيد باشا امتيازا ~~جديدا خاصا بالقناة روعى فيه مقابلة بعض مخاوف إنجلترا، فلقد نص فيه على حياد القناة، ~~وأن معظم من سيقومون بالتنفيذ مصريون لا فرنسيون، كما نص فيه أيضا على ضرورة موافقة الباب ~~العالي، ولقد كان تكوين هذه اللجنة الدولية، والنتيجة التي وصلت إليها، من العوامل التي ~~زادت ثقة دي لسبس في مشروعه، وضمت جانبا كبيرا من الرأي العام الإنجليزي والعالمي إلى صفه ~~في مشروعه الجريء. # على أن الحكومة الإنجليزية استمرت في معارضتها للمشروع، وبررت ذلك الموقف بتعارض المشروع ~~مع سياسة إنجلترا التقليدية إزاء الدولة العثمانية، وأنه سيوجد فاصلا مائيا بين مصر ~~وتركيا، وردد بامرستون هذا الرأي بصراحة تامة في مجلس العموم البريطاني في شهر يولية سنة ~~1857، فلما ثار موضوع القناة في مجلس العموم البريطاني في يونية سنة 1858، أعلن بامرستون أن ~~تنفيذ المشروع سيعمل على انحلال الإمبراطوريتين العثمانية والبريطانية، وأن السكة الحديدية ~~بين القاهرة والإسكندرية تكفي لخدمة مصالح لإنجلترا أكثر بكثير من ms017 حفر القناة، وأبان ~~جلادستون في الجلسة نفسها عن ضعف هذه الفكرة، وذكر أن القناة مجرى مائي، وإذا قدر لها أن ~~تقع في يد أية دولة، فستقع في يد أقوى الدول البحرية وهي إنجلترا، وطلب من الأعضاء أن ~~ينظروا إلى مشروع القناة لا كمشروع سياسي ولكن كمشروع تجاري قبل كل شيء، ولكن آراء جلادستون ~~وإن تركت أثرا في الرأي العام البريطاني إلا أنها لم تحول الحكومة البريطانية عن ~~رأيها. # فلقد عبر لورد كلارندون وزير الخارجية إذ ذاك عن رأي الحكومة البريطانية في ضرورة الوقوف ~~أمام المشروع، بل وأنذر الباب العالي بأنه إذا صدق على الامتياز الممنوح لدي لسبس، فيجب ألا ~~ينتظر أن تستمر بريطانيا أو غيرها من الدول الكبرى الأوربية في سياسة المحافظة على الدولة ~~العثمانية وعلى سلامتها، ولم تجد محاولات الإمبراطور نابليون الثالث لإقناع الحكومة ~~البريطانية بالكف عن معارضتها. # ولم يمنع هذا دي لسبس من المضي في تنفيذ مشروعه، فلو استطاع جمع المال اللازم لتنفيذ ~~المشروع، لهدم هذا حجة قوية من حجج الحكومة الإنجليزية بأن المشروع غير عملي، وأنه لن ~~يقبل على المساهمة فيه أحد؛ ولذا لما فتح دي لسبس باب الاكتتاب في المشروع تهافت عليه الناس ~~في أوروبا، فكان نجاح الاكتتاب من عناصر تقوية المشروع وتأييده، وإن كان الإنجليز لم ~~يكتتبوا في الأسهم التي كانت مخصصة لهم. # ولكن ما تطلبه تنفيذ المشروع من نفقات باهظة وما لاقاه من صعوبات في أول الأمر كاد يودي ~~بكل المشروع، لولا العطف والتأييد الذي لاقاه من إمبراطور الفرنسيين ومن الحكومة الفرنسية ~~والرأي العام الفرنسي. # إذ إنه في سنة 1860 بعد أن تابعت شركة القناة أعمال الحفر، كتبت الصحف الإنجليزية مثل ~~«الديلي نيوز» و«التيمز» تسخر من المشروع، وتبين أن من السهل حفر حفر في الصحراء وجمع ~~أكوام من التراب الذي تذروه الرياح، فيغطى الحفر من جديد، وأبانت عن أن المشروع فاشل لا ~~محالة وسيكلف كثيرا من النفقات التي لا تستطيع القيام بها شركة خاصة، وردد هذا القول في ~~البرلمان الإنجليزي، فقال بامرستون: إن المشروع ms018 مجرد جعجعة وخداع، وإنه سيكلف من الوقت ~~والمال والعمل ما لا تستطيعه شركة القناة، وذكر في خلال كلامه أن والي مصر قد اضطر إلى ~~الاقتراض من مصرف في مارسيليا للوفاء ببعض التزاماته إزاء شركة القناة. # وفي السنة التالية في مايو ثارت في البرلمان الإنجليزي المعارضة شديدة ضد المشروع ~~الفرنسي، وتكرر نفس الطعن السابق، فالمشروع في نظر بعض الأعضاء غير عملي من الناحية ~~التجارية، فهو كثير النفقات كبير الخسارة على المساهمين، وفوق كل ذلك فهو يعطي الشركة ~~الفرنسية أراضي شاسعة في قلب مصر حول القناة، وأن الحكومة الفرنسية قد تستطيع استخدام هذه ~~الأراضي لمصلحتها الخاصة والاستفادة من مركز المنطقة الاستراتيجي، وذكر بعض الأعضاء أن ~~المشروع في نظر فرنسا له قيمته الاستراتيجية، وأنه لا يمكن اعتبار شركة القناة شركة خاصة، ~~فهي شركة تتكلم باسم الشعب الفرنسي وتدعي أنها تمثل الحكومة الفرنسية وتطلب تأييدها في كل ~~حين، وأشير إلى زيادة عدد الرعايا الفرنسيين في مصر، وطلب إلى الحكومة الإنجليزية أن تستوضح ~~من الحكومة الفرنسية موقفها إزاء هذا المشروع. # وأجاب ممثل الحكومة البريطانية في البرلمان بأن سياسة بريطانيا لم تتغير، فهي تراقب ~~الموقف بدقة متناهية، وهي لا تعترض على المشروع كمشروع تجاري ولكنها تنظر إليه بالنسبة ~~لتركيا وإزاء مركز مصر السياسي، ونادى بعض الأعضاء بأنه يكفي إنجلترا المحافظة على بوسفور ~~واحد، وأنه لا معنى لمشروع يضع إنجلترا بين يدي فرنسا؛ لأنه إذا نفذ المشروع؛ فعندئذ ~~تستطيع فرنسا إرسال أساطيلها بسرعة، وقطع المواصلات بين إنجلترا والهند؛ ولذا فلا مناص ~~لإنجلترا من معارضة المشروع. # ولجأت إنجلترا إلى عرقلة المشروع في دور التنفيذ من ناحية أخرى، فأثارت مسألة تسخير ~~الفلاحين في أعمال الحفر، فهاجمت الصحف الإنجليزية تسخير الفلاحين على أساس أنه ليس إلا ~~صورة من صور الرق، ووصفت ما يلاقيه هؤلاء العمال من عذاب وقسوة، مثلهم في ذلك مثل ~~الرقيق في الولايات الجنوبية للولايات المتحدة. # ولقد أثير مرارا موضوع السخرة في البرلمان الإنجليزي، وطالب بعض النواب الحكومة ~~الإنجليزية بأن تعمل ما في وسعها للتخفيف من آلام وشقاء ms019 هؤلاء البؤساء. # على أن محاولة الإنجليز عرقلة المشروع من هذه الناحية لم تنجح كثيرا، فلقد أسرع دي لسبس ~~في تنفيذ مشروعه ليضع الحكومتين العثمانية والإنجليزية أمام أمر واقع، والتنفيذ من شأنه أن ~~يقنع الحكومة الفرنسية بضرورة تأييد المشروع وحماية أموال المساهمين الفرنسيين، وفي 18 ~~أكتوبر سنة 1862 وصلت مياه البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة التمساح، فالنجاح الذي أحرزه ~~أعظم أبناء فرنسا من المغامرين في منطقة صحراوية، كان لها أثره المشهود على الرأي العام ~~الأوربي والإنجليزي. # ولم يحول هذا الحكومة البريطانية عن رأيها وعن عدائها للمشروع ولتنفيذه، فعادت إلى ~~الاحتجاج الشديد على شروط الامتياز، فهي شروط كما بينت مجحفة بحقوق السلطان وحقوق واليه على ~~مصر، وأقنعت الباب العالي بضرورة إرجاء موافقته إلى أن تنتهي الشركة من تسخير الفلاحين ~~المصريين. # ولقد كان الفلاحون المصريون يجمعون جمعا، ويساق بهم إلى أماكن الحفر كالأنعام أو ~~كالرقيق الذليل، وذلك في أعداد كبيرة قد تصل إلى عشرين ألفا طوال أيام السنة تقريبا، ~~وهناك يسامون الخسف فلا يعنى بصحتهم ولا بمعاملتهم كآدميين لهم حقوق الإنسان العادي، ~~وكانت «المتاعب والآلام لا تقتصر على هؤلاء العمال وحدهم، بل كذلك على زوجاتهم وأطفالهم ~~الذين كانوا يتركون بغير عائل، وكثيرا ما كانت الشركة تتوقف عن دفع أجورهم الزهيدة التي ~~لا تسمن ولا تغني من جوع.» هذا ما قاله خصوم الفرنسيين في مجلس النواب البريطاني، والواقع ~~أن العمال كان يجمعون من كل أجزاء مصر، ويسيرون المسافات الطويلة حتى يصلوا إلى مناطق ~~الحفر، ثم يقطعون المسافات الطويلة إلى القاهرة لصرف الصكوك المعطاة لهم، ويقاسون الأمرين ~~في سبيل ذلك. ~~••• # ولم يؤثر موت سعيد باشا تأثيرا كبيرا في تصميم الشركة على إنجاز المشروع، وإن كانت ~~الشركة قد فقدت فيه عونا كبيرا، ولكن إسماعيل باشا كان لحسن حظ الشركة، مؤيدا من ناحية ~~المبدأ للمشروع، فهو يرى أن المشروع إذا تم إنجازه فسيجعل لمصر مركزا ممتازا في العالم، ~~وسيجعل لاسم حاكم مصر دويا لم يكن له من قبل. # ولكن إسماعيل باشا لم يكن يرضى عن كل شروط ms020 الامتياز، وخاصة ما كان متصلا منها بالسخرة، ~~فلم يكن ليرضى عن تسخير الفلاحيين المصريين، ورأى مقدار الخسارة التي تحل بمصر والزراعة من ~~جراء ذلك، إذ مصر في ذلك الوقت بلد زراعي قبل كل شيء، فضلا عن أن تسخير الفلاحين المصريين ~~بهذا الشكل يتنافى مع أبسط مبادئ الإنسانية. # واستغلت إنجلترا هذا الموقف الجديد لصالحها، فما كانت الحكومة الإنجليزية ترى أن تترك ~~مسألة تسخير الفلاحين المصريين تمر بسهولة لصالح الشركة، فلقد أرادت انتهاز هذه الفرصة ~~لإرهاق الشركة وعرقلة المشروع، إن لم يكن القضاء المبرم عليه. # لقد استغلت الحكومة الإنجليزية الحركة الإنسانية التي شملت إنجلترا كما شملت غيرها من ~~الدول، لخدمة مصالحها الخاصة في مصر، لبث العراقيل أمام المشروع الفرنسي، فاستمرت الصحافة ~~والرأي العام الإنجليزي في مهاجمة الفرنسيين لاسترقاق الشركة للفلاحين المصريين، ورأت ~~الحكومة الإنجليزية في هذه الحركة وسيلة لحرمان الشركة من الأيدي العاملة التي تعتمد عليها، ~~وأجاب فردنند دي لسبس على ذلك بأن المسألة كلها مفتعلة وليس فيها إخلاص، فلقد نسيت إنجلترا ~~أن السخرة قد استخدمت في إنشاء الخط الحديدي من الإسكندرية إلى القاهرة، فعلى أي أساس تحتج ~~الحكومة الإنجليزية الآن؟! # ولقد تابعت الحكومة الإنجليزية السير في خطتها، فزار السفير الإنجليزي في استامبول، سير ~~هنري بولور، مصر في أواخر عهد سعيد باشا ليطلع بنفسه على أمور الحفر في القناة، وقبل كل ~~شيء، ليرى ما إذا كانت الشركة الفرنسية تقيم تحصينات في منطقة القناة، وليعرف إلى أي حد ~~يسخر الفلاحون المصريون في شق القناة، وربما بالغ سير هنري بولور في وصفه لبعض الأمور في ~~منطقة القناة، وأبدى خشيته من أن تتحول المدن التي تنشأ في منطقة القناة إلى مدن ومستعمرات ~~فرنسية، كما كشف عن تخوفه من إشراف الفرنسيين على هذه المنطقة. # وأشار في غير مبالغة إلى كثرة عدد الفلاحين الذين ينزعون من حقولهم قسرا، وينقلون في بعض ~~الأحيان، وهم عشرات الألوف، إلى حيث يسخرون، ووصف سير هنري بولور قلة أجورهم، وسوء حالهم ~~والبؤس الذي يعانون، والآلام التي يقاسونها، وكانت لآراء سير هنري بولور ms021 تأثير كبير على ~~حكومة الباب العالي التي أسرعت من جانبها إلى مطالبة الحكومة المصرية بإلغاء السخرة. # وكذلك اتصلت الحكومة الإنجليزية بإسماعيل باشا نفسه، وبينت له الأضرار البليغة الناشئة عن ~~تسخير الفلاحين، وأثر ذلك في الزراعة المصرية التي حرمت من جانب كبير من الأيدي العاملة ~~التي تشتغل فيها؛ ولذا فإسماعيل باشا، وإن كان مؤيدا لإنجاز المشروع، إلا أنه كان يرى ~~إلغاء الشروط التي لم تراع فيها حقوق مصر، فهو إذن يرمي إلى إلغاء السخرة في حفر القناة ~~تؤيده إنجلترا في ذلك، وثانيا: هو يرى إلغاء امتلاك الشركة للأراضي الكبيرة التي أخذتها في ~~منطقة القناة، فامتياز الأراضي يخول الشركة وضع جاليات أجنبية فيها لاستغلالها، وهذه ~~الجاليات لها أن تتمتع بنفس الامتيازات التي يتمتع بها الأجانب في مصر، وكانت إنجلترا تؤيده ~~في هذه الناحية لأنها تخشى أن تغدو هذه الأراضي مستعمرات فرنسية في منطقة القناة. # ولذا كان إسماعيل باشا يرمي من وراء إلغاء هذين الشرطين في الامتياز إلى مصلحة قومية، إلى ~~رد اعتبار المصريين، ومعالجة نقص الأيدي العاملة في الزراعة، في فرصة لا بد من انتهازها، ~~ولا سيما بعد قيام الحرب الأهلية الأمريكية، وزيادة الحاجة إلى القطن المصري الذي ارتفعت ~~أسعاره ارتفاعا كبيرا، ثم إن إسماعيل باشا يطمح كذلك إلى إنشاء إمبراطورية كإمبراطورية ~~جده العظيم، والجيش الذي يعتمد على الفلاحين هو أداتها الأولى، وإسماعيل باشا بعد ذلك قد ~~أعلن صوته إلى جانب الحركة الإنسانية التي ترمي إلى إلغاء الرقيق، فكان عليه أن يقوم ~~بمحاولة حاسمة لإلغاء تسخير الفلاحين في حفر القناة. # وأما إنجلترا فهي تهدف إلى منع الفرنسيين من إنشاء مستعمرات فرنسية لهم في مصر، وهي تريد ~~في نفس الوقت توفير العدد اللازم من الفلاحين للاهتمام بزراعة القطن التي كانت مصانع ~~إنجلترا في أشد الحاجة إليه نظرا لقيام الحرب الأهلية الأمريكية، لقد ربط الإنجليز بين ~~مشروع القناة والرق. وحاولوا الخفض من شأن مشروع القناة لاتصاله بمسألة تسخير الفلاحين، ~~وأفلحوا في إحداث كثير من القلق والاضطراب في دوائر شركة القناة. # وسرت إنجلترا للجفاء الذي ms022 ساء علاقة إسماعيل باشا بالقنصل الفرنسي العام دي بوفال، ~~فذلك القنصل قد بذل كل جهد مستطاع في تأييد دي لسبس في كل ما قام به، وفي كل مطالبه من ~~الحكومة المصرية بشأن القناة، ولم تحزن الحكومة البريطانية كثيرا لسحب الحكومة الفرنسية له ~~من مصر، وكانت إنجلترا تبني كثيرا من الآمال على موقف إسماعيل بإزاء امتياز القناة، وترى ~~في مطالب إسماعيل باشا بإلغاء السخرة وإرجاع ملكية الأراضي لمصر مسألة قد تؤدي إلى فشل ~~المشروع الفرنسي وعدم إنجازه. # ولقد اعتقدت شركة القناة في وقت ما أن تفكير إسماعيل باشا الجدي في إلغاء السخرة وتأييد ~~إنجلترا له ضربة قد تذهب بالمشروع كله، واضطربت لذلك دوائرها، وأخذت تفكر في تعديل سياستها ~~إزاء العمال المصريين، ولقد وجدت الصحافة الإنجليزية في موقف إسماعيل باشا تأييدا لتشديد ~~مهاجمتها لمشروع القناة، وفعلا انخفضت أثمان أسهم القناة، وساد الذعر بين ~~المساهمين. # على أن دي لسبس لم يفقد الأمل في نجاح مشروعه، فهو يلتجئ إلى نابليون الثالث لحماية ~~المشروع الفرنسي. # واضطر إسماعيل باشا إلى أن يلتجئ إلى الباب العالي يطلب تأييده أمام فرنسا، فهو يخشى ~~بطبيعة الحال غضب الحكومة الفرنسية، والتجأ الباب العالي من جانبه إلى إنجلترا، فأبدى سفير ~~إنجلترا في استامبول رأيه في أن الامتياز الممنوح لا قيمة له طالما لم يوافق الباب العالي ~~عليه، ولكن الحكومة العثمانية لم تكن تجرؤ على اتخاذ مثل هذه الخطوة وتلغي الامتياز، وخاصة ~~بعد أن سار المشروع الفرنسي في دور التنفيذ مدة أربع سنوات، فالحكومة الفرنسية لا بد وأن ~~تحتضن المشروع حتى تحافظ على مصالح وأموال رعاياها. # وانتهز السفير البريطاني فرصة وجود إسماعيل باشا في العاصمة التركية سنة 1863 ليحضه هو ~~وحكومة الباب العالي على الصمود أمام فرنسا، فإنجلترا لن تقوم بتأييد الاثنين إلا إذا حافظا ~~على مصالحهما واستقلالهما، وبين للفريقين أنه لا مناص من وضع حد لتسخير الفلاحين ~~المصريين، ولا بد من أن تدفع الشركة أجورا معقولة لهم، ونبه إلى أن عقد الامتياز لا ~~يصبح ملزما إلا إذا وافقت على كل شروطه ms023 الحكومة العثمانية، فهي إذن تستطيع تعديل الشروط ~~التي تراها منافية لمصلحتها ولمصلحة مصر، وليس للحكومة الفرنسية إذن حق الاحتجاج، وأن على ~~الدولة العثمانية اتخاذ كل التدابير لحماية مصالحها لا تخشى في ذلك لومة لائم، وأن تبلغ ~~قراراتها للدول الكبرى، وقد ذكر السير هنري بلور الحكومة العثمانية أن الحكومة الإنجليزية ~~لن ترضيها أن ترى سيادة الباب العالي وحكومة الوالي في مصر ستارا لنفوذ دولة أجنبية، وكان ~~الهدف الذي ترنو إليه الحكومة الإنجليزية من كل هذا هو أن توقع شركة القناة في أزمة مالية ~~كبيرة وأن تقضي على الثقة فيها. # ولكن آمال إنجلترا في القضاء على المشروع انهارت حين علمت أن إسماعيل باشا حين رجع إلى ~~مصر وصل إلى اتفاق مع شركة القناة، فهذا الاتفاق مع الشركة فيه اعتراف ضمني بمركزها وبقيمة ~~المشروع، فلقد أخذت الحكومة المصرية على عاتقها حفر الترعة العذبة من القاهرة إلى وادي ~~الطميلات في مقابل تنازل الشركة عن حقوقها في الأراضي الواقعة على جانبي الترعة، واتفق ~~إسماعيل باشا أيضا مع الشركة على تقصير المدد التي تدفع فيها الحكومة المصرية الأقساط ~~المستحقة من ثمن الأسهم. # ثارت ثائرة إنجلترا لذلك، ووبخت الحكومة البريطانية قنصلها العام، وبذلت جهدها لإلغاء ~~الاتفاقية، وأرسلت إلى إسماعيل تنذره بأن دي لسبس ينتقص من سلطة الوالي، وأن الخطر لا شك ~~محدق بمركزه إذا استمر في هذه الخطوة واستمع للفرنسيين، ولكن إسماعيل باشا وجه لهذا الإنذار ~~أذنا صماء. # وحين أراد السلطان عبد العزيز زيارة مصر، عارضت إنجلترا في هذه الزياة خوفا من أن تحاول ~~الشركة الاتصال به في مصر والتأثير عليه، واهتمت إنجلترا بمراقبة المشرفين على أمور الشركة ~~في مصر، ومعرفة مدى اتصالهم بحاشية السلطان، ولهذا الغرض أرسل السفير البريطاني في استامبول ~~سكرتيره إلى مصر. # وكان المشرفون على الشركة في مصر من جانبهم يتوقون لزيارة السلطان العثماني منطقة القناة، ~~فلقد كانت خطة الشركة في مثل هذه الظروف دعوة العظماء وأولي الأمر لرؤية المشروع وهو في دور ~~التنفيذ وزيارة مناطق الحفر، وكانت ترى في ذلك دعاية لها وتقوية ms024 لمركزها في مصر ~~والخارج. # ولقد حاول دي لسبس الاتصال فعلا بحاشية السلطان، ولكن إنجلترا ارتاحت تماما لعدم زيارة ~~السلطان مناطق الحفر، وكانت قد طلبت منه بالفعل عدم زيارة هذه المناطق، ولقد انقاد السلطان ~~لمشورة إنجلترا، ولم يكتف بذلك، بل بعث بمذكرة سياسية إلى كل من الحكومتين الإنجليزية ~~والفرنسية يبين فيه وجهة نظره فيما يختص بضرورة تعديل شروط الامتياز فيما يتعلق بالسخرة ~~واسترداد الأراضي حول القناة من الشركة، وكما كانت الحكومة الإنجليزية تراقب الحالة بدقة عن ~~كثب، كانت الحكومة الفرنسية متنبهة للموقف، فهي تحذر إسماعيل باشا عواقب القيام بعمل يمس ~~مشروع القناة قبل أن يحيطها علما بذلك، وكان القنصل الفرنسي العام في مصر من ناحيته ~~متيقظا كل التيقظ يخابر حكومته في كل الأمور المتصلة بمشروع القناة، وما تقوم به الحكومة ~~المصرية أو قنصل إنجلترا في مصر من خطوات قد تؤثر في مستقبل ذلك المشروع. # ولقد استمر النزاع قائما بين إسماعيل باشا وشركة قناة السويس إلى أن قبل إسماعيل باشا ~~تحكيم الإمبراطور نابليون الثالث، ففض ذلك النزاع، وذلك بأن أجيب والي مصر إلى تعديل ~~الشرطين الخاصين بتسخير الفلاحين المصريين وبامتلاك شركة القناة للأراضي سالفة الذكر، نظير ~~دفع إسماعيل باشا تعويضا للشركة يبلغ ثلاثة ملايين من الجنيهات تدفع على خمسة عشر عاما، ~~وبذا رجع إلى حوزة مصر 180 ألف فدان وبقي للشركة 30 ألفا. # ولم تستطع إنجلترا أن تعارض في تحكيم إمبراطور الفرنسيين ولا في الحكم الذي أصدره، وبذا ~~زاد مركز شركة القناة قوة، وزادت الثقة بها، وتمكنت من أن تسير في تنفيذ مشروعها حتى ~~استطاعت أخيرا إنجازه. # وبعد أن تم الاتفاق بين إسماعيل باشا والشركة، لم يجد الباب العالي - وخاصة بعد أن أصلح ~~إسماعيل باشا علاقته به - بدا من الموافقة على الامتياز الممنوح لشركة قناة السويس، فأصبح ~~مركزها بذلك قانوينا، ولم تعد إنجلترا بمستطيعة مهاجمة المشروع من هذه الناحية؛ وقوي ~~مركز الشركة نتيجة لذلك، ووضع حد نهائي لمحاولة إنجلترا عرقلة المشروع. # ولولا تأييد كل من فرنسا والنمسا للمشروع، ولولا صبر فردنند دي ms025 لسبس ومثابرته، ولولا عطف ~~إسماعيل باشا على المشروع، لنجحت محاولات إنجلترا في القضاء نهائيا على المشروع. # وافتتحت القناة في سنة 1869، وهنأ وزير الخارجية الإنجليزية لورد كلارندن دي لسبس، كما ~~هنأ الشعب الفرنسي والحكومة الفرنسية، ومنحت الحكومة الإنجليزية دي لسبس النياشين، واستقبل ~~في لندن استقبالا مشهودا. # الفصل الثالث # | ديزريلي وقناة السويس # شراء إنجلترا لأسهم الخديو في القناة سنة 1875 # ولما تم وصل البحرين الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، أصبحت قناة السويس التي توصل بينهما ~~من أهم المجاري المائية البحرية في العالم، ولو أنها فصلت بين قارتين، آسيا وأفريقية، إلا ~~أنها ربطت بين الشرق والغرب، وأحكمت الصلة بينهما، وأصبحت أقصر وأقرب طريق بين الدول ~~الأوربية الإمبراطورية ومستعمراتها الشرقية. # وقدرت إنجلترا حق القدر قيمة مشروع القناة بالنسبة لها ولإمبراطوريتها وتجارتها وحياتها ~~كأكبر دولة بحرية استعمارية ظهرت في العالم، فلقد قيض لها رجل من أنبغ أبناء فرنسا، ~~جاهد طوال حياته ليخدم بطريقة غير مباشرة مصالحها المادية. # وتمتاز هذه الطريق الجديدة بأن بريطانيا تستطيع ببحريتها المتفوقة حماية تجارتها وسفنها، ~~ومن الوقت الذي افتتحت فيه هذه الطريق أصبحت إلى حد كبير تحت رحمة القوة البحرية، تحت رحمة ~~قوة بريطانيا البحرية، وخاصة بعد الكارثة السياسية والحربية الكبرى التي حلت بفرنسا في ~~الحرب الفرنسية الألمانية سنة 1870. # وستصبح إنجلترا أولى الدول في المرور في القناة الجديدة، ولم تعد أهمية القناة في نظرها ~~قاصرة على وقت السلم، بل كذلك في وقت الحرب، إذ أصبحت القناة الطريق الرئيسية لمرور السفن ~~والقوات والمعدات الحربية البريطانية إلى شرقي أفريقية والشرقين الأوسط والأقصى ~~وأستراليا ونيوزيلند. أصبحت القناة الطريق الرئيسية لمد نفوذ بريطانيا وسلطانها في ~~شرقي العالم وفي آسيا، وخاصة في وقت بدأ يطغى فيه الإمبريالزم والاستعمار على عقول الناس ~~في إنجلترا وفي غرب أوروبا. # ولذا ستهتم كل الحكومات البريطانية مهما تعددت ألوانها الحزبية أو اختلفت برامجها ~~السياسية لا بحياد القناة؛ وإنما بحرية المرور فيها لكل السفن التجارية والحربية في ~~وقت السلم والحرب. # وتبعا لاهتمام إنجلترا بحرية المرور في القناة وسلامة القناة في كل الأوقات، ستزداد ms026 في ~~نظرها أهمية مصر التي تخترق القناة أجزاءها الشرقية، لقد ربطت السياسة الإنجليزية مصير مصر ~~ومستقبلها بمصير القناة، وأصبحت مشكلة القناة إلى حد كبير مشكلة مصر. # ونشأت الفكرة التي تقول: إن من الواجب على الحكومة الإنجليزية بعد أن تبينت أهمية ~~القناة الحيوية لها، شراء الشركة جميعها والإشراف إشرافا تاما على إدارة القناة، وربما ~~ظن بعض الناس أن الخديو إسماعيل كان يفضل أن تستولي شركة إنجليزية على إدارة القناة، ولقد ~~ثارت فعلا في سنة 1874 الإشاعة التي تقول: إن الخديو والباب العالي كانا يفكران جديا ~~في بيع القناة لبريطانيا؛ لأن بريطانيا أكثر الدول اهتماما بالقناة بعد فتحها، ويقال: إن ~~هذا كان من رأي الجنرال ستانتون قنصل إنجلترا العام في مصر أيضا، فهو الذي خاطب حكومته في ~~هذا الشأن، وأيده بعض أعضاء الوزارة الإنجليزية، ولكن جلادستون رئيس الوزارة ومعه لورد ~~جرانفل وجها لهذه الفكرة أذنا صماء، إذ رفضا أن تقوم إنجلترا بتعويض حملة أسهم القناة ~~عما لحق بهم من خسارة مادية، ويقال أيضا: إن فردنند دي لسبس ذهب إلى لندن لهذا الغرض، ولكن ~~وزير الخارجية جرانفل رفض المناقشة مع أي فرد أو هيئة في شروط بيع القناة، ولو تحققت هذه ~~الفكرة لتناقضت مع المبدأ الأساسي الذي قامت عليه الشركة العالمية لقناة السويس، فإن وضع ~~هذه القناة تحت إشراف دولة واحدة يتناقض تماما مع الفكرة العالمية التي قام عليها الامتياز ~~الذي منح للشركة. # وربما كان فردنند دي لسبس نفسه يفكر، أمام الصعوبات المادية والخسارة التي لاقتها شركة ~~القناة في سنيها الأولى، في أن تباع الشركة للدول البحرية الأوربية، وذلك حتى يضمن ~~تماما دوليتها وحيادها. ولكن الحكومة البريطانية لم توافق على هذه الفكرة، وكذلك الحكومة ~~العثمانية ما كانت لتنصت أبدا لمثل هذه المشاريع التي تتعارض بطبيعة الحال مع حقوق ~~سيادتها، فشركة القناة شركة مصرية خاضعة للقوانين والتقاليد العثمانية. # وربما كانت إنجلترا تظن في بعض الأوقات أن مصلحتها تقضي بأن تدير القناة شركة دولية لا ~~فرنسية، ولقد أعلن لورد داربي وزير الخارجية البريطانية في سنة ms027 1874 أنه لا يمانع في ذلك، ~~وكرر هذا الرأي في سنة 1875، على أساس أن وجود هذه الطريق العالمية العظيمة في يد شركة خاصة ~~قد يثير كثيرا من الصعوبات والتعقيدات، ولكن مثل هذه الأفكار لم تخرج إلى حيز التنفيذ، ~~وظلت شركة القناة كما هي. # وبينما كان ديزريلي زعيم المحافظين في إنجلترا، ورئيس الحكومة الإنجليزية، موجها نظره ~~إلى تطور المسألة الشرقية في سنة 1875 إذ وصل إلى علمه وجود مفاوضات في باريس بين الحكومة ~~المصرية وشركة فرنسية لرهن أسهم الخديو إسماعيل في قناة السويس، ولقد اتصل فردريك جرينورد ~~أحد البارزين من رجال الصحافة الإنجليزية والمحرر في مجلة ال «پال مال» بلورد داربي وزير ~~الخارجية البريطانية، وأكد نبأ هذه المفاوضات، وبين أن مصلحة إنجلترا تقتضي أن تسرع ~~الحكومة البريطانية فتشتري هذه الأسهم، والسبب في تقديم الخديو إسماعيل هذه الأسهم للرهن أو ~~البيع هو ما أصاب ميزانية مصر من عجز عن سداد أقساط الديون المتراكمة أو فوائدها الفادحة، ~~وكان عليه أن يجد في شهر نوفمبر في خلال إسبوعين مبلغ أربعة ملايين من الجنيهات. # وكان أمام الخديو إسماعيل إما رهن هذه الأسهم أو تقديمها للبيع، ووضعت الشركة الفرنسية ~~التي كانت تجرى معها هذه المفاوضات شروطا قاسية لإقراض الخديو المبلغ المطلوب، جعلته ~~يتردد كثيرا في التصديق النهائي على شروطها. # وحين عرضت الفكرة على الحكومة الإنجليزية لم يرحب بها داربي كثيرا، ولم يكن ذلك عن ~~قناعة أو تفكير صحيح، ولكن أفق خياله كان ضيقا، وتنقصه الجرأة في كثير من الأمور. # ولكن رئيس الوزارة بنجامن ديزريلي لحظ بسرعة أهمية الصفقة لإنجلترا من الناحية السياسية ~~والإمبراطورية، وخاصة من الناحية السياسية. وكتب للملكة فكتوريا في 18 نوفمبر سنة 1875 ~~يقول: # إن خديو مصر على وشك الإفلاس المالي، وإنه يرغب في بيع أسهمه في قناة السويس، ~~واتصل لذلك الغرض بالجنرال ستانتون ... إنها مسألة ملايين أربعة على الأقل، ولكنها ~~تعطي لمالكها نفوذا عظيما إن لم يكن متفوقا في إدارة القناة، وإنه حيوي لسلطة ~~جلالتك ومركزك في هذا الوقت العصيب أن تصبح القناة ms028 ملكا لإنجلترا ... ولقد حاولت أن ~~أقنع داربي، ونجحت في إقناعه بأهمية تحول مصالح الخديو إلينا. # ولقد حاول ديزريلي بالفعل أن يقنع زملاءه في الوزارة بأهمية الصفقة لإنجلترا، ونال في آخر ~~الأمر موافقتهم جميعا على مبدأ شراء الحكومة الإنجليزية لأسهم الخديو إسماعيل في قناة ~~السويس، بعد أن تمسك عدد منهم بمعارضة الفكرة إلى آخر لحظة، ولقد استصوبوا جميعا في آخر ~~الأمر رأي رئيسهم؛ لأن الحوادث - كما اعترفوا هم بذلك - قد أيدت وجهته، وأثبتت بعد ~~نظره. # رأى ديزريلي أنه يجب على الحكومة الإنجليزية ألا تتأخر يوما واحدا، حيث إن حالة مصر ~~المالية سائرة في طريق الانهيار السريع، والخديو إسماعيل في أشد الحاجة إلى المال، ~~والمنافسون للحكومة الإنجليزية متيقظون، ولقد ظل الخديو إسماعيل فترة كارها لأن يضع نفسه ~~بين يدي الحكومة الإنجليزية وتحت تصرفها، إذ كان يفهم تماما معنى شراء إنجلترا لهذه الأسهم ~~من الناحية السياسية. ولكن كان من الصعب إن لم يكن من المستحيل إيجاد المبلغ اللازم له في ~~فرنسا أمام المعارضة الشديدة التي قامت بها الحكومة الإنجليزية. # ولقد خشي الدوق ديكاز وزير الخارجية الفرنسية في ذلك الوقت، وكان شديد الحرص على صداقة ~~إنجلترا، فهي التي وقفت إلى جانب فرنسا في أزمة ربيع سنة 1875 الشديدة، وأنقذتها من أظفار ~~ألمانيا، خشي ديكاز أن يتدخل لتأييد الشركة الفرنسية إذ كان يعرف ما سيكون لذلك التدخل من ~~أثر على موقف الحكومة الإنجليزية بالنسبة لفرنسا، إذن لتزعزع مركز فرنسا في أوروبا، ~~ولتخاذلت قوتها وتضعضعت أمام الخطر الألماني الذي كان يتهدد دائما حكومة المحافظين في ~~فرنسا؛ ولذا فلا عجب إذا وجد ألا يقدم للشركة الفرنسية أية معونة، وعلى ذلك انتهى الأمر ~~بفشل مسألة الرهن ومعها مشروع الشركة الفرنسية. # كانت هذه الشركة قد طلبت في الواقع ربحا فاحشا على رأس المال، 18٪ فائدة للمبلغ الذي ~~تقدمه للخديو إسماعيل، فإذا عجز حاكم مصر عن أن يدفع لها ذلك المال في وقت معلوم يضيع حقه ~~في 15٪ من الأرباح السنوية لشركة قناة السويس، وتصبح الأسهم ملكا للشركة، واتفق بين ~~الفريقين على ms029 جعل يوم 26 نوفمبر سنة 1875 الموعد النهائي للموافقة على هذه الشروط. # وكان فردنند دي لسبس مدير شركة قناة السويس يؤيد هذه الشركة التي ستقرض الخديو إسماعيل، ~~وكان يحاول إقناع الرأسماليين الفرنسيين بجمع المال اللازم لها، ولقد طلب بالفعل من الحكومة ~~الفرنسية - وكانت حكومة المحافظين - التدخل لصالح الشركة وتأييدها سياسيا، وإزالة العقبات ~~المالية الموجودة أمامها. # ولكن الحكومة الفرنسية في ذلك الوقت كانت ضعيفة مترددة، تهتم أولا وقبل كل شيء بمركزها ~~في أوروبا ومراقبة الخطر الألماني وكسب الأصدقاء، هذا من الناحية الخارجية، وأما من الناحية ~~الداخلية، فكان مركزها مزعزعا لانقسام الملكيين على أنفسهم، يهددها الحزب الجمهوري ~~باستمرار؛ ولذا كانت في حاجة شديدة إلى تأييد إنجلترا السياسي لها وإلى عدم إثارة مشاكل ~~خارجية قد تودي بحكم المحافظين في فرنسا وبمركز فرنسا في أوروبا. # وكانت الحكومة الإنجليزية قد بينت موقفها بالضبط في ذلك الموضوع، فلقد أعلن داربي وزير ~~الخارجية الإنجليزية لجافارد ممثل فرنسا في لندن، بأن الحكومة البريطانية كانت ترى في ~~ملكية الخديو لجانب كبير من أسهم شركة قناة السويس وسيلة للاطمئنان بأن القناة ليست ملكا ~~للفرنسيين وحدهم؛ ولذا فليس أمام إنجلترا إلا أن تعارض معارضة شديدة في وقوع هذه الأسهم في ~~يد شركة فرنسية؛ فالخديو إذا تم الرهن لن تسمح حالته المالية بسداد المبلغ ولا فوائده، ~~فسينتهي الأمر إذن بوقوع هذه الأسهم في يد الشركة الفرنسية نهائيا. # وإن إنجلترا، كما أضاف داربي، تعتبر موقفها هذا ضروريا تمليه أبسط وسائل الدفاع عن ~~مصالحها، فقناة السويس - كما يرى وزير الخارجية البريطانية في ذلك الوقت - هي سبيل ~~المواصلات البريطانية إلى الهند، ولبريطانيا أربعة أخماس التجارة التي تمر بها، وأنه يرى ~~لذلك أن مصلحة بريطانيا في حماية قناة السويس وإدارتها أكبر بكثير من مصلحة أية دولة ~~أخرى. # وأرسلت حكومة لندن تعليمات بذلك إلى ستانتون معتمدها في مصر، فعليه أن يبين للخديو ~~إسماعيل في جلاء وقوة بأن الحكومة البريطانية لن تسمح برهن هذه الأسهم لدى شركة فرنسية، ولا ~~بد من وقف المفاوضات بين عاهل مصر والشركة الفرنسية ms030 مدة؛ حتى تعطى الحكومة البريطانية فرصة ~~لإبداء رأيها في الموضوع. # وعرض ديزريلي لشراء نصيب الخديو في أسهم القناة أربعة ملايين من الجنيهات، وقدم الأمر إلى ~~مجلس الوزراء البريطاني الذي نظر في الموضوع، ووافق على الثمن في 24 نوفمبر، وفي 25 نوفمبر ~~أمضى العقد في القاهرة، وأودعت الأسهم دار قنصلية بريطانيا، لقد تم للإنجليز الاستيلاء على ~~أسهم الخديو إسماعيل في خلال عشرة أيام. # ولما تمت موافقة الحكومة البريطانية على شراء الأسهم، كان لا بد من النظر بسرعة في كيفية ~~تدبير المبلغ اللازم للشراء، فالبرلمان الإنجليزي لم يكن منعقدا، ولا يمكن تدبير المبلغ ~~بغير موافقته، ولا يمكن عقده بسرعة للنظر في هذه المسألة، ولكن الموضوع لم يكن يقبل ~~الانتظار، وإلا ضاعت الصفقة من إنجلترا؛ ولذا تحول ذهن ديزريلي إلى أصدقائه من آل روثتشيلد ~~الماليين المعروفين في إنجلترا، وكان ديزريلي متأكدا من تعاون هذا المصرف معه في سياسته ~~المصرية، ولكنه لم تكن هناك سابقة لمثل هذا العمل الخطير، فماذا يحدث لو رفض البرلمان ~~الإنجليزي حين يجتمع اعتماد ذلك المبلغ، ولكن ديزريلي أخذ المسئولية على نفسه، ومن ناحية ~~ثابتة كان لبيت رثتشيلد ثقة لا تنتهي بديزريلي والحكومة البريطانية التي ضمنت هذا ~~القرض. # وافق إذن بيت رثتشيلد على إقراض الحكومة الإنجليزية مبلغ أربعة ملايين من الجنيهات بفائدة ~~مخفضة، وتم لديزريلي نهائيا إجراء صفقته، وبذلك أصبحت الحكومة البريطانية تملك خمسي ~~الأسهم وأكبر مساهم في قناة السويس. # ولقد أحس زعيم المحافظين بإنجلترا بعظم الصفقة التي قام بها، فلقد كانت نجاحا لا نظير ~~له، وكتب في 24 نوفمبر للملكة فكتوريا يقول بأنها قد نالت الصفقة، وأن الفرنسيين قد غلبوا ~~على أمرهم بعد أن بذلوا جهودهم ... ولقد سلك بيت روثتشيلد مسلكا بديعا، فقدم المال اللازم ~~بفائدة قليلة ... ولقد قدم دي لسبس في آخر لحظة عرضا مغريا للخديو، ولو نجح لأصبحت القناة ~~ملكا لفرنسا ولأغلقتها أمام إنجلترا. # وفرحت الملكة فكتوريا فرحا عظيما بإنجاز هذا العمل، وجاءتها التهاني من دول أوروبا ~~باستثناء روسيا التي أرادت أن تجامل فرنسا، واعتبر ليوبولد ملك ms031 البلجيك هذا العمل كأعظم ~~حادث في السياسة الحديثة، ولقد قابل الرأي العام الإنجليزي هذه الصفقة بحماس كبير، وطرب ~~المعارضون للحكومة من الأحرار لهذه الصفقة، إذ سرهم أن تنال بريطانيا هذا النصيب المهم من ~~أسهم شركة قناة السويس، ولم يهتم الرأي العام البريطاني كثيرا بانتقاد جلادستون زعيم ~~المعارضين للحكومة لهذه الصفقة، فرأيه في هذه المسألة كان شخصيا لا يمثل حزب الأحرار، ~~ودافعه الأول كان الغيرة من ديزريلي والحسد له؛ ولذا فانتقاده لم ينظر إليه. # لقد خطب نورثكوت في البرلمان الإنجليزي قائلا - ما ملخصه: إن شراء هذه الأسهم كما نعتقد ~~في مصلحة إنجلترا ومصلحة مصر، ومصلحة الشركة التي أصبحنا شركاءها، وإنا لنشعر بالود نحو هذه ~~الشركة العظيمة ونحو مؤسسها ومتبنيها، ولدينا الرغبة في المساهمة في هذا المشروع الخطير، ~~وإني أعتقد أن إنجلترا ارتكبت خطأ كبيرا في عدم الاعتقاد بقيمة المشروع في أول الأمر، ~~وأؤمل أننا لسنا متأخرين كثيرا في المساهمة في هذا المشروع الآن بعد أن نضج وأثمر ... وسيقدر ~~لهذا المشروع أن يكون ملك البشرية جميعا على مدى الدهر، وإنه من دواعي الاغتباط الكبير أن ~~نرى أن إنجلترا قامت بمهمتها في تأمين مستقبل ذلك المشروع العظيم. # وأبدى لورد هارتنجتن - وهو من زعماء الأحرار - رأيه بأن على إنجلترا أن تغتبط اليوم إذ ~~«انتقلت إليها حقوق سيادة الخديو على القناة»! هكذا فهم بعض الساسة الإنجليز صفقة شراء أسهم ~~الخديو في القناة، وكانت نتيجة لهذه الصفقة أن اضطرت شركة القناة إلى قبول ثلاثة أعضاء ~~إنجليز في مجلس إدارتها. # وكان لهذه الصفقة دوي كبير في كل أرجاء أوروبا، وكانت دليلا ساطعا على أن إنجلترا ~~غادرت نهائيا السياسة السلبية التي استنها مستر جلادستون في وزارته الأولى، وأنها أصبحت ~~الآن تتبع سياسة خارجية نشيطة، وبدأ ديزريلي سياسة الإمبريالزم «التسلط الاستعماري» التي ~~ستبلغ أوجها في نهاية ذلك القرن «التاسع عشر» باحتلال مصر والتصميم على البقاء فيها وتقسيم ~~أفريقيا والإشراف على مناطق كبيرة في آسيا. # وجدت الملكة فكتوريا في هذه الصفقة ضربة موجهة ضد بسمرك المستشار الألماني الذي سبق أن ms032 ~~أعلن أن إنجلترا لم تعد قوة سياسية كبيرة يخشى خطرها، والواقع أن المستشار الألماني بسمرك ~~سر كثيرا لهذه الصفقة؛ ففيها - من ناحية - إذلال جديد لعدوته فرنسا وهزيمة لسياستها، ~~وفيها - من ناحية ثانية - تمهيد لتدخل الإنجليز في مصر، ومن ذلك الحين أخذ ينصح الحكومة ~~الإنجليزية بضرورة أخذ مصر، فهو يعتقد أنه إذا فعل الإنجليز ذلك، فلن يغفر لهم الفرنسيون ~~أبدا. # ولقد نظرت الحكومة الفرنسية إلى هذه الحركة من جانب الحكومة الإنجليزية كخطوة أولى ~~تمهيدية لاحتلال الإنجليز لمصر، أو على الأقل للتدخل في أمورها المالية، ورأت أن هذا العمل ~~ليس إلا استغلالا لسوء حالة مصر المالية، فالمبلغ الذي دفعته إنجلترا كان أقل من ثمن السوق ~~وليس فيه إنصاف لمصر. # قوت هذه الصفقة من مركز ديزريلي في الحكومة الإنجليزية ومن مركز المحافظين في إنجلترا، ~~ومن مركز إنجلترا في أوروبا والعالم، كما زادت من نفوذ إنجلترا في مصر، حرمت هذه الصفقة مصر ~~من كل فائدة من قناة السويس، فأصبح المصريون يرون أن هذه القناة التي تسير في أرض مصر، ~~وقسمت بين أجزاء مصر، وقامت على تسخير العمال والفلاحين المصريين وإهدار حقوقهم ودمائهم، ~~وحرمان الزراعة منهم مدة طويلة، لم تجن مصر منها فائدة تذكر، بل أصبحت كارثة على حياتها ~~ومستقبلها طيلة خمسة وسبعين عاما، لقد جعلت القناة لمصر مركزا استراتيجيا خاصا في ~~الشرق الأدنى زاد اهتمام الأمم الإمبريالية الاستعمارية به إلى حد أن ضحت هذه الدول بمصالح ~~مصر ونموها واستقلالها ومستقبلها في سبيل الإشراف عليه والتحكم فيه. # على أنه يظهر أن ديزريلي لم يفهم تماما إلى سنة 1880 عظم أهمية القناة في المواصلات ~~الإمبراطورية إلى الشرق، فكان يرى أن الأستانة هي التي تشرف على الطريق إلى الهند لا مصر ~~ولا قناة السويس. # ولذا كان يفضل دائما الاستيلاء على آسيا الصغرى ذاتها، ويرى أن احتلال إنجلترا لمصر ~~وقناة السويس في الوقت الحاضر لن يفيدها كثيرا، بل سيفسد إلى حد كبير علاقاتها مع ~~فرنسا. # ولذا لم تعد الحكومة الإنجليزية في عهده توجه انتباها كبيرا لعروض بسمرك، كان ms033 المستشار ~~الألماني في ذلك الوقت يرى أن تستولي إنجلترا على مصر وتشرف على قناة السويس كنصيبها من ~~ممتلكات الدولة العثمانية التي أخذت في الضعف والتدهور، ففي مصر والقناة - كما يرى - تعويض ~~كبير لإنجلترا إذا سيطرت الدولة الروسية، وهي صديقته الشرقية، على شرقي البلقان وعلى مداخل ~~البحر الأسود، ولقد حرص بسمرك حرصا شديدا على توجيه نظر الحكومة البريطانية لانتهاز فرصة ~~المسألة الشرقية واقتناص مصر. # ففي مذكرات مطولة له بين أنه إذا استشير فيما يجب أن تكون عليه سياسة إنجلترا الخارجية، ~~فإنه يقترح أن تنتهج بريطانيا العظمى نفس السنن الذي تنتهجه روسيا، فإذا كانت روسيا تريد أن ~~تستحوذ على النقط الاستراتيجية اللازمة لها بالسيطرة على المضايق؛ البوسفور والدردنيل، ~~والإشراف على الأستانة، فعلى الحكومة الإنجليزية أن تقابل ذلك بالسيطرة على مصر وقناة ~~السويس، وكما يقول: «إنه من الخير لبريطانيا أن تأخذ قناة السويس والإسكندرية بدلا من أن ~~تعلن الحرب على روسيا، وبذلك وحده تتوثق عرى السلم في أوروبا.» # وهو يرى أنه إذا خشيت الحكومة البريطانية من اتباع مثل هذه السياسة، عداء فرنسا ~~ومناوأتها، فما عليها إلا أن تبحث مع الفرنسيين أمر تقسيم الشرق الأدنى إلى مناطق نفوذ، ~~فتوافق فرنسا على تفوق النفوذ الإنجليزي في مصر وقناة السويس، نظير موافقة الإنجليز على ~~تفوق النفوذ الفرنسي في سوريا. # ولكن الحكومة الإنجليزية - حكومة المحافظين - ما كانت تقبل بسهولة مثل هذه الاقتراحات، ~~فرئيسها ديزريلي «لورد بيكونزفيلد» بالرغم من أنه هو الذي عقد صفقة قناة السويس، فاشترى ~~أسهم الخديو إسماعيل فيها، وبالرغم من تعلقه الكبير بمصر وحضارتها وآثارها، إلا أنه كان في ~~ذلك الوقت لا يرى في احتلال الإنجليز لمصر وسيلة لدرء الخطر الروسي عن الشرق الأدنى؛ ~~فالأستانة لا مصر ولا قناة السويس هي مفتاح الطريق إلى الهند. # ولقد أبدى بيكونزفيلد عجبه والشك الذي خالج نفسه من كثرة عروض بسمرك، فإنجلترا كانت تظن ~~أن غرضه هو إتلاف العلاقات الإنجليزية الفرنسية الطيبة، وضرب عصفورين بحجر واحد، إرضاء ~~إنجلترا وإذلال فرنسا. # كذلك لم يصغ الوزراء الإنجليز لنوبار باشا حين ذهب ms034 إلى لندن في سنة 1877 ليعرض عليهم قبول ~~فكرة بسط الحماية البريطانية على مصر، وأهملوه إهمالا شديدا إلى حد أن نعى عليهم جهلهم ~~بأمور السياسة، وصرح لسفير ألمانيا في لندن بأن الأسد البريطاني مستغرق في نومه، وأن أظفاره ~~ستسرق منه دون أن يستيقظ. # على أنه حين تعقدت المسألة الشرقية في سنة 1877، وقامت الحرب بين روسيا وتركيا، وضحت ~~الحكومة البريطانية موقفها للدولة الروسية فيما يختص بمصر وقناة السويس، فهي لن تقبل أبدا ~~امتداد الحرب إلى مصر والقناة، وتعتبر الاعتداء عليها عملا عدوانيا موجها إلى إنجلترا ~~ذاتها، صرح بذلك وزير الخارجية الإنجليزية للسفير الروسي في لندن. # كانت إنجلترا تخشى أن تمتد أعمال الروس العسكرية إلى قناة السويس ومصر بصفتهما جزءا من ~~الدولة العثمانية التي أصبحت في حالة حرب مع روسيا، ولكن رد روسيا جاء مطمئنا: «فبالنسبة ~~لقناة السويس ومصر، فنحن لن نمسهما، فليست لدينا المصلحة ولا الرغبة ولا الوسائل للقيام ~~بمثل ذلك العمل ... ونحن على استعداد للاتفاق مع حكومة لندن على كل المسائل ... وليست لنا مصلحة ~~في معاكسة إنجلترا في ممتلكاتها في الهند أو في مواصلاتها، فالحرب الحالية لا تتطلب ذلك.» ~~لم تكن روسيا تريد إفساد علاقاتها مع إنجلترا في الوقت الذي تصطلي فيه الجيوش الروسية بنار ~~الحرب مع تركيا. # ولم تكن سياسة لورد سولبري الذي خلف داربي في وزارة الخارجية البريطانية، حين زاد تعقد ~~المسألة الشرقية، التمسك بأهداب السياسة البريطانية القديمة، وهي تأييد الدولة العثمانية ~~والمحافظة عليها، وإنما كما يقول: «إن سياستنا الخارجية تنقصها الخطة الموضوعة.» ولذا ~~فالسياسة العملية في نظره هي الإشراف الفعلي على طرق المواصلات المائية إلى الهند، باحتلال ~~مصر وقناة السويس وكريت، والعمل على القضاء على الدولة العثمانية. # ولذا في خلال هذه السنة 1877 نشطت في إنجلترا الفكرة التي تقول بضرورة احتلال إنجلترا ~~لمصر والقناة، ففي 11 يوليو من هذه السنة تكتب إحدى بنات ملكة إنجلترا لأمها بأن كل من يحب ~~إنجلترا يتوق إلى هذه الفرصة التي تسمح بوضع الإنجليز لأقدامهم في مصر. وفي نفس الوقت يكتب ~~رئيس ms035 الحكومة ديزريلي إلى الملكة فكتوريا يقول بأن الباب العالي ميال لبيع سيادته على مصر، ~~ولكن ديزريلي ظل متمسكا بفكرته القديمة بأنه يفضل الاستيلاء على آسيا الصغرى لا ~~مصر. # على أن ذلك لم يمنع ديزريلي من الاعتقاد بأنه سيأتي اليوم الذي تحتل فيه إنجلترا مصر ~~وقناة السويس، وأن ذلك حتم مقضي على إنجلترا. # فكان إذن الاتجاه في إنجلترا بعد مجيء سولسبري إلى وزارة الخارجية يسير في الطريق التي ~~رسمها بسمرك، ولقد وجد بسمرك من رجال الساسة الإنجليز من يؤيد وجهة نظره، مثل السفير ~~الإنجليزي في برلين لورد أودورسل، ولكن أعضاء الوزارة الإنجليزية جميعهم لم يكونوا يرون أن ~~الوقت مناسب لذلك، وذلك خشية عداوة فرنسا، فلقد كان الركن الأول في سياسة فرنسا الخارجية في ~~سنة 1878 هو منع إنجلترا من الاستئثار بنفوذ متفوق في وادي النيل أو القناة. # ولقد وافقت إنجلترا على اقتراح فرنسا بألا تدخل مسألة مصر في مناقشات مؤتمر برلين 1878، ~~ورأت استبقاء لصداقة فرنسا عدم احتلال مصر، واستعاض سولسبري عن ذلك - أي: عن احتلال مصر ~~وقناة السويس - باحتلال جزيرة قبرص التي تشرف على آسيا الصغرى ومدخل القناة معا. # ثم ازداد تعقد المسألة المصرية في أواخر عهد الخديو إسماعيل لتحرج المسألة المالية من ~~ناحية، ومحاولة الدول الأوربية الكبرى من ناحية أخرى، ثم لنمو الشعور القومي المصري إلى ~~حد أثار مخاوف إنجلترا وفرنسا، فطلبتا من الباب العالي عزل الخديو إسماعيل، وتم لهما ما ~~أرادتا في سنة 1879، وجاء الخديو توفيق إلى ولاية مصر. # ولم تكن مهمة الخديو الجديد بالهينة أمام سيطرة الدولتين الأوربيتين، ولا أمام الرأي ~~العام المصري الذي ساءه تدخل الأجانب في كل مرافق الحياة المصرية، مما هدد مستقبل البلاد ~~ونموها، ثم جاءت الثورة العرابية، فزادت الأمور تعقيدا على تعقيد، وخشيت الدولتان ~~الإنجليزية والفرنسية على مصالحهما في مصر، وأرسلت سفنهما الحربية إلى مياه الإسكندرية ~~واقترحت فرنسا عقد مؤتمر من الدول الكبرى في الأستانة سنة 1882 لإيجاد حل حاسم للمسألة ~~المصرية والقضاء على الثورة العرابية. # الفصل الرابع # | احتلال الإنجليز لقناة السويس في سنة ms036 1882 # في أول الأسبوع الأخير من شهر يونيو سنة 1882 اجتمع مؤتمر الدول الكبرى في مدينة الأستانة ~~للنظر في المسألة المصرية التي تفاقمت في نظرهم بسيطرة عرابي باشا التامة على الجيش وعلى ~~الحكومة المصرية. # وبدأ أعضاء المؤتمر أعمالهم بإعلان سخطهم واستيائهم من تطور الأمور في مصر وأخذ الثورة ~~ومن أيقظها بالشدة، وانتقلوا بعد ذلك إلى إعلان أنه لا يجوز لأية دولة اشتركت في المؤتمر أن ~~تستأثر لنفسها بحقوق في وادي النيل لا تكون للدول الأخرى، وسجل أعضاء المؤتمر في نفس الوقت ~~أن مسألة مصر مسألة دولية عالمية، وأنه غير خليق بأية دولة واحدة أن تنفرد بتقرير مصير هذه ~~البلاد دون سواها من الدول الكبرى. # اشتركت إنجلترا في ذلك المؤتمر، كما اشتركت فيه فرنسا وألمانيا وروسيا والنمسا والمجر ~~وإيطاليا، وكانت الدولتان اللتان تهتمان حقيقة بالمسألة المصرية هما إنجلترا وفرنسا، وأما ~~مندوبو الدول الأخرى فلم يكونوا على علم بتطور الحوادث في مصر، على أن إنجلترا كانت الدولة ~~الوحيدة التي قررت ألا تتقيد بمناقشات المؤتمر، أو بما يسفر عنه جدله النظري، أو تفكيره ~~السطحي، أو بما ينفض عنه من قرارات قد تختلف مع المصالح الإنجليزية، وأن تعمل بنشاط وهدوء ~~على تنفيذ خطتها ورعاية مصالحها في الوقت المناسب إذا ما واتت الفرصة. # كان على رأس الحكومة الإنجليزية - وهي حكومة الأحرار - جلادستون الذي سبق أن أعلن نفسه ~~عدو الإمبريالزم والاستعمار ومن دعاة إنجلترا الصغيرة، ونصير الشعوب المغلوبة على أمرها، ~~أعلن جلادستون هذه الآراء وهو خارج الحكم، ولكنه لما تولى الحكم آمن بما يدعيه رجال ~~الإمبراطورية، بمهمة إنجلترا الحضارية ورسالتها الثقافية، آمن جلادستون بكل ما يؤمن به رجال ~~الاستعمار، ونفذ السياسة الخارجية الإنجليزية بحذافيرها. # ولذا فبالرغم من انتقاده لسياسة ديزريلي التوسعية الإمبراطورية، فوزارته كانت جادة في ~~استعدادتها الحربية، سائرة في تقوية أسطولها في البحر الأبيض المتوسط، هذا في الوقت الذي ~~انهمك فيه أعضاء المؤتمر في مناقشاتهم النظرية واجتماعاتهم الشكلية واستفساراتهم العقيمة، ~~فضلا عما كان المؤتمر يعانيه من عثرات في طريقه بعد أن رفضت الدولة صاحبة السيادة ms037 على مصر ~~الاشتراك فيه. # كانت إنجلترا تراقب تطور الأمور في مصر بكل عناية واهتمام، وأرسلت إلى قائدها البحري الذي ~~كان يرابط بقطع من الأسطول في مياه الإسكندرية، وهو بوشومب سيمور، بألا يدع فرصة تفلت من ~~يديه، وأن يراقب ما تقوم به السلطات الحربية المصرية في هذه المدينة، فإذا لاحظ أن هناك ~~تحصينات تقام أو محاولات تبذل لسد مدخل الميناء أو حركات عسكرية خطيرة ، فعليه أن ينذر هذه ~~السلطات ويطلب منها تسليم قلاع المدينة في مدى أربعة وعشرين ساعة، بعد إنقضائها لا يتردد في ~~ضرب الإسكندرية وهدم حصونها وإسكات دفاعها واحتلالها. # اعتبرت إنجلترا عمل المصريين لتحصين بلادهم عملا عدائيا موجها ضدها! ولم تكن الحكومة ~~الإنجليزية لتتخذ هذه الخطة في الخفاء، بل صارحت بها الدول، وأرسلت بما قررته إلى مندوبي ~~الدول المجتمعين في الأستانة. # لقد كانت الحكومة البريطانية ترى ضرورة القضاء على ما اعتبرته سيطرة الجيش في مصر قبل شهر ~~أغسطس سنة 1882 ونفذت خطتها بالفعل، وضربت مدينة الإسكندرية واحتلتها بعد أن دافع أهلها ~~دفاعا مشهودا، واضطر العرابيون إلى اتخاذ قاعدة جديدة في كفر الدوار والدفاع عن البلاد ~~إلى النهاية. # على أن احتلال الإنجليز لمدينة الإسكندرية لم يكن معناه احتلال مصر جميعها أو حل المسألة ~~المصرية بأكملها، وإن كان سفير إنجلترا في رومه قد أعلن، حين وجد شيئا من الضيق والقلق ~~يسود إيطاليا بأنه يجب على دول أوروبا أن تشكر هذه الظروف، وأن تحمد الحكومة الإنجليزية على ~~اتخاذ خطوات من شأنها رفعة مركز أوروبا في الشرق الأدنى! # وجدت إنجلترا أن حل مسألة مصر هو في قناة السويس، فهي النقطة الضعيفة التي تستطيع أن تنفذ ~~منها إلى مصر مباشرة، حقيقة لقد عارضت إنجلترا - كما رأينا - في حفر هذه القناة، وعرقلت ~~محاولة تنفيذ مشروعها، ولكنها أصبحت أكثر الدول استفادة من فتحها، لتجارتها ولمرور أساطيلها ~~الحربية، وأصبحت القناة مصلحة حيوية مهمة من مصالح إنجلترا، ولذا شغلت مسألة حماية القناة ~~أذهان الساسة الإنجليز بعد ضرب الإسكندرية، فبعثت حكومة لندن إلى الدول الكبرى تبدي قلقها ~~على مصير ms038 القناة. # ومنذ الوقت الذي استفحلت فيه الحركة العرابية، تساءلت إدارة شركة قناة السويس في شيء من ~~الخوف عن الموقف الذي ستتخذه إنجلترا إزاء القناة، وهل تنوي احتلالها؟ ولقد بين مدير ~~الشركة أنه لا يمكن لأية دولة احتلال القناة أو جزء من القناة، أو إنزال جنود على ~~سواحلها. # ولتفادي الأخطار التي قد تلحق بقناة السويس أرسل فردنند دي لسبس برقية إلى ممثلي الدول ~~الكبرى في باريس ينصح فيها كل دولة تهتم بحرية المرور في القناة أن ترسل سفينة حربية ~~للمراقبة عند بورسعيد، وبين أنه محرم القيام بأي عمل حربي أو بأية مظاهرة حربية عند مدخل ~~القناة أو على شواطئها، وأن حيدة هذه القناة العالمية قررت في الامتياز الممنوح ~~للشركة، وأن هذه الحيدة قد لوحظت من الناحية العملية في الحرب الفرنسية الألمانية سنة 1870، ~~والحرب الروسية التركية سنة 1877. # اتخذ فردنند دي لسبس هذا الموقف حين طلب القائد البحري الإنجليزي المرابط في مياه بورسعيد ~~إرسال سفينة حربية للمراقبة في قناة السويس، ولم يجد مدير الشركة أن يجيب ذلك الطلب خوفا ~~من العواقب التي قد تترتب عليه من انفراد إنجلترا بحقوق في القناة لا تكون للدول الأخرى. ~~ولقد وافق مجلس إدارة الشركة على ما قام به مديرها على أساس أن الشركة مشروع مصري تجاري قبل ~~كل شيء؛ ولذا لا يجب أن تربك نفسها في عمليات سياسية أو حربية. # ولقد استشار الأعضاء الإنجليز في مجلس إدارة الشركة حكومتهم في لندن فيما يجب أن يكون ~~عليه موقفهم، ويظهر أنهم كانوا يفهمون أو يريدون استغلال شركة القناة لخدمة مصالح إنجلترا ~~السياسية؛ ولذا فهم خلال هذه الأزمة لا يهتمون بمصلحة القناة بقدر ما يستلهمون مصالح ~~إنجلترا السياسية والحربية التي وضعوها فوق كل اعتبار، والواقع أنهم كانوا أكثر حماسة ~~لاحتلال إنجلترا للقناة من رجال البحرية ورجال الحرب الإنجليز، ويرون في ذلك خير وسيلة ~~لتفوق نفوذ الأعضاء الإنجليز في مجلس إدارة الشركة؛ ولذا فهم في هذه الأزمة قد أخذوا على ~~عاتقهم محاربة كل اقتراح أو مشروع أو احتجاج مهما كان قانونيا ms039 أو مشروعا من شأنه عرقلة ~~سياسة إنجلترا أو وضع العقبات أمام حركات جنودها أو سفنها في القناة، وفسروا الامتياز ~~الممنوح لشركة القناة وكل السوابق العملية التي مرت بتاريخ القناة في الظروف الحربية ~~المختلفة تفسيرا يتلاءم ومصالح إنجلترا، كما اهتموا بتنفيذ التعليمات التي ترد إليهم من ~~حكومتهم بشأن القناة خلال هذه الأزمة التي انتهت باحتلال الإنجليز للقناة ولمصر. # وكانت الحكومة الإنجليزية تخشى من جانبها - كما تدعي - أن يقوم العرابيون بردم القناة أو ~~احتلالها أو إتلافها، وكانت تقارير ممثلي إنجلترا ممتلئة بالتشاؤم، وتنذر كما يقول الإنجليز ~~بالخطر الشديد على هذه الطريق البحرية المهمة، وتواترت الإشاعات التي تقول بأن البدو ~~المجاورين للقناة يعملون على مهاجمة السفن المارة بالقناة؛ أي أن سلامة المرور في القناة لم ~~تعد مكفولة ولا مضمونة. # وفي 16 يوليو سنة 1882 أرسلت الحكومة الإنجليزية تعليمات لقائدها البحري في بورسعيد الرير ~~أدميرال هوسكنز بأن يتعاون مع قائد الأسطول الفرنسي في أمر حماية القناة، وأن يعمل بغير ~~تردد في حالة حدوث خطر مباغت. # ولما عين عرابي باشا، علي باشا فهمي على منطقة القناة، أعلن الإنجليز أن الدولة ~~البريطانية في حالة حرب مع عرابي باشا وأتباعه وأنها لا تحترم في مصر غير حقوق ~~الخديو. # لقد كانت الحكومة الإنجليزية - حكومة جلادستون - مستعدة من الوجهة الفنية لتقبل كل ~~التقارير الممتلئة بالتشاؤم وتصديق الشائعات التي تبالغ في وصف الخطر المحدق بالقناة، ~~والعمل على مقتضاها، وخاصة وأن العرابيين لم يهتزوا كثيرا لفقدان الإسكندرية، ولم يرجعوا ~~عن عزمهم في الدفاع عن البلاد مهما كلفهم الأمر، وأخذوا بالفعل في تحصين مصر وإعداد وسائل ~~الدفاع والحرب. # أخذت الحكومة الإنجليزية إذن في الاتصال بالدول لكبرى التي يهمها أمر القناة، تشير إلى ~~الخطر الذي يتهدد القناة، وضرورة حمايتها، اتصلت الحكومة الإنجليزية بحكومة رومة، ولكن ~~حكومة رومة لم تعط الإنجليز ما كانوا يبتغون، إذ أجاب وزير الخارجية الإيطالي مانشيتي بأن ~~مصير القناة وحرية الملاحة فيها وفتحها في كل وقت للمرور أمر يهم الإيطاليين جميعا، لا ريب ~~في ذلك، ولكن إيطاليا تريد أن تتبين ms040 أولا وبالتفصيل نوع الإجراءات التي تريد إنجلترا ~~اتخاذها في هذه المسألة بالذات. # وأما الحكومة الفرنسية، فلقد كانت دائما في خشية من البرلمان، تلاحقها الأزمات الوزارية ~~والسياسية لكبير المسائل وصغيرها؛ ولذا اقترحت الحكومة الإنجليزية أن تسعى الدولتان ~~الكبيرتان لدى المؤتمر الذي ما زال منعقدا في الأستانة لإقناعه بأمر انتدابهما لحماية قناة ~~السويس من الأخطار التي تهددها - في نظر الإنجليز - والمحافظة عليها، فالدولتان - كما كانتا ~~تعتقدان - صاحبتا المصالح الكبرى في مصر وفي القناة. وكانت الحكومة الفرنسية - حكومة دي ~~فريسنيه - تعتقد أنه إذا وافق المؤتمر على انتدابها هي وإنجلترا لحماية القناة، والمحافظة ~~على حرية المرور فيها؛ فإنها تستطيع أن تبرر عملها أمام البرلمان الفرنسي، وتستطيع أن تحصل ~~على موافقته، وبغير ذلك لا تجرؤ على التدخل مع إنجلترا. # فالحكومة الفرنسية إذن لم تكن تقل رغبة عن حكومة جلادستون في التدخل لما تدعيه من ~~حماية القناة، وكان دي فريسنيه نفسه يود لو استطاع التدخل والتعاون مع الإنجليز، وخاصة بعد ~~ضرب الإنجليز لمدينة الإسكندرية واحتلالهم لها، وكان زعيم الجمهوريين في فرنسا نفسه ينادي ~~دائما بضرورة التعاون مع إنجلترا، في كل مسائل البحر الأبيض المتوسط، ففي البرلمان الفرنسي ~~في جلسة 19 يوليو سنة 1882 حاول ذلك الرجل أن يقنع البرلمان بضرورة التعاون مع إنجلترا ~~للمحافظة على مصالح فرنسا، ولكن أعضاء البرلمان الفرنسي ما كانوا يوافقون أبدا على أي تدخل ~~حربي فرنسي في وادي النيل، ولقد شكر كلمنصو؛ أحد الأعضاء البارزين في مجلس النواب الفرنسي ~~الحكومة الفرنسية في نفس هذه الجلسة على عدم الاشتراك مع الإنجليز في ضرب مدينة الإسكندرية، ~~وعلى الامتناع عن كل المغامرات الحربية، وندد بسياسة السير في أذيال إنجلترا. # وحاول جرانفل وزير الخارجية البريطانية أن يتعرف على رأي الدولة الألمانية في ذلك ~~الموضوع؛ موضوع حماية قناة السويس، فبين المستشار الألماني بسمرك أنه لا زال يعتقد أن ~~السلطان العثماني هو صاحب الحق الأول في حماية القناة والإشراف عليها، إذ هي جزء من ~~ممتلكاته، فإذا لم يكن السلطان راغبا في القيام بهذه المهمة، كان على الدول الأخرى ms041 أن ~~تعمل، فإذا قامت هذه الدول بحماية مصالحها، فإن الدولة الألمانية لن تتحمل أية مسئولية عن ~~هذا العمل أو عن الإجراءات التي قد تتخذ، كذلك لن توافق ألمانيا على تعديل المعاهدات ~~الموجودة، ولن توافق أبدا على فكرة انتداب دولة أو دولتين للقيام بحماية قناة السويس، ~~فالمستشار الألماني يرى أن تشترك في ذلك الدول جميعا، على أن تكون حقوقهم جميعا متساوية ~~في اتخاذ تدابير بوليسية بحرية إذا استلزم الأمر ذلك، وقال بسمرك: إن هذا هو اتجاه الرأي ~~العام الألماني، ووافقته على هذه الخطة روسيا والنمسا والمجر وإيطاليا. # ولقد حاول وزير الخارجية البريطانية جرانفل إقناع ممثل ألمانيا بأن الموقف في القناة ~~غريب، فالحكومة الشرعية، وهي حكومة الخديو، ليست في مركز تستطيع معه حماية قناة السويس أو ~~الدفاع عنها، والحكومة الفعلية التي تمتع بالسلطة هي القائمة بالثورة، وهي التي يخشى خطرها ~~على كيان القناة وسلامتها، والسلطان العثماني صاحب حقوق السيادة في مصر لم يتخذ إلى الآن ~~أية إجراءات تكفل سلامة القناة، وضرب مثلا لذلك بأنه إذا اشتعلت النيران في منزل، فيجب ألا ~~يتردد سكان ذلك المنزل في العمل على إخماد النيران انتظارا لمجيء صاحب المنزل والحصول على ~~إذن منه، فهذا - كما يرى جرانفل - هو موقف إنجلترا بالنسبة لقناة السويس، وأضافت الحكومة ~~الإنجليزية إلى ذلك بأن الحماية البحرية للقناة بغير إنزال جنود على ضفتيها لا تغني ~~كثيرا. # لم يقتنع المستشار الألماني بسمرك برأي الحكومة الإنجليزية ولم يتحول عن رأيه، ولكن ~~الحكومة الإنجليزية لم تقف عند هذا الحد، فهي قد وطنت العزم على حماية مصالحها، ولو أدى ~~الأمر استعمال القوة وتجاهل حقوق المصريين والأتراك على السواء؛ ولذا قررت أن ترسل للباب ~~العالي إنذارا بأنه إذا لم يجب دعوة الدول الكبرى في مدى أربعة وعشرين ساعة لوقف عرابي عن ~~حده والقضاء على الثورة المصرية، ستعتبر الحكومة البريطانية إجابته سلبا، وتتخذ حينئذ ما ~~تراه ضروريا لحماية مصالحها في القناة، واتصلت بالدول الكبرى تنبئهم بعزمها على اتخاذ ~~تدابير فعلية في حماية القناة، مما جعل الحكومة الإيطالية تعتقد أن ms042 الحكومة البريطانية لا ~~تبغي جادة تدخل الحكومة العثمانية؛ لأن مثل هذا الإنذار إذا قدم للسلطان سيحدث بلا ريب ~~أثرا سيئا ورد فعل شديد لديه، إذ معناه أن السلطان أصبح في مركز ذليل يتلقى فيه الأوامر ~~من إنجلترا في مسألة تختص بحقوق سيادته في أمر بلاد اعترفت كل الدول بأنها تابعة له، ولما ~~وجدت الحكومة الإنجليزية أن الدول الأخرى لا تقر مثل هذه الخطوة العنيفة لم تبعث بذلك ~~الإنذار . # ولكنها استمرت بنشاط في تجهزها للطوارئ، وأرسلت بقوات جديدة إلى قبرص ومالطة لتكون على ~~تمام الأهبة والاستعداد، وأرسلت وزارة البحرية إلى قائد البحر بوشومب سيمور بأن يطلب من ~~الحكومة المصرية في الإسكندرية تصريحا مكتوبا لأمير البحر هوسكنز قائد القطع البحرية ~~البريطانية في مياه بورسعيد ليعمل باسم حكومة الخديو في منطقة قناة السويس، وأن يستولي على ~~الإسماعيلية، وأن يحرم عرابي باشا وأتباعه من استخدام السكة الحديدية بين الإسماعيلية ~~والسويس. # ولقد احتج فردنند دي لسبس على انتهاك الحكومة الإنجليزية لحياد القناة، بإنزال قوات ~~عسكرية في الإسماعيلية، وأعلن أن للسفن جميعا حربية وغير حربية حرية المرور في القناة، دون ~~القيام بأعمال عدوانية في مياهها أو أراضيها، وكرر فكرته بأن هذا الحياد قد احترم بالفعل ~~إبان الحرب الفرنسية الألمانية والحرب الروسية التركية، فلم تعتد الروسيا على القناة ولو ~~أنها جزء من ممتلكات الدولة التركية التي هي في حالة حرب معها، وذكر دي لسبس أن السفن ~~المتعادية قد تقابلت في القناة دون أن تتبادل إطلاق النار. # فأعمال الإنجليز الآن - كما وضح - تكون سابقة خطيرة للمستقبل، قد تأسف لها بريطانيا ~~نفسها، إذ إنه في أية أزمة سياسية في المستقبل تستطيع أية دولة معادية لبريطانيا، على أساس ~~هذه السابقة، احتلال إحدى ضفتي القناة وإطلاق النيران على السفن الإنجليزية أثناء ~~مرورها. # ولكن إذا احترم حياد القناة الآن فلن يقوم مثل ذلك العمل. # ولذا، كرر دي لسبس أنه لا يجب استخدام قناة السويس كقاعدة للعمليات الحربية أو تحويلها ~~إلى ميدان حرب، وبين دي لسبس في احتجاجه هذا، أن عرابي باشا نفسه ms043 «الذي أعلن عليه ~~الإنجليز الحرب» قد احترم بالفعل حياد القناة، فلم يحشد قوات في منطقتها، ولم يمس حرية ~~المرور في القناة نفسها، وأنه سائر في هذه الخطة طالما لم تستخدم القناة قوة معادية للقيام ~~بأعمالها الحربية. # ولم يرق احتجاج دي لسبس هذا الأعضاء الإنجليز في مجلس إدارة الشركة، فهؤلاء الأعضاء لم ~~يقفوا مكتوفي الأيدي أمام حجج دي لسبس التي برر بها موقفه من ضرورة احترام إنجلترا لحياد ~~القناة ، فأعلنوا أنهم لا يستطيعون الثقة في نيات عرابي باشا، ولا في احترامه لحياد القناة، ~~وأنه قد اتصل بهم أن عرابي باشا ينوي الإضرار بالتجارة الإنجليزية، بوقف حركة المرور في ~~القناة ومهاجمة السفن البريطانية فيها، وكذلك لا يمكن الاعتماد على وعوده فيما يختص ~~بالمستقبل. # وبينوا كذلك أن دخول قوات بريطانيا البحرية في القناة ليس إلا لدرء ذلك الخطر، وأن من ~~الخير القيام بذلك الإجراء الآن، لا الانتظار حتى يتفاقم الخطر وتعطل القناة، وأضاف الأعضاء ~~الإنجليز إلى ذلك أن حكومتهم قد اضطرت اضطرارا للقيام بهذه التدابير، وأنها قد قامت بها ~~باسم الخديو وباسم حكومته الشرعية ضد الجيش الثائر، وأن غرض إنجلترا هو حماية الأمن والنظام ~~في مصر وحماية السلطة الشرعية في البلاد، وأن خطة الحكومة الإنجليزية التي اتخذتها هي في ~~صالح القناة لا اعتداء على حيادها. # ولكن مثل ذلك القول لم يقنع مدير شركة القناة ولا الأعضاء الآخرين، وأشار دي لسبس بأن ~~المحافظة على حياد القناة هو في صالح إنجلترا أكثر من أية دولة غيرها. # ولقد عمل موقف دي لسبس وشركة القناة على أن ترسل الحكومة البريطانية إلى حكومة فرنسا ~~تحذرها من كل عمل يقوم به دي لسبس ضد إنزال القوات الإنجليزية، وإلا اضطرت الحكومة ~~الإنجليزية إلى اتخاذ تدابير ضد شركة القناة نفسها. # وفي نفس الوقت كانت إدارة الشركة لا تزال تكافح في سبيل إقناع الإنجليز باحترام هذه ~~القناة. وخاصة بعد أن احتلت قوات هيويت البحرية السويس، فاجتمع مجلس إدارة الشركة، وقرر ~~بأغلبية الآراء القرار الآتي: أنه باتفاق أصحاب مشروع القناة أعلن حياد القناة، ms044 وأن هذا ~~الحياد أساس الامتياز الذي منح للشركة، وهذا الامتياز نفسه يحرم القيام بأي عمل حربي في ~~القناة؛ ولذا فالشركة في موقف لا يسمح لها أبدا بالموافقة على أي اعتداء على حياد القناة، ~~الذي يتضمن بلا ريب حرية المرور لكل الشعوب، وعلى هذا لن تستطيع أية حكومة إقناع إدارة ~~الشركة بقبول مسئولية الاعتداء على حقوق كل الشعوب التي تهتم بحرية الملاحة في القناة، ولما ~~كانت صبغة الشركة قبل كل شيء تجارية، فليس لها أن تدخل في اعتبارها المسائل ~~السياسية. # ولكن هذا لم يؤثر في موقف الحكومة الإنجليزية ولم يزحزحها عن رأيها قيد أنملة. # وفي الوقت الذي كانت فيه حكومة لندن تأخذ أهبتها للطوارئ، كانت حكومة إيطاليا تنصح ~~بالتريث والصبر، وحكومة فرنسا تزداد كل يوم وهنا على وهن، ولا تجد من نفسها القوة لتتمشى ~~مع رغباتها ورغبات الحكومة الإنجليزية، ولذا عادت تستفسر من الحكومة الإنجليزية: هل تفهم ~~فرنسا من دعوة الإنجليز لها للاشتراك في حماية قناة السويس الاقتصار على القيام ببعض ~~مناورات حربية بحرية واحتلال بعض النقط على ضفتي القناة، أو القيام بحملة عسكرية داخل ~~البلاد ترمي إلى احتلال مصر جميعها احتلالا عسكريا؟ # على أن هذا التردد من جانب الحكومة الفرنسية لم يمنع وزير الخارجية الإنجليزية جرانفل من ~~مواصلة جهوده مع فرنسا بالرغم من رفض المستشار الألماني لفكرة الانتداب، ولذا رأت الحكومة ~~الفرنسية أن تحدد نوع تدخلها - إذا حدث وتدخلت - فهي تفكر في التدخل فيما يختص بحماية قناة ~~السويس والمحافظة على حرية المرور فيها فقط، أما إذا أرادت الحكومة الإنجليزية إرسال حملة ~~بعد ذلك للقضاء على الثورة العرابية واحتلال العاصمة المصرية، فالحكومة الفرنسية غير مستعدة ~~للاشتراك فيها أو التعاون معها، ولكنها لن تقوم من جانبها بإثارة أي معارضة لإنجلترا إذا ~~حاولت تنفيذ برنامجها. # ولهذا أراد وزير الخارجية البريطانية أن يوضح فكرته لفرنسا فيما يختص بالتعاون بين ~~الدولتين، ووضع التفصيلات الخاصة بتوزيع الإشراف على القناة بين الإنجليز والفرنسيين؛ فيشرف ~~الفرنسيون على الجزء الشمالي للقناة، على المنطقة ما بين الإسماعيلية وبورسعيد، ويشرف ~~الإنجليز ms045 على بقية أجزاء القناة، ويحتل الفرنسيون بورسعيد والقنطرة، ويحتل الإنجليز ~~الإسماعيلية والسويس. وبهذا يرضى الطرفان ويتعاونان، ويطمئنان تماما فيما يختص بسلامة ~~القناة، وفي هذا الحل تناسى جرانفل تماما حقوق المصريين، أصحاب القناة الأصليين، وحقوق ~~السلطان صاحب السيادة، ونصوص الامتياز الممنوح لشركة القناة، ولم يبين جرانفل في برنامجه ~~هذا هل هذا التعاون وذلك الاحتلال مؤقت أم نهائي. # وكانت حكومة فريسنيه راغبة في التعاون مع الحكومة الإنجليزية في حماية القناة ، ففريسنيه ~~لا يريد ترك إنجلترا تتدخل وحدها وتنفرد بالنفوذ في القناة، ففي جلسة 24 يوليو في البرلمان ~~الفرنسي طلب رئيس الحكومة اعتمادا لحماية القناة وعلى الأكثر لاحتلال الزقازيق لضمان ~~المياه العذبة. وناقش مجلس النواب الفرنسي ذلك الطلب في جلسة 29 يوليو، فبين فريسنيه ~~للمجلس أن ليس لفرنسا نية في التدخل الفعلي، وإنما غايتها حماية القناة، وأن لا دخل للسياسة ~~في ذلك، فكل الدول لها نفس المصالح في حماية القناة، ووضح أن حماية القناة لا تؤدي إلى ~~التدخل الحربي، وأن غاية فرنسا من ذلك هو مشاركة إنجلترا وعدم ظهور فرنسا بمظهر الضعف أمام ~~الشعوب الإسلامية. وأجاب كلمنصو على ذلك بأنه لا يمكن فصل مسألة مصر عن مسألة القناة، وأن ~~حماية القناة لا تكون باحتلال القناة، وإنما باحتلال القاهرة، وهذا هو سر تدخل إنجلترا، ولا ~~يمكن لفرنسا أن تتعقب آثار إنجلترا، وليس من داع لأن تقوم فرنسا بحماية القناة لتحمي ظهر ~~الإنجليز. # ورفض البرلمان الفرنسي طلب الحكومة الفرنسية بأغلبية واضحة، بعد أن ندد المعارضون برأي ~~الحكومة، ورفضوا الموافقة على القيام بأي عمل حربي أو مغامرة خارجية، وانتصرت الفكرة التي ~~تقول: إن على فرنسا أن تحتفظ بكل قواتها في أوروبا لحماية مصالحها المهمة والحيوية، وأن ~~ترفض كل رأي يرمي إلى التوسع الخارجي أو الاستعمار. # وأما من حيث أمر تعاون إيطاليا مع الإنجليز في حماية قناة السويس، وفي إرسال حملة مشتركة ~~إلى داخل البلاد المصرية، فلقد حاول السفير الإنجليزي في رومه إقناع مانشيني وزير الخارجية ~~الإيطالية بوجهة النظر البريطانية، ووضح له فائدة التعاون مع بريطانيا في ms046 مسائل البحر ~~الأبيض المتوسط، وخاصة في هذه المسألة بالذات، وبين له في جلاء لا مزيد عليه أن موافقة ~~الباب العالي التي جاءت متأخرة في الاشتراك في مؤتمر الأستانة وعلى إرسال جنوده إلى مصر لن ~~تجعل الحكومة البريطانية تعدل عن خطتها التي استنتها لنفسها، ولن تمنع الحكومة البريطانية ~~من الاستمرار في استعداداتها الحربية، ومن المضي قدما في احتلال المراكز التي تراها في ~~منطقة القناة وفي قمع الثورة العرابية وفي المحافظة على سلطة الخديو. # ولكن محاولات السفير البريطاني في رومه، وجرانفل في لندن مع السفير الإيطالي لم تجد نفعا ~~كبيرا، فلقد كانت إجابة وزير الخارجية الإيطالية مانشيني تنطوي على عدم اقتناعه بوجهة ~~النظر الإنجليزية، فلقد بين في أدب أنه لا يفهم معنى مناقشة مسألة مصر وقناة السويس في ~~مكانين مختلفين في وقت واحد، فمسألة مصر والقناة معروضة الآن، باتفاق كل الدول الكبرى، أمام ~~المؤتمر المنعقد في الأستانة، يتبادل أعضاؤه الآراء في شأنها، ويحاولون أن يجدوا لها علاجا ~~حاسما. # ولذا فمانشيني يفضل العمل الجمعي الذي تشترك فيه كل الدول الكبرى، لا تعاون إنجلترا ~~وإيطاليا وحدهما، وفي الواقع أن مانشيني كان يرى أن الظروف الحاضرة لا تبرر تدخل إيطاليا ~~الحربي في بلاد ناشئة تسعى إلى تحقيق آمالها القومية، وأيده في موقفه بعض أعضاء البرلمان ~~الإيطالي الذين ما فتئوا يؤيدون حق الشعوب في الوحدة والحرية. # وعند ذلك لاحظ السفير الإنجليزي لدى البلاط الإيطالي، وكان مغرما بإلقاء المحاضرات ~~السياسية على الدولة الإيطالية الناشئة بأنه ينبغي ألا تنسى الحكومة الإيطالية ذلك العرض ~~حتى لا تتهم الحكومة البريطانية في المستقبل بأنها اتبعت سياسة خاصة أنانية، كما ذكر أن ~~بريطانيا غير محتاجة إلى معاونة أية دولة في حماية القناة أو القضاء على ثورة الجيش في ~~مصر. # ولم تحتج بريطانيا على موقف إيطاليا هذا، بل اغتبطت له، فالمهم في نظر وزير خارجية ~~إنجلترا أن دولته قد أظهرت رغبتها في مجاملة إيطاليا، ورفض بقوة اقتراح الحكومة الإيطالية ~~إنشاء قوة بوليسية بحرية دولية للإشراف على حرية المرور في قناة السويس دون احتلال ms047 لأي جزء ~~من أجزائها. # وواصلت إنجلترا السير في خطتها، فصرحت لقائدها البحري في بورسعيد بأن يحتل من أجزاء ~~القناة ما يراه ضروريا لاتخاذ القناة قاعدة حربية، وقررت إرسال حملة إلى مصر تسير بطريق ~~القناة ثم تستند إلى القناة، وتتكون هذه الحملة من 14794 جنديا بقيادة السير جارنت ولسلي، ~~تنضم إليها قوة آتية من الهند قوامها 4586 جنديا، كما تنضم إليها الحامية البريطانية في ~~الإسكندرية المكونة من 6186 رجلا، ويقوم بوشمب سيمور قائد القوات البحرية بمعاونة هذه ~~الحملة، وأرسلت تعليمات إلى الأسطول بأن يقوم بحماية القناة، وأن تتخذ الحملة الإنجليزية ~~القناة قاعدة لها. # وفي نهاية الأسبوع الأول من شهر أغسطس كانت إنجلترا قد أعلنت للدول أن القناة لا يمكن ~~حمايتها تماما إلا باحتلال بعض النقط على ضفافها، ولا سيما وأنه قد وصل إلى علم الحكومة ~~الإنجليزية أن عرابي باشا يجمع الجنود قريبا من منطقة القناة. # وفي هذه الأثناء كان مستر إدوارد ستاندن في مجلس شركة قناة السويس يجيب على احتجاجات ~~فردنند دي لسبس بضرورة احترام حياد القناة، فبين أن آراء الدول الكبرى مختلفة بالنسبة ~~لهذا الموضوع، وأن فرنسا نفسها إلى وقت قريب كانت قد أعلنت للحكومة الإنجليزية أنها لا ~~تمانع في إنزال جنود إلى بورسعيد، وأن تحتل الجزء الشمالي من القناة، وأن ألمانيا نفسها قد ~~وافقت على فكرة إنزال جنود في منطقة القناة، فقائد السفينة الحربية الألمانية الراسية في ~~مياه بورسعيد قد أنزل بالفعل عددا من بحارته لحماية الرعايا الألمان في هذه المدينة، ~~فهاتان الدولتان اللتان يقول عنهما دي لسبس بأنهما احترمتا حياد القناة، لم تريا في مثل هذا ~~العمل اعتداء على حياد القناة. # على أن هذا الرأي لم يجد قبولا عند مدير الشركة الذي أرسل إلى ممثلي الدول في باريس ~~منشورا يكرر فيه بأن القناة محايدة على أساس امتياز 5 يناير سنة 1856، فالمادة 14 منه ~~تقول: «نعلن نحن وحلفاؤنا - بعد تصديق صاحب الجلالة الإمبراطورية «العثمانية» - بأن القناة ~~البحرية الكبرى من السويس إلى بلوز والموانئ القائمة عليها مفتوحة دائما كممر محايد ms048 لكل ~~السفن التجارية دون تمييز أو تفضيل لشخص أو لجنسية إذا دفعت الرسوم التي تقررها شركة القناة ~~العالمية.» # ومادة 15 تقول: «ونتيجة لذلك لا يجوز لشركة القناة العالمية الممنوحة الامتياز تفضيل ~~سفينة أو شركة أو شخص بإعطائهم امتيازات لا تكون لكل السفن أو الأشخاص أو الشركات في نفس ~~الظروف.» # ومن امتياز 22 فبراير سنة 1866 تنص المادة العاشرة على أن من حق الحكومة المصرية أن تحتل ~~الأراضي الواقعة على القناة التي ترى أنها لازمة للدفاع عن البلاد. # شمل المنشور الذي أرسله دي لسبس إلى ممثلي الدول في باريس هذه النقط، وأكد أهمية المحافظة ~~على حياد القناة لكل الدول التي لها تجارة تمر بالقناة، وبين المنشور كذلك أن قائد البحر ~~الإنجليزي لم يأبه لهذا، بل وأعلن أنه سيتخذ كل الوسائل لاحتلال القناة، ووضح المنشور أن ~~المظاهرات الحربية التي يقوم بها قواد البحر الإنجليز من شأنها إثارة الأهلين، وبهذا تدخل ~~القناة في منطقة الحرب. # ويرى دي لسبس في ذلك المنشور أن الحل الوحيد لمسألة القناة يتركز في حماية بحرية تشترك ~~فيها كل الدول دون إنزال جنود على ضفتي القناة أو احتلال لأجزاء منها، وفي مثل هذا الإجراء ~~- إذا اتخذ - محافظة على حياد القناة الذي أقره السلطان صاحب السيادة. # على أن هذا المنشور الجديد لم يثبط من عزيمة إنجلترا، فلقد طلبت الحكومة الإنجليزية من ~~شركة القناة أن تفضل مرور السفن الحربية البريطانية على السفن الأخرى، وبينت أن إنجلترا ~~ستلجأ حتما إلى القوة لتنفيذ ذلك، إذا رفضت شركة القناة الموافقة على ذلك الطلب، وأعادت ~~تحذيرها للحكومة الفرنسية بشأن العراقيل التي يبثها دي لسبس أمام إنجلترا. # وأرسل جرانفل في 14 أغسطس إلى الأعضاء الإنجليز في مجلس إدارة شركة القناة يطلب منهم أن ~~يقوموا بتفسير أعمال بريطانيا الحربية في القناة لمجلس إدارة الشركة على النحو الآتي: # لقد أصبح من الضروري أن تعمل إنجلترا متعاونة مع الخديو والسلطان، وذلك بإنزال ~~قوات على ضفاف القناة، وفقا لمواد 9، 10، 11 من امتياز 22 فبراير سنة 1866 الخاص ~~بالقناة، والذي صدق ms049 عليه السلطان في 19 مارس من هذه السنة 1866 احتفظ والي مصر ~~لنفسه بحقوق تنفيذية في القناة وكل متعلقاتها، ووفقا لهذا الحق سمح والي مصر ~~الحالي لقائد القوات البحرية البريطانية في بورسعيد باحتلال الأماكن الواقعة على ~~القناة التي يراها ضرورية لحماية المرور في القناة وحماية المدن والسكان في ~~منطقتها، والقضاء على كل قوة لا تعترف بسلطته، واستتبع هذا احتلال قوات إنجلترا ~~البحرية لمدينة السويس التي كانت مهددة بالتدمير «وكانت إنجلترا في ذلك الوقت ترى ~~أن هذه المدينة تقع خارج منطقة القناة»، ثم احتلال مدينة الإسماعيلية لحمايةالقناة ~~وما حولها، ولإرجاع النظام إلى مصر، ونظرا لوجود القوات المعادية لإنجلترا قرب ~~القناة، فالحكومة البريطانية إذن مضطرة إلى تركيز عدد كبير من القوات في هذه ~~المنطقة. # وطلبت الحكومة البريطانية أيضا أن تقوم الشركة بتقديم كل التسهيلات الممكنة لمرور ناقلات ~~الجنود، وأن تقدمها على كل السفن الأخرى، وكذلك طلبت الحكومة البريطانية من الأعضاء ~~الإنجليز في مجلس إدارة الشركة أن يحذروا الشركة عواقب الوقوف أمام طلبات إنجلترا وتجاهل ~~أوامر الخديو صاحب الحق الشرعي في البلاد. # هكذا بررت الحكومة الإنجليزية مسلكها بإزاء القناة، ولجأت إلى التهديد باستخدام القوة إذا ~~وقفت أمامها شركة القناة. # ولم يكن أمام شركة القناة إلا أن تلتجئ إلى الحكومة الفرنسية، ولكن الحكومة الفرنسية كانت ~~نفسها - كما رأينا - ميالة إلى التدخل مع إنجلترا لحماية القناة، لولا معارضة البرلمان ~~الفرنسي لها، فهي من ناحية المبدأ لا تستطيع أن تنتقد مسلك إنجلترا في هذه المسألة بالذات ~~ولا أن تؤيد شركة القناة، وبعد ذلك فالحكومة الفرنسية في مركز ضعيف لا تحسد عليه، ليست لها ~~حرية التصرف في الأمور الخارجية والأمور التي تستلزم استخدام القوة، أما الدول الأخرى، فما ~~كانت شركة القناة تستطيع أن تتقدم إليها طالبة المعونة أو التأييد، فهذه الدول ليست لها ~~مصالح مهمة في القناة أو مصر تدعوها للتدخل لنجدة الشركة، فهي إذن ليست حريصة على عرقلة ~~إنجلترا، وأما الدولة العثمانية صاحبة السيادة، فهي أضعف من أن تتحدى الحكومة البريطانية، ~~وأما حكومة الثورة وعلى رأسها ms050 عرابي باشا، فلم تتخذ أية إجراءات لحماية القناة أو لمنع ~~العدوان الإنجليزي على شرقي مصر، بل تركت منطقة القناة بغير دفاع. # وانتهز الإنجليز هذه الفرصة فاحتلت قواتهم البحرية منطقة القناة جميعها، وأوقفوا حركة ~~المرور في القناة، واستطاعت الحملة الإنجليزية بقيادة سير جارنت ولسلي أن تعبر القناة آمنة ~~مطمئنة وأن تستند إلى القناة كقاعدتها الأساسية في غزو مصر. # وفي هذه الأثناء كان مؤتمر الأستانة مستمرا في جلساته، ثم أنهى هذه الجلسات بعد أن وافق ~~على تعاون الإنجليز والأتراك في حل مسألة مصر، واستمرت المناقشات بين الإنجليز والأتراك على ~~نوع وحدود التعاون بينهما، واشترط الباب العالي ألا يتعدى الجنود الإنجليز حدود مدينة ~~الإسكندرية! وألا يلبثوا في الإسكندرية أكثر من ثلاثة شهور، وتقدمت الحكومة الإنجليزية من ~~جانبها باقتراحات هي في الواقع أوامر بألا تزيد القوة العثمانية على خمسة آلاف رجل، وألا ~~تتحرك في مصر إلا بموافقة قائد القوات الإنجليزية. # واستمرت المفاوضات تتعثر حينا وتتقدم حينا آخر، ثم انقطعت فجأة بمهاجمة الإنجليز للقناة ~~وزحفهم على شرقي مصر ووقوع موقعة التل الكبير ودخول الإنجليز القاهرة واحتلالهم ~~لمصر. # الفصل الخامس # | إنجلترا وتحديد مركز القناة (1883-1888) # احتلت إنجلترا مصر والقناة في خريف سنة 1882، ولكن مركزها ظل مزعزعا، فلم تكن الدول ~~تعترف لها بمركز شرعي في هذه البلاد، ففرنسا غير راضية، إذ أصبح مركز الإنجليز متفوقا في ~~مصر، لم يعد يخالجها أي شك في ذلك، وحكومة فرنسا حزينة إذ لم تستطع أن تشترك مع الإنجليز في ~~التدخل الحربي وحماية القناة على الأقل، وإيطاليا غير راضية عن عمل الإنجليز المنفرد، فلقد ~~كانت تود لو اشتركت كل الدول الكبرى في مسألة تأمين الملاحة في القناة، وكل من ألمانيا ~~والنمسا والمجر وروسيا لم يوافق على انتداب إنجلترا لهذه المهمة، مهمة حماية قناة السويس ~~وإقرار الأمور في مصر، ويفضل العمل الجمعي الدولي، أو على الأقل كانت هذه الدول ترى تدخل ~~الباب العالي إلى جانب إنجلترا، فالباب العالي هو صاحب السيادة على مصر من الناحية ~~القانونية لا تتناطح دولتان في ذلك، والشعب المصري ms051 صاحب مصر والقناة لم يؤخذ رأيه، ولم تكن ~~إنجلترا لتأبه لرأيه، بل دخلت البلاد قسرا ووضعت جيش الاحتلال رقيبا على تصرفاته وحياته، ~~ولكنه بالرغم من ذلك لم يقبل الاحتلال في يوم من الأيام، وأصبح يتحين الفرص للتخلص من ~~ربقته. # حقيقة أن الشعب المصري قمع بالقوة، وحقيقة أن الدول الأوربية الكبرى لم تثر اعتراضا ~~قويا على تدخل الإنجليز المنفرد، وحقيقة أن الباب العالي اقتصر على الاحتجاج اللفظي، ولم ~~يكن في موقف يسمح له بتحدي إنجلترا تحديا جديا، ولكن مركز إنجلترا كان بالرغم من ذلك ~~ضعيفا، وأحست إنجلترا نفسها بذلك الضعف، واختلفت فيها الآراء على مصير مصر، ففريق من الرأي ~~العام البريطاني كان يرى ضم مصر إلى الممتلكات البريطانية، وفريق يرى بسط الحماية عليها، ~~وفريق ثالث يرى فرض حماية مستورة أو مقنعة، ورابع يرى إعلان حيدتها، وخامس يرى الجلاء عنها ~~بعد استقرار سلطة الخديو. # ولكن الحكومة الإنجليزية رأت أن تتبع نصيحة المستشار الألماني بسمرك، وكانت له في ذلك ~~الوقت زعامة سياسية في أوروبا، وهذه النصيحة هي أن تستمر إنجلترا في الاحتلال حينا من ~~الزمن مع ترك السيادة التركية كما هي. # ولم تقتصر الحكومة البريطانية على ذلك، بل أعلنت من حين لآخر حسب الظروف إرضاء للرأي ~~العام الأوربي أنها لا تنوي البقاء مدى الدهر في مصر، وأنها ستغادر هذه البلاد حين ترى أن ~~النظام والأمن قد استقر فيها نهائيا. # هذا ما أعلنته الحكومة البريطانية للرأي العام العالمي، ولكنها في قرارة نفسها لم تكن ~~تفكر في الجلاء عن مصر إلا حين لا يتعارض هذا الجلاء مع مصالحها الخاصة، ومتى سيكون ذلك؟ لم ~~تكن الحكومة الإنجليزية تريد أن تفكر في هذه المسألة. # ولو أن الحكومة الإنجليزية قررت ضم مصر نهائيا إلى ممتلكاتها وأرغمت الباب العالي على ~~قبول ذلك، لزالت السيادة العثمانية عن مصر، ولأصبحت القناة بالرغم من أنها تجري في أرض مصر، ~~تابعة لإنجلترا، ولكانت إنجلترا قد بتت في مصيرها، وكذلك لو فرضت إنجلترا الحماية على مصر ~~لأصبحت قناة السويس تحت إشراف إنجلترا العام. # ولكن ms052 إنجلترا رأت أن تترك مركز مصر السياسي والدولي كما هو، فظلت القناة مجرى مائيا في ~~أراضي مصرية، ينطبق عليها ما ينطبق على بقية أراضي مصر من حيث السيادة العثمانية، ووجدت ~~الحكومة الإنجليزية من أول الأمر أن تترضى الدول حتى تعترف بالأمر الواقع في مصر. والأمر ~~الواقع في مصر هو سيطرة إنجلترا العسكرية على كل أراضي مصر بما فيها القناة، وجدت الحكومة ~~الإنجليزية أن مصلحة إنجلترا تقتضي المحافظة على المصالح الأوربية في مصر، وأرادت أن تطمئن ~~الدول، وخاصة البحرية منها، على حرية المرور في قناة السويس لكل السفن التجارية والحربية ~~في وقتي السلم والحرب. # فلقد كانت إنجلترا تخشى أن تعتقد الدول الأوربية الأخرى أن إنجلترا بسيطرتها العسكرية في ~~مصر تريد أن تسيطر وحدها على قناة السويس وتستغلها لصالحها الخاص. # فإنجلترا إذن ترى في ذلك الوقت أن مسألة القناة وحرية المرور فيها لكل السفن في كل وقت ~~مسألة دولية تهم الدول جميعا، فالقناة قد أصبحت بعد افتتاحها مجرى عالميا، يربط بين ~~جزئي العالم شرقيه وغربيه، تدير أمورها شركة وإن كانت مصرية فهي عالمية أيضا. # وكانت الحكومة الإنجليزية ترى أنها إذا ضمنت للدول حرية المرور في القناة، وأكدت صفة ~~القناة الدولية، ربما لم تتسائل الدول عن موعد جلاء الإنجليز عن مصر، ولذا فهي من اللحظة ~~الأولى، بعد استقرار سيطرتها بدخول جيوشها القاهرة، تعلن عن رغبتها في الدخول في مفاوضات مع ~~الدول الأوربية لوضع نظام توافق عليه جميع الدول لضمان حرية المرور في القناة. # ولم تكن الحكومة الإنجليزية لترضى أبدا بحياد القناة، فهي تريد أن تفتح القناة دائما ~~لحركة مرور كل السفن الحربية وغيرها في كل أوقات السلم والحرب، ولقد وجدت هذه الفكرة ~~تأييدا من الباب العالي، الذي لم يعترف خلال المدة الباقية من القرن التاسع عشر بالاحتلال ~~البريطاني، كان الباب العالي يعارض فكرة الحيدة أو الحياد بالنسبة للقناة وبالنسبة لمصر ~~أيضا في كل مفاوضاته مع إنجلترا أو مع الدول الأخرى؛ لأن الفكرة تتعارض مع مبدأ سيادته على ~~الأراضي المصرية، ولقد ظهر ذلك بشكل ms053 واضح أثناء مفاوضاته مع سير هنري درمندولف الذي أوفدته ~~حكومة سولسبري إلى استامبول للنظر في أمر جلاء القوات الإنجليزية عن مصر 1885-1887 وكذلك في ~~مناقشاته مع الدول لوضع نظام دولي لتأكيد حرية المرور في القناة. # واهتمام إنجلترا بالقناة وحرية المرور لم يكن ناشئا عن رغبتها في إرضاء الدول الأوربية ~~الأخرى فحسب، وإنما وجدت إنجلترا أن أهم واجب تقوم به في مصر بعد احتلالها هو حماية مصالحها ~~الخاصة الاستراتيجية والحربية، هذه المصالح الناشئة من وقوع مصر في ملتقى الطرق العالمية ~~البرية والبحرية. # ولقد ظهرت رغبة إنجلترا في وضع نظام لتأمين حرية المرور في القناة مع الدول الأخرى في ~~منشور وزير الخارجية الإنجليزية جرانفل إلى الدول الأوربية، والمؤرخ في 3 يناير سنة 1883، ~~وفي تقرير لورد دفرن المؤرخ في فبراير سنة 1883. # ولقد قسم منشور جرانفل مسائل مصر إلى قسمين: مسائل تتعلق بالدول الأخرى، وضروري فيها ~~موافقة الدول الأوربية الكبرى، ومسائل تختص بأمور مصر الداخلية، فمن المسائل الأولى مسألة ~~قناة السويس، فيقول المنشور: كان من نتائج الحوادث القريبة توجيه انتباه خاص إلى قناة ~~السويس؛ أولا: للخطر الذي كان مهددا لها في الفترة الأولى لنجاح الثورة، وثانيا: نتيجة ~~لاحتلال القوات البريطانية لها باسم الخديو واتخاذها قاعدة للعمليات الحربية لمصلحة سموه ~~وتأييدا لسلطته، وثالثا للموقف الذي اتخذته شركة قناة السويس في وقت خطير أثناء العمليات ~~الحربية. # وبالنسبة للنقطتين الأوليين، تعتقد حكومة جلالة الملكة أن حرية الملاحة في كل الأوقات ~~وعدم عرقلتها أو إتلافها بأعمال الحرب مسألة مهمة لكل الشعوب. # وإن من المعترف به أن الإجراءات التي اتخذتها «حكومة جلالة الملكة» لحماية الملاحة ~~واستعمال القناة باسم الحاكم المحلي لغرض استرجاع سلطته، ليس بأي حال اعتداء على ذلك المبدأ ~~العام. # ولتوضيح مركز القناة في المستقبل، ولاتخاذ التدابير ضد الأخطار الممكنة؛ فترى حكومة جلالة ~~الملكة أنه لا بد من الوصول إلى اتفاقية بين الدول الكبرى، تدعى الدول الأخرى للموافقة ~~عليها على أساس أن: ~~(1) # تكون القناة حرة لمرور كل السفن في كل الظروف. ~~(2) # وفي وقت الحرب يحدد الوقت الذي تبقى ms054 فيه السفن الحربية في القناة، ويجب ألا ~~ينزل فيها جنود أو عتاد حربي. ~~(3) # لا تقوم أعمال عدوانية في القناة أو في مداخلها أو أي مكان في المياه ~~المصرية، ولا يستثنى من ذلك تركيا إذا كانت أحد المتحاربين. ~~(4) # ولا يطبق هذان الشرطان على الإجراءات التي تتخذها مصر للدفاع عن ~~القناة. ~~(5) # وإذا حدث أي تلف بالقناة من سفن إحدى الدول، فتكلف هذه الدول بدفع نفقات ~~الإصلاح. ~~(6) # تأخذ مصر كل التدابير في حدود قواتها لتأييد الشروط التي وضعت لانتقال سفن ~~المتحاربين في وقت الحرب. ~~(7) # لا تقام تحصينات على القناة أو في منطقتها. ~~(8) # لا يوضع في الاتفاق أي شرط يؤثر على حقوق حكومة مصر أكثر مما ذكر. # وقامت المفاوضات بين إنجلترا وفرنسا بشأن القناة في 29 نوفمبر سنة 1884، وفي أوائل سنة ~~1885 (21 يناير) فيها وافقت الحكومة الإنجليزية على اقتراح الوزير الفرنسي جيل فري بشأن ~~تنظيم مركز القناة في معاهدة، وتكوين لجنة تمثل فيها الدول الكبرى، وكان الوزير الإنجليزي ~~جرانفل يفضل قيام المفاوضات بين العواصم الأوربية المختلفة، ولكنه وافق أخيرا على الرأي ~~الفرنسي. # واقترح الوزير الفرنسي أن تكون باريس مكان الاجتماع اعترافا بفضل فردنند دي لسبس على ~~الأقل، واعترض الجانب الإنجليزي بأن المفاوضات بدأت في لندن، ولا داعي لتغيير العاصمة ~~الإنجليزية، وأخيرا وافق على الرأي الفرنسي. # ووافقت الدولتان على الإعلان الآتي وهو: من حيث إن الدول الكبرى متفقة على الاعتراف ~~بضرورة المفاوضة؛ لوضع نظام نهائي لضمان حرية استخدام كل الدول لقناة السويس في كل الأوقات، ~~فقد اتفقت الحكومات السبع على تكوين لجنة مكونة من مندوبين تعينهم الحكومات ويجتمعون في ~~باريس في 10 مارس، على أن يتخذوا أساسا لمفاوضتهم منشور لورد جرانفل المؤرخ 3 يناير سنة ~~1883. # ولقد اتخذت الدول السبع الكبرى إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والنمسا والمجر ~~تصريح لورد جرانفل أساسا لاتفاقية وقعها مندوبو هذه الدول ومعهم مندوب تركيا في مارس سنة ~~1885 لعقد مؤتمر مبدئي في باريس يتكون من ممثلي هذه الدول ومعهم مندوب من لدن خديو مصر، ~~«وانضم إليهم بعد ذلك مندوبو ms055 بعض الدول الأخرى مثل إسبانيا وهولندا» لوضع أساس اتفاقية ~~دولية بشأن قناة السويس، هذه الاتفاقية تدرسها الحكومات فيما بعد، وتعدل فيها إذا أرادت، أو ~~وجدت ذلك التعديل ضروريا باتفاقها جميعا فيما بينها. # ولقد جعلت إنجلترا هذه الاتفاقية المبدئية الخاصة بالقناة أساسا للنص الخاص بالقناة في ~~اتفاقية سير هنري درمندولف مع الباب العالي في سنة 1887، الخاصة بجلاء الإنجليز عن مصر ~~بشروط معينة ورجوعهم إليها إذا قام خطر داخلي أو خارجي يهدد سلام مصر وأمنها، وعلى أي حال ~~لم تصل هذه الاتفاقية الأخيرة إلى نتيجة؛ لأن السلطان رفض التصديق عليها. # ولقد اجتمعت اللجنة في 30 مارس سنة 1885 ومثل إنجلترا سير جوليان بونسفوت وسير ريفرز ~~ولسن، وافتتح اجتماع اللجنة الوزير الفرنسي جيل فري الذي أعلن أن قناة السويس فكرة عبقرية ~~«وأنها قبل كل شيء عالمية وأوربية وإنسانية»، وأنه لتأكيد هذه الفكرة الدولية للقناة ستفتتح ~~هذه اللجنة أعمالها، وظهر في مناقشات هذه اللجنة النزاع الشديد بين فرنسا وإنجلترا، ~~واستغرقت أعمال اللجنة ست عشرة جلسة، وبعد أن انتهت اللجنة من مناقشاتها، تقاعدت إنجلترا عن ~~السير في إنهاء الموضوع، فاضطرت فرنسا إلى تهديد إنجلترا بأنها لن تسمح أبدا بسيطرة ~~الإنجليز على مصر والقناة. # واضطرت وزارة سولسبري إلى متابعة السير في المشروع وأبدت كثيرا من الاعتراضات، ولكن ~~الدولتين وصلتا في آخر الأمر إلى توحيد وجهات النظر، وأرسلتا في 25 يونيو سنة 1885 ~~بمشروعهما للدول الأخرى ولتركيا للتصديق عليه. # ويلاحظ في الاتفاقية النهائية الخاصة بالقناة أن إنجلترا نفذت فكرتها فيما يختص بحرية ~~المرور، فكان أول شيء اتفق عليه مندوبو الدول جميعا، وهو حرية المرور في القناة لسفن جميع ~~الدول التجارية والحربية وقتي السلم والحرب، كذلك أكدت إنجلترا حقوق الحكومة المصرية في ~~الدفاع عن القناة؛ فهي جزء من الأراضي المصرية. # أكدت إنجلترا حقوق الحكومة المصرية لما وجدت من محاولات مندوب الدولة العثمانية تسجيل ~~حقوق العثمانيين ونفوذ السلطان العثماني. # وبالرغم من أن هذه الاتفاقية قد قررت مبدأ المساواة بين الدول وأكدته، كما أقرت عدم ~~انفراد أية دولة بنفوذ متفوق ms056 في منطقة القناة، إلا أن إنجلترا بحكم احتلالها العسكري للبلاد ~~ومركزها الممتاز فيها، قد أصبح لها بالفعل من الناحية العملية نفوذ متفوق في القناة. # فإصرار إنجلترا على أن يوكل أمر تنفيذ الاتفاقية إلى الحكومة المصرية قد جعل بطريقة غير ~~مباشرة أمر تنفيذها إلى الحكومة الإنجليزية، فالباب العالي لم تكن له سلطة فعلية، فلن تلتجئ ~~إليه الحكومة المصرية، وإذا لم تلتجئ إليه الحكومة المصرية فلن يلتجئ هو بدوره إلى الدول؛ ~~لأن إنجلترا لن تلجئ الحكومة المصرية إلى مثل هذا الموقف أبدا. # وكذلك في حالة الدفاع عن مصر - كما سنرى من نصوص هذه الاتفاقية - استثنيت الحكومة المصرية ~~من بعض شروط هذه الاتفاقية، فلها وحدها الحق في وضع الجيوش والسفن الحربية في منطقة القناة، ~~ولها وحدها حق تفتيش السفن المشتبه فيها، ولما كانت الحكومة الإنجليزية تشرف بالفعل على ~~الحكومة المصرية وعلى الجيش المصري معا، فهي التي قامت بتحديد عدد الجيش وعينت ضباطه ~~وقواده من الإنجليز، كانت هي التي تتمتع بهذا الحق من الناحية العملية، طالما ظل نظام ~~الاحتلال موجودا. # ومع ذلك فقد احتفظت إنجلترا لنفسها بحق انفردت به، وهو أن تنظيم موقف القناة بصفة مستديمة ~~لا يمكن أن ينفذ بشكل يعرقل حركات الجيوش البريطانية في مصر، فإنجلترا ادعت لنفسها بحق ~~الإشراف على أمور مصر، وهي لا تستطيع القيام بهذا الواجب إذا لم تكن لجنودها حرية ~~التصرف. # وهذا التحفظ بقي ما بقي الاحتلال إلى سنة 1904، إلى أن عقدت إنجلترا اتفاقيتها مع فرنسا، ~~اتفاقية لانزدون كامبون المشهورة. # أصبح لإنجلترا إذن من الناحية الفعلية نفوذ كبير في القناة، وكانت الدول المحاربة تتصل ~~بها حين تريد إرسال سفنها الحربية للمرور من القناة؛ ولذا فلا عجب أن طلبت فرنسا في أثناء ~~مفاوضاتها مع إنجلترا في سنة 1904 رفع هذا التحفظ وأجيبت إلى ذلك. # ولما رأت الدول أن إنجلترا تؤكد دائما بأن ليس من السهل فصل مسألة مصر عن مسألة القناة، ~~وأنه نتيجة للاحتلال سيكون لها بالفعل مركز خاص، هذا جعل مندوبي الدول لا يوافقون على أن ~~تنص الاتفاقية ms057 على امتيازات خاصة لإنجلترا على أساس أنها محتلة لمصر أو لها مصالح حقيقية في ~~القناة - كما تدعي - أكثر من الدول الأخرى، كما نصوا على عدم جواز إقامة تحصينات على القناة ~~أو بجوارها أو احتلال نقط حربية في منطقتها أو الأماكن المشرفة عليها، وكذلك سجلوا عدم جواز ~~القيام بأية أعمال حربية أو استعدادات للحرب في منطقتها أو في المياه الإقليمية لمداخلها، ~~وشمل هذا التحريم الباب العالي ولو أنه صاحب السيادة. # وتتكون هذه الاتفاقية التي وصلت إليها الدول من سبع عشرة مادة، وأمضيت في استامبول في 29 ~~أكتوبر سنة 1888، وقعتها بريطانيا وألمانيا والنمسا والمجر وإسبانيا وفرنسا وهولندا وروسيا ~~وإيطاليا وتركيا. # وهذا هو نص هذه الاتفاقية: # المادة الأولى: # تكون قناة السويس حرة دائما ومفتوحة في وقتي السلم والحرب لكل سفينة ~~تجارية أو حربية دون تمييز لجنسيتها، وعلى هذا تتفق الدول السامية ~~المتعاقدة على ألا تعوق حرية استخدام القناة في وقت السلم والحرب. # ولا تخضع القناة أبدا لمزاولة حق الحصار. # المادة الثانية: # ولما كانت الدول المتعاقدة تعترف بأن القناة البحرية لا تستغني أبدا عن ~~القناة العذبة، فهي تسجل كل التزامات سمو الخديو أمام شركة قناة السويس ~~العالمية فيما يختص بالقناة العذبة. وقد نص على هذه الالتزامات في ~~الاتفاقية المؤرخة 18 مارس سنة 1863 ... # وتتعهد الدول المتعاقدة بعدم المساس بوجود الترعة وفروعها، ولا تعطيل ~~قيامها بوظيفتها. # المادة الثالثة: # وتتعهد الدول المتعاقدة باحترام جميع منشآت ومباني وأشغال القناة البحرية ~~والقناة العذبة. # المادة الرابعة: # ولما كانت القناة البحرية ستظل مفتوحة وقت الحرب كممر حر حتى لسفن ~~المتحاربين الحربية، وفقا لنصوص مادة 1 من هذه المعاهدة، فإن الدول ~~المتعاقدة متفقة على أنه لا يحق القيام بعمل حربي أو عمل عدائي أو أي عمل ~~من شأنه عرقلة حرية الملاحة في القناة أو في الموانئ التي تشرف على مداخلها ~~أو في مدى ثلاثة أميال بحرية من مداخلها؛ حتى ولو كانت الإمبراطورية ~~العثمانية إحدى الدول المتحاربة. # ولا يجوز لسفن المتحاربين التزود في القناة ولا في موانيها إلا في حالة ~~الضرورة القصوى، ms058 وللحد الضروري جدا، ويكون مرور هذه السفن في أقصر وقت ~~ممكن وفقا للوائح المعمول بها. # ولا يجوز لهذه السفن أن تبقى في بورسعيد أو السويس أكثر من أربع وعشرين ~~ساعة إلا في حالة الضرورة القصوى، وعليها أن ترحل في أول فرصة ~~مستطاعة. # ويجب أن تمر فترة أربع وعشرين ساعة بين إبحار سفينتين متعاديتين. # المادة الخامسة: # وفي وقت الحرب، على سفن المتحاربين ألا تنزل أو تأخذ جنودا أو مواد ~~حربية في القناة وفي موانيها. # ولكن في حالة حدوث عطل في القناة يجوز لها أن تأخذ أو تنزل فصائل جنود في ~~موانيها لا يتجاوز كل منها ألف رجل، ومعهم ما يلزمهم من عتاد حربي . # المادة السادسة: # تخضع الغنائم لنفس القواعد التي تخضع لها سفن المتحاربين الحربية. # المادة السابعة: # لا تحتفظ الدول لنفسها بسفن حربية في مياه القناة، ومع ذلك، فيجوز أن تضع ~~سفنا في مدخلي القناة لا يتجاوز عددها اثنتين لكل دولة، ولا يكون هذا الحق ~~لسفن المتحاربين. # المادة الثامنة: # ويقوم معتمدو الدول الموقعة على هذه المعاهدة بمراقبة التنفيذ، ففي حالة ~~حدوث خطر يهدد سلامة حرية المرور في القناة يجتمع هؤلاء المعتمدون بناء ~~على طلب ثلاثة منهم، ويرأس الاجتماع عميد الهيئة السياسية، وهم الذين ~~ينبئون الحكومة الخديوية بالخطر الذي رأوه حتى تستطيع اتخاذ التدابير ~~لحماية القناة وحماية حرية استخدامها، وعليهم أن يجتمعوا مرة واحدة في ~~السنة لمراقبة تنفيذ المعاهدة. # وهذه الاجتماعات الأخيرة تكون تحت رياسة مندوب خاص لهذا الغرض تعينه ~~حكومة الإمبراطورية العثمانية، ويجوز لمندوب الخديو أن يحضر هذا الاجتماع، ~~ويرأسه إذا تغيب المندوب العثماني. # المادة التاسعة: # وعلى الحكومة المصرية في حدود السلطات التي تخولها إياها الفرمانات، وفي ~~الظروف التي تعينها هذه المعاهدة، أن تتخذ التدابير لتنفيذ هذه المعاهدة ~~المذكورة. # وفي حالة ما إذا لم يكن لدى الحكومة المصرية الوسائل اللازمة، عليها أن ~~تطلب من الحكومة العثمانية التي تتخذ الإجراءات اللازمة لإجابة ذلك الطلب، ~~وعليها أن تحيط الدول الموقعة لإعلان لندن المؤرخ 17 مارس سنة 1885 علما ~~وأن تعمل معهم، إذا ما ms059 استدعت الضرورة ذلك. # ولا تقف مواد 4، 5، 7، 8 في سبيل الإجراءات التي تتخذ في هذا الشأن بحكم ~~هذه المعاهدة. # المادة العاشرة: # وكذلك لا تقف مواد 4، 5، 7، 8 في سبيل الإجراءات التي يتخذها صاحب ~~الجلالة السلطان وسمو الخديو باسم صاحب الجلالة الإمبراطورية في حدود ~~الفرمانات الممنوحة بواسطة قواته للدفاع عن مصر وصيانة النظام العام، وفي ~~حالة ما إذا وجد صاحب الإمبراطورية السلطان أو صاحب العظمة الخديو ضرورة ~~الانتفاع بالاستثناءات التي تقررها هذه المادة، على أن تنبئ الحكومة ~~العثمانية الدول الموقعة لإعلان لندن. # وكذلك لا تقف المواد الأربع المذكورة في سبيل الإجراءات التي تتخذها ~~الحكومة العثمانية الإمبراطورية لتدافع بواسطة قواتها عن ممتلكاتها الواقعة ~~على الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر. # المادة الحادية عشرة: # وإن الإجراءات التي تتخذ وفقا للحالات المبينة في مواد 9، 10 لهذه ~~المعاهدة لا يجب أن تقف في سبيل حرية استخدام القناة. # ولا يجوز كذلك إنشاء تحصينات دائمة بحيث يتناقض ذلك مع نصوص مادة ~~8. # المادة الثانية عشرة: # وإن الدول المتعاقدة في تطبيقها لمبدأ المساواة بالنسبة لحرية استخدام ~~القناة، ذلك المبدأ الذي هو أساس من أسس هذه المعاهدة، توافق على ألا تحاول ~~واحدة منها أن تأخذ لنفسها بالنسبة للقناة أية امتيازات ... كذلك تحتفظ ~~لتركيا كالدولة المالكة بكل الحقوق. # المادة الثالثة عشرة: # وباستثناء الالتزامات التي تقررها مواد هذه المعاهدة لا تمس حقوق السيادة ~~التي يملكها صاحب الجلالة الإمبراطورية السلطان، ولا حقوق وامتيازات سمو ~~الخديو التي تمنحه إياها الفرمانات. # المادة الرابعة عشرة: # وإن الدول المتعاهدة توافق على أن الالتزامات الناتجة من هذه المعاهدة لا ~~تحد بمدة بقاء امتياز الشركة العالمية لقناة السويس. # المادة الخامسة عشرة: # لا تتعارض شروط هذه المعاهدة مع الإجراءات الصحية المطبقة في مصر. # المادة السادسة عشرة: # تتعهد الدول الموقعة بدعوة الدول الأخرى للموافقة على هذه ~~المعاهدة. # المادة السابعة عشرة: # تختص بالتصديق على هذه المعاهدة. # الفصل السادس # | إنجلترا والقناة (1888-1935) # لقد أمضت إنجلترا اتفاقية سنة 1888 الخاصة بالقناة كما أمضتها بقية الدول، ولكنا وجدنا أن ~~إنجلترا تمتعت من الناحية الفعلية بحكم احتلالها العسكري وإشرافها على ms060 الحكومة المصرية ~~بمركز ممتاز فيما يختص بقناة السويس، ثم ذلك التحفظ الذي وضعته كان معناه انفرادها بحقوق ~~ليست للدول الأخرى. # واستمر الموقف على ذلك إلى أن وجد كل من إنجلترا وفرنسا تسوية المسائل المعلقة بينهما، ~~فلقد كان النزاع الذي اشتد أواره بينهما في غير صالحهما، فلقد حمي النزاع بين الدولتين ~~بخصوص مسألة مصر إلى درجة كادت الحرب أن تقع بينهما في أزمة فاشودة سنة 1898. # وجدت فرنسا أثناء هذه الأزمة العنيفة أنه لا يمكنها الاعتماد على التحالف الروسي، ولا ~~يمكنها مناضلة إنجلترا، فلقد ثبت لدى الحكومة الفرنسية أن البحرية الإنجليزية في البحر ~~المتوسط متفوقة تفوقا تاما على البحرية الفرنسية. # ووجدت إنجلترا أن من مصلحتها إصلاح علاقاتها بفرنسا لتأمين مركزها في مصر وقناة السويس ~~نهائيا، فلقد كانت فرنسا وحليفتها الروسيا هما الدولتان الوحيدتان اللتان ناوأتا بكل شدة ~~استمرار الاحتلال البريطاني في مصر وسيطرة البريطانيين على قناة السويس، والأعضاء الفرنسيون ~~في مجلس إدارة شركة القناة هم الذين أثاروا ما استطاعوا من عقبات في وجه العمليات الحربية ~~البريطانية في سنة 1882، وأما بقية الدول فلم تثر معارضة حقيقية؛ ولذا حاول الإنجليز تسوية ~~علاقاتهم مع فرنسا نهائيا، إذ ما قيمة مصر وقناة السويس من الناحية الاستراتيجية، إذا ~~استطاع الفرنسيون بمعاونة حلف خارجي قطع الطريق البحرية في الجزء الغربي للبحر الأبيض ~~المتوسط، فهم مسيطرون على تونس والجزائر ونفوذهم كبير في مراكش. # ولو حدث ذلك واستمر مدة لتزعزع مركز إنجلترا في البحر المتوسط، ولساءت حالتها التجارية، ~~ولذلك أصبحت إنجلترا تعتقد أن مستقبل المواصلات الإمبراطورية كلها متعلق إلى حد كبير ~~بالشاطئ الأفريقي الشمالي، ورأت أن تطمئن إلى أن الدولة التي سيصير لها النفوذ في مراكش ~~دولة صديقة لها، وخاصة وأن قوة ألمانيا البحرية قد أخذت تنمو بسرعة كبيرة، وهذا من شأنه ~~حجز جانب كبير من الأسطول البريطاني في المحيط الأطلنطي وبحر الشمال. # فلو حدث واتفقت ألمانيا وحليفتها إيطاليا مع فرنسا، لكانت الكارثة على إنجلترا وعلى ~~مركزها في البحر الأبيض المتوسط والعالم، ولقد حدث أن اتفقت فرنسا وألمانيا في سنة ms061 1885 ~~فتزعزع مركز إنجلترا في مصر، وأخذت تفكر في الجلاء، واضطرت إلى أن تسلم بمطالب الألمان ~~والفرنسيين فيما يختص بالمستعمرات وراء البحار، واضطرت إلى أن تسوي المسألة المالية في مصر ~~تسوية ترضي فرنسا، فإذا تكرر نفس الاتفاق في سنة 1898 أو سنة 1900، وكانت فرنسا تفكر جديا ~~في الانضمام إلى المعسكر الألماني، فماذا يكون مركز إنجلترا في مصر وقناة السويس وبقية ~~أجزاء العالم؟ # فلكي تطمئن إنجلترا تماما إلى مركزها في مصر وإشرافها على قناة السويس وقواعدها في جبل ~~طارق ومالطة، لا بد من الوصول إلى اتفاق تام مع فرنسا وتسوية كل المسائل المتنازع عليها ~~بينهما، وخاصة مسألة مصر والقناة، وتم ذلك في الاتفاقية «لانزدون كامبون» في ربيع سنة ~~1904. # وبهذه الاتفاقية زالت المعارضة الحقيقية للاحتلال الإنجليزي لمصر، وضمنت إنجلترا نهائيا ~~وإلى حين تفوق مركزها على ضفاف النيل والقناة، وبذلك لم تعد في حاجة إلى التحفظ الذي ألحقته ~~باتفاقية سنة 1888. # فنصت الاتفاقية الجديدة في المادة السادسة على زوال ذلك التحفظ، وأعلنت الدولتان تمسكهما ~~بحرية المرور في القناة وبشروط معاهدة سنة 1888. # وبهذه الاتفاقية بين إنجلترا وفرنسا زالت كذلك معارضة الروسيا للاحتلال الإنجليزي لمصر، ~~وستنضم الروسيا إلى الوفاق الفرنسي الإنجليزي بعد ثلاث سنوات من هذه الاتفاقية، بقيت الدول ~~الكبرى مثل ألمانيا والنمسا والمجر وإيطاليا، فإلي قيام الحرب الكبرى الأولى لم تكن لهذه ~~الدول مصالح مباشرة ومهمة تدعوها إلى معارضة الاحتلال معارضة جدية أو مناقشة مركز إنجلترا ~~الممتاز في القناة. # ولكن هناك مسألة تستوقف النظر بالنسبة للقناة، وهي محاولة ألمانيا إنشاء طريق آخر ~~للمواصلات بين الشرق والغرب، وهو طريق ب. ب. ب. (برلين، بيزنطة، بغداد). أخذت ألمانيا تستغل ~~مركزها الممتاز في الدولة العثمانية من بعد سنة 1900 لإنشاء سكة حديدية تخترق الأناضول ~~والجزيرة والعراق إلى بغداد، ومنها تكمل السكة الحديدية إلى البصرة على مدخل الخليج ~~الفارسي، وبذلك هيئ لألمانيا إمكان تحويل جانب كبير من تجارة الشرق عن طريق قناة السويس ~~إلى الطريق الجديدة. # وأخذ الألمان في تنفيذ مشروعهم، ففي سنة 1903 استطاعت ألمانيا أن تأخذ امتياز ms062 سكة حديد ~~بغداد، وكان الألمان يرون في ذلك الوقت أنه يمكن إلحاق الضرر الجسيم بإنجلترا في نقطة واحدة ~~هي مصر، وإن فقدان إنجلترا لمصر ليس معناه انتهاء إشرافها على قناة السويس والطريق إلى ~~الهند، ولكن معناه أيضا ضياع ممتلكاتها في أواسط وشرق أفريقيا، اعتبر الألمان قناة السويس ~~شريانا حيويا من شرايين الإمبراطورية، فأي عطب يلحق به يصيب إنجلترا بخسارة ~~جسيمة. # وعلى أي حال لم تلحظ الحكومة البريطانية ذلك الخطر الجديد من أول الأمر، بل وساهمت في ~~تمويل المشروع الألماني، ولكنها حين تنبهت لخطر المشروع أسرعت بالسيطرة على الخليج الفارسي، ~~وعقدت حلفا مع روسيا لتشل حركة الألمان والأتراك معا، ثم قامت الحرب العالمية الكبرى ~~الأولى، فلم يكمل تنفيذ المشروع كما كان يبغي الألمان، وظلت طريق قناة السويس بغير منافس، ~~إذ إنه بعد انتهاء هذه الحرب سيطرت إنجلترا على العراق سيطرة كاملة من الناحية السياسية ~~لمدة، ثم عقدت معه معاهدة تحالف تضمن عدم انضمامه إلى جانب أعدائها، ومع ذلك فلم تعمل ~~إنجلترا على إحياء طريق الخليج الفارسي - العراق - البحر الأبيض؛ بحيث ينافس طريق قناة ~~السويس. # وقبل قيام الحرب الكبرى الأولى، قامت حربان؛ الحرب الأولى بين روسيا واليابان، وكانت ~~إنجلترا صديقة لليابان وحليفة لها، ويهمها بطبيعة الحال ألا تخرج الروسيا من هذه الحرب ~~منتصرة، وكان على إنجلترا كما تنص اتفاقية سنة 1888 أن توافق على مرور الأسطول الروسي في ~~القناة إلى الشرق الأقصى، وترددت الحكومة الإنجليزية في أول الأمر، ولكنها لم تحاول منعه من ~~المرور، فمر ليلقى حتفه في المياه اليابانية. # وفي المرة الثانية كانت الحرب بين الدولة العثمانية وإيطاليا في سنة 1911، بسبب مسألة ~~طرابلس التي كانت إيطاليا ترمي إلى الاستيلاء عليها، والتي كانت جزءا من ممتلكات الدولة ~~العثمانية. # وطرابلس مجاورة لمصر من الناحية الغربية، ومصر من ناحية القانون الدولي لا زالت تحت ~~السيادة العثمانية، ويحق لإيطاليا أن تهاجمها وتعتدي على قناة السويس ما دامت في حالة حرب ~~مع الدولة العثمانية، كما هاجمت جزر الدوديكانيز التابعة للدولة العثمانية أيضا. # كان من الممكن حدوث ms063 هذا، لو لم تقف إنجلترا في مصر موقف الحياد التام بين المتحاربين، ~~والواقع أن إنجلترا كانت قد وافقت منذ صيف سنة 1878 على ألا تثير معارضة إذا ذهب الإيطاليون ~~إلى طرابلس، قبلت إنجلترا هذه الفكرة حين قررت احتلال قبرص، ولذلك طلبت إنجلترا من الحكومة ~~المصرية ألا تساعد فريقا من المتحاربين على الفريق الآخر، بالرغم من أن الرأي العام المصري ~~كان يود لو استطاع مساعدة الطرابلسيين في محنتهم الشديدة، وفعلا تم لإنجلترا ما أرادت، ~~ولذا حين طلبت الحكومة العثمانية - بعد أن فرض الإيطاليون بالقوة الحصار البحري عليها - ~~مرور الجنود العثمانية في مصر، لم توافق إنجلترا، وكذلك لما طلبت الحكومة العثمانية من ~~حكومة مصر إرسال فرقة من جيشها لمساعدة الأتراك في طرابلس، احتج المعتمد البريطاني هربرت ~~كتشنر على ذلك، وبين أنه إذا أرسلت مصر جزءا من جيشها إلى طرابلس، فستجد إنجلترا نفسها ~~حينئذ مضطرة إلى زيادة عدد جنودها في مصر، الأمر الذي لا تقبله تركيا راضية، وذكر كتشنر ~~الدولة العثمانية أنها كانت لا توافق أبدا على تعزيز إنجلترا لجيوشها في مصر. # وعلى ذلك مرت الحرب الطرابلسية دون أن تقوم إيطاليا باعتداء على مصر أو القناة. # وقبل قيام الحرب الطرابلسية أثارت شركة قاة السويس في سنة 1909 موضوع مد الامتياز الممنوح ~~لشركة القناة، ورأت الحكومة البريطانية من جانبها ألا تتدخل في هذا الموضوع، ولذا حين أثيرت ~~هذه المسألة في البرلمان الإنجليزي في نوفمبر سنة 1909 لم يرد جراي وزير الخارجية ~~البريطانية أن يدلي برأي في الموضوع، واقتصر على أن قال: إن الأمر معروض على مصر لإبداء ~~رأيها فيه. ولكن يظهر أن المعتمد البريطاني في مصر سير إلدن جورست كان أكثر حماسة من حكومته ~~لمد الامتياز، فلقد اعتقد أن مد الامتياز يهم حاضر المصريين ومستقبلهم، ولكن حكومته لم ~~تشجعه على تأييد ذلك المشروع تأييدا عمليا، وعرض المشروع على مصر في 9 فبراير سنة 1910 ~~فرفضته. # فلم تتخذ الحكومة البريطانية موقفا معينا، بل بالعكس فإنها لم تحزن لرفض مصر له، إذ ~~لما أثير ذلك الموضوع ms064 في مجلس العموم البريطاني، ذكر بعض النواب الإنجليز أن مستقبل ~~القناة يهم إنجلترا كما يهم مصر، وسأل بعض النواب الآخرين عن التدابير التي اتخذتها الحكومة ~~البريطانية لحماية مصالح البريطانيين المالية والتجارية في قناة السويس بعد أن رفضت مصر ~~مشروع المد، أجاب لورد جراي بأن هذا أمر يتعلق بالحكومة المصرية وبشركة القناة، وأن ~~بريطانيا لا يجب أن تؤيد المد قبل أن تستشير مصالحها الخاصة، فيجب أن تعرف أولا رأي ~~الأعضاء الإنجليز في مجلس إدارة الشركة، وتعرف رأي الخزانة البريطانية ورأي وزارة ~~التجارة. # ويظهر أن أصحاب السفن في بريطانيا لم يكونوا يهتمون كثيرا بمسألة مد الامتياز الممنوح ~~لشركة القناة، وكذلك الحكومة البريطانية، وحين قامت الحرب الكبري الأولى، وانضمت الدولة ~~العثمانية إلى جانب ألمانيا والدول الوسطى الأوربية، أعلنت الحكومة البريطانية في أواخر سنة ~~1914 زوال السيادة التركية وقيام الحماية البريطانية، وأصبح بذلك إشرافها تاما على القناة ~~بالرغم من أن هذا الإعلان جاء من جانب واحد لم توافق عليه بطبيعة الحال تركيا ولا أصدقاؤها، ~~ولا مصر. # وراعت إنجلترا مصالح البريطانيين، هم وحلفاؤهم قبل كل شيء، ولم يعد لمعاهدة سنة 1888 خلال ~~أزمة الحرب الكبرى الأولى وجود حقيقي، فلم ينفذ من قراراتها إلا ما كان في صالح الحلفاء، ~~فلم تراع إنجلترا فيها حرية المرور، وقبضت على السفن المعادية في مياهها بحجة أن هذه السفن ~~تنوي القيام بأعمال عدوانية في القناة أو تعمل على عرقلة حرية الملاحة فيها. # وقررت الحكومة البريطانية كذلك اتخاذ القناة خط دفاع من الناحية الشرقية، فتحولت بذلك ~~القناة إلى منطقة عسكرية وموضع عمليات حربية، ومنع مرور السفن المعادية فيها، ووضع نظام خاص ~~للقناة يكفل مصالح الحلفاء، قسمت القناة إلى ثلاثة أجزاء لتنظيم الدفاع عنها، وجعل مركز ~~القوات المدافعة في الإسماعيلية، ووضعت في القناة سفن حربية بريطانية وفرنسية لتساهم في ~~الدفاع، ووضعت شركة القناة ما لديها من سفن ومعدات وأدوات ومهندسين وعمال في خدمة الدفاع، ~~وعاونت الحكومة المصرية بكل ما تستطيع من قوة وموارد، وقامت باتخاذ الاحتياطات لمنع أي تلف ~~يلحق بالقناة، وقامت ms065 قوات الهجانة بحراسة شواطئ القناة. # ولقد قام الأتراك والألمان بقيادة جمال باشا بمهاجمة القناة، ونشبت بالفعل معارك بينهم ~~وبين الإنجليز والفرنسيين انتهت بانهزام الأتراك وانسحابهم من منطقة القناة، وكان يظن أن ~~الأتراك سيعودون إلى الهجوم على القناة، إذا خف الضغط عليهم، بعد أن فشل الحلفاء فشلا ~~تاما في الاستيلاء على الدردنيل، على أن الأتراك لم يقوموا بذلك الهجوم، ومع ذلك ظلت ~~القناة مركز العمليات الحربية في شرقي مصر، وظلت كذلك إلى أن عين الجنرال أللنبي في يونيو ~~سنة 1917 وتقدم الإنجليز إلى العريش وقاموا هم بالهجوم، وطهروا شبه جزيرة سينا، فحينئذ ~~انتهى الخطر التركي على القناة. # وحين انتهت الحرب نصت مادة 152 في معاهدة فرساي على تحويل سلطة الأتراك في حماية القناة ~~إلى إنجلترا، وأكدت نصوص معاهدة سنة 1888، وعادت إلى السريان من جديد . # خرجت بريطانيا من هذه الحرب قوية المركز مهيبة الجانب في الشرق الأدنى جميعه، فلقد سيطرت ~~على كل المناطق المشرفة على القناة والمحيطة بها، واعترفت بحمايتها على مصر الدول المنتصرة ~~والدول المنهزمة على السواء، وانتدبت لفلسطين، وشرق الأردن. # وفي تصريح 28 فبراير سنة 1922 أعلنت إنجلترا من جانبها انتهاء الحماية البريطانية على ~~مصر، واعترفت باستقلال مصر مقيدا بالتحفظات الأربعة، ويهمنا في هذا المكان التحفظ الخاص ~~بالمواصلات البريطانية، وكانت الحكومة الإنجليزية على اختلاف ألوانها ترى أن القناة هي ~~الحلقة المهمة في هذه المواصلات الإمبراطورية، فكأن إنجلترا في هذا التحفظ قد احتفظت لنفسها ~~بحق حماية قناة السويس وحرية المرور فيها، والدفاع عنها، إذا قام عليها اعتداء من أية ~~ناحية، على أنه يجب ألا ننسى هنا أن إنجلترا كانت تربط مسألة القناة دائما بمسألة مصر، ففي ~~ذلك الوقت كانت إنجلترا تعتقد أن مصر كلها بما فيها قناة السويس حلقة في خطوط المواصلات ~~الإمبراطورية يجب على إنجلترا حمايتها والدفاع عنها ضد كل اعتداء، ولذلك احتفظت لنفسها بحق ~~الدفاع عن مصر. # وعلى هذا الأساس بررت إنجلترا بقاء الاحتلال في كل جهات مصر التي تراها لازمة للدفاع ~~ولحماية المواصلات البريطانية بين الشرق والغرب. # ولذا ms066 كان تاريخ مصر السياسي من بعد سنة 1922 هو تاريخ جهاد مصر للتخلص من القيود التي ~~فرضها تصريح 28 فبراير، الواحد تلو الآخر. # فمصر ظلت متمسكة بفكرتها ومطلبها العادل، وهو وجوب جلاء الإنجليز عن كل أراضي مصر. ~~وإنجلترا من ناحيتها متمسكة بما تراه حقوقا لها، ومنها الحق الذي تدعيه لنفسها من ضمان ~~حرية مرور سفنها التجارية والحربية في كل أوقات السلم والحرب لحماية مصالحها في الشرقين ~~الأوسط والأقصى، ولم تكن على استعداد لتترك حراسة هذه الطريق التي تعتبرها حيوية لها ~~لغيرها. # وظل تصريح 28 فبراير مدة هو الذي يحدد علاقات بريطانيا بمصر بالرغم من أن الجانب المصري ~~لم يعترف به، وجرت مفاوضات في العهود المختلفة للوصول إلى حل للمسألة المصرية يرضي ~~الطرفين. # وكانت أهم هذه المحادثات أو المفاوضات ما قامت بين سعد زغلول باشا ومستر رمزي مكدونالد، ~~فاقترح الجانب المصري فيما يختص بالموضوع الذي نبحثه أن تتنازل إنجلترا عن حماية قناة ~~السويس لعصبة الأمم، وأعلن رئيس الوزارة البريطانية أنه لا يستطيع قبول هذه الفكرة، وأكد ~~أهمية قناة السويس للمواصلات البريطانية الإمبراطورية، وذكر أنه لا تستطيع حكومة بريطانية ~~إعطاء هذا الحق لغيرها حتى ولو كان حليفا لها، ويظهر أن إنجلترا وإن كانت قد اشتركت في ~~بناء نظام عصبة الأمم إلا أنها لم تكن تؤمن تماما بقدرتها على حماية مصالحها. # وفي المفاوضات التي جرت بين سير أوستن تشمبرلن وزير الخارجية البريطانية وثروت باشا رئيس ~~مجلس الوزراء في سنة 1927 وانتهت إلى وضع مشروع معاهدة، لم تذكر مسألة القناة كمسألة منفصلة ~~عن المسألة المصرية، وإنما ذكرت خطوط المواصلات البريطانية كأنها تشمل الأراضي المصرية ~~جميعا، فيذكر ذلك المشروع: «يسمح جلالة ملك مصر لجلالة ملك بريطانيا ضمانا لحماية خطوط ~~المواصلات الإمبراطورية البريطانية، وانتظارا لعقد اتفاقية في تاريخ قريب، بأن تكون له ~~القوات اللازمة لذلك الغرض، ووجود هذه القوات ليس معناه احتلالا ولا يمس حقوق سيادة مصر، ~~وبعد مرور عشر سنوات ينظر الطرفان المتعاقدان في ضوء تجاربهما مسألة الأماكن التي توضع فيها ~~هذه القوات، فإذا لم ms067 يصلا إلى اتفاق يعرض الأمر على عصبة الأمم، فإن حكم مجلس عصبة الأمم في ~~غير صالح مصر، يعاد النظر فيه بناء على طلب الحكومة المصرية بعد انقضاء خمس سنوات من قرار ~~العصبة.» # وفي الملحقات المتصلة بذلك المشروع تحرم الحكومة المصرية الطيران الأجنبي على منطقة ~~القناة، ولا ينطبق هذا التحريم بطبيعة الحال على بريطانيا. # ورجع ثروت باشا إلى مصر ومعه الحد الأقصى لما تستطيع الحكومة البريطانية أن توافق عليه، ~~فرفضت مصر ذلك المشروع. # وحين ذهب محمد محمود باشا رئيس مجلس الوزراء إلى لندن في سنة 1929 لغرض تعديل نظام ~~الامتيازات ولقبول مصر في عصبة الأمم، قامت محادثات بينه وبين الإنجليز تطورت إلى مفاوضات، ~~ولم يتردد رئيس الوزارة المصرية في انتهاز هذه الفرصة لوضع أساس لتسوية بين إنجلترا ومصر، ~~وبدأت المناقشة بينه وبين وزير الخارجية البريطانية في ذلك الوقت مستر آرثر هندرسون في ~~المسائل الحربية التي فشل من أجلها مشروع سنة 1927. # ووضع لذلك نص يختص بمنطقة القناة وهو: «يسمح صاحب الجلالة ملك مصر لصاحب الجلالة ملك ~~بريطانيا تسهيلا وضمانا لحماية خطوط مواصلات الإمبراطورية البريطانية بأن يضع في المنطقة ~~شرقي التل الكبير القوات اللازمة لهذا الغرض.» وهذا تقدم على مادة 7 من مشروع ثروت باشا ~~أوستن تشمبرلن نوفمبر 1927، فلقد ترك ذلك المشروع لبريطانيا حق وضع قواتها في القاهرة أو ~~الإسكندرية أو أي مكان تختاره، وذلك في السنوات العشر الأولى التالية لتنفيذ المعاهدة، وبعد ~~مرور العشر سنوات يثار موضوع تحديد أمكنة القوات البريطانية ويعرض الأمر على عصبة الأمم إذا ~~لم يستطع الطرفان الوصول إلى اتفاق. # ولذا ففكرة هندرسون - في مشروع معاهدة هندرسون-محمد محمود باشا - هي تحديد أمكنة القوات ~~البريطانية بمنطقة قريبة من القناة، وبعيدة في نفس الوقت عن القاهرة والإسكندرية؛ أي بعيدة ~~عن أنظار الشعب المصري، وبذلك انتهت الفكرة القديمة التي تمسكت بها بريطانيا مدة بأن مصر ~~كلها حلقة في سلسلة المواصلات البريطانية إلى الهند والشرق الأقصى. # وأكدت الفكرة الجديدة التي تقول بأن الغرض من بقاء القوات البريطانية في مصر إنما هو ~~حماية قناة ms068 السويس، كما حددت أماكن هذه القوات لا كما تختار الحكومة البريطانية، ولكن في ~~أماكن خاصة تتفق عليها الدولتان. # ولذلك نص في مشروع هذه المعاهدة على ما يأتي: «لضمان حماية قناة السويس كوسيلة أساسية ~~للمواصلات بين أجزاء الإمبراطورية البريطانية، يسمح جلالة ملك مصر لجلالة ملك إنجلترا بأن ~~يضع في الأراضي المصرية في جهات اتفق عليها إلى شرقي خط 32 شرقا القوات التي يراها جلالة ~~ملك بريطانيا لازمة لهذا الغرض، ووجود هذه القوات لا يعني احتلالا ولا يمس حقوق مصر في ~~السيادة.» # ففي هذا المشروع - مشروع 13 أغسطس سنة 1929 - أكدت إنجلترا رسميا أهمية قناة السويس ~~لمواصلاتها الإمبراطورية، وأعطت لنفسها حق الدفاع عنها، ولذا قررت أن تعسكر جنودها في ~~منطقتها، ولقد أعلن مستر هندرسون في خطاب له في البرلمان الإنجليزي في 23 ديسمبر 1929 أن ~~هذه المفاوضات هي امتداد لمفاوضات سنة 1927، واشترط مستر هندرسون أن يعرض ذلك المشروع على ~~الشعب المصري، ووافق محمد محمود باشا على ذلك. # ثم جاءت وزارة الوفد إلى الحكم في أول يناير سنة 1930، لتستمر في المفاوضات مع وزارة ~~العمال، ووصل النحاس باشا رئيس مجلس الوزراء، ومعه وزير خارجيته واصف غالي باشا إلى لندن في ~~26 مارس سنة 1930 في جو صفاء وود بين الحكومتين المصرية والبريطانية، وبدأت المفاوضات في 31 ~~مارس. # وتناقش الطرفان طويلا في مسألة الدفاع عن قناة السويس، واقترح الجانب المصري وضع كل ~~القوات البريطانية على الحافة الشرقية للقناة في بور فؤاد أو القنطرة، ولم يقبل المفاوضون ~~الإنجليز وعلى رأسهم هندرسون ذلك الاقتراح. # ثم وافق الجانب المصري على تركيز القوات الإنجليزية بقرب الإسماعيلية، وتقصير أجل بقائها ~~هناك من خمسة وعشرين عاما إلى عشرين عاما، ولقد استمرت المفاوضات إلى 5 مايو، وكاد يصل ~~الطرفان إلى مشروع اتفاق ومعه ملحقات، ولكن هذا المشروع فشل نهائيا بسبب الاختلاف على ~~مسألة السودان. # اشترط مشروع هذه الاتفاقية إنشاء تحالف بين الطرفين تأكيدا لصداقتهما وتفاهمهما الودي ~~وعلاقتهما الطيبة، وفيما يختص بموضوع القناة نصت المادة التاسعة من هذا المشروع على ما يلي: ~~نظرا ms069 لأن قناة السويس التي هي جزء لا يتجزأ من مصر، هي طريق عالمية، ووسيلة مهمة للمواصلات ~~بين الأجزاء المختلفة للإمبراطورية البريطانية، فإلي الوقت الذي يتفق فيه الطرفان ~~المتعاقدان على أن الجيش المصري أصبح في مركز يستطيع فيه بموارده حماية حرية وسلامة الملاحة ~~في القناة، فإن جلالة ملك مصر يسمح لجلالة ملك بريطانيا بأن يضع قريبا من الإسماعيلية في ~~المنطقة المحددة بالمذكرة الملحقة قوات لا يزيد عددها عن العدد المتفق عليه، وهدفها هو ~~التعاون مع القوات المصرية في حماية القناة، ولنفس الغرض ينقل مركز القوات الجوية الملكية ~~البريطانية من أبو قير إلى بور فؤاد، ووجود هذه القوات لا يعني احتلالا ولا يمس حقوق مصر ~~في السيادة. # ومن المفهوم أنه في نهاية مدة العشرين سنة المبينة في مادة 14، إذا حدث خلاف بين الطرفين ~~المتعاقدين على مسألة عدم لزوم بقاء القوات البريطانية؛ لأن الجيش المصري أصبح في حالة ~~تمكنه بموارده من حماية حرية الملاحة في القناة، فيعرض هذا الخلاف على عصبة الأمم. # ومع ذلك فبعد انتهاء عشر سنوات من تنفيذ المعاهدة يصح أن تبدأ بموافقتهما المفاوضات ~~لإجراء أي تعديل في المعاهدة. # يلاحظ في هذا المشروع أن إنجلترا اعترفت لأول مرة رسميا بأن القناة جزء لا يتجزأ من ~~مصر، واعترفت بأنها طريق عالمية، وأنها وسيلة مهمة للمواصلات البريطانية بين أجزاء ~~الإمبراطورية، كما اعترفت بأن الجيش المصري له الحق الأول في الدفاع عن القناة، ولكن نظرا ~~لحالته الراهنة فتتعاون معه القوات الريطانية، وحددت أماكنها في الإسماعيلية، وهذا بلا شك ~~تقدم على مشروع سنة 1928 من هذه الناحية. # ولقد انقطعت المفاوضات بين وزارة العمال ووزارة الوفد في 5 مايو، وظلت العلاقة بين ~~الدولتين علاقة الضعيف بالقوي، وكانت الحكومة البريطانية مستعدة لأن تعيد الكرة في استعمال ~~القوة كلما تحدى المصريون السياسة البريطانية، وكان وجود جيش الاحتلال رمزا لاستذلال ~~المصريين وقمعهم، فكانت العلاقات بين الفريقين بصفة عامة علاقة عداء والجو بينهما ~~مسموما. # استخدمت بريطانيا القوة في مارس سنة 1919 لقمع الثورة، ولجأت إلى استخدام القوة والتهديد ~~عقب مقتل ms070 السير لي ستاك في 1924، فأرسلت إلى مصر بقوات برية وبحرية جديدة وفرضت شروطا ~~عنيفة، وفي 30 مايو سنة 1927 أرسلت من مالطة إلى مصر ثلاث بوارج حربية لتأييد رأي إنجلترا ~~في مسائل خاصة بتنظيم الجيش المصري، وبعد ذلك بسنة تقريبا ضغطت إنجلترا على حكومة القاهرة، ~~وجاءت خمس سفن حربية بريطانية في 30 أبريل سنة 1928 لتأييد الإنذار النهائي للحكومة ~~البريطانية، ولما قامت بعض الاضطرابات في يوليه سنة 1930 أرسلت إنجلترا سفنا حربية إلى ~~الإسكندرية وبورسعيد والسويس، ثم جاءت سنة 1935 وأذن الله لذلك الجو أن يتغير. # الفصل السابع # | موقف إنجلترا إزاء القناة من بعد 1935 # تغير الجو السياسي الذي اعتادته إنجلترا طوال الخمسة عشر عاما التي تلت الحرب الكبرى ~~الأولى. # فالظروف الدولية لم تعد مواتية لإنجلترا كما كانت في القديم، وهددت إنجلترا في قوتها ~~البحرية وفي مركزها في البحر الأبيض المتوسط، فظهرت قوة إيطاليا الموسولينية جارفة، وأيدتها ~~ألمانيا الهتلرية، وقبعت الروسيا في دورها تنظم شئونها الداخلية وتنتظر الفرصة لتنال من ~~الرأسمالية الأوربية. # وأخذت النظم الدولية التي كانت إنجلترا قد ركنت إليها بعض الشيء في الانهيار، فعصبة الأمم ~~لم يعد لها احترام كبير بعد أن نفضت الولايات المتحدة الأمريكية يديها منها ومن الأمور ~~الأوربية، ونمت قوة اليابان في شرقي آسيا، وهددت تفوق إنجلترا ونفوذها في الصين وفي جنوب ~~شرقي آسيا، وأصبحت الهند في ثورة دائمة على الحكم البريطاني مطالبة بالاستقلال، ونادت ~~الشعوب المهضومة بحقها في تقرير مصيرها وثابرت في كفاحها، فانتهى عهد التهديد باستخدام ~~القوة بالنسبة لإنجلترا، ووجدت أن مصلحتها تقتضي النظر إلى مصالح الشعوب بجانب الاهتمام ~~بالمصالح الإنجليزية، وكانت إنجلترا قبل ذلك تنظر إلى مصالحها وحدها وتضعها فوق كل ~~اعتبار. # وأهم العوامل التي كان لها الأثر الأكبر في توجيه سياسة إنجلترا نحو مصر موقف إيطاليا ~~الفاشستية من أثيوبيا، فتبينت كل من إنجلترا ومصر ضرورة الوصول إلى تسوية الأمور المتنازع ~~عليها بينهما ووضع علاقتهما على أساس جديد. # أما من حيث مصر فلقد تركت الأزمة الحبشية فيها أثرا بليغا، فلقد كانت ميول ms071 مصر وعواطفها ~~إلى جانب الأحباش الذين كانوا يناضلون عن حريتهم، وكان على مصر أن تقرر موقفها في هذا ~~النزاع المحتوم بين جارتيها، فإيطاليا جارة لمصر من الناحية الغربية، والحبشة جارتها من ~~ناحية السودان، والطريق التي تصل بين الجارتين تمر في أراضي مصر، وهي قناة السويس. # وجدت مصر نفسها في مركز محفوف بالخطر، من ناحية حدودها الغربية ومن ناحية الحدود الجنوبية ~~الشرقية، وزاد الموقف ارتباكا أن موقف مصر بالنسبة لبريطانيا كان غير واضح وغير ~~محدود. # فالموقف الدولي الجديد، والخطر المحدق بحدود مصر، بعث موضوع العلاقات المصرية البريطانية ~~من جديد، وازداد الخطر على مصر وعلى مركز بريطانيا في الشرق الأدنى، بعد تفكير عصبة الأمم ~~في فرض عقوبات على إيطاليا. # ولم تقف إيطاليا جامدة، ولم تقتصر مساعيها على تنمية نفوذها وقوتها في أثيوبيا، بل طلبت ~~أن يعمل لمركزها في البحر الأبيض ومصر وقناة السويس حساب آخر، فلقد عزرت حامياتها في ليبيا، ~~ووصل الأسطول الإيطالي في القوة إلى مركز مساو للأسطول البريطاني في البحر الأبيض ~~المتوسط، إذ وصلت حمولته إلى 35٪ من مجموع حمولة الأسطول البريطاني كله، وكان الأسطول ~~الإيطالي أحدث في نشأته، تعزره قوة جوية تجعل مركز الأسطول البريطاني وقواعده في مالطة ~~والإسكندرية والقناة في خطر شديد، إذا قامت حرب بين بريطانيا، وكانت هذه الحرب محتملة ~~الوقوع، لا سيما وأن إنجلترا لم تكن واثقة تماما من تأييد فرنسا البحري لها إذا تحرجت ~~الأمور بينها وبين إيطاليا، وتخشى في نفس الوقت أن تنتهز اليابان هذه الفرصة لتسطو على ~~ممتلكات إنجلترا في الشرق الأقصى، وتقضي على ما لإنجلترا من نفوذ في هذا الجزء من ~~العالم. # ولقد كان اتجاه الرأي العام المصري مساعدا للحكومة المصرية في مسايرتها لسياسة إنجلترا ~~بإزاء إيطاليا، فلقد كانت مصر الدولة الوحيدة خارج عصبة الأمم التي عملت على تنفيذ العقوبات ~~التي فرضتها عصبة الأمم على إيطاليا، وكان احتجاج إيطاليا الشديد على تنفيذ مصر لهذه ~~العقوبات، من العوامل التي عادت فأشعرت مصر بالخطر الإيطالي الداهم، لا سيما وأنه اقترح في ~~بعض الأوساط السياسية أن ms072 يكون ضمن العقوبات إغلاق السويس في وجه السفن والمعدات ~~الإيطالية. # وكان الإيطاليون مستعدين لاعتداء جديد إذا تحدت دولة مركزهم الجديد في شرق إفريقية، ورأى ~~المصريون أنه أفضل لهم أن يصلوا إلى اتفاق مع إنجلترا، هذا خير لهم من الوقوع فريسة لغزو ~~إيطالي محتمل الوقوع. # وشعرت إنجلترا من ناحيتها، بالرغم من وجود قوات الاحتلال، بضعف مركزها في مصر، فمركزها ~~كان قائما على القوة والتهديد باستخدام القوة، هذا في الوقت الذي كانت فيه إنجلترا - ~~برلمانها وصحفها، وحكومتها في الظاهر - تعيب على إيطاليا الالتجاء إلى القوة كوسيلة لفض ~~منازعاتها مع الشعوب الأخرى ولقمع حرياتها. # وكانت الدعاية الإيطالية ضد إنجلترا قائمة على قدم وساق تحض مصر على التقرب من إيطاليا، ~~وتندد بسياسة إنجلترا الإمبراطورية في مصر، وتطالب بنصيب في إدارة شركة قناة السويس، وظنت ~~إيطاليا أن مطلبها الأخير ليس فيه إساءة للمصريين وإنما فيه كيد لفرنسا التي كان لها نصيب ~~الأسد في إدارة القناة، فكانت إيطاليا تخشى دائما أن تغلق القناة في وجه سفنها وفي طريق ~~مواصلاتها الإمبراطورية، وكما طالبت إيطاليا بنصيب في إدارة القناة طالبت بتخفيض الرسوم ~~التي تفرضها الشركة على حركة المرور في القناة. # فالأزمة البريطانية الإيطالية في خريف سنة 1935 وجدت إنجلترا لا تزال لها الحرية المطلقة ~~في استخدام الموانئ والأراضي المصرية بما فيها القناة بحريا وبريا وجويا، ولقد أثار ~~تركيز القوات البريطانية في مصر لدى المصريين الفكرة القائلة بأن إنجلترا قد حولت مصر إلى ~~معسكر معاد لإيطاليا، وهذا من شأنه أن يبرر اعتداء الدول المعادية للإنجليز على ~~مصر. # ولذا فالأزمة الإيطالية الحبشية أثارت مسألة إعادة النظر في العلاقات المصرية البريطانية ~~التي ظلت متوترة منذ صيف سنة 1882، ووجدت إنجلترا نفسها مضطرة إلى تعزيز قواتها في مصر ~~لمقابلة الخطر الإيطالي. # ولكن الشعب المصري لم يكن يرضى عن ذلك الموقف الجديد، فالسكوت على ذلك قد يؤدي إلى سابقة ~~خطيرة يستند عليها الإنجليز في المستقبل، وقد يؤدي في نفس الوقت إلى اعتداء إيطاليا على ~~مصر، ثم فيه ما فيه من استهتار الإنجليز بالشعور الوطني ms073 في البلاد، لا سيما بعد أن أعلن ~~مستر رنسيمان في خطاب انتخابي له في 18 أكتوبر سنة 1935 أن إنجلترا قد جعلت قاعدتها البحرية ~~المهمة في الإسكندرية بدلا من مالطة. # ظهرت الحاجة في مصر لتوضيح علاقة البلاد بإنجلترا، ظهر في الخطب التي ألقاها زعماء ~~الأحزاب المختلفة في البلاد أن مركز إنجلترا في مصر سيجلب على مصر ضررا وبيلا، دون أن ~~تستفيد منه البلاد أقل فائدة، وطالب الرأي العام بتكوين جبهة متحدة، واضطرت إنجلترا في ~~الواقع أن تبين سياستها نحو مصر، وفي خطابين ألقاهما سير سميول هور في 9 نوفمبر، و5 ديسمبر ~~سنة 1935 أعلن فيهما أن إنجلترا لم تسع إلى استغلال الموقف الحاضر لخدمة مصالحها على حساب ~~المصالح المصرية، وأن بريطانيا تعطف على الأماني المصرية. # ولكن الخطابين لم يجدا قبولا في مصر لموقف الحكومة الإنجليزية بإزاء دستور سنة 1923 بأنه ~~غير مناسب، ولإعلان سميول هور بأن الوقت لم يحن بعد للمفاوضات الفعلية لتحديد علاقة إنجلترا ~~بمصر. # فثارت في مصر احتجاجات عنيفة؛ لأن معنى التصريح البريطاني أولا : أن إنجلترا لا زالت مصرة ~~على التدخل في الأمور الداخلية للبلاد، وثانيا: أن مسألة حيوية لمصر، هي مسألة حياة أو ~~موت لها تضعها إنجلترا في المرتبة الثانية بعد العلاقات الإيطالية الإنجليزية، وتذكر ~~المصريون رفض إنجلترا لمناقشة المسألة المصرية مع وفد مصر في سنة 1919. # ولكن في سنة 1919 كان مركز إنجلترا أقوى بكثير من مركزها في سنة 1935، فلقد خرجت إنجلترا ~~من الحرب العالمية الأولى منتصرة تعنو لها الوجوه، بينما في سنة 1935 كانت إنجلترا مهددة ~~بحرب لا تعرف منتهاها. # وعلى أي حال، دعا موقف إنجلترا هذا إلى تآلف الجهود في مصر وتكوين جبهة متحدة، عند ذلك، ~~بينت إنجلترا أنها لا تمانع في رجوع دستور سنة 1923، وعاد الدستور، وجاءت حكومة الوفد. ~~وكانت الحكومة المصرية الجديدة تريد أن تقيد بريطانيا بما وصل إليه اتفاق سنة 1930، وخاصة ~~الاتفاق على المسائل الحربية، وأن تتركز المفاوضات الجديدة في المسائل التي اختلفت عليها، ~~وهي مسألة السودان. # ولكن مستر إيدن وزير الخارجية ms074 البريطانية الجديد عندما وافق على فتح باب المفاوضات، صمم ~~على أن تنظر المسائل الحربية من جديد، هذه المسائل التي كان قد اتفق عليها، فجاء هذا ~~التصميم من الجانب الإنجليزي صدمة جديدة لمصر، ولقد برر الإنجليز ذلك الموقف على أساس أن ~~مشروع سنة 1930 لم تصبح له قوة المعاهدة، وأن الموقف الاستراتيجي العالمي في سنة 1936 قد ~~تغير كثيرا عن الموقف في سنة 1930، فالإيطاليون يهددون ليبيا والقناة، وعززت قواتهم في ~~غربي مصر في ليبيا، وعلى جانب حدود مصر والسودان من ناحية الحبشة، وهذا الموقف الجديد لم ~~يكن يتكهن به الساسة الإنجليز أو المصريون في سنة 1930. # ولكن الصدمة الكبرى كانت عندما قدم سير مايلز لامبسون المعتمد البريطاني في مصر موافقة ~~مستر إيدن على فتح باب المفاوضات، إذ بين المعتمد البريطاني بأنه إذا فشلت المفاوضات هذه ~~المرة، فإن بريطانيا ستعيد النظر في موقفها بإزاء مصر، فكان هذا تهديدا صريحا لمصر، وكان ~~المصريون يؤملون قبل وصول ذلك التهديد بأنه إذا فرض ولم تصل المفاوضات إلى نتيجة، فتعود ~~الحالة في مصر إلى ما كانت عليه قبل الدخول في المفاوضات. # وعلى أي حال وافق الطرفان على بدء المفاوضات، وضمت إنجلترا إلى جانب معتمدها في مصر ~~الفنيين من كبار رجال الحرب والبحرية والطيران، وتكون الجانب المصري من زعماء مصر ~~جميعا. # وبدأت المفاوضات في جو من التشاؤم، ولكنها نجحت، والفضل في ذلك يرجع إلى موسوليني بطريقة ~~غير مباشرة، فلقد زادت مطامع إيطاليا، وزادت مطالبها في البحر الأبيض المتوسط، فأثارت مخاوف ~~المصريين والإنجليز معا. # وعندما افتتحت المفاوضات بدئ بالأمور الحربية وهي التي تهمنا في هذه الدراسة لاتصالها ~~بمسألة قناة السويس، واصطدمت آراء الفريقين، ولم يستطيعا الاتفاق في أول الأمر، ورأى سير ~~مايلز أن يسافر إلى لندن ليتصل بحكومته، وأنقذت هذه الزيارة الموقف حينذاك، ولقد بينت صحيفة ~~«التيمز» في 10 يونيو - بتلخيص: أن السبب في تعثر المفاوضات هو غلو الهيئات العسكرية ~~البريطانية في طلباتها، وأوضحت سخف الفكرة التي تقول بضرورة تنفيذ مطالب إنجلترا كاملة، ~~مائة في المائة، ضد عواطف وشعور ms075 شعب ناهض اعترفت إنجلترا ذاتها باستقلاله منذ أربعة عشر ~~عاما، وأن أية معاهدة أريد نجاحها فيجب أن تعمل هذه المعاهدة على احترام شعور المصريين ~~القومي، ويجب أن تقوم حرية التفاوض لا على قوة الإملاء، وإنما على الثقة المتبادلة بين ~~الجانبين، فلا تكون عن طريق إرغام الجانب الآخر المفاوض على التنازل عن حقوقه، وأن على ~~الحكومة البريطانية ألا تصغي لآراء العسكريين فحسب، ولكنها تشاورهم وتراعي في نفس الوقت ~~أهمية المسائل السياسية بجانب الاعتبارات الحربية. # ولقد أيد هذا المقال وجهة نظر سير مايلز في لندن، وحين عاد بدأت المفاوضات من جديد، وفي ~~22 يوليه وصل الفريقان إلى اتفاق على المسائل العسكرية. # ويرى الكتاب الإنجليز أن سبب غلو الهيئات العسكرية البريطانية في مطالبها هو تغير ~~وسائل الحرب ومداها، فقاعدة مالطة أصبحت محاطة بقوات إيطاليا في صقلية وليبيا، وكذلك ضؤل ~~مركز قاعدة عدن بجانب إفريقية الشرقية الإيطالية، فكان أن احتج العسكريون الإنجليز على ~~قصر مركز القوات التي كانت مشرفة على كل مصر، على قناة السويس فقط. # فكان إذن على الجانبين المتفاوضين - كما وجدا - الاحتفاظ بقوات الإنجليز في مصر في جهة ~~غير ظاهرة؛ حتى لا يقف وجودها في سبيل نمو علاقات طيبة بين مصر وإنجلترا، واتفق على أن يزاد ~~عدد هذه القوات قليلا عن مشروع سنة 1930، وكان الخبراء العسكريون الإنجليز يريدون أن يزيد ~~عددها كثيرا. كذلك ووفق على أن تقصر هذه القوات في وقت السلم على قناة السويس فقط، وجعلت ~~مدة بقائها في القناة عشرين عاما من وقت تنفيذ المعاهدة. # وعند انتهاء هذه المدة تستطيع الحكومة المصرية أن تطلب إعادة النظر في أمر بقاء القوات ~~الإنجليزية في القناة. # ونظير المسائل الثلاث السابقة، وافق الجانب المصري على ثلاث مسائل، وهي أن يكون جو مصر ~~كلها مباحا للقوات البريطانية الجوية، ويسمح للبحرية البريطانية باستخدام ميناء الإسكندرية ~~لمدة ثماني سنوات من إمضاء المعاهدة، والمسألة الثالثة: السماح للجيش البريطاني في وقت ~~الحرب باستخدام كل أراضي مصر ومياهها ومطاراتها، وسهلت للقوات البريطانية كل وسائل التنقل ~~بين أجزاء مصر، وذلك بأن ms076 أخذت الحكومة المصرية على عاتقها إنشاء وإصلاح طرق وسكك حديدية ~~معينة، كذلك أعطيت الحكومة البريطانية الحق في إرسال بعثات من الضباط الإنجليز «في ثياب ~~مدنية» إلى الصحراء الغربية لمسائل تكتيكية. # ولقد وضح مستر إيدن في حديث له في مجلس العموم البريطاني 24 نوفمبر سنة 1936 السبب الذي ~~دعا حكومة إنجلترا إلى التنازل عن احتلال القاهرة والإسكندرية والاقتصار على منطقة قناة ~~السويس، هو أن قوات إنجلترا أصبحت ميكانيكية، وبعد إنشاء الطرق المعبدة والسكك الحديدية ~~التي تنص عليها المعاهدة، تستطيع الفرق الإنجليزية الانتقال خلال مصر بسرعة عظيمة وقت ~~الخطر، ثم من ناحية ثانية سمح لقوات إنجلترا الجوية بالطيران في جو مصر جميعه، وقت الحاجة، ~~وأعطيت لقوات مصر الجوية نفس الحقوق في بريطانيا. # ولقد ظنت إنجلترا أن رحيل الجنود الإنجليز من القاهرة والإسكندرية بعد مرور ثماني سنوات ~~إلى منطقة القناة فيه إرضاء لشعور المصريين الذين كانوا يسوءهم دائما أن يروا القوات ~~البريطانية معسكرة في عاصمتهم وفي أكبر ميناء لهم، وخيل لبعض الكتاب الإنجليز أن وجود ~~قوات أجنبية في بلاد دولة أخرى لا يحمل معه فكرة عدم وجود المساواة بين الفريقين، لا سيما ~~بعد اتفاق الطرفين على ذلك. # وهذا هو نص الجزء الخاص بقناة السويس من هذه المعاهدة: # مادة 8: بما أن قناة السويس التي هي جزء لا يتجزأ من مصر، هي طريق عالمية ~~للمواصلات، ووسيلة للمواصلات أساسية بين الأجزاء المختلفة للإمبراطورية البريطانية، ~~فإنه إلى حين الوقت الذي يتفق فيه الطرفان المتعاقدان الساميان على أن الجيش المصري ~~أصبح في موقف يستطيع فيه بموارده حماية القناة، وحرية الملاحة فيها، يخول صاحب ~~الجلالة ملك مصر لصاحب الجلالة ملك إنجلترا وضع قواته في الأراضي المصرية في منطقة ~~القناة، في المنطقة التي يحددها الملحق لهذه المعاهدة، وذلك لضمان التعاون مع ~~القوات المصرية في الدفاع عن القناة، ووجود هذه القوات لا يكون له معنى الاحتلال ~~ولا المساس بحقوق السيادة في مصر. # ومن المفهوم أنه في نهاية العشرين سنة المذكورة في مادة 16 إذا لم يتفق الطرفان ~~المتعاقدان الساميان على أن ms077 وجود القوات البريطانية أصبح غير ضروري، نظرا لأن ~~الجيش المصري أصبح قادرا بموارده على حماية القناة وسلامة الملاحة فيها، فإن هذا ~~النزاع يعرض على مجلس عصبة الأمم ليحكم فيه على أساس مواد ميثاق العصبة المعمول به ~~في ذلك الوقت الذي أمضيت فيه هذه المعاهدة، أو على شخص أو هيئة ليحكم فيه بالطريق ~~التي يرتضيها الطرفان المتعاقدان الساميان. # وملحق مادة 8 حدد عدد القوات البريطانية المسلحة البرية بعشرة آلاف جندي، والجوية ~~بأربعمائة. وهذه الأعداد لا يدخل فيها المدنيون والكتاب والصناع والعمال. # وحددت الأماكن التي توضع فيها القوات البرية والجوية وما يلزمها من ثكنات وتسهيلات ~~الإقامة، وتقوم الحكومة المصرية بإنشاء الثكنات وتسهيلات الإقامة على حسابها الخاص، كما ~~تقوم بإنشاء وصيانة الطرق من الإسماعيلية إلى الإسكندرية، ومن الإسماعيلية إلى القاهرة، ومن ~~بورسعيد إلى الإسماعيلية إلى السويس، ومن البحيرة المرة إلى طريق السويس القاهرة، ووضعت ~~مقايسات خاصة لهذه الطرق وشروط لتعبيدها، كما وافقت الحكومة على تسهيل النقل بالسكة ~~الحديدية لمقابلة الظروف الجديدة وحاجات جيش حديث، كما وافقت على عمل تسهيلات في بورسعيد ~~والسويس للمواد والعتاد الحربي اللازم للقوات البريطانية. # وأما المادة 16 فتنص على ما يأتي: «وفي أي وقت بعد انتهاء عشرين سنة على تنفيذ هذه ~~المعاهدة، يدخل الطرفان الساميان المتعاقدان، بناء على طلب أحدهما، في مفاوضات لإعادة ~~النظر في شروط الاتفاق، وفي حالة عدم استطاعتهما الوصول إلى اتفاق، يعرض الخلاف على مجلس ~~عصبة الأمم للقرار فيه، طبقا لأحكام الميثاق الموجودة وقت إمضاء هذه المعاهدة أو إلى شخص ~~أو هيئة يرتضيها الطرفان، ومن المفهوم أن أي تعديل لهذه المعاهدة يجب أن ينص على استمرار ~~التحالف بين الطرفين الساميين المتعاقدين. # ويجوز للطرفين بالاتفاق بينهما، الدخول في مفاوضات عقب انتهاء عشر سنوات من هذه المعاهدة ~~للنظر في تعديلها.» # وأمضيت المعاهدة في 26 أغسطس 1936 في دار وزارة الخارجية بلندن. # أمضى هذه المعاهدة من الجانب المصري: مصطفى النحاس باشا، أحمد ماهر باشا، محمد محمود ~~باشا، إسماعيل صدقي باشا، عبد الفتاح يحيى باشا، واصف غالي باشا، عثمان محرم ms078 باشا، النقراشي ~~باشا، حمدي سيف النصر باشا، حلمي عيسى باشا، حافظ عفيفي باشا. # ومن الجانب الإنجليزي أنتوني إيدن، رمزي مكدونالد، جون سيمون، هاليفاكس، ميلز ~~لامبسون. # وقبل إمضاء هذه المعاهدة، كانت إيطاليا قد طالبت بمطالب في القناة، سبق أن ذكرت، وهي: أن ~~تمثل إيطاليا في شركة القناة، وأن تخفض الرسوم، وأن تؤكد دولية القناة، ولقد دخلت إنجلترا ~~وإيطاليا في مفاوضات لتسوية المسائل المعلقة بينهما والخاصة بالقناة، ووصل الفريقان إلى ~~اتفاق في أبريل سنة 1938، سجل فيه احترام الطرفين لمعاهدة سنة 1888، واعترفت الحكومة ~~المصرية بهذه الاتفاقية بين الدولتين؛ لأن هذه الاتفاقية تقوي مركز الدولة المصرية في ~~القناة. # وحين قامت الحرب الكبرى العالمية الثانية، اصطلت قناة السويس بنارها، فبالرغم من أن البحر ~~الأبيض المتوسط قد أغلق إلى حد كبير أمام الملاحة بين الشرق والغرب، وخاصة بعد استيلاء ~~الألمان على بلاد اليونان وكريت وإمطارهم مالطة نارا حامية، إلا أن القناة رأت جانبا لا ~~يستهان به من نشاط الألمان وحلفائهم، فهاجمها الألمان بطائراتهم، وحاولوا إتلافها وتعطيل ~~الملاحة فيها، ولكنها لم تتعرض لغزو بري أو بحري كما تعرضت أجزاء مصر الغربية. # وعلى العموم فلقد انتهزت مصر هذه الفرصة لإثبات حقوقها عمليا في القناة، فقامت بحماية ~~القناة، والدفاع عنها من الناحية الجوية، ولكن إنجلترا استفادت استفادة تامة هي وحلفاؤها ~~بطبيعة الحال من معاهدة سنة 1936، وخاصة بعد أن اعتدي جويا على القناة، فأغلقت القناة ~~أمام سفن الأعداء، وحين سقطت باريس في يد الألمان أشرف الإنجليز على إدارة القناة. ~~••• # وبعد انتهاء الحرب وجدت الحكومة المصرية أن المعاهدة استنفذت أغراضها، وأنها أصبحت حجر ~~عثرة في سبيل السلام العالمي، فميثاق الأمم المتحدة فيه ضمان لحقوق الشعوب المحبة للسلام، ~~وإن وجود القوات البريطانية في منطقة القناة أصبح لا مبرر له، فمصر هي التي دافعت عن القناة ~~من الناحية الجوية إبان حرب سنة 1939، وكذلك أخذ الجيش المصري في النمو والقوة والتسلح، ~~وقطع في سبيل ذلك شوطا بعيدا، وإن وجود قوات أجنبية في بلاد دولة صديقة بغير رضاها أصبح ~~لا يتفق أبدا والمواثيق التي أعلنها ms079 الحلفاء في أكثر من موقف. # لقد اعترفت الحكومة البريطانية نفسها بضرورة تحديد العلاقات بين الدولتين من جديد وفقا ~~للظروف العالمية التي جدت بعد الحرب، وخاصة بعد أن اعترفت الحكومة البريطانية نفسها بأن ~~مصر أبلت في هذه الحرب ضد أعداء إنجلترا بلاء حسنا، إذ تعرضت أراضيها للغزو ووضعت جميع ~~مرافقها ومواصلاتها وموانيها لخدمة الحلفاء. # قبلت الحكومة البريطانية بالفعل مبدأ الجلاء عن مصر وقناة السويس، على أساس وضع العلاقات ~~بين البلدين على أساس مطمئن للجانبين في وقت السلم وحين نشوب الحرب أو التهديد بها، وظهرت ~~فكرة الدفاع المشترك. # وفي مشروع صدقي باشا ومستر أرنست بيفن وافقت بريطانيا على أن يتم الجلاء عن القاهرة ~~والإسكندرية في سنة 1947، وعن قناة السويس في سنة 1949، ولقد قسمت الحكومة البريطانية مشروع ~~الاتفاق إلى أجزاء: الجزء الأول خاص بمعاهدة جديدة، والثاني خاص بالجلاء، والثالث بالسودان، ~~ونبه مستر بيفن إلى أنه يصح التصديق على الجزأين الأولين في حالة حدوث خلاف على الجزء ~~الثالث، وعندئذ يترك هذا الجزء للوصول إلى تسوية له فيما بعد عن طريق المفاوضات أيضا، ~~ولكن العقبة الكأداء في نجاح المشروع لم تكن مسألة السودان فحسب ، بل أيضا مسألة الدفاع ~~المشترك أو التعاون المتبادل. # لقد وجدت مصر في ذلك الدفاع المشترك بالشكل الذي رسمته بريطانيا ارتباطا لا تجني منه مصر ~~سوى الغرم، ويقيدها بقيود تضيق من حريتها، لقد بنت مصر آمالا كبيرة على وزارة العمال، وظنت ~~أن بلاءها في الحرب العالمية الماضية، وما تفوه به ساسة إنجلترا وزعماؤها إبان الحرب من ~~ضرورة احترام حقوق الشعوب في الحياة والكرامة والاستقلال، وما نعوه على الألمان من احتلال ~~لبلاد الشعوب التي لا تدانيهم في القوة، كل هذا أوجد عند كثير من المصريين بعض الأمل في ~~انتهاء عهد القوة والإرهاب والتهديد، وبزوغ فجر عهد جديد فيه تحترم حقوق الشعوب ومطالبها ~~العادلة، وخاصة بعد إنشاء نظام هيئة الأمم المتحدة ووضع ميثاق له يتفق وكرامة ~~الأمم. # ولكن هذه الآمال لم تعمر طويلا بعد الحرب، فلقد أظهرت وزارة العمال، بالرغم من أنها ~~اعترفت بتضحيات ms080 مصر الجسيمة وبلائها خلال الحرب الماضية، وبالرغم من أنها وافقت على فتح باب ~~المفاوضات للنظر في تعديل المعاهدة، وبالرغم من أنها أعلنت أنها لا تتمسك باستعمارية القرن ~~التاسع عشر، إلا أنها لم تنحرف عن سياسة إنجلترا الخارجية التقليدية في القرن العشرين فيما ~~يختص بالشرق الأدنى وقناة السويس والبحر المتوسط، وإن كانت تجارب الحرب الماضية قد أثبتت ~~بشكل لا يقبل الشك أن قيمة قناة السويس كحلقة مهمة في المواصلات بين الشرق والغرب، وخاصة ~~بين بريطانيا وإمبراطوريتها الشرقية، تكاد تنعدم إذا كانت الدولة التي تسيطر على وسط البحر ~~المتوسط، في إيطاليا أو تونس، دولة معادية لإنجلترا، لا سيما بعد التطور الهائل الذي شمل ~~وسائل الحرب وخططها، وبعد أن أصبحت القوة البحرية أساسية في الحرب لا تقل أهمية عن القوة ~~البرية أو الجوية، فأهمية قناة السويس قائمة على أن البحر المتوسط مفتوح للمواصلات ~~العالمية، فإذا استطاعت دولة أو دول تطل على البحر المتوسط معادية لإنجلترا إغلاقه، تضاءلت ~~قيمة قناة السويس، وتضاءلت الحركة خلالها، ومع ذلك فأية قوة جوية معادية من قاعدة قريبة ~~تستطيع تعطيل حركة المرور في القناة وعرقلة الملاحة فيها. # فهمت حكومة العمال في أول الأمر هذه الحقيقة، فهي إذن لم تتمسك ببقاء جنود الاحتلال في ~~قناة السويس، ولم يكن هناك من داع جوهري بعد أن تضاءلت المصالح والإمبراطورية الإنجليزية ~~الشرقية باستقلال الهند والباكستان ودخولهما ضمن نظام الكومنولث، ولكن أرنست بيفن أراد نظير ~~ذلك أن يربط مصر بتحالف أو تعاون مشترك في وقتي السلم والحرب يخدم سياسة إنجلترا العامة في ~~الشرق الأدنى أو الأوسط - كما أصبح يطلق عليه - فينص مشروع صدقي باشا- مستر بيفن في المادة 2 ~~على: أن الطرفين المتعاقدين الساميين متفقان على أنه في حالة اعتداء مسلح على مصر أو في ~~حالة دخول المملكة المتحدة في حرب نتيجة لاعتداء مسلح على بلاد جارة - ملاصقة - لمصر، ~~يتخذان متعاونين ومتشاورين الإجراءات التي يريانها لازمة إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير ~~الضرورية لإعادة السلام. وتنص مادة 3 على أنه: لضمان التعاون المتبادل والمساعدة بين ms081 ~~الطرفين المتعاقدين الساميين، ولإيجاد التنسيق في الإجراءات التي تتخذ للدفاع المتبادل، ~~يتفق الطرفان المتعاقدان على إنشاء لجنة للدفاع مشتركة تتكون من الهيئات الحربية للدولتين ~~يساعدها من ترى الدولتان تعيينه، واللجنة استشارية، وظيفتها ... دراسة مشاكل الدفاع المتبادل ~~للطرفين ... في البر والبحر والجو، وخاصة ما يستلزمه ذلك التعاون والخطوات اللازمة لقوى ~~الطرفين ... المسلحة لمقاومة الاعتداء بنجاح. # فكأن إنجلترا في هذا المشروع استعاضت عن احتلال قناة السويس والدفاع عنها برأي جديد هو ~~التعاون المشترك، وهذا - بلا ريب - تطور في وجهة النظر الإنجليزية، وإن كانت هذه الفكرة ~~الجديدة لم تستمر طويلا، إذ - كما سنجد - عادت بريطانيا في سنة 1950 فأعلنت أن سياستها هي ~~تأكيد روابط التحالف بينها وبين مصر كدولتين متساويتين لهما مصالح مشتركة ... وأن حكومة ~~المملكة المتحدة تقترح على ذلك سحب كل قواتها البحرية والجوية من الأراضي المصرية، وأن تسوى ~~بالمفاوضات مراحل وتاريخ ذلك الجلاء والتنظيمات التي من شأنها تسهيل التعاون بين الدولتين ~~في حالة الحرب أو التهديد بالحرب. # فكأن الحكومة البريطانية - كما قال رئيس الحكومة المصرية في ليك سكسس - قد جعلت الجلاء عن ~~مصر مشروطا، وقدمت على هذا الأساس مشروعا لمعاهدة تحالف ومشروعا لمعاهدة حربية يشتملان ~~تقريبا على الشروط الحربية البغيضة التي كانت تنطوي عليها معاهدة سنة 1936، وتبع هذا ~~اقتراحات من كل من الجانبين، إلى أن سافر صدقي باشا إلى لندن ليتصل بمستر بيفن وزير ~~الخارجية البريطانية، ووصل الطرفان إلى مشروع لاتفاق، ظهر فيه فيما بعد اختلاف وجهات النظر، ~~وذلك بعد أن رجع صدقي باشا إلى مصر. # ولم يستطع الطرفان - المصري والإنجليزي كما نص خطاب رئيس الحكومة المصرية - الوصول إلى ~~نتيجة حاسمة فيما اختلفا عليه؛ ولذا لم يبق أمام مصر إلا أن تتقدم لمجلس الأمن، تؤكد قيمة ~~القناة الاستراتيجية وأهميتها للملاحة الدولية، ولم يكن الرأي العام المصري بمستعد أن ~~يقبل هذا الرأي أو أن يستبدل بالدفاع المشترك كما أرادته إنجلترا الجلاء عن القناة. # فهذا كان من أسباب فشل مشروع صدقي-بيفن، وفشل المفاوضات التي تلته، بل وقطعها، فأعلن رئيس ~~الحكومة النقراشي باشا في ms082 أواخر يناير سنة 1947 أن معاهدة سنة 1936 غير قائمة، وأعلن مستر ~~بيفن من جانبه في مجلس العموم تمسكه بأحكام معاهدة سنة 1936، واشتدت الأزمة من جديد، وأصبح ~~لا معدى لمصر من التقدم إلى مجلس الأمن، وهو الهيئة الدولية القائمة المعترف بها. # لذلك لم تجد الحكومة المصرية بدا من أن تتقدم في 8 نوفمبر سنة 1947 بشكوى إلى مجلس ~~الأمن، معلنة أن وجود قوات أجنبية في وقت السلم في مصر التي اشتركت في هيئة الأمم المتحدة، ~~وبغير رضا المصريين، فيه استهتار بوجودها كدولة مستقلة، وفيه اعتداء على كرامتها، وجرح ~~لشعورها، وتناقض صريح مع ميثاق هيئة الأمم المتحدة وقرارها الذي صدر في 14 ديسمبر سنة 1946، ~~بل إن وجود الجنود الإنجليز في القناة ومنطقتها يحمل في طياته خطرا كبيرا على السلام ~~العالمي، ويتعارض مع نمو مصر كدولة مستقلة، ووجود هؤلاء المحتلين لم يجعل المفاوضات حرة في ~~الماضي، ولن يجعلها حرة في المستقبل، وأعلنت الحكومة المصرية أن معاهدة سنة 1936 لم تعد ~~تربط مصر، لتعارضها مع ميثاق أعم وأوسع هو ميثاق هيئة الأمم المتحدة؛ ولذلك تطالب مصر ~~بالجلاء التام للقوات البريطانية عن مصر وعن السودان أيضا. # وذهب النقراشي باشا رئيس الحكومة المصرية إذ ذاك إلى ليك سكسس، وفي خطاب طويل وصف ~~العلاقات المصرية الإنجليزية من بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد أن أعلن ثقته ~~التامة في عدالة ميثاق هيئة الأمم والمبادئ التي تضمنها ميثاق الأطلنطي، أبان أن مسألة ~~النزاع بين مصر وبريطانيا لم تعد مسألة محلية تمس دولتين فحسب، بل هي مسألة ذات خطر كبير ~~تمس السلام في كل الشرق الأوسط، وأن مصر قد تريثت وطال تريثها، انتظرت إلى انتهاء الحرب ~~العالمية الأخيرة لتناقش بريطانيا في أمر علاقاتهما، والرأي العام المصري مجمع على جلاء ~~الإنجليز عن كل المناطق التي يحتلونها، ولهذا لم تجد الحكومة المصرية بدا من أن تتقدم ~~بمطالب الشعب المصري إلى الحكومة الإنجليزية مبينة أن معاهدة سنة 1936 قد عقدت في ظروف ~~دولية خاصة تختلف تماما عن الظروف الحاضرة، وأن موادها وضعت ms083 لمعالجة مسائل خاصة مؤقتة، ~~ولكن إنجلترا أصرت في أول الأمر على بقاء قواعدها الحربية في مصر، ولكنها عادت تطلب إنصافها ~~بأن يحكم هذا المجلس بجلاء الإنجليز مباشرة عن مصر؛ عن قناة السويس والسودان بغير شروط، ~~فمعاهدة سنة 1936 لم تقم في جو من الحرية يكفل للجانب المصري حقوقه، فلقد عقدت وجنود ~~الاحتلال قائمون في مصر، عقدت تحت التهديد، بأنه إذا لم تسفر المفاوضات عن نتيجة فستتخذ ~~إنجلترا لنفسها موقفا جديدا. # وبعد ذلك، فهذه المعاهدة متعارضة مع المعاهدة الدولية التي عقدت في سنة 1888 الخاصة بقناة ~~السويس، والتي نصت على أن القناة مفتوحة لكل السفن وقتي السلم والحرب، وأن الدفاع عنها ~~موكول للحكومة المصرية، فبريطانيا قد نقضت هذه المعاهدة الدولية، إذ أعطت لنفسها في معاهدة ~~1936 من الناحية الفعلية حماية القناة. # وبعد ذلك، فمعاهدة 1936 متناقضة مع ميثاق هيئة الأمم المتحدة، فهي تنص على تحالف أبدي، في ~~الوقت الذي ليست فيه لبريطانيا حدود مع مصر ولا روابط مشتركة، فكل ما تريده بريطانيا هو أن ~~تربط مصر بعجلة الاستعمار البريطاني، وهذا في ذاته يخالف كل المخالفة مبدأ المساواة الذي ~~ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة، فالميثاق قد نص على احترام مبدأ المساواة في حقوق السيادة ~~لكل الشعوب المشتركة في هيئة الأمم؛ ولذا فلن تستطيع مصر أبدا قبول وجود قوات أجنبية في ~~بلادها بغير رضاها، وخاصة في وقت يسود فيه السلم، وإن مصر التي قبلت الدخول في نظام فيه ~~التعاون الجماعي لمستعدة لتحمل نصيبها من المسئولية. # كانت هذه حجج الجانب المصري، وأما الجانب البريطاني الذي كان يمثله في مجلس الأمن سير ~~ألكسندر كادوجان، فلقد ذكر أن المعاهدة موجودة ولم تنته بعد، ولذا فقوات إنجلترا باقية في ~~قناة السويس. # وأن الحكومة البريطانية قد وافقت في مشروع صدقي باشا-بيفن على أن يتم الجلاء عن مصر وقناة ~~السويس في أول سبتمبر سنة 1949، وأن الإنجليز قد نفذوا ما وعدوا به إذ انسحبوا من القاهرة ~~والإسكندرية في 31 مارس سنة 1947، ولكن المشروع الذي ووفق عليه في أول أكتوبر سنة ms084 1946 ~~رفضته مصر، ولو أن مصر وافقت على بروتوكول الجلاء ومعاهدة التعاون المتبادل لتم جلاء القوات ~~الإنجليزية في الموعد المضروب، ولكن المشروع كله رفض لعدم الاتفاق على مسألة السودان، ولذا ~~فالبنسبة لمسألة الجلاء عن القناة ليس لمصر قضية تقدمها لمجلس الأمن. # وأضاف سير ألكسندر كادوجان بأنه لما رفضت مصر ذلك المشروع ظلت معاهدة سنة 1936 باقية، ~~وتبقى إلى سنة 1956، وشرع مندوب إنجلترا يدلي بوجهة نظر الحكومة الإنجليزية بأن معاهدة سنة ~~1936 معاهدة قانونية. # ثم أخذ بعد ذلك يدلل على أن وجود القوات البريطانية في القناة لا يتنافى وميثاق هيئة ~~الأمم المتحدة، فطالما وجود هذه القوات قد نصت عليه المعاهدة، هذا يجعله غير متناقض مع ~~الميثاق، ثم عرج على مسألة الرضا والاختيار في إمضاء المعاهدة، وذكر أنه منذ سنة 1922 ومصر ~~ترفض بالفعل مشاريع معاهدات مع إنجلترا، فهل كان ممثلو مصر في سنة 1936 - كما يقول - أقل ~~حرية من النحاس باشا في 1930 أو ثروت باشا في 1927 أو محمد محمود باشا في 1929؟ ثم ذكر أن ~~هذه المعاهدة عرضت على البرلمان المصري ووافق عليها بأغلبية 203 إلى 11 صوتا، واستشهد ببعض ~~تصريحات لرجال السياسة المصريين في ذلك الوقت مؤيدة لهذه المعاهدة، واستمر يعدد فيما رآه ~~محاسن لهذه المعاهدة. # وذكر سير ألكسندر كادوجان أن وجود القوات الإنجليزية في القناة بمعاهدة لا ينقص من حقوق ~~مصر في السيادة، دلل على ذلك بضرب أمثلة لمعاهدات من هذا النوع، تنص على وضع قوات أجنبية في ~~بلاد دولة محالفة؛ ففي اتفاقية 1941 - كما يقول - تتمتع الولايات المتحدة بوضع قوات في جملة ~~قواعد على أرض بريطانيا ... والاتحاد السوفييتي بمعاهدة أغسطس 1945 مع الصين أصبح له الحق في ~~استخدام ثغر بورت آرثر لقواته الحربية والبحرية والجوية لمدة ثلاثين عاما ... # وقال في آخر خطابه أنه لا يهم بعد ما ذكر أن يرضى الشعب المصري الآن أو لا يرضى عن وجود ~~الإنجليز في القناة. # وصرح الجانب المصري عن دهشته لهذه النغمة المتكررة التي تبرر استعمارية القرن التاسع عشر، ~~والتي ظن ms085 أنها انتهت نهائيا بالقضاء على الفاشية والنازية، أخذ الجانب المصري يردد مساوئ ~~الاحتلال البريطاني في مصر مستعرضا تاريخ الحكم الإنجليزي في وادي النيل منذ سنة 1882، ~~وذكر مجلس الأمن بأن مسألة معاهدة سنة 1936 ليست مسألة قانونية فحسب، «فمهمتكم - يخاطب ~~أعضاء مجلس الأمن - ليست الحكم في حقوق الطرفين المتخاصمين القانونية، إن مهمتكم الأولى هي ~~المحافظة على السلام والأمن، هي إيجاد الظروف التي تنمو فيها العلاقات الودية والسلمية بين ~~الشعوب ... وكثيرا ما أدت المعاهدات الفاسدة إلى اضطراب السلام.» # ثم استعرض الجانب المصري معاهدة سنة 1936 نصا نصا، وبين أن قيمة أي تحالف ليس في ~~الشروط التي تكتب أو النصوص التي تسطر، وإنما في روح الصداقة الذي يربط بين الشعوب ... فهو ~~بلا شك خير وأبقى. # قارع الجانب المصري بريطانيا الحجة، ووضح وجهة نظره في مسألة السودان، وأبان أن نظام عصبة ~~الأمم الذي نصت المعاهدة على الاحتكام إليه في حالة الاختلاف قد زال من الوجود، وأن مصر قد ~~لجأت الآن إلى الهيئة الدولية الموجودة، وهي هيئة الأمم المتحدة، ترجو الإنصاف وتحقيق ~~مطالبها. # ولكن احتكام مصر إلى مجلس الأمن لم يؤد إلى نتيجة في تحقيق المطالب المصرية والجلاء عن ~~قناة السويس والسودان، على أن مصر بالرغم من ذلك أسمعت العالم أجمع شكواها، وأفصحت حكومتها ~~رسميا على مشهد من جميع الدول عن رأيها في العلاقات المصرية الإنجليزية. ~~••• # وظلت الأزمة السياسية بين مصر وإنجلترا مستحكمة، تتقدم خطوة وتتأخر خطوات، وفي الوقت الذي ~~كانت فيه مصر تزداد إيمانا بقضيتها، وبعدالة حقوقها، استمر الإنجليز مشرفين على القناة ~~محتلين لها لا يتزحزحون عنها، ثم شغلت مصر فترة من الوقت بالدفاع عن فلسطين وحقوق العرب؛ ~~حتى إذا وقعت الهدنة، عادت مسألة تحديد العلاقات المصرية الإنجليزية إلى الظهور مرة ثانية ~~تستلزم حلا حاسما. # فعادت الحكومة المصرية إلى الاتصال من جديد بالحكومة الإنجليزية، وأرادت وزارة الوفد منذ ~~توليها في أول سنة 1950 العمل على تصفية الجو بينها وبين بريطانيا وفي الشرق الأوسط، وتقدمت ~~إلى الحكومة البريطانية مبينة أن مطالبها هي «جلاء القوات البريطانية ms086 جلاء ناجزا، وصيانة ~~وحدة مصر والسودان تحت التاج المصري»، وعلى أساس تحقيق هذين المطلبين تستطيع مصر تأدية ~~واجبها في سبيل السلام العالمي. # وفي أوائل صيف سنة 1950 رحب مستر أرنست بيفن بفتح باب المفاوضات، واقترح أن يجرى أولا ~~بين رئيس أركان حرب الإمبراطورية فيلد مارشال سير وليام سليم وبين الحكومة المصرية بحث صريح ~~رسمي للنواحي العسكرية للمسألة التي تواجهنا في الشرق الأوسط، وأضاف إلى أن ثمة نواحي أخرى ~~لهذه المسألة غير النواحي العسكرية، ورأى أن تسير هذه المباحثات بأقل ما يمكن من ~~العلانية. # وأسرعت الحكومة المصرية إلى إجابة الحكومة البريطانية إلى رأيها على أساس الموافقة على ~~مبدأي جلاء القوات البريطانية، ووحدة مصر والسودان، كما بينت رغبتها في الاتصال بالسفير ~~البريطاني الجديد لدى وصوله. # وجاء المارشال سليم إلى مصر، وكان الوقت صيفا 5 يونيو 1950، واتصل بولاة الأمور في مصر، ~~وبين لهم في جلاء أولا: أنه لا يمكن فصل المسألة السياسية عن العسكرية، وأكد وجود الخطر ~~الروسي الداهم وأنه لا يمكن لدولة واحدة مقاومته، وأن الحل الوحيد هو تكتل الدول ذات ~~المصلحة في مقاومته من الوجهتين العسكرية والصناعية، والتنازل عن بعض سيادتها وتقاليدها ~~الماضية، وقد تنازلت إنجلترا نفسها وغيرها عن بعض السيادة وقبلت وجود قوات أجنبية في ~~بلادها. وتركت الولايات المتحدة سياسة العزلة القديمة، واشتركت اشتراكا فعليا في الدفاع ~~عن العالم الغربي. # وأضاف المارشال سليم بأنه إذا نشبت الحرب فستكون مصر موضعا من مواضع اهتمام السوفييت ... ~~هي والشرق الأوسط ... وقد تقولون: إن وجود القوات البريطانية في مصر يجتذب الروس إليها لطردهم ~~منها، ولكن ما يبتغون هو مصر، فأنتم بلد ذات ثروة وموارد وكل من يريد أن يملك الشرق الأوسط ~~يجب أن يملك مصر، فمصر مفتاح الشرق الأوسط، ومضى قائلا: # ولا يتسنى لمصر أن تقف بمنجاة ببقائها على الحياد؛ إذ لا تستطيع الحياد إلا إحدى ~~دولتين؛ إما قوية وليست مصر هذه الدولة، أو صغيرة لا مطمع فيها ... # وإذا لم تستطع مصر الحياد، ففي نظره ليس أمامها إلا الدفاع، والدفاع يستلزم حلفاء، ~~وبريطانيا هي ms087 الحليف، والدفاع يستلزم الحرب، والحرب تستلزم الإسراع بالإعداد لها، ثم انتقل ~~المارشال سليم إلى هدف بريطانيا الحقيقي وهو: «إننا نريد الوصول إلى اتفاق عسكري معكم ~~وسيكون اتفاقا دفاعيا محضا.» وذكر أن بريطانيا لا تريد في هذا التحالف أن تقف موقف ~~«المعلم» بل موقف «الشريك»، وأنه يتطلع إلى نظام للدفاع يظهر بجلاء أن وجود الجيوش ~~البريطانية في قناة السويس ليس له معنى الاحتلال بأية حال، ولكنه يرمي إلى الدفاع لمواجهة ~~الموقف الدولي، وأن السلطات العسكرية المصرية تستطيع أن تجد نظاما لمصلحة بلدينا ~~المشتركة. # ووجد رئيس الوزارة المصرية رفعة النحاس باشا أن يبين عن رأي الحكومة المصرية، فيقول بأن ~~الشعب المصري «لا يمكن أبدا أن يركن لوعود جديدة أو يقبل نظريات مستحدثة ترمي في النهاية ~~إلى بقاء قوات أجنبية في مصر تحت أي اسم أو بأية صفة.» ~~«... ولقد وقفت إلى جانبكم ووجهت الشعب إلى أن يبذل لكم معاونة مادية ومعنوية في الحرب ~~الأخيرة، ولم أفعل ذلك طبقا لمعاهدة 1936 فحسب، وإنما فعلته إيمانا بقضية الحرية ... ولا ~~أستطيع قطع الصلة بين الماضي والحاضر، فإن الماضي ماثل أمامنا لا يمكن تجاهله أو نسيانه، ~~ويتلخص في الاحتلال الطويل والوعود التي لم تتحقق، إن ثقة الشعب المصري قد ضعفت في وعودكم ~~ونظرياتكم، وكذلك الدول الكبرى المسيطرة على العالم، لماذا نقف إلى جانبكم ونعرض أنفسنا ~~للقتل، وأراضينا للخراب، ونفقد مواردنا ومرافقنا إذا لم نكن نعرف يقينا أن مطالبنا ستحقق ~~في هذه المرة الثالثة ...» ~~«يجب أن نبحث عن طريقة أخرى في تعاون من نوع جديد يحقق الجلاء عن قناة السويس ويكفل ~~المصالح المشتركة، وأحب أن تعرف أنه ليس في العالم قوة تستطيع إقناع الشعب المصري بأن مصر ~~ستكون مقصودة لذاتها بالهجوم أو بالاعتداء، فإنما يسبب ذلك وجود جيش أجنبي في بلادنا هو ~~الذي يوجه إليه العدوان الروسي. وطالب رئيس الحكومة بمعاونة إنجلترا مخلصة في تسليح الجيش ~~المصري، فالجيش المصري سيتمتع بروح معنوية عالية كلما شعر باستقلاله، إن جلاءكم عن أرض ~~الوطن سيزيد من قوة هذه الروح ويجعل الجيش ms088 يتفانى في خدمة قضية السلام المشترك.» # وختم كلامه بهذه العبارة: «لماذا تبقون قواتكم في القناة وليس في فلسطين أو غزة، مع أن ~~هذه القوات الثقيلة منها والخفيفة يمكن أن تصل إلينا في مدى أسبوع، وتكون عندنا وقت ~~الحرب؟» # وعندئذ دافع المارشال سليم عن الفكرة التي تقول بأن وجود الجيوش لا يحمل معنى الاحتلال، ~~وإنما هو نظام دفاع مشترك فحسب قائم على المساواة، وأنه لا يستطيع أن يوصي حكومته بالجلاء ~~التام عن القناة، وأن إنجلترا تتقدم في أفكارها بشأن الدفاع؛ ولذا فهي لا تقبل الآن ما ~~قبلته في مشروع صدقي-بيفن من الجلاء التام عن الأراضي المصرية وقناة السويس. # ولذلك اضطر رفعة النحاس باشا أن يدلي للجانب الإنجليزي في 6 يونيو 1950 ببيان شامل عن ~~مطالب مصر، وعن أهمية الجلاء عن قناة السويس، فهو كما قال: ~~(أ) # حق مصر الطبيعي ... ~~(ب) # وعود بريطانيا بالجلاء قد جاوزت الستين وعدا كان آخرها ما قبلته الحكومة ~~البريطانية في مشروع بيفن-صدقي ... ولا يصح الادعاء بتغير الظروف عما كانت عليه ~~في سنة 1946، فالظروف الدولية لم تتغير منذ انتهاء الحرب، فإن توقع الخطر ~~الروسي قائم منذ ذلك الحين. ~~(ج) # أحكام الميثاق وقرارات هيئة الأمم المتحدة. ~~(د) # تقدم الفنون العسكرية والأسلحة يجعل الاحتفاظ بهذا العدد المحدود في منطقة ~~القنال عديم الجدوى من الناحية العسكرية. ~~(ه) # من الميسور أن تستبدل مصر قوات مصرية أكثر عددا بهذا العدد المحدود، مصر ~~تستطيع سد هذا الفراغ بقواتها الوطنية. ~~(و) # ومن مصلحة إنجلترا كسب ثقة الشعب المصري. ~~(ز) # بأن القول بأن حالة التهديد بالحرب في الوقت الحاضر يبرر الاحتفاظ بقوات ~~بريطانية في قناة السويس معناه تأييد الاحتلال؛ لأن هذا الخطر لا يرجى له زوال، ~~وسيكون من الميسور دائما التعلل بوجود خطر الحرب. ~~(ح) # أن الدول المجاورة لروسيا نفسها مثل تركيا وإيران والمعرضة لخطر الغزو ~~المباشر لا توجد فيها قوات احتلال أجنبية. # وتملك بريطانيا كثيرا من القواعد الجوية والاستراتيجية في البلاد المحيطة بمصر، مثل ~~مالطة وقبرص وبرقة والأردن، التي يسهل إرسال القوات منها إلى مصر ms089 زمن الحرب. # وأما المقارنة بين مصر والمملكة المتحدة - كما يقول بيان رئيس الوزارء - بالنسبة لوجود ~~قوات أجنبية في بريطانيا فالجواب: (1) أن لا نزاع في أن وجود تلك القوات لا ينطوي على أي ~~مساس بالسيادة البريطانية نظرا لأن الدولتين على قدم ~~المساواة. (2) هذا الموقف طارئ ومؤقت، أما في مصر فيعتبر ~~امتدادا لاحتلال ظل ستين عاما. (3) لو أن إنجلترا طالبت أمريكا بإجلاء قواتها عن أراضيها ~~لفعلت ذلك فورا. (4) تباين نظرة كل من الشعبين المصري والبريطاني إلى وجود تلك القوات ~~الأجنبية في أراضيه ... # وترى مصر أن الأمر ينبغي أن يعالج على الوجه الآتي: ~~(أ) # جلاء القوات البريطانية عن مصر «قناة السويس» جلاء ناجزا. ~~(ب) # لما كانت مصر شديدة العناية بتقوية جيشها وتزويده بأحدث الأسلحة والعتاد، ~~وإتمام التجهيزات المدنية والعسكرية اللازمة، ووسائل المواصلات، كل ذلك يقتضي ~~أن تبادر بريطانيا ببذل معونتها لإجابة مطالب مصر في هذا السبيل. ~~(ج) # عند قيام حالة تهدد الأمن في الشرق الأوسط فإن الحكومتين تتبادلان الرأي فيما ~~يتصل بالموقف. ~~(د) # إذا وقع اعتداء مسلح على مصر أو إذا دخلت بريطانيا الحرب كنتيجة لوقوع اعتداء ~~مسلح على إحدى الدول المتاخمة لمصر، فإن مصر تتعاون عسكريا في داخل حدودها ~~وفي نطاق إمكانيتها مع بريطانيا العظمى للدفاع عن مصر، وتفصيلات هذا التعاون ~~يجري الاتفاق عليها فيما بعد. # وفي مثل هذه الأحوال إذا تبين أنه من الضروري استقدام قوات بريطانية إلى ~~الأراضي المصرية، فإنها سوف تلقي جميع التسهيلات اللازمة لاستقبالها، والتي ~~يمكن الاتفاق عليها مقدما، ومن المقرر أنه بمجرد انتهاء العمليات الحربية فإن ~~القوات البريطانية تغادر الأراضي المصرية. # وأن الحكومة المصرية مستعدة لبحث أي مقترحات من الجانب البريطاني طالما أن ~~أساسها الجلاء الناجز عن الأراضي المصرية. # ولكن ذلك البيان الذي حاول فيه رئيس الوزارة المصرية التوفيق بين وجهتي نظر مصر وإنجلترا ~~لم يلق القبول عند المارشال سليم الذي أصر على ضرورة وجود القوات البريطانية وقت السلم؛ ~~لأن دول الدومنيون لا تقبل إرسال قوات لمساعدة مصر إذا لم تكن قوات بريطانيا في مصر في ~~القناة ms090 بالفعل. # وبعد شهر تقريبا، في يوليو من نفس هذه السنة، حاول السفير البريطاني نفس المحاولة مع ~~وزير الخارجية المصرية، فبين أن ليس من مصلحة مصر إزالة المنشآت والقوات البريطانية من ~~قناة السويس، ثم محاولة إعادتها بعد ذلك على أساس جديد فهذا ليس عمليا، وقال: «إن من ~~الضروري على أية حال - للدفاع - وجود قاعدة عسكرية لتكون في حالة تسمح باستخدامها في وقت ~~قصير، وأن يكون بها فنيون وموظفون إداريون، وأغلب القوات في منطقة قناة السويس الآن من ~~الفنيين.» # وردد وزير الخارجية المصرية بيان رئيس الحكومة السابق ذكره، فبين أن مصر مصممة على ~~الدفاع عن نفسها، وهي توافق على عقد محالفة دفاعية مع بريطانيا بشرط الجلاء الناجز الكامل، ~~وأن تكون هذه المعاهدة معاهدة الند للند على قدم المساواة، وأجاب على استشهاد الجانب ~~الإنجليزي في مقابلات أخرى بمسألة كوريا الجنوبية واكتساح الشيوعيين لها، الأمر الذي ما كان ~~يحدث لو أنه كان بكوريا الجنوبية قوات أمريكية من قبل، فأجاب وزير الخارجية بأن البون شاسع ~~بين المسألتين، فمثلا روسيا ليست ملاصقة لمصر، ورجا من الفيلد مارشال سليم الذي أثار هذه ~~الفكرة ألا ينظر إلى الموقف على ضوء الحقائق العسكرية البحتة وحدها، وأن ينظر إلى الحالة ~~النفسية للشعب المصري أيضا، فمصر المتحررة من قوات الاحتلال تكون حليفا أقوى ~~وأخلص. # ولكن الجانب البريطاني أصر على ضرورة توفر قاعدة تكون معدة لاستقبال جميع النجدات في ~~الحال وإقامتها، وهذه القاعدة هي قناة السويس. # وبين في أغسطس سنة 1950 بأنه لا يمكن إنشاء هذه القاعدة في غزة إلا إذا عقد صلح بين مصر ~~وإسرائيل، ثم إن غزة بعد ذلك ليست مكانا صالحا فليس فيه مواصلات أو موانئ أو قوة عاملة؛ ~~فإذن لا بد من بقاء القاعدة الحالية في القناة؛ لأن مصر لا تستطيع من وجهة النظر الفنية أن ~~تقوم بصيانة القاعدة دون مساعدتنا، ولا بد من بقاء الدفاع المشترك. # والسبب الأساسي في تمسك بريطانيا بوجهة نظرها هذه، كما يقول السفير البريطاني في 24 أغسطس ~~1950: «هو موقع مصر الجغرافي، وامتلاكها لقناة ms091 السويس، وهي حلقة مواصلات حيوية تهتم بها ~~جميع الدول البحرية ... ونحن لا نطلب منكم أن تسلمونا منطقة القنال، ولكنا نطلب أن نشترك معكم ~~في الدفاع عن منطقة القنال، وأهم جزء في الدفاع هنا هو الدفاع الجوي، ويجب على مصر أن توافق ~~على أن يكون لها دفاع جوي مشترك إذ إنها لا تستطيع أن تدافع عن منطقة القناة ~~بمفردها.» # وهذا التمسك من الجانب البريطاني دعا وزير الخارجية المصرية صلاح الدين باشا إلى القول - ~~في مقابلة 14 أغسطس مع السفير البريطاني: «إن مصر تعتبر بحق أن وجود قوات لكم في أرضها، ~~مهما كانت صفتها، مخل بسيادتها، فلها كل الحق في أن ترفض هذا الاحتلال ... مهما تكن أهمية ~~قناة السويس الاستراتيجية بالنسبة لكم ... على أن قناة السويس لم تعد لها هذه الأهمية السابقة ~~من الوجهة العسكرية، ودليل ذلك أن أكثر حركة النقل إلى الشرق الأقصى كانت في أثناء الحرب ~~العالمية الأخيرة تمر من رأس الرجاء الصالح، فضلا عن إمكان تعطيل الملاحة في القنال وقتا ~~طويلا إذا ألقيت عليه قنبلة من القنابل الذرية؛ ومن هذا يمكن أن يقال: إن مصر نفسها هي ~~مطلبكم الحقيقي لا قنال السويس.» # وفي مقابلة 24 أغسطس 1950، ردد السفير البريطاني مرة أخرى وجهة النظر الإنجليزية، فقال: ~~«ليست بريطانيا أو مصر حرة التصرف، فكلانا يواجه مستقبلا نقاتل فيه من أجل حياتنا، ولا ~~يمكننا أن نؤمل في الحياة منعزلين، إن مصر تواجه الآن حيرة شديدة، فهي تريد من جهة أن تدافع ~~عن نفسها، وأن تحقق من جهة أخرى مطالبها القومية، وهذان الغرضان لا يمكن بلوغهما في آن ~~واحد، ويجب على الحكومة المصرية أن تقبل هذه الحقيقة القاسية، وهي أن الجلاء الكامل الناجز ~~عن قناة السويس لا يتفق مع الدفاع عن البلاد، ويجب أن نجد وسيلة للتوفيق بين مطالب الدفاع ~~العاجلة وبين كرامة مصر القومية ...» # ولكن وزير الخارجية المصرية لم يقتنع بهذه الفكرة، ولم يزد إلا استمساكا بوجهة النظر ~~التي عبرت عنها الحكومة المصرية. # وحين زار وزير الخارجية المصرية مستر بيفن في لندن، ms092 لم يجد إلا نفس الرأي السابق، فيقول ~~مستر بيفن في 4 ديسمبر 1950: إنه يشعر بأنها تكون مسئولية بالغة الخطر إذا تركت معاهدة 1936 ~~دون إعداد تدبير فعال ليحل محلها ... وأن العبارة المصرية المعادة عن الجلاء ووحدة مصر ~~والسودان لا تنهض أساسا عمليا يمكن البناء عليه. وأشار إلى الموقف الدولي الذي يهدد ~~بالخطر، وأنه لا داعي للإشارة إلى مناقشات 1946 بين مصر وإنجلترا. # ولم يقدم السفير البريطاني مقترحات فعلية من حكومته إلا في يوم 11 أبريل 1951، وذلك لحل ~~مسألة الدفاع، موضحا في نفس الوقت السخط الحقيقي الذي أثاره في بريطانيا استمرار القيود ~~على ناقلات البترول التي تمر بقناة السويس. # ونص هذه المقترحات هو: إن حكومة جلالة الملك في المملكة المتحدة على استعداد لأن تستأنف ~~المفاوضات لتعديل معاهدة التحالف المعقودة سنة 1936. # تعلم حكومة جلالة الملك في المملكة المتحدة بالصعوبات الكبيرة التي تواجه الحكومة المصرية ~~في هذه المسألة، على أنها لا تستطيع بالنظر إلى التزاماتها نحو حلفائها الآخرين في شمال ~~الأطلنطي وفي الشرق الأوسط أن تقبل تبعة اتخاذ أية تدبيرات تضر بمقدرتها على المساهمة في ~~الدفاع عن هذه المنطقة بنجاح ضد أي معتد، ومثل هذا الدفاع لن يكون ممكنا إلا إذا استمرت ~~القاعدة المصرية في المستقبل في أداء وظيفتها بحيث تكون معدة فورا وقت الحرب، وإلا إذا كان ~~الدفاع الجوي عن مصر مكفولا. # فلهذه الظروف تقترح حكومة المملكة المتحدة أن تعدل معاهدة التحالف المعقودة في سنة 1936 ~~بحيث تنص على ما يأتي: ~~(أ) # انسحاب الجنود البريطانيين من مصر - قناة السويس - على مراحل، ويبدأ هذا ~~الانسحاب بعد انقضاء سنة على اتفاق بتعديل المعاهدة وينتهي في 1956. ~~(ب) # تحويل القاعدة إلى المدنيين تدريجيا، ويقترح أن يتم ذلك لغاية سنة 1956، ~~بإحلال الموظفين المدنيين الضروريين محل الموظفين العسكريين المنسحبين، ويعهد ~~بالقاعدة بعد ذلك إلى القوات المسلحة المصرية للمحافظة عليها، على أن تدار ~~وفقا للسياسة العسكرية البريطانية تحت الإشراف الإداري العام لمجلس إشراف ~~إنجليزي-مصري. ~~(ج) # إنشاء نظام إنجليزي-مصري طويل الأجل للدفاع الجوي. ~~(د) # تختص بتعهد بريطانيا بإمداد الجيش المصري ms093 بالأسلحة. ~~(ه) # وفي حالة الحرب أو خطر الحرب الداهم أو قيام حالة دولية مفاجئة يخشى خطرها، ~~توافق مصر على عودة القوات البريطانية لمدة الخطر، وعلى أن تمنحها والقوات ~~الحليفة لبريطانيا جميع التسهيلات والمساعدات بما في ذلك استعمال الموانئ ~~والمطارات ووسائل المواصلات المصرية. # وأضاف السفير البريطاني أن إنجلترا لا تستطيع أن تقبل إقرار الرأي القائل بأن مسألة ~~السودان لا يمكن فصلها عن مسألة الدفاع. # ولكن الحكومة المصرية لم تقف عند الرفض، فوضعت اقتراحات من ناحيتها قدمتها للسفير ~~البريطاني في 24 أبريل 1951 تحدد نهائيا وجهة نظرها في حل الموقف، ويبدأ رد الحكومة ~~المصرية بالتعبير عن أسف مصر البالغ وخيبة الأمل المؤلمة، وبعد أن يرفض الرد المصري هذه ~~المقترحات جملة وتفصيلا يتقدم بالمقترحات الآتية: ~~(1) # الشروع في إجلاء القوات البريطانية عن مصر - قناة السويس - بمجرد عقد الاتفاق ~~مباشرة، وضرورة إتمام هذا الجلاء برا وبحرا في مدة لا تتجاوز سنة. ~~(2) # تسليم القاعدة إلى القوات المصرية المسلحة بمجرد إتمام الجلاء. ~~(3) # إعطاء أولوية خاصة لتزويد الجيش المصري بالأسلحة والمعدات اللازمة في أقرب ~~وقت باعتبار مصر قائمة في منطقة استراتيجية. ~~(4) # وحدة مصر والسودان تحت التاج المصري. ~~(5) # خاص بالسودان. ~~(6) # عقد اتفاق بين الطرفين يمكن بمقتضاه عودة القوات البريطانية إلى الجهات التي ~~يتفق بين الحكومتين على ضرورة عودتها إليها، للمعاونة في الدفاع عن مصر في حالة ~~ما إذا وقع عليها اعتداء مسلح، أو في حالة اشتباك المملكة المتحدة في حرب ~~كنتيجة لاعتداء مسلح على البلاد العربية المتاخمة لمصر. ~~(7) # إذا عادت القوات البريطانية إلى مصر وفقا للبند السابق، فيتعين الشروع في ~~إجلائها عنها بمجرد انتهاء العمليات الحربية، على أن يتم الجلاء برا وبحرا ~~وجوا في أجل أقصاه ثلاثة أشهر. ~~(8) # إلغاء معاهدة 26 أغسطس 1936 وجميع ملحقاتها، وكذلك اتفاقي سنة 1899 بمجرد ~~سريان الاتفاق الجديد. # تمهلت الحكومة البريطانية في الرد، وأطالت التمهل، والواقع أنه لم يكن لديها شيء جديد في ~~ذلك الوقت تقدمه، وكثرت الأقاويل والشائعات، فقيل حينا: إن المشكلة الرئيسية في نظرها هي ~~اهتمامها بالمحافظة على التزاماتها قبل دول الكومنولث ms094 وحلف الأطلنطي، فهي لا تستطيع البت ~~في مسألة مثل الجلاء عن قناة السويس دون معرفة رأي شركائها هؤلاء ودون استشارتهم وموافقتهم، ~~وهي لذلك تنتظر حتى يضع وزراء الدفاع في الكومنولث تقاريرهم، وكان الغرض من اجتماعهم في ~~لندن هو دراسة إنشاء نظام للأمن في منطقة شرق البحر المتوسط بدلا من إقامة نظام دفاعي بين ~~دول الشرق الأوسط، ولقد وجد ذلك المؤتمر أن اشتراك الولايات المتحدة مع إنجلترا متعاونة مع ~~الدول العربية ضروري في إقامة سد أمام التوسع الشيوعي الذي كان يخشى خطره عقب قيام النزاع ~~الإيراني الإنجليزي على مسألة البترول، لقد اتجهت الآراء أخيرا في ذلك الاجتماع على اقتراح ~~إنشاء هيئة للدفاع عن الشرق الأوسط من إنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا ومن يريد من ~~دول الكومنولث. # ولم تكن إنجلترا تثق قليلا أو كثيرا في ميثاق الضمان الجماعي وحده، ذلك الميثاق الذي ~~عقدته الدول العربية باستثناء شرق الأردن، هذا الميثاق الذي ينص على وجوب التعاون المتبادل ~~بين أعضائه وإنشاء مجلس عسكري دائم. # وكانت الحكومة الإنجليزية العمالية مضطرة أن تحسب حسابا كبيرا لذلك الفريق من الرأي ~~العام الإنجليزي الذي كان يطالب بالتمسك بالبقاء في القناة، ويرى أن تركها يضير المصالح ~~البريطانية ضررا بليغا، فبعض الصحف مثل صحيفة الديلي إكسبرس ترى أن الجلاء عن القناة لا ~~يكون إلا خيانة للمصالح البريطانية الحيوية، وما قيمة أي وعد يقدمه المصريون بالسماح ~~للبريطانيين بالعودة؟ وحمل المحافظون في البرلمان البريطاني حملة عنيفة على السياسة ~~المتراخية لوزارة العمال بإزاء مصر، وكان المحافظون قوة لا يستهان بها ويحسب حسابها، وأضيفت ~~إلى آراء المحافظين آراء العسكريين، وكان هؤلاء أشد الناس تمسكا بالبقاء في قاعدة قناة ~~السويس، ويرون أن إنجلترا أقدر من غيرها على حماية هذه القاعدة وصيانتها، ويجب ألا تترك تلك ~~المهمة لغيرها كلية، وأنه لا مانع عندهم من إشراك مصر إذا أرادت مشاركة بريطانيا في أمر ~~الصيانة والدفاع عن هذه القاعدة، لهذا كله لم تر حكومة العمال إجابة مصر إلى مطلبها في ~~الجلاء عن قناة السويس، وهي وإن كانت قد ms095 اتخذت هذه الخطة، إلا أنها آثرت الصمت، وفضلت ~~الانتظار. # ولكن ذلك الموقف لم يرق الحكومة المصرية التي ملت الانتظار ونفد صبرها، ورأت أن لا مناص ~~من أن ترسل مذكرة قوية اللهجة إلى السفارة البريطانية في 6 يوليو سنة 1951 تذكرها بأن ~~الحكومة الملكية المصرية تجد نفسها مضطرة لأن توجه التفات حكومة جلالة الملك في المملكة ~~المتحدة إلى تعذر الاستمرار إلى غير حد في المحادثات الجارية بين الطرفين منذ شهر يوليو ~~سنة 1950، وأن إنجلترا لن تخسر شيئا من هذه المطاولة، وأن الحكومة الملكية المصرية قد أصبح ~~من المستحيل عليها وعلى الرأي العام المصري قبول استمرار هذه الحالة فترة أخرى. # وفي نفس اليوم الذي قدمت فيه هذه المذكرة اجتمع السير رالف ستيفنسون السفير البريطاني ~~بصلاح الدين باشا، وأخذ السفير البريطاني يبين قيمة التعاون في مشروع دفاع مشترك، وأن على ~~الحكومة المصرية أولا أن تدرك أنها أمام واحد من أمرين: ~~(1) # التعاون في مشروع دفاع واف قد يجنب مصر الغزو كلية. ~~(2) # أن تتعرض مصر لغزوين: أحدهما ... لاحتلال البلاد، والآخر لطرد المعتدين. # والتعاون في مشروع دفاع أكثر فائدة لمصر، فضلا عن أن ميثاق الأمم المتحدة يبيح الاتفاقات ~~الإقليمية، وأن إنجلترا تحاول عقد اتفاق لضمان الأمن الإقليمي، واعتذر عن تأخير رد الحكومة ~~البريطانية بأنه ناشئ من مشاغلها الكثيرة. # وأمام هذا وجد وزير الخارجية المصرية نفسه مضطرا لأن يلاحظ بأن مشاغل إنجلترا لن تنتهي، ~~وأبان بأن المطالب المصرية مسألة حياة أو موت بالنسبة لمصر، وهي مسألة مع ذلك تهم السلم ~~العالمي، وأن الحكومة المصرية مضطرة بعد قليل إلى الإدلاء ببيان عن هذه المفاوضات ~~للبرلمان. # وأن حكومة مصر تعتقد أن السياسة التي تتبعها بريطانيا في مصر والسودان منافية لميثاق ~~الأمم المتحدة في نصه وروحه، فهي منافية لمبدأ المساواة في السيادة، ولمبدأ استقلال الدول ~~الأعضاء وسيادتهم، وللمبدأ الذي يقضي بوجوب امتناع كل دولة عن المساس باستقلال غيرها من ~~الدول الأعضاء أو بوحدة أراضيها، كما أنها تنافي قرار هيئة الأمم المتحدة بوجوب جلاء القوات ~~الأجنبية عن أراضي الدولة المحتلة بغير ms096 رضاها، وأما المحالفات الإقليمية فهي في نظر الحكومة ~~المصرية يجب أن تعقد بالرضى والاختيار، وأن مصر شعبا وحكومة لا ترغب في أي محالفة على ~~أساس احتلال أراضيها والعبث بوحدتها. # ولقد توترت العلاقات بين إنجلترا ومصر من ناحية أخرى في صيف سنة 1951 نتيجة لإصرار مصر ~~على عدم مرور السفن الناقلة للبترول خلال القناة إلى إسرائيل، وخاصة بعد حادث السفينة ~~البريطانية إمباير روش، فاحتجت إنجلترا، وأعلنت أنها ستشكو مصر إلى مجلس الأمن، وأرسلت ~~أربعة مدمرات إلى البحر الأحمر، وطالب بعض الأعضاء في البرلمان البريطاني الحكومة ~~الإنجليزية بضرورة إرسال سفن حربية لحراسة السفن البريطانية أثناء مرورها بالقناة حتى لا ~~تتعرض لها مصر، ورفضت الحكومة البريطانية اتباع رأي المحافظين بحماية ناقلات البترول؛ حتى ~~لا تشجع المصريين على المطالبة بتأميم القناة، ولكنها التجأت إلى مجلس الأمن، وأمام هذا ~~الموقف أعلن وزير الخارجية المصرية للسفير الأمريكي بأن النزاع على الملاحة في قناة السويس ~~يمكن فضه بالوسائل الدبلوماسية، وأن إثارته في مجلس الأمن ستحدث قطيعة بين الدول ~~الغربية. # لم تكن إذن مسألة الملاحة في القناة من العوامل للتقريب بين إنجلترا ومصر، وربما كان لها ~~أثرها السيئ على العلاقات المصرية الإنجليزية. # وبينما الأمور سائرة في بطء شديد، ومصر تنتظر إجابة مرضية من بريطانيا على المقترحات التي ~~قدمتها، إذ بوزير الخارجية البريطانية يعلن في مجلس العموم البريطاني في 30 يوليو 1951 تمسك ~~الحكومة البريطانية بوجهة نظرها وبالدفاع المشترك بحجة الضرورات الدولية. # بسط مستر موريسون في بيانه سياسة الحكومة البريطانية تجاه الشرق الأوسط ومصر، وبين ~~بوضوح لا مزيد عليه أن بريطانيا في هذه الظروف العالمية الحالية غير مستعدة لقبول وجهة ~~النظر المصرية فيما يختص بجلاء القوات البريطانية عن قناة السويس، وفيما يختص بالدفاع عن ~~مصر وعن الشرق الأوسط، وكان هذا الخطاب في الواقع ردا حاسما على المقترحات المصرية، ~~وتبريرا لموقف إنجلترا إزاء هذه المقترحات. # يقول مستر موريسون: # فاليوم أصبحت كل الأمم أعضاء في مجموعة واحدة، ولا يمكن دعم مصالح أية دولة على ~~حساب الحاجات والحقوق المشروعة لبقية الدول. # والصداقة ms097 القويمة والتعاون الوثيق بين مصر وبريطانيا يعدان من أحجار الزاوية في ~~استقرار أمور الشرق الأوسط وسلامته، وقد حاولنا أن نقدر مركز مصر، ولكننا لم نجد ~~استجابة لما أبديناه من صبر وإدراك، ولا نزال نواجه تصميما لا يلين على مطالب ليست ~~لها أية علاقة بحقائق الموقف العالمي في الوقت الحاضر. # ووجود القوات البريطانية في مصر لم يعد مشكلة لا تعني إلا بريطانيا ومصر وحدهما، ~~فنحن دولة تحمل بالنيابة عن دول الكومنولث وحلفاء الغرب مسئولية كبرى. # ومصر مفتاح الشرق الأوسط، وإنه لسراب خادع أن تتظاهر مصر بأنها تستطيع الوقوف ~~جانبا في أي نزاع دولي. # فمصر تحتل جسرا هاما بين قارتين، وتسيطر على المواصلات البحرية بين العالمين ~~الشرقي والغربي، وهي هدف هام جدا لأية دولة تعتدي على المشرق والحوض الشرقي للبحر ~~المتوسط. # ومصير مصر وبريطانيا وحضارتيهما مرتبط برباط وثيق، وليس من الواقعية في شيء أن ~~تدعي مصر أن في استطاعتها النجاة من الخطر برفض التحالف مع بريطانيا وعدم الاشتراك ~~في النظام الدفاعي عن المنطقة. # وفوق ذلك ليس في استطاعة مصر أن تقف وحدها لتدافع عن أرضها، ومثلها في ذلك مثل ~~بريطانيا ذاتها، وإني لواثق تمام الثقة من أنه إذا اضطر العالم الحر إلى خوض غمار ~~الحرب، فإن الشعب المصري سيقف إلى جانبه كما وقف في الماضي يقاوم العدوان. # وأهم خلاف بين مصر وبريطانيا هو عدم الاتفاق على التدابير اللازمة لمواجهة أي ~~طارئ من هذا القبيل، وبدون استعدادات واسعة النطاق في وقت السلام ستتعقد قضيتنا قبل ~~أن تبدأ المعركة. # ومهمتنا إقناع مصر بمواجهة تلك الحقيقة التي لا مفر منها، وبالأخطار التي تترتب ~~على إهمال هذه الاستعدادات، ومن فوق هذا المنبر أدعو مصر إلى المساهمة بنصيبها وعلى ~~قدم المساواة في الجهود المشتركة لتأمين سلام العالم، نريد أن ننظم علاقاتنا على ~~أساس جديد كل الجدة، ولكن إذا رفضت مصر تلك الدعوة، فلن نسمح للموقف الذي ينشأ عن ~~هذا الرفض بعرقلة جهودنا للوفاء بالتزاماتنا الدولية. # ومع ذلك لن نيئس من إقناع مصر بالمساهمة معنا من تلقاء نفسها ms098 حتى تسهل ~~مهمتنا. # وقرع مصر في آخر خطابه: «فمصر بموقعها الجغرافي الفريد يجب أن تضرب مثلا على السلوك ~~الدولي بدلا من الإساءة إلى المعاهدات الدولية واتفاقية الملاحة.» # وختم حديثه بضرورة حماية مصالح بريطانيا المشروعة في الشرق الأوسط. # ولقد وجدت نغمة موريسون ترديدا في بعض الصحف الإنجليزية، فتقول صحيفة «الأبزرفر» (عن ~~الأهرام 20 أغسطس): أوضح هربرت موريسون أنه بينما ترغب بريطانيا في الوصول إلى اتفاق مع مصر ~~بشأن هذه القاعدة، ستحافظ بريطانيا على تلك القاعدة وتتمسك بها في فترة التوتر الراهنة رضيت ~~مصر أو لم ترض ... وهذه ضرورة مؤلمة، ولكن يجب ألا يعمينا النزاع مع مصر عن حاجتنا إلى ~~الارتباط معها برباط الصداقة والود، ويجب علينا أن نواصل مساعينا لجعل مصر تشترك في حلف عام ~~يضم دول الشرق الأوسط حتى تبدو القواعد الموجودة على أرضها جزءا من نطاقها الدفاعي، وأغلب ~~الظن أن يكتب لهذه السياسة النجاح إذا كان واضحا أننا نزمع بتأييد الأمريكيين التمسك ~~بمنطقة القناة، وأن الاحتجاجات مهما كانت لن تبدل هذا القرار أو تغير منه شيئا ... # وأما من ناحية الجانب المصري، فلقد وجد وزير الخارجية المصرية ضرورة الرد على تصريح ~~موريسون الذي أحدث رجة كبيرة في مصر، ففي 6 أغسطس في البرلمان المصري تحدث عن الاحتلال ~~وآثاره السيئة، وأبان عن تواكل إنجلترا وتخاذلها في أمر تسليح الجيش المصري، ورد على فكرة ~~موريسون بوجود خطر الحرب ماثلا، فقال: «ومتى خلص العالم من خطر الحرب؟! ... وسيكون على ~~الدوام خلاف دولي يلبس ثوب خطر الحرب، ويجوز القول بأنه يهدد السلام، فهل يمكن أن يطالبنا ~~منصف بأن نقبل على سيادتنا واستقلالنا عار الاحتلال أبد الآبدين؟! ...» وأبان عن تمسك مصر ~~بحقوقها ومطالبها، واستمساكها بميثاق هيئة الأمم المتحدة، وأعلن أن مستر موريسون بخطابه هذا ~~قد أوصد باب المفاوضات. # لقد وجدت الحكومة المصرية إذن «عمق الهوة» التي تفصل بين وجهتي نظر الطرفين، وذلك كما ~~يقول بيان رفعة النحاس باشا في 8 أكتوبر: «لإصرار الحكومة البريطانية على سياستها ~~الاستعمارية القديمة، سياسة ادعاء المسئوليات وانتحال التبعات ومقاومة الحقوق ms099 الوطنية بشتى ~~الحجج والتعلات.» # اعتبرت الحكومة المصرية تصريح وزير الخارجية البريطانية إغلاقا صريحا لباب المفاوضات ~~بين الدولتين، ولكن مستر موريسون تراجع، وفي خطاب خاص له إلى الحكومة المصرية ذكر أن الباب ~~لا زال مفتوحا، فالحكومة البريطانية تدرس مشروعا جديدا لعلاج وسائل الدفاع، وأجابت ~~الحكومة المصرية بأن جلاء القوات البريطانية عن قناة السويس ليس كل القضية المصرية، وإنما ~~هو جزء منها، وأن القضية المصرية كل لا يتجزأ، واكتفت الوزارة البريطانية بالصمت، فلم ~~تستطع أن تعين موعدا محدودا لإرسال مقترحاتها الجديدة. # وهكذا كانت الحكومة البريطانية تؤجل في ردودها، وإذا خرجت عن الصمت لا تعطي رأيا واضحا ~~نهائيا، وتحاول كسب الوقت، فالانتظار لا يضيرها ولا يضعف مركزها، ويظهر أن الحكومة ~~البريطانية لم توجه إلى علاقاتها مع مصر ما يلزمها من عناية ودراسة تتفق ونمو الوعي القومي ~~المصري، وخضعت لآراء العسكريين ورجال الحرب، فلم تحاول فهم وجهة النظر المصرية. # والواقع أن موريسون الذي تولى وزارة الخارجية البريطانية بعد موت إرنست بيفن كان حديث عهد ~~بأمور السياسة الخارجية، وليست لديه خبرة عملية في ذلك الميدان، وليس له العزم لتنفيذ ما ~~يرى، فهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وسرعان ما تراكمت عليه المشاكل من كل جانب، وتجمعت المصاعب ~~أمامه بشكل خطر، فازداد الموقف الدولي تعقدا بالنسبة لإنجلترا، لقد كان موقف الحكومة ~~العمالية صعبا في البرلمان، فلقد أصر المحافظون على إثارة المشاكل أمامها، وهاجموا سياستها ~~نحو مصر، وأعلنوا عن خشيتهم من أن تضيع وزارة العمال الامتيازات التي حصلت عليها بريطانيا ~~بمقتضى معاهدة سنة 1936، ونعوا عليها سياسة التهدئة التي تتبعها. # وليت الأمر اقتصر على هذا الحد، فلقد ازدادت حالة المالية البريطانية سوءا أمام حركة ~~التسابق إلى التسلح، واختلفت إنجلترا مع الولايات المتحدة بشأن مسألة التسلح ومسألة ~~الاعتراف بالصين الشيوعية والحرب الكورية، ثم انقسم حزب العمال على نفسه، فريق يرى ~~الاستمرار في سياسة التسلح مهما كلف إنجلترا الأمر، وفريق يرى ألا تكلف إنجلترا نفسها في ~~هذا الميدان ما لا تطيق، فحذر أنيورين بيفان، أحد الوزراء المنشقين، بريطانيا من السير في ms100 ~~ركاب فوضى الرأسمالية الأمريكية، وتوقع انتشار البطالة وازدياد التضخم في بريطانيا، واختلفت ~~إنجلترا أيضا مع دول غرب أوروبا على مسألة الاشتراك في الجيش الأوربي. # ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تعقدت العلاقات الإيرانية الإنجليزية بشأن البترول ~~الإيراني وتأميمه، وقائم نزاع خطير بين الدولتين ذهب بالعلاقات الطيبة بينهما، واضطر ~~الإنجليز آسفين إلى الانسحاب من عبادان، بعد أن رفضت الولايات المتحدة تقديم أي تأييد سياسي ~~لهم. # فكانت هذه أول ضربة سياسية قاسية تلقاها الإنجليز بعد الحرب الكبرى الثانية، أخذ نفوذ ~~الإنجليز في الشرق الأوسط بعدها في التضاؤل والضعف، ولم يعد لسياسة إنجلترا الخارجية ولا ~~لاسمها نفس الاحترام الذي كان لها من قبل منذ ربع قرن من الزمان. # ورأت الحكومة المصرية في أوائل أكتوبر سنة 1951 أن الوقت قد آن لإلغاء معاهدة سنة 1936. ~~فلقد فصل رئيس الحكومة في ذلك الوقت في بيانه في 8 أكتوبر في البرلمان الأسباب التي دعت ~~الحكومة المصرية إلى اتخاذ هذه الخطوة الحاسمة (انظر الملحقات). # لم تعد مصر تعترف بمركز الإنجليز في قناة السويس، ولكن الحكومة البريطانية أعلنت أن ~~المعاهدة لا تشتمل على حق الإلغاء من جانب واحد، وأنها ألغيت بالفعل من جانب واحد هو الجانب ~~المصري بغير موافقة الجانب الإنجليزي، وأنها لا تستطيع أن تقر مصر على هذه الخطوة، ففي ~~نظرها إقدام الحكومة المصرية على إلغاء المعاهدة عمل غير شرعي يتنافى مع ميثاق هيئة الأمم ~~الذي نصت مقدمته على احترام الالتزامات الناشئة من المعاهدات والارتباطات الدولية الأخرى ؛ ~~ولذا فهي وإن كانت لا تزال راغبة في المفاوضات، إلا أنها أثناء ذلك ستظل متمسكة بهذه ~~المعاهدة التي تبرر استمرار الإنجليز في احتلال قناة السويس إلى سنة 1956. # ولكنه بالرغم من إعلان إنجلترا تمسكها بمعاهدة 1936، يظهر أن الحكومة الإنجليزية لم تكن ~~مؤمنة تماما بقوة حجتها، بعد أن أقرت هي قبل ذلك بخمسة أعوام مبدأ الجلاء التام عن مصر ~~والقناة، ثم هي لا تستطيع أن تفصل نهائيا في مسألة مصر والشرق الأوسط بمفردها، فلقد انتهى ~~الوقت الذي كان فيه لإنجلترا سياسة مستقلة ms101 في هذه المنطقة من العالم؛ ولذا أسرعت إلى ~~حلفائها من الأمريكيين والفرنسيين، بل والأتراك تطلب منهم التأييد لسياستها والنجدة لحل ~~المشكلة المصرية، فتقدمت هي وحلفاؤها بمشروع الدول الأربع. (انظر الملحقات.) # وينص ذلك المشروع على إنشاء قيادة متحالفة للشرق الأوسط، تشترك فيه الدول التي تريد ~~وتستطيع الدفاع عن الشرق الأوسط، وتشترك مصر في هذه القيادة المتحالفة على أساس ~~المساواة. # وعندئذ توافق إنجلترا على سحب القوات البريطانية التي لا تخصص للقيادة المتحالفة، وتقدم ~~مصر في أراضيها التسهيلات الاستراتيجية والدفاعية، ويدخل في هذا في حالة الحرب استخدام ~~الموانئ والمطارات والمواصلات المصرية، كما تكون مصر مقر القيادة العليا للمحالفة، وتسلم ~~القاعدة البريطانية في قناة السويس بصفة رسمية إلى مصر، ولكنها تصبح قاعدة مشتركة للدول ~~المشتركة في التحالف، ويكون لمصر نصيب في إدارتها وقتي الحرب والسلم. # وبني ذلك المشروع على أساس أن الدفاع عن الشرق الأوسط ضد العدوان الخارجي أمر حيوي ~~للعالم الحر؛ أي: المعسكر الغربي، ولن يكون هذا الدفاع عمليا إلا بالتعاون مع الدول التي ~~يهمها الأمر. # ولقد وجدت الحكومة المصرية أن ترفض هذه المقترحات. # | ملحقات # مفكرة للحكومة المصرية إلى السفارة البريطانية في 6 ~~يوليو سنة 1951 ~~(1) # ترجو الحكومة الملكية المصرية أن تكون حكومة جلالة الملك في المملكة المتحدة ~~قد فرغت من دراسة المقترحات المصرية المضادة الخاصة بالجلاء، وهي المقترحات ~~التي سلم وزير الخارجية المصرية مفكرة بها إلى السفير البريطاني في 24 أبريل ~~الماضي، ولا شك أن المدة التي انقضت منذ ذلك التاريخ كانت كافية لإتمام هذه ~~الدراسة وإبداء الرأي في المقترحات المضادة المشار إليها. ~~(2) # والحكومة الملكية المصرية تجد نفسها مضطرة لأن توجه التفات حكومة جلالة الملك ~~في المملكة المتحدة إلى تعذر الاستمرار إلى غير حد في المحادثات الجارية بين ~~الطرفين منذ شهر يوليو سنة 1950 ... # وواضح أن حكومة جلالة الملك في المملكة المتحدة لا تخسر شيئا من هذه ~~المطاولة، أما الحكومة الملكية المصرية فقد أصبح من المستحيل عليها وعلى الرأي ~~العام المصري قبول استمرار هذه الحالة فترة أخرى. # فقد بذلت الحكومة الملكية المصرية ms102 كل ما في طاقتها للتوفيق بين حقوق مصر ~~والمصالح التي تدعيها بريطانيا العظمى ... ~~(3) # وكذلك لا يسع الحكومة الملكية المصرية أن تفرق بين بعض الحقوق الوطنية وبعضها ~~الآخر، فتقبل الفصل بين مسألة الجلاء ومسألة وحدة مصر والسودان تحت التاج ~~المصري، فالمسألتان في اعتبارها كل لا يتجزأ، ويتحتم حلهما في وقت واحد، وأن ~~يشملهما معا أي اتفاق يعقد بين الطرفين. ~~(4) # شروط خاصة بالسودان. # محضر محادثة # بين وزير الخارجية الدكتور محمد صلاح الدين باشا والسفير البريطاني سير رالف ستيفنسون ~~في 6 يوليو سنة 1951، فيما يختص بالدفاع، وأوردناه هنا لاتصاله بموضوع القناة: # السفير البريطاني ~~: # إن الموقف لم يتحسن على أي صورة فيما يتعلق بالسلام في الشرق الأوسط، ولم يكن ~~من المستطاع أن نقترب أي اقتراب من مطلب الحكومة المصرية الخاص بالجلاء الكامل. ~~ونحن ندرس الآن طريقة علاج مشترك لمسألة الدفاع، وعندما أتلقى تعليمات في هذا ~~الموضوع سأحيطكم علما بها، ولست يائسا من الوصول إلى اتفاق، بيد أن على ~~الحكومة المصرية أولا أن تدرك أنها أمام واحد من أمرين: ~~(1) التعاون في مشروع دفاع واف قد يجنب مصر الغزو كلية. ~~(2) أن تتعرض مصر لغزوين؛ أحدهما من الشمال الشرقي لاحتلال البلاد، والآخر من ~~الغرب تقوم به الدول الغربية لطرد المعتدين، وهذا أمر مؤكد تمام التأكيد، ~~والتعاون في مشروع دفاع مشترك يتيح لكم بالتأكيد فرصة طيبة لتجنب الغزو كما وقع ~~في الحربين الماضيين، وإني على يقين من أنه ليس من المستحيل أن نجد طريقة علاج ~~مشترك لمسألة الدفاع. # وزير الخارجية ~~: # قبل أن أرد على تعليقكم أود أن أسأل بوجه عام: هل ينتظر أن نتلقى الرد قريبا ~~على مقترحاتنا المضادة الخاصة بالجلاء؟ # السفير البريطاني ~~: # لست أدري، ولا أستطيع الإجابة على هذا السؤال، بيد أني أعلم أن حكومة جلالة ~~الملك تنظر في المسألة وتحاول العثور على طريقة مشتركة لعلاجها، والحكومة ~~البريطانية كما تعلمون مشغولة في الوقت الحاضر بمسائل أخرى. # وزير الخارجية ~~: # أعرف أن الحكومة البريطانية مشغولة إلى حد كبير بالصعوبات التي تواجهها في ~~إيران، ولكن متاعب الحكومة البريطانية لا تنتهي، ms103 وسياستها الخارجية واسعة ~~المدى، فإذا رتبنا على المتاعب التي تصادفها في أرجاء العالم الأخرى تعطيل حل ~~المشاكل المعلقة بيننا وبينها فلن تنتهي، والمسألة المصرية لا تقل أهمية في ~~ذاتها ومن حيث اتصالها بقضية السلام العام عن أية مسألة عالمية أخرى، بل لعلها ~~ترجح الكثير من هذه المسائل، وهذه على الأقل هي نظرتنا نحن إليها، بل هي ~~بالنسبة إلينا مسألة حياة أو موت، وقد كان الشهران اللذان انقضيا منذ سلمناكم ~~المقترحات المضادة كافيين وفوق الكفاية لأن يصلنا منكم ردكم على هذه المقترحات ~~مهما كانت مشاغلكم الأخرى، وأود أن أؤكد لسعادتكم أن الحكومة المصرية كما وضحت ~~في المفكرة التي سلمتها إليكم اليوم لا تستطيع أن تمضي في هذه المحادثات فترة ~~طويلة أخرى، بل إن الظروف البرلمانية نفسها تحدد الأجل الذي يجب أن نعرف فيه ما ~~إذا كان هناك أي أمل للوصول بهذه المحادثات إلى نتيجة موفقة، على أساس من الحق ~~والعدل والمساواة في السيادة واحترام استقلال الشعوب ووحدة أراضيها، أم أنه لا ~~نتيجة لها إلا الفشل؟ # إن الدورة البرلمانية الحالية في مصر توشك أن تنتهي، والحكومة مضطرة قبل فض ~~الدورة إلى أن تدلي إلى البرلمان ببيان عن المحادثات؛ إذ من حق ممثلي الأمة أن ~~يعرفوا قبل فض دورتهم هل فشلت المحادثات أم نجحت؟ والنتيجة الطبيعية لفشل ~~المحادثات هي قطعها وتقديم جميع تفصيلاتها إلى البرلمان، وليس لدي ما أضيفه على ~~ما تقدم إلا أن ألاحظ على تعليقكم في شأن الجلاء أنه أفرغ في لغة الحرب والقوة ~~والغزو، مع أننا كأعضاء في هيئة الأمم المتحدة يجب أن نتحدث بلغة السلم والأمن ~~الدولي وإقرار الحق والعدل واحترام سيادة الشعوب ووحدة أراضيها ... # السفير البريطاني ~~: # هل أفهم من هذا أن الحكومة المصرية قد وطدت العزم على أن تدلي ببيان عن هذه ~~المحادثات قبل انتهاء الدورة البرلمانية الحالية؟ # وزير الخارجية ~~: # بكل تأكيد. # السفير البريطاني ~~: # لا أظن أن تعليقكم بأن بياني مفرغ في لغة الحرب والقوة تعليق عادل، ولا أظن ~~أن بريطانيا أقل إخلاصا لمبادئ هيئة الأمم عن مصر، ms104 وقد نص الميثاق نفسه على ~~الاتفاقات الإقليمية، ونحن نحاول أن نعقد اتفاقات لضمان الأمن الإقليمي. # وزير الخارجية ~~: # نحن نعتبر أن السياسة التي تتبعها بريطانيا في مصر والسودان منافية لميثاق ~~الأمم المتحدة في نصه وروحه؛ فهي منافية لمبدأ المساواة في السيادة، ولمبدأ ~~استقلال الدول الأعضاء وسيادتهم، وللمبدأ الذي يقضي بوجوب امتناع كل دولة عن ~~المساس باستقلال غيرها من الدول الأعضاء أو بوحدة أراضيها، كما أنها تنافي قرار ~~هيئة الأمم المتحدة بوجوب جلاء القوات الأجنبية عن أراضي الدول المحتلة بغير ~~رضاها ... إلخ. # أما عقد محالفات إقليمية فأنا أعترف أن الميثاق يبيحه، ولكن هذه المحالفات ~~يجب أن تعقد بالرضى والاختيار، وغني عن البيان أن مصر شعبا وحكومة لا ترغب في ~~أي محالفة على أساس احتلال أراضيها والعبث بوحدتها. # السفير البريطاني ~~: # هل قرار الحكومة في الإدلاء عن المحادثات ببيان نهائي قد تضطر حكومة جلالة ~~الملك أيضا في هذه الحالة إلى الإدلاء ببيان؟ وأظن أنه قد يكون لهذا أثر سيئ؛ ~~إذ يدلي الجانبان ببيانات علنية يجدان من الصعب التراجع عنها أو مواصلة ~~المفاوضات في المستقبل. # وزير الخارجية ~~: # لا شك أن علاقة البلدين في المستقبل ستتأثر بهذه البيانات العلنية التي ~~يلقيها كل طرف في برلمانه ... الحكومة الحالية أخذت على عاتقها مسئولية استئناف ~~المحادثات معكم وأفسحت لها الوقت الكافي، إذ إننا اعتبرنا مباحثات الفيلد ~~مارشال سليم بداية لهذه المحادثات. تكون محادثاتنا قد استغرقت أكثر من خمسة عشر ~~شهرا ... # ولقد سبق أن ذكرت أن فشل المحادثات سيستتبع حتما قطعها، والمفروض أنها في هذه الحالة ~~ستكون قد فصلت قبل إيضاح الحقائق للبرلمان، وسيقال للبرلمان: إنها فشلت وإنها قطعت ~~... # بيان رفعة النحاس باشا رئيس الحكومة في 8 أكتوبر سنة ~~1951 في البرلمان # بشأن مراحل المفاوضات بين مصر وإنجلترا وقرار الحكومة بإلغاء معاهدة سنة 1936 والأسس ~~التي قام عليها هذا الإلغاء. # وفي شهر يناير سنة 1950، أجريت في مصر الانتخابات العامة، فأسفرت عن تولية الحكومة ~~الحاضرة «حكومة الوفد» ... لقد أجمعت الأمة إجماعا لا يشذ عنه أحد من أبنائها على تحرير ~~وادينا مصر ms105 وسودانه من كل ما يقيد حريته واستقلاله، ليسترد مجده القديم ويتبوأ المكان ~~الكريم اللائق به في ميدان الحياة العالمية ... # وشرعت الوزارة على الفور في إنجاز ما وعدت به، ورأت أن تكون أولى خطواتها في هذا ~~السبيل محاولة الاتفاق مع الإنجليز، فدخلت معهم في سلسلة طويلة من الاتصالات ~~والمحاولات، لعلهم يقتنعون بالحجة وينزلون على حكم الحق، وتعددت الاتصالات وطالت ~~المحادثات، وتذرعت الوزارة بالحكمة والصبر فلم تتعجل، بل واجهت المشكلات مواجهة واقعية ~~وعالجتها باقتراح الحلول العملية، للتوفيق بين حقوق مصر الوطنية والتي لا يمكن التحول ~~عنها، وبين الملابسات الدولية التي يتعلل بها الإنجليز، ولكن شيئا من ذلك لم يفلح في ~~صرفهم عن عنتهم وإقناعهم بضرورة احترام حقوق مصر، إذا شاءوا حقا أن يحتفظوا بصداقتها، ~~فلم تجد الحكومة - والحالة هذه - بدا من أن تعلن خطاب العرش الذي ألقي في البرلمان ~~المصري يوم 16 نوفمبر 1950 أنه لا مناص من إلغاء معاهدة سنة 1936، وأن الحكومة ماضية ~~دون تردد أو إبطاء في تحقيق الأهداف الوطنية ... وفي طليعة هذه الوسائل إعلان إلغاء ~~معاهدة سنة 1936، وما يتبع ذلك من إعلان إنهاء اتفاقيتي 16 يناير، 10 يوليو سنة 1899 ~~الخاصتين بالحكم الثنائي في السودان. # ثم استمرت المحادثات، وقصد وزير الخارجية المصرية إلى لندن، حيث تباحث مع وزير ~~الخارجية البريطانية طويلا، وانتهت هذه المباحثات في 15 ديسمبر سنة 1950، بأن قرر وزير ~~الخارجية البريطانية أنه عرض على مجلس الوزراء بصفة شخصية محضة مقترحات تتضمن طريقة ~~علاج جديد لمشكلة الدفاع، فكلف المجلس مستشاريه أن يقوموا على الفور ببحث هذه ~~المقترحات، وهو يرجو أن يتمكن من الإفضاء إلى الحكومة المصرية بنتيجة دراسة حكومية ~~بطريقة العلاج المذكورة في أواسط يناير سنة 1951 أو في أسرع وقت مستطاع بعد ذلك ~~التاريخ. # ولكن المقترحات الموعودة لم تصل إلى الحكومة المصرية إلا في 11 أبريل سنة 1951؛ أي: ~~بعد التاريخ المضروب بثلاثة أشهر، وقد جاءت مع ذلك أبعد ما تكون عن تحقيق المطالب ~~الوطنية. # وفي 24 أبريل سنة 1951، ردت الحكومة المصرية برفض هذه المقترحات في جملتها ~~وتفصيلاتها، ms106 مقدمة مقترحات مضادة بشأن الجلاء ووحدة مصر السودان. # ووعد الجانب البريطاني بدراسة هذه المقترحات المضادة والرد عليها، ولكن رده لم يصل ~~إلا في 8 يونيو سنة 1951. # ثم استؤنفت المحادثات ودار البحث حول السودان، وبينما هي سائرة تتعثر، ألقى وزير ~~الخارجية بيانه المعروف في مجلس العموم البريطاني يوم الإثنين 20 يوليه سنة 1951، يعلن ~~فيه تمسك الحكومة البريطانية بالاحتلال والدفاع المشترك في وقت السلم، بحجة الضرورات ~~الدولية، ومعارضتها وحدة مصر والسودان تحت التاج المصري بحجة استطلاع مشيئة ~~السودانيين. # وقد جاء هذا البيان ناطقا بعمق الهوة التي تفصل بين الطرفين، لإصرار الحكومة ~~البريطانية على سياستها الاستعمارية القديمة؛ سياسة ادعاء المسئوليات وانتحال التبعات ~~ومقاومة الحقوق الوطنية بشتى الحجج والتعلات. # وفي 6 أغسطس سنة 1951 رد وزير الخارجية المصرية على هذا البيان، قال فيه: إن وزير ~~الخارجية البريطانية قد أغلق بتصريحاته الأخيرة في مجلس العموم باب المحادثات، ولكن ~~وزير الخارجية البريطانية بعث برسالة شخصية ينفي فيها أنه أغلق باب المحادثات، ويقول: ~~إنه على العكس يبحث على وجه الاستعجال مشروعا جديدا لعلاج مسائل الدفاع، فرددت عليه ~~مبينا الأسباب التي من أجلها اعتبرت الحكومة المصرية أن خطابه في مجلس العموم ~~البريطاني أغلق باب المحادثات، وأضفت أن جلاء القوات البريطانية ليس إلا شطر القضية ~~المصرية، وأن هناك الشطر الآخر وهو وحدة مصر والسودان تحت التاج المصري، وأن الشطرين كل ~~لا يتجزأ ... # أرسل هذا الرد في 26 أغسطس سنة 1951، ولم تصل هذه المقترحات حتى الآن، ولكني تلقيت ~~من وزارة الخارجية البريطانية في 21 سبتمبر 1951 رسالة شخصية أخرى، يقول فيها: إنه لا ~~يستطيع أن يعين على وجه التحديد تاريخا لإرسال مقترحاته، ولكنه يتوقع أن يكون ذلك في ~~موعد قريب. # وقد كلفت سعادة السفير البريطاني الذي حمل هذه الرسالة أن يبلغ وزير الخارجية ~~البريطانية أن الحكومة المصرية مرتبطة بإعلان خطتها في البرلمان قبل فض دور الانعقاد ~~الحالي في أوائل شهر أكتوبر على أكثر تقدير، فلا معدى - والحالة هذه - من أن تصل ~~المقترحات الجديدة على أساس تحقيق المطالب الوطنية قبل ذلك ms107 التاريخ. # هذا هو تاريخ المحادثات حتى الآن، وغني عن البيان أن الجانب البريطاني لا يخسر شيئا ~~من هذا التطويل والتأخير، فالاحتلال قائم في قناة السويس ... # لقد جادل الإنجليز في حق مصر في إلغاء معاهدة 1936، واتفاقيتي سنة 1899، ولكن الأمثلة ~~لا تنقصنا على سوابق إلغاء المعاهدات والاتفاقات الدولية من جانب واحد (وذكر رفعته ~~ثمانية عشر مثلا). ~~••• # هذه أمثلة كثيرة متفاوتة التاريخ والظروف والأسباب على سوابق إلغاء المعاهدات ~~والاتفاقات الدولية من جانب واحد، وقد كان الجانب الآخر بالطبع يجادل في جواز هذا ~~الإلغاء، ولكن الإلغاء مع ذلك تم وأنتج آثاره القانونية في جميع الأحوال، وقد يقال: إن ~~أكثر الدول التي لجأت إلى هذا الإجراء كانت تعتمد على القوة المادية. هذا صحيح، ولكنه ~~أبعد ما يكون عن أن ينطبق على حالتنا؛ فنحن لا نعتمد ... إلا على الحق الواضح والعدالة ~~الناطقة والمبادئ السلمية التي يتضمنها ميثاق الأمم المتحدة ... # أسباب الإلغاء التي أجملها الآن: # أولا: # أن هذه المعاهدة عقدت في ظل الاحتلال البريطاني؛ فلم يكن شرط ~~الاختيار الكامل متوفرا للجانب المصري ... «هذا» رأي وزير الخارجية ~~البريطانية المغفور له مستر بيفن أعلنه بصريح العبارة في مجلس الأمن ~~عندما طرح عليه النزاع الروسي الإيراني، إذ قال بالحرف الواحد: «إن ~~الحكومة البريطانية ليؤسفها أي اتفاق يبدو أنه قد انتزع من الحكومة ~~الإيرانية قسرا على حين تحتل حكومة الاتحاد السوفيتي جزءا من إيران.» ~~كما قال في المناسبة نفسها: «نحن دول قوية، توصف أحيانا بالثلاث ~~الكبار، ولكنا نمثل القوة دون ريب، وللقوة - ولا شك - حسابها في ~~المفاوضات.» # وقد أخذ مجلس الأمن بهذا الرأي، فتضمن قراره فيما تضمن: أن وجود ~~القوات الأجنبية في أرض دولة من الدول يسلبها حرية الاختيار في ~~المفاوضات. # هذا هو حكم مجلس الأمن، وحكم وزير الخارجية البريطانية على الاتفاقات ~~التي تعقد في ظل الاحتلال، وهو الحكم الحق على معاهدة سنة 1936 التي ~~عقدت والاحتلال البريطاني قائم في مصر كلها لا في بعض أجزائها كما كان ~~الحال في إيران. # لا بد لي هنا أن أفصح عما نقصده بضغط الاحتلال، ms108 ليس القصد أن أحدا ~~أكرهنا إكراها ماديا على توقيع المعاهدة، ولكننا نقصد حالة الإكراه ~~الأدبي التي كانت تساور نفوسنا، إذ نرى مصر تكاد تختنق تحت ضغط ~~الاحتلال المتغلغل في كل مرافقها العابث بكل مصالحها، والامتيازات ~~الأجنبية الجاثمة على صدرها، فأردنا أن نلتمس لها من هذا الإسار مخرجا ~~يطلقها من عقالها ويكون خطوة أولى تتلوها خطوات أوسع لاستكمال وحدتها ~~واستقلالها. # ثانيا: # تغير الظروف التي عقدت فيها المعاهدة ... # ثالثا: # أنها تتناقض مع اتفاقية قناة السويس ومع ميثاق الأمم المتحدة، ~~وكلاهما أولى منها بالتنفيذ والاحترام، فاتفاقية قناة السويس عقدت ~~قبلها بزمن طويل بين دول متعددة، لتقرير وضع دولي عام هو حيدة القناة ~~وحرية المرور فيها على قدم المساواة التام بين الجميع. # ولذلك حرمت هذه الاتفاقية على الدول الموقعة عليها محاولة الحصول على ~~مزايا إقليمية أو تجارية أو أية مزية أخرى في أي اتفاق دولي يعقد في ~~المستقبل بشأن القناة، كما ناطت بمصر وحدها - وهي الدولة صاحبة الإقليم ~~- حق الدفاع عن حيدة القناة وسلامة المرور فيها، وهذا ما أهدرته معاهدة ~~سنة 1936 إهدارا تاما، إذ ليست هذه المعاهدة إلا مجموعة من الميزات ~~الصارخة لمصلحة بريطانيا وحدها على حساب استقلال مصر وسيادتها، وما كان ~~لبريطانيا بصريح النص في اتفاقية سنة 1888 أن تتنهز فرصة الاحتلال ~~فتحصل لنفسها على هذه المزايا. # أما ميثاق هيئة الأمم المتحدة، «فضروري» وجوب تغليب أحكامه على ما ~~يتناقض معها من أحكام المعاهدات والاتفاقيات الأخرى. # رابعا: # تكرار الإخلال بأحكام المعاهدة من جانب المملكة المتحدة، والواقع أن ~~الإنجليز لا يتمسكون بالمعاهدة إلا فيما يعتمدون عليه لتأييد الاحتلال ~~أو العبث بوحدة مصر والسودان، فهم يتجاوزون عدد القوات التي ترخص ~~المعاهدة بإبقائها في منطقة القناة، ويتجاوزون المناطق المحددة لها، ~~ويأبون الخضوع للإجراءات الصحية والجمركية التي تفرضها القوانين ~~المصرية، ويحاربون تدريب الجيش المصري وتجهيزه بدلا من أن يتعاونوا في ~~إعداده وتقويته وفقا لتعهدهم في المعاهدة ... إن المعاهدة توجب عليهم ~~ألا يتخذوا في علاقاتهم مع البلاد الأجنبية موقفا يتعارض مع المحالفة ~~«يشير رفعته إلى موقف إنجلترا من ms109 إسرائيل». # إننا نعمل في حدود حقوقنا ... إن مصر إنما تعمل في حدود حقها القانوني ~~والدولي، إذ تلغي معاهدة سنة 1936 وتنهي العمل بأحكامها ... # ولقد اعتبر هذا البيان مذكرة تفسيرية لمشروع قانون إلغاء المعاهدة. # المقترحات الرباعية «مشروع الدول الأربع» نشر في 15 ~~أكتوبر سنة 1951 # يتشرف السفير البريطاني بناء على تعليمات من حكومة صاحب الجلالة في المملكة المتحدة، ~~بأن يقدم إلى الحكومة المصرية مقترحات لتسوية الخلافات القائمة بين مصر والمملكة ~~المتحدة في مسألة وجود قوات بريطانيا في منطقة قناة السويس، وفي مسألة الدفاع بوجه عام، ~~وبمقتضى هذه المقترحات التي توافق عليها حكومات تركيا وفرنسا والولايات المتحدة موافقة ~~تامة وتؤيدها، فتقام هذه المسائل على أساس هيئة، للدفاع عن الشرق الأوسط، تساهم فيها ~~مصر كشريك مع الدول الأخرى التي يهمها الأمر. # وكانت الحكومة المصرية قد أبلغت بجلاء أن اقتراحات بعيدة المدى لتسوية هذه المسائل ~~كانت على وشك أن تقدم إليها عندما عمدت في 8 أكتوبر إلى تقديم تشريع لإلغاء معاهدة سنة ~~1936 الإنجليزية المصرية واتفاقيتي سنة 1899 بشأن الحكم الثنائي في السودان. # وعلى الرغم من حيرة حكومة جلالة الملك في إدراك العمل الذي قامت به الحكومة المصرية، ~~ولا يمكنها الاعتراف بشرعيته، إلا أنها قررت بالاتفاق مع حكومات تركيا وفرنسا والولايات ~~المتحدة أن تقدم إلى الحكومة المصرية هذه المقترحات، بأمل أن تعيرها أكبر قسط من ~~العناية الجديدية ولإظهار مبلغ ما أوليت هذه المسائل من دراسة دقيقة ومدى استعداد حكومة ~~جلالة الملك متحدة مع سائر الحكومات التي يهمها الأمر، للسير في سبيل رغبتها لملاقاة ~~آمال مصر الوطنية من جهة، واحتياجات الدفاع عن هذه المنطقة الهامة من جهة ~~أخرى. ~~(1) # أن مصر دولة من دول العالم الحر، وبالتالي فإن الدفاع عنها وعن الشرق ~~الأوسط عموما أمر حيوي لها وللأمم الديمقراطية على السواء. ~~(2) # لا يمكن تأمين الدفاع عن مصر وعن الدول الأخرى في الشرق الأوسط ضد ~~العدوان الخارجي إلا بالتعاون بين جميع الدول التي يهمها الأمر. ~~(3) # لا يمكن ضمان الدفاع عن مصر إلا عن طريق الدفاع الفعال عن ms110 منطقة الشرق ~~الأوسط وتنسيقه مع الدفاع عن المناطق المتاخمة. ~~(4) # بناء على ذلك، يبدو من المرغوب فيه إنشاء قيادة متحالفة للشرق الأوسط، ~~تشترك فيها الدول القادرة على الدفاع عن المنطقة والراغبة في المساهمة فيه، ~~وإن المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا مستعدة لأن تشترك مع ~~الدول الأخرى التي يهمها الأمر في إنشاء مثل هذه القيادة، فضلا عن أن ~~أستراليا ونيوزيلندا واتحاد جنوب أفريقيا قد أعربت عن اهتمامها بالدفاع عن ~~هذه المنطقة، ووافقت من حيث المبدأ على الاشتراك في القيادة. ~~(5) # مصر مدعوة للاشتراك كعضو مؤسس في القيادة المتحالفة للشرق الأوسط، على ~~أساس المساواة والمشاركة مع الأعضاء المؤسسين الآخرين. ~~(6) # إذا كانت مصر مستعدة للتعاون الكامل في هيئة القيادة المتحالفة للشرق ~~الأوسط وفقا لأحكام الملحق المرافق، فإن حكومة جلالة الملك تكون من جانبها ~~راغبة في الموافقة على أن تسحب من مصر تلك القوات البريطانية التي لا تخصص ~~للقيادة المتحالفة للشرق الأوسط، باتفاق بين الحكومة المصرية وحكومات الدول ~~المشتركة كذلك، كأعضاء مؤسسين في هيئة القيادة المتحالفة للشرق ~~الأوسط. ~~(7) # وفيما يختص بالقوات المسلحة المزمع وضعها تحت تصرف القيادة المتحالفة ~~للشرق الأوسط، وتقديم التسهيلات الضرورية للدفاع الاستراتيجي إلى هذه ~~القيادة كالقواعد العسكرية والجوية والمواصلات والموانئ ... إلخ، فإنه ينتظر ~~من مصر أن تبذل مساهمتها على قدم المساواة مع الدول الأخرى ~~المشتركة. ~~(8) # وتمشيا مع روح هذه الترتيبات، تدعى مصر لقبول مركز عال من حيث السلطة ~~والمسئولية في القيادة المتحالفة للشرق الأوسط، ولتعيين ضباط مصريين ~~لإدماجهم في هيئة أركان حرب القيادة المتحالفة للشرق الأوسط. ~~(9) # ستقدم إلى مصر التسهيلات لتدريب وإعداد قواتها من قبل الأعضاء المشتركين ~~في القيادة المتحالفة للشرق الأوسط الذين هم في مركز يسمح بتقديمها. ~~(10) # ستضع الدول التي يهمها الأمر فيها بعد ، بالتشاور فيما بينها، النظام ~~التفصيلي للهيئة المتحالفة للدفاع عن الشرق الأوسط، وتحدد علاقاتها بهيئة ~~معاهدة شمال الأطلنطي، ولهذا الغرض يقترح أن يرسل جميع الأعضاء المؤسسين ~~للقيادة المتحالفة للشرق الأوسط ممثلين عسكريين إلى اجتماع يعقد في ~~المستقبل القريب بغرض إعداد مقترحات تفصيلية لعرضها على الحكومات صاحبة ~~الشأن. # ملحق ms111 ~~(1) # بالمساهمة مع الدول الأخرى المشتركة التي تساهم بقسط مماثل في الدفاع عن ~~المنطقة: ~~(أ) # توافق مصر على أن تمنح قيادة الشرق الأوسط المقترحة على ~~أرضها تسهيلات للدفاع الاستراتيجي وجميع التسهيلات الأخرى ~~اللازمة لتنظيم الدفاع عن الشرق الأوسط وقت السلم. ~~(ب) # وتتعهد مصر بأن تمنح قوات القيادة المتحالفة للشرق الأوسط ~~جميع التسهيلات والمساعدات الضرورية في حالة الحرب أو التهديد ~~بحرب وشيكة أو قيام حالة دولية مفاجئة يخشى خطرها، بما في ذلك ~~استعمال الموانئ والمطارات ووسائل المواصلات. ~~(2) # ويؤمل كذلك أن توافق مصر على أن تكون قيادة القائد الأعلى للحلفاء في ~~أرضها. ~~(3) # تمشيا مع روح هذه الترتيبات يكون مفهوما: ~~(أ) # أن تسلم إلى مصر رسميا القاعدة البريطانية الحالية فيها، ~~على أن يكون مفهوما أنها تصبح في نفس الوقت قاعدة للحلفاء ~~تتبع القيادة المتحالفة في الشرق الأوسط مع اشتراك مصر ~~اشتراكا تاما في إدارتها في وقت السلم وفي وقت ~~الحرب. ~~(ب) # يحدد من وقت لآخر بمعرفة الأمم المشتركة بما فيها مصر عدد ~~القوات المتحالفة للأمم المشتركة التي ترابط في مصر وقت السلم، ~~وذلك تبعا لاطراد نمو القوات التابعة للقيادة المتحالفة في ~~الشرق الأوسط. ~~(4) # ويكون مفهوما كذلك أن تنشأ هيئة للدفاع الدولي تضم قوات مصرية ومتحالفة ~~تحت قيادة ضباط ذي مسئوليات مشتركة نحو الحكومة المصرية والقيادة المتحالفة ~~في الشرق الأوسط، وذلك لحماية مصر وقاعدة الحلفاء. # 13 أكتوبر سنة 1951 # | من أهم المصادر والمراجع # (1) مصر طريق للتجارة بين الشرق والغرب ~~(1) # Charles-Roux, J.: Autour d’Une ~~Route ~~. ~~(2) # Charles-Roux, J.: L’Isthme, et Le Canal de Suez. Paris. ~~1901. 2 vols ~~. ~~(3) # Ghorbal S. Bey: The Beginnings of the Egyptian Question ~~London 1928 ~~. ~~(4) # Hoskins H. L.: British Routes to India Longmans. ~~1928 ~~. ~~(2) موقف إنجلترا من امتياز ومشروع قناة السويس # زيادة على المراجع السابقة: ~~(5) # Fitzgerald, P.: The Great Canal at Suez. ~~1876 ~~. ~~(6) # في السنوات 1854-1869 # Foreign Office. 78 ~~Turkey ~~. ~~(7) # Foreign Office Suez Canal Papers ~~. ~~(8) # Hallberg, C. W. The Suez Canal. New York ~~1931 ~~. ~~(9) # Hansard’s Parliamentary Debates ~~. ~~(10) # De Lesseps F.: Inquiry into the Opinion ms112 of the ~~Commercial Classes of Britain ~~. ~~(11) # De Lesseps F.: Journal et Documents ~~. ~~(12) # Martin, E.: L’Angleterre et Le Canal de Suez. Paris ~~1892 ~~. ~~(13) # Mc. Coan J. C.: Egypt as it is. ~~1877 ~~. ~~(14) # لوصف العلاقات الإنجليزية الفرنسية # Safwat M. M.: Tunis ~~and the Great Powers ~~. ~~(15) # Wilson, A. T.: The Suez Canal. London ~~1939 ~~. ~~(16) # الأستاذ عبد العزيز الشناوي: السخرة في حفر قناة السويس في عهد سعيد ~~باشا، رسالة للماجستير تحت إشراف محمد شفيق غربال بك. ~~(3) ديزريلي وقناة السويس # زيادة على المراجع السابقة: ~~(17) # Buckle G.F.: Life of Disraeli. London ~~1929 ~~. ~~(18) # الوثائق الفرنسية الدبلوماسية التي نشرتها الحكومة الفرنسية عقب الحرب ~~الكبرى الأولى: # Documents Diplomatiques ~~Français ~~. ~~(19) # Seton-Watson: Disraeli and ~~Gladstone. ~~(20) # الدكتور محمد مصطفى صفوت: موقف ألمانيا إزاء المسألة المصرية، مجلة كلية ~~الآداب 1948، ومجلة الجمعية التاريخية الملكية العدد الأول 1948. ~~(4) احتلال الإنجليز لقناة السويس ~~(21) # الدكتور محمد مصطفى صفوت: الاحتلال الإنجليزي لمصر وموقف الدول الكبرى إزاءه، ~~دار الفكر العربي 1952. ~~(22) # Blue Book of 1882. ~~(23) # وتوجد المناقشات في البرلمان الفرنسي في # Journal ~~Officiel ~~. ~~(5) إنجلترا وتحديد مركز القناة # زيادة على المراجع السابقة: ~~(24) # الدكتور عبد الله رشوان: المركز الدولي لقناة السويس ونظائرها ~~1950. ~~(25) # Blue Books 1886 ~~. ~~(26) # محمد رفعت باشا: التيارات السياسية في البحر الأبيض المتوسط 1949. ~~(6، 7) إنجلترا والقناة من 1888-1935، 1935-؟ # زيادة على المراجع السابقة: ~~(27) # Earle, E. M.: Turkey, the Great Powers and the Baghdad ~~Railway. New York 1923 ~~. ~~(28) # Langer, W.: Diplomacy of Imperialism 2 ~~vols ~~. ~~(29) # Langer, W.: Alliances. New York ~~. ~~(30) # Documents on International Affairs, Oxford, University Press ~~. مجلدات سنوات 1929، 1930، 1936. ~~(31) # Survey of International Affairs ~~. لسنوات ~~1930، 1936. ~~(32) # صحيفة الأهرام وخاصة من سنة 1951-1952. ~~(33) # صحيفة التيمز اللندنية من سنة 1950-1952. ~~(34) # Verbatim Records of the discussions of the Security ~~Council concerning the Anglo-Egyptian Dispute ~~1947 ~~. ~~(35) # الكتاب الأخضر للحكومة المصرية عن مفاوضات 1950-1951. ~~(36) # Anglo Egyptian Conversations on the Defence of Suez ~~Canal and on the Sudan 1950-1951 ~~. وهو الكتاب الرسمي ~~للحكومة البريطانية عن المفاوضات المصرية الإنجليزية في سنتي 1950، ~~1951. ms113