######OpenITI# #META# URI: 1380MuhammadMustafaSafwat.SultanMuhammadFatih.Hindawi50831918 #META# Tags: history #META# ID: 50831918 #META# Title: السلطان محمد الفاتح: فاتح القسطنطينية #META# AuthorID: 96490975 #META# Author: محمد مصطفى صفوت #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير‏ # مقدمة‏ # شخصية الفاتح‏ # تداعي الدولة البيزنطية‏ # مدينة قسطنطين‏ # قصة فتح القسطنطينية‏ # عوامل النصر‏ # موقف أوروبا إزاء سقوط القسطنطينية‏ # فتوح الفاتح الأخرى‏ # عصر الفاتح وتنظيماته‏ # تصدير‏ # مقدمة‏ # شخصية الفاتح‏ # تداعي الدولة البيزنطية‏ # مدينة قسطنطين‏ # قصة فتح القسطنطينية‏ # عوامل النصر‏ # موقف أوروبا إزاء سقوط القسطنطينية‏ # فتوح الفاتح الأخرى‏ # عصر الفاتح وتنظيماته‏ # | السلطان محمد الفاتح # | السلطان محمد الفاتح # | فاتح القسطنطينية # تأليف # محمد مصطفى صفوت # | تصدير # | السلطان محمد الثاني الفاتح # من أكبر الشخصيات التي تركت أثرا باقيا في حياة العالم لا نزال نلمسه إلى الوقت الحاضر ~~شخصية السلطان محمد الثاني. وهذه الشخصية عظيمة لأنها حولت مجرى التاريخ الإسلامي ~~والعالمي. # وإذا ذكر أعلام الإسلام في السياسة والحرب فمحمد الثاني العثماني بلا ريب في مقدمتهم، ومن ~~أعاظمهم، فهو الذي بنى ملكا للأتراك ثابت الأركان، وهو الذي ثبت قدم الإسلام في ~~أوروبا بالقضاء على العقبات التي تقف في طريقه. لقد وضع السلطان محمد الفاتح نهاية للدولة ~~التي وقفت في سبيل الإسلام في أقوى أيام جبروته وعظمته، ومنعته من أن يسيطر سيطرة تامة على ~~الشرق الأدنى، وعاقت تقدمه وانتشاره في شرقي أوروبا، وإذا كانت قبائل الفرنجة من الجرمان قد ~~صمدت أمام غارات المسلمين في غربي أوروبا، فلقد وقفت الدولة الرومانية الشرقية أو البيزنطية ~~أمام قوات الإسلام مدة تنيف على قرون سبعة. قابلت هذه الدولة نهايتها أمام قوات السلطان ~~محمد الثاني حين استولى على عاصمتها وأعظم مدنها، بل وأعظم مدن العالم المسيحي في شرق ~~أوروبا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. # ويعد عصر محمد الثاني من أقوى عصور الأتراك العثمانيين، ففيه تركزت النظم العثمانية ~~وثبتت دعائمها، وفيه بدأ تقنين القوانين الذي سيبلغ شأوه في عهد السلطان سليمان القانوني. ~~كان عهد محمد الفاتح عهد فتح وحرب وتنظيم، كما كان عهد أدب وفن وثقافة وعلم، فالسلطان ~~الفاتح كان مجيدا لعدة لغات غير لغته التركية، مجيدا لقول الشعر، مغرما بالموسيقى، ونبغ ~~في عهده في الأدب عدد لا يستهان به، فلقد كان يقول الشعر عدد من كبار رجال دولته، كما ~~نبغ في ms001 العلوم الشرعية واللغوية عدد كبير من العلماء الأماثل. # ولقد حاول المؤلف في هذا الكتاب أن يصف حياة هذه الشخصية العظيمة وأن يلم إلمامة موجزة ~~بالعصر وحوادثه. # ويقدر الكاتب كل التقدير فضل أستاذه المؤرخ الكبير حضرة صاحب العزة محمد شفيق غربال بك، ~~فهو الذي وضع أساس هذه الدراسات في الجامعة، وهو مدين بالشكر الجم للمساعدة الحقيقية القيمة ~~التي تفضل بتقديمها الأستاذ إبراهيم صبري مدرس اللغة التركية بجامعة فاروق الأول؛ فلقد زود ~~الكاتب بكثير من المعلومات الطيبة، وترجم له النصوص التركية الشعرية والنثرية. ولا ينسى ~~الكاتب كرم الأستاذ صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم حلمي القادري بالإسكندرية لتفضله بوضع ~~مخطوطاته القيمة ومراجعه الثمينة في التاريخ العثماني تحت تصرفه، كما يشكر زميليه الأستاذين ~~عبدالمحسن الحسيني وجمال الدين الشيال للمساعدة التي تفضلا بتقديمها له. # الإسكندرية في سنة 1948م # | مقدمة # تضعضعت قوى الإسلام في الشرقين الأدنى والأوسط منذ القرن الحادي عشر الميلادي، وأصبح ~~الخليفة العباسي في بغداد - سليل المنصور وهارون الرشيد - لا حول له ولا طول، وتفككت الدولة ~~الإسلامية وانحلت أمورها وتوالت عليها الكوارث من كل جانب. # ولكن بقي اسم العباسيين في بغداد رمزا لمجد قديم، وعز لا يبارى، وملك وارف الظلال، إلى أن ~~زال ذلك الرمز وامحى ذلك العز نهائيا من على ضفاف دجلة والفرات حين قدم التتار إلى ~~بغداد مدمرين مخربين، وجعلوا من دار السلام ومدينة المنصور وحاضرة العباسيين خرابا بلقعا، ~~في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. # زالت أعظم دولة إسلامية تنتسب إلى أصل عربي صميم، ودكت معالم حضارة ازدهرت فأفادت العالم ~~أجمع، وضاع مجد لم تعرف له العراق مثيلا إلا في عهد الأكاسرة الساسانيين. ~~••• # وفي الوقت الذي كانت فيه قوى الإسلام تنحل من الناحيتين السياسية والحربية وتوشك على ~~الانهيار في الشرقين الأدنى والأوسط، كانت قوى الإسلام في الغرب في الأندلس تتلاشى رويدا ~~رويدا أمام قوات المسيحية، فكان الإسلام وكانت دار الإسلام مهددين بخطرين عظيمين لا ~~يبقيان من ناحيتين شرقية وغربية، من ناحية التتار ومن ناحية المسيحية، ولو اتفق الاثنان ~~ووحدا قواتهما لقضي على الإسلام. ms002 # ولكن لحسن حظ الإسلام والعالم أن خصميه العتيدين في ذلك الوقت لم يتفقا، وإن كانا قد ~~حاولا الاتفاق، ولم يحظ واحد منهما بنجاح حقيقي دائم، وإن كان قد ظهر للبشر جميعا في حين ~~من الدهر أن قوة الإسلام ووحدته الدينية ستصبحان كأمس الدابر، لا سيما وأنه في ذلك الوقت ~~الذي تحقق فيه العالم من ضعف الإسلام، هاجمت أوروبا ديار الإسلام بقوتها وزهرة شبانها وأقوى ~~محاربيها ونوابغ فرسانها وكبار صليبييها. ~~••• # كاد الإسلام يسقط أمام هذه القوات الثلاث التي هددته من كل جانب، ولكن ظهرت في الإسلام ~~قوات فتية ذات حيوية فائقة ستنقذه، وتشيد مجده من جديد وترفع ذكره. هذه القوات الجديدة هي ~~قوات الأتراك السلاجقة، وقوة مصر الإسلامية الأيوبية والمملوكية، وقوة المغرب ~~الأقصى. # وكانت أقوى هذه القوات جميعا وأبقاها قوة الأتراك. # لقد أجلت قوة المغرب الأقصى زوال الإسلام من الأندلس (إسبانيا) مدة من الزمن، وأنقذت قوة ~~الأتراك وقوة مصر الإسلام من الصليبيين ومن التتار، وإلى هاتين القوتين يرجع الفضل في إحياء ~~الإسلام. # وقضت قوة الأتراك العثمانيين على آخر دولة مسيحية في الشرق الأدنى، وهي قوة الدولة ~~البيزنطية على يد السلطان محمد الثاني باستيلائه على مدينة القسطنطينية، ولئن كان الإسلام ~~قد خسر عاصمة عظيمة بسقوط بغداد على يد التتار، فلقد أقام السلطان محمد الفاتح عاصمة جديدة ~~للإسلام في أعظم مدن المسيحية. ~~••• # جدد الأتراك قوى الإسلام وأكسبوها حيوية جديدة من حدود الصين ووسط الهند إلى الشواطئ ~~الشرقية للبحر الأبيض المتوسط وبحر الأرخبيل. لقد استطاع الأتراك فتح آسيا الصغرى لسلطان ~~الإسلام السياسي والديني، وإن هجراتهم التي لم تكن تنقطع لمدة أربعة قرون من أواسط آسيا إلى ~~غربيها هي التي صبغت هذه الأجزاء صبغة تركية وأكسبت الإسلام عناصر قوية نشيطة. # عرفت آسيا الصغرى غزوات للعرب وفتوحات من عهد الخلفاء الراشدين إلى قرب أواخر العصر ~~العباسي، هذه الغزوات ما كانت تفتر، وكانت تتجدد كل عام تقريبا في كثير من الظروف. ولكن هذه ~~الفتوحات كانت أشبه بمد وجزر من ناحية العرب ومن ناحية البيزنطيين، فطورا يتوغل العرب ms003 في ~~آسيا الصغرى، وطورا يرتدون إلى حدود الجزيرة والعراق. # ولكن الأتراك السلاجقة وحدهم هم الذين استطاعوا تثبيت قدم الإسلام في آسيا الصغرى بعد أن ~~ضربوا البيزنطيين ضربة حاسمة في موقعة منذكرت في القرن الحادي عشر الميلادي. # ومن ذلك الوقت بدأ الإسلام يتغلغل حقيقة في آسيا الصغرى على يد هؤلاء الأتراك السلاجقة ~~ومن تبعهم من القبائل التركية، ولم تستطع كرات البيزنطيين المتكررة ولا هجمات الصليبيين ~~العنيفة أن تزحزح الإسلام من قواعده في آسيا الصغرى بصفة دائمة، بل بالعكس انتشر الإسلام، ~~ودخل عدد كبير من السكان في الدين الجديد أفواجا، بحيث لم يأت القرن الثالث عشر إلا وقد عم ~~الإسلام وأصبح القوة المتفوقة في آسيا الصغرى، وعبر التجار والجنود المرتزقة من الأتراك إلى ~~أوروبا، وإلى القسطنطينية ذاتها حيث شاهدوا أعظم مدينة على سواحل البحر الأبيض، وأجمل مدينة ~~اختطها يد الإنسان تشرف على قارتين وبحرين، وبهرهم غناها وفخامتها وموقعها الممتاز، وودوا ~~لو أصبحت المدينة الخالدة على ضفة البوسفور معقلا من معاقل الإسلام، عاصمة لملكه وملاذا ~~لأهله. ~~••• # ولكن السلجوقيين ما كانوا مستطيعين القيام بمثل هذه المهمة، وهي أعظم مهمة يستطيع ~~الفاتحون بعد سقوط بغداد القيام بها. فالاستيلاء عليها معناه أكبر انتصار تستطيعه دولة، ~~وسقوطها معناه القضاء على أمة وتحويل مجرى التاريخ العالمي وإحداث انقلاب بعيد الأثر في ~~الحضارة. # وهم لا يستطيعون القيام بمهمة عجز العرب عنها في أقوى عهودهم وأعز أوقاتهم، وإن كانت قد ~~أتيحت للسلجوقيين فرصة لم تتح للعرب من قبل، فالسلجوقيون كانوا مالكين لآسيا الصغرى مقيمين ~~فيها قريبين من القسطنطينية، ولكن قربهم لم يفدهم شيئا، فانقسام دولتهم وتفرق كلمتهم وعدم ~~توحيد جهودهم أضعف من نفوذهم، وجعل من بينهم في آخر الأمر دويلات وشيعا وأحزابا حلفاء ~~للبيزنطيين أنفسهم تعمل في كثير من الأحيان على منافسة زميلاتها، بل والقضاء عليها. # ولكنه بالرغم من ذلك عاش الفرع السلجوقي الذي حكم آسيا الصغرى مدة ثلاثة قرون، استطاع ~~فيها بشجاعته ومهارته السياسية الاستفادة من المنافسة التي قامت بشكل حاد بين البيزنطيين ~~والصليبيين. لقد هزم الأتراك السلاجقة البيزنطيين ms004 والصليبيين مرارا، وأقاموا في آسيا ~~الصغرى إلى أن هبطتها قبيلة تركية فارة أمام قوات التتار. كانت هذه القبيلة فئة قليلة تفرعت ~~منها في فترة قصيرة من الزمن الدولة العثمانية. # ومبدأ ظهور الأتراك العثمانيين محوط بالخرافة وتتجمع حوله الأساطير، ويظهر فيه الغموض حتى ~~كأنما هبطوا من السماء أو انشقت عنهم الأرض أو هوت بهم الريح من مكان سحيق. ~~••• # لقد نشأ السلطان محمد الثاني الفاتح في دولة نهضت بسرعة، دولة قامت على أشلاء الدولة ~~السلجوقية، وتفوقت لاختلاف الإمارات السلجوقية وتنازعها فيما بينها، دولة ساعدها موقعها ~~الجغرافي وقربها من الحدود البيزنطية على القيام بالحرب المقدسة؛ فهوى إليها الأتراك من كل ~~جانب، قامت الدولة في عهد عثمان وجعل الإسلام من أهلها ومن بقية الترك أمة موحدة، بل إن ~~الإسلام هو الذي جعل من الترك والإغريق والمجريين والبلغار والألبانيين والصقالبة أمة ~~واحدة، وجعل من كل هذه العناصر المختلفة قوة أصبح اسم آل عثمان لها رمزا وعقيدة. # أنشأ عثمان الشعب العثماني، وجعل أرخان من ذلك الشعب دولة تقوم على أسس إدارية وحربية ~~وطيدة الأركان، وانتقل الجيش العثماني من نظام قبلي إلى نظام حربي ممتاز، والفضل في ذلك ~~يرجع إلى أرخان وأخيه ووزيره علاء الدين، وفي عهد أرخان وضع العثمانيون أقدامهم في أوروبا، ~~وثبتوا مراكزهم فيها حين افتتحوا أدرنة فأصبحت عاصمتهم إلى أن تم لهم الاستيلاء على ~~القسطنطينية. # ولقد قام الأتراك العثمانيون بالفتح في آسيا الصغرى والبلقان معا، وكما أصبحوا أكبر قوة ~~في آسيا الصغرى، صاروا أعظم دولة في البلقان بعد أن تمكن السلطان مراد الأول من كسر قوة ~~الصرب والبلغار في موقعتي ماريتزا وقوصوه في أواخر القرن الرابع عشر، فوقع البلقان تحت ~~أقدام العثمانيين، ولم تعد توجد فيه غير عناصر منحلة، هذا في الوقت الذي كانت تزداد فيه قوة ~~الأتراك باستمرار الهجرة التركية من آسيا تدفعها حركات المغول. وبينا كانت الحالة مضطربة في ~~دول البلقان المسيحية كانت توجد بين الأتراك روابط متينة: دين واحد، ونظام واحد، وغاية ~~واحدة. # ولربما استطاع السلطان بايزيد الأول القضاء على الإمبراطورية ms005 لو امتاز بالتبصر وحسن ~~السياسة، ولو لم يواته سوء الحظ بغزو التتار، فلقد لقب بالصاعقة يلدرم، لقد قضى بايزيد على ~~بلغاريا نهائيا وفتح بلدانها الواحد بعد الآخر، كما تمكن من القضاء على قوة الصرب وإخضاع ~~أجزاء من ألبانيا. ثم أعطى أوروبا درسا قاسيا إذا أرادت تحدي قوة العثمانيين، فلقد قضى ~~على قوة التحالف الأوروبي الصليبي في موقعة نيكوبوليس، في أواخر القرن الرابع عشر. # وربما كان بايزيد مستطيعا فتح المدينة الخالدة لولا تردده وضعف أسطوله وعدم استكمال ~~استعداداته ومجيء خطر التتار الداهم. لقد أرسل تيمور رسالته الشهيرة إلى بايزيد وهو يحاصر ~~القسطنطينية؛ الأمر الذي دعاه إلى رفع الحصار عنها، وانهزم العثمانيون أمام التتار في موقعة ~~أنقرة لتفريط بايزيد وسوء سياسته، واستقلت بعض الإمارات التركية مثل قرمان وأيدين وكرميان، ~~وبدأت الدولة البيزنطية تنهض من محنتها. # ولكن حسن الحظ واتى العثمانيين، فلقد مل تيمورلنك الفتوح في آسيا الصغرى، ورجع إلى ~~سمرقند، وفكر في فتح الصين ومات ولم يأسف عليه الإسلام، ولحسن حظ العثمانيين أيضا بالرغم ~~من الحرب الأهلية التي قامت بين أبناء بايزيد استطاع أحدهم أخيرا وهو السلطان محمد الأول ~~أن يوحد قوى العثمانيين، وأن يتبع سياسة السلام لتثبيت دعائم الدولة من جديد. ومن حسن حظ ~~العثمانيين أن زاد عدد الأتراك الهاربين أمام جحافل المغول، فامتلأت بهم آسيا الصغرى وأملاك ~~الدولة العثمانية في أوروبا، وانضم إليهم عدد كبير من أبناء المسيحيين البلقانيين، فازدادت ~~قوة الدولة من الناحية الحربية بهذه العناصر الجديدة. # السلطان مراد الثاني وهو أبو الفاتح سيطر العثمانيون على آسيا الصغرى والبلقان، ~~وانتصروا على البنادقة، واكتسحوا شبه جزيرة اليونان، وهزموا المجريين والألبانيين، وأصبح ~~للعثمانيين التفوق في البلقان، وذهب نهائيا الخطر الأوروبي بعد موقعتي ورنه وقوصوه؛ فأصبح ~~الأتراك في مأمن من ناحية الدانوب، وألزم الإمبراطور البيزنطي بدفع الجزية. ولم يبق من ~~ممتلكات الدولة البيزنطية إلا القسطنطينية وضواحيها. فكان الاستيلاء على هذه المدينة مهمة ~~أعظم سلاطين هذه الدولة، وهو السلطان محمد الثاني الذي سيلقب بالفاتح لفتحه هذه المدينة، ~~وبالقانوني لتنظيمه القوانين العثمانية. # | شخصية الفاتح ms006 # محمد الثاني من أقوى الشخصيات الممتازة التي تولت السلطنة العثمانية وأعظم معاصريه على ~~وجه الإطلاق ومن أكبر شخصيات العالم. # تولى الإشراف على أمور الدولة العثمانية، وهو أعز ما يكون نضارة في الشباب وقوة في الجسم، ~~تولى الملك وهو في الحادية والعشرين من عمره، ولد في 26 رجب سنة 833 هجرية/20 أبريل سنة ~~1429 ميلادية، ولا ريب أن هذه سن مبكرة لمن يتولى مهام الحكم الجسيمة لدولة عظيمة ناشئة ~~كالدولة العثمانية. ولكن والده السلطان مراد الثاني كان قد اهتم بتربيته اهتماما خاصا، ~~وأحسن اختيار من يقوم على تعليمه وتدريبه. # لقد تدرب محمد على أمور الملك عمليا قبل وفاة والده؛ فلقد تولى أمور السلطنة فعلا ~~مرتين حينما آثر السلطان مراد الثاني اعتزال الملك والانصراف إلى حياة الراحة والإخلاد إلى ~~السكينة. عرف محمد كيف يتحمل المسئولية في حياة أبيه، وعرف كيف يواجه مشاكل الدولة ~~والحكومة، وخبر الرجال، وكشف مواطن الضعف في نفسه وعمل على معالجتها، ودرس نظم الدولة ~~الداخلية وقدر مهمتها الخارجية ومشاكلها الدولية. ومما يروى أثناء توليه السلطنة في حياة ~~أبيه أنه باشر أعمال الملك بنشاط وحماس، ولم يلتفت إلى آراء ذوي الخبرة ممن حوله من وزراء ~~أبيه مما اضطرهم إلى شكواه إلى والده، فلقد بعث خليل باشا الصدر الأعظم إلى مراد بخطاب يقول ~~فيه: «إن هذا السلطان لا زال صغيرا في السن وليس لديه اضطلاع بأمور الملك، وليست له ~~التجربة الكافية، وخاصة في الأمور الحربية، ومما يزيد الحالة سوءا أنه لا يستمع لغير نفسه ~~ويرفض تقبل النصائح التي تسدى له بدرجة أنك إذا لم ترجع إلى العرش سيصبح شعبنا في خطر ~~عظيم.» # كان هذا درسا للسلطان الصغير لم ينسه طول حياته؛ فلقد عرف كيف يستمع لنصيحة والده، ويقدر ~~من حوله وكيف يدرس الأمور بنفسه، وكيف يحسن سياستها، وينحني أمام العاصفة إلى أن تنتهي، عرف ~~محمد كيف يضبط نفسه، وكيف يدرس خدامه وجنوده، ولا سيما الإنكشارية، فخبر اقتدارهم على الخير ~~والشر، فاهتم بمسائل النظام أعظم اهتمام. # وجد محمد الثاني أبا له من ms007 أعظم سلاطين آل عثمان ، وكانت أمه مسيحية كما تقص رواية حياته، ~~فامتزجت فيه أحسن صفات الشرق والغرب في ذلك الوقت، وإذا كان للوراثة والبيئة أثر مهم في ~~حياة الإنسان وصفاته وأخلاقه؛ فلقد ورث عن أبيه الجلد والشجاعة وشدة المراس والصبر على ~~المكاره وعدم اليأس، كما أخذ عنه المعرفة بأمور الحرب، والإتقان في وضع الخطط الحربية وحصار ~~المدن وقيادة العمليات الحربية. # كان السلطان محمد الثاني قمحي اللون، متوسط الطول، متين العضلات، كبير الثقة بنفسه، ذا ~~بصر ثاقب، وذكاء حاد، ومقدرة على تحمل المشاق، يحسن ركوب الخيل واستعمال السلاح. كان ~~محبا للتفوق، ميالا للسيطرة، طموحا سريعا في فهم المواقف، يحسن معالجة الأمور، ~~كبير اليقظة، يحيط بتفاصيل الأشياء ويدرك بسرعة أهم مواضعها. # علمه أبوه فأحسن تعليمه، فنشأ ذلك الرجل مثقفا ثقافة حقيقية كأحسن ما تكون ثقافة ~~إنسانية شرقية في عصره، فلقد كان ملما بجملة لغات أجنبية، فكان يحسن إلى جانب لغته ~~الأصلية التركية: العربية والفارسية والإغريقية، ويفهم الإيطالية، وكان بجانب إلمامه بهذه ~~اللغات واسع الاطلاع في آدابها يتذوق الجميل منها. # نشأ مهتما بدراسة التاريخ مغرما بقراءة سير العظماء والأبطال، فقرأ بإمعان حياة ~~القياصرة أوغسطس وقسطنطين الأكبر وتيودوسيوس الأكبر، وأعجب بشخصية الإسكندر الأكبر المقدوني ~~أيما إعجاب، فلقد لمح فيها صورة من نفسه، رأى فيها قوة النفس وصحة العزم وسرعة التنفيذ بعد ~~إحكام الخطة وعدم التردد. كان ذهنه كذهن الإسكندر من قبله مملوءا بالمشاريع، مكتظا ~~بالخطط، وكان عقله خزانة لأسراره فهو يحتفظ بها، يكتمها ولا يعلن بها إلى أحد إلا في الوقت ~~المناسب حينما يقدم على تنفيذها. # كان محمد الثاني يحب الفنون لا سيما الموسيقى والرسم، ويتذوق الأدب ويحفظ الشعر الجميل ~~ويقوله، ويهتم بدراسة الفلك، وكان يحسن استغلال دراساته في تقويم نفسه وإصلاح عقله ~~والتأثير على المحيطين به. # ولكن حياته كانت حب الحرب فاضطلع بفنونها أيما اضطلاع، وما كان يعلم بأي اختراع حربي إلا ~~ويكون السباق إلى معرفته واستكماله والاستفادة منه، ومن ذلك اهتمامه الكبير بالمدفعية ~~وبالبحرية. # كانت حياته بسيطة لا تعدو القراءة والتدرب على ms008 الحرب ثم الصيد، كان عدوا للترف، منصرفا ~~عن حياة إرضاء الشهوات، كانت عاداته غير معقدة، ومائدته بسيطة، ولم يكن له ندماء ولا محظيات ~~بالمعنى الذي يفهمه سلاطين ذلك العصر الماضي وملوكه، فعاش وحيدا بعيدا عن الاختلاط ~~المبتذل في جو كله هدوء، كله ثقافة وعلم، أو جو صاخب هو جو الهيجاء والنزال والنضال ~~والحرب. # عاش محمد الثاني في جو ساد العالم فيه خشونة وقسوة، في وقت كله حماس ديني وتعصب في آسيا ~~وأوروبا، فلقد دام النضال بين المسيحية والإسلام مدة طويلة زادت فيها الأحقاد وهبطت إلى ~~أعماق النفوس فغذت روح البغض وحب التشفي والانتقام. ولذا ظهر في بعض تصرفات السلطان الفاتح ~~بعض الشدة والعنف، وإن كان ذلك بخلاف والده الذي كان دائما رقيق الجانب مشهورا بالعطف ~~والرحمة وحب العفو. وربما لم تكن هذه الشدة وذلك العنف في طبيعة السلطان محمد الثاني، فهو ~~رجل قد سمت نفسيته وانصقل ذوقه واتسع أفقه، ولكن العصر - كما قلنا - كان عصرا قاسيا وغير ~~رحيم. # فإذا كان قد ظهر أثناء فتوحات هذا السلطان بعض العنف، فربما كان وليد ذلك العصر الذي تحمس ~~فيه المسلمون للجهاد والتوسع والفتح، وتحمس فيه المسيحيون لدينهم وناضلوا نضال المستميت ~~للدفاع عن حرياتهم، واشتد ذلك الصراع والنضال بين الفريقين إلى درجة تلاشى معها العطف ~~والعفو بين الفريقين. # حبا الله ذلك السلطان المواهب الممتازة والمقدرات العظيمة؛ فهو سياسي بعيد النظر ~~يحسن انتهاز الفرص، وكرجل من رجال الحرب هو من الطراز الأول لا يدانيه أحد في ~~عصره. # كان السلطان محمد الثاني يهتم اهتماما خاصا باختيار من يعاونونه في الإدارة والحكم، ~~وهو لا ينظر في ذلك إلى الهوى الشخصي وإنما ينظر إلى المصلحة قبل كل شيء، وكان يرى بنفسه أن ~~أوامره تنفذ بكل دقة. # ولم يكن ممتازا في الناحيتين الثقافية والعسكرية فحسب، فكانت كفايته الإدارية والقانونية ~~عظيمة، فلقد أنشأ دولة عظيمة، وبنى ملكا كبيرا، وقضى على دولة كانت في يوم من الأيام ~~لا تقهر، فلا بد إذن من وضع تنظيم جديد وإصدار قوانين جديدة تتناسب ودولته ms009 المجيدة، فمحمد ~~الثاني هو الذي وطد دعائم الملك العثماني في داخل إمبراطوريته الكبيرة، فاكتسب للعثمانيين ~~النصر الخارجي وقنن لهم القوانين، وعمل على استقرار الحالة الداخلية. # لقد ادعى مؤرخو عصر الفاتح من الأجانب أنه لم يكن كبير التعلق بالدين، وقالوا إن ذلك ~~نتيجة طبيعية لثقافته الواسعة والظروف التي قامت فيها دولته، ويدللون على ذلك بتسامحه مع ~~الكنيسة الإغريقية. وهذه الدعوى باطلة من أساسها؛ فالحوادث تظهره شديد التمسك بالدين، ~~عظيم الإكرام لأهله، كريم الخلق، شديد التواضع لله، دائم الحمد له، وإذا كان قد أظهر ~~التسامح مع الكنيسة الإغريقية فهذا لا ينقص من تدينه، ولا يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي ~~الحنيف. ومن المعروف عن السلطان الفاتح أنه كان ينظر إلى الأمور بعين السياسي القدير ~~المتسامح لا المتعصب الضيق الأفق، ومهما يكن من شيء فإن أعمال الفاتح وفتوحاته ومجهوداته ~~كانت كلها في سبيل رفعة الإسلام والسمو بمركزه، ووفق في ذلك توفيقا نادر المثال، وكان ~~أعظم أعماله القضاء على الدولة البيزنطية وفتح مدينة القسطنطينية. # | تداعي الدولة البيزنطية # لقد كانت الإمبراطورية البيزنطية التي عرفها العثمانيون واحتكوا بها جزءا من ~~الإمبراطورية الرومانية الشرقية السابقة، كانت دولة قد سيطر البنادقة والجنويون على حياتها ~~الاقتصادية، وكانت كثيرا ما تقع فريسة لعدوانهما وأطماعهما. وكثيرا ما وجدت نفسها حائرة ~~بينهما، إذا صادقت فريقا اعتدى عليها الفريق الآخر. # عمرت الدولة البيزنطية أو الدولة الإغريقية نحو ألف عام، قاست في خلالها من المحن ~~والأهوال ما لم تقاسه دولة أخرى، وداهمتها خطوب لو أنها داهمت دولة غيرها لقضت عليها قضاء ~~مبرما، ومرت في أزمات داخلية وخارجية عظيمة، وأدت للمسيحية ولأوروبا المسيحية خدمات جليلة ~~تكل تحت عبئها أعظم الدول وأقواها. # ولكن الدول كالأفراد تماما لها صباها ولها شبابها، ولها كهولتها وهرمها؛ ففي القرن ~~الرابع عشر الميلادي أخذ الهرم والهزال والسقم يدب حقيقة في جسمها، فشلت قوتها، ونالها ~~الاضمحلال فأوشكت على الانهيار، هذا في الوقت الذي كانت فيه نظم الأتراك العثمانيين تزداد ~~كل يوم إحكاما وقوة، وتسعى للحياة والعظمة ثابتة متفوقة ... # سيطر في هذه الدولة نظام ms010 الملكية الإمبراطورية، وهي ملكية مستبدة مقدسة ليس لسلطتها حد، ~~فهي مستمدة من الله مباشرة كما كان يعتقد في ذلك الوقت. فالإمبراطور ملك وقسيس معا؛ فهو ~~إذن فوق القانون، وهو رأس الهيئة التنفيذية، وفي يده تتركز السلطة التشريعية، وهو يشرف على ~~الإدارة ويحكم الكنيسة كما يحكم الدولة. # وتمتع الإمبراطور البيزنطي في ظل ملك ثابت الأوتاد بفخامة وعظمة لا مزيد عليهما، ورأى من ~~أيام المجد ما لم يدانه إلا أيام البؤس، فكانت الثورات كثيرا ما تقوم عليه حتى من أفراد ~~عائلته، بل من أولاده وإخوته فتقضي على قوته وتنزع ملكه، فمات عدد كبير من الأباطرة غدرا، ~~أو هلكوا في ميادين القتال وهم يعملون على قمع ثورات هاجت عليهم. # في الملكية المستبدة يعتمد كل شيء في الدولة على ميول الحاكم وهواه وشخصيته إن كانت ضعيفة ~~أو قوية، خيرة أو شريرة، صريحة أو ماكرة معوجة، وعلى خبرته في الحياة وفي الحكومة، في مثل ~~هذه الملكية يصبح قصر الحاكم مقر الدولة الحقيقي ومركز كل شيء، ومصدر كل سلطة، وفيه توضع ~~المشاريع والخطط، فتنشأ الدسائس وتدور المؤامرات. ففي ذلك البلاط البيزنطي الممتلئ بذوي ~~الأطماع وذوي الأحقاد والحافل بالرقيق المجلوب من كل مكان وبالنساء والموظفين، كثرت ~~الدسائس، وفكر كل شخص في نفسه قبل كل شيء، وتتابع سقوط الوزراء ونبغ ذوو الشخصيات القوية أو ~~من يستطيعون التقرب والزلفى والتقلب مع الزمن. # والواقع أن تاريخ الإمبراطورية البيزنطية مملوء بالثورات والفتن والانقلابات السياسية. ~~وبالرغم من أن النساء حجزن وراء الأسوار والحيطان فقد لعبن دورا مهما في حياة هذه الدولة ~~المديدة الأجل، ومن قرأ التاريخ البيزنطي ولم يذكر اسم تيودورا أو إيرين؟! # وتجمعت مزدحمة حول الإمبراطور أرستقراطية قوية تحل في كثير من الوظائف الهامة في الدولة، ~~وتتمتع بجانب كبير من الجاه والثروة والنفوذ، وتهتم بالمأكل الغذي المتنوع والملبس المترف، ~~وتركن إلى حياة الملذات والشهوات. # قامت إدارة الإمبراطورية في الأصل على أساس نظم حربية، فالبيزنطيون يعتبرون أن قيمة الجيش ~~للدولة كقيمة الرأس بالنسبة للجسم؛ ولذا كان الاهتمام به دائما عظيما، وكلما كان ms011 الجيش ~~قويا ومنظما طالت حياة الإمبراطورية ونعمت بمركز قوي في أوروبا وآسيا، واستطاعت أن ترد ~~أعداءها على أعقابهم خاسرين. # وكانت الإمبراطورية تجند في مبدأ الأمر أهالي البلاد، وبجانب هذا لجأت إلى استخدام الجنود ~~المرتزقة لثقتها فيهم؛ فلقد كانوا محترفين للحرب ولهم دراية بفنها، ثم هم أقوى أجساما ~~وأصلب عودا من الأهالي وأقدر على تحمل الصعاب والمكاره، وكان الإمبراطور عادة كريما في ~~معاملتهم، لا يضن عليهم بالمال، بل ويمنحهم الأراضي الكثيرة وجعلها وراثية في أبنائهم من ~~بعدهم. # وتبعا لذلك النظام كان الجيش خليطا من شعوب مختلفة عديدة، مكونا من عناصر غريبة لا ~~يجمع بينها سوى حب المال والثراء والمغامرة، وفي كثير من الأحيان حب السلب والنهب والغنائم، ~~فكانت هذه العناصر متباينة من حيث الميول والجنس واللغة والدين، ففيه الأوروبيون ~~والآسيويون، وفيه القوط والهون والصقالبة، والترك والعرب، والإسبان والإيطاليون، والألمان ~~ورجال الشمال من روسيا واسكنديناوه. # لقد كان لهذه الجنود أحياء خاصة في القسطنطينية تكاد تكون مستقلة، وكان لا بد لهم من ~~قيادة حازمة قوية تستطيع كبح جماحهم وإيقافهم عند حدهم، وحين مس الدولة العجز في هاتين ~~الناحيتين قاست الدولة من هؤلاء المرتزقة الأمرين، فكانوا أخطر الناس على حياتها ونظمها من ~~الأعداء الخارجيين؛ إذ كانوا أدرى من غيرهم بمواطن الضعف في الدولة. # أما من حيث القوة البحرية، فلقد كانت الدولة البيزنطية - بحكم موقعها الجغرافي وإرثها ~~التاريخي - دولة بحرية ممتازة. وإلى القرن الثامن كان أسطولها من القوة بحيث استطاعت الأشراف ~~على البحار الشرقية حينا من الدهر طويلا. وإلى الأسطول يرجع الفضل في إنقاذ حياة الدولة ~~مرارا. ثم أهمل الأسطول نسبيا فترة من الزمن؛ أولا: لأن الحرب مع الخلافة العباسية - أكبر ~~أعداء بيزنطة - كانت حربا برية قبل كل شيء، ثانيا: لخشية الأباطرة ازدياد قوة رجال الأسطول ~~إلى درجة يخاف منها على الإمبراطورية نفسها. ومن هنا كانت الدولة البيزنطية عاجزة عن ~~المحافظة على جزر الأرخبيل اليوناني من غارات المسلمين حين سيطر هؤلاء على جزيرة كريت ثم ~~على جزيرة صقلية. # وفي نهاية القرن التاسع الميلادي عاد للدولة ms012 رشدها فقررت إعادة تنظيم الأسطول، وبهذا ~~أصبحت أول قوة بحرية في البحر الأبيض المتوسط، واستمر ذلك التفوق غير منازع إلى أوائل القرن ~~الثاني عشر ثم عاد إلى الدولة الضعف في هذه الناحية بصفة خاصة حين فتح الأتراك السلاجقة ~~معظم آسيا الصغرى، فحرمت بيزنطة من هذه المناطق البحرية التي كانت تجلب منها أحسن بحارتها؛ ~~ولذا اعتمدت على بحريات الدول الأخرى، مثل بيزا والبندقية وجنوة، وأهملت تماما الإنشاء ~~البحري، بل واعتبرت الأسطول مجرد مضيعة للوقت والمال. # ولم تعد للملكية الإمبراطورية في العهد الأخير هيبتها ولا مقدرتها على الإدارة والحكم. ~~ولم تكن الأمور بمستقرة للإمبراطور البيزنطي في داخل الدولة، ولم تكن ظروفه الخارجية بأحسن ~~حالا؛ فلقد تعددت الثورات السياسية العنيفة، وقام على العرش نزاع يكاد يكون مستمرا بين ~~أفراد العائلة الإمبراطورية، واستعان كل مطالب بالعرش بالفرق والأحزاب المختلفة، بل ~~وبالعناصر الأجنبية من الجنسيات المتباينة المحيطة بالدولة، واستخدم كل منهم الجنود ~~المرتزقة واعتصم بأعداء الدولة، وتدخلت الجمهوريات الإيطالية لصالحها الخاص، كما تدخل ~~الكتلان والإمارات التركية المبعثرة في الأناضول. # تدخلت كل هذه العناصر تنصر فريقا على فريق وتقوم بالسلب والنهب إذا سنحت لها الفرص؛ ~~فتخربت أراضي الدولة مما فت في عضد الإمبراطورية وألحق بها الضعف الذي أنهك قواها ولم ~~تجد منه برءا. # كذلك لم يكن استخدام الجنود المرتزقة في آخر الأمر في مصلحة الإمبراطورية، فهؤلاء جنود ~~غرباء لا تربطهم بالوطن البيزنطي ولا بأهالي الدولة وشائج القرابة والنسب، ولم يدفعهم لخدمة ~~الدولة سوى رغبة واحدة هي الكسب المادي؛ ولذا فهم لا يرعون إلا ولا ذماما، ولذا فهم ~~مستعدون في كل لحظة للثورة وللانضمام إلى أعداء الدولة إذا لم تستطع بيزنطة إجابة مطالبهم ~~التي لم تكن تنتهي. أصبح هؤلاء الجنود خطرا وبيلا على الدولة، فاستولوا على مدنها وخربوا ~~قراها. لقد نهب المرتزقة من الأتراك مرة سرادق الإمبراطور نفسه حين فكر في التخلص ~~منهم. # ثم إن فقدان الدولة البيزنطية اهتمامها بالبحرية جعلها تحت رحمة البنادقة والجنويين الذين ~~لم يكونوا مخلصين لغير مصالحهم المادية، بل انتهزوا كل فرصة للنيل ms013 من هذه الدولة المنحلة ~~وانتزاع الامتيازات منها والانتقاص من حقوقها، فأشرفت الدولة على الإفلاس المادي، ولو تمكنت ~~الدولة من المحافظة على تفوقها البحري لما استطاع الأتراك العبور بسهولة إلى الشواطئ ~~الأوروبية أو تثبيت أقدامهم فيها. ~~••• # ومن أهم العوامل التي زادت في ضعف الدولة البيزنطية نمو دولتي الصرب والبلغار وتقلص ~~ممتلكات الدولة في البلقان على أيديهم. # ولم يستطع هؤلاء الصرب أو البلغار بعد أن قضوا على الملك البيزنطي في البلقان أن يقفوا ~~متحدين أمام الهجوم العثماني. وفي نفس الوقت الذي وضع فيه الأتراك العثمانيون أقدامهم في ~~جاليبولي، كان على الدولة البيزنطية التي حاقت بها النكبات من كل جانب أن تصد هجمات إخوانها ~~في المسيحية الصرب والبلغار ثم إغارات التتار. لقد حاولت الدولة البيزنطية محاولة اليائس أن ~~تضم صقالبة البلقان إلى جانبها لتكون جبهة متحدة متراصة لمقاومة العثمانيين وطردهم من ~~الأقطار الأوروبية التي احتلوها، ولكن مساعيها ذهبت هباء منثورا، فما كانت رغبة صقالبة ~~البلقان في دمار بيزنطة لتقل عن رغبة الأتراك العثمانيين. # ويضاف إلى انحلال النظم وضعف الحكومة سوء سياسة الدولة من الناحية الخارجية، فكان أمامها ~~فرص ثمينة لو انتهزتها وساعدها الحظ لاتقت شر الأتراك إلى حين. ولم تستفد الدولة من انقسام ~~الأتراك على أنفسهم في مبدأ حياتهم، بل تدخلت تنصر فريقا على فريق، ولم تتركهم يحاربون ~~مواقعهم بأنفسهم، لم تحاول بيزنطة الاتفاق مع التتار في الوقت الذي تداعت فيه أمامهم قوات ~~العثمانيين، بل من الغريب حقا أن تتفق مع فريق من العثمانيين لتثبيت دعائم ملكه وتقوية ~~سلطانه. # كذلك لم تعمل الدولة مخلصة على توثيق صلاتها بالغرب الأوروبي بترددها في الاعتراف بتفوق ~~رومة، فلقد كان فريق كبير من سكانها يفضل سيطرة السلطان العثماني على سيطرة البابا. كان ~~عزيزا على بيزنطة أن تقبل راضية سيطرة رومة. لقد قبل الإمبراطور قسطنطين اتحاد الكنيستين ~~في آخر الأمر، واحتفل بذلك في كنيسة سانت صوفيا، ولكن بعد فوات الوقت، وحين انتهى أجل ~~الدولة فلم تستطع أن تستقدم ساعة أو تستأخر. # ثم توالت الظروف السيئة على الدولة فتضرعت ms014 للغرب الكاثوليكي وقبلت شروطه ، ولكن الغرب لم ~~يقدم لها المساعدة الكافية ولا التأييد الخالص في محنتها العظيمة. بل إن الجنويين تعهدوا ~~للسلطان مراد الثاني بنقل ستين ألفا من جنوده إلى الشاطئ الأوروبي. # وما كانت الفوضى في الإدارة والحكم لتعمل على انتشار الأمن واستتباب النظام في أجزاء ~~الدولة الباقية، بل لقد دعتها الحروب المستمرة إلى الإمعان في فرض الضرائب الفادحة؛ مما دعا ~~السكان إلى التذمر وتفضيل الحكم العثماني حيث يستطيعون أن يتمتعوا في ظله بالهدوء والسكينة ~~والعدالة. # ومما أنهك الدولة وامتص حيويتها كفاحها الطويل المستمر أمام أعداء أشداء غلاظ كثيرين لا ~~يعصون أطماعهم ما أمرتهم، فمن قبائل جرمانية إلى جموع صقلية إلى خصوم من الآلان والأفار ~~والهون والتتار والبلغاريين، إلى غزوات العرب والصليبيين والبنادقة والجنويين إلى هجمات ~~الأتراك التي لم تكن تنقطع، وكل هؤلاء كانوا لا يرومون إلا دمار الدولة والقضاء عليها ~~والاستيلاء على عاصمتها إلى أن كلت نهائيا، وساءت حالتها المالية وفقدت معظم بلادها وخسرت ~~قومها ورجالها وسقطت في آخر الأمر صريعة الظروف أمام الغزو العثماني العنيف المنتصر. # ولكن إذا كانت الدولة البيزنطية ضعيفة مفككة، فلقد ظلت عاصمتها مدينة قسطنطين، تحتفظ ~~بجانب كبير من رونقها وبهائها. # | مدينة قسطنطين # عمرت مدينة القسطنطينية ألف عام بعد أن بناها الإمبراطور الروماني قسطنطين الأكبر بتوسيع ~~بيزنطة المدينة الإغريقية القديمة، ولقد اختار قسطنطين عاصمته الجديدة في مكان منيع يصعب ~~الدنو منه ويسهل الدفاع عنه. وأصبحت رومة الجديدة - كما كان يطلق على القسطنطينية - حاضرة ~~دولة عظيمة، ومركز حضارة سامية، ورمزا لرقي باهر، ومصباحا وهاجا امتد نوره إلى الشرق ~~الإسلامي والغرب المسيحي، فترك فيهما آثارا جليلة باقية، وكانت مصدرا لا ينضب لإلهام ~~ولوحي جديد في الغرب كما كانت مصدرا للإعجاب والتقدير في الشرق. # لقد كانت هذه الحاضرة ناضرة مضيئة في وسط الظلام الحالك الذي كان يغمر العصور الوسطى في ~~معظم أجزاء أوروبا ما عدا إسبانيا الإسلامية. # كانت القسطنطينية مركز الذوق والفن والجمال والتفكير في كل أنحاء أوروبا المسيحية ولم تكن ~~مجرد ناقلة للحضارة الإغريقية القديمة؛ فهي مدينة ms015 امتازت باتصالات مستمرة وثيقة بالشرق ~~والغرب معا، ففيها تقابلت الهلينية الإغريقية بالمسيحية الشرقية فكونت حضارة بيزنطية، ~~تأثرت بالشرق الفارسي ثم الإسلامي وانتفعت بحضارته وتركت أثرا واضحا في حياته. # كانت القسطنطينية عاصمة للدولة البيزنطية، ورمز حضارتها، ومركز ثقافتها، وعنوان تمدينها، ~~وقلبها النابض، وعقلها المفكر. # كانت القسطنطينية محط أنظار العالم الشرقي والغربي بأجمعه لمدة ألف عام، هذه المدينة ~~«المحروسة» الضخمة العظيمة الزاهرة، باريس العصور الوسطى وموطن العلم والفن واللذة ~~والقداسة. هذه المدينة بجمال موقعها حيث يتقابل الشرق والغرب، البر والبحر، بجوها المعتدل ~~الصحي، وبمينائها المحمية، هذه المدينة العظيمة بميادينها العامة المتسعة وبواباتها، ~~وتماثيلها المبثوثة في كل مكان، وعظيمة بكنائسها الفخمة المتعددة وأسواقها التي لا تقف ~~حركتها، وملاعبها وحماماتها، هذه المدينة الشهيرة بحصونها المنيعة ومعاقلها المشيدة وقفت ~~أمام البرابرة من هون وأفار وبلغار وروس وصقالبة، وحالت أمام آمال الغزاة والفاتحين من فرس ~~وعرب وترك. # هذه المدينة كان يقصدها الناس من أقصى جهات أوروبا، ويتغنى بها الروسي على ضفاف أنهاره، ~~ويردد ذكرها الأوروبي، ويطمع في الاستحواذ عليها الشرقي. # هذه المدينة الخالدة بنيت على تلال سبعة تشرف على شواطئ أوروبا وآسيا، وتنحدر بجمال وروعة ~~إلى بحر مرمرة، وعلى انحدارات هذه التلال لمعت القصور الإمبراطورية. # أم هذه المدينة الناس من كل جانب، وسكنتها أجناس مختلفة، فوصل عدد سكانها في أوج عظمتها ~~المسيحية إلى المليون. # ففيها الإغريق سكان المدينة الأصليين، وفيها الأجانب، فمن آسيويين بلحاهم الممتدة اللامعة ~~وشعورهم السوداء، إلى بلغاريين برءوسهم المحلوقة وسلاسلهم التي تمنطقوا بها، إلى روسيين ~~بملابسهم الفرائية الثمينة، إلى اسكندناويين بوجوههم البيضاء وشعورهم الذهبية المتموجة، إلى ~~أرمينيين وصقالبة، ازدحم فيها الناس من كل جانب وغشيها التجار من كل صوب، المسيحيون منهم ~~والمسلمون فازدحم البنادقة إلى جانب الجنويين والإسبان والفرنسيين والمسلمين من بغداد ~~وسوريا. # ويرى الناظر فيها الجنود المرتزقة بأشكالها المخيفة وصلابتها وخشونتها تسير في الميادين ~~والشوارع الممتدة، من فرنسيين وصقالبة وجرمان وإيطاليين وإسبان، فاختلطت فيها الأديان ~~وتعددت اللغات واختلفت وتباينت المشاعر والإحساسات. # عاشت هذه الأجناس الغريبة فيها جنبا إلى جنب كجاليات أجنبية، بعضها ms016 قوي عديد والبعض منزو ~~قليل، عاش البعض في أحياء مستقلة، وتمتعت بعض هذه الجاليات بامتيازات كبيرة فلم تخضع ~~لقوانين البلاد الأصلية ولا لتقاليدها. # وكانت حياة الأرستقراطية في المدينة حياة الأبهة والترف فرفلت في ملابس الحرير يحليها ~~الذهب، وتبخترت على جيادها الفخمة المنتقاة واشتركت في الدسائس وقامت بالثورات. # كانت القسطنطينية في أوروبا مدينة الدنيا والدين؛ فإلى جانب فخامة البلاط الإمبراطوري ~~وقصور النبلاء الجميلة وملاهي الهبودروم والملاعب المكتظة باللاعبين والنظارة، كانت عظمة ~~الاحتفالات الدينية وأبهتها، فلله كانت كنيسة سانت صوفيا، وللدنيا وللهو كانت الملاعب، وحول ~~هذه جميعها دارت الحياة في القسطنطينية. # في هذه المدينة الهائلة تمثلت حياة الدين بأجلى مظاهرها وأروعها وأرهبها، وقامت الدراسات ~~والمجادلات الدينية بنشاط واهتمام وحماس منقطع النظير، فمن الإمبراطور إلى النبلاء إلى رجال ~~الدين إلى التجار، أحب الناس جميعا المناقشات الدينية وشغفوا بها. وكانت هذه المناقشات ~~تنقلب في كثير من الأحيان إلى تنازع شديد وقتال تسيل فيه الدماء، فلم تخل هذه المناقشات ~~والمجادلات الدينية من المطامع والأحقاد الشخصية والرغبات الدنيوية والمصالح الخاصة. # وظهرت في المدينة شتى الاعتقادات من أسماها إلى أدناها، فكان فيها احترام الأولياء ~~والاعتقاد في قدرتهم الربانية ومعارفهم الغيبية، ووثق الكثير من الناس في تنبؤاتهم، وبنوا ~~على توجيهها حياتهم، وانتشرت الخرافات والأساطير وصدقها الجم الغفير من أهالي هذه المدينة ~~الزاخرة. # في هذه المدينة العظيمة كان الاهتمام كبيرا بتشييد الكنائس والأديرة والوقف عليها، فكانت ~~هذه منتشرة في أنحاء المدينة رمزا للإحساس الديني العميق المتأصل في نفوس السكان، وكان ~~رجال الدين والرهبان موضع الاحترام الزائد والإكبار، ولهم تأثير كبير على عقول الناس وسلطة ~~واسعة وقوة حقيقية؛ فلقد اعتقد الناس فيهم قوة إلهية ومواهب ربانية. وكان الأباطرة أنفسهم ~~يظهرون التعلق بالدين ويوقرون رجاله توقيرا كبيرا ويقدسون أماكنه؛ ففي سانت صوفيا التي ~~شادها الإمبراطور جستنيان كان يتوج الإمبراطور، وفيها يحتفل بالأعياد، وهي فوق صفتها ~~الدينية كانت مركزا كبيرا من مراكز الحياة العامة. # كانت هذ الكنيسة من عجائب القسطنطينية؛ فقبتها العالية وصفها المعاصرون وكأنها «معلقة من ~~السماء بسلسلة ذهبية»، وكان جمال ms017 زخارفها ورونقها وأعمدتها ورخامها يبهر النظر. وأما ~~مصابيحها الوهاجة وبخورها العبق، وأما الحفلات الدينية التي كانت هذه الكنيسة عامرة بها ~~والآيات والأناشيد التي ترتل فيها والصلوات التي تقام فكانت تبعث في النفس الروعة وتشعرها ~~بالجلال وتملؤها بالخضوع. # وبجانب ذلك الجلال والبهاء قامت القصور الفخمة العامرة بالملذات والترف وانتشر الفساد ~~الخلقي والرشوة، وقامت أماكن كان يباع فيها الشرف والعرض وكل فضيلة إنسانية في سبيل متاع ~~وقتي زائل. # واهتم الأغنياء بإشباع البطون واقتناء الأيقونات وأدوات الزينة وبالشهوات، وقامت أماكن ~~اللهو والملاعب يمر فيها القواد المنتصرون، يسير خلفهم أسرى الحرب، هذا في وقت عز ~~القسطنطينية. وجرى في الملاعب سباق العربات ومنازلة الرجال ومصارعة الحيوانات وأعمال ~~الأكروبات ومهازل المضحكين. وفي هذه الملاعب عبر الناس عن أفكارهم، عن رضاهم واستيائهم. ~~وفيها كانت توضع بذور الثورة وتقوم الثورات التي قد تهز عروش الأباطرة البيزنطيين. # وقامت بيوت الفساد والدعارة إلى جانب الكنائس والأديرة، وكما فاقت هذه المدينة المدن ~~الأخرى في العظمة والفضيلة فاقتها في الفوضى والرذائل. فمن الميادين العظيمة تعرجت الأزقة ~~المظلمة الموحلة وامتلأت بالكلاب واللصوص وقطاع الطرق، وكثرت فيها حوادث السرقة والاغتيال ~~والغدر والقتل. # كانت القسطنطينية مدينة ثقافية ممتازة، فمركزها في شرقي أوروبا كمركز رومة في غربيها، وهي ~~في ثقافتها متأثرة بالقديم إلى حد كبير، محتفظة بالتراث الإغريقي. فمكاتبها الكبيرة مملوءة ~~بالكتب الإغريقية، مزدحمة بالقارئين والدارسين، وكان الأدب اليوناني محور الثقافة والتعليم، ~~بجانبه دراسة الكتاب المقدس وقصص القديسين والشهداء والحساب والموسيقى والآجرومية والبلاغة. ~~لقد كانت جامعة القسطنطينية مركز الثقافة اليونانية موئل الدراسات الكلاسيكية. # ومن هذه ~~المدينة العظيمة تعلمت إيطاليا فلسفة أفلاطون، ومنها أخذ العرب القانون وجانبا كبيرا من ~~الثقافة اليونانية، وإذا كان لهذه المدينة تراث يخلد ذكرها في العالم فهو الأدب الإغريقي ~~والقانون الروماني، فأباطرة القسطنطينية هم الذين جمعوا القوانين الرومانية - إرث رومة ~~العظيم - وقننوها ونشروها. # وتمتع سكان هذه المدينة العظيمة بامتيازات لا يشاركهم فيها أحد، فكانوا معفين من الضرائب، ~~توزع عليهم الحكومة مجانا ما يلزمهم من الخبز والنبيذ والزيت، وذلك حين كانت ثروة ~~الإمبراطورية عظيمة ms018 ورزقها متوفرا وجانبها مهابا . # والقسطنطينية مدينة صناعية وتجارية عظيمة بحكم موقعها الجغرافي المنقطع النظير في ذلك ~~الوقت. فهي تقع في موضع ممتاز للاتصال بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، وبين البحر ~~الأسود والبحر الأبيض؛ فهي من مراكز العالم المهمة في ذلك الوقت للتجارة، تأتي إليه المتاجر ~~عن طريق البحر الأبيض والبحر الأحمر والبحر الأسود، من فارس والهند والشرق الأقصى وأواسط ~~آسيا، من اسكنديناوه وشرقي أوروبا وغربيها، متاجر العالم المعروف في ذلك الوقت تجمعت في ~~القسطنطينية وآوت إليها السفن من كل فج فكانت ميناؤها في القرن الذهبي تعج بحركة دائمة، ~~وسهلت الحكومة البيزنطية كما سهلت الحكومة العثمانية من بعدها وسائل العيش والاتجار وتبادل ~~المنافع، واشتهرت أسواقها بمواد الترف والزينة والمصوغات والأيقونات والعطور والمنسوجات ~~الحريرية والكتانية الجميلة ذات الألوان الساطعة اللامعة، وإلى جانب التجار وجد الصيارفة ~~يزاولون مهنتهم بنجاح كبير. # لقد تفوقت القسطنطينية - كما رأينا - على غيرها من المدن في مظاهر الحياة، وكان موقعها ~~ومناعتها وغناها وثروتها ومبانيها ومباهجها ومركزها في العالم المسيحي من الأمور التي دعت ~~الشرقيين من العرب والأتراك إلى محاولة الاستيلاء عليها وتحويلها من حاضرة للمسيحية إلى ~~مركز مهم للإسلام. # | قصة فتح القسطنطينية # كان فتح القسطنطينية أمنية من أكبر أماني المسلمين منذ نشأة دولتهم. فلقد حاولوا ~~الاستيلاء عليها مرارا قبل عهد السلطان الفاتح. ففي دمشق كان معاوية بن أبي سفيان يمني ~~النفس بالاستيلاء على مدينة القياصرة، ويرى في ذلك تثبيتا للخلافة الأموية ومجدا لا ~~يماثله مجد، فأرسل قوة عظيمة إلى البوسفور لم تبال بما قاسته من المرض وقلة الزاد، وأمدها ~~بابنه يزيد. # كان القتال حول هذه المدينة دائما عنيفا، وكانت خسارة المسلمين فيه دائما كبيرة، وظل ~~معاوية يرسل بحملات سنوية استولت فعلا على إحدى الجزر القريبة من القسطنطينية لمدة سبع ~~سنوات ثم تركتها حين تولى يزيد الخلافة. أنقذ المدينة تفوق البيزنطيين البحري ثم النار ~~الإغريقية التي عرفت في ذلك الوقت، وفي هذا الحصار وتحت أسوار المدينة العظيمة استشهد أبو ~~أيوب الأنصاري الصحابي المشهور، فأصبح لمدينة قسطنطين مركز خاص في ms019 نفوس المسلمين. # ولكن حلم الأمويين بالاستيلاء على هذه المدينة لم ينته بموت معاوية، فما إن استقر لهم ~~الملك حتى عادوا يعدون العدة لتحقيقه، فكانت المحاولة الثانية في عهد الخليفة سليمان بن عبد ~~الملك، وكان الوليد قبل مماته قد أعد تجهيزات عظيمة برية وبحرية لتحقيق هذا الغرض المنشود. ~~هاجم مسلمة بن عبد الملك المدينة برا وبحرا في عهد الإمبراطور ليو الثالث. وكان ذلك ~~الرجل ممتازا في الحرب والسياسة فاستطاع أن يضم البلغار إلى جانبه، كما استطاع أن يهزم ~~المسلمين برا وبحرا، ولعبت النار الإغريقية دورها بنجاح في هذه المرة أيضا. # كانت محاولة مسلمة آخر محاولة جدية قام بها العرب لفتح هذه المدينة، فلقد اضطرب أمر بني ~~أمية، وجاءت الدولة العباسية فشغلت عن مدينة القياصرة بسكنى ديار الأكاسرة، ولم تعد تهتم ~~بأمر الأسطول وظلت مدينة القياصرة الشرقيين منيعة باقية إلى أن جاء الأتراك ~~العثمانيون. # فكان أول من حاصرها منهم السلطان بايزيد الأول ولكنه اضطر لرفع الحصار عنها حينما بلغه ~~غزو التتار لبلاده، ثم حاصرها السلطان مراد الثاني، ولكن ضعف الأسطول العثماني وعدم وجود ~~المدفعية القوية كانا عاملين على تركها، ويكفي أن ننظر إلى الاستعدادات العظيمة التي قام ~~بها السلطان محمد الثاني وإلى المشقة التي وجدها في الفتح حتى نعرف إلى أي حد كانت ~~القسطنطينية منيعة قوية. # ولم يكن العرب والترك وحدهم هم الذين تاقت نفوسهم لفتح هذه المدينة؛ فلقد حاصرها الأفار ~~والبلغار وفشلوا في الاستيلاء عليها، ثم في أوائل القرن الثالث عشر غزاها اللاتين ~~والصليبيون وفتحوها عنوة، ثم عادت الدولة البيزنطية للظهور في القسطنطينية مرة ثانية بعد أن ~~ضعف اللاتين وذهبت ريحهم. # الممهدات للحصار # ثم قضى الله أن يستولي الأتراك العثمانيون على هذه المدينة الخالدة في منتصف القرن ~~الخامس عشر. # ففي 3 فبراير سنة 1452 مات السلطان مراد الثاني عدو المسيحية الأكبر الذي كان اسمه ~~يبعث الرعب في الدولة البيزنطية وفي أوروبا، مات في أدرنة عاصمة دولته الأوروبية بعد ~~حياة حافلة بالانتصارات الرائعة على المجريين ومن حالفهم من سكان شبه جزيرة ~~البلقان. ms020 # وكان ابنه محمد لا يزال مقيما في مدينة مغنسيا في آسيا الصغرى، قد أبعد عن أمور الحكم ~~والسلطنة بعدما تولاها مرتين، وكان لا يزال حديث السن لم يمض بعد الحادية والعشرين من ~~عمره، وكان لا يزال قريب عهد بالزواج من بنت الأمير التركي نورجاتير، وصلته أخبار وفاة ~~والده فلم يعلنها خوفا من ثورة الإنكشارية، وأسرع بمغادرة هذه المدينة إلى جاليبولي ~~فوصلها بسرعة كبيرة، وفي غاليبولي أعلن نبأ وفاة أبيه، ثم دخل مدينة أدرنة حيث أعلن ~~سلطانا للأتراك العثمانيين باسم محمد الثاني، وفي أدرنة استبقى وزراء أبيه خليلا ~~وإسحق بالرغم من حقده الشخصي عليهما، فكثيرا ما كان هذان الرجلان يخشيان بأسه ويحذرانه ~~ويثنيان أباه عن عزمه في التخلي عن السلطنة له، ولكن محمدا الثاني أراد الاستعانة بهما ~~في أمور الحكم لتجاربهما الواسعة ولدرايتهما بشئون الدولة ولتعلق الجنود بهما. # وأما معاصره قسطنطين فقد ولد قبل محمد الثاني بنحو ربع قرن من الزمان ليرث أضخم ~~المسئوليات وأخطرها، ليرث إمبراطورية قد بقي منها الاسم والرمز، وغادرها العز والمنعة، ~~إمبراطورية لم يبق منها إلا مدينة، ولكنها مدينة تملك سحرا وبهاء وجمالا وجاذبية لم ~~تكن لأي مدينة أخرى في أوروبا في أواخر العصور الوسطى. # كانت السنة الأولى التي تولى فيها السلطان محمد الثاني لحظة رهيبة في حياة ~~الإمبراطورية البيزنطية، هذه الدولة التي انحلت قواها أمام هجمات الأتراك المتوالية ~~العنيفة، لقد فقدت هذه الدولة كل ممتلكاتها تقريبا، واستطاع الأتراك - رغم أنفها ورغم ~~أنف الأمم البلقانية - نقل عاصمتهم إلى أدرنة - التي اتخذوها مقرا لحكمهم، ومعسكرا ~~عاما لجنودهم - لشن حروبهم وغزواتهم في كل جهات البلقان، وتمكنوا من الإشراف على ~~المضايق، على الدردنيل وعلى البوسفور، وفرضوا الجزية على الدولة البيزنطية ~~البائسة. # لقد كان مجيء السلطان محمد الثاني مثيرا للرعب والفزع في القسطنطينية؛ فلقد كان ~~أهلها يعلمون حق العلم أنه أقسم ليستولين على هذه المدينة، وأن ذلك سيكون أول مهمة يكرس ~~حياته في سبيل القيام بها. لقد كان الاستيلاء على هذه المدينة الخالدة حلم أحلامه منذ ~~صغره. وكانت عنده القوة العظيمة ms021 وأمامه الظروف المواتية للنجاح في تنفيذ مشروعه ~~الخطر. # ما كانت العلاقات العثمانية البيزنطية حينما تولى محمد الثاني علاقات إخلاص وصداقة، ~~فكان الأتراك العثمانيون موقنين بأن البيزنطيين سينقضون مواثيقهم إذا أتت أول فرصة، ~~فكثيرا ما اتفقت بيزنطة مع أعداء العثمانيين إن لم يكن علانية فسرا، وأباطرة بيزنطة ~~ينتهزون كل الظروف للإيقاع بين العثمانيين وإثارة الانقسام بينهم، فهم دائما يعضدون ~~الأمراء الثائرين المطالبين بالعرش العثماني. ومحمد الثاني يذكر جيدا موقف بيزنطة حين ~~أغار التتار. وقسطنطين لم يحسن التصرف حين تولى السلطان الجديد، فلم يعمل على كسب ~~ثقته، بل لقد ظن فيه الضعف، واعتقد فيه التردد والخوف، فتقدم إليه بمطالب أثارت غضبه ~~وحفيظته، فلقد أيقن أن قسطنطين يريد الانتقاص من كرامته وأنه يهدد ملكه، لقد طلب ~~قسطنطين زيادة المرتب الذي يدفعه السلطان للدولة البيزنطية نظير تكفلها بأحد أبناء ~~سليمان بن بايزيد الأول واسمه أرخان، ولمح الإمبراطور البيزنطي بأنه إذا لم يجب طلبه ~~سيطلق سراح ذلك الأمير ليطالب بالعرش العثماني ويثير المشاكل للسلطان الجديد. # إذن فالمسألة مسألة حياة أو موت في نظر السلطان محمد الثاني، فكيف ينسى لقسطنطين ذلك ~~الموقف، وخاصة وأنه كان في ذلك الوقت مشغولا بإخماد ثورة في آسيا الصغرى، ولكنه رد ~~بأدب، وحذر البيزنطيين الضعاف عواقب سياستهم وسوء تصرفاتهم، وبين لهم أن الفرق شاسع ~~بين خلق السلطان الجديد وخلق أبيه مراد، فمراد يمتاز بالهدوء، ولكن السلطان الجديد لا ~~يحتمل الإهانة ولا يصبر على ضيم. # وكان السلطان محمد الثاني قد وطد العزم على فتح العاصمة الإغريقية؛ ولذا رأى توطيد ~~دعائم ملكه قبل القيام بذلك المشروع الخطير. # رأى محمد أن البيزنطيين ليس لهم عهد ولا يمين، فلقد كان يذكر لهم المواقف السيئة في ~~عهد أبيه؛ ألم تؤيد القسطنطينية فعلا مطالبا بالعرش العثماني؟ ألم تمده بالسفن وتسهل ~~له العبور؟ ألم تعمل بيزنطة على إثارة القلاقل ضده في آسيا الصغرى؟ إذن ففتح ~~القسطنطينية والقضاء على هذه الدولة أمر لا بد منه إذا أراد العثمانيون ثبات ملكهم ~~وحرصوا على مستقبلهم. # وكانت حال المدينة العامة سيئة للغاية؛ ms022 فهي وضواحيها كل ما اشتملت عليه الإمبراطورية ~~الإغريقية، وليس لديها من الجنود المدربين إلا العدد القليل، وأما من السفن فبضع لا ~~تغني فتيلا في وقت المحن ولا ترد جليلا من الخطوب. # وكثرت البعثات السياسية التي أرسلتها القسطنطينية إلى أوروبا طالبة الغوث والنجدة - ~~كما يقول مؤلف تاريخ الصليبيين في العصور الوسطى المتأخرة # 1 ~~- لكن كانت هناك مصاعب عظيمة في سبيل نجاح هذه البعثات، وأهم هذه المصاعب ~~اختلاف الكنيستين الشرقية والغربية، الأرثوذكسية والكاثوليكية، والنزاع بين بيزنطة ~~ورومة. # ولقد بذلت مساع دبلوماسية هائلة في سبيل التوفيق بين الشرق البيزنطي الأرثوذكسي ~~والغرب الروماني الكاثوليكي. ولكن البابوات لم يستطيعوا قبول ذلك التوفيق إلا إذا ~~اعترفت رسميا الإمبراطورية البيزنطية ورجال الدين البيزنطيون بتوحيد الكنيستين على ~~حساب بيزنطة طبعا. وعلى أساس ذلك الشرط وحده تستطيع البابوية أن تعمل على إثارة العالم ~~المسيحي الغربي لمساعدة بيزنطة في حربها ضد المسلمين. # وربما لم يكن لدى الإمبراطور البيزنطي قسطنطين مانع من قبول هذا الشرط المهين، ولكنه ~~كان يعلم حق العلم أن الأكثرية من سكان مدينة القسطنطينية ومعظم قساوستها معارضون لهذه ~~الفكرة، عاقدوا العزم على رفضها ومحاربتها. # ولم تكن هذه المحاولة أول محاولة من نوعها؛ ففي المدة الواقعة بين سنتي 1054 و1453 ~~كانت هناك ثلاثون محاولة لاتحاد الكنيستين، وكان هذا الاتحاد غاية ما يصبو إليه أباطرة ~~الغرب والبابوات؛ فلقد كان هذا التوحيد في نظرهم أنجع علاج للأمراض العضال التي تعاني ~~منها المسيحية ولضعفها المتزايد. فإذا تم ذلك التوحيد بتنازل الشرق عن كنيسته وقبول ~~سيطرة رومة؛ إذن تعود للمسيحية قوتها الأولى ووحدتها، وإذن تستطيع الوقوف أمام قوات ~~الإسلام التي يزداد خطرها يوما بعد يوم. # قامت محاولات، ولكن قامت في سبيلها صعوبات، فهناك مواضع للخلاف كبير على الكنيسة ~~الشرقية قبولها، واختلطت المصالح السياسية بالمصالح الدينية إلى حد كبير، بحيث لم يكن ~~من السهل الفصل بين المصلحتين أو تغليب إحداهما على الأخرى. # ولم يستطع أحد من الفريقين التخفيف من تعصبه، فعامل كل واحد الآخر كملحد وخارج على ~~الدين المسيحي، ووصل الأمر إلى درجة أن ms023 الغرب الكاثوليكي لم يكن يهدد بحروبه الصليبية ~~الإسلام وحده ، بل كان يهدد الأرثوذكسية ذاتها والقسطنطينية بحرب صليبية لا تبقي ولا ~~تذر. ولم يكتف الغرب بحملته الصليبية الرابعة على هذه المدينة، بل كان يفكر متأثرا ~~بالبابوية في إعداد حملة صليبية أخرى تقضي هذه المرة القضاء المبرم على ~~الأرثوذكسية. # ولكن تهديد الأتراك المستمر للقسطنطينية جعل الأباطرة البيزنطيين ينزلون مرغمين عن ~~كبريائهم، ويطلبون النجدة والعون أيا كان الثمن، فأعلنوا رغبتهم في توحيد الكنيستين ~~وقبول سيطرة رومة، وحاولوا تبرير تحالفهم في بعض الأوقات مع الأتراك بأنهم مستعدون ~~للقيام عليهم ومحاربتهم متى نفذ الغرب وعده وفي الوقت المناسب الموعود. # وإزاء ذلك جاهد البابوات في سبيل إثارة العالم المسيحي على المسلمين والإسراع بنجدة ~~بيزنطة، ولكن هذه المجهودات كانت فاشلة في كثير من الأحيان حتى مع الجمهوريات ~~الإيطالية: البندقية وجنوة، وحتى مع فرسان رودس. ذهبت معظم هذه المجهودات هباء ~~منثورا. # وكان أباطرة القسطنطينية يسعون جادين إلى الاتحاد مع الغرب كلما هددهم الخطر التركي، ~~فإذا خف ذلك الخطر أهملوا الغرب كلية، فلقد كانوا يرون في ذلك الاتحاد سلاحا ضد ~~الأتراك، فكانوا معنيين قبل كل شيء بالمساعدة المالية والحربية التي يستطيع الغرب أن ~~يقدمها لهم. ولكن أهل المدينة أنفسهم وقساوستها رفضوا اتحاد الكنيستين، وكانوا مستعدين ~~للتضحية باستقلالهم السياسي في سبيل استقلالهم الديني. فلقد كانت ذكرياتهم عن سيطرة ~~اللاتين ذكريات ساخطة ممعنة في الإيلام، ففرض الوحدة بالقوة في سنة 1204 أثار حقد ~~الإغريق الهائل، ورغبتهم في الانتقام. # وعلى أي حال لم تنجح دعاية البابوية إلا في تكوين حملة صليبية واحدة كانت نهايتها ~~المحزنة في نيكوبوليس، ولم يعد من السهل بعد ذلك تكوين حملات صليبية أخرى لنجدة ~~القسطنطينية. # ولكن في هذه المرة كان الخطر عظيما على القسطنطينية إلى درجة تهدد حياتها، وكان ~~لزاما على البابوية أن تقدم بعض المساعدة، لا سيما وأن قسطنطين كان مستعدا للاعتراف ~~رسميا بتوحيد الكنيستين الشرقية والغربية توحيدا نهائيا. فوعد البابا بإرسال أسطول ~~وأرسل فعلا الكاردينال إيزيدور مندوبا عنه ليقبل خضوع الكنيسة الشرقية الرسمي. ~~••• # بدأ الكاردينال إيزيدور ms024 رحلته إلى القسطنطينية الخائفة في أواخر سنة 1452، ووصلها في ~~ديسمبر من هذه السنة، وأقيم حفل عظيم في كنيسة سانت صوفيا حضره الإمبراطور البيزنطي ~~والبطريرك جريجوري يساعده ثلاثمائة قسيس للاحتفال بتوحيد الكنيستين ووحدة ~~المسيحية. # وبجانب ذلك الفريق الراضي عن التوحيد أو المتظاهر بالرضا، وجدت معارضة قوية غاضبة ~~ثائرة على رأسها جناديوس، هي في ريب مما يدعو إليه الفريق الأول، وهي تنذر بالويل ~~والثبور إذا تم ذلك الاتحاد. وكثرت النبوءات عن العذاب الذي سيلحق بيزنطة إذا تم اتباع ~~الملة الغربية، وهي تقول بسقوط الإمبراطورية وبغضب الله إذا سيطرت رومة على مدينة ~~قسطنطين، ونادى أتباع جناديوس بالموت والدمار لمن يعتنق الكاثوليكية، وسحقا لمن يقبل ~~الاتحاد معها، ودعوا العذراء مبتهلين أن تنجي المدينة العظيمة من الخطر التركي الداهم، ~~كما أنجتها من قبل من الأكاسرة الفرس، والخلفاء العرب. # ما كان جم غفير من أهل القسطنطينية يعتقد مخلصا في الملة الجديدة، وهي الكثلكة ~~الغربية، بل هم منها في شك مريب، وحتى الإمبراطور قسطنطين نفسه الذي تربى تربية إنسانية ~~بمعنى الكلمة، وتثقف ثقافة حقيقية كان عنده نفس الشعور، إلا أنه قبل ذلك الاتحاد لأسباب ~~سياسية قبل كل شيء على أمل مساعدة الغرب الكاثوليكي في محنته الوشيكة الوقوع. # وأما السلطان محمد الثاني خصمه العنيد فلقد استعد للحرب بكل ما لديه من قوة ومن عتاد ~~الخيل وأدوات الحصار، ولكن الكثيرين من أهل القسطنطينية رأوا أن إمبراطورهم قسطنطين قد ~~ارتكب شيئا إدا تخر له الجبال هدا بقبوله اتحاد الكنيستين، ورأوا في ذلك محنة ~~المحن ومهزلة الدهر، وخطوة غير عملية، وخطة خاسرة. بل لقد قال أحدهم والخطر محدق ~~بمدينتهم إنه يفضل أن يرى في مدينة قسطنطين الأكبر عمامة السلطان على أن يرى قبعة ~~البابا. وكان يشارك هذا الرأي الكثيرون من أهل المدينة الذين كانوا يمقتون اللاتين ~~مقتا شديدا. # وفي ذلك الوقت العصيب كان الشغل الشاغل للسلطان محمد الثاني هو الاستعداد لفتح أم ~~المدن وملكتها، فهو يفكر ليل نهار في فتح هذه المدينة العظيمة، كما يروي هامر # 2 # عن أحد خصوم السلطان ms025 المعاصرين. فهو يقضي النهار وزلفا من الليل قلقا ~~مضطربا مفكرا في كيفية الاستيلاء عليها، وهو لا تكاد تفارقه خرائط المدينة التي جعل ~~دراستها عمله اليومي، وهو يدرس مواضع أسوارها ومواطن الضعف فيها، وهو يضع الخطط تلو ~~الخطط للتغلب على قوة دفاعها، وهو يدرس التفاصيل الدقيقة بصبر واهتمام لا مزيد ~~عليهما. # لقد عرض عليه الإمبراطور البيزنطي السلام، ولكن محمدا ما كان يعتقد في سلام ~~البيزنطيين، ولا يعطي أهمية كبيرة لكلمة زعماء المسيحية؛ فهم في نظره لا يربطهم مع ~~المسلمين عهد ولا ذمام، ألم يصرح أحد الكرادلة في عهد أبيه السلطان مراد الثاني بأن ~~المسيحيين في حل من نقض معاهداتهم مع المسلمين، وقال: إن نقض المعاهدات مع المسلمين ليس ~~مخالفا للدين المسيحي؟! فكيف يستطيع السلطان أن يصدق إذن كلمتهم أو أن يرتبط بوعد من ~~وعودهم؟ # ثم مسألة ثانية، لقد وفقت الدولة البيزنطية موقفا غير ودي في محنة الدولة العثمانية ~~حين غزا التتار بقياد تيمورلنك آسيا الصغرى، أليس وجود الدولة البيزنطية حجر عثرة في ~~سبيل إشراف العثمانيين التام على البلقان وقاعدة ضد العثمانيين في وسط بلادهم؟ وجودها ~~وحده عامل على تشجيع الغرب على محاولة طرد العثمانيين من أوروبا. # لقد عرف محمد الثاني أن مهمته حقيقة خطيرة وخطرة، ولكنها واجبة النفاذ، فعمل على ~~تمهيد الطريق لتنفيذ مهمة حياته وأكبر آماله. # فعمل أولا على استقرار الأمور في أراضي الدولة العثمانية. فأقر من عاونوا أباه في ~~الحكم كما ذكرنا، وتخلص ممن ظن أنهم سيوجدون له مشاكل عاجلة أو آجلة أو سيكونون مصدر ~~ثورات عليه في المستقبل، فهو يؤمن بضرورة استقرار الملك قبل كل شيء مهما بذل في سبيل ذلك ~~من تضحيات ومهما أراق في سبيل ذلك من دماء. فماذا يهم في نظره دماء جملة أشخاص في سبيل ~~القيام بمهمته العظيمة، وهي مهمة ترفع من شأنه، وتخلد ذكره، وترقى بمركز ~~الإسلام. # ولم يغفل السلطان محمد الثاني الوسائل السياسية، فالأمور الدولية تحل بوسائل السلم ~~كما تحل بوسائل الحرب، وكل منهما له وقته المناسب وظروفه الخاصة، ولا بد من ms026 تأمين حدوده ~~وإسكات أعدائه. ولذا أخضع الثورات في ولاية قرمان، وعمل على استصلاح النفوس في آسيا ~~الصغرى، هذا في ممتلكاته الآسيوية. أما في أوروبا فلقد عقد صلحا مع أكبر عدو وأخطر ~~منافس للعثمانيين في البلقان، وهو هونيادي المجري، صلحا يضمن به السلام على حدوده لمدة ~~ثلاث سنوات. وهو وإن لم يكن يثق كثيرا في مثل هذه المعاهدات إلا أنه يعرف أن موقعة ~~ورنه ثم موقعة قوصوه في عهد أبيه الغازي قد أعطتا لهونيادي المجري درسا قاسيا لن ~~ينساه، فلقد أضعفتا قوة المجر إلى درجة لا تجعلها تفكر جديا في الحنث بالعهد أو ~~النكث بالاتفاق أو الانتقام. # وبين السلطان محمد الثاني في نفس الوقت أنه لا ينوي الغدر بالإمبراطور البيزنطي، ~~وهدأ من روع صقالبة البلقان الذين كانوا قد ذاقوا من قبل سيوف العثمانيين. # وإذا كان السلطان محمد يستخدم الوسائل الدبلوماسية لخدمة أغراضه، فما كان الإمبراطور ~~البيزنطي بمغفلها، فقسطنطين شخصية عظيمة، جم النشاط، عظيم الصبر، بطل من أبطال العصر، ~~ولكن مولده لم يكن سعيدا وطالعه لم يكن ميمونا، وصفقته بإرث بيزنطة ومصائبها وآلامها ~~كانت صفة خاسرة. ضحى قسطنطين أولا بالأرثوذكسية حتى يقنع الغرب بمساعدته في أزمته، ~~وحلول التزوج إلى الغرب حتى يوثق أواصره به، ولم يكن هذا الزواج أول زواج أو ثانيه لذلك ~~الإمبراطور الشجاع التعيس الحظ. # وفي أثناء ذلك كان السلطان محمد الثاني قد ثبت قواعد ملكه في آسيا وفي أوروبا، وكان ~~عليه أن ينفذ وصية والده، وأن يحقق رسالته بفتح المدينة الخالدة. فحول مدينة أدرنة ~~عاصمة العثمانيين في أوروبا إلى مصنع هائل للأسلحة، وجعلها مركزا لجيوشه المتجمعة من ~~كل أنحاء دولته، وبنى دار السعادة الجديدة لسبك المدافع الكبار وصنع الأسلحة، واهتم بجعل ~~عاصمته مركزا لتموين جنوده. ثم كان عليه أن ينشئ مركزا جديدا من مراكز قوته في ~~أوروبا، حتى يستطيع الإشراف التام على البوسفور من ناحية الشاطئ الأوروبي. # وكان السلطان بايزيد الأول الغازي قد شيد على ساحل البوسفور الآسيوي حصنا منيعا هو ~~أناضولي حصار لكي يشرف على مدخل البحر الأسود، ms027 فالحصن الذي شيده السلطان محمد الثاني - ~~وهو روميليا حصار - بني لكي يواجه ذلك المعقل بحيث يستطيع الأتراك من هذين المعقلين أن ~~يشرفوا إشرافا تاما على البوسفور، وعلى مدخل البحر الأسود. وبذا يسيطرون سيطرة تامة ~~على الطرق الشمالية إلى القسطنطينية. # وهذا المعقل الجديد سيكون مركزا مهما من مراكز العمليات الحربية في أوروبا، ومحطة ~~كبيرة للمعدات والذخائر، وشحنه السلطان محمد بالآلات النارية والمدافع والمرامي الرعدية ~~والمكاحل، وهي مدافع يقول عنها صاحب صبح الأعشى إنه يرمى عنها بالنفط ... وبعضها يرمى عنه ~~بأسهم عظام تكاد تخرق الحجر. وبعضها يرمى عنه ببندق من حديد من زنة عشرة أرطال بالمصري ~~إلى ما يزيد على مائة رطل. وبهذا المعقل يستطيع السلطان بسلام تام وأمان نقل رجاله ~~ونقل المؤن الحربية والعتاد الحربي بسهولة في ذلك الحيز من الماء الذي يقع بين شاطئ ~~البوسفور والذي يبلغ نصف الميل. # وكانت الدولة البيزنطية عاجزة إلى حد أنها كانت ترى تنفيذ مثل ذلك المشروع الضخم، ~~ولكنها ما كانت مستطيعة منع السلطان من إنجازه. # لم يصبح السلطان محمد الثاني بذلك الحصن الحصين مسيطرا على البوسفور فحسب، بل يصبح ~~مسيطرا على بحر مرمرة أيضا؛ ولذا كان يؤمل أن يكون في مقدوره غلق البوسفور، والإشراف ~~على الطرق البحرية المؤدية إلى المدينة من ناحية الجنوب ومن ناحية الشمال، وعزلها ~~نهائيا بجيوشه البرية، فلا تستطيع استقبال أي مدد أو أية معونة من أي ناحية. ومن ~~الغريب أن ضعف الدولة من الناحية البرية والبحرية وصل إلى حد أن حاول الإمبراطور ~~البيزنطي التقرب إلى السلطان زلفى بإمداد عماله بالمواد الغذائية حتى يسهل إتمام ~~المشروع بسرعة! # واستغرق إتمام ذلك المشروع الكبير بضع شهور. فذعر أهل القسطنطينية وأحسوا بالخطر ~~الداهم يهدد حياتهم ومصيرهم، وشعروا بأن نهاية الدولة آزفة لا محالة. وتكرر احتجاج ~~الإمبراطور على ذلك العمل وأشار إلى أن ذلك العمل ليس وديا بأي حال إزاء دولة تربطها ~~بالدولة العثمانية رابطة الجيرة، ولكن ذلك الاحتجاج لم يكن بذي جدوى إذ لم يستمع إليه ~~السلطان، بل قابله بالتهديد والوعيد، فهو يعلم أن ms028 الجيش الإمبراطوري البيزنطي لا يستطيع ~~رد العثمانيين؛ فليست له قوة خارج أسوار المدينة العظيمة، ولقد ذكر السلطان قسطنطين - ~~كما يروي هامر - بأن كل الأراضي الواقعة خارج أسوار القسطنطينية ملك له يتصرف فيها ~~كيفما يشاء، فهو له الحق في كلا جانبي البوسفور الشرقي لأنه يقطنه العثمانيون والجانب ~~الأوروبي لأن البيزنطيين لا يحسنون الدفاع عنه، وأنه مضطر اضطرارا إلى بناء ذلك الحصن، ~~وبين له كيف حاولت الدولة البيزنطية أن تمنع العثمانيين من العبور حين قامت الحرب ~~بينهم وبين المجر في عهد أبيه السلطان مراد الثاني. # ولم يستطع قسطنطين دفعا للخطر المجاور له، ولم يستطع منع العمال من السير في عملهم ~~بهمة ونشاط، ولم يستطع منع الجنود العثمانيين من اكتساح كل القرى والضياع المجاورة ~~للقسطنطينية ومن هدم المباني والمساكن لإتمام بناء حصنهم على ضفة البوسفور. # ولقد أخذ السلطان محمد الثاني على عاتقه الإشراف على إنجاز ذلك الحصن، وأعلن لرعايا ~~سلطنته في آسيا وأوروبا أن يمدوه بالصناع والعمال للإسراع في إتمام مشروعه الكبير. فسار ~~العمل بدقة وسرعة غريبتين، ولم يترك السلطان مجالا لأي شيء شأنه في كل مشاريعه ~~الحربية. # اختار السلطان المكان بنفسه، وأظهر باشاواته وكبار موظفيه ولاءهم وإخلاصهم بالاشتراك ~~مع العمال في نقل الأحجار والملاط والأدوات اللازمة للبناء. # وتقول بعض الروايات إن خمسة عشر ألف عامل قاموا بإنجاز ذلك المشروع، وتروي الأخرى ~~بأنهم كانوا ستة آلاف فقط. وربما كان الرأي الثاني هو الأصح. ولقد كلف السلطان محمد ~~قواده بأن يشرف كل منهم على جزء خصصه له، وأشرف بنفسه هو على الجميع. # وبذا لم تعد تصل إلى القسطنطينية الغلال التي كانت تأتيها عن طريق البحر الأسود. ولقد ~~تم إنجاز المشروع في أغسطس سنة 1452 ولم يستطع الإمبراطور البيزنطي غير إمداد العمال ~~الأتراك بالأغذية حتى يسترضي قلب السلطان الغاضب الثائر. ثم حاول بعد ذلك أن يلجأ إلى ~~مهاجمة هؤلاء العمال وطردهم وتدمير ما أنشئوه، ولكن قوات السلطان كانت تقضي على هذه ~~المحاولات بالقوة. ولا تزال آثار التحصينات العثمانية باقية إلى الوقت الحاضر كمظهر من ~~مظاهر ms029 النشاط الهائل الذي عرفه التاريخ عن ذلك السلطان القاهر. # وكانت النتيجة الحتمية لبناء ذلك الحصن ولمقاومة البيزنطيين أن أعلن السلطان الحرب ~~رسميا على الإمبراطور البيزنطي على أساس اعتداء البيزنطي على جنوده وعماله. # لقد عمل إنشاء ذلك الحصن على إدخال الذعر والخوف في قلوب البيزنطيين سكان المدينة ~~وبقية رعايا الدولة. فلقد ترك السلطان في ذلك الحصن حامية قوية من جنود مختارين بقيادة ~~فيروز آغا، وأمره بإيقاف جميع السفن التي تمر ببوغاز البوسفور، وأن يفرض عليها إتاوة، ~~هي ضريبة المرور، وجهز الحصن بالمدافع القوية التي تجعل إرادته وأوامره محترمة. # وأخذت حامية ذلك الحصن تعتدي بانتظام على الجهات المجاورة، وفهم الإمبراطور البيزنطي ~~أخيرا أن محاولته المحافظة على السلام بأي ثمن لن تفيده شيئا، فلا شيء يرضي ~~العثمانيين غير القضاء على ملكه وغير الاستيلاء على مدينته؛ ولذا عقد العزم على الموت ~~في عاصمته هو ورعاياه فأغلق أبواب القسطنطينية وبعث إلى السلطان محمد الثاني بما عزم ~~عليه؛ ففي 6 أبريل كتب قسطنطين رسالة للسلطان العثماني يقول فيها: # لما كان من الجلي أنك تريد الحرب أكثر من السلام، ولما كنت غير مستطيع أن ~~أقنعك بإخلاصي واستعدادي لأن أكون تابعا لك؛ لذا فالأمر لله، وسأحول وجهي إلى ~~الله، فإذا كانت إرادته تقضي بأن تصبح هذه المدينة مدينتك، فلا مرد لقضاء ~~الله وقدره، وأما إذا ألهمك الرغبة في السلام، فسأكون سعيدا ما بقيت، ومع ~~ذلك فإني أعفيك من كل تعهداتك واتفاقاتك معي، وسأغلق أبواب هذه المدينة وأدافع ~~عن شعبي إلى آخر قطرة من دمي ... # هذه كانت روح مدينة القسطنطينية أو الفريق الأكبر فيها حين قررت عدم الخضوع، وصممت ~~على الدفاع إلى النهاية. أقفل الإمبراطور أبواب المدينة وقبض على كل الأتراك الموجودين ~~في داخلها، فأرسل إليه السلطان محمد الثاني بإعلان الحرب، ويروي خصوم السلطان المسيحيون ~~المعاصرون له أن السلطان أمر بقطع رءوس مبعوثي الإمبراطور البيزنطي، وهذه الرواية تحتاج ~~إلى دليل، وظهر السلطان بعد ذلك بجيش يبلغ خمسين ألفا بجوار الأسوار، ثم رجع إلى أدرنة ~~فلم يقم الإغريق بأية حركة ms030 معادية. كان غرض السلطان من هذه الزيارة القصيرة التي دامت ~~ثلاثة أيام الاستطلاع ، وبحث موقع القسطنطينية، ودراسة قوة الأسوار والأبراج. # رجع السلطان إلى أدرنة حيث أتم استعداداته، وعمل على منع أخوي الإمبراطور في شبه ~~الجزيرة الإغريقية من مده بالمساعدة. وذلك بأن أرسل جيشا قويا إلى المورة بقيادة ~~طورخان فاكتسح بلاد المورة من أقصاها إلى أقصاها، وتمكن من وقف أي إمدادات مقصدها ~~المدينة المحاصرة. # وكان لبناء ذلك الحصن على ضفة البسفور أثر كبير في حركة المرور بالبوسفور، فلما حاولت ~~بعض السفن الآتية من البحر الأسود ومقصدها القسطنطينية، لما حاولت هذه السفن المحملة ~~بمواد التموين المرور ولم تأبه لأوامر الحصون العثمانية دمر بعضها وقتل الكثير من ~~رجالها. وبذلك ثبط العثمانيون من عزم أصحاب السفن التجارية، وشلوا حركة النقل. # ولقد جمع السلطان محمد الثاني في قصره في أدرنة قواد جيشه، ورسم لهم خطته، وذكرهم ~~بمجد أسلافه وبانتصاراتهم الباهرة، وبين لهم أن قوة الإمبراطورية البيزنطية قد ضعفت ~~واضمحلت، وأنه لم يبق أمامهم سوى عقبة واحدة في سبيل فناء هذه الإمبراطورية، فيجب ~~الاستيلاء على مدينة القسطنطينية بأي ثمن، وأن الظروف السياسية والحربية مواتية، ولدى ~~الأتراك القوة الكافية لتحطيم أي مقاومة، وأنه يجب الإسراع بإنجاز هذه المهمة قبل أن ~~تستعد أوروبا للقيام بنجدة هذه المدينة، وقبل أن تصلها الإمدادات والمؤن التي قد تطيل ~~أمد الحصار؛ ولذا لا بد من بدء هذه الحرب والسير فيها إلى أن ينزل الله نصره. # ونفذ السلطان محمد الثاني مشروعه بقوة وعزم منقطعي النظير، كان قادرا بطلا ذا جراءة، ~~وشكيما منظما حديدي الإرادة، وتم استيلاؤه على كل الحصون التي لا زالت باقية ~~في تراقيا حتى يحمي مؤخرة جيشه، وكذلك احتل كل المدن الواقعة على البحر الأسود وبحر ~~مرمرة، واكتسحت جنوده ضواحي العاصمة، فبلغ الذعر فيها منتهاه، وعم القلق، وتناقل ~~الناس الأقاصيص والخرافات والأساطير، وكثرت التنبؤات عن مصير المدينة المنكودة الحظ، ~~وتزايدت النذر باندثار أعظم مدينة مسيحية، وأحس المسيحيون بهزات أرضية عنيفة، وفي ~~السماء كثر الرعد والبرق، وهطلت الأمطار المتدفقة، وخيل للقوم أن ms031 نجوما جديدة في ~~السماء قد ظهرت، لقد عمت الهستريا في الواقع عقول سكان المدينة المحاصرة، فكثرت ~~أقاويلهم، وتبلبلت ألسنتهم وهلعت نفوسهم، وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله ~~الظنون. # ولكنه في نفس ذلك الوقت العصيب كان الإمبراطور الشجاع قسطنطين وزمرة من الشجعان من ~~أهل المدينة قد أخذوا في تحصين المدينة، وإعداد وسائل الدفاع بكل ما استطاعوا من قوة ~~حسبما سمحت لهم الظروف، وكان أول واجب هو إصلاح الأسوار المتهدمة التي أبلاها الدهر، ~~وعفت أمام إغارات الغازين المتكررة. واستعملت لذلك أحجار القبور وكثير من الآثار ~~القديمة والمنازل، وجمعت الذخائر والأسلحة بكل سرعة، وكذا الغلال والزيت، وجمعت الأموال ~~التي يمكن الحصول عليها، وبعثت البعثات الصارخة إلى أوروبا، تطلب القوت والنجدة وتبكي ~~حظ المسيحية في كل مكان فيه للمسيحية سلطان وقوة، واستمر ذلك طوال ذلك الشتاء الكئيب ~~المكفهر، وكان معظم سكان المدينة قد فقد الأمل من وصول أي نجدة، وإن كان المسيحيون في ~~أوروبا قد ظلت لديهم بعض الآمال في حدوث معجزة تنقذ حصن المسيحية الشرقي. # وثابر السلطان على تجهيز استعداداته للهجوم وتنظيم وسائله، فجمع جيشا عظيما ربما ~~بلغ ربع المليون أو أكثر كما يرى هامر، وأنشأ أسطولا ضخما، وشحن حصونه بالأسلحة ~~والذخيرة للقضاء على هذه المدينة البائسة. ومن شهر فبراير سنة 1453 بدأ بإرسال مدافعه ~~وأخذ في الإسراع بإنشاء السفن. وقامت بعض السفن الإغريقية بالهجوم على الشواطئ التركية ~~الإسلامية، فأخذت من قدرت عليه، وقتلت من قتلت، وخربت ما خربت، وباعت في الأسواق من ~~باعت، فلما علم السلطان بذلك استشاط غضبا، وأقسم لينتقمن من سكان المدينة شر ~~انتقام. # وكان الإمبراطور قد علم بهذه الاستعدادات العظيمة - كما يقال - عن طريق خليل باشا وزير ~~السلطان، الذي يرى بعض المعاصرين أنه لم يكن مخلصا للسلطان بدليل اتصاله بقسطنطين ~~وإخباره بما يعتزم عليه السلطان محمد الثاني من إيقاد نار الحرب والاستيلاء على ~~المدينة. ولكنا لا ندري إذا كان خليل باشا قد كشف للإمبراطور البيزنطي عن أسرار مولاه ~~أو عن خططه الحربية حتى تستطيع اتهامه بالخيانة. وعلى أي حال لقد ms032 ظل السلطان يثق به ثقة ~~كبيرة طوال وقت الحصار وإن لم يأخذ برأيه في فك الحصار عن المدينة. ولكن حين تجمعت له ~~الأدلة عن اتصاله بالأعداء وذلك بعد سقوط القسطنطينية أمر بضرب عنقه. # ولقد استمرت استعدادات كل من الأتراك والبيزنطيين طول وقت الشتاء، وجاءت إلى ~~القسطنطينية بعض الإمدادات الضعيفة مثل سفينتين بندقيتين استطاعتا بصعوبة أن تنفذا من ~~البوسفور وتلقيا مراسيهما في القرن الذهبي. # وجاء الكاردينال إيزيدور مبعوث البابا بمائتي مقاتل لنجدة المدينة ولإتمام توحيد ~~الكنيستين الشرقية والغربية، وتبعته ثماني سفن من كريت تحمل النبيذ للمحاصرين، وكثرت ~~اجتماعات المجالس واللجان في القسطنطينية وزاد طلب النجدات، وبعثت البعثات إلى المجر ~~تطلب العون من بطلها هونيادي بألا يترك إخوانه البيزنطيين يسقطون صرعى في أيدي الأتراك ~~العثمانيين. ولكن هذه الاستغاثات لم تجد استجابة ولم تلق غير التأييد اللفظي. # ثم جاء جون جوستينياني الجنوي على سفينة محملة بالمؤن والذخائر، ومعها أخرى وخمسمائة ~~من رجاله فكانت جملة من معه سبعمائة. ولقد استقبله الإمبراطور استقبالا عظيما، ~~وعينه قائدا لقوات البرية. # وسيظهر ذلك المغامر الكونديتيري الحقيقي مهارة وشجاعة ممتازين، كما سيبدي نشاطا ~~بالغا الحد، ولقد أعجب السلطان بشجاعته - كما يقول هامر - وحاول الاتصال به. لقد قدم ~~متطوعا للدفاع عن حصن المسيحية الشرقي، وكان هو ورجاله نخبة المدافعين عن المدينة ~~الخالدة وخيرتهم. وأخذ جون جوستينياني على عاتقه من وقت تعيينه أمر تنظيم الدفاع عن ~~القسطنطينية. فنظم وضع مدافعه الصغيرة على الأسوار في نقط معينة، وقسم المدافعين عن ~~القسطنطينية حسب شعوبهم وأجناسهم، وخصص لكل واجباته، وقام بمهمة ليست بالبسيطة وهي تدريب ~~هؤلاء الرهبان والمدنيين الذين يجهلون فن الحرب كلية، وليس لديهم من وسائلها إلا الحماس ~~لها والرغبة في النضال ضد المسلمين لإنقاذ مدينتهم الجميلة، والتضحية بأرواحهم فداء ~~لها. # وعمقت الخنادق الموجودة في الناحية الشرقية، وكان الإمبراطور يشجع هؤلاء المجندين ~~ويقوي من ثقتهم بأنفسهم ويبين لهم أن العذراء لن تترك مدينة المسيحية الخالدة لتسقط في ~~أيدي المسلمين الطامعين. # وخصص الإمبراطور لجون جوستينياني الجنوي وأتباعه مهمة الدفاع عن النقط الخطرة ~~والأبواب المهمة. ms033 وأجمعت كلمة الجميع إغريق وبنادقة وجنويين وكتلان كاثوليك وأرثوذكس ~~على ضرورة الدفاع عن مدينتهم إلى آخر رمق من حياتهم، وإنقاذ أكبر حصن في أوروبا من أن ~~يقع في أيدي الآسيويين الغازين. # وقرر الإمبراطور وضع سلسلة لإغلاق القرن الذهبي أمام السفن الفاتحة، تبدأ من طرف ~~المدينة الشمالي الشرقي، وتنتهي عند ضاحية غلطة، وهي مدينة جنوية مستقلة، وترك لهؤلاء ~~الجنويين أمر حمايتها عند طرفها الشمالي. وهذه السلسلة هي التي وقفت أمام الأسطول أو ~~الأرماد التركي وعملت على حماية السفن التي تجمعت وراءها، لقد لعبت هذه السلسلة دورا ~~هاما في الدفاع عن المدينة المحصورة. # وفي نهاية شهر مارس كانت استعدادات السلطان محمد الثاني لفتح القسطنطينية قد تمت، ~~وكان قد دمر كل القرى المجاورة لها، فلم تعد المدينة الكبيرة تستطيع الاتصال بالبلاد ~~المجاورة لها، أو تستفيد منها وكان عليها أن تعتمد الاعتماد كله على المؤن والذخائر ~~الموجودة بداخلها، وأن تنتظر ما قد يستطيع أن يصل إليها من إمدادات من الخارج، وكان ~~وصول الإمدادات صعبا، إن لم يكن مستحيلا كما سنرى. # تمت استعدادات السلطان محمد الثاني للحصار؛ ففي أدرنة عاصمته الأوروبية ومعسكر ~~الأتراك العظيم تجمعت الجنود العثمانية الآسيوية والأوروبية الفرسان والمشاة، النظامية ~~وغير النظامية، وبين هذه الجنود الغير النظامية والباشبوزق عدد كبير من المسيحيين الذين ~~لا هم لهم غير القتال والقتل والغنيمة والسلب والنهب، وهم لا يخضعون في سلوكهم لقانون ~~ولا نظام ولا عرف ولا دين ولا إنسانية، وإنما يتبعون غرائزهم البهيمية قبل كل شيء ~~والأوامر التي يصدرها قائدهم إليهم. # كان حماس الجيش العثماني للقتال عظيما، وكان عدده كبيرا، ويعتقد رجاله أنهم يؤدون ~~مهمة سامية في الحياة، ويقومون بتنفيذ مشروع مقدس، ويعملون على رضا الرب، ويبتغون ~~المثوبة من الله، وينتظرون النصر، وينتقمون للمسلمين. كان بين هذا الجيش عدد كبير من ~~الملات (القضاة) والمشايخ والعلماء والدراويش يقوون روح الجهاد والحماس في الجنود، وكان ~~السلطان قد استصحبهم على عمد لا لاستغلالهم فقط في سبيل إنهاض القوى المعنوية للجنود، ~~ولكن تبركا بهم، وتيمنا بصحبتهم واحتراما لهم وإكبارا. # كانت ms034 الحركة دائمة والنشاط عظيما في كل من مدينتي أدرنة والقسطنطينية، لم تكن تغمض ~~لمحمد الثاني أو لقسطنطين عين. # لقد كانت استعدادات الأتراك الهائلة التي لم تخف على البيزنطيين عاملا على نشر الذعر ~~والخوف في المدينة المسيحية، وخاصة ما تناقلته الأخبار عن قوة مدفعية السلطان العثماني ~~ومدى تدميرها العنيف. كان الأتراك أول من استعمل الأسلحة الحديثة وأحسن استخدامها، ولم ~~يكن أحد من السلاطين يهتم بالمدفعية مثلما كان يهتم بها السلطان محمد الثاني. لقد علم ~~سكان مدينة القسطنطينية أن الأتراك يحاولون صنع مدفع عظيم لم يسبق له مثيل، وأن السلطان ~~يستخدم لذلك صانعا مجريا اسمه أربان، وكان ذلك الرجل قد عرض خدماته قبلا على ~~الإمبراطور البيزنطي، فلم يمنحه المكافأة التي كان ينتظرها، فأسرع إلى الأتراك يعرض ~~عليهم اختراعه. ما كان البيزنطيون يستطيعون الاستفادة من اختراع ذلك الرجل، فحالة أسوار ~~مدينتهم ما كانت تسمح بوضع مدفع كبير عليها. على أي حال استقبل محمد الثاني ذلك الرجل ~~استقبالا حسنا، وأغدق عليه الأموال والخيرات وكل ما يصبو إليه من شرف، وعرف السلطان ~~كيف يستغله أكبر استغلال، وسهل له كل الوسائل لإتمام مخترعه. واستخدم السلطان المدفعية ~~في ذلك الوقت على نطاق لم تعرفه من قبل. # حصار القسطنطينية # 3 # وفي أوائل أبريل، في اليوم الخامس منه، ظهر الجيش العثماني أمام أسوار مدينة ~~القسطنطينية، بين دعاء العلماء والأشراف من آل بيت الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. ظهر الجيش العثماني ~~منظما تنظيما رائعا على نسق منقطع النظير في ذلك الوقت. وبدت الفرق بجانب الفرق في ~~أعلامها وطبولها وأبواقها وموسيقاها وخيلها ومدافعها المكونة من أربع عشرة بطارية، ~~واثنين وستين مدفعا ودواب الحمل الكثيرة العدد. # ونصب السلطان سرادقه محاطا بالخنادق على الشاطئ الأيسر لوادي ليكوس أمام الباب ~~المشهور بباب القديس رومانوس. وسلطت على ذلك الباب المدافع القوية البعيدة المدى. ثم ~~اتجه السلطان نحو القبلة وصلى ركعتين، وصلى الجيش كله، وبدأ الحصار الفعلي. # وانطلق العلماء وأهل الدين إلى الفرق العسكرية المختلفة يحثونها على القتال، واحتل ~~العثمانيون الخط الممتد من بحر مرمرة إلى ms035 القرن الذهبي محيطين بأسوار المدينة، ولم يهتم ~~السلطان بإعداد جنوده وتموينهم بالأسلحة والمدافع العظيمة والغذاء فحسب، بل اهتم ~~اهتماما زائدا بتنسيق عمل القوات، ووضع الخطط المنظمة التي يتعاون فيها الفرسان مع ~~المشاة مع المدفعية في الحصار والهجوم. # ولقد وضع السلطان محمد الثاني الفرق الأناضولية، وهي أكثر الفرق عددا بحيث تعسكر عن ~~يمينه إلى بحر مرمرة. وإلى شمال هذه الفرق وعن يساره عسكرت الفرق الأوروبية إلى القرن ~~الذهبي. والتف الحرس السلطاني المكون من نخبة الجنود وهم الإنكشارية، خمسة عشر ألفا ~~حول السلطان في الوسط، وكان عليهم تعضيد الهجوم في جهة باب القديس رومانوس، وهي أضعف ~~نقطة في الدفاع. # وشاهد سكان القسطنطينية ذلك المنظر المخيف من أعلى أسوار مدينتهم. وفي الوقت نفسه جمع ~~السلطان أسطولا عظيما هو أول أسطول تركي بالمعنى الصحيح في مدينة جاليبولي وهي قاعدة ~~العثمانيين البحرية في ذلك الوقت، وأمر السلطان ذلك الأسطول فعبر بحر مرمرة إلى ~~البوسفور حيث ألقى مراسيه هناك، حيث انضمت إليه بعض السفن العثمانية من البحر الأسود، ~~فأضاف منظره إلى منظر الجيوش المحاصرة روعة على روعة، وقوة على قوة، وعمل على زيادة ~~الذعر في المدينة المحاصرة. # واقترب العثمانيون من الأسوار، وعندئذ طلب السلطان من الإمبراطور أن يسلم المدينة ~~للأتراك ويتعهد السلطان بأن يحترم حياة سكانها وممتلكاتها، وطلب محمد من قسطنطين ذلك ~~الطلب حقنا للدماء ورحمة بالسكان، ولكن الإمبراطور قسطنطين رفض ذلك الطلب رفضا ~~باتا، فلم يكن للسلطان مفر من الحرب. # درس السلطان محمد الثاني حالة الأسوار وقوتها من القرن الذهبي إلى بحر مرمرة بنفسه ~~لكي يكشف عن النقط الضعيفة، ثم استعرض جنوده وقوى من روحهم المعنوي ووعدهم بالنصر، ثم ~~قسم القيادة فجعل زغنوس باشا - وأصله ألباني - على رأس الجيش غير النظامي الذي يعسكر ~~على أعالي بيره، وعليه مراقبة سكان غلطة الجنويين، وعليه أن يمنعهم بالقوة إذا استلزم ~~الأمر من مد يد المساعدة إلى المدينة المحاصرة. # وجعل صاريجه باشا على الميسرة وهو بايلرباي «حاكم» روملي وواجبه الهجوم على المدينة ~~من أعالي القرن الذهبي، وجعل الإشراف على ms036 المدفعية العثمانية وجعل على جنوده الآسيويين ~~أو الأناضولية إسحق باشا بايلرباي الأناضول هو ومحمود باشا ، وكل منهما عظيم الامتياز ~~كبير التجربة في أمور الحرب، وجعل السلطان لنفسه هو وخليل باشا قيادة الوسط. وكانت ~~المدفعية العثمانية في ذلك الوقت أكبر مدفعية عرفها العالم. # وجعل السلطان مهمة الأسطول تنحصر في منع وصول التموين الغذائي والحربي عن طريق البحر ~~إلى المدينة، ومهاجمة السفن المسيحية التي تحرس السلسلة التي تغلق القرن الذهبي، ~~ومحاولة اقتحام القرن الذهبي والقضاء على السفن الراسية فيه، والتعاون مع الجيش البري ~~في حصار مدينة القسطنطينية. كان ذلك الأسطول مكونا من حوالي ثلاثمائة سفينة هي بطبيعة ~~الحال أصغر بكثير وأقل قوة من سفن أعدائه وإن كانت أكثر منها عددا. # لقد هوجمت القسطنطينية من كل ناحية ما عدا ناحية القرن الذهبي فلقد كانت محمية ~~بالسلسلة وبالأسطول الراسي في الميناء. # كانت أسوار القسطنطينية بالرغم من الخراب الذي لحق بعض أجزائها منيعة، استطاعت أن ~~تدفع عنها الأعداء في كل العصور؛ فهذا السور العظيم الممتد من القرن الذهبي إلى بحر ~~مرمرة من عجائب الدنيا حقيقة في ذلك الوقت، تعاهده الأباطرة في مختلف العصور بالإصلاح ~~والترميم أمام مرور الزمن وجحافل الأعداء العديدين. وهو لا يزال إلى الآن مظهرا من ~~مظاهر عظمة هذه المدينة الخالدة بأبراجه ومرتفعاته ومنخفضاته التي تنحني حسب الأودية ~~والتلال مستندة إلى سماء زرقاء صافية، وفي كل زاوية من ذلك السور العظيم يقوم حصن قوي، ~~ولكن ذلك السور كان في حالة سيئة نوعا، ويحتاج إلى إصلاح وترميم في الوقت الذي حوصرت ~~فيه هذه المدينة. وكما تقول المصادر الإفرنجية المعاصرة لم يقم المهندسان اللذان كلفا ~~بالإصلاح والتعمير بمهمتهما كما تقضي النزاهة والواجب، وأما السور الداخلي فظل على ~~حالته من الخراب لم يرمم الترميم الكافي. لقد اعتمد سكان المدينة كلهم على السور ~~الخارجي بحصونه وأبراجه القوية. # وأمام الجيش العثماني العظيم ومدفعيته الهائلة، وأمام ذلك الأسطول الكثير العدد وقف ~~عند باب القديس رومانوس - أخطر نقطة في السور - ثمانية آلاف من المدافعين كما تقول ~~المصادر الإفرنجية، ولكن يجب ms037 ألا ننسى أن عددا كبيرا من سكان المدينة قد جند للدفاع ~~عنها أو لمساعدة الدفاع ونقل أدواته، بل وترميم الأجزاء التي تخربها المدافع. # ولا يجب أن ننسى أيضا أن هؤلاء المدافعين كانوا يدافعون من وراء أسوار مدينة أقل ما ~~يقال فيها أنها من أمنع مدن العالم في ذلك الوقت، ولا ريب في أن حامية صغيرة منظمة ~~مجهزة بوسائل الدفاع الحديث تستطيع القيام بمهمة الدفاع خير قيام، وتستطيع رد الغازين ~~على أعقابهم خاسرين. # كانت أهم فرقة في المدافعين عن المدينة العظيمة فرقة الأجانب، وهي مكونة من ثلاثة آلاف ~~مقاتل من الطراز الأول، وهي تتألف من جنويين وبنادقة وعناصر من كريد ورومة وإسبانيا ~~وبعض المرتزقة من الأتراك أنفسهم. وهنا نسأل: هل جاء المدينة مدد حقيقي من الدولتين ~~اللتين يهمهما مصير القسطنطينية: جمهوريتي البندقية وجنوة؟ لم تقدم الدولتان مساعدة ~~حقيقية للمدينة في محنتها العظيمة. وهذا لا يمنع أن أفرادا من هاتين الجمهوريتين قد ~~قبلوا عن طيب خاطر التطوع للدفاع عن هذه المدينة المسيحية الكبيرة، وبذل دمائهم في ~~سبيلها. ربما كان دافع هؤلاء دينيا الحماس للكاثوليكية، وربما كان المصالح المادية ~~والتجارية، وربما كان حب المغامرة ومقابلة المخاطر الجسيمة وركوب الصعب. وربما كان هذه ~~الدوافع كلها مجتمعة. # بالرغم من ذلك وقفت مستعمرة غلطة الجنوبية، وجارة القسطنطينية من ناحية الشمال، وقفت ~~موقف الحياد التام حرصا على رضا السلطان القوي، وتمسكت به، فلم تساعد أحدا من ~~الفريقين، ولم تنصر أحدهما على الآخر. # ونندهش للمساعدة الضئيلة التي قدمها الغرب، فهل أصبح مصير قاعدة المسيحية في الشرق لا ~~يهم الغرب؟ لم تكن مسألة اتحاد الكنيستين الشرقية والغربية محبوبة حبا جما. ولذا ~~قاتل أفراد ذلك الفريق القليل المتطوع وحدهم بقوة وشجاعة وحماس إلى النهاية، إلى أن ~~بذلوا دماءهم فداء للمدينة، ولكن ذكراهم لم تنس، ولم يندثر تاريخهم، فلقد أرخ لهم أحد ~~زملائهم ومواطنيهم ممن قاتل وضحى معهم وهو باربرو، وبجانب هذا الفريق ألفان ممن عسكروا ~~في السفن الراسية في القرن الذهبي والسفن التي كلفت بالدفاع عن الميناء. # لم تجد أوروبا ms038 العظيمة غير ثمانية آلاف من الجنود المدربين حقيقة لدفع أكبر خطر عرفه ~~العالم على مدينتها العظمى بينهم عدد قليل لا يزيد عن الألف من الجنود المدرعين. # وعسكر الإمبراطور وحشد جنوده في ناحية وادي ليكوس، وهي المنطقة الضعيفة في الأسوار ~~عند باب القديس رومانوس، وعقد المجالس الحربية لتنظيم أمور الدفاع عن المدينة، وعهد إلى ~~جون جوستنياني الدفاع عن هذه الناحية، ولم يكن لدى المدافعين مدفعية قوية، وحتى مدافعهم ~~الصغيرة لم يستطيعوا نصبها على الأسوار التي أصبحت في حالة رثة، فهي لا تحتمل المدافع ~~ولا طلقاتها. # كان تسليح المحاصرين بصفة عامة سيئا، فلم يكن لديهم السلاح الكافي ولا السلاح الجيد، ~~ولكن كانت عندهم النفوس القوية والعزائم الحديدية قد جعلوا نذرا قتال الأتراك حتى ~~الممات. # وفي هذه الأثناء كان بلطه أوغلي قائد الأسطول العثماني قد نفذ أوامر سيده بدقة وراقب ~~بأسطوله حركات الأعداء عند مدخل القرن الذهبي، وبعث جزءا من أسطوله لمهاجمة الجزر ~~القريبة في بحر مرمرة، فأحرق بعضها وباع سكانها الذين نجوا من عذاب الحريق. # وتمكن العثمانيون من نصب مدافعهم الضخمة القوية أمام الأبراج وأخذوا في ضرب المدينة ~~ودق أسوارها بقنابل زنتها مائتا رطل وساروا في عملهم بنشاط وحماس لا نظير لهما. # وكان على المحاصرين أن يراقبوا بحزن عميق وقلق ضرب مدينتهم الجميلة، وهذه القنابل ~~الكبيرة تنهال على أسوارها فتحدث الخراب والدمار، وتحدث رجة وهزات عنيفة، كما كان على ~~سكان المدينة أن يراقبوا حركات الأسطول العثماني، وأخذوا يدأبون على إصلاح الأسوار ~~وتعمير ما دمر منها من جديد، وكان الجهد الذي يبذلونه قاتلا، لا يستطاع معه الصبر مدة ~~طويلة، وعانوا من الذعر والفزع والتعب ما لم يعانه سكان مدينة أوروبية في العصور ~~الوسطى. # وكانت هناك بعض مناوشات في أول الأمر من ناحية الإنكشارية الذين كانوا يسخرون من ~~الموت، كما يقول معاصروهم من الإفرنج؛ فلقد كانوا يغشون ساحة الوغى كالأسود الكاسرة ~~التي لا تفكر في شيء، وإذا سقط وحدان منهم حملهم الآخرون على ظهورهم متعرضين للموت، ~~متجشمين الخطر، مسارعين إلى الهجوم، فإذا قتلوا حملهم ms039 آخرون من زملائهم بحيث لا يبقى ~~منهم أحد ثاويا بجانب الأسوار. # ولذا لم يستطع المحاصرون النوم لحظة من الوقت أمام الضرب المتواصل وأمام خطر الهجوم ~~الذي يهدد من لحظة إلى أخرى، وأمام الهجوم البحري الذي قد يقتحم القرن الذهبي. # وفي أثناء الحصار جاءت مكاتبات من هونيادي المجري يعلن فيها إلى أهل القسطنطينية أنه ~~قد أعاد أمور الدولة إلى الملك فلاديسلاف، وأنه أصبح من أجل ذلك في حل من اتفاقه مع ~~السلطان محمد الثاني، ربما ظهر ذلك الموقف الجديد في مصلحة البيزنطيين فقد يهدد هونيادي ~~ومن معه من المجر حدود بلاد السلطان من الشمال الغربي مما قد يدعو السلطان إلى رفع ~~الحصار عن المدينة فترة من الوقت تستطيع معها التنفس. ولقد أطلع السلطان مبعوثي المجر ~~على مدفعيته العظيمة وانصرف المبعوثون سالمين إلى بلادهم، وانتهى الأمر عند هذا ~~الحد. # وبعد مرور أسبوع من الحصار كان التلف بجدران الأسوار قد وصل إلى درجة ظن فيها أن ~~الترك سيقومون بهجوم لاقتحام أسوار المدينة عنوة. ولذا في 18 أبريل بدأ هجوم عنيف على ~~الأسوار هلك فيه جم غفير من الأتراك، وإن كانوا بأصوات طبولهم وأبواقهم وتكبيراتهم ~~يظهرون أكثر عددا مما هم. وبلغ الأمر حدا أن الإمبراطور البيزنطي كاد يهلك من الجزع، ~~ولم يجد غير الدموع يطفئ بها لهيب جزعه على مدينته وعاصمته الكريمة. لم يكن المدافعون ~~مستعدين تماما لهذا الهجوم غير المنتظر، ولكن كما يقول باربرو مؤرخ فتح هذه المدينة: ~~«لم يسمح الله بدخول الأعداء المدينة هذه المرة.» وانتهى الهجوم دون نتيجة بعد أربع ~~ساعات في نضال مستمر عنيف ومحاولات لتسلق الأسوار ونقبها. # وكان هذا الفشل المؤقت الذي لحق محاولة الأتراك داعيا إلى تقوية نفوس البيزنطيين ~~وحلفائهم من الأجانب، وزيادة ثقتهم بأنفسهم وتضاعف مجهوداتهم لإصلاح العطب الذي نال ~~الأسوار، وشكر الإمبراطور قسطنطين وقساوسته الله على ذلك النجاح. # وقامت مع هذه المحاولة محاولة من الأسطول العثماني لاقتحام القرن الذهبي، وكان ~~الأسطول مجهزا بكل وسائل الحرب المعروفة في ذلك الوقت، ويحمل عددا كبيرا من ~~المحاربين ويسير معظم ms040 سفنه بالمجاديف، تقدمت السفن العثمانية بعددها ورجالها لمهاجمة ~~السفن التي تحمي مدخل القرن الذهبي، ولكي تقطع السلسلة ومن القرن الذهبي تحاصر المدينة ~~من ناصيتها الغير محمية. # ويظهر أن رجال البحرية العثمانية لم تكن لهم الدراية الكافية ولا العدة اللازمة للحرب ~~البحرية، وأصابهم كذلك بعض الزهو والغرور بكثرة عدد سفنهم، ولم يقدروا تماما ما لعدوهم ~~من قوة وخبرة ومعرفة بأمور الحرب البحرية. هاجمت السفن العثمانية أعداءها، وألقت ~~بأحجارها ورمت بأسهمها النارية وطرحت بقوارير النفط نيرانها ومشاعلها، اقتربت من سفن ~~الخصوم تحاول إحراقها وتدميرها، حاولت قطع حبال سفن الأعداء ومراسيها، وأضاء الجو ~~بالنور، بالمشاعل فكان منظرا باهرا. # وأما سفن المسيحيين فلقد أظهرت جلدا وصبرا كبيرين، وكانت أكبر وأضخم وأعلى من السفن ~~العثمانية، فكانت تستطيع إصابة سفن العثمانيين، ولا تستطيع سفن العثمانيين إصابتها ~~بسهولة، وكانت مستعدة بعد ذلك للقتال تمام الاستعداد، ونظمت مواقفها بحيث تجعل الدفاع ~~سهلا، ودفعت أحجار الترك بأحجارها وأسهمهم بأسهمها ونيرانهم بالأواني المعدة لصب ~~الماء. حاول الترك اقتحام السلسلة، وحاول المسيحيون منعهم ونجحوا في ذلك، واضطر الأسطول ~~التركي إلى الانسحاب يتبعه صياح الأعداء وتهليلهم بفوزهم ونصرهم. # ولكن عزيمة السلطان محمد الثاني لم تكن تعرف الكلل أو اليأس فحاول اختراع وسيلة لضرب ~~أسطول الأعداء من البر بمدافعه الكبيرة وإغراقه في مراسيه، ولكن هذه الخطة لم تكن ناجحة ~~وإن كانت أحرزت بعض النجاح، فلجأ إلى غيرها. # ثم حدث في 20 أبريل أن أقبلت ثلاث سفن جنوية كبيرة وأربعة أخرى تحمل جنودا ومؤنا ~~وبضائع وسلاحا، وهي آتية من الجنوب، ورأى الأتراك هذه السفن الثلاث تقترب من المدينة ~~المحاصرة. عند ذلك أمر السلطان قائده البحري بمهاجمة هذه السفن مباشرة ومنعها من الوصول ~~إلى المدينة المحاصرة والاستيلاء عليها أو تدميرها، وختم السلطان أمره إلى قائده: «إذا ~~لم تنجح في ذلك فلا ترجع لي حيا.» # وكان عدد السفن العثمانية التي أمرت بمهاجمة السفن الأربع الجنوية مائة وخمسين من ~~أحجام مختلفة، فكيف استطاعت سفن الأعداء القليلة العدد الهرب أمام ذلك الأسطول الضخم؟ ~~تم ذلك بمعجزة من المعجزات ms041 ما كانت منتظرة. # لقد أصاب العثمانيين الغرور هذه المرة بشكل أوضح من المرة السابقة، فعددهم يتفوق ~~تفوقا حاسما، وكانوا واثقين تماما من الانتصار وبلوغ مرادهم. ولقد دقت طبولهم ~~ومزاميرهم، وعلت أصواتهم وتكبيراتهم وكان سكان المدينة يرون من على أسوارهم وبقلق ~~متزايد السفن التي أتت لتقضي على سفن أصدقائهم، لقد ظن بلطه أوغلي أن قوته ستقضي على ~~الأعداء بسهولة. # طلب الأسطول التركي من هذه السفن التسليم وإلا يصيبها الدمار، ولكن السفن المسيحية ~~رفضت بإباء وشمم، وقامت معركة دامية زاد فيها الصخب وعم الهدير وكثرت اللعنات من ~~الطرفين، وسقط القتلى والجرحى من الأتراك، كانت الريح في أول الأمر تساعد السفن ~~الجنوية، ثم وقفت الريح فجأة فتحول الموقف لصالح الأتراك وقام قتال عنيف بين ~~السفن. # ولكن الإيطاليين كانوا مدرعين بالصلب وسفنهم متفوقة في الحجم والقوة؛ ولذا ظل الأتراك ~~بالرغم من وفرة عدد سفنهم في مركز ضعيف. وكان سكان المدينة يشاهدون الموقعة، ولا ~~يستطيعون لمن جاءوا لمساعدتهم نصرا، ولكنهم كانوا يدعون لهم بالفوز ويرجون لهم ~~الملائكة والقديسين بالعون، وكان السلطان هو الآخر ينظر إلى الموقعة من الساحل، وينتظر ~~من حين لآخر القضاء على السفن المسيحية. # ظلت الموقعة مدة ساعات غير معروفة النتيجة، وهاجمت السفن التركية بقوات متجددة تحفزها ~~أوامر السلطان وهتاف الجيوش العثمانية على الساحل، وكادت تقضي فعلا على سفن الأعداء، ~~لولا أن عادت الريح فتحركت في صالح الأسطول المسيحي فأبعدت سفن الخصمين عن بعضهما، فسفن ~~المسيحيين سفن شراعية، بينما معظم السفن التركية تعتمد في الغالب على التجديف؛ ولذا ~~انتهت الموقعة رغم أنف الأتراك فلقد بعدت سفن جنوة عن الأسطول التركي، وتمكنت من دخول ~~الميناء آمنة مطمئنة، فكانت هذه معجزة في مصلحة أهل القسطنطينية الذين أذهلهم الفرح ~~لنجاة إخوانهم من هلاك محقق محيط، ثم لوصول المدد إليهم، وظنت مدينة القسطنطينية لحظة ~~من الزمن أنها قد أنقذت. # وجاءت بعد ذلك مقابلة بلطه أوغلي للسلطان الثائر الغاضب، وكان أمير البحر التركي قد ~~فقد إحدى عينيه في الموقعة، وبذل قصارى جهده، ولكن الحظ خانه. # ولكن غضب السلطان ms042 في ذلك الوقت لم يكن يعرف حدا، فعاقبه أشد عقاب، فأمر بجلده ~~وانتزاع أملاكه ونزعه من منصبه . # وليكن مجيء هذه السفن المحملة بالمؤن جعل أهل القسطنطينية يظنون أن ذلك مقدمة لمدد ~~آخر آت في الطريق أو على وشك المجيء، ولكن هذه الآمال لم تحقق فلم يظهر أي أسطول ~~آخر. # هذه الهزيمة التي لحقت بالأسطول العثماني زادت في تصميم السلطان محمد الثاني وعزمه ~~على الانتقام، فزاد ضرب المدافع للمدينة إلى درجة أصبح دويها يصم الآذان، وإلى حد أن ~~أحدث تلفا كبيرا بالأسوار وخاصة من ناحية باب القديس رومانوس. وفي هذه الأثناء كان ~~السلطان يجري تجربة على جانب عظيم من الأهمية، وكان أهل القسطنطينية قد ظنوا أن السلطان ~~سيقوم بهجوم عام على مدينتهم، ولكن التجربة التي كان يقوم بها محمد الثاني سيكون لها ~~أثر كبير في سقوط المدينة الحصينة. # وإذا كانت محاولة الأسطول العثماني اقتحام مدخل القرن الذهبي لم تنجح فلا بد في نظر ~~السلطان من تجربة يستطيع بها تحاشي الاصطدام بالسفن الموجودة في فم الميناء. ففكر في ~~نقل جانب كبير من أسطوله عن طريق البر من وراء غلطة وبيرا من البوسفور إلى داخل القرن ~~الذهبي. # فقد جمع السلطان الأخشاب اللازمة، وعمل حسابا للدفاع عن المشروع إذا حاول أهل ~~القسطنطينية عرقلته؛ فمهدت الأرض أولا، ووضع الخشب بطريقة يسهل عليها انزلاج السفن ~~وجرها. وكان أصعب جزء في المشروع هو نقل السفن على انحدار التلال المرتفع. ولكنا يجب أن ~~نلاحظ أن السفن العثمانية كانت بصفة عامة صغيرة الحجم خفيفة الثقل نسبيا. # تم المشروع بسرعة قبل أن يستطيع البيزنطيون التدخل والعمل على إتلاف السفن، فالسلطان ~~قد أخذ حذره تماما ولم يترك شيئا للظروف. ولذا في 22 أبريل نجح السلطان في نقل حول ~~سبعين سفينة من البوسفور إلى القرن الذهبي. # وكان هذا العمل عظيما بالنسبة للعصر، بل معجزة من معجزاته في سرعة التنفيذ. ولو أن ~~فكرته ليست من خلق السلطان محمد الثاني؛ فهي فكرة قديمة استخدمت في الماضي، ولكن ~~تطبيقها وتنفيذها بهذه السرعة وبهذه الدقة يدل ms043 بلا شك على عقلية ممتازة ونفس واعية ~~تستطيع الإحاطة بتفاصيل الأشياء، وهمة عظيمة، وإرادة فولاذية وعزيمة صادقة، ونشاط متدفق ~~لا يعرف الكلل والملل، ثم إلهام الناس بالطاعة التامة والتضحية بكل ما تمتلك النفس من ~~عزيز. وكان المحاصرون في مدينة القسطنطينية أكثر الناس تقديرا لذلك العمل الأجل ~~واهتماما، فما كان يستطيع التصديق به إلا من رآه، فلقد كان منظر هذه السفن تسير وسط ~~الحقول كما لو كانت تمخر عباب البحر من أعجب المناظر وأكثرها إثارة للدهشة. # وأعجب من هذا سرعة نقل هذه السفن على منحدر الجبل؛ مما يدل على كثرة الأيدي العاملة ~~التي كانت تقوم بتنفيذ ذلك المشروع الضخم وحماسها ونشاطها. لقد تم كل ذلك في ليلة ~~واحدة! وبهذا أصبح القرن الذهبي تحت رحمة مدافع زغنوس باشا. والفضل في ذلك للمهندسين ~~الأتراك؛ فلقد شهد معاصروهم حتى من الأجانب بمواهبهم ومقدرتهم الممتازة. # وفي أثناء نقل الأسطول العثماني عبر البر لم تقف المدافع العثمانية لحظة عن الضرب حتى ~~لا تحاول السفن الإغريقية الراسية في الميناء التحرك لمهاجمة السفن العثمانية الهابطة ~~في القرن الذهبي. # ولا يمكن تقدير الذعر في مدينة القسطنطينية حين ظهر الأسطول التركي في القرن الذهبي؛ ~~فكان من الضروري تحصين جبهة القرن الذهبي وترميم الأسوار الخربة، ووضع من يقومون ~~بالدفاع عنها، وخاصة وأن هذه الجهة كانت موطن الضعف في المدينة؛ إذ من هذه الجهة استولى ~~الصليبيون عليها في سنة 1204. # ما هذه الظروف المؤلمة لحامية قليلة العدد نال منها القتل والجراح والتعب! عليها الآن ~~أن تقسم نفسها لتدافع عن أخطر نقطة في أسوار المدينة. لقد حوصر الأسطول الإغريقي فلم ~~تعد له حرية الحركة، ووقع في خطر عظيم. # لقد كان الموقف ميئسا للغاية. فماذا تعمل بيزنطة أمام عدوها الهائج القوي؟ وكان على ~~المحاصرين أن يراقبوا بدقة حركات الأسطول التركي في القرن الذهبي خوفا من أن تدمر ~~سفنهم، وأخذوا يفكرون في كيفية تدمير الأسطول العثماني، ولكن هناك مغامرة في تنفيذ مثل ~~ذلك المشروع، لقد قال فريق بجمع السفن المسيحية ومهاجمة السفن الإسلامية الراسية على ~~الجانب ms044 الآخر للقرن الذهبي. # ولكن لتنفيذ مثل هذه الخطة كان من الواجب تعاون الجنويين في غلطة، ولكن الجنويين في ~~غلطة ما كانوا يجرءون على إعلان الحرب على السلطان أو القيام بعمل يرى فيه السلطان أي ~~اعتداء على حقوقه. # وقال فريق بإرسال قوة لمهاجمة السفن التركية وتدمير البطاريات الموجودة هناك. وقال ~~فريق ثالث بأن تقوم السفن المسيحية بمهاجمة الأسطول العثماني دون استشارة جنويي غلطة ~~أو موافقتهم، ويكون ذلك بسرعة قبل فوات الوقت. وأقر ذلك المشروع وقرر تنفيذه. # وفي 24 أبريل قامت سفينتان تؤيدهما سفينتان أخريان لتأدية هذه المهمة، ويقول المؤرخ ~~المعاصر باربرو بأن الجنويين أصحاب بيرا وغلطة «أعداء المسيحية» قد أعلموا السلطان ~~بالمشروع البيزنطي، فأخذ السلطان حذره واستعد استعدادا كافيا بتحصين المكان الذي تجمع ~~فيه الأسطول العثماني وأعده بالأسلحة اللازمة. لقد رأى الجنويون في هذه الحملة ~~البيزنطية حملة للبنادقة يجب معارضتها والعمل على إخفاقها. # فإلى هذا الحد تدخلت الأحقاد والمنافسات بين الجمهوريتين الإيطاليتين جنوة والبندقية، ~~وكان غرض الجنويين التقرب للسلطان على حساب بيزنطة والبنادقة. # كان على البيزنطيين الآن تقسيم قوات دفاعهم وتوجيه جانب لا بأس به من هذه القوات إلى ~~الدفاع عن ناحية القرن الذهبي، ولما كانت ~~قوات الدفاع قليلة العدد كان اقتطاع جزء منها معناه إضعاف الدفاع في النواحي ~~الأخرى. # وأحس البيزنطيون بذلك الخطر الجديد، ولا بد من العمل على مقاومة الأسطول التركي ~~الموجود في القرن الذهبي قبل أن يستفحل خطبه؛ ولذا وضع مشروع لتدمير السفن العثمانية في ~~مراسيها. ولم ينفذ المشروع البيزنطي الجديد إلا في 28 أبريل، فكلفت ثلاث سفن كبيرة وسفن ~~أخرى صغيرة بمهمة الهجوم، واختلف قباطنة السفن فيما بينهم، فأراد البعض التقدم في ~~الهجوم لينال شرف الفوز، فأصابهم جميعا الفشل الذريع، وانطوت سفنهم في اليم غرقى بمن ~~فيها، وانهزمت الحملة وسقط المشروع، ورجعت السفن المسيحية التي نجت بصعوبة من مدافع ~~الأتراك. # وكان لهذه الهزيمة أثر كبير على نفوس المحاصرين، فلقد فشلت آمالهم وتحطمت، وضاع جانب ~~كبير من ثقتهم بأنفسهم، وأما من استطاع من البحارة الإغريق أو الأجانب الوصول ms045 إلى ~~الشاطئ فلقد قبض عليهم الأتراك وضربوا أعناقهم تحت أسوار المدينة المحاصرة وتحت أنظار ~~البيزنطيين، وأجاب الإمبراطور البيزنطي على ذلك بأن أتى بمائة وخمسين من الأتراك ~~وشنقهم على الأسوار بمرأى من الجيش التركي. وقام النزاع الحاد بين البنادقة والجنويين ~~في القسطنطينية، وتحزب لكل من الفريقين بعض الأهالي، واتهم كل واحد منهما الآخر بأنه ~~سبب الفشل البحري السالف الذكر، وكادوا يتشاجرون لولا تدخل الإمبراطور البيزنطي في ~~الوقت المناسب، ونصحه للفريقين بأن يراعيا قبل كل شيء مصلحة المسيحية التي تعاني الآن ~~من خطر كبير لا يرحم حياتها ولا ضعفها. # واستمر الأتراك في دق أسوار المدينة وفي محاولات نقبها، واستمر البيزنطيون في محاولة ~~إصلاح العطب ليل نهار دون هوادة، ولكي يسهل السلطان محمد الثاني الاتصال بين جنوده على ~~الضفة اليسرى للقرن الذهبي وجنوده حول الأسوار، أنشأ قنطرة عظيمة عائمة ينتهي طرفها عند ~~نقطة ضعيفة في الأسوار البيزنطية؛ مما دعا المحاصرين إلى اتخاذ وسائل الحيطة في هاته ~~النقطة وتقسيم الدفاع الصغير العدد من جديد. # لقد زاد مركز المدافعين ضعفا على ضعف، فعددهم قليل ويتناقص باستمرار وبسرعة، وعليهم ~~الدفاع عن أسوار طويلة ضعيفة في بعض النقط، أمام مدفعية متفوقة، وعدو لا يرحم، فكان لا ~~يهدأ للمحاصرين بال، ولا يسكن لهم روع، ولا تطمئن لهم نفس أمام ذلك الضرب المتواصل من ~~كل جانب، بينما كان عددهم يقل، ورعبهم يزداد في كل وقت خشية مباغتة الأتراك لهم، ~~واستمرت الحال على هذا النحو إلى آخر اليومين الأولين من مايو، فبدأ يظهر للعيان ~~جليا عجز المؤن داخل المدينة وخاصة الخبز والنبيذ وكل ما يلزم لتقوية الجنود ~~المدافعين المرهقين. # وكان على المدافعين أن يتركوا مواضعهم في كثير من الظروف ويقطعوا المسافات الطويلة ~~داخل المدينة لاكتساب رزقهم وتناول الطعام مع عائلاتهم، ورأى الإمبراطور البيزنطي خطر ~~الموقف، فعمل على توزيع الطعام على الجنود في أماكنهم، وفي الوقت نفسه كان السلطان محمد ~~الثاني حريصا على تغيير المهاجمين ومن يقومون بالضرب بحيث يستطيعون الاستراحة ~~والاستجمام واستعادة النشاط. # وفي أثناء هذه الظروف القاسية فكر الإمبراطور ms046 في بعث سفينة لحث أسطول البندقية في بحر ~~الأرخبيل على الإسراع لمعونة القسطنطينية في أيامها الأخيرة، وبذل آخر مجهود لإنقاذ ~~أعظم مدينة مسيحية في البلقان، ولكن هذه السفينة التي تحمل آخر أمل للعاصمة البيزنطية لم ~~تجد الأسطول البندقي ورجعت خائبة حزينة آسفة. # ثم أمر السلطان بالهجوم على الأسوار مرة أخرى هجوما عنيفا، حينئذ طلب البطريرك ~~وعظماء القسطنطينية وجستنياني إلى الإمبراطور قسطنطين أن يترك العاصمة نهائيا وأن ~~يذهب إلى مكان آخر يستطيع منه إثارة الأمور على العثمانيين، فقد يضطرون إلى رفع الحصار ~~عن العاصمة، ووضع جستنياني إحدى سفنه تحت تصرف الإمبراطور، ووعد بمساعدته على الخروج من ~~عاصمته المحبوبة. وكان الغرض من هرب قسطنطين أن يجمع حوله شتات رعاياه، فربما استطاع ~~الاتفاق مع إسكندر بك الألباني أو البابا، ولكن الإمبراطور أنصت لهذا النصح ساكنا، ثم ~~أطرق مليا يفكر تفكيرا عميقا، ثم شكر أتباعه على النصيحة القيمة التي أسدوها وقال: # ربما يكون في خروجي من المدينة بعض الفائدة لي ... ولكنه من المستحيل أن أخرج، ~~وكيف أترك معابد لله يذكر فيها اسم الله؟ وكيف أترك موالي الرب ورجال الدين ~~والعرش والشعب في هذه المحنة العظيمة؟ ماذا يقوله العالم عني؟ إنني أرجوكم ألا ~~تذكروا في المستقبل هذه الكلمة «اخرج»، وإنما قولوا لا تتركنا، ولن أترككم ما ~~دمت حيا، فلقد عزمت عزما لا رجوع فيه على الموت معكم. # ثم بكى الإمبراطور وبكى معه البطريرك وكل الحاضرين. # في هذا الوقت تبدت شخصية هذا الإمبراطور العظيم وبطولته أمام أهوال ومحن تكل عن ~~تحملها الجبال الرواسخ. # وفي 12 مايو قام الأتراك بهجومهم العنيف، وكانت الأسوار قد نالها عطب كبير، ولكن ذلك ~~الهجوم لم يصب نجاحا كبيرا، وامتلأت الكنائس داخل المدينة بالمصلين الذين يدعون الله ~~قياما وقعودا بإنقاذ المسيحية في بلائها العظيم. # ووجد السلطان محمد الثاني أن يركز الضرب في منطقة باب القديس رومانوس، وهاجم ~~العثمانيون مرارا الأسوار على فم القرن الذهبي دون جدوى. وحاولوا حفر سراديب تحت ~~الأسوار ونجحوا في ذلك إلى حد ما، ولكن الإغريق نجحوا في القضاء ms047 على ذلك المشروع. ولكن ~~محاولات الأتراك هذه أقضت مضاجع السكان، فكانوا يخشون كل ليلة دخول الأتراك المدينة ~~فجأة بهذه الوسيلة، وتصوروا سراديب خيالية نجح الأتراك في إنشائها. # ولقد لجأ السلطان إلى بناء حصن متحرك سريع أمام الأسوار مما أدخل الرعب في قلوب ~~المحاصرين، وأنشأه بطريقة بحيث لا يمسك به اللهب، ويصيب كل آلات الرمي والضرب في ~~المدينة؛ مما جعل الدفاع في خطر شديد، فلقد تحطمت أربعة أبراج وامتلأ الخندق، وقام ~~الأتراك بهجوم عظيم في ناحية باب القديس رومانوس، ولكنهم اضطروا إلى الانسحاب مرة أخرى ~~أمام دفاع البيزنطيين اليائس؛ وبذا نجت المدينة، واحترق حصن الأتراك المتحرك بأكمله مما ~~زاد في فرح الإغريق، فعادوا يشكرون العذراء على إنقاذها لهم. # فتح القسطنطينية # ولكن السلطان محمد الثاني ما كان يعرف اليأس أو يتسرب إلى نفسه القنوط، فعاد إلى اتخاذ ~~خطط جديدة. وفي أثناء ذلك الوقت رجعت البعثة التي كانت أرسلتها القسطنطينية لتستحث أسطول ~~البندقية الذي كان يظن أنه موجود في البحر الأرخبيلي. لم تجد هذه البعثة الأسطول، ورجعت ~~متحطمة الآمال. ولما عرفت المدينة المحاصرة ذلك النبأ العظيم سكنت قلوب أهلها لحظة وذرفت ~~عينا الإمبراطور البيزنطي بالدموع، وكان ذلك آلم خبر تلقته المدينة البائسة المفزوعة التي ~~توشك أن تقع في أيدي أعداء حلفوا جهد أيمانهم ليستبيحنها. كان ذلك الأسطول آخر أمل لهؤلاء ~~المحاصرين المرهقين الذين لم يذوقوا طعم النوم ولا الراحة، كان آخر أمل لهم مجيء أسطول ~~البندقية لنصرتهم وإمدادهم وإعطائهم فرصة للأمل في الحياة والراحة والهدوء بعضا من الوقت، ~~ولكن توفي ذلك الأمل كما توفيت الآمال السابقة. # كان ذلك في مساء 23 مايو، وعرف أهل القسطنطينية أن المسألة مسألة أيام للهجوم التركي ~~العام والاستيلاء على المدينة. ولقد عقد الإمبراطور مجلسا للنظر في الحالة، فنصح أعضاء ذلك ~~المجلس له بالهرب، وإذا لم يمكن حماية المدينة، فيجب حماية الإمبراطور. عند ذلك أغمي على ذلك ~~الإمبراطور الذي ناءت به المخاوف وأنهكه بذل النشاط المتواصل، وكاد يقتله التعب المستمر فما ~~عرف راحة ولا هدوءا عقليا أو جسميا، ولكنه ms048 أبى إلا أن يشارك أهل المدينة مصيرهم، وقال ~~«إن عددا كبيرا من الأباطرة قد مات وهو يحمل السلاح ويقاتل في ميدان الحرب ، ولن يكون هو ~~الوحيد الذي يفر من ميدان القتال خوفا من الموت أو حرصا على الحياة.» # وأما في الجانب الإسلامي، فلقد عرف الأتراك العثمانيون أن المدفع وحده والصبر هما اللذان ~~سيقضيان على هذه المدينة؛ ولذا فالضرب مستمر ليلا ونهارا، واشتغل أهل المدينة رجالا ~~وشبانا وشيبا ونساء وأطفالا في تعمير العطب الفادح الذي لحق الأسوار، وانتظروا جميعهم في ~~هلع متزايد من ساعة لأخرى هجوما عاما للأتراك لا يبقي أمامه شيئا ولا يذر. # وكثرت الأوهام والخيالات، وتصور الناس ما شاء لهم التصور، فبعضهم تصور جيشا مجريا ~~عظيما بقيادة هونيادي قد زحف لتخليص القسطنطينية، وتوهم البعض أسطولا عظيما قادما من ~~البحر، وظن الآخرون أن الملائكة سيتدخلون في آخر لحظة ويدمرون الأعداء تدميرا. # ولكن هذه الخيالات كانت سرعان ما تنقشع وهذه الأوهام سرعان ما تتبدد وأصبحت هباء لا قيمة ~~له ولا غناء أمام الوقائع والحقائق التي تراها أعينهم ويحسونها. لقد مضى زمن المعجزات وخارت ~~قوة الدفاع، ولم يبق في قوس الصبر منزع، وكيف يحيا أمل أمام قوة الأتراك الساحقة وتصميمهم ~~على أخذ المدينة، وأمام مدافعهم الضخمة التي تحدث من الدوي ما تهلع له القلوب، وتحدث من ~~التخريب والتحطيم في أسوار المدينة ما شاءت أن تصنع؟ # وركز ضرب المدافع الشديدة في ثلاث نقط من ناحية باب أدرنة، وباب القديس رومانوس، والثالثة ~~ناحية الباب الثالث الحربي، ووضع سكان المدينة أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت، ~~وكان أكثر النواحي عطبا الناحيتين الأوليين. # ثم أرسل السلطان محمد الثاني قائد هذه القوة العظيمة وزعيم ذلك الشعب القاهر المنصور، ~~أرسل رسوله إسماعيل حمزة اسفنديار أوغلي لكي يحمل إلى الإمبراطور البيزنطي نصيحة سيده فيقرر ~~له أنه لم يعد هناك فائدة من الاستمرار في الحرب، وأن المدينة ستسقط عنوة، وتنهب، وتنتهك ~~حرماتها، يقتل رجالها وتصطفى نساؤها وأطفالها، أو تباع في الأسواق، وأن السلطان محمدا ~~يقترح أن يخرج الإمبراطور من ms049 المدينة هو وأهله وحاشيته وبلاطه إلى البلوبونيز، ويحكم هناك، ~~ومن شاء من أهل المدينة فليخرج في أمان، ويتعهد السلطان بحماية الباقين والمحافظة على ~~حياتهم وممتلكاتهم، وذلك إذا قبل الإمبراطور تسليم المدينة. # وكان يربط اسفنديار بقسطنطين صلات معرفة قديمة، فنصحه بالتسليم، ويظن بعض المؤرخين أن ~~السلطان لم يكن مخلصا في دعوته هذه، وما كان يريد فعلا تسليم قسطنطين، وإنما كان يريد أن ~~يدرس الحالة النفسية في القسطنطينية، ولا يوجد شيء يدعو إلى الشك في إخلاص السلطان في دعوته ~~قسطنطين؛ فهو يعرف أن المدينة قد تستطيع الدفاع مدة أخرى، وهو بلا شك يرغب في حقن دماء ~~الفريقين ما دام يستطيع الوصول إلى غايته، وهي أخذ المدينة، ولكن كان السلطان يفهم أنه لن ~~يخسر شيئا من وراء إيفاد هذه البعثة؛ فهي إذا لم تصل إلى غرضها تستطيع التقرير عن حالة ~~المدينة. # على أي حال كان الإمبراطور قسطنطين يفهم ما يقضي به عليه واجبه، ويعمل على المحافظة على ~~مركزه؛ فهو لن يقيم على ضيم يراد به مهما كانت النتائج، لقد كان يستطيع الفرار إذا كانت ~~الحياة الدنيا قد ملكت عليه نفسه، ولكن قسطنطين بين لمبعوث السلطان أنه لن يستطيع قبول هذه ~~الشروط المهينة، وأنه لم يطلب ولن يطلب بديلا بمدينته، وعاصمة ملكه، وحاضرة من سبقوه من ~~الأباطرة ألف عام، ثم بعد ذلك ليس لديه أي سلطة تبيح له تسليم المدينة، وأنه قد وطد النفس ~~على الموت. # وبذا يئس السلطان محمد الثاني نهائيا من تسليم المدينة صلحا، فلا بد إذن من بذل كل ~~جهوده لدخولها عنوة. # ولذا في 27 مايو سنة 1543 عقد مجلسا حربيا في معسكره أمام الأسوار وتناقش هو وقواده ~~فيما ينبغي عمله، ويقال إنه عرض رأيان في ذلك المجلس العسكري، فكان الرأي الأول رأي خليل ~~باشا، وهو رجل مسن قد ازداد حذره بقدر ما ازدادت تجاربه، ولكن السلطان لم يكن بكبير التعلق ~~به بالرغم من أنه أبقاه في منصبه، وكان البعض يتهمه بممالأة المسيحيين. # بين خليل باشا أنه لا داعي لبذل هذا ms050 المجهود العنيف في أخذ هذه المدينة، ولا داعي لكل هذه ~~العمليات الحربية، ولا مبرر لإراقة الدماء بهذا الشكل للاستيلاء على المدينة، فهي ستسقط من ~~تلقاء نفسها إن عاجلا وإن آجلا، ثم بعد ذلك هل ستقبل أوروبا سقوط القسطنطينية؟ ففي نظر ~~خليل باشا لن تسمح أوروبا بسقوط هذه المدينة بسقوط حصن المسيحية في يد المسلمين، فالبندقية ~~ستتدخل بأسطولها، وكذا هونيادي المجري، ثم المدينة بعد ذلك حصينة، واللاتين متفقون فيها مع ~~الإغريق، ولقد مضى وقت طويل، وبذل مجهود كبير، ولم تسقط المدينة بعد، ولقد بذل الأتراك ~~تضحيات كبيرة بدون فائدة، وأن من الخير ترك المدينة مؤقتا، حتى يزداد مركز العثمانيين قوة ~~وتسقط المدينة فريسة سهلة فيما بعد. # وكان الرأي الآخر رأي زوغنوس باشا الألباني، قائد الجنود غير النظامية، وهذا الرجل من أصل ~~ألباني، اعتنق الإسلام وحسن إسلامه وجاهد في سبيله جهادا مشكورا، وسما مركزه، فأصبح ثالث ~~اسم في الدولة العثمانية بعد السلطان، هذا الرجل لا يزال قريب عهد بالشباب؛ فهو ممتلئ قوة ~~ونشاط وأطماعا، وكان بينه وبين خليل باشا حقد دفين ومنافسة حادة، لقد نصح هذا القائد ~~الهمام بالصبر والمثابرة وتقوية الهجوم، وتمثل بالإسكندر الأكبر المقدوني الذي استطاع فتح ~~آسيا بجيش صغير، واستهزأ زوغنوس بالخطر الذي سيأتي من ناحية الغرب، فبين أن الدول الأوروبية ~~المسيحية - وخاصة الجمهوريات الإيطالية - منقسمة على نفسها، وهي تضيع الوقت الثمين في ~~مشاجرات على مسائل تافهة، ووضح أنه حتى لو استطاعت أوروبا أن تتفق فيما بينها فهي لن تقدر ~~على إرسال قوة كبيرة لتخليص القسطنطينية في الوقت المناسب؛ ولذا لا يجب التفكير في ترك ~~المدينة قبل أن يتم فتحها للإسلام وللأتراك ولآل عثمان. # وأيد ذلك الرأي قادة الجيش الآخرين وضباطه، كما عضده العلماء بكل قوة وعلى رأسهم الشيخ آق ~~شمس الدين والشيخ أحمد الكوراني خوجة السلطان. # ولقد كان السلطان محمد الثاني من نفس ذلك الرأي، حتى قبل انعقاد المجلس العسكري، ولكنه ~~أراد أن يجمع ذلك المجلس ليختبر قوة رجاله ويمتحن عزيمتهم وليعمل على تقوية ثقتهم ~~بأنفسهم. # وكانت النتيجة ms051 ما يريد السلطان، فلقد زاد جنوده عزما على عزم للقضاء نهائيا على ~~البيزنطيين وحلفائهم من اللاتين؛ ولذا فكر في هجومه الأخير الذي سيضع المدينة تحت ~~أقدامه. # وفي 27 مايو أعد السلطان الهجوم العام على المدينة فصام الجيش كله، وعلت الدعوات بإنجاز ~~الفتح، وأمر مدفعيته بالإمعان في تحطيم الأسوار عند وادي ايكوس، ونظم الفرق التي ستقوم ~~بالهجوم العام، فعلى كل فريق القيام بالهجوم من جهة معينة، ثم إخلاء الطريق للفريق الآخر ~~الذي سيقوم بالهجوم بعده؛ وبذا تستطيع الجنود المهاجمة أن تأخذ بقسطها من الراحة، وزار ~~السلطان كل أقسام جيشه المحاصر للمدينة وشجع الجنود وأثار فيهم روح التضحية، وقوى فيهم ~~الثقة بالنفس وبالنصر، وطلب من الجنويين المقيمين في غلطة أن يمتنعوا تماما عن تقديم أي ~~مساعدة للمدينة المحاصرة. # وأرسل من نادى بين الجنود بأن المدينة ستترك لهم ثلاثة أيام يستبيحونها كيفما شاءوا، ~~رجالها ونساءها وأطفالها وكنوزها ستكون جميعها تحت تصرفهم لمدة ثلاثة أيام كاملة، وأقسم ~~بالله جهد أيمانه ليبرن بوعده، وكان لذلك القسم أثر كبير في نفوس الجنود الذين سيقومون ~~بالهجوم. # ولقد أمر السلطان كل جندي بالمحافظة على الموقف المخصص له وعاقب بالقتل كل من حدثته نفسه ~~بمخالفة الأوامر أو الإخلال بالنظام. # واستمرت المدافع العثمانية في ضرب المدينة البائسة دون هوادة أو توقف، وبشدة وعنف لا مثيل ~~لهما في ذلك الوقت، فجرح جون جوستينياني الجنوي زعيم المدافعين وبطلهم الغير مدافع، واضطر ~~سكان العاصمة المسيحية إلى نقله إلى داخل المدينة، ولكنه رجع ثاني يوم ليعاود القتال. وفي ~~أثناء ذلك أضاء المعسكر العثماني كما كان يضاء كل ليلة بآلاف المشاعل التي تحول الظلام ~~نورا باهرا يأخذ بالأبصار، وكانت الجنود العثمانية قد جمعوا كل المواد اللازمة للصراع ~~المقبل وللهجوم ولتسلق الجدران. وتعالت الأصوات للحي القيوم تنادي «الله أكبر الله ~~أكبر»، وتنطق بالشهادتين وتلعن المسيحيين وتنذر بالويل والثبور. وضربت الطبول ونفخت الأبواق ~~والمزامير، وحدث الجنود أنفسهم بالغنائم الهائلة العديمة النظير التي سيستحوذون ~~عليها. # وبجانب هذا الحشد الهائل والأنوار الباهرة والطبل والزمر والتكبير بدت المدينة الحزينة ~~المتألمة ms052 تترقب نهاية مفزعة، تنتظر الفناء وتدعو الله أن ينقذها من العذاب الأليم، ومن ~~ذلك الخطر لعظيم الذي لم تعرف مثله. # ثم أطفئت أنوار المعسكر الإسلامي فجأة وعم الظلام، ولم يبق أمام المحاصرين سوى البكاء ~~والتوسل إلى الله وطلب رحمته، وجمعت الأيقونات، وطلب توسطها هي والقديسين لدى مريم ~~العذراء أن تنقذ المدينة من العذاب الذي أحاط بها سرادقه، ولكن ضرب المدينة كان مستمرا ~~بدرجة ظن معها المحاصرون مجيء يوم القيامة. # وأمر السلطان أن يتعاون الأسطول مع الجيوش البرية فيقرب من البر ويهاجم الأسوار على ضفة ~~القرن الذهبي؛ وبذا يشغل عددا كبيرا من المحاصرين في هذا الجانب. # وقام السلطان بتفتيش الجيش واستعداداته بدقة وعناية كبيرتين فهو من الشخصيات القيمة التي ~~تظهر قوتها في المواقف الجليلة الحاسمة، وهي التي تستطيع خلق الثقة في النفوس وحفز العزائم، ~~والعبقرية هي التي تستطيع الاستفادة من التجارب السابقة وتحيط بالمواقف دراسة وتعرف مواضع ~~النقص فتعالجها. # في هذا اليوم نظم محمد الثاني جيوشه على نسق نادر المثال، ثم جمع ضباطه وقواده في اليوم ~~السابع والعشرين من مايو، وخطب فيهم كما تقول قصة أخذ القسطنطينية لشلومبرجر فقال: # إنني لم أجمعكم في هذا المكان لأبعث روح الحماس فيكم، فما ينقصكم هذا الروح، ولقد ~~أظهرتم هذا الروح في أكثر من موضع، ولقد سرت عدوى هذه القوة إلى نفوس جنودكم، ولكني ~~جمعتكم لأعرض أمامكم المكافأة والثواب الذي سينالكم بعد الهجوم القريب المنتظر، ~~فأمامكم مدينة الكنوز والثروة والجمال والغنى والنفائس التي تزدحم بها الكنائس ~~العديدة والقصور الكثيرة. ستأسرون سادة القوم وتستعبدونهم، وهناك النساء الجميلات ~~والحور العين اللاتي لم تقع عين إنسان على مثلهن، ستتزوجون بمن تشاءون منهن ~~وتستخدمون من تشاءون. # وصور السلطان جمال قصور القسطنطينية وقال إنه: # يعدهم بمدينة عظيمة هي عاصمة الرومانيين ~~القدماء، مدينة المجد والترف والعز، مركز العالم - هذه المدينة ستستبيحونها بما فيها من ~~كنوز ورجال ونساء، وذلك بعد أن وقفت أعواما طوالا أمام الأتراك وأمام الإسلام وعملت على ~~إضعافه واتحدت مع أعدائه. ~~«إن سقوط القسطنطينية سيعطي للعثمانيين الطمأنينة النهائية، ويفتح ms053 لهم كل بلاد الإغريق» ~~وبين السلطان لجنوده «أن فتح هذه المدينة ليس بالأمر العسير، فهي لن تقف أمام هجومهم» لقد ~~سدت خنادقها وتهدمت أسوارها، وانفتحت فيها ثغرات كبيرة، وأن الطريق أمامهم واسعة لنيل المجد ~~والعز واللذة، فالمدافعون قليلو العدد قد أرهقوا إلى الموت، وليس لديهم من السلاح أو عدد ~~الحرب ما يستطيعون أن يناضلوا به مدة طويلة «ولذا فالنصر مكفول لنا». # وأشار إلى أنه بالإرادة القوية والعزيمة الصادقة والطاعة العمياء في تنفيذ الأوامر واتباع ~~النظام، فالنصر مضمون لا مراء فيه. # ثم أمرهم عند ذلك بالرجوع إلى أماكنهم وتناول طعامهم والاستراحة والإخلاد إلى السكينة ~~التامة حتى مطلع الفجر فتأتيهم الأوامر بالقتال وعندئذ عليهم بالهجوم العام. # وأعطى تعليماته لقواده العظام؛ فالأسطول يقترب من الأسوار ويهاجمها من ناحية القرن الذهبي، ~~وزوغنوس باشا يهاجم الأسوار التي تقع في ناحيته. وعلى صاريجه باشا أن يقوم بهجوم عام في ~~المنطقة التي تكثر بها الثغرات، وأما إسحق باشا ومحمود باشا اللذان يقودان الجيوش الآسيوية ~~أو جيوش الأناضول فيقومان بالهجوم من ناحيتها. ويقوم فريق بتسلق الأسوار يعضدهم فريق آخر ~~بجانبهم، وأن يشتد الهجوم في منطقة باب القديس رومانوس حيث يوجد جون جوستينياني وتابعوه من ~~الإيطاليين والأجانب. # وفي نفس المدينة الحزينة قامت الاستعدادات اليائسة، فلقد علم سكانها بالهجوم العام الذي ~~سيباغتهم، ووقف كل منهم في موضعه المخصص. وتخيل فريق آخر من أهالي القسطنطينية أن سكون ~~المعسكر التركي معناه استعداده لترك الحصار ومغادرة المدينة، ولكن الفريق الأكبر كان على ~~يقين بأن الهجوم التركي العام قادم لا ريب فيه. # وعم الحزن المدينة، وأيقنت بالهلاك، وبكى رجال الدين عاقبة الفساد في هذه الدنيا، وسوء ~~تصرف المسيحيين حتى حاق بهم هذا الوبال، وأحاط بهم العذاب وتضاعفت عليهم الهموم من كل جانب. ~~وظن الكاثوليك أن سبب ذلك الوبال رفض الأرثوذكس قبول المذهب الكاثوليكي، وظن الأرثوذكس أن ~~ذلك العذاب نتيجة لقبول الدولة اتباع مذهب رومة، وظن ثالث أن ذلك العذاب نتيجة لإهمال الدين ~~وعدم تقديم فروض الاحترام الكافي للقديسين. وعنت كل الوجوه للحي القيوم الباقي، ms054 وأما ~~الإمبراطور فلقد أوضع في الحرب، وشمر فيها مستميتا، ورضي بما قسم الإله وقدر، وسار في موكب ~~عظيم من الكاثوليك والأرثوذكس من القسس والرهبان، من الرجال والنساء يبكون بالدمع الغزير ~~ويمزقون شعورهم معلنين خطاياهم، داعين الله أن يخفف عنهم ويغفر لهم، وألا يوقعهم في أيدي ~~الأتراك، وسار الموكب على هذا الحال منشدا الأدعية الدينية، وردد ذلك من تبعهم من العامة ~~والناس، وحملت الأيقونات على الأسوار ذاتها. # وحث الناس في المدينة الخالدة بعضهم بعضا على الموت وعلى بذل النفس في سبيل الدفاع عن ~~مدينتهم، وخطب الإمبراطور البيزنطي في عظماء من الإغريق واللاتين، وكانوا كلهم قد وطنوا ~~النفس على الموت. حاول الإمبراطور تقوية نفوسهم وتعزيتهم وبث روح التضحية في سبيل مدينتهم ~~المسيحية المعذبة، فطلب منهم أن يستعدوا من الآن للموت، وقال لهم: «إن الساعة قد أزفت وإن ~~الأعداء الأتراك القساة مصممون على ابتلاعها.» وطلب منهم التيقظ ومدافعة الأعداء بكل ما ~~أوتوا من قوة وصبر، وبين لهم أنهم سيبذلون أرواحهم في سبيل الدفاع عن مدينتهم المحبوبة، ~~ملكة المدن «للدنيا وللدين وللإمبراطور ولأولادهم ونسائهم، وإذا منحنا الله الرحمة والقوة ~~سيولي عدونا الأدبار أمام سيوفنا، وإذا كان الله سيعاقبنا بخطايانا بنصر هؤلاء الأعداء، ~~فسيفقد المسيحيون حريتهم وكل عزيز لديهم.» ~~«إن المسيحيين - كما خطب الإمبراطور - لهم الله، بينما للمسلمين قوتهم ومدفعيتهم ~~وفرسانهم ومشاتهم» وخاطب البنادقة الموجودين ومدح شجاعتهم وعدد صفاتهم النبيلة، وطلب بذل كل ~~شيء حتى النفس في سبيل الدفاع عن القسطنطينية مدينة المسيحية. وواجه رجال جنوة بنفس ~~الكلام. # وقال لمواطنيه: «لا تفقدوا شجاعتكم. إن للأتراك البرابرة عددهم وسيحاولون بهجومهم العام ~~القضاء عليكم، ولكنكم أنتم القليلو العدد عندكم قوة أسواركم، ومعاونة حلفائكم الشجعان، وعون ~~الله القادر على كل شيء، لقد تدربتم على النضال والصراع ... وأظهرتم عظيم إخلاصكم لوطنكم.» ~~عند ذلك لم يفكر هؤلاء الجنود الأسود لا في أطفالهم ولا نسائهم ولا مصالحهم في ذلك العالم، ~~وإنما جعلوا هدفهم الوحيد الموت في سبيل القسطنطينية. # واجتمع العدد الكثير من سكان المدينة ومعهم الإمبراطور والقساوسة والقواد تحت قباب كنيسة ms055 ~~سانت صوفيا يدعون ويبتهلون، وكان هذا آخر حفل مسيحي في هذه الكنيسة العظيمة، نسي هؤلاء كلهم ~~أحزانهم أمام الموت المحقق القريب، ومزجوا صلاتهم بالحماس العظيم ، ثم عاد الكل إلى مواضعهم ~~على الأسوار وإلى حماية الأبواب. # وفي أثناء الظلام الدامس اقترب الجنود الأتراك من الأسوار، وقرب بزوغ آخر فجر رآه ~~الإمبراطور، وتقدم الأسطول العثماني، واحتل بالقوة المواضع التي خصصت له. وهجمت الجيوش ~~هجوما عنيفا من كل جانب في نقط عديدة، ولكن الهجوم الرئيسي كان في ناحية وادي ليكوس. كبر ~~العثمانيون أثناء هجومهم، وصدحت موسيقاهم فملأت الجو، وعمت الضوضاء بين الهجوم والدفاع، ودقت ~~نواقيس الكنائس. # بدأ الباشبوزق بالهجوم أولا، وكان بينهم عدد كبير من المسيحيين الكاثوليك من الألمان ~~والهنغاريين والإغريق واللاتين. وكانت غاية الأتراك من بعث هذه الفرق في الطليعة استنزاف ~~دماء الأعداء وإنهاكهم واستهلاك ذخائرهم الحربية. # هاجم الباشبوزق في الظلام، وحاولوا تسلق الأسوار في جبهة طويلة، وكانت أسلحتهم مختلفة ~~كاختلاف أجناسهم ولغاتهم وأشكالهم. وحاولوا نشر الفوضى بين صفوف المدافعين، واستمر هجومهم ~~ساعة أو ساعتين وهلك منهم عدد كثير بالرغم من قوتهم وجرأتهم، ولكنهم أنهكوا المدافعين الذين ~~لم يذوقوا طعم الراحة لمدة طويلة. # ثم هاجمت جنود الأناضول عند باب القديس رومانوس، وكان هذا بدء الهجوم الحقيقي، وكان هذا ~~عند بزوغ الفجر، فأحدثوا بالدفاع عطبا جسيما، واخترقوا الخنادق وهاجموا السور الخارجي ~~واشتبكوا برجال الدفاع، هاجم الأتراك في كتل بشرية عظيمة منظمة من جنود وهبوا حياتهم للحرب ~~ودربوا للحرب، ولكن الأتراك لم يستطيعوا دخولها من النواحي الأخرى ولكنهم أحدثوا في الدفاع ثغرات، كما أحدثت مدفعيتهم في القتال ثغرات. # ولاحظ السلطان أن ما ~~يبتغيه من إحداث الفوضى بين صفوف المدافعين قد حدث، عند ذلك دفع بجنوده الإنكشارية، وكانوا ~~لم يشتركوا في القتال بعد، فتقدموا في وادي ليكوس كالأسود الضارية لا كرجال، ليقابلوا ~~رجالا قد أنهكهم التعب والجوع وأثخنتهم الجراح، تقدموا بصياحهم الداوي، وتكبيراتهم القوية، ~~وقربوا من الأسوار الداخلية وقتلوا من وجدوهم من المدافعين وداس بعضهم بعضا ووصل بعض ~~الإنكشارية إلى داخل المدينة وارتقى الأسوار وأزال ms056 علم الإمبراطور وعلم البندقية، ورفع ~~علم الأتراك. # وفي هذه الأثناء جرح جوستنياني جرحا مميتا فحمل وهو في النزع، وتدفق الأتراك إلى داخل ~~المدينة. وأما الإمبراطور البيزنطي فإنه حمى أنفه ومات كريما لم تذم خلائقه. ولو شاء لعاش ~~ملوما ذليلا مهينا. وقتل الإمبراطور البيزنطي وسنه تسعة وأربعون عاما، فكان آخر ~~الأباطرة البيزنطيين، وأما سراة المدينة فمنهم من غودروا صرعى تعاورهم الرياح، ومنهم من ~~هرب، ومنهم من مات كمدا، ومنهم من عاش ذليلا بحسرة نفس لا تنام همومها. وأما المدينة ~~فاستبيحت حرماتها وكل شيء فيها للفاتحين. لقد قتل أربعون ألف مسيحي في الحصار والهجوم، وأخذ ~~خمسون ألفا، وسلم عشرة آلاف، وقتل عدد كبير من الأرستقراطية الإغريقية، وأخذ أبناؤهم ~~ليتعلموا اللغة التركية والدين الإسلامي وضم النساء إلى حريم السلطان وحريم تابعيه. # ولقد عم الفزع المدينة حين دخلها الأتراك، فحاول عدد كبير من سكانها بمختلف أعمارهم الهرب ~~إلى الميناء، والتجأ جم غفير إلى سانت صوفيا وغيرها من الكنائس معتقدين أنهم وجدوا الأمان، ~~وأن الآلهة ستحميهم من عدوان الترك، وأن الملائكة ستنزل من السماء وتجعل العدو ترابا، ~~وأغلقوا الأبواب وتوسلوا إلى الله، ولكن الأتراك حطموا الأبواب واستولوا على كل شيء، ~~واستمر القتل اليوم الأول، واستبيحت المدينة ثلاثة أيام. # تمكن السلطان من الانتصار لقوته وعزيمته وحماس جنوده وتفوق مدفعيته، فوقعت المدينة تحت ~~أقدامه. # وفي الظهر دخل السلطان محمد الثاني الفاتح المدينة من باب القديس رومانوس يمتطي صهوة ~~جواده في موكب حافل يتبعه وزراؤه وقواده وجنوده، وسار في الشارع المؤدي إلى كنيسة سانت ~~صوفيا، وترجل أمام الباب وانحنى ووضع حفنة من التراب على رأسه خضوعا لله وشكرا، ودخل ~~الكنيسة فبهره جمالها وبهاؤها، ودخل إلى المذبح حيث قابله رجال الكنيسة وكانوا مختبئين ~~فأحسن استقبالهم وأكد حمايته لهم، وطلب من المسيحيين الفزعين الموجودين في الكنيسة الذهاب ~~إلى مساكنهم آمنين. # ثم طلب من أحد المؤذنين أن يؤذن للصلاة، فصعد المنبر وأذن للصلاة لأول مرة في هذه الكنيسة ~~العظيمة، فأصبحت أياصوفيا مسجدا جامعا من أعظم مساجد الإسلام. # ثم طاف السلطان بالمدينة ms057 وشاهد آيات جمالها وعظمتها، ومر بالقصر الإمبراطوري فهاله مغادرة ~~أصحابه له وزوال العز عنه، فتمثل بأبيات للفردوسي في هذا المعنى. وفي القسطنطينية أعلن ~~السلطان محمد الثاني الفاتح زوال الدنيا القديمة ومجيء العالم الحديث. # وبعث إلى أمراء المسلمين وسلاطينهم ينبئهم بذلك الفتح العظيم، فيقول ابن إياس صاحب بدائع ~~الزهور إنه أرسل إلى مصر بهذا الفتح «فلما بلغ ذلك دقت البشائر بالقلعة، ونودي في القاهرة ~~بالزينة، ثم إن السلطان عين برسباي أمير خور ثاني رسولا إلى ابن عثمان يهنئه بهذا ~~الفتح.» # ويحاول كثير من المؤرخين الإفرنج المبالغة في وصف أعمال السلب والنهب والقتل التي قام بها ~~الأتراك العثمانيون في المدينة الخالدة، ونسبوا ذلك إلى قسوة في المسلمين ووحشية في ~~الأتراك، ونسوا أن هذا روح العصر كله، وأن هذا العصر عصر الحروب الصليبية، وعلى أي حال لم ~~يرتكب الأتراك العثمانيون في هذه المدينة ما ارتكبه اللاتين الصليبيون حين استولوا عليه في ~~سنة 1204، وقد كانت دائما محط أطماعهم، وهذا هو وصف البابا أنسنت الثالث للبلوى التي حلت ~~بالمدينة في هذه السنة فيقول: «إن أتباع المسيح وناصري دينه الذين كان يجب أن يستلوا سيوفهم ~~ضد عدو المسيحية الأكبر، قد سفكوا الدم المسيحي الحرام وغرقوا في بحاره، هؤلاء لم يحترموا ~~الدين ولا السن ولا الجنس، فارتكبوا الزنا في وضح النهار ... لقد سلمت الراهبات والعذارى ~~والأمهات الطاهرات لوحشية الجنود ... ولم يكتف هؤلاء بسلب ذخائر الإمبراطور ولا نهب متاع ~~الأفراد، بل لقد وضعوا أيديهم على أرض الكنائس وثروتها ... وانتهكوا حرمات الكنائس وسلبوا ~~أيقوناتها وصلبانها وآثارها ومخلفات القديسين.» وأضاف الأستاذ شارل ديل: «لقد دخل الجنود ~~السكارى كنيسة سانت صوفيا، وأتلفوا الكتب المقدسة، وداسوا بأقدامهم صور الشهداء ... وجلست ~~عاهرة على كرسي البطريرك وارتفع صوتها بالغناء ... لقد قضي على آيات الفن في المدينة، وأذيبت ~~التماثيل لتسك نقودا ... ولقد اعترف أحد الرهبان الذين شاهدوا هذا الحادث الأليم فقال: إن ~~أتباع محمد ما كانوا يعاملون المدينة مثلما عاملها جنود المسيح، ثم نظمت الحكومة الجديدة ~~اللاتينية أعمال السلب والنهب وقسمت الإمبراطورية بين اللاتين وفرضت ms058 الكثلكة بالقوة على ~~اتباع المذهب الأرثوذكسي ...» # | عوامل النصر # ما هي الأسباب التي جعلت من العثمانيين في عهد محمد الفاتح قوة متفوقة من الطراز الأول إن ~~لم تكن أعظم قوة في القرن الخامس عشر الميلادي. # لقد تحدثنا عن شخصية السلطان محمد الثاني وعبقريته وقوته الدافعة، وهناك عوامل مهمة ساعدت ~~هذه العبقرية على الوصول إلى مآربها، منها أن الدولة العثمانية دولة نشأت في حوض البحر ~~الأبيض المتوسط في ملتقى الطرق العالمية فتأثرت بحضارة الشرق والغرب معا، فمن الوجهة ~~التاريخية تعتبر آسيا الصغرى التي أصبحت فيما بعد مركزا للأتراك العثمانيين، تعتبر جزءا ~~من الغرب منذ ذلك الوقت الذي خاض فيه الإسكندر موقعة إسوس ضد الفرس إلى الوقت الذي قامت فيه ~~موقعة منذكرت بين السلطان ألب أرسلان السلجوقي والدولة البيزنطية وانتهت بانتصار السلاجقة ~~الحاسم. فليست الدولة العثمانية التي نشأت وترعرعت في الأناضول دولة شرقية فحسب، ثم إن ~~ممتلكاتها نمت في أوروبا وآسيا في وقت واحد، كما أن سكانها لم يكونوا ينتمون إلى العناصر ~~الشرقية وحدها، بل كان عدد كبير من الأتراك العثمانيين أوروبيين بلقانيين صقالبة وإغريق. ~~وحتى سكان آسيا الصغرى نفسها لا يرجعون كلهم إلى أصل تركي نقي، ففيها العنصر المسيحي ~~الأوروبي الأصلي لا يستطاع إهماله، فيخطئ من يظن أن الدولة العثمانية في عهد الفاتح أو قبله ~~بقليل كانت دولة شرقية بحتة، حضارتها شرقية خالصة. # ومن ناحية ثانية الدولة العثمانية دولة مسلمة حنيفة حديثة العهد بالإسلام شديدة التمسك ~~به؛ فهي كبيرة الحماس له، سباقة إلى الجهاد في سبيل نشره، فكان الدين الإسلامي مفخرتها ~~وأداة وحدتها، والجهاد في سبيل الله وسنة رسوله من الدوافع التي تحفزها للحياة وللبقاء ~~والانتصار. # جعل الأتراك العثمانيون في باكورة حياتهم الجهاد غرضا من أسمى الأغراض التي ترمي إليها ~~دولتهم، وتوسيع رقعة الإسلام من أهم أهدافهم، وزيادة عدد الذين ينطقون بالشهادتين من أعظم ~~عناياتهم؛ فهم كالعرب في بدء حياتهم الإسلامية كل تركي ككل عربي محارب بطبيعته، لا قيمة ~~للرجل إلا بسلاحه، ولا مركز له إلا بسابقته وجهاده وانتصاره. # وبعد ذلك فالأتراك ms059 لا يزالون في شبابهم، ولا يزالون يملكون القوة الكافية، ولديهم حيوية ~~لم ينضب بعد معينها، ولم تفارقهم طوال تاريخهم حتى في أشد أوقات محنتهم؛ فهم شعب جديد لا ~~يزال يتمتع ببساطته الأولى لم تفسده المدنية، ولم تفتنه الحضارات المضمحلة التي كانت منتشرة ~~في كل البلاد التي هاجر إليها والتي فتحها. ولكنه استفاد من كل هذه الحضارات أحسن ما فيها. ~~فلقد ورث عن التتار صفات السيطرة والميل للفتح والقهر، وتشرب الميول والأفكار التي تساعد ~~على القوة والميل للتجمع حول زعيم لغرض الفتح والانتصار الحربي، وكانت عنده المقدرة على ~~الحكم والإدارة، واستفاد من الحضارة العربية نظاما دينيا واجتماعيا وقانونيا ~~إسلاميا لا زال محتفظا بحيويته ونقائه وصلاحيته للبقاء، وأخذ عن الإغريق والبلقانيين بعض ~~نظمهم وتقاليدهم. لقد اكتملت لدى الأتراك العثمانيين كل الصفات القوية التي أصبحت تنقص معظم ~~الشعوب المعاصرة لهم. # أما من حيث نظام الحكم فلقد بلغ درجة كبيرة من الإتقان والدقة في عصر الفاتح، هذا النظام ~~يشبه إلى حد النظام المملوكي في مصر وإن كان يختلف عنه من بعض الوجوه. نظام وضع لاختيار من ~~يرشحون لتولي أمور الدولة، نظام يعنى أولا بانتقائهم ثم بتدريبهم وتثقيفهم، ثم اختيار ما ~~تؤهله صفاته العقلية والجسمية ومواهبة للوظائف التي تتناسب وهذه المؤهلات. # يشمل نظام الحكم الهيئة التنفيذية، وهذه على رأسها السلطان وتتكون من البلاط والإدارة ~~والجيش القائم من فرسان ومشاة. # والسلطان هو رأس نظام الحكم كله ومركزه وقوته الدافعة، وهو أداة توحيده وتسييره، وهو صاحب ~~التصرف المطلق في الأموال والأنفس، وهو الذي يصدر الأوامر ويمنح الرتب ويفرق النعم ~~والخيرات، لا توجد سلطة أو قانون يحد من سلطته ولا رقيب عليه إلا الله والشرع، فأوامره ~~تأتي في الأهمية بعد كتاب الله وسنة رسوله، ومجموعة خطوطه الشريفة ومراسيمه وأوامره هي ~~قوانين الدولة بعد القانون الإسلامي. # ولذا فالسلطان بالرغم من اتساع سلطته لا يجرؤ على مخالفة الشرع الشريف، فهو يستفتى في ~~أمور الدولة المهمة وفي الأمور التي لها صفة دينية، ومن هنا نشأت وظيفة المفتي في الدولة ~~العثمانية، وأصبحت ms060 هذه الوظيفة مهمة جدا بالرغم من أن ذلك الموظف الكبير كان كبقية ~~الموظفين الآخرين قابلا للعزل، إلا أنه لم يكن هناك مفر للسلطان من أن يستشيره حتى يكون ~~مطمئنا أمام نفسه وأمام الرأي العام الإسلامي. # فكان السلطان إذن حريصا على رضاء الله وعلى استرضاء الرأي العام. # وكان الأتراك محبين لسلاطينهم مخلصين لهم متعلقين بهم إلى درجة التقديس أحيانا، فلم يفكر ~~الأتراك لمدة سبعة قرون في تحويل السلطنة عن آل عثمان إلى عائلة أخرى. # وكان السلطان يعين في إدارة الدولة الوزراء، وهم على عهد السلطان الفاتح أربعة، رئيسهم ~~الصدر الأعظم، ويليهم رجال الشرع وهم يعاونون السلطان في الأمور الدينية والقضاء. # وبجانب السلطان مجلس الدولة وهو ديوان مكون من الوزراء والقضاة وموظفي المالية ~~الكبار، ورياسة هذا المجلس للصدر الأعظم في حالة غياب السلطان. # أما من حيث الإدارة فالسلطنة مقسمة إلى ولايات على كل منها بك. # وأذن للهيئة التنفيذية أن ينتمي أعضاؤها كلهم باستثناء السلطان إلى أصل غير تركي وغير ~~إسلامي، إلى أصل مسيحي صرف. تكونت الهيئة التنفيذية من أولاد وشبان نشئوا في أحضان المسيحية ~~وتربوا في أوساط مسيحية بحتة من آباء مسيحيين خلص، أخذ هؤلاء الأولاد والشبان من ديارهم ~~الأصلية كرقيق للسلطان، ودخلوا في خدمته ليعيشوا في ظله وكنفه وتحت رعايته. # لقد أخذ الأتراك العثمانيون أولاد الفلاحين من وراء المحراث وأبناء رعاة الغنم والخنازير ~~ليجعلوا منهم جنودا وسادة، قوادا وحكاما ووزراء، أخذوا أولاد المسيحيين ليجعلوا منهم ~~قوادا للإسلام وزعماء، همهم الوحيد وغاية حياتهم نصرة الهلال والدين الإسلامي وخدمة أكبر ~~دولة إسلامية والقضاء على أعداء الإسلام. # فالنظام العثماني كان يفصل بين هؤلاء الأبناء وبين آبائهم وبيئتهم الأصلية إلى الأبد، فكم ~~من قلب جريح ونفس مكلومة وحزن طويل حين يغادر هؤلاء الشبان أوطانهم وآباءهم وأمهاتهم! سيذهب ~~هؤلاء الأبناء إلى مكان غير معروف، حيث يربون على غير ما عهد الآباء والأجداد. # ومع ذلك فلم يكن أخذ هؤلاء الأولاد شرا لا يمتزج به الخير، فلقد كانت سلوى الآباء ~~والأمهات أن هؤلاء الأبناء سيفارقون فراقا نهائيا حياة ms061 الفقر والضنك والبؤس التي عاشوها ~~هم، سيكون لهم مستقبل كبير ومجد عريض وعيش رخي، فلقد كان الكثير من هؤلاء الأبناء إذا وصل ~~إلى مركز كبير يذكر أهله بالخير، ويعاملهم في الدنيا معروفا لا يبتغي منهم جزاء ولا ~~شكورا. # كان العثمانيون يختارون هؤلاء الأولاد والشبان من سن الحادية عشرة إلى سن العشرين، ولم ~~يكونوا يختارونهم حسب أسمائهم أو جنسهم أو عائلاتهم أو أحسابهم، وإنما نظروا إلى وجوههم ~~وقوة أجسامهم وبراعة عقولهم، وقالوا لهم ستكونون جنودا لهذه الدولة التي اختارتكم، وإذا ~~أسلمتم وأثبتم كفاية جسمية أو عقلية فستكونون قوادا لها وزعماء، وإذا أقمتم الدليل على ~~كفاية عقلية ورغبة في الثقافة صرتم علماءها وحكامها ووزراءها. ثم يأخذون هؤلاء الأولاد ~~والشبان ويعملون على تربيتهم في طاعة قانون وتدريب واحد، وفي ظل دين واحد هو الدين الإسلامي ~~الحنيف. # كان هؤلاء الأولاد الشبان يؤخذون كذلك من الأسرى، فكان السلطان ينتقي خيرة الأسرى وأولاد ~~الأرستقراطية المسيحية ليضمهم إلى حكومته وجيوشه، أو كانوا يشترون أو يفرضون على أهل الذمة ~~كضريبة، واتبع نظام خاص في جمع أولاد الجزية هؤلاء، فعين موظفون لذلك الغرض يذهبون كل أربع ~~سنوات إلى القرى وعين لكل منهم العدد الذي يجمع. # كان هؤلاء الأولاد والشبان يجمعون عادة من الجبال ومن الأماكن الفقيرة والقرى الصغيرة في ~~سن لا تربطهم بالأهل فيها روابط كثيرة متينة، في سن فيها الشك في الدين، وفيها انتقاد ~~التقاليد، ويغلب فيها حب المغامرة والانتقال والسفر وتغيير نمط الحياة، يسمو فيها الخيال ~~إلى العظمة والمجد، في سن أصلح للأخذ من السن التي قبلها سن الطفولة والسن التي تليها سن ~~الاستقرار وتكوين العائلة، فكانوا يؤخذون في سن المراهقة. # يؤخذ هؤلاء الأولاد ليدربوا أحسن تدريب عسكري عرفه العالم في ذلك الوقت، ولتفتح أمامهم ~~سبل الحياة، ويبتسم لهم المستقبل الزاهر. # وهؤلاء الذين اختيروا يصيرون عبيدا للسلطان، رقيقا له من يوم ما جمعوا، يصبحون مماليك ~~السلطان بكل معاني الكلمة، هم مماليكه مدى الحياة ومهما ارتفعوا إلى مراكز عظيمة فهم يظلون ~~دائما رهن إشارته وتحت تصرفه لا يعتبرون ms062 حياتهم ملكا لهم، فهو الذي اختارهم وهو الذي ~~رباهم، وهو الذي علمهم، وهو الذي رقاهم. وهم مخلصون له الطاعة، مدينون له بكل شيء. # خلق هذا النظام المحكم للدولة العثمانية خداما مخلصين للسلطان، يتبعون أوامره، ويلتفون ~~حوله، ويدافعون عنه ويحاربون في صفوفه، ولما كانوا قد تلقوا أحسن تدريب عرفه العالم في ذلك ~~الوقت، كانوا خيرة جنود العالم، يخاف سطوتهم العدو، ولا يقف أمامهم شيء، هذا إذا كانت شخصية ~~سيدهم والمدبر لشئونهم السلطان قوية محبوبة محترمة مهيبة الجانب، ولقد كان سلاطين الدولة ~~العثمانية إلى عهد الفاتح من أقوى الشخصيات التي عرفها التاريخ في أي دولة ناشئة. # وهذا النظام، فضلا عن أنه ينشئ للحكم أفرادا صالحين، فهو يضيف إلى الأتراك والمسلمين ~~عناصر سليمة فتية قوية، ويقول البعض إنه قد يشوب إخلاص هؤلاء للدين الإسلامي بعض الشوائب. ~~لقد أثبت التاريخ العثماني أن كثيرا من هؤلاء خدموا الدولة واشتركوا في إقامة صرحها وفي ~~رفع ذكرها وكانت لهم يد طولى في بناء مجدها. # وعلى أي حال فأولاد هؤلاء من بعدهم يربون في بيئة إسلامية صرفة فينشئون مسلمين وينضمون ~~إلى بقية أفراد الشعب التركي؛ إذ لم يكن مسموحا لهم أن يصبحوا كآبائهم أعضاء في هيئة ~~الحكم. # فليس الرق في الدولة العثمانية إذن نظاما شائنا أو عارا، ولم يكن نظاما للمستضعفين، ~~فالوزير في الدولة يفخر بأنه عبد السلطان، وأصحاب القوة والسطوة والنفوذ كان معظمهم - إن لم ~~يكن كلهم - رقيق السلطان. # وأما الجيش فكان مكونا من عناصر مدربة أحسن تدريب لا تعرف عملا لها سوى الخدمة العسكرية ~~وأمور الحرب والإخلاص في طاعة السلطان، يمنحها المستقبل الزاهر والثروة والجاه. ونظام الجيش ~~يقوم على أساسين؛ النظام الإقطاعي: فالسلطان يهب الأرض على شرط أن يقوم صاحبها بالخدمة ~~العسكرية في الوقت الذي يطلبه فيه السلطان، وعليه أن يعد الخيل اللازمة له ولأتباعه الذين ~~يتحدد عددهم بمقدار إيراد الأرض، وهذا النظام يشبه النظام الإقطاعي الأوروبي ولكنه أصلح منه ~~من الناحية الحربية، فهؤلاء المقطعون يخدمون السلطان في أي وقت يشاء، ولأي مدة يريدها لا ~~لمدة ms063 أربعين يوما كما هي الحالة في أوروبا. # والأساس الثاني هو أساس الرق: وجنود هذا النظام يختارون كما تختار هيئة الحكم، ولم يكن ~~أفراد الجيش حين يدخلون خدمة السلطان مجبرين على اعتناق الدين الإسلامي، ولكن أحيط قبول ~~الدين بكل مظاهر الإكرام، فلقد مهدت لمن يعتنقون الإسلام السبل للترقي المستمر وأبعدوا عن ~~الوسط المسيحي، وتربوا في جو إسلامي بحت؛ وبذا نسي هؤلاء تقاليدهم القديمة، وأثر في ميولهم ~~وعقليتهم الدين الجديد. # ومن أهم عناصر الجيش العثماني في عهد السلطان مراد الثاني والفاتح فرقة الإنكشارية، ~~فأفرادها كلهم من أصل رقيق مسيحي، وترجع نشأة هذا النظام إلى عهد السلطان أرخان، فلقد اقترح ~~وزيره قره خليل خلق جيش جديد مكون من فتية مسيحيين، وبرر ذلك العمل كما تقول القصة بأن سكان ~~البلاد المفتوحة ملك للقاهرين هم وأزواجهم وأطفالهم وما ملكت أيديهم، وهو عمل صالح بعد ذلك، ~~فهو يجعل من أبناء النصارى مسلمين، ولقد دعا لهم الشيخ بكتاش ببياض الوجوه وقوة السواعد ~~وحدة السيوف وإصابة الهام، وأن يكون النصر حليفهم في الحرب وسماهم بالعسكر الجديد. # هذا العسكر الجديد تدرب على أمور الحرب، فأصبح أفراده مقاتلين من الطراز الأول وخصوما ~~عنيدين يقاتلون في خط واحد كأنهم بنيان مرصوص. هذا الفريق تدرب أفراده جسميا أكثر مما ~~تدربوا عقليا، وقوتهم هذه جعلتهم مرهوبي الجانب يخشى بأسهم إذا غضبوا، وكانوا عادة ينظمون ~~في أود أو أرط، ولكل أرطة ضباطها وعلى رأس الضباط جميعا الآغا. # هؤلاء الجنود كانوا حرس السلطان الخاص، يتبعه منهم في كل مرتحل مائة وخمسون، ومن يكبر في ~~السن من هؤلاء الجنود أو يصيبه الضعف أو الوهن يرسل إلى حراسة الحصون. # فنظام الحكم ونظام الجيش - كما رأينا - نظام تعليمي، هو مدرسة للحياة بالحياة، فيها ~~التدريب، وفيها التثقيف، وفيها النظام الدقيق، وفيها مستويات معينة يرقى فيها ~~المتعلم. # وقام هذا النظام على مبدأ الجدارة والاستحقاق، فالذي يرقى هو الذي يملك المواهب والمؤهلات ~~الخاصة ويحسن استغلالها، ويظهر كفاية ممتازة. وقام ذلك النظام على أساس مبدأ المكافأة فهو ~~يجازي الذي أساءوا بما عملوا ms064 ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وهو يهتم بكل مناحي التربية من ~~عقلية وجسمية وروحية، فيه تدريب للجسم وصقل للعقل وغرس لمبادئ دينية واجتماعية ~~جديدة. # فبرجرام التعليم شامل، وكما اهتم بالمتعلم اهتم بالمعلم، فعني باختيار المعلمين من مدرسين ~~وضباط وعلماء، ولا مكان في ذلك النظام للضعيف أو الكسول أو البليد أو الخائن لأنه في أول ~~فرصة تظهر فيها سمة الخيانة أو الغدر عقابها الوحيد الرادع هو الاستئصال، هو ضرب ~~الرقاب. # وبجانب الإنكشارية الجنود السباهية أو الفرسان، وبجانبها أنواع أخرى من الجنود كالباشبوزق والأكنجي والغرب. # وكان يسود الجيش العثماني النظام والهدوء؛ ففي المعسكرات حين يأمر السلطان لا يتكلم الجنود ~~إلا همسا، ويمتاز ذلك الجيش بالطاعة والخضوع والصبر على المكاره وتحمل الجوع والظمأ وقطع ~~المسافات الطوال، كما يمتاز بخفة وسرعة حركاته، فالحصان التركي كالحصان العربي خفيف وسريع، ~~بينما الجيوش الأوروبية في ذلك الوقت تمتاز ببطء حركاتها؛ نظرا لثقل الملابس الحديدية التي ~~يلبسها الدارعون ولثقل الفرس الأوروبي. # وشهد بتفوق الجيش العثماني معاصرو الأتراك من أوروبيين ومسيحيين؛ فالحكومة العثمانية كانت ~~في الواقع كلها جيشا قبل كل شيء، فالأتراك جنس ولد للحرب، وتوحد للحرب، ونظم للحرب، فالحرب ~~كانت أهم وظيفة تقوم بها الحكومة. # فهي منظمة للدفاع عن نفسها داخل البلاد وخارجها. ولقد فاق اهتمامهم بالحرب أي دولة أخرى ~~معاصرة لهم. وكان اهتمامهم بالمدفعية بالغا، وكذلك باقتباس كل المخترعات الحديثة في ~~الأسلحة وأدوات الحرب، وعنوا بكل الأمور المتصلة بالحرب من إعداد فرق خاصة بمسائل تموين ~~الجنود وإعداد الطرق التي تمر فيها الجيوش، وبنظام المعسكر ووسائل النقل والترفيه عن ~~الجنود. # ويصف المعاصرون كثرة الأغذية والعتاد الحربي في معسكرات الجنود وكذا دواب الحمل والنقل، ~~ولم تعن دولة لا في أوروبا ولا في بقية أجزاء العالم في ذلك الوقت مثلما عني العثمانيون من ~~ناحية إعداد الجنود وتدريبهم ونظامهم وغذائهم وملبسهم ومكافأتهم. # لم يوجد في نظام الحكم هذا شيء يعرف بالوراثة، فكل الحقوق والامتيازات التي ينالها ~~الأفراد شخصية لا تورث من بعدهم، فالنظام العثماني الحاكم لا يعرف الوراثة، ولا يعترف بغير ~~الكفاية ms065 والجدارة الشخصية، ومن هنا كان الباب مفتوحا أمام الكفايات، ووجدت الهمم ما يحفزها ~~ويكافئها، ولم تتركز القوة أو السلطة في يد عائلة واحدة أو عائلات قليلة كما هي الحال في ~~البلاد الأوروبية، فلم تكن هناك أرستقراطية ثابتة متوارثة - كما هي الحال عند المسيحية - ~~وإنما الأرستقراطية الموجودة هي أرستقراطية للكفاية والجدارة والعلم. فالدولة في عهدها ~~الأول قوة يسيطر فيه السلاطين على كل شيء، ورعيتهم كلها مستوى واحد هي رعية السلطان، تتساوى ~~أمامه، ويرعى أفرادها بعنايته، وأكد هذه المساواة الدين الإسلامي، فهو يقول بتساوي الناس ~~جميعا، فلم يجد الأتراك غضاضة إذا رفع السلطان أضعفهم وأفقرهم إلى أعلى مراتب الدولة، فهناك ~~شعور عام بالمساواة بين رعايا السلطان. # وعناية الحكومة كما ذكرنا كانت موجهة إلى الدفاع عن نفسها داخل البلاد وخارجها، ثم توسيع ~~رقعة البلاد والعمل على زيادة عدد سكانها؛ وذلك عن طريق الحرب في دار الحرب، وهنا تظهر قوة ~~الدافع الديني، فقوة الدولة هي قوة الإسلام، وفتوحات الدولة هي فتوحات الإسلام، وهنا تظهر ~~أيضا قيمة الحرب في ضمان رفاهية السلطان وتابعيه من هيئة الحكومة بما يحرز في الحرب من ~~غنائم وأسلاب. # ووظيفة هذه الحكومة بعد الاضطلاع بأمور الحرب وفنونها العمل على إنماء النظم التي تسير ~~عليها، وتنظيم الدولة والحصول على المواد اللازمة لقيام الحكومة وبقائها، وفض المنازعات التي ~~تنشأ بين رعايا الدولة والتي لا يستطيع نظام الملات - الذي سنتكلم عنه - الفصل فيها. # ومن أسباب قوة الدولة حياة البساطة التي كان يعيشها السلاطين الأول، فلم يهتموا كثيرا ~~بمظاهر الأبهة والمدنية كما اهتم قبلهم الفرس أو البيزنطيون، أو كما اهتم بها السلاطين ~~المتأخرون، فكانوا حريصين على اتباع أوامر الدين ونواهيه، وكانوا يذهبون إلى الصلاة فرادى ~~في ملابس عادية لا يميزهم في المساجد عن غيرهم من الأفراد شيء؛ إلى حد أن الأجانب ما كانوا ~~يستطيعون التمييز بينهم وبين سائر الناس، هذه البساطة كانت من مظاهر القوة إلى أن فتح ~~السلطان محمد الثاني القسطنطينية، فلم يعد سلطان الأتراك سلطانا للأتراك فحسب، بل أصبح ~~بجانب ذلك خليفة للإمبراطور ms066 البيزنطي فبدأت تدخل الحكومة العثمانية مظاهر الأبهة ~~والعظمة. # | موقف أوروبا إزاء سقوط القسطنطينية # لقد استولى الذعر على أوروبا حين علمت بسقوط القسطنطينية في يد الأتراك العثمانيين، هذه ~~المدينة التي أسسها قسطنطين والتي قامت بحماية المسيحية. # قد يفترض بعض المؤرخين الأوروبيين أنه لو اتفقت أوروبا المسيحية فيما بينها وبعثت بالنجدة ~~في الموقف المناسب لربما تأخر سقوط القسطنطينية، بل ربما لم يستطع الأتراك الاستيلاء عليها ~~كلية ولا تهديد وسط أوروبا وفينا. # وهذا افتراض لا يقوم على أساس صحيح، فلقد كان للأتراك كما رأينا كل وسائل الانتصار في ذلك ~~الوقت: القيادة الممتازة، والقوة الساحقة، والعزم الصادق، والمركز الاستراتيجي، فكانت ~~ممتلكاتهم تحيط بالعاصمة الإغريقية من كل مكان. # ثم إن الأتراك استطاعوا أن يقضوا قضاء عزيزا مقتدرا على كل الدول القريبة من بيزنطة ~~والتي ربما وقفت حجر عثرة في سبيلهم، لقد قضوا تماما على قوة الصرب التي كانت تبشر بمستقبل ~~كبير في البلقان، وقضوا على قوة البلغار، وسيطروا على البلقان سيطرة لا ينافسهم فيها أحد، ~~ولم تستطع المجر القيام بأي خطة هجومية بعد موقعتي ورنه وقوصوة، هاتين الموقعتين اللتين ~~انهزمت فيهما المجر انهزاما ساحقا. # وبعد ذلك ما كانت دول أوروبا تستطيع أن توحد صفوفها، وما كانت تستطيع أيضا أن تبعث بنجدة ~~قوية في الوقت المناسب لبعد المسافة وسوء وسائل المواصلات في ذلك الوقت، لا سيما وأنه قد ~~ظهر لها أن ذلك الاتفاق وتوحيد الصفوف لو تم ما هو بمستطيع قهر الأتراك أو التغلب عليهم، ~~فقد سبق أن دمر الأتراك قوة هذه الاتفاقات تدميرا ذريعا في أكثر من موقف، وما ذكريات ~~نيقوبوليس الحزينة ببعيدة عن أذهان الأوروبيين، لقد دافع الأتراك عن مركزهم بنجاح أذهل ملوك ~~أوروبا وشعوبها، وكانت نتيجة هذه الموقعة محزنة للمسيحيين بدرجة لم يعد معها من السهل ~~استثارة الأوروبيين من جديد لحرب مع المسيحيين. # ثم إن مثل هذه الحملات كانت تستلزم جمع المال الوفير للاستعداد للحرب ولتحرير أسراها بعد ~~الحرب، ولم يعد الأوروبيون يطمئنون بسهولة إلى إنفاق أموالهم في حملات غير مضمونة النتائج ~~ولا ms067 مأمونة العواقب. # كانت موقعة نيقوبوليس - كما يقول مؤرخها الدكتور عزيز سوريال عطية - انتهاء الحملات ~~الصليبية كحركات مسيحية منظمة ضد الأتراك العثمانيين؛ ولذا تعتبر هذه الموقعة فاصلة في مصير ~~الدولة البيزنطية وفي مصير عاصمتها مدينة القسطنطينية. # ولكنه بالرغم من ذلك لم تكن البابوية زعيمة المسيحية لتنصرف إلى البأس أو تخلد إلى ~~السكون؛ فهي ما كانت تسمح بقضاء المسلمين على الإمبراطورية البيزنطية مهما كانت كارهة ~~لأرثوذكسيتها، فهي تخشى اعتداء العثمانيين على البلاد المجاورة لهم والتي تخضع للنفوذ ~~البابوي الديني فتحولت الفكرة الصليبية إذن من محاولة انتزاع الأراضي المقدسة من المسلمين ~~إلى صراع دفاعي، الغرض منه إنقاذ أوروبا الكاثوليكية من الأتراك. لقد كان القيام بالحروب ~~الصليبية سياسة البابوية الخارجية. # ولذا حاول البابا بيوس الثاني بكل ما أوتي من مقدرة خطابية ومهارة سياسية تأييد الفكرة ~~الصليبية الجديدة، وحاول توحيد أوروبا ضد الأتراك، وتركزت مجهوداته في ناحيتين: حاول أولا ~~أن يقنع الأتراك باعتناق الدين المسيحي، ولم يقم بإرسال بعثات تبشيرية لذلك الغرض وإنما ~~اقتصر على إرسال خطاب إلى السلطان الفاتح يطلب منه أن يعضد المسيحية كما عضدها من قبله ~~قسطنطين وكلوفيس، وأن يكفر عن خطاياه باعتناق المسيح له مخلصا. ولم يكن معقولا نجاح مثل ~~هذه المحاولة. # ولما فشل البابا في خطته هذه لجأ إلى الخطة الثانية؛ خطة التهديد والوعيد واستعمال القوة، ~~وذلك عن طريق إقناع الدول المسيحية بتكوين حملة صليبية جديدة ضد الأتراك، حملة برية وبحرية ~~تبين للأتراك تماسك أوروبا وتضافرها على الأخذ بناصر المسيحية. # ولكن الدول الأوروبية والجمهوريات الإيطالية ما كانت لتقوم بتنفيذ مثل هذا المشروع بالرغم ~~من الخطر الذي يهدد معظمها، وبالرغم من أن فكرة القيام بحرب صليبية لا زالت مثلا من المثل ~~العليا الأوروبية. لقد وعدت بعض الدول فعلا بالاستعداد لتحقيق فكرة البابا، ولكن لما جاء ~~وقت الجد اعتذرت دول أوروبا بمتاعبها الداخلية ومشاغلها. لقد أنهكت حرب المائة سنة إنجلترا ~~وفرنسا، وفوق ذلك فإنجلترا منهمكة في مشاغلها الدستورية وحروبها الأهلية، ولم تكن حالة فرنسا ~~الداخلية تسمح لها بإشعال نار حرب مع الأتراك، ms068 فلقد أضعفتها المنازعات الداخلية. وأما ~~إسبانيا فهي لا تزال تناضل في سبيل وحدتها القومية ضد المسلمين. وعلى أي حال كانت الفكرة ~~العالمية المسيحية آخذة في الزوال، فكرة إمبراطورية مسيحية عامة، وأخذت تحل محلها بالتدريج ~~فكرة القومية. # وأما الجمهوريات الإيطالية فكانت تهتم بتوطيد علاقاتها مع الأتراك أكثر من اهتمامها ~~بالدخول معهم في حرب صليبية، وأخذت صحة البابا في الاضمحلال، وسرعان ما مات وانتهى مشروع ~~الحملة الصليبية بموت صاحبها، وترك للمجر وللبندقية منفردين مهمة وقف الأتراك والدفاع عن ~~حدود المسيحية. # وكيف تستطيع أوروبا إنقاذ القسطنطينية والحرب فيها مستعرة بين شعب وشعب، بين بابا رومة ~~وبابا أفينيون، وبين مجمع ديني ومجمع ديني آخر. لقد اتفقت الملكيات الأوروبية والجمهوريات ~~الإيطالية في لودي على الاتحاد ضد الأتراك في سنة 1454م، ولكن ذلك الاتفاق لم يقف أمام تجارب ~~الزمن؛ فلقد انفصلت البندقية عن الاتحاد وعقدت معاهدة صداقة مع الأتراك وحسن جوار رعاية ~~لمصالحها في الشرق الأدنى، وقامت الحرب على قدم وساق في شبه جزيرة إيطاليا، واهتم الكاثوليك ~~باضطهاد أتباع يوحنا هوس أكثر من اهتمامهم بمحاربة الأتراك المسلمين. ~~••• # كان سقوط القسطنطينية يمثل انتهاء حقبة من الدهر؛ فلقد قضى على الدولة البيزنطية التي ~~عاشت حول أحد عشر قرنا من الزمان، وأزال منافسا خطيرا للدولة الرومانية المقدسة في ~~الغرب، وقضى على حضارة بيزنطة المسيحية وعلى المثل والمبادئ التي كانت رمزا لها. # وتمثل كنيسة أيا صوفيا العظيمة التطور الديني الذي حدث؛ فلقد أصبحت مسجدا جامعا ~~للمسلمين، وحل هلال بيزنطة القديم محل الصليب، واستطاع الأتراك أن يمدوا سلطانهم بعد ذلك ~~إلى بلغراد والدانوب وما يسمى حاليا رومانيا، أصبح إذن غربي آسيا في قبضة الأتراك، وكذا ~~جنوب شرقي أوروبا، فكانت الدولة العثمانية خطرا دائما على أوروبا مهددا لكيانها وحياتها، ~~فلقد كانت قوة الأتراك الحربية لا نظير لها، وما كانت أوروبا التي ذهبت وحدتها لتستطيع ~~الوقوف أمامهم. # في القسطنطينية وفي البوسفور والدردنيل وضع الأتراك أقدامهم في مركز استراتيجي مهم سيجعل ~~تقدم روسيا أو نمو النمسا من ناحية الشرق أمرا مستحيلا لمدة تقرب من ms069 الخمسة قرون، امتلكوا ~~أجزاء من العالم تسيطر على أوروبا وآسيا وأفريقية، كما سيطروا على معظم طرق المواصلات ~~البرية والبحرية المهمة بين الشرق والغرب. # وتعتبر أوروبا تثبيت أقدامهم في ذلك الجزء من العالم كارثة لا تماثلها كارثة؛ ففي سنة ~~1453م ولدت المسألة الشرقية التي شغلت أوروبا إلى الوقت الحاضر ولا تزال تشغلها. كيف تستطيع ~~أوروبا وقف تقدم الإسلام في أوروبا؟ ثم لما عاد الإسلام يتراجع من هذه الديار كيف تعمل ~~أوروبا على توزيع ممتلكاته؟ ما كانت أوروبا تحير لهذه الأسئلة جوابا نهائيا. # | فتوح الفاتح الأخرى # فتح بلاد الإغريق # لقد استولى السلطان محمد الثاني على القسطنطينية وسنه لا تزيد على ثلاثة وعشرين ~~عاما، فكان أكبر من المقدوني بسنة واحدة في الوقت الذي فاز فيه بانتصاره الباهر على ~~الفرس في موقعة جرانيكوس، وكان أصغر من القائد العظيم نابليون بونابرت بثلاث سنوات حين ~~قاد الفرنسيين إلى النصر ضد النمسا في موقعة لودي في سهل لمبارديا بإيطاليا. # على أن السلطان الفاتح لم يهدأ له روع، ولم يخلد إلى السكينة بعد ذلك الفتح العظيم؛ ~~فهو ابن الحرب، نشأ في ميادينها ونبغ فيها، وقضى بقية حياته يستعد لها أو يخوض غمارها. ~~وكانت الظروف السياسية في البلقان ترغمه على السير في فتوحاته، فكان عليه أن ينظف ~~البلقان وشبه الجزيرة اليونانية من بقايا الدولة البيزنطية الغابرة، ومن المستبدين ~~البيزنطيين، والمغامرين الإيطاليين. لقد كانت هناك إمارات أو دوقيات مشتتة مبعثرة بعيدة ~~عن بعضها لم تحاول قط جمع قواها لمواجهة الخطر العثماني الجارف، ولم تستفد شيئا من ~~الدرس القاسي الذي خبرته بيزنطة ومدينة قسطنطين الأكبر. # لقد كان البنادقة في أوائل القرن الخامس عشر يسيطرون على معظم البلوبونيز وأبيروس ~~وعدد كبير من جزر بحر الأرخبيل وجزيرة كريت. وسقطت أجزاء من شبه جزيرة المورة في يد ~~الفرنسيين. ولكن جمهورية البندقية كانت متمسكة بالأشراف على السواحل، وتركت السيطرة على ~~جزر بحر الأرخبيل لأفراد منها مغامرين. # وكانت الفوضى في هذه الأجزاء جميعها منعدمة النظير، فقامت الحروب والثورات والمنازعات ~~الداخلية التي لا تنقطع بين الكتلان - من ms070 الإسبان - وبين الإيطاليين والفرنسيين، وكان في ~~آخر الأمر أن أخلى العنصر الفرنسي السبيل أمام العنصر الإيطالي، كما حل محل الكتلان ~~الإيطاليون عن طريق الفتح أو الشراء أو إقراض المال. وتدخل الأتراك أنفسهم فيما بين ~~هؤلاء الأمراء ينصرون فريقا على فريق، ثم يأخذون في آخر الأمر ممتلكات الفريقين إذا ~~وجدوا ذلك أمرا هينا أو إذا ضعف الفريقان أمام قوتهم. # لقد كثرت في البلقان وشبه الجزيرة اليونانية الهجرة وانتقال السكان من مكان إلى مكان، ~~وحلت عناصر وجنسيات محل أخرى أو طغت عليها فظهر الألبانيون والأفلاقيون، واستقروا في ~~جاليات قوية في معظم أجزاء البلقان، وحوصرت المدن وفتحت أو تركت، وسكنت أو خربت. # ولم يكن السلطان محمد الفاتح هو أول من غزا هذه البلاد؛ فلقد غزاها من قبله عدد من ~~السلاطين، غزاها السلطان بايزيد الأول، ثم السلطان مراد الثاني، بعث إليها من قواده من ~~استطاع اكتساحها من أقصاها إلى أقصاها، ولكن العثمانيين لم يثبتوا أقدامهم فيها ~~نهائيا إلا في عهد الفاتح. # كان من أكبر الإمارات الإغريقية إمارة أثينا، وكانت فوضى الحكم فيها على أشدها، فلقد ~~مات دوقها وخلف الحكم لزوجته وابنه، فأما زوجته فلقد جعلت من عرش الإمارة فراش غرام، ~~فأحبت أحد الدوقات الآخرين ولم تقبل الزواج منه إلا إذا طلق زوجته الأصلية وأهلكها، ~~وفعلا تم لها ما أرادت، وذهب الساخطون على ذلك السلوك إلى السلطان يطلبون منه النجدة ~~والتدخل، فأرسل لهم دوقا آخر لم يفتر حتى قتل الدوقة المولعة بالغرام، وقامت فوضى لم ~~يرض معها السلطان الفاتح إلا أن يرسل قائده عمر بن طرخان لاحتلال أثينا ونشر الأمن ~~والنظام في هذه الأرجاء وحماية هؤلاء الطغاة والمستبدين من أنفسهم. # وظهر السلطان محمد الثاني في أراضي الإغريق كالحكم القوي العادل الذي يقبله الجميع، ~~ويخضع له الجميع راضين. لقد وصل إلى بلاد المورة في سنة 1458م لكي يعطي الطغاة ~~والمستبدين الإغريق واللاتين درسا قاسيا في فن السياسة والحكم، فاستولى على حصونهم، ~~وقضى على محبي الفوضى قضاء عزيز مقتدر، وفتحت القساوسة أبواب مدنهم له، وتلقوه بالترحاب ~~حتى ms071 يحظوا بحمايته، ويطمئنوا إلى رعايته. ثم زار مدينة أثينا وهاله جمال آثارها القديمة، ~~فمكث فيها مليا. وفي السنتين اللتين تلتا سنة 1458م تمكن من إخضاع شبه جزيرة الإغريق ~~إخضاعا تاما فأصبحت جزءا من الإمبراطورية العثمانية إلى الربع الأول من القرن ~~التاسع عشر. # إخضاع الصرب # أما مع أمراء البلقان - وخاصة الصرب - فكانت سياسة السلطان محمد الثاني قبل فتح ~~القسطنطينية هي توثيق علاقات الود والصداقة بهم والعمل على كسب رضاهم حتى ينتهي من ~~مهمته العظيمة، وحينئذ يستطيع إخضاعهم الواحد تلو الآخر. كان يعرف أن الصرب الشمالية ~~بصفة خاصة الصرب التي يحكمها برانكوفتش مذبذبة بين الأتراك والمجريين، تحالف هذا الفريق ~~حينا، وتدفع عنها بالمال حينا خطر الفريق الآخر. # ولذا نجد السلطان محمدا يعترف بالمعاهدة التي عقدها السلطان مراد الثاني مع إمارة ~~الصرب الشمالية، هذه المعاهدة التي لا تفرض على هذه البلاد إلا جزية سنوية تدفعها للدولة ~~وتتمتع في نظيرها بالاستقلال التام في أمورها الداخلية، كما أرسل إحدى زوجات أبيه ~~السلطانات وهي صربية، إلى بلادها محاطة بكل مظاهر الحفاوة والإكرام، وأجرى عليها ~~النفقات الكثيرة. # وكان هدف السلطان من وراء ذلك منع برانكوفش الأمير الصربي من الاتفاق مع المجريين على ~~نقض الهدنة التي عقدها السلطان معهم أثناء حصار القسطنطينية، وفعلا تم له ما ~~أراد. # فوفى برانكوفتش بما عاهد عليه السلطان، كما لم يقم بأي مساعدة للقسطنطينية وقت ~~محنتها، هذه المدينة التي اشترك بنفسه في تجديد أسوارها وتحصيناتها. بل وأرسل رسله ~~للسلطان يهنئونه بهذا الفتح العظيم ويقدمون له الجزية. ولكن السلطان كان قد قرر إخضاع ~~هذه البلاد نهائيا للحكم العثماني. فالصرب بلاد زراعية، غنية بالمعادن وخاصة الفضة ~~وبمراعيها الجيدة ومدنها المزدهرة، ثم بعد ذلك أصبح يرى أن ضم الصرب أمر لا محيص منه ~~لمهاجمة الأفلاق والمجر. # ولذا قام السلطان محمد الثاني الفاتح بقوة كبيرة إلى بلغراد للقضاء نهائيا على ~~الصرب، ولتهديد المجر في وقت واحد. ولكن إذا كان السلطان لم يفلح في الاستيلاء على ~~مدينة بلغراد إلا أن خصمه العنيد هونيادي مات بعد وقت قصير، وقرر ms072 مصير برانكوفتش ~~والصرب نهائيا. فلقد أسر ذلك الأمير وسجن، وترك الإمارة لزوجته إيرين وابنه فقام ~~النزاع بينهما إلى درجة أن الابن رفض أن يفتدي أباه من الأسر، ثم ماتت إيرين، ودفع ابن ~~برانكوفتش الجزية، ولكنه لم يكن مخلصا لا لرعاياه ولا للسلطان! ثم فارق الحياة، فقام ~~نزاع شديد على تولي الإمارة، وقرر السلطان وضع حد لهذه الفوضى فضم الصرب إلى الدولة ~~نهائيا في سنة 1459م، فأصبحت مجرد بشاليق، تركي، وانتهى بذلك تاريخ آخر إمارة صربية ~~في العصور الوسطى، وظلت الصرب هكذا جزءا لا ينقسم من الدولة العثمانية إلى أوائل القرن ~~التاسع عشر حتى أيقظتها الثورة الفرنسية وحروب نابليون إلى طلب الحكم الذاتي ~~والاستقلال. # العلاقات العثمانية المجرية في عهد محمد الفاتح # كانت المجر مجاورة للدولة العثمانية من الجهة الشمالية الغربية، وكانت أقوى دولة ~~مسيحية في وسط أوروبا من الناحية الحربية؛ فالشعب المجري ظل محتفظا - كالأتراك - ~~بحيويته ونشاطه وقوته، وكان ملوكه يعتبرون أنفسهم زعماء المسيحية، وأصبحت المسيحية ~~تعتمد على المجر إلى حد كبير في وقف تقدم الأتراك إلى وسط أوروبا. # ولكن هذه الدولة القوية لم تكن متفرغة تماما لهذه المهمة الخطيرة، فلقد كانت دائما ~~مهتمة بمد نفوذها على ساحل البحر الأدرياتي؛ مما دعا إلى اصطدامها بجمهورية البندقية، ثم ~~من ناحية ثانية كانت حكومة المجر قد وجهت عنايتها إلى القضاء على المنقسمين على الكنيسة ~~الكاثوليكية، فكانت تعمل جادة على فرض نفوذها على الصربيين المجاورين لها حتى تستطيع أن ~~تدخلهم في حظيرة الكثلكة وتخرجهم من الأرثوذكسية، وكرس الإمبراطور لويس حياته لخدمة ذلك ~~الغرض ولم يقم بمساعدة الإمبراطور البيزنطي باليولوجوس؛ نظرا للاختلاف المذهبي، فأعطى ~~العثمانيين فرصة لوضع أقدامهم في أوروبا. # ثم انشغلت المجر بمنازعاتها مع بولونيا ونضالها ضد التتار، ولقد حاول ملوك أنجو الذي ~~حكموا المجر على عهد العثمانيين الأوائل إدخال العادات الغربية فخبرت هذه البلاد فوق ~~مشاكلها الخارجية نضالا داخليا بين النظم المجرية الأصلية والنظم الغربية كما شغلت ~~بمسائل النزاع على العرش، وأخيرا اختار الديت المجري الأمير سجسمند، ولكن عهده لم يكن ~~عهد استقرار ms073 أو اطمئنان، فقامت الثورات في أوائل عهده وأخذ الترك يغيرون على حدود بلاده ~~وخاصة بعد أن سقطت الصرب. كان على المجر أن تتخذ في أول الأمر ضد الأتراك خطة الدفاع ~~ولكنها عادت فرأت أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، ولكن قوتها الحربية لم تكن تستطيع ~~وحدها الوقوف أمام قوة الأتراك؛ ولذا طلبت النجدة من ألمانيا وفرنسا، ووجدت هاتان ~~الدولتان تعززهما البابوية ضرورة تعضيد هذه الدولة التي يقع عليها عبء المحافظة على ~~أبواب أوروبا الوسطى، وكانت نتيجة هذا الاتفاق موقعة نيكوبوليس في سنة 1396م، في هذه ~~الموقعة قضى الأتراك على زهرة فرسان ألمانيا وفرنسا والمجر، وأصبح الترك سادة الدانوب ~~الأدنى، وهرب سجسمند، ولولا مساعدة البندقية له على الهرب لوقع في يد الأتراك ~~وهلك. # كان سجسمند من غلاظ القلوب، عاش حزينا محتاجا مضطهدا، ولم يكن محبوبا من شعبه، ~~فقامت ضده المؤامرات والثورات وقبض عليه وسجن ثم أطلق سراحه فعاد إلى العرش، ولسوء حظ ~~المجر انتخب ذلك الملك البائس في سنة 1411م إمبراطورا لألمانيا، فلم يعد للمجر كيان ~~مستقل كامل وأصبحت مصالحها جزءا من مصالح العالم الألماني، وزادت مشاكلها وثارت ~~المنازعات من جديد بين المجر وجارتها البندقية، خسرت فيها المجر دلماشيا. # ثم تعقدت المهزلة فاختير سجسمند ملكا لبوهيميا فتجمعت ثلاثة تيجان على رأس شخص ينوء ~~تحت عبء تاج واحد ولا يحسن التصرف في أمور مملكة واحدة. # وزادت مشاغل سجسمند وكثر اضطراب الأمور عليه حين حاول القضاء على أتباع مذهب حنا هوس، ~~وكانوا كثيرين في المجر لأنهم نادوا بالمساواة بين الناس، وبأن الملكية يجب أن تكون ~~عامة. # وبالرغم من كل هذه المشاغل والمشاكل كانت المجر دولة قوية؛ أولا: لأن سجسمند اهتم ~~بتحصين الحدود الجنوبية الملاصقة للأتراك وجعل مدينة بلغراد عند ملتقى الدانوب بالسافا ~~حصنا منيعا من الطراز الأول. ثانيا: عملت النظم المجرية على وجود جيش دائم قوي يجتمع ~~وقت الحاجة، ثالثا: اهتمت الحكومة بإنشاء أساطيل نهرية قوية في نهر الدانوب لحماية ~~الحدود الجنوبية. رابعا: تجمع النبلاء حول هونيادي وقبلوا زعامته مخلصين له الطاعة، ~~وأخيرا: ms074 هاجر عدد كبير من الصربيين الأشداء إلى بلاد المجر وخدموا في الجيش ~~المجري. # ومن أجل ذلك كانت المجر قادرة على الوقوف أمام العثمانيين مدة طويلة، في الوقت الذي ~~لم يستطع فيه الإغريق والصرب والبلغار تحمل ضربات الأتراك القوية، ولكنها بصفة عامة لم ~~تستطع بنجاح اتخاذ خطة الهجوم ضد الأتراك وتحملت الفشل المرير، حتى في أوج عظمة زعيمها ~~القدير جانوس هونيادي الذي سجله التاريخ كأكبر عدو للأتراك، وأعظم وأقدر خصم قابلهم ~~وجها لوجه في ميدان القتال. # تحت زعامة جانوس هونيادي ارتفعت المجر إلى مركز المدافع عن المسيحية أمام قوة الأتراك ~~الجارفة، لقد كان هونيادي من الشبان الافلاقيين البارزين الأرستقراطيين الذين دخلوا في ~~خدمة سجسمند، فأعجب بمقدرته أيما إعجاب، ورقاه في بلاطه واقترض الأموال منه ومنحه ~~إقطاعات على الحدود المجرية العثمانية؛ الأمر الذي جعل لذلك الرجل مصلحة دائمة في ~~مناضلة الدولة العثمانية ودفعها عن الأراضي المجرية. والواقع أن الحرب التي كانت سجالا ~~بين المجر والأتراك قامت على أكتاف ذلك البطل. # لقد كان هونيادي رمز الفروسية المسيحية في ذلك الوقت، وبطلا من أعظم أبطال المجر، ~~وزعيما كبيرا من زعماء المسيحية، عرف كيف ينظم الجيوش، وعظم اهتمامه بفن الحرب: ~~مواقعها وأماكنها وحركاتها، أكثر مما اعتمد على الشجاعة وحدها أو الحماس الحربي، وهو رجل ~~تحت المتوسط في الطول، أبيض الشعر، له ضفائر طويلة فضية ووجه ممتلئ بالدم والحيوية، ~~وعيون سوداء قوية مبتسمة، لقد كان فارس الأفلاق الأبيض - كما كان يطلق عليه - خصم ~~الأتراك العنيد في ميدان الحرب وميدان السياسة. # لقد استطاع هذا الزعيم المجري في موقعة سمندريا أن يخلص الصرب من الحكم العثماني وهزم ~~العثمانيين مرارا إلى درجة أن اضطر السلطان مراد الثاني والد الفاتح وكان كبير الميل ~~إلى السلم، اضطر أن يطلب عقد صلح معه لمدة عشر سنوات لمصلحة المسيحيين دون ريب. # وكانت زعامة هونيادي في المجر تامة حين ورث العرش بعد سجسمند طفل لا زال في المهد ~~صبيا، ولكن سلطته عادت فضعفت حين اختير فلاديسلاف ملكا للمجر، فلم يستمع الملك ~~الجديد لنصيحة هونيادي ms075 وحنث في عهده للأتراك، وأعفاه مندوب البابا من اتفاقه مع مراد الذي ~~كان قد أخلد إلى حياة الراحة والهدوء فاضطر السلطان العثماني إلى معاودة الحرب من جديد ~~وقاتل بعنف قوة المجرين في موقعة ورنه وقتل جنوده الملك المجري وحملوا رأسه على رمح، ~~ولم ينج هونيادي نفسه من الموقعة إلا بكل صعوبة وفي نفر قليل. # قتل ملك المجر إذن في ميدان القتال وقرر مجلس الدولة المجري قيام حكومة مؤقتة على ~~رأسها هونيادي، وحاول هونيادي الانتقام لشرف المجر المنهار في ورنه، ولكن في مكان موقعة ~~قوصوه حيث قضى السلطان مراد الأول على قوة الصرب، قابل مراد الثاني قوة المجريين وقضى ~~عليها في سنة 1488م، فلم تجرؤ المجر على اتخاذ خطة الهجوم ضد العثمانيين أو تفكر جديا ~~في الانتقام مرة ثانية، وظلت الحال على ذلك إلى أن جاء السلطان محمد الثاني. # لم تؤثر موقعة قوصوة التي هزم فيها هونيادي في مركزه أو تعلق الشعب المجري به أو ~~التفافه حوله، بل جعلت ذلك الشعب ينظر إليه كالشخصية الوحيدة التي تستطيع إنقاذ ~~المجريين من الأتراك إذا حاولوا الاعتداء عليها، وشغل هونيادي بمشاغل عديدة داخلية ~~وأخرى خارجية، أهمها صلات المجر مع النمسا وبوهميا، وهزم هونيادي أمام أعدائه الأشداء؛ ~~ولذا قبل الزعيم المجري راضيا الهدنة التي عرضها عليه السلطان محمد الثاني. # ولما سقطت القسطنطينية في يد الأتراك اجتمع الديت المجري في بودا وقرر إعداد النفقات ~~اللازمة في حالة هجوم الأتراك العثمانيين على البلاد. واستنجد برانكوفتش الصربي بالمجر، ~~وقامت حركة صليبية تدعو المجر إلى مقاومة العثمانيين، ولكنه لم يكن للمجر حلفاء تستطيع ~~الاعتماد عليهم، وكان مركز هونيادي نفسه آخذا في التزعزع، فله في البلاط منافسون ~~حاقدون عليه، ولم تكن الملكية براضية عنه، فلم تكن الدولة المجرية إذن في مركز يسمح لها ~~بالهجوم على الأتراك. # ولكن الأتراك لم ينتظروا هجوم المجريين بل قاموا هم بالهجوم، لقد زحف السلطان محمد ~~الثاني الفاتح على بلغراد - مدينة الجهاد في نظر الأتراك - في سنة 1456م بقوة كبيرة ~~ومدفعية ضخمة، وكانت بلغراد في ذلك ms076 الوقت تعتبر مفتاح بلاد المجر، وبذل هونيادي كل ما ~~يملك من قوة وحماس وصبر وحذر في سبيل الدفاع عن هذه المدن، ولقد أيدته أوروبا تأييدا ~~عظيما؛ فسقوط المجر في ذلك الوقت معناه سقوط وسط أوروبا بأجمعه في أيدي الأتراك، ولهذا ~~هرع لنجدته ستون ألف صليبي بقيادة الراهب كابستران، وناداهم البابا فلبوا نداءه، فلقد ~~ملأ فتح القسطنطينية أوروبا بالعار والغضب والخوف. # وكانت ظروف بلغراد غير ظروف القسطنطينية، فوراء بلغراد العالم المسيحي متحفز للوقوف ~~أمام الأتراك والدفاع عن مسيحيته وتقاليده وما يملك. ومن ناحية ثانية حارب العثمانيون ~~أمام بلغراد في منطقة لم يملكوها هم، كلها معادية لهم، ومن ناحية ثالثة طالت خطوط ~~المواصلات والتموين، بينما كان المجريون يحاربون في بلادهم، ويظهر أن الأتراك في هذه ~~المرة أصابهم بعض الغرور بانتصارهم الحاسم على البوسفور، وحملوا معهم مدفعية ثقيلة عاقت ~~سرعة حركاتهم، وانهزم أسطولهم النهري انهزاما حاسما أمام أسطول المجريين. # كانت الموقعة في أول الأمر في مصلحة العثمانيين؛ فلقد تمكنت المدفعية العثمانية ~~المتفوقة من تحطيم أسوار المدينة، وتمكنت بعض فرق الإنكشارية من دخول بلغراد، وظن ~~العثمانيون أن الموقعة قد انتهت بينما كانت المدينة ملأى بالجنود توجههم قيادة ~~ممتازة؛ ولذا اضطر الأتراك إلى الانسحاب من الجزء الذي احتلوه، وحاول السلطان إقناع ~~جنوده بالثبات، وحارب في صفوفهم بنفسه، وقتل بيده أحد زعماء الصليبيين، ولكنه اضطر في ~~آخر الأمرإلى الانسحاب بعد أن تمكن من تنظيم التقهقر. وبعد أن قتل من الإنكشارية العدد ~~الكبير. # ولكن السلطان كان سعيد الطالع؛ فلقد تمكن من التقهقر ومن إعادة تنظيم قواته، ومن ~~مدافعة أعدائه بعنف بحيث لم يستطيعوا تتبعه، ومن ناحية أخرى مات هونيادي بعد عشرين ~~يوما من الموقعة، كما مات زعيم الصليبيين جون كابستران الذي جاء لنجدة المجر. # وبموت هونيادي انتهى أقوى عدو للأتراك وللمسلمين، فبموته كما يقول البابا سلفيوس ~~«ماتت آمالنا»، ولقد أبنه معاصروه، ووصفوا شجاعته وقدرته وقيمته للمسيحية في ذلك الوقت ~~الخطر؛ فلقد قام هذا الرجل بحماية المجر، بل وحماية ألمانيا من الفتح العثماني، كما أخر ~~مشاريع محمد الفاتح ms077 بالنسبة لإيطاليا. # لم تكن موقعة بلغراد بعظيمة الخطر على مركز العثمانيين في أوروبا وإن كانت قد أنقذت ~~مدينة بلغراد والمجر من أن تقع في أيديهم مدة من الزمن، ولكنها لم تمنع العثمانيين من ~~نشر نفوذهم في بقية أجزاء البلقان في البوسنة والهرسك والصرب وألبانيا، فما كانت المجر ~~التي ذاقت قوة العثمانيين مرارا تجرؤ أبدا على اتخاذ خطة الهجوم ضد السلطان الفاتح، ~~فنشاطها استنفذ من ناحية، ومن ناحية ثانية هلك أكبر رجالها الحربيين الذي تستطيع أن تثق ~~فيه وأن تضع مقاليد أمورها بين يديه. # وبعد ذلك فملكها كان لا يزال حديث السن لا يحسن التصرف في أمور الملك، ولم يوجد بين ~~الأرستقراطية المجرية من يقوم مقام هونيادي، بل لقد قابل الملك أعمال الزعيم الراحل ~~بالجحود والنكران، فلقد أمر بقتل ابنه وتشويه سمعته وتصوير خيانته وصب عليه ~~اللعنات. # ولكن الملك المجري لم يعش طويلا فمات سنة 1458م، وشاءت الأيام أن تعترف المجر بجميل ~~فارسها، فقرر الديت المجري تعيين ابنه وهو ماتياس كورفينوس ملكا على المجر. # ولئن كان ماتياس ورث عن أبيه فروسيته وقدرته على قيادة الرجال إلا أنه لم يرث عداوته ~~للأتراك. وكان مهتما بالأمور الداخلية، مهتما بالقضاء على ثورات من حاولوا منافسته، ~~ولكنه لم يستطع أن يعمل شيئا أمام قوة الأتراك؛ فلقد قام السلطان محمد الفاتح بالهجوم ~~مرة ثانية فافتتح البوسنة وثبت أقدامه فيها رغم أنف المجر، وحاول ماتياس أن يضم البابا ~~والبندقية إلى جانبه فلم يفلح، ولما اقترح ملك فرنسا تكوين عصبة دول مسيحية ضد الأتراك ~~رفض كورفينوس الانضمام؛ لأنه كان موقنا أن الحرب ستكون على حساب المجر وحدها. # ومن الغريب أن ماتياس لم يهتم بالخطر التركي بقدر ما اهتم بالقضاء على حركة هوس في ~~بوهيميا؛ فهو كاثوليكي متعصب قبل كل شيء وشغلته نزاعاته مع الإمبراطور الذي حاول التدخل ~~في شئون المجر الداخلية، كما شغلته اختلافاته مع بوهيميا. # ولقد هاجم الأتراك فعلا جنوب المجر، وعاونوا الثائرين على ماتياس ولكنهم أجلوا ~~هجومهم النهائي عليها إلى عهد السلطان سليمان القانوني الذي سيقضي ms078 على قوة المجر ~~ودولتها نهائيا في موقعة موهاكز في آخر الربع الأول للقرن السادس عشر. # فتح البوسنة # أما مملكة البوسنة فلم يقدر لها البقاء كإمارة مستقرة بعد اختفاء الصرب إلا أربع ~~سنوات، فلقد قامت فيها المنازعات على العرش، وثارت الحرب الأهلية، وعم الخوف على مصير ~~البلاد أمام قوة الأتراك المرابطة على الحدود والتي تتدخل في أمور البلاد من حين لآخر ~~وتجبرها على دفع الجزية، واضطرت البابوية في ذلك الوقت، وكانت ملاذا للمسيحية وملجأها ~~الأخير، اضطرت إلى التدخل في سبيل تثبيت العرش بعد أن زار ملك البوسنة البابا، وأخبره ~~بأن الأتراك يعاملون سكان البلاد بالحسنى لينالوا ودهم ورضاهم وأنهم يعدون الفلاحين ~~- وكانوا رقيقا للأرض - بالحرية، وأن مطلب السلطان الفاتح ليس هو البوسنة وإنما هو المجر ~~والبندقية، ثم الزحف بعد ذلك على إيطاليا واكتساح رومة عاصمة المسيحية الباقية. كانت ~~هذه الزيارة في سنة 1461م. # حاولت البابوية تثبيت مركز ذلك الملك، كما حاولت معاونته لدرء الخطر العثماني الذي ~~يهدد استقلال بلاده، وعلم السلطان الفاتح بما بينه ذلك الملك من نقض عهوده مع الدولة ~~العثمانية وعزمه على منع إرسال الجزية. # ولذا فأرسل إليه يطالبه بدفع الجزية، وشعر ملك البوسنة بقوة في نفسه؛ فالبابوية ~~تؤيده. ولم يكن يدري أن البابوية لن تستطيع له نفعا إذا ما دهمته جحافل الأتراك، أخذ ~~ملك البوسنة الرسول العثماني فأراه كنوزه وبين له باحتقار أنه لا يستطيع التنازل عنها ~~للأتراك. # فقرر فاتح القسطنطينية معاقبة البوسنة على عدم وفائها بتعهداتها، وفي سنة 1463م جهز ~~جيشا عظيما لذلك الغرض، وعلم ملك البوسنة بما وقع فناله الفزع وأرسل للسلطان في آخر ~~لحظة ينفذ أوامره، ويطلب منه هدنة لمدة خمسة عشر عاما، فقبل السلطان ذلك العرض، ولكنه ~~صمم سرا على ضم البوسنة نهائيا إلى الدولة. # ولذا بعد ارتحال رسل البوسنة بأربعة أيام سار السلطان بجيوشه بسرعة هائلة وأخذ ~~البوسنة على غرة فلم يقف أمامه دفاع، وفتحت العاصمة أبوابها له، وجازى السلطان حاكمها ~~على خيانته لوطنه بأن ألقى به من شاهق صخرة لا تزال تحمل ms079 اسم «راداك» إلى اليوم. # وأما ملك البوسنة فلم يجد بدا من التسليم، وساعد السلطان على إتمام عثمانيا، وأما ~~ملكها فلقد عاقبه السلطان بالإعدام وضرب أعناق أبنائه، وكان قد أمن على نفسه، ولكن مفتي ~~الدولة أفتى بضرب عنقه لأنه غدر بالسلطان فلا أمان له، واستشهد بالحديث الشريف: «لا ~~يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين.» # وسقطت الهرسك بعد البوسنة، فالقصة السائدة في البلقان كانت قصتها قصة التنازع على ~~الملك والاختلاف؛ ولذا اضطرت إلى دفع الجزية للسلطان، وتم منحتها نهائيا في عهد ابن ~~الفاتح السلطان بايزيد الثاني، ولقد كان لفتح البوسنة أهمية خاصة، فلقد اعتنق نبلاؤها ~~وأرستقراطيتها الدين الإسلامي وأصبحوا بكوات يحكمون إقطاعاتهم على الطريقة السائدة في ~~الغرب في العصور الوسطى. # فتح ألبانيا # بعد البوسنة جاء دور ألبانيا، والألبانيون أقدم جنس في البلقان، وخضعوا للدول التي ~~سيطرت على البلقان خضوعا تختلف درجته. وفي القرن الرابع عشر خضعوا للإمبراطور الصربي، ~~ولكن بعد سقوط إمبراطورية الصرب انقسموا كعادتهم إلى قبائل متنافسة متنافرة لا تعترف ~~لشخص واحد بسلطة، ولا تحترم غير نظمها الخاصة وتقاليدها التي أملتها عليها طبيعة البلاد ~~الجبلية. # وفي أوائل القرن الخامس عشر كان ينتظر ألبانيا مصيران، إما الخضوع لجمهورية البندقية ~~أو الخضوع للأتراك. ولقد كانت جمهورية البندقية تتوسع في البحر الأدرياتي بينما كان ~~الأتراك يتوسعون في البلقان، فوقعت ألبانيا بين خطرين عظيمين. ولقد استولت البندقية ~~بالتدريج على الأجزاء الساحلية، وتم لها ذلك في منتصف القرن الخامس عشر تقريبا. وأصبح ~~البحر الأدرياتي بذلك بحيرة إلى حد كبير بندقية. # ولم يكن من مصلحة البندقية - وهي دولة بحرية - أن تتوغل في داخل ألبانيا، في داخل بلاد ~~مقفرة جبلية، سكانها أقوياء أشداء ولكنها استخدمت أموالها في سبيل إثارة القبائل ~~الداخلة على الأتراك، ولكن هذه السياسة وإن نفعت وقتا ما فلم تنته إلى نجاح، فبالرغم ~~من شجاعة القبائل ومناعة بلادها ما كانت تستطيع الصمود أمام قوة الأتراك مدة ~~طويلة. # وفي أوائل القرن الخامس عشر بدأ الأتراك فتوحهم في ألبانيا، وكان من بين ما أخذوا ~~كضمانات جورج كاستريونس، وكان ms080 لا يزال حديث السن، فأكرموا وفادته وعلموه الدين الإسلامي ~~فاعتنقه، وسموه إسكندر، وأعطوه لقب بك فصار إسكندر بك. # خدم إسكندر بك في الجيش العثماني وبرز فيه، حارب ضد الصرب والبنادقة، وأظهر شجاعة ~~ممتازة. وبينما كان يخدم في الجيش الذي استخدم ضد المجر في سنة 1443م علم بقيادة ثورة ~~في ألبانيا، وهرب من العثمانيين إلى أحد الحصون الألبانية، وتنصر ثانية، وأعلن حربا ~~صليبية على الأتراك، وساعدته على النجاح طبيعة الجبال التي كان محتميا بها. # أصبح إسكندر بك من أقوى خصوم الأتراك، ومن أشدهم حقدا، وهو يشبه في هذه الناحية ~~هونيادي المجري، كما يشبهه في ذكائه العسكري ومقدرته على قيادة الرجال، وأصبح مثله ~~زعيما قوميا. كان إسكندر بك الزعيم الوطني الألباني الوحيد. لقد التف حوله الزعماء ~~الألبانيون كما التف الزعماء المجريون حول هونيادي. ولقد أيدته في خصومته للأتراك دولة ~~البندقية ودولة نابلي. # لقد حارب إسكندر بك العثمانيين مرارا وهزمهم ومنعهم من أن يسيطروا على ألبانيا سيطرة ~~تامة، ولكنه لم يستطع اتخاذ خطة الهجوم أو محاربة العثمانيين في السهول. # ولكن السلطان محمد الفاتح ما كان يستطيع أن يقبل تفوق إسكندر بك في ألبانيا، فيحاول ~~أن يستفيد من الحزازات الموجودة بين الزعماء الألبانيين، وهزمهم هم وحلفاؤهم من نابلي. ~~ولكن إسكندر بك نجح في إثارة الألبانيين وعقد صلحا مع الأتراك ثم نقضه؛ لأن البابا ~~وعده بالمساعدة فحارب الأتراك إلى أن اضطر إلى أن يرحل إلى روما يطلب المساعدة والعون، ~~ولكنه مات في أوائل سنة 1468م، وبذا استطاع الأتراك أن يخضعوا بقية ألبانيا ~~بسهولة. # لقد كلف إسكندر بك الأتراك غاليا في الفتح، وإذا كان قد نجح في شيء فلقد نجح في ~~تأخير فتح ألبانيا، وأوقف مد التيار التركي العنيف الذي ربما كان اكتسح ~~إيطاليا. # بعد موت إسكندر بك سيطر السلطان محمد الثاني على ألبانيا تماما وطرد البندقية من ~~مملكاتها الساحلية فبدأ انكماشها واضمحلالها. # فتوحات السلطان الفاتح في آسيا # وأما في آسيا فلقد كان نجاح السلطان محمد الثاني تاما. فاستطاع أن يقضي على بقايا ~~الإغريق في آسيا ms081 الصغرى، فاستولى على سينوب وطربزون. وكان لطربزون إمبراطور إغريقي ليست ~~له إلا المدينة وضواحيها فحاول تقوية مركزه بالاتفاق مع أوزون حسن الذي كان يسيطر على ~~بعض أجزاء من أرمينيا والعراق وفارس. ولكن لما علم أوزون حسن بمجيء السلطان بجيش كبير ~~طلب السلام وترك الإمبراطورية الإغريقية في آسيا الصغرى لتلقى مصيرها المحتوم. فلقد ~~توجه السلطان إلى المدينة وحاصرها برا وبحرا، وبعد فترة صغيرة سلمت المدينة في سنة ~~1461م وبذا تلاشت دولة الإغريق نهائيا في آسيا الصغرى، وأصبح الأناضول تركيا ~~إسلاميا لا سيطرة فيه للإغريق إلا في فترة صغيرة تلت الحرب الأوروبية الكبرى ~~الأولى. # وأصبح للعثمانيين السيطرة التامة على بحر مرمرة وبحر الأرخبيل والبحر الأسود، وخاصة ~~بعد أن أرسل السلطان الصدر الأعظم لفتح بلاد القرم وتم له ذلك. # وأما فيما يختص بإمارة قرمان ففي سنة 1463م مات أمير هذه البلاد، وكان يدفع الجزية ~~للسلطان محمد الفاتح. وترك أبناء سبعة، اختلفوا فيما بينهم على وراثة الحكم، فتدخل ~~السلطان وقضى قضاء مبرما على استقلال هذه الإمارة في سنة 1471م. وبذا أصبحت الأناضول ~~عثمانية وانتهت نهائيا بقايا النظام السلجوقي القديم. # ولكن حدود العثمانيين الشرقية ما كانت آمنة؛ أولا: لغزو جنود التتار، ثانيا: لعداوة ~~أوزون حسن السابق الذكر للعثمانيين؛ فلقد حاول هذا الرجل نهب البلاد الواقعة على الحدود ~~الشرقية، وفعلا نجح في ذلك وفي إحراق بعض المدن الأخرى، وهاجم قرمان، فقابله الأمير ~~مصطفى بن محمد الفاتح، وأسر قائد الغزاة، وكبله بالحديد وأرسله إلى أبيه، وقامت وقائع ~~أخرى كان النصر فيها حليف الأتراك أيضا. وحاول أوزون حسن هذا - وقد أحس بالخطر على ~~بلاده - فتح باب المفاوضات مع رودس والبندقية، وطلب منهما إمداده بالمدافع وبعض رجال ~~المدفعية، وفعلا أنجدته البندقية فعاد إلى غزو الحدود العثمانية، ولكن قواته دحرت، ~~وهرب هو من ميدان القتال بحياته، فعاد إلى الحدود الشرقية أمنها وسلامها. # على أن فتوحات محمد الفاتح وضعت أساس الخطة التي سيتبعها خلفاؤه فيما بعد؛ فلقد أصبح ~~للعثمانيين حدود غير مستقرة مع كل من مصر وفارس والمجر، وكان لا بد ms082 من وقوع الاصطدام ~~بين العثمانيين وهذه الدول عاجلا أو آجلا. # علاقة السلطان الفاتح بجنوة والبندقية وإيطاليا # كان لوجود العثمانيين في أوروبا وحلولهم محل الإغريق في البلقان وفي القسطنطينية أثر ~~كبير على علاقاتهم مع جنوة والبندقية. # لقد عمل السلطان محمد الثاني فعلا على المحافظة على العلاقات السلمية بينه وبين ~~هاتين الدولتين أثناء حصاره لمدينة القسطنطينية، فلم يهاجم غلطة، وهي مستعمرة جنوية ~~مستقلة على حدود القسطنطينية، ولكنه عندما انتهى من فتح مدينة قسطنطين طلب من الجنويين ~~هدم حصون غلطة وأسوارها وفرض عليهم الجزية؛ مما عمل على سوء العلاقات بينه وبين ~~جنوة. # وعلاقة السلطان السيئة مع جنوة هي التي دعته إلى التفكير في القضاء على ممتلكاتها في ~~البحر الأسود؛ ولذا أرسل حملته المشهورة إلى بلاد القرم إلى ثغر كافا. كانت الحملة ~~بقيادة الصدر الأعظم ومكونة من أسطول ضخم وأربعين ألف مقاتل. # وكانت مدينة كافا قوية وغنية؛ فلقد كان يطلق عليها اسم القسطنطينية الصغيرة. ولم ~~تستطع المدينة الوقوف أمام قوات السلطان العظيمة، فسلمت بعد حصار أربعة أيام، وكانت ~~الغنائم والأسلاب كثيرة، واصطفى السلطان محمد الثاني ألفا وأربعمائة من أبناء نبلائها ~~للخدمة في صفوف الإنكشارية، ثم استولى الأتراك على شبه جزيرة القرم كلها، وأصبح خانات ~~التتار في هذه الأجزاء الواقعة في شمال البحر الأسود تابعين للدولة العثمانية لمدة تقرب ~~من ثلاثة قرون. # ولم تكن علاقة السلطان محمد الثاني بالبنادقة خيرا من علاقاته مع جنوة، فلقد اصطدم ~~بقوات البندقية على سواحل بلاد الإغريق، وفي جزر بحر الأرخبيل، وكانت نتيجة ذلك ~~الاصطدام المسلح أن استولى العثمانيون على إيبويبا ولسبوس ولمنوس وسفالونيا وبعض الجزر ~~الأخرى. # وبعد أن استولى السلطان على ألبانيا والبوسنة والهرسك زاد اتصاله بممتلكات البندقية ~~على الشاطئ الشرقي للبحر الأدرياتي، وأراد السلطان الفاتح أن يعاقب البندقية على موقفها ~~العدائي إزاءه في كثير من الظروف، فأرسل في سنة 1477م جيشا قويا إلى ممتلكاتها يحاول ~~تهديد المدينة نفسها، ففزعت البندقية وأقامت التحصينات المنيعة، ولكن الأتراك اخترقوا ~~كثيرا من هذه التحصينات وهزموا جنودها مرارا واكتسحوا بلادها إلى قرب المدينة، ms083 وارتجف ~~شيوخ المدينة في قصورهم لهول الأنباء التي وصلت إليهم ورأوا بأعينهم النيران تشتعل في ~~قراهم، ولكن لحسن حظهم لم يكن السلطان الفاتح ينوي الاستيلاء على هذه المدينة، ورجعت ~~جنوده وسراياه محملة بالأسرى وبالغنائم الكثيرة. # ولذا أسرعت البندقية فعقدت صلحا مع السلطان محمد ، وتعهدت بأن تساعد السلطان بأسطول ~~مكون من مائة سفينة إذا هاجمته دولة أخرى، ووافق السلطان على أن يساعدها بمائة ألف جندي ~~إذا هاجمها أعداؤها. # وكان السلطان محمد الثاني يفكر في إخضاع إيطاليا، ولكنه كان دائما يؤجل ذلك المشروع؛ ~~أولا لظروف العثمانيين الحربية في البلقان، ولعناد هونيادي وإسكندر بك، ولذا بعدما ~~اختفى هذان الخصمان من المسرح السياسي في البلقان جهز السلطان محمد الفاتح الاستعدادات ~~العظيمة البرية والبحرية، وأحب أن يمهد لذلك بالاستيلاء على جزيرة رودس حتى لا تصبح ~~شوكة في جانب ممتلكاته العظيمة. وكانت في يد فرسان القديس يوحنا الذين وطدوا مركزهم ~~فيها في أوائل القرن الرابع عشر، وأصبحوا قوة مستقلة لا يستهان بها، ولقد وصلت للسلطان ~~معلومات عن هذه الجزيرة وعن حصونها، ولذا أرسل مسيح باشا في أبريل سنة 1480م بقوة كبيرة ~~مكونة من مائة وثمانين سفينة وجيش قوي ومدفعية كبيرة، واستطاع الباشا أن ينزل في ~~الجزيرة، واستولى على بعض الأماكن فيها، وحاصر المدينة، فدافعت عن نفسها دفاعا ~~مشهودا، وكادت تسقط لولا جشع الإنكشارية وسوء سياسة القائد. # لقد استطاع الأتراك بمدفعيتهم القوية إحداث ثغرات في أسوار المدينة، ورفع العلم ~~العثماني فعلا على الأسوار، وكادت المدينة تؤخذ لولا أن أعلن مسيح باشا في هذه اللحظة ~~أن الغنائم كلها ستحفظ للسلطان، ففت ذلك في عضد المهاجمين وغضبت الجنود المهاجمة، ~~ورفضوا مساعدة إخوانهم الذين اقتحموا الأسوار، وانتهز المدافعون ذلك الخلل فردوا الفرق ~~الأولى المهاجمة على أعقابها، واضطر مسيح باشا إلى رفع الحصار والعودة، وأنقذت رودس ~~لمدة نصف قرن من الزمان. # وفي نفس الوقت الذي هاجم فيه الأتراك رودس أنزلوا جنودهم بقيادة بطل القرم إلى ~~إيطاليا، على شاطئ أبوليا، وساروا نحو تارنتو، وكانت تعتبر في ذلك الوقت مفتاح جنوب ~~إيطاليا، فلم ms084 تستطع الوقوف طويلا أمام قوة الأتراك وسلمت في أغسطس سنة 1480م وقتل ~~سكانها واستبيحت المدينة. فكانت هذه الحملة الحربية درسا قاسيا لإيطاليا لتدخلها في ~~شئون البلقان، وتهديدا لمركز البابوية في إيطاليا ذاتها. # لقد وضع السلطان محمد الفاتح قدمه في إيطاليا واستولى على ميناء صالحة لتوغل جنوده في ~~داخلها، وأخذ في تجهيز معدات عظيمة لإتمام مشروعه، ولم يكن يعرف وجهتها الحقيقية غيره، ~~فلقد كان يحتفظ دائما بسرية مشاريعه لنفسه، ولكنه مات بغتة في وسط جيوشه في 3 مايو سنة ~~1481م، فأنقذت إيطاليا من الخطر العثماني. # | عصر الفاتح وتنظيماته # أنشأ السلطان محمد الثاني الفاتح دولة عظيمة، هي غير منازعة أقوى الدول الكبرى في القرن ~~الخامس عشر، ووحدها أرضا وشعوبا فأصبحت كتلة متماسكة تمتد من أعالي نهر الفرات إلى ~~الأدرياتي، ومن البحر الأبيض إلى نهر الدانوب والقرم، وأزال بقايا الدول التي كانت تجهد ~~بجيش ناصب في آسيا الصغرى، أو تناوئ الأتراك العثمانيين في البلقان، واتخذ للأتراك عاصمة ~~جديدة عظيمة لها تاريخ مجيد، جميلة الموقع، متوسطة المركز بين بلادهم الآسيوية وممتلكاتهم ~~الأوروبية، تشرف على البر والبحر، وتتفق مع ما أصبح للعثمانيين من مجد وقوة وجبروت، ولم يعد ~~بعد عهد الفاتح للإغريق ولا للبنادقة ولا للجنويين أو الإغريق أو الصرب قوة ولا ذكر في ~~البلقان إلى أن جاء القرن التاسع عشر، ومهدت فتوحات ذلك السلطان العظيم الطريق لفتوح ~~العثمانيين التي سيقوم بها خلفاؤه في الشام ومصر والعراق والمجر وأواسط أوروبا. # كان السلطان الفاتح مصلحا كبيرا ومنظما من الطراز الأول، كما كان رجل حرب من العبقريات ~~النادرة التي شهدها التاريخ. # وكان رجل ثقافة واسع الاطلاع في العلم والأدب، يتذوق الشعر ويستلهم الفن، كما كان طويل ~~الباع في الإدارة والحكومة. # رتب السلطان الحكومة الجديدة لدولته العظيمة، واستفاد من كل الظروف المحيطة به، واستلهم ~~كل الحضارات التي ترك تراثها للعثمانيين؛ فهو سلطان مسلم يحكم دولة واسعة الأطراف، إسلامية ~~قبل كل شيء، ولكنه في نفس الوقت جلس على عرش الأباطرة البيزنطيين في مدينتهم وعاصمتهم فأصبح ~~خليفة القياصرة، كما حل ms085 محل الأمراء الكثيرين الذين كانوا يحكمون في البلقان. # حكم السلطان الفاتح دولة تتكون من أجزاء مهمة في شرقي البحر الأبيض لها حضارات شرقي البحر ~~الأبيض، حضارات امتزج فيها الشرق والغرب معا، وتقابلت فيها نظم سياسة مختلفة وقوانين ~~وعادات متباينة، وديانتان عظيمتان هما المسيحية والإسلام، فكان لا بد من مراعاة هذه الحقائق ~~جميعها والاستفادة منها في إقامة صرح دولته الجديدة العظيمة. # اهتم محمد الثاني بإصلاح النظام الداخلي للدولة، وعني قبل كل شيء بنشر الطمأنينة والسلام ~~التركي في إمبراطوريته الواسعة التي تجمع عناصر كثيرة من خلائق يختلفون في الجنس واللغة ~~والدين والعادات، فبجانب الأتراك المسلمين - وهم عمود الدولة الفقري - يوجد الإغريق ~~والصقالبة على اختلاف أنواعهم، والبلغار والألبانيون، يوجد الأرثوذكس والكاثوليك، عاش هؤلاء ~~جميعا قبل الحكم العثماني حياة اضطراب وفوضى لا يعرفون للأمن طعما، ونسوا من زمن بعيد كل ~~شيء عن الطمأنينة والاستقرار، فلا بد إذن من وضع نظام قوي للحكم يعطي لهؤلاء ما فقدوه من ~~حرية وراحة وسلام، ولا بد من وضع نظام خاص لسكان الدولة من غير المسلمين ينظم العلاقات ~~بينهم وبين جيرانهم من المسلمين، بينهم وبين الدولة التي تحكمهم وترعاهم. ~~••• # كان أول ما عنى السلطان محمد الثاني منذ أن تولى السلطنة العمل على استقرار العرش لأنه ~~عرف من تجارب التاريخ العثماني أنه على استقرار مركز السلطان يتوقف كل شيء في الدولة، تتوقف ~~قوتها ونظمها، رأى الخلل والاضطراب يلم بالدولة إذا ما برز المتنافسون على العرش وأوقدوا ~~نيران الحرب الأهلية، ولم يخف عليه ما عانته الدولة من حروب أهلية كادت تودي بحياتها في عهد ~~من سبقوه من السلاطين، كما قرأ بنفسه قصة الانقسام والتفرق في البلقان، وما آلت إليه حال ~~أهلها من ضعف واضمحلال؛ ولذا عمل على استقرار مركز السلطان ولم يكن هناك قبل عهده قانون ~~يحدد من يلي العرش العثماني بعد وفاة السلطان فوضع السلطان الفاتح سنة جديدة، وإن كانت ~~تظهر للكثيرين سنة قاسية سيئة، وهي أن السلطان الذي يلي الحكم له الحق في قتل إخوته ~~الباقين حتى لا ينازعه ms086 أحد منهم على العرش في المستقبل، فجعل بذلك قتل الإخوة سنة مشروعة، ~~ولكنه بررها أمام نفسه وأمام الناس بأن غرضه منها هو «سلام الدنيا والعالم» فوجود الإخوة - ~~كما فهم هو من التاريخ العثماني - من العوامل التي تثير الفتنة بين المسلمين فقتلهم أهون في ~~نظره من إثارتها. # وكان يرى أن يكون مركز السلطان محترما بين رجال دولته، فكان من أعداء التبذل وإن كان من ~~أنصار التبسط، لم يسمح لأحد من رجال دولته بالجلوس على مائدته، جعل ذلك قانونا، فوضع بذلك ~~تقليدا هو ألا يكون للسلطان إلا صحبة ممتازة يأنس بها، زمرة من رجال الدين والعلماء ~~والفلكيين والأطباء، فلم يكن للفاتح إذن اتصال برجال الدولة إلا حين تقضي بذلك أعمال الدولة ~~وإلا إذا كان لهؤلاء الرجال صفات علمية أو أدبية أو فنية تتناسب وذوقه؛ ولذا كان رجال ~~الدولة بلا استثناء يرهبونه ويخشون جانبه ويخافون بطشه. # وليس معنى ذلك أن فاتح القسطنطينية لم يكن يختلط برجاله أو بجنوده أو علمائه ففي أوقات ~~الحرب أو الاستعداد لها كان دائم الاتصال بوزرائه وقواده وجنوده يشرف عليهم بنفسه، ويقوي من ~~روحهم المعنوية ويعدهم ويمنيهم بكل ما يستطيع تنفيذه، وفي أوقات السلم في مجالسه الأدبية ~~وحلقاته الشعرية كان يتبارى مع الأدباء والشعراء والعلماء في تذوق الأدب وقول الشعر ونقد ~~الكتب. # ولقد وضع السلطان محمد الفاتح قوانين الإتيكيت والحفلات في الدولة العثمانية، وهو بلا شك ~~متأثر بالحياة الاجتماعية للأباطرة البيزنطيين، وباتساع الدولة ودخول عناصر أجنبية غربية ~~فيها، فوضع بذلك أساس التشريفات في القصر السلطان العثماني. ~~••• # ووجه عنايته كذلك إلى قوانين الدولة، فحاول تقنين الشرع واختار لذلك من العلماء الأجلاء ~~من يستطيع القيام بهذه المهمة العظيمة ووضع قانون نامه، وهذا القانون كما يقول هو: «هو قانون ~~آبائي وأجدادي، سيعمل به خلفائي من بعدي، من جيل إلى جيل.» فحاول أن يقنن الأوامر والمراسيم ~~التي أصدرها في أوقات مختلفة السلاطين ممن سبقوه. ولم يكن هذا التقنين كاملا بأي حال ولكنه ~~وضع الأساس. # هذا القانون مكون من ثلاثة أبواب، وهو يتعلق بمناصب ms087 الموظفين وببعض التقاليد وما يجب أن ~~يتخذ في التشريفات والاحتفالات، وهو يقرر كذلك العقوبات والغرامات. # ونظم السلطان الفاتح الحكومة الجديدة، وساعده في هذه الناحية الصدر الأعظم محمد القرماني. ~~وهذه الحكومة حكومة إسلامية قبل كل شيء، قائمة على تفوق العنصر الإسلامي أيا كان أصله أو ~~جنسه، ولقد جعلها السلطان ترتكز على دعائم أهمها الوزارة والقضاء والمال. # أما من حيث الوزارة فلقد جعل الفاتح عدد الوزراء أربعة، وجعل للصدر الأعظم قيادة الجيش ~~ورياسة الديوان، وإن كان الفاتح قد اهتم بالإشراف على الأمور في كثير من الأحيان بنفسه. ~~أما من حيث النظام الإداري فلقد أبقى السلطان النظام القديم بإدخال بعض تعديلات بسيطة فيه. ~~وهذا النظام يقضي بتقسيم الدولة إلى ولايات للكبرى منها بايلربايات (جمع بايلرباي) وللصغرى ~~البكوات الصناجق، وترك لبعض الإمارات الصقلبية في أول الأمر بعض مظاهر الاستقلال الداخلي، ~~فكان يحكمها أمراء منها، ولكنهم تابعون للدولة ينفذون أوامر السلطان بكل دقة، وهو يعزلهم ~~ويعاقبهم إذا خالفوا أوامره أو فكروا في الثورة على حكومته. # ولقد اهتم السلطان الفاتح اهتماما خاصا بالجيش، فالجيش في نظره أساس الدولة وركنها ~~الأول، فعني بإعادة تنظيمه وبمسألة قيادته، فكان لكل فرقة آغا هو قائدها، وجعل لآغا ~~الإنكشارية حق التقدم على القواد الآخرين؛ فهو يتلقى أوامره من الصدر الأعظم الذي جعل له ~~السلطان القيادة العليا للجيش. # ونال عنصر الرقيق في الجيش عناية خاصة، فكما كتب إلى أوزون حسن يقول: «إن دولتنا هي منزل ~~الإسلام، وإن سراج إمبراطوريتنا ليضيء من قلوب الكافرين.» كان السلطان محمد يشعر أن دولته ~~أكبر دولة إسلامية؛ ولذا فهو يعمل على تجديد شبابها وقوتها متبعا سنة من مضى من السلاطين ~~العثمانيين، وذلك بإدخال عناصر جديدة فيها، هذه العناصر التي أثبتت كفايتها وجدارتها. لقد ~~كان مؤمنا بمهمته الإسلامية والعالمية، فهو يرى ضرورة الجهاد في سبيل الله، ويعتقد أن ~~نظم الدولة يجب أن تخدم هذه الغاية النبيلة، هذه الغاية التي ترمي إلى ضم العناصر المسيحية ~~النشيطة إلى هذه الدولة الناهضة القوية. # عني السلطان محمد الثاني بفرق المشاة عناية خاصة ms088 في الوقت الذي ظلت فيه أوروبا تعتمد على ~~نظام الفرسان كأهم فرقة في جيوشها، ومن المقطوع به أن الدول التي اهتمت بنظام المشاة في ذلك ~~الوقت كان لها قصب السبق في أوروبا؛ فتركيا من ناحية الشرق وإسبانيا من ناحية الغرب كانتا ~~أقوى دول في أوروبا من الناحية الحربية، في النصف الثاني للقرن الخامس عشر وفي القرن السادس ~~عشر. وإذا كان محمد الثاني قد اهتم بنظام الجيش، فلقد كان أهم عوامل استقرار النظام فيه ~~الانتظام في دفع مرتباته، فوجه السلطان عنايته بصفة خاصة إلى هذه الناحية، بل واهتم ~~بزيادتها من حين لآخر، ولقد أعاد تنظيم الإنكشارية، وناط برئيسها أعمال البوليس بمدينة ~~إستامبول، فلا عجب إذا أصبح جيش الفاتح الجيش المنصور الذي لا يقهر. # ونبغ في عهد الفاتح عدد من القواد النابهين الذين عاونوه في حروبه وكان لهم ضلع كبير في ~~انتصاراته، وربما كان أهمهم محمود باشا وأحمد باشا، وكل من هذين الرجلين تولى الوزارة ~~والصدارة العظمى، وكل منهما من أصل مسيحي، وارتفع مكانا عليا في الدولة. # فأما محمود باشا فكان يطلق عليه ولي الدين محمود، ولد من أبوين صربيين، وكما تقول رواية ~~من أب إغريقي وأم صربية، وأتي به إلى أدرنة إلى بلاط السلطان مراد الثاني حيث تثقف ثقافة ~~إسلامية، ثم نبغ في الدولة، فعينه السلطان محمد الثاني صدرا أعظم في سنة 1543م بعد إعدام ~~خليل باشا، وكان يصحب السلطان في كل غزواته، ثم كلفه السلطان بإخضاع الصرب، وهو الذي قاد ~~الحملة البحرية إلى طرابزون وسينوب، بينما كان السلطان نفسه يقود الحملة البرية. واشترك ~~كذلك معه في حروب المجر والبوسنة، وحكم صنجق غاليبولي، ولقد بنى هذا الرجل مسجدا ومدرسة في ~~إستامبول، وكان محبا للعلم يتذوق الأدب ويقول الشعر، وله ديوان عدلي. # أما أحمد باشا كيديق فأصله جندي إنشكاري أوصلته كفايته ومقدرته إلى منصب القيادة، وتم على ~~يديه زوال الحكم السلجوقي نهائيا من آسيا الصغرى، وهزيمة أوزون حسن وإخضاع كيليكيا ~~للأتراك. وكصدر أعظم تم على يديه فتح القرم، وهو قائد الحملة الإيطالية ms089 التي استولت على ~~تارنتو. ولقد اشترك ذلك الرجل في الأحداث السياسية في عهد السلطان بايزيد الثاني ابن الفاتح ~~مما أدى إلى اضطهاده. ~~••• # وكما اهتم السلطان الفاتح بالجيش اهتم بالمسائل المالية فهي أساس مهم من أسس الدولة. فدقق ~~في تنظيم جمع الضرائب حتى تكون الحكومة مطمئنة إلى موارد دخلها ، وجعل السلطان محمد الثاني ~~الإشراف على الأمور المالية للدفتردار، وهي وظيفة ترجع إلى أصل فارسي، وكان للدولة على عهد ~~الفاتح دفتردار واحد لروميليا عين له السلطان مساعدا يختص بالشئون المالية لآسيا ~~الصغرى. # وعني بالقضاء فهو من عمد الدولة، كما عني برجاله وتحديد وظائفهم ومناصبهم، وجعل الإشراف ~~عليه لقضاة العسكر، فكان لهم مركز مهم في الدولة؛ فهم أعضاء في الديوان ويتقدمون على ~~الوزراء، والسلطان الفاتح هو الذي أعطى المفتي لقب شيخ الإسلام فأصبح ذلك المركز - وخاصة ~~بعد عهد الفاتح - من أعظم مراكز الدولة. # وكانت قوانين الدولة تختلف على حسب مللها، وإن كان القانون الأساسي للدولة هو الشرع؛ فهو ~~قانون الحكومة الذي يحدد علاقات المسلمين وعلاقتهم بغيرهم من سكان الدولة؛ فهو يحدد علاقة ~~المسلمين بالذميين. # ولقد ترك للذميين حق اتباع كنائسهم الخاصة وقوانين مللهم المختلفة وتقاليدهم فيما يتعلق ~~بمسائل الحكم المحلي، وفيما يختص بمسائلهم الشخصية كالزواج والطلاق، وكذا المسائل الدينية، ~~فهؤلاء الذميون تركوا ليتبعوا في حياتهم نظمهم وتقاليدهم القومية، فكان حكم الأتراك لهذه ~~الرعية حكما غير مباشر، ولم تشترك هذه الرعية في حياة الدولة السياسية أو العلمية إلا بقدر ~~صغير محدود، ولكنها تمتعت بسلام وأمن لم تعرف مثلهما قبل الحكم التركي. # وراعى الأتراك في القضاء العدالة التامة بين المسلمين والمسيحيين إلى حد أن إحدى الفتاوى ~~قد صدرت تقول بأنه إذا قتل ألف من المسلمين مسيحيا واحدا مخلصا للسلطان دون حق يجب ~~قتلهم، ولقد فرض النظام العثماني على المسيحيين ضريبة الرءوس وضريبة الأراضي ولم تكن حالهم ~~سيئة في عهد الحكم العثماني في العصور الأول. بل كانت أمامهم الفرص للتعاون مع العثمانيين ~~في مناصبهم وحروبهم. # ونظرا لأن معظم رعايا السلطان الفاتح المسيحيين كانوا من الأرثوذكس يجب ms090 أن نشير هنا إلى ~~أن فتح القسطنطينية لم يضعف من مركز الكنيسة الإغريقية بأي حال، فلقد كان جورج سكولاريوس ~~المسمى جناديوس والذي اختاره الفاتح بطريركا من أشد أعداء فكرة اتحاد الكنيستين الشرقية ~~والغربية، بل لقد أعلن أن الخضوع للكنيسة الغربية اللاتينية نقمة على المسيحية ولعنة على ~~الإمبراطورية، وسيعقبه حتما انتهاء الدولة البيزنطية، وفعلا تم ما تنبأ به. # كان السلطان الفاتح يرغب في أن تستمر للكنيسة الأرثوذكسية قوتها ونظامها حتى يستطيع أن ~~يسترضي الرعايا الأرثوذكس، وان يسجل لهم قبول الحكم الإسلامي الجديد. ولذا احتفظ السلطان ~~بنظم الكنيسة العتيقة، وأبقى لها الكثير من سيطرتها القديمة، فطلب من القساوسة الأرثوذكس ~~الاجتماع لينتخبوا من بينهم بطريركا، واعتمد من اختاروه وهو جناديوس، واحتفل بانتخابه على ~~النظام وبالأبهة التي كانت متبعة في مثل هذه الاحتفالات في عهد الأباطرة المسيحيين، وقال ~~له: «لتكن بطريركا على صداقتي في كل وقت وظرف، ولتتمتع بكل الحقوق والامتيازات التي كانت ~~لمن سبقك.» ولكي يرفع من مركز البطريرك في الدولة الجديدة أهداه فرسا جميلا، وجعل له حرسا ~~خاصا من الإنكشارية، وصحبه باشاوات الدولة إلى المكان الذي أعد له، ثم اعترف بقوانين ~~الكنيسة الأرثوذكسية ووضعها تحت حمايته، وأمرها بإقامة حفلاتها الدينية كالمعتاد، وجمعت ~~واشتريت كل آثار القديسين ومخلفاتهم التي نهبت، وسلمت إلى الكنائس والأديرة. # ولكن كان على الكنيسة الجديدة أن تخضع للسلطان كبقية النظم الأخرى الموجودة في الدولة، ~~ففي أي لحظة يستطيع السلطان عزل البطريرك أو كبار رجال الدين، لا راد لقضائه، ولكن من ~~الناحية العملية ما كان السلطان يلجأ إلى اضطهاد الكنيسة أو رجالها، بل كانوا دائما موضع ~~حمايته أو إكرامه. وكانت فكرة الاضطهاد الديني غير موجودة في ذهن الفاتح، وإذن نعمت الكنيسة ~~الأرثوذكسية في عهده وعهد خلفائه بهدوء واستقلال لم تنعم بمثله قبلا حتى في عهد كثير من ~~الأباطرة البيزنطيين أنفسهم، وأخلص القسس الطاعة لذلك السيد العظيم. # قوي إذن مركز الكنيسة الإغريقية، ورضي الإغريق عن ذلك الحكم الجديد الذي ترك لهم حرية ~~المعتقد ومنحهم استقلالا دينيا غير منقوص، ولقد أبقى الفاتح ms091 بعض الكنائس على حالها، ولم ~~يمنع المسيحيين من إقامة شعائر دينهم فيها، وأصبح حي الفنار المطل على القرن الذهبي حلقة ~~الاتصال بين القسطنطينية الإسلامية والقسطنطينية المسيحية. # وفي حي الفنار المظلم هذا وفي منازله القاتمة عاشت العائلات الإغريقية العظيمة مثل ~~الكومني والباليولوجي والدوكا، عاشت كآثار أرستقراطية عظيمة عريقة، عاشت لا أراضي لها ولا ~~جاه إلا الأصل المجيد الذي تنتمي إليه. # لقد أصبحت البطريركية الإغريقية في إستامبول موئلا للمسيحية ومراكز للقومية الإغريقية ~~إلى أن حان الوقت لظهور الإغريق كأمة لها كيانها الخاص حين ضعفت الدولة العثمانية في أوائل ~~القرن التاسع عشر. # وأما القسطنطينية فلقد أصبحت إستامبول في فم الأتراك، وأصبح هلال بيزنطة رمز القوة ~~العثمانية، وعلما لعظمتها. # وأما من حيث إعادة الحياة والهدوء إلى هذه المدينة العظيمة فلقد أمر السلطان محمد الفاتح ~~حين دخلها بوقف القتل، ولم يسمح باستباحتها بعد الأيام الثلاثة التي حددها والتي وعد بها ~~جنوده، وكان قد قتل من سكان المدينة العدد الكثير، وشرد العدد الكثير، وأسر العدد الكثير، ~~ولكن ما كان الفاتح يعمل على خراب المدينة العظيمة مطلقا، فهو رجل مقدر للجمال يتذوق الفن، ~~وإنما كان عليه أن يعيد لها مركزها القديم وعظمتها السابقة بنشر الأمن والطمأنينة فيها ~~وإنشاء حياتها الاجتماعية والاقتصادية من جديد؛ حتى تصبح صالحة لأن تكون عاصمة لأقوى دولة في ~~أوروبا وآسيا معا. فأعاد إصلاح أسوارها، وبنى فيها حصنا منيعا له سبعة أبراج، وعمل على ~~تشجيع من بقي من سكانها على الإقامة فيها والاستقرار، وطلب من كثير من العائلات التركية ~~والإغريقية والألبانية سكناها، وعاد إليها عدد كبير من سكانها الذين كانوا هربوا منها، كما ~~لجأ إليها عدد لا يستهان به من مهاجري الأرمن والفرس والعرب. # ولقد اهتم السلطان الفاتح بإنشاء المباني العظيمة في هذه المدينة، فبنيت فيها دار السعادة ~~العتيقة بقرب الجامع الذي كان أنشأه السلطان بايزيد خان الأول، فكانت أول دار أنشأها ~~السلاطين العثمانيون بعد فتح هذه المدينة، وكذلك أمر السلطان الفاتح ببناء جامعه المشهور ~~باسمه، وهو واقع على التل الرابع في المدينة، بناه ms092 المهندس خرستو دولاس على أنقاض كنيسة سان ~~أبوتر، وهذا الجامع يرى من البحر من مسافة بعيدة وله مئذنتان، وقد أصابته الزلازل فيما بعد، ~~فأعاد بناءه السلطان مصطفى الثالث. ومن منشآت السلطان الأخرى جامع أبي أيوب الأنصاري، وجامع ~~الشيخ البخاري بجانب باب أدرنة، وجامع الإنكشارية (أرطة جامعي). كما أنشأت السلطانة زوجته ~~ستي خانوم جامعا في أدرنة، وكذا بنته السلطانة عائشة أنشأت جامعا في نفس هذه المدينة التي ~~كانت تعتبر ثاني مدن الدولة العثمانية. وأمر السلطان ببناء ثماني مدارس حول جامعه الكبير، ~~وشيد خلفها منازل للطلبة ومستشفى (دار الشفاء) وحمامات، وبقربها خانات لنزول المسافرين، كما ~~أنشأ مدرسة للعلوم الشرعية، وبالجامع مكتبة هي الأولى من نوعها في إستامبول، وبقربها يوجد ~~قبر عليمة هانم أم السلطان محمد الثاني، ويقول رامبرتي، الذي كتب في سنة 1734م: «بأن جامع ~~السلطان له «إمارة» متصلة به يسمح لكل شخص بالنزول فيها حيث يستضاف ثلاثة أيام، فيعطى العسل ~~والأرز واللحم والخبز وغرفة للنوم، وكان يهواها الآلاف من الناس، وبجانبها الحمامات والسبل ~~الجميلة.» # وفي إستامبول ميدان سمي باسم الفاتح، وهو «فاتح ميداني» وآق ميدان، وهناك أيضا محلة تنسب ~~إليه فيها جامع ومدرسة، ولها سوق خاصة شهيرة تعقد فيها، ويجد الناس فيها ما يحتاجون إليه ~~بالأسعار المناسبة. # ومن المساجد التي أنشئت في العاصمة في عهده كتشوق أيا صوفيا على بحر مرمرة، وكانت في ~~الأصل كنيسة القديس سرجيوس وباكوس، وجامع زيرق على القرن الذهبي، وكان كنيسة أيضا وحول ~~جامعا وسمي على اسم ملا زيرق، وكذلك جامع محمد باشا وجامع مراد باشا سميا باسم وزيرين ~~للسلطان الفاتح. # وأما قصر السلطان فكان كبيرا وإن امتاز بالبساطة، فقد كان السلطان الفاتح ميالا إلى ~~الوحدة والتفكير، منصرفا إلى دراسة فنون الحرب والأدب والفن، وكان له حريمه الخاص، وإن لم ~~يكن معروفا عنه حب الترف أو الانهماك في الملذات والشهوات، كان للحريم مقر خاص به، وبه ~~الغرف اللازمة لأبناء السلطانة وأمهاتهم السلطانات، وكانت الكسوة تجري على الحريم عدة في ~~الأعياد والمواسم والمناسبات. وبالقصر أماكن خاصة بالفتيات العذارى، ms093 وكلهن من أصل رقيق، ~~جلبن عن طريق الشراء أو الأسر، وكان عدد كبير من نساء الحريم قد دربن لأعمال الخدمة والطهي ~~وغيرها، وكان السلطان عادة يصطفي لنفسه من الحريم الخاص من يشاء، فيعطين عند ذلك حجرات ~~منفصلة متميزة، ومن لم يحظين باختيار السلطان يزوجهن السلطان عادة لوزرائه وقواده، أو ~~المقربين منه، ويحل محلهن غيرهن ممن سرن في نظام تعليمي معين. وكان ذلك النظام يعنى بتدريب ~~الفتيات وتعليمهن إلى سن الخامسة والعشرين. # وأما العاصمة نفسها فلقد تغير وجهها بالفتح العثماني؛ فلقد تحولت كثير من الكنائس إلى ~~مساجد، وجعلت المساجد العظيمة التي قام بتشييدها السلطان العثماني ووزراؤه للمدينة فخامة ~~وبهاء فتانا، وروعة أخاذة بمآذنها العالية، وقبابها المستديرة، كما كانت مقابر السلاطين ~~العثمانيين الذين خلفوا الفاتح قطعا رائعة من الفن، وفي هذه المباني الجديدة لم يندثر الفن ~~البيزنطي بأي حال، وكثرت الحانات والتكايا والزوايا، ولم يمض نصف قرن على الفتح العثماني ~~إلا وشيدت القصور العظيمة التي تزينها الحدائق الجميلة، وهاجر إلى المدينة تحت رعاية ~~السلطان عدد كبير من عرب إسبانيا ويهودها الذين اضطهدتهم الكنيسة الكاثوليكية، وأذاقتهم ~~أصناف العذاب، وقامت الأسواق العظيمة، وعاد إلى المدينة رونقها وحركتها، نتيجة للتسهيلات ~~الكثيرة التي وضعها العثمانيون للمهاجرين والتجار. # ولقد بقي في المدينة الخالدة - كما يقول رامبرتي الذي زارها وكتب عنها في سنة 1534م - كثير ~~من الآثار العظيمة القديمة التي ما زالت محتفظة برونقها، فقناطر المياه وأقواس النصر ~~والأعمدة ما برحت تشهد بماضي هذه المدينة المجيد. وقرر رامبرتي أيضا أن هذه المدينة لا ~~زالت متمتعة بجمالها وبهجتها، وهذا يدحض زعم هؤلاء الذين يقولون إن الأتراك خربوا المدينة، ~~وقضوا على كثير من آيات الفن فيها، ولم ينته عهد الفاتح إلا والمدينة آهلة بالسكان، عامرة ~~بالأسواق والمصانع الحربية وغيرها، فلقد أحياها الفتح العثماني، أصبح للمدينة حياة جديدة ~~زاهرة بعد أن تفوق فيها العنصر التركي، وتركزت فيها الدولة الإسلامية الجديدة بقوتها ~~وعظمتها. # ويدعي بعض المؤرخين الإفرنج أن القسطنطينية فقدت مركزها باستيلاء العثمانيين عليها، وهذا ~~غير صحيح، ولا ينطبق على الواقع بل ms094 بالعكس لقد عظم مركز القسطنطينية بعد أن احتلها ~~العثمانيون، فبعد أن كانت عاصمة لدولة منهارة مضمحلة أصبحت عاصمة لأقوى دولة في الشرق ~~والغرب. لقد كانت القسطنطينية حين احتلها العثمانيون عاصمة بدون ممتلكات، عاصمة بدون دولة ~~حقيقية. ولذا لم تفقد القسطنطينية مركزها في أوروبا ولا بالنسبة لآسيا. بل قوي مركزها في ~~البلقان، ولم تفقد شرقيتها بأي حال ولا صبغتها الأرثوذكسية، فلقد حافظ السلطان محمد الفاتح ~~على هذه الصبغة التي كادت تندثر بالاتحاد مع الكنيسة الغربية لو طالت حياة الدولة البيزنطية ~~قليلا. # لقد ظلت القسطنطينية (إستامبول) عاصمة للشرق الأدنى غير منازعة لمدة تزيد على أربعة قرون، ~~منها يستمد حياته وقوته ونشاطه السياسي، وينظر إليها كافة سكان الشرق الأدنى كمدينتهم ~~العظيمة، تهفو إليها قلوبهم، وتحن إلى زيارتها والتمتع بجمالها ورونقها نفوسهم، لم تفقد ~~المدينة جمالها ولا عظمتها بل زاد هذا الجمال وهذه العظمة، ولم تفقد مركزها الجغرافي أو ~~الاستراتيجي أو الحربي أو السياسي، بل بالعكس زادت هذه الأهمية، فإستامبول ظلت مركزا ~~أوروبيا سياسيا من الطراز الأول، لا يقل مركزها عن مراكز عواصم الدول الكبرى الحديثة، ~~وظلت إلى الآن سيدة المضايق حتى بعد أن هجرها الأتراك إلى أنقرة، وسيظل اسمها ما بقيت ~~مقرونا باسم منشئها قسطنطين الأكبر وفاتحها محمد الثاني العظيم. ~~••• # ولم تكن ناحية السلطان الفاتح الثقافية أقل من النواحي السياسية أو الحربية أو ~~التنظيمية. # كان السلطان الفاتح يحترم العلماء ورجال الدين، وفاق في ذلك كل من سبقه من السلاطين ~~العثمانيين. لقد عمل على توطيد مركز العلماء، وعلى إكرامهم، وتوفير وسائل المعيشة والكرامة ~~لهم، كان الفاتح يعتبرهم بحق ركنا هاما من الأركان الأربعة الأساسية التي تقوم عليها ~~دولته العظيمة. كان يعتقد أن القوة الحربية وحدها لا تبني مجد أمة ولا تجعل لها استقرارا، ~~فهو رجل عظيم الثقافة مستنير محب للعلم ويتذوق الأدب ويغشى نواديه ويحفظ الشعر، وكثيرا ما ~~يتمثل به في الظروف المختلفة وخاصة الشعر الفارسي، وكان هو نفسه يحسن قول الشعر وله ديوان ~~باللغة التركية مخطوط، كتبه عماد من أشهر خطاطي إيران في ms095 عهد السلطان سليم الأول، ثم طبع في ~~برلين ولكنه ناقص كما يقول شهاب الدين سليمان بك - صاحب تاريخ يكي عثمانلي تاريخ أدبيات - ~~وديوانه يسمى ديوان عوني وكله في الغزل. # ومن شعره: # ساقيا مي صوك كه بركون لاله زار ألدن كيدر # ابر يشور فصل خزان باغ وبهار ألدن كيدر # عزه أولما دلبرا حسن وجماله قبل وفا # باقي قالما زكيمسه به نقش ونكار ألدن كيدر ~~••• # جكرم ياره لدى خنجر جو وستمك # صبرمك جامه سني درغرادي مقراص غمك # سجده كاه أيلر ايدي كعبه محراب كبي # كو بك ايجنده ملك كورسه نشان قدمك # يا ساقي الكأس أدر الراح قبل أن تذبل الخزامى # قبل حلول الخريف وانقضاء الربيع وزوال نضرة البستان # لا تمنعي الوصال أيتها الغانية المفتونة بحسنك وجمالك # فالزينة والحسن يوما زائلان ~~••• # إن سيف دلالك قد نفذ بين ضلوعي # وإن سلاح تعذيبك قد قطع صدري # ولو رأت الملائكة آثار قدميك # لسجدوا فيها كأنها كعبة المحراب # كان الفاتح دائبا على تثقيف نفسه وزيادة معلوماته، فكان له معلمون اختارهم من بين العلماء ~~البارزين، يقرأ عليهم الكتب المختلفة ويتلقى عنهم العلوم مثل خواجه زاده وابن الخطيب، وكان ~~كثير النظر في الكتب والرسائل التي يصنفها علماء عصره يفحصها ويقارنها وينتقدها، وكانت له ~~مكتبة خاصة عني بجمعها واختيار كتبها، وعين الملا لطفي أمينا لها مدة من الزمن. # وعني الفاتح بالعلم والتعليم والمتعلمين والمعلمين؛ فهو يعنى بالمتعلمين من حيث توفير سبل ~~التعليم لهم والنفقة عليهم أثناء تعلمهم، فمن بين هؤلاء المتعلمين من سيتولون وظائف التدريس ~~والإفتاء والتربية الإسلامية. # ولقد كلف السلطان الفاتح وزيره محمود باشا إصلاح النظم التعليمية، وكان ذلك الرجل خير من ~~يقوم بهذه المهمة، فتربته إنسانية شرقية وهو أديب وعالم وشاعر ظاهر، في عهد الفاتح أنشئت ~~المدارس العالية في المدن الكبرى إلى جانب المكاتب التي عممت في المدن والقرى، وكان الفاتح ~~يختار بنفسه العلماء الذين يقومون فيها بالتدريس، وكان كثيرا ما يتباحث مع هؤلاء العلماء ~~فيما يدرس ويسألهم عن أفاضل طلبتهم ليسرع إلى مكافأتهم وتعيينهم في وظائف التدريس، ms096 كما فعل ~~مع ملا خسرو وتلميذه ابن مغنيسيا. ولقد وضع لهذه المدارس البرامج المنظمة من مواد دينية ~~ولغوية، من لغات عربية وفارسية ورياضة وأدب وفلك، وكان يعطي للطلاب المتخرجين شهادات تسمح ~~لهم بالقيام بالتدريس بعد هذه الدراسة المنظمة، فيمنح الطالب لقب معيد، ولكي يكون الطالب ~~عالما (إماما) عليه أن ينبغ ويتعمق في دراسة الشرع الشريف والفقه، وعليه أن يجتاز ~~امتحانات عديدة في علم الكلام والتوحيد والأصول والفقه والشريعة الإسلامية قبلما يصل إلى ~~هذه المرتبة. # وإذا استطاع الطالب بعد خمسة عشر عاما على الأقل النجاح اكتسب المجد الكبير والشرف ~~والامتيازات الكثيرة، فمن بين هؤلاء الطلاب والعلماء أساتذة المدارس العليا والقضاة الملات ~~(ملا: رتبة علمية) والمفتون وإستامبول أفندي (قاضي الأستانة) وقضاة العسكر في أوروبا وآسيا ~~والمفتي شيخ الإسلام، ولقد وضع السلطان الفاتح نظاما ماليا (كادرا) خاصا لهؤلاء ~~العلماء. # كان عصر الفاتح عصرا حافلا بدراسة الشريعة والفقه الإسلامي نادر المثال في التاريخ ~~العثماني، يدل على ذلك كثرة المؤلفين في هذه الدراسات، وكثرة الكتب التي وضعوها باللغة ~~العربية. وكان العلماء كثيرا ما يجتمعون في حضرة السلطان ويتناقشون أمامه في المسائل ~~الفقهية واللغوية، وكان كثيرا ما يشترك معهم ويحكم بينهم، وقلده في هذا وزراؤه وخاصة محمود ~~باشا وسنان باشا الذي «كان من عادته إحضار العلماء ... وإحضار الأطعمة اللطيفة» تتلوها ~~المناقشات العلمية. # وكان للعلماء في عصر الفاتح قوة روحية كبيرة ومقام سام لتقدير السلطان لهم ولمكانتهم عند ~~الناس، وكانوا كبيري الاعتداد بكرامتهم فكانوا يحتجون إذا حدث تقصير في حق واحد منهم، ~~وكانوا يهددون بالخروج من مملكة السلطان فكان لا يرد لهم طلب ولا شفاعة. وكان الفاتح يتبسط ~~معهم إلى درجة يروي معها صاحب الشقائق النعمانية - ووالده عاصر الفاتح - في ترجمة المولى فخر ~~الدين العجمي: «ربما يمر السلطان محمد قدام بيتنا (بيت فخر الدين) ذاهبا إلى زيارة أبي ~~أيوب الأنصاري ... ويخرج أبي إلى الباب ويسلم عليه ويقدم له شربة، ويقول السلطان محمد والله ~~أشرب هذه الشربة. ويناوله والدي بيده فيشرب منه ثم يسلم عليه ويذهب.» # كانت إستامبول ms097 في عهد الفاتح موئلا للعلماء من كل البقاع الإسلامية؛ فلقد كان السلطان ~~يستقدمهم ويغالي في إكرام وفادتهم ويسهل لهم كل وسائل الإقامة، فعل ذلك مع القوشجي الذي ~~أهداه رسالة في علم الحساب المسماة المحمدية ومع سراج الدين الخطيب وقطب الدين العجمي ~~والشيرواني وغيرهم. # وأهم المدارس التي أنشأها الفاتح المدارس الثماني حول جامعه في إستامبول ومدرسة أيا صوفيا ~~ومدرسة أبي أيوب الأنصاري، ونحن نعرف أن الفاتح حول ثماني كنائس في إستامبول إلى جوامع ~~وألحق بكل منها مدرسة، كما أنشأ مدارس في بعض المدن المهمة الكبرى. # وكان العلماء البارزون في الفقه والشريعة في عهد الفاتح كثيرين، وقد ذكرهم وترجم لهم وعدد ~~مناقبهم المولى أحمد بن مصطفى الشهير بطاش كبرى زاده في كتابه الشقائق النعمانية في علماء ~~الدولة العثمانية. # وعلى رأس هؤلاء العلماء ملا خسرو محمد بن قراموز الرومي المتوفى سنة 1480م، وهو رومي اعتنق ~~الإسلام، وتتلمذ على الشيخ حيدر الهروي الذي كان مفتيا في البلاد الرومية، وعين مدرسا في ~~مدرسة أدرنة المسماة شاه ملك، وبعد فتح القسطنطينية عين قاضيا لإستامبول وللعسكر المنصور ~~في نفس الوقت الذي قام فيه بالتدريس في مدرسة أيا صوفيا، وكان السلطان محمد الثاني يحبه ~~ويحترمه ويفخر بوجوده في دولته، ووكل إليه تقنين الشرع الإسلامي، ولقد تولى ذلك الشيخ ~~الجليل وظيفة الإفتاء، ولقد كتب عنه السيوطي وترجم له ابن العماد في شذرات الذهب، ولهذا ~~العالم مؤلفات كثيرة في الشريعة الإسلامية والفقه منها مرقاة الأصول مع مرآة الوصول، وغرر ~~الأحكام في شرح درر الحكام والرسالة الولائية وكاشفات الشبهات العلائية وجملة رسالات أخرى ~~مثل رسالة في الاستخلاف للخطبة، وأخرى في أسرار الفاتحة. # ومنهم الشيخ أحمد بن إسماعيل الكوراني، تلقى تعليمه في القاهرة حيث كان موضع تقدير الأمير ~~جقمق، وكان السلطان الغازي مراد الثاني يكرمه إكراما شديدا، وعينه مدرسا لولده محمد، ~~ولقد عينه السلطان الفاتح مساعدا لقاضي عسكر، ثم عينه قاضيا في مدينة بورصه ثم ولي ~~الإفتاء في آخر الأمر، ومات بعد عهد تلميذه العظيم، ولعظم قدره في الدولة حضر السلطان ~~بايزيد ms098 الثاني صلاة الجنازة عليه في سنة 893ه. وقد ترجم له السخاوي في الضوء اللامع. وله ~~غايات الأماني والبدور اللوامع، ولوامع الغرر في شرح فوائد الدرر، وكشف الأسرار عن قراءات ~~الأئمة الأخيار، وغايات الزمان في تفسير الكلام الرباني. # ومنهم الشاعر والفقيه جلال زاده خضر بك كتب النونية في العقائد. # ومنهم مصلح الدين البروسوي كتب نقدا لتهافت الفلاسفة ورسالة في الحركة، ومنهم خطيب زاده ~~بن تاج الدين، وملا خيالي، ومصطفى القسطلاني، وعلاء الدين عربي، وعلاء قوشجي الذي كتب ~~الرسالة المفردية وعقود الجوهر والمعجز في الطب، ومنهم علي بن مجد الدين شاهرودي الهروي، ~~وهو من أحفاد الفخر الرازي ومن تصانيفه شرح الإرشاد، وشرح المصباح في النحو، وشرح آداب ~~البحث، وشرح العقيدة الروحية لابن سينا، وله تآليف أخرى بالفارسية. ومنهم ملا لطفي وهو صاحب ~~رسالة في تاريخ الحكمة، وعبد الرحمن بن مؤيد الذي يقال إن له من المؤلفات سبعة آلاف مجلد، ~~ومنهم تكساري وتاجي بك زاده وجعفر، وسعدي شلبي، وعلي جمالي، وابن كمال، والمفسر أبو السعود ~~الذي عرف باسم كمال باشا زاده. # ولابن كمال آثار ومؤلفات في الفقه والتفسير وعلم الكلام والحكمة والتاريخ والمعاني، وكان ~~ينظم الشعر باللغتين الفارسية والتركية. وأما أبو السعود فكان قاضيا ثم تولى المشيخة ~~الإسلامية فأصبح شيخا للإسلام، ويقال إنه لما شاع خبر وفاته في الحرمين صليت عليه هناك ~~صلاة الغائب، ويروى أنه كان يصدر في اليوم ألف فتوى، وتفسيره للقرآن مشهور وشرحه لبردة ~~البوصيري يدل على قوة في اللغة العربية واطلاع واسع في الأدب العربي، وهو يتبع في أسلوبه ~~السجع ويهتم بالصنعة اللفظية. # ومنهم محمد بن قطب الأزنيقي صاحب التعبير المنيف والتأويل الشريف، وشرح الأوراد ورسالة في ~~المعرفة وفتح مفتاح الغيب، ولقد جمع هذا الرجل - كما يقول ابن العماد صاحب شذرات الذهب - بين ~~الشريعة والطريقة والحقيقة. وظهر في الفلسفة كمال الدين مسعود الشرواني الرومي له رسالة في ~~الأبحاث الثلاثة المتعلقة بالكلام والمنطقة والحكمة، وله شرح السمرقندية، وشرح المواقف ... ~~ومنهم يوسف بن حسن القرمسطي، كتب رسالة في المواقف، والوجيز في ms099 أصول الدين، وزبدة الوصول ~~إلى علم الأصول، ومنهم حاجي شلبي الفناري صاحب رسالة على المبدأ الأول وشرح المواقف. وظهر ~~في اللغة السيد محمد بن السيد حسن بن علي وله جامع اللغة، ولطف الله شلبي وهو تلميذ ~~التفتازاني، له متصرفات الأسماء ومقدمات العلماء. # ومن أجل العلماء قدرا في عهد الفاتح ممن توسلوا إلى الله بالتقوى صادقين الشيخ آق شمس ~~الدين، ولقد دعاه السلطان إلى صحبته عند حصاره مدينة القسطنطينية، ولقد بشر ذلك الشيخ أحمد ~~باشا، وهو أحد وزراء السلطان بالنصر وعين له وقت الفتح، كما يروي صاحب الشقائق النعمانية، ~~وحمل الوزير هذه البشرى إلى السلطان، فلما قرب الوقت الموعود ولم تفتح المدينة خشي الوزير ~~غضب السلطان، فأسرع إلى الشيخ فوجده يبكي ويتضرع إلى الله ويسأله أن يتم نصره، ثم أنزل ~~الله نصره ودخل الأتراك المدينة في الوقت الذي عينه الشيخ فقال السلطان: ما فرحت بهذا ~~الفتح مثل فرحي بوجود مثل هذا الرجل في زماني. # وكان السلطان يرسل إليه ويقربه، ويروى أنه بعد إتمام فتح المدينة العظيمة التمس من هذا ~~الشيخ الموهوب أن يريه قبر أبي أيوب الأنصاري، فتوجه الشيخ ساعة وكشف عن موضع القبر فبنى ~~السلطان عليه القبة والجامع. # هذه القصص مهما كان نصيبها من الصحة إن دلت على شيء فهي تدل على مقدار تعلق السلطان برجال ~~الدين وأولياء الله الصالحين. # وكان للسلطان محمد الفاتح روح اجتماعي طيب سمح، فله من أعمال الكرم والجود والبر الشيء ~~الكثير، فلقد عين للأرامل والأيتام في كل سنة النفقة والكسوة ما يفي بحاجتهم، وبنى ~~المستشفيات والسبل والحمامات المجانية. # وكان الفاتح يعلق أهمية كبيرة على كشف قبر أبي أيوب الأنصاري، وكذا كل الأتراك؛ لما لصاحبه ~~من قدر جليل وسابقة في الإسلام ونصرة للرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان البيزنطيون أنفسهم يحترمون قبره ~~ويستسقون به فلم يكن قبره مجهولا عندهم. ولقد أصبح جامع أبي أيوب الأنصاري أقدس جامع في ~~الأستانة، وأصبحت الدولة العثمانية تقيم فيه حفلة السيف وهي حفلة تقام كلما ارتقى سلطان ~~العرش فيذهب السلطان الجديد ms100 إلى هذا الجامع، ويقلد سيف عمر بن الخطاب في حفلة عظيمة تشبه ~~حفلة التتويج في الغرب الأوروبي، وعندما يتقلد السلطان السيف يصلي ركعتين في ضريح أبي أيوب ~~الأنصاري. # وأما من ناحية تذوق الأدب والفن، فلقد كان الفاتح مغرما بالشعر يحفظه ويقوله ويستمع إليه ~~ويغشى نواديه، ويكرم أهله أيا كان موطنهم وجنسيتهم فكان يرسل بالهدايا والمنح إلى شعراء ~~الهند وخاصة إلى الشاعر خوجايجهان، وقامت في عهده مدارس للشعر الغنائي في بروسة وقسطموني، ~~وكان وزراؤه يحاكون سيدهم في هذه الناحية ويعضدون الحركة العلمية والأدبية. # وكان أربعة منهم ينظمون الشعر، ومنهم أحمد باشا الذي وضع أسلوب الشعر الغزلي في اللغة ~~التركية، ومنهم خضر باي زاده سنان باشا صاحب تضرع نامه، وجزري قاسم الذي لقب في مجلس الأدب ~~بصافي، وقرماني محمد باشا ولقب بنشائي، وأما السلطان نفسه فلقب بعوني. # وفي عهده نظم الشاعر حمدي قصة ليلى والمجنون باللغة التركية تقليدا للملاجائي، كما نظم ~~قصة يوسف وزليخا. وأما الشهدي الشاعر فلقد حاول أن يكتب التاريخ العثماني نظما على طريقة ~~الملاحم تقليدا للفردوسي في شاهنامته، لكنه توفي بعد أن نظم أربعة آلاف بيت، ومنهم جلشني ~~الذي كتب عشرين ألف بيت على طراز مثنوي. ومن الشعراء آلهي الذي ألف زاد المشتاقين ونتائج ~~الأرواح. # ومن السيدات الشاعرات مهرى وهي من بلدة أماسيا، وزينب وهي من قسطموني، ونالت هاتان ~~الشاعرتان عطف السلطان، وهنا يجب ألا ننسى أن الأمير جم، فلقد كان شاعرا عظيم الشأن يحسن ~~تذوق الفن. # وأما تقدير السلطان لنواحي الفن فيظهر في ولعه بالموسيقى، ويبدو واضحا في استدعائه ~~لبليني إلى إستامبول حيث أكرمه إكراما عظيما، وكان يقدره ويعجب به ويتابع عمله ويتبسط معه. ~~ولقد قام بليني برسم صور للسلطان الفاتح، منها صورة كبيرة لا تزال موجودة، ورسم صورة أخرى ~~منها صورة كبيرة يبين فيها استقبال سفير في الأستانة، وعمل بليني للسلطان مداليات على بعضها ~~صورة الفاتح كتب حولها باللاتينية ما ترجمته: «السلطان محمد الثاني الإمبراطور العظيم» وعلى ~~ظهرها ثلاثة تيجان تمثل الإمبراطوريات التي يحكمها السلطان. ولقد أهداه ms101 الفاتح عند انتهائه ~~من مهمته قلادة ذهبية وعطية سنوية ومنحه رتبة البكوية. # لقد كان عصر الفاتح عصرا زاخرا بالفتوحات، عصر تنظيم وبناء، عصرا ناضرا برجال العلم ~~والدين والأدب والشعر. # ويقدر المسلمون في كافة أقطار الأرض أعمال الفاتح ويرون فيه بطلا من أبطال الإسلام ~~وزعيما من زعمائه. وأما الأتراك فلقد تعلقوا بسلطانهم العظيم ، فهم يفخرون به ويمجدون ~~أعماله العظيمة ويجلون ذكراه: # هركوشه سنده دهرك # نام بقا مدارك # شامسنه در دينلسه # عالم سنك مزارك # بيت خدايه قوتمش # جاهك مطاع إسلام # طورمش باشكده بكلر # برقوم تربه دارك # ميدان حربي فيلدك # سن تختكاه شوكت # توحيد إيدي مرامك # إسلام إيله انامي # بر مجمع سياست # بولدك عقول جسبان # دوران إيدي رقيبك # الله إيدي نكارك # إن اسمك الخالد لباق في كل ركن من أركان العالم # وجدير أن يقال إن العالم بأسره قبرك # وإن ضريحك المشيد في بيت الله مطاع للإسلام # ولقد وقف القوم كلهم (الأتراك) يحرسون ضريحك # جعلت ميدان الحرب مقرا لعرشك العظيم # كان غرضك توحيد الأنام بالإسلام # واجتمع لهذا الغرض علمك ومقدرتك # لبثت في الدهر لحظة وكل لحظة أصبحت عهدا # والدهر كان رقيبك والله كان حبيبك # 1 ms102