######OpenITI# #META# URI: 1380MuhammadShafiqGhurbal.JiniralYacqub.Hindawi36080595 #META# Tags: history #META# ID: 36080595 #META# Title: الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس: ومشروع استقلال مصر في سنة ١٨٠١ #META# AuthorID: 26391794 #META# Author: محمد شفيق غربال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس‏ # الملاحق‏ # الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس‏ # الملاحق‏ # | الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس # | الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس # | ومشروع استقلال مصر في سنة 1801 # تأليف # محمد شفيق غربال # الجنرال يعقوب حنا (نقلا عن كتاب همصي الجنرال يعقوب صحيفة 113). # | الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس # ومشروع استقلال مصر في سنة 1801 # في الأيام الأولى من شهر يوليو سنة 1798 نزل بأرض مصر جيش فرنسي يقوده نابليون بونابرت. ~~ولم تكن هذه أول إغارة لهم عليها، ففي القرنين الثاني عشر والثالث عشر حاولوا امتلاكها، ~~وتلاقت صفوة فرسانهم بمماليك مصر في أكثر من موقعة. # وكان الفرنسيون في تلك الأيام الغابرة - كما كان في أهل الغرب عامة - أقل حضارة وإتقانا ~~لفن الحرب كما مارسته العصور الوسطى، وكان الفارس من الفرنجة صورة سقيمة من المملوك الشرقي، ~~فكانت عاقبة تلك الإغارات الفشل. # ومضت خمسة قرون تحول فيها فارس العصور الوسطى - كما عرفه سان لويس وبيبرس - إلى الرجل ~~الغربي الذي سيعرفه مراد والألفي والبرديسي في 1798. خمسة قرون زال فيها النظام الإقطاعي ~~وما ترتب عليه من طرق الحكم والحرب وعلاقات طبقات الأمة بعضها ببعض. خمسة قرون رأت انفصام ~~وحدة الغرب الدينية والسياسية وظهور مناهج العلم الحديثة وطرق التنظيم السياسي والاقتصادي ~~الجديد. أما مماليك مصر فكانوا في 1798 كما كانوا في 1250 في الحرب والتفكير، أو كانوا على ~~حال أسوأ بفقدان استقلالهم ودولتهم وما كانوا يجبونه من مكوس مفروضة على تجارة الشرق المارة ~~في أرضهم. كذلك أهل مصر لم يصلهم عن انقلابات الغرب إلا أضعف الأنباء، وظلوا في كل مقومات ~~الحياة الوطنية حيث كان آباؤهم. # اصطدم المماليك في صيف 1798 بغرب غير الغرب الذي عرفوه أيام الحروب الصليبية. وسرعان ما ~~رأوا أن لا أساس لما زعموه «من أنه إذا جاءت جميع الإفرنج 1798-1801 لا يقفون في مقابلتهم ~~وأنهم يدوسونهم بخيولهم» # 1 # وتمكن الفرنسيون من احتلال مصر. # وحكم الفرنسيون مصر مدة تزيد قليلا على ثلاثة أعوام. وقد تخللت هذه المدة محاولة من ~~جانبهم لفتح الولايات السورية. وضيق عليهم أثناءها حصار بحري إنجليزي. وقام ms01 المصريون على ~~حكمهم كلما أمكن ذلك. وأباد منهم الطاعون وغيره من الأمراض الوبائية عددا لا يستهان به. ~~وظل مراد ومماليكه ومن انضم إليه من عرب مصر والجزيرة العربية شهورا عديدة ينازعونهم ملك ~~الصعيد شبرا شبرا وأخذت تبطل التجارة البحرية، ويقل ورود قوافل دارفور وسنار وفزان وبرقة ~~وغيرهما من بلاد المغرب. ولم تطب للفرنسيين الإقامة بمصر فقد وجدوها دون ما توقعوا، # 2 # وشق عليهم البعد عن وطنهم وبخاصة بعد ما بلغهم من تألب الدول الأوروبية من جديد ~~ضد فرنسا وإرغامها على التخلي عن فتوحها في إيطاليا وغيرها. وحتى مصر نفسها، عرفوا معرفة ~~أكيدة أن السلطان قد اعتزم ألا يتخلى عنها، وأرسل نحوها من ناحيتي البحر والشام جموعا من ~~جنده قد لا تكون قيمتها الحربية مما يأبه له الغربيون ولكنها، ولا بد، لها مع الزمن ~~أثر. # لا بد من تذكر هذه الظروف عند الحكم على الاحتلال الفرنسي. ولا بد إذن من الفصل بين أمرين ~~مختلفين تماما: الحكم الفرنسي كما كان، والحكم الفرنسي كما يمكن أن يكون لو خلص مما انتابه ~~من ظروف الحرب والفتن واتسع له الزمن ليجري على أسس الاستعمار الحديث. # ولا يمكن الشك في أن الفرنسيين لو خلص لهم ملك مصر لحكموها كما ينتظر من حكومة جمهورية ~~قايمة على قواعد الثورة الفرنسية، أتيح لها في عصر بدأ فيه الانقلاب الاقتصادي الكبير أن ~~تحكم قطرا زراعيا خصبا ذا مركز جغرافي فذ كوادي النيل. وأمة عربية إسلامية ذات تاريخ ~~مفعم بعبر الدهر كالأمة المصرية. لو خلص لهم حكم مصر لبذلوا جهدا صادقا في تنمية الموارد ~~بتنظيم الري وضبط النيل. وقد كتب بونابرت في مذكراته فصلا رايعا عن ضبط النيل بإنشاء سدين ~~على فرعيه عند رأس الدلتا. # 3 # ولو دامت مدتهم في مصر لعملوا كل ما يستطيعون للاستفادة من مركز مصر الجغرافي، ~~ولوصلوا بين البحريين الأبيض والأحمر - وكتاب وصف مصر يشتمل على الدراسات العلمية الأولى ~~لهذا المشروع الخطير. # 4 # واستعمار مصر كان لا بد أن يؤدي إلى اتساع النفوذ الفرنسي على ساحلي البحر ms02 ~~الأحمر وإلى ما وراء سيناء من ناحية فلسطين والشام، وأن يؤدي أيضا للتقدم نحو منابع النيل ~~وجعل مصر المدخل والمخرج لتلك الأرجاء الأفريقية الواسعة وحل اللغز الجغرافي القديم. وقد ~~سجل تاريخ القرن التاسع عشر تحقيق الكثير من هذا على يد محمد علي، مما يدل على أن خطط ~~الحكومات ليست مما يستنبط من بطون الكتب ولا مما تجود به القرايح، إنما هي مما يمليه الواقع ~~الجغرافي ويكرره التاريخ في أدواره المتباينة. # ولو دام الاحتلال الفرنسي لسلك نحو المصريين مسلكا يكون من أثره تحسين كثير من أحوالهم، ~~ثم يعمد بعد هذا التحسين إلى إبطال النمو - أو إلى إبطاله في بعض النواحي وتوجيهه في ~~الاتجاه الذي يريد. ولم يكن بد من اهتمام الفرنسيين بهذا التحسين الأبتر بحكم الإنسانية ~~المشتركة وبحكم منفعتهم: يقاوم الأوبية بإنشاء المستشفيات وما تستلزمه من مدارس الطب ~~والمحاجر الصحية حفظا للقوى العاملة في الإنتاج الزراعي الذي يغذي الخزانة العامة ويمون ~~التجارة، ومنعا لانتقال المرض إلى الفرنسيين. يصلح الأداة الحكومية وينوع الإدارات صيانة ~~للأمن وضبطا للأموال العامة. ويستلزم هذا إصلاح نظام الجباية ونظام الضرايب. ويتبعه إلغاء ~~الالتزام، واستقرار ملكية الفلاح للأرض. # 5 # يفتح الأبواب لرءوس الأموال الفرنسية والنظم التجارية والمعاملات الغربية. ~~ويؤدي هذا لتنظيم القضاء على أساس غربي ولدخول القوانين الغربية. ويعنى بإعداد طايفة من ~~أبناء البلاد تسد حاجة الإدارة من صغار الموظفين. ولو دام الاحتلال الفرنسي لاعتمد بعض ~~الاعتماد في الدفاع عن البلاد على جيش وطني من أبنايها. # 6 # ولو دام الاحتلال الفرنسي لاحتاط أشد الحيطة في كل ما له علاقة بالتفكير الديني من ~~المسايل الاجتماعية وموضوعات البحث العلمي. فالحاكم الغربي يحب أن تكون قواعد الإنتاج ~~الاقتصادي غربية صرفة؛ لأن هذه القواعد تزيد الإنتاج والزيادة مما يهمه. ولكنه يكره من ~~المحكومين الشرقيين الانقلاب الاجتماعي والبحث العلمي الحر. وذلك لأسباب: منها حرصه على ألا ~~يظهر للعامة في مظهر الهادم للعادات المشجع على التحرر من قواعد الدين، ومنها ظنه أن تلك ~~الانقلابات لا بد وأن تؤدي في النهاية إلى الرغبة في الاستقلال، ms03 ومنها الميل إلى المحافظة ~~على المظاهر الشرقية من قبيل الاحتفاظ باللطايف والتحف. # والمتأمل في أحوال الأمم الإسلامية في الوقت الحاضر يتحقق من صدق ما ذهبنا إليه، فإنه يجد ~~أن أشد هذه الأمم تطرفا في الهدم والتغيير الأمة التركية العثمانية والأمة الفارسية، وهما ~~الأمتان اللتان تخلصتا تخلصا تاما من حكم الغرب السياسي. # أما عن نظام الحكم فالمنتظر من الاحتلال الفرنسي - ~~لو أن أيامه دامت - أن يبقى حكم القرى على ما عرفته مصر في عصورها المختلفة في أيدي العمد ~~والمشايخ، وأن يعهد لفرنسيين في إدارة الأقاليم، وأن تسود المركزية الشديدة، وأن يبقى ~~الفرنسيون على الدواوين التي أنشأها فعلا بونابرت ولم يرم بها إلى خلق النظام البرلماني ~~كما توهم البعض، فبونابرت لم يكن ممن يعجبون به أو يرتضيه لفرنسا، دع عنك مصر. بل رمى بها ~~إلى إنشاء وسايل تمكنه من الاتصال بالزعماء المصريين وتفهم ما يجري في نفوسهم وتفهمهم حقيقة ~~مشروعاته ونواياه حتى لا يبقى مجال لدس الدساسين ولا لسوء الفهم. # 7 # هذا بعض ما نتصوره عن تطور الحكم الفرنسي في مصر لو استقام للفرنسيين أمرها. وليس هذا ~~التصور مما يخلو من الفايدة التاريخية أو مما لا يقوم على أساس من الواقع. فأكثره مستمد مما ~~كتبه بونابرت # 8 # وغيره من نواياهم ومما شرعوا في تحقيقه فعلا ومما رأيناه من طرق الحكم الفرنسي ~~في غير مصر من الأقطار الإسلامية، لكن من الزمن لم يتسع لتحقيق ما صورناه. ووجد القواد ~~الثلاثة الذين تعاقبوا على حكم مصر - بونابرت وكليبر ومينو - أنفسهم مضطرين لتوجيه كل جهدهم ~~للتغلب على الأخطار الداخلية والخارجية المحدقة بجيشهم وحكمهم. ولم يكن ما قام به أولهم ~~بونابرت وثالثهم مينو من التجارب الإدارية الأداة الحقيقية لحكم البلاد، ولم تتغير في ~~أيامهم كلها طرق الجباية ولا الضرايب ولا العمال، بل ظلت كما كانت أيام المماليك. ولذلك لم ~~تكن الأعوام الثلاثة التي قضاها الفرنسيون في حكم مصر عهدا سعيدا لسكانها. حقيقة إن ~~المصريين اعتادوا قبل قدومهم الانقلابات السياسية: اعتادها أهل ~~الريف وأهل الحواضر، وعرفها بصفة خاصة ms04 أهل القاهرة. ~~وكانت الانقلابات التي عرفوها مما يصحبه الشيء الكثير من اختلال الأمن وضروب العنف والتعسف ~~وإعادة الطلب عليهم فيما أدوه من الضرايب والمغارم. إلا أن هذه الانقلابات كلها كانت على ~~نمط واحد، لا يأتي واحد منها بجديد ولا يصطدم بمألوف لديهم: فمثلا يتغلب «علي الكبير» ~~على خصومه ويحكم البلاد كما حكمها خصومه، ثم يتغلب عليه أبو الذهب ويحكم كما حكم علي، وهكذا ~~دواليك. # ولم يكن للمصريين من نصيب في هذه الانقلابات إلا عمال الإدارة المالية من الأقباط ورؤساء ~~القبايل العربية والشيوخ من العلماء: فالفريق الأول بحكم اضطرار الأمراء جميعا لاستخدامه، ~~يعمل للمنتصرين كما عمل للمنهزمين. ورؤساء العربان بسبب قوتهم الحربية قد يرجحون كفة طايفة ~~من الأمراء على كفة خصومها. والشيوخ العلماء بحكم تصدرهم ونفوذهم في الناس وتحليهم بصفات ~~الفضل والاعتدال، يلجأ إليهم الناس للوساطة في رفع الحيف إذا ضاقوا به ذرعا. وقد يحتكم ~~إليهم المتخاصمون من الأمراء. وكان تدخل الشيوخ عادة لرفع الضيم وإحلال الويام محل الخصام ~~أو للتخفيف من عنف الانقلابات. # أما الحكم الفرنسي فكان انقلابا من نوع لم يعرفه المصريون. إذ لما زال حكم مراد وإبراهيم ~~حل محلهما بونابرت ولم يكن مسلما ولا مملوكا. ومهما قيل في قلة تدين الفرنسيين في تلك فهم ~~غير مسلمين قد تصل بهم الضرورة الحربية أو ما ظنوه الضرورة الحربية إلى انتهاك الحرمات ~~الإسلامية. # كذلك ترك الوالي العثماني مصر عند الإغارة الفرنسية وزال بغيابه مظهر التبعية للسلطان ~~العثماني خليفة المسلمين، وسمع المصريون عن تبعية بلادهم لدولة غربية فرنجية سمى لهم نظامها ~~بأسماء لا تدلهم تجاربهم السياسية على معانيها، فنشر عليهم منشور «من طرف الفرنساوية المبني ~~على أساس الحرية والتسوية». # 9 # وأرخت لهم الحوادث بشهور غربية من سنين تبدأ «من انتشار الجمهور الفرنساوي». # 10 # وكانت للفرنسيين طرقهم في مخالطة النساء. وكانت هذه الطرق مما تكرهه الخاصة كرها شديدا. ~~وأدى انتشار العسكر في أنحاء المدن والأقاليم، وتشتت شمل أسرات الأمراء وانطلاق جواريهم عقب ~~تركهم القاهرة، إلى ضروب غير مألوفة من الفساد والرذيلة. # جاء في ms05 الجبرتي في حوادث ربيع أول سنة 1214: «وفي يوم الإثنين رابع وعشرينه كان وفاء ~~النيل المبارك ... ووقع في تلك الليلة بالبحر وسواحله من الفواحش والتجاهر بالمعاصي والفسوق ~~ما لا يكيف ولا يوصف، وسلك بعض غوغاء العامة وأسافل العالم ورعاعهم مسالك تسفل الخلاعة ~~ورزالة الرقاعة بدون أن ينكر أحد على أحد من الحكام أو غيرهم، بل كل إنسان يفعل ما تشتهيه ~~نفسه وما يخطر بباله، وإن لم يكن من أمثاله». # إذا كان رب الدار بالدف ضاربا # فشيمة أهل الدار كلهم الرقص # 11 # وجاء فيه أيضا في ختام حادث سنة 1215: «ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة ~~والحياء، وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع ~~مع نسايهم وهن حاسرات الوجوه ... ويركبن الخيول والحمير ويسقنها سوقا عنيفا مع الضحك ~~والقهقهة ومداعبة المكارية معهن وحرافيش العامة، فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء ~~الأسافل والفواحش فتدخلن منهم لخضوعهم «أي الفرنسيين» للنساء وبذل الأموال لهن. وكان ذلك ~~التداخل أولا مع بعض حشمة وخشية عار ومبالغة في إخفايه. فلما وقعت الفتنة الأخيرة وحاربت ~~الفرنسيس بولاق وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها وأخذوا ما استحسنوه من النساء، والبنات صرن ~~مأسورات عندهم، فزيوهن بزي نسايهم وأجروهن على طريقتهن في كامل الأحوال، فخلع أكثرهن نقاب ~~الحياء بالمرة وتداخل مع أوليك المأسورات غيرهن من النساء الفواجر. ولما حل بأهل البلد من ~~الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في حوز الفرنسيس ومن والاهم، وشدة رغبتهم في ~~النساء وخضوعهم لهن، وموافقة مرادهن وعدم مخالفة هواهن ولو شتمته أو ضربته بتاسومتها فطرحن ~~الحشمة ... واستمان نظراؤهن (لمخالطة الفرنسيين) ... وخطب الكثير منهم بنات الأعيان ... فيظهر ~~حالة العقد الإسلام؛ لأنه ليس له عقيدة يخشى فسادها، وصار مع حكام الأخطاط منهم النساء ~~المسلمات متزييات بزيهن ومشين معهن في الأخطاط للنظر في أمور الرعية ... وتمشي المرأة بنفسها ~~أو معها بعض أترابها على مثل شكلها وأمامها القواسة والخدم، وبأيديهم العصي يفرقون لهن ~~الناس مثلما يمر الحاكم ويأمرن وينهين في الأحكام ... ولما أوفى النيل ms06 أذرعه ودخل الماء إلى ~~الخليج وجرت فيه السفن، وقع عند ذلك من تبرج النساء واختلاطهن بالفرنسيس ومصاحبتهم لهن في ~~المراكب، والرقص والغناء والشرب في النهار والليل في الفوانيس والشموع الموقدة، وعليهن ~~الملابس الفاخرة والحلي والجواهر، وصحبتهن آلات الطرب وملاحو السفن يكثرون من المجون ~~والهزل، وخصوصا إذا دبت الحشيشة في رءوسهم وتحكمت في عقولهم، فيصرخون ... ويتجاوبون بمحاكاة ~~ألفاظ الفرنساوية في غنايهم وتقليد كلامهم الشيء الكثير. وأما الجواري السود فإنهن لما علمن ~~برغبة القوم في مطلق الأنثى ذهبوا إليهم أفواجا فرادى وأزواجا، فنططن الحيطان وتسلقن ~~إليهم الطيقان ودلوهم على مخبآت أسيادهن وخبايا أموالهم ومتاعهم وغير ذلك». # 12 # وفي أيام الاحتلال الفرنسي حرر غير المسلمين من وطنيين وأجانب أنفسهم من قيود مختلفة من ~~المذلة، كان المسلمون يعدونها إذ ذاك شرطا من شروط بقاء الإسلام. وقد عرف بونابرت ما في ~~هذا التحرر من إساءة للشعور الإسلامي، وبين في مذكراته تقديره أهمية هذا الأمر بيانا ~~واضحا، فقال: «لا فايدة في إظهارنا الاحترام العميق للدين الإسلامي إذا كنا نسمح للأقباط ~~والروم والمسيحيين الغربيين بقدر من التحرر يغير من منزلتهم الماضية. وقد أردت أن يكونوا ~~أكثر خضوعا وأكثر احتراما لكل ما يتعلق بالإسلام وبالمسلمين مما كانوا في الماضي». # 13 # ونجد في الجبرتي تأييدا لصدق هذه الرغبة، فيذكر في حوادث رمضان سنة 1213: ~~«رجوع نصارى الشوام إلى لبس العمايم السود والزرق، وإلى ترك لبس العمايم البيض والشيلان ~~الكشميري الملونة والمشجرات، وذلك بمنع الفرنسيس لهم من ذلك، ونبهوا (أي الفرنسيون) أيضا ~~بالمناداة في أول رمضان بأن نصارى البلد يمشون على عادتهم مع المسلمين أولا، ولا يتجاهرون ~~بالأكل والشرب في الأسواق ولا يشربون الدخان ...» # 14 # لم تستمر الحالة على ذلك. ولم يكن استمرارها مما يمكن في ظل حكم غربي جمهوري شعاره ~~المساواة والحرية الدينية. وما كانت الاعتبارات السياسية لتستطيع محو هذا الشعار تماما. ~~هذا إلى حاجة الاحتلال الفرنسي لغير المسلمين: لأموالهم ودرايتهم بأحوال البلاد ونظمها ~~وعادات أهلها، ولإمكان الوثوق بهم بفضل اتفاق المنافع. # فعاد غير المسلمين إلى ما عبر عنه الجبرتي ms07 بقوله: «ومن الحوادث» ترفع أسافل النصارى من ~~القبط والشوام والأروام واليهود وركوبهم الخيول، وتقلدهم بالسيوف بسبب خدمتهم للفرنسيس، ~~ومشيهم الخيلاء وتجاهرهم بفاحش القول، واستذلالهم المسلمين ...» # 15 # ولم يكن للحكم الفرنسي في مدته القصيرة، وفي ظروف الحرب والفتن الملابسة له، من المآثر ما ~~يحمل الخاصة والعامة من أهل مصر على الإغضاء عما صحبه من الانقلاب الاجتماعي. فقد كان حكما ~~عسكريا شديدا عنيفا. ولم يكن الإصلاح الذي فكر فيه الفرنسيون، وما استحدثوه من الدواوين ~~وغيرها، والبحث العلمي الذي شرعوا في إقامة قواعده مما يجتذب إليهم المحكومين إلا بعد زمن ~~طويل. ذلك لأن النظم الحكومية التي اعتادها المصريون وغيرهم من أهل الشرق في آخر القرن ~~الثامن عشر كانت ترمي لأغراض ثلاثة أساسية: جمع الأموال المفروضة، والأيدي العاملة اللازمة ~~للأعمال العامة، واستتباب الأمن. وفيما عدا هذه الأمور الثلاثة لا تتدخل الحكومة في أحوال ~~الرعية، بل تدع كل ما لا يتعلق من هذه الأحوال بأغراضها تنظمه الجماعات أو لا تنظمه كما جرت ~~به العادات. وإذا شينا إجمال وصف ما اختص به نظام الحكم المملوكي، قلنا إنه يمتاز بقلة ~~التدخل الحكومي كما نفهمه الآن وبالعنف والتعسف. ويجب ألا يحملنا ما نراه من جنوح الحكام ~~لهذا العنف والتعسف إلى تصور نظم الحكم على غير ما صورناها من ترك الرعية وشأنها في كل ما ~~لم يتعلق بأغراض الحكومة الأساسية. ويجب كذلك ألا يحملنا ما نسمع عنه من الظلم على الظن ~~بأنه لم تكن أمام المحكومين وسايل مختلفة لتجنبه أو لتخفيفه. فإن ارتباك الإدارة الذي نجم ~~عن الانقلابات المتتابعة، وسوء ذمة العمال، وفوضى السجلات، وما إلى ذلك فتح للرعية أبواب ~~الخلاص من الفروض المختلفة سواء منها الشرعية وغير الشرعية. # لا ننتظر إذن أن يرحب المصريون في 1798 بالتدخل الحكومي وبما يصحبه من النظم الدقيقة. ولا ~~أن يعدوها - كما نعدها الآن - ضمانا لحقوقهم؛ لأنهم على العكس كرهوا ضبط الدفاتر، واعتبروه ~~اشتطاطا في الطلب، ولم يروا فيما اتخذته الحكومة من الوسايل لمنع الأمراض، كتخطيط المدن من ~~جديد، ومنع الدفن فيها حيثما ms08 اتفق، وكنس الطرقات، وعزل المرضى عن الأصحاء؛ إلا استبدادا لا ~~يطاق وفضولا لا يفهم. # كره المصريون الحكم الفرنسي وقاوموه. ثار أهل القاهرة ثورتين عنيفتين، وقام الفلاحون في ~~الأقاليم كلما أتيحت لهم فرصة. وقد ذكرنا من الأسباب ما يكفي لتفسير هذا الكره دون أن نلجأ ~~إلى تعليله بانتحال تعبيرات من تاريخ الغرب في القرن التاسع عشر. والتاريخ الصحيح لا يجد في ~~الفتن الشعبية بالقاهرة والأقاليم إلا باعثا إيجابيا واحدا، هو الرغبة في العودة لما ~~ألفه الناس. ولا يمكن تسمية ما ألفوه استقلالا، إنما اسمه الوحيد حكم المماليك تحت السيادة ~~العثمانية. # وصفنا الفتن بأنها كانت شعبية. كرهها كبار العلماء دون أن يحبوا الحكم الفرنسي، وحاولوا ~~أن يقوا الناس أذى بطش الفرنسيين جهد استطاعتهم. فكان موقفهم في أيام الاحتلال الفرنسي ~~موقفهم في الانقلابات الماضية، إلا أن منهم ومن كبار الخاصة من عمل على التخلص من الحكم ~~الفرنسي، وإعادة الحالة التي سبقته. يذكر التاريخ مثلا للسيد عمر مكرم الذي ترك مصر عند ~~الاحتلال الفرنسي، واشترك في ثورة القاهرة الثانية عند قدوم الجيش العثماني لتسلم البلاد من ~~الفرنسيين بحسب اتفاق العريش. وكان للسيد عمر فيما بعد نصيب في قيام العامة على خورشيد باشا ~~الوالي العثماني، وتنصيب محمد علي واليا على مصر. وجرى له أثناء هذه الحوادث حديث مع مندوب ~~خورشيد باشا ينص على حق الرعية في مقاومة الظلم. # 16 # ولكن لا يمكن وصف جهود السيد عمر لإخراج الفرنسيين من مصر وتسليمها للسلطان ~~سعيا لاستقلال مصر. والظاهر أن السيد عمر كان على جانب من علو الهمة وقوة الشخصية بعثه على ~~العمل للنفوذ السياسي. وقد رأى عاقبة أطماعه لما حاول أن يتحكم في محمد علي كما تحكم في ~~خورشيد من قبل. فذاق النفي عن القاهرة وانتهاء حياته السياسية. # 17 # وكان السيد أحمد المحروقي ممن ظهر أيضا في فتنة القاهرة الثانية، ولكنه لم يتصف بصفات ~~الزعامة التي ظهرت في السيد عمر مكرم مثلا. بل كان رجلا من رجال المال من نمط فوكيه ومن ~~يماثله في أيام الملكية الفرنسية. ms09 وأصدق وصف له قول البرديسي له: «مثلك من يخدم الملوك». # 18 # وظهر في هذه الفتنة أيضا السيد السادات. وكان من أكثر العلماء نفورا من الفرنسيين وما ~~أحدثوه، ومن أشدهم سعيا لإعادة الحكم العثماني. ثم تبين له خطؤه عند فرار الجيش العثماني ~~بعد هزيمته في واقعة المرج أو هليوبوليس، وترك رجال الدولة العثمانية أهل القاهرة وشأنهم مع ~~الفرنسيين بعد أن أثاروهم وحمسوهم. فكتب لعثمان كتخدا الدولة كتابا جاء فيه: «ألزمتم الغني ~~والفقير والكبير والصغير إطعام عسكركم الذي أوقع بالمؤمنين الذل وبلغ في النهب غاية ~~الغايات، فكان جهادكم في أماكن الموبقات والملاهي ... أخفتم أهل البلد بعد أمنها، وأشعلتم نار ~~الفتنة ثم فررتم فرار الفيران من السنور». # 19 # وتبين لأهل القاهرة بعد هذه الفتنة - كما سيتبين لهم بعد جلاء الجيش الفرنسي - أنهم كانوا ~~مخدوعين في قيامهم على الحكم الفرنسي من أجل العثمانيين، وأنهم كانوا في فتنتهم ضحية ~~«الدجاجلة» كما سماهم الجبرتي الذي اختص منهم رجلا مغربيا لا ناقة له فيها ولا جمل. يدعو ~~للجهاد ويحرص على الابتعاد عن مواطن القتال، يهدد من يتكلم في الصلح برمي العنق ولا يأكل ~~إلا الدجاج. # 20 ~~••• ~~«وإذن فلا يرى التاريخ الصحيح في موقف العامة وزعمايها وأهل الرأي فيها أثرا لفكرة ~~الاستقلال الوطني. ولا يسجل إلا لمصري واحد من أهل هذا العصر فضل اعتبار الاحتلال الفرنسي ~~لا فترة نحس يرجى زوالها وعود ما سبقها؛ بل بدء حياة جديدة لمصر والمصريين مهدت لها الحملة ~~الفرنسية بقطع التبعية العثمانية وهدم قوة المماليك. ذلك المصري هو المعلم يعقوب حنا: # 21 # موضوع هذه الرسالة. # لا أحب أن أغلو فأزعم أن يعقوب فهم تماما كل الاحتمالات التي انطوى عليها هدم النظم ~~القايمة في مصر وحكم أمة غريبة لها، أو أنه تحول في هذه الأشهر القليلة التي قضاها مخالطا ~~للفرنسيين من جاب من جباة الأموال؛ نشأ ودرج في بيت من بيوت الأمراء المماليك في النصف ~~الثاني من القرن الثامن عشر، إلى داع من دعاة الحركات الوطنية التي يعرفها الغرب في القرن ~~التاسع عشر. بل ms10 أجد يعقوب يحتفظ - حتى بعد مخالطة الفرنسيين - ببعض صفات الجباة وعمل ~~الإدارة المالية من أبناء طايفته في ذلك الوقت. # 22 # ولكنه رغم ذلك تأثر تأثرا بينا باتصاله بالفرنسيين وبالغرب، وكون رأيا ~~خاصا عن حكمهم لمصر وما يمكن أن يؤدي إليه ولا يشاركه في هذا الرأي الزعماء من أبناء ~~طايفته، وقد خدموا الاحتلال الفرنسي كما خدموا الانقلابات السابقة، ولا أهل الرأي من ~~مواطنيه المسلمين، وقد شرحنا موقفهم من الحكم الفرنسي. # يرد ذكر يعقوب في تاريخ الجبرتي في أكثر من موضع. ويرد ذكره في كل هذه المواضع مقرونا ~~بأعمال تمنع القارئ من أن يظن به خيرا وتمثله في صورة المتفاني في خدمة الاحتلال ~~الفرنسي. # يذكر الجبرتي عنه تأييده الحكم الفرنسي أثناء ثورة القاهرة الثانية، بينما الرؤساء ~~الأقباط الآخرون بمن فيهم أكبرهم جميعا جرجس جوهري يدارون الثوار ويمدونهم بالمال واللوازم ~~صيانة لأرواحهم لا عطفا على حركتهم. # 23 ~~«أما يعقوب - كما سجل الجبرتي في حوادث شوال سنة 1214 - فإنه كرنك في داره ~~بالدرب الواسع جهة الرويعي، واستعد استعدادا كبيرا بالعسكر والسلاح، وتحصن بقلعته التي ~~كان شيدها بعد الواقعة الأولى (أي ثورة القاهرة الأولى أيام بونابرت) فكان معظم حرب حسن بك ~~الجداوي معه». # 24 # ويرد ذكره أيضا في وصف ما حاق بأهل القاهرة من الشدة في جمع الغرامة المالية التي ضربها ~~عليهم كليبر بعد إخماده الفتنة، فيقول الجبرتي في حوادث ذي الحجة سنة 1214: «وكل كليبر ~~يعقوب يفعل في المسلمين ما يشاء». # 25 # زاد نفوذ يعقوب في الأيام التالية لفشل الثورة في القاهرة، وزاد في تلك الأيام التالية ~~لفشل الثورة والسابقة لقتل كليبر. زهو الأقباط وخيلاؤهم، أو على الأقل زهو من كان يعمل ~~للحكومة الفرنسية منهم. وترى امتعاض المسلمين ظاهرا في الجبرتي في أكثر من موضع: «منعوا ~~المسلمين من ركوب البغال سوى خمسة أنفار وهم: الشرقاوي والمهدي والفيومي والأمير وابن محرم، ~~والنصارى المترجمين وخلافهم لا حرج عليهم، وفي كل وقت». # 26 # وأيضا، «وتطاولت النصارى من القبط والشوام على المسلمين بالسب والضرب، ونالوا ~~منهم أغراضهم، وأظهروا حقدهم، ms11 ولم يبقوا للصلح مكانا، وصرحوا بانقضاء ملة المسلمين وأيام الموحدين». # 27 # وبين الجبرتي أن تعسف الفرنسيين في الطلب كان بإرشاد القبطة ... «لأنهم هم الذين ~~تقلدوا المناصب الجليلة، وتقاسموا الأقاليم، والتزموا لهم بجمع الأموال، ونزل كل كبير منهم ~~إلى أقاليم وأقام بسرة الإقليم مثل الأمير الكبير ومعه عدة من العساكر الفرنسية، وهو في ~~أبهة عظيمة، وصحبته الكتبة والصيارف والأتباع والأجناد من الغز «أي المماليك» البطلة ~~وغيرهم، والخيام والخدم والفراشون والطباخون والحجاب، وتقاد بين يديه الجنايب والبغال ~~والرهوانات والخيول المسومة والقواسة والمقدمون وبأيديهم الحراب المفضضة والمذهبة ~~والأسلحة الكاملة والجمال الحاملة، ويرسل إلى ولايات الأقاليم من جهة المستوفين من القبط ~~أيضا بمنزلة الكشاف ومعهم العسكر من الفرنسيين والطوايف والجاويشية، والصرافين والمقدمين ~~على الشرح المذكور، فينزلون على البلاد والقرى، ويطلبون المال والكلف الشاقة بالعسف ~~ويؤجلونهم بالساعات، فإذا مضت ولم يوفوهم المطلوب حل بهم ما حل من الحرق والنهب والسلب، ~~وخصوصا إذا فر مشايخ البلدة من خوفهم وعدم قدرتهم وإلا قبضوا عليهم، وضربوهم بالمقارع ~~والكسارات على مفاصلهم وركبهم، وسحبوهم معهم في الحبال، وأذاقوهم أنواع النكال، وخاف من بقي ~~فصانعوهم وأتباعهم بالبراطيل بما يستميلون قلوبهم به، وما يستجلبونه لهم من المنافع ~~والمظالم، وأجهدوا أنفسهم في التشفي من بعضهم وما يوحيه الحقد والتحاسد الكامن في قلوبهم، ~~إلى غير ذلك مما يتعذر ضبطه، وما كنا بمهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون». # 28 # ويصف الجبرتي اهتمام يعقوب بتحصين القاهرة عند اقتراب العثمانيين منها للمرة الثانية، في ~~الأيام الأخيرة من العهد الفرنسي. فيقول في حوادث المحرم سنة 1216: «في عشرينه توكل رجل ~~قبطي يدعى عبد الله من طرف يعقوب يجمع طايفة الناس للعمل في المتاريس، فتعدى على بعض ~~الأعيان وأنزلهم من على دوابهم، وسب وضرب بعض الناس على وجهه حتى أسال دمه، فتشكى الناس من ~~ذلك القبطي وأنهوا شكواهم إلى بليار قايمقام فأمر بالقبض على ذلك القبطي وحبسه بالقلعة. ثم ~~فردوا «كذا» على كل حارة رجلين يأتي بهما شيخ الحارة، وتدفع لهما أجرة من شيخ الحارة». # 29 ~~«ولم يكتف يعقوب بكل هذا، ms12 بل نظم جيشا من الأقباط يخدم في صفوف الفرنسيين. وكان هذا ~~التنظيم على نفقته الخاصة # 30 # فقد كان يعقوب صاحب مال؛ لأنه لم ينس أن يجمع لنفسه عندما جمع للفرنسيين. وقلده ~~كليبر قيادة هذا الجيش ملقبا إياه بلقب أغا . # 31 # وفي عهد قيادة مينو رقي يعقوب جنرالا، ومنح براءة هذا اللقب». # 32 # وقد وصف الجبرتي هذا الجيش الوطني - نلاحظ أنه أول جيش كون من أبناء البلاد بعد ~~زوال الفراعنة - في كلامه عن حوادث المحرم سنة 1215: «وفيه طلبوا عسكرا من القبط، فجمعوا ~~منهم طايفة، وزيوهم بزيهم، وقيدوا بهم من يعلمهم كيفية حربهم ويدربهم على ذلك. وأرسلوا إلى ~~الصعيد فجمعوا من شبانهم نحو الألفين وأحضروهم إلى مصر وأضافوهم إلى العسكر». # 33 # ثم قال في كلام عام عن السنة كلها: «ومن حوادث هذه السنة أن يعقوب لما تظاهر مع ~~الفرنساوية وجعلوه ساري عسكر القبط، جمع شبان القبط، وحلق لحاهم (وإن احتفظ هو بلحيته) ~~وزياهم بزي مشابه لعسكر الفرنساوية، مميزين عنهم بقبع يلبسونه على رءوسهم، مشابه لشكل ~~البرنيطة وعليها قطعة فروة سوداء من جلد الغنم في غاية البشاعة على ما يضاف إليها من قبح ~~صورهم وسواد أجسامهم، وزفارة أبدانهم، وصيرهم عسكره وعزوته، وجمعهم من أقصى الصعيد، وهدم ~~الأماكن المجاورة لحارة النصارى التي هو ساكن فيها خلف الجامع الأحمر، وبنى له قلعة ~~وسورها بسور عظيم وأبراج وباب كبير يحيط به بدنات عظام، وكذلك بنى أبراجا في ظاهر الحارة ~~جهة بركة الأزبكية وفي جميع السور المحيط والأبراج طيقان للمدافع وبنادق الرصاص على هيية ~~سور مصر الذي رمه الفرنساوية، ورتب على باب القلعة الخارج والداخل عدة من العسكر ~~الملازمين للوقوف ليلا ونهارا وبأيديهم البنادق على طريقة الفرنساوية». # 34 # يرد ذكر يعقوب في كل هذه المواضع فلا يمكن لقاري الجبرتي أن يتصوره إلا كأحد أوليك ~~المارقين الذين يظهرون في عصور الحكم الأجنبي، ويكونون خلالها حربا على أممهم. ولكن القاري ~~لا يجد في الجبرتي ولا في غيره أن يعقوب في سنة 1801 لما انتهى الاحتلال الفرنسي، هاجر وتبع ~~الجيش ms13 الفرنسي إلى فرنسا لتحقيق مشروع خطير هو الحصول على اعتراف الدول باستقلال ~~مصر. # عثرت على الأوراق الخاصة بهذا في سجلات وزارتي الخارجية الإنجليزية والفرنسية، بعد أن كدت ~~أطرح الأمل في العثور على تفكير مصري أو غير مصري في حل المسألة المصرية بالاعتراف باستقلال مصر . # 35 # وقد أشرت إلى هذه الأوراق فيما نشرت في تاريخ هذا العهد من تاريخنا. # 36 # ونشر المسيو دون ترجمة وثيقة ونص أخرى من هذه الوثايق في كتاب ضمن المجموعة ~~التاريخية التي تنشرها الجمعية الجغرافية الملكية بفضل حضرة صاحب الجلالة الملك. وقد مهد ~~المسيو دون للوثيقتين بمقدمة تحليلية لهما. # 37 # وبدأت بعد العثور على هذه الأوراق في تكوين رأي آخر في يعقوب وفي طبيعة علاقاته ~~بالفرنسيين. ~~«خدمات يعقوب للحكم الفرنسي من نوعين: خدمات من نوع ما كان يقوم به للفرنسيين جرجس جوهري ~~وملطي وأبو طاقية وغيرهم من كبار الأقباط، أساسها السعي للنفع الشخصي من جهة، والخلاص مما ~~كانوا فيه من امتهان لا يرفعهم من حضيضه ما ملكوه من مال وجاه، ولا يفارقهم مهما زادت حاجة ~~الحكام إليهم وخدمات من نوع آخر أساسها التمهيد لمستقبل البلاد السياسي بالتعضيد المؤقت ~~للحكم الغربي». # ومن حقق النظر في أحوال الشعوب الشرقية الخاضعة لحكم السلطان أثناء القرن التاسع عشر، يجد ~~أن الطوايف غير الإسلامية منها نظرت في أول الأمر للتدخل الغربي في شيونها بالعين التي نظر ~~بها إليه يعقوب في آخر القرن الثامن عشر. «أول ما في تأييد يعقوب للتدخل الغربي تخليص وطنه ~~من حكم لا هو عثماني، ولا هو مملوكي، وإنما هو مزيج من مساوي الفوضى والعنف والإسراف، ولا ~~خير فيه للمحكومين ولا للحاكمين إذا اعتبرناهم دولة قايمة مستمرة. فرأى يعقوب أن أي نوع من ~~أنواع الحكم لا يمكن أن يكون أسوأ مما خضعت له مصر قبل قدوم بونابرت. # وثاني ما في تأييده للاحتلال الفرنسي أنه أتاح فرصة الاتصال بالغرب والتعلم منه. ولا يقل ~~عن هذا شأنا - في نظره - ما أتاحه هذا الاحتلال من إنشاء قوة حربية مصرية (قبطية في ذلك ms14 ~~العهد) مدربة على النظم العسكرية الغربية «ونحن نسلم بأن هذه القوة كانت أداة من أدوات ~~تثبيت الاحتلال، وبأنه لولا هذا ما سمحت السلطات الفرنسية بإنشايها وتسليحها وتدريبها. غير ~~أنه يلزمنا أن نذكر أيضا أن الدلايل كلها كانت تدل على أن هذا الاحتلال لن يدوم»، وأن ~~القايد كليبر نفسه، الذي أذن بإنشاء القوة القبطية، كان لا يرى البقاء في مصر، وأنه لهذا ~~حاول - كما نعلم - الجلاء عنها بعقد اتفاق العريش في يناير 1800؛ ذلك الاتفاق الذي كان له ~~بعض العذر في نقضه. # 38 # وسنبين في موضع آخر # 39 # من هذه الرسالة أن بعض أصدقاء يعقوب من الفرنسيين اهتم بمستقبل القوة الحربية ~~القبطية أكثر مما اهتم بحاضرها، وأنهم كانوا يحبون أن يروها على حال من البأس تجعلها العنصر ~~المرجح في مستقبل مصر بعد جلاء الفرنسيين عنها. # كان وجود الفرقة القبطية إذن أول شرط أساسي يمكن رجلا من أفراد الأمة المصرية يتبعه ~~جند من أهل الفلاحة والصناعة، من أن يكون له أثر في أحوال هذه الأمة إذا تركها الفرنسيون، ~~وعادت للعثمانيين والمماليك يتنازعونها ويعيثون فيها فسادا. على الرغم من أنه لا ينتمي ~~لأهل السيف من المماليك والعثمانيين، وبغير هذه القوة يبقى المصريون حيثما كانوا بالأمس: ~~الصبر على مضض، أو الالتجاء لوساطة المشايخ، أو الهياج الشعبي الذي لا يؤدي لتغيير جوهري، ~~والذي يدفعون هم ثمنه دون سواهم. وهنا الفرق الأكبر بين يعقوب وعمر مكرم، يعقوب يرمي إلى ~~الاعتماد على القوة المدربة، والسيد عمر يعتمد على الهياج الشعبي الذي تسهل إثارته ولا يسهل ~~كبح جماحه والذي قد يصل سريعا لتحقيق أغراض حاسمة، ولكنه لا يصلح قاعدة للعمل السياسي ~~الدايم المثمر. فكما أن العامة سريعة الهياج في أوقات الخلل واضطراب الحكم، فهي أيضا سريعة ~~القنوط خصوصا إذا اصطدمت بجند مسلحين حتى ولو كان أوليك الجند من نوع ما كان في مصر في ~~أوايل القرن التاسع عشر من ترك وألبانيين ومن ماثلهم. وقد رأينا ما كان من أمر السيد عمر ~~لما وجد أمامه محمد علي لا خورشيد. هذا ms15 الفرق بين الأداة التي اختارها يعقوب وتلك التي ~~اختارها السيد عمر، ليس في الواقع إلا مظهرا لفروق أعمق. إذ ما حاجة هذا السيد نقيب ~~الأشراف إلى جيش، والرجل لا يتصور مصر إلا خاضعة لحكم المماليك تحت سيادة السلطان، ولا يرمي ~~إلى أبعد من أن يملي إرادته على القايمين بالأمر فيها مدافعا عن أفراد الرعية كلما زاد ~~الفساد؟ وهو لهذا يكفيه قيام أهل القاهرة واجتماع كلمة ~~العلماء، «أما يعقوب فله شأن آخر؛ إذ إنه لا يريد عودة ~~المماليك والعثمانيين، وإنما يعمل على أن تكون لفية من المصريين يد في تقرير مصير البلاد ~~بدلا من أن يبقى حظهم كما كان في الحوادث الماضية مقصورا على التفرج أو الاشتراك في نهب ~~المهزومين». ذكر الجبرتي في حوادث المحرم سنة 1218 في كلامه عن اشتباك الألبانيين بأتراك ~~الوالي العثماني خسرو - ذلك الاشتباك الذي انتهى آخر الأمر بولاية محمد علي - ذكر أن ~~الألبانيين كانوا يقولون للعامة من أهل القاهرة: «نحن مع بعضنا وأنتم رعية فلا علاقة لكم بنا.» # 40 # أنتم رعية، تخضعون لمن ينتصر منا. هذا كل ما لكم! # أراد يعقوب أن يكون الأمر غير ذلك، وعول أن تكون القوة الحربية المصرية الجديدة مدربة ~~على النظم الغربية. فكان سباقا إلى تفهم الدرس الذي ألقاه انتصار الفرنسيين على المماليك، ~~أو قل إلى إدراك ما أدركه محمد علي بعد قليل من أن سر انتصار الغربيين في جودة نظمهم وبخاصة ~~نظمهم العسكرية. فسرق البرق من الآلهة وكان له ما كان. # كيف كان للاتصال بالفرنسيين هذا الأثر كله في نفس فرد واحد من أفراد الأمة في آخر القرن ~~الثامن عشر؟ ذلك لأن يعقوب كان على استعداد لتعلم دروس الحملة الفرنسية. وقد ثبت من القليل ~~الذي وصل إلى علمنا من أخباره قبل 1798، أن يعقوب لم يكن كغيره من المبرزين من أبناء طايفته ~~في ذلك العهد، وأن معاصريه منهم أحسوا باختلافه عنهم، وأثبتوا عليه شذوذه عن مألوفهم، ورواه ~~عنهم المعمرون لصاحب تاريخ الأمة القبطية يعقوب بك نخلة رفيله المولود في غضون سنة ms16 1847، ~~والمتوفى في إبريل 1905. # 41 # قال صاحب هذا التاريخ: «يظهر أن يعقوب لم يحترف بحرفة الكتابة في الدواوين مثل باقي عظماء ~~أبناء أمته، بل كان من أصحاب الأملاك والتجارة»، # 42 # وأنه سار في مسلكه إزاء الحكم الفرنسي «في خطة تخالف ما كان عليه أبناء جنسه من ~~حيث الهدوء والسكينة والصبر والاحتمال وفداء أرواحهم وأعراضهم في بعض الأحوال ببذل المال ~~والعطايا، فإنه فضلا عن مخالفته لهم في الزي والحركات، اتخذ له امرأة من غير جنسه بطريقة ~~غير شرعية، # 43 # على أن رجال الدين - ولا سيما البطريرك - لم يكونوا راضين عن تصرفاته وأحواله»، ~~وقد سمع صاحب التاريخ من بعض شيوخ الأقباط المسنين أن البطريرك «نصحه المرات العديدة ~~بالعدول عن هذه الخطة، وأن يعيش كساير إخوانه فلم يقبل وعاوده بالنصيحة مرة أخرى، فجاوبه ~~جوابا عنيفا فسخط عليه. وسمع أيضا ما كان من تجرؤ يعقوب على الدخول في الكنيسة مرة ~~راكبا جواده ورافعا سلاحه، وطلبه أن يناول السر المقدس وهو على ظهر جواده معتذرا عن هذه ~~الجسارة بأن من كان جنديا مثله يلزم أن يكون على الدوام في أهبة واستعداد». # 44 ~~«رفض يعقوب إذن أن يلتزم الهدوء والصبر والاحتمال وفداء النفس والعرض ببذل المال، وأحب أن ~~يكون رجل حرب». وقد ثبت للتاريخ ميله أيام شبابه لأعمال القتال والفروسية على طريقة ~~المماليك، واشترك أيام أن كان يدير التزام سليمان بك الأغا في الصعيد في بعض حروب المماليك ~~ضد جنود القبطان باشا حسن الذي نزل بمصر في 1786 لتثبيت الحكم العثماني. واهتم بدراسة بعض ~~تلك الحروب، وأتقن أساليب المماليك في ركوب الخيل واستعمال السيف. # 45 ~~«ثم جاء الفرنسيون وعين لمرافقة الجنرال ديسيه في فتح الصعيد، وهنا أيضا رفض يعقوب أن ~~يقصر همه على ما عين له من تدبير المال والغذاء ونقل الرسايل، بل راقب سير الحرب، وحارب مرة ~~من المرات تحت عين ديسيه نفسه على رأس طايفة من الفرسان الفرنسيين جماعة من المماليك، وأبلى ~~بلاء حسنا؛ حمل قايده على تقليده سيفا» # 46 # ولم يكن المعلوم أن الأقباط ms17 يقلدون السيوف بل يكسون الفراء أو ينفخون ~~بالمال. # وتعلق يعقوب بديسيه - السلطان العادل كما سماه أهل الصعيد - تعلقا خالصا، # 47 # وكان لهذا الاتصال أثر كبير في تكوين يعقوب جديد. قال بليار - كان من ضباط ~~ديسيه في حملة الصعيد - يصف فترة من الفترات التي انتهزها القايد لإراحة عسكره: «أقمنا في ~~أسيوط، وكنا نجتمع كل مساء في منزل ديسيه، وكانت أحاديثنا تدور حول موضوعات شتى. وكان كل ~~منا يدلي برأي أو آراء في السلم والحرب وفي النظم والتواريخ». # 48 # ولا بد أن يعقوب استمع لكل ما كان يدور، وفهم القدر الذي استطاع أن يفهمه، ولا بد أن ما ~~استطاع أن يسمع أو يفهم أثار شتى الأفكار في نفسه، وكشف له عن عالم من المعاني غير الذي نشأ ~~فيه وعرفه. ويعجز يعقوب عن الإفصاح عما يجول في خاطره، ويقيض الله له رجلا من أغرب أهل ~~عصره يتولى عنه التعبير. ذلك الرجل هو الفارس ثيودور لاسكاريس دي فنتميل. ~~••• # رددت ذكر لاسكاريس هذا كتب الرحلات، وأذاع أمره لامارتين في قصة «فتح الله الصغير بين بدو الصحراء»، # 49 # واقترن اسمه أثناء إقامته بلبنان باسم سيدة إنجليزية نبيلة لا تقل عنه غرابة ~~أطوار، وهي ليدي هستر ستانهوب حفيدة الوزير الكبير شاتهام، وربة بيت خالها وليم بت مدة ~~وزارته. تركت إنجلترا وقضت باقي أيامها في لبنان. ولا يعرف التاريخ لم كان ذلك، أكانت هجرة ~~نفس أبية إلى حيث الحرية التامة؟ أم كان ذلك لمس ظهر فيها شذوذا وتجلى في جده، وخالها عظمة ~~وزعامة؟ ومهما يكن من الأمر فقد تركها التاريخ حتى الآن لأهل القصص. # 50 # الفارس لاسكاريس # نقلا عن مجموعة الرسوم التي عملها الرسام ~~“Dutertre” # للكثير من رجال الحملة ~~الفرنسية، وتوجد نسخة من هذه المجموعة في كتب الأمير حلمي بمكتبة الجامعة ~~المصرية، وهناك بحث مفصل في ديترتر، ورسومه في مذكرات ~~“E. ~~De Villiers du Terrage” # طبعة سنة 1899، ~~ص355-360. # وكاد يترك لاسكاريس أيضا للمصير نفسه، وقد تمنى باريس لو تولى بيير بنوا كتابة سيرته كما ~~يكتب بنوا السير. # 51 ms18 # ولكن أنقذه للتاريخ محقق فاضل هو المسيو أوريان، فكتب فصلا ممتعا تتبع فيه ~~هذه الحياة الضالة في البر والبحر، في الغرب والشرق، # 52 # وليس هذا بالأمر اليسير. # ثيودور لاسكاريس من بيت إيطالي نبيل يتصل قديما بقياصرة بيزنطة. دخل هو وأخوه في سلك ~~فرسان القديس يوحنا الذين كانوا يحكمون جزر مالطة إلى أن انتزعها بونابرت منهم في طريقه إلى ~~مصر في 1798. درس في صباه الموسيقى وفنون العمارة، وقرأ كل ما استطاع أن يقرأ وغذى بهذه ~~القراءات خيالا قويا، وكان ذا نفس أبية تواقة للعلا، يريد أن يخلد اسما خليقا بسليل ~~القياصرة، ولكن حظه كان الخمول والفقر والتنقل من مكان لآخر. وانتهى به المطاف إلى مصر يكسب ~~قوته بتعليم الفرنسية لإسماعيل بن محمد علي فاتح السودان، ثم الموت في القاهرة في سنة 1817 ~~في ظروف مريبة. # 53 # وقدر له أن يموت كما بدأ وكما وصف نفسه «صاحب مشروعات». # تحقق الكثير من هذه المشروعات فيما بعد على أيدي أفراد وحكومات. ولكنها في أيام صاحبها ~~كانت سابقة لأوانها. وكان شذوذ لاسكاريس في أطواره - شذوذ ظهر في أخيه جنونا - وتعدد ~~المشروعات وتنوعها مما لا يبعث على الثقة فيه. ومما يعزينا أنه وجد بعض السلوى أو السعادة ~~في الخلو إلى نفسه وإلى مشروعاته. وقد جاء في كلام له: «كل إنسان في هذا العالم يسلك الطريق ~~الذي هيأه له القدر. واحد من الناس يفتح الممالك ويدوخ البلدان، وآخر يصنع النعال. وبعض ~~الناس ينشيون الدول ويشرعون لها الشرايع، والبعض منتهى جهدهم أن يكونوا آباء أطفال ... أما ~~أنا، فأحسن صنع المشروعات، أخرج نفسي من عالم الحس وأعمل في مشروعاتي، وأترك لخيالي التغلب ~~على ما يعترضها من العقبات. ما أجمل الخيال! أجد فيه ما أظنه السعادة». # 54 # رجل هذه حاله تضيق به مالطة ويضيق ذرعا بالفرسان. تركها وتبع بونابرت إلى مصر، حيث تقلد ~~بعض المناصب الإدارية. تعلم العربية وتزوج من قوقازية من جواري أحد الأمراء، وأطلق لخياله ~~العنان في هذا الوادي التاريخي الرحيب. # وفي مصر فكر وكتب في طرق حكمها، ms19 ودرس فكرة إقامة قناطر حاجزة عند تفرع النيل في رأس ~~الدلتا. وعندها يقيم عاصمة البلاد تحت اسم مينوبوليس إجلالا للجنرال مينو، يحميها الماء من ~~جوانب ثلاثة، ويجتذب إليها خيرات الوادي من منابع النيل. # 55 # هذا الاجتذاب والتقدم نحو منابع النيل من مشروعات لاسكاريس العزيزة. ألا يمكن ~~أن نجد مغزى خاصا في أن إسماعيل فاتح السودان كان تلميذا للاسكاريس قبيل الفتح؟ وقد ثبت ~~أن المعلم صرف في بث هذه الأفكار وما يماثلها في تلميذه أكثر مما صرف في تعليمه تصريف ~~الأفعال. # ورأى لاسكاريس أن مصر يجب أن تستقل وأنها خليقة بالاستقلال بحكم موقعها وتاريخها ~~ومواردها. ورأى أن الحكومة الفرنسية يجب أن تعمل على تحقيق استقلال مصر إذا ما قررت الجلاء ~~عنها بأن تقوي الفرقة المصرية تحت قيادة يعقوب، وأن تعدها بحيث تكون العنصر المرجح في تقاتل ~~العثمانيين والمماليك على تملك هذه البلاد. وأشار أيضا بأن يترك الفرنسيون إذا ما اضطروا ~~للجلاء ذخيرة حربية، وقوة فرنسية يظهرون أنها عاصية ترفض الانسحاب مع بقية الجيش، ويدعونها ~~تنسحب نحو الأقاليم النوبية تفتحها وتهبط منها على مصر عند اللزوم. # 56 # وقد اجتذب لاسكاريس إلى مشروعه هذا فرنسيين آخرين سجل التاريخ من أسمايهم مارسل المستشرق، ~~والضابط ديبا حاكم القلعة. واتصل بالمصري يعقوب وجعل فرقته القبطية قاعدة الاستقلال. # 57 # وحاول أن يقنع مينو بكل هذا ولكنه لم يقتنع. إذ حالت دون اقتناعه قلة ثقته ~~بالفارس والأقباط عامة ويعقوب خاصة، وسمح لنفسه في أكثر من مرة بمداعبة لاسكاريس والسخرية ~~منه. # كتب له: «هل تذكر أيها المواطن قصة ابن كريبيون؟ أراد الابن أن ينشي دينا جديدا، فرفع ~~الأب صليبا وقال: انظر يا بني ماذا فعلوا به». # 58 # ولكن مينو مضى في الاستفادة من لاسكاريس ويعقوب: الأول لاتصاله بالمصريين والثاني لمهارته ~~المالية وجنده القبطي. # 59 ~~••• # وجاء وقت الجلاء وسلمت الحامية الفرنسية المرابطة في القاهرة تحت قيادة الجنرال بليار ~~المدينة للإنجليز والعثمانيين. وكان من شروط التسليم أن يكون لأي مصري أراد حق الخروج مع ~~الجيش الفرنسي دون أن يتعرض أحد ممن ms20 تركهم من أهله لأذى في النفس أو المال، وألا يؤذى أحد ~~ممن خدم السلطات الفرنسية وآثر أن يبقى في مصر بعد زوال أمرها. # 60 # وأرسل إبراهيم بك أمانا للأقباط الذين ينطبق عليهم هذا الشرط الثاني، فخرجوا إليه وسلموا ~~وعادوا إلى دورهم. # 61 # أما يعقوب فقد صمم على الرحيل مع الفرنسيين، والظاهر أنه حاول أن يستصحب عددا ~~كبيرا من شبان القبط الذين كانوا تحت قيادته. فقد جاء في الجبرتي في وقايع صفر 1216: «أما ~~يعقوب فإنه خرج بمتاعه وعازقه (كذا) وعدى إلى الروضة ، وكذلك جمع إليه عسكر القبط، وهرب ~~الكثير منهم واختفى واجتمعت نساؤهم وأهلهم وذهبوا إلى قايمقام (أي بليار)، وبكوا وولولوا ~~وراجعوه في إبقايهم عند عيالهم وأولادهم، فإنهم فقراء وأصحاب مصانع ما بين نجار وبناء وصايغ ~~وغير ذلك، فوعدهم بأن يرسل إلى يعقوب أن لا يقهر منهم من لا يريد الذهاب والسفر معه». # 62 ~~«ولم يخرج معه إلا أهله، وزوجته مريم نعمة الله وابنته مريم وأخوه حنين وابنا ~~أخته ولقبهما سيداروس. # 63 # وكان في الخارجين بعض الأقباط وجماعة من المترجمين، وبعض مسلمين ممن خاف على ~~نفسه كعبد العال الأغا الذي طلق زوجته وباع متاعه وفراشه وما ثقل عليه حمله. وخرج أيضا ~~كثير من نصارى الشوام والأروام مثل يبنى وبرطلمى (فرط الرمان) وغيرهما». # 64 # لم يبق يعقوب بمصر يعمل في تقرير مصيرها كما حسب. وليس أمامنا إلا أن نعلل ذلك بأسباب لا ~~بأس بها، أولها ما رآه من تشتت الجند القبطي وعزم بناييهم ونجاريهم على ترك الجندية والعودة ~~لعيالهم. ثانيها أن القيادة الفرنسية لم تعد شييا ما لمستقبل الفرقة القبطية، ولا لمستقبل ~~النفوذ الفرنسي في مصر. بل كان كل همها الانسحاب وتنظيم هذا الانسحاب. وربما كان سبب هذا ~~الإهمال ما حدث من تقسيم الجيش الفرنسي إلى قسمين، قسم يدافع عن القاهرة تحت قيادة بليار ~~وآخر عن الإسكندرية تحت القايد العام مينو. ثم أصبح الاتصال بين القسمين صعبا. وسلم بليار ~~القاهرة في اتفاق عقده مع الأعداء، وأعقبه تسليم مينو. # 65 # أما ثالث الأسباب ms21 فهو الهجرة لتحقيق مشروع خطير: السعي لدى الحكومات الأوروبية ~~لتحقيق استقلال مصر، ولا أظن أن خروج يعقوب كان للخلاص بنفسه، فمثله ممن يمكنهم تصفية ~~الحساب الماضي مع العثمانيين المنتصرين. وقد حاول القبطان باشا حسين أن يغريه بالبقاء في ~~مصر، ووعده ومناه # 66 # ولكنه رفض وآثر الرحيل للعمل في ميدان جديد. ~~••• # ركب يعقوب السفينة الحربية الإنجليزية بلاس وربانها إدموندس. وكان على ظهرها أيضا الفارس ~~لاسكاريس. وقد عرف إدموندس قدر يعقوب وأنه زعيم في عشيرته، وأن الفرنسيين لقبوه «جنرالا» ~~حرصا على نيل تأييده فأحسن لقاءه، مما دعا يعقوب للتحدث معه في شيون مصر، وقال له إنه ~~يعتقد أن حكومة العثمانيين في مصر أسوأ أنواع الحكم، وأنه لم يؤيد الاحتلال الفرنسي إلا ~~لتقليل ما حاق بمواطنيه من أذى، وأنه صدق ما ادعاه الفرنسيون من أن دولتهم أقوى الدول ~~الأوروبية، ولم يكن يدرك إذ ذاك مدى القوة البحرية الإنجليزية. ثم قال إنه يرجو أن يسعى لدى ~~الحكومات الأوروبية لتحقيق استقلال بلاده، وأن هجرته لأوروبا قد تنفع في هذا السبيل، على ~~أنه يعلم أن إدراك الغاية مستحيل بلا موافقة الحكومة الإنجليزية. # 67 # هذا مجمل ما قرره يعقوب لإدموندس، وزاد عليه لاسكاريس، وكان يترجم بين الرجلين أن يعقوب ~~على رأس وفد مصري اختاره أعيانها ليفاوض الحكومات في أمر الاستقلال. # بعد هذا الحديث اشتد المرض على يعقوب، وتوفي في السادس عشر من أغسطس سنة 1801، والسفينة ~~على مقربة من سواحل الأناضول الجنوبية الغربية، وقد راعى إدموندس مقامه ورجاء أهله فلم يلق ~~جثته في البحر بل وضعها في دن من «الروم» حفظها حتى مارسيليا حيث دفنت. وفي إحدى مقابرها ~~يرقد الآن الجنرال يعقوب في قبر معروف. # 68 # ولم يكن موته نهاية الأمر، فقد قرر لاسكاريس أن الوفد باق رغم موت رييسه، وأعد مذكرة ~~مفصلة بالموضوعات التي تحدث فيها يعقوب مع إدموندس، وسلمها في مارسيليا لذلك الإنجليزي ~~لتبليغها لحكومته. فتعهد إدموندس بذلك وبالمحافظة على سر هذه الأحاديث عن نفسه وعن ~~حكومته. # ما رأي إدموندس في كل هذا؟ قال: أولا إنه ms22 لا يملك تحديد مدى التفويض الذي تكلم عنه ~~لاسكاريس، وثانيا إنه لا يدري إن كان عضوا في الوفد أو سكرتيرا مترجما له، وإنه على كل ~~حال لم يستطع أن يصفه إلا بأنه رجل «خيالي». # قام إدموندس بما وعد به فأرسل لحكومته مذكرة استقلال مصر التي أعدها لاسكاريس. # 69 # بدأ الكاتب بإهداء التحية للورد الأول للبحرية الإنجليزي (الموجه إليه الخطاب)، وتذكيره ~~بأن اهتمامه بما تضمنته المذكرة فيه نفع دولته، وأن ما قد يقوم به لتحقيق استقلال مصر أجمل ~~ما يجدر بلورد إنجليزي أن يسعى له. ثم أطنب في وصف عظم هذا المشروع - تحقيق استقلال مصر - ~~وأن هذا الاستقلال يبدد سحب الجهل التي تكاثفت على هذا الوادي الذايع الصيت، حيث مهد ~~الحضارة، فيه تعلم الإغريق وعن الإغريق ورثت أوروبا علومها وفنونها واستنار أهلها. ألا يثير ~~ذلك في نفس الغربيين شييا من عرفان الجميل فيردوا لمصر الاستقلال الذي به تستعيد ما كان ~~لها؟ # ثم بين لاسكاريس أن مصر المستقلة لن تضر أحدا، وأن استقلالها - وقد أصبحت موضع أطماع ~~الدول - خير حل للمسألة المصرية. تلك المسألة التي أثارتها الحملة الفرنسية والتي يحتم ~~انهيار بناء الدولة العثمانية مواجهتها. وذكر أن مراد بك قبيل موته أدرك مدى هذا التطور ~~الأخير في تاريخ بلاده، وعبر عنه في قوله: «إن مصر قد عرفها كفار الغرب فلن ينفكوا عن السعي ~~للاستيلاء عليها». # وتناول أيضا في مذكرته بحث ما تصيبه الدولة الإنجليزية من نفع في تحقيق هذا المشروع، ~~فأكد صداقة المصريين للأمة الإنجليزية بعد أن عرفوا جنودها، وبعد أن خبروا الحكم الفرنسي، ~~وأن سيدة البحار لا بد وأن تسيطر بنفوذها على مصر، وتكون أكبر من يستفيد من موقعها ~~الجغرافي. ~~«ولم يغفل لاسكاريس الكلام عن أمرين جوهريين. وقد جاء كلامه عنهما أضعف ما في مذكرته: ~~الأول نوع الحكومة المصرية المستقلة، والثاني ما تتخذه هذه الحكومة للدفاع عن كيانها. أما ~~عن نوع الحكومة فاكتفى بعد مراوغة كلامية بالقول بأنها ستكون وطنية عادلة حازمة، وأنها بذلك ~~تنال احترام الأمة وطاعتها» وحبها كما أحب ms23 أهل الصعيد في الماضي القريب حكم العربي همام، ~~وكان عادلا حازما. # 70 ~~«أما عن وسايل الدفاع فنجده يقرر أن الحكومة الوطنية لن تقوى على صد اعتداء ~~أوروبي إلا بعد مضي زمن طويل، ولكنها تستطيع أن تصد الترك وتسحق المماليك بجيشها الوطني تشد ~~أزره قوة حربية أوروبية، وببذل المال لرجال الباب العالي». # وتؤكد المذكرة في النهاية أن الفكرة الاستقلالية لها أنصار في مصر، وأن هؤلاء الأنصار ~~يخفونها حذر الموت، ويطلب صاحب المذكرة حمايتهم من اضطهاد العثمانيين إذا ما رفضت الدول ~~إنشاء دولة مصرية مستقلة. ~~«أما عن خطة «الوفد المصري» في القريب ، فإنها ستكون السعي لدى الحكومة الفرنسية لإقناعها ~~بقبول قاعدة الاستقلال في مفاوضاتها مع الحكومة الإنجليزية على مصر». ويرجو لاسكاريس أن لا ~~يكون مصدر الاقتراح الفرنسي مما يحمل الحكومة الإنجليزية على رفضه حذر دسيسة سياسية فرنسية، ~~ويطلب في النهاية أن تكون مخابرات إنجلترا مع الوفد شفرية، وعن طريق الكونت أنطون كاسيس ~~المقيم في تريستا. # 71 # ونجد لاسكاريس فعلا يقدم للقنصل الأول بونابرت مذكرة موقعا عليها من «نمر أفندي» ~~بالنيابة عن الوفد المصري، وهذه المذكرة خالية طبعا من التعريض بالحكم الفرنسي، ومن تفضيل ~~المصريين للإنجليز؛ ذلك التفضيل الوارد في المذكرة لإنجلترا على أنها تتفق معها في الغاية ~~الاستقلالية، وتطلب تحقيقها باسم التاريخ والإنسانية ولمجد بونابرت. # 72 # وأردف هذه المذكرة بأخرى لوزير خارجية فرنسا - تالليران - يقرر فيها الغرض الأسمى، ويعتذر ~~عن الإجمال تاركا التفصيل إلى أن يستقبلهم الوزير في باريس؛ إذ العرب يجيدون الكلام أكثر ~~مما يجيدون الكتابة، وطلب من الوزير أن يستقبلهم بزيهم الشرقي، إذ إن المسلمين منهم يعز ~~عليهم إبدال غيره به، فضلا عن أن هذا الزي يثير في نفس بونابرت ذكرى فتوحه، ويعرف من لم ير ~~مصر من الفرنسيين بالشرق وأهله. # 73 ~~••• # لا اللورد الأول للبحرية الإنجليزية ولا القنصل الأول ولا وزير الخارجية الفرنسية اهتم ~~بما في هذه المذكرات، بل أودعوها سجلات الحكومة. # وفي «مقدمات الصلح» بين فرنسا وإنجلترا اتفق على إعادة مصر للدولة العثمانية وأدمج هذا ~~الاتفاق في معاهدة ms24 الصلح النهايية: معاهدة أميان. وفي سياسة الحكومتين قبل أميان وبعدها لم ~~يتعد اهتمامهما بأحوال مصر ونوع حكومتها ما تعلق منها بعلاقة الدولة العثمانية بالمماليك. ~~وحتى في هذا لم يكن الاهتمام بها إلا من حيث تأثيرها في تسهيل - أو منع - وقوع مصر في حكم ~~إنجلترا أو في حكم فرنسا لا من حيث تأثيرها في رفاهية أو سعادة الشعب المصري. # 74 # لم يكن إذن لهذه المذكرات أي أثر واقعي، ولا نجد في الأوراق ما يدل على وجود تفويض لوفد ~~مصري، وعلى فرض وجوده. فمن الثابت أنه لم يشترك في منحه أي شيخ من العلماء، وإلا لوجدنا في ~~الجبرتي ما يدل عليه. وليس هناك أيضا ما يدل على حصول يعقوب على تفويض من عظماء الأقباط ~~فقط، إذ إن سيرتهم لا تحملنا على الاعتقاد بأن الفكرة الاستقلالية جالت في أذهانهم. وإنما ~~التفويض الوحيد الثابت حصول يعقوب عليه كان لمطالبة الحكومة الفرنسية برد مبلغ من المال ~~أقرضه هو وجرجس جوهري وآخرون للجنرال مينو. # 75 # يحق لنا بعد هذا أن نقرر أن كلمة الوفد المصري والأدلة التاريخية والفلسفية من أفكار ~~لاسكاريس، وأن يعقوب لم يقرر إلا الفكرة الاستقلالية. # رغم هذا لا تخلو هذه المذكرات من شبه لما قرره المصريون وما أعلنوه في أيام أقرب إلينا من ~~سنة 1801: في اتباع طريق المفاوضة للحصول على الاستقلال، وفي توطيده بالاعتراف الدولي، وفي ~~تبرير طلب الاستقلال بالتنويه بمجد مصر، وبأن عظمة الماضي تبعث على الأمل في عظمة المستقبل، ~~وبأن مصر بها من الموارد في المال والرجال ما يكفل قيام الدولة المستقلة، وأخيرا بأن ~~موقعها الجغرافي يجعلها موضع التنافس، وأن الدولة التي تسيطر عليها تصبح من القوة بحيث ~~تتحكم في مصالح الدول الأخرى الحيوية وخير الجميع في استقلالها. ~~••• ~~«كان نصيب مشروع 1801 الإهمال، وكذلك كان حظ أصحابه». # وقد عرفنا مآل يعقوب، أما أصحابه فقد عاد نفر منهم لوطنهم بعد قليل، وظل منهم في أوروبا ~~آخرون قامت بينهم القضايا والدعاوى، ووقع أكثرهم في الفقر والفاقة، فأجرت عليهم الحكومة ~~الفرنسية معاشا مدة طويلة، ms25 وانتهى أمرهم بالاندماج في الفرنسيين. ولم يكن من أثر ثابت لأحد ~~منهم إلا لليوس بقطر صاحب القاموس الفرنسي العربي. # 76 # وظل لاسكاريس يضرب في بلاد الشرق سنينا. يجود ذهنه بالمشروع تلو المشروع أحيانا لإصلاح ~~الزراعة في بلاد قوقاز ولبنان، وأحيانا لتدبير مستقبل الجبل السياسي أو لتسوية مشكلة ~~الوهابية. وهو أينما حل يحوطه جو من الظنون والارتياب من جانب الرجال الرسميين وحظه الحزن ~~والفاقة. إلى أن هبط مصر يرتزق من تعليم الفرنسية لإسماعيل بن محمد علي، وبقي كذلك إلى أن ~~مات في 1817. وانتهى كما بدأ «صاحب مشروعات»، إلا أنه على الرغم من ذلك يحق علينا أن نحيي ~~ذكرى من عرف كيف يجيد الكلام في استقلال مصر، وكيف يبينه على مبرر الاستقلال الحقيقي: ~~الكرامة الإنسانية. فكان بذلك معبرا بلغة العصر الحاضر عما جاش في نفس المصري ~~يعقوب. # كذلك كانت بداية الفكرة الاستقلالية، أما تاريخها فهو تاريخ مصر من أيام محمد علي حتى ~~اليوم. # | الملاحق # الملحق الأول # 1 # من القبطان جوزيف إدموندس ربان السفينة الحربية بالاس للإرل أوف سانت ~~فنسنت اللورد الأول للبحرية الإنجليزية # على ظهر السفينة بالاس، جزيرة منورقة في 14 أكتوبر 1801 # سيدي # استبحت لنفسي أن أرسل لكم المذكرات المرفقة بكتابي هذا اعتقادا مني بأنه قد يهم ~~حكومة بلادي أن تعلم أن أشخاصا يسمون أنفسهم بالوفد المصري يقيمون في باريس في ~~الوقت الحاضر. # كان ممن ركب في مصر السفينة بالاس تحت إمرتي رجل قبطي ذو سمعة حسنة جدا، وهو من ~~زعماء طايفته وله نفوذ كبير. وقد منحه الفرنسيون لقب جنرال لينالوا تأييده. # عنيت بعض العناية بهذا المنفي السيئ الحظ مما جعله يحادثني في شيون بلاده. وقد ~~صرح لي بأنه يعتقد أن أي أنواع الحكم في مصر ~~أفضل من حكم الترك لها، وأنه انضم للفرنسيين تلبية لباعث وطني عله يخفف عن مواطنيه ~~ما قاسوه، وأن الفرنسيين خدعوهم، وأن المصريين في الوقت الحاضر يحتقرونهم كما كانوا ~~يحتقرون الترك، وأنه لم يفقد بعد آماله في خدمة بلاده وأن ارتحاله لفرنسا قد يمكنه ~~من هذا. ms26 وقال أيضا إن الفرنسيين جعلوه يعتقد أن دولتهم لها قوة السيطرة في أوروبا، ~~وأنه لم يعرف إلا قليلا عن قوة إنجلترا البحرية، ولكنه كان يعرف رغم هذا أنه بلا ~~موافقة إنجلترا فإن رغبته في قيام حكومة مستقلة في مصر لن تتحقق. وأضاف صديقه ~~لاسكاريس، (وهكذا وصف نفسه) وكان يترجم أقواله لي، أن الجنرال المعلم يعقوب يرأس ~~وفدا فوضه أو عينه أعيان مصر لمفاوضة الدول الأوروبية في أمر استقلالها. وأثناء ~~سفرنا مات الجنرال وقام الترجمان (لاسكاريس) بتحرير مذكرات أحاديثنا المرفقة بكتابي ~~هذا. وقد أعرب لي الجنرال قبل موته عن رغبته في أن أبلغ موضوع هذه الأحاديث لقايد ~~القوات البريطانية الأعلى كي تعلم به الحكومة البريطانية بواسطته. وقد قرر لي ~~المسيو لاسكاريس أن الوفد لم يزل باقيا، وأن المفوضين الآخرين على ظهر السفينة ~~بالاس لا يزالون أعضاء فيه. هذا وإني لم أتمكن من أن أتبين هل هو واحد من هؤلاء ~~المفوضين أو أنه ليس إلا سكرتيرا مترجما له. وأعتقد من كلامه أنه رجل خيالي. # 2 # وأظنه بيدمونتي الأصل، وسمعت أنه من أوليك الفرسان الذين تركوا جزيرة ~~مالطة وتبعوا جيش بونابرت. وقد أعطيت ميثاقي للمعلم يعقوب بأن أمتنع أنا والحكومة ~~البريطانية من استعمال ما أبلغنا إياه استعمالا يؤذيهم. هذا ولما كان من المحتمل ~~جدا ذهاب هذا الوفد الذي لا يمكنني تقدير مدى ما بيده من تفويض للإقامة في باريس، ~~فقد رأيت وجوب تبليغكم هذه المذكرات والأحاديث مباشرة. إذ قد يمضي بعض الوقت قبل أن ~~أجد فرصة لإبلاغها أولا لرييسي اللورد كيث. وأرجو أن تتنزلوا فتقروا مسلكي ~~هذا. # ولي الشرف ... إلخ. # الملحق الثاني # 3 # مذكرات مرفوعة للقبطان إدموندس لتذكره في الوقت المناسب له برءوس أهم الموضوعات التي ~~تبادلناها في أحاديثنا السياسية على ظهر سفينته. # 1 # الخطاب المرفقة به هذه المذكرات موجه للورد النبيل. # 4 # وقد يظهر لأول وهلة أنه ليس إلا رجاء بسيطا عاديا في الاهتمام بنا ~~معشر المصريين التعساء. ولكنه يجب أن يعتبره في الحقيقة ملخص الأحاديث السياسية ~~التي دارت بيننا على ظهر ms27 السفينة، هذا ولما كان الإسهاب في شرح خطتنا في الوقت ~~الحاضر أمرا أقل ما فيه الرعونة، فإن هذه المذكرات القصيرة المكتوبة على عجل قد ~~تكفي على الأقل لتذكيرك بأهم موضوعات أحاديثنا، ومتى حان زمن إبلاغك إياها إما ~~مباشرة لحكومتك أو للورد النبيل؛ فالمصريون لوثوقهم بما انطوت عليه سجيتك يدعون ~~لحسن فطنتك بعثه على الاهتمام بأمرهم. حتى يكون لنا مما يكتبه للوزارة البريطانية ~~أو مما يقوم به عند عودته لإنجلترا مسند نستند إليه لدى حكومته. وليثق بأنه سينتصر ~~لقضية فيها منافع لأمته، وأي قضية أليق بسعي لورد نبيل مثله! # 2 # وإذا سلمنا بأن ما سيعرضه الوفد المصري لدى ~~الحكومات الأوروبية على تلك الحكومات باسم المصريين الذين فوضوه قد يظهر قليل ~~الأهمية أمام أعينها، فلتعترف معنا على الأقل - أيها القبطان - أن الدول لن تعمل ~~أبدا عملا أمجد وأنبل من أن تبدد بقرار سياسي واحد ظلمات الجهل والوحشية التي ~~تكاثفت على هذه البلاد الذايعة الصيت. تلك البلاد التي كانت مهد استنارتنا وعلومنا ~~وفنوننا. تلك البلاد التي يمكن القول عنها إجمالا إنها كانت موضع قيام الحضارة ~~التي نقلها اليونان عنها ومن اليونان وصلت لنا. إذا عجزت مصر بعد زوال عزها ~~وازدهارها عن أن تثير شعورا بعرفان صنيعها وما قدمته من خير فلتثر على الأقل عطف ~~الدول الأوروبية عليها، حتى إذا ما كان ذلك وردوا إليها أمرها، أمكنها أن ترضي جميع ~~الدول التي تطمع فيها ولا تصاب بسبب ذلك أي واحدة منها في مصالحها. # 3 # وقد يحل زمن ليس بالبعيد ترضى فيه الدولة البريطانية عن هذا الحل (للمسألة ~~المصرية). وفي هذه الأثناء قد تقترحه عليها الحكومة الفرنسية. عنديذ يجب على ~~الحكومة الإنجليزية أن تعلم أن الاقتراح نتيجة جهود الوفد المصري، فعليها إذن ألا ~~يريبها أمره ... فإن المصريين # 5 ~~... ولا نظن أن فرنسا تتقدم بهذا المشروع السياسي إلا على سبيل المجاراة، ~~والواقع أن تحقيقه ليس في صالحها كما هو في صالح إنجلترا. ومما لا شك فيه أن حكومة ~~الجمهورية الفرنسية لا تزال على ما كانت عليه ms28 من الرغبة في تملك مصر. # 4 # تتداعى الإمبراطورية العثمانية في جميع أجزايها للانحلال. ويهم الإنجليز إذن قبل ~~حدوث هذا؛ أن يتدبروا لأنفسهم من الوسايل المؤكدة ما يكفل لهم الاستفادة من هذا ~~الحادث المهم عند وقوعه. وإذا تبين لهم استحالة استعمارهم مصر - كما استحال هذا على ~~فرنسا - (فلهم عوضا عنه) خضوع مصر المستقلة لنفوذ إنجلترا صاحبة التفوق في البحار ~~المحيطة بها. وليس من شك في أن الاستقلال يعيد لمصر رخاءها، ولكنها لن تكون إلا ~~دولة زراعية تستمد غناها من الحاصلات الوفيرة التي تنتجها أرضها الخصبة، ومن كونها ~~المخرج والمدخل الوحيدين لتجارة أفريقيا الوسطى. ولا بد من أن إنجلترا بحكم مركزها ~~في الهند تهتم جدا بالمتاجرة مع مصر وما حولها من المناطق، فتستفيد بذلك أكبر ~~استفادة مما اختصت به مصر من المزايا. # 5 # وكان مراد بك يقول - وربما كان على حق في قوله - إن كفار الغرب (كذلك سمى الأمم ~~الأوروبية) قد صاروا يعرفون مصر أكثر من اللازم وأن الكل يسعى لامتلاكها، وأنها ~~ستكون دايما مثار اختلافهم. قد يقال إن إنجلترا لا حاجة بها إلى ذلك الامتلاك؛ إذ ~~إن سيادتها البحرية تحتم أن تكون كل تجارة مصر في يدها، وأنها بذلك يكون لها ما ~~تريد من نفوذ في مصر. ولكن ماذا يكون من أمر هذا النفوذ إذا رجعت فرنسا كما كانت ~~حليفة الباب العالي الطبيعية، وأخذت الدولة العثمانية تجري على سياسة إرضايها أكثر ~~من إرضاء إنجلترا؟ ألا تذهب الدولة في هذه الخطة فتغلق أبواب مرافيها في وجه ~~الإنجليز؟ أليس من الممكن أن يضغط الفرنسيون على الترك برا فيحملوهم على الإمعان ~~في عدايهم للإنجليز وتحطيم تجارتهم في أراضي الشرق الأدنى وفي البحر الأحمر؟ # 6 # أما عما يختلج نفوس المصريين من عواطف نحو ~~الفرنسيين، فمبعثها ما اتبعه هؤلاء من طرق في حكمهم أثناء احتلالهم البلاد. ولا ~~حاجة بي للكلام في هذا؛ لأني أعتقد أنك تتذكر بسهولة ما دار بيننا من حديث فيه. كل ~~شيء إذن يبرهن - الأسباب السابقة، وما يشعر به المصريون نحو الإنجليز بعد ms29 أن أمكن ~~لهم تقديرهم حقا - أن مصر المستقلة لا تستطيع إلا أن تكون موالية لإنجلترا. فعلى ~~هذه إذن أن تسمح سياسيا على الأقل باستقلالها، هذا إذا لم تستطع تأييده بعد ~~حدوثه. يملي هذه الخطة ما تتوقعه من حوادث في المستقبل. # 7 # فرضنا أن حكومات الدول الأوروبية سمحت باستقلال مصر. كيف يحكم المصريون أنفسهم؟ ~~وكيف يدافعون عن استقلالهم؟ ~~(1) # لا يسمح لنا تعجلنا في تحرير هذه المذكرات بتفصيل الخطة التي يفكر ~~فيها الوفد المصري لحكم البلاد، ويكفي الآن أن نلاحظ أن المسألة هنا ~~ليست مسألة انقلاب منشأه استنارة الأمة واحتكاك آراء فلسفية بعضها ~~ببعض. لا يقوم نظام الحكم الجديد على شيء من هذا، بل تضع قواعده الظروف ~~القاهرة وتخضع له رعية مسالمة جاهلة لا يعرف أفرادها الآن، أو يكادون ~~لا يعرفون إلا عاطفتين خلقيتين: المصلحة والخوف. فإن أمكن الحكومة ~~الجديدة (وليس هذا بالأمر العسير) أن ترفه من عيش الناس بعض الشيء، وأن ~~تزيد كسبهم قليلا، فمن المحقق أنها تجد منهم نصراء متحمسين. أوليس أي ~~نظام أفضل من الاستبداد التركي؟ لتكن إذن الحكومة الجديدة عادلة، ~~حازمة، وطنية كما كانت حكومة الشيخ همام العربي في الصعيد؟ (وقد حدثتك ~~عن تاريخه)، ولتثق عند ذلك بأنها ستحترم وتطاع وتحب. ~~(2) # كيف يدافع المصريون عن استقلالهم؟ ماذا يصنعون لو اعتدت عليه دولة ~~أوروبية؟ لا تتوقع حدوث شيء من هذا إلا بعد زمن طويل، وعند ذلك يكون قد ~~تم تنظيم الجيش الوطني وجعله بحيث يستطيع رد الاعتداء. أما إذا كان ~~الاعتداء من جانب الترك أو المماليك؛ فإنا نعتقد أن الدول الأوروبية ~~تحظر عليهم مس استقلال مصر. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المصريين ~~يمكنهم أن يستخدموا جيشا أجنبيا من 12000 إلى 15000 جندي وينفقوا ~~عليه. ويكفي هذا الجيش لصد الترك عند حد الصحراء، ولسحق المماليك في ~~مصر نفسها، ويكون هذا الجيش الأجنبي أيضا نواة الجيش الوطني. هذا ولما ~~نعلمه من تأثير الذهب في العثمانيين، وأنهم يعملون أي عمل للحصول عليه، ~~فإننا نستطيع ردهم عن مصر ببذله لهم. وكان ms30 المماليك يستخدمون المال ~~كلما رأوا سحب السياسة تتلبد في القسطنطينية، وتنذرهم بشر ~~مستطير. # وينبغي ألا يفوتنا أن نذكر أن المصريين منقسمون بين عدة طوايف، وأن ~~هذا الانقسام يتيح الوسايل لدفع هذه الطوايف بعضها ببعض فتتكافأ بذلك ~~قواها. وللوفد المصري صلات بهذه الطوايف على اختلافها، ولا ينحاز ~~لواحدة منها دون الأخرى. وهذه الصلات مستورة وستظل مستورة تماما عن ~~الحكومة التركية في مصر، ولا بد من هذه الحيطة إزاء حكم مستبد يأخذ ~~الناس بالشبهات. ولو عرف الترك حقيقة الأمر لما ترددوا في الفتك بإخوان ~~الاستقلال عن آخرهم. والذين هجروا مصر مع الجيش الفرنسي من هؤلاء ~~الإخوان قد تحدوا غضب الترك (وأمنوه)، ولكن إخواننا في مصر حالهم غير ~~هذه. هم تحت السيف والعصا، فليس أمامهم إلا المواربة والظهور بمظهر ~~عبيد السلطان والمخلصين. # 8 # سيبذل المصريون عامة ووفدهم لدى الحكومات الأوروبية (خاصة) كل ما يستطيعون من جهد ~~لتخليص أنفسهم بشكل ما من النير الذي يثقل حمله على بلادهم التعسة. ولكن إذا خاب ~~سعيهم وشاء القدر أن يملك الترك هذه الأقاليم الجميلة الشهيرة وعرضها بذلك لتجدد ~~الإغارات عليها، وجاءت معاهدات الصلح العام بين الدول على عكس ما يشتهون، فأقل ما ~~يرجوه المهاجرون المصريون من الدول المتعاهدة أن تدبر لهم ضمانا يقيهم على الأقل، ~~إذا عادوا لوطنهم، شر انتقام الترك منهم. # 9 # هذا ولو أن الوفد المصري لدى الحكومات لن يعمل إلا في تحقيق مشروع سياسي فيه نفع ~~جميع الحكومات بما فيها الحكومة التركية (وليس تضميننا الحكومة التركية على غرابته ~~من شطط القول، فإنا يمكننا البرهنة على صحته)، فقد تعرض أحوال لا بد فيها من ~~المحافظة على سر المفاوضة. لذلك فإنا نرفق بهذا «شفرا» يستعمل في مراسلاتنا عند ~~الحاجة إليه. # 10 # ويرى الوفد المصري حرصا على تحقيق ما يصبو له من إبلاغ المفاوضة غايتها لزوم ~~كتمان أمر ما، فاتحناكم فيه من ممهدات لها وما قد تبلغونه للورد النبيل عن فرنسا ~~وعن أي امرئ في مقدوره عرقلتها. وذلك أن خطة الوفد أن يسعى في أوروبا كي تكون ms31 فرنسا ~~البادية بعرض المقترحات الأولى (الخاصة بالاستقلال) على إنجلترا. وتكون إنجلترا ~~عنديذ قد اقتنعت (وهذا الاقتناع ثمرة أحاديثنا معكم وسعي اللورد) بما في ذلك ~~الاستقلال المقترح من مزايا سياسية فتؤيده. وبهذه الطريقة لا يتعرض الوفد المصري؛ ~~لأن يرى الحكومة الإنجليزية ترفض المشروع تحت باعث من نفور الأمتين إحداهما من ~~الأخرى، أو حذر دسيسة من دسايس الجمهورية (الفرنسية). # 11 # هذا، وكي تسهل مراسلتنا ونحن في فرنسا أو في غيرها من البلاد، يمكنك أيها القبطان ~~أن ترسل ما تريد للسنيور الكونت أنطون كاسيس # 6 # المقيم في تريستا، وهو يتولى إرسال ~~الرسايل حيث يقيم الوفد، على أن يوضع تحت عنوانه عنواني. أما ما قد يرسل لي (من ~~غيركم) من إنجلترا، فإن وصولنا إلى باريس يذيع أمرنا فلا تصعب معرفة أين أقيم . ~~وبهذا يسهل تسلمي ما قد تكتبه لي الحكومة (الإنجليزية). ولكن تلزم الحيطة التامة في ~~هذا الأمر حتى لا تثار شكوك الحكومة الفرنسية بالمرة. # على ظهر السفينة بلاس، في 21 سبتمبر سنة 1801. # الملحق الثالث # 7 # من نمر أفندي بالنيابة عن الوفد المصري للقنصل الأول بونابرت، # 8 # إلى القنصل الأول للجمهورية الفرنسية من الوفد المصري الكثير الحب ~~له، محجر مارسيليا، في أول فنديميير من السنة العاشرة (23 سبتمبر 1801 / 18 صفر ~~سنة 1216). # 9 # في أيام العالم الأولى، في تلك العصور البعيدة المجهولة، عندما كانت فرنسا لا ~~تختلف كثيرا عما صورته الطبيعة، ولا يظهر منها للناظر إلا جليد وغابات، كانت ~~مصر الزاهية المتحضرة تلقي دروس العلم والعرفان على متشرعي الإغريق. ثم دار ~~الفلك دورته، وشاء القدر أن يفد مصريو اليوم ~~الحاضر أحفاد معلم الحضارة بالأمس إلى فرنسا، وهي تحت حكمك الخالد الذكر ~~ليدرسوا نظم أمة يحبونها ويتعرفوا إلى ما اهتدت إليه من وسايل لا عهد لغيرها من ~~الأمم بها، تلك الوسايل التي مكنت جمهورية ناشية من صيانة ما كسبته في ميدان ~~الحرب بما استحدثته من نظم سياسية جديدة ... وكما أن سولون عند عودته لبلاده من ~~مصر شرع للإغريق، كذلك الوفد المصري الذي فوضه المصريون الباقون ms32 على ولايهم لك ~~سيضع لمصر ما ترضاه لها من نظم عندما يعود لها من فرنسا. يكون هذا أيها القنصل ~~الأول إذا تنزلت من أجل مجدك، ولنفع الجمهورية السياسي، فمددت يد المساعدة ~~للمصريين البؤساء الذين حطمت في الماضي أغلالهم، والذين عادوا ينوءون بها من ~~جديد، وأحسنت استقبال وكلايهم في باريس. وفي العاصمة سيكون استقبالنا حفلا ~~شرقيا يجدد ذكرى فتح عظيم نلته ثم فقدته. ولا بد أنك تحس إحساسا شديدا بألم ~~ما فقدت، فأمر في معاهدات الصلح العام أن تكون مصر مستقلة تعوض عليك خسارتك ~~ماية مرة. هذه هي أمانينا، وهذا ما أخذنا على أنفسنا ميثاقا به. # عن الوفد المصري # وكيله: نمر أفندي ~~(حاشية) # 10 # أغا الانكشارية # 11 # وعضو الوفد، الذي عرفته أيام أن كنت في القاهرة يرجوني أن أعيد لك ذكره ما ~~شرفته به من عطفك عليه. # ن . أ. # الملحق الرابع # 12 # من نمر أفندي لوزير الخارجية الفرنسية (تاليران) # سينزل في مرافي الجمهورية الفرنسية عدد غير قليل من مهاجرين شرقيين تركوا بلادهم ~~مع ذلك الجزء من جيش الشرق الذي تم جلاؤه عن مصر. والوفد المصري بالرغم من أنه قد ~~حرم رييسه الجنرال يعقوب الذي مات أثناء السفر، يعلن كل ما يحس به من ولاء وحب ~~للجمهورية الفرنسية، ويرى من واجبه أن يلجأ إليك أيها الوزير لتتفضل وتضعه هو ~~وهؤلاء المهاجرين في كنفك، وتقول له كما يقول بدوي الصحراء لضيفه: «كن في أرضك». # 13 # كان لويس الرابع عشر يعمل في الظاهر لضم كنيسة الحبشة للكنيسة الرومانية، ولكنه ~~كان يسعى في الواقع لمد نفوذه السياسي نحو أقاليم أفريقيا الوسطى الجذابة الخفية، ~~فبذل جهودا عديدة غير مثمرة ليعلم في فرنسا شبانا من المصريين، وعلى الأخص من ~~القبط، فإن بطريرك هؤلاء هو في الواقع بابا الأحباش. لم ينجح الملك في سعيه هذا. ~~واليوم نرى الجمهورية الفرنسية تحت حكم القنصل الأول تحقق دون عناء ما عجزت عن ~~تحقيقه - اللهم إلا الجزء الضييل منه - الملكية الفرنسية المطلقة، وقد بلغت منتهى ~~القوة الاستبدادية. هذا والوفد المصري الذي ينوب ms33 عن الأمة المصرية لدى الحكومة ~~الفرنسية يمثل وحده كل ما يجول في نفوس مفوضية العديدين من شعور بصالح الجماعة، وما ~~يملأ أفيدتهم من أمان وما يملكون من أصالة تدبير ونفوذ وثروة ويعبر عما أجمعوا عليه ~~من رغبتين: الأولى، سحق القوة الغشوم التي تستبد بهم من جديد. الثانية، وضع أملهم ~~في فرنسا، اعتقادا منهم أن مصلحة الجمهورية الفرنسية ذاتها تقضي عليها أن لا تخيب ~~أملهم. نتقدم إليك إذن أيها الوزير برأي: تكبدت فرنسا في الشرق خسارة عظيمة، لم لا ~~تتخذ من هذا الوفد وسيلة لتعوض ما فقدته؟ إنك إن تفضلت فدعوت الوفد لباريس قبل ~~توقيع الاتفاق التمهيدي مع إنجلترا فإنا نستطيع أن نؤكد لك أن فرنسا تحتفظ للأبد ~~بنفوذها السياسي في الشرق، وتدرأ عنه ما قد يفقدها إياه زمنا طويلا من أثر الجلاء ~~عن مصر، وما آل إليه أمرها الآن ، وسعي الدول التي تخشى بحق علو كلمة فرنسا. بل ~~نستطيع أن نؤكد أكثر من ذلك. نستطيع أن نؤكد أن فرنسا إذا أرادت يمكنها بواسطة أمة ~~- لن تكون إلا موالية لها - مد نفوذها نحو أواسط أفريقيا. وهكذا يتحول ترككم مصر ~~للإنجليز من حادث نحس إلى منبع مجد للقنصل الأول، ورفاهية لأقاليم فرنسا ~~الجنوبية. # ولا يرى الوفد المصري في الوقت الحاضر فايدة في الإسهاب، فهو يستطيع في جلسة ~~واحدة في باريس أن يبين عن مقاصده ما لا يستطيع في عشرين مذكرة سياسية. ونحن العرب ~~نقدر في الكلام على ما نشاء وإن كنا في الكتابة لا نبلغ إلا جهد المقل. هذا إلى ~~أننا غير غافلين عما توجبه علينا كثرة شواغلك السياسية من الإجمال في الرسايل. ~~ونرجو التفضل بالرد على كتابنا هذا، وأن تسمح لنا إن تفضلت باستقبالنا في باريس أن ~~تقابلنا بزينا الشرقي. فالمسلمون منا يشق عليهم خلع زيهم. وفضلا عن هذا، هذه ~~الأزياء الشرقية قد تذكر القنصل الأول بفتوحه وراء البحار، وترضي المستطلعين ممن ~~لم يتبعوه للشرق. # والوفد المصري يعلم أن وقت القنصل الأول الذي تصدر عن إرادته أمور الحكم حتى في ~~جزيياتها، ms34 وتستظل الدولة في ظله الظليل، أثمن من أن يصرفه في التفكه بقراءة ما يرد ~~إليه من الرسايل الخاصة، ولكننا نرجو أن يقدر أن وفدنا جديد في بابه، وأنه يصل إلى ~~فرنسا في ظروف خاصة، وإن كتابنا له # 14 # المرفق بهذا له ما له من أهمية فيتنزل لتسلمه منا، ويتأمله بحكمته ~~البعيدة الغور. # نفس التاريخ كالملحق السابق ms35