######OpenITI# #META# URI: 1380TahaHashimi.KhalidIbnWalid.Hindawi79269090 #META# Tags: biographies #META# ID: 79269090 #META# Title: خالد بن الوليد #META# AuthorID: 75130574 #META# Author: طه الهاشمي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الدرس الخالد‏ # خالد القائد‏ # أسباب الحروب‏ # الدرس الخالد‏ # خالد القائد‏ # أسباب الحروب‏ # | خالد بن الوليد # | خالد بن الوليد # تأليف # طه الهاشمي # | الدرس الخالد # جدير بالضباط أن يدرسوا حركات خالد بن الوليد في حروب الردة، أو في ~~فتح العراق، أو فتح سورية، ومن الواضح أنهم سيطلعون على الأسس ~~القويمة التي كان يسير عليها ويرون فيها تنفيذ مبادئ الحرب التي لا ~~تزال مرعية حتى يومنا هذا. # | خالد القائد # يعد خالد بن الوليد من أكبر قادة العرب في عهد الفتوح الأولى، ~~وهو بلا منازع من أفذاذ الرجال الذين حالفهم النصر وأيدهم الظفر في ~~المعامع والحروب بلا استثناء. # ولم يذكر قط له التاريخ وقفة خسر فيها المعركة وهو قائدها، حتى في ~~معركة مؤتة التي وقعت في السنة الثانية للهجرة في شرقي الأردن بين ~~الطفيلة والكرك، أنقذ خالد المسلمين ببطولته وإقدامه، برغم تفوق ~~الأعداء الأكيد وموت الذين تولوا القيادة على التعاقب عملا بوصايا ~~الرسول. # وفي غزوة أحد كان خالد يقود خيالة قريش، فبقي في الميمنة يشاغل ~~ربيئة المسلمين الموفدة لحماية الميسرة بالهجوم عليها من حين إلى آخر، ~~ويراقب سير القتال بين المسلمين وقريش، إلى أن رأى ربيئة المسلمين ~~تركت موضعها وسارعت للاشتراك في الغنيمة، فهجم بخيالته ملتفا وراء ~~المسلمين، وقاطعا عليهم خط الرجعة، فقلب نصر المسلمين إلى انكسار ~~انتهى إلى انهزام المسلمين وجرح الرسول. # قلنا: من الوقائع التي اشترك فيها خالد بن الوليد في عهد إشراكه ~~وإسلامه، أن تلك الوقائع جميعا انتهت إلى النصر المبين، ومما لا شك ~~فيه أن خالدا من أقدر قواد العرب على القيادة، فجدير بالضباط أن ~~يدرسوا حركاته في حروب الردة، أو في فتح العراق، أو فتح سورية، ومن ~~الواضح أنهم سيطلعون على الأسس القويمة التي كان يسير عليها ويرون ~~فيها تنفيذ مبادئ الحرب التي لا تزال مرعية حتى يومنا هذا. # ولقد قال خالد قبل وفاته إنه شهد مائة زحف أو زهاءها، وما في بدنه ~~موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، ولا نبالغ إذا قلنا إنه خرج من تلك ~~الزحوف ms01 بأجمعها غالبا منصورا. ~~(1) مصادر البحث # من العسير جدا البحث في أخبار الفتوح الأولى بحثا يمكننا من ~~الاطلاع على الخطط العسكرية والأسباب التي أدت إلى وضعها ~~والنتائج التي أسفرت عنها الحركات؛ ذلك لأن القصاصين أو مدوني ~~السير والمغازي أو مؤرخي الفتوح ليسوا من أبناء الجيل الفاتح؛ ~~فقد دونوا الأخبار بالسماع أو نقلا بالإسناد، وقد نراهم غير ~~متفقين في تدوينهم الأخبار على التاريخ والمكان اللذين وقعت ~~فيهما المعركة، ولا على مقدار القوة التي اشتركت فيها، ومن المعارك ~~ما لم يتفق المؤرخون على زمن وقوعها، والحقيقة أن التاريخ العسكري ~~يثبت المعارك التي جرت قبل الميلاد بمقدماتها ونتائجها وتفاصيلها، ~~وقد يستخرج منها الباحث الأسس الحربية دون عناء. # فالمعارك التي نشبت بين الجيش المكدوني بقيادة الإسكندر والجيش ~~الفارسي في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، تم تدوينها بصورة ~~أقرب إلى الصحة من الوقائع التي نحن بصددها. # أما المعارك التي جرت بين الجيوش الرومانية وجيوش الأقوام ~~المهاجرة، والقتال الذي نشب بين القياصرة والقواد المطالبين ~~بالعرش، فأخبارها مفصلة في كتب التاريخ إلى حد أن الباحث فيها ~~لا يرى مشقة في استقصاء الحوادث. # فمعركة «كانية» التي نشبت سنة 216 قبل الميلاد بين الجيش ~~القرطاجني بقيادة هنبال والجيش الروماني، كانت ولا تزال مثالا ~~ينسج القادة العظام على منواله تعبئة الجيش في ميدان المعركة، وهي ~~بلا منازع معركة نموذجية تتوق نفس كل قائد إلى تقليدها. # والسبب في تدوين أخبار هذه المعركة تدوينا صحيحا، مع أنها نشبت ~~قبل الفتوح العربية بعدة قرون، هو أن المؤرخين الذين أثبتوا ~~أخبارها، إما أنهم اشتركوا فيها فعلا، وإما أنهم قادوها بأنفسهم، ~~وإما أنهم عاشوا في زمن وقوعها؛ فالقائد زينوفون اليوناني الذي قاد ~~العشرة الآلاف من بلاد بابل إلى بلاد اليونان راجعا بهم إلى بلاده ~~سجل حوادث تلك الرجعة في كتابه «الزحف» (أناباسيس)، وهذا الكتاب ~~لا يزال مرجع ثقة الباحثين العسكريين، وكذلك سجل يوليوس قيصر ~~أخبار فتوحه في بلاد جرمانية في كتاب «الحروب الغالية». # أما المؤرخون العرب الأولون فلم يدونوا أخبار الغزوات ~~النبوية وحروب الردة والفتوح التي ms02 تمت في النصف الأول من القرن ~~الهجري إلا بعد انقضاء جيلين على أقل تقدير. # وأول من جمع الوثائق الباحثة في الغزوات والفتوح الأولى عروة بن ~~الزبير، المتوفى سنة 94 هجرية؛ فإن عروة جمع تلك الوثائق في عهد ~~الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان؛ أي بعد وفاة الرسول بستين سنة، ~~ودونها دون إسناد. ويلي عروة في التدوين ابن إسحاق، المتوفى ~~سنة 151 هجرية، مقتبسا معلوماته من عروة. أما ابن هشام المؤرخ ~~للسير النبوية، فاستقى أخباره من ابن إسحاق، مع أنه توفي بعده ~~بقرن ونصف قرن؛ أي سنة 213 هجرية. ويأتي بعده ابن سعد الواقدي ~~الباحث في حروب الردة، والمدون للفتوح العربية في العراق وفي ~~سورية، وتوفي سنة 230 هجرية، بعد أن عاش 62 سنة، ويليه المؤرخ ~~المشهور الطبري، وهو بلا منازع أول مؤرخ عربي أثبت الأخبار ~~التاريخية بطريقة علمية. وتوفي في سنة 310 هجرية بعد الفتوح ~~العربية الأولى بقرنين ونصف قرن على أقل تقدير. # والحقيقة أن كتاب تاريخ الطبري هو العمدة في استقصاء أخبار ~~الفتوح العربية، وهو المرجع الأول والأخير. وهكذا يتضح لك أن رواة ~~الفتوح أو مؤرخيها لم يشتركوا في وقائع الفتوح، أو أنهم لم ~~يعاصروا أولئك الفاتحين؛ بل إنهم دونوا أخبارها سماعا أو نقلا ~~بعد مرور مدة غير يسيرة على الفتوح، وكان لزاما أن تأتي الأخبار ~~ناقصة ومشوشة ومتناقضة، حتى أمسى الباحث فيها لا يهتدي إلى استنباط ~~بعض الحقائق إلا بشق النفس. والذي يزيد البحث إشكالا كثرة ~~الرواة الذين استند إليهم المؤرخون في تدوين الأخبار، وأنت تراهم ~~يسخون برواية غثها ويبخلون بسمينها. # وثمة تناقض بين أخبار الرواة المنتمين إلى الديوان الحجازي ~~والرواة المنتمين إلى الديوان العراقي، وكذلك نجد تناقضا في ~~الروايات التي ينقلها المضري والربيعي واليماني والقيسي؛ لأن كلا ~~من هؤلاء حاول أن ينسب مفخرة الموقعة إلى قبيلته، وقد يكون غير ~~مشترك. ~~(2) دار الحركات # إن الساحة التي جرت فيها الحركات تمتد من سواحل البحر الأحمر في ~~الحجاز، وتنتهي في أرض الدهناء التي تفصل بين مقاطعة الحسا ~~ومقاطعتي العارض والسدير، ms03 وهذه الساحة تتناول شمالي الحجاز وجبل ~~شمر وبلاد نجد. # والأرض التي تتكون منها هذه الساحة صحراوية الوصف على العموم، ~~والمياه فيها قليلة والغابات لا أثر لها فيها، وتتخللها واحات ~~نبتت فيها أشجار النخيل وبعض أشجار الفاكهة، وقد تكونت في ~~المنخفضات التي تنصرف إليها مياه الأمطار بسهولة؛ حيث تكثر الآبار ~~الضحلة، وتقطع الوديان هذه الساحة، وتكاد تبدأ جميعا من هضبة نجد ~~المرتفعة فتجري في جهات مختلفة، ويصب بعضها في البحر الأحمر، ~~والبعض الآخر في خليج فارس أو في جهة الربع الخالي، والوديان يابسة ~~على العموم، وهي ضيقة ووعرة عند اجتيازها المناطق الجبلية، وعريضة ~~سهلة عند مرورها بالبادية. # وينبت في بعض أنحائها شجر الأثل والشوك والطلح وغير ذلك من ~~الأشجار التي تتحمل العطش، وعندما تنزل الأمطار تجري إليها ~~المياه من كل جانب، فتغطي الوديان سيول المياه الجارفة الجارية ~~بسرعة، وتصب إما في البحر وإما في الأنفدة الرملية. # والجبال في المنطقة التي جرت فيها الحركات قليلة، وهي لا تتعدى ~~سلسلة طويق في نجد تمتد من الشمال إلى الجنوب في جبلين متوازيين، ~~ويشرف الجبل الغربي على رمال الدهناء الواقعة بين خليج فارس ونجد، ~~والسلسلة جرداء، لا نبت ولا ماء. وفي القسم الجنوبي من منطقة ~~العارض يفصل وادي حنيفة هذين الجبلين أحدهما عن الآخر، فيجري أولا ~~من الشمال إلى الجنوب بعد أن تصب فيه عدة شعب من الشرق والغرب، ~~وفي جنوبي الرياض يغير مجراه إلى الجنوب الشرقي فيصب في رمال ~~الأحقاف. # وما عدا سلسلة طويق نجد سلسلتين أخريين في منطقة جبل شمر، ~~وهما: جبل أجأ وجبل سلمى، وهما موازيان يفصل أحدهما عن الآخر وادي ~~الفسن، ويمتد كلا الجبلين من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي، ~~وجبل أجأ باتصاله بالجبال المنفردة الواقعة في جنوب غربية يكون ~~سلسلة طويلة تمتد إلى حرة خيبر في الحجاز. # والسلسلتان حجريتان ارتفاعهما من 500 إلى 800 متر، والجبال ~~المتفرقة التي تتشعب من هاتين السلسلتين تحيط بها الكثبان ~~الرملية والبادية الواقعة بين الحجاز، وسلسلة طويق متكونة من ~~هضبة مرتفعة يتفاوت ارتفاعها من 1000 ms04 متر إلى 1500 متر، ويكتنفها ~~بعض الروابي الحجرية المنفردة. وهذه الهضبة تنفصل عن هضبة جبل سمر ~~بوادي الرمة الذي يبدأ من حرة خيبر، ويجري من الغرب إلى الشرق، ~~وبعد أن يسقى بآبار منطقة القصيم الغنية يغير جهته إلى الشمال ~~الشرقي إلى أن يصب في أرض السواد بجوار البصرة. # والوادي هنا أخطر الوديان الواقعة في دار الحركات، وهو يفتح خطوط ~~الحركات بين الحجاز ونجد، وعندما تقطع الوديان وشعابها السلاسل ~~الجبلية تكون العقبات المضائق والمنعطفات التي تنساب فيها ~~الطرق. # والساحة مملوءة بالأنفدة الرملية، والكثير منها يتجه من الشمال ~~إلى الجنوب أو من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي؛ لذلك تعترض ~~الوديان الطرق الممتدة من الغرب إلى الشرق. # ومن جملة العوارض التي تتصف بها دار الحركات الحرات، وهي الأراضي ~~البركانية التي تكتنفها الحجارة الخامدة، وهذه الحرات واقعة إلى ~~شرقي الحجاز وأخطرها حرة خيبر الواقعة في شمال المدينة مسافة بضع ~~مراحل. # والبقاع الآهلة بالسكان في هذه الساحة هي الواحات في بطن الوديان ~~أو في الأرض المنخفضة التي انصرفت إلى بطنها مياه الأمطار وأخطرها ~~واحة المدينة في وسط وادي الحمص، ثم واحة بريدة وعنيزة في وسط وادي ~~الرمة، وواحات العارض الممتدة على طوار وادي حنيفة، ثم واحات ~~السدير وواحة خيبر، وواحات جبل شمر. # وتمتد الطرق في الوديان للاستفادة من المياه المتراكمة فيها في ~~زمن الأمطار من الآبار المحفورة على طوارها، وهذه الطرق تبدأ من ~~المدينة، ومنها ما يتجه شمالا، فبعد أن يمر بخيبر يمتد إلى ~~وسط جبل شمر سالكا السفوح الجنوبية لسلسلة أجأ، ومنها ما يتجه نحو ~~الشمال الشرقي إلى أن يهبط إلى وادي الرمة فيسلكه حتى يصل إلى ~~واحات نجد الغنية، ولا سبيل إلى السير على خارج الطرق لوعورة الأرض ~~وندرة الماء فيها. # | أسباب الحروب # مات رسول الله والإسلام لم يتمكن من قلوب جميع العرب الساكنين في ~~الجزيرة، وادعى بعض الرؤساء النبوة في آخر أيام الرسول، وارتد ~~الكثير من العرب بعد وفاته. # والثابت أن الذين تمكن الإسلام من قلوبهم ولم يتزعزع إيمانهم هم ~~المهاجرون والأنصار ms05 وقريش وثقيف والقبائل الساكنة بين المسجدين ~~(المدينة ومكة) على ما يذكره الطبري. # ولم يكن تأثير الردة في القبائل على نمط واحد؛ بل كان الأثر يختلف ~~باختلاف العوامل، وهي تتلخص فيما يلي: ~~(أ) # قرب المنطقة التي تسكنها القبيلة من المدينة أو ~~بعدها. ~~(ب) # علاقة القبيلة بالمدينة. ~~(ج) # قرب عهد القبيلة بالإسلام أو بعده. # ولقد ناقش المستشرق الطلياني لئونه كاتياني هذه العوامل في كتابه ~~«تاريخ الإسلام»، فصنف العرب حيث علاقتهم بحروب الردة إلى خمسة ~~أصناف؛ فوضع في الصنف الأول القبائل التي أسلمت منذ مدة طويلة وخضعت ~~لسلطة المدينة خضوعا تاما، وهي القبائل التي تسكن بالقرب من المدينة ~~ومكة وفيما بينهما؛ كجهينة ومزينة وبلي وأشجع وأسلم وهذيل وخزاعة ~~وغيرها. # ووضع في الصنف الثاني القبائل التي تعاقدت مع الرسول واشتركت في ~~المدة الأخيرة في حروبه، وقد كان فيها، على إسلامها، أقلية مختلفة ~~تنتهز الفرص للتملص من سلطة المدينة، ومن هذه القبائل هوازن وعامر بن ~~صعصعة وطيء وسليم وجثعم. # ووضع في الصنف الثالث القبائل الساكنة على حدود المملكة الإسلامية، ~~فخضعت هذه القبائل سياسيا لسلطة المدينة، ودفعت الصدقات إلى الرسول، ~~وفيها أكثرية تتحين الفرص للرجوع إلى حالتها القديمة، ومن أخطر هذه ~~القبائل بنو أسد وبنو غطفان وبنو تميم الساكنون في مناطق نجد ~~الغنية. # ووضع في الصنف الرابع القبائل التي لم تخضع لسلطة المدينة؛ بل اكتفت ~~بإرسال الوفود إلى الرسول وتظاهرت بالخضوع له، فيها أقلية مسلمة ضئيلة ~~تستند إلى قوة المسلمين في المدينة للاحتفاظ بمنزلتها، ومن أخطر هذه ~~القبائل بنو حنيفة وعبد القيس وأزد عمان، وأكثر قبائل حضرموت واليمن. ~~وأوفد الرسول إليها عمالا ليمثلوا الإسلام وليعلموا المسلمين أمور ~~الدين. # أما القبائل التي وضعها في الصنف الخامس فهي القبائل التي لم تسلم ~~وكانت نصرانية أو مشركة، وهي القبائل الساكنة في الشمال كبني كلب وبني ~~تغلب وبني غسان وقضاعة وتنوخ وبني بكر وبعض القبائل في حضرموت ~~واليمن. # ولكني لا أجاري المؤرخ الطلياني في تصنيفه هذا؛ بل من الثابت أن ~~تأثير الإسلام في القبائل العربية كان يختلف باختلاف العوامل التي ms06 ~~ذكرناها قبلا. والواقع أن الرسول لم يمت إلا وقد ظهرت حركة الردة في ~~القبائل، فمنها من طلب إعفاءه من إعطاء الزكاة، ومنها من امتنع من ~~إعطائها، ومنها من قدم رجلا وأخر أخرى في ذلك، فأمسك عن الصدقة، ~~وأخيرا منها من ارتد وطرد عمال الرسول، أو قتل المسلمين ومثل ~~بهم. # وكان الرسول في حياته قد حرض عماله في اليمن على مقاتلة الأسود ~~العنسي الذي ادعى النبوة، واستولى على أكثر مقاطعات اليمن. # أما أبو بكر فرد الوفود التي أتت إلى المدينة وطلبت منه أن ~~يعفيها من إعطاء الزكاة، وقال كلمته المشهورة: # والله لو منعوني عقال بعير لقاتلتهم عليه. # ولما وردت الكتب من أمراء الرسول تنبأ أبو بكر بأن الناس ارتدوا ~~عامة وخاصة، وأنهم تبسطوا بالتمثيل فحاربهم. ~~(1) قوات الفريقين # أهل الردة # إذا استقصينا الأخبار التي رواها الرواة توصلنا إلى ~~النتائج التالية: # أولا: # لم ترتد القبائل الساكنة إلى شرقي مكة ~~وغربيها وجنوبيها؛ بل ظلت على الحياد غير ~~ميالة إلى أحد الفريقين، وهي قبائل كنانة ~~وأزد وبجيلة وجثعم وعك وأشعر وحكم ~~وغيرها. # ثانيا: # تأثر بحوادث الردة القبائل الساكنة إلى ~~شمال شرقي مكة كهوازن وعامر بن صعصعة وجديلة، ~~أما بنو سليم فقد ارتد الكثير منهم، بيد ~~أن هذه القبائل جميعا لم تشهر سلاحها في ~~وجه المسلمين. # ثالثا: # أما قبائل طيء فإنها لم تقرر إلى أي جانب ~~تميل، ومع ذلك فإن قسما قليلا منها انضم إلى ~~جيش طلحة الأسدي مدة قصيرة. # رابعا: # وأما قبائل قضاعة الساكنة إلى شمال المدينة ~~فإنها شهرت سلاحها على المسلمين. # ومع ذلك لا يصح أن يقال: إن هذه القبائل جميعا ساعدت أهل ~~الردة الذين ثاروا في وسط الجزيرة؛ بل إن بعضها ظل في ~~منطقته، إما على الحياد، وإما مترددا لا يحرك ساكنا، وإما ~~أنه طرد العمال الموفدين من المدينة في عهد الرسول. # لذلك لا يجوز اعتبار هذه القبائل من القبائل الساكنة في وسط ~~الجزيرة التي حشدت رجالها وأغارت على ضواحي المدينة، أو أنها ~~تأهبت لمنازلة جيش المسلمين. # أما القبائل التي اشتركت في حروب ms07 الردة فعلا، فإليك ~~بيانها: ~~(1) # بنو فزارة وبنو غطفان الساكنون إلى شرقي ~~المدينة، وطلبوا من أبي بكر أن يعفيهم من ~~الزكاة، ولما لم يجب طلبهم رجعوا فجمعوا ~~رجالهم وتأهبوا لمباغتة المدينة. ~~(2) # بنو أسد الساكنون على منتصف الطريق التي بين ~~الحجاز ونجد إلى جنوبي جبل شمر، ويزعم الرواة أن ~~طليحة بن خويلد الأسدي ادعى النبوة في حياة ~~الرسول وجمع رجاله في السميراء. # ولما توفي الرسول وامتنعت القبائل من إيتاء ~~الزكاة سعى إلى جمع القبائل حوله واقترح عيينة بن ~~حصن الفزاري ترك المنازعات بين بني أسد وبني غطفان ~~وعقد حلف بين بني فزارة وبني غطفان وبني ~~أسد. # لبى بنو فزارة هذه الدعوة واتحدوا مع بني أسد، ~~وكذلك البعض من بطون طيء أيضا انضم إلى طليحة حتى ~~إن رئيس جديلة بن طيء، ثمامة بن أوس، جمع خمسمائة ~~رجل وانضم إلى بني أسد. ~~(3) # بنو تميم الساكنون في نجد في منطقة القصيم: ~~وتتألف هذه القبيلة من عدة بطون، ولما بلغها ~~نعي الرسول امتنع أكثر بطونها عن أداة الزكاة، ~~وكان الاختلاف قد دب فيها بينها، ولما ظهرت سجاح ~~من شمال الجزيرة بجموعها من تغلب مدعية ~~النبوة، ودخلت حتى بني تميم؛ لأنها كانت تمت ~~إليهم بنسب، التف حولها بعض من تميم وعلى رأسه ~~مالك بن نويرة، ويزعم الراوي سيف بن عمر أنها ~~كلفت مالكا بالمسير معها نحو المدينة للهجوم ~~على أبي بكر، وكان البعض من بطون بني تميم لم ~~يرتد فالتجأ إليه المسلمون الهاربون من البطون ~~الأخرى، فقاتل سجاح ومن معها من بني تميم، ومنعها ~~من التقدم نحو المدينة. والرواة يزعمون أنه ~~انتصر عليها وعلى حلفائها من بني تميم وألجأها إلى ~~مغادرة ديار بني تميم، والذهاب إلى مسيلمة ~~الكذاب. ~~(4) # بنو حنيفة الساكنون في اليمامة: ادعى رئيس هذه ~~القبيلة مسيلمة النبوة، فآمن بنبوته جميع بني ~~حنيفة، ويظهر أن دعوة الإسلام لم تنتشر فيها وكان ~~معظمها مشركا. فلما ادعى مسيلمة بالنبوة آمن ~~بنبوته. وهي ولا ريب من أخطر القبائل التي اشتركت ~~في حروب الردة وقاتلت المسلمين قتالا عنيفا، ~~وذاق المسلمون ms08 الأمرين في حروبها. ويزعم ~~الراوي سيف بن عمر أن جيش بني حنيفة المحارب بلغ ~~الأربعين ألفا. # ومن العسير معرفة قوات هذه القبائل التي اشتركت في المعارك، ~~والواضح أن قبائل غطفان وفزارة التي حاولت مباغتة المدينة حتى ~~اضطر أبو بكر إلى مقاتلتها كانت دون القبائل شأنا، ولعل ~~القوات التي جهزتها لم تزد على ألفي رجل. # أما القوة التي استطاع طليحة أن يجهزها ويقاتل بها جيش ~~المسلمين، فكانت تربو على أربعة آلاف مقاتل، وانضم خمسمائة ~~رجل من قبيلة طيء وسبعمائة فارس بقيادة رئيس بني فزارة عيينة ~~بن حصن. # أما بنو تميم فلو اتفقت بطونها وقابلت جيوش المسلمين لبلغت ~~قوتها زهاء عشرة آلاف مقاتل، غير أنها لم تتفق فيما بينها؛ ~~بل حارب بعضها بعضا، ولما وصل خالد بن الوليد بجيشه إلى ديار ~~بني تميم كانت البطون قد تفرقت. # أما بنو حنيفة فكان جيشهم من أقوى الجيوش التي حاربت ~~المسلمين، ومع أن سيفا يزعم أن قوتهم بلغت أربعين ألفا، ~~بيد أننا لا نميل إلى اعتقاد صحة روايته، ولعل قوة جيش بني ~~حنيفة لم تزد عن خمسة عشر ألف مقاتل. # والذي جعل الرواة يبالغون في تقدير جيش بني حنيفة، هو وعورة ~~المنطقة التي حارب فيها المسلمون، والحقيقة أن أرض اليمامة ~~أرض وعرة، فيها وديان وشعاب وجبال وعقبات وثنايا، والذي زاد ~~في مناعة الأرض القرى المحصنة بالأسوار والحدائق المسورة ~~بالأحجار المكدسة شأن الكثير من قرى العارض والسدير في بلاد ~~نجد. # المسلمون # جهز الرسول جيش أسامة قبل وفاته بمدة قليلة، وكان يقصد ~~إيفاده إلى الشمال، واجتمع في الجرف في شمالي المدينة، ولما ~~علم بمرض الرسول أجل حركته. # وبعد وفاته أوفده أبو بكر لينفذ الخطة التي رسمها له ~~الرسول في حياته ونصح بعض الصحابة أبا بكر أن يبقيه لكي ~~يعتز به الإسلام، وأراد بعضهم تبديل قائده، بيد أن ~~الخليفة لم يجب طلبهم ولم يرض أن يبدل ما قرره الرسول، ~~وليس لدينا معلومات موثوق بها عن قوة هذا الجيش؛ لأن المؤرخين ~~القدماء جريا على عادتهم بحثوا في قائده والأوامر ms09 الصادرة ~~إليه والغاية المتوخاة من إيفاده وغير ذلك، ولم يذكروا مقدار ~~قوته. # وإذا تأملنا في سبب إيفاده ظهر لنا أن قوته يجب أن تكون ~~كافية، وسبق أن جهز الرسول جيشين لهذه الغاية ذاتها ~~وهما: # جيش جعفر بن أبي طالب الذي قاتل الروم في البلقاء في وقعة ~~مؤتة، وكانت قوته ثلاثة آلاف مقاتل، والجيش الذي قاده الرسول ~~بنفسه ليغزو به تبوك، وقد بالغ المؤرخون في قوته، وزعموا أنه ~~بلغ ثلاثين ألفا. # أما جيش أسامة فهو الجيش الثالث، ونعتقد أن قوته يجب ألا ~~تقل عن خمسة آلاف. # وكان المهاجرون والأنصار نواة هذا الجيش؛ فالمهاجرون ~~والأنصار عماد الجيش الإسلامي، وهم كالحرس الذي كان يؤلفه ~~الملوك للاعتزاز به في تنفيذ خططهم إصلاحية كانت أم ~~حربية. # واشترك هؤلاء في غزوات الرسول وحروبه من أولها إلى آخرها، ~~وكانوا يؤثرون النبي على أنفسهم في جميع أعمالهم، فكان الإسلام ~~متمكنا من قلوبهم، ولا غرو إذا رأينا الإسلام يقوم على ~~سواعدهم بعد وفاة الرسول، ولعل عددهم كان يتفاوت بين الألف ~~والخمسمائة وبين الألفين لما توفي النبي. # وكان أكثرهم في جيش أسامة ما عدا البعض منهم، فإنه بقي في ~~المدينة مع أبي بكر، أو أوفد في حياة الرسول عاملا أو ~~معلما أو مبشرا إلى الأقطار العربية النائية أو جابيا ~~أو معلما إلى القبائل العربية القريبة. # ويلي المهاجرين والأنصار قريش التي أسلمت بعد فتح مكة وأبلت ~~بلاء حسنا في الإسلام بعد ذلك. أجل إنها لبت الدعوة أخيرا ~~وقسرا، إلا أنها اقتنعت أن عز الإسلام من عزها ~~فناصرت الرسول في حياته من أعماق قلبها، حتى إن الرسول بعد فتح ~~مكة رضي أن يظل البعض من قريش مشركا حتى يفتح الله قلبه. ~~ومع ذلك لم يحجم هذا البعض عن الجهاد معه في غزوة صفين أو في ~~محاصرة الطائف، ولعل القوة التي كانت قريش تستطيع أن تجهزها ~~للقتال زادت على ألفي مقاتل على أقل تقدير، ويلي قريشا ~~القبائل الساكنة بين الحرمين، مكة والمدينة، وهي التي ناصرت ~~الرسول في دعوته، وقد اشترك بعضها في الغزوات ms10 وجاهدت أخيرا ~~في حروب الرسول فقربت هذه الحروب بينها وبين المهاجرين ~~والأنصار وربطتها برباط متين. # فلا مندوحة إذن من أن نرى أبا بكر يدعوها إلى الجهاد لما ~~كان جيش أسامة بعيدا عن المدينة، فلبت دعوته راغبة مطيعة، ~~وهذه القبائل هي: أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب ~~وغيرها. # ولعل القوة المحاربة في هذه القبائل لم تزد على ثلاثة آلاف، ~~وتليها قبيلة بني ثقيف الساكنة بين مكة والطائف، وهي خير من ~~أسلم من قبائل الحجاز، واشتهرت بشدة مراسها وصلابة عودها، ~~وكانت تعتز بعاصمتها الطائف المسورة، ولم ترتد ثقيف على ما سبق ~~ذكره، بل بقيت متمسكة بالإسلام، وكانت قوتها المحاربة تقدر ~~بأكثر من ألفي مقاتل. # هذه خلاصة القوات التي كان الخليفة يعتمد عليها في محاربته ~~أهل الردة، وقد ظهر لك أنها كانت تبلغ عشرة آلاف متى تيسر ~~جمعها، والواضح أن جيش أسامة بن زيد كان مؤلفا من معظم ~~المهاجرين والأنصار وبعض رجال القبائل، وذلك لما كان أسامة ~~بعيدا عن المدينة؛ إذ أخذت القبائل المرتدة الواقعة إلى شرقي ~~المدينة تهددها. # ولعل من الفائدة أن نذكر بهذا الصدد مقدار القوات التي ~~استطاع الرسول أن يجمعها في حروبه. # كانت قوة المسلمين في غزوة بدر لا تزيد على ثلاثمائة رجل، ~~أما في غزوة أحد فكانت زهاء الألف، وفي غزوة الخندق بلغت ~~ثلاثة آلاف. # أما في فتح مكة إذ ظهرت سطوة الإسلام وقويت شوكة المسلمين ~~فكان جيش المسلمين عشرة آلاف؛ نواته المهاجرون والأنصار، ~~وقوامه رجال القبائل الضاربة إلى شرقي المدينة وشماليها ~~وجنوبيها. # ويزعم الرواة أن جيش الرسول بلغ ثلاثين ألفا في غزوة تبوك، ~~كان عشرون ألفا منه رجالا وعشرة آلاف فرسانا، أجل إن الموقف ~~العسكري كان ملائما لمبادرة رجال القبائل إلى الالتفاف حول ~~راية الإسلام للهجوم على بلاد الشام وهي المشهورة بخيراتها، ~~وذلك يجعل جيش المسلمين يصل إلى حده الأقصى، إلا أننا لا ~~نظن أنه بلغ القوة التي ذكرها الرواة، ولعلها بلغت أكثر من ~~خمسة عشر ألفا. # ولما امتنعت القبائل العربية عن أداء الزكاة، وارتد البعض ~~منها لم ms11 يكن في وسع الخليفة أن يجمع كل القوات التي يستطيع ~~أن يعتمد عليها على ما سبق بيانه؛ لأن جيش أسامة كان في ~~الشمال، وفيه نخبة الجنود المجاهدين، أما قريش وثقيف فكانتا ~~بعيدتين عن دار الحركات؛ لذلك دعا أبو بكر القبائل الضاربة بين ~~المدينة ومكة أولا، ولما رجع جيش أسامة استنجد به، ثم أخذ ~~رجال قريش وبعض ثقيف ينضمون إلى الحملات. # ومن الثابت أن قوة المسلمين كانت جد ضعيفة لما تأهب بنو ~~غطفان وفزارة للهجوم على المدينة، ولعلها لم تجاوز بضع ~~مئات. ~~(2) أسلوب القتال # من الخطأ القول بأن ليس للعرب أسلوب في القتال قبل الإسلام، فإن ~~من تتبع أخبارهم في الجاهلية اتضح له أن للقوم مبادئ يسيرون ~~عليها في قتالهم، وكانت هذه المبادئ ملائمة لاستعمال سلاحهم ~~ومنطبقة على البيئة التي يقاتلون فيها. # أجل، إن العرب لم تقاتل بالجموع التي كان يقاتل بها الفرس أو ~~الروم الذين كانت جيوشهم كبيرة قد تربو على المائة ألف في بعض ~~المعارك، وجيش بهذه القوة يحتاج إلى تنظيم لسوقه قبل المعركة ~~وتعبئته فيها. فجيش أولئك الأعاجم كان ينقسم إلى راجلين وفرسان ~~وإلى طاعنين وضاربين ورماة، وكانت الفيلة عند الفرس والعجلات ~~الحربية عند الروم تقوم مقام الأسلحة الثقيلة كالدبابات والمدافع ~~الضخمة في يومنا هذا. # فنظام القتال عند اليونان كان مستندا إلى «الفيلق» (الفلانكس)، ~~وهو وحدة تعبيرية يبلغ متوسط قوتها 4000 مقاتل، يصطف الجنود فيها ~~على ستة عشر صفا، طول كل صف 256 مقاتلا، والجنود في «الفيلق» ~~(الفلانكس) من المشاة مسلحون بالرمح والسيف والحربة والمغفر ~~والدرع والترس، ويتكون «الفيلق» من القلب ويقف في الخط الثاني الذي ~~يسبقه الخط الأول المؤلف من الرماة، ويليه الخط الثالث، وتقف ~~الخيالة في الميمنة والميسرة لحماية الأجناب. # ويتألف الجيش عادة من أربعة «فيالق» (فلانكسات) متى تيسرت ~~القوة فيه. فتقف «الفيالق» جنبا إلى جنب، وبينها فاصلات صغيرة ~~تتراوح بين عشرين أو أربعين خطوة. # وكان هذا النظام لا يصلح للقتال إلا في الأرض السهلة المنبسطة، ~~والمقدرة على الحركة فيه قليلة، ولا يستطيع تغيير الجبهة متى ms12 اقتضى ~~الموقف ذلك، فضلا عن أنه معرض للخسارة إذا أصيب برمي ~~السهام. # أما نظام القتال عند الرومان فكان مستندا إلى «اللجيون»، وهذا ~~ينقسم إلى الكراديس ومجموعها عادة عشرة، وكانت الكراديس سابقا ~~تعبأ على خطين، كل خمسة منها في نسق وبينها فاصلة جهة كردوس، ~~على أن تقف كراديس الخط الثاني وراء فاصلات الخط الأول. # ثم تطور هذا النظام في عهد يوليوس قيصر، فكان اللجيون يقف على ~~ثلاثة خطوط: في الخط الأول أربعة كراديس، وفي كل من الخطين ~~الباقيين ثلاثة، وتبلغ قوة كل كردوس ألف مقاتل. # وتؤلف الكراديس القلب، ويقف أمامه الرماة الذين يرمون العدو ~~بسهامهم أو بحرابهم قبل الاصطدام، ثم ينسحبون إلى المجنبات، أما ~~الخيالة فتحمي المجنبتين. # وكان نظام الكراديس يفوق نظام «الفيلق» (الفلانكس) في المقدرة ~~على القتال والحركة والسير بسهولة، وكان في استطاعة الكراديس أن ~~ينجد بعضها بعضا. # والجانب في اللجيون قوي بخلاف جانب «الفيلق» (الفلانكس)؛ لأن ~~كراديس الجانب متى غيرت ناصيتها استطاعت أن تقابل العدو الملتف ~~حولها. # وسار الروم أو البيزنطيون في قتالهم على نظام الكراديس؛ فأخبار ~~الفتوح الأولى تدل على أنهم كانوا يعبئون قواتهم كراديس ويحمون ~~مجنبتهم بالميمنة والميسرة. وكانت قوة الجيش تختلف باختلاف عدد ~~اللجيونات وتقف على خط واحد، فإما أن تؤلف القلب فتؤلف الخيالة ~~وحدها الميمنة، وإما أن تؤلف القلب والميسرة والميمنة، وتكون ~~الخيالة على الجانبين. # وإذا كان عدد اللجيونات كثيرا يحتوي القلب عادة على أكثرها، وقد ~~زادت قوة الخيالة على ما كانت عليه في زمن الرومان؛ ذلك لأن ~~الأقوام المتوحشة التي هاجرت من آسيا ودخلت أوروبا باغتت رومية ~~بجيوشها الخيالة الكبيرة، ولما توطنت هذه الأقوام في أوروبا ~~واندمجت في المقاطعات الرومانية وجهزت الجنود لجيوش رومية زاد عدد ~~الخيالة فيها، وأصبح للفارس شأن خطير في القتال. # ولا يختلف نظام القتال عند الفرس عن نظام القتال عند الروم إلا ~~اختلافا يسيرا. والجيش الفارسي على ما يظهر كان منقسما إلى ~~كتائب، والكتيبة تقابل الكردوس وتبلغ قوتها ألف مقاتل، وكان خط ~~القتال فيه ينقسم إلى القلب والميمنة والميسرة، وكانت ms13 كتائب ~~الخيالة تحمي الجانبين على ما هو شائع، وكانت الفيلة تتقدم في ~~جبهة القتال وعلى ظهورها الجنود المسلحون بالحراب والقسي، والذي ~~يلفت النظر أنه كان للرماة شأن خطير في الجيش الفارسي، ولعل المشاة ~~كانوا جميعا مجهزين بالقسي وجد ماهرين في الرماية. # ومن الأساليب التي كان الجيش الفارسي يلجأ إليها في حرج الموقف ~~ربط الرجال بعضهم ببعض بالسلاسل لكي يثبتوا في محلهم مهما كلفهم ~~الأمر. # فإزاء هذه الأنظمة الشائعة بين الدول الكبرى المجاورة لبلاد ~~العرب كان طبيعيا أن يسير العرب على أسلوب معين في ~~قتالهم. # ولم ينزو العرب في عقر دارهم في السنوات التي سبقت الفتوح، ~~والرواة يروون هجوم الحبشة على بلاد اليمن، وتوغلهم فيها بعد ~~انتصارهم على الجيش اليماني، ويشيرون إلى التجاء تبابعة اليمن إلى ~~أكاسرة فارس وطلب النجدة منهم، فخاض الجيش الفارسي عباب البحر على ~~أسطوله ورست سفنه على شواطئ اليمن، وحارب الأحباش وانتصر عليهم ~~وطردهم من اليمن. # والقصاصون ينقلون أخبار المناذرة والغساسنة في حروبهم ~~ومساعدتهم لكسرى أو لقيصر في الحروب الطاحنة التي دارت رحاها بين ~~الفرس والروم، وقد ورد في القرآن الكريم نتف من أخبارها. # أما مؤرخو الرومان فيذكرون انتصار ملك تدمر أذينة على الرومان ~~واعتزاز زوجه الزباء (زينوبيا) بالعاصمة تدمر. # فهذا الاحتكاك المستمر بين العرب والأمم المجاورة لهم والاشتراك ~~في القتال مع الجيوش الأجنبية منجدين أو مستنجدين، والغارات ~~المتوالية على أرض السواد في العراق أو أرض الشام، كل أولئك حمل ~~العرب على اقتباس بعض الأساليب الحربية الشائعة عند الفرس والروم؛ ~~لذلك لا يأخذنا العجب إذا سمعنا أن للمناذرة كتيبتين أو كردوسين: ~~الدوسر والشهباء، وأن بكر بن وائل قاتلت الفرس في يوم ذي قار على ~~تعبئة. # ومن المبادئ الحربية التي كان العرب يتمسكون بها في قتالهم ~~مبدأ المباغتة والمقدرة على الحركة والأمنية. فالمباغتة من أخطر ~~المبادئ التي كانوا يتوخون منها الفوز في جميع خططهم؛ لذلك تدل ~~أخبار أيامهم ووقائعهم في الردة على عنايتهم الزائدة بالاستطلاع، ~~فكانت العيون تسبق حركاتهم، فإما أن يباغتوا عدوهم بأخذه على ~~غرة، أو أن ms14 يكمنوا له فيفاجئوه. # أما مبدأ المقدرة على الحركة فظاهر من سيرهم على ظهور خيلهم أو ~~جمالهم خفافا مسافات بعيدة بسرعة فائقة، وأما عنايتهم بمبدأ ~~الأمنية فمعلوم من إيفادهم الأرصاد والعيون، ووضع الخيالة في ~~المجنبة في القتال، ومراقبة جانب العدو مراقبة مستمرة للهجوم عليه ~~عند سنوح الفرصة. # ومن المحتمل أننا لا نرى في كتب التاريخ مثالا للحركة السريعة ~~التي قام بها خالد بن الوليد حين أمره عمر بنجدة جيش سورية وهو ~~يحارب في العراق، فقطع ابن الوليد البادية بجيش يبلغ عدده تسعة ~~آلاف مقاتل على ظهور الخيل والجمال، وابتدع وسيلة لضمان الماء ~~اللازم لخيله، وذلك عمل يدل على نبوغ نادر، وسنشير إلى ذلك عند ~~البحث في فتح العراق. # وفي غزوة أحد كانت قوة المسلمين ألف رجل تخلف منها ثلاثمائة ~~رجل، وكانت قوة قريش ثلاثة آلاف رجل، فنظر الرسول في كثرة قوة ~~العدو فأخلى المدينة وانسحب إلى شمالها جاعلا جبل أحد خلفه ~~للاستفادة من مناعته ومن وضعه المشرف على ما حوله، ولما لم يكن ~~الجانب الأيسر مسنودا بقوة! وضع فيه مفرزة رماة بقوة خمسين رجلا ~~لحمايته، أما جيش قريش فرتب صفوفه للهجوم بعد أن وضع قوة ~~الخيالة على مجنبته، وكانت تبلغ مائتي رجل، وقدم الرماة في ~~الخط الأول. # وكان خالد على رأس خيالة قريش في الجانب الأول يراقب رماة ~~المسلمين ويشاغلهم ويتحين الفرص للهجوم عليهم؛ لكي يقطع خط ~~الرجعة على المسلمين، وفعلا استطاع ذلك لما سنحت الفرصة فقلب فوز ~~المسلمين إلى انكسار مروع؛ فهذا كله يثبت لنا أن للعرب أسلوبا ~~في القتال، وأن مبدأ المباغتة ومبدأ الأمنية كانا من أخطر المبادئ ~~التي ساروا عليها. # وفي يوم ذي قار نرى بوضوح النظام الذي سار عليه العرب في قتالهم ~~الفرس وهو يؤيد ما ذهبنا إليه. # ولا يخفى أن معركة ذي قار وقعت بين غزوة بدر وغزوة أحد فانتقم ~~فيها العرب من الفرس ونالوا ظفرا حاسما شجعهم على الاستهانة ~~بقوة فارس، وساعدهم على غزو بلاد السوار غزوا متواصلا حتى آل ~~الأمر إلى فتحهم تخوم العراق. ms15 # ويروي لنا صاحب الأغاني أخبار ذلك اليوم بالتفصيل، والواضح من ~~ذلك أن العرب عبئوا قوتهم صفوفا وقسموها إلى كتائب، وجعلوا ~~الظعن في الوراء ليحموه بقلبهم، وكان بمنزلة القاعدة التي يتمون ~~منها الجيوش في يومنا هذا، وتوضع الخطط الحربية لحمايتها. # وأقاموا قوة في الميمنة من بني عجل، وقوة في الميسرة من بني ~~شيبان. # أما القلب فألفته قبائل بني بكر بن وائل، ومن الأساليب التي ~~ساروا عليها أنهم لم يقدموا الصفوف للقتال دفعة واحدة لكيلا ~~تصيبها سهام الفرس فتفتك بها، وكان الفرس، على ما نعلم، ماهرين في ~~الرماية. والحقيقة أن تقديم الصفوف بأجمعها في وقت واحد يجعلها ~~عرضة للسهام دفعة واحدة، بينما البدء بالحركة بكتيبة واحدة يجعل ~~الصفوف الأخرى في مأمن من ضررها، وهذا من الأساليب التي كانت ~~تراعى في هجوم الخيالة على المشاة؛ إذ تبدأ الحملة بخط منتشر ~~ضعيف من الخيالة وتليها الخطوط المنظمة. # فالعرب على ما يظهر جليا دخلت ميدان القتال بنظام لم يكن أقل ~~شأنا من نظام الفرس، وكان من أمره أن هزموهم شر هزيمة، وطاردوهم ~~إلى أرض السوار بعد أن غنموا أحمالهم وأثقالهم. # ولعل الطريق التي سار عليها الرسول # صلى الله عليه وسلم # في غزوة بدر تدل ~~على فكرة التعبئة عند العرب. كانت قوة المسلمين تبلغ ثلاثمائة ~~مقاتل بينهم خيال أو خيالان فقط، بينما كانت قوة قريش تربو ~~على الألف وفيها مائة خيال. # وكان القصد من هذه الغزوة مباغتة قافلة قريش عند عودتها من الشام ~~إلى مكة، ولما وصلت قوة المسلمين إلى مياه بدر علمت من الأسرى أن ~~قريشا أنجدت القافلة بقوة كبيرة كانت ثلاثة أضعاف قوة المسلمين، ~~وكان لا بد من الاصطدام؛ لأن انسحاب المسلمين دون القيام بعمل ~~ما، يؤثر في سطوة الإسلام ويشجع المنافقين على الشغب. # لذلك قرر الرسول أن يقاتل قريشا بقوته الضعيفة على أن يزيد ~~مناعتها بالتدابير التعبيرية الموافقة، فاختار موضعا يهيمن على ~~معسكر قريش وقسم قوته إلى ثلاثة أقسام، وجعل لكل قسم قائدا، ~~ورتب الأقسام بعضها بجانب بعض وعبأها صفوفا كالبنيان المرصوص، ~~وعرض ms16 الصفوف بنفسه فقدم المتأخر من الجنود وأخذ المتقدم منهم، ~~فأصبحت الصفوف متراصة. # ومنع المسلمين من رمي السهام ومن التفاخر، وطلب منهم ألا ~~يتقدموا من محلهم، ولا يرموا إلا بعد أن تدنو قريش منهم على ~~مسافة قريبة، وكان يقصد بذلك أن تصيب السهام قوة قريش الفائقة فلا ~~تتبعثر. وبفضل هذه الترتيبات انتصر المسلمون على قريش مع قلة ~~عددهم وضآلة سلاحهم، ولا شك في أن القتال بالكر والفر كان شائعا ~~عند العرب، ولعلهم كانوا يستعملونه كثيرا في غزواتهم لأخذ الثأر ~~أو لجر مغنم، وكان يقع بين متقاتلين يبلغ عددهم العشرات ولا ~~يجاوز المئات، ولما كانوا يقاتلون بالجموع في أيامهم الشهيرة أو في ~~مقاتلتهم الفرس أو الروم كانوا بلا ريب يعبئون قواتهم ~~صفوفا. ~~(3) الحركات الأولية # والواضح من أخبار الرواة أن مناوشات طفيفة وقعت قبل أن يتسلم ~~خالد بن الوليد قيادة الجيش للقضاء على أهل الردة في بلاد ~~نجد. # والظاهر أن الرواة لم يتفقوا على أخبار هذه المناوشات جديا على ~~عادتهم، والروايات المنتهية إلى سيف بن عمر، وهو الراوي الذي ~~يستند إليه الطبري في ذكر الكثير من أخباره، تبحث في قتال عنيف ~~وقع بين المسلمين وأهل الردة قبل أن يزحف خالد بجيشه إلى طليحة بن ~~خويلد الأسدي في بزخ. أما الأخبار التي يرويها الواقدي والبلاذري ~~فتذكر قتالا طفيفا جرى في ذي القصة أو البقعاء بين مقدمة ~~المسلمين وعبس وذبيان انتهى بهزيمة المرتدين بعد أن رأوا أن كوكب ~~(القسم الأكبر) جيش المسلمين وصل لنجدة المقدمة، وأن قسما من هذا ~~الجيش طاردهم إلى ثنايا العوسجة، ولما لم يلحق بهم عاد إلى ~~المعسكر، ولم يتفق الرواة على هذا القتال أجرى قبل عودة جيش ~~أسامة بن زيد أم بعد عودته من بلاد الشام. # ومن الأخبار ما تروي أن ~~كبار الصحابة أشاروا على أبي بكر ألا يرسل جيش أسامة بعد أن وردت ~~الأخبار بارتداد العرب، إلا أن أبا بكر لم يقدم على تغيير ما ~~أمره الرسول به في حياته، والذي اتفق عليه الرواة أن جيش أسامة لم ~~يغب عن ms17 المدينة أكثر من شهرين، وكان الجيش متجمعا في الجرف في ~~شمال المدينة لما توفي الرسول، ومع أن أكثر الرواة يزعم أن ~~أخبار الارتداد في الشرق والشمال والجنوب الشرقي وردت قبل حركة جيش ~~أسامة؛ وذلك ما جعل كبار الصحابة يشيرون على الخليفة بإبقاء الجيش ~~ليعتز المسلمون به في محاربتهم أهل الردة، إلا أن الواقع لا ~~يؤيد ذلك؛ إذ لا يعقل أن يصل نعي النبي إلى بلاد عمان والبحرين ~~فيرتد أهله، ويصل ذلك النعي إلى المدينة وجيش أسامة قاعد لا يحرك ~~ساكنا، وإذا كان الخليفة يريد أن ينفذ أوامر الرسول، فلماذا ~~يؤخر حركة هذا الجيش طول هذه المدة، وتدل الأنباء على أن أول ~~من أنبأ بالارتداد عامل المكة، وأعقبه عامل الطائف بالخبر، ثم ورد ~~عمرو بن العاص إلى المدينة بخبر ارتداد أهل عمان والبحرين ونجد، ~~وكان الرسول بعد حجة الوداع قد أوفده إلى عمان، فلما بلغه نعي ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # قفل راجعا إلى المدينة، وأخبر بوضوح أن العرب ~~ارتدت من ربى إلى المدينة، والمدة التي تصل فيها أخبار الوفاة إلى ~~عمان ليست قصيرة، كما أن السفر من عمان إلى المدينة أيضا يتطلب ~~عدة أيام، أما المسافة بين عمان والمدينة 1250 ميلا (أعني مسيرة ~~أكثر من عشرين يوما على الذلول). # ومن الواضح أن كبار الصحابة لم يرتئوا إبقاء جيش بمجرد رؤيتهم ~~قبائل فزارة وغطفان يرتدون، والأمر الذي لا شك فيه أن خبر امتناع ~~بعض القبائل العربية القريبة من المدينة عن تأدية الزكاة ورد ~~إلى المدينة قبل حركة جيش أسامة، وإذا صح ادعاء الرواة فإن خبر ~~ارتداد العرب في أقصى البلاد ورد إلى أبي بكر، فأطلعه على حرج ~~الموقف قبل سفر جيش أسامة، فيكون الخليفة قد جازف مجازفة خطيرة ~~بإيفاده الجيش شمالا، بينما كان الخطر يهدد المسلمين في عقر ~~دارهم. # ومن الرواة من يزعم أن أبا بكر شرع في قتال أهل الردة بعد عودة ~~جيش أسامة، ومنهم من يدعي أن قتال ذي القصة والربذة جرى قبل عودة ~~جيش أسامة. أما نحن فنميل ms18 إلى الاعتقاد أن القتال وقع قبل عودة ~~الجيش؛ إذ لا يعقل أن تتواطأ غطفان على الهجوم على المدينة وتعلم ~~بأن جيش أسامة رابط في شماله، بينما الروايات التي يستند إليها ~~الواقدي والبلاذري تدل على أن قوة المسلمين كانت ضعيفة في ذلك ~~القتال. ~~(4) الشروع في العصيان # أول من شرع في العصيان خارجة بن حصين الفزاري من رؤساء بني ~~فزارة؛ إذ إنه أوقف جابي الزكاة في طريقه إلى المدينة، وأخذ منه ما ~~في يده، فرده على بني فزارة، ورجع الجابي إلى أبي بكر، أما ~~القبائل التي ثارت وتظاهرت بالعداء فهي بنو أسد وغطفان، والبعض من ~~بطون طيء، فاجتمع بنو أسد في سميراء، وعلى رأسهم طليحة بن خويلد، ~~واجتمعت فزارة في جنوبي طيبة، واجتمعت عبس وذبيان في الردة والتف ~~حولهم جماعة من كنانة، ولما كثر عددهم لم تحملهم البلاد؛ لأن ~~المياه شحيحة، والمرعى قليل، فتفرقوا إلى فرقتين، فأقامت فرقة ~~بالأبرق بالقرب من الربذة والأخرى في ذي القصة، وأمد طليحة فرقة ~~ذي القصة بقوة من بني أسد، والداعي إلى تفرقهم هو أن الوقت كان ~~ضيقا؛ لأن الرسول توفي في شهر ربيع الأول في السنة الحادية ~~عشرة من الهجرة، وهذا التاريخ يوافق شهر حزيران سنة 632 ميلادية، ~~والمياه على ما نعلم تشح في الصيف، وكذا المراعي تقل حينئذ، ~~فبعثت غطفان وفدا إلى المدينة ليعرض على أبي بكر رغبتها في أن ~~تقيم الصلاة وألا تؤتي الزكاة، وكان عيينة بن حصن الفزاري وأقرع ~~بن حابس في الوفد. # فلم يلب أبو بكر طلبهم برغم إشارة بعض الصحابة عليه بالتساهل ~~معهم إلى أن يعود جيش أسامة، إلا أنه في الوقت نفسه قدر خطورة ~~الموقف لما عاد الوفد إلى أهله، وكان للوفد على ما يظهر ~~مهمتان: # عفو الزكاة والاطلاع على ~~قوة المسلمين في المدينة، وقد لاحظ أبو بكر ذلك؛ إذ لم يعد الوفد ~~حتى جمع الصحابة وأطلعهم على حرج الموقف وكلفهم بحراسة المدينة ~~ليلا ونهارا، فأقام رجالا في الأبراج لمراقبة الطرق الممتدة إلى ~~المدينة من جهة البادية، ورتب قوة احتياطية ms19 في المسجد لتكون على ~~استعداد للنجدة عند الحاجة، وحذر أهل المدينة بقوله: «إنكم لا ~~تدرون أليلا تؤتون أم نهارا، وأدناهم منكم على بريد.» يشير ~~بذلك إلى قرب المسافة بين المدينة والقبائل المتحفزة للهجوم، وقد ~~يعجب الإنسان بصلابة أبي بكر في رفضه طلب الوفد بعد اطلاعه على ~~أخبار عماله لدى القبائل وسماعه حديث عمرو بن العاص، وكانت ~~جميعها تنبئ بارتداد العرب عامة أو خاصة، ولا يوجد في المدينة ~~سوى نفر قليل وجيش أسامة بعيد عنها، فنظرا إلى ما ذكره الواقدي ~~في كتاب الردة أن أبا بكر لم يكتف بالتدابير التي اتخذها في ~~المدينة؛ بل طلب من القبائل العربية كأسلم وغفار ومزينة وأشجع ~~وجهينة وكعب أن تمده بالرجال، فأسرعت إلى نجدته، فأخذ الناس ~~يتوافدون إلى المدينة بسلاحهم، وأرسلت جهينة أربعمائة راكب، وإذا ~~صدقنا رواية سيف بن عمر التي نقلها الطبري ظهر لنا أن ظن أبي ~~بكر كان في محله؛ إذ لم تمض ثلاثة أيام على عودة الوفد حتى كان ~~المرتدون قد غزوا المدينة ليلا، ولا بد أن الوفد بعد عودته ~~أخبر القبائل المتحفزة للهجوم عن ضعف قوة المسلمين في المدينة، ~~وشجعها على الهجوم، وكانت من غطفان وهي عبس وذبيان وفزارة على ما ~~نعلم. ~~(5) المواقع التي جرى القتال فيها # وردت أسماء السميراء ~~والربذة وطيبة والأبرق وذي القصة عند البحث في تجمع القبائل، ولا ~~يوجد الآن من هذه الأسماء في الخرائط الحالية إلا السميراء. ولنا ~~من الأخبار التي نستقيها من رواة العرب الأقدمين أن القبائل ~~الساكنة في شرقي المدينة وعلى طرفي الطرق الذاهبة إلى العراق وخليج ~~فارس هي بنو سليم، وهي أقربها إلى المدينة في الشمال ~~الشرقي. # ثم يليها بنو كلاب إلى شمال بني سليم، ثم عبس وذبيان في شرقي حرة ~~خيبر إلى الشمال، أما قبائل طيء فتسكن في جبلها أجأ وسلمى، وفي ~~شرقي بني عبس وذبيان وفزارة من غطفان في وسط وادي الرمة وعلى ~~جانبيه، وتأتي بعدها قبائل بني أسد، وموقع سميراء على ما يظهر من ~~الخريطة واقع إلى شمالي وادي الرمة، ويبدأ ms20 منه وادي السميراء الذي ~~يصب في الوادي في جوار الحاجر. ~~(6) الربذة # يذكر ياقوت الحموي أن موقع الربذة على الطريق التي تصل موقع فيد ~~بالمدينة، وفيد في حي طيء وهي قرية من قرى جبل شمر واقعة إلى شرقي ~~جبل سلمى على الطريق التي تصل الكوفة بالمدينة، ويمر بها طريق ~~الحج، وهي بعيدة عن المدينة مسافة ست مراحل وتلقى فيها عدة طرق من ~~الجوف والعراق والمدينة وبريدة والرس والربذة على هذه الطريقة، وهي ~~تبعد عن المدينة أربعة وعشرين فرسخا، وواقعة إلى شمالي شرقها، ~~ولعل موقع حناكية الحالي هو موقع الربذة القديم أو قريب منه؛ لأن ~~بعده عن المدينة زهاء ثمانين ميلا، والفرسخ العربي طوله أربعة ~~كيلومترات ونصف كيلومتر، أو أربعة كيلومترات، والذي يجعلنا نميل ~~إلى ذلك أن القوة لم تجتمع في الربذة؛ بل في الأبارق، وكلمة أبارق ~~اسم خاص لبعض المحلات تدل على أرض حجرية ورملية مختلطة، وموقع ~~الحناكية بالقرب من حدود حرة خيبر، والحرة على ما نعلم أرض بركانية ~~خامدة وفيها محلات لتراكم الماء فيها، وما دامت القبائل مجتمعة ~~فيها فلا بد حينئذ من وجود الماء بها، والحناكية واقعة في بطن ~~وادي الحمض. ~~(7) ذو القصة أو البقعاء # والظاهر أن كلتيهما تدلان على موقع واحد واقع في شرقي المدينة ~~وقريب منها، وهو بلا شك على الطرق التي تمتد إلى المدينة في غرب ~~الربذة أو في جنوبها، وهو إما الشقرة أو سابية، والأخبار تدل على ~~أن أبا بكر بعد أن هزم المرتدين في البقعاء طاردهم بخيله إلى ثنايا ~~العوسجة بالقرب من الركبة، وهذا الموقع الأخير واد يصب في الرمة، ~~ولعله وادي الركب الذي ينبع من حرة خيبر، ويجري شمالا في شرق ~~وثنايا العوسجة في المحل الضيق الذي يتسلق فيه الطريق صاعدا إلى ~~رأس الوادي أو ينزل منحدرا منه. # أما موقع طيبة الذي اجتمع فيه غطفان وفزارة فلم نعثر عليه في ~~معجم البلدان، ولعله في شرقي الربذة أو في شماليه، أو إنه موقع ~~طابة في سفح جبل سلمى الجنوبي في شمالي السميراء، وهو من ms21 ديار غوث ~~بن طيء. ~~(8) مباغتة المدينة # لم يهجم المرتدون بكل قوتهم؛ لأنهم أرادوا أن يكونوا خفافا ~~فتركوا قسما منهم في ذي حسى بين ذي القصة والمدينة ليكون رداء ~~لهم، واقتربوا ليلا من المدينة ولم يباغتوها؛ لأن العيون أخبرت ~~المسلمين بدنوهم فقاتلتهم الربايا الخارجية، وأسرع أبو بكر بمن ~~في المسجد فأنجد الربيئات وهزم الهاجمين، ولم يكتف بذلك بل هاجمهم ~~على الجمال التي تستقي الماء من الآبار لإسقاء مزارع المدينة إلى ~~أن نفرت الإبل من الجلود المنفوخة التي دهدهها الفارون من أعلى ~~الروابي، فرجعت على أعقابها نافرة حتى دخلت المدينة. # والظاهر أن الهاجمين لم يكونوا في قوة كبيرة، ولا سيما بعد أن ~~تركوا قسما منهم في الخلف، ويظهر أنهم من بني عبس وذبيان، أما ~~فزارة فبقيت في ذي القصة، وهكذا انقسمت القوة التي أرادت أن تهاجم ~~المدينة إلى ثلاثة أقسام؛ قسم في ذي القصة، وقسم في ذي حسى، ~~والقسم الثالث أغار على المدينة، أما قوة المسلمين فلا شك في ~~أنها كانت ضعيفة ولعلها لم تزد على المائتين، وتشجع المرتدون من ~~فرار جمال المسلمين وظنوا بهم الوهن، وبعثوا إلى من بذي القصة ~~بالخبر فلحقوا بهم. # ويختلف الرواة في الحركة التي جرت، فالأخبار التي يستند إليها ~~الواقدي والبلاذري لا تبحث في غارة المرتدين على المدينة، ولا تذكر ~~موقع ذي حسى، وتذكر أن أبا بكر لما علم أن القبائل اجتمعت في ذي ~~القصة بقصد الغارة قرر أن يقاتلها في عقر دارها غير مبال بقلة ~~عدده. وقصده من ذلك إرهاب المرتدين وإلقاء الرعب في قلوب العرب، ~~وجعلهم يعتقدون أن المسلمين أقوياء، وأن ذهاب جيش أسامة لم يقلل ~~من قوتهم، فتقدم أبو بكر على رأس المقدمة الراكبة نحو ذي القصة ~~يعقبه الكوكب (القسم الأكبر)، وبالنظر إلى رواية سيف أن الجمال ~~بعد أن نفرت براكبيها ودخلت المدينة، بات أبو بكر ليلة يتهيأ ~~للهجوم، فبعد أن رتب قوته خرج مبكرا من المدينة، وباغت ~~عدوه فهزمه شر هزيمة. والذي يلوح لنا أن الروايات الأولى هي ~~الأصح، وكانت قوة المقدمة تبلغ ms22 مائة رجل، وسارت يومها وعسكرت مساء ~~بالقرب من أجمة «فباغتها العدو من مكمنه وألجأها إلى الفرار ~~فاحتمى أبو بكر بالأجمة ...» منتظرا ورود الكوكب (القسم الأكبر)، ~~ولما نادى أحد المسلمين بوروده انهزم المرتدون، فطاردهم المسلمون ~~إلى ثنايا العوسجة، ثم قفلوا راجعين إلى ذي القصة. # ويذكر الواقدي أن أبا بكر لم يخرج إلى ذي القصة إلا بعد عودة ~~جيش أسامة إلى المدينة، غير أننا لا نميل إلى رأيه؛ لأن مجرى ~~الأخبار يدل على أن قوة المسلمين كانت ضعيفة لما خرجت من المدينة ~~قاصدة العدو. ويزعم سيف أن بني ذبيان وعبس بعد هزيمتهم هذه ~~وثبوا على من فيهم من المسلمين فقتلوهم، وحلف أبو بكر ليقتلن من ~~المشركين في كل قبيلة، وليقتلن من كل قبيلة بمن قتلوا من ~~المسلمين، وكانت وقعة ذي القصة والبقعاء أول نصر للمسلمين على ~~المرتدين، ومنها تظهر فراسة أبي بكر وصلابة عوده. # لا بد أن القارئ انتبه إلى فساد خطة القبائل في محاولتهم غزو ~~المدينة؛ إذ بدلا من أن يجتمعوا في محل واحد للهجوم على المدينة ~~أو أن يقاوموا جيش المسلمين معا، اجتمعت كل قبيلة في حيها؛ ~~فاجتمع بنو أسد في السميراء، وفزارة في طيبة، وجديلة وغوث من طيء ~~في جبليهما، وذبيان وعبس اجتمعت فرقة منها بالقرب من الربذة، ~~والأخرى من ذي القصة أو البقعاء. # والداعي إلى تفرقهم على ما يظهر أن المياه في كل محل من ~~تلك المحلات لم تكن كافية لأداء إرواء جماعة كبيرة، وكان الكلأ ~~قليلا، فضلا من صعوبة اجتماع كلمة القبائل على غاية واحدة، وكان ~~قبل ذلك حلف بين بني أسد وغطفان وطيء، بيد أن قتالا وقع بين ~~غطفان وبني أسد من جهة أخرى فأمست القبائل متخاصمة، وكذلك كلمة ~~طيء لم تكن مجتمعة، فمال إلى المرتدين فرقتان منها فقط، وهما جديلة ~~وغوث، أما الفرق الأخرى فبقيت على إسلامها، وكانت القبائل في ~~قيامها على المدينة يراقب بعضها بعضا، ولا تريد أن تكون البادئة ~~بالعداء؛ ذلك ما جعل كلا منها يبقى في حيه ويراقب عمل ~~الآخر. # وقد اختبر ms23 الصديق حالة القبائل وتأكد أن كلمتها لم تجتمع؛ ~~لذلك لم يشأ أن يؤخر جيش أسامة عن سفره، واكتفى برجال المدينة ~~والموالين من القبائل القريبة منها، وقد أيدت الوقائع رأيه. وبعد ~~انتصار أبي بكر على القبائل في البقعاء قفل راجعا إلى المدينة، ~~ولما شاع خبر انتصار المسلمين على أهل الردة في أول قتالهم أخذت ~~الصدقات تأتي من الأطراف بعد أن تردد أهلها في إرسالها، فوردت ~~صدقات عدي بن حاتم من طيء وصدقات أخرى. # وبعد مدة قصيرة عاد جيش أسامة من الشمال فقرت به أعين ~~المسلمين، فلم يمهل أبو بكر المرتدين بعد أن بلغه أن بني عبس ~~وذبيان أوقعت بمن فيها من المسلمين ومثلت بهم، وبعد وقعة ذي ~~القصة أراد أن يفني من في الأبرق، فأراح جيش أسامة بضعة أيام ~~وخرج بالقوة التي سار بها إلى ذي القصة بعد أن أنجدها بالناس من ~~جيش أسامة، وتوجه نحو الأبرق، وفيه الفرقة الثانية من بني عبس ~~وذبيان وبني كلاب وغيرهم. # وقد ناشده كبار الصحابة بألا يعرض نفسه للخطر بقيادة الجيش ~~بنفسه، إلا أنه لم يجب طلبهم. فبعد أن عبأ جيشه باغت ~~المرتدين في الأبرق فهزمهم شر هزيمة، وانسحبت فلولهم إلى ~~السميراء والتحقت ببني أسد، ولما رأى طليحة الخطر انسحب بجميع ~~القوات التي التفت حوله إلى بزاخة. # وأقام أبو بكر في الأبرق، وكان يملكه بنو ذبيان، فأعطى مراعيهم ~~لخيل المسلمين وحرم بطون ذبيان منها. ~~(9) تولية خالد بن الوليد قيادة الجيش # تدل الأخبار على أن خالدا اشترك في قتال ذي القصة والأبرق مع ~~المهاجرين، ولما رجع أبو بكر إلى المدينة انسحبت قوة المسلمين إلى ~~ذي القصة، وتولى قيادتها خالد بن الوليد. # وتذكر الروايات التي تبدأ بسيف بن عمر أن أبا بكر لما وصل إلى ~~المدينة جمع رجالا من القبائل المجاورة للمدينة وأرسلها إلى ذي ~~القصة لتقوية جيش المسلمين، ثم عاد إلى ذي القصة، فاستعرض الجيش ~~وقسمه إلى إحدى عشرة فرقة، وعين قائدا لكل منها، فوجهها ~~إلى مناطق المرتدين في جزيرة العرب لقتالهم والقضاء على حركة ~~الردة. ms24 # وهذه الرواية التي يرويها سيف يصعب تصديقها، وذلك: # أولا: # لأن قوة المسلمين لم تكن في عدد يكفي لتقسيمها ~~إلى إحدى عشرة فرقة. # ثانيا: # أن إيفاد فرق البحرين وعمان ومهرة وحضرموت ~~واليمن قبل قمع الفتنة في قلب جزيرة العرب مسألة ~~فيها نظر. # ويمر طريق البحرين وعمان ومهرة ببلاد بني حنيفة، ~~وفيها مسيلمة ثائر وهو معتصم في بلاده الوعرة. ~~والحقيقة أن قوة جيش المسلمين لم تجاوز بضعة آلاف ~~على ما ذكرناه في بحث تقدير قوة الفريقين؛ فجيش ~~أسامة لم يتجاوز ستة آلاف، أما القوة التي جهزها ~~لمقاتلة من اجتمع في ذي القصة فلم تتجاوز ~~الألفين. فتقسيم هذه القوات جميعا إلى أحد عشر ~~قسما مما يجعل كلا منها ضعيفا، بحيث لا ~~يستطيع القيام بالواجب المنوط به، بينما الأخبار ~~تؤيد أن جيش خالد بن الوليد وحده كان يبلغ أربعة ~~آلاف رجل، ثم إن هناك أخبارا تؤيد حبوط هجوم ~~فرقة عكرمة بن أبي جهل، وكذلك هجوم فرقة شرحبيل بن ~~حسنة على قوات مسيلمة وانسحابهما إلى الوراء ~~والتحاقهما بفرقة خالد بن الوليد؛ مما يجعلنا ~~نميل إلى الاعتقاد أن أبا بكر فكر قبل كل شيء ~~في القضاء على حركة الردة في وسط جزيرة العرب، ~~وجمع لذلك ما في يده من القوات المتيسرة وناط ~~قيادتها بخالد. ~~(10) قوة الجيش # إن الرواة على عهدنا بهم لم يرووا لنا مقدار قوة المسلمين التي ~~احتشدت بقيادة خالد بن الوليد في ذي القصة، والمصدر الوحيد الذي ~~يذكر لنا قوة خالد هو أبو حبيش؛ إذ يروي لنا أنها كانت تبلغ أربعة ~~آلاف مقاتل قبل حركته إلى بزاخة. # وكان الجيش على ما سبق بيانه مؤلفا من القوة التي جمعها أبو ~~بكر من القبائل المجاورة للمدينة على جناح السرعة للهجوم على ~~المرتدين في ذي القصة بعد تهديدهم للمدينة. ومن القسم الذي التحق ~~به من جيش أسامة بعد عودته إلى المدينة قبل الهجوم على الأبرق. ومن ~~الواضح أن البعض منه تخلف عن الالتحاق ليقضي مدة من الزمن بين ~~أهله بعد أن غاب عنهم مدة شهرين في سفره ms25 إلى الشمال. # والذي يظهر من رواية سيف أن أبا بكر لما عاد إلى المدينة أرسل ~~هذا القسم المتخلف أيضا إلى ذي القصة، وبعد التحاقه أصبح جيش ~~خالد أربعة آلاف أو أكثر، وكانت قوة الأنصار وحدها تبلغ زهاء ~~خمسمائة مقاتل. أجل إن العدد ضعيف بالنظر إلى المهمة الخطيرة ~~المنوطة به، إلا أن تجانس القوة في هذا الجيش وصلابة المعتقد ~~فيه وتفرق كلمة القبائل المرتدة جعلته أهلا للعمل. ~~(11) منطقة الحركات # يحد المنطقة التي جرت فيها الحركات من الشرق الدهناء، وهي الساحة ~~الرملية الممتدة من الشمال الغربي إلى الشرق الجنوبي في شرقي ~~القصيم، وكانت الدهناء ولا تزال المفازة التي تفصل أرض السواد ~~(أعني العراق) عن بلاد نجد، ويحدها من الشمال جبل شمر، أعني بلاد ~~طيء المرتفعة التي تمتد جبالها على ما سبق من الشمال الشرقي إلى ~~الجنوب الغربي، وأخطرها جبلا سلمى في الجنوب، وأجأ في الشمال، ~~وفيها وديان كثيرة أجلها شأنا وادي حائل، وهو يبدأ من بزاخة طيء ~~بشعاب متعددة، ويفصل الجبلين أحدهما عن الآخر؛ حيث تنصب فيه عدة ~~شعاب من الشمال والجنوب، وتغمره بالمياه في موسم الأمطار، وقد ~~شيدت على جانبيه القرى التي ترتوي بمياه الآبار المنصرفة إليها ~~من الجبال، ولما كان جبل سلمى وجبل رمان يشرفان على وادي الرمة ~~من الجهة الشمالية، فالشعاب التي تمر بالأطناف الجنوبية تنحدر ~~جميعا إلى ذلك الوادي، وهذه الأطناف هي الحدود الفاصلة بين حي ~~بني أسد وحي فزارة من بني غطفان وقريتي فيد وطابة لبني طيء وهما ~~على الحدود. # ويحد منطقة الحركات من الغرب حرة خيبر، ومن الجنوب الهضبة ~~المشرفة على وادي الرمة من الجنوب، وفيها بنو سليم في الشمال وبنو ~~عامر في الجنوب وموقعا العمق في الغرب ورابية أبان الأبيض في الشرق ~~في أرض بني سليم. # والوادي أرض منخفضة بين هضبتين مرتفعتين، تنصرف إليه جميع المياه ~~التي تنزل عليها في موسم الأمطار، وإذا حفرنا الآبار في بطنه على ~~عمق بضع أقدام نعثر فيها على ماء كثير. والطريق التي تصل المدينة ~~ببلاد القصيم تمر بهذا الوادي، ms26 وبعد أن يترك المدينة يمر بالبقعاء ~~أو ذي القصة بالقرب من سابية، ثم بالشقرة فالربذة بالقرب من ~~الحناكية فالمشقق فبئر الطرفة، فإلى جنوب أكمة الخيمة؛ حيث يدخل ~~أرض بني أسد، ويمر بعد ذلك بين الأبانين: أبان الأسود في الشمال، ~~وأبان الأبيض في الجنوب، والأسود في أرض بني أسد إلى أن يمر بشمال ~~الرس، وهو بئر ماء لبني أسد فيصل إلى القريتين في بلاد قصيم، أعني ~~العنيزة في الجنوب وبريدة في الشمال، وكلتاهما في حي بني ~~تميم. # ويسكن بنو أسد في الساحة الواسعة التي في شمال الوادي من جنوبي ~~فيد وأطابة غربي السميراء والظهران السليلة. # وفي غربي النقرتين نقرة السلاسل ونقرة الخطوط وجبل سارة، وفي أرض ~~بني أسد يقع موقع الغمر وهو رابية مرتفعة تشرف على وادي الغمر الذي ~~ينبع من سفح جبل الموشم الشمالي ويصب في الكهفة، وبالقرب منه تقع ~~بزاخة بني أسد، وهي الموقع الذي نشبت فيه المعركة بين جيش خالد ~~وجيش طليحة. # والذي جعلنا نميل إلى الاعتقاد بأن موقع بزاخة في هذا المحل، هو ~~ما ذكره ياقوت الحموي في معجمه نقلا عن ابن الكلبي، أما الأصمعي ~~فيروي أن بزاخة ماء لطيء، وفي جبل طيء موقع آخر يسمى بزاخة. ~~وعلى ما يظهر لنا من مجرى الحركات أن القتال بين المسلمين وبين ~~المرتدين لم يقع في أرض طيء؛ بل وقع في أرض بني أسد بالقرب من ~~الغمر، ولا سيما أن خالدا بعد انتصاره على طليحة وجه سراياه في ~~جهات مختلفة مطاردا فلول المنهزمين، وهذه السرايا قاتلت المنهزمين ~~في جبل رمان في الأبانين. ولا يعقل أن المعركة نشبت في بزاخة طيء ~~والمطاردون يطاردون المنهزمين إلى رمان والأبانين؛ بل من المعقول ~~أن تنشب المعركة في جوار الغمر فيشرد المنهزمون إلى أنحاء مختلفة ~~فينهزم بنو فزارة إلى حيهم في جنوبي الرمان وغربيه، وبنو أسد إلى ~~الأبانين وإلى ظفر في جوار كهفة وإلى النقرة؛ أعني إلى حدود ~~الحي. # وفي منتهى الشرق بلاد بني تميم والقصيم على الحدود بين أسد وبني ~~تميم، وهي من أغنى ms27 البقاع الواقعة في نجد وتحدها رمال الدهناء من ~~الشرق، وفي غربيها مراعي الحزن، وفي شرقيها مراعي الصمان، وكلتا ~~البقعتين من أخصب المراعي وهما لبني تميم. وبنو يربوع في الحزن إلى ~~وادي حائل، والصمان إلى بني حنظلة، وماء الطريفة في شمالي البريدة ~~لهم أيضا. والبطاح في جنوبي الحزن وفيه قرية بريدة وموقع البعوضة ~~والقعرة، وهو مشهور بجودة الكلأ، وفيه دارت الدائرة على مالك بن ~~نويرة رئيس بني يربوع. # ولا تزال إحدى ضواحي البريدة تسمى بالبطاح، والعصبة تتألف من ~~أربع ضواح؛ وهي جردة وجديدة وشمال وبطاح، وموقع النباح في حي بني ~~تميم، وهو المحل الذي وصلت إليه سجاح برجالها فقاتلها بنو تميم ~~وكسروها، وهو واقع في الحزن على طريق الكوفة بعد الفيد. ~~(12) نسبة القبائل # من المفيد أن نذكر نسبة القبائل وقرابة بعضها لبعض، وأكثر ~~القبائل التي ارتدت عدنانية تنتسب إلى مضر، ما عدا قبيلة بني ~~حنيفة فهي من ربيعة. # والقبائل العدنانية تنتسب إلى شعبين كبيرين، وهما مضر ~~وربيعة. # وشعب مضر ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية: # فالقسم الأول: # قيس، ومنها: غطفان وهوازن وسليم، وإلى غطفان ~~تنسب فزارة وعبس وذبيان، وإلى هوازن تنسب ~~ثقيف. # والقسم الثاني: # قبيلة طابخة، وإليها ينتسب بنو تميم. # والقسم الثالث: # مدركة، وإليها ينتسب بنو أسد، ومنها كنانة، ~~وإليها تنتسب قريش. # أما شعب ربيعة فاشتهرت منه القبائل الآتية: # عنترة وعبد قيس وبكر وتغلب وبنو حنيفة، وينتسبون إلى بكر بن ~~وائل. ~~(13) الموقف قبل الحركات # التقت فلول غطفان بن فزارة وعبس وذبيان بطليحة بعد انهزامها في ~~ذي القصة والربذة، واجتمعت مع بني أسد في بزاخة، وقد مال إليهم ~~فرقتان من طيء، وهما جديلة وغوث على ما ذكرناه سابقا، ولم تترك ~~هاتان الفرقتان حيهما؛ بل اجتمعتا في أكناف جبل سلمى؛ أعني ~~بالقرب من موقع طابة في الجنوب الغربي من فيد. # أما الباقي من بني طيء فظل على الحياد بسعي عدي بن حاتم، وأما ~~قبائل بني عامر بن صعصعة، وهي في الشمال الشرقي من جبل شمر، فكانت ~~تراقب مجرى القتال، وتنتظر عاقبة المعركة لترى رأيها ms28 بعد ~~ذلك. # أما بنو تميم فلم يوحدوا كلمتهم؛ بل كانوا منقسمين على بعضهم. ~~وبينما كانت القبائل المرتدة على هذا النحو من تفرق الشمل ~~واختلاف المقصد كان خالد بن الوليد على رأس جيش متجانس صقلته ~~الغزوات والحروب، وحنكته التجارب متأهبا للحركة عند أول أمر ~~يصدره قائده. # وكان هذا الجيش قليل العدد، غير أن كفاية قائده ضمنت له الفوز، ~~وكلما أحرز فوزا ازدادت قوته بانضمام المحايدين إليه؛ لأن الغلبة ~~كانت تأتي لهم، وقد تم ذلك فعلا، ويزعم بعض المؤرخين أن قوة جيش ~~خالد كانت تبلغ ثلاثة آلاف مقاتل حين تقدم نحو طليحة، فلما تقدم ~~نحو مسيلمة أصبحت عشرين ألفا. ~~(14) الحركات # يقول ابن حبيش نقلا عن الواقدي: إن جيش خالد بدأ بالحركات من ذي ~~القصة في اليوم السابع والعشرين من الشهر، وهذا الشهر إما جمادى ~~الآخرة وإما رجب؛ لأن الرسول توفي في شهر ربيع الأول، وإن جيش ~~أسامة قضى في حملته شهرين، وأجل حركته في الجرف مدة من الزمن. ~~والمعلوم أن معظم قوة أسامة ألفت جيش خالد، فتكون المدة التي ~~انقضت من وفاة الرسول إلى حين حركة خالد من ذي القصة ثلاثة أشهر ~~على أقل تقدير. # فزمن الحركة إما أن يقع في منتصف شهر سبتمبر وإما في منتصف شهر ~~أكتوبر من سنة 632 ميلادية. # واستعرض أبو بكر جيش المسلمين في ذي القصة وخطب في رجاله وأبان ~~لهم الطريقة المثلى التي يجب أن يسيروا عليها، ولفت نظر خالد إلى ~~خطورة الاستطلاع وأخذ الحيطة عند الهجوم على أهل اليمامة، وأن ~~يجري الحركات على التعاقب؛ فلا يبدأ بحركة ما لم يظفر بالتي ~~سبقتها، وأن يستعمل الرمح في مكافحة الرمح، والسيف في مكافحة ~~السيف، ثم طلب منه مراعاة المهاجرين والأنصار والرفق بمن ~~معه. # وكانت قوة الجيش تتفاوت بين أربعة آلاف وخمسة آلاف، وكان عدد ~~الأنصار منه يربي على الخمسمائة، وكانت قوة جيش طليحة في بزاخة ~~تزيد على خمسة آلاف، ومعظمها من بني أسد، والباقي من غطفان، وكان ~~عيينة بن حصن على رأس هذا الباقي. # وكانت فرقتا جديلة ms29 وغوث من طيء في أكناف جبل سلمى متأهبتين ~~للالتحاق بطليحة في بزاخة وتبلغ قوتهما زهاء ألف مقاتل. وكان بنو ~~تميم على ما نعلم مشغولا بعضهم ببعض؛ فمنهم من التحق بسجاح، ~~ومنهم من خالفها. # أما بنو حنيفة فكانوا في ديارهم باليمامة معتصمين بجبالهم ~~ومعتزين بنبيهم مسيلمة يراقبون الحوادث في نجد. ~~(15) خطة خالد بن الوليد # إن الطريق الأقصر الذي ينتهي بجيش المسلمين إلى بزاخة هو الطريق ~~الذي يخترق وادي الرمة، وبزاخة واقعة في المنطقة حيث تكون أحياء ~~طيء وأسد قد قرب بعضها من بعض، فكل حركة من ذي القصة على هذا ~~الطريق الأقصر تشجع قبائل طيء على الالتحاق بطليحة في بزاخة، ومن ~~عادة القبائل أنه إذا لم يهدد الخطر حيها توا تتركه وتسرع ~~إلى نجدة الأحياء الأخرى متى أغار عليها الأعداء. كذلك درس خالد ~~الموقف، وقرر أن يسلك طريقا يهدد به بلاد طيء، فإما أن يلجأ ~~أهلها إلى الحياد، وإما أن يستميلهم إلى جانبه، وإذا ما تقدم ~~رأسا نحو بزاخة يكون قد ترك بلاد طيء إلى جانبه الأيمن، وخاطر ~~بالهجوم على بزاخة، أما إذا ضمن حياد طيء أو استمالتهم إلى جانبه ~~فيكون قد هيأ أسباب الفوز على طليحة. # والأخبار تدل على أن خالدا صارح أبا بكر بخطته هذه في ذي ~~القصة فأقرها أبو بكر، وسبق أن قال لخالد: «اعلم أنك إذا قاتلت ~~أسدا وغطفان فإن رجالا منهم معك ينتظرون النصر، وإذا ما رأوه ~~حليفك كانوا معك على عدوك.» # ولكي يجعل العدو يقنع بأن المسلمين قاصدون بلاد طيء قبل بزاخة، ~~يقول ابن الكلبي: إن أبا بكر أمر خالدا أن يصمد لطليحة وعيينة بن ~~حصن وهما على بزاخة، وأظهر أنه ملاق خالدا بمن معه من نحو خيبر ~~مكيدة، وقد أرعب مع خالد الناس، ولكنه أراد أن يبلغ ذلك العدو ~~فيرعبه، ثم رجع أبو بكر إلى المدينة. # ثم هناك خبر آخر مفاده أن أبا بكر أمر خالدا أن يبدأ بطيء على ~~الأكناف، ثم يكون وجهه إلى بزاخة، ثم يثلث بالبطاح (بني تميم)، ~~وأظهر أنه خارج ms30 إلى خيبر منصب عليه منها حتى يلاقي خالدا ~~بالأكناف؛ أكناف سلمى، فخرج خالد فازور عن بزاخة وجنح إلى أجأ، ~~وأظهر أنه خارج إلى خيبر، ثم منصب على طيء. # فهذه الأخبار تريك الخطة بوضوح. إن بلاد طيء جبلية، وفيها ~~سلسلتان وعرتان ممتدتان على موازاة خط الحركات بين المدينة وبلاد ~~بني أسد، وسلسلة سلمى وجبل رمان في الجنوب وسلسلة أجأ في الشمال، ~~والأكناف الواردة في الجنوب المذكورة هي أكناف هذه الجبال. أما أهل ~~البلاد، فمنهم من تأهب لمعونة طليحة ومنهم من بقي في أرضه ~~يتربص. وكان أعظم رئيس في القسم الأخير عدي بن حاتم مع قبائل طيء، ~~ومن الأخبار ما يؤيد أن أبا بكر بعث عديا إلى طيء قبل حركة خالد ~~ليدركهم. # والواضح أن خالدا بخطته هذه أراد أن يسهل خطة عدي بن حاتم، ~~وأن إشاعة أبي بكر في الجيش مسيره نحو خيبر بقصد الحركة نحو بلاد ~~طيء مما يجعل القسم المتحفز لمعونة طليحة من طيء يرجع إلى أرضه ~~للدفاع عنها أو للبقاء على الحياد مع الباقين من طيء. # والحقيقة أنها خطة ناجحة تدل على بعد نظر خالد في قيادة ~~الجيش، والخطة تجمع بين الناحية السياسية والناحية العسكرية، وكان ~~عيينة بن حصن الفزاري رئيس بني فزارة، كما سبق، يسعى لإعادة الحلف ~~الجاهلي بين بني أسد وغطفان وطيء محرضا جماعته على ذلك بقولته: # والله لئن نتبع نبيا مع الحلفيين أحب إلينا من أن نتبع ~~نبيا من قريش. # وإذا ما تم هذا الحلف يكون أمام المسلمين قوة ~~كبيرة يصعب التغلب عليها، وينحصر التدبير السياسي في إيفاد أحد ~~رؤساء طيء البارزين لإقناع القبائل بأن يتركوا جانب طليحة ويميلوا ~~إلى جانب المسلمين، ولتسهيل هذه المهمة والقيام بحركة إغفال ~~بالتظاهر بالهجوم على بلاد طيء. # وكان التدبير العسكري يرمي إلى فصل طيء عن بني أسد وغطفان، ~~والهجوم بعد ذلك على قواتهم في بزاخة. # فتناولت الخطة إذن الأمور التالية: ~~(1) # القيام بحركة إغفال من المدينة في اتجاه خيبر بقصد ~~إقناع طيء أن المسلمين متوجهون نحو بلادهم. ~~(2) # تقدم جيش خالد على ms31 الطريق الأقصر نحو بزاخة لتظل ~~قوات طليحة في محلها حتى لا تساعد طيئا. ~~(3) # ترك هدف بزاخة في منتصف الطريق والانعطاف نحو بلاد ~~طيء لإرغام قبائل طيء على الالتحاق بالمسلمين قبل أن ~~ينجدها طليحة. ~~(4) # بعد الوثوق من التجاء (دخالة) طيء، والاستفادة من ~~قواتهم، التقدم بجميع القوات نحو بزاخة لضرب جيش ~~طليحة. ~~(16) الحركة # وبعد عودة أبي بكر إلى المدينة وإشاعة خبر مسيره من المدينة ~~بالباقي من المسلمين نحو خيبر، نظم خالد قواته وجعل على كل قسم ~~منها قائدا، وكان ثابت بن قيس على الأنصار. # وتحرك خالد من ذي القصة في منتصف شهر أيلول (سبتمبر) أو شهر ~~تشرين الأول (أكتوبر) سنة 622 مارا بربذة ووادي الركبة ومنحدرا ~~إلى وادي الرمة، وقبل أن يصل إلى منتصف الطريق مال إلى اليسار يريد ~~بلاد طيء، ولقد نجحت حركة الإغفال التي أشاعها أبو بكر؛ لأن طيئا ~~التي كانت تستهزئ بالخليفة وتكنيه بأبي الفصيل صارت تخشى بأسه ~~لما سمعت خبر تقدم جيشه نحوها، فأقنع عدي بني حاتم قبيلته ~~وحذرها سوء العاقبة قائلا لبني قومه: «لقد آتاكم قوم ليبيحن ~~حريمكم.» فطلبوا منه أن يؤخر تقدم جيش خالد حتى يسترجعوا من ~~لحق بطليحة في بزاخة، وهي جديلة وغوث وآخرون ... # وكانوا يعلمون أنهم إذا خالفوا طليحة بينما بنو جديلة وبنو غوث ~~في بزاخة، يبقيهم عنده رهائن ويجبر طيئا على الالتحاق به، وكانت ~~حجتهم عند طليحة طلب إخوانهم من بزاخة؛ لأن خالدا قادم نحوهم، فهم ~~يريدون أن يستنجدوا بهم للدفاع عن بلادهم قبل أن يصل جيش ~~المسلمين. # وخرج عدي إلى خالد ولاقاه في السح، فطلب منه أن يبقى فيها مدة ~~قصيرة حتى يتخلى من في بزاخة عن طليحة ويعود إلى بلاده، فوقف ~~خالد في السح فتفرقت غوث من بزاخة وعادت إلى بلادها، فأراد خالد ~~أن يتقدم إلى الأنسر ليلجئ جديلة إلى ترك طليحة أيضا، بيد ~~أن عديا طلب منه أن يتريث حتى يفسد عليه ما دبره. فعادت ~~جديلة أيضا إلى بلادها، وهكذا تم لخالد ما أراده فانفصلت طيء ~~تماما عن المرتدين وجددت ms32 إسلامها، وأمدت خالدا بألف ~~مقاتل. # وهكذا طبق القسم الأول من الخطة. ~~(17) معركة بزاخة # يقول ابن الكلبي: إن بزاخة ماء لبني أسد، ولم يوضح لنا ياقوت هذا ~~المحل في معجمه، والذي يلوح لنا أنه في جنوبي فيد في وادي الغمير ~~على الطريق الذي يصل فيد بالبريدة، فالأرض فيه سهلة وهي صالحة ~~للقتال. # ولعل المعركة وقعت في نهاية أيلول (سبتمبر) أو في نهاية تشرين ~~الأول (أكتوبر)؛ إذ مضى على حركة خالد من ذي القصة ما يقارب الخمسة ~~عشر يوما، وبعد أن أمن خالد جانب طيء واستنجد بهم تقدم رأسا ~~نحو بزاخة يريد طليحة. # وتقدمت أمامه قوة استطلاع بقيادة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم، ~~وتدل الأخبار على أن المرتدين باغتوا هذه القوة وقتلوا ~~قائديها، وكانا من فرسان المسلمين المشهورين، وكان جيش طليحة ~~متأهبا للقتال يقود بني أسد سلمة أخو طليحة، ويقود فزارة عيينة ~~بن حصن ومعه سبعمائة فارس من فزارة. # ومن الروايات ما يدل على أن خالدا وقف بالغمير قبل شروعه في ~~القتال، وإن كانت الرواية التي يرويها الطبري نقلا عن سيف لا تذكر ~~ذلك بوضوح، وخلاصة الرواية أن أحد المسلمين أخذ رجلا من بني أسد ~~فأتى به خالدا، وكان الرجل عالما بأمر طليحة فسأله خالد عما ~~يعلمه عن طليحة. # وموقع الغمير رابية تشرف على مياه بزاخة، واسمه في الخريطة جبل ~~الغمير، ومنه ينصب وادي الغمير. # ولعل خالدا أرسل قوة الاستطلاع من هذا الموقع ليستكشف قوة ~~العدو وموضعه وجيش المسلمين في موضع مسيطر. ولعل عكاشة وثابتا ~~قتلا لما كان يقومان بالاستطلاع فقتلتهما الطليعة التي أوفدها ~~طليحة بقيادة أخيه سلمة، فنصب كمينا لقوة الاستطلاع وباغتها، ولما ~~اطلع المسلمون على مقتل عكاشة وثابت هالهم الأمر. # ومن الروايات ما يشير إلى أن خالدا لم يزور عن طريقه كما ~~تقدم من ذي القصة إلى بزاخة إلا بعد أن رأى الجزع المستولي على ~~أصحابه عند مقتل عكاشة وثابت، فمال بهم إلى حي طيء، وقال لهم: «هل ~~لكم إلى أن أميل إلى حي من أحياء العرب كثير عددهم، ms33 شديدة ~~شوكتهم؟» ولعل هذه الروايات ذكرت لتسويغ ازورار جيش خالد عن ~~طريقه نحو بلاد طيء على ما أثبتناه فيما تقدم؛ إذ لا يعقل أن ~~يصيب المسلمين الجزع بمجرد أن يقتل منهم فارسان، والروايات ~~ذاتها تذكر قتل عكاشة وثابت بيد طليحة وأخيه سلمة، فمعنى أن ~~القتال وقع بالقرب من بزاخة فيكون من الصعب أن يدير خالد ظهره ~~ويترك عدوه ويتجه نحو بلاد طيء، بينما كان أهلها ~~مترددين. # والواضح من هذه الروايات أن خالدا قدر الموقف قبل مسيره من ذي ~~القصة. ~~(18) القتال # رتب خالد جيشه في حظر القتال وجعل الأنصار والمهاجرين في ~~الميسرة ورجال القبائل في الميمنة، ولعل أهل طيء كانوا في القلب مع ~~بعض القبائل. # أما جيش طليحة فكان عيينة بن حصن مع سبعمائة فارس من فزارة في ~~الصف الأول، وكان طليحة بن خويلد في القلب يشرف على القتال وفي ~~أطرافه أربعون فتى من بني أسد استماتوا في الدفاع عنه، وكانت راية ~~بني أسد حمراء رآها المسلمون من بعيد. # وتدل الأخبار على أن القتال بدأ بهجوم الفريقين أحدهما على ~~الآخر، فكان عيينة بن حصن يقود الفرسان، أما حبال وسلمة أخو طليحة ~~فكانا يقودان المجنبتين من جيش الأعداء. # ويذكر الواقدي نقلا عن رجل من هوازن حضر قتال بزاخة أن المسلمين ~~فازوا بالمعركة بفضل البطولة التي أبداها خالد بن الوليد. # ويقول الراوي إن ميمنة المسلمين ارتدت على أعقابها لما هاجمها ~~الأعداء فأثر ذلك في الميسرة فانسحبت بدورها؛ فتدارك الأمر خالد ~~بحملته على الأعداء وندائه: يا أنصار الله! فحمس هذا النداء ~~المتراجعين، وكروا على الأعداء ملتفين حول خالد، فتقاتل ~~الفريقان بالسيوف فترجل خالد عن ظهر جواده وحارب راجلا، ولما ~~رأى أصحابه أن الخطر محدق به التمسوا منه أن يترك خطر القتال ويقف ~~في الوراء ويقود الجيشان، إلا أنه امتنع عن ذلك. وفي رواية أخرى ~~للكلبي أن المسلمين لما تراجعوا أتى رجل من طيء خالدا وكلفه ~~بالاعتصام بجبلي سلمى وأجأ، إلا أن خالدا رد طلبه قائلا إنه ~~يعتصم بالله. # وبقي طليحة في القلب إلى أن ms34 قتل فتيانه جميعا؛ فانسحب إلى ~~الوراء والتف بكسائه يتحين الفرص، ولما ضاقت الدنيا بعيينة ~~بن حصن سأل طليحة: هل جاء الوحي؟ وهذا يقول له لا، فيرجع يقاتل. ~~وفي الكرة الثالثة قال طليحة لعيينة: إن الوحي يقول له: «إن لك ~~رحى كرحاه، وحديثا لا تنساه.» فتأكد عيينة أن الدائرة تدور ~~عليه فنادى: يا بني فزارة، انصرفوا فهذا والله كذاب. فانصرفوا ~~وانهزم الناس. # أما طليحة فأعد فرسه وهيأ بعيرا لامرأته فوثب على فرسه وحمل ~~امرأته، ثم نجا بها، ولما سأله قومه: ماذا يأمر؟ قال: «من استطاع ~~منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل.» # ووقع عيينة أسيرا بيد خالد فكبله بالحديد وأرسله مخفورا إلى ~~المدينة، وكان المرتدون قد تركوا عيالهم خلفهم في محل أمين لكيلا ~~يسبيهم المسلمون؛ لأن العرف كان يقضي في ذلك الزمان بسبي النساء ~~واتخاذهن إماء. ولم تنته المعركة حتى عاد الكثيرون من بني أسد ~~وفزارة إلى خالد وجددوا إسلامهم خشية على الذراري. # واغتنم المسلمون غنائم كثيرة في معسكر الأعداء من جمال وحمير ~~وسلاح وغير ذلك، ولم يكتف خالد بهذه الغنائم؛ بل أوفد السرايا إلى ~~جهات مختلفة لمطاردة المنهزمين، والتقت بهم في جبل رمان في جنوب ~~جبل سلمى وفي الأبانين على جانبي وادي الرمة، وهما رابيتا أبان ~~الأسود في شمالي الوادي، وأبان الأبيض في جنوبه، وأسرت كثيرين ~~منهم وصادرت خيلهم وسلاحهم. # ولما نشب القتال بين المسلمين والمرتدين في بزاخة كان بنو عامر ~~بن صعصعة على الحدود يراقبون مجرى القتال وينتظرون العاقبة. # وبعد أن انتهى خالد من أمر بني أسد وفزارة عرج على حي طيء ومكث ~~بين أكناف سلمى وأجأ، ولعله أراد بذلك أن يقرب من حي بني عامر ~~وينهي أمرهم. هذه القبائل كانت في الأرض الواقعة إلى شمال شرقي ~~بلاد طيء بين الدهناء وجبل شمر. # فأوفد بنو عامر وغطفان وفودهم إليه وجددوا إسلامهم، بيد أن ~~خالدا لم يكتف بذلك، بل فرض عليهم جانبا كبيرا من السلاح جزاء ~~ترددهم، كما أنه جمع سلاحا من بني أسد أيضا. # وكان للسلاح شأن ms35 كبير في هذه الحروب، وكان المسلمون بحاجة إليه ~~ليجهزوا به الجيوش، وسبق أن أغنياء الصحابة في عهد الرسول كانوا ~~يجهزون المقاتلين للغزوات. # واحتفظ خالد بهذا السلاح ووزعه بعد ذلك على رجال القبائل الذين ~~أسرعوا بالانضمام إلى جيشه، كما وثقوا بالنصر. ~~(19) القتال في ظفر # تدل الأخبار على أن خالدا لم يمهل الشاردين؛ بل إنه لما علم ~~أن أم زمل سلمى جمعتهم حولها في ظفر، وشجعتهم على المقاومة ~~توجه فورا نحوها فقاتلها قتالا شديدا، وهي واقفة على جمل ~~أمها أم قرفة تحمسهم على القتال، وقد اجتمع على الجمل جمع من ~~فرسان المسلمين فعقروه وقتلوها، وقتل حول جملها كما تذكر الرواية ~~مائة رجل، وكان قيام أم زمل وتشجيعها للناس على قتال المسلمين ~~طلبا للثأر. ~~(20) المطاردة # ورب منتقد يعتب على خالد إهماله المطاردة بعد انتصاره في ~~بزاخة؛ إذ كان في وسعه أن يطارد الأعداء ولا يمهلهم المقاومة مرة ~~أخرى إلا أن العتاب ليس في محله؛ لأن القتال في البادية مع ~~القبائل لا يشبه القتال في الحواضر؛ فالقبائل بعد أن تغلب تنهزم ~~إلى جهات مختلفة، بعد أن تترك حيها وتلجأ إلى الأحياء القريبة، ~~وتستنجد بها ولا تقصد هدفا ترمي إليه. وكان خالد مضطرا إلى ~~البقاء في بزاخة ليقبل إسلام المرتدين ويعاقب من مثل بالمسلمين ~~منهم عملا بوصايا أبي بكر. # وكان خالد قبل ذلك أوفد السرايا إلى أنحاء مختلفة؛ ليقضي على ~~المتشردين، فقاتلهم في جبل رمان على حدود طيء وقاتلهم في ~~الأبانين على حدود بني سلم، وقاتلهم في النقرة على حدود بني تميم، ~~فكل ذلك يدل على أن خالدا استثمر نصر بزاخة ولم يمهل ~~المنهزمين بل طاردهم بكل شدة. # ويقع موقع ظفر كما يذكر ياقوت الحموي بالقرب من حوأب، وهذا على ~~الطريق بين البصرة والمدينة، وكانت عائشة قد تشاءمت من نباح كلابه ~~لما رحلت من المدينة إلى البصرة للاشتراك في واقعة الجمل، ولعل ~~موقع ظفر يبعد عن بزاخة مسافة مرحلتين، وهو إلى شرقي كهفة، فالفلول ~~الشاردة من بزاخة التجأت إليه، وكانت أم زمل تحرضهم على الاجتماع ms36 ~~فيه لمقابلة خالد. # فالمسافة بين بزاخة وظفر يجب أن تكون بعيدة بدرجة أنها تساعد ~~الفلول على الاجتماع مرة أخرى للقتال. ~~(21) تقدم مسير خالد نحو البطاح لقتال بني تميم # البطاح: لا نعلم بالضبط المدة التي قضاها خالد في حي بني أسد ~~بعد أن انتصر على طليحة في بزاخة، والمؤكد أن خالدا استثمر فوز ~~بزاخة، فقام بمطاردة فلول الجيش المنهزم، ولما سمع أن بعض الفلول ~~اجتمعوا في ظفر تحت راية أم زمل تقدم بجيشه إليهم وهزمهم شر ~~هزيمة، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم. # والظاهر من ذلك أن خالدا قضى أكثر من شهر في حي بني أسد على ~~أقل تقدير، ولما استتب له الأمر في نجد وتأكد معونة طيء، ودان ~~له بنو عمر وبنو صعصعة، انتهز الفرصة ليتقدم نحو بني ~~تميم. # وكان بنو تميم من أقوى القبائل العربية بكثرة عددها وخصب أرضها ~~وشدة بأسها، وتنقسم القبيلة إلى أربعة أقسام: # القسم الأول: # الرباب وهم من شعب ضبة وعبد مناف. # القسم الثاني: # عوف والأبناء ومقاعس وبطون، وهم من شعب سعد بن ~~زيد مناة. # القسم الثالث: # بهدى وخضم، وهم من شعب بني عمرو. # القسم الرابع: # حنظلة ويربوع، وهم من شعب بني مالك. # وكان الزبرقان بن بدر يترأس رباب وعوفا والأبناء، وقيس بن ~~عاصم يترأس مقاعس والبطون، وصفوان بن صفوان يترأس بطن بهدى، ~~وسبرة بن عمرو يترأس بطن خضم، ووكيع بن مالك يترأس بني ~~حنظلة، أما مالك بن نويرة فيترأس بني يربوع، وهم فرقة من بني ~~حنظلة. # وكان بنو يربوع يسكنون أرض الحزن غربي الدهناء، والحزن والصمان ~~كلاهما ذو مراع خصبة يضرب بها المثل، وكان من حسن حظ المسلمين ~~أن هذه الشعب والبطون لم تكن متصافية فيما بينها، ويظهر أن ~~الخصومة كانت متأصلة فيها قبل الإسلام؛ فصفوان وسبرة متفقان، أما ~~قيس بن عاصم فخصم للزبرقان. # وكان الزبرقان وصفوان يميلان إلى المسلمين وينتظران المعونة منهم ~~ليتفوقا على خصومهما، أما قيس بن عاصم فكان مترددا، وأما وكيع ~~بن مالك ومالك بن نويرة فتظاهرا بالعداء للمسلمين، وكان العداء ~~متأصلا ms37 في نفوس الرؤساء لدرجة أن البطون والشعب كانت ~~تتقاتل. # ولما ظهرت سجاح اشتد هذا العداء، وادعت سجاح النبوة في بني ~~تغلب في أرض الجزيرة بين دجلة والفرات، وهي ترتبط ببني يربوع ~~برابطة القرابة، فجمعت حولها جموعا من بني تغلب وبني نمر وبني ~~إياد وبني شيبان، وتقدمت بهم إلى بلاد بني تميم، ويدل مجرى ~~الوقائع على أنها ادعت النبوة قبل وفاة الرسول. # ماذا كانت تقصد سجاح بمسيرها جنوبا نحو بلاد تميم، هل أرادت أن ~~تمهد السبل لتأسيس مملكة بين العراق ونجد تضم فيها قبائل ~~بني تغلب، والبعض من بطون بكر وبني تميم؟ أو إنها أرادت الهجوم على ~~المدينة، كما يروي سيف بن عمر؟ ثم هل شرعت في المسير قبل وفاة ~~الرسول أو أن وفاته شجعتها على المسير؟ هذه أسئلة تصعب الإجابة ~~عنها بصورة جازمة، والذي يلوح لنا أنها لم تكن تقصد لا هذا ولا ~~ذاك، ولعلها برزت بالكهانة وأحسنت السجع فالتف حولها الناس، ~~وأرادت أن تستغل نفوذها فسارت برجالها، وكلما مشت كثر أتباعها حتى ~~أدى بها المسير إلى الدخول في أرض بني تميم، ومع ذلك فمن المحقق ~~أنها بدخولها ديار بني تميم أرادت أن تستفيد من القرابة التي ~~تربطها بهم، وهذه القرابة غير واضحة، ومن الرواة من يزعم أنها ~~تميمية من بني يربوع وأخوالها من بني تغلب، ومنهم من يدعي أنها ~~تغلبية، وبنو يربوع أخوالها. # والواضح من أخبار الرواة أنها دخلت بلاد بني تميم بعد وفاة ~~الرسول، وكان دخولها مما زاد الشحناء بين رؤساء بني تميم، فأراد ~~كل منهم أن يستغلها لمصلحته، والغريب في أمر بني تميم أنهم لم ~~يخضعوا لرئيس واحد أسوة بالقبائل الأخرى؛ فكان لبني أسد رئيس ولبني ~~حنيفة رئيس ولغطفان رئيس، وهلم جرا. # والغريب في ذلك أن الفرق كانت تعيش مستقلة بعضها عن بعض، ~~وكانت تتقاتل بخلاف فرق القبائل الأخرى، ولعل الداعي إلى ذلك أنها ~~كانت جسيمة لا يمكن لرئيس واحد السيطرة عليها، وأنها في بلاد ~~جعلتها بمأمن من غزوات القبائل الأخرى، فلم تر الفرق والبطون ~~حاجة إلى ms38 الوحدة. # ويظهر أن مالك بن نويرة استطاع أن يستميل سجاح إلى جانبه ~~لقرابتها منه، وأراد أن يستغلها لمصلحته فيضرب بها الفرق ~~المخالفة له ويرأس بني تميم بالقوة، أما هي فكانت تريد أن تستفيد ~~منه للهجوم على المدينة، ومال وكيع بن مالك رئيس بني حنظلة إلى ~~جانبه، وهكذا مالت شعب بني مالك إلى جانب سجاح. # وكانت الشحناء قبل ذلك شديدة بين رؤساء بني تميم كما نعلم، ولما ~~ورد خبر وفاة الرسول عليهم أرسل بعضهم الصدقات إلى المدينة، وانتظر ~~بعضهم ما يصنع البعض الآخر، ويروى أن قيس بن عاصم رئيس مقاعس ~~والبطون قال: «وا ويلنا من ابن العكلية - يريد به الزبرقان - ~~والله لقد مزقني، فما أدري ما أصنع، لئن أنا تابعت أبا بكر ~~وأتيته بالصدقة لينحرنها في بني سعد فيسودني فيهم، ولئن نحرتها ~~في بني سعد ليأتين بها أبا بكر فيسودني عنده.» فعزم قيس على ~~توزيع الصدقات على مقاعس والبطون، ففعل وعزم الزبرقان على الوفاء ~~بإرسال الصدقات إلى المدينة، وكانت النتيجة أن نشب القتال بين عوف ~~والأبناء من جهة والبطون من جهة أخرى، وبين الرباب من جهة ومقاعس ~~من جهة أخرى، وبين خضم وحنظلة وبين بهدى ويربوع. # ولما وصلت سجاح إلى الحزن أرض بني يربوع واتفقت مع مالك بن ~~نويرة، والتحق بها وكيع بن مالك، شرع مالك ينفذ خطته ليرأس بني ~~تميم، فبدأ بقتال الرباب وعوف والأبناء، فلم يظفر بهم؛ بل دارت ~~الدائرة عليه وعلى سجاح، فوقع وكيع أسيرا بيد الرباب، وأرادت سجاح ~~أن تجرب حظها مع بهدى وخضم من شعب بني عمرو، فكان ~~نصيبها الخيبة أيضا، فلما لم تظفر بطائل تركت مالكا وانسحبت ~~برجالها من بلاد بني تميم وسارت إلى اليمامة. # هذا هو الموقف حين كان خالد يجول ويصول في بلاد بني أسد، ولم يكن ~~يجهله؛ لذلك لم يكد ينتهي من أمر بني أسد حتى تراه قد انتهز الفرصة ~~وأمر جيشه بالمسير إلى أرض بني تميم دون أن ينتظر أمرا من ~~الخليفة، وهكذا نراه يستعمل إبداعه ويسير جيشه نحو البطاح، برغم ms39 ~~مخالفة الأنصار له، مدعين أن عهد الخليفة إليهم أن يقيموا بعد ~~فراغهم من بزاخة إلى أن يكتب إليهم. إلا أن خالدا تقدم نحو ~~البطاح قائلا لهم إنه هو الأمير، وإليه تنتهي الأخبار، وإن لم ~~يأته أمر من الخليفة فإنه لا يريد أن يضيع الفرصة ما دام مالك بن ~~نويرة بحياله، وشعب بني تميم نافرة منه؛ لذلك لم يتردد خالد في ~~الذهاب إليه من دون الأنصار. # والواقع أن مالك بن نويرة بقي وحيدا بين بني تميم؛ لأن صفوان بن ~~صفوان كان قد أرسل الصدقات إلى المدينة، وكذلك الزبرقان، أما قيس ~~بن عاصم فكان عليه، وكذلك وكيع بن مالك لما سمع انتصارات خالد أرسل ~~صدقات بني حنظلة إليه فبقي مالك حائرا ماذا يعمل، وكان بالبطاح مع ~~رجاله من بني يربوع، والبطاح أرض دون الحزن، وهي ذات مراتع خصبة ~~وفيها مياه كثيرة، فالقصيبة والبريدة من مواقعها. # وندم الأنصار على تخلفهم؛ لأنهم خشوا أن تصيب المسلمين مصيبة ~~فيلاموا عليها، فأوفدوا رسولا إلى خالد يطلبون منه الإقامة إلى ~~أن يلحقوا به، فأقام خالد حتى لحقوا به، فسار إلى البطاح والروايات ~~غير متفقة في أمر مالك بن نويرة، ومن الروايات ما تزعم أن مالكا ~~قاتل المسلمين برجاله من بني يربوع فقتل في القتال، ومنها ما ~~يزعم أنه لما تأكد من الخيبة فرق رجاله وأمرهم بألا يقاتلوا ~~المسلمين، ورجع إلى منزله، ولما قدم خالد البطاح بعث أربع سرايا ~~إلى جهات مختلفة، فرجعت السرية التي كان يقودها أبو قتادة الأنصاري ~~بمالك، والبعض من رجاله. # ومن الروايات ما تزعم أن مالكا حارب السرايا التي أوفدها خالد ~~فقتل، ومنها ما تزعم أنه وقع أسيرا في القتال فأمر بضرب رقبته ~~مع الأسرى الآخرين، والبعض الآخر من الروايات تذكر أن خالدا أراد ~~قتل الأسرى بما فيهم مالك، إلا أن أبا قتادة شهد أنهم أذنوا ~~وقاموا وصلوا، فلما اختلفوا فيهم أمر خالد أن يحبسوا، وكانت ~~الليلة شديدة البرد، فأمر خالد مناديا فنادى أن أدفئوا أسراكم، ~~وكانت كلمة الدفء في لغة كنانة تعني القتل ms40 فقتلهم الخفراء، وقتل ~~ضرار بن الأزور مالكا. # وكان قتل مالك على هذه الصورة، وتزوج خالد بامرأته ليلى بعد ~~قتله بمدة قصيرة؛ وهذا مما جعل عمر ينقم على خالد، فطلب من أبي ~~بكر أن يعاقبه على فعلته هذه، فاضطر الخليفة إلى استقدام خالد إلى ~~المدينة وطلب الإيضاحات منه، فلما اقتنع أن خالدا لم يقصد قتل ~~مالك أعاده إلى جيش المسلمين وكلفه بالمسير إلى اليمامة ليقاتل ~~مسيلمة الكذاب. ~~(22) الحركات في اليمامة # من الصعب التثبت من المدة التي قضاها خالد بن الوليد في البطاح ~~حتى نعلم الوقت الذي تقدم بجيشه نحو اليمامة لمقاتلة بني حنيفة. ~~فيكاد أكثر المؤرخين من العرب يتفق على أن القتال في اليمامة وقع ~~في أوائل السنة الثانية عشرة الهجرية. أما أبو بشر الدولابي ~~واليعقوبي فيزعمان أن القتال وقع في شهر ربيع الأول من السنة ~~المذكورة. # فمبدأ السنة الثانية عشرة الهجرية يوافق شهر آذار (أبريل) سنة ~~633 ميلادية، والذي نعلمه أن خالدا توجه من ذي القصة نحو بزاخة ~~في منتصف شهر أيلول (سبتمبر)، أو شهر تشرين الأول (أكتوبر). # وقضى خالد في حركته نحو بزاخة أكثر من عشرين يوما يترقب أخبار ~~طيء، وبعد انتصاره على جيش طليحة بن خويلد مكث في بني أسد مدة غير ~~قصيرة ليقبل إسلام المرتدين ويجمع منهم السلاح. أضف إلى ذلك ~~قتاله في ظفر وانتظاره مجيء رؤساء بني عامر. # ويدعي المؤرخون أن مالك بن نويرة قتل خطأ في ليلة شديدة ~~البرد. وعلى ما في كتاب الطبري رواية عن سيف بن عمر أن الأسرى من ~~يربوع حبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء. والليالي الشديدة ~~البرد في البادية تقع في أشد شهري الشتاء بردا، وهما كانون ~~الأول (ديسمبر)، وكانون الثاني (يناير). إذن وقع القتل بين أواخر ~~كانون الأول وأوائل كانون الثاني، فتكون حادثة البعوضة # 1 # وقعت بين شهري شوال وذي القعدة في السنة الحادية عشرة ~~الهجرية. # يقينا أن خالدا قضى مدة غير قصيرة في البطاح وقضى وقتا في ~~ذهابه إلى المدينة ملبيا دعوة الخليفة. ولما عاد منها ms41 لم يحرك ~~جيشه نحو اليمامة بمجرد وصوله إلى المعسكر؛ بل انتظر مدة لورود ~~النجدة التي أمد بها الخليفة جيش المسلمين. فيظهر من كل ذلك ~~أن الحركة من البطاح نحو اليمامة وقعت في أوائل السنة الثانية عشرة ~~الهجرية؛ أي في ربيع سنة 633 ميلادية في شهر آذار أو شهر نيسان ~~(مايو). # ومن رواية رواها أبو ~~هريرة نستدل على أن سلمة بن عمير الحنفي كان يشجع بني حنيفة على ~~المقاومة بعد معركة عقرباء فينادي قائلا: «يا بني حنيفة، قاتلوا ~~عن أحسابكم ولا تصالحوا على شيء، فإن الحصن حصين، وقد حضر الشتاء.» ~~ومعنى ذلك أن الحركات في اليمامة جرت في صيف الثالثة عشرة الهجرية؛ ~~أي بدأت حوالي شهر مايو لسنة 633 ميلادية. ~~(23) منطقة الحركات # اليمامة مؤلفة من مقاطعتي العارض والخرج الحاليتين، ومقاطعة ~~الخرج من أخصب مقاطعات نجد، فالماء مبذول فيها وهو على عمق بضعة ~~أمتار تحت الأرض، ولما كانت أرضا منخفضة تنصرف إليها مياه الأمطار ~~من الجبال والهضاب التي تحيط بها ومدينة اليمامة - العاصمة القديمة ~~- واقعة فيها، ويدعي كثير من الجغرافيين بأن أرض اليمامة القديمة ~~هي مقاطعة الخرج الحالية، وهذه المقاطعة واقعة في جنوب شرقي العارض ~~ويحدها من الشرق وادي حنيفة، وعلى إحدى شعبه اليمنى بنيت مدينة ~~اليمامة. ولا تزال مقاطعة الخرج من أكثر المقاطعات النجدية نفوسا، ~~وفيها مراع خصبة وبساتين نخل كثيرة. # ويحد المنطقة التي جرت فيها الحركات من الشرق هضبة العرمة، وهي ~~الهضبة المرتفعة المشرفة على الدهناء، ومن الغرب الأنفدة ~~الموازية لسلسلة طويق، ومن الشمال مقاطعة القصيم، والمنطقة جبلية ~~تعد من أوعر مناطق نجد من حيث الوديان والمضايق والروابي ~~والآكام. # وتمتد جبال طويق في وسط المنطقة من الشمال إلى الجنوب وهي حجرية ~~كلسية جرداء متموجة تتألف من سلسلتين متوازيتين وسفوحها ~~الغربية منحدرة، أما سفوحها الشرقية فقليلة الانحدار. ويبلغ ~~ارتفاعها زهاء ستمائة قدم على الهضبة الغربية، وتمتد الجبال من ~~الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، وتنكسر في الوسط وتغير اتجاهها ~~إلى الجنوب فالجنوب الغربي، فتنتهي إلى وادي الدواسر. # وفي المحل الذي تنكسر فيه ms42 تجري الوديان من الشرق إلى الغرب وتصب ~~في وادي حنيفة، وهذه الوديان ضيقة وعرة في محل الانكسار؛ حيث ~~ترتفع سفوحها الشمالية والجنوبية بانحدار شديد. # وتتصرف مياه الأمطار التي تهطل على الجبال إلى الشرق والغرب في ~~الوديان والشعب، فمنها ما يصب في وادي حنيفة، ومنها ما يكون ~~وادي الخفس وشعيب العتش؛ حيث ينصرف مياهها إلى الدهناء، ومنها ما ~~يصب في مقاطعة الوشم ويسقي منخفضاتها، ويكون واحاتها الخصبة. ~~والشعيب الذي يكون وادي الخفس ينبع من جنوبي ثادق ويجري نحو ~~الجنوب إلى الحريملة، ومنها يتوجه شرقا. # وهذا الشعيب ووادي حنيفة يقسمان الجبال إلى سلسلتين؛ الغربية ~~منهما مرتفعة ووعرة وهي طويق، أما الشرقية فمنخفضة ولطيفة ~~الانحدار، وهي روابي العارض في الشمال وجبل صلبوخ في الوسط والجبيل ~~في الجنوب، وأما وادي الحنيفة (وهو أعظم واد في هذه المنطقة) فقد ~~سميت القبائل الساكنة على جانبيه باسمه، وصدره في الأرض الفاصلة ~~بين العارض من جهة والمحمل والسدير من جهة أخرى، ويبدأ الوادي في ~~ثنية اليمامة في شرق خشم الحيسية، ويتكون من عدة شعب تجري من ~~الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال، فيستمد الوادي ماءه منها ~~فيجري من الغرب إلى الشرق، وفي جوار عقرباء حيث نشبت المعركة ~~الفاصلة بين جيش خالد وجيش مسيلمة، يغير الوادي اتجاهه فيجري من ~~الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي في واد يضيق في بعض المحلات، ~~ويعرض في البعض الآخر وهو شديد الوعورة في الشمال وسهل المجرى في ~~الجنوب، وعلى حافتي الوادي شيدت القرى والمدائن؛ حيث استقيت ~~المياه المنصرفة إليه وزرعت البساتين حولها، والوادي في هذا ~~القسم يتغذى بعدة شعاب ينصب أكثرها من السفوح الغربية. # وفي محل انكسار سلسلة طويق تصب فيه عدة وديان؛ بحيث إنها ~~تغير اتجاهه في جوار السليمية واليمامة فيتوجه نحو الشرق ~~فالجنوب الشرقي إلى أن ينتهي في رمال الربع الخالي. # وكان من وصايا أبي بكر إلى خالد بن الوليد أن يأخذ الحيطة عند ~~الهجوم على أهل اليمامة. وكان الخليفة محقا في هذه الوصية؛ لأن ~~أهل اليمامة سكان القرى المبنية في ms43 الوديان ضيقة وعلى سفوح الجبال ~~الوعرة بنوا دورهم بالحجارة وسوروا قراهم بالجدران، وأنشئوا ~~الحدائق بالقرب من قراهم، وزرعوا فيها النخيل والأشجار ، وأحاطوها ~~بالحجارة ليمنعوا المارة من دخولها، أو ليعتصموا بها عند ~~الحاجة. # فأهل اليمامة إذن لا يشبهون أهل البادية في القتال، فهم معتصمون ~~بجبالهم المنيعة، ومعتزون بقراهم المتينة وحدائقهم المستحكمة. ولا ~~تزال آثار هذه القرى ظاهرة في تلك الأنحاء. # وهذه القرى كثيرة ومنتشرة على طوار وادي حنيفة، وفي مقاطعة ~~الخرج، وفي الوديان والمنخفضات والواحات. # ولا يخلو من الفائدة أن نقتبس هنا وصف المستر فلبي الذي تجول ~~في هذه المنطقة في صيف 1918 فدون مشاهداته في كتابه «البلاد ~~العربية الوهابية»، وقد وصف قرية الجبيلة الواقعة بالقرب من قرية ~~«عقرباء» التي دارت رحى المعركة فيها بما يلي: # والقرية الآن آهلة بعدد يسير من السكان البؤساء، ومعظمها ~~أطلال دارسة، ومقابر الصحابة على ضفة الترعة المقابلة ~~للقرية (الضفة اليسرى للوادي)، وعلى مسافة نحو ربع الميل ~~منها، وقد يشاهد المسافر بقاعا متفرقة مغروسة بأشجار ~~الأثل (الطرفاء) تسري عن المرء الانقباض الذي ~~يعتريه من إدامة النظر إلى اللون الأغبر الذي لا يتغير، ~~وهو اللون الدائم لتلك السهول الرسوبية المترامية التي ~~سدت الوادي، وبقرب الحي آبار كثيرة بعضها مطوي بالحجارة ~~يستقي منه أهل الحي دائما. أما بيوت أهل الحي فمعظمها ~~أطلال من اللبن بلا خشب، وقد عبثت بها يد البلى ودرست ~~آثارها بمرور الأيام، أما ما بقي منها فلا بأس بحاله، ~~ويستدل منه على أن أهل تلك البيوت عنوا بصيانتها؛ ~~فدعموها بأعمدة حجرية مشيدة بالجص لتحمل على متونها ~~روافد السقوف، وقد شاهدت في دار منها وعاء مزدوجا ~~كبيرا من الملاط المغطى بطبقة رقيقة من الصاروج (الجص) ~~الأسمر لخزن التمور، ولا تزال جدرانه ملوثة بعصارة ~~التمر. # إلى أن يقول: # ومعظم الجدران المبنية من الطين مؤزر إلى ما يقارب نصفه ~~بأيادات من الحجر الصلد، مبينة على وجه الجدار بناء ~~منحرفا توخوا فيها بساطة التزويق لا غير. # ويقول في وصف جبل طويق والهضاب التي يشرف عليها: # أما ما استدار من ms44 الأرض حول تلك المنطقة، فلم أجد في ~~حياتي أرضا مثله، فلم أعثر في أرباضه على شيء تنقبض له ~~النفس فتجد أمامك طريقا معرضا لمهاب الرياح خاليا من ~~الظاهرات الطبيعية، ضاربا في كافة الجهات على نمط واحد ~~لا نهاية له، ولا يعترضه في ذلك التكوين الغريب سوى الحرف ~~المطمئن المسمى جبل صلبوخ الواقع إلى الشمال ~~الشرقي. # وعندما يبحث في أطراف عيينة عاصمة آل ابن معمر القدماء - وهي ~~القرية الواقعة إلى غرب عقرباء في واد ضيق - يقول: # أما ربوع عيينة التي اشتهرت من قديم الزمن بجمالها ~~وخصبها، فمنبسطة على جانبي المسيل شرقا وغربا نحو ~~ميلين، وقد أمست الآن قاعا صفصفا وأثرا بعد عين، ونبتت ~~أدغال الأثل في البقاع التي وطئت أراضيها ومهد ثراها الفرس ~~فسائل النخيل فيها، أما البلد الأصلي أو الحالة التي كانت ~~يوما موطنا لآل ابن معمر فلا تختلف عما كان حولها من ~~الربوع الضاربة في صدر تلك المحلة الرحبة، إلا أن أطلالها ~~الشاخصة قد شغلت بقعة وسيعة، ويمر عابر السبيل في تلك ~~البيداء بين آونة وأخرى بأطلال البنيان القديم كالعمد ~~المزوقة رءوسها. وفي كل ناحية من نواحي تلك المحلة ~~الوسيعة آبار نضب عنها الماء، وهي مطوية بالحجارة ~~وآجور، عليها أحواض مبنية بالصاروخ، أما ضفاف المسيل ~~فمدعمة بأيادات كالمسنيات على أشد ما تكون من متانة ~~البنيان، عقدها أصحابها في وجه السيل من زمن بعيد لحبس ~~المياه في بطن المسيل، فرحلوا عنها وتركوها وشأنها، فعبثت ~~بها يد الدهر فتداعت جدرانها وتقوض بنيانها المحكم، ~~ثم غدت ترابا فوق أنقاض بالية، وشاهدت في بعض تلك ~~الجدران حجارة كبيرة من الصخر الصلد؛ طول الحجر الواحد ~~قدمان في عرض نصف قدم. # إلى أن يقول: # جزنا الأطلال وخرجنا من عيينة الخربة، وسلكنا طريقا ~~تخترقه أشجار الأثل في عنفوان نموها، والمنتشرة في طول ~~الأرض وعرضها إلى أن تنتهي في طرف المحلة القائمة في ~~الناحية الغربية، فولينا وجوهنا شطر المغرب صاعدين الوادي، ~~فسار بنا الظعن يطوي صوحه صعودا. وعرض الوادي في أسفله ~~(أي في عقيقه) نحو الميل، وكلما ms45 ارتقى الإنسان صوح الوادي ~~وارتفع عن عقيقه ازداد انفراج الوادي إلى أن بلغ عرضه ~~ميلين أو ثلاثة أميال، ولما أرسلت رائد الطرف في ميمنة ~~الوادي بدا لي شعيب في منخفض الوادي، وقد قيل لي أن هذا ~~الوادي يأخذ في الصعود مرة أخرى إلى حوض عظيم كسيت ~~جدرانه بالصاروج، ويقع على سفح التل لحبس مياه الأمطار ~~والمثاعب المنحدرة على جوانبه، ولم يزل حتى الآن ~~خزانا لري حقول القمح المزروعة في وسط الخرائب، وهناك ~~شعيب آخر إلى يمين طريقنا يقال له شعيب عيينة ينحدر من ~~الهضبة الضيقة التي تفصل وادي الحنيفة عن وادي ~~سدوس. ~~(24) قوات الفريقين # برغم كثرة الروايات التي تتناول حركات اليمامة والقتال في ~~عقرباء، نجد الغموض ظاهرا في معرفة قوة الفريقين؛ فالطبري يذكر ~~نقلا عن سيف بن عمر أن القوة المحاربة لدى قبائل بني حنيفة بلغت ~~أربعين ألفا. ولما ذكر أخبار السنة الحادية عشرة الهجرية نقل عن ~~ذلك الراوي نفسه، وزعم أن القوة المحاربة بلغت عشرة آلاف، أما ابن ~~حبيش فيذكر في رواية نقلها عن الواقدي مفادها أن قوة المسلمين ~~بلغت أربعة آلاف، وقوة بني حنيفة أيضا بلغت هذا المقدار ذاته، وفي ~~رواية تسند إلى سيف بن عمر يزعم الراوي أن عدد القتلى من بني حنيفة ~~بلغ عشرين ألفا. # أما المؤرخ الفارسي ميرخوندي فيزعم أن عدد القتلى في تلك الموقعة ~~بلغ سبعين ألفا، والذين قتلوا في حديقة الموت بعد المعركة سبعين ~~ألفا. ولعلك أدركت أنه يصعب الوصول إلى عدد يقرب من الحقيقة بين ~~هذه الروايات التي تقدر قوة الحنفيين بين أربعة آلاف وأربعين ~~ألفا، وعدد القتلى منهم بين عشرين ألفا إلى مائة وأربعين ~~ألفا. # ولكن الثابت أن مسيلمة جمع أعظم قوة لمقابلة جيش المسلمين، ~~ووضعها على الحد الفاصل بين بلاد حنيفة وبلاد بني تميم، وترك ~~القرى العامرة وراءه، وكان من مصلحة الحنفيين أن يجتمعوا تحت لواء ~~رئيسهم للدفاع عن حيهم الذي تركوه وراء ظهورهم، ويظهر من مجرى ~~المعركة أن عدد القتلى في قوة الحنفيين كان كبيرا. # لقد قدرنا جيش بني ms46 حنيفة عند البحث في قوات الفريقين بخمسة ~~عشر ألف مقاتل - بمعنى أن الحد الأقصى للقوة التي يستطيع ~~الحنفيون سوقها لا يتجاوز العدد المذكور. والذي يلوح لنا أن القوة ~~التي جمعها مسيلمة في عقرباء تبلغ عشرة آلاف مقاتل. ~~(25) قوة المسلمين # يروي الواقدي أن جيش خالد بلغ أربعة آلاف مقاتل في معركة عقرباء، ~~وفي رواية أخرى تسند إلى عيسى بن سهل أن الجيش الذي تولى ~~قيادته خالد لما خرج من المدينة كان يقوده أربعة آلاف مقاتل، وهذا ~~الجيش حارب في اليمامة، والذي لا ريب فيه أن قوة جيش المسلمين ~~بلغت أربعة آلاف مقاتل لما تركت الربذة، وتقدمت نحو بزاخة وانضمت ~~إليه قوات من بني طيء قبل المعركة، ثم زاد هذا الجيش إسلام قبائل ~~بني أسد وغطفان، ولعل قوته بلغت أكثر من خمسة آلاف لما نزل في ~~البطاح، ومن الثابت أن جماعات من بني تميم انضمت إليه قبل أن ~~يتوجه نحو اليمامة. وتروي لنا الأخبار أن الخليفة أبا بكر أمد ~~الجيش بقوات من المدينة لما كان محتشدا في البطاح، وأن خالدا سبق ~~هذا الإصرار من المدينة، وانتظر وروده من البطاح فجميع هذه الأخبار ~~تدل على أن جيش المسلمين تضاعفت قوته بانضمام القبائل ووصول ~~النجدة إليه قبل أن يتحرك من البطاح نحو اليمامة، وكان من ~~البديهي أن تلتحق به القبائل متى اتصل بها خبر خيرات اليمامة ووفرة ~~المغنم فيها. ويلوح لي أن قوة الجيش بلغت أكثر من ستة آلاف مقاتل ~~قبل حركته في البطاح. ~~(26) الموقف قبل الحركة # لبى خالد أمر الخليفة فذهب إلى المدينة ليدافع عن عمله في قضية ~~مالك بن نويرة، وفي رواية لسيف بن عمر أن أبا بكر أرسل عكرمة بن ~~أبي جهل إلى اليمامة لما كان خالد يحارب المرتدين في بزاخة ~~وأمده بقوة أخرى بقيادة شرحبيل بن حسنة، والرواية تزعم أن عكرمة ~~بدأ القتال قبل وصول شرحبيل فنكب، فأقام شرحبيل في الطريق؛ حيث ~~أدركه الخبر. وهذه الرواية تؤيد زعم سيف في أن الخليفة قسم جيش ~~المسلمين في ذي القصة إلى إحدى ms47 عشرة فرقة، وعين قائدا لكل ~~منها فوجهها إلى مناطق المرتدين، وقد سبق أن بينا فساد هذا ~~الزعم. وفي رواية أخرى أن شرحبيل بن حسنة الذي تلقى أمرا من ~~الخليفة بأن ينتظر ورود خالد ولا يتحرك، بادر إلى قتال مسيلمة ~~قبل قدوم خالد فنكب وانسحب، وإذا صحت هذه الروايات يلوح لنا أن ~~عكرمة بن أبي جهل كان يراقب اليمامة بقوة ساترة من المسلمين لما ~~وقف خالد في البطاح، فوقعت مناوشات بينه وبين الحنفيين حبطت مساعيه ~~فيها فانسحب، أما شرحبيل بن حسنة فإنه تولى قيادة جيش المسلمين ~~عند ذهاب خالد إلى المدينة، فبدلا من أن ينتظر ورود خالد أسرع إلى ~~مقاتلة الحنفيين فانكسر. # ولما قدم خالد البطاح كان جيش المسلمين مرابطا فيها، وكانت ~~قبائل بني تميم عرضت الولاء إلا البعض منها فالتجأ إلى اليمامة، ~~وكان بنو طيء وبنو أسد وبنو غطفان وبعض بني تميم أمدوا جيش ~~المسلمين بالمقاتلين. # أما مسيلمة فإنه جهز عددا كبيرا من بني حنيفة وتقدم شمالا ~~يريد مقابلة جيش خالد، وتدل الأخبار على أن بعض الحنفيين كان ~~يخابر المسلمين سرا، ويطلع خالدا على موقف مسيلمة، ومن ~~الروايات ما يؤيد أن الحنفيين الذين حافظوا على إسلامهم تحفزوا ~~للشغب على مسيلمة. ~~(27) الطريق الذي سلكه خالد # هناك طريقان للتقدم من البطاح نحو اليمامة؛ طريق شرقي وطريق ~~غربي، أما الطريق الشرقي فيتجه شرقا أولا، ثم يمتد إلى سفح ~~جبل طويق الغربي متوجها إلى الجنوب الشرقي مارا بالأرض ~~الجبلية، وهو الطريق الذي يصل بريدة بالزلفى، ثم يمتد إلى ~~المجمعة، ومنها إلى الحوطة فثادق فسدوس، أما الطريق الغربي ~~فيتوجه نحو الجنوب الشرقي فيمتد بين نفود السد ونفود الشقيقة إلى ~~أن يصل إلى الشقرة عاصمة الوشم، ومنها يمتد موازيا لسفوح جبل ~~طويق الغربية فينعطف نحو الشرق ويتسلق الجبال ويمر بثنية ~~اليمامة؛ حيث ينبع وادي حنيفة في غربي عيينة فينتهي في عقرباء ~~ويدخل اليمامة. # والذي يلوح لنا أن خالدا سلك الطريق الغربي لاجتيازه أرضا سهلة ~~تجعل المدينة في ظهره، أما الطريق الشرقي فيخترق أرضا جبلية وعرة، ~~وقد ms48 تعرقل عليه المسير إذا أراد أهلها المقاومة، فضلا عن أنه ~~طويل. # ومن الأخبار ما ينبئ بأن طليعة جيش المسلمين باغتت بعض رجال ~~مسيلمة في ثنية اليمامة؛ أي في عقبة الحيسية، وهو المضيق الواقع ~~إلى شرقي الحيسيان بين خشم الحيسية وخشم الخرشة، وفيه تنقسم مياه ~~الأمطار؛ فمنها ما يصب إلى الشرق ويجري في وادي حنيفة، ومنها ما ~~يصب إلى الغرب ويجري في بطن الحور. # ومن جملة الأسباب التي تجعل خالدا يميل إلى سلوك الطريق الغربي، ~~قربه من قاعدة الحركات؛ أي المدينة. فإذا ما نكب الجيش يصل إليه ~~المدد من خلفه، وإذا ما تضايق يستطيع الانسحاب إلى المدينة أو إلى ~~مكة من بلاد أسد وغطفان، أو من بلاد بني عامر وهوازن؛ لذلك نجزم ~~بأن جيش المسلمين سلك ذلك الطريق في مسيره نحو اليمامة. ~~(28) معركة عقرباء # يقينا أن معركة عقرباء من المعارك الفاصلة التي ختمت دورا ~~وفتحت دورا آخر؛ فالمسلمون جمعوا أقصى قوتهم بقيادة أمهر ~~قوادهم، والمرتدون حشدوا أعظم قوة في استطاعتهم جمعها في أوعر ~~منطقة، فمجرى المعركة يدل على الغاية التي كان يستهدفها كل من ~~الفريقين. # فلو انكسر المسلمون، لا سمح الله، في هذه المعركة لبقي العرب ~~منزوين في جزيرتهم، واحتفظ الأكاسرة بملكهم في العراق، ولم يبك ~~هرقل ضياع سورية؛ فالنبي الكاذب أسود العنسي الذي سيطر على اليمن ~~مدة من الزمن قتل غيلة، فلم يضطر المسلمون إلى حشد قوة كبيرة ~~للتغلب عليه. أما بنو أسد فلم يكن من الصعب التغلب عليهم ~~لتفرق كلمة القبائل، بيد أن في عقرباء احتشدت أعظم قوة من ~~أمنع قبيلة في أرض مستحكمة، وكان الناس يقاتلون عن حيهم، ~~ويتفانون في سبيل نبيهم. # ولما انتهت المعركة بانتصار المسلمين انكسرت مقاومة المرتدين ~~في الأقطار الأخرى، ولم يلاق المسلمون صعوبات في تمكين الإسلام ~~من قلوب أهلها، فخضعت البحرين، ودانت عمان ومهرة بدين الإسلام، ~~وجددت حضرموت إسلامها، وعادت اليمن إلى حظيرة الإسلام، وكان من ~~أثر ذلك أن اجتمعت كلمة العرب فشعروا بقوتهم، فبادروا إلى ~~الفتوح بقيادة رؤسائهم، فاندفعوا كالسيل الجارف يثلون العروش، ms49 ~~ويقضون على إمبراطورية الأكاسرة ودولة القياصرة، فلم يمر بضع ~~سنوات على ذلك حتى كان العرب يصولون بخيولهم في بلاد خراسان شرقا ~~وبلاد المغرب غربا. ~~(29) خطة خالد # لا شك في أن خالدا كان يقدر حرج الموقف في قتاله أهل ~~اليمامة، وكان يعلم أنه على أمر يتوقف عليه نجاح الإسلام أو ~~خيبته؛ فالبلاد وعرة، والقرى فيها منيعة، والناس ملتفون حول ~~داعيهم معتصمون بحيهم، وعددهم كثير، وسلاحهم يضرب به ~~المثل. # لذلك لم يقدم على الحركة قبل أن تصله النجدة الموفدة من ~~المدينة، وأراد أن يمهد سبيل الظفر بالتدابير السياسية وذلك: # أولا: # باستمالة التميميين في اليمامة إلى ~~جانبه. # ثانيا: # بتفريق رؤساء سجاح عن مسيلمة. # ثالثا: # باستخدام المسلمين من بني حنيفة للمشاغبة على ~~مسيلمة. والأخبار تدل على أنه أرسل الكتب إلى ~~التميميين ليتركوا جانب مسيلمة فوفق إلى ذلك، ~~كما أنه ساق قوة خيالة لمقاتلة رؤساء سجاح ~~الثلاثة وهم: عقة وهذيل وزياد، ففرق رجالهم ~~واضطرهم إلى العودة إلى حي بني تغلب في الشمال، ~~وأن المسلمين من بني حنيفة ثاروا على مسيلمة ~~وشاغبوا عليه، ولعل عكرمة بن أبي جهل أراد أن ~~يستفيد من المشاغبين فقاتل رجال مسيلمة فلم ينتصر، ~~وكانت الأخبار تأتي خالدا وتنبئه بما في ~~اليمامة. # أما خطته العسكرية فكانت ترمي إلى الزحف إلى اليمامة على أقصى ~~طريق والهجوم على جيش مسيلمة أينما لقيه. # عاد خالد إلى المدينة بالبطاح في أوائل السنة الثانية عشرة ~~الهجرية، وكان الجيش مجتمعا فيها ينتظر أمر الحركة، وقضى خالد ~~مدة قصيرة في البطاح يترقب ورود المدد من المدينة، فكانت القبائل ~~تمد جيشه برجالها، فالتحق به رجال بني أسد وتميم وبني عامر، ~~وكانت الأخبار ترد إليه من اليمامة منبئة بأحوالها وآخر من وصل ~~إليه ابن عمير اليشكري فاطلع خالد على جلية الأمر في ~~اليمامة. ~~(30) ساحة القتال # اختار مسيلمة موقع عقرباء لجيشه، وهذا الموقع على الحدود الفاصلة ~~بين اليمامة وبلاد بني تميم، وهو مفتاح لموقع من أخطر المواقع ~~السوقية بين مقاطعة العارض ومرتفعات المحمل وجبل طويق. # وبالقرب من هذا الموقع تقوم قرية جبيلة ms50 الحديثة، وقد بحث فيه ~~«فيلبي» في كتابه الآنف الذكر، قال: # وإذا تأملت الوادي (أي وادي حنيفة) عند جبيلة، وجبيلة ~~هذه أحد منازل بني حنيفة من قديم الزمن وإليهم نسب ~~الوادي، وفي سمائه ارتفع لواء صيتهم فسمي بوادي حنيفة، ~~لألفيته وهدة من الأرض قريبة القرار واسعة الجوانب ~~تكتنفها المهابط المطمئنة الجرداء من كل حدب وصوب ~~وللوادي عقيق يضيق شيئا فشيئا حتى تراه قد غاص في بطن ~~حجري نشزت على ضفافه الطنوف الشواخص على النحو المتقدم ~~وصفه، فالقرية إذن مفتاح لموضع من أخطر المواضع السوقية ~~وأعظمها شأنا واقعة بين مساكن المعارض ومرتفعات المحمل ~~وطويق، وقيل في هذا المكان وقعت معركة فاصلة من معارك ~~التاريخ الإسلامي دارت فيها رحى القتال بين أصحاب النبي ~~وبعض المؤمنين من رجاله وبين مسيلمة نبي حريملة الكذاب ~~وقواته، وكان النصر فيها حليف المسلمين بعد أن خسروا آنئذ ~~في سبيل دينهم القويم نحو سبعين من نخبة الصحابة، وهم ~~الرجال الخلص الذين اصطفاهم النبي فأودع في صدورهم ~~تعاليمه ... # إلى أن قال: # لا تزال قبور الصحابة الذين استشهدوا في تلك المعركة ~~ظاهرة إلى يومنا هذا مهجورة في منبطح من غرين نهر ~~عميق صفا ماؤه واقع على مقربة من القرية، وقد رأيت القبور ~~أيام زيارتي لها ومروري بها، وقد بليت وتحاتت بتأثير ~~الزوابع وفعل الأعاصير، وقد نجم عن ذلك أن تفتحت جوانب ~~الكثير منها فظهرت فيها ثغر فاغرة أفواهها نحو الوادي، ~~ولم يزد ارتفاع الرسوب الغريني على ثلاث أو أربع أقدام فوق ~~القبور، فلنا إذن من ذلك أحد الأمرين: # إما أن تكون دفائن تلك القبور أحدث مما يزعمون، وإما ~~أن الغرين قد رسب من قبل في المكان الموجود الآن فيه، وبات ~~مستواه على ما هو عليه بطبيعة الحال قبل معركة جبيلة، ولا ~~غرو في أن الأمر الثاني هو الافتراض المحتمل ~~وقوعه. # وصف الموضع # يظهر من مطالعة الخريطة أن المحل الذي اختاره مسيلمة لقبول ~~المعركة واقع في جنوب العقدة التي تتشعب منها الجبال، وتمتد في ~~جهات مختلفة وتشرف على رءوس الوديان المتدفقة من ms51 أرجائها، ~~والتي منها ما يجري نحو الشمال، ويغذي وادي الخفس، والتي منها ~~ما يجري نحو الشرق ويغذي وادي حنيفة، ومنها ما يجري نحو الغرب ~~ويغذي بطين الحور، وقد اجتمعت قريتا عيينة وسدوس وجبيلة حول ~~هذه العقدة وتعلو في وسطها رابيتا الأبكين؛ الرابية الغربية ~~والرابية الشرقية، والغربية أعلى من الشرقية، إذ يبلغ ارتفاعها ~~عن سطح البحر 3200 قدم، وعن وادي حنيفة الذي يجري في جنوبيها ~~200 قدم، وفي شرق الأبكين جبل رامة يمتد من الغرب إلى الشرق، ~~وهذا الجبل مع جبل الأبكين يفصلان بين شعيب سدوس ووادي حنيفة، ~~فالشعيب في الشمال ينبع من غربي سدوس ويجري نحو الشرق فيترك ~~على ضفافه سدوس وحزوة، ويلتقي بشعاب كثيرة أخرى تصب جميعا ~~في وادي الخفس، والوادي الثاني يجري في الجنوب. # وإلى شرق جبيلة يرتفع جبل صلبوخ، فكأن الجبال الثلاثة - ~~الأبكين ورامة وصلبوخ - متصل بعضها ببعض ومحيطة بموضع جبيلة ~~كالقوس. # ويصف المستر فلبي المنظر قرب الأبكين فيقول: # وقفنا نتأمل بطحاء طويق الفسيحة الأرجاء، فألفينا ~~مشهدها رائعا مهيبا، وتتخللها الهضاب المتموجة ~~والأودية السحيقة، وإنا لكذلك إذ لاحت مني التفاتة إلى ~~الشمال فشاهدت، على مسافة ميلين من بسطة، أرضا انطوى ~~تحتها واد فسيح تحدرت جوانبه وانقطعت مجامعه عند ~~حوض الخفس الواقعة فيه واحة سدوس، تلك الواحة الغضة ~~الرائعة المشهورة بجمالها الفتان كنا نراها ونرى ~~فيها كل صغيرة وكبيرة ونحن واقفون في مكاننا كأنها ~~أمامنا على مقربة منا، ولكنها - ويا للأسف - لم تكن ~~على استقامتنا، فشق علي زيارتها لبعد طريقنا ~~عنها، وقد شاهدت بساتين النخيل ممتدة على طوار الينبوع ~~الدافق مسافة ميل تقريبا في عرض قدر معدله بين ~~200، 300 ياردة. # إلى أن يقول: # ورأيت على مدى البصر إلى الجهة الشمالية الشرقية نجد ~~مرتفعات العرمة، وقد بدت بلون أدكن، ونظرت إلى الشمال ~~الغربي وادي حريملة وهو فرع آخر من فروع حوض الخفس، ~~وقد انفصل عن فرع سدوس بجرف متسع المتون مرتفعها، ~~ورأيت في الجهة الجنوبية الغربية صدع جرف طويق فبدت من ~~موضعه عقبة الحيسية (1)، وإلى الجنوب وراء خط وادي ms52 ~~الحيسية وجرف الملاقي تمتد ظهور طويق العريضة في ~~الفضاء الأغبس الفسيح. # وعندما يبحث في ثنية اليمامة يقول: # وبعد سير سبعة أميال (على موازاة الأبكين) وصلنا إلى ~~عقبة الحيثية المعتبرة منبع وادي حنيفة، فوجدنا أشجار ~~السنط منتشرة حولها، وكان ارتفاعنا عن مستوى سطح البحر ~~في هذه البقعة نحو 2300 قدم، وكانت المسافة بيننا وبين ~~البطين (بطين الحور) نحو 460 ميلا، وقد استطعت أن ~~أشاهد من هذا المكان وادي حنيفة بأسره آخذا إلى ~~الجنوب حتى اليمامة، وهذا بون شاسع يربو طوله على مائة ~~ميل، وتأخذ فيه الأرض في الانخفاض تدريجيا إلى أن ~~يبلغ 1900 قدما، ولم أجد عند الصبب من المناظر ~~الطبيعية ما يحملني منها على الإطناب في الوصف، ~~وشاهدنا هناك الأرض أمامنا، وقد انحدرت بهيئة مثلث ~~فسيح الأرجاء، ضلعاه لهبان منفرجان من حرف طويق منته ~~طرفاهما بأنفين بارزين؛ أحدهما خشم خرشة في الجنوب، ~~والآخر خشم الحيسية في الشمال، وتمتد بين هذين الأنفين ~~قاعدة المثلث بشكل جناح ناشز من الحجارة الرملية ~~الجرداء المغراء يسمونه المرقى، في جانبه الأبعد يهبط ~~شديد الانحدار ينتهي إلى وادي البطن، أما صدر شعيب هشة ~~فهو في منبعه يتغلغل صببا بين جدران منهمرة متمعجا ~~في عقيق ضيق، ثم يأخذ بعد حين في الاتساع على متون ~~المنحدرات حتى إذا بلغ الحاشية الغربية من جناح المرقى ~~ينفرج في بطن المحلة الخصبة، ثم ينثني فيجد له مثيلا ~~في خلال الحواجز الصخرية فيتسرب منها إلى وادي ~~البطين. وعلى نحو أربعة أميال من منبع وادي حنيفة نجد ~~ما بقي من آثار ديار الهشة، وهي لا تتعدى بعض بساتين ~~النخيل المتفرقة وثلاث آبار دائمة المياه، اثنتان ~~منها مطويتان بالحجارة غزيرتا الماء، دائمة الورد، ~~يبلغ عمق كل بئر منها نحو قامتين، ويظهر لون الماء ~~عند استقائه من البئر أطحل بتأثير الطبقة المتحجرة ~~المستوطنة قرار البئر، وإذا ترك الماء وشأنه قليلا ~~ركد فيه الغرين فصفا وراق، وطعمه لذيذ عذب جدا، ~~وينفرد آل قحطان بالاستفادة من هذه البئر. # إلى أن يقول: # وليس في عقبة الحيسية صخور حرشاء ms53 تقف عثرة في سبيل ~~الإبل، وربما كانت أسهل عقبات طويق مسلكا؛ لذا ~~فضلت على غيرها باتخاذها طريقا للحج، وهو الطريق ~~الذي سلكناه لما غادرنا الرياض من حيث ينحدر هذا ~~الطريق من الضرمة. ~~(31) الحركة من البطاح إلى اليمامة # وبعد أن اجتمعت قوات المسلمين في البطاح، واطلع خالد على موقف ~~الحنفيين قرر التقدم نحو مسيلمة، وكان قبل ذلك قد رتب جيشه، ~~فكانت نواته على ما نعلم الأنصار والمهاجرين والقبائل الضاربة بين ~~المدينة ومكة. فقسم الجيش إلى فرق؛ فرقة من الأنصار، وفرقة من ~~المهاجرين، وألفت كل قبيلة فرقة، وناط بأبي حذيفة وزيد بن ~~الخطاب قيادة المهاجرين، وبثابت بن قيس وبر بن مالك قيادة الأنصار، ~~أما القبائل فكانت بقيادة رؤسائها ويروي أبو بشر الدولابي في كتاب ~~التاريخ أن معركة عقرباء وقعت في شهر ربيع الأول للسنة الثانية ~~عشرة الهجرية، وأول هذا الشهر يقابل أوائل شهر أيار سنة 633 ~~ميلادية، وتبلغ المسافة بين البطاح وعقرباء زهاء 350 كيلومترا؛ أي ~~سير عشرة أيام بجيش كبير على أقل تقدير. # فيظهر من ذلك أن خالدا ترك البطاح في نهاية شهر نيسان أو في ~~أوائل شهر أيار، فكانت خطة خالد ترمي إلى الزحف توا إلى اليمامة ~~على أن يهجم على جيش مسيلمة أينما لقيه، وكان يعلم أن مسيلمة ~~متأهب للمقاتلة على حدود بلاده؛ لذلك قدم أمامه مقدمة من بني ~~طيء بقيادة عدي بن حاتم، وعين لها فرات بن حياد دليلا وسلك طريق ~~الوشم نحو الشقرة، وأرسل إلى الأمام مكنف بن زيد الخيل وأخاه ~~ليتجسسا الأخبار، ولم يشأ أن يترك خط الانسحاب معرضا للخطر؛ ~~لذلك أقام سليطا مع قوة في البطاح ليكون ردءا له من القبائل، ~~وتزعم الرواية أن أبا بكر أمد خالدا بسليط ليكون ردءا له لئلا ~~يأتيه أحد من ظهره. # أما مسيلمة فلما علم بمسير خالد نحوه تقدم بجيشه من اليمامة ~~نحو الشمال، وعسكر في عقرباء بجميع قواته منتظرا ورود جيش ~~المسلمين متأهبا للمقاومة ~~الشديدة، وكانت أخبار انتصار المسلمين على أهل الردة قد سبقت جيش ~~المسلمين؛ فألقت الرعب ms54 في قلوب الحنفيين، وتقدم جيش المسلمين على ~~الطريق المذكور، وكانت المقدمة تسبقه وتستطلع الأحوال. # فوصلت المقدمة مساء إلى القرب من ثنية اليمامة، ولقيت مفرزة ~~من بني حنيفة نياما في أسفل العقبة فباغتتهم وأسرتهم، وكانت هذه ~~المفرزة مؤلفة من ستين رجلا بقيادة مجاعة بن مرارة أحد ~~رؤساء بني حنيفة. # والروايات جميعا متفقة على أن مجاعة خرج من اليمامة على ~~رأس سرية يطلب بثأر له في بني عامر وبني تميم؛ لأن بني عامر منعوه ~~من أن يتزوج خولة بنت جعفر، وبعد أن باغت بني عامر عاد بخولة ووقف ~~في أسفل القبة مع رجاله ليبيت ليلته هناك، وإذا المسلمون يباغتونه ~~ويقودونه مع رجاله أسرى إلى خالد. # والذي يلوح لنا أن مجاعة كان يراقب مجيء جيش المسلمين من ~~الثنية؛ أي عقبة الحيسية، ويظهر أن قوة المسلمين باغتته دون أن ~~يستطيع التملص منها، فلما وقف أمام خالد زعم أنه خرج ~~للثأر. # وتزعم الروايات أن خالدا قتل رجال مجاعة لتأكده من كفرهم ~~واستبقى مجاعة ليستفيد منه في حركاته على مسيلمة، فيا ترى هل ~~تواطأ مجاعة مع خالد على مسيلمة، أو أنه تأكد نصر المسلمين، ~~فأراد أن يسوغ موقفه أمامهم فعرض الخدمة على خالد؟ أو أنه خرج ~~برجاله ليلتحق بجيش المسلمين فيدلهم على عورات أعدائهم؟ ذلك لا ~~نعلمه العلم الأكيد، والمحقق أن مجاعة كان محجورا عليه في ~~معسكر خالد وقام بالوساطة بين خالد وبني حنيفة ليعقد الصلح بعد ~~انكسار جيشهم في عقرباء، فأفاد الفريقين بتلك الوساطة. # ولا بد أن خالدا استجوب مجاعة فاستقى منه جميع الأخبار ~~الموثوق بها عن مسيلمة وجيشه، فعلم منه أن مسيلمة ينتظر وروده في ~~عقرباء. ~~(32) المعركة # في رواية نقلها ابن حبيش أن خالدا لما تثبت من عسكرة جيش ~~مسيلمة في عقرباء شاور أصحابه في الأمر، فأشاروا عليه جميعهم أن ~~يتقدم نحو عقرباء، وكانت الأخبار تنم على أن طليعة الحنفيين ~~يقودها الرحال، وهو من رؤساء بني حذيفة، فتقدم خالد حينئذ بجيشه ~~نحو العدو، فجعل أبا حذيفة على الميمنة، وشجاع بن وهب ~~على الميسرة، ~~وكان ms55 زيد بن الخطاب يحمل راية ~~المهاجرين، وثابت بن قيس يحمل راية الأنصار، وعزل خالد بر بن مالك ~~من قيادة الخيالة، وأحل محله أسامة بن زيد. # أما جيش مسيلمة فكان موليا وجهه شطر الشمال الغربي ومترقبا ~~في سهل عقرباء بين جبل صلوخ ووادي حنيفة، فيستدل من ذلك على أن ~~الأرض كانت صالحة لاتخاذ نظام القتال ولحركة الخيالة، وتنم ~~الروايات على أن ريحا جنوبية مغبرة هبت في وجه المسلمين ~~وزحزحتهم عن مكانهم في القتال؛ أي إن جبهة المسلمين كانت موجهة نحو ~~الجنوب الشرقي، ويظهر أن قوة الرحال انسحبت لما رأت المسلمين ~~قادمين نحوها، وكان جيش مسيلمة مرتبا على الأسلوب الشائع ~~ومنقسما إلى ثلاثة أقسام: الميمنة والميسرة والقلب، ولم يكن الضعن ~~خلفه؛ لأن قرى بني حنيفة كانت في الخلف على ما نعلم. # وكان محكم بن طفيل، وهو من أجل رؤساء بني حنيفة شأنا، على ~~الميمنة والرحال على الميسرة وشرحبيل بن مسيلمة يقود القلب، فكان ~~مسيلمة وراء القلب يراقب مجرى القتال. # وبعد أن قضى المسلمون ليلتهم في عقبة الحيسية - أي ثنية اليمامة ~~- واستوثق خالد من أمر مجاعة، تحرك الجيش صباحا، وكانت الشقة ~~بينه وبين عقرباء مسير يوم، وفي رواية نقلها الطبري أن الموقع الذي ~~باغت المسلمون فيه مجاعة بن مرارة يبعد عن عسكر مسيلمة مسير ~~ليلة، والحقيقة أن المسافة بين العقبة وعقرباء لا تزيد على خمسة ~~وعشرين ميلا؛ أي مسير يوم في ذلك الزمن. # والظاهر أن خالدا قضى ليلته التي سبقت يوم المعركة قريبا من ~~جيش مسيلمة؛ لأن المعركة بدأت صباحا، واستمرت إلى العصر، وكان ~~الموقع الذي اختاره كثيبا مشرفا على اليمامة كما ينقله ~~الطبري. # وسبق أن رأينا من وصف فلبي لرابية الأبكين أنها تشرف على وادي ~~حنيفة وتتسلط على الأرض الممتدة إلى الجنوب، فالأرض في الشمال ~~تتسلط على الأرض في الجنوب، وكان لوضع الأرض على هذه الصورة ~~فائدة لجيش المسلمين. # وليس لدينا معلومات عن تعبئة المسلمين في ميدان القتال، وتدل ~~الأخبار على أن أبا حذيفة كان يقود الميمنة، وشجاعا الميسرة، ~~ويزيد بن الخطاب ms56 القلب، وأسامة بن زيد الخيالة. فهل كان كل من ~~المهاجرين والأنصار على مجنبة من المجنبتين، وكانت القبائل في ~~القلب؟ أو أن المهاجرين والأنصار كانوا في القلب، وكانت القبائل في ~~المجنبتين ؟ أو أن المهاجرين كانوا في القلب مع قبائل الحجاز، وكان ~~الأنصار على إحدى المجنبتين وكانت قبائل البادية في المجنبة ~~الأخرى؟ # هذه أسئلة تصعب الإجابة عنها، والواضح من مجرى القتال أن إحدى ~~المجنبتين (ولعلها الميسرة) انهزمت فتلاها القلب، ووصل إلى الخيام ~~في الضعن، وأن أهل القرى - المهاجرين والأنصار وأهل الحجاز - عزوا ~~هذه الهزيمة التي كادت تقضي على المسلمين إلى أهل البادية. فلنا من ~~ذلك أن أهل البادية كانوا في الميسرة، وكان المهاجرون مع بعض قبائل ~~الحي في الميمنة، والأنصار مع البعض الآخر من قبائل الحجاز في ~~القلب، ويظهر أن الخيالة كانت في الأمام، فانسحبت إلى الميسرة ~~لتراقب الوادي، وكان الضعن وراء القلب وفيه الخيام والنساء، ووقف ~~خالد بن الوليد وراء القلب يراقب سير القتال. ~~(33) صفحات القتال # نشبت المعركة صباحا واستمرت إلى العصر، فبذل الفريقان ~~قصاراهما لتغلب أحدهما على الآخر، واقتتلا اقتتالا شديدا، وكما ~~يقول الطبري: كانت حربا لم يلق المسلمون مثلها قط. # وجرى القتال في ثلاث صفحات: تغلب الحنفيون في الصفحة الأولى على ~~المسلمين وأزاحوهم إلى الضعن وكادوا ينتصرون عليهم، وفي الصفحة ~~الثانية كر المسلمون راجعين فتغلبوا على أعدائهم فأزاحوهم من ~~المحل الذي وصلوا إليه، وبعد أن تضافرت جهودهم استطاعوا أن ~~يهزموا الحنفيين، وفي الصفحة الثالثة اعتصم الحنفيون في الحديقة ~~فحاصرها المسلمون من كل صوب ودخلوها عنوة وقضوا على البقية ~~الباقية من الحنفيين. # ونذكر فيما يلي مجرى القتال في كل صفحة من الصفحات ~~الثلاث: # الصفحة الأولى # بدأ القتال صباحا بتحميس القواد رجالهم بالكلمات ~~المأثورة والخطب الحماسية، فنادى شرحبيل بن مسيلمة في رجاله ~~قائلا: «يا بني حنيفة، اليوم يوم الغيرة، إن هزمتم ~~تستردف النساء سبيات وينكحن غير حظيات. قاتلوا عن أحسابكم ~~وامنعوا نساءكم.» # وكان في أول القتال براز من الفريقين كما جرت عليه عادة ~~العرب، فقتل في هذا البراز الرحال بن عنفوة ms57 الذي كان في ~~طليعة الحنفيين قبل القتال، وكان على الميسرة قتلة زيد ~~بن الخطاب، ويظهر أن رؤساء آخرين من بني حنيفة قتلوا في ~~البراز؛ مما حمل الطبري على القول: «قتل الرجال وأهل ~~البصائر من بني حنيفة.» وبدلا من أن يوهن هذا القتل عزائم ~~بني حنيفة شدد عزيمتهم فتذمروا وحمل كل قوم في ناحية. ~~ويلوح من مجرى القتال أن الضربة كانت قوية من الجانب الأيمن ~~على ميسرة المسلمين فزحزحتها من محلها وتراجعت منكسرة لا ~~تلوي على شيء. # فأثر ذلك في موقف القلب، فرجع متقهقرا وبنو حنيفة يطاردونه ~~إلى أن وصلوا إلى المعسكر فقمعوا أطناب الخيام. # ومن الروايات ما يزعم أن ريحا جنوبية مغبرة هبت في وجوه ~~المسلمين فضعضعت صفوفهم واستفاد بنو حنيفة منها، فهزموا ~~المسلمين حتى أزاحوهم من محلهم وطردوهم من المعسكرات فدخلوا ~~في الفسطاط فرعبلوه بالسيوف. # والروايات متفقة على أن بعض الأعداء دخل خيمة خالد بن ~~الوليد، وكان فيها مجاعة مكبلا بالحديد قيد مراقبة أم ~~تميم التي تزوجها خالد بعد قتله مالك بن نويرة، فأراد ~~الحنفيون إنقاذ مجاعة فهموا بقتل أم تميم، إلا أنه منعهم من ~~ذلك، فقال لهم: «لا تتشاغلوا في المعسكر، ودونكم الرجال.» ففي ~~مثل هذا الموقف الحرج برز خالد إلى الميدان شاهرا حسامه ~~تشجيعا للمسلمين ومناديا بشعار «يا محمداه!» # ويكاد المؤرخون جميعا يتفقون على أن خالدا بفراسته وبطولته ~~أنقذ الموقف، ولولا قيادة خالد وجلادة الصحابة الذين لقوا ~~حتفهم بعد أن أظهروا للمسلمين أمثلة حسنة، لدارت الدائرة على ~~المسلمين، ولا ريب. # الصفحة الثانية # تبدأ الصفحة الثانية بدعوة الرؤساء من المسلمين إلى الثبات ~~في محلهم والكر بعد ذلك على الأعداء، فثابت بن قيس الذي ~~كان يقود الأنصار كان ينادي الأنصار قائلا: «بئسما عودتم ~~أنفسكم يا معشر المسلمين! هكذا عني حتى أريكم الجلاد.» وقال ~~زيد بن الخطاب الذي كان يقود القلب حين انكشف الناس عن رحالهم؛ ~~أي المعسكر: «لا تحوز بعد الرحال.» وقام البراء أخو ~~أنس بن مالك ينادي قائلا: «أنا البراء بن مالك، هلموا إلي.» ~~أما أبو حذيفة الذي ms58 كان يقود الميمنة، فكان ينادي قائلا: «يا ~~أهل القرآن، زينوا القرآن بالفعال.» # وفي مثل هذا الوقت العصيب تدبر خالد الموقف، ففكر في ~~حيلة يعيد بها نخوة المسلمين، ويزيد حماستهم، ولا سيما لما رأى ~~أهل القرى يحينون أهل البادية، وهؤلاء يحينون أهل ~~القرى. # وتكاد الروايات جميعا تتفق على أن القبائل من أهل البادية ~~انهزموا أول مرة، فألقوا الوهن في صفوف المسلمين. # والظاهر من نتائج المعركة أن أهل القرى ثبتوا «فاستحر بهم ~~القتل» كما يذكر الطبري، وكان التدبير الذي توصل إليه خالد ~~لينقذ الموقف ويتغلب على عدوه، منحصرا في أمرين: # أولا: # فصل أهل القرى عن أهل القبائل، ووضع كل ~~فريق منهم في جانب، فكان الأنصار والمهاجرون ~~وأهل القرى الآخرون في جانب، والقبائل في جانب ~~آخر؛ لأن انهزام المسلمين أوقع الخلل في ترتيب ~~المعركة، فاختلطت الميسرة بالقلب والقلب ~~بالميمنة، وتخلى الناس عن رؤسائهم. # ثانيا: # طلب من كل جانب أن يمتاز، وذلك لما رأى ~~أهل القرى يعزون سبب الخيبة إلى القبائل، ~~والقبائل تعزو الخيبة إلى أهل القرى، وفي هذا ~~تناحر لدى الفريقين، وإذا ما اشتد التناحر ~~ليؤدي إلى التقاعس. # فصرخ في المسلمين طالبا منهم أن يمتازوا؛ ليتبين من أين ~~يأتي الخلل، وكان يريد بذلك أن تبرز الفرق فلا ينسب إليها ~~ذلة الانكسار، ونال بذلك ما أراد. فامتاز أهل القرى والبوادي ~~وامتازت القبائل من أهل البادية. # فوقف بنو كل أب على رايتهم، كما يذكر الطبري، فتولى خالد ~~بنفسه قيادة صفوف أهل القرى، فقاموا جميعا قومة واحدة ~~فقاتلوا قتال الأبطال، وكان خالد في أول الصف يشجع المسلمين ~~ببطولته ولا يقابله أحد إلا قتله، وكان يفتش عن مسيلمة ~~ليقتله؛ لأنه عرف أن الحرب لا تركد إلا بموته، وأن بني حنيفة ~~لا تحفل إلا بقتله، وكان من أمر ذلك أن تشجع المسلمون ~~فصدوا العدو. # ويذكر الواقدي أن زيد بن الخطاب كان يحمل راية المسلمين، ~~فلما رأى أصحابه ينصرفون من أطرافه قال: «والله لا أتكلم اليوم ~~حتى نهزمهم، أو ألقى الله فأكلمه بحجتي، عضوا على أضراسكم أيها ~~الناس واضربوا ms59 في عدوكم، وامضوا قدما.» ولم يزل يشجع ~~أصحابه إلى أن قتل والراية في يده، فأخذها أبو حذيفة، فجادل ~~بسيفه حتى قتل، أما ثابت بن قيس فكان يحمل راية الأنصار ~~فنادى في قومه: «العزة لله ولرسوله ولأحزابه، أروني كما ~~أريكم.» ثم جلد في الأعداء وقاتل حتى قتل، وتسلم راية ~~المسلمين سالم مولى أبي حذيفة، وظل يناضل عنها إلى أن قتل، ~~فتسلمها آخرون وقتلوا. # وإزاء هذه الجهود المتضافرة والأمثلة المشجعة تمكن ~~المسلمون من أن يزحزحوا الأعداء من مكانهم حتى أزاحوهم تماما، ~~فأخذوا يطاردونهم، وفي مثل هذا الحين أخذ محكم بن الطفيل ~~المدعو بمحكم اليمامة يشجع بني حنيفة مناديا: «يا معشر بني ~~حنيفة، الآن والله تستحقب الكرائم غير رضيات، وينكحن ~~غير حصينات، فما عندكم من حسب فأخرجوه.» فقاتل قتالا ~~شديدا. # أما أهل اليمامة فلما رأوا المسلمين يركبونهم صرخوا في وجه ~~مسيلمة قائلين له: «أين ما كنت تعدنا؟» فأجابهم قائلا: ~~«قاتلوا عن أحسابكم.» ولما رأى المحكم أن الدائرة دارت على ~~بني حنيفة صاح فيهم: الحديقة الحديقة! يريد بذلك أن يتحصنوا ~~فيها ويقاوموا المسلمين، فانسحبوا إلى الحديقة واعتصموا بها. ~~ويظهر أن المحكم لم يتمكن من الوصول إليها؛ لأن عبد الرحمن ~~بن أبي بكر رماه بسهم فقتله. # الصفحة الثالثة # جرى القتال في هذه الصفحة حول الحديقة، والحديقة تشمل بساتين ~~القرية المسورة بالجدران، وهذه البساتين كثيرة في قرى ~~اليمامة والكثير من قرى العارض والوشم والقصيم والسدير له ~~بساتين، فبساتين القرية على ما يتراءى لنا واقعة في بطن ~~الوادي، ولا يعقل أن تكون على صدفة لصعوبة استقاء الماء ~~لإروائها؛ لأن الآبار على ما نعلم في بطن الوادي تتصرف إليها ~~الأمطار. # ويذكر المستر فلبي عندما يبحث في الجبيلة أنها واقعة على ~~الضفة اليمنى من الوادي، وأن قبور الصحابة الذين قتلوا في ~~عقرباء موجودة في الضفة المقابلة لقرية الجبيلة، وعلى مسافة ~~ربع ميل منها، وهذا مما يدل على أن الحديقة واقعة في الوادي ~~تحيط بها الجدران المبنية بالحجر والطين وعلوها أكثر من قامة، ~~كما هو شأن الجدران التي تحيط بالبساتين ms60 عندنا. # ولبى الحنفيون نداء المحكم فهجروا ميدان القتال تاركين ~~قتلاهم فيه لدخول الحديقة واعتصموا بها مؤملين المقاومة ~~فيها، وطارد المسلمون بني حنيفة إلى الحديقة فأحاطوا بها ~~وتوقفوا مدة من الزمن مترددين، وكان التجاء الحنفيين إلى ~~الحديقة وبالا عليهم. # ويظهر من أخبار الرواة أن مسيلمة قتل في أثناء الهزيمة إلى ~~الحديقة برمية حربة. وقد ادعى عدة أناس قتله، وكل فرقة ~~من فرق المسلمين أرادت الاشتراك في قتله. وكان للحديقة باب ~~أغلقه المنهزمون بعد أن دخلوها وقرروا المقاومة فيها إلى ~~اللحظة الأخيرة. # وبعد أن تريث المسلمون ردحا من الزمن، مترددين فيما ~~يفعلون صرخ فيهم البراء بن مالك قائلا: «احملوني على الجدار ~~حتى تطرحوني عليه.» فساعدوه على التسلق، ومع أن رواية ابن ~~إسحاق تزعم أن البراء وحده تسلق الجدار فاقتحم الحديقة فقاتل ~~الحنفيين على الباب حتى فتحه للمسلمين، إلا أننا نجزم أن ~~رجالا آخرين تسلقوا معه الجدار، وكان بعضهم على الباب، وبعد ~~أن دخل المسلمون الحديقة أوقعوا بالحنفيين إيقاعا ذريعا، ~~وكانت مذبحة لم يشهد المسلمون مثلها، وقد سموها حديقة الموت، ~~ومع أن روايات الطبري جميعا تروي أن المسلمين قتلوا جميع ~~الحنفيين في الحديقة، إلا أن رواية ينقلها ابن حبيش تزعم أن ~~بعض الحنفيين فر من الحديقة بعد أن دخلها المسلمون. # وفي رواية يذكرها ابن حبيش والبلاذري أن نساء المسلمين أيضا ~~اشتركن في المعركة، ولقد كسب المسلمون المعركة بعد أن حاربوا ~~من الصباح إلى العصر، ولم يعلموا بهول المصيبة إلا بعد أن ~~توقفت رحى القتال وراحوا يكشفون عن القتلى في الميدان. # وفي رواية عن أبي سعيد الخدري الذي اشترك في القتال أن ~~خالدا أمر السقاة بعد صلاة العصر أن يسقوا الجرحى، وكان أبو ~~عقيل بين الجرحى فيه خمسة عشر جرحا، أما بشر بن عبد الله ~~فكانت أمعاؤه خارجة من بطنه، وكل هذا يدل على شدة ~~القتال! ~~(34) الخسائر # يبالغ المؤرخون في تقدير خسائر الحنفيين؛ فسيف بن عمر مثلا يزعم ~~أن قتلى بني حنيفة بلغوا عشرة آلاف في المعركة، وفي القتال في ~~حديقة الموت. وفي رواية ms61 أخرى يزعم أن عدد قتلى بني حنيفة واحد ~~وعشرون ألفا؛ سبعة آلاف منهم في المعركة وسبعة آلاف في حديقة ~~الموت وسبعة آلاف في المطاردة. # ولكننا نستبعد هذا العدد؛ إذ سبق أن ذكرنا أن قوة الحنفيين في ~~معركة عقرباء بلغت عشرة آلاف مقاتل، والثابت أن بني حنيفة كابدوا ~~خسائر فادحة، سواء في ميدان المعركة لثباتهم في محلهم، أم في ~~الحديقة؛ لأنهم بالتجائهم إليها مكنوا المسلمين من أن يقطعوا ~~عليهم خط الانسحاب فقضوا عليهم القضاء المبرم. # ولعل عدد قتلاهم بلغ أكثر من ثلاثة آلاف، ومما يدل على كثرة ~~القتلى في بني حنيفة اندثار اسمهم بعد هذه المعركة وعدم اشتراكهم ~~في الفتوح، ويقول البرنس كايتاني في كتابه الآنف الذكر: «إن ~~محدثي المسلمين يبالغون في ذكر خسائر بني حنيفة؛ فإنهم يذكرون أن ~~كل ذكر بلغ من الرشد قتل في المعركة، ومع ذلك فإن أحد ~~الأدلة التي تدل على أن الحنفيين كابدوا خسائر لا تتناسب مع ~~عددهم هو أن هذه القبيلة التي كانت قبل الإسلام كثيرة النفوس مرفهة ~~العيش إن لم يكن لديها شيء فإن كثرة عددها وحده يجب أن يجعلها ذات ~~حصة كبيرة في المعارك التي نشبت بعد ذلك، ولكننا نرى أن ذكر هذه ~~القبيلة يكاد يندرس تماما من تاريخ الإسلام، وأن اسم الحنفيين لا ~~يذكر على الإطلاق حتى على انفراد.» # أما خسائر المسلمين فكانت كثيرة بالنسبة إلى عددهم أو مقدار ~~الخسائر التي كابدوها في المعارك السابقة؛ فالروايات في عدد قتلى ~~المسلمين مختلفة، فهي متفاوتة بين 500 و1700. ويروي عيسى بن سهل عن ~~جده رافع أن قتلى المسلمين بلغ عددها نصف قتلى الحنفيين، وأن ~~الأنصار وحدهم (وكان عددهم خمسمائة مقاتل) خسروا سبعين قتيلا ~~ومائتي جريح، أما أبو سعيد الخدري فيزعم أن عدد قتلى الأنصار بلغ ~~سبعين، ويقول زيد بن طلحة: إن قتلى المهاجرين بلغوا السبعين، وقتلى ~~الأنصار بلغوا السبعين أيضا، وإن مجموع قتلى باقي المسلمين بلغ ~~الخمسمائة. # أما سالم بن عبد الله بن عمر فيذكر أن مجموع قتلى المسلمين بلغ ~~الستمائة، وأما البلاذري فيقول: ms62 «وقد اختلفوا في عدة من استشهد في ~~اليمامة؛ فأقل ما ذكروه من مبلغها سبعمائة، وأكثر ذلك ألف ~~وسبعمائة. وقال بعضهم: إن عدتهم ألف ومائتان.» والذي يلوح لنا أن ~~هذا العدد الأخير هو الأصح، وهو يؤيد الرواية التي يرويها الطبري ~~نقلا عن سهل؛ إذ يقول: «قتل من المهاجرين والأنصار من أهل قصبة ~~المدينة يومئذ ثلاثمائة وستون، ومن المهاجرين من أهل المدينة ~~والتابعين بإحسان ثلاثمائة من هؤلاء، وثلاثمائة من هؤلاء ستمائة أو ~~يزيدون.» # وذكر المؤرخون أسماء الشهداء من المهاجرين والأنصار، ونظموا ~~قائمات بذلك، ويتضح من مطالعتها أن بين القتلى زيد بن الخطاب قائد ~~القلب، وأبا حذيفة بن عتبة قائد الميمنة، وشجاع بن وهب قائد ~~الميسرة، وقيس بن ثابت قائد الأنصار، ويدل كل ذلك على شدة ~~القتال في المعركة. # يقول ضرار بن الأزور في يوم اليمامة: # ولو سئلت عنا جنوب لأخبرت # عشية سالت عقرباء وملهم # وسال بفرع الواد حتى ترقرقت # حجارته فيها من القوم بالدم ~~(35) بعد المعركة # بدأت المعركة صباحا على ما ذكرناه فيما تقدم وانتهت عصرا ولم ~~يبق وقت للمطاردة، وقد أنهك التعب قوى المسلمين وأضاعوا خيرة ~~رجالهم، واستشهد أكثر حفظة القرآن؛ لذلك نجزم أن المسلمين قضوا ~~ليلتهم في جوار الحديقة للترويح عن أنفسهم من عناء الحرب، تأهبا ~~للمطاردة في اليوم التالي، ومع أن نتيجة المعركة كانت فاصلة لم تزل ~~أرياف اليمامة في الخلف (وفيها المؤن والذخائر والقسم الذي لم ~~يشترك في القتال من بني حنيفة)، والقرى في الأرياف جميعا منيعة ~~وفيها الحصون والأبراج. # ويذكر الطبري نقلا عن سيف بن عمر أن عبد الله بن عمر وعبد ~~الرحمن بن أبي بكر طلبا من خالد أن ينزل بالناس على الحصون، وكانا ~~يقصدان بذلك ألا يتركا مجالا للبقية الباقية من بني حنيفة ~~لتستعد للمقاومة. أما خالد فلم يشأ محاصرة الحصون؛ بل رجح أن يوفد ~~سرايا الخيالة إلى الأطراف لتلتقط من ليس في الحصون، وكان يعلم ~~أن منازلة الحصون تكبد المسلمين، ولا سيما أنهم اطلعوا على كبر ~~المصيبة بعد أن تفقدوا القتلى. وكان من رأيه ms63 أن يلقي الرعب في ~~قلوب بني حنيفة ويدهشهم بسرايا الخيالة التي تتجول في حيهم ~~وتقبض على كل من تلقاه، وشأنه في ذلك شأن القواد الذين لا يريدون ~~أن يضيعوا الوقت في الحصار ، ويتركوا فلول أعدائهم يفلتون من ~~يدهم. # ولقد أصاب خالد في رأيه؛ لأن سرايا الخيالة أصابت فحوت ما ~~وجدت من مال ورجال ونساء وصبيان، فضمها إلى الغنائم في ~~المعسكر. ~~(36) الصلح # أثبت خالد في عقده الصلح مع أهل اليمامة أنه سياسي حازم بقدر ~~ما كان قائدا محنكا. # انتهت المعركة وقد خسر المسلمون خيرة رجالهم من الصحابة، أما ~~القبائل فقد قتل منها رجال كثير، فالعراك من الصباح إلى العصر ~~بتلك الشدة والمقاومة التي أبداها الحنفيون مما زاد في حنق ~~المسلمين عليهم، وكانت القبائل تريد غنما توازي التضحية التي ~~تحملتها. أما الصحابة فأقل ما أرادوه العمل بوصية الخليفة، وهي: ~~«ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان - والداعية الأذان ~~- فإذا أذن المسلمون فأذنوا، كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا ~~عجلوهم، وإن أذنوا اسألوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن ~~أقروا قبل منهم، وحملهم على ما ينبغي لهم.» # فبنو حنيفة لم يجيبوا الداعية؛ بل قاتلوا المسلمين وقتلوا نخبة ~~الصحابة وقضوا على حفظة القرآن، فكان عقابهم القتل عملا بوصية ~~الخليفة، فالروايات جميعا تدل على أن الأنصار والمهاجرين كانوا ~~يلحون على خالد بمعاملة بني حنيفة بصرامة، أما خالد بن الوليد ~~فنظر في الصعوبات التي لقيها في التغلب على الحنفيين وتأمل ~~عاقبة الشدة التي يظهرها نحوهم إن هم أبوا وقاوموا في حصونهم ~~فامتنعوا بها، وقد دلت المعركة على أنهم متفانون في التضحية، ولا ~~بد من أنه يعلم أن حزبا من الحنفيين وعلى رأسه سليمة بن عمير ~~يريد المقاومة حتى الموت؛ لذلك لم يتردد قط لما عرض مجاعة بن ~~مرارة توسطه لعقد الصلح، كان هذا أسيرا عند المسلمين، وقد ~~احتفظ به خالد ليستفيد منه، وكانت الشروط التي فرضها على مجاعة ~~ثقيلة، وهي تتلخص في أن يعطي الحنفيون كل ذهبهم وفضتهم وسلاحهم ~~وخيلهم، وأن يسبي جميع الأسرى. # حمل ms64 مجاعة هذه الشروط وهو يضمر الخير لبني قومه، ويريد أن ~~يخفف حملهم بعد أن أصابهم ما أصابهم؛ لذلك أقام النساء والشيوخ ~~على الحصون ليحمل المسلمين على الاعتقاد أنهم يريدون الدفاع عن ~~حصونهم . فرجع مجاعة، وأخبر أن القوم لا يقبلون هذه الشروط ~~الثقيلة، وأنهم عازمون على الدفاع حتى الموت. وبعد ذهاب وجيئة ~~استطاع مجاعة أن يستميل الحزب المخالف إلى جانبه من جهة، وأن ~~يخفف من شدة الشروط من جهة أخرى. # والواقع أن خالدا أيضا كان راغبا في الصلح دون أن يلجأ إلى ~~القتال. وهذا ما دعاه إلى أن يخفف الشروط، فتعهده مع بني حنيفة ~~ينص على أن يسلموا الذهب والفضة ونصف السبي والسلاح والخيل، وأن ~~يأخذ هو كل قرية ومزرعة وحائط (حديقة مسورة) باسم بيت المال، وأن ~~يسلموا أنفسهم حتى يسلموا. أما البلاذري فيروي أن المعاهدة ~~فرضت على بني حنيفة ربع السبي ونصف الذهب والفضة والسلاح. # ولعل هذه الرواية هي الصحيحة؛ لأنها تدل على تساهل خالد في ~~عقد الصلح. ويذكر الطبري أن أبا بكر أرسل كتابا إلى خالد مع سلامة ~~بن وقش يأمره إن أظفره الله بأن يقتل من جرت عليه المواشي من بني ~~حنيفة - يريد بذلك أن يقتل من قاوم من الحنفيين - فوصل الرسول ~~بالكتاب بعد عقد المعاهدة، فأراد الأنصار أن يستغلوا أمر الخليفة، ~~فطلبوا إلى خالد أن ينفذ ما جاء في الكتاب، وكان أسيد بن حضير ~~رئيس الأوس على رأسهم، إلا أن خالدا لم يلتفت إليهم؛ بل وفى ~~لبني حنيفة وثبت على ما كان منه، فجمع بني حنيفة إلى البيعة ~~والبراءة. # ويذكر ابن حبيش الأسباب التي ألجأت خالدا إلى عقد الصلح ~~ومخالفته كتاب الخليفة، وهي تتلخص في كثرة الخسائر التي انتابت ~~المسلمين في المعركة؛ إذ قل عدد المسلمين وكان أكثرهم جريحا، ~~وبعد عقد المعاهدة لا يجوز النكول عنها، ولا سيما أن بني حنيفة ~~أسلموا، وتنقل الرواية أن سلامة بن وقش أيضا أصر على خالد ~~بتنفيذ أوامر الخليفة، غير أن خالدا لم يغير رأيه واعتبر القضية ~~منتهية. # ومع ذلك استعمل ms65 خالد الشدة في معاملته أهل العارض وبعض قرى بني ~~حنيفة؛ فقرية سيوح وعرفة والغبراء وقيشان ومرعة والمصانع اعتبرت ~~في خارج أحكام المعاهدة، فسبى أهلها وصادر أملاكها، والروايات لا ~~تبحث في أسباب هذه الشدة، غير أنه يلوح لنا أن أهل هذه القرى إما ~~أنهم حاولوا الإخلال بشروط الصلح، وإما أنهم قتلوا المسلمين غدرا، ~~وإما أنهم مثلوا بالمسلمين في بلاد اليمامة قبل الحركات. ~~(37) المناقب # يستنتج الباحث من حركات اليمامة بعض المناقب التي ينبغي الوقوف ~~عليها، وهي تدل على سجايا العرب الأولين، مسلميهم ومرتديهم، ~~وتوضح لنا بعض المزايا الكامنة التي مكنت العرب من الانتصار ~~على أعدائهم في الشرق وفي الغرب. # المنقبة الأولى: التضحية # كان ابن عمر عبد الله وأخوه زيد بن الخطاب في الجيش الذي ~~قاتل في عقرباء، وكان زيد على ما نعلم يقود القلب، وقد استشهد ~~في المعركة مشجعا المسلمين ومدافعا عن رايتهم. # ويذكر الطبري أن عبد الله بن عمر لما رجع إلى المدينة قال له ~~أبوه: «ألا هلكت قبل زيد؟ هلك زيد وأنت حي!» # فأجاب ابنه قائلا: «قد حرصت على ذلك أن يكون، ولكن نفسي ~~تأخرت فأكرمه الله بالشهادة.» # وفي رواية أخرى قال عمر لابنه: «ما جاء بك وقد هلك زيد؟ ألا ~~واريت وجهك عني!» فأجاب عبد الله: «سأل الله الشهادة ~~فأعطيها، وجهدت أن تساق إلي فلم أعطها.» # والتضحية كلمة مرادفة للبطولة، وهي من أخطر العوامل في حضارة ~~الأمم إن لم تكن أخطرها، ولا أغالي إذا قلت إن تاريخ الحضارة ~~مكتوب بمداد هو دماء الأبطال المراقة ومساعيهم المبذولة من ~~أجل بنيان صرح التمدين الباذخ بجميع أركانه الأدبية ~~والعلمية والسياسية، ولولا التضحية لما خرج الإنسان الأول ~~من الغاب والكهف إلى المدينة والقصر، والعرب لولا بطولتهم في ~~تضحيتهم لما تربعوا في قصور بغداد والشام والقاهرة والحمراء، ~~ولظلوا تائهين في مجاهل باديتهم القاحلة الجرداء، ولخنق ~~الإسلام في مهده. فالتضحية رفعت عمد الأديان ونشرت ألوية ~~العلوم، ووضعت أسس الدولة قديمها وحديثها، وسمت بأبنائها ~~إلى أوج العز والسؤدد، وقمة المجد والصولة. أجل إن العرب من ~~الأمم ms66 الفاتحة المفطورة على البطولة والتضحية، إلا أن ~~نبيهم العظيم جاءهم برسالة وضع بها نصب أعينهم مثلا أعلى ~~هو إيمانهم الوطيد، فبرزت نفوسهم إلى ذلك المثل الأعلى على ~~حد تعبير علماء النفس، وحصروا وجدانهم في إيمانهم القوي، ~~فضلا عن دافع غيرتهم على أحسابهم، وقوة ذلك الإيمان زادتهم ~~إقداما مع التضحية التي تجلت بأروع مجاليها في حروبها، ~~ولا سيما في حروب خالد بن الوليد، ومنها حروب الردة التي نحن ~~بصددها؛ فهذا عبد الله بن عمر أنبه أبوه لأنه رجع حيا دون ~~أن يستشهد في الذود عن إيمانه أو مثله الأعلى، ولا تزال روح ~~التضحية متغلغلة في نفوس العرب والأعراب حتى اليوم. # وما أكثر الروايات المنقولة عن رجال العرب ونسائهم من ميادين ~~القتال في التضحية العربية المجيدة في ثوراتهم الأخيرة في ~~الأقطار العربية دونها ما يروى عن رجال إسبرطة ونسائها بهذا ~~الصدد! # يروى عن امرأة عربية عراقية أنها كانت تشجع أبناءها ~~السبعة في إبان الثورة العراقية في سنة 1920، وكانت كلما سقط ~~أحد أبنائها في حومة الشرف تنشد قائلة: «يا موت، اطحن وأنا ~~أهلك.» أي: يا رحى الموت اطحني الرجال وأنا أقدم إليك ~~أبنائي! # المنقبة الثانية: السياسة # كان مجاعة بن مرارة من رؤساء بني حنيفة، وقد وفد على ~~الرسول وأسلم فأقطعه أرضا، فلما ثار مسيلمة ببني حنيفة ~~وادعى النبوة كان مجاعة معه، ويلوح لنا أنه كان يداري ~~مسيلمة من جهة ويراقب حركات جيش خالد من جهة أخرى، فلما وثق ~~بتقدم جيش خالد نحو اليمامة استفاد من الشغب المثار على ~~مسيلمة، فخرج مع بعض رجاله من اليمامة طالبا الثأر من بني ~~عامر وبني تميم، ولعل طلب الثأر كان حجة لخروجه من اليمامة ~~قبل وصول جيش المسلمين إليها. ولما باغتته طليعة المسلمين في ~~ثنية اليمامة استحياه خالد لعلمه أنه ينفعه في قتاله في ~~اليمامة وحبسه عنده كالرهينة وتركه في فسطاط قيد مراقبة زوجه ~~أم تميم. فلما تغلب الحنفيون على المسلمين وأزاحوهم عن ~~المعسكر دخلوا الفسطاط وهموا بقتل أم تميم فمنعهم مجاعة ~~من ذلك صارخا في وجههم: ms67 «مه! أنا جار لها فنعمت الحرة! عليكم ~~بالرجال.» # وفي رواية أن مجاعة عاهد أم تميم على أن يساعدها إذا ~~انتصر الحنفيون على المسلمين، وعلى أن تساعده هي بدورها إذا ~~انتصر المسلمون على أهله، ولما انتهت المعركة عرض مجاعة ~~الخدمة على خالد وطلب إليه أن يتوسط في عقد الصلح، فقبل خالد ~~ذلك وأوفده إلى بني حنيفة حاملا شروط الصلح، وكان مجاعة قد ~~علم بأن المسلمين كابدوا خسائر فادحة، وأن الحرب أنهكت ~~قواهم؛ لأنه تفقد مع خالد ميدان المعركة وأطلعه على قتلى ~~الحنفيين، وهو الذي دلهم على جثة المحكم بن الطفيل وجثة ~~مسيلمة. # ولا شك أنه تأكد شدة مصاب المسلمين، فلما ذهب بمهمته تيقن ~~شدة الشروط التي فرضها خالد على بني قومه، فأراد أن يخدمهم ~~خدمة يخلص بها قومه من هذه الشروط القاسية ويمهد السبيل ~~لاستلانة جانب خالد، وفي مثل هذا الموقف دبر حيلة أثبت بها ~~دهاءه، وكانت الحيلة التي دبرها - كما يرويها الرواة - ~~تتلخص فيما يلي: «دخل مجاعة الحصون وليس فيها إلا ~~النساء والصبيان ومشيخة فانية ورجال ضعفاء، فظاهر الحديد على ~~النساء؛ أي ألبسهن الدروع وسلحهن وأمرهن أن ينشرن شعورهن ~~ويشرفن على رءوس الحصون إلى أن يرجع إليهن.» وبذلك أراد أن ~~يظهر لخالد أن القوم لا يزالون في حصونهم متأهبين للدفاع ~~لكي يحمله على تخفيف الشروط. فلما عاد قال لخالد: «إن القوم قد ~~أبوا أن يخبروا ما صالحتك عليه، ولكن إن شئت صنعت شيئا ~~فعرضت على القوم.» يريد بذلك أن يخفف خالد من شروط الصلح، ~~وحدق المسلمون من بعيد إلى الحصون فرأوا عليها الناس ظانين ~~أن بني حنيفة محتلوها، وأنهم عازمون على الدفاع. # ولقي مجاعة صعوبة في حمل المخالفين من بني حنيفة على قبول ~~شروط الصلح، وكان سلمة بن عمير يقول لبني حنيفة: «قاتلوا عن ~~أحسابكم ولا تصالحوا على شيء.» أما مجاعة فيقول لهم: «يا ~~بني حنيفة، أطيعوني واعصوا سلمة فإنه رجل مشئوم قبل أن يصيبكم ~~شرحبيل بن مسيلمة، قبل أن تستردف النساء غير رضيات ~~وينكحن غير حظيات.» # والرواية تقول: إن ms68 بني حنيفة أطاعوا مجاعة وعصوا ~~سلمة. # وكان من أمر حيلته أن أقنع خالدا بأن يخفف شروط ~~الصلح. # ففرض الربع من السبي والنصف من الذهب والفضة والسلاح والخيل ~~بعدما كان قد طلب أن يعطوه كل ذلك. # فلما فرغ من الصلح، وفتحت الحصون أبوابها إذا هو لم يجد فيها ~~إلا النساء والصبيان، فقال خالد لمجاعة: «ويحك خدعتني!» ~~فقال مجاعة: «قومي، ولم أستطع إلا ما صنعت.» # لم يسق مجاعة توجعه لقومه ولا استهواه حب الانتقام ~~فطاش حتى يدع بني جلدته يلقون أنفسهم في مهاوي الهلاك؛ بل ~~كان مخلصا في قضيته، وعمد مجاعة إلى الحيلة الواسعة فصان ~~بقية قومه من أشراك الهلاك، وخفف عنهم وطأة الانكسار الهائل، ~~فكان في تلك السياسة مصلحة بني حنيفة. # المنقبة الثالثة: العصبية القومية # كان سلمة بن عمير يشجع الناس على المقاومة، وقد رأى من ~~الذل أن يتحكم المسلمون في بني قومه بعد أن قاتلوا قتال ~~الأبطال منعا لحوزتهم، ودفاعا عن نسائهم. وكان يرى الموت ولا ~~يرى النساء تستردف غير رضيات، وينكحن غير حظيات، وقد ~~قتل مسيلمة وابنه شرحبيل وصرع محكم اليمامة بن ~~طفيل. # أبعد كل هذا يرضى بالهوان؟ بل الموت أهون دون التسليم ~~بالشروط التي يشترطها خالد، فيصرخ في أصحابه: «قاتلوا عن ~~أحسابكم ولا تصالحوا على شيء.» ثم يعود فيشجعهم على المقاومة ~~قائلا: «فإن الحصن حصين والطعام كثير، وقد حضر الشتاء.» لقد ~~قارن بنو حنيفة بين ما قاله سلمة وما قاله مجاعة، ورأوا أن ~~لا قبل لهم بالمسلمين، فلم يروا بدا من التسليم بشروط ~~الصلح، ولا سيما أن مجاعة دبر الحيلة ليموه على ~~المسلمين بقوة الحنفيين للدفاع ويخفف من وطأة الصلح، فلم ~~يحفل سلمة بكل ذلك؛ بل أضمر سوءا لخالد ولم يحتمل إهانة ~~الغلبة لقومه فأجمع على أن يفتك به. ولما حشر بنو حنيفة إلى ~~البيعة والبراءة طلب سلمة من مجاعة أن يستأذن له في الدخول ~~على خالد ليكلمه في حاجة له، فأقبل سلمة مع بني قومه مخبئا ~~سيفه تحت العباءة، فلما رآه خالد لم يقبله، ولعله كان يعلم ms69 ~~كرهه له فأخرجوه عنه وفتشوه، فوجدوا معه السيف؛ فثار ثائر ~~الحنفيين فأخذوا في سبه ولعنه صارخين في وجهه: أتريد أن ~~تهلك قومك وتستأصل بني حنيفة وتسبي الذرية والنساء؟ فأوثقوه ~~ووضعوه في الحصن ، غير أن سلمة أقسم أن يثأر لبني قومه؛ لذلك ~~يعاهدهم على ألا يحدث حدثا فيعفون عنه، فلم يصدقوه ولم ~~يقبلوا منه عهدا. أعيته الحيلة ولم ير بدا من الإفلات ~~ليفتك بخالد مهما كلفه الأمر. # فيهرب من الحصن ليلا ويعمد إلى معسكر خالد ويصيح في وجه ~~الحرس فيفزع بنو حنيفة فيتبعونه حتى يدركوه في إحدى الحدائق ~~المسورة، فيقاومهم بالسيف فيكتنفونه بالحجارة، فيرى أن جميع ~~الأبواب موصدة في وجهه، وأنه غير قاتل ~~خالدا، فالأولى أن ينتحر ~~ولا يرى المسلمين يسبون الذراري فيضرب نفسه بالسيف ويسقط في ~~البئر فيموت. ~~(38) مبادئ خالد الحربية # تنم الحركات التي قام بها خالد في قتاله أهل الردة على المبادئ ~~الحربية التي نهجها، وفي هذه المبادئ أسس لا تختلف كثيرا عن ~~الأسس التي اتخذها القواد العظام وأصبحت من المبادئ الحربية ~~الخالدة، نذكر فيما يلي بعض تلك الأسس: # أولا: التوفيق بين القيادة والسياسة: # يبدو لنا من الخطط التي وضعها خالد للحركات على ~~طليحة بن خويلد ومسيلمة الكذاب والتدابير التي ~~اتخذها بعد الانتصار، أن خالدا من القواد الذين ~~وفقوا دائما بين القيادة والسياسة، وأصبح هذا ~~الاسم في عصرنا من أخطر عوامل الظفر، ويقينا أن ~~من أكبر العوامل التي حالت دون استثمار الانتصارات ~~الباهرة التي أحرزها نابليون في حروبه على الحلفاء ~~عدم توفيقه بين السياسة والقيادة، وكذلك من ~~العوامل التي أدت إلى خيبة الألمان في الحرب ~~العامة، نظر قادتهم إلى الأمور من الوجهة ~~الحربية فقط وعدم توفيقهم بين السياسة ~~والقيادة. # فنرى خالد بن الوليد في الخطة التي وضعها ~~للحركات على طليحة بن خويلد أنه وفق بين السياسة ~~والقيادة، فلم يقدم جيشه إلى بزاخة إلا بعد أن ~~مهد له سبيل الانتصار بجلب قبائل طيء إلى جانبه ~~وفصل الفرقتين؛ جديلة وغوث عن بني أسد، والاستفادة ~~فعلا من القوة التي أمدت قبائل طيء ms70 بها جيش ~~المسلمين. # وبعد انتصاره في بزاخة نراه يفرض على القبائل ~~تقديم عدد معين من السلاح، وفي ذلك تعزيز لجيشه ~~وإضعاف لشأن خصمه. # وقبل أن يتقدم بجيشه نحو اليمامة يسعى قبل ~~كل شيء لاستمالة التميميين الذين التجئوا إلى ~~مسيلمة وأخرج جماعة سجاح من ميدان العمل، ولما ظفر ~~ببني حنيفة لم يتردد في عقد الصلح معهم على أساس ~~التساهل برغم مخالفة رؤساء الأنصار والمهاجرين له، ~~ودون أن يعمل بأمر الخليفة الصريح. وقد ذكرنا مجمل ~~الأسباب التي ألجأت خالدا إلى ذلك، ولخالد مواقف ~~تدل على استعماله الشدة واللين تبعا لمقتضى ~~الحال. # ثانيا: الاستطلاع: # لقد عني خالد بالاستطلاع في جميع حركاته، ~~وقبل تقدمه نحو بزاخة يوفد قوة استطلاع بقيادة ~~عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم، وفي حركاته على ~~بني تميم يوفد أمامه السرايا للتجسس ~~والاستطلاع، أما في حركات ~~اليمامة فيرسل ~~مكنف بن زيد الخيل وأخاه ليتسقطا الأخبار، ~~وكان في جميع حركاته على اتصال مستمر بالخصم الذي ~~يريد أن يضربه؛ للاطلاع على شئونه والقيام بالحركة ~~في الوقت الملائم. # ثالثا: المطاردة: # من الأسس التي اعتمدها خالد في حركاته القيام ~~بالمطاردة بعد المعركة، وقد يختلف في أسلوب ~~مطاردته عن الأسلوب الشائع الآن، وهو يتطلب سوق ~~أقصى قوة في اليد لتقطع خط الاتصال على العدو ~~المنسحب، أما خالد فكان يوفد السرايا في ~~اتجاهات مختلفة للتفتيش عن العدو المنهزم ~~والقضاء عليه أينما وجدته. فالعدو بعد انكساره ~~ينسحب إلى محل معين كما هو شأنه اليوم؛ وذلك ~~لأن الحياة في البادية تساعد المنهزمين على ~~الالتجاء إلى أحياء مختلفة، هكذا كان عمله بعد ~~معركة عقرباء، فلم يشأ أن ينازل الحصون؛ بل أوفد ~~السرايا لتلتقط من كان خارج الحصون. # رابعا: الإبداع: # لم يتأخر خالد لحظة في استعمال إبداعه الذاتي ~~حين تطلب الموقف ذلك، وهو يشذ عن الأوامر ~~الصادرة إليه متى رأى الفرصة سانحة للعمل بمخالفة ~~الأوامر؛ فتراه بعد أن أنهى أمر بني أسد في بزاخة ~~واطلع على أحوال بني تميم وتأكد أن الفرصة سانحة ~~للتقدم أمر جيشه بالحركة، برغم الأوامر الصادرة ~~إليه ms71 والقاضية بألا يتقدم من محل إلى محل ~~آخر قبل أن يتلقى أمر الخليفة، فالأنصار ~~يذكرونه بأمر الخليفة الصريح إلا أن خالدا ~~يقول لهم إنه هو الأمير وإليه تنتهي الأخبار، وإن ~~لم يأته أمر من الخليفة لا يريد أن يضيع ~~الفرصة ما دام مالك بن نويرة حياله وبطون بني تميم ~~نافرة منه. # خامسا: التنظيم: # اتضح لنا من حركات خالد أنه ينظم جيشه، ~~ويقسمه إلى أقسام، ويعين لكل قسم قائدا، ~~ويعرض الجيش بنفسه قبل أن يتحرك؛ ففي ذي القصة ~~ينظم جيشه قبل الحركة، وفي البطاح ينظمه ويعين ~~لكل قسم منه قائدا، وقبل القتال يجعل على كل ~~قسم من نظام القتال قائدا خاصا، وبعد انكسار ~~المسلمين في عقرباء ودخول الأعداء الفسطاط يغير ~~خالد تعبئة الجيش فيضع أهل القرى في جانب وأهل ~~البادية في جانب آخر للأسباب التي سبق ~~ذكرها. # سادسا: حشد القوات: # رأينا خالدا في جميع حركاته يحشد جميع قواته ~~قبل المعركة ولا يشتتها؛ فيسير على طريق واحد ~~ويسير به نحو الهدف دون أن يضعفه بفرز بعض القوات ~~منه لمقاصد أخرى، وكان يفرز قوة من جيشه ~~ويوفدها إلى الأمام مقدمة بقصد الأمن والاستطلاع، ~~وأحيانا يقيم له ردءا في الخلف ليحمي خط ~~الانسحاب، وكانت المقدمة دائما تشترك في المعركة ~~مع الكوكب (القسم الأكبر). # سابعا: التعرض: # لقد اتخذ خالد في جميع حركاته خطة الهجوم؛ ففي ~~بزاخة يهجم بجميع قواته على قوات طليحة بن خويلد، ~~وفي عقرباء يتقدم نحو العدو ويهاجمه في بلاده، ~~وكان يتوخى الهدف ولا يحيد عنه قط، والهدف عنده ~~هو محو العدو من سفر الوجود. ms72