######OpenITI# #META# URI: 1381IbrahimMustafa.IhyaNahw.Hindawi51869740 #META# Tags: linguistics #META# ID: 51869740 #META# Title: إحياء النحو #META# AuthorID: 73905363 #META# Author: إبراهيم مصطفى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حد النحو كما رسمه النحاة‏ # وجهات البحث النحوي‏ # أصل الإعراب‏ # رأي المستشرقين في أصل الإعراب‏ # معاني الإعراب‏ # العلامات الفرعية للإعراب‏ # التوابع‏ # تكملة البحث‏ # الصرف‏ # خاتمة‏ # حد النحو كما رسمه النحاة‏ # وجهات البحث النحوي‏ # أصل الإعراب‏ # رأي المستشرقين في أصل الإعراب‏ # معاني الإعراب‏ # العلامات الفرعية للإعراب‏ # التوابع‏ # تكملة البحث‏ # الصرف‏ # خاتمة‏ # | إحياء النحو # | إحياء النحو # تأليف # إبراهيم مصطفى # | تقديم الكتاب # بقلم طه حسين # هذا كتاب سيراه الناس جديدا، وما أرى أنهم سيتلقونه بما تعودوا أن يتلقوا به الكتب من ~~الدعة والهدوء، وما أحسبني أخطئ إن قدرت أنهم سيدهشون له، وأن كثيرا منهم سيضيقون به، ~~وقد يتجاوزون الضيق إلى الخصومة العنيفة والإنكار الشديد؛ لأن الكتاب جديد كما قلت، في أصله ~~وفي صورته، وهو من أجل ذلك يخالف كثيرا جدا مما ألف الناس، وقد يغير كثيرا جدا مما ~~ألف الناس، فلا غرابة في أن يلقوه بالدهش، وفي أن يثور به الثائرون. # ولكني مع ذلك لا أقدمه إلى الناس كما أقدم شيئا جديدا بالقياس إلي، فإن عهدي به قديم، ~~وإلفي له متصل، ولست أجاوز القصد إن قلت إني لقيته لقاء الصديق، واستمعت له كما أستمع لحديث ~~الصديق، في كثير من الحب والحنان والوفاء، فهو يذكرني أكثر أطوار حياتي العلمية، منذ أخذت ~~أطلب العلم صبيا وشابا إلى الآن؛ ذلك أنه كتاب نشأ مع عقل صاحبه، وتطور بتطوره، واختلفت ~~عليه الصروف، كما اختلفت على صاحبه الصروف، ثم خرج منها كما رأيته وكما سيراه القراء، ~~قويا صلبا متينا، لا يعرف الضعف ولا الفتور، ولا يعرف الخور ولا لين القناة. # أنا قديم العهد به، ألقاه الآن لقاء الصديق؛ لأني قديم العهد بصاحبه، ما لقيته قط إلا ~~امتلأت نفسي بهجة ورقة وحنانا؛ لأني أرى فيه خير ما مر بي من أطوار الحياة، وشر ما مر بي ~~من أطوار الحياة أيضا. وأراه الصديق الأمين والأخ الوفي في أطوار الخير والشر جميعا، وأرى ~~معه هذا الكتاب يتحدث إلي به، ويجادلني فيه، ويلح علي في الحديث والجدال، فلا يبلغ ~~إلحاحه مني مللا ms01 ولا سأما، وإنما يثير في رغبة مجردة إلى المناقشة والحوار. # وما رأيك في أني أعرف إبراهيم منذ آخر الصبا وأول الشباب، حين كنا نلتقي في حلقات الدرس ~~في الأزهر الشريف، فنسمع لشيوخنا، ثم نلتقي بعد الدرس فنعيد ما كانوا يقولون، نكبر أقله ~~فنستبقيه في أنفسنا، ونصغر أكثره فنعرض عنه إعراضا أو نتخذه موضوعا للعبث والمزاح. # وحين افترقنا فذهب هو إلى دار العلوم وبقيت أنا في الأزهر، ثم أبى الله إلا أن يجمعنا، ~~ولما يمض على فراقنا إلا أقل الوقت وأقصره، فإذا نحن نلتقي في غرفات الجامعة المصرية ~~القديمة، نسمع للأساتذة المحدثين من المصريين والأجانب، ثم لا نكاد نخرج من غرفات الدرس حتى ~~يتصل بيننا الحديث كما كان يتصل بيننا في الأزهر، وإذا دروس الجامعة تفتح لحوارنا آفاقا ~~طريفة، كنا نستلذ بها ونستحبها، فنمضي في الحوار وننسى له كل شيء وكل إنسان. نقطع الآماد ~~البعيدة ماشين وقد أنسينا جهد المشي، وصرفنا عما حولنا من حركة الحياة واضطراب الأحياء، ~~وقد ننتهي إلى مكان نأوي إليه ثم ننسى أنفسنا فيه؛ قد صرفنا عن هذا المكان وعن أنفسنا وعمن ~~يحيط بنا من الناس، إلى ما نحن فيه من حوار، وإلى ما نستمتع به من لذة الحديث. # ثم نفترق مرة أخرى، فيذهب هو إلى مصر العليا مشتغلا بالتعليم، وأذهب أنا إلى ما وراء ~~البحر مشتغلا بالتعلم، وينقطع الحوار بيننا، وتنقطع الرسائل أيضا، ويكاد يخيل إلى كل ~~واحد منا أنه قد نسي صاحبه، وأن صاحبه قد نسيه. وتمضي على ذلك الأعوام الطوال، ثم نلتقي، ~~ولا نكاد نأخذ في الحديث حتى يتبين كل واحد منا أنه لم ينس صاحبه قط، وكأنما التقينا أمس ~~واستأنفنا لقاءنا اليوم، فنحن نصل حديثا لم نقطعه إلا أمس، وإن كنا قد قطعناه منذ أعوام ~~طوال. # ثم يريد الله أن يجمعنا بعد الافتراق مرة أخرى، فإذا نحن في الجامعة المصرية الجديدة نعمل ~~معا في التعليم، بعد أن كنا نشتغل معا في التعلم، وإذا أحاديثنا تتصل في الجامعة الجديدة، ~~كما كانت تتصل في الجامعة ms02 القديمة، وكما كانت تتصل في الأزهر الشريف، وإذا الأمر يتجاوز ~~بيننا اتصال الأحاديث، فيجد كل منا لذة في أن يختلف إلى بعض ما يلقي صاحبه من دروس، ويشارك ~~فيما يثير بين الطلاب من مناقشة أو حوار. # ثم تفرق الأيام بيننا - أستغفر الله - تحاول الأيام أن تفرق بيننا فلا تستطيع، أخرج من ~~الجامعة وألزم داري حينا، وأشتغل بالسياسة العنيفة حينا آخر، ولكني ألقى صاحبي أكثر مما ~~كنت ألقاه قبل المحنة، ويتصل الحديث بيننا أكثر مما كان يتصل قبل الأزمة، ثم أعاد إلى ~~الجامعة، وإذا نحن نعود إلى الاشتراك في الدرس، ونمضي فيما كنا فيه من الجدل ~~والحوار. # وكان النحو أشد موضوعات الحديث خطرا، وأكثرها جريانا فيما كان يكون بيننا من حوار. ضقنا ~~بأصوله القديمة منذ عهد الأزهر، وأخذنا ننكر هذه الأصول أيام الجامعة القديمة، وأخذنا نلتمس ~~له أصولا جديدة منذ التقينا في الجامعة الجديدة. # فأنت ترى أني حين أقدم إليك هذا الكتاب الجديد؛ إنما أقدم إليك صديقا قديما عرفته منذ ~~عهد بعيد جدا، ورأيته يشب وينمو ويتطور حتى تم خلقه واستوى كما تراه في هذه ~~الصفحات. # ولعلك بعد هذا تصدقني إن قلت لك إني الآن حائر لا أدري أي الطريقين آخذ؟ وأي الطريقين ~~أدع؟ طريق الحديث عن الكتاب، أم طريق الحديث عن صاحب الكتاب؟ فكلاهما يملأ نفسي حبا ~~وحنانا وإعجابا. # فأما الكتاب، فلأنه لا يصور الحياة العقلية لصاحبه وحده منذ أكثر من ربع قرن، ولكنه يصور ~~طرفا من أطراف الحياة العقلية لي أنا أيضا، وإن صاحبي ليقرأ على الباب من أبواب الكتاب ~~فلا أسمع صوت صاحبي، وإنما أسمع صوت إبراهيم، ولا أتجه إلى ما أسمع كما تعودت أن أتجه لما ~~يقرأ علي من الكتب والأسفار، وإنما أتجه له في شيء من الاستعداد للمناقشة والتهيؤ للجدل ~~والتأهب للنقد الشديد، كأني أناقش إبراهيم في مسألة من مسائل النحو، وما أعرف أني لقيته ~~فأطلت لقاءه ثم افترقنا دون أن نلم بطرف من أطراف النحو ونخوض في مسألة من مسائله، ونستحضر ~~قول هذا النحوي أو ms03 ذاك، ونحاول تخريج هذا البيت أو ذاك. # والكتاب بعد هذا أو قبل هذا يصور صاحبه أدق تصوير وأصدقه وأبرعه، فهو بريء كل البراءة من ~~هذا الغلو الذي يمتاز به المجدون في لون من ألوان العلم، فإذا هم يفتنون بآرائهم الجديدة، ~~ويفنون فيها، وينسون كل قصد واعتدال، ويتكلفون في سبيل ذلك ما يقبل وما لا يقبل من ~~الرأي، ويحتملون في سبيل ذلك ما يطاق وما لا يطاق من التبعات. # والكتاب بريء من هذا كله، يزينه قصد صاحبه وإيثاره للاعتدال، تقرأه فلا تحس أنك تنتزع ~~من النحو القديم انتزاعا، وإنما تحس أنك تمعن فيه إمعانا، وكأنك تقرأ كتب الأئمة ~~المتقدمين من أعلام البصرة، أو الكوفة، أو بغداد. # علم غزير صحيح بأصول اللغة وفروعها، ومذاهب النحويين والأدباء في فهم هذه الأصول والفروع ~~وتخريجها، وتحدث عن ذلك بلغة الرجل الذي ألفه وتعوده، فليس متكلفا له ولا محدثا فيه، ~~وتواضع لا يفرضه صاحبه على نفسه ولا يحتال في الازديان به، وإنما هو صورة للطبع ومكون من ~~مكونات المزاج. # تواضع تحسه، فيفيض في نفسك حب صاحبه، والميل إليه، والإعجاب به، والثقة بما يلقي إليك من ~~الحديث، وأمانة في الرأي والنقل جيمعا، لا تكاد تمضي في الكتاب حتى تحسها قوية جلية، كأقوى ~~ما تكون الأمانة وأجلاها، وإذا أنت ترى المؤلف يحاسب نفسه أشد الحساب كلما خطر له رأي، ~~وكلما جرى قلمه بكلمة، أبغض الناس للتزيد، وأشد الناس انصرافا عن هذا التهاون مع النفس، ~~الذي يبيح لكثير من الناس ما لا يباح للعالم الخليق بهذا الوصف. # ثم فقه بعد هذا كله بدقائق النحو ودخائله، ويجعله يضطرب في هذا العلم العويص الملتوي، كما ~~يضطرب الرجل في بيت ألفه منذ نشأته، وعرف زواياه وخفاياه، فهو لا يخطو إلا عن علم، ولا ~~يتقدم إلا عن بصيرة. # وهذا الفقه لدقائق النحو ودخائله، وهو الذي ملأ قلب إبراهيم حبا للنحو، وكلفا به، ~~وحنينا إليه، وعطفا عليه؛ فهو يدرس النحو رفيقا به متلطفا في الدرس، كأنه يخاف أن يؤذيه ~~أو يشق عليه، وكأنه يكره ms04 أن يناله بما لا يحب. # يقف عند مسألة من مسائل النحو، فيطيل النظر فيها مشغوفا بها، ثم إذا أرضى فيها حاجته عاد ~~إليها فأطال الوقوف عندها والنظر فيها، متهما فهمه الأول، ملتمسا أشياء يشفق أن تكون قد ~~غابت عنه، أو خفيت عليه. ثم هو يقلب المسألة على وجوهها المختلفة وأشكالها المتباينة، ثم ~~هو لا يرضى بكتاب أو كتابين أو كتب، ولا يقنع فيها برأي إمام أو إمامين أو أئمة، ولكنه ~~يستقصي ويمعن في الاستقصاء، وإذا المسألة التي يدرسها من مسائل النحو قد أصبحت عنده كائنا ~~حيا له تاريخه، فهو يتتبع هذا التاريخ من أصوله، يرجع إلى أصل هذه المسألة كيف نشأت وكيف ~~تصورها النحويون الأولون، وكيف تحدرت منهم إلى كتب الأجيال المختلفة من النحاة، وبأي طور ~~مرت عند ذلك الجيل، وإلى أي طور انتقلت عند هذا الجيل، حتى إذا أرضى نفسه من هذا الاستقصاء ~~- وما أصعب رضا نفسه! - عاد إلى المسألة يدرسها من جديد كأنه لم يدرسها من قبل، ولكنه في ~~هذه المرة لا يلتمسها في كتب النحويين، وإنما في كلام العرب على اختلاف أجيالهم. يوازن بين ~~ألوان هذا الكلام ويستخلص منه ما يرى أنه الحق، وإذا هو يتفق مع النحويين حينا ويخالفهم ~~أحيانا، وليس هذا الكتاب إلا تصويرا لبعض النتائج التي وصل إليها من هذا الدرس ~~المزدوج. # وإني لمعجب أشد الإعجاب بهذا الصبر الطويل، وهذا الجلد الذي لا أعرف له نظيرا في هذا ~~الجيل الذي نعيش فيه، فليس يسيرا أن تعاشر النحويين فتطيل عشرتهم، فضلا عن أن تنفق حياتك ~~كلها في مصاحبتهم، والتحدث إليهم، والتحدث عنهم. # والناس بعد يضيقون بالنحو ويتبرمون بحديثه، فما بالك برجل قد أصبح يضيق بكل شيء لا يتصل ~~بالنحو، ويتبرم بكل حديث لا يمس النحو من قريب أو بعيد، حتى سميناه فيما بيننا ~~بالفراء؟! # أنا معجب بهذا الصبر، ولكن إعجابي بنتائجه عظيم أيضا، وما رأيك في رجل يستطيع أن يؤرخ ~~نشأة النثر العربي؛ يستخلص تاريخه لهذا الفن الأدبي العظيم من درس النحو وإطالة النظر فيه ms05 ، ~~ويصل إلى نتائج باهرة حقا؟! وما رأيك في رجل يطيل النظر في النحو، فإذا هو يرد تفكير ~~النحويين إلى تفكير الفلاسفة والمتكلمين من المسلمين، وإذا هو يرد قصور النحو وتقصيره إلى ~~علته الطبيعية، وهي أن النحويين قد فلسفوا النحو، فقصروا به عن أن يذوق جمال العربية، ويصور ~~ذوقها كما كان ينبغي أن يصور. # وهو لا يتحدث إليك بهذا كله حديث المدعي بغير دليل، أو المتكثر من غير طائل، ولكنه أمين ~~دقيق، لا يقول إلا عن علم، ولا يرى إلا عن بصيرة، دليله معه دائما ودليله ملزم دائما؛ ~~لأنه لا يحاول أن يقنعك إلا بعد أن يفرغ من إقناع نفسه، وليس إقناعه نفسه بالشيء ~~اليسير. # أليس هذا كله خليقا أن يحبب إلي الحديث عن هذا الكتاب وتقديمه إليك؟! # أليس هذا كله خليقا أن يصرفني إلى الكتاب عن صاحبه؟! ولكن صاحب الكتاب كما قلت ملائم أشد ~~الملاءمة لكتابه؛ لا ترى في الكتاب خصلة إلا وهي مستمدة من نفس صاحبه، ملائمة لطبعه، مشتقة ~~من مزاجه، فهو أبعد الناس عن التكلف، وأبغضهم للتصنع، وأشدهم ترفعا عن الرياء. # ما في الكتاب من صدق اللهجة صورة ما في صاحبه من صدق الخلق، وما في الكتاب من الدقة ~~والأمانة، صورة ما في صاحبه من الدقة والوفاء، وما في الكتاب من القصد والاعتدال، صورة ما ~~في نفس صاحبه من التواضع الذي يكرم به الرجل، ويملأ قلوب الذين يعرفونه حبا وإكبارا ~~ووفاء. # أقبل علي إبراهيم ذات يوم فقرأ علي فصولا من كتابه هذا، فأبيت عليه إلا أن يمضي في ~~القراءة من الغد، وما زلنا كذلك، يقرأ وأسمع وأناقش، حتى فرغنا من قراءة الكتاب، ولم يكن ~~يعرف له اسما، فاقترحت عليه هذا الاسم الذي رسمه به «إحياء النحو» فأكبره واستكثره وأشفق ~~منه، وألححت أنه فيه، فلم يستطع لي خلافا. # وأنا أتصور إحياء النحو على وجهين؛ أحدهما: أن يقربه النحويون من العقل الحديث ليفهمه ~~ويسيغه ويتمثله، ويجري على تفكيره إذا فكر، ولسانه إذا تكلم، وقلمه إذا كتب. والآخر: أن ~~تشيع فيه ms06 هذه القوة التي تحبب إلى النفوس درسه ومناقشة مسائله، والجدال في أصوله وفروعه، ~~وتضطر الناس إلى أن يعنوا به بعد أن أهملوه، ويخوضوا فيه بعد أن أعرضوا عنه. # وأشهد لقد وفق إبراهيم إلى إحياء النحو على هذين الوجيهن، فانظر في هذا الكتاب فسترى ~~أن إبراهيم لا يعرض عليك علما ميتا، وإنما يعرض عليك علما حيا يبعث الحياة في ~~الذوق. # ثم سترى إبراهيم لا يعرض عليك مسائل جامدة هامدة، ولكنه يفتح للنحويين طريقا إن سلكوها ~~فلن يحيوا النحو وحده، ولكنهم سيحيون معه الأدب العربي أيضا. # ثم انتظر بهذا الكتاب وقتا قصيرا فسترى أني لم أغل ولم أسرف، حين زعمت في أول هذا ~~الحديث أنه سيحفظ قوما، وسيدفعهم إلى الخصومة والجدال دفعا. # فالكتاب كما ترى، يحيي النحو لأنه يصلحه، ويحيي النحو لأنه ينبه إليه من اطمأنوا إلى ~~الغفلة عنه، وحسبك بهذا إحياء. # أرأيت أني كنت خليقا أن أقف موقف الحائر؟! لا أدري أأتحدث عن الكتاب أم عن صاحبه، وأني ~~خليق الآن بعد أن بينت لك مصدر هذه الحيرة أن أكتفي من تقديم هذا الكتاب إليك، بأن أسجل ~~بهذه الكلمة القصيرة القاصرة ما يملأ قلبي من حب لإبراهيم، وما يملأ عقلي من إعجاب بكتاب ~~إبراهيم. # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا بحث من النحو، عكفت عليه سبع سنين وأقدمه إليك في صفحات، سبع سنين من أوسط أيام ~~العمر وأحراها بالعمل، صدقت فيها الاعتكاف إلى النحو، وإلى ما يتصل بمباحثه، وأضعت ~~له من حق الصديق والأهل والولد والنفس جميعا. # كان سبيل النحو موحشا شاقا، وكان الإيغال فيه ينقض قواي نقضا، ويزيدني من الناس ~~بعدا، ومن التقلب في هذه الدنيا حرمانا، ولكن أملا كان يزجيني ويحدو بي في هذه ~~السبيل الموحشة؛ أطمع أن أغير منهج البحث النحوي للغة العربية، وأن أرفع عن المتعلمين ~~إصر هذا النحو، وأبدلهم منه أصولا سهلة يسيرة، تقربهم من العربية، وتهديهم إلى حظ من ~~الفقه بأساليبها. # كانت بارقات الأمل - خادعة وصادقة - تدفعني في سبيلي، غير راحمة ولا وانية، فليكن ما ~~أنفق من ms07 هذا العمر ذخرا في أعمار الدارسين من بعد، ولتكن شيخوخة هذا الشيخ فدى ~~للعربية؛ أن تقرب من طالبيها، ويمهد السبيل لمتعلميها. # اتصلت بدراسة النحو في كل معاهده التي يدرس فيها بمصر، وكان اتصالا طويلا وثيقا؛ ~~ورأيت عارضة واحدة، لا يكاد يختص بها معهد دون معهد، ولا تمتاز بها دراسة عن دراسة، هي ~~التبرم بالنحو، والضجر بقواعده، وضيق الصدر بتحصيله؛ على أن ذلك من داء النحو قديما، ~~ولأجله ألف «التسهيل» و«التوضيح» و«التقريب»، واصطنع النظم لحفظ ضوابطه، وتقييد ~~شوارده. # والنحو مع هذا لا يعطيك عند المشكلة القول البات، والحكم الفاصل. قد يهدي في سهل ~~القول، من رفع فاعل ونصب مفعول، فإذا عرض أسلوب جديد، أو موضع دقيق، لم يسعفك النحو ~~بالقول الفصل، واختلاف الأقوال واضطراب الآراء وكثرة الجدل التي لا تنتهي إلى فيصل ولا ~~حكم. كل ذلك قد أفسد النحو أو كاد، فلم يكن الميزان الصالح لتقدير الكلام، وتمييز صحيح ~~القول من فاسده. # وإذا جئنا إلى مدارس الناشئين، كانت المشكلة في تعليمهم النحو أشد وأكد؛ فهو على ما ~~تعلم من بعد تناوله، وصعوبة مباحثه، قد جعل المفتاح إلى تعلم العربية، وكتب على ~~الناشئ أن يأخذ بنصيبه منه، منذ الخطوة الأولى في التعليم الابتدائي والثانوي. واختير ~~له جملة من القواعد، قدر أنها تفي بما يحتاج إليه لإصلاح الكلام وتقويم اللسان، ثم كانت ~~خصومة هادئة قاسية بين طبيعة التلميذ وبين هذا المنهاج والقائمين عليه. أما التلميذ فقد ~~بذل الجهد وأعيا، ولم يبلغ من تعلم العربية أربا، وأما أصحاب المنهج فقد رأوا أن ~~يزيدوا في منهجهم، ويكملوا للتلميذ حظه من القواعد، فلا سبيل له إلى العربية غير هذا ~~النحو؛ فزادوا في هوامش كتبهم ما يكمل القواعد ويتمم الشروط - ثم تسللت هذه الزيادات ~~إلى جوف الكتاب فضخم، وزاد المنهاج المفروض - ولكن طبيعة التلميذ الصادقة في إباء هذه ~~القواعد، والتململ بحفظها، لم تخف شهادتها، ولم يستطع جحدها، فكانت ثورة على المنهاج ~~وأصحابه، وخفف منه، وانتقص من مسائله، والداء لم يبرأ، والعوارض لم تتغير، وتكررت ~~الشكوى ، وعادوا على ms08 المنهاج بالنقص، حتى كان المقرر قواعد من النحو مختلفة، كأنما هي ~~نماذج يراد بها عرض نوع من مسائله. # قد كان في هذا، الشهادة الصريحة بفشل هذا النحو أن يكون السبيل إلى تعلم العربية، ~~والمفتاح لبابها. # ولقد بذل في تهوين النحو جهود مجيدة، واصطنعت أصول التعليم اصطناعا بارعا، ~~ليكون قريبا واضحا؛ على أنه لم يتجه أحد إلى القواعد نفسها، وإلى طريقة وضعها، فيسأل: ~~ألا يمكن أن تكون تلك الصعوبة من ناحية وضع النحو وتدوين قواعده، وأن يكون الدواء في ~~تبديل منهج البحث النحوي للغة العربية؟ # هذا السؤال هو الذي بدا لي، وهو الذي شغلني جوابه طويلا. # ولقد تميز عندي نوعان من القواعد: نوع لا تجد في تعليمه عسرا، ولا في التزامه عناء، ~~ولا ترى خلاف النحاة فيه كبيرا، وذلك كالعدد ورعاية أحكامه في مثل: قال رجلان والرجلان ~~قالا، وقال رجال والرجال قالوا. فمع دقة الحكم في رعاية العدد، واختلافه تبعا لموضع ~~الاسم والفعل من الجملة لا تجد العناء في تصوره، ولا المزلة في استعماله. # ونوع آخر لا يسهل درسه، ولا يؤمن الزلل فيه، وقد يكثر عنده خلاف النحاة، ويشتد ~~جدلهم؛ كرفع الاسم أو نصبه في مواضع من الكلام. # ثم رأيت علامات العدد تصور جزءا من المعنى يحسه المتكلم حين يتكلم، ويدركه السامع ~~حين يسمع. أما علامات الإعراب، فقل أن ترى لاختلافها أثرا في تصوير المعنى، وقل أن ~~يشعرنا النحاة بفرق بين أن تنصب أو ترفع، ولو أنه تبع هذا التبديل في الإعراب تبديل ~~في المعنى، لكان ذلك هو الحكم بين النحاة فيما اختلفوا فيه، ولكان هو الهادي للمتكلم ~~أن يتبع في كلامه وجها من الإعراب. # فلو أن حركات الإعراب كانت دوال على شيء في الكلام، وكان لها أثر في تصوير المعنى، ~~يحسه المتكلم ويدرك ما فيه من الإشارة ومن وجه الدلالة، لما كان الإعراب موضع هذا ~~الخلاف بين النحاة، ولا كان تعلمه بهذه المكانة من الصعوبة، وزواله بتلك المنزلة من ~~السرعة. # ألهذه العلامات الإعرابية معان تشير إليها في القول ؟ أتصور شيئا ms09 مما في نفس ~~المتكلم، وتؤدي به إلى ذهن السامع؟ وما هي هذه المعاني؟ # والعربية - لغة القصد والإيجاز - أتلتزم علامات الإعراب على غير فائدة في المعنى، ولا ~~أثر في تصويره؟ # لقد أطلت تتبع الكلام، أبحث عن معان لهذه العلامات الإعرابية، ولقد هداني الله - ~~وله خالص الإخبات والشكر - إلى شيء أراه قريبا واضحا، وأبادر إليك الآن ~~بتلخيصه: ~~(1) # إن الرفع علم الإسناد، ودليل أن الكلمة يتحدث عنها. ~~(2) # إن الجر علم الإضافة، سواء أكانت بحرف أم بغير حرف. ~~(3) # إن الفتحة ليست بعلم على إعراب، ولكنها الحركة الخفيفة المستحبة، التي ~~يحب العرب أن يختموا بها كلماتهم ما لم يلفتهم عنها لافت؛ فهي بمنزلة ~~السكون في لغتنا الدارجة. ~~(4) # إن علامات الإعراب في الاسم لا تخرج عن هذا إلا في بناء، أو نوع من ~~الاتباع، وقد بيناه أيضا. # فهذا جماع أحكام الإعراب؛ ولقد تتبعت أبواب النحو بابا بابا، واعتبرتها بهذا الأصل ~~القريب اليسير، فصح أمره، واطرد فيها حكمه. # ثم زدت في تتبع هذا الأصل، فتجاوزت حركات الإعراب، ودرست التنوين على أنه منبئ عن ~~معنى في الكلام، فصح لي الحكم واستقام، وبدلت قواعد «ما لا ينصرف»، ووضعت للباب ~~أصولا أيسر وأنفذ في العربية مما رسم النحاة للباب، ولا أؤجل عنك إجمال هذه الأصول ~~أيضا: ~~(1) # إن التنوين علم التنكير. ~~(2) # لك في كل علم ألا تنونه، وإنما تلحقه التنوين إذا كان فيه حظ من ~~التنكير. ~~(3) # لا تحرم الصفة التنوين حتى يكون لها حظ من التعريف. # والبحث الذي أقدمه إليك الآن، هو شرح موجز لهذه الفكرة، ودرس لها في أبواب النحو ~~المختلفة، وبيان لما رأينا من الأدلة لتأييدها. # وكنت أريد أن أشكر لصديقي الدكتور طه حسين، ~~وأذكر فضله في إتمام البحث وإخراج الكتاب؛ ولكنه آثر أن يقدم الكتاب، وانزلق إلى الثناء ~~على صاحبه، فأجررت أن أتكلم. # وحق علي أن أشكر تلاميذي الذين عاونوني في شيء من المباحث، وإن لم أملك الآن أن ~~أسميهم وأعمالهم. # وأحمد الله حمدا ملؤه التوحيد والتمجيد والشكر. # | حد النحو كما رسمه النحاة # يقول النحاة في تحديد علم ms10 النحو: إنه علم يعرف به أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء. # 1 # فيقصرون بحثه على الحرف الأخير من الكلمة، بل على خاصة من خواصه، وهي الإعراب ~~والبناء، ثم هم لا يعنون كثيرا بالبناء ولا يطيلون البحث في أحكامه، وإنما يجعلون همهم ~~منه بيان أسبابه وعلله. # فغاية النحو بيان الإعراب وتفصيل أحكامه، حتى سماه بعضهم علم الإعراب؛ # 2 # وفي هذا التحديد تضييق شديد لدائرة البحث النحوي، وتقصير لمداه، وحصر له في جزء ~~يسير مما ينبغي أن يتناوله، فإن النحو - كما ترى، وكما يجب أن يكون - هو قانون تأليف ~~الكلام، وبيان لكل ما يجب أن تكون عليه الكلمة في الجملة، والجملة مع الجمل، حتى تتسق ~~العبارة ويمكن أن تؤدي معناها. # وذلك أن لكل كلمة وهي منفردة معنى خاصا تتكفل اللغة ببيانه، وللكلمات مركبة معنى؛ هو ~~صورة لما في أنفسنا، ولما نقصد أن نعبر عنه ونؤديه إلى الناس. وتأليف الكلمات في كل لغة ~~يجري على نظام خاص بها، لا تكون العبارات مفهمة ولا مصورة لما يراد حتى تجري عليه، ولا ~~تزيغ عنه. # والقوانين التي تمثل هذا النظام وتحدده تستقر في نفوس المتكلمين وملكاتهم، وعنها يصدر ~~الكلام، فإذا كشفت ووضعت ودونت فهي علم النحو. # ولو عرضت عليك جملة من لغة لا تعرفها، وبينت لك مفرداتها كلمة كلمة، ما كان ذلك ~~كافيا في فهمك معنى الجملة، وإحاطتك بمدلولها، حتى تعرف نظام هذه اللغة في تأليف كلماتها، ~~وبناء جملها، وذلك هو نحوها. # وكثير من اللغات لا إعراب فيها، ولا تبديل لآخر كلماتها، ولها مع ذلك نحو وقواعد مفصلة ~~تبين نظام العبارة، وقوانين تأليف الكلم. # فالنحاة حين قصروا النحو على أواخر الكلمات وعلى تعرف أحكامها قد ضيقوا من حدوده ~~الواسعة، وسلكوا به طريقا منحرفة إلى غاية قاصرة، وضيعوا كثيرا من أحكام نظم الكلام ~~وأسرار تأليف العبارة. # فطرق الإثبات، والنفي، والتأكيد، والتوقيت، والتقديم، والتأخير، وغيرها من صور الكلام قد ~~مروا بها من غير درس، إلا ما كان منها ماسا بالإعراب، أو متصلا بأحكامه، وفاتهم لذلك ~~كثير من فقه العربية ms11 ، وتقدير أساليبها. # نعم؛ ربما تعرضوا لشيء من هذه الأحكام حين يضطرون إليها لبيان الإعراب وتكميل أحكامه؛ ~~فقد تكلموا في وجوب الصدارة لأسماء الاستفهام وبعض أدوات النفي، حين أرادوا شرح التعليق ~~وبيان مواضعه، ولزمهم أن يحصوا من الأدوات ما يحجب ما قبله عن العمل فيما بعده، وبينوا ~~بعض الأدوات التي يجب أن يليها فعل، والتي لا يليها إلا اسم، حين أرادوا تفصيل أحكام ~~الاشتغال، ولكن هذه المباحث جاءت متفرقة على الأبواب، تابعة لغيرها، فلم يستوف درسها ~~ولا أحيط بأحكامها. # فالنفي مثلا كثير الدوران في الكلام، مختلف الأساليب في العربية، متعدد الأدوات - ينفى ~~بالحرف، وبالفعل، وبالاسم - وكان جديرا أن يدرس منفردا لتعرف خصائصه، وتميز أنواعه ~~وأساليبه، ولكنه درس مفرقا على أبواب الإعراب ممزقا كما ترى: ~~(أ) ~~«ليس» درست في باب كان لأنها تعمل عملها، على أن «كان» للإثبات و«ليس» ~~للنفي، وعلى أن «كان» للمضي و«ليس» للحال، ولكن العمل وحده - وهو الحكم اللفظي ~~- كان سبب التبويب والتصنيف. ~~(ب) ~~«ما، وإن» درستا في باب ألحق بكان؛ لأنهما يماثلانها في العمل ~~أحيانا. ~~(ج) ~~«لا» درست ملحقة بكان، ثم تابعة لإن؛ إذ كانت تماثل الأولى في العمل ~~مرة، وتماثل الثانية فيه مرة أخرى. وهذا الحرف أكثر استعماله أن يكون مهملا، ~~ويتصرف إذن في النفي تصرفا واسعا، ولكن النحاة لا يعنون به إلا أن يكون ~~عاملا، وأن يكون ذا أثر في الإعراب. ~~(د) ~~«غير، وإلا، وليس» تدرس في باب الاستثناء. ~~(ه) ~~«لن» في نصب الفعل. ~~(و) ~~«لم» و«لما» في جزمه. # درست هذه الأدوات كما ترى مفرقة، ووجهت العناية كلها إلى بيان ما تحدث من أثر في ~~الإعراب، وأغفل شر إغفال درس معانيها، وخاصة كل أداة في النفي، وفرق ما بينها ~~وبين غيرها في الاستعمال. ولو أنها جمعت في باب وقرنت أساليبها، ثم ووزن بينها، ~~وبين منها ما ينفي الحال وما ينفي الاستقبال وما ينفي الماضي، وما يكون نفيا لمفرد، وما ~~يكون نفيا لجملة، وما يخص الاسم، وما يخص الفعل، وما يتكرر، لأحطنا بأحكام النفي وفقهنا ~~أساليبها، ولظهر ms12 لنا من خصائص العربية ودقتها في الأداء شيء كثير أغفله النحاة، وكان ~~علينا أن نتتبعه ونبينه. # ومثل النفي في ذلك التأكيد يدرسونه في «باب إن»، ويقرنون «بإن» المؤكدة «أن» ~~الواصلة، «وليت» المتمنية؛ لأنها أدوات تتماثل في العمل، وإن تباعد ما بينها في المعنى ~~والغرض. وفي باب الفعل يذكرون نوني التوكيد وأحكامهما لأثرهما في إعرابه. وفي بحث التوابع ~~يجعلون للتوكيد بابا خاصا يذكرون فيه عددا من الكلمات، حكمها في الإعراب حكم ما ~~قبلها. # ولو جمعت أساليب التوكيد في العربية - ما ذكر هنا وما لم يذكر - وبين ما يكون ~~تنبيها للسامع، وما يكون تأكيدا للخبر، وما يكون تقوية لرغبة، لكان أقرب إلى أن تدرس ~~كل أنواع التوكيد، ويبين لكل نوع موضعه؛ ولكان أدنى إلى توضيح أساليب العربية وسرها في ~~التعبير. # والزمن جعله النحاة ثلاثة أنواع: الماضي، والحال، والمستقبل. وجعلوا للدلالة عليها صيغتين # 3 # فقط: الفعل الماضي، والفعل المضارع. وكفاهم ذلك؛ لأن أحكام الإعراب لا تكلفهم ~~أكثر منه، ولم يحيطوا بشيء من أنواع الزمن وأساليب الدلالة عليه، وهي في العربية أوسع من ~~هذا وأدق. يدل على الزمن بالفعل، وبالاسم، وبالفعل والفعل، وبالفعل والاسم، وبالحرف. ~~ولكل أسلوب من هذه جزء من الزمن محدود يدل عليه. # وليس لهذه الأبحاث من موضع يجب أن تفصل وتبين أحكامها فيه إلا علم النحو. # وقد ذكرنا هذه الأمثلة لنبين أن النحاة حين قصروا النحو على البحث في أواخر الكلم قد ~~أخطأوا إلى العربية من وجهين: # الأول: # أنهم حين حددوا النحو وضيقوا بحثه، حرموا أنفسهم وحرمونا؛ إذ ~~اتبعناهم من الاطلاع على كثير من أسرار العربية وأساليبها المتنوعة، ~~ومقدرتها في التعبير؛ فبقيت هذه الأسرار مجهولة، ولم نزل نقرأ العربية ~~ونحفظها ونرويها، ونزعم أننا نفهمها ونحيط بما فيها من إشارة، وبما ~~لأساليبها من دلالة. والحق أنه يخفى علينا كثير من فقه أساليبها، ودقائق ~~التصوير بها. # الثاني: # أنهم رسموا للنحو طريقا لفظية، فاهتموا ببيان الأحوال المختلفة للفظ ~~من رفع أو نصب من غير فطنة لما يتبع هذه الأوجه من أثر في المعنى. يجيزون ms13 ~~في الكلام وجهين أو أكثر من أوجه الإعراب، ولا يشيرون إلى ما يتبع كل وجه ~~من أثر في رسم المعنى وتصويره. وبهذا يشتد جدلهم ويطول احتجاجهم، ثم لا ~~ينتهون إلى كلمة فاصلة. # على أن هذا السبيل المحدود، وتلك الغاية القاصرة، لم يصر إليها النحاة عرضا، ولكن كان ~~في مساق التاريخ ما رسم الطريق وحدده. # وسنشير إلى شيء من هذا التاريخ لا لنعتذر عن النحاة فحسب، ولكن لنهتدي به ولنسلك في درس ~~النحو أهدى سبيل وأجداه. # | وجهات البحث النحوي # كان العرب شديدي العناية بالإعراب، وكان حسهم به دقيقا يقظا، يعدونه عنوان الثقافة ~~التامة، والأدب الرفيع، والخلق المهذب، قالوا: اللحن هجنة على الشريف. وكان الرجل منهم إذا ~~تكلم فلحن سقط من أعينهم، وكان خالد بن صفوان يحسن الكلام ويلحن في الإعراب، فقال له مرة ~~بلال بن أبي بردة: «تحدثني حديث الخلفاء وتلحن لحن السقاءات!» # وكان العرب يرقبون ذلك من أنفسهم، ويتعمدون الإعراب ويحرصون عليه أن يخطئوه، يروون لعبد ~~الملك بن مروان أنه قال: «شيبني ارتقاء المنابر وتوقع اللحن.» # ويروون عن الحجاج بن يوسف - وهو ما تعلم من الفصاحة وقوة البيان - أنه كان يسأل يحيى بن ~~يعمر النحوي: «أتراني ألحن؟» ويشدد عليه أن يبين له ما يسمعه منه من لحن. # أما أبو الأسود الدؤلي الكناني فكان يقول: «إني لأجد للحن غمرا # 1 # كغمر اللحم.» # فلما وقع اللحن في القرآن كان أثره عليهم أشد، وكان إليهم أبغض، فبادروا إلى إعراب القرآن ~~وضبط كلماته بنقط يكتبونها عند آخر الكلمات تدل على حركاتها - وكان ذلك عمل أبي الأسود في ~~النحو، وعمل طبقتين من النحاة بعده؛ يعربون المصحف، أي: يضبطون أواخر كلماته بالنقط، ~~ويرسلون المصاحف في الناس يهتدون في القراءة بها وتكون لهم إماما. # وقد أطالوا بذلك مراقبة أواخر الكلمات، وربما ~~اختلفوا فيها، وتجادلوا عندها. وطول هذه المراقبة ودأبهم عليها هداهم إلى كشف سر من أسرار ~~العربية عظيم؛ وهو أن هذه الحركات ترجع إلى علل وأسباب يطرد حكمها في الكلام، ويمكن الرجوع ~~إليها والاحتجاج بها. # وقد أعجبوا ms14 بهذا الكشف إعجابا عظيما فألحوا في الدرس وفي تتبع الأواخر والكشف عن ~~أسرار تبديلها؛ وسموا ما كشفوا أول الأمر - علل الإعراب - أو علل النحو، ثم لم يلبثوا أن ~~أوجزوا فسموها علم النحو أو الإعراب، ولم يمض عليهم زمن طويل، مذ هدوا إلى علل الإعراب، ~~حتى كانوا قد أحاطوا بها ودونوها، وجمعها سيبويه في كتابه الذي لم يزل من بعده إمام ~~النحاة. # وإذا كانت فتنة النحاة بما كشفوا قد دفعتهم إلى التسابق في الكشف، وإلى التعمق في البحث ~~حتى أحاطوا بقواعد الإعراب في سرعة معجزة؛ فإنها صرفتهم عن درس ما سوى الإعراب مما في ~~العربية من قواعد لربط الكلام وتأليف الجمل. # وقد بدا لبعض النحاة مسلك آخر في درس العربية يتجاوز الإعراب إلى غيره من القواعد ~~العربية؛ فألف أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 208 كتابا في «مجاز القرآن»، حاول أن ~~يبين ما في الجملة العربية من تقديم أو تأخير أو حذف أو غيرها، وكان بابا من النحو ~~جديرا أن يفتح، وخطوة في درس العربية حرية أن تتبع الخطة الأولى في الكشف عن علل ~~الإعراب، ولكن النحاة - والناس من ورائهم - كانوا قد شغلوا بسيبويه ونحوه وفتنوا كل ~~الفتنة، حتى كان الإمام أبو عثمان المازني المتوفى سنة 247 يقول: «من أراد أن يعمل كتابا ~~كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستح.» # 2 # فلم تتجه عنايتهم إلى شيء مما كشف عنه أبو عبيدة في كتاب مجاز القرآن، وأهمل ~~الكتاب ونسي، ووقع بعض الباحثين في أيامنا على اسمه فظنوه كتابا في البلاغة. وما كانت ~~كلمة المجاز إلى ذلك العهد قد خصصت بمعناها الاصطلاحي في البلاغة، وما كان استعمال أبي ~~عبيدة لها إلا مناظرة لكلمة النحو في عبارة غيره من علماء العربية؛ فإنهم سموا بحثهم ~~«النحو»؛ أي: سبيل # 3 # العرب في القول، واقتصروا منه على ما يمس آخر الكلمة. وسمي بحثه المجاز؛ أي: ~~طريق التعبير، وتناول غير الإعراب من قوانين العبارة العربية، ولم يكثر ما أكثر سيبويه ~~وجماعته، ولم يتعمق ما تعمقوا، ولا أحاط ms15 إحاطتهم، ولكنه دل على سبيل تبصرة انصرف الناس ~~عنها غافلين، وقد بقي لنا من هذا الكتاب جزء يسير ننقل منه ما يبين أسلوب بحثه، ويصدق ما ~~ذهبنا إليه من رأي في تقديره. # بدأ كتابه بمقدمة ذكر فيها كثيرا من أنواع المجاز التي يقصد إلى درسها، ثم أخذ في ~~تفسير القرآن الكريم كله، يبين ما في آياته من مجاز على المعنى الذي أراد. # فمن المقدمة قوله: «ومن مجاز ما خبر عن اثنين مشتركين أو عن أكثر من ذلك فجعل بعض ~~الخبر لبعض دون بعض، وكف عن خبر الباقي، قال: # والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~. ومن مجاز ما ~~جعل في هذا الباب الخبر للأول منهما أو منهم، قال: # وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~. ومن مجاز ما جعل في هذا الباب ~~الخبر للآخر منهما أو منهم، قال: # ومن يكسب خطيئة أو ~~إثما ثم يرم به بريئا # ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الغائب ~~ومعناه الشاهد، قال: # الم * ذلك الكتاب # مجازه الم هذا القرآن. # 4 # ومن مجاز ما جاء مخاطبته مخاطبة الشاهد، ثم تركت وحولت مخاطبته هذه إلى ~~مخاطبة الغائب، قال الله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم # أي: بكم. ومن مجاز ما جاء خبرا عن غائب ثم خوطب الشاهد، قال: # ثم ذهب إلى أهله يتمطى * ~~أولى لك فأولى ~~. # ثم قال: ومن مجاز المكرر للتأكيد، قال: # إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # أعاد ~~الرؤية، وقال: # أولى لك فأولى # أعاد اللفظ، وقال: # فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم تلك عشرة كاملة # وقال: # تبت يدا ~~أبي لهب وتب # ومن مجاز المقدم والمؤخر، قال: # فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت # أراد ربت واهتزت ... ~~ومن مجاز ما يحول خبره إلى شيء من سببه ويترك خبره هو، قال: # فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # حول الخبر إلى الكناية التي في آخر ~~الأعناق. # ثم قال: «وكل هذا جائز معروف قد يكلمون به.» # فهذا مثال مما جاء في مقدمة ms16 الكتاب، ومن التفسير قوله : «مالك يوم الدين» نصب على ~~النداء وقد تحذف ياء النداء مجازه «مالك يوم الدين»؛ لأنه يخاطب شاهدا، ألا تراه يقول: # إياك نعبد # فهذه حجة لمن نصب، ومن جر قال: هما ~~كلامان ... ومجاز من جر «مالك يوم الدين» أنه حدث عن مخاطبة غائب، ثم راجع فخاطب شاهدا، ~~فقال: # إياك نعبد وإياك نستعين # قال ~~عنترة: # شطت مزار العاشقين فأصبحت # عسرا علي طلابك ابنة مخرم # 5 # قال أبو كبير الهذلي: # يا لهف نفسي كان حرة وجهه # وبياض وجهك للتراب الأعفر # غير المغضوب عليهم ولا الضالين # مجازها ~~غير المغضوب عليهم والضالين، ولا من حروف الزوائد والمعنى إلغاؤها. # قال العجاج: # في بئر لا حور سرى ولا شعر # أي في بئر حور: أي هلكة. # وقال أبو النجم: # فما ألوم البيض ألا تسخرا # لما رأين الشمط القفندرا # القفندر: القبيح الفاحش؛ أي: فما ألوم البيض أن يسخرن. # وقال: # ويلحينني في اللهو ألا أجيبه # وللهو داع دائب غير غافل # والمعنى: ويلحينني في اللهو أن أجيبه. وفي القرآن آية أخرى: # قال ~~ما منعك ألا تسجد # مجازها ما منعك أن تسجد. # 6 # ا.ه. # ولقد نكون أطلنا الاقتباس ولكنه مثل من البحث النحوي نريد أن نجليه للناس، وندعوهم ~~إليه ونستزيدهم منه - لعلهم يذوقون من سر العربية ونظم تأليفها ما يتجاوز آخر الكلمة وحكم ~~إعرابه. # وجاء بعد ذلك بآماد الشيخ عبد القاهر الجرجاني، المتوفى سنة 471، ورسم في كتابه دلائل ~~الإعجاز طريقا جديدا للبحث النحوي، تجاوز أواخر الكلم وعلامات الإعراب، وبين أن للكلام ~~«نظما» وأن رعاية هذا النظم واتباع قوانينه هي السبيل إلى الإبانة والإفهام، وأنه إذا عدل ~~بالكلام عن سنن هذا النظم لم يكن مفهما معناه، ولا دالا على ما يراد منه، وضرب المثل ~~لذلك بالمطلع المشهور، وهو: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # لو خولف فيه «النظم» وعدل به عن سننه وقواعده، فقيل: # نبك قفا حبيب من ومنزل ذكرى # لكان لغوا من الكلام وعبثا. ثم بين أن هذا النظم يشمل ما في الكلام من تقديم وتأخير، ~~وتعريف وتنكير، ms17 وفصل ووصل، وعدول عن اسم إلى فعل، أو عن صيغة إلى أخرى، وغير هذا من سائر ~~أحوال الكلمة إذا ألفت مع غيرها لتفهم. # ثم بين أنه ليس شيء من هذا «النظم» إلا وبيانه إلى علم النحو. قال في صفحة 61 من ~~دلائل الإعجاز: # 7 ~~«واعلم أنه ليس النظم إلا أن تضع الكلام الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل ~~على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت فلا ~~تخل بشيء منها؛ وذلك أنا لا نعلم شيئا يتبعه الناظم بنظمه، غير أن ينظر في وجوه كل باب ~~وفروقه، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك: زيد منطلق، وزيد ينطلق، وينطلق زيد، ~~ومنطلق زيد، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق. وفي الشرط والجزاء إلى الوجوه ~~التي تراها في قولك: إن تخرج أخرج، وإن خرجت خرجت، وإن تخرج فأنا خارج، وأنا خارج ~~إن خرجت، وأنا إن خرجت خارج ... وينظر في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، وفي ~~الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيضع كلا من ذلك مكانه، ويستعمله على ~~الصحة، وعلى ما ينبغي له. هذا هو السبيل فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا وخطؤه ~~إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به ~~موضعه، ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه؛ واستعمل في غير ما ~~ينبغي له.» ا.ه. # وكرر عبد القاهر بيان هذا المعنى في مواضع من كتابه، وبالغ في الاستدلال له، وكأنه أحس ~~ذلك من صنيعه، فقال: «واعلم أنه وإن كانت الصورة في الذي أعدنا وأبدأنا فيه من أنه لا معنى ~~للنظم غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، قد بلغت من الوضوح والظهور والانكشاف إلى ~~أقصى الغاية، وإلى أن تكون الزيادة عليه، كالتكلف لما لا يحتاج إليه، فإن النفس تنازع إلى ~~تتبع كل ضرب من الشبهة.» # 8 # إلخ. # وفي الحق أن الإمام أبا بكر قد بلغ أقصى الجهد ms18 في تصوير رأيه وتوضيحه، وفي الاستدلال له ~~وتأييده، وأنه تركه بعد في غموض، وخلى العلماء منه في اضطراب. # فجمهور النحاة لم يزيدوا به في أبحاثهم النحوية حرفا، ولا اهتدوا منه بشيء، وآخرون منهم ~~أخذوا الأمثلة التي ضربها عبد القاهر بيانا لرأيه، وتأييدا لمذهبه، وجعلوها أصول علم من ~~علوم البلاغة سموه: «علم المعاني»، وفصلوه عن النحو فصلا أزهق روح الفكرة وذهب بنورها. وقد ~~كان أبو بكر يبدي ويعيد في أنها معاني النحو، فسموا علمهم: «المعاني»، وبتروا الاسم هذا ~~البتر المضلل. # كان الذي صرف النحاة عن «مجاز» أبي عبيدة فتنتهم بنحو سيبويه، وقرب عهدهم بكشفه، أما ~~«نظم» عبد القاهر، فقد كان نصيبه أبخس، وشغل الناس عن فهمه أمران: # الأول: # عام يتصل بحال العلم في القرن الخامس، عصر أبي بكر، إذ كانت العقول قد ~~همدت وقيدت بسلاسل من التقليد حرمت عليها أن تقبل أي ابتداع أو ~~تجديد. # الثاني: # خاص يعود إلى طبيعة المذهب، وأن أساسه الذوق وتنبه الحس اللغوي ~~لزنة الأساليب ودرك خصائصها. وقد كانت العجمة إذ ذاك غالبة بغلبة الأعاجم، ~~والعلماء واقفون من علم العربية عند ظاهر لفظها، لا يبلغ بهم الحس اللغوي ~~أن يذوقوا ما ذاق عبد القاهر، ولا أن يدركوا ما أدرك، فاضطر إلى مضاعفة ~~الجهد في الكشف عن رأيه والاحتجاج له، ثم كتب له أن يخلي رأيه - على ~~وضوحه - غامضا يعرض عنه قوم ويحرفه آخرون. # ولقد آن لمذهب عبد القاهر أن يحيا، وأن يكون هو سبيل البحث النحوي، فإن من العقول ما أفاق ~~لحظه من التفكير والتحرر، وإن الحس اللغوي أخذ ينتعش ويتذوق الأساليب، ويزنها بقدرتها ~~على رسم المعاني، والتأثير بها، من بعد ما عاف الصناعات اللفظية، وسئم زخارفها. # وإجمال ما في هذا الفصل أن حس العرب بالإعراب وإكرامهم له دعاهم أن يضبطوا بالنقط آخر ~~الكلمات في القرآن الكريم حين يكتبونه، وأن ممارسة النحاة لهذا الضبط هدتهم إلى كشف علل ~~الإعراب، فكان علم النحو؛ وأن اتجاههم إلى أواخر الكلمات وضبط قواعدها قد صرفهم عما كان ~~ينبغي لهم أن يدرسوه ms19 من سائر نحو اللغة، وأنه قد كان من أئمتهم من دلهم على أهدى مما ~~بأيديهم من قواعد الإعراب، فأغفلوه وأعرضوا عنه، موفرين جهدهم على درس الإعراب. # وننظر الآن مبلغ ما كشفوه من سر الإعراب. # | أصل الإعراب # أكب النحاة على درس الإعراب وقواعده فوق ألف عام، لا يعدلون به شيئا، ولا يرون من ~~خصائص العربية ما ينبغي أن يشغلهم دونه، وألفوا فيه الأسفار الطوال، وأكثروا من الجدل ~~والمناقشة في تعليله وفلسفته، حتى تركوا نحو العربية أوسع الأنحاء أسفارا وتأليفا وفلسفة ~~وجدلا، فماذا بلغوا من كشف سر الإعراب وبيان حقيقته؟ # أساس كل بحثهم فيه أن «الإعراب أثر يجلبه العامل»، فكل حركة من حركاته، وكل علامة من ~~علاماته، إنما تجيء تبعا لعامل في الجملة - إن لم يكن مذكورا ملفوظا، فهو مقدر ملحوظ - ~~ويطيلون في شرح العامل وشرطه ووجه عمله، حتى تكاد تكون نظرية العامل عندهم هي النحو ~~كله. # أليس النحو هو الإعراب، والإعراب أثر العامل؟! فلم يبق إذن للنحو إلا أن يتتبع هذه ~~العوامل، يستقرئها ويبين مواضع عملها، وشرط هذا العمل؛ فذلك كل النحو. # وعلى هذا ألفت كتب تجمع قواعد النحو بعنوان «العوامل»؛ فألف الإمام أبو علي الفارسي ~~المتوفى سنة 377 كتاب العوامل ومختصره؛ وألف الشيخ عبد القادر الجرجاني المتوفى سنة 471 ~~كتاب «العوامل المائة»، وهو باق بأيدينا، محيط بقواعد النحو، جعل منهاجا للتعليم زمنا، ~~وتوفر الناس على درسه وشرحه، كما جعلت ألفية ابن مالك إلى هذا العهد. # ودونوا للعامل شروطا وأحكاما هي عندهم فلسفة النحو، وسر العربية، سنجمع هنا من ~~كلامهم ومن ثنايا أدلتهم وحججهم ما يشرح لك أصول نظرياتهم في العامل. قالوا: ~~(1) # كل علامة من علامات الإعراب فهي أثر لعامل، إن لم تجده في الجملة وجب تقديره، ~~وقد يكون هذا العامل واجب الحذف لا يصح أن ينطق به في كلام، ولكنه من المحتوم ~~أن يقدر، وقد يقدر في الجملة عاملان مختلفان كما في: إياك والأسد. # 1 # وسقيا # 2 # لك. ~~(2) # لا يجتمع عاملان على معمول واحد، فإذا وجد ما ظاهره أنه سلط ms20 عاملان على ~~معمول، جعلوا لأحد العاملين التأثير في اللفظ وللآخر التأثير في الموضع، كما في ~~«بحسبك هذا» و«رب رجل لا يحمل قلب رجل»؛ فلرب والباء العمل في اللفظ، ~~والكلمتان بعدهما مرفوعتان محلا للابتداء. # ولرفضهم أن يعمل عاملان في معمول واحد خلقوا باب التنازع في العمل وما فيه من ~~قواعد وأحكام ليس يخفى ما بها من اعتساف وتعقيد. ~~(3) # الأصل في العمل للأفعال، وهي تعمل في الأسماء فقط، فترفعها وتنصبها، ولكنها ~~لا تجر، ولا ترفع إلا اسما واحدا، وتنصب اسما أو أكثر، وتعمل الرفع ~~والنصب معا. ~~(4) # كلما كان الفعل أمكن في باب الفعلية كان أوفر من العمل حظا، فالفعل الجامد ~~عامل ضعيف، لا يعمل فيما يتقدمه، وقد لا يعمل إلا بشروط تحد عمله، كفعل ~~التعجب، ونعم وبئس؛ لا يرفع الأول إلا ضميرا مستترا واجب الاستتار. ولمرفوع ~~نعم وبئس من الشروط ما هو مبين في بابه، كذلك الفعل الناقص محدود العمل لا يعمل ~~إلا في المبتدأ والخبر، وقد يشترط لعمله شروط، كسبق النفي أو غيره. ~~(5) # يكون الاسم عاملا - ويحمل في ذلك على الفعل - فيجب أن يتحقق له شبه ~~بالفعل يقربه منه ويؤهله لحكمه، كما ترى في اسم الفاعل واسم المفعول ~~والمصدر. ويناط نصيبه من العمل بحظه من شبه الفعل، فيكون أقوى عملا إذا اتصل ~~به ما يقربه من الفعل ويتمم شبهه به، كاعتماد اسم الفاعل على نفي أو ~~استفهام، أو وقوعه صلة لأل، ويكون أضعف إذا طرأ له ما يبعده عن الفعل؛ كاسم ~~التفضيل. فإنه لما قرن بمن كان بمنزلة المضاف فضعف شبهه بالفعل وقل ~~عمله، واقتصر على رفع الضمير وامتنع أن يرفع الظاهر، وكالمصدر إذا صغر أبعده ~~التصغير عن شبه الفعل فحرم العمل. والاسم يعمل في الاسم وفي الفعل، فيرفع ~~الاسم وينصبه، ويجزم الفعل ولكن لا ينصبه. ~~(6) # وللحرف طريقتان في العمل: # الأولى: # أن يكون أصلا فيه غير محمول على الفعل. # الثانية: # أن يعمل حملا على الفعل؛ وهو أبعد في العمل مسلكا، يعمل ~~في الاسم وفي الفعل، فيرفع الاسم وينصبه ويجره، ويجزم الفعل ms21 ~~وينصبه، ويعمل الجزمين معا كما في أدوات الشرط، ولا يعمل ~~الرفع إلا إذا عمل النصب معه. يقول النحاة: «ليس لنا حرف يعمل ~~الرفع إلا وهو يعمل النصب معا.» # وإذا عمل الحرف حملا على الفعل كان نصيبه من العمل بمقدار ~~ما فيه من مشابهة الفعل معنى ولفظا؛ فإن تعمل لأنها تدل ~~على التأكيد فأشبهت الفعل معنى، ولأنها ثلاثية فأشبهته صورة؛ ~~فإذا خففت ضعف شبهها فقل عملها. قال ابن مالك: # وخففت إن فقل ~~العمل # قال الشراح: وذلك لبعدها عن شبه الفعل في اللفظ ~~بتخفيفها. ~~(7) # إن الحرف لا يعمل في نوع من الكلمات حتى يكون مختصا به؛ «فلم ولن» عاملتان ~~في المضارع لاختصاصهما به، و«قد» لم تعمل لدخولها على الماضي والمضارع، و«هل» ~~الاستفهامية حرمت العمل؛ لأنها قد تدخل على الاسم كما تدخل على الفعل. ~~(8) # يعمل الحرف في موضع عملا وفي غيره عملا آخر، مثل «لا» تحمل على «ليس» ~~فتعمل عملها، وعلى «إن» فتكون مثلها. ~~(9) # مرتبة العامل التقدم، وإذا كان العامل قويا أمكن أن يعمل متقدما ومتأخرا، ~~فإذا كان ضعيفا لم يعمل إلا متقدما. ~~(10) # الأصل ألا يفصل العامل من معموله، ويمكن تجاوز هذا في الفعل لقوته، ~~وفي الاسم حملا عليه، أما الحرف فلا يجوز الفصل بينه وبين معموله. ~~(11) # العوامل في الأفعال أضعف من العوامل في الأسماء، فعوامل الأسماء متى توفرت ~~شروطها وجب إعمالها، أما عوامل الأفعال فقد تلغى وكل شروطها مستوفاة؛ كأدوات ~~الشرط، وواو المعية، وفاء السببية. ~~(12) # يمكن أن تكون الكلمة عاملة ومعمولة معا، ولكن الكلمتين لا تتبادلان العمل ~~فتكون كل منهما عاملة في الأخرى معمولة لها. ~~(13) # جزء الكلمة لا يكون عاملا فيها. ~~(14) # قد يعترض العامل ما يلغي عمله أو يكفه عنه، وقد يعترضه ما يعلقه عن العمل ~~فيكون عاملا في المحل وليس له من أثر في اللفظ، فللعامل ثلاث حالات: الإعمال، ~~والتعليق، والإلغاء. ولكل موضع. ~~(15) # كل جماعة من العوامل تشابهت في العمل تكون أسرة واحدة، كباب إن، وباب ~~كان، وتكون أداة من هذه الأدوات أوسع عملا فتسمى «أم الباب»، ولها من ~~الحقوق في ms22 العمل والتصرف في الباب ما ليس لغيرها من أدواته. فكان أم الأفعال ~~الناقصة، وإن أم الأدوات التي تنصب الأول وترفع الثاني، وإن تباعد ~~ما بينها في المعنى؛ لأن اتفاق العمل وحده هو الأصل في تقسيم هذه الأسر، وتحديد ~~أبوابها. # ولما تكونت للنحاة هذه الفلسفة حكموها في اللغة، وجعلوها ميزان ما بينهم من جدل في ~~المذاهب، ومناقشة في الآراء والبصريون أحرص على هذه الفلسفة وأمهر فيها؛ على أن الكوفيين لا ~~يغفلونها ولا يأبون الاحتجاج بها، فهي دستور النحاة جميعا: ~~(1) # يؤيدون بها مذهبا على مذهب. فإذا قال الكسائي: إن عامل الرفع في الفعل ~~المضارع حرف المضارعة، قالوا: إن حرف المضارعة صار كالجزء من الفعل، وإن جزء ~~الكلمة لا يعمل فيها، ويرفضون بذلك مذهبه. ويقول الكوفيون: إن المبتدأ رفع ~~بالخبر، والخبر رفع بالمبتدأ. فيقول البصريون: إن الكلمتين لا تتبادلان العمل ~~حتى يكون كل منهما عاملا معمولا. فذلك مثل من حوارهم واحتكامهم إلى فلسفتهم ~~في العامل. ~~(2) # بل هم يتجاوزون ذلك إلى تفضيل لغة من لغات العرب على أخرى بأصول فلسفتهم هذه؛ ~~فيفضلون لغة تميم على لغة أهل الحجاز في «ما»؛ وذلك أن الحجازيين يعملون «ما» ~~عمل «ليس» كما تعلم، ومنه في القرآن الكريم # ما هذا ~~بشرا ~~، وبنو تميم يهملونها ويرفعون جزءي الجملة بعدها؛ فيقول ~~النحاة: إن لغة تميم أقيس؛ لأن «ما» لا تختص بالدخول على الاسم، فليس من قياسها ~~أن تكون عاملة فيه. ويرون أن هذه الفلسفة جعلتهم أفقه بالعربية من ~~العرب. ~~(3) # ويرفضون بهذه القواعد بعض الأساليب العربية؛ يسمعون من العرب «رب والله ~~رجل.» فيردونه على قائله، محتجين بأن حرف الجر عامل ضعيف لا يفصل بينه وبين ~~معموله. وكذلك يرفضون الفصل بين المضاف والمضاف إليه، ثم يروى هذا الفصل ~~كثيرا في الشعر، ويقرأ به قارئ من السبعة آية من القرآن الكريم، فيصر ~~النحاة على الإخلاص لفلسفتهم النحوية، وقبول حكمها، ورفض ما ورد من هذا الفصل ~~في الشعر، وتضعيف رواية القارئ في القرآن. ~~(4) # يشرعون بها أساليب في العربية لم يسمعوها من العرب، يقيسونها على ما ms23 سمعوا. ~~وآلة القياس من هذه الفلسفة، مثلا: يختلفون في خبر «ليس» أيقدم عليها؟ ~~فيجيب قوم: لا؛ لأن «ليس» فعل غير متصرف؛ فهو عامل ضعيف لا يتقدم عليه معموله ~~نظير نعم وبئس وعسى وفعل التعجب. ويقول آخرون: بل يصح؛ لأنه قد ورد في القرآن ~~الكريم # ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا ~~عنهم # وقد تقدم في هذه الآية معمول الخبر، وهو دليل على جواز ~~تقدم الخبر نفسه؛ لأن «المعمول لا يتقدم إلا حيث يتقدم العامل.» وهذا أصل ~~المعارك المؤججة بين النحاة، ومنشأ الجدل الذي يملأ كتب النحو، ويثور غباره ~~عند كل باب من أبوابها. # منشأ هذه الفلسفة # والنحاة في سبيلهم هذا متأثرون كل التأثر بالفلسفة الكلامية التي كانت شائعة بينهم، ~~غالبة على تفكيرهم، آخذة حكم الحقائق المقررة لديها. # رأوا أن الإعراب بالحركات وغيرها عوارض للكلام تتبدل بتبدل التركيب، على نظام فيه شيء ~~من الاضطراد؛ فقالوا: عرض حادث لا بد له من محدث، وأثر لا بد له من مؤثر. ولم ~~يقبلوا أن يكون المتكلم محدث هذا الأثر؛ لأنه ليس حرا فيه يحدثه متى شاء. وطلبوا لهذا ~~الأثر عاملا مقتضيا، وعلة موجبة، وبحثوا عنها في الكلام فعددوا هذه العوامل، ~~ورسموا قوانينها. # ومن تأثرهم بالفلسفة الكلامية رفضهم أن يجتمع عاملان على معمول واحد، واحتجاجهم ~~لذلك بأنه إذا اتفق العاملان في العمل لزم تحصيل الحاصل وهو محال، وإذا اختلفا لزم أن ~~يكون الاسم مرفوعا منصوبا مثلا، ولا يجتمع الضدان في محل. ومنه تحريمهم أن تتبادل ~~الكلمتان العمل، واحتجاجهم بأن العامل حقه التقديم، والمعمول حقه التأخير، فتكون الكلمة ~~متقدمة متأخرة، وهو محال. # فانظر كيف تصوروا «عوامل» الإعراب كأنما هي موجودات فاعلة مؤثرة، وأجروا لها ~~أحكامها على هذا الوجه. قال الإمام الرضي: «والنحاة يجرون عوامل النحو كالمؤثرات ~~الحقيقية.» # ولعل المناقشة الآتية تبين لك كيف كانوا يتصورون العامل: اجتمع أبو عبد الله الجرمي ~~المتوفى سنة 225 بأبي زياد الفراء المتوفى سنة 206، فقال الفراء: أخبرني عن «زيد منطلق» ~~لم رفع زيد؟ فقال الجرمي: رفع بالابتداء. قال الفراء: فأظهره. قال: هو معنى ms24 لا ~~يظهر. قال: فمثله. قال: لا يمثل. قال الفراء : ما رأيت كاليوم عاملا لا يظهر ولا ~~يتمثل! ونعلم أن أصحاب الفراء يرفعون المبتدأ بالخبر؛ فرارا من عامل لا يظهر ولا ~~يتمثل. # ومثل آخر مما يبين تصورهم للعامل؛ يقول جمهور النحاة: إن المضارع مرفوع لتجرده من ~~الناصب والجازم؛ فيقول المعارضون: إن التجرد عدمي والرفع وجودي، ولا يحدث العدم ~~الوجود؛ فيجيب الأولون: إن التجرد عدم محدود فهو وجود مقيد، ولا مانع أن يعمل مثله. ~~وأمثلة هذه المناقشات تفيض بها كتب النحاة. # وليس من عيب في أن ينتفع النحاة بما بين أيديهم من الفلسفة ومن العلوم التي يدرسونها، ~~ولا في أن يصطنعوا في تفكيرهم النمط المألوف في زمنهم، والسبيل المرسومة للجدل في ~~أيامهم؛ فإن للتفكير في كل زمان مناهج متبعة ومبادئ مسلمة قد لا يخلص منها إلا من ~~تعلق بوحي، وإذا نحن جهلناها لم نستطع أن نقدر منشأ كل رأي وغايته، ومتسرب الخطأ ~~إليه، أو إحاطة الصواب به. # من أجل ذلك نرى طريق النحاة في استخدام فلسفة أيامهم - أو استخدامها إياهم - أمرا ~~طبيعيا، لا مأخذ فيه، بل لا مندوحة عنه لمن أراد أن يفكر. ولكن علينا أن ننظر مبلغ ~~توفيقهم في نظرهم، وإصابتهم للغاية التي سعوا إليها، وهي الكشف عن أحكام الإعراب ~~وأسراره. # نقد مذهبهم ~~(1) # لقد اضطروا في سبيل تسوية مذهبهم، وطرد قواعدهم إلى «التقدير» وأكثروا ~~منه؛ يبحثون عن العامل في الجملة فلا يجدونه، فيمدهم التقدير بما ~~أرادوا. # ومن أمثلة ما يقدرون: ~~(أ) # زيدا رأيته: يقولون: هو «رأيت زيدا رأيته». ~~(ب) # وإن أحد من المشركين ~~استجارك ~~: وإن استجارك أحد من المشركين ~~استجارك. ~~(ج) # لو أنتم تملكون خزائن ~~رحمة ربي ~~: لو تملكون تملكون خزائن رحمة ~~ربي. ~~(د) # وأما ثمود ~~فهديناهم ~~: وأما ثمود فهدينا ~~هديناهم. ~~(ه) # إياك والأسد أحذرك وأحذر الأسد. ~~(و) # ويقطع النعت في مثل: # الحمد لله ~~رب العالمين ~~، فتنصب كلمة رب وترفع؛ ~~فيقدرون: هو رب، أو: أمدح رب. # هذه أمثلة لها نظائر كثيرة متعددة تملأ أبواب النحو، ولولا طول إلفنا لها في ~~دراسة ms25 النحو لما استسغناها ولرأيناها لغوا وعبثا، ولكن عليها بني النحو، وأقيمت ~~فصوله؛ إذ أقيمت على نظرية العامل. # والمقدر في الكلام نوعان: ما يكون قد فهم من الكلام، ودل عليه سياق القول، فترى ~~المحذوف جزءا من المعنى، كأنك نطقت به، وإنما تخففت بحذفه، وآثرت الإيجاز بتركه. وهذا ~~أمر سائغ في كل لغة، بل هو في العربية أكثر لميلها إلى الإيجاز وإلى التخفيف بحذف ما ~~يفهم. # ولكن التقدير الذي نعيبه هو نظير ما قدمنا لك من الأمثلة: كلمات تجتلب لتصحح ~~الإعراب، ولتكمل نظرية العامل، ويسمي النحاة هذا النوع من التقدير، بالتقدير الصناعي، ~~وهو ما يراد به تسوية صناعة الإعراب. ~~(2) # بهذا التقدير والتوسع فيه أضاع النحاة حكم النحو، ولم يجعلوا له كلمة ~~حاسمة وقولا باتا، وكثروا من أوجه الكلام، ومن احتماله لأنواع من ~~الإعراب، يقدرون العامل رافعا فيرفعون، ويقدرونه ناصبا فينصبون، لا ~~يرون أنه يتبع ذلك اختلاف في المعنى ولا تبديل في المفهوم. # كان الكسائي # 3 # يقرأ يوما بحاشية الرشيد أبيات أفنون التغلبي، ومنها: # أبلغ حبيبا وخلل في سراتهم # أن الفؤاد انطوى منهم على حزن # أنى جزوا عامرا سوءى بفعلهم # أم كيف يجزونني السوءى من الحسن؟! # أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به # رئمان أنف إذا ما ضن باللبن؟! # ففتح نون رئمان، وكان الأصمعي حاضرا، فقال: هي رئمان بضم النون، فأقبل ~~عليه الكسائي وقال له: اسكت ما أنت وهذا؟! يجوز رئمان ورئمان ورئمان. ~~قالوا: ولم يكن الأصمعي صاحب نظر في النحو ولا معرفة بالعربية. وما دام ~~التقدير يمدهم بما شاءوا فلهم أن يوجهوا الكلام كل وجه، ثم لا تعجزهم ~~الحجة، ولا يعوزهم التقدير. # سأل يوما عضد الدولة فنا خسرو البويهي الإمام أبا علي الفارسي: ~~لماذا ينصب المستثنى في نحو: قام القوم إلا زيدا؟ قال: بتقدير أستثني ~~زيدا، فقال عضد الدولة - وكان فاضلا - لم قدرت أستثني؟ هلا قدرت ~~امتنع زيد فرفعت؟! فلم يحر الفارسي جوابا، وقال: هذا الذي ذكرته لك جواب ~~ميداني، فإذا رجعت ذكرت الجواب الصحيح. # 4 ~~(3) # إن النحاة بالتزامهم أصول فلسفتهم أضاعوا ms26 العناية بمعاني الكلام في ~~أوضاعه المختلفة؛ من ذلك قولهم في باب المفعول معه: إن مثل: كيف أنت وأخوك؟ ~~يجوز فيه النصب على المفعولية، والرفع على العطف، ثم يرون الوجه الثاني ~~أولى، ويضعفون الأول؛ لأن الواو لم يسبقها فعل، يكون عاملا في ~~المفعول معه، والحقيقة أن لكل من التركيبين معنى لا يغني عنه الآخر، تقول: ~~كيف أنت وأخوك؟ أي كيف أنت؟ وكيف أخوك؟ فإذا قلت: كيف أنت وأخاك؟ فإنما ~~تسأل عن صلة ما بينهما. # 5 # فالعبارتان صحيحتان، ولكل منهما موضع خاص، ولكن النحاة قد نسوا المعنى ~~بالحرص على نظرية العامل. # ويقولون في مثل: صدق وآمن المسلمون. أن الصحيح: صدقوا وآمن المسلمون، ~~أو صدق وآمنوا المسلمون؟ ولا يقبلون صدق وآمن المسلمون، وهو عربي سائغ ~~مقبول، سمع من العرب في مثل: # تعفق بالأرطى لها وأرادها # رجال فيزت نبلهم وكليب # 6 # ولكن جمهور النحاة لا يقبلون هذا خشية أن يجتمع مؤثران على أثر واحد، وهو محال. # 7 ~~(4) # كثر الخلاف بينهم في كل عامل يتصدون لبيانه، فلا تقرأ بابا من أبواب ~~النحو إلا وجدته قد بدئ بخصومة منكرة في عامل هذا الباب ما ~~هو؟ ~~(أ) # فالمفعول ما عامل النصب فيه؟ # الفعل أو شبهه، وهو رأي جمهور البصريين. # أو الفاعل وحده، وهو رأي هشام الكوفي. # أو الفعل والفاعل، وهو رأي الفراء. # أو معنى المفعولية، وهو مذهب خلف. ~~(ب) # وعامل المفعول معه ما هو؟ # ما تقدمه من فعل ونحوه، وهو رأي الجمهور. # أو ناصبه الواو، وهو رأي الجرجاني. # أو فعل مضمر بعد الواو، وهو رأي الزجاج. # أو الخلاف، وهو رأي الكوفيين. ~~(ج) # واختلفوا في عامل النصب للمفعول المطلق على ثلاثة عشر ~~قولا؟! # حتى صار أكثر الخلاف بين النحويين، وأشد جدالهم، هو في العامل ما هو؟ ولو ~~أنهم وضعوا نظريتهم على أصل صحيح لقل خلافهم وتقاربت آراؤهم. # 8 ~~(5) # إن النحاة بعد ذلك كله لم يفوا بمذهبهم، أو لم تف نظريتهم بكل حاجاتهم ~~في الإعراب؛ لأنهم بعدما شرطوا أن يكون العامل متكلما به أو مقدرا في ~~الكلام، اضطروا إلى ms27 الاعتراف بالعامل المعنوي. # فالبصريون يجعلون الرافع للمبتدأ هو الابتداء، وهو عامل معنوي، والكوفيون ~~يثبتون عاملا معنويا آخر يسمونه الخلاف، يجعلونه عامل النصب في الظرف ~~إذا كان خبرا، نحو: زيد عندك، وفي الفعل المضارع بعد فاء السببية أو واو ~~المعية، والأخفش يعد التبعية عاملا معنويا. أما في باب التمييز، ~~فقالوا: إن الاسم نصب عن تمام الكلام، ولم يذكروا عاملا لفظيا ولا ~~معنويا. # فهذه الأوجه تنقض نظرية النحاة في العامل، أو تنقصها على الأقل، وهي مناقشة لكلامهم ~~بمثل أصولهم، وبحكم قواعدهم التي التزموا. # على أن أكبر ما يعنينا في نقد نظريتهم أنهم جعلوا الإعراب حكما لفظيا خالصا يتبع ~~لفظ العامل وأثره، ولم يروا في علاماته إشارة إلى معنى، ولا أثرا في تصوير المفهوم، أو ~~إلقاء ظل على صورته، فقد رأيت الكسائي يحرك نون رئمان بالحركات الثلاث من غير أن يشير ~~إلى ما يصير إليه المعنى عن كل حركة. # ونحن نحاول أن نبحث عن معاني هذه العلامات الإعرابية، وعن أثرها في تصوير المعنى، ~~فإذا تمت لنا الهداية إلى هذا، وجدنا عاصما يقينا من اضطراب النحاة، وحكما يفصل في ~~خصوماتهم العديدة المتشعبة، ولم يكن لنا أن نسأل عن كل حركة ما عاملها، ولكن ماذا تشير ~~إليه من معنى. # ومعاني هذه العلامات الإعرابية ستكون بحثنا في الفصل التالي، ولكنا من قبل أن نأخذ في ~~شرحها، يجب أن نعرض لرأي في أصول الإعراب رآه المستشرقون، واستعانوا فيه بدرسهم علم ~~اللغات ومقارناتها. # | رأي المستشرقين في أصل الإعراب # وللمستشرقين في أصل الإعراب آراء لا يجدر بنا أن نذكرها جميعا، فإنما هي فروض لم تستقر، ~~ولم يجز بها الدليل إلى ساحة العلم المؤيد؛ وإنما نذكر الفرض الذي يراه المستشرقون أنفسهم ~~أقربها إلى الصواب وأولاها بالدرس. # هذا الرأي كتبه العالم (ريت) # 1 # في محاضراته: «مقارنة نحو اللغات السامية» وبينه الأستاذ «بروكلمان» # 2 # في كتابه: «مقارنة اللغات السامية»، وهو أن أصل لواحق الإعراب لا تعرف معرفة ~~يقين، ولكن يمكن أن يرى أن الفتحة أصلها # ha # وهي ضمير إشارة ~~مستعمل في اللغات ms28 السامية، ولم يزل في الحبشية يلحق بالأعلام في حالة النصب إذا وقع عليها ~~فعل ذو اتجاه؛ مثل: أقبل ، وقصد. وأصل معناها في هذا الاستعمال الاتجاه إلى شيء أو شخص ~~معين. # وإذا صح هذا جاز أن نرى الضمة مشتقة من # ho # أي: هو، أما ~~علامة الجر فظاهر مشابهتها بياء النسب، وهي تفيد الكلمة معنى الوصفية. # وفي اللغة الهندية الغربية نرى لواحق الخفض مشتقة من لواحق دالة على الوصفية، ويساعد على ~~هذا في العربية أن الصفة تجيء بعد الموصوف، فيقال: البيت الملكي، وباتحاد الموصوف بالصفة في ~~المعنى واللفظ بهما مرة واحدة استغني عن إعراب التالي، وخففت الياء فنشأ الخفض، وهو ~~إعراب جديد. # نقد مذهبهم # وكل ما ذهب إليه المستشرقون في هذا الموضوع فروض، أساسها أن علامات الإعراب أثر ~~لزوائد كانت تلحق الكلمات، ثم حذفت وبقي منها أثرها دالا عليها، وهو ~~الإعراب. # وهم في هذا متأثرون بنظام لغاتهم، وسبيل الإعراب والتصريف فيها، فقد يكون ذلك عندهم ~~بمقاطع لا بحركات، وربما خففت هذه المقاطع واختزلت بتأثير النبر واختلاف ~~النطق، أو بغيره من الأسباب، فبقيت منه حركة. هذا واضح في لغتهم، مقرر في علمها، ولكن ~~العربية لها منهج آخر مخالف لمناهج اللغات الغربية في الإعراب وفي التصريف، فإن العربية ~~تدل بالحركات على المعاني المختلفة من غير أن تكون تلك الحركات أثرا لمقطع، أو بقية ~~من أداة، ويكون ذلك في وسط الكلمة وأولها وآخرها. ~~(أ) # فهم يفرقون بالحركة بين اسم الفاعل واسم المفعول في مثل: مكرم ~~ومكرم، ومستخرج ومستخرج. ~~(ب) # وبين فعل المعلوم وفعل المجهول؛ نحو: كتب، وكتب، واستفهم ~~واستفهم عنه. ~~(ج) # وبين الفعل والمصدر، في مثل: علم وعلم، وتعلم وتعلم. ~~(د) # وبين الوصف والمصدر، في مثل: فرح وفرح، وفهم وفهم، وحسن ~~وحسن. ~~(ه) # وبين المفرد والجمع، في مثل: أسد، وأسد. ~~(و) # وبين الفعل والفعل، مثل قدم وقدم؛ لكل معنى ولا فارق إلا ~~الحركة. ~~(ز) # وبين الاسم والاسم، في مثل سحور وسحور، ووضوء ووضوء. وحمل ~~وحمل. # وهذا من الشيوع والكثرة في اللغة العربية بحيث لا نستطيع ms29 جمعه، وبحيث نراه أصلا من ~~أصولها، ساريا في كثير من تصرفاتها، ظاهرا في سبيل الأداء وتصوير المعاني. ومن العناء ~~الضائع، والتكلف المبعد عن الحق أن نتلمس لكل حركة من هذه الحركات أصلا؛ لأنا نحاول ~~أن نكلفها نظام غيرها من اللغات، وإنما هي صورة ألفها الباحثون في اللغات الأجنبية ~~فغلبت عليهم حين يفكرون في فقه العربية. # وكما أن الفلسفة الكلامية قد خدعت النحاة عن فهم الإعراب، إذا مزجوها بالنحو مزجا، ~~حتى كأنهم إنما يدرسون فلسفة نظرية؛ كذلك المستشرقون غلبت عليهم مناهج بحثهم في لغتهم، ~~أو الصور التي استخرجوها من درس كلامهم، فصرفتهم عن الحقيقة إلى شعاب من البحث ~~متكلفة. # | معاني الإعراب # في مناقشتنا لرأي المستشرقين بينا أن من أصول العربية الدلالة بالحركات على المعاني، ~~فإذا استهدينا بهذا الأصل - ومن الحق أن نستهدي به - وجب أن نرى في هذه العلامات الإعرابية ~~إشارة إلى معان يقصد إليها، فتجعل تلك الحركات دوالا عليها. # وما كان للعرب أن يلتزموا هذه الحركات ويحرصوا عليها ذلك الحرص كله، وهي لا تعمل في تصوير ~~المعنى شيئا. وأنت تعلم أن العربية لغة الإيجاز، وأن العرب كانوا يتخففون في القول ما ~~وجدوا السبيل؛ يحذفون الكلمة إذا فهمت، والجملة إذا ظهر الدليل عليها، والأداة إذا لم ~~تكن الحاجة ملجئة إليها، كالتاء - علم التأنيث - يلحقونها بالوصف لتدل على التأنيث ~~الموصوف، مثل مؤمنة وصابرة، فإذا كان الوصف خاصا بالمؤنث تركوها استغناء عنها كما في ~~أيم، وظئر، ومرضع. # وحركة الإعراب قد يعاملونها هذه المعاملة فلا يلتزمونها إذا أمن اللبس، قال ابن مالك: # 1 # ورفع مفعول به لا يلتبس # ونصب فاعل، أجز، ولا تقس # قال ابن الطراوة، من علماء الأندلس: بل هو مقيس، ومنه في القرآن الكريم: # فتلقى آدم من ربه كلمات ~~، (37 من البقرة). فابن ~~كثير وهو القارئ المكي من القراء السبعة، ينصب آدم ويرفع كلمات. # وإذن وجب أن ندرس علامات الإعراب على أنها دوال على معان، وأن نبحث في ثنايا الكلام ~~عما تشير إليه كل علامة منها، ونعلم أن هذه الحركات تختلف باختلاف ms30 موضع الكلمة من الجملة ~~وصلتها بما معها من الكلمات، فأحرى أن تكون مشيرة إلى معنى في تأليف الجملة وربط الكلم؛ وهو ~~ما نراه. # ولا بأس أن أبادر إليك بتقرير ما رأيته في ذلك جملة لنحسن تصوره معا، ثم نأخذ في تفصيله ~~ومناقشته في أبواب النحو بابا بابا. # فأما الضمة فإنها علم الإسناد، ودليل أن الكلمة المرفوعة يراد أن يسند إليها ويتحدث ~~عنها. # وأما الكسرة فإنها علم الإضافة، وإشارة إلى ارتباط الكلمة بما قبلها، سواء كان هذا ~~الارتباط بأداة أو بغير أداة، كما في كتاب محمد، وكتاب لمحمد. # ولا تخرج الضمة ولا الكسرة عن الدلالة على ما أشرنا إليه، إلا أن يكون ذلك في بناء أو في ~~نوع من الإتباع. # أما الفتحة فليست علامة إعراب ولا دالة على شيء؛ بل هي الحركة الخفيفة المستحبة عند ~~العرب، التي يراد أن تنتهي بها الكلمة كلما أمكن ذلك؛ فهي بمثابة السكون في لغة ~~العامة. # فللإعراب الضمة والكسرة فقط، وليستا بقية من مقطع، ولا أثرا لعامل من اللفظ؛ بل هما من ~~عمل المتكلم ليدل بهما على معنى في تأليف الجملة ونظم الكلام. # فهذا جوهر الرأي عندنا، وخلاصة ما نسعى بعد في تفصيله وتأييده، ونستعين الله. # ومن قبل أن نفصله ونسوق أدلته، نقدم إليك عبارات لأئمة النحاة المتقدمين، تشير إلى هذا ~~المعنى، وتؤنسك به، وتبين أنا نهتدي في أكثر ما قررناه بأئمة النحاة، وخاصة المتقدمين ~~منهم. # كان # 2 # الإمام محمد بن المستنير المعروف بقطرب، تلميذ سيبويه، المتوفى سنة 206، يقول: ~~إنما أعربت العرب كلامها لأن الاسم في حال الوقف يلزمه السكون، فجعلوه في الوصل محركا حتى ~~لا يبطئوا في الإدراج، وعاقبوا بين الحركة والسكون، وجعلوا لكل واحد أليق الأحوال به؛ ولم ~~يلتزموا حركة واحدة لأنهم أرادوا الاتساع، فلم يضيقوا على أنفسهم وعلى المتكلم بحظر ~~الحركات إلا حركة واحدة. ا.ه. # وهو رأي يشرح ما بين الحركة والسكون، ولكنه يفضي إلى إبطال الإعراب، وإلى التوسيع على كل ~~قائل أن يحرك آخر الكلمة كما شاء في كل موضع، وذلك ما ms31 لم يقبله أحد من النحاة، وما أظن ~~قطربا كان وفيا لرأيه هذا إلى آخر ما يقتضيه. # وكان أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج - توفي سنة 311ه - يجعل العامل في المبتدأ ما ~~في نفس المتكلم من إرادة الإخبار عنه. # وكان تلميذه أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي - توفي سنة 339ه - يقول: إن ~~الأسماء لما كانت تعتريها المعاني، وتكون فاعلة ومفعولة ومضافة، ولم يكن في صورها وأبنيتها ~~أدلة على هذه المعاني، جعلت حركات الإعراب تنبئ عن هذه المعاني وتدل عليها، ليتسع لهم في ~~اللغة ما يريدون من تقديم وتأخير عند الحاجة. ا.ه. # وهذا الرأي كالأصل لما ذهبنا إليه، وقد بينه الزجاجي في كتاب له يسمى «إيضاح علل ~~الإعراب» لم يقع لنا منه إلا ما نقلناه هنا، وأخذناه من كتاب الأشباه والنظائر للإمام ~~السيوطي. # وإذا رأيت أن أصل رأينا من كلام المتقدمين، فإنا نرجو أن تسايرنا في درسه، غير مستنكر له، ~~ولا ضائق به. ~~(1) الضمة علم الإسناد # الأصل الأول أن الضمة علم الإسناد، وأن موضعها هو المسند إليه المتحدث عنه، ونريد هنا ~~أن نتحرى المرفوعات عند النحاة ونستقرئ أبوابها، ونعتبرها بهذا الأصل لنرى كيف يتم ~~اطراده فيها، وانسجامه معها. # المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل # كل واحد من هذه المرفوعات «مسند إليه» كما تعلم - وهو اصطلاح آثره من قبل علماء ~~البيان واستعملوه في كتبهم، وجعلوا الأنواع الثلاثة نوعا واحدا في العنوان، وفيما ~~أجروا من الأحكام - بل إن سيبويه قد سبقهم إلى هذا الاصطلاح، واستعمل «المسند إليه» # 3 # فيما يشمل هذه الأقسام، وكرره في مواضع من كتابه. # وإذا تتبعنا أحكام هذه الأبواب لم نر ما يدعو إلى تفريقها، ورأينا في أحكامها من ~~الاتفاق والتماثل ما يوجب أن تكون بابا واحدا يعفينا من تشقيق الكلام وتكثير ~~الأقسام. # فأما نائب الفاعل فإن النحاة أنفسهم لا يفرقون بينه وبين الفاعل في الأحكام؛ ~~ومنهم من يرسم لهما بابا واحدا. وما الفرق بين كسر الإناء وانكسر الإناء إلا ~~ما ترى بين صيغتي كسر وانكسر، وما لكل صيغة من خاصة في ms32 تصوير المعنى، أما لفظ ~~الإناء فإنه في المثالين «مسند إليه» وإن اختلف المسند. # وأما الفاعل والمبتدأ، فإن النحاة يجعلون بينهما فوارق ماثلة ظاهرة ، ويجعلون لكل ~~باب أحكاما خاصة؛ ولكن شيئا من الإمعان في درسها ينتهي إلى توحيد البابين ~~واتفاقهما في الأحكام، وإلى أن هذا التفريق قد يكون منسجما مع صناعة النحاة في ~~الإعراب، ولكنه مبعد عن فهم الأساليب العربية. # فأول ذلك: # أنهم يقولون: إن الفاعل يجب أن يتأخر عن الفعل، لا يتقدمه بحال. ~~أما المبتدأ فإن أصله التقديم، وربما جاء متأخرا، فللمبتدأ من ~~الحرية في الجملة ما ليس للفاعل. # هذا حكم النحاة أو جمهورهم؛ أما الأسلوب العربي فإنك تقول: «ظهر ~~الحق» «والحق ظهر» تقدم المسند إليه أو تؤخره، وكلا الكلامين عربي ~~سائغ مقبول عند النحاة جميعا، ولكن النحاة والبصريين خاصة يحرمون ~~أن يتقدم لفظ «الحق» في «ظهر الحق» وهو فاعل، كما يحرمون أن يتأخر ~~المبتدأ من «الحق ظهر» وهو مبتدأ. فالحكم إذن نحوي صناعي لا أثر له ~~في الكلام، وليس مما يصحح به أسلوب أو يزيف، وإنما هو وجه ~~من أوجه الصناعات النحوية المتكلفة لا يعنينا أن نلتزمه، بل نحب أن ~~نتحرر منه. # والعربية في هذا الاسم المتحدث عنه أو «المسند إليه» يتقدم على ~~المسند ويتأخر عنه، سواء كان المسند اسما أو فعلا. وهذا أصل من ~~أصول العربية في حرية الجملة والسعة في تأليفها. # الحكم الثاني: # مما يفرقون به بين المبتدأ والفاعل، أن المبتدأ قد يحذف ولا ~~يجوز حذف الفاعل؛ وذلك فرق صنعه الاصطلاح النحوي أيضا، فإن ~~المبتدأ لا يذكر في الجملة فيقولون: هو محذوف، والفاعل لا يذكر ~~فيقولون هو مستتر. ومثال ابن مالك لحذف المبتدأ أن يقال في جواب ~~كيف زيد؟ «دنف» أي عليل. فإذا قيل في الجواب: دنف. أي: اعتل، ~~جعلوا الفاعل مستترا، ولم يقولوا محذوف وهو اصطلاح نحوي لا أثر له ~~في القول، فلا وجه لالتزامه والتفرقة به. # الحكم الثالث: # أن الفعل يوحد والفاعل جمع أو مثنى، فلا مطابقة في العدد بين ~~الفعل والفاعل، تقول: فاز الشهيد، ms33 وفاز الشهداء، أما المبتدأ ~~فالمطابقة بينه وبين الخبر واجبة، تقول: الشهيد فائز، والشهداء ~~فائزون، وهذه التفرقة لو صحت لكانت كافية للتفريق بين الاثنين في ~~الدرس، ومبررة لتمييز كل نوع بباب، ولكن شيئا من التأمل في حكم ~~الاسمين والمقارنة بينهما يبين أن حكم المطابقة واحد في البابين؛ ~~وذلك أن المطابقة بين المسند إليه والمسند لا تجيء تبعا لأن ~~المسند فعل أو اسم، ولا لأن المسند إليه مبتدأ أو فاعل؛ بل تجيء ~~تبعا لتقديم المسند إليه أو تأخره كما ترى: # المسند إليه متقدم # المسند إليه متأخر # المسند فعل # الشهداء فازوا # فاز الشهداء # الشهداء يفوزون # يفوز الشهداء # المسند اسم # الشهداء فائزون # فائز الشهداء ~~* ~~* # هذا الأسلوب يجيء وقد صدرت الجملة باستفهام أو نفي ~~غالبا، والبصريون يشترطون هذا، والكوفيون ومعهم الأخفش من ~~الأئمة المتقدمين للبصريين لا يشترطونه، وقد رووا له شواهد ~~كثيرة حتى جنح إليه متأخرو البصريين كما صنع ابن ~~مالك. # فالمسند إليه إذا تقدم وجب أن يكون في المسند إشارة إليه تطابقه في العدد، وإذا ~~تأخر كان المسند مفردا في كل حال. # هذا هو الأسلوب العربي في وضوح وقرب فهم، ولكن النحاة خالفوه، فجعلوا للفاعل ~~حكما، وللمبتدأ آخر؛ ثم جعلوا المبتدأ أيضا قسمين: مبتدأ له خبر، ومبتدأ له فاعل ~~أغنى عن الخبر، وأعطوا القسم الأخير وحده حكم الفعل مع فاعله، وهو تكثير للأقسام، ~~يعوص الأمر، ويبعد عن فهم العربية، ثم يكون سببا لجدال بين النحاة لا ينتهي، ~~وخلاف لا يحصر. # الحكم الرابع: # المطابقة في النوع: أي التذكير والتأنيث، والمطابقة بين المسند ~~والمسند إليه في النوع هي الأصل، إلا أن المسند إليه إذا تقدم كانت ~~المطابقة أدق وألزم، وإذا تأخر كانت أقل التزاما. # والنحاة يقولون: إن الفعل إذا أسند إلى مؤنث مجازي التأنيث جاز ~~تأنيثه وتركه، تقول: «أمطر السماء» و«أمطرت السماء»؛ فإذا قدمت ~~المسند إليه لم تقل إلا «السماء أمطرت»؛ ولما كان النحاة يوجبون ~~للفاعل التأخير، ويجعلون الأصل في المبتدأ أن يكون مقدما، قرروا ~~أن المطابقة في النوع بين المبتدأ والخبر ألزم وآكد من الفعل ms34 ~~والفاعل؛ والحكم إذا تأملت فيهما واحد. # وخلاصة ما نرى من المطابقة بين المسند والمسند إليه في العدد وفي ~~النوع، أن العرب أشد رعاية للمطابقة في النوع، وأن هذه المطابقة ~~تكون آكد وأوجب إذا تقدم المسند إليه وتأخر المسند. # أما العدد فإن العرب يلتزمون المطابقة فيه إذا تقدم المسند إليه، ~~فإذا تأخر تركوا رعايتها وجعلوا المسند موحدا. # هذا أسلوب العرب في كلامهم، سواء فيه الفعل والاسم، والمبتدأ ~~والفاعل، وهو كما ترى أقرب وأوضح، وأكشف عن سر العربية ~~وروحها. # واعلم أن من العرب من يجعل المطابقة في العدد مثل المطابقة في ~~النوع؛ يلتزمها - تقدم المسند إليه أو تأخر - وأولئك هم الطائيون ~~وبلحارث بن كعب # 4 # ويسميها النحاة لغة «أكلوني البراغيث»، وابن مالك ~~يسميها «لغة يتعاقبون فيكم ملائكة». # 5 # وأنا أرجح أن تلك المطابقة العددية، وشمولها كل مسند، كانت الأصل ~~في العربية، ثم خصصت بالمسند إذا تأخر فإنه يحتاج إذن أن تكون ~~فيه إشارة إلى المسند إليه المتقدم، وبقي من مطابقة المسند إذا ~~تقدم أثر كبير في لغات اليمن، وأثر نادر في لغات سائر العرب. ومنه ~~أمثلة في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف، وفي شيء من أشعار ~~المضريين. # هذه أبواب الرفع الثلاثة: المبتدأ، والفاعل، ونائب الفاعل، اضطرد ~~فيها الأصل الذي قررنا، وأغنانا عن تكثير الأقسام، وتعديد الأبواب، ~~وعن فلسفة العامل، وشغب الخلاف، وجعل الحكم النحوي أقرب إلى الفهم، ~~وأدنى إلى روح العربية ولا يخرج عن هذا الأصل من المرفوعات إلا ~~بابان أحدهما المنادى في بعض حالاته؛ مثل: يا أحمد ويا رجل، ~~والثاني: منصوب إن وأخواتها. # المنادى # فأما المنادى فليس بمسند إليه ولا بمضاف، فحقه النصب على الأصل الذي قررناه، وهو ~~منصوب في كل أحواله إلا حالة واحدة يضم فيها، وهي أن يكون - كما يقول النحاة - ~~«علما مفردا أو نكرة مقصودة»، ولهم في تعريف كلمة «مفرد» اصطلاح خاص بهذا الباب ~~لا يخلو من الاضطراب. # 6 # فتتجاوز بك اصطلاحهم، ونقول: إن المنادى إذا لم يكن مضافا كان المنتظر ~~أن يدخله التنوين؛ إذ لا مانع منه، ms35 ولكن التنوين يدل على التنكير، وقد يراد أن ~~ينادى معين يقصد إليه فيدعى باسمه أو بإحدى صفاته، كيا محمد ويا رجل، فيحذف ~~التنوين، والعلة في حذفه إرادة التعريف والقصد إلى معين. # ولا يقبل النحاة أن يكون التنوين في باب النداء للتنكير وحذفه للتعيين، ولكن ~~لفظهم يشهد به فيقولون: تنون النكرة غير المقصودة، ولا تنون النكرة المقصودة، ~~وهل معنى القصد في النداء إلا أن تكون مريدا إلى معين؟ وكل ما عمله النحاة أنهم ~~فروا من وصف النكرة بالتعيين أو التعريف، وقالوا: نكرة مقصودة؛ ولا نريد أن ~~يخدعنا هذا الاصطلاح عن الحقيقة، فالمنادى المعين أو المعرف يمنع التنوين ~~لتعيينه، فإذا بقي للاسم بعد حذف التنوين حكمه وهو النصب، اشتبه بالمضاف إلى ياء ~~المتكلم، لأنها تقلب في باب النداء ألفا؛ تقول: يا غلامي، ويا غلاما؛ وقد ~~تحذف وتبقى الحركة القصيرة مشيرة إليها، فيقال: يا غلام ويا غلام. وفي ~~الخلاصة: # واجعل منادى صح إن يضف ليا # كعبد عبدي عبد عبدا عبديا # ففروا في هذا الباب من النصب والجر إلى الضم، حيث لا شبهة بياء ~~المتكلم. # وقد نقل سيبويه أن العرب قد يستروحون إلى مد آخر الكلمة ومط حركاتها، فذلك أصل ~~آخر للاشتباه. # ويمكن صوغ هذه القاعدة في وضع أصح وأوضح من كلام النحاة، وأغنى عن تجديد ~~اصطلاح خاص بهذا الباب، وهو: «متى أريد بالمنادى المنون معين، حرم التنوين ~~الذي هو علامة التنكير؛ ومتى حرم التنوين ضم آخره فرارا من شبهة الإضافة إلى ~~ضمير المتكلم»، وكانت قاعدة صحيحة دالة على روح العربية، ووجه إبانتها عن المعاني، ~~واحتياطها لبعض اللبس. # وقد وفق النحاة حين جعلوا هذه الحركة ضمة بناء لا حركة الإعراب. # ونرى من كلام العرب نظيرا لهذا في الاسم الذي لا ينصرف، فإنهم حين حرموه التنوين ~~لأسباب مبينة في مواضعها - وسيجيء لنا بحث في مناقشتها - خافوا أن يلتبس بالمضاف ~~إلى ياء المتكلم حين يكسر غير منون، فعدلوا عن الكسرة إلى الفتحة، فاتقاؤهم ~~الشبهة بياء المتكلم في الممنوع من الصرف منعهم الكسر وحده؛ لأن ضمير المتكلم ms36 لا ~~يكون هنا إلا ياء واتقاؤهم الشبهة نفسها في المنادى ألزمه الضم؛ لأن ضمير ~~المتكلم فيه يكون ألفا كما يكون ياء. # فقد رأيت أن هذا الموضع الذي بدا في الأول مخالفا لأصلنا، ناقضا له، قد انتهى ~~بنا درسه إلى أنه مؤيد لرأينا، لا معارض له، وكشف عن سر من أسرار العربية في ~~وضع الحركات بحساب، وبإيحاء إلى معنى يراد. # اسم «إن» # أما النوع الثاني، وهو اسم إن، فإنه متحدث عنه، وحقه الرفع على أصلنا الذي قررناه ~~ولكنه منصوب، ولا نتحرج أن نقول: إن النحاة قد أخطأوا فهم هذا الباب وتدوينه، ثم ~~تجرأوا على تغليط العرب في بعض أحكامه كما سترى. # ورد اسم إن مرفوعا في الشعر وفي القرآن الكريم، وفي الحديث؛ ففي القرآن الكريم: # قالوا إن هذان لساحران يريدان أن ~~يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ~~(طه: 63)، # 7 # فذهب النحاة يتأولون أعسف تأويل ليمضي حكمهم في أن اسم «إن» لا يكون ~~إلا منصوبا. # وورد في الحديث: «إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون.» فلحنوا ~~راويه، وعطف عليه بالرفع # إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ~~(المائدة: 69). وفي بعض القراءات: «إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي» (الأحزاب: 56) # 8 # برفع الملائكة، وفي الشعر ما روى سيبويه لبشر بن أبي خازم: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم # بغاة ما بقينا في شقاق # 9 # ثم أكد أيضا بالرفع، فقيل: إنهم أجمعون بدل أجمعين. # قال سيبويه: وأعلم أن ناسا من العرب يغلطون، فيقولون إنهم أجمعون ذاهبون، ~~وإني وزيد ذاهبان (ص290 من الجزء الأول، ونقله الأشموني في باب إن). # ومع ما نعرفه لسيبويه رحمه الله من إجلال يملأ القلب، فإنا هنا نراه قد أخطأ ~~وخطأ صوابا. قد يستطيع أن يرد بعض ما سمع من العرب، ويسهل عليه أن يخطئ ~~محدثا فيما روى، فماذا يصنع بالآية الكريمة؟ لا سبيل إلى الرفض ولا إلى ~~التخطئة، ولكنك تعلم أن البصريين قد مضوا في التأويل إلى أبعد مدى. يقولون في ms37 ~~آية: # إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئون # إن «الصابئون» مبتدأ قدر له خبره، وقد يصحح هذا ~~التأويل وجه الإعراب على رأي البصريين، ولكنه يقطع الجملة تقطيعا غير مقبول. # 10 # على أن ما رفضه سيبويه قبله غيره من أئمة النحاة كالكسائي والفراء. # وإذا تركنا حكم النحاة لحظة، ونظرنا أسلوب العرب فيما بعد «إن»، وجدنا أنهم ~~لمحوا حقه في الرفع؛ فورد عنهم مرفوعا، وعطفوا عليه بالرفع، وأكدوه بالرفع أيضا. ~~وذلك شاهد لما رأينا من أن الموضع للرفع، وأنه وجه الكلام في اسم «إن»، ولكنا ~~لا ننكر أنه ورد منصوبا، وكان النصب هو الغالب عليه، فمن أين جاءه النصب وغلب ~~عليه؟ سنحاول بيان هذا، ونسألك شيئا من الأناة والروية لنستبين الحق معا. # لقد راقبنا استعمال «إن» وخاصة في القرآن الكريم، ووجدناها أكثر ما تستعمل ~~متصلة بالضمير؛ مثل: إنا، إني، إنك، إنه. وهذا بيان بجملة إحصائها في القرآن ~~الكريم. # مكسورة الهمزة # مفتوحة الهمزة # جملة # متصلة بالضمير # 740 # 180 # 920 # متصلة بالظاهر # 323 # 121 # 444 # متصلة بالموصول # 105 # 11 # 116 # متصلة بالإشارة # 43 # 2 # 45 # مكفوفة # 139 # 17 # 156 # جملة # 1350 # 331 # 1681 # ونعلم من أسلوب العرب أن الأداة إذا دخلت على الضمير مال حسهم اللغوي إلى أن ~~يصلوا بينهما، فيستبدلون بضمير الرفع ضمير النصب؛ لأن ضمير الرفع لا يوصل إلا ~~بالفعل، ولأن الضمير المتصل أكثر في لسانهم، وهم أحب استعمالا له من المنفصل. قال ~~ابن مالك: # وفي اختيار لا يجيء المنفصل # إذا تأتى أن يجيء المتصل # ومن ذلك كلمة «لولا» لا يكون الاسم الظاهر بعدها إلا مرفوعا، فكان من حق ~~الضمير إذا جاء بعدها أن يكون مرفوعا أيضا، ولكن العرب يقولون: «لولاه»، و«لولا ~~هو»، و«لولاكم»، و«لولا أنتم»: يستعملون ضمير النصب وضمير الرفع. # أما ضمير الرفع فوجه استعماله واضح والموضع موضعه، وأما ضمير النصب فاستجابة ~~لداعية الحس اللغوي من وصل الأداة بالضمير إذا وليها. # وتجد لذلك نظيرا في عسى، وهو فعل يتصل به ضمير الرفع، فتقول: عسيتم. وفي القرآن ~~الكريم: # قال هل عسيتم إن كتب ms38 عليكم ~~القتال ألا تقاتلوا ~~(آية 246 من البقرة)، # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في ~~الأرض وتقطعوا أرحامكم ~~(آية 22، محمد). # إلا أن هذا الفعل قد جمد فأشبه الأداة، وحرم خصائص الفعل من التصرف والدلالة ~~على الزمن، فحول الضمير بعده إلى ضمير نصب، قيل: عساه وعساك؛ فإذا وليه الاسم ~~الظاهر لم يكن إلا مرفوعا، تقول: عسى الله أن يغفر لي. # فهذا المسلك من العربية يفسر لنا ما نراه في استعمال العرب اسم إن منصوبا، وما ~~نجده من أثر الرفع فيه؛ إذ يجيء أحيانا مرفوعا ثم يعطف عليه ويؤكد بالرفع أيضا؛ ~~وذلك أنهم لما أكثروا من إتباع إن بالضمير جعلوه ضمير نصب ووصلوه بها، وكثر هذا ~~حتى غلب على وهمهم أن الموضع للنصب، فلما جاء الاسم الظاهر نصب أيضا. وهذا موضع ~~دقيق في العربية ولكنه صحيح مطرد عند الاختبار، أثبته النحاة وسموه الإعراب على ~~التوهم، وتوسع في بحثه صاحب «الخصائص». ومن أمثلته عندهم: ما زيد قائما ولا ~~قاعد. يقول النحاة: إن «قاعد» معطوف على «قائما» على توهم أنه جر بالباء؛ ~~لأن الموضع يغلب أن تجيء فيه الباء. # وقال الفراء: «لما كثر توقيت العرب بالليلة، قالوا: صمت عشرا من الشهر، ولا ~~يصومون إلا اليوم.» # ومن الممكن أن يقال: قياس هذا الكلام أن يجوز «لولا محمدا» إتباعا للولاه. ~~وجوابه أن الضمير في «لولا» لم يكثر كثرته بعد «إن»؛ ولذلك كان ضمير رفع مرة ~~ونصب أخرى، ولو أنه كثر وغلبت كثرته كما في «إن» لكان ضمير نصب لا غير، ولكان ~~من الممكن بعد أن ينساق حكمه إلى الاسم الظاهر، فيقال: «لولا محمدا». # فقد رأيت أن اسم «إن» أصله الرفع، وأن رفعه صحيح جائز، وأن التزام الأصل الذي ~~بيناه - وهو أن المسند إليه مرفوع - قد اطرد في الكلام، وكشف لنا في باب ~~النداء، وفي باب «إن» عن سر خفي على النحاة، وصحح لنا من كلام العرب ما خطأه ~~النحويون. # فهذه أبواب الرفع قد اطرد فيها هذا الحكم، وهو: أن كل مرفوع فهو مسند إليه ~~متحدث عنه. ms39 ~~(2) الكسرة علم الإضافة # والكسرة - كما قدمنا - علامة على أن الاسم أضيف إليه غيره، سواء كانت هذه الإضافة بلا ~~أداة: كمطر السماء، وخصب الأرض، أو بأداة: كمطر من السماء، وخصب في الأرض. # ولا تجد الكسرة في غير هذا الموضع إلا أن تكون في إتباع كالنعت، أو في المجاورة، وهي ~~نوع من الإتباع، وسيأتي بحثه. # وما نقرره الآن بشأن الجر لا نخالف النحاة في شيء منه - حتى العبارة - فإنا حين ندل ~~«بالمضاف إليه» على المجرور بالحرف، ونتوسع في معنى الإضافة، نأخذ ذلك من لسان النحاة ~~المتقدمين ونجري على اصطلاحهم، قال سيبويه: # 11 # والجر إنما يكون في كل اسم مضاف إليه، واعلم أن المضاف إليه ينجر بثلاثة ~~أشياء: بشيء ليس باسم ولا ظرف [يعني الحرف] وبشيء يكون ظرفا، وباسم لا يكون ~~ظرفا. ا.ه. # ثم أخذ بعد ذلك في ذكر الأمثلة. # وأبو العباس المبرد يقول في كتابه «المقتضب» في النحو: # هذا باب الإضافة، وهي في الكلام على ضربين: فمن المضاف إليه ما تضيف إليه ~~بحرف جر، ومنه ما تضيف إليه اسما مثله، فأما حروف الجر التي تضاف بها الأسماء ~~والأفعال إلى ما بعدها فمن وإلى ... إلخ. # 12 # هذه عبارات المتقدمين من أئمة النحاة، ومن محققي المتأخرين من اتبعهم، كالإمام ابن ~~الحاجب، ونص عبارته: # 13 ~~«والمجرورات هو ما اشتمل على علم المضاف إليه، والمضاف إليه كل اسم نسب ~~إليه شيء بواسطة حرف جر لفظا، أو تقديرا مرادا.» ا.ه. قال شارحه المحقق الرضي: «بني ~~الأمر أولا على أن المجرور بحرف جر ظاهر مضاف إليه، وقد سماه سيبويه أيضا مضافا ~~إليه، ولكنه خلاف ما هو المشهور الآن من اصطلاح القوم، فإنه إذا أطلق لفظ المضاف إليه ~~أريد به ما انجر بإضافة اسم إليه بحذف التنوين من الأول للإضافة، وأما من حيث اللغة فلا ~~شك أن زيدا في مررت بزيد مضاف إليه، إذا أضيف إليه المرور بواسطة حرف الجر.» ~~ا.ه. # وقد أطلنا بما نقلنا من النصوص لنقرر بلسان المتقدمين أن الكسرة علم الإضافة، وأن ~~موضعها هو المضاف إليه ms40 مهما اختلفت وسيلة الإضافة. # ولعلك ترى في ثبوت هذا الأصل وتقرير الأئمة له ما يعود بحظ من التأييد على الأصل ~~الذي قررناه في الفصل السابق، فإن الكسرة إذا كانت علما على معنى في تأليف ~~الكلام وهو «الإضافة» كان من المساير لهذا والمنسجم معه أن تكون الضمة علما أيضا على ~~معنى في الكلام كما بينا من قبل، فهو سبيل من التفكير يشد لاحقه سابقه، وينسجم أوله ~~وآخره. # وبعد، فاعلم أن باب الإضافة في العربية من أكثر الأبواب شيوعا في الكلام، وأسيرها ~~على الألسن، حتى في عصرنا هذا، وتستطيع أن تختبره فيما تقرأ وفيما تكتب، ولقد تحريت هذا ~~كثير من الصحف، وأقلام الكتاب المعاصرين، فإذا الإضافة من أشيع أساليبهم في البيان، ومن ~~أكثر الأصول النحوية جريا على الأقلام. # والعرب يضيفون لبيان الفاعل «خلق الله»، ولبيان المفعول «خلق السماوات»، ~~وللمكان «ظباء وجرة» و«أسد بيشة»، وللزمان «برد الشتاء» و«مكر الليل»، ولبيان الموصوف ~~«حسن الوجه» و«طلق اللسان»، ولبيان الصفة «يمين صدق» و«كلمة الحق»، وغير هذا من ~~الأساليب المتسعة الكثيرة. ويستعملونها في التفضيل «أعلم القوم» و«أخصب الأرض» و«فتى ~~الفتيان»، ويضيفون لأدنى ملابسة - كما يقول النحاة - «لثلاث ليال وأيامها» و«وعاد ~~وثمودها». # وقد تكون الإضافة أسلوبا للبيان؛ كبنات الشوق، وبنات الدهر، وأخو الصدق، وأخو ~~الأنصار؛ أي أحدهم. # ويضيفون إلى الكلمتين: «غلام عبد الله»، ويضيفون الكلمتين؛ كعبد شمسكم. ومن قول ~~سيبويه: «ألا ترى أنك تقول: «هذا حب رمان»؛ فإذا كان لك قلت: «هذا حب رماني»، فأضفت ~~الرمان إليك وليس لك الرمان، وإنما لك الحب.» ا.ه. # 14 # ويضيفون إلى الجمل كثيرا. # ومن الأسماء ما لا يكون إلا مضافا، ومنها ما يحذف المضاف إليه بعده فيكون مقدرا ~~مفهوما كأنك قد ذكرته. # وحروف الجر أو «حروف الإضافة»، كما ينبغي أن نسميها من بعد، كثيرة في العربية متعددة ~~واسعة التصرف؛ توسع العرب في استعمالها وإنابة بعضها عن بعض توسعا أكسب اللغة مرونة ~~وقدرة على التصوير، حتى كأن الفعل فعلان بأثر حرف الإضافة. # 15 # وليس يعنينا بيان هذه الأساليب وتحديد خصائصها الآن، وإنما أردنا ms41 أن نشير لك إلى أن ~~باب الإضافة على قصره في البحث، وقلة ما فيه من الأحكام، باب كثير الدوران في اللغة ~~العربية، وأسلوب واسع الاستعمال، بل هي أداة عظيمة شائعة تستعمل في كثير من المواضع ~~بيانا للمعاني المختلفة، وأداء للأغراض المتنوعة. # وإن على النحاة أن يدرسوها درسا واسعا مفصلا، دقيقا عميقا، لا ليبينوا أثرها ~~في اللفظ، وحكمها في الإعراب، بل ليعرفوا سبيلها في البيان، وأثرها في تصوير المعاني، ~~ومدى تصرف العرب فيها وتوسع العربية بها. ~~(3) الفتحة ليست علامة إعراب # الأصل الثالث: أن الفتحة لا تدل على معنى كالضمة والكسرة، فليست بعلم إعراب؛ وإنما ~~هي الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب، التي يحبون أن يشكل بها آخر كل كلمة في الوصل ~~ودرج الكلام؛ فهي في العربية نظير السكون في لغتنا العامية. # وفي تقرير هذا الأصل نجري في مخالفة النحاة إلى مدى أوسع، ولكنا لا نزال نجد دليلنا ~~في كلامهم، ونستمد الحجة من أصولهم، غير أنا ننشر مهجورا أو نبسط مطويا، ونرجو أن ~~نسوق من الأدلة ما يقنع المنصف، وتطمئن له نفس الباحث المخلص للحق، إن شاء الله. # أما أن الفتحة أخف الحركات، فذلك أصل مقرر عند النحاة، يتردد في كلامهم، ويجري كثيرا ~~في جدلهم، ويستمدون منه السبب والعلة لكثير من أحكام التصريف والإعراب. ومراقبة العربية ~~تشهد بكثرة دوران الفتحة وغلبتها على غيرها من الحركات، وتستطيع أن تختبر ذلك في أي جزء ~~من الكلام. # خذ مثلا فاتحة الكتاب الكريم، وأحص ما فيها من الحركات، فسترى أن الفتحة وحدها ~~أكثر من الضمة والكسرة معا. # وإذا رجعت إلى علم «مخارج الحروف» واستشهدت طبيعة الفتحة في نطقها، وقستها إلى غيرها ~~من الحركات، وجدت البرهان الجلي على خفة الفتحة، والشهادة لذوق العرب في استحبابها؛ ~~وذلك أن الفتحة القصيرة، أو الفتحة الطويلة - وهي الألف - لا تكلف الناطق إلا إرسال ~~النفس حرا، وترك مسرى الهواء أثناء النطق بلا عناء في تكييفه. # أما الضمة وامتدادها وهو الواو، فإن النطق بها يكلفك ضم الشفتين ومطهما وتدويرهما ~~حتى تحقق نطق الضمة أو ms42 الواو، واختبر ذلك في: قل وصم، وقولوا وصوموا مثلا، وراع ~~هيئة الفم والشفتين حين النطق. # وكذلك الكسرة وامتدادها، وهو الياء، تكلفك أن تكسر مجرى الهواء وتحني طرف اللسان عند ~~اللثة ليمثل الصوت ما تريد من الكسرة أو الياء، كما ترى في: صيد وبيع، وصد ~~وبع. # وقد جمعنا في هذا البيان بين كل حركة واللين الناشئ منها؛ لنجلي لك الحقيقة أتم ~~تجلية؛ فإن نطق الحركات ربما خفي في درج القول وفي وسط الكلمات؛ إذ اللسان لا يتلبث في ~~النطق، فلا يستقر بعد الحرف، بل يتهيأ لتشكيل حرف آخر، فيمر نطق الحركة سريعا غير واضح ~~التمثيل، فإن شئت تمثيله تأنيت في أعقاب الحروف فتصور الحركة وتشبعها، فإذا أشبعتها ~~تمثلت واضحة وتمثل حرف اللين الناشئ منها. # والنحاة أنفسهم يقررون أن الألف فتحة مشبعة، والياء كسرة مشبعة، والواو ضمة مشبعة ~~(انظر سر صناعة الإعراب لابن جني في باب الحركة). # وكانوا يسمون الفتحة الألف الصغيرة، والكسرة الياء الصغيرة، والضمة الواو الصغيرة، ~~وكان هذا من أصل عملهم في الشكل الذي رسموا ليضبطوا به الحركات. # 16 # فخفة الفتحة في النطق، وامتيازها في ذلك على أختيها: الضمة والكسرة، أمر جلي، يؤيده ~~البرهان من كل وجه. # والذي نحاول أن نقرره بعد، هو أن الفتحة أخف من السكون أيضا، وأيسر نطقا، خصوصا ~~إذا كان ذلك في وسط اللفظ ودرج الكلام. # ولا أعلم للنحاة مثل هذا الرأي، بل قد أجد في أقوالهم ما يشير إلى أن السكون أخف من ~~الحركات جميعا؛ فقد يسمونه التخفيف، ويقولون: إن السكون عدم، والحركة وجود، و«لا شيء» ~~أضعف وأخف من «شيء»، مهما يكن يسيرا ضعيفا. وذلك من سنتهم في الأخذ بالفلسفة النظرية، ~~وغلوهم فيها بما قد يلفتهم عن الواقع، كما بينا من قبل. # وإذا نحن عدنا إلى طبيعة السكون، وفحصناه حين النطق بالساكن، رأينا أن السكون يستلزم ~~أن تضغط النفس عند مخرج الحرف معتمدا على الحرف، محتفظا به، وفي هذا العمل كلفة ~~تراها إذا نطقت بمثل: أب، أت، أث، وقسته إلى نطق «با» «تا» «ثا». # ثم ms43 من الحروف ما إذا أسكنته أرسلت النفس به آنا ومطلت النطق، متكلفا الاحتفاظ بمخرج ~~الحرف الساكن، كما ترى في: غواش، وإشراك، ونواص، واصنع، وناس، ومسئول، ومتراخ، ~~وأخبار. # ومنها ما يكلفك أن تردد اللسان، كأنك تكرر الحرف كما ترى في راء إرعاد وقدر، فإذا ~~حركته حركة ما، مررت به الهوينى من غير ضغط ولا ترديد. # ومنها ما يلزمك قطع النفس وبت النطق، مع الضغط على الحرف والتمسك بمخرجه؛ مثل: أب ~~وإبراهيم، وطبق، وإقبال، وقد، وقدر، ففيها كما ترى شدة في النطق، ونصيب من ~~الكلفة، لا تراه إذا أرسلت الحروف مفتوحة. # وانظر ما صارت إليه القلقلة # 17 # المعروفة عند القراء من التكلف والتمسك، حتى كأن الحرف حرفان: أحدهما ساكن ~~والآخر محرك بالفتح، ولقد تشعرك قلقلة هذه الحروف حين الإسكان - واختلاسنا لها ومرورنا ~~بها هونا - أن الإسكان كان عند العرب أقوى وأملأ مما ننطق الآن، بل إن من العرب من كان ~~أشد إظهارا للقلقلة وأجهر بها صوتا، قال سيبويه في القلقلة بعد شرحها: «وبعض العرب ~~أشد صوتا.» ا.ه. (ص284 من الجزء الثاني). # وقد جرى المتقدمون على تسمية السكون وقفا. # 18 # واتفق القراء والنحاة على أن مخرج الحرف إنما يتبين ويتمثل إذا كان ساكنا، ~~فكلفوا من يريد درس الحروف ووصفها، وتحقيق مخارجها، أن يسكن الحرف، ويصله بمتحرك قبله، ~~فيقول: أب، وأت، وأث، ثم يرقب المنطق، ويصف المخرج، ويبين الصفات. وما رسموا ذلك إلا ~~لما رأوا في الإسكان من التمهل بالحرف، والتمسك بمخرجه، وتحقيق نطقه. # فهذا من طبيعة السكون ونطق العرب به، يبين لك أن الفتحة أخف منه، وأيسر مئونة في ~~النطق، وليس ينكر ذلك إلا من غالط نفسه وأنكر حسه. # ومن العرب من يميلون إلى التخفيف، فيسكنون عين الثلاثي إذا كانت مضمومة أو مكسورة. ~~يقولون في رسل: «رسل»، وفي فخد: «فخد»، فإذا كانت العين مفتوحة؛ مثل: جمل، ~~وعمر، وعنب. استبقوا الفتحة، وامتنعوا من تسكين العين. # 19 # ولو أن السكون كان أخف من الفتحة عندهم لمضوا في التخفيف، فساووا مفتوح ~~العين بالمضموم والمكسور. # فهذا واضح ms44 لمن شاء أن يرى، وأوضح منه وأدل، أن العرب قد فروا في بعض المواضع من ~~الإسكان إلى الفتح. ومن ذلك صنيعهم في جمع المؤنث السالم لمثل: فترة، وحسرة، ودعد. فإن العين # 20 # في المفرد ساكنة، ومن حقها في جمع المؤنث السالم أن تبقى ساكنة أيضا؛ لأن ~~الجمع السالم لا يبدل فيه بناء مفرده، ولكن العرب أوجبت في مثل هذا فتح العين، فيقولون: ~~فترات، وحسرات، ودعدات. ولا يجوزون الإسكان إلا في ضرورة من الشعر. # فهذا حسب المنصف بيانا ودليلا أن الفتحة أخف من السكون وأيسر نطقا؛ فإذا كان ذلك ~~في وسط اللفظ، ودرج الكلام كان أوضح وأبين؛ لأن الإسكان أشبه بالوقف وأقرب إلى قطع ~~اللفظ. # وبعد، فهذه شواهد أخرى تؤنسك بهذا الرأي، وإن لم تبلغ من الاستدلال ما تقدم من ~~البيان؛ فأنت تعلم أن العرب تأبى أن تبدأ بساكن، وترفض أن يجتمع في نطقها ساكنان، حتى ~~تفر من أحدهما بكسر أو فتح. # وقد جعلوا الإسكان علامة التشديد، والبت في الطلب، كما ترى التزامه في الأمر، وفي ~~لتفعل ولا تفعل، وأنت تعلم ما يستدعيه الأمر في أغلب حاله من البت، ~~والتشدد، والجزم. وربما أتوا بالسكون في غير الأمر دلالة على التأكيد وتقوية ~~الكلام، كما ترى في قول امرئ القيس: # فاليوم أشرب غير مستحقب # إثما من الله ولا واغل # وقول جرير: # ما للفرزدق من عز يلوذ به # إلا بنو العم في أيديهم الخشب # سيروا بنو العم فالأهواز منزلكم # ونهر تيرى فما تعرفكم العرب # 21 # بل إن أبا عمرو بن العلاء - من القراء السبعة، ومن أئمة النحاة - قرأ: «إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة.» بإسكان الراء تشديدا للأمر، لما كان ~~استنكار المأمورين له ظاهرا، ونفورهم منه قريبا؛ وبعده: # قالوا ~~أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين ~~(67 من البقرة). # فهذه دقائق لمن أراد أن يستشف الحق من سر العربية. # وقد انتهينا من استخفاف الفتحة واستحباب العرب إياها، وتفضيلها في اللفظ على أختيها، ~~وعلى السكون أيضا، واعتمدنا في ذلك على طبيعة النطق، وعلى ms45 روح العربية في ~~الاستعمال. # ومما يشهد بأن الفتحة ليست بعلم إعراب، وأنها تخالف في ذلك أختيها الضمة والكسرة، ~~ما قرره النحاة في أوجه الوقف على المتحرك الذي قبله ساكن؛ قالوا: «إذا وقفت على كلمة ~~قبل آخرها ساكن؛ مثل: عمرو، وبدر. جاز لك نقل حركة الإعراب إلى هذا الساكن؛ إذ كانت ضمة ~~أو كسرة، أما إذا كانت فتحة فليس لك ذلك؛ تقول: هذا البدر والبدر، ونور البدر ~~والبدر، فإذا قلت: انظر البدر. امتنع أن تنقل الفتحة إلى الدال.» قال أبو القاسم ~~الزمخشري في المفصل: # 22 ~~«وبعض العرب يحول ضمة الحرف الموقوف عليه وكسرته على الساكن قبله دون ~~الفتحة في غير الهمزة، تقول: هذا بكر ومررت ببكر.» ا.ه. # فواضح أن العرب فرقت ما بين الفتحة وبين أختيها، ثم احتالت لتحتفظ بهاتين الحركتين ~~على ما في النطق بهما من شدة، ولم تر أن تحتفظ بالفتحة، على سهولتها ويسر نطقها في ~~مذهب الجميع، ولا يمكن أن أرى هذا التفريق عبثا، ولكن كانت الضمة والكسرة علامة على ~~معان، فاحتفظ بهما، ولم يكن في الفتحة ما يدعو إلى هذا الاحتفاظ. # وحكم آخر من أحكام الوقف، فيه تأييد لما ذهبنا إليه، وهو الوقف بالروم، وتفسيره على ~~ما في كتب القراءات: أن تنطق الحركة بصوت خفي يسمعه القريب، بينما يحسب من كان ~~بعيدا منك أنك قد وقفت مسكنا، والوقف بالروم سائغ لجميع القراء في موضعه، وليس خاصا ~~بإمام منهم دون إمام. # ولا يكون الروم عند الوقوف على ساكن، ولا على متحرك بالفتح، وإنما يكون في الضمة والكسرة. # 23 # وترى هنا ما رأيت في المثل الأول من الاحتفاظ بالحركتين - الضمة والكسرة - والإشارة ~~إليهما بوجه ما وإغفال الفتحة؛ وذلك عندنا لما في الحركتين من معنى يراد دون ~~الفتحة. # ومن القراء من يؤثر الوقف بالروم، ويستحبه للقارئ، إذا كان الإسكان يمس وجه الإعراب ~~بشيء من الشبهة، كما في الآيتين الكريمتين: # فقال رب إني ~~لما أنزلت إلي من خير فقير ~~(القصص: 24)، # نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم ~~عليم ~~(يوسف: 76)، فليس ms46 يخلو هذا من الشهادة بصلة بين حركة الإعراب وبين ~~الوقف بالروم. # وشاهد ثالث من علم القافية؛ فقد تعلم أن حرف الروي يجب أن يكون واحدا في القصيدة ~~كلها، وأن حركة هذا الحرف يجب أن تكون واحدة أيضا، فإذا اختلفت الحركة عدوه عيبا في ~~القافية، ثم قسموه إلى قسمين: # الأول: # الإقواء: وهو اختلاف المجرى بكسر وضم. # والثاني: # الإصراف: وهو الاختلاف بفتح وغيره. # 24 # أما الأول، فقد ورد في شعر كثير من فحول الشعراء المتقدمين، حتى أباحه لهم العلماء ~~ولم يعدوه في شعرهم عيبا، وكان الخليل يقول: «تجوز الضمة مع الكسرة.» # 25 # وأبو الحسن بن مسعدة # 26 # يقول: «كثر هذا عن فصحاء العرب.» ويروى منه للنابغة: # زعم البوارح أن رحلتنا غدا # وبذاك خبرنا الغراب الأسود # لا مرحبا بغد ولا أهلا به # إن كان تفريق الأحبة في غد # ولدريد بن الصمة: # نظرت إليه والرماح تنوشه # كوقع الصياصي في النسيج الممدد # فأرهبت عنه القوم حتى تبددوا # وحتى علاني حالك اللون أسود # وكقول حسان بن ثابت: # لا بأس بالقوم من طول ومن قصر # جسم البغال وأحلام العصافير # كأنهم قصب جوف أسافله # مثقب نفخت فيه الأعاصير # أما الإصراف، فقد أنكره قوم أن يكون جاء في شعر العرب، وأثبته آخرون، على اعتقاد ~~قلته، والتصريح بندرته، قال أبو العلاء المعري: «وإنما أجازوا ذلك في المرفوع ~~والمخفوض، وكرهوا الفتحة أن تجيء مع الكسرة أو الضمة، فأما الخليل وابن مسعدة فلم ~~يذكراه.» ا.ه. # 27 # والذين أثبتوه لم يذكروا من أمثلته إلا ما كان النصب فيه سابقا، وكان الصرف عنه إلى ~~الرفع أو الخفض دون العكس؛ مثل: # أرأيتك إن منعت كلام يحيى # أتمنعني على يحيى البكاء # ففي طرفي على يحيى سهاد # وفي قلبي على يحيى البكاء # ومثل: # ألم ترني رددت على ابن ليلى # منيحته فعجلت الأداء # وقلت لشاته لما أتتنا # رماك الله من شاة بداء # هذه أمثلتهم هنا، فقد رأيت أن العرب تحرص على الضمة والكسرة؛ تلتزمهما، وتهجر من ~~أجلهما تماثل القافية، وما فيه من انسجام. وإذا بدأ الشاعر قصيدته بالفتحة ms47 وبني عليها ~~قافيته، ثم جاء داعي الضمة أو الكسرة استجاب له ولم يبال القافية، والأعشى بنى على ~~الفتح قصيدته التي مطلعها: # رحلت سمية غدوة أجمالها # غضبى عليك فما تقول بدا لها # 28 # ثم قال: # هذا النهار بدا لها من همها # ما بالها بالليل زال زوالها؟! # أما أن تكون القافية رفعا أو جرا، ثم يدعو إلى النصب داع، فإن الشاعر لا يستجيب ~~له، بل يمضي في قافيته، ملتزما ما ينبغي لها من تماثل وانسجام. # بنى الفرزدق على الضمة قصيدته التي أولها: # عزفت بأعشاش وما كدت تعزف # وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف # ثم قال: # وعض زمان يا ابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # فرفع «مجلف»، واستبقى حركة القافية، ولم يبال داعية النصب. # والنحاة يضطربون عند هذا البيت اضطرابا شديدا، فمذ قاله الفرزدق وهو مثار خلاف بين ~~النحاة وبينه، وبين النحاة بعضهم بعضا. # 29 # فعبد الله بن أبي إسحاق إمام النحاة المتوفى سنة 117، عاب على الفرزدق وخطأه وسأله ~~يوما: علام رفعت «مجلف» في بيتك؟ فقال: «على ما يسوءك وينوءك، علينا أن نقول وعليكم ~~أن تتأولوا.» ثم أخذ يهجوه في شعره. # وأبو عمرو بن العلاء [س154]، ويونس بن حبيب [س183]، وكانا لا يعرفان للرفع وجها، ~~ومحمد بن سلام [س232] سأل يونس بن حبيب، لعل الفرزدق قالها على النصب ولم يأبه ~~بالقافية؟ فقال: لا، كان ينشدها على الرفع وأنشدنيها رؤبة على الرفع. ومن النحاة مع هذا ~~من ينشده بالنصب تخلصا من الورطة في إعرابه، وقال أبو القاسم الزمخشري [س538]: «هذا ~~البيت لا تزال الركب تصطك في إعرابه.» # وقال الإمام أبو عبد الله بن قتيبة [س276] في كتاب الشعراء: «رفع الفرزدق آخر البيت ~~ضرورة، وأتعب أهل الإعراب في طلب الحيلة، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشيء ~~يرتضى، ومن ذا يخفى عليه من أهل النظر، أن كل ما أتوا به احتيال وتمويه؟!» ~~ا.ه. # وذلك أنهم قدروا النصب إعرابا ورأوا الشاعر قد انصرف عنه إلى الرفع، فرفضه من ~~رفضه، واحتال لتوجيهه قوم، وعده ms48 من الضرورة آخرون. # وأنت تعلم حرص العرب على الإعراب، ودقة حسهم به، وتأديبهم عليه، وتعلم طبيعة الشعر ~~العربي، وما فيه من قافية، وما للقافية من أحكام وأن التماثل والانسجام من أجلى صفاته، ~~وأدق خصائصه. فلما تعارضت حركة الإعراب وحركة القافية، استجاب العربي لما هو أولى أن ~~يمثل معناه، ويصور مراده، ولما هو ألصق بطبعه وأدخل في عربيته؛ وهو الإعراب. # كذلك فرق العربي بين الضمة والكسرة، وبين الفتحة. فليس لمنصف يعرف الحق أن يغفل هذه ~~التفرقة من العربي، وأن يهمل وجه دلالتها، وما تشير إليه من معنى. # فهذه من الدلائل على ما رأينا من أن الضمة والكسرة هما علما الإعراب، وأن الفتحة ~~ليست من علاماته، وإنما هي الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب التي يحبون أن تنتهي بها ~~الكلمات في درج القول، ما لم يدعهم الإعراب إلى حركة يدلون بها على معنى، أو يدعهم ~~الوقف إلى إسكان يبت عنده النطق، ومن الله التوفيق والهداية إلى الصواب. # وقد نجد في كلام النحاة ما يؤيده أيضا؛ قالوا: بالنصب على نزع الخافض. ومعناه كما ~~تعلم أن يكون من حق الكلام ذكر الجار، ثم يحذف لسبب ما، فتنقلب الكلمة مفتوحة؛ مثل: ~~تمرون الديار. روي لجرير: # تمرون الديار ولم تعوجوا # كلامكم علي إذن حرام # وهم يعدون ذلك نادرا شاذا، على أنه في كلام العرب أوسع مما قرروا؛ هم قد اقتصروا ~~على حذف الحرف الجار، وروي عن العرب النصب في غيره. قال الكسائي: «والعرب إذا ألقت ~~«بين» من كلام تصلح «إلى» في آخره نصبوا الحرفين المخفوضين، تقول: مطرنا ما زبالة ~~فالثعلبية، وله عشرون ما ناقة فجملا، وهي أحسن الناس ما قرنا فقدما.» قال: «وسمعت ~~أعرابيا وقد رأى الهلال، فقال: الحمد لله ما إهلالك إلى أسرارك.» والعرب تقول: ~~«الشنق ما خمسا إلى خمس وعشرين.» # 30 # ا.ه. فقد رأيت العرب تصبو إلى الفتح حين يحذف داعي الجر حرفا أو اسما. # وكذلك يصيرون إليه حين يتحول عن الكلمة داعي الرفع أيضا؛ تقول: خرج زيد وعمرو. تريد ~~أن تتحدث عن كل منهما ms49 فترفع، فإذا كان الحديث عن واحد، وكان الثاني من تكملة الحديث، ~~تحول داعي الرفع عنه فنصب؛ وقلت خرج زيد وعمرا. # وللنحاة في نصب هذا الاسم وناصبه خلاف عنيف، أناصبه الواو؟ أم الفعل قبله؟ أم هما ~~معا؟ أم عامل معنوي سماه بعضهم الخلاف؟ # على أن المنهج العربي واضح، في بعد عن هذا الخلاف والشقاق، فإنه لم يكن من داع ~~إلى الرفع فدخلت الكلمة في الباب الأوسع الأشمل وهو النصب. # ومثل هذا كثير لا يخفيه عن الناظر إلا تلك الرسوم التي رسموا، ثم تعبد الناس بها ~~حتى صرفتهم عن المعنى وما تدل عليه الألفاظ. # وتستطيع أن ترى مثل ذلك في: «كلمته فاه إلى في» و«بعته يدا بيد» لما لم يكن ~~من همك التحدث عن الفم واليد، وإنما سقتهما بيانا وتتمة للحديث، لم ترفع، ولو ~~قصدت إلى التحدث عنهما لرفعت، ولقلت: يد بيد، وفوه إلى في. # والنحاة ينصبون مثل هذا على الحال، ثم يجدونه مخالفا للرسوم التي وضعوها للحال، ~~فيتأولون لذلك كعادتهم في التأويل. # وكذلك يقولون: «مطرنا سهلنا وجبلنا، والسهل والجبل. وجاء القوم أولهم ~~وآخرهم، والأول والآخر.» يرفعون ذلك كله فيعربه النحاة بدلا، ويروى منصوبا ~~فتكون معضلة لدى النحاة يستعان فيها بأنواع من التأويل. # وتعرف تعسفهم في إعراب «عمرك الله» و«نحن العرب» و«إياك والأسد»، و«إياك ~~الأسد»، وكذلك تعرف عناءهم في تلمس السبل لإعراب «عذيرك» # 31 # في مثل قول عمرو بن معد يكرب: # أريد حياته ويريد قتلي # عذيرك من خليلك من مراد # وقول ذي الأصبع العدواني: # عذير الحي من عدوا # ن كانوا حبة الأرض # 32 # وإعراب ذلك كله، وسواه مما يحتد فيه الخلاف ويكثر فيه التقدير والإضمار، أمر قريب ~~واضح؛ فإنها كلمات لا يتحدث عنها فترفع، ولا هي مضاف إليها فتجر، فليس لها إلا أن ~~تلزم الأصل وهو النصب. ~~(4) الأصل في المبني أن يسكنا # أصل أقره النحاة، وجعلوه أساسا لكثير من بحثهم في باب البناء، فإذا صح واستقام حكمه، ~~وكان أكثر الكلمات المبنية في العربية ساكنا، كان ذلك شاهدا بميل العرب إلى التسكين، ~~وبمصيرهم ms50 بالكلمات إليه، إذا لم يكن لهم من التحريك غرض. # وإذا علمنا أن حروف المعاني هي أكثر الكلمات دورانا على اللسان، وأولجها في تأليف ~~الجمل، وأنها كلها مبنية، كان في تسكينها ما يشهد أن السكون أخف وأيسر، بما أنه قد ~~اختير لأسير الألفاظ وأشيعها في الاستعمال، ولم يكن لنا أن نرد هذه الشهادة، وبمثلها ~~نتنور أصول العربية، ونستشف أسرارها. # إشكال أثاره أحد الطلبة ونحن ندرس هذا الموضوع جميعا، وهو جدير أن نناقشه في بحثنا ~~هذا: قال ابن مالك في الخلاصة: # والأصل في المبني أن يسكنا # وقال أبو القاسم الزمخشري في المفصل: «البناء على السكون هو القياس.» قال شارحه ابن ~~يعيش: «القياس في كل مبني أن يكون ساكنا، وما حرك من ذلك فلعلة؛ فإذا وجدت مبنيا ~~ساكنا، فليس لك أن تسأل عن سبب سكونه؛ لأن ذلك مقتضى القياس فيه، فإن كان متحركا فلك ~~أن تسأل عن سبب الحركة وسبب اختصاصه بتلك الحركة دون غيرها.» # فهذه أقوال النحاة، وقد يتبادر إلى فهم القارئ أن الكثير الغالب على المبنيات هو ~~السكون، وأن النحاة إنما أخذوا هذا الأصل الذي قرروا من تتبع المبنيات في كلام العرب ~~واستقرائها، وليس هذا بصحيح؛ فإنهم قد استمدوا هذا الأصل من فلسفتهم النظرية التي أشرنا ~~إليها من قبل، وفصلنا كثيرا من قواعدها. # قال ابن يعيش في التدليل على هذا القياس: «وإنما كان القياس في كل مبني السكون ~~لوجهين، أحدهما: أن البناء ضد الإعراب. وأصل الإعراب أن يكون بالحركات المختلفة للدلالة ~~على المعاني المختلفة، فوجب أن يكون البناء الذي هو ضده بالسكون. والوجه الثاني أن ~~الحركة زيادة مستثقلة بالنسبة إلى السكون، فلا يؤتى بها إلا لضرورة تدعو لذلك.» ~~ا.ه. # فقد رأيت كيف استمدوا دليلهم من غير أن يرجعوا إلى الإحصاء والاستقراء، بل لقد صرحوا ~~«بأنه ليس أغلب المبنيات كلها ساكنا.» قال الصبان في شرح الخلاصة عند قوله: # والأصل في المبني أن يسكنا ~~«الأصل؛ أي: الراجح والمصطحب لا الغالب؛ إذ ليس أغلب المبنيات ساكنا.» # ولقد كان ذلك يكفينا في رفض أصلهم، ودفع ms51 الاعتراض به، ولكننا رأينا أن ننظر في ~~استقصاء المبنيات وتقسيمها لنعلم نسبة الساكن منها إلى المتحرك، وأي الحركات أغلب؟ ~~ولم ننس أنا ندرس حركات الإعراب، لا حركات البناء، ولكنا تقدمنا إلى درس طبائع ~~الحركات وموازينها في النطق، فكان درس الحركة في المبني مما عساه أن يكشف عن الحق أو ~~يؤيده. # وقد وجدنا عدد حروف المعاني سبعين حرفا؛ الساكن منها اثنان وعشرون، والمتحرك ثمانية ~~وأربعون، أما المتحرك: فالمفتوح منه اثنان وأربعون، والمكسور خمسة، والمضموم واحد. # فالساكن في البناء أقل من المتحرك، بل هو أقل من المتحرك بالفتح وحده. # 33 # هذا في حروف المعاني. # أما الاسم المبني فليس قريبا إحصاؤه، بل لسنا في حاجة إلى الإحصاء؛ وجلي أنه ~~قل أن يبنى على السكون. # وقد يدل بالحركة في الاسم المبني على معان غير الإعراب؛ مثل: أنت، وأنت، وذا، وذي. ~~وقد نرى الاسم يبنى على فتحتين مثل: خمسة عشر، وبين بين، وصباح مساء، ولا نراه يبنى ~~على سكونين، ولا على حركتين غير الفتحة. # أما الفعل فالماضي بناؤه على الفتح ما أمكن الفتح، والمضارع أكثر بنائه على الفتح، ~~وذلك حين يؤكد بإحدى النونين، والأمر وحده يبنى على السكون، وقد تقدم الإشارة إلى أن ~~هذا لما في الأمر من معنى القوة والبت، والتشدد في الطلب، وذلك أليق بالسكون وما فيه ~~من شدة في النطق. # فهذا الاستشكال على نظريتنا قد انتهى بحثه إلى تأييدها أيضا، وأكد ما نقول من أن ~~العرب تشير بالحركات إلى معان في الكلام، وأنها تستخف الفتحة عن غيرها من الحركات، بل ~~تستخفها عن السكون أيضا، وأنها تضع السكون حيث تريد أن تشير إلى شيء من التأكيد والبت ~~ومما فيه من معنى القوة حظ. # | العلامات الفرعية للإعراب # وقد أطال النحاة بذكر علامات أخرى للإعراب، سموها العلامات الفرعية، وجعلوها نائبة عن ~~العلامات الأصلية. وسترى فيما بعد ألا وجه لهذا التفصيل والإطالة بتقسيم علامات الإعراب ~~إلى علامات أصلية وأخرى فرعية. # وسندرس هذه العلامات الفرعية واحدة واحدة، ونبين وجه ما نقول في كل واحدة منها ونذكر ~~دليله. ms52 # الباب الأول: باب الأسماء الخمسة # وهي: الأب، والأخ، والحم، والفم، وكلمة ذو. وقد يزيدون عليها كلمة «هن» بمعنى متاع، ~~ويسمونها الأسماء الستة. # ويجعلون الحروف في الباب نائبة عن الحركات في الدلالة على أوجه الإعراب: فالرفع ~~بالواو، والنصب بالألف، والجر بالياء. # ونقول: إنه لا حاجة إلى هذا التفصيل والتطويل، وإنما هي كلمات معربة كغيرها من سائر ~~الكلمات: الضمة للإسناد، والكسرة للإضافة، والفتحة في غير هذين: وإنما مدت كل حركة فنشأ ~~عنها لينها؛ وسبب ذلك أن كلمتي «ذو» و«فا» وضعتا على حرف واحد، وبقية كلمات الباب ~~وضعت على حرفين، الأول منهما حرف حلقي، وتعلم أن حروف الحلق ضعيفة في النطق، قليلة ~~الحظ من الظهور، فليس لعضل الحلق من المرونة والقدرة على النطق وتحديد المخارج ما ~~للسان والشفتين، ومن عادة العرب أن تستروح في نطق الكلمات، وأن تجعلها على ثلاثة أحرف ~~في أغلب الأمر، فمدت في هذه الكلمات حركات الإعراب ومطتها لتعطي الكلمة حظا من ~~البيان في النطق. # وليس في العربية اسم معرب بني على حرف أو حرفين أحدهما حلقي، إلا وهذا حكمه. ويؤنسك ~~بهذا أن ما ينون من هذه الكلمات، أو يوصل بأل، يعرب بالحركات من غير لين بعدها؛ ~~مثل: أب، وأخ، والأب والأخ. وذلك لأن الكلمات قد طالت في النطق شيئا بالتنوين وأل، ~~فأغنى ذلك عن مد الحركة الأخيرة وإحداث لينها بعدها، وقد حذف التنوين من «أب وأخ» ~~ولم يكونا مضافين ولا فيهما «ال» فعادت الألف، وقالوا: «لا أبا لك» و«لا أخا لك» ~~ورووا: # أهدموا بيتك لا أبا لكا # وزعموا أنك لا أخا لكا # فاضطرب النحاة؛ لأنهم لا يرون إعراب الأسماء ~~الخمسة بالحروف إلا حين تكون مضافة؛ قالوا: «إن اللام زائدة، والكلمة مضافة لما بعدها.» ~~ولكن ذلك يستدعي أن تكون معرفة و«لا» لا تعمل إلا في نكرة؛ فكانت معضلة نحوية طال ~~فيها الجدل لتخريج المثلين أو عدهما شاذين، ولا شذوذ ولا إعضال، وإنما هي قاعدة مطردة ~~في هذه الكلمات: إذا أفردت غير منونة أطلقت الحركات في آخرها إطنابا فيها وتحقيقا ~~لنطقها، ms53 كما بينا من قبل. # وما قررناه في إعراب هذه الأسماء إنما هو مذهب الإمام أبي عثمان المازني - المتوفى ~~سنة 247 - تراه وغيره من مذاهب إعرابها في كتاب الإنصاف لابن الأنباري، وجمع الجوامع ~~للسيوطي. # الباب الثاني: باب جمع المذكر السالم # وأمره أهون، فإن الضمة فيه علم الرفع والواو إشباع، والكسرة علم الجر والياء إشباع؛ ~~وأغفل الفتح لأنه ليس بإعراب فلم يقصد إلى أن يجعل له علامة خاصة، واكتفى بصورتين في ~~هذا الجمع. # ومما يدلك على أنهم عنوا بالدلالة على الجر، وأغفلوا النصب، أن نظيره وهو جمع المؤنث ~~السالم رفع بالضمة، وجر بالكسرة، ثم أغفل الفتح فيه أيضا، كما أغفل في جمع المذكر ~~السالم، وكانت المماثلة في الجمعية داعية إلى المشابهة في مسلك الإعراب، وقد كان ~~مستطاعا يسيرا أن يشكل جمع المؤنث بكل الحركات، ولكن المسايرة ورعاية النظير في ~~العربية أمر مقرر كثير الشواهد. # الباب الثالث: باب ما لا ينصرف # جعلوا فيه الفتحة نائبة عن الكسرة، وقد أشرنا إلى سبب ذلك من قبل، وبينا أن الفتحة لم ~~تنب عن الكسرة، وإنما الذي كان؛ أن هذا الاسم لما حرم التنوين، أشبه - في حال الكسر - ~~المضاف إلى ياء المتكلم إذا حذفت ياؤه، وحذفها كثير جدا في لغة العرب، # 1 # فأغفلوا الإعراب بالكسرة، والتجأوا إلى الفتح ما دامت هذه الشبهة، حتى إذا ~~أمنوها بأي وسيلة عادوا إلى إظهار الكسرة، وذلك إذا بدئت الكلمة بأل، أو أتبعت ~~بالإضافة، أو أعيد تنوينها لسبب ما، فليس مع واحد من هذه الأشياء الثلاثة شبهة الإضافة ~~إلى ياء المتكلم كما هو واضح. # وقد عد بعض النحاة الفتحة فيما لا ينصرف حركة بناء لا حركة إعراب، وهو رأي وجيه نقول ~~به، ويؤيد ما ذهبنا إليه. # على أن لما لا ينصرف وللتنوين منه شأنا، سنفرد لبحثه بابا خاصا، نقرر فيه غير ~~ما قرر النحاة، ونجلي أمره إن شاء الله. # ولم يبق من العلامات الفرعية إلا باب المثنى، ونقرر أنه قد شذ عن أصلنا، ولكن باب ~~التثنية في العربية غريب كباب العدد؛ إذ ms54 يذكر فيه المؤنث ويؤنث المذكر، ومن توسع ~~في درس المثنى ورأى وضع العرب له مرة موضع المفرد، وأخرى موضع الجمع، تجلى له حقيقة ~~ما نقول. # فليس يقدح شذوذ المثنى في أمر تقرر في سائر العربية واستقام في كل أبوابها. # | التوابع # المماثلة بين الكلمات العربية، ومشاكلة الكلمة لسابقتها، أمر كثير شائع. وأنواع السجع في ~~النثر، والقافية في الشعر، والفواصل في آي الكتاب الحكيم، كلها شاهدة بأن الانسجام، ~~والتماثل بين الكلمات، من الموسيقى العربية وجمالها المرعي. # وفي البديع كثير من أنواع الجناس والموازنة، كلها مماثلة لفظية تعد من جمال القول وحسن ~~تأليفه. # والذي يهمنا دراسته، هو المماثلة في الإعراب، وهو الذي يسميه النحاة إتباعا، ويسمون ~~اللفظ الثاني من المتماثلين تابعا، والأول متبوعا. ويعدون التوابع خمسة: النعت، والتوكيد، ~~والبدل، وعطف البيان، وعطف النسق. ويلحقون بها الإتباع للمجاورة، وهو يختص عندهم بالجر، ~~ويعدونه قليلا أو شاذا. # ونريد أن نعرف سبب هذا الإعراب في التوابع وما يدل عليه من معنى، لنرى أيطرد في هذا الباب ~~الأصل الذي قررناه من قبل في معاني الإعراب. # العطف # أما عطف النسق، فإنك إذا قلت: جاء زيد وعمرو، وجدت أن الاسمين متحدث عنهما، ولو أنك ~~أخرت الحديث أو المسند لقلت: زيد وعمرو جاءا، ومن هنا استحق كل من الاسمين الرفع؛ على ~~الأصل الذي قررنا. ولم يكن الأول أحق بهذا النوع من الإعراب، ولا الثاني محمولا عليه؛ ~~كلا الاسمين متحدث عنه، وكلاهما له إعراب المتحدث عنه وهو الرفع. # وكذلك في الإضافة تقول: هذا أخو زيد وعمرو، ومال زيد وعمرو، فالإضافة إلى كل من ~~الاسمين، كأنك قلت: هذا أخو زيد وأخو عمرو؛ وإنما أوجزوا إذ وجدوا الإيجاز دالا، وأنت ~~تعلم أن الاقتصاد من القوانين الطبيعية في اللغات، وأنه في العربية كثير شائع، وظاهر ~~واضح. # فليس الأمر في العطف إتباعا، وإنما هو كما قال سيبويه: إشراك أو تشريك. # 1 # وما رأيت في الواو العاطفة تراه في سائر حروف العطف، فمثل: جاء زيد لا عمرو. وما جاء ~~زيد بل عمرو؛ المتحدث عنه اسمان أيضا، ms55 أثبت لواحد ما نفيته عن الثاني، وكذلك هو مال ~~زيد لا عمرو، وما هو بمال زيد بل عمرو، لا يفهم الكلام إلا على الإضافة، وإن تكن بسبيل ~~الإثبات في واحد والنفي مع الآخر. # وباب العطف إذن ليس له إعراب خاص، وليس جديرا أن يعد من التوابع، ولا أن يفرد ~~بباب لدرسه. هذا من ناحية الإعراب، أما من جهة معاني الحروف العاطفة أما المشركة ومواضع ~~استعمالها، فهذا مكان الدرس، ولم نزل ندعو إلى دراسة الأدوات منفصلة عما أعده النحاة ~~لها من أثر في الإعراب، وإلى توفير البحث عن معانيها وسبل استعمالها، كما طلبنا من قبل ~~في أدوات النفي وأدوات التوكيد، ونعد هذا أحق الدراسات النحوية أن نوفر عليها العناية، ~~وننعم فيها النظر لنكشف عن أسرار العربية في التعبير، ومزاياها في البيان وحسن ~~التصوير. # والذي حمل النحاة على أن يجعلوا للعطف بابا خاصا، هو فلسفتهم في العامل؛ وذلك أن ~~مثل «قام زيد وعمرو»، رفع فيه الفعل فاعله واستوفى عمله عند الاسم الأول، ولا يعمل ~~الفعل إلا رفعا واحدا، كما قدمنا في نقد نظرية العامل وتلخيص قواعدها، فكان حتما أن ~~يجعلوا رفع الاسم الثاني من سبيل الإتباع للأول. وكذلك الإضافة في مثل: غلام زيد وعمرو، ~~يختلف النحاة في العامل الجر، أهو الاسم الأول؟ أم الحرف المقدر؟ أم معنى الإضافة؟ ثم ~~يتفقون على أن العامل في الإضافة ضعيف أيا كان نوعه. فأما الاسم فإنه ضعيف في باب ~~العمل؛ لا يعمل حتى يحمل على الفعل ويلحق به، وحظه من شبه الفعل هنا ضعيف، وحمله على ~~الفعل في عمل الجر أضعف؛ إذ كان الفعل لا يعمل الجر، ولا يدخله الجر. # وأما الحرف؛ فإن حرف الجر ضعيف أن يعمل محذوفا، وإذا حذف نصب المعمول بعده، وإذا ~~ضعف أن يعمل جرا واحدا، فليس له أن يعمل جرين إلا بسبيل الإتباع. # هذا قولهم، وقد بينا لك من قبل أنا نرجع إلى المعنى، فما كان في المعنى مضافا ~~إليه فهو مجرور، والجر علم الإضافة، ولا شيء من الإتباع في باب ms56 العطف. # بقية التوابع # أما سائر التوابع بعد العطف، فهي قسمان: # الأول: # تكون فيه الكلمة الثانية من الأول بمنزلة المكمل للمعنى، المتمم ~~له، حتى لا يفهم المعنى إلا بهما معا، وحتى يكونا في الدلالة على ما ~~يراد بمثابة «عبد الله» في الدلالة على مسماه. تقول: «استشر عاقلا ~~نصيحا»، ليس المستشار، أو من رغبت في أن يستشار، إلا ما أفهمت ~~بالكلمتين: «عاقلا نصيحا»، وكذلك الآية الكريمة: # ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ~~(النساء: 92). # وهذا التفسير في معنى هذا النوع من التوابع مأخوذ من قول سيبويه؛ قال ~~في مثل مررت برجل ظريف ما نصه: «فصار النعت مجرورا مثل المنعوت لأنهما ~~كالاسم الواحد، من قبل أنك لم ترد الواحد من الرجال الذين كل واحد ~~منهم رجل، ولكنك أردت الواحد من الرجال الذين كل منهم رجل ظريف فهو ~~نكرة، وإنما كان نكرة لأنه من أمة كلها له مثل اسمه؛ وذلك أن الرجال كل ~~واحد منهم رجل، والرجال الظرفاء كل واحد منهم رجل ظريف، واسمه يخلطه ~~بأمته حتى لا يعرف منها.» # 2 # وزاد شارحه السيرافي، فقال: لو قلت رجل ظريف صيرفي صار من جملة ~~الظرفاء الصيارفة، وهم أقل من الرجال الظراف فقط، ولم يطلب في غير ~~الصيارفة. ا.ه. # فهذا النوع الأول من التوابع، وحكمه أن يكون للاسم الثاني ما للأول ~~من إعراب وتعريف وتنكير وتأنيث من حيث اتصل فيهما المعنى؛ بل من حيث ~~امتزجا هذا الامتزاج الذي تراه. # القسم الثاني: # من التوابع لا تكون الكلمة الثانية فيه من الأولى بمنزلة المكمل - ~~حتى لا يفهم المعنى المقصود إلا بهما معا - بل يكون الأول دالا ~~على معناه مستقلا بإفهامه، والثاني: دالا على معنى الأول مع حظ ~~من البيان والإيضاح يجيء من قرن الكلمتين إحداهما إلى الأخرى. # وأنت تستطيع أن تقف عند الكلمة الأولى وقد فهم الكلام بتمامه فهما ~~ما، كما تستطيع أن تكتفي بالثاني والمعنى قد فهم أيضا، فإذا ضممت ~~الكلمتين، أفدت التأكيد أو زيادة البيان، كما في: زارني محمد أبو عبد ~~الله، ولقيت القوم أكثرهم أو ms57 كلهم. # تقول: «زارني محمد»، أو: «زارني أبو عبد الله»، والمعنى فيهما واحد. ~~وتضم الاسمين معا، فتقول: «زارني محمد أبو عبد الله»، فهو المعنى ~~الأول زدته بيانا أو تأكيدا، وذلك بعيد مما رأيته من قبل في ~~النعت. # هذا النوع الثاني من التوابع يشمل الأقسام التي سماها النحاة بدلا، ~~وتوكيدا، وعطف بيان. وتتفق فيه الكلمتان في الإعراب من حيث كان مدلول ~~الأولى مدلول الثانية، والحكم على إحداهما بأنه متحدث عنه أو مضاف ~~إليه، حكم على الأخرى؛ لما رأيت من اتفاق المدلول، ثم لا يلزم أن ~~يتفق اللفظان في التعريف والتنكير، فقد يغلب أن يكون الثاني أعرف من ~~سابقه أو مثله في التعريف، وربما كان أقل منه تعريفا إذا كان قرنه ~~إليه وإتلاؤه له يزيد السابق بيانا. # هذه هي التوابع: نوعان يختلفان في أداء المعنى وفي حكم اللفظ؛ وهو تقسيم كما تراه ~~يميز ما بينهما تمييزا واضحا، ويجعل المعنى هو الحكم في تمييز كل نوع، وفي إعطائه ~~ما ينبغي له من الحكم. # هذا التقسيم على وضوحه وقلة الأقسام فيه، واعتماده على المعنى، يفصل ما بين النحاة ~~من خلاف في تمييز الأقسام بعضها من بعض، ويقينا الاضطراب الذي يضطر به النحاة في كثير ~~من المواضع؛ أهي النعت، أم بدل، أم عطف بيان؟ # قال السيوطي في جمع الجوامع في باب النعت: # 3 ~~«وجوز الكوفية التخالف في المدح والذم، ومثلوا بقوله تعالى: # ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع ~~مالا # فجعلوا «الذي» صفة «لهمزة». وجوز الأخفش وصف النكرة بالمعرفة إذا ~~خصصت قبل ذلك بالوصف، وجعل منه قوله تعالى: # فآخران ~~يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ~~الأوليان # قال: «الأوليان صفة لآخران؛ لأنه لما وصف تخصص. وجوز قوم ~~عكسه؛ أي: وصف المعرفة بالنكرة مطلقا، ومثل بقوله: «وللمعنى رسول الزور ~~قواد.» قال: «قواد صفة المعنى.» وجوز أبو الحسن بن الطراوة وصف المعرفة بالنكرة إذا ~~كان الوصف خاصا بالموصوف لا يوصف به غيره؛ كقوله: «في أنيابه السم ناقع.» قال: ~~«ناقع صفة للسم.» وأجيب بالمنع في الجميع بإعرابها أبدالا.» ا.ه. # فهذا يبين ms58 ما بين النعت والبدل عندهم من الاضطراب في تحديد المعنى اضطرابا يؤدي إلى ~~الاختلاف في الأحكام. وهذا مثل من الأمثلة، وترى له نظائر متعددة في كتب الأعاريب أنى ~~قرأت، ولو أنهم جعلوا الفاصل المعنى كما بينا من قبل لما اضطربوا ذلك الاضطراب. # أما ما بين عطف البيان والبدل من الفوارق، فإنا نعفيك ونعفي أنفسنا أن نفصل ~~بيانها، ونعلم أن أدنى ذكر لك بما في هذا الباب يقنعك أن هذه الفوارق جميعها ترجع ~~إلى أحكام لفظية، وإلى علل من نظريات العامل لا أثر لها في المعنى. وقد أغنانا الإمام ~~الرضي بحث هذه الأبواب؛ إذ قال في شرح البدل ما نصه: «أقول: وأنا إلى الآن لم يظهر ~~لي فرق جلي بين بدل الكل من الكل وبين عطف البيان، بل لا أرى عطف البيان إلا البدل ~~كما هو ظاهر كلام سيبويه، فإنه لم يذكر عطف البيان، بل قال: أما بدل المعرفة من النكرة، ~~فنحو: مررت برجل عبد الله، كأنه قيل بمن مررت، أو ظن أنه يقال له ذلك فأبدل مكانه ~~من هو أعرف منه، ومثل قوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم * صراط الله ~~.» ا.ه. # 4 # وليس بوجيه أن يفرق بين التوكيد والبدل، فإنه أسلوب واحد أن تقول: جاء القوم ~~بعضهم، أو جاء القوم كلهم، والأول عندهم بدل والثاني توكيد. وكل وما يمكن أن يبرر به ~~عد التأكيد تابعا خاصا، وأن يفرد باب لدرسه، هو أنه نوع من البدل جاء بكلمات ~~خاصة، لزم أن تعدد وتحدد، فكان تفصيلا لأنواع البدل، وتفسيرا لجزء منه، لا ~~تمييزا لتابع جديد له أحكام خاصة. # النعت السببي # ويجب أن نعود إلى بحث نوع من النعت، وهو الذي يسميه النحاة «النعت السببي»، ومثله ~~قوله تعالى: # ربنا أخرجنا من هذه القرية ~~الظالم أهلها ~~(النساء: 75)، وقولك: «رأيت فتى باكية عليه أمه.» ~~وظاهر في هذا النوع أنه لا يرتبط بسابقه ارتباط النعت على ما بينا من قبل، وأسلوب ~~الكلام أن تقول في المثل: رأيت فتى باكية عليه أمه؛ ترفع، والرفع هو وجه ms59 الكلام، ~~من حيث كان البكاء وصفا للأم وحديثا عنها. أما موافقة الكلمة لما قبلها في الإعراب، ~~فذلك يجيء من باب آخر؛ هو باب المجاورة. وكل ما عد عند النحاة نعتا سببيا فحقه أن ~~ينفصل عما قبله، وألا يجري عليه في إعرابه، ولكنه إذا وافقه في التعريف والتنكير جرى ~~عليه في الإعراب، وكان ذلك من باب الإعراب بالمجاورة، وهذا التفسير مأخوذ من قول ابن ~~جني في توجيه ما رووا عن العرب من مثل: «هذا جحر ضب خرب.» قال النحاة: «هو جر على ~~المجاورة، وهو قليل شاذ.» وقال ابن جني: «ليس بقليل ولا شاذ، بل منه في اللغة العربية ~~كثير جدا، وأصله: هذا جحر ضب خرب جحره. فحذف كلمة جحره لأنها واضحة في المعنى.» ا.ه. ~~فالذي نقول به هنا هو أن تخريج ابن جني لهذا المثل حكم شائع في جميع النعت السببي؛ وحقه ~~كله الرفع على الاستئناف وابتداء الحديث، وعلى أن الجملة كلها هي التي تتصل بما قبلها، ~~ولكنه يفارق الرفع ويعطى إعراب ما قبله؛ إتباع المجاورة، لا إتباع النعت. فلو أنه كان ~~صفة لما قبله لكان بعيدا أن تقول: القرية الظالم وفتى باكية، وأنت تعلم عناية ~~العرب بالنوع وبيانه، وحرصهم على التفريق ما بين المذكر والمؤنث. # فقد انتهينا من أقسام التوابع وأحكامها كما عدها النحاة، وأسقطنا منها نوعا هو ~~العطف، وقسمنا باقيها قسمين: النعت والبدل، وبينا أنها في أحكامها لا تخالف الأصل الذي ~~قررنا من قبل في معاني الإعراب، وخالفنا النحاة في النعت السببي، وجعلناه إتباعا ~~للمجاورة. # الخبر # ويجب أن نزيد هنا تابعا، هو أهم من الأقسام السابقة كلها وأولاها أن يذكر في باب ~~التوابع، وهو الخبر؛ وذلك أنهم إذا أرادوا أن يدلوا على أن الكلمة هي عين الأولى، ~~وأنها صفة متحققة لها، أشاروا إلى ذلك بالموافقة في الإعراب وفي التذكير ~~والتأنيث. # ونعتمد في هذا على كلام المتقدمين من النحاة، فقد قال سيبويه: «إن الخبر إنما رفع ~~من حيث كان من المبتدأ هو هو.» وقال نحاة الكوفة: «إن الخبر إذا خالف ms60 المبتدأ ولم يكن ~~وصفا له، وإنما كان بيانا لمكانه أو زمانه لم ~~يرفع ونصب.» ويسمونه النصب على الخلاف، تقول: «زيد أمامك». فإذا لم يكن بيانا ~~للمكان، بل كان وصفا للأول فهو مرفوع كما قال المعري: # ورائي أمام، والأمام وراء # وكل حياة العالمين رياء # والذي منع النحاة أن يقولوا بالإتباع في باب الخبر، أنهم رأوا المبتدأ يكون مرفوعا ~~والخبر منصوبا في باب كان، وليس التفسير على ما تصوروا، فإن المتحدث عنه هو الذي سموه ~~اسم كان، والمتحدث به أو الخبر، هو «كان قائما»، فليس «قائما» بخبر يلزم أن يتبع ~~المبتدأ في إعرابه، وكذلك في باب «إن»، رأوا المبتدأ منصوبا والخبر مرفوعا، فأنكروا ~~الإتباع، وقد علمت من قبل، أن الاسم في باب «إن» مرفوع، وأنه قد ورد إتباعه على ~~الرفع؛ جاء في القرآن الكريم: # إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئون # وفي الشعر ما روى سيبويه: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم # بغاة ما بقينا في شقاق # وقالت العرب: «إنهم أجمعون ذاهبون»، فخطأهم سيبويه، وهو المخطئ، كما بينا من قبل ~~في بحث أبواب الرفع؛ فالخبر في هذا الباب تابع مرفوع كما رفع غيره من التوابع، ونظيره ~~في الإتباع ما روى النحاة في مثل: «ليس زيد بقائم ولا قاعدا»، و«ليس زيد قائما ولا ~~قاعد» على ما تعلمه في خبر ليس. # فهذا حكم الخبر والله أعلم. # | تكملة البحث # في مواضع أجاز النحاة فيها وجهين من الإعراب # أراني قد انتهيت من تقرير ما أردت، وبينت أن للإعراب في العربية علمين: «الضمة» ~~و«الكسرة»، وأن الضمة علم الإسناد، والكسرة علم الإضافة، واستقريت أبواب الإعراب كما عدها ~~النحاة، ورأيت استقامة هذا الأصل معها، واطراده فيها؛ على أنه قد يسر أحكام الإعراب ~~ومكن من الإحاطة بها على أقرب وجه وأدناه إلى توضيح سر العربية. # وقد كان في هذا بلاغ ما أردت، ولكني أردت أن ~~أكمل البحث بدرس أبواب، أجاز النحاة فيها وجهين من الإعراب، ساووا بينهما مرة، وفضلوا ~~وجها على الثاني في الأخرى. والأصل الذي تقرر لا يساير هذا التخيير، ولا يجيز ms61 أن يكون ~~للكلام وجهان من الإعراب يلابس المتكلم أيهما شاء، فمتى ثبت أن للحركة أثرا في تصوير ~~المعنى تجتلب لتحقيقه، لم يكن للمتكلم أن يعدل عن حركة إلى أخرى حتى يختلف المعنى الذي يقصد ~~إلى تصويره، فيختلف الإعراب تبعا له. ومن ثم كانت الأبواب ذات الحكمين أو الإعرابين ~~المختلفين، موضعا صالحا لاختبار هذا الأصل، دقيقا في تقدير مداه، وكان من تكملة البحث أن ~~ندرس هذه الأبواب ونقيس أحكامها بحكمه، وقد رأيت أنه كشف عن سر العربية في هذه الأوجه ~~وأبان عن سبب اختلافها، وعن صلة ما بين هذا الاختلاف ودقائق ما يراد من المعنى، وأنه ربما ~~صحح من أحكام النحاة، أو فصل في بعض ما بينهم من خلاف. ~~(1) باب «لا» # وأول هذه المواضع، باب «لا». والنحاة يجعلون للاسم بعد «لا» أنواعا من الإعراب ~~مختلفة: ~~(1) # يجعلونها عاملة عمل ليس، فيرفع بعدها الاسم وينصب الخبر، ويروون لذلك ~~قول الشاعر: # من صد عن نيرانها # فأنا ابن قيس لا براح # وقول الآخر: # تعز فلا شيء على الأرض باقيا # ولا وزر مما قضى الله واقيا ~~(2) # ويجعلونها عاملة عمل «إن»، فينصب الاسم بعدها غير منون ويرفع الخبر، ~~ولذلك أمثلة كثيرة؛ مثل: # ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه ~~(البقرة: 2)، # لا تثريب ~~عليكم ~~(يوسف: 92)، # لا عاصم ~~اليوم من أمر الله إلا من رحم ~~(هود: ~~43). ~~(3) # ويجعلونها مهملة فيرفع بعدها المبتدأ والخبر؛ مثل: # لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(يونس: ~~62). # ويجيزون في نحو: «لا حول ولا قوة إلا بالله» خمسة # 1 # أوجه من الإعراب؛ ويطيلون في توجيه كل إعراب منها. # وإذا أردنا أن نعرف الفرق بين ما تعمل عمل ليس، فيرفع الاسم بعدها، وما تعمل عمل ~~إن فينصب بعدها؛ لنميز مواضع الرفع من مواضع النصب، وجدناهم يقولون: إن الأولى تنفي ~~الواحد، فنفيها محدود خاص؛ تقول: «لا رجل في الدار بل رجلان»، والثانية تنفي الجنس؛ ~~تقول: «لا رجل في الدار»، فلا يصح أن تعقب بعده بمثل: بل رجلان، فيتضارب أول الكلام ~~وآخره. # وإذا ناقشت هذا الفرق الذي بينوا، لم تجد له ثباتا، ms62 فالشاهدان اللذان رووهما ~~لإعمالهما إعمال ليس لا يفهم منهما إلا نفي الجنس، وكيف يفهم على غيره قول ~~الشاعر: # تعز فلا شيء على الأرض باقيا # وقول الآخر: # فأنا ابن قيس لا براح # وإذا ضاع معنى الشمول في النفي كان المعنى في البيتين لغوا. # ومن العجيب أن النحاة لا شاهد لهم على إعمالها كذلك إلا هذا البيتان: قال أبو حيان: ~~إنه لم يرد من إعمال «لا» عمل ليس صريحا إلا بيت واحد، هو: # تعز فلا شيء على الأرض باقيا # وقد أنكر الأخفش هذا العمل، واتبعه الإمام الرضي، وجعله ابن الحاجب سماعا، ونص ابن ~~هشام في شرح القطر على أنه خاص بالشعر. # فلم نجد في أقوال النحاة ما يصح به التمييز بين مواضع الرفع ومواضع النصب بعد «لا»، ~~والذين أنكروا إعمالها عمل ليس لم ينكروا - ولا سبيل إلى أن ينكروا - أن الاسم بعدها ~~يكون مرفوعا، ولكنهم يعدونها ملغاة؛ ثم لا يعنون ببيان الفارق في المعنى بين ~~الإعمال والإلغاء، ولا بد عندنا من فارق معنوي. # وقد أجهدنا بحث أقوال النحاة في هذا الباب، ومناقشة آرائهم، وتتبع جدلهم، ~~لنظفر برأي مستقيم يصل بين حكم الإعراب ومعنى الكلام فلم نجد. # وتستطيع أن ترى، ونعدك من الآن أن ستجد، هذا الباب مثلا ممثلا تاما للجهاد ~~النحوي العنيف، الذي يعتمد على الفلسفة النظرية، وخاصة فلسفة العامل؛ فتكثر فيه فروض ~~القول، ويستملى من الفلسفة أحكامها؛ على أنه ليس باليد من أقوال العرب إلا النزر ~~اليسير، ومن أجل هذا يكثر الخلاف، ويطول الجدل، ولا فيصل ولا حكم. # وقد رأينا أن نرجع إلى «الكتاب الكريم» لنعلم استعمال هذا الحرف ومعانيه، ونتبين حكم ~~ما بعده، فوجدنا استعماله على ما يأتي. # استعمال «لا» مع الفعل # تستعمل لا مع الفعل أكثر مما تستعمل مع الاسم، ففي سورة «البقرة» وحدها تجيء ~~«لا» في «170» سبعين ومائة موضع، وهي مع الاسم في «54» أربعة وخمسين فقط، ومع الفعل ~~في «116» ستة عشر ومائة. # وتكون مع الفعل ناهية ونافية. # فالناهية: # تدخل على المضارع وحده، ويكون بعدها مجزوما؛ وتجعله في باب ms63 ~~الأمر أكثر تصرفا من فعل الأمر نفسه، ألا تراك تقول: «اقرأ» فإذا ~~أردت النهي قلت: «لا تقرأ»، ولم يكن لك من سبيل إلى استعمال صيغة ~~الأمر، على أنك تقول في المضارع «لتقرأ» و«لا تقرأ»؛ تأمر به ~~وتنهى؟ # والنافية: # تختص بالمضارع أيضا، ولا تدخل على الماضي إلا قليلا، وبشرط أن ~~تتكرر؛ مثل : # فلا صدق ولا ~~صلى ~~(القيامة: 31). # والنافية للمضارع هي أكثر أنواع «لا» استعمالا، ونصف ما ورد في ~~«الكتاب الكريم» من هذا النوع. # ويلاحظ في نفي المضارع، أنك تقول: «لم يتكلم»، فالنفي للماضي، ~~و«ما يتكلم» فالنفي للحال، و«لن يتكلم» فهو للمستقبل، فإذا قلت: ~~«لا يتكلم» كان النفي أوسع وأشمل ففي نفي «لا» معنى الشمول ~~والعموم. # وفي معنى الفعل المضارع شيء من الشمول والاتساع أيضا؛ فالنحاة يقولون: «إنه ~~للحال والاستقبال.» وأقول: «إنه قد يتناول الماضي أيضا.» فمثل: «هو كريم يعطي ~~السائل ويكرم الضيف»، ومثل: # الذين هم يراءون * ويمنعون الماعون ~~(الماعون: 6-7) ليس الحال ~~ولا الاستقبال أولى به من الماضي، وأنا أدعك لفهمك وأطمئن إلى حكمك، وفي القرآن ~~الكريم: # واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان ~~(البقرة: 102) قدر النحاة له «كانت تتلو» ورووا قول ~~الشاعر: # جارية في رمضان الماضي # تقطع الحديث بالإيماض # فقدروا له «كانت» أيضا، ومهما قدروا فلن يدفعوا أن المضارع قد أفاد هذا المعنى ~~وصوره دون أن يذكر ما قدروه. # وقد يدل المضارع على ما صار بمنزلة الطبيعة أو العادة، فيتسع ولا يتقيد بزمن، ~~وذلك في الكلام كثير. # ومن شمول المضارع أيضا أنه يدل على ما يتجدد ويتكرر كما قالوا في بيت ~~الشاعر: # أوكلما وردت عكاظ قبيلة # بعثوا إلي عريفهم يتوسم؟! # لذلك ناسب المضارع النفي «بلا» فاختصت به، وامتنع أن تنفي الماضي حتى يكون فيه ~~معنى الاستقبال، أو حتى تتكرر ليكون في التكرار معنى من الشمول. # استعمالها مع الاسم # واستعمال «لا» مع الاسم أقل من استعمالها مع الفعل كثيرا، وقد أشرنا إلى ذلك من ~~قبل، ونرى في سورة «كالإسراء» مثلا أن «لا» تستعمل مع المضارع في ثلاثين موضعا ~~ولا نجدها مع ms64 الاسم إلا في موضع واحد، وهي فيه تأكيد لنفي فعل سابق، # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون ~~كشف الضر عنكم ولا تحويلا ~~(الإسراء: 56). # ونجدها مع الاسم، تشابه استعمالها مع الفعل وتسايره فتجيء مفردة ومكررة، أما ~~المفردة فلا تليها إلا نكرة، وأكثر ما تكون هذه النكرة مصدرا أو في معنى المصدر؛ ~~مثل: # ذلك الكتاب لا ريب فيه ~~(البقرة: ~~2)، # لا علم لنا إلا ما علمتنا ~~(البقرة: 32، المائدة: 109)، # فلا عدوان إلا على ~~الظالمين ~~(البقرة: 193)، # لا إكراه في ~~الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام ~~لها ~~(البقرة: 256)، # لا تبديل لكلمات ~~الله ~~(يونس: 64)، # لا تثريب ~~عليكم ~~(يوسف: 92)، # وإذا أراد الله ~~بقوم سوءا فلا مرد له ~~(الرعد: 11). # وقد يليها وصف مشتق؛ مثل: # إن ينصركم الله فلا ~~غالب لكم ~~(آل عمران: 160)، # ولا مبدل ~~لكلمات الله ~~(الأنعام: 34)، # من يضلل ~~الله فلا هادي له ~~(الأعراف: 186)، # وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله ~~(يونس: 107). # ويندر أن يجيء بعدها اسم جنس مثل: # لا إله إلا ~~هو ~~(2، 6، 18 من آل عمران)، ويتكرر هذا المثال في القرآن الكريم، ~~ولكن يندر أن يجيء نظيره، وأندر منه أن يليها جمع مثل: # إنهم لا أيمان لهم ~~(التوبة: 12). ومن السبعة من قرأه: ~~«لا إيمان لهم.» بالكسر في همزة إيمان. # وتجد من المشابهة بين هذا الاستعمال وبين استعمالها مع المضارع أوجها: # أولها: # أن المصدر والمشتق يشبه الفعل مشابهة لا تخفى. ولقد عد نحاة ~~الكوفة المشتق - اسمي الفاعل والمفعول - نوعا من الفعل. # الثاني: # التنكير، وقد علمت ما في المضارع من معنى العموم والشمول. # الثالث: # أن الاسم بعد «لا» يغلب أن يتبعه ظرف يتعلق به: ولا يذكر بعده ~~الخبر. وقد لحظ النحاة هذا، فقالوا: إن لا النافية للجنس يكون ~~خبرها محذوفا أبدا عند الطائيين، وغالبا عند الحجازيين. # وأما إذا كررت «لا» فإن الاسم بعدها يكون معرفة ونكرة - أي نوع من المعارف، ~~وأي نوع من النكرات - وقد يكون الاسمان نكرة ومعرفة، ms65 أو يكون اسم يعادله فعل، ~~وتكرار «لا»، لا يجيء قليلا ولا عرضا، بل هو أسلوب من أساليب استعمالها كما ~~تستعمل «أما»، ومن أمثلته: # ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ~~(البقرة: 112، 262، 277). # لا بيع ~~فيه ولا خلة ولا شفاعة ~~(البقرة: 254). # والاسم بعدها حين التكرار منون. # وقد تبين لنا أن «لا» تنفي نفيا عاما مستغرقا في الفعل وفي الاسم، فإذا كانت ~~في نفي الاسم مفردة فإنه يشار إلى الاستغراق بالتزام التنكير وعدم التنوين، وإذا ~~كانت مكررة كفى التكرار في الدلالة على ما يراد من الشمول والاستغراق. # هذا معنى «لا» وطريق استعمالها، أما إعراب الاسم بعدها، فإنه إذا كان مرفوعا بعد ~~«لا» المكررة، فوجهه واضح؛ لأنه متحدث عنه حقه الرفع، وليس إعرابه بمحل خلاف وجدل ~~عند النحاة، ولا هو بموضع نظر عندنا، ولا شيء من المعارضة بينه وبين الأصل الذي ~~قررنا. # أما الاسم المنصوب فهو الذي يعنينا وجه إعرابه الآن، ويبدو أول الأمر أنه متحدث ~~عنه، وأنه صدر جملة اسمية تامة، والمتأمل يرى غير هذا، فإنه ليس بعده من خبر، ولا ~~شيء يتحدث به، تقول: لا ضير، ولا فوت، ولا بأس. فيتم الكلام، ويقدر النحاة الخبر ~~محذوفا: أي موجود أو حاصل؛ وهو لغو. لا يزيد تقديره في المعنى شيئا. وما يذكر بعد ~~هذا الاسم من الظروف ليس خبرا له؛ لأنه يحذف ويتم الكلام دونه، تقول: «لا ريب»، ~~و«لا ريب في هذا القول»، و«لا ريب عندي في شيء منه»، وكل ما زدته فهو بيان وتكملة، ~~والجملة الأولى وهي: «لا ريب» تم بها المعنى. # والآية الكريمة: # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين ~~(البقرة: 2) يقف بعض القارئين عند # لا ريب ~~، ويبدأ: # فيه هدى ~~، وبعضهم ~~يقف عند # لا ريب فيه ~~، والكلام في كلا الأمرين ~~تام، وليس كذلك الخبر. # وآية # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم ~~(هود: 43) لا تجد فيها ما يصح أن يكون خبرا على طول الكلام، ~~وأصل الجملة # لا عاصم # وكل ما بعدها بيان يكمل به ~~المعنى، ولكنه لا يهدر بحذفه حتى يكون ms66 الكلام بلا فائدة. # ويتكلف النحاة جعل هذه الظروف أخبارا، وليس بالوجه. وفي إعراب «لا إله إلا الله» ~~يجعل بعض النحاة خبر «لا» هو ما بعد أداة الاستثناء، ويجعلونه نظير # وما محمد إلا رسول ~~(آل عمران: 144) مثلا. ~~وبين الجملتين فارق بعيد؛ وذلك أنك تقف عند «لا إله» فتتم الجملة ولو أن معناها ~~الكفر، ولو أنك وقفت على # وما محمد # لما أفدت ~~شيئا ما، وإذن فالاسم بعد «لا» في هذا الاستعمال ليس بمتحدث عنه، وحقه من الحركات ~~الفتحة، ولا شيء فيه من الإشكال. # والذي عوص الأمر على النحاة ما قرروه من أن كل جملة يجب أن تشمل مبتدأ وخبرا، ~~أو فعلا وفاعلا، ولم يعرفوا الجملة الناقصة. ويرونها في النداء مثل: «يا محمد» ~~و«يا علي» فيقدرون أدعو محمدا، أو أدعوك محمدا، ولا وجه لهذا التقدير، ولا هو مع ~~المعنى، وكذلك: تحية وسلاما، وصبرا وشكرا. يقدرون الفعل لإعراب الاسم المذكور ~~ولا وجه له. وإنما هي جملة ناقصة، والاسم استعمل عن الفعل فصار منصوبا، ومنه ~~عندنا ما نحن فيه من مثل: لا بأس ولا ضير. # فهذا توجيه الإعراب، أما التنوين فإنه سيجيء في بحثنا هذا باب خاص له، ولكنا نعجل ~~لك منه ما يختص بهذا الموضع. # التنوين هو علامة التنكير، والعرب يقصدون في التنكير إلى الواحد من كثير، والفرد ~~الشائع في أفراد. # فإذا قصد إلى الإحاطة وإلى جميع الأفراد، فهو عندهم من مواضع التعريف، وهذا معنى ~~«ال» الجنسية، فالاسم بعد «لا» إذا كانت للجنس بمنزلة المعرف تعريف الجنس، فيحذف ~~منه علم التنكير وهو التنوين. # ومن النحاة من يرى السبب في بناء هذا الاسم هو معنى الاستغراق، ومنهم من يقول: ~~إنه تضمن الاسم معنى «من» المحذوفة. # هذا يرينا أن النحاة لاحظوا ما بين معنى الاستغراق وحذف التنوين من صلة، وقد ~~بينا لك صلة ما بين الاستغراق والتعريف عند العرب. والله أعلم. ~~(2) باب ظن # ومن الأبواب ذات الوجهين باب «ظن». # فالنحاة يقررون أن أفعال القلوب من هذا الباب تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ ~~والخبر، وأنها قد يعتريها «الإلغاء» ms67 و«التعليق». # والإلغاء أن يهمل الفعل فلا ينصب شيئا من المفعولين؛ وذلك أنه قد يتأخر عن ~~المعمولين؛ فتقول: زيد ذاهب ظننت، ويجوز إذن أن تنصب الاسمين والفعل عامل، أو ترفعهما ~~والفعل ملغى، وإلغاء الفعل ورفع الاسمين هنا أولى. # وقد يتوسط المعمولين، فتقول: زيد ظننت ذاهب. ويجيز النحاة هنا الإعمال والإلغاء ~~أيضا، ثم يختلفون في أي الوجهين أولى، فجمهورهم يرى أن الوجهين على السواء، ومنهم من ~~يرجح الإعمال. # أما إذا قدمت الفعل على الاسمين وجريت على الأسلوب الغالب، فقلت: ظننت زيدا ~~ذاهبا، فالإعمال ونصب الاسمين واجب على مذهب البصريين. وأجاز الإلغاء ورفع الاسمين في ~~هذه الحالة أيضا الكوفيون والأخفش من متقدمي البصريين، وابن الطراوة وأبو بكر الزبيدي ~~من نحاة الأندلس، فهذا ملخص قولهم في الإلغاء. # أما التعليق، فهو أن يتقدم الفعل ويتأخر الاسمان، ولكن يصحبهما أداة من أدوات ~~الصدارة التي تحجب ما قبلها أن يعمل فيما بعدها؛ مثل: لام الابتداء، و«ما» و«إن» ~~النافيتين. # ويفرقون بين الإلغاء والتعليق بأن الإلغاء في كل مواضعه جائز، فحيث ألغيت الفعل ~~جاز لك إعماله، أما التعليق فواجب متى تحقق سببه، فليس لك أن تعمل الفعل وقد ~~علقته أداة نفي أو استفهام. ويفرقون بينهما بفرق آخر واضح فيه التكلف، فيقولون: إن ~~الفعل الملغى لا يعمل في اللفظ ولا في المحل، أما المعلق فإنه يحجب عن العمل في اللفظ ~~ويبقى عاملا في المحل، وتفصيل ذلك وما فيه من خلاف وجدل، قريب لمن شاء أو يرجع إليه ~~في «باب ظن» من الكتب الموسعة. # وتفسير هذه الأوجه كلها على الأصل الذي ذهبنا إليه قريب إن شاء الله. # وذلك أنك تقول: ظننت زيدا ذاهبا، فيتجه همك قصدا وابتداء إلى الإخبار بأنك ظان ~~أمرا، فأنت تتحدث عن نفسك في ذلك، وما الاسمان بعد ظن إلا تكملة وبيان لما تعلق به ~~الظن؛ فحكم الاسمين إذن النصب، وليس فيهما من متحدث عنه فيرفع. # ويشهد لما قررناه تصريح النحاة بأن الاسمين بعد هذه الأفعال قد صارا فضلة، وأنه يجوز ~~حذفهما اقتصارا، والاستغناء عنهما معا، ومن أمثلته: ms68 «من يسمع يخل»، و # أعنده علم الغيب فهو يرى ~~(النجم: 35)، # إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ~~(النحل: 74)، # إن نظن إلا ظنا وما نحن ~~بمستيقنين ~~(الجاثية: 32). # وقد يكتفى عن الاسمين باسم واحد، قال الإمام الرضي: # 2 ~~«إنه يجوز في «رأى» من الرأي أن تنصب مفعولين أو واحدا ؛ مثل: رأى أبو ~~حنيفة حل كذا، أو: رأى أبو حنيفة كذا حلالا.» ا.ه. قال الصبان: # 3 ~~«وهذا صريح في جواز استعمال أفعال هذا الباب متعدية إلى واحد هو مصدر ثاني ~~الجزئين مضافا إلى أولهما من غير تقدير مفعول آخر؛ لأن هذا المصدر هو المفعول به في ~~الحقيقة.» ا.ه. وعبارة أبي العباس المبرد في هذا أدق وأبين، قال: # 4 ~~«ألا ترى أنك إذا قلت: ظننت زيدا أخاك فإنما يقع الشك في الأخوة، فإن ~~قلت: ظننت أخاك زيدا أوقعت الشك في التسمية؟! وإنما يصلح التقديم والتأخير إذا كان ~~الكلام موضحا عن المعنى.» ا.ه. # فلا خلاف بين النحاة في أن الجملة بعد ظن قد فقدت ما فيها من الإسناد وصار جزءاها ~~فضلة يتم بهما ما قبلهما من الكلام. # وقد يكون من هم القائل أن يقول: «زيد ذاهب» يقصد أولا إلى الإخبار بهذا والحديث ~~عن زيد، ثم يقول: هذا ظني، أو أظن، أو ظننت. فهنا كلامان، وحكم الاسمين على أصلنا ~~الرفع، وأسلوب الكلام أن يتأخر الفعل ويتقدم الاسمان، فيجيء ترتيب اللفظ في النطق على ~~ترتيب المعنى في النفس، وخطوره بالفكر، على أنه يمكن أن يفهم هذا مع المتوسط أيضا؛ إذ ~~تقول: زيد أظن ذاهب. # وهذا هو تفسير سيبويه لمعنى الإلغاء في كتابه، قال في «باب الأفعال التي تستعمل ~~وتلغى»: «وكلما أردت الإلغاء فالتأخير أقوى ... وإنما كان أقوى؛ لأنه إنما يجيء بالشك ~~بعدما يمضي كلامه على اليقين، أو بعدما يبتدئ وهو يريد اليقين، ثم يدركه الشك، كما ~~تقول: «عبد الله صاحب ذاك، بلغني» وكما قال: «من يقول ذلك؟ تدري؟» فأخر ما لم يعمل في ~~أول كلامه، وإنما جعل ذلك فيما بلغه بعدما مضى كلامه على اليقين وفيما يدري، فإذا ms69 ابتدأ ~~كلامه على ما في نيته من الشك أعمل الفعل قدم أو أخر، كما قال: زيدا رأيت، ورأيت ~~زيدا. وكلما طال الكلام ضعف التأخير إذا أعملت.» ا.ه. # وقد يفهم هذا المعنى مع تقديم الفعل، إذا بدا في الكلام ما يدل على استقلال الثاني ~~بالحديث والقصد إلى الإخبار، كما تقول: ظننت لزيد ذاهب. ولولا أن استقلال الثاني من ~~غرض المتكلم كان وجيها أن يؤكد الكلام بعد فعل يدل على معنى الشك أو الرجحان، فقد ~~سيق القول مساق التأكيد والتحقيق، ثم قيل: إن هذا مبلغ ظني، وجهد رأيي. وهذا ~~التفسير قد تردد في كلام سيبويه في مواضع من كتابه. # وما ورد من الرفع بعد ظن فهو على هذا، والكلام فيه كلامان. وما الأدوات التي ~~عدها النحاة معلقة للفعل عن العمل إلا دلائل على أن الكلام الثاني مستقل يقصد إلى ~~الإخبار به، فيذكر معه ما يشهد بابتداء الكلام واستئنافه، وأنه لم يجئ بمنزلة اللاحق ~~وإن جاء في اللفظ متأخرا. # فهذا تفسير كلام النحاة وما قالوه في الإلغاء والتعليق، على وجه يغني عن كثرة ~~الاصطلاح وتعديد الأقسام، ويريح من كثير من الخلاف، ثم هو يرسل حكم الإعراب واحدا ~~مستقيما، غير مردد ولا مضطرب. # فليس لنا من موضع نجيز فيه الرفع والنصب، أو نفضل أحد الوجهين على صاحبه، وإنما هو ~~المعنى الذي يراد بيانه يوجب سبيلا واحدا مخصصا للأداء. ~~(3) باب الاشتغال # الموضع الثالث من المواضع التي ردد النحاة فيها الحكم بين النصب والرفع باب ~~الاشتغال. وهو باب دقيق عويص، وعر النحاة فيه البحث وأكثروا الخلاف. # وأصل هذا الباب أنك تقول: لقيت زيدا، فزيد منصوب وهو مفعول «لقيت» كما يعرب النحاة، ~~ولك أن تقدم «زيدا» لسبب ما من أغراض التقديم، فتقول: زيدا لقيت، أو زيدا لقيته، ~~وهذا التركيب الأخير وحده هو موضع الاشتغال ولأجله خلق الباب، وأطيلت أبحاثه. # والعقبة التي لوت طريق النحاة، هي أن الفعل قد نصب الضمير واستوفى بذلك عمله، فليس ~~له أن ينصب الاسم المتقدم بعد ما شغل بضميره، واضطروا بحكم نظرية العامل ms70 وحكم ~~فلسفتهم فيها، أن يقدروا لنصب هذا الاسم عاملا محذوفا واجب الحذف، يفسره الفعل ~~المذكور، وتقدير الكلام عندهم: «لقيت زيدا لقيته.» # والفعل المقدر يسمى: «المضمر على شريطة التفسير» والفعل المذكور في الكلام ~~يسمى: «المشغول أو المفسر»، والضمير المتصل به يسمى: «الشاغل». # والاسم المتقدم يسمى : «المشغول عنه أو المحدود»، والباب كله «باب ~~الاشتغال». # والأصل عندهم في الاسم المحدود أنه يجوز فيه وجهان: الرفع والنصب. والرفع راجح لأنه ~~لا يحوج إلى تقدير فعل، والنصب مرجوح لحاجته إلى فعل مقدر، ثم قد يعرض للكلام ما يجعل ~~النصب مختارا، أو يوجب أحد الوجهين. # ويهمنا أن ندرس مواضع ترديد الحكم بين النصب والرفع، وقد علمت موضع اختيارهم للرفع. ~~وأما اختيارهم للنصب ففي المسائل الآتية: # الأولى: # أن يكون الفعل دالا على الطلب بصيغته كفعل الأمر، أو بأداة يقترن ~~بها كالمضارع بعد لام الأمر ولا الناهية. # الثانية: # أن يقع الاسم بعد أداة، الغالب أن يليها فعل، وذكروا منها أدوات ~~الاستفهام غير «هل»، وأدوات النفي: «ما»، و«لا»، و«إن». على خلاف في ~~بعضها. # الثالثة: # أن يقع الاسم جوابا لاستفهام منصوب؛ مثل: زيدا لقيته، في جواب: ~~من لقيت؟ أو يقع الاسم بعد عاطف على جملة فعلية سابقة، ولم يفصل ~~بين الجملتين بأما؛ مثل: أدنيت زيدا وعمرا أقصيته، فإذا جئت ~~بأما كان الرفع المختار، وقلت: أدنيت زيدا وأما عمرو ~~فأقصيته. # هذا مجمل ما فصلوا، وأعفيناك من خلاف وجدل عنيف، أما تفسير هذه الأحكام كلها على ~~ما ذهبنا إليه فقريب؛ وذلك أنك إذا أردت بالاسم المتقدم على الفعل في مثل: «زيد ~~رأيته» أن يكون متحدثا عنه مسندا إليه، فليس إلا الرفع، والاسم آت في موضعه من ~~الكلام؛ وإذا أردت أن هذا الاسم إنما سيق تتمة للحديث وبيانا له لا متحدثا عنه، ~~فالحكم النصب، تقول: «زيدا رأيته»، وقد تقدم الاسم عن موضعه، وخولف به ترتيبه ~~لغرض أو لمعنى قصد إليه المتكلم من معاني التقديم. # ووجه الكلام في الحالة الأولى أن تقول: «زيد رأيته» تذكر الضمير، وربما جاز «زيد ~~رأيت» بحذفه لأنه مفهوم، ولأنه ms71 - كما يقول النحاة - فضلة. # ووجه الكلام في الحالة الثانية أن تقول: «زيدا رأيت» ولك أن تقول: «زيدا رأيته» ~~بذكر الضمير زيادة في البيان. وقد قال سيبويه في مثل «زيد رأيته»: «النصب عربي كثير، ~~والرفع أرجح.» وما بيناه يوافق قوله، ويشرح سببه، ويفصل وجه الدلالة في كل من ~~الإعرابين. # أما المواضع التي يرجح النحاة فيها النصب، فأولها أن يكون الفعل دالا على الطلب، ~~وقد علمت أن الطلب لا يكون خبرا، ووردت الجملة الطلبية قليلا في الخبر، فتأول ~~النحاة معناها إلى الخبر، فالحكم هنا النصب؛ لأن الاسم ليس بمتحدث عنه، وليس بعده من ~~حديث. # وقد اضطرب النحاة أمام الآيات الكريمة: # والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~(المائدة: 38)، # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة ~~(النور: 2) وذلك أن الفعل للطلب، والمختار في الاسم قبله ~~النصب على مذهب النحاة، وقد ورد مرفوعا في الآيتين. واتفق القراء السبعة على القراءة ~~بالرفع، فذهب النحاة يتأولون ويختلفون في التأويل والتوجيه من غير أن يبدلوا حكمهم، ~~ثم ذهب ابن السيد وابن بابشاذ إلى اختيار الرفع في مثل الآيتين، وهو ما كان الطلب فيه ~~عاما غير خاص، مع اختيار النصب في الخاص مثل «زيدا اضربه». وهذا الرأي هو الحق ~~عندنا؛ وذلك أن فعل الأمر إذا أريد به معنى عام وقع في معنى التشريع، وكان حكما ~~قياسه الخبر، وكان الاسم المتقدم متحدثا عنه حكمه الرفع كما بينا. # ففي آية: # والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما # قانون عام هو - والله أعلم: والسارق والسارقة جزاؤهما قطع ~~أيديهما. وإنما صيغ الخبر بصيغة الأمر لنوع من التشديد والحث على التنفيذ، وهو أسلوب ~~عربي صحيح شائع سائغ. # وهذا التأويل واضح من كلام سيبويه في الآية؛ إذ قال: إن المعنى والسارق والسارقة من ~~الفرائض يتلى عليكم حكمهما. وقد رضي النحاة تأويل سيبويه، ثم رفضوا مذهب ابن السيد، ~~والثاني من الأول. # الموضع الثاني: أن يكون الاسم بعد أداة الغالب فيها أن يليها فعل، وذلك بعد همزة ~~الاستفهام وما ولا النافيتين، واختلفوا في إن النافية، فسيبويه يرى الرفع بعدها أولى ~~لكثرة ms72 دخولها على الجمل الاسمية، والجمهور يسوونها بما ولا، واختلفوا كذلك في أخوات ~~الهمزة من كلمات الاستفهام غير هل. # والأدوات التي ذكروا يغلب أن يقع معناها على الحدث فيتبعها الفعل المتحدث به لا ~~الاسم المتحدث عنه. # ونحن هنا لا نرى جواز النصب والرفع وترجيح النصب، بل نقول: إذا كان المعنى أن تخبر ~~بالفعل وتتحدث به عن فاعله فالحكم النصب، وإذا كان التحدث عن الاسم فالحكم الرفع. وبذلك ~~قال ابن الطراوة من علماء الأندلس، فعنده أن الاستفهام بالهمزة إذا كان عن الاسم، ~~فالرفع واجب؛ مثل: أزيد ضربته أم عمرو؟ وإذا كان عن الفعل فالنصب؛ نحو: أزيدا أكرمته ~~أم أهنته؟ وسبيل الكلام في هذا الموضع: أأكرمت زيدا أم أهنته، فقدم «زيد» من ~~تأخير. وأنت تعلم حرية الجملة العربية وتصرف العرب في تأليفها لما يريدون من ~~المعاني الدقيقة الخاصة. # فهذه الأداوت إنما ترشد إلى حكم الاسم بعدها بقدر ما تبين عنه، من أن السياق لفعل ~~يتحدث به أو اسم يتحدث عنه، وذلك هو مناط الحكم، وإذا رجعت إليه وجدت الفصل في ~~كثير من الخلاف والجدل العنيف. # والموضع الثالث: استمده النحاة من المماثلة اللفظية بين الجمل وانسجام التأليف، فإذا ~~كان الاستفهام السابق أو الحديث المتقدم قد وقع بجملة فعلية، فمن حق الانسجام أن يكون ~~الجواب أو الجملة التالية فعلية. وهذا الانسجام من نظم العربية التي لا يمارى فيها، ~~بل هو أوسع كثيرا مما لمح النحويون. فإذا كان من غرض المتكلم أن يقطع كلامه ويأخذ ~~في حديث جديد فصل الكلام «بأما» وكان الحكم بعدها الرفع. # فقد ترى كيف جمعت الأحكام المتشعبة في هذا الباب إلى أصل واحد نظمها جميعا، ~~ووحد الحكم، وفصل في أوجه الخلاف، وميز بينها تمييزا يعتمد على قرار مطمئن ~~ثابت؛ وذلك بأنه وصل بين حكم اللفظ وبين المعنى، وأبان عن سر العربية في تأليف الكلم ~~والتصرف فيها. # وربما عددت أنا أطلنا في بيان هذا الباب وتفصيل أحكامه، فإن يكن قد بدا ذلك لك، ~~فإنا نخشى أن تكون بعيد العهد بأبحاث الباب، ونرجو أن ms73 تعود إليه لتذكر ما فيه من خلاف ~~وجدل، ومن أمثلة فرضت على العربية، وأحكام ضربت عليها، وستعلم بعد مقدار ما ~~أوجزنا ومبلغ ما يسرنا، والله المستعان. ~~(4) المفعول معه # ومن الأبواب التي ردد النحاة فيها الحكم بين النصب وغيره «باب المفعول معه»، ومن ~~أمثلته المشهورة: «سرت والنيل» و«جاء البرد والطيالسة» و«استوى الماء ~~والخشبة». # ويردد النحاة الاسم التالي لهذه الواو، بين أن ينصب مفعولا معه، أو يعرب ~~معطوفا على ما قبله. ويقولون: يترجح النصب إذا تقدم الاسم فعل أو شبهه، وكان في العطف ~~ضعف، وذلك مثل: قمت وزيدا. فإن ضمير الرفع المتصل لا يعطف عليه حتى يليه فاصل، ~~فتقول: قمت أنا وزيد. # ويترجح العطف إذا لم يسبق الاسم فعل؛ مثل: كيف أنت وزيد؟ وما أنت وزيد؟ وإذا لم يكن ~~في العطف ضعف؛ مثل: قمت أنا وزيد. # وهم يطبقون في مثل: «كيف أنت وزيد؟» على ترجيح الرفع، وضعف النصب؛ لأن الاسم لم ~~يتقدمه فعل مع أن لكل من التركيبين معنى خاصا، وموضعا لا يليق به صاحبه، فإذا قلت: ~~«كيف أنت وأخاك؟» بالنصب، فإنك تسأل عن صلة الاثنين، وتضع هذا التركيب حين يكون بينهما ~~من الأمر ما هو جدير بالاستخبار، وموضع للمسألة. # أما «كيف أنت وأخوك؟» فإنه استخبار عن الاثنين يمكن أن تطنب فيه، فتقول: كيف أنت ~~وكيف أخوك؟ وسمع النحاة من العرب: «كيف أنت وقصعة من ثريد؟» بالنصب فضعفوه وقالوا: # 5 ~~«بل الأكثر الرفع، ومن نصب فإنما قدر الضمير فاعلا لمحذوف لا مبتدأ، ~~والأصل: كيف تصنع؟ فلما حذف الفعل وحده برز الضمير وانفصل.» # وإنما أولجهم هذا المأزق أصلهم في فلسفة العامل، وقولهم: إن المفعول معه إنما ~~ينصب «بما من الفعل وشبهه سبق.» فإذا لم يكن قبله فعل أو شبهه لم ينصب، وكانت ~~الواو عاطفة، وإذا ورد عن العرب ما هو منصوب مما لم يسبقه عامل، فإنما ذلك لأن العرب قد ~~نوت العامل وطوته فوجب تقديره، على أنهم في سبيل الوفاء بأصلهم قد أغفلوا المعنى، ~~وأضاعوا فرق ما بين إعراب وإعراب، ووضع ووضع. # وكذلك ms74 الحال بعد الاستفهام «بما» يروون لأسامة الهذلي: # فما أنا والسير في متلف # بنصب السير؛ فيجيزون الرفع ويختارونه، ويضعفون النصب، ويقدرون له: ما أكون ~~والسير؟ ومثله في هذا قول مسكين الدارمي: # فما لك والتلدد حول نجد # وقد غصت تهامة بالجنود؟! # وليس المعنى في البيتين إلا على النصب؛ لأن الاستفهام وما فيه من استنكار أو تعجب، ~~إنما هو لما بين الاثنين، ولا يصوره أن يجيء الاسم رفعا؛ لأنه إذن لا يؤدي معنى ~~المصاحبة، وإذا بطلت بطل الاستفهام كله، وضاع ما فيه من معنى. # ويروون بيت المخبل السعدي في الزبرقان: # يا زبرقان أخا بني خلف # ما أنت - ويب أخيك - والفخر # فيرتضون الرفع ويجيزون النصب أيضا، وليس فيه إلا الرفع ليدل على معناه، فإنه ~~استفهامان، كأنه قال: ما أنت وما الفخر، ولا يصور هذا إلا العطف، كما ترى في قول ~~الآخر: # تكلفني سويق الكرم جرم # وما جرم؟ وما ذاك السويق؟ # فهذا فرق ما بين الإعرابين، ولكل موضع. أجل؛ إنه فرق دقيق، ولكنه حق يجب أن ~~يفطن له ليفهم الكلام على وجهه وليسلك به سبيله. # وفصل القضية في هذا الباب، أنك إذا أردت معنى المصاحبة، وكانت الواو في معنى «مع» وجب ~~النصب، وكان ذلك سائرا مع أصلنا، فإن الاسم بعد هذه الواو من تمام الحديث، ليس بمتحدث ~~عنه ولا بمضاف إليه، فحكمه النصب، وإذا لم ترد معنى المصاحبة أو المعية - كما هو ~~الاصطلاح - فإنها واو العطف. # على أن هذا الرأي قد صرح به بعض المحققين من النحاة. قال الرضي في شرح الكافية في ~~مناقشة بعض مواضع المفعول معه ما نصه: «الأولى أن يقال: إن قصد النص على المصاحبة وجب ~~النصب، وإلا فلا.» # وقريب منه ما نقل عن الإمام بدر الدين الإسكندري الدماميني، ونقله الصبان في حاشيته ~~على الأشموني، والخضري في حاشيته على ابن عقيل، ونصه من الخضري: «واعلم أن المعنى ~~يختلف بالرفع والنصب؛ لأن النصب نص في المعية، والرفع لمطلق الجمع، كما هو شأن الواو ~~العاطفة، فكيف يرجح العطف مع اختلاف المعنى؟ فالوجه أن يقال: ms75 إن قصدت المعية ~~نصا فالنصب، أو بقاء الاحتمال والإبهام فالرفع، أو لم يقصد شيء جاز الأمران، ~~ولعل هذا الأخير محمل كلامهم. ا.ه. دماميني.» # وما قوله الأخير: «أو لم يقصد منه شيء» إلا تمحل ليجد لكلام القوم محملا، ألا ~~تراه يختتم كلامه بقوله: «ولعل هذا الأخير محمل كلامهم»؟ # | الصرف # التنوين الذي يلحق الاسم المعرب يسمى صرفا، والاسم المنون مصروفا أو منصرفا، ~~وهذا التنوين يعده النحاة دليلا على تمكن الاسم في باب الاسمية تمام التمكن؛ وذلك أنهم ~~قسموا الاسم إلى ثلاثة أقسام: ~~(أ) # اسم غير متمكن، وهو الذي أشبه الحرف فبني. ~~(ب) # ومتمكن غير أمكن، وهو الذي أشبه الفعل فمنع من الصرف. ~~(ج) # ومتمكن أمكن، وهو الذي خلص من شبه الحرف، وخلص من شبه الفعل، واستوفى حقوق ~~الاسم فأعرب ونون. # فالأصل عند النحاة أن التنوين حق كل اسم معرب، وأن معناه الدلالة على تمكن الاسم في ~~بابه كل التمكن، وأنه لا يمنع منه، حتى يتحقق فيه شبه الفعل بأوجه من الشبه، بينوها ~~وسموها «موانع الصرف». # ومن قبل أن نناقش رأي النحاة في هذا، نشير إلى الأصل الذي رأينا؛ ليتمثل لك الرأيان ~~إجمالا، ثم نأخذ معا في درس المذهبين ومناقشتهما. # والقاعدة التي نضعها لهذا الباب مستمدة من الأصل الذي قررنا في بحثنا هذا، وهو أن ~~العرب تدل بهذه الخواص على معان يقصدون إليها في الكلام، فللتنوين معنى يجب أن ~~نتبينه. # ومعنى التنوين غير خفي، فهو علامة التنكير، وقد وضعت العرب للتعريف أداة تدخل أول الاسم، ~~هي «ال»، وجعلت للتنكير علامة تلحقه، وهي التنوين. وسترى اطراد هذا الحكم وتحققه فيما ~~ينصرف من الأسماء وما لا ينصرف، وسيكون أوسع شقة للخلاف بيننا وبين النحاة في «العلم»؛ ~~فهم يرون أن حقه التنوين وأنه لا يحرمه، حتى تتحقق فيه علتان من موانع الصرف، ونرى أنه ~~لا ينون كما لا ينون غيره من المعارف، ولا يدخله علم التنكير حتى يكون فيه نصيب من ~~معنى التنكير، كما سترى. # والآن حين نأخذ في تمحيص كل وجه ونسوق أدلته، قالوا: إن ms76 الأصل في منع الاسم من الصرف شبهه ~~بالفعل، وإن ذلك يتحقق بوجود علتين في الاسم: إحداهما ترجع إلى المعنى والثانية ترجع إلى ~~اللفظ، أو بوجود علة واحدة تقوم مقام العلتين: # والعلة التي تجزئ عن العلتين نوعان: ألف التأنيث ممدودة أو مقصورة، وصيغة منتهى ~~الجموع. # والعلة المعنوية هي العلمية أو الوصفية. # والعلل اللفظية هي: العجمة، والتركيب المزجي، والتأنيث، والعدل، وزيادة الألف والنون، ~~ووزن الفعل. # فالعلمية تمنع من الصرف مع أي واحدة من هذه العلل اللفظية، والوصفية تمنع مع العدل، ~~وزيادة الألف والنون، ووزن الفعل. هذا ملخص قولهم. # 1 # أما تعليلهم منع الصرف بمشابهة الفعل، فلو صح لكان أولى الأسماء بالمنع من الصرف ~~الأسماء المشتقة، من اسم فاعل واسم مفعول، فهما يسايران الفعل في هيئته وفي معناه، حتى ~~عدهما جماعة من النحاة نوعا من أنواع الفعل. # 2 # وإذا تتبعنا بالنقد العلل التي جعلوها سببا في تحقق المشابهة بين الاسم والفعل، وجدنا ~~منها ما لا يكون في الفعل، وما حقه أن يباعد بين الاسم والفعل، لا أن يقرب بينهما. فالعلمية ~~من أخص صفات الاسم وأبعدها عن الفعل، والعجمة والتركيب المزجي من حقهما أن يبعدا الكلمة عن ~~شبه الفعل، فإن الكلمة الغريبة قد تنقل إلى اللغة وتستعمل اسما أو علما، ولكنها لا ~~تسلك مسالك الفعل حتى تصاغ صوغ الأفعال فيها وتخضع لتصريفها، وذلك ما لا يكون للكلمة حتى ~~يكرر استعمالها، وتنسى عجمتها، وتسلك مسلكا يؤهلها في اللغة الجديدة. فأولى بالعجمة ~~أن تكون عنوان الاسمية لا الفعلية. # وقد لاحظ النحاة هذه المفارقة في عللهم، وأن منها ما يبعد الاسم عن الفعل، ولا يحقق ~~شبهه به، فقالوا: «إن وجه مشابهة الاسم للفعل هنا مجرد الفرعية لا نوعها؛ وذلك أن الفعل ~~فرع على الاسم من وجهين؛ الأول: لفظي، وهو اشتقاق الفعل من الاسم. والثاني: معنوي، وهو حاجة ~~الفعل أبدا إلى فاعل، ولا يكون الفاعل إلا اسما. فهذه العلل التي عددوا، تحقق - كما ~~زعموا - مجرد الفرعية؛ لأن العلمية فرع التنكير، والتأنيث فرع التذكير.» إلى آخر ما قالوا. ~~على ms77 أنهم إذا كانوا قد قصدوا إلى مجرد الفرعية، فلم هذا التحديد؟ وقد لاحظ بعض النحاة أن ~~مثل دريهم فيه فرعية من ناحية اللفظ، وهي صوغه على هذه الصيغة؛ فلفظ دريهم فرع للفظ ~~درهم، وفيه فرعية ترجع إلى المعنى وهي التحقير، فقد تحقق فيه فرعيتان: إحداهما معنوية، ~~والأخرى لفظية، وأشبه بهما الفعل، ولم يمنع من الصرف. # هذا اضطرابهم في التعليل، وضعف مسلكهم فيه، فإذا تركناه وعدناه إلى القاعدة التي وضعوا، ~~وجدناها مضطربة أيضا، فقد ورد من الأسماء ما هو ممنوع من الصرف، وليس به شيء من عللهم: ~~كلفظ «سحر»، إذا أريد به سحر معين. و«أمس»، هو لأقرب أمس غير مصروف، ولأي أمس ~~مصروف، وذكروا مثل هذا في «غدوة» و«بكرة» و«عشية» أيضا (س ج2، ص48-49). وجعل النحاة يفرضون ~~لهذا المنع عللا، ثم يختلفون أنكر الاختلاف فيما يفرضون. # 3 # ورووا كثيرا من الشعر فيه أعلام منعت من الصرف وليس فيها من عللهم غير العلمية؛ ~~كقول الأخطل: # طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت ~~«بشبيب» غائلة الثغور غدور # فمنع شبيبا وهو مصروف، وكقول حسان: # نصروا نبيهم وشدوا أزره ~~«بحنين» يوم تواكل الأبطال # وكقول دوسر: # وقائلة ما بال «دوسر» بعدنا # صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند؟! # وقال الشاعر: # ولسنا إذا عد الحصى بأقلة # وأن «معد» اليوم مود ذليلها # وقال الراجز: # لتجدني بالأمير برا # إذا «غطيف» السلمي فرا # في كثير من هذا، عد ابن الأنباري منه نحو عشرين شاهدا في كتابه «الإنصاف»، # 4 # وروى جملة منها ابن جني في كتابه «سر صناعة الإعراب»؛ # 5 # حتى جعل الكوفيون العلمية وحدها علة تستقل بمنع الصرف. # فهذه مواضع تشهد بقصور عللهم، وعدم إحاطتها، وليست من الشذوذ والندرة بحيث يصح إغفالها ~~والإغضاء عنها لتطرد القاعدة. وقد أجاز قوم - منهم أحمد بن يحيى ثعلب - منع صرف المصروف ~~اختيارا؛ ومعنى هذا تحطيم القاعدة كما ترى. # وفي عكس ذلك ترى الاسم قد استوفى علة المنع على ما شرطوا وهو مصروف. ~~(أ) # فعمر وأمثاله، مما يمنع للعلمية والعدل، ورد كثيرا مصروفا حتى رفض بعض ~~النحاة ms78 منعه وقالوا بصرفه، وللمرحوم الشنقيطي في هذا رسالة سماها «عذب المعل في ~~صرف ثعل». ~~(ب) # وإمام الكوفة الفراء، روى عن العرب صرف «ثلاث، ورباع»، مما رأوا منعه ~~للوصفية والعدل أيضا. ~~(ج) # وأجاز قوم صرف الجمع الذي لا نظير له اختيارا، ورجز به راجزهم، # 6 # قال : # والصرف في الجمع أتى كثيرا # حتى ادعى قوم به التخييرا ~~(د) # ثم أجازوا في الشعر صرف كل ممنوع لإقامة الوزن، وقد ورد ممنوعهم منونا في ~~مواضع سواء فيها التنوين وتركه بالقياس إلى الوزن. قال الشاعر: # إني مقسم ما ملكت فجاعل # جزءا لآخرتي، ودنيا تنفع # قالوا: أنشده ابن الأعرابي بتنوين دنيا، ولا تراه يمس الوزن شيء أن تنون وألا ~~تنون. # بل أجازوا ذلك في النثر، وفي أعلى الكلام درجة لنوع من المناسبة والمشاكلة، كما قرأ نافع ~~والكسائي: «إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا» ~~(الإنسان: 4). # وقرءا: «وأكواب كانت قواريرا، قواريرا من فضة قدروها ~~تقديرا» (الانسان: 15-16). # وقرأ بعض القراء: «ولا يغوثا ويعوقا ونسرا» (نوح: 71). # ثم رووا أن صرف ما لا ينصرف في الكلام لغير حاجة لغة، قال أبو سعيد الأخفش: «إن # 7 # من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف إلا أفعل من، وكأنها لغة الشعراء اضطروا ~~إليها في الشعر، فجرى بها لسانهم في الكلام.» ومثل هذا روي عن الكسائي أيضا. # وقد رأيت كيف يجاهد النحاة لتصح قاعدتهم في الصرف، وهي تتهدم - ولقد عرفوا ضعف أحكامهم ~~في هذا الباب وتخلفها عن سائر أحكام الإعراب - قال الإمام الرضي: «إن حكم الإعراب لا ~~يتخلف عن علته، ولا يوجد العامل ويبقى العمل إلا لسبب، أما حكم الصرف فإنه يتخلف عن العلة.» ~~ثم قال: «ومنع الصرف سبب ضعيف؛ إذ هو مشابهة غير ظاهرة بين الاسم والفعل.» # 8 # رأينا في الصرف # وقد وجب أن ننصرف عما قرر النحاة في هذا الباب، بعدما تبين أنه لا يمثل العربية ولا ~~يساير أحكامها، وآن أن نرجع إلى أصلنا في الصرف ومنعه، فنزيد بيانه، ونذكر ما بدا لنا ~~من دليله. # قلنا إن التنوين للتنكير، وقد نص ms79 النحاة على هذا أيضا، فقالوا: إن التنوين يدل على ~~التنكير في المبنيات وحدها دون المعربات؛ يقولون: سيبويه منونا لكل من سمي ~~بهذا الاسم، وسيبويه بغير تنوين لمخصوص معين؛ وكذلك صه بالتنوين للكف عن كل حديث، ~~وصه بلا تنوين للكف عن حديث خاص، ونحن لا نقبل تخصيصهم هذا ولا قصرهم تنوين ~~التنكير على المبنيات، بل نرى أنه في المعرب أكثر دلالة على التنكير وأوسع استعمالا، ~~وأن حذفه آية ظاهرة على التعريف، وإذا عددنا المعارف لم نجد التنوين يدخل واحدا ~~منها إلا العلم. # فالضمير، والإشارة، والموصولات، # 9 # والمضاف، والمعرف بأل، والمنادى المعين، لا يدخل التنوين شيئا ~~منها. # والعلم وحده هو الذي يجب أن ننظر فيه لنرى لم دخل التنوين بعض الأعلام وهي معارف؟ ~~وسترى أن الجواب قريب، وسنقدمه من أقوال النحاة المتقدمين. # قرأت قريبا ما يقولون في سيبويه منونا وغير منون، وأن التنوين فيه يدل على ~~معنى التنكير - وهو علم في كلا الحالين - فدلونا على أن العلم يدخله معنى التنكير ~~والتعميم، وقد وضح هذا المعنى الإمام أبو سعيد السيرافي في شرحه لكتاب سيبويه ببيان ~~واسع واضح، قال: «اعلم أن المعرفة تشارك النكرة في موضعين، وإنما يكون التعريف والتنكير ~~فيهما على قصد المتكلم، وذلك في الأسماء الأعلام، وفي الأسماء المضافة التي يمكن فيها ~~التنوين، وتجعل إضافتها لفظية. # تقول في الأعلام: جاء زيد وزيد آخر، ومررت بعثمان وعثمان آخر، وما كل إبراهيم أبو ~~إسحاق. # وإنما صار الاسم العلم أصله التعريف؛ لأنه الاسم الذي يقصد به المسمي شخصا لتلبيته ~~بذلك الاسم من سائر الشخوص، كرجل سمى ابنه زيدا أو غيره ليعرف باسمه من غيره، ~~وهذا أصله، ثم سمي غيره بمثل ما سمي به، فرادف ذلك الاسم على شخوص كثيرة، وكل ~~شخص منها سمي به لاختصاصه، ثم صار بالمشاركة عاما، فأشبه أسماء الأنواع، كرجل وفرس ~~ونحوه، مما هو لجماعة؛ كل واحد منهم له ذلك الاسم، فإن أورده المتكلم قاصدا إلى واحد، ~~عنده أن المخاطب يعرفه فهو معرفة، وإن أورده على أنه واحد من جماعة لا يعرفه ms80 المخاطب ~~فهو نكرة.» # فهذا غاية الجلاء في شرح ما يدخل العلم من معنى التنكير، ووجه آخر آكد عندنا منه، ~~وهو أن العلم كثيرا ما يلمح فيه معنى الوصف، فإنا حين ننقل الكلمة من وصف أو مصدر ~~فنجعلها علما على ذات لم تقصد إلى إهدار معنى الوصف وإضاعته بتاتا؛ كالرشيد والمأمون ~~والأمين. واللقب نوع من العلم، ولولا أن نقصد فيه إلى صفة تمدح أو تذم ما كان لقبا، ~~فإذا استعملت العلم ترمي إلى الدلالة على هذه الصفة فقد جنحت به إلى استعمال الصفات، ~~تنكرها مرة بالتنوين وتعرفها أخرى بأل، فتقول: فضل والفضل وزيد والزيد، وقد ~~دل لهذا الإمام الرضي بأدق تدليل قال: # والدليل على إمكان لمح الوصف في العلمية قولهم: إنما سميت هانئا ~~لنهنأ، وقول حسان في الرسول عليه الصلاة والسلام: # وشق له من اسمه ليجله # فذو العرش محمود وهذا محمد # وأيضا تعلم أن اللقب كالمظفر وقفة، من الأعلام. واللقب هو الذي يعتبر ~~فيه المدح والذم، فيمكن فيه لمح معنى الوصف الأصلي، ويؤكد هذا قول النحاة: إنما ~~تدخل اللام على الأعلام التي أصلها المصادر المختلفة. ا.ه. # واستعمال العرب يشهد أنهم أحسوا في العلم نوعا من التنكير فقد استعملوه مضافا، # 10 # وأدخلوا عليه أل، ولم يصنعوا هذا الصنيع بشيء من المعارف سواه، فمما ورد ~~مضافا قول الشاعر: # علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم # بأبيض من ماء الحديد يمان # فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنما # أقادكم السلطان بعد زمان # وقال: # لشتان ما بين اليزيدين في الندى # يزيد سليم والأغر ابن حاتم # يزيد سليم سالم المال، والفتى # أخو الأزد للأموال غير مسالم # قال ابن جني: وهذا كثير عنهم. # ومن استعماله بأل: # غلب المساميح الوليد سماحة # وكفى قريش المعضلات وسادها # وقول أبي النجم: # باعد أم العمر من أسيرها # حراس أبواب على قصورها # وتمام هذه الأدلة أن العلم إذا عين تمام التعيين، وامتنع أن يكون فيه معنى العموم ~~لم يجز أن يدخله التنوين، وذلك حين يردف بكلمة «ابن» وينسب إلى أبيه؛ مثل: علي بن ~~أبي طالب. ولم ms81 يستطع النحاة أن يكشفوا عن سبب لتحريم التنوين هنا، وقال أكثرهم إنه حذف ~~تخفيفا، والحق ما ترى من أن تمام التعيين حرم أن تجيء علامة التنكير. # وقد آن أن نقرر القاعدة التي نراها في تنوين العلم، وأن نقررها على غير ما وضع ~~جمهور النحاة، بل على عكس ما وضعوا وهي: الأصل في العلم ألا ينون، ولك في كل علم ~~ألا تنونه، وإنما يجوز أن تلحقه التنوين إذا كان فيه معنى من التنكير وأردت ~~الإشارة إليه. # ومثل الاستعمالين ظاهر في بيت المعري: # جائز أن يكون آدم هذا # قبله آدم على إثر آدم # فنون «آدم» لما كان فيه شية من التنكير، ظاهر أنه أرادها وتعمد الإشارة إليها ~~ليتم تصوير معناه - ولم ينون لما أراد «آدم» الواحد المعهود. # وهذا الرأي كما ترى يخالف رأي الجمهور من النحاة مخالفة واضحة، ولكنه مع هذا معروف في ~~كتب المتقدمين، منسوب إلى جماعة من الأئمة؛ قال الرضي: «إن الكوفيين يمنعون العلم من ~~الصرف بالعلمية وحدها؛ لأن العلمية سبب قوي في باب منع الصرف.» وعزاه البغدادي صاحب ~~خزانة الأدب إلى الإمام عبد الرحمن السهيلي أيضا، وهو من نحاة الأندلس ~~وحذاقهم. # وقد قال النحاة: إن «ال» تدخل على العلم للمح الأصل، وإنها لا تدخل إلا ما كان ~~منقولا عن وصف أو مصدر، وكذلك أقول: إن التنوين يدخل العلم للمح الأصل. # ومن لمح هذا الأصل يأتيه معنى التنكير، ويدخله التنوين. # وإذا امتحنا المواضع التي قدر النحاة فيها منع الصرف وتحريم التنوين، وجدناها تزيد ~~هذا الأصل تأييدا. # فأول ذلك أنهم يمنعون الاسم للعلمية والعجمة، ويشترطون في الاسم الأعجمي ألا يكون ~~قد استعمل نكرة في العربية قبل وضعه علما، أي أن يكون نقل من الأعجمية وجعل علما، ~~فإذا سميت بإبراهيم، فإبراهيم ممنوع من الصرف، إذ لا أصل له في التنوين يمكن أن ~~يلمح؛ أما إذا سميت بمثل «إستبرق» و«أستاذ» مما استعمل في العربية نكرة ونون لم ~~يمنع عندهم من الصرف، لأنه لم يستوف شرط العجمة، وذلك يشهد أن التنوين يدخل على العلم ms82 ~~من ناحية أصله الذي نقل عنه أو كما يقولون (للمح الأصل). # والثاني: المركب المزجي، وهو اسم نقل من لغة أخرى وبقيت له صورة تأليفه وتركيبه، ~~فليس له من أصل كان منونا قبل العلمية فيمكن أن ينون بعده. # والثالث: وزن الفعل، اختلف فيه النحاة اختلافا كثيرا، وذلك أنهم وجدوا أعلاما ~~توازن الفعل ولا تمنع، وأخرى توازنه فتمنع، فاشترطوا أن يكون الاسم على صيغة الفعل ~~بها أولى، أو يكون قد بدئ بزيادة هي أحق بالفعل، على أن القاعدة لم تستقم لهم بعد ما ~~اشترطوا، فقد رأوا مثل «جلا» ممنوعا من الصرف وليس فيه شرطهم، ومذهب عبد الله بن أبي ~~إسحاق، أوضح المذاهب وأصرحها في هذا، يقول: «إنه يشترط أن يكون الاسم منقولا عن الفعل ~~وظاهرا فيه هذا النقل.» # وتفسيره عندنا: أن العلم إذا كان قد نقل عن الفعل، وكان ظاهرا فيه هذا النقل، كان ~~واضحا أن أصله محروم من التنوين، فلا أصل يلمح ويستأنس به حين تنوين العلم. # رابعا: العدل؛ مثل عمر وزفر، اشترط النحاة لمنع مثل هذه الأسماء من الصرف ألا تكون ~~قد استعملت نكرات قبل استعمالها، قالوا: إن زفرا يصرف لأنه قد استعمل منكرا ~~ومعرفا قبل أن يكون علما، فقيل: «السيد الزفر»، وهنا نجد سبب المنع من التنوين ظاهرا ~~واضحا، وهو أن العلم لم يستعمل منونا قبل أن يكون علما؛ فحرم التنوين إذ كان ~~علما، وهذه الأسماء التي سموها معدولة إنما هي أسماء مرتجلة اشتقت أول ما اشتقت من ~~أصولها لتكون أعلاما؛ فهذا معنى العدل الذي حار فيه النحاة المتأخرون، حتى صرحوا ~~بأنها علة مفترضة لمنع الصرف، وقالوا: «إذا وجد الاسم ممنوعا من الصرف وليس فيه ~~إلا علة واحدة فرض أن العدل هو العلة الثانية.» # ثم التأنيث، وقد أخطأ النحاة في عده من موانع الصرف؛ وذلك لأن أكثر هذا الباب ~~استعمالا أسماء البلاد، وأسماء القبائل، وهي ترد منونة وغير منونة. قال النحاة: ~~إنك إذا قصدت في اسم المكان إلى البقعة لم تصرف، وإذا قصدت إلى المكان صرفت ~~ونونت؛ وإن اسم ms83 القبائل إذا أردت منه القبيلة والجماعة منعت التنوين، وإذا أردت ~~إلى الجمع والقوم نونت، وهذا تمحل من النحاة يدل على أنهم رووا هذه الأسماء مصروفة ~~وغير مصروفة، فتكلفوا لها هذه العلة وهي التأنيث، والمروي لا يساعدهم، يروون: # وهم قريش الأكرمون إذا انتموا # طابوا أصولا في العلا وفروعا # فلو أن منع الصرف كان بنية التأنيث في قريش، وأنها القبيلة أو البطن لم يستقم مع هذا ~~وصفها بجمع المذكر السالم. ونحن نرى أن مناط التنوين وعدمه، القصد إلى معين، فقد ~~يقول الشاعر: «قريش» وهو يعني هذا الجمع المحدد المشار إليه فلا ينون، وقد يريد من ~~قريش هذه الجماعات الكثيرة التي لا يرمى إلى تعيينها والإحاطة بأولها وآخرها فينون، ~~فملاك التنوين إرادة التعيين. # كذلك أسماء البلاد. وصريح في هذا ما روى أبو بكر الزبيدي: «أن أبا عبد الله كاتب ~~المهدي قال: «قرى عربية» فنون، فقال شبيب بن شبة: إنما هي «قرى عربية» غير منونة، ~~فسألوا أبا قتيبة الجعفي الكوفي النحوي، فقال: «إن كنت أردت القرى التي بالحجاز يقال ~~لها قرى عربية فهي لا تنصرف، وإن كنت أردت قرى من السواد نونت.» قال: «إنما أردت ~~التي بالحجاز.» قال: «هو كما قال شبيب».» ا.ه. # 11 # ففي هذا شهادة نحوي وعربي أن التنوين هنا مناطه التعيين. # وما عدا أسماء البلاد والقبائل من المؤنثات فهو قليل إذا قيس إلى سائرها، وقد رجعنا ~~إلى القرآن الكريم فوجدنا أسماء الأعلام المذكرة فيه كثيرة، أما أعلام الإناث فقليلة، ~~وأغلبها لمكان «كمكة، ويثرب»، ولقبيلة «كعاد وثمود»، وليس فيه من علم لأنثى حقيقة ~~إلا «مريم» وهو اسم أعجمي، فإذا أردت غير القرآن حجة، ورجعت إلى الشعر لم تجد فيه من ~~دليل، وهم يقولون: «ويصرف الشاعر ما لا ينصرف.» # انتهينا إذن من العلمية، ومناقشة العلل التي يمنع لها الاسم من الصرف مع العلمية، ~~وأثبتنا ما قررناه من أن الأصل في كل علم ألا ينون، وأنه إنما ينون إذا قصد ~~إلى تنكيره، وأنه يكون آنس بالتنوين إذا كان له فيه أصل. وتبين أن أصلنا ms84 هذا أوفق ~~للعربية، وأمضى في تفسير ما روى النحاة من كلام العرب. # الوصفية # تمنع الصفة من الصرف في مواضع ثلاثة، عددها النحاة، وهي: العدل، وزيادة الألف ~~والنون، ووزن الفعل. # أما العدل فإنه يكون في كلمات معدودة هي: أخر، وجمع، ومثنى، وثلاث. # ويقولون: إن أخر عدل به عن الآخر ؛ وذلك أن «أفعل» التفضيل إذا نكر لزم الإفراد ~~والتذكير، كما هو بين من أحكامه، فلا يجمع إلا إذا كان معرفا أو مضافا ~~لمعرف، فجمع آخر على أخر دليل على أنه أريد بها إلى معرف، ولو لم يذكر فيها ~~«أل»، فقد وجدت أن في أخر معنى من التعريف؛ ومن أجله حرمت التنوين، أو منعت من ~~الصرف على اصطلاحهم. # أما جمع فالأمر فيها أوضح من «أخر» فإنه لا يؤكد بها إلا المعرفة، فدل هذا ~~على ما فيها من معنى التعريف، وأن ذلك كان السبب في منعها من التنوين. # ومثنى وثلاث: هذه كلمات قليلة لم يكن ينبغي أن تجعل بابا خاصا في منع الصرف، ~~وتنتحل لها هذه العلة، وهي العدل، وقد روي أن الفراء إمام نحويي الكوفة حكى أن ~~مثنى وثلاث تستعمل منونة وغير منونة، وقال: أجيز صرفها إذا ذهبت بها مذهب ~~الأسماء النكرات. # تنتهي وقد تبينا جليا أن السبب في منع التنوين من أخر وجمع، إنما هي نية ~~التعريف، وأن استعمال مثنى وثلاث قليل، وأنه يحذف منهما التنوين إذا قصد بهما إلى ~~شيء من التعريف. # فلا حاجة إلى هذه العلة المفترضة التي سماها النحاة «عدلا». # أما زيادة الألف والنون، فقد اشترط في منعها من الصرف شروط، منها: أن تكون في زنة ~~«فعلان» مذكر «فعلى»، وألا يكون مؤنثها على فعلانة، وبعض العرب وهم بنو أسد # 12 # يجيزون أن يكون لكل فعلان مؤنث على فعلانة، فهي على هذا جائزة التنوين ~~أبدا، وإنما يحذف تنوينها أحيانا وعلى قلة رعاية لزيادة الألف والنون، ولأن التنوين ~~نون أخرى. # وزن «أفعل»: إذا رجعنا لهذا الوزن وجدناه أكثر ما يكون في أفعل التفضيل، وأفعل ~~التفضيل يستعمل مصحوبا بمن أو يكون معرفا، ms85 واستصحابه بمن نوع من التعريف، بل ~~إن الكلمة التالية لمن هي بمثابة التكملة لمعنى أفعل التفضيل، فواضح أن «أفعل» ~~يحرم التنوين إذا صحب «من»؛ لأن فيه حظا من التعريف، ولأنه يجب أن يكون شديد ~~الاتصال بمن إذ كانت تكملة له؛ والتنوين كما يدل على التنكير يشير إلى تمام الكلمة ~~وانقطاعها عما بعدها؛ ولذلك روى الكوفيون أن هذا الباب لا يصرف، في ضرورة ولا في ~~غيرها. أما غير أفعل التفضيل مما جاء وزنه على أفعل فإنه حمل عليه، وربما كان أصل كل ~~«أفعل» هو التفضيل، ثم كثر استعماله مع نسيان التفضيل، وبقاء أصل الوصف؛ ودليل ذلك ~~أنك لا تجد فعلا يشتق منه أفعل وصفا، ثم يشتق منه أفعل التفضيل. # وبذلك استقامت لنا القاعدة بشطريها: # الشطر الأول: # أن الأصل في العلم ألا ينون إلا أن يدخله شيء من ~~التنكير. # والشطر الثاني: # أن الصفة تنون، ولا تحرم من التنوين إلا إذا كان فيها نصيب من ~~التعريف. # والصفة التي يمنع صرفها باطراد هي «أفعل من» ثم «أفعل» مطلقا. # ولم يبق من موانع الصرف إلا العلة التي تقوم مقام العلتين، كما يقول النحاة، وذلك في موضعين: # الأول: # ألف التأنيث مقصورة وممدودة، والثاني: صيغة منتهى الجموع. # أما ألف التأنيث المقصورة، فالتنوين يستدعي حذفها، وقد أتت لغرض يهتم ~~به العرب ويعنون به فوق عنايتهم بالتعريف والتنكير، وهو التأنيث. ~~فإنا نعلم من مراقبة الكلام أن العربية أميل إلى الاحتفاظ بإشارات ~~التأنيث والتذكير، وأحرص على التمييز بين النوعين بأكثر مما تحرص على ~~التعريف والتنكير؛ فللتأنيث علامات متعددة: منها الكسرة في ذ، وت، ~~وأنت. والياء أو الكسرة الممدودة في: اكتبي وافهمي، وتكتبين وتفهمين. ~~والألف في: ذكرى وبشرى، والألف الممدودة في صحراء وبيداء، والتاء في ~~فتاة. # ولجمع المذكر صيغة، ولجمع المؤنث صيغة أخرى، والتزمت في الفعل إشارات ~~التأنيث للفاعل، وقد ترى من عنايتهم بالتفريق بين المذكر والمؤنث غير ~~ما ذكرنا من الأمثلة، فإذا جئت إلى التعريف والتنكير لم تجد الأمر من ~~التفصيل وكثرة الأدوات، والعناية بالتفرقة بين المعرف والمنكر، كما ~~رأيت ms86 في التذكير والتأنيث. # فالمعارف كثيرة، وليس لهم من أداة للتعريف غير «ال»، ولا من علامة ~~على التنكير إلا التنوين، فإذا زدت الأمر بحثا وجدت أن هاتين ~~العلامتين لم يبلغ استعمالهما من الدقة ما بلغته التفرقة في النوع؛ ~~فعلم التنكير لم يفطن له النحاة إلا قليلا في المبني كما علمت ، ~~وحسبك هذا دليلا على خفاء استعماله، وضعف العناية باستخدامه. # وعلامة التعريف وهي «ال» قد تدخل على الكلمة وفيها معنى التنكير، ~~ولها حكم النكرة كما رووا في بيت السلولي: # ولقد أمر على اللئيم يسبني # فمضيت ثمت قلت لا يعنيني # غضبان ممتلئا علي إهابه # إني وحقك سخطه يرضيني # وقد تكون الكلمة خالية منها، وهي مشيرة إلى معرفة كقوله تعالى: # ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالا وعدده ~~(الهمزة: 1-2). قالوا: وصفت النكرة وهي «همزة» بالمعرفة، وهي ~~«الذي» لما كان «همزة» يشير إلى معهود يعرفه السامعون. # بعد ذلك نراه منسجما مع طبيعة العربية أن يضحى بالتنوين حرصا ~~على علم التأنيث، فتقول: دنيا، وعليا، وفضلى. فهذا واضح في الألف ~~المقصورة، والألف الممدودة هي من المقصورة، فاستصحبت حكمها. # الموضع الثاني: # صيغة منتهى الجموع. # وإنما حذف التنوين منه عندنا لما فيه من معنى التعريف، وقد بينا ~~من قبل أن العرب تريد بالمنكر الفرد الشائع والواحد من المتعدد، ~~فإذا قصدت إلى الإحاطة والشمول جعلته من مواضع التعريف. ورأينا ذلك ~~في «ال» التي يجعلونها للاستغراق والإحاطة، ويجيء الاستثناء بعدها، قال ~~الله تعالى: # والعصر * إن ~~الإنسان لفي خسر * إلا الذين ~~آمنوا ~~(العصر: 1-2-3)، ورأينا تعريف الاستغراق كذلك ~~بعد «لا النافية». وهذا واضح في الجمع إذا أريد به الاستغراق وشمول ~~جميع الأفراد، والنحاة يقولون: إن هذه صيغة منتهى الجموع ففيها معنى ~~الاستغراق وتمام الإحاطة. # والذي نرى هنا: أنه إذا قصد بالجمع الاستغراق والدلالة على الإحاطة منع التنوين؛ ~~لما فيه من معنى التعريف على طبيعة العربية ومجراها في التعريف والتنكير، فإذا لم ~~يقصد إلى الاستغراق والإحاطة فالاسم منون. وقد نقل الإمام الرضي «أن من العرب من ~~ينون هذه الصيغة مختارا.» وهذا تصديق ms87 ما قلنا من أن الأمر في التنوين وتركه منوط ~~بإرادة الشمول أو عدمه. فهذا حكم التنوين فيما لا ينصرف. # أما إعرابه بالفتحة نيابة عن الكسرة، كما يقول النحاة، فقد أشرنا إليه من قبل عند ~~الكلام في العلامات الفرعية، وتستطيع الرجوع إليه. # | خاتمة # والحمد لله أي حمد؛ فقد تم ما أردت بيانه ، واطمأننت أني أقدم للقارئ فكرتي في النحو، وفي ~~إعراب الاسم، مكتوبة مسواة ملمومة النواحي، وأمنت أن تعصف عاصفة، فتذرها مذكرة في جذاذ، ~~أو طرفا من فكرة في نفس مستمع. # لقد حرصت على الإيجاز، وطرحت من تفصيل المسائل ما خشيت أن يغطي على الفكرة، أو يباعد بين ~~أطرافها، وآثرت أن أرسل هذا البحث خاصا بإعراب الاسم؛ لأن ذلك أدنى إلى بيانه، وأبعث على ~~درسه، ولأن إعراب الاسم يقوم منفردا مستقلا في بحثه وبيانه عن إعراب الفعل، ولأني أرجو ~~أن أجد من نقد الناقدين، وبحث الباحثين، ما عسى أن أنتفع به في درس الفعل، أو عرضه من ~~بعد. # لذلك كله رأيت أن أستأخر بإعراب الفعل زمنا، وأتقدم إلى الناس في هذا البحث بإعراب الاسم ~~وحده، وأنا أرجو أن يكون وضوح الفكرة وقربها وسيلة إلى تقديرها ونقدها، فإن لم تجد من ~~الناقدين تأييدا أو تقويما، فإني لأكره أن تمضي سبهللا في غير نقض ولا تهديم. # ومهما يكن استقبال الناس إياها، ومهما يتجهموا لها أو يبشروا بها، فلن يستطيع النحاة من ~~بعد، أن يركنوا إلى نظريتهم العتيدة السابقة «نظرية العامل». وقد بنيت عليها من قبل ~~أصول النحو، واستقرت قواعده، وشغلت النحاة ألف عام أو يزيد، وملأت مئات من الكتب النحوية ~~خلافا وفلسفة وجدلا، بل تمثلت لها فلسفة خاصة، أفردت بالتأليف، وتستطيع أن تقرأها في ~~كتابي «أصول النحو» و«جدل الإعراب» للإمام أبي بكر بن الأنباري. # 1 # لن تجد هذه النظرية من بعد، سلطانها القديم في النحو، ولا سحرها لعقول النحاة. ومن استمسك ~~بها فسوف يحس ما فيها من تهافت وهلهلة، وستخذله نفسه حين يبحث عن العامل في مثل التحذير ~~والإغراء، أو الاختصاص أو النداء، ms88 ثم يرى أنه يبحث عن غير شيء. # تخليص النحو من هذه النظرية وسلطانها، هو عندي خير كثير، وغاية تقصد، ومطلب يسعى إليه، ~~ورشاد يسير بالنحو في طريقه الصحيحة، بعدما انحرف عنها آمادا، وكاد يصد الناس عن معرفة ~~العربية، وذوق ما فيها من قوة على الأداء، ومزية في التصوير. # لم أزل أضمر لنظرية العامل بقية من البحث، تجمع أطرافها، وتنظم أجزاءها، وتحيط بنواحيها. ~~ولكنه كما تجمع آثار العاهل الظالم، لتعد في زاويتها من متحف تاريخي. # والفكرة التي شرحناها تيسر النحو وتقربه إلى الطالب، وتقتصد عددا من أبوابه، وتستغني عن ~~كثير من مباحثه، ثم تضع القواعد على أساس مستقر من الصلة بين الإعراب والمعنى، فإذا أخذ ~~الطالب بمراقبة تلك الصلة ونبه إليها، كان قريبا أن تكون منه بمنزلة السليقة. وقد بينت من ~~قبل أن المتكلم لا يكاد يخطئ في النوع والعدد، ولا في رعاية أحكامهما، وأن ذلك لحسه بما في ~~إشارات النوع والعدد من معنى، فإذا كان كذلك الإعراب، أمن الزلل فيه أو قل، ولم يكن من سبيل ~~إلى هذا الخلاف الكثير، والجدل الطائر الشرر بين النحاة. فإن الحكم المعنى، ولا نظريات من ~~الفلسفة تدعى، وإذا كان النحو من تلك الجهة، قد تيسر على الدارس، وقلت مباحثه؛ فإنه ~~من جهة أخرى أصبح يستدعي من النحاة جدا ودأبا، ويوجب عليهم أن يعودوا إلى اللغة، ~~ويطيلوا فحصها، وينعموا في مراقبة أساليبها؛ ليجمعوا خصائصها في التصوير والتعبير، ويبينوا ~~أساليبها من النفي والإثبات والتأكيد والتوقيت وغيرها من أغراض اللغة، ولن ينال من ذلك ~~شيئا إلا من وهب ذوقا في اللغة وحسا بأساليبها، وأنواع الدلالات المختلفة فيها. ولا ~~ينبغي أن يعمل في النحو إلا أديب مرهف الحس، صحيح الذوق، حتى تدون القواعد الجديدة، ~~وسيجد هؤلاء النحاة المدد الوافر، والنص الكافي في القرآن الكريم. سيكون لهم البادية ~~والحاضرة السليمة النقية، يتتبعون فيه أحكام العبارة وأساليب الأداء، وينتفعون بقراءاته ~~ورواياته، ما سمي منها متواترا، وما سمي شاذا. ولقد يكون الشاذ أسلم من أوثق ما ~~رووه في الأدب ونصوصه، والشعر ms89 وقصائده. ومثل الكتاب في المقدار كاف أن يكون الأصل لتدوين ~~القواعد وتحريرها. # ستكون بينة جديدة، على أن الكتاب الحكيم لا يبلى جديده، ولا يحد مدى بركته لهذه ~~الأمة، وللأمم جميعا. ms90