######OpenITI# #META# URI: 1381IsmacilMazhar.BaynDinWaCilm.Hindawi85028574 #META# Tags: philosophy :: history #META# ID: 85028574 #META# Title: بين الدين والعلم: تاريخ الصراع بينهما في القرون الوسطى إزاء علوم الفلك والجغرافيا والنشوء #META# AuthorID: 37402092 #META# Author: أندرو ديكسون وايت #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 53973639 #META# Translator: إسماعيل مظهر #META# Related_books: 1336AndrewDicksonWhite.WarfareOfScience (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - علم الفلك‏ # 2 - علم الجغرافية‏ # 3 - من الخلق إلى النشوء‏ # 1 - علم الفلك‏ # 2 - علم الجغرافية‏ # 3 - من الخلق إلى النشوء‏ # | بين الدين والعلم # | بين الدين والعلم # | تاريخ الصراع بينهما في القرون الوسطى إزاء علوم الفلك والجغرافيا والنشوء # تأليف # أندرو ديكسون وايت # ترجمة # إسماعيل مظهر # إنما نستنشق من الهواء بلا كد، تلك الأفكار التي تحطمت في سبيلها القلوب ~~الكبيرة. # لوويل # الحقيقة بنت الزمان. # باكون # وتعرفون الحق والحق يحرركم. # القديس يوحنا، إصحاح 8 : 32 # | العداء بين اللاهوت والعلم لا بين الدين والعلم # | العلم موضوعي والدين ذاتي1 # بقلم إسماعيل مظهر ~~(1) تمهيد # كثر ما علت الصيحة في هذه الأيام أن بين الدين والعلم عداء وأن في طبيعة الدين ~~شيئا يعاند طبيعة العلم أو بالعكس. والحقيقة أن هذا القول له مبرراته القديمة ~~والحديثة. وله فوق ذلك وقائع يذكرها التاريخ ووقائع تقع تحت أعيننا. غير أن مجرد القول ~~بأن بين الدين والعلم عداء وصراعا، ومجرد رواية الوقائع التاريخية أو حدوث وقائع في ~~زماننا هذا تؤيد ما يرويه التاريخ، ليست بدليل قاطع على أن في طبيعة الدين شيئا ~~يعاند طبيعة العلم أو أن في طبيعة العلم شيئا يعاند طبيعة الدين. ولو أنك نظرت نظرة ~~أولية في حالات الحضارة الحديثة لوقعت لأول وهلة على أشياء تدلك على صحة ما نذهب ~~إليه. فإن العلم يجري تياره بأقصى ما جرى تيار من التقدم في كل العصور، وتجد بجانبه ~~روح الدين قائمة راسخة القواعد، وأنها لم تكن في عصر من العصور الماضية بأكثر ثباتا ~~في النفوس منها في عصرنا هذا. نعم إننا لا ننكر أنه مرت على المدينة عصور خفت فيها ~~صوت الدين ليعلو صوت المادية حينا، ولكنا نجد مع هذا أنه مهما خفت صوته في ~~الخارج، فإن ثباته في النفوس لم يضعف، وركيزته في اليقين لم تهن. # ولو صح أن بين الدين والعلم عداء وصراعا، فكيف أن هذا الصراع الذي ظل قائما ~~بينهما خمسة وعشرين قرنا من الزمان لم ينته بأن يصرع أحدهما الآخر؟ وهل خمسة وعشرون ~~قرنا ms001 غير كافية لأن تنهي المعركة وتنصر فريقا؟ # الحقيقة أن الصراع ليس قائما بين العلم والدين. والحقيقة أن الدين والعلم كل منهما ~~يستمد من ناحية من نواحي التكوين الفكري في الإنسان؛ لهذا ظل الدين باقيا وظل ~~العلم ثابتا لأن كلا منهما مظهر من مظاهر الفكر الإنساني. ولكن إذا اعتقدنا هذا، ~~فبأي شيء نعلل ذلك التاريخ الطويل الذي حاول فيه رؤساء الدين أن يخفتوا صوت العلم ~~وبأي شيء سوف نعلل ذلك الصراع الذي سيحاول فيه رجال العلم أن يخفتوا صوت الدين في ~~المستقبل؟ # إذا اعتقدنا أن الصراع لم يقم بين الدين على اعتبار أنه شيء مستمد من طبيعة ~~الإنسان وبين العلم على اعتبار أنه شيء مستمد من القوة العاقلة التي خص بها ~~الحيوان الناطق، واعتقدنا أن الصراع قام في الواقع بين اللاهوت المذهبي وبين العلم، ~~استطعنا أن نعلل حوادث التاريخ بل استطعنا أن نظهر على شيء مما سوف يقع في ~~المستقبل. ~~(2) الجمود ضروري للاجتماع مفيد للحضارة # الجماعات تشعر ولا تفكر. بل قيل بأن رقي الجماعات من حيث الشعور والتفكير يقاس في ~~الحقيقة بنسبة أضعف فرد من أفرادها تفكيرا وأهوجها شعورا مضروبا في عدد الجماعة. ~~ولكن الناظرين في حالات الاجتماع نسوا أن يذكروا بجانب هذا أن الجماعات جامدة صرفة ~~كما هي شاعرة صرفة، وأن جمودها هذا ضروري للاحتفاظ بتوازن خطاها التي تخطوها نحو ~~الارتقاء في كل ضروبه وعلى اختلاف ألوانه. # مر على الناظرين في حالات الاجتماع عقود من السنين وهم يقولون بما قال جوستاف ~~لوبون. ولم يمر بهم خاطر أن الجماعات كائنات جامدة بطيئة القبول لحالات التغير ~~والنشوء. وإني لأثبت هنا أن أول من عثرت له على قول في هذا الموضوع الخطير هو العلامة ~~كارل بيرسون الإنجليزي إذ يقول: # إن ما نجد في مباحث داروين من نفوذ البصيرة وقوة الإدراك، وما عقبها من ~~مؤلفات سبنسر تلك المؤلفات التي هي على قوتها وبالغ أثرها سوف تكون أقل ~~ثباتا وأسرع زوالا من مؤلفات داروين، وما زودتنا به مبادئ النشوء في الحياة ~~الفردية والاجتماعية، قد اضطرتنا ms002 إلى تعديل أفكارنا القديمة وتقويمها، وأخذت ~~تقوي من دعائم مثلنا الأدبية وتوسع من ميدانها، ولكن ببطء تدرجي. ولا ~~يجب أن يحزننا هذا البطء ولا أن ييئسنا؛ لأن من أقوى المؤثرات التي تحفظ ~~الثبات الاجتماعي وتحول دون تخلخله تلك الصفة التي نبغضها؛ صفة الجمود على ~~القديم. لا بل نقول بأن العداء الصارخ الذي تقابل به الجماعات الإنسانية كل ~~الفكرات الجديدة لمن أخص تلك المؤثرات. وإن هذه الصفات هي بمثابة الكور ~~المتلظية نيرانه، والذي بدونه لا نستطيع أن نفصل بين المعدن الصحيح والفضلات ~~الزائفة، وهي التي تحمي الجسم الاجتماعي من أن يترك معرضا لتغيرات تجريبية ~~فجائية، قد تكون غير مفيدة آنا أو بالغة أقصى الضرر آنا آخر. # والظاهر أن بين بناء العالم المادي وبين تكوين الجماعات الإنسانية أوجها من التشابه ~~تمثلها عناصر لازمة لحفظ النظام في كليهما. ففي الجوهر الفرد كهارب إيجابية وأخرى ~~سلبية، وفي الدقائق المادية قوتا جذب ودفع. وفي الاجتماع تقدم وجمود، وفي الحياة موت ~~هو لزام لوجودها. وعلى هذا النمط نجد أن الصفات السلبية التي نبغضها في المجتمع هي ~~في الواقع أشياء لازمة للمحافظة على كيانه باعتباره اجتماعا إنسانيا تنعكس على صفحته ~~صور الصفات الفردية والاجتماعية. # خذ بين يديك قطعة من المادة اللينة واضغطها فإنها تأخذ شكلا ما، ثم اضغطها ثانية ~~فإنها تتبدل من شكلها الأول شكلا آخر. وهكذا فإن كل ضغطة تصورها في صورة جديدة. وتمثل ~~بعد هذا أن المجتمع الإنساني فيه من صفات الليونة ما في هذه المادة، وأنه فقد كل صفات ~~الجمود والمحافظة على القديم، ألست ترى أن ذلك يكون منتجا لفوضى عظيمة في نظام ~~الأشياء الإنسانية، وأن تقبل كل جديد ليهدم ما قبله وليهدمه ما بعده؛ يكون في هذه ~~الحالة إفسادا لبناء المجتمع وتحطيما للمعاهد التي تقوم عليها المدنية؟ # عدد من مذاهب الفلسفة العلمية ما شئت أن تعدد، وارجع إلى مذهب سقراط ثم ~~الكلبيين ثم السيرينين، ثم إلى مذهب الأبيقوريين ثم إلى الرواقيين، واعدل عن هذا إلى ~~تضارب جهات الفكر المعتقد، وتصور بعد هذا أن ms003 المجتمع الإنساني كان فيه من الصفات ما ~~تحتمل تقبل كل هذا، ثم رفضه على تتالي الأجيال وعلى تقارب الفترات التي كانت تظهر ~~فيها المذاهب والآراء الفلسفية واحدا تلو الآخر، فهل كنت تجد في بناء المجتمع ما تجد ~~فيه الآن من الثبات؟ وهل كنت تجد أن للحق ما له الآن من صفات البقاء والخلود؟ # وكذلك تجد الحال في السياسة والدين واللغة وفي كل ما تقوم عليه الحضارة من الصفات ~~الاجتماعية. وعلى هذا تجد أن التقدم والارتقاء قوة إيجابية تعضدها - وإن كانت ~~تقاومها - قوة سلبية هي الجمود والمحافظة على القديم، كما لو كان المجتمع الإنساني ~~دقيقة من المادة تجذب جواهرها بعضها بعضا في حين أنها تتدافع. وهذا لزام لبقائها ~~دقيقة مادية خالدة كما أن الارتقاء والجمود صفتان لازمتان لبقاء المجتمع الإنساني ~~مجتمعا مستكملا لصفات النشوء والارتقاء. # لهذا لا يجب أن ننظر إلى الجامدين نظرة من يعتقد أنهم رجعيون؛ لأن الرجعي هو الذي ~~ينكص إلى الخطأ على الرغم من أنه يعلم أنه سائر في سبيل الحق والصواب. أما الجامدون فهم ~~القوة السلبية التي تحفظ على الجماعات نصيبها من التوازن اللازم لثباتها، وخطوها نحو ~~الارتقاء في خطا متعادلة بطيئة، ولكنها تدريجية. ~~(3) ما فوق العقل والعقل # بدأ الفيلسوف هربرت سبنسر كتابه مبادئ علم النظام الاجتماعي ببحث في تطور ما بعد ~~الآليات، فقال بأن التطور على ثلاثة أوضاع؛ الأول: التطور غير العضوي، وهو يتناول بناء ~~السماوات والسيار الأرضي. والثاني: التطور العضوي، وهو يتناول الظاهرات الطبيعية التي ~~نشاهدها حشو الطبيعة الحية وتراكيبها من نبات وحيوان على اختلاف درجاتها ومراتبها، ثم ~~الظاهرات الخاصة التي تعرف في مباحث العلوم بالظاهرات النفسية - البسيكولوجيا - وهي ~~التي تختص بها الصور الحية التي بلغت من الترقي حدا أصبح بطبيعة التطور مجالا لتلك ~~الظاهرات. والثالث: تطور ما بعد الآليات أو ما بعد العضويات وهو في الواقع بلوغ الحالة ~~الاجتماعية واقتسام العمل بين أفراد الجماعة. # فإذا أردنا أن ننظر في هذا المبدأ نظرة تحليل نطبقها على موضوعنا هذا؛ اعتقدنا أن ~~تطور ما بعد الآليات هو ms004 آخر الخطى النشوئية التي وصلت إليها جماعات الحيوان من الرقي. ~~ولقد شاركها الإنسان في كل هذا وبلغ إلى أرقى ما يمكن أن يبلغ حيوان من تطور ما بعد ~~الآليات، فبماذا يمتاز على بقية الخلق؟ يمتاز بأنه يستمد مما بعد عقليته قوة يستعين ~~بها على قوته العاقلة ليخضعها دائما لصالح الكل الاجتماعي. # إن الفرد والجماعة لا يتفقان، بل هما كائنان متضادان. ولكل منهما طبيعة تختلف عن ~~طبيعة الآخر. يدلك على هذا أن العديد الأكبر من الأفراد التي تعيش في زمان ما، لا تعير ~~تطور الجماعة التي تلحق بها شيئا من الانتباه لمظاهرها ولا تحاول أن تصرفها إلى طريق ~~الخير والسلام. # فالفرد يتطور بتطور الجماعة؛ خضوعا لروحها، من غير أن يدرك من هذا التطور - حين ~~وقوعه - شيئا. والجماعة ذاتها تساق إلى التطور من غير أن تحس بشيء منه، حتى يظهر ~~الزمان فرقا بين حالة الجماعة في زمانين مختلفين تدركه الأجيال المستقبلة. # وخضوع الفرد لشعور الجماعة يبعده عن عقليته المستقلة. فيجرفه تيار الشعور العام إلى ~~حيث يراد به، إلى الخطأ أو إلى الصواب، إلى الشر أو إلى الخير، حسب المتجه الذي يملك ~~شعور الكل الاجتماعي. والشجار القائم بين شعور الجماعة وعقلية الأفراد كون التاريخ ~~الإنساني برمته. فما من حادث من حوادث الحروب، أو مظهر من مظاهر الثورات الاجتماعية، أو ~~قيام المدنيات المختلفة، إلا وتجد تلك الروح متجلية فيه تسوق أمامها الإنسانية سوقا ~~إلى حيث يريد بها ما أثر فيها شعور بكارثة قومية أو إحساس بعزة النفس أو خيال الدفاع ~~عن شيء أكثر ما كان موهوما لا واقعا بالفعل. # ولكن بأي شيء استطاع الإنسان أن يحتفظ بخضوع عقلية الفرد لشعور الجماعة؟ هنالك في ~~معتقداته الدينية وجد الإنسان القوة التي استقوى بها على عقليته الفردية فأخضعها ~~لقوة إحساسه بالشريعة الأدبية. أما وظيفة تلك المعتقدات فتجهيزها الفردية بقوة نفسية ~~تسوقه إلى الخضوع لمجموعة من آداب السلوك ومبادئ من الأخلاق تبقي عقليته واقعة تحت ~~الإحساس بواجباته الأدبية؛ أي إنها تخضع العقلية الإنسانية لقوة مستمدة مما بعد ~~العقلية. ms005 وتلك ظاهرة لازمت قيام المدنيات في كل عصر من عصور التاريخ. # يقول الأستاذ بنيامين كيد صاحب كتاب التطور الاجتماعي المعروف: # إن الروح الحربية التي تملكت زمام المدنية في عصور الوثنية هي التي شكلت ~~تاريخ الغرب برمته، فخرجت الشعوب الغربية من تلك المعامع - معامع التدمير ~~والتخريب - بمدنية هي أغرب ما وصل إليه الإنسان في تاريخ الدنيا. وما من نتاج ~~من ثمار هذه المدنية، وما من نظام من أنظمتها الاجتماعية أو شكل من أشكالها، ~~إلا وتجد للروح القديم أثرا فيه كبيرا. يرجع ذلك إلى اعتقاد ثابت راسخ في ~~روع الشعوب منذ نشأتها لحمته أن حيازة القوة والانتفاع بثمراتها هو المبدأ ~~الذي يجب أن تعمد إليه الأمم إذا ما شاءت أن تحتفظ بكيانها. غير أن هذا الكائن ~~الناطق الذي خرج من جوف الأزمان الأولى وبيده آلات الحرب والتخريب كان ذا عقيدة ~~دينية، عقيدة تخالف في أسسها ومبعثها الذي ترتكز عليه في طبيعة الرغبات ~~الإنسانية. نزعته إلى القوة من أية طريق أتاها وبأية من الوسائل التي تذرع ~~إليها. وظلت نزعة الإنسان إلى القوة تحارب تلك العقيدة الموروثة حربا عوانا ~~تشهرها على ذلك المعتقد نزعات الإنسان وبواعث انفعالاته طوال القرون الأولى. ~~ولا يزال الشجار قائما حتى الآن. وإنك إن قلبت تاريخ الإنسان لتجلى لك مقدار ~~ما جالد ذلك الحيوان الناطق المفكر في سبيل التخلص من قيود تلك الوراثة ~~الدينية التي خرج بها من حياته الأولى مستعينا بها على هدم ذلك المعتقد بكل ما ~~أوتي من قوة الفلسفة والعقل، فكم زجت تلك النزعة بالإنسان في غمرات حروب تهدم ~~بها ما أقام السلم من صروح العمران، وكم تمزق بها ما رأيت شريعة الآداب من ~~صدوع الإنسانية. # تلك روح خالدة في الجماعات قد تتغير مظاهرها، وجوهرها ثابت في الزمان، مرتكز على ~~طبيعة الإنسان المفكر المعتقد المدرك لحقيقة الشريعة الأدبية، المحكوم بوازع مما ~~فوق عقليته يخضع عقله لحاجات الاجتماع. تلك الصفات التي ترتكز عليها أصول ~~المدنية. # عبثا ما حاول بعض الفلاسفة أن يقاوموا تلك الروح بمذهب فلسفي في النفعية، ms006 يستغوي ~~الفردي ليخرج عن شعور الجماعة وروحها. كثر في أوروبا من حاول ذلك في أواخر القرن ~~الفارط، ونشر بعض المشتغلين بالآداب كتبا في «دين الطبيعة» ما لبثت أن قتلتها روح ~~الجماعات، شأنها في كل شيء يصد طريقها الشعوري الصرف. حاول هؤلاء أن يجعلوا العقل حد ~~الدين، فوقع الإنسان في مأزق من مآزق البعد عن الشريعة الأدبية كاد يتداعى معه أساس ~~المدنية. ولا يزال بعض المفكرين يتابعون ذلك الرأي، قائلين بأن دين المستقبل سوف يكون ~~معتقدا بعيدا عما تبعثه في أهل هذا العصر معتقدات ما بعد العقلية البشرية. حاول ~~هؤلاء أن يجدوا في عقل الإنسان وحده هاديا ومرشدا أمينا بصفته فردا صالحا من مجموع ~~إنساني، يختط له خطة من السلوك والأخلاق جديرة بأن تحفظ نظام الهيئة البشرية التي يجب ~~أن تقوم على أساس من الإحساس الأدبي أخفقوا سعيا وضلوا سبيلا؛ لأن الطبيعة لم ~~تحب الإنسان بشيء من هذا. # رجع الناس بعد ذلك مؤمنين بأن وازع ما بعد العقلية، أول عنصر من عناصر المعتقد الديني ~~بل نواته، وأنه الضابط الذي يضبط علاقة الفرد بالجماعة في كل حالة من الحالات وتحت ~~تأثير أي ظرف من الظروف، على أنك تجد أن في النظام الاجتماعي قوتين متضادتين تتنازعان ~~بقاءه: قوة مفرقة وقوة مؤلفة؛ فالقوة المفرقة يمثلها عقل الفرد الأناني المحب لذاته، ~~والقوة المؤلفة يمثلها معتقد ديني يستمد مما فوق عقلية الفرد، وتنحصر وظيفته في أن ~~يحتفظ في تطور الجماعات بإخضاع مصالح الأفراد ومطامعهم لصالح الكل الاجتماعي. وإن الدين ~~في طبيعته ضرب من ضروب المعتقد يهيئ الإنسان بوازع مما فوق عقليته، يضبط سلوكه نحو ~~المجموع. # فإذا أيقنا بعد كل هذا أن الإنسان كائن معتقد كما هو مجتمع، وأن الدين من بين كل ~~معتقداته هو الذي يهيئه بوازع مما فوق عقليته؛ استطعنا أن ندرك كيف أن الخصومة ~~الموهومة بين الدين والعلم مستحيلة، وإلا فلو كان بين الدين والعلم خصومة وعداء، ~~لتحطمت قواعد العلم قبل أن يهتز ركن واحد من أركان الدين. # الدين في النفس الإنسانية ثابت لا ms007 تتغير ماهيته وإن تغيرت مظاهره. وهو فوق ذلك صفة ~~غريزية تلازم طبيعة الإنسان ما دام قد تكون ليكون إنسانا فيه من التكوين الطبيعي ما ~~يجعل للدين ركيزة أثبت في نفسه من ركيزة العلم والفلسفة. وعلى هذا لا يمكن أن يكون بين ~~الدين والعلم تجالد وصراع؛ لأنهما - على الرغم من الفوارق الطبيعية الكائنة بينهما ~~والتي لا تجعل للصراع بينهما مجالا - يستمدان من ناحيتين متباعدتين من نواحي التكوين ~~الإنساني. ~~(4) الفرق بين العلم والفلسفة والدين # ضرورات الحالة الاجتماعية كثيرة متباينة، وهي على كثرتها وتباينها - بل وإن شئت فقل: ~~تناظرها - إنما تستمد من طبيعة الكائن المجتمع وليس من هذه الضرورات ما ينزل عن حد ~~الضرورة ليكون أكثر ضرورة أو أقل ضرورة من غيره، وليس منها ما هو أقرب إلى الكماليات من ~~الحاجيات؛ فإن هذه الضرورات كلها تنزل منزلة واحدة من حاجة المجتمع إليها. # وهي فوق ذلك مستمدة من صفات غريزية في الكائن المجتمع تتشكل في صور مختلفة بمقتضى ~~اجتماعه ليكون كلا اجتماعيا، أو كائنا اجتماعيا كما يقول سبنسر. ومن أول هذه ~~الضرورات أن يكون في الإنسان صفات نفسية وأخرى عقلية. وهذه الصفات بصرف النظر عن ~~مظاهرها الخارجية وباعتبار أنها أشياء كائنة في تضاعيف الفطرة، لا يمكن أن يكون بين ما ~~تنتج تضارب وتجالد، أو عداء وصراع. قد يكون بين بعض ما تنتج من الحالات الاجتماعية ~~جمود يناظره في أخرى نزعة إلى التقدم والارتقاء، وقد يكون في ناحية منها حركة في حين ~~أن ناحية أخرى تتطلب الهوادة والسكون النسبي لتتعادل الكفة، ويحدث الثبات الاجتماعي ~~الذي هو أول صفة من الصفات المطلوبة في جماعة إنسانية يصح أن يقال فيها إنها متحضرة ~~وإنها تقيم عمرانا. # فالعلم مثلا صفة عقلية أصبحت الآن ضرورة من ضرورات المجتمع الحديث، وإن كان العقل - ~~وهو نبعها الفياض - صفة من الصفات الأصيلة في حياة الإنسان الاجتماعية، بل وفي غيره من ~~كثير من الحيوانات الأخرى. وكذلك الدين فهو صفة تستمد مما فوق العقلية البشرية ليسد ~~فراغا في الاجتماع لا يسده العلم. وبين العلم والدين ms008 فجوة لا تسدها إلا الفلسفة. فهذه ~~الدرجات الثلاث أو هذه الصفات الثلاث: صفة أن الإنسان يعلم وصفة أنه يتدين، وصفة أنه ~~يتفلسف ليوفق بين طرفي العقل وما بعد العقل. صفات فطرية في الإنسان أصبحت بطبيعته ~~ضرورات اجتماعية، ولا يمكن أن يكون بين شيء منها عداء وصراع، وإلا أصبح الإنسان عبارة ~~عن مجموعة صفات متناقضة وهيكل من الفوضى المتحركة. هي في الواقع متناسقة متكاملة ~~كالقضية المنطقية التي تتكون من طرفين ووسط، موضوع ومحمول وحد وسط. وهي فوق ذلك لا تنتج ~~إنتاجا صحيحا إلا إذا صحت مقدماتها ... هذا مثل الإنسان في العلم والفلسفة والدين. ~~وكلها ضرورات لا بد منها، وإن استمدت من نواح مختلفة من نواحي الفطرة الإنسانية. هي ~~ضرورات اجتماعية من ناحية أن الإنسان مجتمع، وضرورات فطرية من ناحية أن الإنسان كون على ~~ما فيه غير مخير هواه. # على أننا لا نترك الموضوع عند هذا الحد؛ فلا بد من أن نظهر أن هذه المنتجات لا تتخالط ~~مطلقا، وبذلك لا تتعادى ولا تتصارع. # يقال إن العلم ذو صفات ثلاث؛ يقال إنه تام، إيجابي، موضوعي. وإن الفرق بينه وبين صور ~~الفكر الأخرى أن هذه غير تامة مبهمة ذاتية. إن العلم يؤدي للعقل نواتجه أو فكراته في ~~اصطلاحات محدودة بالتعريف، مباشرة المعنى، بينما تجد أن هنالك عالما في الأدب والنواتج ~~العقلية غير محدود بالتعاريف، رمزي في قوامه غير مباشر المعنى والتعبير. إن العلم ~~يسلم بأن ليس له من دعامة إلا دعامة المعرفة، على أن تكون بينة جلية تامة الوضع. ~~لهذا تجده مناظرا في طبيعته لنواحي الفكر الأخرى المرتكزة على الآراء والاعتقاد ~~والإيمان، ولا يغيب عنا أن هذه المصطلحات إما أن تشير إلى الأسلوب الذي ينتحى في ~~البحث، وإما أن تشير إلى موضوع البحث ذاته. أما العلم فيفخر بأن له أسلوبا ثابتا لا ~~يحتمل الجدل ولا يسع التورط في المسائل الخلافية النظرية. أما بقية فروع الفكر ~~فإما أن تستعير أساليبها من الأسلوب العلمي، وإما أن تطبق أساليب متغايرة لم يجمع ~~عليها الإجماع كله، وإما أن ms009 تأبى الخضوع لأسلوب ما على وجه عام. # 2 # فالعلم يتناول كل الأشياء أو الموضوعات التي تطرأ على أذهان السواد الأعظم ~~من الناس أو تمس مصالحهم، وهي موضوعات قد يبلغ إلى الإحاطة بها كثير من الناس؛ ولهذا ~~يفخر العلم دائما بأن مشاهداته واستنتاجاته خاضعة دائما للتحقيق والبحث آنا بعد آن؛ ~~لذلك تجد أن شطرا عظيما من المشاهدات والاستنتاجات العلمية قد تؤخذ في أكثر الأحيان ~~على أنها حقائق تامة أجمع على صحتها وثباتها، فيمضي الذين لا يأنسون من أنفسهم ~~القدرة على تمحيصها وبحثها، أو الذين تقعد بهم الهمة دون فحص براهينهما، قانعين بأنها ~~أشياء بديهية ثابتة لا مبدل لها. غير أن هنالك أشياء كثيرة تقوم في عقل كل فرد من ~~الأفراد، شخصية في طبيعتها ذاتية في مبعثها، ولهذه الأشياء في أنفسنا من الشأن والخطر ~~ما يعدها من مطالب الحياة وحاجاتها. وإن هذه الأشياء هي المادة الحقيقية التي يتركب ~~منها الفكر الخارج عن ميدان العلم. وهي في جوهرها ومظهرها مناظرة للعالم اليقيني. وفي ~~هذا الشطر من الفكر لا يستطيع شخص بذاته أن يقوم بعمل ينتفع به الكثيرون على نفس ~~الطريقة التي تحتذى في العلم. فالأخذ بالبرهان في ذلك الشطر مستحيل، والإجماع على شيء ~~فيه لا يضم تحت لوائه إلا عددا قليلا من الناس. فالأقوال والنظريات لا يمكن أن تؤخذ ~~في هذا الشطر على أنها حقائق ضرورية لا تحتمل الجدل كما هي الحال في العلم، بل إن كل ~~شخص لا بد من أن يجتاز فيها السبيل الذي اجتازه الذين تقدموه، قبل أن يأنس في نفسه ~~القدرة على قبول ما ألقي إليه والانتفاع بثمراته. # إن الصفة الوحيدة التي تلازم هذا الشطر في الفكر أنه فردي ذاتي في حين أن العلم ~~مهما كانت صبغته ومهما كان أصله عام موضوعي؛ أي إنه غير ذاتي. يرجع إلى الموضوع لا ~~إلى الذات التي تفكر في الموضوع وتفحص عنه. فإذا مثلت للفكر بشيء ذي طرفين متناظرين ~~ألفيت أن العلم الرياضي في أحد طرفي الفكر وأن الدين في الطرف الآخر. وإنك ms010 لتجد أن ~~الاتفاق في الطرف الأول صفة ملازمة، كالاختلاف والتنابذ في الطرف الثاني. نلحظ أن وحدة ~~الفكر صفة ثابتة في الطرف الأول في حين أنك لن تقع لها على ظل في الطرف الثاني. إنها لم ~~تعرف في الدين ولن تعرف، وإنك إذا أردت أن تعبر عن ذلك بالكلام الدارج استطعت أن تقول ~~إن المعرفة والتحقيق لزام الأول وإن الإيمان والاعتقاد لزام الثاني. على أنك فيما بين ~~الطرفين تقع على فراغ كبير يفصل بينهما. إن هذا الفراغ ينشئ في الفكر صورا تصل بين ~~الطرفين فتبرز حينا في هيكل من المعرفة، وآخر في مثال من الإيمان، فيختلط فيها قليل من ~~الأشياء المحققة بكثير من الإيمان والاعتقاد المبهم. تلك المسافة الكبيرة وهذه المفازة ~~المترامية الأطراف - والتي تتوارد عليها صور التغيير والاختلاف - سريعة متعاقبة هي سكن ~~الفلسفة الحقيقي ومنبتها الأصلي. الفلسفة التي تتناول الحقائق ولا تأنف من الإيمان، ~~الفلسفة أصل المعرفة ومصدر الاعتقاد واليقين، الفلسفة حلقة الوصل الواقعة بين الطرفين: ~~طرف العلم وطرف الدين. # 3 # بعد هذا التحليل الدقيق تتساءل: هل يمكن للإنسان أن يكون بلا عقل ليكون بلا علم؟ وهل ~~يمكن أن يكون بلا وازع من فوق عقليته ليكون بلا دين؟ وهل يمكن أن يكون بلا تأمل في ~~الناحيتين ليكون بلا فلسفة؟ هذا مستحيل. مستحيل على الإنسان أن يلغي عقله، أو يلغي ~~وازع ما فوق عقليته، أو يلغي تأمله في حقائق الأشياء. # ثم نتساءل ثانية: هل يمكن أن يقوم بين هذه الضرورات العقلية والنفسية صراع وتجالد، ~~بحيث يمكن أن يقوم بجانب هذا الصراع الشديد حياة اجتماعية، لا تجري فيها الدماء، ولا ~~يعبث فيها بأخص الصفات الإنسانية؟ أما دليلنا الملموس على أن الصراع بين الدين والعلم ~~شيء موهوم فبقاء بناء الاجتماع الإنساني بما فيه من مختلف الصور الناتجة عن العقل ~~والشعور، وثباته وبعده عن التناقض والانشعاب. ~~(5) الصراع بين اللاهوت والعلم لا بين الدين والعلم # إذا صح لدينا أن لا نزاع بين الدين والعلم فما هو السبب؟ إذن في تلك الفجائع التي ~~يرويها التاريخ خلال ms011 القرون الوسطى، بل وفي الأزمان القديمة. وما هو الباعث على تلك ~~الحروب التي قامت بين العلماء والفلاسفة من ناحية، وبين من نسميهم رؤساء الدين من ناحية ~~أخرى؟ # إذا كانت حقائق التحليل النفسي والعقلي تدلنا على أنه لا يمكن أن يقوم صراع بين ~~الدين والعلم؛ لأن هذا مستحيل فطرة وإجماعا. وقفنا أمام وقائع التاريخ - وعلى الأخص ~~تاريخ النشوء العقلي والفكري - نتلمس أسبابا نعزو إليها البواعث التي كونت تلك العناصر ~~التي انطوت عليها صفحات الماضي وكانت سببا في تكوين محاكم التفتيش في القرون الوسطى، ~~لتحرق وتقتل تحت عنوان الهرطقة والخروج على الدين كل من نزع إلى جديد في العلم وكل ~~من كشف عن حقيقة من حقائق الطبيعة. # لم تبلغ الخصومة بين العلم واللاهوت من الشدة ما بلغت في القرون الوسطى وبين أحضان ~~النصرانية؛ فإنك لا تعثر في تاريخ الأديان كلها على تاريخ يشابه تاريخ مذاهب اللاهوت ~~النصراني في قيامها في وجه العلم أزمانا طوالا بل قرونا متعاقبة. والسبب في هذا أنه ~~قامت لدى اللاهوتيين فكرة ثابتة في أن العلم لا يجب مطلقا أن يبشر بشيء فيه أقل مخالفة ~~لظاهر ما جاءت به الأسفار المقدسة والمتون ورسائل الحواريين. ولست تعلم لماذا يكون هذا ~~لزاما على العلماء والفلاسفة مع أن طبيعة الدين لا تسع هذا ولا تدعو إليه. فإن ~~وظيفة الدين في الواقع اجتماعية إرشادية لا تعليمية. ولكن شاءت عقول اللاهوتيين أن تكون ~~وظيفته تعليمية؛ لهذا نشأ ما يسمونه الخصومة بين الدين والعلم، وما هي في الواقع إلا ~~خصومة بين اللاهوت والعلم. وكم من لاهوتي ظهر خلال القرون الوسطى وحاول أن يثبت أن ~~الدين لا شأن له بالعلم وأن وظيفته تنحصر في أن يعرف الناس طريقة الخلاص في الآخرة، لا ~~حركات الأجرام السماوية أو تكوين الأرض كيف يكون! ولكن المذاهب الشائعة في اللاهوت ومن ~~ورائها محاكم التفتيش، لم تكن تترك لأمثال هؤلاء مجالا. وزاد الطين بلة أن اللاهوتيين ~~ومن ورائهم الكنيسة - وعلى رأسها البابوات المعصومون عن الخطأ - كانت قد زكت المذاهب ~~اللاهوتية التي ذاعت ms012 في تفسير الإنجيل والتوراة بإجازتها حينا بعد حين، فأصبحت تلك ~~التفاسير في الواقع مقدسة كأصل المتون نفسها؛ لهذا كانت ثورة اللاهوت في القرون الوسطى ~~حامية ونارها محرقة تلظى. ~~(6) هل بين الدين والعلم عداء حقيقي أو مجازي # يخيل إلى الذين يقولون بأن بين الدين والعلم عداء، وأن بينهما صراعا وجلادا يقوم ~~على شيء في طبيعة الدين يعاند طبيعة العلم، أو أن في طبيعة العلم شيئا يعاند طبيعة ~~الدين: أن الإنسان عبارة عن كائن كل ما فيه عقل صرف وتفكير محض، في حين أن ما كشف عنه ~~علم الاجتماع الإنساني مؤيدا بمباحث العلماء الأعلام في فروع علم البسيكولوجيا قد ~~أثبت بما لا سبيل إلى إدحاضه أن الإنسان عبارة عن مجموعة مشاعر حادة قوية تزكيها نزعة ~~غريزية مما فوق العقل تحكم رابطته بما نسميه الجماعة، أو المجتمع البشري، يقول ديكارت: ~~«أنا أفكر أنا إذن كائن.» والحقيقة أن الوجود والحياة أولى الحالات التي يقوم عليها ~~أساس الجماعات. فلنفكر قليلا في حالة الحياة ذاتها وعلى الأخص في الإنسان المفكر ~~المجتمع لنرى إن كان حبنا للحياة ذاتها شيء يقودنا إليه العقل أو الشعور والخضوع لما ~~بعد العقلية. # إذا وازن الإنسان بين ما ينعم به في هذه الحياة من سعادة وبين ما ينزل به من ~~ملمات فادحات، فلا شك في أن كفة آلامه ترجح كفة سعادته على حسب ما يصور له عقله ~~إضعافا. فإن مطاليب الحياة والسعي الجاد وراء ما تطلب من ضرورات لا تترك للفرد مجالا ~~للمتعة بما يصور له عقله أنه متعة حقيقية. وإذا نظر فيما يحيط به من الحالات الطبيعية ~~ألفى أن الطبيعة التي تحيط به والتي يعيش بين أحضانها خاضعا لقواسرها إنما تناهزه أشد ~~العداء ويقابلها بأشد المقاومة. فهو في الواقع في حرب مستعرة مع العناصر التي تؤلف ~~كيانه. # فالجراثيم القاتلة والوحوش الضارية وتقلبات الطقس وتأثيرات المناخ والتناحر على ~~الحياة والانتخاب الطبيعي وإبقاء الأصلح، بل وكل ما تتطلب نظامات الطبيعة من جهود ~~يبذلها الإنسان ليعيش ويحيا حياة طبيعية، هي بذاتها متاعب لا تجعل ms013 للحياة من قيمة ~~حقيقية إذا نظر الإنسان فيها بعين العقل وحده وجرد نفسه من نوازع ما فوق عقليته. ثم ~~فكر قليلا بعد هذا في هذه الحياة وسائل نفسك: لماذا وجدت؟ ولأي غرض خلقت؟ ~~وما هو القصد من هذه الحياة التي أحياها؟ وما ذلك الموت الذي أنا بالغه يوما من ~~الأيام؟ # وانظر بعد ذلك هل ترضى عن هذه الحياة وهل يكون وجودك فيها ممكنا إن تركت نزعات العقل ~~تحتكم فيك وحدها، أو إن لجأت إليها لتلتمس هدايتها للخروج من هذه الظلمات؟ إن العقل ~~يوحي إليك بأن تفارق هذه الحياة فلا فائدة منها، وأنت فوق ذلك عاجز عن أن تعرف سر ~~وجودك فيها! إنها عبث في عبث وبدء ونهاية لا خلود وراءها، ولا حياة أخرى تثاب فيها ~~على طيباتك أو تعاقب فيها على سيئاتك. يهمس العقل في روعك دائما بأن هذه الحياة التي ~~تحياها وتلك المتاعب التي تتحملها والمشاق التي تذللها إنما تعمل فيها لغيرك لا لنفسك ~~وتتحمل كدورتها للأجيال المستقبلة التي ليس لك من علاقة بها، ولا تعرف إن كانت تستحق ~~منك ما تضحي به من صحة وعافية. # أليس هذا وحي العقل؟ أليست هذه الأشياء هي أول ما يوحي إليك به العقل الصرف المجرد عن ~~المشاعر وقواسر ما فوق العقلية؟ إذن نستطيع أن نقول إن بين العقل والوجود كله صراعا ~~بحكم أننا كائنات لا نعرف لماذا وجدنا ولا نفقه لوجودنا غرضا يختفي وراء مظاهر ~~هذه الحياة. # ثم ارجع بعد هذا إلى نظام الزوجية، وجرد نفسك من المشاعر برهة واحدة لتحكم العقل ~~في هذا النظام الذي لولاه لما كان للاجتماع الإنساني على ما نراه اليوم من أثر. # لماذا يقسر الرجل المرأة على أن تكون له وحده؟ ولماذا تغار المرأة على الرجل إن هو ~~جرى وراء أخرى؟ ولأي شيء يحتمل الرجل والمرأة كلاهما تلك الواجبات؟ ولماذا يلزمان تلك ~~الحدود التي وضعتها الشرائع والقوانين وفي فناء الإباحة ما هو أرخى لعنانهما وأقرب لما ~~يرضي نزعتهما العقلية؟ يسعى الرجل ويكد كل كد ليعول امرأة أراد، ms014 ولا يعرف لماذا، أن ~~يختص بها وتختص به، وأن يقوم حفيظا عليها زعيما بمطالبها في الحياة. يحتمل مرارة ~~العيش ويواجه مصاعب الحياة بلذة وصبر في سبيلها وفي سبيل شيء لا يعرفه. # سائل نفسك لماذا أنت تخضع لنظام الزوجية، ولماذا تجد فيه من السعادة مع مرارة السعي ~~ما لا تجد مع راحة العقل واطمئنانه إلى حياة خلو من المسئوليات والواجبات، وأنت لا تعرف ~~إن كنت تعيش في نظام أساسه العقل الصرف أم في نظام لا تعرف في الواقع لماذا تخضع له ~~إن حكمت فيه العقل، وأردت أن تستوحيه ليهديك في ظلمات ما أنت فيه من نظام؟ # ثم ارجع إلى المرأة وحدها وتصور لهفة بنت حواء إذ نبذتها الطبيعة في صحراء العقم ~~وتركتها بلا عقب. وانظر كيف أنها تغضب على الطبيعة وعلى الحياة وعلى الأحياء؛ لأن ~~القدر شاء لها أن تكون عاقرا غير ولود. # وصور بجانب هذه الصفة المثالية متاعب المرأة في تربية أولادها والقيام عليهم، وما ~~تعرض له حياتها من المخاطر في الحمل والوضع، وتصور كيف أنها تنسى كل آلامها وتغيب عن ~~عقلها كل متاعبها بمجرد أن تضم طفلها إلى صدرها ضمة تفيض معها كل معاني الحياة لا كل ~~حقائقها، فتغمرها في بحر لجي من المشاعر يموت معه العقل ويحيا الوجدان. # ثم انظر في حياة المرأة في مفصلاتها؛ فإنك تجد أنها إنما تعيش للمستقبل الصرف الذي ~~لا يغشاه من التطلع إلى الحاضر غاشية. كل ما فيها من مشاعر، وكل ما تأتيه من أعمال، ~~وكل ما تحتمله من متاعب في هذه الحياة، إنما تتوجه به شطر المستقبل والأجيال التي سوف ~~يتمخض عنها القدر في الأيام الآتية. هذه هي أكبر فضائل المرأة الغريزية؛ تعيش لغيرها لا ~~لنفسها، تعيش لرجلها ولأولادها وتضحي في سبيلهم كل شيء تملكه أو لا تملكه إلا مجازا؛ ~~لتضع للمستقبل عمادا يقوم عليه، وأساسا يرتفع من فوقه بناؤه المشمخر. # جرد المرأة من هذه المشاعر وخلص نفسيتها من قواسر ما فوق العقلية التي تقوم عليها ~~كل هذه الصفات، وحكم العقل فيها ms015 وحده، أو اجعلها تحكم العقل في كل ما تعمل أو تأتي من ~~أفعال. وانظر بعد ذلك كيف يكون المجتمع إذا سادت فيه نزعات المرأة العقلية، وكيف يتهدم ~~الحب وتموت الشفقة، وتنتفي الرحمة؟ وكيف تندك الشرائع السماوية، وتتبدد سلطة القوانين ~~الوضعية؟ وماذا يبقى بعد كل هذا؟ هل يبقى من المجتمع الإنساني عين أو أثر. # وهنا أيضا نستطيع أن نقول بأن بين العقل وبين نظام الزوجية وتضحية المرأة نزاعا ~~وصراعا، وأن بينهما جلادا يجب أن تخضع فيه المشاعر لحكم العقل وحده، كما تقول بأن ~~بين الدين والعلم قتالا يجب أن يتغلب فيه العلم وليد العقل على الدين وليد المشاعر ~~ونزعات ما فوق العقلية في الإنسان. # تأمل في نفسك ساعة وانظر فيما يحف بك من النظم الاجتماعية والقيود الثقيلة التي ~~تربطك بالمجتمع الذي تعيش فيه، والسلاسل والأغلال التي تثقل جيدك وتنقض ظهرك، من ~~واجبات نحو الأسرة والأب والأم والزوجة والوطن والدين والتقاليد وفكرات الشروف والعروض ~~وما إلى ذلك، واستسلم إلى العقل وحده وانزل على حكمه في تلك الأمور عامتها، وجرد نفسك ~~من المشاعر إن استطعت برهة واحدة؛ فإنك لا تلبث أن تجد عقلك وقد أخذ يجر خطاك إلى ~~التخلص من هذه القيود التي لن تجد من عقلك ما يسوغها أو ينزلها على حكم النفع المباشر. ~~لماذا تعيش في أسرة وتحمل نفسك من الأعباء ما لا تطيق وما لا تطيق؟ ولماذا تحب أباك ~~وتحترم واجبات الأمومة وتعطف عليها؟ ولماذا تخضع لعيشة الزوجية وفي مقدورك أن تستعيض ~~عنها بعيش أرغد في نظر العقل وأقرب إلى مطالب الحياة الحرة المطلقة من قيود الواجبات ~~الأدبية؟ ولماذا تحتمل تربية أولادك وتحمل من أجلهم أمر مذاقات الحياة باصطبار ~~وسعادة؟ ولماذا تحب وطنك وتضحي في سبيله نفسك ومالك، وتريق من أجله دمك وأرض الله واسعة ~~الفضاء؟ ولماذا تقيد نفسك بدين تخضع له وفي متسع الإجابة ما هو أرضى لعقلك وأرضى ~~لعنانك وأوجب في رضائك بالحياة؟ # هذه أسئلة يجيبك عليها الشعور جوابا لا يرضاه العقل، ولا تسكن إليه موحيات الأنانية ~~الرسيسة ms016 في طبيعتك. إنما الطبيعة قد خصت الإنسان بشيء يمتلك ناصية عقله ويتحكم فيه ~~التحكم كله. شيء آت مما فوق عقليته ينزل تلك المعاني من نفسه منزلة يخضع لها العقل ~~قسرا عنه، شيء يقال له الفكرة الدينية، فيها من المشروعية المكتسبة بحكم الإجماع ~~العام ما يخضع الفرد المجتمع بحكم المشاعر وتحد من شهوات الفرد المستقل الخاضع لحكم ~~العقل. تلك هي وظيفة الدين الكبرى في الاجتماع الإنساني. # 4 ~~••• # هذه أمثال مقتضبة مما في هذه الحياة من بواعث ما فوق العقلية لو أننا مضينا نضرب ~~فيها الأمثال إذن لملأنا صدر مجلد ضخم حتى نبلغ منها حدا يرضي نزعة البحث الصحيح. ~~وما أتينا بهذه الأمثال إلا لنظهر أنه كما أن العلم لم يصارع بقية ما في الحياة من ~~بواعث ما فوق العقلية الإنسانية صراعا واجهه فيه بالذات، كذلك هو لا يصارع الدين وهو ~~أخص ما في هذه الحياة من الإلهامات العلوية التي تحكم في ما فوق العقل، لا في العقل ~~نفسه. # إنما يصارع العلم صور اللاهوت المذهبي؛ لأن هذه الصور إنما تريد أن تنزل بالدين إلى ~~أفق العلم. تريد أن تجعله دينا وتجعله علما وهنالك يقع الصراع بطبيعة الحال. # لم يشرف القرن التاسع عشر على الختام حتى ودعه العلماء بعدة مستكشفات خطيرة في ~~الموسيقى والكيمياء والتاريخ الطبيعي. غير أن أعظم استكشاف وصل إليه العقل البشري خلال ~~القرن التاسع عشر على معتقدي، تيقن أهل العلم بأن للعلم حدا يقف عنده، هنالك ترك ~~العلم ادعاءه بحق التفرد بالوجود والتسلط وحده على كفايات العقل البشري؛ إذ بان لأهله ~~أن وظيفة العلم تنحصر في وصف حقائق الأشياء. هنالك نامت عاصفة العلم وانتصرت الطبيعة ~~على نزعات الوهم السائدة فيها، وهنالك تحددت المعارف الإنسانية بحسب كفايات العقل ~~الإنساني فترك الدين سلطانه وحدد للعلم حيزه. ~~(7) وظيفة الدين إرشادية لا تعليمية # لقد أبنا في سياق هذا البحث أن العداء لا يمكن أن يقع بين الدين والعلم بصورة ~~مباشرة، وأثبتنا فوق ذلك أن العداء لا يقع إلا بين صور اللاهوت المذهبي والعلم، لأسباب ms017 ~~هي في الواقع ذاتية أكثر منها موضوعية؛ فإن رجال اللاهوت عندما أرادوا أن يفسروا نصوص ~~الكتب المقدسة، ويطبقوا هذه النصوص على الحقائق الكونية جنحوا في الواقع إلى فكرة ~~أساسية كانت السبب الكلي فيما ترى من نتائج ذلك الصراع الذي قام بين معاهد الدين ورجال ~~العلم. وكان أول ما ذهبوا إليه وأدى إلى هذه النتائج الخطيرة قولهم بأن نصوص الكتب ~~المقدسة لا تقبل التأويل، وأنها إنما تزودنا بمعارف الدنيا كما تؤدي بنا إلى الخلاص ~~في الآخرة. وكان لهم في ذلك مذاهب كثيرة أخصها مذاهبهم المعروفة في علم الفلك ~~والجغرافية والخلق وما إلى ذلك. # على أن جهلهم بحقائق التاريخ كان في الواقع من أكبر الأسباب التي حدت بهم إلى ~~الاستمساك بمثل هذه الآراء والوقوف في مثل تلك المواقف الحرجة التي كان من شأنها أن ~~تذيع في بعض العصور مذاهب بلغت من التطرف في الإلحاد أقصى الحدود. فإنهم لم يعرفوا ~~مثلا أن أكثر ما جاءت به الكتب المقدسة وأكثر التفاسير التي فسرت بها تلك الكتب إنما ~~استمدت من أساطير وخرافات ذاعت بين أمم العالم القديم، في مصر والهند وآشورية وبابل ~~والكلدان، وأن هذه التصورات الفرضية قد نماها الزمان وانتقلت باللقاح من جيل إلى جيل ~~ومن أمة إلى أمة حتى أسلمت بها تطورات الاجتماع إلى العصور الحديثة محيكة في صورة كتب ~~مقدسة هي في الواقع ليست بالدين، ولكنها مظهر من مظاهره. # لهذا لا نريد أن نتابع الكلام في وظيفة الدين بإطناب؛ لأن مجال الكلام في هذا واسع ~~كبير. وجل ما نرمي إليه من هذه العجالة يتلخص في شيء واحد هو الاعتقاد بأن وظيفة ~~الدين إرشادية لا تعليمية؛ لأن القول بأن وظيفته تعليمية قد يجر إلى البحث في أصل ~~الأديان ومنشأها ومقارنة بعضها ببعض. وهذا بلا شك يؤدي حتما إلى القضاء على المهمة ~~الأصلية التي من أجلها وجدت الأديان، مهمة الإرشاد والتأثير من طريق الوازع في سلوك ~~الأفراد. # على أننا إن قدمنا اليوم إلى القراء كتاب «تاريخ تنازع البقاء بين اللاهوت والعلم من ~~العصور الوسطى»، ms018 فإنما نقدمه لطبقة من الطبقات المستنيرة في أنحاء الشرق العربي مرنت ~~على مواجهة الحقائق وسكنت إليها وعرفت أن أفضل ما يتصف به الإنسان في هذه الحياة من ~~خلق هو البحث وراء الحقائق لذاتها والسكون إليها مهما كان فيها من المنافاة لما نشأ ~~عليه المرء من التقاليد. # ولا ينبغي أن تمر بي هذه الفرصة دون أن أنبه على أن الأديان ذاتها إنما كانت ~~لتعرفنا الحقيقة من طريق ما. فألواح الوصايا العشر التي نزلت على موسى وجرت عليها بقية ~~الأديان وشرعتها للناس، قد نزلت على قلب الإنسان من قبل عهد موسى، ومضى المشرعون ~~والمصلحون يتبعون مبادئها قرونا قبل أن يعرف الإنسان ما هو التنزيل، فإنك تجد مثلا في ~~«كتاب الموتى» عند قدماء المصريين ألواحا كهذه الألواح عددها عشرة تماما. وتجد ما ~~يماثلها في دين زرادشت وماني وبوذا وكونفوشيوس. # وعلى هذا فإني أعتقد اعتقادا لا يوهنه الشك بأننا إذا أردنا بعزم صادق أن نؤيد ~~الأديان، وأن يكون لنا في هذه الحياة عقائد صالحة لأن تكون دستورا قويما في الحياة، ~~فلنبحث عن الحقائق ولنطرد الأوهام لتقوم الحياة الإنسانية على أساس ثابت لا يدخله ~~الوهم ولا تعمل فيها يد التقاليد. # الفصل الأول # | علم الفلك # (1) النظرية الجيوسنترية: وهي النظرية القديمة المقدسة ~~في تكوين العالم # كان التنازع على العلاقات الواقعة بين السماوات المنظورة والسيار الأرضي محورا ~~لسلسلة من الوقائع تصادم فيها اللاهوت والعلم صداما والتحما التحاما. # نظرت الكنيسة - خلال العصور الأولى - في علم الفلك، نظرة القانع بأنه من الأشياء ~~البائرة؛ اعتمادا على حكمة ظاهرة بشرت بها التوراة، مؤداها أن الأرض لا بد من أن ~~تزول سراعا، وأنه سوف تكون «سماوات جديدة وأرض جديدة»، # 1 # فلماذا إذا إذن إعنات النفس في درس السماوات القديمة والأرض القديمة، ما ~~دامتا سوف تبدلان سريعا بشيء جديد لا نهاية لأوجه تفضيله على القديم المنهار ~~الأركان المتصدع البنيان؟ ولقد يتجلى هذا الشعور بأجلى صوره في قول القديس أوغسطين # st. Augustin # المشهور: «أي شأن لي في أن أعرف ~~إذا كانت السماوات ككرة تتضمن الأرض ms019 معلقة في وسط الكون، أم أنها تشرف مرتكزة عليها ~~من كلا الجانبين؟» # أما الأجرام السماوية فلم يكن اللاهوتيون لينظروا فيها إلا على اعتبار أنها أشباح ما ~~يؤدي النظر فيها إلى شيء، اللهم إلا إلى تأملات تبعث على الورع والتقوى، أما إزاء ~~طبيعتها فإن آباء الكنيسة منقسمون؛ فإن «أوريغن» # Origen # ولفيفا من حوله كانوا يعتقدون بأنها ذوات حية تقمصتها ~~الأرواح. ولقد بني هذا الاعتقاد على الرؤيا المعروفة في التوراة إذ تغني نجوم السماء ~~معا، وعلى ذلك الابتهال الجميل الذي يوجه إلى «النجوم والضوء» في أغنية الأطفال ~~الثلاثة البنيديسيت # Benedicite # تلك الأغنية التي أحسن ~~الجمهور الأنفليكاني # 2 # بأن حافظ عليها في طقوسه الدينية. # وظن آباء آخرون بأن الأجرام السماوية محلات تسكنها الملائكة، وأن الملائكة تحركها. ~~أما الأدريون # Gnostics # فقالوا بأنها كائنات روحانية ~~تحركها الملائكة، وأنها كفت عن أن تدبر حوادث الأرض، ووكل بها أن تشير إليها لا ~~غير. # أما البناء السماوي عامة فقد كان معتقد الكنيسة فيه قائما على ما جاء في التوراة من ~~القول بأنه قبة صلبة القوام ركبت فوق الأرض، وأن الأجرام السماوية أضواء معلقة فيها. ~~وظل هذا المعتقد زمانا ما ثابتا في روع الناس، حتى لقد أعلن القديس «فيلاسطوريوس» # st. Philastrius # في مقاله المعروف عن الهرطقة، # 3 # أن إنكار القول بأن الله يجلب الأجرام السماوية من خزائنه كل ليلة ليعلقها ~~في السماء هرطقة صريحة. بل زعم بأن أي قول مضاد لهذا فيه «إنكار للمعتقد الكاثوليكي». ~~كذلك عاش هذا الزعم في تلك النظرية المقدسة التي قام «قوزماس» # Cosmas # بترويجها وتثبيت دعائمها في القرن السادس؛ فإنه بعد أن ~~أيد نظريته في الكون بآيات كثيرة استمدها من التوراة والإنجيل، وبعد أن جعل العالم ~~عبارة عن علبة مستطيلة الشكل، عظيمة القدر، مغطاة بتلك القبة الصلبة؛ عمد إلى التوراة ~~يستمد من نصوصها ما يعلل به حركة الأجرام، فكون نظرية أن الشمس والسيارات إنما تتحرك، ~~وأن «نوافذ السماء» إنما تفتح وتغلق لهذا الغرض، بأيدي ملائكة وكل إليهم تدبير هذا ~~الأمر كله. # أما ما كتب «القديس ms020 إزيدور» # st. Isidore # أكبر رائد ~~للفكر الأورثوذكسي في القرن السابع فشديد الدلالة على مقدار ما ثبتت هذه المزاعم في روع ~~الناس. فقد مضى معتقدا بأنه منذ خطيئة الإنسان الأولى، وبناء على هذه الخطيئة قلت ~~الأضواء التي كانت تنبعث من الشمس ومن القمر ثم حاول من بعد ذلك أن يثبت بنصوص استمدها ~~من سفر «أشعياء» # Esaiah # أن الإنسان متى خلص من أكدار ~~هذه الخطيئة فإن الشمس والقمر سوف تعود إليهما أضواؤهما التي فقداها بخطيئة الإنسان، ~~وسوف يظهران كما كانا من قبل، بكامل عظمتهما وجلالهما ورائع بهائهما. غير أنه على ~~الرغم من أقوال هؤلاء الثقات، وما بشروا به من الغائبات اللاهوتية، فإن نشوء الفكرة ~~العلمية لم يعقه عائق، ولم يصده صاد عن الانبعاث في سبيله المحتوم. وقد فرخت ~~جراثيم تلك الفكرة حول «النظرية ~~الجيوسنترية» # Geocentric Theory # وهي النظرية القائلة بأن الأرض مركز النظام الكوني، وأن ~~الشمس وبقية السيارات إنما يدرن من حولها. # ظلت هذه النظرية زمانا مديدا حائزة لأكبر قسط من الاحترام والمنزلة في الصدور؛ ~~فإنها نشأت منذ أزمان موغلة في القدم، وظل العقل الإنساني عاكفا على تأييدها؛ لأنها ~~أقرب النظريات انطباقا على حركات الأجرام السماوية الظاهرة للعين المجردة. وقد زادت ~~تسميتها «بنظرية بطليموس» إلى قيمتها، وضاعف من خطرها. ومن أجل أنها ورثت عن العالم ~~القديم، ونقلت عن العالم المسيحي؛ مضى «القديس ~~كليمانت» # st. Clement # الإسكندري يعززها فقال بأن المذبح الذي يوضع عادة في الهيكل ~~اليهودي إنما هو «رمز للأرض ووجودها في وسط الكون.» ولم يحتج إذ ذاك إلى شيء أكثر من ~~هذا لتصبح النظرية «الجيوسنترية» معتقدا مستفادا من معتقدات الكنيسة؛ لأنها «تلائم ~~ظاهرة التوراة وتتمشى مع روحها.» # على هذا الأساس نفسه قامت نظرية مقدسة أخرى في حقيقة الكون خلال العصور الوسطى، حتى ~~لقد اعتبرت أثمن كنز تحويه خزائن الكنيسة العظمى. وزعم أنها آخر ما نزل به الوحي في ~~حقيقة العالم. على أن هذه النظرية لم تقم في الواقع إلا على شتات من النظريات الكونية ~~التي راج في بلاد الكلدان القديمة سوقها؛ ms021 ومن ثم بثت في تضاعيف التوراة ~~العبرية. # قام بترويج هذه النظرية ثلاثة من فحول الرجال: أولهم ذلك الرجل غير المعروف الذي كتب ~~تلك المقالات التي تنسب عادة إلى «ديونسيوس ~~الأريوباغيطي » # Dionistus areopagite # وسرعان ما شاع الاعتقاد بأن هذه المقالات من منتجات ذلك الآثيني # 4 # الذي آمن بتبشير «القديس بولص» # st. Paul # ومن ثم بأنها من عمل «القديس بولص» نفسه. على أن هذه المقالات على الرغم مما ظهر من ~~البراهين الناصعة على أنها منتحلة مدسوسة على الذين نسبت إليهم، فإنها اعتبرت - في ~~عهد ذيوعها - من كنوز الوحي والإلهام؛ حتى لقد أرسلها إمبراطور شرقي إلى إمبراطور غربي ~~كأثمن ما يهدى وأجل ما يمنح. وفي القرن التاسع ذاعت تلك المقالات في غربي ~~أوروبا ذيوعا كبيرا، فأصبحت منبعا فياضا ينضح بصور الفكر، وعلى الأخص في حقيقة ~~النظام السماوي. وبهذا تضخمت الفكرات القديمة التي ذاعت في علم الفلك وانتفخت إلى حد ~~أن رتبت كوكبات السماء - بل سميت - على مقتضى الإشارات التي تناثرت بين دفتي ~~الكتاب المقدس. # أما ثاني أولئك العظماء الذين أشرنا إليهم فهو «بطرس لومبارد» Peter Lombard # الذي كان أستاذا في جامعة باريس؛ فإنه في أواسط ~~القرن الثاني عشر أذاع مجموعته التي أسماها «الجمل» # Sentences # جامعا فيها أقوال آباء الكنيسة؛ فظلت هذه المجموعة أثبت متن ~~للاهوت حتى نهاية العصور الوسطى. وفيها عني عناية خاصة بأمر تلك الفكرة اللاهوتية ~~التي تكونت حول علاقة الإنسان بالكون المحيط به؛ فقضى بأنه «كما أن الإنسان قد خلق ~~من أجل الله - أي من أجل أن يخدمه ويخضع له - كذلك لم يخلق الكون إلا من أجل الإنسان - ~~أي من أجل أن يسخر له ويقوم بخدمته - وعلى هذا ينبغي أن يوضع الإنسان في مركز الكون ~~الأوسط حتى يستطيع أن يخدم الله، وأن يسخر الكون لخدمة نفسه.» # أما مقدار ما كان في هذه النظرية من خطر، وما احتوت من قوة صارعت علم الفلك اليقيني، ~~فذلك ما سوف نعود إلى الكلام فيه، وعلى الأخص لدى الكلام في عصر «غاليليو» # Galileos ~~. # أما آخر حلقة ms022 من ثالوث هؤلاء المفكرين فانتهت بالنابغة القديس «توماس أكونياس» # st. Thomas Akiunas ~~، ذلك القديس اللاهوتي، فخر ~~الكنيسة في العصور الوسطى والحكيم الإنجيلي، # 5 # الذي حاز أكبر عقل جادت به الطبيعة على إنسان منذ عصر أرسطوطاليس حتى عصر ~~«نيوتن» # Newton # هو ذلك الرجل الذي اعتقد أهل زمانه ~~بأنه شبح المسيح مصلوبا قد تحدث إليه بكلمات عبر بها عن إعجابه بما خطت يراعته، ~~كان كبير العقل، صلب القناة، حاد الطبع، غير أنه كان عادلا - بل أكثر من عادل - في ~~تقدير معارضيه واحترام مناظريه، أخرج في النصف الأخير من القرن الثالث عشر موسوعته ~~اللاهوتية # Summa Theologia # وفيها توسع في شرح النظرية ~~المقدسة في الكون بما بلغ بها النهاية والتمام. ولقد استطاع - بما أعطي من قوة العقل ~~والقدرة على التعبير في أبسط الأساليب - أن يطبق تلك النظرية الكونية الفجة من الوجهتين ~~المادية والروحية على العلاقات الواقعة بين الله والناس. # على هذه الصورة بنيت تلك النظرية الكبرى مصبوبة في ذلك القالب الذي كونته عقول ~~ثلاثة من رواد الفكر الإنساني في العصور الوسطى. وعقب عليهم ذلك الرجل الفذ بل ~~النابغة الأوحد الذي استطاع أن يغذي دوحة ذلك المعتقد بما جعل جذورها القوية تمتد إلى ~~أبعد أغوار الفكر الأوروبي، ذلك الشاعر الذي أمده الوحي القدسي بتأييد جعل به تلك ~~النظرية جزءا من حياة العالم الحاف به؛ فالسماوات العليا - عليون - والسماء ~~المتراكزة - ذات المركز - والجنة والمطهر وجهنم، قد صورتها عبقرية الشاعر «دانتي» # Dante # تصويرا جعل الناس يرونها بعين الخيال، كأنهم ~~يرونها بعين الحقيقة. تخيلوا الله في توحيده الثالوثي مستويا على عرشه فوق دائرة ~~الفلك، كأن ذلك كان حقيقة واقعة، كما يرون البابا مستويا على عرش القديس «بطرس»، ~~وتخيلوا سيراف والكروبيم # 6 # والملائكة المزدوجة الأجنحة التي تمثل حملة عرش الله، يحوطون الواحد ~~القهار، كما يروا الكرادلة من حول البابا في أبهته وعظمته. وتصوروا الدرجات الثلاث التي ~~تنزلها الملائكة في السماء، كما يرون الدرجات الثلاث التي ينقسم إليها رجال الكنيسة من ~~أساقفة وقساوسة وشماسة فوق الأرض، ورأوا في مجموعة النظام ms023 الجرمي، وفي دورة كل جرم من ~~الأجرام في دائرة فلك الجرم الذي يعلوه، وفي دورة الكل من حول الأرض مع خضوع ذلك النظام ~~لإرادة «المحرك الأول»، كما يرون النظام الإقطاعي في غربي أوروبا وفي خضوع كل ذوي ~~الإقطاعات للإمبراطور الأعظم. # ولننظر الآن في ذلك الوهم الأكبر - وهو أعظم ما كونت الفكرة اللاهوتية في تاريخ ~~الدنيا - نظرة أدق وأعمق. # إن أول ما يلقى في روعنا هو أن نظام الكون المقدس ليس سوى تفصيلا لما أضمرت، ~~وتضخيما لما صغرت، تلك الفكرات اللاهوتية التي راجت في الأزمان الأولى. فلم تصبح الأرض ~~ذلك السهل المنبسط المحوط بأربعة جدران تعلوها قبة صلبة القوام، كما اعتقد لاهوتيو ~~القرون الأولى تحت تأثير «قوزماس»، ولم تمس قرصا منبسطا تعلوه الشمس والقمر والنجوم ~~لتمده بما يحتاج إليه من ضوء، كما صورها فنانو الكاتدرائيات الأولى، بل أضحت كرة كائنة ~~في وسط النظام الكوني، يحيط بها عدة أفلاك كروية شفافة تديرها الملائكة حول محورها ومن ~~حول الأرض، وكل منها يحوي جرما أو أكثر من أجرام السماء. فالأقرب فلك الأرض ويحمل ~~القمر، ومن بعده فلك عطارد ثم فلك الزهرة ثم فلك الشمس، ثم الثلاثة التي تلي هذه وهي ~~فلك المشترى وفلك المريخ وفلك زحل. والفلك الثامن يحوي النجوم الثوابت، والتاسع هو فلك ~~«المحرك الأول» Primummobile # ويحوي الكل الفلك العاشرة ~~أو فلك عليين، وهذا غير متحرك، وهو الحد الفاصل بين الخلق الكوني المنظور وبين الخلاء ~~الخارجي اللامتناهي، وهنالك - في ضوء يخطف البصر ولا يستطيع أحد الدنو منه - يستوي الله ~~في حدته الثالوثية فوق العرش حيث ترتفع إليه «وموسيقى الأفلاك» إذ هي تتحرك. وعلى هذا ~~ترى أن الفكرة الوثنية في حقيقة الأفلاك قد انقلبت إلى فكرة مسيحية، منبثة في تضاعيف ~~الدين النصراني. # ويقوم على خدمة «الجلالة القدسية» فوق عرشها العظيم جماعات من الملائكة وافرات العدد، ~~تنقسم في ثلاثة منازل أو درجات: فالجماعة الأولى تقوم بالخدمة في عليين، والثانية في ~~السماوات؛ أي بين عليين والأض، والثالثة فوق الأرض نفسها. # وكل من هذه المنازل تنقسم إلى ms024 ثلاث مراتب: الأولى تتضمن مراتب سيراف والكروبيم ~~والملائكة المزدوجة الأجنحة التي تمثل حملة العرش، والمهمة التي يقوم بها هؤلاء هو ~~الغناء المستمر وترتيل الحمد الدائم لله. أما حملة العرش فمنوط بها حمل إرادة الله إلى ~~الدرجة الثانية التي يخدم أفرادها في الأفلاك المتحركة، وهذه الدرجة الثانية تتكون من ~~ثلاث مراتب؛ الأولى: مرتبة الدومنيون وهي التي تتلقى الأوامر الإلهية، والثانية: مرتبة ~~القوات التي تحرك الأفلاك كالشمس والقمر والسيارات والنجوم وتفتح نوافذ السماء وتغلقها، ~~وتدبر كل الظاهرات السماوية الأخرى، والثالثة: مرتبة الحفاظ وغيرهم. # أما الدرجة الثالثة وهي أسفل الدرجات الملائكية، فتتكون من ثلاثة مراتب أيضا: الأولى ~~مرتبة الرؤساء وفيها حفظة الأمم والدول، وبعدها مرتبة رؤساء الملائكة. وهؤلاء يقومون ~~على حفظ الدين ويحملون ابتهالات القديسين وصلواتهم إلى أعتاب عرش الله، والثالثة ~~الملائكة العاديون، وهؤلاء يوكل إليهم أمر العناية بالأشياء الأرضية عامة، ويناط كل ~~منهم بواحد من أبناء آدم، ويناط آخرون بالحرص على صفات النباتات وأنواعها ثم المعادن ~~والأحجار وما شابه ذلك. وفي خلال هذا النظام كله من عرش الله الموحد الثالوث إلى أحط ~~مراتب الملائكة، تجد أسطورة القوة والتأثير المنسوب إلى «المثلث» ذلك الشكل الهندسي ~~البسيط، وإلى العدد «ثلاثة». وهي بذاتها تلك الأسطورة التي أوحت بفكرة التثليث لواضعي ~~اللاهوت الهندي القديم، ومنها نشأ معتقد التثليث عند قدماء المصريين ومن ثم نقلت ~~هذه الهبة اللاهوتية إلى العالم المسيحي، وعلى الأخص من طريق «أتناسيوس» المصري # Athnasius ~~. # ومن تحت الأرض تكون جهنم، وهي مثوى الملائكة الذين عصوا وثاروا تحت إمرة «إبليس» ~~أمير سيراف، وصفي الله من قبل. ولكن من بين أولئك العصاة فئة لا تزال تزود أفلاك ~~السيارات وتسبب للملائكة المطيعين المنيبين ألما وعذابا. في حين أن غيرهم يغشون جو ~~الأرض فيرسلون عليها الصواعق والزوابع والقحط والجليد. وغير أولاء وهؤلاء عصبة خصت ~~بإغراء الجماعات الأرضية يدفعونها إلى ارتكاب الرذائل والآثام. أما الأستاذ «بطرس ~~لومبارد» والقديس «تومس أكويناس» فقد جهدا نفسيهما كل جهد لكي يثبتا أن عمل هذه العصبة ~~الشيطانية إنما يقصد به تنظيم أعمال الإنسان، وتحديد ms025 العقوبات التي يستحقها العصاة ~~تحديدا صحيحا، وعلى قسطاس مستقيم. # كل هذا النظام العظيم قد دس على المذهب البطليموسي بإحكام كبير، حيث استعان ~~الآباء في سبيل ذلك بالمتون الإنجيلية وبأسلوب التفكير اللاهوتي، ولم يكن لذلك من نتيجة ~~اللهم إلا الاعتقاد بأن نظام الكون على هذه الصورة قد أصبح غير قابل للتعديل ولا ~~التحوير، وأنه غائي لا سبيل إلى إدحاضه، وأن القول بما يضاده أو تعمد نقده هرطقة ~~صريحة وكفر بالله. # وظل هذا النظام ثابت الدعائم قرونا عديدة؛ حتى إن كثيرا من جهابذة اللاهوتيين مثل ~~«فنسنت بوفييه» # Vincent of Beauvais # والكردينال «دايلي» # cardinal d’Ailly # قد وقفا كل جهدهما ~~ليظهرا أن هذا النظام تعززه نصوص الكتاب المقدس، لا بل ليثبتا أنه يزكي التوراة ~~والإنجيل. # وعلى هذا ترى أن «النظرية الجيوسنترية» قد امتدت أصولها إلى صميم النصرانية، بل إلى ~~أعمق معتقداتها وآمالها ومخاوفها، وظلت كذلك حتى منتصف القرن السادس عشر ~~الميلادي. ~~(2) النظرية الهليوسنترية # منذ عهد عهيد فرخت في العقل الإنساني جراثيم «النظرية الهليوسنترية» # Hellocentricheory # أي النظرية القائلة بأن الشمس مركز النظام ~~الكوني؛ ففي القرن السادس قبل الميلاد قال «فيثاغورس» Pythagoras # ومن بعده «فيلولاوس» Philolaus # بنظرية أن الأرض والسيارات إنما تدور من حول «نار ~~مركزية». ومن بعد ذلك بثلاثة قرون عمد «أرسطارخس» # Aristarchaus # إلى تقرير هذه الحقيقة بكثير من دقة التدليل وقوة ~~البرهان. وفي ذلك حجة ناهضة على أن تنازع البقاء بين الأسلوبين اللاهوين والعلمي غير ~~قاصر على النصرانية؛ فإن ما قرره «أرسطارخس» من حقائق العلم كان سببا في أن يرمى ~~بتهمة الزندقة والكفران، فغشيت سماء العلم غمامة كثيفة من الحقد والكراهية حجبت أنواره ~~ستة قرون أخرى. ولم تلمع شمس هذه الحقيقة مرة ثانية في سماء الفكر إلا في القرن الخامس ~~من التاريخ الميلادي، حيث ظهرت في تأملات «مارتيانوس كابيلا» # Martianus Capelia # غير أن أضواءها حجبت ثانية وظلت محجوبة ألفا من ~~السنين، حتى أشرقت ثانية في غضون القرن الخامس عشر، ولكن واهنة ضعيفة، في عقل الكردينال ~~«نيقولاوس ده كوزا» # Nicolas de Cusa # منبثة في ~~تضاعيف ms026 ما ألف من أسفار. # غير أن ذلك النظام الكبير الذي أنبتته عقول عظماء اللاهوتيين، وعضدته تلك الصيحات ~~العالية التي انبعثت من قلب «دانتي»، قد أثرت في نشر هذه الفكرات الصحيحة تأثيرا عاقها ~~عن أن تنمو وأن تؤتي أكلها. # ولقد أخذت عناصر العقل الإنساني تزداد خصبا، وفراغه يزداد امتلاء؛ فإن الأساليب التي ~~اعتمدت عليها الرياضيات كانت قد مضت في التهذب والارتقاء، وأخذ النظر يمتد من خلال ~~العدسات الزجاجية إلى الأجرام السماوية. وما بلغ العقل الإنساني هذا المبلغ حتى ظهر في ~~منقطع العمران الأوروبي وعلى حدود «بولاندا» طالب من طلاب العلم واسع النظر طيب القلب، ~~أمكنه بما وهب من كفاءات أن يبشر للعالم الحديث بالحقيقة الناصعة - تلك الحقيقة التي ~~نراها اليوم ضرورة أولية وكانت إذ ذاك من المدهشات الخارقة للقياس - حقيقة أن الشمس لا ~~تدور من حول الأرض، بل إن الأرض وبقية السيارات هن اللائي يدرن من حول الشمس. ذلك ~~الطالب هو «نيقولا ~~كوبرنيكوس» # Nicolas Copernicus ~~. # كان «كوبرنيكوس» أستاذا في «روما» وقد أعلن نظريته هذه هنالك منذ سنة 1500، ولكن ~~بطريقة تشعر بأنها غريبة من غرائب العلم، أو أنها قول من الأقوال التي يناقض ظاهرها ~~الحقائق الواقعة، كما كان شأن الكردينال «ده كوزا» لدى الكلام فيها من قبل، فلم يروجها ~~بين الناس على اعتبار أنها مذهب علمي يعبر أصح تعبير عن حقيقة من حقائق الطبيعة ~~العظمى. وبعد ذلك بثلاثين عاما قام «ودمانستاد» # Wedmanstadt # أحد تلاميذ «كوبرنيكوس» يشرح هذه النظرية للبابا «كليمان ~~السابع»، ولكنها ظلت حتى ذلك العهد عبارة عما لا يخرج عن حيز الظن والتخمين، وسرعان ~~ما نسيت هذه النظرية وأسدلت عليها أستار كثيفة من نزعات ذلك العصر، غير أن ~~«كوبرنيكوس» لم ينسها، وظل يدرسها درسا عميقا، فكان كلما استعمق في درسها أخذت أنوار ~~الحقيقة تشع في عقله شيئا فشيئا، حتى تصور أن حمل هذه الحقيقة الكبرى في طيات ~~عقله وبين نياط قلبه، لا يتفق مع ما يطلب من الأمن والسلام في جو «روما» المفعم ~~بالتعصب، المملوء باستبداد التقاليد، ولقد أيقن بأن إعلان ms027 هذه الحقيقة على أنها نظرية ~~تخمينية أو على أنها زعم يناقض ظاهرة الحقائق الواقعة، قد يمكن أن يكون شيئا يلهو به ~~رجال البلاط البابوي. أما إعلانه إياها على أنها حقيقة بل على أنها الحقيقة، فأمر يخالف ~~الأول مخالفة تامة؛ لهذا تراه يعود أدراجه إلى قريته الصغيرة من أطراف «بولاندا» تارة ~~أخرى. # وكان على يقين من أن نشر فكرته هذه كما تكونت في عقله إذ ذاك أمر لا يخلو من خطر ~~ماحق، حتى في قريته المنعزلة عن عمران العالم الأووبي؛ لذلك ظلت هذه الفكرة ثلاثين ~~سنة أخرى جاثمة في خلايا عقله الكبير وفي عقول أولاء من أصحابه الأخصاء الذين أفضى ~~إليهم سرا بما كان يوحي إليه به ذهنه من آيات الحق الثابت. # وكانت النتيجة أنه أتم كتابه الكبير «حركات الأجرام السماوية» # Revolutiono of the Hevenly Bodis # وأهداه إلى البابا نفسه. وفكر من بعد ذلك في مكان يستطيع أن ينشر فيه كتابه، فلم يجرؤ ~~أن يرسله إلى روما وهنالك تجثم عصابة من رءوس الكنيسة القديمة مرتقبون لمصادرته. ولم ~~يستطع أن يرسل به إلى «ويتنبرج» # Wittenburg # وهنالك ~~رءوس البروتستانت. وما كانوا في ذلك الزمان بأقل عداء لحقائق العلم من زعماء الكثلكة؛ ~~لهذا عهد بالكتاب إلى رجل يدعى «أوسياندر» # Osiander # في نورمبرج. # غير أن شجاعة «أوسياندر» خانته، ولم يستطع أن ينشر الفكرة الجديدة بما يحتاج إليه ~~ذلك العمل من إقدام وبسالة. فكتب مقدمة دنيئة حاول أن يعتذر فيها عن «كوبرنيكوس» تلقاء ~~فكرته هذه، بل اختلق عليه من الفكرات ما خيل إليه أن يكون عذرا مقبولا، فقال بأن ~~«كوبرنيكوس» لم يحاول نشر هذا المذهب على أنه الحقيقة؛ بل على أنه مجرد نظرية تخيلية لا ~~غير، معلنا أنه مما لا يخرج عن طوق القانون أن يهيم فلكي مع موحيات خياله وتصوره، ~~وأن مثل «كوبرنيكوس» في كتابه لا يخرج عن هذا. # وعلى هذا ترى أن أعظم الحقائق العلمية شأنا - بل أكبر ما كشف العقل الإنساني من نظام ~~الطبيعة خطرا وجلالا - تلك الحقيقة العظمى التي تسمو بالدين بقدر ms028 ما تسمو بالعلم، لم ~~تخترق طريقها إلى عالم المعرفة الإنسانية إلا متسللة خفية، دابة دبيب الزواحف بين ~~عقبات من العقائد الزائفة وأشواك من التقاليد. # في الرابع والعشرين من شهر مايو سنة 1543، وصلت أول نسخة من الكتاب مطبوعا إلى حيث ~~كان يقيم «كوبرنيكوس»، ولما أن وضعت النسخة بين يديه كان الجهبذ الكبير محتضرا على ~~فراش الموت. وبعد بضع ساعات كان بعيدا عن هذا العالم، بل بعيدا عن أن تصل إليه أيدي ~~أولئك الأنقياء الذين ربما كانوا قد هدموا مجده هدما، وأذاقوه الموت ألوانا، لو لم ~~تعجل به إلى العالم الثاني خطاه. # غير أنه لم يكن بعيدا عن أن تناله الأيدي الفاجرة بإثمها؛ فإن الموت نفسه لم يكف ~~لأن يكون حجابا يحجب عنه الأذى والكفران. والظاهر أنهم خافوا أن ينزلوا العقاب المادي ~~بالجثة الهامدة، فاكتفوا بأنه لا يذكر على شاهد قبره شيئا عن جهوده العظيمة التي بذلها ~~في حياته، ولا أن يشار بحرف واحد إلى استكشافه العظيم، وأن ينحت على قبره دعاء قال فيه ~~واضعه: «اللهم إني لا أسألك غفرانا كما غفرت لبولص، ولا إحسانا كما أحسنت إلى بطرس، ~~ولكن أسألك أن تنعم علي كما أنعمت على اللص وهو معلق فوق صليب الإعدام.» ومضى على ~~ذلك ثلاثون عاما، تجرأ بعدها صديق من أصدقائه، أن يحفر على قبره تذكارا يشير إلى ~~استكشافه العظيم. # إن المقدمة التي وضعها «أوسياندر» والتي ادعى فيها أن «كوبرنيكوس» قد أذاع ما أذاع ~~على أنه نظرية تخيلية - لا على أنه حقيقة يؤمن بها - قد أدت إلى كل ما خيل إليه أنها ~~سوف تؤدي إليه؛ فقد قطع رءوس الكنيسة من الزمان حقبة لا يقل مداها عن السبعين عاما وهم ~~يفضلون أن لا يثيروا من حول الكتاب عجاجة؛ حتى لقد استطاع أساتذة من أمثال «كالجانيني» # Calganini # أن يلقنوا المذهب الجديد على أنه نظرية ~~فرضية. وعلى الرغم من أن اللغط كان كثيرا ما يرتفع من حول هذا الاستكشاف في الدوائر ~~اللاهوتية بين حين وحين، فإن الرجل لم ينفجر إلا في حدود سنة ms029 1616؛ ذلك لأن المذهب كان ~~قد تركز في عقل «غاليليو» العظيم، فاعقتد أنه حق وأن لا حق غيره، وأخذ يذيعه ويدفع عنه، ~~بل مضى يبرهن على أنه حق مستعينا بالتلسكوب، فصادرت الكنيسة الرومانية الكتاب، على ~~اعتبار أن كل ما قرره كوبرنيكوس في كتابه لا ينال رضاها، أو يصحح بما يوافق مشتهياتها. ~~ولم يكن ذلك التصحيح عندهم إلا الرجوع عن الحق الثابت إلى تلك الخيالات الوهمية التي ~~كانت تدعى ظلما بنظرية «بطليموس». # ولا ينقصك على أنهم لم يقصدوا بالتصحيح سوى هذا النكوص من دليل؛ فلديك الأدلة ناطقة ~~فيما أتوا من فعل في ذلك العام الذي منع فيه «غاليليو» عن أن يلقن علم الفلك أو ~~يناقش فيه مستعينا بقواعد «كوبرنيكوس»، وعندما حظروا ذيوع كل كتاب يبشر بدوران الأرض. ~~وعلى هذا أصبحت قراءة كتاب «كوبرنيكوس» إثما لا يوازيه من عقاب سوى اللعنة الأبدية، ~~وقبل الناس أن يمضوا لهذا القرار خاضعين مهطعين مقنعي رءوسهم. # لهذا خضعت أكبر العقول وأرشد الأحلام؛ فإنهم وإن لم تطاوعهم موحيات عقولهم على أن ~~يؤمنوا بالنظام القديم، فلا أقل من أن يتظاهروا بأنهم به مؤمنون. ولقد حدث هذا حتى بعد ~~أن فتح الطواف طول الأرض للعيون منفذا تنفذ منه إلى الحق، وفرجة ترى منها سبيل ~~الرشاد، ومهما يكن من أمر فإن مثل المبشر اليسوعي «يوسف أكوستا» # Joseph Acosta # لمثل رائع؛ فإن كتابه «تاريخ جزر الهند طبيعيا ~~وأدبيا» الذي نشر في الربع الأخير من القرن السادس عشر، قد هدم كثيرا من القواعد ~~التي كان يرتكز عليها عديد وافر من الأخطاء الفلكية والجغرافية. ففي ذلك الزمان الذي ~~قنع فيه العقل بالنقل، ومضى مثبتا للتقاليد؛ أوحى ذلك المبشر لأهل الأرض بحقائق ~~من العلم أمعن في التبشير بها إلى أبعد حد ذهبت إليه شجاعته، وانتهت بسالته، غير أنه ~~ارتد إزاء حركة الأجرام السماوية محافظا محضا؛ إذ أعلن في غير رهبة ولا خجل أنه ~~«رأى بعيني رأسه القطبين اللذين تدور عليهما السماوات كما تدور الرحى على ~~قطبيها.» # عاش في أوروبا في ذلك العهد رجل واحد هو ms030 «بطرس ~~آبيان» Peter Apian # كان في مستطاعه أن يخدم قضية العلم، وأن يصد تيار الفكرات ~~البعيدة عن حكم العقل، النازلة على حكم الهوى والتقيلد، والتي كان من شأنها أن ظلت ~~متدافقة، أن تذهب بكثير من عظماء الرجال من ميدان التفكير العلمي الصرف، كما تكتسح ~~كثيرين من أحضان النصرانية. كان «آبيان» رياضيا عظيما وفلكيا ثبتا في عصره. ولقد ~~أهلت به مواهبه وكفاياته لأن يصبح معلما في الفلك للإمبراطور «شارل الخامس» # Charles V # وكان مؤلفه في الجغرافية سببا في أن ~~يذيع صيته ويرتفع ذكره، كما كان مؤلفه في الفلك طريقا تنسم منه مراتب الشرف. أما ما ~~أدخل على الرياضيات من الأساليب المستجدة، وما اخترع في خدمة علم الفلك من آلات، فقد ~~نال به ثناء «كبلر» كما تبوأ به مكانة في تاريخ العلم لا يمحو ذكرها كر الدهر وتلاحق ~~العصور. ولقد أتيحت له فرصة كان من الواجب أن ينتهزها لكي يؤدي بها للإنسانية خدمة لم ~~يؤدها. فإنه لما ظهر كتاب «كوبرنيكوس» كان «آبيان» في أوج العظمة والقوة. وإن دفاعا ~~يكتبه «آبيان» في هدوئه وصادق يقينه - حتى لو كان المقصود به معروفا يسدى أو ظلم يمنع ~~- لمن المحقق أن يثمر وأن ينتج نتاجا، وكان من الواجب على تلميذه الصادق الود له شارل ~~الخامس - وهو على عرش ألمانيا وإسبانيا معا - أن يصغي لقولة يقولها، وأن يصيخ لدفاع ~~يتحرك به قلمه، غير أنه لسوء الحظ كان أستاذا في معهد خاضع لأقسى التقاليد الكنسية، ~~ذلك المعهد هو جامعة «إنجولستاد» # Engolstadt # وكان من ~~أول وجباته أن يلقن مبادئ العلم «السلمي»، ويقصد بذلك عدم الخروج بالعلم عن نطاق ما ينص ~~عليه الكتاب المقدس كما فسره أساتذة اللاهوت. فأضاع بذلك «آبيان» فرصة كان من الواجب ~~ينتهزها ليدفع عن حقائق العلم ظلم الجهالة والعتو. ومضى هذا العلامة يلقن مبادئ علم ~~الفلك على حسب نظرية «بطليموس» وحسب موحيات «الأسترولوغيا»، وظل إزاء نظرية «كوبرنيكوس» ~~محايدا لا مؤيدا ولا منكرا، بل ظل صامتا. أما الأسباب التي أدت إلى صمته العميق ~~وقبوعه في قاعة محاضراته ms031 ساكتا، فلن تنسى ولن يغفل عنها باحث في تاريخ العلم، طالما ~~ادعت أية من الكنائس أن من حقها أن تتحكم في برامج التعليم في الجامعات. # وما من شك في أن الكثيرين من الجائز أن ينحوا على الكنيسة الرومانية باللوم من أجل ~~هذا. ولكن الحق أن البروتستانت لم يكونوا بأقل تحمسا في العمل ضد مبادئ العلم الحديث ~~مما كان أضدادهم. فكل فروع الكنيسة البروتستانية - لوثريون، وكلفينيون، وأنغليكانيون ~~- قد تكاتفوا على مقاومة المذهب «الكوبرنيكي» وهم معتقدون أنه مناقض لنصوص الكتاب ~~المقدس. وأخيرا انضم إليهم البيوريتانيون Puritans # سالكين مسلكهم متتبعين خطاهم. قال مارتن لوثر: «يصغي الناس إلى منجم مأفون يحاول أن ~~يثبت أن الأرض تدور، وليس كذلك السماوات والأفلاك والشمس والقمر. ولا جرم أن كل من يريد ~~أن يحوز شهرة اللباقة والنهى يحاول أن يبث مذهبا جديدا زاعما أنه أصح المذاهب ~~وأصدق الحقائق، غير أن هذا الممسوس يريد اليوم أن يقلب قواعد علم الفلك رأسا على عقب ~~في حين أن نصوص الكتاب المقدس تدل على أن «يوشع» قد أمر الشمس أن تقف، ولكنه لم يأمر ~~الأرض.» # أما «ميلانكوتون» # Melanckoton # فإن وداعته قد حالت ~~دون أن يقتفي خطوات «لوثر» في أن يرمي «كوبرنيكوس» بالكفر، بل قال في مقالته المعروفة ~~بعنوان عناصر الفوسيقى Physics Tle Elementsof ~~- والتي ~~طبعت بعد موت «كوبرنيكوس» بستة أعوام ما نصه: «إن أبصارنا تشاهد السماوات تدور في مدى ~~أربع وعشرين ساعة. غير أن أناسا دفع بهم حب التبشير بالجديد أو حب الشهرة قد أذاعوا أن ~~الأرض تتحرك، وأنه ليس كذلك الفلك الثامن ولا الشمس. أما إذاعة مثل هذه المبادئ علنا ~~وبثها في الناس عيانا فليس من سمو الهمة ولا من الأمانة في شيء؛ لأن ذلك يعطي الناس ~~مثلا خطرا مبغوض النتائج. والواجب على الرجل الذي يطلب الخير أن لا يحيد عن الحق كما ~~أنزله الله في كتابه وأن يخلد له.» # ومضى «ميلانكوتون» بعد ذلك ذاكرا مقطوعات من المزامير والمتون الكنسية، رأى أنها ~~تؤيد بجلاء وصراحة مذهب أن الأرض ثابتة تماما وأن ms032 الشمس تدور من حولها، مضيفا إلى ذلك ~~ثمانية براهين أخرى أيد بها زعمه، مستخلصا منها «أن الأرض لا يمكن أن تكون في مكان ما ~~لم تكن في وسط الكون.» ولقد أمعن ذلك الرجل - وهو في نظرنا من أودع المصلحين - في القول ~~بأن من الواجب أن تفرض عقوبات شديدة تصد الذين يريدون أن يبشروا للناس بتعاليم ~~«كوبرنيكوس» عن تبشيرهم، وتزجرهم عن غيهم. # وبينما ترى أنصار المذهب «اللوثري» قائمين يناوئون مذهب دوران الأرض، بل ويرمون كل ~~مؤيد له بالكفر والهرطقة، إذا بك ترى شعبا أخرى من شعب الكنيسة البروتستانتية ~~يتسابقون في تلك الحلبة متناهين. وتبوأ كالفن بكتابه «تعليقات على سفر التكوين» مكان ~~زعامتهم؛ إذ أعلن كفران كل من يقول بأن الأرض ليست في مركز النظام الكوني. وبدأ القول ~~بالإشارة إلى أول مقطوعة من المزمور التاسع والثلاثين ثم تساءل: «من من الناس يجرء ~~على أن يضع سلطة «كوبرنيكوس» فوق سلطة الروح القدس؟» أما «تريتان» # Territin # خليفة «كالفن» المعروف، فإنه أذاع حتى بعد أن مكن «كبلر» ~~و«نيوتن» لنظرية «كوبرنيكوس» و«غاليليو» وأتماها ووضعا لها قواعدها الثابتة، مختصرة ~~اللاهوتي محاولا أن يثبت - مستعينا بكثير من نصوص الكتاب المقدس - أن السماوات والشمس ~~والقمر إنما يدرن من حول الأرض التي هي ثابتة في مركز النظام الكوني. # وإنك لتقع في إنجلترا على مثل من ذلك الجهد اللاهوتي، حتى بعد أن أثبتت التجارب أنها ~~جهود بائرة لا نتيجة لها؛ فإن «هتشنستون» # Hutchinson # في كتابه «مبادئ موسى» ودكتور «صموئيل ~~بيك» # Dr. Samuel Pike # في كتابه «الفلسفة المقدسة» و «هورن» # Horn # والأسقف «هورسلي» # Horsely # الرئيس ~~فوربس President Forbes # في كتاباتهم الكثيرة، قد قاوموا مبادئ نيوتن كل مقاومة، بل ~~هاجموها على نقضها بنصوص الكتاب المقدس، وكذلك دكتور جون ~~أوين # owen john # وهو علم من أعلام المذهب البيوريتاني Puruitanism # فإنه أعلن أن نظام كوبرنيكوس، ليس بأكثر من خيال وفرض، ~~مناقض لنصوص التنزيل، ولم تعد تلك القاعدة جون ~~ويسلي # John Wesley # فإنه أعلن أن الآراء الفلكية الجديدة إنما تسوق إلى الكفر ~~والإلحاد. # ولم يكن عوام ms033 البرتستانت بأقل من الكاثوليك حظا في اتباع مثل هذه التعاليم؛ فإن ~~أهل مدينة «البنج» # Elbing # قد اعتادوا أن يلهوا بمشاهدة ~~رواية هزلية جعل فيها «كوبرنيكوس» موضع السخرية والاستهزاء. وكذلك سكان «نورمبرج» # Nuremburg # وهي من قلاع البروتستانت الحصينة. فقد ~~صنعوا مدالية كتبت عليها عبارات خص فيها الفيلسوف ونظريته بأشد عبارات التهكم ~~والازدراء. # أما السبب الذي حدا بالناس لأن يقفوا ذلك الموقف من «كوبرنيكوس» وتعاليمه، فيتضح لنا ~~جليا إذا نحن عرفنا موقف حفظة العلم وخزنة المعرفة - بروتستانت وكاثوليك - في ذلك ~~العهد، فإن موقفهم إذ ذاك يفسر لنا شيئا من أصل الدعوى العريضة التي يصيح بها محدثو ~~اللاهوتيين زاعمين أن من حقهم أن يمضوا قوامين على التعليم العام، وأن يظلوا قابضين على ~~زمام الخطا التي يخطوها العلم في نشوئه وارتقائه واختلاف متجهاته. ولقد كان لهم اهتمام ~~كبير بما كانوا يسمونه «بالتعليم السليم» من طريق «العلم السلمي»، حتى إنك لتجد في كثير ~~من الجامعات - حتى أواخر القرن السابع عشر - أساتذة قرروا على أن يقسموا بأنهم لن ~~يؤمنوا بالفكرة «الفيثاغورية» أي: الكوبرنيكية الخصيصة بحركات الأجرام السماوية. ولما ~~أن اشتد أوار المعركة وتلظت نيرانها منع الأساتذة من أن يلقنوا تلاميذهم شيئا مما ~~كان يكشف عنه التلسكوب. وكانت تصدر الأوامر بذلك من السلطات الكنيسة إلى الجامعات في ~~«بينرا» و«إنسبروك» و«لوفان» و «دوي» # Douay ~~. ~~و«سلامانكا» وغيرها. وقد نرى أن رءوس تلك الجامعات قد مضوا فخورين أجيالا متعاقبة بأن ~~جامعاتهم ظلت بريئة من تلك الفكرات المضادة للوحي، وأنها لم تلقن لطلابها. على أنه ليس ~~في سماعك أن هذه الأقوال كانت من مفاخر العلماء في ذلك العهد من الغرابة، بقدر ما في ~~سماعك أن بعض السلطات القائمة على العناية بأمر التعليم في أكبر الجامعات الحديثة تفخر ~~بأنها لا تشجع طلبتها على قراءة كتاب «ميل» # Mill # و«سبنسر» # Spencer # و«داروين» # Darwin # ولم تقتصر الجهود على أن يحتفظ بالمعاهد الكاثوليكية ~~الرومانية سليمة من أن تغزوها هذه التعاليم لا غير، بل إنك لتعجب ويحق لك أن تعجب؛ إذ ~~تعرف أن الحقائق التي بثها «كوبرنيكوس» ms034 في مذهبه، لم يعن معهد بأن تظل بعيدة عنه ~~بقدر ما عني معهد «ويتنبرج» # Wittenburg # جامعة ~~«لوثر» و«ميلانكوتون». # في أواسط القرن السادس عشر عاش في «ويتنبرج» - مركز الدعاية البروتستانتية - فلكيان ~~كلاهما حاز شهرة واسعة وصيتا بعيدا هما «ريتيكوس» # Rheticus # و«رينولد» # Reinhold # وكلاهما درس مذهب «كوبرنيكوس» واعتقد بأنه حق، ولكن لم يسمح لهما بأن يلقنا ذلك ~~الحق الثابت لطلابهما. فلم يستطع «ريتيكوس» لا في محاضراته ولا في مؤلفاته التي نشرها ~~أن يذيع المذهب الجديد ولما ضاق بذلك ذرعا ترك منصب الأستاذية في «ويتنبرج» حتى يتاح ~~له أن يبحث حرا وراء الحقيقة، وأن يذيعها. ولم يك «رينولد» بأسعد من زميله حظا؛ ~~فإنه فضلا عن اقتناعه وإيمانه بصحة المذهب الجديد كان مقسورا على أن يدافع عن القديم ~~الفاسد، وأن يلقنه لطلبته، وكان مجبرا على أن لا يذكر الفكرات الكوبرنيكية إلا لينصر ~~عليها فكرات بطليموس. على أنه لم يكن بذلك في مأمن من أن يناله الأذى؛ فقد عهد بتدريس ~~علم الفلك في تلك الجامعة بدلا عنه إلى أستاذ غيره يدعى بيوسر Peucer # سنة 1571، وقد أعلن حينذاك أن في هذا الأستاذ الجديد من حسن ~~التقدير ورجاحة العقل قدرا، حمله على أن يرفض نظرية كوبرنيكوس، معلنا في محاضراته ~~أنها مناقضة لبديهة العقل وغير جديرة بأن تلقن في معاهد العلم. # ومن أجل أن تصبح تلك الفكرات «اللاعلمية» أكثر استقرارا في التعاليم التي كان يذيعها ~~البروتستانت في ألمانيا، وضع الكاهن «هنسل» # Hensel # مختصرا يدرس في دور العلم عنوانه «الرجوع إلى النظام الموسوي في أصل الكون»، أظهر فيه ~~أن مبادئ «كوبرنيكوس» الفلكية مناقضة لنصوص الكتاب المقدس. # ولا شبهة في أن هذه الحملة الكبيرة كان لها أثر بعيد. غير أن صداها ما زال يتجاوب في ~~حقب الزمان حتى انتهى إلى البروتستانتية الحديثة حيث رن ثانية في طرد السلطات المشيخية Presbyterian Auihorifies # لدكتور وودرو # Woodrow # في كارولينا الجنوبية، وفي طرد السلطات الأسقفية الميثودية # Methodist episcopal authorities # للأستاذ «ونشل» # Winchell # في «تنيسي» # Tennessee # وفي طرد «السلطات العمادية» # Baptists # للأستاذ «توي» # Towy # في ms035 كنتكي # Kentuky # وفي طرد ~~الأساتذة من جامعة بيروت تحت تأثير السلطات البروتستانتية الأميريكية. كل هذا لأن هؤلاء ~~الأساتذة الكبار لم يلغوا عقولهم، وظلوا مستمسكين بما أوحت به تعاليم العلم الحديث. ~~وعامة ذا وقع في بضع السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر. # غير أن آيات الحق لم يكن من المستطاع إخفاؤها، ولم يكن من الهين أن يهزأ بها أو ~~تقتلع أصولها؛ فإن كثيرا من كبار أصحاب العقول كانوا قد قبلوها ومضوا بمبادئها ~~قانعين، إلا أنه لم يكن في أركان الدنيا الأربعة من استطاع أن يتفوه بها على مسمع من ~~المقام البابوي سوى رجل واحد. كان هذا المحارب الجديد، ذلك الخالد الفاني «جيوردانو برونو» # Bruno # وما زالت الأقدار تشيل به من أرض وتهبط ~~به في أخرى حتى أعيى؛ فلم يرجع إلى الذين تعقبوه واضطهدوه إلا وبيده وثائق مهلكة من ~~التنديد والطعن المقذع رماهم بها كآخر سهم في كنانته. لهذا حوصر في مدينة البندقية ~~وقبض عليه وألقي في أعمق سجون محكمة التفتيش في روما ستة أعوام طوال ثم أحرق ~~حيا، وذريت مع الريح بقاياه الترابية. ومع هذا فإن الحق لم يمت بل ظل حيا. ولم تمض ~~عشرة أعوام على استشهاد «برونو» في سبيل العلم، حتى أثبت «غاليليو» بمنظاره ما في نظرية ~~«كوبرنيكوس» كلها من حق ثابت. # على أنه في انتصار «غاليليو» تحقيق لنبوءة أخاذة بالألباب. فقد قيل لكوبرنيكوس قبل أن ~~يموت بأعوام: «إذا كانت نظريتك صحيحة فإن الزهرة لا بد من أن ترينا من أوجهها ما يرينا ~~القمر.» فأجابهم: «إنكم على حق، ولست أدري ماذا أقول، ولكن الله رحيم ولا بد من أن يوحي ~~إليكم يوما بما يمكن به الإجابة على ما تسألون.» على أن الله الرحيم زود المتسائلين ~~بالجواب سنة 1611 عندما أظهر منظار «غاليليو»، على ما كان فيه من نقص، أوجه الزهرة ~~لأعين الناظرين. ~~(3) الحملة ضد غاليليو # حول البطل الجديد غاليليو اجتمعت كل القوات وتناصرت معلنة عليه حربا ضروسا. فإن ~~مستكشفاته قد خرجت بنظرية «كوبرنيكوس» من حيز الفروض والتخمينات إلى حيث ms036 وضعت أمام ~~العالم كحقيقة عظمى؛ ولهذا ترى أن الحرب ضده كانت طويلة ممضة. فإن أنصار ما كان ~~يدعى «بالتعليم السلمي» قد أعلنوا أن مستكشفاته لم تكن إلا خداعا، وأن تعاليمه تجديف ~~وكفر بالله. ولقد عاضد الكنيسة أساتذة، جل ما كان فيهم الدعوى والغرور، هاجموا ~~«غاليليو» بآراء آثمة دعوها «مبادئ العلم». أما المبشرون فاستندوا في حملتهم إلى نصوص ~~الكتاب المقدس، كما هاجمه اللاهوتيون ورؤساء محكمة التفتيش ومجامع الكرادلة، وأخيرا ~~بابوان على التعاقب، حتى ظن خطأ أن صوت «غاليليو» قد خفت، وأن تعاليمه قد زالت من عالم ~~المعرفة الإنسانية. # ولسوف أسوق الكلام في هذه المعارك مطنبا؛ لأنني لم أجد - في كل ما بحثت من الكتب ~~التي نشرت في اللغة الإنجليزية - تلخيصا جامعا لمفصلاتها، ولأن تاريخ هذه المعارك ~~لم يشع عليه من نور التاريخ شعاع صادق إلا بعد أن أذيعت حقائق كثيرة، ونشرت وثائق ~~ذات خطر عن محاكمة «غاليليو»، وكانت قد ظلت مطوية بين جدران الفاتيكان، حتى طبعت ~~لأول مرة بعناية «ليبنوا» # L’ Epinoi # سنة 1867، ومن بعد ~~بعناية «جلبر» # Gilber # و«برتي» # Berti # و«فافارو» # Favarou # وغيرهم. # قامت أول حملة ضد «غاليليو» سنة 1610 عندما أعلن أن منظاره استطاع أن يكشف للعين عن ~~أقمار السيار «جوبيتر» أي المشترى. فإن أعداءه قد رأوا أن هذا الاستكشاف قد خرج بنظرية ~~«كوبرنيكوس» عن حيز الفرض والتخمين إلى حيز الحقائق؛ فلم يمهلوه بل ناصبوه العداء ~~سراعا، معلنين أن طريقته والنتائج التي تترتب عليها منافية للبديهة، كما أنها مدعاة ~~للكفر والإلحاد. أما إزاء أسلوبه فإن الأساتذة الذين تربوا في أحضان «العلم السلمي» ~~ومن ورائهم الكنيسة، قد أعلنوا أن الطريق القومي الذي رسمه الدين لكي يكون وسيلة للوصول ~~إلى الحقائق المتعلقة بعلم الفلك، هو طريق التفكير اللاهوتي المدعم على أساس النصوص ~~المنزلة في التوراة والإنجيل. وعلى هذه المقدمة بنوا نتائج عديدة منها أن ~~«أرسطوطاليس» لم يكن يعرف شيئا من الوحي الجديد، وأن الإنجيل قد أظهر بكل الأساليب ~~التطبيقية المعروفة أنه لا يمكن أن يوجد أكثر من سيارات سبع، وبرهانا على ذلك ms037 وجود تلك ~~المناير السبع التي ذكرت في سفر رؤيا يوحنا ~~اللاهوتي # The Apocalypse # 7 # ثم المناير السبع ذوات الشعب التي في هيكل سليمان، وكنائس آسيا السبع. أما ~~مذهب «غاليليو» فيترتب عليه - بمقتضى القياس المنطقي - أن تتهدم الحقائق الكنيسية ~~وتزول. لهذا ترى أن الأساقفة والقساوسة، قد حذروا قطعانهم أن يؤخذوا بآراء «غاليليو» ~~الجديدة، كما أهاب كثير من أهل اليقين بمحكمة التفتيش أن تمد يدها إلى الأمر، وأن ~~تتناول الهرطوق سريعا بعدلها، وبلا مرحمة. # وعبثا حاول «غاليليو» أن يبرهن على وجود الأقمار من حول المشترى بأن يريها للمشككين ~~من خلال منظاره. فإنهم كانوا لا ينظرون فيه على اعتقاد أن النظر من خلاله كفر، وإذا ~~نظروا ورأوا الأقمار بالفعل أنكروها على اعتبار أنها خيالات يصورها الشيطان فيجتنبونها، ~~حتى لقد أعلن الأب «كلافياس» # Clavins # أنه لكي ترى ~~أقمار المشترى، صنع الناس آلات تخلق الأقمار من حوله وهما. وعبثا حاول «غاليليو» مرة ~~أخرى أن يحمي ذمار الحق الذي كشف له عنه بكتابات وجه بها إلى «كاستلي» # Castelli # البنديكتي، وإلى الغراندوقة «كريستين» # Christine # أظهر فيها أن تفسير الآيات المقدسة تفسرا ~~حرفيا، لا يجب أن يطبق على حقائق العلم. فلم يفز من ذلك بجواب، اللهم إلا بفكرة أن ~~مثل البراهين التي بثها في كتبه تلك إلا تزيده إلا مقتا واقتناعا بهرطقته وأنه أشد ~~إفسادا من «لوثر» ومن «كالفن» معا. # إن الحرب ضد «النظرية الكوبرنيكية» بعد أن ظلت حتى ظهور «غاليليو» في همود، قد اشتعلت ~~نيرانها وتلظت بعد ظهوره. ولقد أعلن رجال الكنيسة أن أعظم برهان على فسادها وقوف الشمس ~~ليوشع. وزاد إلى ذلك اللاهوتيون فقالوا: «إن دعائم الأرض مثبتة تثبيتا بحيث إنها لن ~~تتحرك أو تتحول عن مكانها. وإن الشمس تجري كل يوم من أحد طرفي السماء إلى الطرف ~~الآخر.» # غير أنه على الرغم من ذلك كان منظار «غاليليو» يجوب أنحاء السماء، ولم يلبث غير قليل ~~حتى أوحى للناس بآية أخرى، تلك هي جبال القمر ووديانه، فكان من ذلك حملة أخرى وحرب ~~جديدة. # هنالك أعلن رءوس الكنيسة ms038 أن في القول بجبال القمر ووديانه وبأنه يستمد نوره من انعكاس ~~ضوء الشمس على سطحه، مناقضة صريحة لما جاء في سفر التكوين من أن القمر عبارة عن ضوء ~~عظيم، ومما زاد الطين بلة أن أحد الفنانين قد خط على وجه القمر في صورة دينية رسمها، ~~صورة جبال ووديانه، بعد أن وضعه في مكانه العادي، تحت قدمي العذراء. ولم يكن لذلك من ~~نتيجة سوى أن يذاع أن ذلك الفعل انتهاك لحرمة شيء مقدس، وأن الفنان هرطوق كافر ~~بالله. # ولم يقف الأمر عند هذا الحد فإن الحرب اشتد أوارها وحمي وطيسها، عندما كشف المنظار عن ~~بقع الشمس - أو كلفها - وعندما استنتج من حركة تلك البقع وتنقلها فوق سطحها أن الشمس ~~تدور حول محورها، فإن المونسنيور «إلسي» # Elci # من جامعة ~~«بيزا» Pisa # قد حظر على «كاستلي» # Castelli # الفلكي أن يذكر بقع الشمس لتلاميذه. وكذلك ~~الأب «بوساوس» # Busaeus # في جامعة إنسبروك # Inspruck # فإنه منع الفلكي «شينر» # Scheiner # عن أن يذكر بقع الشمس وإن كان قد رآها وفرض لها تعليلا ~~«سلميا» على رأي الكنيسة، وأن لا يعلن الاستكشاف بين جدران الجامعة أما في كلية ~~«دوي» # Douay # وجامعة «لوفان» # Luvain # فإن هذا الاستكشاف قد لعن وجرح، فأصبح لعنه قاعدة اتبعتها كل ~~الجامعات في أوروبا ومثالا حذت عليه الكليات. على أن الأمر لم يقف عند هذا الحد في ~~إسبانيا، فإن هذه المستكشفات وأمثالها قد بلغت هنالك من المقت حدا كبيرا، حتى لقد ~~حظر التبشير بها حظرا شديدا في جامعة «سلامانكا» أشهر جامعات إسبانيا وأبعدها صيتا، ~~ولم يرفع ذلك النير العقلي إلا منذ عهد قريب. # على مثال هذا تكون النتائج دائما، كلما عهد بالقوامة على ما تخرج عقول الألباء من ~~ثمار إلى أولئك الذين لا يرون في الدنيا لشيء من خطر بقدر ما يرون في خلاص الأرواح، دون ~~خلاص العقول. وما من شيء هو أكثر من هذا تلاؤما مع تلك الفكرة التي وضعها حديثا فئات ~~مختلف من رجال الكنيسة، كاثوليك وبروتستانت، والتي يزعمون فيها أن من حق الكنيسة ms039 أن ~~تسيطر على نشر الحقائق العلمية وأن تدبر شئون المعاهد العلمية والجامعات. # إن رؤية الكلف الشمسية لم يقتصر إعلانها على «غاليليو» في إيطاليا، بل أعلن رؤيتها ~~الأستاذ «فابرشياس» # Fabricius # في هولاندا. وهنالك عمد ~~الأب شينر # Scheiner # إلى التأويل محاولا التوفيق بين ~~اللاهوت والعلم، وبشر بنظرية علمية زائفة لم تنتج إلا أمر الثمر، ولم تنل إلا السخرية ~~والازدراء. # على أن الحرب لم تنم عاصفتها، بل إن نزعات الفكر زادتها احتداما؛ فإن الأب ~~«كاكاشيني» # Caccini # قد عمد في إحدى خطبه إلى نصوص ~~من الكتاب المقدس مستندا إلى النص القائل: «أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين ~~تنظرون إلى السماء؟!» لم يلبث أن يذيعها حتى شحذت المدى مسددة إلى قلب الفلكي الكبير. ~~فإن «كاكيني» لم يكد ينتهي من خطابه حتى خلص بنتيجة محصلها «أن علم الهندسة رجس من عمل ~~الشيطان.» وأن الرياضيين يجب أن يبعدوا نفيا، على اعتبار أنهم النبع الذي يفيض بصور ~~الهرطقة. ولهذا ترى أن السلطات الكنسية قد خلعت على «كاكشيني» حلل الشرف بأن رفعت ~~منزلته وحبته برضوانها. # أما الأب «لوريني» # Lorini # فلم يبرهن فقط على أن ~~تعاليم «غاليليو» مدعاة للهرطقة، بل أثبت أن فيها إنكارا لوجود الله، وحرض محكمة ~~التفتيش على التدخل في الأمر. وكذلك الأسقف «فيزول» # Fiesole # فإنه كان شديد العداء لنظام «كوبرنيكوس» فسب «غاليليو» ~~علنا، وشكا أمره إلى الغراندوق. وعلى هذا خيل إلى رئيس أساقفة «بيزا» أن أقوم سبيل ~~يتبع هو أن يحوط «غاليليو» سرا وأن يرسله مقبوضا عليه إلى محكمة التفتيش في روما. ~~وعلى الضد منه كان رئيس أساقفة «فلورنسا» فإنه اكتفى بأن يعلن أن المذهب الجديد مناقض ~~للكتاب المقدس. أما البابا «بولص الخامس» ففضلا عما كان يتظاهر به من الود لغاليليو، ~~داعيا إياه أكبر فلكيي الأرض، مهيبا به أن يزور روما، فإنه أوحى سرا إلى رئيس ~~أساقفة «بيزا» أن يستجمع الأدلة التي تؤدي إلى إدانته. # في هذه الآونة ظهر على مسرح الحوادث الكردينال «بيلارمين» # Bellarmin # أكبر مدافع عن الدين، وهو رجل من أعظم من أقلت الأرض من ms040 ~~اللاهوتيين. كان معتدلا مخلص السريرة، واسع العلم ولكنه كان شديد الاقتناع بوجوب أن ~~يوافق العلم نصوص الكتاب المقدس. أما الأسلحة التي تزود بها رجال من طابع «بيلارمين» ~~وطينته، فأسلحة لاهوتية صرفة. وقفوا أمام العالم مظهرين ما يترتب على النتائج السوأى ~~التي تؤثر في اللاهوت النصراني، إذا ما ثبت بالبرهان أن أجرام السماوات إنما تدور حول ~~الشمس، ولا تدور من حول الأرض. وكان أعظم ما استندوا عليه من المعتقدات الدينية قولهم ~~بأن ما يدعي «غاليليو» من صحة استكشافه يهدم كل ما تسند إليه النصرانية من فكرة الخلاص. ~~وقرر الأب «ليكارز» # Lecarze # أن المذهب يغشى معتقد تجسد ~~الأقنوم الثاني # 8 # بشكوك ممضة. وقال آخرون: «إنه يقلب أساس اللاهوت رأسا على عقب، فإذا كانت ~~الأرض سيارا، وليست أكثر من سيارة بين سيارات عديدة تجوب الفضاء؛ إذن فلا يتفق أن يكون ~~قد سخرت لها كل تلك الأشياء الكونية، مما يعتبر من دعامات المعتقد النصراني. وإذا كان ~~هناك سيارات أخرى وكانت حكمة الله تقتضي أن لا يخلق من شيء عبثا؛ ترتب على هذا أن تكون ~~تلك السيارات مأهولة. وهنا نتساءل كيف يمكن أن يكون أهلها قد تنسلوا عن آدم؟ وكيف يمكن ~~أن يرجعوا بأصلهم الذين هم مدينون بوجودهم له إلى سفينة نوح؟ وكيف نعتقد بأن المسيح ~~منقذ النوع الإنساني قد كفر عنهم؟» ولم يكن هذا الأسلوب قاصرا على لاهوتيي الكنيسة ~~الرومانية، فإن «ميلانكوتون» وهو بروتستانتي، قد اتبعه في حملته على «كوبرنيكوس» ~~ومدرسته. # وإلى هذه الكتلة اللاهوتية العظيمة تضاف قوة أخرى، ظلت ترسل على المذهب الجديد نارا ~~تلظيها المتون اللاهوتية، والنصوص المنزلة. # غير أن نيران الحرب ما زالت تزداد تسعرا واحتداما، بعد أن اتخذ فيها من الأسلحة بعض ~~ضروب تستحق أن نخصها بالعناية. تلك أسلحة من الهين أن نبحثها وأن نحيط بها علما؛ لأنك ~~تراها أينما وليت وجهك في ميدان حرب صورع فيه العلم. ولكنها في ميداننا هذا قد ~~استخدمت بطريقة جعلتها أرهف حدا وأمضى نصلا، منها في كل ميدان آخر. وما هذا السلاح ~~المحدود الغراب ms041 سوى كلمتين: أولاهما كلمة «ملحد»، والأخرى كلمة «كافر بالله». كلمتان ~~طالما وجهتا لكل إنسان حاول مرة في تاريخ الدنيا أن ينفع بني آدم من أية طريق ~~وبأية وسيلة. أما الجدول الذي يحوي أسماء هؤلاء الكفرة الملحدين، فتنطوي دفتاه على ~~أسماء أعظم من سارت به قدم من رجال العلم والمنقطعين للدرس والمستكشفين والعاملين على ~~هناء الإنسانية. سدد ذلك السلاح القوي إلى صدور أمثال إسحق نيوتن وباسكال ولوك وملتون، ~~وحتى إلى صدر فينيلون وهووارد. # لم يبق من البراهين التي أقامها الباحثون على وجود الله من برهان نقل في منازل ~~البقاء ليصل إلى رجال الأعصر الحديثة، سوى ما أقام «ديكارت» # Dekeartes # مستمكنا من نفوسهم وعقولهم. ومع كل هذا فقد حاول لاهوتيو ~~البروتستانت في هولاندا أن يوقعوه تحت آلات العذاب، وأن يلقموه الموت لقمة سائغة بتهمة ~~أنه كافر بالله. وعلى هذا السنن سار لاهوتيو الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في ~~فرنسا، فإنهم خيبوا له كل أمل في الحياة، ولم يغفلوا عن أن يحرموه من كل ما كان يستحق ~~من تشريف وتمجيد بعد موته. # لم تعد هذه «النعوت» لتتخذ سلاحا في عصر التمدين الحديث. # 9 # فإنها سهام مسممة بل كرات متفجرة طالما أشعلت في الجماهير نار الكراهية والحقد، وكم ~~انتشر حولها من دخان أعاق العيون عن أن تنظر إلى حقائق الأشياء كما هي. بل كم من مثل في ~~التاريخ يدلنا على أنها أحرقت نفس الأيدي التي أشعلتها. تلك سهام تقطع نياط ~~الأمهات المشفقات، وتختطف أرواح الأبناء وهم في حجور الآباء، وقد تصيب صميم القلب ~~الخافت والجسم جثة هامدة؛ لأنها لا تترك من ورائها سوى جروح مسمومة في قلوب أولئك الذين ~~هم كانوا لهم أكثر حبا وعليهم أشد إشفاقا؛ حذر أن يفوتهم الخلاص الآخرون، أو أن ~~ينصب عليهم الغضب القدسي، ولا مرية في أن هذا السلاح - خلال ذلك الزمان - ولو أنه ~~كثيرا ما بلغ من الحدة مبلغا أقض مضاجع الآباء المشفقين وأفزع الأمهات المشفقات، كان ~~فيه بعض الضعف والانحلال؛ لأنه كثيرا ما كان يصيب المعتدين بضربات أقسى من ms042 تلك التي ~~كانت تصيب المعتدى عليهم على أن الحال لم تكن على هذه الصورة في أيام «غاليليو»، فإن ~~هذا السلاح كان في عهده على أشد ما ظهر حدة وتسميما للقلوب والأفكار. # على أن رئيس أساقفة «بيزا» لم يستنكف أن يتخذ من عدد الحرب ما هو أحط من ذلك وأدنى، ~~فإن هذا الرجل - الذي لم تكسب كاتدرائيته من الشهرة ما سوف يبقى ذكرها إلى آخر الدهور، ~~إلا باستكشاف «غاليليو» لسنة من سنن الطبيعة الكبرى وصل إليها من مرآة قنديلها يهتز ~~إلى الجانبين أمام مذبحها - لم يكن من أولئك الأساقفة الذين جبلوا من طيبة «بوروميو» # Borromeo # أو «فينيلون» # Fenelon # أو «شفيروس» # Chverus # فإن ~~من سوء حظ الكنيسة، بل ومن سوء حظ الإنسانية كلها أن يكون رئيس أساقفة «بيزا» في ذلك ~~العصر رجلا متعصبا دساسا، دبر بإحكام طريقة الإحاطة بالفلكي الكبير والقبض ~~عليه. # كتب «غاليليو» بعد أن حرمت الكنيسة مستكشفاته، إلى صديقه «كاستللي» وإلى الغراندوقة ~~«كريستين» كتابين أراد أن يظهر فيهما أن ما وصل إليه من الحقائق الكونية من المستطاع ~~جعلها توافق ظاهر التنزيل. ولقد حاول رئيس أساقفة «بيزا» بإشارة من محكمة التفتيش في ~~روما أنه يحصل على الكتابين، وأن يظهرهما عند الحاجة؛ برهانا على أن غاليليو قد نفث ~~سموم الهرطقة في تضاعيف اللاهوت، وفي تضاعيف المتون المنزلة، وبذلك يقع بين براثن محكمة ~~التفتيش لهذا مت رئيس الأساقفة إلى «كاستللي» أن يريه الخطاب الأصلي المكتوب بخط ~~«غاليليو» نفسه ولكن «كاستللي» رفض. وهنا تظاهر كبير الأساقفة «لكاستللي» إفكا وزورا ~~بما يحمل في نفسه من كبير الاحترام لنبوغ «غاليليو» وأنه مشوق لأن يعرف أكثر مما عرف من ~~مستكشافته، على الضد مما كان يكتب به إلى رئاسة محكمة التفتيش من الطعن والتحرض ضد ~~«غاليليو». تلك حقيقة كشفتها البحوث الحديثة منذ عهد قريب. ولما أن أخفق في حيلته هذه ~~خلع قناع الرياء، وأعلن الحرب صراحا. # إن رواية الوقعة التي دارت من حول «غاليليو» جانب لتحطيمه وجانب لنصرته، لشيء يلذ ~~سماعه، لو لم يكن فيها من الأمثال أسوأها ms043 ومن الرذائل أشنعها، كانت دسائس من جانب يقوم ~~من الجانب الآخر ما يفسدها، وكانت مؤامرات في ناحية يدبر في ناحية أخرى ما يحبطها، وكان ~~كذب وكان تجسس، ومن وراء كل هذه الدنايات جماهير غفيرة من قساوسة وأساقفة ورؤساء أساقفة ~~وكرادلة، وبابوان هما بولص الخامس Paul V # وأربان الثامن # Urpan VIII # تغلي مراجل صدورهم، متجادلين ~~متشاحنين، مولولين منادين بالويل والثبور، وعظائم الأمور. # غير أن القوات المتناحرة كانت شديدة المرة. ففي سنة 1615 دعي «غاليليو» ليقف أمام ~~محكمة التفتيش في روما، وبذلك تهيأت تلك الحفرة العميقة التي طالما عمل العاملون على ~~حفرها تحت قدميه. وعهد إلى فئات منوعة من لاهوتيي محكمة التفتيش أن يبحثوا قضيتين ~~استمدتا مما كتب «غاليليو» في كلف الشمس، فظلوا يبحثون شهرا من الزمان، ثم ~~أصدروا قرارهم فقالوا بأن «القضية الأولى» - قضية أن الشمس ثابتة في مركز النظام الكوني ~~وأنها لا تدور حول الأرض - تجديف مضاد للبديهة ومناقض لقضايا اللاهوت، وأنها هرطقة ~~لمعارضتها تصريحات لنصوص الكتاب المقدس. وأما القضية الثانية - قضية أن الأرض ليست في ~~مركز النظام الكوني، ولكنها تدور من حول الشمس - فأمر مناقض للبديهة منقوض في الفلسفة، ~~وفيه من وجهة النظر اللاهوتي منافاة للمعتقد الصحيح. # هنا تدخل البابا بولص الخامس بنفسه في الأمر مرة ثانية، وأمر أن يقف «غاليليو» أمام ~~محكمة التفتيش ليجيب على التهم الموجهة إليه، فوقف أعظم عالم أقلته الأرض في زمانه، ~~أمام أعظم لاهوتي أظلته السماء في القرن السابع عشر. وقف «غاليليو» أمام «بيلارمين». ~~وشرح «بيلارمين» لغاليليو خطأ رأيه وأمره أن يقلع عنه. أما «ده لودا» # De louda # فقد تزود من البابا بخطاب حمله إلى محكمة ~~التفتيش يأمر فيه بأن يلقى الفلكي العظيم في أعماق سجون التفتيش، ما لم يقلع عن رأيه ~~ويعلن عن فساده. وهنا أمر «بيلارمين» «غاليليو» أن يذعن «باسم قداسة البابا وباسم كل ~~المجامع التابعة للبلاط المقدس، مقلعا عن الاعتقاد بالرأي القائل بأن الشمس مركز ~~النظام الكوني وأنها ثابتة، وأن الأرض تتحرك، وأن لا يلقن هذا الرأي لأحد أو يدافع عنه ms044 ~~أو ينشره بأية وسيلة شفويا أو تحريرا.» # فاستسلم «غاليليو» لقضاء القوة، وأذعن لهذه الإرادة، وتعهد بأن يظل مطيعا لها، ~~أمينا عليها وفيا بعهدها. # حدث هذا في سنة 1616، وبعد ذلك بأسبوعين تحرك «مجمع الفهرست» كما تثبت ذلك الخطابات ~~والمستندات التي ظهرت حديثا - تحت تأثير البابا بولص الخامس - مصدرا بلاغا جاء فيه ~~«أن المذهب القائل بحركة الأرض المزدوجة حول نفسها ومن حول الشمس فاسد، فضلا عن أنه ~~مناقض تماما لنصوص الكتاب المقدس.» وأن هذه الفكرة محظور تلقينها للناس أو الدفاع ~~عنها. وفي هذا البلاغ نفسه حرمت ولعنت كل كتابات «كوبرنيكوس» «وكل الكتابات ~~التي تثبت حركة الأرض.» وكذلك حرم على الناس قراءة كتاب «كوبرنيكوس» القيم، حتى يحور ~~بما يلائم ما ترى محكمة التفتيش من رأي في نظام الكون، وكذلك كتابات «غاليليو» و«كبلر» ~~قد شملها البلاغ بتحريمه كل الكتب التي تثبت دوران الأرض، وإن لم تذكر بإعلامها. # ولقد أثبتت هذه النواهي في الفهرست. # 10 # أما المقام البابوي نفسه، مقام القاضي المعصوم من الخطأ المبرأ عن الزلل، ~~بل المعلم الذي يوحي لأهل الدنيا بما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فوقع ~~على صدر الفهرست بالخاتم البابوي المعروف، مباركا تلك النصائح بتصديقه القدسي عليها ~~وإجازته لها. # وظل «غاليليو» بعد صدور هذا الحكم زمانا في روما. ومن الظاهر أنه لم يمكث بها إلا ~~ليجد لنفسه مخرجا من المصاعب التي أحاطت به، ولكنه لم يلبث غير قليل حتى تحرجت به ~~الحال لما كان يعانيه من اضطهاد السلطات الكنسية له فعاد إلى «فلورنسا» إذ دعي إليها، ~~وظل قابعا في صومعته بالقرب من المدينة لا يحرك ساكنا، مكبا على علمه كل إكباب، من ~~غير أنه ينشر شيئا، اللهم إلا خطابات كان يبعث بها سرا بين حين وآخر إلى أصدقائه في ~~أطراف أوروبا. # غير أنه لم يلبث على ذلك غير قليل حتى تبدلت الحال. فإن الكردينال «بربريني» # Berberini ~~- وكان يتظاهر بحرية الرأي والإخلاص ~~لغاليليو - أصبح بابا متخذا لنفسه اسم «أربان الثامن» فتجددت الآمال في صدر «غاليليو»، ~~وأخذ يعلن ms045 أنه لا يزال حريصا على معتقده في صحة مذهب «كوبرنيكوس». وهناك تجددت الحوادث ~~القديمة؛ إذ طلب إلى «غاليليو» أن يعود إلى روما ثانية، واجتهد البابا «أربان الثامن» ~~أن يخدعه عن مذهبه، أخذا على نفسه مئونة التعب لكي يظهر للفلكي الكبير خطأ ما يذهب ~~إليه بالدليل والبرهان. ولكن كثيرا من المعارضين لم يجدوا في أنفسهم من سعة الصدر ما ~~وجد البابا؛ إذ ظهرت كتب عديدة تهاجم هذا المذهب. كتب لم يراع واضعوها أبسط ما تتطلب ~~الرجولة من صفات؛ لأنهم - وهم ينشرون مؤلفاتهم - كانوا يعلمون علم اليقين بأن «غاليليو» ~~كان ممنوعا بالقوة من أن يدافع عن نفسه. ومن أجل أن تقيم الكنيسة برهانا جديدا على ~~ضعفها وعجزها عن أن تمضي قوامة على بث التعاليم العليا، قطعت عن «غاليليو» راتبه كأستاذ ~~في جامعة «بيزا»؛ ومن ثم كثر اللغط من حوله والجدال. بل بدأت المعاول تحفر من تحت ~~قدميه هوة جديدة. فكما أن رئيس أساقفة «بيزا» قد حاول من قبل أن يخدعه بكلمات حلوة ~~ليستجمع ضده دلائل يسلمه بها إلى محكمة التفتيش، كذلك فعل من بعد الأب «غراسي» # Grassi # وبعد أن أخفق في عدة محاولات أراد بها أن يخرجه ~~من الصمت إلى الكلام بالتمليق طورا وبالوعد طورا آخر، فاجأه بأن أعلن أن آراءه تسوق ~~إلى إنكار الوجود الحقيقي لسر الأوخارستيا؛ أي تناول القربان المقدس. # في الهجوم الأخير على «غاليليو» تناصرت قوات عظمى لتصب عليه نارا حامية. تلك نار قد ~~ترى في كل الميادين التي يكون فيها العلم طرف قتال. وما هي في الحقيقة إلا طريقة ~~الاتهام العام. ففي سنة 1631 قام الأب ملشوار إنخوفر # melchoir ~~Enchoer # المنتمي ~~إلى اليسوعيين، واستجمع من حوله كل ما استطاع من قوة لينحي بها على كاهل «غاليليو» ~~معلنا أن القول بحركة الأرض أسف كل ضروب الهرطقة وأكبرها إثما، وأشدها في الدين قدحا ~~وأقذعها قذفا، وإن ثبات الأرض معتقد مقدس ثلاثا، وإن البرهنة على فناء النفس ~~الإنسانية وعدم خلودها وإنكار وجود الله وامتناع الجسد، أشياء يمكن أن يتسامح فيها قبل ms046 ~~أن يتسامح في البرهنة على أن الأرض تتحرك. # أما في الجانب الآخر من أوروبا فقد ارتفع صوت تجاوبت من حوله أصداء قوية، إذ أخرج ~~اللاهوتي «فروماندرس» # Fromandus # من بين جدران ~~كاتدرائية «أنفرس» مقالته التي سماها «ضد ~~أرسطارخس» # anti-Aristarchus # ونشرها في الناس. وبدأ أول صفحة منها بلعنة «كوبرنيكوس» ~~مثبتا أن الوحي العلمي الجديد لم يكن سوى توسع في شرح نظرية وضعها من قبل فلكي من ~~الوثنيين. وأعلن «أن التنزيل يقاوم كوبرنيكوس وأنصاره.» ومن أجل أن يثبت أن الشمس تدور ~~من حول الأرض رجع إلى المزامير التي تتكلم في الشمس وفي إشرافها «كما تخرج العروس من ~~خدرها.» ولكي يبرهن على ثبات الأرض رجع إلى سفر الجامعة # Ecclesiastes # مستندا إلى نص يقول بأن الأرض ثابتة ~~إلى ما لا نهاية # 11 # ومن أجل أن يظهر فساد نظرية «كوبرنيكوس» من طريق المشاهدة تراه يقول بأن ~~هذه النظرية لو كانت صحيحة فلا بد من أن يستمر الهواء هابا من جهة الشرق على الدوام، ~~وأن البنايات المشيدة فوق الأرض بل الأرض نفسها، كان ينبغي أن تطير هائمة في الفضاء ~~بقوة اندفاع عظيمة تستلزم أن يتهيأ الناس بمخالب كمخالب القطط، حتى يستطيعوا أن يبقوا ~~فوق ظهرها بأن يثبتوا مخالبهم فيما تصل إليه من الأجسام. ولم يلبث عند هذا، بل عمد إلى ~~«أرسطوطاليس» وإلى القديس «توماس أكونياس» مستعينا باللاهوت والعلم معا؛ لكي يبرهن ~~على أن الأرض يجب أن تثبت في المركز، وأن الشمس يجب أن تدور من حولها. # على أن مقاومة نظرية «كوبرنيكوس» لم تقتصر على المتعصبين من أهل الدين، فإن رجالا ~~عظام القدر كبار الخطو مثل «جان بودن» # Jean Bodin # في ~~فرنسا و سير «توماس برون» # sir Toomas Browne # في ~~إنجلترا قد أعلن كلاهما أن مذهب «كوبرنيكوس» مناف لنصوص التوارة والإنجيل. ~~(4) انتصار الكنيسة على غاليليو # بينما كانت أخبار الانتصار على «غاليليو» وعلى الحق الثابت كشف له عنه، تنهال من كل ~~ناحية وتتجاوب بأصدائها نواحي أوروبا، كان الفلكي الكبير مكبا على كتابة مقالة قصيرة، ~~وضعها في صورة محاورة أورد ms047 فيها كل البراهين التي تؤيد نظريتي «كوبرنيكوس» و«بطليموس» ~~وكذلك البراهين التي تنقضهما، معلنا خضوعه لكل ما يمكن أن تفرض محاكم الكنيسة من ~~الأوامر، إذا سمح له بطبعها ونشرها. وفي النهاية وبعد مناقشات طويلة استغرقت ثمانية ~~أعوام، رضي رؤساء الدين أن تطبع تلك المقالة، وعلق طبعها على شرط مزر، هو أن يكتب ~~الأب «ريشيارديني» # Ricciardini # رئيس البلاط المقدس، ~~مقدمة تتفق وما يرى في الأمر من رأي، وأن يوقعها «غاليليو»، وفيها استعرضت نظرية ~~«كوبرنيكوس» على زعم أنها أضغاث أحلام ونزعات خيال، وليست بشيء جدي ينافي مذهب ~~«بطليموس» الذي حققت محاكم التفتيش صحته بعناية البابا «بولص الخامس» سنة 1616. # ظهرت رسالة «غاليليو» الجديدة التي سماها «المحاورة» # Il Dialogo # سنة 1632 وصادفت نجاحا باهرا؛ لأنها هيأت مؤيدي مذهب ~~«كوبرنيكوس» بأسلحة جديدة مرهفة النصال، محدودة الغراب، أما المقدمة فلم يبق في أوروبا ~~موضع قدم لم تحدجها فيه العيون بنظرات السخرية، أو ترسل إليها الثغور فيه بسمات ~~الازدراء، على الرغم مما كان فيها من روح الورع والتقوى، وكان هذا سببا في أن يثير ~~انفعال أعدائه وهنالك هب اليسوعيون والدمنيكيون، بل والأغلبية العظمى من رجال الدين ~~من مراقدهم، وعادوا إلى النار القديمة ينفخون في رمادها، فيوقظون لهبها، ويسعرون ~~ضرامها؛ لتبلغ ألسنتها إلى حد لم تبلغ إليه من قبل. وفي مركز حلقتهم وقف البابا ~~«أربان الثامن» ليشرف بهامة الجبار على ما يترامى حواليه من لهيب الفتنة الذي اضطرم، ~~بعد أن كاد يكون رمادا، ليزكيه بما يبعث به قلبه من وقود الحقد والكراهية. وهذه القوات ~~العظيمة ناءت بجماعها على كاهل «غاليليو». # مست هذه النار «غاليليو» في موضعين؛ الأول: مقامه العالمي وعزة نفسه؛ جزاء له على أن ~~يضع براهين البابا التي فاه بها لدى محاولة إقناعه بفساد مذهبه في فم شخص من أشخاص ~~المحاورة، وجعله البراهين التي تنقضها في فم شخص غيره. والثاني: شعوره الديني. ولقد كان ~~ما مسه من الضر في الثانية أبلغ مما مسه في الأولى ولطالما كرر ذو القداسة المعصوم ~~لكل من وقعت عليه عينه من الناس ما ms048 في الكتاب المقدس من نصوص التنزيل التي تثبت إثباتا ~~قاطعا وبلا شبهة من تأويل، أن الشمس والسيارات إنما يدرن من حول الأرض، وأن إنكار ~~ذلك إنكار للوحي نفسه ولا شبهة في أنه لو صح أن يقال ~~بأن رجلا من رجال الدين كان في ذلك العصر أبعد من غيره عن التأثر بروح الحق واليقين، ~~فإن «أربان الثامن» كان أبعد الناس جميعا عن تلك الروح تلقاء هذا الأمر كله. # من حول «أربان الثامن» تراكت أعظم كتلة كونها سوء الحظ وأربتها التعاسة التي أحاطت ~~بالكنيسة القديمة في كل عصورها، فلو أنه كان واسع العقل متسامحا مثل «بنيدكت الخامس عشر # Benediekt XV ~~» أو لو أنه فقه كيف تكون ~~الاستقامة والاعتدال مثل «بيوس السابع Pius VII ~~»، أو ~~لو أنه حاز شيئا من صفات العلم والاستعماق في الدرس مثل «ليو الثالث عشر # Leo XIII ~~»، لما ناءت الكنيسة تحت أحمال تلك الفضائح التي حوطت ~~قضية «غاليليو»، ولأصبح في مستطاع المدافعين عنها أن يفخروا أنها فتحت - بلا خوف ولا ~~رهبة - باب عصر جديد ينعم بخيراته أبناء آدم، بدل أن يلجئوا إلى تلك الضروب المختلفة ~~من المواربة والخداع؛ ليلقوا عن أكتافها مسئولية تلك الأضرار العظمى التي أصابت ~~الإنسانية. # ولكن الأمر لم يكن كذلك فإن «أربان الثامن» لم يكن بابا لا غير بل كان أميرا من بيت ~~«بربريني # Berberini ~~» فأخذته العزة بالإثم ومضى ~~مغضبا، كيف أن براهينه تناقش بين الناس علنا وبلا حجاب! # أثمرت أول الدسائس التي دبرها أعداء «غاليليو» ثمرة مباشرة الأثر إذ حرم بيع ~~كتابه، ولكنهم سرعان ما رأوا هذه الوسيلة غير مجدية نفعا؛ لأن الطبعة الأولى من الكتاب ~~كانت قد انتشرت في كل بقاع أوروبا؛ وهنا تضاعف سخط «أربان الثامن» وزاد غيظه، ولم يكن ~~لديه من سبيل يتبعه إلا أن يضع «غاليليو» ومؤلفه بين يدي محكمة التفتيش، وعبثا حاول ~~«كاستللي» البنيديكتي أن يقنع غيره بأن «غاليليو» يحترم الكنيسة، ولا يهزأ بمبادئها، بل ~~سدى ضاعت كل جهوده في سبيل أن يثبت لرجال الكنيسة «أنه ما من شيء يمكن ms049 عمله الآن من ~~شأنه أن يمنع الأرض عن الدوران.» ولكنه طرد مغضوبا عليه مقصيا به عن الكنيسة، وقسر ~~«غاليليو» على أن يقف أمام تلك المحكمة المهيبة المخيفة واحدا فردا بلا مدافع أو ~~نصير، وهنالك عذب مرارا عديدة بأمر البابا «أربان الثامن» وهذه حقيقة طالما خفي ~~على العالم أمرها، ولكنها عرفت الآن وفضح سرها. وكذلك اتضح من المستندات التي حفظت ~~حتى اليوم عن محاكمته، أنه حمل على أن ينكر مشايعته لمذهب «كوبرنيكوس» تحت تأثير ~~التهديد والوعيد، وأنه سجن بأمر البابا بيد أن رءوس محكمة التفتيش يرجعون في كل هذا ~~إلى السلطة البابوية وكل تلك الجهود العظيمة التي بذلت في سبيل أن تخفي الكنيسة ~~الإجراءات قد ذهبت سدى وكل العالم اليوم إنما يعلم علم اليقين بأن «غاليليو» قد أهينت ~~كرامته، وسجن وهدد تهديدا هو العذاب الجسماني بعينه، وأنه قسر أخيرا على أن يعلن ~~جاثيا على ركبتيه، الاعتراف الآتي: # أنا غاليليو، وفي السبعين من عمري، سجين جاث على ركبتي، وبحضور فخامتك، ~~وأمامي الكتاب المقدس الذي ألمسه الآن بيدي، أعلن أني لا أشايع - بل ألعن ~~وأحتقر - خطأ القول وهرطقة الاعتقاد بأن الأرض تدور. # 12 # إنه ولا شك قد غلب على أمره؛ لأنه قسر على أن يظهر أمام كل الأجيال القادمة بمظهر ~~الحانث في قسمه بعد مغلظ الأيمان. ومن أجل أن يتم انتصارهم عليه، وأن يثلموا ما بقي ~~له من شرف النفس، اضطر على رغم منه أن يقسم بأن يبلغ إلى محكمة التفتيش أمر كل رجل ~~من رجال العلم يمكن أن يعرف عنه أنه يؤيد هرطقة القول بدوران الأرض. # ولقد أثار قسم «غاليليو» هذا عجب الكثير من الناس، حتى إن ذلك كان سببا في أن ينكر ~~عليه بعض أبناء عصره لقب «الشهيد»، غير أن هؤلاء الرامين عن قوس الشعور بما يقولون، لم ~~يقدروا ظروف الرجل قدرها. فقد كان شيخا كبيرا عمر إلى السبعين من السنين المثقلة ~~بالهموم والأحزان، وقد حطمته آمال الدنيا ومخاوفها، وهدمته متاعبها وواجباتها، وكم سعى ~~متلهفا من «فلورنسا» إلى «روما» مكبا على ms050 وجهه، ونصب عينيه تهديدات البابا بأنه إذا ~~تأخر عن القدوم «أخذ في الإغلال» وكان فوق ذلك مريض الجسم والعقل، سليم إلى أعدائه ~~بيد الغراندوقة التي كان من الواجب أن تحميه وأن تحيطه بعنايتها، ولم يكد يبلغ روما ~~حتى احتوته غرف التعذيب وانصبت عليه الآلام ألوانا، ولقد كان يعرف جيدا ما هي محكمة ~~التفتيش وكان يلوح له شبح «جيوردانو برونو» بين اللهيب ماثلا أمامه كأنما ذلك كان ~~بالأمس الفارط، وفي نفس تلك المدنية ومن أجل «هرطقة» العلم والفلسفة. وكان يتذكر أنه من ~~قبل ثمانية أعوام أحيط برئيس أساقفة «سبالاترو» # Spalatro ~~«ده ~~دومينيس» # De Dominis # وسلم إلى محكة التفتيش متهما «بهرطقة العلم» وبقي بين ~~براثنها حتى مات في جوف السجن، وأنه أحرق بعد موته ما كتب على مرأى من المؤمنين. # ولقد استمر اضطهاد «غاليليو» كل أيام حياته. كلا، بل بعد مماته؛ لقد بقي في المنفى ~~بعيدا عن أسرته، بعيدا عن أصدقائه، مقصيا به عن صناعته النبيلة، وقسر على أن يظل ~~خاضعا لعهده بأن لا يتكلم في نظريته. ولما أن توسل إلى أعدائه وهو بعد يعاني أشد آلام ~~المرض وأعظم تباريح السقام، مقرونة بأقصى الآلام النفسية التي سببتها الكوارث التي نزلت ~~بأسرته، طالبا أن يمنح من الحرية قدرا ضئيلا، كان التهديد بإلقائه في غيابات السجن ~~على ملتمسه الصغير جوابا. ولما أن قررت لجنة خاصة عينتها السلطات الدينية بأنه أصبح ~~أعمى لا يبصر، وأنه ذهب ضحية المرض والحزن، منح بعض الحرية ولكن بحدود جعلت تلك ~~الحرية استعبادا. ولقد أجبر على أن يواجه هجمات أعدائه على نفسه وعلى نظريته، ~~هجمات الازدراء والسخرية والتضليل، من غير أن ينبس ببنت شفة أو يحرك بالرد لسانا، ورأى ~~الذين محضوه الصداقة والحب والاحترام، ينزل بهم العقارب الصارم والظلم الفادح، فنفي ~~«شيامبولي» # Ciampoli ~~«كاستللي» ورأى «ريشياردي» ~~رئيس البلاط المقدس و سكرتير البابا، يبعدهما «أربان الثامن» عن وظيفتيهما محقرين. ~~ورأى عضو محكمة التفتيش في «فلورنسا» يوبخ أقذع توبيخ؛ لأنه أمر بطبع كتابه. وعاش ~~ليرى الحقائق التي استكشفها تكتسح من كل الكليات ms051 الكنسية ومن كل جامعات أوروبا، بل ليرى ~~عضو محكمة التفتيش يأمر بأن يستبدل كل نعت طيب يردد به ذكره في أي كتاب يراد طبعه، ~~بأخبث النعوت وأحط الذكريات. # ولقد أخذ رجال الكنيسة يعدون العدة بعد ذلك ليتموا تحطيم نظرية «كوبرنيكوس»، ~~وأن يهدموا البراهين التي أقامها «غاليليو» على صحتها ففي 13 يونية سنة 1633 أمر المجمع ~~المقدس، بعد موافقة البابا الذي كان قائما إذ ذاك، أن يرسل الحكم الصادر ضد «غاليليو»، ~~وكذلك إقراره إلى كل «قاصد رسولي» # Nuncio # في أوروبا ~~بأجمعها، وإلى كل رؤساء الأساقفة والأساقفة وأعضاء محاكم التفتيش في إيطاليا. وفي هذا ~~المستند التاريخي صدرت الأوامر مشددة بأن يعلن الحكم والقسم معا «إلى كل القساوسة، وأن ~~يحيط به فضلا عنكم كل أساتذة الفلسفة والرياضيات؛ حتى يعرفوا لماذا حاكمنا «غاليليو» ~~وأن يحيطوا علما بمقدار ما في هذه الخطيئة من خطر فيجتنبونها، وليبتعدوا جهد مستطاعهم ~~عن أنواع العقاب التي لا بد من أن تنزل بهم إذا ما وقعوا في حالة تشبه حالة ~~غاليليو.» # وكان من نتيجة هذا أن اجتمع كل أساتذة الفلسفة والرياضيات والفلك في مختلف الجامعات ~~في أنحاء أوروبا وقرئ عليهم هذا الصك. ولقد كان هذا ~~العمل بردا وسلاما على قلوب اللاهوتيين جميعا، فكتب عميد جامعة «دوي » # Douay # ذاكرا رأي «غاليليو» إلى القاصد الرسولي في ~~بروكسيل يقول: # لقد ظل أساتذة جامعتنا على معاداتهم لتلك الفكرة التعصبية عاكفين، حتى إنهم ~~لم يتركوا فرصة تمر دون أن يعبروا عن رأيهم في أنه من الأوفق أن تزول ~~تماما؛ ففي جامعتنا الإنجليزية «بدوي» لم نوافق مرة على ترويج هذه المتناقضات، ~~ولن نوافق على ترويجها في المستقبل. # ثم تقدم رجال الكنيسة خطوة أخرى؛ فقد صدرت الأوامر لأعضاء محكمة التفتيش، وفي إيطاليا ~~على الأخص بأن لا يسمحوا بإعادة طبع شيء من كتب «غاليليو» أو ما يشابهها من الكتب. ~~وكذلك طلب إلى اللاهوتيين - بعد أن سكت «كوبرنيكوس وغاليليو وكبلر» - أن يدحضوا ~~براهينهم وينقضوا أقوالهم بالقلم واللسان، وهنالك فاضت الكنيسة على أوروبا بسيل عرم من ~~البراهين الناقضة لمذهب «كوبرنيكوس». ms052 # ومن أجل أن يصبح العمل تاما كاملا، ثبت في الفهرست الكنسي أمر يحرم «كل الكتابات ~~التي تثبت دوران الأرض» وأمضى البابا أمرا، على اعتبار أنه المعصوم عن الخطأ وأنه ~~المعلم الملهم قدسيا، والقائم حفيظا على الدين والآداب والمعتقد، مقيدا بتلك ~~الدينونة ضمير كل شخص أظله العالم النصراني. # من بين الكتب التي ظهرت بإرشاد الكنيسة بعد إدانة «غاليليو» رامية إلى اقتلاع جذور ~~النظرية الكوبرنيكية من عقول الناس، نختار كتابين اثنين نتخذهما مثالا وعظة: الأول ~~كتاب خطته يراعة «سيبيو شيارمونتي» # Scipio Chiarmonti # وأهدي إلى الكردينال «بربريني»، ومن بين البراهين التي أقامها ضد دوران الأرض نذكر ~~البرهان الآتي: # للحيوانات التي تتحرك أطراف وعضلات ... أما الأرض فليس لها أطراف ولا عضلات ... ~~فهي على ذلك لا تتحرك. إنها الملائكة التي تحرك زحل والمريخ والشمس وغيرها في ~~دورتها. فإذا كانت الأرض تدور فينبغي أن يكون لها ملك في مركزها يدفعها إلى ~~الحركة. ولكن لا يأوي في مركز الأرض إلا الشياطين فلا بد من أن يكون شيطانا ~~ذلك الذي يعطي قوة الحركة للأرض. # إن السيارات والشمس والأجرام والثوابت ~~إنما تتضمنها فصيلة واحدة، هي فصيلة النجوم. وظاهر أنه من الخطأ الفاحش أن توضع ~~الأرض - وهي مباءة القاذورات - بين تلك الأجرام السماوية، التي هي أشياء قدسية ~~نقية صافية . # أما الكتاب الثاني الذي اختاره من بين ركام تلك الكتب المتشابهة، فكتاب «بولاكو» Polacco # المسمى «الكاثوليكي ضد كوبرنيكوس» # Anticopernicus Catholicus # وقد عمد ~~فيه كاتبه أن يوجه لهرطقة «غاليليو» سهما مسددا وفيه يقول: # ينص الكتاب المقدس دائما على أن الأرض ساكنة، وأن الشمس والقمر ماضيان في ~~حركتهما. ولكن إذا رأينا يوما أنهما ثابتان لا يتحركان، فإن الكتاب المقدس ينص ~~على أن ذلك إنما يكون لمعجزة كبرى. # إن هذه الكتابات يجب أن تحظر حظرا باتا؛ لأنها تبشر بمبادئ في موقع الكرة ~~الأرضية ودورتها تناقض نصوص الكتاب المقدس، وتنافي التفسير الكاثوليكي لتلك ~~النصوص، وتزعم بأن هذه المبادئ حقائق، لا مجرد فروض تخيلية. # ولما تناول كتاب «غاليليو» قال فيه: إنه «مستمد من روح كوبرنيكوس» وأنه ms053 «عندما اتضح ~~هذا لأعضاء محكمة التفتيش زج ب «غاليليو» في السجن وقسر على أن يعلن عدم مشايعته لهذه ~~الطريقة الخاطئة وأن يعلن عن فسادها.» # أما سلطة الكرادلة في إصدار قرارهم فقد تناولها «بولاكو» بالكلام مبرهنا على أنهم ما ~~داموا «موضع استشارة البابا»، وأنهم «إخوته» فإن عملهم يكون واحدا، في حين أن البابا ~~لا يفترق عنهم إلا بكونه مصطفى وأنه محبو بعلم لدني قدسي. # وبعد أن ظهر أن كل ما في الكتاب المقدس من الأسانيد الوثيقة، وكل الفكرات التي فاض ~~بها البابا والكرادلة، تناقض نظريات الفلك الحديثة، حاول أن ينقض النظرية بدليل مقتطع ~~من المشاهدات الطبيعية فقال: «إذا سلمنا بأن الأرض تتحرك، لما أمكننا أن نعلل السبب في ~~أن سهما يطلق رأسيا في الهواء يعود إلى الهبوط في نفس المكان، بينما تكون الأرض وكل ~~ما عليها حسب التعاليم الجديدة مندفعة في الوقت نفسه بسرعة فائقة، متحركة نحو الشرق. ~~ومن ذا الذي لا يرى أن فوضى عظيمة في نظام الأشياء من اللازم أن تترتب على مثل هذه ~~الحركة؟» # ثم عمد إلى الغيبيات الفلسفية مقتطعا منها بعض البراهين فقال: «إن حركة الأرض حسب ~~نظرية «كوبرنيكوس» أمر مخالف لطبيعة الأرض ذاتها؛ لأنها ليست فقط متبردة صلبة، بل إنها ~~تحوي في عناصرها طبيعة البرودة أيضا. ولا خفاء أن البرودة تقاوم الحركة بل إنها تفنيها ~~بتة، كما هو الظاهر في الحيوانات، فإنها تعجز عن الحركة إذا بردت.» # ولم ينس بعد كل هذا أن يلجأ إلى أسلوب التفكير اللاهوتي كآخر سهم في كنانته فيقول: ~~«ما دام في مكنتنا أن نثبت من نصوص التنزيل أن السماوات تتحرك من فوق الأرض، وما دامت ~~الحركة الدائرية تستلزم وجود شيء ثابت من حوله تحصل الدورة؛ إذن فالأرض ثابتة في وسط ~~النظام الكوني.» # على أننا لا نستطيع أن نأتي بصورة حقة تبين لنا طبيعة للجلاد الذي قام بين العلم ~~واللاهوت، من غير أن نعود في ذلك إلماما إلى ما لقي «غاليليو» بعد موته من عنت أعدائه، ~~فقد طلب إلى رجال الكنيسة أن ms054 يدفن في مقابر أسرته في «سانتا كروتشي» # Santa Croce # فرفضوا وأراد أصدقاؤه أن يقيموا فوق قبره أثرا ~~تذكاريا فلم يسمح لهم، وقال البابا: «أربان الثامن» ل «نيكوليني» # Nicolini # وهو السفير الذي كلف بأن يعرض بعض المطالب الخاصة ~~بغاليليو الميت عليه: «إنه لأسوأ مثل يعطى للناس أن نسمح بتكريم رجل وقف من قبل أمام ~~محكمة التفتيش الرومانية لترويج فكرة مثل فكرته المملوءة بالأخطاء والكفران، ولم يقصرها ~~على نفسه بل أقنع بها غيره فأحدث بذلك أعظم فضيحة عانت أمرها النصرانية.» ونفذت إرادة ~~البابا ورجال محكمة التفتيش، فدفن «غاليليو» من غير تكريم بعيدا عن أسرته، ومن غير ~~خدمة دينية، ومن غير أن يقام على قبره نصبا أو تاريخا يشير إلى العظمة المخبوءة في ~~ذلك الرمس الذي ضم رفاته. ومضى على ذلك أربعون عاما جاء بعدها «بييروزي» Pierrozzi # يريد أن ينقش على قبره تاريخا يشير إلى ~~حيث دفنت تلك العظام النبيلة. وبعد مائة سنة استطاع «نيللي» # Nelli # أن ينقل رفاته إلى «سانتا كروتشي»؛ ليضعها في مكان لائق بها ~~وأقام عليها نصبا. وكانت النار لا تزال مستعرة والعداء لا يزال مستحكما، فقد طلب إلى ~~رجال محكمة التفتيش أن يحولوا دون هذا التكريم «لرجل اتهم بمثل ما اتهم به ~~«غاليليو» من السيئات والخطيئات»، وعلى ذلك رفضت تلك السلطات الكنسية أن يكتب على قبره ~~أي تذكار من قبل أن يعرض نصه على هيئتهم المختصة بمراقبة المطبوعات! # على أن روح التعصب والبغضاء لم تكن قد خبت نارها حتى ذلك العهد، وبعد موت «غاليليو» ~~بمائة عام ولم ير جيل من أجيال البشر جمعاء فئة من رجال الدين فيها مثل «ماريني» # Marini # و«دبونالد» # De Bonald # و«رالي» # Ralaye # و«ده جابرياك» # Da Gabriac # أخذوا على عواتقهم أن ~~يشوهوا الحقائق، وأن يختلقوا النظريات التي تسود ذكرى «غاليليو» زورا ليسلم شرف ~~الكنيسة. ولكن الأغرب من هذا أن متونا تاريخية للتدريس كانت منتشرة بين طلاب العلم كل ~~انتشار، قد عمد كاتبوها - خدمة للكنيسة - أن يشوهوا بكل طريق مستطاع كل الحقائق التي ~~كونها الزمان من حول ms055 «غاليليو». وإني لعلى يقين من أن الكنيسة لم يقم ضدها في زمان من ~~الأزمان أعداء، فكانوا أشد لدادة لها وأعظم نيلا منها، من أولئك الذين اختلقوا هذه ~~الأشياء وروجوها بين الناس؛ فإنهم بعملهم هذا قد مهدوا السبيل لكي يقتلعوا من العقول ~~الكبيرة المفكرة كل عاطفة من الاحترام لذلك النظام الديني الكبير، والذي كان يظن خطأ ~~بأن هذه الكتابات تخدم أغراضه العليا. # ولم تكن الكنيسة البروتستانتية بأقل نشاطا وحذقا في مقاومة المبادئ الجديدة في علم ~~الفلك من الكنيسة الرومانية؛ فإن العلم المقدس الذي وضع أصوله أول المصلحين من أتباع ~~«لوثر» قد انتقل إلى الأجيال التالية كأقدس ميراث وأثمن تراث، ولم يزد في القرن التالي ~~إلا قيمة وتقديسا، وعلى الأخص تحت تأثير «كالوفياس» # Colovius # فإن سعة علمه وصلابته المستمدة من الروح الكاثوليكية، قد ~~عقدت له لواء الزعامة على اللوثريين. غير أنه رفض كل رفض أن ينزل على حكم العلم الصحيح ~~والحقائق الثابتة فلجأ إلى اللاهوت مستندا إلى القول الذائع في رجوع الظل على مزولة ~~الملك حزقيا # Ezekaiah # 13 # وفي وقوف الشمس ليوشع، منكرا دوران الأرض نافيا كل ما ظهر من آيات العلم ~~الحديث، على اعتبار أنها مناقضة للتنزيل - وحتى اليوم - في القرن العشرين، قرن النور ~~والمدنية، يردد اللوثريون في أمريكا براهين «كالوفياس» وعلى الأخص من كل منهم ذا نزعة ~~كاثوليكية في ميوله الدينية. # أما في بقية فروع الكنيسة البروتستانتية وشعبها الكثيرة، فقد رأينا أن الكلفينيين ~~والأنغليكانيين وعلى الجملة كل الشيع البروتستانتية؛ كانوا جميعا في موقف المعارضة ~~لحقائق العلم الجديدة. ولقد وقع في إنجلترا أن أعلن دكتور ~~«سميث» # Dr. Smith # وهو من أعظم اللاهوتيين أن «الجمعية الملكية» إنما هي جمعية ~~تعمل ضد الدين، وأن أعضاءها ملحدون. وكان من بين «البيورتانيين» Puritans # العلامة «جون ~~أوين» # John Owen # الذي أذاع أن مستكشفات «نيوتن» «قد قامت على ظواهر غير ثابتة، ~~وأنها مبنية على فروض عقلية تعارض النصوص الصريحة التي جاء بها الكتاب المقدس» وإنك ~~لتعجب إذ تعرف أن الشاعر «ملتن» # Milton # الذائع الصيت ~~قد وقف متراوحا ms056 بين الناحيتين. ففي أول كتابه الثامن من قصيدته المشهورة «الفردوس ~~المفقود» ينطلق بلسان آدم مكررا ما اعترضه من صعاب في فهم النظام البطليموسي، فيرسل ~~إليه بملك يعيد على سمعه ما أجاب به رجال الكنيسة في تفسير ذلك النظام الكوني. ولكن ~~الظاهر أن «ملتن» رجع بعد قليل إلى النظر في نظرية «كوبرنيكوس» نظرة نقد وتحليل. # 14 # إن النزعة الإنجليزية إلى روح الكثلكة ما زالت تبرهن على وجودها، ففي سنة 1724 طبع ~~«جون هتشنسون» # John Hatchinsonn # كتاب «مبادئ موسى» # Moses Principia # وفيه بث مذهبا فلسفيا حاول ~~أن يقيم به فكرة في النظام الكوني يستمد أصولها من الإنجيل. فحمل على مبادئ «نيوتن» ~~معلنا أنها تؤدي إلى إنكار وجود الله، وبذلك فتح للكنيسة بابا تتدخل منه إلى الطعن في ~~العلم الحديث، وجاراه في ذلك «هورن» # Horne # و«دنكان فوربس» # Duncan Forbes # و«جونس» # Jones # و«نيلاند» # Nayland # غير أنه ظهر في الميدان رجل أعظم من هؤلاء جميعا؛ فإن ~~«جون ويزلي» # John Wesely # بلجوئه إلى تلك الطريقة ~~التي تفرض على العقل أن يمضي عاكفا على نصوص التنزيل لا يعدوها، قد حمل على أن يعلن ~~«أن صناعة السحر إذا لم تكن حقيقة واقعة، فلن يصح لدينا من شيء جاء به الإنجيل.» بل ~~إنه مما يدلك على حقيقة تلك العقلية أن هذا الباحث بعد أن اقتادته خطواته إلى القول: ~~بفساد نظرية بطليموس وإقرار نظرية «كوبرنيكوس» على وجه عام، انقلب إزاء مستكشفات ~~«نيوتن» شاكا غير ثابت اليقين. ومن حسن الحظ أن كرامة محتده ونبالة أرومته، قد حالت ~~بينه وبين أن يتردى في مهاوي الحقد، أو أن يذهب ضحية لروح العداء، أو أن يمضي متأثرا ~~بشيء من موحيات التعصب المذهبي، التي كان من شأنها أن تعوق خطى الذين يأتون من بعده عن ~~بلوغ الحق واليقين. # في ظلمات ذلك الخطأ الذي أرخى بسدوله حول أسلوب التفكير اللاهوتي، بدأت أنوار الحق ~~تشع في جو إنجلترا وأمريكا على السواء. فإنه مما يستلفت النظر أن «كوتون ميذر» # Cotton Mather # على ما كان فيه من النزعة ~~الأورثوذكسية ms057 في الاعتقاد بحقيقة السحر قد قبل سنة 1721 النظرية الحديثة في علم الفلك، ~~مع كل ما يترتب عليها من النتائج. وفي العام التالي قامت دلائل قوية على أن الروح ~~العلمية الحديثة قد أخذت تجد لها طريقا إلى الجزر البريطانية. فإن «توماس بارنت» # Taomas Burnet # على الرغم من أنه حاول أن يثبت في ~~الطبعة السادسة من كتابه «النظرية المقدسة في أصل الأرض» سنة 1722 ما يذهب إليه الكتاب ~~المقدس في ثبات الأرض في وسط الكون. فإنه أنذر قارئيه في المقدمة إنذارا أخاذا ~~بالألباب؛ إذ ذكر ذلك الخطأ الفاضح الذي جره القديس «أوغسطين» على الكنيسة تلقاء مذهب ~~«الأنتبود» # antipode # 15 # ثم قال: «إذا أمكن البرهنة بالدليل القاطع خلال بضعة السنوات الآتية أو ~~أثناء الجيل المقبل على الأرض تتحرك بطريقة نافية لكل شك؛ فإن أولئك الذين قاموا في وجه ~~هذا المذهب متخذين من نصوص التنزيل أسلحة تقدموا بها في ميدان المناقشة، سوف يجدون من ~~الأسباب التي تدعوهم إلى طلب التوبة والغفران، ما كان يجد القديس «أوغسطين» للتكفير عن ~~خطئه لو كان اليوم حيا.» # ومن حظ الإنسانية أن البروتستانت لم يجدوا في يدهم من مهيئات القوة التي يقاومون ~~بها آراء «كوبرنيكوس» ما كان يجد رجال الكنيسة القديمة. ومع كل هذا فقد كان في بعض ~~الوسائل التي تذرعوا بها لمحاربة العلم ما يتعذر عليهم الدفاع عنه دفاع الكاثوليك عن ~~وسائلهم. ففي سنة 1772 سافر من إنجلترا البعث المشهور تحت قيادة الكابتن «كوك» # Cap Cook # لتحقيق بعض أغراض علمية. وكان أعظم حجة ~~من العملاء الذين انتخبوا ليرافقوه دكتور «بريستلي» # Dr. Priestly # وكان ~~قد انتدبه السير «يوسف بانكس» # Sir Joseph Banks # لهذا ~~الغرض، غير أن رجال الدين في أكسفورد وكمبردج تدخلوا في الأمر، زاعمين أن «بريستلي» لم ~~يكن كامل اليقين في حقيقة التثليث، وأن هذا ربما يؤثر على دراسته الفلكية فيفسدها. وعلى ~~هذا رفض «بريستلي» وأعيق عن أن يرافق البعث، فضاع بذلك كثير من الفوائد التي كانت ~~تنتظر منه. # على أن وجهة النظر الكاثوليكية في الفلك قد ms058 ظلت حية في نواح أخرى من الكنيسة ~~البروتستانتية؛ فإنك تجد أن «ليبنتز» في ألمانيا قد هاجم نظرية «نيوتن» في الجاذبية ~~مستندا إلى براهين لاهوتية، ولو أنه وجد في تلك النظرية شيئا من السلوى في أنها ربما ~~تؤيد مذهب «لوثر» في اتحاد طبيعتين أو أكثر من طبيعة واحدة، أو اصطلاحا «تدامج ~~الطبائع» # Cousubotantiation ~~. # أما في هولاندا فقد كانت الكنيسة «الكلفينية» شديدة العداء، قوية المراس، في مقاومة ~~المذهب الجديد. غير أن لدينا برهانا يثير السخرية على أن المذهب «الكلفيني» كان عاجزا ~~عن أن يقاوم الوحي العلمي حتى في مرابضه الأصلية؛ فإن «بلاير» # Blaer # قد طبع في أمستردام سنة 1642 كتابه في فائدة «الكرات»، ومن ~~أجل أن يجعل نفسه مع الفئة الناجية، قصر جزءا من كتابه على شرح نظرية بطليموس والجزء ~~الآخر على شرح نظرية «كوبرنيكوس» تاركا للباحث كل حرية في أن يختار بين ~~الناحيتين. # على أن الجهود التي بذلت في الكنيسة البروتستانتية لإيقاد نار الحرب على العلم لم ~~تكن قد خمدت حتى عهد قريب جدا. فقد حاول رجال الكنيسة في إنجلترا أن يطفئوا مصباح ~~العلم سنة 1864 لو لم ينصرف «هرشل» # Herschel # و«بورنج» # Bowring # و«ده موجان» # De ~~Mogan # إلى نصرة العلم، ~~فوضعوا رجال الكنيسة في موضع لم ينلهم فيه إلا السخرية والازدراء، وكذلك التأم مجمع ~~رجال الدين اللوثريين في برلين سنة 1868 ليعارضوا حركة العلم الحديث، وكفى بذلك أمثالا ~~ولكن من حسن الحظ أنه كان في ألمانيا إذ ذاك «باستور كناك» Pastor ~~Knak # فإنه ذهب في ~~برهنته على فساد نظرية «كوبرنيكوس» إلى أنها لا تلائم في ناحية من نواحيها حقيقة ~~الاعتقاد في الإنجيل، فكان ذلك سببا في أن يبدد شمل المجمع مشيعا ببسمات الاحتقار، ~~ونظرات السخرية. # لقد رفضت الكنيسة الكاثوليكية - في حركتها الحديثة التي قاومت بها علم الفلك الجديد، ~~وفي بعض البلاد التي بلغت من التمدين مبلغا كبيرا - أن تتعظ ببعض الأخطاء الكبرى التي ~~وقعت فيها بعض شعب الكنيسة البروتستانتية، وتردت في حمأتها إسفافا وبلا تحفظ. # وعلى الرغم من أن الكنيسة القديمة ms059 قد ارتكبت خطأ كبيرا في السماح بنشر كتب ومتون ~~عديدة لم يكن الغرض منها إلا تشويه عصر «غاليليو» ببث كثير من الأضاليل، وكان من وراء ~~ذلك أن ضاعت الثقة بتعاليمها التي كانت تحاول ترويجها بين فئة من ناشئتها وصفت بحب ~~العلم والاستعماق في النظر والاستبصار، فإنها ظلت بعيدة عن معرة الاستمرار في العكوف ~~على جعل تعاليمها والإيمان بنصوص الكتاب المقدس، وقفا على قبول النظرية البطليموسية في ~~نظام الكون. # غير أن الأمر لم يكن كذلك في المذهب «اللوثري» بأمريكا، فقد طبع سنة 1873 بمدينة ~~«ميسوري» # Missouri ~~«سانت لويس» وبمطبعة المجمع ~~اللوثري في مقاطعة كتاب # 16 # ذاع أن مؤلفه كان رئيسا لمجمع المعلمين في إحدى الكليات اللوثرية. # لم يظهر في العصور الأخيرة من طعن في نظام الفلك الحديث، فكأنه أقذع مما جاء في هذا ~~الكتاب أو أكثر تضليلا. ففي أول صفحة من المقدمة يتساءل مؤلفه بعد أن فحص مجمل ~~النظريتين «أيهما الحق»؟ ثم يقول: إن «من السهل علي أقرر أيهما الحق، لو كان الأمر ~~مقصورا على أنه استنتاج يملك فيه العقل الإنساني حريته. ولكن الله الرحيم قد أوحى ~~إلينا بالحقيقة في الإنجيل فإن كل ما في الكتاب المقدس دلائل وبراهين تقنعنا بأن الأرض ~~هي الجرم الرئيسي # Hoap Kurper # في نظام الكون، وأنها تقف ~~غير متحركة وأن الشمس والقمر لم يوجدا إلا ليمداها بما تحتاج إليه من ضوء.» # ولقد مضى المؤلف بعد هذا مستندا إلى نصوص الكتاب المقدس، لا ليظهر بطلان نظرية ~~«كوبرنيكوس» ونواميس نيوتن وحدها، بل ليظهر أخطاء الكثيرين ممن هم أعظم من أنبت العصر ~~الحديث من رجال الفلك. ثم يقول: # لا يسبقن إلى حدس أحد أني أبحث عن الحق في أية ناحية هو، أهو في الإنجيل أم ~~في أقوال رجال الفلك. كلا فإني أعلم ذلك حق العلم؛ لأن ربي القادر لا يكذب ~~أبدا ولا يخطئ أبدا، ولا يخرج من فيه إلا الحق، ولا حق سوى ما تكلم به في ~~حقيقة نظام الكون والأرض والشمس والقمر والنجوم. # ثم يقول: # ومن أجل أن ms060 ما جاء به الكتاب المقدس من حق منضو تحت هذا؛ فلذلك أرى أن ~~السؤال المتقدم على جانب عظيم من الخطر فإن رجال العلم وغيرهم يلجئون إلى ~~فكرة مضللة، محصلها أن الله إنما يعلمنا نظام الخلاص في الآخرة، لا نظام الكون ~~في هذه الدنيا. # ومما يلذ ملاحظته أن بقاء مثل هذا المعتقد القديم حيا قائما على متون أصيلة من ~~مراسيم العبادة، لم يكن السبب فيه تعاليم بثها راهب من رهبان الكنيسة القديمة ملء ~~غيرة على الدين، بل استمدت عناصر البقاء من عقل أستاذ مشهور تابع لشعبة من شعب ~~البروتستانتية، لا تفخر بشيء فخرها بأنها من ناشرات النور والعرفان. # كذلك لم تعلن الكنيسة القديمة تلك الحرب الشعواء على مؤسسي العلم الحديث بعد موتهم، ~~وحدها وبلا شريك. # ففي العاشر من شهر مايو سنة 1859 دفنت رفاة «إسكندر فون همبولد» # alex. ~~Von Humboldt # أما ~~مجهوداته فتعد من مفاخر القرن التاسع عشر؛ ولذلك كانت جنازته من أفخم ما وقعت عليه عين ~~في برلين. وكان من بين الذين انتهزوا فرصة الشرف بأن يكونوا من المشيعين، الأمير ولي ~~العهد، الذي صار فيما بعد الإمبراطور غيليوم الأول، ولكن مع كل هذا لم يكن بين المشيعين ~~أحد من رجال الدين، اللهم إلا من خصص منهم للقيام بالخدمة الدينية، وفئة كانت تعرف ~~بابتعادها عن الروح الأورثوذكسية. ~~(5) نتائج الانتصار على غاليليو # نرجع الآن إلى الكلام في النتائج التي ترتبت على قضية «غاليليو». # بعد أن فاز رجال الكنيسة على «غاليليو» حيا وميتا، وبعد أن استغلوا هذا الانتصار ~~في إخضاع أساتذة علم الفلك في كل أوروبا لآرائهم، لم يسعهم إلا أن يعلنوا ابتهاجهم، ~~ويعبروا عما يخامر قلوبهم من لذة الانتصار، وكثيرا ما علت صيحتهم بأنهم اقتلعوا ~~جذور الهرطقة والإلحاد والكفر بالله، باقتلاعهم جذور المذهب القائل بأن الأرض تدور دورة ~~مزدوجة حول محورها ومن حول الشمس، موجهين إلى محكمة الكنيسة أخص عبارات الشكر والتبجيل ~~بإطاعتها وتنفيذها للإرادات الشفوية التي أصدرها أحد البابوات، والأوامر الكتابية التي ~~وجهها إليها آخر. ولقد عرفنا من قبل أن تلك ms061 الكتب المرذولة التي تعلم الحق الجديد قد ~~وضعت في فهرست الكتب التي يحظر على النصارى قراءتها. وقد صدرت هذه الفهرست بأمر ~~بابوي يلعن كل من يمس هذه الكتب من أصحاب المعتقد النصراني، مذيل بتوقيع البابا الذي ~~كان متربعا في كرسي «القديس بولص» في ذلك العهد. # على أن الخسائر التي أصابت العلم من جراء انتصار النزعة اللاهوتية لأبلغ من أن يسبر ~~الإنسان غورها لدى أول نظرة يلقيها على الموضوع. ولنذكر في هذا الصدد أمرا واحدا، ~~فلقد كان في أوروبا في ذلك العصر مفكر من أولئك المفكرين الذين قلما تجود بأمثالهم ~~بطون الأمهات. كان في أوروبا «رينيه ديكارت». وعلى الرغم مما في استنتاجاته من الخطأ ~~الكبير، فإن ثمار الحق التي احتوت عليها تلك الاستنتاجات كانت كثيرة منوعة الصور. وكان ~~قد أنجز شيئا كثيرا لخير الإنسانية حتى ذلك العهد؛ فإن وصفه للمذهب الدردوري # The theory of vortices # في الطبيعة - وهو فرض وجود ~~مادة متجانسة في الفضاء تحكم حركتها النواميس الكونية كقاعدة لأصل النظام الطبيعي ~~المنظور، ولو لم يكن سوى نظرية فرضية، فإنه قضى كل قضاء على النظرية القديمة في أصل ~~الكون، نظرية القبة الصلبة التي تظلل الأرض، وتحريك السيارات في دورتها بأيدي الملائكة، ~~تلك النظرية التي بلغت من التأثير في العقول مبلغا كبيرا؛ حتى إن «كبلر» نفسه قد أفسح ~~لها في عقله عاملا للعلم، جامعا في ثنايا عقله الكبير كل البحوث العلمية التي ذاعت في ~~عهده. وكان لا بد من أن تحدث نتائج أبحاثه عصرا جديدا في تاريخ الدنيا. وكان غرضه أن ~~يجمع كل فروع المعرفة والفكر في مقالة واحدة في حقيقة العلم، ومن أجل أن يصل إلى ذلك ظل ~~أحد عشر عاما طوالا مكبا على درس علم التشريح وحده . غير أن نهاية «غاليليو» قد ~~أفقدته كل أمل، وانتزعت من قلبه كل تشجيع. وهنا خيل إليه أنه فقد المعركة، فترك ~~تصميمه فارا من الميدان فرارا من لا أمل في أوبته. # غير أنه لم يمض غير قليل حتى ظهر للعالم أجمع أن انتصار الكنيسة ms062 واستظهارها على ~~أعدائها لم يكن في الحقيقة إلا هزيمة مروعة، فقد انهالت البراهين الناصعة من كل مكان ~~على أن «كوبرنيكوس» و«غاليليو» كانا على حق. وعلى الرغم من أن البابا «أربان الثامن» ~~وأعضاء محكمة التفتيش قد أبقوا «غاليليو» في عزلة تامة بعيدا عن كل ما يحيط به، ~~ممنوعا حتى عن الكلام في دورة الأرض المزدوجة، وعلى الرغم من اللعنة التي وجهت ~~إلى كل «الكتب التي تبرهن على دوران الأرض»، وتثبيتها في الفهرست، وعلى الرغم من أن ~~الأمر البابوي كان لا يزال معلقا فيها، مقيدا لضمائر المؤمنين الذين يحاولون فهم ~~العلم الحديث، وعلى الرغم من أن الكليات والجامعات التي كانت تحت حكم الكنيسة قد أجبرت ~~على أن تعلم النظرية القديمة؛ فقد استبان لكل ذوي الألباب من أهل ذلك العصر أينما كانوا ~~وحيثما حلوا، أن انتصار الكنيسة لم يكن في الحقيقة إلا كارثة مجتاحة، حوطت نتائجها ~~المنتصرين. # هنالك فتح الرواد لأنفسهم بابا جديدا. فإن «كامبانيلا» # Campanella ~~- فضلا عما كان في آرائه من الغموض - كتب «دفاعا عن ~~غاليليو» وقد وقع تحت آلات التعذيب فريسة سبع مرات متتالية، لارتكابه مثل هذه الهرطقة ~~وغيرها، في موضوعات السياسة والدين. # ثم ظهر «كبلر» # Kepler # فقاد أنصار العلم إلى ميادين ~~جديدة حازوا فيها النصر والفخار، فإن «كوبرنيكوس» - على نبوغه وعبقريته وسعة عقله - لم ~~يستطع أن يخلص أسلوب التفكير العلمي تخليصا تاما من نزعات اللاهوت وقواعده. فإن مذهب ~~«أرسطو طاليس» ومذهب القديس «توما أكويناس» في أن الدائرة وذلك الشكل الهندسي، هو أتم ~~كل الأشكال وأكمل الأوضاع الهندسية، قد أفسد عليه بعض نواحي مذهبه، وترك فيه ثغرات ~~مفتوحة لم يتوان أعداء العلم في أن يلجوها. غير أن «كبلر» قد رأى الخطأ، فلم يلبث أن ~~فاض على العالم، بما خص به من نبوغ كبير وتفوق عظيم، بثلاثة نواميس لا تزال تقترن ~~باسمه إلى اليوم، وبذلك أتم بناء تلك القلعة العلمية التي لم يقتحمها أحد حتى الساعة. ~~وكثيرا ما كان يتكلم ويفكر كرجل ملهم بما يقول. وكانت المواقع التي اخترق صفوفها ~~ممضة أليمة. ms063 فقد أنذره المجمع الأكليروسي البروتستانتي في «ستوتجارت» بأن يقلع «عن أن ~~يقذف عالم المسيحية في مهاوي الفوضى بما يبث من خيالات مسفة» ومن ثم أمر في حفلة ~~رسمية «بأن يوفق بين نظريته في الكون وبين نصوص الكتاب المقدس» ولقد وبخ مرة واستهزئ ~~به أخرى ثم سجن. ولقد ناءت عليه كل القوات الكنسية بكلاكلها البروتستانت في «ستيريا» # Styria # و«فورتمبرج» # Wurtemburg # والكاثوليك في النمسا وبوهيميا ولكن تبعه إذ ذاك «نيوتن» ~~و«هالي» # Halley # و«برادلي» # Baradely # وغيرهم من كبار الفلكيين، ولم يبق للعلم من كل هذا إلا ~~الفخر والانتصار. # غير أن هذا الجهاد كله لم ينه المعركة، ففي خلال القرن السابع عشر كله وفي فرنسا، ~~وبعد كل البراهين الناصعة التي أتم بها «كبلر» علم الفلك الحديث، لم يجرؤ أحد أن يعلم ~~نظرية «كوبرنيكوس» أو يبث حقائقها علنا، حتى إن «كاسيني» # Cassini # الفلكي العظيم، لم يستطع أن يعلن اقتناعه بها ودفاعه عنها. ~~وفي سنة 1672 عدد الأب «رتشيولي» # Riccioli # اليسوع ~~البراهين التي تؤيد نظرية «كوبرنيكوس» والبراهين التي تنقضها، فوجد أن ستة وأربعين ~~برهانا تؤيدها وسبعة وسبعين تنقضها. وإنك لتجد حتى بعد أن ولج العالم باب القرن الثامن ~~عشر، وبعد أن أثبت سير «إسحاق نيوتن» نظرياته بزمان طويل، أن «بوسيه» # Bossuet # أسقف «مو» # Meaux # وأعظم لاهوتي أنبتته فرنسا، قد مضى معلنا أن النظرية الجديدة ~~في الفلك مناقضة للتنزيل. # ولم تظهر دلائل تدل على أن الجو سوف تنكشف غياماته سراعا خلال ذلك القرن. ففي ~~إنجلترا طبع «جون هتشنسون» كما رأينا من قبل كتابه «مبادئ موسى» # Moses’ Privci # سنة 1724، ~~ومضى موقنا بأن التوراة العبرية عبارة عن مذهب كالم في الفلسفة الطبيعية، وأنها مناقضة ~~للمذهب «النيوتوني» في الجاذبية. ولقد رأينا من قبل أن هذا اللاهوتي قد تبعه جيش عرمرم ~~من رجال الكنيسة ينحون نحوه ويلفون لفه. وطبع اثنان من مشهوري الرياضيين في فرنسا سنة ~~1748 في الفرنسوية كتاب «المبادئ» Pruicipia # الذي ألفه ~~«نيوتن»، غير أنهما حذرا من أن يقعا فريسة في براثن المراقبة الكنسية، وضعا للكتاب ~~مقدمة كانا يعتقدان ms064 أنها خطأ فاضح وتزوير لا مبرر له. وبعد ذلك بثلاثة أعوام فاه ~~«بوسكوفتش» # Boscovich # الرياضي اليسوعي المشهور ~~بهذه الكلمات: # أما أنا - فمع شديد احترامي للكتاب المقدس ولقرارات محكمة التفتيش المقدسة - ~~أعتبر أن الأرض ثابتة لا تتحرك، ولكن مع ذلك لا أرى بأسا من أن ألجأ إلى ~~السهولة في الشرح والتعبير، فأعتبرها متحركة وأن أسوق براهيني في هذه السبيل؛ ~~لأنه قد برهن أخيرا على أن كل الظواهر تؤيد هذا الفرض. # أما في ألمانيا فقد ظلت الحرب متلظية شعواء طوال النصف الأول من القرن الثامن عشر، ~~وعلى الأخص في البقاع التي عمرها البروتستانت. فقد أغرق دكاترة اللاهوت اللوثريين ~~ألمانيا في فيضان مجتاح من الكتب والمقالات؛ ليبرهنوا على أن نظرية «كوبرنيكوس» لا يمكن ~~أن يوفق بينها وبين نصوص التوراة. وكذلك نجد في كثير من المعاهد اللاهوتية، وفي كثير ~~من الجامعات التي خضعت للسلطة الكنسية، أن رجال الدين قد ذهبوا بكل طارف من العلم ~~وتالد. ومع كل هذا فإنا نقع في أواسط القرن الثامن عشر على فئة من الرجال الكنيسة ~~المتنورين، قد شعروا شعورا تاما بأنهم فقدوا الموقعة وباءوا بالخسران. # ففي سنة 1757 أخذ البابا «بنيدكت الرابع عشر» أنور البابوات جميعا وأحدهم ذهنا ~~وأغزرهم علما، يبحث الأمر بنفسه، فقرر مجمع الفهرست # Congeration of the ~~Index ~~- ~~سرا على إثر ذلك - أن الكنيسة تسمح لمبادئ «كوبرنيكوس» أن تذيع، وأن يتناولها ~~المؤمنون بالدرس، غير أنك تجد بعد هذا أن الفلكي المعروف «لالاند» # Lalande # قد حاول عبثا سنة 1765 أن يحمل رجال الكنيسة في روما على ~~أن يخرجوا كتب «غاليليو» من الفهرست. # ناهيك بأن السلطات التي ظلت قوامة على المعاهد في أوروبا الكاثوليكية - وعلى الأخص ~~في أسبانيا - قد حظرت حتى أواسط القرن التاسع عشر تدريس المذهب النيوتوني. ففي سنة 1771 ~~رفض عمد جامعة «سلامانكا» أشهر كل الجامعات وأعرقهن قدما، أن يدخلوا تدريس الفوسيقى في ~~برامج الجامعة قائلين إن «نيوتن» لا يعلم من شيء يمكن أن يخرج رجالا عظاما في المنطق ~~أو الغيبيات، وكذلك «غاسندي» # Gassendi # و«ديكارت» فإن ~~كليهما ms065 لا يتفق والحقائق المنزلة، كما يتفق أرسطوطاليس.» # أما تهمة الانتقام من الموتى فقد بقيت حية ردحا طويلا من القرن التاسع عشر؛ ففي ~~الخامس من شهر مايو سنة 1829 اجتمع جمهور غفير في مدينة «فارسوفيا» # Warsaw # ليجددوا ذكرى كوبرنيكوس تكريما له، وليدشنوا تمثاله ~~الذي صنعه «ثوروالدسن» # Thorwaldsan ~~. # لقد عاش «كوبرنيكوس» عيشة مسيحية ملؤها الورع والتقوى. ولقد نال حب الناس ~~واحترامهم لما جبل عليه من صفات الإشفاق والرحمة وحب التصدق لوجه الله، ولم يقف أحد ~~على خطرة واحدة يصح أن تتخذ موضعا للطعن في معتقده الديني. وكان قسيسا في كنيسة ~~«فروننبرج» # Feaneburg # ونقشت على قبره أشد ~~الجمل النصرانية مسا للقلوب ونيلا من الوجدان. فأصبح من الطبيعي أن ينتظر الناس في ~~احتفال «فارسوفيا» أن يقوم رجال الدين بخدمة دينية، ومضى منظمو الاحتفال يضعون أنظمته ~~على هذه الفكرة. وعلى هذا سارت تلك المظاهرة الكبرى إلى الكنيسة، وانتظر الناس قيام ~~رجال الدين بواجبهم. فمضت ساعة ولم يظهر منهم أحد بل لم يشأ أحد منهم أن يظهر. ومن هذا ~~تجد أن «كوبرنيكوس» الرحيم المتصدق الورع - ذلك الذي يجب أن يعتبر من أنبل الأشياء ~~التي وهبها الله للعلم والدين معا - كان لا يزال واقعا تحت سخط الكنيسة ورجالها. بل ~~ظل كتابه بعد ذلك خمسة أعوام مدرجا في الفهرست، معدودا من الكتب التي تحظر الكنيسة ~~قراءتها على المؤمنين. # وطبعت من الفهرست نسخة سنة 1819، وكانت كتب «غاليليو» و«كوبرنيكوس» لا تزال مدرجة ~~فيها، كما كان شأن الطبعات التي سبقتها. ولكن وقعت سنة 1820 أزمة شديدة وحرج كبير؛ فإن ~~القس «سيتيل» # Settele # أستاذ علم الفلك في جامعة روما، ~~قد كتب متنا للتدريس أخذت فيه نظرية «كوبرنيكوس» على أنها من الحقائق التي لا يشك ~~فيها. وهنالك رفض «أنفوزي» # Anfussi # رئيس البلاط ~~المقدس ومراقب المطبوعات أن يسمح بطبعه ما لم يراجع «سيتيل» كتابه، ويذكر أن نظرية ~~«كوبرنيكوس» ليست أكثر من فرض. وعلى هذا لجأ «سيتيل» إلى البابا «بيوس السابع» فأمر بأن ~~يعرض الأمر على مجمع وزراء الفاتيكان المقدس. وفي 16 أغسطس سنة 1820 ms066 صدر قرار المجمع ~~بأنه من المسموح «لسيتيل» أن يلقي نظرية «كوبرنيكوس» على أنها حق ثابت، وعزز البابا ~~هذا القرار. ولقد كان هذا القرار مثارا لكثير من المناقشات. وبعد لأي اتفق ~~كرادلة محكمة التفتيش المقدسة في 11 سبتمبر سنة 1822 على أن نشر الكتب التي تؤيد حركة ~~الأرض وثبات الشمس، على ما يقول به كبار علماء الفلك في العصر الحديث أمر مسموح به في ~~روما. وصدق البابا «بيوس السابع» على هذا القرار، ولكن ظل الفهرست من غير أن يعاد ~~طبعه ثلاثة عشر عاما بعد هذا، حتى طبع سنة 1835، إذ رفعت منه أسماء الكتب التي كانت ~~تبرهن على نظرية دوران الأرض وتدافع عنها. # ولكن النزاع لم يكن قد انتهى بعد، فإن كل حركة من حركتي الأرض قد قامت عليها ~~براهين جديدة تثبتها لأعين الناظرين، كما لو كانت كل البراهين القديمة غير كافية ~~لإثباتها. فإن اختلاف موقع النجوم الثوابت - أي اختلاف الموقع الذي يشاهد فيه النجم من ~~سطح الأرض عن الموقع الذي يجب أن يكون فيه فيما لو شاهدت من مركز الأرض - ذلك الناموس ~~الذي استكشفه «بيسيل» # Bessel # وغيره من الفلكيين سنة ~~1838، قد أثبت دوران الأرض حول الشمس إثباتا قاطعا، كما أن تجربة «فوكول» # Foucalt # في الرقاص Pendulum # قد أظهرت للعين إظهارا جليا أن الأرض تدور حول محورها. ومن ~~أجل أن يعلن عن هذا الأمر ويذيع حقيقته أجرى الأب «سكشي» # Secchi # الفلكي المعروف - وهو من اليسوعيين - هذه التجربة علنا في ~~إحدى كنائس روما سنة 1852؛ أي بعد مضي مائتين وعشرين عاما على تلك الجهود التي ~~بذلها اليسوعيون أنفسهم في سبيل أن تنصب لعنة الكنيسة على رأس «غاليليو» ~~العظيم. ~~(6) تراجع الكنيسة بعد انتصارها على غاليليو # إن كل تاريخ يكتب في انتصار علم الفلك على اللاهوت المذهبي لا محالة يكون ناقصا، ما ~~لم يحط فيه كاتبه بتلك الانهزامات المتتالية التي انتابت الكنيسة متراجعة عن كل ~~مواقفها السابقة في قضية «غاليليو». # إن تراجع أهل اللاهوت من البروتستانت لم يكن صعبا. فلقد كفاهم قليل من المهارة في ~~تأويل ms067 التوراة، مع نزر يسير من الدقة في تطبيق تلك الحكمة المعروفة التي تنسب إلى ~~الكردينال «بارونياس» # Baronaitls # حيث قال إنه ليس من ~~شأن الإنجيل أن يعرف الناس حركات الأجرام السماوية كيف تسير، بل من شأنه أن يعرفهم كيف ~~يسيرون هم إلى الملكوت السماوي، مضافا إلى ذلك استعمال بضعة من تلك الجمل الخطابية ~~التي تتفجر بالرياء ضد الذين اضطهدوا رجال العلم وطاردوهم. # غير أن انهزام الكنيسة القديمة كان أشد مراسا وأصعب متناولا؛ فإن تراجع علماء ~~اللاهوت الذين دافعوا عن الكنيسة مبررين أعمالها، قد استغرق قرنين كاملين. # وعلى الرغم من كل ما قال هؤلاء المدافعون، لم يبق ظل من الشك في أن عصمة البابا قد ~~اتخذت في كل الحالات - وبلا استثناء - سلاحا مرهفا ضد القول بحركة الأرض المزدوجة. ~~ولقد أظهرت المستندات التي حفظت في قضية «غاليليو» والتي طبعت أخيرا أن «بولص ~~الخامس» قد ساعد في سنة 1616 - بكل ما أوتي من قوة وجهد - تلك الحركة التي رمت إلى لعن ~~«غاليليو» واتهامه، ولعن كتب «كوبرنيكوس» وكل من يعلم مذهب دوران الأرض حول محورها ومن ~~حول الشمس. وكذلك كان الحال في اتهام «غاليليو» سنة 1633، وفي كل الإجراءات التي أدت ~~إلى ذلك الاتهام، كان «أربان الثامن» رجل الساعة وبطل الرواية. ولم يكن من المستطاع أن ~~يحاكم «غاليليو» بغير إجازة منه. # حقيقة أن البابا لم يوقع القرار الذي صدر ضد نظرية «كوبرنيكوس» في ذلك الوقت. ولكن ~~ذلك حدث فيما بعد، وفي سنة 1664 أضاف «الإسكندر السابع» إلى الفهرست الذي يحرم ~~على المؤمنين كتب «كوبرنيكوس» و«غاليليو» - «وكل الكتب التي تؤيد نظرية دوران الأرض» - ~~أمرا بابويا وقعه بنفسه يلزم قطيع الكنيسة الخضوع لما جاء في ذلك الفهرست. ولقد ~~أيد هذا الأمر - بعبارات جلية وبكل ما تحتمل الألفاظ من معاني الحزم والشدة والعصمة ~~من الخطأ - تحريم «كل الكتب التي تبرهن على دوران الأرض وثبات الشمس». # بهذا وبكثير غيره أصبح موقف الكنيسة الرئيسية دقيقا خطيرا، وكانت أول حركة ذات بال ~~لجأ إليها المدافعون عن الكنيسة قولهم إن «غاليليو» لم يلعن ms068 ويتهم لأنه أيقن بدوران ~~الأرض، بل لأنه أراد أن يؤيد هذا القول بنصوص من التوراة. وفي هذا القول قليل من عنصر ~~الحق؛ فإنه من المحقق أن كتب «غاليليو» التي أرسل بها إلى «كاستللي» وإلى الغراندوقة ~~«كريستين» والتي حاول أن يثبت فيها أن مذهبه الفلكي لا يعارض التوراة ولا ينافيها، قد ~~أورى زناد التعصب الديني في قلوب رجال اللاهوت. ولقد أفادت هذه المراوغة زمانا ما في ~~تحقيق الأغراض التي رمت عليها؛ فإن الثابت أن «ماليت دوبان» # Mallet de ~~Fan # البروتستانتي، قد جدد هذه النغمة بعد اتهام «غاليليو» بمائة وخمسين عاما، متخذا ~~منها عضدا يستند إليه في سبيل الوصول إلى نظرة رضى كان ينشدها من رجال الكنيسة ~~القديمة. # على أنه ليس من شيء هو أبعد عن أحكام بديهة العقل الأولية من أن يلجأ كاتب في هذا ~~العصر إلى مثل هذا إذا ما أراد أن يدافع عن الكنيسة، بعد أن نشرت المستندات الأصلية ~~التي حفظت في قضية «غاليليو» بين جدران قصر الفاتيكان، ولم تنشر إلا منذ عهد ~~قريب. فإن خطابات «غاليليو» إلى «كاستللي» وإلى الغراندوقة «كريستين» لم تطبع إلا بعد ~~اتهامه، وعلى الرغم من أن رئيس أساقفة «بيزا» قد عمل جهده لكي تتخذ هذه الخطابات وثائق ~~ضد «غاليليو»، فإنها لم تذكر سنة 1616 إلا عرضا، ولم تذكر البتة في سنة 1633. أما ~~الأشياء التي استند إليها رجال المجمع المقدس سنة 1616 الذي التأم بحضور البابا «بولص ~~الخامس» في اتهام «غاليليو» على اعتبار أنها «منافية للبديهة وخطأ في اللاهوت وهرطقة ~~صريحة؛ لأنها تناقض نصوص الكتاب المقدس» فقضية «أن الشمس هي المركز الذي تدرو الأرض من ~~حوله»، أما الذي اعتبر أنه «مناف للبديهة وخطأ في الفلسفة، وأن أقل ما فيه من وجهة ~~النظر اللاهوتي أنه مناقض للمعتقد الصحيح»، فقضية «أن الأرض ليست مركز النظام الكوني ~~وأنها متحركة، وأن لها دوران يومية.» # وكذلك إذا رجعت إلى أمر البابا «أربان الثامن» الذي نفذه رجال المحكمة التفتيش سنة ~~1633، فإنك تجد أن «غاليليلو» قد أجبر على أن يقسم متنصلا من ms069 «خطأ القول وهرطقة ~~الاعتقاد بأن الأرض تدور.» # أما الشيء الذي حظرته الفهرست بإجازة الأمر البابوي الذي أصدره «الإسكندر السابع» سنة ~~1664، فكان «كل الكتب التي تعلم دوران الأرض وثبات الشمس»، وكذلك تجد أن ما احتوته ~~الفهرست المصدر بالأمر البابوي والذي يقيد ما جاء به ضمائر المؤمنين، والذي ظل أكثر من ~~مائتي عام مصبوبا عليه لعنة الكنيسة، فكان «كل الكتب التي تؤيد القول: بدوران ~~الأرض.» # وعلى هذا ترى أن «غاليليو» لم يتهم مرة لأنه حاول «أن يوفق بين آرائه ونصوص ~~التوراة». # وبعد أن أخفقت الكنيسة في هذا الميدان، وعجزت عن أن تجد فيه ما يمكن أن يكون دفاعا ~~معقولا عن تصرفاتها، رجع المدافعون عنها إلى الاستتار حول القول بأن «غاليليو» لم ~~يحاكم من أجل الهرطقة بل لعناده وقلة احترامه للمقام البابوي. # وكذلك لقيت هذه الأضلولة الجديدة فرصة أخرى للبقاء زمانا. ومما لا شك فيه أن «أربان ~~الثامن» وهو من أكثر من رأت روما من البابوات أنفة وتشامخا، قد خدعه بعض أعداء ~~«غاليليو» بحجة أنه لم يقم نحوه بكل ما يلزم من واجبات الاحترام الرسمية؛ أولا: لأن ~~«غاليليو» ظل أمينا على مذهبه متعلقا به حتى بعد اتهامه سنة 1616. وثانيا: لأنه أشار ~~في كتابه «المحاورة» سنة 1632 إلى البراهين التي أقامها البابا لنقض مذهبه ~~الفلكي. # غير أنه مما لا يحتمل شكا أن الالتجاء إلى القول بأن إصدار قرار خطير النتائج ~~كذلك القرار الذي صدر ضد «غاليليو» كان راجعا إلى نزعة شخصية قامت في نفس حبر الكنيسة ~~الأعظم للالتجاء إلى شيء ليس من شأنه أن يحوط مذهب العصمة البابوية بالكثير مما يتطلع ~~إليه الراغبون في بث هذا المعتقد في قلوب الناس. # وفضلا عن هذا فإن الألفاظ التي استعملت في درج الجمل نفسها تدل على سخافة استدلال ~~أولئك الذين حاولوا الدفاع عن الكنيسة. فإن هذه الجمل قد تضمنت دائما كلمة «هرطقة» ~~ولم تستعمل كلمة «احتقار» مطلقا هذا فيما يختص بالمسألة الأولى، أما المسألة الثانية ~~فإن ما تنطق به المستندات الرسمية لم يبق طريقا لمؤول ولا سبيلا ms070 لمفسر؛ فإن ~~هذه المستندات نفسها تظهر «غاليليو» دائما بمظهر الخاضع المنيب لقداسة البابا، وأنه ~~تلقى براهين قداسته بصبر وطول أناة. ولا ريب في أنه قد فاض بكثير من عبارات الغضب ~~والاحتقار في وجه الذين حاولوا إهانته وتعمدوا القدح فيه. غير أن الاعتقاد بأن ذلك كان ~~السبب في محاكمته لأمر فيه من الإسفاف ما فيه، وهو فوق ذلك ينزل بالبابا «بولص الخامس» ~~والبابا «أربان الثامن» و«بيلارمين» وغيره من اللاهوتيين، وأعضاء محكمة التفتيش إلى ~~منازل الفجرة الآثمين؛ لأنهم تناقضوا تناقضا صريحا في تعيين الأسباب التي تحملهم على ~~أن يقفوا ذلك الموقف من «غاليليو»، وعلى هذا لم يجد المدافعون عن الكنيسة من هزيمة هي ~~أشبه بالانتصار، إلا بأن يفروا من ذلك الميدان فرارا. # أما الأضلولة الثانية فدارت رحاها حول القول بأن اضطهاد «غاليليو» ومحاكمته لم يكن ~~السبب فيها إلا ذلك الصراع الذي قام بين الأساتذة الأرسطوطاليسيين من جهة والأساتذة ~~المؤيدين للطريقة التجريبية الحديثة من جهة أخرى. غير أنهم هوجموا في موقفهم هذا ~~وهزموا فيه بأيسر ما يتصور. فقد قيل لهم إذا كانت هداية الكنيسة وإرشادها أمور من ~~المستطاع أن تنزل إلى ميدان يتصارع فيه أساتذة الجامعات، وأن تتخذ وسيلة يتذرع بها ~~حزب من الأحزاب لتحريم الاعتقاد بحق قامت كل البراهين الكونية مؤيدة له، فكيف يمكن ~~أن يعتقد مع هذا أن الكنيسة في ذلك الوقت كانت تفضل أي نظام إنساني دنيوي غير معصوم ~~عن أن يزل ويخطئ، وأن يكون مقودا بعصبة من الجاهلين لا بطبقة منتقاة من الرجال ~~الكاملين؟ وإذا صح أن يكون هذا البرهان سديدا، فإنه يدل على أن حالة الكنيسة كانت أسوأ ~~بكثير مما قال فيها أعداؤها. وهنا بين صيحات الفرح التي كانت تبعث من أفواه فئة لم ~~ينبض لهم من الخزي عرق، ولم يهتز لهم من الخجل عصب، لجأ المدافعون عن الكنيسة إلى ~~وسائل أخرى. # قيل بعد هذا إن اتهام «غاليليو» كان «موقوتا» على أن في هذا الموقف من الضعف ما لا ~~يدانيه ضعف في موقف آخر عمد إليه رجال الكنيسة؛ ms071 لأن هذه الكلمات التي استعملت قرار ~~الاتهام نفسه برهان كاف لنقض هذه الأضاليل. بيد أن الاعتذار عما يعلن رءوس الكنيسة ~~صراحة وبإجازة من حبرها الأقدس إزاء مذهب من المذاهب بقولهم: «مناقض لنصوص الكتاب ~~المقدس»، أو «مناف للمعتقد الصحيح» أو «خطأ ومضاد للبديهة من وجهتي النظر اللاهوتية ~~والفلسفية.» كما كان موقفهم إزاء مذهب «غاليليو» بأنه كان من الأمور الموقوتة أو ~~المشروطة على شيء ما، لإسفاف هو بمثابة القول بأن الحق الذي تستمسك الكنيسة بعراه، ~~عرضة لأن يغشاه الباطل حينا بعد حين. ومن هذا الميدان فر المدافعون عن الكنيسة ~~أيضا كما فروا من غيره. # ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قام نزاع وثار جدل، كان في بعض وجوهه أغرب من كل ما ~~تقدمه وأعجب. فقد قيل «بأن ضلع الكاثوليك في تحطيم «غاليليو» لم يكن بأكبر من ضلع ~~البروتستانت؛ لأنهم كانوا أكثر من لاهوتي الكاثوليك سعيا في حمل البابا على أن يأتي ~~بما فعل.» # ولكن إذا كان في مستطاع البروتستانتية أن تجبر المقام البابوي على أن يمتد نفوذه إلى ~~هذا الحد في مسألة من أخطر المسائل التي انطوى تحتها كثير من مشكلات الدين والسياسة ~~بالغة الأثر، فماذا يكون أمر الاعتقاد «بعصمة البابا» وبأن سلطته البابوية وحكمته ~~الإرشادية في مسائل الدين جميعها محوطة بالعناية القدسية من أن ينالها خطأ أو ينتابها ~~زلل؟ # وبينما كان اللاهوتيون يتراجعون من موقع بعد موقع، كان من ورائهم جمع من الجيوش ~~الصغيرة العدد الضئيلة الأثر، فاضت على العالم النصراني بصور من التلميح والتعريض ~~وألوان من السفسطة. ولقد وجهت كل الجهود إذ ذاك إلى غرض واحد هو تسويد ذكرى «غاليليو» ~~من ناحية أخلاقه الشخصية. ولم ينس أعداؤه أن يعيدوا إلى الحياة ذكرى ما كان في أخلاقه ~~من الشذوذ في عهد صباه، بل عمدوا إلى تضخيم الصغائر، وتكبير التافه من أمره. غير أن كل ~~هذا كان ضئيل الأثر قليل الجدوى؛ حتى إنك تجد أن أعداء «غاليليو» - حتى في منتصف القرن ~~التاسع عشر؛ أي في سنة 1850 - قد رأوا أن التراجع ms072 ضروري مرة أخرى، ولكن إلى مواقع أخذوا ~~يرسلون منها قذائف جديدة، خصت بشيء من المهارة والدقة. # إن الوسائل الجديدة التي لجأت إليها الكنيسة تستحق عناية الذكر. كانت المستندات ~~الأصلية عن محاكمة «غاليليو» قد أحضرت إلى باريس خلال غزوات «نابوليون بونابرت» في ~~إيطاليا، ولكن الحكومة الفرنسوية ردتها إلى روما سنة 1846، بعد أن أخذت تلك الحكومة ~~وعدا صريحا من السلطات البابوية بطبعها ونشرها. وقد عهد إلى المونسنيور «ماريني» # Marini # أن يكون واسطة نشرها على العالم. # كان هذا اللاهوتي من طابع أولاء من رجال الكنيسة الذين طالما رموا الكنيسة، كما ~~رموا العالم بالبلايا والسيئات. فعلى الرغم من الوعد الصريح الذي وعد به البلاط ~~البابوي، شاءت حكمة «ماريني» - أو شاء غروره - أن يكون أداة في يد السلطات الرومانية، ~~تنكث بذلك العهد الكبير، وبكثير من الحذف والتحوير في كثير من المستندات، قد هيأ ~~الأساليب لكل ضروب السفسطة والجدل الكلامي التي أريد بها تأييد عصمة البابا ~~وصيانتها، كما أريد بها تحطيم سمعة «غاليليو» أن تبقى جلية واضحة دون الحق الثابت. ~~وكان «ماريني» أول من بث تلك الضلالة الكبيرة، ضلالة أن «غاليليو» لم يحاكم ويحرم ~~من جراء هرطقته بل لقلة أدبه. # والظاهر أن الأثر الأول الذي أحدثه كتاب المونسنيور «ماريني» كان مفيدا في الاحتفاظ ~~بخط الرجعة الذي انتحاه المدافعون عن الكنيسة. ولقد كان في مساعدة كتاب من أمثال ~~«وارد» # Ward # أثرا في وضع حائل يحول بين السلطات ~~الرومانية وتذمر العالم الحديث. # غير أنه بعد قليل من الزمان ظهر باحث هو نقيض المونسنيور «ماريني» نزعة وأخلاقا، كان ~~هذا الباحث رجلا فرنساويا، هو مسيو «ليبنوا» # L’Epenois # على أن «ليبنوا» كان مخلصا للكنيسة وفيا بعهدها كما كان ~~«ماريني»، ولكنه لم يكن كما ماريني من حيث القدرة على الكذب والبهتان؛ فإنه في سنة 1867 ~~وصلت يد «ليبنوا» إلى مستندات قضية «غاليليو» في قصر الفاتيكان، فنشر كثيرا من ~~أشدها أهمية وأعظمها خطرا، من غير أن ينقص منها أو يزيد إليها، مسوقا إلى ذلك ~~بنزعة الإنصاف وحب الحق لا بشعور الورع، ولا موحيات ms073 التقوى الكاذبة. # وبذلك تصدعت كل الحصون التي شيدت على ما جاء بكتاب المونسنيور «ماريني» فتراجع عنها ~~المدافعون عن الكنيسة إلى مواقع أخرى. # أصبح المدافعون عن الكنيسة بهذا على حافة الهاوية؛ ولهذا أخذوا يعدون العدة ~~لاقتحام موقعة فاصلة، بل لقتال اليأس والقنوط. فبدءوا يحيون فكرة أن البابوات والكنيسة ~~قد أهينت كرامتهم واستهزئ بهم قرونا طوالا، معلنين أن بابوات روما «كبابوات» ~~لم يحرموا قط آراء «كوبرنيكوس» و«غاليليو» ومذاهبهم الكونية، بل حرموها ولعنوها ~~بصفتهم الشخصية كأناس يجوز عليهم الخطأ كما يجوز الصواب. وعلى هذا لا تتقيد الكنيسة ~~بأعمالهم، وأن الاتهام والتحريم كانا من عمل الكرادلة وأعضاء محكمة التفتيش ومجمع ~~الفهرست؛ لهذا غلت العناية القدسية يد البابا عن أن توقع على قراراتهم! وما من شيء ~~هو أبلغ تعبيرا وأفصح بيانا عن روح اليأس التي تمشت في قلوب المدافعين عن الكنيسة ~~من أمثال هذه المراوغات الغريبة. فإن الحقيقة الواقعة أن قرار الاتهام الرسمي الذي ~~أذاعه «بيلارمين» سنة 1616 يعلن صراحة وبدقة أنه إنما يقرر ذلك الاتهام «باسم قداسة ~~البابا». # وعلى الرغم من هذا فإنك تجد منذ عهد «أربان الثامن» ومن بعده أن سلطات الكنيسة ~~خلال القرن السابع عشر برمته، قد مضت معلنة أن القرار كان باسم البابا والكنيسة. فإن ~~«أربان الثامن» قد أعلن أن قرار سنة 1616 من عمل البابا «بولص الخامس» والكنيسة، وأن ~~قرار سنة 1633 هو من عمله والكنيسة معا. كذلك قال البابا «إسكندر السابع» في أمره ~~البابوي # Speculatores domus Israel # الذي أصدره سنة 1664 ~~في صراحة وبيان، أنه يلعن ويحرم كل الكتب التي تؤيد مذهب دوران الأرض. # ولما أراد «غاسندي» # Gassendi # أن يدافع عن فكرة أن ~~القرار ضد «كوبرنيكوس» و«غاليليو» لم تجزه الكنيسة، قام ثقة لاهوتي هو الأب ~~«ليكازر» # Lecazre # عميد جامعة «ديجون»، وناقضه ~~صراحة، معلنا «أنه لم تكن فئة من الكرادلة، بل هي سلطة الكنيسة العليا التي اتهمت ~~«غاليليو»، وعلى هذا الرأي وافق من بعد البابا وبقية السلطات الكنسية بالكلام طورا، ~~وبالبحث العميق طورا آخر. # ولما حاول «ديكارت» وغيره أن يتكلموا ms074 في هذا الشأن قوبلوا بالاحتقار والازدراء؛ فإن ~~الأب «كاستللي» - وهو من أكبر أنصار «غاليليو»، بل من المخلصين له الوفيين بعهده، وكان ~~علمه بما سوف يترتب على ذلك القرار لا يقل عن علمه بيد من وضع - قد ظهر في كتابه ~~الذي وجه به إلى السلطات الكنسية مقتنعا بأنه من عمل الكنيسة وحدها وبلا شريك، وكذلك ~~الكاردينال «كويرينغي» # Querengyhi† # في خطاباته، ~~والسفير «جويشارديني» # Guicciardini # في بلاغاته ~~و«بولاكو» Polacco # فيما كتب مدحضا أقوال رجال ~~الكنيسة، والمؤرخ «فيفياني» في ترجمته عن حياة «غاليليو»، وكلهم كتب تحت عين الكنيسة ~~وبوحيها، قد مضوا على الاعتقاد بأن البابا والكنيسة كلاهما اتهم «غاليليو»، ولم يرتفع ~~من جانب «روما» صوت واحد ينكر ذلك أو يعارضه. ناهيك بأن محكمة التفتيش - ومن ورائها ~~«بيلارمن» أكبر لاهوتيي ذلك العصر - قد قنعوا بهذا الرأي، وفضلا عن حقيقة أن «بيلارمن» ~~قد أعلن صراحة بأنه يقيم قرار الاتهام «باسم قداسة البابا» فلدينا الفهرست الروماني، ~~متضمنا قرار الاتهام أكثر من مائتي عام، وهو مصدر بأمر بابوي واضح الغرض، يفرض أن ~~هذا الاتهام صادر بموافقة كل التابعين للكنيسة، وأنه مقيد لضمائرهم وخطرات نفوسهم ~~صابا اللعنة الأبدية على «كل الكتب التي تؤيد مذهب دوران الأرض»، على أنه سرعان ما ~~ظهر أن التغرير بالنفس في مواجهة كل هذه الحقائق، مضافا إليها أن «غاليليو» قد أجبر ~~على أن يقسم مقاما عن «هرطقة الاعتقاد بدوران الأرض» خضوعا لأمر كتابي من البابا، ~~كان بلا طائل أو جدوى. # لدينا تلقاء ما يدعي المدافعون عن الكنيسة من أن البابا غير مسئول، مجموعة هذه ~~البراهين التي أدلينا بها، مشفوعة بالأمر البابوي الذي أصدره «الإسكندر السابع» سنة ~~1664، وهذا كاف في التدليل على أن الموقعة قد ربحها العلم، وخسرها اللاهوت. # عند هذا الحد وقف ذلك الصراع الكبير، وعدل عنه رجال على المذهب الكاثوليكي خصوا بسعة ~~الصدر وحسن النية. ففي سنة 1870 اعتقد رجل من رجال الكنيسة الإنجليزية - ومن أخص ~~المتعصبين للمذهب الكاثوليكي الروماني، هو الموقر مستر «روبرتس» # Rev. ~~Mr. Roberts ~~- ~~أن الوقت قد حان للاعتراف بالحق، فطبع ms075 كتابا عنوانه «قرارات الحبر الأعظم ضد دوران ~~الأرض»، وفيه أثبت أن السلطة البابوية استعملت كل وسائلها - ومن بينها العصمة من الخطأ ~~- ضد نظرية دوران الأرض. ولقد أظهر هذا الكاثوليكي الأمين على الحق - من المستندات ~~الأصلية المحفوظة في قصر الفاتيكان - أن البابا «بولص الخامس» قد ترأس المحكمة التي ~~أصدرت قرار الحظر ضد فكرة دوران الأرض سنة 1616، والتي أجبرت «غاليليو» على الإقلاع عن ~~مذهبه. وأثبت أن البابا «أربان الثامن» قد عمل جهد ما يستطيع سنة 1633 لتوطئة الظروف ~~لإتمام الاتهام الأخير، متخذا على نفسه عبء كل مسئولية في المستقبل. ودلل في النهاية ~~على أن البابا «إسكندر السابع» قد استخدم معتقد العصمة البابوية لتحريم «كل الكتب التي ~~تبرهن على دوران الأرض»، بذلك الأمر البابوي # Speculatores domus ~~Israel # الذي أضيف إلى الفهرست. وقال بعد ذلك إنه بناء على القواعد ~~التي وضعتها سلطات الكنيسة العليا، وعلى الأخص في عصر البابا «سكتوس» الخامس و«بيوس» ~~التاسع، لم يكن ثم مهرب من الوصول إلى هذه النتائج. # ولقد حاول كثير من اللاهوتيين أن يتقوا قوة براهين مستر «روبرتس» بوسائل غير مجدية. ~~فلجأ البعض مثل دكتور «وارد» # Dr. Ward # ودكتور ~~«بووي» # Bouix # إلى مفارقات دقيقة، وجمل خطابية ~~منمقة، وخفف آخرون مثل دكتور «جريمياه ~~مورفي» # Geremiah Murphy # عن أنفسهم ثقل الصدمة بحماسيات مزخرفة. وكانت نتيجة كل هذا أن ~~أبرزت المطابع طبعة أخرى من كتاب مستر «روبرتس» أكثر إقناعا من سابقتها وأنصع برهانا. ~~وفضلا عن هذا الكتاب ظهرت مقالة من قلم ذلك الكاثوليكي النابه مستر «سانت جورج ميفارت» # st. George Mivart # اعترف فيها بأن موقف ~~مستر «روبرتس» ثابت لا يتزعزع، معلنا أن الله القادر على كل شيء قد أوقع البابا ~~والكنيسة في ذلك الخطأ الفاحش تلقاء نظرية «كوبرنيكوس»؛ ليعلمهم أن العلم خارج عن ~~ميدانهم، وأن القوامة على الحقائق العلمية متروكة للعلماء وحدهم دون غيرهم. # وفضلا عما تذرع به رجال الكنيسة من محاولات أرادوا بها حل تلك المعضلة، وعلى ~~الرغم من توسلاتهم، فقد كفت صلابة مستر «جورج ميفارت» وأمانته لإنهاء الخلاف الجدلي ~~من ms076 بين الكاثوليك على قدر ما اتسعت لآرائه عقول النابهين منهم. # أما إذا أردنا أن نعيد هذه الذكرى للأذهان مرة أخرى خلال هذا العصر الحديث، فلا ~~يسعنا إلا أن نذكر جهدين صرفا نحو التوفيق بين الكنيسة والعلم، في ذكرهما فائدة ~~ولذلة؛ لأنهما يدلاننا على مقدار ما تولى اللاهوتيين من حيرة في القرن التاسع ~~عشر. # أما الجهد الأول فبذله «جون ~~هنري نيومان» # John Henry ~~Newman # في تلك الأيام التي تسكع فيها متراوحا بين الكنيستين ~~الإنغليكانية والرومانية، قال في إحدى خطبه في جامعة إكسفورد: # تقول التوراة بأن الشمس تتحرك وأن الأرض ثابتة، ويقول العلم بأن الأرض تتحرك ~~وأن الشمس ثابتة. كيف يمكننا أن نعرف أي الفريقين في جانب الحق قبل أن نعرف ما ~~هي الحركة؟ فإذا كانت آراؤنا في الحركة ليست سوى نتيجة اتفاقية تقتضيها حواسنا ~~الحاضرة فكلا الفرضين غير صحيح وكلاهما صحيح؛ كلاهما غير صحيح من الوجهة ~~الفلسفية، في حين أن كليهما صحيح لتأدية بضعة أغراض عملية في النظام الذي توجد ~~فيه كلتاهما. # وإنك لن تجد في كل ما ظهر من المؤلفات المضادة للاهوت أنفسها من قول هو أكبر من هذا ~~مجلبة للشك، ومخبثة لليقين. ومن أجل أي غرض أراد هذا اللاهوتي أن يرمي شباب أكسفورد في ~~أعماق ذلك الشك القاتل تلقاء وجود أي أساس للحق أو في أنه موجود وجودا مطلقا؟ لا لشيء ~~سوى أن ينقذ من الدمار أسلوبا محطما من أساليب الفكر، شاءت الأقدار أن يولد ذلك ~~اللاهوت في أحضانه. # وأما الجهد الثاني فقد أوحى به إلى «ده بونالد» ونما على صفحات «الدبلين رفيو» بسعي ~~أحد مشايعي الكردينال «نيومان»، على ما عرف من أمره. ولم يكن ذلك الجهد بشيء، اللهم ~~إلا التراجع من خط القتال بخدعة توجه ملامتها إلى الله الواحد القهار. قيل: «غير أنه ~~يمكننا أن نشك في أن الكنيسة قد أعاقت خطا العلم عن أن تمضي في التقدم والارتقاء، ~~لنقول بأن الذي أعاقها هو ذلك الظرف الذي اقتضى أن يضع الله كثيرا من متون التوراة في ~~قالب يشعر ms077 ظاهره بإنكار دوران الأرض. غير أن الله هو الذي فعل هذا لا الكنيسة. وفضلا ~~عن هذا فإن الله ما دام قد رأى أن الصالح في أن تعاق خطا الحقائق العلمية عن أن ~~تنبعث في طريق النشوء زمانا، فليس من لوم على الكنيسة - حتى ولو صح ما ترمى به - إذا ~~هي احتذت المثال الذي اختطته يد الله واتخذته إماما.» # ولم تبعث هذه البراهين من شيء في نفوس المفكرين بقدر ما بعثت فيهم من عوامل ~~الاشفاق، وبواعث الرحمة بقائليها. على أن لهذا الأمر شبيها في التاريخ. وما يشبهه إلا ~~تلك الجهود التي بذلها مستر «جوس» # Mr. Gosse # في سبيل ~~التوفيق بين علم الجيولوجيا وسفر التكوين؛ بأن فرض أن الله - لغرض يخفى علينا ولا ~~نستطيع إدراكه - قد خدع المفكرين خديعة كبرى، بأن خط على لوحة الأرض كل مظاهر النشوء ~~خلال عصور متطاولة في القدم، بينما أن الحقيقة أنه خلقها في ستة أيام، كل منها نهار ~~وليل لا غير. # على أن تدليل «ده بونالد» كتدليل «نيومان» كلاهما جهد القانط اليائس، الذي تمثل في ~~لاهوتيي الكنيستين الإنغليكانية والرومانية، لتفوزا بإنقاذ شيء من اللاهوت المذهبي ~~القديم، أن تناله - كما نالت غيره - معاول الهدم والتحطيم. # إن هؤلاء وأمثالهم لم يغرسوا في قلوب المفكرين من أهل الحرية إلا فكرة واحدة، فكرة أن ~~هنالك صراعا ضروريا بين العلم والدين مثلهم في ذلك كمثل رجل يربط نفسه وهو فوق ~~اليابسة في مرساة سفينة أخذت تغرق بين لجات اليم المتلاطمة. فإنهم ربطوا بين النصرانية ~~وبين تلك الفكرات الخاطئة بأقوى خيوط استطاعوا أن يحيكوها من قواعد المنطق. ولو أن ~~الغلبة قد تمت لهم لقضي على تقدم العلم والمعرفة قضاء مبرما. ~~••• # وقد نتساءل من جهة أخرى: ماذا فعل العلم بالدين؟ لم يفعل من شيء، بل إن «كوبرنيكوس» ~~لم يفلت من يد الكنيسة إلا بالموت، و«جيوردانو برونو» أحرق حيا كجبار من جبابرة ~~الكفر والإلحاد، و«غاليليو» سجن وأهينت كرامته كأخبث من أقلت الأرض من ~~الزنادقة، و«كيبلر» اتهم بأنه «يحاول أن يرمي مملكة المسيح في أحضان ms078 الفوضى ~~بتخيلاته الفاسدة.» و«نيوتن» هوجم ولعن لأنه «أنزل يد العناية عن عرشها.» ومن طريق ~~هؤلاء أسس العلم للدين دعامة أقوى من دعاماته الأولى ليقوم عليها، وزوده بحقائق ~~وتصورات أنبل مما كان بين يديه، وأهدى سبيلا. # تحت ظلال المذهب الفلكي القديم نشأ فلكي الأمراء «ألفونسو أوف كاستيل» # Alfonso Of Castille # وهنالك رأى ما في ~~نظرية بطليموس من منافاة للهدى والرشاد، وكان على جهل بغيرها. فرمى العالم الأوروبي ~~بقذيفة من الكفر والإلحاد إذ قال بأنه لو كان حاضرا يوم خلق العالم لاقترح للكون ~~نظاما أقوم من نظامه وأدنى إلى الحكمة. وتحت ظلال المذهب الفلكي الحديث قال «كيبلر» ~~مملوءا إيمانا: «إني لا أستطيع أن أبلغ فكري إلى معرفة فكر الله.» على أن الفرق بين ~~الروح الدينية المنبعثة من صدر هذين الرجلين، هو في الواقع أكبر مقياس يقاس به مقدار ~~ما أنتج العلم في ذلك الصراع الكبير، من فائدة للدين. # وما من شيء هو أبعد عن فضيلة الأقساط في القول من أن تخص الكنيسة الرومانية بطابع ~~خاص من اللوم والتقريع في كل تلك المقاومة التي لقيها العلم من اللاهوت. فإن ~~الكنيسة البروتستانتية - ولو أنها لم تستطع أن تبلغ في كل الحالات من القوة ما بلغت ~~نظريتها - إلا أنها تستحق من التقريع قسطا أوفى؛ فإن اضطهاد «غاليليو» وأنصاره قد وقع ~~في أوائل القرن السابع عشر، في حين أن اضطهاد مختلف السلطات البروتستانتية لأمثال ~~روبرنسون ثميت، وونشيل، وودرو، وتوي، وشباب أساتذة بيروت، كان في نهاية القرن التاسع ~~عشر! وكذلك لا ننسى أن أنواع الاضطهاد التي أتاها الكاثوليك كانت ملائمة كل الملاءمة ~~لتلك المبادئ التي عكف عليها الدينيون إذ ذاك - كاثوليك وبروتستانت - في نواحي العالم ~~كله. أما الاضطهادات التي ارتكب جريمتها البروتستانت، فكانت لأسباب بعيدة جهد البعد عن ~~تلك المبادئ التي تبعها البروتستانت، أو التي يزعم البروتستانت أنهم يتبعونها، بل ولم ~~ترتفع من ناحية صيحة بالانتهاء إلى تلك المبادئ؛ فكانت أعلى من صيحة تلك الفئات التي ~~اضطهدت رجالا من أنبغ رجال العصر، وهم فوق ذلك نصارى تكونت ms079 جريمتهم في نظر هؤلاء ~~بأنهم كانوا من صفاء النفس ورجاحة العقل، بحيث فقهوا حقائق العلم التي ذاعت لعهدهم، ~~وحملتهم شجاعتهم وأمانتهم على أن يعلنوا ثقتهم بها. # وليس من العدل في شيء أن تلهج البروتستانتية بلوم الكثلكة؛ لأنها حرمت تعليم حقائق ~~علم الفلك في جامعات أوروبا الكاثوليكية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. في حين ~~أن العلم الحقيقي المنتزع من أبحاث الجيولوجيا والبيولوجيا والأنثروبولوجيا قد أنكرت ~~حقائقه، كما حرم تعليمه في جامعات أمريكا البروتستانتية وكلياتها خلال القرن التاسع ~~عشر. # كذلك ليس من حق البروتستانتية أن تشير بشيء من الاحتقار للفهرست الكاثوليكي، ولا أن ~~تعلق أهمية كبرى على أن كل كتاب ذا شأن في عالم العلم ظهر خلال الثلاثة القرون ~~الفارطة قد ضم إليه ليحرمه المؤمنون، ما دمنا نرى أن شباب عصرنا الحاضر يغذون في ~~الجامعات البروتستانتية الأمريكية «بفتات من الخبز مشبع بعصير الكنيسة» أكثر مما ~~يغذون بلباب المعرفة الصحيحة، وأنهم لا يعطون إلا ما وافقت عليه سلطاتهم، في ~~حين أنهم يظلون بعيدين عن الفكرة الحديثة في العلم، تلك التي بثها في العصر الحديث ~~رجال من أمثال داروين وسبنسر وهكسلي ودريبار وليكي وغيرهم. # أما ما يحق للبروتستانتية أن تفخر به فهو أن بعض نواحيها التي تمثلت فيها نزعتها ~~العصبية قد تحررت بالفعل. غير أن الكثلكة يحق لها أيضا أن تشير إلى حقيقة أن البابا ~~«ليو الثالث عشر» # Leo XIII # قد أحدث تغييرا كبيرا ~~- ملؤه النبالة وكرم الأخلاق - تلقاء مناقشة المستندات القديمة مناقشة حرة، وأن أيام ~~المونسنيور «ماريني» قد انقضت وعفت آثارها؛ فإن مكتبة الفاتيكان بما تنضوي عليه من ~~المادة التاريخية، قد فتحت أبوابها للباحثين من الكاثوليك والبروتستانت، بل قد أعطي ~~هذا الحق لكل الناس على اختلاف نزعاتهم الدينية وتباين مذاهبهم. # أما الأخطاء القديمة، فإن العالم المتمدين جميعه قد وقع في أغلاط كبيرة تلقاءها، ~~تساوى فيها الكاثوليك والبروتستانت. إن تلك الأخطاء لم تكن أخطاء الدين. إنها أخطاء ~~المذاهب اللاهوتية التي استمدتها من نصوص الكتاب المقدس عقول خصت بالكثير من قصر النظر ~~وضعف التدليل، ms080 وهي فوق ذلك مناقضة للكلمات الحكيمة والأعمال الرشيدة التي تؤثر عن ~~مؤسسي المسيحية. على أن تلك المذاهب كثيرا ما ينسبها الجاهلون إلى نزعة الدين نفسه. ~~ولقد قال أحد مشهوري اللاهوتيين من رجال الكنيسة الإنغليكانية المعاصرين قولة حق أشار ~~فيها إلى «أن هؤلاء اللاهوتيين لما أعيوا عن التمييز بين الفجر وبين الضوء المنبعث ~~عن حريقة امتد لهبها، قد انصرفوا وهم أعداء النور والضياء.» # الفصل الثاني # | علم الجغرافية # (1) صورة الأرض # نجد بين كثير من القبائل المتوحشة بقايا فكرة أولية في أن الأرض عبارة عن قرض منبسط، ~~أو خوان مسطح، عرشه السماء أو أن السماء قبة أو خيمة عظيمة تظلله، وأن السماء ترتكز ~~على الجبال، كأنها أعمدة تحملها. ولا مرية في أن مثل هذا الاعتقاد طبيعي صرف، فإنه ~~يوافق ظواهر الأشياء. ومن أجل هذا غزا ذلك المعتقد نواحي كثيرة من مختلف المذاهب ~~اللاهوتية. # ولقد نما هذا الاعتقاد وبلغ نهاية التطور في عصور المدنية المصرية ومدنية الكلدان. ~~أما النقوش الآشورية التي قرئت حديثا، فتمثل الإله «مردخ» # M. ~~rduk # وقد أخذ في البدء بخلق ~~السماوات والأرض. والأرض مستقرة على الماء، وفي جوفها «وادي الكوت». ومن فوقها تنتشر ~~السماء وهي عبارة عن قبة مسدولة عند آخر الأفق من كل الجوانب مستقرة على قواعد برزت من ~~«اللج العظيم» الذي يحيط بالأرض من جميع جهاتها. # وفي كلا الجانبين - الشرقي والغربي - من تلك القبة السماوية أبواب، تدخل منها الشمس ~~في الصباح، وتنزلق خارجة منها في المساء. ومن فوق هذه القبة محيط عظيم، ينحدر في ذلك ~~المحيط الذي يغشى الأرض عند آخر الأفق من جميع جهاتها، وتقوم السماء كفاصل يفصل بين ~~الأرض وبين ذلك اللج المتلاطم فوقها أن يصعقها انقضاضا. ومن فوق كل هذا من فوق السماء ~~والمحيط الذي يعلوها، تكون عليون، أو جوف السماوات العليا. # أما المصريون فاعتقدوا بأن الأرض مائدة منبسطة مستطيلة الشكل وأن السماء عرشها، وهي ~~عبارة عن قبة زرقاء من المعدن الصافي. وفي أركان الأرض الأربعة تقوم العمد التي تحمل ~~هذه القبة مستقرة عليها، ومن فوق ms081 هذه السماء الصلبة تكون «المياه المتلاطمة التي تعلو ~~السقف العظيم». # وكانوا يعتقدون بأن العالم عندما كان عماء # chaos ~~، ~~استطاع أحد الآلهة بقوته المفرطة أن يرفع المياه إلى العلاء وأن ينشرها من فوق القبة ~~الزرقاء وفي السطح الأسفل من تلك القبة أو السقف أو السماء الصافية، أو ما شئت ~~فسمها، تعلق النجوم لتنير الأرض، وأن المطر إنما يصيب الأرض إذا فتحت نوافذ السماء ~~فانحدرت مياه المحيط الأعلى منها. وهذه الفكرة وغيرها من الفكرات ذات الآصرة بها، قد ~~استمكنت من معتقد الفئات الكهنوتية في مصر، وتغلغلت في صميم لاهوتهم وفي علومهم ~~المقدسة. وما تلك المعابد التي لا تزال قائمة حتى اليوم بعروشها المنمقة بالنجوم، ~~والكوكبات والسيارات والإشارات الدالة على مناطق البروج، إلا رمزا حيا على ذلك ~~المعتقد القديم. # ونجد في بلاد فارس نظريات جغرافية قد قامت على أمثال هذه التصورات ثم اندمجت في ~~المتون المقدسة. # ومن هذه المآخذ ومن غيرها أعرق منها قدما، انتقل الميراث الجغرافي إلى العبرانيين. ~~وإنك لتجد في كتبهم المقدسة جملا عديدة، خصت بالكثير في رائع التصور وجمال الوضع ترجع ~~بك - إذا ما وقعت عليها - إلى كلتا الفكرتين المتقدمتين حينا بعد حين. فإنك كثيرا ما ~~تعثر على قولهم: «أساس الأرض من فوق الماء»، و«ينابيع الغور الأبعد»، و«الدائرة المحيطة ~~بسطح الغور»، و«القبة الزرقاء»، و«أعمدة السماء»، و«نوافذ السماء وأبوابها»، إلى غير ~~ذلك من التعبيرات. # فلما أن أضربت الإنسانية بقدمها الثابت في معارج المدنية، اختمرت فكرات جديدة ونشأت ~~آراء بكر، وعلى الأخص في ثنيات العقل اليوناني، تثبت كروية الأرض. ولقد روج هذه الآراء ~~كثير من رجال المدرسة الفيثاغورية، وأفلاطون وأرسطوطاليس وغيرهم، على أن هذه الفكرات ~~كانت غامضة يكتنفها الإبهام من نواح كثيرة، وتلابسها المتناقضات العقلية، غير أنها ~~كانت أول ما فرخ من جراثيم الحق تلقاء شكل الأرض وصورتها، وظلت هذه الجراثيم حية في ~~بيئة العقل متنقلة من جيل إلى جيل، حتى أسلم بها الزمان إلى عقول اندمج فيها الأسلوب ~~اللاهوتي في الكنيسة النصرانية الأولى لدى إبانها، فبدأت هذه الجراثيم تشق لها نحو ms082 ~~الحياة الدنيا طريقا مقتحمة أسياج اللاهوت، متخذة عقول مجموعة صغيرة من النابهين ~~المفكرين ميدانا لجهادها، فأبرزوا إلى الوجود فكرة أن الأرض كرة تارة أخرى. # من آباء الكنيسة عصبة خصت بالكثير في بعد النظر وسعة العقل، سلطت عليها تقاليد ~~المدرسة الفيثاغورية ترجيحا، وفكرات أفلاطون وأرسطوطاليس تحقيقا، أرادوا أن يذعنوا ~~للقول بأن الأرض كرة، لو لم تذعر الأغلبية العظمى من ذلك الرأي جانحته إلى إنكاره. فلقد ~~خيل إليهم أنه مهدم لنصوص التوراة. وما عنوا بذلك في الواقع إلا أنه مهدم للتفاسير التي ~~فسروا بها التوراة، لا للتوراة نفسها. وكان «إيوسبيوس» # Eusebius # أول من حمل السلاح وأعلن الحرب. # مضى «إيوسبيوس» مقتنعا بما جاء في الإنجيل من قرب فناء الأرض وهلاك أهلها؛ ولذلك ~~تراه في كل ما كتب قانعا بأنه ليس من شأنه أن ينقض الفكرة في كروية الأرض لأنها غير ~~صحيحة علميا، بل لأن التفكير في مثل هذه الأشياء جهد ضائع وعمل بائر. قال موجها ~~الكلام إلى الباحثين: «إننا لا يجب أن نفكر في مثل هذه الأشياء، لا لأننا نجهلها، بل ~~لأننا نزدري عملا تذهب نتائجه سدى؛ ولهذا يجب أن نوجه بأرواحنا في سبيل أتم نفعا ~~وأسرع إنتاجا. وقال «باسيل» # Basil ~~- الذي عاش في ~~قيصرية # Caesarea ~~- إنه لمن أتفه الأشياء أن نعرف ~~إذا كانت الأرض كرة أو أسطوانة أو قرصا أو أنها مقعرة الوسط.» وأشار «لاكتانتيوس» # Lactantius # إلى فكرة الذين يشغلون أنفسهم بعلم ~~الفلك فقال بأنها فكرة «مرذولة معدومة النفع، بعيدة عن الذوق.» رافضا القول بكروية ~~الأرض مستندا إلى التوراة والعقل معا. وكذلك استغل القديس «يوحنا كريسوستوم» # John Crysostom # نفوذه ضد هذا المعتقد. ولم ~~تكن مقاومة «إفريم سيروس» # Ephraem Syrus # أكبر جهابذة ~~الكنيسة السورية القديمة، والذي كان يدعى دائما «قيثارة الروح» بأقل عنادا ~~وعسفا. # غير أن خواص أهل العلم الإنجيلي - ومنهم آباء، ومنهم أساقفة ذوو شهرة، من أمثال ~~«تيوفيلوس» # Theophilus # الأنطاكي في القرن الثاني ~~و«كليمان» # Clement # الإسكندري في القرن الثالث، ~~وغيرهم عديد تتابعوا خلال القرون المتتالية - لم يقنعوا بأن يظهروا بمظهر الرافضين ~~لنظرية ms083 قر رأيهم على أنها نظرية وثنية قديمة لا غير، بل أخذوا يكونون - مستندين ~~إلى أناجيلهم - نظرية نصرانية جديدة تكونت على مر الزمان، بأن أضافت إليها إحدى الكنائس ~~فكرة، وزودتها أخرى بغيرها، وهكذا دواليك حتى بلغت كمالها ومنتهاها. ولقد عمدوا إلى ما ~~وصل إليهم من التقاليد الكثيرة التي نقلت إليهم عن العالم القديم وإلى الآية السابعة من ~~الإصحاح الأول من سفر التكوين # 1 # فمضوا ثابتي اليقين بما جاء في التوراة من إشارات في أن الأرض كانت عند خلق ~~العالم مغطاة بقبة صلبة القوام - أو «قبة زرقاء» - وأضافوا إلى ذلك ما عثروا عليه في ~~سفر أشعياء والمزامير، والتي جاء فيها أن السماوات منتشرة «كستار» أو «كخيمة يعيش فيها ~~الأحياء»، إذن فالكون عبارة عن منزل، أسفله الأرض وعرشه القبة الزرقاء التي يعلق فيها ~~الواحد القهار الشمس لتحكم النهار، والقمر والكواكب لتحكم الليل. وأما السقف أو العرش ~~فعبارة عن أرض سفلى لطابق أعلى فيه صهريج، يقول فيه أحد ثقاة اللاهوتيين إن شكله يقارب ~~شكل «حوض الحمام» المعروف، ويحتوي على المياه التي هي كائنة من فوق القبة الزرقاء. أما ~~تلك المياه فقد تنصب على الأرض بيد الله وملائكته من «نوافذ السماء» فتكون مطرا، ~~رذاذا أو مدرارا. ولقد رجعوا في حركة الشمس إلى الاستشهاد بمقطوعات كثيرة في سفر ~~التكوين، مزجوها بالغيبيات الميتافيزيقية مزجا تختلف نسبته، وظنوا بأن مجموع ما ~~استمدوا من التوراة والإنجيل كاف لأن يثبت بأنصع برهان وأقوى دليل أن الأرض لا يمكن ~~أن تكون كروية الشكل. # في القرن السادس انتهى ذلك التفصيل بما يصح أن يعتبر نظاما كاملا في حقيقة الكون، ~~مستمدة أسسه من نصوص التوراة والإنجيل. كان واضع هذا النظام الراهب المصري قد ~~«قوزماس إنديكو بليوستيس» # Cosmas Indico Pleustes # والحقيقة أن مصر قد ظلت نبعا فياضا ينضح بمختلف الآراء اللاهوتية التي انتحلتها ~~كثير من الديانات القديمة. والواقع أن «قوزماس» قد نجح في أن يلزم الكنيسة الأولى تلك ~~المعتقدات المصرية العتيقة التي بثت في تضاعيف الكهنوت المصري في حقيقة العالم، كما ~~ألزم الكنيسة كاهن ms084 مصري آخر هو «أتناسيوس» # Athansius # المصري فكرة الأقانيم الثلاثة المندمجة في خالق واحد، يحكم نظام الكون كله. # قال «قوزماس» بأن الأرض عبارة عن معين منبسط، تحيط به بحار أربعة. ويبلغ أربعمائة يوم ~~سفرا طولا ومائتي يوم عرضا، وفي حدود هذه البحار الأربعة الخارجية تقوم جدران عظيمة ~~هائلة الحجم، تحوي كل ذلك البناء الكبير وتحمل من فوقها تلك القبة السماوية، وقد ثبتت ~~أطرافها إلى أعلى الجدران بمادة فيها صفة الالتصاق. # قام هذا النظام على طريقة التفكير اللاهوتية وعلى العلم اللاهوتي، وظن أنه أحكم نظام ~~وصل إليه العقل الإنساني، وأنه أكثر النظم انطباقا على حقائق التوراة والإنجيل. ~~ولقد أيقن قوزماس وغيره من مفسري عصره بأن حقائق الإصحاح التاسع من رسالة العبرانيين # 2 # لدى الكلام في الهيكل، يفتح مغاليق النظام العالمي أمام العقل البشري، وعلى ~~هذا اعتقد أن الكون قد وضع على مثال الهيكل العبراني؛ فهو إذن أشبه بعلبة مستطيلة ~~الشكل. ولما أن عمد إلى التفاصيل رجع إلى سفر أشعياء حيث يقول: «الجالس على كرة الأرض ~~وسكانها كالجندب الذي ينتشر السماوات كسرادق ويبسطها كخيمة للسكن.» # 3 # وإلى مقطوعة من سفر أيوب تذكر «عمدان السماء». ولقد كون من مجموع هذا ~~نظاما، متخيلا أنه قد أوحي إليه بأسرار العلم ومغمضات الكون الأوسع. # أما تلك العلبة العظيمة فتنقسم إلى قسمين أو دورين أحدهما فوق الآخر. ففي الدور الأول ~~يعيش الناس وتتحرك الكواكب. وهو يمتد ارتفاعا إلى القبة الصلبة الأولى أو القبة ~~الزرقاء التي يعيش من فوقها الملائكة الذين وكل إليهم - كجزء من عملهم - أن يدفعوا عنهم ~~ثم يجذبوا إليهم الشمس والسيارات رواحا وجيئة. # ثم يعمد بعد هذا إلى سفر التكوين مستندا إلى الآية المعروفة: «وقال الله ليكن جلد ~~في وسط المياه. وليكن فاصلا بين مياه ومياه.» # 4 # وإلى غير ذلك من الآيات. ثم ينتهي إلى المزامير حيث تذكر: «سبحيه يا سماء ~~السماوات ويا أيتها المياه التي فوق السماوات.» # 5 # ولقد ترى «قوزماس» بعد التوسع الكبير في هذه الآراء والنصوص يصب الجميع في إناء واحد ~~ليحمي عليها ms085 من وقود خياله حتى تنضج، فتخرج نظرية قوامها أن فوق القبة السماوية الأولى ~~حوض عظيم يحوي «المياه». ثم يعود ثانية إلى سفر التكوين مستندا إلى القول «بنوافذ ~~السماء» ليضع نظرية أخرى يعلل بها سقوط المطر على الأرض فيزعم بأن الملائكة لا يقتصر ~~عملهم على رفع الأجرام السماوية وجذبها رواحا وجيئة لتنير الأرض، بل إنهم مكلفون فوق ~~ذلك بفتح نوافذ السماء وغلقها ليطفئوا ظمأ الأرض ويحيوا مواتها. # ولما أراد «قوزماس» أن يفهم كيف يتكون سطح الأرض، رجع إلى أسلوب التفسير الذي اتبعه ~~«أوريغن» # Origen # وغيره من آباء الكنيسة في عصورها ~~الأولى، وأكب على درس مائدة الخبز المقدس - خبز التقدمة - التي تكون في الهيكل ~~العبراني. ولقد أثبت سطح تلك المائدة «لقوزماس» أن الأرض سهل منبسط انبساطا، كما أثبت ~~اتساعه أن عرض الأرض هو بمقدار نصف طولها. # أما أركانه الأربعة فتمثل فصول السنة: الصيف والشتاء والربيع والخريف. وتشير الاثنا ~~عشر رغيفا التي توضع فوقها إلى شهور السنة. والفراغ الذي يحيط بتلك المائدة إنما يرمز ~~به إلى المحيط العظيم الذي يغشى الأرض من جميع جهاتها. ومن أجل أن يعلل حركة الشمس، ~~اعتقد «قوزماس» أن عند طرف الأرض الشمالي يقع جبل عظيم، خلفه يكون مقر الشمس أثناء ~~الليل. غير أن بعض الذين علقوا على كتاباته قد أبدوا بعض الشك في هذه الفكرة، ~~ليقولوا بأن الشمس إنما تدفع إلى حفرة إذا جن الليل، ثم ترفع منها عند تنفس ~~الصباح. # وما من شيء هو أبعث على الانفعال الهادئ من تلخيص «قوزماس» لمجمل نظرياته الكونية؛ ~~إذ يقول: «لهذا نقرر مع «أشعياء» بأن السماء التي تتضمن هذا الكون الفسيح عبارة عن قبة ~~صلبة القوام، ونقضي مع «أيوب» بأنها متصلة بالأرض، ونسلم مع «موسى» بأن طول الأرض أعظم ~~من عرضها.» ولم ينته من مقالته هذه إلا وهو يؤكد أن ليس موسى والأنبياء وحدهم، بل ~~الملائكة والحواريون أيضا، متفقون على ما في مذهبه من حق، وأن الله في اليوم الآخر سوف ~~ينزل غضبه على كل من لا يسلم به، أو يتشكك ms086 فيه. # وهذه النظرية، على الرغم من أنها مستمدة من نصوص التوراة، فإنها - كما رأينا من قبل ~~- نتيجة تطور طويل في الفكرة اللاهوتية، أخذت بوادره تظهر في ثنايا العقل الإنساني من ~~قبل أن تكتب أسفار التوراة والإنجيل والمزامير بزمان طويل. وليس من غرابة في أن ~~«قوزماس» - وهو مصري كما تعرف - يعمد إلى هذا المذهب الذي نشأ وترعرع على ضفاف النيل ~~وفوق أرض مصر منذ أبعد عصور المدنية وعلى الصورة التي نراه ممثلا بها في النقوش التي ~~لا تزال قائمة على جدران المعابد المصرية القديمة، وأن يشد ذلك المذاهب من أطرافه ~~مستعينا بأسفار التوراة العبرانية، حتى يخرج منه بمذهب يدمجه من تضاعيف المعتقد ~~النصراني. غير أن عالم اللاهوت بأجمعه كان على جهل تام بحقيقة تلك ذلك التطور ~~الأولي الذي بدأ في عصور الوثنية. فإن نظرية «قوزماس» قد قبلت على أنها وحي أنزل ~~على قلبه، وما لبثت أن اعتبرت في عالم الدين كحصن حصين ثابتة أسسه على الأسفار ~~المقدسة. ولقد وقف كثير من جهابذة الكنيسة أنفسهم على تنمية هذا المذهب، عاملين على ~~تقويته بكثير من نصوص الكتب المنزلة حينا، أو متوسعين فيه من طريق الأسلوب اللاهوتي ~~حينا آخر. أما المؤمنون فاعتبروه هبة عظمى حباهم بها الواحد القهار. ولقد ظل هذا ~~المعتقد ثابتا حتى نهاية القرون الوسطى. فإنك ترى «يوحنا سان غنيميانو» # John st. Genemiano # قد بذل أقصى الجهد في ~~الدفاع عنه والنضح عن حياضه. ولقد حذا حذو «قوزماس» في أن يتخذ الهيكل العبراني لآرائه ~~عمادا، مظهرا كيف أن الفكرات الحديثة في شكل الأرض وسعتها وزينتها من الممكن ~~التوفيق بينها وبين النصوص الإنجيلية المنزلة. # من هذا المعتقد القديم في حقيقة الكون وأنه عبارة عن سكن أو منزل، السماء طابقه ~~الأعلى، والأرض طابقه الأسفل؛ فاضت آراء لاهوتية كثيرة حشيت بها الميثولوجيا الوثنية ~~واليهودية والنصرانية. وفي تضاعيف تلك الميثولوجيا تغلغلت أساطير عن ذوات فانية أرادت ~~أن تصل إلى طابق الكون الأعلى، متسلقة من طابقه الأسفل. ومن أخص هذه الأساطير ~~اليونانية التي نشأت حول اسم «ألويدا» # Aloidae ms087 # الذي ~~حاول أن يصل إلى السماء بأن يجمع الجبال أكداسا بعضها فوق بعض، ولكنها تحطمت وصعقت ~~للحضيض. ومنها الأساطير الكلدانية والعبرانية في ذلك الجبار الذي أراد أن يبني في ~~«بابل» # Babel ~~«برجا يصل من فوق قمته إلى السماء»، ~~ذلك البرج الذي تدلى الحي القيوم - على معتقدهم - من عليين ليمتع به نظره ويراه، فأمر ~~باختلاف الألسنة واللغات ليقف إتمامه، ويصد بانيه عن غرضه. ومنها الأسطورة الهندية في ~~تلك الشجرة التي أرادت أن تبلغ إلى السماء ارتفاعا وأعاقها «براهما» # Brahma ~~. ومنها الأسطورة المكسيكية في أولئك الجبابرة الذين أرادوا ~~أن يبلغوا السماء ببناء هرم «شولولا» # Cholula # والذي ~~انصبت عليه من السماء نيران جعلته قاعا صفصفا. # ولقد كانت هذه الفكرة الجغرافية سببا في انتشار أساطير ظلت حية وارفة الظل آلافا ~~من السنين؛ فالصعود إلى السماوات العلى والهبوط منها، ورفع الأحياء إلى السماء وانتقال ~~الموتى إليها بعد أن يقضوا نحبهم في هذه الحياة الدنيا، والتبشير السماوي، وقبض الذوات ~~الفانية في السماء ورجوعهم إلى الأرض، وطيران الملائكة في الفضاء بين الأرض والسماء، ~~والصواعق المنقضة منها، والرياح الزعازع المنبعثة على الأرض من جوانبها، والأصوات التي ~~تخاطب من الطابق الأعلى رجالا في الطابق الأسفل، وفتح أبواب السماء أحيانا لإنزال ~~الرحمة والخير على العباد الصالحين، والإشارات والعجائب التي تظهر في السماء لإرهاب ~~الأشقياء الصالحين، إلى غير ذلك من صنوف العلاقات، من المعتقد الوثني في هبوط الإله ~~لتأدية كل صنوف الرسالات الشفوية، ونزول الحي القيوم إلى «جنة عدن» ليتنزه لدى اعتدال ~~الهواء أثناء النهار، إلى معتقد النصارى في انقضاض «القديس بولص» على سوق «البندقية» ~~ليحطم الأغلال، التي صفد بها عبد من العبيد، كل هذه الأشياء صور مختلفة تشكلت فيها ~~الأساطير الدينية التي قامت على تلك الفكرة الجغرافية، متطورة من صورة إلى أخرى على مر ~~الأجيال. # غير أن خطأ النشوء والتطور في تلك الفكرة لم يقف عند هذا الحد، فمن الطبيعي أن ~~يعتقد كل من ينظر في حقيقة العالم هذه النظرة، بأن السماء ما دامت علاء، فإن جهنم # 6 # لا بد ms088 من أن تكون حضيضا. وأن الرفع إلى الأولى يناظره الإهباط إلى ~~الثانية. وما دامت جهنم على ما ترى من القرب إلى الأرض، فإنه من الطبيعي أن يستطيع ~~سكانها أن يتدخلوا في أعمال أهل الدنيا تدخلا مباشرا دائما، وأن يكون تدخلهم موضوع ~~بحوث مستفيضة تحثى بها بطون الكتب خلال القرون الوسطى. ولقد كان لهذا الموضوع من ~~عبقرية «دانتي» نصيب وافر؛ فإنه استطاع بما خص به من قوة الوصف أن يجلو سر هذا ~~التصور، تصور جهنم وسكانها، مصبوبا في قالب واضح من لغته الساحرة، حتى لقد ظلت بعض ~~الصور التي تقلبت فيها هذه الفكرة سياجا حصينا ضد البحوث الجغرافية عن أن تنبعث في ~~سبيلها المحتومة زمانا. فإن كثيرا من السياح الذين لم تكن لترهبهم الأنواء ولا قوة ~~القرصان، قد انثنوا عن عزمهم خائفين من أن تبتلعهم وسفينهم فوهة من فوهات جهنم، التي ~~كان يعتقد في ذلك الزمان اعتقادا عاما بأنها تقع في عرض المحيط الأطلانطيقي، وعلى ~~مسافة غير معروفة من شاطئ أوروبا. وكان هذا الخوف الذي استمكن من قلوب السائحين ~~المقتحمين لمخاطر البحار، صعوبة من أكبر الصعاب التي قامت في وجه «خريستوف كولمبوس» لدى ~~أول شروعه من رحلته المبرورة. ولقد عثرت في كتاب هو بمثابة متن مختصر أراد وضعه أن ~~يعبر فيه عن حقائق العلم في صورة محاورة كتبت في القرون الوسطى، على السؤال والجواب ~~الآتيين: لماذا تكون الشمس شديدة الأحمرار عند المساء؟ ~~- لأنها إذ ذاك تكون مواجهة لجهنم! # غير أن جرثومة الحقيقة العلمية التي فرخت في العقل الإنساني خلال العصور الأولى كانت ~~لا تزال حية، جرثومة الاعتقاد بالحقيقة الجغرافية الكبرى في كروية الأرض. وعلى الرغم من ~~أن العديد الأوفر من آباء الكنيسة الأولين، وعلى الأخص «لاكتانتيوس» قد نصبوا أنفسهم ~~للقضاء على هذه الحقيقة وتحطيمها مستندين إلى الأقوال المنسوبة إلى «أشعياء وداود ~~والقديس بولص»، فإن الفكرة الصحيحة التي تكونت في عقل «إيودكسس» # Eudoxus # وأرسطوطاليس لم تنس ولم يلفظها العقل الإنساني في ~~القرون الوسطى. ولقد أيد هذه النظرية «كليمان الإسكندري» و«أوريغن»، كما أجازها ms089 ~~القديس «أمبروز» # st. Ambrose # والقديس أوغسطين # st. Augustine # وبعد أن ظل نفوذ «قوزماس» قرنا ~~من الزمان مبسوطا على العقل الأوروبي مخيما عليه بسلطانه، عادت هذه النظرية فاستمدت ~~روحا وحياة من إيزيدور الإشبيلي # Isidore of Seville # وهو من أكبر رجال الكنيسة الذين عاشو في جنوبي أوروبا، ومن الذين ضحوا كثيرا من ~~حقائق العلم انتصارا لوحي اللاهوت، ولكن هذه النظرية شذت عن القاعدة اتفاقا. وفي ~~القرن الثامن صادفت هذه النظرية تعضيدا آخر؛ إذ أعلن «بيده» # Bide ~~- وكان من أوسع رجال الكنيسة نفوذا في شمالي أوروبا - ~~مشايعته لها، وعبثا ما كان من أمر الذين يؤيدون النظرية المقدسة في شكل الأرض؛ فإن ~~الحياة الجديدة التي تمشت في تضاعيف الحق القديم الموروث عن العالم الوثني قد زادت قوة، ~~على الرغم مما أعلن عليها من الحرب وصنوف الاضطهاد طويلا. ولقد أذعن للحقيقة رجال ~~ثقات عاشوا في أواخر القرون الوسطى أمثال «ألبرت الكبير» # Albert the ~~Great # والقديس «توماس ~~أكونياس» # st. Thomas ~~Aquinas # و«دانتي» # Dante # و«فنسنت بوفييه» # Vinoent Beauvais ~~، إذ شعروا ~~بضرورة الاعتقاد بكروية الأرض، كما أنك كلما تقدمت على الزمان خطوة بالغا حدود العصور ~~الحديثة، ألفيت أن العديد الأوفر من المفكرين قد قبلوا هذه الحقيقة واعترفوا بصحتها. ~~أما القائمون بحركة «الإصلاح البروتستانتي» فلم يذعنوا لهذه الحقيقة كل إذعان بداءة ذي ~~بدء. فإن «لوثر» # Luther # و«ميلانكوتون» # Malanchoton # و«كالفن» # Calvin # كانوا ثابتي اليقين فيما يوحي به ظاهر التوراة. حتى إنك لتجد ~~أن «زونيجلي» # Zwingli # على الرغم مما خص به من سعة ~~الفكر كان جامدا كل الجمود إزاء هذه الحقيقة، ومضى قانعا بما أوحى به آباء الكنيسة من ~~آراء في القبة السماوية العظيمة أو السقف، الذي يفصل بين السماء والأرض. بل اعتقد بما ~~كانوا يقولون به من وجود ذلك اللج العظيم المعلق فوقه والملائكة، ومن تحته الأرض ~~والناس. # وكان الفرض الذي رمى إليه زعماء الإصلاح البروتستانتي من النظرة نظرة مستقلة في هذا ~~الموضوع العام، هو الانصراف مع تأملات فاسدة في الكون وفي تضمنه لجنة الخلد، وفي ~~حقيقة الخطاب الذي دار ms090 بين الأفعى وبين حواء، وأمثال ذلك. # ولقد زادت الحالة سوءا خلال الزمان الذي عقب حركة الإصلاح مباشرة. فإن التفسيرات ~~التي فسر بها «لوثر» و«ميلانكوتون» آيات التوراة قد أصبحت في نظر أتباعهم مقدسة كنصوص ~~التورة نفسها. ولما أن جرأ «كالكست» # Calixt # لدى تفسيره ~~المزامير، على أن يناقش المعتقد الثابت في حقيقة أن «المياه الكائنة من فوق السماء ~~إنما يحويها وعاء عظيم تعضده قبة صلبة القوام» لم ينل إلا الطرد من الكنيسة منبوذا ~~جزاء هرطقته. # في الجزء الأخير من القرن السادس عشر فسر «موساوس» # Musaeus # عبارات سفر التكوين على اعتقاد أن الله خلق السماء باعتبار ~~أنها سقف أو قبة، وتركها ثلاثة أيام تهتز متراوحة اهتزاز الرقاص، حتى وضع الأرض من ~~تحتها فتثبت. غير أن الفكرة العلمية في حقيقة صورة الأرض ربحت الموقعة وتم لها النصر؛ ~~فإن أكثر المؤمنين ثقة بما تنم عليه ظاهر الأسفار المقدسة لم يلبثوا أن اضطروا إلى ~~اتباع طريقة التوفيق بين هذه الحقيقة، وبين نظرياتهم اللاهوتية جهد ما استطاعوا. ~~(2) تخطيط الكرة الأرضية # ثبت عند كل أمة من الأمم القديمة - على وجه الإطلاق - اعتقاد بأن مدينتها الكبرى، أو ~~مكانها المقدس هو بالضرورة مركز الأرض. # فاعتقد الكلدانيون بأن «بيت آلهتهم المقدس» هو المركز. في حين أن المصريين خططوا ~~الأرض على صورة شبح بشري، مصر قلبه وطيبة وسطه ومركزه. أما الآشوريون فكانوا على أن ~~المركز «بابل» والهنود على أنه جبل «ميرو» # Mountmeru # أما اليونانيون، فاعتقدوا بأنه جبل «أولمبوس» # Olympus # أو معبد «دلفوس» # Delphi # والمسلمون على أنه مكة وحجرها المقدس. # 7 # ولا يزال الصينيون يسمون إمبراطوريتهم حتى اليوم «الدولة الوسطى». واتباعا ~~لهذه القاعدة وعلى مقتضى نزعات العقل البشري، خيل إلى العبرانيين بأن أورشليم مركز ~~الدنيا. # وينص سفر «حزقيال» # Ezekiel # على أن أورشليم إنما تقع ~~في مركز الأرض، وكل ما عداها من بقاع العالم يقع حفا في المدينة المقدسة. وظل هذا ~~الاعتقاد خلال كل «عصور الإيمان» معتبرا عند جميع الناس وحيا أنزله الواحد القهار ~~ليعرف الناس صورة الأرض من طريقه. ولقد أعلن «القديس ~~جيروم» ms091 # Jerome # أكبر ثقات الكنيسة الأولى في العلم الإنجيلي، معتمدا على ما ~~أتى به «حزقيال» من أن أورشليم لا يمكن أن تكون في مكان، ما لم تكن في مركز الأرض. ~~ورجع من بعد ذلك «رابانوس موراس» # Rabanus Maurus # وكان ~~رئيس أساقفة في القرن التاسع؛ يجدد من شباب هذه الفكرة، ويبعث فيها حياة جديدة. وفي ~~القرن الحادي عشر أخذ «هيو ~~أوف سان فيكتور» # Hugh of st ~~Victor # يؤيد هذا المذهب بنصوص استمدها من التوراة. ثم أعلن ~~البابا «إبان» في خطابه العظيم في «كليرمون» # Clermont # ليحرض الفرنجة # Franks # على القيام بالحروب الصليبية بأن أورشليم هي في مركز ~~الأرض لأوسط وذكر سيزاريوس أوف ~~هيسترباخ # Ceasarius of Heisterbach ~~، وكان من مشهوري اللاهوتيين في القرن الثالث عشر، معلنا ~~«أنه كما يكون القلب في مركز الجسم كذلك تقع أورشليم في وسط أرضنا المسكونة» واثقا من ~~«أنه لهذا السبب صلب المسيح في مركز الأرض». وقبل «دانتي» # Dante # هذه الخرافة على أنها حقيقة واقعة، وبثها في تضاعيف أشعاره ~~الخالدة، وكذلك تجد في كتاب السياحة المنسوب إلى القديس «يوحنا مندفيل» # John Mandville # وكان كثير الذيوع خلال القرون ~~الوسطى، أن أورشليم إنما تقع في مركز الأرض، وأنه إذا رشق هنالك في الثرت رمح بحيث يكون ~~أفقيا تماما، فإنه لا يلقي بظل ما على خط الاعتدال. # ولقد أصبحت تقريرات «حزقيال» مثال ما يحتذى أهل الأورثوذكسية من واضعي الخرائط ~~الجغرافية في العصور الأولى. ولقد دلت الخرائط الجغرافية التي وضعت إذ ذاك، وعلى ~~الأخص خريطة العالم المحفوظة في كاتدرائية «هيرفورد» # Hereford # والخرائط التي وضعها «إندريا بيانكو» # Andrea Bianco # و«مارينو ~~سانوتو» # Marine Sanoto # وكثير غيرهما، إلى نتيجتين؛ أولاهما: هي أن يثبت هذا الاعتقاد ~~في أذهان الناس، وثانيتهما: هي أن يبعث المعتقد العام من التثبيط في همم الباحثين الذين ~~حالوا أن يثبتوا خطأ هذا المذهب، ما يقعد بهمتهم طويلا. # على أن المفكرين في القرون الوسطى لم يقفوا عند هذا الحد. فإنهم خضعوا لوجهة النظر ~~التي سادت في تلك الأزمان، والتي كانت تلزم الناس الاعتقاد بأن الحقائق ms092 الفوسيقية، لا ~~ينبغي أن يبحث عنها في حيز خارج عن ذلك الحيز الذي حددته المقولات اللاهوتية، تطور ذلك ~~المذهب تطورا خطيرا، محصلة أن ليس موضع الصليب في مدينة القدس هو الذي يحدد مركز ~~الأرض الجغرافي لا غير، بل إن في هذه البقعة التي قام عليها الصليب نبتت الشجرة التي ~~حملت تلك الثمرة المحرمة في جنة الخلد، وعلى هذا تجد أن العلم الجغرافي قد بلغ حدا ~~استطاع عنده الباحثون أن يصبوه في قالب محبوكة أطرافه على المعتقد اللاهوتي. # ولقد فرح المؤمنون بما أتاهم به ذلك المذهب من علم. ولا يدلك على هذا من شيء مثل ~~تلك الكتب التي نشرها مهاجرون هبطوا إلى فلسطين في القرون الوسطى؛ فإن هذه الكتب تزودك ~~في طوال تلك العصور براهين تثبت لديك حينا بعد حين، أن هذا المذهب قد أصبح من أثمن ~~الحقائق التي يفخر بها المؤمنون سواء في الجغرافية أم في اللاهوت. ولقد ظل هذا المعتقد ~~ثابتا أواخر القرن السابع عشر، حتى إنك لتجد أن الكاهن الفرنساوي المشهور «إيوجين روجر» # Eugene Roger # في كتابه الذي تكلم فيه عن سياحته ~~في فلسطين عام 1664 يعمد إلى الإصحاح الثامن والثلاثين في سفر «حزقيال»، وإلى نصوص في ~~سفر «أشعياء» # Isalah # ليثبت أن مركز الأرض الحقيقي يقع ~~في نقطة على رصيف الكنيسة التي تتضمن القبر المقدس. وأن في هذه النقطة نبتت الشجرة التي ~~حملت الثمرة الملعونة، وقام الصليب الذي صلب عليه المسيح. # ولم يكن هذا التصور الباطل وحده هو الذي شق لنفسه طريقا إلى الخرائط الجغرافية ~~التي صنعت في القرون الوسطى. فهنالك تصوران يظهران جليين على صفحة تلك ~~العصور. # الأول: ذلك الفزع المبهم الغامض الذي ألقاه في روع الناس اعتقادهم باطلا بيأجوج ~~ومأجوج. وقليلا ما تجد في العهد القديم - التوراة - من مقاطيع تفوق في عظمتها وروعتها ~~تلك التي أوردها «حزقيال» في تعذيب هؤلاء الأعداء الألداء. ناهيك بتلك المقطوعة ~~المعروفة في سفر رؤيا «يوحنا» اللاهوتي # Apocalypse # فإنها قد ربطت بين الشعور العبراني تلقاء يأجوج ومأجوج، وبين تصور جديد ثبتت أصوله ms093 في ~~صميم الكنيسة النصرانية الأولى. ولهذا تجد أن واضعي الخرائط الجغرافية في القرون الوسطى ~~قد عانوا أشد النصب في تصوير هذه المسوخ المفزعة، وتحديد مواطنهم على الخرائط. ~~ومضت قرون طوال والناس يعتقدون أن أية خريطة جغرافية خالية من ذكرهم، لا يمكن أن تنال ~~رضاء المحافظين من أصحاب الكنيسة. # أما التصور «الثاني» فمستمد مما ذكر في الأسفار المقدسة عن «الرياح ~~الأربعة». ولقد قام على هذا التصور اعتقاد ثابت في حقيقة وجود هذه الرياح، فظهرت ~~رموزها على الخرائط الجغرافية في صورة أدمغة عظيمة الحجم، منتفخة الوجنات، ترسل رياحا ~~زعازع في اتجاه أورشليم. # ولقد نجد - حتى بعد أن زالت هذه التصورات واكتسحت من عالم الفكر الإنساني - دلائل ~~توحي إلينا بين حين وحين، أن الناس قد عانوا أشد الصعاب وأمض الشكوك في رفض تلك ~~الفكرة التي قامت على تفسيرات فسرت بها الأسفار المقدسة، والتي كانت تلزمهم ~~الاعتقاد بأن سلطات السماء إنما تتدخل تدخلا فعليا مباشرا في تسيير الظاهرات ~~الطبيعية الواقعة من حولهم. وآية ذلك أنك تقع على خريطة جغرافية وضعت في القرن ~~السادس عشر مثلت الأرض بكرة وفي كل من قطبيها ذراع ملتو، وبجانبه ملك يجد ~~عاملا على تحريك الأرض بهذا الذراع حول محورها. وترى في خريطة أخرى أن يد الله قد ~~امتدت من بين السحب رافعة الأرض بحبل متين يفتله بين إبهامه وسبابته لتدور الأرض. حتى ~~إذا ما انحدرت مع الزمان إلى أواسط القرن السابع عشر ألفيت «هايلين» # Heylin # أشهر ثقات الجغرافيين من الإنجليز، قد نزع طافرا إلى المزج ~~بين العلم واللاهوت؛ فقد حاول أن يجعل أحدهما يؤيد الآخر على الطريقة التالية. ~~«المياه مع الأرض كتلة واحدة، ولكن المياه أعلى من الأرض؛ أولا: لأن الماء إن كان ~~جسما إلا أنه أقل من الأرض ثقلا، وثانيا: لأن المسافرين بحرا قد لاحظوا أن سفنهم ~~تسرع حركتها كلما أقدمت على الشاطئ كما تقل إذا مضت مبتعدة عنه، وأن لا سبب لذلك إلا أن ~~المياه أعلى من الأرض، وثالثا: إذا وقفنا على الشاطئ نجد أن المياه تأخذ ms094 في الارتفاع ~~شيئا فشيئا حتى إذا بلغت الأفق ظهرت كتلا مستديرة تحجب ما وراءها، وعلى هذا لا ~~يمكننا أن نعلل ارتفاع ماء البحر عن الأرض من غير أن يغشاها، إلا بإرادته القدسية التي ~~اقتضت أن تقف المياه كتلة واحدة، وأن لا تعود تغشى الأرض مرة أخرى.» ~~(3) سكان الأرض # بينما كان المذهب في كروية الأرض لا يزال يهتز متراوحا بين متناوح رياح الفكر، ~~بعث من العدم سؤال آخر خيل إلى اللاهوتيين أنه أشد من كروية الأرض خطرا وأبلغ ~~أثرا، فإن القول بكروية الأرض قد أدى بطبيعة الحال إلى التفكير في سكانها الآهلة بهم، ~~وهنالك أفرخت جرثومة قديمة من جراثيم الفكر الخالد، فانتعشت عائدة إليها الحياة في صورة ~~فكرة، هي فكرة الأنتيبود # Antipode # ويقصد بهم الخلائق ~~البشرية الذين يقطنون في الجهات المقابلة لمواطننا من كرة الأرض. # ولقد لقيت هذه الفكرة في كلا العالمين - اليوناني والروماني - مؤيدين ومفكرين، وكان ~~«شيشرون» # Cicero # و«بلينيوس» Pliny # من مؤيديها، كما كان «أبيقور» # Epicurus # و«لوكرشيوس» # Lucretius # و«بلوتارك» Plutarck # من منكريها. وعلى هذا تنقلت ~~هذه النظرية في منازل الزمان حتى بلغت إلى الكنيسة الأولى محتاجة إلى حل يبلغ بها معارج ~~اليقين. # ممن بادر من رجال الكنيسة إلى الكلام في هذه النظرية في الشرق القديس «غريغوري نازيانزن» # Gregory Nazianzen # فمضى مظهرا أن السفر ~~بحرا إلى ما بعد بوغاز جبل طارق مستحيل. ولقد جاراه في الغرب «لاكتانتيوس» متسائلا: ~~«هل يوجد من شخص عدم قوة التمييز إلى درجة أن يعتقد بوجود أناس مواطئ أقدامهم أعلى ~~من رءوسهم؟ وأن المزروعات والأشجار تنمو إلى أسفل؟ وأن المطر والجليد يصيب سطح الأرض من ~~تحت إلى فوق؟ وإني لشديد الحيرة كيف أقول في أولئك الذين أخطئوا في الفكر مرة، ثم ~~مضوا على خطئهم عاكفين مدافعين عن شيء بأشياء أخرى، وكلها باطلة.» # وليس لنا أن نأسف على شيء من ذلك النزاع الذي رفع ألويته «غريغوري» و«لاكتانتيوس» فإن ~~هذين الرجلين مهما كانت منازعهما، فإنهما لم يفعلا من شيء سوى أنهما دافعا عن معتقدهما ~~الموروث القائم في رأيهما على ms095 القانون الطبيعي والمرجحات العقلية. # غير أنه لسوء الحظ لم تقف موجة المناقشة عند حدود العلم والفلسفة فلم تخطها؛ فإن ~~كثيرا من مفكري النصارى قد ظهروا في الميدان، متسلحين بنصوص من الأسفار المقدسة، ~~وسرعان ما أصبح النزاع لاهوتيا تجري في تضاعيفه أساليب أهل اليقين. وعلى هذا تسعرت ~~نيران التعصب ضد معتقد «الأنتيبود» وأصبح أمرا مذهبيا صرفا. وهبت الكنيسة العظمى ~~تقاومه وتنوء عليه بقواتها، وفي المقدمة آباء الكنيسة يقودون فيالق المؤمنين. # لقد ثبت الاعتقاد عندهم جميعا بأن الفكرة خطرة، كما ثبت عند أكثريتهم أنها محرمة ~~منبوذة. أما القديسان «باسيل» # Basil # و«أمبروز» # Ambrose # فقد بلغ بهما التسامح إلى حد أن يقولا بأنه ~~من الممكن أن ينال الخلاص الأخروي، رجل يرى أن الجانب الآخر من الأرض مأهول بالناس ~~والخلائق. غير أن العديد الأوفر من آباء الكنيسة قد أبدوا كثيرا من الشك في خلاص ~~أولئك الذين يرون ذلك الرأي، على اعتبار أنهم فاسقون عن عهد الإيمان. # أما البطل الأعظم الذي تكثفت من حوله قوة الدفاع عن وجهة النظر الأورثوذكسية فكان ~~القديس «أوغسطين» # Augustine # وعلى الرغم من أنه قد أظهر ~~بعض الميل إلى الاعتقاد بكروية الأرض، فإنه حارب فكرة وجود أناس على الجانب الآخر منها ~~حربا عوانا مستندا إلى القول بأن «التوراة لا تذكر من أبناء آدم سلالة كهذه.» ~~ولقد مضى قانعا بأن الله القادر على كل شيء لا يسمح لأناس بأن يعيشوا في تلك البقاع؛ ~~لأنهم لا يستطيعون أن يروا المسيح لدى عودته ثانية هابطا على الأرض من السماء مجتازا ~~أطباق الهواء. غير أن أقوى ما لجأ إليه من البراهين، كان المزمور التاسع عشر، وما أيده ~~من النصوص في الرسالة إلى الرومانيين وأنه لبرهان تنقل صداه من لاهوتي إلى لاهوتي خلال ~~ألف كاملة من السنين، رجع إلى نص في ذلك المزمور يقول: «في كل الأرض خرج منطقهم وإلى ~~أقاصي المسكونة كلماتهم.» # 8 # ومن ثم عمد - بأقصى ما أوتي من قوة - إلى حقيقة أن القديس «بولص» # st. Paul # قد بنى نظرية من أقوى نظرياته إقناعا، ~~وأشدها ms096 بالألباب أخذا، على هذا النص عندما تكلم عن المبشرين بالإنجيل، وأنه أعلن ~~بإيضاح تام في رسالته إلى الرومانين قائلا: «بلى إلى كل الأرض خرج صوتهم وإلى أقاصي ~~المسكونة أقوالهم.» # 9 # وعلى هذا تجده يصرح في اعتقاد ويقين بأن هؤلاء المبشرين ما داموا لم ~~يصلوا إلى مقر «الأنتيبو» فلا يمكن أن يكونوا موجودين على سطح الأرض. ويترتب على هذا أن ~~يكون المؤيدون لهذا المذهب إنما يفترون على الملك داود وعلى القديس بولص، ومن ثم على ~~الروح القدس. وعلى هذا يكون أسقف «هيبو» # Hippo # 10 # العظيم قد أوحى إلى الناس - وظل وحيه هذا ألفا من السنين ثابتا في روعهم ~~- بأن التبشير بالإنجيل ما دام لم يصل إلى الناحية المقابلة في الأرض، فلن يمكن أن يكون ~~هنالك من السلالة البشرية أثر ما. # ولقد كان لنفوذ «أوغسطين» وثبات قدمه في تفسير الأسفار المقدسة أثر كبير أوقف الكنيسة ~~موقف الحزم الشديد إزاء مذهب «الأنتيبود». وهنالك اتفقت كل مدارس التفسير اتفاقا ~~تاما، ولم ينتبها خلاف ولا وقع بينها جدل. فكان أتباع مدرسة الإسكندرية على ما عرف ~~عنهم من الجنوح إلى المجاز والتأويل، والمتبعون لطريقة التفسير الحر في سوريا، ~~وانتقاتيوا اللاهوتيين # Eclectic Theologians # في ~~الغرب شرع تلقاء هذا المذهب. ولقد ظل معتقد «أوغطسين» ألفا من السنين سائدا على ~~الكنيسة وفي «كل مكان وآن وعند كل إنسان.» معتقد أنه لا يمكن أن توجد ذوات بشرية على ~~الجهة المقابلة من الأرض؛ بفرض أن للأرض جهة مقابلة. وكان العديد من المؤمنين منذ بداءة ~~القرن الرابع إلى نهاية القرن الخامس عشر، إذا ناقضهم مناقض أو أنكر عليهم حجتهم منكر، ~~يلجئون إلى تلك الحكمة المهدئة، التي كان لها أكبر الأثر على أعصاب «جون هنري نيومان» # J. H. Newman # في القرن التاسع عشر، حيث ~~كانوا يقولون: «للدين رب يحميه.» # وعلى الرغم من هذا فإن المفكرين كانوا يظهرون على مسرح الزمان بين حين وحين. ومما ~~يدلك على أن مذهب «الأنتيبود» كان لا يزال حيا، أن «بروكوبيوس الغزي» Procapius of Gaza # في القرن السادس قد ms097 هاجم ~~ذلك المعتقد بكل ما أوتي من قوة العلم، وناهض الحجة والقدرة على الإطناب، وقضى بأنه إذا ~~كان على الجهة المقابلة في الأرض أناس، لوجب أن يذهب المسيح إليهم وأن يقضي صلبا في ~~سبيل خلاصهم مرة ثانية، ولا نبغي أن يكون هناك - مقدمة لوفوده إليهم - مثال من جنة ~~الخلد وآدم والأفعى والطوفان. # وكذلك هاجم «قوزماس أنديكوبليوستيس» هذا المذهب بشيء من الحرارة خاص به، موردا لنصوص ~~في إنجيل «لوقا» # st. Luke # ليثبت أن وجود «الأنتيبود» ~~منقوض لاهوتيا. # وفي أواخر القرن السادس عاش رجل كبير هو القديس «إزيدور الإشبيلي» # Isidore of Seville # كان من المنتظر أن يعمل ~~لصالح العلم عملا مجيدا. فلقد كان ثابت القدم في المعرفة بعلم القدماء وبآرائهم، وكان ~~من حرية الفكر بحيث أقدم - كما رأينا من قبل - على أن يعلن عن ثبات يقينه بكروية الأرض، ~~ولكنه مع الأسف وقف عند هذا الحد؛ فإن نفوذ النبي داود # The Psulmist # والقديسين «بولص» و«أوغسطين» قد ألجمه تلقاء معتقد ~~«الأنتيبود»؛ ولذلك تراه يترك كل المسألة على اعتبار أنها خارجة عن الناموس والقانون. ~~ومن ثم يخضع العقل لليقين، معلنا أن الناس لا يمكن - بل ولا ينبغي - أن يوجدوا في ~~الجهة المقابلة من كرة الأرض. # لقد يخيل للبعض خطأ أن الحقيقة العلمية قد زالت وفنت، تحت تأثير مثل هذا الاضطهاد ~~الكبير. والواقع أنها ظلت مختفية كامنة في تضاعيف العقل البشري قرنين كاملين من الزمان. ~~ولم تكد تشرق شمس القرن الثامن حتى أصبحت كروية الأرض معتقدا عاما ثابتا بين جلة ~~المفكرين ورواد العلم، وهنالك ظهر الأسقف «فرجيل السولزبرجي» # Virgil of ~~Salzburg # يؤيد مذهب «الأنتيبود» مرة أخرى. # كان في ألمانيا خلال السنين الأولى من القرن الثامن رجل من أرجح الرجال عقلا وأنبلهم ~~نفسا، هو القديس «بونيفاس» # st. Boniface # أما تثقيفه ~~فكان على أتم ما في الإمكان خلال تلك العصور. وأما متاعبه ومشقاته فقد استحق بها أن ~~يعتبر خليفة الرسل والحواريين. وأما غيرته على الدين المسيحي ونبوغه في تعرف أصوله ~~وقواعده قد أديا به - على قصد منه ورغبة ms098 - إلى الاستشهاد. وفي ذلك الوقت شغل عرش ~~البابوية سياسي من أقدر الرجال ومسيحي من أعظم المسيحيين، هو البابا «زاخاري». غير أن ~~«بونيفاس» - وهذه صفاته - لم يتلكأ برهة في أن يعلن أنه يربأ بالناس أن تقوم بينهم ~~هرطقة القول «بالأنتيبود» مرة ثانية، معتقدا أنه لا يمكن أن يوجد أناس لا يستطاع أن ~~تبلغهم وسائل الخلاص المسيحية، وهاجم من ثم «فرجيل» نادبا البابا «زخاري» إلى ~~معاضدته والأخذ بيده. # ولقد أجاب البابا على دعوة «بونيفاس» باعتباره معلم المسيحية المعصوم من الخطأ، إجابة ~~تجلت فيها القوة شدة المراس. فذكر آيات من سفر «أيوب» # Job ~~، وحكم عن «سليمان» يناقض بها معتقد «الأنتيبود»، معلنا أن ~~هذا المذهب «عريق في الضلال أصيل في الإجرام، مفسد لنفس فرجيل ذاتها.» وهدد بطرده من ~~أسقفيته. وسواء أنفذ هذا التهديد أم لم ينفذ، فإن المعتقد اللاهوتي القديم - مؤيدا ~~بأوامر البابا القدسية ومحميا بعصمته - قد عاد إلى الوجود ثانيا. معتقد أن الأرض ~~مأهولة في جانب واحد من جوانبها، حتى لقد أصبح أكثر غورا في الوجدان الأورثوذكسي، ~~وأثبت تأصلا في عقلية رجال الكنيسة. # ولقد اعتبر هذا القرار نهائيا غير قابل لنقض ولا إعادة نظر، حتى إن «فنسنت بوفييه»، ~~أكبر إنسيكلوبيذي في القرون الوسطى، مضى قانعا - بعد صدور ذلك القرار بخمسة قرون كاملة ~~- بأن مذهب «الأنتيبود» ينقصه البرهان؛ لأنه مناقض لنصوص التوراة؛ ذلك على الرغم من أنه ~~كان يعتقد بكروية الأرض. ولكن المذهب قد ظل حيا على الرغم من كل هذا. وكما أنه كان قد ~~ظهر إلى عالم الوجود بجهد «وليم الكونشي» # William of ~~Conches # ثم اختفى، كذلك عاود الظهور ثانية خلال القرون الثاني ~~عشر، تحت تأثير «ألبرت الكبير» # Albert The Great # أكبر ~~رجال العلم في ذلك العصر. ولكن الظاهر أنه تعمد أن يلغز أقواله تلقاء هذا المعتقد. ~~فكان ذلك سببا في أن تختفي أنوار الحقيقة وراء ستار اللاهوت. وبعد مضي مائة عام ~~اضطر «نيقولاوس الأورسيمي» # Nicolos Oreseme ~~- والذي ~~كان جغرافيا لملك فرنسا أحد أقطاب العلم إذ ذاك - أن يحني رأسه لتعليم التوراة كما ms099 ~~فسرها القديس «أوغسطين». # ولم يقف الأمر عند هذا الحد من الفساد؛ ففي أوائل القرن الرابع عشر خيل إلى رجال ~~الكنيسة في إيطاليا أن الضرورة تقضي عليهم بأن يعالجوا أمثال هذه المذاهب بالمخلعة والسندان. # 11 # ففي سنة 1316 لم يفلت «بطرس ~~ألبانو» Peter of ~~Albano ~~- وكان مشهورا كطبيب - من يد ~~محكمة التفتيش إلا بأن أدركته الوفاة من قبل أن تمتد يدها إليه؛ تلقاء ما روج من مذهب ~~«الأنتيبود» وغيره من مذاهب العلم، وفي سنة 1327 طرد «شيكوداسكولي» # Cecco ~~d’Ascoli ~~- وكان ~~فلكيا ذا شهرة وعلم - من أستاذية جامعة «كولونيا» وأحرق حيا في «فلورنسا»؛ لأنه ~~علم مذهب «الأنتيبود» وغيره من حقائق العلم، فظن بأنه ساحر وأنه يعلم السحر. ولقد ~~خلد المصور «أوركانيا» # Oreagna ~~- الذي لا تزال نقوشه ~~المفزعة قائمة حتى اليوم على جدران «كامبو سانتو» # Campo ~~Santo # في «بيزا» - ذكرى «سيكو» بأن صوره في جنهم تلتهمه ~~ألسنتها النيرانية. # وانحدرت السنون حتى إذا ما كان القرن الخامس عشر، ظهر رجل من الأفذاذ الذين كان ~~ينتظر أن يجني منهم العالم الإنساني خيرا كثيرا؛ فإن «بطرس دايلي» Peter d’Aily # قد استطاع - بما أوتي من بسطة العلم ~~وقوة الفكر - أن يصبح عميدا لكلية القديس ~~«دييه» # st. Die # في اللورين. وكانت مقدرته سببا في أن تضحي تلك القرية مركزا ~~للفكرة العلمية في كل أوروبا؛ ومن ثم أهلت به لأن يكون رئيس أساقفة في «كامبري» # Cambray # ثم كردينالا. وفي أواخر القرن الخامس عشر ~~طبع ما كان قد كتب الكردينال «دايلي» من قبل ذلك بزمان طويل تلخيصا لمجمل آرائه ~~ومباحثه العلمية، وهي مجموعة مقالات نشرت تحت عنوان «يوماجو ماندي» # Yomago Mundi # وهذه المقالات تعطينا أعظم مثال من المثل التي ~~يرويها التاريخ في عالم عظيم أسدلت عليه أثواب اللاهوت. فإنه عندما بلغ في الكلام إلى ~~مذهب «الأنتيبود» شرحه أوفى شرح وفصله أحسن تفصيل، حتى إنه ليخيل إليك بعد ذلك أنه ~~سوف يقضي بأنه حق ثابت. ولكن هنالك تقوم براهين القديس «أوغسطين»، والآيات ~~الإنجيلية، وآيات المزامير وأقوال القديس «بولص» إلى الرومانيين. «بلى، ms100 إلى كل الأرض ~~خرج صوتهم وإلى أقاصي المسكونة أقوالهم.» فما استطاع دايلي وقد أراد أن ينزل على حكم ~~العقل، أن يفيض على عالم العلم بشيء، وقد ناء بما حملته مذاهب اللاهوت. # غير أن مذهب «الأنتيبود» بقي حيا يدب في ثنيات العقل. بيد أن اللاهوتي الإسباني ~~الكبير «توستاتوس» # Tostatus # قد شعر بوجوب مقاومته فقضى ~~بأنه مذهب «غير مأمون الجانب». وكان ذلك في عصر «كولمبوس»، وقد صب براهين القديس ~~«أوغسطين» في القياس المنطقي الآتي: «إن الرسل قد أمروا بأن يذهبوا في كل نواحي الأرض ~~ليبشروا بآيات الكتاب المقدس. ولكنهم لم يذهبوا إلى ذلك المكان الذي يقطن به ~~«الأنتيبود» ولم يبشروا بالآيات لكائن ما هنالك. وعلى هذه المقدمات، ينتج أن ~~«الأنتيبود» وهم لا حقيقة.» # وما الحرب ضد «كولومبوس» بشيء بعيد عن الأذهان. وليس بغائب عنا كيف أهانه أسقف ~~«سيوتا» # Seuta # وازدراه في البرتغال. وكيف جلبه ~~رجال من أقدر من أنبتت إسبانيا رجاحة عقل في تلك الأزمان بتلك النصوص المعروفة في ~~المزامير وفي رسائل القديس «بولص»، وفي براهين القديس «أوغسطين». وكيف أن الكنيسة حتى ~~بعد فوزه، وبعد أن قوت رحلته إلى العالم الجديد فكرة كروية الأرض تلك الفكرة التي تمت ~~بأكبر آصرة لمذهب «الأنتيبود» قد مضت وعلى رأسها الحبر الأقدس، جانحة إلى اتباع طريق ~~ما كان يؤدي بها إلا إلى التعثر في وعثاء الخيال. ففي سنة 1493 لجئ إلى البابا ~~«إسكندر السادس» # Alexaner VI # ليكون حكما يفصل ~~في ما تدعيه كل من دولتي إسبانيا والبرتغال من حق في البقاع المستكشفة حديثا، فأصدر ~~أمرا بابويا واضعا على كرة الأرض خطا وهميا يفصل بين ممتلكات الدولتين. ورسم ~~هذا الخط - ويدعى اصطلاحا خط التحديد - من الشمال إلى الجنوب واقعا على مائة غلوة # 12 # غربي جزر «الأزورس» # Azores ~~. ولقد أعلن ~~«البابا» - في كثير من الثقة بما أوتي من العلم والحكمة - أن كل البقاع التي تستكشف ~~شرقي هذا الخط تكون من حق البرتغال، وكل ما يستكشف غربيه يكون من حق إسبانيا. ولقد هلل ~~لهذا الحكم المؤمنون كأنه صادر من ms101 قوة قدسية محبوة بكل كمالات العلم والحكمة التي ~~استمدتها الكنيسة من عالم الغيب. ولكن العقبات توالت وشيكا؛ حتى إن البابا «يوليوس الثاني» # Juluis II # قد حاول مرة ثانية سنة 1506 أن يغير ~~خط التحديد فيجعله على بعد 270 غلوة غربي جزر «رأس فيرد» # Cape Verde ~~Ialands # وهنا ~~عاود المؤمنون الاعتقاد بأن الحكمة القدسية هي التي أمدتهم بذلك الحل الثابت. ولكنهم لم ~~يلبثوا على ذلك إلا قليلا حتى عصفت رياح الخلاف وتشابكت حلقات الفوضى؛ لأن البرتغاليين ~~زعموا أن من حقهم امتلاك البرازيل، وكان في إمكانهم أن يثبتوا - بالضرورة - أن في ~~مستطاعهم أن يصلوا إليها بأن يبحروا من شرقي خط التحديد، على شريطة أن يمعنوا في ~~سفرهم طويلا، ولا يبعد أن نرى الخطين اللذين رسمهما البابوان إسكندر السادس ويوليوس ~~الثاني، على الخرائط التي وضعت في ذلك العصر. غير أن أمريهما القديسين قد انحدرا مع ~~الزمان إلى حيث نسيا وأهمل أمرهما، مع ما يماثلهما من الأخطاء التي ثبتت أن الإنسان ~~جدير بما نزل به من وكوارث وملمات. # ومع كل هذا فإن الحواجز اللاهوتية التي كانت تحجب هذه الحقيقة الجغرافية عن البصائر ~~لم تزل إلا تدرجا. وعلى الرغم من أن هذه الحقيقة كانت قد أصبحت جلية واضحة لأعين ~~طلاب العلم والباحثين؛ فإنهم تلكئوا في إعلانها والتبشير بها للناس زمانا. فإن مائة ~~وألفا من السنين كن قد مضين منذ أن برهن القديس «أوغسطين» على أنها مناقضة لنصوص ~~الكتاب المقدس، حتى أذاع «غريغوري ~~رييش» # Gregory Reysch # موسوعته المشهورة التي أسماها «مارغار نيتا ~~فيلوزوفيقا» # Marganita Philosophica # ولقد توالت طبعات هذه الموسوعات الطبعة بعد الأخرى، فلم ~~تغفل طبعة منها ذكر الفكرة الأورثوذكسية إزاء هذه الحقيقة. غير أن تلك الآراء ~~اللاهوتية كانت قد أخذت في الاضمحلال والسقوط؛ فإن «رييش» على الرغم من أنه ذكر بكل ~~احترام وإجلال أن القديس «أوغسطين» قد مضى معارضا لهذا المذهب فإنه كان حريصا على أن ~~لا يذكر شيئا من نصوص الكتاب المقدس ليتخذها برهانا على فساده، ولم يكن بأقل حرصا ~~على أن يذكر الحقائق ms102 الجغرافية التي تؤيد صحته. # غير أن العلم قد انتصر انتصارا فاصلا في سنة 1519؛ فإن «ماجلان» # Magellan # كان قد أتم سياحته المعروفة، فبرهن على أن الأرض كروية؛ لأن ~~بعثه قد دار حولها. كما برهن على أن مذهب «الأنتيبود» صحيح؛ لأن رفقاءه في السياحة قد ~~رأوا بأعينهم أولئك الخلائق. غير أن هذا لم ينه الحرب ولم يخمد جذوتها. فإن كثيرا ~~ممن مضوا مشايعين لحكم المشاعر دون العقل، قد ظلوا مائتين من السنين ينكرون هذه ~~الحقيقة ويقاومونها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وفي ذلك الوقت نجح فلكيو فرنسا في مقاس ~~الدرجة الأرضية في الأنحاء الاستوائية والقبطية، وأضافوا إلى براهينهم ذلك البرهان ~~المستمد من استطالة الرقاص. وبعد أن وقع ذلك، وبعد أن رأى رجال الكنيسة أن استقراءات ~~العلم قد تقررت بوسائل بسيطة كمقياس الدرجات، على أكمل وجه وأتم صورة، وبعد أن أرسل ~~كثير من السياح - ومن بينهم فئة من متحمسي المبشرين - إلى أوروبا وصفا كاملا لخلائق ~~«الأنتبيود»، بعد هذا كله نامت عاصفة الحرب بين العلم واللاهوت بعد أن ظلت عاتية هوجاء ~~اثني عشر قرنا من الزمان. # على هذه الصورة كانت نتيجة تلك الحرب الطويلة الممضة. غير أنه حدثت نتائج لم تكن لها ~~إلا ثمرات مريرة؛ فإن جهود «إيوسبيوس وباسيل ولاكتانتيوس» التي بذلوها في سبيل إخفات ~~صوت العلم، وجهد «أوغسطين» في مقاومته واضطهاده، وجهد «قوزماس» في تحطيمه من طريق ~~اللاهوت المذهبي، وجهد «بونيفاس وزاخاري» في تقويض دعائمه بالقوة الغاشمة، وكلهم رجال ~~لا يمكن أن يساورنا شك في صادق يقينهم وحسن نيتهم، قد أحدث نتيجة واحدة، هي أن يثبت في ~~عقول الرواد من أهل العلم والدين، اعتقاد بأن بين الدين والعلم عداء وصراع. # على أنه يمكننا أن نتساءل من جهة أخرى: أي جنى جناه المحاربون من أجل العلم لصالح ~~الدين؟ جنوا تصورا ثابتا نبيلا في حقيقة العالم، تصورا آخر لا يقل عنه نبلا ~~ولا ينزل عنه شرفا، في جلال تلك القدرة الشاملة التي تسيطر على العالم وتدبر أمره. وقد ~~نتساءل ثانية أيها أكثر ملاءمة لعقيدة دينية ms103 عليا: أكونيات «قوزماس» أم كونيات «نيوتن»؟ ~~وأيهما يهيئ للفكرة الدينية مرتعا خصيبا وبيئة فيها ألفة واتساق، أجدليات ~~«لاكتانتيوس»، أم تقريرات «همبولد» الهادئة العميقة. ~~(4) حجم الأرض # منذ زمان بعيد هز موضوع جغرافي آخر عقول النابهين هزا عميقا، وكان هذا الموضوع ~~محصورا في النظر في حجم الأرض. # لقد وصل كثير من باحثي القدماء بوسائل مختلفة من مقاس الأبعاد إلى نتائج تكاد تقرب من ~~الحقيقة تلقاء حجم الأرض. ولقد ظلت هذه الوسائل حية حتى أسلم بها الزمان إلى القرون ~~الوسطى؛ فتزودت بآراء جديدة، وكان من بين النتائج التي هي أكثر من غيرها في العقل ~~الإنساني تأثيرا وأزكى طبيعة، تلك النتائج التي وصل إليها «روجرباكون» # Roger Bacon # و«غربرت» # Gerbert # الذي تبوأ من بعد عرش البابوية باسم «سلفستر الثاني»؛ ~~فإنهما قد أسلما إلى الخلائف من بعدهما ذخيرة العلم كاملة غير منقوصة. غير أنهما لم ~~يجنيا من معاصريهما إلا ثمرة أجاجا، فنعتا بأنهما ساحران واتهما بترويج السحر ~~والشعوذة. # لقد كان اللاهوت في القرون الوسطى روحا سارية في الجماهير ما يلائمها إلا حلول ~~لمسائل العلم تستمد من نصوص الكتاب المقدس، ويحق لنا أن نذكر ذلك الحل الذي استمد من ~~تلك النصوص تلقاء حجم الأرض، وما نذكره إلا كمثال نعبر به عن مقدار ما غشي العقول من ~~مغالطات المذاهب اللاهوتية وأخطائها. فإن السفر الثاني من أسفار «عزرا» # Esdras # قد اعتبره كثير من نابهي رجال الكنيسة القديمة ~~وحيا منزلا. وعلى الرغم من أن «جيروم» قد نظر في ذلك السفر نظرة الشك والارتياب؛ ~~فإن «كليمان الإسكندري» و«ترتليان» # Tertullian # و«أمبروز» قد اعتبروه من الأسفار المنزلة الموحى بها إلى الرسول السماوي، وتابعتهم ~~الكنيسة قانعة بزعمهم هذا. وقد شغل هذا السفر في الكنيسة الشرقية مكانا عاليا. أما ~~في الكنيسة الغربية فقد اعتبره كل الجهابذة والثقاة جزءا لا يتجزأ من الشريعة المقدسة. ~~وكان هذا قبل قيام حركة الإصلاح البروتستانتي. وإنك لتجد في الفصل السادس من هذا السفر ~~تلخيصا لأعمال الخلق مصبوبا في السياق التالي: # أمرت في اليوم الثالث أن تجتمع المياه في الجزء السابع ms104 من الأرض، فجففت ستة ~~أجزاء منها وحفظتها بقصد أن تحرث وأن تقوم مخلوقاتها بتسبيحاتك. # وفي اليوم الخامس قلت للجزء السابع الذي تجمعت فيه المياه، ليخرج منك خلائق ~~من دجاج وسمك وهكذا كان. # 13 # ولقد أيدت هذه النصوص في فصول أخرى من ذلك السفر، فكان من الطبيعي أن تصبح من ~~الأسانيد الدينية ذات الحول والسلطان. # وكان الكردينال «بطرس دايلي» أحد أولئك الباحثين الذين ائتموا بهذه الأقوال ~~وبغيرها، وعكفوا عليها قصد تنمية العلم وزيادة ثروته، ولقد رأينا من قبل أنه بينما كان ~~ينكر وجود «الأنتيبود» إخلادا لفكرة القديس «أوغسطين»، مضى ثابت الاعتقاد في كروية ~~الأرض، فلما عمد إلى تفسير هذه النصوص التي التوت عليها دفتا سفر «عزرا»، وأراد أن ~~يوفق بينها وبين معتقده الثابت في كروية الأرض، قضى بأن سبع الأرض فقط كانت تغشاه ~~المياه؛ فإن المحيط الواقع في غربي أوروبا وشرقي آسيا، لا يمكن أن يكون مفرط ~~الاتساع. وعلى اعتقاد أنه يعرف - كما خيل إليه - مقدار امتداد اليابسة فوق الكرة ~~الأرضية، شعر بأنه خضوعا لهذه النصوص الدينية لا بد من أن تكون الأرض أصغر بكثير مما ~~قدر لها، وأن أرض «زيبانجو» # Zipango # التي بلغها ~~«ماركوبولو» # Marco Polo # في نهاية الطرف الشرقي من ~~شاطئ آسيا، يجب أن تكون أكثر قربا مما يتوهم الناس. # وعلى هذه الفكرة عكف الكردينال «دايلي» في كتابه العظيم المسمى «يوماجو ماندي» # Yomago Mundi # وكان قد ظهرت طبعة من هذا الكتاب ~~في تلك الأيام التي كان يفكر فيها «كولمبوس» تفكيرا جديا في إمكان السفر غربا. ولا ~~مشاحة في أن فكرة «دايلي» قد استغرقت قسطا كبيرا من تفكيره وتأملاته، وليس بين ~~مخزونات مكتبة «إشبيلية» من شيء هو أثمن قيمة من نسخة من ذلك الكتاب قد علقت عليها ~~حواش بخط كولمبوس نفسه. ولا ريبة في أن «كولمبوس» لم يقنع بفكرة أن طريق اجتياز ~~المحيط إلى أرض «زيبانجو» التي بلغها «ماركوبولو» في آسيا قصير، إلا من إكبابه على ~~دراسة هذه النسخة. ولولا ذلك الخطأ الكبير الذي بني على نص في كتاب ديني ms105 ظن أنه ~~منزل موحى به، لما استطاع «كولمبوس» أن يحصل على ما حصل عليه من تأييد جعل سياحته في ~~حيز الإمكان. ومن غرائب المحادثات أن هذه الغلطة اللاهوتية الغريبة، كانت سببا في ~~القيام برحلات عديدة لم يكن لها من نتيجة إلا تحطيم هذه الغلطة نفسها، مع بقية الأغلاط ~~التي قامت على تصورات جغرافية بنيت على كتابات دينية منذ أبعد العصور. ~~(5) طبيعة سطح الأرض # ليس من الإنصاف في شيء أن نختم الكلام في قصة التنازع على البقاء حول الحقائق ~~الجغرافية من غير أن نستطرد قليلا في شرح تاريخ الكنيسة البروتستانتية؛ فإن ذلك ~~التاريخ يظهرنا جليا على تلك الصعاب التي وقفت في سبيل أبسط الحقائق الجغرافية التي ~~تصارعت، وما أتى في الأسفار المقدسة من نصوص. # ففي سنة 1553 وقف «ميخائيل ~~سيرفيتوس» # Michael ~~Servetus # ليحاكم في جينيف وقد كاد يفقد حياته لاتهامه بتهمة ~~«الأريوسية» # Arianism # وقد خدم «سيرفيتوس» كثيرا ~~من حقائق العلم خدمة صادقة. وكان من خدماته الجليلة طبع نسخة من كتاب جغرافية «بطليموس» ~~تكلم فيها عن أرض «يهوذا» # Judea # فلم يذكر أنها «بلاد ~~تفيض عسلا ولبنا» مجاراة للرأي اللاهوتي، بل عرج إلى الحق وجاراه، ذاكرا أنها بلاد ~~«بور» مجرودة غير مأهولة. ولقد اتخذ «جون كالفن» - ألد أعدائه وأقواهم نفوذا - جنوحه ~~إلى الاعتقاد بهذه الحقيقة الجغرافية سببا في أن يحمل عليه أثناء المحاكمة بكل ما أوتي ~~من قوة الدليل والبرهان. وعبثا حاول «سيرفيتوس» أن يثبت لقضاته أنه إنما نقل هذا ~~القول عن نسخة أخرى من كتاب «بطليموس». وسدى ضاعت كل جهوده ليثبت أن هذه الأقوال ليست ~~إلا حقيقة جغرافية بسيطة قامت على صحتها براهين طبيعية عديدة. فلم يكن هنالك من رد عليه ~~سوى القول: بأن كلامه «تحد» بالضرورة لموسى، وانتهاك سافل لسلطة الروح ~~القدس. # ومحصل القول أن أعمال الكنيسة في مقاومة علم الجغرافية قد انحصرت في أن المذاهب ~~اللاهوتية قد مضت متطورة، ولكن على أشد ما يكون مراعاة لنصوص الكتاب المقدس، وأن ~~التصورات التي استمسكت بها الكنيسة خلال قرون عديدة كانت «في كل ms106 وقت ومكان، وفي صدر كل ~~إنسان» وعلى وجه عام، منافية لحقائق العلم. غير أنه لا يحق لنا أن نترك هذا الباب ~~مفتوحا من غير أن نضم مصراعيه على بحث نتناول فيه الفرق بين الروح الدينية والروح ~~اللاهوتية. # إن علم الجغرافية مدين للروح الدينية بعدة رحلات، تعد من أبر الرحلات ~~الاستكشافية وأعظمها خطرا؛ فإن الرغبة الشديدة التي قامت في صدر البرنس «يوحنا» ~~البرتغالي لينشر النصرانية ويرفع صوتها كانت سببا في سلسلة تلك الرحلات المشهورة في ~~شواطئ أفريقية، وفي رحلة «فاسكو داجاما» # Vasco da Gama # في الدوران حول رأس الرجا الصالح ورحلة «ماجلان» حول الأرض. ولا شك في أن ذلك الشعور ~~كان سببا في تهيئة الظروف التي مهدت لكولمبوس أسباب القيام برحلته الكبيرة. # وعلى هذا نرى أن تفوق الروح اللاهوتية كان سببا في تزكية النزعة إلى الصورة ~~المذهبية في الدين، تلك الصورة التي برزت في كل عصر من العصور لابسة ثياب الجلاد ~~والصراع، لا لتحارب العلم وحده، بل لتصارع الروح الدينية العليا، بينما نجد أن نزعة ~~البحث عن الحقيقة لذاتها، تلك النزعة التي كانت سببا في كل ما أوحي به للناس من ~~ثمار العلم، لم تنتج في مختلف العصور إلا خيرا، ولم تثمر إلا أشهى الثمرات للدين وغير ~~الدين. # الفصل الثالث # | من الخلق إلى النشوء # (1) العالم المنظور # من بين مجموعة النقوش الكاتدرائية التي تعبر عن كثير من حقائق اللاهوت في العصور ~~الوسطى، نقش يمتاز بالتعبير من مذهب لاهوتي في أصل الكون، ظل موضوع الاحترام والإجلال ~~أزمانا طوالا. # الواحد القهار - في صورة بشرية - جالس بوداعة ولين، يصنع الشمس والقمر والنجوم، ~~ويعلقها في القبة الصلبة التي تحمل من فوقها «السماوات العلا» وتظلل الأرض ~~«السفلى». # أما علائم التفكير الظاهرة في تقطب جبينه فتنم على أنه أجهد نفسه إمعانا في التدبر ~~والاستبصار، كما يدل انتفاخ عضلات ذراعيه على أنه قد اضطر إلى أن يكد وينصب، ومن ~~الطبيعي أن يكون المثالون والمصورون - خلال القرون الوسطى وفي بدء العصور الحديثة - ~~قد عمدوا إلى تمثيله على مقتضى ما تصوره ms107 كتاب ذلك العصر؛ إذ كانوا يقولون بأنه استراح ~~في اليوم السابع واضطجع في هدأة، مصخيا إلى تراتيل الثناء التي زفتها إليه سكان ~~السماء. # من حول هذه الفكرات العتيقة التي فاضت بها الكاتدرائيات، وفي غيرها من الآراء التي ~~عبرت عنها النقوش والصور وتلوين الزجاج وزخارف الفسيفساء والحفر خلال العصور الوسطى، ~~وقرنين فرطا من بعد تلك العصور، وتكثفت نواة من الاعتقاد كانت قد أخذت تتكون خلال ~~ألوف من السنين، ومضت محتكمة في كل ما أبرز العقل الإنساني من صور الفكر حتى عصرنا هذا. # 1 # أما بدايات ذلك الاعتقاد فترجع إلى أعرق عصور التاريخ قدما؛ فإننا نجدها في أوليات ~~كل مدنية من المدنيات العظمى، بيد أنها شغلت في كل الكتب المقدسة التي ذاعت في نواحي ~~العالم - على تعددها وكثرتها - مكانا عليا؛ ففي كل المدنيات تقع على فكرة وجود خالق، ~~ليس الإنسان إلا صور منه غيرة كاملة، وأنه خلق الكون المنظور بطريقة مباشرة مستخدما في ~~الخلق يديه وأصابعه. # من بين تلك النظريات عدد غير صغير مضى محتكما في اللاهوت الكلداني، ومن الواجب أن ~~نخصه بشيء من العناية والتقدير؛ فإن النقوش الآشورية التي استكشفت حديثا ونقلها إلى ~~العالم الإنجليزي أعلام من أمثال «لايارد» # Layard # و«جورج سميث» # George Smith # و«سايس» # Sayce # وغيرهم، لترينا أنه قد تغلغلت في تضاعيف الأديان ~~الكلدانية والبابلية قصة في حقيقة الخلق، من أهم مزاياها وأخطر دقائقها أنها لا بد من ~~أن تكون النواة التي فرخت منها تلك القصص التي نقع عليها في كتبنا المقدسة، ولقد ظهر ~~بأجلى بيان أن تلك الفكرات التي تشغل أعلى مكانة في أسفار العبرانيين، قد استمدت من ~~ذلك النبع الذي فاض على المدنيات الكلدانية-البابلية والآشورية والفينيقية بتلك القصص ~~التي وضعت في حقيقة خلق العالم؛ ففي تينك القصتين اللتي تخالطتا في سفر التكوين، ~~وفي تلكم الرواية التي يمكن أن يستدل عليها بأشياء في سفر «أيوب» # Job ~~. يتمثل لك - بكل ما يستطاع أن تتخيل من العظمة والقدرة - نفس ~~ذلك التصور في حقيقة الخالق والخلق، وهو تصور خليق بالمدنية وهي بعد ms108 في مهد طفولتها ~~وغرارتها؛ إذ يبرز لك الخالق في صورة بشرية مكبرة، وهو يكد في العمل بأطرافه ويمثل لك ~~الخلق «مصنوعا بيده»، ولقد نشأ - تعقيبا على هذا التصور - اعتقاد في الخالق على أنه ~~شخص بعد أن «قذف من راحة يده إلى الفضاء بكل السيارات لتجواب أنحاء المكان» جلس في ~~العلاء فوق العرش المستقر «على فلك السماء» جادا أبدا في أن يحكم سيرها ويهديها ~~طريقها. # ومن هذه النظرية الموضوعة في حقيقة الخلق، نشأت مع الزمان فكرة أخرى، أكثر ارتقاء ~~وأنبل قصدا؛ فمفكرو القدماء ومفكرو مصر على الأخص، كما اتضح منذ عهد قريب، قد مضوا ~~معتقدين بأن السبب المباشر في الخلق ليست يد الخالق ولا أصابعه، بل صوته؛ ومن هنا ~~تخالطت بالمعتقدات الفطرية الأولى التي ذاعت في أصل الأرض والأجرام السماوية بقدرة الحي ~~القيوم، فكرة أكثر للشعور مسا وأعمق في التصور تغلغلا، فقيل بأنه «تكلم وأنها ~~خلقت» وأنها قد برزت إلى عالم الوجود بتأثير «الكلمة». # أما هذه النظرة العامة في أصل الخلق فقد مضت مستبدة بأمرها في تصورات آباء الكنيسة ~~الأولى، وأصبحت معتقدا أساسيا من معتقداتهم، حتى إنهم ألزموا النصرانية - تدرجا ~~وعلى مر الزمان - الثبات على الاعتقاد بأن الكون قد خلق تاما كاملا بيد الله ~~أو صوته. # بين آونة وأخرى ظهر من اللاهوتيين «خوارج» امتازوا بشيء من رجاحة العقل وسعة النظر، ~~حاولوا أن ينظروا في خلق بعض أجزاء من مفصلات الكون نظرة أمعن من سابقتها تغلغلا في ~~صميم الروحانيات، وعلى الأخص «غريغوري ~~النياسي» # Gregory of Nyassa # والقديس أوغسطين # st. ~~Augustine # وكانوا على استعداد لأن يقبلوا النصوص الحرفية التي ~~جاءت في المتون المقدسة؛ لهذا ثاروا ضد ذلك التصور، تصور أن العالم خلق بتأثير ذات ~~كلية القدرة، كونته بيدها وأصابعها وتابعهم في ذلك «بيده» # Bed ~~، وقليل غيره غير أن آراء أكثر من غيرها إمعانا في الماديات، ~~كانت لا تزال سائدة على العقول؛ حتى إنك تجد آثارها ظاهرة في النقوش وزخارف الفسيفساء ~~وتلوين الزجاج في الكاتدرائيات، وفي الرسوم التي تحلى بها كتب القداس والمزامير، حتى ms109 في ~~الأناجيل المصورة، وكتب المعرفة العامة التي ظهرت خلال القرون الوسطى. # أما في العالم الأنجلو سكوني فقد أحكم عرى هذا التصور المادي القديم شاعران خضعت ~~أشعارهما بالتوقيع على أوتار تلك المشاعر الدينية العميقة. ففي القرن السابق فسر الشاعر ~~«كادمون» # Caedmon # الأقوال التي جاءت في سفر ~~التكوين وفصلها تفصيلا أفرغ به ذلك التصور المادي في خلق الكون في حلة محبوكة ~~الأطراف على ظاهر المتون المقدسة، وبعد ذلك بألف سنة أخذ «ملتون» # Milton # من النصوص الكثيرة التي جاءت في كتب العهد القديم قدرا مزجه ~~بفكرة لاهوتية في «الكلمة الخالقة» استمدت في أصلها من كتب العهد الجديد، ومضى على ذلك ~~يصف كيف خلق الأقنوم الثاني من الثالوث الإلهي العالم بتفاصيله، فجاء وصفه صورة من ~~الأفكار اللاهوتية والنصوص المقدسة لا تدانيها صورة أخرى لزوما لظاهر الجمل والألفاظ. # قال في أسلوب شعري رائع: # أخذ البيكار الذهبي الذي كان معدا في خزائن الله الأبدية السرمدية ليخطط ~~حدود الكون وكل المخلوقات، ووضع أحد طرفيه في المركز وأدار الطرف الآخر دورة ~~حول تلك الأغوار البعيدة القصية ثم قال: إلى هنا تمتد حدودك، وإلى هنا ~~ينتهي محيطك، أيها الكون. # هذا هو التصور الأورثوذكسي في الأسلوب الذي خلق به العالم. # أما المسألة الثانية التي أنشأها ذلك التصور اللاهوتي، فكانت ذات علاقة «بالمادة» ~~التي صور منها العالم، ومضت الأغلبية العظمى من أهل اللاهوت قانعة بأنه لم توجد مادة ~~ما قبل خلق الكون، وأن «الله خلق كل شيء من لا شيء.» # من اللاهوتيين فئة خصت بشيء من الشجاعة والإقدام، أشاروا - اعتمادا على النصوص ~~الأولى التي وردت في سفر التكوين - إلى فكرة أخرى مغايرة لتلك الفكرة، ومؤاداها أن ~~الكتلة المادية قد وجدت قبل وجود الكون، ولكنها كانت «بلا صورة وفي خلاء لا ~~متناه» غير أن هذا المذهب اكتسح صراعا من عالم المعرفة. # أما معتند آباء الكنيسة فكان جليا واضحا إزاء هذا الأمر؛ فإن «ترتيليان» # Tertllian # قد انتحى أكثر الطرائق حزما وشدة إزاء ~~الذين كانوا يعتقدون بأية فكرة مضادة للفكرة التي اعتنقها زعماء الأورثوذكسية، ms110 بل أعلن ~~بأنه إذا وجدت أية مادة أولية صنع منها الكون، فلا بد من أن تكون الكتب المقدسة ~~قد أشارت إليها، أما وأن هذه الكتب لم تشر إليها، فإن الله قد أمدنا بأنصع برهان ~~يدلنا على أنه لم يوجد قبل الخلق شيء كهذا، وعلى أسلوب فيه من العسف قدر لم يعرف له ~~مثيل في أي خلاف لاهوتي آخر هدد «هرموجينيس» # Hermogenes # وكان من مؤيدي الرأي القائل بقدم المادة، «بالويلات التي ~~تنصب على أولئك الذين يزيدون على الكلمة القديمة أو ينتقصون منها.» # أما القديس «أوغسطين» - وكان ممن أشار تلميحا إلى الاعتقاد بوجود المادة قبل الخلق - ~~فقد وفق بين ما كان يرى وبين المعتقد السائد في حدوث المادة ببرهان ساذج بسيط؛ إذ ~~قضى «بأنه على الرغم من أن العالم لا بد من أن يكون قد صنع من مادة ما، فإنه من ~~المحتوم أن تكون هذه المادة ذاتها قد خلقت من العدم بداءة ذي بدء.» # في الطريق التي رسمها هؤلاء العظماء سارت الكنيسة العظمى هادئة مطمئنة، ولقد صرح ~~المجمع اللاتيرني الرابع # Fourth Latran Council # بأن الله قد خلق كل شيء من لا شيء. وإنك لتجد حتى اليوم أن أرهاط المؤمنين سواء أكانوا ~~كاثوليك أم بروتستانت، لا يلقنون إزاء هذا الأمر من شيء سوى ما يوحي به هذا المذهب. ~~وعلى هذا الأمر اتفق البابا «بيوس التاسع» Pius IX # في ~~مختصره الديني، وكنيسة وستمنستر في كتاب «أصول الإيمان». # وبعد أن فرغ اللاهوتيون من الكلام في طريقة خلق الله الكون ومادته، رجعوا إلى الكلام ~~في «الزمان» الذي تم فيه ذلك العمل العظيم. # هنا اعترضتهم مشكلة؛ فإن أولى الروايتين اللتين جاءتا في سفر التكوين تنص على أن عمل ~~الخلق قد تم في ستة أيام، كل يوم منها نهار وليل بما في ذلك تفصيل ما تم في كل منها، ~~على صورة تامة من الدقة والضبط، أما الرواية الثانية فتذكر «اليوم» الذي صنع فيه «الله ~~الأرض والسماوات»، ولقد كان ما اتصفت به الرواية الأولى من الدقة، وملاءمتها لطبيعة ما ms111 ~~تكونت عليه عقول العديد الأوفر من متقدمي اللاهوتيين، قوة حازت بها قسطا من الأسبقية ~~وقوة البقاء، غير أن مفكري اليهود من أمثال «فيلو» Philo ~~، ومفكري النصارى من أمثال «أوريغن» # Origen ~~، وقد حاولوا أن يكونوا في الخالق وخلقه تصورات أرقى نزعة ~~وأنبل قصدا، لم يقنعوا بهذا فألقوا في بحر اللاهوت النصراني المضطرب المتدافع القوات، ~~بفكرة أن الخلق كان موقوتا وفي لحظة واحدة، ولم تستمد هذه النظرية عناصر القوة من ~~الجزء الثاني من أساطير سفر التكوين وحدها، بل كان يؤيدها النص القائل: «تكلم فخلقت ~~العوالم، وأمر فبرزت ثابتة.» أو كما جاء في النسخة اللاتينية من الكتاب المقدس: «تكلم ~~فصنعت العوالم، وأمر فخلقت.» # كان من نتائج ذلك أن برزت في ثنايا العقل فكرة أن أقوم طريق وأسلم سبيل يتبعه ~~المؤمنون هو الاعتقاد الكامل بكلتا النظريتين، وأن الله بطريقة خفية قد خلق الكون في ~~ستة أيام، بيد أنه أبرزه إلى الوجود فجأة وفي لحظة واحدة، وعلى الرغم بما أهاب به عدد ~~عديد من عظماء اللاهوتيين مثل «إفرايم سيروس» # Ephraem ~~Syrus # وغيره، من الكون قد خلق في ستة أيام تامة، كل منها ~~أربعة وعشرون ساعة، فإن نزعة التوفيق بين تلك الروايتين المتناقضتين قد أيدها ~~القديسان «أتناسيوس» # st. Athanasius # و«باسيل» # st. ~~Basil # في الغرب. # ولقد نشأت صعاب اعترضت سبيل اللاهوتيين في التوفيق بين هاتين النظريتين، اللتين لن ~~تقوما معا في عقل قياسي، لما بينهما من الخلاف والتناقض، غير أنهم بما خصوا به من ~~المهارة والحذق في تأويل النصوص وقلب ظواهرها ، وبما جلبوا عليه من القدرة على اللعب ~~بالألفاظ والجمل، وبما لجئوا إليه من طريقة الجنوح إلى الأساليب الغيبية وكثرة ما ~~استخدموا من نظريات ما بعد الطبيعة، استطاعوا أن يصلوا إلى التوفيق بينهما، حتى أصبح ~~الناس وهم يعتقدون بأنهم اعتقدوا، بأن خلق الكون كان فجأة وفي برهة واحدة، بيد أنه ~~امتد إلى ستة أيام سويا. # من الجهود التي بذلها اللاهوتيون في سبيل التوفيق بين هاتين النظريتين نزر يسير كان ~~خصب الإنتاج متعدد الآثار، حتى لنجده خليقا بأن ms112 يخص بقسط من عناية الذكر؛ فإن آباء ~~الكنيسة في الشرق وفي الغرب، قد كونوا من مجموع ما كان بين أيديهم من روايات سفر ~~التكوين، والإشارات التي وردت في المزامير؛ والأمثال، وسفر أيوب # Job # هيكلا ضخما من العلم المقدس، كل جزء منه يمت إلى هذه النظرية ~~بسبب، أما خلق الكون جملة، فقد لجئوا لدى النظر فيه إلى القول بما تصوروا من قوات ~~سرية خفية منبثة في تضاعيف بعض المكونات العددية؛ فإن «فيلو يهوذاوس» Philo Judaeus # بينما مضى معتقدا بنظرية الخلق ~~الفجائي، قد أعلن بجانب هذا الاعتقاد أن الكون قد صور في ستة أيام؛ لأن «العدد ستة - من ~~بين كل الأعداد - هو الأكثر إنتاجا» ولقد أظهر أن خلق الأجرام السماوية لم يقع إلا في ~~اليوم الرابع، «لما في العدد أربعة من صفات الألفة والاتساق» وأن خلق الحيوانات كان في ~~اليوم الخامس؛ إشارة إلى الحواس الخمس، وأن خلق الإنسان في اليوم السادس، فيه تلميح إلى ~~ما في العدد ستة من الفضائل التي وضعت ذلك العدد كحد نهائي للعمل الخلقي الكبير، ثم ~~عمد إلى ما هو أكبر من كل هذا، فأشار إلى أن راحة اليوم السابع إنما تشير إلى تلك ~~الفضائل العظيمة السرية الكامنة في العدد سبعة. # ولقد أيقن القديس «جيروم» # st. Jerome # بأن السبب في ~~أن الله لم يصف ما تم من العمل في اليوم الثاني من أيام الخلق بأنه «حسن» إنما يرجع ~~إلى شيء هو شر بذاته مفروض وجوده في العدد اثنين، وهذا الرأي قد تردد صداه عن طريق ~~«بيده» # Bede # وفي جنبات بريطانيا العظمى، بعد عصر ~~«القديس جيروم» بقرون طوال. # أما القديس «أوغسطين» فقد ألزم الكنيسة بهذا الاعتقاد متبعا طريقة التدليل الآتية، قال: # يوجد ثلاث فصائل من الأرقام: الأكمل والكامل والناقص، وهذا بنسبة ما يكون في ~~مجموعها من الزيارة أو المساواة أو النقص عن العدد الأصلي، والعدد ستة هو أول ~~عدد كامل، وعلى هذا لا يجب علينا أن نقول إن العدد ستة كامل لأن الله قد انتهى ~~من كل أعماله في ms113 ستة أيام، بل لأن الله قد أنهى كل أعماله الخلقية في ستة أيام؛ ~~لأن العدد ستة هو العدد الكامل. # ولقد ظلت جنبات الكنيسة تتجاوب بأصداء هذه الأقوال طوال القرون الوسطى حتى لقد ردد ~~صداها «النورمبرج كرونكل» بعد أن استكشفت أمريكا بعام كامل، مصبوبة في القالب الآتي: # إن خلق الأشياء قد تتضح حقيقته بالعدد ستة، الذي تشير أجزاؤه الثلاثة الأول، ~~واحد واثنين وثلاثة، إلى صورة مثلث. # هنا أصبح الاعتقاد بأن الخلق قد حدث فجأة في حين أنه تم في ستة أيام، كل منها نهار ~~وليل، واعتقادا عاما شاملا، حتى لقد أجازه «بطرس لومبارد» Peter ~~Lombard # و«هوغو ~~السانفكتوري» # Hugo of st. ~~Victor # وكلاهما جهبذ ذو وزن وصيت، بل ألزما العقل الكنسي أن ~~يمضي له خاضعا عصورا طوالا. # على أن الأمر لم يقف عند هذا الحد؛ فإن طرق هذا التأمل الذهني - من القول بأن كل ~~شيء قد خلق من لا شيء، والتوفيق بين الخلق الفجائي والخلق في ستة أيام - قد نما وتطور ~~من طريق فئة أخرى من كبار المفكرين في القرون الوسطى؛ فإن القديس «هيلاري بواتييه» # st. Hilary of Poitier # قد وفق بين ~~التصورين فقال: # على الرغم مما هو واضح فيما جاء به موسى من الظواهر الدالة على اتباع ~~نظام مطرد في تثبيت القبة الزرقاء، وفي تمهيد الأرض اليابسة، وفي تجميع ~~المياه بعضها مع بعض، وفي تكوين الأجرام السماوية، وفي قيام الكائنات الحية من ~~الأرض والماء؛ فإن خلق السماوات والأرض وبقية العناصر قد رؤي أنه نتيجة عمل وقع ~~في برهة واحدة. # أما القديس «توماس أكونياس» # st. Thomas Aquinas # فقد ~~استخلص مما جاء به القديس «أوغسطين » تفصيلا دقيقا فيه حذق ولباقة، ذلل - خلال عصور ~~طوال - كثيرا من الصعاب التي كانت تعترض هذه القضية؛ إذ قال بأن الله إنما خلق مادة ~~الأشياء في لحظة واحدة ولكنه قضى ستة أيام في العمل الخلقي مفرقا بين العناصر، ~~مصورا للأشكال، منمقا في التفاصيل. # ولقد قبل متقدمو المصلحين هذا الرأي ونموه، وكان «لوثر» في مقدمتهم مثبتا أنه ~~خير كفء ms114 لهذا العمل الكبير، فأعلن - بما عرف فيه من شجاعة وإقدام - أن موسى «قد تكلم ~~في صراحة وجلاء، ولم يلجأ إلى المجاز والاستعارة» وعلى هذا «يكون العالم وكل ما فيه من ~~المخلوقات قد خلق في ستة أيام»، ولكنه مضى بعد ذلك مظهرا كيف أن كل الموجودات ~~بتأثير معجزة كبرى، قد خلقت فجأة وفي لحظة واحدة. وكذلك «ميلانكوتون» # Melanchoton ~~؛ فإنه صمم على القول بأن العالم قد خلق من لا شيء ~~وبطريقة خفية في لحظة واحدة وفي ستة أيام معا، معتمدا على النص القائل: «تكلم ~~فخلقت.» # أما كالفن # Calvin # فقد رفض الاعتقاد بفكرة أن الخلق ~~قد تم فجاءة، ومضى مثبتا أنه وقع في ستة أيام. وبعد أن وجه الأنظار إلى أن التاريخ ~~الإنجيلي يظهر بجلاء أن عمر الدنيا لا يزيد عن ستة آلاف سنة، وأنها قاربت الفناء ~~قال: «إن العمل الخلقي استمر ستة أيام حتى لا تضنينا التأملات طول أعمارنا إذا ما أردنا ~~أن نقف على حقيقته.» # 2 # ولقد أثبت «بطرس مارتر» Peter Martyr # هذا الأمر ~~قائلا: «إن معرفة مسألة الخلق أمر ذو خطر كبير، حتى إن معتقد الكنيسة إنما يتخذه نقطة ~~ابتداء وركيزة أولى، ولو أنه تعذر علينا إثبات هذه المسألة، لما استطعنا أن نقرر وجود ~~خطيئة أولى، ولأصبح وعد المسيح بالخلاص لغوا باطلا، ولتحكمت بذلك كل القواعد الأساسية ~~التي يقوم عليها ديننا.» أما زعماء الدين في وستمنستر فقد رفضوا لدى تحديدهم قانون ~~الإيمان # Confession on Fatih # الخاص بهم، قانعين بأنه من ~~الضروري أن يعتقدوا بأن كل الأشياء المنظورة وغير المنظورة قد خلقت من لا شيء، وفي ~~ستة أيام سويا، ولم يكن رؤساء الدين من تابعي الكنيسة الرومانية بأقل عنادا من مصلحي ~~البروتستانت إزاء القول بضرورة الاعتقاد في صحة قصة الخلق الموسوية كما يقولون، ولقد ~~ظلت هذه الروح سائدة روع الناس؛ حتى إن طائفة السوربون اللاهوتية قد أجبرت «بافون»، في ~~أواسط القرن الثامن عشر - وكان قد بدأ يقرر أوليات جيولوجية بسيطة - أن يكتب وينشر في ~~الناس إنكارا مشينا جاء في نهايته: «إني ms115 أرجع عن كل شيء جاء في كتابي خاصا بتكوين ~~الأرض، وعلى وجه عام كل ما يمكن أن يكون مناقضا لقصة موسى.» # وبعد أن فرغ اللاهوتيون من تقرير طريقة الخلق، ومادته والزمان الذي استغرقه، رجعوا ~~إلى الكلام في تحديد التاريخ الذي وقع فيه الخلق. # إن سلسلة الجهود الطويلة التي بذلها رجال خصوا بأوسع المدارك وأرجح الأحلام، من ~~«إيوسبيوس» # Eusebius # إلى يوشر # Usher # في سبيل تحديد التاريخ الذي وقع فيه الخلق، قد تركت الكلام فيها ~~إلى فصل آخر. ويكفي أن نذكر أن النتيجة الأخيرة التي وصلت إليها الأغلبية العظمى ممن ~~يعتبرون أقدر الذين أكبوا على درس الأقوال التي جاءت في الكتاب المقدس، قد ~~أسلمت إلى القول بأن الخلق قد وقع في زمان تعد سنوه بعدد عشري، ويقع حوالي سنة ~~4000ق.م وفي القرن السابع عشر ذكر الدكتور «جون ليتفوت» # John ~~Lightfoot # وكيل جامعة ~~كمبردج، ومن أشهر من نبغ ممن درسوا العبرانيات، أن نتيجة أبحاثه القصية المستفيضة في ~~التوراة والإنجيل قد أدت به إلى حقيقة أن «السماء والأرض، والمحيط والمركز، قد خلقن ~~معا وفي وقت واحد، حيث كان الغمام الكثيف مملوء بالماء وأن هذا العمل قد وقع، وأن ~~الإنسان قد خلق بقدرة الثالوث الأقدس، في 23 أكتوبر سنة 4004 قبل الميلاد، حيث كانت ~~الساعة التاسعة من الصباح» وكان هذا انتصارا لأسلوب «لاكتانتيوس» # Lactantius # وهو نتيجة الدرس العميق في الإنجيل والتوراة مئات من ~~السنين وغاية لجهد الفكرة اللاهوتية منذ أن ظهر «بيده» في القرن الثامن إلى زمان ~~«فنسنت ~~بوفييه» # Vincent ~~Beauvais # حيث أعلن في القرن الثالث عشر أن الخلق لا بد أن يكون قد وقع ~~في فصل الربيع، لكن وا أسفاه! فإنه لم يمض قرنان على ما بذل الدكتور «ليتفوت» من جهد ~~في درس العبارات المنزلة ليستخلص منها حقائق يحدد بها ساعة الخلق وتاريخه، حتى استكشف ~~الباحثون أنه في تلك الساعة التي حددها هذا اللاهوتي، كانت أمة من أرقى الأمم مدنية ~~وأمثلهن تهذيبا، رافلة في أبهى حلة خلعتها الحضارات على الأمم في الأزمان القديمة، بل ms116 ~~كانت منذ عهد عهيد، تجوب أنحاء العواصم المشيدة في مصر على ضفاف النيل، وأن أمما أخرى ~~لا تكاد تقل عن هذه مدنية وعلما، قد بلغن درجة خطيرة من النشوء والارتقاء تحت سماء ~~آسيا. # ولكن الأغرب من كل هذا أنه بعد أن فرغ اللاهوتيون من طريقة الخلق والمادة التي ~~اتخذت خميرة للعمل، والزمان الذي استغرقه التاريخ الذي وقع فيه، بقي سؤال هو في ~~الواقع أنكى وأعظم سؤال يقتضيه النظر في هذا الأمر. ولم يكن هذا السؤال بشيء سوى النظر ~~في: «من في الواقع خلق الكون؟» # لقد ظل العقل الكنسي أزمانا طوالا غرضا لنظريات تختلف نسبة التشويش والإبهام ~~فيها بنسبة رجاحة العقول التي كونتها، وقد اتفقت كلها على أن تتخذ متون التوراة ~~والإنجيل لها ركيزة ودعامة. # قال بعض اللاهوتيين: إن الفعل الواقعي في الخلق راجع إلى الأقنوم الثالث من الثالوث ~~المقدس، حيث ذكر في أول قصة الخلق الشعرية الرنات «أنه كان يرف على وجه الماء» # 3 # وقال آخرون بأن الخالق الفعلي هو الأقنوم الثاني، وقد استخلصوا من أسفار ~~العهد الجديد نصوصا كثيرة تؤيد فكرتهم، في حين أن غيرهم عمدوا إلى القول بأن عامل ~~الخلق كان الأقنوم الأول، وكان هذا الرأي منبثا في تينك القاعدتين الاصطلاحيتين ~~المعروفتين في قانون الإيمان الخاص بالمذهب الرسولي والمذهب النيقاوي؛ ذلك المذهب الذي ~~أثبت أن الخلق هو من عمل «الله الأب القادر على كل شيء، مبدع السماوات والأرض»، وغير ~~أولاء وهؤلاء فئة رأت أن هنالك معنى عميقا تتضمنه كلمات «قال الله: ليكن» تلك التي ~~وردت في سفر التكوين منسوبة إلى الخالق، فمضوا قانعين بأن الثالوث الأقدس في مجموعة هو ~~السبب المباشر في الخلق، ولجأ آخرون إلى مقولات غيبية غريبة، فوصلوا إلى فكرة أن ~~أقنومين اثنين تساندا واندمجا حتى أتما العمل الخلقي الخطير. # وإنك لترى أن كل هذه المذاهب تنطوي على مقدار عظيم من الشجاعة والإقدام والجرأة إذا ~~ما تذكرت بجانبها تلك اللعنات التي يصبها مذهب «أتناسيوس» المصري # Athanasius # على أولئك الذين «يخلطون بين الأقانيم والذين ~~يفصلون بين مادة ms117 الثالوث الأقدس.» # هذه الحالات التي تدرج فيها اللاهوت المدرسي قد ظهرت ممثلة في الفن المقدس، وعلى ~~الأخص في النقوش الكاتدرائية وتلوين الزجاج وزخارف الفسيفساء والصور التي تزين بها كتب ~~القداس. # وعلى هذا تجد أن الذات الخالقة قد مثلت مرة في الأقنوم الثالث «الروح القدس»، فوضعت ~~في صورة حمامة ترف فوق العماء # Chaos # ومثلت أخرى في ~~الأقنوم الثاني «الابن»، فكانت في صورة يافع تام الفتوة، ومثلت مرة ثالثة في الأقنوم ~~الأول «الآب»، فكانت شخصا تتراءى فيه مخايل الأبوة وصفات الاحترام، ومرة رابعة في ~~الأقنومين الأول والثاني «الآب والابن» فكانت في صورة شخصين أحدهما يافع والآخر كهل، ~~ومرة خامسة في الأقانيم الثلاثة «الآب والابن الروح القدس»، فكانت في صورة شخصين يافع ~~وكهل، يحمل كل منهما فوق رأسه التاج البابوي، وكلاهما ممسك بين شفتيه بطرف القوادم من ~~جناح الحمامة، حتى تظهر كأنها مستمدة منهما معا وتظل معلقة في الفضاء الواقع ~~بينهما. # على أن هذا لم يكن أكمل وجه من النشوء وصلت إليه الفكرة اللاهوتية في العصور الوسطى، ~~أن الخالق كان يمثل في بعض الأحيان بصورة بشرية ذات بدن واحدة وثلاثة وجوه، وفي هذا ~~دليل قاطع على أن المعتقد النصراني قد تطور في عقول بعض الأنقياء متدرجا من نفس ~~تلك الحالات التي تمشى فيها معتقد أهل الهند القديمة منذ أبعد العصور؛ إذ كانوا ~~يمثلون «الذات العليا» في صورة جسم بشري ذي ثلاثة وجوه، أحدهم لبراهما والآخر لفيشنو ~~والثالث لشيفا. # وفي بداءة الأعصر الحديثة اضطر العالم النصراني - تحت تأثير أنبغ نابغة في الفن ~~أقلته الأرض وأظلته السماء - أن يلزم ظاهر ذلك الرأي محبوكة أطرافه على تلك الصورة التي ~~مثلتها الفكرات العبرانية الأولى؛ ففي سنة 1512، دشن «ميكل أنجيلو» # Michel Angelo # بعد أربع سنوات أنفقها كدا ونصبا، رسومه التي حلى ~~بها قبة المعبد السستيني. # أما تلك الروسم فقد صنعت بأمر من البابا «يوليوس الثاني» # Julius ~~II # وتحت عينه وبإجازة ~~منه، لا لشيء إلا ليمثل بها حقيقة التصور الذي مضى سائدا على اللاهوت النصراني في ~~ذلك العصر، ولا ms118 تزال حتى اليوم قائمة بكامل بهائها وعظمتها عنوانا على أرقى قمة بلغت ~~إليها الفكرة القديمة تلقاء أصل الكون المنظور. # في منتصف السماوات العريضة ترى الآب - أقدر القادرين، والأقنوم الأول من الثالوث ~~الإلهي - في صورة بشرية تحيط بها العظمة ويحفها الاحترام، ومن حوله الملائكة يقومون ~~بتنفيذ أوامره تحملهم الرياح الزعازع القوية مكتسحة سطح الهاوية العظمى، متنقلا في ~~منازل صورت على جنبات تلك القبة العظيمة، وهو يجد في كل منزلة منها في إتمام جزء ~~من العمل الخلقي الخطير، وبإيماءة واحدة يفصل بين النور والظلام، ويحمل إلى العلاء ~~القبة الزرقاء، ويجمع من تحتها البحور المتلاطمة، ويبرز الشمس والقمر والكواكب إلى ~~الوجود، ثم يضعها حيث تدور من حول الأرض. # في هذا العمل الفني العظيم تركزت الفكرة التي ظلت أجزاؤها متناثرة خلال ألف من ~~السنين، ولقد مضت أرشد العقول قانعة بها أو على الأقل متظاهرة أنها بها قانعة، وبعد ~~مضي قرنين من الزمان على وجه التقريب، قام «بوسوية» # Bossuet # ليلزم الناس العكوف على ظاهر هذا التصور، مصبوبا في قالب ~~استمد من أولى الروايتين اللتين وردتا في سفر التكوين، وبذلك عادت إليه قوة جديدة من ~~الحياة فظل ثابتا في تضاعيف الكنيسة بقسميها كاثوليك وبروتستانت، وإلى هذه المماحكات ~~تضاف مماحكات أخرى بدأت في الوجود خلال الأزمان التي انتعشت فيها الكنيسة الأولى، وظلت ~~متنقلة في منازل البقاء حتى زالت وفنيت من عقول اللاهوتيين في عصرنا هذا. # 4 # ففي الرواية الأولى من روايتي سفر التكوين تجد أن الضوء قد خلق أولا، وأن ~~الفصل بين النور والظلام قد تم في اليوم الأول من أيام الخلق، بينا تجد أن الشمس والقمر ~~لم يخلقا إلا في اليوم الرابع، ومن حول هذه الروايات تكونت فكرات لاهوتية عميقة ~~وآراء لا علمية زائفة، فكرات وآراء تراكم بعضها من فوق بعض خلال الأزمان متكاثفة حول ~~تلك الحقيقة العظمى، حقيقة أن المتون الأصلية ليست إلا وحيا تاريخيا يثبت أنها ~~مستخلصة من أقدم المعتقدات المروية عن القدماء، حتى لقد حجبت تلك التصورات اللاهوتية ~~هذه الحقيقة عن الأنظار والعقول؛ ms119 فقد كان معتقد القدماء محصورا في أن لكل من النور ~~والظلام ذاتية مستقلة عن طبيعة الأجرام السماوية، وأن الشمس والقمر والنجوم لم توجد ~~لتزيد الضوء لا غير، بل «لتفصل بين النهار والليل والأبراج الفلكية والفصول والأيام ~~والسنين»، «ولتحكم الليل والنهار.» # ولقد نجد أن لهذا الاعتقاد وثبات في عقول آباء الكنيسة الأولى، وعلى الأخص في عقل ~~القديس «أمبروز» # st. Ambrose # فإنه يقول في كتابه ~~الذي خصصه للكلام في مسألة الخلق: # يجب علينا أن نعي أن نور النهار شيء، وضوء الشمس والقمر والنجوم شيء آخر، فإن ~~الشمس بأشعتها الذهبية لا تظهر إلا لتزيد النهار ضياء ولمعانا؛ لأننا نرى أنه ~~قبل شروق الشمس يتنفس النهار، ولكنه لا يكون في كامل بهائه؛ لأن الشمس من شأنها ~~أن تزيده نورا وضياء. # ولقد أصبحت هذه الأقوال «كنزا من كنوز الفكرة المقدسة التي تقوم عليها معتقدات ~~الكنيسة» فاعتنقها أهل القرون الوسطى ومضوا بها مؤمنين. على أن حفلات العشاء الرباني # Mysteries # والروايات التمثيلية التي ذاعت خلال ~~العصور الوسطى لتزودنا بأمثال غريبة تؤيد ذلك. ففي رواية تمثل طريقة خلق العالم عندما ~~أراد الله أن يفصل بين النور والظلام، يذكر في الإرشادات التي تعطى لمديري المسرح في ~~صلب الرواية. «هنا يجب أن يكشف للنظارة عن قماش - ستار - نصفه أسود ونصفه أبيض» ~~وكذلك زود هذا التصور بعوامل جعلته أكثر استقرارا مع الزمان؛ فإن زخارف الفسيفساء في ~~كنيسة «القديس مرقص» # st. Marc # في مدينة البندقية، ~~والرسوم التي زين بها موضع العمادة # Baptistry # في ~~فلورنسا وفي كنيسة القديس «فرنسيس» # st. Frances # في ~~«أسيزي» # Assisi # وفي نقوش المذبح في «ساليرنو» # Salerno # تعطينا جماعها أمثالا حية على هذا المعتقد، ~~فترى الخالق قد وضع في السماوات قرصين أو شبحين حيين في حجم واحد، قد لون كل منهما ~~بلون ملائم أو نقش بما يدل على أن أحدهما يمثل النهار والآخر يمثل الليل، وما لا خفاء ~~فيه أن هذا التصور هو بلا ريبة تصور ذلك الشخص أو الأشخاص الذين جمعوا من الأساطير ~~الكلدانية، وغيرها أعرق منها قدما، تلك ms120 القصص التي بنيت عليها روايات الخلق التي ~~ذكرت في السفر الأول من الأسفار المقدسة وإلى عهد قريب جدا، لا يكاد يغرب عن ذاكرة ~~الأحياء، كان المعتقد على وجه الإطلاق «دائما وفي كل مكان وعند كل شخص» أن الكون كما ~~نراه الآن قد خلق مباشرة من طريق صوت الواحد القهار أو بيده أو بكليهما، من لا شيء، ~~وفي لحظة واحدة أو خلال ستة أيام أو فيهما معا، وأن ذلك وقع في سنة 4000 قبل بدء ~~التاريخ الميلادي، وأن هذا الخلق لم يحصل إلا ليمتع به سكان الأرض التي هي القاعدة ~~والأساس الذي قام عليه كل الهيكل الكوني. # غير أنه منذ أزمان بعيدة فرخت في ثنايا العقل الإنساني جراثيم لفكرات أخرى قد يرجع ~~بعضها إلى زمان أبعد من ذلك الزمان الذي أينعت فيه المدنية البابلية. فقد نجد في النقوش ~~الآشورية آثارا تدل على تلك الفكرة الكلدانية البابلية التي تشير إلى «نشوء» الكون في ~~جوف «الغور الأبعد» أو «الفيضان الأول»، وإلى خلق الحيوانات في البر والبحر. وهذه ~~الفكرة ترجع بنا سعيا - ولو بشكل جزئي - إلى الصورة التوحيدية في الدين، تلك التي ~~انتقلت بطريق اللقاح إلى الكتب المقدسة التي اختص بها العبرانيون، جيران الكلدانيين ~~وتلاميذهم، غير أن نشوء هذه الفكرات في العالم النصراني فيما بعد، قد أعاقت خطاه - كما ~~سنرى - روايات وأقوال أعظم تأثيرا وأبلغ خطرا، ورثت من نواح أخر وكانت أكثر ملاءمة ~~لما انطوى عليه العقل الكنسي في بدء نشوء الدين المسيحي. # ومما يدعو إلى النظر والتأمل تأثير تلك الفكرة التي عادت إلى الحياة في عقول ~~الفلاسفة الأيونيين # Ionian Philosopheers # وقد يرجح ~~أن تكون قد نقلت إليهم عن الكلدانيين من طريق الفنيقيين. ففي عقول رجال من الفلاسفة ~~أيونيا أمثال أنكسنميدر # Anaxmander # وأنساكسيمنيس # Anaximenes # قد نمت هذه الفكرة نماء عظيما؛ فإن ~~الأول منهما قد رأى أن الكون نتيجة لأسلوب من النشوء، في حين أن الثاني قد مضى متبعا ~~خطوات سلفه عاملا على أن يخطو بهذا الأسلوب التفكيري خطوات أخرى، معتمدا في فكراته ~~على مؤثرات ms121 من النشوء الكوني أيدها العلم الحديث. # هذه الفكرة العامة التي تثبت أن الطبيعة إنما تتبع في أساليبها طريق النشوء لا طريق ~~الطفرة، قد استمرت ثابتة في الفكر اليوناني وتشعبت في طرائق كثيرة، منها الزائف ومنها ~~الصحيح. على أنه من المحقق أن أفلاطون قد قاوم هذه الفكرة، غير أن أرسطوطاليس قد أقام ~~من نواحيها وشيد من نقائصها متبعا أساليب كثيرا ما تذكرنا - إذا ما وقعنا عليها - ~~بوجهات من النظر أقرها العلم في العصور الأخيرة. # أما في العصر الروماني فإن «لوكريشيوس» # Lucretius # قد ~~عرف كثيرا من حقائقها؛ حتى لقد طبق الأسلوب النشوئي على كل الموجودات. # ولقد رأينا من قبل كيف أن الفكرة في الخلق المادي المباشر، وعلى الأساليب التي ~~يتبعها الإنسان في أعماله العادية، قد تملكت عقول رجال الكنيسة الأولى حتى اكتسحت ~~منها كل التصورات التي قامت على فكرة النشوء. ومن تلك الآراء الأولية التي ذاعت في ~~الخلق منبثة في تضاعيف الأساطير البابلية ومن ثم اندمجت في تضاعيف سفر التكوين، ~~استمدت الفكرات الأورثوذكسية تلقاء هذا الموضوع الخطير، وأخذت تنمو حتى أصبحت فيضا ~~عرما ظل ينساب تياره الجارف طوال القرون الوسطى إلى الأعصر الحديثة، غير أن أمواج ذلك ~~التيار الجارف المتلاطمة كثيرا ما كانت تتكسر بين آن وآخر على صخور صلدة من الأفكار ~~الحرة اعتنقها رجال خصوا بقدر عظيم من البأس وشدة المراس؛ فإن «سقوطس إرغينا» # Scotus Erigena # و«ذنزسقوطس» # Duns ~~Scotus # بين فلاسفة العهد ~~المدرسي، على ما حف بهما من أسباب الحيرة والارتباك قد استنارا بشيء من تلك الخيوط ~~المشعة التي كانت تنبعث من بين طيات الماضي البعيد، فنقلا للخلائف من بعدهما مذاهب في ~~الأسلوب النشوئي في خلق الكون محورة تحويرا ما. # في النصف الأخير من القرن السادس عشر أخذت هذه النظريات النشوئية تتحيز على صورة أدق ~~وبشكل أظهر في عقل النابغة الكبير «جيور دانو ~~بروند» # Jiordano Brund # أول واضع للفكرة الأساسية التي قامت عليها النظرية التي ~~تسمى في الأعصر الحديثة بالرأي السديمي # Nebular Hypothesis # غير أن استشهاده بحكم محكمة التفتيش في روما ms122 كان سببا في أن ~~تختفي هذه النظرية وتزول تماما، كما لو كانت قد أحرقتها النيران المتلظية التي التهمت ~~جثمانه سنة 1600 على «الكامبو دي فيوري». # غير أنه لم يمض قرنان على استشهاد «برونو» حتى خطا الناس إلى عالم من الفكر كان من ~~المحتوم أن تفرخ فيه في جوه جراثيم نظرية نشوئية في أصل الكون المنظور سريعا وبلا مهل، ~~فقد تتابع في الظهور خمسة من رواد الفكر الإنساني الذين لم تجد بأمثالهم بطون ~~الأمهات الواحد تلو الآخر، فكانت سلسلة من العظمة والخلود مثل حلقاتها الخمس كوبرنيكوس ~~وكبلر وغاليليو وديكرت ونيوتن، فلم يصلوا إلى نهاية عملهم العظيم حتى فني التصور ~~اللاهوتي في حقيقة الكون وزال من عالم المعرفة العامة، «فالقبة الزرقاء الفسيحة ~~الرحاب»، و«الدوائر البلورية» والواحد القهار متوجا «على دائرة السماوات» واستخدامه ~~يديه أو الملائكة في حفظ الشمس والقمر والسيارات في دورتها المرسومة لخير الأرض ~~وسكانها، وفتح «نوافذ السماء» وغلقها؛ لتنصب على الأرض «المياه المعلقة فوق القبة ~~الزرقاء» و«تعليق قوسه على صفحة السحاب» # 5 # وإظهار «الإشارات والعجائب» وإرسال المذنبات و«انقضاض الصواعق» انتقاما ~~من الأشقياء، و«هز الأرض» هزة العنيف من الغضب؛ كل هذه أشياء قضى عليها هؤلاء الرواد ~~قضاء لا قيام بها بعده. # لقد زود هؤلاء الخمسة العظماء العالم بوحي قدسي جديد. أما نيوتن فقد أبدع تصورا ~~نبيلا قدر له أن يكون سهما مسددا يصوب إلى قوام النظرية القديمة في حقيقة الخلق، ~~بأن أثبت أن نواحي الكون يحكمها قانون شامل ثابت القواعد، بدلا من قواسر إرادة واحدة ~~تمثل في ذات كلية القدرة، أما اضطهاد عالم اللاهوت، للأربعة الأول من حلقات هذه السلسلة ~~فأمر معروف ذائعة حقائقه، ولكن حقيقة أن «نيوتن» قد اضطهد وعوجل بالعدوان على الرغم ~~من الروح الدينية الحساسة التي كانت تملأ جوانحه، فحقيقة قليلا ما عرفت، وبكثير من ~~الشدة والصرامة في القول وجه إليه من الانتقادات إزاء أفكاره التي بشر بها في حقيقة ~~قانون الجاذبية نقد محصله «أنه انتزع من الله التأثير المباشر في خلقه وعمله الكوني، ~~ذلك التأثير الذي تنسبه ms123 إليه الكتب المقدسة، وبدله بقوة مادية ميكانيكية»، وأنه «أبدل ~~العناية الإلهية بالجاذبية» على أنه فضلا عن العمل المباشر الذي قام به هؤلاء الرجال، ~~فإنهم مهدوا السبيل ووضعوا القواعد التي قامت عليها نظرية النشوء، ناقضة لنظرية ~~الخلق. # ومما لا يجب أن نغفل عن ذكره أن «رينيه ~~ديكارت» # Descartes # على الرغم مما أحاط بكثير من استنتاجاته من الأغلاط، وعلى ~~الرغم مما كان في زمانه من تأخر الفوسيقى وضعف المعرفة بكثير من مبادئها، قد أثر عمله ~~العظيم الذي قام به تأثيرا كبيرا في إضعاف التصور القديم؛ فإن نظريته في الكون على ~~اعتبار أنه نتاج تفاعل مادة شاملة نواحيه تضبطها في نظام محبوك الأطراف حركات خاضعة ~~لنواميس طبيعية، لم تكن سوى فرض نظري صرف، قد أثرت في العقول تأثيرا حرفها عن ~~التصور اللاهوتي القديم في خلق العالم، لقد كانت نظرية «ديكارت» مثالا من الكد ~~الذهني؛ إذ يوصل إلى خطأ لا إلى صواب، ولكنه في الوقت ذاته يمهد الطريق لظهور الحق ~~الخالد، وعلى الرغم من أن «ديكارت» كان في ذلك الزمان مقيدا بمخاوفه من الكنيسة ~~مغلول اليد بتهديداتها، فإن ذلك الجزء من مؤلفاته - وهو الذي تناول فيه تكوين العالم - ~~لم يكن بضعيف الأثر في توجيه العقل الإنساني في ذلك المتجه الذي أدى إلى تقبل فكرات ~~فاض بها على العالم مفكرون أقل منه خوفا وأصلب عودا. # بعد هذا العهد بثلاثين عاما ظهر في إنجلترا جهد جديد، إن اختلف عن جهد «ديكارت» في ~~ماهيته، فإنه يتفق وإياه في النتائج. ففي سنة 1687 نشر «رالف كادورث» # Ralph Cudworth # كتابه «نظام الكون العقلي» ولا ~~ريبة في أن هذا الباحث يعتبر إلى الآن من حيث سعة العقل والاستعماق في الدرس وقوة ~~التفكير والتسامح والأمانة، من أكبر مفاخر الكنيسة الإنجليزية، وكان كتابه جديرا بأن ~~يصدر عن مجموع هذه الصفات معا، وكان غرضه من هذا الكتاب أن يبني قلعة تحتمي وراءها ~~النصرانية من غوائل كل الخطرة المهدمة التي ذاعت لعهده في أصل الكون قديما وحديثا . ~~أما الأساس الذي قامت عليه هذه القلعة ms124 الحصينة فقد بني من فكرات قديمة صبت في صور ~~حديثة أخاذة بالألباب. غير أن البناء العلوي كان كلما أخذ في الظهور للأنظار شيئا ~~فشيئا، ظهرت فيه مخايل كانت لا بد من أن تثير في نفوس الغارقين في بحار الأورثوذكسية ~~هواجس وريبا، ولو أن النبوغ والعبقرية قد تركا آثارهما الخالدة في كل جزء من أجزاء ~~ذلك البناء المشمخر، فلقد رفض تلك النظريات القديمة التي كانت توحي إلى الناس ~~بفكرة أن الله الواحد القهار قد صنع الكون بجهد ذاته وشخصه، ومضى قانعا بنظرية ~~النواميس الطبيعية وأثرها، وأنحى على القول بتواتر وقوع المعجزات وتدخلها في شئون ~~هذا العالم، وأشار إلى حقيقة أن في طبيعة الخلق «أغلاطا» و«مخارق»، ودلل بأقصى ما ~~فيه من قوة على حقيقة أن الأصل في تكوين العالم وحفظه على هذا النظام، يرجع إلى أسلوب ~~في النشوء التدرجي، وأن هذا الأسلوب يخضع لنواميس ثابتة منبثة في تضاعيف ~~الطبيعة. # في أواخر القرن التالي ظهر في أفق البحث نابغة مفوق هو «عمانوئيل كانت»، وكان من ~~بواكيره أن عكف على الرأي السديمي يقوي من دعائمه معتمدا على ما كشف نيوتن من نواميس ~~الطبيعة وما وضع من نظريات؛ فأيد ذلك الرأي بما ثبته وجعله أشد استقرارا عن ذي قبل، ~~وفي الوقت نفسه ظهر «لابلاس» فعضد ذلك الرأي بمبادئ رياضة بلغت أقصى حدود القوة ~~والتأثير، حتى لقد غرس في الفكر الحديث فكرة أن نظامنا الشمسي وغيره - بما فيها من ~~الشموس والسيارات والأقمار وحركاتها المختلفة وأبعادها وأقدارها - تنتج بالضرورة من ~~خضوع الكتل السديمية لقوانين طبيعية ثابتة. # هنا علت الصيحة من جانب اللاهوتيين في وجه «الإلحاد»، وأعلنت الحرب صراخا واندلعت ~~ألسنتها النيرانية، غير أن العلامة «هرشل» قد كشف مع غيره من الفلكيين عن كثير من البقع ~~السديمية التي تدل ظواهرها على أنها من طبيعة غازية، بل أظهروا بكثير من البراهين ~~الطبيعية والرياضية أن النظرية السديمة تعلل قسما عظيما من الحقائق الكونية، وكانوا ~~على الرغم من الضجيج والإرعاد يذللون كل عقبة ويجنون كل يوم ثمرة، حتى إذا ما بلغ ms125 ~~التلسكوب من حسن التركيب مبلغا جعله أكثر رقيا، وأضبط كشفا، حققوا أن تلك البقع ~~المكونة من المادة السديمية ما هي إلا عديد وافر من النجيمات المتقاربة الأبعاد، على ~~مناهضي الرأي السديمي لم يلبثوا إلا قليلا حتى أخذوا بهزات الفرح والسرور وبهروا بها، ~~بل بدءوا يرتلون أناشيد الابتهاج بعلم الفلك؛ لأنه - كما كانوا يقولون - قد أثبت حقائق ~~الكتب المقدسة بالبراهين القاطعة، وسرعان ما وصلوا إلى نتيجة هي عند قولهم بأن كل السدم ~~لا بد من أن تكون متماثلة، وأنه إذا كان بعض السدم مكون لدى الحقيقة من كوكبات من ~~النجيمات، فإن كل السدم لا بد من أن تكون كذلك، ولا يمكن أن يكون بعضها عبارة عن ركام ~~من المادة الغازية؛ لأن بعضها ليس من هذه الطبيعة. # هنا وقفت خطا العلم قليلا؛ فإن المذهب الذي ساد إذ ذاك كان يتلخص في القول بأن السبب ~~في أن كل السدم لا تظهر في صورة نجيمات مستقل بعضها عن بعض، إنما يرجع إلى أن قوة ~~التلسكوب لم تكن كافية للكشف عن حقيقتها، على أن الزمان كفيل بإظهار الحق؛ فإن الحق رد ~~في نصابه سريعا باستكشاف الاسبكتروسكوب وطريقة الحل الطيفي ثم باستكشاف «فرونهوفر» # Frannhofer # إذ عرف أن الحل الطيفي لجسم غازي في ~~حالة الاشتعال يكون غير متواصل، بل تقاطعه خيوط تعترض تواصله، وباستكشاف «درايبر» # Draper # إذ ظهر له أن الحل الطيفي لجسم صلب في حالة ~~الاشتعال يكون متواصلا بلا خيوط تقاطعه، وما وجه الاسبكتروسكوب إلى السدم حتى عرف أن ~~كثيرا منها غازي التركيب، ومن هنا شبت تلك النظرية القائلة بأن هذه الكتل السديمية ~~ليست سوى درجات مختلفة من التكثف؛ إذ يكون بعضها عبارة عن بقعة من الضباب وبعضها ذات ~~مراكز مشعة. نستنتج منها أن خطا النشوء التكويني لا تزال دائبة الفعل جارية التأثير، ~~وأن مشاهدات مثل تلك التي وقع عليها لورد روس # Lord ~~Rosse # وأرست # Arrest # من شأنها أن ~~تزيدنا اعتقادا بصحة هذه النظرية، ومن بعد كل هذا حبانا العلم بأعظم ميراث خلفه ~~العلماء للقرن التاسع ms126 عشر في الفوسيقى، ذلك الميراث الذي ساعد على تعليل كثير من معضلات ~~النظام الكوني، بنظرية أن الحرارة إنما هي أثر ميكانيكي صرف. # ولم يزد الرأي السديمي بالبحث العلمي إلا قوة على قوته؛ ففي سنة 1850 أجرى ~~«بلاتو» Plateau # تجربة في دوران الكرات المائعة؛ ~~فكانت برهانا إن لم يثبت حقيقة الرأي السديمي بالاختبار، فلا أقل من أنه مثله في ~~الواقع الملموس تمثيلا صحيحا، حتى إن رجلا من أكبر مناصري المذاهب الأورثوذكسي كمستر ~~«غلادستون» قد اعترف بعد لأي بأن وجها ما من أوجه الرأي السديمي لا يبعد أن يكون ~~صحيحا. # هنا ظهرت بوادر تلك الحالة التي تسلم فيها الأفكار اللاهوتية سلاحها لقوة العلم تحت ~~عنوان إن العلم إنما يؤيد من مذاهب اللاهوت، وتلك صورة في التراجع كثر ما رأينا من ~~أمثالها في كثير من الميادين التي تناحر فيها العلم واللاهوت، ولا غضاضة في أن نأتي على ~~مثال، إن كان محدود المرامي قاصر الغايات، إلا أنه من أفضل الأمثال التي توقفنا على ~~تلك الطرق الغريبة التي كان ينتحيها اللاهوتيون ليصلوا إلى مثل هذه الهزائم ملثمين؛ فمن ~~منذ سنوات قليلة # 6 # ألقى أستاذ من أشهر أساتيذ الكيمياء في مدينة نيويوريك - إجابة لطلب رءوس ~~كنيسة من كنائسها الحديثة - محاضرة أذيعت في الجرائد وفي الإعلانات الكبيرة التي غطيت ~~بها جدران المدينة، أن الغرض منها إظهار أن العلم يؤيد نظرية الخلق التي ترويها الكتب ~~المقدسة المنسوبة إلى موسى، فاجتمع عدد عظيم من السامعين، وبدأ المحاضر في إجراء عدة ~~تجاريب فذة كان من أدواتها الأوكسجين والهيدروجين والحامض الكربونيك على الطريقة التي ~~اتبعها «بلاتو»، والحق أن تلك التجاريب قد أيدتها المهارة، ولم ينقصها الحبك العلمي. ~~ولما ظهرت الكرة الزيتية الملونة التي تمثل الأرض في بيئة شفافة متعادلة الكثافة من كل ~~جهاتها، ثم تسطحت لدى القطبين وانبعجت من الوسط فخرجت من حولها المناطق التي تشابه ~~مناطق زحل، ثم تكسرت متطايرة ودارت حولها، ثم تكونت هذه بعد ذلك أقمارا بأن تمزقت مرة ~~ثانية، فظلت برهة تدور حول الكتلة المادية الأصلية، عج ms127 المستمعون بصياح الفرح وراحوا ~~يصفقون بأشد ما أوتوا من قوة، فقام رجل من أغنياء المدينة وعبر عن شكر الجموع التي ~~كانت تستمع للمحاضر على ما أظهر «لهم من صورة تنطبق كل الانطباق تفصيلا وإجمالا على ~~العبارات التي وردت من السفر المقدس وعلى نتائج العلم الأخيرة»، وما زال عجيج السامعين ~~يشق الأجواء وتصفيقهم يصم الآذان، حتى انصرف الجمع شاعرا بأن هذه الكنيسة قد خدمت ~~الأورثوذكسية أمتع الخدمات وأبقاها. # وما تظهرنا عليه هذه الحادثة في هذا الميدان على ضيق مجاله، قد تكرر مرات مديدة في ~~مواطن أخرى حيث برز على مرسحها ممثلون أتم قدرة وأبعد جولة؛ فإن عشرات من اللاهوتيين - ~~ولا نذكر من مشهوريهم كمثال يحتذى في الفطنة والحماسة إن لم يكن في العلم؛ إلا مستر ~~غلادستون - قد بذلوا جهدا كبيرا في سبيل «التوفيق» بين روايتي سفر التكوين بعضهما ~~وبعض؛ ومن ثم بينهما وبين الحقائق التي استكشفت في أصل الكون من طريق علم الفلك: ~~الجيولوجيا والفوسيقى والكيمياء، وقد ذكر لاهوتي من المشهورين، وهو أستاذ اللاهوت في ~~جامعة كمبردج، نتيجة ذلك الجهد العظيم، فأعلن أنه «ما من محاولة قصد بها التوفيق بين ~~سفر التكوين وبين الحاجات التي تتطلبها العلوم الحديثة قد عرف أنها نجحت من غير أن ~~تلجأ إلى قدر عظيم من الضراعة والتوسل أو التأويل الإجباري، تلك الأشياء التي تلزمنا ~~بديهة العقل أن نبتعد عنها جهد البعد في مثل هذه المشكلات.» # على أن ما أوحت به مستكشفات طائفة أخرى من العلوم التي كانت تعارض اللاهوتيين حينا، ~~وحينا ترضي نزعة التأويل التي نزعوا إليها، قد مهدت السبيل لبلوغ حالة اطمأن إليها ~~الذين شغلتهم هذه المشكلة، فجاء في أول الأمر نقاد إنجيليون - وهم لدى الواقع باحثون ~~مسيحيون عمدوا إلى خدمة الحق وأحبوا الوصول إليه - وبرهنوا بما لا يحف به ريب ولا ~~يعتريه شك، على وجود روايتين مستقلتين للخلق على الأقل في سفر التكوين، وأن هاتين ~~الروايتين قد يمكن أن يعمد إلى التوفيق بينهما من طريق القس والإجبار، ولكنهما - في ~~مفصلاتهما - متناقضتان تناقضا صريحا، ولقد ms128 أظهر هؤلاء الباحثون الأمناء فضلا عن ذلك ~~أن تينك الروايتين ليستا نتاجا لمخاطرات القساوسة ولا لمماحكات الرهبان ومكرهم، بل هما ~~لدى الواقع المشاهد أجزاء متناثرة من أساطير وخرافات ومذاهب لاهوتية قديمة العهد، ~~خوطب بها اليقين المصفى من أكدار الشك واللاأدرية فقبلها، وإنها لم تجمع بين دفتي ~~معتقد ما إلا لتخدم أسمى الأغراض التي رمى إليها أولئك الذين أكبوا بداءة ذي بدء على ~~وضع تلك الصورة التي صبت في قالبها كتبنا المقدسة. # وعقب على هؤلاء اللاهوتيين علماء الأرخيولوجيا واللغويون والباحثون في العاديات ~~القديمة من أمثال رولنسون وجورج، سميث وسايس وأوبرت وجنسن # Jeusen # وشارد وديلتش، وفئات من أمثالهم المنقطعين للدرس والبحث فحلوا ~~رموز الكثير من النقوش التي عثر عليها في مكتبة آشوربانيبال في مدينة # Nineveh # وهنالك وقعوا على رواية أو قصة في أصل ~~الكون تطابق في أهم مفصلاتها، وأدق صورها تلك الأقاصيص الأخيرة تعثر بها في سفر ~~التكوين. # لقد كان في هؤلاء الأفذاذ من الشجاعة ما جعلهم يشيرون إلى هذه الحقائق وأن يصلوها ~~بحقيقة أن تلك الأساطير والخرافات والنظريات التي ذاعت في بلاد الكلدان وبابل، هي لدى ~~الواقع أقدم بكثير من تلك التي نقع عليها في أسفار العبرانيين على الرغم من أنها ~~تشابهها، وعلى الرغم من أننا نعثر عليها متناثرة خلال كتبنا المقدسة، ولقد أظهروا فضلا ~~عن ذلك أنه من الطبيعي أن تكون الروايات اليهودية التي قصت في حقيقة الخلق قد استمدت ~~منها خلال أزمان بعيدة، وذلك عندما نشأ أول أنصار اليهودية بين الكلدانيين، بل أبانوا ~~كيف أن قصص الخلق اليهودية التي مستها روح الشعر، قد اشتقت من التقاليد المقدسة التي ~~ذاعت بين هذه الشعوب، أو من منابع سابقة نراها شائعة بين كثير من الأمم القديمة على ~~اختلاف أصولها. # ولقد ألم المحترم دكتور «درايفر» # Dr. Driver # أستاذ ~~العبرانيات ورئيس كنيسة كريست في أكسفورد - في ملخص فيه من عمق الفكرة والشجاعة ~~والترابط ما هو جدير بأن يشرف اسمه كما يشرف المركز الذي كان يشغله - بهذه الحالات ~~إلماما فائض الجوانب، فبعد أن ذكر أن ms129 العبرانيين كانوا شعبا من كثير من الشعوب التي ~~فكرت في حقيقة الكون وأصله، قال «بأنهم نسجوا من الخيال روايات وقصصا حاولوا أن يعللوا ~~بها أصل الأرض والإنسان»، وأنهم «كانوا يضعون تلك الروايات وضعا من عند أنفسهم حينا، ~~ولجئوا إلى أخذها عن جيرانهم حينا آخر»، وأن «نتفا من النظريات التي ذاعت بين ~~الآشوريين والفينيقيين قد احتفظ بها اليهود، وأن في هذه النتف من المشابهة لما جاء في ~~القصص الإنجيلية، ما يؤيد لنا زعم الزاعمين بأن كلتيهما مدينتان بالانشقاق إلى أصل ~~تقليدي واحد.» # وبعد أن أتى على مقطوعات كلدانية في أصل الخلق قال: «إذا استنرنا بنور هذه الحقائق ~~صعب علينا أن نتعامى عن النتيجة التي تترتب عليها، والتي توحي إلينا بأن القصة ~~الإنجيلية قد استمدت من نفس النبع الذي استمد منه غيرها من القصص، ومن الجلي أن ~~المؤرخين الإنجيليين قد أخذوا المواد التي اعتمدوا عليها من أخص التخيلات الإنسانية ~~التي ذاعت في عهدهم؛ فالمواد الأولية التي تجمعت في عقليات أمم أخرى فأخرجت أشد ~~النظريات الكونية قربا من الغرارة وإمعانا في البساطة، أو اقترنت بصورة من صور ~~التكثير، قد أعاد إليها الحياة، وحور فيها نبوغ العقل اليهودي وعبقريته، التي اختص ~~بها مؤرخوه الأولون، فاستطاعوا أن يخلقوا من تلك الأشياء بيئة أينعت فيها دوحة من ~~الحقاق الدينية ثبتت أصولها، وذهبت فروعها في السماء». # ولقد أتى الدكتور «ريل» # Dr. Ryle # أستاذ الإلهيات في ~~جامعة كمبردج على حقائق تزجي إلى هذه الجامعة، وإلى مؤلفها من الشرف ما أزجت من قبل ~~كتابات «درايفر» لجامعة أكسفورد، فقال بأننا إذا قلنا بأن المسيحي «إما أن يلغي ثقته في ~~منتجات البحث العلمي، وإما أن ينبذ معتقده في الأسفار المقدسة، كان هذا أقرب الأشياء ~~إلى العسف والابتعاد عن روح الحرية التي يسوق إليها المعتقد النصراني.» ثم قال: «إن ~~الموقف الذي كان يقفه قدماء اللاهوتيين لم يصبح الوقوف فيه اليوم مستطاعا، وإن موقفا ~~آخر لا بد من أن تلجأ إليه في العصر الحاضر، بل يجب أن نضرع إلى الله لكي يلهمنا ما ms130 هو، ~~وأن نستمسك به مملوئين أملا .» ومن ثم بدأ يقارن بين قصة الخلق العبرانية وبين ~~أقاصيص أعرق منها قدما كانت قد ذاعت بين شعوب تمت إليها بصلات الدم، وعلى الأخص ~~بالكونيات الآشورية البابلية التي وجدت من قبلها، وأظهر في النهاية أن جماع هذه ~~الروايات مشتقة من أصل واحد، بل إنه لم يقف عند هذا الحد من البحث، بل قضى بأن كل ~~محاولة يراد بها تأويل نواح خاصة من تلك الأقاصيص لتصبح من طريق التأويل في ألفة من ~~الآراء العلمية الحديثة، تقضي حتما باللجوء إلى تفسيرات لا علمية زائفة، وقال بأننا ~~إذا أردنا أن نحتمي وراء تفسير علمي «وجب علينا أن نعتبر الوصف العبراني للكون المنظور ~~وصفا غير علمي إذا حكم فيه من ناحية المثل الحديثة في العلم، وإنما هو يشاطر تماما ~~حدود المعرفة القاصرة خلال ذلك العصر الذي كتب فيه» ولما وصل إلى الكلام في رواية سفر ~~التكوين في أصل الإنسان الطبيعي قال إنها «تفسير في عبارات بسيطة لخرافات ذاعت قبل زمان ~~التاريخ، وما هي لدى الواقع إلا أوصاف تصويرية بعيدة عن روح العلم.» # من هذه الأقوال وكثير غيرها مما فاه به باحثون مسيحيون في ممالك أخرى، يمكننا أن ~~نستنتج إلى أي مدى ذهب انتصار العلماء على رجال اللاهوت القديم. # ولقد كان للأبحاث التي تناولت الآثار الآشورية، وغيرها من المنابع الأخرى، آثر حمل ~~أوسع العلماء الذين درسوا في المعاهد النصرانية علما وأعمهم شهرة على التسليم بأن ~~أقاصيص الخلق التي ظل اللاهوتيون يعملون أزيد من ألفي سنة على التوفيق بينها وبين ~~المستكشفات العلمية، تلك الأقاصيص التي سدت الطريق في وجه كوبرنيكوس وغاليليو ونيوتن ~~ولابلاس، قد نقلت نقلا أو نشأت محورة عن مجموعة تلك الأساطير والخرافات التي انتحلها ~~العبرانيون من طريق علاقاتهم القديمة ببلاد الكلدان؛ ومن ثم صبت في قالب توحيدي، ~~وأدمجت بعضها في بعض إدماجا غير تام التآلف، ثم صيغت في تلك القوالب الشعرية التي تقع ~~عليها في الكتب المقدسة التي ورثناها عن أسلافنا الأولين. # هنا نجد أن العلماء قد انقسموا ms131 قسمين؛ الأول: يتكون من تلك الطوائف التي وقفت نفسها ~~متوافرة على درس العلوم الطبيعية، وعملت متضافرة في سبيل تلك الحقيقة العظمى، حقيقة أن ~~الكون على الصورة التي نراه عليها الآن، ليس إلا نتيجة لأسلوب من النشوء؛ أي أثرا لفعل ~~النواميس الطبيعية التدريجي في الحالات التي اختصت بها كتلة من المادة الأولية. ~~والثاني: يتكون من طوائف خطيرة من العلماء أكبوا على العلوم التاريخية واللغوية ~~والأرخيولوجية ليستخلصوا منها براهين تثبت بالواقع المحسوس أن كل الأقاصيص المقدسة التي ~~رويت في أصل الكون كانت نتيجة تحول تحريفي استمد من فوضى الآراء العقيمة الساذجة ~~التي ذاعت خلال العصور الأولى. # أما جموع اللاهوتيين الذين قاوموا نتائج العلم عصورا طوالا فقد ادعوا بأنهم ~~إنما جاهدوا وصارعوا في سبيل أن ينصروا «حقائق الكتب المقدسة»، حتى لقد كان جوابهم ~~الأخير الذي أجابوا به على ما أظهر العلم من نتائج أولية بسيطة في حقيقة نشوء الكون ~~المادي قد انطوى على قولهم: «إن الإنجيل حق وصدق»، وإنهم لصادقون، ولو أن صدقهم هذا لدى ~~الواقع أنبل وأقوم مما خيل إليهم أنه صدق حقا؛ فإن العلم في حملته التي هزم بها ~~اللاهوتيين، قد وقع في كتبنا المقدسة على حقيقة أنبل وأروع، بل أعظم وأمتع من لزوم ~~الظواهر التاريخية والتفسيرات الحرفية التي عكف عليها اللاهوتيون وجاهدوا في سبيلها ~~طويلا، وكلما تقدمنا في بحث النتائج التي ترتبت على الصراع الذي وقع في هذا الميدان، ~~زدنا يقينا بصحة تلك النتيجة التي تلقي في روعنا دائما بأن القيمة الحقيقية في ~~كتبنا المقدسة، تلك القيمة التي لا يمكن أن يقدرها عقل أو يزنها خيال، وإنما تنحصر في ~~أنها عرفتنا الطريق التي يجب أن يجاهد فيها النوع الإنساني ليصل إلى تصوات ~~ومعتقدات، وأن يتشبث بآمال أرقى مما بين يديه وأهدى، سواء أفي الآداب أم الدين، فإذا ~~حللنا طبيعة تلك الجهود واستعرضنا صورها على تتالي الأجيال والعصور، بان لنا ما في كل ~~كتاب من الكتب المقدسة من القيمة، واتضح لنا أنه ثمين غال، وأن كلا منها حق وصدق على ~~اعتبار ms132 ما. على أن الحقيقة التي لا يجب أن نغفل عنها هي أنه ليس واحد من هذه الكتب ~~فيه ما يتفق، وتلك الأوليات الصحيحة التي وصل إليها النوع الإنساني في العلم والتاريخ، ~~كما أنه من أكبر العبث أن تحاول أن تصل إلى التوفق بين الطرفين؛ فإن أقل ما في أمثال ~~هذه المحاولة من حمق، تعرض من يشرئب إليها، ونفس الكتب المقدسة التي يفرغ هذا الجهد في ~~سبيلها، إلى أخطار هوجاء، أقلها أن يزول أثرها المنشود من صدور الناس. # أما ما رمت إليه الكتب المقدسة التي ظهرت في هذا العالم، وكتبنا على الأخص، فهو ~~السير بأرقى التصورات والمعتقدات والآمال التي اختص بها النوع الإنساني في طريق تدرجي ~~من النشوء ينتزعها من غرارتها الأولى وطفولتها خلال تلك المزالق الكبرى والانقلابات ~~الخطيرة التي تقع عليها في تاريخ الإنسان، وعلى الرغم من أننا نعتقد بأنها في غالب ~~أمرها ذات قيمة كبرى على اعتبار أنها مدونات كبرى لحقائق التاريخ المعروفة، وعلى ~~الرغم من أن الأبحاث الحديثة قد زادت لدينا من قيمتها على هذا الاعتبار، فإننا إنما ~~نذهب في تقديسها خطوة أخرى إذا عرفنا بأن قيمتها العظمى لا تنحصر في أنها مدونات ~~تاريخية وثقى لا غير، بل مرآة تنعكس عليها صور النشوء والتطور التي أصابت قلب الإنسان ~~وعقله وروحه، إننا نعتبر أنها حق وصدق؛ لأنها نشأت على مقتضى القوانين التي احتكمت في ~~تطور الحق في تاريخ الإنسان، ولأنها كيفما ظهرت وعلى أية صورة برزت، فكانت شعرا أو ~~ذكرا للحوادث التاريخية أو تقنينا أو تشريعا أو أساطير أو خرافات أو مضربا للأمثال ~~أو قصصا، قد أبانت لنا عن أنبل ما صادف الإنسانية من صور النشوء خلال الأزمان، فإذا ~~ادعى إنسان بأنها غير صحيحة كان مثله كمثل من يدعي أن وجود زهرة أو شجرة أو سيار ~~من السيارات أمر غير حقيقي، وأنك إذا استهزأت بهم فإنك إنما تستهزئ لدى الواقع بناموس ~~الكون العظيم، فإن استجماع صور جميلة من تصورات الرجال الذين وقعوا تحت تأثير ~~موحيات عريقة في القدم، سواء ms133 أكانوا في مصر أو الكلدان أو الهند أو فارس، على ~~الصورة التي تراها في سفر التكوين أو المزامير أو سفر أيوب أو غير ذلك، لعمل خدم به ~~جامعو الكتب المقدسة الحديثة الإنسانية أكبر خدمة؛ إذ زودوها بكنز يزداد قيمة على مر ~~العصور، كما أن العلم الحديث باستبداله السماوات والأرض القديمتين بسماوات جديدة وأرض ~~جديدة، وحكم القانون بحكم الإرادة القاسرة، وفكرة النشوء بفكرة الخلق، قد أضاف - ولا ~~يزال يضيف - صورا من وحي جديد تمدنا بها العناية القدسية. # في ظلال هذا الضوء الذي انبعث من هذين النشوءين؛ الأول نشوء الكون المادي، والثاني ~~نشوء خرافة مقدسة في الخلق، يمكن للعلم واللاهوت - إذا خصت عقول أهلهما معا بقدر كاف ~~من السعة والعبقرية - أن يوفق بينهما، وأن تهدأ ثورتهما إزاء بعض. فإن خطوة من أكبر ~~الخطا التي سوف تحدث هذا التوفيق قد خطاها أكبر معهد للفكرة اللاهوتية في العالم ~~الإنجليزي؛ إذ اعترف في مجموعة المقالات المسماة «لوكس ~~ماندي» # Lux Mundi # والتي خرجت من بين جدران أكبر معقل للأورثوذكسية في جامعة ~~أكسفورد. بأن الأقاصيص التي رويت في الخلق إنما استمدت من نبع خرافي؛ لهذا تساءل ~~رئيس أساقفة كنتر بري: «ألا يتفق أن يكون الروح القدس قد استخدم - في أزمنة ما - ~~الخرافات والأساطير؟» ~~(2) التعاليم اللاهوتية في أصل الحيوانات والإنسان # في إحدى نوافذ كاتدرائية «أولم» # Ulm # نقش على الزجاج ~~يرجع تاريخه إلى القرون الوسطى، يمثل فيه الواحد القهار منهمكا في خلق الحويانات، وفي ~~تلك الفترة بالذات خرج من بين يدي العناية القدسية «فيل» كامل الأوصاف، وهو مثقل ~~بالدروع وعليه سرج وغطاء كأنه على أتم الأهبة للقتال. ولقد وردت أمثال من هذه التصورات ~~في مخطوطات علمية، وفي الكتب المطبوعة القديمة، وتجمعت كل هذه التصورات والآراء في نواة ~~واحدة، ظهر فيها العزيز القدير مجدا في تصوير أول إنسان من «صلصال كالفخار»، منتزعا ~~من جنبه - بكل مشقة وقوة - أول امرأة ظهرت في الوجود. # على أن هذه النظرة العامة في أسلوب الخلق قد انحدرت إلينا في خلال الأزمان القديمة، ~~حيث كانت ظهرت ms134 لابسة صورا شتى من آراء كونية عتيقة مختلفة الصور والألوان. فأنت ترى ~~حتى اليوم في المعابد المصرية القديمة بفيلة ودندرة أمثال تريك كيف يجبل آلهة النيل ~~كتلا من الصلصال فتخرج من بين أيديهم رجالا، وكذلك تقع في الألواح الآشورية على مثل ~~هذا العمل منسوبا إلى آلهة بابل. حتى إذا انحدرت بك السنون إلى عصرنا هذا وقلبت الكتب ~~المقدسة ألفيت أن هذه الآراء والتصورات بعينها قد اتخذت قاعدة لتطور جديد أسبغت ذيوله ~~على اللاهوت الحديث. # مضى آباء الكنيسة قانعين بأن يعكفوا على النص الحرفي الذي صيغت فيه أسطورتا الخلق ~~المتناقضتين في سفر التكوين، وبعد أن أفرغوا جعبة الجهد والبحث في سبيل التوفيق بين ~~هاتين الروايتين، وأن يدمجوهما لتكونا كلا واحدا، رضوا بأن يعتبروهما آخر محك ~~للرأي ومجس للفكر في أصل الكون وكل ما فيه. وفي بداية القرن الرابع الميلادي وضع ~~«لاكتانتيوس» أول قاعدة لتلك الطريقة التي لم يقصد بها من شيء اللهم إلا إخضاع كل ~~الأشياء الأخرى التي اتخذت وسيلة لدرس الخلق ومنشئه، للمتن الحرفي الذي جاء في الكتب ~~المقدسة، وأيد فكرته في خلق الإنسان بإشارة لغوية قائلا بأن آخر مخلوق سمي بالإنسان ~~لأنه صنع من الأرض # Homo ex humo ~~. # وفي النصف الثاني من القرن الرابع بذاته أيد القديس أمبروز # st. ~~Ambrose # أسلوب النص الحرفي ~~الذي جاء في المتون المقدسة خاصا بالخلق، وهو ذلك الرجل الذي أعلن في كتابه الذي بحث ~~فيه أصل الخلق «أن موسى قد فغر فاه وصب منه كل ما قال الله له.» ولكن رجلا أعظم من ~~هذين قد استطاع أن يربط هذه الفكرة باللاهوت النصراني وأن يوثق لها منه؛ فإن القديس ~~«أوغسطين» في كتابه «تعليقات على سفر التكوين» قد وضع في جملة واحدة قانونا جامعا ظل ~~للكنيسة دستورا حتى عصرنا هذا؛ إذ قال: «لا يمكننا أن نقبل من شيء إلا إذا أيدته الكتب ~~المقدسة بسلطانها؛ لأن هذا السلطان أعظم من كل القوات التي يختص بها العقل الإنساني.» ~~على أن قوة السبك التي تراها في الجملة الأصلية قد ms135 جعلت أصداءها ترن خلال القرون المتعاقبة. # 7 # وعلى الرغم من ذلك الانقلاب الكبير الذي أثار غباره القديس «أوغسطين» نفسه وتابعه فيه ~~سلسلة من أعظم رجال الكنيسة، محاولين - كما سنرى بعد - أن يحوروا في الآراء التي سادت ~~في أصل الكون؛ فإن قولة «أوغسطين» قد ظلت مغشية على عقول الناس أشد الغشاوة طوال القرون ~~الوسطى، أما «فنست بوفيه» الدومينيكي، ومن أكبر الإنسيكلوبيذيين، فعلى الرغم من أنه مضى ~~في كتابه «مرآة الطبيعة» يخرج آراء استمدها من أرسطوطاليس بآراء أخذها من الإنجيل، فإنه ~~وقف يؤيد أولى الروايتين اللتين وردتا في سفر التكوين، وأظهر الفضائل العظمى التي يختص ~~بها العدد «ستة» ليتخذ ذلك سبيلا إلى القول بأن هذا هو السبب في أن كل الأشياء قد ~~خلقت في ستة أيام. وفي أواخر القرون الوسطى قبل العلامة الثبت الكردينال «دايلي» ~~كل شيء جاء في الكتب المقدسة خاصا بالخلق قبولا حرفيا بلا تبديل أو تحوير. وإنك لا ~~تقع خلال كل هذه العصور المتطاولة على نزعة إلى إنكار شيء من هذا، اللهم إلا فيما كتب ~~ثقة آخر من الثقات هو «غريغوري ريش» # Gregory Reisch # فقد ذكر في كتابه الذي خصه بالكلام في بدايات الأشياء - بعد أن وضع فيه صورة من الحفر ~~على الخشب مثلت الواحد القهار ينتزع حواء من جنب آدم، كما مثلت كل الطبيعة المخلوقة في ~~ستار اللوحة - ما يظهره بمظهر القانع بفكرة القديس «أوغسطين» من الاعتقاد بوجود مادة ~~سبقت فعل الخلق في الزمان. # وفي عصر الإصلاح الديني ألقى «لوثر» بسلطانه العظيم في ذلك الميدان مؤيدا لفكرة قبول ~~النصوص الحرفية التي جاءت في الكتب المقدسة، واعتبارها النبع الأوحد لكل العلوم ~~الطبيعية. ولقد رفض كل التفسيرات المجازية أو التصوفية التي قال بها متقدمو اللاهوتيين ~~قائلا: «لماذا يلجأ موسى إلى المجاز بينما هو لا يتكلم في مخلوقات مجازية أو في عالم ~~مجازي، بل يتكلم في مخلوقات حقيقية أو عالم منظور يمكن أن يرى وأن يلمس وأن يدرك أن ~~موسى إنما دعا الأشياء بأسمائها الحقيقية، كما يجب علينا أن نفعل. وإني ms136 أعتقد أن ~~الحيوانات قد وجدت دفعة واحدة في عالم الله، كما وجدت الأسماك في جوف ~~البحار.» # ولم يكن تشبث «كالفن» بفكرة قبول النص الحرفي لرواية الخلق في سفر التكوين، بأقل ~~من تعنت «لوثر»، ولقد أنذر الذين يجرءون على الاعتقاد بوجهة من النظر تخالف ما ~~يذهب إليه بأنهم بذلك إنما «يسيئون الخالق، وأنهم يكونون على نظرة من قاض عدل ينسفهم ~~نسفا.» ولقد مضى معتقدا بأن كل أنواع الحيوانات قد خلقت في ستة أيام كل منها نهار ~~وليل، وأنه لم يظهر منذ ذلك العهد أي نوع جديد على إطلاق القول. ولقد قال بأن الطيور قد ~~استحدثت في الماء، ذاكرا أن هذا القول تجيزه بعض نصوص من الكتب المقدسة، ولكنه يضيف ~~إلى ذلك «بأنه إذا كان لا بد من أن يجاب على هذا السؤال من ناحية القواعد الفوسيقية؛ ~~فإننا نعرف أن الماء أكثر قربا للهواء منه للأرض.» ولقد علل بعض الصعاب التي واجهته ~~في لزومه لظاهر رواية الخلق كما وضعت في الكتب المقدسة بقوله إن الله «رغب بتلك ~~الصعوبات أن يبرهن لنا على قوته وسلطانه، فأفرغ علينا الدهشة والعجب.» ولقد تشبثت بهذه ~~الفكرة كل العقول الفذة في الكنيسة الرومانية. وفي القرن السابع عشر أسبغ «بوسويه» # Bossuet # عليها من ضياء عقله الكبير أنوارا كستها ~~أبهى الحلل. ففي كتابه «أبحاث في التاريخ العام»، ذلك الكتاب الذي ظل القاعدة الأساسية، ~~لا للتعاليم اللاهوتية وحدها، بل لكل التعاليم التاريخية في فرنسا حتى عصر الجمهورية ~~الأخيرة، نجده وقد عمد إلى تنبيه الأذهان إلى ما يعتبره آخر ما نزل به الوحي في حقيقة ~~الخلق، مؤيدا القول الحرفي بأن الأرض لم تخلق إلا للإنسان «وأن يد الله هي التي تحفظ ~~على المادة القابلة للفوضى نظامها المحكم المرسوم.» # ولم يكن تعنت البروتستانت في التمسك بهذه الفكرة بأقل من تشبث الكنيسة ~~الرومانية. ففي القرن السابع عشر حاول الدكتور «جون ليتفوت» # Dr. John ~~Lightfoot ~~- وكيل جامعة كمبردج ومن أكبر من اشتغل بالعبرانيات من أبناء عصره وأثبتهم فيها قدما - ~~أن يوفق بين أسطورتي الخلق ms137 في سفر التكوين فقال «بأن أنواع العجماوات النظيفة قد خلق ~~سبعة من كل منها، ثلاثة أزواج للتوالد، والفرد السابع ليضحي به آدم عند هبوطه من الجنة، ~~كما سبق في علم الله.» وزاد إلى هذا أن العجماوات القذرة لم يخلق منها إلا زوج واحد من ~~كل نوع. # ولقد كان لزوم هذه التصورات لظاهر ما جاءت به الكتب المقدسة كبيرا، حتى إننا مهما ~~بلغ بنا الخيال وسما بنا الوهم في هذا الزمان، فإننا لا نستطيع أن ندرك إلى أي حد ~~بلغ بهم الإكباب على لزوم النص الحرفي لهذه الآيات. ولقد مثل الواحد القهار في كل ما ~~ظهر من كتب اللاهوت وفي الأناجيل المصورة وفي كل كتب الفن على اختلاف ألوانها في صورة ~~مكبرة يحف بها الجلال ولكن على نمط صانع من صناع «نورمبرج» الذين يحترفون صنع الدمى ~~وألاعيب الصبية. ولقد مرت أزمان مثل فيها للعبارات التي وردت في سفر التكوين بصور أشد ~~من هذا لزوما لظاهر النصوص. فاعتمادا على عبارة معروفة في المتون المقدسة مثل الخالق ~~في صورة حائك جالس والإبرة في يده، مجدا كل جد في أن يحيك من جلود الحيوانات ~~سترا لآدم وحواء. على أن مثل هذه الأمثولات لم تكن لتعترضها أية صعوبة تحول دون ولوجها ~~إلى ثنايا العقول في القرون الوسطى. وفي عصر الإصلاح البروتستانتي وبنفس هذه العقلية ~~وخضوعا لهذه الروح، قيل - عندما بدأ استكشاف الحفريات يغزو نواحي الفكر بموحيات جديدة ~~- بأنها «لم تكن إلا نماذج لعمله، وافق المهندس الأعظم على بعضها ولم يوافق على البعض ~~الآخر»، أو أنها «تصاميم لصور من المخلوقات سوف تخلق في المستقبل»، أو أنها «من ألاعيب ~~الطبيعة»، أو أنها أشياء بثت في طبقات الأرض لتستثير عجب الإنسان. وما زالت أمثال هذه ~~التعليلات تنتقل في منازل البقاء شاقة لنفسها طريقا في بحور الزمان، حتى إن عالما ~~طبيعيا من الإعلام في عصرنا هذا - وقد استثارته الحماسة وأخذته الغيرة على أن ينجي ~~من الزوال طريقة الإكباب على النص الحرفي لسفر التكوين - قد عمد إلى الاعتقاد بأن الله ms138 ~~قد لوى الطبقات الجيولوجية ليا وصدعها تصديعا، ثم أمالها وعقصها بعد أن نثر في جوفها ~~صور الحفريات وخدش في ظاهرها خدوشا تمثل المجاري الجليدية، ونشر من فوقها العلامات ~~التي تدل على التآكل الذي تحدثه المياه، ثم أمر شلالات نياجرا بأن تنصب بكل ما يتصور ~~من قوة، وأن كل هذا تم في برهة واحدة، بل في غمضة عين؛ وبذلك ألغز الدنيا وحوطها ~~بالأسرار؛ «لغرض لا يمكن تعليله، ولكن ليظهرنا على جلاله وعظمته.» # أما الناحية التي مضت فيها العقلية اللاهوتية، وكان لها فيها تطور ونشوء، فانحصرت في ~~تقسيم مملكة الحيوان. # من الطبيعي أن يكون الفرق بين المخلوقات المفيدة والمؤذية من أبكر التقاسيم التي يقع ~~عليها العقل النازع إلى البحث والتنقيب؛ لهذا قام في العقول سؤال فذ: كيف أن إلها ~~خيرا حكيما يخلق النمور والأفاعي والشوك والقتاد؟ أما الجواب فقد عثر عليه في ~~الاعتبارات اللاهوتية قائما على فكرة الخطيئة، فقيل بأنه عندما وقعت خطيئة الإنسان ~~الأولى حقت على الإنسان كل الشقاوات، وكتبت عليه كل المصائب. وظل رجال من أعظم من ~~أقلت الأرض نهى وحكمة يؤيدون - على مدى ثمانمائة من الأعوام الطوال - نظرية أنه قبل ~~معصية آدم لم يكن موت، فلما وقعت المعصية تبعتها الوحشية والتقتيل. # على أن بعضا من الأقوال التي تمثل الأساليب التي تطورت فيها هذه الفكرة جديرة بأن ~~نعرض لها بذكر؛ فإن القديس «أوغسطين» بكثير من الطلاوة وحسن السبك قد أيد بل أكد ~~حقيقة القول بأن عالمي الحيوان والنبات قد صبت عليهما اللعنة استتباعا لخطيئة ~~الإنسان. وبعد أن قيل هذا القول بقرنين من الزمان، وبعد أن ظل متنقلا من قديس إلى ~~قديس، ومن لاهوتي إلى لاهوتي انحدر إلى عصر «بيده» وهناك قبض عليه هذا اللاهوتي ~~وتشبث به، لا لشيء إلا ليقول بأنه قبل سقوط الإنسان كانت كل الحيوانات وادعة غير ~~مضرة، ولكنها أصبحت بخطيئة آدم إما مسمة وإما مفترسة ثم قال: «لهذا خلقت ~~الحيوانات المفترسة والحيوانات المسمة لتزعج الإنسان - لأنه سبق في علم الله أن ~~الإنسان سيخطئ ويعصي - حتى يكون على ms139 حذر من أن يناله عقاب جهنم الأخروي.» # وفي القرن الخامس أدمج «بطرس لومبارد» هذا الرأي في كتابه اللاهوتي الكبير الذي أسماه ~~«الجمل» # Sentences # ذلك الكتاب الذي أصبح فيما بعد ~~متنا للاهوت طوال القرون الوسطى. ولقد أيد فكرة أنه «ما من شيء مخلوق قد أعد لأن ~~يكون مضرا للإنسان مؤذيا له ما لم يكن قد أخطأ. إنما أصبحت الحيوانات مضرة مؤذية ~~لتزعج الإنسان وتعاقبه على رذائله، ولتحضه على الفضيلة وتكملها في نفسه. لقد خلقت ~~العجماوات غير مؤذية، فلما أن وقعت المعصية انقلبت مضرة أبلغ الضرر.» # أما هذه النظرية اللاهوتية التي وضعت في الحيوانات فقد أيدها «جون ويزلي» # John Wesely # في القرن الثامن عشر بكل ما أوتي من ~~قوة. ولقد أعلن بأنه قبل خطيئة آدم «لم يحاول شيء من ضروب الحيوان أن يضر أو يأكل غيره ~~أو أن يوقع أي ضرب من ضروب الأذى بأية وسيلة على حيوان آخر» ولم يقتصر الأمر على ~~«ويزلي» وحده. بل إن الشهير دكتور «آدم كلارك» # Adam ~~Clarke # ودكتور «رتشارد وطسون» # Richard ~~Watson # وهما ~~اللذان كان لآرائهما أكبر الوزن بين المنشقين على ~~الكنيسة # Dissenters # بل بين أكبر مفكري الكنيسة الرسمية # Established Church # قد وثقا كل الثقة بهذه النظرية ~~ومضيا بها مؤمنين، ولقد ظل هذا الرأي سائدا على أكبر العقول وأرجح الأحلام أزمانا. ~~أما بعد أن زودنا علم الجيولوجيا بحقائق دلتنا على وجود عدد عديد من الحيوانات ~~المفترسة، وعلى أن كثيرا منها قد عثر عليه وفرائسه نصف مهضومة في معداتها، وأنها ~~انقرضت من الوجود قبل أن يوجد الإنسان فوق الأرض بأزمان موغلة في القدم، فحينذاك ~~استطاع العلم أن ينتصر على اللاهوت في هذا الميدان الفسيح. # ولقد تطور هذا المذهب تطورا آخر تركز حول معتقد متقدمي المفسرين الذي قام ~~حول اللعنة التي صبت على الأفعى في سفر التكوين. وهو اعتقاد من الضروري أن يصبح ~~طبيعيا ما دامت الظواهر تدل على أنه معتقد أصيل ثبت في يقين الذين كتبوا تلك الرواية ~~التي حفظت في أول كتبنا المقدسة. أما ذلك الاعتقاد ms140 فقد انحصر في أنه حتى الوقت الذي ~~لعن فيه الواحد القهار الأفعى المغرية، كانت كل الثعابين والأفاعي تقف منتصبة وأنها ~~كانت تمشي وتتكلم. # وما زال هذا المعتقد ينحدر من عصر إلى عصر ومن جيل إلى جيل على اعتبار أنه جزء من ~~خميرة الإيمان المقدس، حتى جاء «وطسون» أكبر منتجي الكتاب الذين ظهروا في عصر الإصلاح ~~الإنجيلي في القرن الثاني عشر، وأكبر علم من أعلام اللاهوتيين الذين ضمنهم حزب ~~الإنجيليين وأعلن «بأنه ليس لدينا من بينة تحملنا على الاعتقاد بأن الحيوان كان ذا ~~صورة ثعبانية على أي أسلوب وبأية درجة حتى أدركته الاستحالة والتغيير، أو الاعتقاد ~~بأنه إذ ذاك قد مسخ زاحفة تدب على كشحها فيستدل به، على الضد مما نعتقد على فقدان ~~كامل وتغيير محض للصورة الأصلية.» ومن هذا المعتقد زود الأسلوب اللاهوتي العقول بنتائج ~~ناضجة استوعبتها أصفى العقول التي نشأت بين أحضان الكنيسة خلال ألفين من السنين. غير أن ~~هذه «الخميرة المقدسة» قد ذابت عندما عثر الجيولوجيون على ثعابين وأفاع حفرية دبت فوق ~~الأرض من قبل أن يكون للإنسان على ظهر البسيطة أثر بأزمان متطاولة. # ولقد قامت بين اللاهوتيين مناقشات عديدة تتعلق بالحيوانات التي صرفوا عليها اسم ~~الحيوانات «الزائدة عن الحاجة»، أما القديس «أوغسطين» فقد كان ذا ميزة خاصة امتاز بها ~~في هذا الميدان. قال: «إني أعترف صراحة بجهلي وقصوري عن إدراك السبب الذي من أجله ~~خلقت الفيران أو الضفادع أو الذباب أو الديدان. إن كل الحيوانات إما أن تكون نافعة ~~أو مضرة أو زائدة عن الحاجة بالنسبة إلينا. أما المخلوقات المضرة فنعلل وجودها بأنها ~~إنما خلقت لتعاقبنا أو لتنظمنا أو لتزعجنا حتى لا نتمادى في حب هذه الحياة» أما ~~الحيوانات الزائدة عن الحاجة فقد قال فيها: «إن هذه الحيوانات وإن كانت غير لازمة ~~لخدمتنا، إلا أن مجمل تصميم الكون قد انتهى عندها وفرغ منه بها.» أما «لوثر» وقد اتبع ~~ما قال القديس «أوغسطين» في بحث كثير من المشكلات اللاهوتية، فقد نفر من أن يتابعه ~~تماما إزاء هذا الإشكال. ms141 فقد اعتقد بأن الذبابة ليست فقط زائدة عن حاجة الخلق، بل هي ~~مضرة أيضا. فإنها كثيرا ما يرسلها عليه الشيطان لتشغله عن القراءة وتقطع عليه تيار ~~فكره. # ولدينا موضوع آخر كان سببا في كثير من البحث في نصوص الكتب المقدسة، حتى لقد نشأ عن ~~هذا البحث كثير من مختلف ضروب الفكر اللاهوتي وانحصر هذا الموضوع في الفرق الكائن بين ~~خلق الإنسان وخلق الأحياء العضوية الأخرى. # ولقد علق اللاهوتيون جميعا - حتى القديس توماس أكويناس وبوسويه، ومن لوثر إلى ~~ويزلي - أهمية عظمى على الفرق البين الذي نص عليه سفر التكوين؛ إذ ذكر بأن الله قد ~~«خلق الإنسان على صورته». # أما المعنى الذي انطوت عليه هذه العبارة فقد أبان عنه نص مقدس آخر في سفر التكوين ~~جاء فيه. # 8 # عن آدم أنه «ولد ولدا على شبهه كصورته ودعا اسمه شيثا.» # 9 # واعتمادا على هذا القول وعلى نصوص معروفة انتحلت عن أساطير خلقية قديمة أدمجت في ~~الكتب العبرانية المقدسة، ذاع الاعتقاد بأن الإنسان إذا فطر وصور بيد الله مستقلا عن ~~بقية الخلق جميعا؛ فإن الحيوانات إطلاقا قد برزت من الأرض والبحار ملبية صوت الخالق ~~وكلمته. # وهنا قام سؤال معضل تناول مسألة «التفريق بين أنواع الحيوانات» على أن الغالبية ~~العظمى من اللاهوتيين متفقون على القول بأن الحيوانات قد خلقت «منذ البدء»، وسماها ~~آدم، وأنها حملت في السفين وأنها استمرت من بعد ذلك معينة بأنواعها المعروفة حتى الآن. ~~ولقد تنقل هذا الاعتقاد مع الزمان حتى نضج فصار مذهبا. وهو ككثير غيره من مذاهب ~~الكنيسة بشعبتيها، من كاثوليك وبروتستانت، تجد أن العثور على أصله الأول بالبحث في ~~ثنايا الفلسفة الوثنية، أكثر سهولة مما هو في الكتب النصرانية المقدسة. وإنك لتجد أن ~~لهذا الاعتقاد أكبر آصرة بأفلاطون وأرسطو طاليس منه بموسى والقديس بولص. غير أن هذه ~~الحقيقة لم يلتفت إليها ولم تلق اهتماما، وهكذا مهدت السبيل شيئا فشيئا حتى أصبح ~~من الضروري أن يعتقد أن كل نوع من الأنواع على اختلافها وأن كل الفروق الكائنة بينها قد ~~طبعها ms142 الخالق على صورها «منذ البدء» وأنه لم يطرأ عليها أي تغيير، بل إن التغيير ~~والنشوء لم يكن من الممكن أن يطرأ عليها. # ولقد نشأت بعض الصعاب تبعا لارتقاء علم الزولوجيا - الحيوان - وعلى الأخص عندما أظهر ~~ذلك العلم أن عدد الأنواع التي تعرف يزداد يوما بعد يوم، غير أن اللاهوتيين استطاعوا ~~أن يستقووا على هذه الصعاب بسهولة خلال العصور الوسطى - وحتى عهد طويل بعد قيام حركة ~~الإصلاح البروتستانتي - بأن يوسعوا من حجم سفينة نوح يوما بعد يوم بنسبة استكشاف أنواع ~~الحيوانات الجديدة، وبأن يلجئوا إلى القول بأن هنالك خطأ إنسانيا # 10 # وقع في قياس حجمها. # غير أنه كان من الطبيعي أن تقوم بين أهل اللاهوت - وبين عامة الناس على السواء - شهوة ~~إنسانية تتجه إلى البحث في أشياء أبعد غورا من هذه الأشياء في تاريخ الكائنات الحية. ~~شهوة ساقتهم إلى البحث وراء معرفة «ما هي الخليقة» في حقيقتها؟ # على أن الخرافات السائدة والروايات المتضاربة وأقاصيص السائحين - على الرغم مما كان ~~فيها من الاختلاف والضعف - قد فعلت فعلها الأقوى في إحياء روح الاستطلاع في هذا ~~الميدان. # قبل بدء التاريخ الميلادي بثلاثة قرون قام أرسطو طاليس بأول جهد حقيقي رمى إلى إيفاء ~~شهوة الاستطلاع التي اتجهت في هذه السبيل، فبدأ أبحاثا مستفيضة في التاريخ الطبيعي، لا ~~تزال حتى اليوم عنوانا على أقصى قمة من الإنتاج العقلي وصل إليها الإنسان خلال عصور ~~التاريخ. # غير أن ذلك الشعور الذي رأينا من قبل كيف كان تأثيره في الكنيسة خلال عصورها الأولى، ~~شعور أن البحث والدرس لا فائدة منهما، وأنهما لغو باطل على اعتقاد أن نهاية العالم قد ~~قربت، وقد عبرت عنه نصوص «العهد الجديد» - الأناجيل - بأجلى بيان، وردده بأعلى صوت رجال ~~عظام مثل لاكتانتيوس والقديس أوغسطين، قد صدر تيار ذلك الفكر العلمي عن أن ينبعث في تلك ~~السبيل القيمة قرونا عديدة. غير أن الميل الأقوم من صفات الإنسانية قد ظل محققا ~~وجوده خلال الأزمان. والحقيقة أن تأثير شب من ثنايا الكتب العبرانية المقدسة قد دفع ~~الإنسانية بقوة ms143 نحو تلك الغاية؛ فإنك ترى أنه على الرغم مما كان من الممكن أن يقول ~~لاكتانتيوس أو القديس أوغسطين في حماقة الإكباب على درس الطبيعة؛ فإن تلك المقاطع ~~الضخمة التي تتضمنها المزامير في وصف جمال الخلق وعجائبه، مصبوبة في ذلك القالب الشعري ~~الرائع، قد أظهرت للناس نبالة الإكباب على درس الطبيعة حتى بين أولئك الذين كان يبعدهم ~~منطقهم عن الاهتمام بدرسها. # غير أنه كان من الطبيعي أن تصب كل هذه الدراسات - وعلى الأخص في أحضان الكنيسة الأولى ~~وخلال العصور الوسطى - في قالب لاهوتي صرف؛ فإن الاستعماق في درس أسرار الطبيعة لم يكن ~~في نظر أهل الدين إلا ضررا تتناول آثاره الجسم والروح. حتى لقد كان يعتبر هذا الدرس ~~سقيما لا قيمة له ما لم يكن الغرض منه تقرير شيء جاءت به الأناجيل أو تفسير شيء ~~روحاني. ولم يكن ينظر في هذا الأمر نظرة اعتبار جديرة به إلا إذا اتجه الباحثون فيه ~~إلى إظهار عظمة الله والأغراض التي رمى إليها عندما فكر في الخلق وأوجد الخليقة. أما ~~مؤلف أرسطوطاليس الخالد فقد غشي عليه وأهمل ولم يعره متقدمو المفكرين من أهل ~~الكنيسة اهتماما ولا عرفوا له مقاما؛ حتى لقد تجد أنه قليلا ما حاول اللاهوتيون أن ~~يمسخوه إلى شيء مخالف تمام المخالفة لروحه العامة ولأسلوبه؛ إهمالا لشأنه وعمى عما ~~فيه من الحق الثابت. ولقد استعاضوا عنه بالفزيولوغوس Physiologus # 11 # والزولوجيا الخرافية # Bestiaries ~~- أي علم ~~الحيوان الخرافي - جامعين في ذلك بين نصوص من الكتب المقدسة، وخرافات القديسين، وتخيلات ~~ما نزل بها من سلطان، جمعت بين روح التقوى وبين الغفلة التي هي لزام روح الطفولة في ~~غرارتها. ولقد حلت السلطة - سلطة الكتب المقدسة كما فسرها الفزيولوغوس والزولوجيا ~~الخرافية - محل البحث العلمي. أما هذه الكتب فقد ظلت نبع الفكر الذي استقى منه المعرفة ~~تلقاء العالم الحي أكثر من ألف شداد من السنين. # ولقد ظهر بعض الخوف حينا بعد حين بين زعماء الكنيسة ورءوسها من بحث في الخليقة بلغ ~~هذا المبلغ من الضعف والفساد. ففي القرن الخامس ms144 قرر مجمع ضم رؤساء المذاهب الدينية ~~تحت رئاسة البابا «غيلاسيوس» # Gelasius # وانتهر ~~الفزيولوغوس، بل وجه إليه لوما وتعنيفا. غير أن نزعة البحث في الطبيعة كانت قوية ~~فتية، حتى إن الكتاب الكبير الذي وضعه القديس «باسيل» في الخليقة # Creation # قد استمد من الفزيولوغوس أمثالا كثيرة تعبر عن العظمة ~~القدسية. وكان من نتيجة ذلك أن أجازه البابا «غريغوري الكبير» # Greogry The Great # أشد البابوات الأول حزما وأشدهم بطشا. # بهذا تكون علم مقدس للخليقة وللقصد القدسي الذي يسير الطبيعة، ومضى ينشأ ~~ويتطور منذ بداءة القرن الرابع الميلادي إلى القرن التاسع عشر! أي منذ ظهور القديس ~~باسيل إلى القديس أزيدور الإشبيلي، ومن ازيدور الإشبيلي إلى فنسنت بوفيه، ومن فنسنت إلى ~~رئيس الأساقفة «بالي» Paley # ومقالات «بردجووتر» # Bridgewater # ولقد نشأ هذا العلم - كما نشأ كل شيء ~~غيره خلال القرون الوسطى - خاضعا للأساليب اللاهوتية. على أن الطبيعيين الذين أقاموا ~~أسس هذا العلم، مع إهمالهم للحقائق الجلي التي كان من الممكن أن يقعوا عليها من تشريح ~~أحقر حشرة من الحشرات، فقد حاولوا أن يفسروا حقائق الطبيعة بنصوص يستمدونها من المتون ~~المقدسة، بأن يبحثوا في سير القديسين وتراجم حياتهم، وبتطبيق الكثير من مقولات ~~الميتافيزيقا. # ومن هنا جاء السبب في أن رجالا عظاما من طابع القديس إزيدور الأشبيلي قد جمعوا ~~فيما كتبوا أوصافا «لذي القرن» # Unicorn # 12 # وهو حيوان خرافي يشبه الحصان، ويمتاز عليه بقرن في جبهته، والدراغون # Dragon # وهو ما يعبر عنه في العربية بلفظة تنين، وقد ~~ذكرتها المتون المقدسة، أو يتناولون بالوصف طير العنقاء Phoenix # والأفاعي الخرافية «البزليق» # Basilisks # 13 # التي ذكرتها الكتب الموضوعة. ومن هذه السبيل ذاعت الخرافات والأضاليل مثل ~~القول بأن «البزليق» يقتل الثعابين بزفيره، والناس بمجرد النظر إليهم، وأن السبع إذا ~~طورد فإنه يمحو آثاره بطرف ذنبه ليضلل المطاردين، وأن البجع Pelican # يغذي أفراخه بدمه، وأن الثعابين تلقي بسمها بعيدا قبل أن ترد ~~الماء للشرب، وأن السمندل يطفئ النار، وأن الضبع - المرفعين - يتكلم مع الرعاة، وأن ~~أنواعا معينة من الطير تولد على ثمر من ms145 أنواع الشجر مخصوصة عندما تكون على وشط ~~السقوط إلى الماء ... إلى غير ذلك من مكنونات العلم التي لا تقل عن هذه قيمة ولا تنزل ~~قدرا. # أما الأسلوب الذي وضع به العلم ليكون موافقا للكتب المقدسة، فإن «الفزيولوغوس» ~~يعبر عنه أحسن تعبير بأن يلجأ في التمثيل إلى تلك المقطوعة التي ذكرت في سفر ~~أيوب # Job # عن السبع العجوز الذي قضى جوعا لندرة ~~الفرائس. ولقد كان للمحاولات التي أريد بها تفسير كلمة غير عادية وردت في النص ~~العبراني أثرا تراكمت من حوله الأخطاء بعضها تلو بعض؛ حتى إن خطى التطور قد مهدت ~~السبيل إلى رواية «النمل السبعي» الذي يساعدنا على أن نفهم ما هو السبع الذي ذكر في ~~سفر أيوب إذ قالوا: «أما النمل السبعي فإن أباه كانت له صورة السبع وأمه صورة النمل. ~~وكان الأب يعيش على اللحوم والأم على الأعشاب، ومن هنا نشأ النمل السبعي مزيجا بين ~~كليهما، وإن كان يشابههما في الأجزاء؛ لأن جزءه الأمامي كان كالأسد، وجزءه المؤخر كان ~~كالنمل. أما وأنه كان على هذه الصورة، فإنه لم يقدر أن يأكل اللحوم كأبيه ولا العشب ~~كأمه؛ وبذلك هلك ومات.» # في أواسط القرن الثالث عشر انتصر هذا الأسلوب اللاهوتي انتصارا كبيرا بنشر كتاب ~~عظيم ألفه بارثولوميو # Bartholomew # الفرنسيسكاني ~~الإنجليزي، والذي سماه «خصائص الأشياء» # The Properites of ~~Things # أما الأسلوب اللاهوتي لدى تطبيقه على العلم فليس في أكثر الأمر بشيء سوى أن يقبل ~~الإنسان التقاليد، وأن يتقبل البراهين التي توافقها وتساعدها على البقاء. وكان ~~«بارثولوميو» فارسا من فرسان هذا الميدان. فقد بدأ بفكرة أساسية هي أن يستخلص من الكتب ~~المقدسة كل الإشارات التي أشير بها إلى الأشياء الطبيعية، غير أنه لم يلبث أن عمد ~~إلى وصف الطبيعة وصفا عاما متخذا من المنطق دعامة. ولما أن أراد أن يتكلم في ~~الأفعوان # cockatrice # الذي ذكرته الكتب المقدسة ~~قال: «إنه ييبس أوراق الشجرة الخضراء أو يحرقها إذا لمسها، وإن سمه زعاف قاتل حتى إنه ~~يقتل كل من يقترب منه بلا تلكؤ أو توان. ms146 ومع كل هذا فإن ابن عرس يتغلب عليه؛ لأن عضة ~~ابن عرس تقتله قتلا. والأفعوان على الرغم من أن سمه قاتل وهو حي، حتى إنه لا يوجد دواء ~~يشفي من يصاب به، فإنه يتجرد من كل مضاره إذا أحرق حتى يصير رمادا. أما بقاياه بعد ~~الاحتراق فتفيد في الألكيمياء # Alckemy # وعلى الأخص في ~~تغيير المعادن وتبديل خصائصها.» # على أن «بارثولوميو» لم يقف هنا، بل حاول أن ينير الأذهان بأن يتناول بالوصف حيوانات ~~مصر فقال: «إن التمساح إذا عثر بإنسان واقف على حافة الماء فإنه يقتله؛ ومن ثم يبكي ~~عليه ثم يزدرده.» # ولا يفوت مثل هذا الطبيعي الفرنسيسكاني أن ينفق الكثير من الجهد في وصف «التنانين» ~~التي ذكرتها الكتب المقدسة، فقال: «إن التنين هو أعظم الأفاعي كلها، وغالبا ما يقوم من ~~وكره ويطير في الجو فيحرك الهواء، وكذلك البحر فإنه يطغى ويتهيج من سمومه، وإن له عرفا ~~(كالدجاج) وإنه يرفع لسانه الأعلى وإن أسنانه كالمنشار، وإن فيه قوة وبطشا، وإن قوته ~~لا تكون في أسنانه وحدها بل في ذنبه أيضا، وإنه يرسل مضراته عضا ولدغا. وغالبا ~~ما تجتمع أربعة أو خمسة تنانين معا، ثم يرتبطون بأذنابهم ويرتفعون إلى العلاء رءوسهم ~~ثم يسافرون فوق البحار لكي يحصلوا على اللحم الجيد. على أن بين الفيل والتنين عداء ~~مستحكما وجلادا مستمرا؛ فإن التنين يلدغ بذنبه الفيل. والفيل بخرطومه يسقط ~~التنين ويلقيه صريعا. أما السبب الذي من أجله يرغب التنين في دم الفيل فبرودته ~~التي يرغب في أن يرطب نفسه بها. ويقول «جيروم»: إن التنين حيوان متعطش للدماء كل ~~تعطش، حتى إنه يفغر فاه في مهب الريح ليطفئ شيئا من عطشه المتسعر؛ ولهذا السبب ~~يرتمي على شراع المراكب التي تمخر في ريح طيبة ليحصل على قليل من الهواء البارد فيقلب ~~السفينة ويغرقها.» # هذه الآراء التي أتى بها الراهب «بارثولوميو» قد ذاعت بين الناس أشد ذيوع ورسخت في ~~أذهانهم رسوخا. ولقد ترجم كتابه إلى كل لغات أوروبا الحية، وكان من الكتب التي أكب ~~الناس على قراءتها ms147 كل إكباب خلال عصور الإيمان النصراني. ولقد احتفظ الكتاب بمكانته طول ~~ثلاثمائة من السنين الطوال. حتى لقد احتفظ بمكانته بعد اختراع الطباعة؛ فقد بلغت طبعاته ~~عشرا في اللاتينية وأربعا في الفرنسوية، كما ترجم عدة مرات إلى اللغة الفلمنكية ~~والإسبانية والإنجليزية. وكذلك الوعاظ فإنهم وجدوا فيه ضالتهم؛ إذ عمدوا إليه ~~يتخذون منه الأمثال التي يعبرون بها عن الطريق التي اختارها الله لتكون صلة له مع ~~الإنسان. وظل هذا الكتاب حافظا لسلطانه على العقول حتى عصر الاستكشاف البحري؛ إذ بدأت ~~الحقائق تحل شيئا فشيئا، محل الاستنتاج اللاهوتي. حينذاك فقد الكتاب أهميته ونزل عن ~~سلطانه. # ولقد فشا هذا النوع من العلم في كتب «الزولوجيا ~~الخرافية» # Bestiaries # التي كانت تتناولها الأيدي في كل مكان، وعلى الأخص أبدى ~~الذين كانوا يعظون من فوق المنابر في الكنائس ليهدوا جموع المؤمنين سواء السبيل، ~~ويثقفوا عقولهم بالطرق المثلى. ولقد نقع في كل هذه الكتب - كما نقع في كتاب جمعه في ~~أوائل القرن الثالث عشر الميلادي «وليم ~~النورماندي» # William of Normandy ~~- أحد رجال الكنيسة المعروفين - على الدرس الآتي: تلد ~~اللبؤة جراء يظلون ثلاثة أيام بلا حياة، وبعد ذلك يأتي السبع فينفخ فيه فتلابسهم الحياة ~~... وعلى هذا النمط ظل المسيح عيسى ثلاثة أيام محروما من الحياة، غير أن الله الآب قد ~~أنهضه حيا منصورا. # ولقد استخدم هذا العلم في سبيل نشر التقوى، وعلى الأخص إذا حدث أن يكون العاملون على ~~بثها في الصدور رهبانا واعظين فقالوا بأن في بعث العنقاء إلى الحياة بعد أن يصير ~~جسمها رمادا، دليل على يوم النشور، وأن تركيب القرود وتشويه خلقهم يبرهن على وجود ~~الشياطين، وأن وجود قردة بلا أذناب برهان على أن إبليس جرد عن عظمته الأولى، وأن بنات ~~عرس - إذ تغير دائما محلها ولا تستقر في مكان - مثل لمن فسق عن عهد الله، فلا يجد ~~مكانا يستريح فيه. # أما المقالات الأدبية التي ظهرت في ذلك العهد فقد أخذت صورة كتب في التاريخ الطبيعي، ~~ليتسنى لواضعيها ومنشئيها أن يكونوا أكثر بيانا للناس عن حقائق ms148 تلك التعاليم الدينية ~~المقتطعة من الطبيعة؛ ففي كتاب الراهب الدومنيكي «توماس الكانتمبري» # Thomas of Contimpre ~~«في النحل» نقع على ~~تعاليم تبث في روعنا «أن الزنابير تطارد النحل وتعلن عليها الحرب؛ لأن بينهما عداء ~~طبيعيا موروثا»، وأن هذه الزنابير تمثل لنا الشياطين الذين يعيشون في الجو، وأنهم مع ~~الصواعق والأعاصير الجوية يهبطون على النوع الإنساني بالمصائب والمضرات. ومن ثم ~~يستطرد في فصل طويل ذاكرا حوادث وأمثالا لحرب الشياطين التي تعلنها على الذوات ~~الفانية. وعلى هذا السنن سار رصيفه الدومنيكي «نيدر» # Nider # عضو محكمة التفتيش في كتابة «تل النمل» # The Ant Hill # فعلمنا أن نمل «إثيوبيا» # Ethiopia # الذي يذكر أن له قرونا، وأنه ينمو حتى يصير في حجم الكلب، ~~هو في الواقع رمز وإشارة للهراطقة المرذولين أمثال «ويكليف» # Wyclif # والهسيون # Hassites # 14 ~~«الذين ينبحون على الحق ويعضونه بأنيابهم. في حين أن نمل بلاد الهند، الذي ~~يستخلص الذهب من الرمل بأقدامه ويستجمعه من غير أن ينتفع به، مثل للعمل البائر الذي ~~يبذله الهراطقة؛ إذ يحفرون كنوز الكتب المقدسة ويدمجونها في كتبهم للا غاية ولا ~~قصد. # إن هذه الروح - روح التقوى والخضوع - ولم تغز العلم وحده. بل تعدته إلى الفن وعلى ~~الأخص في الكاتدرائية، ففي الميازيب الرمزية # Gargoyles # 15 # التي كانت تعلق على الجدران، وفي الأشكال المجونية التي كانت تعلق على ~~الأبراج أو التي ترى جاثمة على القباب، والتنانين التي ترى دابة تحت العقود المشيدة ~~على الطرق، أو المتسللة من خلال الأعشاب والوحوش السرية التي كانت تحفر عادة على منصات ~~التلحين، والتي كانت تنقش على الزجاج، أو تغزل في الطنافس أو ترسم بين سطور كتب القداس ~~وكتب التراتيل أو على حواشيها: عامة هذه الأعاجيب الخلقية كانت تعتبر عند الناس ضروبا ~~من الآداب والسلوك استمدت من الفزيولوغوس وكتب الزولوجيا الخرافية ومضارب الأمثال # Exempla ~~. # من بين الرجال الذين لم يكن للكنيسة عليهم من سلطان ظهرت فئة في مختلف البقاع ~~والأزمان أبرزت للوجود مؤلفات أرقى نزعة وأثمن قيمة. ففي القرنين الثاني عشر والثالث ~~عشر دون «عبد اللطيف»، ms149 # 16 # ملاحظاته في تاريخ مصر الطبيعي؛ فكان في هذه الملاحظات قدر غير ضئيل من ~~الروح العلمي البحت، كما أن الإمبراطور فردريك الثاني قد حاول أن يشجع الناس على البحث ~~في الطبيعة بحثا أوفى إنتاجا وأعلى قدرا. غير أن أحد هذين قد اتهم بأنه مسلم، ~~والثاني بأنه فاسق عن الدين. غير أن «جيرالدوس كمبرنسيس» # Giraldus ~~Cambrensis # وهو من رجال الكنيسة المعروفين، كان فيما ألف أكثر تلاؤما من هذين مع روح ذلك العصر. ~~فإنه في كتابه المعروف باسم «طبوغرافية ~~إيرلاندا» # Tcpography of Ireland # قد أبدى اهتمامه بالحيوانات التي تقطن الجزيرة، ولكنه ~~قلما غفل عن أن يستخلص من كل منها حالة يستعين بها على استخلاص صورة من صور الأخلاق ~~أو السلوك، فيقول مثلا إن «النسور في إيرلندا تعيش أعمارا مديدة حتى ليخيل إلينا أنهم ~~مساهمون في الأبدية. وكذلك الحال في القديسين؛ فإنهم بتركهم صفاتهم القديمة واتخاذهم ~~الصفات الجديدة التي أهلت بهم إلى القداسة، يحوزون تلك الثمرة السعيدة، ثمرات الحياة ~~الأبدية، ويقول أيضا: «كثيرا ما تبلغ النسور في طيرانها ارتفاعات عظيمة حتى إن الشمس ~~قد تلفحها فتشيطها. وهكذا الحال في الذين يحاولون أن يقفوا على تلك الأسرار الدفينة ~~القصية التي تتضمنها خفايا السماوات لأكثر مما تسمح به الكتب المقدسة؛ فإنهم ~~يذادون عنها ويدفعون إلى الحضيض، كما لو كانت أجنحة خيالاتهم السحرية التي تحملهم إلى ~~تلك الأجواء القصية البعيدة قد لفحت فاحترق ظاهرها وارتدت كليلة متعبة.» # من بين الرجال الذين ظهروا في القرن التالي كان «ألبرت الكبير»، وفيما كتب نقع على ~~روح انتقادية فيها شيء من مظاهر الرشد. فإن «البرت» في كتابه الذي تناول الكلام في ~~الحيوانات قد رفض القول بالاعتقاد السائد في أن بعض الطيور تتولد من الأشجار وأنها ~~تغتذي بالعصارة النباتية، كما أنه لم يؤمن بنظرية أن بعض الطيور قد تتولد في البحار من ~~بقايا الأخشاب المنحلة التي تطفو فوق سطحها. # غير أنه كان لزاما أن تمر عدة أجيال حتى تثمر تلك الشكوك ثمرة طيبة وتحدث أثرا ~~فعالا. فإننا نقع مثلا في الأمثال ms150 التي حليت بها كتب «مندفيل» # Mandeeville ~~، وقد طبعت عشية القيام بحركة الإصلاح الديني # Reformation # على صور، بله المقاطع والعبارات ~~تمثل طيورا ووحوشا تنشأ متولدة من بذور الأشجار. # على أن هذه النزعة العامة التي رمت إلى استخدام العلم الطبيعي في أغراض دينية تدعو ~~إلى التقوى والصلاح، قد عاشت إلى ما بعد عصر الإصلاح البروتستانتي. وكثيرا ما استخدمها ~~«لوثر»، فكان في هذا الأمر مثالا احتذاه أتباعه، ونسج عليه تلاميذه؛ ففي سنة 1612 نشر ~~«وولفانج فرانز» # wolfang franz # أستاذ اللاهوت في ~~جامعة لوثر كتابه الذي ألفه في تاريخ الحيوانات المقدس، وهو كتاب طبع عدة مرات ~~متوالية، وقد تضمن هذا الكتاب تقسيما فائضا للحيوانات، وصفت فيه التنانين الطبيعية ~~التي لها ثلاثة صفوف من الأسنان في كل من الفكين، مضيفا إليها في رهبة وتقوى قوله: ~~«أما التنين الأعظم فهو الشيطان.» # وقبل نهاية هذا القرن، قبض الأب «كيرخر» # Kircher ~~- ~~وهو أستاذ من عظماء اليسوعيين في روما - على زمام الشك مرة أخرى، فأخضعه للتقاليد ~~راجعا بالناس إلى النظريات الأورثوذكسية، حتى لقد ذكر بين الحيوانات التي حملها نوح في ~~السفين «جنيات البحر» # Sirens # وهن في الميثولوجيا فتيات ~~جميلات سابيات للعقول، ثم «الغرفين» # Griffin # 17 # وهو حيوان خرافي برأس نسر وأجنحته وجسم سبع كبير. # غير أننا نلحظ - حتى بين اللاهوتيين - في مختلف الأزمان والأمكنة؛ روحا من الشك تغزو ~~العقل الإنساني من طريق العلم الطبيعي. ففي أوائل ذلك القرن عينه - السابع عشر - نشر ~~«إيوجين روغر» # Eugene Roger # كتابه «سياحات في ~~فلسطين»، أما تلقاء الأقوال التي جاءت في الكتب المقدسة فإنه من أخص أهل الأورثوذكسية. ~~ولقد صدر كتابه بخريطة تظهر من بين الأشياء التي أشير إليها في التاريخ الإنجيلي المكان ~~الذي قتل فيه شمشون ألفا من الفلسطينيين بفك حمار، والكهف الذي عاش فيه آدم معه ~~حواء بعد أن طردا من الجنة، والبقعة التي تكلم فيها حمار «بلعام» والمكان الذي صارع ~~فيه يعقوب أحد الملائكة، والمرتقى الوعر الذي دخلت فيه الشياطين أجسام الخنازير فاندفعت ~~حتى ألقت بنفسها في البحر، والموضع الذي قام ms151 فيه التمثال الملحي الذي كان يوما امرأة ~~لوط، والمكان الذي ابتلع فيه الحوت يونس في البحر، «وتعيين المكان الذي قبض فيه القديس ~~بطرس على مائة وثلاثة وخمسين سمكة.» # أما في التاريخ الطبيعي، فإنه يصف «البزليق # Basilisk # الأفعى الخرافية» بدقة وبكثير من الضبط اللاهوتي. فيقول إن الحيوان يبلغ قدما ونصف في ~~الطول، وهو على صورة التمساح، وإنه يقتل الآدميين بنظرة واحدة. أما البزليق الذي رآه ~~فكان لحسن حظه ميتا؛ لأنه في عصر البابا «ليو الرابع» # Leo ~~iv ~~- على ما يذكر المؤلف ~~- ظهر «بزليق» في روما وقتل كثيرا من الناس بمجرد نظره إليهم. غير أن البابا قتله ~~بصلواته وبرسم علامات الصليب. ويذكر المؤلف أن العناية القدسية قد شاءت بحكمتها ورحمتها ~~أن تحمي الإنسان بأن جعلت هذا الحيوان لا يبرح وجره ولا ينشط منه قبل أن يرسل صوتا ~~عاليا مرتين أو ثلاث مرات، وأن الحكمة الإلهية تظهر أيضا في أن هذا الحيوان العظيم ~~يضطر إلى أن ينظر في عين فريسته وعلى مسافة خاصة قبل أن تنفذ نظرته من خلال مخ الفريسة ~~إلى القلب، حيث يكون القضاء المحتوم. ومن ثم يتدرج في ذكر الحكمة الإلهية إلى القول ~~بأنها - رحمة وحنانا - قد خصت صياح الديك بالقدرة على قتل البزليق. # غير أننا مع هذا نجد في ثنايا إيمان هذا الرجل الطيب، والمبشر المسلم بما جاءت به ~~الكتب المقدسة، آثارا تنم عن روح «باكون» منبثة في تضاعيف عقله، وعلى روح التجاريب ~~في العلم تتغلغل في طيات نفسه. فإنه بعد أن استسقى عدة روايات عن السمندل # salamander # فتش حتى عثر على فرد منه، ثم وضعه حيا ~~على فحم يحترق، وحكم بأن الأساطير التي تذكر أن في مستطاع السمندل أن يعيش في النار ~~غير صحيحة. وكذلك أجرى تجاريب عديدة في «الحرباء» # chameleon # وحكم بأن الأقاصيص التي كانت تروى عن هذا الحيوان إنما ~~كانت تتقبل بكثير من حسن الظن، غير أنه كان لا يحاول الحكم في النصوص التي تتضمنها ~~الكتب المقدسة، ولو أنه كان يلجأ إلى عقله يستدر منه الوحي ms152 العلمي على القواعد ~~الحديثة فيما عدا ذلك. # في النصف الثاني من القرن السابع عشر بدأ الأستاذ «هوتنغر» # Hotinger # في كتابه «بحث تاريخ الخليقة من الوجهة اللاهوتية» طريقة ~~جديدة بأن رفض الاعتقاد بوجود العنقاء # phoenix # غير أن ~~شكا كان قد ساوره في تلك الحدود التي تأذن بها الكتب المقدسة؛ فقد بنى شكه أولا ~~على «أن الله قد خلق الحيوانات أزواجا، بينما يزعم بأن العنقاء فرد واحد لا زوج له»، ~~وثانيا «لأن نوحا عندما دخل السفينة أخذ من كل نوع من الحيوانات سبعا، بينما لا ~~نستدل على وجود هذا العدد من نوع العنقاء»، وثالثا «لأنه لا يوجد إنسان يجرؤ على أن ~~يدعي بأنه رأى هذا الطائر»، ورابعا «لأن الذين يؤكدون وجود العنقاء يناقضون بعضهم ~~بعضا.» # فلا عجب إذن - بعد أن بدأ الشك يغزو العقل في حقيقة السمندل والعنقاء - إذا رأينا ~~الشك يتغلغل في النفوس تلقاء البزليق، قبل أن يودع القرن السابع عشر الوجود؛ فإن ~~الأستاذ الكبير «كرخماير» # Kirchmaier # من جامعة ~~«فوتمبرغ» قد تناول العنقاء والبزليق بالكلام، ولكن على اعتقاد أنهما من الخرافات التي ~~لم يقم عليها دليل، أما العنقاء فأنكر وجودها، لا لأن نوحا لم يحمل معه في السفينة ~~طائرا بهذا الاسم فقط، ولكن على حد قوله لأن «الطيور إنما تخرج من البيض لا من الرماد» ~~أما «ذو القرن» # Unicorn # فلم ينكر وجوده، ولكنه مع هذا ~~لم يعتقد بأنه شيء سوى الكركدن # Rhinoceros ~~، ولقد عمد ~~إلى «أيوب» وإلى «ماركوبولو» ليستدل بأقوالهما على وجود هذا الحيوان، ويثبت أنه كائن ~~حقيقي ثم يقول: «من ذا الذي لا يخاف إنكار «الأونيقور» ما دامت الكتب المقدسة تذكره ~~بكثير من الثناء المستطاب.» أما غير ذلك من الحيوانات الكبرى التي تذكرها الكتب ~~المقدسة؛ فإنه كان إزاءها من أخص أتباع الطريقة العقلية، فذكر أن «البيهموث» # Behemoth # 18 # كان فيلا وأن «اللوياثان» # Leviathan # 19 # كان حوتا غير أن بذور الشك قد أنتجت وآتت أكلها؛ فإننا لا نلبث على هذا ~~غير قليل حتى نقع على «دانهوور» # Dannhauer ~~، وقد اقتحم ~~السبيل فخطا ms153 خطوة أخرى إلى الأمام معلنا شكه في وجود «الأونيقور» موقنا بأنه الكركدن ~~بعينه، ولا شيء غيره. وحتى ذلك الوقت وبعد أن بدأت بذور الشك تثمر هذه الثمرات، كان ~~تيار الفكر لا يزال يتحرك بقوة اللاهوت. ففي سنة 1712 نشر «صموئيل بوخرت» # Samuel ~~Bochart # كتابه في ~~حيوانات الكتاب المقدس. أما روح الكتاب فلا نستطيع أن تنقل صورة منها إلا بذكر رءوس بعض الفصول: # الفصل السادس: # اسم الحصان في العبرية. # الفصل السابع: # لون الأحصنة التي ذكرت في سفر زكريا. # الفصل الثامن: # الخيل التي ذكرت في سفر أيوب # الفصل التاسع: # خيول سليمان والمتون التي يذكر مؤلفوها فضائل الخيل. # الفصل العاشر: # خيول الشمس المقدسة. # ومن العناوين التي تقع عليها في الفصول الأخرى ما يأتي. في أتان بلعام، # 20 # في الألف من الفلسطينيين الذين قتلهم شمشون بفك حمار، في العجل الذهبي الذي ~~صنعه هارون # 21 # والعجلين الذهبيين اللذين صنعمهما ~~يربعام # Jeroboam # 22 # في مأماة الشياه وألبانها وأصوافها وأعضائها الداخلية والخارجية كما ذكرت ~~في الكتب المقدسة، في الأشياء ذوات الخطر التي ذكرت في الكتب المقدسة عن الأسد، في ~~حمامة نوح والحمامة التي ظهرت عند تعميد المسيح. ولقد امتزج في خلال الكتاب كثير من ~~الحقائق التي أتى عليها الطبيعيون خلال أبحاثهم المستفيضة في الحيوانات. غير أنها ~~امتزجت بالأقوال اللاهوتية امتزاجا أضاع قيمتها، وأصبح الكتاب في مجموعه عبارة عن جملة ~~من الفصول تفيض بالروح اللاهوتية الرسيسة. # بعد أن ظلت الأبحاث الطبيعية خاضعة للروح اللاهوتي طوال ألفين كاملات من السنين، نقع ~~في أواسط القرن السادس عشر على بدايات جديدة تنم عن أسلوب حديث لم يكن قد عرف من ~~قبل - هو الأسلوب العلمي في بحث معميات الطبيعة - وهو أسلوب ينطوي في جوهره على البحث ~~وراء الحقائق لذاتها، ويتنكب جهد المستطاع الجري وراء المزينات العقلية والنفسية. ففي ~~ذلك الحين بدأ «إداورد ووطون» # Edward Wotton # في ~~إنجلترا و«كونراد غسنر» # Conrad Gesner # في القارة ~~الأوروبية يقتحمان السبيل بملاحظات طبيعية، كان فيها من الاستفاضة والإطناب بقدر ما بث ~~فيها من العناية والدقة، وأثر الفكرة ms154 العلمية في التبويب والنسق. # ولقد كان لذيوع هذا الأسلوب العقلي في بحث الطبيعة واستقصاء أسرارها نتائج أدت إلى ~~تكوين جمعيات قامت على فكرة البحث منتحية هذا الأسلوب. ففي سنة 1560 تألفت «أكاديمية ~~البحث الطبيعي» في نابولي. غير أن اللاهوتيين وقد تولاهم الانزعاج والفزع أمروا بحلها. ~~ومرت من بعد ذلك مئة سنة على وجه التقريب حتى عادت فكرة التعاون على البحث العلمي تختمر ~~في الرءوس مرة أخرى، فالتأمت في لندن سنة 1645 تلك الاجتماعات العلمية التي تمخضت من ~~بعد عن الجمعية الملكية # Royal Society # ثم تلت هذه ~~أكاديمية العلوم في فرنسا، ومن بعدها «الأكاديميا دل ~~سيمنتو» # Academia ~~del Cimento # في إيطاليا ثم انتشرت جمعيات البحث العلمي ومنتدياته من بعد ~~ذلك في كل بقاع الأرض، وبذلك بدأت نهضة جديدة لها أثرها الخالد في تاريخ العلوم ~~والمدنية. # وسرعان ما خيل للاهوتيين أن في هذه النهضة خطرا وأن وراءها تكمن كارثة، ففي إيطاليا ~~رشى اللاهوتيين الأمير ليوبولد ده مديتشي # Leopold de ~~Medici # بأن منحوه «قبعة» الكردينالية، وكان يعتبر حاميا ~~لذمار أكاديمية فلورنسا؛ ليرفع عنها حمايته. ومنذ زمان البابا أربان الثامن حتى عصر ~~بيوس التاسع Pio nono # سادت الكنيسة مثل هذه الروح. ~~أما في فرنسا فقد تدخل رجال الكنيسة في أبحاث العلماء مرات عديدة، لم تكن إهانة العلامة ~~«بافون» # Buffon # لتقريره بعض الحقائق العلمية، إلا ~~مثلا لها وعنوانا عليها. وكذلك كانت الحال في إنجلترا؛ فإن البروتستانتية لم تكن ~~هنالك بأكثر عطفا على الجمعية الملكية لدى أول تكوينها من غيرها من شعب الكنيسة؛ حتى ~~لقد أنكرها دكتور «سويث» # Dr. Soath # ورماها بأنها خارجة ~~على الدين ومن حسن الحظ أن قام في تلك الأزمان حائل واحد منع الاصطدام العلني بين ~~اللاهوت والعلم. وانحصر هذا الحائل في نزعة علمية كانت بدورها خطأ كبيرا. فإن الباحثين ~~في حين أنهم نبذوا الأسلوب القديم الذي جرى عليه أسلافهم في العصور الوسطى، وكان من أعز ~~ما عند الكنيسة عليها، قد مضوا عاكفين على فكرة الخلق المباشر وعلى فكرة القصد ~~والغاية التي تكمن ms155 وراء كل صور المخلوقات، وأن هذا القصد لم يرم إلى شيء اللهم إلا ~~إلى فائدة الإنسان وتثقيفه وإدخال المسرة والجذل على نفسه بكل الوسائل. # على هذا وجدت الميول اللاهوتية - على ما فيها من نزعة طبيعية إلى الجلاد والصراع - ~~سببا قويا لتسالم العلم. في حين أن العلم ولو أنه كان قد تحرر من كثير من القيود ~~الثقيلة التي قيدته من قبل، قد أصبح ساعد اللاهوت الأيمن؛ إذ كان يزود اللاهوتيين بما ~~يفسرون به مذهب القصد الخلقي، ولكن مع إبداء الاحترام والتبجيل - ولو في الظاهر - ~~لتلك الأساطير والخرافات الكلدانية وغيرها مما تتضمن الكتب العبرانية المقدسة. # حوالي منتصف القرن السابع عشر انتصر العلم على اللاهوت انتصارا تاما في معركة ~~فاصلة. ففي ذلك العهد نشر «فرانشسكوريدي» # Francesco ~~Redi # نتائج أبحاثه التي عقدها في مذهب «التولد الذاتي» # Spontaneous generation # 23 # فقد مضت عصور وكرت دهور والناس يعتقدون بصحة مذهب محصله أن الماء ~~والأقذار والجيف قد وهبها الخالق القدرة على توليد الديدان والحشرات وعديد وافر جد ~~الوفرة من الحيوانات الدنيا. ولقد رحب القديس أوغسطين وكثير من آباء الكنيسة بهذا ~~المذهب ما دام أنه يكفي الله الواحد القهار مئونة خلق هذه الأنواع الحقيرة الوافرة ~~العدد، كما أنه ينقذ آدم من متاعب تسميتها، وينحي نحوا من أن يعيش في الفلك معها. غير ~~أن «ريدي» قد قضى بأبحاثه على هذه الترهات؛ فإنه مضى في أبحاث مستفيضة لا محل ~~لذكرها هنا، أظهر من طريقها أن كلا من هذه الحيوانات إنما يتولد من بيضة، وأن هذا يدل ~~على أن أفرادها لا بد من أن تكون نتاجا لحيوان خلقة الله، وسماه آدم، وحمله نوح، ~~منذ بدء الخليقة إلى الآن. # وظهرت في إنجلترا مؤلفات شبيهة بهذه. ولكنها كانت أكثر خضوعا للروح اللاهوتية؛ ففي ~~القرن ذاته - السابع عشر - نشر الباحث الطبيعي «جون راي» # John ~~Ray # كتابا حاز شهرة ~~وانتشارا واسعا. وكان «راي» أحد أعضاء الجمعية الملكية وألف عددا من الكتب في ~~النباتات والأسماك والطيور. غير أن أعم هذه الكتب انتشارا وأكثرها ذيوعا بين الجمهور، ms156 ~~كان كتابه الذي أسماه «الحكمة الإلهية كما تظهر في أعمال الخلق»، ولقد طبع هذا الكتاب ~~عشرين طبعة متوالية ما بين عامي 1691 و1827. # أما «راي» # Ray # فقد استدل على حكمة الله بضروب ~~المكافآت التي رآها في الحيوانات؛ لا من جهة فائدتها للإنسان لا غير، بل من جهة ~~العلاقات الواقعة بين حياة بعضها وبعض، وكذلك بينها وبين بيئاتها التي تعيش مكتنفة ~~بها. # في السنين الأولى من القرن الثامن عشر نشر الدكتور «نحمياه غرو» # Dr. ~~Nehemiah Grew # أحد ~~أعضاء الجمعية الملكية كتابا أسماه «الكونيات المقدسة» # Cosmologia ~~Sacra ~~، حاول فيه أن ينقض كل الآراء التي ذاعت مناقضة لما جاء في ~~الكتب المقدسة، وعمد في تدليله إلى البرهنة على القصد والغاية من وجود المخلوقات. ولما ~~أراد أن يدلل في سياق مؤلفه على «الغايات التي رمت إليها العناية الإلهية» قال: # إن الكراكي - وهي طيور لحومها غير جيدة - لا تضع إناثها إلا بيضتين في السنة ~~- في حين أن الطواويس والحجلان تنقف خمس عشرة أو عشرين بيضة؛ لأنها طيور جيدة ~~اللحم. # ولقد أشار بعد ذلك إلى أن الطيور التي تضع قليلا من البيض، إذا كانت ذات فائدة، ~~كدجاج الأرض والحمام، فإنها تحضن أسرع من غيرها. ومن ثم حاول أن يناقض فكرة ~~القائلين: بأن الأشياء المضرة في الطبيعة قد خلقت تبعا لخطيئة الإنسان، بأن ~~ادعى بأنها ذات فائدة، فذكر أن «لدغ القريص إنما يحفزنا إلى البحث عن دواء يشفي ~~الأطفال والماشية وأن «العوسج والقتاد إذا أضرا بالإنسان من ناحية، فإنهما يفيداه ~~في أن يتخذ منهما سياجا يحتمي به» وأن «هذه الأشواك إذا أضرت بعض الشيء بصاحبها، فإنها ~~تمنع عنه غوائل اللصوص»، وأن «بنات عرس والحدادي وغيرها من الحيوانات المضرة تحفزنا إلى ~~التنبه والحذر»، وأن «القمل يحفزنا إلى نظافة أجسامنا، والعناكب إلى نظافة بيوتنا، ~~والبراغيث إلى نظافة ثيابنا.» # وهذه النظرة التفاؤلية، بعد أن انتصرت على النظرية اللاهوتية القائلة بأن الأشياء ~~المضرة قد خلقت تبعا لخطيئة الإنسان، والتي أذاعها القديس أوغسطين وظلت في أوجها ~~عهد «ويزلي» # Wesley # قد مضت متطورة ms157 فتكونت في صورة ~~أكثر إلى رقيا وأنبل مرمى خلال القرن الثامن عشر؛ إذ تعهدها بالتهذيب كثير من ~~المفكرين وعلى الأخص «بالي» Paley # كبير الأساقفة، في ~~كتابه «اللاهوت الطبيعي» # Natural Theology # الذي ظل ~~مؤثرا في صورة الفكر إلى عهد قريب. ولقد ظهرت ميول مشابهة لهذه الميول الحرة في ممالك ~~أخرى غير إنجلترا، ولو أن كثيرا من الفلاسفة قد أبانوا عن كثير مما فيه من أوجه ~~الضعف، وعلى الرغم من أن «جوته» قد هزأ بها في بعض أشعاره المعروفة، بأن شكر الله لأنه ~~وضع تصميم شجر الفلين ليتخذ منه في المستقبل سدادات نسد بها زجاجاتنا! # قبل أن ينتصف القرن التاسع عشر بقليل، انتهت هذه الحركة بنشر تلك المقالات المشهورة ~~التي عرفت باسم «مقالات بردجووتر» # Bridgewater ~~Treatises # وقصة هذه المقالات أن رئيس الجمعية الملكية - ~~إجابة لرغبة إرل بردجووتر الثامن - قد انتخب ثمانية أشخاص، خصص لكل منهم ألفا من ~~الجنيهات الإنجليزية تلقاء أن يكتب كل منهم مقالا مستفيضا في «قوة الله وحكمته ~~وخيريته كما تظهر آثارها في المخلوقات»، وكان من أمتع ما طبع من هذه المقالات خاصة ~~بعالم الحياة مقالة العلامة «توماس ~~شلمرز» # Thomas Chalmers # وعنوانها «تكافؤ الطبيعة الخارجية مع حالات الإنسان العقلية ~~والأدبية ومقالات «شارلز بل» # Charles Bell ~~، وعنوانها ~~«القدرة مظهرة في القصد»، ومقالة «روجت» # Roget # وعنوانها «الفسيولوجيا النباتية والحيوانية من طريق علاقتها باللاهوت الطبيعي» ومقالة ~~الأستاذ «كربي» # Kriby ~~، وعنوانها «عادات الحيوانات ~~وغرائزها من طرق علاقتها باللاهوت الطبيعي». # وفضلا عن هذا فقد ظهرت مقالات أخرى كتبها هيوويل # Whewell # وبوكلاند # Buckland ~~، ~~وكد # Kidd # وبروت Prout† ~~. ولقد نجح هذا العمل نجاحا كبيرا دل على رقي كبير بز كل ما ~~تقدم من نوعه مادة وأسلوبا وروحا. أما إذا نظرنا إلى هذه المقالات اليوم فإنا لا ~~يسعنا أن نقول فيها أنها كانت أكثر من أشياء تمهيدية مرهونة بأوقاتها، ولو أنها أدت ~~بدورها إلى استكشاف حقائق ما. ولا يجدر بنا أن ننسى قولة العلامة «داروين» المعروفة؛ إذ ~~يقول بأن النظريات إذا كانت خطأ أدى البحث فيها ومناقشتها إلى ms158 الحق واليقين. على الضد ~~من المشاهدات إذا كانت فاسدة فإنها دائما تضل الباحثين ضلالا كبيرا. # إن جهدا كهذا، كله نبالة في القصد وسمو في الروح، لا يستحق أن يستهدف إلى ما ~~استهدف إليه من السخرية. ومن العجيب أن يكون من أقذع ما سدد إليه من سهام النقد ما وجهه ~~إليه حديثا أحد كبار المدافعين عن الأورثوذكسية الممتلئين حمية المشبوبين بحماسة ~~اليقين، فإن علما من رافعي ألوية الإيمان، ونعني به المحترم الأستاذ «زوكلر» # Rev. Prof. Zockler # قد قال عن هذه ~~الحركة التي رمت إلى إظهار القصد والغاية في الخلق كما قال في القائمين بها: «إن الأرض ~~قد ظهرت في أقوالهم كأنها حانوت تباع فيه الملابس الخلقة وفندق لبيع الحساء. أما الله ~~فقد صور على أنه أحد الأساتذة العقليين # Rationalistic # مجسم تجسيما. ولا جرم أن هذه الأقوال يبعد أن تكون إنصافا ~~لما تصوره بطلر وبالي وشملرز، مع قطع النظر عن مقدار ما فاتهم به العالم الحديث من ~~التقدم في الفكرتين العلمية والفلسفية.» # ولكن على الرغم مما كان في عمل هؤلاء الأفذاذ من نبل وجلال، فإن الحقائق التي أسسوا ~~عليها نظرياتهم قد أخذت مع الزمن تفقد كثيرا من قوتها، وتتزعزع أركانها. # فمنذ القرن السابع عشر أخذ كبار اللاهوتيين يشعرون بأن متاعب كبرى قد أخذت تعترض ~~سبيلهم هي أنكى وأبعد أثرا من كل ما واجهوه من قبل. فقد بان مع مر الزمن وكر الدهر ~~أن الأنواع المختلفة التي عمرت الأرض، هي أكثر عددا مما خيل إلى الناس. ومن ثم زادت ~~صعوبة القول بأن هذه الأنواع الكثيرة المختلفة البنى والتكوين قد خلقت خلقا ~~مستقلا بقدرة الله المباشرة. وكذلك القول بأن الأنواع قد حشرت أمام آدم ليسميها. ~~وكذلك الزعم بأنها حشرت في سفينة نوح أزواجا أو سبعات، أي سبعة أفراد من كل نوع. ~~غير أن الصعاب التي قامت في هذه الطريق لم تكن شيئا مذكورا إذا قورنت بما قام في طريق ~~البحث في توزيع الحيوانات والنباتات الجغرافي # Geographical ~~Distribution ~~. # إذا رجعت إلى الأيام الأولى التي شيدت ms159 فيها الكنيسة النصرانية، فإنك تجد أن البحث في ~~هذا الموضوع قد أثار فكرات ذات أثر، وعلى الأخص في عقل القديس أوغسطين؛ فقد شرح في ~~كتابه المسمى «مدينة الله» هذه الصعوبة في القالب الآتي: «هنالك صعوبة تواجهنا تلقاء ~~البحث في كل أنواع البهائم التي لم يتمكن الإنسان من تأليفها، ولم تنشأ من الأرض كما ~~تنشأ الضفادع - كالذئاب من أنواع السباع - وعلى الأخص إذا تساءلنا كيف استطاعت أن تشق ~~طريقها إلى الجزر النائية بعد ذلك الطوفان العظيم الذي أعدم كل الأحياء التي لم تحفظ ~~منها «عينات» في الفلك المشحون؟ لا جرم أن بعض الحيوانات يمكن أن تصل الجزر سابحة في ~~الماء، في حالة ما إذا كانت تلك الجزر قريبة من اليابسة. غير أن بعض الجزر بعيدة عن ~~الشاطئ بعدا شاسعا؛ حتى إنه من المتعذر على أي مخلوق أنه يصل إليها سابحا. على أنه ~~لا يبعد عن التصديق أن تكون بعض هذه الحيوانات قد اقتنصها الإنسان وحملها معه إلى تلك ~~الجزر التي أراد أن يستعمرها ليلهو بها في الصيد ويتخذها وسيلة للتسلية. كذلك لا يمكن ~~أن ننكر أنه من الجائز أن يكون نقلها قد تم بفعل الملائكة، وقد أمرهم الله أو حملهم على ~~أن يقوموا بهذه المأمورية.» # غير أن هذه المشكلة الطبيعية قد وصلت حدا لم تقم منه صورة ولو ضعيفة في عقل القديس ~~أوغسطين. وكان من أكبر الأشياء التي أمدتها بالقوة وعززتها بالغلبة والسلطان، تلك ~~السياحات الكبيرة اليت قام بها كولومبوس وفاسكودي غاما وماجلان وأمريجو فسبوتشي وغيرهم ~~من الأفذاذ الذين ظهروا في عصر الاستكشاف البحري. وزادت أهميتها عندما استكشفت جزائر ~~البحار الكبرى التي تغشاها مياه الميحطات الجنوبية؛ فإن كل مستكشف قد نقل معه بعد إتمام ~~سياحته أخبارا عن أنواع جديدة من الحيوانات، وسلالات جديدة من سلالات النوع البشري ~~تعيش في بقاع من الأرض، طالما أعلن اللاهوتيون - اعتمادا على ما قال القديس بولص من أن ~~صوت الكتب المقدسة قد انتشر في كل بقاع الأرض - أنها غير موجودة أصلا. ولقد زاد ضغط ~~هذه الحقائق ms160 على التصور الكنسي؛ حتى لقد نزع اللاهوتيون إلى القول بأن الملائكة - ~~طوعا لإرادة الله، وقد هموا بأن يوزعوا الحيوانات على وجه البسيطة - قذفوا بالمغاثيروم # Megatherium # في جنوب أمريكا والأرخيوبتريك # Archeoepetryx # في أوروبا، وخلد الماء الأورنيثورنكس # Ornithorhynchus # في أستراليا، والأبسوم # Opossum # في شمال أمريكا! # كان أول من كشف القناع عن هذه المشكلات الممضة «يوسف أكوستا» # Joseph ~~Acosta # أحد مبشري ~~اليسوعيين؛ فقد ظهر في كتابه المعروف باسم «تاريخ جزائر الهند طبيعيا وأدبيا» الذي ~~نشر في سنة 1590، بمظهر الأمانة والتفكير المستقيم. وعلى الرغم من أنه ظل مقيدا ~~بكثير من التفسيرات القديمة التي فسرت بها الكتب المقدسة، فإنه تخلص من الكثير منها. ~~غير أن توزيع الحيوانات الجغرافي كان من الأسباب التي أتعبته وأعنتته تفكيرا وبحثا. ~~فإنه بعد أن أظهر أن بيانات القديس أوغسطين عقيمة ولا قيمة لها تساءل: «من ذا الذي ~~يتصور أن الإنسان خلال هجرة طويلة إلى بلاد «بيرو» Peru # قد يفكر في أن يتحمل المشقة ويحمل معه الثعالب إلى تلك البلاد ~~النائية، وعلى الأخص ذلك النوع المعروف هنالك باسم «آشياس» # Acias # وهو أقذر ما رأيت من نوعه؟ ومن ذا الذي يجرؤ على القول بأنه ~~حمل معه النمور والأسود؟ # ولا جرم أن هذه الأقوال لجديرة بأن يضحك منها ويهزأ بها. ولا شبهة مطلقا في أن ~~الناس وهم معرضون لخطر البحار في سفر طويل كهذا، لا يعنون بشيء إلا بإنقاذ أرواحهم ~~أولا، من غير أن يحملوا معهم الذئاب والثعالب، وأن يغذوهم ويعتنوا بهم، وهم بعد بين ~~ظفر البحر ونابه!» # ولقد كان لنشر هذه الحقائق آثار جليلة حفزت «إبراهام مليوس» # Abraham ~~Milius # أن ينشر في ~~جينيف سنة 1667 كتابه المعروف «أصل الحيوانات وهجرة الأمم». وهذا الكتاب يظهر بوضوح ~~كاف، كما أظهر من قبل كتاب «أكوستا»، عظم تلك الصدمة الشديدة التي أصابت نظام الأشياء ~~على ما عرفت في العالم اللاهوتي بعد استكشاف أمريكا. ولقد نشر هذا الكتاب بمصادفة خاصة ~~صدرت من أسقف «سالزبرج» أشارت إلى إمكان العثور على حل ينتفي معه كل ما يترتب على ~~هذا ms161 الإشكال الكبير، إذا رجعنا إلى نص المتن الأصلي في سفر التكوين؛ إذ فيه: «وقال الله ~~لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها.» # 24 # ولقد مضى «ميليوس» في كتابه محاولا أن يظهر أن قدماء الفلاسفة يتفقون مع ~~موسى وأن «الأرض والمياه، وعلى الأخص حرارة الشمس والأرض الأصلية مع ما فيها من صفات ~~اللزوجة والتعفن، تلك الصفات التي يلوح لنا أنها من الصفات الخصيصة بطبيعة الأرض، ~~قد يمكن أن تكون العلة التي نشأت عنها الأسماك والحيوانات الأرضية والطيور.» غير أنه ~~من جهة أخرى يقسو كل القسوة على أولئك الذين يقولون بأن الإنسان يشارك الحيوانات في ~~نشأتها وأنه يعود وإياها إلى أصل واحد. أما الموضوع الذي أنفق فيه مليوس كل جهده فكان ~~«توزع الحيوانات الجغرافي»، ولقد أثرت فيه حقيقة وجود تلك الأنواع الكثيرة التي تأهل ~~بها أمريكا وكثير من الجزائر النائية المنبوذة في جوف المحيطات العظمى، تلك الأنواع ~~التي لم تعرف في القارات الأخرى، كما كان وجود تلك الأنواع في تلك البقاع النائية ~~البعيدة من كرة الأرض وعدم وجودها بالقرب من جبل «أرارات» أكبر المشاكل العلمية التي ~~شغلته وحوطته بمتاعبها. ولقد كان ذلك سببا في أن يعترف هذا «المؤلف بأن تعليل توزع ~~الحيوانات الجغرافي أشكل المشكلات وأشق المعضلات. ولقد ساءل نفسه: إذا كان من الممكن ~~للطيور أن تصل إلى أمريكا طائرة وللأسماك أن تصلها سابحة، فكيف تعلل وصول السوائم التي ~~لا تطير ولا تسبح؟» # وعاد فساءل نفسه في الطيور فقال: «ألا يوجد من بين ذوات الأجنحة تنوعات لا عداد لها ~~لا تطير إلا ببطء عظيم وتثاقل، وهي على ذلك شديدة الخوف من الماء، حتى إنها لا تجرؤ ~~على أن تسلم بنفسها طائرة فوق نهر قليل الاتساع؟» ولما رجع إلى الأسماك قال: «إنها تنفر ~~في العادة نفورا شديدا من مغادرة مياهها الأصلية.» وأظهر بعد ذلك أن كثيرا من أنواع ~~الأسماك التي تعيش في مياه أمريكا ومياه الهند الشرقية لم تعرف من قبل في القارات ~~الأخرى، وأن وجودها في تلك المواطن لا يمكن تعليله بأية نظرية ms162 من النظريات التي يعلل ~~بها توزع الحيوانات الطبيعي على وجه الأرض.» # أما إزاء القائلين بأن حيوانات الأرض من الجائز أن تكون قد توزعت في أنحاء الكرة بفعل ~~الإنسان، إما للانتفاع وإما للتسلية بها فإنه يتساءل: «من ذا من الجنس البشري يرغب في ~~أن يحمل معه على ظهر مركب سباعا ودببة ونمورا وغير ذلك من الحيوانات المفترسة المضرة؟ ~~ومن ذا الذي يأمن على نفسه معها؟ من ذلك الذي يود أن يوجد جماعات كثيرة منها في ~~بقاع جديدة اتجهت إرادة الإنسان إلى استعمارها وكانت خلوا منها؟» # أما النتيجة الأخيرة التي وصل إليها فكانت القول بأن النباتات والحيوانات إنما تتأصل ~~في نفس البقاع التي توجد فيها. وهي فكرة أخذ يؤيدها بمقاطيع من تينك الروايتين اللتين ~~وردتا في سفر التكوين، واللتين تشيران إلى صفة «التأصيل» - أي الخلق - التي اختصت بها ~~الأرض والمياه. # غير أن الحالات التي قامت خلال القرن الثامن عشر كانت على وجهة النظر اللاهوتية أشد ~~قسوة وأمر ثمرا، ولقد عمد «دوم كالت» # Dom Calmet # البنديكتي المعروف في تعليقاته # Commentary # ليستقوي على ~~الصعاب التي واجهت اللاهوت النصراني في ذلك الزمان، إلى الاعتقاد بأن كل الأنواع التي ~~تلحق بجنس ما من أجناس الأحياء كانت تكون في الأصل نوعا واحدا. ولقد تشبث بهذا ~~الاعتقاد على اعتبار أنه السبيل الأوحد الذي يمكن أن يعلل به الباحثون إمكان جمع زوج ~~من كل نوع من أنواع الحيوانات في سفينة نوح. غير أن هذا الرأي على الرغم مما فيه من ~~خطر واضح على الفكرة الأورثوذكسية، وعلى ما يتضمن من مناقضة صريحة للمذهب الذي استمسكت ~~الكنيسة بعراه، فالظاهر أنه كان كثير الذيوع بين المفكرين خارج الكنيسة، حتى لنجد ~~أن رجالا من طبقة «لينيوس» # Linneaus # قد عمدوا إلى ~~التفكير فيه خلال النصف الأخير من القرن الثامن عشر. ولقد كان من الضروري في ذلك الحين ~~أن تنشأ نظرية لاهوتية أخرى متطورة عن النظريات الأولى بعد أن نضج الزمان لظهورها. ~~ولقد حدث أن «لينيوس» العظيم - على الرغم مما أعلن عنه من شدة اقتناعه ms163 بثبات الأنواع ~~وخلقها مستقلة - قد قذف النظرية القديمة بقذيفة ذهبت بها بددا وحطمتها تحطيما. ففي ~~كتابه المعروف باسم «النظام الطبيعي» # Systema Naturae # الذي نشر في أواسط القرن الثامن عشر، أحصى أربعة آلاف نوع من أنواع الحيوانات؛ فظهرت إذ ~~ذاك الصعوبة التي صادفت آدم في تسميتها والصعوبة التي قامت من جراء حملها في سفينة نوح، ~~ظاهرة لكل المفكرين ظهورا جعل حل المعضلة أقل سهولة وأكثر صعوبة. # وتراكمت الصعاب حتى أصبحت ممضة معنتة؛ فإن عدد الأنواع المعينة قد مضى في الزيادة ~~زيادة كبيرة حتى إن أحد كبار الزولوجيين وثقاتهم المجربين من معاصرينا قد ذهب إلى أنه ~~«بجانب كل نوع من الأنواع التي أحصاها «لينيوس» قد عرف الطبيعيون خمسين نوعا آخر، وأنه ~~مما لا شك فيه أن عدد الأنواع التي لم تعرف بعد يزيد على عدد الأنواع التي عرفت ~~بالفعل.» # على أنه كانت قد قامت في الأذهان صعاب أخرى من جراء ما عمدت إليه الكتب المنزلة؛ إذ ~~كان من الضروري - على مذاهب اللاهوتيين - أن يحدث 360 فعلا خاصا من أفعال الخلق ~~المعجزة يقوم بها الخالق ليوجد 360 من الأصداف الأرضية التي تعيش في جزيرة «ماديرا» ~~وحدها على صغر مساحتها، وأن يحدث 1400 فعلا من أفعال الخلق المستقل ليوجد الخالق ~~العدد الموجود من صور نوع واحد من الأصداف المعروفة. # كذلك ازدادت الصعاب عندما عرض للمفكرين البحث في توزيع الحيوانات الجغرافي ~~واستيطانها على سطح الكرة الأرضية. وكانت كلما ازدادت الاستكشافات الجغرافية، ازداد ذلك ~~الخطر الذي داهم الفكرة اللاهوتية. ولقد كان العثور على آثار «السلوث» # Sloth # في أمريكا الجنوبية سببا في قيام أسئلة ممضة إذ قيل: كيف ~~يمكن لحيوانات تبلغ من ثقل الجثة مبلغ هذه أن تهاجر من أرارات - حيث رست سفينة نوح - ~~وأن تسافر إلى مثل هذه البقاع الضئيلة؟ # وكان للاستكشافات التي وقع عليها الرواد في أستراليا وما يجاورها من الجزائر آثار أشد ~~مرارة. فقد عثر الباحثون في تلك البقاع على عالم من الحيوان يختلف جهد الاختلاف عن عالم ~~الحيوان الذي عرف في بقية بقاع ms164 الأرض. # أما الإشكال الذي قام في وجه اللاهوتيين، فكان محاولة تعليل وجود «الكنغر» # Kangaro # في سفينة نوح في حين أنه لا يوجد الآن إلا في ~~أستراليا وحدها دون بقية البقاع المعروفة. وعلى الرغم من أن قدرة هذا الحيوان كبيرة، ~~فإنه يبقى أمام اللاهوتيين أن يظهروا كيف استطاع هذا الحيوان، وبأي قدر من القفزات ~~المتوالية، أن يجتاز الجبال والوديان، وأن يعبر المحيطات التي تفصل هذه القارة البعيدة ~~عن بقية قارات الأرض؟ أما إذا قيل بتلك النظرية التي يزعم أصحابها بأن طريقا للاتصال ~~كان يصل في الأزمان الأولى ما يفصل الآن بين تلك القارة وأقرب قارة إليها، فإنه يبقى ~~أمام القائلين بهذه النظرية أن يظهروا لماذا لم تستطع الأسود والنمور والجمال والزراف ~~أن يجدوا طريقا أو يقتحموا الحواجز إليها. # منها ترى أن النظرية اللاهوتية قد تحطمت وذهبت بددا وأجزاء في أواخر القرن الثامن ~~عشر، أما عقلاء اللاهوتيين فقد تريثوا متلبثين. أما الحمقى منهم فقد نزعوا إلى ~~الإنذار والتهديد ليقتلعوا جذور الإنكار والكفران، وأنكروا «العلم» الذي يسمى علما ~~بطريق الخطأ معلنين في كثير من النزق «أن الأناجيل صحيحة» في حين أنهم لم يعنوا ~~بقولهم إن الأناجيل صحيحة إلا أن الفهم المحدود الذي فهموا به الأناجيل والذي ورثوه عمن ~~سبقهم صحيح استتباعا. # لم ينتصف القرن التاسع عشر حتى بان لكل المفكرين بجلاء كاف أن النظرية اللاهوتية في ~~الخلق قد نقضت تماما، ولو أنها كانت تردد في جنبات الكنائس احتفاظا بالشكل دون ~~الموضوع. ولقد نهض رجال عظام من رجالات الكنيسة أمثال الكردينال «ويزمان» في الكنيسة ~~الرومانية، والأسقف بوكلاند في الكنيسة الأنغليكانية، وهيوموللر في الكنيسة الأيقوسية، ~~يعملون بجهد اليائس لعلهم يفوزون بإنقاذ شيء من ذلك المعتقد، ولكنها كانت جهود ضاعت سدى ~~وذهبت هباء، وهنا ظهرت صفة الأمانة الصلبة القوية التي تمشت في صدور التيوتون ~~والأنجلوسكسون، والتي هي لدى الواقع أنبل ميراث أورثته العصور الوسطى للعالم، تحقق ~~وجودها في القلاع القديمة التي احتمت وراء حصونها المذاهب اللاهوتية، ونعني بها ~~الجامعات. فلا منطق الأسقف «بطلر» على قوته، ولا ms165 معقولات رئيس الأساقفة «بالي» Paley # على روعتها، قد أغنت عن الكنيسة شيئا. فكما ~~استطاع مفكرو الفلكيين من كوبرنيكوس إلى نيوتن أن يحطموا النظام الفلكي القديم الذي ~~كانت الأرض فيه مركز النظام الكوني، والله الواحد القهار جالس فوق الجلد السماوي، على ~~أنه السبب المباشر الذي يحرك الأجرام السماوية بيديه، كذلك استطاعت سلسلة منظومة من ~~عظماء البيولوجيين أن ينقضوا الفكرة القديمة التي تركزت من حول خالق يعمل جاهدا في أن ~~يصور الحيوانات، ويصبها في قالب خاص لتكون مفيدة للإنسان أنهم وضعوا للحياة نظاما ~~جديدا. وهذا ما سوف نتكلم فيه بعد. ~~(3) النظريات اللاهوتية والعلمية في تطور الطبيعة الحية # رأينا حتى الآن كيف تثبت في عقلية النوع البشري فكرة خلق الكون المنظور، وما يأهل به ~~من الأحياء خلقا موقوتا كاملا، وفكرة وجود خالق على صورة بشرية وبخصائص بشرية، تكلم ~~فبرزت المادة إلى الوجود فعلا بأن حرك أوتار صوته وشفتيه، أو أنه صور المادة بيديه ~~وأصابعه ووضعها حيث هي موجودة الآن. # ورأينا أيضا أن هذه الفكرة قد ورثت منذ أزمان بعيدة، وأنها كانت إحدى المعتقدات ~~الشائعة في المدنيات الكلدانية البابلية ومدنية مصر القديمة، وأنها ربما كانت موجودة في ~~مدنيات أولى يفصلها عن زماننا هذا أبعد عهد يمكن أن يقدره التاريخ المعروف. وعرفنا أن ~~صور هذه المعتقدات قد انتقلت إلى كتب اليهود المقدسة؛ ومن ثم إلى الكنائس النصرانية ~~الأولى، التي عمل لاهوتيوها على تنمية هذه المعتقدات خلال العصور الوسطى، واحتفظوا بها ~~خلال العصور الحديثة. # غير أن هذه النظرية بينما كانت تنمو وتتطور بجهد سلسلة من عظماء الرجال الذين اتصفوا ~~برجاحة العقل ونبل المقصد على طول آلاف كثيرة من السنين، نشأ بجانبها تصور آخر كان ~~يناوئ هذه النظرية حينا أو يختلط بها حينا آخر. ذلك هو تصور أن الكائنات الحية، ~~كليا أو جزئيا، هي نتيجة نظام يبعث على النماء والتغاير، أو بالأحرى فكرة في تطور ~~الأحياء. # وهذه الفكرة قد تطورت في صور مختلفة جد الاختلاف، وكانت ذات أثر كبير واضح في كل ~~الصور اللاهوتية والفلسفية التي نشأت ms166 خلال المدنيات القديمة على وجه التقريب. فإنك تجد ~~أنه قد انتشرت بين كل الشعوب القديمة، التي امتازت بقوة الفكر والتأمل، فكرة أنه ~~مطاوعة لحكم قوة قدسية، قد برزت الأرض من العماء الذي كان سداه مياها متلاطمة، وأن ~~الأرض والبحر بدورهما قد ولدا الأحياء التي تغشاهما. # وتظهر هذه الفكرة بوضوح من الآثار الكلدانية البابلية التي قرئت معمياتها في ~~العهد الأخير. وقد أشرنا إليها من قبل. وفيها نجد آثار عماء سداه المياه التي بلا ~~نهاية، وأن هذه المياه تحت تأثير قوة قدسية قد أنشأت الأرض وأحياءها وكانت حيوانات ~~الماء أسبق بالظهور على حيوانات الأرض التي تلت تلك في الظهور، وأن هذه كانت منقسمة ~~إلى ثلاثة أقسام كبرى، على نفس الطريقة التي قسمت بها حيوانات الأرض في الآثار ~~العبرانية. ونجد فوق هذا أن «الخالق الكلداني» قد أعلن في عدة مواضع من قصة الخلق ~~المنسوبة إليه أن خلقه «جميل» على نفس النمط الذي يصف به «الخالق العبراني» خلقه إذ ~~يصفه بأنه «حسن». # وفي كلتا الروايتين - الكلدانية والعبرانية - تجد قبة زرقاء صلبة القوام مقعرة ~~الشكل. وفي كلتيهما تجد أن النور خلق أولا، وأنه بعد ذلك علقت الأجرام السماوية ~~لتؤدي الإشارات القدسية وتشير إلى الفصول السنوية، وفيها تجد أن العدد «سبعة» قد خص ~~بالقداسة على صورة خاصة، وأن تقديس هذا العدد قد أدى إلى تكوين أقسام مقدسة في الوقت ~~وفي غيره من الاعتبارات الإنسانية. # أضف إلى ذلك أنه فضلا عما نجده في القصة العبرانية من الصور الذهنية التي تتفق ~~والأساطير الكلدانية، فإن قصة الخلق في كليهما - أي العبرانية والكلدانية - قد عقب ~~عليهما بأسطورة في «هبوط الإنسان» وفي «الطوفان»، تلك الأشياء التي نجد أن كثيرا من ~~تفاصيلها قد نقلت من الكلدانية إلى العبرانية بصورة قد حورت بعض التحوير. # ولا جرم كانت تصبح معجزة حقيقية لو أن هذه التصورات الأولية التي صبت في ذلك القالب ~~الشعري القوي خلال تلك المدنيات القديمة والتي نشأت على ضفاف الدجلة والفرات، لم يتأثر ~~بها العبرانيون على مدى تلك العصور التي خضعوا فيها ms167 لجيرانهم الكلدانيين، وعلى الأخص ~~إذا تذكرنا أنهم كانوا في ذلك العهد قد خطوا في التدرج والارتقاء خطوات طويلة ~~ثابتة. ومنذ أن برزت إلى الوجود أبحاث لايارد وجورج سميث وأوبرت وشاردر وجنسن وسايس ~~والذين عاونوهم في تلك الأبحاث الطويلة، لم يبق مجال للشك في أن هذا التصور القديم ~~في حقيقة الكون - والذي يمكن أن يكون قد تحور إن لم يكن قد نشأ في طيات تلك المدنيات ~~القديمة - قد أصبح للعبرانيين ميراثا، فأخذوه ثم صبوه في صورة توحيدية مخلخلة الاتصال، ~~ثم أسبغوا عليه ثوبا شعريا جعله كلا، هو لدى الواقع كنز من أثمن الكنوز التي وصلت ~~إلينا من مخلفات «الفكر القديم» حفظ بين دفتي سفر التكوين. # وبينما كانت الفكرة في إبراز خلق مادي مصنوع بيد خالق وأصابعه أو صوته مبدأ لتكوين ~~مذهب لاهوتي بالغ التأثير، وبينما كان تيار هذا المذهب يندفق من جيل إلى جيل مستمدا ~~خلال كل جيل قوة من مجهودات آباء الكنيسة ودكاترة اللاهوت وقديسي الكنائس المبرزين في ~~علوم الدين، كاثوليك وبروتستانت، أخذ نهر ضئيل من نهيرات الفكر الإنساني ينساب بقوة قد ~~تخفى حينا، وقد نستبينها أحيانا، ناقلا في طيات الفكر جيلا بعد جيل، فكرة في أسلوب ~~من النشوء حاول أن يعلل بها الكون والمخلوقات. # أما المحترم الأستاذ سايس # Rev. Prof. Sayce # ذلك ~~الباحث الإنجليزي الذي لن نؤمن بأن من الباحثين في هذا الموضوع من يبزه سعة اطلاع أو ~~رصانة حكم، فقد أعلن معتقده في أن النظرية الكلدانية البابلية كانت بلا أقل شك النبع ~~الأوحد الذي استقيت منه مقومات نظرية أخرى أخذ بها الفيلسوف الأيوني «أناكسمندر» ~~ونماها، ودافع عنها، وأن فلاسفة اليونان القدماء قد استمدوا هذه النظرية عن البابليين ~~من طريق أهل فينيقية. وكذلك قضى بأن هذا النبع عينه كان مستقى نقلت زبدته في الروايات ~~التي قصت في كتبنا المقدسة. وبهذا الاعتقاد يؤمن كل علماء الآثار الآشورية من أهل ~~النصرانية. # والحقيقة أن تلك الروايات التي تقص في كتبنا المقدسة تناقض إحداها الأخرى؛ ففي ~~ذلك الجزء من الرواية الأولى - أو الرواية ms168 الألوهية # 25 # التي نعثر بها في الإصحاح الأول من سفر التكوين - نجد أن «المياه» أخرجت ~~الأسماك والحيوانات البحرية والطيور (تكوين 1 : 20). غير أننا في الجزء الثاني المعروف ~~باسم «الرواية اليهووية» # 26 # والتي نعثر عليها في الإصحاح الثاني من سفر التكوين، نجد أن حيوانات ~~اليابسة والطيور قد خلقت لا من «الماء» بل من الأرض (تكوين 2 : 19). # إن المهارة الجدلية التي اتصف بها آباء الكنيسة قد استطاعت أن تستقوي على هذا التناقض ~~فتؤوله تفسيرا. غير أن تيار الفكر القديم - على الرغم من هذا، وقد عضدته هاتان ~~الأسطورتان - قد خدرهم فتنقل منسابا في طيات العقول، عقول أقدر من أبرزت الكنيسة من ~~رجالها خلال القرون، ودمغ الفكرة اللاهوتية بدامغ واضح الأثر، ظل ظاهرا في جبينها طوال ~~دهور؛ إذ وجهها إلى القول بنظرية ما في نشوء الكائنات. # بل كان هنالك نبع آخر فاض بالفكرات النشوئية. فإن المفكرين من أهل المدنيات الأولى، ~~تلك المدنيات التي اهتزت وربت على ضفاف الأنهار في مناطق الأرض المعتدلة، قد لاحظوا ~~كيف أن «الإله الشمس» عندما كان يطلع على الأرض في قوته وجبروته، قد استطاع أن يولد ~~من الأرض صور الحياة الدنيا. ففي مصر على الأخص قد رأى الناس كيف أن طمي النيل - تحت ~~تأثير تلك العناية القدسية - قد أنشأ من «الدواب» الصغيرة ما لا عداد له. ومن هنا نشأ ~~المعتقد القديم في أن الحيوانات ومعه الإنسان قد خلقت «في البدء» من المادة الميتة ~~بأمر العناية الإلهية، تلك الفكرة التي حلت محلها فكرة أن بعضا من الحيوانات الصغيرة - ~~وعلى الأخص الحشرات - قد نشأت فيما بعد بتطور آخر؛ حيث استمدت على حسب النموذج ~~الخلقي الأولي من منابع متفرقة، ولكن على الأخص من مادة في حالة الانحلال. # وهذا المعتقد القديم على ما كان به من مظاهر التخلخل، قد ساعد على تفريخ جرثومة في ~~التطور أرقى من الجرثومة الأولى، أسلم بها إلى اليونانيين القدماء. فالفلاسفة أمثال ~~أنكسيمندر وإمبيذقليس وأناكساغوراس، وعلى رأس الجميع أرسطوطاليس - كما رأينا من قبل - ~~قد عمدوا إلى تنمية هذه الجراثيم القديمة، ms169 وقد شقوا الطريق إلى الحقائق حادسين تلك ~~الحقائق التي أيدتها من بعد المشاهدات. ولقد وصل أرسطوطاليس - بالمشاهدة حينا والتأمل ~~حينا آخر - إلى نتائج لو أن حرية الفكر اليونانية قد استمرت كما كانت؛ إذن لوصلت ~~الإنسانية منذ زمان بعيد إلى ما وصلت إليه الآن من حقائق علم البيولوجيا. فإنه قد وصل ~~إلى أعماق من الفكرة العلمية أدت به إلى القول بنشوء العضويات العليا تدرجا من تصور ~~دنيا، وقال بذلك الفرض المنتج، فرض أن في الطبيعة «مبدأ يسوقها إلى الكمال». # فلما أربت فكرات اللاهوت النصراني، صد الميل الذي كان يحفز الباحثين إلى الوصول ~~إلى نظريات نشوئية أكثر صدقا، عن الاستمرار في طريقه المرسوم. غير أن الفكرة القديمة ~~الناقصة في التطور قد ظلت ثابتة. ومثالا على ذلك نرجع إلى فكرة القديس «باسيل» ~~الكبير الذي عاش في القرن الرابع الميلادي. فإنه لما أراد أن يناقش روايات أعمال الخلق ~~قد أعلن بأمر من الله «قد خصت المياه بقوة إنتاجية، وأنه من الطمي والطين اللازب نشأت ~~الضفادع والهوام والبعوض؟» # ثم أشار في النهاية إلى أن ذلك «الصوت» نفسه الذي خص الأرض والمياه بتلك القوات ~~الإنتاجية، سيظل مختصا بهذه القوة ذاتها حتى نهاية العالم. وعلى هذه الفكرة - أو ~~ما يشابهها - سار القديس غريغوري النياسي. # وهذه الفكرة التي استمكنت من عقلية آباء الكنيسة الشرقية العظام، قد أصبحت أشد ~~استمكانا من عقلية الأب الأكبر للكنيسة الغربية؛ فإن القديس أوغسطين - على الرغم من ~~استمساكه بالنص الحرفي الذي صبت فيه الكتب المقدسة - قد رجع عن مذهبه المعروف في ~~قبول التنزيل بنصوصه كما هي، ورفض المعتقد السائد في أسلوب خلقي يشابه ذلك الأسلوب ~~الذي يتبعه صانع اللعب التي يلهو بها الأطفال من عمل صندوق به مختلف الصور ~~والألاعيب. فقال في مقالته المعروفة «تعليقات على سفر التكوين»: «إن الفرض بأن الله قد ~~خلق الإنسان من التراب بيدين عضويتين لفكرة صبيانية. فإن الله لم يبرأ الإنسان لا بيدين ~~عضويتين، ولا بأن نفخ فيه ريحا خرج من حلقومه أو من بين شفتيه.» # بعد هذا تجد ms170 أن القديس أوغسطين قد جنح إلى الاعتقاد بالنظرية التطورية القديمة التي ~~عرفت بنظرية «الانبثاق» # Emanation # وهي التي تقول ~~بانبثاق جميع الأشياء من الله، فقال «بأن حيوانات صغيرة معروفة من الممكن ألا تكون قد ~~خلقت في اليوم السادس من أيام الخلق، بل من المرجح أن تكون قد تأصلت بعد ذلك ~~اليوم من المواد المنحلة، مثبتا أنه وإن كان هذا هو الواقع، فإن الله ولا شك يكون ~~خالقها، مستندا إلى إمكان الخلق بالتبعية إلى حقيقة إيجاد المخلوقات بالفعل. ومن ثم ~~يتكلم في «الحيوانات التي برزت بعددها المقدر لها فيما بعد اليوم السادس من أيام ~~الخلق.» # وفي مقالته الكبرى في التثليث # Trinity # وهو مؤلف ~~أنفق فيه ثلاثين سنة من أطيب أيام عمره، نقع على هذه الفكرة في أجلى مظاهر نمائها. فإنه ~~في النهاية يعمد الى القول بفكرة أن خلق العضويات كان خاضعا لأسلوب من النشوء # Growth # وأن الله هو المكون الأول، ولكنه يعمل من طريق ~~أسباب ثانوية. ويختم القول في ذلك بأن مواد ما، قد خصها الله بقوة، تستطيع من طريقها ~~أن توجد صورا خاصة من الحيوان والنبات. # وهذه الفكرة التي ترمي إلى إمكان نشوء الأحياء بوساطة أسباب ثانوية منفصلة عن أعمال ~~الخلق الأصلي، قد ساعدها على البقاء والنماء ضرورات لاهوتية لم يكن عنها من محيص. فإنه ~~شيئا فشيئا وعلى مقدار ما كان يتسع مجال النظر في مخلوقات العالم العضوي، أصبح عدد ~~الحيوانات الدنيا والكائنات المجنحة والأشياء الزاحفة # Creeping ~~Things # مصدرا ~~للشعور بعبء ثقيل ينوء على قصة الخلق المقدسة بكل ثقله. وشيئا فشيئا أخذ الشعور ~~يتحول نحو إمكان التوفيق بين ما يقتضى لله القاهر من عظمة وكرامة، وبين عمله في خلق ~~هذه الكائنات الحقيرة وحشرها أمام آدم ليسميها، وكذلك إمكان التوفيق بين مقدرة آدم ~~المحدودة بصفته الإنسانية وبين استطاعته أن يسمي «كل كائن حي» أو التوفيق بين اتساع ~~فلك نوح وبين ما يحتاج حملها من الفراغ الكبير، ومقدار الغذاء الضروري لتقويم حياتها ~~على مختلف ضروبه، سواء أكان ما حمل منها أزواجا أو سبعات، ms171 كما ذكرت في موضعين مختلفين ~~من الكتاب المقدس. # ولقد كانت الفكرة في اتساع الفلك مصدرا لكثير من الاضطرابات. فإن «أوريغن» قد عمد ~~لدى الكلام في ذلك إلى فرض أن الذراع # Cubit # كان ستة ~~أضعاف مقداره المعروف في عصره. وأبان «بيده» عن قدرة نوح ليبني مثل هذا الفلك بأن فرض ~~أنه ظل يعمل في بنائه مائة من السنين. ولما أراد الكلام في مقدار الغذاء الذي كان من ~~الواجب أن يحمله فيه، أعلن أنه لم يكن هنالك من حاجة لأن يحمل معه من الغذاء إلا ما ~~يكفي يوما واحدا، ما دام أنه في قدرة الله أن يلقي على الحيوانات سباتا عميقا، أو ~~أن يصنع بها غير ذلك من معجزة تجعل غذاء يوم واحد كافيا لحفظ حياتها، وكذلك حاول أن ~~يخفف ضغط الحقائق على الإيمان فخفض من عدد الحيوانات التي حملت في الفلك، مستندا ~~في ذلك إلى نظرية أوغسطين التي سبق شرحها، من القول بنشوء الحشرات من المواد المتعفنة ~~والجيف. # ومما لا ريبة فيه أن هذه الضرورة اللاهوتية كانت من بين الأسباب ذات الخطر التي ~~حفزت القديس «إيزيدور الإشبيلي» في القرن السابع، أن يدمج هذه النظرية، مستعينا ~~بالقديس باسيل والقديس أوغسطين، في مؤلفه الإنسيكلوبيذي الكبير الذي ظل في منتجع ~~الفكر ومرجع الطلاب في حقيقة الله والطبيعة أجيالا عديدة. ولقد مهر هذا القديس، عالم ~~اللاهوت بمذهب الخلق بأن جعله أكثر ذيوعا وانتشارا بين المؤمنين؛ إذ قربه إلى ~~الأذهان بأمثال ضربها فقال: «إن النحل إنما يحدث من لحم الثور المنحل، والخنافس من ~~لحم الحصان، والجراد من البغال والعقارب من السراطين.» ومن أجل أن يؤيد هذا المذهب بقوة ~~جديدة تلوح معها مثل هذه الاستحالات العضوية في حيز الإمكان، يعمد إلى الرواية التي ~~جاءت في الكتاب المقدس عن «نبوخذ نصر» # Nebuchadenezzar # وهي رواية من الظاهر أنها كانت ذات أثر واضح في الفكر العلمي خلال العصور الوسطى، ~~معلنا أن كثير من بني آدم قد استحالوا حيوانات فصاروا على الأخص خنازير أو ذئابا أو ~~بوما. # إن مذهب «المخلوقات البعدية» ms172 - أي المخلوقات التي ظهرت «بعد» اليوم السادس من أيام ~~الخلق - قد مضى يستجمع الأسانيد والقوى الفكرية من حوله، حتى إذا كان القرن الثاني عشر، ~~ظهر بطرس لومبارد في ملخصه اللاهوتي المسمى «الجمل» # Sentences # أبعد ما يكون اقتناعا وقوة في تصوير الفكرة الكنسية، ~~مبينا الفرق بين الحيوانات التي تنشأ من الجيف والحيوانات التي خلقت من التراب ~~والماء؛ ليقول بعد ذلك بأن الحيوانات الأولى خلقت «بالقوة»، وأما الثانية فخلقت ~~«بالفعل»! # وفي القرن التالي تناول القديس «توماس أكويناس» هذه الفكرة وعلى يديه صبت في قالبها ~~الأخير. ففي كتابه المسمى # Sumna Theologia # الذي لا يزال ~~معتبرا حتى الآن أثمن ما أخرج الكاتبون في العصور الوسطى، تراه يقبل مذهب أن صنوفا ~~خاصة من الحيوانات قد تنشأ من أجسام منحلة نباتية وحيوانية، ويعلن في صراحة أنها إنما ~~تتكون خضوعا لكلمة الله، إما بالفعل وإما بالقوة. ثم يتوسع في هذه الفكرة مثبتا ~~«أنه ما من شيء خلقه الله بعد ستة الأيام الأولى من أيام الخلق فكان جديدا بمعنى ~~الجدة، بل لا بد من أن يكون مندمجا في الأعمال التي تمت في تلك الستة أيام» وأنه ~~«حتى الأنواع الجديدة - إذا ظهر شيء منها - فلا بد من أن تكون قد وجدت في خصائص معينة، ~~كما تستحدث بعض الحيوانات من المواد المنحلة.» # على أنك تجد أن التفريق الحاصل بين الخلق بالفعل والخلق بالقوة، أو الخلق بالمادة ~~والخلق بالصورة، قد نماها وكثرها أصحاب التعليقات من بعد ذلك. فقد قال «كورنليوس ألابيدا» # Cornelius a Lapide # إن بعض الحيوانات لم ~~تخلق «إطلاقا» بل «بالاشتقاق». وبعد ثلاثة قرون أخذ «أوغسطينوس أيوغيبينوس» # Augustinus Eugubinus # هذه الفكرة ~~وتوسع فيها فقال بأنه بعد أن دعت القوة الخالقة الأرض والماء إلى الوجود، خلق الله ~~القادر الضوء، وهو الأداة التي استخدمت في كل ما تلا ذلك من أعمال الخلق، وأن الضوء دعا ~~من بعد ذلك كل الأشياء إلى الوجود فوجدت. # هذا العلم - كما يدعى علما من طريق الخطأ - حتى بعد أن نمته أكبر العقول التي ظهرت ~~بين جدران الكنيسة، ms173 على الرغم من أنه علم «عقيم»، كان إلى هذا الحد غير ضار على الأقل، ~~غير أنه كان في نظر اللاهوتيين ممن أقاموا أنفسهم حفظة على كنوز العلم الكنسي، ~~وكانوا ينددون بأقل انحراف عن الفكرة الأصلية المقدسة، ذا خطر عظيم؛ فقد ظهر لهم ~~أن هؤلاء إنما يذهبون بمذهب «الخلق البعدي»، بمقتضى الأسباب الثانوية إلى غايات كبيرة ~~الخطر. لهذا تجد في بداية القرن السابع عشر أن اليسوعي الإسباني المعروف «شوارز» # Suarez # وهو لاهوتي ذو شهرة كبيرة، قد رفض هذه الفكرة، ~~معلنا أن القديس أوغسطين «هرطوق»؛ لأنه أخذ بها وعضدها. # غير أنه لم يكن هناك من خطر على الفكرة القديمة حتى بعد أن بلغ الناس من التفكير هذا ~~المبلغ؛ فإن الميول اللاهوتية الأساسية كانت من القوة بحيث مضى الناس بها ~~مستمسكين. # وكان اللاهوت الإنجيلي لا ينفك عاملا على نسج شبكته السحرية يجر خيوطها من ~~أمعائه الواسعة، فكان ذباب اللاهوت يعلق بها أينما صادفته وأينما صادفها. غير أنك ترى ~~فوق ذلك أن من هنا ومن هناك حام من حول الشبكة مفكرون أقوياء الحجة ثابتو البديهة، ~~استطاعوا أن يحلوا أنفسهم من أغلالها، بل حلوا معهم أغلال غيرهم ممن كانوا قد تساقطوا ~~عليها. # في نهاية العصور الوسطى، وعلى الرغم من تشبث الكنيسة البروتستانتية بنص الكنيسة ~~المقدسة، خلقت نهضة الآداب والسياحات البحرية جوا جديدا انتعش فيه الفكر وتقدم ~~خطوات واسعة من حيث النظر في مشكلات الطبيعة، فكان أقوم سبيلا وأثبت قيلا. فأينما ~~وليت وجهك وحيثما أدرت عينيك، بل وفي كل مجال، كنت ترى رجالات أفذاذا قد وقفوا على ~~مستكشفات كان من شأنها أن تظهر المذاهب اللاهوتية، أقل مسايرة للحقائق وأشد مناهضة ~~للواقع المحسوس. # إن أول ما يجدر بنا ذكره من أولئك الذين يجب أن نخصهم بالاحترام والتبجيل، كمثال ~~لتلك الفئة التي أخذت تحيي تيار الفكرة الإغريقية، تلك الفكرة الفذة التي خلخلتها ~~وصدعت أركانها أساليب العلم التي استمدها من كتبنا المقدسة آباء الكنيسة خلال ألف كاملة ~~من السنين، هو ذلك الجهبذ النادر «جيوردانو برونو» # Giordano ~~Bruno # إن ~~أقواله ms174 كانت ولا شك غامضة مبهمة، بل لا نبالغ إذا قلنا إنها كانت ملغزة إلغازا. غير أن ~~هذا يمكن أن نتسامح فيه؛ لأنه بلا ريب كان يرى عن كثب ما سوف يكافأ به إن هو أعلن ما ~~أضمر، وصارح بما أسر في نفسه. غير أن هذا لم يفده شيئا، فنال على يد الكنيسة ~~عقابه الأكبر، تلقاء أقواله المبهمة الملغوزة المشحونة بالأخطاء العلمية، فأحرق ~~حيا وذريت مع الريح بقاياه الترابية. على أنه جوزي في نهاية القرن التاسع عشر ~~خير الجزاء؛ إذ اجتمع لفيف من أكبر مفكري الأرض وأجمعوا أمرهم على أن يقيموا له تمثالا ~~ينصب حيث أقيمت المحرقة التي أحرق عليها بأمر مجلس التفتيش الروماني، بعد أن مضى ~~على ذلك زهاء ثلاثة قرون كاملة. # بعد موت «جيوردانو برونو» وفي خلال النصف الأول من القرن السابع عشر، ظهر «ديكارت» ~~ليرفع راية الإمامة في مجال الفكر الإنساني. فإن نظرياته - ولو أنها نقضت الآن - قد ~~حفزت العقول إلى البحث والاختبار بالمشاهدة إذ ذاك. فإن نبوغه قد ظهر في أجلى مظاهره ~~بتلك النظرية التطورية الميكانيكية التي وضعها في تكوين النظام الشمسي، كما كان ~~أسلوبه التفكيري سببا في أن يقوى تيار المذهب التطوري - النشوئي - على وجه عام. ~~غير أن الاضطهاد المستمر الذي ناله من الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية على ~~السواء، جعله يلغز أفكاره ألغازا، بل حمله على أن يترك أكثرها جائلا في ثنايا ~~نفسه من غير أن يجرؤ على المصارحة به. ولقد أحرق «برونو» عندما كان «ديكارت» في طول ~~الطفولة، ولما بلغ مبالغ الرجولة تعقب بانتباه معركة غاليليو، وتتبع حوادثها جملة ~~وتفصيلا. ولقد رأى مؤلفاته تلعنها الجامعات واحدة تلو أخرى تحت تأثير اللاهوتيين، بل ~~رآها تضم إلى الفهرست الروماني. وعلى الرغم من أنه زود الفكر الإنساني ببراهين قوية ~~يثبت من طريقها وجود الله، واضطر أن يمتهن نفسه إزاء اليسوعيين، فإنه لم يسلم من اتهام ~~الكاثوليك والبروتستانت على السواء. حتى إنه من الحق أن نقول إنه منذ عصر «روجر باكون» # Roger Bacon # لم يمتهن اللاهوتيون مفكرا كبيرا ~~بقدر ما ms175 امتهنوا «ديكارت» بل إنهم استبدوا به وحقروه تحقيرا. # وفي أواخر القرن ذاته ظهر المفكر الكبير ليبنتز # Leibnitz # وعلى الرغم من أنه لم يبشر بنظرية نشوئية كاملة، فإنه أعطى ~~الفكرة سندا جديدا بأن بث نظرية تناوئ الاعتقاد المقدس في ثبات الأنواع، ذلك ~~الاعتقاد الذي كان يلزم المؤمنين بأن يؤمنوا تسليما بأن كل نوع في عالم الحيوان، إنما ~~تلابسه ذات الصورة التي خرج بها من يد الخالق. والتي سماه بها آدم، والتي فارق بها فلك ~~نوح! # غير أن الكنيسة لم تتركه من غير أن تنزل به العقاب، فبعد سنين قلائل في سنة 1712 ~~تمكن اليسوعيون من أن يحبطوا مشروعه في تكوين أكاديمية علمية في فيينا. وعلى الرغم من ~~أن السلطات الإمبراطورية قد منحته أعلى درجات الشرف وحوطته بأقصى ما تستطيع من عناية، ~~فإن القساوسة وهم المتحكمون من فوق المنابر وفي نواميس الإيمان، لم يمكنوه هو ~~والذين انتهجوا سبيله من طلاب العلم، من أن يكشفوا عن بعض الحقائق التي بثها الله في ~~ثنايا الطبيعة. # ولا يجدر بنا أن نغفل ذكر «سبينوزا وهيوم وكانت» بين الذين هم كان من المستطاع أن ~~يكون لفكراتهم - ولو كانت خطأ - أثر في تنشئة نظريات جديدة أصدق برهانا وأقوى أساسا، ~~لو لم يفعم جو زمانهم بريح اللاهوت القاتل. غير أنه بعد أن مات «ليبنتز» ببضعة أعوام، ~~ظهر في فرنسا مفكر ممن اتخذوا علم الطبيعة مجالا لجهدهم. على أنه لم يكن من الشهرة ~~في المكانة التي نزلها أولئك الأعلام. غير أنه استطاع مع هذا أن يخطو بالعلم إلى الأمام ~~خطوة ثابتة. # ففي بداية القرن الثامن عشر ظهر «بنوا ده ميليه» # Benoist de ~~Maillet ~~، وهو رجل ~~دنيوي عرك الحياة وعرفها، وكان بجانب هذا واسع المشاهدة دقيق الملاحظة صادق الفكر عميقه ~~كثير الشغف بالطبيعة، فبدأ يتأمل في تأصل الصور الحيوانية على الأخص وكيفية نشوئها؛ ~~حتى أدى به تأمله إلى فكرة تغاير الأنواع، ومن ثم إلى الاعتقاد بتطورها على صورة ~~يصح أن يقال إنها من الأسس التي بنيت عليها الفكرة الحديثة في النشوء. ms176 ولقد آمن ~~إيمانا صادقا مفروغا منه، ولو أنه لم يكن بينا صريحا في بعض المواطن، بأن ~~الأنواع الحالية مشتقات تحولت عن أنواع أخرى بتوالي التغاير الوصفي على أعضائها. ومن ~~البين فوق ذلك أنه قبل مبدأ من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها اليوم علم ~~الجيولوجيا؛ إذ آمن بأن تركيب الكرة الأرضية يجب أن يخضع في درسه للمؤثرات الطبيعية ~~التي تجري تحت أعين الباحثين في العصر الحاضر. # على أنه لم يلبث غير قليل حتى وقع بين نارين. فكانت الأولى السلطات الكنسية: تتهمه ~~بأنه حر الرأي # Freethinker # وكانت الثانية سلطة ~~فولتير # Voltaire # الأدبية إذ رماه بأنه مغال في ~~رأيه متعصب له، ولما شعر بأن الخطر الأكبر آت من ناحية لاهوتيي الأورثوذكسية، حاول «ده ~~ميليه» أن يحمي نفسه من أذاهم بأن ينشر كتابه تحت اسم مستعار يرمز له رمزا في الصفحة ~~الأولى، وبأن يجري في المقدمة والإهداء على قاعدة «التلاعب بالألفاظ» حتى إذا حاولت ~~السلطات اضطهاده، استطاع أن يعلن أن الكتاب ليس بأكثر من هلاس خيالي. لهذا تجد أنه ~~أشار إلى أن الكتاب عبارة عن أشياء أفضى بها حكيم هندي إلى مبشر مسيحي. غير أن هذه ~~المناورة لم تفده شيئا؛ فإنه جعل «الحكيم الهندي» يرجح أن أيام الخلق التي ~~ذكرت في سفر التكوين لم تكن إلا عصورا متطاولة ودهورا متلاحقة. وهذه الفكرة - ~~مع غيرها من الفكرات التي لا تنزل عنها أثرا من حيث التأثير في اللاهوت النصراني؛ - ~~كانت كافية لأن تعتبر مسممة للأفكار. وعلى هذا لم ينشر الكتاب قبل سنة 1748، أي بعد موت ~~مؤلفه بثلاث سنوات، وكان قد طبع سنة 1735. # وترى من جهة أخرى أن لاهوتية «فولتير» الإلحادية الإنكارية قد تحركت من مكمنها لتضرب ~~في أصول الفكرة الجديدة. فإن «ده ميليه» عندما رأى آثار الحفريات التي كشف عنها في رءوس ~~الجبال، قضى بأن وجودها دليل على أن هذه الجبال كانت يوما من الأيام تحت سطح البحر. ~~ولما تراءى لفولتير أن في هذه الفكرة تأييدا لطوفان نوح أخذ يهاجم المفكر الجديد ويهزأ ~~به بلا شفقة ms177 أو هوادة. ومن سوء الحظ أن بعض ما وقع فيه «ده ميليه» من الأخطاء، وما قال ~~به من احتمالات، فتحت لفولتير المجال واسعا وأفسحت له سبيل الاستهزاء والسخرية. ~~ولا مشاحة في أن «فولتير» لن يجد من مادة للسخرية أوسع مجالا من نظرية قال بها «ده ~~ميليه» في جد وصلابة، من أن أول إنسان وجد فوق سطح الأرض قد ولدته «مرمادة». # 27 # ومن هاتين الصورتين اللاهوتيتين، صورة اللاهوت الأقدس ممثلا في الكنيسة، واللاهوت ~~الإلحادي الكاذب ممثلا في فولتير، لم يظهر «لده ميليه» من أثر أو يعترف له بفضل ~~إلا منذ عهد قريب، عندما قام رجالات العلم في فرنسا وإنجلترا ليوفوه من التكريم حقه. ~~غير أنه على الرغم من كل هذا فإن مؤلفه لم يقض على أثره بتة حتى في حال حياته وبين ~~أبناء عصره؛ فإن «روبينيه» # Robinet # وبونيه # Bonnet # قد خطا كل منهما بالنظريات خطوات ثابتة، كانت ~~للعلم انتصارا جديدا. # في خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر قام في وجه هذا التيار المجيد سد «منيع» ~~استجمع لبناته العلامة «لينيوس» # Lineaus # وكان ~~أبعد علماء الطبيعة في عهده صيتا وأكثرهم شهرة وأنفذهم نظرا وأوسعهم اطلاعا ~~ومشاهدة وأدقهم فكرا. غير أن الجو الذي عاش وانتعش فيه، كان مسمما بفضلات اللاهوت ~~الإنجيلي، فكان له أكبر الأثر في تفكيره العلمي. # إن من يزور قبر «لينيوس» الآن، ميمما شطره من باب كاتدرائية أوبسالا الجنوبي، يرى ~~منقوشا فوق أحجاره تنويها بخرافة الخلق العبرانية؛ ففي سلسلة من الأطباق المنقوشة، ~~ترى الخالق في صورة بشرية يتم عمل كل يوم من أيام الخلق . وتراه في ترتيب العمل يضع ~~القبة الزرقاء الصلبة ومن فوقها المياه، ويثبت فيها الشمس والقمر والنجوم، ومن تحتها ~~السوائم والطيور والنباتات، ويتم مهمته بأنه يخرج الرجل الآدمي من كثيب من الأرض ~~السفلى، والمرأة من أحد جنبيه. ومما لا شك فيه أن «لينيوس» عندما كان يذهب إلى الكنيسة ~~ليؤدي واجبه الديني، كان ينحرف قيد أنملة عن الفكرة التي تتضمنها هذه الخرافة. وغالب ~~ما كان يضطر إلى التسليم ببعض ms178 الأشياء، كلما يزداد ضغط الكوارث التي نزلت بالنظرية ~~الأورثوذكسية. على أنه عندما بلغ أواخر سنيه، بشر متهيبا بنظرية أن أنواع كل جنس ~~من أجناس الأحياء كانت في بدء الخليقة نوعا واحدا. بل إنه في الطبعة الأخيرة من ~~كتابه «النظام الطبيعي» # Systema Naturae # قد انصرف عن ~~الزعم الأورثوذكسي من القول بثبات الأنواع، بعد أن كان قد تشبث به كل تشبث في ~~مؤلفاته الأولى. غير أنه لم يعلن عن ذلك صراحة وجلاء. أما ما كان ينتظر من جزاء فيها لو ~~صارح بنظرية جديدة ينميها ويشفعها بالبراهين، فقد ساقت إليه مقدمات معروفة نتائجها. فإن ~~التحذيرات - مصبوبة في قالب التهديد - قد تناوحت من حوله تحملها رياح البروتستانت ~~والكثلكة. # في الوقت الذي مضى فيه رعاة الكنيسة القديمة يقرظون الفجرة الخلعاء من الأمراء ~~أمثال «لويس الخامس عشر» ويكيلون لهم الثناء جزافا، متبعين تلك الأساليب السفيهة ~~الساقطة المرذولة التي اختط خطتها اليسوعي «سانشيز» # Sanches # في تعليم الكهنة والقساوسة كيفية علاقة الرجل بالمرأة من ~~ناحية جنسيته، ارتاعت الكنيسة كل ارتياع، بل اهتزت سلطاتها فزعا ورعبا عندما برهن ~~«لينيوس» على حقيقة النظام التناسلي في النباتات؛ حتى لقد حظر نشر كتاباته في ~~الولايات البابوية سنوات عديدة. كما حرمت على القراء في كثير من بقاع أخرى في ~~أوروبا كانت لا تزال السلطة الكهنوتية فيها من القوة، بحيث تستطيع أن تجبر الناس على ~~مثل هذا الحرمان، وأن تقف حائلا في وجه التيار العلمي الحديث. ولقد ظل الحال على هذا ~~المنوال إلى سنة 1773 عندما قام كردينال واسع العقل بعض الشيء، وهو الكردينال ~~«زنلاندا» # Zenlanda # فنجح في الحصول على أمر يبيح ~~للأستاذ «ميناسي» # Minasi # أن يلقي دروسا في نظام ~~«لينيوس» النباتي في روما. # ولم تكن البروتستانتية أقل عسفا أو أهون استبدادا. ففي خطاب إلى «إلوويس» # Elouis # يذكر «لينيوس» مدى الاحتقار الذي وجه إلى ~~العلم على يد الأسقف «سفيد برج» # Svedberg # أحد رعاة ~~الكنيسة اللوثرية العظام، وقد وصل إلى أكاديمية العلوم الملكية تقارير عديدة، وفي ~~أنحاء مختلفة من أوروبا مؤادها أن المياه قد انقلبت ms179 إلى دماء. وأن رجال الكهنوت الذين ~~هم «يعلمون» والذين هم «يعنون ما يقولون قد رأوا في هذه الظاهرة دلالة على غضب «الله» ~~على البقاع التي حدثت فيها هذه الخوارق بالذات، كما يجوز أن تكون علامة على غضبه على ~~النوع البشري في مجموعه. ولقد حدثت مثل هذه «الخارقة» في أسوج فامتحنها «لينيوس»، ووجد ~~أن السبب في احمرار الماء راجع إلى تكاثر نوع من الجيوينات فيه. ولما وصل إلى الأسقف ~~أن «لينيوس» قد علل احمرار الماء بهذه الطريقة؛ جاهره بالعداء واقتحم الميدان، فقال ~~في هذا الاستكشاف العلمي إنه «غمرة شيطانية» # Abyssum ~~Satanae # وأعلن «أن احمرار الماء غير راجع إلى سبب طبيعي» وأن ~~«الله عندما يسمح بحدوث مثل هذه المعجزة يحاول الشيطان متخذا من أعوانه البعيدين عن ~~الله المعتمدين على أنفسهم، المكتفين بقواهم العقلية، وسائل تظهر معها المعجزة كأنها لا ~~شيء» ولقد اضطر «لينيوس» أمام هذه الجملة الشنيعة إلى النكوص والتقهقر. فذكر لأحد الذين ~~كاتبوه «أنه من الصعب أن يصارح بشيء إزاء هذا الأمر» مستخفيا وراء القول «بأنها لمعجزة ~~أن تنشأ ملايين عديدة من الجيوينات فجأة وفي أقصر زمان» وأن هذه المعجزة إنما «تظهرنا ~~بلا أقل شك، على القدرة العاقلة البالغة التي يختص بها الله الذي لا يحد بزمان ولا ~~مكان.» # وكان الطبيعي الكبير قد طعن في السن وأنهكته الجهود التي بذلها في سبيل العلم، فلم ~~يقو على أن يقاوم تيار اللاهوت الذي انساب في عصره، فاستنام مطيعا لقوته. وبينما ~~كان التغير الظاهر الذي استولى على كل ما كان يراه من فكرة أورثوذكسية في أول حياته، ~~وقد تسلل في هوادة وسكون إلى الصيغة الأخيرة من كتابه العظيم كما رأينا، فإنه لم يبذل ~~جهدا محاولا أن يطبع العالم بطابع فكرته التي استخلصها من جهاده العلمي الطويل. وظل ~~متظاهرا بأنه من أنصار الفكرة القائلة بأن كل الأنواع الحية قد خلقها الله القادر على ~~كل شيء في البدء، وأنه منذ «البدء» لم تظهر أنواع جديدة على إطلاق من القول. # غير أن نفوذه العلمي العظيم لم يقف ms180 الاستكشاف العلمي. فقد ازداد عدد الأنواع ~~المستكشفة يوما بعد يوم. وكذلك أخذت الحقائق المستكشفة في علم الاستيطان التوزيع الجغرافي # Geographical Distribution # تصبح شيئا بعد ~~شيء غير مفهومة بل بعيدة عن بديهة العقل لدى تطبيقها على النظرية القديمة، كما أن ~~العقول قد اتجهت وهنا على وهن نحو الاعتقاد بأن الكون والعضويات الحية قد وجدت ~~خضوعا لنظام بعيد عن فكرة الخلق المستقل - في البدء - حتى لقد أصبح سؤال العلم الأوحد: ~~«بأية وسيلة وجدت الأشياء؟» # ولم يكن في القرن الخامس عشر كله من رجل اشتغل بالتاريخ الطبيعي، بحيث كان من المنتظر ~~أن تنتج جهوده نتاجا يمكن به الإجابة على هذا السؤال سوى «بافون» # Baffon # الفرنساوي، فقد خص بقدر كبير من موهبة القدرة على البحث ~~وعمق التفكير، وكانت كفايته على استظهار نتائج أبحاثه واستعماقه الذهني، من أكبر ~~الدلائل على عبقريته. ولقد استضاء فكره بنظرية التطور بتغاير الأنواع، وكان المنتظر أن ~~يخطو بها خطوات ذات بال. غير أنه لم يصل إلى هذا الحد حتى أدركه نفوذ اللاهوت، فشعر ~~بقوته الثقيلة تنوء على كاهله. # ولقد رحبت الكنيسة بأبحاثه طالما كانت مقتصرة على وصف الأحياء، ولكنه لم يكد يدلف ~~من الوصف إلى استنتاج حقائق ذات قيمة فلسفية، حتى انفجرت عليه بطاريات السوربون ~~اللاهوتية، معلنة له أن «الكنوز المقدسة التي عهد بها إلى الكنيسة» تنص «على أنه في ~~البدء خلق الله السماوات والأرض»، وأن كل «الأشياء قد خلقت من بدء صنع الدنيا»، ومن ~~أجل تلك الاستعراضات العلمية البدائية التي تعد اليوم من الحقائق المتداولة، قد ~~اضطر «بافون» - خضوعا لسلطان الكنيسة - أن يعتذر عنها علنا وأن ينشر اعتذاره مطبوعا ~~على الناس. ولقد قال في اعتذاره : «أعلن إقلاعي عن كل ما جاء في كتابي خاصا بتكوين ~~الأرض، وجملة عن كل ما جاء به مخالفا لقصة موسى.» # غير أن كل هذه الانتصارات التي حازتها الأساطير الكلدانية البابلية، والتي ورثتها ~~الكنيسة النصرانية باللقاح، لم تغن إلا قليلا. # ففي أواخر القرن الثامن عشر بدأت تلوح في أفق الفكر تقريرات، كلا بل شروح وافية ms181 جلية ~~في هذه الناحية أو تلك، من نظرية نشوئية كبرى، تناولتها العقول بالبحث والتقرير آنا ~~بعد آن، ومن جهات تختلف أمزجتها جهد الاختلاف، بل تتباين كل التباين. على أننا نخص ~~بالذكر من تلك الشروح والتقريرات ما أظهره «إراسموس داروين» # Erasmus ~~Darwin # في ~~إنجلترا. وموبرتوي # Maupertuis # في فرنسا، وأوكن # Oken # في سويسرا وهردر # Herder ~~، وعلى الأخص «جوته» # Goethe # في ~~ألمانيا لما اتصفت به تقريراته من الطلاوة والقوة. # على أننا نذكر من بين هؤلاء الأفذاذ رجلين يجب أن نوجه إليهما عناية خاصة، وهما ~~تريفيرانوس # Treviranus # في ألمانيا، ولامارك # Lamarck # في فرنسا؛ فإن كلا منهما مستقلا عن الآخر، ~~قد جر العالم من هذه السبيل إلى حدود لم يبلغها من قبلهما. # ففي سنة 1802 أخرج «تريفيرانوس» كتابه في علم البيولوجيا وبث فيه فكرة أنه من صور ~~الحياة التي كانت في البداية بسيطة، قد نشأت كل النظامات العضوية الراقية متطورة ~~تدريجيا. وأن كل المخلوقات الحية فيها قدرة على قبول التهذيبات الوصفية التي تقع ~~على تراكيبها بفعل المؤثرات الخارجية، وأن أي نوع من الأنواع المنقرضة لم يصبح ~~منقرضا بالفعل، بل لا بد من أن يكون كل منها قد تطور فصار نوعا آخر، كذلك أخرج ~~«لامارك» كتابه «الأبحاث» # Researches # وبعد قليل كتابه ~~الكبير «فلسفة الحيوان» # Zoological Philosophy # الذي ~~أدخل على نظرية النشوء عاملا جديدا، هو عامل فعل الحيوان ذاته؛ إذ يجاهد في سبيل أن ~~«يتطور» ليرضي بذلك حاجات جديدة تظهر في أفقه وبيئته، وأثبت في النهاية هذه النتائج: # أولا: # أن الحياة تعمد إلى زيادة الحجم في كل جسم حي وفي كل أعضائه حتى يبلغ ~~من النماء الحد الذي تتطلبه حاجاتها. # ثانيا: # أن الحاجات المستحدثة في الحيوانات تنشئ أعضاء جديدة. # ثالثا: # أن نماء هذه الأعضاء يكون دائما بنسبة استعمالها. # رابعا: # أن صور النشوء المستجدة في الحيوانات تنتقل إلى الأعقاب. # ولقد كانت أمثاله التي ضربها للتدليل على صحة مذهبه، كاستطالة عنق الزرافة باحتياجها ~~جيلا بعد جيل إلى ارتعاء أوراق الأشجار العالية، واستطالة أرجل الكنغر الخلفية وقوتها ~~راجعة إلى احتياجه ms182 إلى الوثب. مثالا للسخرية والاستهزاء. غير أن ما قوبلت به تدليلاته ~~هذه من السخرية كان سببا في تعلق آثارها بالأذهان وتنطبع فيها. # على أن في المثلين اللذين أتينا عليهما، ولو أنهما ناقصين غير كاملين قد كونت حقائق ~~جدية، حقائق كان من المؤكد أن تنمو وتؤتي أكلها. # فإن ما أعلن عنه «لامارك»، وعلى الأخص قوله إن نشوء الأعضاء ونماءها إنما يكون بنسبة ~~استعمالها، وإشاراته التي وجه فيها القول إلى انتقال الصفات المكتسبة أو المفقودة من ~~الآباء إلى الأعقاب، كانت قوة كبرى عملت على تنشئة نظرية النشوء وتدعيم أسسها. # وكان «حفرو سانتيلير» # Geoffroy st. Hilaire # أكبر من ~~تبع «لامارك» من رواد هذه النظرية. ففي سنة 1795 وضع نظرية أن الأنواع عبارة عن سلسلة ~~من التطورات المتتابعة واقعة على صورة أصلية # Type # أو ~~مثال أصلي. ولقد عمل على تنشئة هذه النظرية وتنميتها متدرجا فيها على مر الزمن وبمقتضى ~~ما كان يكشف له من أسرار الطبيعة. ولقد كان من نصيبه أن يواجه في سبيلها عقبات شديدة ~~عاتية. وأن يخوض في سبيلها معارك ممضة مضنية سنين طوالا. # أما الرجل الذي خاض المعركة في عصر «سانتيلير» فكان مرماه العلم، ولكنه خدم اللاهوت ~~لا عن قصد ولا عن شعور، فكان «كوفييه» أكبر الفوسيقيين في عهده، وحجة علماء الطبيعة في ~~عصره. وكان شهرته العلمية عن جدارة واستحقاق. ولقد ضفت عليه الألقاب العلمية من وطنه ~~ومن غير وطنه. فكان يحملها بحق وبوزن لا تطفيف فيه. فكان من رجال الحاشية الملكية في ~~عصر نابليون، ورئيس مجلس المعارف العمومية، ورئيس الجامعة في عصر البوربون بعد رجوعهم ~~إلى عرش فرنسا، وحامل لوسام اللوجيون دونور، ونبيل من نبلاء فرنسا، ووزير للداخلية، ~~ورئيس لمجلس الدولة في عصر لويس فيليب. ولقد حاز شهرة في كل مركز من هذه المراكز، ومع ~~كل ما حازه من مراقي الشرف باعتلائه هذه المناصب الإدارية. لم يكن شيئا مذكورا بجانب ~~ما عقد له من لواء الزعامة في عالم العلم الطبيعي. ولقد اعترف له «العلم» في كل ~~أنحاء الدنيا بأنه مالك ms183 زمامه وحامل لوائه، ولهذا الشرف الكبير عاش اسمه، وبحق سوف ~~يعيش. غير أنه كانت تكمن في تضاعيف نفسه وفي تلافيف دماغه، كما كمنت في نفس لينيوس ~~جراثيم جعلته ينظر في الكون من ناحية تصور لاهوتي بذاته في أصل الخليقة وتخطيط ~~تصاميمها الأولى. غير أن هنالك اعتبارات ذات بال جعلته يقاوم النظرية الجديدة ويشدد ~~عليها الخناق بقوة. منها أن أخلاقه قد تكونت على أن يكون شاكا إزاء كل نظرية جديدة ~~في العلم لكثرة ما رأى في حياته من ولادة النظريات واستشبابها ثم موتها. ومنها بيئته ~~كعمدة من عمد الحكومة حاز الشرف ونال الحب والاحترام، بل عبده الأعظمون، وقدسه ~~الأنبغون، لا من رجال الحكومة وحدهم، بل من رجال الكنيسة أيضا. ومنها حيدته وبعده عن ~~المجادلات العنيفة رغبة منه في أن يتحامى المعارك الشديدة التي كان لا بد من أن تحتدم ~~نارها ويتلظى سعيرها إذا قاوم العلم الكنيسة عيانا وبادرها بالعداء جهارا. وعلى ~~الأخص بعد أن وقعت أوروبا في يد الكنيسة لقمة سائغة باردة بعد الثورة الفرنساوية ~~الكبرى، وجعلت من أعدائها موطئا لقدميها؛ لهذا تراه قد ناوأ في جلبة المدائح التي أفاض ~~بها عليه أعاظم رجال الكنيسة، بكل سلطته العلمية ونفوذه، على نظرية النشوء مؤيدا ~~النظرية القديمة، نظرية النكبات الجيولوجية، وما يتبعها من مذهب الخلق المستقل. # غير أن «جفردي سانتيلير» قاومه بمرارة وحرارة، محتملا في سبيل ذلك كل ضروب الإنكار ~~وسوء المعاملة والسخرية. في حين أن «تريفيرانوس» بعيدا في حجرة محاضراته الرياضية في ~~مدينة «بريمان» كان نسيا منسيا. # ذلك في حين أن تيار الفكرة النشوئية ظل منسابا جاريا، ولم تستقو هذه الوسائل على ~~صدره والوقوف في سبيله. نعم إن مجرى الفكرة قد انتابته بعض الصعاب زمانا ما، غير أن ~~الفكرة تحولت في مجار أخرى وفي طرق وأمكنة لم يكن من المحتمل أن تتمشى فيها. فإن ~~هذه الفكرة كما بدأت في فرنسا ظهرت في إنجلترا على الأخص، حيث ظهرت سلسلة كون وحداتها ~~رجال من عظماء الحفريين والجيولوجيين، حتى انتهت بظهور الجليل شارلس ميل # Lyell ms184 # ونهض الإخصائيون في أنحاء الدنيا فاستجمعوا ~~بجد وجلد ومثابرة كثيرا من الحقائق وقارنوها بعضها ببعض وفكروا فيها أعمق تفكير ~~متبعين طرقا أخذت بعدها نظرية الخلق المستقبل تتوارى وتتراجع شيئا بعد شيء، ولما ~~اتسعت تلك النهيرات الفكرية واستقوت على شق طريقها في أرض الفكرة القديمة، لم تلبث إلا ~~قليلا حتى تجمعت في ملتقى واحد؛ لتكون نهرا عظيما من الفكر أخذ يفيض ويتدفق بصور ~~التجديد الفكري والابتكارات الاستكشافية. # ففي سنة 1813 أذاع دكتور ويلز # Dr. Wells # الإنجليزي ~~نظريته في النشوء بالانتخاب الطبيعي؛ ليعلل بذلك ظهور السلالات المتغايرة في النوع ~~البشري وحوالي سنة 1820 أذاع الأسقف ~~هربرت # Sean Herbert ~~- وكان من الثقاة المعدودين في علم زراعة الحدائق - معتقده في ~~أن الأنواع ليست سوى تنوعات ثابتة؛ أي غير ماضية في سبيل التغاير. كذلك تجد العلامة ~~«باتريك ماتيوز» Patrick Mathews # قد قر رأيه على ~~صحة مذهب الانتخاب الطبيعي في إحداث صور النشوء. في حين أن غير هؤلاء - سواء في أوروبا ~~أم أمريكا - قد ألمعوا إلى هذه النظرية إلماعا ونظروا فيها إلماما. # غير أن هذه الفكرة لم يتأثر بها أحد ممن هم خارج دائرتها، وعلى الأخص إذا تذكرنا أن ~~أفراد هذه الحلقة لم يكن لهم تأثير ظاهر. وكانت الكنيسة هادئة ساكنة؛ ذلك لأنها كانت ~~باسطة نفوذها الرجعي في القارة الأوروبية على الأبلطة الملكية وعلى الوزراء وعلى ~~الجامعات. وكان الأسقف «كوكبرن» # Cockburn # يقاوم رافضا ~~نظريات «ماري سومافيل» # Mary Somerville # والجيولوجيين، ~~بين تهليل رجال الكنيسة وتصفيقهم. بينما كان المحترم «مليور براون» يفعل نفس الفعل، ~~مختطا ذات الخطة؛ ليشذب من قيادة المنشقين على الكنيسة. # أما في أمريكا فقد قوبلت تقريرات «سيليمان» # Silliman # وأتباعه بمعارضة لاهوتيي «أندوفر» وعلى رأسهم موسى ~~ستيورات # Moses Stuart ~~، وليس في هذا من الغرابة بقدر ما في موقف الجامعات ~~الإنجليزية؛ فإنها على إطلاق القول لم تعر هؤلاء المجددين العظام أي الثقات. اللهم ~~إلا ليكونوا موضع سخرية أو ازدراء. # في سنة 1844 لقح تيار هذه الفكرة بعنصر جديد عندما أخرج «روبرت شامبرس» # Robert Chambers # كتابه آثار الخلق ms185 # Versiges of ~~creation # كان في ~~الكتاب من الجاذبية وخفة الروح ما جذب إليه أنظار عديد وافر من القراء. فعم انتشاره ~~وذاع صيته. وكان من رأي مؤلفه أن سلائل المخلوقات الحية المتعددة من أبسطها وأقدمها ~~إلى أرقاها وأحدثها نتيجة مؤثرين مستقلين بثهما الخالق الأول وآخر مرة في تضاعيف ~~الطبيعة. فكأن المؤثر الأول عبارة عن قوة بثت في جبلة صور الحياة تدفعها إلى التدرج ~~في الارتقاء حالا بعد حال. أما المؤثر الثاني فقوة تعمد دائما إلى تهذيب العضويات بما ~~يجعلها تلائم ظروف الحالات الخارجية. والمحصل أن محور الكتاب قد دار حول فكرة في النشوء ~~مصبوغة بصبغة الإعجاز، أو هي تجويز لبسط أعمال الخلق خلال كل الأزمان. وإن شئت فقل ~~تعبير ديني عن مذهب لامارك. # وكان من ذلك نتيجتان: لقيت الأولى روحا من الفزع والخوف، وحركت الثانية نزعة ~~البحث الجدي؛ فإن الأولى ظهرت بأجلى مظاهرها في خوف اللاهوتيين وفزعهم من الكتاب. فقد ~~علت الصيحة في جانبهم في حرارة وجد بأن الكتاب يساعد على ترويج الإلحاد وإنكار وجود ~~الله. على أننا إذا رجعنا إلى نهج الفكرة والسبيل الذي تمشت فيها العقول منذ ذلك ~~الحين حتى اليوم وما نشأ فيها من تطورات، لشعرنا بأنه كان من واجب قدماء أهل اللاهوت أن ~~يصلوا إلى الله طاعة وشكرا على ظهور كتاب «شامبرس»، وأنهم كانوا أجدر بأن يضرعوا ~~إلى الله عسى أن يكون ما فيه صحيحا. أما النتيجة الثانية فانحصرت في أن الكتاب قد هيأ ~~القول بقبول معتقد النشوء، باعتبار أن النشوء في صورة أو وضع ما ممكن على الأقل. وعندي ~~أن هذا الكتاب لم يكن له قيمة عملية واقعية سوى في هذه الناحية وحدها. # بعد هذا العهد بثماني سنوات نشر العلامة الفيلسوف هربرت سبنسر مقالة قارن فيها بين ~~نظريات الخلق المستقل ونظريات النشوء، مؤيدا بكثير من البراهين الراجحة القوية ~~النظرية الأخيرة، مظهرا بما لا يحتمل الشك أن الأنواع لا بد من أن تكون قد تهذبت ~~وصفا بتأثير ظروف الحالات. غير أن ما في هذه الثمرات الشهية من ms186 قوة وجاذبية لم ~~يدرك أهميتها إلا قليل من الأفذاذ. تلك الثمرات التي ظلت تتجه نحو النضج ببطء خلال ~~سنوات عديدة. # في الأول من شهر يولية سنة 1858 قرئ أمام جماعة لينيوس # Lennaean ~~Society # خطبتان: الأولى ~~لشارلس داروين والثانية لألفرد روسيل وولاس، وبقراءة هاتين الخطبتين، ولدت نظرية النشوء ~~بالانتخاب الطبيعي. وبهما فتحت ثغرة واسعة في حصن اللاهوت الآخذ بمذهب ثبات الأنواع على ~~صورها الحالية منذ بدء الخليقة. # أما تاريخ هذه المدونات العلمية فإن أهل العصر الحديث يحفظونها عن ظهر قلب. فكيف أن ~~شارلس داروين كان قد ألحق بجامعة كمبردج ليخرج في سلك الكهنوت الإنغليكاني، ثم تركها ~~ليلتحق في سنة 1831 يبعث حول الأرض فوق ظهر «البيجل»، وكيف أنه ظل سنوات خمسا مكبا ~~على الدرس والتحصيل منقبا في أدق مشاكل علم الحياة ومستعصياته كما ظهرت له آثارها فوق ~~الأرض وفي البحار، بين البراكين والجزائر المرجانية، في الغابات ومن فوق الرمال، وفي ~~الأقطار الاستوائية إلى البقاع المتجمدة، وكيف أنه في جزر رأس فيردوالغلاباغوس وفي ~~البرازيل وباتاغونيا وأستراليا، استطاع أن يسائل الطبيعة وأن يستدر وحي أسرارها بقوة في ~~الفكر واستعماق في النظر لم يبزه فيهما عالم من قبل، وكيف أنه عاد إلى إنجلترا غير ~~معروف ولا مذكور بلسان، بل عكف هادئا وادعا مكبا على عمله، ثم سرعان ما وجه أنظار ~~العالم كله إلى التفكير في أمر مباحثه التي بثها في كتبه مثل كتاب جزائر المرجان # Reifs Coral ~~، ومقالته في الحيوانات السلكية الأرجل # Cirripedes # وكيف أنه في النهاية عرض مخطوطته ~~التي حاول فيها أن يكشف عن سر الأسرار في أصل الأنواع، وكيف أتبع ذلك بمقالات عديدة ~~رفعته إلى مصاف كبار الرواد في تاريخ الفكر الإنساني. كل هذه الحقائق ذائع أمرها ~~مذكورة غير منسية من طلاب العلم وأهل التاريخ. # ولقد أخذ عالم العلم يحقق شيئا فشيئا القوى الخلقية العظيمة التي أظهرها داروين في ~~كل دور من أدوار حياته. فموهبة القدرة على الصمت والسكون، وتلك القوة العظمى التي ~~أظهرها في الاحتفاظ بفكرته الكبيرة - فكرة النشوء بالانتخاب الطبيعي ms187 - مستعرضا إياها ~~في جو من الدرس الهادئ العميق والتأمل الواسع المستفيض - خلال حقبة من الزمان لا يقل ~~مداها عن العشرين عاما على وجه التقريب - فلم يشر إليها بإشارة ولم يبشر بها للعالم ~~ولو تلميحا، بل جال في كل مجال من العلم ليستجمع الأدلة والبراهين، إما لها أو عليها، ~~وليحصل على أكبر مجموعة في المادة العلمية التي تمكنه من حل المشكلات التي عرضت ~~له. عامة؛ لذا حقق لدى العلماء ما كان لداروين من قوة الخلق وصلابة الأعضاء. # ولم يفش فكرته تلك إلا لرجل واحد؛ إذ باح بها للدكتور «يوسف هوكر» # Joseph Hooker ~~، فقد قدم له سرا في سنة 1844 ~~ملخصا بالنتائج التي وصل إليها ومضى على ذلك أربعة عشر عاما حتى سنحت الفرصة التي ~~أوحت إليه بأن زمان الإفصاح عن فكرته قد آن، وذلك بعد أن وصل خطاب من ألفرد روسيل وولاس # Alfred Russell Waliace ~~، وكان قد وصل بعد ~~أبحاث مبتكرة مستفيضة خلال عقد كامل من الزمان - 1848 إلى 1858 - قضاه متنقلا بين بلاد ~~البرازيل وأرخبيل الملايو، إلى نفس الفكرة في النشوء بالانتخاب الطبيعي. ومن بين ~~البراهين الناصعة على أن الدرس العلمي لن يضر بشيء في مختلف صور العواطف الإنسانية، تلك ~~القصة العجيبة التي يرويها تاريخ العلم عن ذلك الخطاب الذي أرسل به «وولاس» لإنجلترا. ~~فقد أرسل «وولاس» مع هذا الخطاب مذكرة «لداروين» وسأله أنه يعرضها على جمعية لينيوس ~~العلمية. فلما استوعبها «داروين» وجد أن «وولاس» قد وصل مستقلا عنه إلى نتائج تقرب من ~~النتائج التي وصل إليها. ومعنى هذا أنه كاد يحرمه من كل صيت علمي ظل يعمل له عشرين ~~عاما طوالا. غير أن داروين كان وفيا لصديقه كما ظل صديقه وفيا له فيما بعد وعلى ~~طول الأيام. فلم يتردد في أن ينشر مذكرة «وولاس» مشفوعة بالنتائج التي وصل إليها. وكان ~~تاريخ نشر هذه الوثائق - أول يولية سنة 1858 - فاصلا بين عصرين تاريخيين، لا في العلم ~~الطبيعي وحده بل في الفكر الإنساني برمته. # وفي السنة التالية - 1859 - صدر الجزء الأول ms188 من مؤلفاته النشوئية كاملا؛ إذ أصدر ~~كتابه «أصل الأنواع» # The Origin Of Species ~~، وفي هذا ~~الكتاب استطاع داروين أن يكشف على الأقل عن سر واحد من أسرار النظام النشوئي الذي ~~كلت دون الإفصاح عنه جهود الباحثين والفلاسفة منذ عصر أرسطوطاليس؛ فإن مؤثر النشوء ~~الميكانيكي قد أفصح عنه خلال هذا الكتاب بثلاث حقائق دائمة التأثير في طبائع الكائنات ~~الحية. في التناحر على البقاء بين العضويات، وفي بقاء الأصلح، وفي الوراثة. ولقد ~~استعرضت هذه الحقائق في قالب دقيق من البحث والتنقيب زكته قوة الملاحظة والصبر والأمانة ~~وصحة الحكم والقدرة على التمييز، فلم يمض على نشرها عهد قصير حتى استلفتت أنظار العالم ~~كله. وحسبك أنها نتيجة عمل ظل متواصلا ثلاثين عاما طوالا. وثمرة لتفكير نابغة من ~~النوابغ الذين قلما يجود الدهر بأمثالهم. كلا بل كان أكثر من هذا. كان نتاجا لجهد ~~رجل نابغة آخر عاش منذ خمسين سنة مضت قبل ظهور «أصل الأنواع» هو «توماس روبرت ملتوس». ~~فإن كتابه في «مبادئ الإحصاء وزيادة عدد السكان» الذي بناه على قاعدة أن الحيوانات إنما ~~تتزايد بنسبة رياضية. وأنها إذا لم يقف سبيل زيادتها عاملا من العوامل، فإنها تسد ~~فضاء الأرض بما وسع، كان قد نسي وترك أمره، بل كان يشار إليه بهزة كتف أو ابتسامة ~~سخرية. غير أن نبوغ «داروين» قد استخلص منه معنى أعمق وفكرة أدق، وبجهده اشتركت فكرة ~~«ملتوس» في دفع التيار بأقصى ما جرى تيار من الفكر في كل العصور. فإن «داروين» لما أخذ ~~يتأمل في نظرية «ملتوس» ليطبقها على ملاحظاته ومشاهداته الطبيعية مع ما رأى من خصب ~~الطبيعة في إنتاج الأحياء؛ استطاع أن يصل إلى نظريته في الانتخاب الطبيعي وبقاء ~~الأصلح. # لما أن تصدع السد المذهبي الكبير الذي كان قائما بين وجهتي النظر القديمة والحديثة ~~تلقاء أصل الكون ونظامه، مد فيضان الفكر وعلا فوق شواطئ الدنيا برمتها، فأحيا كثيرا ~~من النباتات في كل حقل من حقول الفكر والاستنتاج العقلي؛ لهذا توالت طبعات الكتاب، ~~وترجم إلى اليابانية # 28 # حتى لقد لاحظ العالم ms189 أن تحجر الفكر العلمي الذي نعاه المؤلف الكبير ~~«بوكل» # Bouckle # منذ سنوات. قد اختفى متنحيا من ~~الميدان ليحل محله نشاط فكري قبل أن أثمرت صورة من صور النشاط التي انتابت الفكر ~~الإنساني بمثل ما أثر في كل العصور. فإن مجموعات من الحقائق العلمية التي استجمعت على ~~مر الزمان، وظن من قبل بأنها عقيمة ولا فائدة منها، قد أحييت وانتعشت، بل إن حقائق ~~ثابتة لم يعرف لها العلماء معنى أو فائدة، قد فسرت وعرفت معانيها الصحيحة من معجم ~~الطبيعة. وتحت هذا التأثير الجديد هب فريق كامل من شباب المتعلمين واحتل كل منهم ~~ناحية من نواحي البحث الطبيعي وافقت مشربه ولاءمت هواه. وظهرت على إثر ذلك الكتب ~~المبتكرة الناضجة، دبجتها أقلام رجال من مختلف الأمم. وحسبك أن تعرف أن مؤلفيها كانوا ~~من أمثال سبنسر وولاس وهكسلي وغالتون وتندول وتيلور ولابوك وبيجهوت ولوويس في إنجلترا. ~~وفئة من أكبر كتاب ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وأمريكا؛ فإنهم جميعا قد أصبحوا ~~بمؤلفاتهم التي أخرجوها من كبار الثقات في كل فرع من فروع علم الحياة. على أن فئة من ~~شيوخ علماء فرنسا قد ظلوا مستمسكين بالفكرة القديمة متأثرين بما كان لكوفييه من سلطة ~~ونفوذ. غير أن هذا لم يعق شباب فرنسا عن أن يقتحم أفراده السبيل إلى عالم النور ~~والعرفان. # إن مصدرا واحدا من مصادر المعارضة لا يجب علينا إهمال أمره هنا؛ ذلك لأن هذا ~~المصدر مثله لويس أغاسيز # Louis Agassiz ~~. # كان أغاسيز من كبار الباحثين، ومعلما أوحي إليه بالعلم وأوحاه، وكان فوق ذلك رجلا ~~نبيل النفس عالي الهمة، تلقى نظرية في الخلق العضوي وأخذ يلقيها ويلقنها، فلم يكن في ~~مستطاعه أن يتبدل منها بنظرية أخرى طواعية وبين عشية وضحاها. وظل عقله وقلبه جو تلك ~~الإبرشية السويسرية التي ولد فيها، وكانت ميوله الدينية وآدابه على ما كان فيهما من ~~جمال وروعة، قد جرحتها ونالت من عزتها شطحات بعض المتحمسين لنظرية النشوء ممن لا اختصاص ~~لهم بها؛ إذ كانوا يجهرون بأشياء كانت بطبيعتها ضد الدين، كما حملت بذورا من ms190 الفكر ~~ظهرت لأول وهلة كأنها على نقيض شريعة الآداب . أضف إلى ذلك الاتجاه العقلي الذي ورثه عن ~~«كوفييه»؛ فإن هذين التأثيرين معا قد اتحدا وتعاونا ليكونا سببا في أن يرفض «أغاسيز» ~~الفكرة الجديدة في النشوء. # وكان «أغاسيز» ثالث ثلاثة من العظماء الذين أقاموا السد في وجه نظرية النشوء وأحكموا ~~بناءه بعد أن أقاموا من دعائمه. كان أولهم «لينيوس» في النصف الثاني من القرن الثامن ~~عشر، وثانيتهم «كوفييه» في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كما احتل «أغاسيز» مركز ~~سلفيه في النصف الأخير من ذلك القرن. على أن كلا من هؤلاء لا يزال يذكر حتى الآن ~~ولقب العظمة والنبوع يتبع اسمه أينما يذكر. غير أنهم لم يستطيعوا مع ذلك أن يصدوا ~~التيار أو يحولوا مجراه. فإن الجهود التي بذلها «أغاسيز» في أمريكا على عظمتها والجهود ~~التي بذلها في أوروبا نفسها، كانت لدى الواقع سببا في الترويج لمذهب النشوء، فمن دار ~~العاديات الطبيعية التي أنشأها في كمبردج ومن مدرسته التي أسسها في «بنكيز» Penikese ~~، ومن قاعة محاضراته في جامعة «هارفارد» ~~وجامعة «كورنل» كان يخرج تلاميذه وأنصاره، وقد أفعم قلوبهم الحب والإعجاب بأستاذهم ~~الكبير، وملئوا حماسة للعلم يحرك أصولها في أنفسهم نحو الميادين التي يريد لهم أن ~~يرتادوها. غير أن قواهم التي عمل «أغاسيز» على تنبيهها وتعزيزها، قد انصرفت كلها إلى ~~تزكية الحقيقة التي عجز عن الاعتراف بها والترويج لها بكل طريق مستطاع. فإن شايلر ~~ومرفيل وباكاررد وهارت وويلدر وجوردان ولفيف غيرهم - وعلى الأخص ابنه الذي تشرف بأن ~~يحمل اسمه - قد أنصفوه كل إنصاف ومجدوا ذكراه كل تمجيد، بأن استخدموا كل ما تلقوا ~~عنه من علم، إلى البحث مؤتمين بالوحي الجديد الذي هبطت عليهم به نظرية النشوء ~~الحديثة. # على أنه لا يجدر بنا أن نهمل ذكر رجل آخر ننصف؛ إذ نخصه بالتبجيل والاحترام، هو ~~«إدوارد لفنستون ~~يومانز» # Edward Livingstone Yomuans ~~؛ فإنه على الأرجح أول باحث في أمريكا أدرك ما للحقائق الجديدة ~~التي بشر بها داروين وزميلاه وولاس وسبنسر من خطر وكبير أثر. ولقد ms191 اعتنق هذه الحقائق ~~مضحيا في سبيلها كل أمل له في نهجه الذي كان بدأه كمحاضر، مستهديا بهدي هؤلاء الزعماء ~~الثلاثة رافعا رايتهم، مكبا على الكتابة والنشر، معلنا عن الحقائق الجديدة، مدافعا ~~عنها بكل ما استطاع من قوة. # ولقد أيدت المذهب الجديد طائفة كبيرة من الحقائق الثابتة، كان أكبرها شأنا ما كشف ~~«لداروين عنه في تلقيح بعض أنواع النباتات وما استمد من مبادئ علم الأمبريولوجيا - ~~تكوين الأجنة - وتبع هذه مجموعة من الاستكشافات التي وصل إليها وولاس وباتسن وهكسلي ~~ومارش وكوب وليدي وهيكل وموللر وجودري وغيرهم من النابهين في أقطار الأرض. ~~(4) جهد اللاهوت الأخير # كان مثل كتاب «داروين» - أصل الأنواع - إزاء عالم اللاهوت، كمثل محراث صادف قرية من ~~قرى النحل في أرض مرملة، فكنت ترى في كل مكان أولئك الذين صحوا من نومهم الهادئ ~~العميق قد تهافتوا جماعات أخذها الغضب وفعل بها الاضطراب. بالمجلات والمواعظ الدينية ~~والكتب كبيرة وصغيرة، أخذت تنهال على المفكر الجديد من كل جانب انهيالا وتترامى عليه ~~تراميا. # أما رحى اللاهوت فقد حملها توا ومن غير توان مستر «ويلبر فورس» أسقف أوكسفورد، ~~وظهر بها على صفحات مجلة الكوارتارلي. فقد أعلن أن «داروين» قد أجرم أشنع جرم بأن «حاول ~~أن يحدد مجد الله في فعل الخلق» وأن «مبدأ الانتخاب الطبيعي لا يتفق بحال من الأحوال ~~مع كلمة الله» وأنه «يناقض العلاقات المنزلة التي ربطت بين الخلق وخالقه» وأن هذه ~~النظرية «لا تتفق وما يقتضيه كمال المجد الإلهي»، وأنها نظرية في الطبيعة تحقر القائل ~~بها، وأن هنالك تعليل أبسط وأكثر بداهة يمكن أن يعلل به وجود تلك الصورة العضوية ~~الغريبة القائمة بين أعمال الله.» # أما ذلك التعليل فينحصر «في هبوط آدم»، ولم تقف جهود الأسقف الكبير عند هذا الحد. ~~ففي اجتماع الجمعية البريطانية لتقدم العلوم زج الأسقف بنفسه في ذلك التيار الشديد. ~~ولما أشار إلى آراء «داروين» - وكان غائبا عن الاجتماع لمرضه - حمد لنفسه في خطبة ~~ألقاها أنه ليس منحدرا من القردة، فرد عليه هكسلي المعروف بقوله: «لو خيرت لفضلت ~~أن ms192 أكون من نساء قرد دنيء النسب، على أن يكون أبي رجلا من البشر يستخدم معلوماته ~~ومعارفه وقوته الخطابية في تحقير أولئك الذين يفنون أعمارهم الطيبة في سبيل البحث عن ~~الحقيقة.» # ولقد دوت هذه القذيفة في أنحاء إنجلترا دويا تناقلته عنها أجواء البلاد ~~الأخرى. # على أن أقوال «ولبرقورس» وكان معدودا من أنبه رعاة الكنيسة الإنغليكانية، قد تلقتها ~~الكنيسة الكاثوليكية الإنجليزية وجاوبت عليها بصوت آخر. ففي خطاب ألقاه الكردينال ~~«ماننج» # Manning # أمام أعضاء «الأكاديميا» # Acodemia ~~، وكانت قد تكونت لمحاربة ما يدعى ~~«العلم» # Science # هوجم المذهب الطبيعي الجديد ورمي ~~بالتجديف ووصف بأنه «فلسفة وحشية إذ تقضي عقلا بأن لا إله، وأن القرد هو أبونا ~~آدم.» # إن هذه الهجمات التي قامت بها مصادر اشتهرت في عالم اللاهوت ونبه صيتها في جو ~~الكنيسة قد صبغت الفكر الكهنوتي بصبغة ما بضع سنين. فقد ذهب كاتب كهنوتي معروف على ~~الرغم من السنوات الثلاثين التي أنفقها «داروين» في عمله الهادئ المستمر، وعلى الرغم من ~~تلخيص أصل الأنواع تلخيصا بلغ منتهى القوة والمتانة، إلى القول في إحدى مجادلاته؛ لكان ~~أجدر بداروين أن يكون أكثر نهى بأن يزودونا ببعض الأسباب الأولية التي تحملنا على نبذ ~~المذهب الذي يعتنقه الجميع. # ولديك لاهوتي آخر مشهور وكان نائبا لرئيس معهد أسس لمحاربة «العلوم» المضرة أو ~~«الخطرة»، قد أعلن بأن مذهب داروين «محاولة يقصد بها إنزال الله عن عرشه.» وذكر ناقد ~~آخر أولئك الذين تقبلوا مذهب داروين وآمنوا بصحته بأنهم كمثل الذين وقعوا تحت تأثير وحي ~~جنوني أوحى إليهم به من استشم غازا وبائيا كريها، كما قال في براهين داروين: إنها ~~«غابة ملتفة من فروض خيالية»، وتكلم آخر في مذهب داروين بأنه يفرض أن الله «قد مات»، ~~وأعلن أن مؤلفات داروين إنما تفتح باب الاضطراب في كل شيء من الأشياء التي أظهرها لنا ~~الله في كتبه المقدسة عن وسائلها ونتائجها في عمله. وقال ثقة آخر من رجال اللاهوت بأنه ~~إذا كان مذهب داروين صحيحا؛ إذن فسفر التكوين كذب، وبه ينهدم ذلك الهيكل العظيم الذي ms193 ~~نستقرئ آياته في كتاب الحياة ويتحطم تحطيما، ويصبح وحي الله للإنسان - كما نعرفه نحن ~~أبناء النصرانية - عبارة عن سخرية وخيال. # وقال آخر ممن أظهر صفات فذة أهلت به به لأن يكون من مستقرئي أسرار الطبيعة بأن المذهب ~~الدارويني «دعوى باطلة من أولها ...» # ومن جو أمريكا ترددت الأصداء. فقد قالت مجلة من أكثر مجالات الفئات الدينية انتشارا ~~في أمريكا: إن داروين «يحاول أن يزيد الإشكال ظلاما على ظلامه.» ورفضت أخرى فكرات ~~داروين باعتبار أنها «خيانة» وعدم «أمانة». وأعلنت المجلة التي تمثل فرع الكنيسة ~~الإنغليكانية بعد أن أوسعت «داروين» تسفيها وتحقيرا أن مذهبه «سفسطة وبعد عن المنطق.» ~~ومن ثم دلفت بقدمها في مناقشة خطرة قالت فيها: إذا صحت هذه النظرية الفرضية فهل تكون ~~الأناجيل خيالا لا يمكن تصديقه؟ وهل ظل النصارى أكثر من ألفي سنة غارقين في لجات ~~يم عميق من الكذب الفاضح؟ إن داروين يريدنا أن نكذب كلمة الخالق الأولى. # وحاولت جريدة أخرى تابعة لنفس هذا الفرع من أفرع الكنيسة أن تثبت أن نظرية النشوء ~~مناقشة للنصوص الصريحة التي أعلنت في العهد الجديد، كما أنها تناقض نصوص العهد ~~القديم، ثم قالت: إذا كنا جميعا أناسي وقرودا، أصدافا وبزاة، قد نشأنا من جرثومة ~~أصلية واحدة فهل يمكن أن يكون تصريح القديس بولس العظيم من أن الأجسام مختلفة، وأن ~~أجسام الآدميين نوع غير أجسام البهائم والوحوش وهذين غير أجسام الأسماك والطيور؛ غير ~~صحيح؟ # وارتفع صدى آخر من أستراليا، حيث نشر الدكتور «بري» # Dr. Perry # كبير أساقفة ملبورن كتابا هو أشد الكتب مضاضة وأكثرها ~~مرارة عنوانه «العلم والإنجيل» أعلن فيه أن الغرض الأول الذي يرمي له شامبرس وداروين ~~وهكسلي، هو أن يزرعوا في قرائهم بذرة إنكار الإنجيل وعدم الاعتراف به. # وهل يمكن أن تظل فروع الكنيسة القديمة من خلف هذه الجلبة ساكنة هادئة؟ كلا، فقد صرح ~~«بيمان» # Bayman # في مجلة «عالم الكثلكة» قائلا: ~~«لنا الحق في أن نعتقد أن داروين ليس إلا بوقا ينطق عن تلك الفئة الكافرة المجدفة ~~التي ليس لها من غرض ms194 إلا أن تذهب بكل فكرة في حقيقة وجود الله.» # ومن الأشياء التي لا يجب علينا أن نهمل الإشارة إليها لخطورتها في إظهار مقدار ما ~~بيت عليه الجانب اللاهوتي في ذلك العهد، كان تأسيس معاهد العلم القدسي التي هيئت ~~لمحاربة الفكرات الجديدة. ومن أولى هذه المؤسسات «الأكاديميا» # Acodemia # التي وضع تصميمها الكردينال «ويزمان» # Wiseman ~~، فقد نشر الكردينال رسالة دورية، وكان في العادة رصينا ~~عادلا، أنذر فيها الناس وختمها بقوله: «والآن يكون من واجب الكنيسة التي تملك وحدها ~~دون غيرها الحقيقة القدسية، أن ترأس بلا تردد ولا مواناة حركة فعلية تقادم بها ما ~~تهدد بقايا أجزاء المعتقد النصراني في إنجلترا.» ولقد حصل على الإذن اللازم من «روما» ~~وأسست الأكاديميا وظهر «الحصافة القدسية» التي خصت بها الكنيسة في أقوال صدرت عنها، ~~كتلك الأقوال التي قذف بها الكردينال «ماننج» # Manning ~~، ~~والتي يود كل كاثوليكي مفكر أن يعيدها إلى ذكراه، وفي مماحكات الدكتور «لينج» # Dr. Laing ~~، وكلها أقوال لم تثر إلا ابتسامات ~~السخرية والازدراء. ولقد ظهرت في النواحي البروتستانتية جهود مشابهة لهذه. فقد تأسس ~~«معهد ~~فكتوريا» # The Victoria ~~Institute # ولا يبعد أن يكون أهم عمل صدر عنه هو ذلك النداء الذي أذاعه ~~نائب رئيسه المحترم ~~«وولتر متشل» # Rev. Walter ~~Mitchell ~~، وفيه قال: «إن المذهب الدارويني يحاول أن يخلع الله عن ~~عرشه.» # أما في فرنسا فإن الحملة كانت على الأرجح أشد وأقسى. فقد أخرج «فابر دنفيو» # Fabre D’Envieu # مدافع اللاهوت الفخمة من ثكناتها ~~القديمة، وفي سلسلة طويلة من الفروض المستفيضة قضى بأن كل نظرية غير نظرية ثبات الأنواع ~~وعدم تغايرها، إنما تناقض نص الكتب المقدسة مناقضة تامة صريحة. أما «ديسبورج» وكان من ~~قبل أستاذا للاهوت قد دمغ داروين بطابع فقال: إنه «مدع» ونعت نظرية النشوء بأنها ~~«مظلمة معتمة». أما المونسنيور سيغور # Segur # فلما أشار ~~إلى «داروين» وأتباعه فقد أخذته الهستيريا فقال: «إن هذه المذاهب المرذولة لا يؤيدها ~~إلا أحط النزعات وأسفل المشاعر. فأبوها الكبر وأمها قذارة النفس وهذان لا يلدان إلا ~~الثورات. مذاهب ما خرجت إلا ms195 من جهنم ولن تعود إلا إليها، ومعها المخلوقات الغليظة التي ~~لا تعلوها حمرة الخجل عندما تعلن تلك المذاهب وتدافع عنها.» # أما في ألمانيا فإن الحملة إن كانت أقل إسفافا فإنها لم تكن أقل شدة. فقد تكاتف ~~اللاهوتيون من كاثوليك وبروتستانت وعملوا معا. فأعلن الدكتور «ميخيليس» # Dr. Michelis # أن نظرية داروين «صورة كاريكاتورية للخلق، وأكد ~~دكتور «هاجرمان» # Dr. Hagermann ~~» أنها «نفت الخالق ~~وطردته خارج الأبواب»، وصمم دكتور «شند» # Dr. Schund # على القول بأن «كل فكرة في الكتب المقدسة من أول صفحة إلى آخر صفحة فيها، تناقض نظرية ~~داروين على خط مستقيم.» وأنه إذا كان داروين محقا في قوله بنشوء الإنسان من صورة ~~حيوانية منحطة، فلا شك في أن تعاليم الإنجيل في خلق الإنسان تتبدد وتذهب سدى.» ودعا ~~«روجمون» # Rougemont # في سويسرا إلى القيام بحرب ~~صليبية تعلن ضد هذا المذهب الخاطئ المفسد. أما «لوتاردت» # Luthardt # أستاذ اللاهوت في ليبزج فقد أعلن «بأن فكرة الخلق ملك ~~للدين لا للعلم الطبيعي. وأن الهيكل الأعلى للدين الذاتي إنما يقوم على مذهب الخلق.» ثم ~~أظهر من بعد ذلك أن نظرية النشوء تناقض الحكمة القدسية مناقضة تامة. # غير أنه حدث في سنة 1863 ما أوقع الاضطراب في معسكر اللاهوتيين. فإن سير «شارلز ليل» # Lyell # أشهر جيولوجيي عصره غير منازع، وكان رجلا ~~ذا ميول ومشاعر دينية رسيسة، على ما امتاز به من خلق الحذر والحيطة وعلى ما عارض به ~~نظرية «لامارك» النشوئية، وعلى ما أعلن عنه من انتمائه علميا إلى نظرية الخلق ~~والمتعاقب، قد أصدر إذ ذاك كتابه «قدم ~~الإنسان» # Antiquity of Man # فأظهر فيه وفي غيره من الكتابات أنه من أنصار «داروين» ~~المؤيدين لنظريته المتابعين لمذهبه، مكرها لا مختارا. وكانت هذه الضربة قاسية في كثير ~~من النواحي، وعلى الأخص في ناحيتين: # الأولى: # في أنها نقضت في الحقيقة كل أساس كانت تقوم عليه التأريخات ~~القدسية. # والثانية: # في أنها أنقصت الثقة بنظرية الخلق. بل كانت ضربة غير منتظرة ولا ~~محسوب حسابها. ففي كثير من المطالعات التي تناول بها اللاهوتيون ms196 نظرية ~~«داروين» فزع إلى «ليل» وبعض الأحايين في أسلوب يدعو إلى الإشفاق، «بأن ~~لا يرجع عن الحقائق التي أعلن عن اقتناعه بها من قبل.» غير أن «ليل» قد ~~سمت به أمانته إلى حيث أذعن بغير تحفظ إلى مجموعة البراهين الجديدة ~~التي أيدت نظرية النشوء قد نظرية الخلق. # وفي الوقت ذاته صدر كتاب هكسلي «مركز الإنسان في ~~الطبيعة» # Man’s Place ~~in Nature ~~، فأورد فيه كثيرا من البراهين الثابتة القوية التي تؤيد ~~نظرية النشوء بالانتخاب الطبيعي. # وفي سنة 1871 نشر كتاب داروين «تسلسل الإنسان». # أما المذهب الذي ذهب إليه داروين في كتابه هذا فقد سبقه به غيره من النقاد الذين ~~تناولوا كتبه الأولى، غير أنه فضلا عن هذا قد أحدث صدوره رجة عظمى، تجمعت على ~~أثرها فلول الجيش المعارض، ولكنه لم يتزود بمثل ما تزود به من حرارة فيما مضى. على أن ~~البعض كان قاسيا؛ فإن «مجلة جامعة ~~دبلين» # The Dublin University ~~Magazine # متبعة الطريقة القديمة، قد اتهمت «داروين» بأنه يبحث كيف ~~يخلع الله عن عرشه بفعل مستمد من سورة الأوهام، وأنه يحاول أن يقتنص الله خارج العلم. ~~غير أن أخطر ما جاء عن الكنيسة القديمة كان ما رد به على داروين الحكيم الكاثوليكي ~~المعروف دكتور «قسطنطين ~~جيمس» # Dr. Constantn ~~James # الفرنساوي؛ ففي كتابه «الداروينزم أو الإنسان القرد» الذي نشر ~~في باريس سنة 1877 لم يسفه دكتور قسطنطين العلامة «داروين» علميا، بل قذف كتابه بكل ~~أنواع الاحتقار ناعتا إياه بأنه «أسطورة»، وظهر مقتنعا بأن كتابا كهذا بلغ ذلك ~~المبلغ من «الخيالية والانحطاط» لا يمكن أن يكون أكثر من أضحوكة كبرى مثل كتاب أراسموس ~~المسمى «مدح الجنون»، أو كتاب «مونتسكيو» المسمى «خطابات فارسية». ولقد اغتبط أمراء ~~الكنيسة، فقد أكد الكردينال أسقف باريس للمؤلف بأن الكتاب أضحى «مقرأته الروحانية» ~~ورجاه أن يرسل نسخة من الكتاب للبابا نفسه. ولقد رد قداسة البابا بيوس التاسع بخطاب ~~منمق على المؤلف مادحا الهدية، بل وشكر لابنه المحبوب «أي المؤلف» كتابه الذي نقض ~~فيه بلباقة الزيغ «الدارويني»، ولقد أضاف ms197 قداسته إلى ذلك قوله: «إن مذهبا يناقض ~~التاريخ من ناحية وتقاليد كل الأمم والعلم الصحيح والحقائق المرئية، بل والعقل نفسه من ~~أخرى لا يكون محتاجا إلى نقض أو رفض، لولا أن الجنوح إلى الخروج على الله والنزعة إلى ~~المادية، التي لا سبب لها إلا الجهل، تمت دائما إلى هذا النسيج الخرافي محاولة أن ~~تستمد منه عونا ... على أن الخيلاء بعد أن رفضت الاعتقاد بالله موجد كل الأشياء، وبعد أن ~~أعلنت على الملأ أن الإنسان مستقل، مهيبة به في أن يكون هو بذاته سيد ذاته، وأن يكون هو ~~بذاته قسيس نفسه، وأنه يكون هو بذاته إله ذاته. إن الخيلاء بعد كل هذا قد خطت خطوات ~~أخرى حتى بلغت حدا عنده جردت فيه الإنسانية وأنزلته منزلة السوائم غير العاقلة، بل ~~ربما نزلت به إلى درك المادة الميتة؛ وبذلك حققت - على غير وعي منها - القول القدسي: ~~«حيثما تكون الخيلاء تكون الوقاحة.» # غير أن فساد هذا العصر ومحاولات الفسقة وطرائقهم، وخطر الغفلة البسطاء، كل هذه ~~الأشياء تتطلب أن تنقض أمثال هذه الأوهام، ولو أنها مضادة للعقل بالعلم الصحيح، ما دامت ~~هي تتقنع بقناع العلم، وبعد ذلك شكر البابا دكتور جيمس على كتابه قائلا: «إن الحاجة ~~إليه كانت شديدة، وإنه من أمس الأشياء لحاجات عصرنا هذا.» ثم منحه من بعد ذلك ~~البركة الرسولية. غير أن الأمر لم ينته عند هذه «البراءة» فقد صحبتها أخرى إذ منح ~~المؤلف رتبة من سيامة القديس «سلفستر» البابوية. أما الكردينال أسقف باريس فقد أكد ~~للمؤلف بأن أحدا غيره لم يفز بمثل هذا العطف البابوي، واقترح عليه أن ينظر في طبعة ~~أخرى نظرة أعمق في «العلاقة الكائنة بين قصص سفر التكوين ومستكشفات العلم الحديث، على ~~طريقة يمكن بها إقناع أشد الناس إنكارا بألا تناقض بينهما»، وكذلك لم يقف المؤلف عند ~~هذا الحد بل تطلع إلى ما هو أعلى. فإن تجاريب الطبعة الثانية عرضت كلها على فخامة ~~الكردينال، ثم ظهر الكتاب في سنة 1882 تحت عنوان «موسى وداروين: رجل التكوين مقارنا ~~بالرجل ms198 القردي. أو التربية الدينية إزاء التربية الإلحادية». ولا عجب بعد ذلك إذا عانق ~~الكردينال المؤلف شاكرا إياه باسم العلم والدين معا، قائلا: «لقد حصلنا أخيرا على ~~كتيب نستطيع أن نضعه بين أيدي الشبان آمنين.» # وفي الغالب أن حماة البروتستنتية من المحافظين لم يكونوا أقل حماسة وتطرفا، فقد ~~جاء في خطاب ألقاه مستر غلادستون في ليفربول ما يلي: # على القواعد التي يبثها المذهب المسمى بمذهب النشوء، يتخلص الله من كل متاعب ~~الخلق، وباسم القوانين الطبيعية الثابتة أخرج من يده حكم الدنيا. ولما نبهه ~~مستر «هربرت سبنسر» إلى حقيقة أن «نيوتن» بنظريته في الجاذبية ومبادئه في علم ~~الفلك الطبيعي معرض لنفس هذه التهمة، تراجع مستر غلادستون في مجلة ~~«الكونتمبوراري» مختفيا وراء سحب كثيفة من الكلمات كما هي عادته في ~~المناقشات. أما المحترم دكتور «كولز» في «المجلة الإنجيلية لإنجلترا والخارج»، ~~فقد أعلن أن «إله» النشوء ليس هو بنفسه «إله» النصرانية. كذلك كانت خطبة مستر ~~«برجون» # Burgon # أسقف شيستر في موعظة ~~ألقاها في جامعة أكسفورد. فقد حذر الطلاب في استعطاف قائلا: «إن الذين يحاولون ~~رفض الاعتقاد بصحة تاريخ خلق أبوينا الأولين، كما هو منصوص عليه حرفيا في ~~الكتب المقدسة؛ ليستبدلوا بها خيال النشوء الموهوم، إنما هم في ضلال.» ولقد ~~اقتحم دكتور «بيوزي» Puoey # المعركة مهيبا بالناس في جد وأمانة أن ~~يرفضوا الأخذ بالمذهب الجديد، وكذلك المحترم «جافن كارليل» # Garvin Carlyle ~~، فإنه تبع نفس السبيل وانضم إلى ذات الحزب. ~~وطبعت جماعة تقدم ~~المعركة النصرانية # Society of Promoting: Christian Knwledge # كتابا ألفه المحترم مستر «بركس» # Briks # أعلن فيه أن مذهب التطور «مضاد أولا ~~وآخرا للمعتقد الأساسي في الخلق». # أما «اللندن تيمس» فقد ذكرت في مراجعة نشرتها عن كتاب تسلسل الإنسان أنه ~~«عبارة عن نظرية وهمية مملوءة بقضايا لا أساس لها وأبحاث لعينة وتأملات لا تحدث ~~إلا التفكك في ألفة العقل»، وأن داروين نفسه ليس إلا رجلا «كافرا جاهلا ~~بالعلوم». # ولكن لوحظ أن سلسلة الهجمات الثانية التي وجهت إلى كتاب «تسلسل الإنسان» قد اختلفت في ~~اعتبار واحد ms199 ذي خطر - وذلك بقدر ما يهم إنجلترا - من تلك الهجمات التي وجهت من ~~قبل إلى كتاب «أصل الأنواع». فبينما كانت كل المساعي التي بذلت قد وجهت إلى إقلال ~~الثقة بداروين، وإلى صب أنواع الاحتقار والسخرية عليه، وإلى إظهاره بمظهر «المهاجم ~~للنظرية المضطهد لها»، وهو بعد أكبر من كانت تقل الأرض في أيامه من رجال النبوغ ~~والعبقرية مصروفة إلى العلم، هذا بينما كان أنصاره يصورون في الأقلام بصورة المنافقين ~~المكابرين - بينما كان هذا مفعما جو الجلاد الفكري - كنت ترى أن نصراء القديم كانوا قد ~~تنكبوا القول بأن النشوء حتى على قاعدة الانتخاب التي قال بها داروين، مناقض لنص ~~التنزيل. ولقد كان انتصار «سيرليل» للنشوء سببا في أن يثير التساؤل بين اللاهوتيين ~~الذين احتفظوا بشيء من التوازن العقلي في رءوسهم قائلين: ماذا يكون لو أن مذهب داروين ~~قد ثبتت صحته علميا؟ على أن ذكريات تلك المواقف التي وقفتها الكنيسة بعد أن ثبتت صحة ~~المذاهب التي استكشفها كوبرنيكوس وغاليليو، قد عادت إلى أذهان الذين هم أصفى عقلا ~~وأقوم طريقة. غير أن هذا الاعتبار لم تظهر في ألمانيا آثاره سريعا كما ظهرت في ~~إنجلترا. فإن أحد مشهوري رجال الكنيسة اللوثريين في «مجدبرج» مثلا قد أهاب بسامعيه أن ~~يوازنوا مختارين بين داروين والدين. أما «ديلتش» # Delitszch # فقد حاول في تعليقات حديثة كان قد وضعها على سفر التكوين، ~~أن يرجع بالعلم خطوات واسعة معترفا بأن خطيئة الإنسان عامل من عوامل الخلق الأساسية. ~~أما الأستاذ «هنريش ~~إيوالد» Prof. Heinrich ~~Ewald # فبعد أن حاول التخلص من كل اصطدام يمكن أن يحصل بين ~~التعاليم المبتذلة وبين مذهب النشوء؛ قد أرضى ضميره ~~بأن أنزل بداروين وأتباعه كل صنوف الاحتقار والتحقير. وكذلك «كريستليب» # Christlieb # فإنه في خطابه الذي ألقاه أمام الجمعية ~~الإنجليزية في نيويورك سنة 1873 قد لجأ ببساطة إلى القول بأن المتجهات التي تتمشى فيها ~~نظرية داروين إنما هي متجهات «تقود إلى الكفر»، ولكنه مع هذا تحاشى أن يثير معركة ~~انتقادية يتخذ الإنجيل فيها سلاحا. أما في هولاندا فقد قام ms200 الأب «بيش» Pesch # وكتب باللاتينية - شأن القدماء - استعراضا عاما ~~لنظرية النشوء، كان ولا شك مثيرا للعجب، فكان بمثابة فيلق من فرسان القرون الوسطى ~~ادرعوا الحديد، وحملوا القوس والنشاب في ميدان حرب من طراز القرن التاسع ~~عشر! # أما أمريكا فقد تجاوبت أنحاؤها بأصداء جديدة، على أننا نختار من بين الآلاف المؤلفة ~~من الهجمات التي وجهت إلى داروين من البروتستانت والكاثوليك على السواء، معركتين ~~اختص بهما رجلان من نقاد ذلك العصر. أما الأول فكان الدكتور «نوح بورتر» # Noah Porter # رئيس كلية «يال» وهو أحد مشهوري ~~الباحثين وكاتب من أمهر الكتاب ورجل من أنبل الرجال، كثير التسامح جمع في تفكيره ~~مزيجا غريبا في المغالاة في التطرف مع الإمعان في المحافظة؛ لذلك ترى أنه بينما أباح ~~لمذهب النشوء في الجامعة التي عهد إليه بها أكبر دائرة ممكنة من التسامح، فإنه شعر بأن ~~من واجبه أن يصرح مرة واحدة بعدم اعتقاده من صحته. غير أنه كان من النهى واتزان العقل ~~حيث قال إنه لا يرى أن عداء بين هذه النظرية وبين النصوص المنزلة، بل إنه قد عمد فيما ~~كتب إلى الاقتصار على الإشارة إلى أن مذهب النشوء ينزغ في الصورة التي أظهرها به داروين ~~إلى اللاإرادية ووحدة الوجود. أما الذين عرفوا دكتور «بورتر» ومحضوه الحب والاحترام، ~~وتتبعوا باهتمام طريقته المعقولة التي اتبعها في إهمال شأن العلم وعدم إعطائه فرصة ولو ~~محدودة ليسمع صوته بين جدران معهده؛ فقد أخذوا من ذلك بأشد العجب الممزوج ~~بالإعجاب. # على مرمى حجر واحد من مقر الدكتور «بورتر» في معهد «يال» تقوم دار العاديات ~~البالنتولوجية التي رتب فيها البروفسور «مارش» جنبا إلى جنب تلك الحلقات الحفرية ~~المتتابعة التي تثبت تطور الحصان منذ أقدم أزمان الحياة، عندما كان في حجم الثعلب ~~وبأرجل ذات خمسة أصابع، متمشيا خلال تلك الحلقات حتى بلغ صورته التي نراه عليها اليوم ~~شكلا وحجما، تلك الحلقات التي قال العلامة «هكسلي» بأنها برهان لا ينقض على أثر ~~الانتخاب الطبيعي كعامل أساسي في النشوء. لهذا تجد أنه على الرغم من ms201 الاحترام والحب ~~الصادق الذي كان لدكتور «بورتر» في قلوب رجال جامعة «يال»، لم يكن ينتظر أن تصبح أدلته ~~التي جاء بها ذات أثر ثابت في عقولهم، ما دامت «دار الآثار الحفرية» تحتوي على مثل هذا ~~البرهان الناصع الذي يؤيد مذهب النشوء بما لا يترك مجالا لريب أو فسحة لشك بحال من ~~الأحوال. # ولكن بجانب هذا قام عدو لدود ثابت العقيدة هو المحترم دكتور «هودج» # Dr. Hodge # من جامعة «برنستون» Princeton ~~، فإن غضبه على مذهب النشوء كان «حاميا»؛ فإنه رفض المذهب ~~باعتباره مذهبا «إلحاديا»، وقال في يقين بأن النصارى لهم «الحق في أن يحتجوا على ~~نشر مثل تلك المرجحات الغامضة الخطيرة ضد الإيضاح الكامل والأدلة الثابتة التي تتضمنها ~~الكتب المقدسة. ولقد بلغ به التطرف في الجمود إلى حد أن هاجم الدوق «أرجيل» وهو ~~معتبر من أشد الكتاب محافظة على القديم، معلنا أن نظرية داروين في الانتخاب ~~الطبيعي لا تتفق «بحال من الأحوال مع نص التنزيل المقدس»، وأن «إلها غائبا لا عمل له ~~في الكون، لا يمكن أن يكون إلها بحال ما»، وأن «إنكار القصد والغاية كما صورا في ~~خلق الله، هو بمثابة إنزال الله عن عرشه»، وأن «إنكار الغاية والقصد على الطبيعة إنكار ~~لله بالاستتباع»، وأنه «لا يتسنى لمن يعتقد بالقصد في الخلق أن يكون ~~داروينيا.» # ولقد كان في هذه الجامعة نفسها رجل أشد مراسا وأمر تعصبا» هو المحترم ~~دكتور «دوفيلد» # Dr. Duffield ~~، وكان من ثقات ~~المعلمين بها وأصحاب النفوذ بين جدرانها. فإنه لم يعلن الحرب ضد داروين وحده، بل وجهها ~~ضد رجال من طراز أغاسيز ولاكونت وغيرهما من الذين حاولوا التوفيق بين النظرية الجديدة ~~وبين النصوص المقدسة، قائلا بأن «التوفيق بين مذهب النشوء وبين التنزيل فيما تختص ~~بنشوء الإنسان غير ممكن، وأن النظرية الداروينية «تعارض مواجهة تعاليم الرسل بأن كل ~~تنزيل هو كلمات الله التي لا تتبدل»، وأشار بعد ذلك في حملته على داروين في كتاب «تسلسل ~~الإنسان» وعلى «ليل» في كتابه «قدم الإنسان» أن صلة النسب الإنجيلية التي تصل ms202 ~~الإسرائيليين في مصر بآدم وحواء ببية لا يمكن التنازع فيها.» ولقد ختمت أقوال الدكتور ~~«دوفيلد» بإعلان أجدر بنا أن نشير به إلى أن في إمكان أحد رجال الكهنوت في المذهب ~~المسيحي أن ينتحل سلطة البابا والأساقفة في أن يعلن طرد البعض من الكنيسة دون بعض. فقد ~~قال في مجلة جامعة «برنستون»: «إذا تسنى لمذهب النشوء أن يطبق بعد قليل على أصل الإنسان ~~- وذلك أمر غير مشكوك فيه - مع ما يتبعه من التأملات العلمية المتغجرة أو إتيانها في ~~هذا العصر؛ فإن الذين يقبلون نتائجه المنطقية سوف يكونون في الحياة الأخرى من زمرة ~~أولئك الذين لم يعرفوا الله في هذه الحياة ولم يطيعوا أوامر إنجيله كما أنزل على ~~ابنه.» # ولكن من حسن الحظ أنه في الوقت الذي أذاع فيه داروين كتابه «تسلسل الإنسان» رأس جامعة ~~«برستون» دكتور «جيمس ماكوش» # Dr. James Maccoch # ولم ~~يكد يعتلي رئاسة الجامعة حتى أذاع بأنه يضاد كل تلك التعاليم الخطرة التي لا توجه ~~خطورتها لشيء بقدر ما توجه إلى النصرانية، تعالمي دكتور هودج ودكتور دوفيلد وأتباعهما. ~~ففي إحدى خطبه المعروفة أظهر للناس سر الخطورة في هذه التعاليم. فقد أظهر بما عرف فيه ~~من قوة الخلق الأيقوسي، ذلك الخلق الذي أشاد به الكاتب «ثاكوري» في أشعاره، أن أخطر ~~المخاطر التي تتعرض لها النصرانية في جامعة «برنستون» أن يعاد من فوق منبر الخطابة ~~فيها وعلى مسمع في الطلاب أسبوعا بعد أسبوع، قوله إن النشوء بالانتخاب الطبيعي، أو ~~النشوء على وجه عام، إن ثبتت صحته انتفت صحة الكتب المقدسة. فقد أظهر أن هذه الطريقة ~~هي الطريقة المثلى لغرس بذور الكفر في قلوب الطلبة؛ ولهذا فإنه لم يحظر مثل هذه ~~المواعظ فقط بل بشر بنظرية جديدة، اتخذت قاعدة للوعظ والإرشاد. فإن ابتداء عهده كان في ~~الحقيقة ابتداء عصر التوفيق بين الناحيتين، وعلى الرغم مما رمي به من أنه دارويني، ~~فإنه لم يأبه لشيء من هذا وشق طريقه ثابت القدم موفق السبيل. ومهما يكن من أمر ما يرى ~~العلماء في مذهبه الفلسفي، ms203 فإن أحدا لا يستطعيع أن ينكر أثره الثابت وخدمته العظمى ~~التي أداها بالكف عن التبشير بتعاليم الذين سبقوه وأنصارهم، تلك التعاليم التي تناولت ~~خطورتها كل ما هو أساسي في تعاليم النصرانية. # ولم يكد يخطو دكتور «ماكوش» هذه الخطوة حتى تابعه فيها كثير من رجال الدين قانعين ~~بأن المرء من الممكن أن يكون نصرانيا ومن أنصار داروين في آن واحد، غير أنه على ~~الرغم من هذا ظهر بين آن وآخر خوارج على هذا المذهب. ففي سنة 1873 بشرت «مجلة الدين ~~الشهرية» التي تظهر في بوسطن قراءها بأن دكتور «بر » # Dr. ~~Burr # قد استطاع أن «ينقض ~~نظرية النشوء، وأنه أخمد أنفاسها ورمى بها إلى الكلاب.» ولقد كرر ما ذهب إليه دكتور ~~«بر» بصورة محورة أسقف يدعى الأسقف ~~«كينر» # Bishop Keeneer # من «مجلس الكنيسة العمادية الأوكيوموني» في واشنطن سنة 1891. ~~ففي إحدى خطبه التي وصفتها الجرائد بأنها خطبة ممتعة شيقة، رفض الاعتقاد بمذهب النشوء ~~بقوله إن على النشوئيين «أن يسافروا اثنتي عشرة ساعة من المكان الذي يخطب فيه ليروا ~~عظام الأوبوسوم والكبروليب # Coprolite # 29 # والاختيوسور معا في مكان واحد»، ولقد أكد أن أغاسيز - الذي ظن الأسقف ~~وغيره من رجال الدين خطأ أنه نشوئي - عندما زار القيعان التي تتضمن هذا النظام قال: «إن ~~هذه القيعان القديمة قد هوشت رأسي. لقد هدمت بنظرة واحدة ما بنيت له في عمر كامل.» ثم ~~انتهى الأسقف العمادي بأن قال: «والآن أيها السادة وأيها الإخوان! انقلوا هذه الحقائق ~~معكم إلى دوركم ثم تبصروا فيها. تلك هي الساعة التي كانت تحت المطرقة البخارية. تلك هي ~~نظرية النشوء. وما المطرقة البخارية إلا رواسب قيعان آشلى.» # على أن مثل هذه المظاهرات لم تجد إلا قليلا. فإنه بينما كان هذا الأسقف العمادي ~~يعرض نفسه لابتسامات السخرية بأن جعل أغاسيز من النشوئيين والكبروليت حيوانا، كان رجال ~~العلم يستجمعون في كل أنحاء العالم حقائق تؤيد نظرية النشوء بالانتخاب الطبيعي. ففي ~~الوقت الذي أحاط فيه اللاهوتيون دكتور «بر» بهالة من المديح والثناء لأنه «ألقى بنظرية ~~النشوء إلى ms204 الكلاب»؛ كان الأستاذ «مارش» في جامعة «يال» يتم سلسلة الحلقات التي تظهر ~~صلة النسب بين الحصان وبين حيوان من ذوات الأظلاف ذي خمسة أصابع. وفي الوقت الذي كان ~~فيه دكتور «تيلور» # Tayler # في «يونيون» ودكتور هودج ~~ودكتور دوفيلد في برنستون كانوا دائبين على إظهار أن النشوء إذا صح انتفت النصوص ~~المقدسة، كان أستاذ جامعة «يال» - مارش - دائبا مجدا في إظهار آثار الصورة ~~«الكريتاسية» ومن بينهم الإسبيرورنس # Hesperorins # والأختيورنيس # Ichthyornis # ذوي الأسنان المنشارية. ~~وبينما كان لونهارد وشاند وأنصارهما في ألمانيا يقولون بأن الكتب المقدسة تتطلب ~~اعتقادا ثابتا في صحة الخلق الذاتي المستقل، استكشفت آثار طير «الأرخيوبتري» # Archeoptryx # التي أظهرت بجلاء العلاقة الكائنة ~~بين الزواحف والطيور، وبينما انصرف مسيو «سيغور» وأنصاره في فرنسا إلى حملات جدلية ~~يوجهونها إلى شخص يدعى «داروين»؛ كان الأستاذان جودري وفيلهول مجدين في استكشاف ~~عدة «حلقات مفقودة» تربط بين الحيوانات المفترسة. # أما فيما يختص بالبراهين التي كانت تستجمع لتأكيد النظرية الحديثة في النشوء، فإن ~~التغير في نغمة اللاهوتيين إزاءها قد أصبح سريعا. ولقد ارتفعت الأصوات من كل صوب ~~طالبة البحث عن طريق للتوفيق. أما المستمسكون بالنص الحرفي للأناجيل فاستمروا يلجئون ~~إلى آيات سفر التكوين التي نصت على أن الأرض والبحار إنما صنعا ليخرجا طيورا ~~وأسماكا، وأن الإنسان إنما خلق من تراب الثرى. على أن هنالك بعض رجال خصوا بسعة في ~~المدارك ونفاذ في البصيرة أمثال «كنجسلي» # Kingsley # و«فرر» # Garrar # وغيرهما من مستنيري رجال الكنيسة في ~~إنجلترا وأمريكا، لم يتلكئوا في أن يعلنوا انضمامهم إلى داروين. ناهيك بأن ~~«هيويل» # Whewell # نفسه قد حاول أن يظهر أنه ربما ~~يكن هنالك شيء من الصحة في البراهين الداروينية يدل على أنها كانت من مقاصد الخلق في ~~الطبيعة. أما المحترم «صموئيل هوتون» # S. Houghton # عضو ~~الجمعية الملكية، فقد اقترح فروضا يعبر بها عما يمكن أن يكون في الخلق من أثر ~~القصد القدسي في النشوء. # كذلك نجد أن الكليتين الإنجليزيتين قد قبلتا التعاليم الجديدة على أنها أشياء ~~ثابتة. ففي أكسفورد وفي اجتماع رجال الكنيسة ms205 العليا في جامعة «كيبل» أعلن في خطاب جامع ~~أن مذهب النشوء «خطوة إلى الأمام في سبيل التفكير اللاهوتي.» أما «تمبل» # Templ # أسقف لندن - ومن المحتمل أنه كان أكبر ثقات ~~المفكرين من رجال الكنيسة الإنجليكانية في عصره - فقد قبل مذهب النشوء في هذه الكلمات: ~~«إنه لأكثر جلالا وأليق بقدرة الله الذي ألف سنة عنده بمثابة أمس الذي غبر، أن ~~يكون قد دمغ إرادته الأبدية أولا وآخرا دفعة واحدة في جبين خلقه، وهيأ لظهور كل ~~ضروب التباينات الخلقية اللامتناهية بفضل ذلك الطابع الأصلي الذي دمغ به الخلق؛ من أن ~~يكون قد أحدث الخلق بعدة أفعال مستقلة اضطر فيما بعد أن يغير من أوصافها ويهذب من ~~تراكيبها تتابعا.» # أما في أيقوسيا فإن الدوق «أرجيل» رئيس الحزب الأورثوذكسي وإمامه الأوحد، فعلى الرغم ~~من أنه أبدى نفورا من كثير من النتائج التي وصل إليها داروين؛ فإنه سلم بكثير من ~~الأشياء التي زعزعت المعتقد القديم وصدعت كثيرا من أركانه. # ومن أعجب العجب أن يرتفع من جانب الكنيسة الرومانية - على الرغم مما أظهر بعض ~~كتابها من عداء ومرارة - صوت يحاول إثبات أن المعتقد الكاثوليكي لا يصد أي إنسان عن ~~الاعتقاد بالنظرية الداروينية، وعلى الأخص تلك الإذاعة التي أعلنها ثقة ثبت من ~~كاثوليكيي أمريكا، في أن «نظرية النشوء لا تعارض مذهب الكنيسة الكاثوليكية بأكثر مما ~~يعارضه مذهب كوبرنيكوس ومذهب غاليليو»، وهذا القول على الرغم مما فيه من غرابة الواقع، ~~لا يصح لنا أن ننزل من قدره أو نفتش عن نواحي الخطأ الكامنة فيه. # ولقد تقدم رجال ممن كان العلم ممزوجا بالاعتبارات اللاهوتية طابعهم، أمثال دوسون، ~~وميفارت وويجاند، ببحوث حاولوا من جهتها الوقوع على سبيل للتوفيق بين الناحيتين. غير أن ~~التيار كان شديدا حتى إن كثيرا من مشهوري رجال اللاهوت في كل قطر من الأقطار قد قبلوا ~~مذهب الانتخاب الطبيعي باعتباره - على الأقل - عاملا مهما في ميكانيكا ~~النشوء. # لما مات «داروين» شعر كل الناس بأنه لا يوجد في إنجلترا من مكان يصح أن يضم جثمانه ~~إلا مكان واحد، وأن ms206 هذا المكان هو الموقع المثالي لقبر «إسحاق نيوتن» في كنيسة ~~وستمنستر. أما الخطاب الذي فاه به الأسقف «فرر» # Farrar # فقد تجاوبت بمعاينة أعواد المنابر في أوروبا وأمريكا؛ حتى لقد اعتبر أنه آخر ضربة ~~وجهت إلى روح العداء اللاهوتي لمذهب النشوء. على أنه قد ظهر بين آونة وأخرى مظاهر ~~من الشعور القديم؛ فإن المحترم دكتور لينج # Dr. Laing # قد أشار إلى دفن «داروين» في كنيسة وستمنستر فقال: «إنه برهان على أن إنجلترا لم تصبح ~~بعد بلاد نصرانية.» وأضاف إلى ذلك أن دفنه فيها كان تدنيسا، وأن هذا الشرف لم ينله ~~«داروين» إلا لأنه كان «الزعيم الذي قام بنشر المذهب الهزلي في نشوء الأنواع وتسلسل ~~الإنسان عن القرد .» # هنالك ظهر نبي آخر من أولئك الأنبياء المخدوعين، ممثلا في شخص «توماس كارليل»؛ ~~فإنه بما شعر في قرارة نفسه من حقد ومرارة، شبيهة بتلك الروح التي حملته على أن يجد في ~~آفاق مثل «فيكنج»، أو في قائد من قواد فردريك الأكبر، من الشجاعة والشهامة أكثر مما ~~وجد في ووشنجطون أو لنكولن أو جرانت، والتي جعلته يرى في الحرب الأمريكية الأهلية أنها ~~عبارة عن دخان تقذف به مدخنة متهدمة، قد هاجم «داروين» قائلا: «إنه ... رسول عبادة ~~قذرة.» # أما الأصداء الأخيرة فقد تجاوبت بين أيقوسيا وأمريكا، ففي الأولى - وفي سنة 1885 - ~~ظهر المحترم دكتور «لي» # Dr. Lee # معلنا بأن مذهب ~~داروين إذا كان صحيحا فإنه «لا يكون هنالك من مكان لله»، وأنه «لا يمكن بأي أسلوب من ~~أساليب التفسير أن تؤول لغة الكتاب المقدس بتوسع يحتمل القول: بنظرية «الأوران ~~أوتان» في تاريخ الإنسان الطبيعي» وأن «المذهب الدارويني يقلب وحي الله رأسا على عقب»، ~~وأنه «يتضمن تجديفا صريحا يناقض الصفات الإنسانية والإلهية المنسوبة إلى الله ~~المتجسد.» واغتبط بعد ذلك بأن نعت داروين وأتباعه بأنهم ~~«مبشروا البلاليع القذرة»، ولقد ظهر في إحدى الدوائر ~~الفكرية الأمريكية أحد محرري المجلات، وكان يحرر المجلة المسماة «النصراني» # The Christian # فقال مقتنعا في حرارة بأن «المعركة ~~يجب أن يحتدم أوارها ليرى الناس الفريقين: ms207 من منهما في جانب الله، ومن في جانب القردة ~~والشياطين.» # ويجب علينا أن نثبت هنا أن للكنيسة الإنجليزية الشرف الأكبر حيث قاوم عدد كبير من ~~مشهوري رجالها مثل هذه الترهات المسفة. ويكفينا أن نذكر واحدا منهم هو «فرر» ~~رئيس أساقفة وستمنستر؛ إذ اعترض على هذه الأقوال وأمثالها في كلمات جديرة بأن يكرر ~~ذكرها على الدوام؛ ففي حين أنه اعترف بعدم قدرته على قبول المعتقد العلمي قبولا ~~كاملا، قال: «يجب أن نعتبر أنه مما لا يليق بالكرامة، بل مما هو مزر بالنفس، أن ~~نحاول جاهدين أن نهز أسس المعتقد العلمي الحديث ببراهين خطابية منقولة، أو بأن نستعطف ~~من فوق المنابر جماعات بلغوا من الجهل أبعد المبالغ واحتدمت في صدورهم العداوة لأهل ~~العلم إلى غير حد، إننا يجب أن نخجل من أن نواجه مثل هذه الحالة بالاستهتار أو ~~بابتسامة تحقير.» # على أن كل ضروب المقاومة لم تجد فتيلا؛ فإن مؤلف داروين وصيته كلاهما كان بمأمن ~~عن التصدع. ولما رجع الناس إلى تاريخ حياته التي قضاها في بساطة وأمانة وتسامح وعطف ~~إنساني، وعاودتهم ذكريات الجهود العظيمة التي بذلها في سبيل البحث عن الحقيقة، تبخرت كل ~~صنوف العداء وذهبت بددا. # على أننا في هذا التاريخ لا يجب أن نهمل ذكر بعض نقاط سوداء تزداد سوادا على مر ~~الأزمان. ففي كلية «التثليث» في كمبردج حظر «هيوويل» # Whewell ~~«الحكيم الكلي الحكمة» ومؤلف الكتاب الخالد «تاريخ العلوم ~~الاستقرائية» أن توضع نسخة من كتاب «أصل الأنواع» في المكتبة. كذلك نقع في كثير من ~~المعاهد التي كانت تحت حكم اللاهوت من بروتستانت وكاثوليك، على محاولات أريد بها حظر ~~التعاليم النشوئية أو تحقيرها. ولقد انتشرت هذه الروح زمانا في أمريكا. وإن حادثة ~~الكلية الأمريكية في بيروت بسوريا - والتي طرد فيها كل الأساتذة الذين مثلوا العنصر ~~الحديث بانضوائهم تحت لواء داروين - لجديرة بأن نعيد ذكراها. أما المعاملة التي لقيها ~~الدكتور «ونشل» في جامعة «فاندربلت» بتنيسي، فقد ظهرت فيها مثل هذه الروح؛ فإنه على ~~الرغم من إكبابه على العلم وتعمقه فيه، وعلى ms208 الرغم من أنه كان بجانب هذا ذا مشاعر ~~نصرانية عميقة؛ فإنه طرد من الجامعة لأنه أبدى آراء تقوم على أساس النظرية ~~الداروينية. # وعلى هذا الحال مع دكتور «وودرو» # Woodrow # فإنه حوالي ~~سنة 1857 عين أستاذا للعلم الطبيعي من حيث علاقته «بالدين المنزل» في المعهد ~~المشيخي بكولومبيا في كارولينا الجنوبية. وكان رجلا نصرانيا مخلصا للنصرانية. كما ~~أن تعليمه قد قاده إلى انتحال المذهب المشيخي في الدين. ولقد تزود بقدر كبير من ~~المقدرة على الدرس العلمي وزار أوروبا، وأكب على دراسة المسائل الأساسية في العلم ~~والتي كانت موضع السجال والمناقشة في ذلك الحين، فاعتنق عن يقين وعقيدة المبادئ ~~الأساسية في النشوء على قاعدة الانتخاب الطبيعي. على أنه سرعان ما احتدم أوار معركة ~~كبرى؛ فإن حركة معادية له أخذت في الظهور والتكون ونمت شيئا بعد شيء، حتى إنه على ~~الرغم من الجهود التي بذلها في سبيله دكاترة المعهد وأساتذته وأقلية من رجال المذهب ~~المشيخي خصوا بسعة العقل ورجاحة الحكم، عصفت من حوله رياح المحافظين التي أثارها ~~رجال من مختلف المعاهد المشيخية، أقصته عن مركزه العلمي. # إن هذه التجربة التي جربها الإيمان بفضل البروتستانتية الأمريكية، قد رنت أصداؤها ~~في جو الكثلكة الإسبانية. ففي سنة 1878 نشر إسباني من رجال المستعمرات المشتغلين بالعلم ~~هو الدكتور «شيل ي مارانجو» # Dr. Chil y Marango # مؤلفا عن جزر الكاناري. غير أن الدكتور «شيل» - لسوء حظه - قد ضمن مقدمة الكتاب ~~استعراضا لخص فيه نظرية النشوء، وذكر بعض البراهين التي عثر بها في جزيرة الكاناري عما ~~كان في الأزمان القديمة من بربرية الإنسان البدائي. ولقد فزعت السلطات الكنسية، وعلى ~~رأسهم الأسقف «أوركوينا ~~ووناي بيدوت» # Urquinaona y ~~Bidot # من الاستكشاف الجديد، معلنا في حماسة أنه «خطأ فاضح ~~بعيد عن التقوى»، ولقد صدرت الأوامر إلى كل الذين كانوا يحوزون نسخا من الكتاب أن ~~يسلموا كل النسخ التي لديهم للسلطات الكنسية، كما طرد المؤلفات من حظيرة ~~الكنيسة. # غير أن هذه الصور العدائية يمكن أن تعتبر آخر صور الحمى التي انتابت النظرية ~~اللاهوتية ورجالها. ms209 والدليل على هذا أن جامعة واشنجطون الحديثة بأمريكا قد أعلن من ~~ناحيتها قوال تؤيد النظرية الجديدة، كما أن جامعات كثيرة في العالمين القديم ~~والحديث قد تقبلت نظرية النشوء بالانتخاب الطبيعي، وأكب رجالها على المذهب يدرسونه بما ~~يستحق من العناية والتقدير. وفضلا عن هذا فإنه من الظاهر الجلي أن رجال الكنيسة العظام ~~لم يقفوا فقط سير المعركة التي دارت ضد العلم، بل عملوا في أمانة وإخلاص؛ لكي يضعوا ~~قواعد جديدة للتوفيق بين الناحيتين. ففي محاضرتين لهما منزلتهما وخطرهما، ألقاهما في ~~كنيسة «روتشدايل» سنة 1892 المحترم «ويلسون» # Wilson # رئيس أساقفة مانشستر، أعلن عن تقبله المذهب الدارويني باعتباره مذهبا صحيحا، غير أنه ~~حاول أن يصله بوجهة النظر النصراني، معتمدا على قوته في الشرح والتعبير. ولقد نشرت هذه ~~الخطب على نفقة نفس الجمعية التي كانت منذ عهد قريب تنشر أمر ما كتب ضد النظرية ~~الداروينية وهي: «جمعية تقدم المعرفة النصرانية». كذلك ترى أنه في خلال سنة 1893 كون ~~البروفسور «هنري درموند» الذي يمتدحه كل رجال الكنائس المنشقة، وجهة من النظر مصبوبة ~~في قالب جميل من قوة الفكر ألقاها في مجموعة من المحاضرات في مدارس «شوتوكوا» ~~الأمريكية، ونشرت في إحدى الصحف الأورثوذكسية الواسعة الانتشار. # مهما يكن من أمر العوامل التي يمكن إضافتها إلى الانتخاب الطبيعي - ولقد سلم داروين ~~نفسه بأنه من الممكن أن تكون هنالك عوامل أخرى تؤثر في نشوء الأنواع - فإن نظريته في ~~النشوء الكوني ونشوء الصور الحية قد وضعت وثبتت قواعدها، كما أن نظرية الخلق المستقل ~~القديمة قد اضمحلت وفنت من عالم الفكر الإنساني. ولقد تبدل الإنسان منها بما أوحى العلم ~~الحديث من تصورات ثابتة أبعد مدى وأنبل قصدا، فتحت الباب لتكوين فكرة في «القصد ~~والغاية» أجمل من كل الفكرات التي كونها التصور اللاهوتي على مدى الأزمان. # القاهرة في 5 يناير سنة 1930 ms210