######OpenITI# #META# URI: 1381IsmacilMazhar.FalsafatLadhdhaWaAlam.Hindawi51619626 #META# Tags: philosophy #META# ID: 51619626 #META# Title: فلسفة اللذة والألم #META# AuthorID: 53973639 #META# Author: إسماعيل مظهر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # المقدمة‏ # كلمات جامعة عرضت في فصول هذا الكتاب‏ # 1 - أصول الفلسفة اليونانية ومذهب اللذة والألم‏ # 2 - القورينيون‏ # 3 - شرح المذهب وإلمامة بتاريخه‏ # 4 - نقود ومقارنات‏ # 5 - في تطبيق المذهب على الحقائق الجديدة‏ # 6 - نظرية المعرفة عند القورينيين‏ # الإهداء‏ # المقدمة‏ # كلمات جامعة عرضت في فصول هذا الكتاب‏ # 1 - أصول الفلسفة اليونانية ومذهب اللذة والألم‏ # 2 - القورينيون‏ # 3 - شرح المذهب وإلمامة بتاريخه‏ # 4 - نقود ومقارنات‏ # 5 - في تطبيق المذهب على الحقائق الجديدة‏ # 6 - نظرية المعرفة عند القورينيين‏ # | فلسفة اللذة والألم # | فلسفة اللذة والألم # تأليف # إسماعيل مظهر # | الإهداء # لذكرى يعقوب صروف # إحياء لماض مفعم بأسمى الذكريات # | المقدمة # قرأت أن كتابا بغير مقدمة كرسالة بغير عنوان، ولا تزال هذه العبارة عالقة بذهني، وقد ~~دارت الأرض من حول الشمس منذ قرأتها عشرين دورة على الأقل. # أمن سر في هذه العبارة، جعلها تعلق بذهني ويثبت أثرها فيه؟ # أذكر أن الكتاب الذي قرأت فيه هذه الجملة كان في التاريخ، ويخيل إلي أنه كان في ~~تاريخ نابليون في منفاه، ولقد استيقظت في ذهني هذه الذكريات، لما أن تناولت القلم لأكتب ~~بضعة أسطر تصديرا لهذا الكتاب، بعد أن شغلت بتأليفه أربع سنوات كاملة، ونبذته ناحية من ~~حجرة درسي ثلاثا أخر، فلما أن مدت ظروف الدنيا يدها إليه؛ لتحبوه الحياة بعد طول ~~النبذ، وتناولت القلم لأخط بضعة أسطر تعريفا به؛ غمرتني فكرة في خلود الإنسان، وخلود ~~آثاره، هي في الواقع فكرة اشتركت في وعيي بنابليون، وما يضفي عليه بعض المؤرخين من صفات ~~الخلود. # يقولون: إن نابليون رجل خالد! ولكن بالقياس على أناس غير خالدين، ممن تعد من خلائق ~~الله. ويقولون: إن مصر خالدة! ولكن بالقياس على أمم أصبحت أحاديث وأخبارا في بطون الكتب، ~~أو أساطير تروى عن القرون الأولى. ويقولون: إن مذهب سقراط الفلسفي مذهب خالد! ولكن ~~بالقياس على مذاهب بادت من عالم الفكر، غير مخلفة أثرا؛ فظهرت واختفت كأنها نبت الصحراء ~~يخرجه الغيث ويطويه الجفاف. # هذه تأملات خرجت منها بنتائج لا أشك في صحتها، فإن في التاريخ البشري ms001 ما يدل على أن ~~شعوبا كالفراعنة وأهل الصين والهند صمدت لأعاصير الزمن بما فيها من الصفات الرسيسة، ~~واحتفظت بكيانها على الدهور فلم تبد ولم تنقرض، ولكنها صالت واستكانت، وتناوبت عليها ~~دورات من الصولة والاستكانة، احتفظت خلالها جميعا بطابع من القوة، ووسمت بسمة من ~~الجلد على مدافعة النوائب، صامدة للشدائد، بعيدة عن أن تذعن لهزيمة، تسلم بها إلى الفناء. ~~فهذه شعوب خالدة تشبه الخالدين من الذوات. # تجد في عالم الفكر نظير هذه الأمم، مذاهب فلسفية تنقلت على مدى الزمان، وظلت منذ ولدت ~~إلى الآن حية فتية، فهذه مذاهب خالدة تشبه في عالم الفكر؛ تلك الأمم في عالم ~~الإنسانية. # هذه الفكرة الأولية تزودنا بقاعدة ننتحيها في كتابة تاريخ الفلسفة من وجهة جديدة، نتخذ ~~فيها هذه المذاهب على أنها أصول الفلسفة وأركان الفكر، وغيرها من المذاهب تفاريع عليها ~~وملحقات بها. # أما مذهب اللذة والألم في فلسفة الأخلاق، فثابت، درج مع القرون، خرج بداءة من قورينة ~~الأفريقية، قائما على فكرات أساسية في مذهب سقراط وبروطاغوراس ولوسيفوس ~~وديمقربطس، ثم عاد إلى اليونان فتشكل في ذهن أبيقور بصورة، ثم في مدرسة الإسكندرية ~~بأخرى، وعند الروافيين بثالثة، وأخذ يتنقل خلال العصور، إلى أن برز في صورة كونها بنتام ~~ومل وأترابهما، فلابسته المنفعة بدل اللذة. # وهذا الكتاب تنفيذ جزئي لهذه الفكرة العملية. # إسماعيل مظهر # أبريل 1936 # | كلمات جامعة عرضت في فصول هذا الكتاب # إنك لن تقع على شيء تحت الشمس، لا يمت إلى الفكر اليوناني بسبب. # جلبرت مري # المدنية اليونانية أرقى المدنيات القديمة، وكانت نتاجا لأقصى حد وصلت إليه مدارج ~~التثقيف العقلي في الأعصر الفارطة. # إن سرعة الارتقاء المدني يرجع إلى ما يؤثر في الأمم ذوات المدنيات المستحدثة ~~الثابتة القوية في عصر ما، من المنبهات التي تستمد من معارف الأمم الأجنبية عنها، ~~وفكراتها وطرق تثقيفها عامة. # روبرتسون # إذا غرست التقاليد أصول فكرة من الفكرات، سواء كانت عقلية أم فنية أم أخلاقية، أم من ~~أي ضرب آخر من ضروب الثقافة والمعرفة، ثم درجت عليها الأجيال المتعاقبة، ~~فإنها لا تمحص ms002 ولا تختبر، بل ولا تعرض ~~على محك النقد، لتبلو نصيبها من الصحة والخطأ ، ذلك بأن تقريرها في الأذهان، يدخلها في ~~حظيرة النحل المقدسة، ويرفعها إلى مرتبة العقيدة الثابتة، التي يعد بحثها تدنيسا ~~لقداستها وتهجما على حرمتها. # ألبرت فور # لقد أكد بحاث أن الملحمة التي نظمت في التغني بانتصار الفرعون رمسيس الثاني - ~~سيزوستريس - من ملوك الأسرة التاسعة عشرة على سوريا، كانت الأصل الذي أوحى إلى هوميروس ~~بنظم إلياذته. # ألبرت فور # إنها لحقيقة ذات بال، أن العلم والحضارة عند اليونان لم ينتعشا إلا بعد الهجرة إلى ~~وادي النيل. # ملهود # قبل ظهور اليونان في التاريخ الحقيقي كان المصريون هم الذين أوجدوا أكمل حضارة، وأفتن ~~وأزهر مدنية. # ألبرت فور # إن من يحاول أن يضع نفسه في موضع الفارس من ظهر الجواد، أو الربان من دفة السفينة، ~~إنما هو الرجل الذي يعرف كيف يقودهما في الطريق المستقيم، لا الرجل الذي يفرق من ~~استخدامهما. # أرسطبس # إني أملك ولا أملك. # أرسطبس # إن مبدأ أرسطبس الأول، ومثله الأعلى في الحياة، انحصر في أن يكون الإنسان سيدا ~~للأشياء لا عبدا لها؛ أي إنه يجب علينا أن نملك لذائذنا من غير أن نجعلها ~~تملكنا. # هوراس # أجود الناس من بذل المجهود، ولم يأس على المفقود. # حممة بن رافع الدوسي # إن دورة عقلي قد كونت - لحسن الحظ - بحيث تجعلني شديد الحساسية؛ فأتأثر بالأشياء ~~ابتغاء الاستمتاع بها، ولكن لم تبلغ حساسيتي بالأشياء حدا يجعلني أتألم من ~~فواتها. # منتسكيو # لخير لي أن أكون مستجديا من أن أكون أحمق بليدا، فإن الأول إن كان بلا مال، فإن ~~الثاني بلا رجولة. # أرسطبس # إلى ذيونسيوس طاغية سيراقوز: # ذهبت إلى سقراط لما شعرت بحاجة إلى المعرفة، وقدمت إليك لما شعرت بحاجة إلى ~~المال. # أرسطبس # اللذة تحركنا، ولكن إرادة الله تحكمنا. # بالي # الفضيلة هي فن إسعاد الذات بالعمل على إسعاد الغير. # لبنتز # يقول أرسطوطاليس: إن الحياة السعيدة يجب أن تكون ربيعا صحوا، تسبح في جوه خطاطيف ~~الربيع، وتسطع شمسه على الدوام، أما عند أرسطبس فالأمر على خلاف ذلك؛ فإن ms003 خطافة واحدة ~~عنده تدل على جزء من الربيع، فينبغي للرجل الحكيم أن لا يترك خطافة الربيع تفلت من يده؛ ~~بل ينبغي له أن يعمل طول حياته على أن يقتنص أكبر عدد من خطاطيف الربيع، حتى إذا زاد ~~عدد الأيام التي يسعد فيها بالاقتناص، على عدد الأيام التي لا يسعد فيها بخطافة، استطاع ~~بعد ذلك أن يقول: إني حييت حياة رجحت لذاتها على آلامها، وهذا هو معقول السعادة ~~عند أرسطبس. # المؤلف # الغرض من الفلسفة تكوين ملكة تهيئ للفيلسوف أن يعيش حتى لو فرض وألغيت كل الشرائع، ~~كما كان يعيش وهي قائمة. # أرسطبس # أما إذا كانت الملكة الوسطى هي وحدها الممدوحة - كما يقول أرسطوطاليس - وأن تقويم ~~النفس - على ما يقول - يلزمنا أن نميل تارة نحو الإفراط (الألم) وتارة نحو التفريط ~~(التحرر من اللذة والألم) لأننا بهذه المثابة يمكننا بأسهل ما يكون أن نصيب الوسط ~~والخير (الحركة اللطيفة)؛ أي اللذة عند أرسطبس، فأي شيء بقي بعد ذلك من مذهب أرسطبس لم ~~يدخل في مذهب أرسطوطاليس الأخلاقي، وأي شيء في مذهب أرسطوطاليس في السعادة لم يرجع إلى ~~هيدونية أرسطبس. # المؤلف # الفصل الأول # | أصول الفلسفة اليونانية ومذهب اللذة والألم # شاء القدر أن يظل مذهب أرسطبس غير معروف عند العرب إلا لماما، شأن أكثر المذاهب التي ~~تفرعت عن دوحة سقراط العظيم. وشاء القدر أن يحاول أرسطوطاليس ألا يذكر اسم أرسطبس، بالرغم ~~من أنه ناقش في مذهبه مناقشات طويلة في كتاب الأخلاق إلى نيقوماخس، بل وأخذ ببعض مبادئ ~~المذهب القوريني، فحورها وأدمجها في مذهبه. # وشاء القدر أن لا يذكر بر تلمي سنتيلير هذا المذهب في المقدمة المستفيضة التي وضعها ~~لترجمة كتاب أرسطوطاليس في الأخلاق تعيينا، كما أنه لم يناقش في مذهب الرواقيين الذين هم ~~فرع من دوحة أرسطبس، وحلقة انتقال في المذاهب الأخلاقية، أساسها المذهب القوريني، وهم أقرب ~~إلى السقراطية من أرسطوطاليس. # وما كان أرسطبس أول فيلسوف أساءت إليه الأقدار، وما كان أول إنسان ظلم حيا ~~وميتا. # أصول الفلسفة اليونانية ومذهب اللذة ~~والألم # تترامى الأشعة التي بعث ms004 بها الفكر اليوناني القديم من أغوار الماضي السحيق سنية ~~وضاحة، فتضيء الظلمات التي ناءت بكلكلها ~~على المدنيات المختلفة منذ القرن الخامس قبل الميلاد حتى اليوم، ولا جرم أنك لن تقع ~~على شيء تحت الشمس لا يمت إلى الفكر اليوناني بسبب، كما يقول العلامة جلبرت مري ~~الإنجليزي؛ فكان من أثر ذلك أن تطرف البعض من مقدمي المفكرين في العصر الحديث، ~~إلى القول بأن الفلسفة اليونانية، بل وكل الآثار التي صدرت عن الفكر اليوناني ~~«أصيلة» غير مدخولة بعناصر غريبة من الفلسفة أو العقيدة أو الفكر، وأنها لم تلقح بأي ~~أثر من الآثار التي نشأت قبل مدنية اليونان في الشرق. # ولا شك في أن الذين يذهبون هذا المذهب لهم المبررات التي تؤيد نزعتهم، ولهم ~~الأسباب التي يرتكزون عليها في الحكم بأن الفكر اليوناني «أصيل» نشأ في عقول الإغريق ~~القدماء، وعنها صدر من غير أن يكون للحضارات الأخر أثر فيه قليل أم كثير. # فإن العظمة التي نشهدها في أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس وأرسطبس وديمقريطس ~~وأبيقور، دع عنك فيثاغورس وطاليس وأبقراط وجالينوس، لعظمة تفوق كل ما تقدمها من صور ~~النبل الإنساني، إن لم نقل إنها تفوق كل ما عقبها حتى اليوم، مع قياس الفارق ~~بينهم - وهم رواد الفكر - وبين المحدثين - ورثة هؤلاء الرواد العظام - والفاصل لا يقل ~~عن خمسة وعشرين قرنا من الزمان. # ولك أن تقدر بعض الآثار التي ظهرت خلال تلك القرون؛ بأن تعي أن الإنسانية شهدت ~~فيها نشوء النصرانية والإسلام، وشهدت نشوء ما لا يحصى من مذاهب الفلسفة والعلم ~~والأخلاق، فلم تفلت ناحية من هذه النواحي من التأثر بمبتكرات الفكر اليوناني، تأثرا ~~عميقا بالغ المدى. فلا عجب إذن أن يكون لهذه العظمة أثرها في المغالاة التي نقع عليها ~~في تقدير بعض الكتاب آثار اليونان، تقديرا ينفون به كل علاقة فكرية تربطهم بالحضارات ~~الأخر. # ومهما يكن من أمر اليونان وتأثرهم أو عدم تأثرهم بما سبقهم من منتوج الفكر البشري، ~~فإن الأمر الذي لا نشك فيه أقل شك أن أثر اليونان فيما تبعهم من المدنيات ms005 بالغ ~~أقصى المدى؛ في حين أن تأثرهم بما سبقهم من المدنيات تافه قليل . # ومن هنا نستطيع أن نقول بغير حرج: إنهم بحق رواد الفكر الإنساني والمعرفة على ~~اختلاف صورها، وعلى تباين ملابساتها. # فالمدنية اليونانية أرقى المدنيات القديمة، هذا إلى أنها خلاصة ما وصل إليه التثقيف ~~العقلي في الأعصر القديمة. # أما تأثر اليونان بما سبقهم من الحضارات فإن ثقات المؤلفين قد اختلفت فيه مذاهبهم ~~وتدابرت آراؤهم، غير أن كفة القائلين بأن الفكر اليوناني قد اغتذى وكسب من غيره، ~~ترجح كفة القائلين بأن الفكر اليوناني «أصيل» نشأ في ثرى اليونان، وتكيف في ثنايا العقل ~~اليوناني، غير مدخول بأي لقاح خارجي أو وراثة أجنبية. # فالعلامة «ميير # Meyer ~~» الألماني على أن المدنية ~~اليونانية لم تبدأ في الارتقاء الحقيقي إلا بعد أن احتكت بالشرق في «إيوليا # Aeolia ~~» و«إيونيا # Ionia ~~» في آسيا الصغرى، حيث كان في تلك البقاع مدنية أرقى من ~~مدنية الإغريق. # ويقول العلامة «دنكر # Dunker ~~»: «لم يبق من شيء في ~~مدنية اليونان لم يتأثر من اتصالهم بمدنيات آسيا الصغرى حتى دينهم، فإنه على الرغم من ~~أنه يكاد يكون خاصا باليونان، ونشأته ذاتية بينهم، فإنه تأثر بأديان الشرق، واقتبس ~~الكثير من أصولها ومعتقداتها.» # أما الأستاذ «روبرتسون # Robertson ~~» فيقول في كتابه ~~«تاريخ حرية الفكر» (ج1 ص121): «إننا مهما قلبنا وجوه الرأي، وأمعنا في البحث، فإنا لا ~~نعثر على مدنية يونانية أصيلة؛ أي مدنية ليس فيها أثر من مدنيات أخر.» # ثم يقول في نفس الكتاب ص122: «إن ~~الإعجاب الشديد باليونانيين، قد حمل كثيرا من الباحثين وأصحاب الرأي إلى أن ينكروا ~~حقيقة تأثر المدنية اليونانية بمدنيات الشرق القديمة، حتى إنهم لم يكتفوا بإنكار ذلك ~~الأثر، بل تطرقوا إلى القول بأن الفكر اليوناني وليد بلاد اليونان، تأصل فيها ~~ونشأ، غير متأثر بشيء مما سبقه من منتوجات الفكر الإنساني وجهوده.» # ذلك في حين أن الذين ينكرون تأثر المدنية اليونانية بغيرها، ثقات من الباحثين ~~أمثال العلامة «ريتر # Ritter ~~» الألماني في كتابه ~~«تاريخ الفلسفة القديمة»، والفيلسوف «رينان # Renan ~~» ~~الفرنسي في كتابه «تاريخ ms006 الأديان»، والعلامة «زلر # Zeller ~~» في كتابه «تاريخ الفلسفة اليونانية» وهم يجمعون - كما ~~يتبعهم غيرهم من الكتاب - على القول باستقلال الثقافة اليونانية عن غيرها من ~~ضروب الثقافات الإنسانية. # ولا نريد أن نستطرد إلى سرد البراهين التي يقيمون عليها مذهبهم، فإنها ترتكز على ~~نظريات، تتسع للجدل والنقاش. # ذلك في حين أن اتصال تيار الفكر، ونشوء الحضارة اليونانية في حوض البحر المتوسط، ~~مهد كل الحضارات القديمة، والعلاقات التجارية التي كانت قائمة بين كل الشعوب التي نشأت ~~شرقية، تزودنا بمرجحات قوية نميل معها إلى القول بأن الحضارة اليونانية، نشأت ~~متطورة عن مدنيات أخر. # هذا ما يؤيده الأستاذ روبرتسون في كتابه الذي أشرنا إليه آنفا إذ يقول في ص122: «إن ~~التعصب لبعض الصفات التي تتصف بها الأمم، والافتتان بما لبعض الشعوب من نبوغ وعبقرية، ~~أمران ساقا بعض الكتاب، وفئة من كبار الباحثين، إلى الأخذ بآراء هي إلى ناحية الرجم ~~بالغيب، أقرب منها إلى مناهج العلم اليقيني. # على أنه من أقرب الأشياء إلى الحق، أنك إذا رأيت أمة في التاريخ أخذت تضرب بسهم في ~~مدارج الارتقاء الفكري والفنون، وبقية مطلوبات الحياة ومستحدثاتها وضروراتها، وأنها ~~بدأت تخطو في سبيل ذلك خطوات سريعة ثابتة، حكمت بأن تقدمها على هذا النمط، إنما يرجع ~~إلى ما أحدثه احتكاكها بأمم أجنبية عنها، من الانعكاس الذي يظهر أثره في صفاتها ~~ومشاعرها ومتجهاتها. # انظر في المدنيات الأولى كمدنية آشور، أو حضارات بابل والكلدان ومصر، فإنك تجد أن ~~ارتقاءها المدني كان بطيئا، واستجماعها لأسباب الرقي والتثقيف العقلي كان أبطأ، وذلك ~~يدل على أن سرعة الارتقاء المدني يرجع إلى ما يؤثر في الأمم ذوات المدنيات المستحدثة ~~الثابتة القوية في عصر ما من المنبهات التي تستمد من معارف الأمم الأجنبية عنها، ~~وفكراتها وطرق تثقيفها عامة.» # ثم يقول: «أما تفوق اليونان في عصور مدنيتهم القديمة المعروفة في التاريخ، فلا يرجع - ~~على ما تقدم - إلى نبوغهم وتفوقهم الذاتي تفوقا خارقا للعادة - كما يدعي كثير من ~~الباحثين - بل يرجع - استنتاجا وعقلا - إلى ما طرأ على صفاتهم المدنية من نشوء ms007 وتطور، ~~كان سببه اختلاطهم بغيرهم من الشعوب المجاورة لهم حينا، ومن طريق ما وضعوه من النظم ~~الاجتماعية حينا آخر، ناهيك بموقع بلادهم الجغرافي وتخطيط أرضهم في الداخل تخطيطا ~~أوسع بين المدن المختلفة سبيل المنافسة، خلا ما تؤدي إليه المنافسة من رقي في الصفات ~~المدنية، التي ترتكز عليها قواعد العمران.» # ثم يقول: «إن البحوث التاريخية تدل على أن اليونانيين القدماء في فجر مدنيتهم كانوا ~~خليطا من قبائل شتى، وزاد اختلاطهم على مدى الأيام، كما أن معارفهم وعلومهم ترجع - أول ~~الأمر - إلى سكان تراقيا # Throce # وهم ليسوا إغريقا، ~~وكانوا يعبدون إله الشعر.» # ونقل الأستاذ روبرتسون عن القدماء أقوالا تاريخية تؤيد مذهبه، فنقل عن هيرودتس أن ~~أصل اليونان قبيلة حربية ذات نفوذ واحترام عظيمين، فتبعها كثير من القبائل الأخر التي ~~كانت آخذة بتقاليدهم، وصرفت على نفسها اسم القبيلة «اليونان». # ونقل عنه أيضا: «إن الإسپرطيين يونان وأن الإثينيين «بلاسجة Pelasgians ~~» ولكنهم مع الزمن اصطبغوا بصبغة اليونان وتعلموا ~~لغتهم.» # ونقل عن تيوسديدس قوله: «غير ميسور أن نعثر في العصر التاريخي على شعب يوناني أصيل لم ~~تجر في عروقه دماء دخيلة من قبائل أخر.» ويتخذ الأستاذ روبرتسون هذه الأقوال دليلا ~~كافيا لإثبات أن الحضارة اليونانية قد تطورت باللقاح السلالي، وأنها لم تنشأ غير ~~متأثرة بغيرها من الحضارات القريبة منها أو البعيدة عنها. # أما علاقة اليونان بغيرهم من الأمم المتحضرة - وبخاصة مصر القديمة - فإن الأستاذ ~~ألبير فور الفرنسي قد أبان عنها في تقرير علمي مسهب ننقله بحروفه لنفاسته، قال الأستاذ ~~فور: # 1 ~~«إذا غرست التقاليد أصول فكرة من الفكرات سواء أكانت عقلية أم فنية أم ~~أخلاقية أم من أي ضرب آخر من ضروب الثقافة والمعرفة، ثم درجت عليها الأجيال ~~المتعاقبة، فإنها لا تمحص ولا تختبر، بل ولا تعرض على محك النقد لتبلو نصيبها من ~~الصحة والخطأ، ذلك بأن تقريرها في الأذهان يدخلها في حظيرة النحل المقدسة، ويرفعها ~~إلى مرتبة العقدة الثابتة التي يعد بحثها تدنيسا لقداستها، وتهجما على ~~حرمتها.» ~~«من هذا أن كثيرا من مشهوري العلماء والفلاسفة ms008 ونابهي الكتاب والمفكرين قد أخذوا ~~بأفكار في نشأة الحضارة اليونانية، بطلانها من الوضوح والجلاء بحيث يمكن أن تدركه عقول ~~أقل من عقولهم هبة وملكة واستعدادا.» ~~«فقد قيل : «إن الحضارة اليونانية - أم الحضارة الغربية - ليست مدينة بشيء إلا ~~لنفسها.» فردد هذا القول كتاب اتفقوا في الفكرة، وإن اختلفوا في طريقة التعبير عنها، ~~ورموا جميعا إلى إثبات أنه في تلك البقعة الفريدة الممتازة، استقى شعب مختار من شعوب ~~البشر كل غرائب الفن، ومدهشات العلم، وروائع الأدب والفلسفة، مستمدا أصولها من ذات ~~نفسه ومن أعماق وجدانه.» ~~«والغرض من هذا البحث إثبات ما ينفي ذلك، وإظهار أن اليونان - وبخاصة في الفلسفة ~~- قد استقوا معلوماتهم - إلى حد ما - من مصر القديمة.» ~~«على أن الإحاطة الوافية بما يمكننا من إثبات ذلك إثباتا كاملا أمر عسير، ذلك ~~بأن هذه المسألة لن تحل عقدتها اليوم، ولكن رسم القاعدة التي ينبغي علينا أن ~~نتبعها، وشرح طرقها أمر لا يخلو من فائدة، ولا ريب في أن عملنا يثمر ويؤتي أكله، ~~إذا استطعنا أن نجلب حجرا واحدا نضعه في أساس البناء الذي سيتمه غيرنا في الأيام ~~المقبلة، بعد أن يضرب علم العاديات المصرية بقدم ثابتة في سبيل التقدم الذي يحق لنا ~~أن نغتبط بتباشيره، معتقدين أننا سوف نبلغ فيه شأو الكمال، قياسا على ما أتم ~~العلماء الذين ترسموا خطوات شمبوليون، ومن تقدمه من البحاث المنقبين من الأعمال ~~الباهرة إلى يومنا هذا.» ~~«عملت على نشوء الحضارة ثلاثة شعوب ممتازة بمقدرتها الابتكارية؛ هم: المصريون ~~والكلدان وأسلاف اليونان، ومنهم استمدت الثقافة اليونانية عناصرها، ولقد كان لمصر في ~~العمل الذي تكاتفت عليه هذه الشعوب الثلاث أثر رئيس، فإنها كانت في طليعة الأمم ~~جميعا من حيث التأثير في أسلاف اليونانيين، أولئك الذين ورثهم (الأيونيون) وأغارقة ~~العصر الأول، ولقد دلت الإحاثة في جزيرة كريت - إقريطش - وفي جزر (الفلوپونيز) وفي ~~آسيا الصغرى من حول مدينة (طروادة) على حضارات ربت ونمت في خلال الألفين الثاني والثالث ~~قبل الميلاد، حضارات اتسمت بسمات عامة مشتركة فيها دلائل على تأثير شرقي بقدر ms009 ما، ~~ومثلها أوجه من الشبه كبيرة في آثار من منشآت الفن المسيني، وضروب من الفن المصري ~~سواء أفي الزخرف الصناعي أم الفني.» ~~«وهناك دليل قاطع على وجود علاقات بين سكان اليونان وبين المصريين، حتى لو آثرنا أن ~~نعتبر الفن المسيني هو المؤثر في الفن المصري لا العكس. وقصر إكنوزوس الذي اكتشفه ~~مستر إيفنز في جزيرة (إقريطش) يرجح أنه قد بني على مثال الفن المصري، وطبقا لقواعد ~~البناء والعمارة المصرية، ولا بد أن هذا القصر قد شيد بين سنة 2500 وسنة 1800 قبل ~~الميلاد، ومن المحتمل أن يكون بين سنة 2200 وسنة 2000، وهذا يدل على أن العلاقات بين ~~اليونان، أو على الأقل بين أسلافهم، وبين المصريين كانت موغلة في القدم، ولكننا سنقول ~~إن القصر بني قبل ذلك؛ أي حوالي سنة 1200 أو سنة 1300 قبل الميلاد.» ~~«ولكن المحقق أنه شيد بين سنتي 1000 و1400؛ أي خلال الحرب الطروادية أو قبل ~~نشوبها، ومن هنا نرى أن أهل آسيا كانوا متحالفين تجاه مصر، وكان هذا التحالف مكونا من ~~التكرين والدانيين والترهينيين وغيرهم. ولقد أكد بحاث أن الملحمة التي نظمت ~~في التغني بانتصار الفرعون رمسيس الثاني - سيزوستريس - من ملوك الأسرة التاسعة عشرة على ~~أهل سوريا، كانت الأصل الذي أوحى إلى هوميروس نظم الإلياذة، ولا مسوغ للشك في أنها ~~أثارت ضجة بداءة - وكما هو طبيعي - في مصر نفسها، إذ إن أصلها قد حفر كله أو بعضه ~~في معابد كثيرة، زد إلى هذا أن الآسيويين الذين احتكوا بحضارة النيل في الحرب أو ~~التجارة أو المعاهدات، قد حملوا - من غير شك - صداها إلى أسماع اليونان، الذين كانوا في ~~بدء الدخول في دورهم التاريخي، ولكن استنتاجنا من ذلك أن الملحمة المصرية قد أثرت ~~ضرورة في نظم الإلياذة؛ أمر غير مقطوع به، وأي تأثير لمصر في اليونان من هذه الناحية ~~عرضة للشك والظنون، وإذن يكون من العبث محاولة بحثه هنا.» ~~«ولكن إذا تأملنا في التشابه الكلي بين تمثال «أبولون # Apollo ~~» الذي عثر عليه بالقرب من قورنثية وبين التماثيل المصرية ms010 ~~للدول القديمة، نترك الفروض وندلف إلى الحقائق، ونقرر الآن أنه لما كان الأسلوب ~~التقليدي هو الطراز الذي كان سائدا في العصور المتأخرة من تاريخ مصر، ولما كان ~~الفنانون يقلدون الآيات الفنية التي جاء بها أسلافهم سنحت الفرصة لليونان لتقليد ~~النماذج المصرية من كل عهد ومن كل مذهب فني، حتى قبل أن يرخص لهم الفرعون إپزاماتيك ~~بالدخول في وادي النيل. ومما هو أشد إثارة للدهشة؛ التشابه بين التماثيل الجالسة التي ~~تملأ جانبي الطريق المقدس الموصل إلى معبد رديميان أبولون في مليطس وبين التماثيل ~~الجالسة في مصر، والتي يرجع عهد بعضها إلى أبعد العصور، وتماثيل مليطس أيديها موضوعة ~~على الركب وسيقانها متلاصقة مثل التماثيل المصرية، ويمكن للإنسان أن يلحظ هذه المشابهة ~~بسهولة إذا قارنها بتماثيل ممنون التي أقامها أمنوفيس الثالث من الأسرة الثامنة عشرة، ~~وهي متقدمة على النماذج اليونانية بقرون عديدة، ربما قاربت ثمانية قرون. ومثل هذه ~~النماذج إنما تدلنا على أن الحضارة اليونانية المبكرة أو حضارة أسلاف اليونان والحضارة ~~«الأيونية» المستنيرة قد تأثرتا بالحضارة المصرية.» ~~«وبفضل شمبوليون وحله للرموز الهيروغليفية، وبفضل عمل العلماء الذين جاءوا من بعده ~~وصرفوا جهودهم لرد مصر القديمة إلى الحياة، أصبحنا اليوم في موقف يمكننا من تكوين ~~فكرة في الأصول المنقوشة على الحجر أو المكتوبة على ورق البردي، وقد تألفت مجموعة ~~وافرة من المخطوطات من كل نوع بفضل جهود علماء العاديات المصرية الذين زادوا إلى ~~ثروة العلم باكتشافاتهم وبإصلاحهم أخطاء عديدة عن حضارة مصر، كانت قد حازت الثقة من ~~قبل. وللأسف إن هذه المخطوطات - على كثرتها - ليست في الحقيقة غير جزء قليل من الكتب ~~الكثيرة التي كانت مكدسة في المكاتب وفي معابد الفراعنة. ولذا لا تزال عملية سد ~~الثغرات باقية، وهذا هو سبب اختلاف المؤرخين، وتفرقهم شيعا وأحزابا في تفسير ديانة ~~مصر القديمة، ونحن مرغمون على الرجوع إلى المخطوطات التي بين أيدينا وتحت تصرفنا، ~~ومضطرون إلى أن نستنبط منها النتائج التي تعتبر بالنسبة إلى حالتنا العلمية محتملة، إن ~~لم تكن باتة نهائية. وعلى أقل تقدير، يمكن أن ms011 يكون في مستطاعنا إعطاء فكرة حقيقية عن ~~الحياة العقلية والأخلاقية لمصر في ألف السنة الأولى قبل الميلاد، وبخاصة في القرنين ~~السابع والسادس؛ أي في الوقت الذي تأكدت فيه العلاقات بين مصر واليونان. وسنرسم الآن ~~صورة عامة لتلك الحضارة الزاهرة، ولكن قبل الإقدام على ذلك سنختبر كيف حظي اليونان ~~بالوصول إلى وادي النيل.» ~~«حوالي سنة 650 قبل الميلاد - ولأسباب سياسية لا تعنينا هنا - دعا الفرعون إپزاماتيك ~~الأول - مؤسس الأسرة السادسة والعشرين - اليونان من آسيا الصغرى لنصرته، ومن ذلك الوقت ~~إلى ما بعده، وفي ظل رعاية هذا الملك وخلفائه؛ أعطيت لهم إقطاعات خاصة عند مصب ~~النيل.» ~~«وفي القرن السادس ق.م اشتهر الفرعون أمازيس بسياسة العطف على الهلينيين # Hellenistics # وقد خصص لهم إقليما ~~لاستعمارهم، ابتنوا فيه مدينة يونانية كاملة اسمها نقراطيس وألقوا برحالهم أيضا في ~~بلاد مصرية مختلفة، مثل: ممفيس وعبيدوس، وفي الواحات الكبيرة، وهكذا انتشرت في مصر ~~طوائف وأشتات من اليونانيين مختلفة الأصول والسلالات منهم الإغريق والأيونيون ~~والكاريون، ويونان من آسيا الصغرى، ويونان من الجزر ومن «قورينة # Cyrene ~~» بشمال أفريقية غربا.» ~~«ومن أسباب هذا الذيوع والتكاثر قوة الخصب ورطوبة الثرى، ورخاء الحياة وسلاستها، ~~ولم تكن أسباب هذه الرفاهة مقصورة على ليونة العيش وغزارة الموارد المادية وحدها، بل ~~ترجع أيضا إلى خلق السكان الهادئ الوديع المشبع بالحضارة السامية، والذي صقله ~~التمدين الراقي، حتى لقد قال المسيو ملهود: «إنها لحقيقة ذات بال أن العلم والحضارة ~~اليونانيين، لم ينتعشا إلا بعد تلك الهجرة».» ~~«وفي ذلك الوقت كانت الحضارة المصرية فتنة الناظرين، وعجب السائحين، ورغم الانحطاط ~~والتدهور السياسي الذي استمر عدة قرون، والذي بدت أعراضه في كل ميدان من ميادين العمل ~~- ولو أنه قد غولي في تقديره - فإن تسلم الأسرة السادسة والعشرين عرش مصر، كان ~~بداءة عودة الحياة إلى الفن، ودليلا على أن العلم والأدب قد نهضا نهضة بعثت عهد ~~الفراعنة السابقين الزاهر، من رموس الماضي.» ~~«كانت التصورات الأخلاقية الراقية قد ملكت نفسية المجتمع، وكانت منبثة في مجموعة ~~منظمة من القوانين المدنية والجنائية، قد بهر تنسيقها ms012 وحسن نظامها القدماء. والفصل ~~الخامس بعد العشرين من «سفر الموتى» وهو الذي يشمل تزكية الروح، والمسمى بالاعتراف ~~السلبي أمام محكمة أوزيريس يكشف لنا عن خلاصة الآداب المصرية، ويرينا سمو مشاعرهم ~~الأخلاقية، ورفعتها وتساميها.» ~~«ولأسباب معقولة قورن هذا الاعتراف ~~السلبي بالوصايا العشر عند العبرانيين، ونجد من المؤلفين القدماء الذين وصلت إلينا ~~كتبهم على مهابط السنين - وبخاصة هيرودوتس وديوذورس - برهانا على أن هذه الشريعة ~~الأخلاقية، كانت مستمدة من القوانين والشرائع المصرية، أما ديوذورس فيحاول أن ~~يحملنا على الاعتقاد بأن «صولون # Solon ~~» قد استعار بعض ~~قوانينه من المصريين، وهذا محتمل إلى حد كبير قياسا على تفوق مصر على جيرانها تفوقا ~~كبيرا، وعلى التأثير الذي لا يدفع والذي لم تكن مصر لتضعف عن تسليطه على قوم في زهرة ~~شبابهم، متلهفين إلى العلم ولهم مواهب سامية، ولم يكونوا بعد قد أطلقوا العنان لقوتهم ~~الإبداعية، وكانت عبقريتهم الغريبة الباهرة، ستتفتح عنها الأكمام، بعد صولون بقرن ~~واحد.» ~~«وقبل ظهور اليونان في التاريخ الحقيقي كان المصريون هم الذين أوجدوا أكمل حضارة ~~وأفتن وأزهر مدنية، وكان التعليم منتشرا في مصر انتشارا واسعا، وعدا طبقة الكهنة ~~الذين كان لهم احتكار العلوم والآداب، كان هناك عدد عظيم من كتاب الدواوين ورجال ~~الحكومة، يمثل العنصر المثقف من السكان. وكان لكل مدينة عظيمة مدرسة واحدة، أو عدة ~~مدارس متصلة بالمعابد، ويتكون منها كليات دينية حقيقية، وتدل التقاليد على أن أعظم ~~علماء اليونان وأفحل فلاسفتها كانوا يترددون على هذه المدن العظيمة. وكانت أكثر المدن ~~روادا وقصادا سايس وبابسطس وتنيس وهليوبوليس وعيدوس وطيبة، وكانت ~~كلية هليوبوليس الكهنوتية طائرة الصيت، وكان يؤمها اليونانيون ويعتبرون وفودهم عليها ~~جزءا من برنامجهم التعليمي. وفي عهد الأسرة السادسة والعشرين - أي من وقت تولي ~~إپزاماتيك الأول إلى وفاة أهمس واستيلاء الفرس على مصر؛ أي من سنة 650 ~~إلى سنة 525 قبل الميلاد - كان يمكن لليونان ~~أن يؤموا وادي النيل، ويعيشوا فيه في أحوال مواتية لا تقطعهم عن الدرس والمطالعة ~~ومذاكرة المعارف، وفوق ذلك، فإنه لم يحدث تحت سيطرة الفرس ما يعوق ms013 السائحين والمؤرخين ~~والسياسيين عن السفر والتنقل خلال الديار المصرية، يدرسون عاداتها وفنونها ومعتقداتها ~~الدينية، ولقد يعطينا المؤرخ هيرودوتس مثلا من ذلك فيما كتب.» ~~«لقد أظهرنا إمكان وجود العلاقات العقلية بين مصر واليونان، والآن سنختبر طبيعة هذه ~~العلاقات، وليست المسألة مسألة إثبات وراثة فلاسفة اليونان المبكرين المباشرة للأفكار ~~والتصورات المصرية، فهذا شيء عسير يصعب أن نحلم بتحقيقه في حالتنا العلمية الحاضرة. ~~والأمر هنا يدور حول إثبات أن الفكر المصري ينبغي أن يكون قد أثر بعض التأثير في الفكر ~~اليوناني، ومن ناحية أخرى نرى أنه من الضروري تجنب الخطأ المضاد لذلك، وهو إنكار ~~أية علاقة لمملكة ما بالممالك الأخرى التي تجاورها، حتى بالممالك البعيدة عنها وبخاصة ~~إذا كانت الأخيرة مباءة للأدب والفن والعلم.» ~~«أخذ اليونان أفكارهم عن يوم الحساب بعض الشيء عن المصريين، ومن أجل ذلك كانوا - ~~كالمصريين - يعتقدون بوجود روح مجنحة خالدة، وكانت الروح تمثل على الآثار المصرية ~~وفي المقابر بصورة طائر ذي رأس بشري، ويلزم أن يكون اليونان قد أخذوا صورة الجنة من ~~مملكة الموت، التي كان يحكم فيها أوزيريس.» ~~«ولا مجال لنكران المشابهة والتقارب في الجرس بين كثير من الكلمات المصرية وبين عدد ~~عديد من الكلمات اليونانية التي تدل على معنى واحد، وفضلا عن ذلك فإن القني ~~والنيل - تلك التي تصور المصريون وجودهما في العالم الآخر، على مثال النيل الحقيقي ~~وقنيه الأرضية - اتخذها اليونان نماذج لأنهر العالم السفلي ومجاريه وقنيه، ~~ومن الصعب أن نشك في الأصل المصري لكلمة ~~“Rhudamanthu” # فهي مأخوذة أصلا من الجملة المصرية ~~“Ra-in-amenti” # وهو رع إله الشمس في ~~“Amenti” # وهي الحياة المقبلة. ~~وكلمة ~~“Charon” # للملاح في العالم السفلي مأخوذة من ~~الكلمة المصرية ~~“Karon” # ومعناها زورق أونوتي، وقد أوحت ~~فكرة محاسبة الموتى أمام محكمة أوزيريس إلى اليونان أفكارا مشابهة لها. والزخرف على ~~ترس آخيل مستمد من التماثيل النصفية المصرية، وقد صبغت أساطير يونانية كثيرة بعناصر ~~مجلوبة من مصر؛ مثل أسطورة هيرقل فإن الأصل المصري ظاهر فيها، ومثل أسطورة أطلس حامل ~~الدنيا برمتها على منكبه، وهي فكرة تضرب ms014 جذورها في أصول أشهر الخرافات المصرية.» ~~«وكان اليونانيون وهم يطوفون بالمدن المصرية يجعلون الآثار والمعابد قيد عيونهم ~~ومرمى أبصارهم، وكانت هذه المشاهد جل ما يحتاجون إليه، لتدريب خيالهم اليقظ الوثاب ~~القدير على التصور. وإذا انتقلنا من الأساطير والاعتقادات الدينية إلى الأفكار ~~الأكثر استغراقا في الفلسفة ، نجد أثر التأثير المصري في اليونان، ففكرة العدالة ~~العالية التي نراها في هسيود فكرة مصرية بحتة، وتاميز اليونانية هي «ما» المصرية ~~إلهة الحق والعدل، ويتمثل في شخصها القانون الأخلاقي، والسنن المرعية في المجتمع، ~~ويعنو لهيبتها الفرعون نفسه، كذلك تتجه أفكارنا نحو مصر كلما قرأنا في هسيود تقديره ~~حياة العمل والجهاد، والسير في منهاج الفضيلة، وكذلك عندما ينصح لنا بالسعي الحر ~~الجريء.» ~~••• # هذا جوهر ما يراه الأستاذ فور من حيث علاقة حضارة اليونان بمصر خاصة، وما جاورها من ~~الحضارات الأخرى عامة. # على أن لنا أن نذهب في رأي الأستاذ فور وما يماثله من الآراء كل مذهب، ولنا أن نقول ~~بأن اليونان اقتبسوا من المصريين شرائع ومبادئ علمية في علمي العدد والهندسة، وأنهم ~~انتحلوا مذاهب دينية أو ميثولوجية أو فنية، وأنهم نحتوا وصوروا على مثال الفن ~~الفرعوني القديم، لنا في مثل هذا أن نقول إنهم اقتبسوا شيئا من مصر أو أشياء من مختلف ~~الحضارات الأخر، فإن باب البحث في ذلك واسع وميدان التنقيب فسيح. # أما في فروع الفلسفة فباب البحث ضيق، وميدان المقارنة والاستنتاج غير فسيح، ولك أن ~~تنظر من ناحية واحدة في الطابع الذي اصطبغت به الفلسفة اليونانية، والطابع الذي ظهر ~~جليا في آراء المصريين أو غيرهم من الأمم القديمة، التي يجوز أن نقول إن اليونان قد ~~اقتبسوا من آرائهم الكونية لترى أن الفلسفة اليونانية كانت منذ نشأتها الأولى بعد أن ~~اجتاز اليونان الدور الميثولوجي؛ ربيبة المدارس الزمنية، في حين أن كل فكرة نشأت في مصر ~~وغيرها من الأمم ذوات الحضارات القديمة، وكانت تمت إلى الفلسفة بسبب إنما ترجع إلى أصل ~~ديني نشأ بين جدران المعابد والهياكل، وحوطت بسياج من النزعة الدينية أفقدها الروح ~~الفلسفي؛ أي ms015 روح التحرر من التقليد والمذهبية. # أما بدايات الفلسفة اليونانية، بعد أن ألقحت حضارة اليونان بهذه العناصر الأجنبية ~~فلها وجوه أخرى، نمضي في ذكرها باختصار، لنعطي القارئ صورة موجزة منها. # أن أول حقيقة تصادفنا عند البحث في بدايات الفلسفة اليونانية، أنها نشأت في ~~المستعمرات الأيونية # Ionian # في آسيا الصغرى، لهذا نجد ~~أن الفلسفة اليونانية لم تخلص في كل أدوار نشوئها وتطورها من الصبغة الشرقية، التي ~~تظهر في كثير من نواحيها، سواء أفي الشكل أم في الموضوع، وسواء أبلغ هذا الأثر من ~~الرجحان والوزن الدرجة التي يذهب إليها بعض المؤلفين أمثال «روث # Roth ~~» و«غلاديش # Gladiech ~~» أم كان غير ~~ذي أثر كبير كما يقول «زلر # Zeller ~~» وغيره من الذين ~~ألفوا في تاريخ المذاهب، فإن المحقق عند «ترنر # Turner ~~» أن الفلسفة اليونانية قد اختصت منذ البداية بروح كانت في ~~طبيعتها هلينية # Hellenistic # لهذا نجد أن اليونان قد ~~نظروا في الكون عند أول تأملهم في الكونيات بعين لم تغش عليها المجازات ولا ~~الأساطير. # أما الفرق بين فلسفة الشرق، والبدايات الفلسفية الأولى في بلاد اليونان كما وضعها ~~فلاسفة الطبيعة في إيونيا فعظيم، كالفرق بين غابات الهند القديمة التي نشأت في ظلالها ~~صور الفلسفة الشرقية القديمة، وبين شواطئ البحر المتوسط الزاهية العليلة الهواء. # على أن الدين عند اليونان لم يؤثر في الفلسفة إلا من طريق غير مباشر، ذلك بأن ~~العقائد الدارجة كانت من البساطة بحيث تعجز تأملاتها وتصوراتها وأخيلتها عن أن تؤثر في ~~عقل الفيلسوف تأثيرا يثبت فيه على الزمان، ومن هنا كان الأثر الذي خلفته العقائد في ~~بلاد اليونان منابذا في طبيعته للفلسفة. # ولكنك على الرغم من هذا تجد أن العقائد ~~الدارجة قد استطاعت أن تحتفظ في العقل اليوناني ببضعة تصورات، ظلت حية فيه، ومن هذه ~~التصورات تخيل «الصورة» والإحساس بالتناسق، وكان هذا باعثا من أقوى البواعث التي تضع ~~الفيلسوف، الذي يريد أن ينظر في حقائق الأشياء كما هي كائنة؛ موضعا يتعذر عليه فيه أن ~~يستقل بنظره الفلسفي تماما أو أن يفسق كلية عن هذه التصورات، ms016 ولا يجعل لها من ~~عقله وتأملاته نصيبا. # ومن هذه السبيل وحدها استطاعت الديانة اليونانية أن تولد في التأمل الفلسفي رغبة ~~ملحة تدفعه إلى النظر الكلي؛ أي في الكليات، وكانت تلك الرغبة في عصور التأمل عند ~~اليونان عضدا قويا، ساعد الفلسفة اليونانية على أن تبلغ قمتها العليا وأن تصل إلى ~~غايتها القصوى. # على أن الدين اليوناني استطاع من ناحية واحدة أن يغذي الفلسفة اليونانية من ~~طريق مباشر؛ إذ أمدها بفكرة «الخلود» وهي عقيدة احتفظت خلال كل التطورات الفلسفية ~~التي تناوبت عليها بأصلها اللاهوتي. فإن أفلاطون مثلا يشير إلى أنها فكرة ترجع إلى ~~الأسرار الأورفية # Orphic # وهي أسرار امتزجت فيها ~~التأملات بالعقائد. # كذلك وجدت الفلسفة اليونانية في الشعر - كما وجدت في العقائد الدينية - أداة للتعبير ~~عن طبيعتها، فإن التأمل الفلسفي في أدق معانيه، قد سبقه في الوجود محاولة «التصور» أن ~~«يصور» لذاته أصل الكون ونشوئه، والدليل على هذا أن هوميروس قد صور في أشعاره أمثالا ~~من الشخصيات الأخلاقية؛ فإن آخيل يمثل الخلق الثابت الذي لا يقهر، وهكتور يمثل ~~الشجاعة والفروسة، وأغاممنون يمثل الهيبة الملكية، ونسطور يمثل الخلق الهادئ ~~الرصين، وأولسيز يمثل الخلق الحريص اليقظ، وفنلوب يمثل خلق الأمانة والولاء الكامل، ~~وهكذا. # أما «هسيودس # Hesiod ~~» فقد حاول لأول مرة في تاريخ ~~اليونان أن يكون فكرة بدائية في نظام الكون، على أن كونياته قد لبست ثوب ~~الثيوغونية # Theogony # ويقصد بها البحث في نشأة ~~الآلهة عند الأقدمين، ومن هنا كان السبب الذي صرفه عن الكلام في نشوء الأشياء بالعلل ~~الطبيعية. # فإذا انتقلنا إلى الكونيات ~~الأورفية # Orphic cosmogony # ألفينا أنها اتخذت من أقوال هسيودس الثيوغونية ~~أساسا تقوم عليه، والدليل الثابت على صحة هذا القول أنها لم تتقدم خطوة واحدة بعد ~~هسيودس، هذا إذا جارينا الكثيرين من أعلام الباحثين في العصر الحديث، ولم ننسب إلى ~~الأورفية تلك المذاهب الكونية التي يعتقد هؤلاء الأعلام اعتقادا جازما بأنها ترجع إلى ~~عصر بعد عصر أرسطوطاليس. # أما «فريقيذيس الصوروسي Pherecydes of Syros ~~» ~~(حوالي سنة 540ق.م) فقد سما بالطريقة ~~العلمية إلى سمت ms017 آخر لم يبلغه الذين تقدموه، فإنه يقول إن «زيوس # Zeus ~~» و«إخرونوس # Chronos ~~» ~~و«إخثون # Chthon ~~» هم بداية كل الأشياء، وهذه الفكرة ~~البسيطة هي الأصل الأول الذي صدرت عنه فكرة نشوء الأشياء من العناصر مع الزمان. # ولقد أخفى الشاعر هذه الفكرة وراء رموز وإشارات، فعزى ظاهرات الطبيعة إلى الآلهة لا ~~إلى عوامل طبيعية، منتحيا طريقة لا يسلم بها العقل، وإن أمكن تخيلها تخيلا. # فإذا نظرنا بعد ذلك في بدايات الفلسفة الأدبية، وقعنا عليها في الشروح التي علق ~~بها على أشعار هوميروس وفيما خلف الشعراء ~~الغنوميون # Gnomic Poets # أي «شعراء الحكمة» الذين ظهروا في القرن السادس قبل ~~الميلاد، وبخاصة في الأقول المنسوبة إلى الحكماء ~~السبعة # Septem Sapientis # على الرغم من أن هذه الأقول قد اصطبغت بصبغة ~~«كلبية»، # 2 # وتروى من تجاريب الحياة ما يدعو إلى الإعجاب الشديد، هذا إذا صح أن هذه ~~الأقوال قد كتبت حقيقة في ذلك العصر البعيد، ذلك بأن كثيرا من البحثة المجربين يشكون ~~في نسبتها إلى العصر الذي تنسب إليه. # على هذا كانت الفلسفة اليونانية في بدايتها، أما الأدوار التي قطعتها بعد ذلك فتنقسم ~~في الغالب ثلاثة عصور: # الأول: # الفلسفة قبل سقراط. # الثاني: # سقراط والمدارس السقراطية. # الثالث: # الفلسفة بعد أرسطوطاليس. # ففي العصر الأول شغلت الفلسفة بدرس الطبيعة، وأصل الكون فكانت في ذلك عند حد قول ~~المحدثين فلسفة موضوعية # Objective Philosophy ~~. # وفي العصر الثاني رد سقراط الفلسفة إلى مجرد تأمل # Contemplation # أو بالأحرى مجرد نظر في حياة الإنسان الباطنة أو النفس ~~الإنسانية، وهو عصر امتزجت فيه الناحية الموضوعية # Objective # بالناحية الذاتية # Subjective ~~. # أما في العصر الثالث فقد تسودت على الفلسفة النزعة الذاتية دون الموضوعية، فإن ~~الرواقيين # Stoics # والأبيقوريين # Epicureans # قد شغلوا بالإنسان ومصيره، حتى لقد ضحوا في سبيل ذلك بكل ~~اعتبار للكونيات والغيبيات # Metaphysics ~~. # والقورينيون الذين نخصهم بالبحث في هذا الكتاب، شعبة من المذهب السقراطي، وبذلك يكون ~~مذهبهم تابعا لمذاهب العصر الثاني من عصور الفلسفة اليونانية، ومؤسس هذا المذهب أرسطبس ~~القوريني، من تلاميذ سقراط، ومن أقران أفلاطون، ومن معاصري أرسطوطاليس ms018 المعلم الأول، ~~وأما مذهبه الأخلاقي فثابت من حيث الجوهر ولا نزاع فيه، مثله كمثل التطور من حيث إن ~~التطور أساس لنشوء الصور الحية، ولكن التفاصيل تختلف، والتعاريف تتنافر، والتطبيق يخضع ~~دائما لمقتضيات كل عصر من العصور، لهذا أجد من الضروري أن أختم هذا البحث بتأملات تدور ~~حول المذهب، قد يحتمل أن تكون كلها أو بعضها موضوعا للمناقشة والبحث، خلصت بها من ~~إكبابي على درس هذا المذهب، وتعتبر مكملة لأصل البحث، وإليك هي : # إن تحصيل اللذة الراهنة - كما يقول أرسطبس - هي القاعدة في الحياة على الضد مما يقول ~~«كانت # Kant ~~»، على أن الفارق بين الاثنين أن فلسفة ~~«كانت» تختط للإنسان خطة في حساب النفس، يرجع فيه إلى الضمير، والتساؤل عند مباشرة أي ~~عمل: «أيجوز أن يكون هذا العمل قانون الإنسانية الأدبي؟» «وهل ينطبق هذا العمل على ما ~~تجيز الفضائل؟» في حين أن فلسفة أرسطبس لا تتقيد إلا بالمشاعر التي تستولي على النفس في ~~ساعة بعينها، فتحصيل اللذة الراهنة سواء أكانت لذاتها أم للتحرر من ألم عارض، هي عنده ~~قاعدة الحياة وناموس السلوك. # إذا استولت اللذة (إيجابا) أو التحرر من الألم (سلبا) على الإنسان وهو يزاول أي عمل ~~من أعمال الحياة، فإن صوت ضميره يخفت تماما، حتى إذا تم الفعل، وكان على غير ما تجيز ~~شرائع الآداب أو العرف استيقظ الضمير، وأخذ يحاسب النفس على ما اقترفت من استسلام ~~للشهوة، فالضمير قوة ثانوية، والشهوة قوة أولية، غير أن أرسطبس احتاط لهذا، فقال ~~بأن اللذة لا يجب أن تكون مرجوحة بالألم الذي يعقبها من حساب الضمير. ~~••• # عبثا يحاول الإنسان أن يوقظ ضميره، إذا استولت عليه الشهوة، وعلى قدر ما تكون قوة ~~استيلاء الشهوة على الإنسان يكون عجز إرادته عن إيقاظ ضميره، ليصد عن فعل بعينه أو ~~ليحض عليه، ففي بعض الحالات يخفت صوت الضمير بل يكمن ويستخفي، وفي غيرها يعي بعض ~~الوعي، وفي ثالثة يصارعك فإما له وإما عليه، وهذا على نسبة ما يكون تحكم الشهوة في ~~المشاعر. # إن تحصيل اللذة الراهنة قد ms019 يكون متجها لما نعتبره خيرا وللخير الأسمى، كما يكون ~~متجها لما نعتبره شرا وللشر الأدنى، والإنسان في كل الحالات خاضع للشهوة أولا، فإذا ~~استقوت وكانت بواعثها مما لا يمكن قمعه تغلبت، وإذا لم تستقو فشلت، ولكن الشهوة على ~~كل حال أكثر انتصارا، وأقل من الضمير اندحارا، والشهوة للخير أقل من الشهوة للشر - ~~كما وكيفا - مع تقدير اعتباري الخير والشر في مفهومنا، كما أن للشهوة منازل ودرجات ~~أبان عنها أرسطبس في مذهبه كل بيان . # ومما يدل على أن الشهوة أقوى من الضمير فعلا في النفس، أن الضمير لا يستيقظ إلا ~~نادرا، وبعد وقوع الفعل في الغالب، وأن استيقاظ الضمير لا يكون إلا لقمع شهوة تقوم ~~في النفس، أو محاسبة على فعل أتته خضوعا لشهوة ما، فالشهوة إذن أقوى من الضمير أثرا ~~في السلوك الإنساني، وإذا قلت بأن كل أعمال الناس أثر من آثار الشهوة، أو بالأحرى إن ~~أعمال الإنسان شهوات، توضع موضع التنفيذ؛ كنت أقرب ما يكون من الواقع. ~~••• # يحتاج الضمير إلى حكم العقل أولا ليستيقظ؛ فإن الحكم على فعل من الأفعال بأنه ~~مخالف أو موافق لشرائع الآداب، يحتاج إلى موازنة العقل، والعقل قد يخطئ كما أن حكمه ~~نسبي اعتباري، يختلف باختلاف الزمان، وباختلاف الأفراد، وباختلاف الجمعيات. # ثم إن العقل خاضع في غالب أمره للتقاليد والوراثة والأوضاع التي درجت عليها كل ~~جماعة من الجماعات، وإذن فالضمير خاضع لجملة من المؤثرات، وهو عرضة لتضارب أحكام العقل، ~~أو للأخطاء التقليدية التي ورثت ولبست مع الزمان ثوب القداسة، فقد اتفقت كل الشرائع ~~وتقاليد الجمعيات الإنسانية المتحضرة على أن القتل جريمة، ولكنه جائز في الحروب، ~~فيقتل الناس بعضهم بعضا من غير أن يتحرك الضمير بوازع يصد الإنسان عن ارتكاب هذه ~~الجريمة. # والسبب في هذا أن الضمير يخضع للتقاليد والأوضاع، وهنا تستولي شهوة القتل على النفس ~~غير متورعة عنه بصورة من الصور، وإذا فرضنا أن القتل في الحرب دفاع عن النفس - كما يذهب ~~البعض - فليس الدفاع عن النفس إلا فعل عكسي أصيل، لا يلبث أن يتحول ms020 سراعا إلى فعل ~~عكسي # 3 # متحول، هو حب القتل والفتك بالأرواح خضوعا لمقررات پافلوف، كما أن ~~الدفاع عن النفس ليس كل ما في الحرب من باعث، فقتل الأسرى والضعفاء والنساء والأطفال ~~والتخريب وقذف المدن التي تجردت من وسائل الدفاع بالقنابل المدمرة، شهوة تستولي على ~~المحاربين بعد أن ينقلب حب الدفاع عن النفس إلى فعل عكسي متحول - كما أوضحنا - ~~وإذن يصبح القتل في الحرب شهوة، والشهوة تدفع إلى تحصيل لذة الفتك وسفك الدماء، وهذه هي ~~لذة الساعة التي أنت فيها، أو اللذة الراهنة كما اصطلحنا أن نسميها. ~~••• # على الضد من الضمير في احتياجه إلى أحكام العقل، تجد أن الشهوة لا تخضع للعقل، بل ~~هي ثائرة ملحة، ترمي إلى غرض معين لا يمكن بحال من الأحوال إذا استقوت على المشاعر ~~أن يقرب الغرض الأصلي الذي ترمي إليه غرض آخر، مهما كان في الغرض الذي ترمي إليه من ~~تنافر مع أحكام العقل، ومهما كان في أي غرض آخر من اتفاق مع المنطق السليم؛ إذن ~~فالشهوة هي القوة المحتكمة في أفعال الإنسان، وتحصيل اللذة الراهنة هي القاعدة التي ~~يجري عليها سلوك الإنسان ويخضع لها. # 4 # إذا كان اللذة والألم أصلين ضروريين في الحياة، وإذا كانت الحياة الإنسانية قد قيدت ~~آدابها ببواعث الشهوة التي تدفعنا إلى تحصيل اللذة الراهنة، فهل من أمل في تقويم الخلق ~~البشري، بأن يتحرر من انفعالاته وشهواته إلى درجة يستقوي فيها حب الخير على الشر، ~~وتستعلي فيه الفضيلة على الرذيلة؟ سؤال يجب أن نفكر طويلا قبل أن نحاول الإجابة ~~عليه. # ولكن لا بد من الرجوع إلى تاريخ نشوء الإنسان من الحيوانات التي هي أحط منه، ليمكن ~~أن نعرف إن كان الإنسان سائرا في تطوره نحو الارتقاء الشعوري، أم أن ارتقاء العقل فيه، ~~قد تابعه تطور في العواطف والانفعالات والشهوات، أشعلها وجعلها تخضع العقل ~~إخضاعا. # ولكن الظاهر أن لا علاقة بين تطور العقل وتطور المشاعر، فكلاهما - على ما يظهر - ~~يرتقي ويتطور في ناحية بعينها، ولا شك في أن المشاعر تنتحي في تطورها ms021 السمت الأعلى من ~~فضائل الأخلاق، على ما تحتاج الطبيعة البشرية أن تكون الفضائل الخلقية باعتبار الزمان ~~والمكان. # ولا شبهة في أن الحيوانات العليا من الرئيسات Primates # تحوز كل الصفات التي نراها في الإنسان، ولكن بدرجة أقل، ~~فهي تتفق مع الإنسان في أن لها غرائز وميولا وعقولا وانفعالات وشهوات، غير أن هذه ~~الظاهرات فيها أحط منها في الإنسان، والدليل على هذا أن حس الجمال في الإنسان أقوى، ~~والمطامع أطغى، والآمال أوسع وأشهى، واتصال الإنسان بالمستقبل البعيد صفة تفقدها ~~الحيوانات، حتى القرود العليا، أبناء عمومتنا الأقربين. وكثيرا ما يتطور إحساس الإنسان ~~من حيث صلته بالمستقبل إلى صورة من الجشع الاجتماعي تقوي انفعالاته وتوقظ شهواته. لهذا ~~نحكم بأن الإنسان سائر نحو المادية الأدبية، ونقصد بها تغلب الشهوات على الحس ~~الأدبي، والتخلص من محكمة الضمير على مقتضى حاجات الزمان والمكان، وتحكم الاقتصاديات ~~الرأسمالية. ~~••• # يدلنا على أن الإنسان آخذ في سبيل التخلص من محكمة الضمير أن أكثر المرافق التي ~~تكون حضارة الإنسان، كالتجارة والصناعة والزراعة ونظام الأحزاب والديمقراطيات ~~بأنواعها والحريات على مختلف ألوانها؛ أكثر ما تحركها الانفعالات، وتقودها الشهوات، ~~وتحتكم فيها المطامع والأغراض، وأقل ما تكون خضوعا لمحكمة الضمير، ولو أن إخضاع هذه ~~المرافق لمحكمة الضمير أجدر بالنوع البشري وأجدى، ولكنك لا تجد لها من أثر، إلا في ~~المثاليات دون الواقع. # ولا نريد بهذا أن نقول إن تحصيل اللذة الراهنة هي القاعدة المثلى الجديرة بحياة ~~الإنسان الأدبية، باعتباره إنسانا، على ما يدرك من هذا المعنى في أرفع منازله، بل ~~نقول: إنها القاعدة الضرورية، وبهذا نستطيع أن نعلل الأوامر والنواهي التي جاءت بها ~~الأديان، فلما كانت الشهوة أقوى ما يستولي على النفس كان لا بد لقمعها من مؤثر آخر ~~يوازنها قوة وأثرا، فلجأت الأديان إلى الإيمان توقظه في النفس، فإذا استيقظ غرست فيه ~~نواهيها وأوامرها، وهنالك يقوم العراك بين نواهي الإيمان وبين بواعث الشهوة، ومع الأسف ~~أن بواعث الشهوة لا تزال في الكفة الراجحة حتى اليوم، وبين كل شعوب الأرض قاطبة. ~~••• # ولا يقمع الشهوة إلا الإيمان؛ ms022 إذن فالنوع البشري يحتاج إلى الإيمان، الإيمان في ~~الدين؛ لأن الدين بلا إيمان لا أثر له في خارج النفس، ويحتاج إلى الإيمان في بقية ~~مرافق الحياة، في العلم والأدب والفن والفلسفة، وفي السياسة والتجارة والصناعة ~~والزراعة، وعلى الأخص الإيمان بقدسية الحياة الإنسانية، وحريتها وحقوقها وواجباتها، ~~فإننا بالإيمان نستطيع أن نقمع كثيرا من الشهوات التي تفسد علينا الحياة الآن. ~~••• # وبقدر ما نحتاج إلى الإيمان نحتاج إلى الشك؛ لأن التسليم بلا شك قاعدة فاسدة ~~الأساس، بل نستطيع أن نقول إن الإيمان لن يكون تسليما على إطلاق القول، وما ندعوه ~~إيمانا في الغالب، ليس إلا تسليما أساسه حمق وغباء وتقليد ليس من الإيمان في ~~شيء. ~~••• # وقد يخيل إلى الذين لم يستعمقوا في درس الفلسفة أن أرسطبس إنما يدعو إلى اتباع ~~الفلسفة التي توحي بها فكرة تحصيل اللذة الراهنة، كيفما كانت هذه اللذة، وعلى أية صورة ~~وقعت، وأنه يرى أن هذه القاعدة هي القاعدة المثلى في السلوك الأخلاقي، ولكن الحقيقة على ~~نقيض ذلك؛ فإن أرسطبس إنما يقول بأن تحصيل اللذة الراهنة ضرورة نفسية، نخضع لها ~~قسرا عنا، وأن الاعتراف بذلك خير من نكرانه؛ لأننا باعترافنا وإدراكنا حقيقة ~~كياننا، نستطيع أن نرفه شيئا من حدة ميولنا، وأن ننظمها ونروضها على أن تتحول إلى ~~فعل الخير على قدر المستطاع، ذلك على الضد مما نكون، إذا أهملنا الاعتراف بها، ومضينا ~~نقول بأن حكم الضمير كاف للتهذيب، من غير أن نعير الشهوة وأثرها في الحياة؛ التفاتا، ~~فالفرق بين أرسطبس وكانت ينحصر في أن الأول يعترف بالواقع، والثاني يدعو إلى ~~المثل العليا. ~~••• # شاء القدر أن يظل مذهب أرسطبس غير معروف عند العرب إلا لماما، شأن أكثر المذاهب التي ~~تفرعت عن دوحة سقراط العظيم، وشاء القدر أن يحاول أرسطوطاليس أن لا يذكر اسم أرسطبس، ~~بالرغم من أنه ناقش في مذهبه مناقشات طويلة في كتابه «الأخلاق إلى نيقوماخس»، بل ~~وأخذ ببعض مبادئ المذهب القوريني، فحورها وأدمجها في مذهبه، وشاء القدر أن لا يذكر بر ~~تلمي سنتلير هذا المذهب في المقدمة المستفيضة ms023 التي وضعها لترجمة كتاب أرسطوطاليس في ~~الأخلاق تعيينا، كما أنه لم يناقش مذهب الرواقيين، الذين هم فرع من دوحة ~~أرسطبس، وحلقة انتقال في المذاهب الأخلاقية، أساسها المدرسة القورينية، وهم أقرب إلى ~~السقراطية من أرسطوطاليس. ~~«وما كان أرسطبس بأول فيلسوف أساءت إليه الأقدار، وما كان أول إنسان ظلم حيا ~~وميتا.» # قال الكاتب الإنجليزي الأشهر جون مورلي في أول ما كتب عن حياة «كوندورسيه # Condorcet ~~»: # من الزعماء الذين أشعلوا نار الثورة الفرنسوية وغذوها بوقود الفكر ~~والعمل، لم يبق سوى كوندورسيه ليجني أول ثمراتها المريرة، فإن الذين أثاروا ~~العاصفة لم يكونوا بعد بين الأحياء، ليلفح وجوههم ريحها العاصف، ولم يبق إلا ~~كوندورسيه ليواجه العاصفة، فتلقيه صريعا. # كان فولتير قد مات، ولحق به ديدرو، وروسو، وهلفتيوس، ولكن كوندورسيه بقي ~~حيا، بعد أن أخذ بضلع في أعداد الإنسيكلوبيدية، ليشغل مقعدا في الجمعية ~~الوطنية أثناء الثورة، وبعد أن عاون كوندورسيه الذين غرسوا شجرة الثورة، ~~شيعهم الواحد تلو الآخر إلى مضاجعهم الأخيرة، وشاء القدر أن يظل حيا، ليجني ~~ثمرات ما غرست يداه وأيديهم. # قلما تجد في تاريخ العظماء اسما أتعس من اسم كوندورسيه، وعلى الرغم من أن ~~الذين أحاطت بهم التعاسة، وحاق بهم نكد الطالع كثيرون، فإن أكثرهم قد جر ~~التعاسة إلى نفسه بيده، أما كوندورسيه الرجل المحب للخير بطبعه، فإن ظروف حياته ~~وضعته موضعا لم ينل فيه رضاء فئة من النقاد الذين كتبوا في تاريخ الثورة ~~الفرنسية، فهو كمفكر يعد من الاقتصاديين غالبا، وكرجل سياسي يعد من زعماء ~~الجمعية التشريعية الأولى، ثم من رجال الجمعية الوطنية الثورية. # لم يجعل له موقفه هذا بين رجال الاقتصاد ورجال السياسة من نصير بين النقاد ~~الذين كتبوا في تاريخ عصره، فإن الذين دافعوا عن الجمعية الثورية، قد أجمعوا ~~على كراهية الاقتصاديين، والمؤرخين الذين دافعوا عن سياسة «تيرجو # Turgo ~~» وأتباعه، كانوا من أقسى الذين حملوا على ~~الجمعية الثورية، وبخاصة بعد أن امتد فيها نفوذ فرنيو ودانتون وربسبيير، ~~واستأثروا بالسلطة فيها، وفي فرنسا بالاستتباع؛ لهذا ظل اسم كوندورسيه نسيا ~~منسيا، وقد أسدل ms024 عليه من تطرف الحزبين في التنابذ حجابا مسدولا. # وما أرسطبس بين القدماء إلا نفس كوندورسيه بين المحدثين؛ فإن توسط مذهبه بين ~~مذهبي أفلاطون وأرسطوطاليس أوقعه في موقف أشبه بموقف كوندورسيه بين رجال الاقتصاد ورجال ~~السياسة في فرنسا؛ فإن دعاوة أفلاطون ضد العلوم العملية، وقوله إنها لا تفيد إلا ~~بقدر ما تهذب النفس، وتكون وسيلة للفضيلة، ودعوة أرسطوطاليس إلى القول بأن الخير ~~الأعلى الذي يجدر بالإنسان أن ينشده هو فاعلية النفس، على أن تكون هذه الفاعلية مقودة ~~بالفضيلة؛ لم يجعل لمذهب أساسه اللذة الراهنة من موضع، مع ما حوط به المذهب من ~~المبادئ السامية، والتأملات العميقة، كذلك كان تسود مذهب أرسطوطاليس حتى نهاية القرن ~~السابع عشر تسودا تاما في كل فروع المعرفة؛ سببا في أن يظل اسم أرسطبس نسيا ~~منسيا، ولكن غالب الظن على أن الزمان سوف ينصف هذا الفيلسوف العظيم، ولعل ~~ناشئتنا توجه جهودها نحو الإكباب على درس المذاهب القديمة التي نبذها العرب، ولم ~~يصلنا منها عنهم إلا نتفا وأقوالا مقتضبة أو إشارات لا تجدي ولا تغني من الحق ~~شيئا. # إن حاجتنا إلى درس المذاهب القديمة كبيرة، وبخاصة المذاهب الأدبية التي ظلت ~~بينة الطابع في جميع ما ظهر من المذاهب الأخلاقية في الأعصر الحديثة، على أننا لا ~~ننكر أن العلم الحديث منذ عصر غليليو قد أطفأ الأنوار العلمية التي أشعت من جنبات ~~العالم القديم، ونعني بالعلم العلم التجريبي العملي، أما نظريات الأخلاق فلا نظن ~~أن المحدثين لهم فيها من فضل بقدر ما لليونان. # يجب أن تقوم كل نهضة على أساس، وأساس نهضة الشرق العربي مذاهب اليونان في الفلسفة ~~عامة، ومذاهب الأدب العربي خاصة، أما من ينكر ذلك فمأخوذ ببهرج كاذب. ~~••• # بقي علينا أن نزيد إلى ما تقدم بضعة أسطر في التعريف بالمنبع الذي استقينا منه أصول ~~هذا البحث، والطريقة التي اتبعناها في تأليفه، أما المنبع الأصلي فقد اعتمدنا فيه على ~~الأستاذ تيودور جومبرتز الألماني، فقد نقلنا عنه كثيرا من الأصول التي استندنا إليها، ~~ثم رجعنا إلى مراجع أخرى وتفسيرات عديدة ms025 وشروح واسعة على الفلسفة اليونانية، فأخذنا ~~منها كل ما يتعلق بالمذهب وأثبتنا بعضها كتعليقات يرجع إليها عند الحاجة إلى الدرس ~~والمقارنة، ثم سقنا البحث على طريقة رد كل فكرة أو نظرية أو حقيقة إلى مصدرها، ثم ~~علقنا على ما وجدنا أن الضرورة تقضي بالتعليق عليه، وشرحنا ما يجب شرحه، ونقدنا ما يجب ~~نقده، وزدنا إلى ذلك كثيرا من البحوث والنقود والمقارنات المبتكرة، التي لم نجد لها من ~~أثر في المراجع التي رجعنا إليها، وبخاصة المقارنات والنقود التي سقناها في الموازنة ~~بين أرسطبس من ناحية، وبين أفلاطون وأرسطوطاليس وسقراط من ناحية أخرى. # كذلك لم نأل جهدا في الرجوع إلى الكتب القديمة إذا اضطررنا عند الاستطراد في البحث ~~إلى ذلك، مثل كتب أفلاطون وزينوفون وديوجنيس لايرتيوس وغيرهم. # | هوامش # الفصل الثاني # | القورينيون # الفضيلة: هي فن إسعاد الذات بالعمل على إسعاد الغير. # الفلسفة اليونانية في العالم القديم # كانت الفلسفة اليونانية خلال الأعصر القديمة محورا دار من حوله الفكر البشري ~~عصورا متعاقبة، ولم يفلت العالم من التأثر بالفكر اليوناني تأثرا مباشرا، إلا ~~منذ عهد قريب قد يكون عصر نيوتن مفتتحه، وعصر دروين ختامه. # ومن العجيب أن تتأثر كل نواحي الفكر بما أبرز العقل اليوناني من منتوج، وما خلف ~~من مستحدثات حتى إن رجال الدين في العصر النصراني قد عمدوا إلى منطق أرسطوطاليس كما ~~عمد العرب إلى الصور التي استحالت إليها الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني في مدارس ~~الإسكندرية ونصيبين والرها وغيرها، يستعينون بها على وضع قواعد «الكلام» في صورة ~~جديدة، تؤيد المعتقد الديني من طريق عقلي صرف، على قدر ما يتقيد العقل الإنساني بمنطق ~~أساسه الاستنتاج دون الاستقراء. # ولما أشعت أضواء العقل اليوناني في جنبات العالم المتمدين، مبتدئة في آسيا الصغرى، ~~منذ عهد «طاليس # Thales ~~» منتقلة إلى أثينا وبقية المدن ~~اليونانية تناقلها محبو الحكمة من بلد إلى بلد، ومن حاضرة إلى أخرى، حتى عم ~~نورها شرقي البحر المتوسط، وما زالت تلك الأضواء تمتد في سماء الفكر وأشعتها تخترق حجب ~~المدنيات، حتى بلغت حران وجزيرة العرب، فكان ms026 لها مراكز للثقافة، انتقلت إلى الشرق ثم ~~إلى شمال أفريقية، حيث تكونت نواة جديدة أبرزت صورة من صور الفكر اليوناني، وضعها ~~الفيلسوف أرسطبس القوريني. # من الأضواء القوية التي أرسلها الفكر اليوناني ضوء انبعثت أشعته عن عقل الحكيم ~~الخالد سقراط فإن الشعلة التي أذكاها هذا العقل قد أضاءت كل أرجاء العالم الذي ~~أظله النفوذ اليوناني في الأعصر القديمة، ففي شمال أفريقية وعلى شاطئ البحر المتوسط ~~الأفريقي، وعلى غربي مدينة الإسكندرية ومن فوق الجبل الأخضر بمدينة قورينة، تكونت ~~شعبة من المذهب السقراطي، ظلت يافعة مثمرة عدة أجيال، ثم ذوت دوحتها دراكا حتى إذا ما ~~أصابها الانحلال ظهرت مرة أخرى في جوف بلاد اليونان، ممثلة في المذهب الأبيقوري ~~المعروف، ذلك المذهب الذي قدر له أن ينقسم عدة شعب، منها الشعبة التي كونت المذهب ~~الرواقي، وهو مذهب أخضع العقل الروماني والأخلاق الرومانية لسلطانه أجيالا ~~عديدة. # قورينة والمدائن الخمس # في مقاطعة برقة وعلى شاطئ طرابلس الغرب، نزل عدد من اليونان ليستعمروا تلك البقاع ~~التي لم يكن ينقصها من شيء لتكون رقعة من رقاع الفردوس، إلا مهارة الصانع وقدرة ~~الفنان وخيال الشاعر، وإقدام الرائد. # وعلى مدى الزمان شيد هؤلاء اليونان الذين نزحوا إلى تلك البقاع، ليزودوها بما ~~كانت تحتاج إليه من الكفايات العليا؛ خمس مدائن كانت «قورينة # Cyrene ~~» أقدمها وأزهاها وأعمرها، أما تحقيق اسم قورينة ونشأتها فيكفي ~~أن نعرف فيه الآتي: # أولا: # أن العرب في فتحهم لطرابلس الغرب وأفريقية لم يقتربوا من الساحل ~~خوفا من مراكب الروم، فلم يمروا بهذه المدينة الزاهرة العامرة في أيام ~~المسيح، والتي خربت قبل ظهور الإسلام. # ثانيا: # لم يذكرها جغرافيو العرب، وإن كان ياقوت اعتمد على كلام مترجمي ~~الإنجيل، فنقل وصفها عن كتاب اليونان، وأطلقه على القيروان، وهو خطأ ~~جره إليه علماء المسيحيين الذين غرر بهم المترجمون، فكتبوا في ~~الإنجيل وفي سفر «المكابين» قيروان، وقيرواني (في بعض النسخ) لترجمة # Cyrene # و # Cyrenaic ~~. # ثالثا: # القيروان مدينة أحدثها الإسلام في أواخر الربع الأول من القرن الأول ~~للهجرة، وهي متوغلة في داخلية تونس، بخلاف ms027 # Cyrene # التي هي في إقليم برقة ~~وبنغازي (بني غازي) بأرض طرابلس الغرب. # رابعا: # ترجمة اسم هذه المدينة اليونانية وارد في كثير من التراجم القديمة ~~للتوراة وللإنجيل المطبوعة في رومية والمواصل واسمها قورينة. # خامسا: # في خريطة فرنسية قديمة يمكن أن تكون في الخزانة الزكية بمصر، وضع ~~الاسم العربي المتداول الآن وهو # Grennah # ويمكن إعادته إلى العربي ~~في صيغة قرنية، وهي قورينة، وهذا الاسم مكتوب على نفس الموقع الذي كانت ~~قائمة عليه مدينة # Cyrene # اليونانية. # سادسا: # من المعروف جيدا أن حرف ~~“C” # في ~~الكلمات الغربية منقول عن حرف ~~“k” # في ~~كل كلمة منقولة من اليونانية إلى اللغات الحديثة مثل # Cyrill # وهو كيرللس وأصله كورللس ~~وكذلك حرف ~~“Y” ~~(ويسميه الإنجليزي ~~واي) هو في اليونانية القديمة بمثابة الواو العربية، مثل «لوبيا # Lybia ~~» و«بوزنطية # Byzance ~~» و«سوريا # Syria ~~». # 1 # وللاستطراد في التعريف بهذه المدينة، وعلاقة اليونان بشمال أفريقية، والمدائن التي ~~شيدوها على البحر المتوسط الأفريقي ننقل الآتي: # أطلق العرب اسم برقة على ولاية رومانية كانت تعرف عند قدماء اليونان باسم ~~«القيروان # Cyrenaica ~~» نسبة إلى قورينا إحدى مدنها، ~~وهي غير مدينة القيروان التي مصرها العرب في أفريقية بعد الفتح، وكان الجزء الشمالي ~~منها يعرف عند اليونان باسم «بنطابلس Pentapolis ~~» أي ~~المدن الخمس، فقد كان فيه خمس مدن كبيرة. # الأولى: # هسبريدس وقد سماها بطليموس الثالث «هسبيرس برنيقة # Hesperis-Berenice ~~» نسبة إلى ~~زوجته برنيقة وسماها العرب برنيق وتعرف الآن ببني غازي. # والثانية: ~~«برقة # Barca ~~» وتعرف الآن بالمرج ~~وبها سميت البلاد عند العرب. # والثالثة: ~~«قورينا # Cyrene ~~» وبها سميت البلاد عند اليونان، ~~ولا تزال آثارها باقية، ويسميها الأعراب قرنيا وهي على الجبل الأخضر، ~~وعلى مقربة منها عيون ماء، يقال لأحدها عين أبلون وقربها هيكل أبلون ~~ولا تزال آثاره باقية. واشتهرت قورينا بمدرسة الطب التي كانت فيها، ~~وينسب إليها جماعة من الشعراء والفلاسفة، منهم كليماخوس الشاعر، ~~وأرسطبس تلميذ سقراط، واطسنيز العالم المشهور، وكان عدد سكانها إبان ~~مجدها نحو مائة ألف نفس، وكان لها سور طوله أربعة أميال، ولا تزال ~~آثاره باقية، وحوله ألوف ms028 من النواويس والقبور المنحوتة في ~~الصخور. # والرابعة: ~~«أبلونيا # Apollonia ~~» وتعرف الآن ~~بمرسى سوسه. # والخامسة: ~~«طوخيرا أرسنوي # Teucheira Arsinoe ~~» ~~وتعرف الآن باسم توكرا. # 2 # وقد فضلت أن تكون النسبة إلى قورينة لا إلى قورينا فقلت قوريني لا قورينائي. # ولا بأس من أن نذكر هنا بعض عبارات عن المعاجم العربية، استكمالا للبحث، ودفعا لبعض ~~الأوهام، جاء في شرح القاموس ص293 ج10 ما يلي: # والقيروان أيضا (بلد بالمغرب) بفتح الراء وضمها، وهو بلد بأفريقية بينه وبين ~~تونس ثلاثة أيام، لا بالأندلس كما توهم الشهاب فلا يعتد به، قال شيخنا: «قلت ~~افتتحه عقبة بن نافع الفهري زمن معاوية سنة خمسين، والنسبة إليه مروي ~~بالتحريك، وقيرواني على الأصل.» # وجاء في شرح القاموس ص309 ج9 أيضا ما يلي: # وقيروان (بالمغرب) افتتحه عقبة بن نافع الفهري زمن معاوية سنة خمسين. يروى ~~أنه لما دخله أمر الحشرات والسباع فرحلوا عنه، ومنه سليمان بن داود بن سلمون ~~الفقيه. # وجاء في ترجمة القفطي عن حياة أرسطبس: «وقيل إن قورينا هي رفينة بالشام عند حمص والله ~~أعلم.» ولعل هذا الخلط ناشئ عن تشابه الأسماء. فقد جاء في شرح القاموس ص309 ج9: ~~«والقرينين - مثنى قرين - جبلان بنواحي اليمامة بينه وبين الطرف الآخر مسيرة شهر، وضبطه ~~نصر بضم القاف وسكون الياء وفتح النون ومثناة فوقية، وأيضا علم ببادية الشام.» ا.ه. ~~وأظن أن الوهم الذي وقع فيه القفطي راجع إلى اسم ذلك العلم الذي هو ببادية ~~الشام. # ومما جاء في الموسوعة البريطانية الكبرى يتضح تماما أن قورينة غير القيروان. # جاء في المجلد6 ص936-937 من الموسوعة البريطانية: # إن قورينة هي عاصمة المقاطعة الأفريقية التي عرفت بهذا الاسم، ومستعمرة ~~من أعظم مستعمرات الإغريق، ولقد روى هيرودوتس السبب في بناء هذه المدينة، فقال ~~نقلا عن رواية قديمة إن هاتف دلفي أمر «بطاس # Buttas ~~» أن يهاجر مع عدد من الأهالي إلى صحراء لوبيا، ~~ويبتني هنالك مدينة تقوم «بين الأمواء» فظن أن المقصود بذلك أن تكون المدينة ~~في جزيرة، فأنزل جمعه في جزيرة «إفلاطيا Platea ~~» الجرداء في خليج «بومبا ms029 # Bomba ~~» ولما أن رأى المهاجرون أن أحوالهم غير مواتية، عادوا ~~إلى استشارة الهاتف، فأمرهم بأن ينتقلوا إلى الشاطئ، فاسترشدوا بخبرة أهل لوبيا ~~فقادوا هؤلاء الإغريق إلى مرتفع من الأرض تغذيه الينابيع الكثيرة والمياه ~~الدافقة، وهنالك عثر بطاس على المكان الذي هو بين الأمواه، وشرع يبني ~~المدينة، وكان هذا في منتصف القرن السابع قبل الميلاد. # أما تخريب المدينة فقد جاء عنه في تلك الموسوعة ما يلي: # في أواخر عهد الإمبراطور «ترايانوس # Trajan ~~» ~~الروماني حدث في المدينة فتنة يهودية، فاستعمل الإمبراطور في قمعها أساليب أصاب ~~المدينة منها خسائر مدمرة، وكان ذلك سنة 115-116 بعد الميلاد، وفي القرن الرابع ~~بعد الميلاد كانت المدينة قد هجرت، وفي القرن الخامس كانت خرابا بلقعا، ومن ~~ذلك العهد إلى غزو العرب سنة 641 بعد الميلاد أخذت البقية الباقية من اليونان ~~تترك تلك البقعة إلى مدينة أبولونيا فكأن المدينة عند غزو العرب كانت ~~خرابا. # وجاء في هذه الموسوعة ص806 ج18 عن القيروان ما يلي: # تبعد القيروان عن تونس 36 ميلا جنوبا بغرب، وتروي أسطورة أن عقبة (بن نافع) ~~سنة 671 بعد الميلاد (50 هجرية) أراد أن ينشئ مدينة لتكون ملجأ يلجأ إليه ~~المسلمون في أفريقية، فقاد أصحابه إلى الصحراء، وأمر الأفاعي والوحوش باسم ~~الرسول، أن تنزح عن المكان، ثم رشق رمحه في الأرض، وقال: هنا القيروان؛ أي محل ~~القرى والراحة، ومن ثم أخذ اسم المدينة. # فكأن عقبة على هذه الرواية هو الذي أسس المدينة ولم يفتحها، على رواية المعاجم ~~العربية. # وللتوسع في هذا الباب يرجع القارئ إلى كتاب جورج جروت «تاريخ اليونان» الفصل 27 من ~~المجلد الرابع طبعة مكتبة أفريمان ص215-233 لناشريها دنت وشركائه في إنجلترا، وداتون ~~وشركاه في أمريكة، وعنوانه «قورينة وبرقة وهسبيرس». # وصف قورينة # اتفق كل من زار مدينة قورينة من الأقدمين كما جاراهم كل من زار أطلالها من المحدثين، ~~على أن تلك المدينة قد تفردت بموقع جغرافي تأنقت يد الطبيعة في إبداعه، وأنفقت ~~فيه كل ما كمن في تضاعيفها من مهارة القطع والتخطيط، كما زودت ms030 البقاع المجاورة لها ~~بجمال يكفي أن تقول فيه إنه جمال الطبيعة؛ إذ تخطه يد القدرة على لوحة من الجبال ~~الشامخة ينبسط من تحتها بحر لجي كأنه السندس، وتترامى من جنوبيها صحراء لا يحدها ~~الخيال، وكأنها التبر المنثور. ~~••• # ولقد حمت تلك المدينة الفريدة سلسلة من الجبال كانت ترد عنها غائلة الصحراء ~~برمضائها صيفا، وزمهريرها شتاء، واستوت قورينة على قمتين منحدرة على سفوحهما ~~المخضوضرة، مطلة من سماء ألفي متر على ذلك الخضم الذي يطاولها فلا يطولها، فكان ذلك ~~سببا في اعتدال إقليمها على مدار الفصول، كما كان لها من ينابيعها المتفجرة من خلال ~~الجبال التي حملت عرش قورينة نبعا للجمال فائضا لا يغيض، ومنهلا عذبا سائغا ~~للشاربين، فكانت في موقعها هذا أشبه بالدرة العصماء، تقذف بها البيد المترامية، ~~ليتلقاها البحر بالراحتين. ~~••• # وكانت للسحر الذي ينفث به عرش قورينة في النفوس جاذبية قوية، فأمها الملاحون من ~~مختلف أنحاء العالم المتمدين، يمخرون بسفنهم عباب البحر؛ ليزودوها بما تحتاح إليه من ~~الزاد والعتاد، أو ليتزودوا منها بخيرات حسان، أو ليحملوا إليها نزلاء من جزر ~~«ثيرا» # 3 # و«الفلوپونيز» # 4 # و«الققلاد»، # 5 # والكل مستهين بدمه في سبيل أن يرد عن المدينة هجمات قبائل البربر التي ~~تكتنفها مواطنهم التاريخية، بل ليدفعوا عن جمال الطبيعة وعن آثار الفن الذي تفرد به إذ ~~ذاك أبناء اليونان، وعلى الأخص في المائيات، وتخطيط الطرق وتعبيدها، فإن هذه القدرة ~~كانت قد بلغت في قورينة أقصى مبالغها، وأرفع منازلها، فإن السفوح المنحدرة التي كانت ~~تترامى تحت قدمي قورينة قد ردت طرقا معبدة مذللة المسالك، تتعرج ثم تمتد، وتمتد ثم ~~تتعرج، وتلتوي ثم تدور من حول القمم في وضع حلزوني، حتى تبلغ الذروة التي استوت عليها ~~المدينة مطلة على البحر، وكأنها «نرجس» في أساطير اليونان الأقدمين. # 6 # وترى الجبال وقد قطعت صخورها بيد الطبيعة فجاءة، فكأنها الجدران المشمخرة، شامخة ~~بأنوفها الشم نحو السماء، ولكن يد اليونان لا تترك هذه القطوع الرأسية من غير أن ~~تمتد إليها، ومن غير أن يتعهدها الفن بزخرف جميل تبتكره عبقرية ms031 الفنان، أو نقش رائع ~~يحفره إزميل المثال، أو صورة تخطها ريشة المصور على الصخر الجلمد، فتلقي عليك ~~ظلالا من مختلف ما ترى في الحياة من صور وألوان. # وقد استغلت المياه المنحدرة من ينابيع الصخور، استغلالا منع على الشمس أن تبخر منها، ~~إلا القدر الذي تعجز المهارة البشرية عن أن تغالب فيه فعل الطبيعة، فاخضوضرت من حول ~~قورينة الحقول، وترنحت في سفوح جبالها أشجار الصرو والصنوبر والحور، نشوانة ~~متمايلة كأنها القدود الهيفاء، وفي المروج رتعت قطعان من الماشية والأغنام زودت ~~الدنيا القديمة بأثمن أنواع الصوف، وولدت سلائل من الخيل عرفت في ملاعب أثينا ~~بأنها لا يشق لها غبار. # وفي هذه البيئة نشأ الفيلسوف أرسطبس صاحب الفلسفة المنسوبة إلى تلك المدينة المهجورة ~~التي تركتها يد الحدثان في وحدتها الأليمة: «تبكي في الليل بكاء، ودموعها على ~~خديها». # 7 # الحالة الفكرية في قورينة # لم يختلف مؤرخان في أن نبض الحياة الفكرية في قورينة ظل يدق بخفوت خلال أزمان ~~طويلة، فالمعارك الدائمة التي اشتبكت فيها المدينة الفتية مع سكان البلاد الأصليين، ~~قبل أن تأسرهم مفاتن المدينة اليونانية، والحروب الطاحنة التي عانتها مع مصر - وهي إذ ~~ذاك إحدى الدول العظمى - قد استنفدت كل القوى الحيوية والمعنوية التي كان من الممكن أن ~~تزود بها قورينة أبناءها، بما كانت تصب في معينهم من جمال الموقع، واعتدال الإقليم ~~وكثرة الأرزاق. # ولقد كان من أثر هذه الحروب أن ~~المدينة كانت تحتاج إلى المهاجرين، ليملئوا فراغها الشاسع، فكانت مثلها كالسفين تمر ~~على الثغور، ولكن لتفرغ موتى تضمهم القبور، ولتشحن أحياء تسلم بهم إلى الموت، كأنما ~~شاءت أهواء الزمان والأقدار، أن تظل قورينة مغمورة في بحر من الدماء والأشلاء. # على أن الحروب لم تكن لتهدأ نوبتها حتى تنتاب المدينة هزة الخلاف على النظام ~~التشريعي، أو نظام الحكم والنيابة بين أهليها. # فدارت معارك الحكم حول الملوكية أولا، ولكن الملوكية لم تدم فيها إلا بقدر ما دامت ~~في أرض اليونان القديمة، فكان نصيبها الزوال في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد. # أما أقدم ما وصل ms032 إلينا من ثمرات العقل اليوناني في قورينة فقصيدة من القصص الحماسي ~~عنوانها التليغونية # Telegonia # وضعها الشاعر القوريني ~~«أوغمون # Eugammon ~~» في أواسط القرن السادس قبل ~~الميلاد، وهو عصر كان يعتبر فيه الشعر القصصي في «إيونيا # Ionia ~~» # 8 # من الآداب القديمة، إذ كانت موجة الشعر أخذت تتجه في مدها نحو سمت ~~آخر. # أما موضوع التليغونية فذو علاقة بحروب طروادة فقد كان من أبطال إسپرطة في حرب ~~«طروادة # Troy ~~» آخيلوس و«أوذسيوس # Odysseus ~~» وبعد انتصار أهل اسپرطة وهدم طروادة، رجع ~~المحاربون وأبطالهم إلى أوطانهم، ولكن خيال الشعراء وجد من المغامرات التي صادفها هؤلاء ~~حين عودتهم إلى أوطانهم مجالا خصبا فسيحا لخيالهم، وقد عثرت بعد البحث في المعاجم ~~سدى على كلمات للمؤلف الإنجليزي «جورج جروت # G. Grote ~~» ~~عن قصيدة تليغونية أثبتها في الجزء الأول من كتاب «تاريخ اليونان» ص272 (طبعة إفريمان) ~~جاء فيها أن هوميروس يترك أوذسيوس في إلياذته مستريحا بين أهله، وفي كسر بيته، ولكن ~~شخصية كهذه لا يمكن أن تترك وادعة في حياة البيت، فإن هذه القصيدة تنسب إليه سلسلة ~~من المغامرات بعد حرب طروادة فإن «تليغونس» ابنه من «سرسيه» يهبط «إيثالة» باحثا عن ~~أبيه، فيعيث في أطراف الجزيرة فسادا، ويقتل أوذسيوس من غير أن يعرف أنه أبوه، ومن ثم ~~يقع فريسة حزن قاتل، تلقاء قتل أبيه خطأ، فتتدخل أمه سرسيه وبصلواتها وتوسلاتها يصبح ~~فنلوب وتليماخوس من الخالدين، ويتزوج تليغونس من فنلوب، ويتزوج تليماخوس من سرسيه إلى ~~آخر ما هنالك من رواية القصيدة. # وظلت قورينة بعد ذلك - على ما وصفنا - عقيمة لا تلد إلا للموت والفناء، فلم تنجب من ~~ابتكر في العلم أو أبدع في الأدب، حتى ذلك العهد الذي اتحدت فيه مع مصر، منضوية تحت ~~لواء البطالمة، # 9 # فاستمتعت بالراحة والسلام. # في ذلك العصر بدأ نبوغ العقل اليوناني يحلق في سماء قورينة، فظهر شاعر البلاط ~~«كليماخوس # Callimachus ~~» # 10 # الذي اشتهر بالرقة والعذوبة، والإنسيكلوبيدي «إراطسنيز # Eratosthenes ~~»، # 11 # والمفكر الانتقادي «قرنيادس # Carneades ~~». # 12 # ولكن لا يجب أن نغفل عن أن أثينا الأفريقية كانت قد ms033 فرخت في صدور أبنائها بزرة ~~التعاليم السقراطية؛ فاتبعت سنة الوراثة كاملة، فأنتجت مثلا مشابها للسلف العظيم، ~~ولكن بطابع قوريني أصيل. # بأية من المدارس السقراطية يلتحق القورينيون # بعد موت سقراط تكونت عدة مذاهب فلسفية، ادعت كل منها أنها تقوم على مبادئه ~~وتعاليمه. على أن الاختلاف الملحوظ بين هذه المذاهب عند مقارنة بعضها ببعض، يدل على ~~مقدار ما في المبادئ التي قامت عليها من حاجة إلى التحديد والضبط، # 13 # كما يقول دراپر. # ويعلل الأستاذ سدجويك سبب الاختلاف الذي قام بين المذاهب السقراطية تعليلا يخالف ~~تعليل الأستاذ دراپر، وعندي أنه أقرب إلى الواقع، بل لا نغالي إذا قلنا بأنه الواقع، ~~فقد قال في كتابه «تاريخ الأخلاق» ص24-31 ما يلي: # لما قال سقراط بأن حياة الإنسان العقلية يجب أن تتجه نحو الحصول على ما ~~هو خير، لم يحدد ما هو الخير الحقيقي، وماذا يمكن أن يكون. # ولا شك في أن هذا القول فتح باب ~~الاختلاف بين المذاهب السقراطية في تقدير ما هو «الخير الأسمى»، كما جعل للدعوى التي ~~ادعاها أصحاب كل مذهب، من أنهم لم يخرجوا على مبادئ الأستاذ الأعظم أساسا تقوم ~~عليه. # كان من بين هؤلاء المتقلدين إقليدس الميغاري مؤسس المدرسة الميغارية في الفلسفة ~~اليونانية (399ق.م) وعلى الرغم من أنه كان من تلاميذ سقراط فإنه درس الفلسفة الإلياوية # Eleatic Philosophy ~~. # 14 ~~••• # وقد يشتبه إقليدس الميغاري بإقليدس الرياضي على الكثيرين، وهنا يجب أن ننبه على أن ~~الأخير فيلسوف رياضي علم في الإسكندرية ~~حوالي سنة 300ق.م، ويعتبر أول من وضع أساس ~~المدرسة الرياضية. # 15 # أما إقليدس الميغاري - تلميذ سقراط - فقد كان يستهدف لأخطار شديدة، في سبيل حضوره ~~على المعلم العظيم؛ إذ كان هبوط أحد من أهل «ميغارة # Megara ~~» - مدينة أثينا - خيانة عظمى، فلما اضطهد أفلاطون وغيره من ~~تلاميذ سقراط بعد موته، لجئوا إلى ميغارة ونزلوا في ضيافة إقليدس فأحسن وفادتهم وعني ~~بهم. # أما فلسفته التي أكب أرسطبس على درسها، فمزيج من مبادئ الإلياويين # Eleatics # وتعاليم سقراط مع تغلب المبادئ الأدبية على بقية ~~نواحي مذهبه، ولقد ms034 قضى بوجود شيء يقال له «الخير»، وقال بأن له ظواهر متعددة، منها ~~الحكمة والله والعقل، وأظهر نزعة إلى ذلك المبدأ الذي انتحله من بعد الكلبيون، ~~وتوسعوا فيه، مبدأ أن الرجل ذا العقل يجب أن لا يأبه بالألم. # وبالمذهب الميغاري عادة، يلتحق المذهب القوريني الذي وضعه أرسطبس. # 16 # | هوامش # الفصل الثالث # | شرح المذهب وإلمامة بتاريخه # إن تطور البحوث النفسية التي صدها سقراط عن الانبعاث في سبيلها الجدي، جدده أرسطبس؛ ~~الذي هو أعظم من سقراط في الدقة المنطقية، ولكنه أقل منه سعة في الأفق، وإحاطة بالطبيعة ~~الإنسانية. # برت ~~(1) الرسول الجديد # كان أرسطبس رسول الفلسفة الجديد، نشأ في مدينة قورينة من أب تاجر غني، وهبط أثينا، ~~رجلا من رجال الأعمال مثقفا تثقيفا عاليا. # 1 # ويقال إنه التقى في عيد من الأعياد الأوليمبية بتلميذ من تلاميذ سقراط، وسمع منه ~~أقوال أستاذه، وناقش فيها، فهزته المناقشة من الأعماق، وصمم على أن يذهب إلى أثينا، ~~لينضم إلى الحلقة التي كانت تتلقى وحي الفلسفة عن سقراط. # أما عن بقية حياته، فلا يذكر المؤرخون شيئا ذا قيمة، سوى أنه كان يعلم تلقاء ~~أجر، وكان هذا سببا في أن يلحقه أرسطوطاليس بالسفسطائيين، وأنه أقام في بلاط سيراقوز ~~مدة طويلة، كما فعل من قبل أفلاطون وأخنيز، # 2 # أما جهوده التي بذلها في سبيل الأدب والفلسفة فتكتنفها ظلمات لا يخترقها ~~شعاع واحد من الأشعة التي يلقي بها التاريخ على حياة أشخاص أقل من أرسطبس شأنا في ~~حياة الفلسفة والآداب. # ومما يزيد هذه الظلمات احتلاكا، ويساقطها على تاريخ هذا الرجل العظيم كسفا متراكمة؛ ~~أنه كثيرا ما نسبت إليه مؤلفات، وانتحلت عليه كتب لم يؤلفها، ولم يخط فيها ~~حرفا، أو عزيت إليه أقوال ونظريات كان أولئك المتقولون عليه يؤمنون بها، ويرون في نسبة ~~ما يشابهها من المذاهب والنظريات إليه، تأييدا لما يؤمنون به وتمكينا لما يحاولون ~~الترويج له بمختلف الأساليب. # غير أننا إذ نرى أن شابا من أفذاذ العالم الإنساني لا من أفذاذ اليونان وحدهم، ~~ومن معاصري أرسطبس، درس نظرياته ومبادئه، لا على ms035 وجه التعميم، بل على وجه التخصص، ~~وأنه ناقش فيها، ونقض بعض الأسس التي تقوم عليها؛ يذهب من روعنا كل شك في أن مذهب ~~أرسطبس ونظرياته قد كتبت وجمعت بين دفتي كتاب أو ضمنت صفحات كتب عديدة، وإن ثقتنا ~~بهذا القول تصبح في موطن اليقين، إذا عرفنا أن ذلك الشاب الذي عاصر فيلسوفنا في أخريات ~~أيامه، هو المعلم الأول أرسطوطاليس لا أحد غيره. # 3 # كذلك ذهب معاصر آخر هو المؤرخ «ثيوفمبوس # Theopompus ~~» # 4 # مذهبا اتهم فيه أفلاطون بأنه نقل عن أرسطبس، وأنه انتحل نظرياته، ~~متوسعا في شرحها، ولا شبهة مطلقا في أن هذه التهمة باطلة ولا أساس لها، ولكن مما لا ~~ريبة فيه؛ أن مثل هذه التهمة لم تكن لتخطر في عقل مؤرخ ما لم تكن نظريات أرسطبس قد خطت ~~في الطروس، وأن مبادئ الفلسفة القورينية، قد حوتها المجلدات. # أما الآن فليس بين أيدينا مما خلف هذا الفيلسوف إلا بضع فقرات متناثرة من آثاره ~~الفلسفية، ولم يصلنا حرف واحد من كتابه الذي قيل بأنه وضعه في تاريخ «لوبيا». كذلك ~~ضاعت أصول المحاورتين اللتين كانتا بعنوان أرسطبس على اسم الفيلسوف، وفيهما يعرضه ~~«استلفون # Stilpo ~~» # 5 # الميغاري، و«فيوسيبوس # Speusippus ~~» # 6 # ابن أخت أفلاطون لنظريات الفيلسوف القوريني، ويناقشان فيها. # على أننا مع هذا لم نعدم كل المصادر التي تزودنا بشيء يمكننا من درس شخصيته ~~الفذة، فإن العالم القديم قد أسلم إلينا، فيما أسلم به من الآثار بوصف موجز، ولكنه ~~بضوابطه وشواهده، يوصلنا إلى عمق غير قليل الغور في استجلاء حقيقة هذا الرجل ~~العظيم. # فالمراجع التي نلم منها بشيء من حقيقة المذهب القوريني مراجع ثانوية، وأهم هذه ~~المراجع «ديوجينيس لايرتيوس # Diogenes Laertius ~~» ~~و«قيقرون # Cicero ~~» و«سقسطوس # Sextus ~~» وأبيقور وكليمان السكندري. # لهذا يقول زلر: «ليس بين أيدينا شيء من كتابات المدرسة القورينية الأولى، حتى لقد شك ~~بعض الباحثين في أول من وضع المبادئ القورينية في صورة مذهب فلسفي أهو أرسطبس الكبير، ~~أم أريطي ابنته، أم أرسطبس الصغير.» ~~(2) أرسطبس وعناصر شخصيته # ولد أرسطبس في مدينة قورينة حوالي سنة ms036 435ق.م على أن هذا التاريخ مشكوك فيه كثيرا، ~~وقبل أن ينضم إلى مدرسة سقراط كان قد أحاط بمبادئ السفسطائيين من طريق إكبابه على درس ~~ما كتب بروطاغوراس، وبعد أن مات سقراط علم أرسطبس في مدائن متفرقة، وقضى أكثر عمره ~~متنقلا من مكان إلى آخر، من غير أن يتخذ له وطنا يقيم فيه، غير أن الراجح أنه قفل في ~~أواخر عمره راجعا إلى مسقط رأسه، وهنالك أسس مذهبه. # 7 # ويقول آخرون إنه قضى معظم عمره في سيراقوز ببلاط «ذيونسيوس # Dionysius ~~» حيث عرف - خطأ - بأنه فيلسوف شهواني وعاش قليلا في ~~قورنثية مع لايس الخليعة، ولكنه عاد في أواخر عمره إلى قورينة حيث عهد إلى أريطي ابنته ~~بمفصلات مذهبه، فكانت واسطة نقله إلى الأعقاب. # 8 # وكان أرسطبس من أولئك الأفذاذ الذين خصوا بموهبة الفنان القادر على إخضاع منازع ~~الحياة لأغراضه، القاهر في معالجة الرجال شارك الكلبيين # Cynics # فيما راموا إليه من المرانة على مواجهة كل التقلبات التي ~~تجري بها يد الأقدار، ولكنه كان أقل إيمانا منهم بحقيقة إنكار الذات إلى الدرجة ~~التي دعوا إليها ، وهبط إليها بعضهم وبضرورة البحث عن سلام الروح بالفرار من متاعب ~~الحياة ومخاطرها. # يزعم البعض أنه قال: «إن من يحاول أن يضع نفسه في موضع الفارس من ظهر الجواد أو ~~الربان من دفة السفينة، ليس الرجل الذي يفرق من استخدامهما، ولكنه الرجل الذي يعرف ~~كيف يقودهما في الطريق المستقيم.» وعلى نفس هذه القاعدة عرف أرسطبس حقيقة ~~«اللذة». # أما كلمته المعروفة «إني أملك ولكن ~~لا أملك»، فيقال - إن خطأ أم صوابا - إنه فاه بها أصلا في درج كلام أومأ فيه إلى ~~«لايس # Lais ~~» # 9 # غير أن تطبيق هذه الكلمة غولي فيه بعد، ورمى لأكثر من هذا، فقال الشاعر ~~«هوراس # Horace ~~» # 10 # إن مبدأ أرسطبس الأول، ومثله الأعلى في الحياة انحصر في أن يكون الإنسان ~~«سيدا للأشياء لا عبدا لها»؛ أي إنه يجب علينا أن نملك لذائذنا من غير أن نجعلها ~~تملكنا، # 11 # وفي كلمة يتناقلها الأدباء عن حممة بن رافع ms037 الدوسي، تعبير عن هذا المبدأ ~~في إيجاز وإحاطة حيث يقول: «أجود الناس من بذل المجهود، ولم يأس على المفقود.» # أما رصانته ورباطة جأشه فقد حازت إعجاب أرسطوطاليس، الذي روي عنه مرة أن أرسطبس قال ~~له على أثر حديث عن أفلاطون فيه شيء من ريح الاعتداد بالنفس: «ما أبعده عن صاحبنا!» ~~يعني سقراطا. # كان في أخلاقه عنصر أصيل من تلك العناصر المرحة الطروبة، خلصه من شعور التوجس مما ~~يخفيه المستقبل، ونجاه من الأحزان الممضة، على ما ذهب به الماضي، وكان من صفاته ~~الفريدة قدرته على الجمع بين التلذذ بما بين يديه من الأشياء، مع التحرر من الكثير مما ~~يعده غيره من ضرورات الحياة، ثم رقة حاشيته وهدوء نفسه، في مواقف تثير أشد السخط، وتبعث ~~على أقصى الغضب، تلك الصفات التي خلفت أكبر الأثر في كل معاصريه، ممن كان لهم أقل ~~اتصال به. # وبالرغم من أن طبيعته كانت تميل به إلى السلم، وتقيه من أن يزج بنفسه في مضطرم ~~المنازعات والجدل، حتى لقد أقصته عن أن يأخذ بضلع في الحياة العامة، فإن الشجاعة لم ~~تكن تنقصه، تلك الشجاعة التي تجلت - سلبا لا إيجابا - في احتقاره الشديد للمال ~~والحطام والثروة بمفاتنها، وفي عدم اكتراثه بالآلام. # على أن كثيرا من صفات أرسطبس وميوله، على ما وصل إلينا من تاريخ مذهبه، تظهره في ~~صورة رجل يمكن أن يتخذ مثالا يحتذيه كثير من الكلبيين والرواقيين. # 12 # كان من أثر هذه الصفات في «قيقرون # Cicero ~~» # 13 # الخطيب، أن قرن أرسطبس بسقراط، وتكلم في «الفضائل القدسية العظيمة» التي ~~عوض بها هذان الرجلان عما يمكن أن يكونا قد أجرما فيه بحملتهما على العادات والتقاليد، ~~ولا شك أن في هذا أثرا من كلمة أرسطبس؛ إذ كان يقول بأن الرجل الحصيف يطيع شرائع ~~بلاده، ويخضع لعرف الجمعية؛ لأنه يعرف أن الخروج عليها، إنما ينتج رجحانا للألم على ~~اللذة. # غير أن الأستاذ «برت # Brett ~~» يفوق أرسطبس على ~~سقراط في ناحية، ويفوق سقراط عليه في ناحية أخرى، قال: «إن تطور البحوث النفسية ~~التي ms038 صدها سقراط عن الانبعاث في سبيلها الجدي، جدده أرسطبس الذي هو أعظم من سقراط في ~~الدقة المنطقية، ولكنه أقل منه سعة في الأفق، وإحاطة بالطبيعة الإنسانية.» # 14 # ومن الظاهر أن قيقرون له فيما قضى به أكبر العذر، فإن العلاقة بين سقراط وأرسطبس، ~~ومجمل الرأي الذي ذاع فيهما عند الأقدمين، مبرر من أكبر المبررات التي تحمل خطيبا من ~~أعظم خطباء رومية، على أن يرميهما بالإجرام، ثم يخصهما - على الرغم من اعتقاده هذا ~~فيهما - بأكبر الاحترام، فإن علاقتهما وصلتهما كانت أكبر من صلة تلميذ وأستاذ، بل هي ~~اتصال فكري حمل قيقرون في العصور القديمة أن يقول فيهما ما قال، كما حمل الأستاذ برت في ~~عصرنا هذا أن يوازن بينهما. ويقول ديوجينيس لايرتيوس (ج2، ص65 و74 و76) بأن أرسطبس لم ~~يهبط أثينا إلا ليسمع سقراط، على الرغم من اختلاف الرأي بينهما، فإن سقراط لم يجز ~~السعي لتحصيل اللذة، باعتبارها غاية للحياة، وقد شرحنا ذلك فيما كتبنا في هذا الكتاب عن ~~سقراط وأرسطبس، غير أن أرسطبس يزعم بأنه لم يعلم من شيء فيه روح المنابذة والاختلاف مع ~~مبادئ أستاذه الأساسية، ولقوله هذا سبب جوهري، سندلي به في موضعه من الكتاب. # إن طابع أرسطبس طابع أصيل في الخلق ~~الإنساني، وفي القرن الثامن عشر كانت ميول العصر تناصر هذه النماذج من الشخصيات فإن ~~منتسكيو قد قال عن نفسه، من غير أن يدرك أنه يحيي بما قال فلسفة قديمة ترددت أصديتها ~~بين جنبات قورينة وفي بلاد اليونان وعلى لسان أرسطبس: # إن دورة عقلي قد كونت - لحسن الحظ - بحيث تجعلني شديد الحساسية، فأتأثر ~~بالأشياء ابتغاء الاستمتاع بها، ولكن لم تبلغ حساسيتي بالأشياء حدا، يجعلني ~~أتألم من فواتها. # غير أن هذا الطراز من الفلاسفة قد فقد كل ما كان له من مكانة وأثر في خلال القرن ~~التاسع عشر، فإن أبناء العصر الحديث يرجحون في الحياة طبيعة متقدة، تلتهب بالغيرة، ~~وتفيض بالحماسة على طبيعة تغشاها موازنات الحكيم وثقافة الفنان. # وهذا لا يجب أن ينسينا أن فيلسوف قورينة - فوق ما خصته ms039 به الطبيعة من هدوء الطبع، ~~وصفاء الفكر - كان قادرا كل القدرة على أن يدرس حقائق الطبع البشري بكل ما في إمكان ~~العقل من غيرية واستقلال، ولا ريبة مطلقا في أن الحذق في التمييز، والعمق في التحليل، ~~والرشد في استخلاص النتائج، صفات كانت من أخص ما امتاز به رجال شيعة قورينة ~~الفلسفية. # وفي مذهب أرسطبس أثر كبير من أخلاقه الشخصية، فإنه كان ثابت العزم شجاعا، قادرا ~~على ضبط نفسه، وكان من ناحية أخرى مثالا يحتذى في لزوم ذلك التقليد السقراطي الذي يدعو ~~الإنسان إلى الخضوع الأعمى في كل أعماله لكل ما يثبت أنه «الأحسن والأقوم» مع وضع ~~مبدأ سقراط في ازدراء كل ما هو «وضيع وغير جوهري» موضع التطبيق العملي الصحيح، ومن هنا ~~جاء قول أرسطبس: «لخير لي أن أكون مستجديا من أن أكون أحمق بليدا، فإن الأول إن كان ~~بلا مال، فإن الثاني بلا رجولة». # 15 # ولكن كانت في أخلاقه ناحية أخرى تنزع به إلى التبذل، فإنه لم يأنف أن يأخذ من ~~ذيونسيوس طاغية سيراقوز كل ما استطاع أخذه، فقد نقلت عنه عبارة قالها لذلك الطاغية: # ذهبت إلى سقراط لما شعرت بحاجة إلى المعرفة، وقدمت إليك لما شعرت بحاجة إلى ~~المال. # 16 # ولم يكن أرسطبس في هذا إلا كلبيا من أعيان الكلبيين، فقد روي عن ديوجينيس الكلبي ~~أنه كان يقول بأن الثروة تقاس دائما بعدد الأشياء التي يستطيع أن يعيش المرء بدون ~~احتياج إليها، ولكنه كان يحتاج إلى بعض المال، فيطلبه من الناس، فذهب مرة إلى مسرف من ~~المسرفين، وسأله أن يعطيه من المال أضعاف ما يطلب من بقية الناس، على قلة ما كان يطلب، ~~فلما سئل في هذا قال: أخشى أن لا أجد عنده ما أطلب، إذا استمر في إسرافه وأمعنت في ~~زهدي. # ولا أغالي إذا قلت إن أرسطبس كان فيه ناحية أخرى تنزع إلى الشيوعية، والدليل على ~~هذا أنه لم يكن يفرض على عشيقته أن تكون وفية له، «فأية غضاضة عليه في أن يسافر ~~غيره من الناس في ms040 سفينته». # 17 ~~(3) أرسطبس وبروطاغوراس # ذكر العلامة «وندلبند # Windelband ~~» في كتابه «تاريخ ~~الفلسفة» وأيده في ذلك العلامة سدجويك في كتابه «تاريخ الأخلاق» أن السبب في اختلاف ~~الرأي بين المذاهب السقراطية، إنما يرجع في أكثر الأمر إلى أن المعلم الكبير (سقراط) ~~لم يحدد «الخير» الذي يجب أن تتجه إلى تحصيله الأعمال الإنسانية، على الرغم من أن مذهبه ~~قد انحصر في أن حياة الإنسانية العقلية ينبغي أن تتجه دائما نحو الحصول على ما هو ~~«خير». # ولقد ذهب القورينيون مذهب أستاذهم جملة وتفصيلا، غير أنهم ابتعدوا عن سقراط في ~~التطبيق، فقالوا بأن ذلك «الخير» الذي عناه سقراط لن تقع عليه في شيء إلا في «اللذة» ~~التي هي الشيء الوحيد الذي نرغب فيه، والذي تنزع إلى الحصول عليه وتنشده كل المخلوقات ~~ما لم يصدها عنه عامل من العوامل. # 18 # على أنك بالرغم من وضوح المحجة في استخلاص الآصرة بين مذهب سقراط ومذهب تلميذه ~~العظيم، تستطيع أن ترد فكرة أرسطبس إلى مذهب أساسي قال به الفيلسوف بروطاغوراس، إذ قضى ~~بأن معرفة الإنسان تقف عند الحد الذي تنتهي إليه حواسه، وأية آصرة أقرب، أو وشيجة ~~أمنن، من تلك التي تربط بين الحواس واللذة المباشرة؟ # يقول بروطاغوراس: «إن الإنسان لا يستطيع أن يعرف إلا ما يظهر له (أي الظواهر) لا ما ~~هي طبيعة الأشياء في ذاتها (أي الماهيات) وهو لا يعرف على أية صورة تظهر الأشياء لغيره ~~من الناس.» # ومؤدى هذا القول أن ملكاتنا لا تؤهل بنا إلى تحقيق عقلي تحكم من ناحيته في الأشياء، ~~أنبيلة هي أم غير نبيلة، وأن كل ما نعرف عن الخيرية # Goodness # لا يتعدى معرفة ما هو ملذ. # 19 # ويؤيد هذا الأستاذ «برت # Brett ~~» في كتابه العظيم ~~«تاريخ علم النفس» (ج1، ص62، 63)، بقوله: # بدأ أرسطبس من حيث قال بروطاغوراس بأن المعرفة إدراك، والإدراك حركة داخلة ~~(في النفس) فأخذ أرسطبس ينمي النزعة الحسية التي تكمن في ثنايا هذا المذهب، ففي ~~حيز الأدرية # Sphere of Cognition # لا يعترف ~~أرسطبس إلا بالحالة الذاتية # Subjective ~~؛ أي ~~الحركة ms041 الداخلية (النفسية) التي نشعر بها، ومن هنا يتدرج إلى استنتاج فرضي، بأن ~~كل المعرفة «ذاتية»، فالشيء يظل مجهولا في ماهيته ولا ندرك إلا آثاره، عند ~~وقوع الفعل، وهذا واضح من حقيقة أن الأشياء الواحدة، قد تظهر مختلفة باختلاف ~~الناس، أو لأناس بعينهم في زمانين مختلفين، ومن هنا نجد أن مذهب بروطاغوراس قد ~~حور أو بالأحرى عكس إلى ظاهرية Phenomenalism # مطلقة، وهي مذهب قائل بأن المعرفة تتعلق بالظواهر لا غير. # وكذلك تجد أن المبدأ الثالث من مذهب «غورغياس # Gorgias ~~» قد قضى بأن إنسانا ما لا يستطيع أن يعرف ~~مشاعر # Feelings # غيره؛ وعلى هذا لا يمكن ~~للكلمات كما تستعمل في اللغة الدارجة على الألسنة أن تكون واسطة صحيحة لنقل ~~المعرفة من شخص إلى آخر، ففي مجال العمل يدفعنا هذا الشك إلى الاعتقاد بأن ~~«العقل» يحمل كل إنسان على أن يتطلع إلى استحداث «الشيء الوحيد» الذي يستطيع أن ~~يعرفه «تحقيقا» وما ذلك الشيء إلا شعوره الذاتي. # وربما كانت فكرة غورغياس هذه مصدر الوحي الذي استوحى منه الفيلسوف لوك الإنجليزي ~~فكرته التي بثها في كتابه «الفهم الإنساني» وقضى فيها بأن الإلهام عاجز عن تزويدنا ~~بفكرات بسيطة جديدة، قال: # ليس في مستطاع إنسان أن ينقل إلى الناس، بأي طريق من طرق الإلهام والوحي ~~فكرات بسيطة جديدة، لم يكونوا قد استوعبوها من قبل بحواسهم أو تأملهم؛ لأنه ~~مهما كانت الآثار التي يتلقاها ذلك الإنسان من طريق الإلهام أو الوحي، حتى إذا ~~كانت مجرد فكرات بسيطة جديدة، لا يمكن أن ينقل إلى الغير، لا من طريق الألفاظ، ~~ولا من طريق الإشارات؛ لأن الكلمات بتأثيرها المباشر فينا، لا يمكن أن تزودنا ~~بأية فكرات جديدة لم تكن تحملها من قبل مدلولاتها الطبيعية، ومن طريق اعتيادنا ~~على استعمال هذه الألفاظ لتدل على إشارات خاصة، تكون قدرتها على أن تبعث، أو ~~تحيي في أذهاننا، فكرات كانت كامنة فيها، ولكن لا بد من أن تكون هذه الفكرات ~~موجودة من قبل؛ لأن الألفاظ سواء أكانت مكتوبة أم ملفوظة، تجر إلى خواطرنا تلك ~~الفكرات ms042 التي اعتدنا على أن تكون تلك الألفاظ إشارات لها، أو علامات عليها، ~~بيد أن الألفاظ تعجز عن أن تستحدث فكرات جديدة لم تكن مستوعبة في الذهن من ~~قبل، وهذا يصدق على كل ضروب الإشارات الأخرى التي لا يمكن أن تبين لنا عن أشياء ~~لم نكن قد استوعبنا من قبل أية فكرة عنها. ~~(4) أرسطبس والعلم # كانت الدائرة العلمية التي انحصرت فيها جهود أرسطبس ضيقة، كما كانت دائرة أستاذه ~~سقراط من قبل في البحث العلمي الصرف Pure Science # فإنه ~~كان بعيدا عن البحث في كل ما يتعلق بالطبيعة واستقراء أسرارها بعد سقراط، وكان ~~بعده عن دائرة العلم الصرف كبيرا، حتى إنك لتعجب من أن عقلا فذا كعقل أرسطبس ~~تثقف على أخص القواعد التي أتيحت لفلاسفة اليونان، وكان بفطرته فياضا مؤتلقا كالنجم ~~الساطع، يحكم في الرياضيات فيقول فيها إنها أدنى منزلة من الصنائع اليدوية؛ لأنها لا ~~تأخذ بضلع في تمييز «ما هو أحسن مما هو أردأ»؛ أي إنها لا تعود بنفع على الإنسان في ~~حياته. # لهذا حصر كل همه في علم الأثيكة # Ethica # 20 # أي الأخلاق كما ندعوه الآن، وكان يقصد «بالأثيكة» عند فلاسفة اليونان ~~«علم الحياة السعيدة» وفي هذا يقول ترنر: «وقف القورينيون من المنطق والطبيعيات ~~موقف التحفظ، بل النفور؛ فإنهم جروا على ما جرى عليه الكلبيون من القول بأن التأمل ~~يبور ولا ينتج، إلا إذا كانت له صلة بالأخلاق التي يصل الإنسان من طريقها إلى ~~السعادة، # 21 # فهو في هذا رقعة من سقراط وجزء منه لا يتجزأ، كما كانت تهزه من أعماقه ~~نفس العوامل التي هزت سقراط. # أما إكبابه على الاستجلاء، وجلده على الاستقصاء، ثم الضبط والتحديد في بحث مبادئ ~~الأخلاق، فصفات لا نكون مخطئين إذا قلنا إنه أخذها في الغالب عن سقراط.» # غير أن هذا الميل قد ظهر في أرسطبس ملابسا صورة تختلف في جوهرها عن الصورة التي ~~ظهر بها في أستاذه، فإنه في الأسلوب - ويقصد به هنا أسلوب البحث، لا أسلوب النثر ~~والترسل في الإنشاء - يشايع الفيلسوف «أنطثنيز # Antisthenes ms043 ~~» # 22 # فكلاهما نبذ الخطابيات والبحث وراء التعاريف والحدود، واتخذ من الحقائق ~~الجامدة قاعدة يرتكز عليها في البحث، واستوحش من الفكرات المجردة والفروض. # ذلك في حين أن القورينيين يختلفون عن الكلبيين في تعريف السعادة، فإن الفضيلة عند ~~الكلبيين هي السعادة، فهم في ذلك أقرب ما يكون إلى سقراط، أما القورينيون فيقولون بأن ~~اللذة خير في ذاتها، وأن الفضيلة خير باعتبارها وسيلة للذة. # 23 # ولكن أرسطبس لم يلبث أن انفصل عن صاحبه أيضا في أن ابن قورينة، كان أول فيلسوف رجع ~~عن كل ما هو خيالي وفرضي إلى البحث فيما تقوم عليه الحياة الإنسانية من الحقائق. # وكان يعتقد - كما اعتقد أستاذه سقراط - أن البحث في السعادة ونيلها بداية علم الأخلاق ~~وغايته، ومن أجل أن يقع على حقيقتها وماهيتها المقومة لعناصرها؛ رجع إلى مناقشة الحقائق ~~واختبارها، وأنف من أن يجعل التحديد التصوري أو الخيالي أو التعاريف لبحوثه في هذه ~~الناحية أساسا. # يقول دراپر: «كان أرسطبس القوريني من تلاميذ سقراط، وقد أسس مدرسة قورينة الفلسفية، ~~إحدى فروع المذهب الهيدوني، ومن الظاهر أنه لم يأبه للاهوت، وكان كأستاذه سقراط يحتقر ~~التأمل في الطبيعة، وينزع إلى التأمل في الأخلاق.» # 24 # أما الأستاذ إردمان # 25 # فيقول: إن أرسطبس جرى على القاعدة التي جرى عليها كل الفلاسفة منذ عهد ~~أنكساغوراس فأكب على البحث في الغاية التي من أجلها وجدت الأشياء ، وهو كأستاذه سقراط ~~لم يعن إلا بالإنسان؛ ولذلك تراه قد وجه كل همه نحو «الغاية العليا» التي ينشدها ~~الإنسان؛ أي «الخير» أو «السعادة.» لهذا نفر أرسطبس من كل البحوث الفلسفية التي ~~لا تؤدي إلى «قصد» أو «غاية» وأخرجها من مجال بحثه، وقضى بأن الرياضيات والمنطق ~~والطبيعة ليس لها من قيمة ذاتية، ولكن قيمتها إنما توزن من ناحية خضوعها للأغراض ~~الأدبية؛ لأن الفضيلة كما قال سقراط هي: «المعرفة» وما دامت الفضيلة هي «المعرفة» ~~فيترتب على هذا أن يكون البحث فيها هو الناحية المنطقية من الفلسفة، أما ما عدا هذا من ~~الأشياء التي تجر العقل إلى الخطأ، فإنها تبعدنا عن ms044 الغايات العليا. ~~(5) شروح في بعض اصطلاحات # بدأنا الآن ندخل في المفاوز التي لا بد لنا من أن نجتازها حتى نستطيع أن نشرح مذهب ~~أرسطبس، وبدأنا نحتاج إلى استعمال بعض المصطلحات، لهذا نمضي في شرح بعض الاصطلاحات ~~الفلسفية، توطئة للفحص عن مفصلات المذهب. ~~(5-1) ما هي الهيدونية؟ # الهيدونية # Hedonism # كلمة أصلها يوناني مشتقة من # Hédoné # أي جذل أو سرور، ومعناها الأوسع ~~«اللذة»، وهي في مبادئ الآداب اصطلاح يشمل كل نظريات السلوك التي تتخذ صورة من ~~اللذة أساسا لدستورها. ولقد ظهرت النظريات الهيدونية في الأخلاق منذ أبعد ~~الأزمان، ولو أنها لم تكن جميعا من طابع واحد. وأول ما أطلق هذا الاصطلاح؛ في ~~الفلسفة القديمة على مذهب الحلقة القورينية، وكان طابعها أن اللذة هي الغاية من ~~الحياة، وأن واجب كل عاقل ينحصر في نشدان اللذة، من غير أن تستحكم اللذة فيه وتستبد ~~به، وأن القوة التي تمكن الإنسان من التحرر من أواصر اللذة الجامحة، وتجعله سيدا ~~لها لا عبدا؛ إنما تنال من طريق الثقافة والمعرفة. # 26 # ولا شبهة في أن هذا الاستطراد ضروري في هذا الموطن، فإن كلمة «هيدونية» سوف ~~تتكرر في سياق هذا البحث، ولا بد من أن يقف الباحث على اشتقاقها ومدلولها، ليعلم ~~بأنها قد تستعمل حينا باعتبارها مذهبا، وحينا آخر باعتبارها اصطلاحا مرادفا ~~لاصطلاح اللذة. # ويمكن تقسيم هذه النظرية، كما أنها قسمت بالفعل إلى ثلاث صور مختلفة ~~هي: ~~(1) # الهيدونية المنطقية: # وهي نظرية ~~تقول بأن كل إنسان إنما يعمل دائما وعلى صورة قياسية مطردة، ونصب ~~عينيه الحصول على اللذة. ~~(2) # الهيدونية الأخلاقية: # وهي النظرية ~~التي تؤيد الوجهة المنطقية، وتقضي بأن من حق الإنسان - طبيعة وعقلا - ~~أن يعمل للحصول على اللذة، وأن الواجب على كل فرد ينحصر في العمل ~~للحصول على أكبر قسط من اللذة، أو من رجحان اللذة على الألم، سواء ~~ألنفسه أم لغيره من بني الإنسان عامة. ~~(3) # الهيدونية النفسية: # من الممكن أن ~~تكون هيدونيا من وجهة نفسية صرفة، من غير أن تعتنق الهيدونية ~~باعتبارها قاعدة. والحق في الظاهر مع الذين يقولون ms045 بأن الهيدونية ~~النفسية كاملة غير محورة ولا ملطفة، لا تترك معها مجالا لأي وازع ~~أخلاقي آخر، فما دام كل إنسان يعمل للحصول على أكبر قسط من اللذة ~~الشخصية، فإن ذلك وحده لا يترك مجالا لأن تقول له إن واجبك يحتم ~~عليك أن تفعل ما أنت فاعل، وترى من جهة أخرى أن الهيدونية الأخلاقية ~~يمكن أن يعتنقها أشخاص لا يؤمنون بالهيدونية النفسية التي يرفض ~~الباحثون في الآداب على القواعد الهيدونية قبولها، وإذا قبلوها فإنما ~~يقبلونها مسيجة بكثير من التحفظات ضيقة الحدود. # 27 ~~(5-2) ما هي الأودومونية؟ # الأودومونية # Eudomonism # مذهب فلسفي قائل بأن ~~أفضل الأعمال، ما آل إلى سعادة الغير، أو المبدأ الذي يرمي إلى ترقية الغير ~~وإسعاده، وفي القاموس الإنسيكلوبيذي (ص392، ج3) أنه مذهب فلسفي يحصر فعل الخير في ~~العمل على سعادة الإنسانية، ومن تعاليمه أن أسمى الأعمال الفاضلة التي يمكن لفرد أن ~~يأتي بها؛ هو أن يسعد الغير. ~~(5-3) ما هي الذاتية أو الأنانية؟ ~~«الذاتية أو الأنانية # Egoism # إغراق أو شهوة ~~جامحة في حب الذات، أو مغالاة في تقديرها، ومنها الاعتياد على نسبة كل شيء إلى ~~الذات أو «أنا» وقياس كل القيم من ناحية صلتها بالنفع الذاتي. # 28 ~~(5-4) ما هي سعادة الذات؟ # إن سعادة الذات # Egoistic Eudomonism # مذهب له ~~كثير من الألوان على مقتضى طبيعة الغرض الذي يسعى الفرد في سبيل الحصول عليه، فهي ~~في أبسط صورها عبارة عن مباشرة المحسوسات أو اللذائذ الجسمية، التي قد تسمو الفكرة ~~فيها بحيث تعتبر «الخير الأسمى» وهذه هي نظرية الهيدونيين التي يعتبر أرسطبس أعظم ~~مروجيها في العصور القديمة. # ولقد جددت هذه النظرية في العصور الحديثة فصبغت بألوان أخرى، منها اللون الذي ~~صبغها به «لامتري # Lamettrie ~~» فأفسد ما كان فيها ~~من نزعة طبيعية، وحورها إلى صورة ممسوخة من الفسق، لا يمكن أن يتجاوز عما ~~فيها من النقائص، إلا إذا اعتبرناها بمثابة ركس عقلي، وجه إلى مذهب النسك، وهي ~~نظرية لا تقل من حيث البعد عن الطبيعة الإنسانية؛ عن الصورة التي صبغ بها لامتري ms046 ~~نظرية اللذة. # وبجانب اللذة الحسية - بل وفي موضعها - حلت نظرية المتعة العقلية # Mental Enjoyment # أي الاستمتاع بالعلم ~~والفن والصداقة، وكل ما يجري هذا المجرى من منازع الحياة السامية. وكان أبيقور ~~أول رواد هذه النزعة الفلسفية من الأقدمين. # ولقد مزج أبيقور ورجال مدرسته بين العنصرين: عنصر اللذة الحسية، وعنصر المتعة ~~العقلية، على أن العنصر الثاني يرجح الأول عندهم منزلة. # 29 # ولعل السبب في تعاقب الصور التي صورت بها التعاليم السقراطية، راجع إلى ما ~~قال به ترنر إذ قضى بأن المذاهب السقراطية قد نشأ بعضها بجانب بعض، من غير أن ~~تثبت بنوتها لأب واحد، وأنها جميعها كانت مستقلة استقلالا نسبيا، على الرغم من ~~أن كلا منها كان له صلة بناحية معينة من نواحي التعاليم السقراطية، وقيام كل منها ~~على ناحية بعينها من نواحي التعاليم السقراطية يثبت أنها جميعا كانت ناقصة؛ لأنها ~~قامت على فهم غير كامل للروح التي ذاعت في فلسفة سقراط، غير أن هذا لم يمنع من أن ~~تترك هذه المذاهب أثرها العميق في الحياة الإنسانية، وأقرب مثل على هذا؛ مذهب ~~المدرسة الميغارية في الصور ~~اللاجسمية # Bodiless Forms # وتأثيره في أفلاطون عند قوله بنظرية الفكرات # Theory of Ideas ~~. ~~(6) محور فلسفة أرسطبس الأخلاقية # العنصر المكون للسعادة عند أرسطبس هو الحصول على «اللذة الحسية» على أن تكون ~~السعادة تصورا يتوسط بين السعادة كما نفهمها، وبين الخير الأسمى # The Highest Good # فالأطفال والحيوانات يكدون ~~بقاسر فطري، ليحصلوا على اللذة، كما يجاهدون ليتقوا الألم، وفي هذه الظاهرة تتجلى ~~الحقيقة الجوهرية التي لا تقبل الجدل ، ولا تتسع للمناقشة، والتي يجب أن تراعى في كل ~~محاولة يقصد بها وضع مجموعة من القواعد، يسلك على مقتضاها الإنسان في حياته. # لا بد لنا إذا أردنا أن نتتبع أسلوب التفكير الذي انتحاه أرسطبس وشيعته في الفلسفة، ~~من أن نكب على درس النظريات التي انتحلها أصحاب اللذة - «الهيدونيون» - في العصر ~~الحديث وطرق تأملهم الفلسفي فيها، فمن هذه السبيل وحدها، نستطيع أن نفقه حقيقة تلك ~~الفقرات الغامضة المبهمة المهزولة التي تكون ما ms047 وصل إلينا من فلسفة القورينيين ~~الأدبية، وأن نجعل المذاهب الميتة تنطق بلسان حي طليق. # أما الأستاذ دراپر فيقول بأن السعادة عند أرسطبس تنحصر في تحصيل اللذة، وأن اللذة ~~والألم يكونان دستور الحياة الإنسانية، وكان لا يعتقد بأن في مستطاع الإنسان أن يعرف ~~شيئا معرفة تحقيق؛ لأن الحواس قد تخدعه، غير أن الإنسان بالرغم من عجزه عن أن يدرك ~~الأشياء على حقيقتها، فلا شك أن فيه قدرة على الإدراك، ومن هنا قام اعتقاد القورينيين ~~بأن اللذة أسمى الغايات التي ننشدها في الحياة. # 30 # والواضح من هذا أن الأستاذ دراپر إنما أقام رأيه هذا على قشور المذهب دون لبابه، ~~ولعلنا نستطيع بقليل من الصبر أن نستقرئ مما وصل إلينا من مخلفات المذهب الهيدوني، ~~شيئا يجعل فهمنا لحقيقة المذهب أقرب إلى الواقع. # ويقول الأستاذ ترنر: إن مبدأ الهيدونية الأساسي ينحصر في أن اللذة وحدها هي ~~العنصر الذي يكون سعادة الإنسان، ولقد اتبع القورينيون في تدليلهم على هذا، نمط ~~بروطاغوراس، فقالوا: «إن كل ما يظهر أنه حق يجب أن نعتقد بأنه حق، وأننا لا نستطيع أن ~~ندرك إلا المشاعر والآثار التي تولدها الأشياء فينا، أما الأشياء ذاتها فلا نعرف منها ~~شيئا، والنتائج التي تترتب على هذا بسيطة، فإن استحداث مشاعر بعينها هو كل ما في ~~مقدورنا أن ننتج بالعمل # Action # وعلى هذا يترتب القول ~~بأن كل ما يحدث فينا أسمى المشاعر الملذة يكون خيرا.» # 31 # وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل المشاعر ~~الملذة واحدة عند كل الناس، وفي كل الظروف؟ وهل ما يكون ملذا في ساعة بعينها يكون ~~ملذا في أخرى؟ # ومن هنا يكون تطبيق هذه النظرية راجعا إلى الاستعداد الطبيعي الذي يختص به كل فرد، ~~أو حكم العادة المؤصلة التي يعكف عليها الإنسان، وبهذا يكون إدراك السعادة نسبيا ~~صرفا. لهذا يعتقد أرسطبس أن اللذة المطلقة هي الخير الأوحد، وأننا إنما نرغب في ~~المعرفة والثقافة، حتى وفي الفضيلة باعتبارها وسائط (لا غايات) نصل من طريقها إلى ~~اللذة، أما فائدة الفضيلة، فتنحصر في أنها تقمعنا ms048 عن الإفراط في الانفعال، الذي هو شهوة ~~ولما كانت الشهوة «عنيفة» كيفما كانت فهي إذن مؤلمة، وعلى هذا يجب أن نتنكبها. # 32 ~~(7) تجدد الهيدونية في العصر الحديث # تجدد المذهب الهيدوني في العصر الحديث خلال القرن السابع عشر وبعده، والضرورة تقضي ~~علينا أن نلمع إلماعا إلى بعض أعلام المدرسة الحديثة، وأن نشير إلى مبادئهم الأساسية؛ ~~استكمالا لمناحي البحث من ناحية، ولأننا سوف نشير في سياق الكلام إليهم عند ~~الحاجة. # قال «هبز # Hobbes ~~» بأن اللذة هي الرغبة، فكان - على ~~ما يظهر - أول من جمع في النظر بين القول بأنه لا يوجد من خير بعيد عن اللذة، وبين ~~المنزع النفسي الذي يوحي بأن كل الناس إنما ينشدون اللذة. # وعقب عليه «لوك # Locke ~~» فبينما تراه يدافع عن ~~الهيدونية النفسية، إذا به يرفض الهيدونية كنهج أخلاقي، ووضع مثله الأخلاقي الأعلى على ~~أساس الطاعة لأوامر الله ونواهيه، وهي طاعة تنظر في أول ما تنظر إليه إلى «السعادة ~~الكاملة» أو «الشقاء الكامل» الذي يناله الإنسان في الحياة الأخرى، تبعا لسلوكه في هذه ~~الحياة. # أما «پالي Paley ~~» فكتب بعد مائة سنة من لوك، فجدد ~~القول بنفس مذهبه، وصبه في كلمات أقل تعرضا للجدل والمناقشة من كلمات لوك، فقال: «إن ~~اللذة الشخصية هي التي تحركنا، ولكن إرادة الله تحكمنا.» # وفي القرن الثامن عشر كان الاعتراض الوحيد ضد فلسفة الأنانية # Selfish Philosophy # قائما على مذهب «شفتزبري # Shaftesbury ~~» و«هتشنسون # Hutchinson ~~» و«هيوم # Huame ~~» الذين ~~قالوا بقوة العاطفة في استحداث اللذة، وزادوا إلى هذا أن العاطفة هي الطريق الطبيعي ~~للذة. # ومن الظاهرات العجيبة في تاريخ المذاهب أن تتكرر مظاهرها مع اختلاف حقائقها ، فقد قيل ~~بحق إن السبب في اختلاف أوجه النظر بين المذاهب السقراطية، إنما يعود - كما قدمنا - ~~إلى أن سقراط لم يحدد «الخير»، فأدرك أهل كل مذهب من معنى الخير الذي تركه سقراط غير ~~محدد؛ صورة قام عليها مذهب جديد من بعده. وكذلك أرسطبس فإنه لم يستطع أن يحدد اللذة ~~تحديدا ينجيها من إجمال سقراط لمعنى «الخير»، ومن هنا كان السبب في ms049 اختلاف أوجه النظر ~~في العصر الحديث، وقيام مذاهب جديدة تدعي كل منها الأمانة الكاملة للمذهب «الهيدوني» ~~كما كان يدعي كل من أصحاب المذاهب السقراطية، الأمانة الكاملة لمذهب سقراط. # ومن الواجب ألا نغفل ذكر أنه منذ عهد أفلاطون وأرسطوطاليس قام بجانب الفكرة في ~~اللذة Pleasure # على أنها غرض ينشد فكرة ~~المنفعة # Utility # على أنها الغرض الأسمى، وقد ~~اعتنقها كثير من فلاسفة الإنجليز وعلى رأسهم بنتام ومل، وسوف نعود إلى الكلام في ~~هذا المبحث، كلما اضطررنا إلى الإلماع إلى طرف منه. ~~(8) أرسطبس وجرمي بنتام # إذا وجب أن يتخذ تحصيل اللذة والسعي وراءها، أساسا تقوم من فوقه كل القواعد ~~الضرورية التي تخضع لها الحياة الإنسانسة، كان علينا أن نميز بين أشياء حتم أرسطبس ~~ضرورة العناية بالتمييز بينهما، كما فعل من بعد جرمي بنتام الفيلسوف الإنجليزي ~~المعروف، هذا الشيء هو الاعتقاد بأن «اللذة» يجب أن تؤخذ دائما، وحيثما كانت وفي أية ~~صورة كانت على أنها «خير» وأن الصورة التي تلجئنا، في أكثر الحالات، أن تتنكب ~~طريق «اللذة» يعضدها دائما تفكير عقلي هادئ. # هذا القول إجمالا، يسوقنا إلى وجوب التفريق بين الشعور باللذة، وبين الظروف التي ~~تحدث اللذة أو تصحبها، أو النتائج التي تترتب عليها، وأن الخلط بين هذين الأمرين - أي ~~بين الشعور باللذة وبين نتائجها وبواعثها - يجب الاحتراز منه بكل وسيلة. # على أن أرسطبس - وقد جاراه بنتام في هذا إلى نهاية الشوط - قد قضى بأنه حتى في حالة ~~عدم الاحتراز من الخلط بين الشعور باللذة وبين بواعثها؛ فإن اللذة تنتج خيرا دائما، ~~بصرف النظر عن الحالة التي تحصل فيها اللذة وأسبابها ونتائجها، وقد يكون للأسباب التي ~~تنتج «اللذة» أو النتائج التي تترتب علي تحصيل اللذة نهايات باعثة على أشد الألم، بيد ~~أنك إذا وازنت بين اللذة والألم الناتج عن تحصيلها ألفيت أن كفة اللذة ترجح ~~دائما. # إذن فالسلوك الواجب ينحصر في الاحتراز من الاسترسال مع بواعث الألم، والتحرر منها جهد ~~المستطاع، وقد نجد في حالات أخرى أن أعمالا تصحبها مشاعر مؤلمة تكون هي الوسائل ms050 ~~الوحيدة للحصول على مشاعر ملذة، وهذا الثمن - أي الألم - الذي نبذله في سبيل الحصول ~~على اللذة يدفعنا إليه «هس خفي» لا يجب أن نتوجس منه خيفة، أو نشعر منه بوجل ما ~~دام غرضنا الحصول على لذة ترجح الألم. # وعلى هذا يصبح «فن الحياة» عبارة عن ضرب من الأقيسة والاستنتاجات الهادئة على الصورة ~~التي استنتجها أفلاطون في آخر كتابه «بروطاغوراس Protagoros ~~» وهي صورة حقة، تقوم على فلسفة سقراط، ولكن أفلاطون لم ~~يؤمن بما استنتج من فلسفة أستاذه إيمانا صريحا كاملا. ~~(9) أرسطبس والكلبيون # في المدارس التي تكونت بعد سقراط والتي ادعت كل منها أنها تقوم على مذهبه، أو بالأحرى ~~على ناحية بعينها من نواحي مذهبه؛ نزعة من أعجب النزعات العقلية، فقد يخيل إليك وأنت ~~تتصفح تاريخ هذه المذاهب - إذا كنت ممن يجلدون على التأمل - أنها عبارة عن جملة أفعال ~~«عكسية» أخذت تتوالى سراعا وتتطور دراكا، فيظهر أول ما يظهر الميغاريون وعلى رأسهم ~~«إقليدس»، فيدرسه أرسطبس ثم يظهر أنطثنيز ويكون مذهب الكلبيين، فيدعو للرجوع إلى ~~الطبيعة، فيعقب عليه أرسطبس ويقول باللذة الراهنة، فيكون مذهبه بمثابة فعل عكسي يخفف ~~من حدة المذهب الكلبي، ولا تلبث غير بعيد حتى تجد أبيقور يدعو إلى الناحية السلبية من ~~اللذة، فيقول: إن الخير الأسمى ليس في اللذة بل في التحرر من الألم، وإن اللذة العقلية ~~هي أسمى اللذات جميعا، ثم يأتي أفلاطون فيقول بأن الخير الأسمى - أي السعادة - إنما ~~ينحصر في «التبصر» ثم تقع في خاتمة المطاف على المعلم الأول أرسطوطاليس، الذي يقول ~~بأن الخير الأعلى الذي يجدر بالإنسان أن ينشده هو فاعلية النفس، على أن تكون هذه ~~الفاعلية مقودة بالفضيلة، فإذا تعددت الفضائل وجب أن تتبع الفاعلية أرفع هذه الفضائل، ~~فكأنك تقرأ في تدرج الفكرة في هذه المدارس تاريخ علم الأخلاق في مختلف أوضاعه. # وإذن نقول إن أرسطبس ومذهبه وأتباعه كانوا بمثابة فعل عكسي ظهر ليكسر من حدة مذهب ~~الكلبيين، كما يتدخل الضمير في الفعل النفسي، فيحدث فيه أثرا عاكسا، أو كما تحاول ~~الإرادة أن تقمع شهوة ms051 من الشهوات بشهوة أخرى، وهذا يحملنا على أن نعرف القارئ بمن هم ~~الكلبيون. # هم أصحاب مذهب فلسفي في الأخلاق أتباعهم قليلو العدد، ولكنهم كانوا ذوي أثر عظيم في ~~الفلسفة القديمة، أما اسم المذهب فيقال بأنه مشتق من اسم بناء في أثينا كان يدعى ~~«القونوسرغس # Cynosargus ~~»، وبين جدرانه نشأ ~~المذهب أو من الكلمة اليونانية لاسم «الكلب # Canis ~~» وهي ~~إشارة سخرية إلى ما انتحل رجال المذهب من صفات الخشونة والخروج على العرف، أما ~~«القونوسرغس» تعيينا فقاعة كبيرة كانت تدعى قاعة الهجائن # The Hall of The Bastards ~~. # ومهما يكن من أمر هذا الاشتقاق والتساؤل أصحيح هو أم غير صحيح؛ فإن الكلبيين قد ~~اتفقوا على أن يتخذوا الكلب شعارا ورمزا، # 33 # ولعل لهم في ذلك مرمى بعيدا، فالبقرة كانت معبود المصريين، وهي لا تزال ~~مقدسة في الهند، ولعل تقديسها في الهند ذو صلة فكرية بعبادتها في مصر، ففي الهند ~~يعتقدون أنها عماد الزراعة، وصورة مجسمة للطاعة والخضوع والقيام بالواجب، ولهذا قدسوها ~~منذ أقدم الأزمان، وتلاحقت الأجيال على هذه العقيدة، والكلب من أقدم الحيوانات الأليفة ~~التي عاشرت الإنسان منذ فجر التاريخ، وعاونته في الحراسة والصيد، ومقاومة الوحوش ~~الضارية، فكان الكلب أكبر معوان للإنسان في حالاته البدائية ليضرب بقدمه في معارج ~~المدنية، وفيه فوق ذلك صفة أنه «طبيعي» لم يتمدين كالإنسان، وفيه أنه يكفي حاجاته ~~بنفسه، وفيه أنه أمين وفي مسالم متحرر من كثير من الدنايا الخلقية، فلا يبعد ~~مطلقا أن تكون اعتبارات كهذه، هي التي حملت الكلبيين على أن يتخذوا الكلب شعارا ~~لهم، وإذا صح هذا كان الكلبيون أفطن من المصريين والهنود على السواء وأقرب إلى ~~الحكمة. # ومن التصور الشائع في خصائص هذا المذهب الفلسفي يستمد المعنى المدرك، من اسم ~~الكلبيين، وهو معنى يتضمن الشك الشديد المشوب بالاحتقار في كفاية الميول البشرية لحب ~~الخير، والنظر إلى شعور الاستعلاء والكبرياء، نظرة احتقار شديد. # ومن مشهوري أصحاب هذا المذهب أنطثنيز مؤسسه و«إقراطس # Crates ~~» و«ديوجينيس # Diogenes ~~» ~~و«ديمطريوس # Demetrius ~~»، والكل مجمعون على اتباع ~~وجهة اتخذوها أساسا لفلسفتهم، وهي «الرجوع ms052 إلى الطبيعة.» # ولا عجب إذا وجه نقد لاذع إلى رواد هذا المذهب عند أول قيامهم ببث تعالميهم، فضلا ~~عن السخرية منهم، والاستهزاء بهم، على أن ما وجه إليهم من نقد وسخرية، كان على غير حق ~~في الغالب، أما أساس فلسفتهم فيقوم على «نكران العرف»، ويقصد به العادات المرعية ~~للجمعية، وإنه لمن المستحيل أن يعود الإنسان إلى الطبيعة في جمعية درجت على «عرف» ~~استجمعت عناصره بطريقة إجماعية منظمة، وشاركت هذه العناصر الجمعية في نشوئها وتطورها ~~حتى أعتقت معها، فكسبت مع الزمان احتراما، ولبست مع القرون ثوبا من القداسة، من غير ~~أن يصطدم بما غرس في نفوس أهل الجمعية من الإحساسات الرسيسة. # ومما هو بعيد عن الإنصاف أن نعتبر أن ما ظهر به بعض فلاسفة هذا المذهب من الخروج على ~~المألوف والعرف، كان من خصائص كل الفلاسفة الذين انتسبوا إليه، أو أن نتخذ هذا وسيلة ~~إلى النيل من الناحية التي انتحاها أهل المذهب في التفكير، والدليل على هذا أن مبادئهم ~~كان لها خطر عظيم في رومية، خلال القرنين الأول والثالث من الميلاد. # وكان لديمطريوس و«ديموناز # Demonaze ~~» شأن نوه به ~~«سنيكا # Seneca ~~» و«لوقيان # Lucian ~~» على الأخص، ولا شبهة في أن رومية في ذلك العهد كانت تقدس ~~العرف ولا تستهين بالتقاليد، وإذن يكون انحراف بعض رجال المذهب وتطرفهم ظاهرة ليست من ~~أصوله في شيء، بل هي نزعة فردية نماها بعض رجاله، تطرفا في تطبيق بعض ~~المبادئ. ~~(10) فرق بين أبيقور وأرسطبس # مما يدل أوضح دلالة على الأثر الذي خلفه المذهب القوريني في عالم الفكر، وامتداد ~~أثره فيه؛ أن تأثير المذهب الأبيقوري على الفكرة «المحافظة» ظل قائما خلال أجيال ~~عديدة، حتى لقد ظهر أثره في الحياة العقلية التي كانت تتجه نحو الجمود في العالم ~~الإغريقي، ومن المعلوم أن المذهب الأبيقوري ليس إلا صورة محورة من المذهب ~~القوريني. # ففي العصر الذي ظهر فيه متأخرو القورينيين، كان أبيقور يضع أساس صورة جديدة من ~~المذهب أكثر رصانة وأبعد غورا من الصورة التي تطور إليها المذهب في أخريات أيامه، حتى ms053 ~~أنك لا تسمع بعد القرن الثالث بعد الميلاد شيئا عن المذهب القوريني منفصلا عن المذهب ~~الأبيقوري. # 34 # أما الأثر الذي ظهر في المذهب ~~الأبيقوري موروثا عن المذاهب السقراطية التي تقدمت نشوء هذا المذهب، فيرجع إلى ~~الكلبيين والقورينيين معا، فهما مذهبان تحررا من كل الأديان، ومن كل السوابق ~~التقليدية التي اصطلحت عليها الجمعية الإنسانية، وابتعدا عن التسليم بالمعتقدات ~~العامة اعتباطا، لذلك تجد أن أنطثنيز مؤسس المدرسة الكلبية (400ق.م) إن كان من تلاميذ ~~سقراط، فإنه كان من المنكرين لعقيدة التكثير، ومن النابذين لفكرة الأنثروپومورفية # Anthropomorphism ~~؛ أي «التشبيه» كما ترجمها ~~العرب واصطلحوا عليها، ويقصد بها فكرة تزويد الله بالخصائص الإنسانية. # 35 # أما مذهب أبيقور الأخلاقي في مجمله فليس إلا تحويرا في المذهب القوريني، لهذا نجد ~~أن أبيقور عندما أراد أن يعرف «اللذة» لم يعرفها كما عرفها أرسطبس بأنها حركة ~~لطيفة، بل رجع إلى الصورة السلبية من اللذة، فقال بأن اللذة هي التحرر من الألم، ~~غير أنه مع هذا لم ينكر ناحية اللذة الإيجابية، ولكنه جزم بأن الناحية السلبية - وقصد ~~بها راحة العقل - أساسية في الأخلاق، في حين أن «الحركة اللطيفة» التي تتكون منها اللذة ~~الإيجابية أمر ثانوي يأتي عفوا، # 36 # فالرغبة غير المكفية ألم، والألم يحطم هدوء العقل، ولهذا السبب وحده يجب ~~أن نقنع رغباتنا، ومن هذه الطريق تصبح اللذة الإيجابية جزءا من الخير الأسمى. # على أن الفروق بين الأبيقورية والقورينية إنما تكون أظهر وأجلى في نظرية أبيقور ~~التي قال فيها «بدرجات اللذة»، فعنده أن أسمى اللذات هي اللذة العقلية؛ أي المعرفة ~~والذكاء وغيرهما من الأشياء التي تحرر النفس من الحقد والخوف، وتساعد على هدوء العقل ~~والبال، لهذا يجب على الرجل العاقل - أي (الحكيم) - أن لا يجعل أمله في السعادة محصورا ~~في لذائذ الحس، بل ينبغي له أن يتسامى ليصل إلى أفق اللذة العقلية. # وهنا نجد أن أبيقور لم يستطع أن يسلم من التناقض، فإنه لم يتسن له أن يفرق ~~منطقيا بين الحس والعقل، غير أن «ديوجينيس لايرتيوس» (ص6، ج10) قد نقل عن ms054 أبيقور ~~قولا يدل على أنه كان يعتقد بأنه لا يوجد خير منفصل عن الحواس، في حين أن «فلوطرخوس Plutarch ~~» وغيره من الكتاب ينقلون عن «مطروذورس # Metrodorus ~~» # 37 # قول أبيقور: «إن كل شيء لا بد من أن يكون ذا علاقة بالمعدة.» # 38 # وقد انحصر وجه الخلاف بين القورينيين وأبيقور إجمالا، في أن أبيقور على الرغم من أنه ~~علم أن اللذة ليست أسمى الخير لا غير، بل إنها ~~الخير الوحيد للآلهة والناس، فإنه خالف القورينيين فيما يلي: ~~(1) # أن لذة العقل والصداقة والمخالطة أسمى من اللذائذ البدنية. ~~(2) # أن اللذة الكاملة أو بالأحرى أسمى الحالات المرغوب فيها، حالة يتحرر فيها ~~الإنسان من الألم والهم. # على أن هذه الصورة السلبية من اللذة أو بالأحرى «تصور اللذة السلبي» بالرغم من أن ~~أتباع أبيقور لم يحاولوا مطلقا أن ينتقصوه، فإنه لم يوضع موضع التطبيق العملي باعتباره ~~مثلا أعلى للسلوك يحتذيه أتباع المذهب. # 39 # وكان هذا أكبر ما وجه إلى المذهب الأبيقوري من نقد الناقدين. ~~(11) أبيقور وشروح في فلسفة أرسطبس # ما هي المبررات المنطقية التي يقوم عليها مذهب أرسطبس؟ # هذا سؤال يحتاج، في الجواب عليه، إلى شروح يجب أن نمضي فيها قليلا، قبل أن نعمد إلى ~~الكلام في تطبيق المذهب عمليا. # إن اللذة التي يجدر بأن يسعى الإنسان لها لم تكن لدى أرسطبس كما كانت من بعده عند ~~أبيقور، مجرد التحرر من الألم، بل إن أرسطبس كان بعيدا عن أن يضع اللذات الجامحة أو ~~اللذات التي يباشرها الإنسان إرضاء لشهوة ثائرة في المكانة الأولى من الخطر، على أن ~~اصطلاح «اللذة» لم يؤد عند أرسطبس أدنى ما تصل إليه الانفعالات عند أبيقور كما ذهب ~~البعض، بل عبر عنده عن حد ليس بالأدنى ولا بالأعلى في قياس الانفعالات من طريق ~~إيجابي صرف ، ذلك بأنه اعتبر أن مجرد التحرر من الألم ومن اللذة معا حالة سلبية لا إلى ~~هذه ولا إلى تلك. # أما الشرح الذي نلجأ إليه في توضيح هذه النظرية فيجب أن نرجع فيه إلى نظرية نفسية ~~تعرف عن علماء ms055 النفس بنظرية ~~الوعي # Theory of Consciousness # فإنهم يمثلون للوعي بموجة تبدأ من القاعدة ثم ترتفع منتهية عند ~~القمة، ومن ثم تعود هابطة إلى مستوى القاعدة، ومثلها في العقل الباطن كمثل موجة ~~الماء تماما، فإذا أردنا أن نمثل لنظرية أرسطبس في قياس اللذة، ~~وجب علينا أن نعود إلى هذه النظرية وأن نمثل بالشكل ~~الذي يمثل به النفسيون للوعي، ونتخذه سبيلا لشرح درجات اللذة في هذا المذهب، وإليك ~~البيان: # ولا شك في أن فهم هذا ضروري لاستيعاب العناصر التي يتكون منها مذهب أرسطبس. # ولقد لخص الأستاذ إردمان هذه النظرية في كتابه «تاريخ الفلسفة» تلخيصا آثرنا ~~نقله هنا، فقال بأن النتيجة التي تترتب على القول بأن كل «المعرفة» إدراك بالحس # Sense Perception ~~، وأن كل إدراك بالحس إنما «ندرك» ~~به كيف أثر فينا ذلك الإدراك، تحصر «معرفتنا» في الوقوف على حالات «الوعي» أو ~~الشعور # Cousciousness # الكائن في تضاعيفنا، وعلى ~~هذا يكون إدراك حالات الوعي النفسي وأسبابها، كل ما في مذهب أرسطبس من علاقة ~~بالطبيعة. # وكل حالات الوعي أو الشعور إنما ترجع إلى ثلاث صور: فإما عنف، وإما اعتدال، وإما ~~لا حركة البتة، والصورتان الأولى والثالثة تضادان الثانية، ومثال ذلك حالتا الألم ~~والجمود وتضادهما مع اللذة. # فأية حالة من حالات هذا الوعي يجب علينا أن ننشد، وأيها يجب أن نتنكب؟ ولقد نجد ~~الجواب على هذا السؤال صريحا في القسم الأدبي من مذهب أرسطبس، فإنه قضى «للذة» ~~التي قال بأنها «الخير» الصرف الذي ينشده الإنسان. # وعلى الرغم من هذا فليس في مستطاعنا بحال من الأحوال، أن نكتنه الأسلوب الأمثل الذي ~~اتبعه أرسطبس في تحديد اللذة وتعريفها، وجل ما نعرف أنه نظر في اللذة على أنها ~~حركة لطيفة # Gentle Motion # تقتحم طريقها إلى الشعور ~~أو الوعي # Consciousness ~~. # على أننا لا نعدم الشروح، ففي «موسوعة الدين والآداب» (ج4، ص383) نقع على شرح جاء ~~فيه: # إن «الحركة اللطيفة» التي عناها القورينيون، ووضعوا بها حدا للذة المرغوب ~~فيها، لا تخرج عن أنها حركة «ما» ولكنها حركة البحر الهادئ الذي لا ms056 ينبغي أن ~~ننبه فيها ما يجعلها عاصفة، على أن الظروف قد تحول بين الرجل العاقل وبين ~~بلوغ هذا الغرض دائما، ذلك في حين أن الرجل العاقل (الحكيم) يكون أقدر من غيره ~~على معالجة هذه الحالة، بحيث ينال من لذائذها، ويتقي من عواصفها؛ أكثر من أي ~~شخص آخر. # ولقد عرف أن أرسطبس كان قادرا على أن يستعلي بسهولة على كل الظروف مهما كانت ~~طبيعتها أسعيدة أم شقية، نعيمة أم بائسة. وللشاعر «هوراس» بيت من الشعر يقول ~~فيه: ~~«سعيد في الحاضر، ولكنه يتطلع إلى أشياء أعظم وحالات أسعد» # وهذا أقوم ما توصف به الفلسفة القورينية في أسمى مراتبها، ويدرك الإنسان هذه الحركة ~~اللطيفة بقياسها على الحركات العنيفة، تلك التي نصرف عليها اصطلاح «الألم»، ولا جرم أن ~~أرسطبس لم يتبع في أسلوبه هذا طريق «الملاحظة» يوجهها إلى النواميس الطبيعية الصرفة، ~~ذلك بأن الأطفال والحيوانات، التي كثيرا ما أشار إليها فيما كتب، تحاول الحصول على ~~اللذات المحترة كما تحاول الحصول على اللذات الهادئة اللطيفة، إن لم يكن ميلها إلى ~~الأولى أشد منه إلى الثانية. # ألا يصح أن تكون قصر فترات اللذة الجامحة، أو تخالط الألم واللذة ذلك التخالط الذي ~~يحدث دائما من إلحاح الحاجة والرغبات والشهوات، أو أن يكون امتزاج العنصرين، وملابسة ~~بعضهما لبعض؛ قد أثر جماعها في حكمه الفلسفي وفي اختياره؟ # إن لدينا من الاعتبارات ما نؤيد به هذا الاحتمال. ~~(12) المفاضلة بين اللذات # لست تجد من شيء بعد عن طريقة التفكير التي عكف عليها أرسطبس بقدر ما بعد عنها ~~الاستبداد الذي يلازم الأحكام التي تمليها السلطة، في أيما متجه اتجهت، وفي أية صورة ~~ظهرت، ولكن الحكم بأن «اللذات اللطيفة» هي دون غيرها اللذات المنشودة، أمر ينابذ هذا ~~الأسلوب، فإن الحكم الفلسفي الذي يجعل ضربا من اللذة محدودا بحدود عقلية، لا بحدود ~~طبيعية هو القدر الذي يجب أن تجرعه الطبيعة البشرية؛ أمر لا يتفق مع الأسلوب الذي جرى ~~عليه تفكير أرسطبس. # وإنما نفهم أسلوب أرسطبس في إصداره هذا الحكم الشامل، إذا عرفنا أن الطريقة ms057 التي ~~جرى عليها تفكيره في هذه الناحية إنما هي طريقة «التفضيل»، فهو يفضل «اللذات اللطيفة» ~~ويدعو إليها ويجعل الحصول عليها أساس السلوك في فلسفته. # وقد تقع على قاعدة عقلية يقيم عليها أرسطبس أساس تفضيله هذا، فقد عزي إليه قوله: ~~«إن لذة ما، لا تختلف عن غيرها من اللذات.» وهذه الفقرة على غموضها يمكن تفسيرها ~~تفسيرا ينطبق مع مرمى فلسفته، والأسلوب الذي عكف عليه في التعبير عنها. # ذلك بأنه لا ينكر الفوارق ~~الكمية # Quantitative # الكائنة بين ضروب اللذات، من ~~حيث المقدار والاستمرار - أي طول مدتها - والطهر، وهو عنده عدم تخالط اللذات، أما الذي ~~ينكره فالاعتراف بديئة بوجود فوارق كيفية # Qualitative # بين اللذات المتفرقة أو فوارق اعتبارية من حيث القيمة. # فإذا فسرنا هذه الفقرة هذا التفسير تبين لنا أنها ليست بشيء سوى اعتراض يوجه إلى ~~فكرة الذين يفوقون ضربا من اللذات بعينه على غيره؛ أي يجعلونه في المقدمة ~~ويخصونه بالأولية من غير أن يدعموا فكرتهم على أي أسلوب عقلي من أساليب التفكير، ~~بل يركنون في ذلك إلى ما يسمونه حكم الفطرة أو الإلهام، وهو عند أرسطبس فاسد ~~عقلا. # وعلى الرغم من أن القورينيين قد عرفوا اللذة بأنها حركة لطيفة # Gentle Motion # فإن قيقرون قد تصور خطأ أنهم ~~قالوا بأن اللذة هي الأحاسيس البدنية، وإنك لتدرك خطأ قيقرون إذا أنت رجعت إلى الوصف ~~الذي حدد به أرسطبس مذهبه في اللذة بقوله: «إنها تراوح بين الانفعال العقلي، ومباشرة ~~اللذة الحسية.» # ولا شبهة مطلقا في أن بحثنا هذا يكون ناقصا إذا لم نأت هنا على أمتع شرح سيكولوجي ~~- نفسي - وقعت عليه للأستاذ «برت # Brett ~~» في كتابه ~~«تاريخ علم النفس» (ج1، ص62 و63 و189) حلل فيه فكرة أرسطبس في اللذات قال: # يجب علينا أن نعترف أول شيء بأن أرسطبس قد وقف على حقيقة سيكولوجية (نفسية) ~~كثيرا ما أبهم أمرها، فقد رأى أن المشاعر مجردة، ليس فيها القدرة على فصل ما ~~هو أحسن مما هو أردأ، أو ما هو أسمى مما هو أدنى، ولقد ساق هذا الرأي ms058 بلغة كانت ~~طبيعية في عصر كانت مباحث السيكولوجية (النفس)، والأنثروبولوجية (الإنسان)، ~~والروح والطبيعة لم يتميز بعضها من بعض، فالمشاعر والإدراكات كانت عنده عبارة ~~عن حركات، إما لطيفة وإما عنيفة، وكذلك من ناحية النظر في الشعور، فهو إما ~~ملذ وإما مؤلم، وإذن فاللذة والألم يجب أن يتخذا كتجربة أو كصفة يوصف بها ~~«الزمان» أو «الحاضر» خاصة، أما الماضي والمستقبل، فلا يجب أن يقام لهما أي ~~وزن، أما موضع اللذة - أي الشيء الذي تصدر عنه اللذة - فليس هو عين الصفة التي ~~تكون اللذة، فكل لذة «خير» ولو استمدت من أشياء غير ذات قيمة أو كانت منابعها ~~أفعالا مكروهة، وكل ألم شر، وكل ما هنالك من فروق بين اللذة والألم، إنما هي ~~فروق تلحق الصفة - أي الكيف # Quality ~~- من حيث ~~الجدة أو الكثرة أو القلة. # وقال في ص189 من كتابه هذا: # هنا نقع على نظرية طبيعية تبدأ بفكرة أن الميول والعواطف عبارة عن حركات ~~(نفسية)، فقد قال القورينيون بأن اللذة صورة من الانفعال؛ أي شعور بحالة ~~ملذة، على أن هذا لم يقبله أبيقور، فقد وضع تحليلا جديدا لحقيقة العلاقة بين ~~اللذة والإحساس، وسبق أن ألمعنا إلى أن القدماء قد عرفوا الحركة باسم «جنس» ~~واعتبروا الإحساسات والمشاعر «فصولا» منه، فالمشاعر التي هي لذة حينا، وألم ~~حينا آخر ليست إلا حركات، ويترتب على هذا أن أول ما يجب علينا الحكم فيه؛ ~~النظر في علاقة الصفة بالحركة، أما أرسطبس فاختصر الطريق بأن قضى بأن الحركة ~~إما أن تكون لطيفة أو عنيفة، ولكنه اعترف بجانب هذا بحالة «هدوء» نعدم فيها ~~الحركة، ولكن الحالة الوحيدة المرغوب فيها عنده هي حالة «الحركة اللطيفة»، في ~~حين أن أرسطوطاليس قد اعتبر اللذة علامة رضا لا غير، ولكنه لم يعتبرها غاية ~~البتة، غير أن أبيقور يخالف أرسطوطاليس، ذلك بأنه يقول إن اللذة هي «الخير»، ~~ويبحث فيما هي اللذة غير مقتصر على الكلام فيما تحدث من أثر ، وكذلك يرفض أبيقور ~~نظرية أفلاطون في «القصد»، ومن ثم يعود أبيقور إلى أرسطبس؛ لأن النظرية ~~القورينية ms059 تقضي بأن اللذة هي الخير، وأن اللذة عبارة عن حالة من حالات الشعور ~~أو الوعي (البدني)، ولكن أبيقور يحور النظرية في موضعين مهمين، فإن أرسطبس قد ~~قال بثلاث حالات: ~~(1) # الحركة اللطيفة. ~~(2) # الحركة العنيفة. ~~(3) # اللاحركة أو الهدوء. # وهذه الحالات لا تجدي في فهم ما يريد تماما؛ لأن كلا من الحركتين ~~الأوليين «مزدوجة»، فقد يمكن أن يكون ألم لطيف وألم عنيف، ما لم تبرهن على أن ~~الحركة اللطيفة وحدها، هي الحركة الملذة، كما أننا يجب أن نعرف ما هو الشيء ~~الملذ في تلك الحركة، على أن أفلاطون قد رأى هذا الرأي قبل أبيقور، ولكن أبيقور ~~قد استعمق في بحث هذا الموضوع إلى أبعد مما وصل أرسطبس، وذلك ما حملته عليه ~~بحوث أفلاطون وأرسطوطاليس، فقال بأن اللذة كشيء له مميزات خاصة هي نوع من ~~التحرر، أو العمل على التخلص من الألم، والحياة تتراوح كمتنوح الساعة من طرف ~~إلى طرف؛ أي من طرف اللذة إلى طرف الألم، فالألم حركة واللذة حركة، ولكن أن لا ~~نتحرك أبدا هي الحالة الحسنى، وفي هذا بعض المماثلة للمذهب الرواقي القائم على ~~نظرية التحرر من الميول والعواطف كلية، ولقد علم أرسطوطاليس أن هنالك نوعا ~~من النشاط لا يترتب عليه تغيير دائم، هو صورة من توازن الحركة، فأخذ أبيقور هذا ~~القول، وقال إن الخير لذة من هذا النوع، وقد ندعوه «التحرر من الانزعاج» أو ~~«الاطمئنان الفلسفي # Ataraxy ~~؛ لأنها حالة من ~~الاتزان # Equipoise # منشؤها العقل؛ لأن ~~العقل هو المؤثر الذي ينظم الحياة. ~~(13) تطبيق مذهب أرسطبس # عند أرسطبس ضرب من اللذات المستقلة ~~أو المعزولة Partial or Isolated Pleasures # هي التي يعتبرها أول ما يجدر بالإنسان الحصول عليه، وهذه ~~اللذات بعيدة عن ما يدعوه «مجمل الإحساس باللذة» ويعتبر حيازته «السعادة» أو كما يدعوها ~~«الحياة الطيبة» وهنا تقع على حقيقة جديرة بالنظر. # فإن لغة الفلسفة القديمة تقوم في بلاغتها العليا على نفس القاعدة التي تقوم عليها ~~فلسفة النفعي العظيم بنتام إذ يقول: # إن عناصر السعادة منوعة جهد التنوع، وكل عنصر من عناصرها مرغوب فيه، ms060 ~~ولو قام بذاته، كما لو ألف من اندماجه بغيره كلا واحدا. # ولقد قام في وجه الفيلسوف القديم نفس الاعتراض الذي وجه إلى الفيلسوف الحديث؛ إذ ~~قيل بأن الحياة الإنسانية تؤلف في مجموعها حالة يرجح فيها الألم اللذة، غير ~~أنه بالرغم من أن قيام مثل هذه النزعة التشاؤمية في أذهان الكثيرين ضروري، فإن ~~قيامها لا يصح أن يقف حائلا يصدنا عن السعي وراء الحصول على الحد الأقصى من اللذة، ~~سواء أنقص هذا «الحد الأقصى» - في مجموعه - عن الألم الذي يقاسيه الإنسان في حياته أو ~~زاد عليه. # قال أرسطبس: إن الحكمة «خير»، ولكنها ليست غاية في ذاتها، غير أنها بالرغم من قوله ~~هذا كانت وسيلة للغاية التي رمى إليها أرسطبس على ما شرحنا في العبارات السابقة، ~~فإنها قد حمت «الحكيم» من أنكى أعداء السعادة، حمته من «شهوات تقوم على تصورات خاوية ~~فارغة» غير أن الحكيم مع هذا لا يستطيع أن يظل بعيدا عن التأثر بكل الانفعالات، فإنه ~~لا يمكنه أن يتخلص فعلا من انفعالات الحزن والإشفاق والخوف؛ لأن هذه الانفعالات وما ~~إليها لها أصولها التي ترتكز عليها في الطبيعة الإنسانية. # ومع هذا فإن «الحكمة» إن قامت على أساس من الاستغراق في الفكر والنظر واستشفاف ~~الحقائق، فإنها لا تكفي وحدها أن تكون ضمينة للسعادة من غير قيد ولا شرط، فإن الحكيم ~~تمنعه الحكمة من أن يتطلع إلى حياة «تكمل» فيها السعادة، كما لا يمكن أن ينتظر نقيضه - ~~وهو الأحمق - حياة يكمل بها شقاؤه، فإن كلا من الحالتين - السعادة والشقاء - يمكن ~~فقط أن تدوم إحداهما «أطول مدى ممكن»، أو بعبارة أخرى: إن «الحكمة» ونقيضها «الحمق» في ~~كل منهما نزعة تحدث عن الأولى سعادة، وعن الأخرى شقاء على مقتضى الظروف. # ويعتقد أرسطبس فوق هذا أن «الحكمة» وحدها لا تكفي لخلق هذه النزعة - أي نزعة السعادة ~~- فالتهذيب النفسي وتربية الجسم على الأخص أمران ضروريان لإمكان خلقها، وعلى هذا لا ~~تكون الفضائل أو السعادة وقفا على الحكماء وحدهم، بل يجوز أن يتحلى بهما بعض الحمقى ~~والسفهاء. # ولقد ms061 أجمل العلامة إردمان في كتابه «تاريخ الفلسفة» مجمل ما يطبق به مذهب أرسطبس، ~~فقال: إن أرسطبس يقصد باللذة السعادة الوقتية أو لذة الساعة، وعلى الأخص ناحية ~~اللذة البدنية، ومن هنا جاء القول بأن «رياضة الكفايات الجسمية» هي الوسيلة إلى ~~الفضيلة، وأن الرجل العاقل لا يختار الألم إذا خير، ولا يشتري اللذة بألم ~~يعقبها. # وهذه القاعدة تدعو إلى انتهاز لذة الساعة، أو اللذة الراهنة لا لتستقوي علينا اللذة ~~وتستعبدنا بل لنستقوي عليها ونستعبدها استعباد الفارس للجواد. # غير أن إردمان يدعو هذا طيشا إذا قيس برصانة أبيقور، فيقول: إن هذا الطيش الذي لا ~~يجعل للمستقبل وزنا في حساب الحكيم هو الفارق بين هيدونية أرسطبس، ورصانة التفكير ~~وقوة الأقيسة المنطقية، التي نلمسها في مذهب السعادة الإنسانية # Eudomonism # الذي وضعه أبيقور وأتباعه. # أما الأستاذ ترنر فيلخص رأي أرسطبس في أن السعادة هي الغرض من العمل، ويقصد بها ~~السعادة الإنسانية على الضد مما يرى إردمان، أما المذهب القائل بأن السعادة تتكون ~~عناصرها من اللذة الراهنة، فمذهب سقراط معكوسا، ودليل ترنر على هذا أن حكمة سقراط ~~أجملت في قوله: «اعرف نفسك.» فعكسها أرسطبس قائلا: «نعم اعرف نفسك، لعلك تعرف إلى ~~أي مدى يمكنك أن تنغمس في لذائذ الحياة، من غير أن تتجاوز الحد الذي تنقلب عنده اللذة ~~ألما.» وعلى هذا يذهب ترنر إلى القول بأن تطبيق المذهب كما وضعه أرسطبس كان أميل إلى ~~الفردية المادية # Materialistic Individualism # منه ~~إلى المبادئ السقراطية، التي يدعي أصحاب الفكرة القورينية أن فكرتهم قد استمدت منها ~~قواعدها. # وقد تظهر لنا الصعوبات العملية في تطبيق المذهب، وبخاصة في كيفية الحصول على أسمى ~~درجات اللذة الفردية، من مجرد النظر في الفروق التي وقعت بين خلفاء أرسطبس. # فإن هجسياس قد أحس آلام الحياة إحساسا عميقا، حتى لقد شك كل الشك في ~~إمكان الحصول على شيء، أو حالة يجوز لنا أن ندعوها «سعادة» # 40 # فإن أسمى حد من السعادة أمل هجسياس أن يبلغه الرجل الحكيم عند سعيه ~~وراء منافعه الذاتية التي هي عنده ضالة الحكيم، ms062 ومنار الحكمة؛ كان التحرر من الآلام، ~~ولذلك رأى أن أقوم سبيل يسلم إلى هذه الغاية، إنما ينحصر في الاستهتار بكل الأشياء ~~الخارجية. # وهنا نقع على مشابهة كبيرة بين الصورة التي أفرغ فيها هجسياس المذهب القوريني وبين ~~المذهب الرواقي من ناحية، وبين المذهب الكلبي من ناحية أخرى. # والأعجب من هذا أنك تجد أن هذا الزعيم الفلسفي الذي حاول أن يضع ناموسا يرمي إلى ~~تهيئة الحياة الفردية بوجه من السلوك بين واضح، قد كني «رسول الموت» واتهم بأنه ~~يغري الناس بالانتحار. # أما أنقريز فقد صبغ المذهب بصبغة أرق، ولو أنه ضحى في سبيل ذلك بأمانته للمذهب ~~الأصلي، # 41 # فمن الظاهر أن البحث في الهيدونية الفردية، والهيدونية الغيرية - أي لذة ~~الفرد ولذة الغير - كان قد بدأ يتطور إلى سؤال معضل يتطلب حلا فلسفيا مرضيا، لهذا ~~قال أنقريز بأن هنالك أشياء لا تنكر، مثل الصداقة والوطنية، وهي أشياء أنكر ~~هجسياس وجودها البتة. # لهذا قضى أنقريز بأن الرجل الحكيم قد يضحي في سبيل وطنه، وفي سبيل صديقه، ويكون ~~في الوقت ذاته سعيدا، بالرغم من أن لذته من وراء هذه التضحية قد تكون ضئيلة، وبالرغم ~~من أنه لم يطلب من وراء التضحية سوى اللذة، وأن سعادة الغير، إن كانت أقل تلاؤما مع ~~منازع العقل من التضحية للوطن، فإن الرجل الحكيم ينبغي له أن يضحي في سبيل ~~أصدقائه. # 42 ~~(14) الكلبيون وتطبيق المذهب # إن روح الاعتدال مشفوعة بالحذر والتحوط والحزم دون التورط في التطرف ~~والمبالغة، مما نلمس في مقررات هذا الفيلسوف الكبير، تزودنا بما نحتاج إليه من ~~مادة لنمضي في مقارنات نتخذ الآثار التي خلفتها فلسفة الكلبيين بينة الطابع في جبين ~~الفلسفة القديمة وسيلة إليها، فإن أوجه العلاقة والصلة بين فلسفة أرسطبس والكلبيين ~~لجلية واضحة، وكفى بأنهما شعبتين تفرعتا من دوحة سقراط. # وليس من شك في أن «أنطيثنيز # antisthenes ~~» في ~~استعلائه وتساميه في تسوده على الحاجيات، واستقلاله المطلق الذي نلحظه في عدم اعتماده ~~على شيء، وشعوره بأن لا حاجة له إلى شيء، اللهم إلا ما يقوم حياة البدن ms063 وحياة ~~العقل، ثم بغضه لما دعاه «استعباد اللذة الحسية» إنما يهوي بمذهبه إلى غمر ~~المغالاة، وقد نقول «مغالبة الطبيعة» بل الإفراط في العداء والاحتقار العنيف لكل لذة من ~~اللذات. # بيد أننا نقع في ناحية أخرى على قول يعزى إليه، مجمله أن «اللذة خير»، غير أنها ~~«اللذة التي يمكن للإنسان أن يباشرها من غير أن يكون في حاجة إذا باشرها إلى طلب ~~الغفران.» # وعلى هذا يوافق أرسطبس غير أنه ربما كان قد حور في هذا القول - لو أنه سمعه - ~~تحويرا يحقق معه «إن اللذة خير، وإن شعر الإنسان بعدها إلى ضرورة طلب الغفران، ~~ولكنها في هذه الحالة تكون مرجوحة بالألم الذي يعانيه الإنسان عند شعوره بالحاجة إلى ~~التوبة وطلب المغفرة.» ~~(15) حلقات في انتقال المذهب # مضينا نبحث الفلسفة الهيدونية # Hedonistic Philsophy # على أنها من إنتاج الفيلسوف أرسطبس وحده، وعرضنا لبعض نواحيها بغير إطناب، فلم نتناول ~~كثيرا من صورها الرئيسة، والحقيقة أنه من المتعذر أن نحكم بأن كل ما وصلنا من مبادئ ~~هذه الفلسفة كان من وضع منشئها الأول، ذلك بأن المظان التي هي في متناول الباحثين ~~تجعل الفصل في هذا أمرا خارجا عن طوق الإمكان. # فقد نقع فيما وصل إلينا من آثار هذا المذهب على مناقشات مستفيضة تناولت قواعده ~~الأساسية، وقد نستخلص مفصلاتها من المختصرات أو الملخصات التي وصلت إلينا، ومنها ~~ندرك أن أكثرها كان في موقف الدفاع إزاء النقد، أضف إلى ذلك ما يبدو في أكثرها من آثار ~~الحذر والحيطة، وتحديد موضوعات البحث تحديدا دقيقا، مما يندر أن يكون من صفات ~~الرواد، وعامة ذا يدل على أن هنالك ممكنات أخرى، والاحتمال المعقول أن نفرض أن ~~المقطوعات المستفيضة ليست من عمل أرسطبس نفسه، بل من منشآت أفراد اعتنقوا المذهب من ~~بعده. ~~(16) أريطي وأرسطبس الصغير وغيرهما # عهد أرسطبس بكل مخلفات مذهبه إلى ابنته ~~«أريطي # Arété ~~» التي خرجت ابنها فيلسوفا ~~كجده، ولأول مرة في تاريخ الفلسفة خلال كل العصور تلقت يد المرأة مشعل الحكمة ~~والتقاليد من الأسلاف، لتعهد به إلى الأخلاف. # ولقد أورث أرسطبس ms064 الصغير مذهب جده العظيم نظرية جديدة زود بها الناحية الأخلاقية ~~منه، ولا يبعد أن يكون إحكام الوضع الذي اتصفت به تعاليم المذهب القوريني، من آثار ~~أريطي وابنها، وهنالك شواهد تؤيد هذا القول، ولكن من غير أن تنزله منزلة اليقين الصرف، ~~فإن أرسطوطاليس عندما ذكر الهيدونية، لم يذكر أرسطبس بل ذكر الفيلسوف «أودوكسس # Eudoxus ~~» الذي انصرف إلى الرياضيات والفلك، وخدمهما ~~أجل الخدمات، ذلك فضلا عن مذهب أخلاقي يمت إلى المذهب القوريني بأكبر الأسباب، ويقوم ~~على نفس القواعد الجوهرية التي يقوم عليها مذهب أرسطبس. أما إذا فرضنا أن أرسطبس قد ~~خلف مذهبا غير كامل؛ أي قواعد أولية يصح أن يقوم عليها مذهب فلسفي؛ فإننا بذلك ~~نستطيع أن نفهم السبب في أن أرسطوطاليس لم يعرض لذكر أرسطبس بالذات. # على أن هذا الرأي غير قاطع على كل حال، فإن النظرية القورينية في «المعرفة» - وهي ~~نظرية درسها أفلاطون وحاول نقضها في كتابه «ثياطيطوس # Theatetus ~~» - لم يناقش أرسطوطاليس فيها، بل أهملها استصغارا لشأنها، ~~وليس ببعيد عن الإمكان أن تكون الكراهية والامتعاض اللذين شعر بهما أرسطوطاليس نحو ~~أرسطبس (السفسطائي)، وقد أثر عن المعلم الأول أنه نعته بهذا النعت؛ هما السبب في أن ~~يصمت ابن «أسطاغيرة» # 43 # الأعظم في كلتا الحالتين عن ذكر رأيين تضمنهما مذهب فلسفي من أعظم مذاهب ~~القدماء، وسندلي برأينا في ذلك بعد. # ومن الكتابات التي تعزى إلى أرسطبس قسم كبير لا يبعد أن يكون من آثار أتباعه وخلفائه، ~~والمدرك من هذه المخلفات، يدل على أن أتباعه قد خالفوه في المذهب وشيكا، ونزعوا إلى ~~اعتناق الصورة الفلسفية التي لابست المذهب الأبيقوري في آخر عصوره. # ولقد أسس كثير من تلاميذ أرسطبس مذاهب عرف كل منها باسم مؤسسه، فإذا استثنينا أرسطبس ~~الصغير - حفيد مؤسس المذهب - نقع على «ثيوذورس # Theodorus ~~» و«ثيوذرياقس # Theodoriacis ~~» ~~الذي فضل لذة التأمل على لذة الساعة، كيفما كانت حالتها وصفتها، وحاول أن يدخل ~~الأساطير الدينية في التاريخ الصرف، ومن هذه الناحية تقدم تلميذه «أوميروس # Euhemerus ~~» إلى نهايات لم يبلغها أستاذه. # 44 # وهنالك خلاف على أوميروس ms065 أهو تلميذ ثيوذورس أم تلميذ ثيوذرياقس ؛ فقد جاء في القاموس ~~الإنسيكلوبيدي (ص155، ج4) ما يلي: # أما أشهر معتنقي هذا المذهب ففي مقدمتهم أريطي ابنة مؤسسه، وابنها الذي كني ~~بكنية أخذت من تعاليم المدرسة، فدعي «مطروذيدقطوس # Metrodidaktos ~~» ومنهم ثيوذورس الملحد وتلميذه «بيون # Bios ~~» # 45 # أو «بيوس # Bios ~~» وأوميروس. # ويقول العلامة زللر: إنه من المشكوك فيه كثيرا، أن يكون أوميروس صديق الملك ~~المقدوني «قصندر # Cassander ~~» - والذي كثيرا ما يذكر مع ~~ثيوذورس الملحد - ذا علاقة بالمذهب القوريني، فإن لهذا الفيلسوف رأيا دينيا ضمنه قصة ~~«أوتوبية» - خيالية - قضى فيها بأن الآلهة ليسوا إلا عباقرة من بني البشر، خصوا ~~بأرقى المواهب ونالوا أعظم السلطان، فألهوا وعبدوا، أما ما في هذا الرأي من أثر ~~المصريين من ناحية، ومن أثر السفسطائيين من ناحية أخرى، في تعليله نشوء الأديان على هذه ~~الصورة فأمر لا يمكن أن يقضى فيه بحكم مقطوع بصحته. # 46 # يقول العلامة زللر # 47 # بأن «بيون» كان أول رائد لذلك الرأي الفلسفي الذي يطلق عليه الباحثون ~~اسم الهيدونية الكلبية # Hedonistic Cynicism # وأنه ولد ~~في مدينة «بوروثنيس # Borysthenes ~~» من مرافئ البحر ~~الأسود في آسيا الصغرى من أب أصله من الأرقاء، وكان نفسه رقيق رجل من الخطباء، عرف ~~بفصاحة اللسان، وبلاغة الأسلوب، فحرره وأوصى له بميراثه حتى يستطيع أن يقف على اتجاهات ~~الفلسفة في أثينا والأكاديمية ومقررات المشائين Peripotetics # والكلبيين والقورينيين، ولقد ترك فيه المذهبان الأخيران ~~أثرا كبيرا، حتى لقد استطاع أن يوفق بين كثير من أوجه الخلاف بينهما، فكان ذلك سببا ~~في أن يمضي زمنا طويلا في بلاط الملك «أنطيغونس ~~غوناطس # Antigonus Gonatus ~~» (243-240ق.م) وكتب مقالات طويلة، حمل فيها حملات شديدة على ~~الغضب والاستعباد وعادة دفن الموتى وغير ذلك. # أما المظنة التي نقف منها على شيء من حقيقة فلسفته وأسلوبه الكتابي، وقد مزج فيه ~~بين قوتي الفكر والسخرية؛ فكتابات «طيليس # Teles ~~» # 48 # وكان طيليس من الذين علموا في ميغارة (حوالي 240ق.م) ودرس كتابات بيون ~~وأرسطبس وإستلفون وديوجنيس وإقراطس، واستشهد بها في تأملاته التي تناولت بحوثا ~~عميقة في ms066 الظواهر والحقائق والاستقلال والفقر والثروة والغنى وعلاقات الحياة واللذة ~~وضبط الانفعالات. ~~(17) ثيوذورس # أما «ثيوذورس # Theodorus ~~» فمن رجال المذهب ~~المتأخرين، كان على غرار «دياغوراس # Diagoras ~~» فوصف ~~بأنه منكر لله، تلقاء ما أظهر من منابذة للدين، واعتبر في رومية، وفي عصر قيقرون من ~~الملحدين المنكرين لوجود الله # Atheists # ويقال إن ~~ثيوذورس - وكان له أتباع كثيرون - ترك أثرا في فلسفة أبيقور وتعاليمه، بالرغم من أن ~~أبيقور نزع إلى فكرة معتدلة في الألوهية، ويزعم البعض أن منكري الألوهية، كانوا ممن ~~يقعون تحت طائلة القانون في أثينا، وفي عصر ديمطريوس فيلاريوس الذي ظلل أرسطبس ~~بحمايته، ويقال أيضا إن ثيوذورس اتهم بسبب ذلك، وحكم عليه بأن يشرب الشوكران كسقراط، ~~ولكن لم يكن من طابع أولئك الرجال الذين يضحون بأنفسهم، وإن كانوا ممن يذهبون مذهب ~~الدعوة إلى التضحية بالذات، وأخذ بعد ذلك يتنقل من بلاط إلى بلاط من غير أن يرائي، أو ~~يمدح نفاقا أحدا ممن ضيفوه، حتى قال له أمين بلاط لسيماخوس في تراقيا: «يظهر لي ~~أنك الرجل الوحيد الذي ينكر الآلهة والملوك معا.» # 49 # وكان أقرب رجال المذهب إلى مؤسسه الأول قوة عقل وصلابة أخلاق، فلم يعترف بقيمة ~~الصداقة قائلا: «إن الأحمق لا يستطيع الانتفاع بالأصدقاء، والعاقل لا حاجة له ~~بهم.» # 50 # وعقب ديوجينيس لايرتيوس على هذا بكلمة نسبها إلى ثيوذورس؛ إذ زعم أنه ~~قال: «لا جناح عليك أن تسرق أو تفسق أو تنتهك الحرمات المقدسة، على أن تكون بمأمن من ~~العقاب.» # 51 # وظاهر هذا القول يخالف معناه المجمل عند الواقفين على حقيقة المذهب ~~القوريني، فالمعنى المجمل يتضمن ما يصح أن ندعوه «الإباحة المشروطة»؛ كإباحة الزواج ~~بأربعة نساء، مع شروط تجعل هذه الإباحة لغوا، فإذا تذكرنا أن «العقاب» عند ~~القورينيين يتضمن معنى الألم، وفي «الألم» تحطيم للسعادة ولهدوء العقل؛ كانت إباحة ~~ثيوذورس «مشروطة» بشروط تجعلها لغوا، أضف إلى ذلك أن الإنسان الذي لا يشعر «بألم ~~نفسي»؛ سواء عنده أباح ثيوذورس المحرمات أم نهى عنها؛ لأن الإباحة لا تجعله أرذل، ~~ولا النهي يجعله أفضل مما هو. ms067 # ويختلف ثيوذورس مع أرسطبس، على أن الخلاف بينهما غير ذي بال، وهو ينحصر في أن ~~ثيوذورس جعل للاتجاه العقلي من القيمة أكثر مما للخيرات الخارجية الطارئة في تكوين ~~عناصر الحياة السعيدة، ولهذا قال بأن العناصر الأساسية للحياة الطيبة ليست «اللذة ~~والألم» مباشرة؛ لأنهما من الأشياء التي تحدث أثرا في النفس معها أو ضدها، بل العبرة ~~بما يحدثان من «فرح أو حزن» وهما شيئان يتوقف حيازة أولهما على «الحكمة»، وثانيهما ~~على «الحمق»، وهذا هو التفسير الذي فسر به زللر بعض عبارات غامضة أثبتها ديوجينيس ~~لايرتيوس في كتابه (ج2، ص98). # | هوامش # الفصل الرابع # | نقود ومقارنات # «أما السبب الذي حمل أفلاطون وأرسطوطاليس على أن يقاوما مذهب أرسطبس، فيرجع - على الأرجح ~~- إلى أن ابن قورينة بدأ يعلم الهيدونية في أبسط صورها، فقال إن اللذة هي الخير الأسمى، وإن ~~غاية الإنسان يجب أن تتجه دائما وفي كل آن إلى الحصول على أكبر قسط منها، وجهد ما تصل ~~استطاعته، وهذه الصورة البسيطة غير المهذبة من المذهب الهيدوني؛ هي التي قاومها سقراط، ~~ونقلها عنه أفلاطون، وأثبتها في كتابه فليبوس.» # أرسطبس وسقراط # إذا كان أرسطوطاليس قد أهمل ذكر أرسطبس تعيينا، واقتصر على أن يذكر من القورينيين ~~أودكسس وحده، فإن الحكيم الأعظم سقراط قد عني به، وهذا يدل على أن أرسطبس كان قد ~~تكون واكتمل أو كاد يكتمل قبل أن يموت سقراط، غير أن الواقع أن أرسطوطاليس إن أهمل ذكر ~~أرسطبس فإنه لم يهمل مذهبه كما سنرى بعد. # أفرد «زينوفون # Xenophon ~~» بابا كاملا في كتابه ~~الذكريات # Memorabilia # خصه بمناقشة مذهب أرسطبس، ~~كما فهمه سقراط ونقده، ذلك هو الفصل الأول من الكتاب الثاني من «الذكريات» وقد لخص ~~حوارا وقع بين سقراط وتلميذه أرسطبس. # وملخص هذه المحاورة التي وضعت بعنوان «أرسطبس» أن سقراط قد توقع أن أرسطبس يحاول ~~الحصول على وظيفة في الحكومة، فأراد أن يظهر له رأيه في أن الاعتدال وضبط النفس صفتان ~~ضروريتان في الرجل السياسي، فلما أظهر أرسطبس أنه إنما يصدف عن هذا، ولا يرغب إلا في ~~أن ms068 يعيش عيشة هادئة لذيذة، سأله سقراط: أيهما أسعد حالا، الحاكم أم المحكوم؟ فيجيب ~~أرسطبس بأنه لا يريد أن يكون حاكما ولا محكوما، وإنما يريد أن يمتع بالحرية، ~~فيبادره سقراط بأن مثل الحرية التي يطلبها لا تتفق ونظام الجمعيات الإنسانية، غير ~~أن أرسطبس يبقى مستمسكا برأيه، ويقول بأنه سوف لا يظل في مملكة واحدة، بل سيعيش ~~متنقلا من مكان إلى مكان، فيظهر له سقراط ما في هذه المعيشة من مخاطر، وما يحف بها ~~من معاطب. ولكن أرسطبس يرمي بالحمق أولئك الذين يختارون حياة الكد والعمل في مناصب ~~الحكومة، ويفضل عليهم أولئك الذين يختارون الحياة الهادئة البعيدة عن النصب، فيكون ~~من أمر سقراط أن يظهر له الفرق بين الذين يكدون مختارين، وبين الذين يكدون مجبرين، ~~وأنه ما من خير أخلاقي إلا وله مقدمات من النصب والكد الطويل. ومن أجل أن ~~يمثل لفكرته روى أسطورة «فروذقوس Prodicus ~~» ~~السفسطائي التي سماها «حيرة هيرقل». # أما الأسطورة التي وضعها «فروذقوس» فمحصلها أن هيرقل لما كان شابا في أول أطوار ~~الفتوة وعلى باب الرجولة؛ أي في ذلك الطور الذي يشعر فيه المرء بأنه عما قريب سيصبح ~~سيدا حرا، أخذه ما يأخذ الشباب من تفكير في أمر الحياة، وفي أي من طريقيها يسير: ~~أطريق الفضيلة، أم طريق الرذيلة، فانتبذ بنفسه مكانا موحشا بعيدا عن جلبة الناس، وقد ~~أخذه هم التفكير في اختيار أي من طريقي الحياة، وفيما هو جالس تراءى له شبحا ~~امرأتين ممشوقتي القامة مضتا تتقدمان نحوه، وكانت إحداهما جذابة الملامح، مملوءة وقارا ~~وجمالا، وقد حبتها الطبيعة بحسن الصورة وبهاء الطلعة المقرونة برصانة الحكمة، وكانت ~~تتشح ثوبا أبيض فضفاضا، أما الأخرى فكانت ربلة ناعمة، ولكنها زورت ملامحها ~~بالتبرج، لتظهر أكثر جمالا وبهاء، مما هي في الحقيقة، وأخذت تتصنع من الإشارات ~~والحركات ما يزيد قامتها اعتدالا، وكانت تنظر بعينين مفتوحتين، لا خفر فيهما ولا ~~استحياء، وقد اتشحت ثوبا تظهر منه تقاطيع جسمها الجميل، وقد أخذت تنظر من وقت إلى ~~آخر في صورتها، ثم تتطلع لترى هل يراها من ms069 الناس أحد، وهل يعجب بجمالها معجب بها بل ~~كانت كثيرا ما تتلفت وراءها، لترى هل يرتسم في ظلها شيء من محاسنها، وفيما هما تتقدمان ~~نحو هيرقل وهو في حيرة، تستبق الثانية الأولى إليه، وتأخذ في الحديث لتغريه على أن ~~يتبعها دون الأخرى، وبعد أن تشرح له ما سوف يلقى فيها من لذة واستمتاع، يسألها هيرقل ~~عمن تكون، فتجيبه: «إن الذين يصحبونني يسمونني السعادة، ولكن الذين يمقتونني يدعونني ~~الرذيلة.» وهنا تتقدم إليه الأخرى (الفضيلة) وتقول له: «إنني أريد أيضا أن أحدثك ~~بحديثي.» وتشرح له من واجبات الحياة الفضلى، وما في الفضيلة من مشاق، بيد أنها ~~تظهر له أيضا ما فيها من جمال. # وفي هذه المحاورة التي يشرح فيها فروذقوس آراءه في الفضيلة والرذيلة، تنتصر ~~الفضيلة - بالرغم من خشونتها - على الرذيلة - بالرغم من نعومتها - غير أن هيرقل يظل في ~~تأمله، ولكن بعد أن تفتح له الأسطورة سبيلي الدنيا، وكذلك يترك سقراط أرسطبس حرا في ~~أن يختار أيهما يفضل في الحياة. # أرسطبس وأفلاطون # عرفنا من قبل أنه لم يكن لدى القورينيين من حاجة لأن يثبتوا فوارق أساسية من حيث ~~القيمة بين اللذائد، ولا شك في أن كل ما وصل إلينا عنهم إنما يدل على أنهم كانوا على ~~يقين من هذا الأمر، فقد نقل عنهم ديوجينيس لايرتيوس (ج2، ص87) قولهم بأن لذة ما لا ترجح ~~لذة أخرى، وكذلك المنابع التي تزودنا باللذة، فإن أحدها - مهما كان فيه من التبذل ~~والإسفاف - لا يفضل غيره أو يفترق عنه من حيث القيمة. # نذكر هذا لنثبت أن الفرق بين القورينيين وبين أفلاطون من ناحية، وبين أرسطوطاليس من ~~ناحية أخرى، ينحصر في أن الأخيرين قد دافعا عن فكرة الأمثال المجردة للقيم وللحقيقة، ~~وهي أمثال تسمو فوق الفكرة التي تجول في رءوس العامة من الناس. # 1 # فإن الحوار المشهور في كتاب «فليبوس» تأليف أفلاطون، والذي قصد به إمكان وضع فواصل ~~بين اللذائذ الحقيقية واللذائذ الخيالية، والموازنة بين هذه وبين مبدأ الفكرات ~~الحقيقية، والفكرات الخيالية، إنما قصد به على الأرجح الإشارة ms070 إلى موقف القورينيين ~~الفلسفي. # 2 # ومن المفيد أن نلاحظ هنا أن ذلك الشك المرتجل الذي ظهر فيما كتب أرسطوطاليس ~~وأفلاطون، هو الذي حمل القورينيين على أن ينفروا من البحث العلمي في الطبيعة، ومن مجرد ~~التأمل الذي لا فائدة منه. # 3 # أما السبب الذي حمل أفلاطون ~~وأرسطوطاليس على أن يقاوما مذهب أرسطبس، فيرجع - على الأرجح - إلى أن ابن قورينة بدأ ~~يعلم الهيدونية في أبسط صورها، فقال: إن اللذة هي الخير الأسمى، وإن غاية الإنسان يجب ~~أن تتجه دائما وفي كل آن إلى الحصول على أكبر قسط منها، وجهد ما تصل استطاعته. وهذه ~~الصورة البسيطة غير المهذبة من المذهب الهيدوني هي التي قاومها سقراط ونقلها عنه ~~أفلاطون، وأثبتها في كتابه «فليبوس». # غير أننا نمضي في شرح آراء أفلاطون والتعليق عليها من حيث علاقتها بمبادئ القورينيين، ~~بحسب الترتيب الذي سقنا فيه هذا البحث فنبدأ بكتاب «ثياطيطوس» ونعقب عليه بكتاب ~~«بروطاغوراس» ثم بكتاب «فليبوس»، ونختم بكتاب «غورغياس» ثم بالتعقيبات الضرورية على كل ~~ما يعن لنا التعقيب عليه. ~~••• # كان للمذهب القوريني الأثر البالغ في كل المذاهب التي ذاعت في بلاد اليونان القديمة ~~منذ عهد سقراط. # ونحن إذا اضطررنا إلى الكلام في علاقة هذا المذهب بنواحي الفلسفة الأخلاقية عند ~~اليونان، فإنما نقصد إلى البيان عن تلاقح المذاهب من ناحية، وإلى شرح الملابسات التي ~~تصحب ذيوع المذاهب من نقد وتقرير من ناحية أخرى. # ففي كتاب «فليبوس» حاول أفلاطون - ولا يغيب عنا أنه أحد أخدان أرسطبس في التلمذة ~~على سقراط - أن يضع فواصل بين اللذائذ الحقيقية واللذائذ الخيالية، فكأنه حاول بذلك ~~أن يضع قاعدة جديدة لمذهب اللذة من ناحية، وأن يضع تقسيما للذائذ من ناحية أخرى، على ~~الضد مما ذهب إليه القورينيون، بل حاول أن يجعل تقسيمه للذائذ لا يتناول الكم والكيف ~~وحدهما، بل يتناول تصور اللذائذ وحقائقها، ثم إنك تجده يحاول بعد ذلك أن يضع مذهبا ~~جديدا في الفكرات فيقسمها على غرار التقسيم الذي وضعه للذائذ، ويقضي بأن هنالك فكرات ~~حقيقية وفكرات خيالية. # فكان من ذلك شعبة ms071 جديدة من شعب ~~المذهب الأفلاطوني العظيم، وفي كتابه «بروطاغوراس» تأثر كل التأثر بالمذهب القوريني ~~القائل بأن الحياة فن، وأن فن الحياة عبارة عن ضرب من الأقيسة والاستنتاجات ~~الهادئة. # وفي كتابه «ثياطيطوس» تناول مناقشة النظرية القورينية في المعرفة، وحاول نقضها ، ~~أما في كتابه «غورغياس» فقد هاجم النظرية الهيدونية كما وضعها أرسطبس، فكان ضعيفا ~~مضطربا بعد عن موازناته الهادئة، وتقديراته الرياضية. وسننظر في هذا كله عند موضعه ~~من البحث. # ولقد يحسن بنا أن نشير هنا إلى أن ~~الكلام في مناقشة أفلاطون لنظرية المعرفة عند القورينيين في هذا الموطن من البحث؛ سابق ~~لأوانه، وكان الواجب أن نبقى على هذا حتى نتناول نظرية القورينيين في «المعرفة» أولا، ~~ولكن الحاجة تلجئنا إلى الكلام في هذا المبحث لسببين: الأول: أننا نتكلم عن أفلاطون ~~والمذهب القوريني، فالواجب أن نجمل القول في ذلك. والثاني: أننا سوف نمضي في مقارنات ~~نتناول فيها نظرية المعرفة عند القورينيين وعند أفلاطون. وهذا سنبقي عليه حتى نصل إلى ~~موطنه من البحث. # أرسطبس وأفلاطون في كتابه «ثياطيطوس» # أشرنا عند الكلام في «أريطي وأرسطبس الصغير وغيرهما» (في الفصل الثالث) إلى أن ~~النظرية القورينية في «المعرفة» قد ثبتت في عقل أفلاطون، وحاول نقضها في كتابه ~~«ثياطيطوس # Theatetus ~~»، وعلى الرغم من أننا نكاد ~~نؤمن بأن أفلاطون لم يتطلع في كتابه هذا إلى رفض نظرية ما في المعرفة، إلا النظرية ~~القورينية، فإن أفلاطون لم يذكر اسم أرسطبس، ولا أشار إلى النظرية القورينية في ~~«المعرفة»، كما فعل تلميذه أرسطوطاليس من بعده لدى نقده نظرية الأخلاق القورينية في ~~كتابه «الأخلاق». ولعل إهمال هذين العلمين ذكر أرسطبس فيما كتبا وفيما تناولا من ~~أوجه المذهب القوريني نقدا وإثباتا؛ كان السبب الأول في أن العرب لم يعرفوا من أمر ~~أرسطبس شيئا يعتد به، حتى إن ابن القفطي في كتابه الصغير «تاريخ الحكماء» لم يترجم عن ~~حياته إلا ترجمة قصيرة، لا تدل على أثر من المعرفة بحقيقة مذهبه، مع أنه ترجم لرجال من ~~اليونان كان يفخر كثير منهم أن يكونوا من تلاميذ أرسطبس، باستفاضة ms072 وبيان. # 4 # ولا شك عندي في أن معرفة العرب باليونان كانت في أكثر الأمر عن طريق أرسطوطاليس ~~وأفلاطون؛ لأن أفلاطون «الإلهي» - كما كانوا ينعتونه - محبب إلى نزعاتهم، ولأن ~~أرسطوطاليس «المعلم الأول» - كما عرفوه - كان بمنطقه الاستنتاجي أكبر معوان على تقرير ~~مسائل الجدل والكلام، والراجح أن العرب ورثوا هذه النزعة عن السريان الذين نقل عنهم ~~العرب في أكثر الأمر أعمال اليونان. # وما كان لنا أن نمضي في هذا البحث من غير أن نمهد له بتعريف أولي يتناول نظرية ~~المعرفة عند القورينيين، على الرغم من أننا سوف لا نتناول نظريتهم بالشرح إلا بعد أن ~~نفرغ من الكلام في أرسطبس وأفلاطون، ثم من الكلام في أرسطبس وأرسطوطاليس، غير أن ضرورة ~~التعريف بهذه النظرية في هذا الموطن يلجئنا إلى الإيجاز في شرحها، لنبقي على البيان ~~والإفاضة إلى محلهما من البحث. # ويكفي هنا أن نعرف أن مذهب أرسطبس لم يزود الفكر الإنساني بنظرية فذة في الأخلاق لا ~~غير، بل وضع نظرية في المعرفة # Theory of Knowledge # دعمها أرسطبس، وتوسع فيها خلفاؤه، فكان لها أكبر الأثر في كل ما ظهر من صور الفكر ~~الفلسفي على مدار العصور. # أما المحصل من هذه النظرية فيكفي أن نعرف منه أن القورينيين كانوا يقيمون نظريتهم ~~في المعرفة على قاعدة بسيطة تنحصر في قولهم: «إن الأساليب أو الكيفيات التي نتأثر بها ~~هي وحدها التي يمكن معرفتها.» ولما كانت هذه القاعدة هي لب النظرية، كفى أن نقول فيها ~~إن القورينيين مضوا في شرحها مستعينين بكل ما يخطر ببالك من المثل التي تستمد من ~~إدراك الحس، فهم يقولون بأننا لا نعرف أن «العسل» حلو، وأن «الطباشير» أبيض، وأن ~~«النار» تحرق، وأن «السكين» تقطع، وإنما نعرف من هذه الأشياء وأمثالها حالات الشعور ~~التي نشعر بها؛ أي إن لنا إحساسا بالحلاوة، وآخر بالبياض، وثالثا بالحرق، ورابعا ~~بالقطع وهكذا، وإن هذه الحواس هي طريقنا إلى المعرفة؛ أي إننا إنما نعرف الآثار التي ~~تتركها فينا الأشياء من طريق الحواس، لا ما هي حقيقة الأشياء في ذاتها. # وهنا ms073 يجدر بنا أن نعرف أصل حوار ثياطيطوس، وإنما نستطرد في هذا خاصة؛ لأننا سنحتاج ~~إلى معرفته في شرح نظرية المعرفة عند القورينيين فيما بعد. # ثياطيطوس شاب من نبغاء اليونان برز في الرياضيات والعلوم، جرح في إحدى المواقع ~~الحربية في حصار من حول مدينة قورنثية ومرض في المعسكر مرضا مميتا، فأبدى رغبته في أن ~~يحدث به حدث الموت في وطنه؛ ولهذا نقل إلى ثغر ميغارة حيث قابله إقليدس الميغاري، ~~فتحدث إقليدس في شأنه مع صديقه «طرفزيون # Terpsion ~~» - ~~وهو أيضا من تلاميذ سقراط - مبديا أسفه على أن تفقد بلاد اليونان نابغة مثل ~~ثياطيطوس، وجرهم الكلام إلى ذكر حديث اشترك فيه سقراط والرياضي ثيوذورس القوريني ~~وتلميذه ثياطيطوس، أشاد فيه سقراط بالمواهب السامية التي أبداها التلميذ الشاب وعلائم ~~النجابة والنبوغ التي آنسها فيه، وأراد إقليدس أن يرافق الجريح حتى إذا قطع جزءا من ~~الطريق ناله النصب من عناء السفر، فاستقر رأيه على أن يستريح بعد طول الشقة التي ~~قطعها ماشيا، وهنالك وافاه طرفزيون، وكان قد عاد من الريف، فانتهز طرفزيون هذه الفرصة ~~ورغب في أن يسمع تفاصيل ذلك الحديث الذي ألمعنا إليه، فأجابه إقليدس إلى طلبه، وأمر ~~عبدا كان يرافقه أن يقرأ عليهم نص الحوار. # والذي يعنينا من أمر هذا الحديث ما ~~يتعلق منه بمناقشة نظرية المعرفة التي قال بها القورينيون. لهذا نترك كل التفاصيل ~~الأخرى بعد أن مهدنا بالتعريف عن أصل الحوار، لنستخلص من هذا الكتاب مجمل النقود التي ~~وجهها أفلاطون إلى النظرية القورينية في المعرفة على أن نذكر دائما أن هذا الكتاب يعد ~~في مقدمة كتب أفلاطون قوة تفكير ومتانة أسلوب، إذ جمع فيه بين خيال الشاعر ودقة ~~المنطيق، وحيطة الفيلسوف، وفن المنشئ. # يبدأ الحوار بسؤال يوجه إلى ثياطيطوس وجواب يرد به ثياطيطوس على السؤال، وعلى السؤال ~~والجواب يبنى الحوار وتقوم المناقشة، أما السؤال «فما هي المعرفة؟» وأما جواب ثياطيطوس ~~فهو أن «المعرفة هي الإدراك». # ولا شك في أن سقراط قد استخلص من جواب الشاب النابغة أن تعريفه الأولي للمعرفة ~~مزيج من ms074 مذهب بروطاغوراس ومذهب أرسطبس فحاول ببداهته أن يخرج من الجواب اتجاها ~~يدور من حوله الحوار، ويسد به على محاوره طريق الخلوص إلى ما يريد من تقرير نظرية ~~القورينيين، فيتجه فكره توا إلى أن في الجواب شطرا يمكن التسليم به، وشطرا آخر فيه ~~تناقض عقلي، وأن الشطر الثاني إذا أعير ما هو جدير به من الاعتبار ذهب بكل أساليب ~~المعرفة وبددها، ولا شك في أن هذا التناقض العقلي يذهب فيما يذهب به، بالشطر الذي يمكن ~~التسليم به من تعريف ثياطيطوس. # أما التناقض العقلي الذي استخلصه سقراط من هذا التعريف المجمل للمعرفة؛ فيرجع إلى ~~أن القول بأن الإدراك هو المعرفة أو أن المعرفة هي الإدراك يجر العقل حتما إلى ~~التسليم بأن شخصا ما؛ يمكن أن يعرف ولا يعرف في آن واحد. # والمثل على هذا أن شخصا ما «إذا سمع» ألفاظا من لغة غريبة عنه، فإنه «يدرك» ~~الألفاظ، ولكنه لا «يعرف» ما تحمل من المعاني، فإدراكه الجرس اللفظي يمكن أن يعتبر ~~«معرفة»، وجهله المعاني يمكن أن يعتبر «لا معرفة»؛ فهو «يعرف» و«لا يعرف» في الوقت ~~نفسه. وكذلك إذا «دعا» الإنسان لفكره مدركا من المدركات التي لم يكن يعرفها، فقد ~~يمكن أن يقال إنه «يعرف»، وبمعنى آخر إنه «لا يعرف». # أما المعنى المجمل في التعريف فيتضمن احتمالين: # الأول: # القول بأن «ملكة الإدراك» هي الملكة الوحيدة التي تستخدم لاستيعاب ~~المعرفة، وفي هذا إنكار لملكة أخرى، أظهر في صفاتنا العقلية من ~~الإدراك، هي ملكة «التذكر» أو بالأحرى «الذاكرة». # والثاني: # أن مادة الإدراك هي المادة الوحيدة التي تتكون منها المعرفة. # ولا شك في أنه ليس من شأننا هنا أن ندرج إلى التفاصيل ومناقشة الآراء، ويكفي أن ~~نشير إلى حقائق لا يجب أن تغيب عن ذهن الباحث: # الأولى: # أن أفلاطون بعد أن يخلص من مناقشة التعريف الأول، يلجأ إلى تعريف ~~ثان، محصله أن «التصور الصحيح (كالآراء والعقائد) هو المعرفة»، وبعد ~~أن يمضي في مناقشة هذا التعريف، ويدلف إلى القول بأن الآراء الصحيحة ~~تناقضها الآراء الفاسدة، وأن العقائد الصحيحة ms075 تناقضها العقائد الفاسدة، ~~يخلص من هذا التعريف إلى تعريف ثالث - بعد أن يمهد له بمناقشات طويلة - ~~مجمله أن «المعرفة عبارة عن آراء صحيحة يؤيدها الإيضاح». # الثانية: # أن كثيرا من المؤلفين يعتقدون أن هذا الحوار برمته لا أصل ~~لوقائعه، وإنما هو من وضع أفلاطون؛ إذ حاول أن يناقش فيه كل الاحتمالات ~~والنواحي التي تؤدي إليها نظرية المعرفة عند القورينيين. # الثالثة: # أن تأثير المذهب القوريني في نواحي الفكر قديما وحديثا كان شاملا، ~~وأن إهمال ذكر مؤسسه ورجاله كان مقصودا؛ لأسباب سوف ندلي بها في موضع ~~آخر. # الرابعة: # أننا لا نثبت هنا شيئا ضد رأي القورينيين، ولا ننفي شيئا من نقد ~~أفلاطون، وإنما نبقي على هذا إلى ما سوف نكتب في شرح نظرية المعرفة ~~القورينية. # أرسطبس وأفلاطون في كتابه «بروطاغوراس» # في كتاب أفلاطون الذي سماه «بروطاغوراس» موضعان يصح أن نرجع إليهما في هذا البحث: ~~الموضع الأول: وزن اللذة والألم، والموضع الثاني: هيدونية أفلاطون. # أما الموضع الأول فقد ألمعنا إليه عند الكلام في أرسطبس وجرمي بنتام (في الفصل ~~الثالث) إذ أثبتنا ما يلي: # وعلى هذا يصبح «فن الحياة» عبارة عن ضرب من الأقيسة والاستنتاجات الهادئة على ~~الصورة التي استنتجها أفلاطون في آخر كتابه بروطاغوراس، وهي صورة حقة تقوم ~~على فلسفة سقراط، ولكن أفلاطون لم يؤمن بما استنتج من فلسفة أستاذه، إيمانا ~~صريحا كاملا. # ولأفلاطون في كتابه «بروطاغوراس» اتجاهان، ففي أولهما يتجه إلى الكلام في الفضيلة، ~~أما في الثاني فينصرف إلى وزن اللذة والألم، ولعله في هذا الموطن قد استنتج من فلسفة ~~أستاذه سقراط كل ما استنتج خدنه وقرينه أرسطبس، على أنه لا يبعد أن يكون أفلاطون قد ~~تأثر باستنتاج أرسطبس المباشر في فلسفة اللذة، فوعى بعض ما يترتب عليها من النتائج، ~~فلما وصلت المناقشة في كتاب «بروطاغوراس» إلى موقف يؤدي منطقا إلى فكرة أرسطبس، لم ~~يكن من مندوحة أن يبرز الوعي الذي وعاه أفلاطون من فلسفة خدنه، ويظهر في ميدان الصراع ~~الفكري فتصبح الحياة عند أفلاطون «فنا» ويكون هذا الفن ضربا من الأقيسة والاستنتاجات ms076 ~~الهادئة. # ولكن كيف تدرج البحث ليصل إلى هذه النتيجة؟ كان أول التدرج في البحث، أن سقراط حاول ~~أن ينقض قولا «سوقيا» يتلخص في أن الإنسان يخطئ مختارا، وأنه يعرف «الخير»، ولكنه ~~يتنكب الخير باختياره إذا استقوت عليه «اللذة» أو بعض الشهوات الأخرى كالغضب أو الخوف ~~أو الحب أو الحزن، ويأخذ بعد ذلك سقراط في محاولة أخرى يريد أن يخلص من طريقها إلى ~~البرهنة على أن «للعقل» السلطة العليا، والمنزلة الأولى في توجيه سلوك الإنسان، وعلى ~~هذا يوافق بروطاغوراس. # غير أن موافقة بروطاغوراس على قول سقراط هذا، تسوق المناقشة إلى أفق آخر، يدلف فيه ~~سقراط إلى بحث فكرة شائعة مجملها أن الإنسان غالبا ما يعرف «الشر» أنه «شر»، ~~ولكنه يفعله، ويصف هذه الفكرة بأنها أضحوكة مزرية، ثم يحاول أن يبرهن على هذا، فيقول ~~بأن كل إنسان إنما يعمل في سبيل الحصول على «أخير» # 5 # ما يتمنى لنفسه، وأن هذا يحمل الإنسان على أن يجعل اللذة موازنة ~~للخير، والألم موازنا للشر، ومن هنا ينحصر عمله في الحصول على أكبر قسط من اللذة، وأقل ~~قسط من الألم، ولذلك تراه يتفادى اللذائذ أحيانا، ما دامت تؤدي إلى آلام ترجحها، أما ~~المعنى الذي نستنتجه من قول البعض بأن الإنسان إنما تستقوي على مشاعره اللذائذ، فإنه لا ~~يدل في الحقيقة إلا على أن اللذائذ النزيرة ما دامت قريبة، وفي متناول اليد، تفضل ~~دائما على اللذائذ العظيمة، ما دامت بعيدة التناول، والسبب في هذا أن قرب اللذائذ ~~يضخمها، كما يضخم القرب الأحجام، وفي مثل هذه الحالات قد يخدع العقل وتفسد أحكامه، على ~~أن الأخطاء التي قد تنتج عن خداع العقل، يمكن أن يتلافاها كل من في مستطاعه أن يزن، ~~وأن يقيس وأن يقدر تقديرا صحيحا؛ حالات اللذة والألم، وعلى هذا يصبح السلوك الواجب ~~اتباعه في الحياة، نوعا من الموازنات أو الأقيسة، وبالأحرى ضربا من الحكمة أو ~~المعرفة. أما الحالة المضادة لهذه؛ وهي الحالة التي تستقوي فيها اللذة أو المشاعر على ~~الإنسان وتستعبده، فما هي إلا الحمق والجهالة، ms077 ولا شك في أنها أدنى الجهالات ~~جميعا. # ننتقل من ثم إلى الموضع الثاني لنتكلم في هيدونية أفلاطون، ولنبين عن اتجاهه ~~التفكيري، ولنظهر الفارق بينه وبين أرسطبس من حيث النزعة والاتجاه. # يظهر أفلاطون في آخر كتابه «بروطاغوراس» شكه في أن اللذة والألم يشملان كل ما ~~نعني «بالخير والشر» ويعقب على هذا بقوله: «إننا لا نقصد بالأغراض عادة إلا اللذائذ ~~والآلام، وما يتعلق بهما من الميول والرغبات، وإن كل المخلوقات الحية إنما تعمل جاهدة ~~في سبيل هذه الأغراض مدفوعة إليها بانفعالاتها.» ولهذا يمضي أفلاطون في تعداد اللذائذ ~~والآلام، ويقارنها بعضها ببعض، من حيث عددها وامتدادها وقوتها، ثم يقول بأننا نختار ~~الآلام الضئيلة، إذا ترتبت عليها لذائذ عظيمة، ولكنا لا نختار اللذائذ الضئيلة، إذا ~~ترتبت عليها آلام عظيمة، وهنا يشير إلى الحالة السلبية في السلوك، وهي الحالة التي ~~نختارها لتحل محل الألم، ولكنا نرفضها، إذا حاولت أن تحل محل اللذة. # ولقد حاول أفلاطون، بعد هذا، أن يثبت أن أمتع حالات الحياة حالة تنيلنا ذلك الثواب ~~الذي نتطلع إليه جميعا، والذي ينحصر في أن ترجح مسراتنا أحزاننا، ولا شك ~~مطلقا، في أن بين هيدونية أفلاطون وهيدونية أرسطبس، آصرة ونسبا قويا، ولكن الفارق ~~ليس في العنصر الذي تقوم عليه هيدونية كل من هذين العلمين، بل في النزعة العقلية ~~التي تدخل أفلاطون في حيز الآلهيين وأرسطبس في حيز الإنسانيين؛ فتجعل الأول ينظر في ~~المثاليات، والثاني ينظر في الحقائق الواقعة. # أرسطبس وأفلاطون في كتابه «فليبوس» # أوردنا عند الكلام في «أرسطبس والكلبيين» (في الفصل الثالث) ما يلي: قصد «أفلاطون في ~~كتابه «فليبوس Philebus ~~» أن يحاول وضع فواصل بين ~~اللذائذ الحقيقية واللذائذ الخيالية، والموازنة بين الفكرات الحقيقية، والفكرات ~~الخيالية، ويرجح أن أفلاطون لم يقصد بهذا البحث إلا الإشارة إلى موقف القورينيين ~~الفلسفي.» # ثم أثبتا ما يأتي: «أما السبب الذي حمل أفلاطون وأرسطوطاليس على أن يقاوما مذهب ~~أرسطبس، فيرجع إلى أن ابن قورينة كان قد بدأ يعلم الهيدونية في أبسط صورها، فقال إن ~~اللذة هي الخير الأسمى، وإن غاية الإنسان ms078 يجب أن تتجه دائما وفي كل آن إلى الحصول على ~~أكبر قسط منها، وجهد ما تصل استطاعته، وهذه الصورة البدائية غير المهذبة في المذهب ~~الهيدوني؛ هي التي قاومها سقراط ونقلها عنه أفلاطون، وأثبتها في كتابه ~~«فليبوس».» # هذه هي الفقرات القليلة التي أشرنا بها إلى كتاب فليبوس في البحوث السابقة، ولا شك في ~~أن متابعة البحث في كتاب «فليبوس» واستخلاص المواضع التي يمكن أن يكون أفلاطون قد أشار ~~فيها تلميحا أو توضحيا إلى موقف القورينيين الفلسفي، يدعونا إلى النظر في الكتاب بحيث ~~نتدرج عند النظر فيه، من موقف إلى موقف، ما دام ذلك يسلم بنا إلى الكلام في ما نقصد ~~إليه من هذا البحث. # ولهذا لا نجد مندوحة عن أن نمضي في البحث على طريقة ألفناها من قبل، وجرينا عليها في ~~الكلام على كتاب «بروطاغوراس» وكتاب «ثياطيطوس». # إن العنصر الحقيقي الذي يؤلف صلب الحوار ينحصر في «الخير» أو كما سمي «الخير ~~الأسمى»، ويقوم الحوار بين طرفين: أحدهما يؤيد أن الخير في «اللذة»، والآخر يؤيد أن ~~الخير في «المعرفة». # ولا شك في أن أفلاطون في مثل هذا الموقف يجنح دائما إلى القول بأن المعرفة وحدها ~~يمكن أن تكون مصدرا للسعادة، حتى إذا أغضينا عن كل ما يحتمل أن تنتجه من ممكنات اللذة، ~~وعلى هذا لا تكون «المعرفة» منافية للذة على وجه عام. # غير أنه لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن القول بأن قياس المعرفة بالخير، وجعلهما ~~متساويين من هذه الناحية، قول قد سبق به أفلاطون؛ لأنه يرجع في الواقع إلى ~~مقررات «إقليدس الميغاري» الفلسفية، ثم نقله عنه الكلبيون، ولكن أفلاطون يحاول أن ~~ينزل من قيمة هذه «الموازنة الفلسفية» فيقول بأن لا «اللذة» وحدها، ولا «المعرفة» ~~وحدها، يمكنهما منفصلتين أن تنتجا السعادة، ذلك بأن السعادة دائما وحيثما وجدت، لن ~~تكون إلا مزيجا منها. # وفي هذا الموقف يرجع أفلاطون إلى ~~أسلوب كثر ما عمد إليه في كتابه «الجمهورية»، وهو أسلوب أقرب ما يكون إلى الأسلوب ~~العلمي التحليلي، وبالأحرى أسلوب التفريق بين المعقولات ثم ms079 وزنها ومناقشتها، فهو يجرد ~~حياة اللذة من كل ما يحتمل أن يمازجها من «الذكاء»، ويجرد الذكاء من كل ما يحتمل أن ~~يمازجه من اللذة، ثم يقارن بعد ذلك كلا من الحياتين، إذا اتفق أن شخصا حاول أن يحيا ~~إحداهما، فيبرهن على أن حياة اللذة لا تكفي المرء، بقوله إن الذاكرة وحياة الترقب ~~(الأمل والرجاء وما إليهما) ينضبان أكبر نبع يمكن أن يفيض علينا باللذائذ، وإن ~~شخصا - إذا اتفق وكان على ما وصف أفلاطون أو بالأحرى على ما تخيل - يصبح لمجرد إسفافه ~~الشعوري؛ لا يفترق عن الحيوانات الدنيا، كالأصداف والحيوانيات البحرية. # وأما الناحية الأخرى - ويعني بها ~~الحياة العقلية الصرفة (الذكاء) - فإذا لم يمسها ريح من اللذة والألم، فإنها لا تكون ~~أكثر من جمود، يفقد معه الإحساس والشعور، ولا يحاول أفلاطون في هذا الموطن أن يحلل ~~هذه الحالة التي تخيلها، وإنما يرفضها على أنها غير خليقة بالإنسان. # وبعد أن يفرغ أفلاطون من التدليل على ضرورة هذا التمازج يعمد إلى الكلام في القيمة ~~النسبية التي تكون لكل من العنصرين، وهنا يضطر إلى أن يغوص بك إلى الأعماق القصية ~~من «طبيعة الأشياء»، ولأول وهلة يسقط بك على أمرين معينين: اللامتناهي ~~والمتناهي. # ولا شك في أن أفلاطون إنما يتأثر ~~في موقفه هذا بالفيثاغوريين وبالفيلسوف «فيلولاوس Philolaus ~~» وكان فيلولاوس هذا من معاصري سقراط، فيقرر أفلاطون أن ~~كل شيء فيه كثافة يعتبر في حيز «اللامتناهي»؛ لأن درجات الكثافة تتضمن حقيقة ~~الاستمرار في التجزئة إلى غير حد، أما كل الأقيسة والأعداد وكذلك الفكرات التي تتضمن ~~بالضرورة أقيسة وأعدادا، فتدخل في حيز المتناهي، ومن تمازج الأصلين أو المؤثرين، أو ~~بالأحرى الكائنين، اللامتناهي والمتناهي، ينتج كل ما ترى في الطبيعة من جمال وقوة ~~وكل ما تلمح من نظام واطراد إلى غير ذلك مما يمكن أن تستبينه في الأشياء. # هنا ينتقل أفلاطون إلى أوج آخر يقرر فيه أن مزج المؤثرين اللذين ذكرناهما ~~«اللامتناهي والمتناهي» ينتج مؤثرا ثالثا، ثم يضيف إلى هذه المؤثرات الثلاثة مؤثرا ~~رابعا هو «العامل» الذي ينتج من امتزاج ms080 المؤثرين الأولين: «اللذة والمعرفة». # وبهذا يكمل أفلاطون مذهبه في المؤثرات أو «العوامل الأربعة» التي تتسلط على الكون ~~كله، ومن ثم يضع قاعدة للمقابلة بين القيم # Values ~~، ~~وعلى هذا يقضى بأن اللذة والألم ضربان من ضروب الأشياء «اللامتناهية» ولذا يضعهما ~~في مرتبة أقل من مرتبة «المعرفة» التي هي عنده في المرتبة الأولى من الشأن؛ لأنها تدخل ~~في حيز المتناهي. # ولا شبهة في أن تدرج هذا البحث كان لا بد من أن يجر أفلاطون إلى البحث في طبيعة ~~اللذة والألم، فما هي اللذة؟ وما هو الألم؟ سؤالان لم نعثر فيما خلف أرسطبس على جواب ~~لهما. # فإذا كانت اللذة عند أرسطبس حركة ~~لطيفة، والألم حركة عنيفة، فما هي إذن طبيعة هذه الحركة، وكيف تحدث؟ ما هي أسبابها، وما ~~هي نتائجها؟ أما أفلاطون فيجيب على هذين السؤالين؛ فيقول: إن الألم ظاهرة تصاحب انحلال ~~الوحدة التي يحدثها تمازج المؤثرين الرئيسيين: «اللامتناهي والمتناهي» وإن اللذة ~~ظاهرة تصاحب رجوع المؤثرين إلى وحدتهما. # ومن ثم يمايل بين اللذة والألم القائمين على الحالات الطبيعية، باللذة والألم ~~الناتجين عن الترقب؛ أي القائمين على الحالات النفسية، ويدخل مع هذين حالة ثالثة؛ هي ~~حالة الحياد الانفعالي، ويجعلها خاصة بالحياة العقلية، ولتساميها عن القدرة البشرية ~~خص بها الآلهة، فإذا كانت في الإنسان، فلا أقل من أن تكون لها المرتبة الثانية من ~~المراتب التي قسم بها أفلاطون مؤثراته هذه. # أما ما يستنتج أفلاطون من هذا البحث التركيبي الرائع فجملة نتائج نفسية لها روعتها، ~~ولها فخامتها الجديرة بعقل الفيلسوف الآلهي. # يقول بأن «اللذة» الروحية - أي التي لا تختص إلا بالروح - تكيفها الذاكرة، ~~غير أن مرمى «الذاكرة» لا يقتصر على تلك الآثار التي تؤثر في الأجسام وحدها، والتي ~~تنمحي قبل أن تتصل بالروح، وإذن فلا بد من أن يتزود المرمى أو الهدف أو الغرض الذي ~~تتحول نحوه الذاكرة بتلك «الخلجات» التي تتمشى خلال البدن والروح معا، والتي ~~نسميها الأحاسيس، فإن هذه الأحاسيس تخزنها الذاكرة، وهذه الذكريات # Recollections # هي النبع الحقيقي الذي يفيض علينا ~~باللذائذ الروحية؛ أي ms081 النفسية، التي يميزها أفلاطون من اللذائذ التي تقوم على ~~الرغبات، ولا ينكر أفلاطون مع هذا أن عنصرا نفسيا؛ أي روحيا، إنما يتغلغل في ~~صميم الرغبات والميول الإنسانية، هو عنصر الترقب (الأمل والرجاء وما إليهما) ويقوم ~~أصلا على الذاكرة من طريق علاقته بالشيء المرتقب، أو «المرغوب فيه»، ومن هنا تنتج ~~اللذة، أو يحدث الألم بنسبة الأمل أو اليأس من الحصول على الرغبات أو الشك في الحصول ~~عليها، ومع هذا فإن في الرغبات عنصرا أصيلا من عناصر الألم، لا فرار منه بحال من ~~الأحوال. # ومن هنا يصل أفلاطون إلى الكلام في اللذائذ الحقيقية واللذائذ الخيالية، فتستقوى ~~فيه روح الأديب الشاعر على روح العالم المتزن الذي عهدته في المقررات السابقة، فيقول ~~بأن اللذائذ والآلام الخيالية إنما تأنسها في الأحلام، وهذه المفارقة لا يجب أن تنتزع ~~منها روح التقدير السامي لتحليل أفلاطون الرائع حقيقة اللذة والألم. # والمحصل أننا لم نستطرد في هذا إلا لنظهر إلى أي حد بلغ تأثير المذهب القوريني في عصر ~~أفلاطون وأرسطوطاليس، وإلى أي مدى تغلغل في أفكار العظماء. # أرسطبس وأفلاطون في كتابه «غورغياس» # لم تكثر الأوهام في كتاب من كتب أفلاطون، كما كثرت في كتاب «غورغياس»، وهذا على قدر ~~ما أستطيع أن أحكم من دراسة أولية لهذا الكتاب، غير أن الذي يهمني الرجوع إليه في ~~هذا الموطن وهمان، حاول أفلاطون أن ينقض بهما النظرية الهيدونية. # أما الوهم الأول فقول أفلاطون: إن اللذة ينبغي أن لا تعد من الخيرات أو من ~~الأشياء الطيبة؛ لأنها إذا عدت من الخيرات أو من الطيبات إذن لوجب أن يكون للأخيار ~~منها أكبر نصيب؛ لأن وسمهم بالخير، إنما يكون لأنهم يساهمون في الخيرات. # وأما الوهم الثاني: فيرجع إلى الطريقة التي حاول أن يدلل بها على الوهم الأول، فقد ~~ذهب في هذا التدليل مذهب أن نصيب الرجل الطيب من اللذة أقل من نصيب الشرير، ونصيب الرجل ~~الشجاع منها أقل من نصيب الجبان، وأن الطيبين والشجعان ينالهم من الألم أكثر مما يصيب ~~الآخرين منه، وعلى هذا النهج يمضي ms082 أفلاطون في هذا الموضع من الحوار فيجري في الأكثر على ~~طريقة خطابية تؤدي إلى ضعف بين في أسلوب البرهنة الذي اتبعه لينقض الهيدونية. # أما ما يستلفت نظر الباحث في كل هذا؛ فحقيقة أن عقول الفلاسفة كانت قد اتجهت في ذلك ~~العصر إلى وزن الهيدونية وتقويمها من كل نواحيها، وفي هذا دليل أوفى على ما كان لها من ~~أثر وشأن في مذاهب الفلسفة القديمة. # أرسطبس وأرسطوطاليس # جاء فيما كتبنا في «الرسول الجديد» (الفصل الثالث) ما يلي: # غير أننا إذ نرى أن شابا من أفذاذ العالم الإنساني - لا من أفذاذ اليونان ~~وحدهم، ومن معاصري أرسطبس - درس نظرياته ومبادئه لا على وجه التعميم، بل على ~~وجه الاختصاص، وأنه ناقش فيها، ونقد بعض الأسس التي تقوم عليها؛ يذهب من روعنا ~~كل شك في أن مذهب أرسطبس ونظرياته قد كتبت وجمعت بين دفتي كتاب أو ضمنت صفحات ~~كتب عديدة، وإن ثقتنا بهذا القول تصبح في موطن اليقين، إذا عرفنا أن ذلك الشاب ~~الذي عاصر فيلسوفنا في أخريات أيامه، هو المعلم الأول أرسطوطاليس لا أحد ~~غيره. # ولقد يجمل بنا أن نذكر أن أرسطبس كان يعلم تلقاء أجر، وأن هذا كان سببا في أن ~~يلحقه أرسطوطاليس بالسفساطئيين، فلما أهمل أرسطوطاليس ذكر أرسطبس في كتابه «الأخلاق إلى ~~نيقوماخس» ولم يذكر من أتباعه إلا أودكسس الهيدوني المتقشف، وذلك عندما شرع ينقد ~~مذهب القورينيين الأخلاقي، ويناقش في مبادئ المذهب تفصيلا وجملة، من غير أن يعير ~~الأشخاص أي التفات، ذهب بعض النقاد ممن ينظرون في تاريخ المذاهب الفلسفية إلى القول ~~بأن أرسطوطاليس لم يذكر أرسطبس بالاسم إلا احتقارا لشأن السفسطائيين، الذين كان يعتقد ~~أن أرسطبس واحد منهم، غير أن عندي بعض تقديرات أخرى يمكن أن يعزى إليها تعمد ~~أرسطوطاليس إهمال ذكر الفيلسوف القوريني العظيم أعددها هنا إتماما لفائدة البحث. # أولا: # أن أرسطوطاليس ناقش في أكثر من مذهب في كتابه «الأخلاق إلى ~~نيقوماخس» فكان أقل المؤلفين ذكرا لأسماء الفلاسفة وأصحاب المذاهب ~~التي ناقش فيها. # ثانيا: # أنه كان يعنى بالفكرات والنظريات دون أصحابها، ms083 فإنه على كثرة ما ~~ناقش في مبادئ المذهب القوريني لم يذكر اسم أودكسس إلا ~~عرضا. # ثالثا: # أرجح أن أرسطوطاليس لم يذكر أودكسس في كتابه إلا لأن هذا الفيلسوف ~~كان من القورينيين نسيجا وحده، فإنه كان هيدونيا من أصحاب اللذة، ~~وفي الوقت ذاته متقشف يدعو إلى المثل العليا على نفس القاعدة التى ~~دعا بها أرسطوطاليس. # رابعا: # أن علاقات أرسطبس الشخصية بأهل زمانه، مما لا يجعل للصداقة بينه ~~وبين أرسطوطاليس من محل، فإنه كان محررا من كثير من قيود العرف التي ~~يقدسها أرسطوطاليس، وكان إباحيا بعض الشيء كما يستدل على هذا من ~~علاقته ب«لايس» القورنثية، إحدى خليعات أثينا بل ومن خليعات التاريخ ~~اللاتي يذكرهن أصحاب التراجم والموسوعات الكبرى؛ لبعد صيتها في ~~الخلاعة، حتى لقد ضرب المثل بها في التبذل، فقد ثبت أن أرسطبس كان من ~~عشاقها ومخالطيها المعروفين. # فإذا أضفنا إلى هذه التقديرات أن أرسطبس كان يعلم بأجر، فعده أرسطوطاليس من ~~السفسطائيين؛ عرفنا على الإجمال السر في أن يعنى أرسطوطاليس في كتابه بالمذهب ~~دون صاحبه. # وهذا يدل أوضح دلالة على أن أرسطو كان يقدر أرسطبس كفيلسوف، فناقش في مذهبه وترك ~~اسمه، وأظن أن مجمل هذه التقديرات يكفي لتعليل السبب في أن يهمل المعلم الأول ذكر ~~القوريني العظيم. # أما الوجوه التي ناقش فيها أرسطوطاليس مذهب أرسطبس، فنمضي في ذكرها متخذين من المصادر ~~التي بين يدينا - على قلتها - عمدة في البحث. # وقبل أن نمضي في هذا أرى أن أنبه إلى حقيقة تؤيدها كثير من المرجحات ولا يجب أن تغيب ~~عن ذهن الباحث، وهذه الحقيقة هي أن أرسطوطاليس ناقش في أبسط صورة لابست مذهب أرسطبس، ~~والواقع أنه نقد الناحية التي قال فيها أرسطبس بأن اللذة هي الخير الأسمى، وأن غاية ~~الإنسان يجب أن تتجه دائما وفي كل آن إلى الحصول على أكبر قسط منها، وجهد ما تصل ~~استطاعته، ولا ريبة في أن هذه الناحية هي التي نقدها من قبل سقراط، وهي بعينها ~~الناحية التي نقدها من بعد أفلاطون، وهي بعد هذا كله صورة المذهب البدائية. ms084 # على أن هنالك ظاهرة أخرى يجب أن نعيها، فإن نقد سقراط كان عاما مجملا، ونقد ~~أفلاطون كان نتفا، فظهر مفرقا بين كتب عديدة، كما تناول نواحي مختلفة من مذهب ~~أرسطبس، ولذا تناوبت عليه حالات من القوة والضعف، والبيان والغموض، ونهوض الحجة مرة ~~وسقوطها أخرى، أما نقد أرسطوطاليس فكان أقرب ما يكون إلى النقود التي استولت عليها ~~الروح الأكاديمية العميقة، على الرغم من أنه تناول النواحي الأولية البدائية من ~~المذهب، ولا شك مطلقا في أن هذا التدرج كان يتبع تدرج المذهب نحو النضوج، كما أني ~~لا أشتبه مطلقا في أن المذهب إنما نضج بعد عصر أرسطوطاليس، وبعد موت أرسطبس. # لهذا أعتقد أن نقد المذاهب الفلسفية والعلمية إنما يكون أقرب إلى الكمال إذا وجه ~~إليهما بعد أن تلابسها أنضج الصور، وأن المذاهب - فلسفية كانت أم علمية أم أدبية - ~~يجب أن يعاد النظر فيها بين حين وحين، شأنها في ذلك شأن التاريخ. # ذلك بأن تطور الاتجاهات العقلية، ونشوء المبتكرات واتساع أفق المعرفة، كل هذه ~~وسائل تجعلنا أقدر على فهم النواحي الغامضة من المذاهب القديمة، زد إلى هذا أن رواد ~~الفكر يحصرون عن تبين الحقائق تماما، وهم لا يرون منها إلا ما يرى الخائف الوجل ~~في مفازة موحشة، فقد تتراءى له خيالات وأشباح تتصارع في نهاية الأفق، ولك أن تصور ~~لنفسك بعد هذا إلى أي حد يصل جهد الرائد ليستخلص الحقائق من الخيالات، ويتبين الأجسام ~~المادية من الأشباح، والنقد الذي يوجه إلى المذاهب التي يضعها الرواد، لا يخلص من ~~الشوائب التي لن تسلم منها المذاهب المنقودة ذاتها عند أول وضعها، وإذن يكون ما في نقد ~~المذاهب الناشئة من ضعف واضطراب؛ راجعا - في أكثر الأمر - إلى ضعف عناصر المذاهب ~~المنقودة ذاتها. # أما إذا أردنا أن نستخلص حقيقة العلاقة بين مذهب أرسطوطاليس الأخلاقي، وبين فلسفة ~~أرسطبس فواجب علينا أن نمضي في ذكر الوجوه التي تثبت العلاقة والآصرة بينهما في ~~أخلاقيات أرسطوطاليس، وأن ننقل عن المعلم الأول أخص ما يتصل من فلسفته الأخلاقية بمذهب ~~الفيلسوف القوريني، ونستطرد ms085 في الموازنة بينهما كلما دعت الضرورة إلى ذلك، ولنبدأ ~~بمعقول السعادة عند أرسطوطاليس، نقلا عن كتاب «الأخلاق إلى نيقوماخس»، ترجمة أستاذنا ~~الكبير أحمد لطفي السيد باشا، عن الباب الرابع جزء أول، ص189-195. # بدأ أرسطوطاليس ببيان ما هو الخير، فقال بأن الخير يختلف باختلاف العمل، وتبعا ~~لاختلاف الفنون، فهو في الطب غيره في الفنون العسكرية، فإن كان الخير في الطب هو الصحة، ~~وفي الحركات العسكرية هو الظفر، فهو في البيت فن العمارة، وهو غرض آخر في فن آخر؛ إذن ~~فالخير هو عبارة عن الغاية التي تبتغى، ومن أجل هذه الغاية يعمل الإنسان باستمرار كل ~~الأشياء التي تؤدي إليها. ولكل إنسان غاية تتجه إليها أعماله، وهذه الغاية هي الخير ~~الذي يستطيع الإنسان أن يتعاطاه، فإذا وجدت عدة غايات فمجموعها هو الخير، ثم يقول: ~~«إن للإنسان غايات عديدة في الحياة، على أن أكثر هذه الغايات ليست كاملة ولا نهائية ~~بأعيانها، على حين أن الخير الأعلى كامل ونهائي، والخير الكامل النهائي هو الخير الذي ~~نبحث عنه، وإذا وجدت عدة غايات تتقارب من حيث كمالها ونهائيتها، فإن الأشد نهائية ~~من بينها هو الخير الأسمى.» ~~«الخير النهائي هو الذي يطلب لذاته وحده، أما الخير الذي يطلب من أجل غيره، فليس ~~كذلك، وبهذا يكون الخير الذي يبحث عنه لأجل ذاته، هو الخير الكامل، الخير النهائي، ~~الخير التام، وهو لذلك يكون مطلوبا لذاته وليس من أجل شيء سواه.» ~~«إن خاصية الخير الأسمى على ما شرحناه، هو خاصية السعادة عند أرسطوطاليس؛ فمن ~~أجلها ولأجلها دائما، يعمل الإنسان ويبحث، فإذا طلب الإنسان التشاريف واللذة، والعلم ~~والفضيلة، على أي شكل كان، فإنه إنما يبغى هذه المزايا بصرف النظر عن كل نتيجة أخرى، ~~ولكنه مع ذلك يرغب فيها أيضا من أجل السعادة باعتبار أن هذه وسائل تحقق السعادة التي ~~هي كاملة ونهائية، ذلك في حين أنه قد يتصور إنسان أنه يبغي السعادة باعتبارها ~~الموصلة إلى هذه المزايا، فهذه المزايا إذن وسائل يرغب فيها لذاتها، لتكون طريقا إلى ~~غرض أسمى هو السعادة.» ~~«هذه ms086 النتيجة تتضمن معنى الاستقلال الذي نسنده إلى الخير الكامل؛ أي الخير الأعلى، ~~ومن الواضح أن أرسطوطاليس يعتقد أن هذا الخير الأعلى سيستقل عن كل شيء، ولكنه لا ~~يعني بالاستقلال استقلال الإنسان الذي يحيا حياة العزلة وحده، بل يعني أيضا الإنسان ~~الذي يحبها لأهله وأولاده وزوجه، وعلى العموم، لأصدقائه ومواطنيه ، ما دام الإنسان بطبعه ~~كائنا اجتماعيا سياسيا، وهذا المقياس يلزم معرفة التزامه عند أرسطوطاليس.» ~~«لما كانت السعادة أكبر الخيرات؛ أي الخير الأعلى كان من الطبيعي أن يرغب الإنسان في ~~معرفة طبعها بما هو أكثر جلاء.» ~~«إن الوسيلة الأكيدة للحصول على السعادة، إنما هي العلم بما هو العمل الخاص ~~بالإنسان، والإنسان إنما يجد الخير في عمله الخاص إذا كان ثمة عمل خاص، يجب على ~~الإنسان أن يتمه، وكما أن العين واليد والرجل، وعلى العموم كل جزء من أجزاء البدن؛ يؤدي ~~وظيفة خاصة، ولكن ما عسى أن تكون الوظيفة المشخصة للإنسان؟» ~~«أن يعيش الإنسان، تلك وظيفة عامة، يشترك فيها الإنسان حتى مع النباتات، ولكن البحث ~~هنا يتعلق بحياة الإنسان التي لا يشترك فيها مع شيء من الموجودات الحية؛ إذن يجب أن ~~يخرج من حد البحث في التغذية والنمو، وعلى أثر هذا تأتي حياة الحساسية، ولكن هذه الحياة ~~تشترك فيها أحياء أخر.» ~~«يبقى إذن حياة العمل للكائن الموصوف بالعقل، ولكن في الكائن العاقل جزءان يجب ~~التمييز بينهما، الجزء الذي لا يزيد عن أن يطيع العقل، والجزء الذي هو حائز للعقل ~~وينتفع به في الفكر، وإذن تكون الوظيفة الخاصة بالإنسان هي فعل النفس مطابقا للعقل، أو ~~على الأقل فعل النفس الذي لا يمكن أن يتم بدون العقل، وإذا كان هذا حقا؛ أمكننا أن ~~نسلم بأن العمل الخاص للإنسان - على وجه العموم - هو الحياة من نوع ما، وأن هذه ~~الحياة الخاصة هي فاعلية النفس واستمرار أفعال يصاحبها العقل.» ~~«يمكننا أن نسلم بأن هذه الوظائف في الإنسان الراقي تتم حسنا وبانتظام، لكن الخير ~~والكمال في كل شيء يختلف تبعا للفضيلة الخاصة بهذا الشيء، والنتيجة أن الخير الخاص ms087 ~~بالإنسان هو فاعلية النفس التي تسيرها الفضيلة فإذا كان يوجد عدة فضائل فالفاعلية ~~المسيرة بأرفعهن وأكملهن.» ~~«وإذن يكون الخير الأعلى الذي يجدر بالإنسان أن ينشده هو فاعلية النفس، على أن تكون ~~هذه الفاعلية مقودة بالفضيلة، فإذا تعددت الفضائل وجب أن تتبع الفاعلية أرفع هذه ~~الفضائل، ومن هذا يتكون معنى السعادة عند أرسطوطاليس.» # وهنا يرد أرسطوطاليس من طرف خفي على أرسطبس فيقول: # زد على هذا أيضا أن هذه الشروط يجب أن تحقق طوال حياة تامة بأسرها؛ لأن ~~خطافة واحدة لا تدل على الربيع، لا هي ولا يوم صحو واحد، فلا يمكن أن يقال: «إن ~~يوم سعادة واحد، بل ولا بعض زمن من السعادة؛ يكفي لجعل الإنسان سعيدا ~~محظوظا.» # ويظهر أول شيء أن أرسطوطاليس إنما يقرر بما قال مذهبه في السعادة ومعقولها ~~المجمل عنده، ولكن الباحث الذي يريد أن يستطرد في الموازنة بين المذاهب، ويستقرئ من بين ~~السطور حقيقة ما ترمي إليه أجزاؤها من الأغراض النهائية، لا يشك لحظة واحدة في أن ~~أرسطوطاليس إنما يوجه مجموع جهده العلمي والنظري إلى نقض القاعدة الطبيعية التي يقوم ~~عليها مذهب القورينيين الأخلاقي، والواقع - كما قلنا من قبل - أن أرسطوطاليس ينشد ~~المثل العليا والنهايات والغايات، فمذهبه وصفي أكثر منه علمي. # وكيف لا يكون كما وصفنا، وهو يشترط للسعادة شروطا مثالية، ثم يقضي بأن هذه الشروط ~~يجب أن تتحقق طوال حياة تامة بأسرها، فلو استطاع إنسان أن يحيا حياة سعيدة - كما يبغيها ~~أرسطوطاليس - وتعذر عليه برهة واحدة أن يراعي شرطا من شرائطها، خرج عنده من حظيرة ~~السعداء. # أضف إلى هذا أنه يمثل للسعادة بالربيع، ويقول: إن خطافة واحدة لا تدل عليه، وما ~~«الخطافة» عند أرسطوطاليس إلا لذة الساعة عند أرسطبس، فأرسطوطاليس يقول بأن الحياة ~~السعيدة عنده يجب أن تكون ربيعا صحوا، تسبح في جوه خطاطيفه، وتسطع شمسه على ~~الدوام، أما عند أرسطبس فالأمر على خلاف ذلك، فإن خطافة واحدة عنده تدل على جزء من ~~الربيع، فينبغي للرجل الحكيم ألا يترك خطافة الربيع تفلت من يده، بل ينبغي ms088 له أن يعمل ~~طوال حياته على أن يقتنص أكبر عدد ممكن من خطاطيف الربيع، حتى إذا زاد عدد الأيام ~~التي يسعد فيها بالاقتناص على عدد الأيام التي لا يسعد فيها بخطافة؛ استطاع بعد ذلك أن ~~يقول: «إني حييت حياة رجحت لذاتها على آلامها.» وهذا هو معقول السعادة عند أرسطبس ، ولا ~~شك أن في هذا المذهب من الإمكان بقدر ما في مذهب أرسطوطاليس من الاستحالة. # زد إلى هذا أن أرسطوطاليس يعلق السعادة بل ويعلق كل مفهوم الأخلاق؛ على مجهولات، ~~فما هي الفضيلة؟ وما هو الخير؟ وما هي فاعلية النفس التي تسيرها الفضيلة؟ كل هذه عند ~~أرسطبس إنما تعود إلى شيئين ثابتين في النفس الإنسانية، هما: «الحس» في نظرية الأخلاق، ~~و«إدراك الحس» في نظرية المعرفة. # يتكلم أرسطوطاليس بعد الذي ذكرناه في السعادة والفضيلة ليفصل حالاتهما، ويصنف ~~مراتبهما، ويصف ضروب النزعات العقلية فيهما، ثم يعمد في خلال ذلك إلى الكلام في ثلاثة ~~أشياء عينها، هي: «الخيرات» و«عناصر النفس» و«الاستعداد الأخلاقي»، فلنمض في نقل ~~نتف من مذهبه تؤدي إلى ما نقصد إليه من البحث. # في الباب السادس من كتاب «الأخلاق إلى نيقوماخس» ج1، ص198-199، يقسم أرسطوطاليس ~~الخيرات ثلاثة أنواع: خيرات خارجية، وخيرات النفس، وخيرات البدن، غير أنه يقول: «إن ~~خيرات النفس هي التي نسميها على الأخص وعلى الأفضل خيرات.» ثم يقول: # إن الإنسان السعيد يلتبس عادة بالإنسان الذي يسير سيرة حسنة ويفلح، وما ~~يسمى إذا بالسعادة هو ضرب من الفلاح والصلاح. # حينئذ جميع الأركان المطلوبة عادة لتكوين السعادة يظهر أنها مجتمعة في الحد ~~الذي وفيناه لها؛ لأن عند هؤلاء السعادة هي من الفضيلة، وعند أولئك هي من ~~التبصر، وعند البعض هي الحكمة، وعند آخرين هي كل ذلك مجتمعا، أو شيء من ذلك ~~يضم إليه اللذة، أو على الأقل ليس مجردا من اللذة، ومنهم آخرون يريدون أن ~~يدخلوا في هذه الدائرة - التي قد تبلغ من السعة هذا المبلغ - وفرة الخيرات ~~الخارجية. # وجاء في كتاب «الأخلاق إلى نيقوماخس» ص178-179 جزء أول الباب الثاني ما يلي: # ليس ms089 - على رأينا - خطأ تاما أن يتخذ الإنسان له معنى من الخير ومن ~~السعادة، بما يلقى من العيشة التي يعيشها هو نفسه، فالطبائع العامية الغليظة ~~ترى أن السعادة في اللذة، ومن أجل هذا هي لا تحب إلا العيشة في ضروب ~~الاستمتاع المادي، ذلك في الحقيقة أنه لا يوجد إلا ثلاثة صنوف من المعيشة يمكن ~~على الخصوص تمييزها، أولها هذه العيشة التي تكلمنا عليها آنفا، ثم العيشة ~~السياسية أو العمومية، وأخيرا العيشة التأملية أو العقلية. # وإن أكثر الناس - على ما يظهر - هم على الحقيقة عبيد يختارون بمحض ذوقهم ~~عيشة البهائم، وأن ما يعطيهم في ذلك بعض الحق، ويبرر لهم فعلهم فيما يظهر؛ هو ~~أن العدد الأكبر من أولئك الذين لهم السلطان لا ينتفعون به إلا في أن ~~يسلموا أنفسهم إلى الإفراطات. # على الضد من ذلك، العقول ~~الممتازة النشيطة حقا تضع السعادة في المجد؛ لأن هذا في الغالب هو الغرض ~~العادي للحياة السياسية غير أن السعادة مفهومة على هذا النحو، هي أكثر سطحية ~~وأقل متانة من تلك التي يزمع البحث عنها هنا. # فإن المجد والتشاريف يظهر أنها ملك أولئك الذين يوزعونها، أكثر من أن تكون ~~للذي يتقبلها، في حين أن الخير كما نعلنه هو شيء شخصي محض، ولا يمكن إلا ~~بغاية الصعوبة نزعه عن الرجل الذي هو حاصل عليه، وأزيد على هذا أن ~~الإنسان في الغالب لا يظهر عليه أنه لا يطلب المجد إلا ليتثبت هو نفسه من ~~«المعنى» الذي يتخذه من فضيلته الخاصة. ا.ه. # وما حملنا على أن نذكر هذه العبارة هنا إلا ذلك التقسيم الذي يقسمه أرسطوطاليس لضروب ~~العيشة؛ لأن قوله بأنه لا يوجد إلا ثلاثة صنوف من العيشة: أولها: عيشة الاستمتاع ~~بضروب الملذات المادية، وثانيهما: العيشة السياسية أو العمومية، وثالثها: العيشة ~~التأملية أو العقلية، لها علاقة وآصرة بتقسيم أرسطبس الذي وضعه لضروب اللذة. # على أننا سنعود بعد ذلك إلى المقابلة بين تقاسيم قال بها أرسطوطاليس في الخيرات ~~وعناصر النفس والاستعداد الخلقي، وبين تقسيم أرسطبس للذة، ولم نشأ أن ندخل فيها ms090 تقسيم ~~أرسطوطاليس لضروب المعيشة؛ اكتفاء بالإشارة هنا إلى ذلك. ~~••• # كل ما ورد عن أودكسس في كتاب «الأخلاق إلى نيقوماخس» وقع تحت عنوان «نظرية أودكسس ~~البديعة على اللذة»، ويسبق هذا كلام في أن السعادة أولى بالاحترام لا بالمدح، وأن ~~طبيعة الأشياء التي يمكن مدحها هو دائما إضافي ~~وتبعي، وإليك ما جاء في كتاب أرسطوطاليس ص217-218، ج1 من الباب العاشر: # إذا كانت هذه هي الأشياء التي ينطبق عليها المدح فمن الجلي أنه لا ينطبق ~~البتة على الأشياء الأكمل، ففي حق هذه، ينبغي شيء أكبر وأحسن من المدح، ودليل ~~ذلك هو أننا نعجب بسعادة الآلهة وبركتهم، كما أننا نعجب بسعادة أولئك الناس ~~الذين هم بين أظهرنا أقرب إلى الآلهة، وكذلك نصنع بالنسبة للخيرات، ولا أحد ~~يفكر في أن يثني على السعادة كما يثني على العدل، بل يعجب بها كما يعجب ~~بالشيء الأقدس والأحسن. # وهذا ما أجاد أودكسس إيضاحه ليبرر إيثاره اللذة، وبملاحظة أنه لا يثني على ~~اللذة، ولو أن اللذة خير، كان يظن أودكسس أنه يستطيع أن يستنتج من ذلك أن ~~اللذة هي فوق هذه الأشياء التي يمكن الثناء عليها، كما هو الشأن في حق الله ~~والكمال، اللذين هما الغايتان العلييان اللتان يرجع إليهما كل ما ~~عداهما. ~~••• # كذلك نجد أن أرسطبس أقرب إلى مناهج العلم الحديث من أرسطوطاليس، فإنك إذا رجعت ~~إلى (الفصل الخامس) من هذا المؤلف واستوعبت ما كتبنا في «تأصل مشاعر الغيرية ومذهب ~~پافلوف» تجد أن مذهب أرسطبس، وبالأحرى مذهب بعض رجال المذهب القوريني، قد قارب الأوضاع ~~العلمية الحديثة في تحول الغرائز. لذلك ننقل عبارة عن «أخلاق» أرسطوطاليس نتخذها ~~أساسا للموازنة، قال في ص225-226، ج1، الباب الأول من الكتاب الثاني: # لما أن الفضيلة على نوعين: أحدهما عقلي والآخر أخلاقي، فالفضيلة العقلية ~~تكاد تنتج دائما من تعليم إليه يسند أصلها ونموها. ومن هنا يجيء أن بها ~~حاجة إلى التجربة والزمان، وأما الفضيلة الأخلاقية فإنها تتولد على الأخص من ~~العادة والشيم، ومن كلمة الشيم عينها بتغيير خفيف، اتخذ الأدب اسمه المسمى ~~به. # والمتبادر ms091 من عبارات أرسطوطاليس أن الفضيلة العقلية والفضيلة الأخلاقية كلتاهما ~~تحتاجان إلى عنصرين خارجين عن طبيعة الإنسان إلا قليلا، وهما: التجربة والزمان للأولى، ~~والعادة والشيم للثانية. ولولا أنه ذكر «الشيم» لجاز لنا أن لا نحتاط وأن لا نقول إلا ~~قليلا. # أما إذا رجعنا إلى ما كتبناه عن الفيلسوف أنقريز (الفصل الخامس) فإننا نجد أن ~~هذا الفيلسوف قد وصل إلى حقيقة نفسية (سيكولوجية) صحيحة، مجملها أن مشاعر الغيرية مهما ~~كانت مصادرها وأصولها تحرز - تدرجا - قوة مستقلة خاصة بها، وأن هذه المشاعر تحتفظ بتلك ~~القوة حتى ولو لم تتزن مع اللذة، وقد ذكرت أن كلام أنقريز يتضمن تفسيرا رائعا ~~لحقيقة الأفعال العكسية المتحولة، وهو المذهب النفسي الذي أدخله پافلوف الروسي، في حيز ~~العلم ببحوثه وتجاريبه. # ولا شك في أن أرسطوطاليس إذا كانت قد عنت له فكرة في «الفضيلة» تشابه فكرة ~~أنقريز في «مشاعر الغيرية» لثبت رأيه في الفضيلة ثبوتا قاطعا، ولكنه يعتقد أن ~~«أشياء الطبع» - ويقصد بها «أشياء الغرائز» - ضرورة لا يمكن بفعل العادة أن تصير أغيار ~~ما هي كائنة، فقال تعقيبا على العبارات التي نقلناها عنه ما يلي: # لا يلزم أزيد من هذا، ليبين بوضوح أنه لا توجد واحدة من الفضائل الأخلاقية ~~حاصلة فينا بالطبع، إن أشياء الطبع لا يمكن بفعل العادة، أن تصير أغيار ما هي ~~كائنة، مثال ذلك الحجر الذي يهوي إلى أسفل لا يمكن أن يأخذ عادة الصعود، ولو ~~حاول المرء تصعيده مليون مرة، لما طبع على هذه العادة، والنار لا يمكن كذلك ~~أن تتجه إلى أسفل، ولا يوجد جسم واحد يمكن أن يفقد خاصيته التي تلقاها من ~~الطبيعة ليتخذ عادة مخالفة. # حينئذ فالفضائل ليست فينا بفعل الطبع وحده، وليست فينا كذلك ضد إرادة الطبع، ~~ولكن الطبع قد جعلنا قابلين لها، وإن العادة تنميها فينا. ا.ه. # وإذا تأملنا في هذه العبارة وجدنا أن فيها مآخذ: # الأول: # أن أرسطوطاليس قاس طبيعة الجوامد على صفات الأحياء ومنها الإنسان، ~~فقال: إن الحجر الذي يهوي إلى أسفل، لا يمكن أن يأخذ عادة الصعود، ms092 في ~~حين أن الأحياء فيها أشياء زائدة على ماهية الجوامد جعلها حية وجعل لها ~~خصائص وكيوفا غير تلك. # الثاني: # أنه يقول: إن الفضائل ليست فينا بفعل الطبع وحده، وإنها كذلك ليست ~~فينا ضد إرادة الطبع، على أن قوله هذا يستتبع القول بأن الرذائل لا ~~تخرج عن حكم ذلك، فكأنه أراد بهذا أن يقول إن الطبع في أصله صفحة نقية ~~بيضاء، تقبل الفضائل والرذائل، وأن هذه تنمو فينا بحكم العادة وحدها، ~~وهذا المذهب لا يقره عليه عالم واحد من علماء النفس؛ لأن الطبع ~~يولد وفيه آثار ثابتة من الوراثة أو على الأقل من الميل إلى اللذة ~~والفرار من الألم، وأن الطبيعة نفسها تستخدم هذا الطبع الأصيل في ~~الأحياء العليا ليكون أداتها في تسيير المخلوقات، والاحتكام فيها بما ~~يكفل لها الوصول إلى النتائج التي ترمي إليها النواميس الجبرية. # الثالث: # أن القول بأن العادة وحدها هي التي تنمي الفضائل وتتمها قول واسع ~~غير محدود، لا من ناحية الاصطلاح اللفظي، ولا من ناحية المعنى المدرك ~~منه، ولو كان للعادة من الأثر بقدر ما يقول أرسطوطاليس، لكفت المثل ~~والمثلات أن تكون أبلغ الأشياء أثرا في غرس الفضائل في النفوس، ولكنا ~~نرى أن الأكثرين لا ينتفعون بأرقى المثل ولا يكادون يزدجرون بأقسى ~~المثلات كما يقول أرسطوطاليس نفسه. # تكلم أرسطوطاليس في كتابه «الأخلاق إلى نيقوماخس» ~~(ج1 الباب الثالث من الكتاب الثاني ~~ص233-236) في إحدى عشرة مسألة تتعلق برأيه في «اللذة والألم» ولا بد لنا من أن نذكر هذه ~~المسائل ونستطرد في نقدها، وبيان مراميها، لنصل إلى غرضنا من البحث قال: ~~(1) # علاقة ظاهرة للملكات التي نحصلها، هي «اللذة والألم»، أحدهما يقترن ~~بأفعالنا ويعقبها، إن الإنسان الذي يمتنع عن لذات الجسم، ويرتاح لهذا ~~الامتناع نفسه، هو معتدل (عفيف)، وذلك الذي لا يحتمله إلا بأسف، عنده شيء ~~من عدم الاعتدال، والإنسان الذي يقتحم الأخطار ويرتاح لذلك، أو على الأقل ~~لا يضطرب فيها؛ هو إنسان شجاع، والذي يضطرب فيها هو جبان، ذلك في الواقع ~~بأن الفضيلة الأخلاقية، تتعلق بالآلام واللذات، ما ms093 دام أن طلب اللذة هو ~~الذي يدفعنا إلى الشر، وخوف الألم هو الذي يمنعنا من فعل الخير. ~~ا.ه. # ويتبين من هذا بديا أن أرسطوطاليس يعتقد أن «اللذة والألم» ظاهرتان ~~تتعلقان بناحية من التطبع، بدليل قوله إنهما من الملكات التي نحصلها؛ ~~أي من الملكات التي قد تحدث فينا أثرا حينا، وتتعطل عن إحداث هذا الأثر ~~حينا آخر، وهذه القضية تناقض المبدأ الأساسي الذي يقيم عليه أرسطبس مذهبه، ~~فاللذة والألم عند أرسطبس ليسا من الملكات التي تحصل فينا بالإضافة إلى ~~الطبع، بل هي من جوهر الطبع نفسه، فهي تدمغ الأخلاق بطابعها وتوجه السلوك ~~بمقتضياتها. # فهي عند أرسطبس ليست من الأشياء التي تحصل بالإضافة إلى الطبع كالشجاعة ~~والجبن، كما يقول أرسطوطاليس، بل هي من جوهر الطبع نفسه؛ فالشجاعة والجبن ~~قد يتعطل أحدهما، فيكون المرء شجاعا فحسب أو جبانا فحسب، فتمحى إحدى ~~الظاهرتين، ولا يكون لها أثر في توجيه السلوك، أما اللذة والألم فمن جوهر ~~الطبع نفسه تتناوبان التأثير في النفس، ولا تمحى إحداهما، فاللذة جزء من ~~الطبع لا يمكن أن يزول أثره، وكذلك الألم على الضد؛ من الظاهرات التي تتولد ~~فينا بالإضافة إلى الطبع، وتكون المرانة أو البيئة سببا فيها، كالشجاعة ~~والجبن والكرم والبخل، وما إلى ذلك. # لهذا يقول أرسطوطاليس: «إن الفضيلة الأخلاقية تتعلق بالآلام واللذات.» ~~ومعنى هذا عنده، أن طلب اللذة يدفعنا إلى الشر، وخوف الألم هو الذي ~~يمنعنا من فعل الخير، وعجيب أن تصدر هذه القولة عن أرسطوطاليس، فإذا كانت ~~اللذة هي التي تدفعنا إلى الشر، وخوف الألم هو الذي يمنعنا من فعل الخير، ~~فكأنه لم يبق من مجال للذة والألم، ليؤثرا فينا أثرا حسنا، على إطلاق ~~القول. وبذلك ينفي أرسطوطاليس عن اللذة والألم كل ما يحتمل أن يصدر عنهما ~~من الآثار الرفيعة، تلك الآثار التي نجدها بينة جلية في سلوك أرسطبس ~~وشخصيته وفي استعلائه واحتقاره الشديد للدنيويات، وفي مثاليات أبيقور التي ~~تضع اللذة العقلية فوق كل اللذائذ الأخرى. # ولا يقف بك العجب عند هذا، بل إنك ليزداد عجبك أن يقول ms094 ~~أرسطوطاليس: ~~(2) ~~«ينبغي منذ الطفولة الأولى - كما يقول بحق أفلاطون - أن نوجه بحيث نضع ~~مسراتنا وآلامنا في الأشياء التي ينبغي أن نضعها فيها، وفي هذا تنحصر ~~التربية الطيبة.» # وفي هذه القولة شواهد أخرى تؤيد ما ذهبت إليه، فإن توجيه «المسرات ~~والآلام إلى الأشياء التي ينبغي أن نضعها فيها» يشعر بأن أرسطوطاليس يريد ~~أن يقول بأن «اللذة والألم» يتقبلان أثر المرانة والبيئة، والشيء الذي ~~«يقبل» الآثار هو من الجواهر لا من الأعراض، وإذن لا تكون «اللذة والألم» ~~من الملكات التي نحصلها كما يقول في الفقرة الأولى بل تكون على ما يؤخذ من ~~هذا القول من جوهر الطبع، فكأن أرسطوطاليس ينزع عن غير قصد نزعتين، ~~تضطره الأولى إلى القول بأن اللذة والألم من ظواهر الطبع، وتضطره ~~الثانية إلى الإشارة تضمينا بأنهما من جوهر الطبع نفسه، ولهذا كان من ~~الصعب أن تدرك على الوجه الأكمل حقيقة الفكرة الهيدونية التي يقول بها ~~أرسطوطاليس، كما يتعذر أن تعرف ماذا ~~يرفض وماذا يقبل من مذهب أرسطبس، اللهم إلا عندما يتكلم في الأشياء ~~البينة التي لا تحتمل التباسا، كالموازنة بين اللذات الغليظة واللذات ~~الرفيعة؛ أي لذات البدن ولذات العقل. # ويؤيد هذا الرأي الذي نراه أن أرسطوطاليس يكاد يصرح بأن «اللذة ~~والألم» من جوهر الطبع، لا من الملكات، وذلك في عبارته الآتية إذ ~~يقول: ~~(3) ~~«وفوق ذلك، فإن الفضائل لا تظهر البتة إلا بالأفعال والميول، فلا عمل ولا ~~ميل إلا نتيجة إما اللذة وإما الألم، وهذا هو دليل جديد على أن الفضيلة ~~تتعلق فقط بآلامنا ولذاتنا ... إلخ.» # ذلك بأن الأفعال والميول ظواهر تتعلق بجوهر، فإذا تعلقت هذه ~~الظواهر «باللذة والألم» لم يسعنا إلا أن نقول إنهما - أي اللذة والألم ~~- من جوهر الطبع لا من الملكات، ولن نكون أكثر اقتناعا بهذا منا إذا قال ~~أرسطوطاليس - كما يقول هنا: «إن الفضيلة تتعلق فقط بآلامنا ولذائذنا.» ~~فكأنه بذلك يريد أن يقول صراحة لا تلميحا ولا تضمينا، إن الفضيلة عرض ~~يتعلق بجوهر هو اللذة والألم، وهو هنا أقرب إلى أرسطبس من سقراط ومن ~~أفلاطون، ms095 وربما كان في قوله هذا أقرب إلى أرسطبس من أودكسس الهيدوني ~~المتقشف نفسه. # ويقول أرسطوطاليس بعد ذلك: ~~(4) ~~«وهذا أيضا هو ما تشهد به العقوبات التي تتبع أفعالنا أحيانا، هذه ~~العقوبات هي بوجه ما علاجات، والعلاجات لا تفعل عادة وفي مجرى الأمور ~~الطبيعي؛ إلا بالأضداد.» # ولقد نذكر أن أرسطبس يقول إن العقوبات التي تفرض على التلاميذ في ~~المدارس أمر موجب للنظر، ولقد نذكر أيضا أنه قال بما يقرب مما قاله ~~به أرسطوطاليس، من أن العقوبات هي بوجه ما علاجات، ولقد نذكر مرة ثالثة ~~أن أرسطبس يعتقد أن العلاجات لا تفعل - أي تؤثر - إلا بالأضداد، فاللذائذ ~~قد يترتب عليها أفعال تكسبنا الرضا، وراحة البال حينا، وقد يترتب عليها ~~أفعال تكسبنا القلق وحساب الضمير حينا آخر، وكذلك الآلام، قد يترتب عليها ~~نتائج موجبة لمنتهى الرضا حينا، وبالغة منتهى الشدة والعنف حينا آخر، ~~وهذا نستخلصه من مجمل المذهب القوريني ومن تفاصيله، ذلك بأن هذه النتائج ~~المتضادة ما هي إلا علاجات نفسية لا بد من أن تترك أثرها الباقي في الأخلاق ~~والسلوك. # وهنا نجد أن أرسطوطاليس قد اقترب في مذهبه الأخلاقي مرة أخرى من ~~القورينيين، فكان أدنى إليهم مما كان سقراط ومما كان أفلاطون، بل إنه سلم ~~بهذا المبدأ تسليما بغير احتياط، فكان أقرب إليهم من أنقريز نفسه، وهو ~~من أقطاب المذهب القوريني، ثم يقول: ~~(5) ~~«يمكننا أن نكرر - زيادة على ذلك - ما قلناه آنفا، وهو أن كل ملكة للنفس ~~هي بطبعها الحقيقي ذات علاقة بالأشياء، ولا تتعلق إلا بالأشياء التي تصيرها ~~بالطبع أحسن أو أقبح، وأن ملكات النفس لا تفسد إلا باللذة أو الألم متى طلب ~~الإنسان أحدهما أو فر من الآخر، في حين أنه لا ينبغي له - ومن غير ~~تقدير للظرف الذي فيه يحصلهما ولا للطريقة التي بها ينبغي تحصيلها - ~~ارتكاب كثير من الخطيئات الأخرى المجانسة التي يسهل على العقل تصورها، ~~ولهذا استطاعوا أن يحددوا الفضائل بأنها حالات النفس التي هي خالية من ~~التأثر وفي راحة تامة، ولكن هذا التعريف ليس حقا؛ لأنه وارد ms096 على وجه ~~مطلق أكثر مما ينبغي، ولم يعن بإضافة بعض شروط إليه فيقال «بأنه ينبغي» أو ~~«لا ينبغي» أو «متى ينبغي» وتعديلات أخرى يمكن إدراكها بسهولة.» ~~ا.ه. # ولا شك عندي أن في قول أرسطوطاليس هذا مواضع كثيرة للنظر والبحث، فهو ما ~~دام يسلم بأن «كل ملكة للنفس هي بطبعها الحقيقي ذات علاقة بالأشياء، وأنها ~~لا تتعلق إلا بالأشياء التي تصيرها بالطبع أحسن أو أقبح»؛ وجب أن يسلم ~~استتباعا أن أثر هذه الأشياء في الملكات، سواء أكان من أثرها أن تحول ~~الملكات إلى ما هو أحسن أم أن تحولها إلى ما هو أقبح؛ لا بد من أن يتكيف ~~بمقتضى الظرف الحاصل فيكون باعثا على اللذة أو باعثا على الألم. # وإذا لم أكن مخطئا في تصور هذه النتيجة التي تترتب على المقدمة التي ~~وضعها أرسطوطاليس - ولا أخالني إلا محقا في استنتاجها - جاز لي أن أقرر ~~أن قول أرسطوطاليس «بأن ملكات النفس لا تفسد إلا باللذة أو الألم متى طلب ~~الإنسان أحدهما أو فر من الآخر»؛ ليس له من مبرر، اللهم إلا مبرر ~~الفرار من النتيجة المحتومة التي تترتب عليه، وهي القول بأن علاقة ملكات ~~النفس بالأشياء، لا بد من أن تتكيف دائما بإحدى صورتين، فتكون في إحداهما ~~لذة، وتكون في الأخرى ألما. # ولكن هل صحيح أن ملكات النفس لا تفسد إلا باللذة والألم وحدهما، إن كان ~~هناك مجال لإفسادها؟ وهل هذا الحكم الذي يطلقه أرسطوطاليس إطلاقا، يفيد ~~أن اللذة والألم لا يترتب عليهما في توجيه ملكات النفس إلا الفساد؟ إن في ~~هذا القول إنكار كلي لحقيقة المذهب القوريني وحقائقه القائمة على الحس ~~الإنساني، وعلى حقائق الطبع البشري، وما ينتجان من آثار ثابتة في الأخلاق ~~والسلوك. # وهنا نقول بأن النتائج المستبطنة التي تترتب على مقررات أرسطوطاليس، ~~تختلف تماما عن ظاهر مذهبه، وهي في جوهرها عريقة في الهيدونية، مفضية ~~بطبعها إلى التسليم بأن «اللذة والألم» مبدأ تصدر عنه أفعال النفس ~~المختلفة، وأن هذه الأفعال في مجموعها ما نسميه بالأخلاق، وفي تفصيلها ~~ما نسميه السلوك. ms097 # ولقد غلب على أرسطوطاليس ~~حب الترفع عن ذكر أسماء الفلاسفة الذين تلقح مذهبه بمذهبهم فقال: «ولهذا ~~استطاعوا أن يحددوا الفضائل بأنها حالات النفس التي هي فيها خالية من ~~التأثر وفي راحة تامة.» # ولعلك تسأل: من هم أولئك الذين استطاعوا؟ إن القورينيين لم يقولوا بهذا، ~~ولكن قاله الأبيقوريون، أنسباؤهم في المذهب، ونظراؤهم في الهيدونية. # والذي يخيل إلي أن أرسطوطاليس قد توسع في التعبير لأكثر مما يحتمل ~~المذهبان اللذان يضعهما نصب عينيه في كلامه هذا، فإن كلا من أرسطبس ~~وأبيقور لم يتكلم في الفضيلة إلا على أنها «الخير» الذي ينشده الإنسان في ~~الحياة، فقال أرسطبس: إن اللذة خير مهما كانت، وعرف «أخير» صورها بأنها ~~«حركة لطيفة»، لا إلى الإفراط ولا إلى التفريط، أما الإفراط عنده فلذة ~~جامحة يعقبها من الألم ما يرجح اللذة، وأما التفريط فحالة سلبية، وهذه ~~الحالة السلبية هي التي يفضلها أبيقور، فقال: إنها لا تطلب اللذة الجامحة، ~~ولا تطلب الحركة اللطيفة، وإنما تطلب التحرر من الألم. # فهل لنا بعد ذلك أن نقول: إن أرسطوطاليس قد خلط بين مذهب أرسطبس ومذهب ~~أبيقور؟ هل لنا أن نقول: إنه لم يميز بينهما تمييزا صحيحا؟ الأرجح عندي ~~أن أرسطوطاليس كان يقذف بكل هؤلاء في أتون واحد، ويحمي عليهم من وقود فكره، ~~ولكن ناره كانت تضعف بعض الأحيان، فيبرز من خلال اللهب وجه أرسطبس مرة، ~~ووجه أبيقور أخرى فيقرآه السلام. # فصلنا حتى الآن خمس مسائل، من إحدى عشرة مسألة، شرح بها أرسطوطاليس رأيه في اللذة ~~والألم على أن الشروح التي مضينا فيها حتى الآن كافية لأن تجعل فهم المسائل الست ~~الباقية ونقدها سهلا على من يفهم ما تكلمنا فيه فهما صحيحا، ولهذا أكتفي بأن أنقل ~~المسائل الست الباقية لتكون مرجعا للباحث، إذا ما أراد أن يطبق شيئا من نقدنا السابق ~~عليها، قال أرسطوطاليس في الباب الذي ذكرناه قبلا: ~~(6) ~~«يجب حينئذ أن يقرر مبدئيا أن الفضيلة هي ما يصرف أمرنا تلقاء ~~الآلام واللذات، بحيث يكون سلوكنا أحسن ما يكون، والرذيلة هي على التحقيق ~~ضد ذلك.» ms098 ~~(7) # هاك ملاحظة تفهمنا بأجلى من ذلك أيضا، جميع البحوث المتقدمة، توجد ~~ثلاثة أشياء تطلب وتوجد ثلاثة تجتنب، فالمطلوبات هي: الخير والنافع ~~والملائم، والمجتنبات أضدادها الثلاثة: الشر والضار وغير الملائم، وتلقاء ~~جميع هذه الأشياء يعرف الرجل الفاضل أن يسلك سلوكا حسنا، ويتبع ~~الطريق المستقيم، والشرير لا يرتكب فيها إلا خطايا، ويرتكب منها على الخصوص ~~ما يتعلق باللذة؛ لأن هي بديا إحساس عام لجميع الكائنات الحية، وفوق ~~ذلك فإنها توجد على أثر جميع الأفعال المتروكة لإيثارنا واختيارنا الحر، ما ~~دام أن الخير نفسه والمنفعة، يمكن أن يكونا كاسيين ظاهرا من ~~اللذة. # 6 ~~(8) # نضيف إلى هذا أنه منذ طفوليتنا الأولى، منذ تلك السن التي فيها لا نكاد ~~نرت، قد غذيت اللذة بوجه ما وشبت معنا، قد يكون حينئذ صعبا جدا أن ~~نتخلص من وجدان تأصل في حياتنا وتلون بجميع ألوانها، وفي حين أن اللذة ~~والألم في اعتبار الأشخاص هما قاعدة تنظم سلوكهم تماما، كثيرا أو ~~قليلا.» ~~(9) ~~«هذا هو ما يجعل ضروريا جدا أن هذه الدراسة التي تلي، يجب أن تحمل ~~على هذين الإحساسين، فليس شيئا صغيرا فيما يتعلق بأفعالنا أن يعلم المرء ~~كيف يحسن أو يسيء التلذذ أو التألم». # 7 ~~(10) ~~«تنبيه آخر، إن قهر اللذة هو أيضا أصعب من قهر الغضب، كما يقول ~~هيرقليطس؛ إذن الغنى والفضيلة يؤثر تطبيقها دائما على ما هو الأصعب، ما ~~دام أنه في الأمور التي هي أصعب، يكون جزاء الخير جزاء أوفى، وهذا نفسه ~~سبب آخر في أن الفضيلة والسياسة يجب أن تعنى كلتاهما بدرس اللذات والآلام؛ ~~لأن هذا الذي يحسن استعمال هذين الإحساسين يكون خيرا، والشرير هو ~~الذي يسيء استعمالهما.» ~~(11) ~~«على هذا إذن قد أثبتنا أن الفضيلة لا تشتغل في الحقيقة إلا باللذات ~~والآلام، وأنها تنمو بالأسباب التي تولدها، وأنها تفسد بتلك الأسباب عينها ~~متى تغير اتجاهها، وأنها تفعل وتتمرن على هذه الإحساسات التي منها تولدت، ~~تلك هي المبادئ التي وصفناها آنفا.» # والتعمق في البحث يدلنا على أن أرسطوطاليس أخذ كثيرا من أصول مذهب أرسطبس، وأدمجها ~~في ms099 مذهبه الأخلاقي، وأنه طبق النظرية القورينية في درجات اللذة، على ثلاثة أشياء من ~~مقومات مذهبه. # فإن أرسطوطاليس عندما يتكلم في «الخيرات» وفي «عناصر النفس» وفي «الاستعداد ~~الأخلاقي» يقسم كلا من هذه الأشياء ثلاثة أقسام، كل قسم منها يقابل درجة من درجات ~~اللذة عند أرسطبس، وسنشرح ذلك بعد أن نبين عن الأقسام التي وضعها أرسطوطاليس لهذه ~~الأشياء. # فالخيرات عند أرسطوطاليس على ثلاثة أنواع: ~~(أ) # خيرات خارجية. ~~(ب) # خيرات النفس. ~~(ج) # خيرات البدن. # وعناصر النفس عنده ثلاثة: ~~(أ) # الشهوات. ~~(ب) # الخواص. ~~(ج) # العادات. # والاستعداد الأخلاقي عنده على ثلاث درجات: ~~(أ) # إفراط. ~~(ب) # فضيلة. ~~(ج) # تفريط. # فإذا رجعنا إلى كلامنا من قبل في الفصل الثالث ~~(أبيقور وشروح في فلسفة أرسطبس، رأينا أن اصطلاح اللذة لم يؤد عند أرسطبس أدنى ما ~~تصل إليه الانفعالات عند أبيقور، كما ذهب البعض، بل عبر عن حد ليس بالأدنى ولا بالأعلى ~~في قياس الانفعالات من طريق إيجابي صرف، ثم وضحنا هذه النظرية بنظرية نفسية تعرف عند ~~علماء النفس بنظرية الوعي، ومثلنا لنظرية أرسطبس بالبيان الآتي مع تحوير قليل في ~~التفاصيل: # وهنا نرجع إلى شرح أقسام أرسطوطاليس، ونقارنها بدرجات اللذة عند أرسطبس، وسوف نجد ~~أن كل قسم من أقسام أرسطوطاليس يقابله درجة من درجات اللذة عند أرسطبس، ولا شك عندي ~~في أن بين أقسام أرسطوطاليس وبين درجات اللذة عند أرسطبس أكبر الآصرة. # وسنمضي في المقارنة بين تقسيم الفيلسوفين على الطريقة التي يتبعها الإحصائيون في بيان ~~نسبة الإحصائيات بالرسوم، ليكون ذلك أبين وأجلى، على أن نعرف أن الخيرات عند ~~أرسطوطاليس هي «السعادة» وعناصر النفس هي «الطبع» والاستعداد الأخلاقي هي «الملكات». # وليس لنا أن نمضي في المناقشة في هذه الأقسام بعد هذا البيان، بل نكتفي بأن نورد ~~أقوال أرسطوطاليس فيها، ولا شك عندي في أن كل من درس مبادئ القورينيين التي شرحناها ~~من قبل يستطيع أن يدرك منها الحقيقة التي نريد إثباتها. # قال أرسطوطاليس في ص340 جزء أول الباب الخامس من الكتاب الثاني في الأخلاق ما يلي: # ليس في النفس إلا ms100 ثلاثة عناصر؛ الشهوات أو الانفعالات، والخواص، والملكات ~~المكتسبة أو العادات، فيلزم أن تكون الفضيلة واحدة من هذه الأخلاق. # وجاء في ص258 وما بعدها ج1 الباب الثامن من الكتاب الثاني ما يلي: # الاستعدادات الأخلاقية الثلاثة التي منها رذيلتان: إحداهما بالإفراط، ~~والأخرى بالتفريط، ومنها فضيلة واحدة تكون في الوسط بين الطرفين؛ هي كلها بوجه ~~ما متضادة بعضها لبعض ، فبديا الطرفان للوسط، ومتضادان بينهما أيضا، ثم إن ~~الوسط هو مضاد للطرفين، كما أن المساوي - مقارنا بالحد الأصغر - هو أكبر من ~~هذا الحد وأصغر من الحد الأكبر في نسبته له، كذلك الكيوف والاستعدادات المتوسطة ~~في تناسبها مع الاستعدادات بالتفريط تظهر إفراطات، وبالضد في نسبتها إلى ~~الاستعدادات بالإفراط تصير هي نفسها بوجه ما، تفريطات في الانفعالات وفي ~~الأفعال على السواء. # وجاء في ص261 جزء أول الباب التاسع من الكتاب الثاني ما يلي: # قد بان حينئذ أن الفضيلة الأخلاقية هي وسط، وقد علم كيف هي، أعني أنها وسط ~~بين رذيلتين: إحداهما بالإفراط، والأخرى بالتفريط، وقد بان أيضا أن مميز ~~الفضيلة هذا، يأتي من أنها تطلب دائما هذا الوسط القيم في كل ما يتعلق ~~بانفعالات الإنسان وأفعاله، تلك نقط يظهر أنها وضحت تماما، يجب علينا أن نفهم ~~أيضا من ذلك؛ لماذا يجد الإنسان مشقة في أن يكون فاضلا، فإن إدراك الوسط في ~~كل شيء أمر صعب جدا، كما أن استكشاف مركز دائرة لا يتيسر لجميع الناس، وأنه ~~يلزم لإيجاده بالضبط أن يعرف المرء حل هذه النظرية. # إن أول ما يعنى به من يريد أن يصيب ذلك الوسط القيم هو أن يبتعد عن ~~الرذيلة التي هي أشد ما يكون تضادا وإياه. # لأن هذين الطرفين أحدهما هو دائما أكبر إثما والآخر أقل، ولما أنه من ~~الصعب جدا إيجاد هذا الوسط المرغوب فيه، لزم إذن أن يقال بتغيير الطرائق ~~والأخذ بأقل الشرين. # على هذا يجب علينا أن نعلم حق العلم، الميول التي هي فينا أدخل في الطبع؛ ~~لأن الطبع يعطينا ميولا مختلفة جدا، وإن ما يجعلنا نعرف ذلك بسهولة، هي ms101 ~~انفعالات اللذة أو الألم التي نشعر بها. # يلزم أن نجعل أنفسنا نميل نحو الجهة المضادة؛ لأننا بابتعادنا بكل قوانا عن ~~الخطيئة التي نخشاها، نقف في الوسط كما يفعل تقريبا حينما يطلب تقويم قطعة ~~خشب معوجة. # إن الخطر الذي يلزم دائما اتقاؤه بغاية الانتباه، هو ذلك الذي يرضينا، هو ~~اللذة؛ لأننا لا نكون البتة في هذه الحالة قضاة لا يرتشون. # ثم جاء بعد ذلك: # لأجل تلخيص فكرتنا في بعض كلمات، نقول إننا بهذا السلوك على الأخص ننجح في ~~إيجاد الوسط والخير، وفي الحقيقة إنها نقطة صعبة، وإنها لكذلك على الخصوص في ~~مجرى الحياة اليومية، مثال ذلك أنه ليس من السهل أن نعين بالضبط سلفا، كيف، ~~وضد من، ولأي سبب، ولأي مدة من الزمن؛ ينبغي للإنسان أن يغضب؛ لأننا تارة ~~يجب علينا أن نمدح أولئك الذين يقصرون عن هذا الحد ويمتنعون، ونقول إنهم ~~مملوءون حلما، وتارة نمدح كذلك الذين يغضبون ونجد فيهم حزما خليقا ~~بالرجل. # حق إن من لا يحيد إلا قليلا جدا عن الخير، لا يستهدف للذم سواء حاد عنه ~~إلى جهة الأكثر، أو حاد إلى جهة الأقل، في حين أن الذي يبتعد عنه أكثر لا يمكن ~~أن يفر من الانتقاد على خطيئة امرئ يراها. # ثم يجيء بعد ذلك: # ومهما يكن فإن من الواضح أن الملكة الوسطى هي وحدها الممدوحة، وأنه ~~لتقويم أنفسنا يلزمنا أن نميل تارة نحو الإفراط، وتارة نحو التفريط؛ لأننا بهذه ~~المثابة يمكننا بأسهل ما يكون أن نصيب الوسط والخير. ا.ه. # وبعد، فهذا هو تلخيص أرسطوطاليس الذي يعقب به على تقاسيمه التي أوردناها وقابلناها ~~بدرجات اللذة عند أرسطبس. # وهل تجد من الشرح والبيان ما هو أروع من تفسير أرسطوطاليس لفضيلة «الوسط» التي هي لذة ~~(حركة لطيفة) عند أرسطبس؟ # أما إذا كانت الملكة الوسطى هي وحدها الممدوحة كما يقول أرسطوطاليس، وأن تقويم النفس، ~~على ما يقول، يلزمنا أن نميل تارة نحو الإفراط (الألم) وتارة نحو التفريط (التحرر من ~~اللذة والألم) لأننا بهذه المثابة يمكننا بأسهل ما يكون أن نصيب ms102 الوسط والخير (الحركة ~~اللطيفة)؛ أي اللذة عند أرسطبس، فأي شيء بقي بعد ذلك من مذهب أرسطبس لم يدخل في مذهب ~~أرسطوطاليس الأخلاقي؟ وأي شيء من مذهب أرسطوطاليس في السعادة لم يرجع إلى هيدونية ~~أرسطبس؟ # ورأينا الأخير أن مذهب أرسطوطاليس لا يختلف عن مذهب أرسطبس من حيث القواعد، إلا في موضعين: # الأول: # أن أرسطبس يحدد الخير بأنه اللذة، على أن تكون «حركة لطيفة» لا ~~إفراط فيها فتصبح ألما، ولا تفريط فيها فتصبح سلبا، في حين أن ~~أرسطوطاليس يقول بأن الخير هو فاعلية النفس، على أن تكون هذه الفاعلية ~~مقودة بالفضيلة. # والثاني: # أن أرسطبس يقيم مذهبه على اللذة والألم، وهما من جوهر الطبع، في حين ~~أن أرسطو يقيم مذهبه على مثالية عليا، وبالأحرى على مجهولات. # ولا شك في أن مذهب أرسطبس أقرب إلى أساليب العلم الحديث من مذهب أرسطوطاليس. # | هوامش # الفصل الخامس # | في تطبيق المذهب على الحقائق الجديدة # «كان أنقريز» من معاصري هجسياس، ولقد بلغت الآداب القورينية بظهوره أسمى مبلغ من ~~الصفاء والتهذيب، على أنه كان ابن عصره، طبع بطابعه ودرج على سنته، فإنه لم يكن أثبت من ~~هجسياس عقيدة في توقع الحصول على السعادة الفعلية، ولكنه قضى بأن الحكيم «سعيد» وإن كان ~~نصيبه من اللذة ضئيلا جهد تصورك. # حقائق العلم # قضينا بأن مذهب أرسطبس أقرب إلى أساليب العلم الحديث من مذهب أرسطوطاليس، وقصدنا ~~بهذا أن مذهب أرسطبس مذهب عملي، يقوم على أصول ثابتة في جوهر الطبع، فهل في علم ~~النفس الحديث ما يؤيد هذا المذهب الذي نذهبه في تعريف المذهب القوريني؟ يخيل إلي ~~أن طرق البحث في الطبيعة الإنسانية تؤيد مذهب أرسطبس تأييدا كبيرا، فهو يغلب ~~الشهوة والميول على العقل وعلى الإرادة، ويجعل السيطرة في السلوك البشري خاضعة للنواحي ~~المحررة من قسر القوانين الحديدية، تلك التي حاول أرسطوطاليس أن يخضع لها الخلق ~~والسلوك، ذلك بأن تلبية نداء الفطرة، مهما كان فيه من مخالفة للمثل العليا الخيالية، ~~ومهما كان فيه من تعرض للمخاطر وبعد عن السلام، فإنه أرضى للنفس وأرخى للميول ~~والرغبات. ms103 # ولكن هل ما ندعوه الطبع البشري شيء محدود محصور؟ لا شك في أننا لا نستطيع أن نحصر ~~نزعات الطبع البشري في كل التفاصيل التي تتجلى فيها مظاهره، ولكن في مكنتنا أن نحصر ~~الكليات التي تنطوي تحتها ظواهر الطبع البشري، والتي نجد في كل لغة من اللغات ألفاظا ~~تدل على التعريف بما يقصد منها، ولا شك في أنك إذا قلت «الطبع البشري» فإنما تقصد بذلك ~~مجموعة من الصفات الفطرية تتجلى مظاهرها في كل أفراد النوع البشري، أمراء وصعاليك، ~~علماء وجهلاء، نبلاء ودهماء، أغنياء وفقراء. # يدلك على صحة هذا القول أنه لا يستعصي عليك - بقليل من صفاء النفس والحب والعطف - أن ~~تكسب صداقة من تريد من الناس، مهما بعد ما بينك وبينهم من الفوارق الثقافية ~~والسلالية، ذلك بأن الطبع البشري أصيل في كل الناس، ولا شك في أنه يستجيب لبواعث ~~بعينها، ويستيقظ مطاوعة لمنبهات خلقية واحدة، ولا شبهة في أنك لا تحتاج إلى وسيلة اللغة ~~لتوقظ في غيرك استجابات الطبع، فإن الابتسامة توقظ الابتسامة، والخير يوقظ الخير، ~~والحزن يوقظ الشفقة، والألم يبعث العطف، كذلك نجد أن الغضب والخوف والمقت والتعجب ~~والفخر والاستكانة والحب إلى غير ذلك من الصفات الفطرية؛ تظهر ملابسة لصور واحدة، ~~وتتبعها حركات وإشارات لا تتغير على وجه التقريب بتغير الأفراد والشعوب، وليس هذا ~~بمحصور في الأفراد البالغين، فإن الأطفال الذين لا يستطيعون استعمال كثير من الكلمات ~~يفقهون من تلك الحركات والإشارات نفس ما تؤديه الكلمات، وتستقوي عليهم معها نفس ~~الاستجابات التي توحي بها اللغة، وهنالك أشخاص يرهبهم الأطفال على اختلاف سلالاتهم، ~~وهنالك غيرهم يألفهم الأطفال ويلجئون إلى أحضانهم وعلى شفاههم ابتسامة الغبطة ~~والحبور. # وفي كل هذا براهين ظاهرة على أن خصائص الطبع البشري مشاع بين كل السلالات البشرية، ~~ولكن مم تتكون هذه الصفات؟ وإلى أي حد يذهب أثرها؟ وعلى أن العلم يعجز عن الإجابة عن ~~مثل هذه الأسئلة على صورة محدودة كاملة، فإن شرح بعض الأصول التي يتكون منها الطبع ~~البشري يكفي في هذا الموطن للدلالة على ما نقصد ms104 من الكلام، في أن مذهب أرسطبس أقرب إلى ~~مطالب الطبع البشري من كل المذاهب الأخلاقية التي ذاعت في بلاد الإغريق القديمة، وعلى ~~الأخص فلسفة أرسطوطاليس. # وليس لنا في هذا الموطن أن نستطرد إلى بحث كل من تلك الصفات الفطرية، ولكن لنا أن ~~نعدد أكثرها أثرا في سلوك الإنسان، وأظن أن مجرد تعدادها يظهر الباحث على أنها من ~~خصائص الطبع وليست الملكات التي تكسب بالمرانة والعادة، وإليك هي: ~~(1) # الذكاء. ~~(2) # الميول الانفعالية. ~~(3) # قواسر الطبع. ~~(4) # الميل الجنسي. # هذه بعض الطبائع الرئيسة في فطرة الإنسان، وتحت كل منها ينطوي عدد من الصفات الثابتة ~~في تضاعيفه، فهل يجدر بنا أن ننكرها لنقول بالمثاليات، أم ندرسها لنهذبها ونضبط ~~انفعالاتها، ودرجات تنوحها بين حدي الإفراط والتفريط. # إن أرسطوطاليس يقول بنكرانها البتة بجانب المثاليات التي يدعو إليها، بل يقول بقمعها ~~لتصح نظرياته، أما أرسطبس فيعترف بها ليستطيع أن يحكمها ويهذبها، وهذا فرق بين فلسفة ~~المعلم الأول، ومذهب الفيلسوف القوريني، ولهذا كان اعتماد أهل الكلام على فلسفة ~~أرسطوطاليس عاما شاملا، كما أن نفورهم من أصحاب اللذة والقائلين بالمذهب الذري كان ~~عاما شاملا. # ولكن لنا أن نتساءل بجانب هذا: متى، وفي أي عصر من العصور استقوت النظريات الأخلاقية ~~على نزعات الطبع؟ وفي أية جماعة من الجماعات الإنسانية استطاع المنطق - مهما كان سليما ~~- أن يخضع الميول والشهوات؟ إنما يكون الطريق إلى تحويل النزعات وتهذيبها ممهدا ~~ذلولا، والعمل في سبيل الاستقواء على بعض الميول الدنية بتقوية بعض الميول السامية ~~ممكنا مستطاعا، إذا نحن أكببنا على درسها الدرس الوافر أو تحليل أجزائها والنظر في ~~مفصلاتها نظرا شاملا صحيحا، وكيف يمكن الوصول إلى هذا إذا نحن أنكرنا خصائص الطبع ~~وميول الفطرة وحاولنا أن نقمعها بالنظريات والمنطق؟ # أودكسس هيدوني متقشف # يقول العلامة جومبرتز إنه مهما يكن من أمر فإن الواجب يدعونا لأن نحتفظ بالمذهب ~~القوريني في اللذة منفصلا عن الصفات الشخصية ونواحي السلوك العملي التي اتصف بها ~~مؤسس هذا المذهب. # 1 # أما الضرورة التي تحفز بعض الكتاب إلى الفصل بين شخصية أرسطبس ومذهبه فتظهر جلية، ms105 ~~إذا رجعنا إلى حالة مشابهة ذكرناها ومثلنا فيها بالفيلسوف أودكسس الذي وضع مذهبه في ~~الأخلاق على نفس القاعدة التي اتخذها أرسطبس أساسا لفلسفته، وهي الحصول على «اللذة»، ~~بل قضى بأن كل المخلوقات - عاقلة وغير عاقلة - إنما تتطلع إلى «اللذة»، # 2 # ولكنه ظل في حياته الخاصة - كما قال أرسطوطاليس - بعيدا جهد البعد عن كل ~~سعي في سبيل اللذة، وقد أفلح في أن يضم إلى مذهبه عددا عديدا من الأتباع الذين أجلوا ~~فيه سلوكه وأنزلوه منزلة التقديس والاحترام الكلي، وما حياة الفيلسوف جرمي بنتام في ~~الأعصر الحديثة إلا مثلا متجددا من فيلسوف القدماء، فقد عاش بنتام طوال حياته مكبا ~~كل الإكباب على العمل المنتج، راضي النفس، مضحيا بكل لذائذه في سبيل أن يرفع مستوى ~~الحياة الإنسانية. # تقلبات المذهب القوريني عند النظر في الحياة الإنسانية # يدلنا تاريخ المذهب القوريني على أن وجهة النظر التي نظر من ناحيتها أعلام المذهب في ~~الحياة الإنسانية، قد انتابتها تغايرات عديدة، ولقد دار الخلاف بينهم على أمرين: الأول: ~~هل السعادة شيء في منال الإنسان؟ والثاني: مم تتكون السعادة؟ # وعلى الرغم من الخلاف الذي قام حول البحث عن جواب مقنع لهذين الأمرين، فإن الفكرة ~~الأساسية التي قام عليها المذهب ظلت ثابتة لم تتغير ولم تعصف من حولها رياح الفكر، ~~أما العنصر الطبيعي الذي تقوم عليه تلك الفكرة الأساسية واستنتاجها للنواميس الأدبية من ~~«الحياة الطيبة» التي تحياها «الذات» فأمر شائع في كل المذاهب الأدبية التي نقلت عن ~~القدماء، فإن كل المذاهب إنما ترتكز على أساس رمى واضعوه إلى العمل على خير الإنسانية # Eudaimonism ~~، وسواء أسمينا الغاية أو الغرض من ~~الحياة «سعادة» أم حللنا ذلك الغرض وتلك الغاية على غموضهما واختلاط مكوناتهما إلى ~~عناصرهما الأولية، ويقصد بها الإحساسات الفردية المصبوغة بصبغة «اللذة» ومن مجموعها ~~تتكون السعادة، فإن المبدأ يظل واحدا غير متأثر بأي أثر خارجي. # بالرغم من هذا كله يبقى أمامنا سؤالان خطيران لتفهم حقيقة المذهب: أولهما: «ما هي ~~العناصر العملية التي يقوم عليها هذا المذهب أو غيره من المذاهب الأخلاقية؟» ms106 وثانيهما: ~~«كيف يمكن استنتاج قواعد السلوك التي يدعو إليها هذا المذهب استنتاجا نظريا من ~~المبادئ الجوهرية التي يقوم عليها؟» # العناصر العملية في المذهب القوريني # ليس لدينا من مصادر صحيحة مفصلة الأبواب يمكن الاعتماد عليها في درس العناصر العملية ~~التي يقوم عليها المذهب القوريني باعتباره مذهبا أدبيا، على أن انعدام المصادر نفسه ~~مع القليل مما وصل إلينا عن حقيقة هذا المذهب، كمذهب أدبي، من العبارات التي لا تقل ~~عن مقطوعة ولا تزيد عن مقطوعتين، يمكن أن نستنتج معه أن مثل الحياة التي عكف عليها ~~هؤلاء السقراطيون لا تختلف كثيرا عن المثل التقليدية التي عرف بها المذهب السقراطي، ~~ويقال: إن أرسطبس نفسه قد أجاب على سؤال وجه إليه مرة «عما هو الخير الذي يمكن أن ~~يجنى من الفلسفة؟» فقال: «إن الغرض الأول منها هو أن تمكن الفيلسوف من أن يعيش حتى لو ~~فرض وألغيت كل الشرائع كما كان يعيش وهي قائمة.» # على أن القيمة التاريخية التي يمكن أن تعزى إلى مثل هذه الأقول المأثورة وما يجري ~~مجراها من الأمثال والحكم؛ ضئيلة من غير شبهة، وكلمة مأثورة كهذه على الرغم من أننا ~~نكاد نجزم بأنها لم تقل إلا لتظهر مقدار ما يسمو إليه ذو الحكمة من الاستعلاء فوق ~~قسر الشرائع، لا يمكن أن تنتحل على رأس المدرسة القورينية ومؤسسها، إذا كانت تختلف في ~~مرماها وغايتها مع المثاليات المقبولة في المذهب القوريني، شأن نظام الكلبيين ~~مثلا. # وهذا التخريج يكون - ولا شبهة - أكثر تقبلا لدى الباحث، إذا عرف أن كل الذين أكبوا ~~على درس الفلسفة اليوناينة لم يعثروا في طيات المذهب القوريني على إشارة أو بادرة أو ~~معنى يرمي إلى معاندة النظام الاجتماعي، وأن كل رجال هذا المذهب حتى من تطرف منهم في ~~الهرطقة الدينية مثل ثيوذورس كانوا على أحسن صلات الود مع حكام عصورهم، وفي هذا دليل ~~قاطع على أنهم لم يعاندوا النظم الاجتماعية ولا التقاليد لا قولا ولا فعلا. # ومما يدل على حقيقة هذا الأمر أن العلامة روبرتسون الإنجليزي قد قرر في كتابه ms107 ~~«مختصر تاريخ الأخلاق» ص132، لدى الكلام عن القورينيين أشياء تدل على صحة هذا التخريج، ~~فقال بأن من تعاليم هذه المدرسة «أن الناس يجب أن ينشدوا اللذة، وأن الاختيار ~~العقلي ونشدان اللذة، هما غايتا الحياة العقلية، تلك التي لا يجب أن تعتبر الفضائل ~~والنفائس الخلقية، إلا وسائل تؤدي إليها.» # قواعد في السلوك تستنتج نظريا من مبادئ جوهرية # ليس بنا من حاجة لأن نكرر القول هنا بأن القورينيين لم يقصدوا باللذة اللذة ~~الحسية وحدها؛ فقد أشاروا بين الكثير مما أشاروا إليه في مذهبهم، أن الآثار الواحدة ~~التي تتقبلها العين أو تسمعها الأذن إنما تحدث نتائج انفعالية مختلفة، على مقتضى ~~الأحكام التي يجريها عليها العقل، # 3 # فصرخات الألم التي تؤذينا عندما تخرج من أفواه الذين يتألمون فعلا، إنما ~~تبعث فينا اللذة عندما تكون في درج استعراض تراجيدي فوق المسرح. # والحقيقة أن هذا المذهب، أو بالأحرى قسما منه؛ قد خص اللذائذ الحسية بأوفر قسط من ~~الانتباه، وعزى إليها أعظم الآثار، ومن أجل هذا أيد الفكرة السائدة في استخدام العقاب ~~البدني في دور التعليم وفي تطبيق قانون العقوبات بصرامة. # وهنا ينتقل المذهب برمته إلى أوج جديد تدرجت فيه مبادئ المذهب القوريني الأدبية، وهو ~~أوج دلف فيه المذهب نحو أمرين: الأول: الإمعان في الرفه، والثاني: الإمعان في ~~التشاؤم. # على أن التشاؤم كان الطابع الثابت الذي ترك أثره الباقي في جبين كل ما أخرجت ثقافة ~~ذلك العصر من الآثار. # هجسياس: رسول الموت # بعد أجيال أربعة قطعتها دورة الزمان بعد أرسطبس ظهر «هجسياس # Hegesias ~~» الذي كني «رسول الموت»، ففي كتاب له عنوانه «الانتحار» أو ~~بالتحقيق «الانتحار جوعا» قد أبان كما أبان في محاضراته عن مفاسد هذه الحياة ونقائصها ~~على صورة حزت في أشد القلوب حبا في الحياة، حتى إن أهل الحكم في مدينة الإسكندرية ~~قد اضطروا إلى منعه عن إلقاء محاضراته، ليتقوا بذلك خطر الدعوة إلى الانتحار. # فلا عجب إذن بعد هذا إذا عرفنا أن هذا الفيلسوف قد اعتقد بأن السعادة لا تنال في هذه ~~الحياة، وأن واجب ms108 الحكيم ينحصر في اتقاء الشرور أكثر من نشدان الخيرات، على أن الذين ~~لم يتعودوا التغلغل في مختلف الاتصالات الفكرية العميقة، مع ما يتولد عنها من الحنايا ~~والشعاب التي تفرعت فيها الفكرة السقراطية؛ ليعجبون أشد العجب لما يرون من تواتر فكرة ~~عدم المبالاة في المذهب القوريني، وهي فكرة تكاد تكون خصيصة بمذهب الكلبيين. # فلقد دعا هجسياس إلى عدم المبالاة بكل الظواهر والأمور الخارجية ، لا على الصورة أو ~~الطريقة التي دعا بها الكلبيون، ولكن على قاعدة أنه ليس من شيء هو بالطبع ملذ أو مؤلم، ~~بل الجدة والندرة، التي نجد أحدهما في شيء ما أو إشباع الشهوة بالحصول على ذلك الشيء، ~~هي التي تحدث اللذة والألم. # على هذا كان يعلم، وإلى هذا كان يدعو، وما هذا لدى الحقيقة سوى مغالاة في التعبير ~~عن شعور صحيح بأن «السعادة» يمكن أن تزيد إلى القدرة على الصبر والاحتمال، وأن تخفف من ~~حدة المشاعر. # وفي مذهب سقراط الذي قال فيه بعدم الاختيار في فعل الشر؛ نرى الجرثومة الأولى لذلك ~~التمادي نحو الخطأ الذي أخذه هجسياس قضية مسلما بها، ودعا إليه بعد أن شرب به ~~المذهب القوريني بكل ما أوتي من حماسة وقوة. # لا تكره ولا تبغض بل علم وثقف، هذا هو الحمل الثقيل الذي حمله هجسياس، ودعا الناس ~~أن يحملوه معه، وإن هذا ليذكرنا ببعض الفلاسفة المحدثين، مثل: إسبينوزا، وهلفتيوس، ~~فكلاهما بدأ شوطه بمثل هذه المقدمات. # أما العنصر الأصيل في فلسفة هجسياس فينحصر في أنه عارض أرسطبس، فقال: إن التحرر من ~~الألم هو الخير الأسمى، ولهذا فضل الموت على الحياة. # 4 # تلاقح المذاهب من القورينيين إلى الرواقيين # من الأمثال التي نضربها على تلاقح المذاهب جملة وتفصيلا، أن المذهب الرواقي - وهو ~~مذهب نشأ من تدرجات دقيقة، تدرج فيها المذهب الهيدوني - قد نقل عن هجسياس فكرته في ~~الانتحار، ولكنه جعل الانتحار وسيلة يحقق بها الإنسان حريته إذا أراد، ولا شك في أن هذه ~~الفكرة تنطوي من ورائها فكرة الحياة الأخرى، فكان ذلك من الممهدات الأولية التي أفسحت ~~السبيل ms109 لذيوع الديانة النصرانية، بما فيها من فكرات أساسية في الحياة بعد الموت، وفكرة ~~الثواب والعقاب والخلاص وما إلى ذلك. # جمعت الفلسفة الرواقية بين فكرتين، فكما أنها حضت على أن لا يفر الإنسان من القيام ~~بواجب من واجباته فإنها أجازت للإنسان أن يتخلص من حياته وأن يتصرف فيها بكامل حريته، ~~وفي الفكرة الأولى عنصر قوريني أصيل، أما في الثانية فعنصر دخيل منقول عن هجسياس ~~ترجيحا. # على أن الانتحار عند الأقدمين لم يعتبر قط من كبائر الإثم، فإن أبيقور مثلا قد حض ~~الناس على أن يوازنوا بدقة بين أن يأتيهم الموت وبين أن يذهبوا للموت بأنفسهم، ولقد ~~انتحر كثير من أتباع أبيقور مثل «لوقرشيوس # Lucretius ~~» ~~شاعر الرواقيين المعروف، و«قشيوس # Cassius ~~» وكان داعية ~~شديد الخطر ضد الطغاة يدعو إلى قتلهم، و«أتيقوس # Atticus ~~» صديق قيقرون الخطيب و«فطرنيوس Petronius ~~» الشهواني الخليع، وديودورس الفيلسوف، ولنا هنا أن نتساءل: ~~هل من علاقة بين فكرة أبيقور هذه وبين دعوة هجسياس للانتحار؟ # أما «بلنيوس Pliny ~~» فقد ذهب إلى أن حظ الإنسان من ~~حيث قدرته على التخلص من الحياة يفوق حظ الخالق، ذلك بأن للإنسان القدرة على أن يذهب ~~إلى القبر باختياره، بل قال بأن من أكبر البراهين على كرم العناية القدسية، أنها حبت ~~الناس بكثير من أنواع الأعشاب المسمة التي يجد فيها المتعبون والمتبرمون بالحياة، موتا ~~سريعا لا ألم فيه. # غير أن فكرة الانتحار لم تبلغ مبلغها الأقصى إلا في عصر الإمبراطورية الرومانية، ~~وعند رواقيي الرومان، حيث تحددت فكرتها وكملت صورتها الفلسفية، فمنذ عهد من الزمان ~~عهيد، كانت فكرة التضحية بالذات قد حبذت على اعتبار أنها من الطقوس الدينية. # ولقد تجمعت في أواخر العصر الوثني أسباب كثيرة قادت الناس إلى الإخلاد لفكرة التضحية ~~بالذات، ولن تجد من الأشياء الدنيوية ما هو أكثر مسا للقلب من ذلك الجدل الشعري الذي ~~حوط به «سنيكا # Seneca ~~» الانتحار في عصر نيرون المستبد ~~الروماني على أنه الملجأ الوحيد للمستبد بهم والمظلومين، والنهاية الحلوة التي ينشدها ~~العقل المضطرب الحائر، قال: # بالموت وحده نعرف أن الحياة ms110 ليست عقابا، وإني لأقف قوي الأعصاب تحت أنواء ~~الحظ والأقدار، إذ أستطيع أن أحتفظ بعقلي غير مضطرب، وأن أمضي به سيدا لنفسه، ~~فإن لدي الملاذ الأخير، ولقد أرى المخلعة وأرى السندان، # 5 # مهيأة لأن تلقم كل طرف من أطرافي، وكل عصب من أعصابي، غير أني أرى ~~الموت أيضا بجانب هذه الآلات الجهنمية، إنه يقف بعيدا عن أن تناله أيدي ~~أعدائي، وقصيا عن أن تمتد إليه قدرة عشيرتي ، إن العبودية لتفقد ما فيها من ~~مرارة، ما دمت قادرا بخطوة واحدة أن أصل إلى الحرية، ومن كل متاعب الحياة لي ~~في الموت مهرب وملاذ. # أينما أدرت وجهك رأيت رذائل، وإنك لترى أيضا تلك الهاوية السحيقة، ففيها ~~تستطيع أن تهبط إلى الحرية، هل أنت تنشد طريق الحرية والخلاص؟ إنك لتجدها في أي ~~شريان من شرايين جسمك الزائل. # لو خيرت بين ميتة عنيفة وأخرى هينة لينة، فلماذا لا أختار الثانية؟ وكما ~~أختار السفينة التي أمخر فوق ظهرها العباب، والمنزل الذي أعيش فيه، كذلك أستطيع ~~أن أختار الميتة التي أفارق بها الحياة، وليس من شيء يجب أن نكون أكثر حرية في ~~اختياره، منا إذا أردنا أن نموت بطريقة ما. # فارق الحياة بالطريقة التي توحي إليك بها قواسرك كيفما كانت بالسيف أو بالحبل ~~أو بالسم يسري في شرايينك، اقتحم طريقك وحطم سلاسل العبودية، يحاول الإنسان في ~~حياته أن يحوز ما يستحسن غيره، أما ميتته فذلك أمر له وحده حق اختياره، إن ~~القانون الأبدي لم يبدع من شيء أروع من أن للحياة مدخلا واحدا، في حين أن ~~لها مخارج كثيرة، لماذا أحتمل آلام الأمراض وقساوة الاستبداد الإنساني، ما دمت ~~قادرا على أن أحرر نفسي من كل الأوجاع، وأن ألقي بعيدا بكل الأصفاد والقيود؟ ~~لهذا السبب وحده أرى أن الحياة ليست شرا ما دام الإنسان غير مجبر على أن ~~يعيش، إن الإنسان لسعيد طالما أنه لا يعيش شقيا إلا بإرادته، إذا حسنت لديك ~~الحياة فعش، أما إذا لم تحسن لديك، فلك الخيار في أن تعود من حيث ~~أتيت. ms111 # من هذه الفقرات التي اخترناها من كثير من أشباهها تدرك إلى أي حد بلغت شهوة أكبر ممثل ~~للمدرسة الرواقية وأعظم رجالها تأثيرا في العصر الروماني في الدفاع عن فكرة الانتحار، ~~ولا شبهة في أن لمذهب هجسياس أثرا في هذا غير قليل، ولكن ألا نستطيع أن نرد هجسياس ~~والرواقيين معه - وكلاهما فرع من دوحة المذهب القوريني - إلى مبادئ أصيلة عند أرسطبس؟ ~~أليست الحرية التي دعا إليها الرواقيون حتى بالموت صورة ارتكاسية من صور التحرر من ~~الألم؟ # ولقد نقل ديوجنيس لايرتيوس (راجع واجبات قيقرون، ج3، ص33) مقطوعات عن متأخري ~~القورينيين من أمثال ثيوذورس وهجسياس، قضوا فيها بأنه من الواجب أن يصفى المذهب ~~القوريني من بعض المقررات التي تضمنتها هيدونية أرسطبس، فقال ثيوذورس بأن أسمى حالات ~~السعادة التي يبلغها الإنسان «حالة من الجدل النفسي»، في حين أن هجسياس قد علم أن كل ~~أعمال الإنسان يجب أن ترمي إلى احتقار كل الأشياء الخارجية، وما الحياة عند القدماء ~~إلا صورة خارجية للروح التي هي خالدة، ولا ينبغي لنا أن ننسى بجانب هذا أن الفلسفة ~~القورينية، إنما ترجع في ماهيتها إلى أخلاق مؤسس المذهب وإلى الجو الاجتماعي الذي حوط ~~المدينة التي نشأت فيها فلسفته، أكثر من رجوعه إلى احتياج المذهب السقراطي الذي ~~استمدت منه إلى التحوير والتنقيح. # 6 # أنقريز # كان «أنقريز # Anneceris ~~» من معاصري هجسياس، ولقد ~~بلغت بظهوره الآداب القورينية أسمى مبلغ من الصفاء والتهذيب على أنه كان ابن عصره طبع ~~بطابعه، ودرج على سنته، فإنه لم يكن أثبت من هجسياس عقيدة في توقع الحصول على السعادة ~~الفعلية، ولكنه قضى بأن الحكيم «سعيد» وإن كان نصيبه من اللذة ضئيل جهد تصورك. # والظاهر أنه علم أن نصيب الفرد من السعادة الدنيوية تتمة أو تكملة تلك الانفعالات ~~العاطفية التي نطويها تحت عنوان الصداقة وعرفان الجميل والتقوى والوطنية، ولا مراء في ~~أنه رفض الاعتقاد بالمذهب القائل بأن «سعادة الصديق يجب أن تنشد لذاتها»، على أنه ~~مذهب منقوض من ناحية سيكولوجية (نفسية) كما رفض هلفتيوس في الأعصر الحديثة، الاعتقاد ~~بحقيقة ms112 المذهب القائل بحب «الخير لمحض الخير» على قاعدة أن القول به تناقض ~~نفساني. # ولقد اعتقد أنقريز أن سعادة الغير لا يمكن أن تكون موضع شعور مباشر، ولكنه لم ~~يعتقد كل فعل كثير من الهيدونيين بأن الأصل في انفعالات الغيرية # Altruistic Emotions # باعتبارها آثارا ~~ثانوية، إنما يرجع إلى مجرد النفع خالصا لوجه النفع، فإن الصداقة عنده لا تقوم ~~على مجرد المنافع التي تجنى منها؛ فحسن النية وحده مفصولا عن كل مظهر من المظاهر ~~العملية التي قد تصحبه؛ يمكن أن يصبح للصداقة أساسا كافيا. # وفضلا عن هذا فإنه أنصف كل الإنصاف عند الكلام في تلك الحقيقة السيكولوجية التي ~~محصلها أن مشاعر الغيرية - مهما كانت مصادرها وأصولها - تحرز، تدرجا، قوة مستقلة ~~خاصة بها، وأن هذه المشاعر تحتفظ بتلك القوة حتى ولو لم تتزن مع اللذة، وهذا تفسير رائع ~~لحقيقة الأفعال العكسية المتحولة، وهو المذهب النفسي الذي أدخله پافلوف الروسي في حيز ~~العلم ببحوثه وتجاريبه، والفارق بينه وبين أنقريز ثلاثة وعشرون قرنا من الزمان، ~~وليس هنا موضع شرح هذا المبدأ، ولسوف نشرحه بعد. # بيد أن أنقريز لم يأخذ هذه الظاهرة على أنها حقيقة لا غير، بل إنه برر تضحية ~~الذات باعتبارها أسمى مراتب الغيرية، مثبتا أن الحكيم وإن كان يستمسك باللذة على أنها ~~الغرض الأسمى ويتأفف من كل ما ينتقصها؛ فإنه يرضى قانعا بما ينتقص ملذاته في سبيل الحب ~~لصديقه، على أنه لم يصلنا - مع أشد الأسف - شيء من البراهين التي أقامها على تأييد ~~موقفه وتبرير مذهبه هذا. # ومما يدل أوضح دلالة على أن أنقريز وضع فكرته هذه موضع التنفيذ أن أفلاطون ~~أسر عندما كان عائدا من رحلته في «صقلية # Sicily ~~»؛ ~~فإن مدينة «أجينا # Aegina ~~» كانت في حرب مع أثينا، ~~فلما هبطها أفلاطون أخذ أسير حرب وسيق إلى سوق الرقيق، غير أن أنقريز - وكان من ~~أصدقائه - افتداه بمال وفك إساره، ولما أراد أفلاطون أن يرد المال لصديقه رفض أنقريز ~~أن يسترد المال، فاشتريت بالمال حديقة بجوار مدفن البطل «أكاديموس # Academus ~~» حيث أسس أفلاطون سنة ms113 387ق.م مدرسته التي سماها «الأكاديمي» ~~نسبة إلى البطل اليوناني. # 7 # وعلى الرغم من أن أنقريز وتلاميذه قد حاولوا أن يجعلوا مراعاة القيام ~~بالواجبات المدنية والاجتماعية، التي يصح أن تتخذ حادثة أفلاطون مثلا عليها من بين ~~الأشياء التي تحدث اللذة، فإنهم قد اعترفوا بأن الأعمال الإنسانية التي تؤتى في ~~سبيل الغير لا يمكن أن تتحرر من دوافع الأنانية وحب الذات. # 8 # والمحصل أن أنقرير وتلاميذه قد فضلوا أن يقيموا مذهبهم على قواعد أقرب إلى المذهب ~~الهيدوني لدى أول نشأته ، وقد يصح أن يكون هذا سببا في أن يلحقهم كثير من الكتاب ~~بالمذهب الأبيقوري الذي حل بعدهم محل الفلسفة القورينية وتحول عنها، والواقع الذي ~~لا مراء فيه أن أنقريز وشيعته حلقة الوصل بين ذينكم المذهبين العظيمين. # 9 # يدلك على صحة هذا أن المبادئ القورينية تتضمن لأول وهلة فكرة أن اللذة مرهونة على ~~المشاعر الجسمانية أو بالأحرى على الحالات العضوية، وهذا المذهب أدمجه القورينيون في ~~نظرية المعرفة # Theory of Knowledge # التي استمدوا ~~عناصرها من بروطاغوراس، أما الخلافات التي وقعت بين أرسطبس والمتأخرين من رجال مذهبه، ~~فينحصر في أن أرسطبس قد عرف اللذة بأنها حركة ~~عابرة Passing Motion # في حين أن متأخري رجال المذهب قد عرفوا اللذة بشيء فيه علاقة ~~بالفكرة الأبيقورية القائلة بأن اللذة عبارة عن حالة أي «حالة» دائمة محررة من ~~الألم. # حلقات وصل بين الأنانية والغيرية # نصل هنا إلى بحث على جانب عظيم من الشأن هو بمثابة الجسر الذي يعبر عليه المذهب ~~القوريني في أوسع معانيه من البحث في سعي الفرد للحصول على سعادته إلى الاعتراف بحقيقة ~~الواجبات الاجتماعية، وما للعواطف الغيرية من قيمة، أما أن المذهب القوريني قد حاول ~~أن يجد في كل ألوانه، وعلى مختلف اتجاهاته، بل ويدعي رجاله بأنهم قد عثروا بالفعل على ~~حلقة وصل بين الطرفين: طرف الفرد وطرف المجتمع؛ فأمر لا يساورنا فيه أقل ريب، فعلى ~~الرغم من أنهم استطاعوا أن يستكشفوا في العرف (العادات والتقاليد) عنصرا أعمق من ~~العنصر الذي يتخذ قاعدة عامة عند الحكم ms114 على ما هو عدل وما هو ظلم، وعلى ما هو نفيس وما ~~هو وضيع، وبالرغم من أنهم صرحوا بأن التفريق بين ما هو حق وما هو باطل، إنما يقوم ~~بحكم العادة والوضع من ناحية، وبقسر الشرائع من ناحية أخرى، لا بالطبع، وهو مذهب أراد ~~القورينيون كما أراد «هفياس الأليسي # Hippias ~~» من قبلهم ~~أن يؤيدوه مستندين إلى ما ظهر من وجوه الخلاف الكبير عند الحكم على مثل هذه الأشياء في ~~مختلف الأزمان وعند مختلف الأمم بالرغم من هذا كله، فإنهم آمنوا كما نستطيع أن نثبت ~~بكثير من الشواهد، بأنه ينبغي للحكيم أن يتنكب كل ما هو ظلم، وكل ما هو باطل. # أما الأستاذ إردمان فيقول في كتابه «تاريخ الفلسفة»: # إن أرسطبس لا يعترف بأن شيئا من الأشياء هو حق بالطبيعة، ويقول بأن كل ~~شيء إنما هو نتيجة شريعة أو قانون، ويخفف من حدة هذا المذهب قوله: إن ~~الحكيم يعيش بالقوانين كما يعيش بغيرها؛ أي إنه لا يؤثر في سلوكه قيام ~~القانون أو عطله. # على أنني لا أرى في قول أرسطبس من الحدة ما يرى الأستاذ إردمان، فضلا عن أن الأستاذ ~~جومبرتز قد أبدى كثيرا من الشك في الحكم والأمثال السائرة التي تنسب إلى أرسطبس، وله ~~في ذلك أكبر الحق؛ لأن المذهب الذي لم تصلنا منه إلا نتفا وفقرات لا يصح أن يعتمد في ~~تفسيره على كلمات مأثورة تنسب إلى واضع المذهب، تنوقلت على مدى أزمان طويلة، من غير أن ~~يقوم على صحة نسبتها إلى أرسطبس أي دليل إلا دعوى قائليها. ~~••• # عندما تعوزنا الأسانيد الوثيقة الكاملة في بحث أية نقطة من نقط التاريخ فإننا ~~نضطر إلى الاستعانة بالأقيسة التمثيلية # Analogy # ولا ~~نذهب في تبرير هذا بعيدا، فإن الأساليب التي اتبعها الذين روجوا للمذاهب ~~المتلاحمة، ونقصد بها المذاهب ذوات الآصرة والعلاقة في عصور أخرى، مما يبرر هذه السبيل ~~التي نريد اتباعها، وإن أقرب ما نذكر من أمثال الروابط التي تعبر عليها المذاهب ليتصل ~~بعضها ببعض، ما نرى من عبور فكرة «المصلحة إذا حسن ms115 فهمها» من عصر إلى عصر ومن مذهب إلى ~~مذهب؛ فإن هذا الضرب من الموازين الأدبية - وهي الموازين التي تدعو إلى التحرر من ~~الرذائل لما تجر الرذيلة على مرتكبيها من النتائج الضارة، ولأن التحرر من الرذائل ~~يزود الإنسان ببواعث تدفعه إلى فعل الخير - لم يكن بعيدا عن أذهان القائمين بحركة ~~التجديد الحديث في أوروبا. # وإذا أردنا أن نقف على أسلوب هذه الفكرة في جوهرها، فإننا نقع على تفصيلها في كتاب ~~صغير كتبه «فولني # Volney ~~» اللاديني # Deist # 10 # الفرنسوي مؤلف كتاب الخرائب # Ruins ~~، أما ~~ذلك الكتاب الصغير فعنوانه «أصول الإحساس بالخير» ثم «پالي Paley ~~» الآلهي الإنجليزي الذي يحصر عقاب الحياة الأخرى وثوابها في ~~حدين: أولهما «السعادة الشخصية كرائد في الحياة»، و«إرادة الله كقانون» وبهذا تجد أنه ~~أوسع من نطاق فلسفة الحياة، بحيث جعل أثرها يتعدى الدنيا ليشمل الآخرة. # ولقد أشرنا من قبل إلى الخطبة الأخيرة في كتاب أفلاطون المسمى «بروطاغوراس» فنظرنا ~~فيه نظرة أشمل وأدق، أما هنا فنقول بأنه مما لا يبعد احتماله أن يكون أفلاطون قد كتب ~~هذا الكتاب موليا بنظره شطر أرسطبس زميله في التلمذة، وهذا الحكم يمكن أن نجعله يشمل ~~ذلك الجزء من كتاب «فيدون Pheado ~~» الذي يحاول أن يثبت ~~فيه أفلاطون أن الفضيلة إنما هي نتيجة التبصر Prudence # على أن تأملات شبيهة بهذه هي التي تحتل مركز الدائرة في مذهب أبيقور الأدبي. # لقد اتبع أبيقور خطوات القورينيين في المسائل الأخلاقية غير أن طبيعته المتقدة ~~المتوثبة لم تجد في أسلوبهم الذي اتبعوه لدى استنتاج «النواهي» الخلقية ما يرضيها الرضا ~~الكامل، فإنه لم يرض بأن يقف «تهذيب الأخلاق» عند حد وضع القواعد الأولية، فتكون ~~كالأمثال السائرة كقولك: «الأمانة أحسن سياسة»، أو كقولك: «إذا لم توجد الأمانة لوجب أن ~~نوجدها»؛ فإن هذه القاعدة الأخلاقية إذا بلغت هذا الوضع - أي الوضع الذي تصل معه حد ~~التوسط بين «حب الفرد لنفسه» وبين «الخير العام» - لم تصبح بعد مجرد نظرية تحذيرية في ~~الأخلاق، بل وجب أن تكون كقوة القانون، التي تكمل من ناحية، وتنظم ms116 من أخرى؛ قوة الرأي ~~العام. # على أن كلا من هذين المؤثرين يظهران جليين في تعاليم القورينيين، فقد اعتبروا ~~أن احترام العقوبات القانونية واحترام الرأي العام مؤثران لهما نتائجهما الثابتة في ~~ضمان حسن السلوك، وقد نجد في العصور الحديثة أن الذين مثلوا هذا الوضع من الفكرة ~~الأخلاقية كانوا جميعا من القائلين بوجوب «الإصلاح التشريعي» فإن هلفتيوس قد وضع نصب ~~عينيه الوصول إلى غرض واحد هو أن يلبس القانون ذلك الثوب الذي يمكن به التوفيق بين ~~المصالح الذاتية والمصالح العامة، وكذلك بنتام، فإنه حاول أن يحقق هذه الناحية نفسها ~~مستخدما في سبيلها كل ما أوتي من قوة تفكير ونبوغ، وكل ما خص به من خصب القريحة ~~وكفاية الخلق والإبداع. # وضح لنا الآن أن أول وجه من أوجه العلاقة بين الذاتية والغيرية، إنما يقوم على ~~احترام القانون واحترام الرأي العام، أما الوجه الثاني فيقوم على فكرة تقدير المشاعر ~~الغيرية باعتبارها عنصرا من عناصر السعادة الذاتية. # وتطبيق هذه الفكرة ينحصر في العمل على «تأصيل» هذه المشاعر، بأن ننسى أصلها الأناني ~~الذي نشأت عنه، وأن نحيا حياة كلها «صبر واحتمال وتضحية» في سبيل ما يعود من خير على ~~إخواننا الذين يعايشوننا باعتبار أن عملنا هذا ما هو إلا وسيلة نصل من طريقها إلى ~~سعادتنا الذاتية. # ولأجل أن نضرب مثلا على ما يعني بهذه القاعدة، نذكر كلمة دالمبير المأثورة «إن حب ~~الذات إذا استنار أصبح المصدر الذي تنبع منه تضحية الذات»، أو نذكر تعريف هولباك الذي ~~استعاره من لبنتز في الفضيلة، بأنها «فن إسعاد الذات بالعمل على إسعاد الغير.» # هنالك وجه ثالث في هذا البحث نقع به على حقيقة وسطى تربط بين الذاتية والغيرية، ويكفي ~~فيه أن نرجع إلى الكلام في بعض الحقائق السيكولوجية (النفسية)، فهنالك حالات عديدة ~~استطاعت فيها العادة وتداعي ~~الأفكار # Association of Ideas # أن تحورا ما كان في أصله وسيلة لأشياء أخرى، وتحولاه إلى ~~غاية مطلوبة لذاتها، خذ لذلك مثلا الرجل البخيل الكانز، فإن جمع المال لذاته ولمجرد ~~جمعه واكتنازه يصبح عنده غاية، ms117 بعد أن كان في أصله وسيلة لجلب الطيبات والمتعة به، ~~وكذلك الرجل المدمن فإن الشرب عنده يصبح غاية مطلوبة لذاتها بعد أن كان وسيلة ~~لجلب السرور، وهو يستمر يشرب حتى بعد أن يعجز الشرب عن أن يمده بأي باعث من بواعث ~~السرور، والمشاعر الاجتماعية لا تخرج في طبيعتها عن هذا، فإن هذه المشاعر مؤصلة في ~~الأنانية وقائمة عليها، وهي تستمد قوتها من المدح والذم، ومن الثواب والعقاب، ومن ~~انتظار الفكرة الطيبة، ومن حسن اعتقاد الغير في حسن نيتنا، ومن اشتراك المصالح، وهذه ~~المشاعر تكتسب بالتدريج قوة تتمكن بها من أن تتحول عن أصلها الذي نشأت عنه، ومن ثم ~~تؤثر في النفس تأثيرا مستقلا تمام الاستقلال عن أصلها الأناني. # وقد نقع على آثار تدلنا على أن الوجهين الثاني والثالث من أوجه العلاقة الهيدونية ~~(إسعاد الذات) وبين الأخلاق الاجتماعية (إسعاد الغير) قد تناوبا التأثير في أخلاقيات ~~أبيقور وفي أخلاقيات القورينيين من قبله، ولا يسعنا إلا أن نذكر الباحث بما سبق لنا ~~الكلام فيه عند شرح مذهب أنقريز الأخلاقي، وأن نضيف إلى ذلك قولا ننقله عن هذا ~~الفيلسوف أطلقه على المذهب القوريني في مجموعه، ولم يخص به ناحية بعينها منه فقال: ~~«إن سعادة أوطاننا ورفاهيتها واعتبارها مساوية لسعادتنا؛ كافية وحدها لأن تغمرنا ~~بالابتهاج.» # تأصيل مشاعر الغيرية ومذهب پافلوف # ما من شك في أن الفيلسوف أنقريز قد بلغ بالمذهب القوريني أسمى المراتب عمليا ~~ونظريا؛ فإنه من حيث النظر قد بلغ من تصور التضحية بالذات إلى ذروة ما يبلغ التصور من ~~الكمال المستطاع، ومن الوجهة العملية وضع للمذهب قاعدة ثابتة لم يعرف ما لها من أثر إلا ~~ببحوث پافلوف الاختبارية، كما عرفناها نظريا من كتابات هرتلي، فإن قول أنقريز: ~~«إن مشاعر الغيرية مهما كانت مصادرها وأصولها تحرز - تدرجا - قوة مستقلة خاصة بها، ~~وإن هذه المشاعر تحتفظ بتلك القوة، حتى ولو لم تتزن من اللذة، يدل على أن هذا الفيلسوف ~~قد نفذ ببصيرته الوقادة إلى أعماق لم يبلغها أحد قبله من الذين حاولوا وضع نظريات ~~الأخلاق ms118 موضع التطبيق العملي، على أن هذا الأثر الذي خلفه أنقريز لم نقف على ما له ~~من نتائج عملية إلا في عصرنا هذا» - خيل إلى المشتغلين بالبحث العلمي عندما طغت ~~المادية العلمية على فروع المعرفة الإنسانية في أواخر القرن الثامن عشر بطوله؛ أن ~~الفلسفة قد انقضى عهدها وبادت، فلم تصبح أكثر من أحاديث تذكر عن الماضي، وآدابا قديمة ~~يقصد بالوقوف عليها تنمية الإطلاع وتوسيع دائرة المعارف؛ أي إنها أضحت وسيلة إلى أغراض ~~ثانوية، وإنها لم تصبح أداة للتأثير في الحياة الإنسانية من طريق عملي. # وكان هذا ولا شك طغيانا وإفراطا في تقدير ما للعلم العملي من قيمة، فلما أشرف ~~القرن التاسع عشر على الختام نامت عاصفة العلم وهبط طغيان العلماء؛ إذ بان للناس أن ~~للعلم حدا يقف عنده، بان لهم أن وظيفة العلم تنحصر في وصف الظاهرات الطبيعية وآثارها ~~وعلاقة بعضها ببعض، وأنه بعيد عن أن يفسر «الماهيات» أو يتناول كثيرا من الأشياء ~~الإنسانية بتجاريبه، وبين جدران معامله، أو في ثنايا قواريره وأنابيبه، بل ظهر لهم أن ~~العلم خدم الفلسفة بقدر ما خدمت الفلسفة العلم، ولكن ما أعطت الفلسفة للعلم، كان أضعاف ~~ما أعطى العلم الفلسفة، وما تطبيقات پافلوف إلا مثلا رائعا يبين لنا وجوه الارتباط ~~بين الطرفين. ~~••• # كان الفيلسوف «لوك # Locke ~~» الإنجليزي أول من أشار إلى ~~ظاهرة تداعي الأفكار # Association of Ideas # في درج مبحث ~~من مباحثه في «الفهم الإنساني» ثم عقب عليه الفيلسوف هتشنسون الإنجليزي، فقال بأننا قد ~~«نرغب» في بعض الأشياء التي تكون بذاتها «ملذة»، وقد نميل إلى أشياء أخرى تكون وسيلة ~~للالتذاذ، أما الأشياء التي نرغب فيها لأنها وسيلة إلى اللذة، فقد دعاها «الرغبات ~~الثانوية» وقضى بأنها تتحول فتصبح من حيث القوة والأثر في منزلة الأولى، فإننا بمجرد ~~أن ندرك منافع المال أو السلطة، في إرضاء بعض رغباتنا الأصيلة، لا نقف عند حد الرغبة في ~~الانتفاع بهما، بل نتحول إلى حبهما لذاتهما. ثم ظهر مؤلف لرجل من رجال الدين يدعى ~~«جاي # Gay ~~» ما لبث أن نسي دراكا، ms119 غير أن الواقع أن ~~هرتلي أخذه أساسا لما كتب في شرح هذه النظرية، ولقد خرج جاي على ما كتب هتشنسون وأنكر ~~أن في الإنسان أية حاسة أدبية فطرية، أو مبدأ أخلاقي أصيل في جبلته، يدفعه إلى حب ~~الخير، ولكنه سلم بأن الإنسان الراشد - أي الذي بلغ سن الرشد - تتكون فيه حاسة أدبية، ~~كما يقول هتشنسون، وحاول أن يوفق بين هذا الرأي ومبدأ الفيلسوف لوك في «الرغبات ~~الثانوية». # وفي سنة 1747 ظهر كتاب هرتلي الذي أوسع نطاق هذه النظرية وشرحها أمتع شرح، وطبقها ~~أقوم تطبيق، وضرب مثلا بحب المال، فقال: إن المال في ذاته ليس فيه من جمال أو لذة، ~~ولكنه لما كان الأداة التي تمكننا من الاستمتاع بالجمال وجلب اللذات وإكفاء الكثير ~~من رغباتنا، تحول الحب إليه بالذات، ثم تطرف «المال» في الاستيلاء على النفس، فقضى على ~~كل المثاليات التي كان يرغب الإنسان في الوصول إليها من طريق المال، باعتباره وسيلة، ~~وتفرد هو بالبقاء دونها حتى لترى البخلاء يضحون بكل معاني الجمال وينبذون كل لذائذهم ~~في سبيل المال، وكذلك الحال إذا نظرت في حبنا للقوة والسلطة، فإننا إنما نحب القوة ~~لأنها بديا وسيلتنا إلى إكفاء كثير من رغباتنا، وما نلبث غير بعيد حتى يشترك حبنا ~~للقوة مع هذه الرغبات، ثم نستدرج إلى حالة نطرح فيها هذه الرغبات ونشغف بالقوة لذاتها ~~كل شغف، ونهيم بها كل هيام، وعلى هذا فقس كثيرا من ظاهرات الخلق الإنساني. أما ~~پافلوف فقد تلقى هذه الظاهرة كنظرية، وأخرجها بتجاريبه علما صرفا. # على أن الفلسفة القديمة لم تهمل النظر في هذه الظاهرة كما قدمنا، فقد تضمنها المذهب ~~القوريني، ونماها أنقريز ثم تلقاها أرسطوطاليس، فتجد في مذهبه الأخلاقي آثارا منها، ~~وطبقها بعض الأبيقوريين على الصداقة، فقالوا بأننا إذا أحببنا أصدقاءنا أول شيء لما ~~تبعث صداقتهم فينا من شعور اللذة، فإن هذا يتحول مع الزمن إلى حب الصديق من أجل ذاته، ~~بعيدا عن كل الاعتبارات الأخرى. # أما ما تطورت إليه هذه النظرية في العصر الحديث؛ فينحصر في تجاريب العالم ms120 پافلوف ~~الروسي كما قدمنا، ولقد حصر هذا العالم الكبير كل تجاريبه في الكلاب، فإنه من المعروف ~~أن الكلب إذا رأى قطعة من الحلوى سال لعابه، فكان پافلوف يستغل هذه الظاهرة ويدخل في فم ~~الكلب أنبوبة حتى يتستطيع أن يعرف بالضبط مقدار اللعاب الذي يسيل من فم الكلب عند مرأى ~~الحلوى. وسيل اللعاب في الفم عند تناول الطعام أمر غير اختياري، ولذا سمي فعلا ~~عكسيا؛ أي إنه أحد تلك الأفعال التي يؤديها الجسم بقاسر ذاتي، ومن غير أن يكون ~~لتجاريب الحياة فيها أقل نصيب # وهنالك كثير من الأفعال العكسية بعضها أصيل، والبعض الآخر مؤصل، ومن هذه الأفعال ما ~~يمكننا مشاهدته في الأطفال ، ومنها ما يتأصل على قدر من العمر، ومرور من الأيام، فالطفل ~~يعطس ويتثاءب ويتمطط ويرضع ويحول عينيه نحو النور، ويأتي غير ذلك من الأفعال في مختلف ~~أطوار عمره وظروفه، من غير أن يكون في حاجة إلى أن يتلقاها عن غيره، وكل هذه الأفعال ~~تدعى الأفعال العكسية، أو بالأحرى - كما دعاها پافلوف - أفعال عكسية أصيلة # Unconditioned Reflex Actions # وهي بذاتها ~~التي كانت تدعى من قبل الغرائز # Instincts ~~، والغرائز ~~المركبة كغريزة بناء الأعشاش في الطير، تلوح كأنها جملة مندمجة من أفعال عكسية، ~~والأفعال العكسية في الحيوانات الدنيا قلما تؤثر فيها تجاريب الحياة، فإن البعوضة تستمر ~~تحوم حول الضوء، حتى بعد أن يحترق جناحاها، وعلى الضد من ذلك تجد الحال في الحيوانات ~~العليا، فإن تجاريب الحياة فيها لها في هذه الأفعال العكسية الأصيلة تأثير بالغ، ولا ~~يخرج الإنسان عن حكم هذه القاعدة، ولقد حصر پافلوف تجاريبه على سيل اللعاب في فم ~~الكلاب، فخلص من تجاريبه بالقاعدة الآتية التي استخلصها من تحول الأفعال العكسية ~~الأصيلة: # عندما يقترن بالمنبه الذي يبعث أي فعل عكسي أصيل أو يتقدم عليه مرات عديدة ~~أي منبه ثان، فإن هذا المنبه الثاني يحدث مع الزمن نفس الاستجابة # Response # التي كان يبعثها المنبه الأول في ~~إحداث فعل عكسي ~~متحول # Conditioned Reflex Action ~~. # فإن سيل اللعاب فعل عكسي أصيل، لا يحدث ms121 أصلا إلا عند وجود الطعام في الفم، ومن ثم ~~يحصل عند مرأى الطعام أو شم رائحته، أو عند حدوث أية علاقة أو إشارة تسبق مباشرة ~~الأكل، وكل هذه الأفعال يدعوها پافلوف، الأفعال العكسية الأصيلة، على أنك تجد أن نفس ~~الاستجابة (سيل اللعاب) واحدة في الفعل العكسي الأصيل والفعل العكسي المتحول، وأنه لم ~~يجد في الأمر من شيء إلا المنبه # Stimulus # الذي يشترك ~~أو يتحد مع المنبه الأصلي من طريق التجربة، وهذه القاعدة هي أساس كل تعليم أو استيعاب ~~للمعلومات، وأساس الظاهرة التي كانت تدعى من قبل «تداعي أو اشتراك الأفكار» وأساس تعلم ~~اللغات وأساس استحكام العادات، وعلى الجملة الأساس العملي لكل مناحي السلوك الإنساني ~~الخاضع للتجربة. # بعد أن استرشد پافلوف بهذه القاعدة مضى يطبقها على ما يخطر بباله من ممكنات التطبيق، ~~فإنه لم يقتصر على امتحان منبهات الطعام الشهي، بل عمد إلى الأحماض المكروهة، يأخذ منها ~~منبهات يستعملها في تجاريبه حتى يستطيع أن يؤصل في كلابه استجابات «التوقي» كما يؤصل ~~فيهم استجابات «التشهي». فبعد أن ينبه فعلا عكسيا أصيلا، يعمد إلى قمعه بفعل آخر، ~~فإذا كانت العلامة أو الإشارة التي يعمد إليها تعقبها نتيجة مرغوب فيها طورا، ونتيجة ~~مكروهة طورا آخر، فإن الكلب يصاب حتما باضطراب عصبي مثل الهستيرية أو النيروستانية، ~~وتظهر عليه العلامات المميزة لأحد المرضين. # ويروي پافلوف رواية يجدر بكل المشتغلين بالتربية أن يحيطوا بها، فقد جرب في بعض ~~كلابه تجاريب عديدة، فكان يرسم أمام كلب منها دائرة من الضوء اللامع عندما يعطيه ~~الطعام، وإهليلجا (شكلا بيضيا تقريبا) عندما يقذفه بشحنة كهربائية، فاستطاع الكلب ~~أول الأمر أن يميز تماما بين الدوائر والإهليلجات، فكان يسر بمرأى الأولى، ويمتعض من ~~مرأى الثانية، فأخذ پافلوف يقلل شيئا بعد شيء من تفلطح الإهليلج حتى يظهر - تدرجا - ~~أقرب إلى الدائرة، ولكن الكلب ظل قادرا على التمييز بين الاثنين، فلما زادت استدارة ~~الإهليلج إلى درجة كبيرة، انقلبت الآية تماما، فقد حدث أنه كان يحاول أن يميز بينهما، ~~ولكنه كان يخطئ دائما! واستمر على هذا ms122 أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، ثم فقد كل قدرة على ~~التمييز بين كل من الدرجات التي تدرج فيها من قبل، وحتى بين الإهليلج والدائرة جليين، ~~وتغيرت أخلاقه وساء سلوكه، فكان بدلا من أن يقف ساكتا، أخذ يعربد ويعوي عواء ~~شديدا، فأعاد عليه پافلوف الكرة في نفس التجربة، مبتدئا بها كما بدأها أول مرة، ~~فكانت قدرة الكلب على التمييز بين الشكلين أضعف بكثير من المرة الأولى، وأخذت تصيبه ~~نوبات العربدة والعواء، عندما أصبح التمييز بين الشكلين أكثر صعوبة بعض الشيء. # ولا شك مطلقا في أن حالات كهذه تتكرر كل يوم بين جدران المدارس وفي معاهد التنشئة، ~~وإليها يرجع السبب في كثير مما يبدو على الطلاب من مظاهر البلادة والخمول، بله اضطراب ~~الأعصاب في بعض الحالات، فإن كل طالب له استعداد خاص به يوجهه توجيها خاصا، فمنهم من ~~يميل إلى اللغات ويمقت الرياضة، ومنهم من هو على عكس ذلك تماما، وهذا الاستعداد الذي ~~كثيرا ما يلوكه المربون، ولا يدركون من سره شيئا، هو بعينه «الاستجابة» عند ~~پافلوف؛ فإذا أخذنا المثل الأول من طالب يحب اللغات ويمقت الرياضة كان تعلم اللغات هو ~~الدائرة البيضاء، وكان تعلم الرياضة هو الإهليلج في كلب پافلوف، فإذا فرض على هذا ~~الطالب قسرا أن يجتاز امتحان الرياضة، كما يجتاز امتحان اللغات، وهو يعلم أن ذلك فرض ~~عليه، كما يفرض پافلوف على كلبه طعاما شهيا عند ظهور الدائرة، وشحنة كهربائية عند ~~ظهور الإهليلج، كانت النتيجة اضطرابا عصبيا يقل أو يزداد أثره بمقتضى الظروف، ولا ~~أظن أن طالبا واحدا يفلت من هذا التأثير في معاهد التعليم قاطبة، ولكن النتائج تختلف ~~باختلاف الأشخاص، ومقدار ما في أعصابهم من قدرة على تحمل هذه التجاريب القاسية، ولو كان ~~التخصص في دور العلم يبدأ مع ظهور الاستعداد، أو بالأحرى الاستجابة في الطالب؛ إذن ~~لاستطعنا أن نخلق أمة جديدة خلال جيل واحد، ناهيك بأن التخصص من مميزات العصر الحديث ~~بل هي ميزته التي ندعي أنه يمتاز بها على العصور الفارطة، وناهيك أيضا بأن الطالب الذي ~~لا ms123 يستجيب استعداده لفرع ما من فروع المعرفة، لن يفلح فيه أبدا، بل لا بد من أن يرتد ~~إلى استجابته الأصيلة، بعد أن يكون قد فقد في أطوار تعليمه جزءا لا يستهان به من ~~ملكاته الفطرية، فإن سبنسر كان مهندسا فارتد فيلسوفا، وولز كان عالما فانقلب ~~أديبا، ودروين كان بليدا في استيعاب المبادئ فانقلب عالما طبيعيا فذا في تطبيق ~~المبادئ واستكشافها، وإنما نقول إننا نقتل أولادنا ونحطم مستقبلهم كرجال، في معاهد ~~التعليم بنظاماتها الحاضرة وبرامجها. # قال الفيلسوف المعاصر الكبير «برترند رسل» في كتابه «التربية والنظام الاجتماعي» ~~ص165-166 ما يلي: # إذا اضطر الطلاب والطالبات أن يعالجوا موضوعات تفوق كفايتهم ومقدرتهم ~~العقلية، فلا شبهة في أن ذلك يؤثر في عقولهم وأعصابهم تأثيرا شديدا يوقعهم في ~~الفزع والخوف، ولا يقتصر هذا الفزع على الموضوعات التي يتناولونها بالذات، بل ~~إنه يصيبهم من كل فروع العلم التي تمت إلى هذه الموضوعات بسبب، والواقع ~~أن كثيرا من الناس يظلون ضعافا في الحساب والرياضيات طوال أيام عمرهم، ولا ~~سبب في هذا إلا أنهم بدءوا يدرسون هذه العلوم مبكرين في السن، وكذلك لا يجب أن ~~ننسى أن كفاية إدراك المجردات، هي آخر الكفايات تكوينا ونضجا في الأحداث، كما ~~أثبت ذلك العلامة «بياجت Piaget ~~» في كتابه ~~«التمييز وحكم العقل في الأطفال» بكثير من الشواهد والملاحظات السديدة، والمعلم ~~إذا لم يكن واقفا على أسرار السيكولوجية، مطلعا واسع التجربة، فإنه يصعب عليه ~~أن يدرك أن عقول الأحداث قد تتهوش وتختلط بالقدر الذي يقع فعلا، والخطأ ~~الذي يقع فيه المربون، أنهم يبدءون بتدريس الرياضيات في سن مبكر، ويلزمون ~~الأحداث معالجة مسائلها المعقدة، فلا يلبثون أن يصابوا بالخبال العصبي على ~~درجات قد تزيد أو تقل بعض الشيء عن الدرجة التي بلغها كلاب پافلوف من البلادة ~~واضطراب الأعصاب، ومن أجل أن تتقى هذه الآثار السيئة، وجب أن يكون المدرسون ~~على علم بقواعد السيكولوجية الأساسية، مزودين بمبادئ قويمة في التدريس ~~والإلقاء، وأن يكونوا أحرارا في تحوير الأسلوب الذي تدرس به البرامج إلى الحد ~~الذي تدعو إليه ms124 الضرورة. # وما من شك في أن نظام التعليم في العصور القديمة كان أقوم من هذه الوجهة منه في ~~العصور الحديثة، فكان المدرس حرا والطالب حرا، كان المدرس مختصا. وكان التلميذ ~~مختارا في تنمية الناحية التي يتفوق فيها استعداده أو «استجابته»، ولا بد لنا من ~~الرجوع إلى نظام يشابه هذا النظام، وإلا فإن التعليم والتربية سيكونان محنة العصر ~~الحديث، وعلى الأخص بعد أن أخذت المعرفة الإنسانية تدخل في مفاوز مظلمة موحشة، أين منها ~~هندسة فيثاغورس أو رياضيات إقليدس. # يؤيدنا في هذا الاستنتاج أن پافلوف يعتقد في صحة التقسيم الذي قسم به «أبقراط» ~~الأمزجة، فقد قسم «أبقراط» الأمزجة أربعة أقسام: الصفراوي # Choleric # والسوداوي # Melaucholic # والدموي # Sangiune # واللمفاوي Phlegmatic ~~، ويعتقد پافلوف أن هذا التقسيم صحيح، بل ويزيد إلى هذا أن ~~أصحاب المزاج اللمفاوي والمزاج الدموي هم المثل الأعلى في الرصانة والتعقل، أما أصحاب ~~المزاج الصفراوي والمزاج السوداوي فهم الأكثر تعرضا للاضطرابات العصبية، وهو يقول بأن ~~تقسيم الأمزجة إلى هذه الأقسام جلي في الكلاب التي أجرى فيها تجاريبه، ويعتقد فوق هذا ~~أن أمر الإنسان لا يخرج عن طوق ذلك. # فإذا صح معتقد پافلوف فلا شك في أن أصحاب المزاجين الصفراوي والسوداوي تقتلهم معاهد ~~العلم قتلا بطيئا، مع أن المرجح أنهم أكثر ذكاء من أصحاب المزاجين الآخرين، كما أننا ~~لا نشك في أن أصحاب المزاجين اللمفاوي والدموي تؤثر فيهم طرق التعليم تأثيرا يضعف من ~~مواهبهم الطبيعية. # أما المحصل من هذا كله - وإن كنا قد استطردنا إلى نواح لا تمت إلى موضوعنا بسبب ~~مباشر - فينحصر في أن أنقريز الهيدوني وبعض الأبيقوريين، قد نفذوا ببصيرتهم النقادة ~~إلى أعماق قصية في تعليل السلوك الإنساني، يؤيدهم فيها العلم الحديث بطريق عملي تجريبي، ~~سوف يكون له أكبر الأثر على مستقبل الحضارة. # الهيدونية والنفعية # إن اللمحة السابقة كافية لأن تقنعنا بأن الهيدونية، وبالأحرى النظرية التي تجعل ~~اللذة والألم عند شعور الذات بهما النبع الأصيل الأوحد للأفعال الإنسانية - لا تنطوي ~~على إنكار ما يتضمن الخلق الإنساني من ممكنات الأنانية وحب الذات، فضلا ms125 عن أنها لم ~~ترسم طريقا عمليا يقضي على الأنانية ويمحو أثرها من الدنيا. # على أن كثيرا من أنصار هذه النظرية، المتفانين في الإيمان بها؛ كانوا مع اعتقادهم ~~بصحتها، من محبي الإنسان Philanthropists # الذين امتلأت ~~قلوبهم بحب الناس وشغفوا بخير البشر، ومثلنا جرمي بنتام وغيره من متحمسي الارتقائيين ~~خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهم الذين اعتقدوا بأن الإنسان مستعد للارتقاء ~~والتقدم إلى غير حد. # ولقد تحولت النظرية في أيديهم إلى مبدأ آخر، إن كان قد اختلط وامتزج بالنظرية ~~الهيدونية إلى حد أن كثيرا ما تبلبل المبدأ والنظرية على الكثيرين، فإنه مبدأ جديد ~~يختلف عن النظرية القديمة كل الاختلاف، ونعني به مبدأ النفعية # Utilitarianism # وهو النظام الأخلاقي الذي اتخذ الخير العام هدفا يرمي ~~إليه، وجعل حكمته الأساسية محصورة في القول بالخير الأعظم للعدد ~~الأعظم # The greatest good, for the greatest number # ولا شك في أن كثيرا من البواعث التي ظهرت خلال عصور «التنور» ~~في العهدين القديم والحديث كان من شأنها أن تفضي إلى ظهور هذا المذهب وأن تزوده بكل ~~عناصر القوة والحض عليه كما حدث في فرنسا خلال ~~القرن التاسع عشر وفي بلاد اليونان خلال القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، وقد نحصر ~~هذه البواعث فيما يلي: # أولا: # انحلال أسلوب التفكير اللاهوتي في دوائر العلم. # ثانيا: # ظهور كفاية المشاهدة والاختبار وتساميها إلى درجة عليا بالتحرر من كل ~~ميل إلى الزخرف والتنميق اللفظي. # ثالثا: # الرغبة في إقامة الحياة الفردية والحياة المشتركة على أساس عقلي على ~~وجه العموم، وعلى أساس علمي على وجه التخصيص، وللوصول إلى هذا الغرض ~~شاعت فكرة الشك في كل الظواهر الخلابة، والاستعاضة عنها لدى البدء في ~~بحث أي موضوع، بمقدمات أقل ما تكون عرضة للانتقاص والجدل؛ لأن ~~المقدمات إذا كانت كذلك أصبحت أقل خضوعا لروح المداورة وتضمنت فكرات ~~واضحة جلية. # انتقاد النظرية الهيدونية # يدعونا الواجب أن لا نحصر انتباهنا في بحث المبادئ الإيحائية # Inspiring Principles # 11 # وحدها، بل ينبغي علينا أن نتوجه أيضا إلى بحث النتائج التي تتربت على مثل ms126 ~~هذه الميول الفكرية، على أن أقلية من المفكرين هم الذين ينكرون أن في كل من هذه الميول ~~الفكرية ناحية من الحق، ولكن إذا استجمعنا تلك النواحي وأخذناها باعتبارها «كلا» ~~واحدا، فهل تشمل الحق كله؟ # علينا الآن أن نمضي في شرح الأسباب التي تحملنا على الاعتقاد بأنه من الصعب أن نجيب ~~على هذا السؤال بصيغة الإيجاب، وهذا رأي الأستاذ جومبرتز، لهذا ينبغي علينا أن نمضي في ~~سرد أدلته التي سوف نرد عليها بعد أن نكمل سردها بإسهاب. # إن الهيدونية لا تستحق كل ذلك اللوم الذي يوجه نحوها عادة، غير أن الظاهر أنها تعجز ~~دائما عن أن تزودنا بتفاصيل وافية في شرح الحقائق التي تحاول تبيانها، أو ترمي إلى ~~الكشف عنها، وهي ككثير غيرها من المذاهب القديمة مدخولة بنقيصة، هي الناحية العكسية لما ~~ندعوه «جوهر الموضوع»، وتنحصر هذه النقيصة في أن الهيدونية تغالي في السعي وراء الحصول ~~على درجة من الغرارة (البساطة) لا تحتملها الحقائق، فإن تلك الظاهرة الإنسانية التي ~~اتخذتها الهيدونية، كما اتخذها بنتام أعظم نصرائها في العصور الحديثة؛ أساسا لكل ما ~~يصدر من الأعمال الإنسانية - تنزل في غور سحيق بعيد العمق، ولكنه مع ذلك ليس بأبعد ~~الأغوار التي يمكن أن تصل إليها عين الباحث المستعمق. # ولنأخذ للبحث مثلا من سعي الإنسان والحيوان لطلب الغذاء، فهل صحيح أن الإنسان ~~والحيوان إنما يرغبون في الغذاء بسبب اللذة التي يستشعرونها عند الأكل؟ أما إذا بحثنا ~~هذا الموضوع بحثا أدق، فالظاهر أننا سوف نجد أن الحقيقة على خلاف ذلك، فإن رغبتنا في ~~الغذاء رغبة عاجلة، تنشأ من قاسر غريزي يدفعنا إلى حفظ الحياة وتقويمها، أما اللذة ~~فظاهرة تأتي تبعا لذلك، وتشترك معه اشتراك كل الأفعال الأخرى التي تحفظ الحياة وتوازن ~~مكملاتها، والغالب أننا لا نخطئ كثيرا إذا فسرنا هذه الحقيقة على قاعدة طبيعية. # فإن تركيب المادة التي يتكون منها جسم الحيوان عرضة دائما إلى التحلل، وهذا التحلل ~~يستمر إذا لم تعوض الأجسام عما تفقده من طريقه، ونجد من جهة أخرى أن تركيب مادة الأجسام ms127 ~~الحية فيه قوة المقاومة، وهي حقيقة تظهر جلية في الفعل العكسي الذي يصدر عن الخلايا ~~الحية تلقاء المؤثرات المضرة، وهذا الفعل العكسي وغيره من الحقائق ذوات الآصرة به مما ~~نقع عليه في الطبيعة، لا يمكن تعليلها بغير هذا. # وقد نسعتين بذكر ناموس الوراثة الذي يرتكز على نزعة في نظام طبيعي، بدأت مرة لتستمر ~~في تأثيرها إلى غير نهاية، ثم الناموس الأول من نواميس الحركة الذي تتجلى فيه هذه ~~النزعة على صورة نتبين منها كيفية تطبيقها بوضوح تام، وعلينا بعد هذا أن نذكر أيضا أن ~~المفاعلات الطبيعية التي تحدث في الكائن العضوي تشرف عليها، إشرافا جزئيا على الأقل، ~~ظاهرات لها طابع نفسي، يتجلى فيه أثر الحركة الانفعالية، ومن هنا يحصل بتأثير قوة من ~~قوى التكافؤ القصدي أو الغائي، إن لم تكن لتبعث فينا شيئا من العجب الشديد، فإنها ~~عميقة المدى بعيدة الأثر، أن تستشعر الكائنات الحية بلذة تستخلصها من كل المفاعلات ~~الطبيعة المؤدية إلى بقائها، وأن تستشعر ألما في كل المفعالات التي لا تؤدي إلى هذه ~~الغاية، ومن هنا تتحول اللذة والألم إلى ظاهرات تصحب هذه النزعة البدائية، على أننا في ~~كل هذه الملاحظات التي نقع على جرثومتها في كتابات أرسطوطاليس، قد اعتبرنا الإنسان ~~جزءا من الطبيعة، لا شيئا منفصلا عنها وقائما إلى جانبها. # ولا جرم أنه يساء فهم هذه الملاحظات ~~إذا فرضنا أن الإنسان برغم أنه مزود بالعقل والشعور مجرد عبد أو آلة تحركها قواسر ~~بدائية مؤصلة في تضاعيفها؛ لأن الإنسان بفضل الصور والفكرات التي يستخزنها في وعيه، ~~أو بوجه أدق بفضل منازعه الإرادية التي تصدر عن هذه الصور والفكرات؛ يستطيع أن يظهر ~~مقاومة لأقوى قواسره، فإنه يقدر أن يموت، وأن يموت جوعا، ولكنه ما دام بعيدا عن أن ~~«يريد شيئا يقمع غرائزه الطبيعية» فإن غرائزه تمضي في إبراز نتائجها العاجلة، من غير ~~أن تنظر في ما إذا كانت هذه النتائج يمكن أن تحدث لذة، حتى ولو كان إشباع هذه الغرائز ~~ينتج لذة بالفعل، وفي هذه الحالة كما في غيرها ms128 من الحالات نجد أن السقراطية # Socratism # وغيرها من مذاهب الفكر التي تمت إليها ~~بسبب لم تصب الهدف في صبغ الحياة الإنسانية بصبغة عقلية، ولا شبهة مطلقا في أن الفكرة ~~في إرجاع شريعة السلوك الإنساني إلى قاسر معين فيها عظمة وفيها جلالة، غير أن هذه ~~الأحدية # Monism ~~، أو بالأحرى هذه المركزية # Centralism ~~، إذا تجاوزنا بعض الشيء في استعمال هذا ~~الاصطلاح؛ لا يمكن أن تثبت دعائمها إزاء ما في الطبيعة من تنويع، أو اصطلاحا إزاء كل ~~ما فيها من تعددية Pluralism ~~، أو تجاوزا إزاء ما فيها ~~من «تحالفية»؛ أي تحالف القوى ~~والمؤثرات # Feaderalism ~~. # هذا مجمل الانتقاد والشرح الذي يمضي فيه الأستاذ جومبرتز إزاء النظرية الهيدونية في ~~هذه الناحية، غير أنه بدأ بحثه بسؤال لا يجاب عليه بغير ما أجاب به في نقده هذا، ولكن ~~قليلا من التأمل يدلك على أن السؤال قد وضع بصورة عكسية ليؤدي إلى جواب ~~واحد. # تساءل جومبرتز: «هل صحيح أن الإنسان والحيوان إنما تحفزهم الرغبة إلى الغذاء بسبب ~~اللذة التي يستشعرونها عند الأكل؟» ثم مضى في التدليل متخذا من هذا السؤال أساسا ~~لبحثه، غير أنك إذا وضعت السؤال في صيغة أخرى تلتئم والحالة الطبيعية، وقلت: «هل يشعر ~~الإنسان والحيوان برغبة في الغذاء ليطرد بالغذاء ما يستشعر من ألم الجوع؟» حصلت على ~~نتائج تنافي النتائج التي وصل إليها جومبرتز تماما، ولم يصبح بك من حاجة لأن تستطرد ~~إلى بحوث ما وراء الطبيعة كالقصد والغاية، وغيرهما من البحوث المجردة أنت في غنى ~~عنها. # إن الجوع يحدث ألما يتحرر منه الكائن الحي بالغذاء، فإذا اعتبرنا الجوع سبب ~~الرغبة في الغذاء، أتت اللذة عن طريق التحرر من الألم الذي يحدثه الجوع، لا مجرد لذة ~~يحدثها الأكل لذاته، وأصبح الاحتفاظ بالذات من طريق التغذية تابعا لما يستشعر الإنسان ~~من لذة التحرر من ألم الجوع بالغذاء، والسبب في خطأ الأستاذ جومبرتز يرجع إلى أنه أهمل ~~النظر في السبب الذي يحدث الرغبة في الغذاء، وهو ألم الجوع، واتخذ اللذة التي يستشعرها ~~الحي عند التحرر من ms129 ألم الجوع، أصلا للرغبة في الأكل والالتذاذ به. # وهنا نرجع إلى ما شرحنا من تطبيقات پافلوف، فإذا كان ألم الجوع فعلا عكسيا بسيطا # Unconditioned reflex action # يقسرنا على ~~طلب الغذاء كان «حفظ الذات» فعلا ~~عكسيا متحولا # Conditioned reflex action # يأتي تبعا لآخر وليس هو أصيلا بذاته، وهذه الحقيقة ~~لا تؤيد نقد جومبرتز ولا تنفي النظرية الهيدونية في اللذة والألم، بل على الضد من ذلك ~~تثبت أن الرغبة في الغذاء لا تتولد من حب الطعام والالتذاذ به، بل تأتي من حب التحرر ~~من ألم الجوع، أما اللذة فلا تأتي من مباشرة فعل الأكل نفسه، بل من طريق التحرر من ألم ~~الجوع. # على أن الأستاذ جومبرتز كان يستطيع أن يقع على حالة أبعد غورا في الطبيعة الحيوانية ~~من رغبة الحيوانات في الغذاء، تلك هي رغبة الأحياء في التناسل، فإن الغذاء إذا حفظ ~~الذات فإن التناسل يحفظ النوع، والطبيعة لا تقيم للذوات وزنا بجانب النوع، فهي تضحي ~~بالذوات لتحتفظ بالنوع، ومع هذا يمكن تعليل الرغبة في حفظ النوع تعليلا علميا لا ~~ضرورة معه للالتجاء إلى مباحث ما وراء الطبيعة، فإن التبادل الجنسي في الأحياء، استجابة ~~لرغبة ملحة في التحرر من ألم تشعر به، واللذة إنما تحدث بشعور التحرر من هذا الألم ~~عند مباشرة الفعل نفسه، فالألم الذي تحدثه الرغبة في التبادل البعولي هو لدى الواقع ~~«فعل عكسي بسيط» يدفع الأحياء إليه، أما حفظ النوع فأمر يتولد عن ذلك الفعل، وبذلك يكون ~~حفظ النوع عبارة عن «فعل عكسي متحول» على مقتضى تطبيقات پافلوف وهذا يزيد الهيدونية ~~قوة، ويكسبها ضد النقد مناعة كبرى. # نقد الهيدونية ونشوء مشاعر الغيرية # يعتقد الأستاذ جومبرتز بأن للنقد الذي مضى فيه صلة بالوجه الثاني من أوجه العلاقة ~~بين الذاتية والغيرية؛ أي بحث العنصر الأخلاقي الذي يولد المشاعر الغيرية، وهو يقول ~~بأن ظاهر الأشياء يدل على أن مكتشفات العلم الحديث تؤيد النظريات الهيدونية، وتزودها ~~بعناصر جديدة على أعظم جانب من القوة، وكل هذا حق، غير أننا نعجب كيف أنه لم يلاحظ ms130 أنه ~~بنقده الأول يعاند حقيقة يقول فيها هنا إنها من أكبر مؤيدات المذهب، ولكن السبب في هذا ~~أن خطأه كان في التطبيق، لا في إدراك المبدأ الذي أراد أن يطبقه. # لقد عمد القورينيون ومن بعدهم أبيقور، كما عمد أخلافهم من المحدثين وعلى رأسهم ~~«هرتلى # Hartley ~~» (1704-1757) و«مل # Mill ~~» (1775-1836) الكبير - عند دفاعهم عن نظرية أن مشاعر ~~الأنانية هي وحدها المشاعر الأصيلة، وأن مشاعر الغيرية تبع لها وكل عليها؛ إلى القول ~~بأن العادة وتداعي الأفكار # Association of Ideas # هما ~~الوسيلتان الوحيدتان اللتان من طريقهما يستحدث تحول المشاعر والقواسر الإرادية من طريق ~~التفاعل الطبيعي، وعلى الرغم من أن هؤلاء المفكرين لم يؤمنوا بأن هذه الوسيلة كافية ~~وحدها لأن تحدث الآثار التي أسندوها إليها، بحيث تنقل شخصا خلال حياته من أحط درجات ~~الأنانية إلى أسمى مراتب التضحية، فإن العلم في القرن التاسع عشر قد يزودهم بحل لهذه ~~المعضلة أقل تعرضا للنقد، ونشير بهذا إلى نظرية التطور على الصورة التي لابستها في ~~العصور الحديثة. # بالرغم من أن الواجب يحملنا على أن نتنكب المبالغات، ونتقي أسلوب التطبيق الذي كثيرا ~~ما يعتور هذه النظرية، وعلى الأخص عند تطبيق مذهب الانتخاب # Selection # فإن نظرية التطور تظل بعد ذلك كله ~~قادرة على أن تفسر لنا كيف يخطو الإنسان نحو الغيرية، فإن أقل ما هنالك أن هذه ~~النظرية تسهل علينا فهم الطريقة التي أمكن بها خلال عدد غير محدود من الأجيال، أن ~~تستقوي تلك الميول العقلية التي تنزع إلى الاشتراكية الاجتماعية وتبادل المنافع العام، ~~وعلى الأخص الميول التي تقسرنا على الإذعان للنظام الضمامي # Collectivism # شيئا فشيئا على غيرها من الميول، من طريق تطور الأعضاء ~~التي يقوى مع تطورها وتهذيبها قمع الغرائز من طريق الإرادة. # غير أننا إذا أردنا أن نستهدي بضوء هذه النظريات لم يكن لدينا من مندوحة عن أن نرجع ~~بتصوراتنا إلى الماضي السحيق الذي نعجز - حتى إذا أحاطت به تصوراتنا - عن أن نجيب مع ~~تصوره جوابا مقطوعا بصحته، إذا نحن تساءلنا عن الأصل الذي نشأت منه أو ms131 تحولت عنه ~~المشاعر الاجتماعية. فإذا حاولنا أن نؤول ذلك التصور تأويلا حرفيا كان تأويلنا له ~~سببا في أن تفقد لغة الطبيعة معناها وبلاغتها، ذلك بأن هذه المشاعر قد يتفق أن ~~تكون أصيلة كما يتفق أن تكون متحولة عن غيرها، وإذا خيل إلينا أنها أصيلة في الإنسان، ~~فهل يبعد أن تكون في غرارتها الأولى مشاعر متحولة اكتسبها أصل قديم من أصولنا ~~المتوحشة؟ # أما المشاعر البدائية التي كانت سببا في ظهور ما ندعوه «التكوين الاجتماعي» البدائي، ~~فما نشك في أن هذه الاحتمالات تعلل حدوثها، ولذا يجب علينا أن نأخذها على أنها حقائق ~~ثابتة لا تقبل الريبة، فإن السرب # Herd # يتقدم في ~~الوجود على العشيرة # Horde # وكذلك نجد أن العواطف ~~الشعورية الفطرية في السرب لها نتائج واسعة بعيدة الأثر في حياة المتعضيات # 12 # وما يقال هنا عن «السرب» يمكن أن يقال بغير تحفظ عن كل ما يتعلق ببقاء ~~الأنواع، والحالة في الأنواع لا تختلف عن حالة المشاعر والموازنات الشعورية التي تؤدي ~~إلى حفظ الحياة الفردية. # التطور والآداب # إن الصورة التي لابست نظرية التطور في العصر الحديث كانت نتاجا لجهود العلامة ~~دروين خلال القرن التاسع عشر، على أنه أحاط بهذه النظرية على قدر ما أهلت به الظروف، ~~وبحث في كثير من ملابساتها، ولم يفته أن يبحث علاقة التطور بنشوء الآداب، قال في كتابه ~~أصل الإنسان: # لما أن ضرب الإنسان بقدمه ~~الثابت في مدارج المدنية، واتحدت الفصائل الصغيرة فكونت جماعات كبيرة، همس وحي ~~الغريزة في ضمير كل فرد من أفراد تلك الجماعات، بأنه ملزم بأن يمد بيد الحب ~~والعطف وبكل ما أوتي من الغرائز الاجتماعية إلى كل أعضاء الجماعة التي هو تابع ~~لها، ولو لم يكن على صلة مباشرة بهم، أما وقد وصلت الإنسانية إلى هذا الحد، فلم ~~يبق أمامها من حائل يصد موجة الحب الأخوي والعطف المتبادل أن تطمو على خبائث ~~الطبع الحيواني، اللهم إلا حوائل مصطنعة مفتعلة. # ومن هنا نستدل على أن (دروين) يتنبأ بأن المستقبل كفيل بتحطيم تلك الحوائل التي ~~تقيمها القوميات، ms132 إذا ما وجهت الإنسانية نحو العمل على سعادة النوع البشري، ومن هنا ~~نعرف أن تعاليم الأديان العظمى جميعها لا تتنافى مع ما يؤدي إليه قانون الارتقاء ~~التدرجي من النتائج. # ولدينا باعث آخر ظل عاملا على صد تيار التقدم الإنساني نحو المثل الأسمى من الآداب، ~~ذلك باعث المؤثرات السيئة التي تنتج عن البيئات المصطنعة التي نخلقها من حولنا، فلقد ~~أظهر (دروين) تأثير البيئات المصطنعة وما لها من الأثر في تغاير صفات الصور العضوية، ~~إذا ما وقعت تحت تأثير الإيلاف، والإنسان المتمدين لن يفلت من مؤثرات ما تحدث تلك ~~العوامل. # ولكن كيف نشأت هذه الغرائز؟ ذلك ما بحثه «هرنج # Hering ~~» و«صموئيل بطلر # Samuel Butler ~~» ~~فقد أيدا نظرية أن في الحياة العضوية ظاهرة خفية سمياها الذاكرة اللاشعورية # Unconscious memory # وقضيا بأنها ظاهرة ~~تلازم الحياة العضوية في جميع مظاهرها وعلى مختلف وجوهها. # ولقد تبعهما «سيمون # Simon ~~» فبحث هذه الظاهرة من ~~ناحية حيوية صرفة، وكشف خلال بحثه عن كثير من البراهين المقنعة الدالة على أن كل منبه ~~لا بد من أن يترك في الأحياء - فضلا عن الانبعاث الظاهري الموقوت - تأثيرا ثابتا في ~~مادتها، وهذا التغيير الثابت إذا تكرر حدوثه واقترن أثره بما تحدث الظروف الخارجية من ~~آثار، استجمع في الأفراد صفات تتوارثها أعقابها جيلا بعد جيل، ويقوى أثرها في الأحياء ~~على مقتضى ما يكون فيها من الفائدة لها في حالات حياتها. # على أن هذه الذاكرة اللاشعورية # Mneme # تصبح مبدأ من مبادئ الاحتفاظ بالذات وبالنوع، ~~إذ هي تستجمع على مدى الزمان تجاريب الأفراد خلال حياتهم، كما أنها عامل أولي في ~~استحداث تغايرات ارتقائية في الأحياء. # ولقد جهر فرنسيس دروين في خطاب الرئاسة الذي ألقاه في مجمع العلوم البريطاني الذي ~~التأم في «دبلن» أنه من أنصار سيمون. كما أن العلامة هيكل لم يتردد في أن يعبر عن ~~اعتقاده الثابت في أن مذهب سيمون يعد أكبر دعامة ترتكز عليها نظرية دروين في الانتخاب ~~الطبيعي. # ولكن ألا يمكن أن تكون نظرية سيمون هذه فيها أصول تمت إليها تطبيقات پافلوف ms133 بأقوى ~~الأسباب؟ هذا ما يحتاج إلى درس ليس هنا موضعه، ولكن يكفي أن نقول في تطبيق مبدأ سيمون ~~على الأخلاق والآداب، إننا لا نجد صعوبة تحول دون القول بأن تكرار «الفعل الأدبي» ~~حادثا بما تبعث في النفس قوة الإرادة من عوامل «التنبه»؛ لا يقتصر على أن يصبح عادة ~~ثابتة في الفرد، بل يحدث تغييرا ثابتا في طبيعته تتوارثه الأجيال المتعاقبة، ماضيا ~~في الارتقاء جيلا بعد جيل. # وهنا يجدر بنا أن نذكر أن «الذاكرة اللاشعورية» قد خرجت من حيز النظريات إلى حيز ~~العلم التجريبي. فقد سبق لنا أن شرحنا تطبيقات پافلوف في الأفعال العكسية «المتحولة»، ~~ولنا اليوم أن نقول إن هذه التطبيقات أخذت تتدخل في العلوم الأخرى، فإن الدكتور ~~متالنيكوف أحد علماء معهد پاستور بباريس استطاع أن يولد في الأجسام الحية «ذاكرة لا ~~شعورية» بها يمكن أن تتقى الأمراض، وكانت الطريقة التي اتبعها هي نفس الطريقة التي ~~اتبعها پافلوف في الاستعانة بمنبه خاص عند العمل على توليد فعل عكسي متحول. # فمن المعروف أن فائدة الأمصال التي تحقن بها الأجسام الحية توقيا من المرض، إنما ~~تكسب الجسم مناعة بطريق ما تولد فيه من الوحدات المضادة للمرض # Anti-bodies # وتوليد هذه الوحدات موقوف على الحقن بالمصل الواقي من ~~المرض. فأجريت تجربة على «خنازير الهند» حقنت بمصل واق من مرض من الأمراض الميكروبية ~~ثم حقنت بمكروب المرض نفسه، بعد أن مضت مدة الحصانة، فمرضت. وحقنت غيرها بالمصل الواقي ~~من هذا المرض غير أنه زيد على هذه التجربة أن عملية الحقن كانت تقترن بقرع جرس، وأعيدت ~~عملية الحقن بالمصل مع قرع الجرس سبع مرات، وبالضرورة تولدت فيها مناعة ضد المرض الذي ~~حقنت بالمصل الواقي منه، فلما أن مضت مدة الحصانة حقن بعضها بمكروب المرض فمرضت، أما ~~الباقي فحقن بمكروب المرض بعد أن قرع لها نفس الجرس الذي كان يقرع وهي تطعم بالمصل ~~الواقي فلم تمرض! لأن الوحدات المضادة تكونت في جسمها بفعل عكسي متحول، بمجرد أن تنبهت ~~«ذاكرتها اللاشعورية» تنبيها عمليا. # على هذه القاعدة التي تلتئم ms134 ومذهب دروين، وتؤيد نزعة القورينيين في الوقت نفسه تقضي ~~بأن ارتقاء الفرد من حيث الإحساس الأدبي ارتقاء راجعا إلى جهاده المستمر في سبيل ~~التخلص من بواعث الاستغواء ونزعاته - لا بد من أن يكون قد حفز الإنسان إلى منازل ذات ~~بال من الرقي فرديا واجتماعيا، ما دام قد ثبت لدينا أن كل فعل تنبهي ممثل لقوة ~~تبعثها في الإنسان حواسه الأدبية، محتوم أن تحتفظ به الطبيعة كأثر ثابت في الأفراد، ~~ينتقل إلى أعقابهم بالوراثة. # | هوامش # الفصل السادس # | نظرية المعرفة عند القورينيين # «إن تاريخ مذاهب اليونان الفلسفية يدل على أن حركة الفكر وحلقات الدرس في هذا الشعب ~~الممتاز كانت متواصلة، فإذا أردنا أن نعرف النبع الذي استقى منه القورينيون أصل الفكرة في ~~نظريتهم في المعرفة، وجب علينا أن نعود بالقارئ لماما إلى مقررات لوسيفوس وإلى مذهب ~~ديمقريطس في الذرات.» # نظرية المعرفة عند القورينيين # ألمعنا من قبل إلى نظرية المعرفة عند القورينيين عندما لخصنا عن الأستاذ إردمان شرحه ~~للعنصر الأساسي في فلسفة أرسطبس، وقد جاء في ذلك التلخيص ما يلي : «إن النتيجة التي ~~تترتب على القول بأن كل «المعرفة» إدراك ~~بالحس # Sense perception # وأن كل إدراك بالحس إنما «ندرك» به كيف أثر فينا ذلك ~~الإدراك، تحصر «معرفتنا» في الوقوف على حالات «الوعي» أو الشعور # Consciousness # الكائن في تضاعيفنا، وعلى هذا يكون إدراك ~~حالات الوعي النفسي وأساليبها، كل ما في مذهب أرسطبس من علاقة بالطبيعة.» # كذلك اضطررنا إلى الكلام في نظرية «المعرفة عند القورينيين» عندما تكلمنا في علاقة ~~أفلاطون بالنظرية القورينية في كتابه «ثياطيطوس». غير أننا نريد قبل أن نمضي في بحث هذه ~~النظرية أن نقرر أمرا ذا بال، فنتساءل: «أكانت نظرية اللذة عند أرسطبس الأصل الذي جره ~~إلى وضع نظرية المعرفة، وقوله: إن المعرفة «إدراك بالحس» أم كانت نظرية المعرفة هي ~~الأصل الذي جره إلى نظرية اللذة؟» # والراجح عندي أن نظرية المعرفة كانت الأصل الذي جره إلى القول بنظريته في اللذة، ~~والحكم بأن اللذة هي الخير الأسمى، وأن لذة «الحس» أسمى اللذات جميعا ms135 كما سيتضح لك من ~~سياق هذا البحث. # ويجدر بنا قبل أن نتغلغل في صميم هذا البحث، أن نلمع ثانية إلى العلاقة الفكرية ~~والمذهبية التي تربط بين بروطاغوراس وأرسطبس. فقد سبق لنا أن قررنا أنه من المستطاع أن ~~نرد فكرة أرسطبس إلى مبدأ رئيس، قال به الفيلسوف بروطاغوراس إذ قضى بأن معرفة الإنسان ~~تقف عند الحد الذي تؤهل به إليه حواسه، كذلك أثبتنا أن الآصرة التي تربط بين الحواس ~~واللذة، أمتن الأواصر وأقواها، فإذا أضفنا إلى هذا قول بروطاغوراس: «إن الإنسان لا ~~يستطيع أن يعرف إلا ما يظهر له (أي الظواهر) لا ما هي طبيعة الأشياء في ذاتها (أي ~~الماهيات)» - استطعنا أن نجر إلى ذهن القارئ حقائق تكفي عنده لتأييد ما نرجحه من أن ~~نظرية أرسطبس في المعرفة كانت الأصل الذي استمد منه فكرته في اللذة، ذلك بأن الواقع كما ~~قررنا من قبل أن الوعي أو الشعور الذي هو أساس المعرفة عند أرسطبس، إنما تلابسه إحدى ~~حالات ثلاث: إما عنف، وإما اعتدال، وإما سلب. وهذه الحالات بعينها هي التي أثبتها ~~أرسطبس تمييزا لدرجات اللذة، وإذن يكون مذهب أرسطبس الأخلاقي - وبالأحرى السلوكي - ~~تقريعا على مذهبه في المعرفة، الذي استمده أصلا من بروطاغوراس. ~~••• # كذلك عرض لنا أن نتكلم في أرسطبس وأفلاطون في كتابه «ثياطيطوس» في نظرية المعرفة عند ~~القورينيين، وشرحنا طرفا منها، فلا مندوحة لنا في هذا المقام من أن ننقل تلك العبارات ~~توطئة للكلام في نظرية المعرفة عند القورينيين، جاء في الموضع الذي أشرنا إليه: # ويكفي هنا أن نعرف أن أرسطبس وشيعته لم يزودوا الفكر الإنساني بنظرية فذة في ~~الأخلاق لا غير، بل أضافوا إلى ذلك نظرية في المعرفة شرحوها ودافعوا عنها، وكان ~~لها أكبر الأثر في كل ما ظهر من صور الفكر الفلسفي على مدار العصور، أما محصل ~~هذه النظرية فيكفي أن نعرف منه هنا أن القورينيين كانوا يقيمون نظريتهم في ~~المعرفة على قاعدة بسيطة، تنحصر في قولهم: «إن الأساليب أو الكيفيات التي ~~تتأثر بها، هي وحدها التي يمكن معرفتها.» ولما ms136 كانت هذه القاعدة هي لب النظرية، ~~فيكفي أن نقول فيها إن القورينيين مضوا في شرحها مستعينين بكل ما يخطر ببال ~~من المثل التي تستمد من «إدراك الحس»، فهم يقولون مثلا بأننا لا نعرف أن ~~العسل حلو، وأن الطباشير أبيض، وأن النار تحرق، وأن السكين تقطع، وإنما تعرف من ~~هذه الأشياء وأمثالها حالات الوعي التي نعيها، وبالأحرى حالات الشعور التي نشعر ~~بها؛ أي إن لنا إحساسا بالحلاوة، وآخر بالبياض، وثالثا بالحرق، ورابعا ~~بالقطع، وهكذا، وإن هذه الحسوس المختلفة هي طريقنا إلى المعرفة؛ أي إننا إنما ~~نعرف الآثار التي تتركها الأشياء فينا من طريق الحواس، لا ما هي حقيقة الأشياء ~~في ذاتها. # ولا شك في أن قوة التحليل الفلسفي الذي امتازت به الشيعة القورينية قد أدت بهم إلى ~~الذهاب في بحث نظرية المعرفة التي اعتنقوها إلى أغوار أعمق من تلك الأغوار التي بلغوها ~~في بحث نظريتهم في الأخلاق على عمقها وتغلغها في صميم الأشياء الإنسانية، لهذا سوف نطنب ~~بعض الشيء في شرحها والكلام فيها، ومقارنتها بغيرها من النظريات، والبحث عن منابعها ~~الفكرية وتطورها، ولا جرم أن إطنابنا سوف يشفع لنا فيه تلك الثمار الشهية التي سنجنيها ~~من هذا البحث الفلسفي العميق. ~~••• # إن تاريخ مذاهب اليونان الفلسفية، يدل على أن حركة الفكر وحلقات الدرس في هذا الشعب ~~الممتاز كانت متواصلة، فإذا أردنا أن نعرف النبع الذي استقى منه القورينيون أصل الفكرة ~~في نظريتهم في المعرفة، وجب علينا أن نعود بالقارئ لماما إلى مقررات لوسيفوس وإلى مذهب ~~ديمقريطس في الذرات. # فقد نجد أنه منذ عهد أنكساغوراس مضى العقل اليوناني يفتش - بما عرف فيه من نزعة ~~تأملية عميقة الأثر في استجلاء حقائق الأشياء - عن نظرية يعلل بها «المعرفة»، ويخلص من ~~طريقها إلى تعليل يقبله العقل في حقيقة المادة، ولقد نجد أيضا أن البحث في هذه الناحية ~~قد أدى إلى نظريات وفروض تخالطت فيها نواحي التفكير تخالطا، وتشابكت فيها جهات العقل، ~~من تأمل واستنتاج إلى بحث واستقراء حتى صبغت الفلسفة اليونانية في هذه الناحية بصبغة ~~من ms137 الغموض لم يتح لعقل أن يجلو عنها شيئا منه، إلا عقل ديمقريطس العظيم. # يقول أرسطوطاليس: إن الفضل في ذلك إنما يعود إلى لوسيفوس، ولكنا نعلم يقينا أن هذه ~~النظرية لم تصلنا مجلوة في ثوبها المنطقي الطبيعي ~~إلا في مقررات ديمقريطس إذ يقول: # يحاول العرف # 1 # أن يبث في روعنا أن هنالك شيئا حلوا وآخر مرا، وأن شيئا ~~حارا وآخر باردا، وأن هنالك شيئا يقال له اللون، ذلك في حين أن الحقيقة ~~توحي إلينا بأن هنالك شيئين واقعين لا غير هما: الجوهر الفرد والخواء. # أما إذا أخرجنا من حسابنا مؤقتا الجوهر الفرد والخواء، وحصرنا تفكيرنا فيما ندعوه ~~«الناحية السلبية» في طريقة تفكير ديمقريطس، رأينا أن هذا الفيلسوف قد ساق كلامه في ~~قالب يشعرنا بأن تلك «الصفات»، وبالأحرى «الأعراض» التي ندعوها الحرارة واللون والذوق، ~~ثم الشم والسمع؛ إنما هي أشياء ليس لها وجود موضوعي # Objective # مما يدلنا دلالة واضحة على أن الفرق بين «العرف» وبين أشياء ~~الطبع، أو بالأحرى «الطبيعة»، كان من الأشياء المدركة إدراكا كافيا في ذلك العصر، وأن ~~العرف هو ما نمثل له بالعادات والتقاليد والشرائع، وبالأحرى الأشياء التي تواضع عليها ~~الناس اتفاقا، وهي أشياء تختلف باختلاف الجماعات، وتتغير بتغير البيئات، كانت قد اتخذت ~~عنوانا على التغير والحدوث، مقيسة على ما في الطبيعة من ثبات وقدم، لهذا اتخذ العرف ~~مثالا للتغير وعدم الثبات، وعنوانا على الخضوع للاختيار وحكم الحوادث، كيفما وقعت ~~وعلى أية صورة كانت. # من هنا أخذ ديمقريطس يقيس العرف على إدراك الحواس، فرأى أن هنالك كثيرا من الحقائق ~~دلته على أن إدراك الحواس إنما يرجع إلى خواص كائنة في تكوين الأفراد وإلى التغيرات ~~المختلفة التي تلحق حالات الفرد الواحد وفي النهاية على الصور المختلفة التي تتشكل فيها ~~«ذرات المادة»، فالمصاب باليرقان يحس العسل مرا، وأن درجة البرودة أو الحرارة - أفي ~~الماء كانت أم في الهواء - يتوقف مقدار الإحساس بها على حالات الجسم، ومقدار ما فيه من ~~برودة أو حرارة في وقت ما، إلى غير ذلك من الأمثال التي ms138 أفاض في تعدادها إفاضة فيلسوف ~~ملم بحقائق الأشياء. # ولو أن فلاسفة الأقدمين كانوا قد أوتوا من قوة التعبير ما أوتي المحدثون، وطاوعتهم ~~اللغة على أن يضعوا مصطلحات محدودة المعاني يستعان بها على تعيين المراد تماما؛ إذن ~~لاستطاع ديمقريطس في عصره أن يكون أدق تعبيرا عما أراد، ذلك بأن تطور معاني المفردات ~~اللغوية يكسب الفلسفة، كما يكسب العلم، صفات جديدة أهمها صفة تحديد المعنى الذي يحمله ~~كل لفظ من الألفاظ الاصطلاحية. # فإننا قد نعرف الآن الفرق الظاهر بين الصفات المطلقة والصفات النسبية، وبين الحقائق ~~الذاتية والحقائق الموضوعية، أما في عصر ديمقريطس، فلم تكن هنالك ألفاظ يكفي مجرد ذكرها ~~استيراد كل هذه المعاني في ذهن الباحث، ولو أن شيئا من ذلك كان قد عرف في عصر ~~ديمقريطس؛ إذن لاستطاع أن ينزل إلى أعماق من الفكر، مثل تلك الأعماق التي ننزل إليها ~~الآن، بأن عرفنا من تحديد المصطلحات مثلا أن هناك عنصرا ذاتيا # Subjective # يتغلغل في صميم الحقائق الموضوعية، وإننا لا نشك الآن ~~مثلا في أن تلك الصور غير المتناهية من الآثار الذاتية، ليست عبارة عن خيالات تشوبها ~~الفوضى، وإنما هي خاضعة لسلسلة منظومة من قوانين السببية. # ولو أننا كنا نتكلم هنا في ديمقريطس بالذات؛ إذن لاستطردنا إلى الكلام في العلاقة ~~الفكرية التي تربط بين فلسفة ديمقريطس من هذه الناحية، وبين فلسفة خليفتيه توماس هبز ~~وجون لوك المحدثين، ولكنا قد سردنا حتى الآن من مبادئ ديمقريطس في الذرات وإدراك الحس، ~~ما يكفينا لمتابعة الكلام في نظرية المعرفة عند القورينيين. # لما أراد الأستاذ جومبرتز الألماني - وهو من ثقات المؤلفين في تاريخ الفكر اليوناني - ~~أن يلم بشيء من تاريخ التطور الذي لحق نظرية المعرفة عند القورينيين، لم يتبع طريق ~~التسلسل التاريخي في ظهور الفكرات والمذاهب متعاقبة بحسب ترتيبها الزماني، وإنما عمد ~~إلى طريقة تبويبها من حيث المكانة والشأن والأثر في تطور الفكر، فجاء تعقيبه رجعيا؛ ~~إذ بدأ بالفيلسوف «سقسطوس # Sextus ~~» # 2 # وانتهى بأفلاطون، وخلل فيما بينهما بالفيلسوف «أرسطوقليس # Aristocles ~~». # وهو على اعتقاد بأن هؤلاء الفلاسفة ms139 الثلاثة، أكثر من ألم بهذه النظرية وأن ~~ترتيبهم على هذا الوجه يلائم عنده قيمة بحوثهم فيها. # أما سقسطوس فمن الفلاسفة التجريبيين الذن شغفوا بدرس الطبيعيات، ظهر حوالي سنة 200 ~~بعد الميلاد، ذلك في حين أن أرسطوقليس مشائي من أتباع أرسطوطاليس، ظهر قبل سقسطوس بجيل ~~واحد، ولقد وصل إلينا من آثاره الفلسفية عبارات مطولة نقلها المؤرخ الكنسي «أوزبيوس # Eusebius ~~» في كتابه المسمى ~~“Prœparatis ~~Evangelica” ~~. # أما السبب في أن يذكر الأستاذ جومبرتز الفيلسوف الإلهي أفلاطون في آخر هذه الحلقة، مع ~~أنه أولها ظهورا، فيرجع إلى أن الأولين عالجا النظر في نظرية المعرفة عند ~~القورينيين بالذات، في حين أن أفلاطون لم يعالجها باعتبارها نظرية قورينية أصيلة، وإنما ~~هو خصها بجزء ضئيل من كتابه «ثياطيطوس» باعتبار أنها نظرية غامضة من نظريات السفسطائي ~~بروطاغوراس، على العكس مما يذهب إليه الآن كل ثقات المؤرخين في المذاهب الفلسفية ~~اليونانية؛ إذ هم يؤمنون - وعلى رأسهم البحاثة الكبير فردريخ شليرميخر - أن هذه ~~النظرية من نتاج الفيلسوف أرسطبس، ذلك بأنه تلقاها من الفلاسفة الدارجين من قبله فرضا ~~غامضا، فصاغها في قالب نظرية فلسفية يسلم بها العقل ويؤيدها المنطق، فأدخلها بذلك في ~~حيز الفكرات المميزة ذوات الحدود والتعاريف. # على أننا مع هذا لا نشك في أن الفيلسوف أرسطوقليس قد نم بما كتب على أن كفاياته لم ~~تؤهل به إلى معالجة الصعاب التي تكتنف هذه النظرية الفذة، ولم تصل به إلى ذلك الحد ~~الذي يستطيع عنده أن يقدر القيمة الحقة لهذه النظرية، ويكفي عندك أن تعرف، لتقتنع بهذا، ~~أن أرسطوقليس قد اكتفى بذكر بعض نتف مثل بها القورينيون لبيان مذهبهم في المعرفة، ثم ~~راح يجادل فيها جدلا طويلا ويناقش في ما يدور حولها، مناقشات لم تتناول لب النظرية ~~بحال من الأحوال، وإنما كانت أقرب إلى الجدل الفرضي الذي اتصفت به الفلسفة في عصور ~~الانحطاط، إذ كان طابعها الفرار من الصعاب التي يواجهها الفكر عند النظر في حقائق ~~الأشياء، ليأنس اللين والبساطة عند النظر في الأعراض. # أما سقسطوس فقد كان - فضلا عن مشائيته ms140 وحبه البحث في الجواهر الطبيعية - من أنصار ~~مذهب الشك، على أن تأييده لمذهب الشك لم يكن ليضيره شيئا، لو أنه استطاع أن ينظر في ~~مذاهب الفلسفة نظرة استقلال بعيدة عن التعصب المذهبي، أما وأنه يحاول أن يجر المذاهب ~~كلها، بما فيها مذهب المعرفة عند القورينيين، إلى مفاوز موحشة من الجدل، ليجعلها تلائم ~~القول بالشك على القواعد التي اعتنقها فيه، فإن ذلك كان سببا في أن يقلل من قيمة شكه، ~~بل وكان عاملا من العوامل التي أثرت في فلسفته، فرماها الباحثون بالشك فيها، وقلة ~~الثقة بمقرراتها. # آية ذلك أنه ألبس عباراته التي بحث فيها نظرية المعرفة عند القورينيين ثوبا محيكا ~~من لغة مذهبه في الشك، وشرحها بحيث جعل للناحية الشكية فيها، وبالأحرى مثل الناحية ~~السلبية، المقام الأول. # غير أننا نعثر بجانب هذا على أشياء أثارت في الباحثين، وما زالت تثير، أشد العجب، ~~فإن تلك العبارات التي حاول بها فلاسفة من أمثال سقسطوس أن يجروا نظرية المعرفة عند ~~القورينيين إلى مفاوز الشك والسلب، قد تضمنت كلمات أو عبارات هي أبعد ما تكون عن لغة ~~الشك وعن مقررات الشك، بل هي أقرب إلى التقرير المذهبي، كأن يقولوا في شيء مثلا «هذا ~~حق» أو «غير منقوض» أو «ثابت» أو «معصوم عن الشك» أو «حقيقي» أو «يمكن الاعتماد عليه» ~~ولا شك في أن هذا مما يثير رغبة الباحث في معرفة السبب في هذا التناقض بين ظاهر المذهب ~~الشكي، وأخذهم بمثل هذه التعبيرات التي يقول بها غير المؤمنين أو أصحاب التعصب المذهبي؛ ~~وإذن ينبغي لنا أن نستعمق بالبحث في عقل هؤلاء الفلاسفة، وفي المبادئ الفلسفية التي كان ~~لها الزعامة الأولى على الفكرات التي حومت في رءوسهم، ولقد نرى فيما بعد أن ما سيظهر ~~لنا أنه فرضي خيالي، سوف يصبح، مع التحليل والبحث المنطقي، من الحقائق التي يسلم بها ~~العقل. ~~••• # كان للكشف عن الفرق بين الصفات الأولية والصفات الثانوية - وهو كشف من أعظم ما زود به ~~الفيلسوف لوسيفوس مذاهب الفلسفة من المبادئ - أثرا جر الباحثين إلى الفحص ms141 عن أثر ~~العنصر الذاتي # Subjective # في إدراك الحس بوجه عام، ~~أما الفحص عن «العنصر الذاتي» في الصفات فكان خطوة خطتها الفلسفة إلى الأمام، بل هي ~~خطوة رئيسة، كان لها أثر كبير في البحث عن أصل الإحساسات، غير أن أوجه الفحص عن ذلك لم ~~يتأت إلا للذين درجوا بعد لوسيفوس من الفلاسفة، أضف إلى ذلك أن تأثير «العنصر الذاتي» ~~في الصفات لم يكد يستقر على قاعدة، حتى تغلغل في عقول الباحثين وأحاط بأسلوب تفكيرهم ~~وثبت فيه، وازداد ثباتا على مر الأيام، وبتقدم البحوث الفلسفية. # عندما استقر الاعتقاد بأن في الصفات «عنصرا ذاتيا» تدرج العقل إلى التساؤل عن ~~المدركات التي نفي عنها تأثير العنصر الذاتي، وهل هي في الحقيقة بعيدة عن ذلك ~~التأثير؟ فقد قيل مثلا: إن إدراك اللون خاضع للعنصر الذاتي، وليست كذلك الأشكال ~~والصور. غير أن التفرقة بين مثل هذه الأشياء - اللون والصورة مثلا، على وثيق اتصالهما ~~- لا يمكن أن تظل مأخوذا بها عقلا، إذا ما تنبه العقل إلى عدد من أكاذيب الحس التي في ~~العين، غير إدراك اللون، فإن العصا تظهر للعين منكسرة إذا غمست في الماء، والشيء ~~الواحد يظهر بأقدار مختلفة، إذا ما نظر مرة بالعين سليمة، ومزدوجة الأشباح أخرى، وهي ~~حالة مرضية، أو بالضغظ على طرف العين ثالثة. وكذلك حس اللمس - وهو من الحسوس التي ~~اعتبرت أول الأمر مثالا لما سمي «الحس الموضوعي»؛ أي الذي لا يدخله «العنصر ~~الذاتي» - فقد وجد بعد الاستبصار أنه عرضة لنقائص كبيرة، ولقد ضرب سقسطوس أمثالا على ~~ذلك كثيرة. # على أن بعض الفلاسفة أراد أن ينمي نظرية جديدة حاولوا بها أن يقللوا من شأن «العنصر ~~الذاتي» في الصفات، فقالوا: إن حسا من الحسوس أو عضوا من الأعضاء، إذا عجز عن تأدية ~~وظيفته كاملة، أعانه حس أو عضو آخر على إتمامها على وجه الكمال والتمام، كما تتم حالة ~~سوية # Normal # نقائص أخرى غير سوية # Abnormal # غير أن هذه النظرية قد لقيت من الاعتراض ~~والشك قدرا، رجها وزعزع الثقة بها. # فقد قال المعترضون: «من ms142 ذا الذي ينبئنا أن في حالات أخر قد ينعدم ذلك التعاون بين ~~الحسوس المختلفة، فتنشأ الأكاذيب الحسية؟» أضف إلى ذلك أن ديمقريطس قد قرر من قبل أن ~~تمييز الحق من الباطل لا يتوقف على العدد - أي عدد المؤيدين والمعارضين - ولا على ~~الأغلبية أو الأقلية، سواء أمن الأشخاص أم من الحالات. # كذلك لا ينبغي أن ننسى أن الإلياويين # Eleatics # قد ~~حملوا من قبل حملات صادقة على ما يمكن أن يعزى من إدراك الحقائق بشهادة الحس، ذلك بأن ~~مذهب الإلياويين لم يكن قد قضي عليه بالزوال من عقول المفكرين في عصر أرسطبس وعصر ~~شيعته الذين درجوا على مذهبه من بعده، فإن مذهبهم قد عاش من بعدهم في «ميغارة # Megara ~~» وقد نعرفه باسم المذهب «الميغاري» نسبة إلى ~~المدينة التي نما وانتعش فيها بعد «زيون» رأس ذلك المذهب، حتى إن بعض ثقات الباحثين ~~المحدثين يطلقون على «المذهب الميغاري» اسم الإلياوية الجديدة # Neo-Eleaticism # إشارة إلى العلاقة بين المذهب الإلياوي الأول وبين ~~المذهب الميغاري. # ولا ريب في أن الصيحة التي أرسلها القدماء بقولهم: «إن الحسوس كواذب فلا نؤمن بها، ~~وإن الحقيقة إنما تكون في عالم خارج عن عالم الحس» - لم ترتفع بها أصوات الفلاسفة بأكثر ~~مما ارتفعت في ذلك العصر، ولقد كان لها صدى كبيرا في عقل أفلاطون الآلهي. # غير أنه لا ينبغي أن يغيب عنا أن الإلياويين كان لهم نظراء يناظرونهم، فإن بروطاغوراس ~~كان له أنصار وشيعة، كما كان للإلياويين أنصار وشيعة، ولا شك في أن الحرب الفكرية بين ~~الشيعتين كانت سجالا، ولكن بأية أسلحة قامت الحرب؟ ذلك ما يجب أن نعرفه، لنعرف شيئا ~~من طبيعة ذلك السجال. # كان للقول «بأن كل ما يدرك حقيقي» - صبغة ~~ذاتية # Subjective # ما كانت تتضح وضوحا قويا، قدر ما تتضح عند القول بأن ~~«الإنسان» إنما هو «مقياس كل الأشياء». وذلك ما شرحه بروطاغوراس في مقاله المعروف «في ~~الفنون»، ففي هذا البحث تناول بروطاغوراس ناحية منه تدرج فيها إلى القول: «إذا كان ~~اللاكائن يرى كأنه كائن، فإني لا أفهم كيف ms143 يجوز لإنسان أن يقول إنه غير كائن، ما دام ~~أن العين تراه، والعقل يسلم بوجوده.» # على أن هذه العبارة التي مرقت من عقل بروطاغوراس مروق الومضة العابرة، قد أصبحت في ~~عصرنا هذا المعقل الذي يتحصن فيه العقل ليدافع عن شهادة الحواس، عند القول بأن الحواس ~~سبيل المعرفة، على أن المدافعين عن مذهب إدراك الحس في المعرفة في الأعصر الحديثة، قد ~~تركوا لمهاجميهم أسوار ذلك المعقل الأولية، واحتموا بقلبه - أي بالحسوس ذاتها - فإنك ~~مهما قلت بأن الحس لن يكون المجس الذي تسبر به الطبيعة أو الوجود الخاص بالأشياء ~~الخارجية، فإن وجود الحس نفسه لا يمكن أن ينكر، ذلك بأن وجود الحس له قوام غير مشروط ~~على غيره، وأنه باتحاده مع غيره من نظم الوعي أو الشعور يحدث جملة من المعرفة نجد أنها ~~كافية كل الكفاية لتأدية أغراض الإنسان. # إن من يعتقد بصحة هذا المذهب لأول مرة - مذهب أن الحسوس كواذب - ويمضي موقنا - ~~مجاراة لظاهر هذا المذهب - بأن العالم الخارجي لا وجود له؛ يمكن أن تلتمس له كل ~~الأعذار، إذا ما خيل له أنه انتقل فجاءة إلى دار من دور المجانين، ذلك ما حدى بالفيلسوف ~~«بركلي # Berkeley ~~» وأنصاره إلى القول : «إنك إذا ~~اعتقدت بصحة هذه النظرية، فلا حرج عليك إذا أنت رميت برأسك إلى الجدار، ذلك بأن الجدار ~~غير الموجود لا يمكن أن يضير رأسك التي هي غير موجودة.» # وعلى هذا القول أجاب أنصار مذهب أن الحسوس كواذب بقولهم: «إننا لا ننكر حس المقاومة، ~~ولا غيره من الحسوس التي منها يتكون جدار أو صورة جدار، أو رأس أو صورة رأس، أو أي شيء ~~من الأشياء التي نأنسها في العالم الخارجي، أما الذي ننكر، وبالأحرى نعتقد أننا لا نعرف ~~من حقيقته شيئا؛ فذلك الشيء الغامض المبهم الذي نؤمن بأنه كائن من وراء الظواهر؛ تلك ~~الظواهر التي تلوح شيئا واحدا وعلى صورة معينة لكل من يحوزون ضربا واحدا من الوعي، ~~والتي ترتبط جميعا برباط من السنن الثابتة، آيتها المتابعة والاشتراك في ~~الوجود.» # يزودنا باحث ms144 من أعلام الباحثين المحدثين، هو «مل» الكبير، # 3 # بعبارات تشرح المقصود من هذه النظرية شرحا وافيا، قال: «إن ما ندعوه فكرة ~~الشجرة، أو فكرة الحصان، أو فكرة الإنسان، إنما هي في الأصل مجموعة من الفكرات المفردة ~~يؤديها عدد من الحسوس، كثيرا ما تلتقي دفعة واحدة، فنعبر عن التقائها وتجمعها بفكرة ~~الوحدة.» # كذلك نقرأ لأفلاطون في كتابه «ثياطيطوس» قوله: «إننا نطلق على مثل هذه المجموعة من ~~الحسوس اسم إنسان أو شجرة أو حجر أو غير ذلك، مما يقع عليه نظرنا في العالم ~~الخارجي.» # وإنما يخاطب أفلاطون بقولته هذه نخبة من مفكري عصره، آنس فيهم القدرة على التأمل وسعة ~~العقل، وفرق بينهم وبين من سماهم بامتعاض «الماديين»، أولئك الذين لا يؤمنون بشيء ما لم ~~يقع في قبضة يدهم، هم الذين قال فيه أفلاطون: «إنهم يحللون كل شيء إلى نظم طبيعية ~~وأحداث مادية، وينكرون بتاتا تصور الوجود المجرد.» ثم رماهم من بعد ذلك بأنهم «أتباع ~~بروطاغوراس السفسطائي». ~~••• # ينبغي للباحث في هذا الموطن أن يعرف أن معاصري أفلاطون الذين تصدق عليهم الصورة التي ~~صورناها، إنما هم أولئك الذين آمنوا بأن ما يمكن معرفته محصور في أسلوب التأثر ~~بالأشياء، وأن الأشياء الخارجية التي يظن أنها تتضمن مجموعة من هذه الأساليب، من ~~الممكن اعتبارها موجودة، ولكنها مع ذلك بعيدة عن منالنا على أية حال. # كذلك ينبغي لنا أن نعي أن العبارات التي شرح بها أفلاطون نظرية معاصريه هؤلاء في الحس ~~قد خالطها كثير من الاستطرادات التي كان يأبى عقل أفلاطون إلا أن يستطرد فيها، ولذا يجب ~~أن نقصر النظر على الأسس الأولية التي تقوم عليها نظرية معاصري أفلاطون، وأن نحصر بحثنا ~~في المبادئ الجوهرية التي تتضمنها تلك النظرية. # تقضي هذه النظرية بأن هنالك عنصرين: أحدهما سلبي، والآخر إيجابي، لا بد من أن يقترنا ~~لإحداث كل إحساس من الإحساسات، وهذا التعاون الذي يجب أن يحصل بين العنصرين، إنما هو ~~عبارة عن «حركة» عمد أصحاب هذا المذهب في إثباتها إلى نظرية هيرقليطس فيما سماه ~~الفيض الدائم Perpetual flux ms145 # وأنه باقتران مثل ~~هذين العنصرين اللذين باقترانهما تتميز شخصية أحدهما من الآخر، من حيث السلبية ~~والإيجابية - ينشأ الإحساس، ومعه وفي الوقت ذاته موضوع الإحساس، فالألوان التي هي ~~موضوعات إحساس البصر تنشأ مع الإحساس البصري، والأصوات التي هي موضوعات إحساس السمع ~~تنشأ مع الإحساس السمعي، وهكذا، وبذلك ينكرون كل وجود سابق لما ندعوه الصلابة والطراوة، ~~أو الدفء والبرد، أو الأبيض والأسود. فإن هذه إنما يتحقق وجودها في الوقت الذي يتحقق ~~فيه الإدراك. # ولكن كيف نستطيع أن نفسر حقيقة هذا النظام الذي يحدث في وقت واحد الإحساس الذاتي # Subjective # والصفة الموضوعية # Objective quaeliy ~~، هذا إذا لم يعز إليه ~~إحداث الشيء الذي يحمل الصفة الموضوعية ذاتها؟ # لقد أشرنا من قبل إلى أن أفلاطون قد عبر عن هذا النظام بأنه «حركة» ولا شك في أنه عزى ~~إلى تلك الحركة آثارا واسعة النطاق. كذلك يجب أن نشير هنا إلى أن «العنصرين» اللذين ~~قيل إن أحدهما سلبي والآخر إيجابي - وهما المنتجان «للحركة» - قد تركهما أفلاطون غير ~~محددين وخلفهما محاطين بإبهام واستغلاق، وكان ذلك سببا أن يظلا غير جليين في سياق ~~هذا المذهب، غير أنه لا ينبغي أن يفوتنا أن أنماط التفكير التي قام عليها المذهب ~~بكلياتها وجزئياتها لم تعرض في ناحية من النواحي إلى ذكر «المادي» أو «الهيولى» ~~واتخاذهما جزءا مكونا من أجزاء المذهب. ولا شك أن مذهبا كهذا يحاول أن ينقض مذهب ~~الماديات، ويقول «بالوجود المطلق»؛ لن يكون فيه من محل لذكر الماديات والهيولانيات ~~والجسمانيات إلى غير ذلك من الأشياء التي يحاول نفيها بتاتا، غير أننا يجب أن نعي، إذا ~~ما أردنا أن نفقه حقيقة الأمر، أن كثيرا من فلاسفة الأقدمين - ومنهم أفلاطون ~~وأرسطوطاليس - قد حاولوا أن يخلقوا للعقل تصورا يحل فيه محل تصور المادة، ولكن ~~محاولتهم هذه لم تخلص إلا بتصورات اعتراها الغموض واكتنفها الإبهام، لهذا لا يبعد - على ~~ما يقول كثير من الباحثين - أن يكون هؤلاء الفلاسفة قد تصوروا بادئ الأمر ضربا من ~~المادة لا صورة ولا صفات لها، واتخذوه أداة لما سموه ms146 «الحركة» في هذا المذهب. # هذا جائز وإن لم يمكن استبانته من قضايا المذهب استبانة تامة. غير أننا إذا عرفنا أن ~~أرسطبس قد مضى مسترشدا في بحثه بوجود نظام مادي صرف، استطعنا أن نعرف لماذا تصور ~~معارضوه وجود مادة مفروضة، لا صورة ولا صفات لها. ومن هنا جاء اعتراضهم على المذهب ~~القوريني، إذ قالوا: إنه إنما يسير في دائرة كلما فرغ من آخرها دخل في أولها، بأن يفرض ~~أن الهيولانيات تستحيل إلى إحساسات، والإحساسات تستحيل إلى هيولانيات. # هنا نستطيع أن ننتقل خطوة أخرى، بأن ننظر في اعتراض منابذي مذهب أرسطبس لنقرر بديا ~~أن وجوه اعتراضهم عليه مدخولة بكثير من الشك، ذلك بأنه لا يعقل أن يلزم القائلون بأن ~~المعرفة مقصورة على ظواهر الطبيعة، بحال من الاحوال، أن يكفوا عن درس وظائف الحواس، ~~أو درس العلم الطبيعي في مختلف نواحيه درسا عمليا أو استقرائيا، لمجرد أن هنالك ~~فروضا أو نظريات قد تلائم ظاهر الأشياء، بل ينبغي لمن يريد بحث الطبيعة أن يبدأ شوطه ~~بأن يعرف أن الأجسام أو الجواهر المادية ما هي غير موضوعات حسية، وبالأحرى عبارة عن ~~مجردات تدين بوجودها للحواس. # ذلك، ما للقائل بأن المعرفة مقصورة على ظواهر الطبيعة؛ من حق فيه، أما ما ليس من حقه، ~~فهو البحث في الحالات الجسمانية الخاصة بكل إحساس أو الحالات المادية الخاصة بأي نظام ~~من النظم التي يختار بحثها، ومحصل هذا أنه من الجائز لناقد أن يعترض على قبول تحليلات ~~يقررها غيره، ولكن ليس له من حق في أن يناقش في المشروعية العقلية التي تخول لباحث ما، ~~أن يطبق تحليلاته على الأشياء بوجه من الوجوه. # وهذا مثل مما وقع لرجال المذهب القوريني، فإنهم عمدوا في آخر عصورهم إلى إلقاح ~~المذهب بالطبيعيات وبالمنطق، تلك التي بدءوا مذهبهم بتصفيته من آثارها، والدليل على هذا ~~أنهم توجوا المذهب في النهاية بأن خصوه بالبحث في «الأسباب» (أي الطبيعيات) و«أسس ~~البرهان» (أي المنطق). ~~••• # ما هي تلك الصبغة التي اصطبغ بها منطق القورينيين؟ سؤال ينبغي لنا أن نجيب عنه ms147 قبل أن ~~نختم هذا البحث، ذلك بأن الإجابة عليه أساس لما يقوم عليه مذهبهم في المعرفة. # على أننا يجب أن ننبه هنا إلى أن البحث في طبيعة منطق القورينيين تنقصنا فيه المواد ~~الأولية التي تجعل بحثنا إياه قائما على شيء من اليقين، هنا نرجع - كما رجعنا من قبل ~~في مواضع عديدة من هذا البحث - إلى الاستعانة بقياس التمثيل، فقد يخيل إلينا بديئة # a priori # أنه في العصور القديمة كما في العصور ~~الحديثة، اقترنت نظرية الحس في المعرفة كما اقترنت النظرية الهيدونية النفعية في ~~الأخلاق # Ethics # بنزعة منطقية أساسها الاختبار ~~والاستقراء. ولقد عرفنا الآن أن صورة من صور هذا المنطق قد اعتنقها متأخرو أصحاب المذهب ~~الأبيقوري، وعرفناها منذ ثلاثين سنة لا غير، عندما عثر في خرائب «الهركيولانوم» على ~~مؤلف لفيلسوف يدعى «فيلوذيموس Philodemus ~~» عرض لبحث ~~هذه المسألة الدقيقة. # عندما شرح الباحثون الذين أكبوا على درس كتاب فيلوذيموس ليكونوا من أطرافه المتناثرة ~~كلا يعتمد عليه، استطاعوا بالدرس أن يعودا بمذهب الأبيقوريين المنطقي إلى عبارات ~~عرضت في ما كتب رجال المذهب الشكي، وإلى ما كتب زعماء المذهب التجريبي من علماء ~~الطبيعة، ولكن من أي نبع استمد هؤلاء وهؤلاء أصل هذا المذهب؟ هيئ لباحث ألماني هو ~~«إرنست لاس # Ernst Laas ~~» أن يتنبه إلى عبارات في ~~جمهورية أفلاطون تمت إلى هذا الموضوع بأسباب كثيرة، وكانت قد عدت أعين الباحثين من ~~قبل. # عالج أفلاطون في جمهوريته مسألة خزن «الذكريات»، فالذاكرة تخزن الحوادث الماضية، ~~وترتبها بإتقان فتعرف ما وقع أولا ثم ما تلاه، وكذلك تعرف الحوادث التي وقعت معا، ~~وبالاستقراء من هذه الذكريات المخزونة، يمكن معرفة ما سوف يقع في المستقبل على قدر ما ~~هيئ للعقل الإنساني من قدرة على ذلك. ولقد شرح أفلاطون قوله هذا بلغة كثيرا ما ~~تذكرنا باللغة والعبارات التي استعملها محدثو المؤلفين والفلاسفة من زعماء مذهب ~~المنطق الاستقرائي. # أما الأستاذ جومبرتز فيقول بأننا في هذا البحث إنما نكون أكثر أمنا، إذا نحن وصلنا ~~فكرة أفلاطون هذه بأرسطبس ومذهبه، ولم نصلها بمذهب بروطاغوراس كما ms148 يذهب بعض الباحثين. ~~بل يقول: إن كل البحوث التي بذلت في هذا الشأن قد زودت المؤرخ بأسباب يستطيع على ~~مقتضاها أن يقضي بأن أرسطبس قد وضع منطقا، غير منطق أرسطوطاليس قائما على مجموعة من ~~القواعد ترعى أول شيء تتابع وقوع الظاهرات وتلازمها الوجودي، فكان بذلك أول رائد من ~~رواد المنطق الاستقرائي وأول مقنن لنظرية إدراك الحس في المعرفة. # | هوامش ms149