######OpenITI# #META# URI: 1381IsmacilMazhar.FiAdabWaHayat.Hindawi58180618 #META# Tags: literature #META# ID: 58180618 #META# Title: في الأدب والحياة #META# AuthorID: 53973639 #META# Author: إسماعيل مظهر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # في الأدب والحياة‏ # في الأدب والحياة‏ # | في الأدب والحياة # | في الأدب والحياة # تأليف # إسماعيل مظهر # | في الأدب والحياة # الخطيئة الأولى # قابيل ~~: ~~«أهذه هي الحياة، كد ونصب، كدح وتعب؟ ولماذا أكدح وأنصب؟ ألأن أبي لم يستطع ~~أن يحتفظ بمقامه في جنة عدن؟ ما هو ذنبي في هذا؟ لم أكن قد ولدت، ولم أشأ أن ~~أولد، ولم أحب أن أكون في هذا المحيط الذي قذف بي فيه ميلادي. لماذا أطاع أبي ~~الحية والمرأة؟ وإذا كان قد أطاعهما فلم يتعذب؟ وأي ضرر جرته طاعته هذه؟ غرست ~~الشجرة فلماذا لا تكون له؟ وإذا لم تكن قد غرست من أجله، فلماذا وضع بالقرب ~~منها، حيث أينعت وزهت، بهجة للنظر في وسط الجنة؟ ليس لديهم من جواب على هذه ~~الأسئلة سوى القول بأنه هكذا شاءت إرادته، وأنه رحيم ودود، فكيف أعرف هذا؟ أمن ~~أجل أنه أقدر القادرين، كذلك يكون أرحم الراحمين؟ إني أحكم بما أنتج العمل من ~~ثمرات، وإنها لمريرة، بل إني مقسور على أن أجني هذه الثمار، وأن أستمرئها ~~تكفيرا عن خطيئة ما أنا بمرتكبها.» # هذه الكلمات نطق بها اللورد بيرون، الشاعر الإنكليزي المشهور، عن لسان قابيل، بعد أن ~~طرد أبوه من الجنة واضطر إلى الكدح هو ونسله في سبيل العيش. على أن رواية آدم قد وجدت ~~في كل العصور متسعا من عقول النابهين، ليترسلوا فيها بتأملات ترضي نزعاتهم، فقد روي عن ~~المتنبي قوله: # يقول بشعب بوان حصاني # أعن هذا يسار إلى الطعان؟ # أبوكم آدم سن المعاصي # وعلمكم مفارقة الجنان # ويقول ابن الراوندي المتشكك المعروف: # أبي آدم باع الجنان بحنطة # فلست ابنه إن لم أبع بشعير # والناس أمام هذا الأمر، من مؤمنين ومتشككين، إنما يساقون في هذه التأملات بعامل ~~الحيرة، وبحكم وجودهم في هذه الحياة. فإذا أردنا مثلا أن نتأمل في أمر هذه الحياة، ~~أفليس أول ما يتوارد على أذهاننا أن نتساءل ما هذه الحياة؟ ولماذا وجدنا؟ وأي قصد أو ~~غاية تختفي وراء هذا الوجود الذي يعقبه خلود على قول البعض، وفناء على قول البعض ms01 ~~الآخر؟ # ولست أرى أنه من المستطاع أن نختم هذه الحيرة إلا بالرجوع إلى تساؤل ديدرو: «هل في ~~قدرة بشر فان أن يحدث من خطيئة يستحق عليها عقابا أبديا؟» # وبعد فهذه هي الحياة، كد ونصب، كدح وتعب، وليس لنا يد في دفع شيء من هذا كله، ولكن ~~حسبنا أن نقول بأنه إذا كانت السعادة والشقاء شيئين يوزنان بالكم ولا يقدران بالكيف، ~~ووضع كل مخلوق فوق هذه البسيطة كمية سعادته في كفة وكمية شقائه في كفة، لاتضح له أن ~~خسرانه كبير، وإلا فأي شيء اضطر ذلك الشاعر على أن يقول: # صرف الزمان يفرق الإلفين # فاحكم إلهي بين ذاك وبيني # أنهيت عن قتل النفوس تعمدا # وبعثت أنت لقتلها ملكين # وزعمت أن لها معادا ثانيا # ما كان أغناها عن الحالين # على أن في اليقين راحة، وفي الشك حيرة وتعب، ألم يقل أبو العلاء: # جنت الغوارس واستقل أخو الغنى # وسعى المؤمل واستراح اليائس # غير أني أستطيع أن أقول إن اليأس لا وجود له في قلب الإنسان. إن الإنسان ملؤ قلبه ~~الأمل، وهذا هو السبب في شقائه وكده ونصبه، فلنكد وننصب على الرغم منا وعلى مقتضى حاجات ~~الحياة. # إذا لم يكن بد من أن نلقى بنظرات التأمل في الأدب والحياة، فأي شيء أجدر من هذا بأن ~~نرسل إليه بتأملاتنا ونخصه بتفكيرنا؟ # طه حسين والشعر الجاهلي # كان مثل صاحب الشعر الجاهلي في كتابه الأدبي كمثل ابن خلدون في كتابه التاريخي، فإن ~~بين مقدمة ابن خلدون وتاريخه فارقا بعيدا، كما أن بين منهج البحث في كتاب الشعر ~~الجاهلي والبحث نفسه صدعا متنائيا. # أراد الدكتور طه حسين أن ينهج في البحث منهج ديكارت في أن يجرد نفسه من كل التقاليد ~~الوراثية، من دين ولغة وقومية وميول نفسية ... إلى غير ذلك، وأن يدخل البحث بكرا صافيا، ~~ولكنه لم يلبث أن أذعن لموحيات من الشك هي في ذاتها نزعة وتقليد، فهل يحق له بعد أن ~~يعترف بأنه يشك بأنه خلو من كل تقليد؟ أو أنه صفى نفسه من كل النزعات؟ وإلا ms02 فإنا نسأله ~~ما هو الشك، إن لم يكن نزعة وتقليدا؟ # ألح على الدكتور طه الشك في حقيقة الشعر الجاهلي، وهو يعترف بهذا ولا يخفيه، إذن فقد ~~بدأ بحثه شاكا خاضعا لنزعة الشك، مقنعا رأسه لتقاليدها، كذلك ألحت على ديكارت فكرة ~~أنه «كائن»؛ إذ يقول في أول تأملاته: «أنا أفكر، أنا إذن كائن.» أي موجود في الحياة ~~الدنيا، إذن فهو بحكم أنه مفكر وبحكم أنه كائن، لا بد من أن يكون خاضعا لتقاليد الحياة ~~بأكملها، وهو إن استطاع أن يقول بأنه جرد نفسه من التقاليد نظريا، فإنه لم يستطع أن ~~يخلص بنفسه من براثن الوراثة عمليا. # وما أظن أن أسلوب ديكارت إلا أسلوبا نظريا لا يمكن تطبيقه تطبيقا عمليا، أو ~~يتبدل الإنسان من طبيعته طبيعة أخرى. لقد سد أسلوب ديكارت من العقول فراغا كبيرا في ~~تلك الأزمان، التي لم تكن المعارف الإنسانية قد وثقت فيها بعد لعلمي البيولوجيا ~~والوراثة. أما اليوم فالاعتقاد العملي الصحيح هو أن الإنسان مجموعة صفات وراثية وتقاليد ~~لا يستطيع أن ينفك عنها أو ينفك عن طبيعته ذاتها، فهل يصح بعد هذا أن نقول بأن في ~~مستطاعنا أن نبدأ بحثا من الأبحاث، وملء أنفسنا شك قاتل، ثم ندعي بعد ذلك أننا خلصنا ~~من الوراثة والتقاليد؟ ألم يقل أناتول فرانس: «قل للذي يدعي بأنه خال من الأوهام، هذا ~~أول أوهامك.» # الله والزمان والمكان # يقول المعري: # قلتم لنا إله قديم # قلنا صدقتم كذا نقول # زعمتموه بلا مكان # ولا زمان ألا فقولوا # هذا كلام له خبيء # معناه ليست لنا عقول # ولست أدري لماذا لا تكون لنا عقول إذا اعتقدنا بأن الله بلا زمان ولا مكان؟ # يقول ابن سينا في رسالة «الحدود»: إن الزمان عبارة عن مقياس الحركة من جهة المتقدم ~~والمتأخر. وعرف المكان بأنه عبارة عن السطح الباطن من الجرم الحاوي المماس للسطح ~~الظاهر، من الجرم المحوي، فهل في هذه التعاريف شيء من الحق؟ # تصور كرة من المادة تسبح في فضاء أو في خلاء صرف لا يوجد فيه أي جرم آخر ms03 ، فكيف يمكن ~~لشخص على هذه الكرة أن يعرف إن كانت ثابتة أم متحركة بسرعة ألف ميل في الساعة؟ إنه لا ~~يستطيع ذلك بأية طريقة من طرق الامتحان أو التجربة؛ لأن كل شيء فوق هذه الكرة يظل ~~سائرا في اتجاه واحد، سواء أكانت ساكنة أم متحركة بأقصى سرعة؛ لهذا نعتقد بأن السبيل ~~الوحيد الذي نستطيع أن نحكم به على أي جرم بأنه متحرك أم ساكن، هو أن نلاحظ إن كان يغير ~~موضعه بالنسبة لأجرام أو أجسام أخرى، فإذا وجد جرم آخر، فوجود هذا الجرم يوجد للكرة ~~الأولى مكانا، ومن غير هذا يكون بلا مكان، ومن طريق وجود المكان يبدأ وجود الزمان الذي ~~هو عبارة عن قياس الحركة. # ارجع بعد هذا إلى الكرة الأولى السابحة في الخلاء الصرف، وتخيل أنه لم يحط بها من ~~مشابهاتها المادية شيء، أفلا تكون في اعتبارنا بلا مكان ولا زمان؟ وإذا كانت عقولنا ~~تسلم بهذا عن طريق التجربة، فكيف أنها لا تسلم بأن الله بلا زمان أو مكان، وهو بالقياس ~~إلى العالم أشبه بالكرة السابحة في الخلاء، لأنه منزه عن الشبائه، على اعتقاد علماء ~~التوحيد؟ # حول نقاء السلالة # هوستون ستيوارت تشامبرلين، مؤلف إنجليزي الدم تيوتوني التفكير، كتب مؤلفا أسماه ~~«أساس القرن التاسع عشر»، والمؤلف في معتقدي عبارة عن مذهب جديد في العوامل التي كونت ~~التاريخ الإنساني، يقوم على نظرية السلالات، فهو يعتقد بأن نقاء السلالات الإنسانية ~~عامل من أكبر العوامل على بقائها؛ بل إن نقاءها ضروري لبقائها ذاته. وضرب لذلك مثلا ~~باليهود من بين كل الأمم السامية الأصل، فاليهود من بين الساميين، من أضعف الأمم ~~سياسيا، وأقلهم عددا، ولكنهم استطاعوا أن يحتفظوا بوحدتهم القومية. والحقيقة أن هذه ~~السلالة قد استطاعت أن تقاوم كل العواصف التي تناوحت من حولها خلال كل عصور التاريخ، ~~وما زالت تنتقل في منازل البقاء، حتى أسلمت بها الأقدار إلى القرن التاسع عشر، بل وإلى ~~القرن العشرين، حقيقة ثابتة راسخة بين أمم الأرض. # عاش اليهود بلا دولة ولا أرض ولا رئيس سياسي، مشتتين في ms04 أطراف الدنيا، مندمجين في أمم ~~هي أبعد الأمم عن بعضها تجانسا وأقلها ترابطا، ومع كل ذلك عاشوا متحدين شاعرين بحقيقة ~~هذا الاتحاد كقوة سياسية عظمى، ويعتقد تشامبرلين أن السبب في هذه المعجزة هو ذيوع كتاب ~~واحد بين اليهود؛ هذا الكتاب هو التوراة، مع كل ما زيد إليه من الإضافات حتى يومنا هذا. ~~يقول إن هذا الكتاب يجب أن ينظر فيه باعتباره صورة منعكسة عن روح قومية خاصة، عملت - ~~كلما دقت ساعات الخطر الداهم والكوارث المجتاحة - على توثيق الوحدة والألفة الوطنية، ~~بعناية رجال خصوا بأوسع المدارك ووهبوا قوة الفراسة. # غير أن تشامبرلين لا يقف عند هذا الحد، بل يحاول أن ينتزع من التوراة دليلا يؤيد ~~نظريته، فيقول بأن ما بث في تضاعيف التوراة من الروح الدينية لم يكن في الحقيقة إلا ~~عنصرا من عناصر الرواية التاريخية التي انطوت عليها دفتا التوراة، وأن عكس ذلك غير ~~صحيح. ولقد مضى في تدليله طويلا حتى إنه لم يترك شاردة ولا واردة إلا أثبتها انتصارا ~~لمذهبه هذا، وليثبت أن الشعب اليهودي قد أدمج دينه في تاريخه، وأنه صب الدين في معين ~~التاريخ شعورا منه بقوة ترابطه القومي، وأن ليس لسبب في هذا إلا نقاء هذه السلالة ~~البشرية وعدم تلاقحها مع غيرها من السلالات، وأن هذا هو السر الأوحد في قوتها ~~الاجتماعية، وما فيها من صفات المقاومة والمناعة ضد الاندماج في غيرها من الأمم. # هذا ملخص مذهب تشامبرلين في السلالات البشرية، وعليه يبني مذهبه في المؤثرات التي ~~كونت التاريخ الإنساني، غير أننا ننظر بجانب هذا من الناحية البيولوجية الصرفة، فنجد أن ~~علماء الحياة قد أثبتوا بالدليل أن تلاقح السلالات عامل على زيادة خصبها وقوتها ~~الحيوية، فهل يمكن أن يكون هذا المبدأ مناقضا لمذهب تشامبرلين؟ # أما إذا نظرنا من ناحية أثنولوجية صرفة، لما وسعنا إلا الاعتقاد بأن مذهب تشامبرلين ~~صحيح من كل الوجوه، والأمثال عليه في علمي الأثنولوجيا والاجتماع كثيرة لا تحصى، فكيف ~~يمكن التوفيق بين مذهب تشامبرلين القائم على حقائق الأثنولوجيا والاجتماع، وبين مذهب ~~البيولوجيين القائم ms05 على الاختبار وصدق المشاهدة؟ الحقيقة أن لا تناقض بين المذهبين إلا ~~في الظاهر؛ فإن تلاقح السلالات إن صح بيولوجيا أنه من مهيئات الخصب والقوة الحيوية، ~~فإنه لم يثبت أنه ضروري للاحتفاظ بالقوميات اجتماعيا، والفرق بين الخصب في الإنتاج ~~والقوة الحيوية للانتصار في التناحر على البقاء شيء، والاحتفاظ بالوحدة القومية في ~~الاجتماع شيء آخر. # إذن يتضح من هذا أن نقاء السلالات البشرية أثنولوجيا مفيد من الناحية الاجتماعية، ~~كما أن تلاقحها وتدامجها بالدم مفيد بيولوجيا، إذا ما اعترى السلالة ضعف حيوي كاد ~~يقرضها من الوجود، كما هو حادث اليوم في بعض بقاع فرنسا وبين كثير من السلالات ~~اللاتينية. # حالات العقل # تقوم فلسفة كونت على قانون وضعه وسماه قانون الدرجات أو الحالات الثلاث، فقال بأن كل ~~فكراتنا الأولية ومدركاتنا وكل فروع معرفتنا، لا بد أن تمر على التوالي بثلاث حالات ~~مختلفة: الأولى الحالة اللاهوتية أو التصورية التخيلية، والثانية الميتافيزيقية أو ~~الغيبية المجردة، والثالثة اليقينية الواقعة. # هذا هو قانون الحالات الثلاث، ويمكن أن يحصر القول في هذا القانون العقل الإنساني فيه ~~بطبيعته كفاءة لأن ينتحي بثلاث طرق للتأمل في حقائق الأشياء، وطبيعته في كل من تلك الطرق ~~تختلف عن الأخرى تمام الاختلاف، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إنها تتناقض، ومن هنا تنتج ~~ثلاثة ضروب من الفلسفة، أو بالأحرى ثلاثة أساليب للتفكير، في اكتناه حقيقة الظاهرات، كل ~~منها تنافر الأخرى. أما الأسلوب الأول فخطوة ضرورية يبدأ بها العقل في سبيل تفهم ~~الحقائق، والبحث عن مصادرها، وأما الأسلوب الثالث فيمثل العقل في آخر حالات ارتكازه على ~~الحقائق البارزة، وليس الأسلوب الثاني إلا خطوة انتقالية بين الأسلوبين الأولين. # ففي الحالة اللاهوتية، يبحث العقل في طبيعة الأشياء وحقائقها، وفي الأسباب الأولى ~~والعلل الكامنة، يبحث في الأصل والماهية والقصد من كل الأشياء التي تقع تحت الحس، وعلى ~~الجملة يبحث في المعرفة المطلقة، وهنالك يضطر إلى التسليم بأن كل الظاهرات إنما ترجع ~~إلى الفعل المباشر الصادر عن كائنات تقع وراء عالم الطبيعة المنظور. # وفي الحالة الثانية وهي حالة محورة ms06 عن الحالة الأولى، يتبدل العقل من فرض الكائنات ~~السائدة على الطبيعة، بفرض قوات مجردة أو شخصيات محققة الوجود، يكون في استطاعتها إحداث ~~مختلف الظاهرات، وليس ما يعني في هذه الظاهرة من تفسير الظاهرات، وليس ما يعني في هذه ~~الدرجة من تفسير الظاهرات؛ إلا عبارة عن نسبة كل منها إلى مصدرها الأول. # وفي الحالة الثالثة يطرح العقل طريقة البحث الضائع وراء الأسباب المجردة، وأصل الوجود ~~الكوني ومنقلبه، والعلل الأخيرة التي تعود إليها الظاهرات، ويلقي بكل جهده في سبيل ~~معرفة السنن التي تحكمها؛ أي صلاتها المتشابكة وتلاحقها ومشابهاتها، هنالك يتحد العقل ~~والمشاهدة ليكونا أساس المعرفة. فإذا تكلمنا في هذه الحال في تفسير حقائق الكون، فلا ~~نخرج عن إيجاد صلة ما بين ظاهرة من الظاهرات وبين مجموعة من الحقائق العامة التي يقل ~~عددها تدرجا بنسبة تقدم العلم اليقيني. # هذا هو مذهب كونت، ولكنك إذا فكرت قليلا في الأصل الذي نبع منه ذلك الشيء المبهم ~~الغامض الذي نسميه «العقل الإنساني»، وجدت أن هنالك حالة مر بها العقل يمكن أن تكون ~~بمثابة قاسم مشترك أعظم يضرب في مجموع هذه الحالات التي بنى عليها كونت فلسفته. على أنك ~~لا تستطيع بجانب هذا أن تدرك حقيقة هذه الحالة، أو أنها ذات أثر خالد باق في مجموع ~~الحالات الثلاث التي عمد إليها كونت في تكوين مذهبه الفلسفي، إلا إذا رجعت إلى تحليل ~~نفسي تاريخي تتناول فيه نشوء الإنسان. # فإن كثيرا من الفلاسفة قد أظهروا جهلا كبيرا بحياة الإنسان وتاريخه، فبنوا قواعد ~~ووضعوا مذاهب، على الرغم مما فيها من الروعة وأثر الجهد فإنها بعيدة جهد البعد عن ~~الحقائق الواقعة التي ينطق بها تاريخ الإنسان، فبينما تجد أن البعض منهم قد اطرح البحث ~~في طريقة التفكير التي ينتحيها العقل وصولا إلى حقائق الأشياء، تقع على غيرهم وقد ~~حاولوا أن يفصلوا العقل عن الإنسان ليجعلوه موضع درس خاص، يرجعون إليه بعد أن يفرغوا من ~~تاريخه الطويل، في حين أن تاريخ الإنسان وتاريخ العقل شيء واحد، وما فصلهما إلى شيئين ~~إلا عبث ms07 كبير بالعلم وأساليبه. # كذلك تجد أن كثيرا من الفلاسفة، سواء في العصور الحديثة أم القديمة، قد زعموا بأن ~~العقل ليس بشيء سوى مجموعة ما يصدر عن الفكر والإدراك الشامل، لحصروا العقل في مجموعة ~~ما يدرك، ويتصور ويحكم به ويتعقل فيه ويفهم ويعتقد به ويراد فعله. ولكن قليلا من ~~البحوث الفذة التي قام بها علماء عمدوا إلى النظر في الإنسان باعتباره كلا واحدا، قد ~~أثبتت أن الإنسان لدى الواقع لا يستطيع أن ينتبه انتباها عقليا كاملا لحقيقة ما ~~يدرك أو يتذكر أو يريد أو يحكم فيه، بل برهنوا على أن جزءا عظيما من تفكير الإنسان في ~~كليات المسائل أو جزئياتها إنما يقع تحت آثار وراثة طويلة ثابتة تجعله خاضعا لقبول ~~أشياء ومبادئ وحقائق من غير أن يشعر كيف أنه قبلها أو سلم بها. # وعلى هذا تجد أن حالة الحياة النفسية اللاشعورية قد تستقوي في أغلب الأحيان على ~~الحالة الشعورية الراجعة إلى إحكام العقل على ما يدركه أصحاب الفلسفة اليقينية. وهذه ~~المسألة تظهر كأنها أمر طبيعي واقع لكل من يمعن النظر في الحقائق الآتية: # يدلنا التاريخ الطبيعي على أن هنالك أربع حالات يثبتها البحث في تاريخ الإنسان: # الأولى: # حالة العقل الحيواني، وهذه ندعوها بالحالة الغريزية. # والثانية: # حالة العقل الطفلي، وهذه ندعوها بالحالة اللاهوتية. # والثالثة: # حالة العقل الوحشي، وهذه ندعوها بالحالة الغيبية أو الميتافيزيقية. # والرابعة: # حالة العقل المتمدين، وهذه ندعوها بالحالة الإثباتية أو اليقينية. # أما الأولى، فبحثها مقصور على علم النفس المقارن. # وأما الثانية، فبحثها مقصور على علم النفس التحليلي. # وأما الثالثة، فبحثها مقصور على علم الإنسان والشعوب. # وأما الرابعة، فبحثها مقصور على علوم التاريخ والاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. # ومن مجموع هذا ننتهي بالنتيجة الآتية: # الحالة الأولى: # العقل الغريزي أو الحيواني. # الحالة الثانية: # العقل اللاهوتي أو الطفلي. # الحالة الثالثة: # العقل الغيبي أو الوحشي. # الحالة الرابعة: # العقل اليقيني أو المتمدين. # أما وقد ثبت أن الأصل في العقل للغريزة، وثبت بجانب هذا أن الإنسان مجموعة صفات ~~وراثية قديمة العهد، فإنا لا يمكننا أن نسلم بأن ms08 الحالات الثلاث الأخيرة، قد تخلصت ~~تخلصا تاما من قواسر الحالة الغريزية الأولى. وعلم النفس الحديث يدلنا على أن ~~الإدراك اللاشعوري لا يزال ذا صفة غالبة في كل ما يصل إليه العقل الإنساني من نتائج ~~البحث في حقائق الأشياء. # الفرق بين الشرق والغرب # يقولون إن بين الشرق والغرب فارقا بعيدا وصدعا متنائيا، والحقيقة أننا نرى هذا ~~الفرق ظاهرا، أجل الظهور، كلما قلبنا أوجه النظر في حالات اختص بها الغرب والشرق؛ ~~ففي الشرق علم وفي الغرب علم، ولكن في الشرق علما قام على الأساطير والخرافات، وفي ~~الغرب علما قام على الاختبار والمشاهدة؛ وفي الشرق فلسفة وكذلك في الغرب فلسفة، غير أن ~~في الغرب فلسفة قامت على مذاهب وضعها الفلاسفة، أو أساليب غيرت من نماذج الفكر، أما ~~الشرق ففيه فلاسفة انبتت الصلة بينهم وبين أهل زمانهم؛ لأنهم نظروا في الفلسفة نظر ~~المعتقد بأنها البحث في الغيبيات لا في الواقع، في حين أن الفلسفة ليست إلا البحث وراء ~~وجهة من النظر تنظم سبل الحياة. وعلى هذا فقس إذا نظرت في الموسيقى والشعر والأدب وكل ~~ما تبقى بعد ذلك من مظاهر الحياة العقلية والاجتماعية. # على أني لا أعتقد أن السبب في ذلك راجع إلى أن حجم الجماجم في الغرب أكبر منه في ~~الشرق، أو إلى أن المادة السنجابية في مخ الأوروبي أكثر كمية أو أرقى صفة منها في مخ ~~الإفريقي أو الآسيوي، كما يزعم البعض، ولسنا بأقل منهم قدرة على فهم الحقائق والأشياء، ~~ليس شيء من هذا بواقع، ولكن الواقع أن في الشرق حضارة قامت على الدين، وفي الغرب دين قام ~~على الحضارة. # معتقد داروين الديني # يقول داروين: # إن في النظر إلى الحياة بما يحوطها من مختلف المؤثرات والقوى، نظرة ~~الاعتقاد بأن الله قد نفخها في بضع صور، أو صورة واحدة بداءة ذي بدء، لعظمه وجلاله، ~~وأن هذا السيار إذا ظل مدفوعا بالجاذبية دائرا حول فلكه المرسوم، قد هيئ بقوى أنشأت ~~ولا تزال جادة في إنشاء تلك الصور غير المتناهية، بما فيها من مواضع الجمال ms09 وبواعث ~~الروعة والإعجاب. (أصل الأنواع، ف15) # ويقول: # ليس هذا الزعم - زعم القائلين بالخلق المستقل - إلا تبديل غير ثابت بثابت، أو ~~على الأقل غير معروف بمعروف، فهم يشوهون صبغة الله وخلقه، وما قول الكونيين ~~القدماء بأن صور الحيوانات المستحجرة في بعض الصخور، لم تخلق إلا عبثا لمحاولة ~~تشبيه باطن الأرض بأحياء البحار، بأبعد من قول القائلين بالخلق المستقل في ~~الزمان الحاضر منزلة من السقوط والاتضاع. (أصل الأنواع، ف5) # ويقول: # إني إن كنت على تمام الاقتناع بما في المبادئ التي بثثتها في هذا الكتاب - ~~أصل الأنواع - من الحق الثابت، فإني لا أتوقع مطلقا أن أقنع بها رجالا من ~~المشتغلين بالعلم الطبيعي قد شحنت أفكارهم بفكرات متكاثرة تخالف وجهة نظري، ~~وظلت ثابتة في عقليتهم زمانا طويلا، وإن من الهين أن نخفي جهلنا وراء ستار من ~~المصطلحات، مثل «فكرة الخلق» و«وحدة القصد والنظام»، ظانين أننا بهذا قد نفصح ~~عن المغمضات، في حين أننا لا نصل من هذه الطريق إلا إلى إعادة الاعتراف بالجهل ~~بتعبيرات أخرى. (أصل الأنواع، ف15) # ويقول: # هنالك مؤلفون من ذوي الشهرة وبعد الصيت مقتنعون بالرأي القائل بأن الأنواع ~~قد خلقت مستقلة، أما عقليتي فأكثر التئاما مع المضي مع ما نعرف من القوانين ~~التي بثها الخالق في المادة، والاعتقاد بأن نشوء سكان هذه الأرض وانقراضهم في ~~الحاضر والماضي، يرجع إلى نواميس جزئية مثل النواميس التي تحكم في تولد الأفراد ~~وموتهم، وإني كلما نظرت في الأحياء نظرة القانع بأنها أعقاب متسلسلة عن بضعة ~~عضويات عاشت قبل ترسب أول طبقة من الطبقات الكمبرية، شعرت بأن نظرتي هذه أكثر ~~إجلالا، وأبعث على التأمل، وأدل على العظمة. (أصل الأنواع، ف15) # فهل يمكن أن يقول هذا القول ملحد كافر بالله؟ # قرأت في أحد خطابات داروين إلى طالب ألماني، على ما أذكر، أنه كثير الشك فيما يمكن أن ~~يكون وراء هذه الحياة، من النعائم التي بشرت لنا بها الأديان، بانيا حكمه، وإن شئت فقل ~~شكه، على كثرة ما يرى في هذه الحياة، من ضروب التعاسة والشقاء، غير أنه ms10 على الرغم مما ~~في هذه المقابلة من الفوارق البعيدة، فإنها تدل على نزعة الرجل الاعتقادية، فهو في ~~الواقع رجل مؤمن بالله ولكنه إزاء الإيمان «لا أدري» صميم، ولو أنه زادنا في خطاباته ~~شيئا، ولو ضئيلا، يدل على متجهه الاعتقادي، لقلنا بأنه شكي صرف إزاء الأديان، وإن كان ~~ثابت الاعتقاد بوجود مدبر يدبر هذا الكون، ولا جرم أن هذا هو معتقد كثير من المؤمنين، ~~الذين لم يستطيعوا أن يلغوا العقل، كما أنه معتقد كثير من العقلاء الذين لم يستطيعوا أن ~~يلغوا الإيمان جملة. # الشخصية # لما أدركت جالينوس الوفاة استلقى على فراشه وقال: «إن المدبر الذي يدبر الجسم قد عجز ~~عن تدبيره.» وأوصى أفلاطون أن يكتب على قبره هذه الكلمات: «أيتها الأرض، إن كنت مخفية ~~جسد أفلاطون، فإنك لا تستطيعين الدنو من نفسه التي لا تموت.» # فأي التصورات قامت في ذهنيهما وهما على باب الأبد السحيق؟ أيدل ظاهر هذه الكلمات على ~~حقيقة ما قام في وجدانهما؟ لا أظن ذلك؛ بل أتخيل أن ما قام لديهما من التصورات مختلف ~~تمام الاختلاف عما يدل عليه ظاهر هذه الكلمات، فإن شهوة التأليف مثلا قد تقوم في ذهن ~~عدد عديد من الناس، ولكن منهم من يطلب المال، ومنهم من يسعى وراء الشهرة، وقليل منهم من ~~يبغي نفع الناس، فالدافع واحد، ولكن التصورات التي تختفي وراء الدوافع النفسية مختلفة، ~~وفي تضاعيف هذه التصورات تكمن حقيقة الشخصيات. # كلمات لطاغور الشاعر الإلهي ~~«هل الشفقة شيء خصت به الذوات الفانية الضعيفة وحدها، ولم تخص به الآلهة؟ إن ~~الغوث يجب أن يبذله الإنسان إذا ضنت به السماء.» ~~«لا يمكن أن تمتع الخطيئة بعمر مديد كهذا، هل يمكن أن تكون تلك المراسم ~~التعبدية التي نشأت وأرباها تطاول الزمان حتى أعتقت تحت أقدام الآلهة من ~~الخطيئات.» ~~«لقد بدأ الليل يرخي ظلامه، وتشتد حلكته، إنه يتربع على هام الوجود، إنه امرأة ~~مهجورة، أما هذه النجوم، فدموعها استحالت نارا.» ~~«كم هي صغيرة هذه الأرض، وكم هي محصورة الجوانب، حيث تقوم الآفاق الدائمة من ~~حولها، ترمقها ms11 وتتبعها أينما سارت . إن الأشجار والمنازل ومجموع الأشياء القائمة ~~من حولي تغشي على باصرتي، والضوء كقفص يحول بيني وبين ظلام اللانهاية، والساعات ~~تصيح داخل حدودها كأطيار مأسورة، ولكن، لأي شيء يتدفق هذا الجمع في هذه الجلبة، ~~ولأي غرض؟ إنهم ليلوحون لي كأنهم في خوف مستمر من فقدان شيء لن تناله ~~أيديهم.» # فازانتي ~~(للناسك) ~~: ~~«لست أفهم ما تقوله يا أبتاه، خبرني، ألا يوجد في هذه الدنيا الفسيحة من ~~حمى.» # الناسك ~~: ~~«حمى؟ ألا تعرفين أن هذه الدنيا عبارة عن هوة لا قرار لها؟ فجموع هذه الخلائق ~~إنما تخرج من ثقب العدم باحثة عن حمى يحميها، ومن ثم تدخل ثانية في فوهة الفراغ ~~اللامتناهي، وهنالك تفقد آثارها، ها هي أشباح الكذب والرياء تتخايل من حولنا، ~~رواحا وجيئة في سوق الأوهام والخيالات، ولا تبيعنا من غذاء، اللهم إلا عدما ~~باطلا، إنها إنما تحرك فينا نهمة الجوع ثم لا تكفينا، ابتعدي من ثم يا بنيتي ~~ابتعدي.» # فازانتي ~~(للناسك) ~~: ~~«ولكن يلوح لي أنهم سعداء جد السعادة في هذه الدنيا يا أبتاه، ألا نستطيع أن ~~نلحظهم من جانب الطريق.» # الناسك ~~: ~~«وا أسفاه! إنهم لا يفقهون شيئا، إنهم لا يرون أن هذه الدنيا موت ممتد إلى ~~اللانهاية، إنها تموت كل برهة، ومع ذلك فإنها لا تصل إلى غاية، ونحن مخلوقات ~~هذه الدنيا إنما نعيش ونتغذى على الموت.» # السائح ~~(للناسك) ~~: ~~«هل أجد من حمى بجانب هذا المكان؟» # الناسك ~~: ~~«ليس من حمى في أي مكان يا بني، اللهم إلا في قرارة نفسك، فابحث عن هذا وتشبث ~~به إن أردت النجاة. # هل تظنون أنكم بحكم الكثرة وقوتها الغاشمة تحتكمون في الحقيقة، وأنكم سوف ~~تغرقون العقل وقوة البرهان في جوف تلك الهزات الأثيرية، التي تنبعث مع صياحكم ~~المتعالي؟! # إني لا أسلم مطلقا بأن الحق يكون دائما في جانب أشد الأصوات خشونة، وإني ~~لأخجل من أن أعتنق معتقدا لا يقوم على غير القوة ولا بقاء له بغيرها. # الدين واحد في جوهره، ولكنه يختلف في كثرة صوره، فالماء واحد ولكن باختلاف ~~الشواطئ التي يغشاها، ms12 يكون الحق فيه لأمم مختلفة، أما إذا كان في صميم قلبك نبع ~~يروي ظمأك، ويطفئ عطشك، فلا تلومن جيرانك الذين هم مقسورون على أن يستسقوا ~~بجرعات من الماء، يأخذونها من بركهم القديمة التي غشاها من قبل أسلافهم، مع ما ~~يحيط بها من المروج المخضوضرة الخصيبة التي غذاها الزمان، وأشجارها التي تحمل ~~أثمارها الأبدية. # الحقيقة والحب هما روح الدين وجثمانه، أليس على هذا تنطوي كل المعتقدات وفيه ~~تنحصر ماهيتها؟ # لقد أسفر القمر، هذه الآونة، من بين السحب، وروح السلام يرف على صفحة الماء، ~~كأنه يحتضن الدنيا بين ذراعيه، تحت ضوء القمر العظيم، من هنا تذهب الطريق وتمتد ~~إلى حيث تفقد آثارها بين الأشجار الشيقة بظلالها الصامتة، وهنا تقوم البيوت، ~~وهنالك في النهاية يقوم المعبد، وشاطئ النهر يلوح عن بعد صامتا موحشا، فالظاهر ~~أني هبطت كهاطل ينقض فجأة من سحب كلها أحلام إلى عالم الإنسانية، فكنت على جانب ~~الطريق. # وا أسفا يا صديق! إنها لأسوأ اللحظات تلك التي يخدع الإنسان فيها قلبه، فإن ~~الشهوة العمياء تصبح كتاب صلواته، وتتربع الأوهام على عرش آلهته. أمن وراء هذا ~~القمر، الذي يستلقي نائما بين السحب السارية انسيابا يكون عالم الحقيقة ~~الخالدة؟ الصبح السافر سوف يغشانا في الغداة، وستبدأ الجماهير الجائعة تجوب ~~أنحاء بحر الوجود بآلاف من الشباك، وسوف لا يتذكرون هذا الليل الهادئ بأضوائه ~~القمرية، إلا كما يتذكرون غشاء رقيقا من الباطل تنسجه سنات النوم أو الأشباح، ~~أو الأوهام، إن تلك الشبكة السحرية التي تنسج عادة من مفاتن خادعة تختص بها ~~امرأة، لهذا مثلها، وهل يمكن أن تشغل محل الحقيقة العظمى؟ هل لعقيدة يخلقها ~~وهمك أن تطفئ عطش الهاجرة إذ تتلظى نيرانها وتشتد حرارتها. # في أيام المحن تنحل أقدس الروابط، فالأخ يحطم أخاه، والصديق يخون الصديق. ~~سأخرج في الظلام، وفي ظلام الليل سوف أعود لأقرع الباب، فهل سأجد صديقي واقفا ~~يلحظني وفي يده مصباح مضيء؟ سأحمل هذا الأمل بين جوانحي.» # ماليني ~~: ~~«إني أحلم بينما أنا مستيقظة، بأن الرياح كواسر، وأن المياه مضطربة دوافق، ~~الليل مشتد ms13 الحلك، والسفين قد أوثقت إلى جدران المرفأ، أين الربان الذي سوف ~~يهدي الضالين التائهين إلى مآويهم؟ إني أشعر بأني أعرف الطريق، وأن السفين سوف ~~يهتز بالحياة حين ألمسه، ويسرع الخطو إلى الأمام. # إن دم المخلوقات ليس وقفا على الآلهة، وإنه من حق الملك، كما أنه من حق ~~أحقر فلاح، أن يحافظ على الحق، وأن يدفع عن الاستقامة ما يهوش سبيلها. # ألست تدري أن ثرى هذه الأرض إنما يتكون من عدد غير محدود من وقائع القتل ~~والتفظيع؟ إن الزمن القديم ما ينفك يخط حوادث الحياة المنحدرة في جوف العدم مع ~~مخلوقاتها بمداد من دم. يقع القتل أينما تتصور، في القفر المجدب وفي حظائر ~~الإنسانية، وفي عشوش الطير، وفي حفر الحشرات، وفي البحر، وفي السماء، وهنالك ~~قتل من أجل الحياة، وقتل من أجل التسلية، وقتل للاشيء أصلا. إن الدنيا تقتل من ~~غير أن تهدأ نوبتها. # إن شرائع القلب ليست بذاتها شرائع الكتب المقدسة.» # جاسنج ~~: ~~«الطريق ممهود أمامي، سأسلكه وبيدي جرة الصدقات ومعي البنت المستجدية أتخذها ~~رفيقة، من ذا الذي يقول بأن طرق هذه الدنيا ملتوية متعسرة على أية حال. سوف ~~نبلغ بها النهاية، النهاية التي تنتهي معها خطيئات الحياة وآلامها، حيث الراحة ~~الأبدية، ماذا تجدي عنا الكتب المقدسة والمعلمون وتعاليمهم؟! # لا تحدثني عن الحب، فلأفكر دائما في الواجب. إنما الحب كالحشيش الأخضر ~~وكالأشجار وكموسيقى الحياة، كلها أشياء ينعم بها سطح الأرض. إنها تأتي وتفنى ~~كالأحلام، ولكن من وراء هذه الأشياء يكون الواجب، كطبقات الصخور العاتية، أو ~~كحمل ثقيل لا يمكن أن تزحزحه القوات. # إن الضعفاء في هذه الدنيا قليلو الحيلة، أما الأقوياء فقساة غلاظ الأكباد. ~~إن الطمع بلا شفقة، والجهل أعمى، والكبرياء لا تبالي عندما تحطم الأضعفين تحت ~~أقدامها.» # وبعد، فهل هذه فلسفة أم حكمة؟ أم مزيج من كليهما؟ كلا، إن هذا لوحيا، وأي شيء يكون ~~الوحي إن لم يكن هذا؟ # الشعراء والناثرون # أصدر الصديق هيكل بك حكمه بأن النثر في تقدم والشعر في جمود، وعلل الأستاذ طه حسين ~~هذه الظاهرة بأن ms14 الناثرين يقرءون ويحاولون الفهم والتثبت مما يقع بين أيديهم من أدب ~~وعلم وحكمة، في حين أن الشعراء لا يقرءون ولا يحاولون أن يفهموا إذا قرءوا، ولا أظن أن ~~هذا التعليل كاف وحده، بل أعتقد بأن كل من لم يستطع أن يفكر قد أصبح في مصر شاعرا، على ~~أن الخيال إذا لم يتقيد بالفكر، أصبح وهما باطلا، وشعراؤنا في خيالهم لا يخرجون عن ~~هذا. # على أن هنالك فئة من الشعراء لم يفت الأستاذ طه حسين أن يذكر أنها تقرأ وتفكر، بل قل ~~بأنها تحاول أن تغير من أساليب الشعر وقوالبه العتيقة، ولكن أولى بهذه الفئة ألا تفكر ~~ليصفها الناس بالشاعرية، إذا أراد أفرادها أن يندمجوا في زمرة الشعراء. # السببية والغائية في الفلسفة # هل من فارق حقيقي بين السببية والغائية؟ وهل الغائية قانون عقلي لا غير، أم أنها سنة ~~من سنن الطبيعة؟ # قال أحد الفلاسفة المحدثين: «إن كل ما يحدث في هذا الوجود لا بد من أن يكون له مصدر ~~يصدر عنه ومرمى يذهب إليه.» على أن هذه النظرية لا يمكن أن تحيطها ريبة أو شك، ما دامت ~~بعيدة عن الاحتكاك بفكرة الغائية، فإذا احتكت بفكرة القصد والغاية في الطبيعة، أحاطتها ~~الشكوك وتغلغلت فيها الريب الممضة، فإننا نقطع مثلا بأن كل حركة يجب أن تتجه في اتجاه ~~ما، ولكن هل المرمى الذي ترمي إليه هذه الحركة هو بذاته نتيجة لا غير، أم أنه غرض ~~وغاية؟! هذا هو السؤال. هل الأجسام في حركتها مقصورة على الحركة بفعل غائي، أم أنها ~~مجذوبة بغيرها اعتباطا؟ وإذا سلمنا بأنها مقصورة، فهل ذلك يكون بفعل جسم آخر، أم بحكم ~~إرادة ترمي إلى قصد وغاية؟ # وقال آخر: «نرى أنه من الضروري أن الفعل الموجد يتضمن مع فكرة السبب الدافع على ~~الابتداء في الحركة، فكرة الغاية التي تتجه نحوها.» وهذه أيضا نظرية لا يمكن نقضها، ~~ولكن مع هذا يمكن أن ينظر فيها من عدة نواح مختلفة. فقد نتساءل: هل تحديد الاتجاه الذي ~~تتجه فيه الحركة أمر يشمله السبب كنتيجة ms15 أو كفرض؟ وهل هو تطبيق منطقي أم إنه نتيجة ~~إرادة حددت من قبل كل شيء؟ وكما تستطيع أن تقول بأن الاتجاه ينزع دائما نحو غرض ما، ~~كذلك تستطيع أن تسأل كيف يكون هذا؟ # لدينا ثلاثة أقوال، يقول أرسطوطاليس: «لا تبدع الطبيعة من شيء عبثا.» ويقول جوفروي: ~~«لكل موجود غاية.» ويقول دافيسون: «كل حركة تذهب في متجه ما.» غير أن هذه الأقوال ليست ~~بأكثر من حقائق استقرائية، وإن شئت فقل بأنها تعميمات تؤيدها التجربة، ويصدق عليها ~~الاختبار، على أننا إذا بحثنا بعض نواحي الطبيعة ورأينا مشاهدات تدلنا على وجود علاقات ~~وأواصر متينة، تربط بين الوسائط والغايات، أو خيل إلينا على الأقل أن الواقع يلائم هذا ~~الظاهر، فإننا نمضي نطبق هذه القاعدة من طريق التوسع على حقائق أقل التئاما، ومن ثم ~~نطبقها على كل ما في الطبيعة من حقائق، خصوصا لما في منازعنا من حب التعميم. # وعلى هذا وضع أرسطوطاليس قاعدته: «لا تبدع الطبيعة من شيء عبثا.» والسبب في هذا أن ~~أرسطوطاليس قد أكب على درس التاريخ الطبيعي، فوقع من طريق درسه، على حقائق عديدة كان ~~للطبيعة في كل منها قصد وغاية، فأخذ يطبق هذه الحالة على كل ما في الطبيعة، ووضع قاعدته ~~التعميمية اعتمادا على براهين استمدها من ناحية واحدة من نواحي الطبيعة. # لهذا نستطيع أن نقول بأن الغائية ليست في اعتبارنا مبدأ أوليا، بل إنها قانون ~~طبيعي، يثبت وجوده الاختبار والاستقراء. نقول بهذا مجاراة للعلماء؛ إذ يسلمون بوجود ~~نواميس عامة، وهي لدى الحقيقة ليست إلا مجرد ميول لأنها كثيرا ما تتخللها الشواذ ~~والمستثنيات، مثل: قانون الاقتصاد الطبيعي، وقانون اقتسام العمل، وقانون الاتصال، وقانون ~~التبادل النسبي في النماء العضوي. بهذا يتضح أن هنالك قانونا غائيا يلوح كأنه يتضمن كل ما ~~يسبقه من القوانين، أو بالأحرى ميل إلى الغائية، وهو ميل يظهر جليا في تراكيب ~~العضويات، ونواحي تكوينها، وقد نقول بأن هذا القانون يمكن أن يستدل على وجوده في عالم ~~الحياة، إذا قسنا بين ما فيها من نظام وحكمة وبين غيرها مما ms16 يعتوره النقص والانشعاب في ~~ناحية أخرى من نواحي الطبيعة. # غير أن العلماء كثيرا ما أظهروا نفرتهم من القول أو التسليم بالأسباب الغائية، فما ~~هو السبب في هذا؟ السبب في هذا أن فكرة السبب الغائي قد اتخذت طوال أزمان مديدة على ~~أنها مبدأ ضروري مسلم به تسليما إيمانيا، وبذلك شعر العلماء بثقل وطأته على العلم، ~~حيث كان لها من التأثير فيه بمثل ما كان للسببية العلمية الصرفة، فكان إذا نظر العالم ~~في حقيقة أي شيء، شعر بأنه مقصور على أن يعرف سبب ذلك الشيء، كما يعرف الغرض منه والغاية ~~التي يرمي إليها، وما دام أنه ملزم بأن يعرف الغايات كان لزاما عليه أن يطرح، ولو إلى ~~حين، البحث وراء الأسباب، وهذا ضرب من الاستبداد الفكري، لا يخضع له رجل العلم لأنه لدى ~~الواقع يفقده حرية البحث. ولكن إذا أخذنا الغائية، لا على أنها قانون أولي من قوانين ~~العقل، بل على أنها مجرد نزعة من منازع الطبيعة، فلست أجد مانعا يحول بين رجال العلم ~~وبين النظر في حقيقة هذه النزعة، ما داموا يسلمون بأن في منازع الطبيعة التي يعكفون على ~~درسها ما هو أعضل منها وأبعد عن متناول الفهم. # العلم والسياسة # كانت سياسة الأمم في الأعصر القديمة من الهنات التي لا تتطلب من الصفات أكثر من عبوسة ~~في الوجه، وصلابة في الإرادة، وقسوة في القلب، أما اليوم فقد انقلبت الآية. # لما عرفت الشعوب حقوقها المدنية، وتغيرت قواعد الحكم في هذه الدنيا، وأصبحت الشعوب ~~مصدر السلطات، وقضي على سلطة المستبدين بأمرهم، وتقررت مبادئ الحرية السياسية والفكرية؛ ~~قضى هذا التطور الكبير على تسلط الصفات القديمة التي كان يجب أن يمتاز بها السياسيون. ~~أما اليوم، فالسلطة لأشد السياسيين ليونة وأكثرهم أخذا بالواقع المحسوس، وأشدهم سيرا ~~مع ما تتجه فيه الجماهير. # وأما في الغد، فإن العلم سوف يتسلط على العالم كله، وحتى على السياسة، ولست أدري كيف ~~أن سياسيا أو زعيما يجهل مبادئ علم البيولوجيا والاجتماع، يكون في مستطاعه الحكم على ~~حقائق الأشياء أو على ظواهرها ms17 حكما بعيدا عن مواقع الزلل. # معنى الحرية # جاهد الناس في سبيل الحرية، والحقيقة أن جهادهم واستماتتهم في سبيلها لم يكن عن ~~اقتناع بأنها مفيدة أو أنها ضرورية أو أنها ستبلغ بهم - إذا ما استحوذوا عليها - إلى أقصى ~~قمة من المجد أو السعادة في الحياة، لم تكن استماتة الناس في القتال من أجل الحرية لشيء ~~من هذا، بل كان قتالهم في سبيلها آتيا عن طريق الوهم والتخيل، أكثر من أي شيء ~~آخر. # خيل إلى الناس أن الحرية هي الإباحة، وتحت هذا العنوان عملوا، وانقيادا لهذه ~~الأخيلة، قاتلوا واستماتوا في سبيل الحرية. لم يدرك معنى الحرية إلا نفر قليل عديدهم من ~~زعماء الشعوب، بل أدركوا الحرية محدودة بحدود ضيقة، مقيدة بقيود ثقيلة. ولعمري كيف يمكن ~~أن تقاتل الجماهير في سبيل الحرية إذا هم أدركوها على ما أدركها «ميل» أو «بنتام» أو ~~غيرهما من رجالات الأمم؟ # خيل إلى الناس في عصر من العصور، أن الحرية هي إطلاق الشهوات والانفعالات وكل النزعات ~~والصفات الإنسانية التي هي أدنى إلى أفق الحيوان من بقية الصفات؛ لهذا قاتلوا واستماتوا ~~في سبيلها؛ لأنها كانت إليهم محببة مرغوبا فيها، على هذا التصور الغريب. # أما اليوم، فإن العلامة جوليان هكسلي، وهو من أكبر الباحثين في التناسليات، يقول على ~~ملأ من العالم: «متى يقلع الناس عن خرافة الاستمساك بما يسمونه الحرية الشخصية؟» وما من ~~فرد واحد يرفع في وجهه عقيرة أو يجابهه بقول. أليس في هذه الظاهرة دليل واضح على أن ~~الإنسانية ارتقت أدبيا من طريق الوهم أكثر من ارتقائها من طريق الحقائق الواقعة؟ ~~أوليس في هذا دليل على أن المستحيلات الثلاثة: الحرية والإخاء والمساواة، كانت على ~~استحالتها دافعا للإنسانية على التقدم والارتقاء؟ # قد يتساءل البعض: كيف أن الحرية والإخاء والمساواة مستحيلات ثلاثة دفعت الإنسانية على ~~التقدم والارتقاء، وكيف يمكن أن يكون المستحيل عاملا مؤثرا في الحياة الاجتماعية يبعث ~~الناس على الضرب في سبيل التقدم. # أما السؤال الأول فجوابه بين سهل: لأن الحرية تنافي المساواة، بدليل أن ليس من شيء ~~هو ms18 أقتل للحرية من العمل على التسوية بين غير المساويين. والناس لا يتساوون، اللهم إلا ~~في المجاز، وهو ولله الحمد ليس بذي أثر في الحياة العملية. كذلك تتنافى فكرة الإخاء مع ~~الحرية؛ لأن الحرية تعطي لكل فرد الحق في أن ينافس غيره وأن يجاهده الحياة ويناحره فيها ~~من أجل البقاء، فإذا منعت على الناس حق المنافسة والتناحر، جردتهم من أول ما تتطلب ~~الحرية من صفات. # أما كيف تؤثر هذه المستحيلات في الجماعات بما يبعثها على الرقي، فسبيل سهل؛ لأن الناس ~~لم يفهموا هذه المستحيلات على حقيقتها، بل بموحياتها النفسية لا غير، فهموها على مقتضى ~~ما أوحت إليهم نفسياتهم من مدلولات؛ لهذا سعوا إليها، وعملوا تحت رايتها، فبلغوا شأوا ~~من الرقي مهما قيل فيه، فإنه شأو لا يغبطون عليه. # مدنية العقل ومدنية الروح # المدنية الحديثة مدنية العقل، لا مدنية الروح، والظاهر أن مدنية الروح قد قضي عليها، ~~ولكن إلى وقت موقوت وأجل مسمى. # سيشعر الإنسان عما قريب أن ارتقاءه المادي ليس وحده السبيل إلى السعادة، بل سوف يشعر ~~أن الماديات لا تسلم إلى السعادة. ومن الجائز أن يرجع إلى الروحانيات يستدر وحيها، ولكن ~~بطريقة مخالفة تماما للطريقة التي اتبعها حكماء الهند بين غياضها القديمة، وزهاد مصر ~~في صحرائها الشاسعة. # حول وظيفة الدين # جمعني مجلس يوما فيه ملحد ومتدين، أو بلغة الفلسفة مؤمن وشكي. ودار بينهما الحديث ~~على الدين ووظيفته في هذه الحياة، فكان من رأي المؤمن أن الدين إنما شرع لهداية الناس ~~أفرادا وجماعات. أما الشكي فقد قال له: إذا سلمنا بهذا لزمنا أحد فرضين: فإذا قلنا بأن ~~الدين قد هدى الناس إلى السبيل السوي، إذن لم يصبح له من وظيفة يؤديها؛ لأنه يكون قد ~~أدى وظيفته بالفعل، وإذا قلنا بأن الناس لم يهتدوا رغم الأديان، كان هذا دليلا على ~~إفلاس الأديان عن هداية العالم. # وهكذا دواليك على مر الأزمان. # في الوطنية # وما قولك في الوطنية: أرجع بك إلى كتاب حياة صموئيل جونسون، تأليف بوزويل، ففي الصفحة ~~115 من طبعة مكملان سنة ms19 1922، مجلد ثان، تقع على هذه المحاورة: # جونسون ~~: ~~«إن الوطنية هي آخر ملجأ يلجأ إليه المنافقون.» # وهنا يعلق بوزويل على قول جونسون بقوله: «غير أنك لا تنس أنه لم يقصد بها حب الإنسان ~~لوطنه، حبا صحيحا صادقا، بل قصد تلك الوطنية التي اتخذها الكثيرون في مختلف الأمم ~~والعصور كساء يلتحفون به قضاء لأغراضهم، وحاجاتهم الشخصية.» أما أنا فقد استمسكت بفكرة ~~أن كل الوطنيين لم يكونوا منافقين ولا خونة، ولما اضطررت إلى ذكر رجل من الوطنيين الذين ~~نحبهم ونمجدهم (وهو بلا شك بيرك معاصرهم)، أجاب جونسون بما يأتي: «سيدي، إني لم أقل ~~بأنه غير أمين، إنه ليس لدينا من حق في أن نستنتج من أخلاقه السياسية أنه كان أمينا ~~حقا، فإنه إذا قبل مركزا في الوزارة الحالية، فإنه بذلك يفقد تلك الصفة التي اشتهر ~~بها؛ صفة الصلابة في الحق وضبط النفس، وربما فقد مركزه فيها في خلال سنة واحدة؛ فإن هذه ~~الوزارة ليست ثابتة، كما أنها ليست متفانية في الدفاع عن أصدقائها، كما كان سير روبر ~~والبول من قبل، وعلى هذا يترتب أن يعتقد أن انضمامه للوزارة الآتية أبقى على فائدته من ~~انضمامه إلى الوزارة الحالية.» # وهكذا تكون الوطنية حتى في إنجلترا سيدة العالم، وفي عصر صموئيل جونسون وبوزويل ~~وأدموند بيرك. # الوصول إلى الحقيقة # لما بدأ ديكارت يفكر في الفلسفة وفي العالم، وداخله الشك في التقاليد القديمة، لم ~~يستطع أن يترك نفسه وعقله نهبا للشك وحده، بل وضع لنفسه قواعد أدبية سماها «أحكاما ~~وقتية لضبط النفس»، اتبع محوياتها طوال أعوام تفكيره التي أنفقها سعيا وراء الحصول على ~~الحقيقة، بل إنه جعل الوصول إلى الحقيقة مشروطا على اتباع هذه الأحكام الاختيارية، ~~وحصر هذه الأحكام في أربعة أشياء: # الأول: # أن يخضع المفكر لقوانينه وشرائع دينه التي ولد وربي تحت ~~ظلالها. # الثاني: # أن يعمل ما سنحت الفرص التي تدعوه إلى العمل، ومن غير تلكؤ، وعلى ~~مقتضى ما تصل إليه قوة أحكامه العقلية، وأن يسكن إلى النتيجة راضيا من ~~غير تذمر أو ضجر. # الثالث: # أن يسعى ms20 وراء السعادة بأن يعمل على الإقلال من رغباته وشهواته أكثر ~~مما يعمل على تلبية ندائها وسد مطالبها. # الرابع: # أن يكون البحث وراء الحقيقة غرضه في الحياة. # وكثيرا ما شك منا المفكرون، وكثيرا ما عمد المؤلفون إلى اتباع خطى ديكارت، ولكنهم ~~ظلموه ظلما كبيرا، فهل منهم من اتبع هذه القواعد خلال شكه قبل أن يصل إلى الحقيقة؟ ~~ومن الذي وصل إلى الحقيقة منهم؟ بل من ذا الذي يدعي أنه عرف شيئا من أطراف الحق، ليكون ~~سلمه إلى الحقيقة. # حقا لقد ظلم ديكارت، وفي سبيل الحق ما حاق به من ظلم حيا وميتا. # الحظ والعبقرية # من الأشياء التي لا أومن بها حكم المصادفة في تسيير أعمال النوع الإنساني، والمصادفة ~~يدعوها الناس حظا، فهل يمكن أن يكون للحظ كما يفهمه الناس أثر في تحديد الحالات التي ~~تقع في الحياة، ويكون لها أثر في إسعاد الجماعات والأفراد، أو في بؤسهم وشقائهم؟ من ~~الجائز أن يكون لاتفاق وظروف الحياة وتوافق الأعمال الإنسانية أثر في خلق ظروف تجعلنا ~~ننظر في بعض الأحيان إلى الحياة نظرة القانع بأن ظروفها مجموعة من المصادفات التي ليس ~~لنا من قدرة على الاحتكام فيها، أو تصريف وجوهها. غير أن في الحياة أشياء أخرى غير هذه ~~من الممكن أن ننظر فيها هذه النظرة ذاتها، وهي مع ذلك ليست نتاجا لمجموعة من الظروف ~~التي تخلفها الأعمال الإنسانية، بل تلوح لنا في صورة تجعلنا نوقن بأن لنظام الطبيعة ~~الأبدي ضلعا كبيرا في إحداثها. # أحاطت مثل هذه الظروف بالعديد الأورفي من أبناء آدم، منذ أن أشع في العقل الإنساني ~~أول شعاع من أشعة الفكر الخالد، غير أن الحظ لم يخدم إلا بضعة أفراد من أبناء آدم، ~~ليكونوا أول من يجني ثمار الحظ الذي انطوت عليه أسرار الطبيعة الأبدية. ولا حاجة بنا ~~لأن نذكر أسماء يغيب عن أذهان القراء ذواتها، بل نعمد إلى أكبر من أبرزت البشرية من ~~أصحاب العقول الفذة، فلديك أولا أرسطوطاليس، فإن وضعه لعلم المنطق فيه من الحظ بقدر ما ~~فيه من النبوغ ms21 والمهارة؛ لأنه لا يتكرر في التاريخ مطلقا أن يجد شخص غير أرسطوطاليس ~~عقلا إنسانيا يحتاج إلى قانون يحكمه. وكذلك غاليليو، لأنه لا يتكرر على الإطلاق أن ~~يجد غيره نظاما فلكيا معكوسا فيقومه. ثم نيوتن، فإنه لا يتكرر في التاريخ أن يجد ~~شخصا غيره سيارات تدور حول الشمس محتاجة إلى تعليل يعلل دورتها. ثم داروين؛ لأنه لا ~~يتكرر أن يجد شخص غيره أنواعا حية يحتاج العقل إلى معرفة كيفية نشوئها. # أما أمثال هؤلاء فقلائل في التاريخ البشري، وهم لا شك أكبر الناس حظا، كما أنهم ~~أكثرهم عبقرية ونبوغا. # قيام المدنيات وسقوطها # للأستاذ الكبير مستر «فلندرز بتري» المؤرخ الإنجليزي المعروف، نظرية في قيام المدنيات ~~وسقوطها، أطلق عليها اسم «نظرية الدورات المدنية». والحقيقة أن الناظر في قيام المدنيات ~~وسقوطها على مر العصور القديمة يلحظ دائما أن المدنية كانت ذات دورات كاملة، وأنها ~~كانت متنقلة غير مستقرة، فمن مصر إلى روما إلى الكلدان إلى آشور إلى الهند إلى اليونان ~~إلى الصين. وكانت كل مدنية من هذه المدنيات، تدور دورتها الكاملة ثم تسقط سقوطا ~~فجائيا لا تستطيع أن تتلمس له من سبب أو تقع له على مصدر يقنع به العقل أو يرضى به ~~المنطق. # ومن غريب الأمر أن سقوط المدنية في تلك الأزمان كان يعقبه إحدى حالتين، فإما أن يبيد ~~الشعب الذي تسقط مدنيته وتضمحل، وإما أن يصيبه الجمود الشديد، فتتحجر ملكاته ومواهبه، ~~ويظل واقفا حيث هو، فلا يتقدم إلى الأمام خطوة واحدة، ولا يفيد الإنسانية بفائدة ما ~~ماديا أو أدبيا. ومثال الحالة الأولى الشعب اليوناني والشعب الفينيقي القديم، ~~فكلاهما باد تماما ولم يتركا من خلف يرث عنهما ميراثهما العظيم، الذي اقتسمته عنهما ~~الإنسانية. ومثال الحالة الثانية الشعب الهندي والشعب الصيني، وهما شعبان يمثلان حقيقة ~~أن من السلالات البشرية فئة تفقد مواهبها، إذا اضمحلت مدنياتها، وتتحجر مواهبها لأسباب ~~غير معروفة، وهنا يحق لنا أن نتساءل، هل يكون نصيب المدنية الحديثة كنصيب المدنيات التي ~~تقدمتها على مر العصور، أم إن الأسباب التي كانت تفسد المدنيات قد ms22 فنت مع تقدم العلوم ~~والمعارف واتساع مناطق الاستكشاف في كل فروع المرافق الإنسانية. # الحقيقة أن المنطق لا يحبونا إلا بأضعف أنواع القياس، يزودنا بما يدعوه المناطقة قياس ~~التمثيل، ومحصله تطبيق الحالات السابقة على حالات واقعة، وهو أضعف أنواع القياس ~~المنطقي، على أنه يوهمنا على أية حال بأن نصيب المدنية الحديثة سيكون كنصيب غيرها من ~~المدنيات القديمة. # ولقد مثل الأستاذ «مكدوغل» الإنجليزي لدورات المدنية بخط منحن يأخذ في الارتفاع من ~~نقطة ليبلغ إلى أقصى القمة التي يمكن أن تبلغ إليها المدنية، وهنالك يشتد انحناؤه، فإذا ~~بلغ الانحناء أشده، انحط مرة أخرى انحطاطا فجائيا يمثل سقوط المدنيات. # وأغلب ظني أن تمثيل الأستاذ «مكدوغل» غير صحيح؛ فإن «دورات المدنية» يصح لدى الواقع ~~أن يمثل لها بخطوط منحنية تتسلقها الشعوب شعبا بعد آخر خلال الأزمان، غير أنه لا يصح ~~مطلقا أن يمثل لسقوط المدنيات بخطوط شديدة الانحدار تبلغ من انحدارها حدا يصل إلى ~~حيث بدأ خط الدورة في الارتفاع؛ لأن هذا إنما يدل على أن المدنيات كانت تبيد تماما ولا ~~تخلف وراءها من أثر ترثه عنها المدنيات التي تتلقح بها وتأخذ عنها. والمعروف أن كل ~~مدنية حديثة إنما هي مجموعة صور تستخلص من مدنيات قديمة بحيث تحدث ألفة جديدة. إذن ~~فدورات المدنية يمكن أن يمثل لها بخطوط منحنية تأخذ في الارتفاع رويدا رويدا لتبلغ ~~إلى قمة الدورة، غير أنها لا تسقط فجأة بل تبقى حيث تصل ليبدأ خط منحن آخر في الارتفاع ~~من نهاية القمة التي بلغ إليها الخط الأول، فالدورات المدنية على هذا عبارة عن خطوط ~~ارتقائية يعلو أحدها الآخر إلى ما لا نهاية. # والدليل على هذا أن التاريخ لا يثبت مطلقا أن شعبا تسلق خط المدنية مرة ثم رجع إلى ~~حالة من الهمجية، كانت هي بعينها الحالة التي بدأ من عندها تسلق خط الدورة، التي مثلت ~~مدنيته. والحقيقة أن السلالات عندما تبلغ حدا من المدنية، تتحجر مواهبها وصفاتها، ~~فيتعذر عليها التقدم وتقف عن السير إلى الأمام. وهنا تبرز سلالة أخرى، تأخذ بيد ms23 المدنية ~~الإنسانية إلى قمة أعلى من القمة التي بلغت إليها الأولى، وعلى هذا لا يكون من تقهقر ~~مدني، بل استحجار وجمود، ينتاب سلالة من السلالات، فيلوح لنا كأنه انحدار وفساد. # ولا شبهة مطلقا في أن هذه القاعدة سوف تسري على المدنيات الحديثة، غير أنها ستكون ~~أقل ظهورا؛ لأن حركة التسلق كانت في الأزمان القديمة سريعة، ولأن ميراث المدنية لم ~~يثقل كاهل الشعوب بما يثقله به ميراثها الحديث، وكذلك كانت نسبة السرعة في الاستحجار ~~والوقوف. أما في عصرنا هذا فسيكون التسلق بطيئا، وكذلك ستكون نسبة السرعة في ~~الاستحجار؛ ولهذا ستلوح خطوط الدورات المدنية أقل انحناء ولكن أعلى قمما، وكذلك سيكون ~~تعاون الأمم على حمل بعضها البعض في مدرج الارتقاء أكبر آصرة؛ لأنه من المستحيل عندي أن ~~تستطيع سلالة بمفردها أن تتسلق خط الدورة المدنية وحدها في الزمن الحاضر. ومما هو أشد ~~استحالة عندي هو أن تستمر سلالة وحدها في التقدم على بقية السلالات في التسلق إلى القمة ~~من غير أن يحل بها النصب وينتابها الكلال. # حول علم الأخلاق والعلوم الأخرى # يقول بارتلمي سانتهيلير في مقدمته لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس ما يلي: «فليس على علم ~~الأخلاق إذن إلا أن يستمر في عمله واثقا من أنه سوف يجني ثماره حتى في أشد البقاع ~~محلا، بشرط أن يستكشف الحق أو يزيد في قدره.» ونحن نتساءل: هل يمكن لعلم الأخلاق أن ~~يستكشف الحق؟ بل هل يمكن لفرع من فروع المعرفة الإنسانية أن يطمع في استكشاف الحق. إن ~~في ذلك لتقييدا للنظرية الأخلاقية، يخرجها من الحيز العملي إلى حيز الغيبيات، وإذا لم ~~نستكشف الحق فكيف نستطيع أن نزيد من قدره في جهة ما من جهات المعرفة الإنسانية، لا جرم ~~أن هذا يكون غير مستطاع؛ لأن العلم بازدياد قدر شيء من الأشياء يستلزم أولا معرفة ~~طبيعة الشيء في ذاته. # ثم نقتطع من تلك المقدمة عبارات أخرى فيها ما يدعو إلى إنعام النظر والتأمل، فهو يقول مثلا: ~~«لا شك في أنه لا يلزم البتة الحط من صحة العلوم ms24 الطبيعية، ولا من صحة العلوم ~~الرياضية، على الأخص، ولكنها لا تزال بعيدة عن صحة علم الأخلاق، فإن القضايا ~~التي تعلمنا إياها هذه العلوم، والحقائق التي تكشفها لنا، هي إما منازع فيها ~~وإما يقتضي تفهمها ملكات ليست لجميع العقول، فأما أولاها (العلوم الطبيعية) ~~فإنها خارجة عن الإنسان، فتقتضي مشاهدات خارجية صعبة ومحوطة بالشكوك غالبا، بل ~~مستحيلة أحيانا، والأخرى (العلوم الرياضية) إنما هي سلاسل طويلات من ~~الاستدلالات، لا يكاد يكون التمشي معها ميسورا.» # وهنا نسائله: أليس هذا هو الحال بعينه في علم الأخلاق؟ ثم يقول: «وأما في علم الأخلاق ~~فالأمر على ضد ذلك، كل منا يحمل في نفسه جميع ما يشتغل به هذا العلم من الموضوعات التي ~~- لأنها كلها حقيقية - لا تنفك ماثلة تحت أعيننا، فليس علينا أن نخرج عن أنفسنا ~~لنتعرفها، بل حسبنا أن نسأل أنفسنا بانتباه وإخلاص، لنظفر بأجوبة لا يتطرق إليها الخطأ، ~~وما هذه الأجوبة من قلب شريف عدل يعرف أن يخرس الأثرة والشهوة إلا كأجوبة الوحي حقيقة ~~بالتصديق لأنها لا تخدع البتة. ومع التسليم بأن هذه الأجوبة كان يمكن أن تختلف في ~~العصور القليلة الرقي، وأنها لا تزال يختلف بعضها عن بعض، عند الشعوب القليلة المواهب، ~~فإنها عندنا الآن أجوبة متماثلة ثابتة. # لندع جانبا تلك الخلافات، التي لم تكن فاسدة بالمرة، فهي على الأقل غير ثابتة، ~~ولنؤكد من غير أن نخشى الزلل أن حقائق علم الأخلاق في الساعة الراهنة عند الأمم ~~المتمدنة ليست منذ الآن محلا للجدال بين النفوس الفاضلة، وأن تلك الحقائق لا خوف ~~عليها. يمكن أن يقع الجدال في النظريات، ولكن لما أن سلوك الناس الأخيار، هو في الواقع ~~واحد، أيلزم حتما أن يكون بينهم قدر من الحق مشترك، يستند إليه كل واحد منهم، من غير ~~أن يستطيع مع ذلك في الغالب أن يقف غيره عليه ولا أن يدركه هو نفسه؟ ومن النادر أن يقع ~~إجماع الآراء على طريقة بسط مذهب بعينه، مهما أجيدت ومهما بلغت من الحق، ولكن من ~~الأفعال ما هو مقر عليه عند ms25 جميع الناس، وبين أن هذا الإقرار العام سببه، أن هذه ~~الأفعال تابعة لمبادئ مسلمة عند الجميع وتقع على مقتضاها، من حيث لا يشعر الفاعل في ~~غالب الأحيان.» # وهنا نسائله: ألا يحتاج البحث وراء تلك الموضوعات التي يشتغل بها علم الأخلاق، وهي ~~كائنة في تضاعيف النفس الإنسانية، إلى ملكات ومشاعر ومؤهلات تجعل فهم هذه الأشياء على ~~حقيقتها غير ميسور إلا لفئة قليلة من الطبقة المنتقاة من الناس، شأن العلوم الطبيعية ~~والرياضيات؟ ثم نسائله: هل وجود «قلب شريف عدل يعرف أن يخرس الأثرة والشهوة» كاف ~~وحده لأن يكون ميزانا لقياس نظريات علم الأخلاق، ومعرفة أصولها؟ وما هو القلب الشريف ~~العدل؟ وهل يمكننا قبل أن نحدد هذه المعقولات أن نقول إن علم الأخلاق أثبت أركانا من ~~العلوم الطبيعية والرياضيات؟ ثم نسائله: إذا كان من الممكن أن تختلف أجوبة القلب ~~«الشريف العدل» باختلاف الشعوب وباختلاف الأزمان، أفلا يكون من الألزم لمن يقول هذا ~~القول بأن يعتقد بأن قواعد علم الأخلاق نسبية غير مطلقة؟ وعلى الأخص إذا تذكرنا أنه ~~إنما يتخذ أجوبة أهل المدنية الحاضرة مقياسا لأقصى ما يصل إليه علم الأخلاق من رقي في ~~المعقول والتطبيق، وماذا تكون قيمة قواعده هذه عند شعوب أرقى نفوسا وأكرم طبيعة من ~~شعوب المدنية الحديثة؟ # إن الإنسانية لا تزال كما كانت منذ أقدم العصور، لا فرق بين متمدينها ومنحطها، من حيث ~~التواضع الأخلاقي، وعلى الأخص في الاتباع العملي للفضائل. وما المدنية الحديثة لدى ~~الواقع إلا مدنية علوم لا مدنية أخلاق. والمثل القديمة تكاد تكون بعينها المثل الحديثة ~~بلا فرق بينها على وجه التقريب، وما عدم لحاق الفضائل بالعقل من حيث الابتكار والتطبيق ~~إلا دليل على ما نذهب إليه. # ثم نسائله: هل حدد معقول الفضيلة لنعرف ما هي النفوس الفاضلة؟ ونسائله: هل وقوع ~~«الجدال في النظريات» غير كاف لأن يستتبعه وقوع الجدال في العمليات؟ وأين هم «الأخيار» ~~الذين اتبعوا في الحياة طريقا بعينها؟ فإن توحيد سلوك الناس الأخيار يقتضي أن يتناول ~~ذلك حتى خطرات نفوسهم وجرائمهم الفكرية، فهل معرفة ms26 هذا الأمر مستطاعة في الحقيقة، وإن ~~دل الظاهر على وحدة السلوك عند الأخيار كما يقول سانتهيلير، ما دام يعتقد أن علم ~~الأخلاق كائن في تضاعيف الفطرة؛ أي أنه عبارة عن درس الطبيعة الكامنة للنفس، وأن هذا ~~الدرس لن يتيسر إلا بدرس ظواهر السلوك؟ # اللهم إن كان علم الأخلاق هو أثبت العلوم الإنسانية وأشدها وضوحا، وهو بعد على ما ~~يصفه هذا الكتاب، فإنا ولا شك نقول على العلوم الإنسانية السلام. # القرآن وحكومة الإسلام # يحاول أحد أساتذة الجامعة المصرية، وهو أستاذ اللغة العربية والآداب، أن يقول، بل هو ~~يعتقد بأن القرآن ليس بكتاب منزل، وأنه من وضع محمد بن عبد الله، بز به العرب بلاغة ~~تعبير وقوة بيان وحسن سبك وفصاحة أسلوب، فغلبت عليهم فكرة أنه معجز وصحت لديهم من هذا ~~الطريق نبوته، فكان واضع الدين الإسلامي الذي لا يكمل الإسلام من غير أن يذكر اسمه ~~بجانب اسم الله، فيقول المسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. # يعتقد الشيخ طه حسين، هذا الاعتقاد، ويحاول أن يبلغ إلى بث فكرته، بمحاولات عديدة، ~~منها محاضراته، التي يلقيها في القرآن يوري فيه تورية، ومنها أحاديثه الخاصة يبوح فيها ~~بما يعتقد. غير أنه لا يجرؤ على أن يجهر برأيه هذا بين الناس ويذيعه على رءوس الأشهاد، ~~فيدور في محاضراته تلك الدورات الغريبة، ويلف تلك اللفات البعيدة التي لا تنتهي إلى ~~غاية ولا تصل إلى قصد معين. # ولست أدري لماذا لا يجاهر الأستاذ برأيه؟ أظن أن السبب في هذا قلة إيمانه، بصحة ما ~~يرى وضعف عقيدته بصلاحية النظرية التي يعتقد بها، وإلا لكان من الواجب عليه أن يذيع ~~رأيه بشجاعة ويدافع عنه بصلابة، إذا كان تام الاعتقاد بصحته. # تقوم في ناحية أخرى فكرة مشابهة لفكرة الأستاذ؛ هي فكرة الشيخ علي عبد الرازق في أصول ~~الحكم في الإسلام، هو في الواقع يريد أن يقول إن حكومة الإسلام لم تقم على قواعد ~~اجتماعية صحيحة، وإنها كانت حكومة مستبدة اجتمعت فيها السلطة الدينية والزمانية في شخص ms27 ~~واحد، وإن هذه القاعدة لا يصح أن تكون أساسا لقيام حكومة فيها من النظام الديمقراطي ~~قسط يضمن صلاحية الحكم وقيام العدل بين الناس. # يريد هذا فيلف ذلك اللف البعيد، ويدخل بنا في مناقشات شبيهة بالمناقشات التي دارت في ~~مجمع أفسوس وخلقيدونية ونيقية، ويقذف بنا في بحث مسألة الحكم في الإسلام من ناحية ~~التوكيل الإلهي لشخص محمد عليه السلام، ولماذا لا يقول بأن أصول الحكم في الإسلام ~~بائرة، وأن القاعدة الديمقراطية أصح منها؟ السبب في هذا أن الشجاعة في إبداء الرأي ~~تنقصه، والإيمان بصحة نظريته ناقص غير كامل. قال الأستاذ بيكر بعد بحث طويل في مدلول ~~لفظة «الإسلام» ما يلي: # وقد تستعمل لفظة الإسلام في النهاية لتدل على ذلك النظام العمراني الذي يجمع ~~في تضاعيفه بين الحكومة والدين؛ لأن قيام مدنية ما، على الرغم من كل الخلافات ~~الموضعية، وعلى الرغم من قيام تلك الخلافات في كثير من عصورها المتفرقة، إنما ~~يدل ظاهرا على أن فيها كثيرا من صفات التماسك والبقاء. إننا إنما نبحث في ~~حقيقة التبعية للدين، فنجد أن حكومة الإسلام ومدنيته عبارة عن وحدة تامة شاملة ~~كاملة الأوصاف، حتى إن أكثر الناس قد يضمون أمما بلغت الفروق بين بعضها وبعض ~~مبلغ الفروق الكائنة بين الآريين والساميين والزنوج تحت ذلك الاسم الجامع؛ ~~«الإسلام». # هذه هي الحقيقة، الحقيقة أن الإسلام كان دينا وحكومة وأمة عظمى، والحقيقة أيضا أن ~~الحكومة كانت من أسباب الضعف الأولى في الإسلام وفي مدنية الإسلام. ولماذا لا نقول بأنك ~~تفضل الحكومة الديمقراطية على هذه الحكومة، ولا تلف اللف البعيد، وتقيم من النظريات ما ~~يقذف بنا في ذلك التيه الجدلي الذي لا نصل فيه إلى النهاية؟ # وحدة الوجود # الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه الأديان قولها بأن الله منفصل عن المادة، وأنه ذات ~~متحيزة منفصلة عن الماديات، تدير الأكوان والعناصر المادية بقوة ترسلها على الموجودات ~~كما ترسل الكهرباء تياراتها على الألواح القابلة من التلغراف اللاسلكي. وكان هذا الخطأ ~~سببا في أن يعجز أهل الدين عن مجاراة أهل العلم عن إدراك ms28 الله في تفسير النصوص ~~المنزلة. # وكانت أكبر المشكلات التي وقع فيها أهل الأديان البحث في قدم المادة، قالوا بأن الله ~~قديم مخالف للحوادث، آمنا بذلك وصدقنا، ولكن كيف ننكر على المادة قدمها، والعقل لا ~~يسلم بخلق شيء من لا شيء، أو فناء شيء إلى لا شيء؟ وكيف نوفق بين حدوث المادة وقدم الله، ~~إذا اعتقدنا بأن الله علة كاملة، وأن العلة الكاملة لا يتخلف عنها معلولها بحال من ~~الأحوال؟ وعندي أن المتصوفين والباطنيين أصحاب القول بوحدة الوجود قد حلوا أكبر إشكال ~~صادفه العقل البشري خلال كل العصور. قالوا بأن الله هو المادة، والمادة هي الله؛ أي أن ~~في المادة مبدأ مدبرا هو الله، وأن عنصر النظام الذي تعثر عليه في نواحي المادة هو ~~الله، وأن القدم للمادة لا يترتب عليه الاعتقاد بحدوث الله، ولا قدم الله يترتب عليه ~~حدوث المادة. # المادة في الله والله في المادة، هذا هو المبدأ الذي يخيل لي أنه صحيح، والذي يحل ~~مشكلات أهل الدين وأهل العلم في هذه المسألة الكبرى، بل يكون معه الدليل على وجود الله ~~ملموسا محسوسا، لا يحتاج إلى تلك الجدليات العقيمة التي لا تنتهي إلى غاية ولا تقف ~~عند نهاية، جدليات أقل ما كان فيها من الضرر أنها أبعدت الإنسانية عن الله، وأبعدت الله ~~عن الإنسانية، بقدر ما كان فيها من التعصب لفكرة القدم ومخالفة الحوادث. # حول البهائية # دارت حول البهائية معركة حامية على صفحات «العصور»، وعلى الرغم من أن المعركة قد دارت ~~حول تاريخ البهائية ونشأتها وبعض منازع يظهر بها أنصار هذا المذهب الجديد، أو الدين ~~الجديد أو الخرافة الجديدة أو ما شئت من الأسماء، فإن المناقشة قد أخذت تتطور في بحث ~~تاريخي إلى بحث في أصل العقيدة البهائية، وفي نشأتها، وفي أنها دين منزل، وفي أن الله ~~حل في عبد البهاء وفي عباس أفندي من بعده، وأنه يحل الآن في شوقي أفندي خليفتهما ~~الأخير، كأن الله لا شغل له عند البهائيين إلا أن يتقمص تلك الأجسام البشرية التي لا ms29 ~~تخرج عن أنها ماء وطين، وأن هذا المزيج سوى ذوات ندعوها البشر. ولا جرم أن هذا الدين ~~أجرأ الأديان على الافتراء، ففي الأزمان القديمة اختار الله بعض الشعوب دون بعض، وميز ~~بعضها على بعض برسالاته، وخصها بعطفه. أما اليوم وعن طريق البهائية، فإنه يختار النوع ~~البشري برمته، فكأن اختياره لليهود في الأزمان السالفة كان عبثا تريد البهائية اليوم ~~تقويمه. # ولا يضرنا اليوم، أن يضاف إلى الأديان التي تنشر بين سلالات البشر دينا جديدا، ولا ~~يضير الإنسانية أن تزيد الخرافات الذائعة بينها خرافة جديدة، ولكن الذي يضيرنا ويضير كل ~~الآخذين بمبادئ الطريقة العقلية الحديثة أن يقف نفر من الناس ينادون بالشعوب هلموا إلى ~~الخلاص الأخروي من طريق البهائية؛ فإنها آخر ما أوحي به للناس، كأن الناس لم يكفهم أن ~~ينال منهم الوحي ذلك المنال القاسي، خلال كل العصور الغابرة، فأخذوا اليوم يحيكون من ~~الخيال خرافة جديدة يسمونها البهائية. # ولعمرك لئن كان الدين عبارة عن قوة مما فوق العقل ولا علاقة له بشيء مما في طبيعة ~~الإنسان سوى مشاعره وعواطفه وانفعالاته، فكيف بالبهائية تكون دينا وهي تتناول ~~بأبحاثها الاقتصاديات والعمرانيات ومشاكل الاجتماع الإنساني، بل ولا تتأخر عن أن توحي ~~إليك بما تفعل في بناء القناطر والسدود؟ # لا شك في أن هذا الدين نسيج وحده في تاريخ الإنسانية. # الروح وفلاسفة الهند # يحاول فلاسفة الهند أن يخرجوا الإنسان من الطبيعة بأن يجردوا الروح من أغلال الجسم، ~~فإذا اعتبرنا الروح قوة تحل في الأجسام الحية، كان لا مندوحة لنا عن الاعتقاد بأنهم إنما ~~يحاولون في الحقيقة أن يقللوا جهد المستطاع من تأثير الجسم في الروح، لا أن يجردوا ~~الروح من الجسم، تجريدا تاما. # الروح والجسم، وما نقصد بالروح إلا سر الحياة المودع في الأجسام الحية مثلهما كمثل ~~المادة والقوة، فإذا استطعنا أن نبرهن على أن هنالك مادة يقوم وجودها بغير قوة، أو أن ~~قوة من المستطاع أن توجد في غير مادة، أمكننا أن نبرهن على أن الروح قد توجد في غير جسم ~~حي، أو أن ms30 جسما حيا من المستطاع أن يوجد بلا روح، فالروح إذن يجب أن تحل في جسم؛ أي ~~في مادة. # وماذا يكون من أمر الروح، بعد أن تموت الأجسام؟ ذاك سر لم ينض عنه الحجاب. # أكذوبة الحرية # من الأكاذيب المتفق على أنها صحيحة أكذوبة أن الإنسان ولد حرا. أول ما في هذه ~~النظرية من بطلان أن الإنسان لم يختر أن يوجد في هذه الحياة، فكيف به يكون حرا؟ وكذلك ~~هو يرتحل عن هذه الحياة غير راض عنها ولا عن الارتحال من بيئتها، فكيف به يكون ~~حرا؟ # ثم هو عند حد قول بشار: # خلقت على ما في غير مخير # هواي ولو خيرت كنت المهذبا # أريد فلا أعطى وأعطى ولم أرد # وأمسي وما أعقبت إلا التعجبا # فكيف به يكون حرا؟ # أفهم أن تكون الحرية معقولا نسبيا لا غير، أما الحرية المطلقة التي نشدها خياليو ~~الزعماء في الثورات الكبرى، فهي أكبر الأكاذيب التي استغوت الجماعات منذ أبعد العصور. # فوضى الأدب # الفوضى القائمة في الأدب العربي، ليست في الواقع إلا صورة من الفوضى العامة التي ~~تملكت أفكار أهل الشرق بعد الحرب العالمية، غير أني لا أستطيع أن أدلي برأي في فوضى ~~الاقتصاد أو المال، على الرغم من أني أعتقد بأن الفوضى لم تقف دونهما، كذلك لا أستطيع ~~أن أدلي برأي في فوضى السياسة الشرقية عامة، غير أني إن أردت أن أتخذ للسياسة الشرقية ~~عنوانا هو سياسة مصر، أيقنت بأن الفوضى في سياسة ممالك الشرق بالغة مداها ~~الأقصى. # كذلك لا أستطيع أن أتكلم في فوضى الأدب بصورة عامة، إذن وجب علي أن أحدد موضوعي فأدلي ~~برأيي الذي أراه في فوضى الأدب، من حيث تعدد الأساليب. # يعتقد الكثيرون في مصر، مركز النهضة، أستغفر الله، لا النهضة الأدبية وحدها، بل ~~النهضة «العلمية» في أنحاء الشرق، ولمن يعتقدون هذا الاعتقاد أكبر العذر فيما يعتقدون ~~به، غير أني لا أعرف إذا جاريتهم على اعتقادهم في أي شيء تنحصر مظاهر النهضة العلمية ~~والأدبية في كل شيء. حسن، لنقل معهم في كل شيء؛ ms31 تخلصا من متاعب البحث ، ولكن لننظر في ~~ناحية بعينها من نواحي النهضة الأدبية، ولندع بأن من مظاهر النهضة الأدبية تعدد ~~الأساليب العربية. # إن تعدد الأساليب - ولا شبهة - دليل على الرقي الأدبي وعلى الإكباب على المطالعة ~~والدرس، غير أني أرى في تعدد الأساليب روحا فوضوية غريبة؛ لأن تعدد الأساليب في أول ما ~~يدل عليه، انتهاج لطرق في التعبير تختلف عن الطرق التي انتهجها القدماء. وهذا حسن إلى ~~حد ما، ولكن الفوضى آتية من ناحية أننا لا نبالغ في احتذاء الأساليب العربية المنتقاة، ~~فلكل لغة أساليبها الراقية، ولكل منها مثاليتها الأسلوبية. وبالقياس على هذه الأساليب ~~يكون بعدنا أو قربنا من المثل العليا في أسلوبه الإنساني إذا صح هذا. وإذا صح لنا أن ~~نتخذ هذه النظرية قاعدة، خشيت أن أقول إننا في هذا العصر أبعد عن أن نحتذي الأساليب ~~المنتقاة التي جرى عليها حتى أدباء العصر القريب. # أما نزعة بعض الكتاب إلى احتذاء الأسلوب العامي في الكتابة العربية، ودفاعهم عن هذه ~~الطريقة السفلى، فلا سبب له عندي، إلا العجز، وهم في نظري أكبر الدجاجلة الذين نبتوا في ~~تربة الأدب، كما نبتت الطفيليات حول الغرس النافع، بلا حاجة إليها. # معنى التضحية # في كل ما تقوم عليه المثل العليا في الأخلاق، وهي التي يظهر أثرها المباشر في ~~العمليات، لا يحتاج الإنسان إلى شيء أكثر من أن يفهم معنى التضحية، وأن يجعل لهذا ~~المعنى أثرا في أعماله وتصرفاته، على أننا مع الأسف لم نعرف بعد ما هي التضحية، ولم ~~نفقه كيف يمكننا أن نجعل لها أثرا في أعمالنا. # خذ أبسط الأشياء احتكاكا بالحياة، خذ حب النقد للوصول إلى الحقيقة، فإنا لم نعرف بعد ~~من النقد، إلا أنه وسيلة للعداء هي أقرب الوسائل، وطريقا للتنابذ هي أسهل الطرق، فإذا ~~أردت أن ترمى بالسخافة فانتقد الأدباء، وإذا أردت أن توسم بالجهل، فانتقد العلماء، وإذا ~~أردت أن تموت جوعا، فانقد أعمال حزب الأغلبية في مجلس النواب. # الاعتداء الذي توقعه الأمم القوية على الأمم الضعيفة ليس بأكثر من تكرار لفعل ms32 طبيعي ~~أتاه الإنسان، بحكم نزعته الحيوانية، عدة ملايين المرات. # فالإنسان قبل زمان التاريخ لم يفز بغذائه وبزوجه، بل وبحياته نفسها، إلا من طريق ~~الاعتداء على ما يملك غيره من حق أو حطام. وفي ظني أن قول الشاعر: «ومن لا يظلم الناس ~~يظلم»، فيه تعبير حق عما في الإنسان من هذه النزعات الغريبة. # وعلى أية من القواعد نحاول اليوم أن نحول دون اعتداء القوي على الضعيف، وهذا أمر يكاد ~~يكون في حكم السنن الطبيعية الثابتة. # غير أننا لا نريد أن نتساءل في هذا، بل نتساءل: لماذا يسلم الضعيف بحقه تسليم تفريط إن ~~كان في مستطاعه الدفاع ولو إلى حين؟ أظن أن السبب في هذا راجع إلى أن الضعيف يقدر ~~الحياة أكثر مما يقدر الحق، على أنه لو قدر الحق ولو قليلا لاستطاع أن يرد كثيرا من ~~عاديات الغاصبين. # قلب الأمثال # من الأشياء الجارية على ألسن الناس ما لو قلبت معناه لخرجت منه بمعنى فيه روعة جديدة، ~~بل روعة تبز روعته الأصلية الجارية على ألسن الناس. فالناس يقولون: «الحق للقوة.» فإذا ~~قلت مثلا: «القوة للحق.» وقعت على معنى أسمى من المعنى الأول، وأجدر بأن يكون المحرك ~~الأول لقوى الجماعات. # على أن كثيرا من الناس، يتشككون في المعنى المدرك من قلب الأمثال السائرة. والسبب في ~~هذا أن الناس بطبيعتهم نزاعون إلى التأثر بالماديات؛ فالقوة مادية، والحق معنوي، لهذا ~~يعتقدون بصحة الأول، ولا يدركون للثاني إلا معنى مجردا غير ماثل أمامهم. # كذلك الحال إذا رجعت إلى أهل الوثنية وقلت لأحدهم: «الصنم في الله.» لرد قولك فورا ~~بأن «الله في الصنم»، على أن الحقيقة على عكس ذلك تماما؛ وذلك لأنه يدرك المادة إدراك ~~الحس، ولا يدرك الله إلا إدراك معنى، وعلى هذا قامت الكفايات الإنسانية، وعلى هذا ~~توورثت على مر السنين والأحقاب. # أين أثر الطغيان؟ # كنت أسير على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ذات يوم، وقد تجمع على الشاطئ عدد من الأطفال ~~الصغار انقسموا إلى جماعات عديدة، فأخذ جماعة منهم يصورون على الرمال صور حيوانات ~~عديدة، ms33 وأخرى في تخطيط صورة بيت كبير. وبدأ الأطفال يتنازعون ملكيته، وبدأت جماعة أخرى ~~تبني من الرمال صور بيوت شبيهة بالبيوت التي يبنيها النمل وكثير من الحشرات. وبينما ~~كنت أجيل الطرف في ألاعيب الأطفال، وأتأمل فيما ترى إليه تصوراتهم، هاجمتنا موجة كبيرة ~~ذهب مداها إلى آخر ما خطت يد الأطفال على الرمال، فلم تترك منه عوجا ولا أمتا، كأنما ~~الرمال اللينة قد ابتلعت مع مد الموجة كل ما رسم فوقها من آثار. # أليس في هذه الحالة شبه باغتصاب حق الشعوب قسرا وقوة، أين الأثر الذي خلفه الرومان ~~في أرض بريطانيا العظمى؟ وأين الأثر الذي تركته مصر في غربي آسيا؟ وأين الأثر الذي تركه ~~الإسكندر المقدوني فيما فتح من ممالك العالم؟ وأين أثر القوة التي اغتصبت حقوق الشعوب ~~على مدى الأزمان؟ أين الأثر الطبيعي الذي خلفه هنيبعل وقمبيز وهولاكو وجنكيز خان؟ مدت ~~عليهم موجات الحق الطبيعي، وطمت عليهم فورات الشعوب، فلم يبق من ذلك إلا الأمم، ~~تتناوبها دورات الانتصار والانكسار، وهي ثابتة لا تتغير ولا تتبدل. # كفايات الشرق # ليست القوة المادية وحدها دليلا على تسود الشعوب من حيث الصفات المدنية، وإن كانت ~~دليلا لا يدفع على تسودها الحربي، فقد غزا الرومان بلاد اليونان، وكانوا أقل من ~~اليونان كفاية، من حيث المواهب العقلية والأدبية. # من يدرينا اليوم، لعل في شعوب الشرق من المواهب الكامنة ما يظهر بعد قليل من الأجيال، ~~وإن استعمارها اليوم هذا الاستعمار القائم على القوة وقتل الكفايات، كان من أكبر ~~البلايا التي أصابت الإنسانية، وصدتها عن التقدم والارتقاء. # الترف والانحلال # ذاع الاعتقاد بين الباحثين في الاجتماع، أن الترف والانغماس في الملذات، مما يقذف ~~بالأمم والشعوب في مهاوي الفساد والانحلال، غير أني أرى أن الانغماس في الملاذ والترف ~~مظاهر تدل على عوامل الانحلال، وعناصر للفساد أبعد غورا في نفوس الأفراد والجماعات مما ~~يتخيل الكثيرون من الباحثين. # الجامعة الشرقية # للسلطان عبد الحميد - رغم استبداده، ورغم ضعف أعصابه، والظروف الغريبة التي أحاطت بسني ~~حكمه، أو بالأحرى الظروف التي خلقها هو من حوله - كلمات ms34 يؤثرها عنه التاريخ، فقد قال ~~مرة، وقد حوطته أوروبا بما استطاعت من قوة وعنف: «إن أوروبا تحاربنا حربا دينية في ~~قالب سياسي.» ولم يقصد عبد الحميد بالضرورة أوروبا تحاربه حربا دينية كالحرب التي ~~قامت بين الإسلام والنصرانية في القرون الوسطى، وتعرف بالحرب الصليبية، بل يقصد أن ~~أوروبا المسيحية جامعة لا تحتمل أن يكون للشرق الإسلامي سلطة على شعب من شعوبها. على ~~أنه رمى بهذه الكلمة إلى غرض آخر، رمى به إلى استفزاز المسلمين في أنحاء الشرقين الأقصى ~~والأدنى، ليكونوا جامعة يقاوم بها جامعة أوروبا، المسيحية، غير أن صرخته هذه لم تفده ~~فتيلا، فإن استبداده واستبداد عماله وضعف حكومته وتحكم الصور الدينية الرجعية في إدارة ~~الحكومة كان سببا من الأسباب التي فتت في عضد الأمم الإسلامية، التي وقعت تحت حكمه، ~~وأفقدت حكومات الأمم الإسلامية المستقلة كل ثقة في حكومة أمير المؤمنين. # واليوم يقوم في روع الناس أن ما رمى إليه عبد الحميد أصبح خيالا، بعد أن فطنت الأمم ~~إلى فكرة القومية وتركت الاستمساك بجامعة الدين، وهذا صحيح، غير أني أرى على الرغم من ~~كل هذا أن جامعة شرقية سياسية تعمل على مقاومة النفوذ الأوروبي، والاستعمار الأجنبي، ~~يكون لها أثرها الخالد لا في استقلال الشعوب الشرقية وحدها، بل في العمل على ترقية ~~الإنسانية في مجموعها. # الشرق والمثل العليا # ولد الشرق ميلادا جديدا يوم أن هب يطالب برد حريته المسلوبة، ويعمل على إحياء ~~مدنيته البائدة، غير أن الشرق يحتاج اليوم إلى صفات أخلاقية ترى أن الأمم الشرقية أبعد ~~الأمم عن أن تعرف لها قيمتها السياسية. # لم يعرف الشرقيون بعد تلك الفضائل التي ينطوي عليها ضبط النفس عند وقوع الملمات ~~الكبرى، وما أكثر ملمات الشرق! # لم يعرف الشرقيون بعد معنى التضحية عند حلول الأزمات، وما أكثر الأزمات التي تصيب ~~شعوب الشرق! # لم يعرف الشرقيون معنى الصراحة في معالجة المشكلات التي تحتاج إلى المصارحة الجدية، ~~وما أكثر المشكلات التي يخلقها الغرب للشرق! # وإذا أردنا أن نعدد الأشياء التي لم يعرفها الشرق بعد، لذهبنا في سلسلة ms35 طويلة منها، ~~غير أني أعتقد أن بضعة أفذاذ من الرجال يعطون الشرق المثل العليا، في الأخلاق عمليا، ~~لقادرون على أن يبعثوا في النفوس تلك الشرارة الأولى التي لا يستغنى عنها في توليد ~~حريقة عظمى يمتد لهبها. # تعطيل الدستور # يقول طاغور: «عند حلول الكوارث تنحل أقدس الروابط، فالأخ يحطم أخاه، والصديق يخون ~~الصديق.» ولا أجد أن هذه الكلمة الكبيرة أكثر انطباقا على شيء من حالات هذه الدنيا، ~~أكثر من انطباقها على رجال السياسة، فهي في مصر ظاهرة مألوفة. # حلت بمصر الكارثة الأخيرة؛ كارثة تعطيل الحياة النيابية، # 1 # ولا ندري إلى أي حد، فإن ذلك موكول بالظروف، وليس خاضعا لإرادة رئيس ~~الوزارة ولا لغيره من رجال الدولة، كبر شأنه أم صغر، ولم تكد تظهر بوادر هذه الحالة في ~~الأفق السياسي، ولم يكد يفتح في سماء الأمل منفذ نور لأصحاب المعالي، حتى ولجه جمع ~~منهم، ثم أخذوا يسددون منه نبال النقمة والانتقام إلى أقفية إخوانهم الذين تضامنوا معهم ~~بالأمس. # وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى قواعد ومبادئ مقدسة لا علاقة لها بأقفية ~~الذين رماهم هؤلاء بنبالهم وسددوا إليهم سهامهم، ولكن ما دام النحاس رئيس الأغلبية، ولا ~~أغلبية إلا بالدستور، فلنوجه النبال إذن إلى قلب الدستور، كما توجه إلى قفا النحاس ~~وأصحابه، فإذا ساءلت نفسك: أية علاقة بين الأكثرية وتصرفها، وبين الدستور؟ وما هي علاقة ~~الانتقام من النحاس بقتل الدستور؟ وما هي الرابطة بين ضرب الأغلبية وبين الحق العام ~~الذي يملكه أصغر طفل في أصغر قرية، كما يملكه أكبر صاحب دولة من أصحاب دولاتنا؟ لما استطعت ~~أن تقع على جواب ظاهر، اللهم إلا أن تلجأ في تفسير ذلك إلى الاعتقاد بأننا في مصر، وفي ~~الشرق عموما، لم نستطع أن نفرق بين المبادئ والذوات، فالدستور ملعون لأن صاحب الأغلبية ~~في مجلسيه هو النحاس، ولكن ماذا يكون من أمر الدستور إذا أصبح الأغلبية في مجلسيه هو ~~صاحب الدولة محمد محمود؟ لا جرم يكون أكبر نعمة وآخر ما تجود به النظم على الحضارة ~~المصرية ms36 من البركات، بل يكون أجمل حلة تخلع على الشعب المصري، الذي عراه الاستبداد عما ~~يستر جسمه الضئيل من الحقوق التي اعترف بها للعبيد والهمج، وترك غرضا ترميه الألسن ~~بأمر الكلم، كما تحدجه العيون بأخبث ما تستطيع أن توجه من نظرات الاحتقار. # أولا يكون إصلاح إلا إذا أظهرنا أهل الدنيا والآخرة على أن الشعب المصري لا يستحق ~~الحرية ولا يعرف لها طعما؟ أولا يكون إقرار للحقوق إلا بأن يسلب الشعب من حقه ~~الطبيعي؟ أولا يكون من انقلاب إلا إذا ظهرنا بمظهر المرغمين عليه المسوقين إليه؟ أولا ~~يكون لنا من طريق إلى التنفيذ إلا تلك الطريق الملتوية المتعسرة التي نحفر فيها الأنفاق ~~ونذهب فيها خفية متسللين تحت الثرى، كما تفعل الحشرات الدنيا؟ # نظم الحكم # لا أستطيع أن أدرك أن حسن القوامة على الحكم قد يتأتى بغير نظامين؛ فإما نظام نيابي ~~تتسع فيه الحريات بقدر ما يستطاع، وإما نظام دكتاتوري تنحصر فيه السلطة في يد شخص واحد، ~~وليس بين هذين النظامين فراغ يمكن أن يسده نظام ثالث؛ ففي كلا النظامين الدستوري ~~والدكتاتوري، تتوحد الأضرار كما تتوحد المنافع، ويحصر الخطأ كما يحصر الصواب، أما في ~~النظام الثالث، وهو نظام لا بد من أن تتضارب فيه النزعات وتختلف فيه الأهواء على مقتضى ~~ما تتجزأ السلطة وتتشعب وجهات النظر، فلا يمكن أن تحدد فيه المنافع والمضار، ولا يمكن ~~أن يحصر الخطأ والصواب. ومن الأسف أننا نحكم اليوم، وفي مصر وفي القرن العشرين، بمقتضى ~~النظام الثالث، فلدينا ثلاث سلطات متضاربة الأهواء لا يمكن التوفيق بين وجهات نظرها، ~~إلا بأن يكون التوفيق على رأس فتيان القرى، وما على أهل القرى إلا أحد أمرين؛ فإما أن ~~يخضعوا، وإما أن تسلخ جلودهم. # محكمة الضمير # يحتمي دكتاتوران في أوروبا هما موسوليني وبريموده رفيرا بالدستور، ويستظلان بمجالس ~~النيابة، أما صاحب الدولة محمد محمود باشا، الدكتاتور الأول في أرض الفراعنة، ففي غير ~~حاجة إلى الاستظلال بشيء من ذلك، فهو يترك نفسه معرضا لحرارة الشمس تلفح وجهه، ولهب ~~الريح يتقاذفه، فأكرم بها من شجاعة ms37 فات فيها رئيس دولتنا، رئيس دولة إيطاليا وطاغية ~~إسبانيا معا! # محكمة النفس العليا هي الضمير، وعلى أساس هذه المحكمة قام مذهب الفيلسوف الكبير ~~عمانوئيل كانت في الأخلاق. # حاسب ضميرك دائما، واسأله في هوادة ولين: «هل صحيح أن يكون تصرفك الأخلاقي في مسألة ~~من المسائل، قانونا، تجري عليه الإنسانية؟» هذا هو لب مذهب كانت في الأخلاق، ولا شبهة ~~مطلقا في أن لهذا القانون علاقة كبيرة بمذهب إيزوقراط اليوناني إذ يقول: «اصنع بغيرك ~~ما تريد أن يصنع غيرك بك.» # ومحكمة الضمير معقودة دائما، ليل نهار، سرا وعلانية، فهل تؤثر ظروف الحالات التي ~~تقوم في الأفق الاجتماعي على هذه المحكمة، وهل تتبع هذه المحكمة شرعة من شرائع الآداب ~~العليا، من غير أن يكون أمامها مبدأ تأتم به. كلا، إن المبدأ هو المهتدى الوحيد الذي ~~تهتدي به هذه المحكمة في ظلمات ما يحف بها من مظاهر الأشياء الإنسانية. # سمعت بأن ستة آلاف من الجنيهات كانت كافية لأن يشترى بها «ضمير» جريدة من الجرائد ~~الكبرى، وسمعت أن ابتسامة حلوة وقليلا من الذهب كان كافيا لأن ينقذ جيش الإسكندر ~~الروسي من إحاطة عسكر الأتراك، وسمعت أيضا أن قليلا من أبهة الملك والسلطان كانت ~~كافية لأن تغري ملوكا بالاستبداد، وأن تلقي بوزراء في أحضان العسف والجور، ينوءون به ~~على كواهل الأمم. # ولا جرم أن كل هؤلاء شرع أمام محكمة «الضمير»، فلو سأل أحد من هؤلاء نفسه يوما: «هل ~~يصح أن يكون تصرفه قاعدة للإنسانية تجري عليها؟» إذن لرجع عن غيه وانصرف عما أقدم ~~عليه؛ ذلك لأنه إذا سأل نفسه على هذا النمط، أدرك لأول وهلة أن هذا القانون يجوز أن ~~يطبق عليه من الغير كما يطبقه على نفسه، إذن يكون الجواب أن خيانة محكمة الضمير إضرار ~~بالإنسانية وبالأفراد، وإذن نعتقد أن محكمة الضمير لا بد لها من قانون أو مبدأ يسير ~~أحكامها في كل ظرف من الظروف. # إذا ساءل مستبد ضميره: «هل يصح أن يكون الاستبداد قانون الأخلاق الإنساني؟» وإذا ساءل ~~مرتش نفسه: «هل تصح الرشوة أن ms38 تكون مبدأ المعاملة؟» وإذا ساءل سفاح ضميره: «هل يصح أن ~~يكون القتل صبغة الحيوان الناطق؟» وإذا ساءل كل الأراذل أنفسهم: «هل يصح أن تكون ~~رذائلهم قاعدة يجري عليها المجتمع؟» إذن لخلصت الإنسانية من الشرور والآثام، وإذن لعرف ~~المستبد أن الاستبداد جائز أن ينقلب عليه في نفس الصورة التي يطبقه بها على بقية الناس، ~~وإذن ينتفي أن يكون الظالم مظلوما إذا ظلمه غيره، وينتفي أن يكون السارق مسلوبا إذا ~~سلبه غيره. # وهكذا دواليك، ضع نصب عينيك دائما فكرة أنك فرد من أفراد الإنسانية مهما علت رتبتك ~~وكبر جاهك، اذكر في أعماق نفسك دائما قول إيزوقراط: «اصنع بغيرك ما تريد أن يصنع غيرك ~~بك.» # الخصومة بين الشرق والغرب # بين الشرق والغرب خصومة قديمة، يرجع أصلها إلى الدم وإلى اختلاف النزعات التي يوجدها ~~عادة تباين الناس في الميول والنزعات، فإذا رجعت إلى التاريخ القديم، ألفيت هذه الخصومة ~~قائمة على قاعدة تختلف عن القاعدة التي تقوم عليها الخصومة في العصور الحديثة. # أينعت المدنيات الأولى في جنبات الشرق، وتحت ظلاله الوارفة، ففي غابات الهند القديمة، ~~وفي الوديان الخصيبة كوادي النيل، نشأت أولى الجماعات الإنسانية التي أقامت المدنية، ~~شيدت أسسها مع المدن المسورة الحصينة. ومن طريق المدنية تكونت فكرة القومية، ثم اتسعت ~~فكانت الأمم التي يجمع بين أفرادها نظام المدنية أحد مظاهره. # لهذا كان الشرق أسبق من الغرب إلى تكوين فكرة الاستعمار وغزو الشعوب التي حفت بمراكز ~~المدنية القديمة في وديانها الخصبة وغاباتها الملتفة. وهنالك سبب آخر للخصومة، تستبينه ~~في قيام الروح الدينية في الشرق، فتحت سماء الشرق الصافية وفي براريه وصحراواته ~~المتسعة نشأت الأديان الأولى، فنشأ في الهند بوذا وبراهما، وفي الصين كونفوشيوس العظيم، ~~وفي برية فلسطين موسى، وعلى ضفاف الأردن عيسى، وفي جوف الصحراء محمد؛ هؤلاء هم المصابيح ~~التي شع ضياؤها في سماء الجهالة الأولى، فأنارت السبيل على قدر ما احتملت عقلية الأنام ~~في العصور التي نشئوا فيها. أما الغرب في ذلك الحين، فلم يكن ليسترشد بشيء من هذه ~~الأقباس، بل كان لا يزال ms39 عاكفا على الصور الميثولوجية القديمة ، قانعا من الحياة بأن ~~يكون أهله قبائل لا عمل لها إلا ما كان لأعراب البادية من عمل قبل الإسلام ~~وبعده. # وكرت السنون وانقلبت آية الحياة، من حياة روحانية عكف عليها الشرق، إلى حياة مدنية ~~وصناعية لم يعرفها إلا الغرب، وهنا انقلب وجه الخصومة، ورجعت موجة الحياة تمد من الغرب ~~على الشرق، فتغرقه في غمار تلك المدنية المادية، فهوى في بحرها الخضم إلى ~~الأعماق. # أما إذا عرف الشرق كيف يستطيع أن يقاوم هذه المدنية المادية، فهنالك يتحرر، ولا أظن ~~أن الشرق يمكنه أن يتخلص من مخالب هذه المدنية، قبل أن يمرن على انتحالها ليقاوم موجة ~~الاستعمار الغربي بقوة مستمدة من نفس مدنيته. # الأزهر والعلوم الدنيوية # ظل الجامع الأزهر، وهو الجامعة الإسلامية الكبرى في أنحاء العالم الإسلامي، في مخاض ~~يعاني آلامه سنين طويلة، وفي ظني أن زمان الوضع قد قرب، ولعل هذه الآلام الطويلة تحبو ~~هذه الجامعة الكبرى بمولود تقر به عين مصر وعين العالم العربي الإسلامي بأجمعه. # بدأت هذه الجامعة الأزهرية تشعر بآلام المخاض عندما فكر الأستاذ الكبير محمد عبده في ~~إصلاح الأزهر، وعندما أراد أن يدخل في برامجه علم الجغرافية والفلك، وشطرا من الفلسفة ~~اليونانية؛ التي تؤيد نظريات الإسلام، وغير ذلك من وجوه الإصلاح. ولقد اشتدت بعد هذه ~~الحركة آلام المخاض؛ فرمي المصلح الكبير بالكفر والمروق عن الدين والخروج عن السنة ~~والكتاب. # واليوم نسمع من فضيلة شيخ الجامع الأزهر في مذكرته التي رفعها إلى رئاسة مجلس ~~الوزراء؛ أن الدين لا يعاند العلم، وأن الأزهر يجب أن تحور برامجه تحويرا أبعد مدى عن ~~التحوير الذي أراده الأستاذ محمد عبده. أليس في طلب الأستاذ صاحب الفضيلة أن يكون علم ~~مقارنة الأديان من العلوم الأساسية في الأزهر؛ دليلا على أن هذه الجامعة كادت تخلص من ~~آلام المخاض الطويلة، وأن زمان الوضع قد قرب؟ # حول المجمع اللغوي # يفكر صاحب المعالي وزير المعارف بجد في إنشاء مجمع علمي قد يطلق عليه اسم المجمع ~~اللغوي أو الأكاديمي، أو غير ذلك من ms40 الأسماء، ولا يعنينا أن يكون مجمعا أو منتدى أو ~~أكاديميا؛ فالأسماء لا قيمة لها بجانب النظام الذي يجب أن يقوم عليه هذا المعهد ~~الكبير. # ولا يجب أن ننسى مع تكوين هذا المعهد، أنه يتكون في مصر، وفي الشرق؛ لهذا ينبغي لنا ~~أن نلاحظ في تكوينه عدة أشياء: # أولا: # إن أعضاء المجامع التي هي من صبغة هذا المجمع في أوروبا يعيشون من ~~أقلامهم، أما في مصر فإنه يتعذر على رجل يريد أن ينقطع للبحث والدرس أن ~~يعيش من قلمه، ولو كان في منزلة الجاحظ بلاغة، وفي منزلة سحبان ~~فصاحة. # ثانيا: # يجب أن يتكون المجمع من أشخاص أحبوا العلم لأجل العلم نفسه، وأن ~~ينتخبوا انتخابا يتوخى فيه قبل كل شيء المصلحة العامة ومصلحة العلم ~~والأدب، وأن يتحرر تكوين المعهد من الأغراض الشخصية. # ثالثا: # إذا قصد أن يكون هذا المجمع لغويا؛ وجب أن يلحق به معهد للترجمة ~~يغذي المجمع دائما بالمصطلحات الجديدة؛ هذا على أن يترك المترجمون ~~أحرارا في وضع المصطلحات، ويناقشون فيها أمام المجمع، وأن تدون ~~المناقشات العلمية اللغوية في مضابط يرجع إليها، وتكون هذه المضابط في ~~المستقبل نواة لوضع القاموس العلمي الحديث. # رابعا: # أن تهيئ الحكومة أعضاء المجمع ومترجميه بكل ما يضمن لهم حياة هادئة ~~بعيدة عن المشاغل الدنيا، وأن تكفيهم شر الحاجة لينصرفوا إلى العمل ~~المنتج بقدر المستطاع. # هذه الأشياء الأساسية يجب أن تراعى في تكوين هذا المعهد الكبير، الذي سوف يكون - ولو ~~عندي على الأقل - أكثر فائدة من مائة جامعة يدرس فيها فطاحل من أمثال لالاند وغيره من ~~العلماء الذين لا يمكن أن ينزلوا إلى مستوى طلبتنا، ولا يمكن أن يرتفع طلبتنا إلى ~~مستواهم. # الجامعة المصرية # يجرنا حديث المجمع اللغوي إلى التحدث عن الجامعة؛ فقد دارت مناقشة بيني وبين أحد ~~الأصدقاء المطلعين على حركة العلم والتعليم في أوروبا، وكان من رأيه أن الجامعة المصرية ~~الحديثة لا يمكن أن تنتفع بأمثال لالاند ودجوي وغيرهما من كبار الأساتذة الفرنسيين، وأن ~~الجامعة انتفعت بمن هم في منزلة هؤلاء من العلماء العمليين الذين ms41 يدرسون علوم النبات ~~والحيوان والفيزياء والكيمياء مثلا، فإنها لا تنتفع بأمثالهم ممن يدرسون الآداب؛ ~~والسبب من هذا أن أساتذة الآداب الذين يصلون هذه المنزلة العليا؛ تتحجر آراؤهم وتتبلور ~~حول مذهب معين قد يكون مبتكرا، أو منتحلا، وقد يكون راجعا إلى مذهب حديث، أو قديم. ~~وهؤلاء لا ينتفع بهم طلبة مبتدئون في الدرس يجب أن يدرسوا العلم من ناحية تاريخية أولا ~~ليقفوا على تدرج العقول فيه ووجه نشوئه وتطوره. وكان من رأي محدثي أن الجامعة يجب أن ~~تنتخب أساتذتها من الطبقة التي يمكن أن توافق فيها مقدرتهم عقلية الطلبة المصريين على ~~حسب كفاياتهم. # ولقد أخذت أفكر في كلامه طويلا، ثم عجبت كيف أن هذه الاعتبارات قد غابت عن الذين ~~أسسوا الجامعة ووضعوا قواعدها، وما افترقنا إلا وأنا أشد اقتناعا بفكرته مما كنت قبل ~~أن أحادثه. # تكوين الشعوب في الشرق والغرب # يعتمد الشرقيون دائما على حكوماتهم في كل الأعمال العامة، وفي حدسي أن أول واجب على ~~حكومات الشرق أن تضع هذه الحقيقة نصب أعينها. # ولدينا دليل ثابت على أن هذه الحقيقة كانت طوال الأعصر ذات أثر بالغ في حياة الأمم ~~الشرقية؛ فلم تنه أمة من أمم الشرق إلا تحت ظلال حكومة تعمل على نشر العدل وإقرار ~~الحقوق من نصابها. وهذه الحقيقة إن أمكن تطبيقها على كل الأمم في الشرق والغرب، إلا أن ~~هنالك فارقا لا نفطن إليه دائما؛ وهذا الفارق هو أن الغربيين قد استطاعوا أن يحوروا ~~من نظام حكوماتهم بمحض إرادتهم، فكانت الشعوب هي التي تكون الحكومات، أما في الشرق فإن ~~الحكومات هي التي تكون الشعوب. # بدأ مستر بوزويل، الكاتب المعروف، كتابه في ترجمة «صموئيل جونسون» معتذرا عن تأليف ~~الكتاب، قائلا إن كتابة ترجمة الرجل الذي بز كل أدباء الدنيا في الترجمة عن حياة ~~العظماء؛ مهمة شاقة، والحقيقة مهمة الكاتب كانت شاقة جدا. # وكما بز جونسون كل كتب الترجمة في الدنيا، كذلك بز الشعب الإنجليزي كل أمم الأرض في ~~القدرة على الترجمة عن حياة عظمائه. وعندي أن هذا سر عظمة هذا ms42 الشعب؛ فإن الرجل ~~الإنجليزي في مستطاعه أن يقف على دقائق حياة عظمائه من طريق الترجمة عن حياتهم التي ~~ينقطع لها في كل عصر نخبة من الأدباء يشار إليهم بالبنان، بل في استطاعة كل إنجليزي أن ~~يكون من عظماء رجاله حلقات متتابعة تزوده بأرقى المثل، وتعظه بأنكى المثلات، وتضع أمام ~~عينه تاريخ أمته العظيمة، في نسيج تتعارض في خيوطه الشخصيات العظيمة على مدى ~~العصور. # ولئن كان للشعب الإنجليزي من أدب يضارع آداب أرقى الأمم؛ فإنه يبز كل الأمم، ويمتاز ~~عليها بعنايته في الترجمة عن حياة عظمائه، ولقد يخيل إلي أن هذه صناعة اختص بها ~~الإنجليز، ولعلها مستمدة من روحهم الوطنية ومن أخلاقهم الوطنية، التي توارثوها جيلا ~~بعد جيل، حتى انحدرت إلى عصرنا هذا، فكان من نتائجها تلك الإمبراطورية التي يبغضها ~~العالم، ولكنه لا يستطيع أن يستغني عنها. # عمر الخيام # بدأنا ندرس عمر الخيام في العصور، وبدأنا نضعه في ميزان النقد والتحليل، ولا أدري كيف ~~يمكن أن نخلص من درس عمر الخيام بفكرة يمكن أن يكون فيها بعض الثبات؛ إذ لم نعمد إلى ~~درس أمثاله من الشعراء الذين غلبت الحكمة في أشعارهم، وأخصهم أبو العلاء المعري. وكذلك ~~سوف نكب على دراسة عصره الذي عاش فيه، ولكن الحقيقة أن كل عصور المدنية العربية متشابهة ~~جد التشابه، ففيها تجري روح واحدة، فإذا اختلفت في بعض الأحيان مظاهرها، فإنك تجد أنه ~~اختلاف يلابس الكم لا الكيف. # هذه بعض اعتبارات تواجهنا في درس عمر الخيام، على أني أعتقد قبل كل شيء، أن الاعتماد ~~على درس هذا الرجل العظيم يجب أن يوجه أولا إلى درس نفسيته؛ وهذه الدراسة لها فوائدها ~~كما أن لها متاعبها ومصاعبها، غير أنها على أية حال الأساس الذي لا يمكن أن نبلغ إلى ~~درس عمر الخيام بغيره، فإذا استطعنا أن نخلص من درس عمر الخيام بتحليل نفسيته أولا بعد ~~أن نمهد لذلك بدرس في حقيقة رباعياته لأنها العمدة في هذا الدرس؛ استطعنا أن نصل إلى ~~شيء من حقيقة هذه الشخصية الغامضة. # أسلوب العلم ms43 # يتساءل الناس كثيرا كيف تختلف روح البحث في المسائل العلمية عنها في بقية فروع ~~المعرفة الإنسانية؟ والجواب على ذلك من أبسط الأشياء؛ فإن العلم بعيد عن الروح ~~المذهبية، فهو لا يجزم بأن ما يصل إليه من النتائج، مهما كانت صحة الأدلة التي تقوم ~~عليها، يمكن أن تظل كما هي على تتالي الدهور؛ فإن أول ما في أسلوب العلم، من المرونة، ~~الاعتقاد بأن حقائقه رهن التغير والتبديل آنا بعد آن، تبعا لما يجد من فروع المعرفة ~~الإنسانية من الأبحاث والحقائق. أما بقية فروع المعرفة، وإن كان في استطاعتها أن تتبع ~~في أبحاثها الأسلوب العلمي، إلا أنها إلى ناحية المذهبية أقرب منها إلى ناحية التحرر، ~~وهذا هو السر في الفرق بين الناحيتين؛ ناحية اليقين وناحية التأمل. # ابن الإنسان # لما فرغت من درس كتاب «إميل لودفيج» الذي أسماه «ابن الإنسان» وخصه بالترجمة عن حياة ~~عيسى ابن مريم العظيم، تابعت درس الموضوع من الوجهة التاريخية، لشغف أحسسته وميل شديد ~~إلى الوقوف على تاريخ ذلك العصر، عصر الأنبياء، وعصر المعجزات. ولا أنكر على القارئ أني ~~كنت أشعر بميل شديد إلى قراءة الحوادث المتتابعة، في حياة عيسى وحياة الذين عاصروه، ~~وعلى الأخص عندما أقع على تحليل معجزة من المعجزات التي تنسب إلى عيسى أو عمل من ~~الأعمال العظيمة التي تروى عنه، أو قول مأثور من أقواله التي قامت عليها ~~النصرانية. # قرأت عن معجزات عيسى أنه أسكن الريح، وأنه شفى المرضى، وأنه أحيا الموتى، وقرأت له أنه ~~أعاد الحياة إلى جثة رجل كانت قد بدأت في التعفن بالفعل. # ولكني لا أكذب القارئ في شيء، فإني إذا كنت أقرأ هذه الروايات كنت أشعر شعورا خفيا ~~يزيدني إكبابا على درسها وطول التأمل منها. ولعل الإنسان فيه بالفطرة نزعة ترغبه في ~~الوقوف على المستحيلات، وكيف أنشأتها العقول البشرية. غير أني ما فطنت إلى شيء من أسرار ~~النصرانية بعد أن مررت على كل تلك الخوارق التي لا تصدقها عقول بشرية، لم ينتكث فتلها ~~ولم تغزها التقاليد، بل فطنت إلى سر أسرارها ms44 عندما قرأت رواية عيسى في إبراء نفس «مومس» ~~انحطت إلى الدرك الأسفل من الرذائل، بأن تابت توبة صادقة فحباها الغفران. ولا جرم أن ~~إبراء الأنفس معجزة أين منها إبراء الأجسام ورد الأرواح إلى الأبدان. # حاجتنا إلى لغة علمية صحيحة # نريد أن يكون لنا لغة علمية بالمعنى الصحيح، ونبحث في كيفية الوصول إلى هذه الغاية ~~السامية، ولا شبهة مطلقا في أن اللغة العربية قد سدت حاجات الأدب والعلم والفن في ~~العصور الوسطى، ولا ريبة أيضا في أنها كافية لسد حاجات هذه النزعات العقلية، لو أن ~~العقل البشري قد وقف من التقدم عند الحد الذي بلغه العرب حتى أواخر القرن الثالث عشر ~~الميلادي، وهو القرن الذي شهد آخر من ظهر من كبار مؤلفي العرب في أول انحلال المدنية ~~الإسلامية. غير أن هذا العصر كما شهد بدء انحلال المدنية الإسلامية، شهد كذلك تكوين أول ~~جرثومة فرخت في جو أوروبا لتكون نواة للمدنية الغربية، فقد انتقلت حينذاك إلى جامعات ~~أوروبا مبادئ أرسطو طاليس منقولة عن كتاب العرب، وأخصهم ابن رشد بطريق طلاب الغرب، ~~الذين كانوا يفدون من أوروبا ليتلقوا العلم في المعاهد العربية الإسلامية، كما نفد نحن ~~اليوم إلى أوروبا نتلقى العلم في جامعاتها الكبرى. # على أننا إذا ذكرنا أن القرن الثالث عشر الميلادي هو بدء انحلال المدنية الإسلامية، ~~فإنما نذكر هذا تجاوزا لأننا نعتقد أن المدنية الإسلامية حملت في تضاعيفها بذور ~~الانحلال، منذ أول تكوينها، غير أن الصبغة التي اصطبغت بها، والصورة التي لابست المنشآت ~~المادية والأدبية والعلمية في مدنية الإسلام، قد أخفت كثيرا من عوامل الانحلال، التي ~~ظلت تعمل على هدم كيانها منذ أول تكوينها. # على أني أعتقد أن نزعة العرب إلى «تعريب» كل ما وصلت إليه يدهم من المستحدثات المادية ~~والفنية، ومجاراة الذين استعربوا من الفرس والروم وغيرهما من الأمم لهم في هذا المضمار ~~كان أعظم ستر تسترت وراءه عوامل الانحلال التي بثت من تضاعيف تلك المدنية. وهذه الحقيقة ~~تجعلني أميل كل الميل إلى القول بأننا إذا أردنا أن نكون لغة ms45 علمية صحيحة، فالواجب ~~علينا أن نجاري الأساليب التي اتبعها العرب في عصور نهضتهم الأولى، وهي ولا شك أساليب ~~أرضت العقول في ذلك الزمان، فلها عندي من هذه الوجهة أعظم المبررات. # على أن نهضة العرب العلمية الأدبية كانت إذا قيست بنهضة النصرانية في أوروبا، مصبوغة ~~بالكثير من ضروب التسامح الديني والعقلي؛ لهذا نجد أن العرب لم يأنفوا من التعريب في ~~المفردات، بل ضحوا كثيرا من أساليب اللغة في سبيل التعبير الحرفي عن المعاني التي ~~نقلوها إلى لغتهم في الفلسفة والعلوم، وهذا التطرف إن كان غير محدد الأثر ولم يفد ~~العربية فائدة كبرى، غير أنه يصح أن يتخذ دليلا على تحرر عقولهم، وعلى استعدادهم ~~لتضحية أساليب اللغة في سبيل تنمية الفهم والمعرفة، والبرهان الأقوى على هذا تلك ~~التراجم التي خرجت من يد حنين بن إسحق، وإسحق ابنه، وحبيش الأعسم، وغيرهم من المترجمين في ~~العصر العباسي؛ تلك التراجم التي ضحت فيها اللغة العربية وأساليبها أي تضحية ابتغاء ~~النقل على أية صورة. # هذا التسامح الكبير كان مضرا باللغة، ولكنه كان مفيدا في تربية نشء اصطبغ بالصبغة ~~اليونانية السريانية، واستطاع بعد قليل تكوين مدارس لها أثرها الخالد على تاريخ ~~الفكر. # أما اليوم فلسنا في حاجة إلى تضحية كثير من أسلوب اللغة على ما أعتقد، والسبب في هذا ~~على ما يخيل إلي، أننا أوقف على أسرار اللغات التي نترجم عنها، من مترجمي العصر العباسي ~~وغيره من العصور؛ ولذا نلاحظ أن اللغة العربية بين أيدينا أطوع في التعبير وأسلس في ~~القياد، لا لأننا أوقف منهم على أسرارها، بل لأننا أوقف على أسرار اللغات التي ننقل ~~منها. # غير أنه ينقصنا شيء واحد توافرت لدى العرب أسبابه؛ ينقصنا في ناحية المراجع العليا ~~التشجيع، وينقصنا في ناحية أنفسنا حبنا للعلم لذاته لا لنتائجه المادية، أما إذا ~~توافرت لدينا الأسباب فإننا نستطيع أن نكون لغة علمية عربية صحيحة، تكفي حاجات العلم ~~الحديث. # ماذا ينقص الشرق؟ # يقولون بأن الشرق تنقصه الأخلاق، ويقولون بأنه ينقصه الإتقان، كما يقولون بأن الشرق ~~في حاجة إلى ms46 إصلاح ذات النفوس على وجه عام. غير أني أرى أننا أحوج ما نكون من هذه ~~الأشياء إلى تشرب روح الفن، وما أقصد بروح الفن دراسته ومعرفة تاريخه، ولا أقصد أن يكون ~~الفن حرفة عند جميع الناس، أو مرتزقا أو مهنة يمتهنونها، بل أقصد بتشرب روح الفن أن ~~يصبح كل إنسان فنانا بميوله المكتسبة. # يجب أن يتعود الشرقيون النظر إلى أعمالهم نظر الفنان إلى فنه، وبذلك يكتسبون روح ~~الإتقان ويحبون العمل، لا لأجل مزاياه المادية أو عوائده المالية، بل يحبونه كفن يجب ~~إتقانه أولا، ولا جرم أن ذلك يعود بكسب مادي مضعف؛ ذلك لأن الناس يحبون الفن، ويحبون ~~الجمال، بغرائزهم، فإذا تسربت روح الفن وروح الجمال إلى المنتوجات والمستحدثات، عاش ~~الفن وازدهر وأصبح الفن قاعدة الحياة. # حاجتنا إلى الشك # الفرق بين الإنسان في عصوره الأولى والعصر الحاضر، من حيث النزعات العقلية، أنه في ~~أزمانه الغابرة كان يحتاج إلى الاعتقاد، أما الآن فإنه يحتاج إلى الشك. # اكتفى الإنسان في عصوره الأولى بأن يعلل الأشياء تعليلات ظاهرية بما أوحى إليه تصوره، ~~أما في العصر الحاضر فإن النقد قد استوى على عرش العقل البشري حاكما بأمره، ولهذا فنحن ~~أحوج الآن إلى الشك منا إلى الاعتقاد. # فكرة وجود خالق # بين النزعة الدينية وفكرة وجود الله رابطة عقلية قوية، فإنه لا يمكن أن تعثر على دين ~~من غير أن تقع فيه على فكرة وجود خالق، ولقد دارت المعركة قديما بين العلم واللاهوت، ~~وما نقصد به سوى المذاهب الدينية التي أصبحت في نظر أربابها مقدسة، كمتون الدين ~~الأصلية. أما اليوم، فسوف تدور المعركة، كما يقول الأستاذ جوليان هكسلي، حول فكرة وجود ~~خالق أو بالأحرى حول فكرة وجود الله. على أنني لا أدري كيف تدور المعركة حول فكرة وجود ~~الله، وهو ليس في الأذهان أكثر من فرض ضروري تقتضيه الكفايات العقلية في الإنسان، فرض ~~من تلك الفروض التي لا يستطيع العقل أن يحتفظ بألفته وتماسك نواحيه من غير أن يعتقد ~~بصحته اعتقادا إلزاميا، لا اعتقادا إقناعيا. إذن يخلق ms47 بمن يقول بأن المعركة ~~القادمة ستدور بين العلم وبين فكرة وجود الله، أن يقول بأن المعركة ستقوم بين صفتين ~~عقليتين؛ إحداهما تكرهنا على أن نفرض وجود الله فرض ضرورة، والأخرى تحاول التخلص من ذلك ~~الفرض. # التنزيل والوحي والعقل # إذا استطاع الذين يؤيدون الأديان أن يثبتوا صحة التنزيل، انتهت المعركة القائمة بين ~~الدين والعلم بانتصار الدين، على أننا لا نقصد ب «الإثبات» الإثبات النقلي، بل الإثبات ~~العقلي الذي يقره العلم؛ لأنك لا تستطيع أن تقنع العلم إلا ببرهان مستمد من أسلوبه، ~~وقائم على طريقته، أما صحة التنزيل فقائمة على قبول فكرة الوحي، وعندي أن الوحي ~~والتنزيل لم يقم عليهما إلى الآن دليل يصح أن يطمئن إليه العقل. # فساد الأمم وفساد الزعماء # في التاريخ أمثال كثيرة تدلنا على أن أمما برمتها قد فسدت وفنت بموت زعمائها، كما ~~أنك تقع على أمثال كان فساد الأمم فيها عاملا من أكبر العوامل على فساد الزعماء وموتهم ~~أدبيا، ولا جرم أن المثل الثاني أكثر انطباقا على أمم الشرق في حالتها الحاضرة من ~~المثل الأول. # طرفا الفن # أعتقد أن للفن طرفين، أحدهما بالغ منتهى الجمال، والآخر بالغ منتهى القبح، فالفنان ~~الذي يخرج لك من ريشته أو أزميله صورة أو تمثالا، يبهجك جماله، أو المغني الذي يلقي ~~على سمعك مقطوعة تطير بك إلى عالم الأثير، لا يفضل عندي فنانا يخرج لك صورة تمثل منتهى ~~البشاعة والقبح. أليست قدرة الأول على تصوير الجمال، تناظرها قدرة الثاني على تصوير ~~القبح؟ وإذا كانت الملاحة محبوبة عند الناس والقبح مبغوضا، فذلك راجع إلى الميول ~~البشرية، لا إلى الفن من حيث هو قدرة على تصوير مختلف صور الحياة. # ميل الجماهير للمستبدين # يظهر أن في الجماهير ميلا شديدا وحنوا على الذين يحتقرونها بأعمالهم دون أقوالهم، ~~ويظهر أيضا أن الجماهير من عباد القوة دون غيرها. ظاهرة يمكن الاستدلال عليها في كثير ~~من ظروف الحالات التي تقع تحت أعيننا في كل يوم، بل وفي كل آونة. # مستبد يقوم في أمة من الأمم فيقتل حرياتها قتلا، ويستولي ms48 على الزمام من أمورها عنوة ~~وغصبا، ويهدر كل يوم من أبنائها دماء ربما كانت أزكى من دمه، ويعقل منهم عقولا ربما ~~كانت أرجح من عقله، ثم يغويها بكلمات جوفاء ك «الماضي المجيد الذي تعمل على إحيائه»، ~~و«التراث العظيم الذي تعمل على بعث رفاته»، و«ستحاربون منتصرين بعد خمس سنوات فتزلزلون ~~الأرض وتحميكم أرواح الأجداد»، و«الإمبراطورية العظيمة تنتظركم فوق الأرض وملكوت الله في ~~السماء»؛ فلا تلبث الجماهير أن تنقاد متحمسة للذل، متفانية في العبودية، مستميتة في حب ~~الخضوع والاستكانة. # وصحفي يحاول أن يستغل غفلة الجمهور فيقدم له على صفحة لا أكثر، من ورق لامع وصور ~~متقنة، من فاتنات يرقصن عاريات، أو فتيان يغازلن فتيات في عهر وغواية، أو رواية وقائع ~~لا تروى إلا بين أهل الدعارة، وكلمات يفزع منها كل إنسان عرف قيمة نفسه، فيندفع الجمهور ~~المحتقر في نظر هذه الصحف، الممتهن في عقليته ومستوى آدابه، المتهم في مقدار حكمه على ~~الأشياء؛ وراء هذه الصحف يعضدها لا بإعجابه ولا بمديحه، بل بماله. صحف تعيش على استغلال ~~أحط الصفات البشرية، وتقرض بالربا الفاحش غواية تلقاء ضلالة من الجماهير، لهي صحف تتهم ~~عقلية قرائها بالفساد، وتنشر علنا وتحت حماية من القانون صورا خلقية لم تفكر الحكومات ~~بعد في صيانة الجماهير من أدوائها العديدة. # وإني لأعجب كيف أن حكومة كالحكومة المصرية هيأت قواها بمثل هذه الحملة المبرورة ضد ~~السموم البيضاء التي لا تصيب إلا أفرادا، ولا تقتل إلا مناكيد المجتمع ممن قضى عليهم ~~ضعف العزيمة وفقدوا الشجاعة، تجيز نشر صحف تنفث سمومها لا في الأفراد بل في المجموع، ~~وتعيث فسادا في الأرض وتقيم سدا في وجه المصلحين الذين يحاولون رفع المستوى الأدبي ~~والعلمي، أين منه سد الإسكندر، كلا بل سد يأجوج ومأجوج! # عصر النقد # في الأدب الحديث جانب من النقص لم أعرف حتى الآن كيف يمكن إصلاحه، فإني لم أتبين من ~~منازع الأدباء حتى اليوم أن هنالك بادرة ترمي إلى القضاء على هذا النقص. # أعرف من الأدب في أول ما أعرف منه أنه طريقة في ms49 الوضع تقابلها طريقة في النقد. أما ~~طريق الوضع فقد قطعنا فيه شوطا لا بأس فيه على وجه الإجمال، وأما طريق النقد فذلك هو ~~النقص الذي لا نزال نحسه في الأدب الحديث، هذا في عصر يقول فيه «كانت»: ~~«يمكن أن نصف هذا العصر بأنه عصر النقد؛ النقد الذي اضطر كل شيء إلى الخضوع ~~له. فالدين على عرش القداسة، والقانون على عرش العظمة، قد حاول كلاهما مرات أن ~~يفلت من الخضوع لهذه الضرورة، غير أنهما بما حاولا في هذا الشأن قد أقاما في ~~الأذهان شكا فيما يعضدهما من الأسس والقواعد، كما أنهما عدما بهذا كل ما حبا ~~العقل غيرهما به من الأشياء التي أثبتت قدرتها على الثبات أمام النقد ~~الحر.» # أخرجت منذ مدة كتيبا في مقارنات تاريخية تقليدية سميته «قصة الطوفان وتطورها في ثلاث ~~مدنيات قديمة: هي الآشورية البابلية والعبرانية والمسيحية، وانتقالها باللقاح إلى ~~المدنية الإسلامية»، وأرسلت منها هدايا للصحف والمجلات التي خيل إلي أنها تقدر الاطلاع ~~على مثل هذه البحوث، فكانت الباكورة أني اطلعت في إحدى مجلات العراق على نقد جاء فيه: ~~«إسماعيل مظهر مغرم بكل ما يخالف معتقد الأقوام الذين يعيش في وسطهم، وقد يصيب ~~في بعض الأحيان فيما ينكره عليهم (الحمد لله)، لكن في أغلب الأحايين يخطئ ~~الهدف.» # ثم قال الكاتب: «وأول ما يشاهد في مطبوعات دار العصر أغلاط الطبع، فإنها تسبق جميع ~~المطابع في هذا الميدان.» ثم قال: «ونراه كثيرا ما يجعل بجانب الكلمة الاصطلاحية ~~العربية الكلمة الإفرنجية، في حين لا حاجة إلى ذكرها لشيوع معرفتها عند الجميع، مثل ~~الدين والفلسفة والتأمل والعلم إلى نحوها.» ثم قال: «وكثيرا ما يخطئ الكاتب في معرفة ~~الألفاظ العربية الاصطلاحية، فإنه ذكر في ص15: أنثروبومورفزم، أي الفكرة القائلة بتزويد ~~الله شيئا من الخصائص الإنسانية. والمعروف عند السلف (رضي الله عنهم) بهذا المعنى مذهب ~~المشبهة أو التشبيه. وسمى الفلسفة الحسية بالفلسفة الإثباتية، وكيف جاز له أن يسميها ~~إثباتية والحس أساسها، والحس كثير الانخداع كما هو مقرر في علم الطبيعيات.» إلى غير ~~ذلك، ثم ms50 ذكر أني أخطأت في تعريب أسماء أعرف أنه لا يصيب في تعريبها الآمن درس اللغات ~~القديمة، وعلى الأخص الآشورية والكلدانية. # وإني لا أريد أن أناقشه فيما ذهب إليه، وعلى الأخص لدى اعتراضه على اصطلاحي «ذاتي» ~~و«موضوعي»، اللذين أراد ترجمتهما بالذهني والغرضي على ما قال السلف، مع أن المقصود منهما ~~في الفلسفة الحديثة بعيد عما ذهب إليه هذا السلف. ولا أريد أن أنبهه إلى أني ترجمت ~~اصطلاح أنثروبومورفزم ب «الناسوتية»، وأني أول من ذهبت هذا المذهب في ترجمتها وأغفل ~~مناقشتي فيها. ولا أريد أقول له إن ترجمة فلسفة كونت Positive Philosophe # بالحسية خطأ محض وداهية دهياء على الفلسفة وأهلها. ولا ~~أريد أن أقول له إني جريت في ترجمتها بالإثباتية على قول السلف؛ إذ كانوا يقولون فلان ~~جبري وفلان إثباتي أو مثبت. ولا أريد أن أنبهه إلى أن الفلسفة الإثباتية لا تقوم على ~~الحس وحده، بل تعتمد بديا كما تعتمد كل العلوم على «تصور» صحيح يثبته الحس بالتجربة ~~أو المشاهدة. ولا أريد أن أوجه نظره إلى أنه اتهم أكثر من صحيفة ومطبعة بالأخطاء ~~المطبعية، فقال في جريدة «البلاد» التي يصدرها في بغداد الأديب الفذ «روفائيل بطي» أن ~~أغلاط الطبع تتدفق فيها تدفق السيل العرم. لا أريد أن أنبهه إلى شيء من هذا، بل أريد أن ~~أسائله - بعد أن أسلم جدلا بكل نقوده هذه - أين الموضوع يا أستاذ؟ كل ما قلت صحيح! ~~ولكن ما رأيك في مقدمة الكتاب وفي الموضوع نفسه. ذلك الموضوع الذي لم نرم فيه إلى تعريب ~~الألفاظ ولا ترجمة المصطلحات، بل إلى مرمى يعرف الكاتب أنه مهزوم إن ناقشه. # هذا ما ينقصنا في الأدب الجديد؛ طريقة للنقد نتحرر بها من التقاليد ومن التغرض. وقد ~~يسائلنا البعض: أين التغرض الذي ظهرت عليه مجلة لغة العرب التي ساقت هذا النقد؟ فنقول ~~له: ارجع إلى الصفحة المقابلة لهذا النقد، والتي نشر في رأسها نقد جريدة البلاد «الحرة ~~الفكر» لترى في نهايتها ما يأتي: # الفردوس - مجلة دينية أدبية تاريخية شهرية وسنتها عشرة أشهر، يصدرها ms51 القس منسي يوحنا ~~راعي الكنيسة القبطية بملوي - ورد الجزء الأول بحجم الثمن الصغير وفيه 16ص، والمجلة ~~مفيدة لمن يريد إصلاح الأمة من وجهة الدين، وهي الوجهة الحقيقية التي لا يستغني عنها ~~امرؤ يبغي الفلاح لنفسه ولغيره. # سائل محرر «لغة العرب»: ألم يخطئ راعي الكنيسة القبطية بملوي؟ ألم تعثر في مجلته على ~~غلطة مطبعية؟ كلا بالضرورة، وألف كلا. ~~••• # يروى عن أمية بن أبي الصلت أنه قال في شأن وقعة الفيل يذكر الحنيفية دين ~~إبراهيم: # إن آيات ربنا باقيات # ما يماري فيهن إلا الكفور # خلق الليل والنهار فكل # مستبين حسابه مقدور # ثم يجلو النهار رب كريم # بمهاة شعاعها منشور # حبس الفيل بالمغمس حتى # ظل يحبو كأنه معقور # 2 # لازما حلقة الجران كما قط # ر من صخر كبكب محدور # حوله من ملوك كندة أبطا # ل ملاويث في الحروب صقور # خلفوه ثم ابذعروا جميعا # كلهم عظم ساقه مكسور # كل دين يوم القيامة عند الله # إلا دين الحنيفة زور # وقال في خراب سدوم وقصة لوط: # ثم لوط أخو سدوم أتاها # إذ أتاها برشدها وهداها # راودوه عن ضيفه ثم قالوا: # قد نهيناك أن تقيم قراها # عرض الشيخ عند ذاك بنات # كظباء بأجرع ترعاها # غضب القوم عند ذاك وقالوا: # أيها الشيخ خطبة نأباها # أجمع القوم أمرهم وعجوز # خيب الله سعيها ورجاها # أرسل الله عند ذاك عذابا # جعل الأرض سفلها أعلاها # ورماها بحاصب ثم طين # ذي حروف مسوم إذ رماها # وقال يذكر قصة تضحية إبراهيم لابنه إسحق: # ولإبراهيم الموفي بالنذ # ر احتسابا وحامل الأجزال # بكره لم يكن ليصبر عنه # أو يراه في معشر أقيال # أي بني إني نذرتك لله # شحيطا فاصبر فدى لك حالي # واشدد الصفد لا أحيد عن السك # ين حيد الأسير ذي الأغلال # وله مدية تخايل في اللح # م جذام حنية كالهلال # بينما يخلع السرابيل عنه # فكه ربه بكبش جلال # فخذن ذا فأرسل ابنك إني # للذي قد فعلتما غير قال # والد يتقي وآخر مولو # د فطار منه بسمع فعال # ربما تجزع النفوس من الأم # ر له ms52 فرجة كحل العقال # ولشعراء النصرانية كثير من مثل هذا الشعر الذي يصوغون فيه روايات دينية في أحسن حلة. ~~وغالب الظن أن هذا الموضوع لم يطرق في نقد الشعر العربي من قبل، فلو توفر عليه أديب ~~ومضى في مقارنات يستخلص منها معتقد هؤلاء الشعراء، وهم الذين مثلوا حركة الثقافة ~~بنواحيها في عصورهم، كان لنا مجال جديد في البحث الأدبي له فوائده كما أن له ~~جماله. # ويروى على ذكر أمية بن أبي الصلت أنه عندما مرض مرضه الذي مات فيه، جعل يقول: قد دنا ~~أجلي وهذه المرضة منيتي، وأنا أعلم أن الحنيفية (دين إبراهيم) حق ولكن الشك يداخلني في ~~محمد. ولما دنت وفاته أغمي عليه قليلا ثم أفاق وهو يقول: # لبيكما لبيكما # ها أنا ذا لديكما # لا مال يفديني، ولا عشيرة تنجيني. ثم أغمي عليه أيضا بعد ساعة حتى ظن من حضره من ~~أهله أنه قد قضى. ثم أفاق وهو يقول: # لبيكما لبيكما # ها أنا ذا لديكما # لا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر. ثم إنه بقي يحدث من عنده ساعة، ثم أغمي عليه مثل ~~المرتين الأوليين حتى يئسوا من حياته، ثم أفاق وهو يقول: # لبيكما لبيكما # ها أنا ذا لديكما # محفوف بالنعم # إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك لا ألما # ثم أقبل على القوم فقال: قد جاء وقتي فكونوا في أهبتي. وحدثهم قليلا حتى يئسوا من ~~مرضه، وأنشد يقول: # كل عيش وإن تطاول دهرا # منتهى أمره إلى أن يزولا # ليتني كنت قبل ما قد بدا لي # في رءوس الجبال أرعى الوعولا # فاجعل الموت نصب عينك واحذر # غولة الدهر إن للدهر غولا # الشعر والمادة # إن بين كثير من الأمور النفسية والعاطفية، وبين كثير من الماديات، تقابلا حتى يخيل ~~إليك أن الأشياء النفسية والعاطفية كأنها ماديات تحولت أشياء معنوية، أو كأن الماديات ~~أشياء معنوية استحالت جمادات. # من ذلك أن بين الشعر والمادة تطابقا من حيث إن لكل منهما «ماهية» لم يتوصل العلماء ~~إلى معرفتها في المادة، ولم يتوصل الأدباء والنقاد إلى معرفتها ms53 في الشعر. فإذا قيل ~~مثلا، إن الأشياء الظاهرة في المادة إنما هي أعراض ينبغي أن يحملها جوهر فيه تكمن ~~الماهية، فكذلك يستطاع أن يقال في الشعر إن كل الصفات التي يقول الأدباء والنقاد إن من ~~الواجب أن تتوفر في الشعر حتى يحكم عليه بأنه جيد، إنما هي أعراض يحملها جوهر فيه تكمن ~~ماهية الشعر. # فإذا كان اللون والحجم والوزن والطول والعرض والثقل وما إلى ذلك، جميعها أعراضا ينبغي ~~لكي تظهر لحواسنا أن تكون محمولة في جوهر ذي ماهية خاصة، وإذا كان الوزن والقافية ~~واللفظ والصناعة والمعنى والخيال وما إلى ذلك، جميعها أعراضا يحملها جوهر، فما تلك إلا ~~تعبيرات عنه ودلالات عليه، إذن فأين المادة وأين الشعر؟ # أليس في مثل هذا التقابل بين الماديات والعاطفيات النفسية مواضع للتأمل ومواطن ~~للاستبصار؟ # شاعرية الألفاظ # ما أقوى العلاقة القائمة بين الشعر وبين الحالات النفسية! وعندي أن التأثر النفسي ~~بالشعر أقوى الأسباب التي تدعونا إلى نقد الشعر؛ ذلك بأن المعايير النقدية التي يخضع ~~الشعر لسلطانها، على اختلافها وتباينها، تتضاءل جميعا إذا قيست بالمعيار النفسي. على ~~أن للمعيار النفسي في نقد الشعر عوامل كثيرة، منها الموسيقى المستمدة من القافية ~~والروي، ومنها قوة الخيال، ومنها الاتجاه الذي يتوجه فيه الشعر ... إلى غير ذلك، وجميعها ~~عوامل تؤثر في المعيار النفسي في نقد الشعر. غير أن أقوى هذه العوامل تأثيرا معيار ~~النقد النفسي للشعر، إنما ينحصر في شاعرية الألفاظ. # فقد نسمع من كثير من النقاد أن هذا الشاعر بارد الأنفاس، وأن ذاك غير ماهر في اختيار ~~الألفاظ، من غير أن نحدد المعنى المقصود من أمثال تينك العبارتين تحديدا يرضاه المنطق ~~وتقره طبيعة العقل؛ إذ هي ترمي دائما إلى تحديد معنى لكل لفظ مفرد، وإلى تحديد معنى ~~لكل عبارة تكونت من ألفاظ. فإذا أردنا أن نحدد ما يعصر من عبارات تجري بها في العادة ~~أقلام النقاد والكتاب، وجب أن نرجع بها إلى أصولها النفسية، حتى نستطيع أن نفسرها ~~تفسيرا منطقيا يقبله العقل وتقره ما فينا من طبيعة الميل إلى تحديد ms54 كل المعاني التي ~~نتخذ الألفاظ والعبارات وسيلة إلى التعبير بها. # والواقع أننا نقول إن شاعرا بارد الأنفاس، وإن آخر غير ماهر في اختيار الألفاظ، إنما ~~نعبر بهذا عن حقائق نفسية، تنزل من أنفسنا منزلة أبعد الأشياء اندساسا في أغوار ~~الفطرة؛ فقد نعلم أن من الحقائق النفسية ما دعاه النفسيون: «تداعي الأفكار». فإن اللفظ ~~الجميل المعنى يدعو إلى الفكر دائما كل المعاني الجميلة التي تلابسه أو تقاربه، ولفظا ~~قبيحا أو محزنا يدعو إلى الفكر كل المعاني التي تدانيه أو تمت إليه بسبب من الأسباب. ~~مثل ذلك إذا قلت «الشاطئ المخضوضر»، دعت هذه العبارة إلى ذهنك كل المعاني الجميلة التي ~~تلابسها؛ فالنهر المنساب، والماء الصافي، والظل الوارف، وصوادح الطير، والرضا النفسي، ~~والأخذة الروحية؛ كل هذه المعاني تؤاتيك غير مختارة لمجرد أن العبارة الأولى قد حملها ~~وعيك، فدعا معها جميع المعاني التي ترتبط بها، وجميع الملابسات المرحة الجميلة التي تلازم ~~الشاطئ المخضوضر. وإذا قلت «القبر الصامت»، أو «الصحراء المجدبة»، دعت هذه العبارة ~~إلى وعيك جميع المعاني المحزنة التي تلابس القبر والصحراء المحزونة الصماء. # هذه الحقيقة لها في نقد الشعر أعظم الأثر، فإن لفظا جميل المعنى حسن الملابسات يدعو ~~إلى الذهن شتى المعاني الأخاذة الجذابة، إن ورد في سياق الشعر أحدث في النفس شعورا ~~بالرضى والجمال، وزاد إلى موسيقى الشعر القائمة على جمال الوزن والقافية، موسيقى نفسية ~~تزيد الشعر تأثيرا في النفس، وتفتق الخيال، فيشرف الوعي من خلال ذلك اللفظ على آفاق من ~~الجمال اللامتناهي تزيد من قيمة الشعر بقدر ما يكون لألفاظه من أثر في استدعاء ألوان ~~الجمال أو التأمل أو العظة أو الحكمة ... إلى غير ذلك. وعكس هذا تماما ما يحدثه لفظ رديء ~~الملابسات فاسد المعنى. وهذا ولا شك ما يقصد النقاد إذ يقولون بأن الألفاظ شاعرية، على ~~أن شاعرية الألفاظ إنما يحددها دائما استعمال اللفظ من حيث ينبغي أن يستعمل، فيكون ~~مطابقا تماما لمقتضى الحال. # الشرق والثورة # حدثني صديق ممن تجمعني به ذكريات عزيزة؛ ذكريات الثورة المصرية (1919)، عندما كانت ~~أنفاسنا حارة ms55 كاللهب المضطرم، وكانت أرواحنا مشبوبة كاللظى المتأجج؛ لهيب الشباب ولظى ~~الفتوة. لم يكن عهد الكهولة قد أصاب شيئا من تأملنا أو حفزنا بعد إلى اللجوء إلى قواعد ~~المرجحات العقلية التي هي عندنا اليوم أشبه شيء بقانون المرجحات الرياضية؛ فإما أن ~~نرضاها، وإما أن نعتقد أننا على غير صواب، وأننا إلى الشطط أقرب. حدثني ذلك الصديق عن ~~الشباب وعن أيام الجهاد المستمر والسعي المتجدد في سبيل إذكاء روح الثورة في نفس ~~الجماهير، وذكرني بما كان لنا من مواقف نعجب الآن كيف خرجنا منها وفينا نفس يردد أو ~~عرق ينبض. كيف لم يحصدنا الرصاص؟ وكيف لم تسل أنفسنا على شفرات السيوف؟ كيف هزأنا ~~بالموت غير مقدرين أن الموت كان أقرب إلينا من حبل الوريد أشهرا طوالا بل أعواما؟ ~~وكيف خلصنا من جميع هذا بأرواحنا سليمة وجسومنا لم يصبها كلم واحد؟ # قلت له في خلال الحديث: ما أشهى تلك الأيام! فإن للمخاطرة بالروح جمالا لا يدركه ~~الإنسان إلا بعد أن يفوز بالسلامة. ذلك جمال أشبه بجمال الفقر الذي لا يدركه الإنسان ~~إلا بعد أن يلوذ بالغنى. ولعل الأمر على عكس ما يخيل إلينا، ولعل الواقع أن المخاطرة ~~والنقد ليس فيهما من جمال، وأن ما نستشعر من جمال منهما بعد الفرار من آصارهما قد يكون ~~جمال الذكريات الماضيات؛ إذ تحيي في النفس جزءا من ماضيها، وتطبعها بطابع قديم كاد يبلى ~~على الأيام. # قلت لصديقي: من لنا بمثل تلك الأيام؟ # قال الصديق: نعم، نحن في احتياج إلى ثورة؛ إلى ثورة طاحنة تمضي بكل ما يقف في طريقها، ~~وتأتي على كل ما يقاومها، ثورة شيطانية لا عقل لها، ثورة مبرأة من الرشاد والحب والنهى؛ ~~ثورة طائشة مجتاحة تأكل الحرث والنسل، ولكنها ثورة لا تنال من الجسوم ولا من الحطام؛ ~~ثورة لا شأن لها بنظام قائم ولا بحكومة ولا بجيش ولا بأسطول، ثورة منزهة عن السيف ~~والمدفع وعن المدية والخنجر؛ ثورة لا يقوم بها جمهور من الناس ولا جماعات منهم، بل ثورة ~~فردية يشنها كل فرد منا ms56 على نفسه؛ ثورة نفسية يتسلح فيها كل فرد منا بالإرادة ويروح ~~يهدم من أخلاقه ومن ميوله ومن نزعاته التي كونها فينا تاريخنا القديم؛ ثورة تقتل فيها ~~الإرادة حبنا للسلامة وتواكلنا على الأقدار وصمتنا عن الحق والحق مهضوم مأكول، كأنما قد ~~أصبحنا جميعا شياطين خرسا، والساكت عن الحق شيطان أخرس؛ ثورة تحطم مثلنا الأخلاقية ~~القديمة، لتتبدل بها مثلا عليا من تلك المثل التي قادت أوائلنا بجيوشهم ومدنيتهم ~~وعلومهم من شاطئ بحر الظلمات إلى جوف الصين. # وكان صديقي يتكلم متهدج الصوت منفعل النفس ثائر الوجدان. فلما فرغ من حديثه، شملنا ~~صوت عميق ظل يسود مجلسنا حتى افترقنا لم يجر لساننا بكلمة واحدة. # في سبيل العلم # في سبيل العلم ما احتمل غليليو، فقد قال إن الأرض هي التي تدور حول الشمس، على الضد ~~من العقيدة اللاهوتية التي اعتنقتها الكنيسة الرومانية. لما هم رؤساء الكنيسة باتهام ~~غليليو، كان مؤلفه قد ذاع في أنحاء أوروبا، فزاد ذلك من غضبهم عليه وتبرمهم منه، وكان ~~على رأس الكنيسة «أريان الثامن»، ولم يكن بابا لا غير، بل كان أميرا من بيت «بربريني»، ~~فأخذته العزة بالإثم، وأمر بأن يمنح غليليو وكتابه هبة منه لمحكمة التفتيش. # وعبثا حاول «كاستلي» البنديكتي أن يقنع رجال الكنيسة بأن غليليو يحترم الكنيسة ولا ~~يهزأ بمبادئها، بل ضاعت كل جهوده سدى في سبيل أن يثبت لرجال الدين إذ ذاك «أنه ما من ~~شيء يمكن عمله، من شأنه أن يمنع الأرض من الدوران.» ولكنه طرد ونفي مغضوبا عليه ~~مقصيا به عن الكنيسة، وقسر غليليو على أن يقف أمام تلك المحكمة الرهيبة واحدا فردا ~~بلا مدافع أو نصير؛ وهنالك عذب مرارا حتى اضطر إلى أن يعلن جاثيا على ركبتيه ~~الاعتراف الآتي: ~~«أنا غليليو، في السبعين من عمري، سجين جاث على ركبتي، وبحضور فخامتك، وأمامي ~~الكتاب المقدس الذي ألمسه الآن بيدي، أعلن أني لا أشايع، بل ألعن وأحتقر، خطأ ~~القول وهرطقة الاعتقاد بأن الأرض تدور.» # 3 # إنه ولا شك قد غلب على أمره؛ لأنه قسر على أن يظهر ms57 أمام كل الأجيال القادمة بمظهر ~~الحانث بعلمه المضحي بعقله ويقينه. ومن أجل أن يتم انتصار الكنيسة عليه، وأن يؤدي بكل ~~ما بقي له من شرف النفس، اضطر برغم منه أن يقسم بأن يفضي إلى محكمة التفتيش بأمر كل رجل ~~من رجال العلم، يقول بهرطقة القول بدوران الأرض. # ولقد أثار قسم غليليو هذا عجب الكثير من أهل زمانه ومن المؤرخين، حتى إن ذلك كان ~~سببا في أن ينكر عليه بعض أبناء عصره نعت «الشهيد»، غير أن هؤلاء لم يقدروا ظروف الرجل ~~قدرها؛ فلقد كان شيخا كبيرا عمر إلى السبعين من السنين المثقلة بالهموم والأحزان، ~~وحطمته آمال الدنيا ومخاوفها وهدمته متاعبها وواجباتها. وكم سعى متلهفا من فلورنسا إلى ~~روما مكبا على وجهه ونصب عينيه تهديدات البابا بأنه إذا تأخر عن القدوم «أخذ في ~~الأغلال». وكان فوق ذلك مريض الجسم منهوك العقل، سلم إلى أعدائه بيد الذين كان من ~~الواجب أن يحموه. ولم يكد يبلغ روما حتى احتوته غرف التعذيب وانصبت عليه الآلام ~~ألوانا. ولقد كان يعرف جيدا ما هي محكمة التفتيش، وكان يلوح له شبح «جيوردانو برونو» # 4 # بين اللهيب ماثلا أمامه كأنما ذلك كان بالأمس الفارط، وفي نفس تلك المدينة ~~ومن أجل «هرطقة» العلم والفلسفة. وكان يتذكر أنه من قبل ثمانية أعوام أحيط برئيس أساقفة ~~«اسبالاترو» وسلم إلى محكمة التفتيش متهما بهرطقة العلم، وبقي بين براثنها إلى أن مات ~~في غيابات السجن، وأن جثته أحرقت بعد الموت مع ما كتب بمرأى من «المؤمنين». # ولقد استمر اضطهاد غليليو كل أيام حياته، بل بعد مماته. لقد بقي في المنفى بعيدا عن ~~أسرته، بعيدا عن أصدقائه، مقصيا عن صناعته النبيلة. وقسر على أن يظل خاضعا لعهده ~~بألا يتكلم في نظريته. ولما أن توسل إلى أعدائه، وهو بعد يعاني آلام المرض وأعظم تباريح ~~السقام، مقرونة بأقسى الآلام النفسية التي سببتها الكوارث التي نزلت بأسرته، طالبا أن ~~يمنح من الحرية بعض الشيء؛ كان التهديد بإلقائه في غيابات السجن الجواب على ملتمسه ~~الصغير. ولما أن قررت لجنة ms58 خاصة عينتها السلطات الكنيسية بأنه أصبح أعمى لا يبصر، وأنه ~~ذهب ضحية المرض والحزن، منح بعض الحرية ولكن بحدود جعلت تلك الحرية استعبادا. # ولقد أجبر على أن يواجه هجمات أعدائه على ذاته وعلى نظريته هجمات الازدراء والسخرية ~~والتضليل، من غير أن ينبس ببنت شفة أو يحرك بالرد لسانا. ورأى الذين محضوه الصداقة ~~والحب والاحترام، ينزل بهم العقاب الصارم والظلم الفادح؛ فنفي «كاستلي»، ورأى «ريكاردي» ~~رئيس البلاط المقدس و«شيامبولي» سكرتير البابا يبعدهما «أريان الثامن» عن وظيفتيهما ~~محقرين، ورأى عضو محكمة التفتيش في فلورنسا يوبخ أقذع توبيخ لأنه أمر بطبع كتابه، ~~وعاش ليرى الحقائق التي استكشفها تكتسح من الطلبات الكنسية ومن كل جامعات أوروبا، بل ~~ليرى عضو محكمة التفتيش يأمر بأن يستبدل كل نعت طيب يردد به ذكره في أي كتاب يراد طبعه، ~~بأخبث النعوت وأحط الذكريات. # ومات غليليو، فطلب إلى رجال الكنيسة أن يدفن في مقابر أسرته في «سانتا كروتش»، ~~فأبوا. وأراد أصدقاؤه أن يقيموا فوق قبره أثرا تذكاريا فلم يسمح لهم. وقال البابا ~~«أريان الثامن» ل «نيكولتي»، وهو السفير الذي كلف بأن يعرض بعض المطالب الخاصة بغليليو ~~الميت عليه، ما يأتي: ~~«إنه لأسوأ مثل يعطى للناس أن نسمح بتكريم رجل وقف من قبل أمام محكمة التفتيش ~~الرومانية؛ لأنه روج فكرة مثل فكرته المملوءة بالخطأ والكفران. ولم يقصرها على ~~نفسه، بل أقنع بها غيره، فأحدث بذلك أعظم فضيحة عانت أمرها النصرانية.» # ونفذت إرادة البابا ورجال محكمة التفتيش، فدفن غليليو من غير تكريم بعيدا عن أسرته، ~~ومن غير تأدية أي واجب ديني، ومن غير أن يقام على قبره نصب أو تأريخ يشير إلى العظمة ~~المخبوءة في ذلك الرمس الذي ضم رفاته. # ومضى على ذلك أربعون عاما جرؤ بعدها «بيروزي» أن ينقش على قبره تاريخا يشير إلى حيث ~~دفنت تلك العظام النبيلة. وبعد مائة سنة استطاع «نيلي» أن ينقل رفاته إلى مسقط رأسه ~~ليضعها في مكان لائق بها، وأقام عليها نصبا. وكانت النار ما تزال مستعرة والعداء ~~مستحكما، فقد طلب إلى رجال محكمة ms59 التفتيش أن يحولوا دون هذا التكريم «لرجل اتهم بمثل ~~ما اتهم به غليليو من السيئات والخطيئات.» ولهذا رفضت السلطات الكنسية أن يكتب على قبره ~~الجديد أي تذكار ما لم يعرض نصه على هيئتهم المختصة بمراقبة المطبوعات. # فيا له من علم! ويا لها من حياة! # كيف أفكر؟ # هل علمتني تلك الكتب التي حبرت خلال الألفين الفارطين من السنين شيئا؟ قد تشب في ~~نفوسنا بعض الأحيان رغبة في أن نعرف كيف نفكر، وقلما تقوم في أنفسنا رغبة في أن نعرف ~~كيف نهضم أو كيف نمشي. لقد تساءلت ما هو عقلي؟ والحق أنه سؤال كثيرا ما أربكني. # لقد حاولت أن أكشف بقوة عقلي ما إذا كانت المصادر التي تجعلني أهضم وأمشي، هي بنفسها ~~المصادر التي تجعلني أتقبل الفكرات. ولم أستطع أن أدرك كيف وإلى أين تذهب تلك الفكرات ~~عندما يعضني الجوع بنابه السام، وكيف تعود وتتجدد بعد أن أسد نهمة الجوع بالأكل. # استبنت فارقا كبيرا شاسعا بين الفكر والاغتذاء، بغيره لا أستطيع التفكير، حتى لقد ~~اعتقدت أن في كياني مادة تفكر وأخرى تهضم. ومع هذا، وبالرغم من أني رضيت نفسي دائما على ~~الاعتقاد بأن في وجودي شيئين، فإني من الوجهة المادية أشعر شعورا صادقا بأنني شيء ~~واحد. على أن هذا التناقض يؤلمني ويؤذيني. # سألت بعضهم، وكانوا من أولئك الذين يفلحون الأرض، أمنا العظمى، عما إذا كان كل منهم ~~شيئين، وعما إذا كانوا قد استكشفوا بفلسفتهم الخاصة أن فيهم جوهرا خالدا باقيا، ومع ~~ذلك فهو مؤلف من لا شيء ولا امتداد له، وأنه يؤثر في أعصابهم من غير أن يلمسها، وأن هذا ~~الجوهر قد حل فيهم بعد أن حملت فيهم أمهاتهم بستة أسابيع؟ فظنوا أني أهزل، ومضوا يفلحون ~~الأرض مبتسمين من غير أن يحيروا جوابا. # أمن الضروري أن أعرف؟ # لما أن وجدت أن عددا عظيما من الناس ليس لهم أية فكرة في تلك المشكلات التي ~~تساورني، وهم مع ذلك لا تختلجهم الشكوك فيما يتلقى من المدارس أو من الوجود عامة أو في ~~المادة أو ms60 في الروح ... إلى غير ذلك، ورأيت أنهم يهزءون من رغبتي التي تدفعني إلى معرفة ~~هذه الأشياء واستيعابها، شرعت الريبة تداخلني في ضرورة معرفتها، وتخيلت أن الطبيعة قد ~~أعطت لكل مخلوق نصيبا هو حقه الطبيعي غير زائد ولا منقوص، وإذن تكون تلك الأشياء التي ~~لا نستطيع أن نعرفها، ليست من نصيبنا، ولكن بالرغم من هذا اليأس، فإني لا أقدر على أن ~~أجرد نفسي من الرغبة في أن أتعلم، فإن حب الاستطلاع نزعة سوف تظل غير مكفية في نفسي. # أومن بالثورة # تقضي على الظلم، وتقيم العدل، وتحكم بين الناس بالقسطاس المستقيم. # الثورة التي تولد ولا تستولد. الثورة التي يولدها شعور بالظلم، ولا تستولدها الأغراض ~~التي تختفي من وراء الظواهر الكاذبة. # الثورة التي يجمع عليها الشعب، فتكون للشعب، لا الثورة التي يستنبتها الأفاقون في بعض ~~الأحيان، لتكون مطية إلى غاياتهم الذاتية. ثورة الجماعات بعد أن تختمر في نفسيتها عوامل ~~تقدمية ارتقائية، فتنفك من عقالها محطمة كل العوائق التي تحول دون الانبعاث في سبيل ~~تطور طبيعي، هو في فطرة الجماعات بمثابة الغريزة في فطرة الأفراد. # الثورة الانطلاقية التي تقدس الحريات: حرية الفكر، والقول، والنشر، والعقيدة. # الثورة التي تحطم في طريقها كل قيد من القيود التي يفرضها الطغاة على العقل ~~البشري. # الثورة على الطغيان في كل صوره، وبمختلف أشكاله وأوضاعه. # الثورة على الفوضى لإقرار القانون. # الثورة على الاستبداد لإقرار الحرية. # الثورة على الفساد لمحو الفساد. # الثورة على الخيانة لصيانة الأمن الوطني. # الثورة على الاستغلال والاستدماء لبناء مجتمع صحيح التكوين قوي التماسك. # الثورة على النظم التي توسع الفروق بين الطبقات، وتضعف من ظواهر المشابهات ~~بينها. # الثورة على كل غل من الأغلال التي يكون من شأنها كبت الروح الإنساني. # الثورة على كل الأصفاد التي تشل القانون انتجاعا لمواطن النفع الذاتي. # الثورة على الإنسان إذا طغى على القانون والنظام. # الثورة على الشر انتصارا للخير والصلاح. # الثورة على الرذائل الفردية والاجتماعية، إقمدين لإنجلترا بالكثير من تكوينيامة لفضائل الأخلاق. ~~••• # أومن بالثورة لأنها من طبائع الأشياء؛ ذلك بأن للفرد طبيعة وللجماعة ms61 أخرى، وكلتاهما ~~عبارة عن ثورة قائمة. فالفرد إذا لم يثر على نزعاته السفلى، فلا يعرف المثل العليا. ~~إذا لم يثر على الشر، فلا يعرف الخير. إذا لم يثر على الطلاح، فلا يعرف الصلاح. إذا لم ~~يثر على العنف، لما استهدى بنور العقل. إذا لم يثر على الحمق، لما عرف الحكمة. إذا لم ~~يثر على الأوثان، لما عرف الله. # والجماعة إذا لم تثر على الظالمين، لما استقر لها حق في الحياة، ولا في الحرية. وإذا ~~لم تثر على القتلة والسفاحين والخونة وأهل الفساد، لارتدت إلى الحياة الحيوانية؛ حياة ~~الغابة. # والثورة فوق ذلك تكاد تكون فطرة؛ فالتطلع في النفس ثورة على الاستكانة، والأمل ثورة ~~على اليأس، ونشوات السعادة ثورة على البؤس، والعلم ثورة على الجهل، والحب ثورة على ~~البغض والكراهية. # فإذا قلبت جميع مظاهر الإنسان، رأيت أن حياته ثورة قائمة لا تهدأ ولا تنام. ومع أن ~~هذه الظواهر الحيوية بينة بذاتها، سافرة غير مقنعة، تعمى عنها أعين الظالمين. فعسى أن ~~يتعظ الظالمون. # ما هي الثورة؟ # هي الخروج على نظام فاسد لإقرار نظام صالح. هي تعبير عن الأحاسيس التي تتجمع في نفوس ~~الأفراد، فإذا اختمرت كان لها صفة الإجماع، فتتبدل من ثورة مكبوتة، أو ثورة كامنة في ~~نفس الفرد، إلى ثورة سافرة تتجلى في تصرف الجماعة. # ما أسباب الثورة؟ # هي تجمع الأحاسيس، وتطور النزعات، في نفوس الأفراد، فإذا استمكنت هذه الأشياء من حياة ~~الناس، أصبح التعبير عنها عقيدة ثابتة، والتضحية بنت العقيدة؛ وهنا تكون الثورة. # أمنا الأرض # تجري سنة التغير على جميع ما في الأرض من أشياء؛ فلا بقاء ولا استمرار، بل تحول ~~مستمر بطيء، على مدى الآلاف المؤلفة من السنين. # نعم، لقد صدق الفيلسوف هيرقليطس الإغريقي، إذ قال بمبدأ التغير والحركة. # على شواطئ البحار صراع عنيف دائم بين الماء واليابسة، وهذا الصراع لا بد من أن يحدث ~~تغيرا بطيئا من طبيعة الشاطئ. # تخيل أنك زرت شاطئا بحريا يعلو سطح البحر، وقد غشيته الأعشاب. ثم تخيل بعد ذلك أنك ~~زرت هذا الشاطئ عينه ms62 بعد ثلاثين سنة، فلم تجد عشبا ولا أرضا، بل وجدت بركة تسبح فيها ~~الأسماك. # لا شك في أنك تدرك لأول وهلة أن الموج والريح والمد والجزر، كانت من الأسباب التي ~~أحدثت هذه الظاهرة. على أن هذه العوامل الطبيعية قد تحدث أكثر من ذلك؛ إنها قد تأكل ~~الصخر وتفتته، ثم تجذبه إلى الغور البعيد، فلا تلبث الصخرة أن تصبح أرضا مبسوطة، كأن ~~لم يكن عليها تل ولا جبل. # ولا تنتهي عند ذلك قصة ذلك الصراع؛ فإن البحر إنما يأخذ من مكان ليعطي مكانا آخر؛ ~~يأخذ من ناحية من الأرض فضلات متحاتة، ليرسبها في قيعان منه، فلا تلبث أن ترتفع ~~بالترسب حتى يصبح البحر أرضا سواء. # إن كثيرا من السهول تحوي أصدافا؛ فوجودها حيث هي يدل على أن هذه السهول كانت من قبل ~~قيعانا بحرية. # والقول المعروف المنقول عن «هيرودوت»: «إن مصر هبة النيل»؛ قول صحيح من جميع الوجوه؛ ~~فدلتا النيل أرض رسوبية، كانت يوما ما بحرا خضما طمره النيل على مر ملايين من ~~السنين، حتى أصبحت هذه الروضة الغناء التي نعرفها. # والنيل اليوم يزحف بنا في اتجاه أرض إغريقية. # إن البحر ينقل الرمل والحصباء والطباشير والمدر والبقايا المختلفة من الشواطئ، وكذلك ~~قطع الصخور إلى التيارات البحرية، فتنقلها إلى أماكن أخرى تستقر فيها، فيأخذ قاع البحر ~~في الارتفاع، ويقل بذلك عمقه. # وقد يلقي البحر بهذه البقايا ليتألف منها ما يسمى الشواطئ الرملية. كما أنه قد ينقلها ~~مستديرا بها من حول الشاطئ إلى مكان بعيد، حيث تهبط إلى القاع وتستقر. # إن حركة الماء واليابسة هي في الحقيقة حركة هدم وبناء متواصلة. # أليست هذه الصورة بنفسها، هي التي تتكرر في حياة الإنسان؟ هدم وبناء لقدوم ~~الحياة؟! ~~••• # وليس البحر وحده هو الذي يحمل هذا العبء العظيم، فإن للأنهار أثرها في ذلك أيضا؛ ~~فماء النهر يحمل معه من الأرض بقايا ويقذف بها إلى البحر. # ما تحمله الأنهار من بقايا اليابسة، يتوقف قدره وحجمه على قوة انحدار الماء فيها، ~~فإذا كان انحدار الماء ضعيفا، حملت ما صغر ms63 حجمه وخف وزنه، وإذا كان انحداره عظيما ، ~~حملت ما عظم حجمه وثقل وزنه. فإذا ما ترسبت هذه البقايا عند مصاب الأنهار، قل عمق ماء ~~البحر عندها شيئا بعد شيء، وعلى مر آلاف من السنين، يرتد البحر إلى الوراء، وتتقدم ~~اليابسة إلى الأمام حتى يتكون ما نسميه «الدلتا». # فنهر المسيسيبي مثلا يجري في حوض مساحته 1147000 ميل مربع، ويجرف من مجراه إلى البحر ~~ما لا يقل عن 7459267200 قدم مكعب من البقايا، كالتراب والمدر والحصباء. # ونهر «بو» في إيطاليا يجري في حوض مساحته 30000 ميل مربع، ويجرف إلى البحر 1510137000 ~~قدم مكعب من الرواسب. # ونهر «التايمز» ينقل إلى البحر كل سنة 5000000 طن من المواد الرسوبية. وحينما تحل ~~هذه الرواسب، يتكون بحلولها طبقات أو قيعان جديدة، تعلو ثم تعلو. فإذا مرت ملايين ~~السنين، وجد أهل الأرض فيها مراتع خصبة ووديانا وأرزاقا جمة. # وهكذا تجري سنة التغيير على الأرض بفعل العوامل الطبيعية والعناصر. إن الدنيا هدم ~~وبناء، وكذلك الحياة. # جيوردانو برونو في عصر الظلام # فيلسوف إيطالي عاش في عصر النهضة (1548-1600)؛ عاش في غمرة الانقلاب الفكري الذي ~~أحدثه كوبرنيكوس وغليليو ... والثورة الفنية التي خلقت ما خلد من آثار فناني ذلك العصر ~~العجيب. # كان عمره خمسة عشر عاما عندما التحق بالدومينيكيين في نابولي، ويقال إنه ألف كتابا ~~في «سفينة نوح». أما السبب في التحاقه بزمرة دينية، ثم شكوكه التي ساورته في بعض العقائد ~~الأساسية للدين النصراني كعقيدة التجسد، فلا يذكر له المؤرخون سببا، أو يروون وقائع ~~تبين عن حقيقة ذلك الانقلاب المخيف في عقلية إنسان تملكه الإيمان، ثم تملكه ~~الشك. # اتهم «برونو» بالمروق ثم بالكفر، واضطهد وطورد، فهرب من روما حوالي سنة 1576، ومضى ~~يتنقل من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر، ثم استقر في «جنيف» سنة 1579. غير أن الجو ~~الذي عاشت فيه تعاليم «كلفن» لا تعيش فيه تعاليم «برونو»؛ فتلك تعاليم تحددها النصوص ~~والعقائد، وهذه تعاليم أساسها الشك وقوامها الفكر الحر. # هجر «برونو» مدينة جنيف طالبا السلامة لنفسه وفكره، ولاذ بمدينة ليون ms64 بفرنسا. ثم ما ~~لبث أن هبط «تولوز»، ومن ثمة في «مونبلييه»، ثم لجأ إلى «باريس» في سنة 1581. # ما حل بمكان إلا وبشر بالآراء الجديدة، والمستكشفات الحديثة في عصره، سواء أفي الفلسفة ~~كانت أم في العلم. تلك الآراء والمستكشفات التي كانت بداية ثورة عنيفة قامت في عالم ~~الفكر الإنساني. # نهل «برونو» من منهل النهضة، حتى غص فكره، وامتلأت نفسه، وثبتت عقيدته على أن الفكر ~~البشري لا ينتعش في بيئة تغشاها غيوم الفلسفة القائمة على سلطة اللاهوت وتقاليد ~~الكنائس. # تكونت زبدة فكره من آراء «لوكريشيوس» و«الرواقيين» ومذهبهم في وحدة الوجود الطبيعي. ~~وأخذ شيئا عن «أناكساغوراس»، واستمد من الأفلاطونية الجديدة. ولكنه استعمق في دراسة ~~«نيقولاس دي كوزا»، الذي يوصف بأنه فعل في عالم التأمل ما فعل «كوبرنيكوس» في عالم ~~الفلك. ~~••• # لما نزل «باريس» تقبله الملك «هنري الثالث» بقبول حسن، وهيأ له كرسيا لتدريس ~~الفلسفة، على أن يقبل أولا أن يتلقى «الأسرار المقدسة»، فرفض بكل إباء. وبالرغم من هذا ~~سمح له أن يحاضر في الفلسفة، غير أنه لم يلبث على ذلك إلا ريثما يتهيأ للنزوح إلى ~~إنجلترا سنة 1583، حيث أقام عامين تعلم فيهما أمرين: الأول، كيف يمقت جفاف الطبع ~~الإنجليزي؛ والثاني، أن الأساطير تسيطر على جو «أكسفورد»، كما تسيطر على جو ~~«جنيف». # هيأت له جامعة «أكسفورد» ندوة يحاور فيها بعض رجال العلم في مذهب «كوبرنيكوس» ومذهب ~~«بطليموس» في نظام الأفلاك. وعلى إثر ذلك نشر كتابا أيد فيه صحة القول بدوران الأرض من ~~حول الشمس كما يقول «كوبرنيكوس». # في سنة 1584 نشرت محاوراته التي عنوانها «طرد الوحش المستبد». وفي الأولى منها أفرغ ~~برونو خلاصة فلسفته، وبدأها بأن قال: إن الآلهة حاولت أن تطهر السماء من الصور السماوية ~~التي من شأنها أن يذكرهم وجودها بأعمالهم الخبيثة، لتضع محلها صورا تذكرهم بالفضيلة ~~والأدب المثالي. # ومضى يهاجم اللاهوت الوثني، متخذا من ذلك قناعا يخفي وراءه نزعته إلى القضاء على كل ~~عقيدة دينية تقوم على القول ب «التشبيه»: أي القول بأن الله مزود بما يشبه الخصيات ~~الإنسانية. # أما بداية ms65 محاضرته الثانية، فأهم ما تضمنت محاورات «برونو»، وهي ثلاثة. ففيها تحل ~~الفضائل محل الوحوش الخيالية التي مثل لها في محاضرته الأولى، فيسود بدلا منها الحق ~~والتبصر والحكمة والقانون والنظام. # ثم هاجم المعتقدات القديمة وأصحابها هجوما عنيفا، فقال: «إن الكهنة فئة متعالمة، ~~تعمل دائما على هدم سعادة الإنسان في الأرض؛ وإن بهم أطماعا دنيوية، فضلا عما بهم من ~~انحلال الخلق، ونزعتهم إلى بذر الشقاق والخلافات بين البشر.» # وهزأ بالأسرار المقدسة، فقال: «إن قصص التوراة أساطير أشبه بأساطير الإغريق.» ونفى ~~المعجزات قائلا إنها إلى صناعة السحر أقرب شيء. ~~••• # تعقبه رجال محكمة التفتيش، فقبضوا عليه وسجنوه. ثم أخذ إلى روما في سنة 1593، حيث ~~قضى في السجن سبع سنين. وفي فبراير من سنة 1600 طرد من حظيرة النصرانية، وفي السابع عشر ~~من ذلك الشهر أحرق حيا في روما. # وظل «برونو» ذلك الثائر الحر، مطويا في جوف التاريخ قرنين كاملين، حتى تنبه إليه ~~الفكر الذي كان أكبر المدافعين عن حريته، فأقيم له تمثال في روما نصب في ميدان «كامبو ~~دي فيوري»، وفي نفس المكان الذي أحرق فيه. # موكب الحياة # في الأساطير القديمة قصص عن أشخاص أو رواد أو أبطال، وهبتهم الطبيعة قدرة خاصة على ~~فهم منطق الطير؛ ذلك الذي ظن خطأ أنه أبكم لا يقدر على شيء. وعلى الرغم من أننا لم ~~نزود بكفاية القدرة على فهم منطق الحيوان، ذلك المنطق الذي يتألف من إشارات وأصوات، ~~فإن البحوث الحديثة قد هيأت لنا فرصة الوقوف على المخلوقات التي تعايشنا فوق هذه ~~الأرض. فرفعنا بعض الحجب التي لا يزال كثير منها يغشى على مباحث التاريخ الطبيعي، حتى ~~بعد أن أفلح علماء الأحياء، وعلى رأسهم «لينايوس» في أن يبينوا لنا عن العلاقات ~~الأساسية التي تربط بين نواحي الطبيعة الحية. ~~••• # في سنة من أوالي سني القرن العشرين، وجه محرر إحدى الصحف سؤالا لقرائه، أراد به أن ~~يعرف منهم اسم الكاتب الإنجليزي الذي خلف أكبر الأثر في توجيه الفكر الإنساني في أثناء ~~القرن الفارط. وألقي هذا السؤال على سير «هربرت ms66 مكسويل» العالم الطبيعي المعروف، كما ~~ألقي على غيره. # يقول سير هربرت، إنه عندما مضى يفكر في الاسم الذي يكتبه، أخذ القلم بعد قليل وكتب ~~اسم «شارلس داروين». # قد يتفق أن يوجد من يأنف أن يضفي هذا الشرف على عالم مواليدي، دون مجموع اللاهوتيين ~~والمؤرخين والفلاسفة والأخلاقيين والشعراء وكتاب المقالة والقصصيين، الذين ظهروا في ~~خلال القرن التاسع عشر برمته، ومنهم من خلف آثارا دمغ بها الفكر بطابع ثابت في الناحية ~~التي تمشت فيها مواهبه. غير أن الواقع أنه لم يتح لواحد من هؤلاء أن يصمد لمثل ما صمد ~~له «داروين» من عناد ونبذ لما أتى به من حقائق العلم الطبيعي في أي فرع من فروع ~~المعرفة، ولم ينتصر غيره في مجاله، انتصار «داروين» في مجال ذلك العلم، ولم يخلف غيره ~~من الأثر ما خلف من النتائج وأساليب البحث في ميادين النشاط العقلي. # ليس من غرض أن أستطرد هنا إلى الكلام في «داروين»، وهل أمكنه أن يؤلف جميع حلقات ~~التطور الحيوي في عقد تنظيم من الفكرات المسلسلة، أو أنه عزي إلى نظرية الانتخاب ~~الطبيعي من التأثير أكثر مما لها في حقيقة الأمر؟ # إن هذه الأشياء من شأنها أن تظل زمنا آخر مثارا للمناقشة والخلاف. أما الذي أجمع ~~عليه الناس، فهو أن «داروين» إذ استجمع كل حقائق العلم والبحوث التي تقدمته واستوعبها ~~وأنعم النظر فيها، مؤيدا بعضها نابذا البعض الآخر، وأنه إذ أثبت صحة الكثير منها ~~بملاحظات علمية دقيقة، وأضاف إليها نتائج بحوثه في تولد الحيوانات الأليفة؛ قد وقع إلى ~~رفع «علم الأحياء» في جملته وفي متجهه إلى ذلك المستوى الرفيع، وأضفى على الحياة ثوبا ~~جديدا مثيرا للعجب، باعثا على الإجلال والإكبار. # نعم، كان ذلك بعض ما أضفى «داروين» على طبيعة الحياة، غير أننا لا نبالغ إذا قلنا إن ~~عالم الأحياء قبل «داروين» لم تكن له صفة الرتابة في أذهان الناس. كان علم الحياة ~~أشتاتا وأباديد، فعمد «داروين» إلى هذه الأشتات ورتبها وصنفها تصنيفا متمشيا مع واقع ~~الأمر من تطور الحياة، على مدى ms67 العصور، فأظهر أن للعالم موكبا نظيما سار فيه، مماثلا ~~لموكب الحياة أبان عنه علماء الطبيعة وصوروه أحسن تصوير، منذ أن كانت المادة سديما لا ~~شكل له ولا صورة، حتى صار إلى النظام الكوني الذي نراه الآن. # ومنذ أن وصل الفكر الإنساني إلى هذه الغاية، انساقت بحوث العلم الطبيعي جميعا نحو ~~إظهار ما في هذه الحياة من آيات، هي أجزاء متناسقة من موكب رتيب، هو موكب الحياة. # مخلب النمر # كتب بانديت «نهرو» سيرته الشخصية، ونشرت في الإنجليزية بعنوان «نهرو». والسيرة من ~~مفتتحها حتى مختتمها، صفحة رائعة من الكفاح والجهاد، ومن العقيدة والإيمان. قرأت هذه ~~السيرة، فوقعت في صفحة 419 على العبارات الآتية: ~~«إني مدين لإنجلترا بالكثير من تكويني العقلي، حتى ليتعذر علي أن أعتزلها ~~اعتزالا كليا. ومهما يكن من أمري، ومن سلوكي، فإني لا أستطيع أن أتحرر ~~تماما من الصبغة العقلية، والمثل والأساليب التي تلقيتها في المدرسة وفي ~~الجامعة ببريطانيا، تلك الأشياء التي أطل من نافذتها على الشعوب الأخرى، بل وعلى ~~الحياة في جملتها.» ~~«إن كل ميولي الأخرى، ما عدا نزعتي السياسية، تجري مع إنجلترا ومع الشعب ~~الإنجليزي، وإني إن أصبحت كما يقال خصما لا يلين للحكم البريطاني في الهند، ~~فإنما كان ذلك برغمي وفوق إرادتي.» ~~«إنما ذلك الحكم، وإنما ذلك الإذلال، هو الذي نعاديه ونخاصمه، ولا نسالمه ~~طائعين، لا الشعب الإنجليزي. فلنمكن إذن من روابطنا بهذا الشعب وبكل الأمم ~~الأجنبية الأخرى. إننا نريد جوا منعشا في الهند، نريد أفكارا جديدة وضربا ~~من التعاون سديد الاتجاه، بعد أن تقدم بنا العمر واكتهلنا.» ~~«ولكن الإنجليز إذا أرادوا أن يمثلوا معنا دور النمر، فلن يتوقعوا منا صداقة ~~أو تعاونا. إننا لا نكن لنمر الاستعمار إلا أشق صور المقاومة، وأعنت ضروب ~~الخصام، وعلى أمتنا أن تعالج ذلك الحيوان المفترس، فإنه من المستطاع أن تؤلف ~~نمر الغابة، وأن تكسر من حدة استشرائه وافتراسيته وهي فطرية فيه، ولكن ليس ~~هنالك أي احتمال لأن تؤلف الاستعمار بما فيه من الجشع الرأسمالي وحب التسلط، ~~إذا ما تحالفا على ms68 إخضاع أرض بائسة تعيسة تنكب بهما.» ~~«لا جرم أنه من الخطأ أن يقول إنسان إنه أو أمته، لن يلين ولن يتفاهم، ذلك بأن ~~الحياة بطبعها تدعونا جميعا إلى التفاهم. إن الصلابة المطلقة نزعة خاطئة في ~~أية أمة ظهرت، وفي أي مكان تكون، ولكن إلى جانب هذا، يقوم كثير من الحق الثابت ~~في ضرورة انتهاج خطة التصلب القاسية، إذا ما قام نظام من الحكم فاسد، أو نشأت ~~ظروف أو حالات تصبح معها النزعة إلى التفاهم أشق من أن يتحملها الطبع ~~البشري.» ~~«إن التسلط الإنجليزي وحرية الهند ضدان لا يجتمعان، ولن يستطيع القانون، ولن ~~تتهيأ الظروف لوجه ما من التعاون بين الهند وإنجلترا، إلا بمحو كل ضروب التسلط ~~الاستعماري في الهند.» # هذا ما يقول «نهرو». ونحن المصريين أمة مجيدة، غلبنا الإنجليز على أمرنا في غفلة من ~~الزمن، مستغلين فساد أمرائنا في عصر الاحتلال الوبيء، فإذا قمنا بثورة وطنية خالصة ~~لمصر، فذلك بأننا نشعر بأن وظيفة طبيعية من وظائفنا الحيوية يعطلها ذلك الاحتلال ~~الاستعماري، بل ذلك السرطان الإنجليزي، ولن يكون لنا من استقلال حقيقي قبل أن نتغلب على ~~ذلك الداء، ولا دواء لنا إلا تحقيق حرياتنا القومية. # إن العملاق الجبار الذي ظل نائما القرون تلو القرون، يشهد الدنيا تقوم من حوله ~~وتقعد، قد أخذ يتحرك ليشارك الدنيا قياما وقعودا، أخذ ينشد حقه الفطري في أن يقوم ~~بوظيفته الطبيعية في المجتمع الإنساني. # إن أبا الهول بدأ يتكلم. # ولكن باللغة التي يفهمها المعتدون الظالمون القساة، أخذ يسقيهم بنفس الكأس التي سقوا ~~بها الأمم والشعوب. # إن تحقيق حرياتنا واستقلالنا أمر كائن بالفعل؛ لأن ذلك من يدنا. لقد ثرنا فحققنا ~~وجودنا، وثبتنا الحكم على ضفاف النيل لأبناء النيل. # ذلك حق ثابت. # الحزن المقيم # ما هذا الحزن الغامر الذي يخيم على دنيانا؟ # ما هذه الكآبة الصامتة التي لا تفصح عن معانيها بصرخات الألم، ولا بدموع الشجى ~~والشجن؟ # ما هذه السمات المغمورة في فورات من الغم والأسى؟ # ما هذه الجبهات المعقودة على ما يختفي وراءها من ترقب كأنه ترقب ms69 الطامة الكبرى ~~والمصيبة العظمى؟ # ما هذه النظرات الحائرة الباكية بغير دموع، المسفوحة بغير نشيج، ينفس عن الصدور بعض ~~ذلك الوجد الدفين؟ # ما هذه الرمقات الجامدة الباردة كأنها الرصاص؟ # ما هذه الخطوات المتعثرة التي هي أشبه بمشي الرسيف كبلته الأغلال، وأخذت بناصيته ~~الأصفاد؟ # ما هذه العلامات الاستفهامية المرتسمة على كل وجه؛ وجه العجوز الهرم، والفتى في ميعة ~~الصبا، والفتاة في غمرة الهوى والشباب؟ # ما هذه الأفكار السود التي تحوم في كل رأس، وتدور في كل ذهن، وتتغلغل في حنايا كل ~~روح؟ # ما هذه السلبية التي ملكت أطراف العالم كله، حتى يخيل لنا أن الروح الإنساني قد حبس ~~في أربعة جدران سلحت بالحديد وسيجت بالنار؟ # ما هذه الدماء المسفوحة؟ وما تلك النفوس التي تنتظر البوار استجابة لقوى الشر التي ~~استولت على هذه الحياة؟ ~~••• # من العجيب أنك تلمس هذه الظاهرة في جميع أنحاء الدنيا، كأنما أصلت على الإنسانية سيف ~~باتر في يدي جبار ذي بطش، يشهره على نحرها كلما أخذت ثناياها تفتر عن ابتسامة حزينة، ~~فترتد عنها ولسان حالها يقول: # أريد أضحك للدنيا فيمنعني # أن عاقبتني على بعض ابتساماتي # عشت قبل الحرب الأولى، وعشت بعدها، وعشت قبل الحرب الثانية، وعشت بعدها. وربما عشت ~~حتى أشهد حرب البوار التي نحن مقدمون عليها، وقرأت وسمعت أن موارد الدنيا تكفي من فيها ~~وتزيد على مطلوباتهم المعانية لو أنها وزعت بالعدل والقسطاس المستقيم. وقرأت وسمعت أن ~~الأموال التي بعثرت سفها في الحربين العالميتين، تكفي لسد حاجات الناس أجمعين، ليصبحوا ~~في رغد من العيش ورفعة من الحياة. وقرأت وسمعت أن بعض بلدان العالم كانت تخزن القمح ~~الزائد عن حاجتها لترفع ثمنه في السوق إرضاء لمطامع أشعبية. وفي الهند والصين مجاعات ~~تقتل الملايين. أولا يكون هذا من أسباب ذلك الحزن الذي يخيم على دنيانا؟ ألا يكفي أن ~~يموت خير البشر ليأخذنا حزن مقيم؟ ~~••• # كنت وما زلت فلاحي الروح؛ أحب الفلاح وأحب الريف، وربما أكون قد عشت في الريف أكثر ~~مما عشت في الحواضر. # كنت أسمع قبل أربعين سنة أو ms70 يزيد؛ أي قبل أن يأخذ الحزن بتلابيب الدنيا، تلك الرنات ~~الجميلة المنبعثة من حناجر الفلاحات تتجاوب بها جنبات الحقول النضرة الجميلة، وهن ~~رائحات أو عائدات، تغنين أغاني الريف الصادرة عن عقل مصر وروحها، فتأخذني نشوة لا تزال ~~تتجاوب بها أنحاء نفسي. أما الآن فلا شيء إلا الصمت المطلق، فلا شاد ولا شادية. # ما هذا الحزن الغامر الذي يخيم على دنيانا؟ ~~••• # كنا لا نرى في سمائنا إلا الطير الجميل، يزورنا منه في دورات منتظمة طيور مهاجرة، ~~فإذا سمعنا صوت السقساق الشامي، استبشرنا بالخير؛ لأنه يأتي مع الشتاء؛ زمن الفيض ~~والكثرة. وإذا رأينا الوروار في مستهل الصيف، فذلك زمان التبر المنثور، زمن ~~الحصاد. # أما الآن فترى إلى جانب براءة الطير، تلك القلاع الطائرة التي تحمل إلينا البوار ~~والدمار، والتي في مستطاعها أن تحول حقولنا في طرفة عين إلى ميدان حرب تبور فيها ~~النفوس، وتقضي على الحرث والنسل في لمح البصر، فكأنها رمز الموت مصلتا على رءوسنا، ~~ولكنا لا نعلم متى ينزل. ونزول الطامة أهون من ترقبها. ألا يكون هذا من أسباب ذلك الحزن ~~الغامر المخيم على دنيانا؟ # لم يبق لي في الريف، وأنا واحد من ملايين يشعرون مثل ما أشعر، إلا وكر ذلك الكروان ~~الذي شاركني جزءا من سطح بيتي، فظللته بحمايتي، وأخذته في كنفي، إذ لم يبق في الريف من ~~شيء يذكرني بماضي الأيام الحلوة، إلا رنين تلاحينه الجميلة الصداحة، يرسلها في أثناء ~~الليل وفي نور القمر، فتعود بي الذكريات إلى تلك الألحان القوية الرنانة، التي كانت ~~ترسل بها جارتنا بديعة أو «عامرية» بنت أخيها، أو غيرهما من فتيات القرية اللواتي تمتعن ~~بقوة الجسم وقوة الروح. # لم يكن في ذلك الوقت بأسعد حالا من حيث المعاش منهن الآن أو من مثيلاتهن. كن فقيرات ~~درجن في حجر العوز، وكن محتاجات إلى العمل، فعملن في الحقول وفي محالج القطن. ولكنهن كن ~~مرحات كالغزلان، مستخفات كأنهن الطير، سارحات في أثناء النهار وفي أطراف من ~~الليل. # بعضهن الآن في المقابر، وبعضهن جالسات على أبواب الدور ms71 مسندات رءوسهن بأكفهن وفي ~~وجوههن الأسى والحزن، أبناؤهن مغمورون في صخب الدنيا، وبناتهن شاردات العقول زائغات ~~الأبصار. من يدريهن؟ لعل في ثنايا القدر حروبا أخرى، أو ملمات كبرى؟ كيف لا والذرة قد ~~فك عقالها، والأيدروجين على الأبواب، وكوبلت، ذلك الشيطان المارد، يحييهن عن بعد، ~~ناظرا إلى أولادهن، سواء في ذلك من شب عن الطوق، أو من لا يزالون زغب الحواصل. كيف لا ~~وهو «كوبلت» الذي لا يبقي ولا يذر. # ما هذا الحزن الغامر الذي يخيم على دنيانا؟ ~~••• # الشرق، شرقي الأرض، يريد أن يسود الدنيا. والغرب، غربي الأرض، يطلب أن يكون السيد ~~الأعلى. والناس بين الشرق والغرب يساقون قطعانا، كأنما هم صيران من العجول، فلا إرادة، ~~ولا فكر، ولا إنسانية. # يقول بعض الناس، وهم في العادة ممن أشربت نفوسهم حب الدمار: إن هذه الأزمات ضرورية ~~لرقي الإنسان وتحوله وتطوره. وما هذا القول إلا تعبيرا عما انعقدت عليه ميول زعماء هذا ~~الإنسان من غرور الدنيا، من الحماقة، من الشر، من العجز عن إدراك حقائق الحياة، كما ~~أبرزتها الحكمة البشرية. # إن مصير البشر في يد حفنة من هؤلاء المفتونين بغرور الدنيا، المصروفين عن حقائقها إلى ~~ما تنطوي عليه النفوس من أطماع. # ولو أن مجهود البشر قد تحول كله إلى ناحية الإنتاج والمعاش، إذن لبقي الناس في ~~سلام. # لو أن عقول البشر قد اتسعت للحرية الصحيحة، الحرية التي تحترم استقلال كل فرد وكل ~~جماعة، وتعترف بحقها في الحياة وفي اختيار حكومتها وشكل معيشتها كما تريد، إذن لعم ~~الرخاء وزال الشر، وضرب الإنسان في مدارج التقدم الحقيقي. # حقائق بينة بذاتها، ولكن كيف السبيل إلى تطبيقها ومستقبل البشر في يد حفنة من الذين ~~نسوا هذه الحقائق، وأخذهم غرور الدنيا. # ألا يحق لنا بعد هذا أن نتساءل: ما هذا الحزن الغامر الذي يخيم على دنيانا؟ # حديث ذو شجون # تحدث الأسقف «وليم رالف إنج»، وهو كاتب شهير من كتاب الإنجليز، إلى مكاتب صحفي، عن ~~حصيلة اتجاهه الفكري عندما بلغ الثالثة بعد التسعين، فقال: # إذا قدر لي أن أعيش ms72 عمرا آخر، فلا أظن أني سأنتمي إلى الإكليروس، ~~فإني لم أسعد يوما بالكنيسة الإنجليزية. وربما يقال إني عندما تقدمت ~~بي السن حسنت نصرانيا، وسئت كنيسيا. # لم أحبب السلالة البشرية، وإنما أحببت بضعة أفراد منها، أما البقية ~~فمجموعة من الأوشاب والأخلاط. # جاهدت في جميع أطوار حياتي حتى أقع على الغرض من الحياة، كما عملت ~~على حل ثلاث مشكلات ظلت جوهرية في نظري: مشكلة الأبدية، ومشكلة الشخصية ~~الإنسانية، ومشكلة الشر. غير أني أخفقت، فلم أحل مشكلة منها. ولست الآن ~~بإزائها أكثر علما بها، مني عندما بدأت التفكير فيها. وأعتقد أنه ~~يستعصي على أي إنسان حلها. # عملت أخيرا ما أستطيع، وآمل ألا أكون قد بددت حياتي، ومع هذا فإني ~~لا أستطيع أن أقول إن الدنيا، بوجودي فيها، قد أصبحت أفضل مما كانت. ~~لا أفضل ولا أسوأ. إنها كما كانت وكما ستكون، ولكن لا تنعتني كالعادة ~~بالأسقف الحزين، فإني لم أستحق أبدا هذا النعت. # كل ما هنالك أني حاولت أن أواجه الحقيقة، وأن أكون أمينا، فلا أتطوح ~~حمقا مع التفاؤل. # إني أعلم عن الحياة الأخرى بقدر ما تعلم أنت؛ أي لا شيء. كما أني لا ~~أعلم أن هنالك حياة أخرى على إطلاق القول، وفقا للتعاليم ~~الكنسية. # ليس عندي أية فكرة عن السماء أو عن «إله غفور رحيم». # لا أعلم ماذا ينتظرني. # علي أن أنتظر وأرى. # حكاية التطور: تهيئة المكان والزمن # في أقصى الشمال بلاد مجهولة، بها صخرة عظيمة سعتها مائة ميل عرضا في مثلها ~~ارتفاعا. # يرود هذه الصخرة طائر صغير كل ألف سنة، ليشحذ منقاره. # عندما يتم بذلك تفتت الصخرة، فذلك يوم واحد من عمر اللانهاية. ~~••• # يعيش الإنسان في ظل علامة استفهام ضخمة ... # ما نحن؟ # من أين أتينا؟ # إلى أين نذهب؟ # تباطأنا ولكن بشجاعة لا تهزم، مضينا ندفع علامة الاستفهام شيئا بعد شيء نحو ذلك الخط ~~البعيد الكائن من وراء الأفق، حيث ذهب بنا الأمل أن نقع على جواب. # لم نتقدم كثيرا بعد. # إن معرفتنا ما تزال قاصرة، غير أننا وصلنا إلى حيث نستطيع ms73 أن نحدس بأشياء كثيرة، بقدر ~~كاف من الضبط. # إذا مثلنا للزمن الذي مر على نشوء الحياة الحيوانية والنباتية في هذا السيار بخط لا ~~يتجاوز امتداده عرض صفحة الكتاب، واقتطعنا من هذا الخط جزءا من خمسين من طوله، فإن هذا ~~الجزء المقتطع يشير إلى عمر الإنسان، أو عمر مخلوق شبيه به، فوق الأرض. # والإنسان، إن كان آخر صورة في قافلة التطور، فإنه أول كائن استخدم «العقل» ليغزو به ~~قوى الطبيعة؛ وذلك هو السبب في أن الباحثين صرفوا أكثر همهم إلى دراسته، ولم يحفلوا ~~بغيره من المخلوقات، كالسنانير والكلاب والخيل، حفولهم به، وإن كان لهذه المخلوقات من ~~ناحيتها الخاصة، تاريخ نشوئي ذو بال، خلفته من ورائها خلال القرون. ~~••• # كان السيار الذي نعيش فيه - وذلك بقدر ما وصل إليه العلم - كرة كبيرة من المادة ~~المشتعلة، ظهرت كغمامة صغيرة من الدخان في محيط ضخم في الفضاء. وتدرجا، في خلال ملايين ~~متعاقبة من السنين، أكلت النار قشرتها الخارجية، أو قل إن قشرتها «تحارقت»؛ أي أحرق ~~بعضها بعضا، واكتست بطبقة رقيقة من الصخر. ومن فوق هذه الطبقة الجماد، هطل المطر غمرا ~~وبلا انقطاع، مفتتا أجزاء من الطبقة الصوانية، حاملا الثرى والفتات إلى الوديان التي ~~كانت تقبع نائمة بين الصخور الشامخة التي علت الأرض المستبخرة. # وأتت الساعة في نهاية الأمر، فاخترقت أشعة الشمس غلاف السحب، وشهدت كيف أن هذا السيار ~~تغشاه ضحاضح، ستصبح فيما بعد تلك المحيطات العظمى التي تستوي في شرقي الأرض ~~وغربيها. # وذات يوم وقعت الآية العظمى، فإن الأرض الموات الجامدة، قد أنشأت الحياة، وطوفت ~~الخلية الحية الأولى فوق ماء المحيط. # ظلت الخلية الأولى تطوف والتيار يتلقفها بضعة ملايين من السنين، غير أنها كسبت في ~~خلال تلك الأحقاب بضعة خصيات من شأنها أن تجعل عيشها أسهل وأيسر، في أرض لم يكمل بعد ~~تهيؤها للحياة. # ولقد كانت بعض هذه الخلايا أسعد حالا من بعض؛ إذ عاشت في الأغوار المظلمة من ~~البحيرات والبرك، فمدت جذورها في الرواسب المائعة اللزجة التي انحدرت من رءوس التلال؛ ~~وبذلك نشأ النبات. ms74 في حين أن خلايا أخر، فضلت أن تظل طليقة متحركة، فخرج منها أرجل ذات ~~مفاصل عجيبة، فكانت أشبه بالعقارب صورة، ومضت تزحف في القيعان البحرية، متنقلة بين ~~النباتات حتى اتخذت صورة السمك الهلامي. # أما غير هذه وتلك، فكانت مخلوقات تكسوها الحراشف، فاعتمدت في حياتها على حركة السبح، ~~للتنقل من مكان إلى مكان سعيا وراء القوت، وعلى مسار الزمن، عمرت المحيطات بالملايين ~~المملينة من صنوف السمك. # ومضى النبات يزداد عددا، منتقلا إلى بيئات أخرى، ذلك بأن قاع البحر، كان قد أفعم ~~به، فلم يبق محل للمزيد منه. ودفعته الضرورة أن يهجر الماء، فشغل حوافي المستنقعات ~~والشواطئ الوحلية تحت قواعد الجبال. لقد كان البحر يغشاه بمده مرتين كل يوم فيغمره ~~بأجاجه. # ومر الزمن. # فحاول النبات أن يتخلص من بيئته غير المواتية، وعمل على أن يعيش في الطبقة الهوائية ~~التي تغلف هذا السيار. وبعد قرون عديدة من المرانة والتمرس عرف كيف يعيش سالما في ~~الغلاف الجوي، كما عاش في الماء، وزاد حجمه، فصار عشبا ثم شجرا، ثم عرف كيف يخرج ~~زهرا جميلا يجذب إليه النحل، ويلفت إليه الطير الذي حمل بزوره، فنشرها في كل مكان، ~~حتى أصبح وجه الأرض مكسوا بالمراعي الخضر النضيرة. # إن بعضا من الأسماك أيضا أخذت تترك البحر، فقد تعلمت كيف تتنفس برئات وخياشيم معا، ~~بدلا من الخياشيم وحدها. وضع لها العلماء اسم «البرمائيات»؛ أي التي تستطيع أن تعيش في ~~البر وفي الماء. وحياة الضفدعة التي تقفز من تحت قدميك، قد تقص عليك كل ما يتعلق ~~بتفاصيل الوجودين اللذين يتمتع بهما الحيوان البرمائي. # لما خرجت هذه الحيوانات من الماء أول الأمر، أخذت تعتاد الحياة في البر شيئا بعد ~~شيء، وما لبث بعضها أن صار زاحفا كالعظايا، وأخلد إلى الحياة الهادئة في جوف الحراج ~~يعايش الحشرات، أو ينام مسترخيا في ظل الأشجار العظيمة. # من أجل أن تتمكن من سرعة الحركة فوق الأرض اللينة، أخذت أرجلها تتطور وتتكيف بما ~~يلائم ذلك، وزادت أحجامها، وامتلأت الأرض بصورها الضخام العظام، فبلغ بعضها ثلاثين أو ms75 ~~أربعين قدما طولا. وكان بها قوة وعنفوان، فأخذت تداعب الفيلة، كما يداعب السنور ~~الكبير جراءه الصغار. # على أن بعضا من أفراد ذلك الشعب - شعب الزواحف - أخذ يعيش في الأشجار. وكان بعض ~~الشجر ضخما باسقا، قد يبلغ مائة قدم ارتفاعا، مما جعل هذه الزواحف أقل احتياجا إلى ~~أرجلها في التنقل والزحف؛ إذ أصبح من ضرورات حياتها أن تنتقل من غصن إلى غصن بسهولة ~~وسرعة ويسر. # لما بلغت من الضرورة هذا المبلغ، أخذ بعض جهات من إهابها الخارجي يتحول متكيفا في ~~صورة مظلة تمتد طوال جسمها من الجانبين، مبتدئة عند يديها، منتهية عند قدميها. وسرعان ~~ما نبت في هذه المظلة ضرب من الريش، فإذا انزلقت اتخذت من أذنابها شبه دفة كدفة السفين ~~تحكم حركاتها، ومن ثمة طارت من شجرة إلى أخرى؛ فكان ذلك أول خروج الطير إلى عالم ~~الوجود. ~~••• # حدث في عالم الحياة حادث كبير؛ إن دعانا إلى العجب، فذلك لأننا نجهل أسبابه الصحيحة. ~~فإن جميع الزواحف الضخام انقرضت في مدى زمن قصير نسبيا. # إننا لا نعرف السبب في ذلك! # ربما كان راجعا إلى تغير مفاجئ في الطقس، وربما عاد إلى أنها بلغت من الضخامة مبلغا ~~منعها من السبح أو الزحف أو المشي، فماتت جوعا، وهي تنظر عن كثب إلى المراعي اليانعة، ~~والأشجار الخضر، عاجزة عن أن تبلغ إليها. # ومهما يكن من أمر السبب في انقراضها، فإن ملكوت الزواحف الذي ظل ثابتا قرابة نصف ~~مليون من السنين، قد أتى عليه تطور الأحياء. ~~••• # مضت جوانب الدنيا بعد ذلك تمتلئ بصور مختلفة من شتى المخلوقات. لقد انحدرت جميعا عن ~~الزواحف، ولكنها اختلفت عنها اختلافا كبيرا؛ إذ كانت تغذي صغارها بأثدائها، فعرفت في ~~العلم الحديث باسم «الثدييات» أو «ذوات الثدي». # لقد نفضت عنها حراشف السمك، ولم تبق على ريش الطير، فاتخذت من الشعر كسوة لإهابها ~~الخارجي. # كسبت ذوات الثدي فوق ذلك عادات أخرى، استعلت بها على غيرها من عالم الحيوان؛ فإن ~~إناثها بدأت تختزن بيضاتها التناسلية في داخل جسمانها، حتى تنقف عن الجنين في تلك ms76 ~~البيئة، في حين أن غيرها كان يترك صغاره عرضة لمخاطر البرد والحر وهجمات الوحوش ~~الضارية . على العكس من ذوات الثدي؛ إذ مضت تلازم صغارها وتحتفظ بها، وترأمها وتحنو ~~عليها، وتبقيها تحت كنفها زمنا طويلا، وتحميها في طور ضعفها وقلة حيلتها وعجزها عن أن ~~تكافح أعداءها. # بهذا أصبح لذوات الثدي فرصة أسنح للبقاء، ذلك بما كسبت عن أمهاتها من العلم بأشياء ~~كثيرة. تدرك ذلك لو أنك رأيت هرة ولاحظت كيف تعلم أولادها أمر العناية بأنفسها، وكيف ~~تمسح وجوهها بأكفها، وكيف تصيد الفئران. # لا أريد أن أطنب في التعريف بذوات الثدي، فأنت على علم كاف بها؛ فإنها تعايشك وتحف بك ~~أينما كنت؛ إنها من رفقائك في الشارع وفي البيت وفي الحقل، كما أنك تستطيع أن ترى ~~أقربها إليك نسبا في أقفاص حدائق الحيوان. ~~••• # الآن أنتقل بك إلى مفترق الطريق الأعظم. # ذلك عندما خلف الإنسان من ورائه ركب الحياة المغلقة، حياة المخلوقات التي تعيش وتموت ~~غفلا من أي أثر معنوي. لقد بدأ يستخدم قواه العقلية، ليحور من قوة اقتداره، ومن ميسرات ~~سلالته. # نشأ بالتحول البطيء كائن ثديي أهلت به خصياته الطبيعية أن يستعلي على جميع صور ~~الحياة، وبخاصة في القدرة على الحصول على الغذاء والحماية، وعرف بعد قليل كيف يستعمل ~~طرفيه المقدمين للقبض على فرائسه. وبالاستعمال نشأت له مخالب كالأيدي، وبعد كثير من ~~الجهد والمرانة، استطاع أن يزن جسمه، فينتصب ماشيا على رجليه. # كان هذا الكائن نازعا إلى القردية، ولكنه كان فوق القرود درجة؛ فأهل به ذلك التحول ~~أن يصبح ماهرا في الصيد. # ومن أجل أن يكون أكثر أمنا، راح يطوف في أرجال كبيرة العدد، ثم استطاع أن يخرج ~~أصواتا ينذر بها صغاره، وينبهها إلى اقتراب الخطر. # مضى عليه بضع مئات الألوف من السنين، قبل أن يتمكن من تفصيل هذه الأصوات، لتصبح أجزاء ~~للكلام. # إن هذا الكائن، ولو لم تصدق ذلك إلا بكثير من الحرج، هو جدك الأول؛ هو الإنسان المشوب ~~بالقردية. ~~(عن فان لون) # ليليا # إذا كان في مستطاع الجدران أن تتكلم، ms77 فإن قصر «نووان» الريفي بمقاطعة «بيري» بفرنسا، ~~يصيح هديرا صاخبا من الأصوات المتضاربة. # كثيرا ما رنت في جنباته الفساح موسيقى شوبان وليست، كما مثل فيه فلوبير ودوماس ~~الصغير تمثيليات قصارا، وضع شوبان موسيقاها، وراحوا يمرحون في أبهائه وممراته، وصور ~~دولاكروا في مدرس كان بحديقته، ونزل به ضيوف من نوابغ العصر، مثل بلزاك وتيوفيل جوتييه ~~والفرد ده فيني، وتناظروا وتحادثوا في بعض جوانبه وغرفه الفساح. # وفي أواسط القرن التاسع عشر، ترددت في جنباته همسات العشاق الآبقين من قيود العصر، ~~فتيان وفتيات من أعرق أسر فرنسا، اختلوا بين جدران قصر «نووان». فلو أن جدران هذا القصر ~~كان في مستطاعها أن تتكلم، إذن لوجب أن تصحح أنساب كثير من الأسر، وتبوب تبويبا ~~جديدا. # كانت «جورج صند» سيدة ذلك القصر، ومضيفة هؤلاء وأمهم الروحية ظاهرة من ظاهرات ذلك ~~العصر. # كانت جميلة فاتنة؛ فاتنة بنوع ما. كانت تمشي في ردهات القصر وممراته كأنها فتى أمرد ~~جميل الصورة. ولم تكن عبقريتها الفتية هي وحدها التي اجتذبت جميع أولاء إلى قصر «نووان» ~~وجعلته قبلة العباقرة ذوي الشهرة وبعد الصيت، فقد استطاعت فوق ذلك أن تفتن فئة كبيرة ~~من الجمهور الفرنسي بمؤلفاتها التي جمعت فيما بعد في ستة وتسعين مجلدا. أما شخصيتها، ~~والدنيا العريضة التي استطاعت أن تشيدها من حولها، فكانت من الفتنة والتعقد بحيث احتاج ~~شرح حياتها في ذلك القصر إلى عشرين دليلا من كتب الإرشاد، لا تفسر غامض الأمر، بل ~~تزيده غموضا. # عن هذه المرأة العجيبة كتب «أندريه موروا» كتابا أصبح من عيون الأدب الفرنسي ساعة ~~ولد، وكفى تعريفا بهذا الكتاب أن يقول فيه أثبات النقاد إنه أعظم كتب «موروا» على ~~إطلاق القول. # اختار «موروا» اسم «ليليا» عنوانا لكتابه عن جورج صند، رجوعا إلى عنوان سيرة شخصية ~~كتبتها «صند» في سنة 1833، ولما تبلغ التاسعة بعد العشرين. فقد كانت إذ ذاك مؤلفة ~~معروفة، وأما لطفلين، وإنسانا طليقا من قيود العرف، تلبس سروالا وتدخن السيجار، ~~وكانت فوق ذلك امرأة مشبوبة العاطفة، تلبي نداء الجنس، وتطلبه، ملحة فيه إلحاح ms78 الرفيق ~~الذي تألفه. قالت في كتابها ذاك: # عندما أقترب منه، أشعر بنهم هذياني عجيب لا يكفيه العناق. إن الرغبة في مثل ~~حالي، ليست سوى حرارة الروح تشل قوى الحواس. هي غيبوبة بهيمية مستوحشة تتملك ~~عقلي، وتتجمع هنالك ... (أي في عشيقها). # إن هذا اللين المخيف، بل ذلك الغلاف الرخامي على حد قولها، قد أثر في حياة الكثير من ~~الناس، حتى ليعتبر عاملا من عوامل التاريخ الفرنسي، إن كان صغيرا، فهو مع ذلك جوهري ~~أساسي. لهذا يقول أعداء «صند» والناقمون عليها إنها في عراكها الذي بذلته تشبع هذه ~~النزعة أو تكبحها، قد افترست الرجال، كأنما هي غول لا تشبع نهمته. # يقولون إنها فرضت على عشاقها ما فيها من نارية الطبع، انتقاما من الجنس الآخر، فلا ~~تترك محبا وقع في حبائلها، حتى ترده إلى حال ميئوس منها كحالها تماما. # أما «موروا» فليس من مذهب القائلين بالغيلانية في طبيعة جورج صند، بل يذهب إلى أنها ~~امرأة خلقت متعطشة للحب، وأنها جديرة بالحب، ولكنها غير حائزة لصفة الخضوع، تلك الصفة ~~التي لا يكون حب بغيرها. ~~••• # كان اسمها «أورور دوبن»، وأبوها ضابط من النبلاء المغامرين، مات على إثر كبوة من ~~جواده، عندما كانت «أورور» في ميعة صباها. أما أمها فكانت راقصة، أو في الحقيقة، كما ~~قالت «صند»: شيء أقل من راقصة في ملهى من أسوأ ملاهي باريس سمعة. # ونشأت «أورور» بضيعة «دوبن» في قصر «نووان» بكفالة جدتها، وكانت امرأة حازمة صارمة. ~~وتعلمت في باريس بعناية الراهبات الإنجليزيات، وعندما بلغت الثامنة عشرة من عمرها تزوجت ~~من «كزيمير دافيدان»، وهو فتى مستقيم مرح، ولكنه معدوم الخيال، فيقضي بياض النهار في ~~الصيد، وسواد الليل في سبات عميق، يسمع له من خلاله شخير ونخير. وإلى هنا كانت «أورور» ~~سوية الطبع، ولكن رأسها كان مملوءا بالصور التخيلية، أو بالأحرى بالآراء ~~الانطلاقية. # وقع عليها «كزيمير» ذات مرة ملقية برأسها على كتف شاب وسيم، فكان تعليقه على ذلك صورة ~~من سباته الشخيري: «لا ينبغي لأحد أن يعرف شيئا؛ إن ذلك من شئوننا الخاصة ms79 ~~وحدنا.» # يقول «موروا»: ~~«ليس الخنا من الأشياء التي لا تغتفر بتاتا في الزواج، وإنما هو الجفاء ~~والنبذ.» # فلما أن أحس «كزيمير» بالجفوة، تهالك في الشرب، وكان قد علق بإحدى الخادمات، ووقعت ~~عليه «أورور» في مستراب، بعد أن وضعت طفلها الثاني بساعات. وبعد ذلك بقليل التقت ~~«أورور» بكاتب محام اسمه «جول ساندو»، كان الطراز الأول من قافلة كبيرة من العشاق، ~~وذهبت تعيش معه في باريس، وخرجت من زمالتهما في التأليف والكتابة باسم «جورج صند». ومن ~~علاقتها الغرامية نشأ ما سمي في أدب ذلك العصر بالخصيات الصندية أو الظواهر الصندية: ~~السيجار الكبير، والأحذية المهدبة، ثم تلك العادة العضال التي تنطوي على تناقض عجيب، ~~عادة البحث عن الحب العنيف، في أحضان رجال هم من الخور ومن الخنوثة بحيث يعجزون عن ~~تلبية ندائه. # مسكين «جول الصغير»! لم يكن فيه قوة التوليد، لم يكن يستطيع أن يكب على الكتابة أربع ~~عشرة ساعة، ثم يمتطي جوادا يعدو به عدوا إلى حيث ينتظره حبيب. وسرعان ما أسقطته «صند» ~~من حسابها، وتحولت عنه إلى الروائي «بروسبير مريمييه». كان «مريمييه» على ما يقول ~~«موروا» من ذلك الصنف الذي ينتقي منه الشيطان أبطاله العشاق. وكان يتكلم عن الحب بخشونة ~~طالب في كلية للطب يتكلم في طبه. واعتقدت «صند» أن استكلابيته قد تشفي عندها بعض ما ~~فيها من النزعات الغيلانية، غير أن هذا الدون جوان، قد عجز عن أن يبلغ من ذلك ~~شيئا. # سقط جول، فعقبت عليه بألفرد دي موسيه. # كانت تجلس من فوق حشية عند قدميه، تلفظ الدخان من غليون صنع من خشب الكرز الثمين، فلا ~~يلبث أن يتمتم أن ملهمته ضعيفة هشة الكيان. لقد كانت كذلك، فإن «صند» لم تلبث أن تركت ~~«دي موسيه» نصف ميت بفندق في مدينة البندقية، فارة مع طبيب إيطالي. # كتبت إلى ذلك الطبيب ذات مرة تقول: «فيك، فيك يا بيترو سيتحقق جميع أحلامي.» # إن أحلامها لم تتحقق في «بيترو». # يقول بلزاك: «مهما يكن، فمحصل الأمر أنها رجل. وإنها لألبس لهذه الحال، كلما أمعنت في ms80 ~~أن تكون رجلا.» # ويقول الموسيقي شوبان: «ما أبغض تلك المرأة! أهي حقيقة امرأة؟» # وما لبث غير قليل أن أثبت في مذكراته قوله: «كانت تمعن في النظر عندما أغرق. لقد أسرت ~~قلبي ... إنها تحبني.» # وذهب معها إلى جزيرة «ميورقة» يانعا مزدهرا كالوردة، نضرا كزهرات الربيع. وعاد من ~~هنالك يتفل دما، وعلى قاب قوسين أو أدنى من الموت. # عاش شوبان بعد ذلك سبع سنين في قصر «نووان»، هي أحفل سني حياته بالتأليف ~~الموسيقي. # لم يعش هنالك عشيقا لها، ولكنها مرضته تمريض أم رءوم تسهر على طفل حبيب، منكرة ~~عليه أي تقرب يتجاوز ذلك الموقف. ~~••• # يحلل «موروا» أخلاق «صند»، فيذهب إلى أن ضعفها النفسي كان يحملها دائما على اختيار ~~عشاق يكونون من الضعف والخور بحيث يعجزون عن إخضاعها وإرغامها. غير أنه يقول تعقيبا ~~على ذلك إن «صند» هي فاتحة ذلك الطريق الذي يسير فيه اليوم من يعرفن بالنساء المتحررات. ~~كما يقول إن خصياتها كانت تستحب، لو أنها كانت في رجل. # كان عشاقها رتلا طويلا من الرجال، ولقد اعترف أكثرهم بأنها وإن حطمتهم، فإنها كذلك ~~بنتهم وشيدتهم. # لم يعد كونت «دورس» الصواب إذ كتب لها: «إنك امرأة يشغف بها، كما أنت بالإضافة إلى ~~ذلك، الرجل الفذ البارز في هذا الجيل.» ms81