######OpenITI# #META# URI: 1381IsmacilMazhar.MucdilatMadinaHaditha.Hindawi46946197 #META# Tags: literature #META# ID: 46946197 #META# Title: معضلات المدنية الحديثة #META# AuthorID: 53973639 #META# Author: إسماعيل مظهر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # معضلات المدنية الحديثة‏ # النسبية‏ # أساس الحضارة المقبلة‏ # ماهية التاريخ‏ # ماكس نورداو‏ # دلالة الشعر على روح العصر‏ # عبث الحياة‏ # كشف الستار عن سر الأسرار‏ # خداع الطبيعة‏ # النهضة الشرقية الحديثة‏ # طابع المدنية الحديثة‏ # يعقوب صروف‏ # فلسفة الانقلاب التركي الحديث‏ # الإهداء‏ # معضلات المدنية الحديثة‏ # النسبية‏ # أساس الحضارة المقبلة‏ # ماهية التاريخ‏ # ماكس نورداو‏ # دلالة الشعر على روح العصر‏ # عبث الحياة‏ # كشف الستار عن سر الأسرار‏ # خداع الطبيعة‏ # النهضة الشرقية الحديثة‏ # طابع المدنية الحديثة‏ # يعقوب صروف‏ # فلسفة الانقلاب التركي الحديث‏ # | معضلات المدنية الحديثة # | معضلات المدنية الحديثة # تأليف # إسماعيل مظهر # | الإهداء # إلى والدتي # إليك يا أماه أهدي هذه الصفحات، وهي أثر من آثارك، وبقية من فضلك، فإن كان فيها أثر من ~~استقامة الفكر، أو علالة من طيب النزعة، فتلك حشاشة من نفحاتك، وفضلة من نفثاتك، وإن كان فيها ~~ما يذم، فذلك من أثري وفعل بيئتي. # إلى روحك الطاهرة النقية، وإلى ذكراك الباقية الزكية، بل إلى ذكرى الآلام التي تحملتها في ~~سبيل أن أكون رجلا، أهدي هذا الأثر الضئيل، طامعا في عفوك، ملتمسا غفرانك، مستدرا عليك ~~الرحمة والرضوان. # | معضلات المدنية الحديثة # في المباحث الحديثة نزعة غير مرغوب فيها تجيز الخلط بين منتجات العقل البشري، فإن العلوم ~~والآداب والفنون ثلاثة أشياء لكل منها حيزها الذي تستمد منه في كفاءات العقل الإنساني: فالعلم هو ~~ما بلغ حد اليقين الثابت في مجموعة من المقدمات تصح نتائجها في كل الحالات وتحت تأثير كل ظرف من ~~الظروف، والآداب كل ما تناول النظريات التي تحتاج إلى برهان يثبت صحتها، مضافا إلى ذلك الصناعات ~~الأدبية بفروعها، والفنون كل ما استمد من التصور والخيال. فالرياضيات التي يرجع فيها إلى حساب ~~العدد، والفلك الذي يرجع فيه إلى الرياضيات وإلى قياس الحركة، معتبرة من العلوم، بل قد لا نكون ~~مبالغين إذا قلنا: إنها كل ما أنتج العقل الإنساني من العلوم حتى اليوم. والاجتماع ومباحث ~~الأنثروبولوجيا وما إليهما من المباحث لا يمكن أن تعد علوما، كما أنها لا يمكن أن تعتبر من ~~الآداب، فهي بحكم هذا علوم ms001 لا تزال في طور التكوين. أما الآداب والفنون فمنزلتان تبعد أولاهما عن ~~العلوم بقدر ما تبعد الفنون عن الآداب. # نقدم بهذه الديباجة لأننا سنتناول الكلام في معضلات المدنية الحديثة من الوجهة الاجتماعية، ~~والاجتماع علم لا يزال في طور التكوين، ظهرت بوادره في مؤلفات هردر التي وضعها في فلسفة التاريخ، ~~وتطور في يد فولتير تطورا أسلم إلى أهل القرن التاسع عشر فكرات تركزت في عقل الفيلسوف أوغست كونت ~~بما أبرز لنا البدايات الأولية في المباحث الاجتماعية. # بدأ علم الاجتماع أشواطه الأولى بالنظر في الجماعات الإنسانية نظرا سطحيا صرفا، فكان ~~علما وصفيا تناول طبائع الشعوب وعاداتها ونظاماتها المدنية والأهلية والسياسية، ولكنه لم يبحث ~~في كيفية نشوء هذه النظامات إلا بعد أن وضعت علوم الحياة على أساس من التجاريب العلمية، أفسحت ~~للمباحث الاجتماعية سبيل النظر في الأسباب التي كونت الجماعات الإنسانية الأولى والأسباب التي ~~ساقت إلى تطورها ونشوئها، فكانت هذه المباحث خطوة كبيرة خطاها علم الاجتماع متدرجا في تلك السبيل ~~التي لا بد من أن تسلم به يوما لأن يكون من العلوم اليقينية الإثباتية بقدر المستطاع. # أكتب هذا بعد أن فرغت من قراءة كتابين في الاجتماع الإنساني: أولهما كتاب تاريخ النشوء ~~الاجتماعي للدكتور مولر ليير الألماني، والثاني كتاب الفساد والتجدد الاجتماعيان للدكتور أوستن ~~فريمان الإنجليزي. والمؤلفان على جانب عظيم من الكفاءة والقدرة على البحث في معضلات الاجتماع ~~العملي، وكلاهما واسع الاطلاع على معضلات علم الحياة (البيولوجيا) قوي الحجة في التدليل، ثاقب ~~النظر في الاستنتاج، ثابت القدم في الاستقراء، لهذا تجد أن اختلاف نظرهما في النتائج التي وصلا ~~إليها يحدث في نفسك أثرا قويا يحملك على الاعتقاد بأن المدنية الحديثة لم تصبح حلا موافقا ~~لطبيعة الإنسان خرج به من ظلمات الوحشية الأولى التي كانت تقف حائلا بينه وبين الارتقاء، بل ~~تعتقد أن هذه المدنية أصبحت بذاتها وعلى نظاماتها الحاضرة معضلة كبرى تسوق بالنوع الإنساني سعيا ~~في مدارج الانحطاط والفساد. # إن النظرة التي ينظرها رجل العلم الصرف في حالات الاجتماع مختلفة تمام الاختلاف عن نظرة ms002 الرجل ~~السياسي، كما أنها تختلف عن نظرة المصلح الاجتماعي، فإن المتضلع من علم الحياة (البيولوجيا) لا ~~يفكر إلا في القرون واللانهاية، ينظر في المستقبل وينظر في الماضي على نمط يكفي لأن يسقط أقوى ~~السياسيين تمكنا من عبادة الجماهير، فإن السياسي لا يهمه من شيء في الحياة إلا أن يرقب من أين ~~تهب رياح الجماهير في الغد، ولكنه لا يحفل بالتفكير فيما سوف يحدث في المستقبل، قريبا كان أم ~~بعيدا. كذلك يعتقد رجل العلم أنه لن يستطيع أن يغزو الطبيعة ويتسلط عليها إلا إذا مضى مطيعا ~~لنواميسها، وهو لن يعتقد أن الطبيعة البشرية يمكن أن تتبدل أو تتغير متطورة، حتى في خلال عشرة ~~قرون متوالية، إلا إذا تعهدتها يد الانتخاب الطبيعي؛ تنتقل بها من درجة ارتقائية إلى درجة أخرى ~~على تتالي الأجيال، فإن رجل العلم لا يؤمن بشيء إلا بما توحي إليه به مبادئ العلوم الثابتة التي ~~هو عاكف على درسها وبحثها، هو لا يخاطب العواطف ولا الشعور ولا المعتقدات التقليدية التي يمضي ~~عليها الناس عاكفين، بل يناجي أبا الهول الرابض في فلوات العالم المجهول، هو يناجي النواميس ~~العنصرية التي لن تكذب ولن تموه، تلك النواميس التي تتحكم في مستقبل الأمم والشعوب والأنواع ~~والسلالات المختلفة، كما تقتضي سننها الخالدة الثابتة، تلك السنن التي إذا سايرت الأحياء ~~مقتضياتها تطورت وارتقت، وإذا صادمتها واعترضت طريقها اضمحلت وفنيت. # على أن العلم لم يصل بعد إلى درجة من التأثير تمكنه من أن يشكل معتقدات الشعوب العملية في ~~الحياة على صورة ما؛ لأنه ظل طوال العصر الماضي بعيدا عن التأثير في ميدان السياسة، مقصيا به عن ~~المشاعر بتأثير الدين. غير أنك تجد اليوم أن كل ما قام في رءوس الناس من محاولة التوفيق بين العلم ~~وبين تقاليد أهل اليقين قد أهمل وترك في زماننا هذا، بل إن شئت فقل: قضي عليه قضاء تاما، فإن ~~العلم على الرغم مما يثبت فيه إقدامه من ميادين العمل الصرف، لم يؤثر أي أثر في ثبات المعتقدات ~~الدينية بصفتها عاملا نشوئيا ms003 في تطور الشعوب. نزع العلم نزعته المادية الصرفة عندما أخذ يقاوم ~~الأساطير والخرافات التي استمكنت من عقول الناس أزمانا متطاولة عريقة في القدم، لكنك تجد أن ~~العلم منذ أن حرر نفسه من أثر الأساطير ومعتقدات أهل اليقين، أخذ يخطو قدما بعد قدم نحو ~~الفلسفة، وأخذ ينتفع بكثير مما ذاع في أواسط القرن الثامن عشر من مذاهب الفلسفة المثالية في ~~ألمانيا وفرنسا. كذلك تحولت الموقعة من تناحر بين العلم والدين إلى شجار قوي قائم بين العلم وبين ~~النزعات الثورية التي تجفل من حكم العقل، والتي تعمل بكل ما في مستطاع القوة أن تؤثر إفسادا في ~~الجماعات الإنسانية وتحليلا من وحداتها المتجانسة، ولهذا تجد أن القائمين بغرس بذور الثورات ~~الحديثة غالبا ما ينفرون من ذكر العلم والعلماء، عاملين بأقصى مستطاعهم على هدم نتائج العلم ~~التي يخرجها المؤمنون بموحيات العقل؛ نابذين موحيات المشاعر؛ لأنهم في ثورتهم هذه لا يقومون في ~~وجه النظام الاجتماعي القائم وحده، بل يثورون ضد القانون الاقتصادي وضد الجمعية البشرية، ككائن ~~عضوي يرجع بنشأته إلى أعرق العصور قدما. # ومع كل هذا، وعلى الرغم من التطورات العظيمة التي انتابت الفكر الإنساني في خلال القرنين ~~الفارطين، تجد أن ميول الرأي العام لا تنفك مؤثرة في مباحث العلوم بما يعوق خطاها المنبعثة في ~~سبيل التقدم والاستكشاف العلمي، ولا مناص لنا من القول بأن أشد الباحثين استمساكا باستقلال رأيه ~~وأكثرهم تقديرا واحتفاظا بحرية تفكيره لا يمكن أن يخرج عن حكم الزمان الذي يعيش فيه والمؤثرات ~~التي تتناوح رياحها من حوله، فهو على الرغم من كل هذا صنيعة نشأته وعبد بيئته، فإن ذلك الحلم ~~اللذيذ الذي استقوى على الفكر الفرنسوي في أواخر القرن الثامن عشر، حلم أن الإنسان مستعد بطبعه ~~إلى بلوغ درجة الكمال؛ قد تحيز في عقول الباحثين بحيث أصبح المعتقد أن النشوء والارتقاء قانون ~~الطبيعة الثابت، وكانت مباحث «لامارك» الفيلسوف الفرنسوي الكبير مؤيدة لهذه الوجهة من النظر ~~الطبيعي. فلما أن انقلبت أساليب الحياة الحديثة في أوروبا عامة وفي غربيها خاصة، من حياة الهدوء ms004 ~~والسكينة التي ألفتها الجماعات هنالك طوال القرون الوسطى، إلى الحياة الاقتصادية الحديثة التي غشت ~~أوروبا في أوائل القرن التاسع عشر بحياة الإنتاجية الصناعية؛ وجد الناس في مبدأ التناحر على ~~الحياة الذي وضعه العلامة «داروين» أكبر نصيب يرضي النزعة الحديثة في الذهاب بالمنافسات ~~الاجتماعية إلى أبعد حد مستطاع؛ ليخلص كل شعب من الشعوب بحظه من الحياة، على قاعدة أن الحياة ~~عبارة عن تناحر يؤدي من طريق الانتخاب الطبيعي إلى بقاء الأصلح، على هذا المبدأ الذي أساءت ~~الجماعات فهمه وأساءت تطبيقه سارت المدنية الحديثة وعليه تسير. ~~(1) تاريخ النشوء الاجتماعي # يتخيل الدكتور مولر ليير النوع البشري خارجا من بداياته الفطرية الأولى حيوانا منحط ~~الصفات دنيء النشأة ماضيا في سبيل النشوء والارتقاء درجة بعد درجة وحالا بعد حال، متنقلا من ~~صورة إلى أخرى من صور الحياة، كان الإنسان في تلك الحال جاهلا كل الجهل ما ينتظره من ضخامة ~~المستقبل الذي هيأ له القدر أن يساق في سبيله، غير أنه مرت على الإنسانية في حياتها الأولى ~~فترات أدرك فيها الإنسان حقيقة الخطوة التي هو ماض في سبيلها، وعدت قوة إدراكه على حالته ~~اللاشعورية الأولى فأدرك أن له وجودا وأن له مستقبلا. ومنذ ذلك الحين تبدل الإنسان من ~~الاستهداء بقوة غرائزه بالاستنارة بقوة عقله ومداركه، وتبدل من حالة الجبر الغريزية بحالة ~~الاختيار الإدراكية؛ فأصبحت كل أفعاله قصدية غائية، بعد أن كانت فطرية لا إدراكية لا أثر ~~فيها لقصد معروف ولا غاية مرسومة، وكبر عنده الأمل في أن يصبح يوما ما قادرا على أن يضبط ~~مناحي تقدمه وأن يتحكم في درجات ارتقائه. غير أن هذا الأمل لم يتحقق حتى اليوم، ولن يمكن أن ~~يتحقق قبل أن نفقه تلك السبل المشعبة التي مضى فيها النشوء الاجتماعي متدرجا في عدد من ~~الحلقات المتباينة. على أن دكتور ليير ليعتقد بأن هذه الحلقات يمكن استكناهها، وأننا إذا وقفنا ~~على حقائقها وطبيعتها استطعنا أن نتخذها مطالع نرقب منها المستقبل. وهو يمضي في كل بحثه منتحيا ~~هذا المنحى متبعا وحي هذا القول في ms005 تفسير حادثات التاريخ الاجتماعي؛ فهو يحصر بحثه في التطور ~~الاقتصادي والأسرة والحكومة والعقل الإنساني والآداب والعدل والفنون، ويمضي في كل هذه الأبحاث ~~فائضا بآيات من الحق بينات؛ ليؤيد نظريته هذه من كل ناحياتها. # يعتقد دكتور مولر أن التهذيب العقلي حركة ارتقائية في مستطاعنا أن نتتبع آثارها منذ أن بدأ ~~الإنسان في الظهور فوق هذه الأرض متطورا عن الحيوانات الأدنى منه في سلم الطبيعة نسبا، فإن ~~استكشاف طرق التفاهم بالكلام واستحداث النار واستعمال الآلات ثلاث حوادث كبرى يمكننا أن ~~نعدها من بين الأشياء التي وضعت حدا فاصلا بين عهدين متباينين مر بهما الإنسان في سرى ~~تطوراته العديدة، فإن استعمال الآلات قد زاد عندما انتقل الإنسان من العصر الحجري إلى العصر ~~النحاسي مارا بالعصر البرونزي إلى عصر الحديد، ولقد استقر عصر الحديد على مدنية الآلات ~~الصناعية التي نستعملها في هذا العصر، على أنها مدنية حديثة كفى أن نعرف من حداثتها أنها لم ~~تبدأ في إنجلترا - وهي عنوان الإنتاجية الصناعية القائمة على استعمال الآلات الحديدية - إلا منذ ~~مائة وخمسين عاما لا غير؛ حيث نماها هنالك وأسس قواعدها عدة استكشافات متتالية كان من نتائجها ~~إحداث ذلك الانقلاب الصناعي الذي تقوم عليه مدنية القرن العشرين. ولقد ترى أن كل الجهود الآلية ~~التي تحتاج إليها الصناعات المختلفة آخذة في سبيل التحول من الاعتماد على عضلات الإنسان إلى ~~الاعتماد على قوة الآلات الميكانيكية المركبة، حتى قال دكتور ليير في ملاحظة فيها كثير من ~~الروعة والجلال إن نبوءة أرسطوطاليس كادت تتحقق في زماننا هذا، إذ قال في كتاب السياسة: «إذا ~~أصبح من الممكن أن تعمل أكرة المنسج من تلقاء نفسها وإذا أمكن أن يتحرك منقر القيثارة والزيثار ~~من تلقاء ذاتهما؛ لم يصبح هنالك من حاجة إلى العبيد ...» غير أنه يرى أن نشوء النظام الاجتماعي لم ~~يساير تقدم الفنون العملية، ولم يساو ارتقاء الحياة الاقتصادية عامة، ولهذا ترى أن العمال ~~الذين يعيشون من كد سواعدهم تلقاء أجورهم لا يزالون في حالة أشبه بحالات العبيد المسترقين ~~تماما، وهذه أكبر دلالة ms006 عند دكتور مولر على أن عصر الآلات المدني لا يزال في بدايته؛ لم ~~يدرج بعد من حجر الأيام. # ولقد أظهر من بعد ذلك أن نظام الرأسمالية قد نما وتكثر في ظل الإمبراطورية الرومانية، وأن ~~الثروات الفردية كانت تحت حكم هذه الإمبراطورية أكبر قيمة وأعظم كمية منها في كل الأزمان التي ~~تقدمت القرن التاسع عشر، ولكن أساس هذه الثروات كان قائما على جهد العبيد لا على الآلات. وكان ~~يحسن بدكتور مولر أن يقول من بعد ذلك بأن تقدم الآلات وارتقاءها قد عاقه ووقف في سبيله نظام ~~الرق واستعمال العبيد، وعلى هذا يلاحظ مستنتجا أنه كلما كان يفيض مد العبيد في روما كانت ~~تنحط الإنتاجية؛ لأن القدماء لم يكن من عاداتهم أن يناسلوا العبيد بعضهم من بعض في مرابط ~~(كمرابط الخيل) كما يفعل في هذا العصر المستنبتون في ولايات أمريكا الجنوبية، وبذلك يمكنهم أن ~~يزيدوا من عدد العبيد محتفظين منهم بعدد تتزايد نسبته الرياضية جيلا بعد جيل. ومنذ ذلك العهد ~~الذي تحطمت فيه الإمبراطورية الرومانية الغربية، حتى العصر الذي وقعت فيه ثورة الانقلاب ~~الإنتاجي؛ كانت الرأسمالية ضعيفة الأثر ضئيلة القوة مشلولة الساعد، فإن الكنيسة لم تهمل ساعة ~~واحدة أن تشن عليها الغارة تلو الغارة، وتنازلها في موقعة تلو موقعة، كما أن نظام ~~القطائع لم يوسع لها مجال التكثر والازدياد، والسبب في هذا راجع إما إلى أن الرغبة في الكنز ~~والاستجماع كانت في طبائع الناس خلال القرون الوسطى أضعف مما هي في العصور الحديثة، وإما أن ~~الظروف التي كانت تجعل استجماع الثروات المالية أمرا مرغوبا فيه لم تكن متوافرة في ذلك ~~الزمان. # ولا يذهب بك دكتور ليير بعيدا، بل يعود بك إلى سنة 1825 ليذكر لك أن أسطول «بريمن» - وهي ~~ميناء في شمال ألمانيا - لم يكن في تلك السنة ليزيد من حيث حمولة الأطنان على شحن باخرة واحدة ~~من البواخر التجارية التي تمخر الآن عباب البحار. ومن قبل أن يستخدم البخار ليقوم مقام عضلات ~~الإنسان والسوائم في إيفاء الصناعات بما تطلب من قوة، ms007 كان السواد الأعظم من العمال عبارة عن ~~مجموع من مهرة الصناع الذين يعتمدون على حنكتهم الذاتية وفنهم الشخصي، وكان كثير من الأسر في ~~مستطاعها أن تعيش منفردة من غير احتياج إلى مساعدة غيرها معتمدة على قوة الابتكار في أفرادها ~~ومرانهم على العمل والإنتاج، مكفية شر الحاجة مستقلة تمام الاستقلال في كل مرافق حياتها، فلما ~~أن أدركت مدنية القرون الوسطى ثورة العصر الاقتصادي، كانت الخطوة نحو التغاير والانقلاب مقدورة ~~على المتاجر القديمة التي نمت على مر القرون ونشأت كصناعات يدوية أولا؛ ثم تلتها المتاجر ~~الحديثة كتجارة المطاط والسكر والأعمال الكيماوية ثانيا؛ ثم خروج اليد العاملة من صناعات الغزل ~~والنسيج والدباغة وصناعة لبنات البناء والفخار ثالثا؛ وهي صناعات ظلت آلافا من السنين ~~عبارة عن صناعات منزلية عادية. ومن ثم اختفت الأسرة المعتمدة على ذاتها المكفية شر الحاجة ~~إلى غيرها المستقلة في إنتاجها؛ من عالم النظام الاجتماعي؛ لأن معامل الإنتاج الحديثة أخذت تحشد ~~العمال حشدا، وتوارت عن الأعين الأكواخ القديمة بمعداتها، من مطبخ ومعمل وحديقة، وعلى الجملة - ~~كما يقول دكتور ليير - إن الإنتاج الفردي قد أفسح المجال للإنتاج التعاوني، كما هدم مبدأ اقتسام ~~العمل حياة الصناعات اليدوية، وقضى على الفنان المنتج المستقل بذاته، فأصبح بذلك نجاح العصر ~~الرأسمالي بمقتضى هذا النظام قائما على ازدياد مقدار الصادر والوارد في التجارة. # يمضى دكتور مولر في مباحثه هذه شديد الاقتناع ثابت اليقين في مبدأ من مبادئ الفيلسوف ~~«عمانوئيل كانت»، إذ يقول: «إن أوجه التقدم كلما ازدادت سرعة قصرت صورها»، فهو لهذا يعتقد أن ~~الصورة الاجتماعية التي نعيش نحن اليوم مكتنفين بآثارها خاضعين لنظاماتها ستكون أقصر عمرا من ~~الصور التي تقدمتها؛ فإن حالات الاندماج والتخالط، وعلى الأخص بين رأس المال والعمال، تزداد ~~حدوثا، والإنتاج الاشتراكي الذي تلجأ إليه بعض الحكومات في بعض الظروف يزداد أهمية وخطرا. وما ~~منع الناس من تجربة التساكن التعاوني إلا قوة المحافظة في نظام البيت الاقتصادي، على الرغم من ~~أن التساكن التعاوني يعوض على النساء كثيرا مما يسرفن فيه من قوتهن العملية. غير ms008 أنه يعتقد أن ~~الصعوبة التي تحول دون إخراج مثل هذه المشروعات من حيز النظر إلى حيز الفعل، محصورة في حساسيتنا ~~الاجتماعية التي أصبحت فينا من المشاعر الوجدانية بحكم تراكم الطبقات الاجتماعية المقسومة في ~~مراتب تفضل إحداها الأخرى، وفي ذلك الميل المؤصل في فطرة كل أسرة من حب المعاشرة لطبقات ~~خاصة. # غير أنه يستحيل على الإنسان أن لا يشعر بحزن عميق صادق كلما ذكر أن الإنسانية فقدت المهارة ~~اليدوية في الصناع الفنانين بحكم ذيوع الإنتاجية الميكانيكية، فإن الهمج المتوحشين يحاولون ~~دائما أن يعرفوا من الرواد الذين يغشون مرابضهم عما إذا كانوا هم الذين صنعوا آلاتهم ~~ومعداتهم بمهارتهم اليدوية، ويدهشون إذا صارحهم أحد منهم بأنه لا يستطيع أن يصنع شيئا منها، ~~ولقد ذكر أحد السياح الإنجليز أنه رأى في جزائر تاهيتي أن الآهلين يمكنهم أن يصنعوا بيتا من ~~الأغصان وأوراق الشجر، وأن الكساء يصنع خلال نزهة قصيرة يقضيها الهمجي باحثا وراء الثمار في ~~غابة من الغابات، وقد تستولي على هؤلاء الهمج الحيرة والعجب إذا ما سمعوا بأن البريطاني ~~المتمدين يضطر حكومته لأن تنفق ألفا من الجنيهات تبذلها من جيب دافع ضرائبها لتعد له بيتا ~~يسكنه، وأنه يضطر إلى البقاء أشهرا بلا مأوى قانعا حتى يتم بناؤه. وفضلا عن هذا فإن الإنسان ~~في حالته الطبيعية الأولى يمكنه أن يختار شكل المعيشة التي تلائمه وأن يشغل نفسه فيما يستخدم ~~فيه كل قواه بالتساوي، فيحرك أطرافه كما يريد، وينبه قوة الملاحظة في خلايا مخه، ويستجمع قواه ~~العقلية ليدرك ما هو بعيد عن إدراكه كما يشاء، على العكس من الحالة المدنية في عصر الإنتاج ~~الميكانيكي، فإننا لا ننمو إلا من ناحية واحدة، فنصبح عبيد العمل لا أسياده المتحكمين فيه، إذ ~~يقضي أحدنا العمر يحفر أو يخرز أو يطلي أو يكتب أو يلاحظ آلة ميكانيكية، في حين أنك تجد ~~أن صيد السمك أو القنص البري، وهي من أولى الأشياء التي يعكف عليها الهمج، أصبحت في مدنيتنا ~~الحديثة من الملاهي التي ينعم بها ذوو اليسار. ~~••• # لا يبغض الدكتور ms009 مولر ليير من شيء أحدثته الإنتاجية الميكانيكية في المدنية الحديثة أكثر من ~~تلك النزعة التي أنبتت في النفس الإنسانية ما يسميه «البليونكسيا Pleonexia ~~»، وهي كلمة إغريقية معناها الطماعية والجشع، فإن هذه النزعة قد ~~خلقت عالما محوطا بالصعاب، محفوفا بالمخاطر، مشئوم الطلعة على الإنسان، بغيض النتائج، عالما ~~تنحصر الفكرة المستمكنة من عقول أفراده في أن الإنتاجية الصناعية هي كل الغرض من الحياة، وأن ~~الزمان عبارة عما يقاس بالكسب المادي، وهذه الطريقة «الأمريكانية» - كما يقول الألمانيون - قد ~~غزت أمم الغرب، وتمكنت من أخلاقهم، وانتشرت بينهم انتشار وباء مجتاح، وهي على الرغم مما تبث في ~~الجماعات من نشاط يفوق تصور الإنسان، بل يفوق مقدرته، وفضلا عن أنه لا يسعنا إلا الإعجاب بما ~~تبعث في الأنفس الخاملة من حب العمل والكسب؛ فإنها لم توفق إلى إحداث حالة تزيد من سعادة ~~الإنسان ورفاهيته، بل على الضد من ذلك لم تزد إلا من دناءات الحسد والغيرة الممقوتة. # والحقيقة أن التهذيب العقلي لم يزد نصيب الأكثرية من سعادات الحياة، بل أنقصها، وجعل حظها ~~أتعس مما كان، فإن الإنسان في حالاته الفطرية الأولى كان ذا قدرة على أن يستخدم كفاياته بما ~~يقتضيه ذوقه وترضى عنه ألفة حسه، كان بعيدا عن المفاجآت والمغامرات، مكفيا شر التفكير في ~~المستقبل، راضيا بما قسم له، قانعا بما بين يديه. في حين أنك ترى في الجماعات التي بلغت أرقى ~~حد من الإنتاجية الصناعية، أن جموعا من الناس قد حشدت في معامل خصص فيها العمل تخصيصا ~~حوط العاملين بسياج من الواجبات والقيود لا ترى لها من سبب إلا حب العناية بالإنتاج أو ~~الاستغراق في الطماعية والجشع الذي يملأ نفوس المنتجين، وكل هذا لا يخلق إلا جوا من الاضطراب ~~والقلق يرضى به الإنسان المتمدين مقسورا عليه، في حين أن الهمجي المتوحش لا يتصور أن يحوط ~~بجو مثله إلا وملء نفسه الجزع والاستكراه. # مع كل هذا يعتقد دكتور ليير أنه لا مفر من النتائج التي تترتب على هذه الحال؛ لأن الجماعات ~~التي بلغت من رقي النظام ms010 الاجتماعي أبعد مبلغ، هي التي تحوز أكبر قسط من فرص البقاء، بينا تجد ~~أن حظ الفرد في مثل هذه الجماعات لا أثر في صد هذا الأسلوب الاجتماعي عن الانبعاث في سبيله ~~المحتوم، خذ لذلك مثلا من حالة الجماعات في حياتها الفطرية الأولى، فإن أمة تتخذ استرقاق ~~العبيد صناعة، ويكون في مكنتها أن تعكف على مزاولة فن الحرب أكثر من غيرها؛ تكون أقوى ساعدا ~~وأشد بطشا من أمة تزاول مهنة الزراعة والاستنبات، كذلك الحال في الجماعات الحديثة، فإن أمة تزج ~~بالأكثرية من أبنائها في غمرات نظام إنتاجي تبعد أحكام اقتسام العمل فيه عن مقتضيات الطبيعة أشد ~~بعد، تستطيع أن تتفوق، لا بل تستطيع أن تفني أمة عكفت على وسائل في الإنتاج أدنى إلى ~~موحيات الفطرة، وأبسط نظاما، وإن كانت أجمل نسقا، فإن القوات العنصرية العمياء تتطلب الكمال ~~في النظام الاجتماعي، أكثر مما تؤيد مصلحة الفرد، على أن هذا الأسلوب قد بلغ بين الجماعات ~~الحيوانية مبلغا نراه قصيا، فإن خلية النحل تزودنا بدرس كامل في الاشتراكية الحكومية التي ~~وصلت إلى أقصى حد من النظام، بل بلغت بالتطور أرقى النتائج المنطقية. # يقول دكتور مولر بعد هذا: إن النوع الإنساني ثائر ثورة حقة ضد هذه الحال، فإن صرختي ~~«الفردية» و«الاشتراكية» ليستا إلا تعبيرين ينمان عما يتطلب النوع البشري من السعادة، أما إذا ~~أردنا أن نحلل طبيعة هاتين الفكرتين المتضايفتين، وأخذناهما على أن إحداهما تعبر عن نظام الحرية ~~والأخرى عن نظام العمل، اعتقدنا أن كلتيهما متممتان لبعضهما وأنهما ليستا متضادتين. ولا تسقط ~~قيمة الفرد إلا في نظر الحكومات المنظمة لتثير الحروب، فتحت نظام هذه الحكومات تضيع مصالح ~~الفرد، بل وتضحى حياته بلا حساب، أما العلاقات التجارية الدولية فتعمل دائما على أن توحد ~~بين أطراف المدنية المشعبة، فإذا بلغت هذه العلاقات مبلغا كبيرا، فإن الحكومات ينقلب نظامها ~~من نظام قائم على تنظيم قوات الحرب وتضحية المصالح الفردية إلى واسطة تعمل على زيادة رفاهية ~~الناس وسعادة الرعية، وبالأحرى ترتد الحكومات إلى وظيفتها الحقيقية التي تقوم من أجلها ms011 أصلا . ~~على أن هذا النظام لا يتحقق قبل أن تسود حالة اجتماعية ثابتة بعيدة عن التزعزع والقلق، وهو ~~يعتقد أن حالة الثبات الاجتماعي ممكن أن تتحقق في المستقبل القريب، أما معتقده هذا فيقوم على ~~سببين؛ الأول: أن أطراف العالم لم يبق فيها من شبر أرض غير مملوك لدولة من الدول، وهذا سبب من ~~أوجه الأسباب التي تمنع الحروب التناحرية على الاستعمار. والثاني: أن هنالك علامات تدل على نزعة ~~تعمل على تحديد النسل الإنساني بحيث لا يمضي الناس في أعقاب النسل إلى حد بعيد عن المقتضيات ~~الطبيعية والحاجات الاجتماعية، فإن دكتور مولر لموقن بأنه ما من شيء كان أبعث على حلول المصائب ~~والكوارث الاجتماعية بالمدنية الحديثة، وما من سبب شل حركة الثقافة والتهذيب الارتقائي عن أن ~~تنبعث في سبيل ترقية الإنسان وزيادة نصيبه من السعادة فوق هذه الأرض؛ بأعظم خطرا من ازدياد ~~نسبة النسل زيادة كبيرة في القرن التاسع عشر. # يقول الدكتور مولر: «عندما يصبح علم البحث وراء المؤثرات الاجتماعية بذاته مؤثرا ~~اجتماعيا، فهنالك يحق لنا أن نقول: إن النشوء الاجتماعي سوف يصل في المستقبل إلى نهايات لم ~~يتخيلها فكر من قبل، وإن خطأ النشوء سوف يسوق إلى عهد تسود فيه عوامل التهذيب العقلي الكامل، ~~بحيث لو وضعت عوامل التهذيب السائدة في عصرنا هذا بجانبها وقيست بها لظهرت كما تظهر غرارة ~~الإنسانية الأولى بجانب مدنيتنا الحديثة، فإننا كلما تأملنا من مآسي الحياة الإنسانية لا نلبث ~~أن نشعر شعورا صادقا يوحي إلينا بأن هنالك نزعة كامنة في تضاعيف الحياة تسوق بالبشر إلى أرض ~~المعاد والخلاص.» # على هذا نرى أن دكتور مولر ليير من أولئك الكتاب الذين يملأ التفاؤل صدورهم، ولذا فهو يختم ~~كتابه موقعا على نغمة دينية يرن صداها ضئيلا إذ تصدر من قلم رجل درس حالات الحياة المادية ~~درسا عميقا، ولم يتكون في عقله من أثر أثبت من أثر الاحتقار لتلك المعتقدات التقليدية التي ~~عاش الإنسان مستظلا بظلالها الوارفة في العصور الأولى. # كتب دكتور ليير مؤلفه هذا قبل أن تهب على ms012 المدنية عواصف الحرب العظمى، وتكونت عناصر آرائه ~~في ذلك الجو الذي كان يغشى الأفكار والعقول قبل سنة 1914، وما من أثر بارز محسوس يؤلف في العقل ~~كفاءة يقتدر بها على تحقيق ما بلغت إليه كارثة الحرب العظمى من تغيير وانقلاب في حياة الجماعات ~~الحديثة تغلغل إلى أغوارها واستعمق في صميمها؛ من تلك الحقيقة الملموسة، حقيقة أن في مستطاع كل ~~من درس المؤلفات الاجتماعية التي ظهرت خلال ربع قرن فرط من الزمان أن يعرف بغير كبير صعوبة ~~أيا من الكتب التي تتناول البحث في العلم الاجتماعي قد كتب قبل الحرب العظمى، وأيها كتب ~~بعد أن انجلت غمرتها، فإن هذه الحرب لم تقف آثارها عند ثل العروش واجتياح الأمراء، بل ثلت ~~عرش نظريات ومبادئ كان يعتقد الباحثون أنها ثابتة ثبات المبادئ الأولية في الرياضيات ~~والفلك. # يعتقد ليير - كما كان يعتقد كل الكتاب الاجتماعيين قبل وقوع الحرب العظمى - أن فكرة ~~النشوء التفاؤلية السائقة بالإنسانية إلى أبعد حد يستطاع تصوره من الارتقاء فكرة فرغ من ~~الكلام فيها، وأصبحت من المقررات الأولية في العلم الاجتماعي، وأن الطريق الذي شقته المدنية ~~للحيوان الناطق خلال الأزمان لم تكن القاعدة الثابتة فيه هي قاعدة التحول من حال التجانس ~~والغرارة إلى التنافر والارتقاء لا غير، بل كان طريقا تدرج فيه الإنسان من حالة اللاعقلية إلى ~~حالة عقلية نوعا ما في الحياة الاجتماعية، وأن عصر الإنتاج الصناعي المعتمد على الآلات ~~الميكانيكية إن ظهر في هذا العصر بمظهر نظام ينقص من سعادة الإنسان ويذهب بكثير من عناصر ~~رفاهيته؛ فإن هذا الانحراف المدني لا بد من أن يبلغ في عهد قريب حدا يصلح فيه خلله ~~ويقوم معوجه. كذلك تجد أن هذا المؤلف الكبير لم يسلم من التأثر بكثير من ترهات ~~«كارل ماركس» وسفاسفه، بدليل أنه كثيرا ما كرر في مواطن عديدة من كتابه هذا أن النظام ~~الاقتصادي القائم اليوم من شأنه أنه يزيد الغني غنى والفقير فقرا، في حين أن الإحصاءات التي ~~تناولت مسألة الدخل القومي في كثير من ممالك أوروبا قبل الحرب ms013 قد نقضت هذا الزعم نقضا تاما ~~وأبانت عن أخطائه، بل قضت على طائفة كبيرة من براهين الاشتراكيين والشيوعيين، تلك البراهين التي ~~كانت تتخذ لها هذه النظرية دعامة وسندا. # ولما أن حاول أن يضع حلا للمعضلات الاقتصادية الحديثة، لم يجد من نظرية يلجأ إليها سوى ~~نظرية الملكية الشعبية وإدارة الحكومة، وهذه نزعة غريب أن تصدر من مؤلف ألماني، فإنه مما لا ~~شك فيه أن الحكومة الألمانية قبل الحرب كانت أدق الحكومات إدارة وأثبتها نظاما، وكانت بعيدة ~~جهد البعد عن مواطن الضعف والإسراف التي جعلت صيحة الملكية الشعبية في إنجلترا نغمة مألوفة ~~وصرخة يؤيدها الواقع وتزكيها الحوادث، غير أن جدارة الحكومة في ألمانيا ونظامها كان راجعا إلى ~~قوة بناء هرمي مشيد من مجموعة من النظم البيروقراطية المتماسكة العناصر، يديرها رأس مفكر يقف ~~على قمة الهرم لا تحت قاعدته، ومع كل هذا فإن من المعترف به أن نظام ألمانيا الحكومي كان حجر ~~عثرة في سبيل نماء الكفايات الفردية وتمتعها بكامل حريتها التي تتطلبها حاجات التناحر في ~~المدنية الحديثة، كما كان حائلا دون حدوث ذلك التكافؤ الاجتماعي الذي يوفق بين الجماعات وبين ~~بيئاتها، تلك الصفة الخطيرة التي طالما فخرت بها أمريكا كميراث كبير ورثته عن المدنية ~~الأنجلوسكسونية. # أما وقد بلغ دكتور ليير من بحثه المستفيض هذا المبلغ، أما وإنه من أولئك النشوئيين ~~المتفائلين؛ فإنه لم يجد من مندوحة عن معاودة الكلام فيما سماه ب «البليونكسيا» أي الجشع ~~الاجتماعي، محاولا أن يثبت أن الإنسان سائر في طريق سوف يسلم به سريعا إلى التخلص من هذه ~~الرذيلة، التي يعتبر أنها غرس الإنتاجية الحديثة. غير أنك إن تأملت من حالات الإنسان خلال كل ~~أدوار تاريخه، لما أمكنك أن تحكم حكما صحيحا إذا ما أردت أن تنظر في الرجل الأوروبي الحاضر ~~متسائلا هل هو حقيقة أشد طماعية وأذهب في الجشع من أسلافه السابقين، أو أن هذه الصفة أمكن في ~~طبيعته مما هي في طبيعة الرجل الآسيوي أو الأفريقي؟ على أنك إذا أردت أن تبحث عن شخص فيه من ms014 ~~استعداد الإجرام القائم على الجشع قدر لا يجعله يتلكأ في قتل أعز صديق له طمعا في بضعة دراهم ~~معدودة؛ فإنك قد لا تعثر عليه في عواصم البلدان الصناعية، في حين أنه من السهل عليك أن تلتقي به ~~عند منقطع السبل وفي الوديان المعشوشبة الخصيبة؛ ذلك لأننا لا نستطيع أن نحد من رغبة ~~الإنسان في الكسب واستجماع الحطام بالتحكم في الظروف التي تزيد في الإنسان من تلك الرغبة، وها ~~نحن أولاء نرى أن صغار ملاك الفلاحين، حتى في مصر أودع البلاد طبيعة وأصفاها سماء وأسلسلها ~~للمنتجين قيادا وأرغدها عيشا وأسخاها أكفا، هم أجشع كل الناس وأشدهم طمعا وأحبهم للكسب ~~وأزهدهم في الإنفاق وأمعنهم في حب الاستجماع! # إن القاعدة التي تقوم عليها فكرة النشوء التفاؤلية في رءوس المفكرين في معضلات الاجتماع، هي ~~أن في الرذائل الاجتماعية ضعفا طبيعيا كامنا يسوق بها إلى حيث تفني إحداها الأخرى، كالنار ~~تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله. ومما لا مشاحة فيه أن هذه الفكرة لا تستند على حقائق قيمة، ~~وليس في التاريخ من شيء يجيز الاعتقاد بصحتها، فإن ازدياد أوجه التخالط والاشتباك في الأنظمة ~~الاجتماعية لا يدل دائما على أن هناك ارتقاء، إذا كنا نعني بالارتقاء مجرد الانتقال من حالة ~~تقل رغبة الإنسان فيها إلى حالة تزداد رغبته ميلا إليها، ولا يجب أن يعزب عن أفهامنا مطلقا ~~أن تشابك حلقات الأنظمة الاجتماعية وازدياد تنافرها إن هي إلا حالة لن يبرر فرضها على جمعية ~~ما إلا أنها ذات صفات تزيد من فرص البقاء للجماعات. وليس لدينا من مبرر يجعلنا نعتقد بأن ضروب ~~الإصلاح الاجتماعي واقعا في جماعات بلغت من نظام الإنتاجية الصناعية أقصى مبلغ؛ قد يمكن أن ~~تلائم مقتضيات الحياة من غير أن تضعف من تلك الكفايات العليا التي يرجع إلى قوتها بقاء الجماعة ~~في ذاته. هذه المسألة في الواقع معضلة المعضلات الاجتماعية، هي معضلة يجب أن يصل المصلحون إلى ~~حلها، على أن حلها لا يقتضي مطلقا أن نعتقد كما يعتقد دكتور ليير في أن هنالك ms015 قوة خفية قد فرضت ~~وقدرت أن الإنسانية لا بد من أن تسير إلى حد الكمال في النظام الاجتماعي. # وكثيرا ما ينسى الاجتماعيون أن الحيوانات الاجتماعية التي بلغت من الرقي الاجتماعي مبلغا ~~قصيا، كجماعات النحل والنمل، لا بد من أن تكون قد مرت بدور تتابعت عليها فيه صور النشوء ~~والارتقاء دراكا وانتابتها سراعا، حيث تطورت حياتها الاجتماعية إلى ما نرى اليوم في نظامها ~~من تشابك واختلاط، ثم مضت من بعد ذلك ثابتة غير متغايرة محتفظة بنسبة متوازنة من النظام تلوح ~~كأنها خالدة لا تتغير. ومن الراجح أن يكون النوع الإنساني قد مرت عليه ألوف الألوف من الأعوام ~~محتفظا بطابع ما من غير أن ينتابه أي تغاير، وأن روح التقدم المتوثبة التي كانت ثائرة مطاوعة ~~لسنن النشوء والارتقاء في حالات عدم التكافؤ بين الأحياء وبيئاتها؛ قد هدأت ثورتها عندما بلغ ~~الإنسان حدا من الرقي أصبح عنده أكثر ألفة مع ما يحيط به من ظروف البيئة. نقضي بهذا بعد أن ~~وقفنا على كثير من صور الانحطاط والفساد الاجتماعي التي نمت عليها حالات الحرب العظمى، فأظهرت ~~خفاياها وأبانت عن سوآتها في كثير من بقاع العالم المتمدين وغير المتمدين، وتلك حالات أضعفت من ~~حسن ظننا في مستقبل النوع الإنساني بقدر ما أفسح كمونها وعدم وجود الظروف التي تظهرها المجال ~~لأبناء الجيل السابق في التفاؤل وحسن الظن، فقد ثبت الآن أن ذلك الارتقاء الذي عاش أهل القرن ~~التاسع عشر معللين أنفسهم بأن يبلغ أبناؤهم إلى قمته العليا في فاتحة القرن العشرين، وذلك الأمل ~~الذي رقبه الذين ضمتهم من قبلنا عصور التراب في الماضي القريب؛ كان: # كأنه برق تألق بالحمى # ثم انطوى فكأنه لم يلمع # وما من شك يدور بخلدنا في أن الأستاذ ليير ينزع إلى الأفكار الاشتراكية المتطرفة في كثير من ~~أبحاثه، فإن التفاؤل المطلق في مستقبل النوع الإنساني كان بلا أدنى ريب ميراثا تنقل من جيل ~~إلى جيل حتى تركز في آخر حالاته على صورة تضخمت في رءوس الشيوعيين، وتراثا ورثه «كارل ماركس» - ~~علم المدرسة ms016 الاشتراكية الحديثة ومؤسس دعائمها - عن معتقدات أهل القرون الوسطى، ولهذا ترى أن ~~روح التعصب المذهبي فائضة من نواحي هذا المذهب، كما ترى أنه بعيد جهد البعد عن مطاوعات الشك ~~واللاأدرية. # والحقيقة أن المفكر قبل سني الحرب العظمى كان يقف حائرا بين عاملين فكريين يتجاذبان عقله: ~~عامل التفاؤل وعامل التشاؤم في مستقبل الجماعات الإنسانية، أما وقد نمت كوارث هذه الحرب عن ~~الخلق المؤصل في تضاعيف الفطرة الإنسانية، وأبرزت الإنسان مجردا عن أثواب المدنية وعلى نفس ~~الصورة التي تصورها لنا حالاته الفطرية الأولى، حيوانا جشعا مسفا خارجا من جوف الطبيعة ~~ثائرا ضد كل ما فيها حتى نوعه الذي ينتمي إليه، حاملا فوق رأسه منجل الحصاد يحصد به الأنفس ~~البشرية، وفي يده آلات الهدم والتخريب، نابذا كل تقاليد الشرائع الأدبية؛ فهنالك لم يبق من ~~مجال يوسع لشعور التفاؤل أن يستقوي في الفكر على شعور التشاؤم في مستقبل الإنسان. # وما لنا ولهذا؟ فكر ساعة في أن تقل مواد الغذاء إلى حد الندرة وتخيل حال الإنسان واقعا ~~تحت تأثير مجاعة تحدث فجأة، فماذا تتصور؟ تتصور أن الإنسانية التي يلوك أفرادها مبادئ الأديان ~~بأفواههم، ويحركون شفاههم بكلمات الآداب والمثالية وما إليها، لا تمضي وادعة إلا بعد أن تمتلئ ~~بطون أفرادها خبزا وإداما، وما بالتطبع يتغير وما بالطبع لا يتغير. # لقد قلت الثقة بفكرة التفاؤل في مستقبل النوع الإنساني، ولا يدلك على هذا مثل وقوفك على ~~رأي الأستاذ «بيري» في كتابه «فكرة التقدم الإنساني: بحث في أصلها ونشوئها»، فإنه يقول في مقدمة ~~كتابه هذا: # إن الأمل في بلوغ درجة من درجات السعادة فوق هذا السيار تنعم بها الأجيال المستقبلة ~~أو حالة يمكن أن نعتقد نسبيا أنها سعيدة؛ قد حل محل الأمل في المتعة بنعيم الآخرة. على ~~أننا رغم ما نجد من أن الاعتقاد في خلود الشخصية لا يزال معتقدا شائعا حتى اليوم، لا ~~يسعنا إلا أن نقول بجانب هذا: إن ذلك المعتقد لم يصبح الفكرة الأساسية المسيطرة على الحياة ~~العامة، ولم يعد بعد ذلك المقياس الذي تقاس ms017 به كل التقييمات الاجتماعية، فإن كثيرا من ~~الناس ينكرون صحته وكثيرا غيرهم يعتقدون أنه من الشك بحيث لا يصح أن يكون المحور الذي تدور ~~من حوله أفكارهم، وتتأثر به مشاعرهم ومقومات حياتهم. ولا مشاحة في أن الذين يؤمنون بصحة ~~هذا المعتقد هم الأكثرية، غير أن درجات الاعتقاد تختلف ويصعب أن يعد مخطئا ذلك الذي ~~يقول بأن هذا الاعتقاد لا يمضي مسيطرا مستبدا بأمره في تصورات الآخذين به، حتى إنك لتجد ~~أن عواطفهم وانفعالاتهم لا تنعكس عليه إلا واهنة ضئيلة، وإنهم يشعرون بأنه أدنى إلى جانب ~~النؤية والشك، كما تجد أنه قلما يكون تأثيره على السلوك أقصى مدى من تأثير تلك ~~المناقشات العميقة التي تحشى بها كتب الأخلاق بما يتخللها من الأدلة والبراهين. # ثم يقول: # إن النقد الذي وجه إلى بضع صور استحالت إليها فكرة الارتقاء وإلى بضعة براهين أقيمت ~~لتأييدها؛ لا يصح أن يتخذ دليلا ينفي صحة الفكرة، غير أني أذكر ملاحظتين: فإن الشكوك التي ~~نثرها مستر «بلفور» حول فكرة الارتقاء منذ ثلاثين سنة مضين في خطاب فلسفي ألقاه في ~~«جلاسكو» لا تزال قائمة بكل ما كان لها من قوة، ولم ينقضها أحد من الباحثين. كما أنه يغلب ~~أن كثيرا من الذين خيل إليهم منذ ست سنوات مضين - كتب هذا سنة 1920 - أن المدنية ~~الغربية ستأخذ في دور الفساد والانحلال السريع، لا بتأثير القوات العنصرية بل بتأثير بلوغها ~~حد النماء الممكن لها، ويعتقدون الآن بأن ما خيل إليهم كان وهما؛ ليشعرون اليوم بأنهم ~~أقل ثقة بالمستقبل مما كانوا من قبل، على الرغم من أن الأمم العظمى قد كونت عصبة لتحول ~~دون الحرب، تلك العصبة التي يقول دعاة الارتقاء وأنصاره إنها أكبر الخطوات التي خطاها ~~الإنسان نحو المثل الأوتوبي. # لكل حركة فكرية كما لكل حادث من حوادث الطبيعة أثران: أحدهما إيجابي والآخر سلبي، ولا يقتضي ~~هذا النظام أن يكون الإيجاب خيرا وأن يكون السلب شرا على تتالي الحوادث وتوالي خطوب الزمان، ~~فقد يتفق أن يكون عكس هذا صحيحا، وقد يتفق أن ms018 يكون أثر السلب خيرا وأثر الإيجاب شرا، تستبين ~~ذلك إذا ما نظرت في فكرة التفاؤل في مستقبل الجماعات الإنسانية من جهة تأثيرها على الأخلاق، فإن ~~هذه الفكرة بقدر ما جرت جماعات الإنسان في مدنيته الحديثة إلى معارك ممضة معنتة تحت ~~تأثير فكرة أن الرقي المنشود معقود على ارتقاء الإنتاجية الصناعية والتناحر الميكانيكي، فأفسدت ~~أوجه الارتقاء الحقيقي وقذفت بالإنسانية إلى أوعر المزالق؛ قد غيرت من قانون الأخلاق تغييرا ~~كبيرا. وفي ذلك يقول الأستاذ «بيري» في كتابه الذي مر ذكره: # تحت تأثير فكرة الارتقاء تحور قانون الأخلاق في الغرب خلال العصور الحديثة خضوعا ~~لمبدأ ذي مكانة عظمى، يمت إلى هذه الفكرة بآصرة ونسب، فإن «إيزوقراط» عندما وضع حكمته ~~المعروفة «اصنع بغيرك ما تريد أن يصنع غيرك بك» لم يفكر هنيهة في تطبيق حكمته هذه على الهمج ~~والعبيد، بيد أن الرواقيين والمسيحيين طبقوها على كل الإنسانية، ولكن هذه القاعدة قد بلغت ~~في العصور الحديثة مدى قصيا لم تبلغه من قبل، بأن وسع تطبيقها أجيال المستقبل التي لم ~~تتمخض عنها الأيام، فإن مبدأ الواجب نحو الأعقاب والخلائف ليس إلا تاجا توج به المحدثون ~~فكرة الارتقاء، فكثيرا ما علت الصيحة خلال الحرب العالمية بمبدأ التضحية في سبيل القرون ~~المقبلة، مستمدا من تلك الفكرة. فإذا قابلت هذا بالحروب الصليبية، وهي أخص الحروب التي ~~قام بها أسلاف أهل الغرب في القرون الوسطى؛ وجدت أن فكرة النهاية الإنسانية والغايات ~~الأخروية، وكانت آخذة بزمام العقول، قد دفعتهم إلى مزالق أمضتهم فيها المشاق، وابتلعتهم ~~من فوقها لجة الموت في جوفها العميق. # وما من شك يدور بخلدنا في أن صيحة التضحية في سبيل الأجيال المستقبلة صيحة مثالية فيها كثير ~~من طلاوة الفضيلة وروعة الأخلاق العالية. ولكن ألا يجوز أن هذه الصيحة لم تكن إلا صيحة اليأس ~~الذي يهيج في الأنفس كوامنها فتلجأ إلى المثاليات السقراطية كلما أعوزتها الانفعالات في سبيل ~~الوصول إلى غرض ما، فإن الخوف واليأس - كما يقول «ليكي» - أبلغ من الحب في النفس أثرا؟ وأليس ~~من الجائز أن هذه ms019 الصرخة لم تصدر إلا عن قلوب لا تعي من معناها إلا بقدر ما تعي الألسن التي ~~تحركت بها، والأقلام التي خطتها على الورق؟ على أن في هذا المبدأ، مبدأ التضحية في سبيل الأجيال ~~المقبلة، لقسطا عظيما من غموض الغيبيات وإبهام ما بعد الطبيعة، فمن أين أتى للذين يضحون ~~بأنفسهم على شفار السيوف بأن الأجيال المقبلة جديرة بأن تضحي في سبيلها الأنفس، مبيعة بيع ~~السماح في ميادين حروب لا نعرف بدورها إن كانت سعودا أو نحوسا على ما سوف يخلق من أجيال ~~الإنسانية؟ إن في ذلك لكثيرا من مواطن الشك، على أننا نأمل أن يكون شكنا قائما على غير أساس، ~~وعسى أن يجد في حالات الاجتماع خطب يوقظ الجماعات من رقدتها، ويفيقها من سباتها العميق. ~~(2) الفساد والتجدد ~~(2-1) في الاجتماع # يمثل الدكتور أوستن فريمان تلك المدرسة الحديثة التي تفكر في الحالات التي قامت بعد الحرب ~~العظمى، وانبعثت في التأمل من حالات اجتماعية على اعتبار أن هذه الحرب قد وضعت حدا فاصلا ~~بين عهدين، ثبت الناس في العهد الأول منهما على فكرات نقضها العهد الثاني، وذهب بأثرها من ~~عالم الفكر كنظريات يمكن تطبيقها على الحالات الاجتماعية، أو مبادئ يستطاع على الأقل أن تتخذ ~~قواعد لوضع نظريات حديثة في المدنية الإنسانية، وأي مظهر من مظاهر المدنية الحديثة يسترعي ~~انتباه الباحث أكثر من استبداد الآلات الميكانيكية بالنوع الإنساني تستعبده استعبادا وتمضي ~~مؤثرة في بيئته الطبيعية التي خلقتها حاجاته منذ أبعد العصور؟ لهذا ترى أن الأستاذ فريمان لم ~~يدر في كتابه حول محور آخر، بل أخذ يدور في دائرة من البحث، مركزها تحكم الآلات الميكانيكية ~~في حياة الإنسان وما تحدثه حياة الإنتاجية الميكانيكية في البيئة التي تحوط جماعات المدنية ~~الحديثة من الآثار السوأى، فإن نصيب العضلات والقوة الحيوية من التأثير في الإنتاج الصناعي ~~أخذ يقل بنسبة سريعة خلال القرن الفارط، في حين أن العمدة في الإنتاج منذ مائة عام لم تكن ~~لترتكز على شيء سوى النشاط الإنساني والجهود العضلية التي كان يبذلها الأفراد في سبيل ms020 ~~الإنتاج، أما اليوم فإنك تجد أن الآلات المركبة قد أخذت تجد مكانا حتى في أقل الصناعات ~~احتياجا لجهود الإنسان، وكذلك الحال في النقل فإن السياحة والانتقال من مكان إلى آخر وحمل ~~الأثقال لم يكن يعتمد فيها إلا على السير على الأقدام أو على ظهور الدواب الداجنة، وكان ~~أجدادنا الأقربون لا يفكرون هنيهة في سياحة يبلغ مداها ثلاثين ميلا إلا كما نفكر نحن في ~~الانتقال مستقلين وسيلة من وسائل النقل الحديثة ميلا أو ميلين داخل مدينة مهدت فيها الطرق ~~وسلكت فيها السبل ذللا، بل إننا نفضل أن نمتطي عربة أو سيارة، على أن نمشي بضع مئات من ~~الأمتار، هذا على الرغم من أنه من الذائع المعروف الآن في العلم الطبيعي أن إغفال الخاصيات ~~وإهمالها ينتج فقدان الخاصيات ذاتها، بل ويمضي بالأعضاء في سبيل الضمور والزوال. # إذا استطعت أن تحضر من مرابض أفريقيا القصية رجلا همجيا لم يستشم من ريح المدنية ~~شيئا، وأخذت بيده إلى ملعب من ملاعب الرياضة ورأى إخوانه أبناء المدنية الحديثة يقفزون فوق ~~قطع الخشب، وآخرين يتسابقون، وغيرهم يحملون الأثقال وقطع الحديد ليمرنوا عضلاتهم على نسق خاص ~~وليوقظوا فيها خصائصها الطبيعية؛ لما كان أشد عجبا من شيء يراه في مدنيتنا الحديثة من منظر ~~هؤلاء المتريضين؛ لأن ما يفعله هؤلاء بحكم مدنيتهم يفعله هو بحكم طبعه مختارا وفي أي وقت ~~يريد. # أترك هذا إلى الأيدي العاملة في معامل الصناعة، فإن هؤلاء العمال لضحايا تقدم قربانا ~~على مذبح الآلات الميكانيكية، فما منهم إلا المريض المعتل الضعيف التكوين المضمحل البنية ~~المنحل التركيب، والأكثر فيهم عجاف الأجسام صغار الأحلام، أخذ منهم الهزال والضعف مأخذا ~~كبيرا، وقد فسدت أسنانهم فما تجد منهم إلا مصابا بمرض في الأمعاء أو اضطراب في الجهاز ~~الهضمي، أما نسبة الوفيات بينهم فأزيد كثيرا مما هي بين قطان الأقاليم الزراعية وأهل ~~الريف. نضيف إلى ما يقرره هنا الدكتور فريمان أن الإحصاءات الحديثة الموثوق بها قد أثبتت بما ~~لا سبيل إلى إدحاضه أنه على الرغم من تقدم العلوم الطبيعية ووسائل العلاج ms021 في العصر الحديث ، ~~فإن الأمل في ازدياد متوسط عمر الإنسان لأكثر من ستين عاما بين كل طبقات المجتمع على الإطلاق ~~قد ضعف عما كان منذ نصف قرن فرط من الزمان، وذلك دليل قاطع على أن جماعات المدنية الحديثة ~~لا تعيش عيشا توافرت فيه الشروط الصحية كما يخيل إلى بعض الناس، وعلى هذا ترى أن المدنية ~~الحديثة، وهي مدنية المدن المحشودة بالسكان، لم تكن إلا فشلا عظيما أصاب الإنسان إذا أنت ~~نظرت فيها من الوجهة الصحية الصرفة. ~~••• # ينتقل دكتور فريمان بعد هذا إلى النظر في حالات التقدم الإنساني، فيرى جليا، ويرى بحق ~~أن للتقدم البشري مظهرين: فهو إما راجع إلى تغايرات تنتاب البيئة بما فيها ما استخزنته ~~الطبيعة الإنسانية من تجاريب الماضي والمران المتوارث على مدى الأزمان، وإما إلى تلك ~~التغايرات التي انتابت تكوين الإنسان وكان من شأنها أن تذهب به متنقلة في درجات متتابعة من ~~التهذيب والارتقاء. وهو يعتقد فوق هذا أن هذين الوجهين يسيران متساندين ويمضيان متكافئين ~~تأثيرا في الجماعات. # فالتطورات الداخلية التي انتابت الإنسان وغيرت من صفاته الكامنة، وعلى الجملة ضروب ~~التهذيب الارتقائي التي طرأت عليه تكوينيا ومورفولوجيا، كانت في معتقد دكتور فريمان كبيرة ~~بالغة الأثر، وجائز في رأيه أن تكون قد تعاقبت عليه سراعا وانتابته دراكا عندما بدأ شوط ~~الخروج من عالم الحيوانية إلى عالم الإنسانية الفطرية الأولى. أما صور التهذيب والتكافؤ ~~الخلقي التي كانت ذات أثر واضح وطبيعة حاسمة في تكوين الطبيعة الإنسانية، فترجع إلى حدوث ~~تغايرات ثبتت في تضاعيف الفطرة البشرية، وكان من طبيعتها أن ترفع مستوى الإنسان إلى منزلة بدأ ~~يدرك عندما بلغها كيف يستطيع أن يخضع العناصر الطبيعية لقوة إدراكه. غير أنك إذا رجعت النظر ~~كرة في الماضي البعيد، أي إلى ذلك الماضي الذي يعود بك إلى عهد يفوق هذا العهد الذي وصفناه ~~ضربا في أحشاء الدهور ويبزه عراقة في القدم؛ رأيت أن أوجه الارتقاء الإنساني كانت ترجع ~~إلى تأثير البيئة وفعل الوسط الذي أحاط بالجماعات الإنسانية في حياتها الوحشية الأولى. أما ~~التغايرات ms022 التي وقعت على تلك الصلات التي ربطت الإنسان بما أحاط به من ظروف البيئة ومؤثراتها، ~~فإن التأمل فيها باعث على أشد العجب، مثير لأبلغ حالات الحيرة. # إن ذلك الحيوان الأنسل الذي درج من حجر الطبيعة وخرج من جوفها خفية متسللا إلى عالم ~~الوجود، معرضا لقواسرها، قليل الحيلة، ضعيف الأمل في الحياة، وأخذ يجوب سطح هذا السيار ويطوي ~~سهوله وحزونه، ويتسلق جباله وتلاله، وما إن تراه في جماع ذلك إلا ألعوبة العناصر تتناوح من ~~حوله رياحها العتية، وتحوطه بويلاتها وكوارثها، وما إن تجده إلا ألهية الطبيعة وفريسة ~~السباع والضواري التي كانت تفوقه قوة وبطشا؛ هو بذاته الإنسان الذي بنى عظمة المدنية التي ~~تحف بك روعتها، وهو الذي استجمع كنز المعرفة وراثة عن جيل بعد جيل، فأخضع به هذا العالم ~~الصغير الذي نعيش فيه، وسخر لمشيئته كل ما أحاط به من صور الحياة، بعد أن كان من أضعف ما فيها ~~قوة، وأقلها حيلة، وأوهنها في الجلاد سلاحا، وبعد أن عاش أزمانا مديدة لا يدب في منكب من ~~مناكب الأرض إلا متخيلا أن أسباب الموت تمتد إليه من كل مكان متعقبة خطاه أينما حل وكان، ~~مقتفية آثاره في الإصباح والعشي، هابطة عليه من السماء، فاغرة عليه أفواهها من الأرض وكل ما ~~فيها من الحيوان والنبات والصخور والبحور والعناصر. # هذا الحيوان الضعيف يحفر الآن الأرض بالغا إلى أغوارها القصية ليستخرج كنوزها، ويطوي ~~بيدها وفيافيها، ويمتطي طبقات هوائها يجتازها بسرعة، يتخيل معها أقصى الحيوانات سرعة وأبعدها ~~على العدو قدرة أنه ثابت لا يتحرك، ويغوص البحار إلى أبعاد لا يستطيع الحوت أن يبلغ إلى ~~أعماقها، ويغشى الجو إلى ارتفاعات ما عرفها النسر ولا ارتادتها العنقاء. # أما في أزمان السلام والأمن، فكثيرا ما تعددت الفوائد التي يجنيها الإنسان من هذه ~~المخترعات، وغالب ما نتصور أن المدنية لا بد من أن تتأثر بالمستكشفات الحديثة إلى حد ينتقل ~~عنده الإنسان إلى تلك الحال التي نشدها الفلاسفة، وخص بالبحث عنها منهم ديوجينيس، نظل ~~على هذا الاعتقاد ونمضي عليه عاكفين ما ms023 رفت أجنحة السلام فوق رءوسنا، فإذا نفخ في صور ~~الحرب ودقت طبول الجلاد، تنبهت فينا غريزة القتال بعد كمونها، وتيقظت فطرة التوحش في ~~الحيوان الناطق فهب يدرع الحديد، وتوثب يمتطي السحاب، لا لشيء إلا ليظفر بأخيه الإنسان ~~قتلا وتقطيعا. على أن ويلات الحرب في العصر الحديث لم تتناول الجند المسلح وحده، بل تعدت ~~إلى غير المحاربين من أبناء آدم، ودارت على الشيب والأطفال والنساء الوادعات رحى تطحن ~~ثقالها ما ألقمت، وتهصم لهوتها ما ألهمت، ونارا تحصد ما جمع العمل والسعي، ويدا ~~هوجاء تبدد ما جنى الجد والكد، لواحة للحطام والبشر، لا تبقي ولا تذر. كل هذا لا تنتجه إلا ~~مخترعات العصر الحديث التي نتصور في عصر السلام أنها من نعم العقل الإنساني على المدنية، وما ~~هي في حالات الحرب إلا نقمة الطبيعة على ابنها الثائر عليها، الخارج على سلطانها. # أما اختراع الطيران فيعتقد الدكتور فريمان أنه من أشد نقم العقل على الإنسان، ومن أخطر ما ~~أخرج الفكر من مخترعات على المدنية ذاتها، بل ونزيد على هذا أنه أشد سلاح تذرع به القوي ~~قضاء على حرية الضعيف، وأقوى وسيلة تسلحت بها النزعات البشرية الهوجاء لترضي ما فيها من ~~نهمة القتل ونزوات التفظيع من المحاربين وغير المحاربين. # كذلك هو على اعتقاد من أن الانغماس في الترف واللذائذ وإرضاء الشهوات ليست إلا وسائل نمضي ~~من طريقها ممعنين في زيادة تأثيرات البيئة في كياننا، ولهذا تراه يمضي معجبا تياها ~~بكلمة ديوجينيس إذ يقول: # إن ثروة الإنسان يجب أن تقاس بنسبة عدد الأشياء التي يستطيع أن يعيش من غير احتياج ~~إليها. # فإن دكتور فريمان ليعتقد اعتقادا لا يوهنه شك ولا تحف به ريبة في أن استجماع ~~الثروة وتكثير العدد من غير أن يرتقي الفرد أخلاقيا وعمليا لا يسوق إلى السعادة، بل ولا ~~يؤدي إلى الطريق التي تسلم إليها. ~~••• # النظريات التي تقوم عليها الحكومات وطرق التنفيذ الإدارية قد اقتسمت في رأي دكتور فريمان ~~بين فئتين: فإما اجتماعيون تنطسوا في العلم وفقدوا القوة، وإما سياسيون تمتعوا بثمار ms024 ~~القوة وفقدوا العلم ، ولذا تراه يقول: # إن الرجل السياسي الممتهن لحرفة السياسة، ذلك الذي خلقته نظامات الديمقراطية ~~الحديثة، يختلف كل الاختلاف عن بقية كل ذوي المهن، غير أنه لا يمتاز عليهم بشيء إلا بأنه ~~فاقد لكل الصفات التي تؤهل به لأن يكون في منصبه ذا نفع للرعية التي يوكل إليه أمر تدبير ~~شئونها. # فإن كل ما يحتاج إليه رجل السياسة في العصر الحاضر من علم، وكل ما في مستطاع دور النيابة ~~أن تزوده به من تجاريب الحياة؛ ينحصر في أن يفقه كيف يعتلي المنصب وكيف يحافظ عليه بعد أن ~~يصبح في قبضة يده، هو بعيد عن حكمة التشريع، ناء عن فلسفة السياسة وفق إرادة الشعوب وحكمها. ~~فإنك إن أردت أن تتخذ من الحالات القائمة في إنجلترا مثلا تضربه لفوضى النظامات الديمقراطية ~~الحديثة، لما وجدت من مثل أبلغ من أن تعرف أن كرسي رئيس الوزارة في إنجلترا أو رئاسة ~~إمارة البحر فيها معد منذ اليوم لصانع أحذية أو جامع حروف في مطبعة أو عامل في مصنع خمر ~~أو سمسار في بورصة الأعمال، هذا في زمان تزداد فيه سلطة الحكومات على الأفراد والجموع حينا ~~بعد حين. ~~••• # يمضي بك دكتور فريمان بعد هذا إلى البحث في حالات الإنتاج، وينظر نظرة عميقة في نظرية ~~اقتسام العمل في المدنية الحديثة؛ ليقول لك في النهاية إن الأساس الذي قسم به العمل في ~~الانقلاب الإنتاجي الأخير كان من شأنه أن يقضي على الفنان القديم، فلست تجد اليوم عاملا في ~~مصنع أحذية في مستطاعه أن يصنع حذاء كاملا، حتى في مدارس الفنون فإن النشء لا يتعلمون فيها ~~كيف يصبحون فنانين، بل لا يتعلمون إلا ليكونوا مديري معاهد تعلم الفن، ولست تجد أن الحال ~~بأمثل من هذا في مدارس الصناعة. # يعرف كل الباحثين في الحالات القائمة اليوم في نواحي العالم أن الإنسان لا يقف على حقيقة ~~ما تتضمنه إدارة الحكومات من إسفاف وإسراف وعجز، إلا إذا قاس ما فيها من جماع هذه الصفات بما ~~في الإدارات الفردية التي يقوم ms025 بها الأفراد المستقلون من نظام وجدارة وحسن إدارة، فإن كل رجال ~~العمل الذين رافقوا الجيوش في الحرب الأخيرة والذين قلما عرفوا شيئا من أحكام الإدارة ~~الصحيحة، قد أجمعوا على الاعتقاد بأنه إذا قدر على مصنع من المصانع أن يدار على نفس ~~القاعدة التي كان يدار بها الجيش المحارب، فإنه لا بد من أن يتردى في مهاوي الإفلاس بعد أسبوع ~~واحد من الزمان. ومع كل هذا فإنا نسمع صيحة الملكية الشعبية وإدارة الحكومات رانة الصدى ~~بعيدة الغور في الأسماع، وما هي إلا صيحة لا تؤدي في فهم دكتور فريمان من معنى إلا معنى ~~التبدل من نظام دلت التجاريب على صلاحيته وثباته كوسيلة للإنتاج، بنظام لم تقم من تجربة واحدة ~~على أن فيه صفة واحدة من الصفات التي تضمن له النجاح. # لا يلبث هذا الباحث بعد أن يمر بك في أغوار سحيقة من تحليل الاجتماعية الحديثة، أن يقذف ~~بك في غور آخر من أغوار البحث في طبائع الجماعات، وإذا بك تبحث معه في تقسيم الجماعات ~~الإنسانية إلى فئات صغرى، كل منها تحكم بقوة نظام قائم في تضاعيفها، ولا تسود في فئة منها ~~من صفة إلا صفة العناد والمنافسة لغيرها من الفئات، بل وللجمعية التي تنتمي إليها هذه الفئات ~~في مجموعها، ثم لا يلبث أن يخلص من بحثه بنتيجة لا تشعر إلا بحزن، ولا تحس إلا بقلق كلما ~~فكرت فيها أو تأملت منها، إذ يقول: # لقد تبدلت الإنسانية من روح الوطنية والحب المتبادل والعطف الرعوي، تلك الروح التي ~~أقامت دعائم المدنية والتي لن تقوم المدنية بدونها؛ بروح العداء المتبادل بين الجماعات، ~~مشفوعا بالجشع الاجتماعي والإسفاف في الطماعية والحسد الممقوت. ~~(2-2) أثر البيئة الاجتماعية # ما هي البيئة الاجتماعية؟ قد يمكن أن نضع لها تعريفا، وقد يتفق أن يكون تعريفا جامعا ~~لمدلولاتها، غير أن البحث في الحالات الاجتماعية يتطلب من الباحث أن يضع بجانب ما يحدد من ~~تعاريف أمثالا تزيد كل من أراد الإكباب على درس معضلات المدنية الحديثة ومشكلات الاجتماع ~~وقوفا على حقيقة الظروف ms026 القائمة حول الإنسان وجماعاته المدنية. على أننا نعتقد أن وضع ~~التعاريف طريقة كاد يمضي زمانها في البحث العلمي، لتحل محلها طريقة الشروح المستفيضة المشفوعة ~~بالأمثال التي تكون في العقل كفاءة يقتدر بها على فهم النظريات الحديثة مقتطعة من مشاهدات ~~واقعة وحالات ثابتة قائمة، هذه هي الطريقة المتبعة على الأقل في علوم الحياة الاجتماع، وعلى ~~الأخص في علم التاريخ الطبيعي وفروعه الكثيرة. # لهذا لا نحاول أن نضع تعريفا للبيئة الاجتماعية، بل نمضي في بحثها لا لنصف لك ضروبا من ~~مختلف المؤثرات التي أثرت في الإنسان في حالاته الماضية والحاضرة، بل لنكشف لك عن أن أثر ~~البيئة إذا ما تراكمت جموع البشر في بقاع من الأرض تنقلب آيته من عامل نشوئي ارتقائي إلى عامل ~~مهدم لكيان الجماعات. # للبيئة ثلاث حالات؛ الأولى: حالة يكون فيها تزايد الأفراد في جمعية ما عاملا على زيادة ~~قوتها ورفاهيتها وغلبتها، إذ يكون في البيئة نواح من الفراغ لا بد من أن يسد فراغها تزايد ~~أفراد الجمعية، والثانية: حالة يبلغ فيها عدد الأفراد حدا لا تحتمل البيئة أكثر منه، ~~والثالثة: حالة يزيد فيها عدد الأفراد على ما تستطيع البيئة أن تحتمل منهم، فيخلق جو مصطنع ~~يمضي بالجماعات في سبيل الفساد والفناء. وسنرى الآن أن جماعات المدنية الحديثة في أوروبا، ~~عنوان هذه المدنية ومهبط وحيها، قد بدأت تدلف بقدمها في مهاوي الحالة الثالثة من حالات ~~البيئة الاجتماعية. # نريد الآن أن نضرب لك مثلا نطبقه على هذه الحالات الثلاث، ولذا نرجع بك إلى معمل من ~~المعامل البكتريولوجية الحديثة، ونضع بين يديك أنبوبة من الزجاج نملؤها بمادة جيلاتينية تساعد ~~على نماء الجراثيم، ونزرع فيها كمية قليلة من الميكروبات، ونتركها لتتكاثر بالانقسام شأن بقية ~~الخلايا الحية، في هذه الجراثيم أو الميكروبات، أو ما شئت فادعها صفة الحياة، فهي تتكاثر ~~جيلا بعد جيل على قدر ما في أجيالها من قصر البقاء، وإن كان بقاؤها خالدا لأنها إنما ~~تتوالد بالانقسام، إذ تنقسم كل خلية منها إلى قسمين، يصبح كل قسم منهما فردا مستقلا ~~بذاته. ms027 # يحيط بهذه الميكروبات، لأول عهدها بالازدراع في تلك الأنبوبة، بيئة تصلح لانقسامها ~~وتكاثرها، إذ تحوي كل المؤهلات الضرورية التي تعضد بها عددا محدودا من الأفراد زائدا عن ~~العدد الذي زرع فيها، ومن طريق التكاثر يزداد عدد هذه الميكروبات آنا بعد آن حتى تسد في ~~البيئة كل فراغ يمكن أن تعيش فيه أفرادها المتولدة عن العدد الأول، غير أن الطبيعة لم تهب ~~الإحياء بما فيها الإنسان من الوسائل التي يحدد بها عدد النسل وسيلة يستطاع بها أن يحفظ عدد ~~الأحياء المتكاثرة بنسبة رياضية متضاعفة دواليك، واقفا عند حد لا يقلب نظام البيئة من عامل ~~نشوئي إلى مؤثر انقراضي، لهذا تجد أن الميكروبات إذا تكاثرت لأزيد مما يكون في مستطاع البيئة ~~أن تعضد، أصبح تكاثرها عاملا من العوامل المؤثرة في البيئة ذاتها تأثيرا يذهب بالأحياء ~~سراعا في طريق الفناء والانقراض، فإنك إذا لاحظت أنبوبة الجيلاتين التي يزرع فيها ذلك العدد ~~المحدود من الميكروبات، لا تلبث أن تجدها تتكاثر بسرعة كبيرة بداءة ذي بدء، وأنها تستمر على ~~نسبة هذه الزيادة زمانا ما دام في مستطاع البيئة أن تحتمل من الأفراد عددا لا يفسد جوها ~~ويشبعه بعوامل الفساد، ثم لا تلبث على هذا هنيهة حتى تجد أن نسبة التكاثر قد أخذت تقل شيئا ~~فشيئا حتى تقف تماما عند ذلك الحد الذي تصبح فيه البيئة غير قادرة على أن تعضد عددا آخر من ~~الأفراد، ثم ماذا؟ ثم تجد أن جو البيئة لا يمضي بعد ذلك إلا قليلا حتى يتشبع بتلك السموم ~~التي تفرزها الأفراد التي عجزت عن مقاومة مؤثرات البيئة بعد أن امتلأت جنباتها بما ضاق عن ~~سعتها، فتأخذ من ثم نسبة الفناء تمعن ازديادا كلما زاد تشبع جو البيئة بهذه السموم، ~~حتى إذا بلغت نسبة الفناء أقصى حد أخذت في التناقص، لا لتفسح مجال الحياة والبقاء للبقية ~~الباقية من الأفراد، بل لتترك فلول الجمعية المحطمة على صخور البيئة منهوكة القوى ضعيفة ~~التكوين عاجزة عن التكاثر فتفنى فردا بعد فرد حتى تذهب تماما من عالم ms028 الوجود. ولن تجد في ~~تلك الكتلة الجيلاتينية من أثر يدل على أنها كانت يوما ما بيئة صالحة أهلت بها جماعة من ~~جماعات الأحياء، اللهم إلا آثارا لا تدل على شيء إلا على مأساة الخراب والدمار واقعة على ~~الجماعة التي غشيتها بفعل البيئة، إذ تنقلب من عامل نشوئي إلى عامل فنائي بفعل التكاثر ~~والازدياد. # شبه هذه الأنبوبة بمعمل من معامل الإنتاج الميكانيكي بما يحيط به من منازل العمال ~~ومساكن الصناع، وشبه الكتلة الجيلاتينية بما تستطيع الأيدي العاملة أن تربح من جهد أيديها، ~~وشبه انقسام الميكروبات بتكاثر العمال بالتناسل تكاثرا يزيد عما في طوق الأيدي العاملة أن ~~تعضد، وأنت لا تلبث أن تجد أن النتيجة محتومة في البيئات الإنسانية التي تبلغ هذا المبلغ، ~~كما هي محتومة على كل الأحياء، إن هي قلبت بتكاثرها وحشدها المصطنع نظام البيئة من مؤثر ~~نشوئي إلى مؤثر انقراضي. ~~(2-3) تحليل الكائن الاجتماعي # الكائن الاجتماعي اصطلاح وضعه العلامة «هربرت سبنسر»، ليثبت أن للجماعة حياة خاصة تشابه ~~حياة الفرد. ولقد طبق نظريته هذه تطبيقا بديعا مقارنا بين تكوين الفرد وتكوين الجماعة ~~مقارنة لا تخلق في نفسك من ريبة في صحة نظريته إذا ما درست فكرته بما تستحق من ~~عناية. # غير أنه في جماع ما كتب في الكائن الاجتماعي قد غفل عن أمر لا يجعل المقارنة بين الفرد ~~والجماعة تامة من كل الوجوه، بل إن شئت فقل إنه يجعل المقارنة بينهما مبدأ من مبادئ النقص في ~~الأبحاث الاجتماعية؛ لأنك إن مضيت في أبحاثك في الجماعات منتحيا منحى سبنسر، معتقدا أن بين ~~الفرد والجماعة أوجها تامة من التشابه يمكن أن يقاس ما في أحدهما بما في الآخر، زلت بك ~~القدم في مفارقات بعيدة جهد البعد عن الحق الثابت. ذلك الأمر الذي أغفله الفيلسوف سبنسر قد ~~ظفر به الأستاذ العلامة الدكتور أوستن فريمان في مؤلفه القيم، وما وصل إليه إلا ~~مستعينا بما بثق البحث من أنوار علوم الحياة. # يمضي الدكتور فريمان في كل أبحاثه مقتنعا بأن بين الفرد والجماعة فرقا كبيرا لا ms029 تسده ~~المباحث النظرية مهما أوتيت من قوة البرهان ومتانة الدليل، وينحصر هذا الفرق عنده في أن ~~الفرد إنما هو كل عويص التركيب، مكون من وحدات بسيطة، في حين أن الكائن الاجتماعي إنما هو كل ~~بسيط مكون من وحدات عويصة التركيب، هذه القضية لا يظهرك على حقيقتها مثل تأملك من مبادئ أولية ~~تلقيها في روعك مباحث البيولوجيا، لهذا نمضي بك من طريق دكتور فريمان في شوط تقف إذا ما بلغت ~~نهايته على حقيقة ما يريد أن يثبت بقوله هذا، ولنخلص من بعد ذلك بنتيجة ذات أثر بالغ في ~~الحالات الاجتماعية القائمة من حولنا. # تتكون كل الأجسام الحية من خلايا في كل منها قدرة على التكاثر من طريق الانقسام، هذه ~~الخلايا الحية هي وحدات الأجسام التي تتصف بصفة الحياة، وكذلك الإنسان، فإنه إنما يتكون من ~~خلايا حية منها يتركب كل ما فيه من الأعضاء والعظام والشرايين والأنسجة والأغشية إلى غير ذلك، ~~هذه الوحدات بسيطة التركيب يمكن إعادة تركيبها ثانية إذا حللت في معمل كيماوي كما قال ~~العلامة وولاس زميل داروين وشريكه في وضع نظرية الانتخاب الطبيعي، غير أن هذه الوحدات البسيطة ~~إذا تركب منها إنسان أصبح كلا عويص التركيب متخالط التكوين، وكفى على عويص تركيبه دليلا أن ~~تفكر قليلا في انفعالاته وتفكيراته وخطراته ونزعات نفسه وتوثب روحه وفيض عقله وامتداده ~~بالفكر إلى ما وراء العالم المنظور وتغلغله إلى أعماق العالم المجهول من الفلسفة. # يريد سبنسر أن يقارن بين هذا الكل الفردي العويص التركيب وبين الكائن الاجتماعي على بساطة ~~تكوينه، فإن الجماعة تضارع من حيث بساطة التركيب تلك الخلية الحية التي يتكون منها الجسم ~~الحي، في حين أن كل وحدة من وحدات ذلك الكائن هي بذاتها ذلك الكل العويص التركيب الذي تكونه ~~الخلايا الحية الأولى. وعلى هذا يعتقد دكتور فريمان أن الكائن الاجتماعي من أحط صور ~~الكائنات الحية تكوينا وأبسطها تركيبا، إذ إنك لا تجد بين وحداته المكونة له من الترابط ما ~~تجد بين الخلايا التي تكون أدنى الأجسام الحية في الطبيعة. ~~••• # من ms030 قبل أن يدلي الدكتور فريمان بنظريته الثابتة في الكائن الاجتماعي، مضى الناس في ~~المقارنة بين ذلك الكائن المفروض وبين الفرد على تلك الطريقة التي ابتدعها يراع العلامة ~~سبنسر في كتابه «مبادئ علم النظام الاجتماعي»، قانعين بأن العمل على إصلاح الجماعة ككائن ~~مترابط الأجزاء من شأنه أنه يؤدي إلى إصلاح حالة الأفراد، غير ذاكرين أن بين الكائن الاجتماعي ~~والفرد فرقا لا يجعلهما يلتقيان في منهج من مناهج الارتقاء والنشوء، إلا إذا بدأ الإصلاح ~~بذلك الكل العويص التركيب، أي الفرد؛ ليصلح من طريق إصلاحه الكل البسيط التكوين، أي الكائن ~~الاجتماعي، هنا انقلبت آية النظر في طرق الإصلاح الاجتماعي من طريق انقلاب الفكرة في المباحث ~~الاجتماعية، وعلى هذا مضى الدكتور فريمان في كتابه موقنا بأن إصلاح الجماعة بغير إصلاح الفرد ~~أمر مستحيل نظريا وعمليا، وأن الفرد على ما فيه من عويص التركيب وما فيه من غريب الخصائص ~~إن امتصته الجماعات امتصاصا تاما، وهي على ما رأيت من بساطة التركيب وانحطاط الخصائص ~~الحيوية، بحيث تقضي على كل مؤهلاته كفرد تام الاستقلال من حيث تمتعه بكل مزاياه ومواهبه ~~التي وهبته الطبيعة؛ فإن هذا لا يزيده إلا تطوحا في حالات العجز والفساد، ولا يعود عليه ~~إلا بنقص في الخصائص وضعف في المواهب والكفايات لا يجني ثمارها إلا الجماعات. # وبعد أن فرغ الدكتور أوستن فريمان من نقد نظامات المدنية الحديثة، وإظهارها بمظهر الإسفاف ~~والسقوط والفساد، مستندا إلى براهين وأدلة فيها كثير من بواعث الروعة والجلال، على ما تضمنته ~~من استنتاجات قيمة واستقراءات تزكيها الحوادث والمشاهدات؛ هيأ عدته وجمع ما حبته به ~~الطبيعة من قوة الابتكار، لينحي بجماعها على الآلات الميكانيكية وأثرها في المدنية ~~الحديثة. # يقول: إن الإنتاج الميكانيكي عنصر مستقل محكوم بقوانينه الخاصة به، وليس له من علاقة ~~ضرورية بحاجات الإنسان أو بسعادته، وإن ارتقاء الآلات الميكانيكية ينزع دائما وفي كل آن إلى ~~زيادة استخدام الحركة غير الإرادية «الأوتوماتيك». أما اضمحلال العمال وإفسادهم أدبيا ~~ومعنويا وطبيعيا، فنتيجة من أجلها تدور الآلات، وقصد من أجله تجري على سننها ms031 المعروفة في ~~علم الآلة «الميكانيكا »، وأن ليس لهذا الأمر من غاية إلا أن يخرج الإنسان من مجاله الذي ~~هيأته له الطبيعة، ومن ميدان نشاطه الذي لا ملجأ له غيره. # أما الاستبداد الذي احتكرت به الآلات هذه الأرض، فقد غير وجه البقعة التي نسكنها، وأرخى ~~عليها سدولا من الشقاء، وناء عليها بضروب من الفقر والخصاصة، كما غشاها بمسحة من الحزن ~~والانقباض تراها مسطورة على أوجه الناس، وتلحظها بادية على ملامحهم كما أوغلت في البقاع ~~الصناعية، وتلفيها أكثر انطباعا على الوجوه وأكثر التزاما للأنفس، إذا أنت جرتك خطاك إلى ~~المراكز العظمى التي تعتمد في المدنية الحديثة على الإنتاج الميكانيكي. # كانت المدنية في العصر الأول، وعلى الأخص في القرون الوسطى، رقعة من حسن الذوق وسلامة ~~الاختيار وجمال الشكل، تزيد في طبيعة الأرض جمالا، وتضاعف ما في منظرها من بديع الصنعة وباهر ~~الاتساق، على العكس من مدنية العصر الحاضر، فإنها ليست إلا خلية من البيوت حشدت فيها الأنفس ~~حشدا، وجمع فيها الناس لا ليعيشوا في هدأة الطبيعة كما تقتضي حاجتهم، بل كما تقتضي حاجة ~~الجو المصطنع الحاف بهم، ولا ليمتعوا بما في الطبيعة من نعم ولذائذ، بل ليزيدوا من مصائب ~~الإنسانية ويضاعفوا من كوارث الحياة. وكذلك الحال إذا نظرت في ماخرات العباب، فإن السفينة ~~الشراعية القديمة لقطعة حية من الفن يتمثل فيها جمال الشكل وبساطة التركيب، أما بواخر العصر ~~الحاضر فكتلة من المادة غير متناسقة الوضع وليس فيها من شيء إلا أنها بقوتها وعظمتها وضخامتها ~~إنما تمثل نزعة العصر الحديث في العمل على حيازة القوة الوحشية بكل طريق مستطاع. # كان من الواجب على الدكتور فريمان وهو يقرر هذه الآراء أن لا يغفل عن أن العصر الذي نعيش ~~فيه إنما هو عصر انقلاب وثورة لم تبلغ بعد منتهاها، ولم تنكشف بعد غمرتها، فإن انتقال ~~الإنسان من وداعة القرون الوسطى إلى تناحر العصر الحاضر، لأمر يجعل حكمنا على الأشياء ~~الإنسانية كما هي كائنة، نسبيا لا مطلقا. # في مستطاعنا أن نحكم حكما قاطعا في حادثات فرغ من ms032 تكوينها الزمان، في مستطاعنا أن نحكم ~~على عصر الإصلاح البروتستانتي وأن ندلي فيه برأي حاسم، وفي مكنتنا أن ننظر في أثر الحروب ~~القديمة أو في نابليون بونابرت أو في الثورة الفرنسوية، وأن نقضي في كل من هذه الأشياء برأي ~~نقنع به. أما في ثورة انقلاب لا يزال شررها يتطاير من حولنا، ولا يزال غبارها يظلل رءوسنا؛ ~~فمن المتعذر أن نحكم فيها حكما نقطع بصحته، ونكون في الوقت ذاته قد أرضينا نزعة العلم ولم ~~ننضب معين الفلسفة. خذ لذلك مثلا: فإنك إذا أردت أن تتخذ من الحوادث التي وقعت في ثلاثة ~~أرباع قرن فرط من الزمان حادثة كنقطة ارتكاز تبدأ منها نظرك في تاريخ تضعه في تطور الفكر ~~خلالها؛ لما وقعت على حادث واحد يصح أن يكون نقطة ابتداء تبدأ منها، وفي هذا دليل ثابت على ~~أن ثورة الانقلاب من حياة العصور الوسطى إلى حياة المدنية الحديثة لا تزال قائمة بفئوسها ~~ومعاولها. ولقد عجز العلامة «تيودور مرتز»، أشهر من أرخ في تاريخ الفكر في القرن التاسع ~~عشر، عن أن يعثر على نقطة ابتداء يبدأ منها نظره القصي في تاريخ عهد هو أحفل العهود ~~بالحوادث الاجتماعية، وأنضجها ثمرة، وأبينها للفكر صورة، قال: # خصت بعض عصور التاريخ بقيام حركات فاصلة وحوادث عظيمة امتصت كل القوى العاملة ~~النشيطة، واندمجت فيها كل العناصر العقلية والتخيلية، فتجد أن تلك الحركات قد مضت ~~مستبدة بأمرها، إما لتخضع كل القوى المنبعثة في عصر ما للعمل في سبيل إبراز غرض معين ~~أو تثبيت فكرة بعينها، وإما أن نلفيها وقد جرفت أمامها كل شيء إلى جو من التنازع ~~والجلاد، يوجه بكل ما فيه من مختلف الصور والقوى إلى تزكية الحادث الرئيسي الذي تلتف ~~من حوله قوة الفكر والعناصر. # والأمثال التي يرويها التاريخ كثيرة، منها تلك القرون الطويلة التي يقص أخبارها تاريخ ~~اليهودية، والعصور الأولى التي أينعت فيها الكنيسة النصرانية، والزمان الذي تكثفت فيه عن ~~أفق المدنية سلطة البابوات، وزمان الإصلاح البروتستانتي، وعهد الثورة الفرنسوية. # فإذا عدنا إلى دراسة الفكر في ms033 مثل هذه العصور، لما أعوزنا البحث عن مرتكز نرتكز عليه ~~أو نقطة ابتداء نبدأ منها؛ لأن من الهين أن نعثر على سيارها الذريري الذي يحرك بحركته ~~كل القوى الكائنة، ويبعث العبقرية من مكمنها، ويوقظ الكفايات والمواهب العقلية من رقدتها. ~~ففي عصر كعصر الإصلاح البروتستانتي مثلا يمكننا أن نتكلم في السياسات الخاصة به، وصور ~~الدين التي أنبتها، والفلسفة والأدب والفن، وكل المنتجات العقلية التي أنتجها، وأن نمضي ~~في بحثنا موقنين بأننا لا بد من أن نقع على كل وجه من وجوه التقدم العام، وعلى كل الخطى ~~الارتقائية التي خطاها العصر، وأن نقف على كل الفكرات التي ذاعت فيه، سواء أأرضت معتقدنا ~~أم ناقضته. وإنه لمن الظاهر الجلي أن العصر الذي أؤرخ فيه - القرن التاسع عشر - لا يتضمن ~~حادثا من تلك الحوادث التي تمتص القوى وتبسط سلطانها المطلق على عالم الفكر. # إليك ما ذكره هذا العلامة الكبير بعد أن عدد كثيرا من حوادث القرن التاسع عشر، ~~مظهرا أنها ليست من الحوادث التي يلتئم من حولها الفكر لتغير من عناصره أو لتؤثر في ~~الاجتماع: # ولقد نرجع في النهاية إلى ما أنتج أكبر عقل جاد به القرن التاسع عشر؛ لنستمد منه نقطة ~~ابتداء نرتكز عليها، قد نرجع إلى كتاب «فوست» الذي أخرجه نابغة النوابغ «جوته»، قد نرجع ~~إليه لنتخذه مثالا لأعمق ما جاء به القرن التاسع عشر من صور الفكر بما فيها من الشكوك ~~والآمال، إذ يتنقل بك كاتبه من تيه الفلسفة الموحش إلى ميدان العلم الفائض بالنور المحفوف ~~بالإيناس والطمأنينة، أو ليأخذ بيدك إلى أقصى أغوار الحياة الفردية المستورة وراء ظواهر ~~هذا العالم، ليقذف بك في مطمأن المعتقد الديني والإيمان، بما فيهما من الأسرار الخفية ~~المحيطة بطبيعة الخطيئات والرجوع عنها إلى التوبة والاستغفار. # ثم يقول: # على أننا من أية من تلك النقط نبدأ سفرنا الطويل، وعلى أية من بؤرات الارتكاز تقع ~~أبصارنا لدى أول نظرة نلقيها على ما بين يدينا من ذلك الميدان الفسيح الذي نريد أن نستكشف ~~نواحيه؛ نجد أن هنالك مظهرا ms034 واحدا يتحيز في عقولنا منذ البدء، سرعان ما يلقي في روعك أن ~~ذلك الميدان الفسيح ليس بالجنة التي تطمح فيها بالسكينة والهدوء، وليس هو المكان الذي ~~تؤمل أن تزود فيه بمهيئات العمل الهادئ الذي تبذر بذره وتجمع حصاده بدعة ولين، ~~وليس هو منبت التعاون واقتسام العمل الذي تظفر فيه بالسلام البعيد عن خشونة الصراع ~~والجلاد، إنه لميدان أشبه ما يكون بأرض تناولتها القوات العنصرية بالتخريب، وانتابتها ~~الزلازل العتية بعواصف التدمير؛ فتركتها شوهاء لا تفرق بين صعيدها والأخدود، وإنك لتعثر ~~فوق ذلك على بضعة أناس أخذوا على عواتقهم أن يسدوا منه فجوات أحدثها الماضي ونقائص ~~خلفها السلف، وآخرين آخذين في تشييد أسس جديدة على قواعد جديدة، وتقع على غير أولاء ~~وهؤلاء، فتجدهم متنابذين متصارعين على حيازة الملك أو اقتسام التراث، حتى أولئك العمال ~~الوادعون في مصانعهم لا تتركهم طبيعة المجتمع الحاف بهم آمنين، بل تدعوهم الظروف إلى ~~الاشتراك في تلك المعارك، أو تهزهم شكاوى الذين يجاورونهم من مظالم أهل السطوة والجاه، ~~فيهبون من مراقدهم عطشى صرعى، ويرتدون كلمى هزيمة وانكسار. # وإليك بعد ذلك رأيه في طبيعة القوات التي وحدت بين النزعات التي فشت في القرن التاسع ~~عشر، عصر الانقلابين الفكري والإنتاجي، قال: # على أنه إن كان في القرن التاسع عشر من قوة وحدت بين المؤثرات التي انبثت فيه، ~~فإنها لم تظهر طافية على وجه الحياة، بل ظلت دفينة في أعماق الطبيعة البشرية. والمعضلة ~~التي أخذنا على عاتقنا أن نبلغ إلى حلها بسبب، قد ظلت مستترة، وكذلك الغرض الذي قضينا ~~مجاهدين في سبيل إبرازه، فإنه لن يظهر سافرا غير مقنع، إذن نعتقد أنه غرض يمكن أن يدرك ~~من طريق الاستنتاج وحده، فلا نستطيع له تحديدا ولا حصرا، وعلى هذا نوقن بأن الغرض الذي ~~من أجله عشنا وشقينا وجاهدنا - أي في القرن التاسع عشر - لم يظهر لمشاعرنا تاما بينا، ~~كما ظهر للذين عاشوا خلال عصر الإصلاح البروتستانتي أو عصر الثورة الفرنسوية، وإلا لما ~~سقنا بأنفسنا لولا هذا الأمر إلى فلسفة «اللاشاعرية» و«المجهول»، ولما ms035 انتهى القرن التاسع ~~عشر مختتما بالتساؤل: «أمن قيمة لهذه الحياة؟» # هذه الصورة التي صور بها العلامة «مرتز» عالم الفكر وتهوشه وقلقه في عصر الانقلاب ~~الحديث؛ لها صورة تقابلها ولا تقل عنها تهوشا واختلاطا في عالم الاجتماع. على أن هاتين ~~الصورتين على بعد ما بينهما من منازع الأسباب تلتقيان في أنهما نتاج لثورة الانقلاب التي ~~خرج بها الإنسان من حياة القرون الوسطى. وكذلك لا نغفل عن أن نخرج من هذه المقارنة بنتيجة أظن ~~أنها صحيحة من وجوه كثيرة، فكما أننا لا نستطيع أن نقع على نقطة ارتكاز نبدأ منها سفرا ~~طويلا نقضيه في التأمل من تاريخ الفكر الحديث، كذلك لا يحتمل أن نعثر على نقطة ارتكاز نتخذها ~~أساسا للبحث في الحالات الاجتماعية القائمة من حولنا، ذلك لأن كلتا الثورتين؛ الثورة الفكرية ~~والثورة الاجتماعية، لا تزالان قائمتين، ولم تنجل غمرتهما عن نظام محدود يمكن الحكم على ~~تأثيره في مستقبل الإنسان حكما ثابتا. # نعود بعد هذا إلى الدكتور فريمان، فنراه يقول: # إن المدنية التي تقدمت مدنية الإنتاج الميكانيكي قد تركت بيئة الإنسان غير مدخولة ~~بشيء جديد يفسد جوها، غير مغزوة بعامل من عوامل الفساد، فلم يدخل في تلك البيئة عنصر ~~جديد يشوه مظاهرها، كما أن مخزوناتها ظلت غير منقوصة، وثرواتها حفظت تامة كاملة. على أن ~~مدنية العصور الأولى مهما كان فيها من صور الانعكاس على حياة الإنسان، فإن هذه الصور لم ~~تزد إلا مضاعفات جعلت الأرض أكثر صلاحية لعيش الإنسان ورفاهيته. # لقد شهد القرن الفارط انقلابا عم أثره كل الحالات، فإن الإنسان في عصر الإنتاج اليدوي ~~قد عاش منتجا من خيرات بيئته، في حين أن عيشه في عصر الإنتاج الميكانيكي محمول على رأس ~~المال، إن الآلة المنتجة عنصر لا بقاء له بغير الفحم والحديد، ذلك في حين أن كل الإحصائيين ~~يعتقدون أن كمية الفحم المخبوء في باطن الأرض لا تكفي العالم ألفا من السنين، بفرض أن العمل ~~على استخراجه قد تنتابه فترات إضراب تكف فيها الأيدي عن إخراجه إلى سطح الأرض، وكذلك الحال ms036 ~~في الغابات، فإنها آخذة في الزوال بنسبة سريعة لتزود الجرائد والصحف على الأخص بما تحتاج إليه ~~من ورق الطبع، نزيل اليوم هذه الغابات من سطح الأرض لنتبدل من ذلك الفردوس الناضر بمدن ~~للإنتاج تضعف فيها الإنسانية وتذبل دوحتها، نجتث الغابات العظيمة لنصدر الجرائد، في حين ~~أن نظرة هدوء واستسلام قد تكون في فكرنا، إذا ما أشرفنا على غابة من الغابات، كفاءة نقتدر بها ~~على أن ندرك من الطبيعة عظة؛ هي أدنى إلى نفع الإنسان من كل ما تحشى به جرائد العالم من دروس ~~تفيض بها رءوس القائمين بتحريرها من سقط الكلام، وثيب من القول. # تتجلى مظاهر الإنتاجية الميكانيكية الحديثة في تلك المدن الوخمة القذرة التي امتلأت ~~جنباتها بمعامل الإنتاج تجللها غابات باسقة من المداخن البشعة المنظر، حيث ينبت تحت أصولها ~~جموع من المنازل المتلاصقة تسكنها جموع محشودة من أقذر ما أخرجت عصور التاريخ من بني آدم ~~وحواء، وقد ارتفع فوق رءوسهم نقع كثيف من الدخان الأسود يشبع هواءها الفاسد بفضلات من ~~الفحم تزيده فسادا، وقد تطمو موجة ذلك النقع في الفضاء أميالا ليفسد صفاء الريف الذي ~~يحوط المعامل الإنتاجية. ولو صح ذلك الرأي الفلسفي الذي يريد أن يثبت أن الجمال صفة من صفات ~~الخالق، وأن بارئ الأشياء لا يبغض من شيء بقدر ما يبغض بشاعة المنظر ودمامة الخلق وقبح ~~التركيب، فإن دكتور فريمان لا يشك في أن مدنيتنا الحديثة هي من أبغض ما أبرز الفكر الإنساني ~~إلى الله. # ويحصر الدكتور فريمان مؤثرات الإنتاجية الميكانيكية على جماعات المدنية الحديثة في ستة ~~أشياء: # الأول: # القضاء على الفنان القديم الذي كان يعتمد على مهارته الذاتية وقوة ابتكاره، ~~والتبدل منه بعامل نصف ماهر أو عاجز كل العجز، يقضي زمانه عبدا لآلة تدور بلا اختيار ~~منه أو منها. # الثاني: # القضاء على الصناعات المحلية الصغيرة. # الثالث: # ضياع المصنوعات اليدوية التي تلائم حاجات الإنسان ومطالبه والتبدل منها بأشياء ~~تخرجها مصانع الإنتاج الميكانيكي، أما الصفة التي تسود في منتجات العصر الحديث فزيادة ~~في الكمية مع نقص في الصفة ms037 وفساد في الكيفية، وهبوط في السعر مقرون بفساد في ~~الصناعة. # الرابع: # نزول المستوى العام في الإنتاج. # الخامس: # ذيوع عادات الإسراف والنظر إلى المصنوعات بعين السخرية والاحتقار. # السادس: # إضعاف الذوق العام في الأفراد بإدمانهم على النظر في أشياء لم يراع في صنعها ~~ذوق، ولم ينظر في إنتاجها إلى اتساق. # وعلى الجملة يمكن أن يقال، إذا مضينا قانعين بنظرية دكتور فريمان: إن المدنية الميكانيكية ~~الحديثة كانت فشلا تاما أصاب الفرد، وسنرى عما قريب أنها طامة كبرى على الجماعات. # مضى الأستاذ فريمان حتى الآن يظهر تأثير الإنتاجية الميكانيكية الحديثة على الإنسان ~~فرديا، فهل هنالك من تأثير تحدثه هذه الإنتاجية على الإنسان مجتمعا؟ وهل تلك المؤثرات التي ~~تنتاب الفرد في مدنية الآلات الحديثة تتخطى الفرد إلى المجتمع العام لتنال منه إفسادا ~~وتحليلا كما أفسدت من طبيعة الأفراد وحللت حياتهم الطبيعية الأولى، وبدلتهم من بيئتهم ~~الفطرية بيئة مصطنعة من أوضاع العصر الحديث، فيها من البعد عن حاجات الإنسان ومقتضيات سعادته ~~بقدر ما في البعد بين الحقيقة وبين القول بأن الأرض مركز النظام الشمسي وأن الجاذبية لا تأخذ ~~بضلع في نظام العالم المادي. أما الأستاذ فريمان فشديد الإيمان ثابت اليقين في أن أثر الفساد ~~الذي أنتجته حاجات العصر الحديث المرتكزة على الإنتاج الميكانيكي لا يقل في الجماعات منه ~~فعلا في الأفراد. # إن الانقلاب الإنتاجي الحديث لأكبر انقلاب ثوري انتاب الإنسان في كل العصور. عاش العامل ~~في العصور الأولى عيشا محوطا ببيئة تضمنت كل بواعث السعادة وهيئت بكل عوامل الراحة ~~والاطمئنان، وعلى الرغم من أن ساعات العمل كانت كثيرة فإن الواجبات التي كانت تلقى على عاتق ~~العامل لم تكن لتثقله أو تهبط قواه، وغالب ما كان يتخلل العمل أحاديث تتناول مختلف الموضوعات ~~أو تدور حول العمل الذي يعكف عليه العاملون. وفضلا عن هذا فإن العامل كان سيد نفسه، كان يحدد ~~ساعات عمله كما يشاء، وكان يقيم ثمار عمله كما يريد، وكان يبيع بنفسه ثمرات عمله، وبذلك يعود ~~عليه كل الربح الذي هو حق له دون غيره. # لقد ms038 تغير كل هذا بتأثير الإنتاجية الميكانيكية، فإن أولى النتائج التي تترتب على هذا ~~الانقلاب الكبير أن تتحلل جمعية العمال التي كانت توزع على المجتمع العام توزيعا تفرضه ~~مقتضيات الحالات والظروف، فلما تم انحلالها جمعت الإنتاجية الحديثة الأيدي العاملة في جموع ~~قسرت على عادات وطبعت على أخلاق ومذاهب في آداب السلوك مغايرة كل المغايرة لعادات بقية ~~الطبقات وأخلاقها وآداب سلوكها. # إن الحالات التي خلقتها المعامل الحديثة قد كونت مشاعر خاصة أحدثت خلال خمسين سنة مضين ~~صورة جديدة من صور الحياة ملئت بالمفاسد وضروب الانحطاط، وكان أبين ما فيها من الآثار ~~ازدياد روح البغضاء والقلق في أنفس العمال، مقرونة بكل ما تسوق إليه من الصفات المرذولة، ~~كالحسد والأنانية والغيرة وحب الخصام، إرضاء لمطامع، وقمعا لشهوات هي بذاتها من خلق ~~النظام الاجتماعي الحديث. وكانت النتيجة أن يكون العمال جماعات تتحكم فيها نظامات استبدادية ~~لا تذهب بالعمال في طريق الخير ولا تقودهم إلا إلى حيث يهبون من جنبات معاملهم عطشى صراع ~~وجلاد، ليرتدوا كلمى هزيمة وانكسار. # أصبح عامل العصر الحديث ميالا بمقتضى الظروف التي تحوطه إلى حياة الاشتراكية، وإن شئت ~~فسمها «الضمامية»، تلك التي لا تؤدي في ذهن المفكرين من معنى أسمى من معنى فقدان الذاتية ~~الفردية الصحيحة وتضحية الشخصية قربانا على مذبح الاجتماعية الحديثة. وكذلك تراه بعيدا عن ~~التفكير في أن يعود إلى حياة الصناعة اليدوية الأولى، على أنه لا ينصرف عن التفكير في هذا إلا ~~لأنه لم يذق طعم الحياة الاستقلالية ولم يفقه للحرية معنى ولا أدرك لها وجودا، وهو على ~~الرغم من هذا عاجز كل العجز عن أن يقوم بأوده منفردا، ولهذا تراه منغمسا في حياته ~~الاجتماعية، شاعرا بعجزه عن الانفصال عنها. # إن عامل العصر الحديث هو أعجز عامل أقلته الأرض منذ أن كان للإنسان وجود على سطحها، هو ~~عامل فقد كل مهارته الفنية، ولا يدلك على هذا من كتاب الدكتور فريمان كاستشهاده بحالة ~~قامت خلال الحرب العظمى، فإن هذه الحرب لم تكد تدق طبولها وينفخ في صورها حتى خرج ~~العمال ms039 من مصانعهم لينضموا إلى صفوف المقاتلين، وكان من المنتظر أن يتعطل العمل في مصانع ~~الإنتاج ولكن الحال كان على الضد من هذا، فإن ذهاب العمال قد أفسح المجال لفئات من العاطلين ~~المستولين في المدن ولفتيات الريف الوادعات القانعات، وقد سار العمل في المصانع بهم وبهن، ~~كما لو كان في أيدي العمال المدربين عليه. # أما نظام النقابات فأكبر ما أصاب المدنية الحديثة من مفاسد البيئات المصطنعة، فهو نظام ~~مضاد لحاجات الاجتماع، مناقض لأبسط مبادئ الديمقراطية، ولا يخلق من شيء إلا جوا للتنازع ~~المفني المضيع لجهود طبقات المجتمع، فينقلب العامل الهادئ من يد منتجة مشيدة إلى يد ~~مهدمة مخربة. بهذا يقول الدكتور فريمان وعليه يمضي في بحث مستفيض، ليثبت لك أن خلق ~~العامل الموروث قد تبدل تحت تأثير الإنتاجية الحديثة، فلست تجد اليوم ذلك الصانع القديم ~~الذي كنت تستقرئ من أخلاقه أثر الهدوء والقناعة والرضا بما بين يديه، بل تجد عاملا ملئ ~~طمعا، لا في أن يصبح أرقى فنا أو أمهر يدا أو أكثر إنتاجا، ولكن في أن يصبح بذاته مالكا ~~صاحب رأس مال يستذل به من طريق الملكية أعناق غيره من عباد الله، الذين قد يتفق أن يكونوا ~~أزكى منه طبيعة وأكثر للمجتمع نفعا وأمهر في العمل يدا وأرقى في الابتكار ذهنا وأصح على ~~العمل عزيمة، وما مثل العمال في صيحتهم التي ترتفع في هذا الزمان بمبادئ الشيوعية ~~والاشتراكية، إلا كمثل من استجار من الرمضاء بالنار، فهم يريدون أن يتبدلوا من حالهم ~~التعيسة بحالة لا تتناول مفاسدها العمال وحدهم، بل تتعدى إلى بقية الطبقات فتنزل بمستواها إلى ~~حيث تبور المدنية ويفسد المجتمع. # وينتقل بك دكتور فريمان بعد هذا إلى وجه آخر من مساوئ الاستغلال الإنتاجي الحديث، ينتقل ~~بك إلى الكلام في الفرص التي يهيئها النظام الحديث لصاحب العمل، أي صاحب رأس المال، أو ~~بالأحرى لعدد قليل من الأفراد تساعدهم ظروف المجتمع على أن يجمعوا من الثروة كمية كبيرة تصبح ~~لعنة من لعنات الترف والبذخ على أنفسهم وعلى أسرهم، وفضيحة من فضائح ms040 المدنية. وهو يمضي بك في ~~هذا البحث متخذا لك مثالا من فرد يفتتح محال للتجارة يحتل بها جوانب مملكة من الممالك، ~~فلا يخلو بلد من بلدانها ولا قصبة من قصباتها من مركز تجاري له، فيصبح عما قليل منتجا ~~ومستوردا، وصاحب سفن للنقل وصانعا وبائعا بالجملة وبائعا بالقطاعي، وعلى الجملة يصبح كل ~~شيء في شيء واحد، رابحا من كل درجة من هذه الدرجات أرباحا تتضاعف في كل درجة منها، أما ~~الدرجة الأخيرة التي تنتهي عندها سلسلة هذه الأرباح فتكوين شركة تختص باحتكار متجر من ~~المتاجر، وأما أصحاب الملايين الكثيرة فهم عنوان هذا النظام، وولائد هذه الصورة المدنية ~~الحديثة، هم عنوان على التكثر المالي، الذي لا مبرر ولا معنى له، وهم في المجتمع مبدأ قلق ~~وفوضى لا نهاية لتعدد صورهما. # يسمي الدكتور فريمان هذه الفئة فئة «البلوتوقراطيين»، وهي كلمة تؤدي معنى الحكومة القائمة ~~على نفوذ ذوي الثروة والجاه، وهؤلاء يضطرون أن يحموا أنفسهم ضد المجتمع الذي يمتصون دمه، فلا ~~يجدون من سلاح يدرعونه أمضى حدا ولا أقطع مضارب ولا أثبت في المكاره جنانا ولا أفصح عند ~~الحاجة بيانا من سلاح الصحافة، فهم يشترون الصحف الكبرى والمجلات ويديرونها بما تشاء ~~أهواؤهم، وعلى ما يتفق ومصالحهم، وبذلك يسممون الديمقراطية في منابعها الأصلية بسمومهم ~~المهلكة، حتى إن الصحافة على هذه الصورة قد أخذت تنقلب سلاحا قويا يتذرع به أصحاب ~~الأموال لاستعباد المجتمع والوقوف سدا حائلا دون كل إصلاح اجتماعي. ~~••• # هنالك خطر آخر لم يغب عن ذهن دكتور فريمان أن يتناوله ببحث مستفيض، يقول بأن الناتج من ~~الصناعة يزيد عادة عما في مستطاع سكان كل قطر أن يستهلكوا منه، وبهذا تتجدد الحاجة إلى البحث ~~عن أسواق يستهلك فيها الزائد من الإنتاج، ومن هنا تدير الأمم والحكومات بنظرها في نواحي ~~العالم لتخلق أسواقا جديدة، ومن هنا تأتي فكرة الاستعمار بما يتبعها من مفاسد الاستبداد ~~ومساوئ الحروب العامة. # همس وحي الإنتاجية الحديثة في روع الشعوب، خطأ وتضليلا، بأن إمكان التصدير لا حد له، ~~وأن العالم في مستطاعه أن ms041 يبتلع كل السلع التي نلقي إليه، فهب العمال والشعوب يخرجون بكل ~~ما بلغ إليه مستطاعهم سلعا يلقمونها لكرة الأرض، حتى إذا ما هبت عواصف الثورات أو تناوحت ~~رياح الحروب أو انتاب حالات التجارة اضطراب في النقل أو الاستيراد، زاد عدد العاطلين في ~~البقاع الصناعية زيادة كبيرة، وليس لزيادة عدد العاطلين تحت تأثير هذه الظروف الحادثة من ~~معنى إلا أن يعيش جمع غفير من أفراد المجتمع متطفلين - وليس ذلك من نتاج إرادتهم - على ما ~~تنتج اليد العاملة النشيطة، ولهذا ترى أن زيادة عدد السكان مع زيادة نسبة عدد العاطلين أمران ~~هما غرس المدنية الميكانيكية الحديثة. ~~••• # تمثل الشاعر دانتي المشهور إنسانا وأفعى، وقف أحدهما بإزاء الآخر، وما لبثا أن يقفا ~~حتى تولاهما انقلاب خلقي خطير، إذ انبطح الإنسان على الأرض واندمج ساعداه في جنبيه والتحمت ~~ساقاه، وأخذ جسمه يستدق ويزداد استدارة وامتدادا، في حين أن الأفعى انتصبت على ذنبها ~~وأخذ رأسها يتضخم ونبت لها ساعدان، وانفلق نصف جسمها الأسفل فكان ساقين، ثم نظر كل من ~~الإنسان المنقلب أفعى والأفعى التي انقلبت إنسانا بعضهما إلى بعض برهة، ثم مضى كل منهما في ~~سبيله. فلو أن الشاعر العظيم أدرك هذه المدنية التي يصفها الدكتور أوستن فريمان هذا الوصف ~~الممتع العميق، لما تخيل أن إنسانا وقف إزاء أفعى ليأخذ كل منهما صورة صاحبه، بل تخيل ~~إنسانا وقف أمام آلة ميكانيكية فنيت إرادته في إرادتها، فأصبح آلة، وأصبحت الآلة ~~إنسانا. ~~••• # الإنسان من الوجهة الفردية في المدنية الحديثة من أكثر الأشياء بذلا وخسارا، انظر في ~~العديد الأوفر من العمال تجد أنهم إنما يعيشون متطفلين على الآلات الميكانيكية، تلك الآلات ~~التي أخرجتهم عن وظائفهم الطبيعية التي خلقوا معدين للقيام بعبئها، خذ لذلك مثلا حمولة ~~سفينة من السفن العظمى توسق عمالا من الذين دربتهم مصانع الإنتاج الحديثة لتلقي بهم على ~~جزيرة من الجزائر الخصبة غير المعمورة، فهل يمكنك أن تتصور أن في مستطاعهم أن يكونوا جمعية ~~متمدينة مكفية شر الحاجة، كما فعل أول المهاجرين إلى أمريكا؟ من الواضح أنهم ms042 يعجزون عن هذا كل ~~العجز، وهم إن أفلتوا من يد الموت جوعا، فإنك تجدهم بعد ستة أشهر من هجرتهم في أقصى حالات ~~الهمجية وأحط دركات التوحش. # روى الدكتور فريمان أنه شاهد ثلاثمائة من زنوج أفريقيا قذف بهم النوء على شاطئ مهجور ~~من شواطئ أفريقيا الغربية الغني بأشجاره وغاباته، فما لبث أن رآهم بعد أن غابوا ساعة في أعماق ~~الغابة عائدين بحزم من الأغصان والحبال المفتولة، وما كان أشد عجبه إذ تطلع بعد قليل فوجد ~~قرية قائمة معدة للسكنى، وهذا المثال يشابه المثال الذي رواه الدكتور مولر ليير نقلا عن ~~سائح في جزائر تاهيتي. هذه المهارة وضروب غيرها من الفنون فقدها العامل في المدنية الحديثة ~~بفضل الإنتاج الميكانيكي، وعلى هذا لا نستخلص من بحث دكتور فريمان إلا أن الإنسان في مدنيته ~~الأخيرة ذاهب في سبيل الفساد من الوجهتين الفردية والاجتماعية. ~~(2-4) التطفل الاجتماعي # صور التطفل في الحياة كثيرة، متشابهة وغير متشابهة، فالتطفل في عالم الحيوان مبدأ يؤدي ~~إلى نتيجة هي بذاتها التي يؤدي إليها في عالم النبات، تلك النتيجة المحتومة التي تؤدي إليها ~~صور التطفل هي الفناء، فناء الأجسام المتطفلة وفناء الأجسام المتطفل عليها. # إن الميكروبات بأنواعها أجسام حية تعيش متطفلة على الأحياء، وبعضها حيواني وأكثرها ~~نباتي، وهل ترى لتطفلها من نتيجة غير الموت المحتوم الذاهب بها وبالأحياء التي تتطفل عليها ~~إلى عالم الفناء؟ وكذلك النباتات العليا، فإن منها ما يعيش متطفلا على نبات غيره كعشب ~~الدبق، إذ ينبت على أصول أشجار التفاح والبلوط، فلا يلبث إذا ما تكاثر عليها أن يفنيها ~~ويقتلها، إذن فالتطفل مبدأ في عالم الحياة له آثاره المشاهدة في عالمي الحيوان والنبات. فهل ~~في عالم الاجتماع أثر من مبدأ التطفل الذي يفسد نظام الجماعات ويفنيها كما يفني التطفل ~~الأجسام في عالم الحياة الفردية؟ سوف ترى معي أن في عالم الاجتماع من صور التطفل ما يذهب ~~أثرها إلى غور أبعد من ذلك الغور القصي الذي تصل إليه في عالم الفرد. # ذاعت فكرات الاشتراكية في العصور الحديثة كدواء لأمراض ms043 يشكو منها المجتمع الحديث، فكانت ~~كالسم يسقى لمن لدغته أفعى، فإن صورة التطفل التي يخلقها نظام الاشتراكية لصورة لا تنتج إلا ~~داء عضالا ما تبرأ منه الجماعات إن هي دلفت يوما بقدمها في مفاوزه الوعرة. # تذهب مع الاشتراكيين في وصفهم لمتاعب المجتمع الحديث وضروب المظالم التي يخلقها النظام ~~المدني القائم من حولك، فلا تذهب إلا في جو من الإقناع واليقين بأن النظام الحاضر قائم على ~~أساس كل ما في عالم الحياة يدعو إلى تغييره والتبدل منه بنظام يكفل للإنسانية قسطا من المتعة ~~بسعادات الحياة. ولكنك لا تذهب معهم إلى وصف الدواء حتى تعرف أنهم أمهر كل أطباء المجتمع ~~تشخيصا لدائه، كما أنهم أقصر باعا وأعجزهم يدا عن علاجه. # سل نفسك ماذا يطلب الاشتراكيون ليكون دواء من سقام النظام الحاضر؟ تجدهم يطلبون المساواة ~~بين الناس في فرص الحياة وفي الحطام، أوتدري أية نتيجة تتوافر مع المساواة؟ لا يتوافر معها ~~إلا جو من التطفل لا نهاية له إلا فساد المجتمع وتحليل روابطه الوثقى؛ لأنه من المحتوم عليك ~~في اشتراكية المساواة أن تسوي بين الذين لم تسو بينهم الطبيعة في الكفاءات والمواهب، ~~فتكون النتيجة أن يخرج كل من الأقوياء بنسبة قوتهم، والضعفاء المكدودين بنسبة ضعفهم، ولكن ~~النتيجة أن يقتسم الكل حاصل الضرب على نسبة واحدة، وليس لهذا من نتيجة إلا أن يزداد نصيب ~~الضعف على نصيب القوة إذا روعيت نسبة الناتج منهما، وبذلك يعيش قسم من المجتمع متطفلا على ~~مجهود غيره وبهذا تنحط قوة الأقوياء؛ لأنهم لا يصيبون من الناتج على نسبة ما يستحقون تلقاء ~~عملهم، ولا نهاية لهذه الحال إلا انحطاط المستوى العام إلى درجة الفناء والعدم الصرف إذا ما ~~توالت تأثيرات هذه الحال بضعة قرون متوالية. ~~••• # أما العمال في مدنية الإنتاج الحديث ففيهم نزعة إلى التطفل على جسم المجتمع الحاف بهم، ~~ولا يبغض دكتور فريمان من شيء في عالم الاجتماع بقدر ما يبغض هذه الصورة التي سوف نوقفك على ~~رأيه فيها، على أنك لا تكاد تنتهي مما كتب فريمان في التطفل ms044 الاجتماعي قراءة، حتى يشملك حزن ~~عميق، وحتى يقوم في ذهنك من مضارب الآراء ما يحملك على التساؤل أية مهواة من مهاوي هذا النظام ~~وأي صدع من صدوع هذه المدنية سوف يبتلع جماعات العصر الحديث؟ كأنك ترى الفساد والانحلال ~~الاجتماعيين ماثلين أمامك تمثالا متحركا يضرب في الأرض على قدميه إلى غور سحيق يكاد ~~يتردى فيه. # إن المحور الذي تدور حوله رحى التطفل في جماعات العمال الحديثة ينحصر في العمل على طلب ~~الجراء أو الأجر المحدود بإرادة المنتج من غير تدبر في قيمة العمل الذي ينتجه العامل. ولا يجد ~~دكتور فريمان من صعوبة في أن يظهر لك كيف يقنع العامل بأن يمتص دمه من جهاته الأربع، لا ~~لشيء إلا ليرضي المنتج نزعات الخاملين الذين فقدوا القوة على العمل والابتكار وتزودوا من ~~الحياة بقوة المال، تلك الجموع البيروقراطية التي لم تخلق في المجتمع إلا لتبدد ما تخرج اليد ~~العاملة من ثمرات. # يمضي العامل طوال عمره عاملا على أن يرضي ذوق غيره لا أن لا يرضي ذوقه، هو يعيش إذن ~~لغيره لا لنفسه، وهو يجهد نفسه دائما لدرس أحط ناحية من نواحي النفس الإنسانية، ناحية الضعف ~~بشيء خاص ينتجه ليربح المنتج أضعاف ما ينال العامل من عمله، وبهذا يخلق جو من التطفل على ~~صفات الإنسان مستمدا من إرضاء نزعاته الخاملة وشهواته الدنيئة، يعيش عليها العامل والمنتج ~~كلاهما عيش تطفل وخمول، لا عيش جد وابتكار حقيقي. وأنت أينما وليت وجهك باحثا في صور ~~الإنتاج الصناعي، لا ترى إلا هذه النزعة فاشية في كل ما تنتج اليد العاملة، فالإنتاج اليوم ~~عبارة عن إخراج كميات كبيرة ترضي من المستهلك أحط نزعاته، لا عبارة عن إخراج صفات في ~~المنتجات ترضي ذوق العامل وفيها من القيمة بقدر ما يؤخذ تلقاءها نقدا، وعلى الجملة تستطيع أن ~~تقول بحق: إن مصنوعات العصر الحاضر نتاج لفكرة ثابتة في رأس المنتج يدفع العامل على تنفيذها ~~قسرا عنه، قوامها استخدام المشاعر الدنيئة والشهوات السافلة من طريق الإغراء سعيا لابتزاز ~~أموال الجماهير، والسرقة من طريق ms045 أخذ كميات من النقد لا توازيها صفات المصنوعات المبذولة ~~فيها، وهذه بحق صورة من أحط صور التطفل الاجتماعي لا تتناول آثارها تبديد الثروات والحطام ~~لا غير، بل يتناول أثرها إفساد اليد العاملة المنتجة بما يحط من مستواها، بل ومن مستوى ~~الجماعة التي تعيش فيها. ~~••• # على أنني لا أعلم كيف ترك الدكتور فريمان صحافة العصر الحاضر دون أن يصف لنا ما فيها من ~~نزعات التطفل الاجتماعي التي بلغت في كل الأمم المتمدينة أقصى دركات الانحطاط والإسفاف، وعندي ~~أن ما يظهر في صحافة العصر الحديث من صور التطفل البشع لأبلغ أثرا في النيل من ترابط ~~الجمعيات الإنسانية من كل عوامل التطفل الأخرى، على ما هي مجهزة به من مهيئات الهدم ~~والتخريب، وما من شيء في الصحافة الحديثة إلا وفيه من دم التطفل قطرة تفيض أو عرق ينبض. وعلى ~~الرغم من أن الصحف سلاح حديث تذرعت به جماعات المدنية الحديثة للدفاع عن مصالحها، وعلى ~~الرغم من أن المبدأ التي خلقت له الصحافة يبعد جهد البعد عن جو التطفل على تعدد صوره واختلاف ~~ألوانه؛ فإن ما غرس في طبع الإنسان المتمدين من منازع الجشع الاجتماعي - البيلونكسيا - كما ~~يدعوه الأستاذ مولر ليير، لم يبق للصحافة من حياة إلا إذا مضت متطفلة على جسم المجتمع ~~القائم من حولها. وأنت إذا رأيت الصحافة الحديثة على هذا النحو من الحاجة إلى التطفل لتعيش ~~ماديا، فهل لك بعد هذا إلا أن تعتقد بأن كل ما هو كائن من حولك طفيليات تعيش هائمة في ~~الطبيعة على وجهها ولا هادي لها إلا البحث عن جسم تغزوه أو جيب تسلبه، وأنت بعد لا تعرف على ~~من تقع نواتج هذه النزعات، إلا على تلك الكتلة الصماء التي تكونها وحدات بشرية مفكرة مدركة ~~وندعوها إصلاحا بالمجتمع الإنساني. # إن أقرب ما ترى من صور التطفل في الصحافة الحديثة بحثها وراء ما يرضي نزعات قرائها، مهما ~~بلغت هذه النزعات من الانحطاط والدناءة. وبعد فهل ترى من الصحف، لا في مصر وحدها بل في أنحاء ~~العالم كله، ms046 ما هو أروج من تلك الصحف التي تنشر صور الغانيات مظهرة لبعض جمالهن مستغوية ~~بذلك الشيب والشباب من طريق التطفل على نزعاتهم وشهواتهم النكداء؟ وبعد فهل ترى في عالم ~~الصحافة أروج من تلك الصحف التي تروي القصص مقذوفا به في كل ناحية من نواحي الدنيات، ~~مظهرة لك من الإنسانية صورة لم يخلقها إلا فكر واضع القصص، ولم يقم في ناحية من نواحي العالم ~~لها من مثال صحيح؟ على أن في المبالغة في وصف المبادئ العليا من الخلق الإنساني لمنحدر تنحدر ~~فيه الأخلاق وآداب السلوك إلى حيث تخرج عن طورها الذي يجب أن تقف عنده، وإلى حيث تصبح وهما ~~وخيالا. خذ لذلك أمثال التضحية التي تقرؤها في قصص المجلات والصحف، وسائل نفسك بعد أن ~~تقرأها: هل هذا حقيقة مثال الخلق الإنساني؟ وهل هذه الأمثال يمكن تطبيقها على حالات واقعة ~~بالفعل؟ وأنت لا تلبث أن ترى أنك في عالم من الخيال لا في عالم من الحقيقة. وبهذا وبكثير من ~~أمثاله يفسد المجتمع وتسبح الجماعات في جو من الخيال الصرف لا أثر له في تقويم خلق ولا في ~~غرس فضيلة. # أما إذا نظرت في الصحافة هذه النظرة، ومضيت تتأمل في كثير من صور التطفل التي تظهر لابسة ~~الثوب الصحفي الحديث، وعدت بنظرك إلماما إلى الحالات القائمة في سياسة الشعوب الحديثة وبين ~~جدران دور النيابة؛ فإنك لا تجد أقوى من عاملين تكاتفا على التغرير بالجماعات ليعيش ~~ممثلوها تطفلا على أعناق الجموع البشرية: سياسي العصر الحديث وصحفيه، كلاهما يرضي ~~نزعة واحدة، هي نزعة القبض على خناق الجماهير ليستعبدها وليعيش متطفلا عليها تطفلا لا يكفل ~~لها من شيء ولا يسوق بها إلى نتيجة، اللهم إلا إلى الانحلال والفناء المحتوم. # الوظيفة التي قامت من أجلها الصحافة إرشادية صرفة، هي قوة للإرشاد والتعليم وإذاعة ~~المعارف، لا ابتغاء إرضاء الناس، ولكن ابتغاء إرضاء الحق والضمير. إذن لا يبحث الصحفي فيما ~~يرضي الجماهير، ولا فيما يرضي الأحزاب، ولا فيما يوافق ذوق الناس، ولا فيما يرضي نزعاتهم ~~الهوجاء؛ إلا ويكون قد ms047 خرج عن وظيفته ليعيش متطفلا على شهوات الجمعية يرضيها بالقول لترضيه ~~بالحطام. فهل في صحافة العصر الحديث برمتها من شيء يدل على أنها ظلت خلال عصر من العصور ~~أمينة للمبدأ الذي من أجله وجدت والتي لا يجب أن توجد إلا له؟ ~~(2-5) الانحطاط الضمامي # نترك عالم الصحافة وعالم العمل بما فيهما من صور التطفل الاجتماعي لنعود إلى الدكتور ~~أوستن فريمان، لنمضي وإياه في بحث آخر غير التطفل تناول به انحطاط الإنسان المتمدين عن ~~الإنسان المتوحش، فقال: # إذا قارنت بين عبد من عبيد أفريقيا المتوحشين وبين رجل إنجليزي أفسدته عوامل المدنية ~~الحديثة، وجدت أن الثاني أقل كفاءة من الأول، وجدت أنه يميل إلى الكسل والبطالة، وفيه ~~نزعة إلى البله وضعف العقل، فضلا عما فيه من العجز وعدم القدرة على العمل اليدوي، وهو ~~على الجملة فاقد المران والفن، بل جاهل بكل صنوف المعارف العامة جهلا كاملا. أما ~~الهمجي الأفريقي فعلى العكس من هذا تجده فرحا يميل إلى المجانة منشرح الصدر راضيا ~~قانعا، وهو فوق ذلك على علم بطبيعة الحيوانات والنباتات التي تعيش في محيطه، وله إلمام ~~ببعض مبادئ الدين التقليدية وأساطير آبائه وعادات القبائل التي يعيش معها، وله اطلاع ~~على بعض مبادئ الموسيقى، فضلا عن مرانه اليدوي واكتفائه بقوة يده وابتكاره عن مساعدة ~~غيره من الناس له في حاجات حياته، فإنه يستطيع أن يبني بيتا وأن يرفع سقفا وأن يحصل على ~~غذائه وأن يعده إذا كان غير معد للتغذية، ويمكن أن يولد نارا بلا ثقاب وأن ينسج ~~خيطا مغزولا وأن ينسج ألياف القطن ويهيئ منها ثوبا يرتديه، وقد يصنع كل أدواته التي ~~يحتاج إليها وأن يصلح ما يفسد منها بيده. أما من الوجهة الطبيعية فهو قوي البنية، ممشوق ~~القوام، سريع الحركة، قادرا على العمل، نشيط الحصاة. # إن ازدياد عدد السكان عند دكتور فريمان ظاهرة تتصل ببقاء الأطلح من الناس ~~اتصالا وثيقا، وأنه ما من مؤثر من مؤثرات المدنية الحديثة بأبلغ من الإنتاجية الميكانيكية ~~أثرا في خلق تلك الحالات التي تساعد على بقاء ms048 الطالحين وإفناء الصالحين اجتماعيا. أما كل ~~ما يمكن أن تجمع من كتاب دكتور فريمان من وصف لتأثير الميكانيكية الحديثة على مجتمع العصر ~~الحاضر، ففي استطاعتك أن تقف عليه إذا ما قرأت قوله: # إن ميكانيكية الإنتاج الحديثة بما تؤثر به على الإنسان وعلى بيئته، عامل من العوامل ~~المضادة لسعادة الجماعات الإنسانية؛ إنها قد قضت على الابتكار الصناعي وبدلت الإنسانية ~~منه بمجرد إنتاج بائر مكدود، كما أنها جردت أعمال الإنسان عن صفات الرقي والفن ونزلت ~~بمستواها، إنها هدمت قوة الوحدة الاجتماعية وبدلت الإنسان منها بانحلال اجتماعي وتناحر ~~بين الطبقات بلغ درجة تهدد المدنية الحديثة بالزوال والفساد، إنها مزقت تكوين المثل ~~الأعلى من الجماعات الإنسانية؛ إذ وضعت أساس نظامها على قاعدة لا يبذل فيها سوى الفرد ولا ~~يخسر بها سوى الفرد، إنها زودت الإنسان الطالح اجتماعيا بقوة سياسية يستخدمها في سبل ~~تضر بالصالح العام؛ إذ يستطيع أن يخلق بها نظامات ومعاهد من أخطر ما أحدثت المدنية من ~~أسلحة الهدم والتقويض، وإنها بما تؤيد من منشطات الحروب إنما تحدث عاملا قويا يهدم من ~~قوة الإنسان الطبيعية ويفني من مهيآتها ويذهب بالحضارة والثقافة إلى حيث العدم الصرف؛ ~~فهي بذلك لا تشابه في الحياة من شيء إلا تلك الأجسام المضادة للحياة التي تعيش متطفلة ~~على غيرها، تلك التي لا تذهب بالأجسام التي تغزوها إلا إلى الفناء الصرف وإلا إلى العدم ~~المطلق. ~~(3) خاتمة البحث - نقد وتقرير # نختتم الآن البحث في معضلات المدنية الحديثة، وقد أحطنا فيه برأي مؤلفين من كبار مؤلفي ~~هذا العصر، كلاهما على علم تام بما يكتب، وكلاهما درس الموضوع الذي تكلم فيه دراسة عميقة أدت ~~به إلى تقرير رأي خاص. # أما دكتور ليير فرجل ينزع إلى الآراء الاشتراكية، المتطرفة بعض الأحيان، وهو كبير الاعتقاد ~~في أن الرذائل الاجتماعية فيها نزعة فطرية تمضي بها إلى جو من التنازع والتناحر حيث تفني إحداها ~~الأخرى، إذن فهو يعتقد أن الإنسانية ترتقي وتتقدم من الجهة الأخلاقية. ولا مشاحة في أن كل من ~~يقرأ تاريخ تطور الفكرة في الأدب ms049 منذ بداءة العصر الوثني في أوروبا إلى عصر النهضة العلمية أو ~~عصر الثورة الفرنسوية؛ يقضي بأن لذلك الرأي نصيبا من الصحة، وأن فيه قسطا من الصواب. غير أن ~~القول بأن في الرذائل الاجتماعية نزعة أصيلة تمضي بها إلى الزوال بتأثير إحداها في الأخرى، فقول ~~لم يثبته دكتور ليير ولم يثبته أحد غيره، بل وأظن تغليبا أنه ليس في مستطاع أحد أن يثبته من ~~طريق عملي يرضي نزعة العلم في العصر الحديث. كذلك لا أتخيل أن تطور الآداب قد مضى في سبيل ~~التدرج بخطى تجاوزت خطى التدرج التي خطاها النوع الإنساني في الناحية العضوية الصرفة، نعم ~~إنه لحق أن الفكرة في الأدب قد تطورت، ولكن طبيعتها لم تتغير تغيرا كثيرا يعادل مقداره ~~تطور الفكرة ذاتها. وأما دكتور فريمان فإنه إن كان يتفق ودكتور ليير في أن عصر الإنتاجية ~~الميكانيكية لم يحب المدنية إلا بكل عوامل الفساد والانحطاط؛ إلا أنه يمضي في نظرته ~~التشاؤمية إلى آخر ما يمكن أن يبلغ بها مفكر من مفكري العصر الحديث، فأنت في كتابه برمته لا ~~تخرج إلا بفكرة واحدة شملت أطرافه، فكرة أن الإنسان ينحط فرديا واجتماعيا وأن أبين صور ~~الاجتماعية الحديثة هي صورة التطفل التي قضت على كل الصفات التي خرج بها الإنسان من مهد تطوراته ~~الأولى. أما وقد وصف كل من الكاتبين أمراض المدنية الحديثة، أما وقد شخصا داءها تشخيصا ~~دقيقا؛ فإنهما لم يختما بحثهما إلا بعد أن وصف كلاهما دواء يراه صالحا للأخذ بيد المدنية ~~الإنسانية من وهدتها التي تردت فيها حديثا، لهذا نمضي في تقرير الرأيين، فنخرج من ذلك ~~بفكرة فيما يمكن أن يكون مخرجا من ظلمات العصر الحاضر. # أما دكتور ليير فلا يصف من دواء محدود الخاصيات ليبرئ به الإنسانية من سقامها بعد قيام ~~عصر الإنتاج الميكانيكي؛ هو يكتفي بأن الإنسانية ترتقي وتتطور وأنها تتخلص شيئا فشيئا من ~~رذائلها بطريقة سحرية لم يصفها ولم يعبر عنها تعبيرا يرضى عنه العلم ويسلم به القياس ~~المنطقي، وهنا تقع على أول فشل تشعر به ms050 إذا أنت حاولت أن تقع فيما كتب على نتيجة عملية ما من ~~الناحية البنائية. وكذلك الحال إذا أنت رجعت إلى دكتور فريمان، فإنه إن شارك دكتور ليير في وصف ~~الداء وفي تشخيصه بأبلغ ما وصل إليه كاتب من كتاب العصر الحديث درسا واستعماقا في النظر؛ ~~فإن الناحية التشييدية من كتابه، تلك الناحية التي حاول أن يصف فيها دواء للمدنية تعطاه ~~جرعة واحدة، كانت فشلا تاما. وإذا أنت جمعت بين نجاح الكاتبين في وصف الداء وبين فشلهما في ~~وصف الدواء، ألفيت بحق أن المدنية واقعة في مشكلات عظمى ومعضلات كبيرة، قد تذهب بها إلى ~~الفساد والانحلال. # يعتقد دكتور فريمان أن أعظم ما ينتاب المدنية الحديثة من الحالات المضادة لطبيعة الارتقاء ~~القبض على خناق الانتخاب الطبيعي أن ينبعث في سبيله المحتوم تأثيرا في طبائع الجماعات، ولهذا ~~فهو يعتقد أن نصيب الطالحين اجتماعيا من البقاء وأعقاب النسل أوفى من نصيب الذين كان من ~~الواجب أن يترك الانتخاب الطبيعي آخذا بيدهم في سبيل التكاثر والازدياد، ولهذا لا يجد الدكتور ~~فريمان من سبيل يمضي فيه بعد ذلك إلا سبيل القول بانتقاء بقية من أصلح ما يتضمن المجتمع الحاضر ~~من الأفراد، يؤخذون كنواة تتكاثر من حولها جماعة هي بذاتها تلك الجماعة التي تضاد في بيئتها ~~وطرق معاشها جماعات المدنية الحديثة، هو يقترح انتقاء جمع من الرجال والنساء يستدل من حالهم ~~على أنهم أصلح الناس للبقاء وأنسبهم لمطالب الانتخاب الطبيعي، يعزلون عن بقية المجتمع ليعيشوا ~~في عزلتهم وانقطاعهم عيش المدنية المناسبة لمقتضيات الطبيعة، بعيدين عن استبداد الآلات، قادرين ~~على أن يقوموا باستيفاء حاجات بعضهم بقوة سواعدهم وبمهارتهم اليدوية. على أن في هذا الاقتراح ~~على سهولة التفكير فيه لصعاب يتعذر معها تنفيذه، فإنك إن أردت أن تجمع فئة منتقاة كهذه لتعزلها ~~عن بقية المجتمع لما استطعت ذلك في أكثر البلدان الصناعية، يتعذر عليك ذلك في إنجلترا وفرنسا ~~وألمانيا وإيطاليا، بل وفي كثير غيرها من الممالك المتمدينة الواقعة تحت سلطان تلك الحالات ~~العقيمة التي وصفها دكتور فريمان ذلك الوصف ms051 البليغ. وإذا فرضنا جدلا بأن هذه الفئة استطاعت أن ~~تتكون في ناحية من نواحي مملكة مثل فرنسا، فكيف يمكن أن تكون بمنجاة عن تحمل تلك الأثقال ~~التي تلقيها الحكومات على عاتق بقية رعايا الدولة؟ وما هي في الواقع إلا مسئوليات لا يمكن ~~تحملها إلا بالركون إلى استخدام تلك الوسائل التي ينحي عليها دكتور فريمان ويحمل عليها حملته ~~الصادقة، إنهم سيدفعون ضرائب للحكومة! ومن طبيعة النظام الاجتماعي القائم أن يمضى جزء من ~~الخيرات التي تصرف في سبيلها الضرائب على سكان المملكة حتما، إذن فهم سوف يعملون على زيادة ~~رفاهية الطالحين اجتماعيا، وسوف يساعدون على تمهيد السبيل لزيادة عدد العاطلين وترويج سوق ~~النساء اللاتى فيهن استعداد طبيعي للفساد، وسوف يمدون موظفي الحكومة بجزء من مرتباتهم، ~~وكذلك السياسيون الانتهازيون الذين لا يعيشون إلا في جو التطفل الذي أبدعه العصر الحديث. وعلى ~~هذا تبدأ تجربة دكتور فريمان في جو استجمع كل المهيئات اللازمة لإحباطها. # جماع هذه الحالات تجعل نجاح هذا الدواء في حكم المستحيل في بلاد استحكم فيها استبداد ~~الإنتاجية الميكانيكية، غير أني لا أرى سببا يجعلنا نشك في نجاحها في بلاد أخرى، فإن شركة من ~~الشركات من الممكن أن تتكون على أن تختص باستغلال قطعة من الأرض في بلاد كروديسيا أو طسمانيا أو ~~كندا الغربية أو جنوب أمريكا، ويمكن أن تعيش فيها جمعية منتقاة مستجمعة لكل ما يضمن لها البقاء ~~تحت تأثير الحالات الطبيعية الأولى التي رغب فيها دكتور فريمان ويمضي ناصحا بها، ذلك لأن ~~النظريات الاجتماعية يجب أن توضع موضع التنفيذ؛ لأنه في الواقع المحك الصحيح الذي يمكن أن ~~يعرف به بمقدار ما في النظريات من حق، ومقدار ما في الفروض من صواب، وليس من شك في أن ذلك ~~جائز، فإن الشيوعية على ما فيها من نزعات الاستبداد وعلى ما تنطوي عليه من مطامع، لم تأنف من ~~التجريب، ولا تزال ممعنة في سبيل تجاريبها، رغم أنها لم تفلح في شيء إلا في الناحية ~~الزراعية، وإن كان فلاحا محدودا، ذلك في حين أن ms052 جمعية دكتور فريمان سوف لا تطمع في شيء إلا ~~في أن تعيش عيش الناس في القرون الوسطى ومن قبل أن يجتاح المدنية عصر الآلات الحديث، ففي أية من ~~بقاع الأرض يمكن أن توجد مساحة خصيبة قوية العناصر من المستطاع أن تعيش فيها مثل هذه الجمعية، ~~ولكن ذلك غير ميسور في كل بقاع الأرض، كلما أنه بعيد أن يوجد في البلاد الصناعية. # وبعد كل هذا فإنا لا نستطيع إلا أن نقول إن تشخيص الداء شيء غير العلاج، فإن هذين الكاتبين ~~الكبيرين ليتفقان في تشخيصهما لداء الجمعية الحديثة، وقد نزيد على هذا أن حسن تشخيص الداء فيه ~~نصف مهمة الطبيب، فكلاهما يتفق وصاحبه في أن الإنسان إذ مضى يتسود على قوى الطبيعة قد مضى في ~~سبيل أنقص من ناسوتيته ومن رجولته وأوهن من صفاته الطبيعية، فأفسد من هذا بمقدار ما تغلغل هو ~~إلى صميم الطبيعة التي يعيش في جوفها، يقولان بأن الإنسان قد نجح، ولكن في الحد من مواهبه ~~وكفاياته، فأغفل كثيرا من الانتفاع بأوجه نشاطه الطبيعي، وبذلك أضحى أوهى تكوينا وأقل ~~سعادة مما كان، وعلى هذا يقرران أن المدنية في خطر أن تصبح ثورة نظامية ضد الطبيعة الكونية. أما ~~الباحث الألماني فعلى الرغم من كل هذا يعتقد أن اجتياز هذه العقبة مستطاع بأن تهذب النظامات ~~الاجتماعية، وبالأحرى بأن تستكمل المعدات التي تؤهل الإنسان لكي يتحكم في بيئته بمحض اختياره ~~تحكما تاما، وأن الإنسان إذا بلغ إلى هذا الحد مضى يضرب في سبيل النشوء إلى مدى قصي بعيد، ~~فهو من المتفائلين، ولكن تفاؤله موقوف على هذا ولا على شيء غيره. أما الباحث الإنجليزي فشديد ~~الإيمان بفساد المدنية، ولذا يلجأ إلى «اليوجنية» يستدر وحيها ليتخذ من مبادئها ما يطبقه ~~تطبيقا عمليا تفلت به الجماعات من الأغلال المحتومة عليها إن هي مضت عاكفة على طرائقها ~~القائمة اليوم. أما الأول فلأنه كتب قبل الحرب العظمى، فمن الجائز أن يكون قد أسرف في التفاؤل، ~~وأما الثاني فلأنه كتب بعد وقوع الكارثة فمن الجائز أن يكون قد ms053 أسرف في التشاؤم. وسوف يظهر لنا ~~المستقبل القريب عما إذا كانت المدنية الحديثة من المستطاع إصلاحها أم أنها سوف تلحق بما سبقها ~~من صور المدنيات. # على أنا لا نستطيع أن نتصور كيف أن مدنية لا تسود فيها الفردية المستقلة يمكن أن تكتب لها ~~الحياة! ولا بد من أن تنبعث في الجماعات حياة روحية جديدة تولي بها نحو مثل أعلى في حياتها ~~الدنيا، قبل أن نقول بحق إن المدنية أفلتت من عوامل الفساد المنبثة في تضاعيفها. # برقين - 1926 # | النسبية # (1) من الوجهة العلمية # يقول العلامة داروين في الفصل السادس من كتابه «أصل الأنواع»: «لقد اهتزت أوتار العقل ~~البشري من صميمها؛ إذ أعلن لأول مرة في تاريخ الدنيا أن الشمس ثابتة وأن الأرض هي التي تدور ~~حولها، ولم يسلم الناس بهذه الحقيقة الواقعة.» ولكن المثل القائل بأن «كل ذائع لا بد من أن ~~يكون صحيحا.» لا يمكن الأخذ به في مباحث العلوم كما اتفق كل الفلاسفة. ولا جدال في أن أوتار ~~العقل البشري قد اهتزت واضطرب توازنها مرة أخرى عام 1859 عندما أذاع داروين رأيه في الأنواع ~~قائلا: «إن ما كنت أقطع به - كما قطع الطبيعيون - من القول بأن كل نوع من الأنواع قد خلق ~~مستقلا بذاته خطأ محض، وإن الأنواع دائمة التغاير، وإن الأنواع التي نعتبرها من توابع ~~الأجناس هي أعقاب متسلسلة عن أنواع طواها الانقراض.» كذلك اهتزت أوتار العقل البشري مرة ثالثة ~~عام 1905 عندما أعلن العلامة ألفرد أينشتين الألماني رأيه في النسبية التي لم يمض على نشر ~~الرأي فيها بضع سنين حتى أربت المؤلفات التي كتبت في إنجلترا باحثة في حقائقها على الألف، ~~محصت فيها وجوه هذه النظرية العلمية التي دكت معالم الرأي السائد في تطبيق هندسة إقليدس، ~~بعد أن ظلت ثلاثة وعشرين قرنا من الزمان المنارة الوضاءة بما كنا نعتقد أنه الحق، وغيرت ~~الفكرة في جاذبية نيوتن تغييرا تاما. # ظل العالم يعتقد - كما اعتقد القدماء - بأنه لا يوجد إلا ثلاثة أبعاد لا يخرج عنها شيء في ~~العالم المادي، الطول ms054 والعرض والعمق، وظللنا نعتقد كما اعتقد الأقدمون بأن الزمان عبارة عن ~~مقدار الحركة من جهة المتقدم والمتأخر، وأن المكان عبارة عن السطح الباطن من الجرم الحاوي ~~المماس للسطح الظاهر من الجرم المحوي، وتابع الناس هذه الآراء على أنها ثابتة في ذاتها، وأن ~~التعاريف الموضوعة فيها تعاريف لا ينالها التبديل ولا الزوال، في حين أن هذه المسائل عامتها ~~مسائل اعتبارية كما قال البعض، وكما أثبتت النسبية في هذا الزمان. ~~••• # لنفرض أن بائعا أراد أن يعلن عن صندوق يريد بيعه وأحب أن يبين في إعلانه حجم الصندوق، ~~فإنه لا يحتاج أن يبين لذلك سوى ثلاثة مقاسات، بأن يعين ارتفاعه وطوله وعرضه، ومن ذلك يعرف ~~الناس مقدار حجمه الطبيعي، فإذا ضربت طول الصندوق في عرضه في ارتفاعه عرفت مقدار سعته. غير أنك ~~إذا تركت قياس هذه الأبعاد إلى أشخاص عديدين خرجت من عملهم بنتائج متناقضة مهوشة، خذ مثلا ~~شخصين أراد كلاهما أن يقيس ذلك الصندوق فقاسه كلاهما متوخيا الدقة، فإنك تجد أن مقاساتهما ~~مختلفة تمام الاختلاف، يقول أحدهما: إن ارتفاعه اثنتا عشرة قدما، ويقول الآخر: إن ارتفاعه ست ~~أقدام فقط، وقد يقضي أولهما بأنه تسع أقدام طولا ويقضي الثاني بأنه اثنتا عشرة قدما طولا، ~~ويقول أحدهما: إنه ست أقدام عرضا، في حين يقول الآخر: إنه تسع أقدام عرضا! فمن أين تأتي هذه ~~الفروق؟ تأتي من أن أحدهما قاس الصندوق وهو قائم وقاسه الثاني وهو في وضع آخر، فكان الذي اعتبره ~~الأول طولا اعتبره الثاني ارتفاعا، وهذه اصطلاحات اعتبارية عند الناس وهي في حقيقتها نسبية ~~للناظر. والاختلافات التي تحدث في مثل هذه الحال قد تسوق الذين يريدون دراسة النسبية إلى كثير ~~من الخلط والفوضى، فإننا في حياتنا العملية نعتبر أن الارتفاع هو البعد المقيس من فوق إلى أسفل، ~~ولكن الخلاف طالما وقع بين الناس على الطول والعرض، أما في المكان فلست تجد بعدا تقيسه من فوق ~~إلى أسفل، والاتجاه الذي تقيس به الأبعاد في «المكان» اعتباري صرف. ولا نتخذ في قياساتنا من شيء ~~ثابت ms055 إلا أننا نجعل الأبعاد الثلاثة متصلة بزوايا قائمة، فإذا وجدنا شخصين كلاهما يتوخى الدقة ~~في قياساته قد وصلا إلى تقديرات مختلفة في قياسهما الأبعاد الثلاثة لشيء معين، نقضي غالبا بأن ~~كلا منهما قد اتخذ قياسه من اتجاه مختلف عن اتجاه الآخر. فإذا تحققنا هذا عرفنا بعد ذلك أن ~~الكمية العامة محفوظة في مقاساتها، فما يفقده الأول فيما اعتبره طولا يعوضه الثاني فيما ~~اعتبره ارتفاعا مثلا، وإنه مهما اختلفت مقاساتهما فإن كمية الجرم نفسه تبقى واحدة ~~عندهما. # والآن إذا أردنا أن نطبق هذا البيان على الحالة التي يكون فيها جسم ذو ثلاثة أبعاد متحركا ~~بسرعة عظيمة مخترقا فضاء، بحيث يظهر للرائي من بعيد كأنه منبعج قليلا عند أعلاه وأسفله في حين ~~أن الشخص الذي يحمله هذا الجسم لا يلحظ فيه أي انبعاج مطلقا؛ فهنا نتساءل: ألا يوجد فرق آخر ~~يعوض خطأ التقدير بين الشخصين في البعدين الآخرين؟ لا يوجد فرق كهذا بين تقديرهما في الارتفاع ~~أو العرض؛ لأن هذين البعدين يظلان متماثلين عند كليهما، فهما لا يختلفان إلا من حيث تقدير الطول ~~فقط. # غير اننا إذا قلنا بأن للأجسام أبعادا أربعة بدلا عن ثلاثة كما يخيل إلينا، فهنالك في ~~البعد الرابع نقع على المبدأ الذي يحدث المعاوضة بين تقدير الشخصين، وذلك ما يقع في الطبيعة ~~تماما، فإن البعد الرابع هو بعد الزمان؛ لأنك تجد أن تباطؤ السرعة في الجسم المتحرك تعوض ~~تماما مقدار ما يلوح لك من القصر في طول الجسم نفسه. # وقد تساءل البعض: لماذا لا نحس بوجود هذا البعد الرابع الذي نسميه بعد الزمان؟ السبب في ~~ذلك يرجع إلى أن هذا البعد لا يختلف مطلقا في نظر كل المتطلعين إلى الفضاء من فوق كرة الأرض، ~~إذ لا يوجد إلا مثال واحد لقياس الزمان يتفق عليه كل سكان هذا السيار، ولما كان هذا المثال ~~واحدا لا يختلف فيه اثنان أخرجناه بالطبيعة عن ملاحظاتنا الراجعة إلى حسن النظر، أضف إلى ذلك ~~أننا لم نهيأ بعضو خاص لإدراك ذلك البعد الخفي، وهذا ms056 البعد لا يظهر بصور مختلفة إلا في ~~جرم يتحرك بسرعة تختلف اختلافا كبيرا عن سرعة الجرم الذي يحملنا، ولكنه إذا اختلف فكذلك ~~تختلف لاختلافه المقاسات الخاصة بطريق المعاوضة. وبالجملة لا يوجد في الطبيعة شيئان مختلفان كما ~~نظن يقال لأحدهما المكان وله ثلاثة أبعاد ويقال للآخر الزمان وله بعد واحد، بل هنالك شيء واحد ~~يقال له «المكان الزماني» وهو ذو أربعة أبعاد. ~~••• # عرفنا أن القائسين مهما اختلفوا في الاتجاهات التي يقيسون بها جرما معينا فإن حجمه يبقى ~~ثابتا عندهم، إذن فالحكم حقيقة ثابتة في ذاتها، مستقلة تمام الاستقلال عن الاتجاه الذي نقيسها ~~به، وهذه الحقيقة تنطبق تماما على المسافات فضلا عن انطباقها على الأجرام. # افرض مثلا أنك وجدت نقطة تبعد عنك ثلاثة أمتار شرقا وأربعة أمتار شمالا، فمسافتها ~~الواقعة في الشمال الشرقي بشمال تكون خمسة أمتار، تحقق هذا القول بنظرية «إقليدس» التي تثبت أن ~~المربع الذي يقام على وتر الزاوية القائمة في مثلث قائم الزاوية يساوي مربعي الضلعين ~~الآخرين. # ولنفرض أيضا أن بوصلتك قد تختل بحيث يصبح الشمال عندها شمالا غربيا، وإبرتها التي ~~تشير إلى الشرق أصبحت كذلك تشير إلى الشمال الشرقي؛ فماذا تجد؟ تجد أن تلك المنطقة قد تبعد عنك ~~إلى الشمال مترين وإلى الشرق أربعة أمتار ونصف، ولكنك تجد مع ذلك أن مربعاتها 25 تقريبا وأن ~~بعد النقطة لا يزال خمسة أمتار كما كانت من قبل. محصل ذلك أننا نستطيع أن نقيس طول أي شيء ~~وعرضه بطرق تختلف باختلاف إرادتنا، في حين أن النتائج العامة تظل واحدة ما دامت قياساتنا ~~صحيحة. ~~••• # كذلك في «المكان الزماني» ذي الأبعاد الأربعة تجد كمية خاصة لا يؤثر فيها اختلاف الطرق التي ~~تتخذها سبيلا إلى قياسها وتسمى علميا «الفترة # Interval ~~»، ~~وهي المدة التي تفصل بين وقوع حادثتين معينتين. ولقد ثبت لدينا من قبل أن الرائي وهو في حركة ~~سريعة لا بد من أن يختلف حكمه على طول الأجرام عن حكمنا اختلاف حكمه عن حكمنا في مقاييس الزمان ~~التي تلازم حركته، ولكنه مع ذلك يتفق ms057 معنا دائما على «الفترة» التي تفصل بين حادثتين تقاسان ~~بمقتضى «المكان الزماني»، فالفترة التي يقضيها إنسان من يوم مولده إلى يوم موته قد يقدرها أحد ~~الباحثين بألف ميل وخمسة وسبعين عاما، في حين أن آخر قد يقدرها بعدة ملايين من الأميال وستة ~~وسبعين عاما، ذلك خلاف بين تقديريهما. أما الكمية التي تبقى ثابتة عندهما فهي مربع المسافة ~~التي قطعها ذلك الإنسان متنقلا فوق الأرض منذ مولده حتى هلكه، ناقص مربع المسافة التي قطعها ~~الضوء في المسافة عينها، هذه الكمية لا يمكن أن تتغير مهما اختلفت نظراتنا إليها. إن كثيرا من ~~الكاتبين في النسبية يعتقدون أنه ليس من الضروري وضع فكرة طبيعية عن «الفترة»، ويكفي أن تعرف ~~أنها عبارة عما يقال له في علم العدد «كمية فرضية» مثل المربع الجذري لناقص واحد، فإنك في ~~المكان ذي الأبعاد الثلاثة يمكنك أن تمثل للمسافة الواقعة بين نقطتين بخط مستقيم يصل بينهما، ~~أما في «المكان الزماني» ذي الأبعاد الأربعة فلا يمكننا أن نمثل ل «الفترة» الواقعة بين حادثتين ~~بخط مستقيم أو غير مستقيم؛ لأن «الفترة» لا يمكن إدراكها إلا بمعادلة حسابية، في أن إدراكها ليس ~~ببعيد إلا إذا أردنا أن ندركها ببصرنا؛ لأننا لم نعط من الكفات ما نستطيع بها أن نحدها بقوة ~~أبصارنا. # أما المعنى الحقيقي الذي يقصد من النسبية فيسهل علينا إدراكه إذا فرضنا مكانا لا شيء فيه ~~سوى كرة واحدة من المادة، ثم فرضنا بعد ذلك أيضا أننا حاولنا أن نعرف إن كانت تلك الكرة تتحرك ~~أم هي ثابتة، فكيف نصل إلى ذلك؟ إن النظرية الخاصة التي تقول بها النسبية تقضي بأن ناظرا ما من ~~فوق تلك الكرة لن يستطيع أن يستكشف بأية طريقة من طرق الامتحان والتجربة إن كانت تتحرك في مكان ~~معين أم ليست متحركة، إن كل شيء تحمله هذه الكرة يظل متحركا فى اتجاهه المرسوم له سواء أكانت ~~الكرة ذاتها ثابتة أم متحركة بسرعة ألف ميل في الساعة. والسبيل الوحيد الذي نحكم به على حركة ~~جسم ما في ms058 حياتنا العملية هو أن نلاحظ إن كان يغير موضعه «بالنسبة» لأجسام أخر أم أن موضعه لا ~~يتغير، أما إذا «لم توجد» أجسام أخر في الكون فإنا لا محالة نعدم هذه السبيل، من هنا نجد أنه ~~لا سبيل مطلقا إلى الحكم على تلك الكرة بالحركة أم بالسكون، وقد لا نبعد في هذه الحال عن ~~الحقيقة أن قضينا بأن البحث في ذلك بحث عقيم لا نتاج له. # لنفرض بعد هذا أن تلك الكرة تتحرك بسرعة ألف ميل في الساعة، فماذا نعني بذلك؟ إنها لا تكون ~~إذ ذاك قد اقتربت من «شيء» ما دام الفرض أن المكان الذي تخيلناه لا يحوي شيئا تقترب منه أو ~~تبعد عنه في حركتها. كذلك الحوادث التي تقع فوق تلك الكرة تقع على خط واحد وبطريقة واحدة مهما ~~فرضنا لها من السرعة، فكل معرفتنا إذ ذاك تكون مقصورة على أن هنالك كرة موجودة، أما إذا قلنا ~~بأنها متحركة فإنما نحن نتفوه بما لا ينقل إلينا أية فكرة، بل بما لا نفقه له معنى البتة، ~~وليس معنى ذلك أننا لا نعرف مقدار حركتها لا غير، بل معناه أيضا أن الحركة تصبح لدينا محض ~~اعتبار تصوري ما دام لا يوجد إلا جرم واحد في فضاء بعينه. ومن هنا نجد أن المكان متابعة لذلك ~~وتحت تأثير هذه الحالات ليس إلا اعتبارا تصوريا أيضا، ففكرتنا في المكان هي نفس فكرتنا في ~~شيء يمكن لجسم أن يتحرك فيه، ولا جرم أننا إذا عدمنا فكرة الحركة فعندها نفقد أيضا فكرة ~~المكان. # ثم لنفرض أن في الكون كرتين بدلا من كرة واحدة تتحركان متقابلتين بنسبة واحدة من السرعة، ~~ولكنهما لا تدوران حول محورهما، بل إن كلا منهما تظل حافظة لجهة واحدة في اتجاهها نحو الأخرى، ~~ومن الجلي أن سرعتهما مهما كان مقدارها فهما إما أن تظهرا ثابتتين وإما أن تظهرا متحركتين في ~~خط مستقيم متقابلتين أو متباعدتين، وكل ما نستطيع إذ ذاك أن نميز من تغير موضعهما ينحصر في ~~تزايد المسافة التي تفصل بينهما أو ms059 تناقصها، أما إدراكنا لأية صورة من صور الحركة الأخر فلا ~~نستطيعه إلا بوجود جسم ثالث نتخذه معدلا للقياس، وكل شخص يكون فوق الجرم الثالث قد يحتمل ~~أن يرى إحدى الكرتين تنقلب على عقبها في الفضاء أو يراها متخذة أية حركة أخرى، أما إذا ظلت ~~الكرتان غير مدركتين وجود جرم ثالث، فهذه الحركات تظل غامضة على كلتيهما، وكل ما يستطيع ~~شخص أن يعرف فهو إن كانت المسافة التي تفصل بينهما قد زادت أو نقصت بنسبة خاصة من السرعة. فإذا ~~أدرك شخصان فوق هاتين الكرتين وجود الجرم الثالث، فربما عزا كل منهما تغير المسافات الذي ~~يلحظانه إلى حركة الجرم الذي يحمله لا إلى حركتهما معا. ومحصل القول أن تغير المسافة هو كل ~~ما يستطاع إدراكه، أما الحركة المطلقة فإنها ليست فقط مما لا يمكن معرفته، بل إنها فاقدة لكل ~~معنى البتة، ويترتب على ذلك أن المكان المطلق لا معنى له بالتبعية، لما تقدم. # من هنا نجد أن إدراك المكان كإدراك الزمان، كلاهما يتبع وجود أجسام مادية، وليس المكان إلا ~~أثرا من آثار المادة، أما إذا فصلت بين المكان والمادة فإنه يصبح مفقود المعنى. # إننا لا نستطيع أن نرى المكان بأعيننا؛ لأن المكان ليس بشيء مادي، وما هو إلا فكرة تأتي من ~~إدراكنا للمادة. وما دام المكان أثرا من آثار المادة، فإنا بذلك ننتظر دائما أن يقال لنا إن ~~قدر المكان يرجع دائما إلى الثقل النوعي، فكرة من الماء قطرها 350 مليونا من الأميال ~~يمكن أن تملأ كل مكان مستطاع تصوره، ولكن الواقع أن المادة التي تملأ أطراف الكون يقل ~~ثقلها النوعي كثيرا عن ثقل الماء، ومن هنا حسب الباحثون أن مقدار المكان المحيط بهذا الكون ~~عبارة عن كرة مقدارها 400 تريليون من الأميال، وكل الأشياء لا بد من أن توجد داخل هذه الدائرة، ~~أما تصور شيء خارج عنها فلا يمكن أن يكون له معنى عندنا. افرض أن جسما يبدأ في الحركة متخذا ~~اتجاها مستقيما في الظاهر إلى ما لا نهاية، فإنه يظل ms060 داخل هذه الكرة ولن يخرج عن حدودها، ~~والضوء يتحرك أو ينتشر في الواقع بسرعة هائلة، وقد عرف حديثا أنه ينتشر في الفراغ بسرعة ~~820-299 كيلو مترا في الثانية الواحدة، غير أنه على سرعته هذه لا يستطيع أن يتحرك في حيز خارج ~~عن دائرة المكان، فهو يسبح فقط حول هذه الدائرة ويحتاج إلى 1000 مليون من السنين ليتم سياحته، ~~حسب تقدير سرعته قبل الاكتشاف الحديث، من نقطة مفروضة يبدأ منها إلى أن يعود إليها، ولذلك يقول ~~البعض إننا قد نشاهد أشياء حدثت منذ 1000 مليون من السنين؛ إذ يكون الضوء الصادر عنها قد طاف ~~حول الكون ورجع إلينا ثانية، حتى قال الأستاذ «رادنجتون»: إن بعض السدم الحلزونية ليست سوى ~~طيوف حقيقية من نظامنا النجمي، أي أجرام رجعت إلى مآويها ومرابضها التي خلفتها منذ 1000 مليون ~~خلت من الأعوام. ~~••• # إن الناموس الذي شرحناه قد يزعزع كثيرا من يقين عامة الناس؛ إذ يتساءلون: كيف يكون للمكان ~~كمية محدودة في حين أنه لا حدود له؟ وكيف أن مقدارا يكون محدودا في حين أنه لا يكون ~~محويا داخل حدود ما؟ إن المشبهات التي نستخلصها من مكان ذي بعد واحد أو بعدين قد تساعدنا ~~على فهم ذلك وما يعني به: فمكان ذو بعد واحد يكون خطا، فإذا اتحد طرفا هذا الخط فإنه يصبح ~~لا أطراف له، في حين أن طوله يكون محدودا، والمكان ذو البعدين يكون سطحا، فإذا أصبح هذا السطح ~~سطح دائرة، حدث إذ ذاك أنه يكون بغير حدود، في حين أن هذا السطح يمكن معرفة مقداره بالقياس، فهو ~~بذلك كمية محدودة. فحشرة من الحشرات الدنيا مثلا في مستطاعها أن تجوب أنحاء هذا السطح إلى ما ~~لا نهاية، من غير أن نصبح في زمن من الأزمان أقرب إلى نهاية السطح أو أبعد عنه، وإذا لم يوجد في ~~العالم شيء سوى هذا السطح، فحينذاك يصبح المكان عبارة عن هذا السطح، لا أقل ولا أكثر، فالمكان ~~غير متناه باعتبار أنه لا يمكن أن يكون له آخر تصل ms061 إليه، ومتناه باعتبار أن له مساحة محدودة ~~وقدرا محدودا. # وفي كلتا الحالتين، حالة الخط وحالة السطح، إذا أريد أن يصبحا محدودين فإنه لا بد من أن ~~ينحنيا، فإن خطا مستقيما إذا ذهب في امتداد واحد دائما فإن طوله يصبح متناهيا، فإذا أردنا ~~أن نحد طوله ولا نحد أطرافه فلا بد من أن ينحني ليلتقي طرفاه في نقطة، وهذا الانحناء لا ~~يحدث إلا في البعد الثاني، أي إنه لا بد من أن يحوز مساحة، والمساحة هي عبارة عما يكون له عرض ~~كما يكون له طول، فالخط ذاته ولو لم يكن له إلا صفة الطول وليس له غير بعد واحد، فإنه إذا التحم ~~طرفاه حاط مكانا ذا بعدين. وهذه هي الحال بعينها في السطوح، فإن السطح إذا كان منبسطا تمام ~~الانبساط فإنه يكون ذا مساحة غير متناهية، فإذا أردت أن تجعل مساحته محدودة في حين يكون غير ذي ~~أطراف متناهية، فيلزم أن ينحنى في البعد الثالث، كما لو كنت تجعله يحوي داخله كمية محدودة، ككرة ~~مثلا أو أسطوانة أو غير ذلك. # كذلك المكان الخاص بهذا الكون الذي نعرفه قد يقال فيه ما يقال في غيره؛ لا حدود له، وهو في ~~الوقت ذاته ذو كمية محدودة، ويرجع الكلام في هذا إلى الناموس ذاته، أي إلى القول بأن المكان ذا ~~الأبعاد الثلاثة لا بد من أن يأخذ انحناءه في البعد الرابع، والأستاذ «أينشتين» نفسه يعتقد ~~أنه منحن انحناء أسطوانيا، ويقول غيره بانحنائه على أشكال أخر. غير أن كل هذا يتوقف على أنه ~~مسألة معادلات رياضة لا يمكن أن تصبح في يوم ما مرئية رأي العين، فبمجرد ما يبدأ البعد الرابع ~~في التأثير فإن مقدرتنا على تقدير الأبعاد بالنظر تعدم بتاتا. ومن السهل الهين أن ترى ~~بعينك كمية متناهية لا حدود لها في مكان ذي بعد واحد أو بعدين، ومن طريق هذه المشابهة ~~والقياس عليها نستطيع أن نكون فكرة لما نعني من الكلام في انحناء المكان، وكيف أن مكاننا في ~~مجموعه لا يمكن أن يكون ms062 كمية يستطاع قياسها، في حين أنه يكون في مقدورنا أن نتحرك إلى ما لا ~~نهاية داخل ذلك الشيء الذي يخيل إلينا أنه خط مستقيم، ومع ذلك فلا نبتعد عن المكان ذاته أكثر ~~من عدد مخصوص في تريليونات الأميال تقاس من النقطة التي تبدأ منها. ~~••• # إن نظرية النسبية في حالتها الحاضرة لم تتخلص بعد من الأشياء المطلقة في ذاتها تخلصا ~~تاما، فإنه يوجد مثلا كما يقول الأستاذ «إنجتون» مستقبل مطلق وماض مطلق، أي أزل وأبد، ومن ~~هنا نستطيع أن نعتبر الزمان امتدادا لا نهائيا غير محدود، ليس له أول وليس له آخر، من هنا ~~تذهب فكرة الحدوث المشترك ذهابا تاما، ولماذا؟ # افرض حادثتين - ألف وباء - وقعتا في مكان ما، فإنهما لا تكونان متشاركتي الحدوث إلا لراء ~~واحد، في حين أن رائيا آخر قد يرى أن الأولى حدثت قبل الثانية، وقد يرى ثالث أن الثانية حدثت ~~قبل الأولى. أما نظرية النسبية فتحول بيننا وبين الحكم بصحة نظر أحدهم وخطأ الآخرين، فكلهم ~~عندها على الحق، ذلك لأن التشارك في الحدوث ليس مطلقا بل هو نسبي، وهو يرجع إلى معيار الزمان ~~الاعتباري الذي يركن إليه كل من الرائين، وكل معيار للزمان في النسبية صحيح، مهما اختلف اعتباره ~~عند الناس. # كذلك تعترف النسبية بكميات مطلقة كسرعة الضوء التي تظل واحدة مهما اختلف الاعتبار في معيار ~~المكان والزمان عند الناس، وكذلك «الفترة» التي تقع بين حادثتين معينتين. ~~••• # كان «نيوتن» يعتقد أن جسما متحركا في مكان ما لا بد من أن يظل متحركا في خط مستقيم ما ~~دام أنه لم يتأثر بقوة أخرى خارجة عن قوته، أي إنه يتحرك من نقطة إلى أية نقطة أخرى تصادفه في ~~طريقه، متخذا أقصر طريق ممكن يصل بينهما. أما «أينشتين» فيقول بأن جسما ما يتحرك لا في ~~مكان، بل في مكان زماني، وأنه يتحرك متنقلا من نقطة إلى أخرى يصادفها في طريقه متخذا أقرب ~~طريق ممكن، فالجسم في حركته لا بد من أن يصادف أجزاء من المكان يشتد انحناؤها، إذ المعتقد ms063 الآن ~~أن المكان فيما يجاور المادة الكثيفة أكثر انحناء منه بعيدا عنها، حيث يقرب من التسطح ~~والانبساط ، فإذا قارب جسم جسما آخر فحينذاك يكون قد قارب حيزا من المكان مشوها، أي أكثر ~~انحناء، غير أنه يظل متابعا حركته في ذلك المكان كما كان من قبل، ولكن بالنسبة إلى الانحناء ~~العام لا يلوح لنا أنه سائر في خط مستقيم، بل يظهر كأنه سائر في فلك منحن. من هنا نستطيع أن ~~نعلل حقيقة الجاذبية من غير أن نحتاج إلى فرض القوة الجاذبة التي نقول بأنها تجذب الأجسام، فإن ~~إدراك القوة أمر «أنثروبومورفي»، أي إنه يرجع إلى الصفات البشرية التي ننسبها إلى الله - عز وجل ~~- وبمعنى أوسع أمر مستمد من تجاريبنا الذاتية التي يجريها الإنسان بحكم السر المودع فيه على ~~الأجسام الخارجة عن حيزه. أما نظرية النسبية فإنها تسير بنا خطوة أخرى لتبعدنا عن القول بأثر ~~القوى المشابهة لقوى الإنسان في الطبيعة، فهي تردنا إلى القول بإعادة كل الأشياء إلى نظام مادي ~~صرف، غير ذي علاقة بأي وجه من الوجوه بشيء من النظامات أو القوى المشابهة للقوى البشرية. ~~••• # ولا تقف النسبية عند هذا الحد، فإنها تتناول تأملات فلسفية عميقة، فقد نتساءل مثلا إلى أي ~~حد يذهب نصيب شيء من الصحة والواقع، إذا كان هذا الشيء غير مستطاع أن يقع عليه حسنا؟ # يقول «هربرت سبنسر»: «كل ما لا تدركه الحواس لا يمكن أن يكون صحيحا»، على أنك كلما قلبت ~~وجوه الرأي وقعت على أشياء لا يمكن أن تدركها الحواس، فكون القوة مثلا في مستطاعها أن تؤثر عن ~~بعد أمر لا يمكن إدراكه بالحواس، فقوة الجاذبية أمر لا يمكن إدراكه بالحواس، شأنها في ذلك شأن ~~البعد الرابع في النسبية. غير أنها أحد الأشياء التي إن تعذر إدراكها حسيا، فإنها من الأشياء ~~التي تنزل معرفتنا بها منزلة الضروريات، حتى إنها لا تحتاج إلا إلى قدر قليل من الجهد لتبث فينا ~~إحساسا بالعجب والحيرة معا. وفضلا عن هذا فإن البعد الرابع، كما أبنا عن ذلك قبلا، من ms064 ~~الممكن أن يصبح ظاهرا بينا، إذا كانت الطبيعة قد وهبتنا عينا تستطيع الحركة والتنقل بسرعة ~~هائلة، لذلك لا يجب أن نحد من الطبيعة ونظامها لأنها لم تزودنا إلا بحواس خمس لا غير، وفي هذه ~~الحالة يتسنى لنا أن نقرر أن طبيعة الحاسة السادسة هي التي يحتاج إليها الإنسان ليدرك ظاهرات ~~الطبيعة بحواسه. ومجمل القول أن شيئا قد يكون صحيحا في ذاته، حتى ولو تعذر علينا أن نأتي من ~~الطبيعة بما يفسر حقيقته؛ لأننا لا نعني بالتفسير الطبيعي سوى التعبير بلغة حواسنا، وهى حواس، ~~فضلا عن قلتها في العدد فإنها ضعيفة لا يعتد بها إزاء الكون في مجموعه. ~~••• # يقول البحاثة مستر «هيو إليوت» إن هناك بضعة أسئلة لا يزال على القائلين بالنسبية أن ~~يجيبوا عليها، فهم يقولون مثلا: إن الأجسام تزيد تسطحا كلما زادت سرعة اندفاعها، حتى إذا بلغت ~~سرعتها سرعة انتشار الضوء لم يصبح لها عمق مطلقا لدى النظر؛ لأن الأجسام عندما تبلغ من السرعة ~~هذا المبلغ تلوح كصفائح رقيقة جهد ما يمكن سابحة في المكان. وهنا يطلب المشتغل بالعلوم الطبيعية ~~أن يعرف على أي شكل تظهر الأجسام إذا اندفعت في الفضاء بقوة تفوق قوة انتشار الضوء، ولقد أجيب ~~على هذا السؤال بأنه ليس في استطاعة جسم مادي أن يتحرك بسرعة تفوق سرعة الضوء؛ لأن قوة استمراره ~~تصبح غير متناهية. وينصح مستر «اليوت» للذين يريدون أن يقاوموا النسبية أن يزيدوا سؤالهم ~~إيضاحا، هم يقولون بأن دقيقة ما قد تتحرك بسرعة تقارب سرعة انتشار الضوء، والواقع أن نشاط ~~دقائق (ب) التي يبعثها الراديوم تتحرك بسرعة مقاربة لذلك، فإذا فرضنا أن دقيقتين من هذه الدقائق ~~قد اتفق أن تمر إحداهما من جانب الأخرى حيث تكونان مندفعتين في اتجاه المتناظرين، فعند ذلك تفوق ~~سرعتهما النسبية بكثير سرعة الضوء، فكيف تلوح إحداهما إذا نظر إليها من الأخرى؟ إن الدقيقتين ~~كلما زادت سرعتهما تصبحان أكثر رقة، حتى يأتي وقت لا تلوحان فيه إلا كسطح، فهل يمكن إذا ازداد ~~مقدار السرعة النسبية في مجموع الكون أن ms065 يبدأا بالتضخم والكبر مرة أخرى بأن تضاف كمية خاصة ~~نتصورها إلى البعد الثالث فيهما، أي في العمق ؟ وهل يمكن أن تأتي حالة يلوح لنا فيها الزمان كأنه ~~راجع القهقرى حيث يكون مثل الدقائق المادية كمثل دقائق وصلت آخر سياحتها قبل أن تبدأ بها، وأن ~~سكانها قد فنوا قبل أن يولدوا؟ هذا هو الإشكال الذي تتركنا فيه النسبية اليوم رغم ما قوبلت ~~به هذه النظرية من التقبل والذيوع. وهل يمكن أن تصبح الأشياء الحقيقية خيالية إذا نظر فيها ~~من تلك الوجهة الحقة؟ وهل يوجد هنالك أكوان نتوهمها وتظن أن كوننا وهمي، أكوان خرجت عن كوننا ~~هذا خروجا كليا؟ # لقد قامت في وجه النسبية معترضات كثيرة بنيت على أنها نظرية «ميتافيزيقية» - مما بعد ~~الطبيعة - تنفر منها الروح العلمية المحضة، وليس من الغريب أن يحيط الشك زمانا بنظرية فذة كهذه ~~النظرية، لكثرة ما ذاع من المذاهب الخداعة فيما وراء الطبيعة. على أن نظرية النسبية تختلف عند ~~ما بعد الطبيعة في موضعين معينين: الموضع الأول أنها قابلة للتحقيق بمجرد النظر العلمي، والموضع ~~الثاني أنها مادية في أخص معانيها، فإنها مثلا لا تعلل الظاهرات الطبيعية بمقتضى الشعور ~~الإنساني أو من وجهة النظر الروحية، في حين أن نظريات ما بعد الطبيعة تجعل الطبيعة دائما مزودة ~~بشيء من الخصائص الإنسانية، ونظرية النسبية فضلا عن هذا تصف الطبيعة وتفسر مغمضاتها ~~بتعبيرات تبعد عن العواطف الإنسانية بما لم تبلغ إليه غيرها من النظريات العلمية، ومن هذه ~~النظرية دون غيرها نرى أننا قد بلغنا من البعد عن القول بأن الإنسان مركز العالم ومحوره حدا ~~لم تبلغ إليه العقول من قبل، بل إنها آخر ما يحتاج إليه العلم ليبعد عنا القول بأن في الطبيعة ~~تشابها من الأصول التي يدعيها الإنسان لنفسه. # وبنظرية النسبية دون غيرها يثبت لنا تفوق «السنة العامة» على غيرها بصورة لم نبلغ إليها ~~في زمن من الأزمان الفارطة، كالشعور بأن الطبيعة ليست سوى آلة ميكانيكية عمياء، وأن آليتها قد ~~عدمت كل أثر من المدركات التي نستخلصها من الحس ms066 الإنساني، فمن النسبية وحدها قد استطعنا أن نعرف ~~أن هنالك أشياء قد تكون صحيحة في ذاتها وليس في مستطاع الحس البشري أن يصل إليها، وهي في ذلك ~~تتفق مع آليات «نيوتن»، فالقوة والزمان والمكان وغير ذلك من المدركات المعقولة لا يمكن أن ~~تلمس أو تنظر أو تشم مثلا؛ لأنها عبارة عن مدركات عقلية يصح أن نتركها بتة إذا كشف ~~لنا عن نسق أكثر منها انطباقا على الحقائق المعروفة، ولا يمنعنا من معرفة أصل هذه المدركات في ~~الطبيعة إلا الرأي السائد فيها، فالمادة نفسها ليست إلا مدركا أو شيئا عاما كونته في ~~نظرنا التجاريب، وليست كما كنا نظن من قبل حقيقة مطلقة ثابتة في عقليتنا ثبوتا مطلقا. # على أن كل المتناقضات التي قد تقوم من القول بالنسبية قد نجد أشد منها تناقضا إذا نظرنا في ~~الأشياء نظرتنا القديمة، فالأثير مثلا ليس إلا فرضا ألزمتنا إياه فلسفة الإطلاق، وليس القول ~~بالأثير مبنيا على النظر العلمي ولا التجربة لأن كليهما يضاد القول به، بل إننا فرضناه ~~لنستطيع أن نعلل بعض الظاهرات الطبيعية بتعبيرات يقبلها النظر الإنساني. والقول بالأثير يقتضي ~~وجود عدد من الصفات المستحيلة، فإنه يضع في ثنايا الطبيعة شيئا مطلقا مبهما يجرنا إلى القول ~~بأن التناقض واقع في الطبيعة بالذات لا في النسبة التي ينظر في الطبيعة من ناحيتها. ~~(2) من الوجهة الفلسفية # 1 # كثيرا ما يخطئ الباحثون والفلاسفة في تطبيق اصطلاح ما بعد الطبيعة - الغيبيات - على نظرية ~~النسبية الحديثة، فلقد مضى كثير من العلماء يعتقدون بأن مباحث الغيبيات على تباين نواحيها ~~وتشعب مناحيها، هي العقبة الكئود التي تصد العلوم الطبيعية عن التقدم والارتقاء، أنزلها في ~~هذه المنزلة فئة من الباحثين ظهروا في خلال ذلك العصر الذي تقدمت فيه العلوم الإثباتية اليقينية ~~لتأخذ مكانتها الخليقة بها في سلم المعارف الإنسانية. ولقد ماشى الباحثون أوغست كونت في ~~طريقه هذه، حتى لقد اعتقدوا بأن مباحث الغيبيات هي الباعث على ذيوع الجمود الفلسفي Philosophical Obscurantism ~~، ولا تزال هذه الآراء عالقة ~~بهذه المباحث الفلسفية منذ ذلك العهد، ms067 غير أن مباحث العصور الأخيرة كانت كفيلة بأن تبرز فئة من ~~العلماء يقولون اليوم بأن مباحث الغيبيات الفلسفية يجب أن تسد فراغا ما في ترتيب العلوم ~~الإنسانية، قيل إن تعريف أرسطوطاليس لما بعد الطبيعة - الغيبيات - بأنها «البحث في الأشياء التي ~~تقع وراء المحسوس»، لا يسوق بنا إلا إلى جهة مظلمة لم نعرف بعد شيئا من طبيعتها، والاحتمال ~~الغالب أننا لن نبلغ منها بشيء من العلم الصحيح. وكثيرا ما تطلع الباحثون إلى تلك الجهة ~~المبهمة الغامضة من الفلسفة، ولكنهم لم يدركوا من ماهية ما تناولته أبحاثهم شيئا، لا بالحس ~~النظري ولا بالاختبار العملي، وعلى ذلك تكون مباحث ما بعد الطبيعة في النفس وأصل الكون وعلة ~~العلل وما إلى ذلك، تصورات مجردة، وليست بموضوعات يمكن أن نبلغ منها بمعرفة بالمعنى العلمي ~~المحض، أو أنها - في اعتبارهم على الأقل - موضوعات لا تتناولها طرائق العلم الاختباري. # غير أن التسليم بصحة مثل هذه المزاعم لا محالة يؤدي بنا إلى اطراح كل التقاليد العلمية ~~التي ورثناها عن الأقدمين حتى الآن، ذلك لأن العلوم الحديثة على ما هي عليه الآن نتاج لتحدي ~~الطريقة الاختبارية في البحث وتطور وجوه النظر فيها على مدى الأزمان، في حين أن هذه الطريقة ~~الاختبارية ذاتها، وهي الأصل الذي تقوم عليه العلوم الحديثة، ليست مسألة واضحة بذاتها، كما أنها ~~ليست بمسألة نظرية عقلية تقوم في النفس بطبيعتها ومهيآتها الخاصة بها، ذلك لأنها تحتاج إلى ~~فكرة مجردة، وإدراك العقول لها لا يمكن أن يتم بالرجوع إلى مبادئ المجردات الغيبية. # أما التفريق بين طريق العلم الاختباري وبين المبادئ التي تقوم عليها الغيبيات، ووصفك الأولى ~~بأنها مبعث العلم ومستكنه ووصفك الثانية بأنها منشأ الجهالات والتطوح وراء ما لا يمكن ~~معرفته؛ فمسألة لا نستطيع على أي وجه من وجوه الرأي تقبلها، أن نتوخى للنظر فيها سبيلا يبعدها ~~عن التناقض واللبس، بل إننا لا نخطئ إذا قلنا بأنها مضادة لبديهة العقل. # أما السبب الذي أدى إلى القول بأن مباحث الغيبيات أشياء بعيدة عن العلم الصحيح أو أنها ~~خطرات ms068 وهم وتصورات خيالية؛ فتلك المنزلة التي تنزلها علوم الطبيعة من الرياضيات الصرفة، في حين ~~أن الرياضيات لا تلجأ إلى الطريقة الاختبارية مطلقا، ومع هذا فإنها تقع في ترتيب العلوم ~~وتبويبها وعلاقة بعضها ببعض موقعا تقوم فيه بذاتها عن غيرها، فتعتبر دعامة وأساسا يبنى عليه ~~لتشييد العلوم العليا في المعارف الإنسانية، والرياضيات فوق ذلك علوم جامدة تتناول الكميات فقط، ~~وبذلك تفقد الصفة الجوهرية التي يتطلبها العلم الاختباري، تفقد صفة الاشتقاق، وهذه فجوة لا يسد ~~فراغها إلا الغيبيات. # في عصر الفلسفة الحديثة، منذ ديكارت حتى اليوم، زاد على العقول ضغط المسألة العلمية، وما ~~نقصد بذلك إلا أننا إذا أردنا أن نحصل على الحقائق الثابتة لزمنا أن نرجع إلى العلوم ~~الطبيعية نستدر وحيها من طريق الاختبار. ولقد حلت الفوائد التي أحس بها الناس من مزاولة ~~العلم الطبيعي وحقائقه الملموسة، محل اللذة التي كان يتذوقها الناس في فلسفة القرون الوسطى، تلك ~~التي حصرت همها وبذلت كل جهدها في البحث في أصل النفس الإنسانية ومنقلبها خاصة، وفي علاقة ~~الإنسان بالله عامة. وإنا إذا قلنا اليوم بأن الفلسفة الحديثة تشارك الفلسفة اليونانية القديمة ~~في أمر، فليس ذلك في النتائج العلمية؛ لأن الفلاسفة اليونانيين إن كانوا في الواقع رياضيين قبل ~~كل شيء فلم يكن لهم من فكرة في الأسلوب العلمي كما نطبقه اليوم، وكذلك نشك فيما كان يمكن أن ~~يكون من تقبلهم لهذه الطريقة على قواعد عقلية عملية صرفة، حتى إذا كانوا عرفوها. # إن مبدأ النسبية نتاج مباشر لتطبيق الطريقة الاختبارية، والواقع أن هذه الطريقة لا تستمد ~~قوتها وتأثيرها في العقول إلا من طريق ثقتنا التامة بما ندرك من حقائق الغيبيات، التي هي أساس ~~هذه الطريقة والمرجع الوحيد الذي يعود إليه السبب في وضعها. ولقد أحاطت الطريقة الاختبارية ~~بالعقل الحديث إحاطة تامة فكأنها شيء يملك من العقول ما تملك الصفات الوراثية النظرية الثابتة ~~فيها، فإذا أثبت الاختبار أن مقدارا من السرعة يكون ثابتا تحت تأثير حالات يخيل إلينا معها ~~أنها متغايرة غير ثابتة، أو إذا دلت التجاريب ms069 على أن الحركة المستمدة من نبع من الضوء لم ~~تؤثر أثرها المنتظر في سرعة انتشاره، فهنالك نضطر إلى تعديل إدراكنا للصورة التي تتكيف بها ~~الحقيقة عندنا بما يوافق نتيجة التجربة أو الاختبار. # مضى الناس يعتقدون بأن المكان والزمان شيئان ثابتان نرجع إليهما في الحكم والقياس، فلما ~~نقضت نتيجة الاختبار هذه الفكرة، إذ ثبت أن المكان والزمان ليسا إلا ظلالا متنقلة ماضية في ~~التغير والاختلاف؛ رجعنا إلى القول بأنه لا يبقى من شيء ثابت إلا نسبة سرعة الأجرام؛ لأنها ~~وحدها تبقى ثابتة خلال تغير الحالات العامة، أي إننا عدلنا إدراكنا للصورة التي تحيزت بها ~~الحقيقة في عقليتنا بما يوافق نتائج التجاريب. # والذين يعتقدون بأن النسبية مبدأ رياضي صرف، وينفون علاقتها بالغيبيات - ما بعد الطبيعة - ~~يكرهون أو يستنكرون تدخل الغيب في بلاغة معادلاتها الجبرية، ويدركون تلك النظرية إدراك من يعتقد ~~بأنها مسألة أسلوبية صرفة لا تختص بشيء إلا بالقياسات الكمية الجامدة، وأنها بذلك تستعيض بطائفة ~~من المعادلات الاصطلاحية على ما فيها من الصعوبة أو الغموض الشديد عن أشياء أخر أسهل منالا ~~وأقرب استيعابا، فتقصيها عن طريق البحث حبا في الضبط المطلق كما يقولون، واستماتة في إحكام ~~أطراف البحث والاستقصاء. ولقد يلوح إلي أن الذين يعتقدون بهذا الاعتقاد لا يقدرون هذه ~~النظرية قدرها، ولا ينزلونها من الخطر منزلتها الحقيقية، فإن هذه النظرية لا يمكن أن تفهم تمام ~~الفهم إلا إذا توبع بحثها من طريق علاقتها التاريخية بما دعم عظماء الفلاسفة وأقاموا من أركان ~~الغيبيات. # لقد ظلت المذاهب الفلسفية منذ عهد ديكارت دائرة حول نقطتين اثنتين: حول المادة وما أدرك ~~العقل الإنساني منها، وحول العلة ونظرية النسبية بناحيتيها، ناحيتها الخاصة وناحيتها العامة، لا ~~يخرج النظر فيها عن هاتين المسألتين: المادة والعلة، أما الناحية الأولى من النسبية، بما تسوق ~~إليه من إنكار فرض الأثير، فهي تعتبر بمثابة تعديل فيما كنا ندرك من المادة، والناحية الثانية ~~بما في نظريتها الحديثة في الجاذبية من تأثير التعادل في قوة جاذبة مفروضة، عدلت فيما كنا ~~ندرك من العلة. # ولقد ms070 جرت الفكرة في المادة والعلة إلى التناحر بين مبدأين ظلا يتجاذبان العقل الإنساني ~~ليتغلب أحدهما على الآخر في العصور الحديثة ، أخذ المبدأ الأول شكله وكيانه في الجهة الموضوعية # Objective # التي يمثلها الكون لعقل الباحث، وأخذ الثاني كيانه ~~في الجهة الذاتية # Subjective # التي يمثلها العقل لذاته من قوة ~~تفكيره وتصوراته ومقدار فهمه وإرادته وعمله. # أما المبدأ الأول فقد استقصيناه من فكرة ديكارت في المادة والأجسام المادية، حيث قضى بأنها ~~لا توجد إلا في مكان أو امتداد، كما حكم بأن العلة تنحصر في الأثر الميكانيكي الصادر عن كمية ~~محدودة من الحركة منبعثة عن المادة نفسها، فهي عنده عبارة عن مدرك آلي - ميكانيكي - يتضمن ~~الكون كله بما فيه مما تناوله النظام وما سادت فيه الفوضى، ولا يخرج عن تلك الآلية من شيء إلا ~~الفكرات أو القوة المفكرة التي لا يمثلها إلا النوع الإنساني وحده، وتشكل هذا المبدأ من بعد ~~ذلك في قالب صبته فيه فكرة نيوتن، حيث قال بالزمان المطلق والمكان المطلق، فالزمان المطلق في ~~ذاته وبحكم طبيعته الخاصة به يفيض بنسب متعادلة، إذا لم يكن لشيء من الأشياء الخارجة عنه أية ~~صلة به، وكذلك المكان المطلق يظل في طبيعته وماهيته واحدا لا يتغير ولا يتحرك ما لم يكن له ~~اتصال بشيء خارج عنه. # وأما المبدأ الثاني فتمثله فكرة ليبنتز في الرأي الذري # Monadology ~~، إذ يقضي بأن المادة ليست منفعلة بل فاعلة، وأن ~~الحركة ليست علة الكون، بل إن القوة هي العلة فيه، وأن ما لا ينتج شيئا لا يمكن أن يكون بشيء، ~~وأن الزمان والمكان اعتباريان، وأن الأشياء المادية مراكز تنبعث عنها قوة فاعلة مؤثرة. # من طريق هذه الفكرات التي ذاعت في المادة والعلة تأتي علاقة النسبية، وهذه الفكرات ليست إلا ~~من أوضاع الغيبيات في أخص معانيها، والحقائق الآتية من طريق الاختبار وإن كانت السبب الذي ساق ~~في الواقع إلى تكوين الفكرة النسبية تكوينا علميا؛ إلا أن هذه الحقائق بذاتها لم يكن لها من ~~أثر عملي في إبراز هذه الفكرة إلا قليلا. ms071 أما النتائج النظرية المنتزعة من هذه الحقائق فهي ~~التي كفلت تغيير أوجه النظر العلمي وطريقة التفكير العلمية، وإذا نظرت بتأمل ألفيت أنها ~~حقائق ثبت أنها حاسمة من ناحية النظر في مشكلات ما بعد الطبيعة، فالعمليات التي تناولتها هذه ~~الحقائق بتغيير لم تتجاوز أشياء تناهت في الضئولة وحقارة الشأن، كاختلاف التقدير في 42 ~~ثانية في القرن من الزمان، أو خطأ في 2 وثلاثة أرباع بوصة من محيط كرة الأرض، إذن فليست الحقائق ~~بذاتها هي التي يعظم عندنا خطرها، بل إن خطرها ينحصر في ما يترتب عليها من النتائج. ولقد أظهر ~~العلامة ويلدون كار الذي نلخص عنه هذا المقال في كتابه «نظرية النسبية من وجهتيها الفلسفية ~~والتاريخية» أن هذه النظرية قد أثبتت بما لا سبيل إلى إدحاضه طبيعة هذا الكون الذرية - نظرية ~~الجوهر الفرد القديمة التي وضعها ديمقريطس - وقضت علينا بأن لا نجعل علومنا مرتكزة في أساسها ~~المدعم المتين على حقيقة نتخيلها منفصلة عن الذرات المادية، بل على العكس من ذلك جعلتنا نستمد ~~حقائقنا من قوة كامنة داخل الذرات نستطيع أن نعلل بها الظاهرات الطبيعية ونوفق من طريقها بين ~~الآراء المختلفة التي ظلت حتى اليوم تتنازع البقاء في العقل الإنساني. # إن أخطر المسائل التي ترتكز عليها النسبية في علاقتها بما بعد الطبيعة، تنحصر في موقفها ~~السلبي تلقاء ما كنا نعتقد في الزمان والمكان باعتبارهما شيئين مطلقين يتبع أحدهما الآخر بنسب ~~مستمرة دائمة. ونظرية النسبية تتقبل النتائج الحاسمة التي تؤدي إليها الاختبارات التي تضاد ~~الحقائق الطبيعية التي تثبت عدم وجود شيء من النسبة المستمرة بين الزمان والمكان، وترفض بحكم ~~مبادئها أن تعترف بضرورة الاعتقاد بديا بشيء وهمي خيالي يقال له «الزمان المكاني» المطلق، ~~باعتباره شيئا لا يعتريه الاختلاف بنسبة الناظرين إليه. وهي فوق ذلك تزودنا بمعادلات اصطلاحية ~~تبين لنا أن حقيقة حادثة من الحوادث التي تقع في الكون تبقى ثابتة في نظر رائيين ولو نظر كل ~~منهما إليها من جهة بعينها في النظام الكوني، من غير احتياج للقول بنظام ثابت مطلق نفرضه خارجا ms072 ~~عن نظام الجهة الكونية التي يكون فيها كل منهما. # | أساس الحضارة المقبلة # أهو الرقي الأدبي أم النشوء العضوي؟ # 1 # قال أحد الباحثين في أمريكا: «إن العجز عن العثور على برهان يثبت ارتقاء العقل الإنساني ~~خلال زمان التاريخ، هو عندي أنصع برهان على خلق العقل البشري وعدم خضوعه لما تقوم عليه نظرية ~~التطور من القواعد.» # وقد يكون هذا الزعم مؤيدا لما يراه الكثيرون من الباحثين، وعلى الأخص الذين عكفوا على درس ~~التاريخ الإنساني والأدب القديم، في حين أن الذين عمقوا في درس علم الجيولوجيا ومذاهب التطور ~~الحديثة لا يرون فيه إلا ظاهرا من القول ضعيف الأساس، أما الواقفون على حقائق علم الآثار ~~المتحجرة - البالينتولوجيا - فيعرفون أن مذهب النشوء ليس مذهبا يحتاج إلى برهان يثبته، بل ~~يوقنون بأنه ناموس طبيعي ثابت وأنه حقيقة واقعة تؤيدها المشاهدات والتجربة، حتى إنهم لكثرة ما ~~يرون من أوجه تطبيقه على دقائق الحياة وتفاصيلها يتعذر عليهم أن يعتقدوا بأن باحثا اكتملت في ~~عقله قوة القياس والاستنتاج يمكن أن يشك في حقيقة هذا الناموس، إلا كما يشك في نواميس الطبيعيات ~~والكيمياء. # وعلى الرغم من كل هذا فإني موقن بأن ذلك القول الذي فاه به هذا الباحث صحيح من كل الوجوه ~~إذا أخذ على ظاهره، أما حقيقة ما أراد أن يستدل به عليه فلا يمكن التسليم بها، فإن كل ما عرفت ~~وقرأت من حقائق التاريخ يدلني على أن هذا القول صحيح، فلست أرى من وجه يقنعني بأن القوى العاقلة ~~في الإنسان قد ارتقت ارتقاء ما خلال زمان التاريخ المدون، فإنك إذ تقرأ محاورات أفلاطون تشعر ~~بأنها قد كتبت لتستوعبها عقول فيها من الذكاء وحدة الإدراك بقدر ما في عقول طلاب الفلسفة في ~~زماننا هذا، وكذلك تجد أن قوة الإدراك والفهم في عقول الذين كتبوا الأناجيل ليست بأقل منها في ~~عقول الكتاب المحدثين، ولا ريبة في أن تجمع المعرفة وتوارثها قد أديا بطبيعة الحال إلى تقدم ~~كبير في معرفتنا بالحقائق والكليات العلمية والفلسفية التي تقوم عليها، ولقد كان أثر هذا ms073 التجمع ~~أبلغ في تكوين مستحدثات المدنية وضرورياتها منه في أي عصر آخر، كما كان لاختراع الطباعة وتسهيل ~~طرق المواصلات أثر كبير في أن تمضي الحضارة نحو الارتقاء في خطوات أوسع وأسرع. ولكني لا أكاد ~~أرى دليلا مقنعا على أن القدرة العقلية قد ارتقت خلال زمان التاريخ، وإني على يقين من أن ~~الارتقاء في هذه الصفة ضئيل، إن كان هناك ارتقاء على إطلاق القول. # على أن للعقل الإنساني نواحيه المتشعبة المختلطة، وإني أعتقد بأن العقل البشري قد ارتقى ~~وتطور في نواح أخرى غير تلك التي أصدر عليها الكاتب حكمه، وعلى هذا يقوم كثير من الظواهر ~~والمشاهدات، تلك هي النواحي الأدبية والأخلاقية لدى مقابلتها بالناحية العقلية الصرفة. هنا ~~نستطيع أن نعثر سواء في مظاهر التفكير أم في مظاهر العمل على دلائل من الارتقاء بالغة الأثر، ~~وعلى تهذيب بطيء التقدم غير مفصوم الحلقات ولا مقطوع التسلسل، وعلى الأخص إذا قابلنا بين ~~المثل التي نقع عليها في كتابات القدماء، وكتابات المحدثين. وإنني أستعمل هنا لفظ «الصفات ~~الأدبية» ليشمل كل الحقوق والواجبات والآراء والأعمال التي تؤدي إلى تفضيل مصالح الأفراد ~~المستقبلة على مصالحهم الحاضرة، أو بالأحرى المستقبل على الحاضر، والتي تسوق إلى بذل المصالح ~~الفردية الضئيلة ابتغاء الاحتفاظ بالمصالح القومية الكبيرة، والتي تؤدي دائما إلى ارتقاء ~~الحياة والنظم الاجتماعية. # خذ أول كل شيء النظرة الحديثة في المجرمين، فإنا لا نعاقبهم اليوم على قاعدة العين ~~بالعين والسن بالسن؛ لأن هذه المعاقبة لا تتفق والآراء الحديثة في الجريمة والعقاب، مع أننا ~~معتقدون بأن هذه القاعدة هي هي التي تقوم في عقول المجرمين. # ثم ارجع إلى صفة الشجاعة، وانظر كم من الجبناء يمكن أن تعد بين صفوف المحاربين في حرب ~~ما؟ إنك قلما تعثر على فرد هنا أو هناك اتصف بهذه الصفة الدنيا من بين الملايين الذين ~~يؤخذون من أحضان الحضارة ليعيشوا في بيئة كل مقوماتها بعيدة عن عاداتهم وحاجاتهم المدنية، بالغة ~~منتهى ما تتصور من البعد عن استكمال معدات الراحة الجسمية والعقلية، ويبقون فيها معرضين لأشد ~~آلات ms074 الحرب فتكا شهورا وأعواما، لا بضع ساعات تقضى في موقعة قصيرة كما كان الواقع في ~~الحروب القديمة، وهذا ضرب من الشجاعة والصبر واحتمال المشاق لم يتصف به في العصور الغابرة سوى ~~بضعة أفراد حملهم التاريخ في صدره كصور نادرة المثال. أما التراجع بغير انتظام والفوضى والهرب ~~بعد حرب تدوم ساعة أو بضع ساعات، فكان النصيب المحتوم في الحروب القديمة لأحد الفريقين ~~المتقاتلين، ولكنك لا تجد لهذا الجبن من مثل في عصرنا هذا. أما الروح التي قضت على هذه الصفة ~~الخسيسة فليست قوة في الأجسام ولا خشونة في التكوين أو الخلق ولا استهانة بالحياة، بل هي روح ~~البذل والتضحية ظاهرة أو كامنة وراء ستارها، تعمل في سبيل مثل أعلى، لا يعود خيره على أقوام دون ~~أقوام، بل يعم خيره الإنسانية والحضارة، على مقتضى ما يلوح لفريقي المتحاربين من معنى ذلك ~~الخير وقوامه. # أما صفة ضبط النفس فلها مظهران: مظهرها الخاص ومظهرها العام، والأول خاص بالفرد والأسرة، ~~والثاني بالجماعة. # كم من القواد والملوك في العصور القديمة استطاعوا أن يحافظوا على سعادتهم وهنائهم بالإقلاع ~~عن الانغماس في الشهوات التي قصرت أعمارهم وذهبت بجاه أسرهم في جيل واحد أو جيلين؟ أليس ~~التاريخ القديم خير مرآة يرى فيها الإنسان صور الإفراط والإسراف بلا نظر إلى العواقب والتطوح ~~مع ملذات الساعة من غير تفكير فيما سوف يعقبها من خسائر المستقبل؟ قارن هذا بما تجده في الأوساط ~~العليا في العصر الحاضر من أناة وصبر وهدى، وما تقع عليه في السياسي أو المالي الحديث من ~~صفات الشجاعة وضبط النفس والقدرة على كبح شهواتها. وإنه لمن العبث أن أذهب إلى أبعد من هذا في ~~ضرب الأمثال. # ولكن أرجع هنيهة إلى صفة ضبط النفس في مظهرها الاجتماعي، فإنها صفة قد مهدت للجماعات سبيل ~~التعاون في التجارة والسياسة، إن النجاح الذي صادفته هذه الجماعات التعاونية واستمرارها رغم ~~العوائق لأقوى دليل على أن هذه الصفة الأدبية قد استقوت على غيرها من الصفات الدنيا في نفوس ~~الذين يشتركون فيها ويعملون على إنجاحها بكل ms075 طريق ممكن، في حين أن التاريخ القديم يرينا كثيرا ~~من الأمثال التي تدلنا إلى أية درجة بلغت كفاءة القدماء في القدرة على الخضوع للنظام. وكذلك إذا ~~قارنت ضخامة الجماعات التعاونية في العصر الحديث واتساع أعمالها بضئولة أمثالها في الأعصر ~~القديمة وفساد نظامها وارتباك حياتها الداخلية؛ أدركت مقدار ما حصل عليه الإنسان أخيرا في ~~ارتقائه في هذه الصفة الأدبية، اقرأ تاريخ الأمم الصغيرة التي عاشت في بلاد اليونان وتأمل ~~قليلا كيف أن قصر نظرهم وأنانيتهم وغرورهم والظلم والقسوة؛ قد حالت بينهم وبين التعاون في ~~العمل، أو دكت إلى الحضيض نظم الجماعات التي حاولت أن تتعاون، ثم انظر كيف أن الرومان وهم ~~أدنى في القوة العاقلة من اليونان مكانة قد سادوا عليهم؛ لأنهم كانوا أكثر قدرة على الخضوع ~~للنظامات الاجتماعية. # ولا شك في أنه مستطاع الباحث أن نمضي في ذكر الأمثال من غير أن نصل إلى نهاية، غير أن ما ~~أتيت عليه هنا كاف للدلالة على أن الإنسان قد ارتقى وتهذب أدبيا واجتماعيا، ولو عجز عن ~~أن يرينا أمثالا تثبت لنا أن العقل البشري قد ارتقى أي ارتقاء منذ بداية التاريخ. ~~••• # إن هذا أقصى ما ينتظر أن يحدثه النشوء والتطور على القواعد الدارونية من آثار، فإن خمسة ~~آلاف من الأعوام، وبدايتها هي أبعد العصور التي يمكن أن نرجع إليها في مثل هذا البحث؛ عهد قصير ~~جهد القصر، إذا قيس بما هو معروف من قدم العصور التي مضى فيها التطور مغيرا من صفات الأحياء، ~~ولا يمكن أن يكون كافيا لأن يحدث التطور خلاله أي أثر في نشوء الإنسان نشوءا عضويا. كذلك ~~قوى الإنسان العقلية التي هي في الواقع قائمة على تكوينه العضوي، لا بد من أن تتبع طريقا من ~~النشوء تدريجيا بطيئا، فإن الإخصائيين قلما يستطيعون أن يفرقوا بين جمجمة حصان منقرض عاش ~~في العصر البليستوسيني وبين جمجمة أخلافه في هذا العصر الجيولوجي الذي يبلغ على قول البعض ~~100000 من السنين، وعلى قول الثقات في العصر الحاضر مليونا أو أكثر، فإن من الظاهر ms076 أن أثر ~~التطور الذي وقع في السلالات البشرية خلال خمسة آلاف من الأعوام يجب أن يكون ضئيلا غير محسوس. ~~ولا ريب في أن هذه القاعدة تصدق على أية سلالة من الحيوانات اللبونة التي يكون لدينا من ~~تاريخها التطوري أصدق البقايا والآثار. وعلى هذا القياس لا تنتظر مطلقا أن تقع على أي ارتقاء ~~عضوي في تكوين الإنسان أو في قواه العقلية خلال زمان التاريخ، بل على الضد من ذلك إذا ~~استبنا أي أثر ظاهر للارتقاء في عقل الإنسان أو تكوينه العضوي، عددنا هذا الارتقاء ~~شيئا شاذا خارجا عن القياس، بل يتطلب منا البحث والتعليل. # وفضلا عن هذا فإن الصفات الأدبية يمكن أن ننظر فيها نظرة الاعتقاد بأنها تشارك العادات ~~الثابتة والغرائز في نشأتها، وأنها ليست مستمدة استمدادا مباشرا من خصائص العقل الطبيعية ~~الراجعة إلى تكوين القوى العاقلة، وأنها كغيرها من العادات والغرائز أسرع قبولا للتهذيب من ~~تراكيب الطبيعة وغيرها من الصفات التي تتبعها. # ومن المعروف أن الانتخاب الطبيعي يعمد دائما إلى الاحتفاظ بالتغيرات التي تكون بطبيعتها ~~أفيد للفرد أو للسلالة، ويجمعها في نسب خاصة بحيث يكون من المستطاع أن تمضي في سبيل التهذيب ~~والارتقاء. ولا مراء في أن صفات الإنسان الأدبية التي ظلت خلال قرون مديدة ذات فائدة في تكوينه ~~اجتماعيا، لا تقل فائدة عن التفوق العقلي أو البدني في تكوينه فرديا، وحيث إنها أسرع قبولا ~~للتطور كان ارتقاء الإنسان من ناحيتها أبين وأظهر. وإني كعالم بالآثار المستحجرة لا أستطيع ~~أن أنظر في التاريخ الإنسانى نظرة مستقلة عن الاعتقاد بأنه عبارة عن مجموع ما أحدثه الانتخاب ~~الطبيعي من آثار في السلالات لا في الأفراد، فنتج عن ذلك تطور اجتماعي لا تطور فردي. وهذا النهج ~~الذي جرى عليه النشوء الاجتماعي بما كان فيه من التغير السريع، والذي أدى إلى ما نرى من مدهشات ~~النظام والتجانس؛ كان وقفا على النوع البشري وحده. على أنه غالب ما يتخذ الباحثون من عالم ~~الحيوان أمثالا ينقضون بها أصل النشوء الاجتماعي في الإنسان، أما استقصاء آثار هذا ms077 التطور في ~~سلالات منقرضة فمتعذر بعيد المنال، لهذا يعتمد الباحثون على جماعات الحيوان العائشة اليوم ~~ليستخلصوا من حالاتها ملابسات يستدلون بها على تطور العادات فيها، ومن المشاهدات والمقارنات ~~التي أجراها الباحثون في جماعات الحيوان الحديثة يمكننا أن نحصل على عدة نتائج في مدى التطور ~~الاجتماعي ومتجهه، ومن ثم نطبقها على مستقبل النوع البشري: # أولا: # إن الميل الظاهر إلى التناسق الارتقائي مقرون بثبات في المثل والعادات، فإننا قد ~~نلاحظ في أول مدارج الارتقاء الاجتماعي مقدارا عظيما من الليونة والنشاط الفردي ~~وتنوعا كثيرا في أعمال الأفراد تحت تأثير حالات مخصوصة. أما في الجماعات الراقية فإن ~~الأفراد تظهر كأنها تفكر وتعمل وتشعر على نمط واحد، وأنها تقوم بواجباتها على نهج من ~~التناسق الآلي، وهذا أول درجات التعاون. # ثانيا: # إننا بالرغم من عثورنا على أوجه من الارتقاء الكبير في العلاقات الاجتماعية بين ~~الحيوانات، وعلى الأخص الحشرات؛ فإن تشابك حلقات الحياة الاجتماعية تظهر محدودة من أوجه ~~عديدة تبعا لنسبة ذكاء الأفراد، فإنك لا تجد بين الأنواع العليا في عالم الحيوان سلالة ~~قد بلغت من ارتقاء حياتها الاجتماعية مبلغ ما وصلت إليه الحشرات الاجتماعية من دقة ~~النظام والتناسق، لا تجد مثلا أنها وصلت في تضحية الفرد لصالح الجماعة إلى الحد الذي ~~وصلت إليه الحشرات، في حين أنك تجد أن تشابك حلقات الحياة الاجتماعية بين الحيوانات ~~العليا أرقى منها بين الدنيا، وتجد أن هذا التشابك قد بلغ في الجماعات الإنسانية أقصى ~~المدى. # والظاهر أن النتيجة أو الغاية التي يرمي إليها التطور الاجتماعي هي الحصول على نظام يعمل ~~أفراده في تجانس وتعاون عمل الخلايا في الجسم الحي جارية على طريقة آلية متقنة الضبط. أما درجة ~~التركيب والاختلاط التي يمكن لمثل هذا النظام أن يبلغها قبل أن يصل إلى ذلك التعادل المتقن ~~التام، فمرهونة عندي على مقدار الذكاء الذي يكون في كل وحدة من الوحدات - أي الأفراد - التي ~~تكون ذلك النظام. # فإذا صح هذا فإنه يمكننا أن نستنتج أنه إذا بلغت تلك الآلية الاجتماعية هذا المبلغ من ~~الكمال، كان ms078 ارتقاؤها بعد ذلك بطيئا، فإن الارتقاء لبلوغ هذه الدرجة يكون راجعا إلى تهذيب ~~الصفات والغرائز الاجتماعية، وهي سريعة التغير والنشوء، ولكن بلوغ الدرجات التي تليها يكون ~~راجعا إلى نشوء الصفات العضوية والعقلية العليا، وهذه بطيئة التدرج نحو التهذيب ~~والارتقاء. # فإذا رجعنا إلى تاريخ الإنسان رأينا أن أوجه ذلك التغير العضوي العقلي بطيئة إلى درجة قصوى، ~~واستنادا على هذا نقول بأن المتجه الحديث الذي يتجه نحوه التطور الاجتماعي هو حضارة فيها من ~~أوجه التشابك والتعادل والتعاون أكثر مما يكون فيها من أوجه الرقي العقلي. سوف تقوم الحضارة ~~المقبلة على الرقي الأدبي لا على الرقي العضوي، وأن الحضارة سوف تمضي في استئصال المجرمين ~~والكسالى والأنانيين والخارجين على قواعدها، ولا مرية في أن هذا لا يمكن أن يتم في جيل واحد، ~~ولا في أجيال. # ولا يستطيع من كان مثلي بعد أن درس علم الآثار المتحجرة، وأخذ ينظر في التاريخ الإنساني من ~~ناحيته، أن ينفك عن هذه النظرة، أو يشك في هذه النتائج في مجموعها. كما أني لا أشك مطلقا في أن ~~بلوغ هذه النتائج يقتضي قسوة قد تحزننا حينا، وقد نرغب فيها حينا آخر، قسوة تقع على الذين ~~خصوا بشيء من الضعف الخلقي وعدم القدرة على ضبط النفس وكبح جماح شهواتها، تلك الصفات التي ~~تعود إلى الظهور في الأفراد من طريق الرجوع إلى صفات أصولهم الإنسانية الأولى، وكل آت آت. وقد ~~نستطيع أن نقرأ المستقبل إذا أردنا، ولكنا لا محالة نعجز عن أن نصرفه عن متجهه أو نحوله ~~عن مجراه. # | ماهية التاريخ # (1) التاريخ من الوجهة الفنية # يخيل إلى بعض المشتغلين بالعلوم الحديثة أن من المستطاع أن يلقن التاريخ على أنه ~~«علم # Science ~~» من العلوم الطبيعية المبنية على الاستقراء، ~~فلا يكفي النقل فيه، بل لا بد من تطبيقه على نواميس الاجتماع المؤيدة بالاستقراء، وكل من أمعن ~~النظر في هذا الرأي استخلص منه قضيتين: الأولى أن التاريخ علم استقرائي، والثانية أن للاجتماع ~~نواميس مؤيدة بالاستقراء يمكن أن تتخذ أساسا لكتابة التاريخ على أنه علم يقيني ms079 تام، لهذا نريد ~~أن نبحث هاتين القضيتين لننتهي من بحثهما بحكم صحيح، يرينا أيمكن أن يصبح التاريخ علما بالمعنى ~~المعروف في تقسيم المعارف الإنسانية، أم أنه لا يزال فنا نظريا كما ظل طوال العصور ~~الماضية. # العلم # Science # والفن # Art # والآداب # Literature # ثلاثة اصطلاحات تدل في العصر الحاضر على ~~ثلاثة أشياء معينة، يفصل بينها في الاعتبار العقلي حدود موضوعة، ولا تجتمع إلا في حيز واحد، حيث ~~ترجع برمتها إلى أنها نتاج للفكر الإنساني. # على أن كلمة «العلم» كثيرا ما استبهم على الكتاب فهم المقصود منها، ولقد وضع لهذه ~~الكلمة من التعاريف في الفلسفتين القديمة والحديثة ما لا يعده حصره. وبقيت كفاءات العقل ~~الإنساني متخالطة في مباحث الفلسفة حتى قام الفيلسوف «أوغست كونت» بوضع الفلسفة اليقينية Positive Philosoply # محورا منازل العلم بمقتضى ~~كفاءات العقل البشري. على أن الفلسفة اليقينية على ما يعتورها من النقص، شأن كل المذاهب ~~الفلسفية إزاء النقد الحديث وإزاء تشعب فروع المعرفة العامة، فإنها وضعت قواعد أولية، زادها ~~النقد قيمة، واتخذها الناقدون دعامة لمباحثهم، فأنتجت مذهبا جديدا في حدود المعرفة ~~الإنسانية. # انتهى الباحثون في أوائل القرن العشرين إلى أن «العلم # Science ~~» نتاج القوة التجريبية والتطبيق العلمي في القوانين الطبيعية الثابتة ~~والاستقراء القائم على قواعد راهنة كقواعد الرياضيات، والفن # Art # نتاج القوة المخيلة أو المصورة، والآداب # Literature # نتاج القوة النظرية والبحث الاستنتاجي. فالآداب بذلك دعامة العلم ~~التجريبي الاستقرائي، والعلم لا محالة مسبوق بها، وهي في ذاتها علوم أولية لا تزال في طور ~~التكوين والنشوء # Incipient Sciences ~~، ولكنها ليست علوما يقينية ~~تميزت وتقررت قواعدها شأن العلوم الرياضية والطبيعية مثلا. ويصح أن تكون بعض مباحث الآداب في ~~اعتبار البعض علوما نظرية لا تجريبية يقينية. ~~«فالعلم» تتبعه الرياضيات وعلوم الطبيعة والكيمياء والآلة وما إليها، و«الفن» يتبعه الشعر ~~والموسيقى والتصوير وما إليها، و«الآداب» تتبعها البلاغة والتاريخ والاجتماع والفلسفة عامة في ~~أوسع معانيها. وهذا التقسيم نفسه قد يختلف فيه الباحثون اختلافهم في تعريف النفس والفلسفة ~~العقلية، غير أن الرأي السائد في عقول الناظرين في منتجات ms080 العقل الإنساني أنهم يفرقون بين العلم ~~والفلسفة أو الآداب كما يدعونها اصطلاحا، باعتبار أن كل ما خرج من حيز النظر إلى حيز العمل ~~والتجربة فأصبح ذا قواعد طبيعية ثابتة لا ينتابها التغير ولا يعتريها التبديل؛ فقد أصبح ~~علما يقينيا Positive Science ~~، وكل ما لم يدخل ذلك الحيز ~~فهو فلسفة أو أدب # Literature ~~، ذلك هو الفرق الموضوع اليوم بين ~~الفلسفة أو الآداب وبين العلم. # ولقد قامت في أوروبا مدرسة أخصها أساتذة التاريخ في جامعة «السوربون» بفرنسا، وعلى رأس هذه ~~المدرسة الأستاذ الفيلسوف «هنرى برغسون»، يحاولون أن يكشفوا عن قانون أو سنة عامة يخرجون بها ~~التاريخ من حيز الآداب أو الفلسفة أو الفن، كما يتطرف البعض في التعبير، ليدخلوه في حيز العلم ~~المحض، بحيث يصبح للتاريخ قواعد راهنة تنتج أسبابا واحدة، وجاراهم في ذلك فئة من كتاب هذا ~~العصر. # وإذا نظرت في الواقع، لوجدت أن كل فرع من فروع الآداب والفلسفة قد اشتقت منه علوم تختلف ~~نظرات الباحثين فيها اختلافا كبيرا أو يسيرا على مقتضى الظروف، فأمم العالم مثلا تتفق ~~جميعها في قطع أدوار نشوئية عامة، فلكل أمة مثلا عصر حجري وعصر برونزي وعصر حديدي، ولكن ~~التاريخ لم يصل إلى هذا الحد من العلم اليقيني حتى نزعت العقول إلى القول بأن البحث في ذلك ~~ليس من خصائص التاريخ، فوضع لهذا الفرع من التاريخ اسم خاص أطلق عليه فسمي «علم ~~الأنثروبولوجيا»، وهو علم أدنى لحمة بالاجتماع والسيكولوجيا منه بالتاريخ بمعناه المتداول ~~المعروف. كذلك إذا نظرت في التاريخ وفي فلسفة التاريخ التي كتب فيها «هردر» الفيلسوف الألماني ~~و«فولتير» الكاتب الفرنسوي الأشهر، فإن فلسفة التاريخ لم تلبث أن انقلبت اجتماعا، وتركت ~~التاريخ حيث هو وكما كان معروفا من قبل. وكل هذا لا يجعل التاريخ علما ثابتا ذا قواعد مقررة ~~لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. # إن قانون الارتقاء الذي غير من نزعات الإنسان ومشاعره وصب كل جماعة من الجماعات في ~~قالب خاص بها، لم يجعل للتاريخ من سنة عامة تكافئ بين حالات ms081 الإنسان في كل عصر من العصور، ~~وإلى ذلك يرجع السبب في أن العلل الواحدة التي تؤثر في حالات الاجتماع الإنساني قد تنتج نتائج ~~مختلفة باختلاف الظروف والحالات والمؤثرات الخفية التي لن نعرف منها إلا ظواهرها دون حقائقها ~~وماهياتها . # يقول هربرت سبنسر: «إن تاريخ العضويات يثبت أن الارتقاء الحقيقي ينحصر في التغاير من حال ~~التجانس إلى حال التنافر، وإن سنة ذلك الترقي العضوي هي سنة ضروب الترقي كافة. ثم يقول: ~~إن كل ما في الكون مثل تكوين الأرض، ونشوء الحياة فيها، ورقي الجماعات في العمران، ونشوء ~~الحكومات والصناعات والمتاجر والآداب والعلوم والفنون جماعها تخضع لهذه السنة الطبيعية في ~~التغاير التدرجي من الوحدة النوعية إلى الاختلاف والتكاثر النوعي. فإن الانتقال من حالة التجانس ~~إلى التنافر كان السبب الوحيد في حدوث الارتقاء منذ ظهر أول أثر للتغايرات الكونية في الوجود ~~إلى أن بزغ فجر المدنية في تاريخ الإنسان.» # هذه سنة عامة أخذها الباحثون في كل علم من العلوم ليعرفوا بها تلك الأسباب التي تسوق من ~~التجانس إلى التنافر، طبقها علماء الحيوان والنبات على الأنواع ليعرفوا أصلها وكيفية نشوئها، ~~وأخذها علماء الحياة ليعرفوا السبب في نشوء الأفراد التي تكون الأنواع. ومما لا مشاحة فيه ~~أن المؤرخين وعلماء الاجتماع لو استطاعوا أن يعرفوا الأسباب التي ساقت الجماعات الإنسانية في ~~سبيل الارتقاء من التجانس إلى التنافر، لا في صفاتهم العضوية؛ لأن ذلك متروك لعلم الحياة أو ~~التكوين العضوي، بل في تكوين الصفات التي كونت مشاعر الجماعات وميولها وأذواقها والقواعد التي ~~تحكم صلة هذه الصفات الإنسانية في المجتمع العام أو في الكل الاجتماعي، وأمكنهم أن يكشفوا عن ~~البواعث الطبيعية التي دفعت بالجماعات الإنسانية الأولى إلى التطواف والمهاجرة ونشوء اللغات ~~وعلاقتها بتطور الإنسان ... إلى غير ذلك من الأسباب التي تكون التاريخ عامة؛ فهنالك يمكنهم أن ~~يجعلوا التاريخ علما ثابتا، أما وإنهم لم يبلغوا ذلك المبلغ فالتاريخ لا يزال فرعا من فروع ~~الآداب، وأغلب الظن على أنه سوف يظل كذلك أزمانا لا نقدرها. # ولا نعلم كيف يستطيع أحد أن ms082 يفكر في وضع قواعد للتاريخ تقاس بها الحوادث وتتعرف النتائج ~~كالحال في بقية العلوم، أو وضع تعاريف عامة للتاريخ يؤمن بها كل الناظرين فيه كما آمن الرياضيون ~~بأن النقطة آخر الخط وأن الخط نهاية السطح، والمؤرخون لا يزالون مختلفين، ولن يظلوا مختلفين في ~~البواعث التي كونت التاريخ الإنساني، فمنهم من يقول بأثر البيئة الاجتماعية، ومنهم من يقول ~~بأثر البيئة الطبيعية، ومنهم من يرد أسباب التاريخ إلى العوامل الاقتصادية، ومنهم من يرجعها إلى ~~المؤثرات النفسية، وكل فرقة من هذه الفرق وكثير غيرها قد سبقت إلى كتابة التاريخ منتحية ~~منحاها الخاص، متبعة طريقها ومبدأها. # إن آخر رأي ذاع في البواعث التي أحدثت التاريخ الإنساني كان رأي العلامة «بنيامين كد» ~~الكاتب الاجتماعي الأشهر، ورأيه أن المحور الذي تدور حوله دائرة التاريخ الإنساني، بل مظهر ~~التاريخ البشري الوحيد، ينحصر في موقعة كبيرة وشجار دائم قامت به الجماعات ابتغاء أن تخضع ~~عقليتها وقوتها الاستنتاجية لقوتها الشعورية، ذلك لطبيعة في الجماعة لن تنفك عنها، طبيعة تخضع ~~الجماعة دائما لقوة الشعور دون قوة العقل. وأن تلك الحروب التي مزجت دم الإنسانية الذكي بحضيض ~~الثرى، وتلك الثورات المدنية والاجتماعية ليست سوى نتيجة من نتائج تلك الطبيعة، فالانتقام ~~والغضب والكراهية والتعصب للجنس والمعتقد مظاهر لن تجد لها في الأفراد من أثر في تحطيم بناء ~~مدني أو قيام حالة من حالات العمران، ولكنك ترى أن للجماعة من مظاهر الخضوع لهذه البواعث ما كان ~~سببا في قيام الحروب والثورات على مدى الأزمان. # غير أنك تجد أن علمي الاجتماع والسيكولوجيا، وهما الدعامتان الوحيدتان لهذه الطريقة، لم ~~يتقيد النظر فيهما بعد بقيود علمية ثابتة، ولا تزال موضوعاتهما رهن التغيير والتبديل. واختلاف ~~الآراء وتنافرها في معضلات هذين الفرعين لا يقاس بها اختلافها وتنافرها في أي فرع من فروع ~~المعرفة الحديثة، اللهم إلا في قليل من الآداب التي يتسع فيها مجال الخيال، وتتنافر في النظر ~~فيها عقول الباحثين، وتختلف فيها وجوه البحث باختلاف الناس. # ولقد عجزت كل العلوم وفروع المعرفة برمتها حتى اليوم عن وضع ms083 حد فاصل لعلاقة الفرد بالمجموع، ~~ولم يستبن الباحثون قياسا محكما يضبط في نظرهم هذه العلاقة، وسيبقى اصطلاح «الفرد المستقل» ~~اصطلاحا غامضا، بل مظهرا من مظاهر اللبس والإبهام، إن لم يكن في ذاته خطأ محضا لا يقوم له ~~في الطبيعة الاجتماعية مثال. كذلك إذا نظرت في اصطلاح «التطور الاجتماعي»، وتساءلت ما هو التطور ~~الاجتماعي العام؟ فإن ذلك الاصطلاح لم يكشف له العلم عن قانون محدود، ولم يعرف الباحثون في ~~الماضي ما يمكن أن يكون مقياسا تقاس عليه الظروف والحالات التي يتشكل فيها النشوء، ويتكون ~~بتشكله التاريخ الإنساني، ولم يفصح العلم عن تلك الأسباب التي تسوق الجماعات إلى التغاير ~~والاختلاف عن حالاتها الأولى، فتدفع بها إلى الرقي أو تبعث بها إلى حضيض التدهور ~~والانحلال. # وما دامت العلاقة بين الفرد والمجموع لم تعرف وكذلك الأسباب التي تسوق الجماعات إلى الترقي ~~أو الانحطاط، أو علاقة الجماعات الخاصة بمجموع الكل الاجتماعي؛ فكيف يخطر على عقل بشر أن العلم ~~الإنساني، وهو على ما ترى من النقض والتخلخل، في مستطاعه أن يضع للتاريخ قواعد ثابتة كقواعد ~~الرياضيات، ما دام النظر في الاجتماع لم يصبح بعد علما يقينيا صحيحا، وهو دعامة الطريقة ~~العلمية في بحث التاريخ؟ وكيف بعد هذا يتصور إنسان أن التاريخ علما؟ ~~••• # ظل القول بأن التاريخ فرع من الآداب منذ زمان «زونوفون» و«هيرودوت» و«بلوتارك» و«ليفي» إلى ~~«غيبون» و«ماكولي» و«ميشليه»، ولقد نهج «ستبس» و«سيلي» الطريقة الوصفية في كتابة تواريخهما رغم ~~نزعتهما إلى الطريقة العلمية التي دعوا إليها زمانا. أما «السوربون» اليوم فيمثل الرأي العلمي ~~يوحي إليه الأستاذ «برغسون» بذلك الوحي، محاولا وضع حدود لمسألة لا حدود لها في الواقع. # ولقد ذهب اللورد «ماكولي»، وهو أكبر مؤرخي الإنجليز في القرن التاسع عشر، مذهبا خاصا ~~فقال: إن التاريخ ليس إلا صفحات من الزمان تتعاقب عليها صور الجماعات بما فيها من أثر العلم ~~والأدب والانفعالات والمؤثرات الطبيعية والنفسية والاقتصادية والجغرافية، كالمنظر الذي تراه في ~~صفحة السماء يوما يستحيل عليك أن تراه بذاته مرة أخرى بما فيه من اختلاف الصور والألوان ms084 ~~والأشكال والتغايرات المتعاقبة. من هنا نجد أن أهل الشهادة لحوادث التاريخ كأهل الشهادة لمناظر ~~الطبيعة، إن رأوها وتناولوها بوصف وأخذت عنهم ذلك الوصف أو تلقيت عنهم تلك الصورة لتقيس عليها ~~أو لتستنتج منها أو لتقارنها بغيرها من الصور التي تقع تحت حسك؛ فإنك إنما تنظر بنظر غير نظرك، ~~وتنعكس على لوحة نفسك صور انفعالات وبواعث وعواطف قد تشعر بما يناقضها تماما لو أنك نظرت إليها ~~بعيني نفسك وتحت تأثير مشاعرك وانفعالاتك الخاصة. # وإذا اعتبرنا التاريخ صورة فيجب علينا أن نعتبر المؤرخ مصورا تخط ريشته لأهل زمانه الصور ~~التي تنعكس على لوح نفسه من ممارسته لحوادث الأزمان الغابرة، تلك الأزمان التي لن نعرف من ~~حقائقها إلا بقدر ما أثرت حوادثها في أنفس المؤرخين فيها، فالمؤرخ إنما يستمد من خيال غيره ~~ومن انفعالات غيره ومشاعر غيره، ليستخرج صورة جديدة تستحيل إليها نفسه، ويكون مقدار خطئها أو ~~صوابها راجع إلى مقدار قربها أو بعدها من حالات العصر الذي يؤرخ فيه، وحالات العصر الذي يؤرخ ~~فيه منقولة إليه برمتها عن غيره، وصحة النقل أو خطؤه راجعان إلى صحة نظر الذين صوروا ذلك العصر ~~أو خطئهم. ومن هنا لا تستطيع أن تضع للتاريخ مقياسا تقيس عليه حقائق الأزمان الماضية وتتنبأ ~~بها عن المستقبل اعتمادا على ظروف حاضرة، إذا وعيت هذه الاعتبارات في مجموعها. # يقول «جوته»: «إن التاريخ يجب أن يعاد تدوينه والنظر فيه من حين إلى آخر، لا لأن حقائق ~~كثيرة تكون قد عرفت على مر الأيام، بل لأن أوجها من النظر قد تظهر في أفق البحث العقلي، ولأن ~~المعاصرين الذين هم ذوو ضلع كبير في تقدم عصورهم وارتقائها، يساقون دائما إلى غايات ينتهون بها ~~إلى حيث تصبح ذات صبغة يقتدر بها على تدبر الماضي والحكم عليه بصورة لم تكن معروفة من ~~قبل.» # ومن طريق النظر في فكرة «جوته» في التاريخ ساد الرأي عند المؤرخين بأن القول بأن التاريخ ~~فرع من العلوم الاستقرائية مسألة غامضة مبهمة، والحقيقة أن أصحاب ذلك القول لم ~~يقيموا من حجة ms085 على صحة رأيهم، فتخلصوا من موقفهم بالقول بأن ~~التاريخ فرع من العلوم الاستقرائية باعتبار الموضوع، وفن باعتبار الذاتية. ولقد رد على هؤلاء ~~رأيهم هذا بأن التاريخ إن اعتبر علما باعتبار الموضوع، فإنما يصبح اجتماعا صرفا ليس للتاريخ ~~فيه من أثر، اللهم إلا علاقة المستمد من المستمد منه. # ولقد نقد الأستاذ «ماكولي تريفليان»، وهو خير من أرخ في نهضة إيطاليا الحديثة، رأي الذين ~~يذهبون مذهب أن التاريخ علم يقيني، فقال في ماهية التاريخ وفائدته في مقالة عنوانها ~~«كليو # Cilo ~~»، أي إلهة التاريخ، فقال: # إن ميزة التاريخ التي لا ينكرها أحد تنحصر في تدريب العقل، ليصل إلى درجة يقتدر بها على ~~إدراك المسائل السياسية إدراكا صحيحا، ولكن هذه الميزة لا تتناول التنبؤ عن المستقبل، فلا ~~يمكن للتاريخ مثلا أن يمدنا بمجموعة من السنن العامة يصح تطبيقها في كل عصر ليسترشد بها ~~السياسيون، ولا يستطيع التاريخ أن يظهر لنا من طريق المقارنة التاريخية من من ~~المتخاصمين كان في جانب الحق في أية مسألة من المسائل العامة. ولكن ماهية التاريخ تنحصر في ~~شيء أبعد من ذلك شأنا وخطرا، وهي تدريب عقلية الإنسان على معالجة المسائل العامة وفهمها ~~ومشاركة بقية الأمم في شعورها، فإن المعلومات التي يمدنا بها التاريخ لا قيمة لها في ذاتها ~~ما لم تخلق فينا حالة فكرية جديدة، فإن فائدة تاريخ «ليكي # Leckey ~~» في أيرلندا لا ينحصر في أنه دون في كتاب واحد تفاصيل المذابح ~~العديدة وحوادث القتل والتفظيع، بل إنه أحدث فينا حاسة بالعطف والشعور بالخجل، وساعد على ~~إدراك الحقيقة التي تقضي بأن ذنوب الآباء تتعدى إلى الأبناء وإلى الأجيال التي تشب على الكراهية # 1 # فهو لم يبرهن على منح الحكم الذاتي لأيرلندا من حيث هو خطأ أم صواب، بل درب ~~عقول أنصار الاتحاد مع إنجلترا وأنصار الحكم الذاتي لأيرلندا على إدراك المسألة الأيرلندية ~~وغيرها من المسائل إدراكا صحيحا. # ثم أردف المؤرخ هذا القول بالكلام في مسألة أخرى أثبت بها أن التاريخ لا يمكن أن يستنتج ~~قوانين عامة من الأسباب والمسببات ms086 كالعلوم الطبيعية مثلا، قال: # وما زالت المحاولات التي ترمي إلى استنتاج الأسباب والنتائج التي تنطبق على حياة ~~الإنسان وحالاته السياسية، والتي تتكرر بتكرر حدوث هذه الأسباب؛ معدومة الجدوى. فإذا ~~استطعنا مثلا إقامة البرهان العلمي الثابت على قانون الجاذبية، تعذر علينا ذلك في البحث ~~التاريخي، كما لو أردنا مثلا أن نثبت أن المجاعات تنتج الثورات دائما، وهو ما لا يمكن ~~إقامة البرهان على صحته، بل إن عكس ذلك صحيح في جملة حوادث يستنتج منها أن المجاعات تنتج ~~خضوعا واستسلاما ومذلة. من هنا لا يمكن الفصل بين أية حادثة من حوادث التاريخ وبين ما ~~يحيط بها من الظروف إذا ما أردنا أن نستوضح قانونا عاما يمكن تطبيقه على كل ظرف؛ لأن ~~الحادثة التاريخية ليست سوى مجموعة من الظروف لا يمكن أن تحدث بظروفها مرة أخرى. # ثم قال الكاتب متهكما: # وليس لأحد هذه القدرة إلا السياسيين الذين يزخرفون خطبهم بالحجج والدلائل ~~التاريخية. # من هنا نعتقد أن التاريخ فن من فنون الأدب لا يصبح علما ثابتا إلا بعد أن يكشف المؤرخون ~~الذين ينتهجون النهج العلمي في التاريخ عن الأسباب التي ساقت الإنسان من تجانسه الفطري إلى ~~تنافره الاجتماعي، وعن السنن والقواعد التي تحدد علاقة الفرد بالمجموع الذي يتبعه، وعلاقة ذلك ~~المجموع بالكل الاجتماعي، ويفصحوا عن حقائق التطور الاجتماعي وضوابطه، والانفعالات وبواعثها، ~~والمشاعر وتشعب مناحيها، حتى تصبح قواعدهم التاريخية كقواعد علوم الحيوان والنبات والتكوين ~~العضوي مبنية على سنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل. # 2 ~~(2) التاريخ من الوجهة الوصفية # 1 # هل تعرف كيف نشأت في وسط هذه البيئة الاجتماعية التي تتحكم في أفكارك ومشاعرك التحكم كله؟ ~~وهل تفقه من سبب يجعل خضوعك لحكم البيئة التي نشأت وربيت فيها تاما كاملا، في حين أن ~~عقلك طالما نزع بك إلى الثورة ضد النظام القائم من حولك؟ وهل تعرف من سبب طبيعي ترجع إليه إذا ~~ما حاولت أن تحلل حقيقة ذلك العراك القائم في دخيلة نفسك بين ما يوحي إليك به عقلك، وبين ما ~~تقرك عليه مشاعرك؟ إذا كنت ms087 في حيرة من أمرك إزاء هذا كله فارجع معي إلى جزائر البحار ~~النائية، إلى جزائر «تاهيتي» أو «فرناندو نورونها» أو جزائر «أرض النار»، وطف بمجاهل تلك ~~البقاع التي لم يشع فيها للمدنية شعاع، ولم يرسل إليها العلم بخيط من خيوطه المضيئة منذ ~~أن انفصلت الأرض عن بقية النظام الشمسي لتدور حول فلكها المرسوم. هنالك وبين عشائر المتوحشين، ~~تلمس بيدك حقيقة ما يعنى الطبيعيون ب «الوراثة الطبيعية» والتقاليد التي خرج بها الإنسان من ~~ماضيه المشحون بما تعرف، وهو ضئيل تافه، وبما لا تعرف، وهو تيه موحش تعجز مخيلتك عن أن تدرك ~~طرفا من أطرافه، إلا قليلا. # على أن أخص ما تقع عليه مما يحيط بك من حقائق الحياة الإنسانية في فطرتها الأولى، خضوعها ~~خضوعا أعمى لحكم الغيب دون حكم الشهادة، تحف بك حياة شاعرة لا غير، ولن تقع على أثر من ~~آثار الحياة العاقلة التي تسكن لحكم المنطق ولا تجاري العواطف وقواسر الطبيعة البشرية. وأبلغ ~~ما يأخذ بروعك في تلك الحياة أنك تلفي نفسك محوطا بعالم من الأرواح فيه جمال، وفيه ~~وحشة؛ فالصخور القائمة من حولك، والأشجار الحافة بك، والماء والسماء، والدواب والهوام، ~~بل أنت نفسك عبارة عن أرواح تتخايل إليك في سيرك وضجعتك، في نومك وهجعتك، في غدوتك ~~وروحتك، متحكمة في ماضيك ومستقبلك، مؤثرة في سرك وعلنك، وعلى الجملة يخيل إليك أنك ~~روح مسيرة في وسط عالم من الأرواح، منفصل عن عالم المادة. # ولا يسبقن إلى حدسك أنك ثمرة مباشرة لمدنية القرن العشرين، فإن ما فيك من أثر الماضي؛ ~~من أثر آبائك في العصور الأولى، أكثر مما فيك من أثر المدنية الحديثة، فأنت ابن الذين اعتقدوا ~~بتعدد الآلهة، بل ابن الذين عبدوا الأحجار والأصنام والحيوان والنبات، وقدسوا الوهم وأماتوا ~~العقل، ومشوا مع الخيال، ونبذوا حكم القياس المنطقي. فيك من أثر تلك البيئة أضعاف ما فيك ~~من أثر المنطق في الفلسفة، والتوحيد في الدين. بل جل ما بينك وبين آبائك من فرق أنك اجتزت ~~دورا لا يزال أولئك المستوحشون في جزائرهم ms088 النائية عنوانا عليه في الزمان الحاضر، فإذا ~~فخرت بأنك من أبناء القرن العشرين، قرن العلم والمدنية، فلا تنس ذلك الماضي لتتخذ القياس ~~عليه نبراسا تستضيء به في ظلمات بحثك في تاريخ النوع الذي أنت تابع لإحدى سلالاته ، ولتتذكر ~~دائما أنه من الأولى بك أن تقول «كان آبائي» بدل أن تقول «كان الأولون». # في عصر من تلك العصور التي قطعتها الإنسانية في شوطها نحو المدنية الحديثة، كان المعتقد ~~أن الأزمات التي أحاطت بالشعوب، لا بل كل ما حف بالأفراد من مطاليب الحياة وقواسرها؛ راجع ~~إلى فعل إرادة علوية تفعل في الجزئيات فعلها في الكليات، وأن كل لبانات النوع الإنساني ~~خاضعة لتأثير قوة من قوى الغيب أو ما يسمونه ما وراء الطبيعة، تحتكم في كل دورة من دورات ~~الحياة، مهما ضؤل أو عظم شأنها. # لهذا لم يشعر العقل الإنساني بحاجة ماسة تضطره لأن يستكشف سر العلاقة الكائنة بين ~~الماضي والحاضر؛ ليربط بينهما بسلسلة منظومة من السببيات الطبيعية، بل أخلد لحكم الطبيعة ~~والزمان، فظل العقل لغوا طوال تلك الأعصر التي نزلت فيها الإنسانية على حكم المشاعر وحدها، ~~لهذا تجد أن التاريخ لم يعن بشيء إذ ذاك عنايته بأقوال مجموعة من الأفراد، والإشادة بذكر ~~لفيف من الناس برزوا من بين الصفوف المتراصة، وحكمت المشاعر بأنهم ظل من ظلال السماء فوق ~~الأرض، وأنهم المنفذون لما يريد القضاء ولما يملي القدر في تلك الجموع التي استنامت لحكم ~~المعتقد الثابت، حتى سلبهم ذلك المعتقد صبغة الإيجاب فظلوا على السلب عاكفين، غرقى في ~~السبات حول تلك الأسس التي شيد عليها صرح المجتمع البشري. # لما أن انقضى ذلك العصر بما فيه من بواعث التخيل، وبما كان فيه من أوجه الجمال مقرونة ~~بموحيات القوة الشاعرة وحدها، واستكشف العقل أن لموجات الحوادث الإنسانية التي طمت على ~~الأزمان الأولى نظاما أشبه بنظام سير الأجرام في أفلاكها، وأن الشعوب التي تطفو على وجه ~~الحياة، والشعوب التي تبتلعها الحوادث الاجتماعية فتطمر في جوف الزمان؛ هي بذاتها مظهر من ~~مظاهر الحياة وحقيقة من حقائقها الكثيرة. ms089 بيد أنها تمت بأصلها إلى أبعد الأزمان ~~إيغالا في أحشاء الدهور، محوطة بآثار ما فيها من طبيعة الحركة، وفطرة التقدم، ودوافع ~~الارتقاء. هنالك شق التاريخ لنفسه في حياة الجماعات سبيلا بكرا، وتوجه العقل سلطانا ~~مسيطرا على ناحية من نواحي المنفعة المحققة التي ينشدها الإنسان في هذه الحياة الدنيا. ~~وهنالك نبذ التاريخ طريقة العكوف على الكلام في دسائس الأمراء وذوي المطامع من أهل الجاه، ~~وترك القسيس في معبده يحاول أن يفسد السياسة بالدين وأن يفسد الدين بالسياسة، وأهمل حاشيات ~~الملوك ومنافساتها، ومماحكات قواد الجيوش ومناظراتهم، وعمد إلى تدوين أوجه الحركة والنظام ~~الذي يفيض به نهر الحياة الإنسانية، منصبا في ذلك المنحدر الذي طالما طفت فوقه الملوك ~~والأمراء على مدى العصور، وهم أشبه الأشياء بفضلات الهشيم المتناثرة؛ إذ تتلاعب بها أمواج ~~يم ثائر أدركه المد في ليل اشتدت حلكته، واعتكر ظلامه. # قد تقول غير هذا، قد تقول: إن تعليل حوادث الحياة الإنسانية إذا أخذ يبتعد شيئا فشيئا ~~عن فكرة تدخل الإرادة العلوية في جزئيات الحياة وكلياتها معا، بعد أن عمد الناس إلى تعليل ~~الظاهرات بالأسباب الطبيعية؛ رجع العقل عن البحث وراء المصادر التي تحرك الحوادث إلى البحث في ~~الأسباب التي كونت الجماعات الإنسانية. وهنا اتخذ التاريخ على أنه قاعدة ثابتة لا يستطيع ~~باحث أن يلجأ إلى غيرها من ضروب المعارف الإنسانية، إذا ما أزمع أن يفقه شيئا من طبيعة ~~الحوادث الحاضرة، أو أن يستكشف ناموسا يستهدي به إن هو أراد أن يتدبر المستقبل. # نظر في التاريخ تلك النظرة، نظر إليه بتلك العين التي ينظر بها الجيولوجي إلى بقايا ~~الحفريات المستحجرة ليتخذ منها حلقات وسطى تربط بين الأنواع المختلفة، فإن المؤرخين طالما ~~حاولوا باستعماقهم في دراسة الحالات العامة التي قامت في كل عصر من العصور؛ أن يستشفوا ~~حقيقة البواعث والأسباب التي تمكنهم من اكتفاء المؤثرات أو الأسباب التي تربط بين حوادث عصر ~~«حاضر» بأبعد الحوادث وقوعا في أحشاء التاريخ الإنساني. # استمكن هذا التصور من عقول الباحثين استمكانا، وتغلغل في معتقد الناس، حتى إن ms090 كل عقيدة، ~~أو مذهب، أو نظام مدني أو اجتماعي، بل الفكرات الطافية على سطح الحياة اليومية؛ قد لقي جماعها ~~من الأنصار فئة حاولت أن تستكشف في تاريخها من الحلقات ما يربطها بحادثات وقعت خلال أبعد ~~العصور إيغالا في صميم القرون الأولى؛ أي بحادثة اجتماعية، أو تصور من التصورات، أو بمبدأ أو ~~مذهب فلسفي، أو بأسطورة من أساطير الأولين. # في ذلك نزعة من نزعات الفكر. أما المذاهب الفلسفية، والمبادئ الدينية، فشرع في حكم تلك ~~النزعة، فإنك إذ ترى أن أصحاب المذهب الكثلكي في أوروبا يعودون بأبحاثهم إلى مخلفات الأزمان ~~الأولى التي أينعت فيها النصرانية، لا بل إلى عصور الوثنية؛ ليستمدوا منها براهين وأدلة تؤيد ~~حجتهم وتنصر مذهبهم في الدين، وإذ تلفي أن البروتستانت يرجعون إلى مثاليات الإغريق، بل إلى ~~سياسيات «بركليز» وتعاليم «أرسطو» و«سقراط» ومبادئ «سولون»؛ لينقضوا فكرة نظرائهم في العقيدة، ~~وإذ تجد من جهة أخرى أن الراديكاليين يحاولون أن يقطعوا شوط الارتقاء قفزا، على الضد من كل ~~تجانس في نظام الطبيعة، تأييدا لوجهة نظرهم في الحياة، وأن الرجعيين باعتقادهم أن مدنية ~~العصور الأولى أقرب إلى مناهج الفطرة من مدنية العصور الحاضرة، يعملون جهدهم ليصدوا تيار ~~التقدم راجعين بالأفكار والمذاهب والمعتقدات إلى أوابد العصور الغابرة، على النقيض من سنن ~~النشوء ونواميس الارتقاء؛ لا تستطيع إلا أن تحكم بأن هؤلاء جميعا إنما يساقون في طريقهم ~~سوقا بمقتضى حكم الطبيعة ونواميس الحياة، فيجهدون أنفسهم ويفنون عقولهم ليثبتوا أن ~~لتصوراتهم ومعتقداتهم علاقة وصلة ب «الماضي» الذي تقدسه المشاعر وإن حكم ضده العقل، كل هذا ~~ليبرروا ادعاءهم بأن معتقدهم وشرعتهم أحق بالحياة والبقاء في الزمان «الحاضر». # ولماذا نقصر استشهادنا على ذلك بزعماء المذهب الكثلكي أو قادة الكنيسة البروتستانتية ~~وحدهم؟ ولأي من الأسباب نقصر الكلام على الراديكاليين أو الرجعيين أو أية فئة من فئات ~~الفلسفة أو العقائد، ونعفي حفظة الكرسي البابوي في قصر الفاتيكان، أو جبابرة الملوك ~~والقياصرة فوق عروشهم الرهيبة؛ من حكم تلك النزعة التي تصور أكثر ما في التاريخ من حوادث؟ ألم ~~تر إلى ms091 بابوات روما وملوك الدولات العظمى كيف نزلوا عما كانوا يدعون من استمداد سلطاتهم ~~وقواتهم من الله، وكيف رجعوا عن الدعوى بأن إرادتهم مستمدة من الإرادة القدسية؛ فتراهم وقد ~~نزلوا على حكم الزمان وساووا بين أنفسهم والدهماء ، فلم يجدوا من مبرر يبررون به وجودهم ~~بعد أن تقوضت أركان حقوقهم الموهومة إلا أن يلجئوا إلى ذكرى ما كان لوجودهم من أثر في قيام ~~المدنيات وارتقاء الشعوب، وأنهم كانوا القوامين على الشرف الوطني من أن تعبث به الأيدي ~~الأجنبية، وأنهم كانوا حفظة الآداب، وخزنة المصالح القومية، وأنهم كانوا أول الآخذين ~~بيد البلاغة والفن، وأنهم أول من عمل على سعادة الجماهير، إلى غير ذلك مما يرويه ~~التاريخ؟ # تجد من هذا عامة أن الملوك ورؤساء الدين أصبح حكمهم إزاء التاريخ حكم أصحاب المذاهب ~~والمعتقدات؛ إذ يحاولون أن يتخذوا من «الماضي» وثائق يعززون بها «الحاضر» ويزكونه بما ~~فيها من الأدلة والبراهين. # ولقد تعجز تلك النزعة التي صورت التاريخ على هذه الصورة عن أن تجد من الفكرات والنظريات ~~ما يؤيدها، فكما أن التقاليد التي ورثها الفرد عن آبائه الأولين، وطريقة التربية التي خضع ~~لسلطانها، والحوادث التي انتابته في الحياة، ومجمل الظروف والمؤثرات التي كونته، لا بد من ~~أن تترك أثرا بارزا في أخلاقه، وتتخذ دليلا على ما فيه من عزة وشرف في «حاضره»؛ كذلك ~~الحال في السوابق التاريخية التي وقعت في الحياة العامة والأفكار، قد يمكن أن تتخذ برهانا ~~من «الماضي» تبرر به الحالات «الحاضرة». # غير أن هذه السوابق التاريخية إذا اتخذت على أنها أسانيد موثوق بصحتها وقوتها، وأن ~~دلالتها على الأشياء والحوادث ثابتة لا مبدل لها، فتعمد كل سابقة منها إلى أن تثبت بحكم ~~العقل ونزعة البحث أنها ذات الأثر الأول في إبراز الأسباب التي ساقت إلى وقوع حوادث الأزمان ~~الفارطة؛ فإنا لا نلبث أن نشعر بأن تلك الشبكة المتخالطة التي تنسجها السوابق التاريخية ~~متنافرة الأجزاء تنافرا لا يعزز الادعاء بأن دلالتها على الأشياء والحوادث ثابتة، وأن ~~الباطل ونزعات المشاعر لن تأتيها من بين يديها ولا ms092 من خلفها. # وقد نسوق هذا الحكم عينه على أولاء من فلاسفة المؤرخين الذين يحاولون أن يعزوا السبب ~~في نشوء الجماعات الإنسانية إلى فعل مؤثر بعينه من المؤثرات العامة، كتأثير الطقس أو ~~الفواعل الجوية، أو البيئة الطبيعية ، أو مبدأ بقاء القوة في نظام الكون المادي، إلى غير ~~ذلك. # إن «كارليل» أكثر الباحثين استعماقا في حقيقة الفكر، وأشد الكاتبين تبيانا لضئولة ~~المعرفة الإنسانية؛ قد نصح لكل المؤرخين أن ينصرفوا عن كل محاولة يراد بها إثبات أن نشوء ~~الجماعات الإنسانية راجع إلى فعل مؤثر بذاته في مؤثرات الكون أو الحياة، وأن الأجدر بالمؤرخ ~~أن يبرز صورة واضحة جلية للعصر أو الحادث الذي يؤرخ فيه، يستخرج منه عظة أو عبرة تنتج نفعا ~~ماديا في العمليات؛ لأن ذلك في رأي «كارليل» أولى بالمؤرخ من أن يظن، ومن ثم يتصور أو ~~يعتقد أنه بتعليل نشوء الاجتماع استنادا على مبدأ من مبادئ الكون قد بلغ إلى أبعد أغوار ~~الطبيعة، من حين أن المعرفة الإنسانية، مقيسة بأسرار الغيب والمجهول، ليست إلا كفلينة ~~طافية على وجه بحر ما تبلغ له من قرار. # غير أن «كارليل» مع هذا الاعتقاد يحتم على كل الباحثين أن ينزعوا إلى البحث في ~~«الماضي»، إذ يقول: # إن الماضي عبارة عن نبع المعرفة الفياض الذي لا نستطيع بدون أن نسترشد بضيائه، ~~متعمدين أو مدفوعين إليه بحكم الفطرة، أن نتدبر الحاضر أو نحدث عن المستقبل. # على هذا واستنادا على فكرة «كارليل» نريد أن نثبت أن للتاريخ ناحيتين، لكل منهما ~~كفاءة عقلية خاصة تعود إليها، فإن اعتبر التاريخ على أنه مجرد رواية للحوادث، أصبح راجعا ~~إلى كفاءة الوصف في العقلية الإنسانية، وإن أخذ التاريخ على أنه تفسير فلسفي للحوادث، أصبح ~~عائدا إلى كفاءة التأمل. # من هنا نستطرد إلى الكلام من كلتا الناحيتين لنفصل بينهما، ولنعرف أثر كل من ~~الناحيتين، ناحية الوصف وناحية التأمل في التاريخ، في إرشاد الأجيال الحاضرة أو اكتناه ~~خفايا المستقبل. # 2 # نبشت الأبحاث التاريخية رموس الماضي البائد، وخرجت منها بأجزاء متناثرة وبقايا من تراث ~~الأولين، ms093 وأقامتها أمام أعيننا كهيكل حفري من هيكل الحيوانات البائدة. وقعت على ذلك الهيكل ~~المقدس عين الحكيم فأصاب حكمة، ورأته عين العالم فأفاد علما، وتناوله خيال الشاعر فصاغ ~~بيانا وسحرا، واستوعبه الفنان فرأب به من صدوع الفن ما تطاولت إليه الأيام ففصمت منه ~~العرى. # لم تكشف لنا تلك الأبحاث عن صور الحوادث العظمى المنسابة في جوف الأزمان انسياب الماء ~~الهادئ في مجراه، ولم تقتصر على الكشف عن كوارث الحياة المندفعة في سماء العصور اندفاع ~~الشهب والنيازك خلال تتالي الأجيال لا غير، بل أبانت لنا فوق ذلك عن حقيقة الحياة السياسية ~~والمشاعر الدينية والنزعات الاجتماعية ومؤثراتها وأسبابها ونتائجها التي أخذت بخناق الشعوب ~~المختلفة والقبائل المتباينة. كل هذا تناولته أقلام المؤرخين فخطت به على لوح الحياة ~~الحديثة سطورا خالدة من آيات الحياة البائدة، فامتزج كثير من الماضي بقليل من الحاضر، وترامى ~~الشعاع الذي ولده ذلك المزيج إلى شعاب المستقبل ومفاوزه، فأزاح عن بعض نواحيها ما كان ~~يكتنفها خلال الأجيال الأولى من ظلام. # وصلت الأبحاث التاريخية بين الماضي والحاضر بحلقات استكشفها المؤرخون، حتى أصبحت سلسلة ~~الحوادث التاريخية محبوكة على الزمان التاريخي، محيطة بكثير من دقائقه بله تفاصيله. أبانت ~~لنا تلك الأبحاث عن صور الماضي فأرتنا دولات الشرق تبرز عظيمة فتية، مزودة بمهيئات النشوء ~~والارتقاء، أو تتوارى وراء حجب الغيب، وتغيب في جوف الحوادث، مكتنفة بعوامل السقوط والفساد، ~~فتتمثل لنا هياكلها المشمخرة وقد طاولت السماك عظمة وقوة آونة، أو تلوح لنا هابطة ~~إلى الحضيض ذلا واستكانة آونة أخرى، وهي بين هذا وذاك أشبه الأشياء بأرواح متمردة أصابها ~~مس من الجن، أو خيالات جبابرة أخذتهم العزة بالإثم، وهم في صراع لكل منهم فيه نوبة من ~~الغلبة والاندحار، فلن تستبين في أمرهم شيئا إلا حدسا، كما تستبين الأشباح استبانة غشاوة ~~وكلال؛ إذ تتخايل إليك في آخر الأفق الأوسع، عند تنفس الفجر، وقد شابته ظلمة الليل ببعض ~~أدناسها. # أرتنا تلك الأبحاث بلاد فارس وقد عقدت على تاجها ألوية الانتصار، ممتطية صهوة العزة ~~والقوة، متبعة خطى ملوكها المستبدين بأمرها ms094 يقودونها من نصر إلى نصر، فكانت كذؤابة من ~~الليل الحالك ناءت بكلكلها على الغرب وأرخت بسدولها على شرقي البحر الأبيض ~~المتوسط، فشابت جزائر اليونان بشائبة من القوة فزع لها أبناء الإغريق فزعة بعثتها في ~~نفوسهم مخاطر الغزو الأجنبي، وتمثل الذلة في الاندحار بعد العزة في شرف الحرية، ~~فدبوا تحت قدمي جبار فارس وجنوده دبيب الماء تحت قواعد الجبال الراسية، فلا يلبث أن يردها ~~كثيبا مهيلا. # انقلب الإغريق بفزعتهم الوطنية أمة قوية فتية موفورة الحياة، فردت مستبد الشرق عن ~~جدران الغرب، وكأن الفزع قد نبه فيهم ما أخفته أجيال الدعة والطمأنينة من صفات القوة ~~والتناحر على الحياة، فكان علماء اليونان وفلاسفتها وشعراؤها وكتابها وخطباؤها وساستها، ~~وعلى الجملة مدنيتها ورجالها الذين ظلوا هداة العالم ومبعث العرفان خمسة وعشرين قرنا من ~~الزمان، أورثوا المدنية خلالها تراثا من العلم، وثمارا من الفلسفة والشعر والسياسة ~~والموسيقى والفن، أرضت المنطق والذوق خلال عصور التاريخ برمتها. # تتخايل لنا مدنية الإغريق في إبان سطوتها فتمثل لنا آداب سقراط وروحانية أفلاطون ~~ومنطق أرسطو وسياسة سولون وعصر بركليز، حتى إذا ما أدركها الانقسام في الداخل مقرونا بفزع ~~الغزو الأجنبي من غربي أوروبا، تتخيلها ثانية فإذا بها كتلة موات من الأنفس البشرية ~~تتردى في الظلام. # ولا نلبث بعد أن نرى أبناء الإغريق يتوارون وراء الأفق، أن تشرق أمامنا شمس مقدونيا ~~الفتاة بارزة من وراء حجب الغيب؛ لتستنير بهديها كل بلاد اليونان، ولتخضع لقوتها ~~وسلطانها. # لقد استجمعت مقدونيا تلك البقايا المفككة من الوطنية الإغريقية وساورتها ذكريات الماضي ~~العظيم الخالد، فحركت فيها حماسة الذكرى من القومية وهزة الوطنية ما أخرج أبناءها عن حدود ~~الغرب ليغزوا الشرق، فغزوه حتى جوف الهند، وكانوا كلما تقدموا في غزوتهم الشرقية خطوة ~~تحطمت تحت أقدامهم التيجان وثلت العروش وتهدمت الإمبراطوريات كما تنهار الجدران المتداعية ~~أمام الفأس، يضعها في أصولها جبار قوي الأصلاب. # غير أننا لا نلبث على ذلك برهة وجيزة حتى نمقع دبيب الفساد يدب في نواحي الإمبراطورية ~~المقدونية وينتابها من العوامل الخفية ما يحفر من تحت عظمتها ms095 الظاهرة هوة سحيقة ~~يتقوض في أغوارها بناؤها المشمخر، فيتناثر أجزاء وقطعا، تشع كل قطعة منها ~~بقليل من الضوء الموروث عن الشمس المحطومة على صخور الزمان، ثم تنطفئ منها الجذوة تلو ~~الجذوة، كمنارات الرهبان المتعبدين في رءوس الجبال المنقطعة عن العمران أن خبت نارهم فلا ~~موقد لها. # في وسط تلك المعمعة الكبرى التي تحطمت فيها إمبراطورية مقدونيا بين صلصلة السيوف الباترة، ~~وبريق الأسنة المشرعة، وبين تلك الضجة الكبرى التي أحدثها تقوض أركان تلك الإمبراطورية، ~~وبين صيحات الويل والأسى التي بعثتها قوة التحليل في متانة التركيب؛ تكشف لنا حجب الغيب عن ~~«روما» تتحرك كالامفبيان الذي نقرأ أخباره في قصص السندباد، يحمله البحر، ويحمل فوق ظهره قارة ~~برمتها. يتحرك ذلك الامفبيان حركة الحياة في بقعة من الأرض حزينة مجرودة صماء، إن استظلت ~~يوما بشيء يبعث في النفس من معنى شعري فهو السكون المطلق من كل الشوائب إلا شائبة الحياة ~~تدب في جسم رومولوس، وإلا صفة الحنو في قلب الذئبة ترضعه ثديها وتتعهده بالرباية ليبتني ~~روما العظيمة، وتقوم عليها الإمبراطورية الرومانية العظمى. # كما ارتضع «رومولوس» ثدي الذئبة فصار فتى أسس روما كذلك ارتضعت روما ثدي إيطاليا، فترعرعت ~~وشبت إلى الفتوة، وما زالت تكبر ويمتد سلطانها حتى تكون منها ذلك الامفبيان الذي أحاطت ~~قوته بكل الإمبراطوريات التي قامت وتحطمت خلال نشوئه من طور الطفولة إلى طور النضج التام، ~~واستظلت بظلاله بلاد الغال وقرطاجنة ومصر وفارس ومقدونيا والإغريق وأشورية وبابل وفينيقية، بل ~~إن شئت فقل الدنيا المعروفة في ذلك العهد ترابطت أسبابها لتكون إمبراطورية واحدة، هي ~~الإمبراطورية الرومانية. # غير أن ذلك الامفبيان العظيم لم يبلغ منتهى قوته إلا ليدركه الكلال والنصب، فتناوحت من ~~حوله رياح الفساد، وهبت عليه عواصف الانقسام الداخلي، فأخذت أجزاؤه تتحلل جزءا بعد جزء، حتى ~~أدركه التخلخل والانشعاب، وما هي إلا صيحة من صيحات الزمان، وحركة من حركات الحدثان تبعثها ~~يد القدر في قلوب قبائل الشمال، فتنقض على «روما» انقضاض الصواعق فتتركها قاعا صفصفا لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا. # انقلبت في «روما» ms096 الخشونة والبساطة زخرفا وتكلفا، وارتدت الشجاعة إسفافا، والحرية ~~استبدادا، والبطولة اسما أجوف لا مسميات له، وتفككت بانحلال الأخلاق وفسادها كل الروابط ~~الاجتماعية التي تقوم عليها الممالك وتشيد الدول، وأي انحلال في الأخلاق أبشع صورة من ~~انحلال الأخلاق الموروثة في المرأة، سنادة المستقبل وعماد الأسرة؟ وأي انحلال في أخلاق ~~المرأة أشد إسفافا مما بلغنه نساء روما في آخر عصور الاضمحلال، حيث كن يعددن ~~السنين بعدد الرجال الذين أحببنهم وكن معهم على صلة أقل ما فيها من فساد أنها قلبت نظام ~~الأسرة، فحللت روابطها وفصمت عراها. # لم يقف الأمر في فساد روما عند هذا الحد، بل إن الراهب المتعبد المتوجه إلى الله ارتد ~~مشعوذا يؤمن بالسحر والأساطير، وتبدلت روما من أبنائها الرومانيين بمجموع من العبيد ~~المحررين والأجراء الذين لم يكن فيهم من خلة ظاهرة الأثر إلا أنهم أكثر تشبها ~~بربات الحجال منهم بالرجال. وأصبح الجيش، وهو حافظ النظام في أول عصور المدنية الرومانية ~~وحامي ذمار روما العظيمة وإمبراطوريتها الكبرى؛ آلة في يد كل من امتدت مطامعه إلى التسلط ~~السياسي وكانت فيه مهارة لاستدرار وحي العواطف بالكلام، ففسد الأمر كله، وناءت عوامل الفساد ~~على الصرح المشيد على عواتق العظماء، فدكته دكا، بل نسفته نسفا. # 3 # لقد مضينا في بحثنا حتى الآن نستورد صورا يروي التاريخ من أمثالها العديد الوافر. أما ~~وقد بلغنا هذا المبلغ، فإنا نتساءل كما يتساءل كل من أخذ من بحث التاريخ بنصيب وضرب فيه بسهم: ~~أي أثر لهذه الصور وأمثالها مما يرويه التاريخ وتخطه لنا أقلام المؤرخين في الكشف عن ~~ظلمات الحاضر، أو البيان عن خبايا المستقبل؟ على أن الظن الغالب ليوحي إلينا بأن الإجابة على ~~هذا السؤال لن تكون إلا بالنظر في بضعة حقائق تاريخية تتناول الحاضر وعلاقته بالماضي ~~والمستقبل؛ لنعرف إلى أي حد تبلغ صور التاريخ من أثر في الكشف عن قضايا الزمان الحاضر ~~ومشاكله، وعن الصور التي تستحيل إليها في المستقبل. # فإن الحاضر عبارة عن صورة متحولة عن الصور التي تشكلت فيها الجماعات الإنسانية خلال ~~الماضي، وليس ms097 المستقبل إلا صورة متحولة عن الصور التي نراها ونلمسها في الزمان الحاضر. # إن «الحاضر» حلقة الوصل بين الماضي والمستقبل؛ ليظل أمامنا سرا عميقا ولغزا وعرا، ما ~~لم نستعن على فهمه وتعرف طبيعته بمعلومات نستمدها من الماضي، فإن أكثر الصور التي استحالت ~~إليها نفسية الجماعات في هذا الزمان ظهورا وأشدها أثرا في حياة الناس، كمعاهد الدين ونظامات ~~القضاء والعسكرية والتعليم المدرسي؛ لتلوح للذين لم ينالوا قسطا من التثقيف وافرا كما تلوح ~~للأطفال والصبية، كأنها نظامات غرست في جوف الزمان، وتغلغلت آساسها في صميم الأزل ~~واللانهاية تغلغل الشمس والكواكب والسيارات، وإن شئت فقل إنها في نظرهم مشاركة للكون الأوسع ~~في نظامه قدما وضربا في أحشاء الدهور. # أما إذا عاد الإنسان إلى «الماضي» وألقى عليه نظرة تأمل، عرف لأول وهلة أن نصيب هذه ~~النظامات من البقاء كنصيب الزمان المنحدر في جوف الأبد انحدار الماء في اليم اللامتناهي، وأن ~~في طبيعتها التغير والزوال، لهذا يلقي في روعنا دائما أن الزمان لا بد في أن ينتابها ~~بالتغير والنشوء، وأن هذه النظامات لن تظل على وتيرة واحدة، بل إن الطبيعة لن تسمح لها ~~بالثبات؛ لأنها كما خرجت في الماضي من أفكار الناس ومشاعرهم وحاجاتهم وتصوراتهم فإنها تزول أو ~~يضعف أثرها بنسبة ما ينتاب أفكار الناس ومشاعرهم وعواطفهم وحاجاتهم وتصوراتهم، وما إلى ذلك، ~~من التغير والاختلاف. # وما التاريخ في حقيقة الواقع بشيء إلا نتاج تلك الملكة العقلية التي تسوقنا إلى تتبع ~~آثار التغايرات التي خضعت لها النظامات الإنسانية منذ أول نشأتها وبدئها إلى الوقت «الحاضر»، ~~وبذلك نستطيع أن ندرك خطرها وموقعها من الفائدة المحققة في حالات الاجتماع الذي تكتنفنا ~~أسبابه. ومن هذه الطريق وحدها يعصمنا التاريخ من المظاهر الخداعة التي قد تسوقنا في طريق ~~الضلال، ومن غير أن نستعين بالتاريخ يستعصي، لا بل يتعذر علينا، أن نقضي بحكم صحيح في ~~النظامات القائمة من حولنا، أهي سائرة في سبيل النماء والقوة، أم متقهقرة إلى حضيض الفساد ~~والانحلال؟ أهي قائمة على نفس الأسباب التي حملت الجماعات على تأسيسها وتشييد ms098 قواعدها، أم ~~أخذت تفقد من سلطانها شيئا بزوال الأسباب التي ساقت إلى تكوينها في «الماضي»؟ # خذ لذلك مثلا كنيسة الكثلكة، فإن سلطانها لا يزال مبسوطا على ربوع أوروبا ونفوذها قائم ~~لم ينقص، كما كان في أشد العصور البابوية إيداعا بالقوة واعتزازا بالسطوة، فكيف إذن نقضي ~~بأن المذهب الكثلكي آخذ بأسباب القوة أو مترد في سبيل الاضمحلال والضعف إذا لم نستعن على ~~ذلك بتتبع تاريخ من كانت تسجد لخزنته الجبابرة والقياصرة العظام، إلى ذلك العهد الذي قامت ~~خلاله في وجهه أعداء أشداء أحاطوا بمعاهده إحاطة السوار بالمعصم، وناءوا على سلطته الزمانية ~~بقوة السلاح فلم يتركوه إلا بعد أن انتزعوا منه آخر ما كان من السلطات السياسية؟ ثم ارجع إلى ~~نظام الملوكية تجده لا يزال قائما بكل ما كان له في الماضي من مظاهر الأبهة والعظمة، ~~وبقليل مما كان له من أثر في الحكم. فإذا أردنا أن نعرف إن كان هذا النظام لا يزال على ما كان ~~من قوة وسطوة، أم أنه آخذ في سبيل الزوال؛ وجب علينا أن نرجع إلى تاريخه مذ قبض الملوك على ~~أعنة السلطة يحكمون بمقتضى إرادتهم ووحي وجدانهم، إلى الزمان الذي أخذت تنتزع فيه ~~امتيازات الملوك درجة بعد درجة وحالا بعد حال، حتى أصبح نظام الملوكية عبارة عن أسطورة ~~قديمة تروى أخبارها في بعض البقاع، وعن رمز يدل على آثار الماضي في بقاع أخر. # وكذلك الحال إذا رجعت إلى نظام الأرستقراطية، فإن الأرستقراطيين، النبلاء ورثة الشرف ~~القديم والمجد المؤثل، لا يزالون في هذا العصر قابضين على الكثير مما كان لهم في الماضي من ~~أثر في المجتمع والثروة والمجد الكبير، ولا يزالون يكونون عصبة مستقلة الرأي في النظام ~~الحكومي في بعض الأمم. على أننا لا نستطيع أن نعرف حقيقة موقفهم على الوجه الأكمل ما لم نرجع ~~إلى العصور الماضية، ونرى النبلاء يشاركون الملوك في عروشهم، والأمراء في سطوتهم ومجدهم، ثم ~~نراهم في العصر الحاضر يغضون الطرف عن كثير مما كان لهم؛ لئلا تغمرهم موجة الجماهير فتبتلعهم ~~في جوفها ms099 العميق. # ثم تأمل في عصرنا الحاضر، عصر الحرية المحمية بالسلام، المستندة إلى قوة الحديد والنار، ~~وأجل طرفك في القارات الخمس لتجد ألسنة اللهيب كامنة في جوف المدافع، والأفق يلمع بأسنة ~~الحراب، والرحب على سعته يكاد يضيق بوحدات الجيوش وفيالقها التي لم يعهد لها التاريخ مثيلا. ~~فكيف تعرف إن كانت العسكرية في الزمان «الحاضر» لا تزال آخذة في أسباب النماء والحياة، أم ~~راجعة إلى الانحلال والفساد، إلا إذا استعانت على تفهم ذلك بتتبع تاريخها منذ نشأتها إلى ~~العصر الحاضر. # ولنرجع إلى الجماعات، فإنا إذا نظرنا فيها خيل إلينا أن الناس لا يزالون مستنيمين إلى ~~عادات الخضوع والذلة، وأن الظاهر من أمرهم أنهم إلى الاستكانة أقرب منهم إلى العمل على نيل ~~حرياتهم. ولكننا إذا عدنا إلى التاريخ وتتبعنا أثر التطور الاجتماعي مذ سيقت الجماعات سوق ~~البهائم لتقدم قربانا على مذبح المسلطين عليهم، إلى اليوم الذي كسر فيه الناس قيودهم ~~ووطئوا بأقدامهم رقاب المستبدين؛ استبنا حقيقة ما يعني الكتاب بالديمقراطية، ومقدار ما ~~جنى الناس من خير في العصر الديمقراطي الحديث. ~~••• # وهكذا نجد أن التاريخ إذ يزودنا بمقدمات نتخذها قاعدة للتأمل والمقارنة، وإذ يوجه ~~انتباه الباحثين إلى كثير من دقائق الحياة الإنسانية؛ يساعدنا على تفهم حقائق الأشياء ~~المحيطة بنا بما هي عليه، ويوقفنا على الكثير من أوجه الخطر والشأن فيها، ويوجهنا إلى الناحية ~~التي نطمع فيها بالنفع والسلام. كذلك لا يقتصر أثره على الإبانة عما يحوطنا من الحالات في ~~زمان «حاضر» لا غير، بل يعضدنا على وجه التعميم، لا على وجه التخصيص في أن نكون فكرة عامة، ~~وأن نتصور إلماما ما سوف يكون من أمر تلك الحالات في المستقبل. # هذه النظرية تخرجنا من حدود الجبر إلى حدود الإرادة الحرة في تصريف أمور الاجتماع، فإن ~~هنالك فئة من المؤرخين يعتقدون أن كل ما يرويه التاريخ من حوادث، وأن كل ما خرج به الإنسان من ~~نظامات ومعاهد وشرائع؛ ليست في الواقع إلا تنفيذا لإرادة سبقت فيها منذ الأزل، وحقت عليها ~~كلمة الغيب أن تكون ما كانت، ms100 وأن تبقى كما هي كائنة، وأن تظل كما ستكون. # أما إذا مضينا على هذا الاعتقاد قانعين بأن التاريخ أزلي النشأة أبدي البقاء على حالة ~~ما، وأنه خاضع لإرادة الغيب، مصرفة أموره وحوادثه على مقتضى نواميس الكون الطبيعية التي لا ~~تتبدل مقدماتها ولا نتائجها؛ فإن من الظاهر الجلي أننا إذا تتبعنا آثار النظامات الاجتماعية ~~منذ نشأتها حتى اليوم، ثم أخذنا نمد سلطانها وأثرها الذي نلحظه في الحاضر إلى لا نهاية، على ~~فرض أنها أبدية البقاء ثابتة التأثير على حالة واحدة؛ كان في مستطاعنا أن نعرف مقدار ما سوف ~~يكون أثرها ومنزلتها في المستقبل قياسا على أثرها ومنزلتها في الماضي، فنقضي على ما نراه ~~آخذا في النماء بأنه باق إلى أجل ما، ونقضي على ما نلحظ أن دبيب الفساد قد أخذ يدب فيه بأنه ~~زائل لا بقاء له؛ فنمحو من صفحة الوجود نظامات، ونقدر لأخرى البقاء إلى أبعد عصور المستقبل ~~المجهول. كل هذا قضاء لفكرة ثابتة بأن العوامل المؤثرة في التاريخ كالعوامل المؤثرة في سطح ~~الأرض؛ فنحكم بالاتساق في حالات الاجتماع حكم الجيولوجيين بالاتساق في المؤثرات التي تنتاب ~~الأرض، على بعد ما بين الحالتين من الخلف والتباين، وكأن هؤلاء القوم قد عناهم الشاعر ~~العربي بقوله: # يقفون والفلك المحرك دائر # ويقدرون فتضحك الأقدار # على هذه الفكرة مضت فئة من الباحثين مقتنعين بأن التاريخ كسجل للماضي يمكن أن يلقي بشيء ~~من النور على خبايا الحاضر والمستقبل، على وجه التخصيص لا على وجه التعميم. ولكن قليلا من ~~البحث والتأمل ليدل على أن التاريخ في حين أنه يزودنا بما نقف به على حقيقة المرتكز الذي ~~يرتكز عليه «الحاضر»؛ فإنه لا يفسر لنا مغمضاته ولا يبين لنا عن حقيقة مشكلاته، وإنه إذ ~~يساعدنا على الإلمام بشيء نتوقع به حدوث حالات ما في «المستقبل»، فإنه لن يزودنا بما نستطيع ~~به أن نقبض على زمام حادثاته، أو أن نوجهها في المتجه الذي نريد لأنفسنا أو لغيرنا. # ولقد ثبت لدينا من قبل أن التاريخ يفصح لنا عن حقيقة النظامات القائمة ms101 من حولنا بأن يرجع ~~إلى أصلها ومنشئها الذي نشأت منه، ويتقصى الأدوار التي مرت بها وأوجه التطور التي طرأت ~~عليها، حتى يسلم بها إلى «الحاضر» كما نراها ونعهدها. بيد أن تلك النظامات إذ هي بذاتها ~~معدومة الأثر الذاتي ؛ لأن نفعها أو ضررها مقيس دائما بنسبة ما تؤثر في رفاهية الإنسان، ~~لذلك يتعذر علينا أن نوجه خطى النشوء التي تخطوها الجماعات في سبيل الخير والسلام، ما لم نعرف ~~مقدار الأثر المباشر الذي يلحق المجتمع من قيام تلك النظامات، وما هي ماهيتها في التأثير في ~~عقول الناس الخاضعين لها وسلطانها على أخلاقهم ومشاعرهم وتصوراتهم. # ولا ينكرن أحد أن لتلك النظامات أثرا ما، سواء أكان خيرا أم شرا، وأن لبعضها القدرة ~~على تنوير الأذهان وتحريك الفكر نحو المعقولات، كما أن لبعضها الأثر الأول في خلق روح الجمود ~~وقتل ملكة التفكير والحكم على الأشياء حكما مستقلا. وكذلك لا ينكر باحث أن الغرض الذي يرمي ~~إليه السياسيون مقصور على العمل على إحياء بعض النظامات الاجتماعية والأخذ بيدها، والسعي في ~~تهديم البعض الآخر والذهاب بآثاره. غير أن السياسي إن أراد أن يتبع في عمله طريق الحق ~~والصواب، وجب عليه أن يعرف بداءة ذي بدء ما هي تلك الآثار التي تخلفها النظامات المختلفة في ~~الجماعات كما يجب على الطبيب أن يعرف أثر ما يصف من دواء في بناء الأجسام من قبل أن ينصح ~~للمريض به، فليس إذن ما نحتاج إليه هو معرفة الكيفية التي بلغت بها النظامات إلى الحالة التي ~~نراها عليها، بل إن ما نحتاج إليه هو معرفة الآثار التى تنشأ عنها فى الحالات القائمة من ~~حولنا، إنا لا نحتاج إلى التاريخ بمعناه المعروف، بل نحتاج إلى سبيل ينفذ به بصرنا إلى أعماق ~~«الحاضر»؛ إذ أية فائدة نجنيها وأي نفع نرقبه من معرفتنا تاريخ الرق وكيف نشأ وانتشر ~~وكيف ضعف وزال أثره في أية بقعة من بقاع الأرض وخلال أي زمن من أزمان التاريخ؟ في حين أن ما ~~نريد أن نعرف ماهيته هي آثاره المباشرة الدائمة ms102 على طبيعة الإنسان الأدبية في مختلف الأمم ~~وعلى تتالي الأجيال، أو ماذا يعود علينا من نفع إذا نحن عرفنا تاريخ ذيوع اليهودية أو ~~المسيحية أو الإسلام، والأطوار التي مرت بها العقائد العظمى حتى ثبتت أصولها بين الأمم التي ~~تدين بها. بيد أن وجه الفائدة الصحيحة محصورة في معرفة الآثار التي خلفتها تلك العقائد ~~في الأمم التي دانت بها وخضعت لسلطانها، أية فائدة في أن نعرف تاريخ الجلاد بين ~~الأرستقراطية والديمقراطية إذا جهلنا معه معرفة تاريخ حقيقة الأثر الذي يبعثه كل من ~~النظامين في روح الجماعات ومقدار أثر كليهما في أخلاق الناس ومشاعرهم وحياتهم العامة؟ من هنا ~~يتضح لنا أننا إذا تعذر علينا معرفة الآثار التي تتركها النظامات في حالات المجتمع، ماديا ~~وعلميا وأدبيا وأخلاقيا، استعصى علينا أن نقود خطوات الجماعات في المستقبل في سبيل ~~الأمن والسلام. # أما إذا أردنا أن نفقه حقيقة المؤثرات الطافية على وجه الحياة في زمان ما، انبغى لنا أن ~~نتقصى الفكرات والعواطف والمعتقدات السارية في روع الناس في «الحاضر»، وما تلك الأشياء، أي ~~الفكرات والعواطف والمعتقدات في حياة الجماهير، إلا النتاج المباشر لصور الدين والمذاهب ~~والحكومات التي يعيشون خاضعين لسلطانها وسيطرتها، وإن شئت فقل لنظاماتهم العامة، ولا خفاء أن ~~الصفات الأدبية والعقلية الخاصة بأمة من الأمم ليست في الواقع بشيء سوى مجموعة الآثار التي ~~تخلقها النظامات المختلفة. ومع كل هذا، فإننا لا نستطيع أن نفقه الحالات القائمة في حياة ~~جماعة من الجماعات أو أمة من الأمم، قبل أن نفرق بين الآثار المخلفة عن كل من النظامات ~~القائمة فيها، والتي نعتقد بحق أنها قسم من طبيعتها الكامنة في تضاعيف فطرتها. # 4 # إن التاريخ كرواية للماضي لا يمكن أن يزودنا بما نفصح به عن مشكلات «الحاضر»، ولا ~~يمكننا من اكتناه خفايا المستقبل، ذلك لأن الإفصاح عن «الحاضر» والتغلل في ثناياه والإرشاد ~~عن المستقبل لا يتيسر إلا باستجماع ضروب من المعرفة النظامية اليقينية في تأثير النظامات ~~العامة على الحياة الإنسانية. # غير أنه لا يجب أن نغفل عن أن استجماع ms103 ضروب من المعرفة النظامية اليقينية في تأثير ~~النظامات على الحياة الإنسانية وعلى الأخلاق؛ ينتج علما غير التاريخ، ينتج علم السياسة، وعلم ~~السياسة علم أهمل النظر فيه إهمالا كبيرا، حتى إنك لا تجد من علم يدعى بحق علم سياسة ~~الأمم . وكل ما في علم السياسة، على ما هو اليوم، من حق، عبارة عن بضع نظريات وضعها فلاسفة من ~~أهل النظر في فترات من الأزمان، تتباعد بمقدار تباعد علم السياسة عن أن ينال من النظام ~~الاجتماعي بأثر صحيح في العصر الحاضر. والحق أن علم السياسة يقع في جو فاصل بين علمين: علم ~~الجماعات العام، أي علم الاجتماع من جهة، وبين علم حكم الشعوب العملي من جهة أخرى. # إن وظيفة علم الاجتماع على ما حددها الاجتماعيون تنحصر في الإفسار عن حقيقة الانقلابات ~~الاجتماعية، مطبقة على سنة ما من سنن الكون، كسنة النشوء مثلا، وهي سنة عامة، ومن أجل أنها ~~عامة تعجز دائما عن إرشاد الأمم إلى خير سبيل يسلك إلى الصلاح والتقدم من الوجهة العملية ~~الصرفة. # كذلك تجد أن العلاقة بين سنة النشوء وبين علم السياسة كالعلاقة بين علم الحياة العام ~~وبين علم الطب، فإن علم الحياة في حين أنه يكشف عن قوانين الحياة الخاصة بكل الكائنات العضوية ~~يعجز عن أن يعالج التغيرات المرضية التي تنتاب الجسم الحي، وهذه هي الحال في علم الاجتماع، ~~فإنه بينما يكشف عن السنن الطبيعية التي تخضع لها الجماعات، يعجز عن أن يزودنا بما نستطيع به ~~أن نرشد جماعة ما من الجماعات إلى سبيل الخير والصلاح. # إن علم الاجتماع ليس من طبيعته أن ينصرف إلى معرفة الرغبات والشهوات الخفية، ولا المصالح ~~المادية، ولا المعتقدات التي يجب أن تصبح موحدة الأطراف مسوقة في طريق واحد، قبل أن تتمكن ~~أية جماعة من أن تخطو إلى درجة أعلى من درجات الارتقاء. بل على العكس من ذلك تجد أن علم ~~الاجتماع طالما يلقي في روعنا أن وراء الظواهر الاجتماعية المشاهدة تكمن يد القضاء والقدر، ~~مؤثرة خلال الدهور متخذة من الذوات البشرية ألاعيب ms104 مفقودة الإرادة مستنيمة لحكم ~~الغيب. # أما إذا رجعت إلى حكم الشعوب العملي، فإنك تجده عبارة عن صورة من صور التدجيل والخداع ~~البعيد عن حكم الفلسفة والآداب، وأنه من قصر النظر وضعف الإدراك بحيث لا يمكن أن يتخذ ~~كوسيلة من وسائل الإرشاد عن المستقبل، وأكبر دليل على ذلك أن وجهة نظره محصورة في البحث وراء ~~مصالح فئة خاصة من الناس والوقوع على ما يسد مطامعها ويرضي شهواتها وينقع غلة تعطشها ~~إلى الحطام ويهدئ ثورة عدائها لبقية الفئات التي تتكون منها الجماعة التي تحكمها، وأن هذه ~~الفئة المختارة تنزع دائما إلى أن تقيس قوتها وعظمتها بمقدار ما تستطيع أن تخرج من قوانين ~~ونظامات ترضي أكبر قسم من مصالحها الدنيوية. # من أجل هذا تجد أن الفرق بين علم السياسة الإثباتي - على أنه لم يوجد بعد - وبين قواعد ~~حكم الشعوب العملي على الطريقة الشائعة، كالفرق بين علم الطب الصحيح الذي يبحث في خصائص القوى ~~الحيوية والأعضاء التي يتكون منها الكائن الحي ومنافعها وعلاقاتها ووظائفها الفيزيولوجية، ~~وبين طب الرقى والتمائم والتعاويذ؛ منشأ الأول العلم اليقيني الثابت، ومنشأ الثاني الجهل ~~والحدس والضرب في مجالي الظنون، واستخدام أضعف ناحية من نواحي النفس الإنسانية في سبيل ~~النفع الذاتي الموقوت. # من هنا تأتي ضرورة علم السياسة، على أن يحصر همه في البحث وراء تأثير العقائد والنظامات ~~وصور الحكومات على سعادة الإنسان، وأن يثقف عقلية الشعوب تثقيفا يستغله في المستقبل رجال ~~السياسة العملية بأن يولوا الشعوب وجهة ترضى عنها تلك الآمال التي تجيش بها صدور ~~المصلحين. # على أننا إذا نظرنا نظرة نقد وتحليل وجدنا أن النظامات المدنية ليست إلا نتاج تلك الأفكار ~~التي تخرجها رءوس الناس، والانفعالات التي تفيض بها مشاعرهم، كما أن الفكرات والعواطف ~~والانفعالات في أكثر أمرها ليست سوى نتاج ما تغرس النظامات في طبائع الناس من صفات، لهذا قد ~~يعترض معترض بأننا إذا نظرنا في تأثير النظامات على الجماعات من غير أن ننظر في تأثير ~~الجماعات على النظامات، فإنما نتورط في أمر لا مفر معه من أن ms105 ندلف بقدمنا في منحى من التفكير ~~ناقص غير ذي أسلوب، فيه من الضبط والدقة ما تتطلب عويص تلك المسائل التي نعكف على النظر ~~فيها. # غير أن نظرة تأمل غير مكدودة بالتقاليد ولا معنتة بالعكوف على الفروض، لتعرفنا أن ~~دراسة تأثير النظامات على الجماعات أمر يتناوله العلم والبحث الاختباري، في حين أن تأثير ~~الإنسان والجماعات على النظامات أمر طالما أفلت من يد النظر العلمي، بل إن شئت فقل بحق إنه ~~أمر لن يخضع لروح العلم الحديث. وفي الحق أننا نستطيع أن نبحث عمليا تأثير نوابغ الأزمان ~~الماضية على النظامات، ونستطيع أن نعرف تأثير بوذا ويوليوس قيصر ولوثر وكلفن وروسو وفولتير ~~وكوندورسيه على نظامات الأزمان التي تقدمتهم والتي ولدوا ونشئوا تحت سلطانها. غير أنه ~~ليس من الحق في شيء أن ندعي كشف حجب الغيب عن الزمان الذي سوف يظهر فيه نابغة العصر المقبل، ~~أو نتقصى صور النظامات التي سوف يولد خاضعا لسلطانها وسلطتها، أو نعرف إلى أي حد سوف ~~يذهب نبوغه في التأثير عليها والتحوير في قواعدها، ومبلغ معرفتنا بذلك لا يعدو مبلغ ~~تكهننا عن الزمان الذي سوف يقع فيه أي استكشاف علمي قبل أن توفق الأفهام إلى الوصول ~~إليه، لهذا نقول بأن تأثير النوابغ ذوي العبقرية على المستقبل لن يعرف ولن يمكن التكهن به، ~~ذلك من الأشياء التي سوف تظل متروكة لمشيئة الأقدار. # نخلص من مجمل هذا بنتيجة واحدة، هي أن تأثير نوابغ الأزمان الفارطة على النظامات يمكن أن ~~تتبع آثاره، في حين أن تأثير نوابغ المستقبل على نظامات الأزمان المنتظرة لن يعرف ولن ~~يمكن التكهن به، لهذا نقول ونقول بحق: إن النظر في تأثير النظامات على الإنسان أو تأثير ~~الإنسان على النظامات، حتى ولو كان ممكنا، لن يحبونا بنعمة الاستعماق في تعرف حقيقة ~~الحاضر أو يكشف لنا الأستار عن خبايا المستقبل. ~~••• # إن التاريخ كرواية للماضي لن يزودنا بتلك الصفات التي نستطيع بها أن نستعمق من طريق ~~السياسة إلى النظر في مشكلات الحاضر نظرا يكشف لنا عن حقيقة ما يكمن وراء ms106 تلك المشكلات من ~~الحق البين، ولن يولد فينا تلك الكفاءة التي يتيسر لنا من طريقها أن نحدس عن المستقبل، ~~لهذا نرجع إلى النظر فيما يمكن أن يفيدنا التاريخ كذوات حية عاقلة تتناوب من حولها دورات ~~الليل والنهار مشحونة بشيء من المفاجآت وضروب الحوادث. # إن للحياة في نظر الأحياء العاقلة قيمة توزن عادة بموازين تختلف باختلاف النظر في حقيقة ~~الحياة وما يجب أن تتجه فيه من السبل المشعبة، لهذا تجد أن كل من نظر في الفلسفة قد وضع ~~للحياة قاعدة يعتقد بحق أو بغير حق أنها الغاية من الحياة، فقال كارليل: إن اختيار المثل ~~التي تجري عليها الرغبات في هذه الحياة هي أعظم خطوة يخطوها الإنسان في حياته. وقال ماتيو ~~أرنولد: إن الأخلاق ثلاثة أرباع ما في الحياة من قيمة. وقال جوته: إن الحياة هي العمل لا ~~التأمل. ولا مشاحة مطلقا في أن الفلسفة لن تصل إلى أرقى مما وضع هؤلاء، فإن سبيل كل منهم ~~لكاف وحده إن اتبعه الناس لإرشاد الإنسانية، فهل يمكن للتاريخ أن يزودنا بكفاية نستطيع من ~~طريقها أن نصل بالإنسانية إلى ما يرغب فيه الفيلسوف من النتائج؟ # إذا بحثنا التاريخ بحث نقد واستقلال في الفكر، نجد أنه إن استطاع أن ينبه كامن العواطف ~~والانفعالات فإنه قد عجز دائما عن أن يوجه التصور إلى الناحية التي يختار فيها المثل التي ~~يمكن أن يجري عليها الإنسان في الحياة آمنا أو أن يوازن بين مجموعة صور الأخلاق ليتخذ منها ~~الأصلح ليتبعه الإنسان، كما أنه قد عجز عن توجيه الفكر نحو البحث وراء أمثل الأعمال التي ~~يمكن أن يتخذها الإنسان في الحياة سببا. # لن نستطيع أن ننكر أن التاريخ يعطينا من مثل العظماء الذين وقفوا حياتهم في سبيل خير ~~الإنسانية، قوة نستقوي بها على ما في طبائعنا وأخلاقنا من نقص، وأن نقوم بها اعوجاج النفس ~~ومرض الضمائر. غير أن الماضي ليس برمته رواية متصلة من أولئك النوابغ العظماء الذين ~~سعوا إلى خير الإنسانية! ليس برمته مسرحا لضروب الشجاعة والبطولة! فإن المثل ms107 التي ~~ينقلها لنا التاريخ عن الماضي قد تكون أحيانا أرقى المثل وأفعلها في تقويم الأخلاق وقد ~~تكون أحيانا مثلا ساقطة مسفة، والتاريخ يضطر في كثير من الأحيان أن لا يعكف على ~~مثل الفضيلة وحدها، بل غالب ما يصور لمخيلاتنا كثيرا من صور القوة القاهرة والاستبداد ~~المفجع. والنتيجة أن إعجاب الناس ينقسم دائما بين حب القوة وحب الفضيلة، وكثيرا ما ينزع ~~الناس إلى الإعجاب بالقوة دون الإعجاب بالفضائل، لطبع مؤصل في تضاعيف فطرتهم. # فإذا كان عجز التاريخ عن توجيه تصوراتنا إلى اختيار المثل على ما رأيت، فالأولى أن ~~يكون عجزه عن إرشادنا في الحاضر أو المستقبل أبلغ وأعمق، وأنه لن يرسل إلينا من الماضي خيوطا ~~مضيئة شفافة تكشف لنا عن الحاضر وتميط لنا الحجب عن المستقبل، بل إن ما يرسل من خيوط ~~النور لترى كليلة واهنة، متخالطة مضللة. # كذلك نستطيع أن نقول بحق: إن التاريخ لن يرشدنا في مجال العمل. فإذا أخذنا الحياة على ~~أنها العمل، وليست سلب الزخرف ولا جدب التأمل، فمن أية ناحية يمكن لحوادث الأزمان القديمة، ~~أو لصور البطولة التي تظهر في الأزمان الحديثة على صفحات التاريخ، ولو كانت فاضلة بحق؛ أن ~~تفعل الوجداني؟ أنا الكائن المفكر الذي تحيط به مجموعة من المشكلات والمسائل مختلفة تمام ~~الاختلاف عما أحاط بهم، تلك المشكلات التي هي بحكم تطور الأزمان وتباين الظروف لا بد من أن ~~تكون بلا مثيل لها في التاريخ. ~~(3) التاريخ من الوجهة الفلسفية # 1 # تكلمنا من قبل في التاريخ باعتباره تدوينا ورواية للحقائق، غير أن قليلا من التأمل ~~يجعلنا نعتقد بأن التاريخ شيء أكثر من مجرد التدوين والرواية، فإن فيما كتب كثير من المؤرخين ~~أمثال غيبون وماكولي وهيوم وجروت وكارليل كثيرا من التأملات الفلسفية تتعارض في خيوط الشبكة ~~التاريخية التي تحاك عادة من حوادث تروى ووقائع تقص وتدون، وتكون مهمة المؤرخ في هذه ~~الحالة محصورة في أن يقع على البواعث والأسباب والقواسر التي يستطيع بها أن يعلل حقائق ~~التاريخ التي يتكلم فيها، بحيث يخرج منها بصورة فيها ألفة ms108 واتساق. فإذا شعرنا بأن البواعث ~~والأسباب التي يعينها المؤرخ ليعلل بها الحوادث قد استمدت من طبيعة الحالات التي قامت في ~~العصر الذي يؤرخ فيه، ومن أخلاق الناس الذين يكونون بأعمالهم وقائع ذلك العصر؛ فإذ ذاك نقول ~~بأن المؤرخ قد نجح في تزويدنا بصورة حقيقية عن العصر الذي يدون حوادثه، وإذا أخفق في الأولى ~~أخفق بالضرورة في الثانية. أو بعبارة أخرى: إن الأسباب التي تعين لتعليل الحوادث إذا لم تكن ~~ثابتة الأثر في الماضي ثبوت أثرها في الحاضر، أي إنها تؤدي في الحاضر إلى ذات الحوادث التي ~~أدت إليها في الماضي؛ فإننا نشك دائما في حقيقة التعليل التاريخي، فقد عمد العلامة غيبون ~~في أحد فصول تاريخه المعروف إلى إحصاء الأسباب التي رآها أعمق أثرا من غيرها في نشر المسيحية ~~في القرون الأولى، فإذا أردنا أن نقيس مقدار ما في تعليلات غيبون من قوة وثبات، عمدنا إلى ~~التساؤل عما إذا كانت مثل الأسباب التي ذكرها يمكن أن تحدث الآن (في الحاضر) نفس النتائج ~~التي عزاها إليها غيبون في الماضي؟ ولا جرم يكون قبولنا أو رفضنا لتعليلاته راجعا إلى ~~حكمنا الناتج عن هذا السؤال. # على هذا نرى أن التاريخ بدلا من أن يعلل لنا «الحاضر» يستمد كل ما فيه من قوة البيان ~~والتعليل من الحاضر نفسه، أو بعبارة أخرى نقول: إن التاريخ بدلا من أن يكون المنارة التي ~~تبعث بالضياء الذي ينير لنا سبل «الحاضر» وتعلل لنا أسبابه وتبين لنا عن نتائج ما يقع فيه، ~~نجد أن «الحاضر» هو بذاته تلك المنارة، وأن التاريخ ليس أكثر من أمثال تضرب وتعليقات تروى. ~~ولقد جهل كثير من المؤرخين هذا المبدأ التفسيري وعموا عنه، فكان ذلك سببا في أخطاء وقعوا ~~فيها وأغلاط تردوا في حمأتها، ولو أنهم فطنوا له لكانوا من أكبر مؤرخي العصور ~~الحديثة. # غير أن لنا أن نتساءل: كيف يمكننا أن نفسر الماضي بالنظر في الحاضر، إذا لم يكن لدينا من ~~النظامات الحاضرة ما يناظر نظامات العصور الماضية، فليس في أوروبا اليوم وكثير من ms109 بقاع الشرق ~~أرقاء مستعبدون؟ فكيف يمكننا أن نفقه حال الجماعة التي شاع فيها استخدام الأرقاء ~~وكانوا عنصرا أوليا من عناصرها المكونة لها، ما دمنا لا نقع في أطراف الدنيا المتمدينة ~~على مثل لهذه الصورة الاجتماعية؟ أما الحوادث فتنحصر في «قتاس النظائر»، أي بالنظر في ماهية ~~العلاقة التي قامت بين السيد والعبد، فبين السيد المخدوم في عصور المدنية الحديثة وبين الخادم ~~تقوم ذات العلاقة التي قامت بين الرقيق وبين المسترق في عصور الحكم الإقطاعي. فإذا ~~استطعنا مثلا أن نحقق طبيعة هذه العلاقات وتفاصيلها، وتطرقنا بعض الشيء في إحكام الصلة بين ~~سيد آمر مطاع وخادم مأمور مجبور على أن يطيع، ثم أمعنا بعد ذلك في إحكام هذه العلاقة ~~ليكون أساسها سلطة مطلقة ينعم بها سيد وخضوع مطلق يلزم به عبد، كما كان شأن الأسياد ~~مع عبيدهم في العصور الأولى؛ استطعنا أن نعثر في «الحاضر» على الحل التاريخي الذي يفسر لنا ~~الماضي. # لقد اتبع شكسبير هذه الطريقة المثلى، طريقة تعليل الماضي بالحاضر، في كتابة دراماته ~~الكبرى التي نال بها ذلك النجاح الباهر، وبلغ بها ذروة من الشهرة وبعد الصيت لم يبلغها ~~بعد إنسان غيره. فكان إذا أراد أن يبرز لنا صورة من الصور التي قامت في العصر الروماني ~~مثلا، عمد إلى «بلوطرخوس» وغيره من مؤرخي ذلك العصر يستمد منهم الحقائق التاريخية الكبرى، ~~ويستوعب منهم شكل الحكومة وقوام الدين وتوزيع القوة والسلطة في بناء الهيئة الاجتماعية، ويأخذ ~~من مجموع هذه الأشياء هيكله الأولي الذي يبعث فيه الحياة والنشاط! ويخرجه من خيال الماضي ~~ليكون حقيقة واقعة. أما الطريقة التي اتبعها فانحصرت في أنه كان يدرس طبيعة العصر الذي عاش ~~فيه، ويلاحظ تأثير النظامات والمعاهد الاجتماعية التي قامت من حوله وأثرت في عقول الناس وفي ~~عقليته على الأخص؛ مما يفسح لتفكيره مجال الاستيثاق من مقدار الفروق التي تقوم بين عادات ~~عصره وأسلوب الحياة فيه والصور السياسية والدينية التي يصطبغ بها، وبين ما يناظرها في الأزمان ~~الأولى، فتكون النتيجة أن يخرج بدراما أو عدة درامات أكثر قربا ms110 من الحقيقة وأشد حيوية، بل ~~أكثر صدقا وأقرب تصديقا، بل يفوز بخلق صورة من الحياة الرومانية أعظم وأمتع من كل تلك ~~السخافات الممضة التي زودنا بها المؤرخون. والحقيقة أن شكسبير قد عمد إلى أمثل الطرق ~~وأدرك من الحياة مبدأ لم يدركه غيره، أدرك من التاريخ، وهو رواية الحياة الإنسانية، ما لم ~~يدركه غيره من المؤرخين وأصحاب الرواية، فبدلا من أن يتخذ التاريخ هاديا ينير لنا سبيل ~~«الحاضر»، عمد إلى مبدأ أن «الحاضر» هو النبراس الوحيد الذي يمكننا، إذا اهتدينا بنوره، من ~~أن نحيي عظام الماضي الرميمة، وفي هذا وحده تنحصر عظمة شكسبير. # 2 # هنالك عدد من الأحكام العامة يخيل إلى الناس أنها من الحقائق التاريخية أو بالأحرى أنها ~~نتاج للبحث التاريخي العميق، ولقد أصبح لهذه التعميمات سلطة سحرية غريبة تستغوي الناس، بعيدة ~~جهد البعد عما لهذه التعميمات من قيمة حقيقية. من هذه التعاليم التاريخية، كما يتطرف البعض في ~~القول، ذلك الزعم الفاسد الذي يوحي إلينا بأن الانغماس في الترف هو السبب في انحلال الدول، ~~وأن الإفراط في الديمقراطية ينتهي بقيام الحكومات المستبدة، وأن أول نفس يستشمه الناس من ~~الحرية يزيد الامتعاض والتبرم بدلا من أن يطفئ أوارهما. ومهما يكن من أمر هذه التعميمات ~~وما فيها من صواب أو خطأ، فالواقع أن ليس فيها من تعاليم التاريخ أي أثر؛ فإننا إنما نعتقد ~~أن الترف هو مقدمة الانحلال والفساد، لا لأن التاريخ يؤيد هذه النتيجة بل لأننا نرى ~~«اليوم» أن الترف يؤدي إلى الأنانية وحب التسلط لذاته وإلى التخنث، وأن هذه الأشياء ~~تحل عروة العقدة الاجتماعية التي لا يمكن تكون أمة بغيرها. ونرى أن التطرف في ~~الديمقراطية إنما يؤدي إلى الاستبداد، لا لأن عددا من الوقائع التاريخية يؤيد هذه الحقيقة، ~~بل لأننا نرى أن التطرف ينتج الفوضى وعدم النظام، وأن من عدم النظام لا ينتج نظام إلا بيد ~~قوية قاهرة تنحصر في شخص معين وتتركز فيه. # وليس في مستطاعنا بطبيعة الحال أن نأتي على ملاحظات عديدة على قدر ما نرغب، نبين بها ms111 أوجه ~~العلاقة بين سقوط الدول وبين مقدمات السقوط السياسية، فليس في طبيعة الأشياء الإنسانية أن ~~تسقط أمامنا كل يوم إمبراطورية كبيرة أو دولة عظمى وتتحطم إلى الحضيض؛ لتكون بمثابة مختبر ~~عملي نستخدمه لاستخلاص استقراءاتنا السياسية، لهذا نضطر إلى أن نعود إلى الماضي لنستخلص منه ~~أمثال هذه النتائج التاريخية، فتحل لدينا محل المشاهدة المباشرة، وتقوم لدينا المثل المادي، ~~وتقوى فينا متجهاتنا وميولنا السياسية، وفي هذا الموضع فقط يفيدنا التاريخ، فليس من شأن ~~التاريخ أن يعلمنا شيئا جديدا لم نكن نعرفه، ولكن شأنه الحقيقي ينحصر في أنه يقوي فينا ~~النزعات التي نكون قد كوناها بالفعل من ملاحظاتنا واختباراتنا التي نستمدها من «الحاضر»، ~~أن يزودنا بأمثال نؤيدها منتزعة من الماضي البعيد، إنه يعطينا نفس ذلك الضرب من التحقيق ~~الذي يزودنا به استكشافنا لوقوع كسوف قديم للشمس نعثر عليه بين دفتي كتاب قديم متروك، بعد أن ~~نكون قد عرفنا أن زمان وقوع ذلك الكسوف قد حسبه فلكيو العصر الحاضر على وجه التحقيق. ~~إنما يفعل التاريخ للنوع البشري ما تفعل تجاريب العقول الأخرى للفرد، فإن أكبر جزء من معرفتنا ~~إنما نكتسبه ب «اللقاح» لا بالاختبار المباشر. # إن أكبر قسط مما نعرف إنما ينتقل إلينا من إخباريات موثوق بها يرويها معاصرونا، أو من ~~الكتب التي نقرؤها، أو من شاهدي عيان نؤمن برواياتهم ونصدق مروياتهم. ومع كل هذا فإننا ~~نؤمن بما ينقل إلينا، ونمضي عاملين على مقتضى ما يوحي إلينا به ذلك المنقول، لا لأن السند ~~الذي نتلقى عنه هذه المنقولات معصوم عن الخطأ مبرأ عن الزلل، بل لأن ما ينقل إلينا ~~يتفق مع بقية معتقداتنا الأخرى، أو على الأقل لا ينتهكها ولا يناقضها؛ فإن في مستطاعي أن ~~أعتقد بوقوع حوادث لم أشاهدها، وبارتكاب جرائم لم أرتكبها، لا لأن برهانها لا ينقض، ولا ~~لأن راويها لا يزل ولا يخطئ، ولكن لأنها نتيجة لنزعات وميول أشعر بمثلها قائما بين جوانحي ~~مستمكنا من قرارة نفسي، بل وأراها قائمة فيما يحف بي من ظروف الدنيا وحالاتها، فإني أستطيع ~~مثلا أن ms112 أعتقد أن شخصا قد قتل جاره في فورة من فورات الانفعال ولو لم أشاهد مثل هذا ~~الفعل طول حياتي؛ لأني أقدر أن أعرف إلى أي حد يذهب تأثير الانفعال النفساني إذا هو تمادى غير ~~مصدود باعتبارات نفسية أخرى أرقى منه طبيعة وأنبل ماهية، كذلك الحال في التاريخ، فهو يزود ~~العصر الحاضر بتجاريب القرون الأولى، وبذلك يجعلنا نتحقق من أن النتائج التي وقعت بالفعل هي ~~نفس النتائج التي يجب علينا أن ننتظر وقوعها استتباعا لنزعات نراها قائمة في عصرنا الحاضر. ~~غير أن الاستنتاجات التي نستمدها من تلك التجاريب يجب أن توافق آراءنا ومعتقداتنا، وبالجملة ~~تكون مصدقة لدينا، وإلا فإننا ولا شك نرفضها ولو نزل بها من السماء رسول مبين. وعلى هذا نرى ~~أن ذلك الجزء الدنيء الذي نقتطعه من الأبد السحيق وندعوه «الآن» يوازن كل مرويات التاريخ على ~~عظمتها واتساعها، كما توازن قطرة من الماء، إذا أحكم وضعها، مياه الخضم المتلاطم الأمواج، ~~على سعة رحابه. # 3 # أما القول بأن «التاريخ» إنما يستمد الثقة به من الحاضر، فلا تظهر صحته بأكثر مما تظهر من ~~ترك الناس في الزمان الحاضر لما كانوا يعتقدون به من المعجزات في الأزمان الماضية؛ فإن ~~الروايات التاريخية التي كانت تؤيد الاعتقاد بوقوع المعجزات بالفعل لا تزال قائمة حتى اليوم ~~كما كانت في العصور الوسطى، وهي فوق ذلك معتبرة من «الحقائق» التاريخية الثابتة، فلماذا لا ~~يعتقد الناس بصحتها كما كانوا يعتقدون بها من قبل؟ السبب في ذلك أن التاريخ إنما يستمد كل ما ~~فيه من قوة الكشف عن الحقائق من وقائع العصر الحاضر، وليس من الثقة بأشخاص ينقلون روايات ما ~~مهما كان مبلغ الإيمان بصدقهم، ففي تلك الأيام التي آمن الناس فيها بصحة المعجزات، وبالأحرى ~~في الأيام التي آمن الناس فيها بتدخل قوى الغيب في تصريف حالات هذه الدنيا، كان من الممكن أن ~~يتقبل العقل الإنساني التصديق بوقوع المعجزات تسليما ولأول وهلة، أما اليوم فالمعتقد على ~~أنه ليس لقوى الغيب أن تتدخل في حالات الاجتماع الإنساني، أو غيرها من ms113 حالات هذا العالم، ~~وعلى هذا أصبحت الروايات التي كانت تروى عن وقوع المعجزات، مهما بلغت منزلة الذين يروونها من ~~التبجيل والاحترام، مما لا يمكن تصديقه بمقتضى الحالات القائمة اليوم. أما ذيوع الاعتقاد بأن ~~قوى الغيب كانت تتدخل في تصريف حالات هذا العالم في الأزمان السالفة، فراجع لدى الواقع إلى أن ~~كثيرا من الحوادث التي كانت تحدث في كل وقت وآن لم يكن في المستطاع تعليلها تعليلا طبيعيا ~~يقبله العقل الإنساني، وخضوعا لذلك الناموس المؤصل في تضاعيف الفطرة البشرية نسب الناس ~~وقوع هذه الحوادث إلى إرادات مشابهة لإرادتهم كلما أعوزتهم الحاجة إلى أسباب طبيعية ~~ينسبونها إليها. أما السبب في أننا لا نؤمن اليوم في تدخل قوى الغيب في حالات هذه الدنيا، ~~فراجع إلى الاعتقاد بأن كل الحوادث الكونية مهما كانت صفاتها وضروبها من الممكن أن يتتبع ~~أصلها إلى أسباب طبيعية. # والحال في السحر هي بعينها الحال في المعجزات، فإن البراهين التي كانت تقام في تأييد ~~وجود السحر كانت قوية، حتى إن رجالا ممن اتصفوا بأنهم من زهرة رجال الإنسانية مثل باكون ~~وماتيوهال وسير توماس برون، قد اعتقدوا بصحة السحر اعتقادا جازما. وهؤلاء وغيرهم كثيرون، ~~على الرغم من نفوذ بصائرهم وعلو كعبهم في العلوم والفلسفة، قد رأوا أن البراهين التي تقام ~~لتأييد السحر كافية للاعتقاد بصحته، ولا سبب لهذا إلا أنهم بدءوا يفكرون في موضوع السحر ~~وعقولهم مشحونة شحنا تاما بما يجعلهم أكثر استعدادا لقبول البراهين والتفسيرات التي يذهب ~~إليها المؤمنون بهذه الظاهرة الخرافية، ولقد رأوا وقائع تقع وحوادث تحدث من حولهم كل يوم من ~~غير أن يستطيعوا أن يعللوها إلا بأن يفرضوا وجود ذوات غير مرئية لها إرادة مشابهة لإرادتهم، ~~وهذا في الواقع راجع إلى أن البراهين التي رأوا أنها كافية لأن يقيموا عليها معتقدهم في ~~الماضي لم تصبح كافية لأن تقنعنا اليوم بما اقتنعوا به من قبل. # ولا حاجة بنا لأن نمضي في ضرب الأمثال، فإننا إذا احتجنا إلى دليل آخر يثبت لنا أن ~~التاريخ ليس إلا تذييلا للحاضر وتبريرا ms114 له، بل يجب أن يخضع له الخضوع كله؛ فإنا نقع عليه ~~في تلك الحقيقة الفذة، حقيقة أن المعرفة بفروعها إنما يحكم فيها من وجهة نظر الحاضر وليس من ~~وجهة «الماضي»، فلسنا نحكم اليوم على المذنبات بتلك الوجهة من النظر التي كانت تحمل الناس ~~على الاعتقاد بأن هذه النجوم الضالة إنما ترسل من أذنابها «الوباء والخراب» في كرة الأرض، ~~بل نحكم على آثارها «الماضية» بما نعرف من طبيعتها في «الحاضر»، كذلك لا نعتقد اليوم أن الرعد ~~ناتج عن سوط إسرافيل إذ يسوق السحاب، ولا أن الصواعق نذير من نذر الله. وعلى الجملة نقول بأن ~~كل التفسيرات «الماضية» التي عللت بها حوادث الكون والاجتماع يجب أن تخلي الطريق لما ~~يوحي به «الحاضر»، وبالأحرى نقول بأن «الماضي» يجب أن يترك وينسى ليحل محله «الحاضر». ومن ~~غريب الأمر أن «العلم» في حين أنه يقضي على «الماضي» ويحيي «الحاضر» فإن مقرراته لن يفصل ~~فيها إلا «المستقبل». # 4 # إذا أردنا أن نبلغ ببحث هذا الموضوع قسطا أوفى من الكمال، وجب علينا أن ننظر في التاريخ ~~باعتباره تفسيرا فلسفيا للماضي، وأن نبحث في ما يمكن أن يلقى من ضوء على مشكلات الحاضر ~~والمستقبل. # وكثيرا ما نظر بعض الكتاب والباحثين في التاريخ معتقدين بأن من ماهيته أن يؤيد معتقدات ~~أو مذاهب فكرية. ومما لا ريب فيه أننا إذا رجعنا إلى ذلك العدد العديد من المذاهب التي أيدها ~~التاريخ، ظهر لنا أن في هذا الزعم قسطا من الحق كبيرا. ولقد أشرت من قبل إلى أن تلك ~~النظريات العالمية أو الاجتماعية التي تعتمد في بقائها على الحقائق التاريخية، يكون لها في ~~أذهان الناس قيمة ووزنا أكبر من قيمة تلك النظريات التي تعتمد في البقاء والثبات على النظر ~~الاستقرائي العميق فى ما يحيط بنا من الأشياء. # إذا قرأنا ما كتب كونت وبوكل وسبنسر، وأمعنا النظر فيما ذهبوا إليه من الآراء في ~~تعليلهم حقيقة الارتقاء الاجتماعي؛ يخيل إلينا دائما أن النظريات التي يحاولون إقرارها قد ~~قامت في عقولهم مستمدة من الحقائق التي ms115 يروونها، بنفس السهولة التي نستوعب بها تلك ~~النظريات من كتبهم. وعلى هذا يأخذنا الزهو والإعجاب بما نوهم أننا وهبناه من قوة عقلية ~~تمكننا من أن نحيط، كما يحيط الله، بكل ما قطعت الإنسانية من أشواط التقدم والارتقاء، في نظرة ~~واحدة نلقيها على الصورة الماثلة بين يدينا، في حين أن العين لتبهر وتفقد قوتها على ~~الإبصار، وأن قوة التصور لتنوء بثقل ما يتراكم عليها من حمل التقاليد؛ فيرتد الإنسان كليل ~~البصر، فاقد الحيلة. غير أن العقول الفذة الكبيرة لتدرك بأن النظرية، بدلا من أن تستمد ~~مباشرة من الحقائق استمدادا ذاتيا، قد تكونت في صميم الحقائق ذاتها، وبالأحرى نقول بأن ~~النظرية ليست هي النتيجة الأخيرة التي يخلص بها القارئ بعد طول اطلاعه وإكبابه على القراءة، ~~بل على الضد من ذلك نجد أن القراءة لم تكن في الحقيقة إلا جهدا يبذل في سبيل الوقوع على ~~حقائق تؤيد النظرية، وبدلا من أن تستمد النظرية من سلسلة طويلة من الحقائق التاريخية، نجد ~~أن النظرية إنما تستحدث من مشاهدات محدودة قوامها الرجال، والأشياء التي تحيط بهم. # والنتيجة أن النظرية ليس لها أقل تأثير على الحد الأخير الذي تبلغ إليه الحقائق التي ~~تستمد منها لأول وهلة، على نفس الصورة التي نلحظها في آلة ضخمة كبيرة؛ إذ لا يكون لها من ~~تأثير على المحرك الذي يحركها، وخذ لذلك مثلا من الفيلسوف سبنسر، فإنه يعتقد أن نظريته في ~~النشوء، على الرغم من أنها تظهر للقارئ كأنها قد استمدت مباشرة من الحقائق المفصلة التي ~~سردت لتأييدها؛ كانت في الحقيقة نتاجا مباشرا لمشاهدات وقع عليها العلامة فون باير، ~~محصلها أن العضويات في نمائها الجسماني تنتقل من حال التجانس إلى حال التنافر، وهذه الفكرة ~~التعميمية التي تركزت في كل ذي ألفة واتساق كانت بدورها ذات أثر كبير في عقل سبنسر، حيث ~~استطاع من طريقها أن يضع نظريات جديدة في كثير من فروع العلوم. وما النظرية لدى الحقيقة إلا ~~فكرة تعميمية، تتحدد وتأخذ صورة معينة، ومن ثم تستمد من حقائق العلوم والمعارف الإنسانية ms116 ما ~~يثبت أن هذه النظرية هي «القاعدة» أو «السنة» التي يخضع لها نظام الطبيعة، وهذا أمر طبيعي ~~ما دمنا نعتقد أن حقائق العلم إنما هي حقائق «موضوعية» قد يصح نظرنا فيها اليوم، ثم لا نلبث ~~أن نأخذ في بحثها ثانية في الغد، وإعادة النظر فيما تقوم عليه من القواعد والأسس. ولا جرم ~~أن هذا النظام يظل سائدا ما دام الإنسان ينظر في المفصلات، غير أنه إذا أراد أن يرجع إلى ~~أصل الأشياء ويبحث في منابعها الأصلية ويتساءل «كيف وجدت؟» كما فعل سبنسر في كتبه الكثيرة ~~التي حدثنا فيها عن كيفية نشوء الحياة والأنواع والجهاز العصبي، وكيف حدث ما نسميه الزمان ~~والمكان والإدراك والحواس والجمال والفضائل، وكيف نشأت الجمعيات البشرية والديانات والحكومات؛ ~~كل هذا على قاعدة أن نظرية النشوء هي الأصل الذي ينير لنا سبيل معرفة هذه الأشياء، فإنه إذ ~~يرى أن أصل الأشياء إنما يقع في حيز بعيد عن أن تتناوله مشاهداتنا وأنه مدفون برمته في ثنايا ~~الماضي السحيق، فمن البين أن تفسيراته إنما تنحصر في البيان عن الكيفية التي يمكن أن تنشأ ~~بها الأشياء، إذا صحت نظرية النشوء، لا في البيان عن النمط الحقيقي الذي نشأت به الأشياء، ~~وكذلك الحكم في صحة نظرية النشوء نفسها أو فسادها، فإن ذلك لا يتوقف على مقدار المدى الذي ~~تبلغه في البيان عن الكيفية التي وقعت بها ظاهرات «الماضي»، بقدر ما يتوقف على بيانها عن ~~الظاهرات التي تقع حفافينا في «الحاضر». # 5 # من هنا نرى أن التاريخ، على أي وجه من الوجوه قلبته، لا يستطيع أن يرشدنا عن ~~المستقبل، بل على الضد من ذلك نقرر بأن وقوفنا على حالات «الحاضر» هو الذي يزودنا بقوة نستطيع ~~بها أن نتغلغل إلى طيات الحق الثابت. # فمثلا أية قيمة لتلك المجموعات الضخمة التي جمعها مونتسكيو ليؤيد بها مذهبه في أن ~~الطقس هو السبب الأول الذي يحدث التباين بين الأمم من حيث القوة والنشاط والعادات ونظام ~~الحكم، إذا دلتنا التجاريب والمشاهدات على أن تأثير الطقس، على الرغم في ms117 أنه من المؤثرات ~~التي تكون الظاهرات الاجتماعية، ثانوي صرف؟ # من هنا نعتقد أن التاريخ أولا: فن صرف، ثانيا: أنه لا يرشدنا في المستقبل ولا يكشف لنا ~~عن حقائق الماضي، وأن «الحاضر» وحده هو الذي نستطيع إذا ما وقفنا على وقائعه أن نسترشد به في ~~تفسير التاريخ وفي معرفة شيء مما سوف يجود به المستقبل. # فهل لنا أن يصبح «الحاضر» معبودنا الأعظم كما هو معبود الغرب، فنتبدل من العقلية الشرقية ~~القديمة بعقلية غربية جديدة، تمهد لنا السبيل لكى ننظر نظرة مستقيمة في حقائق الأشياء؟ # 3 # | ماكس نورداو # نظر في الحياة ومثال من آرائه الاجتماعية # 1 # الاستقلال في الرأي صفة نادرة في الناس، وأندر منها أن تقع على آثارها في التراجم التي ~~يترجم بها عن حياة العظماء، فلطالما فنيت شخصيات المترجمين في شخصيات الذين يترجمون عنهم، ~~حتى قال لورد ماكولي كبير نقاد الإنجليز في القرن الفارط: إن الإغراق فى مدح المشاهير مرض ~~اجتماعي لم يخلص منه إلا قليل من الكاتبين، كثر ما ساقت بهم فكرة الاستقلال في الرأي إلى ~~الإغراق في النقد، فأسرفوا فيه، حتى أوقعهم حذرهم من المحاباة في معرة البعد عن الإقساط ~~في القول والإنصاف في الحكم. # على أن ادعاء العصمة، كشأن الادعاء في كل شيء، رذيلة كبرى، وهي أشنع ما يبلغ إليه ~~الإنسان من مدارج الإسفاف والسقوط. # ننبه على ذلك لأننا سنقدم على الكلام في «ماكس نورداو»، وهو رجل ذو شخصية بارزة في عصرنا ~~الحاضر، اختلف الناس فيها اختلافهم في كل شيء، فمن قائل بأنه فيلسوف، ومن زاعم بأنه مصلح ~~اجتماعي، ومن مغال فيه يقول إنه نبي الجيل الحاضر، ومن مسرف في النقد قائل بأنه ليس أكثر من ~~متشائم Pessimist # نظر في العالم من ناحيته السوداء، فطمى ~~عليه سيل الحيرة والفوضى. # إن كل كلمة من هذه الكلمات تدل على أن الرجل قد أنصفه التاريخ. وإن كان كل ما في العالم ~~أثر مما فيه، صح مع ذلك ما قاله العلامة ستيوارت ميل: «لا تطمع أن تنال من الدنيا أكثر مما ms118 ~~في استطاعة الدنيا أن تعطيك.» # والدنيا قد أعطت «نورداو» أكثر ما في استطاعتها أن تعطيه، كالت له المدح وزفت له ~~الثناء، كما أنها لم تبخل عليه بالنقد مكيلا في بطون الأوراق الخالدة. # ومما لا ريبة فيه أن الحكم على الآثار العقلية بنسبة زمان واحد خطأ نفساني فاشية آثاره ~~بين الناس، لذلك يصح أن يترك الحكم على الرجل للتاريخ، وللتاريخ البعيد أيضا؛ لأن الحكم على ~~منتجات الفكر كما قامت في عقول واضعيها أمر بعيد عن النصفة والإقساط، فقد يتفق أن يكون ~~للفكرات السلبية التهديمية ذاتها نصيبا من العمل على رقي الإنسان، لذلك كان الواجب أن ~~يتكون الحكم على العظماء حسبما تخلف أعمالهم من الآثار لمستقبل الأجيال. # كم ذاع من فكر، وكم انتشر من مذهب لو حكمت عليه كما كان في عقل واضعه لحكمت بأنه ضار لا ~~نافع، في حين أنك لو قيمته بالقياس على ما أنتج من حركة في عالم الفكر، أو على ما ساق إليه ~~من مختلف الجهد في سبيل الوصول إلى الحقيقة، وأردت أن توازن بين ذلك وبين ما فيه من خطأ؛ ~~لأربت ناحية النفع على ناحية الضرر. إذن فالواجب أن يترك الحكم المطلق للتاريخ، أما الحكم ~~النسبي فذلك ما في مستطاعنا أن ندلي فيه بقول أو نقضي فيه برأي. # نسوق الكلام في «نورداو» كما هو في هذا العصر، وبنسبة ما خلف من أثر في عقول أبنائه، ~~غير عالمين ماذا يكون من أمره في المستقبل. وغاية ما في مستطاعنا أن نقول في هذا الشأن إن حكم ~~التاريخ على «نورداو» سوف يكون حكم التطرف والمغالاة بنسبة ما حكم هو على الدنيا وعلى ~~الجلبة الاجتماعية التي قامت من حوله، فإما إلى البقاء الخالد وإما النسيان الدائم، وكلا ~~الأمرين عظيم؛ لأن البقاء بالأثر الفكري، إن كان خلودا، فإن في طي الشخصيات في نواحي النسيان ~~لنوعا من الخلود؛ لأنه لا ينسى إلا من شعر الناس بوجوده، فلا نسيان إلا بعد وجود، وكفى ~~بالمرء فخرا أن ينبه مشاعر الناس بوجوده الحقيقي ليكون خالدا. ~~••• # كان ms119 «نورداو» حر الرأي بعيدا عن التقاليد، لذلك كان بلا دين، رجل رضي من الدنيا بأن يعيش ~~فيها ناقدا، لا أقل من هذا ولا أكثر، وأول ما أدى به إليه نقده أن يكون بلا دين، فكذلك عاش، ~~وعلى هذا طواه التراب. # غير أنه نظر في العالم نظرة الناقد ، فلم يأتلف مع عقله أن يكون هذا العالم بما فيه من ~~النظام بلا صانع وأنه نتيجة الصدفة العمياء، فاعتقد بأن للكون صانعا حكيما مدبرا تبدو فيه ~~حكمته، ولكنه استصغر على الصانع العظيم أمر الاعتناء بتلك الدابة المفكرة التي ندعوها ~~الإنسان، فقال بأن الأديان لم تخرج إلا من عقول واضعيها، تحتاج إليها الطبيعة الحيوانية في ~~الإنسان أكثر مما تحتاج إليها الطبيعة الفاضلة الواعية، يحتاج إليها من تقضي الضرورة إلى ~~إرهابه بعقاب النار والعذاب المقيم، أو بترغيبه بالنصيحة الدائمة، فهو بذلك إلهي محض # Deist # لا إلهي متدين # Theist ~~، والأول يجحد الأديان وإنما يعتقد بالله، والثاني يعتقد بالله وبالأديان ~~معا. # كما أن «نورداو» قد استصغر الإنسان في جانب الله، كذلك استصغر العقل الإنساني في جانب ~~الكون، فقضى بأن العقل محدود لا يبلغ مداه إلا دائرة صغيرة من النظر، لا يصح أن يحكم من ~~ناحيتها على العالم، مثله كمثل العمي الذين أخذوا يصفون فيلا: فمن أمسك منهم بذنبه قال ~~إنه كالحبل، ومن لمس بطنه قال إنه كالكرة، ومن وقع على رجله قال إنه كالشجرة، فالكل صادقون ~~على درجة محدودة، ولكنهم مخطئون على درجة غير محدودة؛ فإذا قال الفلكيون إن العالم عبارة عن ~~قانون الجاذبية، وإذا قال الكيماويون إن العالم هو الجوهر الفرد، وإذا قال الميكانيكيون إن ~~الكون عبارة عما فيه من سنن القوة والطاقة ... إلى غير ذلك، فليسوا مخطئين بل هم مصيبون، ولكن ~~بنسبة ما وإلى حد محدود، في حين أنهم مخطئون؛ لأنهم حكموا حكما عاما في شيء نظروا فيه من ~~جهة خاصة، فإذا سألت هؤلاء مثلا: لماذا يكون للجاذبية يد في نظام العالم؟ ولماذا خصت ~~المادة بسنن الجذب والدفع؟ أو لماذا تتكون المادة من جواهر فردة؟ ms120 ما وجد هؤلاء من جواب ~~أروح عليهم، وأخرج بهم من ضيق ما يوقعهم فيه العقل؛ إلا القول بأنها كذلك سبقت في إرادة ~~الله. ~~••• # إن كتاب «نورداو» الذي أكسبه شهرة التشاؤم بحق هو كتاب الفساد الأخلاقي # Degeneration ~~، ولكن هل كان «نورداو» متشائما حقيقة؟ ذلك ما سوف نظهره ~~فيما سنكتب فيه بعد . غير أن نزعته في ذلك الكتاب غريبة خارجة عن تيار الأفكار التي سادت في ~~القرن التاسع عشر، فبينما كان أكثر المفكرين يقولون بأن الإنسان يرتقي ويتقدم مستمدين من تقدم ~~العلوم الطبيعية وتسود الإنسان على قوى الطبيعة دليلا على ذلك؛ إذ بنورداو يقول بأن ~~الإنسانية تنحمط، وأين؟ في أوروبا، مهبط وحي العلم وعنوان المدنية الحديثة. أما البحث في ~~الأسباب التي ساقت به إلى هذه النزعة فسيكون ختام هذا التمهيد، ومن ثم نستطرد إلى البحث في ~~«نورداو» بحثا تحليليا؛ لنعرف هل كان متشائما أم متفائلا. # لقد أشرف «نورداو» من شرفة عقله الكبير وقوة ابتكاره على أبناء جيله، وهم مقدمون على ~~عصر انقلاب اجتماعي لم يعهد له التاريخ مثيلا، أشرف على نهر الحياة الأوروبية الفائض فلم ~~يجرفه التيار، بل ظل واقفا على الشاطئ يتأمل من تدافع أوجه تلك الحياة وتجاذبها، من ~~تجانسها وتنافرها، فاستنتج أن هنالك انحطاطا وتدهورا وفسادا وضئولة في الملكات، مثله ~~كمثل «روسو» في أول رسالة نال عليها جائزة جامعة «ديجون» العلمية، إذ أشرف على أبناء جيله وهم ~~مقدمون على عصر الثورة فاتخذهم عنوانا على الحياة البشرية، فقضى بأن الإنسانية سائرة في ~~طريق التقهقر والفساد. # إن عصور الانقلاب في الجماعات أشبه شيء بسير الحمى في الأفراد، تلقيهم في المرض ~~وتتدرج بهم فيه شيئا فشيئا حتى إذا أدركهم عصر الانقلاب أخذهم الهذيان فعمدوا إلى ~~التحطيم والهدم، فإذا تقشعت غيامة الانقلاب رجعوا إلى البناء والتشييد، ناظرين في أنقاض ~~ما تهدم ليستخلصوا منه النافع وينبذوا الضار. # أشرف «نورداو» على الجماعات في هذا العصر وهم في بدء الانقلاب وكاد يدركهم هذيان ~~الحمى، وحكم فيهم حكمه، وهم في حالهم تلك شغوفين بالإفلات من مساوئ الانقلاب، وأنى ms121 لهم ~~أن ينفذوا من أقطار الطبيعة وهم أبناؤها الثائرون؟ فخيل إليهم أن العلم منجيهم، ~~فأكبوا على العلم الإنساني يستنزلون وحيه، فلم يخرجوا من ذلك إلا بعماء صرف وفوضى لا ~~نهاية لها، أوقعهم علمهم في الخلاف وأسلم بهم إلى التشاؤم. ولم يصلوا إلى هذا الحد إلا ليحكم ~~عليهم «نورداو» بأنهم آخذون في الفساد، ضاربون في أصول الانحلال الأخلاقي. # ولا مشاحة في أن كتاب «نورداو» لخير كتاب يخرج من عقل مبتكر في عصر انقلاب تشرف ~~عليه الجماعات، بعد أن يعنت الباحثون أنفسهم في البحث عن مخرج من فوضى النزعات الفائرة ~~القائمة فيه. أما الصورة الحقيقية التي تخيلها «نورداو» فلا يظهرك عليها مثل تأملك من ~~الحالات الاجتماعية التي قامت من حوله، وكل ما فيها يدل على أن جماعات المدنية الحديثة مشرفة ~~على انقلاب وأن هذيان الحمى كاد يدركها. ~~••• # يقوم الآن عند الناس شعور طبيعي يوحي إليهم بأن درجة محتومة من درجات النشوء الاجتماعي ~~واقعا في المدنية الحديثة قد آن اختتامها وأن أبناء القرن العشرين يستقبلون عهدا جديدا. ~~غير أنه من أبعث الأشياء القائمة في هذا العصر على التأمل والعجب أنك لن تجد من خطرة فكر ~~يفيض بها علينا أولئك الذين يتكلمون باسم العلم ورسوخ القدم فيه يفصحون بها عن المتجه ~~الذي تتمشى فيه حالات التقدم والارتقاء المستقبلة، فإنك أينما وليت وجهك باحثا في أية جهة ~~من جهات المعرفة الإنسانية التي تتجشم مئونة التأمل من المسائل الاجتماعية والبحث فيها، لا ~~تقع إلا على مظاهر جلية من التغير والقلق بارزة في جبين هذا العصر. وعلى الرغم من تلك الخطى ~~الحثيثة التي خطاها العلم في القرن الماضي، وهذين العقدين اللذين فرطا من القرن العشرين، ~~فإنك لن تجد محيصا عن الاعتراف بأنه لم يقم بعد علم نستطيع بحق أن ندعوه «علم الجماعات ~~الإنسانية»، إذ أي أثر للعلم اليقيني الحق في موضوعات استحكمت فيها فوضى المباحث المتناثرة ~~تحت كثير من مختلف العناوين والتعاريف؟ # بيد أن الاستنتاجات العامة التي قصد بها وضع فكرة خاصة في وحدة تخضع للسنن التي ms122 تمضي ~~مؤثرة في المظاهر الاجتماعية المختلطة القائمة في هذا العصر؛ لم تكن إلا نتاجا لتفكير ~~مدارس علمية عنيت بدرس المشكلات الاجتماعية، وصرفت همها نحو معرفة أصل الاجتماع الإنساني، ~~وتعقب خطى تطوره ونشوئه، ذلك ما تقوم عندنا عليه أوجه الترجيح مهما تلكأنا في الاعتراف ~~بأنه واقع. على أن تلك المستنتجات العامة لم يتقدم وجه النظر فيها إلا من طريق تلك المدرسة ~~الاجتماعية الثورية التهديمية التي كان «كارل ماركس» زعيمها الأول وعلمها الفرد. # أما إذا أردنا أن نحكم على العلم بمقتضى أقوال المتنطسين فيه، فإننا نجده رغم أن ~~أكبر مفاخرة في القرن التاسع عشر قد انحصرت في الكشف عن خطى النشوء والتطور الحيوي حتى انتهى ~~إلى الاجتماع الإنساني؛ قد وقف واجما إزاء المسائل التي تمثلها الجماعات في حالتها الحاضرة. ~~والظاهر أن ليس لدى العلم من شيء يزودنا به عن حالات التطور المنتظرة التي سوف تمضي فيها ~~الجماعات في المستقبل. # لقد وقع في القرن الماضي، وفي شباب «نورداو» وفتوته، أكبر مثال عما اتجه فيه العلم؛ ~~إذ ركن إليه لاستدرار وحيه في تنوير الأذهان للفحص عن تلك المشكلات التي تقاتل إزاءها ~~الجماعات، فإن الفلسفة التركيبية # Synthetic Philsosphy # التي ~~كتبها «هربرت سبنسر» من الأعمال التي يتوج بها جبين النصف الأخير من القرن الماضي. ولا ~~خلاف في أن هذه الفلسفة من معجزات العقل البشري، لا من جهة ما قصدت إليه من توحيد فروع ~~المعرفة الإنسانية وحده، بل من جهة ما أبانت عنه من خضوع الجماعات لقواعد النشوء والارتقاء ~~عامة. تلك المسألة التي يعتقد بحق أن الوقوف على مفصلاتها ومقوماتها أمر فيه من الخطر ~~والشأن ما يجعل بقية فروع العلوم مقيسة بها؛ أشياء أولية في نظر الاجتماعيين والمصلحين ~~والفلاسفة، وعلى الأخص في نظر «نورداو». # على الرغم من هذا فإن كل ما استطاع «سبنسر» أن يلقي من نور الاختبار على تلك المعضلات ~~التي كانت قائمة في عهده والتي تولدت عنها الحالات القائمة في عصرنا، وهي حالات لم تبلغ من ~~الشدة في عصر من العصور مبلغها في العهد الحاضر؛ ms123 لم يكن إلا شعاعا ضئيلا وسرابا خلابا، ~~حتى إنك لتجد أن مباحثه وثمار أفكاره وتأملاته، من أية ناحية قلب الاجتماعيون والمصلحون ~~أوجه الرأي فيها، لم تسق إلا إلى ازدياد الخرق؛ إذ أنتجت تينك المدرستين المتنابذتين: ~~مدرسة القائلين بالفردية، تسلط الفرد واستقلاله ونماء كفاءاته ومواهبه، ومدرسة القائلين ~~بالاشتراكية، تسود الجمعية المشتركة على الفرد وخضوعه لها. # ومذ قام «هربرت سبنسر» في إنجلترا ينظر إلى النزعات الاشتراكية التي قامت في عصره نظرة ~~البغض، لا بل نظرة الجزع والاستكراه، ومذ انقسم الباحثون الذين تخرجوا في مذهبه إلى معارضين ~~ومؤيدين، إلى قيام الأستاذ «شافل» في ألمانيا ينظر إلى المستقبل نظرة من يعتقد أنه لا محالة ~~مفض بالناس إلى المبادئ الاشتراكية المنتقاة، حتى ظهور «ماكس نورداو» ليبشر أبناء جيله ~~بأنهم منحطون متدهورون؛ لا تقع في أحوال ذلك العصر إلا على ضروب من تباين الآراء، وألوان من ~~الأفكار المضطربة. # أما وقوف العلم إزاء ذلك وقفة الواجم الذي تملكته قوى السلب من كل ناحية، فإن الأستاذ ~~«هكسلي» المشرح المشهور والباحث الاجتماعي الكبير؛ ليمثلها أفضل تمثيل، إذ أكب في بعض ~~مباحثه على تسفيه آراء المدرستين، القائلين بالفردية والقائلين بالاشتراكية، معتبرا أن كلا ~~المبدأين من المضادات لبديهة العقل، بل من المستعصيات عملا المتناقضات عقلا. # ولن تستطيع أن تعتبر كل هذه الجهود كأوليات رمت نحو استيضاح أية فكرة مقبولة فيما ~~تنحصر فيه واجبات الإنسان إزاء ما يحيط بالمدنية من ظروف وما يحف بها من حالات، فإن ~~الأستاذ «هكسلي» رغم حملته الشعواء على هاتين المدرستين لم يزد يقينه في المستقبل إلا ~~غموضا، حتى إنه ليسوق بقرائه زاعما هدايتهم، متعمدا تنوير أذهانهم بمبادئ يأتمون بها، ~~إلى مزالق لا يجدون فيها من يقين يستمدون وحيه، ولا من أمل يرتقبونه. # ذلك في حين أن أقل الناظرين في حالات الاجتماع حنكة ليعتقدون أن الليالي حبالى، ~~تكاد تتمخض عن عظيم الحوادث وخطير الانقلابات الاجتماعية، حتى أولئك الذين يزجون ~~بأنفسهم في مدارج النقد التهديمي ليشعرون باقتراب ذلك وحلول أوانه، فإن الأستاذ «هكسلي» ~~نفسه، رغم استنتاجاته السلبية التي دعا ms124 إليها زمانا؛ ليظهر بمظهر أشد «النهيليست» تطرفا في ~~استنكاره الحالات القائمة في الاجتماع، حيث قال في إحدى خطبه المشهورة: # إن أكمل صورة من صور المدنيات الحديثة لتصور حالة من حالات النوع الإنساني لا تتضمن ~~نزعة خيالية مثالية ذات وزن ما، ولا تملك شيئا من روح الاستقرار والثبات. ولن أجد لدي ~~من الاعتبارات ما يجعلني أتلكأ في القول بأنه إذا لم يكن لدينا من أمل في تهذيب حالات ~~أكبر مجموع من السلالة البشرية، وإذا صح أن تقدم العلم والمعرفة، وازدياد سلطة البشر على ~~الطبيعة الذي تستوجبه تزايد المعلومات واستجماع الثروات التي يستغلها الإنسان من تسوده ~~على قوى الكون، لا تحدث فرقا في مطالب الإنسان وحاجاته العظمى، مع ما هو مقترن بذلك من ~~الاضمحلال التكويني والسقوط الأدبي؛ فإني لأرحب بمذنب عظيم يكتسح في صفحة العالم ذلك ~~الأمر كله. # إن مجموع تلك الأفكار الكبيرة المتضخمة التي يبعث بها إلى عقول الناس هذا النوع من ~~الشعور، لهي التي تقيم جماعات المدنية الحديثة وتعقدها، بالغة في التأثير فيها أبعد ~~مبلغ، وما من شيء أثبت في عقائد الاجتماعيين والمصلحين من أن هذه الأفكار سوف تؤثر أثرها ~~المحتوم. # ولقد نظر مستر «هنري جورج» المؤلف الأمريكي الكبير، في الاجتماع من ناحية القوميات ~~متسائلا إلى أي حد سوف تبلغ خطوات كل شعب من الشعوب الضاربة في أصول الارتقاء المدني؟ لأن ~~«تعليم أناس تفرض عليهم معيشة الشقاء والفقر لا يزيدهم إلا كنودا وكفرانا»، كما أن ~~«اتخاذ أبعد حالة من حالات عدم المساواة الاجتماعية أساسا لارتكاز النظامات السياسية التي ~~يفرض من الوجهة النظرية أن الناس متساوون أمامها، لأمر فيه في البعد عن العقل بمقدار ما ~~تحاول ابتناء هرم يرتكز فوق الأرض على قمته لا على قاعدة.» # هذا طرف من الحالات التي أحاطت بالجماعات التي أصدر فيها «نورداو» حكمه، جماعات هاذية ~~محمومة يكتنفها عصر انقلاب أخذ بأسباب حياتها، إذن فهي جماعات خير ما يخرج فيها كتاب الانحلال ~~الأخلاقي. # 2 # لولا الفكر الإنساني لتعطل التاريخ؛ لأن التاريخ في حقيقة أمره نسيج من الرغبات ms125 والبواعث ~~والانفعالات، تتعارض في خيوطه منتجات العقل بما فيه من تصور وإدراك، لتكون من مجموعها ~~صورة هي التاريخ، لا تاريخ الملوك والدولات، والحروب والثورات، بل تاريخ الكون والفساد، تاريخ ~~الصخور والبحار والحيوان والنبات والإنسان ونشوء صفاته العقلية والأدبية وخصائصه الأخلاقية، ~~وعلى الجملة كل ما في الإنسان من الظواهر التي نعرفها بالصفات النفسية؛ لأن الفكر لا حد له، ~~ولكل شيء في الوجود مظهر فكري خاص. # وكما أن الفكر منشأ التاريخ، كذلك تجد أن التاريخ قياس الفكر، فلو أنك استعرضت حوادث ~~التاريخ منذ أبعد الأزمان واستقرأت فيها متجه الفكر خلال العصور، لاستطعت أن تعرف إن كان ~~في الإنسان نزعة إلى التقدم والارتقاء، أو كان فيه رجعى إلى الانحلال الأخلاقي ~~والفساد. # أما التاريخ، قياس الفكر، فيدلنا على أن الإنسان متجه نحو الارتقاء، ضارب في أصول ~~التقدم، قس بين حاله في العصر الظراني الحديث من الوجهة الأدبية أو الصفات العقلية، وبين ~~حالته في عصور المدنيات البائدة، كمدنية بابل وأشور ومصر، فلا تلبث أن تتكون عندك فكرة صحيحة ~~عما نريد أن نثبت من ارتقاء الإنسان. # ولا ريبة في أن الارتقاء الإنساني من حيث الآداب المدنية أو الأخلاق وإدراك المعنويات، ~~يدل على أن كفاءات العقل البشري قد تشكلت خلال كل عصر من العصور بمقتضى ما وصل إليه التكوين ~~العضوي في مدارج النشوء. والقياس بين حالة الإنسان الهمجي والإنسان في القرن العشرين، لأبين ~~برهان على أنه يرتقي، وأنه ضارب في أصول التقدم بقدم ثابتة، وإن كانت بطيئة الخطى. # كذلك إذا رجعت إلى عصر التاريخ المعروف، تجد أن الآداب والمثاليات في عصر التمدن اليوناني ~~أحط منها في عصر شارلمان مثلا. ولا نقصد بالآداب المثالية قواعد الفلسفة الغيبية التي لم ~~تقم إلا في عقول واضعيها، بل نقصد بها كل ما لم يحكم العرف بأنه خارج عن حدود الذوق ~~العام. ~~••• # نرى أن الشخصيات الكبيرة والعقول الفياضة بالمعاني الفاضلة أكثر ما تكون ظهورا في آخر ~~عصور الانحلال وبدء الانقلابات الاجتماعية. ولا حاجة لنا بإثبات ذلك بشواهد من التاريخ؛ لأن ~~أقل الواقفين ms126 على مبادئ التاريخ الأولية وأكثرهم علما بحقائقه شرع في التسليم بتلك ~~الحقيقة. لهذا نقضي بأن الإنسانية تتقدم، وأن تقدمها أشبه شيء بالتموجات الأثيرية ذوات ~~التعاريج، وأنها تتجه بالمجموع نحو السمت العالي من الأخلاق، وأن ظهور الشخصيات الكبيرة ~~إثر عصور الانحلال لدليل على ذلك. تلك سنة النشوء العام، وما كان للإنسان أن ينفلت عن ~~طوقها أو يخرج عن قطر الطبيعة ذاتها. # أما إذا أردنا أن نطبق هذه الحقيقة على فكرة «نورداو» في الانحلال الأخلاقي، فإننا ننتهي ~~إلى نتيجة واحدة، هي أن فكرة «نورداو» لا تصح إلا وضعا يطبق على عصور الانحلال التي ~~يعقبها الارتقاء المادي والأدبي دائما؛ فإن الصورة التي أبرزها عقل «نورداو» لصورة تعبر أبلغ ~~تعبير عن الحالات التي تقوم خلال عصور الفساد والانحلال. # ولا جرم أننا في عصر انتقال أنذرنا «نورداو» بسوءاته وأبان لنا عن أصول الانحلال الضاربة ~~في أخلاق أبنائه، ولكنه انحلال سوف يعقب مظاهر الانقلاب التي ينتظر وقوعها فيه ارتقاء ~~في الغايات الأدبية، تدلنا كل الشواهد القائمة من حولنا على أنها تتجه نحو تقرير مبدأ ~~«الشعوبية»، الحب المتبادل والتعاون بين الشعوب، وأن عصرنا الحاضر إنما تتحلل فيه أخلاق ~~القومية والوطنية لتحقق الإنسانية مرة أخرى في تاريخ ارتقائها مبدأ قام في عقول الفلاسفة منذ ~~خمسة وعشرين قرنا من الزمان. ~~••• # نستطرد من ثم إلى الكلام في الصورة التي صور بها «نورداو» عصور الانحلال، متخذا في ~~الحالات التي قامت في عصره أمثالا أبرز بها من الفساد الأخلاقي صورة إن قصرت على عصر خاص من ~~العصور فإنها ولا ريبة أدق صورة جاد بها عقل نقاد مبتكر وخلق ثابت، في زمان أخذ يتمخض فيه ~~الماضي المنهوك المتداعي عن جنين المستقبل المملوء حياة وقوة. # إن أية فكرة إنما تستمد صورتها وتكوينها من لغة الأمة التي سيقت إلى وضعها، فإن المؤرخين ~~في العادات واللغات إنما يلجئون إلى هذه القاعدة؛ لأنهم يبحثون عن الأصول الاشتقاقية في ~~اللغات راجعين إلى منشئها وأصلها متتبعين خطى نشوئها. # أما اصطلاح «آخر زمن» ففرنسوي صرف؛ لأن الحالة العقلية التي يعبر ms127 عنها هذا الاصطلاح وينطق ~~بلسانها الصامت قد نبتت في العقل الفرنسوي. # ولقد شاع هذا الاصطلاح فعم استعماله في كل اللغات الحية، حتى في اللغة العربية. وأما ~~الحالة العقلية التي تتخذ هذا الاصطلاح وسيلة لإبراز ذاتيتها، فذائعة في كل زمان، غير أنها لا ~~تخرج في أكثر الحالات عن مجرد تقليد لعادة أجنبية. # ولا يعوزنا الدليل على سخافة هذا الاصطلاح، فإنه اصطلاح لا يولد إلا في عقل طفل أو ~~في مخيلة همجي تقوم في عقله فكرة أن «القرن الزماني» الذي يعيش فيه عبارة عن كائن حي يولد ~~كما تولد الحيوانات والإنسان، ويعيش مستقلا في أدوار الحياة وأطوارها، متخطيا طور المراهقة ~~إلى الفتوة، ثم إلى الرجولة الكاملة، ومن ثم إلى الشيخوخة والانحلال، فيموت بعد أن ~~يعمر مائة عام رازحا في أواخر أيامه تحت مبرحات الآلام. # لهذا ترى أن الشعب الفرنسوي، بدافع نفسي عقلي، إنما ينسب شيخوخته وكدورته وانحلاله ~~الأخلاقي إلى قرن ما من الزمان المطلق غير المحدود، فيقول المفكرون فيه «آخر زمن»، وأحرى بهم ~~أن يقولوا «نهاية أمة». # ومهما يكن من أمر هذا الإصلاح وما فيه من سخافة، فإن التكوين العقلي الذي يعبر عنه قائم ~~قياما فعليا في عقول الكثيرين من ذوي الأثر في تربية الناشئين عقليا وأخلاقيا، لذلك ~~ترى أن نزعة هذا العصر خليط من القلق المصحوب بحمى الفساد والخمول المعنت، ومزيج في ~~النبوءات المحزنة المملة المقرونة بأخبث مظاهر الكفران بالجميل وجحود الأيدي المسداة ~~بالخير. # إن الشعور السائد لشعور ينذر الناس باقتراب الفناء، ويلقي في روعهم أن الانقراض ~~والزوال آخذان فيهم بأعظم الأسباب، فكأنهم من النفخة في الصور قاب قوسين أو أدنى، لهذا نجد ~~أن اصطلاح «آخر زمن» عبارة عن شكاة وتململ، بل صرخة صامتة، بيد أنه اعتراف بليغ بعيد عن ~~محتملات الجدل الكلامي والإطناب الأجوف والمعاذير الخرقاء. # ولئن كانت المعتقدات القديمة قد وسعت الاعتقاد في فناء الآلهة وانقراضها، فلقد غشيت ~~العقول التي أنبتها هذا الزمان نوبات ألزمتها الاعتقاد بأن انحلال الأمم أمر واقع محتوم، وأن ~~الشموس والسيارات إنما تمضي في سبيل ms128 الاضمحلال، وأن النوع الإنساني وما أبدع العقل من طريف ~~النظم والمنتجات، إنما تسير إلى الفناء مسايرا في ذلك خطوات كون ضارب في سبيل الفساد. # وليست هذه بأول مرة استولى فيها على الناس ذعر الخوف من فساد الكون وفناء العالم، فإن ~~فكرة كهذه قد استمكنت من قبل في مشاعر النصارى في أوروبا إبان القرن العاشر. غير أن هناك ~~فرقا كائنا بين حيرة منشؤها الاعتقاد وقلق مرجعه الفساد. # إن الحفالة النفسية التي يخلقها الاعتقاد في «آخر زمن» في الجماعات أشبه شيء بحالة شخص ~~أيأسه المرض وأقفطه السقام، فقام في ذهنه أن يتقدم ببطء، ولكن إلى الموت، في وسط طبيعة ~~أبدية الحياة، فائقة بكل معاني الجمال الخالد. # إنه في اصطلاح «آخر زمن» لقسطا كافيا من الغموض يهيئه تمام التهيئة لكي ينقل من ~~المعنى ما يعوز تيار الأفكار السائدة من لبس وإبهام، شأنه في ذلك شأن كلمات «الحرية» ~~و«الغاية» و«الارتقاء» و«المساواة»، فإن هذه الكلمات إن خيل إلينا أنها تتضمن فكرات ~~وتصورات فإنها ليست في الواقع إلا أصواتا جوفاء. كذلك تجد أن اصطلاح «آخر زمن» ليس بشيء في ~~ذاته، وأن ما فيه من الشأن والخطر إنما يقاس دائما بمقتضى ما للآخذين به من كفاءة ~~عقلية. ~~••• # لا يدلك على المعنى الحقيقي الذي ينقله اصطلاح «آخر زمن» مثل وقوفك على حوادث أطلق عليها ~~هذا الاصطلاح، ولقد استجمع «نورداو» أمثالا اقتطعها من المجلات الفرنسوية التي تتبع ~~قراءتها عامين كاملين، وإليك بعضها: ~~(1) # قسيس يحاكم لأنه نال بالسب من راعي الكنيسة العام. تنتهي الإجراءات فينتهز ~~الرهبان إخوانه هذه الفرصة ليوزعوا على مخبري الجرائد في المحكمة دفاعا أعد المتهم ~~منه نسخا من قبل، ولما أن يلزم بغرامة يستدر أكف الناس من طريق الاكتتاب فيجمع ~~عشرة أضعاف الغرامة، ثم يطبع كتابا يبرر به عمله، فيحبوه بكل ما وصل إليه من ~~عبارات التأييد، ومن ثم يطوف أنحاء البلاد عارضا نفسه في كل كنيسة أمام جمهور أخذته ~~الرغبة في مشاهدة رجل الساعة ووحيد الدهر، فلا تفوته فرصة الطواف عليهم بصحاف ~~الاستجداء! فهو قسيس آخر ms129 زمن. ~~(2) # أرسلت جثة السفاح «برانزيني Pranzini ~~» بعد تنفيذ ~~حكم الإعدام لتشرح، فيقطع رئيس البوليس السري جزءا كثيرا من جلد الرجل لأنه كان ~~موشوما؛ ليصنع منه علبا للفافات التبغ ومحافظ لبطاقات الزيارة له ولبعض أصحابه! فهو ~~موظف آخر زمن. ~~(3) # رجل أمريكي يحتفل بزفافه في معمل غاز، ثم يستقل وعروسه «بالونا» أعد من قبل، ~~ثم يبدأ شهر العسل بين السحاب! فهذا عرس آخر زمن. ~~(4) # ملحق في السفارة الصينية ينشر تحت اسمه مؤلفات ذات قيمة في اللغة الفرنسوية، ويفاوض ~~المصارف المالية في شأن قروض عظيمة لحكومته، ويأخذ من المصارف مقادير كبيرة من النقود ~~لنفسه قبل أن يتم العقد، ثم يظهر من بعد ذلك أن الكتب من تأليف سكرتيره الفرنسوي، وأنه ~~خدع المصارف المالية! فهو سياسي آخر زمن. ~~(5) # فتاتان من فتيات الأسر الكبيرة، صديقتان في التعليم، جلستا تتحدثان، فتتنهد إحداهما ~~تنهدة عميقة فتسألها الأخرى: «ما السبب؟» فتجيب: «إنني أحب راؤول، وراؤول يحبني»، فتقول ~~رفيقتها: «إنه شاب جميل حسن البزة والصورة. ولماذا تشعرين بحزن؟!» «نعم، لأنه لا ~~يملك شيئا، وليس بشيء، وأبواي يريدان أن يزوجاني من البارون، وهو رجل بادن أصلع ~~الرأس قبيح الوجه»، فتقول لها رفيقتها: «حسن، تزوجي من البارون بدون لغط، ثم عرفيه ~~براؤول»! فهن فتيات آخر زمن. # أمثال هذه الحالات تدلنا كيف يفهم هذا الاصطلاح في مهد نشأته، وتلك أمثال من الخبائث ~~المخبوءة وراءه، وهي تدل في أوسع معانيها على التحرر من النظامات التقليدية الموروثة تخلصا ~~عمليا تاما. أما التحرر من آثار التقاليد فلا يقوم له من معنى في أذهان الآخذين بآداب ~~«آخر زمن» أبعد من إطلاق الأهواء من إسار العقل والأخلاق؛ لتمضي جامحة في الطريق التي تسلم ~~بها إلى الناحية الحيوانية في الإنسان. # من الآخذين بوحي «آخر زمن» أنانيون قست قلوبهم وفتنتهم موحيات عقول نكث فتلها ~~إسفاف النزعات القائمة من حولهم، فهم لا يقيمون لإخوانهم في الإنسانية وزنا إلا بمقدار ما ~~يعود عليهم من نفع في مشاركتهم الحياة، ويطئون بأقدامهم كل الحوائل الأدبية القائمة بين النفس ~~الإنسانية وبين التطوح مع قواسر ms130 المطامع الأشعبية وحب الزخارف الدنيا. ومنهم متبرمون ~~بالدنيا متهاونون بالحياة، لا يأنفون من تسويد النزعات السفلية التي إن عجزوا عن ردعها بوازع ~~من الفضائل، أخفوها وراء ستار من الختل والمخادعة والرياء. ومنهم مؤمنون بالدين، غير أنهم ~~يحاولون التخلص من المذاهب الفضلى، فيرتطمون في التسفل إلى إنكار ما بعد الحسيات، آخذين ~~بما توحي به إليهم فلسفة الظواهر الكونية. # ومنهم حسيون يجردون الفن عن معاني المثالية والخيال، فيخرج من يدهم هيكلا مواتا لا ~~يحدث من روعة ولا يبعث من انفعال. ذلك في حين أن الكل مجمعون على ضرورة التخلص من النظام ~~الموضوع الثابت الدعائم، وهو في الواقع نظام لا ينكر منكر أنه أرضي المنطق آلافا من السنين، ~~ولم يحل بين الفن الناضج وبين إبراز صور اجتماعية أخلاقية فيها كثير من بواعث ~~الجمال. # يقول «نورداو»: إن السواد الأعظم من الطبقات الوسطى والطبقات الدنيا في المجتمع ليسوا ب ~~«آخر زمن» بمقتضى مركزهم الاجتماعي. إذن ف «نورداو» يعتقد أن انحلال الصورة المدنية الحاضرة ~~قد بدأ من قمة الجمعية. ولا ريبة في أن الانحلال إذا بدأ بالطبقات المنتقاة كان من أشنع صور ~~الانحلال التي شهدها التاريخ الإنساني. ~~••• # وبعد، فهذه نظرة مقتضبة في «نورداو» ووجهة نظره في الحياة ومثال من آرائه الاجتماعية، ما ~~إن تحاول أن تتناولها بنقد أو تتورط فيها بتحليل، إلا لتجد أن فيها من عناصر الحق ما يجعلك ~~ترتد عنها كليلا حتى حين. # | دلالة الشعر على روح العصر # للشعر الجاهلي نبرة خاصة وديباجة وحدها تفردت من بين صور الأدب العربي بطابع يكاد يميزه السمع ~~فيحكم على أن الديباجة جاهلية أو غير جاهلية بمجرد السماع دون العلم. ألق إلى رجل يذوق طعم ~~الأدب ويستطيع التمييز بين أساليب الشعر العربي، بمقطوعة من شعر المقنع الكندي الجاهلي، يقول ~~فيها: # يعيرني بالدين قومي وإنما # ديوني في أشياء تكسبهم حمدا # أسد به ما قد أخلوا وضيعوا # ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا # وفي فرس نهد عتيق جعلته # حجابا لبيتي ثم أخدمته عبدا # وفي جفنة ما يغلق الباب دونها # مكللة ms131 لحما مدفقة ثردا # وإن الذي بيني وبين بني أبي # وبين بني عمي لمختلف جدا # فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم # وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا # وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي # زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا # ثم ألق إليه بمقطوعة أخرى من الشعر يتمثل فيها من نفثات التحضر والانتقال من عصر إلى ~~عصر، تأخذها من شعر القطامي، وهو من تلك الفئة التي تعتبر حلقة الوصل بين شعر الجاهلية وشعر ~~المدنية، إذ يقول: # قفي قبل التفرق يا ضباعا # ولا يك موقف منك الوداعا # قفي فادي أسيرك إن قومي # وقومك لا أرى لهم اجتماعا # وكيف تجامع مع ما استحلا # من الحرم العظام وما أضاعا # ألم يحزنك أن حبال قيس # وتغلب قد تباينت انقطاعا # يطيعون الغواة وكان شرا # لمؤتمر الغواية أن يطاعا # وفيها يقول: # ومن يكن استنام إلى ثوى # فقد أكرمت يا زفر المتاعا # أكفرا بعد رد الموت عني # وبعد عطائك المئة الرتاعا # فلو بيدي سواك غداة زلت # بي القدمان لم أرج اطلاعا # إذن لهلكت لو كانت صغارا # من الأخلاق تبتدع ابتداعا # فلم أر منعمين أقل منا # وأكرم عند ما اصطنعوا اصطناعا # من البيض الوجوه بني نفيل # أبت أخلاقهم إلا اتساعا # ثم ألق إليه بمقطوعة ثالثة تأخذها عن شاعر من الشعراء الذين انغمسوا في تطريات الحضارة ~~العربية في العصر العباسي أو العصر الأندلسي، كقول الشاعر الحضري: # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي # متأخر عنه ولا متقدم # أو كقول ابن زريق: # أستودع الله في بغداد لي قمرا # بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه # ودعته وبودي لو يودعني # صفو الحياة وإني لا أودعه # وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى # وأدمعي مستهلات وأدمعه # وكم تشفع بي أن لا أفارقه # وللضرورات حال لا تشفعه # وفيها يحن حنين الرقة التي تذيب القلوب إلى سكنه ووطنه ببغداد، وكان بالأندلس يعالج ~~سكرة الموت، فيقول: # بالله يا منزل القصر الذي درست # آثاره وعفت مذ بنت أربعه # هل الزمان معيد فيك لذتنا # أو الليالي التي أمضته ترجعه؟ # فإنك إذا ألقيت إليه ms132 بمثل هذه المقطوعات وأخذتها من شعر غير مألوف ولا متداول، لاستطاع صاحب ~~الذوق في معالجة أساليب العرب الشعرية أن يميز بين أساليبها ويفرق بين مصادرها بغير كثير جهد، ذلك ~~لأن الشعر قطعة من روح العصر، يتمثل فيها كثير من كوامن النفس، وهو مرآة تنعكس عليها حقيقة تظهر ~~حائلة اللون أو بينته بمقدار ما تؤثر الحالات السياسية أو الدينية أو العواطف، وعلى الجملة ~~عوامل الحضارة في أنفس الأفراد والجماعات. # خذ لذلك مثلا من أوروبا في القرون الوسطى، فإن استبداد نظام القطائع بالأفراد وبالشعوب ~~وتوالي كوارث الحروب والثورات على الناس، قد طبع على نفوسهم بخاتم من الحزن والانقباض تراه ظهر ~~متجليا لا في الشعر ولا في الأدب وحدهما، بل تعدى إلى أكبر مظاهر الحياة دلالة على اتجاه المشاعر ~~الإنسانية، ظهر متجليا في نسق البناء، فإن الناس قد عكفوا على الفن الغوطي، وهو فن في البناء ~~ونسق من الألفة الذوقية في التشييد، ولا يبعث في النفس إلا الحزن والأسى، وهو بعقوده ~~المنحرفة الزوايا وضخامته وبساطة شكله لا يبعث في الروح من أثر الإحساس بالجمال شيئا غير مقرون ~~بشعور من الحزن عميق يملأ النفس رهبة وعظة. والغالب أن هذا الفن قد ورث في أوروبا عن القرون ~~الأولى عندما كان الناس في خوف مستمر على حياتهم من غارات أعدائهم، وعندما كان أمراء القطائع لا ~~يعيشون إلا في قلاع يسمونها القصور تجاوزا. # وأي شيء يبعث في النفس من شعور الانقباض والألم من منظر قلعة شيدت على أن تكون رمزا ~~لانحطاط الخلق الإنساني وما فيه من نزعة إلى القتل وحب الحطام، وهي بضخامتها وقوتها ليست إلا ~~درعا يدرعه الأحياء حذر اختطاف نفوسهم من بين جنوبهم بين آونة وأخرى؟ فلما غشت أوروبا غياهب ~~الاستبداد في القرون الوسطى وامتدت يد الاستبداد حتى إلى الفكر الكامن وخطرات النفوس، تتخذ ~~ذريعة للقتل والإحراق على يد محاكم التفتيش، وضاقت الحياة بما وضع المؤمرون على الناس من ~~نظامات وعقائد ذرعا؛ تجلت حاسة الانقباض والحزن في نسق البناء، وأي نسق أبعث في النفس على ms133 ~~الشعور بالحزن من نسق البناء الغوطي؟! # كذلك الحال إذا نظرت في فن البناء العربي، تجد أن فيه جمالا وليس فيه ألفة. وهذا أمر يدل ~~واضح الدلالة على أن مدنية كل شعب إنما تستمد من حالات ذهنه الكامن، فإنك إذا رجعت إلى حياة العرب ~~في فيافيهم وبواديهم، عرفت لماذا يكون في فن البناء العربي جمال، وليس فيه ألفة. # لم يكن للعرب قبل أن يفتحوا الدنيا المعروفة لعهدهم نسق بناء خاص؛ لأنهم عاشوا في الصحاري ~~تحميهم سيوفهم وتأويهم خيوشهم. غير أن حاسة الجمال التي ورثوها عن عيش البادية، سماء صافية الأديم ~~وصحاري منبسطة إلى منتهى الأفق والهواء يلفح وجوههم وجسومهم من أينما هب وحيث ثار صبا أو ~~جنوبا؛ قد غرست في نفوسهم نزعة إلى حب الجميل في ذاته. غير أن حياتهم لم يكن فيها من الألفة ما ~~يغرس في العقل كفاءة على تكوين نسق خاص يخرج ألفة تامة في شيء يلقى إليهم ليتعهدوه بالتحوير ~~والتكييف. فلما فتحوا العالم أخذوا قطعا من فن البناء كانت ذائعة في مجموع المدنيات التي ورثوها ~~عن الرومان ومصر وفارس وبابل، وأخرجوا منها نسقا خاصا للبناء العربي فيه كل موحيات الجمال، إن ~~أخذ قطعا ونظر فيه أجزاء، ولكنه في المجموع بعيد عن الألفة المتبادلة بين أجزائه، والسبب في ~~هذا أن حاسة الجمال التي ورثوها من بيئتهم البدوية الأولى قد ظهرت في اختيار النسق، كما انعدمت ~~فكرة الألفة تماما في الوضع؛ لأنهم عدموا فكرة الألفة في حالات حياتهم الأولى. ~~••• # ثم ارجع معي قليلا إلى الشعر الجاهلي وطف بنظرة أولية في المعلقات وفي قصائد تعتبر في ~~القدر الثاني بعد المعلقات، فإنك تجد أن كل شاعر من شعراء المعلقات ومن عاصرهم قد طبع بطابع ~~عصره؛ فظهرت بوادر فكرة الكامن ومشاعره جلية في شعره. خذ أولا عنترة العبسي وقد عاش في زمان ~~اكتنفته فيه الحروب ومساجلات القبائل، فتراه في حماسياته كما هو في تشبيهه كما هو في فخره، صورة ~~مكبرة من صور الجندية في العصر الجاهلي؛ خذه أولا في حماسياته إذ يقول: ms134 # ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر # للحرب دائرة على ابني ضمضم # الشاتمي عرضي ولم أشتمهما # والناذرين إذا لم ألقهما دمي # إن يفعلا فلقد تركت أباهما # جزر السباع وكل نسر قشعم # وخذه في تشبيبه إذ يقول: # فبعثت جاريتي وقلت لها اذهبي # فتحسسي أخبارها لي واعلمي # قالت رأيت من الأعادي غرة # والشاة ممكنة لمن هو مرتم # وكأنما نظرت بجيد جداية # رشأ من الغزلان حر أرثم # فنراه لا ينفك عن ذكر الأعادي والمغامرة في سبيل من يحب. ثم خذه في فخره إذ يقول: # ولقد شربت من المدامة بعدما # ركد الهواجر بالمشوف المعلم # بزجاجة صفراء ذات أسرة # قرنت بأزهر في الشمال مفدم # فإذا شربت فإنني مستهلك # مالي وعرضي وافر لم يكلم # وإذا صحوت فما أقصر عن ندى # وكما علمت شمائلي وتكرمي # فهو في موقف من يمزج بين حد الفروسية والحرب وبين خطاب يلقيه إلى ناعسة جفن وهضيمة ~~كشح، يريد أن يذكر محاسن خلقه وكرم شمائله وسخاء كفه، ولكن في صورة وبنبرة تنم عن نفس ~~هيجها شجن الحب، ولكن ملكتها سورة الحرب والانتقام. # ثم خذه في وصفه إذ يقول: # وكأن فارة تاجر بقسيمة # سبقت عوارضها إليك من الفم # أو روضة أنفا تضمن نبتها # غيث قليل الدمن ليس بمعلم # جادت عليها كل بكر حرة # فتركن كل قرارة كالدرهم # سحا وتسكابا فكل عشية # يجري عليها الماء لم يتصرم # وخلا الذباب بها فليس ببارح # غردا كفعل الشارب المترنم # هزجا يحك ذراعه ببنانه # قدح المكب على الزناد الأجزم # تراه يريد أن يصف فم معشوقته فيشبهه بفارة التاجر؛ إذ تسبق إليك رائحة المسك منها، ثم يمضي في ~~الوصف فيشبه فمها بروضة، ويصف الروضة فيذهب إلى ذكر الذباب والجزام، وهذا دليل على أن مقتضيات ~~زمانه وظروف حياته قد صرفته عن كل شيء إلا عن الحرب؛ فتراه يجيد وصف المعركة، ولا يجيد وصف كاعب ~~حسناء أخذ حبها بمجامع قلبه. # ثم ارجع معي إلى امرئ القيس، فهو على فروسته، وعلى أنه معدود من فرسان العرب كما يدل على ذلك ~~اسمه، فإن امرأ القيس ms135 معناه رجل الشدة والبأس، تراه في كل معلقته لا يذكر إلا الحسان والترامي ~~عليهن، ولم يذكر السيف ولا الحرب، وإن كان أجاد وصف جواده لا خائضا معركة ولا مدركا صيدا. خذ ~~مثلا من تشبيبه: # أفاطم مهلا بعد هذا التدلل # وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي # أغرك مني أن حبك قاتلي # وأنك مهما تأمري القلب يفعل؟ # وإن تك قد ساءتك مني خليقة # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل ~~«فسلي ثيابي من ثيابك»، أي فانزعي قلبي من قلبك ينتزع. وفي هذا مثال لا للحب ولكن لنزعة ~~المجون والمتعة بالنساء والتشبيب بهن، لا لحبهن ولكن للمتعة بهن من طريق الإغواء والإغراء بالشعر، ~~وإظهار الحب دون حقيقة ما يشعر به القلب، وهي صفات امتاز بها عصر امرئ القيس. وإليك مثلا من ~~معلقته يوم عقر ناقته للعذارى حول غدير ماء، إذ يقول: # ويوم عقرت للعذارى مطيتي # فيا عجبا من كورها المتحمل # فظل العذارى يرتمين بلحمها # وشحم كهداب الدمقس المفتل # أما وصفه لليل فلا يدل على أنه يناجي حبيبا ملك قلبه وعز لقاؤه، وإنما يدل على حنينه إلى ~~شيء مبهم، ولعله يحن إلى بني أسد قبيلته، وما كان له ولأهله فيها من عز وسؤدد قبل أن يغضب ~~عليه أبوه لإيثاره التسكع مع ذؤبان العرب على العكوف على مآثر آبائه، فيقول: # وليل كموج البحر أرخى سدوله # علي بأنواع الهموم ليبتلي # فقلت له لما تمطى بصلبه # وأردف أعجازا وناء بكلكل # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي # بصبح وما الإصباح منك بأمثل # فيا لك من ليل كأن نجومه # بكل مغار الفتل شدت بيذبل # كأن الثريا علقت في مصامها # بأمراس كتان إلى صم جندل # وعلى هذا تراه في كل قصيدته العصماء لا يعبر إلا عن نزعات عصره ونفثات بيئته التي حضته ~~على أن يعاقر الخمر ويستغوي النساء، وهما صفتان خص بهما فتيان عصره كما يستدل على ذلك من ~~شعره وشعر معاصريه. # ثم ارجع إلى النابغة الذبياني وعلاقته بالنعمان بن المنذر، وكان قد وشي به عنده لعلاقته ب ~~«المتجردة» على ما يقال؛ ms136 إذ وصفها في قصيدته التي مطلعها: # من آل مية رائح أو مغتدي # عجلان ذا زاد وغير مزود # زعم البوارح أن رحلتنا غدا # وبذاك تنعاب الغراب الأسود # لا مرحبا بغد ولا أهلا به # إن كان تفريق الأحبة في غد # وفيها يقول: # قامت تهادى بين سجفي كلة # كالشمس يوم طلوعها بالأسعد # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه # فتناولته أوثقتنا باليد # ثم مضى في وصفها بما أوسع باب الوشاة للوشاية عند النعمان فأراد قتله وهرب، ثم أرسل إليه ~~بالأبيات الآتية فعفا عنه: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وليس وراء الله للمرء مذهب # لئن كنت قد بلغت عني خيانة # لمبلغك الواشي أغش وأكذب # ولست بمستبق أخا لا تلمه # على شعث أي الرجال المهذب؟ # وهذا شعر وتلك سليقة لا يخلقها في نفسية الشاعر إلا عصر ارتكزت نواة الأدب فيه حول مدنية ~~خاصة، وطابع من الحضارة كان يمثله النعمان في خورنقه بالحيرة. # وكذلك الحال في شعر زهير بن أبي سلمى في معلقته وحولياته. غير أن معلقته في الواقع هي ~~أدل شيء على نزاهة نفسه وعلى تأثير عوامل الحياة التي حوطته في زمانه، ولا تذكر لك شيئا من ~~حكمه، بل تذكر لك حادثة عطف فيها على قوم آذاهم شخص منهم، وهي صفة قليلا ما تظهر في أخلاق ~~العرب، إذ يقول بعد أن ناح على الطلول، وقبل أن يمشي في ذكر حكمياته: # لعمري لنعم الحي جر عليهم # بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم # وكان طوى كشحا على مستكنة # فلا هو أبداها ولم يتقدم # وقال سأقضي حاجتي ثم أتقي # عدوي بألف من ورائي ملجم # فشد فلم يفزع بيوتا كثيرة # لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم # وشعر زهير كله تتمثل فيه نزعة الحكمة وفاضل الأخلاق. وهكذا إذا سايرت الشعر في كل عصور ~~التاريخ لا تجده يدل على شيء دلالته على صفات الناس الذين يخرجه ذوقهم، وعلى نزعاتهم، وعلى ~~الحالات القائمة حقا فيهم، فالشعر هو عنوان الحياة ومرآتها، وهو صورة مصغرة من نفسية الأمم تظهر ~~متجلية في أوضاع لغتها. # | عبث الحياة # 1 ms137 # للقرن التاسع عشر في مصر أسره العريقة في المجد، الأصيلة في العظمة، غير أن هذا العصر لم ~~يكد يشرف على الزوال حتى زالت معه تلك الأسر التي بسم لها الدهر، وغرد لها هزار الأمل ~~البسام أكثر من ثمانية عقود متتالية من الزمان. تلك الظاهرة الاجتماعية تحتاج إلى بحث، وتحتاج ~~فوق ذلك إلى تعمق في النظر لاكتناه الأسباب التي قعدت بتلك الأسر بعد أن رتعت في ~~بحبوحة الغنى وتقلبت في حجر النعمة، ثم لم تلبث أن ضربها الدهر ضرباته القاسية، فسلخ ~~أفرادها بخناجر أعدها لمن يريدون التضحية بأنفسهم على مذبحه العظيم، فأغمدوها في قلوبهم ~~حتى النصاب. ~~••• ~~«حنفي بك» سليل أسرتين من أعرق الأسر التركية المتمصرة التي نالت حظا من الغنى والجاه، ~~ذلك الغنى الذي ورثه رؤساء الجيش والحكومة في أوائل القرن التاسع عشر عن نظام الفظائع الذي ظل ~~سائدا على البلاد طول عهد المماليك. وهو فتى طويل القامة، حسن الطلعة، جميل الوجه، تعلم في ~~المنزل ثم في المدارس العمومية، فنال من العلم حظا ومن الأدب نصيبا غير وافر، ولكنه كاف لأن ~~يضعه في مصاف المتعلمين. # ورث عن أسرتيه اللتين ينتسب إليهما أرضا واسعة في إقليمي الغربية والجيزة، وأملاكا في ~~كثير من نواحي القاهرة مسقط رأسه ومقر أسرته الأولى. غير أنه شب كما يشب غيره من ذوي الترف ~~مضياعا متلافا، لا يبقي على ما بين يديه إلا ريثما يجد قدرا غيره يبذله رخيصا في ~~سوق الملاذ الموهومة والترف المبتذل. وكان له أب شيخ كبير، قعدت به السنون عن أنه يجد وسيلة ~~يصد بها ابنه عن الاندفاع في سبيل الشهوة العمياء، وطالما أحيا الليالي الطوال تائها في ~~مهامه التفكير غائصا في لجات من الأفكار الحزينة، فكم تواردت على ذهنه ذكرى الوقائع التي ~~صارع فيها الأبطال، والملاحم التي طارت فيها الأرواح، وبيعت فيها النفوس رخيصة في ميدان الجهاد ~~الدنيوي! وكم تخيل نفسه فائضة على حد سيف من تلك السيوف التي كانت تلمع من حوله في شمس بلاد ~~العرب الصافية، أو تحت سماء بلاد الإغريق ms138 الشعرية! فتمنى لو أن حلمه وخياله أصبح يقظة وحقيقة ~~واقعة، وكم تمنى لو أنه مات في ميدان الجهاد والعز! على أنه يرى له ولدا وحيدا دفعته يد ~~الأقدار إلى تلك الهوة الاجتماعية العميقة التي لا فرار من التردي في حمأتها إلا بالموت ~~الأدبي أو العوز الشديد والفقر المدقع، وكلاهما كبير على نفوس لم تعرف سوى العظمة، ولا ~~تحط إلا بأبهة الملك والسلطان. # قدر لهذا الشيخ أن يعيش بضع سنوات قضاها في حزن وألم، ولما أدركته الوفاة كان ولده بين ~~كئوسه وقيانه، فلما طير إليه الخبر ومثل بين يدي والده المحتضر، كان الموت قد بلغ من ~~الشيخ مبلغا أعياه عن النطق، ولكن كان في عينيه بقية من شعاع الحياة، فنظر إلى ولده نظرة ~~تنم عن كل أحزان قلبه، ثم أطبقهما، فسالت منهما دمعتان هما آخر ما بذل ذلك الشيخ من جهد ~~في الحياة. # مضى الأب في ذلك السبيل الذي سيسلكه كل حي، ومضى الولد في سبيل كثيرا ما سلكه من قبل ~~العديد الأوفر من أبناء آدم وحواء، سبيل الغواية والهوى، سبيل الشهوة والانفعال. # 2 ~~- كيف تستطيع أن تعيش يا بني في هذه الوحدة الأليمة؟ وكيف لا تفكر في أن يكون لك زوجة يسكن ~~إليها قلبك، وتبث لها أحزانك، وتدبر من أمرك ما أنت عاجز عن تدبيره؟ ~~- ما لي وللزوجة يا أماه؟ وما لي ولذلك السجن الأبدي الذي ألقي بنفسي فيه مختارا؟ وما لي ~~ولتكاليف الزوجة وسياستها، وأنت تعلمين أن نفسي قد فطرت طماحة للحرية المطلقة، وثابة ~~إلى الملاذ؟ وإذا كان الزواج مجرد شهوة تقضى، فالتنقل خير من العكوف، وإذا كان تدبيرا لأمر ~~أنا عاجز عن تدبيره، فإني تارك لك تدبير ذلك الأمر. ~~- وهل أنت ضمين ببقائي إلى ما شاء الله، وأنا أم بلغت من الكبر مبلغا لا آمن فيه ~~غدرات الزمان بالكهول؟ وبعد كل هذا، أفتعتقد أن كل متزوج مسلوب الحرية أحمق لأنه ألقى بنفسه ~~في سجن الزواج مختارا؟ ~~- بالله عليك يا أماه لا تكثري على سمعي من هذا الكلام؛ فإني ms139 أمقت الزواج كل المقت، ~~بل أمقت كل الآباء لأنهم أزواج. ~~- سمعا وطاعة يا بني، كفى عندي أن أراك بخير، كفى عندي أن أجدك فتيا قويا وضاح ~~الجبين باسم الثغر، وأي شيء أطلب من هذه الدنيا غير هذا؟ أي شيء غير هذا تطلبه أم لولدها الذي ~~خرجت به من كل ما في هذه الدنيا الواسعة في ملاذ الحياة؟ ~~- بورك فيك يا أماه! فذلك ما ينتظر منك ولدك الوحيد في هذه الدنيا، ما لي ولأبناء آدم ~~وبنات حواء؟ ألم تسمعي ما قال فيهم بشار الضرير: # إبليس خير من أبيكم آدم # فتنبهوا يا معشر الفجار # إبليس من نار وآدم طينة # والأرض لا تسمو سمو النار # وكرت على هذا الحديث السنون، فما زاد «حنفي بك» إلا ترديا في حمأة الشهوات، وما ~~زادت أمه إلا إمعانا في وحدتها واسترسالا مع أحزانها. ~~••• # أصبحت الأم ذات يوم وأزمة الصدر تكاد تزهق روحها، فأسرع إليها ولدها في خماره ونشوئه، ~~ولكنه لم يكد يرى حال أمه حتى أفاق للدنيا الحافة به، وتواردت إلى ذهنه الخواطر سراعا ~~متكاثرة، وتمثل له شبح اليتم أما وأبا، فجزع وآلمه الحزن وتملكه الأسى، ذلك أنه لفرط ~~ما أمعن في شهواته كان قد فقد أكثر قوى العقل، ولم يبق له إلا بقية من وجدان قذفت بالدمع إلى ~~عينيه، ففاض هتونا. # راعه شبح اليتم؛ لأنه كان كالطفل يجزع لغير حقيقة، أو هو يجزع من حقيقة لا بد منها، ~~ولم يكن قد قدر للأم أن تموت في تلك الساعة، بل كان أجلها مرهونا إلى وقت قريب، ولكن شاءت ~~الأقدار أن تملكها أزمة الصدر وأن يجزع ولدها ليتكون من مجموع ذلك ظرف تشقى به إحدى بنات ~~حواء، فإن الأم لم تلبث أن تستفيق حتى نسيت ما كانت فيه وبدأت تفكر في أمر ولدها الوحيد، ~~فحادثته في حالها وفي مصيره من بعدها، وكانت ثورة الشعور لا تزال مضطرمة في قلبه، فأذعن ~~لإرادة أمه، وقبل أن تكون له في الحياة شريكة تحمل أحزانه كاملة. # وشاء القدر المحتوم أن تكون زوجته ms140 من بنات العظماء، فإن «هنية» بنت النعمة وربيبة الجاه ~~انتقلت من بيت أبيها إلى بيت زوجها، فما رأت إلا أما مشرفة على الموت، وما رأت إلا زوجا ~~هدمته السنون، وحفرت الشهوات تحت قدميه هوة سحيقة من الموت الأدبي، فلاح كالكهل الفاني، ~~وأنه كان لا يزال في ريعان شبابه وميعة صباه؛ فأخذت حرارة قلبها التي بعثت في نفسها الآمال ~~كبيرة تهبط شيئا فشيئا فانية في ثلج ذلك المشيب الذي حفت بها أسبابه. ولكن ما كادت عوامل ~~اليأس تدب في هيكل الأمل الذي ملأ صدرها، حتى شعرت ذات يوم بشيء يختلج في أحشائها، فانتفضت ~~مناجية نفسها: «أي طفلي المعبود، ليعش الأمل في صدري لكي أعيش من أجلك.» # 3 ~~- هل حقا أنك لم تسمع شيئا من كلام إحسان يا تمراز؟ ~~- كلا يا سيدتي، فإني لم أسمع منه حرفا، ولكن رأيته ينحدر إلى الخور في صمته وسكونه ~~المهيب، مصفر الوجه غائر العينين صامت اللسان. ~~- هنيئا لك أيها الشيخ، فقد عشت من غير أن يتسرب إلى قلبك الحب الأبوي يوما، فيا لسعادتك ~~ويا لهنائك بوحدتك الحزينة الجميلة! # وانهملت من عيني «هنية» الدموع فائضة ملء شئونها. ~~••• # الزمان في شهر آب عام 1891، وفي إقليم الفيوم الجميل، حيث تذهب أشجار النخيل برءوسها ~~المهيبة في السماء وتنفض خيران الأرض أغوارا عميقة، والسيدة «هنية» تخاطب الشيخ تمراز البستاني ~~عن ولدها إحسان الذي تمخضت عن حياته الأقدار في شهر يناير سنة 1861، فهو الآن في فجر العقد ~~الرابع من عمره، صبوح الوجه مفتول السواعد شاحب اللون كبير العينين أقنى الأنف، يتهدل على ~~رأسه شعر كأنه سبائك الذهب الصفراء، قليل الكلام كثير الصمت ثابت الخلق، سيد في كل شيء، حتى في ~~سكونه ونومه، فكان على صغر سنه كامل الرجولة قوي الشكيمة شديد المراس، ولكنه كان كثير الاحترام ~~لأبويه مفرط الخضوع لإرادتهما، حسن المعشر، حلو الحديث في رصانة وتفكير عميق، محبا للصدق ~~والعمل، مقسطا في كل شيء حتى في تصوراته وخطرات نفسه. وكان أبوه قد بلغ بعد الثلاثين عاما ~~ونيفا من سيرته الأولى مبلغ ms141 الكهول الذين هدمتهم الأيام، وانتقصت من حيويتهم حوادث ~~الزمان. # قامت «هنية» على تربية ولدها أحسن قيام، فعنيت ببدنه عنايتها بتكوين عقله، وبذلت في سبيل ~~هذه الغاية أقصى الجهد، ذلك لأن الدين كان قد أقل موارد الأب إقلالا أعوز الأم إلى ~~الاقتصاد في كل شيء، ولم يبلغ إحسان الثلاثين حتى كان قد أتم تعليمه وخرج من الدرس والعكوف على ~~الحفظ والتحصيل إلى عالم الحياة العامة، عالم الجهاد والجلاد. ولم تكن نزعات نفسه لتريحه من ~~التفكير في أمر مستقبله، فكثيرا ما ناقش أباه، وكثيرا ما ناقشته أمه في ذلك، غير أنهما لم ~~يريا منه إلا إصرارا على الطموح إلى أعلى المناصب وأرقى الدرجات الاجتماعية، فتركاه لتصوراته ~~وموحيات نفسه، قانعين بأن الأيام سوف تكسر من حدة شبابه، وسورة عقله الكبير. # غير أن الأم لم تلبث على فرحها بولدها قليلا حتى لحظت أن فترات تأمله قد أخذت تطول شيئا ~~فشيئا، وأن صمته أصبح أعمق وأبلغ تعبيرا عن الألم الصارخ من أعماق نفسه، وعن العاصفة النائمة ~~في عينيه؛ فكلمت في ذلك أباه، ولم يكن الأب بأحسن من الأم حظا في الفوز بشيء من سر إحسان. ~~ولما ألحت عليه هذه الأحزان التي لم يجدا لها من باعث معروف، نصح لهما الأطباء بتبديل الهواء ~~فلم يمانع إحسان، على أنه اختار إقليم الفيوم، حيث يقوم قصر منيف تملكه أمه «هنية» عن أبيها، ~~تحيط به حدائق غناء، وتنخفض من حوله خيران ذلك الإقليم الجميل بمياهها الجارية وأشجارها ~~الباسقة ومناظرها الطبيعية الفاتنة. # 4 # الليل مرخي السدول، والطبيعة صامتة ما ينطق لها لسان، والأرض هامدة كأنها ميت فارقته ~~الحياة، فلحق بمن غبر ممن طوتهم عصور التراب. # وكان المقبل على ذلك القصر الذي يسكنه إحسان يرى نورا ضئيلا ينبعث من حجرة في الطابق ~~السفلي، وقد تخلل الضوء ما بين الشرائح الخشبية القديمة، فإذا أطل من بينها رأى شابا في ~~فجر العقد الرابع مستلقيا على مقعد كبير من فوقه الإله حوريس يظلل إحسانا بجناحيه ليحفظه من ~~سوء ما خبأت له الأيام. # ولكم أحيا ms142 ظلام الليل من أمل! وكم ولد من يأس! وأنت إن فتشت في قلب إحسان في تلك اللحظة ~~لما وقعت على أمل ولا على يأس، بل وجدت حيرة وشكا، يزكيهما الأمل ويذهب بهما اليأس، فلم ~~يكن الأمل ولم يكن اليأس إلا حالتين تتناوح من حول الشكوك في قلب إحسان رياحهما، وكان كلما ~~اقتلعت رياح الأمل في قلبه الشكوك هب فتيا قويا، وكم هبت عواصف اليأس على تصوراته فارتد ~~شكوكا شقيا. وكانت ترتسم على وجهه ابتسامة مريبة يعقبها قطوب مخيف؛ أما الابتسامة فكان ~~باعثها الأمل، وأما القطوب فكان باعثه اليأس. فإذا تمعنت في جلسته تلك وفي توارد الصور على ~~وجهه الشاحب، لما تخيلته إلا تمثالا أخرجته كف نقاش ماهر ليعبر لكل عين عن معنى من معاني ~~الحياة، يختلف أثره في النفس باختلاف العين الناظرة إليه. # ولم تك تسمع في تلك الحجرة من حركة، اللهم إلا دقات ساعة ذلك الشاب ودقات قلبه. وكان ينعكس ~~على وجهه ضوء ضعيف منبعث من سراج فيه شموع موقدة على العادة القديمة التي اتبعت في قصور ~~العظماء حتى عهد قريب. وظل على حاله فترة لا يتحرك فيه من شيء، حتى انتبه إلى وقع أقدام تقترب ~~من حجرته فتحرك، ولما أن حقق مصدر الصوت غادر مجلسه إلى باب الغرفة، فإذا بالشيخ تمراز ~~البستاني يمد إليه يده برزمة من الخطابات عليها أختام البريد. ~~- هل أدركك أحد أيها الشيخ وأنت ذاهب إلى القرية لتحضر البريد؟ ~~- كلا يا سيدي، فإني أخذت أتسلل بين الأشجار كالثعلب أروغ في كل ما أشك فيه، وما زلت ~~متمهلا حتى بعدت عن المنزل، ثم أطلقت ساقي للريح. ~~- حسنا فعلت يا تمراز! فخذ هذا الدينار جزاء أمانتك وحسن خدمتك لسيدك الصغير. ~~- إنك تغمرني بفضلك يا سيدي، وسترى من أمانتي ما سوف تضاعف عليه مكافأتي. ~~- بلا ريب. اذهب الآن. # وعاد إحسان إلى طاولة من خشب الأرو الجيد، وجلس إليها يفحص البريد بعين غير مطمئنة ~~مناجيا نفسه: ها قد مضى أسبوعان، ولم تكتب لي دلال حرفا واحدا، فماذا عسى أن ms143 يكون الباعث على ~~هذا؟ لعلها مريضة، أم تكون قد نسيت عهدي وفضت عن قلبها خاتم حبي؟ أيمكن أن يكون لهذه الحياة ~~قيمة بغير الحب؟ وأي سر من أسرار الوجود هو أدعى إلى التأمل من هذا السر الخفي، سر القلب ~~المولع بحب فتاة من بنات حواء يسكن بقربها خفقانه، وينضب مع بعدها ماؤه وتزول حياته؟ ~~وأية عاطفة من عواطف الحياة الإنسانية هي أشرف من هذه العاطفة التي تفيض معها الحياة ملأى ~~بصور الجمال والجلال، وترتد بدونها حزينة جرداء؟ كم أريد أن أشم تلك الزهرة الناضرة التي ~~ألقاها الحظ في سبيل حياتي! وكم أشعر بحاجتي إلى سماع دقات قلبها تجاوب دقات قلبي! # وأخذ يقلب في أوراق متناثرة على مكتبه، فعثر بينها على ورقة أخذ يقرأ فيها خطرات كتبها ~~منذ بضع سنين، وإذا به يقرأ: # لا أقول في هذه الحياة كما قال أبو العلاء «هذا جناه أبي علي»، بل أقول: هذا حكم ~~القضاء، كان سرا حمله الأبد حتى تمخض به زمني، وما أنا بالمضغة اللينة يطحنها الزمن ~~ويبتلعها الدهر بغوائله ونكباته، بل الحصاة الصلبة تقاوم صدمات الأقدار، فلم أجزع؟ ~~إني قوام على نفسي بالإرادة والصبر الجميل، ولكن للصبر وحسن التدبير حدا إن بلغ إليه ~~المرء فقد صبره وساء ما دبر. على أن القول رداف، والحزم عثراته تخاف، والعاقل من ~~وازن بين حدي المنفعة والحاجة، وكلا الأمرين يدعوني لأن أشرك في حياتي نفسا أخرى يكون ~~لها في أيامي شركة وفي حظي من الدنيا نصيب، وإنني لأقدم على أمر إن خانني فيه الحظ فستكون ~~آخر سهامه يوجهها إلى صميم قلبي، وإن بسم لي الزمان وعاضدتني الأحوال، فعند ذلك تقوم ~~في نفسي أول نهضة أضع فيها أساس ما أريد لنفسي من مجد، عندئذ تنبت في غصون حياتي الجافة ~~أوراق الأمل فواحة وضاحة، ويخضر روضي وتبسم حياتي. أريد نفسا خلصت من أكدار ~~الحياة، غضة الإهاب، كبيرة الآمال، محصورة المطامع، تجول في عينيها معاني الفطرة ~~النقية كما تجول من أوراق الزهرة قطرات الفجر الندية. أريد أن يكون قد ms144 قذف بها فلك القضاء ~~والقدر إلى عالم الموت والحياة، وقد تنقلت من منازل العمر حتى حطمت العشرين، فيلقيها الحظ ~~في سبيل حياتي كقبس من النور الإلهي الفياض يضيء شعاعه اللامع نواحي في نفسي أحسب أن ~~مصائب الأرض قد أمحلتها حتى ليتعذر أن تصل إليها مراحم السماء. تلك هي التي أود أن ~~يكون لها في حياتي شركة ونصيب، على أنني لم أجدها بعد، ولعلني يوما من الأيام ~~ألقاها. # ثم ألقى بالورقة من يده وملء نفسه اليأس متمتما: «لقد ألقى بها الحظ في سبيل حياتي فعثرت ~~بها، ترى هل الأقدار تنتزعها من بين يدي تارة أخرى؟» # ثم صاح بملء نفسه: «أيتها الأقدار العاتية، صبي علي لعنة الأبد ولا تبق لي على شيء ~~إلا حبي، فإنه يفرج كربتي ويؤنس وحشتي.» # وإذا بالشيخ تمراز يركض عدوا ميمما نحو غرفة سيده الصغير. # 5 # عزيزي إحسان # لئن تأخرت عليك رسائلي، وانقطعت عنك أخباري حينا من الزمان، فإن قلبي لا يزال يلهج ~~بذكرك، ووجداني يفيض إليك شوقا وحنوا. وكيف أنساك يا من أصبح للقلب سلوة، ولمصائب ~~الحياة عضدا، ولملمات الدهر سندا؟ أفي استطاعة القلب البشري أن يسلو حبيبا أحبه لا ~~لشيء إلا لأنه أحبه؟ وهل في الحياة الإنسانية بأجمعها قلب فتاة انطوى على الطهر أحب ثم ~~سلا؟ # ما انقطعت عنك أخباري إلا لأن القدر قطع منذ أيام عمادي ومضى بسنادي إلى حيث يمضي كل ~~حي، مضى بأبي في ذلك السبيل الذي سوف نقطعها، حتى إذا ما بلغنا المنتهى حمدنا السرى ~~وقررنا بسفر الحياة عينا. # أصبحت في الحياة فريدة لولاك، فبين يديك الطاهرتين ألقي بكل ما لي في هذه الحياة، وما ~~لي فيها سوى شرفي وعرضي وعفافي. وهذه أشياء عجز فقر أبي في أواخر أيامه أن ينال منها ~~منالا أو أن يقرع لها بابا. ولقد احتفظت بها أمانة في عنقي حتى ألقيها في عنقك، فإلى ~~أمانتك أعهد بها، وإن كرم أخلاقك وطيب عنصرك وسمو عواطفك كفيلة بأن تحفظ لي في هذه الحياة ~~تراثي الأدبي وميراثي الإنساني. # وما أستطيع ms145 أن أزيد على ما كتبت حرفا، فإن قلمي عاجز عن أن يعبر لك عما يختلج بقلبي من ~~الانفعالات الثائرة، أو عما يساور ذهني من التصورات التي امتزج فيها الحزن على الماضي ~~بالأمل في المستقبل. # دلال # وكرت على هذه الحوادث سنوات سبع ما زاد فيها حب إحسان ودلال إلا تمكنا، فكان حبا صفا ~~من أكدار الغرض والمنافع ، وعلاقة بين القلوب هي أشبه الأشياء بالجاذبية التي تحفظ نظام الأجرام ~~بنسبة غير زائدة ولا منقوصة، أو هي كألفة العناصر التي تجذب كل عنصر إلى ما يألف على قاعدة لا ~~ينالها خلل ولا ارتباك. # 6 # في اليوم السابع والعشرين من شهر نوفمبر سنة 1898 كانت دلال جالسة في شرفة تطل على حديقة ~~أمام منزلها الصغير، تطيل النظر إلى زهرة من النرجس ألوت برأسها إلى غدير يجري فيه الماء من ~~نافورة في وسط الحديقة، وكانت مستغرقة في أحلامها اللذيذة مناجية نفسها بأسطورة الصدى ونرجس متمتمة: # أيها الفتى «نرجس» الذي مسخته الآلهة في معتقد الإغريق زهرة نعجب بها، كيف صددت عن حب ~~«الصدى» حتى بلي لحمها وفري عظمها؟ ولماذا لم تقابل الحب المحرق بحب مثله؟ وما هو ~~السبب الذي يؤلف بين بعض القلوب وينفر البعض الآخر؟ هل لهذه الحياة التي نحياها الآن سر ~~غير سرها المفضوح أمامنا؟ أم أن الطبيعة لم تجد علينا إلا بقدر ما تسع عقولنا وأحلامنا، ~~في حين أنها جادت عليك بسرها، ثم قلبتك زهرة ليبقى سرها في أعماق جمالك مصونا ~~مكنونا؟ # أيها الفتى نرجس الذابل الجميل، كنت في حياتك الأولى شابا فاتن الجمال، وأنت سليل ~~إلهين من آلهة الماء، فسما بك أصلك إلى النجم، فرع طويل صدك عن أن تحب «الصدى» وأن ~~تمنحها من عواطفك بمثل ما منحتك من عواطفها، فهل يمكن أيها الفتى الجميل أن تكون مراتب ~~الشرف ومنازل الجاه حائلة بين القلوب والحب؟ أخطأت أيها الفتى إن كنت صددت عن «الصدى» لمجرد ~~أنك سليل إلهين من آلهة الماء البعيد الأغوار الجم الأسرار، وإلا فلماذا مسخك الإله «زوس» ~~زهرة ما ترى ms146 إلا على حوافي الغدران كما كنت في حياتك تطيل الوقوف على حافة الماء الراكد ~~لتنظر جمالك الفتان في صفحته الصافية؟ # وأنت أيتها الفتاة الحزينة التي لم يبق منها شيء إلا القدرة على ترديد ما تسمع أو ~~يقال، فإذ قلت إحسان! # ولم تكد «الصدى» تردد نداء دلال حتى فتح الباب وظهر لديه إحسان، كأن «الصدى» جذبته بقوتها ~~السحرية، فلم تردد اسمه بل حملته إلى أحضان دلال ذاتا كاملة الهيكل والجثمان. # ظهر إحسان لدى الباب، ولكنه وقف واجما جامدا، غير أنه على الرغم من احتفاظه بكل ما كان ~~فيه من صفات الرجولة، فإن اصفرار وجهة كان مهيبا مخيفا، فتقدمت إليه دلال في سكون ورهبة ولم ~~تفه بكلمة، بل ألقت بنفسها في أحضانه فائضة الدمع جمة الشجون. ~~«لقد مات أبي بعد أن جرد من أملاكه منذ ساعة، ولحق بمن مضى من أوائلنا، لحق بأبيك ~~وأمي، ولم يبق لي من الحياة سواك، فتأهبي للسفر لأن الحياة هنا غير محمولة في الفقر بعد ~~العزة، والعوز بعد الجاه.» # ثم تركها حائرة وعاد أدراجه ليواري جثة أبيه التراب. # في اليوم الثاني كان إحسان ودلال زوجين تحملهما أجنحة البخار إلى سورية، حيث صمما على أن ~~يقيما إلى آخر حياتهما عاملين بكد سواعدهما ليعيشا. # 7 # عند مدخل الغابة الملتفة الأغصان كوخ صغير من حوله حقل وحديقة، وبالباب طفل يمرح غردا ~~كأنه الهزار في الربيع، وكان كل ما بالكوخ ساكنا مطمئنا، كأن اطمئنان القلوب التي تسكنه ~~تبعث في جوه السعادة والهناء. وفي هذا السكوت الشامل انبعث صوت شجي في نبراته حنو وجمال ~~قائلا: ليس لدينا وقود، وقد كاد الليل أن يرخي على الطبيعة سدوله. ~~- حسنا يا معبودي، جهزي لي الحبل والفأس. # وحمل إحسان الحبل بيده والفأس على كتفه، ومضى نحو الغابة متغلغلا في الظلام. # | كشف الستار عن سر الأسرار # مذكرات عرابي باشا # على الرغم مما تشعر به من سوء الحظ ونكد الطالع الذي حوط قائد الثورة المصرية سنة 1881، ~~فإنك لا تفرغ من قراءة كتاب أو مقال فيما قام به عرابي ms147 من الأعمال، ولا تنتهي من قراءة مختلف تلك ~~الآراء القائمة من حول ذلك الرجل؛ حتى تقتنع بأن الدنيا قد أنصفت عرابي كل إنصاف، وكيف لا تكون قد ~~أنصفته وأنت في حين تقرأ أنه بطل كامل البطولة وفي حين آخر تقرأ أنه بطل سيئ الحظ منكود ~~الطالع، ثم تتدرج من هذا إلى أنه رجل مليء طماعية وجشعا وإسفافا في النزعات ؛ ثم تهوي به من ~~بعد ذلك في مهواة الخيانة العظمى، فإذا بك أمام رأي فيه يزعم أنه خائن وأنه صنيعة الإنجليز، ~~وأنه سلم مصر إليهم غنيمة باردة؟ وكل هذا في نظري إنصاف وإقساط، لأن الدنيا لا تعطي الإنسان ~~حيا وميتا أكثر مما في استطاعتها أن تعطيه. # والواقع أن بين صفتي البطولة والخيانة فرجة تتمشى فيها النزعات الإنسانية وتتقلب فيها ~~الأفكار، فتخلق من البطل خائنا ومن الخائن بطلا، وأنت بين هذا وذاك تسير في مضارب من الشك ~~ومناح من الريب غير عالم أي الحزبين في جانب الحق. # ونحن إذا شعرنا اليوم ونحن نكتب في مذكرات بطل الثورة الأولى شعورا كاملا بأنه ليس في ~~مستطاعنا أن نقضي في أي الأحزاب أدنى إلى الحق وأيها أقرب إلى الصواب حكما يرضي نزعات العلم ~~الحديث وموحيات الأسلوب اليقيني الصرف، ونحن بعد لما نبعد عن عهد عرابي إلا نصف قرن من الزمان، ~~فكيف يمكن أن نحكم على حادثات أعرق من هذا قدما وأشد إيغالا في أحشاء الزمان؟ # البطل الماثل أمامنا اليوم هو السيد أحمد عرابي الحسيني المصري، قائد الثورة المصرية سنة ~~1882، وأول من رفع لواء القومية المصرية في وجه العناصر الأجنبية التي استبدت بالبلاد وأرهقت ~~أهلها وناءت عليهم بقوة الاستعمار، تهضم حقوقهم وتستعبدهم استعبادا. تخرج بهذا الرأي إذا أنت ~~فرغت من قراءة الجزء الأول من مذكراته المطبوعة الذي أهدانيه صديقي عبد السميع بك عرابي. والخائن ~~الذي يتمثل أمامك في بضعة آراء حوطت شخصيته بكثير من الأشياء والفكرات الخيالية الغريبة، تلك ~~الآراء التي أذاعها بطبيعة الحال الحزب المقاوم لإرادة عرابي في ثورته؛ هو بعينه بطل القومية وأول ~~من ms148 قال بأن مصر للمصريين دون غيرهم من شعوب الأرض قاطبة. # ما أثرت عليه في هذه العقيدة جامعة الدين التي كانت تربطه بالترك والجركس، ولا رابطة ~~السياسة التي كانت تربط مصر بدولة بني عثمان، ولم يبهره زخرف المدنية الأوروبية ولا بهرجها ~~الكاذب، فكان رجال الجيش والإدارة من غير المصريين سواسية في نظره، هم جميعا عنده بمنزلة الدخيل ~~المستعمر الذي يمتص دم بلاده امتصاصا ولا تهزه نحوها أية عاطفة من الوطنية ولا يحركه شعور ~~قومي. وما أنت في كل ذلك بمحتاج إلى دليل تستخلصه من الحوادث ولا برهان تستقرئه من بين الآراء ~~المتضاربة، فإنه يكفي عندك أن تقرأ ما أشار إليه السيد أحمد عرابي باشا من المديح في الضباط ~~المصريين من قواد الجيش المصري، وأنهم لجديرون بمثله في كثير من ظروف التاريخ؛ لتشعر شعورا ~~صادقا يوحي إليك دائما بأن مصرية عرابي كانت مصرية كاملة النواحي متلائمة الأطراف محبوكة على حب ~~عشيرته وتقديس قوميته، وما هو بمسئول مباشرة من بعد هذا عن النتائج التي خبأها له ولمصر القدر، ~~لأن أرقى النزعات الإنسانية من الجائز أن تنتج أسوأ الشرور وأبلغ المصائب، وعكس ذلك قد يتفق أن ~~يكون صحيحا في كثير من الوجوه. ومن الجائز أن يكون عرابي قد خدع، وأي إنسان لم يخدع في ~~هذه الدنيا؟ # ألم نركن إلى فرنسا في بدء مقاومتنا للاحتلال بعد سنة 1890 فلوحت فرنسا لإنجلترا تلويحا، ~~ثم لم تلبث الدولتان أن اتفقتا علينا سنة 1904 ونحن بعد من خديو مصر إلى أصغر سياسييها شأنا ~~مخدوعون بفرنسا وبمقدرة فرنسا وشرف فرنسا ... وما إلى ذلك من الخيالات الموهومة؟ فلو أن مصر تبدلت ~~من السلام الذي ساد ربوعها في العقد الأخير من القرن التاسع عشر بثورة حاطمة ومضت في ثورتها واثقة ~~بفرنسا، أيكون في قدرتك أن تعرف أي النتائج كان من الممكن أن تترتب على هذا الوهم الشائع؟ لا ~~مشاحة أنك تعجز عن ذلك عجزك عن أن تعرف في أي الجهات خدع عرابي. على أنه لو كان قد خدع ~~في كل شيء ms149 فإن ضميره لم يخنه في مصريته يوما، ولم يتحرك فيه عرق واحد ضد قوميته برهة واحدة. ~~وكفى لمن يرفع لواء القومية المصرية فخرا أن ينتزع سر هذه القومية من جوف أبي الهول القابع في ~~صحراء مصر، بعد أن احتوتها جوانبه الصخرية الصماء ثلاثين قرنا من الزمان حيث تركت نسيا ~~منسيا. # يخص كثير من الكتاب لدى بحثهم الأسباب والنتائج التي قامت من أجلها أو أدت إليها الثورة ~~الفرنسوية، منقبين في حنايا التاريخ القديم والحديث، راجعين بالأسباب إلى أزمان بعيدة قد تفصل ~~عرابي عن عهده نصف قرن ونيف، أو ذاهبين بالنتائج إلى مدى قصي بعيد، وما هم في الحالتين إلا في ~~خطأ مبين، ذلك لأننا نعتقد أن الثورة قد خلقت فجأة، وأنها لم تتكون إلا في قلب عرابي. نعم، إني ~~لا أنكر أن الأسباب تتكون خلال الزمان تدرجا، ولكن هل يمكنك أن تعرف لأي الأسباب هي لا تؤتي ~~نتائجها إلا في زمان محدود، سائل نفسك لماذا لم تقم ثورة القومية المصرية قبل عرابي، ألم تكن ~~الأسباب قائمة من قبله؟ ألم تكن الحالات التي قبرت القومية المصرية واقعة بالفعل قبل عرابي ~~بقرون عديدة من الزمان؟ ونحن إن مضينا قانعين بأن أسباب الثورة قد تكونت خلال أزمان بعيدة عن عهد ~~عرابي، فإن الثورة الحقيقة لم تقم قياما فعليا إلا في قلبه وحده، ومن الجذوة التي اضطرمت ~~نيرانها بين جوانحه فاستنارت بها بقية القلوب. # قامت الثورة في قلب عرابي متأججة قوية، وما هبت رياح الحوادث من حوله إلا لتذكي نيرانها ~~وتبعث بلهيبها المتسعر المضطرم في أنحاء البلاد، وما كان هو على جهل بما يحف مركز مصر ~~السياسي من منازع الاستعمار ورياحه المتناوحة، فإنه قد أنحى على بيع أسهم قناة السويس وعلى من ~~باعها بلومه، وما نسي يوما أن المحافظة على الأجانب ومصالحهم تكأة قوية يدفع بها الخطر ~~الأجنبي، وما غفل عن أن الامتيازات الأجنبية افتئات على حقوق مصر وانتزاع لاستقلالها من بين ~~جنبيها. غير أنه لم يحسب للقوة والمطامع الإنجليزية حسابا ولم يجعل لها وزنا، ms150 والغالب أنه ~~ارتكن في ذلك خطأ على فرنسا وعلى تركيا، عالما أنهما لن تسمحا لإنجلترا أن تلج الشرق من بابه ~~فتتحكم قوتها في مصالح الدنيا ومن فيها، ولكن على الضد من هذا الرأي سارت الحوادث، وعلى العكس منه ~~مضت ظروف الدنيا. وأنت بعد حتى اليوم لا تعرف كيف رضيت فرنسا أن تثبت إنجلترا قدمها في مصر، ولا ~~كيف قنعت تركيا بأن تترك درة تاجها نهبا لمطامع الاستعمار الإنجليزي. # ارجع في كل ذلك إلى الأسباب القريبة منك الواقعة في جوك ولا تتلمس لذلك أسبابا بعيدة تلجأ ~~فيها إلى النظريات التاريخية العقيمة، فكما أن الثورة المصرية لم تقم إلا في قلب عرابي، كذلك لم ~~يقم الخوف من التدخل في المسألة المصرية بعد أن اغبر جوها إلا في قلب عبد الحميد أمير ~~المؤمنين - رحمه الله وغفر له - وكيف يمكن أن يرسل عبد الحميد الأناني المستبد جيشا تركيا إلى ~~مصر الثائرة في سبيل حقها المهضوم ليعود إليه مسمما بروح الحرية والدستور؟ ذلك هو السبب الأوحد ~~الذي قام في رأس الطاغية المستبد وحال بينه وبين أن يدرك مصر من خطر الوقوع في يد إنجلترا، لا ~~حوادث السياسة ولا دسائس «دوفرين» ولا مهارة «ماليت» ولا شيء في الدنيا بأجمعها غير هذا، وإلى أي ~~حد كانت تذهب مهارة هؤلاء لو أن هذه المهارة قد لاقت في تركيا قلوبا مشبعة بقوة الإيمان في حق ~~الحرية من الحياة وفي حق الشعوب من الوجود والبقاء؟ أما في فرنسا فإنك لا تجد من سبب إلا سلامة ~~القلب البالغة من السذاجة مبلغ البلاهة في الاكتفاء بوعود الأسد البريطاني المنقلب شاة وادعة، حتى ~~إذا ما تمكن من فريسته انقلب أسدا تارة أخرى. # حول فكرك البعيد القصي باحثا وراء الأسباب الخفية، وقلب صفحات التاريخ من الغزو ~~الفرنسوي إلى محمد علي الكبير إلى معاهدة سنة 1840 وما تقدم ذلك من الحوادث، وتمعن في عصر ~~إسماعيل وفي الوزارة الثنائية وفي البعثات المالية؛ فإنك لا تلمس في كل هذا إلا ظاهر الحياة ولا ~~تقع إلا على العرض ms151 دون الجوهر، ولن تقع على الجوهر الكامن في جوف الطبيعة البشرية إلا في قلب ~~عرابي الثائر المصري وأنانية عبد الحميد العاهل التركي وبلاهة فريسنييه الوزير الفرنسوي. ~~••• # الفاصل الزماني بين الثورة الفرنسوية وبين الثورة المصرية قرن واحد من الزمان، وهو عهد قصير ~~في عمر الأمم. ومن غريب ما ترى في حوادث مصر التاريخية أن نتائج الثورة الفرنسوية لم تلحق إيطاليا ~~إلا في منتصف القرن التاسع عشر، ولم يبزر بزرها في مصر إلا في أواخره. فكأن فكرات الحرية ~~وحقوق الإنسان قد احتاجت إلى قرن كامل من الزمان لتتم هجرتها من فرنسا إلى مصر، فما أبطأ الفكر ~~الإنساني في تقبل الآراء الحديثة، وما أسرعه في العودة دراكا إلى تقاليده الموروثة! # على أنك لا تعجب أن تحركت في نفس عرابي عوامل القومية، ولكنك لا تعرف أية علاقة لهذه النزعة ~~بالفكرات الديمقراطية الدستورية وبحق الأمم في تقرير شكل الحكم الذي تمضي خاضعة له. لا نشك في أن ~~بين الفكرتين؛ فكرة القومية وفكرة الحرية الديمقراطية، علاقة وآصرة، ولكن تدلنا حوادث التاريخ ~~على أن أقرب ما يستعان به على حماية القوميات حكومات تستمد من الشعوب التي تمثل تلك القوميات، ~~وما أشك مطلقا في أن الفكرة الدستورية التي قامت في رأس عرابي كانت مستمدة مباشرة من الفكرات ~~الفرنسوية. # جاء في مذكرات عرابي ص15 بعد أن ذكر عطف المغفور له سعيد باشا عليه ما يأتي: # ولشدة إعجابه بي أهداني تاريخ نابليون بونابرت باللغة العربية، طبع بيروت، وهو بادي الغيظ ~~على أن تمكن الفرنسويون من التغلب على البلاد المصرية والتحريض على وجوب حفظ الوطن من طمع ~~الأجانب. ولما طالعت ذلك الكتاب شعرت بحاجة بلادنا إلى حكومة شورية دستورية، فكان ذلك سببا ~~في مطالعتي كثيرا من التواريخ العربية. # على أن عرابي إن استطاع أن يضرم نيران الثورة في قلوب ما كانت تعرف للثورة طريقا ولا فهمت ~~للقومية معنى عمليا، فإنه ولا شك أخفق كل الإخفاق في طبع الشعب على الحياة الديمقراطية ~~الدستورية، ولا ريبة في أنه أخفق فيما كان يخفق فيه ms152 غيره مهما أوتي من قوة القلب والعقل، لأن ~~تغيير أفكار الشعوب واستعداداتها دفعة واحدة كجرعة الدواء تعطى مرة في حين أنها من الواجب أن ~~تعطى أقساطا. أما الأقساط الدستورية فقد أخذها الشعب المصري من يد ممرضيه العاملين على حفظ ~~نسبة خاصة من الصحة والمرض بقدر حاجتهم فاشية في جثمانه، أخذا في مدى خمسين سنة من الزمان. أما ~~إذا كان الشعب المصري قد بلغ من النقاهة من أمراضه القديمة المزمنة مبلغه الآن، فمن المرجح ~~تغليبا أن الثورة العرابية ما كانت لتسير في ذلك الطريق الذي أسلم بها إلى الفشل وبزعمائها إلى ~~منفى سرنديب شقة وأقصى مزارا. ولكن مزاج الشعب قد تغير وقوته المعنوية قد تطورت وبدا فيها من ~~مجالي النشاط والقوة ما حمل المستبدين على الرضوخ لرأيه في زعمائه. والأمة إن نسيت زعماءها سنة ~~1881 سراعا وظلت تنساهم ثلاثة عقود ونيف من الزمان وهم في آلام النفي وشقاء الغربة، فإنها لم ~~تنس زعماءها في أصيل الربع الأول من القرن العشرين لحظة واحدة، ولا فاتها أن تمضي في تضحياتها ~~الكبيرة دفاعا عن حقها المهضوم وحماها المستباح. ~~••• # على أن الزعماء والأبطال ليسوا إلا بشرا مخلوقين على ما في الطبيعة الإنسانية من نقائص ~~وكمالات، فهل كان السبب في فشل عرابي أن نفسه لم تتسع بدرجة كافية لتلك الصفات المدنية التي تمد ~~الثورات عادة بكل ما يهيئ لها أسباب النجاح؟ الحقيقة أن المذكرات التي فرغت من قراءتها أمس لا ~~يمكن أن تظهرنا على شيء من نفسية ذلك البطل المنكود الحظ السيئ الطالع. على أن ظروف العالم الذي ~~أحاط به ومشكلات السياسة العامة، ما كانت تفسح لنقائص عرابي مجال الانبعاث في سبيل شهواتها ~~الدنيا، ذلك احتمال قد يكون صحيحا وقد يكون غير صحيح. غير أن الذي نستطيع أن نقضي فيه بحكم ثابت ~~هو أن نفسية عرابي لا تظهر في ذلك الجزء من مذكراته إلا غامضة مبهمة، لهذا نترك الحكم فيها إلى ~~المستقبل الذي نرجو أن يزودنا ببقية تلك المذكرات عما قريب. # أما طبيعة الثورة ذاتها فإنها ms153 لا تخرج عن طبيعة كل ثورة عسكرية أخرى تتحكم فيها القوة بما ~~تشاء أن تتحكم. والخطأ الوحيد الذي وقع فيه عرابي أنه لم يترك للقوة المدنية أية فرصة من الانتفاع ~~بنتائج ثورته العسكرية، وهذا الخطأ بعينه هو الذي وقع فيه كرومويل، وهو بعينه الذي اجتاح زعماء ~~الثورة في فرنسا والاتحاديين في تركيا وغيرهم في ممالك أخرى. فلو أن تدخل عرابي في سلطة الحكومة ~~قد وقف عند مظاهرة عابدين وعند انتزاع الدستور وتقرير حق الأمة، ثم ترك السلطة السياسية والسلطة ~~الإدارية كلاهما تسير بالبلاد في جو بعيد عن عواصف الثورة العسكرية؛ لما وجدت في تاريخه كله من ~~خطأ يأخذه عليه التاريخ. والغالب أن هذه الطريقة التي اتبعها في تدخل القوة العسكرية في الإدارة ~~والسياسة المدنية كانت فاتحة لسلسلة أغلاط حوطته بظروف لم يستطع الإفلات في نتائجها ومن ~~ضغطها. # خذ لذلك مثلا تلك المشادة التي وقعت بينه وبين شريف باشا بعد مظاهرة عابدين مباشرة وبعد ~~إعلان الدستور، على تعيين وزير الحربية؛ فقد جاء في مذكراته ص238 ما يلي: # وفي يوم 10 سبتمبر سنة 1881 توجهت إلى سراي شريف باشا وهنأته برياسة الوزارة الجديدة، ~~وطلبت منه أن يعنى بانتخاب من يؤازرونه في سرعة تشكيل مجلس النواب ونشر الحرية في البلاد، ~~ورغبت إليه في تعيين محمود سامي باشا ناظرا للجهادية، ومصطفى فهمي باشا ناظرا للخارجية، ~~لما أعلمه من ميلهما مع العدل والحرية؛ فأبى وقال: إني لا أقبل أن يكون في وزارتي محمود ~~سامي ولا مصطفى فهمي، لأنهما لم يوفيا بالعهد الذي تعاهدنا عليه من قبل، فقد اتفقنا على أنه ~~إذا رفض الخديو الموافقة على تشكيل مجلس النواب استقالت وزارتنا ولا يشترك أحد منا بعد ذلك في ~~الوزارة الجديدة، ولكنهما نكثا بالعهد وقبلا الدخول في وزارة رياض باشا التي قامت بعد وزارتنا ~~والتي سقطت بالأمس، لذلك لا أستطيع أن أشتغل معهما. قلت له: إن لكل وقت حكما وإني واثق ~~بحبهما للحرية والعدل والمساواة (لاحظ أن هذه نغمة فرنسوية)، وفضلا عن ذلك فإن العسكرية لا ~~تطمئن ms154 لغير محمود سامي. # فقال: أفلا ترضون أن أكون ناظرا للجهادية، فإني قد تربيت معكم في العسكرية؟ فقلت: لقد ~~اخترناك رئيسا للوزارة ولا بد من مراعاة ميول رجال العسكرية. فلما أصر على عدم قبولهما في ~~وزارته تركته ورجعت إلى أشغالي من غير أن يتم شيء في أمر الوزارة. وفي يوم 14 سبتمبر سنة 1881 ~~قابلته مرة أخرى وقلت إنه لا يمكن ترك البلاد بلا وزارة، فأصر على الرفض، فقلت له : إن لم ~~تؤلف الوزارة اليوم فسنطلب غيرك، ولا تظن أنه ليس بالبلاد سواك ففيها بحمد الله العلماء ~~والحكماء، ولم يكن اختيارك لعدم وجود غيرك لهذا المركز الخطير. فاغرورقت عيناه بالدموع ~~ولم يحر جوابا، ثم خرجنا من عنده، وبعد قليل جاءنا الشيخ بدراوي عاشور (وكيل زراعته، الذي ~~نال رتبة باشا في زمن الاحتلال حين كان شريف باشا رئيسا للنظار أيضا)، وقال إن الباشا ~~قبل ما عرضته عليه وإنه يريد مقابلتي، فذهبت إليه مع محمود سامي باشا حيث أعلن تشكيل ~~الوزارة. # هذه الروح الدكتاتورية هي التي أنبتت في الثورة ما أنبتت من مساوئ الثورات العسكرية، وهي روح ~~عاصية حتى على الزعماء، فإنها تجتاحهم وتذهب بهم إلى حيث ينتظرهم الفشل المحتوم، فإن أخطر شيء على ~~ثورة عسكرية روح تحكمية تذهب بها في جو من التنازع والخلاف بين زعمائها وبين زعماء السياسة ~~والإدارة، تذهب إلى حيث تخضعهم ولا تبقى إلا نيرانها العسكرية المتسعرة تأكل بعضها حتى ~~تخمد حيث هي فلا تبقي من نتائجها المنتظرة على عين ولا أثر. # بعد تعيين شريف باشا وإكراهه على تأليف وزارة يرضى عنها الحزب العسكري، نقع في ص271 من مذكرات ~~عرابي على هذه الخطرة الغريبة: # وفي أوائل شهر يناير سنة 1882 خلوت بالمغفور له محمد سامي باشا ناظر الجهادية، فأطنب ~~في الثناء علي لقيامي بنشر راية الحرية في مصر وملحقاتها من بعد مضي خمسة آلاف سنة على ~~المصريين وهم يرسفون في قيود الاستبداد والاستعباد، وأقسم أنه مستعد لأن يضحي بحياته ~~ويجود بآخر نقطة من دمه في تنفيذ رغبتي ويجرد حسامه ms155 وينادي باسمي خديوا لمصر إذا رغبت ~~ذلك. فقلت له: مه يا محمود باشا، فإني لا أريد إلا تحرير بلادي، ولا أرى سبيلا لنوالنا ~~ذلك إلا بالمحافظة على الخديو كما صرحت بذلك مرارا وتكرارا، وليس بي طمع أصلا في ~~الاستئثار بالمنافع الشخصية، ولا أريد انتقال الأريكة الخديوية إلى عائلة أخرى لما في ذلك من ~~الضرر، مع علمي بأنك تنتسب إلى الملك الأشرف «برسباي». فقال: أنا لا أقول لك إلا حقا، وأنت ~~أحق بهذا الحديث مني ومن غيري. فشكرته على ثقته بي، وتم الحديث. # وما من شك في أن هذه خطرة غريبة يقف أمامها المؤرخ حائرا، فإن عرابي يقول بأن محمود سامي ~~قد ذكر أنه على استعداد في أن «ينفذ رغبتي»، وأنه رفض أن يكون «خديو» بمسعى سامي نفسه. وأزيد على ~~هذا أن هذه العبارة لم تكتب إلا بعد موت محمود سامي بدليل أنه يقول المغفور له محمود سامي باشا. ~~وفضلا عن هذا فإن محمود سامي لم يطلع على هذا الحديث ليرى فيه رأيه: فهل كان ذلك الحديث حقيقة ~~على ما روى عرابي باشا؟ أم أن له حقيقة أخرى طواها عنا الزمان؟ أم كان الزعيمان يخدعان بعضهما ~~البعض فيعرض كل منهما أريكة الملك على صاحبه ليفوز بثقته وتعضيده؟ على أن في أسلوب هذه القطعة ~~ضعفا يدل دلالة تكاد تكون واضحة على أن ناحية الترجيح في قيامها تغلب على ناحية الشك. # على أنه مهما يكن من أمر فإن عرابي باشا لم ينزل عن نزعات أمثاله من زعماء الثورات العسكرية ~~في أنحاء الدنيا برمتها، فهو من طينتهم ومعدنهم. على أنه بالرغم من هذا بطل، ولكنه سيئ الحظ ~~منكود الطالع. # برقين - 1926 # | خداع الطبيعة # للطبيعة سنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، وكل ما في الطبيعة من جماد ونبات وحيوان مندمج فيها، ~~لا يخرج عن قطرها ولا ينفلت عن سلطانها. # وهم الذين يقولون بأن الإنسان سيد الطبيعة، وأنها مسخرة له، وأن السماء والكواكب ~~والسيارات لم تخلق إلا للإنسان، كأن الإنسان، ذلك الدابة المفكرة، محور الكون وأساس ms156 ~~النظام العالمي، ذلك مبلغ ما وصل إليه تجبر الإنسان وعنته. والحقيقة الواقعة أن الإنسان لم ~~يخرج عن كونه نتاج تفاعل الظاهرات الطبيعية الخاضعة لحكم السنن العامة، فهو ابن رأي للطبيعة فيه ~~لا يتبدل ولا يتغير، وكل ما في الإنسان من ظاهرة راجع إلى فعل الوراثة الخاضعة لحكم النواميس ~~الطبيعية الثابتة. غير أن الإنسان مهما كان خضوعه لحكم الوراثة الطبيعية ثابتا، فإنه - كما يقول ~~السير «راي لنكستر» - «ابن الطبيعة الثائر»، ولكن ثورته سلبية ، لأن خضوعه لأحكام الطبيعة عام ~~شامل. # نورد لذلك مثلا من عالم النبات نطبقه على الظاهرات النفسية التي تقع تحت حسنا كل ~~يوم. # قسم العلماء مملكة النبات إلى قسمين عظيمين: الأول النباتات اللازهرية «الكربتوجامية»، ~~والثاني النباتات الزهرية «الفنيروجامية»، وميزة القسم الثاني أزهار بهية الألوان أخاذة ~~بالأنظار والألباب، تجذب نحوها العضويات الحية من الحشرات بنضرتها وجمالها وبهي ~~ألوانها. # أما النباتات اللازهرية فلا زهر لها، وجماعها على وجه التقريب من الحشائش ذوات الفلقة ~~الواحدة. وأما النباتات الزهرية فجماعها من الأشجار والأعشاب ذوات الفلقتين، وينطوي تحتها معظم ~~أنواع مملكة النبات وأجناسها. وترى أن النباتات الزهرية كلما انحطت مرتبتها كان الأمر على عكس ~~ذلك، والشواذ في هذه القاعدة نادرة. فما هو السبب الذي جعل ذوات الأزهار العليا تمتاز على ذوات ~~الأزهار الدنيا ببهاء اللون والتناسق والجمال؟ # ثم تجد من جهة أخرى أن الأشجار، على الضد من الأعشاب، كلما كانت أسحق في الارتفاع قل جمال ~~أزهارها، وكلما كانت أقل ارتفاعا زاد جمال أزهارها، فما السبب في ذلك؟ # السبب في ذلك يعرفه مذهب النشوء والارتقاء، ولا تعليل لهذه الظواهر بغيره. ~~••• # كل ذوات الأزهار تخرج زهرا فيه عضوان: عضو تذكير وعضو تأنيث، فيخرج من عضو التذكير غبار ~~أشبه بالهباء، ويدعى علميا ب «اللقح النباتي»، وفي عضو التأنيث بروز يقال له «الاستحمانة». ~~فإذا نقل اللقح من عضو التذكير إلى الاستحمانة في عضو التأنيث، تم اللقاح وأخرجت الشجرة ~~بزرا يحفظ نوعها ويكثر نسلها، أما إذا تعذر ذلك فإن النوع لا محالة ينقرض ويفنى. وقد ~~تحمل الزهرة الواحدة عضوين، ms157 أحدهما للتذكير والآخر للتأنيث معا، بحيث يقارب أحدهما الآخر في ~~الوضع. وقد تختص أزهار في بعض الأنواع بإنتاج أعضاء تذكير صرفة، وأزهار بإنتاج أعضاء تأنيث لا ~~غير. وقد تختص أنواع بأشجار تنتج أزهارا فيها أعضاء تذكير، وأشجار غيرها تنتج أزهارا فيها أعضاء ~~تأنيث فقط. وفي كل هذه الحالات تحتاج الأزهار إلى فعل مؤثر ذي قوة وبأس، يحمل اللقح من زهرة ~~إلى أخرى أو من عضو إلى آخر أو لقح أزهار شجرة إلى أزهار أخرى، ليتم اللقاح ويحفظ النوع من ~~الانقراض والفناء. # ومن أغرب ما في الطبيعة من حكمة تعلل لنا السبب في أن الأشجار الباسقة لا يكون في أزهارها ~~جمال بقدر ما في أزهار الأشجار القصيرة السوق؛ أن الأولى في غير حاجة لتلقيح الحشرات إياها، ~~فتكون أزهارها صغيرة الحجم وألوانها مقاربة إلى درجة ما للون أوراقها، بل إنها لا تكاد تتميز عن ~~الأوراق إلا باعتناء تام، كشجر البلوط والكافور، ولذا كان هبوب الريح طريق تلقيحها الطبيعي، ناهيك ~~بأن الرياح عامل طبيعي لا إرادة له ولا حس فيه بالجمال، ولا دافع له على الحصول على حاجيات للحياة ~~يسوقه إلى ارتياد الأزهار مجذوبا إليها بحسن رونقها وزاهي ألوانها أو شهي عصارتها النباتية. ~~ذلك على العكس من الأنواع القصيرة السوق، فإن حاجتها إلى الحشرات كبيرة، لذلك تكون أزهارها ~~عظيمة الحجم، ذوات ألوان مختلفة متناسقة. # أما الأزهار التي تلقحها الحشرات، ففضلا عن احتياجها إلى بهاء اللون وكبر الحجم، لتظهر ~~على أغصانها جلية لأعين الحشرات؛ فإنها تفرز عصارة شهية تقدم الحشرات على اجتنائها برغبة ~~كبيرة. وهذه العصارة الرحيقية تفرزها غدد خاصة، فتجري من ثم في قنوات خصيصة بذلك أو تظهر ~~مترشحة على ظاهر أعضاء الزهرة داخل التويج غالبا. ولهذه العصارة فائدتان: الأولى أنها تجذب ~~الحشرات إلى الزهرة لتجني رحيقها الشهي، والثانية أن هذه العصارة لزجة كالغراء، فإذا لامست جسم ~~الحشرات أو خراطيمها أو ملامسها أو أرجلها، ثم لامست الحشرات سداة عضو التذكير الذي ينتج ~~اللقح؛ علق اللقح بسهولة بأعضاء الحشرات، فلا يذهب كله سدى، بل ms158 يكون نقله إلى الاستحمانة ~~في عضو التأنيث محققا. # هنالك يقع التناحر على البقاء، وهنالك يفتح للطبيعة مجال الانتخاب الطبيعي، فإن الأنواع التي ~~تكون أزهارها أبهى لونا أو أكبر حجما أو أكثر إنتاجا لتلك العصارة، تكون بحكم الضرورة أجذب ~~للحشرات وأكثر لقحا وأكبر إنتاجا للبذر وأقل إسرافا من اللقح، فيكثر عدد أفرادها الناتجة، ~~وبذلك تتغلب على غيرها من الأنواع التي تكون أزهارها أقل بهاء في اللون أو أصغر حجما أو ~~أنضب في إنتاج العصارة النباتية معينا. هذا سر التناحر على البقاء، وهذا ما يؤدي إلى الانتخاب ~~الطبيعي، ومن هنا يستحدث الجمال في طبائع العضويات بحكم الحاجة والضرورة والفائدة لتغاير الأنواع ~~ونشوئها. ~~••• # ارجع بعد ذلك إلى العالم الإنساني، وطبق هذه الظاهرة على الحياة اليومية، وتأمل قليلا في ~~تلك الحالة النفسية التي تجتذب أنظار كثير من الرجال والسيدات إلى واجهات المخازن العمومية ~~الكبرى؛ تجد أن الحالة في الطبيعة المطلقة هي بعينها الحالة في الطبيعة الاجتماعية، فالناس أمام ~~الحوانيت الكبرى متهافتين على باهي ألوان الأقمشة وتناسق الصناعة، كالحشرات في تهافتها على ~~الأزهار ذوات الألوان الجميلة التامة التناسق. وكما أن في الطبيعة تنحارا على الحياة بين ~~الأنواع، فإن في الاجتماع تناحرا على الحياة بين المنتجين، فالمصنوعات كلما كانت أتم نسقا ~~وأبهى لونا وأكثر تآلفا في أجزائها وأجذب لأنظار الناس، امتازت على غيرها بمهيآت ~~البقاء. # لنا بعد ذلك أن نقول إن في الطبيعة قوة للخداع والمخادعة، تنصرف إلى جانب الخير لا إلى جانب ~~الشر، إذ تعود بالنفع على الخادع والمخدوع! # ألا يحق لنا أن نقول بأن في الطبيعة حكمة ترجع إلى إرادة عاقلة تصدر عنها، مصروفة إلى الخير ~~المحض لا إلى النفع الخاص؟ وألا يصح أن نقول بأن الإنسان لا يستطيع أن يخادع الطبيعة إلا ويكون ~~مخدوعا من جانبها؟ ألا يخلق بنا أن نقضي بأن نسبة الفرق بين جمال الصناعة الإنسانية الخارجة ~~من يد المدنية الحديثة وبين جمال الزهرة الطبيعية الوادعة؛ كنسبة الفرق بين بدائع القوة الخالقة ~~العظيمة وبين الصناعات البشرية؟ ~~••• # غير أننا نتساءل ما هو ms159 السبب في وجود تلك القوة الخفية التي تصرفها الطبيعة إلى مخادعة ~~الأحياء؟ سببها أن الطبيعة موكلة بحفظ الحياة فوق هذا السيار، حتى من طريق الموت والفناء، ~~فهي تفني صور الحياة وتذهب بأنواع ما إلى الانقراض، وتنثر لقح النبات سدى، لا لشيء سوى أن تحفظ ~~حياة الأنواع متمشية بها في طريق الارتقاء منتحية كل سبيل متذرعة بكل وسيلة تسلم بها إلى تلك ~~الغاية، فهي كما يقول «جوته» كبير مفكري القرن التاسع عشر: «إن الطبيعة إذ تفرط في الإسراف من ~~جهة، تسرف في الاقتصاد من جهة أخرى»، لذلك نقول بأن قوة المخادعة التي تقع عليها في الطبيعة لا ~~سبب لها إلا حاجات الأحياء ومنافعها. # خذ لذلك مثلا مبدأ المحاكاة في الطبيعة - # Mimiery ~~- فإنه ~~مبدأ ينطبق على كثير من الصور الدنيا كما ينطبق على جزء قليل من الصور العليا في عالم الحيوان، ~~كما أن له أثرا في عالم النبات، فمحاكاة الحشرات للبيئة المحيطة بها من أكبر الوسائط التي تتذرع ~~بها الطبيعة لوقاية أنواعها. ولا تقتصر هذه الوقاية على رد غائلة أعدائها عنها، بل تتعدى إلى ~~حفظ حياة بعض الأنواع، إذ تهيئها بفرصة تجعل حصولها على غذائها أكثر سهولة، فإن الحشرات العضوية ~~مثلا، وهي التي تشابه العصا، لا يمكن أن نفرق بينها وبين أي غصن من الأغصان التي اعتادت ~~ارتيادها، وبذلك تتهيأ بفرصتين: الأولى خديعة أعدائها، والثانية مخادعة فرائسها، إذ تنبو عن ~~أنظارهم، فيفوت الأولين افتراسها، ولا يفوتها افتراس الآخرين. # عثرت ذات يوم على حرباء في شمالي مصر، وكانت على غصن شجرة بجواري، ولم ينبهني إليها ~~إلا طفل صغير أمسك بها فأزعجته حركتها البطيئة، إذ كان يتصور أنها جزء من الشجرة لا حيوان متحرك، ~~فنقلتها إلى غصن شجرة أخرى أقل اخضرارا، فامتقع لونها أولا ثم لم تلبث أن أصبحت بلون ورق ~~الشجرة تماما، ولما لففتها بقطعة قماش سوداء اسود لونها بسرعة، ثم نقلتها فجأة إلى صندوق لففته ~~بقطعة قماش حمراء فاحمر لونها إلى درجة ما، وهكذا دواليك لا يحيط بها وسط إلا واندمجت فيه ms160 ~~بسرعة حتى ضرب بها المثل في التقلب وعدم الثبات على شيء واحد. والظن الغالب أن الطبيعة لم تحب ~~الحرباء بهذه الصفة إلا لتعوض عليها ما خصتها به من ثقل الحركة وبطء الانتقال، فإنها إذ تقتات ~~على الحشرات دون غيرها لا تستطيع أن تقبض عليها إلا إذا خدعتها الطبيعة عن الحرباء بخداع المحاكاة ~~في اللون. والحرباء لا تهاجم فرائسها، بل تظل إذا ما أخذت لون الوسط المحيط بها واقفة بضع ساعات ~~تنتظر أن تقترب منها حشرة فتلتهمها، فلو أنها خصت بصفة الثبات على حالة واحدة لاستطاعت الحشرات ~~أن تميزها بسهولة، وكان من الواجب في تلك الحال أن تخصها الطبيعة بسرعة الحركة وإلا انقرض ~~نوعها. # ولا تدل المحاكاة في مباحث التاريخ الطبيعي على مشابهة آتية من طريق الإرادة والإدراك، فإنها ~~صفة لا إرادية تتصف بها الحيوانات وتوجه بكليتها إلى نفع الأحياء. وكل ما يعنى بالمحاكاة ~~إنما ينحصر في مماثلة ذات فائدة تعطي الحيوانات المحاكية فرصة للاختفاء عن أعين مفترسيها، أو ~~تزودها بصفة تجعل حصولها على غذائها أكثر سهولة وأسرع متناولا. # وليست المحاكاة صفة شائعة بين الحيوانات العليا، فهي نادرة بين الحيوانات الفقارية، وهي ~~أشد ندرة بين الثدييات، فإن علماء التاريخ الطبيعي لا يروون من حالات المحاكاة بين الثدييات سوى ~~حالة اختص بها جنس يقطن بعض جزر الملايو ويدعى اصطلاحا في اللسان الحيواني «الكلادوبيت # Cladobates ~~» وهو من الحيوانات الحشرية آكلة الحشرات # Insectivora ~~، فإن كثيرا من أنواعه تحاكي السنجاب العادي في ~~الحجم واللون وفي كثاثة شعر الذيل وكثافته، ولقد قال فيه العلامة «وولاس» زميل «داروين»: إن ~~هذه الصفة قد تساعد تلك الأنواع على أن تفترس الحشرات والطيور التي تغتذي بها بسهولة، إذ تخدع ~~عنها تلك الحيوانات بالسنجاب الذي لا يأكل إلا الثمار. وفي هذه الحال وغيرها من الحالات الشبيهة ~~بها لا تعد المحاكاة صفة واقية، أي صفة سلبية، بل صفة هجومية إيجابية ينتفع بها الحيوان في ~~الحصول على غذائه. # أما في الطيور فقد ذكر مستر «وولاس» أن مشابهة «الكاكو # Cuckoo ~~»، وهو طير ضعيف الجسم ms161 فاقد القوة لا يحسن عن نفسه دفاعا، لجنس البازي ~~ولطيور الفصيلة الدجاجية # Gallinaceous Tribe ~~؛ قد تعد حالة ~~من حالات المحاكاة الحقيقية. غير أن لدينا مثلا آخر من أمثلة المحاكاة بين الطيور، ففي أستراليا ~~وما يجاورها من البقاع يقطن نوع من الطير يقال له في اللسان الحيواني «تروبيدورنكس # Tropidorhynchus ~~»، تكونه أفراد من الطير قوية العضلات كثيرة ~~النشاط، مجهزة بمخالب قوية، ومناسر حادة مرهفة، ومن عاداته أن تجتمع أفراده في جلبة وصياح ~~عال، فتستظهر على أنواع الغربان والبزاة على قوتها في القتال وصبرها عليه، لأن ذلك النوع فيه ~~قدرة على النزال، فضلا عن حبه للمغالبة وخوض المعارك الحامية الوطيس. وفي نفس تلك المنطقة تعيش ~~أنواع أخر من الطيور المغردة تكون جنسا يسمى «ميميتا # Mimeta ~~»، وهي لا تشابه بقية أجناس فصيلتها، فإنها ضعيفة البنية قاتمة اللون، فهي ~~إما سمراء وإما زيتونية إلى خضرة داكنة. وتجد أن أنواع هذا الجنس تشابه في كثير من الحالات أفراد ~~«التروبيدورنكس» التي تقطن وإياها في بقعة ما، ففي جزيرة «بورينو» مثلا تتشابه أنواع الجنسين ~~مشابهة كبيرة، أتى على ذكرها العلامة «وولاس» وأفاض في وصفها ببلاغته المعروفة. # وذكر مستر «وولاس» عند المحاكاة بين الزواحف أمثالا فيها غرابة، فإن في أمريكا نوعا من ~~الأفاعي الاستوائية السامة يدعى في اللسان الحيواني «إيلابس»، مطوق الجسم بدوائر ذات لون ~~بهي لامع، تحاكيه عدة أنواع من الأفاعي غير السامة، ولا تمت إليه بشيء من الخصائص والعادات ~~الحيوية، ولكنها تقطن معه في بقاع ما، فالأفعى السامة التي تقطن مقاطعة «غواتيمالا» وتسمى ~~اصطلاحا «إيلابس فلفوس # Elaps Falvus ~~» لها دوائر سوداء على جسم ~~كهرماني إلى حمرة، أما غير السامة وتدعى اصطلاحا «بليوسيرس إكوالس Pliocerus acquilis ~~»، فتشابه الأولى في اللون تماما، وهذه الصفة تهيئ الأفعى غير ~~السامة المعدومة السلاح بمهيئات الوقاية، لأنه كثيرا ما تنفر منها الحيوانات، وعلى الأخص ~~الطيور التي تغتذي بها، إذ غالب ما تخدع عنها بالأفعى السامة، وبذلك تتهيأ لها فرص ~~البقاء. # على أن المحاكاة لا تقتصر على أنواع الحيوان وأجناسه وفصائله، بل تتعدى إلى ms162 النبات. غير أن ~~أغرب ما وقفت عليه من حالات المحاكاة بين النبات نوع من أهليات أمريكا الاستوائية يشابه كثيرا ~~من أنواع العوسج والقتاد التي تنمو في أدغال متقاربة. ومن صفات هذا النوع أنه مهيأ بمعدات ~~للقبض تنكمش إذا ما لامستها أنواع خاصة من الطير كصغار العصافير وغيرها. وهنالك أفعى كمهاء لا ~~تعيش إلا بالقرب من تلك الأشجار، فإذا وقع طير في شراك الشجرة امتدت إليه الأفعى والتهمته ~~غنيمة باردة. فإذا انقرض هذا النوع من الشجر، أو إذا انقرضت الأنواع التي تحاكيه، أو انقرضت أنواع ~~الطير التي يقبض عليها ويفترسها إذا ما لامسته؛ انقرضت أنواع من الأفاعي الكمهاء التي تعيش في ~~تلك البقاع. # وهكذا تجد في الطبيعة من أمثال هذه العظات البالغة ما يقف أمامه العقل مبهوتا. ويكفي للباحث ~~الخبير أن يقف على سر من تلك الأسرار التي تقوم عليها الحياة العضوية فوق هذه الأرض؛ ليعلم أن جهل ~~الإنسان بحقائق الكون يزيد بنسبة علمه، فالإنسان في دائرة البحث مثله كمثل من يصعد في سلم ~~حلزوني يزداد اتساعا كلما ازداد ارتفاعا، وهو كلما صعد فيه يمتد نظره إلى علم مجهول لا نهاية ~~له. # | النهضة الشرقية الحديثة # أظهر مظاهرها وأبقى آثارها # تكاد تكون «النهضة الشرقية» لكثرة ما تلوكها الألسنة اصطلاحا يدل على منحى برأسه في ~~مناحي التاريخ الحديث، فلا تكاد تفتح صحيفة أو تتصفح مجلة حتى تجد «النهضة والشرق» متضايفين ~~متلازمين تلازم أسماء الأعلام المكونة من مضاف ومضاف إليه، ولقد ثبت بجانب هذا الاصطلاح ~~اصطلاح آخر هو اصطلاح «الأدب الجديد». وكلاهما اصطلاح من أوضاع السنوات العشر الأخيرة لم يخرجا ~~بعد عن طبيعة المصطلحات، إذ تحمل أكثر من معنى وتدل على أكثر من فكرة واحدة. # يقول لك قائل إن الشرق في نهضة وإن الأدب في تجديد، فإذا سألته ما هي أظهر مظاهر النهضة ~~الشرقية؟ أو ما هي أظهر مظاهر التجديد في الآداب؟ خرج بك في نظرية إلى أخرى وولج بك من باب إلى ~~باب، من غير أن ينتهي إلى نتيجة محدودة أو غاية معروفة. ms163 والحق أن ذلك راجع إلى طبيعة المصطلحات، ~~وهي من طبيعتها قريبة جهد القرب من طبيعة التعاريف والحدود، إذ تتحيز في ذهن كل باحث على مقتضى ~~الآراء التي هي أكثر من غيرها في ذهنه ثباتا وأشد استقرارا. # وقد تدل هذه الفوضى الفكرية على أشياء عديدة، فهي إما أن تدل على اضطراب في الأفكار يخيل ~~إلينا أنه نهضة صحيحة، وإما أن تدل على عجز في أساليبنا الفكرية التي انتحيناها في العهد الحديث ~~يحول بين قوانا المفكرة والكشف عن حقيقة شيء تحيط بنا أسبابه ولا نستطيع تحديده ، وإما أن تدل ~~على نزعة إلى نهضة لم نبلغ بعد أسبابها، وإما أن تدل على أننا أخذنا بأسباب نهضة صحيحة غيرت من ~~أساليبنا العتيقة التي ورثناها عن القرون الوسطى. # لهذا ولكثير من الأسباب أشعر بعبء المسئولية إذ أحاول أن أكتب في أظهر مظاهر النهضة الشرقية ~~خلال الخمسين الفارطة من السنين، وما يرجع شعوري بهذه المسئولية إلى شيء مثل رجوعه إلى الاعتقاد ~~بأننا محتاجون إلى تحديد معنى النهضة تحديدا دقيقا قبل أن نحاول الكتابة في أظهر ~~مظاهرها. # على أنه من الجائز أن أحدد النهضة تحديدا يخالفني فيه كثير من الكتاب والباحثين، غير ~~أني على أية حال لا أستطيع أن أعدو القاعدة قبل أن أفكر في موضوع كثر فيه الجدل واختلفت فيه ~~وجهات النظر اختلافا كبيرا، فلست أجد في استطاعتي أن أحدد معنى النهضة تحديدا يبعد عن مقتضى ما ~~توحي إلي به أشد الآراء في ذهني استقرارا وأكثرها ثباتا، وما أجد في ذهني اليوم من الآراء ما ~~هو أشد ثباتا من رأيين: الأول أن النهضة لن تحدد بأكثر من أنها تغير من الأساليب على مقتضى ~~الحاجات العامة التي تحيط بالجماعات، والثاني أن تغير الأساليب من مجموعها وجزئياتها يجب أن يساير ~~سنن النشوء والارتقاء حتى يصبح أساس النهضة ثابتا بعيدا عن السطوة القائمة على غير أساس ~~طبيعي. # أما إذا حددنا النهضة على مقتضى هذا الرأي وتساءلنا: أمن نهضة في الشرق؟ لم يسعنا إلا أن ~~نسلم بأن الشرق الأدنى قد ms164 أخذ بأسباب نهضة كبيرة تناولت كثيرا من الأساليب العتيقة التي ~~ورثناها عن القرون الأولى، غير أننا بجانب هذا لا ننسى أن نذكر أن تغير أساليب الفكر العلمي ~~والأدبي في الشرق بأجمعه لا تزال في درجة فاتها فيها كثير من الأساليب الأخرى التي تكون مهيئات ~~النهضة العامة. أما إذا تساءلنا: هل ماشت أساليب النهضة على مقتضيات النشوء والارتقاء؟ فإننا لا ~~نستطيع أن نجيب جوابا يرضي نزعة المتفائلين، فإن الفوضى التي نرى بواعثها محيطة بنا ليس لها من ~~سبب إلا أننا لم نماش روح النشوء والارتقاء في تهذيب الأساليب القديمة وبناء الأساليب الجديدة. ~~لهذا نقول بأننا في عصر انتقال، وما عصر الانتقال لدى الواقع إلا عصر تتهدم فيه أساليب عتيقة ~~لتحل محلها أساليب مستحدثة، من غير أن يكون لقواعد النشوء والارتقاء نصيب في الهدم ~~والبناء. # نخلص من هذا بنتيجة محصلها أننا بدأنا بنهضة، أو بالأحرى أننا في غمرات نهضة، أثر النشوء ~~والارتقاء في بناء أساليبها الجديدة وتهديم القديمة ضئيل، وأن ذلك هو السبب الأوحد فيما يغشى ~~نهضة الشرق من الفوضى الاجتماعية، بل إننا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن هذا السبب هو الذي يجعل ~~يقيننا بمستقبل النهضة متراوحا بين التشاؤم والتفاؤل والشك واليقين. # الأساليب مثل تقبض على زمام الشعوب بخناق وتأخذ الجماعات، وعلى قدر ما يكون في تلك المثل من ~~الرقي أو الفساد تكون منزلة النهضة التي تقوم على تلك الأساليب بمقتضى الضرورة، فأي الأساليب ~~انتحت أمم الشرق الأدنى فيما نسميه بنهضتها الحديثة؟ وأي أسلوب من تلك الأساليب العديدة كان ~~أبعد غورا في تصوراتها ومشاعرها فكان بالاستتباع أبلغ أثرا في تكوين نهضتها؟ ولا خفاء أن ~~الجواب على هذا السؤال يسلم بنا إلى الحكم في مظاهر النهضة الشرقية أيها كان أمعن في التصور ~~العام تغلغلا وأثبت في هز النفوس نحو النهوض يدا. # وأما إذا تساءلنا هل تورث أساليب الفكر والحضارة كما تورث الصفات العضوية من السلالات ~~القريبة الأنساب؟ لما وسعنا إلا أن نقول بأن أساليب الفكر لا تورث، وما يدلك على شيء من ms165 حقيقة ~~هذا الرأي مثل نظرك في وراثة العرب عن العالم القديم، فالعرب ورثة الرومان، والرومان ورثة ~~اليونان. غير أنك تجد أنه بقدر ما كان في الأساليب السياسية والاجتماعية الرومانية من أثر الحضارة ~~اليونانية، تجد أن حضارة العرب كانت أقل الحضارات تأثرا بالأساليب الرومانية واليونانية، ولعل ~~السبب في هذا أن مدنية العرب قد تأثرت بدعوة جديدة قامت على أساليب مغايرة تمام المغايرة لما ~~سبقها من الأساليب. وليس لنا أن نبحث الآن فيما كان من أثر هذه الدعوة في الحضارة العربية، وإن ~~كان إجمال القول فيها ينزع بنا إلى الاعتقاد بأنها كانت ضررا، وأن ضررها قد ظهرت صوره بارزة ~~في كل صفحة من صفحات التاريخ العربي. # ويكفي عندك أن تنظر في الفرق بين أساليب الحكم والقانون في مختلف هذه المدنيات، تجد أن ~~الرومان قد تأثرت أساليبهم بأساليب اليونان السياسية أكثر مما تأثرت قوانينهم، وأن العرب كانوا ~~أبعد كل الأمم الحديثة عن التأثر بشيء من روح تلك الأساليب. # وليس لي أن أستطرد في الشرح والبيان، وإن كنت كثير الشوق إلى الإفاضة في هذه المقارنات ~~التاريخية التي تظهرنا على حقيقة السبب الذي قعد بأمم الشرق عن مجاراة الأمم الغربية في ~~انتجاع الأساليب التي أسلمت بها إلى حضاراتها الحديثة، لهذا نمضي في بحث موضوعنا قانعين بأن ~~أبين مظاهر النهضة في الشرق القريب هو تغلغل روح القانون الروماني وأنظمة الرومان السياسية، ~~وذلك في معتقدي أعظم ما ورث العالم الحديث عن أسلافه الأول، وأهم ما أدمج في تضاعيف الأساليب ~~الحديثة المسايرة لمقتضى الحاجات الاجتماعية التي تحيط أسبابها بأمم الشرق في هذا الزمان. ~~••• # لقد تغيرت الفكرة في القانون تغيرا كاملا في الحضارة الرومانية، فمن فكرة فيه على أنه شيء ~~يجب أن يطاع، لأنه مجرد إرادة شخص أو ذات سادت على الناس ولها من القوة ما تستطيع به أن تفرض ~~عقابا على كل من يحاول الاعتداء على قانونها الإرادي؛ إلى فكرة سامية توحي إلى الناس بأن القانون ~~إنما يمثل تلك الإرادة العامة أو الإدراك العام المستمد من روح الجمعية ms166 الإنسانية، وأن الخضوع ~~للقانون إنما هو خضوع للحاجات التي تتطلبها مصالح الأفراد والجماعات، أو هو عبارة عن أسلوب من ~~المكافأة بين الحالات الاجتماعية ومقتضيات الواقع المحسوس. # وبعد أن تغير النظر في القانون وأصبح لأول مرة في تاريخ الدنيا قائما على هذا الأساس ~~الاشتراكي الثابت، ظهرت نتائج عديدة ظلت مؤثرة أثرها المحتوم في كل ما ظهر في النظام الاجتماعي ~~الحديث من الصور، ولقد مضت تلك النتائج ملابسة لمرافق الحضارات منذ بداءة العصر الروماني، وما كنت ~~لترى لها من أثر في كل المدنيات التي قامت وفنيت فوق هذه الأرض من قبل. # كانت أول تلك النتائج الاعتقاد بأن القانون شيء فيه مطاوعات الاشتقاق والنشوء، وأنه ليس ~~بالشيء الجامد المستمد من مصادر ليس للعقل ولا للإرادة الإنسانية أن تمتد إلى آثارها بتبديل أو ~~تغيير. فإن الاعتقاد بأن القانون ليس سوى ذلك التصور الذي يقوم عليه ما نسميه العدل، وأنه ليس بحق ~~الأقوى في فرض إرادته على غيره، قد أدى بالناس إلى معتقد آخر محصله أن القانون شيء ينمو وينشأ على ~~مقتضى الحالات والبيئات، وأنه لا بد من أن يمضي متغيرا حتى تتم الألفة بينه وبين ما يتطلع إليه ~~الناس من بلوغ الغاية المثلى في الآداب العامة. # أما تصور القانون خلال المدنيات القديمة برمتها فكان على نقيض التصور الروماني، فإن القانون ~~في تلك العصور لم يخرج عن أحد أمرين: فإما مجموعة من مختلف الإرادات يفرضها تعصب الفاتحين ~~والأمراء المستبدين بأمرهم، وإما مجموعة من الأوامر والنواهي تستخلص من عالم الغيب تصورا، وتؤخذ ~~على أنها إرادة الآلهة الموكلين بأمر هذا العالم. من هنا ذاع الرأي بأن القانون شيء ثابت لا ~~ينتابه تغير ولا يعتريه تبديل أبدا، وما ذاع هذا الرأي إلا مطاوعة للاعتقاد بأنه النتيجة ~~المباشرة لما تفرضه القوة المتسلطة على رقاب الناس. أما مضى الجماعات قانعة بأنها ملزمة بطاعة ~~القانون فلم يكن راجعا إلى الاعتقاد بأن ذلك مساير لمقتضى الحق والعدل، بل لأن القوة التي تفرضه ~~عليهم لا يمكن مقاومتها، لهذا ظل القانون طول الأعصر التي ms167 سبقت العصر الروماني تقليدا جامدا ~~مواتا، لا تغيير ينتابه ولا تبديل يغشاه. # على هذا مضى الإنسان خاضعا لحكم الوراثة والتقليد الذي خرج به عن قانون الجمعيات الإنسانية ~~في عصور الهمجية الأولى، وظلت الجماعات موقنة بأن القانون تفرضه عليهم إرادة خارجة عن إرادتهم، ~~وأن الواجب عليهم إطاعته، لا لأنه حق وعدل بل لأنه تنفيذ لإرادة الأقوى، حتى ظللت العالم مدنية ~~الرومان بظلالها الوارفة، وحينذاك تغيرت الفكرة في القانون، وعلى أثر الرومان سارت الجمعيات ~~البشرية الراقية في كل عصور الحضارات الحديثة. على أن هذا لا ينافي القول بأن اليونان أول من ~~فرخت في عقولهم جرثومة التشريع على قواعد مبتكرة. # هنالك نتيجة أخرى اقتضاها تغير الفكرة في القانون، فإن الجماعات التي تنظر في القانون نظر ~~القانع بأنه ليس خاضعا لإرادة الأفراد ولا لسلطان الأثرة والقوة، ولا لموحيات الغيب، بل تنظر ~~فيه على أنه أداة ينميها العقل وتقضي بها حاجات الاجتماع، وبذلك يصبح خاضعا للنماء قابلا ~~للنشوء؛ لا بد من أن تشفع هذا الاعتقاد بآخر مكمل له، هو أن القانون إنما تلده الآداب العامة، ~~وأن الآداب ليست نتاجا للقانون، فإن القانون أينما نظر فيه نظرة اليقين بأنه شيء قابل للنشوء ~~خاضع للارتقاء، فلن تجده إلا سائرا في سبيل يكافئ من ناحية بين خصائصه الكامنة في تضاعيفه وبين ~~ما تتطلب الآداب العامة من المبادئ خلال كل عصر من العصور. غير أن القانون لا يطفر مطلقا إلى ~~الغايات والمثل التي ينشدها الفلاسفة، ويدعو إليها الخياليون، بل يمضي في هوادة الحكمة وتؤدة ~~النشوء مسايرا لمطاليب الآداب العامة يمثلها السواد الأعظم في جماعة ما، تاركا تصورات الغايات ~~والمثل العليا محصورة في عقول الطبقات المنتقاة. # وبعد أن بلغت الفكرة في القانون هذا المبلغ، وأصبح القانون عبارة عن قوة معنوية تمثل تلك ~~الصور التي تستحيل إليها الآداب العامة في جماعة ما؛ سايرت الفكرة في طاعة القانون مقتضى ذلك ~~الحال، فحملت على ناحية الاقتناع باحترامه لذاته لا لشيء آخر، وأضحت القوات القائمة على ~~صيانة القانون مسخرة لدى الواقع للمحافظة على مصالح ms168 الأغلبية الخاضعة له ضد الأقلية الخارجة ~~عليه. # أما النتيجة الثالثة التي اقتضاها تغير النظر في القانون، فشعور الناس بأن القانون، وقد أصبح ~~الحارس المسخر لصيانة مصالح الجماعة، القائم حفيظا على كيانها وحقوقها؛ شيء مقدس يجب أن يبذل ~~كل فرد ما يستطيع في سبيل حمايته، حذر أن تجتاحه نزعات فاسدة تتحكم فيه بمثل ما تحكمت في ~~العصور الأولى. وعلى مقتضى ذلك لم يصبح القانون قوة عمياء تتسلط في رقاب الناس ومصالحهم تسلط ~~الاستبداد والعسف، بل أصبح منفعة عامة من حق كل فرد أن يدافع عنها بالوسيلة التي يراها ناجعة ~~إذا ما امتدت إليها يد طامعة تحاول الافتيات على حرمتها. # ولقد تقوم فى رءوس بعض الأفراد تصورات توحي إليهم بأن ما يتطلب الخضوع للقانون من ضروب ~~الإلزام قواسر تنافي ما تنزع به إليهم مشاعرهم. غير أنه كان لهذه الحالات السلبية نتائج عظمى، فإن ~~الشجار الذي أحدثته ولا تزال تحدثه لم ينتجه إلا ارتقاء في الفكرة القانونية وتطور في تصورات ~~الناس من حيث النظر في مصالحهم العامة. غير أن هذه الحالات نادرة الحدوث، وهي لندرتها لا تؤثر ~~في الفكرة الأصلية التي تقوم عليها الحضارات من ناحية القانون، فكرة أنه ليس من المستطاع أن تبلغ ~~مبلغا من الحضارة ثابتا، من غير أن يعتنق السواد الأعظم من أفرادها مذهب أن الالتزامات ~~القانونية ليس معناها طاعة القانون لمجرد الطاعة القاسرة، بل معناها أن هذه الطاعة يجب أن تكون ~~بمحض الاختيار الذاتي لا خوفا من قوة زمانية ولا روحية، وأن الدفاع عن القانون وحمايته واحد على ~~كل فرد من أفراد الجماعة. # ولما بلغت الفكرة الرومانية في القانون هذا المبلغ تبعتها فكرة أخرى هي أن القانون ما ~~دام عبارة عن تلك القوة التي تقوم حفيظة على مصالح الكل الاجتماعي، وأنه لا بد من أن يمضي ~~متطورا ليحتفظ في تضاعيفه بتلك الألفة التي تتطلبها حاجات المجتمع؛ ترتب على ذلك أنه لا تمس ~~القانون يد غير يد الأمة، أو بالأحرى يد الطبقة المنتقاة من أفرادها بعد انتخابهم على مقتضى ما ms169 ~~تتطلب الحريات من الوسائل المشروعة. # هذا ما أدت إليه سلسلة التفكير في القانون على النمط الروماني، على الضد مما قال به خياليو ~~الكتاب، ومن أيد منهم مذهب سلطة الفرد على أن يكون عادلا، فإن النزعة الرومانية كانت تفضل ~~دائما استبداد الجماهير على عدل الأفراد. ولقد أيدت هذه النزعات نظرية أخرى ظلت بارزة في كل ~~العصور، فقد دلت تجاريب الرومانيين العديدة على أن في المساوئ الاجتماعية قوة تذهب بها إلى حد ~~من الصراع والجلاد تفني فيه إحداها الأخرى، كما يستدل على ذلك بتاريخ الصراع بين الطبقات طول ~~عصر الجمهورية والإمبراطورية، فمهما كان في حكم الجماهير من المساوئ فإن نظام التصويت العام يفسح ~~مجال التناحر أمام المساوئ الاجتماعية، حيث يلقي بها في ذلك الجو الذي يمهد السبيل لأقوم النزعات ~~البشرية لكي تسود على غيرها. ~~••• # كان تصور الحرية بعد تصور القانون الأساس الثاني بل الركيزة الثانية التي قامت عليها ~~الحضارة الرومانية. أخذ الرومان الحرية على أنها تصور لا يقوم للإنسانية من معنى سام أو ~~غاية مثلى في نفس فرد أو جماعة من غير أن ينزل منها منزلة التقديس والاعتقاد بأنها من مقومات ~~الحياة الاجتماعية، بل بأنها أول حق من حقوق الإنسان الطبيعية. ومن أجل أنهم اعتقدوا بأن الحرية ~~تصور ثابت يبعث في النفس روحا حية أبدا، وليست بمذهب يجوز أن يجري عليه حكم المذاهب من حيث ~~البقاء والفناء؛ لهذا استعصى عليهم أن يحددوها بالتعاريف، ولهذا تجد أن المعارك التي قامت بها ~~الطبقات الرومانية في سبيل الدفاع عن حريتها والسبل التي سلكتها في هذا الدفاع مشعبة الأطراف ~~كثيرة الحلقات، وهل كان تحطيم قرطاجنة وتشتيت اليهود إلا حلقتين من هذه الحلقات العديدة؟ # كان المحور الذي دارت من حوله تصورات الأمة الرومانية هو الاعتقاد بأن الحرية حق طبيعي يقوم ~~بقيام الفرد أو بتكون الجماعة، وأنه ليس لأحد من سلطة في انتزاعه أو انتقاصه من أطرافه. ذلك هو ~~حق الحرية في أن تمضي الجماعة أو يمضي الفرد مقودا بمقتضى ما يوحي إليه به ضميره من تكييف ~~الحالات ms170 التي تحيط به في الحياة، وفي توجيه الفرص التي تسنح له كيفما شاء في حدود القانون ~~العام. # أما الحريات عند الرومانيين فثلاث: حرية الإرادة، وهي عبارة عن حرية الفرد في تحديد أفعاله ~~على مقتضى ما تحتمل نفسيته من تصور لغايات الآداب المثلى. وحرية الفكر، وهي حق الفرد في أن يتبع ~~بلا خوف ولا وجل موحيات عقله، من غير أن يعوقه عن ذلك تدخل السلطات ولا كرهية الجماهير ~~ونزعاتها. والحرية السياسية، وهي حق الفرد في أن يتحرر من عسف السلطات الاختيارية وفي أن يشترك ~~في وضع القوانين العامة أو في صبها في قالب تتطلبه المقتضيات، ولا شبهة في أن هذه الحريات ~~الثلاث هي الغايات المثلى التي تتطلبها الجماعات لتكون حائزة لكامل حريتها. # إن النظر في القانون وتصور الحرية على هذه القواعد شيئان لا بد من أن ينتهي بهما الأمر إلى ~~الجلاد والتناحر على البقاء، ولا مرية في أن الجلاد بينهما يكون تاريخ المدنيات الحديثة ~~التي قامت على أساس القانون والحرية متلازمين منذ بداءة العصر الروماني. على أن التناحر بين ~~القانون والحرية لن ينتهي بانتصار أحدهما على الآخر، أو تنتهي صورة من صور المدنية لتقوم أخرى ~~مقامها، فإن القانون إن انتصر على الحرية أصبح استبدادا، وإن انتصرت الحرية على القانون أصبح ~~الأمر فوضى. أما القاعدة الصحيحة في تنازع القانون والحرية من جهة، وتلازمهما من جهة أخرى، فتنحصر ~~في أن الحرية تمد القانون بكل المهيئات التي تحفظ عليه قسطا من قوة الحياة يسير به دائما ~~في مدارج النشوء والارتقاء، في حين أن القانون يمد الحرية بقسط من النظام يوقفها دائما عند الحد ~~الذي إن تعدته انقلبت فوضى. أما النزاع بين المبدأين فباق، وأما التلازم بينهما فخالد، وكلا ~~الأمرين تقتضيه طبيعة الأشياء الإنسانية، وما مثل المدنية في مظاهر الحياة الاجتماعية إلا كمثل ~~الدقائق المادية في مظاهر الطبيعة، فكما أن في الدقائق قوتي جذب ودفع لا بقاء لكيان الدقائق ~~بغيرهما، كذلك المدنية لا بقاء لها بغير قوتي القانون والحرية. وهذه القوى على تنافرها فيها من ms171 ~~قوة التأليف ما لا يتفق لغيرها في عالمي الطبيعة والاجتماع. # وأما نصراء القانون في كل أدوار التاريخ فهم المحافظون، وأما نصراء الحرية فهم الأحرار، ~~وهذان الحزبان قائمان في أحشاء كل حضارة تقوم على القواعد الرومانية ولو لم تظهرهما طبيعة النظام ~~الاجتماعي في بعض الأحيان وتحت تأثير بعض الأحوال، ولقد كان لوجود هذين الحزبين في الحضارة ~~الرومانية نتائج لا تزال آثارها حتى اليوم بارزة في جبين المدنيات الحديثة. ~~••• # هذه هي الآثار التي خلفها التشريع الروماني للحضارات التي قامت بعد العصر الذي ازدهت فيه ~~مدنية الرومان ، وتلك هي الأساليب التي انتجعتها الأمم الحديثة في نهضتها القريبة. وما هذه ~~الآثار وتلك الأساليب إلا مبادئ عامة اقتبستها أمم الشرق الأدنى خلال الخمسين الفارطة من السنين، ~~لتجعلها لنهضتها الحديثة أساسا، وهذا في الواقع أظهر ما في النهضة الشرقية من الآثار، قانون من ~~الجماعة وللجماعة يحدد حريتها، وحريات تهيئ القانون بأسباب الحياة، وصراع بين الناحيتين يمدهما ~~بأسباب البقاء ويهيئ للأمم سبل النشوء والارتقاء. # | طابع المدنية الحديثة # مدنية الفرد ومدنية الجماهير # يرى كل كتاب العصر الحديث الذين يتجشمون مئونة التفكير في تاريخ التقدم الإنساني أن ~~الشعب اليوناني القديم هو أرقى شعب أقلته الأرض من حيث النضوج الفكري، فما من شيء ابتكر في ~~العلوم، وما من رأي ذاع في موضوع من موضوعات الفلسفة أو نظريتها أو مذاهبها الكثيرة إلا وتجد له ~~بداية في تاريخ الفكر اليوناني. حتى ذلك الشيء الذي يعد من مفاخر القرن التاسع عشر، ذلك الأسلوب ~~اليقيني العلمي الذي ندعي بأن أوغست كونت أول من وضعه، والحقيقة أنه أول من شرحه؛ تجده جليا ~~ظاهرا في مباحث أرسطوطاليس العلمية وفي مقدمات تيوسيديديس التاريخية. وأي كبير فرق بين ما تجد ~~في مقدمات تيوسيديديس وبين ما يدعو إليه اليوم أعلام السوربون في فرنسا من توخي الطريقة العلمية ~~في بحث معضلات التاريخ؟ بل أية ميزة يمتاز بها بحاثو العصر الحديث على أرسطوطاليس في طريقته ~~التي توخاها في شرح المنطق أو التاريخ الطبيعي أو الأخلاق وهي لا تؤمن إلا بما يأتيها ms172 من طريق ~~الحواس المستندة إلى المشاهدة وصدق الاختبار؟ لهذا يمضي الكتاب بلا شذوذ معتقدين أن الشعب ~~اليوناني القديم هو أرقى شعوب الأرض من الأسلاف إلى خلائف القرن التاسع عشر. # على هذا نستند إذا نحن مضينا في هذا البحث لنقرر بأن الإنسان لم يرتق منذ العصر اليوناني ~~الأول حتى اليوم في الكفاءات العقلية، فالإنسان في مدى خمسة وعشرين قرنا من الزمان لا يزال يتطلع ~~إلى أرسطوطاليس وأفلاطون وسقراط كأكبر العقول التي أنبتتها الإنسانية في كل عصور تاريخها، وفي ذلك ~~بلاغ بين نستند إليه في ما نريد أن نذهب إليه في بحثنا هذا. # وعلى هذا الرأي ذاته يمكنك أن تعكف إذا أنت أردت أن تنظر في رقي الإنسان الأخلاقي، فإن ~~الأمثال التي ضربها لنا بضعة أفراد أنجبهم الشعب اليوناني القديم لا تزال الأمثال المحتذاة ~~حتى اليوم في آداب السلوك. والسبب في هذا أننا لسنا بأقل منهم معرفة بما يجب علينا من الآداب ~~والأخلاق، بل لأننا نعرف ولكنهم كانوا يعتقدون، كانوا ذوي يقين ثابت في أن الواجب يحتم عليهم ~~اتباع سبيل الفضيلة عملا لا قولا، فهم الذين نفذوا تعريف الأستاذ هكسلي في الدين قبل أن ~~يأتي هكسلي إلى عالم الوجود بخمسة وعشرين قرنا من الزمان، هم الذين عرفوا أن «الدين هو إجلال ~~المثل الأعلى من الأخلاق ومحبة العمل على تحقيقه في الحياة» كما يقول هكسلي أستاذ القرن التاسع ~~عشر. وهم الذين قال لهم شيخ فلاسفتهم الأخلاقيين أرسطوطاليس: «في الشئون العملية ليس الغرض ~~الحقيقي هو العلم نظريا بالقواعد، بل هو تطبيقها، ففيما يتعلق بالفضيلة لا يكفي أن يعلم ما هي، ~~بل يلزم زيادة على ذلك رياضة النفس على حيازتها واستعمالها. ولو كانت الخطب والكتب قادرة وحدها ~~على أن تجعلنا أخيارا لاستحقت، كما كان يقول تيوغنييس، أن يطلبها كل الناس وأن تشترى بأغلى ~~الأثمان، ولكن لسوء الحظ كل ما تستطيعه المبادئ في هذا الصدد هو أن تشد عزم بعض فتيان كرام على ~~الثبات في الخير، وتجعل القلب الشريف بالفطرة صديقا للفضيلة وفيا بعهدها.» # 1 # ومنذ ms173 أن أفلت شمس إغريقية في آسيا وشرقي أوروبا حتى اليوم لا تجد من مثال تحتذيه إلا مثال ~~ذلك الشعب المجيد الذي أورث الإنسانية تراثا من العلم والأدب والفنون لا يفخر به شعب دون شعب، ~~ولا قبيل دون قبيل، بل هو مما يفخر به الإنسان على أنه إنسان ضرب للكون الخالد مثلا أن ~~مستطاعه أن يبلغ من رقي النفس ومن إنكار الذات حد الآداب السقراطية الوضاحة في عصور المدنية ~~اليونانية. # فإذا تركت البحث في الأسباب الخفية الكامنة التي بز بها الشعب اليوناني القديم شعوب الأرض ~~قاطبة ، لما استطعت أن تقع على شيء ينقع غلتك إلا أن تلجأ إلى ما يقول به علماء الوراثة من ~~النشوئيين في هذا الزمان من أن السبب في هذا يرجع إلى صفات توورثت في هذا الشعب ثم نضب ~~معينها شيئا فشيئا حتى تلاشت كوحدة خص بها الشعب اليوناني، وتوزعت على بقية الشعوب التي ~~تخالط دمها بدم اليونانيين القدماء، أو كوراثة تظهر بوادرها من حين إلى حين في بضعة أفراد ما ~~يزالون حتى اليوم أينما ظهروا وحيثما كانوا موضع إجلال الإنسانية وهداتها في ظلمات هذا الوجود. ~~ولكنك إذا لجأت إلى البحث في الأسباب الظاهرة التي ميزت الشعب اليوناني القديم عن كل الشعوب بلا ~~استثناء، وعرجت في بحثك على علم الاجتماع الحديث أمكنك أن تقع على سبب واضح جلي يوقفك على سر ما ~~تريد أن تعرف من أسباب إزاء هذه المسألة التي تظل في نظرك لغزا وعرا ومعضلة معقدة ما دمت بعيدا ~~عن النظر في أسبابها من ناحية اجتماعية صرفة. على أننا لا نريد أن نلف بالقارئ حول الموضوع ضاربين ~~له الأمثال مبينين له الأسباب لنخلص به إلى النتيجة، بل نذهب في بحثنا إلى ضد هذه الطريقة ~~لنقول له: إن الفرق ينحصر في أن الفردية الاستقلالية كانت في العصر اليوناني أقوى منها في كل عصور ~~المدنية، كما أن الاشتراكية الاجتماعية هي طابع هذا العصر الحديث، وهي فوق ذلك نتيجة محتومة ~~للطريقة التي تمشت فيها الجماعات في الأعصر الحديثة. # إن ms174 من أكبر الفضائل التي يحسد عليها القدماء - وعلى الأخص الشعب اليوناني القديم - هو بروز ~~الذاتية الفردية واستقلالها فكرا وعملا وبعدها عن التأثر بحياة الجماهير، لهذا تجد أن الفيلسوف ~~منهم ظهر كفيلسوف علم على طريقة من الفلسفة ومضى ثابت اليقين فيما يوحي إليه به عقله وتملي عليه ~~تصوراته ولو ذاق الموت في سبيل مبدئه، ألم يمت سقراط لأنه مضى طوال حياته يحاول أن يفهم الناس ~~أنهم جهلاء وأن الدعوى والغرور أكبر مفاسد النفس وأكبر برهان على الجهل؟ ألم تر كيف جلس ديوجينيس ~~على باب الأكاديمية لأفلاطون مخفيا ديكا عراه عن ريشه حتى إذا ما عرف أفلاطون الإنسان بأنه ~~حيوان أنسل رمى بالديك إلى وسط القاعة قائلا: «هذا إنسان أفلاطون»، وأفلاطون حينئذ ذلك الرجل ~~العظيم الذي كان يبلغ حب تلاميذه له مبلغ حب العباد الصالحين لمعبوداتهم غير المرئية؟ وهل أتاك ~~حديث أرسطوطاليس إذ ناقش أستاذه أفلاطون فأهانه بعض الطلبة، فتركهم حتى إذا انتهز فرصة غيابهم كتب ~~على السبورة هذه الجملة: «نحن نحب أفلاطون ونحب الحق، فإذا اختلفا فأيهما أولى بالمحبة»؟ وهل ~~عرفت حديث ديوجينيس إذ وقف إزاءه الإسكندر المقدوني وهو جالس بجوار برميله الذي كان يعيش فيه ~~وسأله: هل ترهبني؟ فأجابه: هل أنت صالح أم شرير؟ فأجابه: بل صالح. قال: وكيف أرهبك وأنت رجل ~~صالح؟ وسأله: هل تريد مني شيئا؟ فقال: لا، بل تحول قليلا لأنك حلت بيني وبين الشمس. فهم بعض ~~أتباع الإسكندر بإيذائه، فانتهرهم قائلا: «لو لم أكن الإسكندر لتمنيت أن أكون ديوجينيس»؟ # تظهرك هذه الأمثال البسيطة على تكوين شخصياتهم الفردية، وعلى ثبات عقائدهم التي ترضي عقولهم ~~غير ناظرين إلى ما يعتقده غيرهم. وإن أنت علمت أن الكلبيين كانوا يعتقدون أنهم أكثر أهل الأرض ~~ثروة وأعظمهم في الحطام جاها، وهم بعد تلك الفئة التي كانت تعيش عيش الفقر المدقع؛ لتولاك ~~شيء من العجب ولأخذتك نوبة من التفكير العميق، ولكنك لا تلبث أن تقف على تعريفهم الذي وضعوه ~~للثروة حتى تقتنع بأنهم أسمى أهل الأرض نفسا وأعلاهم في المكارم كعبا وأسخاهم ms175 أكفا وأندى ~~العالمين بطون راح، كما يقول الشاعر العربي، وإن كانوا أشد الناس فقرا وأشدهم عدما وأمعنهم ~~في الخصاصة؛ يقولون بأن ثروة الإنسان تنحصر في عدد الأشياء التي يستطيع أن يعيش بغير احتياج ~~إليها، وهو تعريف فيه كثير من الحق الثابت. وهذه الفكرة على غرابتها وعلى بعدها عن المألوف في كل ~~المدنيات لم تعش ولم يعتنقها أفراد يتبعون أحكامها فعلا لا قولا إلا في بلاد اليونان ~~القديمة، والسبب في هذا أن الشخصية الفردية لم تبلغ تمام تكوينها إلا في ذلك العصر الذهبي بحق كما ~~يقولون . # تمثل لك بعض الأسباب الخفية التي كونت شخصيتهم الفردية في معتقد ثابت كانوا يمضون عليه ~~عاكفين، كانوا يعتقدون بأنهم أبناء آلهة تولاهم نزر من الفساد وانتابهم نصيب من الانحطاط، أما ~~نحن في القرن العشرين فنعتقد بأننا أبناء قردة آخذين في أسباب النشوء والارتقاء. وبمقدار ما تجد ~~من الفرق بين نزعاتنا ونزعاتهم، وبين المعتقدين، تجد التباين بين نظاماتنا التي فنيت فيها ~~الشخصيات الفردية في جوف الجماهير وبين نظاماتهم التي فنيت فيها الجماهير في قوة الاستقلال ~~الفردي. وعلى هذا نستطيع وبكثير من الحق أن نقول إن مدنيتنا الحديثة هي مدنية الجماهير. # قلب نظرك في مختلف جهات المدنية الحديثة، وأجل فكرك في نواحيها المشعبة ونظاماتها ~~الكثيرة، ففي أيها تقع على أثر الفرد المستقل بذاته وعقله بعيدا عن تأثير الجماهير؟ بل امض في ~~بحث مستفيض تقضيه في التأمل من تاريخ النظامات الاجتماعية أهلية وقضائية وحربية وغير ذلك، وقل ~~بعد أن تنظر فيها نظرة تأمل عميقة: أي منها لم تنقلب آيته من العمل على حماية الفرد إلى آلة ~~تستعمل لقضاء مآرب الجماهير وإشباع شهواتها الكثيرة؟ # غريزة القتال من الغرائز الثابتة في الخلق الإنساني، وهي كغيرها من الغرائز لها بداياتها في ~~عالم الحيوان، فهي من الصفات الموروثة عن آبائنا الأولين، غير أن هذه الغريزة تكيفت في عدة وجوه ~~انتقالية، حتى إذا تكونت الأمم في الأعصر القديمة على أن تكون أمما تسكن المدن وتجمع بين أفرادها ~~مصالح واحدة ونزعات ومشاعر واحدة، نشأت ms176 مع ذلك فكرة تكوين جزء من سكان المدنية ليردوا عنها غارات ~~أعدائها ويقومون حراسا على نظامها وعلى كيانها أن تنتابه يد التخريب بمطامع الفاتحين، الذين لم ~~يكونوا ليفتحوا أو يدوخوا بلاد غيرهم من الناس إلا إرضاء لنزوات غريزة القتال الموروثة فيهم ~~كلما حركتها عواملها الخفية. ولما أن ضرب الإنسان بقدمه الثابتة في مدارج المدنية، واتحدت ~~الفصائل الصغيرة فكونت جماعات كبرى، همس وهي الغريزة في ضمير كل فرد من أفراد تلك الجماعات ~~بأنه ملزم بأن يمد يد الحب والعطف وبكل ما أوتي من غرائز الاجتماعية إلى كل أعضاء الأمة ~~التي هو تابع لها ولو لم يكن على صلة بهم، كما يقول العلامة داروين. ولما تكونت مصالح البشر على ~~أن يعيشوا جماعات داخل مدائن العصور الأولى، همس وحي الغريزة فيهم تارة أخرى أن يقاوموا غريزة ~~القتال والفتح بغريزة الاحتفاظ بالذات، فتكونت الجيوش على أن تكون أداة لحماية الأفراد، ولم ~~تقم من حرب هجومية إلا وكان أساسها تخيل الخطر واقعا من ناحية ما، كما حصل في كثير من عصور ~~التاريخ. وعلى الضد من هذا تجد أن أكثر ما تتكون الجيوش في العصور الحديثة، وأكثر ما تلمع حرابها ~~في الأفق أو تبرق سيوفها في ظلام المدنية؛ إنما هو خدمة الجماهير ومصالحها الموهومة، والاعتداء ~~على حرية الشعوب الأخرى اعتداء لا سبب له إلا فتح أسواق جديدة لمتاجر ومصنوعات تزيد على حاجة ~~الجماهير التي تنتجها. وأشد ما تكون اقتناعا بهذا الرأي إذا أنت علمت أن المنتج في العصر ~~الحديث إنما هي الجماهير التي تعيش متطفلة على رءوس الأموال، لا الأفراد الذين استقلوا بعملهم ~~استقلالا يعود به كل الربح الذي ينتج من عمل يدهم عليهم دون غيرهم. # وضعت القوانين والنظامات القضائية في الأزمان الماضية لحماية الفرد المستقل بذاته عن التأثر ~~بحياة الجماهير، أما قضاء عصرنا الحاضر ونظاماته الكثيرة فلم توضع إلا لحماية شركات الاحتكار ~~وأصحاب رءوس الأموال حماية لا خسران فيها إلا على الفرد وعلى استقلاله الذاتي، وما نظام النقابات ~~الحديث الذي أوسعت له القوانين صدرها في ms177 العصر الأخير إلا محنة جديدة من محن المدنية، وما تبدل ~~القانون منها بشيء إلا الانتقال من حماية جماهير الشركات إلى حماية جماهير العمال، فالنتيجة حماية ~~الجماهير والقضاء على استقلال الفرد. # ثم ارجع معي إلى النظامات السياسية وقارن بين نظامات العصر القديم والعصر الحديث، قارن بين ~~مشروع وسياسي كسولون، وهو رجل جمع بين العلم والحكمة وبين العمل على سياسة الشعوب بما تمليه عليه ~~حكمته وما يوحي إليه به علمه، وبين سياسي انتهازي من سياسيي العصر الحديث لا يهمه شيء في الوجود ~~إلا أن يعلو منصة الحكم ويظل ما استطاع عاملا على أن يحافظ عليها بكل طريق ممكن. إن سياسي ~~العصر الحديث لا يحتاج إلى علم ولا إلى حكمة أكثر من أن يقف موقف الجاهل القانع بأن تسيره ~~العناصر، غير عالم إلى أين تجتاحه ولا في أية مهواة سوف تلقي به. هو لا يريد أن يعلم من شيء ~~ولا يهمه أن يعرف في العالم شيئا إلا أن يدرس الحالات القائمة من حوله ليعرف من أين سوف تهب ~~رياح الجماهير في الغد ليتقيها بما يستطيع أن يتقيها به من كذب إلى خداع إلى مواربة إلى قوة إن ~~هيأت له الظروف أن يقمع شهوة الجماهير بقوة سلاحه. # لا يعلم سياسي العصر الحديث أن مهمته إرشادية تعليمية، ولا يعلم أنه مسئول عن مصالح ~~الجماهير، ولا يفقه أن الجماهير لا تعقل بل تشعر، ولا يعرف أن استقلال رأيه والتضحية بمصالحه ~~أول ما يطلب منه كمرشد ومعلم معا، لا يعرف شيئا من هذا، هو بعيد عن حكمة الفلسفة، بعيد عن ~~إرشاد العلم، فهو الجاهل بحق ما عليه من المسئولية. # وهكذا الحال إذا تتبعت بقية نظامات الاجتماع على صورتها المدنية الحديثة، مدنية الجماهير، ~~فإنك تجد أن الفرد قد دالت دولته لتقوم عليها دولة الجماعات المنظمة الخاضعة في نظامها لمجموعة ~~من المبادئ الاستبدادية لا أثر لها في شيء إلا في القضاء على حرية الفرد، ذلك الميراث الذي ورثناه ~~عن المدنيات القديمة ولم نحسن القوامة عليه. # على أنك مهما فكرت ms178 ومهما أجهدت نفسك في البحث لا تستطيع أن تنظر في مستقبل الإنسان نظرة يرضى ~~عنها معتقدك العلمي ويطمئن إليها ضميرك كفرد تقدس حرية نفسك وحرية غيرك، إلا إذا تبدلت جماعات ~~المدنية الحديثة من نظامها الحاضر السائدة فيه روح الجماهير بنظام يكفل حرية الفرد وينمي ~~كفاياته ومواهبه. على أنني أكاد أتطير إلى حد القول بأن الزمان الذي كان في مستطاعنا أن نرجع ~~فيه عن استعباد الفرد لسلطة الجماهير قد انقضى أجله، وكما بدأ انحطاط زواتوسترا عند «نيتشه» ~~بهبوطه من الجبل الموحش إلى عالم المدنية الإنسانية، كذلك أعتقد أن انقلاب الحال من استقلال الفرد ~~في المدنية القديمة إلى استبداد الجماهير في النظام الاجتماعي أول مدرج سوف تنزلق من فوقه قدم ~~المدنية إلى مهاوي الفساد والسقوط. # القاهرة - 1926 # | يعقوب صروف # صورة وذكرى - أثره في علم البيولوجيا ~~(1) صورة عامة # بعد أن توفي اسبينوزا هب أصدقاؤه إلى نشر ما خلف من مؤلفات بعد موته، وكان كتابه ~~«الأوبرا بوستيوما» أول ما وقع عليه اختيار الأصدقاء ليطبع وينشر في الناس، ولم يكد ينشر هذا ~~الكتاب حتى هب اللاهوتيون خفافا وثقالا يناهضون آثار الراحل العظيم، ولم يأت يوم 4 فبراير ~~سنة 1678 حتى صب اللاهوتيون لعنتهم على الكتاب زاعمين أنه كتاب «تجديف لم يظهر له من مثيل منذ ~~أن خلق العالم حتى اليوم.» ولم يمض على هذا الحادث قرنان من الزمان حتى تهيأت النفوس وأعدت ~~العقول لأن يقام لاسبينوزا أثر تذكاري كان من حسن الحظ أن يدشنه «رينان» أحد عظماء القرن الماضي ~~ومن أكبر مؤرخي النصرانية، مشيرا بإصبعه إلى النافذة التي كان يطل منها اسبينوزا على ميدان ~~بافلجوين قائلا: # لعل الله كان أقرب إلى هذه النافذة منه إلى أي مكان في الأرض. # وفي يوم الأحد، 10 يوليه سنة 1927، كنت حيث اعتدت أن ألتقي بأستاذي الراحل العظيم الدكتور ~~يعقوب صروف بعد أن وصل إلى سمعي نعيه ببضع دقائق، ولم أكد أقف أمام حجرته حتى رجعت بي الذاكرة ~~إلى حكمة رينان فقلت في نفسي: «لعل الله كان أقرب إلى هذه ms179 الحجرة منه إلى أي مكان في ~~الأرض.» # وأي مكان في الأرض يمكن أن يكون الله أقرب إليه، أو هو أقرب إلى الله، من مكان يفيض ~~بالعلم والعرفان والعطف والخلق الرضي والسماحة وحب الأقربين والأبعدين على السواء، كأن منازل ~~العلاقات البشرية قد تساوت فيه، فلا يحس قريب بأنه أكثر دنوا وأوصل رحى من غريب تجمعه بمن ~~حل فيه رابطة علم أو أدب أو أية علاقة من العلاقات الدنيوية التي يشعر بشر فان بأنه إزاءها ~~في حاجة إلى أمل يرجى أو معروف يسري؟ # ليت شعري! هل كان الأستاذ الراحل العظيم يحس بدنو الأجل وهو بعد في أظهر مظاهر ~~القوة عقليا وجسمانيا؟ أم كان صفاء نفسه يوحي إليه بأنه قريب لأن يدعى إلى العالم الثاني ~~فيحدثني كلما التقيت به خلال الأشهر الثلاثة التي تقدمت يوم مصرعه في الموت والخلود والفناء وفي ~~الله وفي الأثير؟ كنت وإياه في حجرته قبل أن يختاره الله لجنابه ببضعة أسابيع، وجرى بيننا ~~الكلام في تاريخ الحضارة العربية، ولي فيها رأي كان لا ينفك الأستاذ عن تشجيعي على المضي فيه ~~والتمكين له بكثرة القراءة والبحث، وما زلنا نتنقل من موضوع إلى موضوع حتى عرض لنا الكلام في ~~أثر الثقافة اليونانية في حضارة العرب، وأخذ يكلمني في الدلالات اللغوية التي يمكن أن تكون ~~برهانا على أن العرب ترجموا قواعد علم العروض عن اليونان، ومن ثم طبقوه على البحور العربية، ~~وبعد أن أبدى أسفه لقلة علمه بلغة الإغريق القديمة ليكون أقدر على البحث التفت إلي فجأة ~~بعد صمت قليل كما كانت عادته إذا أراد أن يغير مجرى الحديث، وقال: إذا لم تكن حياة في عالم آخر ~~غير هذا العالم كانت هذه الحياة عبثا في عبث، فقلت: ليس عندنا من برهان علمي يحقق هذه الأحلام، ~~فقال: إذا كانت هذه الحياة مقدمة فلا بد لها من نتيجة، وأية نتيجة يؤيدها القياس المنطقي أكثر ~~من الاعتقاد بحياة أخرى تكمل ما في هذه الحياة من مناحي النقص؟ فأجبته: لعل هذه الحياة لا تكون ~~مقدمة بل ms180 تكون نتيجة، إليها المرجع والمنتهى، فأطرق قليلا ثم قال وكأنه يناجي نفسه: الطبيعة ~~سلسلة من السوابق واللواحق، وخط منظوم من المقدمات والنتائج لا تنتهي إلا عند غاية لا نستطيع أن ~~نقف على ماهيتها، فسواء أكانت هذه الحياة مقدمة أم نتيجة فالأمر واحد، لأن المقدمة هي بحكم ~~تسلسل الطبيعة مقدمة ونتيجة تؤدي بدورها إلى مقدمة أخرى، ولا أظن أن نظام الحياة يخرج عن نظام ~~الكون في مجموعه. وكان صمت عميق انسللت بعده إلى ناحية من نواحي المكتبة وأخذت أقلب في كتاب ~~من الكتب العربية القديمة، ولكن فكرتي كانت متجهة بكل ما فيها من قوة الحصر والتذكر إلى هذا ~~الحديث القصير، غير عالم أنه كان مقدمة لنتيجة ظلت حياة الأستاذ الراحل رهنا عليها إلى أجل ~~قريب. # واليوم أكتب هذا الحديث رواية عن الصديق الراحل. # تالله ما أبعد اليوم ما بيننا وبينه! وتالله ما كان أقربه بالأمس إلينا! أفي لحظة واحدة ~~يصبح الإنسان مجرد رواية وخبر بعد أن كان حقيقة ملموسة باليد مرئية بالبصر؟ ولكن من يدرينا، لعل ~~هذه الحياة تكون الخبر عند من يلمس الحقيقة العظمى، بعد أن يفارق السر الكامن فيه هذا الهيكل ~~الترابي؟ # وبعد، فلست في موطن أستطيع فيه أن أطنب في الإلمام بذكريات سبع من السنين عقدت خلالها ~~بيني وبين الأستاذ الراحل عرى الصداقة الصحيحة التي حلت عروتها بموته، ولكنها ستظل حية ~~بذكراه. ولو أردت اليوم أن أحيط بكل ما تخلل هذه السنوات السبع من الذكريات العلمية والمباحث ~~العميقة التي تناقشنا فيها، لما وسعني كتاب ضخم ألم فيه بنواحيها العديدة، ولكن حسبي اليوم ~~أن أتكلم فيه كصديق، وأكبر ظني أن هذه الناحية هي أظهر نواحيه كرجل، وفيها تنحصر ماهيته ~~الفردية. ولا أظن أنه كعالم إلا معدود من البيولوجيين أولا، فلا المباحث البيولوجية التي ~~تناولها منذ نيف وخمسين سنة ولا الكلمات الاصطلاحية التي أكب على ترجمتها أو نحتها أو ~~تعريبها، كانت في متناول أحد من المشتغلين بالعلوم الحديثة في الشرق حينذاك، اللهم إلا بضعة ~~أفراد من مجموع الأمم الشرقية التي ms181 تنطق بالضاد. وحسبنا اليوم أن نرى فكرة النشوء التي قامت من ~~حولها معارك علم البيولوجيا خلال القرن التاسع عشر بأجمعه، قد أصبحت اليوم من المعارف العامة ~~التي لا يستغني عن الوقوف على دقائقها عقل مثقف على النمط الحديث في أنحاء الشرق العربي ~~كله. ~~••• # أعتقد وأظن أن اعتقادي فيه كثير من عناصر القوة والحق أن الدكتور صروف - رحمه الله - قد حاز ~~أكبر عقل إنسكلوبيذي ظهر بين الأمم الشرقية في العصر الحديث، عقل إنسكلوبيذي من تلك العقول ~~النادرة التي شهد القرن الثامن عشر أعظم من امتازوا به، أمثال ديدرو وفولتير وهولباخ ودالمبير ~~وكوندورسيه، وامتاز به هربرت سبنسر في القرن التاسع عشر، وباكون وديكارت في حدود العصور الوسطى، ~~وبلينيوس وغيره في العصور القديمة. غير أن لأمثال هذه العقول متجها تتجه فيه، وصبغة تصطبغ بها، ~~بل إن شئت فقل إن لها وحيا وإلهاما يجبرها على أن تتبع خطة لا تحيد عنها وتجد من المتعذر أن ~~تتنكب طريقها المرسوم. فإن امتاز عظماء القرن الثامن عشر بصبغتهم الفلسفية، وإن اصطبغ سبنسر ~~بنزعته التركيبية، وإن عرف ديكارت وباكون بخطتهما الأسلوبية؛ فإن أستاذي الراحل قد امتاز ~~بنزعته العلمية الصرفة التي لم يؤمن بغيرها طوال حياته، فلم يحاربها في عقله أسلوب من أساليب ~~الفكر الأغلب ولا نازلها انفعال من انفعالات النفس على كثرتها إلا قهر وكسر. # على أنه كان في أسلوبه العلمي على نقيض الكثيرين من علماء العصر الحديث، وما نظن إلا أنه ~~كان على حق في أن يناقضهم وأن ينبذ العكوف على طريقتهم كما وضعها فلاسفة القرن الثامن عشر، ~~أولئك الذين وضعوها لا ليؤيدوا بها العلم ولا لينشروا بها المعرفة، بل لينصروا بها نزعتهم ~~الفلسفية التي ساقت بهم إلى الإلحاد وإلى إنكار وجود الله. ~~••• # من مفاخر القرن الثامن عشر أنه حدد الأسلوب العلمي تحديدا دقيقا، غير أن هذا التحديد مع ~~الأسف كاد يلغي الطريقة العقلية الصرفة التي يقوم عليها كثير من العلوم الحديثة، فضلا عن أنها ~~الأساس الذي يقوم عليه صرح العلم في مجموعه، حددوا الطريقة العلمية بقولهم: ms182 «كل ما لا تحقق ~~وجوده الحواس لا يمكن أن يكون صحيحا.» هذه مفخرة القرن الثامن عشر، أما مفخرة القرن التاسع عشر ~~فاعتراف العلماء فيه بأن من الأشياء التي لا ينكر وجودها العقل ما لا يمكن إثباته بالحواس، ~~وأقاموا على ذلك كثيرا من الدلائل العلمية التي لا تنقض، ومن هذه الأشياء: الأثير والعقل ووجود ~~العالم المادي الخارج عن حيز الإنسان والبعد الرابع في النسبية. وكان أستاذي الراحل من أولئك ~~الذين اتبعوا الطريقة العلمية ولم يلغوا العقل، فدل بذلك على مقدار ما كان في نزعاته من حب ~~الحرية العلمية، وما انطوى عليه عقله الكبير من مطاوعات الشك واللاأدرية الفائضة بضروب المرونة ~~الفكرية. # وما يدلك على متجهه الفكري من شيء مثل كراهيته للنزعات المذهبية في أيما متجه اتجهت، ~~فلا المذهبية الفلسفية وجدت إلى عقله طريقا، ولا المذهبية القومية عرفت إلى نفسه سبيلا، ولا ~~المذهبية الطائفية أثرت في وجدانه يوما، ولا المذهبية الدينية قد أخضعت يقينه برهة واحدة، بل ~~ولا المذهبية العلمية تركت في عقله يوما من الأثر ما يمكن أن يكون حائلا يسد في وجهه طريق ~~التفكير المستقل القائم على وزن الحقائق، ثم الحكم فيها حكما بعيدا عن كل المؤثرات التي ~~تبعث بها في النفس رسيس المعتقدات وثابت المذاهب. ~~(2) صروف كعالم بيولوجي ~~(2-1) تمهيد # قلما يستطيع الباحث أن يلم بالآثار الفردية التي يخلفها نابغة كبير في حالات عصره، ~~وعلى الأخص إذا رمى إلى تحديد تلك الآثار من ناحية الفكرة العلمية، فإن الفكر كتيار ~~الكهربائية أو كقبس الضوء أو كشعاع فياض من أشعة الكون، لا نعرف مصدره على وجه التحقيق، ~~ونعجز دائما عن تحديد آثاره التي يخلفها في نفوس الأفراد. أما إذا أردت أن تبلغ الحد ~~المستطاع من تحديد تلك الآثار فارجع إلى القياس الاجتماعي، فإنك في هذا الميدان وحده يمكنك أن ~~توازن بين حالات أجلى ظهورا وأبين صورا. # على أن مهمة الباحث تزداد وعورة إذا أكب على درس الآثار التي يخلفها عقل إنسكلوبيذي ~~تشعبت نواحيه وتفرقت طرقاته وكثرت منعطفاته، فأين يقع في تلك ms183 المفاوز الكثيرة على المصدر الذي ~~بعث إلى الحياة بتلك الصور الخالدة المشوبة بروح اليقين، المكسوة بحلل البقاء والخلود؟ لا ~~مرية في أن الوقوع على ذلك المصدر هو المرمى الذي يرمي إليه كتاب التراجم جميعا، غير ~~أن قليلا منهم من استطاع أن يصل إلى ذلك السر الدفين. ولست بطامع في أن أقع على مصدر ذلك ~~الضوء الذي بعث به أستاذي الدكتور صروف في نواحي الشرق العربي وقد أظلمت جنباته ~~وادلهمت طرقاته فأنار السبل للغادي والساري، وأزاح الحجب عن خفي ما أنار لغيرنا ~~السبيل. أما مهمتي فلا أعتقد أنها تتجاوز تصوير تلك الآثار تصويرا يمكن أن نتعقب به النتائج ~~التي خلفها عمل الدكتور الفقيد في عالمي الاجتماع والفكر. # غير أن هذا لا يفوت علي أن ألم ببضعة آثار أخرى خلفها لنا عمله العظيم في نواح ~~تقل أو تزيد علاقتها بالناحية الاجتماعية على حسب المقتضيات وظروف الحالات التي تقوم في ~~المجتمع بين آونة وأخرى، لهذا نتكلم في تلك الآثار واحدا بعد آخر لنحددها على قدر ~~المستطاع. ~~(2-2) الترجمة العلمية # بعد أن انقطعت صلة العالم العربي بالترجمة، وكانت في العصور الأولى مبدأ تلك النهضة ~~الكبيرة التي استمدت من السريانية في مدارس نصيبين والرها وأديرة آسيا الصغرى ~~ومصر والعراق وحران، وأنبتت صلة اللغة العربية بكل لغات العالم تقريبا، وظل المؤلفون ~~والكاتبون قرونا طويلة عيالا على ما كتب الأوائل وما نقل المترجمون. وبعد أن انصرف الشرق ~~العربي كله إلى الاشتغال بالآداب وحدها اشتغالا لم يكن له من قاعدة أو أسلوب اللهم إلا أسلوب ~~الفطرى، أسلوب التقرير دون التحليل، وبعد أن كادت تفتر العزائم حتى عن هذه الأساليب ~~الأولية لكثرة ما لاكتها الألسن وتناولتها به الأقلام من نقل وتغيير، وبعد أن دار الفكر ~~العربي حول دائرة لا يخلص إلى نهاية شوطها حتى يبدأ الشوط ثانيا؛ اتجهت العقول إلى تلك ~~الضجة الكبيرة التي قامت حول مذهب العلامة الكبير داروين، وقد بدأها بنشر مذكراته التي قرئت ~~أمام جمعية لينيوس ثم نشرت في «اللانسيت» وكانت النواة التي اجتمع من حولها ms184 الكتاب الخالد ~~«أصل الأنواع». وكان لذلك الاتجاه الجديد أثر عظيم في الشرق، بل أثر لا يمحوه كر الأيام ~~والدهور، أثر أقل ما فيه أنه أخرج عجلة الفكر الشرقي عن دائرتها المحدودة التي كانت تدور فيها ~~فزلت عنها إلى ميدان فسيح مترامي النواحي متسع الجنبات، ذلك ميدان العلم البيولوجي الذي ~~أعتقد بحق أنه محور التقدم العالمي وأن لا ارتقاء لأمة من الأمم أدبيا وعلميا واجتماعيا ~~بغير التوافر على درسه وتطبيق عملياته وتفهم نظرياته العميقة. وكان دكتورنا الكبير أكبر ركن ~~من أركان هذه النهضة الكبيرة، ويدا من أقوى الأيدي التي استقوت على عجلة الفكر فألوت ~~بها عن سمتها الأول وخرجت بها عن قضيب الدائرة القديمة الحديدي فأفلتت تطير في عالم أثيري ~~من الفكر الحديث. على أن الناس في الشرق لم يقدروا حتى اليوم مقدار النتائج التي سوف تترتب ~~على تلك الدفعة التي دفعت بنا فيها تلك اليد القوية، ولا إلى أي حد سوف نبلغ من أطراف ~~ذلك التيه البعيد. # قد يتساءل البعض ما هي تلك القوة التي تزودت بها تلك اليد القادرة على أن تحول عجلة ~~الفكر العربي عن دائرتها القديمة؟ وما هو السر الذي جعل مفتاح العلم يدور مرة أخرى في قفل ~~ذلك الباب الذي أكل الصدأ جوانبه منذ أبعد العصور؟ ولست أجد من شيء هو أهون عندي من ~~الجواب، أما السر فهو تلقيح الأفكار القديمة البالية بأفكار جديدة، وتغيير الأساليب القديمة ~~بأساليب حديثة، وقتل العادات العتيقة التي عكف عليها الفكر بعادات تلائم مقتضى الزمان ~~والمكان. أما الوسيلة فشيء أبسط من هذا كثيرا، وتنحصر في تفهم الجديد من المبتكرات العلمية ~~والفنية والعقلية ونقلها بالترجمة إلى عالم يجهلها. على أننا لا ننسى هنا أن أبسط أشياء هذا ~~العالم هي أكبر معضلاته كما أن في أبسط ذراته تكمن أعظم قواته، أليس هذا وحده بكاف لأن ~~يخلد دكتورنا الفقيد؟ ~~(2-3) العلوم البيولوجية # علم البيولوجيا هو علم الحياة، أو العلم بما هي الحياة. وهذا العلم الحديث، إذا استثنينا ~~الرياضيات والفلك، يكاد يكون العلم الوحيد الذي ms185 تربي عملياته على نظرياته بمقدار ما يربي ~~المحيط الزاخر على النهير الصغير، لهذا كان أثره في العالم كبيرا على حداثة عهده. # ومن أعجب ما يقع عليه الباحث المتعمق من طبيعة هذا العلم أن تأثيره في الاجتماع بالذات ~~ثانوي إذا قيس بتأثير فروعه التي تشعبت منه، فالعلم بما في الحياة وما هي الحياة وما هي ~~الكروموسومات وما هي النواة وكيفية التلقيح وما يترتب على كل هذه الأبحاث العلمية من النتائج؛ ~~لا يقاس مثلا بالآثار التي تخلفها في الذهن مباحث علم الحيوان أو التاريخ الطبيعي أو ~~الوراثة أو الحفريات أو الجيولوجيا وغيرها من فروع علم الحياة، تلك العلوم التي تترك أمامك ~~الدنيا والعوالم والحياة كمصور جغرافي لا تستقرئ فيه كيف قامت الإمبراطوريات وكيف دالت ~~ولا كيف ثارت الشعوب وكيف هدأت عاصفتها ولا كيف تكونت المدنيات وكيف انحلت لا غير، بل تقرأ ~~فيها من صور الجمال والعلم ومن ألوان الفن والعظات ما تسكن إليه نفسك سكونها إلى صورة الكون ~~ميدانها والطبيعة فنانها الأعظم. # يقول أرسطوطاليس: «في الشئون العملية ليس الغرض الحقيقي هو العلم نظريا بالقواعد، بل هو ~~تطبيقها، ففيما يتعلق بالفضيلة لا يكفي أن يعلم ما هي، بل يلزم زيادة على ذلك رياضة النفس ~~على حيازتها واستعمالها.» وهذه القاعدة يصح تطبيقها على علوم الحياة كما صح تطبيقها عند ~~أرسطوطاليس على فنون الأخلاق، فليس يكفي في علوم الحياة أن يحوز الإنسان علما بقواعدها، بل ~~يجب أن يتعمق فيها ليحوز ذلك التصور الواسع الذي لا يجعل هذه العلوم قواعد جامدة فقط، بل ~~يعطيك من العالم ونظامه فكرة فنية أساسها الجمال الذي يصدر عن المحسوسات والمرئيات، ويزيدك في ~~الحياة حبا ويزودك فيها بقوات عظمى تستخدمها لترقية النوع الإنساني. # يتبادر إلى ذهن البعض أن العلوم العملية، ومنها علم الحياة بفروعه، هي أشبه الأشياء ~~بالجوامد التي لا تبعث في النفس روعة ولا تخلق فيها جمالا، بل قد يذهبون إلى أبعد من هذا، هم ~~يصورون العلوم بالصخور الصلدة التي تتكسر عليها أمواج الأدب الذي يشبهونه بمياه البحر ~~الناعمة اللطيفة. ms186 ولكن الحقيقة الواقعة على الضد من هذا، الحقيقة أن في جوف تلك الصخور ~~الصلدة عالما من الجمال، لا يمكن بحال أن يصل إلى تصويره الأدب مهما ارتقت فنونه ومهما ~~تعددت أساليبه، إنما البلوغ إلى هذا العالم الفني العظيم وقف على أساليب العلم وحدها، ~~وفي حدسي أن هذه الأساليب لا بد من أن يكون لها من الأثر البعيد في الآداب ما لا نستطيع ~~تقدير مداه، وإن كنا على يقين من أنه تأثير سوف يبلغ مدى قصيا من تغير الفكر الإنساني في ~~الحياة. # ولا أستطيع بحال من الأحوال أن أدعي أن هذه الصورة قد قامت في عقول الناس عندما بدأ ~~الدكتور صروف يدافع عن مبدأ النشوء والارتقاء واحدا فردا منذ أكثر من نصف قرن من الزمان. ~~وهل تعرف ماذا يفهم من نصف «قرن»؟ يفهم منه أن روح التعصب كانت لا تزال بعيدة التأثير ~~في العقول، وكان الجامدون لا يزالون ملتصقين بجدران الزمان يسندون ظهورهم إلى جملة من ~~المذاهب العتيقة التي أخذت لبناتها تتهدم لبنة بعد أخرى، وكان في يدهم قوة التقاليد ~~ينوءون بها على العلم وأهل العلم. وكانت المعركة لا تزال حامية الوطيس بين داروين وأنصاره ~~هربرت سبنسر وهكسلي من ناحية، ومستر سان جورج ميفارت والأسقف ويلبرفورس من ناحية أخرى، ومن ~~حول هذه المعركة دارت معارك أخرى في ألمانيا وفرنسا، بل لا تزال المعركة دائرة حتى اليوم في ~~أمريكا، وليس في أمريكا وحدها، بل في إنكلترا أيضا، فإن المعركة التي دارت وتدور اليوم حول ~~كتاب الصلاة المقرر في الكنيسة الإنكليزية والأثر الذي خلفه خطاب سير أرثر كيث، لا تزال ~~أصداؤها ترن في آذاننا. # هذا ما يعني بنصف قرن من الزمان، في بدايته استمكنت تلك الصورة العلمية الرائعة الجمال من ~~نفس دكتورنا الفقيد - رحمه الله - فقام يدافع عنها بقلمه ولسانه، والناس بعيدون عن أن يدركوا ~~ما انطوت عليه تلافيف دماغه من صور الجمال العميق الثابت، لا الجمال الذي تحمله الكلمات ~~والألفاظ والجمل التي قد تؤدي معنى ما أو لا تؤدي، جمال العلم الثابت ms187 الذي هو أشبه بجمال ~~الطبيعة، يخلد ما بقيت صوره الخالدة السرمدية. # الصورة الفردية التي تكونت في ثنايا ذلك الذهن الإنسكلوبيذي الكبير لم تصبح اليوم صورة ~~فردية، بل أخذت تمتد إلى العقول وتغزو الأفكار، كلا، بل غزت عقولا ولقحت أفكارا. وذلك ~~الجمال الذي كونه عقل الأستاذ منذ نصف قرن من الزمان أخذت صوره تنتقل صورة بعد أخرى إلى ~~أذهان أهل الشرق. # على أن لهذا الجمال آثاره العملية البعيدة في إدراك الناس، فليس هو بالجمال الأجوف الرنان ~~الذي يبعث به الشعر، ولا هو بالجمال الذي تعطيه الألفاظ رونقا موقوتا تمحى صوره إذا ~~تراكمت عليها أتربة الزمان، بل هو الجمال المتجدد الدائم، هو النبع الذي يفيض بإكسير ~~الحياة، عجز عن العثور عليه الرواد في صدر التاريخ الحديث، وعثر عليه العلماء في أواسط القرن ~~التاسع عشر، أليس في نقل هذه الصور العلمية عن طريق علم الحياة أثر خالد يخلفه لنا صروف ~~العالم؟ ~~(2-4) تغيير أساليب الفكر # في أوائل القرن الثامن عشر لمع في أوروبا نجم جديد أخذ الناس سناه، لمع في جو فرنسا نجم ~~الفكرة الإنسكلوبيذية بعد أن كاد يأفل ذلك النجم أفول غيره من شموس الفكر المضيئة التي لمعت ~~ثم خبت نارها على مر الزمان، غير أن هذا النجم لم يرسل بأشعته لتبقى وتضيء العالم، بل لمع ~~بهيا زاهيا وكأنه يودع العالم الوداع الأخير، فكان ذلك آخر عهد للفكر الإنساني به. # بزغ هذا النجم في العصر الروماني، وظل قويا خلال القرون الوسطى، ثم زاده اللورد باكون ~~سناء وقوة إشعاع، وفاضت أنواره في أوائل القرن الثامن عشر، وكانت أعمال سبنسر آخر ما بذل من ~~جهد ليبقى ذلك النجم ساطعا في سماء الفكر، ولكن حم قضاؤه ونزلت به صاعقة الموت على يد ~~النشوئيين. # ومن الغريب أن الاتجاه الإنسكلوبيذي في جمع المعرفة وحصرها، قد ملك زمام كل الأمم التي ~~عنيت بالعلم والآداب في عصر ما من عصورها، فإن هذا الطور بنفسه قد مر به العرب، فكانت ~~مدوناتهم وكتبهم الأدبية والتاريخية بل معاجمهم عبارة عن صور إنسكلوبيذية، ms188 تقل أو تزيد قيمتها ~~باختلاف الأحوال. ولست أدري بماذا نعلل هذه الظاهرة، غير أنها ظاهرة ملموسة الآثار في التاريخ ~~الفكري على كل حال. # وكان للسياسة أكبر الأثر في جذب مصر وسوريا إلى ناحية فرنسا، وهذه الفكرة لا تزال شديدة ~~الأثر في العقول وفي الآثار العلمية. كان لنا أن نلجأ إلى فرنسا التي تظاهرت بصداقتنا منذ ~~نيف ومائة عام، لنصد بهذه الصداقة تيار الاستعمار الأنجلوسكسوني عن الشرق، ولهذا السبب وحده ~~تظاهرت فرنسا بالصداقة لسوريا، ليكون لها قاعدة تقاوم بها نفوذ إنكلترا التي بسطت سلطانها على ~~الرجل المريض - تركيا - قضاء لمآربها. ومن هذا الطريق ذاعت صور الثقافة الفرنسوية في مصر ~~وسوريا، وكان من أثر هذا أن انتقل إلينا أسلوب الفكر الإنسكلوبيذي لا بكل حسناته وسيئاته بل ~~بسيئاته وحدها. # لم يحفزنا نقل هذا الأسلوب إلى تدوين العلوم الحديثة ولا إلى نقلها فنتخذها في الحياة ~~العلمية أساسا، بل حفزنا إلى أخذ الصور الإلحادية التي أذاعها فولتير وديدرو وغيرهما من ~~زعماء فرنسا في العصر الإنسكلوبيذي، فتخالطت بذلك الصور وتلاشت أساليب الفكرة العلمية، ومضينا ~~نتخبط في هذه الدياجير حتى إذا أسلم بنا الزمان إلى أواخر القرن التاسع عشر واتجهت الفكرة إلى ~~نشر المذهب النشوئي، أخذت العقول سمتا جديدا حولتنا إليه الفكرة الأنجلوسكسونية في ~~الحياة. وعندي أنها ليست فكرة في الحياة، بل هي الحياة بذاتها مصورة على ما يجب أن تكون ~~الحياة الإنسانية في أخص حالاتها العملية، بل إن هذه هي نقطة الانفصال الحقيقي بين القديم ~~والحديث في تاريخ الشرق العربي كله. # لا تعطيك الفكرة الإنسكلوبيذية في الحياة إلا صورة مما تقع عليه في تلك المعاجم الضخمة ~~المشتتة المرامي التي أخرجتها جهود الإنسكلوبيذيين، فإنه من الصعب أن تقع في جماع تلك ~~المجلدات الضخمة على مبدأ ينير للحياة سبيلها ويرسم لها قصدها وغايتها، وما الحياة إذا لم يكن ~~لها قصد وغاية؟ # في وسط هذه الفوضى التي نقلها الفكر الشرقي عن فرنسا أشعت أول الأقباس المضيئة منقولة ~~عن النشوئيين في إنكلترا. والحق أنه لا يجدر بنا أن ننسى فضل ms189 جامعة بيروت الأمريكية في ~~توجيهنا هذا التوجيه الذي كانت أساسه الحرية الفكرية المطلقة من كل القيود الثقيلة التي ~~ربطتنا بالماضي على اعتقاد أنها النهاية التي لا يمكن أن نبلغ أكثر منها، فبين جدران هذه ~~الجامعة قامت فكرة النشوء في عقل أستاذنا الكبير، وما أفلتت من بين هذه الجدران إلا لتملأ ~~العالم الشرقي ضياء وتفيض عليه بفيوضها الحيوية. # هنا انتقلت المعركة إلى الشرق وما تزال قائمة، غير أن هذه المعركة قد أخذت في الشرق صورة ~~تخالف الصورة التي أخذتها في الغرب، فأثرها في القضاء على الفكرة الإنسكلوبيذية الفرنسوية ~~يكاد يكون تاما الآن، أما أثرها في القضاء على أساليب الشرق القديمة فلا يزال يحتاج إلى ~~كثير من الجهد البالغ. على أن الطريق قد مهد وأزيلت أكثر عقباته ولم يبق إلا السير فيه ~~بقدم ثابتة لنبلغ إلى الحد الذي سبقتنا إليه الأمم. # وهذه خطوة أخرى من الخطى التي خطاها بنا الأستاذ الكبير، أفليست تكفي وحدها لأن تجعل أثره ~~في الشرق خالدا؟ ~~(2-5) الآثار الاجتماعية # ورثنا عن القرون الوسطى فكرة الخلاص الأخروي على أنها الفكرة التي يجب أن تتجه فيها جهود ~~الحياة، فكأننا بهذا فصلنا بين معقول الحياة والحياة، أو بالأحرى فصلنا الفكرة في الحياة عن ~~الحياة. # في القرون الوسطى، وفي بضعة القرون التي تقدمت قيام المعركة بين العلم وصور المعتقدات ~~القديمة، قامت في العقول فكرة أن نهاية العالم تقترب وأن عمر الدنيا ألفان من السنين، وأن ~~القرن العاشر من الميلاد هو نهاية العالم؛ هنالك انصرفت الفكرة إلى الآخرة. ومن الغريب أن ~~انصراف الفكرة إلى الخلاص الأخروي لا تزال آخذة بخناق كثير من الشعوب على الرغم من أن العالم ~~لم ينته بل لم يزل مشبوب القوة بالحياة. والحقيقة أن الوسائل كانت تنقص أهل العلم والذين ~~أكبوا على الأسلوب العقلي يستدرون وحيه، فلما اهتدى العقل الإنساني إلى تعليل كاف لمذهب ~~النشوء أخذت تتداعى جدران القديم حجرا بعد حجر، وأخذت الإنسانية سمتها نحو مبدأ آخر هو أن ~~الخلاص الدنيوي لا ينزل عن الخلاص الأخروي قدرا ولا ms190 ينحط عنه مكانة. # ونزل الإنسان عن عرش الملائكة، ولكن ليتربع على عرش آخر، هو عرش الحيوانات، وبان للناس أن ~~السلسلة الطويلة التي انتهت بوجود البريمات وعلى رأسها الإنسان، إذ ترجع بدايتها إلى ملايين ~~كثيرة من السنين؛ لا بد من أن تكون متجهة إلى بلوغ حد قد تنتهي إليه بعد ملايين عديدة من ~~الأعوام في مستقبل عمر الكون. وهذه الفكرة الجديدة، على الرغم من أنها قياس تمثيلي صرف، على ~~حد قول المناطقة؛ كان لها من الآثار الاجتماعية ما تتضاءل أمامه الآثار التي خلفتها الأوهام ~~في مصر وبابل وأشور والكلدان خلال العصور القديمة. # على أن هذه الآثار من المتعذر أن تحصى عدا، ولكن حسبنا أن نقول فيها إنها نقلت ~~الإنسان من الآخرة إلى الدنيا، وكفى بهذا تصويرا لمقدار ما تنطوي عليه من الآثار الاجتماعية ~~الكبرى. # إن هذا الأثر الاجتماعي الكبير هو الذي تتبلور عنده جهود أستاذنا الكبير باعتباره عالما ~~بيولوجيا أدرك إدراكا تاما ما يمكن أن تنتهي إليه نشر الفكرة البيولوجية في أنحاء الشرق. ~~وهنا نتساءل مرة أخرى: أليس هذا وحده بكاف لأن يجعل أستاذنا خالدا؟ ~~(2-6) النتيجة # وبعد، فهذه هي الآثار التي ترتبت على اشتغال الدكتور صروف بعلوم الحياة، وإني ليحزنني ~~أن أكون اليوم راويها، يحزنني أن نفقد ذلك النجم الساطع في ليل أليل وفي عصر نحن أحوج إليه ~~فيه مما كنا إلى أمثاله في كل عصور التاريخ. # ومهما يكن من أمر هذه الصورة التي صورت بها ذلك الجهد الكبير الذي بذله الدكتور العظيم، ~~فإني لأعتقد اعتقادا لا يوهنه الشك بأن المستقبل كفيل بأن تتضاءل هذه الصورة أمام أهله إذا ~~ما اكتملت في العقول كفاءة القياس التاريخي، وأدركوا أن اسم صروف ينزل من تاريخ الشرق منزلة ~~الحركات الفاصلة في تاريخ الفكر الإنساني. # | فلسفة الانقلاب التركي الحديث # بحث فلسفي اجتماعي في الأسباب التي قام عليها الانقلاب التجديدي في تركيا وأثره في تغيير ~~أساليب الفكر # من وراء الانقلابات التاريخية والثورات الاجتماعية تكمن البواعث النفسية والانفعالات ~~والمعتقدات وفلسفة الحياة، التي تقسر الجماعات على أن ms191 تهدم ما هو قائم لتشيد عليه بناء من ~~لبنات تربط بينهما الأفكار والمنازع العقلية والنفسية التي تكون قد استحدثت على مر الأيام. ~~وليس في التاريخ الحديث كله من انقلاب هو أشبه بالطفرة منه بأي شيء آخر كالانقلاب التركي ~~الحديث، وهو ككل انقلاب أو فورة فجائية تكمن وراءه بواعث نفسية ومعتقدات وانفعالات تكون ~~لدى الواقع في مجموعها فلسفة توجه الفكرات والآراء إلى وجهة في الحياة لا يظهر منها إلا نتائجها ~~التي تتجلى في المعاهد التعليمية والنظامات الأهلية والسياسية والاجتماعية. بهذا يؤمن كل من درس ~~حوادث التاريخ مطبقة على علوم الاجتماع الحديثة. فإذا كان هذا هو الواقع ، وإذا اعتقدنا بأن وراء ~~الظواهر الملموسة في الانقلاب التركي الحديث قد كمنت فلسفة ساقت إليه؛ كان الوقوف على حقيقة ~~هذه الفلسفة أمر ضروري للحكم على قيمة هذا الانقلاب ومقدار ثباته وقوته، ومقدار تأثيره في الإدراك ~~العام، أو كما يدعونه اصطلاحا «العقلية العامة» التي تتكون من مجموع الأغراض التي يرمي إليها ~~زعماء الانقلاب، ومجموع المبادئ التي يؤمنون بصحتها. # ولقد اتبع زعماء الانقلاب التركي نفس الطريقة التي اتبعها زعماء الانقلاب الروسي البلشفي ~~في ترويج دعوتهم بالكتابة والنشر، فظهر خلال الأعوام الخمسة الماضية مؤلفات عديدة تؤيد فلسفتهم ~~الحديثة التي رموا بها إلى إخضاع العقلية الآسيوية أولا ثم القضاء عليها ثانيا؛ لتحل محلها ~~العقلية الأوروبية الحديثة. ومن بين الكتب التي ظهرت كتاب يعده زعماء حزب التجديد في تركيا ~~إنجيلا يوحي إليهم بكل ما يحتاجون إليه من مبادئ الرقي والنهوض، كما يعد الماركسيون والبلاشفة ~~كتاب «كارل ماركس» إنجيل النظام الشيوعي. # وضع هذا الكتاب مؤلف من الظاهر أنه أحاط كثيرا بتاريخ تطور الفكر الإنساني، وعلى الأخص ~~بتاريخ تنازع البقاء بين اللاهوت والعلم في العصور الوسطى، ولقد طبق المبادئ التي استخلصتها ~~العقلية الأوروبية من طريق جهادها الطويل إزاء اللاهوت على الحالة الواقعة في الشرق أحسن تطبيق، ~~وعرف كيف يظهر آراءه وأفكاره في قالب جلي واضح، ونجح كل نجاح في إظهار الفرق بين العقلية ~~الآسيوية كما سماها وبين العقلية الأوروبية، وقضى بأن العقلية ms192 الأوروبية ارتقائية في حين أن ~~العقلية الآسيوية رجعية جامدة، فلا مندوحة إذن من غرس العقلية الأوروبية في نفوس الأفراد ~~والجماعات إذا ما أراد شعب أن يخطو نحو الارتقاء على النهج الذي سارت فيه أمم الغرب منذ أربعة ~~قرون من الزمان. # اسم الكتاب «كتاب مصطفى كمال» ومؤلفه «قابيل آدم»، ومن الواضح من اسم الكتاب أن الآراء التي ~~بثت فيه والمبادئ التي دافع عنها هي في حقيقتها فلسفة المصلح الكبير التي كمنت وراء ~~الظواهر الانقلابية التي قامت عليها الثورة التركية الحديثة، والانتصار في ميداني الحرب ~~والاجتماع. وما كان لنا أن نعلق على هذه الآراء بشيء ما ولكن يكفينا أن نستخلص منها لبابها؛ ~~لنظهر القارئين على حقيقة هذا الانقلاب، وما يكمن وراءه من المبادئ الارتقائية والأفكار ~~التشيدية الكبيرة وهي في مجملها لا في مجموعها، مما لا يستطيع عقل مثقف على النمط الحديث أن ~~ينكر أن فيها من عناصر الحق والقوة ما سوف يجعلها دستورا عاما للعقلية التجديدية في أنحاء ~~الشرق كله، على أن تصفى من بعض ما فيها من نزعات التطرف والإفراط. # بدأ المؤلف كتابه بتلخيص عام عن مناحي الفكرة المبثوثة فيه، وحصر الكلام في العقلية التي ~~قامت عليها الثورة التركية الأخيرة. ومن أجل أن نكون أصدق تعبيرا عن حقيقة الآراء والمبادئ التي ~~قامت عليها الثورة الكبرى، نمضي في ترجمة فقرات من كل فصل نلم فيها بلباب ما فيه، بحيث لا ~~يفوت القارئ شيء من حقائق الكتاب وكلياته، قال: ~~(1) # إن العقلية الأوروبية هي العقلية التي تتسق وحاجات هذه الحياة الدنيا، ونحن إنما نتبع ~~ما توحي إلينا به هذه العقلية بحكم أننا موجودون في هذه الحياة. أما العقلية الآسيوية، ~~فالعقلية التي تلائم الحياة الآخرة، فإذا انتقلنا إلى الحياة الباقية فهنالك نتبع ما توحي ~~به هذه العقلية (ص3). # إن الأمم الحية في العصر الحاضر تعيش فيما يلي حدودنا الغربية، بينما يعيش في الشرق ~~مجموع من الأمم لم يعترف لهن بحق الحياة في عصر من عصور التاريخ. إن الناس في الشرق والغرب ~~يتفقون في كل الصفات ms193 العضوية ولكل منهم رجلان وساعدان، فمن أين حدث ذلك الفرق البين ~~الواقع بين الناس في الغرب والشرق؟ (ص3). # لا شبهة في أن الغرب وحده هو الذي يمتع الآن بأسعد حالات الحياة، وفيه أقوى النظم ~~الحكومية، والحياة فيه أقرب ما يستطاع إلى ما يجب أن تكون عليه الحياة الإنسانية، إذن يجب ~~علينا أن ندرس فن الحياة الغربية لنعرف حقيقته (ص5). # لقد استأنست أمريكا وأعترف لها بحق الحياة من طريق العلم الغربي، وتحضرت اليابان بأن ~~اتبعت وسائل العقلية الغربية، وكذلك ممالك البلقان فإنها درست هذا الفن وقبلت كل مبادئه، ~~فاستطاعت أن ترفع عن كاهلها نير استعبادنا، فلا مرية إذن في أن هذا الفن قد جرب ~~واختبر، فدلت نتيجة التجاريب العديدة على صدق موحياته. # لقد ناضل الغرب ضد رجال الدين وصارعهم، لا لشيء إلا ليفوز بتكوين هذه العقلية، وما زال ~~يصارع ويناضل حتى استطاع أن يقيم للحياة فنا جديدا، هو الآن قبلة الغرب بل ومعبوده ~~الأعلى (ص6). # لم يكن لمذاهبنا القديمة سوى قاعدة منطقية واحدة، ولم تتكون فيها سوى عقلية بعينها، ~~وتلك القاعدة وهذه العقلية لم ينصرفا طوال الأعصر عن شيء واحد، هو أن يرجعوا بكل شيء ~~استنتاجا واستقراء إلى الكتب الدينية، هذا بينما كانت العقلية الغربية تنظر في الحياة بعين ~~إنسانية، وتنظم الحياة على مقتضى ما ترى هذه العين من حقائق الوجود. وإنه لمن أشد الأشياء ~~خطرا أن نبحث الحياة الغربية بعقلية شرقية، لأن من الجائز أن يغوينا هذا النهج، فنقبل ~~جزءا من مجموع الحياة الغربية أو أجزاء نكيفها تكييفا خاصا أو نرفض قبول ناحية من ~~نواحيها أو نكل تطبيق شيء منها إلى المستقبل، ثم نقول إن لدينا من الحياة الغربية أجزاء ~~ونتفا. وما من شك في أن هذا النهج كان سببا في وقوع أكبر المصائب وأعظم الكوارث التي ~~انتابت تركيا في الماضي. ولقد عملنا بأقصى الجهد لكي نوفق بين الناحيتين، فدلت التجاريب ~~على أن التوفيق بينهما مستحيل، فإن أهل الغرب إنما يعتقدون بأن الناس للناس، أي إنسانيون، ~~بل إن مطامعهم الأولية ms194 في الحياة تنحصر في أن يعيشوا في هذه الدنيا على أكمل وجه تتطلبه ~~الرجولة الكاملة، أما أهل الشرق فموقنون بأن الناس ملك لله، ويحاولون دائما أن يحققوا ~~وجود الحياة الأخرى في هذه الحياة. ولا جرم أن هاتين النظرتين لا يمكن التوفيق بينهما ~~(ص7). # على أننا لم نعترف بهذه الحقائق في الماضي، ولم نواجهها بما تتطلب من الشجاعة الأدبية ~~والاستقلال في الرأي، ومن أجل هذا كله نجد أنفسنا في أشد الاحتياج لأن نصطبغ بصبغة العقلية ~~الأوروبية الحديثة. وما من سبب لذلك التنابذ الشديد الذي قام بين فريقي الأمة التركية إلا ~~وجود هذه العقلية في ناحية، حيث تقوم في ناحية أخرى العقلية الدينية العربية، وهذا أخطر ما ~~تتعرض إليه الجمهورية التركية من الأحداث (ص13). ~~(2) # لم تسلم الأمم الآسيوية يوما ما من الفقر والتعاسة، وليس لهذا من سبب سوى أنها اعتادت ~~على أن تستقرئ أحكامها المعاشية كلها من تشريعها الديني المقدس. ولن تقف على طابع آخر ~~غير هذا إذا ما قلبت تاريخ مصر والهند وفارس واليابان القديمة والصين وطوران وبلاد العرب، ~~فإن هذه الأمم لجهلها قد نسبت لأمرائها وسلاطينها أو لغيرهم من مقدمي الانتهازيين صفات ~~قدسية حينا، أو سلطة إيحائية حينا آخر، وكان من نتائج هذه العقلية أن تردت الأمم ~~الآسيوية في وهدة التعاسة والشقاء. (ص14). # أما المعركة القائمة اليوم فموجهة بكل ما فيها من قوة إلى القضاء على هذه العقلية ~~الآسيوية، والحالة جلية واضحة، فلست تجد في أوروبا مثقفا أو غير مثقف يمضي في أعماله ~~متواكلا على سلطة الوحي. أما في آسيا فإنك لا تجد شيئا اللهم إلا الأنبياء # 1 # والقديسين والحكام الذين يستمدون سلطتهم من الله مباشرة، تجد الأوامر والنواهي ~~القدسية متغلغلة في تضاعيف العديد الأوفر من الشئون الخاصة الصرفة للناس، محتكمة في كل وجه ~~من وجوه حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والإدارية، ولديهم أن هذه الأوامر ~~والنواهي هي أوامر الله ونواهيه، وعلى هذا لا يمكن تبديلها أو تكييفها. فإذا تبدل الزمان ~~وتكيف وجمدت هذه الأوامر والنواهي مقصرة عن اللحاق بروح العصر ms195 نشوءا وارتقاء، فإنك ~~لا تجد من شيء اللهم إلا نبيا آخر مرسلا بتعاليم جديدة، ولا مرية في أن تتابع ظهور ~~الأنبياء في آسيا طابع خاص بها، لا تفاضلها فيه بقعة أخرى من بقاع الأرض (ص16). # على أن أعجب ما ترى في كل هذا أن كل نبي من هؤلاء الأنبياء قد نصح للناس وأهاب بهم أن ~~ينكروا حقيقة هذه الحياة بكل ما فيها، وأن يتلظوا حرقة إلى الحياة الآخرة، وفي هذا ~~ينحصر كل ما يقصد بوذا من النرفانا، وكل ما يقصد الإسلام من الفردوس (ص17). وهذه العقلية ~~قتلت في الشرق فكرة النقد، كما غشت على العقول والأفهام بأغشيتها الثقيلة. # بيد أن هؤلاء الأنبياء الذين حكموا الدول وساسوا الممالك لم يقنعوا بأن يفرضوا على ~~الناس أوامر الدين ونواهيه، بل صبغوهم بأخلاقهم ودهنوهم بطلائهم. فإن الإسلام مثلا قد صبغ ~~المسلمين، فضلا عن الدين، بصبغة الحياة العربية الاجتماعية في كل مكان وآن، واضطر الناس ~~على أن يقبلوا مذعنين لا الله والدين وحدهما بل حياة العرب العائلية والاجتماعية ~~والخلق العربي والعادات العربية بصورة كلية واللغة العربية بصورة جزئية. كذلك لم يفرقوا ~~بين الدين والقومية، فإن الدين والقومية ظلا في الشرق شيئا واحدا طوال الأزمان، ولهذا ~~لا تقع في الشرق على حركة اجتماعية صبغت بالروح القومية على إطلاق القول (ص18). # لقد لعن بوذا هذه الحياة وكذلك مذاهبنا القديمة، فإنها لم تعمل إلا لتمهد الطريق للحياة ~~الأخرى. ولقد أخذت أمم آسيا كلها بموحيات هذه التعاليم النظرية، وعلى هذه القاعدة قيد ~~«اللاما» أمة الصين، والبراهمة أمم الهند، و«الآخوند» أمة الفرس، وأئمة الإسلام تركيا. أما ~~العقلية التي اختفت وراء هذه التعاليم فتتكون من الاعتقاد بما يأتي: ~~(1) # أن الحقيقة لا يمكن معرفتها بالعقل بل بالتقاليد. ~~(2) # أن الحياة يجب أن لا تحكم بمقتضى المبادئ الإنسانية المستمدة من غرائز الإنسان، ~~بل بمقتضى الشرائع المنزلة التي لا تتبدل ولا تتغير. ~~(3) # هذه الحياة فانية، والأخرى باقية. ~~(4) # نسبة كل شيء إلى القضاء والقدر. ~~(5) # رفض الاعتقاد بضرورة الحياة القومية، والعكوف على الخضوع للتقاليد ~~الدينية. ~~(6) # الخضوع الكامل ms196 للرئيس الروحي. # وهذه القيود الحديدية والأصفاد الثقيلة لم تترك للأمم الآسيوية من فرصة للخلاص. ولقد ~~كانت هذه العقلية بمثابة تجربة حاول واضعوها أن يعرفوا إن كانت بذاتها وسيلة ناجعة للقضاء ~~على الحياة وعلى الإنسانية، ولا مرية في أنها قطعت كل علاقة كائنة بين الناس والحياة الدنيا ~~(ص15). # ولما كانت علاقة الإنسان بهذه الحياة متينة، وأواصره بها لا تفصم، لم يكن هناك من سبيل ~~لكي تعيش هذه العقلية وتحيا إلا بأن يقتل العقل الإنساني ويلغى من هذا الوجود، ولولا هذا ~~لظهر سريعا أن الشرائع المنزلة لا تتفق وحقائق هذه الحياة، لهذا لم يتوان مشيدو ~~العقلية الآسيوية وواضعو قواعدها عن أن يجعلوا أساسها الاعتقاد بأن الحق في هذه الحياة ~~تقليدي لا عقلي. ولكن نتساءل: ما هي التقاليد؟ ولماذا لا يكون لدينا من الحرية ما ~~نستطيع به أن ننظر في هذه التقاليد نظرة تحليل نحكم فيها العقل، تلك التقاليد التي لم ~~تسم بنا يوما إلى أفق السعادة والحرية والثروة ومعرفة حقيقة الإنسان، بل كثيرا ما ~~عضدت أسباب التعاسة والشقاء وقوت جذور شجرة الاستبداد التي يتمتع بثمراتها الرئيس ~~الروحي خلال كل الأزمان؟ وبما أن هذه التقاليد لم توضع إلا لتطبق على الإنسان، فإن العقل ~~الإنساني يحس ضرورة بأنه مقسور على أن يبحث في أصلها ونشأتها وماهيتها؛ ليعرف إن ~~كانت التقاليد سموما قاتلة أم أنها عقاقير لقمان السحرية! (ص19). # إن من أبلغ السفسطة أن تقول بأن العقل الإنساني لا يستطيع أن يدرك الحقيقة. إن كل ~~الذين أوصلوا إلينا هذه التقاليد وبثوها في نفوسنا قد اتخذوا العقل الإنساني وسيلة ~~لبثها. وما هذه التقاليد لدى الواقع إلا مجموعة من السخف لا يمكن أن تقاوم قوة النقد ~~ساعة واحدة، ولم يكن في مستطاع أحد من ناقلي هذه التقاليد (الأنبياء) أن يوحي إلينا برسالة ~~تساعدنا على اختراع آلة من الآلات أو استكشاف الكهربائية أو البواخر أو الطيارات أو ~~التليفون اللاسلكي، أو مبادئ الطب التي تساعدنا على مقاومة داء السرطان أو السل أو غيرهما ~~من الأمراض. # ولقد ثبت في روعنا ms197 اليوم أن ما يجب أن يوحى إلينا به من العالم المجهول إنما ينحصر ~~في مثل هذه العلوم لخير الإنسان والإنسانية. وإذا قلبت تاريخ آسيا برمته منذ أبعد ~~العصور إلى اليوم، لما استطعت أن تلتقي في سفرك الطويل بقديس واحد من أولئك القديسين ~~الذين اتخذوا العلم للقداسة طريقا، في حين أن تاريخ الدنيا يفيض بذكر الكثيرين ممن هم من ~~هذا الطابع الخالد، أولئك الذين استكشفوا الحق وعرفوا الحقيقة، أولئك الذين آمنوا بأن الحق ~~عقلي لا تقليدي، لا الذين ظلوا طوال الأعصر ينتظرون الوصول إلى الحق من طريق ~~التقاليد. ولا شبهة في أن رجال آسيا، وهذه عقليتهم، لا يستطيعون أن يدركوا من الحقيقة شيئا ~~(ص20). # لنتساءل: لماذا لم يكن في مقدور المذاهب الإسلامية أن تنقذ الإمبراطورية التركية؟ ~~والجواب أن ليس لهذا من سبب إلا أن عقليتها قد عكفت على الاعتقاد بأن الحق تقليدي صرف، ~~أما العلم اليقيني الحديث فيعتبر أن هذه العقلية سم قاتل، لأنها بعد أن تحتكم في الفرد ~~وتستقل بوجدانه وتبعده عن التفكير في أمر نفسه، يكون في مستطاعك أن تجعله يعتقد بصحة أية من ~~الأحكام الدينية فيما يتعلق بحياة الأسرة أو نظام الحكومة. وهذه العقلية هي السبب المباشر ~~فيما ترى من سوء النظام والعادات القبيحة، كتعدد الزوجات في الحياة العائلية وانقسام الناس ~~إلى أحزاب وطوائف في النظام الاجتماعي في الشرق كله. (ص22). # انظر في نظام الحكومات أو تاريخ الشعوب التي مضت عاكفة على هذه العقلية فماذا ترى؟ ~~ملكا مستبدا بعيدا عن التقيد بما توجبه شرائع الآداب، منعوتا دائما بأنه ظل الله ~~فوق الأرض، وقصرا منيف الظاهر مشمخر البناء وما هو في الحقيقة إلا دار بغاء ~~رسمي، تملأ جوانبه السراري والجواري، بل إنهم عبارة عن مجموع من أبناء البشر تعساء ~~بعيدين عن حقيقة الحياة. (ص25). # إن أهل الكلام من المسلمين لم يعنوا بتحرير الضمائر والأفكار، كما أن التشريع ~~الإسلامي لم يحب أهل الإسلام بحق الحياة والعمل، بيد أن كل الأمم الآسيوية قد حكمت ~~بنظامات وتعاليم دينية، وكل القوانين التي فرضت ms198 على هذه الأمم قد استمدت من هذا النبع ~~وحده، ولما كانت هذه القوانين بمقتضى ذلك غير متغيرة ولا متحولة، قد قاومت في كل عصور ~~التاريخ جولة هذه الأمم نحو النشوء والارتقاء كلما حاولت أن تخطو نحوه. إن أهل الكلام قد ~~أعاقوا العقل عن النماء والتطور، كما أعاقت النظم التشريعية تطور الشعور الاجتماعي، فنتج ~~عن ذلك أن أصبح من أقصى المستحيلات أن يقع في آسيا انقلاب ثوري لا في الصورة العقلية ولا في ~~النظام الاجتماعي. (ص26). # تحت تأثير هذه العقلية قيدت الإرادة، فقتلت حينا، وأعطيت من الحرية قدرا ~~ضئيلا حينا آخر، في حين أن الإرادة الإلهية ظلت طوال الأعصر القوة الحاكمة بأمرها، ~~وردت الإرادات والأسباب جماعها إلى «القضاء والقدر» الذي تصرفه القوة القدسية الغيبية، ~~وهذا هو السبب في ما يدعى ب «البطالة الشرقية»، تلك الصفة التي يناظرها في الغرب ما ~~نسميه ب «الحضارة الأوروبية». (ص26). # إن كل ما حاول الغرب أن يصل إليه من طريق الإكباب على درس العلوم اليقينية، حاولت ~~الأمم الآسيوية أن تبلغ إليه من طريق الأناشيد والصلوات والسحر والأرواح (ص27). # جب نواحي آسيا وافتح باب أي قصر من قصورها الضخمة، فإنك لا تجد إلا قطيعا من رجال ~~ونساء اتخذوا الزنا حرفة في الحياة، وهذه هي بعينها حال الخليفة والإمام والمشايخ. إن هؤلاء ~~الرؤساء الذين أمروا الناس بأن يصوموا وأن يتعبدوا ابتغاء وجه الله، وفي الوقت ذاته صرفوا ~~الناس عن كثير من خيرات هذه الحياة؛ لم يكن لهم في حياتهم الداخلية من بغية اللهم إلا ~~الحصول على اللذات البدنية من أية طريق وبأية وسيلة، وهذا التناقض الواقع بين ما يأتون من ~~فعل وما يتفوهون به من كلمات قد دل على خبثهم وخيانتهم وفتكهم بعقول الناس، وكان في ~~الوقت ذاته سببا في أن تحتكم النزعات السلفية من خيانة وفجور في إدارة الحكومات. ولهذا تجد ~~أن هذه العقلية قد مضت مستبدة بأمرها في كل طبقة من طبقات السلك الحكومي، حتى لقد ~~اعتبرت الخيانة، كما اعتبر الغش والخداع، من الأمور المشروعة، تأييدا ms199 للمآرب الذاتية ~~وخدمة لمصالح الأفراد (ص28). # لم تكن الديانات في تاريخ آسيا كله إلا حركات رجعية أملتها الغيرة التي تزود بها كل ~~رسول جديد ضد الرسل الأقدمين. إن ديانات آسيا كافة واحدة في جوهرها، فإن تعاليم بوذا ~~وكونفوشيوس وبراهما وموسى وعيسى ومحمد كلها واحدة، فإن اختلفت فإنها إنما تختلف في التفاصيل ~~لا في القواعد (ص30). # هذا هو الحق الذي نقع عليه كلما قلبنا تاريخ الأمم الآسيوية، لقد خضعت آسيا لهذه ~~العقلية، ولم يكن لديها من القوة الذاتية ما تستطيع به أن ترمي عن كاهلها ثقل هذه ~~التقاليد. إذن فلا سبيل إلى الخلاص إلا بلقاح يستخلص من العقلية الأوروبية، وهذا هو السر ~~فيما نرى من تقدم اليابان المدهش خلال الخمسين عاما الفارطة إذا قسنا تقدمها بتقدم الصين ~~مثلا، إن الصين لا تزال اليوم واقعة تحت تأثير الذهنية الآسيوية، أما اليابان فقد ~~نفضت عن كاهلها هذه الذهنية واستعاضت عنها بالذهنية الأوروبية إجمالا وتفصيلا. ولقد ~~يظن البعض أنه من المستطاع أن تحوز الأمم هذا التفوق الكبير من طريق الاستعانة بالعلوم ~~العملية وحدها، غير أن هذا مستحيل، لأن المسألة مسألة «عقلية» تتناول كل بناء الفكر ~~والعواطف والمشاعر والحياة، تتكثف وتتراكز خلال الأجيال. إن «العقلية» كل لا يمكن ~~تجزئته إلى أقساط ونتف، وعلى هذا وجب أن تلغى العقلية الآسيوية كلية؛ لتحل محلها ~~العقلية الأوروبية في مجموعها، ولن تجد للخلاص طريقا آخر (ص31 و32). ~~(3) # الأتراك أمة آسيوية، ولذا كان من الطبيعي أن يعيش الشعب التركي وأن يعمل متأثرا بوحي ~~العقلية الآسيوية. وإنما ينحصر غرضنا الآن في أن نبحث حياتنا وتاريخنا لنرى كيف زودتنا ~~الثورة الأخيرة بحياة جديدة، وأن نفهم طبيعة تلك الواجبات والالتزامات التي فرضتها علينا ~~عقلية الثورة، ولنحكم على مقدار ما هو مطلوب منا من تضحيات حتى نستطيع أن نغرس هذه العقلية ~~في نفوس الشعب بشكل قاطع (ص33). # لقد عودنا على أن نلقن بأننا عبيد الملك، ظل الله فوق الأرض، وأننا له ملك ومتاع، ~~وهذا يتضمن بالضرورة الاعتقاد بأنه ليس لدينا من شيء يمكن أن ms200 يقاوم قوة خليفة الله الواحد ~~القهار، المتربع فوق عرش الأرض، وأنه لن يكون من نظام اجتماعي أثبت أصولا من اجتماعنا، ~~ولا حياة دنيوية أسعد ولا أمتع من حياتنا. بينما كانت الحقائق الملموسة توحي لنا كل حين بأن ~~في أنحاء مملكتنا فقر وجوع، وأن جزءا بعد جزء من أطراف الإمبراطورية كان يؤخذ عنوة ~~ورغما منا نهبا واغتصابا، وكانت لنا حكومة هي أضعف من أحط الحكومات الأوروبية، متردية ~~في حمأة الرشوة، مفككة الأوصال مضطربة الأحوال، بعيدة عن حكم الشرائع والآداب، وأننا كنا ~~نستجدي الغرب في كل شيء نحتاج إليه، ومع كل هذا فقد كان لدينا «ظل الله فوق الأرض» وأربعون ~~زوجة من زوجاته، وأربعون غلاما ممن تعرف ولا أذكر، لا شغل له إلا أن يحمل الشعب على أن ~~يتجرع فكرة الجنة ونعائمها على ما وصفها رجال المذاهب القديمة. كان قد أصابنا الانحلال في ~~الداخل، ولم يكن لدينا من سبيل لكي نفهم الحق وأن نعرف الحقيقة إلا بأن نتصل من طريق ما ~~بالمعرفة الأوروبية، وأن نعترف بتفوق العقلية الغربية، وأن نكب على درس الأسباب التي ~~غرست الشقاء والتعاسة في أرض من كنا نعتقد أنه «ظل الله فوق الأرض»، ولما فعلنا بان لنا ~~أن «ظل الله فوق الأرض» لم يكن شيئا اللهم إلا صنما مفقود القوة والروح، كأي صنم من أصنام ~~بوذا في الهند. وكان لنا بمحمد أسوة، فكما أنه حطم أصنام مكة والمدينة، كذلك نحن حطمنا ~~أصنام الخلفاء والمذاهب القديمة والتكايا والقبور. هذا هو معنى الثورة، أما منافعها فسوف ~~تكون عظيمة لخير الأمة وسعادتها في المستقبل (ص34). # إن الإمبراطورية التركية القديمة كانت دولة دينية، لقد تبدلت هذه الإمبراطورية من نظام ~~التكية السلجوقي القديم بنظام المذاهب، وأخضعت الناس قسرا إلى المنطق التحكمي الذي اتصف به ~~كل من ندعوه «حجة الإسلام»، وهنا تتجلى لنا صورة من أوضح الصور التي امتازت بها العقلية ~~الآسيوية (ص35). # ومع كل ذلك، فإن هذه الدروشة، وإن شئت فادعها الباطنية، كانت السبب الأقوى الذي ~~نجى الأمتين التركية والفارسية من أن تستعربا ms201 بشكل حاسم. وفي هذا المجال وحده بدأ ~~النضال بين الإسلام والقومية، أما القومية فقد تفوقت وانتصرت في النهاية (ص39). # بعد هذا بدأ عصر الملوك العثمانيين، وفي هذا العصر تفوقت المذاهب العربية القديمة ~~وأساليبها كل تفوق، حتى لقد اتبعت أساليب المذاهب البغدادية في الإجمال والتفصيل. وهنا ~~شبت ما ندعوه «الشريعة» التي استمدت كل أحكامها من الأوامر والنواهي القدسية المنزلة، ~~فكان لزاما أن لا تعترف هذه المذاهب بأن تغير الأزمان موجب لتغير الأحكام. لقد نظرت هذه ~~المذاهب إلى القسطنطينية كما نظرت لبغداد، ولم تفكر ساعة واحدة في أن تدرس البيئة التي ~~تحيط بهذه العاصمة وأن تتعرف طبيعتها وأن تكيف مبادئها بما يلائم هذه البيئة. لقد مضت ~~المذاهب تزود الناس بعقاقير استمدتها من مصادر كانت في مكة قبل بغداد، وكانت من قبل أن تكون ~~في مكة بين أعراب البادية، فهل يمكن أن يكون مستطاعا أن تحتمي الشعوب بمثل هذه الشريعة ~~التي لم تدل يوما على أنها ملائمة لتطور الحالة الاجتماعية التي يقتضيها نماء العقل ~~البشري؟ إنه يتعذر أن نناقش هذه الحقيقة، ليس من الممكن أن تتطور قوة ما من القوى وتمضي ~~مرتقية، وهي في الوقت ذاته بعيدة عن التأثر بمبادئ التطور وماهيته، إن مثل هذه القوة لا ~~تنتج من شيء إلا التراجع والاندثار. (ص49). # إن المبادئ التي استمدت من مكة ومن رمال البادية هي التي أعاقت تركيا عن التقدم ستة ~~قرون طوال، لقد حكمت هذه المبادئ الشعب التركي عقليا ومدنيا واجتماعيا وعلميا ~~وسياسيا وإداريا، وعلى الجملة احتكمت في كل مظاهر حياته. ولقد استنفدت المدارس كل موارد ~~تركيا المالية، ولكن ماذا كانت طبيعة الأشياء التي تدرس بين جدرانها؟ لم يدرس بينها ~~حرف واحد من اللغة التركية، بل كانت العربية هي الأساس، وأكب الناس على درس مقاطع من ~~القرآن وتفسيرات فيه قد أربت على المئات والألوف من الصفحات التي كتبها واضعوها وحكموا ~~فيها منازعهم وشهواتهم تحكيما، وكذلك دارسو الحديث، تلك الأحاديث التي وضعها وانتحلها ~~رجال من مختلف الأمم، وفي مختلف الأزمان (ص49). # بيد أن هذه ms202 الأساليب التعليمية لم يكن لها من صلة بالشعب التركي، ولا بلغته ولا ~~بثقافته، بل لم يكن لها من صلة بالحياة ذاتها. وليس في تاريخنا من شيء هو أدعى إلى الخجل ~~من أن تفرض السراي - الباب العالي - على الشعب التركي أسلوبا تعليميا عربيا في قوامه ~~ومبناه، ومن الغريب أننا خضعنا لهذا النظام خضوع العبيد والإماء ستة قرون طوال. ~~(ص52). # لقد وضعت المذاهب علما قدسيا بنته على تفسيرات خاصة فسرت بها الأحاديث وآيات ~~القرآن، أما رجالها فقد أعلنوا الحرب والنضال على كل من حاول أن يخرج عن هذه الدائرة، وبهذا ~~سد باب العلم وحظر على الناس ولوجه (ص55). # لقد مضت المذاهب حاكمة بأمرها في السراي وفي التكايا، ولم يكن على المتربع في السراي، ~~خليفة العالم و«ظل الله فوق الأرض»، من واجب إلا أن يحمي بصولته طريقة تطبيق تلك ~~التعصبية الدينية التي تأصلت في بغداد تطبيقا عمليا، وكان من أثر هذا أن ألغيت حرية ~~الضمائر وقتلت طريقة النقد العقلي، وبكثير من الخطأ في التفسير والتلاعب به فصلت المرأة ~~عن الحياة الاجتماعية، وأبيح تعدد الزوجات، فلم يصبح للمرأة في عالم الاجتماع من مكان ~~تشغله (ص62). # كذلك فرضت المدارس على الناس أحكاما شاذة لتقوى بذلك دعامتها وتثبت مركزها، ~~فقد قالت إنه فجور أن تكلم المرأة أحدا من غير أهلها، بل قضت بأن ظهور شعرة واحدة من شعرها ~~ليراها أجنبي سبب كاف للطلاق، في حين أنها لم تذكر أن الخلفاء الذين ولدوا بغير عقد شرعي ~~هم بذاتهم نبت لغرس غير مشروع (ص64). ~~(4) # طالما خيل إلينا بأن المسألة الشرقية التي قامت في دوائر أوروبا السياسية من أكبر ~~المخاطر التي تعرضنا إليها، ولقد جر الخوف من هذه المسألة إلى جهود كثيرة بذلت في سبيل ~~الإصلاح، على أن ضروب هذا الإصلاح لم يكن فيها من روح الانقلاب أو التجديد شيء ما، بل كانت ~~مجرد وسائل سياسية تذرع بها الحاكمون لإنقاذ الدولة. على أن جزءا كبيرا من هذه ~~الإصلاحات بذاتها كانت من عمل الأوروبيين لا من عملنا (ص72). # وفي الحق ms203 أن هذه الحركات الإصلاحية لا يمكن أن تعتبر حركات تجديد، لأنها لم تصدر من ~~الشعب مصدر كل إصلاح وتجديد (ص73). وإذا كان قدماء الكتاب والمؤلفين لم يخرجوا عن حد النقل ~~عن منتجات الشرق، فإن كتاب عهد الإصلاح، كما يسمونه، لم يتعدوا حد النقل عن منتجات ~~الغرب، فلم يكن في كلا العصرين نزعة إلى الجديد أو الابتكار (ص74). والدليل على ذلك أن ~~المصلحين لم يحاول أحد منهم أن يلمس بنقد أو تقرير حقيقة الحياة العائلية في تركيا (ص80). ~~نقل هؤلاء مبادئ الثورة الفرنسوية نقلا حرفيا بلا تحوير أو تبديل، على أن الثورة ~~الفرنسوية لم تتناول نظام الأسرة في أوروبا بأي حدث، ذلك لأن حياة الأسرة الأوروبية كانت قد ~~وضعت مرساتها على نظام ثابت لا يقبل التغيير (ص80). # لقد كانت المسيحية ديانة آسيوية، كما كان الإسلام، غير أنها لم تستقو في عصر من العصور ~~على شعب من الشعوب الأوروبية التي اعتنقتها فغيرت مزاجه الاجتماعي. لقد انتقلت المسيحية ~~إلى روما في صورة فكرة، ولكنها لم تنقل معها النظام الاجتماعي الذي خصت به البيئة ~~اليهودية في الشرق، بل على الضد من ذلك، فإن المسيحية قد تطورت، وفقدت جزءا عظيما من ~~ماهيتها الأصلية، بما أثرت فيها البيئة الاجتماعية الرومانية مثال الحياة الأوروبية في ذلك ~~العصر. فلو أن المسيحية كانت قد زحفت على أوروبا من أورشليم بجيوشها وجحافلها كما زحف ~~الإسلام على الغرب، وأخضعت أوروبا لسلطانها وسطوتها؛ إذن لألغيت الحياة العائلية في ~~أوروبا ولحلت محلها شرائع الأعراب من أهل البادية، ولتبدلت أوروبا من حياتها الأولى حياة ~~أخرى، بل ولا نغالي إذا قلنا بأن أوروبا الحديثة لم تكن لتوجد على ما هي عليه اليوم. على ~~أية حال نقول بأن تاريخ أوروبا قد ذهب في متجه وحده، وبذلك أنقذت الحياة العائلية ~~ونجت من تخريب التقاليد خلال كل العصور. (ص81). # أما نحن فلم يكن لدينا شيء من روح هذا النظام العائلي، ذلك النظام الذي ولد في الأمم ~~الأخرى روح الحياة القومية (ص82). وقد حاول المصلحون عبثا أن يوفقوا بين ms204 الناحيتين، فإنهم ~~من طريق المدارس القديمة العتيقة قبضوا على زمام التعليم في المعاهد، ومن طريق المحاكم ~~الشرعية الدينية أخضعوا نظام الحقوق المدني، وباتباع ما أوحت به السياسة الإسلامية الصرفة ~~استطاعوا أن يلغوا العقلية التركية إلغاء كاملا (ص83). # لم يكن ذلك الجهد السياسي بشيء إلا جهد القانط اليائس يحاول إنقاذ دولة عملت فيها يد ~~الفساد، إنه لم يكن تجديدا ولا إصلاحا بالمعنى الصحيح (ص86). لقد صم آذاننا إعلان ~~الحكومة النيابية مرتين، ولم يكن لدى الذين أعلنوها من غرض، اللهم إلا أن يخضعوا الطوائف ~~العثمانية المكونة من شعوب وعناصر متباينة لقوة الخلافة أو السلطنة مجتمعة، فلم يفكر ~~المصلحون يوما ما في أن يضعوا حدا حاسما يتفوق على السلطة الدينية، فيحيوا بذلك ~~الشعور القومي في قلوب الأتراك (ص91). # يقوم القانون في فرنسا على فكرة الحق، وفي ألمانيا على فكرة القوة، وفي إنجلترا على ~~فكرة المنفعة (ص92). أما فكرة الحق ففكرة إنسانية صرفة وليست بفكرة قومية. على أننا نعيش ~~اليوم في جو مشبع بفكرة القومية ولا شيء غيرها، ولهذا كان من الواجب بدلا من أن نتبع ~~فرنسا أن نحذو حذو ألمانيا أو إنجلترا. إن القومية ألغت الفكرة العثمانية، وردت ~~فلسفة الذاتية # Subjectivism # إلى حيث أصبحت بلا فائدة أو ~~نتيجة، بل محت الفكرة الفردية في الاقتصاد، وأضحت معها الشرائع المنزلة بلا معنى يلائم ~~الحالة الراهنة. ومع تفوق الروح القومية أصبحت الآداب الدينية لدى الواقع بعيدة عن حكم ~~الآداب المدنية، لهذا وجب أن نلغي الحياة العربية إلغاء تاما، وأن نتنكب طريق السياسة ~~الإسلامية تنكبا، ونتحرز منها تحرزا. (ص107). # كان للموقفين ثلاثة أغراض، تنحصر في أن نتمسلم ونستجدد ونستترك، وكان هذا في ~~حيز المستحيل عمليا، فإن الأخطار التي انتابتنا من جراء القوانين التي استمددناها ~~من الإسلام كانت جلية ظاهرة، واستخدام القوانين التركية التي ذاعت قبل الإسلام كانت موضع ~~الشك، لهذا لم يصبح أمامنا إلا العمل للتجديد، ولم يكن للتجديد من وسيلة إلا ثورة طاحنة ~~(ص109). ولا سبيل للمستقبل إلا هذه السبيل. ~~(5) # ما هي الأسباب الأولية التي أحدثت ms205 تلك الفروق الكائنة بين العقلية الآسيوية والعقلية ~~الأوروبية؟ سأحاول أن نعرف السبب من طريق تاريخي. # يجب علينا أن نعي بداءة ذي بدء أنه لم يقم في أوروبا من نبي مثل بوذا أو كونفوشيوس أو ~~موسى أو عيسى أو محمد، ممن حملوا إلى الناس أوامر ونواهي إلهية ثم ألزموهم الخضوع لها ~~قسرا وجبرا. (ص123). # تصادفنا في البدء حضارة رومانية قامت تعقيبا على الحضارة اليونانية التي حازت أرقى ~~ما وصل إليه العقل البشري من الرقي والذكاء في التاريخ، على أن الحضارة اليونانية كانت ~~حضارة إنسانية النزعة في مجملها وفي تفاصيلها. ولقد بحث العقل اليوناني الحياة ووضع من طريق ~~هذا البحث نظاما للحقوق الإنسانية يوافق ما تقتضي هذه الحياة من حاجات. وكذلك الفلسفة ~~اليونانية، فإنها فلسفة صرفت كل همها لخير الإنسانية، ولكنها لم تأت من طريق التنزيل ~~والوحي على أنبياء ورسل، كما هي الحال في الشرق، بل إنك لا تعثر في بلاد اليونان على فيلسوف ~~انتحل لنفسه صفة النبوة أو ألقى على كاهله عبء الرسالة (ص124). # ولقد ورثت روما البربرية هذا التراث عن اليونان، وعلى الرغم من أن اليونان كأمة قد ~~انحلت وزالت، فإن الفلسفة اليونانية ظلت حاكمة بأمرها في العالم الروماني والحضارة ~~الرومانية (ص125). غير أن أنانية روما الاستعمارية قد هزت قواعد روما وخلخلتها، وفي ~~ذلك العهد أمكن لحواري من حواريي المسيح أن يملك منها الزمام، وأن يقبض على أعنتها ~~(ص125). # حقيقة أنه هبط روما وفي يده كتاب، وكان يحمل فضلا عن ذلك نزعات المنطق الديني الآسيوي ~~ليشق به لنفسه طريقا، ولكنه لم ينته إلا بأن بث فكرة مجردة لا غير، ذلك لأن الحضارة ~~الرومانية ابتلعت المسيحية وكل نظاماتها، والدليل على هذا أنها ليست فكرة الحق المسيحية هي ~~التي تسلطت على أوروبا، بل فكرة الحق الرومانية. وكذلك عاش نظام الأسرة الروماني وأينع ~~وآتى أكله، في حين أنه لم يقو نظام واحد من نظامات آسيا الاجتماعية على أن يلج ~~لروما بابا، وكذلك لم تعرف هناك عادات المسيح، بل إنه لم يتغير في روما ms206 من شيء إلا اسم ~~الإله الذي كانوا يعبدون، وهذا الدين على هذه الصورة هو الذي ذاع وانتشر في أنحاء ~~الإمبراطورية الرومانية (ص126). # على هذا النمط ملكت ثانية الديانات المنزلة زمام أوروبا، إنها ديانة قامت كغيرها على ~~الأوامر والنواهي الإلهية، وكانت من الناحية المنطقية على أبعد ما يتصور من الإبهام ~~والغموض والتعقيد، فكان هذا سببا في أن تتسع لكثير من ضروب التفسير الاختياري الذي لا ~~يتقيد فيه مفسر بنص ولا قاعدة. غير أنه على الرغم من كل هذا أنقذت الحضارة الرومانية ~~أوروبا، فإن كل أمة من الأمم التي اعتنقت النصرانية لم تتخل لحظة واحدة عن عقيدتها ~~الأصلية إزاء الحق الإنساني، ولم تبعد قيد أنملة عن نظاماتها العائلية وغيرها من ظواهر ~~الحياة كما ورثت عن الحضارة الرومانية، لهذا قام نضال وكان صراع بين العقلية المسيحية ~~القدسية وبين العقلية اليونانية الرومانية دار حول نظام البابوية (ص126). # لقد نهجت المسيحية نهج كل الديانات الأخر، لقد علمها زعماؤها على أنها تقاليد لا ~~تنقض، وبذلك وقف تيار العلم الارتقائي، وحصر التعليم بين جدران المدارس المسيحية، غير ~~أنه بجانب هذا قامت الحياة الاجتماعية ونظاماتها غير ممسوسة بشيء من هذه الروح. والحقيقة ~~أنه لم يكن للمسيحية من نظامات ومعاهد تتغلب بها على النظامات والمعاهد التي كانت في أوروبا ~~من قبل، وهذا هو السبب في أن أوروبا قد استطاعت أن تنجو بنفسها عن أن تصبغ بالصبغة ~~الآسيوية. فإذا كانت المسيحية قد نقلت معها إلى أوروبا شرائع كشرائع تعدد الزوجات أو الحجاب ~~أو منطق يوحي بالقضاء والقدر أو أوامر منزلة تقضي على حس الجمال وحب الطبيعة ~~والحياة؛ إذن لقضي على أمم أوروبا ب «الدروشة» كما قضي على بلاد فارس والهند وجزيرة ~~العرب. وما كان يغني عنهم أنهم أوروبيون، فإن مسلمي البوسنة ومسيحييها لأبلغ مثال نضربه ~~لنؤيد به ما نقول. وما دام مسلمو البوسنة في هذا العصر قد انتحلوا حياة العرب الاجتماعية ~~وهم بعد في قلب أوروبا، فما الذي كان ينجي أوروبا من مثل ذلك؟ (ص127). # ثم جاء عصر التجديد، وتبعه ms207 لوثر؛ إن المزاج الألماني لم توافقه مراسيم روما وطقوسها، ~~فبدأت عهد الإصلاح وشق لها لوثر الطريق، قيل بأن كلمات الله لا يمكن أن تحتكرها ~~اللاتينية، وأن كل اللغات يصح أن تكون لله، وكذلك الطقوس الدينية يجب أن تتبع أحكام العقل، ~~فألغى لوثر كل الطقوس التي لا تتفق ومطالب الحياة، أو لا تتجانس والعقل أو الذوق السليم، إذ ~~كيف يتسنى لأمم متحضرة على النمط الحديث أن تلزم طقوسا ومراسم بشر بها بداءة ذي بدء ~~لشعوب عراة حفاة دأبهم البطالة والكسل، وأخص صفاتهم الجهل، شعوب عاشت بلا نظامات تشريعية أو ~~حكومات؟ لقد فهم لوثر هذه الحقيقة، ولذا سلك أقوم سبيل (ص218). # ليس الإصلاح الديني - الذي قام به لوثر - إلا جزءا من التأثير الروماني العظيم الذي ~~برز إلى الوجود من خلال الحضارة اليونانية. وعلى هذه القاعدة عينها قامت الثورة الفرنسوية، ~~فإن كان زعماء الثورة في فرنسا كانوا جميعا من المؤتمرين بما أوحى به فلاسفة اليونان ~~لعالم البشرية، فكتاباتهم ملأى بكلمات تفوه بها فلاسفة اليونان، وحياتهم مثل لمبادئ ~~وضعوها. إنك لا تقع فيما كتبوا على استشهاد اقتطع من كتاب منزل، لأنهم لم يجدوا لا في ~~الأناجيل أو التوراة ولا في كتاب زرادشت حقائق كالتي وقعوا عليها في مؤلفات اليونان. لقد ~~كمن هذا الحق الثابت في تضاعيف الفطرة الإنسانية، والثورة الفرنسوية إنما استكشفت هذا ~~الحق وعكفت عليه (ص129). # لقد استكشفت أن الحق عقلي لا تقليدي، وأن العلم يمكن استنباطه واستقراؤه من أعمال الناس ~~وحاجات الجماعة وكنوز الطبيعة، وأن ليس للملوك ولا للبابوات من حق في الادعاء بأن لهم من ~~قدرة على فهم الحق والعصمة من الخطأ أكثر مما لكل الناس، لقد نزعت الثورة عن الدين سلطة ~~الدنيا وتركته في حيزه الطبيعي، في صدر الجماعات ومشاعرها (ص130). # وما كان لشيء أن ينتج عن هذا إلا القومية، لقد كانت الثورة الفرنسوية لكل الإنسانية، ~~ولكنها انتهت بالقومية. وفيها تعثر إذا ما بحثت على الأسس التي قامت عليها العقلية القومية ~~في أوروبا (ص132). هذه هي العقلية الأوروبية، ولن تجد ms208 لها من مثل في آسيا. على أننا قادرون ~~على انتحالها، فإننا بشر مثلهم والواجب علينا أن ننتحل هذه العقلية كما هي جملة وبلا تجزئة ~~(ص133). # ولكن كيف يتيسر لنا ذلك؟ يتيسر لنا بأن نسلك الطرق الثورية الانقلابية. إن الحاجة ~~تدعونا لأن نلغي العقلية الآسيوية وأن نحل محلها العقلية الأوروبية. إننا تواجهنا الآن ~~مصاعب ومشكلات كتلك التي قامت في وجه الثورة الفرنسوية، لهذا وجب علينا أن نستخدم الوسائل ~~الثورية، وليس في الدنيا من ثورة حبت أعداءها بنعمة الحرية، إنما الحرية الشخصية تكون ~~بيقين حقا للجميع بعد أن تضع الثورة أوزارها وتثبت أصولها، لهذا لا نستطيع أن نترك بزرة ~~الحركات الرجعية تنمو حبتها في العصر الحاضر، وإلا فإن الثورة لن تنجح (ص135). # إن الحضارة الأوروبية تقوم على ثلاثة أسس عظمى: الأول حقوق الإنسان، والثاني الثقافة ~~القومية، والثالث الاقتصاد والمالية القومية. ولنبحث كلا من هذه الأسس على حدة: # أولا: # حقوق الإنسان: تنحصر في أن كل شخص تابع لرعوية الحكومة، يولد ويعيش حرا، ~~وهذا هو المبدأ الجوهري الذي تقوم عليه كل جماعة متحضرة. وهذه الحرية تطبق على كل ~~المعاهد التي يقوم عليها النظام الاجتماعي فرديا وعائليا وحكوميا: ~~(1) # الحرية الفردية: تقيد هذه الحرية بكل الأشياء التي لا يجب لشخص أن ~~يستعملها ضد شخص غيره. ولم يبق في أوروبا أمة واحدة لم تقبل مبدأ الحرية ~~الفردية محددا هذا التحديد. ومن غير الحرية الفردية وحرية الضمير وحرية ~~النشر لا يمكن أن تمضي أمة متحضرة في سبيل الارتقاء (ص140). ~~(2) # أما الوجه الثاني من أوجه الحرية الفردية فذو علاقة بالحياة العائلية ~~(ص145). أما العقلية الأوروبية فقد حلت هذه المشكلة أيضا، فإن الحياة ~~العائلية في أوروبا إنما تقوم على مبدأ التساوي في الحقوق، لأن الحياة لم ~~تعط الرجل حقا أكبر، ولم تحرم المرأة حقا، مهما كان نوعه، فإن الحياة ~~مرح وسعادة، إذن وجب أن تعطى المرأة حرية الرجل، والرجل حرية المرأة، وليس ~~على غير هذا الأساس تقوم الحياة العائلية الحرة. وهذه العقلية بالطبيعة ترفض ~~الاعتراف بحق تعدد الزوجات، وتسع بالضرورة ms209 مبدأ مساواة حقوق المرأة بحقوق ~~الرجل في الاجتماع. (ص146). المرأة والرجل أحرار فرديا، وما الزواج إلا ~~اشتراك يحدث بتوحيد مصالحهما وحقوقهما بمحض الاختيار، والطلاق عبارة عن فسخ ~~هذه الشركة، إذن وجب أن يكون للزوج والزوجة نفس هذه الحقوق المشتركة، والزواج ~~موجه بكليته إلى خير الجماعة، ويجب أن يقوم على هذه المبادئ (ص184). ~~(3) # حرية الحكومة: بحكم وجود أكثر من فردين اثنين في هذه الحياة فرض نظام ~~الحكم، ولهذا لزم أن تقوم الحكومة على صورة تضمن حق كل الناس، ووجب أن يمثل ~~في نظاماتها كل شخص من أشخاص الرعية، وهذه هي الديمقراطية، ينبغي للحكومة أن ~~تمثل شرائع الأفراد وأن تقوم حفيظة على مصالح الجماعة، وأن مصالح الجماهير ~~لا يجب أن تعبث بمصالح الأفراد، ولا يجب أن تعبث مصالح الأفراد بمصالح ~~الجماهير. وعلى هذا لا ترى حكومة أوروبية تستطيع أن تفكر في أن تعتدي على ~~مصالح الأفراد (ص149). # ثانيا: # الثقافة القومية: إننا نعيش اليوم في عصر القومية، ولم نصل بعد إلى عصر ~~«الإنسانية». إن الحضارة الأوروبية تستهدي في كل أعمالها وحركاتها بوحي القومية ~~وحدها، إذن يجب علينا أن نسير على نهجها ونعمل عملها. لم تعترف أمة بحق أخرى بعد، ~~ولم تشفق أمة على غيرها، ولم يهب شعب لنجدة آخر، وما الحروب الطاحنة التي قامت ~~في أوروبا إلا دليل حي على صحة ما نذهب إليه. ولقد حاول البعض أن يفسر موقف أوروبا ~~العدائي إزاءنا بأنه راجع إلى بواعث دينية، وهذا ليس بصحيح، فإن الحضارة الأوروبية ~~ليست بشعوبية مسيحية، ولا هي بجمعية نصرانية، فإن مثل هذه الأساليب التفكيرية قد ~~زالت وانمحت من الذهنية الأوروبية، وليس أسخف من الحركات التي تقوم مناقضة لهذا ~~المبدأ في تاريخ الدنيا الحديثة. وما جمعية الأمم إلا مثال محزن يؤيد صحة مذهبنا، ~~فإن العقلية الإنسانية لم تقم بعد في ضمائر الشعوب، ولهذا يتعذر علينا أن نعمل ~~مؤتمين بموحيات المنطق الإنساني، ليس لدينا إلا القومية والمنطق القومي وحدهما ... ~~وهذا هو نتيجة التناحر على الحياة، وما التناحر إلا أساس الحياة في كل مكان، ms210 هذا ~~مبدأ ثابت لا مبدل له (ص155). # ثالثا: # الاقتصاد القومي (160-171): إن الاعتراف بحقوق الإنسان قد مهد السبيل للحضارة ~~الحديثة، فإن الثقافة القومية قد خلقت في الناس طابعا خاصا، أما الاقتصاد ~~القومي فقد حفظ ذلك الطابع، وزوده بالقوة التي بها يستطيع أن يشغل في نظام هذه ~~الدنيا أعلى مكانة، إذن فسنادة الحضارة الحديثة في الواقع هو الاقتصاد القومي، وكل ~~الدنيا إنما تعمل اليوم على هذا المبدأ. وهذا نظام لم تتمتع به كل الأمم على ~~السواء، إنه نظام يكاد يكون خاصا بأسرة الأمم الأوروبية، وهو في الواقع نتاج ~~للعقلية الأوروبية. (ص161). # إن هذا مبدأ من أقوى المبادئ التي قامت عليها الحضارة الحديثة، وهو مبدأ على أية حال ~~مخالف تمام المخالفة للمبادئ التي قامت عليها حياة الشعوب القديمة. أما إذا كانت الشيوعية ~~قد قامت خلال الزمان الذي ظهر فيه المسيح مثلا لكفت حاجات الناس لعهده، ولكنها كانت ~~تحفظ على الجماعات طابعها الفطري الأول على الدوام، فإن المسيحية اتبعت مبدأ الإنتاج على ~~قدر الكفاية والكفاف. أما مبادئ الاقتصاد الحديث فمناقضة لهذا المبدأ تماما، إنها لا تقوم ~~على قاعدة الإنتاج على قدر الحاجة، بل على مبدأ الاستهلاك بقدر الإنتاج، والفرق بين ~~المبدأين شاسع بعيد، إنها تزيد الإنتاج وفي الوقت ذاته تنوع فيه (ص176). # هذا هو نظام الحضارة الأوروبية، وليس من شأننا أن نبحث فيما إذا كانت حضارة بحق أم أنها ~~بربرية ووحشية، كلا، يكفينا أن الحياة الإنسانية تقوم على هذا الوجه في العصر الحاضر. ~~والواجب على تركيا أن تندمج في هذه الأسرة المتحضرة، وأن تقيم حقوقها وثقافتها واقتصادها ~~على أسس أوروبية. إن الحياة منطق صرف، وجهد متواصل، ولكنها بينة الطرق ممهودة ~~السبيل. # هذا هو ملخص الكتاب ولبه، نترك الحكم فيه لحرية الباحثين. ms211