######OpenITI# #META# URI: 1381IsmacilMazhar.NazcatFikrUrubi.Hindawi53741415 #META# Tags: history #META# ID: 53741415 #META# Title: نزعة الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر #META# AuthorID: 53973639 #META# Author: إسماعيل مظهر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # نزعة الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر‏ # مقدمة‏ # نزعة الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر‏ # | نزعة الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر # | نزعة الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر # تعريب # إسماعيل مظهر # | مقدمة # الأستاذ «جون تيودور مرتز» أشهر من أن نعرف به ملما بالأدب الإنكليزي في العصر ~~الحاضر، على أنه إن كان تعريف القراء بمؤلف أوروبي أمرا واجبا، فحسبنا أن نقول في ذلك ~~الأستاذ: إن مؤلفه في تاريخ الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر ينزل من مؤلفات هذا ~~العصر في التأريخ العلمي منزلة كتاب «غيبون» في سقوط الدولة الرومانية، أو مؤلف ~~«مومزن» في تاريخ روما، من حيث الأثر والقيمة، على ما بين التأريخ العلمي والتأريخ العام ~~من الفوارق التي لا تغيب عن المشتغلين بالعلوم الحديثة. # أنفقت وقتا غير قصير في الإكباب على دراسة كتاب «مرتز»: تاريخ الفكر الأوروبي في ~~القرن التاسع عشر، فثبت في يقيني أن نقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية يكون بمثابة حلقة ~~وصل بين عهدين: بين العهد القديم، والعهد الحديث في تاريخ العلم والفلسفة، وأيقنت من ~~جهة أخرى، أن وقوف الناشئين من أبناء العربية على آخر ما جادت به عقول النبغاء في ~~أوروبا من ثمرات العلم والفلسفة حتى ختام القرن التاسع عشر تمهيد ضروري لمن يريد أن ~~يتابع حركة النشوء الفكري في القرن العشرين. # فروع العلم الحديثة واسعة النطاق، وهي على تباين مراميها ووجهاتها متحدة الغاية؛ فإن ~~الغاية منها تثقيف العقل الإنساني، فهي مرقاة يتعلق بأسبابها الإنسان لكي يصل إلى أبعد ~~حد مستطاع من الرقي الاجتماعي؛ لهذا رأيت أن لا أقسر القراء على قراءة كتاب في تاريخ ~~الفكر الأوروبي، علميا وفلسفيا، يقع في أربعة مجلدات ضخام، في حين أن كلا منهم قد ~~يعنى بمقال واحد فيه؛ فإن المؤلف قد قسم الكتاب إلى شطرين عظيمين: خص الشطر الأول ~~بالعلم، والثاني بالفلسفة، ولم يترك في كلا الشطرين من علم أو مبحث فلسفي لم يكتب فيه ~~مقالا رائعا يصح أن يكون في ذاته رسالة مستقلة عن الكتاب في مجموعه ms01 ؛ لهذا فضلت أن أنشر ~~الكتاب في رسائل ملخصة تلخيصا هو أقرب الأشياء شبها بالترجمة الحرفية، بما تقضيه من ~~أمانة في تحري الألفاظ التي تعبر عن حقيقة الفكرة الخفية في موضوعات العلم ~~والفلسفة. # ولست بمقيد نفسي بترتيب أبواب الكتاب، فقد أنشر رسالة من رسائله الفلسفية لأعقب ~~عليها برسالة في العلم أو أخرى في الأدب، وسوف أبذل جهدي لأجعل ظهور الرسائل متتاليا في ~~فترات تكفي لامتصاص الفكرة المنبثة في تضاعيف كل منها. # إن تلك الملخصات سوف تكون تاريخا ومرجعا لبحث الفكرتين العلمية والفلسفية في القرن ~~الماضي، سوف ترضي مقترح الكثيرين من الأصدقاء الذين طلبوا إلي أن أخرج في العربية ~~رسائل مختصرة توقف الناشئين على ما وصل إليه العلم، وما بلغت إليه الفلسفة في العصور ~~الحديثة، على أني بعد التفكير الطويل قد اقتنعت بأننا في عصر أحوج ما نكون فيه إلى ~~الترجمة والنقل، فإذا أضفنا إلى ذلك أن صوغ المبادئ العلمية والفكرات الفلسفية في قالب ~~تاريخي أدبي، أروح على نفوس الناشئين والطلاب والباحثين من الإكباب على المصطلحات الفنية ~~الصرفة، عرفنا إلى أي حد تذهب الفائدة في نشر هذا الكتاب في رسائل مستقلة تخرج من ثلاث ~~جهات نورا ساطعا: من جهة العلم، ومن جهة الأدب، ومن جهة الفلسفة. ~~••• # كذلك قد حررت نفسي من التقيد بنشر كتاب «مرتز» وحده؛ فإن في عالم المؤلفات الحديثة ~~كتبا قيمة في مختلف الموضوعات العلمية والفلسفية قد أخص الكثير من فصولها بالتلخيص، ~~وإن كان أغلب همنا سوف يصرف إلى كتاب «مرتز» بادئ ذي بدء، على أني سأخص كتاب ~~العلامة «جون ديكسون وايت» في «تاريخ تنازع البقاء بين اللاهوت والعلم في عصور ~~النصرانية» بقسط من العناية لا يضارعه إلا عنايتي بكتاب «مرتز»؛ فإن شباب هذا العصر ~~وباحثيه إن وقفوا على تاريخ تحرير العقل من أسر الأوهام التي سطت عليه في القرون ~~الوسطى، وعرفوا تاريخ الجلاد الذي وقع بين اللاهوت والعلم حتى أواخر القرن الثامن عشر، ~~ووجدوا بين أيديهم تاريخا كاملا في كل ما أنتج العقل والفكر في القرن التاسع عشر. ~~أتموا ms02 بذلك رحلة يستقر بهم نواها على منتجات العقل في القرن العشرين. # على أنني إن حررت نفسي من التقيد بموضوعات الكتابين، ومما سوف أنتقي من فصول ~~المؤلفات الحديثة التي آنس فيها إتماما لغرضي هذا؛ فإني سأعمل على أن أحتفظ بأوجه ~~العلاقة الواقعة بين ما أنتقي من موضوع الرسائل؛ ليحدث تسلسلها في ذهن متتبعيها كفاءة ~~خاصة يدركون بها مقدار الفرق بين القديم والحديث. # إسماعيل مظهر # القاهرة، أغسطس سنة 1923 # | نزعة الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر # 1 # هنالك وراء المشاهد التي تتمثل أمامنا في الحوادث الخارجية، والتقلبات التي يكشف ~~لنا التاريخ عنها جلية أمام حواسنا، يقع العالم الخفي، عالم الرغبات والبواعث، ~~ومحركات الفكر، متبوعا بالانفعالات النفسية وقوى الحياة التي تنتج تلك الظاهرات أو ~~تصحبها. # هنالك وراء مظاهر الحياة، نجد العالم الخفي، عالم الفكر، وما كان للتاريخ - حسب ما ~~يفهم اليوم من معناه في اللغات الحديثة - أن يكون تاريخا حقا حتى يتناول ~~الحقائق والحوادث متتابعة متلاحقة، متواصلة غير مفصومة الحلقات، فيظهرها لنا ~~مترابطة الأسباب، جماعها عائد إلى قصد أو غرض ما، فيرجع بنا إلى الماضي سعيا إلى ~~علة جوهرية، أو يسوقنا إلى الأمام ابتغاء غاية محدودة، كذلك الحال في محركات الفكر ~~وبواعثه، والرغبات وقوى الحياة التي تقع وراء الحوادث الظاهرة؛ فإنها تحتاج ~~للاتصال، وأن تظهر على حال من النظام والتتابع حتى نستطيع أن نبلغ منها بفهم، أو ~~نتقصاها بتأريخ ووضع. # على أن ذلك العنصر الخفي، عنصر الفكر، لهو الذي جمع بين شتاتها، ووصل بين ~~أطرافها، وهو الذي يجب على المؤرخ - إذ يتصدى للكشف عن هذه الحقائق - أن يستوعب ~~شارده ووارده. والفكر وحده، مهما تعددت مظاهره، وتنوعت مشاهده، سواء أكان مبدأ ~~للعمل وبذل الجهد، أو واسطة يتلوها التأمل والاستبصار، في مستطاعه أن ينظم ~~المتفرقات المبددة، ويربط بين فروعها، ويجمع بين شتاتها، وفي طوق استطاعته أن يحرك ~~ما ليس بمتحرك، وأن يدفع بالحركة إلى الأمام ما هو ثابت، لا متقدم له ولا متأخر. ~~ولا جرم أنك إن استطعت أن تذهب إلى الدنيا بعالم الفكر؛ فإنك ms03 لا تلبث أن تجد أن ~~اطراد النسق، ووحدة الوتيرة، والتجانس التام قد أصبح المبدأ في نظام ~~الطبيعة. # وهذا القول قد يظهر للسواد الأعظم من الناس غريبا، وفيه كثير من التطرف والجرأة. ~~أما أولئك فهم الذين يتدبرون ظاهرة الطبيعة العظمى أكثر من تدبرهم تلك الحدود ~~الضيقة التي ينحصر فيها عمل الإنسان ونشاطه ودائرة تبصره، على أن بضعة ملاحظات ~~لتكفي للدلالة على أن ما أوقن به لا ينافي وجهة النظر التي ينظرون؛ فقد يقول البعض: ~~إننا نجد، بعيدا عن عالم الفكر الإنساني برمته، أن للأرض تاريخا، وأن للنظام ~~الشمسي تدرجا ونشوءا، وأن النشوء على نظريات العلم الحديث هو المبدأ الأوحد الذي ~~يخضع له العالمان: الحي، وغير الحي، وأن السكون والتجانس لا وجود لهما في الكون، ~~وأنك أينما وليت وجهك باحثا في نواحي الطبيعة لا تقع إلا على ضروب من التغير، ~~وأوجه من الحركة. # ولكن ألا يعرفون أن التغيير والحركة وحدهما لا يبعثان على وضع التاريخ وتكوينه؟ ~~فإن التغيير والحركة ليصبحان من الاطراد والثبات على نمط معين، بحيث يكون حكمهما في ~~الطبيعة حكم السكون التام، إذا تكرر وقوعهما متعاقبا على وتيرة واحدة، وشكل غير ~~متناه، أو إذا لم تحدث الحركة شيئا زائدا على ماهيتها، بأن يكون ذلك الشيء ~~الزائد على ماهية الحركة أكبر خطرا، أو أحسن صفة من نقطة الابتداء، ولكن مصطلحات ~~الكلام إذ نستعملها لتدل على ذلك الشيء الذي نخصه «بعظم الخطر» و«حسن الصفة»، ~~تلك التي تحتاج في المقارنة والقياس إلى كائن مفكر يجعل لشيء من الخطر والعظم ما ~~ليس لغيره، ويحكم على الأشياء بالقياس على أمثال عليا يتخذها قاعدة لأحكامه. جماع ~~هذه المعاني ليست بكائنة في تضاعيف الموجودات أو ظاهرات الطبيعة ذاتها، بل إنك لا ~~تجد لها من أثر إلا في ثنيات العقل المفكر وحده. وقد يصح أن يكون في مقدور سلسلة من ~~التغيرات الآلية - الميكانيكية - غير العاقلة، أن تستحدث أعدادا لا نهاية لها، أو ~~صورا لا نهاية لتنوعها. # غير أن النهج الطبعي لا يمكن أن يصبح تاريخا إلا إذا بلغ ms04 حدا عنده يستطيع عقل ~~مفكر أن يفقه منه طريقة الانتقال من حالة الوحدة إلى حالة التضاعيف والكثرة، أو أن ~~يستوعب منه طريقة إبراز تلك الصور التنوعية الشتى، أو أن يكشف عما إذا كان من شأن ~~تلك الظاهرة الطبعية أن تنتج شيئا ماديا ذا قيمة، أو أن تنتج اتصالا بفائدة ~~معينة، أو أن يستشف منها ضررا يسبب خسارة، أو نفعا يحدث كسبا. # فالرقاص إذ يمضي في الحركة يمنة ويسرة على نمط واحد غير ذي انتهاء، والسيار إذ ~~يتحرك حول الشمس مكررا حركته إلى لا آخر ولا قصد، والجوهر الفرد إذ يهتز متراوحا ~~في مكان معين؛ جماع هذه الأشياء لا تبعث فينا شيئا من حب العناية بها لأبعد من ~~معرفة القانون الرياضي الذي يضبط حركاتها، ويحملنا دائما على أن نستوعبها عقليا؛ ~~أي نفكر فيها. # فاتحاد عدد غير متناه من هذه الحركات الأولية لا يبعث فينا شيئا من العناية به، ~~ما لم نعتقد أن من اتحاد مثل هذا العدد قد ينتج شيء جديد غير مرئي؛ شيء ينبه ~~فينا الشعور بحس من الجمال أو الفائدة إذا عرفناه وملكناه، شيء ذو قيمة غالية في ~~نظر العقل المفكر، مهما كان المعنى الذي يؤديه لنا اصطلاح «العقل المفكر» كبيرا أم ~~صغيرا، عظيما أم حقيرا. # غير أننا إذ ننظر في العالم غير الحي، فنجد أن نهج الطبيعة في التغير وعدم الثبات ~~يبعث فينا شيئا من اللذة والعناية به، ونلحظ أن لذلك العالم تاريخا ترجع معرفته ~~كما يعود استكناهه إلى عقل مفكر يدونه ويتفهمه وينميه ويقدره، فإلى أي حد تتضاعف ~~تلك اللذة، وتذهب هذه العناية، إذا ما نظرنا في أعمال العالم الإنساني؛ حيث يصبح ~~الإنسان أول مصدر للعمل، فضلا عن أنه القوة المفكرة وينبوعها، ما دام ذاك مبلغ ~~لذتنا وعنايتنا من النظر في العالم غير الحي! # فإذا لم يكن في مستطاع السنين وتعاقبها، والعصور وتلاحقها، أن تحدث تغيرا ما، ~~وإذا لم يكن في مقدور سنن الوجود ونظام الحياة إلا أن يتكرر وقوعها على نمط واحد ~~غير متناه؛ فلا جرم ms05 أن هنالك يتعطل التاريخ، ويمسك عنه أن يبعث فينا من اللذة ما ~~يسوقنا إلى العناية به؛ فإن لقبائل أفريقية المستوحشة تاريخا، ولكن تاريخها قد ~~يصبح معروفا برمته إذا وقفنا على نظام حياتهم اليومية أو السنوية على الأقل، ~~أو نظام حياتهم خلال جيل على الأكثر. # كذلك الحال في بلاد الصين، فإن ما في الحياة الصينية من مظاهر السكون وعدم التقدم ~~تجعل تاريخهم مقتضبا ضئيلا على الرغم مما فيه من التعقيد والاختلاط؛ فإن ألوفا ~~من الأعوام تمضي على بلاد الصين لا تسد من فراغ التاريخ أكثر مما تسده أيام معدودة ~~في تاريخ أوروبا الحديث، أو كما يقولون شعرا: # خمسون عاما من حياة أوروبا خير من دورة شمسية في غيرها. # لذلك نرى أن الفكر من طريقين اثنين ذو فائدة كبيرة وشأن عظيم للمؤرخين؛ فإننا إذ ~~ننظر في كل تغير يحدث في الطبيعة، أو تبديل يقع في عالم الحياة الإنسانية نتساءل: ~~أي أثر أحدث ذلك التغير في عالم الفكر؟ وأية فائدة أو ضرر أو تقدم قد أحدث في عقول ~~الناس الذين هم كاشفو خباياه وملاحظو آثاره؟ وهل ضاعف من معلوماتنا؟ وهل زاد إلى ~~مجموعة أفكارنا وآرائنا؟ وهل زادنا بعدا في النظر، وإمعانا في التغلغل إلى صميم ~~الحقائق؟ وهل أوسع من آمالنا وقوى من عواطفنا؟ وبالجملة: هل أضاف جديدا إلى ~~مصالحنا ولذاتنا؟ وهل أوسع من حياتنا الداخلية؛ حياة الفكر، فجعلها أكثر امتلاء ~~وأقل فراغا؟ # أما إذا نظرنا في التغير واقعا في الأعمال الإنسانية ونتائجها؛ فإنا نتساءل: ماذا ~~كان أثر الفكر، عالم الحياة الداخلي، في إحداث ذلك التغير؟ وفي هذين السؤالين ~~وحدهما ينحصر واجب المؤرخ إذا ما أراد أن يؤرخ في عالم الفكر الخفي. # ولا أظن أن هنالك ضرورة تقضي علي في هذا المقام أن أبين عن هذا الاصطلاح - ~~اصطلاح الفكر - محيطا بمعناه من كل أطرافه، وفضلا عن بعد ذلك عن الضرورة، فإني ~~أعتقد أن ذلك خارج عن طوق تجاريبنا. وقد يساق الكثيرون إلى المطالبة بتعريف ~~للفكر، أو بيان أكثر من التعريف دقة في إظهار الصلة ms06 الواقعة بين الطبيعة ~~والحياة والفكر، على أن أمثال هذه التعاريف يجب أن تترك للقارئ ذاته، إذا ما ~~شعر بأن هناك حاجة تقضي عليه بأن يضع - خلال تفهمه هذا الكتاب # 1 # وما انطوى عليه - نظريات ذاتية يستخلصها من هذه المسائل في ~~مجموعها. # فوضع أي تعريف في مثل هذه الحال قد يحوطنا بكثير من أسباب التناقض غالبا ما ~~تفضي بنا إلى التهوش والفوضى. وإني لأعتمد في ذلك على ما تؤدي كلمة «الفكر» ذاتها ~~من المعنى عامة غير محدودة بتعريف، على اعتبار أنها تنقل إلى كل من الناس معنى ~~ذاتيا يدركه بنفسه، معنى يؤهل به إلى فهم هذه القضية العامة التي بدأنا ~~البحث بالنظر فيها، أو يسوقه إلى الاعتقاد بوجود عالم خفي يقع وراء عالم الحوادث ~~والحقائق البارزة، حتى يستيقن من أن لذلك العالم الخفي طبيعة دائمة التغير، مستمرة ~~الحركة، أو يدفع به إلى الإيمان بأن هنالك علاقة وصلة بين هذين العالمين، وأن ~~كلا منهما يحدث في نظيره أثرا هو نتيجة عكسية لفعل أحدهما في الآخر. # والعالم الخفي، سواء أكان من ناحية الوجود الزماني، أم من ناحية الخطورة والشأن، ~~هو المقدم على العالم الظاهر، وسواء أكان ما ننسب من المكانة والشأن لحيز ~~الاستدلال والاستنتاج في عالم الفكر، على ما في ذلك الحيز من الجلاء والوضوح، ~~مساويا أو غير مساو لما ننسبه إلى حيز الإحساس والتصور، مشفوعا بحيز الانفعالات ~~غير المدركة، على ما فيه من الغموض والإبهام، فعامة ذا مسائل ليس من الضروري أن ~~نجيب عليها في هذا الموطن؛ إذ يكفي أن نشير إلى وجود عالمي الحياة والفكر؛ ليعرف ~~بذلك الباحثون أننا لا نعني بعالم الفكر تلك الآراء ذوات التعاريف المحدودة الجلية ~~المنظومة في سلسلة ما فحسب، بل نشفعها بعالم الرغبات والانفعالات والإحساس ~~والتصور، تلك التي تؤثر في حياتنا الداخلية، حياة النفس الخالدة، تأثيرها في ~~العالم الخارجي. # وسوف أسوق البحث متحديا هذا المعنى في كل ما سوف أسطر في هذه العجالة من ~~الكلام في تاريخ الفكر، مقصورا على عصر من عصوره وليس في تاريخ ms07 الفكر عامة ، سأقصر ~~البحث في تاريخ الفكر الإنساني على هذا العصر # 2 # الذي نعيش فيه، مشفوعا بلمحة في العصر الذي سبقه مباشرة، وهو العصر ~~الذي يعيش فيه كاتب هذه الكلمات وقراؤه، عصر لهم به إلمام وعلم مباشر، وذكريات ~~قد تكون صحيحة، وقد تكون غير ذلك. كان هذا الاعتبار أكبر سبب حملني على أن أفرغ ~~قصارى جهدي في بحث تاريخ هذا العصر دون غيره من تاريخ الفكر الإنساني، مقتنعا ~~بأنني وقرائي أكثر معرفة بهذا العهد على ما يظهر لي من أي عهد آخر، إذا تسنى لي أن ~~أمضي في بحثه على الطريقة المثلى. ولما كان كل شخص هو أقدر الناس على كتابة تاريخ ~~حياته، كذلك يغلب علي الظن أن أبناء كل عصر من العصور - على اعتبار ما - هم أثبت ~~من يحيطون بتاريخ الفكر فيه. # ولقد قام الكثيرون يناهضون هذه النظرية مناهضة كان مقدارها في كل الحالات رهنا ~~على ما هو واقع بين الحوادث الخارجية من الأثر، تلك الحوادث التي يلحقها كثير من ~~الكتاب بالتاريخ اعتباطا وإسرافا، ويقال: إن المعاصرين من الكتاب إذ يؤرخون في ~~عصورهم لا يتخطون من التاريخ حد تدوين الحوادث ناظرين فيها من ناحية واحدة، فتخرج ~~من بين أيديهم ناقصة بتراء. والحقيقة أن المؤرخ أحوج ما يكون إلى استيراد أكبر عدد ~~ممكن من المدونات المتنوعة؛ لأن أصح المدونات التاريخية وأقربها إلى الحقيقة هي ~~التي تخرج من فكر أكثر الناس قدرة على الجمع بين شتات هذه المدونات، فيجعلها كما ~~واحدا، فيستطيع بذلك أن يتجنب مواضع الزلل التي كثيرا ما تتغلغل إلى صميم الأبحاث ~~من الإكباب على ناحية واحدة من نواحي النظر الفكري يعكف عليها الكاتبون، ويمكنه أن ~~يتنكب بذلك سبيل العماية في استقصاء نواحي الاستبصار، وأن يبعد جهد البعد عن الجهل ~~الشخصي والتخبط، والحكم على الأشياء بمجرد اللذة والهوى. # على الرغم من هذه النقائص وأمثالها، فإن مدونات المعاصرين قد ظلت طوال الأعصر - ~~وستظل - أثمن مصدر، وأوثق منهل يعتل منه مؤرخو العصور المستقبلة، الذين هم من ~~الجائز أن يصلوا إلى تمحيص ms08 براهينها، والفحص عن أسانيدها، فيجمعون بين شتاتها، ~~ويظهرون مواضع النفع فيها، فتتمخض عن صورة من التاريخ أكثر ثباتا، وأبعد دقة، من ~~صور العصور التي تتقدمها، بيد أن مدونات اللاحقين إذ تكون قيمتها محدودة بعصر ~~ما، فإن تاريخ المعاصرين، أهل الشهادة لما وقع في عصورهم، على ما يكون فيها من ~~السذاجة والإطناب، بل ومن التناقض، سوف تبز - بعد مضي المئات والألوف من السنين ~~من حيث البقاء والثبات والقيمة - مدونات اللاحقين على ما سيكون فيها من آثار الجد ~~والجهد الفتي؛ لأن مدوناتهم سوف تكون نتاجا لما يبعثه فيهم وحي عصر غير عصرهم، ~~واقتناع بضروب من الأحكام العامة ليست من نتاج أفكارهم، أو كما لاحظ جوته إذ قال: # إن التاريخ يجب أن يعاد تدوينه من حين إلى حين، لا لأن حقائق كثيرة تكون ~~قد عرفت على مر الأيام، بل لأن أوجها من النظر قد تظهر في أفق البحث ~~العقلي، ولأن المعاصرين الذين هم ذوو ضلع كبير في تقدم عصورهم وارتقائها، ~~يساقون دائما إلى غايات ينتهون بها إلى حيث تصبح ذات صبغة يقتدر بها على ~~تدبر الماضي والحكم عليه بصورة لم تكن معروفة من قبل. # إن كثيرا من كتاب التاريخ، الذين أنبتهم هذا العصر، سوف يظلون قرونا عديدة موضع ~~الفائدة ومرجع الجاذبية العامة، كمؤرخين أبرزوا للعالم من العدم أساليب جديدة من ~~البحث، وانتحوا من النظر نواحي مبتكرة في السياسة والاجتماع والرقي الأدبي أكثر ~~منهم مقرري حوادث ومدوني وقائع يمكن الاعتماد عليها، والثقة بها، وإن طريقة النظر الموضوعي # Objective Method # التي يعكف عليها ~~البعض منهم، سوف ينظر إليها لا كطريقة ابتغوا بها التحرر من آثار التقيد والتقليد، ~~ولكن كطريقة لم يشعروا لدى إكبابهم عليها بما أوحي لهم من قبل تخيلهم ووهمهم الذي ~~يتحكم فيهم التحكم كله. # غير أن الحقائق التاريخية التي يرجع تدوينها ونقدها إلى عقول عاصرت وقوع تلك ~~الحوادث لها فائدة مزدوجة في الكشف عن حقائق العصر الذي وقعت فيه، فإن الحوادث ~~والعقول التي تنصرف إلى التأمل فيها، كلاهما يكمل نقائص الآخر في إخراج ms09 صورة أكثر ~~كمالا، وأقرب إلى التمام رحما. وشأن الحوادث والعقول في ذلك كشأن المادة والوجهة ~~التي ينظر إلى المادة من ناحيتها في تبعيتها لزمان واحد. # من هنا نسلم بأن المؤرخين أمثال «ثيوسيديد» و«تاسيتوس» و«ماكيافيلي» عبارة عن ~~نماذج كاملة في فن كتابة التاريخ، وأن المذكرات التي يخلفها سياسيو العصور الحديثة ~~عادة أثمن قيمة، وأبعد فائدة، وأطول بقاء من تلك القصص الموصولة الحوادث، المحبوكة ~~الأطراف التي يكتبها مؤرخون لا صلة لهم بالزمان الذي يؤرخون فيه، رغم ما يصرفون ~~فيها من الجهد والعناء. # أما وقد انتهى بنا البحث إلى أن مدونات المعاصرين للحوادث ذات قيمة خاصة بها مهما ~~كان في تلك المدونات في منازع النقص، فلا نخال أن يكون تدوين الأفكار إلا أبلغ من ~~تدوين الحوادث خطرا، وأبعد نفعا، وأعمق فائدة، لا سيما إذا أخذ «الفكر» على أنه ~~الحياة الداخلية الكامنة لعصر من العصور، ولم يقتصر معناه على ذلك الجزء الذي يدل ~~على الفكر المحدود القاصر في الدلالة على منتجات الأقلام خلال زمان ما من الأزمان؛ ~~ذلك لأن جزءا عظيما من تلك الحياة الداخلية الكامنة لا يمكن أن يبلغ منه أحد بفهم ~~أو معرفة، إلا شخصا اشترك في تكوينها ومثل فيها من أوجه الحياة دورا. # الآمال الغامضة المبهمة التي تجيش في صدور الآلاف المؤلفة من أبناء آدم وهم عاجزون ~~عن إقناع شهوتها، أو التعبير عن حقيقتها، والسقطات والهزائم التي تمر في عالم ~~الحياة من غير أن يعرفها أحد، أو يهتم بها إنسان، والرغبات التي تعيش في صدور الناس ~~ممتدة في سلسلة من التواصل والتتابع غير متناهية، أو تتشكل بصورة ما من صور حياتهم، ~~والمحاولات التي يتشبث بها الناس ابتغاء الوصول إلى حل المشكلات العلمية التي ~~يمليها الطمع عليهم، أو تبعث بها الحاجة في النفوس، وتلك الساعات الطويلة التي ~~ينفقها محبو العلم سدى؛ طمعا في الوقوف على أسرار الطبيعة - جماع هذه المجهودات ~~المخبوءة في نواحي النسيان تكون ذلك الهيكل الذي نسميه «فكر الأمة»، ولا يطفو ~~منه على سطح الحياة إلا جزء ضئيل بارز في ms10 صورة من الأدب ، أو العلم، أو الشعر، أو ~~الفن، أو المنتجات المادية الخاصة بفترة ما من فترات الزمان. # وإن لدينا شيئا آخر لا يقل عما سبق القول فيه قدرا، وإن كان أقل منه ظهورا ~~للناس؛ فإن ذلك القدر العظيم من الفكر «الكامن» لهو الذي أتم النضج، وهو الذي ~~استجمع مواد الإشعاع الفكري وجعلها على أهبة الإضاءة إن أشعل فتيلها شرارة من ~~الانبعاث في التأمل والعمل. إن «الفكر الكامن» عبارة عن القوة الدافعة العظيمة التي ~~تستخزنها الأزمان، وتظل مستخزنة حتى تفك عقالها العبقرية والكفاءات الفردية، ~~فتنبعث في سبيل الحرية والنشاط. # لقد عرفنا الفلاسفة عند مقدار ما في الحياة العضوية من أوجه الإسراف، خبرونا عن ~~الآلاف المؤلفة من الجراثيم التي تولد وتتلاشى عبثا، وعن مقدار ما ينثر من الحب ~~سدى. والظاهر أن للمجهود العقلي والأدبي حظا من الإسراف والعبث لا يقل عن حظ ~~الحياة العضوية، غير أننا إذا تأملنا في الحياة العقلية همس في روعنا اعتقاد ~~يقنعنا بأن مبدأ تعاون الأكثرية، لا مبدأ التضحية الفردية، هو السر في نجاح ~~الأقلية، وأن الإتقان وليد الجهد المشترك، وأن الكثيرين لا بد من أن تتبدد حياتهم ~~ليصل واحد إلى الغرض. # أي شعور آخر غير هذا في مكنته أن يصبح سلوى أولئك الأمناء الشجعان، الذين أنفقوا ~~أعمارهم ابتغاء الوصول إلى حل مجموعة المشكلات الاجتماعية، على ما فيها من مظاهر ~~الاستعصاء، وعلى ما يحف بها من المشكلات؟ أي سلوى غير هذه لأولئك الذين يعملون على ~~استئصال جذور الرذائل والتعاسة التي تفيض بها الحياة في المدن العظمى؟ أو للذين ~~يقومون صارخين في وجه المستبدين منادين بحرية الشعوب المستعبدة؟ أو للذين يبشرون ~~بالسلام عاملين على قتل روح الحرب والعسكرية؟ أي شيء في العالم أكثر ترويحا على ~~نفس مؤلف ينفق نصف عمره في تأليف كتاب يخرج من آلة الطباعة ميتا منبوذا، أكثر من ~~اعتقاده بأن كاتبا آخر غيره قد ينجح في المستقبل فيما أخفق فيه اليوم، وأن إخفاقه ~~ليس إلا جزءا من الجهد الكامن الذي سوف يكون حجرا في بناء ms11 التعاون في سبيل إبراز ~~غرض نافع؟ # غير أنه يحق لنا أن نتساءل في مستطاع من من الناس أن يكتب تاريخ ذلك الجهد ~~الكامن المخبوء في ثنايا الفكر العام لأمة من الأمم؟ من من الباحثين قد خص ~~بقدر من الحساسية النفسية يمكنه من أن يدرك بشعوره وبصيرته الخفية، في أية ~~ناحية من نواحي الحياة كان ضغط الحوادث أشد أثرا، وفي أيها كان الجهد الإنساني ~~أطول مدى، قبل أن ينبثق فجر الحياة الجديدة؟ من من المفكرين قد يبلغ خياله ~~وتصوره مبلغا يمكنه من تتبع تلك الخيوط المشعة في عقل الأمم، والتي تتجمع في ~~عقليتها الكامنة حالا بعد حال، بعد أن تسطع أضواء الحياة بنتائج الجهد ~~المشترك؟ # نحن الذين نعيش مترقبين إشعاع الضوء محوطين بما يغشاه من العقبات والمتاعب، نحن ~~الجنود المحاربون في سبيل الحق، المنفقون حياتنا وجهودنا في جوف المعركة، لا بعد ~~انتهائها، نحن الذين يحق لنا أن نفخر بأن في قدرتنا أن نروي من منازع الآمال ~~الجائشة في الصدور، ومن أوجه الجهود التي قام بها كثير من أبطال الحياة الفكرية، ~~ومن تشعب نواحي الفكر، رواية أقرب إلى الحق رحما، وأصدق قولا، وأثبت ~~تأويلا. # على أن لدينا مسألة أخرى نجد في بحثها لذة وخطرا: قد نتساءل إلى أي عصر من العصور ~~الماضية نستطيع نحن - الذين عشنا خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر - أن نرجع ~~بتاريخ عهدنا الذي نفخر بأننا أوقف الناس على خباياه، وأعلمهم بما فيه؟ لا مرية في ~~أننا نعرف أن آباءنا وأجدادنا الأقربين هم الذين شاهدوا الحملة الإنسانية التي قامت ~~للقضاء على تجارة الرقيق واقتناء العبيد، بل اشتركوا فيها. هم رجال الأجيال الذين ~~قاموا بأكبر قسط من الإصلاح الحديث، هم الذين عركوا ذلك الانقلاب المبين الذي أحدثه ~~استخدام البخار والغاز، كما أنهم من الذين أخذوا بضلع في حركة التعليم ونشره في ~~أنحاء الأرض. # هم الذين شهدوا ثورة ألمانيا ضد الاستبداد البونابارتي، وأدركهم «جوته» في عنفوان ~~رجولته، فهزت عبقريته أعماق نفوسهم، وأخذوا بضلع في إحداث طور الانتقال الذي أدرك ~~الأدب، ms12 فأطلقوا من قيود العصور الأولى واحتذاء أمثلة القدماء إلى سلاسة الذوق ~~الحديث، ومسهم من شعر «بيرون» ما يمس القلوب فيصهرها حره، أو يثلجها قره، ~~وأنصتوا لمفوهي الخطباء الذي أنبتتهم الثورة الفرنسوية الثالثة، ورووا لنا ما ~~كان من سحر نابوليون الأول على الملايين الذين مضوا به معجبين، وله خاضعين. # إن الشطر الأعظم من تلك الصور الشتى لا تعيش بيننا اليوم إلا في قالب من القصص ~~يرويه الذين عاصروها، أو في صدور الذين شهدوها وامتد بهم أجلهم ليرووا بأنفسهم ~~أخبارها، ولم يتم إلا لبعض منهم أن يخلدوا بأقلامهم في بطون الأوراق، أو بريشتهم ~~على لوحة التصوير، ذكرها ... ليتركوها ذخرا للأجيال القادمة. لم نسعد بسماع كلماتهم ~~فحسب، بل سعدنا بما استقرأنا في ملامح وجوههم من آثار الشدائد التي عانوها، والصعاب ~~التي شهدوها، ورأينا في البريق الذي تبعثه عيونهم موحيات الحمية، ومطاوعات الأمل، ~~وشهدنا في نظراتهم وفي أصواتهم المرتجة ذكرى ما وقعوا عليه من شهوات الصبا، ومسرات ~~الشباب والفتوة. # على أننا لم نسعد بهذا وحده، فإنهم قد حملوا إلينا شهادة ناطقة، وأورثونا تراثا ~~حيا دائما، غير أنه يخرج عن طوق مستطاعنا أن نورث أولادنا ذلك التراث كما ~~تسلمناه من يد آبائنا؛ فإنه لن يمر من بين أيدينا غير مدخول بتحوير أو ~~تغيير. # إن هذا التراث لهو «اللغة» التي علمنا إياها آباؤنا مذ كنا في المهد أطفالا، ~~على أنهم قد نالوا من اللغة، على غير علم منهم، بالتغيير والتبديل، غيروا اللهجة ~~والكلمات والجمل التي تلقوها عمن سبقهم؛ إذ ركزوا في تلك الكلمات والجمل طرق الكلام ~~التي شاعت خلال سنيهم، وأدمجوا فيها روح عصرهم، ومزجوها بفكراته وخيالياته. ~~وتلك الجمل الممسوسة بأثر الطرق الكلامية الخاصة بهم قد ورثناها منذ الطفولة، فكانت ~~المادة التي تكونت منها عقولنا، وكأنها صدفة محبوكة الأطراف لا بد من أن تسبك ~~أفكارنا على نموذجها، أو هي الأداة التي نعدم بدونها طرقا للتعبير عما يخالج ~~أنفسنا من الفكر أو الخيال. # من لغتهم، ومن جملهم المركبة، وأمثالهم الجارية على ألسنتهم، عرفنا كيف نفرق بين ~~ما ms13 هو خطير مفيد ، وبين ما هو تافه حقير، ومنها استمدت عقولنا مختلف الموضوعات التي ~~تشغل أفكارنا، والآمال التي تجيش في صدورنا، والمبادئ التي نعكف عليها، والوسائل ~~التي نتخذها في الحياة هاديا ومرشدا. ولا ريبة في أن مجمل هذه الأشياء قد ورثوها ~~هم عن غيرهم، غير أن ما أمدتهم به قواهم العاقلة من ضروب الفوارق العقلية الدقيقة، ~~ورفاهة إحساساتهم، وعريض آمالهم، جماعها أثر تأثيرا عظيما في جوهر اللغة؛ إذ ~~إنهم بما أضافوا وما بدلوا، قد استغلوا ما في عنصر اللغة من مطاوعات اللين ~~والمرونة، وما زالوا يعالجونها حتى جعلوها أكثر تكافؤا مع ما تتطلب حاجاتهم، ~~ومقتضيات حياتهم. # لقد ورثنا اللغة مدخولة بما حور فيها آباؤنا، فورثنا معها روح الجيل الماضي؛ تلك ~~الروح التي تسوقنا كرها إلى مناحي من التفكير بعينها، وترغمنا على أن نلزمها، وتضع ~~في طريقنا من الصعاب ما يجعل جنوحنا إلى غيرها متعذرا، اللهم إلا إذا تدرجنا في ~~تنكبها تدرجا، وابتعدنا عنها متخطين حواجزها خفية متسللين، حتى نستطيع أن ننبه في ~~كامن نفوسنا نزعة إلى فكرات لم تكن لتدر في خلدنا، وأذواق لم نألفها، وإحساسات ~~لم تعتدها مشاعرنا. # يعكف الكثير منا على الأفكار الموروثة، وعلى مناحي التفكير المفطورين عليها، ~~الرسيسة في أخلاقهم منذ الطفولة. وقد يستعين البعض بتعلم اللغات الأجنبية أو ~~بالهجرة ابتغاء العيش في ممالك قاصية عن موطنهم، على بلوغ درجة من الرقي يسهل معها ~~أن يستوعبوا أساليب جديدة للبحث والتفكير، على أن القليل منا هم الذين يفوزون ~~بإبراز شيء من الفكرات المبتكرة المخدرة، فيكسرون بذلك صدفة اللغة المحبوكة أطرافها ~~على التعبيرات المتداولة، فينحتون كلمات جديدة وتعبيرات مستحدثة لأنفسهم، يصوغون ~~فيها فكرات أزمانهم المندفعة في سماء العقول اندفاع السيارات في الفلك المرسوم، ~~ويحددون بها روح زمانهم ليبرزوها في صورة تكاد تتخيلها أمامك تمثالا ~~منحوتا. # والمصطلحات اللغوية لا تلبث أن تستعمل مرة حتى تذيع، حتى إنك لا ترجع النظر كرة ~~إلى الماضي جيلا واحدا إلا لترى مقدار ارتقاء الفكرات والأذواق، ممثلا فيما ~~دخل على اللغة وأساليبها من التغير البين. ms14 # من هنا نجد أن كاتب هذه السطور وقارئيها، الذين يرجعون بذاكرتهم إلى أواسط القرن ~~التاسع عشر، والذين أمدهم تعليمهم وتثقيفهم بتلك الفكرات التي ذاعت منذ جيل من ~~الزمان، هم وحدهم الذين في طوقهم أن يفخروا بأن لهم أكبر قسط من العلم بما وقع في ~~الشطر الأعظم من هذا القرن، وبالمستحدثات التي أنتجها، والفكرات التي مهد لها سبيل ~~الذيوع والانتشار. # وما غرضي من كتابي هذا إلا الوصول إلى هذه النتيجة؛ أريد أن أنتشل به من هوة ~~النسيان السحيقة تلك الأشياء التي يلوح لي أنها ميراثنا الخفي، وأن ألقي شعاعا من ~~النور على تلك الحياة الفكرية التي تكاد تختتم صفحتها باختتام عصر من أزهر عصور ~~الدنيا بالعلم، وأكثرها نصرة له. سوف أبذل جهدي في أن أتعقب خطى تلك الحياة ~~الفكرية، وأن أستعين بكل ضروب المعلومات التي أقع عليها في مدونات غيري من ~~الكتاب والباحثين على إبرازها في صورة أكثر تلاؤما، وأشد تكافؤا، بحيث تعطي ~~الذين يتبعون رأيا ما من الآراء الخاصة بوجهة النظر التي نظر بها في ذلك العصر ~~إلى عالم المادة والحياة، فكرة عامة تريهم كيف كان أثر القرن التاسع عشر في ~~تبديلهم عقليا وروحيا. # كذلك لم يكن من قصدي أن أكتب تاريخا ألم فيه بمختلف التغيرات السياسية ~~الظاهرة، أو تقدم الإنتاجية الصناعية. أما التغيرات السياسية الظاهرة فقد تصبح أطوع ~~قيادا لأولادنا منا. وأما الإنتاجية الصناعية فتلك أشياء سرعان ما تنسى، وقد تندمج ~~وتنمحي فيما سوف ينتج المستقبل من مخترعات ووسائل، فلا يكون ما نرى منها في زماننا ~~إلا ممهدات لما سوف يعقبها. # كذلك لست أريد أن أكتب تاريخا للمعرفة والعلم، ولا قصة الأدب والفن؛ فإن هذه ~~الأشياء إن كانت بذاتها نتاج الحياة الكامنة، بل إن كانت تلك الحياة تتضمنها، ~~فإنا لن نلجأ إلى بحثها إلا كوسائل لتمحيص النتائج التي قد نصل إليها. أما ما سوف ~~يستغرق أكبر قسط من عنايتي، فتلك الآمال والغايات الحية الشاعرة التي تحدث أية حركة ~~ارتقائية، سواء أفي السياسة أم في الاجتماع، إن وقعت عليها. أما ms15 إذا لم أقع عليها ~~فأنصرف إلى الكلام في النتائج التي أبرزتها حياتنا الداخلية الكامنة، والأساليب ~~التي انتشرت بها المعرفة، أو طبق بها العلم، والمبادئ التي تختفي وراء صور الأدب ~~والنقد، أو ذلك الكنز الروحي الدفين الذي يعمد الشعر والفن والحركات الدينية إلى ~~كشف خفياته والإبانة عن أسراره. # وفي الواقع أريد أن أبحث ذلك الدور الذي لعبته حياتنا الداخلية الخفية؛ حياة ~~الفكر، في تاريخ القرن التاسع عشر، مشفوعا ذلك بأوجه التقدم والارتقاء وضروب ~~الكسب، التي كانت نتاجا لوقوع الحوادث والتغيرات الظاهرة في عالم الحياة ~~العامة. # أما وقد سلمنا بأن العلم الذاتي والتجربة كليهما ذو خطر كبير في القيام بعبء ما ~~خططت لنفسي، وما دام علمنا قد دلنا على أن عدم الاندماج في الحياة الكامنة لعصر من ~~العصور لن ينتج إلا تاريخا يقتصر على ذكر الأسماء، أو يتناول بعض الآراء بالنقد، ~~فإنا لا محالة نسلم مع هذا بأن هذه الأمور عامة بواعث تحدد في وجهنا مجال الانبعاث ~~إلى ما وراءها؛ ولذا أشعر بأني مقسور على أن أقصر بحثي على الفكر الأوروبي ~~وحده. # لم تكن فكرة الاقتصار في التأريخ على ناحية بعينها من نواحي الفكر موجودة منذ قرن ~~من الزمان؛ لأن ذلك كان محتوما علينا. أما وقد أخذت صورة من صور المدنية الحديثة ~~تتكون حول الشاطئ الآخر من المحيط الأطلانطيقي، يزجيها شعب فتي موفور القوة ~~والنشاط بكل مهيئات النماء والتطور، فلا يسعني مع هذا إلا أن أسلم بأمرين: ~~الأول: أن هنالك عالما جديدا يزداد كل يوم خطره، ويتضاعف شأنه، في حين أني لست ~~على علم بشيء من خصائصه وحياته، ولن أشعر إذا ما أردت أن أؤرخ في حياته ~~الداخلية الكامنة إلا بالعجز والقصور، والثاني: أن عجزي عن التأريخ فيه لا يضارعه ~~إلا عجزي عن أن أصور لنفسي ما يكون من شبح التثقيف الأوروبي في عين باحث بعيد عنه، ~~مبتوت الصلة به، غير ناظر إليه إلا بعين الدنيا الجديدة. # إن الدنيا الجديدة لتنمو وتتكثر، لا من جهة العدد والثروة الأهلية فحسب، بل من جهة ms16 ~~الاستعماق الفكري، كلما زادت إمعانا في النشوء العقلي والتطور الروحي؛ لذلك لا نشك ~~في أنها سوف تعاني مشقة الرغبة في التأريخ في حياتها الكامنة وعناصر تثقيفها؛ لتعثر ~~في درج ذلك البحث على الخصائص التي تفرق بين مدنيتها ومدنيتنا، غير أن الميول ~~التي يتجه فيها ذلك التثقيف الحديث غامضة علي، بل تكتنفها ظلمة موحشة، وليس لدي ما ~~يحول دون اعترافي بالعجز عن أن أقضي فيها بحكم ثابت محدود. # أراني مقتنعا تمام الاقتناع بأن الحياة الظاهرة المرئية في حياة البشر رأي العين ~~والحس ليست سوى وعاء يتضمن مادة خفية لا تصل إليها الحواس، أو هي صدفة يتكون في ~~صميمها جنين المستقبل؛ لذلك لا آنس من نفسي قدرة على الإفصاح عن ماهيتها؛ ولهذا لا ~~أريد أن أتناول من حركة التثقيف العام التي ولدها القرن التاسع عشر إلا ما احتك ~~منها بالفكر الأوروبي احتكاكا مباشرا، وكان فيه من الحياة الأوروبية أثر ~~بين. # على أنني سوف أقصر بحثي في الفكر الأوروبي على مرتكزه ومحوره، سأقصره على الآداب ~~الفرنسوية والألمانية والإنكليزية. ولست أنكر أن الآداب الإيطالية والسيكانديناوية ~~والروسية محيطة بذلك المرتكز، بل كثر ما أثرت فيه تأثيرا ما، غير أني فيها أقع على ~~لغات لم آلفها، ونزعات لم أتبين ماهيتها وحقيقتها، فكنت أشعر بأنه يستحيل علي أن ~~أتميز شيئا من صبغة الحياة الجديدة الكامنة فيها، وكانت مسئوليتي تزيد في نظرية ~~كلما زدت اقتناعا بأنني إن تناولت تلك الآداب ببحث اضطررت إلى أن ألزم نفسي عنت ~~السعي وراء الكشف عن أسباب وبواعث لم تتهيأ لي سبل الإبانة عن خفياتها، لأبلغ منها ~~بدرس يرضي الحق والضمير. # يقتصر بحثنا على الفكر الأوروبي - أي على الفكر في فرنسا وألمانيا وإنكلترا - خلال ~~الشطر الأعظم من القرن التاسع عشر. ومهما أحاط بهذا البحث من حدود الزمان والمكان، ~~فإنه لا يزال شاقا متشعب الأطراف أشعر منه باستيحاش وخوف. ومع هذا فقد جعلت ~~رائدي في كل مباحثي التي سوف أسوق بنفسي في غمراتها، وفي كل الصور والملخصات التي ~~سوف أبرزها، أن لا أهمل في ms17 بحث كل منها فكرة الوحدة التي تجمع بينها. # وما تلك الوحدة في نظري سوى ذلك الشيء الذي ألزمتنا إياه روح التقدم الذي وقع في ~~عصرنا، وهي في ماهيتها نتيجة ما بذل من الجهد خلال القرن التاسع عشر؛ فلقد كان ~~يتعذر عليك منذ قرن واحد، لا بل منذ خمسين عاما فقط، أن تتكلم في «الفكر الأوروبي» ~~على الوجه الذي أتكلم به الآن، فإن القرنين السابع عشر والثامن عشر، هما القرنان ~~اللذان صبغ فيهما العلم بصبغة الوطنية؛ لأن فيهما حلت اللغات الوطنية الخاصة بكل ~~أمة من الأمم محل اللغة اللاتينية العامة في تواليف الآداب والعلم، وفيهما بدأت ~~تتميز الآداب بمميزات الشعوب وتصبغ بصبغتها، وفيهما بدأ الفكر يستقل باستقلال الأمم ~~القاطنة في غربي أوروبا استقلالا معنويا. # لهذا تجد أن الناس في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر قد بدءوا ~~بأسفار طويلة قضوها في التأمل والدرس، متنقلين من مملكة إلى أخرى؛ ليخصوا أوطانهم ~~بما ينقلون من فكرات مبتكرة، أو أساليب للبحث غير مألوفة، على أن هذه الأسفار قد ~~عقبها ذيوع الأفكار الحديثة، فوفد إلى إنكلترا «فولتير» # Voltaire # عام 1726؛ حيث نشأت فلسفتا «نيوتن» # Newton # و«لوك» # Locke ~~، ولم يكن ~~قد وصل إلى فرنسا علم بهما، وساح «آدم ~~سميث» # Adam Smith # في فرنسا عام 1765؛ حيث درس طريقة «كوينسي» # Quensay # الاقتصادية، وأكب على مباحث «الفيزيوقراطيين» Physiocrats # يدرسها الدرس الوافر، ومنها ~~كون فكرته التي بنى عليها فلسفته الاقتصادية التي أخرج فيها كتابه «ثروة الأمم» # The Wealth Of Nations ~~. # وخلال الربع الأخير من القرن الثامن عشر، أسس «أ. ~~ج. فرنر» # A. G. Werner # أكاديمية التعدين، التي كانت قد وجدت في صورة معهد قروي ~~عام 1766، فأصبحت مركزا من أعظم مراكز العلم والتنوير العقلي في أوروبا، وإليها ~~اليوم يسعى طلاب العلم من أقطار الأرض قاطبة ليتلقوا تعاليم أساتذتها العظام، وفي ~~أواخر القرن التاسع عشر هبط «وارد ~~سوورث» # Word Sworth # و«كوليردج» # Coleridge # ألمانيا، ولم يعد «كوليردج» إلى إنكلترا إلا مزودا بفلسفة «كانت» # Kant # وفلسفة «شيلنج» # Schelling ~~. # ولا ننسى مدام «دي ستايل» ms18 # M. de Stael ~~؛ فإنها لم ~~تكد تسمع أن في ألمانيا حركة أدبية حديثة، تناقل أخبارها بعض مهاجري الثورة ~~الفرنسوية، حتى عمدت إلى دراسة اللغة الألمانية بأقصى ما وصل إليه الجد والنشاط، ~~مقتنعة بأن صورة حديثة من صور الفكر قد أنبتها العقل الألماني، ثم زارت ألمانيا من ~~بعد ذلك مستصحبة«بنيامين كونستان» # Benjamin ~~Constant # في أواخر عام 1803، وكرة ثانية عام 1807، ~~ومن ثم كان كتابها الذي أسمته «عن ~~ألمانيا» # De L’allimagne # نتيجة سياحتيها. وبينما كان «كوليردج» ومدام «دي ستايل» ~~يستنزلان وحي تلك الحياة الجديدة التي بعثتها عبقرية «جوته» # Goethe ~~، و«شيللر» # Schiller # في ~~«فيمر» # Weimer ~~، كان طلاب العلم في أنحاء ~~القارة الأوروبية يولون وجوههم شطر باريس؛ حيث ظلت تلك المدينة بضعة عشرات من ~~السنين محور البحث العلمي، ومبعث الأساليب الحديثة، وحيث تركزت الفكرات العلمية ~~المبتكرة في نقطة، وأخذت تشع بنور المعرفة. # لقد ظلت باريس أكثر من نصف قرن مهبطا لوحي الفكرة العلمية، حتى إن فلاسفة ~~الإنجليز - الذين ظلوا منذ زمان «باكون» # Bacon ~~، ~~و«نيوتن» متتبعين تقليد الاستقلال بأساليبهم الخاصة في البحث - قد اقتنعوا في أواخر ~~العقد الثاني من القرن التاسع عشر، بأن اسم «نيوتن» العظيم لا يقوم بذاته كفيلا ~~بأن طريقته العلمية بالغة أقصى حد من المتانة والثبات، مستندين في ذلك على ما ~~رأوا من أوجه التبديل والارتقاء التي أحدثها فيها رياضيو القارة الأوروبية. # ولقد وفدت تلك الأساليب المبتكرة إلى إنكلترا بفضل ثلاثة من خريجي جامعة ~~«كامبردج»؛ هم: «هرشل» # Herschel ~~، و«بابيج» # Babbage ~~، و«بيكوك» Peacock ~~، ترجموا مقالة «لاكروا» # Lacroix # ففتحوا بذلك ميدانا للبحث الرياضي كان مغلقا، وبدءوا ~~للتفكير الرياضي عهدا جديدا. وبعد أن مضى على ذلك العهد خمسة عشرة سنة، توافد ~~طلاب العلم من نواحي الدنيا الأربع على بلدة «جيسن» # Geissen # الألمانية؛ ليتلقوا في كلياتها علم الكيمياء الحديث، ~~وأساليب البحث التي كانت تلقى في معمل «ليبج» # Leibig ~~، وكانت تلك الأساليب من قبل طرقا خاصة مقصورا نفعها ~~على المعامل التابعة لبضعة أفراد من العلماء. # ولقد يتذكر البعض منا ما أحدث ذيوع فلسفة «أوغست ~~كونت» # Auguste conte # بين ms19 عامي 1830 و1840، تلك الفلسفة التي ظلت بلا أثر ~~بين في بلاده فرنسا، ولم تكسب مركزا ذا شأن في الفكر الإنساني إلا بما كتب ~~فيها «جون ستيوارت ميل» # J. S. Mill ~~، ومدرسته ~~وتابعيه، وبما تركز فيها من صور الفكر الخاصة بإنكلترا، ومن ثم عادت إلى فرنسا ~~ثانية بعد مضي جيل تام على وفودها إلى إنكلترا. # حدث مثل هذا لمصور إنكليزي صرف همه إلى تصوير المناظر الطبعية، فقد ظل ~~«كونستابل» # Constable ~~، مهملا حتى عرضت صوره ~~في فرنسا عام 1824، فأحدثت أثرا عظيما في مصوريها إلى حد أنهم يعتبرون عرضها ~~عهدا جديدا تناول تصوير المناظر الطبعية في فرنسا بأعظم تطور وقع في تاريخ هذا ~~الفن. # إن أمثال هذه السياحات الاستكشافية في عالم الفكر والنشاط العقلي، أصبحت مستحيلة ~~في العصر الحاضر؛ لأن العلم خلال القرن التاسع عشر قد لبس ثوب الشعوبية، ومعاهد ~~العلم المستقلة المبتوتة الصلات بغيرها، أخذت تقل وتزداد ندرتها حينا بعد حين، فإن ~~التراسل، وذيوع المجلات الدورية، والتئام الجماعات العلمية ونشر مقرراتها قد كفل ~~للعالم أن يظل محيطا بكل ما تخرج العقول من المستكشفات الحديثة مهما ضؤل شأنها، ~~على أن صبغة العلم الوطنية لا تزال باقية، غير أنه لا يمكن العثور عليها إلا في ~~دفائن الفكر البعيدة القصية: كخطرات النفوس الخفية، والمصطلحات الكلامية التي لا ~~تجد بعض اللغات متسعا لنقلها إلى أبنائها. # وللعلم، كما لدورة الليل والنهار، غسق وفجر، وله صبح تختلط به خيوط الفجر، وله ضوء ~~أبلج لم يشبه من ظلمة الليل دنس، غير أن ضوءه الأبلج قد نما وانتشر وزاد ~~إشعاعا خلال القرن التاسع عشر، حتى إننا لنستطيع أن نتكلم في نزعة الفكر الأوروبي ~~في مجموعه اليوم إذا قصرنا الكلام على الفكر في فرنسا وألمانيا وإنكلترا، في حين ~~أننا لم نكن لنبلغ إلى ذلك في الزمان الفارط. # وإني مع احتفاظي بغرضي الأول، سوف أسوق مباحثي في أكثر جهات الفكر الأوروبي ~~اتساعا وأخصبها إنتاجا ... كيف كانت نشأتها؟ وكيف بلغت إلى ما نراها عليه؟ وماذا ~~كان أثر كل أمة من الأمم في ms20 تكوين مجموعة الفكر العامة؟ وما هو حظنا من الجهد في ~~إيتائها بالجديد وتزويدها بالحديث؟ وما هي التغايرات التي انتابتها خلال القرن ~~التاسع عشر؟ ولكن قد نضيف إلى هذا سؤالا يترتب عليه ما سوف نتبع إزاء هذه المهمة ~~من طرق البحث ، قد نسأل: كيف نصل إلى الجمع بين ما تفرق من مجموعة الفكر؟ كيف نستطيع ~~أن نفرق بين ما هو نتاج جهدنا وبين ما هو نتاج جهد غيرنا؟ إن لدينا طريقة واحدة، ~~غير أنها ليست الطريقة التي سوف نتبعها على وجه الإطلاق، وإن كانت طريقة جديرة ~~بإنعام النظر والاعتبار. # لقد أبنت من قبل كيف أن التغايرات التي تنتاب عالم الفكر تتركز في عنصر اللغة ~~المرن، وفي الأساليب التي يبتكرها العصر. إن دراسة تلك التغايرات التي انتابت ~~الكلمات اللغوية خلال العصر، والأساليب التي تعاقبت على ثلاث اللغات الرئيسة في ~~أوروبا - الفرنسوية والألمانية والإنكليزية - لتدلنا واضح الدلالة كيف ومتى نشأت ~~وشبت الفكرات الحديثة، وكيف ثبتت وتحددت معانيها بكلمات أو مصطلحات لغوية. ولا ~~يساعدنا هذا البحث على اكتناه الكيفية التي نمت وترعرعت بها الفكرة الأوروبية فحسب، ~~بل يعرفنا كيف هاجرت الفكرات الفردية والمذاهب من أمة إلى أمة، وكيف انتقلت من شعب ~~إلى شعب، وفضلا عن هذا فإن هذه الطريقة لتعرفنا بأية الوسائل وجدت الفكرات ~~الفردية - التي نشأت في عقول تلك الأمم الثلاث - مكانا حريزا تنمو فيه وتلقي ~~بذرها. # إن كل من تعمد الترجمة والنقل من إحدى هذه اللغات إلى غيرها، سواء أكان نثرا، أم ~~غناء منظوما، أم فلسفة، أم شعرا وصفيا، لا بد من أن يكون قد عانى ضرورة ~~الإكباب على دراسة طبيعة الفكر، أو المعنى الذي تؤديه الكلمات أو الجمل دراسة تامة، ~~لا بد من أن يكون قد سبق إلى معرفة ما هو شائع بين اللغات جميعا، وبين ما هو خاص ~~بكل منها، والفكرات التي تعبر عنها المصطلحات. # ينسب إلى «جوته» عادة أنه خالق تلك اللغة، وذلك الأسلوب، الذي برز فيهما أجمل ما ~~في الأدب الألماني الحديث. ولن نعثر على كاتب آخر، سواء ms21 أفي ألمانيا أم فرنسا أم ~~إنكلترا، أحدث ما أحدث «جوته» من التأثير البين في آداب القرن التاسع عشر، غير ~~أننا مع هذا لا نغفل عن أن عظماء كتاب فرنسا الروائيين، وفلاسفة ألمانيا ~~الميتافيزيين - أصحاب ما وراء الطبيعة الغيبيين - والعقول الشعرية الخيالية التي ~~أنبتتها إنكلترا الحديثة، جماعهم قد أضافوا إلى مجموعة الكلمات، وزادوا إلى لغاتهم ~~عددا عظيما من التعبيرات اللغوية ذوات الفائدة الجلى. # ولقد كان «لكارليل» # Carlyle # أعظم الأثر في نحت ~~كثير من النعوت والكنى التي استمدها من اللغة الألمانية، وأدخلها في تضاعيف اللغة ~~الإنكليزية، كذلك قد صرف «ماتيو ~~أرنولد» # Mathew Arnold # جهده في مثل هذه السبيل؛ حيث استمد من مؤلفي الفرنسويين، ~~مثل «سانت بوف» # Sainte-Beuve # وغيره من أعضاء ~~«التحليل النفسي» # 3 # في الأدب # Introspective School ~~، كما ~~استمد من «جوته» و«هين» # Heine ~~. ولقد كانت ألمانيا ~~أقل حظا في نشر كلماتها اللغوية الخاصة بها؛ فإن استعداد اللغة الألمانية لإدماج ~~الكلمات الأجنبية عنها، واستعمالها من غير تحوير فيها أو تبديل، قد أثر تأثيرا ~~عظيما في صبغ الأسلوب الألماني بصبغة التعقيد، حتى فقدت اللغة الألمانية مرونة ~~أسلوبها وجمالها وعنصرها الشعري. # وإني لأرجح أن الباحثين سوف يعرفون عما قريب أن ما طرأ على مفردات اللغات الحديثة ~~من سعة المعنى، لا من جمال اللفظ، راجع إلى تأثير العلوم # Sciences # على الأدب، وحركة التثقيف العام؛ فإن كثيرا من الكلمات ~~المتداولة المعروفة قد حازت من تلك الطريق معاني جديدة أكثر سعة، وأبعد ~~ضبطا. # إن كلمة «نماء» # Development # الغامضة المبهمة قد ~~رجحتها في الاستعمال كلمة «نشوء» # Evolution ~~، كذلك ~~قد أصبح لكلمة «تفريق أو تعضون» # Differentiation # معنى فلسفيا حديثا، عدا معناها الرياضي، كذلك إذا نظرت إلى كلمة «إيجابي» Positive # أو «يقيني»؛ فإنك تجد أنها قد حازت ~~معنيين جديدين محددين تمام التحديد، لم تكن لتدل عليهما من قبل، عدا معناهما ~~المنطقي، وكلمة «نشاط» # Energy # قد تضمنت معنى ~~جديدا غير معناها العام، وغير معناها الفلسفي الذي خصها به «أرسطوطاليس» # Aristotle ~~؛ حيث أخذت في إنكلترا، ومن ثم في ~~بقية الممالك الأوروبية مكان كلمة ms22 # Force # أي قوة، ~~كاصطلاح أكثر ضبطا للمراد، وأدل على المقصود. # وإليك كلمتا «ارتباط أو تبادل» # Correlation ~~- ~~«وحفظ أو بقاء» # Conservation ~~، فإنهما على ~~علاقتهما بكلمة # Energy ~~- نشاط - اصطلاحان لهما قيمة ~~علمية خاصة، ثم كلمة «الأصلح» # Fittest ~~، واستعمال ~~«التناحر ~~على البقاء» # Struggle for ~~existence ~~؛ فإنهما ليدلان على شيئين يختلفان كل الاختلاف ~~عما كانا يدلان عليه منذ خمسين سنة خلت، ثم لديك اصطلاح «تام» # Exact ~~، «وعلم » # Science # Science ~~، فإنهما كذلك يدلان على شيء لم يكونا يدلان ~~عليه من قبل. # ولقد خرجت اللغات من المذاهب الحديثة التي ذاعت في حدود المعرفة الإنسانية ~~والإدراك العقلي باصطلاحات فلسفية حديثة، منها «اللاشاعر» # Unconscious ~~، و«المجهول» # Unknowable ~~، و«اللاأدري» # Agnostic ~~. وهي تدل على مناحي كاملة من الفكر الحديث. # ولا مشاحة في أنه من أبعث الأشياء على تحصيل الفائدة أن يتتبع الباحث أصول تلك ~~الكلمات والجمل، وأن يرجعها إلى مناشئها الأولى، أو أن يستعمق في بحث تلك المعاني ~~التي كسبتها الكلمات الشائعة المعروفة. إنك إن تتبعت هذا البحث في ثلاث اللغات ~~الرئيسة في أوروبا، كان هذا بعينه أقرب الأشياء إلى البحث المنظوم لمعرفة حقيقة تلك ~~التغايرات التي انتابت الفكر الحديث. # وليس لدينا من ضرورة تلزمنا أن نتذرع في الوصول إلى غرضنا بالعكوف على نظرية ما ~~نتخذها قاعدة لما نرى من العلاقة بين المدنية والفكر واللغة؛ فإن القرن التاسع عشر ~~لم يعدم شيئا من هذا منذ عصر «دي ~~بونالد» # De Bonald ~~، # 4 # الذي لم يكن ليرى في اللغة إلا تنزيلا قدسيا، إلى أحدث العصور ~~وأكثرها تشبعا بروح العلم، أي «ماكس ~~موللر» # Max Muller # الذي مزج الفلسفة بعلم اللغة، # 5 # متتبعا نفس الطريقة التي أصبح بها علم الفلك في نظر الكثيرين مسألة ~~تحليل فحسب # Une question d’analyse ~~، على أننا ~~نستطيع أن نوفق من ناحية ما بين «دي بونالد» و«ماكس موللر»، فإننا كأفراد ~~ولدنا وربينا في عصر تمدين وتثقيف عقلي، نبدأ عادة بالتقاط الألفاظ ~~والكلمات قبل أن نستوعب الفكرات الواضحة ذوات الضوابط المحدودة؛ لهذا يخيل إلينا أن ~~فكرة «دي بونالد» راجحة، ما لم نستعمق ms23 في البحث في أصل اللغة والفكر ~~ونشوئهما. # ثم انظر إلى ذلك السنن الهين الذي ندخل به من طريق استعمالنا للغة آبائنا إلى ذلك ~~التيه الموحش المترامي الأطراف، تيه التفكير العقلي الصرف، فإن هذا الأمر ليكاد ~~يكون معجزة فيها من أثر الوحي ما فيها، غير أنه ليس من قصدي - كما قلت من قبل - أن ~~أمضي في دراسة الفكر الأوروبي ونشوئه خلال القرن التاسع عشر من طريق التحليل الدقيق ~~لأوجه التغاير والرقي التي طرأت على اللغات الرئيسة؛ لأن ذلك لا يتيسر إلا لأولئك ~~الذين نالوا قسطا وافرا من العلم بمفردات اللغة لم يتح إلا لمن كتبوا القواميس ~~والمعجمات الكبرى، مثل: «جريم» # Grimm ~~، ~~و«لتيريه» # Littré ~~، و«موراي» # Murray ~~. وإني وإن كنت أشعر من نفسي بالعجز عن ~~بلوغ هذا القصد، فلدي مسألة واحدة تضطرني إلى الدخول في بحث غراماطيقي # Grammatical # يتناول كلمة «الفكر» # Thought ~~، وكيف تعبر عن المعنى الذي أدركه منها في ~~اللغتين الفرنسوية والإنكليزية، وكيف تترجم تلك الكلمة؛ فإن الموضوع الذي نكتب فيه ~~غير مقصور على الإنكليزية وحدها، بل يتناول الفرنسوية والألمانية؛ لهذا يجب أن يكون ~~له - أي للفكر - كلمة يعبر بها عنه في اللسانين الفرنسوي والألماني. # إني أعتقد أن كلمة Pensée # تعبر في الفرنسوية على ~~وجه التقريب عن ذلك الشيء، والذي يعبر عنه في الإنكليزية بكلمة # Thought # أي «فكر»، على أنه من الصعب أن تعثر ~~في الألمانية على كلمة تؤدي هذا المعنى. ولقد ترددت حينا في الاختيار بين # Geist # وكلمة # Weltanschauung ~~، وهما اصطلاحان كثيرا ما ~~استعملا ليدلا على الحياة الكامنة لعصر من العصور، غير أني صممت فيما بعد على أن ~~أستعمل كلمة # Den Ken ~~؛ لأن في هذه الكلمة ما يناقض ~~المدرك من كلمة الحياة # Life ~~، و«الفعل» # Action ~~، # Leben und ~~handeln ~~، وهي تدل على العالم الداخلي، في حين أن مضاد # Geist # هي كلمة # Stoff ~~؛ أي «مادة» # Matter # في الإنكليزية، وكذلك كلمة # Weltanschauung ~~؛ فإنها فضلا عما تدل عليه من ~~عمق التعبير، وعلى كونها غير قابلة للترجمة إلى لغة أخرى؛ فإنها تدل على نتاج الفكر ~~وثمراته ms24 أكثر من دلالتها على الفكر ذاته. # فإذا انتقلنا من البحث في الكلمات إلى الموضوع ذاته، وجدنا أن ما في الاصطلاح ~~الإنكليزي من دقة التعبير والتحديد قد صحبه انتشار كثير من المؤلفات في الموضوع، ~~على أن الفكرة في فلسفة التاريخ ترجع في الأكثر إلى مفكرين أنبتتهم القارة ~~الأوروبية، وعلى الأخص «هردر» # Herder ~~، ~~و«كونت» # Conte ~~، و«جيزو» # Guizot ~~، و«فولتير» في كتابه «عصر لويس الرابع عشر»؛ فإن مؤلفات ~~هؤلاء سوف تظل مثالا لما يصور به عصر من عصور المدنية، غير أنني مع هذا مقتنع تمام ~~الاقتناع بأن مؤلفات «كارليل» و«بوكل» # Buckle # و«درابير» # Draper ~~، و«ليكي » # Leckcy ~~، و«لسلي ~~ستيفن» # Leslie Stephen ~~، وعلى الأخص مقالة «مارك باتيسن» # Mark Pattison # من حيث السعة وبعد النظر، هي التي ركزت في ~~عقولنا معنى كلمة «فكر» # Thought # كأكثر المصطلحات ~~كفاءة على تحديد ما نعني من الحياة الكامنة أو النشاط العقلي خلال عصر من العصور، ~~أو أمة من الأمم؛ لهذا سوف أعكف على استعمال الاصطلاح الإنكليزي؛ لأنه عندي أكثر ~~المصطلحات ملاءمة وقربا من أذهان القراء، وأمت في الوقت ذاته إلى الذين يعارضون في ~~استعمال الاصطلاح الفرنسوي وما يناظره في الألمانية لغموضهما، أن يبحثوا عن تعريف ~~لما أقصد من الكلمة الإنكليزية # Thought ~~؛ أي ~~«فكر». # ولست أعلم أن في الأدب الفرنسوي برمته كتابا في تاريخ «الفكر» # Histoire de pensée # تناول بالبحث عصرا ~~طويلا أم قصيرا من عصور النشوء الفكري، على أنني أعرف في الأدب الألماني عددا من ~~المؤلفات في تاريخ الفكر، غير أن معظمها قد استعمل كلمة # Weltanschauung ~~، أو أوسع من معنى الفكر فجعله ~~يدل على عصر من عصور المدنية # Kulturgeschichte ~~، أو ~~حدد دائرته فأصبح قاصرا على تاريخ الأدب وحده. وجماع ذلك عائد إلى حاجة اللغة ~~الألمانية إلى اصطلاح محدود المعنى كالاصطلاح الإنكليزي، على أنني مع هذا أعتقد أن ~~تصور «الفكر» على النمط الذي أمضي فيه وليد التقدم الشعوبي العام، وليس خاصا ~~بتقدم العقل الإنكليزي وحده، ولم يتمخض عنه الزمان إلا في العصر الذي أؤرخ فيه، وهو ~~عصر كان أخص ما فيه من صور ms25 الارتقاء تبادل الفكرات بين الشعوب، بعد أن كسرت الأمم ~~قيود الاستقلال بمنتجاتها العقلية. # لقد تحيز في عقل النابغة «توماس كارليل» ذلك التصور العميق الذي حدا به إلى ~~الاعتقاد بأن هنالك كائنا عقليا روحيا مختبئا وراء الحركات العالمية الظاهرة؛ ~~ذلك لأن «كارليل» كان أول من عني من علماء الإنكليز ببحث البواعث العقلية التي ~~أنتجت ذلك التغير البين الذي نشده في أوروبا الحديثة. هو أول من خص كلمة «فكر» ~~بمعنى خاص بها هو نفس المعنى الذي نخصها به في مبحثنا هذا، وجعل «الفكر» # Thought # موضوع دراسة خاصة للذين أتوا من بعده من ~~الباحثين، هو الذي حدد «الفكر» وأوسع من دائرة البحث فيه، ففتح للعقول أوجها من ~~التأمل في حقيقة الفكر، ولكنه مع هذا خلقه خلقا جديدا، فأخرج منه قوة شعر بها ~~كل إنسان، ووضع له اصطلاحا لن تبلغ اللغات إلى وضع ما يدانيه ضبطا ~~وتحقيقا. # لا يوجد في كل اللغات الأوروبية اصطلاح كالاصطلاح الإنكليزي، الذي وضعه «كارليل»، ~~يتضمن الفكرة في السبب والنتيجة معا، ويجمع بين الأجزاء والكل المثالي. وهو مع هذا ~~اصطلاح لا يلزمنا العكوف على نظرية موضوعة أو مذهب شائع؛ إذ إن ذلك الاصطلاح يفسح ~~للمفكرين الذين تختلف نظراتهم كل الاختلاف مجال النظر في حقيقته، من غير أن يفقد كل ~~منهم شيئا من استقلال فكرته. # 2 # في الحياة الإنسانية باعثان ساعدا على تقدم النوع البشري من الوجهة العقلية، ~~وغالبا ما ظهر هذان الباعثان بمظهر التضاد في طريقة عملهما وتأثيرهما، غير أن ~~الحقيقة أن أحدهما لن يستطيع أن يحدث من حدث بالغ الأثر، قبل أن يمده الباعث ~~الآخر بقوته، ويزكيه بعنصره، أما الباعثان: فانتشار المعرفة من جهة، وتكثفها من جهة ~~أخرى. فالحيرة الفكرية، وحاجات الحياة العلمية، والتجاريب اليومية الواقعة بين ساعة ~~وأخرى، كلها عوامل تبعث على اتساع دائرة المعارف الإنسانية، واستجماع موادها ~~وعناصرها. # على أن نماء المعرفة وتشعب أطرافها ليصبح معدوم الجدوى إن لم تتنبه المشاعر لخطورة ~~شأنه، ولا يغيب عنا أن لمطاليب المعرفة وضروراتها من الخطر والشأن ما لاستجماع ~~المعرفة ذاتها، ms26 مثلنا في ذلك كمثل من يريد أن يستكشف إقليما ما؛ إذ كلما كانت ~~النواحي التي نريد استكشافها أكبر مساحة، وأفرط سعة، زدنا بحثا عن المواضع التي ~~تساعدنا على أن نبصر أكثر ما نستطيع من مناظر ذلك الإقليم التي تمتد إلى مرمى النظر ~~أماما وخلفا. # غير أننا مهما تذرعنا بالحيطة واهتدينا بالحذر، فغالب ما تكون المناظر التي تقع ~~تحت حسنا خداعة مضلة؛ ذلك لأنها تلزمنا غالبا أن نرجع بالنظر كرة ما استكشفنا ~~من النواحي آنا فآنا؛ إذ تعطينا كلما تقدمنا إلى الأمام صورة أكثر وضوحا عن ~~متعرجاتها ومفاوزها؛ وعن مواضع ما تحوي من الأشياء والأشباح، في حين أنها لا تلزمنا ~~ذلك وحده، بل تبسط مع هذا لأنظارنا البقاع التي لم نستكشفها بعد، ومن ثم توحي ~~إلينا، وتلقي في روعنا، ما يجعلنا نضرب بأقدامنا إلى الأمام، مسوقين برغبة الوصول ~~إلى استكشافات أخرى، بما تزين لنا من أمل، وما تهيئ لنا من بواعث، تحملنا على أن ~~نقدم في مخاطرتنا مأخوذين بمزجيات الرجاء للتحقق مما نبصر أمامنا إبصار غشاوة ~~وكلال، قائسين كل هذا على تجارب الماضي، مدفوعين إليه بما تخلق قوتنا التصورية، وما ~~يبدع الخيال والطبيعة الإنسانية في تلك الحال، حتى إن نجحنا في النزول إلى بسائط ~~الأرض، ومضينا في بحثنا الاستكشافي على أدق نمط، لن تحررنا من الفكرات الثابتة في ~~عقولنا ثبوتا أوليا. تلك الفكرات التي تكون قد طبعتها في عقولنا النظرات السطحية ~~التي ألقيناها على ما وقع تحت حسنا بادئ ذي بدء، بيد أنها فكرات كثر ما ~~تسوقنا إلى طريق الضلال. # أما تكثف المعرفة، وإن شئت فقل تركزها، فجائز أن ينقلب إلى نواحي مثالية من ~~المعرفة، والتاريخ ينفحنا بأمثال كثيرة من خطى التقدم الإنساني، فطالما مر على ~~الإنسانية قرون استجمع فيها أسوأ ما تستجمع العقول، وأضل ما تنبت الأفكار والأفهام، ~~ولكن لتتبعها عصور للثقيف العقلي لم يلحق بها من أمثال الماضي مثال، أو ليبرز بعدها ~~من موات العقول، وجدب الفكر، استكشاف حديث، أو اختراع رائع. # ولقد صدت المذاهب الخداعة والخيالات البعيدة عن ms27 الواقع تقدم المعرفة، وقعدت ~~بهمة العاملين طويلا، في حين أن هذه الخيالات الخادعة لا تنزح عن عالم الفكر ~~عادة إلا بعد عناء طويل، وجهود معنتة، كذلك فتحت الآمال في وجه الإنسان أبوابا ~~للبحث، ومهدت له سبيل الدخول إلى نواح من المعرفة لم يألفها من قبل، وقادته إلى ~~سماء من العلم لم يبلغها الإنسان إلا ليجد أن المعرفة الإنسانية قد تكثفت حول حقيقة ~~بعينها، أو مضت ضاربة في المثالية إلى حد الخيال، غير أنه تمر أزمان في التاريخ ~~يلوح لنا فيها أن تلك الثمار اليانعة، والمنتجات الطريفة، قد مضى بها النسيان، وذهب ~~بها الإغفال، وتردت في ناحية من اليأس الناتج عن الجهل، أو غشاها من مغشيات القنوط ~~ما يلقي في روعنا خطأ أنها ذهبت ذهابا لا عود بعده. # ليس من شأننا في هذا الموطن أن نبحث إن كان الفكر في القرن التاسع عشر قد تعاقبت ~~عليه صور من تلك الطرائق المتباينة، بل نكتفي هنا بالقول بأن جهود الفكر خلال القرن ~~التاسع عشر في كلا الاتجاهين: اتجاه نشر المعرفة واستجماع أسبابها، واتجاه تكثفها ~~في بؤرة مثالية، كانت عظيمة، ظاهرة الأثر، بينة النتائج. أما في الاتجاه الأول فقد ~~فاقت كل مثيلاتها مما ترويه بطون الكتب وصفحات التاريخ، في حين أنها في الاتجاه ~~الثاني إن كانت لم تبلغ حد المثالية الإغريقية في عصر «بركليز» Periclean age ~~، ولم تبز النهضة العلمية في إيطاليا رونقا وبهاء، ~~ولم تفت من حيث الأثر والقيمة مستكشفات القرنين السادس عشر والسابع عشر في فرنسا ~~وإنكلترا، فإنها قد أبرزت في صورة من المصطلحات اللغوية أوجها من النظر، وأساليب ~~من البحث أقرب إلى النفع المباشر للإنسانية رحما، وأبعث على نشر المعرفة أثرا؛ ~~وكونت تصورا خاصا تحيز في العقول والأفهام عما يعني من إمكان وحدة المعرفة ~~العامة. # منذ زمان ليس ببعيد صرفت كلمة «حق» أو «حقيقة» # Truth # لتدل على الغاية من المعرفة، وعلى ماهيتها، لا على ~~الطريقة المثلى والسبيل القيمة التي تتبع لاستيعاب المعرفة فحسب «الحقيقة، ولا شيء ~~غير الحقيقة»، ذلك هو المبدأ ms28 الذي تعلق بأهدابه الرأي السائد كقاعدة لاستيعاب ~~المعرفة؛ إذ كان المعتقد العام أن الحق كله ليس بشيء سوى توحيد المعرفة أينما وجدت، ~~وحيثما اتفق أن تكون. # أما الآن، فإني أعتقد أن الباحثين من العلماء والفلاسفة معا لقانعون بأن حب ~~الحقيقة إذ يدل دلالة صحيحة على نزعة العقل إلى البحث، إلا أنه غير كاف لتحديد ~~الأساليب التي تتبع للوصول إلى المعرفة، أو إلى غاياتها العامة. ~~«ما هي الحقيقة؟» هذا سؤال لم يعثر له العقل على جواب حتى الآن، يدل ذلك على أن ~~الإنسان لم يعثر بعد على دستور محكم يتخذه هاديا مرشدا للبحث وراء ~~الحقيقة. # وإنه ليكون من أبعث الأشياء على الحزن والأسى، بل إنه ليكون طامة كبرى، ومصيبة ~~مجتاحة، لو ذهبت الفكرات الأدبية الخاصة بالبحث وراء الحقيقة، وصحة المعتقد من نفوس ~~العمال الناشطين إلى العمل، ومن وجدان المفكرين المتوثبين إلى البحث، غير أن علمنا ~~بمستخزنات طبيعتنا الأدبية: كحب الخير والصلاح، وحس الجمال والشعر، لا يبدأ في ~~الوجود بمجرد تعريفها، ولا ينمو بتحديدها ونحن في سني طفولتنا، حيث نعدم القدرة ~~على التفكير، إن كنا نستوعب معاني تلك الحاسات الأدبية من لغتنا، فإنها مع ذلك ~~لمعان قلما تزداد في نفوسنا غورا وثباتا من طريق الفوارق المنطقية التي ~~نستوعبها، والتي تخضع لها عقولنا في مستقبل حياتنا؛ ذلك لأن المنطق لن يتناول ~~الماهية بأثر، في حين أنه كثيرا ما يهدم من معتقداتنا الرسيسة في نفوسنا. # لقد تبدل العلم الحديث من متجه النظر للبحث وراء الحقيقة، بأسلوب قيم للبحث ~~والتنقيب، وذلك الأسلوب لا يدرس الدرس الوافر إلا بالاختبار والصبر على المشاهدة، ~~كما أنه لا يستوعب بمجرد الوصف النظري. كان أول ما وضع ذلك الأسلوب في مؤلفات ~~أولاء من أبطال العلم الحديث منذ عصر «غاليليو» # Galileo # و«نيوتن» والعصور التالية. أولئك الذين استمدوا من ~~موحيات ذلك الأسلوب فنجحوا كل نجاح، ومن كتاباتهم وتواليفهم استمد الفلاسفة منذ عصر ~~«باكون» # Bacon # و«كونت» # Conte # و«ميل» # Mill # تلك ~~المهيئات التي توصلوا بها إلى انتزاع الأسلوب العلمي الحديث من فوضى الماضي. # إن ms29 الكلام في هذه الأساليب سوف يستغرق الشطر الأعظم من عنايتنا، على أننا سنقصر ~~القول الآن على أن الغرض الذي ترمي إليه المباحث العلمية هو إطلاق حرية الباحث في ~~اختيار أي من الأساليب العلمية التي تلذ له؛ فإن الباحث العلمي البحت لا يعرف إلى ~~أية نهاية سوف تقوده خطواته. إنه يكتفي بأن يكون على علم بما بين يديه. # إن العلم الحديث يحدد الأسلوب ويكتشف الوسيلة، ولكنه لا يعين الغرض ولا النهاية. ~~إنه قائم على علم العدد والاستنتاج. وعلى الجملة قائم على الأساليب الرياضية. وتقدم ~~العلم موقوف على إدخال أسلوب التفكير الرياضي في الموضوعات التي تلوح على ظاهرها ~~بعيدة عن علم الرياضة، كما أنه مشروط على انتشار الأساليب الرياضية ، وتنمية القوة ~~المصورة، ولديك اصطلاحان: «تام» # Exact # و«يقيني» Positive ~~، فإنهما يتخذان في لغات ~~القارة واللغة الإنكليزية على الأخص؛ ليدلا على تلك الأساليب وعلى طريقة ~~تطبيقها. # ولقد يظهر لأي من أولئك الذين لم يعنوا أنفسهم بالاشتراك في الإنتاج العلمي، أن ~~الباحث باتباعه أسلوبا محدودا غير قابل للتحوير إلا في مفصلاته دون طبيعته، أو ~~بالجنوح إلى نواح من البحث تسوق إلى شعب من المعرفة، إن كانت محدودة بينة، إلا ~~أنها تذهب في تشعبها إلى لا نهاية ولا آخر، يفقد يوما بعد يوم تلك الفكرات العليا ~~في العلم، ويعدم صفة التركز والتكثف العلمي، وعلى الجملة يخسر كل النزعات المثالية ~~التي توحد المعرفة: تلك الأشياء التي يلوح أن تفوق المعرفة وتقدمها موقوفان ~~عليها. # هذا أمر محتوم أن يطرأ على فكر كل من عكف على الآراء والأساليب العتيقة، # 6 # أما اليوم، في عهد الرقي الحديث، فإن وحدة المعرفة، ونظامها وألفتها، ~~وكمالها وتناسق صورها الظاهرة، والحقيقة والجمال، ليست بأشياء تقع في سبيل الباحث ~~العلمي ليتخذها قواعد مباشرة لبحثه، وليس لها في نظره من قيمة أكثر من قيمة تلك ~~الأسرار الخفية السحرية التي كانت تنسبها بعض مدارس الفلسفة للأعداد. # 7 # على أننا إن كنا لا نزال نعيش مأخوذين بفتنة تلك الأشياء وأمثالها، وعلى أننا نعمل ~~جهد ما نستطيع لنخلص من ms30 مؤثراتها النفسية، فإننا مع هذا يجب أن نسلم بأن ما في ~~طبيعة الأشياء من صبغة الشعر والفلسفة والدين قد أخذت تفقد شيئا فشيئا تأثيرها في ~~عالم العلم. إنها لا ترسم للبحث العلمي طريقا، ولا تفرض عليه أسلوبا من أساليبها. ~~لقد أصبح العلم بلا حاجة لأن يستمد منها العون والمساعدة، ولكنا يجب أن نتساءل: هل ~~خسر الطرفان بانبتات صلتهما شيئا ما؟ أما العلم ففي مستطاعه أن يفخر بأنه قد بلغ ~~بذلك الانفصال درجة من الكمال الشكلي، ونال قسطا من التقدم والارتقاء عدمهما طوال ~~القرون الأولى. # ليس ذلك وحده ما وصل إليه العلم من هذه الطريق؛ فإنه قد ربح شيئا لم يعهده خلال ~~العصور القديمة والقرون الوسطى؛ ذلك الربح ينحصر فيما وقع من وجوه الارتباط بين ~~العلم وبين أوجه الحياة العلمية. إن تلك الروح الرياضية التي حكمت بأمرها في أساليب ~~العلم وقواعده، أصبحت كذلك حاكمة بأمرها في التجارة والتبادل والصناعة، وهي آخذة ~~اليوم في التغلغل إلى المهن: كالطب والقانون والإدارة؛ لأن هذه الوظائف الاجتماعية ~~قد أصبحت في العصر الحديث ذات آصرة وصلة بالأعداد والمقاييس والموازين، وبامتدادات ~~الزمان والمكان، حيث أضحى من مقتضيات وجودها أن تلجأ إلى أساليب من الإحصاء ~~والنسبة، وهي أشياء لن نستطيع بغيرها أن نحقق مخادعات الاقتناع الذاتي، أو نزعات ~~الأفراد الفكرية، من طريق عملي. # كذلك لا يجب علينا أن نغفل عن أن المسائل المطلوب من العلم حلها، قد زادت وتكثرت ~~بنسبة عظيمة، فإن كل تقدم يقع في العلم، إن أعطانا قوة جديدة نتسود بها على ظاهرة ~~من الظاهرات في عالم الحياة؛ فإن كل نبأ يقع في عالم الحياة يخلق لنا أوجها جديدة ~~من البحث العلمي تطالبنا الضرورة بفض مشكلاتها، فإن العلاقة بين العلم والحياة قد ~~زادت خلال القرن التاسع عشر ترابطا واتصالا. وهذا أمر أبلغ ما كان أثرا في ~~الموازنة بين الخطوات التي خطتها الأساليب العلمية الحديثة؛ فإن هذه الأساليب إن ~~تركت لتمضي حرة من مؤثرات الحياة فيها، لأدت إلى أوجه من التخصص لا نهاية لها؛ ~~لأن من خصائص ms31 المسائل العملية أنها لن تستقل عما يحيط بها، على العكس من الاختبارات ~~العلمية؛ ذلك لأن المسائل العملية في الحقيقة تلزمنا ضرورة الانتباه إلى كثير من ~~الظروف والحالات المحيطة بنا، وأن نلقي بنظرنا دائما على الحياة، لا في مفرداتها، ~~بل في مجموعها، وأن ننظر في حاجاتها ومقتضياتها. # إذا فخر القرن التاسع عشر بأنه وضع أساليب إيجابية تامة احتذاها العلم، واتخذت في ~~الحياة منارا وهديا، وأنه ضاعف من قيمة العلم، وزاد من خطر الحياة، فما زال ~~أمامنا سؤال لا نجد لأنفسنا عذرا في إغفاله، نتساءل: ألم ينتج القرن التاسع عشر ~~من نتاج يحافظ على تلك المثاليات القديمة التي ناء عليها الزمان شيئا من قيمتها: ~~مثاليات الحقيقة والجمال والحكمة، تلك التي أخذت في القرون الأولى على أنها أساس ~~الوحدة في العلم والحياة، وعلى أنها مبدأ الألفة المنبثة في تضاعيفهما؟ وماذا جرى ~~على الفلسفة والفن والدين؟ وهي التي أمدتها المثالية الفكرية بكل عنايتها، ~~وحملتها عبء القوامة على كثير في فروع المعرفة والعمليات، أن ينفرط عقد ~~وحدتها، وتتصدع حزمتها، وحصرت فيها كل الأمل؛ لتنجي النوع البشري من خطر التطوح إلى ~~إنكار أوجه الترابط وضروب التعاون الواقعة بين كل الحاجات الإنسانية؟ # أما إذا كان قد ثبت في يقيني ومعتقدي، أن القرن التاسع عشر لم يكشف عن تصور أبعد ~~خطرا من التصور القديم إزاء الوحدة التي تربط بين الحاجات الإنسانية، وإزاء الحياة ~~الكامنة في الإنسان، وفي النوع البشري كله، لما فكرت ساعة واحدة في أن أمضي في ~~إتمام مؤلفي هذا؛ لأن غايتي منه تنحصر في أن أكشف عن أوجه التعاون التي ربطت بين ~~كثير من العوامل والبواعث خلال القرن التاسع عشر، في عالمي الفكر والعمل. # أريد أن أظهر به حقيقة ذلك الاعتقاد الحق، الذي يسوقنا إلى التيقن من أن كل ~~المجهودات العقلية لا بد في أن تتحد معا؛ لتنتج الملكات المثالية التي خص بها ~~النوع الإنساني، وتقوم حفيظة عليها. أود أن أثبت فيه أن ذلك الكنز المقدس لا يحتفظ ~~بما فيه، ولا يزيد مستخزنه، مجهود فرد بعينه، ms32 أو متجه بذاته يتجه فيه الفكر، بل ~~إن بقاءه ونماءه مقصوران على أن تتعاون الأفراد والأمم في حياتهم الشعوبية العامة ~~المشتركة، على أن يصلوا به إلى تلك الغاية. # لقد دخل على اللغات خلال القرن التاسع عشر عدة من المصطلحات نحتها واضعو ~~المذاهب الفلسفية؛ لتدل على تلك الوحدة الكائنة في صميم الحياة الكامنة للنوع ~~البشري. استعمل «هيجل» كلمة # Geist ~~؛ أي فكر، واستعمل ~~«كونت» كلمة # Humanity ~~؛ أي إنسانية، واستعمل «لودز» ~~كلمة # Microcosm ~~؛ أي العالم الأصغر، ويعني به ~~الإنسان، واستعمل «هربرت سبنسر» كلمة # Social ~~Organism ~~؛ أي الكائن الاجتماعي. استعمل كل منهم اصطلاحا ~~مختلفا، ولكنها في الحقيقة لم تكن إلا أوجها مختلفة لموضوع واحد. # وإنه لمن أخطر مظاهر الفكر أن تلحظ كيف أن مدارس المثالية الكبرى في ألمانيا، ~~ومدرسة العلم اليقيني في فرنسا، ومدرسة النشوء العقلي والطبعي في إنكلترا، على ~~الرغم مما يلوح فيها من روح التحليل، لا من روح التوحيد، قد اشترك جماعها مع ~~الانقلابات الاجتماعية مشفوعة بالثورة الفرنسوية العظمى، وبتخصيص العلم، في ~~الاحتفاظ بوحدة الحياة الإنسانية، والقوامة على حاجاتها ومطالبها. ~~••• # الراجح عندي أن كلمة «فكر» # Thought # قابلة لأن ~~تطبق أوسع تطبيق، وفيها من الخصائص ما يجعلها تدل على أية حقيقة أو تقييم عقلي ~~قد تحويه تلك الأغراض المتحدة، وتلك المحاولات التي تنبتها آمال العصر الحديث، على ~~أني أعتقد مع هذا أن وضع تاريخ لتلك الفكرة يكون بمثابة وضع تعريف جامع مانع للفكر ~~في مجموعه. # ولقد صرف كثير من الجهد خلال القرن التاسع عشر في سبيل الوصول إلى عرض يشابه ~~عرضي هذا؛ لذلك أرى أن تناول تلك الناحية الخاصة من الأدب الحديث ببحث موجز لا ~~يخلو من فائدة ونفع. # لست أشك في أننا قد قضينا عصر البحث الأنسيكلوبيذي في تحري المعرفة. لقد غشى العصر ~~الأنسيكلوبيذي الفكر قرنا كاملا، من أواسط القرن الثامن عشر إلى أواسط القرن ~~التاسع عشر، أي من عام 1750 إلى عام 1850. # على أن الفكرة في ترتيب المعرفة على النمط الأنسيكلوبيذي ترجع إلى زمان أبعد من ~~هذا، ترجع إلى الزمان الذي ms33 عقب تمخض الفكر عن الأسلوب العلمي الحديث. # إن اللورد «باكون» لأول واضع لذلك الأسلوب، غير أنه عجز - كما عجز أكبر عقل ~~أنسيكلوبيذي أنبته العصر الحديث؛ وهو عقل «ليبنتز» # Leibniz ~~- عن أن يبلغ الغاية من تحقيق الغرض الأسمى من تلك ~~الفكرة، وظل تحقيقه مبقيا لنبوغ «ديدرو» # Diderot # وعبقرية «دالمبير» # D’Alembert # في فرنسا، خلال ~~القرن الثامن عشر، فأخرجا ومن تبعهما من العظماء، إلى حيز الواقع، ما رسمه «باكون» ~~في كتابه «النظام الحديث» # Novum Organum # في حيز ~~النظر، واستجمعا كل المعرفة التي ذاعت لعهدهما منذ أن خلص العلم من مؤثرات اللاهوت، ~~ووضعاها في كتاب واحد محبوكة أطرافه، متواصلة حلقاته. # لقد كان للأنسيكلوبيذيين من عملهم غرضان؛ الأول: نشر المعرفة، والثاني: تحقيق أن ~~المعرفة الإنسانية عبارة عن كل لا تنفصل أجزاؤه. أما الغرض الأول، وهو الناحية ~~العملية ؛ فقد صادف نجاحا، وأما الغرض الثاني، وهو الناحية الجوهرية من فلسفتهم، ~~فقد اطرح وتنوسي تدرجا على مر السنين. # لقد أشار «ديدرو» و«دالمبير» إلى وحدة الفكر والمعرفة؛ الأول فيما كتب تصميما ~~للأنسيكلوبيذية - موسوعة المعارف Prospectus ~~- ~~والثاني في المقدمة # Discours Preliminaire ~~، وأشير ~~إليها في تمهيد موسوعة «إرش» # Ersch # و«جروبر» # Gruber # العظمى، وكذلك في مقالة «كوليردج» ~~المشهورة في علم الأسلوب التي كتبها «للأنسيكلوبيذية ~~العالمية» # Encyclopedia ~~Metropolitana ~~، غير أن نتيجة كل هذا الجهد قد أظهرت ما خفي على لورد ~~«باكون»، من أن تقسيم المعرفة تقسيما تراعى فيه قاعدة ما من قواعد المنطق، أو ~~يستهدى فيه بالخصائص التاريخية التي لازمت بدايات كل فرع من فروع المعرفة ~~الإنسانية، لن يحتفظ في النهاية بوحدة المعرفة، ولن يسلم إلى بقائها كما ~~واحدا. # فإن العمل في سبيل تقدم العلم والمعرفة إن أصبح مفرقا على عدة علوم مختلفة، ووكل ~~به إلى كثير من الباحثين يستقل كل منهم بجهة منه، فإنه لن يظل محصورا في دائرة ~~محبوك طرفاها، بل يخرج إلى سلم حلزوني يزداد اتساعا كلما ازداد ارتفاعا، ويفترق ~~عن أصله الذي يرتكز عليه تدرجا كلما أمعنت حلقاته في التزايد؛ ذلك هو الأثر الذي ~~تتركه في نفوسنا نظرة تأمل ms34 نلقيها على المجلدات التي خلفها «إرش» و«جروبر» غير ~~كاملة، وهو بذاته الأثر الذي تخلفه في يقيننا معرفتنا أن مؤلفات عمرنا بما فيها من ~~الفوائد العظيمة، وقربها من متناول العامة، قد قضت القضاء الأخير على تلك المقامات ~~الفلسفية والمحاورات التمهيدية، التي كانت تصدر بها الكتب في الماضي، لا لشيء إلا ~~ليحتفظ من طريقها المؤلفون بظل من الوحدة والأسلوب، والتي رضي مؤلفوها بأن تكون ~~معاجم للمراجعة لا غير. # ولقد دلت طريقة صوغ المعرفة على النمط الأنسيكلوبيذي، وهي ليست إلا تنفيذا لنظرية ~~لورد «باكون»، على أن انتشار العلم وتطبيقه عمليا شيئان لا بد من أن يسوقانا إلى ~~تحليل المعرفة والفكر، لا إلى توحيدهما، ومما لا مرية فيه أن قيام اعتقاد مشابه ~~لهذا الاعتقاد في يقين علماء ألمانيا كان السبب الذي حدا بالجامعات الألمانية إلى ~~إلقاء المحاضرات التي كانت تلقى في الأنسيكلوبيذية. ولقد ذاع إلقاء تلك المحاضرات ~~وعم تدريسها في فجر القرن التاسع عشر، عندما خضع التعليم لتأثير «كانت» # Kant ~~، و«فيخته» # Fichte ~~، و«شلير ميخر» # Schleier ~~macher ~~، ~~فأحدث ذلك عصرا جديدا سادت فيه فكرة أن وحدة المعرفة وكمالها وتعميمها أمور يمكن ~~أن يبلغ إليها من طريق توحيد طرق الدرس وتنظيمها على نموذج واحد. ذلك العصر هو آخر ~~عهد الفلسفة بالقبض على خناق كل فروع المعرفة، وبصدها البحث العلمي عن الانبعاث في ~~طريقه القيمة. تسودت الفلسفة هنالك عندما أيدتها الحوادث السياسية، وزكتها ~~الأغراض المثالية الخيالية، وعاونتها روح كريمة من التضحية الذاتية، ممسوسة بشعور ~~قيم أوحى إلى أبناء ألمانيا أن عليهم لأمتهم واجبا واحدا القيام به مشروط على ~~تعاونهم، وكان أظهر ما في ذلك الشعور انضواء فلاسفة ألمانيا وباحثيها الأعلام تحت ~~لوائه، والإذعان لموحياته. # وكان لانتشار تلك الروح أثر عظيم في خلق صورة من التعاون المتبادل، لا يدانيها ~~خطرا ومكانة إلا تزكيتها لفكرة وحدة المعرفة، فمهدت لكثير من المذاهب الفلسفية - ~~التي خيل للناس أن فيها من الفوائد أكثر مما في استطاعتها أن تنتج - سبيل الانتشار ~~والذيوع. هنالك ألقي في روع الناس أن أسفار الأنسيكلوبيذية شيء أكبر خطرا ms35 من تلك ~~الصدفة الفارغة، والهيكل الأجوف الذي رآه فيها أبناء العصر التالي، ظن أن في تلك ~~الأسفار قدرة على نشر المعرفة، والاحتفاظ بها كما حيا، فائضا بالوحدة ~~والقوة. # هذه الصورة الفكرية، التي سوف تستغرق قسطا كبيرا من انتباهنا، قد محيت الآن؛ ~~فإنك لن تقع في النصف الأخير من القرن التاسع عشر على ماهية للمعرفة تركزت في قاعدة ~~فلسفية، أكثر من وقوعك على وحدة الفكر، وتماسك أطرافه، في مقالات متفرقة مرتبة على ~~حروف الهجاء، وليس فيها من معنى الوحدة إلا ضمها معا بين دفتي كتاب واحد. لقد كان ~~الغرض من تلك المعجمات الأنسيكلوبيذية غرضا عمليا بحتا: كان الغرض منها وضع ~~وسيلة قريبة الفائدة لنشر المعرفة، لم يراع فيها تقسيم الفلسفة إلا تقسيما ~~شكليا، ولم تنتج من فائدة إلا في أضيق دوائر البحث والاسترشاد. # إن عصر الدرس على الطريقة الأنسيكلوبيذية ، وذلك العصر القصير الذي نمت فيه ~~«الشكلية الفلسفية» Philosophical Formalism # لعصران يلوحان لنا كأنهما تابعان للماضي، غير أن «الرغبة» في توحيد المعرفة وجمعها ~~في بؤرة واحدة، وتحقيق الصلة الكائنة بين الفكر وبين الارتقاء، قد بلغت غاية لم ~~تبلغ إليها خلال العصور الأولى، فلا ضخامة المعاجم الشوهاء، ولا اتخاذ القواعد ~~النظرية الجوفاء على أنها تامة كاملة لترضي اليوم ذلك المعتقد العميق الذي تعمل ~~كل النواتج العقلية على إنمائه ومده بمهيئات الحياة؛ اعتقاد أن الإنتاج العقلي ~~كائن حي متحيز الشخصية لا نهاية لتنوع صوره، ولا غاية لاختلاف مظاهره ~~وأشكاله. # ولقد ثبت في روع الباحثين أن بعث الفكرات الفردية من خمودها، واستحداث صور الحياة ~~والتغير ضرورة أولية، كضرورة العكوف على أسلوب ما، أو انتحال مذهب بعينه، أو اتباع ~~نظام بذاته. ولقد سهلت هذه الفكرة خلال الخمسين عاما الفارطة سبل التبادل العقلي ~~بين الأمم، وهونت على الكاتبين تدوين أوجه النشوء التي وقعت في تاريخ فروع العلم ~~والمعرفة. # ولقد أمدت عوامل كثيرة ذلك الغرض الأولي بمهيئات النماء؛ فالفرنسويون الذين كانوا ~~في أول ذلك العهد أساتذة العلم بدءوا اجتياز السبيل بتأسيس عدة من المجلات الدورية، ~~تعنى كل منها ms36 بفرع من فروع العلم المختلفة تنميه وتتعهده، وتقوم عليه حفيظة، ~~وعلى بقائه كفيلة، ومن ثم تبعهم الألمانيون، ومن بعدهم الإنكليز، ولقد زاد تبادل ~~الفكرات العلمية بين الناس ذيوعا منذ أن تأسست «جماعة تقدم العلوم البريطانية» سنة ~~1831، وكان «أوكن» # Oken # قد أسس جماعات شبيهة ~~بالجماعة البريطانية قبل ذلك بعشر سنوات في ألمانيا، غير أنه كان لألمانيا أكبر ~~الأثر في إصدار الموسوعات السنوية الخاصة بتقدم العلوم؛ حيث كانت تنتقد المباحث ~~العلمية، من غير اعتبار لمصادرها الوطنية، ثم تقسم وتبوب على قاعدة وضع فروع العلم ~~المختلفة كل منها في حيزه الخليق به في كفاءات العقل الإنساني. # ولقد قام في النصف الأول من القرن التاسع عشر في ألمانيا حركة انتقاض ضد الطريقة ~~التي كانت تعالج بها الموضوعات العلمية على قاعدة ميتافيزية - غيبية - تلك الطريقة ~~التي بالغ في اتباعها مدرستا «شيلنج» و«هيجل». ولقد ساعد اقتباس أساليب الاختبار ~~والمشاهدة على الأسس التي دعمها الفرنسيون والإنكليز، كما عاون تأسيس المعامل ~~الكيمية، والمراصد الفلكية، والسياحات الطويلة التي أنفقها الباحثون في سبيل ~~الاستكشاف، وتطبيق القواعد العلمية في الإنتاج الصناعي، على استجماع كثير من مواد ~~المعرفة العامة. # ولقد أخذ الباحثون منذ زمان مضى يفقدون الثقة بكل المحاولات التي أريد بها تركيز ~~المعرفة وتوحيدها، حتى في مجال الاستنتاج العقلي التام، المحرر عن نزعات الغيب وما ~~وراء الطبيعة، فكانت نتيجة ذلك، وعلى الأخص في ألمانيا، أن منتجات كثير من العلوم ~~أصبحت تدفن بين صفحات المجلات الدورية، وفي المذكرات التي اعتادت الجماعات العلمية ~~حفظها في مكاتبها. أما المتون العلمية، فأخذ يكتبها مؤلفون من الطبقة الثانية، أو ~~ينقلها عن الإنكليزية والفرنسوية مترجمون احتذوا في نقلها طرقا عتيقة ~~بالية. # ولقد اختصت بضعة عقول فياضة كبيرة ببث تلك الروح التي خمرت البحث العلمي في أواسط ~~القرن التاسع عشر، وتلك عقول كبيرة ظلت غير معروفة خلال ذلك العصر، شأن العقول التي ~~تظهر في أزمان لا تلائمها، على أن ثلاثة العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر قد ~~كفلت تغيير ذلك كله؛ فإن وسائل الاتصال بين الباحثين التي أدلينا ms37 بالكلام فيها من ~~قبل، جعلت انبتات أسباب التواصل في العلم أمرا مستحيلا، فدعت الضرورة إذ ذاك إلى ~~التبدل من النظام القديم الذي ظل متبعا في برامج التعليم الأدبي في معاهد العلم، ~~بآخر أكثر انطباقا على الأساليب الحديثة. # وتطوع كثير من أصحاب العقول الفذة لكتابة متون صحيحة في العلوم التي كانوا ~~يعالجونها؛ فأدى ذلك الأمر إلى إصلاح كثير من وجوه الخلل الذي ساد تلقين العلم في ~~المعاهد العليا، وفي الوقت ذاته، وبعد مضي خمسين عاما أنفقها الباحثون في البحث ~~الاختباري، واستجماع مواد المعرفة الأولية، شعر العلماء بضرورة النظر في المبادئ ~~الأولية التي بني عليها التفكير العلمي، نظرة نقد وتحليل، عثر الباحثون إذ ذاك على ~~روح خاصة من الفلسفة، لا من الغيبيات وما وراء الطبيعة، ممزوجة بحدود العلم الصحيح ~~مندمجة فيها، فإنك في العلوم المجردة الصحيحة، وعلى الأخص في الرياضيات، تجد أن ~~التقدم الحقيقي مرهون على استكشاف أساليب بسيطة أولية، وطرق لمعالجة تلك العلوم ~~تامة النفع، قريبة التناول، كما أنه موقوف على الكشف عن المبادئ التي تحقق وحدتها، ~~والمشاهد التي تضمن تعميمها. # كل هذا ليس بشيء سوى علائم الحياة الحديثة، ودلائل التقدم والارتقاء النشوئي. أما ~~السبب الكامن ونتيجته، وتغير أساليب التفكير التي ظلت مختفية وراء تلك المشاهد ~~الظاهرة المحسوسة، فسوف تكون موضع عنايتنا من البحث فيما بعد، فإن تلك الأساليب ~~والكشف عنها وبحثها هي في الواقع الغرض من كتابي هذا. # إن الرغبة الصحيحة في البحث عن البواعث الخفية الكامنة في عالم الفكر، كانت أكثر ~~ظهورا في تلك الأمة التي أخذت في العصر الحديث قياد التفكير الفلسفي في أوروبا، ~~وأعني بها ألمانيا، يدلك على ذلك المؤلفات التاريخية الضخمة التي خصها كبار ~~المؤلفين في ألمانيا بتتبع درجات الرقي والنماء اللذين مضى فيهما العلم الحديث. ~~والظاهر أن البحث التاريخي قد حل في ألمانيا - في أواخر القرن التاسع عشر - محل ~~الإكباب على التأمل الغيبي - الميتافيزي. # وقد تقع على شيء من الانتقال من الأسلوب المنطقي إلى الأسلوب التاريخي في منتجات ~~العقل الإنكليزي خلال القرن التاسع عشر. كان ms38 «دافيد ~~هيوم» # David Hume # قوام ذلك التغير؛ إذ بدأ بدراسة المسائل الغيبية - ~~الميتافيزية - التي وقع عليها في كتابات «لوك» # Locke # و«بركلي» # Berkeley ~~، ~~ومنها تطرق إلى درس معضلات الأخلاق والسياسة والاقتصاد، وانتهى من ذلك بأن وهب نفسه ~~إلى دراسة التاريخ، ولم يكد يختتم «هيوم» صفحته حتى ذاعت المباحث التاريخية في ~~إنكلترا ذيوع المؤلفات الغيبية واللاهوتية في فجر حياته. أما العوامل التي أدت إلى ~~الانتقال من الإكباب على المباحث الغيبية إلى الأساليب التاريخية في ألمانيا، ~~فمشابهة لتلك التي أدت إلى ذلك في إنكلترا خلال القرن التاسع عشر. # وبينما كانت المباحث التاريخية آخذة بزمام العقول في ألمانيا، بل قضت القضاء كله ~~على «الفلسفة النظامية» # Systematic Philosophy ~~؛ أي ~~الفلسفة ذات القواعد المرسومة، أنتجت إنكلترا لأول عهدها في تاريخ التفكير العقلي ~~مذهبا فلسفيا؛ ذلك المذهب الذي أبرزه العلامة الكبير «هربرت سبنسر» # H. Spencer ~~، وحاول أن يثبت فيه أن الغرض ~~من الفلسفة «توحيد المعرفة»، على أن من الحقائق الخطيرة في تاريخ الفكر تلك الحقيقة ~~التي سوف نصرف في سبيلها شطرا عظيما من عنايتنا. # إن مبدأ «توحيد المعرفة» الذي بثه «سبنسر» في ذلك المذهب مبدأ تاريخي، وهو في ~~قوامه عبارة عن طريقة من النماء التدرجي تعرف الآن باسم «النشوء» # Evolution ~~، يكون هذا المذهب في مجموعه فكرة ~~مناقضة للفكرة التي بثها «هرمان ~~لودز» # Hermann Lotze # في آخر مذهب فلسفي من المذاهب العظمى التي ظهرت في ~~ألمانيا، فكل المذاهب النشوئية إذ تقضي بأن وحدة الأشياء تاريخية صرفة، وأن هذه ~~الوحدة يجب أن يعود الإنسان في بحثها إلى أصل أولي عنه نشأت، إذا بك تجد أن ~~«لودز» قد حاول أن يثبت أن الحقيقة تنحصر في الاعتقاد بأن لوحدة الأشياء وجود ثابت، ~~وأنها مبدأ موجود في كل الأشياء المفردة، وليست - كما يقول النشوء - عبارة عن حلقة ~~تربط بين الموجودات بمقتضى الزمان والمكان. # كان الغرض من مذهب «لودز» الوصول إلى جواب إذا تساءلت: كيف يستحضر العقل الإنساني ~~لنفسه وحدة كائنة حية كوحدة الموجودات؟ ومن طريق أية من الفكرات التي ينبتها الفكر ~~الإنساني ms39 نستطيع أن نصل إلى تلك الوحدة؟ وبأية من الكلمات التي تتضمنها اللغات ~~الإنسانية يمكننا أن نعبر عنها؟ # إن كلا من مذهب «سبنسر» في النشوء، ومذهب «لودز» في «العالم الأصغر» # Microcosmus ~~، ويعني به الإنسان، يرمي إلى ~~إثبات «وحدة الفكر»، وإحداث ذلك التصور الذي يسوق إلى الاعتقاد بأن الأشياء تحتفظ ~~ببقائها، وأن الحوادث الكونية تقع خضوعا لعلاقة واقعة بينها يمكن إدراكها، ولكنك ~~تلفى أن «سبنسر» إذ يمضي مقتنعا بأن الوحدة الكائنة وراء عالم الظواهر لا يمكن ~~معرفتها، وينصرف إلى دراسة الطريقة التي تحدث بها ظاهرات الكون، وتنشأ بها ~~الموجودات، والإفصاح عن حقائقها، تجد أن «لودز» يعتبر أن ذلك القسم، الذي صرف إليه ~~«سبنسر» كل همه، ليس من مجموع الفلسفة إلا مقدمة وتمهيدا يسلم إلى حل «المعضلة ~~الحقيقية». # يرى «لودز» أن أية طريقة من طرائق النشوء والنماء ليست سوى الثوب الظاهري التي ~~تلبسه المادة الحقيقية؛ أي عبارة عن أسلوب ميكانيكي «آلي» ينتج به شيء آخر أثمن ~~قيمة، وأبعد خطرا. # ويعتقد «لودز» في تأثير تلك الآلية - الميكانيكية - تأثيرا عاما شاملا، غير ~~أنه يحتم في الوقت ذاته ضرورة العثور على المادة ذاتها، والحصول على فكرة في ~~الغاية أو الحد الذي يمكن أن يبلغ إليه الإنسان من هذه النظامات المتتابعة ~~المتواصلة، أو تلك الوسائل الآلية المنظومة التسلسل، كما أنه يحض على العثور على ~~النتيجة التي قد يتسنى البلوغ إليها. # ويقول «لودز»: إننا إذا عرفنا الوسيلة الآلية التي يتم بتأثيرها غرض من الأغراض، ~~أو فعل من الأفعال، استطعنا أن نقدر الظاهرات الطبيعية ونزنها رياضيا، غير أننا ~~لكي نستوعبها ونتفهم طبيعتها، نحتاج إلى ضروب أخر من المعرفة تنصرف إلى تقدير ~~قيمة الفعل أو الغرض الذي تنتهي إليه، والنتيجة التي نجنيها من تقديرنا للظاهرات. ~~يقصد بذلك «لودز» أن مقدرتنا على تتبع الحالات الميكانيكية التي تبنى عليها دقة ~~سير الساعة شيء، وأن تحديد الوقت الذي تعنيه لنا وضبطه شيء آخر، على أن حب ~~الاستطلاع قد يقود طفلا إلى الإيناس بالشيء الأول، في حين أن الشيء الآخر يتوقف ~~على تقديرنا لحاجات ms40 الحياة وأغراضها، وعلى عظم ما تحمل من مسئوليات الواجب. # عندما شرع «لودز» في كتابة مؤلفه «العالم ~~الأصغر» # Microcosmus # نبه الأذهان إلى كتابين آخرين يمت موضوعهما ~~لموضوعه بآصرة ونسب. عمد الكتابان كلاهما، على اختلاف في النهج والطريقة، إلى ~~إيجاد فكرة تامة يدركها العقل عن عالم عظيم من الظاهرات المبددة، يسلم لك إذا ~~ما نظرت فيه إلى عالم من الحقائق. أما الكتاب الأول فمن نواتج القرن الثامن عشر قصر ~~البحث فيه على التاريخ، وعلى نواة الترابط الكائن بين أوجه النشوء الإنساني. # لقد أعطى«هردر» # Herder ~~، إن لم يكن قد ابتكر، ~~نوعا من الخطورة والشأن خص به اصطلاح «الإنسانية» # Humanity ~~، قصد به وحدة تربط بين كل الحاجات الإنسانية، سواء ~~أفي نشوئها الاجتماعي أم التاريخي، وتلك فكرة مضت مستبدة بنواتج العقل الألماني ~~منذ عصر «ليبنتز» # Leibnitz ~~، وأما الكتاب الثاني ~~فكان مؤلفه «إسكندر فون همبولد» # A. von-Humboldt ~~، ~~الذي لم تغادره فكرة الوحدة الحاكمة في كل الموجودات خلال كل أدوار حياته التي ملئت ~~بمختلف صور الجهد، فأنفقها حينا مكبا على درس الطبيعة درسا عميقا، وحينا آخر ~~مستغرقا في تقييم النتائج التي تترتب على أساليب البحث العلمي الحديثة، وحاز في ~~كلتا الناحيتين مكانة وشأنا. ولقد استعان «فون همبولد» بمتانة من الأسلوب وسلاسة ~~من التعبير، امتزج فيهما الشعر بالعلم؛ ليخرج من قلمه في صورة كتاب ألفه في ~~أصيل حياته، كشف به لأنظار قارئيه ودارسيه عن صورة من صور الطبيعة العظمى، كما ~~تخيلها عقله الكبير من قمم العلم المشرفة على اللانهاية، وكما رأتها عيناه من ~~مرتفعات «شمبورازو». # في وسط تلك الصورة التي صورت بها الطبيعة، وفي جوف التغيرات التي تنتاب ~~الكون، أين يوجد «الكون الأصغر» # Microcosmus ~~؟ طرأ ~~هذا السؤال بالضرورة على عقل «لودز»، فهو لذلك يقول: ليس هو ذلك الكون الأعظم الذي ~~نريد أن نصفه مرة أخرى على النموذج الذي عرفناه من قبل في ألمانيا؛ فإن صور هذه ~~الدنيا العظيمة إذ تنزل إلى أعماق سحيقة من الإدراك العام، فهي لذلك ترجعنا إلى ~~نفوسنا تارة أخرى لنعاود التساؤل: أية قيمة لحياة ms41 الإنسان والإنسانية، بما فيها من ~~الخصائص الخالدة، وبما في تاريخهما من أوجه التغاير وسط هذه الطبيعة في مجموعها؟ ~~على أن «لودز» بعد أن جمع كل ما يمكن أن يكون جوابا لهذا السؤال، عاد إلى الاعتراف ~~بأنه لم يصل إلى شيء إلا إلى تجديد الفكرة التي بدأها «هردر» في كتابه «فلسفة ~~التاريخ»، على أن كلا من كتاب «هردر» وكتاب «لودز» لتابع لذلك العصر الذي ~~أثرت فيه الفلسفة والشعر على العلم والتاريخ أبين الأثر. # وقد يظن الكثيرون أنه من المستحيل، أو على الأقل من المتعذر بحكم الزمان، أن يجمع ~~الإنسان بين منتجات العلم والتاريخ الحديث؛ ليخرج منهما بذلك الغرض الذي ندب إليه ~~الفلاسفة وامتدحه الشعراء، أو أن يدلف بقدمه في مجاهل ذلك التيه الذي تمثله ~~الظاهرات الطبعية المحسوسة والحوادث الكونية؛ ليصل إلى ما يختفي وراءها من الوحدة ~~والعظمة؛ ذلك لأنهم بينما يسلمون بوجود قوة شاملة تامة تختفي وراء عالم الظواهر ~~تسليما مطلقا، إذا بهم يقصونها كما فعل «سبنسر» إلى العالم «المجهول». # لا أراني في هذا الموطن محتاجا لأن أمضي في نقد تلك الاعتبارات التي ساقتهم إلى ~~وجهة من النظر بالغة أقصى حد من الاعتدال والإذعان للغيب؛ ولهذا أريد أن أقصر بحثي ~~فيهم على طريقة محدودة، وقد أكون غير مسبوق بها، تتناول النظر في صحة معتقدهم الذي ~~يلقي في روعهم أن استيعاب الظاهرات وحادثات الكون استيعابا صحيحا، لن يأتي إلا من ~~طريق النظر فيها من جهة تواصل أسبابها، ومن طريق نتائجها الكلية. # وإذا كان ثمة في عالم الطبيعة والحياة العقلية من شيء يحق لنا أن نسلم بأن فيه ~~وحدة، وأنه مجهول غير مرئي، فهو بلا ريبة الفكر الإنساني: بما فيه من شعب ومفاوز، ~~وبما له من منتجات ومظاهر، فإن محاولة يراد بها تتبع أصله الذي عنه نشأ في متروكات ~~المدنيات التي قامت خلال العصور الأولى، أو محاولة يقصد بها صده عن الغاية التي ~~يسير نحوها درجة بعد درجة، كلتاهما محاولة بالغة أقصى حدود الاستعصاء، وغاية ما ~~نستطيع أن نقول: إننا أكثر علما، وأعمق ms42 معرفة بعصرنا الذي نعيش فيه، وبمختلف صور ~~الأدب وضروب الإنتاج العقلي التي شهدنا نشوءها خلاله، فقد استطاع الفلكيون أن يصلوا ~~إلى معرفة مقدار أكثر المدارات اتساعا، وأبعدها مسافة، بجزء ضئيل من مدار سيار ~~وقع تحت حسهم وتناولوه بالدرس والاستقصاء. # وأقرب مثال على ذلك استكشاف «بيازي» Piazzi # للسيار «سيريز» # Ceres # في «باليرمو» في أول ليلة من ~~عام 1801، كذلك تجد أن «تشريح ~~المقارنة» # Comparative Anatomy # قد علمنا كيف نستطيع أن نقف من بضعة بقايا مستحجرة ~~على تركيب كائن عضوي، وعلى مفصلات تكوينه برمتها، على أن غايتي من ضرب هذه ~~الأمثال، أن أطبق قاعدتها الأولية على جزء صغير من نواحي الارتقاء العقلي، هيئ ~~لي أن أكون على علم بها، وشعرت بما كان لها من أثر في نفسي؛ فإن تتبعنا، على وجه ~~من الدقة والضبط، ذلك الشطر الصغير من الفكر الأوروبي، قد يكون بابا نلج منه ~~إلى حيث نستكشف صورا أبعد دقة، وأكثر صحة، في حين أن هذه تصبح وسائل نتخذها سبيلا ~~للحصول على فكرات أثمن من سابقتها قيمة، وأتم نفعا، وأشد ضبطا، في الكشف عن ~~خفيات الحدود القصية المشبعة الخاصة بالحياة العقلية للنوع الإنساني. # لا تنحصر هذه الحياة في استجماع ضروب المعرفة التي استجمعت خلال القرن التاسع عشر، ~~ولا في نتائج البحث العلمي التي تضمها جدران المكاتب والمتاحف العامة، ولا في مدارس ~~التلقين الأولى، ولا معاهد العلم العليا، ولا في الإصلاحات الاجتماعية، ولا ترقية ~~أساليب التربية. وهي أقل ما تكون ظهورا في النظامات السياسية والاقتصادية. إن هذه ~~جماعها إلا أشياء خارجية يمكن أن توصف أو تصور، شأنها في ذلك كشأن ظاهرات الطبيعة ~~المحسوسة. # أما حياة النوع الإنساني العقلية، فمحصورة في أساليب التأمل الخفية التي أمكن بها ~~استيعاب تلك الأشياء الظاهرة، والتي استطاع بها الإنسان أن يضيف إلى مبدعات الطبيعة ~~خلقا جديدا خاصا به، وبها تسنى له أن يغير من وجه الأرض، ويبدل من ~~نظامها، وأن يخص كائنات الطبيعة بمعان مثالية لا تتاح لغيره. وفي سبيل هذه ~~الغاية يعنت الإنسان نفسه لكي يستكشف أساليب ms43 لا يلبث أن يطبقها حتى يعمد إلى ~~تغييرها، وفي سبيلها يحدس وراء نتائج وأغراض سرعان ما يرفضها ويقصيها، ومن أجلها ~~يخترع نظريات قصيرة العمر وشيكة البقاء. وفي الواقع، يبني ويهدم، يشيد ~~ويقوض؛ ليستعين بالبناء والهدم، وبالتشييد والتقويض، على إبراز مختلف نظم ~~الاجتماع، وصور الفن، ومنتجات العلم. # وتلك النظم والصور والمنتجات يخلفها الإنسان لا كشيء إلا كآثار تدل على ما بذل من ~~جهد، وما أنفق من نشاط، والأنقاض التي يخلفها وراءه لا تلبث أن تترك وتهمل ~~كأشياء لا قيمة لها، إلا قيمة محدودة بالزمان، مقرونة بصفة الانتقال والتغير، ~~بيد أن هذه الأنقاض ليست إلا جسرا يصل بين الماضي والمستقبل، وهي بذاتها المادة ~~التي يتكون منها هيكل الحياة العقلية، التي نصرف في سبيلها عناية البحث والاستقصاء، ~~وبقدر ما يكون لنا من حظ في بناء ذلك الجسر، أي في تقويض القائم والإشادة على ~~أنقاضه، وبقدر ما يكون لنا من علم بالوسائل التي عمد إليها الفكر لبلوغ هذه الغاية، ~~وبقدر ما رأينا وعلمنا من أوجه نشوء العظائم من البدايات والصغائر، يكون مقدار ~~علمنا بشيء من الحياة العقلية التي تظل مختفية، وتمضي مستورة وراء هذه الظواهر ~~المشاهدة. # لهذا أعتقد أن دراسة ما وقع تحت حسنا ومشاهداتنا هي الطريق الوحيدة التي تمهد ~~لنا أن نبلغ بنظرة عميقة فيما أبدع العقل من منتجات؛ أي في حياة البشر الروحية، ~~وسوف نرى عما قريب كيف أن كل عصر، سواء أمن عصور العلم أم من عصور الفلسفة، لا ~~يبدأ إلا بفروض وخيالات، ولا يمضي في البقاء إلا جريا على أساليب معينة، وكيف أن ~~بعض الأساليب الفكرية الخاصة قد تصبح عامة مأخوذا بها، وكيف أن وجهات من النظر ~~الفردي قد يتقبلها الفكر فتنتشر وتذيع، غير أننا نلفي عادة أن تك الفروض النظرية ~~لا يمضي عليها جيل أو جيلان، على الأكثر، حتى تأخذ العقول في وزنها وتقييمها، ~~والفحص عن نصيبها في الصحة ومطابقة الواقع. # ونجد أن نصيب الأساليب الفكرية من النقد لا يقل عن نصيب النظريات منه، فيطرأ على ~~عالم الفكر عقيب ms44 ذلك أساليب حديثة تملك زمامه، وتكتسح أمامها طرق التفكير العتيقة، ~~التي خيل للعقول زمانا أنها أكثر الأشياء ملاءمة للطبيعة، وأبعدها انطباقا على ~~مطالب الحياة. هنالك تجد أن نظام الجمعية الإنسانية، وهيكل العلم، وصور المعرفة، ~~وطرق تطبيق الفنون على الضرورات البشرية قد انتابها التغير خضوعا لمبادئ مستحدثة ~~تكفل حاجات النوع بمقتضى الارتقاء والنشوء. # ولا ريبة في أنه لا يقوى على البقاء من المبدعات القديمة إلا النزر اليسير، فتجد ~~أنه لا يبقى من تلك الأشياء التي ندعوها قوانين العلم، إلا قانون واحد أو اثنين، ~~ولا يعود إلى آلة الطباعة إلا بضعة كتب ليعاد نشرها، ولا يبقى إلا عدد ضئيل من ~~نواتج الفن، مع قصيدة أو اثنتين من قصائد الشعر. مثل هذا سوف يخلف القرن التاسع ~~عشر، كميراثنا الحي الذي جنيناه من سنيه الأولى، في حين أن بقية المنتجات سوف تضم ~~إلى مجموعة ما يدونه التاريخ من وقائع العصر، ولن يصبح لها في الحياة من خطر أكثر ~~من خطر الذكرى؛ إذ تمسك عن أن ترسم لنا طريقا قيما، أو تنير لنا سبيل الحياة في ~~عهدها الجديد. # ولن تمضي بضعة قرون على تلك المنتجات، إلا لينظر إليها أعقابنا كما ننظر نحن إلى ~~آثار المدنيات الشرقية القديمة، كما ننظر إلى أبي الهول القابع في الصحراء التي ~~تكتنف أهرامات مصر، متأملين في تلك الوسائل التي تم تشييدها، وفي مقدار ما أنفق في ~~سبيلها من جهود ومشقات، وفي الفكرة التي قامت في رءوس الذين وضعوا تصميمها وأقاموها ~~حيث هي عنوانا على العصور، ومثالا للدهور. # 3 # إن أكبر مزايا الفن أنه يقيم في ذهن الإنسان بنظرة واحدة صورة كاملة عن الغرض ~~الذي يرمي إليه، وبذلك يحدث تأثيرا تاما في العقل دفعة واحدة، على أن التأمل ~~العميق إن كشف لنا عن الكيفية التي يتألف بها الكل بالتئام مجموع أجزائه، وعرفنا ~~كيف يعبر كل عنصر من العناصر المؤلفة للمجموع عن الفكرة الأصلية التي توحد بين ~~الأجزاء؛ فإن الأثر الذي يتركه المجموع يظل السبيل الأوحد الذي نستطيع أن نفهم به ~~كل ms45 جزء من الأجزاء قائما بمفرده. # ولقد نكر على الأدب، وعلى العلم، وعلى التاريخ، أن في مستطاع كل منها أن يصور ~~الغرض الذي يرمي إليه في مجموعه، بحيث يحدث في ذهن الباحث منذ البدء تصورا ~~تاما؛ أو يزوده بفكرة كاملة الأجزاء، على أننا نمت إلى الباحث أن يماشينا ~~متتبعا خطواتنا إلى القمة العليا التي لا بد من أن نبلغ إليها بتصعيدنا في ذلك ~~المرتقى الوعر. إن كثيرا من الطرق تسلم إلى تلك القمة، على أننا غالبا ما نخطئ في ~~اختيار السبيل المثلى والصراط المستقيم، وقد نبلغ بالقارئ حد الإنهاك والكلال قبل ~~أن نقطع نصف الطريق، وربما نحدث في نفسه إحساسات قد تصده عن التأمل في مجموع ما ~~يترامى تحت قدميه من المناظر وهو في مرتقاه. أما ما ندرك نحن في معنى «المجموع»، ~~فليس إلا جملة ما تكونه أجزاؤه، في حين أن الفنان لا يدرك المجموع إلا بفكرة أن ~~الأجزاء ليست إلا كسورا يتكون منها كل مؤتلف النواحي. # طالما اعترض سبيلي كثير من أمثال هذه الصعاب وأنا مكب على التدبر في أمر الفكر ~~خلال القرن التاسع عشر، على الرغم مما حوطت به بحثي من الحدود؛ وما ألزمت نفسي ~~من العكوف على دائرة من البحث لا أعدوها. # لقد اعتقدت اعتقادا تاما بعدما بلوت من البحث والتجاريب، أن عالم الفكر أشبه ~~بدائرة يحدها محيط يترامى في اتساعه ترامي اللانهاية، ولشد ما عانيت من تعب ومشاق ~~حتى وقعت على نقطة أبدأ منها السير، وأختط منها طريقا يقودني إلى تلك القمة، على ~~أمل أن أشرف منها على منظر للمجموع يمكنني من اكتناهه، والوقوف على ماهيته. ~~••• # خصت بعض عصور التاريخ بقيام حركات فاصلة، وحوادث عظيمة امتصت كل القوى ~~العاملة النشيطة، واندمجت فيها كل العناصر العقلية والتخيلية، فتجد أن تلك الحركات ~~قد مضت مستبدة بأمرها، إما لتخضع كل القوى المنبعثة في عصر ما للعمل في سبيل إبراز ~~غرض معين، أو تثبيت فكرة بذاتها، وإما أن تلفيها وقد جرفت أمامها كل شيء إلى جو ~~من التنازع والجلاد، يوجه بكل ms46 ما فيه من مختلف الصور والقوى إلى تزكية الحادث ~~الرئيسي الذي تلتف من حوله قوة الفكر والعناصر. # والأمثال التي يرويها التاريخ كثيرة: منها تلك القرون الطويلة التي يقص أخبارها ~~تاريخ اليهودية، والعصور الأولى التي أينعت فيها الكنيسة النصرانية، والزمان الذي ~~تقشعت فيه عن المدنية سلطة البابوات، وزمان الإصلاح البروتستانتي، وعهد الثورة ~~الفرنسوية. # فإذا عدنا إلى دراسة «الفكر» في مثل هذه العصور، لما أعوزنا البحث عن مرتكز نرتكز ~~عليه، أو نقطة نبدأ منها؛ لأن من الهين أن نعثر على سيارها الذريري # 8 # Vortex-Atom ~~، الذي يحرك بحركته كل ~~القوى الكائنة، ويبعث العبقرية في مكمنها، ويوقظ الكفاءات والمواهب العقلية من ~~رقدتها؛ ففي عصر كعصر الإصلاح البروتستانتي مثلا، يمكننا أن نتكلم في السياسات ~~الخاصة به، وصور الدين التي أنبتها، والفلسفة والأدب والفن، وكل المنتجات العقلية ~~التي أنتجتها، وأن نمضي في بحثنا موقنين بأننا لا بد من أن نقع على كل وجه من ~~وجوه التقدم العام، وعلى كل الخطى الارتقائية التي خطاها العصر، وأن نقف على كل ~~الفكرات التي ذاعت فيه، سواء أأرضت معتقدنا أم ناقضته. وإنه لمن الظاهر الجلي ~~أن العصر الذي أؤرخ فيه لا يتضمن حادثا من تلك الحوادث التي تمتص القوى، وتبسط ~~سلطانها المطلق على عالم الفكر. # على أنه إن كان في القرن التاسع عشر من قوة وحدت بين المؤثرات التي انبثت ~~فيه، فإنها لم تظهر طافية على وجه الحياة، بل ظلت دفينة في أعماق الطبيعة ~~البشرية، والمعضلة التي أخذنا على عاتقنا أن نبلغ إلى حلها، والغرض الذي قضينا ~~مجاهدين في سبيل الوصول إليه لن يظهر سافرا غير مقنع؛ إذن نعتقد أنه غرض يمكن أن ~~يدرك من طريق الاستنتاج وحده، فلا نستطيع له تحديدا ولا حصرا؛ لهذا نوقن بأن ~~الغرض الذي من أجله عشنا وشقينا وجاهدنا لم يظهر لمشاعرنا تاما بينا، كما ظهر ~~للذين عاشوا خلال عصر الإصلاح البروتستانتي، أو عصر الثورة الفرنسوية، وإلا لما ~~سقنا بأنفسنا، لولا هذا الأمر، إلى فلسفة «اللاشاعرية» و«المجهول»، ولما انتهى ~~القرن التاسع عشر مختتما بالتساؤل: «أمن ms47 قيمة لهذه الحياة؟» # وأنت تعثر من جهة أخرى، إذا ما قلبت صفحات التاريخ، على عصور سادت فيها روح ~~الهدوء، فانصرف فيها الناس إلى متابعة بعضهم بعضا في السير في سبيل بعينها، ~~واطمأنوا إلى ميول عامة أحدثتها فكرات واحدة، وأخلدوا إلى الأخذ بعادات خاصة في ~~التفكير، وانتحوا في البحث أساليب فيها من الفطرة الأولى أثر السذاجة، وتطريات ~~البساطة والاعتدال، وعمدوا إلى تطبيق بضعة سنن لم يعدوها إلى غيرها، فظلوا عليها ~~عاكفين، ومضوا بها قانعين. # كان هذا طابع الزمان الذي تقدم الثورة الفرنسوية، أي الشطر الأعظم من القرن الثامن ~~عشر، حتى لقد أصبح من الهين علينا أن نصف طابع ذلك القرن، فصرفنا عليه اسم القرن ~~الفلسفي؛ قرن التنوير العقلي # Aufklarung # 9 # وإن شئت فقل «قرن فولتير»، ذلك في حين أننا لا نستطيع أن نصرف على ~~عصرنا اسما مشابها لهذا الاسم، ولا أن نخصه بنعت كهذا النعت؛ فإنك لن تقع فيه على ~~«اسم علم» يحمل معه شهادة بالأثر الذي ترك صاحبه مطبوعا في جبين كل ما احتك به من ~~حاجات الحياة العديدة التي وقعت تحت سلطانه. # لقد ادعى بعض الباحثين أن تاريخ الفكر هو بذاته تاريخ الفلسفة، على اعتبار أن ~~مذاهب الفلسفة ونظرياتها المختلفة تتضمن في مجملها الإبانة عن السبيل التي تمشت ~~فيها الفكرات خلال عصر ما من العصور، وعلى ذلك يكون الكلام في تاريخ الفكر في ~~القرن التاسع عشر هو بذاته الكلام في تاريخ الفلسفة خلاله. # لقد أنتج القرن التاسع عشر كثيرا من صور الفلسفة ومذاهبها المختلفة، غير أنك تجد ~~أن تلك المذاهب، على الرغم من اختلافها وتباينها، من مثالية «فيخته» المتطرفة، إلى ~~مادية «بخنر» # Buchner # الأحادية، لن تجعلنا نشعر ~~بأنها محيطة بعالم الفكر كل الإحاطة. إن أكبر دليل على هذا أن العصر الذي أجدب فيه ~~العقل الإنكليزي من الفلسفة - وهو أربعة العقود الأولى من القرن التاسع عشر - قد ~~أخصب هنالك في إنتاج نزعة أدبية حديثة، وفي إبراز تصور خاص في الفن، وفتح في كلا ~~الاتجاهين: اتجاه الأدب واتجاه الفن، ينبوعا فائضا ms48 بمنتجات الحياة العقلية، في ~~حين أنك لن تقع في المذاهب الفلسفية على أثر تناولها بالوصف والتقدير. # كذلك تجد أن فرنسا قد أجدبت في «التأمل الفلسفي» خلال عصر «العودة إلى الملكية» # Restoration ~~، غير أنها أحدثت إذ ذاك ~~عصرا ذهبيا من عصور الأدب، وأمدت كل أوروبا بأضواء العلم التي أشعت من «باريس» ~~خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر. وقلما عني تاريخ الفلسفة بذكر «جوته»، ~~ومع هذا فإن مؤلفاته تتضمن على الأرجح أعمق صور الفكر التي أنبتتها العصور الحديثة، ~~ثم عد إلى فرنسا ثانية تجد أن المذهب الفلسفي الوحيد الذي أبرزه العقل الفرنسوي ~~طوال القرن التاسع عشر، هو مذهب «كونت» في «الفلسفة اليقينية»، غير أنه لم يترك إلا ~~أثرا ضئيلا فيها. # ومن ذا الذي يجرؤ على القول بأن هذا المذهب يعكس على العالم من صور الفكر الفرنسوي ~~ما يعكس عصر «فولتير»، أو عصر «مونتسيكو» مثلا؟ وإليك «هيجل» نفسه، فإنه لذلك ~~الباحث الذي عمد إلى تتبع آثار العقل الإنساني في مذاهب الفلسفة، على أنه قد جهر ~~بعد الجهد والعناء بأن الفلسفة آخر ثمار المدنية، وأن أية فكرة من الفكرات التي ~~تمضي متحكمة في العقول خلال أي عصر من العصور لا تظهر لابسة الثوب المذهبي، إلا ~~وكان هذا عنوانا على زوالها، ودليلا على انقضاء حياتها. # يدلك هذا على أن الفلسفة لا تنظر إلا إلى الماضي، إنها تحمل ما فصلته الأزمان، ومن ~~ثم تناقش وتنتقد، ولكنها لن تضع للمستقبل صورة مرسومة، على أن ما في هذه النظرية ~~من حق قد يتناوله الشك، وتحف به الريب، غير أننا لا نود أن نمضي في الكلام فيها ~~الآن؛ لأننا سوف نعود إليها بعد، بل نكتفي هنا بأن نقول: بأن ما نعني من اصطلاح ~~«الفكر» لا يمكن أن يتفق وما يعني من اصطلاح الفلسفة؛ ولذا نقضي بأن تاريخ الفلسفة ~~خلال القرن التاسع عشر، أمر يختلف تمام الاختلاف عن تاريخ الفكر فيه، على أن هنالك ~~موضعا قد تحل فيه كلمة «الفلسفة» محل كلمة الفكر، غير أنه موضع يقرب فيه ~~معنى ms49 «الفلسفة» من المعنى المدرك من «الفكر»، ولا يقرب فيه معنى «الفكر» من المعنى ~~المدرك من «الفلسفة»، وعلى هذه القاعدة كتب «هيويل» # Whewell ~~«فلسفة العلوم الاستقرائية» Philosophy of the ~~Inductive Sciences ~~، وجعل الغاية مما كتب أن يبحث عن ~~أساليب الفكر التي تتخذ، عن قصد أو عن غير قصد، سبيلا إلى التفكير أو البحث ~~العلمي فتؤدي إلى تقدم العلم وارتقائه. # على أننا قد نقع على محاولات شبيهة بهذه في التجارة والسياسة والحكومات والدين ~~والأدب على وجه عام، على أن الفلسفة في كل هذه الحالات لا تدل على معنى أكثر من ~~أنها طريقة خاصة للتفكير والاستنتاج يستعان بها على حاجات الحياة، عملية كانت أم ~~عقلية، وليس هذا هو المعنى الذي يدرك من الفلسفة في الاستعمال المتفق عليه. إنها ~~لتدل على شيء أعمق من ذلك، فلا هي أخذت على أنها أسلوب مرسوم، ولا على أنها طريقة ~~عقلية حرة تبرز بها الفكرات والتأملات، بل أخذت للدلالة على نظريات محددة تفسر بها ~~ظاهرات الكون بالغة من حقارة الشأن أو عظم الخطر ما بلغت. # ومن هنا لا نشك في أن الفلسفة تكون شطرا عظيما من أشطر الفكر خلال القرن التاسع ~~عشر، وقد تكون أشد ما أنتج الفكر أخذا بالروع، وصرفا للذهن في سبيل التأمل ~~والاستبصار، على أنها في الحين ذاته أكثر ما أنتج الفكر خضوعا لبواعث التغيير، ~~وأوسعها للمناقشة والنقد مجالا. ومع هذا، فإنا لا نشك في أن الفكرات الخفية، ~~والاستنتاجات العميقة الغور البعيدة المتناول، لهي الأساس الذي قام عليه هيكل ~~النواتج العقلية والفنية، والمستحدثات العلمية التي شيد نواحيها القرن التاسع ~~عشر. # وعلى هذا، يظهر لكل باحث استعمق في البحث في نزعة الفكر الأوروبي خلال القرن ~~التاسع عشر، أن مباحثه لا بد من أن تنقسم إلى شطرين عظيمين كلاهما يتناول ناحية ~~خاصة، ففي الشطر الأول يجب عليه أن يعتبر الفكر عبارة عن مجرد وسيلة تسلم إلى غاية ~~ما، أو كأسلوب يتخذ ذريعة للوصول إلى غرض معين، سواء أكان نظريا أم ~~عمليا، ولا يؤدي الفكر في هذه الحال ms50 من معنى أكثر من أنه نوع من الاستنتاج ~~العقلي استخدم في سبيل البحث عن المعرفة، أو عن طريقة تطبق بها المعارف ~~الإنسانية. # ولما كانت كل الاستنتاجات العقلية لا تبدأ إلا بفروض أو أوجه من النظر ندعوها ~~المقدمات أو المبادئ أو القضايا الضرورية، ومن هذه الأوليات تولد أساليب معينة؛ فإن ~~هذا الشطر من البحث ينقسم بدوره إلى قسمين: يتناول القسم الأول تقرير المبادئ، ~~ويختص القسم الثاني بالبحث في الأساليب التي يمضي الاستنتاج العقلي، نظريا كان أم ~~عمليا، خاضعا لمؤثراتها. # غير أن الفكر ليس يقتصر أثره في الوجود على زيادة معرفتنا بالأشياء الكائنة، ~~وتطبيق المعرفة على الأغراض العملية؛ فإنه إن اقتصر على هذا وحده لتفرق بددا ومضى ~~ناقصا غير تام، بل غالب ما أوحى إلينا بوجوه من التناقض تغشى عقولنا حينا بعد ~~حين. دليلك على هذا أن الذين يهبون أنفسهم للمباحث العميقة المستفيضة، أو إلى ~~العمليات، غالبا ما يأنسون من أنفسهم نزعة إلى التغلغل في أوجه من النظر في ~~حقيقة الأشياء تتسع أمامهم دائرتها كلما أمعنوا في البحث، في حين أن حاجتهم من ~~البحث لم تكن لتبلغ بهم إلى تلك الحدود القصية التي يسوقون بأنفسهم في غمراتها بلا ~~حاجة إليها؛ فقد يظهر للباحث مثلا أن الأساليب التي يتخذها لبحثه سبيلا قد أصبحت ~~معدومة الجدوى والنفع، إن أراد الوصول بها إلى غرض عملي يضعه نصب عينيه، فيساق إلى ~~الشك في تلك المبادئ التي مضى عليها عاكفا نصف عمره، من غير أن يداخله الريب ~~يوما واحدا في صحة ما تقوم عليه من الحقائق، وفيما ينتظر أن تنتج من الفوائد. وقد ~~يصادف باحث آخر نجاحا باحتذائه أسلوبا خاصا في البحث، وبذلك تتجدد رغبته في ~~تطبيق ذلك الأسلوب على موضوعات كانت تعالج من قبله على طريقة مخالفة لطريقته؛ ~~وربما ينهض بذلك الأسلوب إلى درجة يصبح معها قاعدة عامة من قواعد الفكر. # وقد يتفق لباحث ثالث أن يأخذ به الشغف بتتبع المعرفة في فرعين أو ثلاثة من ~~فروعها تلوح على ظاهرها غير مرتبطة برباط ما، غير أن ms51 هذه الفروع إذ تتقارب في ذهن ~~الباحث لا يلبث أن يأنس من نفسه؛ لتقاربها في ذهنه وضعا، رغبة في أن يوحد ~~بينها، ويؤلف بين ما تعارض من وجوهها. وقد يبلغ باحث رابع بعد زمان ما إلى ~~حد من الملل مما عكف عليه من مباحث لم تؤد به إلا إلى نواح من العلم محدودة ~~الفائدة، فيسعى إلى التخلص مما عكف عليه طوال عمره؛ ليفوز بناحية أخرى من البحث ~~العلمي أوسع مدى، وأكثر فائدة، وأبعث على الأمل والرجاء. # على أننا إن سلمنا بأن الجهل أو التفريط قد يعوق السواد الأعظم من الناس، الذين لم ~~ينفقوا قواهم حتى في سبيل التنازع للبقاء، عن أن يكونوا وجها من النظر تتعدى ~~الدائرة الضيقة التي يلزمونها، وإذا سلمنا بأن الكثيرين منا إنما يعيشون كالأطفال ~~قانعين، موقنين بأن حاجات النوع الإنساني العظمى تدبرها إرادة علوية لن تبلغ ~~إليها عقولنا، ولن تدركها أفهامنا، فإن في بني الإنسان لعددا عظيما من أولئك ~~الذين لا يهدأ لهم روع إلا إذا تطلعوا إلى شيء أكرم مما بين أيديهم طبيعة، وأوسع ~~مدى، وأحسن صفة؛ أولئك الذين يعيشون متعطشين للوصول إلى مستكن الحكمة الصحيحة، أو ~~تسوقهم طبيعتهم الثائرة المتوثبة إلى البحث وراء القواعد والأغراض الغائية التي ~~يشيد عليها هيكل الكون والحياة. ~~••• # لقد أفلحت اللغة في نحت كلمة تعبر عن هذه المحاولات على تعدد مظاهرها، وعلى اختلاف ~~أوجه تطبيقها، وضعت لها كلمة - «التأمل» # Speculation ~~، وهي كلمة تدل على ما تتطلب هذه الأشياء من جرأة ~~وإقدام، وما تبعث عليه من التغرير بالنفس. وجدت تلك الأشياء في كل العصور، وفي ~~كل الأمم، وفي كل اللغات، وعلى الجملة حيثما كان الأدب بارزا في صورة من العقل أو ~~التخيل، مصبوبا في قالب من النثر أو الشعر أو الرموز، معبرا عنه في بعض ~~الأحيان بمصطلحات محدودة، وفي البعض الآخر بمجازات غامضة مبهمة؛ فقد نتصور أن ~~الفلسفة لم تنشأ إلا من طريق تلك الأوليات الغامضة، حيث شرعت العقول تسلكها في نسق ~~يراعى فيه أسلوب ما، أو توحدها فتجعل منها كلا ms52 متماسك الأطراف، مؤتلف النواحي. ~~وعلى هذا نستطيع أن نعرف الفلسفة بأنها «الانصراف إلى التأمل على أسلوب مبين ~~محدود؛ للوصول إلى وحدة نظامية»، وقد نقول: بأن العلم والفلسفة هما «التفكير الأسلوبي» # Methodical Thought ~~، في حين أن ~~كلمة «نظامي» لا تنصرف إلا إلى صور التفكير الفلسفي العميق الذي يرمي إلى بلوغ ~~الوحدة والكمال. ~~••• # لقد مضينا حتى الآن في تدبر الفكر على قاعدة أنه وسيلة تؤدي إلى غاية، أو ~~بالأحرى نستطيع أن نقول: إننا مضينا نبحث الفكر في نزعته العلمية. والآن نريد أن ~~نتدرج من ذلك إلى بحث الفكر إذ يتخذ الفكر موضوعا لتأمله؛ أي كقوة تنعكس على ~~نفسها، وتنصرف إلى معرفة ماهيتها وأصلها ونشأتها ونواميسها، وقوة ثباتها، والفحص عن ~~قواها، مع الانصراف في كل ذلك إلى الوصول إلى حد يتحقق عنده كمالها ووحدتها ~~وبقاؤها، وكل ما في هذا الشطر العظيم من أشطر الفكر سوف نطويه تحت عنوان «الفلسفة»، ~~فكما أننا سنخص القسم الأول من كتابنا: «تاريخ الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر» ~~ببحث الفكرة العلمية، كذلك سنخص القسم الثاني منه ببحث الفكرة الفلسفية. ~~••• # لقد نشأ العلم تدرجا من مجمل ما استجمع من ضروب المعارف المدخولة بالخطأ الممسوسة ~~بالفوضى، وما زال الفكر يعالجها برغبته في الوصول إلى الكمال، ونزعته إلى ترتيب ~~المعارف حسب الكفاءات العقلية، واستخلاص أوجه النفع منها، حتى وصل إلى ما نعرف منه ~~في العصر الحاضر. كذلك شبت الفلسفة بطريقة مشابهة لهذه، غير أنها شبت من ~~ناحية الفكرة التأملية، برغبة وضع تلك الفكرة على نظام يتبع فيه أسلوب ما؛ ~~ابتغاء الوصول إلى غرض محدد أو غاية بعينها. # ومع كل هذا فلن يسع العلم ولا الفلسفة، ولا كلاهما إن اجتمعا وتمازجا، معنى ~~«الفكر»، ولن يشمل معنى العلم ولا معنى الفلسفة ما يقصد من اصطلاح «الفكر»؛ فإن ~~كلا من العلم والفلسفة ينطوي تحت ما يعنى من اصطلاح «الفكرة الأسلوبية» المنظومة ~~على قواعد معينة، غير أنه لدينا ناحية الفكر المعدومة الروابط والنظم؛ ناحية الفكر ~~المطلقة من الحدود والتعاريف، تلك التي تستتر وراء صور الأدب ms53 والشعر والخيال والفن. ~~ولن يظهر لتلك الناحية من أثر في عصرنا إلا في الحياة الفنية أو الأدبية أو ~~الدينية. # وهذه الصور إن كانت من الواقع شعاعا في الحياة الفنية أو الأدبية أو الدينية، ~~وهذه الصور إن كانت من الواقع شعاعا منعكسا على الحياة من أشعة العلم أو نور ~~الفلسفة، إلا أنها، ككل الأشعة المنعكسة، لا تتبع مصدر الضوء الذي ينبعث عنه وجودها ~~فقط، بل تتقدمه في الظهور عادة. إنها ليست العتمة التي تعقب النهار، بل هي فجر ~~المعرفة الذي يتقدم بزوغ الشمس. إنها الشفق الذي ترامت خيوطه المشعة في ظلمه الفكر. ~~إنها الصدفة التي كمنت فيها جرثومة الفكر التي تمخض عنها جنين المستقبل، فيها نشأت ~~بدايات الفن، وأوليات الفلسفة والعلم، التي لم يقف العقل على أسرارها، ولم يحلم بما ~~سوف يكون من نتائجها. إنها لتحيط بأبعد أغوار العقل، حيث هنالك تجد مبعث الفكر ~~وأصله كامنا في تضاعيف الفطرة، وحيث ترجع بين حين وآخر إلى تلك الأغوار السحيقة ~~لتستمد الحياة كلما أعوزتها الحياة، وتستنزل الوحي كلما أعوزها الوحي، فيزجيها بكل ~~طارف وتليد. # لن يكمل بحث يعنى بتاريخ الفكر في القرن التاسع عشر، أو يبلغ حدا يرضي الحق، من ~~غير أن يصرف عناية الاستبصار إلى ذلك العالم الكبير، عالم الفكر المطلق من ~~الأساليب الموضوعة والأنظمة المفروضة، ذلك العالم الذي تمثله الآداب والفنون ~~التي تبرز في عصر ما من العصور. # لقد خص الأدب والفن في القرن التاسع عشر بقسط من الحياة، ونصيب من قوة ~~الابتكار، وسرعة التغاير والانقلاب التابعين لنزعة الفكر. لم ترو عصور التاريخ ما ~~يبزها شأنا وخطرا، إلا عصور ثلاث: عصر سعدت به أثينا في عهد «بركليز»، وعصر نعمت ~~به إيطاليا إبان «النهضة العلمية»، وعصر أزهرت فيه إنكلترا تحت حكم «اليصابات»، على ~~أن القرن التاسع عشر قد خص بقسط من الابتكار الموسيقي لم تبلغ إليه العقول في كل ~~عصور التاريخ، ففي ذلك الفن وحده، على ما يقول الثقات وجهابذة أهل النظر، يبز ~~عصرنا بقية العصور، قوة ابتكار، ووفرة إنتاج، كذلك تجد ms54 في الشعر أن «جوته» ~~و«واردسوورث» قد نهضا بالأذواق إلى مستوى أرقى من مستواها الذي ورثته عن القرون ~~الأولى، وأبدع الفكر الفرنسوي والإنكليزي نوعا مبتكرا من القصص الخيالي، في حين ~~أن تصوير المناظر الطبيعية، ذلك الفن الذي خلقه الإنكليز، لم يكن معروفا خلال ~~القرون الأولى. # كل هذه الأشياء، على الرغم من نشوئها مطلقة غير مقيدة بقانون علمي ولا قاعدة ~~فلسفية، وفي الغالب خارجة عن سلطان المدارس والمعاهد، فإنها تشير، بل تدل، على طرق ~~جديدة من طرق التصور العقلي، وتشف عن مجموعة من الفكرات لم يتم نشوؤها، أو هي أتمت ~~من النشوء الفكري قسطا جزئيا. إن كل هذه النواتج لتنم عن مجهود عقلي ~~عميق، وإن لم يمتصه العلم ولم تسغه الفلسفة بعد، إلا أنه ينطوي، جريا على ما حددنا ~~من ذلك التصور الجوهري، تحت عالم الفكر، أن المعنى المدرك منه قد يكون غامضا ~~ملغزا، والتعبير الواضح الجلي الذي سوف ينتج ذلك المجهود في الفلسفة والاستنتاج ~~العقلي، قد يكون بعيدا غير بين لنا في زماننا هذا، غير أننا مع ذلك لا نستطيع ~~أن ننكر أنه كائن موجود، وما هو إلا مجموع الفكر غير المحدود. هو تلك الأقباس ~~المنيرة المتناثرة المبددة، التي لم نستشف بعد بؤرتها، ولم نعرف بعد نقطة ~~ارتكازها، هو تلك الأشياء التي لن نستطيع أن نمر بها ونحن نؤرخ في تاريخ الفكر في ~~القرن التاسع، من غير أن نلقي عليها بنظرة، أو نخصها بعناية البحث، على ~~غموضها. # ليس من الهين أن نعثر على اصطلاح نصرفه على مجموعة الفكر غير الأسلوبي # Unmethodical Thought ~~، على تشعبها ~~وتجزئها وتفاصم حلقاتها. لن تعثر لها على اصطلاح مكون من كلمة واحدة كاصطلاح ~~العلم أو الفلسفة، يمكن أن يعبر عن كل ما فيها من معنى، وما تحوي من نزعة. # إلى هنا استطعنا أن نبين عما لا يمكن أن يصبح من الفكر الأسلوبي يوما من الأيام، ~~غير أننا مع هذا نشعر بأن ذلك الحيز من الفكر لهو الذي يتضمن أعظم شطر من مصالحنا، ~~وأخص ما يحتك بحياتنا العامة، ms55 وأنبل ما نتطلع إليه في الآمال، وما نشرئب إليه ~~بأعناقنا في الأماني. إن العلم ليتمشى في طريق تسلم به شيئا فشيئا ليصبح مسألة ~~إحصاء ونسبة، فيكون مهنة لا تعنى بغير المعمل، وحانوت البيع والمصنع والسوق، وكذلك ~~الفلسفة؛ فإننا نستشم فيها كثيرا من رائحة المدرسة وقاعة المحاضرة. # وهي فضلا عن ذلك لتمعن في سبيل التكون على صورة مذهب أو قضايا عامة، ~~وكثيرا ما تعنتنا بالتعاريف، وبالنظر في المجردات، غير أنك تجد أن النسبة والإحصاء ~~والمقاييس والتعاريف، وتجريد الفكر الصرف؛ لتعجز برمتها عن أن ترضي، في ساعة هدوء ~~أو فترة نحس فيها بحاجة ماسة من حاجات الدنيا، مطالب الحياة التي نقع عليها في ~~الدين. وإني لأصرف هنا كلمة الدين كما هي في أصلها وجوهرها، وهي تدل عندي على ذلك ~~الشطر من الفكر الذي يبرز في مجموعة مؤلفات الأدب الخارجة عن مباحث العلم ~~والفلسفة. # هنالك كلمات يكثر أو يقل استعمالها في الأدب الحديث قد تساعدنا على وضع قاعدة نفرق ~~بها بين ما نريد أن نفرق بين بعضه وبعض من نواتج العقل الإنساني، بحيث تؤهل بنا ~~إلى تكوين نظرة أولية تنير لنا السبيل الذي يجب أن نسلكه في بحثنا هذا. # يقال: إن العلم ذو صفات ثلاث، يقال: إنه تام، إيجابي، موضوعي، وإن الفرق بينه ~~وبين صور الفكر الأخرى أن هذه غير تامة، مبهمة، ذاتية # subjective ~~. إن العلم ليؤدي للعقل نواتجه أو فكراته في اصطلاحات ~~محدودة بالتعريف، مباشرة المعنى، بينما تجد أن هنالك عالما من الأدب والنواتج ~~العقلية غير محدود بالتعاريف، رمزيا في قوامه، غير مباشر المعنى والتعبير. إن ~~العلم ليسلم بأن ليس له من دعامة إلا دعامة المعرفة، على أن تكون بينة جلية ~~تامة الوضع؛ لهذا تجده معاندا في طبيعته لنواحي الفكر المرتكزة على الآراء ~~والاعتقاد والإيمان. # ولا يغيب عنا أن هذه المصطلحات إما أن تشير إلى الأسلوب الذي ينتحى في البحث، ~~وإما أن تشير إلى موضوع البحث ذاته. أما العلم فيعترف بأن له أسلوبا ثابتا لا ~~يحتمل الجدل، ولا يسع التورط في المسائل ms56 الخلافية النظرية. وأما بقية فروع الفكر، ~~فإما أن تستعير أساليبها من الأسلوب العلمي! وإما أن تطبق أساليب متغايرة لم يجمع ~~عليها الإجماع كله، أو تأبى الخضوع لأسلوب ما على وجه عام. # إذا بلغنا هذا المبلغ أمكننا أن نقول بأن وضع حد للتفريق بين موضوعات بحثنا أصبح ~~مستطاعا؛ فالعلم يتناول كل الأشياء أو الموضوعات التي تطرأ على أذهان السواد ~~الأعظم من الناس، أو تمس مصالحهم. وهي موضوعات قد يبلغ إلى الإحاطة بها كثير من ~~الناس؛ ولهذا يفخر العلم بأن مشاهداته واستنتاجاته خاضعة دائما للتحقيق والبحث ~~آنا بعد آن، لذلك تجد أن شطرا عظيما من المشاهدات والاستنتاجات العلمية قد تؤخذ ~~في أكثر الأحيان على أنها حقائق تامة أجمع على صحتها وثباتها، فيمضي الذين لا ~~يأنسون من أنفسهم القدرة على تمحيصها وبحثها، أو الذين تقعد بهم الهمة دون فحص ~~براهينها قانعين بأنها أشياء بدهية لا مبدل لها. # غير أن هنالك أشياء كثيرة تقوم في عقل كل فرد من الأفراد، شخصية في طبيعتها، ذاتية ~~في مبعثها؛ ولهذه الأشياء في أنفسنا من الشأن والخطر ما لغيرها من مطالب الحياة ~~وحاجاتها. إن هذه الأشياء لتكون المادة الحقيقية التي يتركب منها الفكر ~~الخارج عن ميدان العلم، وهي في جوهرها ومظهرها مناظرة للعلم اليقيني. وفي هذا الشطر ~~من الفكر لا يستطيع شخص بذاته أن يقوم بعمل ينتفع به الكثيرون، على نفس الطريقة ~~التي تحتذى في العلم، فالأخذ بالبرهان في ذلك الشطر مستحيل، والإجماع على شيء ~~فيه لا يضم تحت لوائه إلا عددا قليلا من الناس، فالأقوال والنظريات لا يمكن أن ~~تؤخذ في هذا الشطر على أنها حقائق ضرورية لا تحتمل الجدل كما هي الحال في العلم، بل ~~إن كل شخص لا بد في أن يجتاز فيها السبيل الذي اجتازه الذين تقدموه، قبل أن يأنس من ~~نفسه القدرة، أو يجد لنفسه حقا، في قبول ما ألقي إليه، أو الانتفاع ~~بثمراته. # إن الصفة الوحيدة التي تلازم ذلك الشطر من الفكر أنه فردي ذاتي، في حين أن ~~العلم، مهما كانت صبغته، ms57 ومهما كان أصله، عام موضوعي؛ أي غير ذاتي، يرجع إلى ~~الموضوع لا إلى الذات التي تفكر في الموضوع وتفحص عنه، فإذا تمثلت الفكر بشيء ذي ~~طرفين متناظرين، ألفيت أن العلم الرياضي في أحد طرفي الفكر، وأن الدين في الطرف ~~الآخر. وإنك لتجد أن الاتفاق في الطرف الأول صفة متلازمة كالاختلاف في الطرف ~~الثاني. # تلحظ أن وحدة الفكر صفة ثابتة في الطرف الأول، في حين أنك لن تقع لها على ظل في ~~الطرف الثاني. إنها لم تعرف في الدين ولن تعرف، وإنك إذا أردت أن تعبر عن ذلك ~~بالكلام الدارج لاستطعت أن تقول: إن المعرفة والتحقيق لزام الطرف الأول، وإن ~~الإيمان والاعتقاد لزام الطرف الثاني، على أنك فيما بين الطرفين تقع على مسافة ~~كبيرة من الخلف تفصل بينهما. إن هذه المسافة ليغشاها من الفكر صور تصل بين ~~الطرفين، تبرز حينا في هيكل من المعرفة، وآخر في مثال من الإيمان؛ فيختلط فيها ~~قليل من الأشياء المحققة، بكثير من الإيمان والاعتقاد المبهم. # تلك المسافة الكبيرة، وهذه المفازة المترامية الأطراف، والتي تتوارد عليها صور ~~التغاير والاختلاف سريعة متعاقبة، هي سكن الفلسفة الحقيقي ، ومنبتها الأصلي؛ الفلسفة ~~التي تتناول الحقائق، ولا تأنف من الإيمان، الفلسفة أصل المعرفة، ومنبع الاعتقاد ~~واليقين، الفلسفة حلقة الوصل الواقعة بين الطرفين: طرف العلم اليقيني، وطرف ~~الدين. # ولو كانت كل فكراتنا قائمة على الرياضة الصرفة، راجعة إلى العدد والقياس والتقدير ~~الحسابي، أو كانت دينية صرفة، لا تنظر إلا في مصالحنا الذاتية، ومعتقداتنا الخاصة، ~~لما كان لنا من حاجة إلى وسط يقوم بعبء التفاهم بين الطرفين، ويصل بين المتناظرين، ~~ولما قام في عقولنا خلاف بين الأشياء المحققة، وبين المعتقد الذاتي، غير أننا لا ~~نلبث أن نعكف على القواعد الرياضية، أو نعمل على إبراز معتقداتنا إلى حيز العمل، ~~حتى تدركنا صورتا الفكر الآخريين، وتلزم الاحتكاك بمصالحنا؛ فنشعر إذ ذاك بضرورة ~~الكشف عن نظرية أو مذهب يمنع التصادم بين الأطراف المتباينة، ويسير كل ~~الأطراف في طريق يمتنع فيه احتكاك بعضها ببعض. على أن الظروف التي ms58 تنتج مثل هذا ~~الاحتكاك إذ تختلف باختلاف حاجات الحياة العملية ومطالبها، وتتباين بتقدم العلم ~~العلمي، كان تغير تلك النظريات والمذاهب ومضيها ممعنة في التطور والتباين أمرا ~~محتوما بحكم ذلك. # قد يقال هنا - جريا على ما تقدم: إن مهمة الفلسفة تنحصر في تدبر تلك الطرق ~~المختلفة التي تطبق بها الأساليب العلمية الصرفة وينتفع بها، أو ملاحظة تلك السبل ~~المتباينة التي تصبح من طريقها المعتقدات الذاتية ذات أثر في المسائل العملية. وهي ~~مسائل تشترك فيها الصبغة الذاتية الخاصة بالصبغة الموضوعية العامة، ولن يستتبع ذلك ~~أن الفلسفة يجب أن تشيد مذاهب تامة، غير أنه من الطبيعي، بل من الضروري، أن ~~يحدث استجماع عدد كبير من النظريات ومظاهر الفكر العامة نزعة في النفس إلى ~~التأليف بين ما تخالف منها، والتوحيد بين ما تبدد من مجموعها؛ لتصبح كلا متماسك ~~الأطراف. بذلك تجد أن التصميم الذي لم يكن في مبدئه سوى شيء انتقادي تمهيدي صرف، ~~والذي لم يكن إلا مجرد وسيلة يتذرع بها إلى غاية، قد ساق المفكر فيه إلى ~~تكوين نظرة شاملة في حقيقة الأشياء؛ أي إلى مذهب فلسفي. # وأنت في أية من الجهات نظرت في الموضوع، فلا بد من أن تقودك خطواتك إلى اعتبارات ~~ثلاثة يتشكل فيها الفكر: الاعتبار العلمي، والاعتبار الذاتي، والاعتبار الفلسفي. ~~فإذا أهمل باحث من الباحثين النظر في اعتبار من هذه الاعتبارات في تاريخ يضعه في ~~تطور الفكر في القرن التاسع عشر؛ فإنه لا محالة فاقد قسطا من قيمة عمله على قدر ما ~~يكون إهماله. # ولا ريبة في أن هنالك مدارس تصدت لبحث الفكر دمجت العلم في الفلسفة، وأخرى ظلت ~~معتقدة أن لا استقلال بين الفكر في صورته الدينية، وصورته الذاتية، وصورته الفردية، ~~وأن هذه الصور ليست سوى صفات منتحلة لا صفات حقيقية. وهذه النظريات وأمثالها إن ~~حازت قسطا من الأثر في العقول كبير، إلا أنها لم يكن لها من نصيب في النهاية إلا ~~السقوط والفناء. # وها نحن نجد أنفسنا في نهاية عصر من أطول عصور النقد وأخصبها إنتاجا، فلا نستطيع ms59 ~~أن نحكم بأن عالما من عوالم الفكر الثلاثة قد فاز بنصر فاصل على العالمين الآخرين، ~~فلا يزال كل من العلم والفلسفة والدين شرعا في حكم العقل من حيث الأثر الخاص بكل ~~منها؛ فالعلم لا يزال - كما كان - تلك الصورة الفكرية التي تزودنا بأوجه المعرفة ~~المحققة، والدين لا يزال منبع المعتقدات التي تنزل إلى أبعد أغوار المصالح الذاتية، ~~ولا نزال نجد أن أنفسنا أشد مما كانت شعورا بالحاجة إلى التوفيق بين ذينك الطرفين ~~بوضع نظريات تحتذى في الحياة، وتبعد عن العلم بمقدار بعدها عن الاقتناع الذاتي ~~الصرف. وهذا يدلك على أن الحاجة إلى الفلسفة أشد مما كانت في كل العصور الأخرى. لقد ~~شهد القرن التاسع عشر تطورا عظيما وقع في الفكرة العلمية، ونهضة خصت بها الصوالح ~~الدينية، وحياة جديدة بعثها الشعور والنشاط الديني، وهو على الظن الغالب أغنى من كل ~~العصور التي تقدمته بالنظريات الفلسفية وبمذاهب الفلسفة. # لشد ما كان أسفي إذا ألفيت نفسي مضطرا لأن أقسم الموضوع الذي عكفت على ~~الكتابة فيه، وأن أفصل بين أجزائه؛ لأن الفكر في مظاهره الثلاثة ليس إلا وحدة، ~~الاضطرار إلى تفضيل بعض مظاهرها على بعض، واختيار نقطة نبدأ منها السير أمر أشعر ~~معه بكثير من الأسف. رأيتني مضطرا، بحكم الضرورة، لدى أول عهدي بالتأمل في أمر ~~الفكر خلال القرن التاسع عشر، أن أجزئ ما هو في الواقع متحد الأجزاء، مؤتلف ~~النواحي، ولحظت فوق ذلك أني ملزم، كلما أمعنت في بحث مظاهر الفكر، بأن أنتخب من ~~بينها ما هو أكبر خطرا، وأثمن قيمة؛ لأجعل منه نقطة الابتداء. # على أن الحقيقة أن فكرة التفضيل بين بعض مظاهر الفكر وبعض لم تقع قط في سبيل عملي ~~كقاعدة ثابتة؛ فإني أسلم موقنا بأن كل مظاهر الفكر تتساوى من حيث الأثر ~~والقيمة، ولا أبتئس إن أنا بدأت بالنظر في مظهر من مظاهره بغير تفضيل ولا اختيار، ~~تاركا الرجوع إلى المظهرين الآخرين رهن الظروف التي تحيط ببحثي؛ ذلك لأن مظاهر ~~الفكر إن نظرت إليها من ناحية التاريخ والواقع ألفيتها نسيجا ms60 واحدا متلازمة ~~أجزاؤه كل التلازم، بحيث يتعذر عليك أن تفصل بين خيوطه إلا لتذهب بالصورة الطبيعية ~~للمنسوج في مجموعه. # ذلك في حين أنه ليس من المتعذر أن تضع نفسك في مواضع متباينة إذ أنت مكب على ~~التأمل من مظاهر الفكر الثلاثة في القرن التاسع عشر؛ لتتخذ في موضع منها مظهرا ~~تضعه في قمة البحث، والآخرين في القاعدة؛ فإنك لن تستطيع أن تنكر مثلا أن المظهر ~~الذي التأم من حوله الفكر الألماني خلال الثلث الأول من القرن التاسع عشر كان ~~المظهر الفلسفي، فإن ذلك العديد الوافر من المذاهب الفلسفية التي تعاقب ذيوعها في ~~ألمانيا لأمر باعث على أشد العجب. # كذلك كان تأثير تلك المذاهب على الأدب والعلم والحياة العملية مقطوع النظير في ~~تاريخ الإنسان، والرغبة في استيعاب المعرفة التي أهابت بطلاب العلم في نواحي الدنيا ~~الأربع ليتوافدوا إلى ألمانيا، فتكتظ بهم قاعات الدرس؛ ليتلقوا عن كبار الفلاسفة ~~الغيبيين، لن تقع على ما يماثلها اللهم إلا في مدارس أثينا في العصور القديمة، أو ~~في قاعة الفيلسوف «أبيلار» # Abelard # في القرون ~~الوسطى. # فإذا بدأنا البحث بالنظر في هذه النهضة الكبيرة، وكيف نشأت ونمت، وكيف ضعفت وبادت، ~~كان لنا من ذلك تقدمة حسنة نتطرق منها إلى الكلام في تاريخ الفكر في القرن ~~التاسع عشر، وإذا مضينا بعد ذلك ناظرين في حالة فرنسا الفكرية، وأردنا أن نستخلص ~~منها أشد مظاهر الفكر فيها أخذا بألبابنا خلال القرن التاسع عشر، وقعنا على مجموعة ~~أسماء أولئك العلماء الأعلام الذين ينزلون في الصف الأول من بين العقول التي أقلتها ~~الأرض في كل عصورها؛ ففي الشطر الأول من القرن التاسع عشر ألقيت بذور كل فروع ~~العلوم الحديثة في فرنسا على وجه الإجمال، وخضع كثير منها للقوانين والأساليب ~~الرياضية البحتة. وفي فرنسا، عممت موضوعات العلم تعميما ألبسها ثوبا طليا ~~من الأسلوب اللغوي، فبدأت تتغلغل في الإدراك العام، وأنشأت في الأدب والفن مدرسة ~~حديثة هي مدرسة الطبعيين. # وإذا قارنت بين الروح الرياضية الطبيعية التي نمت في فرنسا خلال القرن التاسع عشر ~~وبين ms61 الفلسفة، وجدت أن هذه لم تسعد بحظ من النشوء كبير؛ فإن النزعة التشييدية التي ~~أنتجتها الفلسفة الخيالية في فرنسا إذ ذاك لم تستمد إلا من المذاهب القديمة: ~~كمذهب «ديكارت» # Descartes ~~، و«أفلاطون» Plato ~~، و«أرسطوطاليس» # Aristotle ~~، أو من المذاهب الأجنبية عن فرنسا: كمذهب «هيجل» ~~وغيره من فلاسفة ألمانيا الغيبيين. فإذا رجعنا إلى إنكلترا وقارنا بينها وبين ~~فرنسا من ناحية العلم، وألمانيا من ناحية الفلسفة؛ وجدنا أنها قد أصيبت بالعقم ~~العلمي في أوائل القرن التاسع عشر، فإن العلم والفلسفة لم تينع ثمارهما في إنكلترا ~~إلا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وبزت في الناحيتين كل شعوب أوروبا، ~~ولكن نجدها في أوائل القرن التاسع عشر قد أجدبت كل الإجداب في تكوين مدارس كبرى، ~~سواء أفي العلم أم الفلسفة، فتجد أن مستكشفات العلم العظمى لم تقرن بسوى أسماء ~~مفردة ظلت في عزلة عما حولها غالبا. # وتلك النظم المدرسية الكبيرة التي يحق للعلم أن يفخر بها في فرنسا، لم يكن لها ~~وجود في إنكلترا، كذلك لم يكن لإنكلترا أقل ضلع في نشر المعرفة العامة في أوروبا ~~إبان القرن التاسع عشر. والفلسفة الغيبية لم تنهض هنالك مطلقا بعد تلك الضربة التي ~~سددها إليها «دافيد هيوم»، واقتصر التأمل الفلسفي على علمي الاجتماع والاقتصاد ~~المبتكرين في ذلك العهد، غير أنك تلقاء ذلك تقع في إنكلترا على فكرات أخذت تتكون ~~وتنمو في الأدب الشعري؛ فإن ما كان من قوة الابتكار الذاتي موشاة بلغة «شيلي» # Shelley ~~«ووارد سوورث» الشعرية، وما أبرز نبوغ ~~«تنسيون» # Tennyson ~~، «وبروننج» # Browning # من المعاني الناضجة العميقة، هي ~~الأشياء التي تقع في طريقنا كأخص ما فاض به الفكر الإنكليزي خلال القرن التاسع عشر، ~~سواء أحصرنا وجهة المقارنة بين إنكلترا وبين بقية شعوب القارة، أم بينها في عصرنا ~~مقاسة بالعصور التي أينع فيها الفكر الإنكليزي من قبل ذلك. # ولقد نرجع في النهاية إلى ما أنتج أكبر عقل جاد به الشطر الأول من القرن التاسع ~~عشر لنستمد منه نقطة ابتداء نرتكز عليها، قد نرجع إلى كتاب «فوست» # Faust # الذي أخرجه ms62 نابغة النوابغ «جوته»، قد نرجع ~~إليه لنتخذه مثالا لأعمق ما جاد به القرن التاسع عشر من صور الفكر، بما فيها من ~~الشكوك والآمال؛ إذ ينتقل بك كاتبه من تيه الفلسفة الموحش إلى ميدان العلم الطبعي ~~الفائض بالنور، المحفوف بالإيناس والطمأنينة، أو يأخذ بيدك إلى أقصى أغوار الحياة ~~الفردية المستورة وراء ظواهر هذا العالم؛ ليقذف بك إلى مطمأن المعتقد الديني ~~والإيمان وما فيه من الأسرار الخفية المحيطة بطبيعة الخطيئات، والرجوع عنها إلى ~~التوبة والاستغفار. # على أننا من أية من تلك النقط نبدأ سفرنا الطويل، وعلى أية من بؤرات الارتكاز، تقع ~~أبصارنا لدى أول نظرة نلقيها على ما بين يدينا من ذلك الميدان الفسيح الذي نريد أن ~~نستكشف نواحيه، نجد أن هنالك مظهرا واحدا يتحيز في عقولنا منذ البدء، سرعان ما ~~يلقي في روعك أن ذلك الميدان الفسيح ليس بالجنة التي تطمع فيها بالسكينة والهدوء، ~~وليس هو بالمكان الذي تؤمل أن تزود فيه بمهيئات العمل الهادئ الذي تبذر بذره، وتجمع ~~حصاده بدعة ولين، وليس هو منبتا للتعاون واقتسام العمل الذي تظفر فيه ~~بالسلام البعيد عن خشونة الصراع والجلاد. # إنه لميدان أشبه ما يكون بأرض تناولتها القوات العنصرية بالتخريب، وانتابتها ~~الزلازل العتية بعواصف التدمير، فتركتها شوهاء لا تفرق بين صعيدها والأخدود. ~~وإنك لتعثر فيه فوق ذلك على بضعة أناس أخذوا على عواتقهم أن يسدوا منه فجوات أحدثها ~~الماضي، ونقائض خلفها السلف، وآخرين آخذين في تشييد أسس جديدة على قواعد جديدة، ~~وتقع على غير أولاء وهؤلاء فتجدهم متنابذين متصارعين على حيازة الملك أو اقتسام ~~التراث، حتى أولئك العمال الوادعون في مصانعهم لن تتركهم طبيعة المجتمع الحاف بهم ~~آمنين، بل تدعوهم الظروف إلى الاشتراك في تلك المعارك، أو تهزهم شكاوى الذين ~~يجاورونهم من مظالم أهل السطوة والجاه فيهبون من مراقدهم عطشى صراع، ويرتدون ~~كلمى هزيمة وانكسار. # أما إذا أردنا أن نتدبر السبب في ذلك القلق السائد في المجتمع، والذي ظل بين ~~الأثر في الحياة طوال القرن التاسع عشر، فالواجب يدعونا إلى أن نرجع النظر كرة ms63 إلى ~~العصر الذي تقدمه؛ لنجد أن عاصف تلك الثورة الهوجاء الذي عصف على أوروبا فدك ~~كل النظامات السياسية والاجتماعية، هو الذي ترك ذلك الأثر الظاهر في آرائنا ~~وأفكارنا، من أية ناحية نظرت فيها، وعلى أي الوجوه قبلتها. إن ذلك العصر الذي نشير ~~إليه قد دعي بحق عصر الثورة. أما إذا لم أعتبر أن الفكرة في القرن التاسع عشر مع كل ~~هذا فكرة ثورة وانقلاب؛ فذلك لأن التقويض والهدم تابعان لعصر فرط وانقضى، وأن فجر ~~القرن التاسع عشر قد توج بالرغبة في البناء؛ إما بتشييد الأسس الحديثة، وإما ~~بالرجوع إلى صور الفكر القديمة، ومظاهر الحياة التي خلفتها القرون الأولى؛ لتزكى ~~ببراهين ودلائل مستحدثة، أو لتبرز في ثوب يسدل على معنى جديد، أو منفعة ~~محققة. # كان الفكر في القرن التاسع عشر من الناحية العلمية أساسي طبعي من جهة، ورجعي من ~~جهة أخرى. ولست أقصد بأنه أساسي طبعي، إلا لما كان فيه من نزعة البناء والتشييد، ~~التي تغلغلت إلى صميم الأشياء لتتخذ مما تعثر عليه من المواد وسيلة لإقامة هيكل ~~العلم على أرض بكر، كما أني لا أقصد بأنه كان رجعيا إلا لما آنست فيه من شتى ~~المحاولات الميئسة التي اعتمدت على النظم التاريخية والعقائد، ومضت في تلك السبيل ~~عاملة للعثور على ما فيهما من حقيقة، وما لهما من قيمة في الحياة الإنسانية، وما ~~يتضمنان من خطر وشأن في علاقتهما بالقرن التاسع عشر. # إن عوامل الهدم والتقويض لا تزال قائمة بفئوسها ومعاولها، فإننا لا نزال نرى الروح ~~الثورية قائمة فتية في عصر التأسيس والبناء، فإن الحياة الجديدة المملوءة بكل ~~بواعث القوة التي بثها «برنز» # Burns ~~، و«واردسوورث» ~~و«كوليردج» في الشعر الإنكليزي إبان القرن التاسع عشر، قد عاقتها الروح الثورية ~~التي خصت بها مدرسة «بيرون» # The School of Byron # عن الانبعاث في سبيل النشوء، بل سممتها، كذلك تجد أن الفكرة الحديثة التي شبت ~~وترعرعت في فلسفة «كانت» والمدرسة ~~المثالية # Idealistic # قد انحطت خلال تعاقب الصور التي توالت عليها إلى ~~«مادية» جوفاء، «ولا أدرية» لا تترقب ms64 وراءها من أمل ولا رجاء. # إنك لن تجد عاملا من تلك العوامل المهدمة المقوضة - على ما بعثت في الأنفس خلال ~~تعاقبها من لذة وفتنة - قد أنبتت متجها حديثا اتجه فيه الفكر، وكل من أراد أن ~~يدرس أوجه التدليل التي تهدمت بها النظامات الاجتماعية، أو نقضت بها المعتقدات التي ~~طالما أعزها الناس، فلا بد من أن يرجع إلى ما كتب مؤلفو القرن الثامن عشر، الذين ~~صبوا براهينهم وأدلتهم في قالب من القوة والسلاسة، ظل المنهل الفائض الذي اعتل ~~منه فوضويو القرن التاسع عشر زمانا طويلا. ولقد نسج على منوالهم من كتاب ~~زماننا فئة خصت بأوسع شهرة وأعظم منزلة. # كذلك ليس من قصدي أن أصف تلك الطرق التي تذرعت بها الحكومات والسياسيون ابتغاء صد ~~الأمم عن مطالبها الشرعية، تلك الطرق التي انتهت في أمريكا بإعلان الاستقلال، وفي ~~فرنسا بصيحة الثورة الكبرى، فإنه لم يتحقق من مجموع الأمثال العليا التي أبرزتها ~~تلك الحركة الكبيرة إلا جزءا ضئيلا في إنكلترا. ولقد صد الانصراف إلى تحقيق ~~الوحدة القومية، أو الصراع ابتغاء الاستقلال السياسي كثيرا من أمم أوروبا عن ~~الانبعاث في سبيل الإصلاح الداخلي. # ولم يتفق النظريون على أي من النظامات الاجتماعية تستطيع الحرية والمساواة أن ~~تقوما لتعيشا في جو واحد، على أن تعاليمهم لا بد من أن تسترعي شطرا من انتباهنا ~~وعنايتنا باعتبارها صورة من صور الفلسفة العديدة التي أنتجها الفكر في القرن ~~التاسع عشر، غير أن هنالك فجوة سحيقة تفصل بين النظريات الاجتماعية والسياسة ~~العملية، سدت فراغها الحروب والمداهنات السياسية، أو قنعت بأن يملأ خلاءها الكائن ~~بين النظر والعمل ضروب من التوفيق مضت عاملة على التأليف بين النظامات التي ~~خلفتها القرون الأولى، وبين مهاترات العصر الحاضر من جهة، وبين هذه وبين صيحة الأمم ~~المطالبة بحقها المشروع في الحرية من جهة أخرى. # وعلى الرغم من أن جزءا كبيرا من الفكر العملي مصحوبا بكثير من الجهد قد أنفق ~~في سبيل الوصول إلى تلك النتائج؛ فإني أعتقد أنها خارجة عن موضوعي الذي رسمته ~~لنفسي، فحيثما خرجت الفلسفة ms65 أو العلم عن ذلك الجو الهادئ؛ جو الدرس الجدي، أو تخطيا ~~جدران قاعات المحاضرة ومعامل البحث، إلى خلافات العوام وجدلهم، وحيثما خرج الدين عن ~~أغوار النفس المعتقدة المؤمنة المخلدة لأسرار الغيب؛ ليكون وسيلة لحل معضلات الحياة ~~البشرية، أو آلة لأداء الواجبات اليومية؛ فهنالك أمسك عن النظر فيها، لأنها بذلك ~~تكون قد خرجت عن الحدود التي ألزمت نفسي السكون إليها، والوقوف عند حدودها. # وليس من معنى هذا أني لا أسلم بوجود ذلك الحيز الذي تخضع فيه الروح المادة ~~وتتغلب عليها، والذي يكون الفكر فيه ذا نفع مادي، والذي قد تنقلب فيه الفكرات إلى ~~حقائق ثابتة: حيز الجلاد والجهاد؛ حيز الصبر على العمل والانتصار التدرجي الذي تتم ~~أسبابه حالا بعد حال في هدوء وتسلسل؛ فإنه لحيز أعتقد أنه من أخطر ما يتناوله ~~التاريخ بالإثبات، وأنه الحيز الذي أنبت فيه القرن التاسع عشر ما لم يسعد به عصر من ~~العصور الماضية. لست أقصد شيئا من هذا، بل أقصد أن النظر في هذا الحيز من حياة ~~القرن التاسع عشر لا يأتي تاما مع قصرنا البحث على ثلاثة الأمم الرئيسة التي أخذت ~~من عالم الفكر بضلع وافر. ~~••• # إن ذلك العالم الداخلي ليس بعالم الوداعة والسلام والنشوء الهادئ؛ فإنك لن تقع على ~~عصر أخصبت فيه العقول في إنتاج كثير من النظريات المتناقضة؛ أو كان أكثر تحطيما ~~للآراء والفكرات العتيقة، أو أشد تقويضا للمبادئ التي ظلت قائمة ثابتة دهورا ~~طويلة، من القرن التاسع عشر، على أنني سأظل أمينا على المبدأ الذي اعتنقته، مبدأ ~~أن أنظر في الفكر من ناحية أنه قوة تشييدية، لا كعامل تقويضي. # أريد أن أنظر في عالم الفكرات كشطر مما كسب العقل من قوة اليقين، وليس كظل متحول ~~من ظلال الوجود المادي، وإني لأعتقد اعتقادا حقا بأن العقل الإنساني مهما استعان ~~بالمنبهات الخارجة عن حيزه لينمو وينشأ، ومهما عجز عن التقدم بغير أن يستمد من ~~مصححات القوى الخارجية، فإنه في حياته الفردية والاجتماعية يتضمن نبعا مستقلا عن ~~كل الوجود الخارجي يفيض دائما بالحقائق ذات ms66 الآصرة بالأشياء المحسوسة، وبالفكرات ~~على اختلاف ضروبها، وتباين ألوانها. # لذلك سوف أعمل وأجاهد لكي أجعل روايتي في الفكر خلال القرن التاسع عشر دائرة حول ~~النظر في الفكرات التشييدية التي أبرزها العقل خلاله، غير غافل عن الكلام في ~~الأساليب التي احتذاها البحث، ولا صور الفكر التي أدت إليه، ولست أقصد بالفكرات ~~التشييدية إلا أمثال الفكرة في «نشاط» المادة أو «بقاء القوة» وتوزعها، وقانون ~~المتوسطات والإحصاء والتغليب، وفكرات «دروين» # Darwin # و«سبنسر» في النشوء علميا وفلسفيا، ومذاهب ~~«الفردية» و«الذاتية»، ونظرة «لودز» الخاصة في عالم «القيم»، على أن حول هذه ~~الأشياء تتراكم صور النقد التي تحاول نقضها، والمسائل الخلافية التي تنبتها عقول ~~المغالين في المحافظة على القديم. # غير أنني سوف لا أتناول بالبحث من مجمل ما نبذت به أقلام المحافظين الثابتين على ~~مغالاتهم في التمسك بالآراء العتيقة إلا ما كشف لنا منها عن أصول الخطأ المتغلغلة ~~في تضاعيف الفكرات الحديثة، أو ما نزل منها إلى أبعد أغوار المبادئ والفكرات ~~المبتكرة ليزيدها ثباتا وحقا، أو ما يكشف منها عن أساليب جديدة تساعدنا على ~~تحقيق القواعد التي نعكف عليها. إن هذه لهي الروح التي بثها الفيسلوف «كانت» في ~~الفكر الحديث. أما ما يناقض تلك الروح من نزعات المتطرفين المغالين الذي يهدمون ولا ~~يشيدون، الذين قعدت بهم الهمة عن بلوغ مرتكز ثابت يرتكزون عليه، على اعتقاد أن ~~الفكر الإنساني وقوة المشاهدة المنبثة في العقل ليست سوى خيال ووهم؛ فأولئك سوف ~~أمر عليهم مرا لا أعيرهم فيه شأنا ولا انتباها. ذلك خير ما تفعل إزاء فلسفة ~~جوفاء عدمت كل معنى من معاني الحياة. # ولا يفضلهم في نظري أولئك المحافظون على القديم الذين ينتقصون كل تقدم، محاولين ~~إخفاء ضوء النهار وراء الظلمة التي تنبعث من أقلامهم، ويبشرون بمذهب «الاستمرار» في ~~الفلسفة؛ ذلك المذهب الذي ينكر كل تقدم صحيح في العالم الإنساني، غير أن هذا كله لن ~~يعوقني عن الاعتراف بما كان لبعض الحركات الرجعية من نفع وفائدة؛ فإن «الفلسفة التخيلية» # Romanticism # بما كان فيها من حب ~~الماضي، وما أبرزته ms67 مثالياتها من تلك الصورة الفنية المحكمة التي صورت بها ~~الإنسانية في طفولتها وغرارتها، ومظاهر الحياة في فطرتها الأولى، وإكبابها على ~~دراسة حالات القرون الوسطى، وما كونت من كفاءات القياس التاريخي، كل هذه الأشياء ~~كانت لها فوائدها، رغم طبيعتها الرجعية. سوف أبذل جهدي لكي أجيب دائما على من ~~يسائلني: أي شيء أضاف القرن التاسع عشر إلى مجموعة ما أنتج العقل من فكرات؟ وأي ~~كسب نالنا من ذلك الجهد العظيم؟ مقتنعا بأن كل شيء فيه صفة الحياة لابد من أن ينمو ~~ويزيد ويتضاعف. وأي شيء فيه من صفات الحياة الحقيقية ما في الفكر؟ # على أن مدرسة «النقد الفكري» التي وضع أساسها الفيلسوف «كانت»، والمدرسة ~~«التخيلية» التي تركزت حول عقل «وولتر ~~سكوت» # Walter Scott # والتخيليين الألمان، إن كانتا أخص ما أنتج الفكر في القرن ~~التاسع عشر؛ فإني لأعتقد أنهما لا تصلحان أن تتخذا قاعدة أولية يبتدئ منها باحث ~~يريد أن يؤرخ في عالم الفكر خلال القرن التاسع عشر. إن أخص ما يجب أن ينصرف إليه كل ~~من تصدى للبحث في ذلك العهد: أن يسوق بحثه متخذا من مذهب «هيجل» في «نشوء الفكر ~~بالقوة الذاتية» مرصدا يرصد منه الفكر؛ ليخلص من بحثه بنتيجة تحقق لدى المفكرين ~~مقدار ما في هذا المذهب من حق، وما ينطوي عليه من صواب. ms68