######OpenITI# #META# URI: 1381IsmacilMazhar.QaysarWaKliyubatra.Hindawi30461695 #META# Tags: history #META# ID: 30461695 #META# Title: قيصر وكليوبطرا #META# AuthorID: 53973639 #META# Author: إسماعيل مظهر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # الحب الأول أو قيصر وكليوبطرا‏ # الإهداء‏ # الحب الأول أو قيصر وكليوبطرا‏ # | قيصر وكليوبطرا # | قيصر وكليوبطرا # تأليف # إسماعيل مظهر # نطوف ما نطوف ثم نأوي # ذوو الأموال منا والعديم # إلى حفر أسافلهن جوف # وأعلاهن صفاح مقيم # | الإهداء # إلى إزيس # | الحب الأول أو قيصر وكليوبطرا # قصص تاريخي # 1 # كانت الحرب الأهلية دائرة الرحى بين پومپيوس الكبير، ويوليوس قيصر، وكانت مصر في أخريات ~~عصر البطالمة، قد لجأت إلى رومية تطلب منها العون وتستمد الحماية، وكان بطلميوس أوتيلس، ~~والد كليوبطرا، قد خلف وصية، ترك فيها أمر الوصاية على أولاده الأربعة، بطلميوسين وكليوبطرا ~~وأرسنوي، للجمهورية الرومانية، فلما مات انقسم الأحزاب في رومية شطرين: شطرا يريد أن يتخذ ~~من هذه الوصية ذريعة لامتلاك مصر، مفتاح الشرق، وشطرا يكتفي ببسط النفوذ الروماني على ~~البلاط البطلمي في الإسكندرية. # وكان «پومپيوس» الكبير ممن عطفوا على بطلميوس أوتيلس، والد كليوبطرا، واستخدم نفوذه ليعود ~~إلى العرش، بعد أن اضطر إلى مغادرة مصر إثر ثورة دموية اضطربت منها الأحوال، وانتكست ~~الأمور، فلما أن رجع بطلميوس إلى مصر واسترد عرشه، أصبح للقائد الروماني شبه دالة على بلاط ~~الإسكندرية. # ومات بطلميوس أوتيلس، فتزوج أكبر ابنيه، بطلميوس الثاني عشر، من كبرى بنتيه، كليوبطرا ~~السابعة، تنفيذا لوصيته، وخضوعا لعرف الأسرة البطلمية، ودارت رحى الدسائس، يزكيها فوتينوس ~~وأخيلاس وثيودوتس، ليستأثروا ببطلميوس الصغير الأحمق، بأن يبعدوا عنه النمرة الصغيرة: ~~كليوبطرا، أخته وزوجته. # فرت كليوبطرا ناجية بدمها إلى حدود سورية، ومضت تجمع الجيوش لغزو مصر من طريق سينا، ~~وجمع بطلميوس حشده وتحصن في قلعة فلوسيوم، وهي ميناء مصرية حصينة، تشرف على البحر، وتقع في ~~سفح الصحراء المنخفضة المرملة، على بضعة فراسخ شرقي الموقع الذي تقوم عليه الآن «بورسعيد»، ~~وتأهب الجيشان للجلاد: هذا للهجوم، وذاك للدفاع. # وكانت كليوبطرا قد أشرفت بجيوشها على قلعة فلوسيوم، وأخذت تعد العدة للهجوم على قوات ~~أخيها المحتمية من وراء الأسوار، وفي المواقع الحصينة القائمة من حول القلعة، ومضت تزحف ~~حذاء الشاطئ، حتى لم يبق بينها وبين المدينة إلا بضعة أميال، وفي الثامن والعشرين من شهر ms01 ~~سبتمبر سنة 48ق.م. وقع حادث، قدر له أن يكون سببا في كتابة صفحات جديدة في تاريخ مصر، ~~فقد رأى الناظرون من الشاطئ، سفينة حربية، دارت حول قمة برزت في البحر غربي فلوسيوم، وألقت ~~مراسيها على بعد قليل من الشاطئ. # من فوق هذه السفينة وقف القائد پومپيوس الروماني، وزوجه كرنليا، بعد أن هزم في موقعة ~~فرساليا، وفر إلى مصر محتميا بملكها بطليموس الثاني عشر، ولكن الحالات التي كانت قائمة ~~في العالم الروماني، أوقعت پومپيوس ومستشاروه في حيرة؛ فإن مصر إذا حمت پومپيوس، وقعت في ~~حرب مع يوليوس قيصر، عدوه، وإذن يكون في قتل پومپيوس مخلصا من هذا المأزق الحرج، وتمت ~~المؤامرة على ذلك، وقتل پومپيوس، وفي تلك الأثناء هبط يوليوس قيصر الإسكندرية متعقبا ~~خصيمه، فلما علم بمصرعه، أراد أن ينتهز هذه الفرصة السانحة، ليتدخل في شئون مصر، متخذا من ~~وصية «بطلميوس أوتيلس» ذريعة إلى ذلك؛ فبعد أن دخل الإسكندرية، وحط رحاله في قصرها الملكي، ~~أرسل رسلا إلى بطلميوس وكليوبطرا، ليوافياه إلى الإسكندرية، فيصلح ذات بينهما، فسارع ~~بطلميوس ومستشاروه بالعودة، ليحولوا دون كليوبطرا والعرش بكل وسيلة، ولكن كليوبطرا كانت ~~تعلم حق العلم أن هبوطها الإسكندرية جهرة بمثابة حكم عليها بالإعدام، فإن أخاها لن يتعفف عن ~~أن يغري بها رجلا من رجاله، يقتلها غيلة، فتسللت إلى الإسكندرية، ودخلتها تحت جنح الظلام ~~مستخفية، لتبدأ مأساة «الحب الأول». ~~••• # كانت الساعة حوالي السابعة من المساء، والملاحون يفرغون من السفن آخر ما لديهم من أحمال ~~البضائع، على أرصفة الإسكندرية المزدحمة، وأخذت سفائن الصيد تلقي مراسيها سراعا على مرافئ ~~ثغر «أونسطوس» # Eonostus # كأنهن طيور عيقت عن الرواح، وبدأ ~~الليل يرخي سدوله السوداء، عندما تسللت آخر سفينة إلى الميناء، كأنها تحاول أن تلتفع من ~~الليل بستر يحميها العيون. # من هذه السفينة، نزل رجل عريض الأكتاف، قوي الأصلاب، وقد اشتمل بعباءة سوداء، سترت جسمه ~~من مفرق رأسه إلى قدميه، وشد قلنسوة السفر على رأسه، حتى سامتت حافتها أذنيه، ثم مد يده ~~في عناية وتؤدة، ليأخذ بيد سيدة صغيرة السن، خفيفة ms02 الخطو كأنها القطاة، حتى يخيل إليك أنها ~~ما تزال في طور الطفولة. # بيد أن كليوبطرا لم تكن طفلة، بالرغم من أنها لم تكن قد حطمت السابعة عشرة من عمرها، بعد ~~أن أمضت سنتين زوجا لأخيها، الذي حملتها تقاليد الأسرة الملكية على أن تتزوج منه، بعد أن ~~مات أبوها، وكانت شريدة طريدة، فهي تعود مستخفية تحت جنح الظلام، مظلة بحماية «أفوللوذورس» # Apollodorus # هابطة الإسكندرية هبوط النسر، بعد طول ~~التجواب، وقد كسبت من التجاريب قدرا، قلما حازته من بنات حواء، من كانت في مثل ~~عمرها. # وإنك ولا شك تعجب، إذا حاولت أن تكشف عما انطبع في نفسها من الأحاسيس والانفعالات، لو أنك ~~قرنتها بمثيلاتها من الفتيات، فقد نشأت في بلاط قضى فيه الفسق والفجور، على الشرف والعفة، ~~وهي بعد ابنة «بطلميوس الحادي عشر»، الملقب أوتيلس # Auteles # ذلك الملك الهاوي الخليع المولع بالفنون الجميلة، الذي إن دلك شيء على حقيقة خلقه، فليس أدل ~~عليه، من أنه واجه زمجرة الثورة في داخل بلاده، وخطر غزوها من الخارج، بمتابعة العزف على ~~قيثارته. # سليلة شعب مثقف على الوجه الأكمل. # 2 # نبغت في الأدب والفنون، وتعلمت على أخص القواعد التي عرفت لعهدها، فكانت نظرة ~~هذه الفتاة الفذة في الحياة، عريضة واسعة على غير مثال. # فإن مثيلاتها من الفتيات، لا يفكرون عادة، بعد أن يفك عقالهن، ويخرجن إلى ميدان الأنوثة، ~~إلا في أمرين: إما في تقديس الفضيلة، وإما في انتهاب الملذات، أما هي فكانت ترمي إلى أن ~~تتحايل، وأن تحكم، ولقد خصت بقدر من حرية الفكر، كانت تنظر من طريقه في الأشياء نظرة، ~~تسلم بها إلى وجوهها الصحيحة. # عرفت ما للرجال من قيمة، فإما أرادت أن تتلهى بهم، وإما أرادت أن تخدم حظوظهم، فإنها ~~استعانت في كلتا الحالتين بروح توقدت ذكاء، والتهبت فطنة، واحترت تشهيا والتياعا. # من ثم أدركت ملهمة بذلك الوحي الذي تختص به العقول الرشيدة، والقلوب الحساسة، أن حظا ~~باسما يرقبها، لما أن علمت أن قيصر قد هبط الإسكندرية، ولكن كيف تتصل بهذا الرجل العظيم؟ ~~وبأية ms03 من الوسائل تستغل سلطانه الواسع ، وتفوز بالعضد الذي ينقلها من غيابات الصحراء ووحشة ~~المنفى، إلى كرسي مصر، ويرفعها من طريدة إلى ... ملكة على عرش فرعون؟ # كان الحكيم «أفوللوذورس» أستاذها في البلاغة، وأكبر المشفقين عليها، سفيرها الذي بدأ ~~المفاوضات، ولقد أظهر «قيصر» بديئة الأمر، أنه أميل إلى الأخذ بناصر الفتاة المضطهدة، منه ~~إلى نصرة بطلميوس، ووزيره اللبق الماهر. # 3 # فلم إذن تخالج كليوبطرا الهواجس؟ # كانت تحت رقابة مشددة، جاهلة بمسالك الطرق ومناحي السبل، التي ملئت بالعصابات وقطاع ~~الطرق، ولكنها بالرغم من ذلك أقدمت على العودة مصحوبة بعبدين لخفارتها، وسلكت طريقها إلى ~~كنوبس # Canobus # حيث كان ينتظرها «أفوللوذورس»، ولقد ~~وثقت من أنها سوف تصل إلى غايتها، ما دامت مظللة بحماية أستاذها، محوطة بحنوه عليها، ~~وإخلاصه لها. # ولم تخل السياحة من خطر، فإنها حذر أن تتجه إليها الأنظار، أو تأخذها العيون، وقع ~~اختيارها على أصغر زورق من زوارق الصيد، وقد أشرف مرة على الغرق، وكادت الأمواج تبتلعه ومن ~~فيه؛ لذلك شعرت «ابنة لاجوس» # 4 # Lagidae # الصغيرة بشعور المرح والاطمئنان، الذي ~~يخامر من يفلتون من مخاطر الماء، عندما وطئت قدماها الصغيرتان المرتعشتان ثرى عاصمتها ... ثرى ~~الإسكندرية المحبوبة، وقد نظرت إلى قبابها، نظرة من يعتقد أنها ملك له ومتاع. # أما الخطوة الثانية فكانت الوصول إلى القصر! وكيف تصل إليه، ولم يك ذلك بالسهل الهين؟ ~~فإنه بالرغم من وجود الجند الروماني، كان عسس الملك # 5 # وعيونه في سهر ترقب، أما إذا عرفت كليوبطرا، فإنها ولا شك تذهب ضحية لمقت ~~أخيها. # كان «أفوللوذورس» من حسن الحظ، أريبا قوي الشكيمة، صلب القناة، ولقد أدرك ما يتطلب ~~موقفه من مهارة وفطنة، فلف الفتاة في أسمال بالية، ورفعها من فوق كتفيه القويتين، كما لو ~~كانت حملا من البضائع التي ينقلها الحمالون ذهابا وجيئة، على أرصفة المرفأ. # من ذا الذي يرى مثل هذا الحمال العظيم، يسير بخطواته المتثاقلة المتئدئة على أرصفة ~~الميناء، يئن تحت حمله كما يئن غيره من الحمالين، ثم يدرك أي سر حوى ذلك الحمل الثمين؟ ~~ولما بلغ باب ms04 قصر «البرخيوم» # 6 # Bruchium # عرف الحرس من هو، ولكنه ادعى أن ~~قيصر طلب إليه أن يأتيه بصنوف من السجاد، فأذن له الحراس، ودخل من باب القصر، خائفا ~~يترقب. ~~••• # كان «يوليوس قيصر» قد حطم طور الفتوة، واستمتع بكل ما تحبو به الحياة إنسانا من الفخر ~~والعظمة والملاذ، حتى لقد كانت أعصابه تنم بعض الشيء عن آثار ذلك. # أصابه الصلع وشيكا، وتغضن وجهه، فظهرت بين طيات جلده أخاديد عميقه، فكان صلعه، وتجاعيد ~~وجهه، بخطوطها البينة، دلالتين على كثرة ما قاسى من متاعب، وآنس من آلام، ولكن أقل المثيرات ~~كانت كافية لأن تبعث من خلال نظراته بذلك الوميض السماوي، الذي يصقله السناء والإشراق، وينم ~~عن العظمة والجلال، وما كان لإنسان أن يحتك بقيصر، من غير أن يشعر بجاذبية القوة والفتنة ~~التي لم يدرك أحد لها من علة، فقيل: إن قيصر سليل إلهين: أنياس أبوه؛ والزهرة أمه. # كان إذا تكلم اجتذبت رشاقة إشاراته ورنين صوته الداوي إنصات السامعين، وسكتوا كأن الطير ~~على الرءوس، فكسب عطفهم، وفاز بتأييدهم، إلى غير نهاية يعرفها العطف، أو يقف دونها التأييد، ~~فإذا صمت، كان صمته فصاحة وسحرا؛ لأن الناس كانوا يذكرون خطبه الرنانة، وكلماته الثابتة، ~~التي تحملها الرياح إلى جنبات الدنيا الأربعة. # أينما سار، سارت في ركابه ذكرى أعماله الفذة المذهلة، فكان الناس يتخيلونه على رأس ~~الفيالق الرومانية يقودها، فيكتسح بلاد الغال، وكان أول من غزاها، ثم يهبط مهاوي جبال ~~الألب السحيقة، فيجتاز الروبيكون # Robicon ~~، ويزحف على ~~رومية، وقد اتقدت بنيران الثورة، فتهدأ ثورتها، وتنحل قواها انحلال الثلوج في اللظى ~~المضطرم، لما أن يظهر قيصر في الميدان. # ولم تقتصر أوهام الناس على ذكر الحقائق، وتخيل الممكنات في حياة «قيصر»، فحوطوها ~~بالأساطير وسيجوها بالخرافات، فقد زعموا أن «الجرمان» الذين هزمهم، أمة من الجبابرة، في ~~نظراتهم الموت، وقالوا: إن «بريطانيا»، وكان أول روماني أقدم على هبوطها، تظل في ظلام دامس ~~ثلاثة أشهر من كل سنة، وإن جوها مفعم بالأرواح، وهذه الأحاديث وما يتصل بها، زادت صيته ~~بعدا، وانتصاراته قيمة، فضخمتها وملأتها ms05 مهابة. # لكي تلجأ إلى مثل هذا الرجل تطلب نصحه وتعضيده، عمدت كليوبطرا إلى الكلام بعض الشيء في ~~حقوقها الطبيعية، بيد أنها لم تكن من الحماقة بحيث تؤمن بأن حق المرأة، مهما كان شأنه، ~~ومهما علت قيمته، هو غاية ما تلجأ إليه من وسائل الإقناع. # لما أن خرجت كليوبطرا من الأسمال التي حجبت مفاتنها منذ هنيهة، تملكها شعور أشبه بشعور ~~حيوان صغير أفلت من الأسر، وبجماع ما في المرأة من غريزة الغيرة واستعار الحرارة، اجتذبت ~~مرآة فضية، كانت معلقة بزنارها. # يا لها من فوضى، تلك التي رأت في هندامها! كان معطفها مثنى كثير التجاعيد، وقد تدلى ~~شعرها المرسل على كتفيها كستنائيا مموجا، بل لم يبق أثر للكحل من حول جفونها الوسنانة، ~~ولا للخضاب الأحمر في شفتيها أو على خديها. # ولكن ... أكانت هذه المدعية، وهي على وشك الظهور أمام القاضي الأعظم بعد لحظات قصار، أقل ~~ازدهارا أو توردا، أو أقل بهاء أو سلبا للألباب أو تحييرا للأفكار، أو أقل رشاقة ~~وفتنة، مما يتطلب موقفها؟ # كانت مشفقة وجلة على كل حال. # مضت تترقب كيف يلاقيها الرجل الذي اعتاد أن يختلب الرومان، ذلك الإنسان الفذ الذي اضطر ~~الناس، من أشدهم استمساكا بالفضائل، إلى أكثرهم تطوحا مع الرذائل وإمعانا في الفساد، أن ~~تعنو له وجوههم، وتذل له رقابهم، ذلك بأن شهرة قيصر كانت عالمية؛ في زمان تقطعت بالعالم ~~المعمور أسباب الاتصال، ولكن الجميع كانوا يعلمون حق العلم، أن ذلك الفحل العظيم، الذي جمع ~~نبوغه بين صفات القائد والكاتب والمشرع والخطيب في أعلى مراتبها، وأرقى ذرواتها، كان ~~إباحيا فاسقا، فبالرغم من المنكرات التي ينغمس فيها الشباب، وانغمس فيها قيصر مزهوا ~~بما في الحياة من فرح ومفاتن، فإن غزواته ومخاطراته، قد أدت إلى أحزان عميقة، خيمت على ~~كثير من البيوتات الكبيرة، وبخاصة على بيوت الكثيرين من أصدقائه. # ولم لا؟ ألم يقترن اسم «قيصر» في العالم الروماني بقولهم: «قيصر زوج كل النساء» # omnium mulierum veri ~~. # ولقد ملأ كليوبطرا الروع لغير ضرورة، فإن طبعا يتشهى الجدة، ويحن إلى التغيير، ms06 وينزع إلى ~~الابتكار والشذوذ، ويتحرق إلى مخاطرات جديدة، وأعصابا منهوكة متعبة كأعصاب «قيصر»، لن تألف ~~من شيء، ألفتها منظر الملكة الفتية الفاتنة. # ولقد شعر «قيصر» بهزة عميقة، يتعذر وصف أثرها، سرت في شرايين جسمه، منذ أول نظرة أخذ ~~بها تلك القطعة الحية من فن الطبيعة، على جسمها الجميل المتسق، وقوامها الأهيف، وحاجبيها ~~المرتخيين في استقامة واعتدال، والأشعة النفاذة المنبعثة من عينيها، وأنفها الدقيق الشهي، ~~وشفتيها المنفرجتين الموحيتين بالشهوة، وبشرتها اللامعة الكهرمانية، التي تغري المرء بها، ~~إغراء فاكهة مفرطة الطيب، لوحتها الشمس. # يا للآلهة! لقد عجز الغرب كله، كما عجزت رومية بعذاراها الفاتنات المغريات، عن أن تهبه ~~شيئا أشد من كليوبطرا اختلاسا للنهى، أو اختلابا للب، فسألها وفي نفسه لوعة تقسره ~~على أن يستجيب لأيما تقول وتطلب ليصل منها إلى غرضه: «ماذا في طوقي أن أفعل من أجلك؟ أي شيء ~~تطلبين؟» # فأجابته كليوبطرا مغرية فتانة، وبلغة لاتينية فصيحة كانت تجيدها، كما تجيد اليونانية ~~والمصرية والسورية وعدة لغات أخر، ووصفت في بلاغة، عنف الاستبداد الذي قاست منه الأمرين، ~~والإجرام الصارخ الذي بدلها من تاج الملك طردا وتشريدا؛ وقالت قول الواثق المستودع لسر ~~رهيب، وفي قالب كله إغراء، إنها تلجأ إلى قيصر القاهر، عسى أن يرد لها تاجها المغتصب ~~المفقود! # وكان صوتها حلوا أخاذا، حتى إن الأخبار التي روتها، وحقوقها التي اغتصبها أخوها ~~الغادر الخداع، قد نزلت، تفيئة أن خرجت عباراتها من بين شفتيها، من قلب «قيصر» منزلة ~~الحقائق التي لا ناقض ولا راد لها، وكيف لا تقع هذا الوقع من نفس ذلك القاضي الفيصل الشجاع، ~~وقد فتنه ذلك الوميض السماوي، الذي بعثته عيناها الساحرتان؟ # ولقد هم «قيصر» أن يمنحها كل سؤلها، غير أن عقبات تقف في سبيله، فإنه هبط مصر صديقا ~~وحل بها ضيفا، وليس له فيها غير عدد قليل من الجند؛ في حين أن جند بطلميوس فيالق منظمة، ~~وعلى تمام الأهبة للدفاع عن عرشه وعن ملكه، فيجب إذن أن يستعلي النهى على الطيش، وأن يستقوي ~~العقل على المشاعر؛ لأن «إطلاق كلاب ms07 الحرب من حظائرها، لم يحن حينه». # أما «كليوبطرا» فقد حاولت في حماسة مشبوبة النار، ولكن بكل ما يتطلب الموقف من اتزان ~~الحكم والرويئة، عجيب أن يكونا لفتاة في مثل عمرها، أن تمس «قيصر» نيرانها المتلظية، فإذا ~~كان «قيصر» عاجزا عن أن يعلن الغزو توا، إذن فليدع زحفه على عجل، وفي أقرب وقت ممكن، ~~وفي انتظار الجنود يعلن ارتقاءها ملكة على عرش الفراعنة. # وبينا هي تتكلم، كان قائد رومية ورجلها الأوحد، عاجزا عن أن يحول نظره عنها، ملاحظا كل ~~إشارة من إشاراتها المتسقة، مصغيا إلى كل كلمة تخرج من بين شفتيها. ~~«كليوبطرا، يا لك من خليلة معبودة!» # ذلك ما جال في خاطره، لما أن استروح عبق شعرها الكستنائي المتهدل من فوق كتفيها. # ولقد استيقنت «كليوبطرا» من أنها غزت العاهل الأعظم، وأنه أصبح مقودا إلى أن يفعل ما ~~تريد، فساورتها هزة أفعمتها لذاذة، وحدثها القلب حديث الهس الخفي: «عما قريب سأكون ~~ملكة». # لما علم بطلميوس الثاني عشر، أن أخته التي اعتقد أنه تملص منها قد هبطت الإسكندرية، وأن ~~«قيصر» قد أقسم ليردنها إلى العرش، أخذته نوبة من تلك النوبات التي تساور الحمقى المنحدرين ~~من سلالة دب فيها الفساد، وتمشى فيها الانحلال، شأن البطالمة في أخريات أيامهم، وصاح من ~~أعماق نفسه «يا للخائنة!» وركل زهرية من «المورا» # 7 # الثمينة رائعة الجمال، فحطمها وتطايرت شظاياها. ~~«لقد تحايلت علي! إن القرار الذي اجترأت على إعلانه، خيانة ملعونة.» # وما لبث أن عهد إلى «أخيلاس» بقيادة الجند، وأعمل السيف، فقتل الحرس الروماني. # كان هذا الحادث نذيرا بحرب سوف تندلع ألسنتها، وكان من الظاهر أن «قيصر» تناصره كل قوى ~~الجمهورية الرومانية سوف ينتصر في النهاية، غير أن هبوب رياح التمرد والثورة، ولم يكن جنده ~~مدربا على معالجتها، قد أحدث أول الأمر حالة، من الصعب الاضطلاع بملابساتها. ~~••• # ليس من الرشد في شيء أن يشتبك جند «قيصر» في مناوشات تقع في شوارع الإسكندرية وساحاتها، ~~وفي ظروف غير مواتية، من غير أن يفكر في موقفه هذا، وكان الرشد في أن يتحصن ms08 وجنده خلف أسوار ~~قصر «البروخيوم»، فإن هذا القصر بأسواره المنيعة، وجدرانه القوية، وقبابه الشمم، صالح ~~لأن يتخذ عند الضرورة قلعة يلوذ بها الحرس الروماني مدافعا، حتى تصل جنود «قيصر»، فتنقلب ~~الآية. # أما أن تسجن «كليوبطرا» مع الرجل الذي كانت تحيك من حوله شبكتها لتأسره وتستعبده، بل ~~لتسلب منه كل قوة على التفكير في هم من هموم الدنيا، اللهم إلا مصالحها وذاتها، فذلك غاية ~~ما تشتهي، ونهاية ما يتجه إليه خيالها، وتسبح فيه أحلامها. # كان قصر «البروخيوم» من الآثار التي خلفها الإسكندر، ثم زاد إليه أخلافه، وكانوا، كما كان ~~الفراعين من قبل، ذوي شهوة للبناء والتشييد، ولكن بفن أعلى، وذوق أرفع وأنعم. # وقد تربع ذلك القصر من فوق ربوة عالية تشرف على سلسلة من التلال تنحدر هابطة تحت قدميه ~~الواحد تلو الآخر، حتى تغيب في البحر، فكان من فوق ذلك الكرسي العظيم، بقبابه وأروقته ~~وأجنحته الضخام، أشبه بمدينة يناجيها الماء، وتغازلها السماء. # هو كن للجمال وحصن للحرب، ليس لعظمته من مثيل في أقطار الدنيا، فقد جمع بين ضخامة الفن ~~الفرعوني، ورواء الفن الإغريقي، وجماله وخيالاته وأحلامه. # وكان الجناح الذي خصص للملكة الصغيرة قد لقي من عناية «بطلميوس أوتيلس» أبيها، ما جعله ~~خليقا بمنزلتها من نفسه، ومحبتها من قلبه، ولقد أحب «أوتيلس» كل نادر وكل جميل، ذلك بأن ~~ذوقه الموسيقي، جعله يحن إلى صفاء الفن الهندسي، حنينه إلى ألفة الأنغام. # ولقد ظهر آثار ذلك كله في ما زود به جناح القصر الذي خصص لابنته، من بدائع الخيال، ~~وروائع الفن، ففي كل زاوية أثر من فنان، أثر من «ميرون» أو «إفرقطيلس»، أو «ڨدياس» فتلك ~~ثريات جملتها الأقواس، وزينتها المنحنيات؛ وهذه مقاعد أفرغ عليها الفن جمال القطع والتخطيط، ~~ناهيك بالمباخر التي يصعد مع دخانها أنقى العطر، وأشهى الطيب؛ والطنافس التي ازدانت بنقوش ~~عليها من جمال الطبيعة مسحة ورواء، أما الخزائن فكانت من العاج النقي، ترهقه طبقة من الذهب ~~الخالص. # وما كنت لتقع على حجرة أو بهو أو منعطف أو زاوية، إلا وتأخذك نشوة من ms09 المرح، وهزة من ~~الغبطة، حتى ليخيل إليك وأنت في صحوك، أنك في عالم من الأحلام، قوامه حسن الصورة ، وجمال ~~الألوان وتفاني الظلال، وجملة القول أن كل شيء هنالك كان قد أعد للإغراء بالدنيا، وتحصيل ~~لذة العيش ومتعة الحياة. # عامة ذا ليس بشيء إذا قرن بجمال الحدائق الغناء التي كانت تحيط بذلك الصرح العظيم، تلك ~~الجنان الوارفة التي لن تظلها من سماء، غير سماء مصر الصافية. # كانت نسمات البحر تهب عليها عليلة، فإذا اختلطت بعبق الأزهار، أيقظت الروح وأيقظت الجسم، ~~وهنالك بين الأشجار الملتفة يقوم مرتفع من فوقه آخر إلى غير نهاية، ورباطها جميعا درجات من ~~المرمر الناصع البياض، وقد نامت في أحضانها بحيرات صغيرات، تغذيها نوافير بماء نمير كأنه ~~البلور المصفى. # ما أشبه هذه البحيرات بالأحلام! كانت إذا غازلتها نسمات البحر تغضنت قليلا، ثم تساوقت ~~غصونها مويجات، حتى تغيب متكسرة على حافاتها كأنها الأجنحة المهيضة، تلك يقظتها ... ثم ما ~~تلبث أن تعود إلى الأحلام. # من تحت تلك المرتفعات تمر أنفاق تزود القصر والحدائق بماء النيل، وفي ذلك سر النماء، وسر ~~الحياة، التي كنت تأنسهما مندفقين في معين تلك الجنة الظليلة. # أشجار دائمة الخضرة جلبت من مناطق إقليمها أكثر من إقليم مصر اعتدالا، وأخرى من التين ~~والنخيل، خط الاستواء مرباها، وقفت هناك مشرفة بهامة الجبار على بحر الروم، وأزهار تفتحت ~~أكمامها عن جمال فيه نضارة، وفيه اتساق علته تباين الألوان، هي نوارات مختلفات، وأخر ~~متشابهات، حملتها شجيرات منبتها بلاد فارس أزواجا بهيجة، أزرت بما كان في حدائق «إقبطانة» ~~على شهرتها التاريخية، كلا - بل بما كان في حدائق «بابل». # من تلك الورود أنواع تسلقت جدران القصر حتى ساوت حجرة الملكة الحالمة، المغمورة في ~~شهواتها، المجنونة بمطامعها. # أي مطمع ذاك الذي يملأ قلب «كليوبطرا»؟ أيكون لهذه الثائرة المتمردة من مطمع ينزل عن ~~رومية؟ رومية وحدها! هي مطمحها، أنها لا تطمع، بعد أرض الفراعنة، في أكثر من أرض الرومان ... ~~ولكن. # هنالك من نافذة القصر، أطلت زهرة يانعة تجلت في نورياتها قوة الحياة والإشراق، ومن ms10 ~~تحتها وعلى فريع صغير، زهرة ذابلة. # الأولى حمراء بلون الدم، أما الثانية فصفراء باهتة. # تطلعت إليهما «كليوبطرا»، فذكرتها الأولى بالحياة، أما الثانية، فبأي شيء توحي؟ # يا لها من أحلام. ~~••• # أكان عجيب من ابن «الزهرة»، ذاك الذي حملته حاجات الحرب، ومطالب الضرب والقتال، على أن ~~يصمد صابرا على رمضاء الشرق حينا، وعلى زمهرير بلاد الهمج الذين يقطنون أقصى الشمال حينا ~~آخر، أن تأخذه في محيطه الجديد نشوة تسكره بلذاذات ذلك القصر وتلك الملكة؟ # لقد اتفق كل شيء من حوله على أن يزوده بنعائم حياة قلما ألفها! نعائم تتوجها مفاتن ~~«كليوبطرا» وشبابها وسخريتها من الدنيا ومن الأحداث، ولقد أحبها «قيصر» لأول نظرة حبا ~~ألهبته شهوة حارة، هي أشبه بذلك اللظى الرائع الذي تجلو به الشمس سماء الخريف، بعد أن يموت ~~الصيف، وتلبس الأشجار حلتها الزاهية، انتظارا لنوم الشتاء الطويل. # ولقد استجابت «كليوبطرا» لنداء الحب، ولبت داعي شهواتها، فألقت بنفسها في أحضان اللذة غير ~~وانية، فالحرمان والنفي، والخوف من أن تعود سيرتها الأولى طردا وتشريدا، كل هذا جعلها ~~تتحرق شوقا إلى تذوق السعادة، وانتهاب لذائذها، ومن غير أن تسأل «قيصر» عن طبيعة ذلك الحب ~~الذي كان يغمرها به، ومن غير أن تفكر هنيهة في بواعث الأنانية التي تكمن من ورائه، دلفت إلى ~~حياة اللذة، مأخوذة بنشوة انتصارها وتسودها. # ولم لا؟ لقد كان لها في تلك الحال أن لا تفكر، وكان لها أن لا تشفق من شيء أو تخاف ~~شيئا، ما دامت راضية بكل ما يحوطها، قانعة بأن تظل بين ذراعي «قيصر»، ما ظلت «مصر» بين ~~ذراعيها. # كم تمنت أن تقع على من يحميها! وها هي ذي، قد وقعت على الرجل الذي يحميها ويحبها بحرارة ~~ولوعة. # من فوق سفينة القدر التي ألقت مراسيها على الشطآن المهجورة، أسلمت «كليوبطرا» قيادها، ~~وعهدت بحمايتها، إلى ذلك الرجل العظيم، وكأنها ألقت بروحها إلى قوة من قوى الكون الخفية، ~~التي لن يفكر إنسان في تحليل عناصرها، أو تعليل حقائقها، ولئن لم يكن حبه قد أثار في قلبها ~~حبا مثله، ms11 لكفى أن يبعث حب قيصر القاهر في روعها شعورا بالفخار والعظمة، وأن يحيي فيها ~~آمالا تفعمها، فلا تترك في نفسها محلا لأمل آخر تصبو إليه؛ فغرقت في أحلام حملتها على ~~أجنحة الخيال إلى مستقبل رائع عظيم، وطارت في عالم الغيب، حتى خيل إليها فيما يخيل، أن ~~سفينة القدر قد أقلعت بها إلى غاية، إن جهلت ماهيتها، فإنها ولا شك باهرة، ما دام قيصر ~~ربان سفينتها. ~~••• # وبالرغم من أن أصوات المنجنيقات، وصخب العدد الحربية، حوالى أسوار قصر «البروخيوم»، ~~كثيرا ما كانت تصل سمع العاشقين، فقد مرت عليهما الأيام هنية رخية، فلم يعكر صفوهما ~~دخيل، ولم يفكرا في شيء، إلا في أن يكون كل منهما مبعث سعادة لصاحبه، حتى إذا انصرفا عن كل ~~شيء في الدنيا، أقبلا على حديث الحب، وما إلى الحب من أحاديث، ولقد حققا بذلك مثلا أعلى ~~كثيرا ما نشده العاشقون عبثا وتخيله المحبون تخيلا، مثل العزلة الكاملة، تظلل بسلامها ~~العاشقين. # وأخذت الجيوش التي أرسل «قيصر» في طلبها تفد على مصر، فجاء من «قيليقية» ومن «رودس» سفائن ~~مثقلة بالرجال والميرة، وشرعت كفة الأسراء ترجح كفة الآسرين، ولم يلبث العاشقان غير بعيد ~~حتى أصبحا القوة المحتكمة التي تكيف الظرف بحسب ما تشاء، وقد أمدتهما بلاد «الغال» بكتائب ~~من المشاة، ورومية بأثقال من عتاد الحرب، وتمت الأهبة للجلاد، بعد أن قدم «كلڨينوس» على رأس ~~كتائب قوية تامة العدة من الفرسان، وسرعان ما رفع الحصار الذي طال أمده ستة أشهر، وانتقل ~~ميدان الحرب إلى الرحاب. # وكان جيش «أخيلاس» أقوى مما قدر «قيصر»، وأوفر عدة، بل لقد كان لما أبدى قائده من ~~المهارة والدربة في فنون الحرب، أثر كثير ما زج بقيصر في أحرج المواقف، ولكن «قيصر» ومن ~~ورائه رومية كلها، بقوتها ومالها وأنفتها، لا بد من أن يصل إلى النصر؛ وأخذت بداءة المنتهى ~~تظهر بوادرها، لما أن ساق «قيصر» جيوشه عبر الدلتا. # ومن فوق الأرض التي هي هبة النيل، من فوق الدلتا المقدسة، ثارت عجاجة الموقعة الفاصلة، ~~فهزم جيش بطلميوس، كلا، بل ms12 ارتد في غير نظام، حتى ارتمى في أحضان النيل، ومزق ~~تمزيقا. # ورأى بطلميوس أن لا مناص له من الموت ، فاقتبل النيل وغمز جواده غمزه قوية، فانطلق كالسهم ~~إلى غمر النهر الفائض، ليكون مركبه إلى عالم الأرواح. # بهذا حكمت الأقدار، ولكن «قيصر» كان أرفق بأعدائه منها، فقد عفى عن «أخيلاس» بعد أن قيد ~~أمامه في الأغلال، لقد اكتفى «قيصر» بهزيمة أعدائه، وارتد عجلان صوب الإسكندرية. ~~••• # هنالك من الطابق السابع في برجها العظيم، ارتقبت «كليوبطرا» عودة قيصر، فلما اكتحلت ~~عيناها بمرأى النسور الرومانية لامعة في وهج الشمس، دق قلبها دقات شديدة قوية، وفقدت كل صبر ~~عن لقائه، فأمرت بهودجها، وقالت لحملته: «أسرعوا». # فانطلق بها اثنا عشر عبدا من عبيدها الأحباش، والعرق يتصبب من جباههم ومن فوق أرجلهم ~~الأبنوسية، وهم يودون لو مكن لهم أن ينهبوا الطريق نهبا. # ولقد أرسل الصقر الذهبي القائم من فوق هودجها وهجا لامعا، وعكست ستائر المخمل ~~الأرجوانية المعلقة بجانبيه لونا شديد الحمرة، جعله مرئيا من بعد، وعند أول إشارة آذنت ~~بأن «كليوبطرا» قد وصلت إلى مكان الزحف المنتصر، ترجل «قيصر» بخفته المعهودة، وعليه مخايل ~~الفروسة التي لا تفارقه، ومضى يحيي حبيبة قلبه وروحه، فقد أمضى أياما بعيدا عنها، وقد ~~شاقه حبها، وتمنى أن يضمها إلى صدره ضمة، يفرغ فيها كل لوعته، ويعبر بها عن جماع ~~صبابته. ~~«إن مصر لك، إني ما غزوتها إلا لألقي بها عند قدميك، فاقبليها.» # وألقى إليها بمفاتيح الإسكندرية، وكان «أخيلاس» قد سلمها إليه، عقيب الهزيمة. # منذ تلك الساعة، عرف الثوار قدر رومية، وأحسوا بطشها وعظمتها، وأدركوا عمق الهاوية التي ~~حفرها من ورائهم «فوتينوس»، فلقد انتكست آمالهم، وتبدلوا من مطامع الأمس الذهبية، بيأس ~~اليوم المرير، أما أولئك الذين نزعوا إلى الانتقام والثأر من قبل، فأصبحوا لا يطمعون في ~~أكثر من عفو يبقي الرءوس التي ملأتها الخيلاء، قائمة من فوق الأكتاف، بعد أن ترنحت وكادت ~~تطيح بها الأقدار! # من ذا الذي يجرؤ على أن يناقش في حق ملكة وضعها «قيصر»، رجل الدنيا الأوحد، من فوق العرش؟ ms13 ~~كلا، ليس هنالك من إنسان رخصت عليه رأسه، حتى يناقش في هذا، ولقد قوبلت «كليوبطرا»، لما أن ~~ظهرت للناس أول مرة، بهتاف النصر والخضوع ترسله حناجر الجماهير، وقد غصت بها طرقات ~~الإسكندرية. # شكرا إذن لتلك الحرب التي ما أثارها إلا حب «قيصر»؟ فكانت ألهية من ألهيات رجولته، غير ~~أن لهو «قيصر» قد رد إليها تاج آبائها العتيد. # ولقد أرادت «كليوبطرا» أن تحوز رضا الناس وتفوز بثقتهم، فعملت على إحياء تقاليد الأسرة ~~التي كانت تقضي على الملكات بأن يكون لهن أولاد من صلب العترة الملكية، فأعلنت قبولها ~~الزواج من أخيها بطلميوس الثالث عشر. ~~••• # كان كل شيء قد تم على ما يرغب قيصر، وآن له أن يغادر مصر إلى رومية، حيث ينتظر حزبه أوبته ~~بلجاجة، ولكن «قيصر» لم يصبح سيد نفسه، فقد شملته الشهوة، تلك الشهوة التي ظلت حتى أخريات ~~أيامه، النبع الوحيد الذي صدرت عنه كل أعماله، فقدمها على واجباته وعلى مطامعه، وعلى ~~مصالحه العامة والخاصة، وجرته إلى آخرته المحزنة، فأجل الرحيل، وتصامم عن النذر التي كان ~~ينقلها إليه كل رسول يهبط مصر موفدا إليه من رومية، وألقى بسمعه إلى فاتنته، فاستجاب لها؛ ~~ولقد ألقت في روعه، فوق ما ألقت من قبل، أن من تمام سعادتها أن يرافقها في رحلة يجوبان فيها ~~مصر، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. # كانت السياحة في تلك الأيام على ظهر النيل، كما هي اليوم، ومنظر الآثار التي خلفها ~~الفراعين قائمة على ضفافه، منتجعا للفكر، وسلوى للنفس، وكان ملوك المال من النبلاء، وأمراء ~~الشرق الفائض بالثروات الضخمة، ورجال الفن من الأغارقة والأسيويين، بعد أن يمتعوا بلذائذ ~~الإسكندرية، ويقفوا على آثارها، ييممون شطر مصر العليا، ممتطين سفائن هيئت بكل ضروب الزينة ~~والزخرف، يحملها النيل، وتظلها سماء مصر الصافية الباسمة، وكانت الرحلة تستغرق أسابيع، ~~ينفقها السائحون منتهبين اللذائذ، أو مكبين على درس الآثار القديمة الخالدة. # وكانت سفينة «كليوبطرا» بمثابة قصر، عرشه الماء، وقد صنعت حجراتها وأبهاؤها على غرار قصر ~~«البروخيوم» مصغرا، أما الأسطول الذي اختارت الملكة أن يكون ms14 في رفقتها، فقد حمل عددا ~~عظيما من الحاشية والخدم والعبيد، ناهيك بالراقصات والشعراء والموسيقاريين، الذين عملوا ~~جميعا جهد ما يستطيعون، على أن يقتلوا الوقت قتلا، ويبددوا الزمان تبديدا، حتى تصبح ~~الحياة في تلك الرحلة، سلسلة متصلة من الأحلام الهنية. # وكان الشتاء على الأبواب، وقد يعرف الذين شهدوا الشتاء في الأقاليم الشمالية من كرة ~~الأرض، أن هذا الفصل يغمر الناس بكسفه المدلهمة، ويغشى على الحقول بغشاوة من الحزن، ويذر ~~الأشجار عارية من الأوراق، فإذا دهمتها الرياح اهتزت أماليدها المعراة هزات فيها كل تعابير ~~اليأس والقنوط، ولكن الطريق التي سلكها العاشقان، كانت طريق التألق والإشراق، فالسماء ~~صافية، والشمس منعشة وهاجة، ومياه النيل تنساب في سكون «كأنها الأمل العريض، في وحشة ~~الفراق». # وشقت سفينة «كليوبطرا» طريقها في النيل، بخمسين مجذافا من خشب الأبنوس الخالص، في يد ~~خمسين عبد نوبي، أشداء أقوياء الأصلاب، فانسابت متهادية، تظللها الحرية، وتحدوها السعادة، ~~وتنبسط أمامها الرحاب تتلقاها بالراحتين، لتسلم بها إلى أرض الميعاد، والشمس من فوقها تزداد ~~حرارة، كلما أمعنت السفينة نحو الجنوب، كأنها تحيي العاشقين تحية صامتة، مرسلة إليهما على ~~أجنحتها الذهبية. # وبعد أن تهادت السفينة عدة أيام من فوق النيل المقدس، فخلفت من ورائها فراسخ عديدة كستها ~~الخضرة الزمردية، وأضفت الطبيعة على أشجارها بهاء اللازورد، دلفت فجاءة إلى رحاب أخذت ~~خضرتها تقل شيئا بعد شيء، وما لبثت غير قليل حتى أصبحت بين شاطئين قاحلين، لا يأتي النظر ~~فيهما، مهما امتد، على غير رمال صفراء، وتلال تناثرت من فوق تلك الرقعة الفاقعة اللون، التي ~~تتواصل أمام النظر حتى تلتقي بالأفق، كسلوك زريابية، تندفق في بحر من اللجين، وقد رصعت ~~تلك الرمال بأدغال من شجر العود، تمايلت أوراقها النصلية تمايل النشوان الثمل، أو بحرجات من ~~النخيل كللتها الأخواص الريشية؛ فيخيل إليك أنها مشاعل أعدها عفرية من الجن، لتنير تلك ~~البيد المترامية؛ إذ ما انفجرت رءوسها عن لهب عظيم. # فلما وصلت السفينة تلقاء «ممفيس»، أشرفت على هياكل قامت كتلها الصخرية من فوق عمد عظام، ~~وقصور ذات قباب بيض، زادت ms15 الشمس شهبتها بهاء، وأبواب كأنها قطع الجبال، وقد أطلت جميعا على ~~النهر الأقدس، فانعكست صورها على صفحته النحاسية. # وألقى المسافرون عصا الترحال إزاء الأهرام، فأعجب «قيصر» وحق له أن يعجب لتلك القوة ~~العظيمة، والمهارة الفائقة التي أعتدت من الحجر الصامت، قبورا تنطق بعظمة الماضي، أما ~~الذين هم من شيعة «أفلاطون»، أولئك الذين لم يأبهوا بحاجات البدن ولذائذ الجسم، واعتقدوا أن ~~الخلود إنما هو نتيجة للجمال الذي تحسه الروح، والهدوء الذي تأنسه النفس، فقد سألوا أنفسهم! ~~أية فكرات تلك التي حومت في وجدان «خوفو»، و«خفرع» وأترابهما، عن سر الحياة وسر الموت؟ ~~أكان اعتقادهم أن الموت هو الحياة في عالم آخر، ليست حياة الأرض إلا وسيلة تسلم إليه؟ ~~أرفعوا القواعد من هذه الأجداث العظام تحية للموت؛ أم أرادوا أن يتحدوا الفناء، ويسخروا من ~~البلى، فشيدوا تلك المثلثات الباقيات؟ # لقد تناثر من حول «ممفيس» كثير من الآثار الساحرة التي خلفها القدماء في السهل المنبسط من ~~وراء المدينة، ولكن «أبا الهول» كان أبعثها على التأمل وأدعاها إلى العجب، ولقد ترغب ~~«كليوبطرا» إلى «قيصر»، محبها وحاميها، أن يقايس بين ملامحها الناعمة، وملامح «أبي الهول» ~~الجهم العظيم، لعله يقع على أوجه من الشبه بينهما. # وأخذت الشمس تتوارى من وراء تلال «لوبيا»، بعد أن أشرف المحبان على «أبي الهول»! # ما أشبه ذلك المسخ العظيم، قابعا من فوق فراشه المرمل، بهولة من الهول الأسطورية، شرعت ~~في الانفلات من أمواج بحر لجي؟ ها هي تقتبل الشرق! وقد ارتسمت على فمها ابتسامة ساخرة كادت ~~تغيب في الظل المعكوس عن الشمس الغاربة، وارتمت على ظهرها الأحوى خيوط من الأشعة الباهتة، ~~فلابستها صورة حي من الجبابرة العظام، حط في تلك البقعة فجاءة، فذرى جلاميدها ~~أباديد. # لقد استوحى «أوديپوس» من قبل مسخا كأبي الهول، استوحاه مشفقا مما تخبئ الأيام، أما وإن ~~«قيصر» القاهر، عاهل الرومان وسيد الدنيا، ما زال يسبح في بحر الحياة اللجي، والليالي من ~~حوله تذهب الواحدة تلو الأخرى مثقلة بالأحداث، فعليه أن يقف أمام الرمز المصري مطرق الرأس ~~خاشع البصر، ms16 مكتنف النفس بشتى الحسوس المتنافرة، لعله يحظى منه بشيء ينير سبيله في ~~الحياة! # أمجيب قيصر أنت يا سر الأسرار؟ كلا، ما فاز أحد قبل «قيصر» منك بجواب، وما كنت تخشى عظمة ~~قيصر، فإنها عظمة يخشاها الفانون وأنت من الخالدين، ولكن لا، فبرغمك أجبت «قيصر»، وبرغمك ~~أجبت غيره من أبناء الفناء، وإنما كان جوابك تلك الابتسامة السحرية التي ظلت تسخر من الشعوب ~~والأمم والأقدار. # ولقد غشيت «قيصر» غاشية من التأمل والفكر، فمرت بخياله ذكريات رومية وواجباته ومكانته من ~~الدنيا الحافة به، وما في القيصرية التي يحميها من متضارب الأغراض وكامن المطامع التي لا ~~يقمعها إلا قيصر وحده؛ وأخذ يصيخ بقلبه إلى موحيات ذلك الهس النفسي العميق، ولكن ذراع ~~النمرة المصرية طوق «قيصر»، فاستفاق من غشيته، وتطلع فرأى القمر يبزغ من وراء الرمال محمر ~~اللون، كأنما هو نفس من أنفاس الليل، فأنساه حديث النفس، وصرفه إلى حديث الحب مرة ثانية، ~~ذلك بأن الحب كان قد أخضع «قيصر» وتملك حواسه جميعا، فأعماه عن كل شيء إلا عن «كليوبطرا»، ~~وأصم أذنيه، إلا عن حديث قلبها. ~~••• # في اليوم الثلاثين من بدء الرحلة، بلغ العاشقان جزيرة «فيله»، تلك الدرة العصماء التي ~~يحويها الأخضران: الماء والسماء، ولقد رق كلاهما وشف، حتى لقد يتعذر عليك أن تقضي أيهما ظل ~~لصاحبه، ولا غرو، فلقد كانا مصدرا للوحي الذي استلهم منه الشعراء على مدار العصور، ولقد حط ~~كل من بلغ «فيله» رحاله فيها غير طامع بأن يحظى بفردوس آخر من فراديس الأرض؛ فهنالك ضرب ~~المفتنون مخايمهم، وألقوا العصا على بساطها السندسي، قانعين بأن ينعموا فيها بعبادة الجمال، ~~ناسين كل ما آنسوا من آلام الحياة في غيرها من رحاب البسيطة، وقليلا ما هم، أولئك الذين ~~سعدوا بهذه الأمنية المنشودة. # ذلك بأن جزيرة «فيله» كانت ملكا لكهنة «إيزيس» منذ أزمان لا تعيها الذكريات، وكانوا ~~يعتقدون أن دخول غيرهم فيها، تهجما على حرمتها وتدنيسا لقداستها، ولقد كان لهم أن يتيهوا ~~على الناس عجبا، ويملئوا الأرض فخارا، بأنهم حفظة هيكل أفرغ عبدته عليه من ms17 المال ما جعله ~~أغنى هياكل مصر جميعا، على فرط غناها، وتالد عزها، وزاد في نفوذهم أنهم احتموا بالآلهة ~~المحبوبة، فحظروا على أي كان من الخلائق أن يمد إلى أمورهم أصبعا، أو يتطلع إليها بطرفة ~~عين، فاستأثروا بموارد الهيكل، وحجبوا غيرهم عنها، أنفة واعتزازا. # وجرت العادة في كثير من الهياكل والمعابد ألا يشوب صفو العبادات والمناسك فيها شائبة من ~~الدنيويات، لهذا رأى الناس في مقدم الأسطول الملكي فرصة ينفسون بها عن أرواحهم المقموعة، ~~وأخيلتهم المكبوتة، فخرجت إلى عرض النيل سفائن شحنت بالموسيقاريين تحيي العاشقين الملكيين، ~~واصطف على جانبي النيل طوائف من الكهنة يرتلون أغنياتهم المقدسة، ولقد اضطر العاشقان أن ~~يوافيا الهياكل بزيارات يقومان فيها بأداء الفروض الدينية ويستمعان للمواعظ والخطب، وأن ~~يستقبلا وفودا تحمل إليهما الهدايا الثمينة والتحف النادرة، وهنالك نحرت الكباش تضحية ~~وقربانا، وجرى دم الحمائم قانيا. # وما انتهى الاستقبال الملكي حتى أبدت «كليوبطرا» رغبتها في أن تترك و«قيصر» في انفراد ~~وهدوء، بعيدين عن هموم الرسميات، وكانا يقضيان هاجرة النهار في خلوتهما؛ ومن حولهما نوافير ~~تلطف من حرارة الهواء؛ وتتدفق مياهها في برك صغيرة نامت في أحضانها زهرات النيلوفر ترنو ~~بأعين ناعسة، وتعكس ألوانا مختلفة، من بياض ناصع، إلى لازورد اشتدت زرقته، إلى أرجوان ~~قرمزي، ينبعث من نورياتها الوادعة الهادئة، وبهذه المثابة نسي العاشقان كل هموم الحياة، وما ~~تتطلب الحياة من ميول ومطامع ورغبات. # ولئن نسيت الملكة كل شيء، فإنها ما نسيت ساعة واحدة، الغرض الذي من أجله اقتادت عاهل ~~الرومان، إلى أقصى حدود مصر، وكانت قد عقدت العزم على أن تربط حاميها الأعظم بذكريات لا ~~تمحوها الأيام، ولا تفعل بها السنون، وأن تثبت في روعه أن مصالح مصر ومصالحه شيء ~~واحد. # وكانا، إذا عسعس الليل، وأرخت الظلماء سدولها على الوجود، يخرجان إلى الحدائق يجوبان ~~ممراتها الجميلة الساكنة، ويشمان عبق البنفسج، أو يدرجان بين الخمائل الملتفة، فيساقط على ~~رأسيهما التبر المصري الذي حمله هواء النهار، وكسى به الأشجار اليانعة، ولقد تجيب ~~«كليوبطرا» على ما يوحي إليها به «قيصر» من بسمات ms18 الأمل، ولكن في فرق أشبه بفرق ~~الأطفال. ~~«نعم، نعم، إن بلادي أجمل بقاع الأرض، ولكن إخضاعها من جسام الأمور.» # وما يني «قيصر» عندما يحس نعومة الذراع الذي يطوق عنقه، عن أن يعد «كليوبطرا» وعد الصادق ~~الأمين، بأن بلاده لن تقصر، بكل ما أوتيت من قوة وبطش، في حمايتها والذود عن حياضها. # على أن عزلة الملكة وقيصر، وبعدهما عن الظهور للناس، أمران لن يطولا إلى غير نهاية، ~~فأرادا قبل أن ينهيا عزلة الحب، أن يخلدا ذكرى هذه الأيام التي قضياها معا في سعادة ما ~~شابها من شيء إلا خطرات كانت تمر بمخيلة «قيصر» عن رومية وهموم قيصريتها المترامية الأطراف، ~~أو همس كان يساور «كليوبطرا» فيما يكون لو أن «قيصر» اضطر يوما إلى الرحيل عن أرض السحرة ~~الأقدمين؟ # وإنما يخلد ذكرى الحب عمل تتوارثه الأجيال، وأي شيء تتوارثه الأجيال غير هيكل تعبد فيه ~~«إيزيس» المحبوبة؟ وفي وسط خميلة من شجر الدفل والتين المصري، سكنتها أطيار أضفت الطبيعة ~~على أرياشها ألوان قوس قزح، وضع العاشقان الحجر الأساسي من هيكل الحب والجمال، ولقد انسلخ ~~ألفان من السنين، طوت الأرض خلالهما ثمانين جيلا من أجيال البشر، وكل من زار فردوس «فيله» ~~يقف وقفة المأخوذ بسحر ذلك الرواء الذي خلعه الفن على تلك العمدان القورنثية، الواقفة هنالك ~~عنوانا على الوداعة، ورمزا للجمال، ولم ينقش على ذلك الهيكل من اسم يدل على الآلهة التي ~~شيد ليكون وقفا عليها، ولكن ما وقف أمام ذلك الهيكل من إنسان، إلا وأدرك بديئة، لمن وضعت ~~قواعده: ورفعت أركانه. ~~••• # في الإسكندرية، هبط وفد من الرومان، ينتظر عودة قيصر! # لما علم الرومانيون أن قائدهم، فاتح الممالك ومدوخ الشعوب، ومبيد الثورات، وغازي أرض ~~الفراعنة، وأن بطلهم الذي لا ملجأ لهم غيره، ولا محط لآمالهم سواه، قد عبثت به «سرسية» ~~الجديدة؛ تملكهم الرعب، ومشى في قلوبهم الخوف والوجل. # أيخيل إلى قيصر أن في مقدوره أن يتحدى القدر؛ فإن ما أقام من مجد، وما شيد من عظمة، وما ~~بنت عبقريته من طارف المجد وتالد العزة، قد ms19 ينهار ويتحطم، إذا تولاه الإهمال، وعملت فيه يد ~~التهاون، ومن ذا الذي في مستطاعه أن يحدس النتائج التي تترتب على لهو قيصر، لو أن فلول حزب ~~«پومپيوس» قد جمعوا كيدهم مرة أخرى، إذا علموا أن قيصر يلهو، وأنه قد أخذ بمفاتن ملكة، ~~فراح يهبها قلبه، ويبثها نجواه، ويبادلها الهوى والغرام، كلا، بل إنه سخر رومية لمطامعها، ~~وساق كتائبها؛ فرسانا ومشاة، ليغزو مصر، ثم يلقي بها عند قدميها. # أما الذين هم كانوا أقوى جنانا، وأصرح نفوسا، وأثبت قلوبا، فقد جاهروا بمخاوفهم، ومضوا ~~يترقبون الحوادث في انتباه وحذر، حتى لقد غشت على رومية غاشية من القلق، وأخذها ما يشبه ~~الدوار الكاذب الذي يأخذ أولئك الذين يملكهم تيه الصحراء. # ومهما يكن من أمر المرأة، ومهما يكن في صدرها الحنون من عطف وملذات، ومهما استروح فيها ~~الرجل من عبق السعادة والنعيم، فإن بطلا من طراز قيصر، لا بد من أن يصيخ لكلمات صحبه، وأن ~~يهب من ذلك الفراش الوثير مذعورا، إذا ما أهابوا به «إن شرفك في الميزان»! # ولم تكد هذه الكلمات تخترق أذنيه، حتى استيقظ «قيصر» من سباته، وانتبه فيه البطل، واستخفى ~~الشاعر، كيف لا وقد أدرك أن كل ما أتى من أعمال عظيمة خالدة، وأن كل ما بنى وشيد، وأقام ~~ونجد، إنما يذهب في لحظة هباء، ويطير مع الريح بددا، إذا هو لم يستجب لوحي الساعة، فإن ~~من واجبه أن يغادر مصر توا، وأن يحل عن عنقه ذراعي النمرة التي كادت تستعبده، نعم، كان من ~~واجبه أن يركب جناح القطا إلى رومية - غير أن هنالك واجبا آخر، فإنه كان يحتاج إلى قليل من ~~الزمن، يمهد فيه السبيل للإفضاء بذلك النبأ العظيم إلى المرأة التي كانت ترى فيه العون ~~الأوحد في الحياة، والملاذ الأخير في الدنيا، وبكل ما يتطلب الموقف من لين ودعة، وبكل ما ~~يوجب ذلك الظرف من هدوء وعطف، أفضى «قيصر» إليها بالنبأ الذي روعها، وملأها خوفا ~~وإشفاقا. ~~- «إذن فأنت تحاول أن تحل ذراعي من حول عنقك؟» # وبجماع ما فيها من ms20 حرارة وفتنة، جذبته نحوها، وضمته إليها، وتشبثت به تشبثا أملاه الحب ~~والخوف، والحزن والاضطراب، حتى لقد خشي «قيصر» العظيم أن يلوذ بالهزيمة، إذا طال به موقف ~~الوداع الأول؛ وهو بعد ذلك الرجل الذي تحدى العالم، وخلفه يرجف من تحت قدميه، غير أنه لم ~~يلبث غير بعيد، حتى تذكر الحكمة التي اتخذها في حياته منارا: «الأول دائما، وحيثما كنت.» # فاستعاد شجاعته، واستعلى على وحي المرأة مرة أخرى؛ فإن «قيصر» برغم ما عرف عنه من إباحية ~~واستهتار، لم يكن يعد ذلك الشهواني الذي تخضعه غرائزه في كل الحالات، وتستعبده ملاذه وميوله ~~في كل الظروف، ذلك بأن مزاجه كان يتحرق إلى الحركة، ويحن إلى العمل ويميل إلى الصراع، ~~وبخاصة في حالة كانت تدعوه حوادث السياسة في وطنه إلى المبادرة للعمل والجهاد. ~~- «أيرضيك أن يصبح «قيصر» الذي نظر إلى الناس نظرة أنهم القطعان المسوسة، أن ينزل بجبنه ~~وتهاونه إلى مرتبة أولئك الذين يشملهم احتقاره؟» # ولقد أخذ الحزن بمجامع «كليوبطرا» لما أن بدا لها أن الزمن يكاد يستلبها «قيصر»، كيف ~~تستطيع أن تبسط على «قيصر» سلطانها، وتحوطه بيديها القويتين، وهو عنها بعيدا من ذا الذي ~~سوف يحميها ويدفع عنها عوادي الأحداث ومطامع الطامعين؟ ومن ذا الذي سوف يمد لها يد العون ~~لتخضع أهل مملكتها، إذا هم كشروا لها عن أنياب كأنها المسنونة الزرق، أو شرعوا في وجهها ~~راية العصيان بسواعد مفتولة، وأظافر محدودة؟ # كانت «كليوبطرا» قد أوشكت أن تصير أما، فاتخذت من ذلك الرباط الدموي الذي سوف يربطها ~~بقيصر ذريعة استقوت بها عليه، فوعدها ألا يغادر مصر قبل أن ينشق أنفاس الحياة، حفيد أنياس ~~والزهرة، وسليل بيت بطلميوس: ذلك الذي غادر تلال مقدونيا في ركاب الإسكندر جنديا صغيرا، ~~وانتهى به الحظ أن يصير فرعونا للمصريين، وإلها للأغارقة. # أما «قيصر» فكان قد شغل ثانية عن رومية وأحزابها، وعن القيصرية وهمومها، بمقدم ذلك الذي ~~ارتقب مقدمه، ولم يجل في صدر «قيصر» من هم فكان أشد به أخذا، أو أمعن وخزا، من أن ~~الأقدار قد ذرته فردا، فلم ms21 يعقب من زوجاته الثلاث اللاتي تزوج منهن وريثا، فلقد أصيب من ~~قبل بموت ابنته «يوليا»؛ ومنذ أن طوتها الأرض، لم تستجب له السماء بما يعوض عليه من فقدها، ~~ولمن سوف يوصي قيصر بثروته الطائلة، وضياعه الواسعة التي يملكها في مقاطعة «امبريا»؟ ومن ~~ذا الذي سوف يزود البشر بأعقاب سلالة «قيصر» القدسية، على توالي الأعصر والأحقاب؟ أيجود ~~عليه الحظ بغلام يرثه ويرث من آل بطلميوس؟ أما الأماني التي منى بها «كليوبطرا»، إن هي ~~وهبته ذلك الوريث، فكانت ولا شك أشبه بالأحلام، وحبذا لو تصدق الأحلام. # لقد كان لأخته «أطيا» ولد، هو «أكتاڨيوس»، ولكنه كان يعلم حق العلم أن ابن أخته ضعيف ~~التكوين، بدنا وعقلا، ناعم النشأة، خوار القلب، غير صبار، وليس المستقبل لخوار ~~العزيمة، ولا للقلق المتردد، وإنما ينزل الناس على حكم القوي، وعند رأي الأحيل، ومن ذا الذي ~~يستطيع أن يحظر أن «ابن السفاح» سوف لا يكون أجدر من «أكتاڨيوس» بالميراث العظيم الذي ~~سيخلفه قيصر «أمبرور» رومية! ولو أن أخيلة استمدها قيصر من نجم ضال في عرض السماوات، أو ~~استخلصها من بطن كهف أجنته أغوار الأرض، لكانت أقرب إلى عقله وقلبه، من أن يتخيل أن سيف ~~«أكتاڨيوس» سوف يحكم في خناق «قيصرون»، ابنه من «كليوبطرا»، بعد دورة قصيرة من ~~الزمان! # في مساء اليوم الذي عمد فيه قيصر إلى الرحيل، مستجيبا لإلحاح صحبه، بعد أن أمضهم طول ~~الانتظار، تمخضت كليوبطرا عن مولود. # كان غلاما. # وشاءت الطبيعة أن يكون ذلك الغلام نسخة من أبيه، لا يختلف عنه في شيء إلا في صغر ملامح ~~الطفولة، مقيسة على ملامح الرجولة، ولقد هز الفرح قيصر تلك الهزة التي تملك الكهول، إذا ~~جادت عليهم الأقدار بعقب، بعد أن تكون قد نبذتهم، وأطالت بهم النبذ، في بيداء العقم ~~المجدية، وسرعان ما اختار له الاسم فدعاه «قيصرون»، فإن ذلك من حقه وملك يمينه، أما أن يرسم ~~له المستقبل ويحدد تخومه، ويخط في عقله مصوراته، فليس من حقه في شيء، بل إن ذلك من حق ~~الأقدار وحدها؛ ولا شريك ms22 لها فيه. # لقد قطع على نفسه عهدا أن يعترف بأبوته للغلام، عندما أقبل يودع كليوبطرا قبيل الرحيل، ~~في موقف جاوزت فيه الملكة حد اللوم إلى التقريع والوخز، توطئة للإفضاء بما تنطوي عليه ~~حناياها: «اتخذني زوجة، قيصر اتخذني زوجة!» # ذلك بأن رأسها الصغير الجميل، ومن فوقه تاج آبائها العظام؛ كان قد أفعم بالأماني، وفاض ~~بالآمال الجسام، آمال أشعرتها بأن نفسها أعظم من أن تقنع بحكم أرض الفراعنة وحدها، لقد فقدت ~~أرض الفراعنة، بعد أن عاثت فيها الجنود الرومانية، رونقها وعظمتها وكرامتها. إن أرض ~~الفراعنة لم تصبح أكثر من سوق تجاري؛ لهذا سبحت أحلامها نحو رومية، وكيف السبيل إليها؟ إنما ~~سبيلها أن تقرن حظها في الدنيا بحظ رجل الإمبراطورية الرومانية؛ ذاك الذي إن شاء وضع رومية ~~من فوق السماك، وإن شاء جلد بها الأرض. ~~••• # لقد كبر هذا الأمر على «قيصر» أول شيء، بل أوسعه هما وملأه إكبارا، ففي القصر الرسمي ~~في رومية «كلپورنيا» زوجه الشرعية، ترتقب أوبته، ذلك في حين أن كليوبطرا كانت زوجا لأخيها، ~~بطلميوس الثالث عشر، تلبية لتقاليد أسرتها القديمة، ولكن ... # أية قيمة لمثل هذه المحظورات في نظر نمرة مثل كليوبطرا، في صدرها قلب، وفي دماغها عقل، ~~وفي نفسها شهوات؟ ما قيمة هذه الاعتبارات في نظر شابة انحدرت من بيت ملكي عرف في أميراته ~~خاصة، أن فيهن من افتراس النمرات، أثرا غير قليل؟ # لقد وزنت كليوبطرا الدنيا في يدها، فرأت أنها لن تتسع لمطامعها، وأنها تضيق عن أمانيها ~~ومطالبها، إذا هي قرنت ثروتها الطائلة التي تزودها بها مصر، بعبقرية القائد الأوحد في ~~العالم الروماني، ولا شك في أن ثروة كليوبطرا تؤيدها عبقرية قيصر، كفيلة بأن تذلل الصعاب، ~~وتدك العقبات. # على أن ما كان في إيحاء كليوبطرا من عظمة وجلال، وما كان في مراميها من طموح واستعلاء على ~~كل ما في الدنيا الحافة بها، قد أفعم قلب قيصر، فسكن إلى ذلك الوحي، وجنح إليه، ذلك بأنه ~~كان يعلم قدر ما في سكونه إلى ذلك الوحي من لذاذة تغمر قلب فاتنته الملكية، ms23 وهنالك أخذ قيصر ~~من رومية هم عميق: أتسمح رومية لقيصر أنه يركبها مطية إلى مطامع كليوبطرا؟ أضف إلى ذلك ~~أن قانونا صارما من قوانين «السناتو» الروماني، كان يحرم على النبلاء تحريما قاطعا، ~~الزواج من الأجنبيات! ~~- «أجل ... ألست فوق القانون؟» # ولقد سمع قيصر هذه الكلمات تخرج من فم الفاتنة الإغريقية، كأنها رنات المثاني والأعواد، ~~تحركها يد صناع ذات مرانة؛ غير أن رجلا أله في العالم الروماني، وأنزل فيه منزلة ~~الأرباب، كان في مستطاعه أن يقاوم بعض الشيء، مثل هذا الإغراء. # ودنت ساعة الوداع الأخيرة، فهزم قيصر، وضم كليوبطرا إلى صدره ضمة، إن لم تكن وعدا ~~صريحا منه بتنفيذ ما أرادت، فإنها قد جعلتها تشعر بعد ذهاب عشيقها، بأن خطبتها قد عقدت على ~~العالم أجمع؛ ومن فوق قمته العليا، رومية العظمى. # غير أن كليوبطرا لم تكد تشعر بالوحدة، حتى انتكست أفكارها، وراحت تضرب في مهامه الحياة، ~~مضطربة تختلج بالأوهام حينا، وبالحقائق حينا؛ راحت تتوهم «رومية» راكعة عند قدمي ~~الإسكندرية، وأن الأتباع والأمراء يقتربون من عرشها زحفا على الركب والبطون، ليلقوا عند ~~قدميها بأسلحتهم خضوعا، أو بمفاتيح أمصارهم إظهارا للولاء؛ وأن ملايين من الخلائق البشرية ~~أخذت تسجد أمامها، وأنهم جميعا يرددون اسمها مقرونا باسم قيصر، هاتفين بعظمتها، مولين ~~بوجوههم نحو سدتها العليا، ابتغاء مطلب يرجى، أو معروف يسدى. # بمثل هذه الأحلام تحولت وحدة كليوبطرا من صحراء قفر مجدبة، إلى جنات ظليلة من الأماني ~~الحسان، وتغيرت الحياة في نظرها، حتى لقد وهمت أن أحلامها أقرب إلى التحقيق، من حاضرها ~~المحزن في وحدتها الأليمة. ~~••• # ما لبث قيصر «النائم» أن تحرر من السحر الذي سلط عليه من عيني الملكة المصرية ~~السوداوين الناعمتين، حتى ارتد قيصر «اليقظ» الصافي البديهة، السريع الخاطر، القوي الحجة، ~~الثابت النفس، لقد تحرك فيه خلق «النسر» المتوثب، القفاز إلى الغايات، الطفار إلى ~~النهايات. # على أن الحالات التي قامت في العالم الروماني، قد اختلفت كل الاختلاف عما كانت عليه عندما ~~انتصر «قيصر» في برية «فرساليا» على جيش «پومپيوموس» فإن فلول ذلك الجيش، وقد طال ms24 بها العهد ~~على سماع اسم «قيصر»، وهو في عزلته بين ذراعي كليوبطرا، قد جمعت كيدها، ونظمت صفوفها مرة ~~أخرى، وما كان كيد أنصار «پومپيوموس» بالأمر الهين؛ فإن قواهم قد اكتنفته عن يمين وعن شمال، ~~وأخذ شبح الحرب الأهلية يكشر عن أنيابه الزرق المحدودة، في ولايات الشرق الرومانية. # أيعود قيصر إلى رومية، والعدو يكتنفه، والحرب الأهلية تقرع بابه؟ لم يعتد قيصر من قبل أن ~~يجمع العالم الروماني رجلين: قيصر؛ وعدوا ينابذه، لهذا يمم شطر آسيا الصغرى، قبل أن ~~يهبط أرض إيطاليا، وبدأ بتحطيم الأسطول الذي ختم به العدو مصب نهر «القدنس» # Cydnus ~~؛ ثم تحرك عجلان على رأس جيش انتقاه من جلاوزة ~~الحروب، القادرين على أن يأتوا في ساحة الحرب بمعجزات، وهاجم «كايس كشيوس» في «إفسوس» ~~و«فرناقس» في «زيلا»؛ ثم ارتد مسرعا صوب إفريقية، وانتصر في وقعة «ثفسوس»، وبعد أن حصل على ~~مبالغ عظيمة من المال، جمعها من الولاة الذين ملأهم منه الرعب، وأخذتهم منه سورة الوجل، ~~تلقاء بقاع من الأرض تضم بأمره إلى الولايات التي يحكمونها، عاد إلى رومية مثقلا ~~بالأسلاب، محفوفا بمظاهر العظمة، ليتخذ من ذلك وسيلة إلى القضاء على نفوذ كل من حاول من ~~الرومان أن يذكر اسم قيصر، بشيء يستشم منه ريح الامتعاض أو الارتياب. # ولقد أخذت رومية عدتها وأكملت زينتها لاستقبال «قيصر»، استقبالا لم تشهده «الڨياسكرا» # Via Sacra # من قبل # 8 # فقد اجتاز قيصر شوارع المدينة وعلى رأسه أكاليل النصر، وفي ركابه عدد من الملوك ~~أسارى مقرنين في الأصفاد، يمشون حفاة الأقدام حاسري الرءوس؛ وفي مقدمتهم «فرسنغيتور»؛ الذي ~~قاد الثورة على رومية في بلاد الغال. # ومن حول مركبته؛ وقد كتبت عليها العبارة المعروفة: «أتيت فرأيت فغزوت» # 9 # Veni, vidi, vici ~~، التف شعب رومية يحيي بطله ~~العظيم بحماسة الأطفال، أخذهم الفرح بعودة أبيهم الشفيق المحبوب، بعد طول الغيبة. # غير أن الأرستوقراطيين لم يرقهم ما رأوا، ولم تحفل قلوبهم بتلك الهزات المرحة التي حركت ~~الجماهير، ولكن قيصر لم يأبه بهم، ذلك بأنه مع الشعب وإلى الشعب ومن الشعب وبالشعب، ms25 كان ~~ديمقراطيا خالص العقيدة في الديمقراطية، بدأ حياته بطلب إصلاح حال الجماهير، وترقية ~~مستواهم الاجتماعي، بيد أنه كان يعلم ما في الجماهير من قدرة على التحول والانقلاب من حال ~~إلى حال، والانتقال من أحد طرفي النقيض إلى الطرف الآخر، فلم يمعن في إغضاب الأرستوقراطيين، ~~ولم يفرط في إظهار ميوله الشعبية، إفراط الحمقى من الزعماء. # لقد علم، وعلم يحق، أن المنطق والعقل، لن يكونا أشد خسرانا وضيعة، منهما إذا هما انزلقا ~~ليخاطبا الجماهير؛ فأخذهم بأنواع المسرات، وضروب اللهو، فأمر بأن تقام الزينة، وأن تمد ~~الموائد، وتقام معالم الأفراح في أنحاء رومية. # كذلك قد علم ما في البر بشعب فقير من أثر يملك الأرواح والعقول والخواطر؛ فأمر بالميرة ~~والغلال والزيوت والخمور، فوزعت على الفقراء بغير حساب. # وأقيمت في الملاعب حفلات عظيمة، حتى لقد غصت على رحابتها بالخلائق، ينظرون في تشوق إلى ~~عراك المجالدين، ويمتعون أنظارهم بمرأى الدماء المهراقة من الأجسام البشرية ومن الحيوانات، ~~ويرقبون كيف تفارق الأرواح الأبدان. # وظلت الزينة أربعين يوما متوالية، فكنت لا تسمع من كلمة يذكر بها روماني، اللهم إلا ~~اسم «قيصر» وحده، منعوتا بأنه «العظيم النابه»، أو «القاهر»، أو «الأب المحبوب لرومية ~~العظمى». # ولقد غمره الرومانيون بالألقاب، وخصوه بأسمى التشاريف، فقد كان قنصلا، ثم صار حاكما ~~بأمره (دكتاتورا) لعشر سنين، وتلقى من الشعب لقب «الحامي الأعظم» لرومية وممتلكاتها، ~~وخص في «السناتو» بمكان أعلى من كل الأمكنة الأخر، ونقش على تمثاله الذي أقيم في معبد ~~«يوپيتر» كلمة «إله» بحروف بارزة. ~~••• # ولكن الأمور في الإسكندرية لم تجر على وتيرة يطمئن لها قلب كليوبطرا، أو ترضي خيال قيصر، ~~فإنه بالرغم من الجند الذي خلفه قيصر فيها بقيادة «كلڨينوس» ليحافظ على النظام والأمن، ~~تمخضت الأيام عن عدة فورات، أقضت مضجع الملكة، وغشت على أحلامها بغشاوة من القلق ~~والإشفاق. # قيل، في السر مرة، وفي العلن مرات، إن الملكة مالأت الأجانب، وألقت بنفسها في أحضان ~~الدخلاء، وأنها رضيت أن تكون أمة لرجل روماني، وأنها فوق هذا وذاك، امتهنت شرف الدولة، ~~بأن أعلنت في غير ms26 خفاء، أنه والد ابنها. # أيجول في خاطر كليوبطرا أن تؤمر على المصريين في المستقبل ملكا، ليس منهم في شيء؟ # على أن مثل هذه التهم، لم تكن لتهم إنسانا فيه من الجرأة والإقدام قدرا يحفزه على أن ~~يهملها أو يضرب بها عرض الأفق الأوسع، غير أن كليوبطرا في ذلك الوقت، وهي في حدود العشرين ~~من عمرها، لم تكن قد أصبحت بعد تلك الملكة الصلبة المقدامة الشديدة المراس، التي تقود ~~الجحافل الجرارة إلى ساحة الحرب، وتكتم أنفاس الرأي العام، بنظرة غضب، أو لفتة ~~احتقار. # نعم، كانت في حدود العشرين من عمرها الحافل بالأحداث، شديدة الحساسية، رقيقة العاطفة، ~~وكان شبح الثورة يخيفها، بل يذهب بالنوم عن جفونها؛ فمضت مهزوزة القلب، ثائرة الأعصاب، ~~تتوقع بين آن وآخر أن يكون، ما ليس في منطق الحوادث من دليل، على أنه سوف يكون. # أما حاميها ورادها إلى العرش، فلم يكن بعد إلى جنبها، يدفع عنها شر النفوس، وفتنة ~~الأطماع، أفي مكنتها أن تتغلب دوما على تلك النظرات الجافية التي يرميها بها ذوو الفتنة، ~~والنذر التي كانت تقرع سمعها، والفورات التي لا يطفئها إلا الدماء؟ # لقد كان لها حتى الآن من نفوذ قيصر، بالرغم عن غيبته، عضدا ادرعت به، واحتمت من خلفه، ~~ولكن إلى أي حد تتطور الحوادث، إذا ما ثبت في روع الثوار أن قيصر قد هجرها، وأن ليس في يدها ~~من قوة غير عدتها الذاتية؟ من ذا الذي يحول بين هؤلاء وبين خيال يجول في أدمغتهم، أو مطمع ~~يدور في صدورهم؟ # عامة ذا لم يكن شيئا مذكورا، إلى جانب ما شاع عن قيصر من أحاديث، فقد قيل: إنه فتن، في ~~أثناء مغزاته الإفريقية، بالملكة «أونونيا»! أذلك ممكن؟ أيقع هذا بعد فترة وجيزة من إفلاته ~~من بين ذراعيها، حيث أقسم على أن يظل لها الحياة وفيا، وأن يمضي لها أمينا؟ # ما أضعف المرأة، على قوتها، إذا ما أصبح رجلها الذي تحبه بعيدا عن أن تحوطه بتلك الحلقة ~~الحديدية! التي هي ذراعاها! # على أن ما بين ذراعيها وقيصر، ms27 من فجاج الأرض، ليس مما يتعذر اجتيازه؛ وما الذي يحول دون ~~ذهابها إليه، إذا كان قيصر ما يزال لها وفيا محبا، وإذا كان ما ينفك يحس فراغا عظيما ~~في جو حياته، بقدر ما بينها وبينه من نزوح الدار وبعد المزار؛ على ما كان يبثها في كتبه من ~~نجوى؟ # أما رغبتها في أن تحكم الصلة التي تربطها بقيصر، وأن تزيد أواصرها قوة، فقد كان يشوبها ~~شعور بالخوف من رومية! نعم من رومية: عدوتها التقليدية، تلك المدينة الفتية، التي لولاها ~~لتربعت الإسكندرية على هام الأمم، ولأصبحت سيدة الأرض كلها، بل لأضحت الدرة الصماء في تاج ~~الدنيا، نعم رومية، عدوتها التقليدية؛ تلك التي لن تغمض عنها عين كليوبطرا، أو تفغر فاها ~~الواسع العميق، لتبتلع الوادي الأقدس، وتضمه إلى ما ابتلعت من رحاب الشرق الفسيح، ولكنها ~~برغم هذا كله، كتبت إلى قيصر تستوحيه رأيه في زيارة رومية. ~~••• # بعد أن غاب عنها قيصر حولا كاملا، تلقت منه رسائل يجدد لها فيها عهد الحب والوفاء، أما ~~إذا كان قد فتن بعض الشيء «بأنونيا» ملكة «نوميديا»؛ فإنما هي فتنة عابرة، كسحابة الصيف، أو ~~هو اتخذها ألهوة يروح بها عن نفسه، بعض ما كان يشعر به من حز الذكريات القديمة. # أيجوز لرجل مثل «قيصر»، أثقلته المسئوليات، وأنقضت ظهره الواجبات، أن يدلف مع الحب إلى ~~تلك الأغوار التي تصرفه عن أمور رومية، وفي يدها الدنيا بأسرها؟ # سواء أجاز هذا أم لم يجز، فالواقع أن «قيصر» كان دائم التفكير في ليالي قصر «البروخيوم» ~~مأخوذا بدوافع لم يكن له في صدهن عن خياله من حول ولا طول، كان يحلم بالإسكندرية، ~~وبالساعات التي قضاها في حضن النيل الهادئ، وقد همدت ثورات نفسه، ونعست أعصابه المضطربة، ~~فأغفت عيناه الوقادتان، وفيهما مرأى النهر الأقدس، يوحي إليه بالأحلام الشهية. ~~••• # لقد تردد قيصر شيئا قليلا، قبل أن يبيح للملكة زيارة رومية، أما أن تزور ملكة مصر، ~~عاصمة العالم الروماني، فذلك أمر جسيم، ليس لقيصر أن يقضي فيه بحكم ظهر الغيب، ومن غير ~~أناة، وطول تفكير، ولقد ms28 رأى بثاقب بصيرته أن السبيل ينبغي أن تمهد، قبل أن تطأ قدما ~~كليوبطرا عاصمة الدنيا، أما أكبر العقبات التي كانت تقوم في وجه قيصر، فعلمه بكراهية ~~الرومان الرسيسة، لكل من يحمل من فوق رأسه تاجا، وربما لا نخطئ إذا تصورنا أن أهل رومية، ~~كانوا يرون في هبوط أصحاب التيجان أرضها عامل هدام يضرب في أصول الحريات الرومانية، اللهم ~~إلا أن يهبطوها أسارى مقرنين في الأصفاد، أضف إلى ذلك أن كليوبطرا كانت ترمق في رومية ~~بأعين تفيض بالارتياب والحقد والغضب. # كان الرومان يعرفون فيها الطمع الأشعبي، غير ناسين ما بسطت على قيصر من سلطان، وما سلطت ~~عليه من سحر، وما كان «قيصر» لينسى أن أهل رومية كانوا قد جنحوا إلى الارتياب في أمره، ~~والتشكك في نياته، أما وقد استطاع أن يحول ريبهم إلى ثقة بعد انتصاراته في آسيا وإفريقية، ~~وإخماده الثورات التي هددت أم الدنيا، فإن هذه الريبة لا بد من أن توجه إلى كليوبطرا، ~~مجددة بالذكريات التي ثبتت في عقليتهم من التجاريب الأولى. # إن المرأة التي استطاعت أن تحبس قيصر عن العودة إلى وطنه طوال تلك الفترة، وصرفته عن ~~التفكير في أولئك الذين لهم فيه الحق الأول، لا بد من أن تكون الطبيعة قد هيأتها بقوى ~~تمكنها من محو العرف الإنساني، لتستن للإنسانية عرفا يرضيها. # وبعد، أمن الحكمة أن يحمل «قيصر» فاتنته الملكية إلى مثل هذا الجو، وأن ينزلها مثل هذا ~~المنزل، وأن يقذف بها في مثل هذا الأتون المستعر من الفكرات والخيالات والأوهام؟ # لقد سأل قيصر نفسه: «أيقوى على أن يضع كليوبطرا موضعا تقابل فيه بهتاف العداء؟» ~~«أيستطيع أن يغمض عينه عن أعدائه الذين سوف يستغلون الموقف قائلين: لو لم تأت كليوبطرا ~~لذهب قيصر إليها، نابذا رومية ومن فيها؟» # ومضت الأيام تترى، وقيصر في بلباله، وكليوبطرا في ألمها ووحدتها مهتاجة قلقة، تمر بها ~~الساعات طويلة ممضة حزينة. ~~••• # إلام تنتظر كليوبطرا؟ وعلام يتوقف رحيلها؟ أعلى إرادة قيصر؟ كلا! فإن لها لإرادة أين منها ~~إرادة العاهل الأعظم، وإن لها لذكاء أين ms29 منه عبقرية زعيم الدنيا! لهذا صممت كليوبطرا على أن ~~تهبط رومية بمحض إرادتها مدعية أن نصوص عهدها السياسي مع رومية، في حاجة إلى أن تحدد، وأن ~~تفسر تفسيرا فاصلا ، لهذا تتنازل كليوبطرا بزيارة رومية لتناقش في نصوص العهد التي ما تزال ~~موضع خلاف، يخشى معه، أن تكدر العلاقات بين مصر والجمهورية الرومانية! # أمن أجل أن تنال مصر لقب «حليفة الجمهورية» # Socius ~~Republicae # تشق كليوبطرا عباب بحر الروم؟ لم يكن هنالك من حاجة لأن ~~تذهب الملكة بنفسها إلى رومية لتنال حظوة الحلف معها! وإلا ففيم كان السفراء؟ غير أن ~~«السناتو» الروماني، وقد أخذه الزهو بأن تمثل أمامه ملكة مصر، صدر إليها دعوة رسمية، ~~يدعوها إلى زيارة رومية. # ها هي ذي كليوبطرا قد طوت «السناتو» الروماني في صدرها، كما طوت من قبل عاهلهم ~~الأكبر، أما وقد دعتها رومية، ففيم الانتظار؟ ~~••• # كانت شمس يونية مشرقة وضاءة؛ وقد دبت الحياة في أرجاء «الفوروم» # 10 # Forum # بمدينة رومية، وغصت شرفات منازلها ~~بالناس، وازدحمت الشوارع والأسواق بشتى الخلائق البشرية، على اختلاف أجناسهم وألوانهم، كان ~~يخيل للرائي أن رومية إنما لبست هذه الحلة الزاهية إحياء لعيد، أو تخليدا لذكرى من ذكريات ~~المدينة الخالدة؛ على أن خليقة الجمهور الروماني، في ذلك اليوم، لم تكن خليقة العطف والحب، ~~بل خليقة المناوأة والتحدي. # ولقد راجت في تلك الآونة أقوال، وشاعت أقاصيص، عن تلك الزائرة التي فزعت رومية ولدانا ~~وشيبا، فتيات وفتيانا، لاختطاف نظرة منها، قيل بأنها غانية، ترفل في الدمقس، وتخب في ~~الديباج، وتغرق في الأحجار الكريمة والذهب الخالص، وقيل: إنها ساحرة، لن يفلت من شرها إنسان ~~اتصل بها، أو كان له بها علاقة ما. # أما الخواص، فكانوا على أن كليوبطرا ليست إلا ملكة من ملكات الشرق، غير أنها الملكة التي ~~لم يكن الشعب الروماني في صدره من حقد لإنسان، بقدر ما أكن لها. # وتقدم ركبها عدد من العبيد السود يلبسون أقراطا من ذهب، وبينهم الخصيان؛ فكانوا يشتملون ~~بأردية طويلة، كتلك التي يلبسها النساء، أما الوزراء وصدور الدولة، فقد لبسوا ms30 على رءوسهم ~~شعورا مستعارة؛ ذلك في حين أن الجند كانوا نصف عراة، وعلى رءوسهم ما يشبه الملامس # 11 # Antennae ~~، فلاحوا كأنهم حشرات كبيرة ~~الأجسام. # ولما أن بدأ ذلك الموكب يشق قلب رومية، قوبل بعاصفة من الضحك والسخرية، أما الاستهزاء ~~فكان من نصيب العلماء الفلكيين، بقبعاتهم الطويلة، ذوات القمم المدببة، والكهنة بجلود ~~النمور التي ارتدوها، وبلغ الاستخفاف بأهل رومية مبلغه الأخير، لما أن وقعت أنظارهم على تلك ~~الأعلام الكبيرة، وقد رسم عليها صور مقدسة! فما تلك الثعالب؟ وما هذه الصقور؟ وعلى أي شيء ~~تدل تلك البقرات السمان؟ أهذه مثل من آلهة؟ لا جرم أن الذوق الروماني كان يأنف من النظر ~~إلى مثل هذه الرموز، تتخذ لآلهة وإلهات. # غير أن أهل رومية لا يلبثون على هذا غير قليل، حتى يلوح لهم الهودج الملكي، غارقا في بحر ~~لجي من الحراب المشرعة، والسيوف الباترة، فيسود الصمت العميق، كأن قبرا أجن أهل رومية ~~أجمعين، عندما تقع أنظارهم على كليوبطرا، ومن فوق ذراعيها ولدها «قيصرون». # كم ذا سبب لها «قيصرون» هذا من قلق، وكم ذا بعث في نفسها من مضض، في قصر الإسكندرية؟ ~~همها بمستقبله، وهمها بأبيه! # أما في رومية فقد ارتقبت كليوبطرا من ابتسامته الساذجة، ومن قربه في الشبه بقيصر، أن يكون ~~مبعث عاطفة تنطلق في صدور الرومان بما يدنيها خطوة من غرضها الخطير، ولم يخب في ذلك نظر ~~كليوبطرا، فإن قيصر في ذلك الوقت كان معبود رومية، وما عمل من عمل، أو أتى من شيء، إلا ~~انتحل له الشعب الروماني منطلقا يؤيده، أما إذا كانت بعض الصدور تغلي بالحقد وتنفث بالغضب، ~~أو كانت بعض الرءوس تحتشد بشتى النقود، فإنها لم تقو على أن تجهر بشيء، أو أن توجه إلى ~~الملكة الشرقية بكلمة، يشعر معها قيصر، أن فيها امتهانا لعزته، أو افتياتا على ~~جبروته. # ومهما يكن من أمر تلك المسحة السحرية التي مسحت بها الطبيعة ملامح كليوبطرا؛ فإنها لم ~~ترتقب أن ترضي بجمالها شعبا تضخمت في رأسه فكرة السيادة على الدنيا، فنظر إلى بقية الشعوب ms31 ~~نظرة أنها خول له وإماء، غير أن كليوبطرا لم تلبث أن أذكت في الرومان روح الغيرة! بشعرها ~~الذهبي المموج؛ وعينيها الدعجاوين المكحولتين فطرة بما يعجز الفن عن محاكاته، وأهدابها ~~الطويلة المعكوسة على جفونها، وشفتيها العنابيتين ، وقميصها الشفاف الزاهي، وقد برز نهداها ~~من خلاله، كأنهما حق عاج، في صفحة من المرمر الصافي، أما تجاعيد شعرها العجيبة، فقد أطل ~~من ثنياتها الصل المصري، يأخذ بعينين متقدتين، رومية والرومان. # ولكن قيصر كان قد فرض على أهل رومية أن يحيوا الزائرة الملكية، فما وسعهم إلا أن يحيوا ~~قيصرون، زاعمين أن إهابه الأشقر الجميل، وحركاته الخاطفة السريعة، النامة عن الذكاء ~~والتوقد، إنما هي الدليل الكافي على انحداره من سلالة تمت إلى الآلهة بأسباب. ~~••• # من أجل أن لا يداخل أحدا من الرومان شك في ما ينبغي أن تخص به كليوبطرا وولدها من ~~الاحترام والكرامة، أنزلها قيصر في صرحه العظيم الذي أقامه على شاطئ نهر التيبر # Tiber # الأيسر، مشرفا على الحدائق الغناء الممتدة على سفح ~~أليانكولوم # Janiculum # تلك الحدائق التي أوصى أن تكون ~~ملكا للشعب من بعده، وأنها لهبة ذكرها السواد الروماني غداة مقتله، فراح يسجد ذارفا ~~الدمع أمام شملته # Toga # الملطخة بدمائه الزكية. # ولما أن رأت كليوبطرا أنها استقرت ضيفا كريما على الأمة الرومانية، شملها شعور الرضى، ~~وأفعمها إحساس الفرح، الذي يأخذ أولئك الذين غامروا وجاهدوا في سبيل غاية، فأفلحوا ونجحوا، ~~فإنها على الرغم من كل العقبات التي قامت في سبيلها، خطت خطوة موفقة نحو غرضها الخفي ~~الخطير. # غير أن مرماها الأسمى الذي تحاول أن تكمل ببلوغه انتصارها الأخير، كان ما يزال طي ~~الغيب، وكان عليها أن تجاهد في سبيله، فإن من الضروري لها، لكي تنجح، أن تربط قيصر بالزواج؛ ~~ذلك الرباط الذي يعقد من فوق رأسها تاجين: تاج الفراعنة، وتاج الرومان. # وإن بنتا من بنات حواء، لها مواهب كليوبطرا السامية، وفيها عبقريتها الأخاذة في استخدام ~~مواهبها النسوية ذريعة إلى تحقيق أحلامها، لن تتصور موقفا أكثر مواءمة من موقفها في قلب ~~رومية، وبين ذراعيها قيصر، وفي ms32 حضنها قيصرون، ولده الأوحد. # بيد أن رومية، عندما هبطتها كليوبطرا، لم تعد بعد ذلك المعقل الحصين الذي تحتمي فيه ~~التقاليد، وتقدس فيه الشرائع القديمة، فإن تلك التقاليد التي قامت عليها عظمة الجمهورية ~~الرومانية، ومنها استمد الرومان تلك القوى التي هزت الدنيا بأسرها، كانت قد أخذت في الزوال ~~والفناء، فإن الدين القديم كان في طور انحلال، وبالرغم من أن الدين كان معترفا به في ~~الدولة، فإن الملاحدة كانوا كثيرين؛ وبخاصة بين الأرستقراطيين، وكذلك الشعب؛ فإنه إن أظهر ~~بعض الخوف من آلهته، وأبدى لهم بعض الاحترام، فإن هذا لم يصد روماني ذلك العصر عن أن ~~يفسقوا عن شرائع آلهتهم، ومن تحطيم هياكلهم أو تدنيسها، إذا ما ملكتهم سورة غضب، أو هبوا ~~ثائرين، وكفى بقصة ذلك الجندي المستهتر دليلا، فإنه مضى يفاخر بأنه سرق تمثال الآلهة ~~«ديانا» # Diana # وأنه اجتنى بسرقته ثروة، من غير أن يرى في ~~ذلك استخفافا بآلهة ولا دين، ومن غير أن يرى الشعب الروماني في ذلك تدنيسا ~~لحرماته. # أما تقديس الزوجية، فقد أصبح تقليدا من تقاليد الماضي العتيقة، فكنت ترى كل يوم وتسمع في ~~كل آونة، أن عضوا من «السناتو»، أو «قنصلا»، أو موظفا كبيرا، أو شيخا مبجلا، أو سيدا ~~محترما، قد سرح زوجه بالطلاق الأبدي لأتفه سبب، أو بدعوى لا دليل عليها، ولقد امتدت ~~الاستهانة بهذه التقاليد حتى إن «قيقرون» الخطيب المشهور، بالرغم مما عرف عنه من رضي ~~الأخلاق وسماحة النفس، طلق زوجه «ترنتيا»، بعد أن عاشرها ثلاثين سنة، وشيعها بكلمات قاسية ~~قائلا: «اذهبي من هنا، واحملي معك كل ما هو ملك لك.» ذلك بأنه رغب في أن تحل محلها فتاة ~~أصغر منها سنا، وأكثر جمالا. # لقد أصبحت الاستهانة بالأخلاق والعرف والشرائع، تلك الأصول التي سيطرت على النظام ~~الروماني من قبل، طابع عصر قيصر في رومية، بل أضحت السرطان المزمن الذي تشعبت عقده وجذوره ~~في صميم المجتمع الروماني، ولقد ذاعت الفضائح الجسيمة والمنكرات الضخام، ذلك بأن الثروة ~~التي حصلت عليها رومية، إثر المغازي الكبيرة والحروب الموفقة التي قاد ms33 قيصر جحافلها، كانت ~~قد أبعدت الرومان عن فكرة الحياة البسيطة التي عكف عليها آباؤهم من قبل، وأبطرتهم النعمة، ~~فراحوا ينغمسون في الترف، وينتهبون الملذات، وعلى الجملة أصبح الذهب معبود رومية الأوحد، ~~وإلهها القاهر القادر على كل شيء، سبحانه وله الحمد. # كان الذهب في رومية، قبل ذلك العهد، من الأشياء النادرة، فلا تراه إلا في المعابد تزين ~~به بعض أجزائها، أما في عصر قيصر، فقد دخل المقاصير الخاصة، والأبهاء العامة، وزين به ~~الفراش والأثاث، ونقشت به الأسقف والجدران؛ وإن شئت فقل: إن كل شيء في بيوت أهل رومية، من ~~الطبقات العليا، كان يرهقه الذهب، ويحليه التبر الخالص. # ولقد أراد «كاتو» # Cato # وهو من أعظم رجالهم، أن يحتج على ~~ما انغمس فيه قومه من ترف، وما تطوح فيه المترفون من مفاسد، فمشى في أسواق رومية عاري ~~القدمين، وعليه شملة ممزقة، ولكن من ذا الذي يتبع «كاتو» في عالم الذهب معبوده، والفسق ~~شريعته؟ ولقد استهزئ به، واستضحك منه، وهو يمشي على تلك الهيئة الغريبة، إلى جانب العجلات ~~المموهة بالذهب، تجرها خيل مطهمة جياد، من أجل ما أنتج الشرق من سلالات: أصيلة ~~ومولدة. # أما النساء فكن قد نسين شرائع رومية القديمة، فرحن يسرفن على ملبسهن إسراف الحمق ~~والتبذير، فمن حول أذرعهن، ومن فوق جدائل شعورهن، وفي أرجلهن ومناطقهن، حلي ذهبية من صنع ~~أمهر أهل الفن، تغطيهن من مفرق الرأس إلى أخمص القدم، وفي أعناقهن تدلت صنوف الجوهر، ومنها ~~اللآلئ الثمينة النادرة، التي تنافس أغنياء الرومان في الحصول عليها من بلاد الهند خاصة، ~~فحملتها قوافل التجار من تلك الأنحاء القصية البعيدة تلقاء بدرات من المال، لا يتصورها عقل، ~~ولا يدركها خيال. # وكانت الولائم التي تعد على موائد الأثرياء من النبلاء، تحاكي تلك التي أقامها «لوكلوس»، ~~فالصحاف من الفضة الخالصة، والكئوس من الذهب المنقوش، وفراش الموائد من الديباج الأرجواني ~~الثمين؛ وعلى الجملة فقد حاكت ولائمهم، ولائم ملوك الشرق، جمالا وعظمة، أما تقديس الفضائل ~~المدنية السامية، فضائل القصد والاعتدال ونبات الخلق والصبر والاحتمال، تلك التي أثرت عن ms34 ~~رومية في نشأتها الأولى، فلم تصبح أكثر من أساطير تروى عن الماضي، وأحاديث ضاع زمانها، ~~وانطوى أوانها. # مع هذا لا ينبغي أن يغيب عنا أن نظام الجماعة القديم في رومية، إن كان قد أخذ يخلي الطريق ~~لعصر جديد، نقصه الكثير من مجد الأسلاف الأقدمين، فلا شبهة، في أن مسرات الحياة ومباهجها قد ~~كسيت روحا مادية، غمرت الناس بحالات لم يألفوها من قبل، فإن ثقافة العقل، وحب الفنون، لم ~~يبلغا في عصر من عصور رومية السالفة، مبلغها في عهد «قيصر»، ناهيك بالفلسفة والحفر وتعلم ~~اللغات، وبخاصة الإغريقية، تلك التي كان يفخر نابهو رومية بإتقانها قراءة وكتابة، كل أولئك، ~~أشياء قد تجدد ميلادها في رومية قيصر. # لم تكن لتشهد ناشئا من النبلاء لا يفخر بأنه أتم ثقافته في «رودس» أو «أفلونيا»، أو ~~بخاصة في أثينا، ولقد كان للنظريات والمبادئ التي يتلقونها خطر الذيوع والتقبل في دوائر ~~الأدب، وحلقات العلم، وذاع الأدب وتعددت ألوانه، وكثرت ضروبه وصوره، حتى لقد عم التأدب ~~طبقات من الشعب كثيرة؛ وكان الأدب من قبل، وقفا على فئة قليلة، دعاها الرومانيون «أهل ~~الأدب»، وقد نقول على الجملة: إن الأدب والعلم، أصبحا طابع ذلك العصر المجيد. # ولا تنس، إلى جانب هذا، أن حماية الأدب والفلسفة والفن، وشمولها بالرعاية، كان من حسنات ~~ذلك العصر الفذ في تاريخ العصور، ففي قصر كل نبيل فيلسوف، أو عالم بحاثة، يتشرف ذلك ~~النبيل بأنه تحت سقفه، وفي حمايته، يدلك على هذا أن أهل رومية كانوا يرون أنه من أكبر الشرف ~~أن ينزل «ڨرجيل» ضيفا على أحدهم، وكان قد هبط رومية قادما من «سنتو» لينشد في السهرات ~~مقطوعاته الريفية، أو يسمعون تلك المقطوعات ينشدها «هوراس»، وكان ما يزال شابا في ~~العشرين، موقعة على الأوتار؛ ولقد تبددت تلك الأنغام مع الأثير، ولكن ذكراها قد بقيت، ~~لتنحدر إلينا مع العصور، فتكون في عصرنا هذا من أخص الذكريات، وجملة القول، أن رومية ما رأت ~~من شيء في عصر قيصر، فقدسته وشرفته، واستعلت به على كل الأرضيات، بقدر ما قدست ms35 العلم، وشرفت ~~الفلسفة، وأعلت الأدب. ~~••• # أما «كليوبطرا»، فقد أدركت بديئة، مقدار ما تستطيع، بمواهبها ومفاتنها، أن تغمر به جمعية ~~متمدينة، تتطلع إلى المتعة بكل جديد مبتكر، أو قديم خلاب، ولا يبعد أن تكون كليوبطرا وحدها، ~~دون كل نساء الحلقة التي احتكت بها، قد استطاعت أن تسحر علماء رومية وأدباءها، فأم قصرها ~~فلاسفة من الأغارقة، وأدباء من الرومان، لم تقو فيهم الفطرة على أن تقاوم وحي الملكة، ~~وكأنما جاذبية الأرض قد تركزت حيث كانت، وكأنما فتنة الدنيا قد تجمعت حيث نزلت، فكانت القطب ~~المغنطيسي، في عالم اتجه إليها، وأحاط بها. # لقد خصت كليوبطرا بتلك الموهبة العليا السامية، موهبة الإدراك، ولقد حل في جسمانها روح ~~تضاءلت أمامه عظيمات رومية وخليعاتها على السواء، وكن لا يعكفن على غير اللغو وكلام أهل ~~الفراغ، أو يعرفن من شيء، إلا لذائذ الجسم، دون لذائذ النفس والروح، وهنالك عرفت كليوبطرا ~~أن النجاح حليفها، وأن غرضها يخطو إليها، بعد أن كانت تخطو إليه. # في البهو الأعظم الذي التفت من حوله أجنحة القصر الذي أنزلها فيه قيصر، وقد أشرفت ~~كليوبطرا على تنسيقه بما عرف فيها من سمو الذوق ورجاحة الفن، كانت الملكة واسطة العقد في ~~حلقة جمعت رجالات رومية من أصدقاء قيصر، يقضون هنيهات في ظلها، بل في ظل الحكمة والعلم ~~والأدب والفتنة، لينسوا بقربها في العشية، بؤس ما لقوا من مهام رومية في النهار. # ولكن قيصر كان يقضي تلك الليالي قلقا حائر النفس لا لأن رومية قد هددتها الأعداء، ولا ~~لأن الثورات تقرع بابها، وإنما انتظارا للساعة التي يضمها فيها إلى صدره، ناشقا عبق ذلك ~~الجسم الرباني، ويحس ضربات قلبها تدق وقلبه، دقات ما تتفاوت ثوانيها. # هنالك في تلك الحلقة الفريدة، كنت تأنس تريبونيوس، وليفيدوس، وسلپيشيوس روفس، وقوريون، ~~وغيرهم من رجال الملأ الروماني، الممتازين بالعبقرية، المعروفين بالتفرد في سلامة الذوق، ~~ورفاهة الحس، ودقة الملاحظة، وسمو الفكرة، والإحاطة الشاملة بآداب العالم القديم؛ فإذا ~~تحدثوا فإنما يتحدثون عن مشاكل الساعة، وأزمات القيصرية؛ تحدثوا في الوسائل التي تمكنهم من ~~إنجاز وعودهم ms36 للجند، وإلغاء الديون، وإنقاص الإيجار عن الأرض المزروعة؛ إلى غير ذلك من ~~معضلات عالم أصغر، حكم وتحكم في عالم أكبر. # في كل ما تناوله الحديث من أحزان رومية ومسراتها، تفردت الملكة الصغيرة بالرأي الفرد، ~~والحكم القاطع، والمقال الفصل، والحكمة البالغة، والموعظة الحسنة. # ما كان لرجل من هؤلاء الأفذاذ أن يتصور أن هذه المرأة التي ما حضرت مجلسهم إلا لتضفي عليه ~~من جمالها، وتسبغ عليه من دلالها، وتصبغه بصبغة الطراوة التي يأنس فيها المكدودون المجهدون ~~راحة تشمل العقل وتغمر القلب، ستكون في حلقتهم الفيصل الذي يدلي بالرأي؛ فلا يخطئ مقاتل ~~المصاعب والمشكلات. # وأية من مظاهر الطبيعة تكون بألباب هؤلاء الجلاوزة أشد أخذا، من أن يشهدوا نقاش الفاتنة ~~المصرية مع المؤرخ العظيم «سالوست»، وكانت قد درست كتبه وأحاطت بمذهبه في علم النفس، فأخذت ~~تعصر المؤرخ الفيلسوف عصرا، وتشدد عليه الخناق تشديدا؟ # لقد كانت نقودها على ما كتب «سالوست» مربكة فائضة بالأسئلة المسكتة؛ تلك التي لن تجد من ~~جواب لها، أبلغ من السكوت عليها. # وكان من مفاخر الخطيب المفوه «أسينيوس فوليون» أن يلقي إليها بأصول خطبه، لينال حظوة ~~نقدها، ثم بأشعاره التهكمية التي كان يصوغها على لسان راع، منحيا بها على الأوهام التي ~~شاعت بين أهل رومية في زمانه. # وما كلمها من رجل، أديب أو شاعر، حكيم أو مشرع، فيلسوف أو كاتب، إلا وآنس في براهينها قوة ~~العقل المتدفق الفياض، والعظمة القائمة على العبقرية، تهبها الطبيعة بغير حساب، لمن تشاء ~~من أبناء الفناء؛ من أبناء الطين والتراب. # كان في رومية عالم من علماء الآثار اسمه «أتيكوس»، استرعت أعماله ومكتشفاته انتباه ~~كليوبطرا، فكانت تقبل عليه إقبال المحب للعلم الهائم بالمعرفة، وتقضي ساعات طوال تفحص عن ~~جمال الفن في قطعة من النسيج الفارسي، أو تحفة من العاج صقلها عامل صيني صبور، أو نقش بارز ~~نقل إلى رومية من معبد «إفسوس»، عامة ذا، إن دل على شيء، فإنما يدل على متجه عقلي سمي إلى ~~غايات الفن العليا، وتطلع إلى الاستعلاء على ما بلغ أهل الأرض جميعا ms37 من مراقي الأدب ~~والفنون. # ومن ذا الذي لا يؤخذ إخذة العجب والانبهار، إذا ما رأى تلك الفتاة الصغيرة تفيض بوحي ~~العلم على خريطة السماء، وقد تجمع من حولها علماء رومية في ندوة علمية ليصلحوا التقويم ~~الروماني؛ أو يستمعون إلى كلامها فيما انتاب وضع الدب الأكبر وكوكبة ذات الكرسي، وكوكبة ~~الجبار، من تغير الوضع حول النجم القطبي؟ # لقد كانت في كل شيء بمثابة الظاهرة الخارقة في تجانس الطبيعة، كانت من تلكم المخلوقات ~~التي كثيرا ما يقع عليهم اختيار الآلهة، ليكونوا في الأرض، مثلا لهم وبرهانا ~~عليهم. ~~••• # حدث في تلك الفترة أن قدم لها شاب جميل الطلعة، قوي الأصلاب، ذائع الصيت، فائض القوة، ~~عقلا وبدنا، كان ذلك الشاب قد هبط رومية قافلا إليها من إسپانيا، وعلى رأسه أكاليل الغار ~~التي كان من حقه أن يتوج بها، جزاء ما أبلى في مواقع «مندا»، ومن ورائه أثقال من ~~الأسلاب، كان قد اعتلى ذروة المجد؛ فنبه ذكره، وعلا صيته، حتى عقد المجد من فوق هامته تاجا ~~من العظمة والفخار، أما قوامه المعتدل، وعضلاته المجدولة جدل الحديد الصلب، وضحكته ~~«الباكوسية» التي كانت تشيع في كل قسمات وجهه الوسيم، وتفانيه في البذخ والإسراف، وصورته ~~الأخاذة بقامته المديدة، واتساق تركيبه الجسماني، فكانت صورة مما تخيل الرومان من «هركوليس» ~~الجد الأول لذلك الشاب، المملوء فذاذة وقدرة. # أتعرف من كان ذلك الشاب؟ هو بعينه «مرك أنطونيوس». # بالرغم من أن «أنطونيوس» كان واقعا في شباك الخليعة الرومانية «فوثيرس» فإن جمال ~~كليوبطرا قد أخذه بالناصية، وحل من قلبه في الصميم، ولولا ما كان من احترامه لقيصر، وتقديسه ~~له، إذن لبثها الهوى، وشكى إليها الغرام. # على أن «أنطونيوس» لم يقو فيما بعد أن يقصي عن مخيلته ذكريات اللقاء الأول، تلك العظمة ~~الفاتنة التي شملت الملكة الصغيرة، وتعابير السلطة والقوة التي انبعثت من عينيها، وقد مدت ~~إليه يدها الناعمة ليقبلها، ناهيك بلباسها المنسجم، المنسق على أخص ما يسمو إليه الفن ~~والذوق من دقة وإحكام، أما نبرات صوتها فقد وقعت في قلب «أنطونيوس» وقع نصل ms38 مسنون رهيف، ~~هده هدا، ودكه دكا. ~~••• # مهما يكن في أمر ذلك الإعجاب الذي حوط به الرومانيون «أسپاسيا» # Aspasia # الجديدة، وهي بين جدران قصرها الذي أصبح لهم ~~بمثابة منسك للفن، ومعبد للجمال، ومهبط لوحي الأدب؛ فإن بعضا من الذئاب المفترسة، والنمور ~~الجارحة، كانت تحدجها بالنظرات، مكشرة عن أنياب زرق، لعابها سم زعاف. # هم رومانيون قدسوا الفضائل، أو هم ادعوا أنهم يقدسونها، أخذتهم العزة الرومانية، فراحوا ~~ينقمون على قيصر، قائدهم وحاكمهم المطلق، تبذله مع الغانية الغريبة، التي لم يشرف دمها ~~بأن يكون فيه من الدم الروماني إثارة، تشفع لها عندهم بأن تكون لرجلهم خليلة أو زوجة، ولقد ~~انضم إليهم كل نساء رومية النابهات، وكان أكثرهن قد لقين من أزواجهن بعض الجفوة، أو آنسن ~~منهم نظرات احتقار، أو لفتات سخرية، بعد أن عرفوا كليوبطرا عن كثب، وقايسوا بين أنوثتها ~~وأنوثتهن، في زمن اتقدت فيه الشهوات، والتهبت العواطف، وتسلط فيه نداء الجنس، فهزم الفضائل، ~~وهد ركن الآداب؛ فانحزن مأخوذات بعواطفهن، مسوقات بمشاعرهن، إلى ذلك الحزب، تحدوهن ~~الغيرة، وتدفعهن الحفيظة، إلى تحطيم تلك الساحرة الشرقية، التي أصبح قصرها مباءة لرجالهن، ~~بل أصبح لرومية جميعا، بمثابة البيضة والعش، والسكن والوطن والسكون. ~~••• # هنالك كان لكليوبطرا أعداء، أشد من هؤلاء نكاية، وأصح على الانتقام عزيمة؛ أعداء أثبت ~~من هؤلاء قلوبا، وأحر نفوسا، هنالك كان أعداؤها السياسيون، سياسيون ذوو عقيدة في قداسة ~~التقاليد الرومانية؛ محافظون: يرون في ما بثت كليوبطرا من روح في رومية هدما لتقاليدهم، ~~وذهابا لطرائقهم، وتطويحا لأنماطهم الموروثة، وكان قد هبت على رومية ريح الاعتقاد بأن ~~قيصر إنما يرمي، بعد الاستئثار بالسلطة، إلى الاستئثار بتاج روماني، يبدد الجمهورية، التي ~~هي بنظاماتها المعروفة، موئل الديمقراطية، ومباءة الحرية، وبالرغم من مظاهر العظمة والجلال ~~التي حاول قيصر أن يحوط بها نفسه، وبالرغم من مرائي التحكم التي ظهرت في أعماله، واتصفت بها ~~سياسته، فإن اللوم كل اللوم، إنما انصب على فاتنته الملكية. # أظهر قيصر بمظهر المارق عن حكم التقاليد، المستهتر بحق الآداب، المرتد عن منقول السلف ~~الروماني؟ هل اعتدى قيصر ms39 على القوانين، وافترى على الشرائع؟ هل امتهن قيصر مخلفات رومية ~~المقدسة، واحتقر كل ما أجل الرومان من موروث الأقدمين؟ نعم، فعل قيصر كل هذا! ولكن اللوم ~~على المصرية الملعونة التي زينت له الفسوق والارتداد، وهونت عليه أمر رومية، والرومان ~~أجمعين. # ومهما يكن من أثر الملكة المصرية في ما بدى على أفعال قيصر من فسوق عن تقاليد قومه، فإن ~~مر الأيام قد أثبت لأهل رومية، أن قيصر إنما ينأى شيئا بعد شيء، عن أوضاع ~~الجمهورية. # ما الذي يحمل قيصر على أن يطيل أمد سلطته الاستبدادية (الديكتاتورية) بعد أن رفع شبح ~~الحرب ظله عن رومية، ورف عليها السلام؟ # غير أن قيصر كان ما يزال المسلط على رومية، الآمرها بما يحب، الناهيها عما لا يحب، القابض ~~عنها ما لا يريد، الباسط لها الكف بما يهوى. # كان يدني إليه من رجال الجيش من يشاء، ويقصي منهم من يشاء، يقطعهم الولايات، ويملكهم ~~الرقاب، حرا مختارا، فلا إرادة إلا إرادة قيصر؛ ولا راد لما يشاء. # أيمضي قيصر في استغلال السلطة إلى غير حد؟ وعند أي حد سوف تقف سلطة قيصر؟ إن عنوان ~~«الملك» إذا أضفي على قيصر، لن يزيد من سلطته شيئا؛ ولكن أهل «رومية» كانوا يحسون أن ~~قيصر إنما يريد أن ينتهب أول فرصة لينادي بملوكيته، وليقر السلطة على أساس من شريعة ~~الملك. # ما مر بخيال قيصر في تلك الفترة أن يستشير زميلا، أو يقف أمام شيوخ رومية وقناصلها ~~وساداتها، ليؤدي حسابا عما يفعل، أو عما فعل، بل كانت كل أفعاله نامة عنه أنه يحاول أن ~~يتحداهم، وأن يمتحن قدر ما في أيديهم من قوة، ليزن الأمر، ويكيف الظرف، هذا إن لم يكن قد ~~قام في ذهنه أنهم كميات مهملة، أو فروض لا حقيقة لها، أو أصفار. # لقد طال المدى بقيصر، وجرى في حلبة التطرف شوطا حمله على أن يهزأ بآداب «كاتو»، وأن يشك ~~في التقاليد، بل وفي الشرائع، ثم في الآلهة! ألم يعلن في «السناتو» الروماني جهرة: «إن ~~الجمهورية منذ اليوم اسم لا مسمى ms40 له»! مضيفا هذا القول إلى أشباه من شاكلته، كانت ~~جماعها أبعد ما فاه به «قيصر» عن مظنة التبصر والحكمة؟ ~~••• # كان «قيقرون» # 12 # زعيم الحزب المنابذ لقيصر، ولقد أخذه من أمر رومية هم عميق، وأزعجه مجرى ~~الحوادث، وكان «قيقرون» أعظم خطباء رومية؛ وكان بعد قيصر، أول روماني يتصدر للزعامة، عن ~~جدارة واستحقاق، ولقد دلت الحوادث التي عركها وعركته، على أنه أصلب الرومانيين في نصرة الحق ~~عودا، وأعظمهم في الدفاع عن مصالح «رومية» تضحية. # كان متجهه الحر، وسياسته الحرة، قد حملته على أن يناصر حزب «پومپيوس» الكبير، ومنذ هزم ~~ذلك الحزب وتقطعت بفلوله الأسباب، انكفأ يعيش بعيدا عن هموم السياسة في قصره على مقربة من ~~«توسكولوم»، ليأنس بتأملاته، ويجذل بأحاديث نفسه. # ولقد أسف قيصر كل أسف، أن يفقد نصرة ذلك الرجل المحتر القلب، الصلب في الحق، المضحي في ~~سبيل الصداقة، ذلك الرجل الذي رفعته كفاياته ومواهبه السياسية والمدنية إلى الذروة العليا ~~من ذلك البناء الحضري، الذي أقامته «رومية» على كواهل أبطالها الأمجاد، أسف «قيصر» أن يحرم ~~من نصيحة يدلي بها «قيقرون» فتصيب محز الأمور، إذا ألمت كارثة، أو نزلت جائحة، أو زلزلت ~~الأرض من تحت «رومية» الخالدة: وما كان اعتزال «قيقرون» العالم الروماني ليؤسف قيصر وحده، ~~وإنما كان فيه إيلام لكليوبطرا، وامتهان لعزتها، كانت تريد، وما أسد ما تريد، أن تجذبه ~~إلى قصرها، فتضمه إلى حلقتها، فيكون من حاشيتها، ثم تحكم معه الحلف والعهد، فإذا استوثقت ~~منه، كان لها العون خير العون، لما أن تأزف الساعة التي تهبط فيها على غايتها، وتقبض ~~بيديها الحديديتين على مرماها. # مع ما اتصفت به «كليوبطرا» من تلك الصفات التي عددناها، ومع ما كان في قلبها من جرأة ~~الأسود، وما كان في صدرها من شجاعة الأفاعي، وما كان في أخلاقها من افتراس النمرات، فإن ~~مطامعها الذاهبة بها إلى أبعد المذاهب، الرامية بها إلى أقصى الغايات، كانت تقف بعض الشيء ~~عند «قيقرون»، لتصب عليه نظرة امتزج فيها الحقد بالأمل، والغضب بالرغبة، والكراهية ~~بالإعجاب، ذلك بأن «قيقرون» دون سواه، ms41 كان الصخرة التي تقف إزاءها مطامع «كليوبطرا»، إذ تمر ~~بمخيلتها مر البروق، لتتأمل هنيهة، فيما يكون من سحر ذلك اللسان في أهل العالم ~~الروماني! # ما وسع «كليوبطرا» إلا أن تبوح لصديقها «أتيكوس» بما يجول في صدرها عن «قيقرون»، ولقد ~~وعدها «أتيكوس» وكان من أصدقاء الخطيب الروماني، أن يعمل على إقناع «قيقرون»، تلقاء ما كان ~~لها عليه من يد، وما آنس في عشرتها من صفاء ومودة، ولم يكن في العالم الروماني كله من سفير ~~يؤدي رسالة «كليوبطرا» إلى «قيقرون»، أعظم من «أتيكوس» نفوذا، أو أكثر ملاءمة لطبيعة الظرف ~~السياسي. # وما من شك في أن «أتيكوس» قد أعانه في سفارته، ما كان يلقى خطيب رومية من ألم يحز في ~~قلبه الكبير، وقد نبذ وطال به النبذ، فإن رجلا عرف قدر السلطة، وسكر برحيق القوة، وانتهل ~~من مواردها العذبة، وخطيبا هز أعواد المنابر؛ وسمع من الجماهير تصفيق الأكف، وهتاف الحناجر ~~تزلزل أعمدة الهياكل الرومانية، لن يصاب في حياته بمصيبة، فتكون من الانزواء والأسر ~~الاختياري أشد بنفسه أخذا، أو بقلبه أمعن عصرا. # وما أراد إلا أن يسمع تصفيق الأكف وهتاف الحناجر ثانية، فأصاخ إلى قولة «أتيكوس» وعمل ~~بنصحه، فقبل أن يصافح «كليوبطرا»، وأن يكون في حلقتها محوطا بأبهة قصرها، يقرأ في مكتبتها ~~ما يرضي قلبه وعقله، ويأنس من جمالها ما يرضي خياله؛ فظهر على عتبتها، ملتفعا بشملته ~~الرومانية، التي كان يحسن التلفع بها، على طراز ما عرفه روماني قبله، فاستقبلته كليوبطرا، ~~ومن ورائها قيصر، مفعم القلب بذكريات الانتصار. ~~••• # ولقد أشرق وجه «كليوبطرا» واستنار بتلك الأشعة التي كانت تغمر ملامحها عقيب انتصار تناله، ~~أو بلوغ غرض تصيبه، فاستقبلت ضيفها العظيم بكل حفاوة، وحوطته بكل إكرام، ومن أجل أن تختلب ~~خطيب «رومية» الأعظم، مضت ليلة ضيافته الأولى تفرغ عليه من ضروب البذخ، وتضفي عليه من صنوف ~~الكرم، ما حملها على أن تطلعه على كل التحف الفنية النادرة، والمأثورات القديمة التي لا ~~تقوم بمال، مما يزدان بها قصرها العظيم؛ ذلك القصر الذي أصبح في رومية مضرب المثل، ms42 بل قرن ~~بقصور الشرق العظيمة في فارس والهند. # من فوق منضدة من المناضد، فرش غطاء من الديباج القديم مطرز بالذهب، تطريزا يظهر شيئا من ~~وقائع الفراعنة وتاريخهم القديم، ومن فوقه كتاب من ورق الكتان الثمين، به صور تمثل حضارة ~~مصر من أقدم عصورها ، وقد يقلب الخطيب الأعظم صفحات ذلك الكتاب، وقد عمل فيها الزمن فاصفرت ~~أطرافها، وظهرت على بعضها سفع هي من إملاء الدهر، دمغ بها الأسطر الهيروغليفية التي ~~مضت الملكة الصغيرة تترجمها للروماني الكبير، في لغة لاتينية فصيحة، كان لها من الأثر في ~~قلب «قيقرون» أضعاف ما لصوتها الحنون الجميل. # ولما أن رأت أن «قيقرون» قد استغرقته تلك الصفحات، ظنت أو خيل لها أنها قد أخضعت الرجل، ~~ونالت من رضاه ما أملت، فوعدته بأن ذلك الكتاب، سوف يحمل إلى قصره في «توسكولوم» صبيحة ~~الغد. # غير أن رجلا من طراز «قيقرون»، فيه خلاق القوة والجفوة، وانماز من أقرانه بفطرة ~~الاستقلال في الرأي، وتقديس الحرية، قلما تستهويه؛ مثل هذه الأشياء التي هي إلى جانب شخاصته ~~من صغريات الأمور، فإن العهود التي كانت قد قطعت لحزب «رومية» المحافظ، تلك العهود التي ~~حملته على الظن بأن «قيصر» سوف يعود إلى خطته الحرة القديمة، كانت قد عصفت بها خيلاء «قيصر» ~~واستعلاؤه، وثورته على التقاليد، وتحكمه في أمور «رومية» وانفراده بالرأي فيها، وعامة ذا لم ~~يترك في عقل «قيقرون» محلا لوهم، أو مكانا لهوى، فما كان ليشك أن سقوط الجمهورية كان ~~وشيكا، وأن دقائقها الأخيرة قد حانت، ولهذا لم يكن في الدنيا من مكان يستشم فيه «قيقرون» ~~ريح الاستبداد فيخنقه، أو يستروح فيه هواء الديكتاتورية، فيكاد يذهب بأنفاسه، من قصر تلهو ~~فيه «كليوبطرا» ويمرح «قيصر»، وإلا فكيف يتفق أن يجمع مكان واحد تاج الملك، وحكم الجمهورية؟ ~~ثم يشعر «قيقرون» أنه في جو طبيعي، على مألوف ما يوائم آراءه ومبادئه في الحياة والحكم؟ ~~فأخذت زياراته لقصر «كليوبطرا» تقل شيئا بعد شيء، وتتباعد فتراتها، فقد آنس أنه في خارج ~~جدران ذلك القصر أكثر حرية في التعبير عن ms43 آرائه، حتى لقد قال ذات يوم لصديقه «أتيكوس» ~~مشيرا إلى الجمع الذي كان يغشى بيت «قيصر»: «إني لأشعر بشيء من الاستيحاش في مكان لا يراعى ~~فيه الاحتشام». # على أن مثل هذه النقود والكلمات، لم يكن مما يأبه له «قيصر»، فقد كان يعتقد أن كل العقول ~~دون عقله، وأن كل صفات الرجال دون صفاته، فما الذي يخشى «قيصر» من رجال هم دونه في كل شيء؛ ~~فصاحة لسان، وقوة بيان، وشجاعة قلب، بل أقل منه تقاليد! وأية تقاليد تذكرها رومية، فتطاول ~~تقاليد قيصر، فاتح الدنيا وسيد العالم؟ # كان يظن أن شيئا واحدا ينقصه، ليصبح على قمة الدنيا جميعا، كان ينقصه حرب جديدة، يأتي ~~فيها من الأعمال ما عجزت عنه «رومية» في سالف زمانها، بل ما عجز عنه هو بنفسه، في سابق ~~أيامه، مغاز جديدة، وحروب طاحنة؛ ذلك ما كان يجول في صدر قيصر، حروب لا تذكر إلى جانبها ~~حروب «رومية»، إلا لتظهر كأنها اللعب مقيسا على الجد، أو الصغائر مقيسة على العظائم، حروب ~~يذكرها التاريخ وينسى ما عداها، هذا والزمان يرقبه، وأظفر الغدر يمتد إليه عن كثب، بعد أن ~~ظل مطويا في قنابه # 13 # عهدا، كادت تنسى فيه «رومية» سيل الدماء. # كانت بلاد «فارس» مرمى نظر قيصر، كانت «فارس» تغشى خياله، وتزوده بتلك الأحلام الشهية؛ ~~أحلام الشرق، وأحلام القيصرية الرومانية، كان نظره يمتد إلى «فارس»، مجال المخاطرات التي ~~أمدت الإسكندر المقدوني بالمجد الخالد والعز التالد، صحاراها المترامية الأطراف، ونجودها ~~العالية، وسهولها الخصيبة، وجمالها الشرقي، ومدائنها العامرة، وأنهارها الجارية، ووديانها ~~الفاتنة التي يغذيها الفرات، ويمنحها دجلة البهاء والإشراق، حدائقها المعلقة، وبروجها ~~المشمخرة، وقصورها المرمرية، ومعابدها القائمة على تلك العمدان التي أقيمت رمزا للعزة، ~~وعنوانا على الخلود: بسطها التي تشارك الدهر، وورودها الجميلة، وخزفها المتقن الصناعة، كل ~~مفاتن تلك القيصرية العظيمة، كانت قد اختلبت لب قيصر، حتى لم يخل في قلب «قيصر» مكان لغير ~~«فارس». # أية فتنة في «فارس»! وأي ظلام واربداد في بلاد «الغال»! أي إشراق وجمال في «فارس»! وأي ~~حزن واكدرار في ms44 بلاد «بريطانيا»! أما إذا سنح له أن تلمع نسوره الرومانية تحت شمس «فارس»، ~~فلا المجد، ولا العظمة، ولا الخلود بكافيته مطمعا في الحياة، أيجوس خلال الديار التي كانت ~~من قبل مجاس المقدوني الأعظم، ويستولي على تلك الثروات التي تعجز الدنيا كلها عن أن تجمعها ~~في مكان، غير «فارس» القديمة؟ # وكانت «كليوبطرا» أكثر من «قيصر» تحمسا لتلك الحروب، فكانت تذكي خياله بالمطامع، وتشعل ~~في نفسه حب العظمة الدنيوية، ومرماها أن تفوز من «قيصر» بكل ما يحوز من ثمار النصر، فتسخر ~~«رومية» في شخص قيصر، لتنال في النهاية غرضها الأخير، وما غرضها إلا أن تقف على هام الدنيا، ~~وتسخر من الأقدار. # لم تأبه «كليوبطرا» بما كان يحوم حولها من مظان الحسد والكراهية، ولم تلن قناتها نظرات ~~المقت التي كانت تنبعث من عيون أهل «رومية»، ولكنها كانت تعتقد اعتقاد أهل العقول الرشيدة، ~~أن ما من شيء يلين قناة الأرسطوقراطية الرومانية، بقدر ما تلينها قوة «قيصر»، فمن أجل أن ~~تركز القوة في شخص «قيصر»، كان لا بد لها من أن تعمل على تثبيتها في أنحاء العالم كله، من ~~أقصى الشرق إلى حدود مملكتها العظيمة، حتى تصغر «رومية» في جانب الدنيا، وتصغر الدنيا في ~~جانب «قيصر»، بذلك تكبح جماح الرومان، وتحملهم على الرضا ببقائها تحت كنف قيصر، ما دام قيصر ~~تحت كنفها، وبذلك تخلص كليوبطرا من الدنيا بالدنيا، وتفوز من العالم بالعالم. # كانت تريد أن تقيم ذلك الصرح من رءوس الأمم التي يطيح بها سيف «قيصر» في الشرق والغرب، ~~حتى إذا كمل بناؤه، وشيدت أركانه، وقفت من فوق قمته العليا تنظر إلى الدنيا في قبضتها ~~الناعمة، ممسكة ببنانها الرخص على أعنتها. # قد نتساءل: لم كل هذا؟ ولو أنك سألت «كليوبطرا» هذا السؤال، إذن لعجزت عن أن تجيب ~~لماذا؟ # وعلى الرغم من أنه كان يصعب على «كليوبطرا» أن تبارح ذلك القصر الذي كان يوحي إلى العالم ~~كله بأن «كليوبطرا» سيدة العالم الروماني، فإن رجوعها إلى مصر كان أشد عليها صعوبة، أترجع ~~إلى مصر بغير «قيصر»، لتعاشر ms45 أولئك الذين ما حدثوها مرة إلا بحديث الثورات، وما إلى الثورات ~~من أحاديث؟ كلا إن ذلك مما لا يتفق وعقلية «كليوبطرا»، إنما يتفق وعقليتها أن ترافق «قيصر» ~~إلى أقصى الشرق؛ تشاركه المشاق، وتشجعه على القتل والتخريب، فأخذت تعد العدة، وتجهز جهاز ~~السفر الطويل. ~~••• # كان من المعتقدات السائدة في «رومية» أن «قيصر» سوف يتزوج من «كليوبطرا» عقيب عودته من ~~مغزاته الكبيرة في بلاد «فارس»، وأن يعترف ببنوة الغلام الذي استولدها إياه، وراج الظن بأن ~~«قيصر» سوف يضيف إلى السلطة المطلقة التي كان يمارسها في العالم الروماني صولجان الملك، ~~وأنه كان يحاول أن يؤسس قيصرية مترامية الأطراف، الإسكندرية عاصمتها الأولى، ولقد أشفق ~~الرومانيون أن تكون هذه مطامع «قيصر» وأخذهم مما روج خصومه من الإشاعات هم عميق، ولقد ~~شعروا بأن العزة الرومانية قد خدشت في أعز ما لديها، وأن أمانيهم أخذت تنهار وأن أقدس ما ~~تطلعوا إليه بدأ ينحل ويتبخر؛ إذ خيل إليهم أن ما طمعوا فيه من سيادة «رومية» على الدنيا، ~~قد يتحطم وينهار في ساعة واحدة، ومما لا شك فيه أن الرومانيين إذا تصوروا أن «رومية» مهددة ~~بالانقسام، منذرة بالخراب، فإن ذلك مما يبعث في قلوبهم أشد الحزن، ويبعث في قلوبهم أنكى ~~حالات القسوة وحب الانتقام. # رميت «كليوبطرا» في هذه الآونة، كما رميت من قبل، بأنها مصدر الشر، ومبعث القلق، ومنبت ~~الفساد، ولقد تضاعف في قلوب الرومان مقتها، وزادت كراهيتها، ونجح أعداؤها في ترويج الأكاذيب ~~عنها، وبخاصة في إلقاح العقل الروماني الساذج بأن «كليوبطرا» قد قطعت على نفسها عهدا ~~لتحكمن «رومية» يوما ما، ولما أن اعتقد الجماهير، أن الملكة الطامعة، قد امتدت مطامعها إلى ~~«رومية» نفسها، غير مقتصرة على قيصر وحده، زاد بها الهم، وانساب في نفسها حب الانتقام، ولقد ~~قام شغب شديد في «رومية» مرة، لما أن ظهرت في شوارعها محمولة على هودجها الملكي، وقام في ~~أنفس الناس ميل إلى العمل على أن تضطر الدخيلة المصرية عنوة على أن تغادر بلاد الرومان، وأن ~~تقسر على أن تعود إلى بلادها: بلاد ms46 التماسيح. # ولقد وقع في أذن «قيصر» شيء من هذه الأقاويل، فكان له من سوء الوقع في نفسه، أكثر مما كان ~~للنقود التي وجهت إلى مسلكه وإلى أعماله، أن يجرأ الرومان على أن يمتهنوا تلك التي أحبها ~~وعبدها وفضلها على نساء العالمين! أن يتفوه الرومان عنها بكلمات يعوزها الاحترام والتقديس! ~~ذلك ما لا يستطيع «قيصر» أن يتسمح فيه، أو يهمل النظر في أمره، ولقد أشار في درج كلامه مرة ~~إلى فئة من أولاء فقال: «سوف ترون العقاب الذي ينزل بهؤلاء المناكيد المأفونين». # واستدعى المثال «طيموماخوس» توا، وكان من أشهر مكبا على إخراج تمثال للملكة مصنوع من ~~العاج، منزل بالذهب الخالص. ~~- «كم من الزمن تطلب للفراغ من عملك.» # فأخذ المثال يفكر، وحسب في نفسه الزمن الذي يستغرقه العمل في إنزال الذهب في جسم التمثال، ~~ولم يكن قد بدأ به بعد، وأجاب في حذر: «أحتاج ... عشرين سنة على الأقل». ~~- «لك ثلاثة أيام، أريد بعدها أن أرى التمثال مقاما على قواعده في معبد ڨينوس». # كان كل روماني يخشى تلك الساعات التي تهتز فيها أعصاب «قيصر» المكدودة بماض مفعم بأعظم ~~المخاطرات، فالويل لمن يقف عند ذاك في سبيله، أو يخالف له أمرا، وأقيم التمثال في اليوم ~~المعين باحتفال قلما رأت «رومية» أعظم منه بهاء أو أشد رواء، ولكن المقت كان في النفوس ~~مكبوتا، نفوس رجال الدين والنبلاء والضباط والقواد على اختلاف المراتب والمنازل، إذ اضطروا ~~أن يركعوا أمام الآلهة الجديدة التي غزت «رومية» في أعز معاقلها؛ في هياكلها ومكان العبادة ~~فيها، عبادة الآلهة، وعبادة التقاليد، وعبادة الجمال. ~~••• # بعد فترة من الزمان أراد «قيصر» أن يمس الرأي العام الروماني ليبلو ما فيه من قوة، وما ~~يخبئ من ميول، أراد أن يمتحن ذلك بتجربة جديدة. # كان ذلك في عيد «لوفاركاليا»، وهو عيد «كرنڨالي» عدته بضعة أيام، اعتاد فيه فتيان النبلاء ~~أن يظهروا في شوارع رومية نصف عرايا، يضربون المارة في رفق بسياط قصيرة من الجلد، بدعوى أن ~~ذلك مجلبة للحظ الحسن والتوفيق، وبحكم أن قيصر كان حبر ms47 رومية الأعظم، رأس الاحتفال، فجلس ~~في كرسي من العاج المموه بالذهب، وإلى جانبه «كليوبطرا»؛ وبعد أن اصطبغت الأرض بدماء ~~المعزى والكلاب جريا على مألوف العادة في ذلك العيد، كان «قيصر» على وشك الانصراف، إذ تقدم ~~إليه «مرك أنطونيوس»، مخترقا صفوف الناس، وتقدم إليه بتاج محاولا أن يضعه على ~~رأسه. # ارتفعت من بعض الجوانب أصوات، وظهر بعض الهرج، فكان أشبه بذاك الدبيب الذي يغشى سطح البحر ~~العميق قبيل العاصفة، غير أن «قيصر» قد أحس أن زمن هذا لم يئن، فتنحى قليلا، غير أن ~~«أنطونيوس» عاود الكرة عليه، بتأثير «كليوبطرا» التي لا يبعد أن تكون مصدر هذه المأساة، ~~فتقدم إليه «أنطونيوس» مرة ثانية، وبيده التاج المتوهج، ملحا في أن يقبله «قيصر»، وأن ~~يزين به الرأس التي تنحني أمام أكبر رأس في «رومية». # ولكن الدمدمة، وكانت أشبه بدمدمة بركان يحاول أن يخرج حممه، قد قرعت أذني «قيصر» بأشد مما ~~قرعتها أول مرة، حتى لقد خيل إلى «قيصر» أن العاصفة قد بدأت تداعب الأمواج، فما كان ~~«لقيصر» بعد هذا إلا أن يشيح بوجهه عن التاج، ثم يلقي به بعيدا عن رأسه، هنالك شهد العالم ~~جميعا أنه رفض أن يكون ملكا، وأنه ألقى بالتاج إلى الأرض، فهل يتهمه بعد ذلك أهل «رومية» ~~بمطمع الملكية، أو يتهمون «كليوبطرا» بأنها توسوس له بمطامع الملك؟ ~~••• # لقد خدع الكثيرون بهذا المنظر التمثيلي، فهبوا يصفقون بأيديهم، ويرسلون هتاف الاستحسان من ~~حناجرهم، أما الذين هم كانوا أنفذ نظرا، وأعمق فكرة، فقد همس في وعيهم صوت مصدره العقل: ~~«لا شك في أن «قيصر» إنما يرفض اليوم تاج الملك، ولكن ليقبله بعد أن يعود إلينا من مغزاته، ~~رافعا ألوية الانتصار، عاقدا فوق رأسه أكاليل الفتح العظيم»، هنالك تكونت النواة الأولى ~~من مؤامرة أخذ من ثم جيل يرويها عن جيل، وأهل ينقلها عن أهل، وفي زوايا «رومية» المظلمة ~~كنت ترى المتآمرين مجللين بسوادين: سواد الليل، وسواد الدسيسة، ليكونوا للقدر أداة القضاء ~~على «قيصر». ~~••• # كان الربيع قد أخذت تبتسم براعمه الأولى، كان ذلك في منتصف ms48 شهر «مارس» الشهر الذي انتحل ~~له اسم إله الحرب، فيه تهب على «رومية» رياح شمالية عاتية، تخضب سماءها بسحب حمر، انعكست ~~عليها أشعة الشمس غروبا وشروقا، فتلوح من ورائها السماء كالحة الصفحة، باهتة الأديم، فيه ~~تهتز الأشجار بعد سبات الشتاء، وتربو وريقاتها وبراعمها، وتعمر تلال «رومية » السبعة بعد ~~انجرادها، بتلك الزهرات المخبوءة بين الحشائش التي تنبت ومقدم الربيع، في سفوح تلك التلال ~~تنام المدينة الخالدة، حالمة في بحر من الليل الساكن، فإذا تساقطت كسف الظلام عليها، أخذت ~~الحركة تقل في شوارعها وممراتها، شيئا بعد شيء، حتى تموت جلبة النهار في لباس الليل، تلك ~~سويعات يعود فيها المكدودون، بعد عمل النهار، ليتقبلوا من ساعات السواد، نعمة الراحة في ~~بيوتهم، التي يشرفون منها على حظوظ العالم المعمور، وفي تلك الساعات كنت ترى «قيصر» بعد كد ~~النهار في الإشراف على مهيئات المغزاة الفارسية، مسرعا عجلان الخطى، ميمما شطر القصر الذي ~~تنزله فاتنته الملكية. # تراها جالسة بمقربة من النافذة، حيث تستطيع أن تراه عائدا إليها، غارقة في أحلامها، ~~مأخوذة بأوهامها، هنالك بعد أيام معدودات يغادران رومية للرومان، وبينما يكون «قيصر» في جوف ~~آسيا يشن الغارات شرقي بحر «قزوين» تكون هي في مصرها على ضفاف النيل، ولقد همها الفراق ~~وأفزعها، وأوحى إليها بأنه فراق سوف يكلفها المضض، ويوليها الصعاب، غير أنها اطمأنت للفراق، ~~وراضت نفسها عليه، لعلمها بأنه محتوم لا مفر منه، أليس المجد للعظماء بضروري، كالخبز ~~للدهماء والذؤبان؟ أما إذا تم لقيصر أن يصبح سيد «فارس»، فإنه ولا شك يصبح سيد الدنيا، أنه ~~ليكون في مقدوره أن يضعها على عروش نينوة وبابلونيا وفارس، ما من قوة في الدنيا تستطيع أن ~~تصدهما عما يريدان، فهما معا سوف يشيدان عاصمة ملكهما، أما «رومية»، تلك التي ما مرت ~~«كليوبطرا» في ناحية منها إلا وزأرت زئير الذئاب الجائعة النهمة، فسوف تضطر إلى أن تستقبلها ~~بالهتاف خاشعة، ودموع التوبة تجري على خديها. # على مثل هذه الخيالات القوية الصريحة، وبمثل هذه الأحلام التي هي أشبه بأحلام ~~«سميراميس»، كانت لعنة «إيدس ms49 مارس» سوف ترسل صواعقها، وتنزل غضبها العاصف الشديد. ~~••• # كاد الصبح يتنفس؛ وقد غادرها «قيصر» منذ ساعة واحدة، غير أنه ضمها إلى صدره ضمة أحست بها ~~«كليوبطرا» أن ضلوعها تكاد تمزق، وأن قلبها يكاد يعتصر، لم هذا، ألأن «قيصر» يشعر بأنه سوف ~~لن يراها! # بومضة من ومضات ذلك الوحي الغريب، بل الإلهام السماوي، الذي قد ينزل بعض الأحايين على ~~قلوب البشر، تشبثت به «كليوبطرا» متشفعة به أن لا يفارقها. ~~- «لم تخرج اليوم باكرا؟ لقد ذكرت أنك متعب! ظل هنا واسترح.» # ولكن لا، إن «قيصر» كان منتظرا، وحذر أن يتأخر أرسل «بروطوس» زميله «كشيوس» ليتلقاه؛ ~~ومن غير أن يستشف «قيصر» شيئا مما خبأ له الدساس القاتل، ألقى إلى «قيصر» أن يسرع الخطى، ~~وأن يعجل في الذهاب، ذلك بأن أمورا عظيمة لا يقطع فيها «السناتو» الروماني برأي من غير أن ~~يستطلع رأي «قيصر». # هنالك في «السناتو» وقعت الكارثة، سمع لغط، فوقف السابلة من الخارج يستمعون متسائلين: ~~ماذا جد؟ # وبعد قليل ظهر بعض الشيوخ على الشرفة، صفر الوجوه مرتعبين، وصاح بعضهم «قتل قيصر». # وعلا الصياح وارتفع العويل من كل مكان، ولكن صوت المتآمرين كان عظيما، إذ صاحوا أجمعين ~~والسيوف في أيديهم تلمع، وما تزال تقطر من دم قيصر: لقد أنقذنا شرف الجمهورية، وانتقمنا ~~لها! # فزع الناس أشد الفزع، وهبوا هاربين كأنما هم في يوم الحشر الأعظم، أو نهر انهارت سدوده ~~فتدافقت لججه، وانتشروا في نواحي المدينة، وفي لمح البصر، ذاع النبأ في «رومية»، حتى لم يبق ~~فيها حجر واحد لم يسمع بمصرع قيصر، وعم الرعب المدينة، وسادها الفزع الأعظم؛ فأغلقت ~~الحوانيت، وسدت النوافذ، وغلقت الأبواب، ليخفي كل إنسان أكنته «رومية» في ذلك اليوم، ما ~~ناله من خوف واضطراب، لقد علم الرومان أن كارثة حلت بهم، وأنه على إثر «قيصر» سوف تذهب ~~أرواح وتطيح رءوس. ~~••• # كان هذا الحادث نهاية أحلام «كليوبطرا» الذهبية؛ فخيل إليها أن هاوية سوداء فتحت تحت ~~قدميها، وابتلعت في جوفها العميق الهاوي كل مستقبلها، لقد تبدلت الدنيا المخضوضرة الزاهية، ~~في لحظة واحدة، ms50 صحراء قفر مجدبة. # وهنالك على ضفاف نهر «التيبر»، كانت تعدو شراذم من الجند شكت السلاح، وهي تلوح بشارات ~~عليها صور عظام جماجم بشرية، ذلك رمز الحرية الرومانية. # ها هم قد وقفوا قليلا بجوار منزل «قيصر»، ومن حناجرهم القوية صدرت هتافات، أفسدت على ~~الطبيعة بهاء يومها الربيعي . ~~- لتسقط المرأة المصرية! اقتلوها! اقتلوها! # كانت هذه الأصوات عين الأصوات التي ترسلها الحناجر البشرية، في كل ثورة من الثورات التي ~~شهدت فظاعتها البشرية على طول السنين والأحقاب. # هنالك من حول الملكة نفر من الخدم والعبيد، مصممين على أن يدافعوا عنها حتى الموت، ولكن ~~الموقف كان أجل من أن يترك في رءوسهم عقولا يفكرون بها، أو قلوبا يصمدون بها في ~~القتال. # كان هنالك رجل واحد لم تخنه شجاعته يوما، ولا فارقه عقله ساعة، مهما ادلهم الخطب، ~~أو تنكرت الأقدار، هنالك كان «أفوللودورس»: فسارع إلى القول: ينبغي لجلالتك أن تغادري هذه ~~المدينة الدموية بغير إبطاء. # غير أنه لم يكن من طبع «كليوبطرا» أن تخضع للتهديد أو تنحني للوعيد، فثارت على نصيحة ~~أستاذها وعاندت في تنفيذها، كانت فطرتها تحملها على أن تقاوم هذه الجماهير. # من ذا الذي يدري، لعل هناك بقية من أمل، أن «قيصر» لا بد من أن ينتقم له منتقمون! فإن ~~حزبا على رأسه «أنطونيوس» قد تكون سراعا والتأمت وحداته، لقد أحب «أنطونيوس» قائده «قيصر» ~~وقدسه ... ولعله ينفذ وصيته فيعترف «بقيصرون» ابنه منها ووريثه في ... # ما كانت هذه الأماني غير أحلام، أحلام إن تمادت فيها «كليوبطرا» فقد تودي بها، بل ربما ~~أودت بها وبقيصرون. # وتعالت الصيحات، فلم يكن هنالك من منجى إلا بالخضوع إلى نصيحة «أفوللودورس»، وكان قد أعد ~~كل شيء للهرب، ومغادرة الأرض الدموية. # من خلال تلك الحدائق الغناء، وبين مفاوز التلال الموحشة الجرداء، والاحتياط من الأنظار ~~ومن قطاع الطرق، استعادت «كليوبطرا» ذكريات أربع سنوات فرطن، عندما رجعت من منفاها تطلب ~~حماية «قيصر»، وقد اضطهدها أخوها. # هنالك أرخت على وجهها قناعا كثيفا، وتسللت من «رومية» الهادرة بالثورة، الهابة إلى ~~السلاح. # قد تحطم قلبها، وتحطمت ms51 أمانيها، أحست أن الدنيا تدور بها، وأن في كل خطوة فجوة من فجوات ~~الأرض تلقاها. # الخوف، والوحدة ... # كانت آمنة بقيصر، كانت مطمئنة إلى الدنيا بقربه. # منذ لحظات قصار، كانت الدنيا أمنا وسلاما؛ فانقلبت في لحظة واحدة، رعبا ~~وحربا. # لقد ساورتها هذه الأفكار، فغشت على عقلها وخيالها بغشاوة كثيفة من القلق والاضطراب، غير ~~أنه إلى صدرها استندت تلك الرأس الصغيرة التي تحمل ملامح الراحل العظيم، فضمت الطفل إلى ~~صدرها، وقبلت فاه الباسم الجميل. ~~«كلا، إني لم أفقد كل شيء.» # ذلك همس أحيى في قلبها الأمل تارة أخرى. ms52