######OpenITI# #META# URI: 1381IsmacilMazhar.QissatTufan.Hindawi62413635 #META# Tags: philosophy #META# ID: 62413635 #META# Title: قصة الطوفان #META# AuthorID: 53973639 #META# Author: إسماعيل مظهر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # تصدير‏ # حدود المعرفة وتقسيمها على مقتضى كفايات العقل الإنساني1‏ # قصة الطوفان وتطورها‏ # مقارنات‏ # الإهداء‏ # تصدير‏ # حدود المعرفة وتقسيمها على مقتضى كفايات العقل الإنساني1‏ # قصة الطوفان وتطورها‏ # مقارنات‏ # | قصة الطوفان # | قصة الطوفان # تأليف # إسماعيل مظهر # قصة الطوفان وتطورها في ثلاث مدنيات قديمة هي: الأشورية البالية والعبرانية والمسيحية ~~وانتقالها باللقاح إلى المدنية الإسلامية. # | الإهداء # إلى أحرار الفكر أهدي هذا الكتاب. # | تصدير # أتى العلامة «إدورد كيرد» في أول كتابه المعروف عن فلسفة «كانت» بجمل نقلها عن «كانت» ~~نفسه تمهيدا للكلام فيه وفي فلسفته، لم نر بدا من أن ننقلها هنا تمهيدا للكلام في ~~موضوع الكتاب، قال: # يمكن أن نصف هذا العصر بأنه عصر النقد؛ النقد الذي اضطر كل شيء إلى الخضوع له. ~~فالدين على عرش القداسة، والقانون على عرش العظمة، قد حاول كلاهما مرات أن يفلتا ~~من الخضوع لهذه الضرورة، غير أنهما بما يحاولان في هذا الشأن إنما يقيمان في ~~الأذهان شكا في ما يعضدهما من الأسس والقواعد، كما أنهما يعدمان بهذا كل ما يحبو ~~العقل غيرهما به من الأشياء التي أثبتت قدرتها على الثبات أمام البحث الحر. # وليس لنا أن نزيد حرفا على ما كتب «كانت»، فإن هذه الأسطر القليلة العدد الكبيرة المعنى ~~كافية عندي لأن تكون أكبر مبرر للنحو الذي أنحوه في هذا البحث. # غير أني أرى أن التعقيب على هذا ببحث في حدود المعرفة وتقسيمها، والمبادئ التي أعتقد ~~بصحتها في هذا الشأن أمر ضروري، أقل ما فيه من الفائدة أن يتريث بعده الناقدون في مذاهبهم. ~~وأن يصد بعض الذين يحاولون الذهاب بحرية الرأي في مذاهب وعرة عن غايات أعتقد بأن الوصول ~~إليها خطر مكروه. # على أن «حدود المعرفة وتقسيمها» على مقتضى كفايات العقل الإنساني، إن كان بحثها ضرورة ~~ألجأتنا إليها ظروف الأحوال، فلا أقل من أن نصرح برأينا في أن هذه الضرورة سوف تزول عما ~~قريب، وأن الباحثين سوف يفسح أمامهم مجال القول، من غير احتياج إلى تمهيد وإلى مقدمات، ~~أعتقد أنها كثيرا ما أثرت في لب الموضوعات تأثيرا ms01 صرفها عن القصد، وذهبت بها في ~~مذاهب أنحتها عن الغرض الأصلي الذي من أجله وضعت، والذي من أجله أعنت في سبيلها الكاتبون ~~قواهم وعقولهم. وأظن أنني بلغت بهذه الكلمات غرضا لم أجد إلى التعبير بغيرها عنه ~~سبيلا. # | حدود المعرفة وتقسيمها على مقتضى كفايات العقل الإنساني1 # الكفايات التي هي أظهر من غيرها أثرا في حياة الإنسان العقلية ثلاث، والظاهر أن هذه ~~الكفايات هي الكفايات الأساسية التي تقوم عليها المعرفة وهي: # أولا: # كفاية الاعتقاد. # ثانيا: # كفاية التأمل. # ثالثا: # كفاية الإثبات. # وعن هذه الكفايات الثلاث تنتج ثلاث صور من المعرفة. فعن كفاية الاعتقاد ينتج الدين، ~~وعن كفاية التأمل تنتج الفلسفة، وعن كفاية الإثبات ينتج العلم؛ إذن فالدين والفلسفة ~~والعلم ثلاثة اصطلاحات وضعت لتدل على ثلاث صور معينة من صور المعرفة الإنسانية، بحيث ~~يفصل بينها في الاعتبار العقلي حدود موضوعة، ولا تجتمع إلا في حيز واحد؛ إذ ترجع ~~برمتها إلى أنها نتاج للعقل الإنساني. # وما نعني بالعقل الإنساني إلا ذلك الشيء الغامض المبهم، الذي فيه من الفطرة ومن الكسب ~~مزيج ينتج تكوينا نسميه العقل. وما دام العقل - كما سنرى بعد - أحد الأشياء التي نسلم ~~بها ولو عجز العلم عن إثبات وجودها بأساليبه الموضوعة، اضطررنا إلى القول بأن تعريف ~~العقل وحده مستعص إلى حد بعيد. ولكن يكفي أن نعرف من العقل أنه المصدر المكون من ~~فطرة وكسب، والذي ينتج عنه مجموعة المعرفة الإنسانية. ~~(1) كفاية الاعتقاد ونشوء الدين # في الحياة الإنسانية ظاهرة من الجائز أن تكون قد سبقت بالوجود أول مدارج ~~الاجتماع. تلك ظاهرة الاعتقاد، فكما أن الإنسان كائن اجتماعي بالطبع، فهو كذلك ~~كائن معتقد بالطبع؛ أي إنه ذو عقيدة في صحة شيء وبطلان آخر. # فالحاجة - حاجة الإنسان إلى الاحتفاظ بكيانه وحياته - جرته إلى الموازنة بين ~~الحالات المحيطة به، مقودا بفطرته مسوقا بمقتضى غريزته إلى الاعتقاد بصحة عدد من ~~الحقائق المرجحة، التي تحف به ظاهراتها وتحوطه نتائجها. # عاش الإنسان الهمجي عيشة الفطري الساذج في جوف الطبيعة، يتلمس أوجه الحقيقة ~~ليزيح عن عينيه وشاح الجهل والعماية التي ms02 جرته إلى عبادة الأوثان والعناصر، ومضى ~~يتأمل نواحي الطبيعة ليقع على قبس من نور الحق يجلو به ظلمة الشك القاتل، الذي ~~يحوط بماضيه ويحف بمستقبله وينهك قواه في حاضره، فلم يجد سوى الوهم والتخيل يحبوهما ~~الخوف من جهل بالمستقبل، فراح يضرب مع أوهامه في فلوات الفكر القصي، يأخذ بيده ~~الخيال وتنجده كلما زلت قدمه في مزالق الوهم، تصورات ما نزل بها من سلطان. # تلك حالات تطمئن إليها النفس، ويسكن إليها العقل الفطري، ما دامت آتية من ناحية ~~الفكر منتهية بالإنسان إلى صورة من صور الاعتقاد بصحة شيء ما، مهما كان ذلك الشيء ~~في ذاته باطلا. # فالإنسان إذن كائن معتقد بطبعه، وما كان للإنسان أن يتبدل بمعتقده معتقدا ~~آخر، قبل أن تصح عنده مقدمات تسوق إليه، وما كان له أن يثبت على معتقدين متناقضين ~~أو متضادين تلقاء شيء بذاته، في زمان بذاته؛ ذلك لأن للعقل الإنساني طبيعة لا تسع ~~إلا اعتقادا في شيء بعينه في زمان بعينه. # من هنا نقول بأن الاعتقاد الفطري في الإنسان تكأة الدين، كما أن الخوف والجهل ~~منشؤه. قال المؤرخ ليكي في كتابه: «تاريخ حرية الفكر في أوروبا» ص16 جزء أول طبعة ~~1913 ما يلي: # نجد في حياة الإنسان الفطرية الأولى أن الاعتقاد بالسحر كان عاما، بل ~~غالبا ما ظهر ذلك الاعتقاد مصحوبا بضروب شتى من القسوة الغاشمة. ~~والسبب في ذلك ظاهر؛ فإن الفزع كان في كل الحالات الباعث الأول على تصوير ~~الأديان؛ لأن الظاهرات التي كانت تبلغ من عقول المتوحشين أبعد مبلغ من ~~التأثير، ليست هي الظاهرات التي تدخل في حيز الأشياء الطبيعية من الأسباب ~~الموصولة بالمسببات التي تقع تحت التجربة، أو تلك التي تنتج أكثر مظاهر ~~الطبيعة عودا بالنفع والخير على الإنسان، بل هي الظاهرات المهدمة القاسية ~~التي ترى على ظاهرها؛ كأنها خارجة عن النسق العام. # والحب والعطف أقل في الواقع من الخوف في النفس أثرا؛ لذلك نرى أن أقل ~~خروج في الطبيعة على أوجه تجانسها الظاهر مدعاة إلى إحداث انفعالات نفسية ~~في الإنسان، أمعن ms03 في النيل من شعوره من أبعث مظاهر الطبيعة على الروعة ~~الهادئة والإعجاب الساذج. فإذا وقع في عقل الهمجي من آثار الطبيعة أبلغها ~~في الشدة والعتي، أو إذا أصابه من الأمراض مهلكها، أو من أخطار الطبيعة ما ~~يؤدي به إلى العدم، فهنالك يستمد الهمجي من تلك الحوادث أسبابا يبني ~~عليها اعتقاده في الشياطين والأرواح الشريرة. ففي ظلام الليل الحالك أو في ~~حدوث العواصف الشديدة العاتية وترديد الوديان والجبال صدى تلك الرياح ~~المتناوحة، أو في ظهور مذنب عظيم يضيء الليل بوهجه وضيائه، أو في حدوث ~~خسوف أو كسوف تظلم معه جوانب الطبيعة بعد إشراقها، أو في وقوع قحط يذهب ~~بالحرث ولا يبقي النسل، أو في أي مرض يكون له تأثير ما على قوام العقلية ~~السليمة، بل في كل ما يسوق إلى شر أو ينتج ضرا، مبعث في نفس الهمجي على ~~الشعور بشيء يتخيله مما وراء الطبيعة. # وهو إذ يعيش معرضا إلى قواسر الطبيعة وأعاصيرها، جاهلا سلسلة الأسباب ~~التي تصل بين أطرافها المشعبة، يقضي الهمجي عيشه في خوف مستمر، متخيلا أن ~~هالة من الأرواح تحيط به، وأن جوا من الشر يؤويه. # ذلك يدل على أن منبت الدين الأصلي اعتقاد فطري، ينزل منزلة الضرورات التي يرجع ~~أصلها إلى الغرائز، جرت إلى تشكيله حالات أحاطت بالإنسان، فاختلفت نظراته في ~~المعتقد الديني باختلاف تلك الحالات. ~~(2) كفاية التأمل ونشوء الفلسفة # إذا خرجنا من عالم الاعتقاد ولجنا عالم التأمل. ويحسن بنا أن نبين هنا أن ~~الإنسان كما هو معتقد بالطبع واجتماعي بالطبع، هو كذلك متأمل بالطبع، ولن يكون ~~تأمل بلا اعتقاد ولا فلسفة بلا تأمل. # يبدأ الإنسان بالاعتقاد من غير أن يكون له اختيار في أن يتأمل في حقيقة ما يعتقد ~~به، فإذا داخل الإنسان الشك في حقيقة شيء مما يعتقد به، بدأ يتأمل في ما يقوم ~~عليه اعتقاده من المقدمات، وفيما يمكن أنه يصح لدى العقل من النتائج التي تؤدي ~~إليها هذه المقدمات. فإذا صح لديه من طريق ما أن الحقائق التي اعتقد بها بديا لا ~~تلائم ms04 ما وصل به إليه التأمل ، أخذ من ثم يتلمس طريقا يوفق به بين معتقده ~~واستنتاجه؛ أي بين دينه وفلسفته. غير أنه غالبا ما يعز عليه أن يلغي الدين، كما ~~يعز عليه أن يلغي الفلسفة، فيحاول من ثم المزج بينهما مزجا أخرج لنا كل صور ~~الدين العليا، وكل مذاهب الفلسفة اللاهوتية التي قامت على مدى الأزمان. ~~(3) كفاية الإثبات ونشوء العلم # من الاعتقاد ومن التأمل ممزوجين تتولد حالة ثالثة، هي من حيث الأصل فطرية في ~~الإنسان. على أن هذه الحالة لن تنشأ إلا مع الشك؛ فإن الإنسان إذا شك في معتقده ~~ثم شك في استنتاجاته التأملية، نزع ضرورة إلى الإثبات، فإذا كملت لديه هذه النزعة ~~الإثباتية نشأ مع كمالها الأسلوب العلمي في أول مدارجه، فإذا تدرج في طريق الإثبات ~~تحيزت الطريقة العلمية الإثباتية على الأسلوب الحديث، فأصبحت عبارة عن وحي الحواس، ~~تحديدا لها عن وحي المعتقد ووحي التأمل. # وهنا يجب علينا أن نرجع إلى الفلسفة ~~الإثباتية Positive Philosophy ~~؛ لنقول بأن ما وضع أوغست كونت من القواعد في تقسيمها ~~يلائم تمام الملاءمة تقسيم المعارف الإنسانية على حسب الكفايات العقلية في الإنسان. ~~فإن دراسة الإدراك الإنساني من كل ناحياته تدلنا على وجود قانون ضروري يخضع له ~~العقل، نتبينه من أثره في النظام الاجتماعي والتجاريب التاريخية الثابتة. # إن كل فكراتنا الأولية ومدركاتنا، وكل فرع من فروع معرفتنا، لا بد من أن يمر ~~بالتوالي على ثلاث حالات مختلفة: الأولى اللاهوتية وهي التصورية التخيلية، والثانية ~~المتنافيزيقية الغيبية وهي التأملية المجردة، والثالثة الإثباتية - أو تجاوزا - ~~اليقينية الواقعة، هذا هو الأساس الذي تقوم عليه الفلسفة الإثباتية؛ أي فلسفة ~~«كونت» الحديثة، وعليها يقوم التقسيم الأخير الذي اعتمد عليه الباحثون في تمييز ~~العلوم بمقتضى الكفايات العقلية في الإنسان. أما الحالة الإثباتية فهي التي ينشأ ~~فيها العلم الصحيح. # إن من أخص ما نحتاج إليه في تحديد معنى العلم أن نظهر الفرق بين نزعة العلم ~~ونزعة الدين؛ أي الفرق بين ما تنتج نزعة الاعتقاد ونزعة الإثبات في الإنسان من ~~المظاهر. # أما الدين فنزعته ms05 ذاتية # Subjective # محدودة في ~~أنها تنسب أو تحاول أن تنسب قيمة ذاتية خاصة لحادثات الحياة وظواهرها، وهي في أهم ~~وجوهها عبارة عن معرفة الوجود بشكل عام مطلق مستمد من الرغبات والضرورات الراجعة ~~إلى الشعور أو القلب الكامن وإلى روح الإنسان؛ إذ ترتد إلى النظر في حياتها ~~الداخلية أكثر من نظرها في عالم الطبيعة الخارجي. أما نزعة العلم فيفخر العلماء ~~بأنها غير ذاتية بل موضوعية عامة # Objective ~~. # يصل الدين إلى العالم الخارجي المنظور مزودا بمطالب، يحاول من طريقها أن يخلق ~~جوا ملائما لمجموعة من الرغبات والانفعالات الخاصة. أما العلم فيظهر خلوا من كل ~~شيء، ولا يصل إلى العالم إلا ليعرف الكون من طريق النظر الحسي في طبيعته. # يترك العلم الطبيعة حرة في أن تلقي في روع كل إنسان سرها وروايتها بلغتها ~~الخفية وبلغتها الحقة. أما الدين فلا يرضى للطبيعة أن تتكلم بلغتها، فيضع لها لغة ~~ويتنحي لها أسلوبا من البلاغة مخالفا لبلاغتها. ثم يرجع في كل الظواهر إلى ~~استيفاء أغراضه الأولية، لا إلى الترجمة عن حقائق الكون كما تريد الطبيعة أن تلقيها ~~في روعنا. # هذه هي الحدود الموضوعة للكفايات العقلية الثلاث وما ينتج عنها من صور المعرفة. ~~فلنحاول من ثم تحديد العلاقة الواقعة بينها. ~~(4) العلاقة بين الدين والفلسفة والعلم # 2 # لقد حدد الأستاذ «تيودور مرتز» هذه العلاقة تحديدا قويما؛ لهذا نعتمد عليه في ~~شرحها وبيانها؛ قال: # هنالك أشياء كثيرة تقوم في عقلية كل فرد من الأفراد: شخصية في طبيعتها ~~ذاتية في مبعثها، ولهذه الأشياء في أنفسنا من الشأن والخطر ما لغيرها من ~~مطالب الحياة وحاجاتها، ومن هذه الأشياء تتكون المادة الحقيقية التي ~~يتركب منها الفكر الخارج عن ميدان العلم، وهي في جوهرها ومظهرها مناظرة ~~للعلم الإثباتي؛ أي إنهما طرفا تناظر. وفي هذا الشطر من الفكر لا يستطيع ~~شخص بذاته أن يقوم بعمل ينتفع به الكثيرون على نفس الطريقة التي تحتذى في ~~العلم. فالأخذ بالبرهان في ذلك الشطر من الفكر مستحيل، والإجماع على شيء ~~فيه لا يضم تحت لوائه إلا عددا قليلا ms06 من الناس، وذلك هو الدين. # أما الصفة التي تلازم ذلك الشطر من الفكر فكونه فرديا ذاتيا، في حين ~~أن العلم مهما كانت صبغته ومهما كان أصله عام موضوعي - أي غير ذاتي - يرجع ~~إلى الموضوع لا إلى الذات التي تفكر في الموضوع وتفحص عنه. فإذا مثلت الفكر ~~بشيء ذي طرفين متناظرين، ألفيت أن العلم الرياضي في أحد طرفي الفكر، وأن ~~الدين في الطرف الآخر، وتجد أن التجانس والاتفاق في الطرف الأول صفة ملازمة ~~كالاختلاف في الطرف الثاني. تلحظ أن وحدة الفكر صفة ثابتة في الطرف الأول، ~~في حين أنك لن تقع لها على ظل في الطرف الثاني. إن وحدة الفكر لم تعرف ~~في الدين ولن تعرف. # فيما بين هذين الطرفين تقع على مسافة كبيرة من الخلف تصل بينهما. إن هذه ~~المسافة يغشاها من الفكر صورة تصل بين الطرفين، فتبرز حينا في هيكل من ~~المعرفة وآخر في مثال من الإيمان، فيختلط فيها قليل من الأشياء المحققة ~~بكثير من الإيمان والاعتقاد المبهم، تلك المسافة الكبيرة وهذه المفازة ~~المترامية الأطراف، والتي تتوارد عليها صور التغاير والاختلاف سريعة ~~متعاقبة، هي سكن الفلسفة الحقيقي ومنبتها الأصلي، الفلسفة التي تتناول ~~الحقائق ولا تأنف من الإيمان. الفلسفة أصل المعرفة ومنبع المعتقدات ~~واليقين. الفلسفة حلقة الوصل بين الطرفين المتناظرين: طرف العلم الإثباتي ~~وطرف الدين. ~~(5) استعمال اصطلاح «العلم» استعمالا مجازيا # بعد أن قطعنا هذا الشوط من البحث، يجب علينا أن نبين أن اصطلاح العلم كثيرا ما ~~يستعمل مجازيا، فيدل على المعرفة، فإن الغالب عند كل من يحاول أن يعرف شيئا من ~~حقائق الكون، أو قضايا المنطق الجدلية، أو القياس، أو أصول الدين، أو التشريع أو ~~النفس أو الأدب، أن يسمي هذا «علما». والكل معذور في أن يستعمل هذا الاصطلاح في ~~هذا المعنى المجازي الواسع؛ لأن كل ما وصل إلينا من مذاهب الفلسفة أو مبادئ العلوم ~~أو أصول الشرائع من العالم القديم سمي علما؛ ذلك لأن تقسيم المعرفة على مقتضى ~~كفايات العقل الإنساني وليد العصور الحديثة؛ ولهذا تجد من أصعب الأشياء ms07 أن تناقش ~~شخصا لم تتحيز في عقليته الفروق الموضوعة بين أقسام المعرفة على مقتضى الكفايات ~~التي تستمد منها في تكوين العقل؛ ذلك لأنه يعتقد أن الدين علم، وأن الفلسفة علم، ~~وأن العلم علم، في حين أن الاصطلاح الجامع لهذه الصور الثلاث هو «المعرفة». # فالدين معرفة، والفلسفة معرفة، والعلم معرفة، ومن مجموعها تتكون المعارف ~~الإنسانية. ولا جرم أننا من غير أن نميز بين الفروق الموضوعة بين هذه الصور نضرب في ~~ليل من الفوضى حالك السواد؛ لهذا نحدد صور المعرفة بما يأتي: ~~(1) # الدين # Religion ~~- اعتقاد # Belief ~~- ذاتي # Subjective ~~. ~~(2) # الفلسفة Philosophy ~~- تأمل # Meditation ~~- لا ذاتي ~~صرف ولا موضوعي صرف # Neither Purely subjective nor purely objective # أو استنتاج # Deduction ~~. ~~(3) # العلم # Science ~~- إثبات استقرائي تام Perfect induction ~~- موضوعي # Objective ~~، وبين هذه الصور الثلاث يجمع ~~اصطلاح واحد هو: ~~(4) # المعرفة # Knowledge ~~. # على هذا نجد أن العلم محدود تحديدا تاما بسيطا وكذلك الدين. فإذا لم نراع ~~هذه الحدود وإذا لم نراع الدقة في استعمال هذه المصطلحات، لم نستطع أن نحدد ~~التفكير، وبذلك تختلط علينا المقاصد في العلم والفلسفة والدين، بل نعجز عن أن نحدد ~~الأغراض التي ترمي إليها، ونبالغ في تقسيم الحاجات الفكرية والمادية مبالغة قد تصل ~~إلى حد الإفراط حينا أو التقصير حينا آخر، بل لا نخطئ إذا قلنا إن كل المناقشات ~~التي تقوم حول المباحث العقلية، تصبح خليطا من صور الفكر، لن تؤدي إلى نتيجة ولن ~~نصل معها إلى غاية. وبذلك نفسح المجال للجدل المنطقي الذي ذاعت مع ذيوعه مذاهب ~~السفسطة في العصر اليوناني. # لا جرم أن بحثنا هذا يظل ناقصا إذا لم نظهر الباحث على أشياء عديدة يشتبك فيها ~~العلم مع الفلسفة اشتباكا كبيرا. وعلى هذا نبدأ بالكلام في «الفرض»، وليس غرضنا ~~أن نحدد ما هو «الفرض» في المنطق أو ما هو «الفرض» في الفلسفة القديمة، بل نقسم ~~الفرض إلى قسمين: أولهما الفرض الضروري وثانيهما الفرض الإمكاني. ثم نمضي في بيان ~~الفرض الضروري لنستطيع بذلك أن نميزه عن الفرض الإمكاني. أما الفرض الضروري فهو ما ms08 ~~يقبله العلم على ما حددناه من قبل. وأما الفرض الإمكاني فلا مكان له إلا في عالمي ~~الفلسفة والدين. ~~(6) تعريف الفرض الضروري ~~«الفرض الضروري هو عبارة عن الحكم الذي يقسر العقل على التسليم به بمقتضى ما في ~~العقل من ألفة؛ لأنه لا يمكن الاحتفاظ به إلا من طريق التسليم بذلك الفرض. في حين ~~أن «العلم» # Science # يضطر إلى التسليم مع العقل ~~بصحة ذلك الفرض، ولو أنه يعجز عن إثباته بالطرق العلمية الموضوعة.» ~~(7) تعريف الفرض الإمكاني ~~«هو الفرض الذي يستوي فيه حدا الوجود والعدم، أو الذي يحتمل أن يكون له حقيقة ~~موجودة، كما يحتمل أن لا يكون له أية حقيقة في الخارج. ومعنى هذا أن العقل إذا سلم ~~بالفرض الإمكاني أم لم يسلم، فإنه يظل محتفظا بألفته كاملة. في حين أن العلم يرفض ~~التسليم بالفروض الإمكانية رفضا باتا تاما، ما لم تثبت صحتها ثبوتا قاطعا ~~بالأساليب العلمية المعروفة.» ~~(8) شرح المذهب في الفرض الضروري # الطريقة العلمية تقوم على وحي الحواس؛ ولذلك يقول الباحثون في الأسلوب العلمي: ~~«كل ما لا تثبته الحواس لا يمكن أن يكون صحيحا.» بهذا قال سبنسر، وجاراه في ذلك ~~الكثيرون. على أن الحواس التي يفقد الإنسان بفقدانها كل ذاتية عقلية فيه ناقصة، لا ~~تؤدي إلينا من الإدراك إلا ما يقوم مقام الفرض الصرف في كثير من الحالات. ولقد عدد ~~فلاسفة العلماء حقائق كثيرة نحن مجبرون على الاعتقاد بصحتها، في حين أن العلم ~~يعجز عن معرفتها وإثبات وجودها بطرقه الموضوعة. وإليك مثال من ذلك: # وجود عالم خارج عن حيزنا # خذ مثلا التكأة التي تكتب عليها، كيف تعرف أنها خارجة عن حيزك؟ وبالأحرى كيف ~~يمكن أن تثبت علميا أنها خارجة عن حيزك؟ إنك إذا نظرت إليها أو لمستها أو ~~وقعت تحت حسك بحال من الأحوال، فكل ما في مستطاعك أن تعرف منها ليس سوى ~~مدركات حواس كائنة فيك، وليست خارجة عن حيزك، لا في لونها وصورتها فحسب، بل ~~أيضا في صلابتها وقوتها. والدليل على هذا أن فقد أعصاب البصر يمنع عينك أن ms09 ~~تراها، وأن فقد أعصاب اللمس يمنع عينك أن تحس بها، وأن فقد الحواس جميعها يمنع ~~عينك أن تدرك أنها موجودة البتة. # ذلك في حين أنه وإن لم يكن في مستطاعك أن تعرف من وجود تلك التكأة علميا ~~إلا إحساسات كائنة في حيزك، إلا أن تركيب عقلك قد وضع على نظام يجملك على أن ~~تعتقد بأنها كائنة في حيز خارج عنك. فإذا اعتقدت بما يخالف ذلك، وأخذت تؤدي ~~عملك بما يوحي إليك به اعتقادك هذا، كان ذلك دليلا على أن ميزان العقل قد ~~اختل وتفككت ألفته. هذا فرض ضروري يسلم به العقل قسرا عنه، ويسلم به العلم ~~وإن عجز عن إثبات وجود التكأة في عالم خارج عن حيز الإنسان بأساليبه ~~الموضوعية. # في أن وجود المادة يتوقف على وجود قولي في الجذب والدفع # أما أن قوتي الجذب والدفع حقيقتان طبيعيتان، فذلك ما لا سبيل إلى إدحاضه أو ~~التشكك فيه. فإننا إذا أخذنا جسما صلبا وأردنا أن نفصل بعض أجزائه عن بعض ~~فإنه يقاوم مجهودنا، وكذلك هو يقاومنا إذا أردنا أن نضغط بعض أجزائه، مثبتا ~~بذلك أنه إنما يتركب من دقائق تتجاذب وتتدافع في آن واحد. وإلى هذه الحقيقة ~~تعود ظاهرة التفاعل وعدم التفاعل في العلم الطبيعي، بل وفي أجزاء الطبيعة ~~برمتها، ومع كل هذا فإن هذه الحقيقة تعلو الإدراك العلمي في تعليل كيف أن دقيقة ~~واحدة تجذب أخرى في حين أنها تدفعها وتقاومها. وفي ذلك يقول سبنسر: إننا لا ~~نستطيع أن نأتي بقطعة من المادة يظهر فيها أن جزءا يجذب آخر في حين أنه ~~يدفعه، ومع هذا فإن الاعتقاد بذلك إلزامي ضروري. # إذن؛ فالتسليم بوجود قوتي الجذب والدفع فرض ضروري، العقل مقسور على التسليم ~~به، وفي ذلك يجاريه العلم كرها، ولو أنه يعجز عن إثبات وجود هاتين القوتين ~~بطرقه المعروفة. # في بقاء القوة # أي في حقيقة أن كمية القوة الموجودة في الكون ثابتة لا تزيد ولا تنقص. يقول ~~العلامة «سبنسر»: إن هذا الاعتقاد أساس كل العلوم الحديثة، وإنه النبع الفائض ~~الذي نستمد ms10 منه العلم بكل النواميس الطبيعية. يقول: إن كل النواميس الطبيعية ~~الأخر ليست سوى توابع تعود إلى هذه الحقيقة العظمى، وكل الاستقراء العلمي ~~«يفرض» أن القوة ثابتة؛ لأنها إذا لم تكن كذلك أصبحت أدوات قياس الأبعاد، التي ~~هي في ذاتها عبارة عن قياس القوة الجاذبة، وكل أدواتنا الأخرى التي نحقق بها ~~استنتاجاتنا العلمية تتغاير بين يوم وآخر أو بين ساعة وأخرى. وبذلك تصبح كل ~~المعارف الطبيعية غير ممكنة؛ لذلك كان مبدأ بقاء القوة - ولو لم نستطع أن نثبته ~~علميا - اعتقادا إلزاميا ضروريا. # والعلامة سبنسر يعتقد أن هذا الفرض وإن كان أساس العلم الطبيعي، إلا أن ~~«العلم» يعجز عن إدراكه وإثبات وجوده بطرقه المعروفة التي تعتمد على الحواس. ~~وهذا مثال حق يثبت قاعدة أن كثيرا مما لا يمكن أن يدركه العلم الطبيعي يجب أن ~~يعتقد بوجوده؛ إذ لولا هذا الأمر لتحلل ذلك الهيكل النظامي الذي ترتكز عليه ~~معرفتنا. # هذه أمثال ثلاثة. وفي مستطاعنا أن نأتي بأمثال أخرى. فالعقل ووجوده في ذوات ~~غير ذواتنا لا يمكن إثباته بالطرق العلمية، وكذلك الأثير والاعتقاد بتفوق العقل ~~على المادة، والشجاعة على حب الملاذ، والاعتقاد بوجود السببية العلمية، كل هذه ~~الأشياء تقسر على الاعتقاد بوجودها عقلا باعتبارها فروضا ضرورية، في حين أن ~~العلم يجاري العقل فيها ولا ينكرها عليه، بل هو مضطر إلى اتخاذها قاعدة يبنى ~~عليها، ولو أنه يعجز عن إثبات وجودها بالأسلوب العلمي. # هذا هو الفرض الضروري. فلنحاول من ثم في تطبيقه على بعض الأشياء التي تقوم ~~عليها معرفتنا؛ لنعرف الفرق بينه وبين الفرض الإمكاني، ولنجعل الفكرة في وجود ~~الله محورا يدور من حوله البحث. ~~(9) الاعتقاد بوجود الله فرض ضروري # يعتقد كثير من أصحاب العقول الراجحة في هذا الزمان أنه ليس في الفلسفة من شيء هو ~~أبعد من ألفة العقل من تلك الفكرة التي يطلق عليها اصطلاح «الناسوتية» أنثروبومورفزم # Anthropomorphism ~~؛ أي الفكرة القائلة بتزويد ~~الله بشيء من الخصائص الإنسانية. على أن الاعتقاد بأن الخالق مكون على حسب نماذجنا ~~العقلية، أو أنه صورة من صور الفكر ms11 الإنساني، هو اعتقاد فيه من الباطل بقدر ما في ~~القول بأن الأرض مركز النظام الشمسي، وأن الإنسان محور العالم. # وعلى الرغم مما في هذا النقد من الصحة ومطابقة الواقع ، فإن محاولة الاعتقاد بأن ~~علة الكون من الممكن إدراكها بما يبعد عن إدراك ذواتنا، أمر بعيد عن الإمكان بحكم ~~الطبيعة، بل قول هراء لا أثر له من الحقيقة. # خذ لذلك مثلا «اسبينوزا»؛ فإنه أبعد الفلاسفة عن الاعتقاد بأن الخالق مكون على ~~نموذج عقله، وقد مضى في فلسفته متخيلا أنه اجتاز هذه العقبة الكئود بأن جعل الخالق ~~عبارة عن «امتداد وفكر»، غير أن دكتور «مارتينو» قد نقض هذه الفكرة متسائلا: «من ~~أين أتى لاسبينوزا فكرة «الامتداد» إلا من النظر في حالات جسمه الطبيعية، ومن أين ~~أتى له أن الله «فكر» إلا من النظر في حالات عقله؟» ذلك لأن الامتداد والفكر ليسا ~~سوى شيئين هما أخص ما تتصف به الأجسام والعقول. # وكذلك سبنسر، فإنك - إن نظرت في فكرته في الله - لم تجد أنه تخطى الحد الذي وصله ~~«اسبينوزا». فكما أن الخالق عند سبينوزا لم يكن إلا شبحا إنسانيا أتمثله حالا ~~في مكان - امتداد وفكر - كذلك كان الخالق عند سبنسر عبارة عن تمثل صرف لفكرة غير ~~معينة هي فكرة «القوة»، وهي فكرة مستمدة من أحط الخصائص الإنسانية؛ خاصية إدراك ~~الحس؛ إذ قال بأن الخالق «قوة خفية» تدبر الكون. # وأنت مهما قلبت وجوه الرأي وأنعمت النظر، فإنك تجد دائما أن فكرة القوة كما ثبت ~~من قبل مستمدة من قسم من ذاتيتنا؛ أي من إدراك الحس، إذن نجد أن سبنسر بدلا من أن ~~يجعل الخالق بعيدا جهد البعد عن الذاتية البشرية كما كان يعتقد؛ إذ إنه يتمثله على ~~نموذج مستمد من أحط خصائص الإنسان. على أنه بعد أن حمل على «الناسوتية» لأنها تزود ~~الله بأرقى الخصائص الإنسانية، مستقلا ذلك في جانب الله، رجع فزلت قدمه فيما زلت ~~فيه قدم غيره من الفلاسفة، فزود الخالق بخصائص مستمدة من أحط الصفات التي يشارك ~~فيها الإنسان أدنى الحيوانات، بدلا ms12 من أن يتركه مزودا بأرقى الخصائص ~~الإنسانية. # ومن الجلي بعد هذا أننا في كل المباحث التي تتعلق بالنظر في أصل الأشياء، لا يجوز ~~مطلقا أن نتساءل عما إذا كنا نصور «علة الكون» على نسق مستمد من ذاتيتنا؛ لأن ~~تصور العلة على نسق الذاتية البشرية أمر لا يمكن أن تنصرف عنه ذات إنسانية فانية. ~~بل الواجب أن نتساءل دائما عما إذا كنا نصورها على نسق مستمد من نظريات سطحية، أم ~~نصورها على نموذج مرجعه السعة في النظر، والألفة التامة الموافقة لنظام العقل ~~الإنساني. # أما وقد أظهرنا أننا لا نستطيع أن ندرك من علة الكون إلا نموذجا يرجع تصويره إلى ~~تجاريبنا الذاتية، فإنه يكون من الجلي أن اعتقادنا في وجود إرادة عاقلة؛ أي علة ~~خالقة، أو عدم اعتقادنا، يرجع إلى ما ندرك من فكرة السببية. وما دام فهمنا للسببية ~~عائدا إلى ما ندرك منها حسب تجاريبنا العلمية؛ أي إنها تنحصر في القياس على ~~السوابق الطبيعية الظاهرة أجلى ظهور، فمن الواضح أننا لا نرضى في عقليتنا فكرة ~~التسلسل السببي إلا بالاعتقاد في أن الأشياء لا بد من أن تكون قد نشأ بعضها عن بعض ~~متدرجة في سلسلة منظومة خلال «الزمان»، وهذا أمر يلزمنا إلزام «الفرض الضروري» ~~بوجود إرادة عاقلة مخبوءة وراء عالم الظواهر الطبيعية، ظلت مؤثرة في الماضي ~~والحاضر، وستظل كذلك في المستقبل. # غير أننا إذا اعتقدنا بأن السببية الحقيقية تشمل في مدلولها فكرة «الإرادة». فمن ~~الظاهر أننا إذا أردنا أن نحتفظ بألفة العقل البشري؛ تلك الألفة الصحيحة التي لا ~~يمكن أن نتخذ غيرها دعامة للبحث وراء الحقيقة، فمن المحتوم علينا أن نعتقد في إرادة ~~عاقلة حرة نتخذها علة للأشياء، أو بعبارة أخرى أن نعتقد في خالق. وعلى ذلك نلزم ~~القول بأنه كما يكون رأينا في السببية، كذلك يكون معتقدنا في الدين. # أما إذا أردنا أن نصل إلى نتيجة جلية واضحة في بحثنا هذا، فيجب أن نظهر أولا أن ~~العلة الوحيدة التي في مستطاعنا أن نتناولها بمعرفة يقينية وبحث اختباري هي ~~إرادتنا الذاتية، ms13 وقدرتها على تحريك أعضاء الجسم، والأجسام التي تقع تحت سلطانها. ~~وما فعل الإرادة الإنسانية في الواقع إلا الانتقال من حركة عقلية إلى فعل طبيعي؛ ~~أي الانتقال من العقل إلى المادة. وما دامت معرفتنا للسببية من طريق الاختبار ~~مقصورة على ذلك، فمن الظاهر الجلي إذن أننا إذا تركنا وبداهتنا الفطرية، لزمنا أن ~~نعود بالكون كما فعلت كل الأديان إلى فعل عقل عظيم نعرفه باسم بارئ الأشياء. فإذا ~~ما فعلنا ذلك نكون قد حفظنا على العقل البشري تلك الألفة التي يتطلبها الاعتقاد ~~الصحيح. ~~••• # إن هذه النتيجة على ما فيها من من السذاجة وقربها من أحكام العقل الأولية، لا ~~يتركها العلم من غير أن يتحداها بسلطانه. يتدخل العلم في هذه النتيجة ويهمس في ~~الضمائر والعقول بأن تلك الحركة العقلية التي نسميها الإرادة ليست إذا ما بحثت من ~~أساسها سببية حقيقية، ولا تزيد عن كونها ظاهرة عقلية أو عرضا من أعراض سببية ~~حقيقية. وما تلك السببية الحقيقية لدى العلم إلا تلك الاهتزازات التي تتناول نشاط ~~دقائق المخ ومراكز الحس العصبية. وعلى ذلك يكون مضمون السببية الصحيحة عند العلم ~~ليس الانتقال من الحركة العقلية إلى الفعل الطبيعي، بل الانتقال من سابقة طبيعية ~~إلى لاحقة طبيعية؛ أي من مقدمة طبيعية إلى نتيجة طبيعية، ولا تتعدى مطلقا حكم ~~السنن التي تتصرف فيها وتنتجها. # يقول العلم: إن الحركة العقلية التي ندعوها الإرادة ليست سوى عرض يلازم اهتزازات ~~دقائق المخ المادية، وليس لها من أثر في إحداث الأفعال أكثر من أي عرض آخر. # فإذا كانت نظريتنا في الكون ليست سوى استعراض صرف للنظريات التي تخلقها عقولنا، ~~وإذا كان تكوين عقولنا يدل على أن الإرادة ليست السببية الحقيقية، وأنها ليست إلا ~~عرضا من أعراض السببية الحقيقة، فظاهر أن الاعتقاد في عقل مدبر أو إرادة ترد إليها ~~العلة في وجود الكون، يتحطم على صخور العقل البشري ويتفرق بددا، وتحل محله عندنا ~~تلك النظرة المادية الضيقة التي تسوقنا إلى القول بأنه ليس في العالم إلا سلاسل من ~~السوابق الطبيعية، ونتائج متلاحقة تتبع ms14 إحداها الأخرى على توالي الأحقاب وخلال ~~تواتر الزمان، كما كانت وكما هي كائنة وكما ستكون. # على أننا إذا أردنا أن نرد على القائلين بالسببية العلمية وكفايتها لتعليل كل ~~ما في الكون والحياة، فليس من قصدنا أن ندفع براهينهم برهانا ببرهان. ولكن قصدنا ~~ينحصر في أن نظهر أنهم إنما ينظرون في العالم من بين أقدامهم نظرة ضيقة، يتبدلون ~~معها من ألفة العقل والحقيقة التي في مستطاع العقل أن يدركها، بعماء صرف لا نظير ~~له من شيء في هذا الوجود إلا عماء المادة الجامدة. ~~••• # ينصرف الناس في كل ما يتناولونه بالكلام والبحث، وهم على شعور تام بأن كل واحد ~~منهم إنما يملك شيئا يقال له القوة المدركة، وأن لهم شيئا يقال له حس الجمال ~~والموسيقى وما إليهما من الخصائص، كما أنهم يملكون ذلك الشيء المبهم الذي يسمونه ~~الإرادة. # فإذا سقت أبحاثك مقتنعا بأن الإرادة ليس لها من وجود حقيقي، وأنها ليست سوى ~~عرض من أعراض اهتزازات دقائق المخ، لم يبق أمامك من شيء آخر إلا أن تنكر مع ~~إنكارك الإرادة كل وجود حقيقي لكل الخصائص العقلية التي للإنسان، وعلى نفس الحجج ~~التي يستند إليها الماديون في إنكار الإرادة، نستطيع أن نستند في إنكار كل القوى ~~المدركة والملكات الأخرى. # نستطيع أن نقول مثلا بأن القوى المدركة برمتها إنما هي عرض لاهتزازات دقائق ما ~~في مادة المخ، وبذلك لا يكون لها وجود حقيقي البتة. وكذلك الحال إذا نظرت في ~~الجمال؛ يمكنك أن تعتبره كمجرد وهم أو خيال، وليس بحقيقة ثابتة خالدة، تستطيع أن ~~تقول إن الجمال عبارة عن مجرد تنسيق للمادة في صور معينة، لا يلبث أن يزول أثره إذا ~~نظرت فيه من عدسة المجهر. وهكذا الموسيقى؛ في قدرتك أن تدعي أنها عبارة عن مجرد ~~اهتزازات مادية، وليس لها وجود حقيقي. وكذلك إذا نظرت من تلك الناحية في حب العظمة ~~والشجاعة والفضيلة والشرف ومضاداتها من حب الذات والملاذ والسقوط الأدبي، فإنه في ~~مستطاعك أن تعتبرها حركات خلايا خاصة توجه توجيها معينا، لا أقل من ms15 هذا ولا ~~أكثر. # فإذا عمدت إلى النظر في العالم كما ينظر فيه الماديون، موليا بوجهك عن خصائص ~~الإنسان العقلية، وأكببت على تقديس ما ترتكز عليه هذه الخصائص من القوى والمواد ~~الطبيعية وحدها، فإنك لا تقتل بذلك الإرادة وحدها كوجود حقيقي، بل إنك تقضي على ~~الشعر والموسيقى والحقيقة وعلى كل المراتب والفروق الكائنة في العقل بين منازل ~~الفكر والعواطف. # وعلى الجملة تقضي على كل قضايا العقل الإنساني. ولا تترك في الكون من شيء إلا ~~كتلة مواتا وصحراء مجدبة من المادة والحركة. ولما كانت المادة والحركة لا يمكن ~~إدراكهما إلا من طريق الحواس، ففي مستطاعك أيضا أن تنكرهما؛ إذ لا يكون لديك من ~~سبب يحملك على أن تعتقد أن العالم مكون على النموذج الذي توحي إليك به ~~الحواس. # إلى هذا الحد من التهوش والفوضى يكون النظام العالمي في نظرك، إذا تطلعت فيه من ~~هذه الوجهة المادية الصرفة. ومن الظاهر الجلي أننا إذا أردنا أن نرد على العالم ~~نظامه وألفته على مقتضى ما في العقل الإنساني من نظام وألفة، فإن من الواجب أن لا ~~ننظر فيما يمكن أن يثبت أو ينفي نظريا، بل ننظر فيما يمكن الاعتقاد به عمليا. ~~هذا مع علمنا بأن هذه الألفة سواء أكانت مبنية على وجهة النظر المادية أم وجهة ~~النظر الروحية، فإنها أقصى ما يمكن أن نبلغ من صلة بالحق في هذه الحياة. # والمثال: إني مضطر لأن أعتقد بوجود عالم خارج عن حيزي؛ لأتخذ اعتقادي هذا دعامة ~~حقة وأساسا ركيزا في سبيل بحثي عن الحقيقة. ذلك على الرغم من أن الفلاسفة قد ~~ينكرون أن للعالم الخارجي وجودا حقيقيا في ذاته. كذلك أعتقد أن هنالك فرقا ~~قائما بين الفضيلة والرذيلة، وبين سمو المدارك الروحية والشهوات، وبين الأنانية ~~والتضحية، وبين الذاتية والغيرية. ولو أن الماديين إذ يرجعون بهذه المعاني بلا ~~تفريق بينها إلى اهتزازات دقائق غير مختلفة أي اختلاف إنما يلزمون أنفسهم الحجة ~~بحكم العقل، بأن هذه المعاني لا يختلف بعضها عن بعض اختلافا حقيقيا. # أراني أعتقد بوجود حقيقي للذكاء ms16 والإدراك والجمال والموسيقى والشعر والحقيقة. ولو ~~أن هذه أيضا يمكن ردها إلى مجرد حركة بعض خلايا لا إدراك ولا ذكاء فيها، وإلى قوات ~~لا تعدو تلك الخلايا إدراكا ولا تبزها معرفة وذكاء. # وعلى هذا النحو أراني مضطرا إلى الاعتقاد بوجود حقيقي لما نسميه «الإرادة». ~~ولو أن الماديين قانعون بأنها ليست سوى عرض يصاحب حركة الدقائق في المراكز ~~العصبية. # فإذا كانت ألفة العقل البشري تتطلب سببا للعالم المرئي، وإذا كل ما في مستطاع ~~اختباري أن يصل من علم بالسبب الأول ينحصر في الفعل العقلي للإرادة التي أشعر وأحس ~~بها، فمن الواضح الجلي أني مقسور بضرورة ألفة عقلي ومقتضياته على الاعتقاد بأن هذا ~~الكون العظيم معلول لإرادة عاقلة؛ أي إلى خالق. وليس من معنى ذلك أنني أعرف أو أعلم ~~أن للخالق وجودا حقيقيا، أكثر مما أعلم أو أعرف أن للعالم الخارجي المحيط به ~~وجودا حقيقيا. إنما كل ما أعلم أو أعرف أني جبلت على أنني لا أستطيع أن أرد على ~~عقلي ألفته وأحتفظ بنظامه، إلا إذا اعتقدت بوجود خالق ذي إرادة حرة عاقلة. وإلا فإن ~~كل معتقداتي الثابتة تنهار وتتحطم ويطمو على سبيل الحيرة والفوضى. # ولست أجد من ضرورة تقضي علي بأن أظهر كيف أن عقلا أو إرادة تكون علة للعالم، ~~كما أني لست أعلم كيف أن دقيقة من المادة تجذب أخرى في حين أنها تدفعها. ومع ذلك ~~فإني مقسور على الاعتقاد بسببية الجذب والدفع، كما أنه ليس في مستطاعي أن أعرف كيف ~~يتحد العقل مع مادة المخ ومع نشاط دقائقه وحركتها. وليس لذلك من علاقة لاتصال ~~العلة بمعلولها أو السبب بالمسبب بالمعنى العلمي؛ لأن ذلك يتطلب الموازنة بين ~~الاصطلاحين، ولا يمكن أن نضع موازنة بين ذلك الشيء الغامض المبهم الذي نسميه العقل، ~~وبين القوة ومادة المخ مثلا. # ويكفي لدي أنني يجب أن أعتقد بحقيقة العلاقة الكائنة بينهما، فلست أعرف مثلا كيف ~~أن إرادتي تكون سببا دافعا لي على إحداث حركاتي البدنية. ولكن يكفي عندي أن أعتقد ~~في حقيقة أن إرادتي تدفعني ms17 على القيام بحركاتي الجسمانية، وعلى هذا السنن وعلى هذه ~~القاعدة ذاتها: يكفي عندي أن ألزم بالاعتقاد بوجود خالق، من غير أن أجد نفسي ~~مضطرا لأن أظهر كيف أنه السبب في وجود الأشياء، وكيف أنه علتها. # وفضلا عن كل هذا فإن الكون المادي؛ إذ يقتصر وجوده لدينا على تكوين عقولنا، فليس ~~من الضروري أن أجعل المادة موضع اهتمامي في بحثي وراء الحقيقة، بل أوجه كل همي نحو ~~ذلك الشيء الذي لا يكون للمادة عندي من وجود إلا به؛ أي العقل. # على هذا نجد أن الاعتقاد بوجود الله أو خالق أو مصدر للأشياء أو علة لها أو ما ~~شئت فقل، فرض ضروري يقوم على حاجات العقل ومقتضياته. وعلى هذا الفرض الضروري قس ~~كل بقية الفروض التي لا يمكن للعقل أن يحتفظ بألفته من غير أن يسلم بها، ولا يمكن ~~للعلم أن ينفيها، ولو عجز عن إثبات وجودها بأساليبه الموضوعة. ~~(10) ما بعد الفرض الضروري فرض إمكاني # عرفنا الفرض الإمكاني بأنه الفرض الذي يستوي فيه حدا الوجود والعدم، أو الذي ~~يحتمل أن يكون له حقيقة موجودة، كما يحتمل أن لا يكون له أية حقيقة في الخارج. ~~وذكرنا أن معنى هذا أن العقل إذا سلم بالفرض الإمكاني أم لم يسلم، فإنه يظل محتفظا ~~بألفته كاملة، في حين أن العلم يرفض التسليم بالفروض الإمكانية رفضا باتا ~~صريحا، ما لم تثبت صحتها ثبوتا قاطعا بالأساليب العلمية المعروفة. وعلى مقتضى ~~التحديد والشرح الذي حددنا به الفرض الضروري يمكن أن نتخذ هذا التحديد قياسا، ~~نقيس عليه في التفريق بين الفرض الضروري والفرض الإمكاني. # إذا استطعنا أن نعي هذه المبادئ فلا جرم أننا نستطيع أن نحدد المعقولات تحديدا ~~يجعلها أكثر خضوعا لأحكام العقل وكفاياته، وخرجنا من ظلمات الجدل إلى وضح الطريق ~~العقلي الصرف، نمتع بثمراته ونتخذه قاعدة نبني عليها صرح العلم ونشيد من فوقه بناء ~~الفلسفة والآداب. # وبعد: فهذا تصدير رأينا من الضروري أن يستوعبه كل قارئ قبل أن يمضي في قراءة هذا ~~الكتاب. # | قصة الطوفان وتطورها # يعتقد كل الذين ms18 درسوا العبرانيات القديمة، وكل من أكب على تحليل سفر التكوين - وهو ~~السفر الأول من توراة موسى # 1 ~~- أن القصص التي يتضمنها إنما ترجع في أصلها إلى أسطورتين قديمتين، تخالطتا ~~وتمازجتا مع الزمان وعلى توالي العصور، فتكون منها سفر التكوين الموسوي، الذي يظهر لنا ~~كيف خلق العالم، وكيف خلق آدم، ثم كيف طرد، ثم تكاثر نسله، ثم أغرقه الطوفان في زمان نوح، ~~ثم تكاثر ثانية من بعد ذلك. # وإذا قرأت بقية أسفار موسى، وبالأحرى الأسفار المنسوبة إليه - خروج، لاويين، عدد، تثنية - ~~تجد أنها مزيج من أخبار تاريخية تكثر فيها الأقاصيص، ومواعظ هي بين الأخلاقيات ~~والإرشاديات. وفي جماع هذه الأسفار لا تقع على شيء من انسجام الوضع، ولا من دقة التاريخ، ~~ومن كل هذه الأشياء يذهب دارسو العبرانيات والآثار في سلسلة طويلة من الأبحاث، يستنتجون ~~منها في النهاية أن هذه الأقاصيص جمع وتوليف من أقاصيص وروايات أبعد منها زمانا وأعرق ~~قدما. # يقول المستر ديكسون وايت: # من بين مجموعة النقوش الكاتدرائية، التي تعبر عن كثير من حقائق اللاهوت في ~~العصور الوسطى، نقش يمتاز بالتعبير عن مذهب لاهوتي في أصل الكون، ظل موضع الاحترام ~~والإجلال أزمانا طوالا. # الواحد القهار: في صورة بشرية، جالس بوداعة ولين، يصنع الشمس والقمر والكواكب، ~~ويعلقها في القبة الصلبة التي تحمل من فوقها «السماوات العلا»، وتظلل «الأرض ~~السفلى». # أما علائم التفكير الظاهرة في تقطيب جبينه فتنم على أنه أجهد نفسه إمعانا في ~~التدبر والاستبصار، كما يدل انتفاخ عضلات ذراعيه على أنه قد اضطر إلى أن يكد ~~وينصب. ومن الطبيعي أن يكون المثالون والمصورون خلال القرون الوسطى - وفي بدء ~~العصور الحديثة - قد عمدوا إلى تمثيله على مقتضى ما تصوره كتاب ذلك العصر؛ إذ ~~كانوا يقولون بأنه استراح في اليوم السابع، واضطجع في هدأة، مصغيا إلى تراتيل ~~الثناء التي زفتها إليه سكان السماء. # من حول هذه الفكرات العتيقة التي فاضت بها الكاتدرائيات، وفي غيرها من الآراء ~~التي عبرت عنها النقوش والصور وتلوين الزجاج وزخارف الفسيفساء والحفر خلال القرون ~~الوسطى، وقرنين فرطا من ms19 بعد تلك العصور؛ تكشفت نواة من الاعتقاد كانت قد أخذت ~~تتكون خلال ألوف من السنين، ومضت محتكمة في كل ما أبرز العقل الإنساني من صور ~~الفكر حتى عصرنا هذا. # أما بدايات ذلك الاعتقاد فترجع إلى أعرق عصور التاريخ قدما، فإننا نجدها في ~~أوليات كل مدنية من المدنيات العظمى. بيد أنها شغلت في كل الكتب المقدسة التي ذاعت ~~في نواحي العالم - على تعددها وكثرتها - مكانا عليا، ففي كل المدنيات تقع على ~~فكرة وجود خالق، ليس الإنسان إلا صورة منه غير كاملة، وأنه خلق الكون المنظور ~~بطريقة مباشرة مستخدما في الخلق يديه وأصابعه. # من بين تلك النظريات عدد غير صغير مضى محتكما في اللاهوت الكلداني. ومن الواجب ~~أن نخصه بشيء من العناية والتقدير؛ فإن النقوش الآشورية التي استكشفت حديثا، ~~ونقلها إلى العالم الإنجليزي أعلام من أمثال لايارد وجورج سميث وسايس وغيرهم، ~~لترينا أنه قد تغلغلت في تضاعيف الأديان الكلدانية والبابلية قصة في حقيقة الخلق من ~~أهم مزاياها وأخطر وقائعها، إنها لا بد من أن تكون النواة التي فرخت منها تلك القصص ~~التي نقع عليها في كتبنا المقدسة. ولقد ظهر بأجلى بيان أن تلك الفكرات التي تشغل ~~أعلى مكانة في أسفار العبرانيين، قد استمدت من ذلك النبع الذي فاض على المدنيات ~~الكلدانية البابلية والآشورية والفينيقية بتلك القصص التي وضعت في حقيقة خلق ~~العالم. # ففي تينك القصتين اللتين تخالطتا في سفر التكوين، وفي تلك الرواية التي يمكن أن ~~يستدل عليها بأشياء في سفر «أيوب» # Job ~~، يتمثل لك ~~بكل ما يستطاع أن تتخيل من العظمة والقدرة، نفس ذلك التصور في حقيقة الخالق والخلق، ~~وهو تصور خليق بالمدنية؛ إذ هي أبعد في مهد طفولتها وغرارتها، فيبرز لك الخالق في ~~صورة بشرية مكبرة، وهو يكد في العمل بأطرافه ويمثل لك الخلق «مصنوعا بيده». ولقد ~~نشأ - تعقيبا على هذا التصور - اعتقاد في الخالق، على أنه شخص بعد أن «قذف من راحة ~~يده إلى الفضاء بكل السيارات لتجوب أنحاء المكان»، جلس في العلاء فوق العرش المستقر ~~«على فلك السماء»، ms20 جادا أبدا في أن يحكم سيرها ويهديها طريقها. # وبعد أن يستطرد العلامة «وايت» في وصف كيفية الخلق والمادة التي خلق منها، يعود إلى ~~الكلام في الخلاف على الزمان الذي خلق فيه العالم فيقول: # إن سلسلة الجهود الطويلة التي بذلها رجال خصوا بأوسع المدارك وأرجح الأحلام من ~~إيوسيبيوس إلى يوشر، في سبيل تحديد التاريخ الذي وقع فيه الخلق، قد تركت الكلام فيه ~~لفصل آخر، # 2 # ويكفي هنا أن نذكر أن النتيجة الأخيرة التي وصلت إليها الأغلبية العظمى ~~ممن يعتبرون من أقدر الذين أكبوا على درس الأقوال التي جاءت في الكتاب المقدس، قد ~~أسلمت إلى القول بأن الخلق قد وقع في زمان تعد سنوه بعدد عشري، ويقع حوالي سنة ~~4000ق.م. # وفي القرن السابع عشر ذكر الدكتور «جون ليتفوت» - وكيل جامعة كمبردج ومن أشهر من ~~نبغ ممن درسوا العبرانيات - أن نتيجة أبحاثه القصية المستفيضة في التوراة والإنجيل ~~قد أدت به إلى حقيقة أن «السماء والأرض، والمحيط والمركز قد خلقن معا، وفي وقت ~~واحد؛ حيث كان الغمام الكثيف مملوءا بالماء، وأن هذا العمل قد وقع، وأن الإنسان قد ~~خلق بقدرة الثالوث الأقدس، في 23 أكتوبر سنة 4004 قبل الميلاد؛ حيث كانت الساعة ~~التاسعة من الصباح.» # وكان هذا انتصارا لأسلوب «لاكتانتيوس»، وهو نتيجة الدرس العميق في الإنجيل ~~والتوراة مئات من السنين. وغاية لجهد الفكرة اللاهوتية منذ أن ظهر «بيده» في القرن ~~الثامن إلى زمان «فنسنت بوفييه»؛ حيث أعلن في القرن الثالث عشر أن الخلق لا بد من ~~أن يكون قد وقع في فصل الربيع. لكن وا أسفاه! فإنه لم يمض قرنان على ما بذل دكتور ~~«ليتفوت» من جهد في درس العبارات المنزلة ليستخلص منها حقائق يحدد بها ساعة الخلق ~~وتاريخه، حتى استكشف الباحثون أنه في تلك الساعة التي حددها هذا اللاهوتي، كانت أمة ~~من أرقى الأمم مدنية وأمثلهن تهذيبا، رافلة في أبهى حلة خلعتها الحضارات على الأمم ~~في الأزمان القديمة، بل كانت منذ عهد عهيد تجوب أنحاء العواصم المشيدة في مصر على ~~ضفاف النيل، وأن ms21 أمما أخرى لا تكاد تقل عن هذه مدنية وعلما، قد بلغن درجة خطيرة ~~من النشوء والارتقاء تحت سماء آسيا. # هذا ملخص أولي من رأي الباحثين في أصل الروايات المقدسة، على أن علم مقارنة الأديان قد ~~زودنا بالكثير من دقائق الشبه الواقعة بين كثير من الروايات المتناثرة في الكتب الدينية؛ ~~لهذا نعمد إلى المقارنة بين الروايات الثلاث التي نعثر عليها في القرآن والتوراة وألواح ~~بابل وآشور خاصة بسيرة نوح؛ لنستخلص من هذه المقارنة قاعدة نبني عليها حكما صحيحا في أصل ~~هذه الروايات ومنشئها. ويحسن بنا أن ننقل هذه الروايات كما أثبتت في القرآن والتوراة، ~~ونترجم ما يختص بها في ألواح بابل، ثم نمضي بعد ذلك في المقارنة العلمية. ~~(1) الطوفان في القرآن # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم ~~نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف ~~عليكم عذاب يوم أليم * فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك ~~اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى ~~لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين * قال ~~يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني ~~رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم ~~لها كارهون * ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ~~إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا ~~إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم ~~أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن ~~الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول ~~للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم ~~بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين * ~~قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما ~~تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما ~~يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين * ~~ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله ~~يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون * ~~أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا ~~بريء مما تجرمون * وأوحي إلى نوح ms22 أنه لن ~~يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون * واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * ~~ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا ~~منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون ~~* فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ~~ويحل عليه عذاب مقيم * حتى إذا جاء أمرنا ~~وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ~~وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه ~~إلا قليل * وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ~~ومرساها إن ربي لغفور رحيم * وهي تجري ~~بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا ~~بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال ~~سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من ~~أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من ~~المغرقين * وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا ~~سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على ~~الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين * ونادى ~~نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ~~وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح إنه ليس ~~من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك ~~به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين * ~~قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ~~وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين * ~~قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ~~ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ~~* تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما ~~كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين ~~(هود). # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر ~~قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * قال يا ~~قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا ~~يؤخر لو كنتم تعلمون * قال رب إني دعوت ~~قومي ليلا ms23 ونهارا * فلم يزدهم دعائي إلا ~~فرارا * وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ~~جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا استكبارا * ثم إني دعوتهم جهارا ~~* ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم ~~إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ~~ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله ~~وقارا * وقد خلقكم أطوارا * ألم ~~تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا * وجعل ~~القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا * والله ~~أنبتكم من الأرض نباتا * ثم يعيدكم فيها ~~ويخرجكم إخراجا * والله جعل لكم الأرض ~~بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا * ~~قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله ~~وولده إلا خسارا * ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا ~~كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا * مما ~~خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون ~~الله أنصارا * وقال نوح رب لا تذر على الأرض ~~من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا * رب ~~اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين ~~والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا ~~(نوح). # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ~~ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ~~* فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها ~~آية للعالمين ~~(العنكبوت). # كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو ~~الأوتاد ~~(ص). # إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ~~* لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن ~~واعية ~~(الحاقة). # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا ~~وقالوا مجنون وازدجر * فدعا ربه أني مغلوب ~~فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ~~* وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على ~~أمر قد قدر * وحملناه على ذات ألواح ودسر ~~* تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر * ولقد تركناها آية فهل من مدكر * فكيف كان عذابي ونذر ~~(القمر). ~~(2) الطوفان في التوراة عن سفر التكوين # الإصحاح السادس # وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات ~~الناس أنهن حسنات؛ ms24 فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا، فقال الرب: لا يدين ~~روحي في الإنسان إلى الأبد، لزيغانه هو بشر، وتكون أيامه مائة وعشرين سنة. كان في ~~الأرض طغاة في تلك الأيام، وبعد ذلك أيضا إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن ~~لهم أولادا، هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم. # ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه، وإنما هو شرير ~~كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه. فقال الرب أمحو عن وجه ~~الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء؛ لأني حزنت أني ~~عملتهم، وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب. # هذه مواليد نوح: كان نوح رجلا بارا كاملا في أجياله. وسار نوح مع الله، وولد ~~نوح ثلاثة بنين: سام وحام ويافث. وفسدت الأرض أمام الله وامتلأت الأرض ظلما، ورأى ~~الله الأرض فإذا هي قد فسدت؛ إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه على الأرض. # فقال الله لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي؛ لأن الأرض امتلأت ظلما منهم. فها ~~أنا مهلكهم مع الأرض. اصنع لنفسك فلكا من خشب جفر، تجعل الفلك مساكن، وتطليه من ~~داخل ومن خارج بالقار، وهكذا تصنعه. ثلاثمائة ذراع يكون طول الفلك، وخمسين ذراعا ~~عرضه، وثلاثين ذراعا ارتفاعه، وتصنع كوا للفلك وتكمله إلى حد ذراع من فوق، ~~وتصنع باب الفلك في جانبه، مساكن سفلية ومتوسطة وعلوية تجعله. فها أنا آت بطوفان ~~الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما في الأرض يموت، ~~ولكن أقيم عهدي معك، فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك، ومن كل حي من ~~كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك. تكون ذكرا وأنثى؛ من ~~الطيور كأجناسها، ومن البهائم كأجناسها، ومن كل دبابات الأرض كأجناسها، اثنين من ~~كل تدخل إليك لاستبقائها، وأنت فخذ لنفسك من كل طعام يؤكل واجمعه عندك. فيكون ~~لك ولها طعاما. ففعل نوح ms25 حسب كل ما أمره به الله، هكذا فعل. # الإصحاح السابع # وقال الرب لنوح: ادخل أنت وجميع بنيك إلى الفلك؛ لأني إياك رأيت بارا لدي في ~~هذا الجيل. من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى، ومن البهائم ~~التي ليست بطاهرة اثنين: ذكرا وأنثى، ومن طيور السماء أيضا سبعة سبعة: ذكرا ~~وأنثى. لاستبقاء نسل على وجه الأرض؛ لأني بعد سبعة أيام أيضا أمطر على الأرض ~~أربعين يوما وأربعين ليلة، وأمحو عن وجه الأرض كل قائم عملته؛ ففعل نوح حسب كل ما ~~أمره به الرب. # ولما كان نوح ابن ستمائة سنة صار طوفان الماء على الأرض، فدخل نوح وبنوه وامرأته ~~ونساء بنيه معه إلى الفلك من وجه مياه الطوفان ومن البهائم الطاهرة والبهائم التي ~~ليست بطاهرة، ومن الطيور وكل ما يدب على الأرض دخل اثنان اثنان إلى نوح إلى الفلك، ~~ذكرا وأنثى، كما أمر الله نوحا. # وحدث بعد السبعة الأيام أن مياه الطوفان صارت على الأرض في سنة ستمائة من حياة ~~نوح، في الشهر الثانى، في اليوم السابع عشر من الشهر. في ذلك اليوم انفجرت كل ~~ينابيع الغمر العظيم، وانفتحت طاقات السماء، وكان المطر على الأرض أربعين يوما ~~وأربعين ليلة. في ذلك اليوم عينه دخل نوح، وسام وحام ويافث بنو نوح، وامرأة نوح، ~~وثلاث نساء بنيه معهم إلى الفلك، هم وكل الوحوش كأجناسها، وكل البهائم كأجناسها، ~~وكل الدبابات التي تدب على الأرض كأجناسها، وكل الطيور كأجناسها: كل عصفور، كل ذي ~~جناح ودخلت إلى نوح إلى الفلك اثنين اثنين من كل جسد فيه روح حياة، والداخلات دخلت ~~ذكرا وأنثى من كل ذي جسد، كما أمره الله، وأغلق الرب عليه. # وكان الطوفان أربعين يوما على الأرض، وتكاثرت المياه ورفعت الفلك، فارتفع عن ~~الأرض، وتعاظمت المياه وتكاثرت جدا على الأرض، فكان الفلك يسير على وجه المياه، ~~وتعاظمت المياه كثيرا جدا على الأرض، فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل ~~السماء خمس عشرة ذراعا في الارتفاع، تعاظمت المياه فتغطت الجبال؛ فمات كل ذي جسد ms26 ~~كان يدب على الأرض من الطيور والبهائم والوحوش، وكل الزحافات التي كانت تزحف على ~~الأرض، وجميع الناس. كل ما في أنفه نسمة روح حياة من كل ما في اليابسة مات، فمحا ~~الله كل قائم كان على وجه الأرض: الناس، والبهائم، والدبابات، وطيور السماء، فانمحت ~~من الأرض، وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط، وتعاظمت المياه على الأرض مائة ~~وخمسين يوما. # الإصحاح الثامن # ثم ذكر الله نوحا وكل الوحوش وكل البهائم التي معه في الفلك، وأجاز الله ريحا ~~على الأرض؛ فهدأت المياه وانسدت ينابيع الغمر وطاقات السماء، فامتنع المطر من ~~السماء، ورجعت المياه عن الأرض رجوعا متواليا. وبعد مائة وخمسين يوما نقصت ~~المياه، واستقر الفلك في الشهر السابع، في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال ~~أراراط. وكانت المياه تنقص نقصا متواليا إلى الشهر العاشر، وفي العاشر من أول ~~الشهر ظهرت رءوس الجبال. # وحدث بعد أربعين يوما أن نوحا فتح طاقة الفلك التي كان قد عملها وأرسل الغراب، ~~فخرج مترددا حتى نشفت المياه عن الأرض، ثم أرسل الحمامة من عنده ليرى هل قلت ~~المياه عن وجه الأرض فلم تجد الحمامة مقرا لرجلها، فرجعت إليه إلى الفلك، فلبث ~~أيضا سبعة أيام أخر، وعاد فأرسل الحمامة من الفلك فأتت إليه الحمامة عند المساء، ~~وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها، فعلم نوح أن المياه قد قلت عن الأرض، فلبث أيضا ~~سبعة أيام أخر وأرسل الحمامة فلم تعد ترجع إليه أيضا. # وكلم الله نوحا قائلا: اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك وكل ~~الحيوانات التي معك من كل ذي جسد: الطيور، والبهائم، وكل الدبابات التي تدب على ~~الأرض، أخرجها معك، ولتتوالد في الأرض وتثمر وتكثر على الأرض، فخرج نوح وبنوه ~~وامرأته ونساء بنيه معه وكل الحيوانات، كل الدبابات وكل الطيور، كل ما يدب على ~~الأرض كأنواعها خرجت من الفلك. # وبنى نوح مذبحا للرب، وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور، وأصعد محرقات ~~على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا. وقال الرب في قلبه: ms27 «لا أعود ألعن الأرض ~~أيضا من أجل الإنسان؛ لأنه تصور قلب الإنسان شريرا منذ حداثته. ولا أعود أيضا ~~أميت كل حي كما فعلت مدة كل على الأرض: زرع وحصاد، وبرد وحر، وصيف وشتاء، ونهار ~~وليل، لا تزال.» # الإصحاح التاسع # وبارك الله نوحا وبنيه وقال لهم: أثمروا واملئوا الأرض، ولتكن خشيتكم ورهبتكم ~~على كل حيوانات الأرض وكل طيور السماء، مع كل ما يدب على الأرض، وكل أسماك البحر، ~~قد رفعت إلي أيديكم كل دابة حية تكون لكم طعاما، كالعشب الأخضر دفعت إليكم ~~الجميع، غير أن لحما بحياته، دمه، لا تأكلوه، وأطلب أنا دمكم لأنفسكم، من يد كل ~~حيوان أطلبه، ومن يد الإنسان أطلب نفس الإنسان، من يد الإنسان أخيه، سافك دم ~~الإنسان بالإنسان يسفك دمه؛ لأن الله على صورته عمل الإنسان، فأثمروا أنتم وأكثروا ~~وتوالدوا في الأرض وتكاثروا فيها. # وكلم الله نوحا وبنيه معه قائلا: وها أنا مقيم ميثاقي معكم ومعه نسلكم من ~~بعدكم، ومع كل ذوات الأنفس الحية التي معكم: الطيور والبهائم وكل وحوش الأرض التي ~~معكم، من جميع الخارجين من الفلك حتى كل حيوان الأرض، أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض ~~كل ذي جسد أيضا بمياه الطوفان، ولا يكون أيضا طوفان ليخرب الأرض. وقال الله: هذه ~~علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبينكم، وبين كل ذوات الأنفس الحية التي معكم ~~إلى أجيال الدهر، وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض، فيكون ~~متى نشر سحابا على الأرض، وتظهر القوس في السحاب. إني أذكر ميثاقي الذي بيني ~~وبينكم وبين كل نفس حية في كل جسد، فلا تكون أيضا المياه طوفانا لتهلك كل ذي جسد. ~~فمتى كانت القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقا أبديا بين الله وبين كل نفس حية ~~في كل جسد على الأرض. وقال الله لنوح: هذه علامة الميثاق الذي أنا أقمته بيني وبين ~~كل ذي جسد على الأرض. # وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساما وحاما ويافثا، وحام هو أبو كنعان، ~~وهؤلاء الثلاثة هم بنو نوح، ms28 ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض. # وابتدأ نوح يكون فلاحا، وغرس كرما، وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه؛ ~~فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجا، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه ~~على أكتافهما ومشيا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا ~~عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير، فقال: ملعون ~~كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته، وقال: مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدا لهم ~~ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدا لهم. # وعاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، فكانت كل أيام نوح تسعمائة وخمسين ~~سنة، ومات. ~~(3) الطوفان في أساطير آشور وبابل # أسطورة الطوفان في ألواح بابل وآشور قسم من قصة حماسية بطلها شخص يدعى «غلغامش» # Gilgamesh ~~، منقوشة بالخط المسماري في اثني عشر لوحا. ~~وتعتبر قصة «غلغامش» الشعرية في صف واحد مع قصة الخلق البابلية من حيث القيمة الأدبية ~~بين كل ما خلف أهل بابل من الآثار. أما عناصرها المكونة لها فجمع بين كثير من المادة ~~الميثولوجية استمدت من منابع كثيرة. ويجوز أن يكون لها أصل تاريخي تعود إليه نشأتها، ~~ومن مجموع المادة الميثولوجية وتلك الأصول التي يرجح البعض أن القصة ترتكز عليها، نسجت ~~هذه الأسطورة فأصبحت قصة واحدة مؤتلفة الوقائع والحوادث، وكلها تدور حول البطل «غلغامش» ~~أمير «أرك» # Erech ~~. أما المرجع الذي استمد منه الباحثون ~~أصول هذه القصة فهو على الأخص بقايا الألواح المشوهة التي عثر عليها في مكتبة ~~«آشور بانبال» # Assur bani-pal ~~، غير أن كثيرا من ~~الشواهد والملاحظات التي عثر عليها الأرخيولوجيون تدل على أن بعض تقاليد هذه القصة ~~على الأقل، إن لم تكن كلها إنما ترجع إلى عهد أبعد بكثير من عهد «آشور بانبال»؛ فإنك ~~تجد مثلا أن لوحا يرجع تاريخه إلى 2100 سنة ق.م يحتوي على قصة في الطوفان هي بذاتها ~~التي أدمجت في قصة «غلغامش»، وذكرت في اللوح الحادي عشر من ألواحها. والراجح أن هذه ~~القطعة وغيرها من المقاطع التي تتكون منها ms29 هذه الأسطورة قد تنوقلت بالرواية التقليدية ~~أزمانا طويلة قبل أن تنقش على هذه الألواح؛ أي إنها ترجع إلى العهد ~~السومراني # Sumerian Period ~~. # كان «آشور بانبال» من أكثر الملوك عناية بالأدب ومن حماة الثقافة، فقد جمع في مكتبته ~~العظيمة بمدينة «نينوه » # Nineveh ~~، (وهي المكتبة التي ~~نقل نواتها الملك «سنكريب» # Senanchrib # من بلدة ~~كالح # Cala ~~) خزانة عظيمة من المجلدات والألواح ~~الكلسية وأوراق البردي، نقل معظمها كغنائم حربية من البلاد التي غزاها، واستأجر النساخ ~~لينقلوا له صورا من المتون القديمة، وإلى هذه الطريقة على ما يظهر يرجع السبب في تسطير ~~قصة «غلغامش» الشعرية. ولقد يظهر من القطع والأجزاء المحفوظة الآن في دار العاديات ~~الإنجليزية أن أربع نسخ من هذه القصة على الأقل قد نقلت في عصر «آشور بانبال»، غير أن ~~الحوادث لم تبق على هذه النسخ من غير أن تتناولها بالتبديد والتخريب؛ فإن ~~الإمبراطورية الآشورية كانت آخذة في سبيل الفساد والانحلال بسرعة. ولم يمض زمن طويل ~~حتى سقطت «نينوه» وتبددت مكتبتها الكبرى، في حين أن المغتنمين قد أحرقوا لفائف البردي، ~~ودفنوا الألواح الكلسية مع أنقاض القصر الذي كان يحويها. # وهنالك ظلت هذه الألواح ألفين من السنين حتى أدركها سير أ. ه. لايارد ومستر جورج سميث ~~بتقنياتهما، فأخرجاها إلى الناس مرة أخرى. ولا مراء في أن الألواح الاثني عشر التي ~~تتضمن قصة «غلغامش» (أو أجزاءها الباقية منها والتي استكشفت حتى الآن) مشوهة تشويها ~~كبيرا. فقد تجد أن معنى فقرة برمتها قد غمض وتعذر فهمه بفجوة حادثة في المتن ~~الأصلي. ولا جرم أن مثل هذه الفجوات ليست بالشيء التافه عند الذين يريدون أن يدرسوا ~~الأساطير الميثولوجية درسا وافيا، ويقفوا على تفاصيلها بدقة تفي بأغراض البحث ~~العلمي. غير أنه على الرغم من كل هذا، فإن علم مقارنة الأديان قد تقدم في العهد ~~الأخير إلى درجة أصبحنا معها أقدر على أن ندرك من أهمية هذه القصة الشعرية ~~الميثولوجية، وأن نقرأها بدقة لم يبلغها البابليون أنفسهم؛ لأنهم لم يعرفوا من هذه ~~القصة إلا أنها مجرد رواية للمخاطرات والأفعال ms30 العظيمة التي قام بها أحد ~~أبطالها. # إن القصة الشعرية التي تدور حوادثها حول مدينة «أريخ»، قد سيقت في مخاطرات بطل نصف ~~إنسان ونصف إله يدعى «غلغامش»، كان ملكا في تلك المدينة. وفي القصة شخصيتان أخريان ~~هما: شخصية «إيباني» # Eabani ~~، وهي الشخصية التي تمثل ~~الإنسان البدائي على الأرجح، وشخصية «أوت-نابشتيم» # Ut-napishtim # بطل رواية الطوفان البابلية. ويرجح أن كلا من هؤلاء ~~الأبطال الثلاثة كان محور مجموعة من الأساطير التقليدية، تدامجت بعضها في بعض مع مضي ~~الزمان، بطريقة ما من الطرق، وعلى أسلوب غير بين تماما. # أما أكثر شخصيات هذا الثالوث أهمية وأولهم من حيث القيمة فالبطل «غلغامش»، ولا يبعد ~~أن يكون شخصا حقيقيا عاش خلال عصر من عصور بابل، غير أنه ليس لدينا من التاريخ ~~الثابت ما يؤيد هذا الزعم، كما أنه يحتمل أن تكون مجازفات أحد ملوك مدينة «أرك» في ~~العصور القديمة قد اتخذت نواة بنيت عليها هذه القصة. أما اسمه فقد نطقه الباحثون ~~«غزدبوبار» # Gisdbubar # أو «إزدوبار» # Izdubar ~~، غير أنه قد عرف الآن أنه كان ينطق ~~«غلغامش» # Gilgamesh # كما حقق ذلك العلامة ~~«بنشيز» Pinches ~~. أما الاسم فلا يدل على أنه كان ~~«بابلي» الأصل، بل يرجح أنه كان «عدلامي» # Elamite # أو ~~«قسي» # Kassite # أصلا ودما. ويتضح من بعض الإشارات ~~التي يعثر عليها في الألواح أنه غزا «أرك» (أو أنه أنقذ المدينة من جيش محاصر لها)، ~~عند بدء مخاطراته التي تتكون منها الأسطورة، وزعم البعض أنه بذاته «النمرود» الذي ذكرته ~~الأناجيل، وهو كالآخر بطل من أبطال بابل القديمة. غير أن هذا الزعم لا يقوم على أدلة ~~مقنعة. # هذا كل ما يمكننا أن نقول إنه وصلنا تاريخيا عن «غلغامش». أما شخصيته الميثولوجية ~~فأقل تعقيدا وأسهل فهما. فهو في الأساطير البابلية عبارة عن الشمس متجسدة في صورة ~~إنسان، في حين أن حقيقته - على ما أجمع المؤرخون - تنحصر في أنه مزيج من كائن خرافي ~~وبطل وطني، تدامجا لتخرج منهما شخصية أسطورية، فإنك تجد في خلال القصة وفي كثير من ~~مواضعها إشارات تدل على أن «غلغامش» ms31 كان نصف إنسان ونصف إله. ولو أنك لا تقع على شيء ~~محدود ينص على هذه المسألة بالذات. وفرق ما بين الإشارة والنص الحرفي وحقيقته باعتباره ~~«إله الشمس»، مستورة بألغاز خلال القصة، ولو أنه من الجلي أن له علاقة بالإله ~~«شاماش» # Shamash ~~، الذي يقدم «غلغامش» إليه خضوعه ~~ويخصه بصلواته، والذي يتخذه حاميا ونصيرا. # مولد غلغامش # من بين الأساطير المتناقلة عن مولد «غلغامش» أسطورة رواها «آليان» # Aelian ~~(راجع # Historia animalium ~~XII ~~)، وسماه «غلغاموس» # Gilgamos # بن «سوقاروس» # Sokkaros ~~. أما «سوقاروس» فيقول «بيروسوس» # Berossus ~~: إنه أول ملك حكم بابل بعد الطوفان، وإن النذر ~~الربانية قد أنذرته بأن ابنته سوف تلد طفلا ينزله عن عرشه ويستأثر به. ومن أجل أن ~~يدفع عن نفسه القدر المقدور، سجنها في برج منيع، وأقام عليها الرقباء والحراس، غير ~~أنها على الرغم من هذا ولدت ولدا، بيد أن الحراس ليقينهم بأن غضب الملك سوف يكون ~~شديدا إذا علم بمولد هذا الطفل، ألقوا به من أعلى البرج إلى الخارج، ولم يصل الطفل ~~إلى الأرض، بل التقطه نسر عظيم قبل أن تصدمه الصخور، وطار به إلى الحديقة؛ حيث ~~التقطه فلاح كان يعمل بها وقام عليه بالرباية والعناية الواجبة. فلما بلغ هذا الطفل ~~مبالغ الرجال، أصبح ملكا على كل البابليين، بأن اغتصب عرش جده عنوة ~~واقتدارا. # هنا نقع على أسطورة يظهر كل الظهور أن لها علاقة بالشمس، وأنها تتفق كل الاتفاق ~~جملة وتفصيلا مع صور أسطورية أخرى مستمدة من ألوهية الشمس، ولا يمكن أن يكون مجرد ~~الاتفاق والمصادفة سببا في أن تلصق هذه الأسطورة بغلغامش؛ فإن كل ما في القصة يدل ~~على اعتقاد ثابت بأن «غلغامش» من آلهة الشمس، وعلاقته «بشاماش» # Shamash # الذي لا يبعد أن يكون أباه ارتكانا على الأسطورة التي ~~رواها «آليان»، وكذلك النسر الذي أنقذه من الاصطدام بالأرض لدى إلقائه من أعلى ~~البرج، أضف إلى ذلك أن كل الأسطورة خلو من ذكر أبيه، في حين أن أمه قد ذكرت مرات ~~عديدة، وأن روح القصة من أولها إلى آخرها يرمي إلى ms32 الإشارة بأنه أكثر من ~~إنسان. # أما وقد استطعنا أن نعرف شيئا عن حقيقة شخصيته الميثولوجية، فلا يصعب علينا بعد ~~ذلك أن نستدل من مخاطراته على مطابقة تناظر سير الشمس يوميا (أو سنويا)؛ إذ ~~تكون في عظمتها وقوتها لدى الظهيرة (أو في منتصف الصيف)، ثم تنحدر إلى المغيب تلقاء ~~الأفق الغربي، لتعود من بعد ذلك مرة أخرى إلى مآهل الناس . وهو ككل آلهة الشمس - إذ ~~تكون كالشمس نفسها - من حيث مولدها وأصلها، محفوفة بالأسرار محوطة بالألغاز، وهو ~~كذلك شخصية تمثل أحد «الأولاد المنحوسين»، مثل «سرجون» و«فرساوس»، فإنه إنما يظهر ~~في الرواية لأول مرة بطلا كامل أوصاف البطولة، حاكما مستبدا بمدينة «أرك». أما ~~أمه «ريمات-بليت» # Rimat-balit # فكاهنة بمعبد ~~«عشتار» # Ishtar ~~، وهو من طريقها أحد خلائف ~~«أوت-نابشتيم»، أحد أهالي «شوريباك» # Shurippak ~~، ~~وبطل رواية الطوفان البابلية. # وفي أول القصة تقع على علاقته بالرجل المتوحش «إيباني»، وهو رجل خلقته الآلهة ~~وصورته من أجل أن يحطم «غلغامش» ويذهب بريحه، غير أن الصداقة تقوم بينهما مقام ~~العداء، ويذهب الاثنان معا ليحاربا «المسخ ~~خومبابا» # Khumbaba # فينتصران عليه! كما ينتصران أيضا على الثور المقدس الذي ~~يرسله عليهما الإله «عانو» # Anu ~~. ويستمر انتصارهما ~~تاما متتابعا حتى نهاية اللوح السادس، وتستمر قوة «غلغامش» في الازدياد كالشمس ~~إذ تقارب الأوج. # وفي أول اللوح السابع يأخذ سعده في الأفول، فيموت «إيباني» إذ يقتل تحت تأثر غضب ~~«عشتار»، بعد أن يرفض «غلغامش» حبها باحتقار ويردها بازدراء. وهنا يحزن «غلغامش» ~~على موت صاحبه حزنا شديدا، ويداخله الخوف من أن يموت كما مات رفيقه، فيصمم على ~~الذهاب باحثا وراء سلفه «أوت-نابشتيم» (على اعتبار أنه الشخص الوحيد الذي نجا من ~~الطوفان، مسحته الآلهة بمسحة الألوهية ووهبته الخلود)؛ ليعرف منه سر الحياة ~~الخالدة. أما مخاطراته التي يصادفها في هذه السبيل فليس عليها من صبغة العظماء ما ~~كان لمخاطراته الأولى، فيتجه نحو الشمس ميمما شطر «جبل الغروب» ويقتحم طريقه من ~~بين «العقاربة» (رجال أشبه ~~بالعقارب) # Scorpion-Men ~~، ويعبر بحر الموت. أما «أوت-نابشتيم» فيلقنه أن الناس لا بد ~~من أن يموتوا ms33 أجمعين ما عداه هو؛ لأنه مستثنى منهم لظروف شاذة. # وعلى الرغم من أنه بعد ذلك يهيئ «غلغامش» بفرصة أن يأكل من «شجرة الخلود» فإنه ~~يفقد الفرصة، ثم يشفي «أوت-نابشتيم» «غلغامش» من مرض ينزل به عندما كان يعبر «بحر ~~الموت»، ثم يعود بعد ذلك إلى مدينة «إريخ»، وفي هذه الأعمال تتخيل كيف تنحدر الشمس ~~نحو المغيب إلى العالم السفلي، عندما تميل نحو «جبل الغروب»، كذلك يستحيل على الشمس ~~أن تكسب الخلود وأن تظل أبد الآبدين مشرقة على أرض الأحياء، إنها لا بد من أن تعبر ~~«بحر الموت» وأن تختفي في العالم السفلي. # غير أن عودة «غلغامش» إلى «إريخ» تمثل تنفس النهار مرة أخرى، وفي هذا معنى الصراع ~~الدائم بين الليل والنهار، والصيف والشتاء، فالظلمة قد تغزو النور، غير أن النور لا ~~بد من أن يبرز منتصرا مرة أخرى، والصراع دائم لا نهاية له. # ولقد رأى بعض الثقات أن في تقسيم القصة إلى اثني عشر لوحا علاقة بأشهر السنة أو ~~بمناطق البروج، ولا يبعد أن يكون لهذا التقسيم علاقة بهذه الفكرة، ولكننا إذ نرى أن ~~تقسيم القصة وضعيا في ألواح قلما يتفق مع تقسيم القصة الطبيعي، فالظاهر أن الصيغة ~~الاسترلوجية (التنجيمية) لهذا التقسيم هي من وضع نساخ نينوه # Ninoveh ~~، الذين يظهر أنهم أجهدوا أنفسهم كل جهد في سبيل تقسيم ~~القصة على هذه الصورة. # إيباني # إن أعظم ما في أسطورة «غلغامش» من الصور الميثولوجية المتنافرة هي تلك الصورة ~~التي يمثلها «إيباني»، وهو الشخصية التي تمثل الإنسان البدائي الذي يعيش مع وحوش ~~البرية كواحد منهم. غير أنه على لما يرى بعض الثقات صورة أخرى من صور إله الشمس، ~~قد تقارب في أهميتها شخصية «غلغامش» نفسه، فهومصدر خوف وخشية فيخفف كبطل «أرك» يرتفع إلى الأوج الأعلى ~~من القوة والسلطة منظومة في سلسلة متتابعة من الانتصارات، ثم يسقط آفلا إلى الدنيا ~~السفلي، وهو على ذلك لا يفنى فناء تاما، أو تزول صورته زوالا كاملا، بل تبقى ~~ذكراه حية في مخيلة «غلغامش». وهو في اللوح الثاني عشر ms34 يعود إلى هذه الدنيا لا ~~بذاته بل بشبحه # utukku ~~، وتلك مسألة قد يمثل بها ~~لعودة الشمس صبيحة كل يوم، بعد أن تكون قد تردت في العالم السفلي. # أما الصورة الميثولوجية الأخرى فهي الصورة التي تمثل «أوت-نابشتيم» وهو «نوح ~~البابلي». وبينا نجد أن القصص الدائرة حول شخصية «إيباني» وشخصية «غلغامش» قد ~~تدامجتا بعضها في تضاعيف بعض، وإن كان في مستطاعنا حتى الآن أن نميز بينهما ونفرق ~~بين عناصرهما، فإن أسطورة الطوفان وبطلها «أوت-نابشتيم» قد أدخلت في اللوح الحادي ~~عشر من ألواح القصة كرواية رواها «أوت» نفسه لغلغامش. وعندما يظهر «أوت» لأول مرة ~~على مرسح القصة، يظهر مزودا بكل صفات الآلهة وقواتهم وسلطانهم، تلك الأشياء التي ~~خلعها عليه الآلهة جزاء وفائه لهم، أثناء الطوفان الذي أغرقت مياهه كل أفراد النوع ~~البشري ما عداه. ويلوح لنا أن المقصود من رواية الطوفان ومزجها بقصة «غلغامش» ~~الإشارة إلى البطل الكبير بأنه لا ينجي الإنسان من حتفه المحتوم إلا ظروف ~~استثنائية، بل ظروف نادرة جدا في الحياة. # وفي القصة صور ميثولوجية أخرى بينة المقاصد، منها وقعة «غلغامش» مع المسخ ~~«خومبابا»، وحب «إشطار» لغلغامش، والقتال مع الثور المقدس الذي أرسله «عانو» الإله، ~~والبحث وراء شجرة الحياة. وهذه الصور مهما كان أصلها ومهما كان منشؤها، فإن الحقيقة ~~أنها أدمجت في قصة «غلغامش» إدماجا. وعلى الرغم من العناصر التاريخية والميثولوجية ~~التي تقع عليها خلال هذه العصور، فإن فيها قدرا غير ضئيل من مذاهب بابل الدينية، ~~تظهر بجلاء في اللوح الحادي عشر (وفيه إشارة إلى أن كل الناس لا بد من أن يأتيهم ~~الموت)، ولكن ذلك لا نقع له على أثر في اللوح الثاني عشر؛ حيث يظهر شبح «إيباني» ~~لغلغامش، ويروي له ما يرى الموتى المدفونون تحت الثرى من إرهاق، أو أولئك الذين لا ~~يعنى بهم أهلهم بعد موتهم، وزعمه بأن عناية الأحياء بالموتى هي السبيل الأوحد الذي ~~يمكنهم من أن يفلتوا من الآلام المحمضة التي يصادفونها في العالم السفلي. # أما إذا أردنا أن نمتحن قصة «غلغامش» كما وصلتنا من ms35 البقايا المتناثرة التي حفظت ~~في ألواحها، فإنا نجد أن اللوحين الأول والثاني قد شوها تشويها كبيرا، وليس ~~لدى المنقبين من بقاياهما إلا قطع متناثرة غير مجموعة في مكان واحد، كما أنه ~~يستحيل عليك أن تحكم على تلك القطع أيها من اللوح الأول وأيها من اللوح الثاني. كما ~~أنه يتعذر عليك أن تحكم أين ينتهي الأول وأين يبدأ الثاني. وفي قطعة من هذه القطع ~~قد تقع على ما يجعلك تحدس بأنه بدء اللوح الأول؛ إذ يدخل بك في تصدير يعرفك به ~~مقدار الفائدة التي تجنيها من اطلاعك على محتويات اللوح، معددا لك إياها في جدول ~~طويل. وبعد ذلك تأتي قطعة أخرى يستحيل عليك أن تعين موضعها من اللوح، وفيها وصف ~~لحصار وقع لمدينة «أرك»، غير أنك لا تقع في هذه القطعة على ذكر «غلغامش». وفيها ~~أيضا وصف مستفيض للآلام والمصائب التي عانتها «أرك» تحت الحصار، وإليك شيء من هذا الوصف: # وطأت الأتن أولادها إلى الحضيض، وفرت الأبقار صغارها فوق الثرى بأقدامها، ~~والرجال يزأرون كالسوائم، والعذارى ينحن محزونات كالحمائم. لقد تبدلت آلهة ~~«أرك» الشامخة الأسوار إلى ذباب هائم، يئز بأجنحته في الطرق والممرات، ~~وأرواح «أرك» الحصينة المسورة قد انقلبت أفاعي تنساب في الجحور. لقد حاصر ~~العدو «أرك» ثلاث سنوات، والأبواب مغلقة والمنافذ مقفلة، كل هذا و«عشتار» ~~في سباتها لا ترفع رأسها أمام العدو. # فإذا صح يوما من الأيام أن هذه القطعة جزء من قصة «غلغامش»، فإنا ولا شك نعجز عن ~~أن نحكم في «غلغامش»: أكان صاحب الحصار أم رافعه؟ أم أن له بهذه المسألة أية علاقة ~~على وجه الإطلاق. # غلغامش مستبد # والآن نبدأ في شرح هذه القصة الشعرية، كما تبدأ على بقايا لوح من الألواح، يقول ~~فيه بعض ثقات الباحثين إنه بدء اللوح الثاني، ولكن آخرين يرجحون أنه جزء من اللوح ~~الأول. وفي هذا الطور نجد «غلغامش» يلعب على مرسح القصة دورا مزدوجا؛ إذ يظهر ~~كأنه ملك على «إريخ» مستبد بأهلها. على أن مظهر الاستبداد غير جدير ببطل، بل إنه ~~ليس من ms36 أخلاق الأبطال في شيء، وليس هنالك ذكر لحصار، كما أنك لا تعثر على شيء ~~يستدل منه على المصدر الذي جاء منه «غلغامش»، على الرغم من أن الأرجح أنه جاء «أرك» ~~كفاتح غاز. # ولدينا على صحة هذا الترجيح دليل هو استبداده بأهل المدينة، ففي هذا المظهر ريح ~~الفتح والغزو عنوة. فقد سخر الفتيان في بناء حائط أو جدار عظيم ، واستأثر في بلاطه ~~بأكثر الفتيات جمالا وأشدهن فتنة. إنه «لم يترك الصبي لأبيه، ولا الفتاة لخطيبها، ~~ولا الزوجة لزوجها.» وفي النهاية فزع أهل المدينة إلى الآلهة من اسبتداد «غلغامش»، ~~وصلوا للآلهة «آرورو» # Aruru # بأن تخلق بطلا شديد ~~البأس قوي الأصلاب يدفع عن ظلامتهم، ويرد عنهم العسف والجور، وأن يكون «لغلغامش» ~~مصدر خوف وخشية فيخفف عنهم، ويروح عليهم شيئا ما، فلا يبطش بهم كل البطش، وضم ~~الآلهة صلواتهم إلى صلوات المظلومين المرهقين استبدادا. وفي النهاية وافقت «آرورو» ~~أن تخلق بطلا يناوئ «غلغامش» ... ثم تتصل القصة: # ولما سمعت الآلهة «آرورو» هذه الكلمات صورت في ذهنها بطلا يكون على صورة ~~«عانو»، وغسلت «آرورو» يديها، وأخذت قطعة من صلصال كالفخار فكسرتها، ثم نبذتها ~~إلى الأرض، وبذلك تم خلق البطل «إيباني». # ولما تم خلق هذا الشخص ظهر في صورة رجل متوحش يقطن الجبال والحراش، «فكان كل ~~جسمه مغطى بالشعر الكثيف، بل كان مكسوا بشعر طويل كشعر النساء، وكان شعره ~~ناميا قويا كشعر إله القمح، ولم يكن يعرف الأرض التي خلق من فوقها، ولا ~~الناس الذين هبط عليهم، فكسي بأكسية تشابه أكسية إله الحقول، ومع الغزلان أكل ~~العشب، ومع السوائم أروى عطشه ونقع غلته، ومع حشرات الماء رقص قلبه ~~طربا.» # ولقد عثر على خراطيش وأختام أسطوانية منقوشة، مثل فيها «إيباني» كأنه مسخ - ساتير ~~- له رأس إنسان وذراعاه وجسمه، وقرنا وحش وأرجله وأذناه. وكما رأينا من قبل نجد هنا ~~أن هذا الرمز إنما يمثل الإنسان الحيواني - البدائي - يسرح مع السوائم في الحقول ~~والأحراش، وهو على جهل تام بكل ما في المدينة من طارف وتليد. # خدعة إيباني # هنا يدخل في ms37 القصة عنصر جديد، هو عبارة عن شخصية «تسايدو» # Tsaidu # القناص. ويرجح أن هذه الشخصية قد سخرتها الآلهة لتتم ~~اللقاء بين «غلغامش» و«إيباني». أما كيف قابل إيباني لأول مرة فليس بظاهر لتشوه ~~كبير واقع في اللوح الأصلي. وقد قرأ البعض هذه القطعة المشوهة فقالوا بأنها تودي ~~معنى أن ملك «أرك» لما علم بالمؤامرة التي دبرها الآلهة لكي ينزلوه عن عرشه ، أرسل ~~«تسايدو» ليجوب في أنحاء الجبال والوديان باحثا عن «إيباني»، وقد حضه على أن يحيط ~~به بكل الوسائل ويأتي به مكبلا في الأغلال إلى مدينة «أرك». # وقرأ البعض هذه القطعة فرجح عندهم أن اللقاء كان اتفاقا، ومهما يكن من هذا ~~الأمر، فإن «تسايدو» رجع إلى «إريخ» وقص على «غلغامش» نتيجة تجاربه مع «إيباني»، ~~وذكر له قوة الرجل المتوحش البالغة، وسرعته في العدو وقطع المسافات البعيدة في ~~أقرب حين، وكذلك أخبره عن الخجل الشديد الذي يتولاه عندما يلتقي بأحد من أبناء ~~النوع البشري، ومن الجلي أن «غلغامش» لا بد من أن يكون قد تأكد من السبب الذي ~~أرسل الآلهة من أجله «إيباني»، فيحاول أن يفسد ما صمم عليه الآلهة بأن يلتقي ~~شخصيا بالرجل المتوحش، وأن يضع لهذا اللقاء تصميما، فيأمر «تسايدو» بأن يعود إلى ~~الجبال وأن يأخذ معه «أوخوت»، وهي إحدى الفتيات المقدسات التابعات لهيكل ~~«عشتار». # أما غرضه فكان أن تلتقي «أوخوت» به وتتمكن بأخاديعها أن تأتي به إلى «أرك»، وعلى ~~هذا يخرج القناص والفتاة، وتمضي القصة: # يسلكان الطريق المستقيم من غير أن ينعطفا يمنة أو يسرة. وفي اليوم الثالث ~~يصلان إلى المكان الذي اعتاد «إيباني» أن يشرب منه، ويستخفي «تسايدو» ~~والفتاة، ويظلان حيث هما يوما ثم يومين، على مقربة من مكان الاستسقاء، ثم ~~يقدم «إيباني». # وهنا تمضي القصة في وصف طويل للقاء بين «إيباني وأوخوت»، ولم تجد «أوخوت» من ~~صعوبة في أن تجذب إيباني إليها بجمالها الفتان. وظل «إيباني» ستة أيام وثماني ليال ~~لا يتذكر شيئا، ولا يعرف شيئا من أخذته الأولى التي أخذها بجمال «أوخوت» وحبها ~~الذي تملك كل قلبه، ms38 وبعد أن عاد إلى رشده تفقد غزلانه وقطعانه التي كانت تتبعه ~~أينما سار، فوجد أنها لا تتبعه كما كانت تتبعه أولا، فخر يأسا تحت قدمي «أوخوت»، ~~وهنا تخبره عن مدينة إريخ وعن ملكها: # إنك جميل يا إيباني! إنك أشبه بالآلهة! لماذا تبقى في الوديان تذرعها مع ~~وحوش البرية وسوائمها؟ تعال معي؛ فإني سأقودك إلى «أرك» الحصينة ذات ~~الأسوار القوية ، إلى القصر اللامع، مقر «عانو» و«عشتار»، إلى قصر «غلغامش» ~~الكامل القوة، والذي يخضع البشر بقوته العظمى، كما يخضعهم ثور ~~الجبال. # ووجد «إيباني» في كلام «أوخوت» حلاوة وقصدا محببا، فرغب في صداقة «غلغامش»، ~~وصارح أنه راغب في أن يتبع الفتاة إلى مدينة «إريخ»، وبذلك بدأت رحلة «تسايدو ~~وإيباني وأوخوت» إلى المدينة. # غلغامش يلتقي بإيباني # وكان عيد «عشتار» قائما عندما وصلوا إلى «أرك». ولقد سبق إلى وهم «إيباني» أنه ~~لا بد من أن يشتبك في معركة مع «غلغامش» قبل أن يفوز بصداقة هذا البطل، غير أنه ~~أنذر (ولا ندري إن كان الإنذار قد أتاه من طريق الرؤيا أو من طريق أوخوت) بأن ~~«غلغامش» أقوى منه، وأنه فوق ذلك صفي الآلهة، فرجع عن فكرة العراك ... حدث ذلك في ~~الوقت الذي رأى فيه «غلغامش» رؤيا فسرتها له أمه «ريمات-بليت» # Rimat-Belit # بأنها تدل على قدوم «إيباني». أما الجزء الذي يروي ~~لقاء غلغامش وإيباني فمع الأسف مفقود، غير أننا نعرف من القطع التي نستمد منها ~~القصة بأنهما تلاقيا وتصاحبا. # والظاهر أن الأجزاء التالية لهذه من القصة تابعة للوح الثاني، وفيها نجد «إيباني» ~~حزينا كئيبا يندب حريته الأولى، وينحي باللائمة على فتاة المعبد التي أغوته على ~~أن يأتي إلى المدينة. على أية حال نجد أن «شاماش» - إله الشمس - يتدخل في الأمر ~~(والظاهر أن هذا التدخل كان من طريق رؤيا؛ فإن الأحلام تلعب دورا هاما في كل ~~أجزاء القصة)، ويظهر «لإيباني» كل الفوائد التي جناها من قدومه والتحاقه بالمدينة ~~وأهلها، ويجتهد بالترغيب والتمني أن يحمله على البقاء في «أرك»، فيقول: # هذا غلغامش صديقك وأخوك، سيعطيك عربة عظيمة لتنام فيها ms39 مهيأة بكل المعدات ~~الضرورية، وسيخصص لك مقعدا عن شماله، وتقبل ملوك الأرض قدميك. # فيقتنع «إيباني» في الظاهر، ويكف عن الشكوى من محيطه الجديد، ويخضع راضيا عما ~~سبق له في القدر. # أما الأجزاء الباقية من أجزاء اللوح فتظهره لنا مشغولا بحلم آخر. وفي نهاية هذا ~~الجزء من القصة نجد البطلين قد صمما على القيام بحملة ضد المسخ «خومبابا»، حارس ~~موطن الآلهة «إرنينا» # Irnina ~~(وهي صورة من عشتار) ~~في غابة السيدر. # وفي اللوح الثالث - رغم تشوهه الكبير - يظهر البطلان وقد ذهبا لاستشارة ~~«ريمات-بليت» أم «غلغامش»، ومنها يطلبان الحماية من «شاماش» في حملتهما التي أزمعا ~~عليها؛ فتنصح الراهبة العجوز ولدها صاحبه عن الطريق التي يسلكان، وترفع يديها إلى ~~إله الشمس وتطلب منه العون «لغلغامش»: # لماذا أنزلت الاضطراب على قلب ولدي «غلغامش»؟ استأثرت به، وسوف يذهب بعيدا ~~في سياحة طويلة إلى حيث يقطن «خومبابا»، ولسوف يشتبك معه في معركة ليس يعرف ~~ماذا ستكون نتيجتها، وسيسلك طريقا لم يعرفها، فحتى يصلك وحتى يعود، وحتى يغشى ~~غابة السيدر، وحتى يقتل المسخ «خومبابا» الفظيع، ويطهر الأرض من الأرجاس التي ~~تكرهها، وحتى يوم رجوعه إلي اجعل عين «آيا» # Aya # صفيتك توجهه إليك على الدوام. # وهنا ينتهي هذا الدعاء المملوء حرارة، الفائض بالروعة والجلال. # المسخ خومبابا # في اللوح الرابع وصف للمسخ الذي كان البطلان على وشك مقاتلته؛ فإن «خومبابا» # Khumbaba # الذي أقامه الإله «بعل» # Bel # على حراسة شجرة «السيدر» - وهي شجرة معينة من ~~السيدر أكثر ارتفاعا وتقديسا من بقية أشجار الغابة - لخلق في البشاعة وقبح المنظر ~~قائما برأسه، وكان مجرد وجوده في الغابة يصيب الذين يلجونها من غير أن يروه بالضعف ~~وانحطاط القوى. ولما يدنو منه البطلان يشكو «إيباني» ضعفا يحسه في يديه وارتخاء ~~في ساعديه، غير أن «غلغامش» يستحثه بكلمات التشجيع. # وليلاحظ هنا أن اسم «خومبابا» من أصل «عيلامي» # Elamite ~~؛ نسبة إلى القبيلة المعروفة. وهذه الحقيقة قد ساقت بعض ~~الباحثين إلى القول بأنه - المسخ - واحد مع أسرة «عيلامية» قديمة، كانت قد استقوت ~~على مدينة «أرك» وحكمتها، وأن هذه ms40 الأسرة قد اختفت آثارها التاريخية منذ سنة ~~2250ق.م على أنه من الصعب - إن لم يكن من المتعذر - أن تستكشف العلاقة الواقعة بين ~~قصص ميثولوجي، وحقيقة تاريخه محدودة الحوادث. غير أن أقصى ما يمكن الاستدلال عليه ~~من مثل هذه الحقيقة، هو وجود نزاع أو عداء بين «عيلام» و«بابل». ~~••• # فإذا انتقلنا إلى الأجزاء التالية من الألواح، كنا في اللوح الخامس؛ فإن البطلين ~~وقد وصلا إلى جبل مخضوضر خصيب، يجلسان في هدوء ليلقيا بنظرة على «غابة السيدر»، ~~ولما يلجان الغابة يحلم أحدهما أو كلاهما بمقتل «خومبابا»؛ ولذلك يقدمان إلى العراك ~~مسرعين، غير أنه من الأسف لم يبق من اللوح تلك القطع التي تصف صورة المعركة. أما ~~مقتل «خومبابا» فيستدل عليه من الألواح التالية. # عشتار وحبها لغلغامش # في اللوح السادس الذي يروي قصة حب عشتار «لغلغامش»، وقتل الثور المقدس، يلازم ~~الانتصار البطلين. غير أننا في الوقت ذاته نقع على الأسباب التي تعزو إليها هذه ~~الخرافة سر ما يلقيان من النحس وسوء الطالع، فتجد أن غلغامش بعد أن يقتل «خومبابا» ~~ويقفل عائدا إلى «أرك» يذيع صيته ويرتفع ذكره؛ ولذا ينبذ الثياب الملطخة بالوحول ~~المجللة بدماء فريسته، ويرتدي ثيابا لا يرتديها إلا الملوك الفاتحون، وتقع عليه ~~عينا «عشتار» وتراه في أبهة الملك وعظمة السلطان، وزهرات الانتصار تزين جبينه وتكلل ~~رأسه، فيلتهب قلبها حبا وتهيم به غراما، وبكلمات ملئن حرارة وعاطفة، تمت إليه أن ~~يكون بعلها، وتعده بأنه إذا دخل منزلها - حيث يقوم في جوف غابة السيدر المظلم - ~~فإنها سوف تفعمه بعطاياها وتبهره بهباتها، وأن قطعانه سوف تزيد، وأن خيوله وثيرانه ~~سوف لا يكون لها نظير، وأن نهر الفرات سوف يقبل رجليه ويخضع له، وأن الملوك ~~والأمراء سوف يخضعون له ويقدمون له الإتاوات. # غير أن «غلغامش» وكان يعرف شيئا عن تاريخ هذه الإلهة المملوءة بالشهوة المشبوبة ~~بالعاطفة، قد رفض حبها باحتقار، وبدأ يهمس بها سرا وعلنا. ولقد ذكرها بما فعلت ~~مع غيره ممن أحبوها من قبل، ذكرها «بتموز» # Tammuz # زوج صباها، وكانت قد علقته وبكت من أجله ms41 السنين الطوال، وذكرها «بعالالو» # Alalu # النسر الكاسر، وذكرها بالراعي «طابولو» # Tabulu # و«إيزولانو» # Isullanu # بستاني أبيها؛ فإنها قد سخرت من هؤلاء جميعا وأساءت ~~معاملتهم بصورة لم يسبقها أحد إليها قسوة وصلابة قلب، وأظهر لها خوفه من أن يكون ~~نصيبه منها كنصيب هؤلاء، لو أنه مد إلى الإلهة الماكرة بالوئام يداه، أو وهب لها ~~بالحب قلبه، غير أن الإلهة قد هاجها الغضب لرفض حبها، فارتفعت إلى السماء. # ووقفت «عشتار» أمام «عانو» # Anu # أبيها، وأمام ~~«عانو» قالت: «أيها الوالد الرحيم: إن غلغامش يلحظني أينما سرت، إنه عد زهرات تاجي ~~الإلهي.» # ومن حول رواية حب عشتار «لغلغامش» تقوم أسطورة طبيعية، يغلب أن تكون أسطورة ذات ~~علاقة بفيض ربيعي. فإن «غلغامش» إله الشمس، أو البطل الذي اختص بالصفات التي يختص ~~بها إله الشمس، قد تعشقته «عشتار» إلهة الحب، الإلهة الأم العظيمة، التي تتعهد ~~برعايتها منتوجات الربيع الجميلة. فإننا إذا رجعنا إلى حوادثها الغرامية الأولى نقع ~~على قصة «تموز» الخرافية، التي تقتل فيها «عشتار» حبيب قلبها وصفيها «تموز»، مشفوعة ~~بقليل من الروايات الميثولوجية المتناثرة المتدابرة، ولا يبعد أن يكون لهذه ~~الأسطورة اعتبارات تنجيمية - استرلوغية - في هذه المرحلة من القصة الكبرى. # ثور عانو # ولنرجع إلى سياق القصة؛ فإن «عشتار» في غضبها وسخطها تلجأ إلى «عانو» # Anu # أبيها، و«عاناتو» # Anatu # أمها، متوسلة إلى الأول أن يخلق ثورا شديد القوى ذا ~~مرة، وأن يرسل به للقاء «غلغامش»، فيرفض «عانو» في البدء طلب ابنته، قائلا إنه لو ~~فعل هذا أصاب القحط والجدب الأرض سبع سنين. غير أنه يرضى في النهاية، ويرسل ضد ~~«غلغامش» بثور عظيم اسمه «عالو» # Alu ~~. # أما الجزء الذي يعالج وصف المعركة في الألواح فمشوه تشويها كبيرا، غير أن ~~الظاهر أن المعركة كانت حامية الوطيس، يخر في نهايتها الثور السماوي صريعا بضربة ~~سيف من يد «غلغامش»، وتتطلع «عشتار» في النهاية غاضبة حانقة: # فتذهب «عشتار» وتتسلق أسوار «أرك» الحصينة، وهنالك بعد أن ترتقي أعلى قمة من ~~الأسوار ترسل لعنة من لعناتها الأبدية قائلة: لتكن ملعونا يا غلغامش، أنت يا ms42 ~~من أثرت في قلبي الغضب، ويا من قتل الثور الذي أرسلته السماء. # حينذاك يسمع إيباني لعنات الإلهة الغاضبة: # ولما سمع إيباني هذه الكلمات التي تفوهت بها «عشتار»، قطع أوشاج الثور إربا ~~إربا ورمى بها أمامها قائلا: كما غزوته وقهرته سوف أقهرك، وسأفعل بك مثل ما ~~فعلت به. # فتملك الغضب «عشتار»، وبلغ منها الحنق كل مبلغ. أما غلغامش ورفيقه فقد أهديا ~~إلهة الشمس قرني الثور العظيمين، وبعد أن غسلا يديهما في نهر الفرات قفلا ~~راجعين إلى «أرك». # وخرج الناس يحيون البطلين كلما مر بطرق من أطراف المدينة موكب ~~استقبالهما. # أما بقية اللوح فيصف مأدبة أقامها غلغامش؛ ليحيي بها ذكرى انتصاره على الثور ~~«عانو»، ويتلو ذكر بعض أحلام يرويها «إيباني». # أما اللوحان السابع والثامن فقطع وأجزاء، وما حفظ منهما يفتح للوهم والرجم بالغيب ~~في قراءتهما مجالا واسعا. وليس من البعيد أن يكون اللوح السابع متضمنا وصفا ~~للعالم السفلي، كما رواه «إيباني» عن غادة الهيكل «أوخوت» # Ukhut ~~، وقد خيل له في حلم من أحلامه الكثيرة، وقد لعن ~~«إيباني» هذه الغادة في أحد الألواح؛ ولذلك عجل به القضاء إلى الموت. # ووصف الأرض السفلى في هذا اللوح يشابه وصفا آخر، روي في أصل آخر من الأصول ~~الميثولوجية القديمة عن هبوط الآلهة «عشتار» إلى «حادس» # Hades ~~. وفي الروايتين دلالة على المعتقد القديم في الأرض ~~السفلى: # تعال، وانزل معي إلى بيت الظلام؛ حيث يسكن «إركلا» # Irkalla # إلى البيت الذي لا يذهب داخله إلى مكان آخر (أو ~~يسلك منه إلى مسلك غيره)، إلى الطريق الذي لا عودة منه، إلى البيت الذي حرم ~~ساكنوه من الضياء والنور؛ حيث التراب غذاؤهم، والأرض لذتهم، إنهم يكتسون ~~كالطيور بالريش، إنهم لا يرون النور. إنهم يعيشون في الظلام. # موت إيباني # إن هذا الحلم المزعج كان مقدمة ظهر منها أن موت «إيباني» قريب، ولم يمض على ~~الرؤيا زمان قصير حتى مرض «إيباني»، ثم مات بعد ذلك باثني عشر يوما من ابتداء ~~مرضه. أما طريقة موته فغير بينة في الألواح، فإن إحدى القراءات التي قرئت ms43 بها ~~الألواح المهشمة تظهر أن «إيباني» جرح، والأرجح أن يكون في وقعة حربية، وأنه مات ~~متأثرا بجرحه هذا. وهنالك قراءة أخرى تظهره يقول لصديقه «غلغامش»: # لقد لعنت يا صديقي؛ ولذا سوف لا أموت ميتة من يخر في ساحة الحرب ~~قتيلا. # والسبب في اختلاف القارئين راجع إلى تهشيم الألواح وتشويهها تشويها كبيرا. ~~والراجح أن تكون القراءة الأخيرة هي الأصح. وهذا رأي الباحث «لويس سبنس» الإنجليزي، ~~فإن «إيباني» قد أغضب «عشتار» قادرة القادرات، ولا يبعد أن تكون اللعنة التي أسكنته ~~الأرض وأوردته موارد الدمار هي لعنتها، وبموت «إيباني» ينتهي اللوح الثامن. أما ~~اللوح التاسع فكله وصف لحزن «غلغامش» على موت صديقه ووفيه الحميم. # مطلب غلغامش # نزل في قلب «غلغامش» الخوف من الموت، فصمم على أن يذهب باحثا وراء أحد أسلافه ~~«أوت-نابشتيم»، فقد يمكن أن يصف له طريقا يخلصه من براثن الموت، الذي لا بد أن ~~ينشب فيه أظفاره يوما من الأيام، وأشفع الفكر بالعمل، وسرعان ما خرج ميمما شطر ~~المكان الذي كان يعيش فيه «أوت-نابشتيم». وكان لا بد من أن يقطع في طريقه مفاوز ~~جبلية موحشة، تسكنها الوحوش الضواري. ولقد حماه من شر هذه الضواري إله القمر ~~«سين» # Sin ~~، فساعده ذلك على أن يقطع تلك ~~المفاوز في أمن وأن يصل إلى نهايتها سالما. # وبعد ذلك وصل إلى جبل أكثر ارتفاعا من كل الجبال التي مر بها، ووجد أن مدخل ~~الجبل محروس بأناس «عقاربة»، وكان هذا جبل «ماشو» # Mashu # أي جبل «الغروب» (جبل غروب الشمس)، وقد استوى في نهاية ~~الأفق الغربي فاصلا بين الأرض العليا والأرض السفلى. # ووصل في النهاية إلى جبل «ماشو» الذي تحرس مداخله مسوخ مريعة، تصل ظهورها إلى ~~مواقع السحاب، وتذهب أعضاؤها الأمامية إلى ما بعد «آرالو» # Aralu ~~، وعلى الباب أناس «عقاربة» يحرسونه. أما منظرهم فمرعب ~~رهيب، وأما لمسهم ففيه الموت المحتوم، أما عددهم فكبير؛ لأنهم يغشون كل الجبال، وهم ~~يظلون يلحظون الشمس من ساعة شروقها إلى مغيبها. ولما رآهم «غلغامش» اسود وجهه ~~خوفا وفزعا، وأفقدته بشاعة منظرهم كل حواسه ms44 فخر صريعا. # ولما أراد «غلغامش» أن يلج مدخل الجبل، وجد طريقه مسدودا بهؤلاء العقاربة الذين ~~لما رأوا لمحة الألوهة موسومة على محياه لم يحدجوه بنظراتهم المخيفة القاتلة، بل ~~سألوه عن غرضه، والسبب في مجيئه، والدنو من جبل «ماشو». ولما أجابهم على أسئلتهم ~~وأخبرهم أنه يريد الوصول مقر سلفه العظيم «أوت-نابشتيم»، ليعرف منه سر الخلود ~~والشباب، نصحه العقاربة بأن يرجع عن عزمه. فقد ذكروا له أن أمامه وادي الظلام الذي ~~لا يمكن أن يقطعه في أقل من أربع وعشرين ساعة «12 ~~كاسبو» # 12 Kasbu ~~، قبل أن يخرج إلى النور مرة أخرى، ورفضوا أن يسمحوا له ~~بالدخول، غير أن «غلغامش» توسل إليهم بدموعه، وبعد لأي، قبل المسوخ أن يأذنوا له في ~~الدخول. # ولما جاوز «غلغامش» باب جبل «الغروب» (بفضل كونه أحد آلهة الشمس)، دخل في واد ~~مشتد الظلام عظيم الحلكة، وظل يضرب في مفاوزه «12 ~~كاسبو» # 12 Kasbu # أربعا وعشرين ساعة. # ولما شارف نهاية هذا الوادي أخذ الظلام يقل رويدا رويدا، حتى خرج إلى وضح ~~النهار، فوجد نفسه في حديقة غناء واسعة الأرجاء، التفت أشجارها ودفقت مياهها، ~~ومن بين أشجارها شجرة الآلهة، التي وصفت في المتن الأصلي بما يلي: # تحمل الأحجار الكريمة بدل الثمار، وقد تدلت فروعها وأغصانها على أجمل ~~نظام رأته عين، وقد ثقلت بالأثمار التي تخطف البصر إذا حدق فيها ~~الناظر. # وبعد أن ملأ «غلغامش» ناظريه من جمال الحديقة، انطلق يطلب الشاطئ. # ويصف اللوح العاشر اتصال البطل بإلهة البحر «سابيتو» # Sabitu ~~، وكان من عاداتها إذا قدم أحد عليه مظاهر الألوهة، وفي ~~قلبه حزن، وظهر كأنه قد أنهكته الأسفار، دخلت قصرها وجرت وراءها رتاج الباب. غير أن ~~«غلغامش» وهو يعلم أنه في حاجة إلى مساعدتها لكي يصل إلى مقر «أوت- نابشتيم»، ~~أخبرها خبره وهددها يأسا بأن يقتحم عليها باب القصر إذا لم تفتحه. وبعد لأي ~~رضيت «سابيتو» أن تنصت له طالبا منها أن تدله على طريق «أوت-نابشتيم». وكان شأن ~~هذه الإلهة معه كشأن العقاربة؛ إذ رأت أنه لن ينفك عن غرضه، فأمرته ms45 أن يذهب إلى ~~«آداد-إيا» # Adad-Ea # ملاح «أوت-نابشتيم» الذي ~~لا يمكن بغير معاونته أن يتقدم «غلغامش» خطوة واحدة في سياحته القصية. # ولما لاقى «غلغامش» «آداد-إيا» نصحه أن يرجع، ولكن البطل كان على تصميمه وعناده، ~~فبدأ يحطم سفينة الملاح بفأسه، فاضطر الملاح أن ينفذ رغبة «غلغامش»، فأرسل مساعده ~~إلى الغابة ليحضر إليه ما يصلح به سفينته، وبعد إصلاحها سافرا معا. # غلغامش وأوت نابشتيم # ولقد أخذ «أوت-نابشتيم» العجب عندما رأى «غلغامش» قادما إليه. أما البطل ~~«غلغامش» فكان قد أصيب بمرض عضال، بحيث أصبح غير قادر على أن يغادر السفينة. غير ~~أنه أفضى إلى «أوت-نابشتيم» المؤله - وكان على الشاطئ منتظرا - برغبته في أن يعرف ~~السر في الحصول على الحياة الخالدة. غير أن بطل الطوفان كان حزينا حزنا عميقا، ~~فقال له: «إن الموت هو الكأس الدائر على شفاه بني الإنسان.» وكذلك لم يعط ~~الإنسان من الكفايات ما يدرك بها الساعة التي سوف تظلله فيها ظلال الموت. إن ~~«الأنوناكي» # Annunaki ~~- أي كبار الآلهة - هم ~~الذين يحددون الأقدار، ومعهم «ماميتوم» # Mammetum ~~«موزع الحظوظ»، فهم الذين يقدرون الموت والحياة، غير أن ساعات الموت غير ~~معروفة. # وتمتد القصة إلى اللوح الحادي عشر من غير اضطراب أو تهويش، وفيها يصغى «غلغامش» ~~مملوءا شكا إلى أقوال سلفه العظيم: # إني أرى يا «أوت-نابشتيم» أن مظهرك لا يختلف عن مظهري، فإنك مثلي، لا تباينني ~~في أي شيء، وإن فنك ليشابه فني، وقلبك يتحرق للقتال ... فكيف بك قد دخلت حظيرة ~~الآلهة ...؟ كيف وقعت على سر الحياة ...؟ # أسطورة الطوفان # ردا على هذه الأسئلة يروي «أوت-نابشتيم» أسطورة الطوفان البابلي. وهي أسطورة ~~إذا رويت وحدها كونت قصة مستقلة عن قصة «غلغامش»، بل هي أسطورة ميثولوجية كبيرة ~~الخطر عميقة المغزى. # إن نذير الطوفان قد غشي «أوت-نابشتيم» في حلم من الأحلام. سمع صوت الإله ~~يقول: ~~«أنت يا رجل «شوريباق» # Shurippak # يا ابن ~~«أوبارا-توتو» # Ubara-Tutu ~~، حطم بيتك وأغفل ~~متاعك وملكك وانج بحياتك. اترك أمتعتك ونج حياتك، واجمع من كل بذرة حية من كل ~~نوع وادخل بها في الفلك.» # أما السفينة ms46 فكان لا بد من أن تصمم وتبنى بكل عناية بإرشاد «إيا» # Ea # وتعاليمه. ولما تكلم الإله أنذر «أوت-نابشتيم» الطاعة ~~لأوامره القدسية، غير أنه كان في حيرة مما يجيب به الناس إذا سألوه عن السر في ما ~~يتخذ من أهبة، فألهمه «إيا» بما يجيب به إذا سئل. ~~«إن «بعلا» # Bel # طردني لأنه يبغضني.» # أما الغرض من هذا الجواب فكان ظاهرا جليا، غير أن الأسطر التي تأتي بعد ذلك في ~~اللوح - وهي التي تكمل الكلام - فناقصة مبتورة. # أما غرض «إيا» مما ألهم به «أوت-نابشتيم»، فأن يصرف الناس عن الشك في أمر الفلك، ~~بأن يعرفوا أن «أوتا» إنما يبني الفلك ليستطيع بعد بنائه الهرب من غضب «بعل»، الذي ~~سوف يحل به وحده إذا هو لم ينج بنفسه، وإنه من الواجب عليه أن يتنبأ للناس بتهطال ~~المطر، غير أنه يوحي إليهم أن تهطاله علامة خير وبركة، سوف ينزلها «بعل» على أهل ~~«شوريباك»؛ لأن «أوت-نابشتيم» سوف يفارقهم. # الفلك البابلي # واستخدم «أوت-نابشتيم» كثيرا من الأيدي في تشييد الفلك. وفي أربعة أيام جمع ~~المواد وأقام بناء السفينة، وفي اليوم الخامس عومها، وفي اليوم السادس شحنها، وكانت ~~على استعداد في اليوم السابع. وعلى بدن السفينة التي كانت تبلغ مائة وعشرين ذراعا # 120 cubits # 3 # بنى الظهر # 4 # من ست طبقات ارتفاعها مائة وعشرين ذراعا # cubits ~~، قسمت كل منها إلى تسع حجرات. وجعل ظاهر السفينة محكما ~~حتى لا ينفد منه الماء إذ طلاها بالقار، كما طلى داخلها بمادة أخرى. ولأجل أن يعلن ~~«أوت-نابشتيم» عن إتمام العمل في السفينة أقام مهرجانا عظيما، كمثل المهرجانات ~~التي تقام عادة عند استهلال السنة الجديدة، فذبح الثيران وجهز كميات كبيرة من الخمر ~~والزيت. وخضوعا لأمر «إيا» أحضر «أوت-نابشتيم» إلى السفينة كل ما يملك من ذهب ~~وفضة، ثم من كل بذرة حية، وكذلك كل أسرته وأدواته المنزلية، ومن كل مواشي البر ~~ووحوشه، ورجال الفنون الذين كانوا يعملون معه. # وكان تهطال المطر إشارة «لأوت» لكي يدخل الفلك وأن يغلق عليه الباب. ولقد استمر ~~المطر يهطل طول ms47 الليل وعند الفجر. ظهرت في الأفق غيامة سوداء، وفي وسطها ~~«رامان» # Ramman # يرسل الرعود، وقد تقدمه ~~«نابو» # Nabu # و«مردخ» # Marduk # مارين كروسلين، يجوبان الجبال والسهول. وأرسل «أراجال» # Uragal # الإشارة السماوية، ومضى «نينيب» # Ninib # يشق الأفق ويرسل الرياح والأنواء تتفجر ~~تفجرا. وحمل «أنوناكي» # Unaunaki # مشاعل موقدة، ~~كانت أضواؤها تشعل الأرض لشدتها نارا. أما الأعاصير فكان يرسلها «رامان» # Ramman # فتصعد من الأرض إلى عنان السماء؛ فحجبت ~~الضوء والنور، وخيم على الأرض ظلام دامس. # واستمر الظلام والفوضى يسودان الأرض يوما كاملا . وعجز الناس عن أن يرى بعضهم ~~بعضا. ولقد كان الفزع شديدا، حتى إن الآلهة في السماء تملكهم الخوف، ونزل ~~بقلوبهم الفزع الشديد، فكانوا «ككلاب الصيد»، يبكون حيارى آسفين على أنهم اشتركوا ~~في تخريب الأرض وأخذوا بضلع في إفناء النوع البشري. # واستمرت الأنواء ستة أيام وست ليال حسوما، وانقطع المطر عن التهطال في اليوم ~~السابع وبدأ الطوفان يتناقص، ثم يقول «أوت-نابشتيم»: «نظرت في البحر وصرخت بكل ما ~~في من قوة صرخة فزع وحسرة؛ لأني رأيت أن كل النوع البشري قد تحول إلى رماد ~~«صلصال كالفخار» # Clay ~~، وتبدلت الحقول الغضة ~~إلى أحراش وضحاضح، وفتحت النافذة فوقع الضوء على وجنتي، غير أني نزلت من النافذة ~~إلى ظهر السفينة، ثم وقعت صعقا أبكي مر البكاء، وعلى وجنتي جرت شئوني هتانة ~~فائضة؛ إذ نظرت إلى الدنيا فما وجدتها إلا بحرا خضما متلاطم الأمواج.» # طيور الاستكشاف # وفي النهاية استوت السفينة على قمة جبل «نتسير» # Nitsir ~~، وهنا يختلف الأرخيولوجيون في قراءة الألواح. ففي قراءة ~~منها تسمع «أنه بعد اثني عشر يوما ظهرت الأرض.» وفي أخرى تجد أنه: «بعد مسافة «12 ~~كاسبو» ظهرت اليابسة.» وفي أخرى أن الأرض ظهرت بارتفاع اثني عشر ذراعا # Cubits # فوق الماء، ومهما يكن من الأمر، فإن السفينة ~~ظلت ستة أيام فوق قمة الجبل، وفي اليوم السابع أطلق «أوت-نابشتيم» حمامة، غير أن ~~الحمامة لم تجد موضع قدم تقف فيه، فرجعت إلى السفينة، فأرسل خطافا فرجع إليه ~~ثانية؛ إذ لم يجد مكانا يستقر فيه. وأخيرا أرسل غرابا، ms48 ولما كان الوقت قد حان ~~لأن تنحسر المياه من فوق الأرض، اقترب الطائر من السفينة، وظل ينعق متهاديا ~~مترنحا ولكنه لم يدخل إليها. # وعندئذ أحضر «أوت-نابشتيم» أهل بيته وكل أمتعته إلى الفضاء، وقدم إلى الآلهة ~~قربانا من حطب وخشب السيدر وعطر البخور، وارتفعت رائحة العطر إلى مقر الآلهة ~~فاجتمعوا «كالذباب» - على ما تصفهم الرواية - من حول القربان، وكان من بين الآلهة ~~«عشتار» سيدة الآلهة، فرفعت عقدها الثمين الذي أعطاه لها «عانو» وقالت: ~~«ما هذه الآلهة! قسما بما حول عنقي من لآلئ «لابيز لازولي» # lapis lazuli # وجواهره، لا أنسى أبدا، ولأحملن ذكرى هذه ~~الأيام في نفسي، ولا أنساها أبد الدهر، ليحضر الآلهة إلى القربان، ما عدا «بعلا» ~~فإنه لن يحضر؛ لأنه رفض أن يستشير الآلهة وأرسل على الأرض الطوفان، وأسلم بكل شعبي ~~إلى الدمار.» # ولقد غضب «بعل» أشد الغضب عندما عرف أن بقية من الإنسان لا تزال حية فوق الأرض، ~~وأراد أن يهلك «أوت-نابشتيم» وأهله، غير أن «إيا» صرفته عن عزمه ودافعت عن صفيها ~~«أوت»؛ لأنه لم يستشر الآلهة عندما أمر بحدوث الطوفان العام وإفناء الأحياء، ونصحت ~~إليه بأن لا يعاقب إلا المذنبين بذنوبهم دون بني الإنسان في مجموعهم. وأخيرا اقتنع ~~«بعل»، فجاء إلى سفينة «أوت» التي كانت تحمل البقية الباقية من النوع البشري، وأخذ ~~بيد «أوت-نابشتيم» وزوجه وقادهما إلى العراء خارج السفينة؛ حيث أنعم عليهما وحباهما ~~البركة. ثم يقول «أوت»: ثم قادوني بعيدا إلى مصب أحد الأنهار، وأمروني بأن أعيش هناك. # هذه هي القصة التي رواها «أوت-نابشتيم» «للبطل غلغامش». ولا يظهر للمطلع على ~~القصة سبب في إفناء النوع البشري، اللهم إلا العداء الذي استحكم بين البشر وبين ~~الآلهة، وعلى الأخص بين أبطال بني الإنسان وبين الإله المحارب «بعل» الكبير. ولكن ~~يظهر بجلاء من سياق القصة أن «مجمع الآلهة» قد قرر تخريب مدينة «شوريباك» وحدها، ~~وأنه لم يوافق على إفناء النوع البشري. ولا مراء مطلقا في أن هذه القصة عبارة عن ~~أسطورتين تدامجتا معا على مر الزمان، ثم أصبحتا من بعد ms49 قصة واحدة تدور حول بطلين ~~أولهما غلغامش بطل «أرك» وأوت-نابشتيم سلفه العظيم، الذي رفعته الآلهة إلى ~~مصافهم. # ومما يدل واضح الدلالة على قدم هذه القصة أن الباحثين قد عثروا على لوح بجوار ~~قرية أبي حية - «مدينة سيبار # Sippar ~~» قديما - ~~يرجع تاريخه إلى 2100ق.م. # وعلى الرغم من أن هذا اللوح مشوه تشويها كبيرا، فليس من الصعب أن تستدل من ~~قراءته على مشابهات، تعرف منها أواصر العلاقة بين الرواية التي تروى فيه وبين قصة ~~«غلغامش». # ولقد ذكر «بروسوس» # Berossus # ترجمة لأسطورة ~~الطوفان في تاريخه المعروف، وقد تبدل فيها اسم «إيا» باسم «كرونوس» # Chronos # و«أوت-نابشتيم» بالملك «إكزيسوتروس» # Xisuthros # ومدينة شوريباك بمدينة «سيبار». # 5 # وفي هذه الرواية لا يمنح الخلود للملك وزوجه وحدهما، بل لابنته وملاحه ~~أيضا. ~~••• # إلى هنا نصل إلى الحد الذي يجب علينا ألا نتعداه، فلا شجرة الحياة التي أخذها ~~غلغامش وسرقها منه الأفعوان في الطريق، ولا طلبه الخلود من «أوت»، ولا وصوله إلى ~~«أرك» مرة ثانية، بمفيد لنا في سياق هذه القصة شيئا ولا هو بضروري لسياق البحث. ~~أما الذي حدا بنا إلى ذكر هذه الأسطورة بالتطويل فضرورة، سوف تظهر في خلال ما سوف ~~نمضي فيه من بحوث. # | مقارنات # اقتصرنا في الصفحات السابقة على التقديم لهذه الرسالة، وعلى شرح الأوليات الضرورية التي ~~هي بمثابة أساس لما سوف نمضي فيه من مقارنات. على أنني آمل أن أجد من اتساع صدر القراء لهذه ~~الرسالة وتقبلهم إياها ما يشجعني على المضي في وضع غيرها من الرسائل المماثلة لها، وعلى ~~الأخص في الأسس الاعتقادية البحتة التي قامت عليها النصرانية منتحلة من قصة موسى، ومن تاريخ ~~العبرانيين منذ هبوطهم مصر إلى دخولهم أرض الميعاد؛ فإني أعتقد اليوم - وبعد أن استعمقت في ~~قراءة تاريخ موسى - أن النواحي التي تختلف فيها النصرانية عن اليهودية - كما ألقاها موسى ~~على شعب الله حين كان يعلمهم التوراة في التيه - أقل بكثير من النواحي التي توافق هذه فيها ~~تلك، لا من حيث المراسيم وطرق العبادات والمعاملات، بل من حيث العقيدة الخالصة. # فقد ms50 قال موسى مثلا بأنه ابن الله، وحينا قال إنه الله، ذلك في حين أن الصبغة الاشتراكية ~~التي اصطبغت بها النصرانية هي بذاتها الصبغة التي اصطبغت بها اليهودية، غير أنك لا تقع على ~~هذا في أسفار التوراة ولا في أسفار العهد القديم، بقدر ما تقع عليه جليا واضحا في ~~التلمود، وفي التفاسير التي فسرها به الربانيون والبطارقة من العبرانيين. # هذا ما أؤمل أن يكون موضوع بحث أضعه في مستقبل الأيام، وعندي أن هذه المقارنات من أخص ما ~~يجب أن يكب عليه الباحثون في هذا العصر؛ تحقيقا للاتجاه الحديث في العلم والمباحث ~~التاريخية. # فإذا رجعنا إلى الموضوع الذي أردنا أن نضلع به في هذا الموطن، وأردنا أن نمضي في مقارنات ~~نقتطعها من الآثار القديمة، كان لا مندوحة لنا عن الرجوع إلى القصص التي روتها التواريخ ~~المعروفة، أو التي تنوقلت باللقاح عن الأمم السابقة، لنثبت أن لهذه القصة أصلا ~~ميثولوجيا عند الأمم القديمة، أخذ يتنقل في أرحام الدهور، وتنتحله أمة بعد أخرى، حتى ~~بلغ في القرن السادس بعد الميلاد مبلغه الأقصى، فصب في القالب الذي نقع عليه في ~~القرآن. # على أننا نريد أن ننبه هنا على أن بحثنا هذا ليس له بالدين صلة، وليس له بالعقائد نسب، ~~فهو بحث خالص لوجه الحقيقة، لأهل الدين أن يؤولوا منه ما يشاءون، ولأحرار الفكر أن ~~يستنتجوا منه ما يستنتجون، وليس المقام مقام تقرير ولا هو مقام إثبات أو نفي، بل هو مقام ~~رواية للقصص المختلفة التي قصت في الطوفان، ومقارنة بعضها ببعض تلميحا لا توضيحا، وسياقا ~~لا قياسا، وللحقيقة لا للدعاية؛ لهذا نمضي في هذه المقارنات مستهدين بهذه النزعة، ولنا في ~~نهايتها كلمة لعلها تكون فاصلة صريحة، لا نحتاج بعدها إلى استرسال في شرح، أو إطناب في ~~بيان. ~~••• # في كل التقاليد الميثولوجية، قديمة وحديثة تقع على قصص في الطوفان، تختلف في التفاصيل ~~والأوضاع، ولكنها تتفق في الجوهر والغاية. # فقد أفنى الطوفان أمة خيالية قيل إنها عمرت أرض الإغريق القديمة في العصر البرونزي، وكانت ~~أمة اتصفت بكثير ms51 من الخشونة والقسوة، فكان السبب في تحطيمها وإفنائها مشابها للسبب الذي ~~أفنيت من أجله عاد وثمود. والفرق أن الأولين أهلكوا بالمياه الطاغية، والآخرين أهلكوا بريح ~~صرصر عاتية. وروي أن «زوس» الإله اليوناني المعروف قال «لهرمز»: «سوف أرسل على الأرض مطرا ~~عظيما، لم يصب الأرض مثله منذ أن استقر الكون على صورته هذه، وإن النوع البشري برمته سوف ~~يفنى من جراء ذلك، فإن ظلمهم يتعبني ويمضني.» # وكان الإلهان زوس وهرمز قد تنكرا في صورة بشرية، فأضافهما رجل عجوز يقال له «ديو كاليون» ~~وامرأته «بيرا»، وأحسنا وفادتهما، وقاما على خدمتهما والعناية بأمرهما. فلما أتى الطوفان ~~نجيا جزاء إحسانهما للإلهين الكبيرين. وكانت نجاتهما بأن نصح «زوس» للعجوز بأن يبني فلكا ~~من خشب البلوط ويخزن فيه من المواد الغذائية قدرا كافيا، فلما تم بناء الفلك، دخل الزوجان ~~فيه وأغلقا وراءهما الباب، وهنا فتح «زوس» ينابيع الغور الأبعد وآبار الينابيع السماوية، ~~وأخذت السماء تمطر، وظلت في تهطالها أربعين يوما وأربعين ليلة كاملة من غير انقطاع، وبذلك ~~فني القبيل البرونزي، ولم يسلم منه حتى الذين لجئوا إلى قمم التلال العالية. واستوى الفلك ~~على جبل «بارناسوس» Parnassus ~~، ولما غيض الماء خرج الزوجان ~~من الفلك وهبطا من فوق الجبال ولجآ إلى كهف اتخذاه سكنا لهما. # 1 # أما في الميثولوجيا الهندية فتجد عقيدة أن الدنيا لا بد أن يفنيها طوفان مجتاح، ينتابها ~~في نهاية كل دور من الأدوار الكونية. # 2 # أما هذه الأدوار فأربعة: # الأول: # دور الكريتا أو العصر الكامل # Krita ~~. # والثاني: # دور الترتيا # Treta ~~. # والثالث: # دور الدوابارا # Dwapara ~~. # والرابع: # دور الكالي أو عصر الشقاوة والفساد # Kali ~~. # ولا جرم أن هذه الأدوار تشابه بالتقريب الأدوار المعروفة عند اليونان والأمم الصلتية، # 3 # وكذلك نجد إشارات في الآداب السنسكريتية تدل على الاعتقاد في أن العالم قد دمر؛ ~~لأن النوع البشري كان قد تكاثر فوق الكرة الأرضية إلى حد غير مرغوب فيه، فقد ذكر أحد ~~حكماء الهنود أنه عندما بلغ تكاثر الناس حدا مروعا، وناءت الأرض ظلما بما حملت، اضطرت ~~إلى أن ms52 تنخفض عن مستواها مائه «يوجانا» # Yojana ~~، ولما شعرت ~~فوق ذلك بألم شديد يقض أطرافها، بل فقدت حواسها لثقل ذلك الحمل الكبير الذي ارتكز فوقها، ~~لم تجد من وسيلة في وسط كارثتها هذه إلا أن تلجأ إلى حماية «نارايانا» # Narayana # إله الآلهة وكبيرهم. # 4 ~~••• # كذلك تجد في الآداب السنسكريتية أن «مانو» وهو عندهم الإنسان الأول، قد ذكر بأن الإله في ~~صورة سمكة قد أخبره بأن الأرض لا بد من أن تصفى وتنقى، فأوحى إليه بأن «يبني سفينة ~~عظيمة قوية الدروع ويجهزها بحبل طويل»، فلما ارتفعت المياه، قادت السمكة السفينة بواسطة ~~الحبل في وسط الخضم المتلاطم الأمواج، وما زالت بها حتى رست على قمة «هيمافات» التي لا تزال ~~تسمى «نوبانذا» # Naubandha ~~، ومعناها المرفأ أو الميناء، ~~وكان «مانو» مصطحبا معه سبعة من «الريشي» # rishi ~~، وهم ~~فقراء الهند وأهل الباطن عندهم من النساك المتعبدين. # 5 # ولا جرم أن هذه الأسطورة الهندية تزودنا بما نستطيع به فهم التصور السوميراني القديم في ~~حقيقة «إيا» # Ea # التي مر بنا ذكرها من قبل في سياق الأسطورة ~~البابلية. فإن الأسطورة الهندية تنص على أن هذه السمكة عندما كانت صغيرة لجأت إلى «مانو»، ~~خشية أن يبتلعها السمك الكبير ويذهب بها، مهيبة أن يحميها وأن يظللها بعناية، فرفعها «مانو» ~~الحكيم من النهر ووضعها في جرة، غير أنها أخذت تكبر في الحجم، فنقلها إلى وعاء كبير ومن ثم ~~إلى نهر «الكنج»، # 6 # ثم شكت السمكة «لمانو» مع مضي الزمان من أن النهر قد ضاق بها وأنه لا يسعها، ~~فأخرجها منه إلى المحيط الأوسع. وجزاء هذه الخدمات تجلى الإله في صورة سمكة، وأخبر «مانو» ~~بما سوف ينتاب الأرض من طوفان مجتاح مدمر، ثم اقتاد السفينة في وسط الكارثة حتى استقرت على ~~رأس الجبل. # فإذا كان لهذه الأسطورة الهندية أصل بابلي كما هو مرجح، جاز لنا أن نقضي بأن روح نهر ~~الفرات التي كانت تدعى في أساطير بابل «روح الأرض» و«روح المكان» كانت تتصور في هيأة سمكة، ~~وأن نماءها في النهر يعلل فيضانه؛ إذ ms53 يضيق بها على سعته. على أن التصور غير قاصر على أهل ~~بابل والهند، ففي كثير من القصص الميثولوجي تقع على تعليلات لحدوث الفيضانات العظيمة بأن ~~«وحشا عظيما لا بد من أن يكون قد لجأ إلى البحر أو البحيرة أو النهر فعلا ماؤه وفاضت جوانبه.» # 7 ~~••• # أما في الأقاصيص الصلتية (الأيرلاندية) فإن الطوفان ينسب إلى المسماة «سيشاير» # Cessair # حفيدة نوح، لما منعت عن أن تختص بمكان في الفلك ~~فهربت إلى حدود الدنيا الغربية، كما أشار عليها صنمها الذي كانت تعبده. # 8 # وكان أسطولها مكونا من ثلاث سفن، غرق منها اثنتان قبل أن تصل شواطئ أيرلاندا. أما الذين ~~نجوا فكانوا فضلا عن «سيشاير» أباها «بيث» # Bith # ورجلين ~~آخرين، وفنتان # Fintan # ولادرو # Ladu # وخمسين امرأة، وكلهن قضين نحبهن على التلال ما عدا «فنتان»، ~~فقدر لها البقاء إلى العصر الذي شهد أهله قدوم «بارثولون» Partholon # الجبار من أرض إغريقية. ~~••• # كذلك تقع عند المصريين على أسطورة في الطوفان سجلتها رواياتهم الميثولوجية. فإن «رع» إله ~~الشمس لما كبر وهرم عندما كان ملكا مسلطا فوق الأرض، بدأ الناس يلوكونه بألسنتهم. فدعا ~~الآلهة إلى جمهرة وقال لهم: «لست براغب في أن أقتلهم (أي رعيته)، قبل أن أعرف ما سوف ~~تقولون فيهم.» أما «نو» أبوه وكان إله المياه السرمدية القديمة، فقد أشار بإفناء النوع ~~البشري جملة. # فقال «رع»: «أجيبوا دعوتي والجئوا إلى رءوس التلال؛ إذ كانت قلوبهم مفعمة بالخوف من جراء ~~ما رموا به «رع» من بذيء الكلام.» # فذهبت الإلهة «هاتور-سخث» عين رع في إثرهم وأخذت تقتل النوع البشري فوق التلال التي لجأ ~~أفراده إليها، غير أن «رع» أراد بعد ذلك أن يحمي البقية الباقية من البشر، فأمر بقربان عظيم ~~يقدم للآلهة، مكون من خمير القمح ممزوجا ببعض الأعشاب ودماء بشرية، وصب هذا الشراب أثناء ~~الليل فوق الأرض. «فلما أصبح الصباح وأتت الآلهة لتباشر مهمتها، وجدت أن الحقول تفيض بهذا ~~الشراب الشهي فشربت وطربت ورقصت قلوبهم فرحا، وذهب الآلهة بعد أن انتشوا «سكارى»، ولم ~~يعيروا النوع البشري اهتماما.» # 9 ms54 # ولا خفاء أن الأسطورة المصرية تشير إلى فيضان النيل السنوي، وإلى «الدماء البشرية» في ~~«خيرة القمح»، وهي عبارة عن دماء إله القمح المقتول، أو إلى من يمثله من أهل الأرض. ~~••• # أما الطوفان المكسيكي فأحدثه «شمس الماء»، الذي قذف فجأة بكل الرطوبات التي كان قد ~~استمدها من الأرض، وأرسلها في صورة بخار فأفنى بذلك كل الأحياء وكل صور الحياة. ~~••• # وتعتقد قبائل «النهوا» # Nahua # المعروفة بأسطورة طوفانية ~~تشابه من وجوه كثيرة الأسطورة البابلية التي رواها «أوت-نابتشيم». وعندهم أن الإله ~~«تتلا كاهوان» # Titlachuan # قد أوعز إلى رجل يدعى ~~«ناتا» # Nata # بأن يصنع فلكا صغيرا بأن يجوف جذع شجرة؛ ~~لينجو به من طوفان سوف يعم الأرض ويهلك من عليها. وبذلك نجا هو وزوجه «نينا» # Nena ~~، وقدما سمكة قربانا وهما في الفلك فاستثارا بذلك غضب ~~كبير الآلهة عندما علم بأنهما نجيا من الطوفان، كما غضب «بعل» البابلي عندما علم بأن ~~«أوت-نابشتيم» قد نجا من غضبه وبقي بعد الكارثة الكبرى. ~~••• # وفي البرازيل أرسل كبير الآلهة «مونان» # Monan # نارا ~~عظيمة لتحرق الدنيا وسكانها الأشقياء وتدمرهم تدميرا، فبادر ساحر من كبار السحرة إلى ~~استنزال أمطار غزيرة ليطفئ النار، وظلت الأمطار في تهطالها حتى أصاب الأرض طوفان ~~عظيم. ~~••• # ويعتقد هنود كاليفورنيا في أسطورة طوفانية حلت بالعالم لتفني الشعب الأول، وكان ظالما ~~قاسيا فاسدا، ويعتقد هنود الشمال الغربي بأنهم سلالة أسرة نجت من طوفان عام. وكذلك تقع ~~بين سكان «الدنيا الجديدة» الأصليين على صور مختلفة من الاعتقاد في الطوفان وحلول كارثته ~~بالأرض. # وكذلك يتفق معتقد الأمريكيين الأصليين في أن المخلوق الأول لم يستطع العيش على الأرض مع ~~معتقد البابليين، وهنالك قصة عن «بريسوس» # Berossus ~~، سياقها ~~أن الخلق الأول لم يفلح؛ لأن الحيوانات لم تستطع أن تتحمل الضوء فهلكوا وفنوا. # 10 # وهنا تقع على الجرثومة الأولى التي فرخت من بعد فكرة «العصور الدنيوية» أو ~~«الأدوار الكونية»، والتي بلغت مبالغها القصوى بين الهنود واليونان والصلتيين ~~(الأيرلانديين)، وظهرت جلية في صورهم الميثولوجية. ~~••• # فإذا عدنا إلى قصة الطوفان كما رويت في سفر التكوين، رأينا ms55 أنها تشكل مادة واسعة للمقارنة ~~بالقصة البابلية؛ حيث تتفق القصتان في أسسهما الجوهرية كما تختلفان كثيرا في التفاصيل. # 11 # إن الثقافة البابلية لم يقتصر مدها على الغرب؛ حيث غزت أطراف فلسطين، ومن ثم إلى بلاد ~~اليونان في خلال العصر الفينيقي، بل امتدت أيضا إلى الشرق من «عيلام» إلى المرتفعات ~~الإيرانية، ومن ثم إلى الهند. ولقد أشار كثير من ثقات الباحثين إلى المماثلة التامة بين ~~الميثولوجيا السوميرانية والميثولوجيا الهندية. # 12 # وفي العصر الذي أخذت تؤلف فيه الأغنيات الآرية التي تغنى بها غزاة الهند من ~~الآريين، كان الإله «فارونا» # Varuna # إله السماء - وهو ~~يشابه عند الهنود «إياومترا» عند البابليين - قد أخذت شمس مجده في الأفول، وكانت هنالك ~~مؤثرات ثقافية أخرى تعمل في الخفاء ومن وراء حجاب. # فبينما كانت بعض القبائل الآرية تدفن موتاها في بيوت «فارونا» الحجرية، كانت قبائل أخرى ~~تتصرف في موتاها حسب شريعة «أغني» # Agni # إله النار، بعد أن ~~اتخذوه إلها يعبدونه ويتقربون إليه زلفى. وحوالي نهاية العصر الفيدي # 13 # وقعت غزوات جديدة فتح بها جوف الهند، فنقل الغزاة معهم معتقدات جديدة، منها ~~تقمص الأرواح وتناسخها وأدوار الكون الزمانية. وكذلك أخذ نجم الإلهات في الصعود، كما أخذ ~~نجم إلهة «الفيدا» في الأفول، مرتدين إلى منازل ثانوية تحت رئاسة براهما وفشنو ~~وسيفا. # ولا شك في أن هؤلاء الغزاة كانوا قد تأثروا بالمعتقدات البابلية وانتحلوا الكثير منها قبل ~~أن يهبطوا بلاد الهند، فمذاهبهم في أدوار الكون الزمانية مثلا والتي سموها «اليوغا» # Yoga ~~، تذكرنا على الأخص بالفكرات الفراتية # 14 # في الزمان والمكان. حتى إن الثقة الثبت مستر «روبرت براون» الصغير قد أظهر أن ~~المذاهب المعروفة في «يوم براهما» في الهند تشابه مشابهة تامة نظاما فلكيا ظل ثابتا في ~~أرض «بابل»، تلك الأرض التي كانت مغرسا لنظرية الأدوار الكونية على الأرجح. # 15 # على أن الشعوب الأجنبية التي تأثرت بأساليب الفكر البابلية. لم تبق طوال أزمانها في ~~حالة استعباد عقلي؛ فإن الفكر الإنساني قد تنبه بانتحال المذاهب الدينية أكثر مما استعبد ~~وخضع وصد تياره؛ لهذا ms56 ترى أن الفكرات المتعلقة بأسرار الحياة والموت قد تطورت تطورات كبيرة، ~~وعلى الأخص في البقاع التي لم تتمكن فيها سلطة الكهنوت البابلي، من حيث المراسم التعبدية ~~والقيود الدينية في شل حركة الفكر. وعلى هذا نجد الحال تماما إذا نحن رجعنا إلى التصورات ~~المتباينة المتناقضة التي تنسب عادة إلى بطارقة «الفيدا» وصور الميثولوجيا السوميرانية. فإن ~~«أوت-نابشتيم» نوح البابلي وغلغامش الشبيه بالآلهة في الميثولوجيا البابلية يقابلهما في ~~الميثولوجيا «الفيدية» إله الموتى المسمى «ياما» # Yama ~~. # والمعتقد أن ياما كان «الرجل الأول»، وهو مثل «غلغامش» خرج في سياحة طويلة مجتازا الجبال ~~والوديان والبحار ليستكشف «الفردوس»، وتذكر التراتيل الفيدية أنه مستكشف «السبيل» أو ~~«الطريق» الموصل إلى أرض «البتريس» Pitris ~~؛ أي الآباء، وهي ~~الجنة التي يجتاز موتى الهنود الذين الذين لم يحرقوا الطريق إليها مشيا على الأقدام. وإنك ~~لتجد أن الإله «ياما» لم يفقد على طول الأزمان صفاته وخصائصه الأصلية؛ فهو في الأشعار ~~الحماسية والملاحم الهندية الكبيرة كما هو في أسفار «الفيدا» سائح سرمدي على طول الزمان. # 16 # وكان «ياما» وأخته «يامي» # Yami # في أساطير الهند الزوج ~~الأول من بني الإنسان، وهما مماثلان من هذه الناحية للتوأمين السماويين في بلاد فارس ~~«ييما» # Yima ~~، «وييمه» # Yimeh ~~. أما «ييما» فيشابه «مترا» أو «مثرا». أما «فارونا» شقيق «مترا» ~~التوأم فهو في الحقيقة يمثل إله الموت حاملا بيده الأنشوطة أو «الحبالة». # 17 # أما «ياما» الهندي الذي كان يدعى «سيد ~~الآباء» Pitripati ~~، فيأخذ مكان «مترا» في فردوس «الأسلاف» بجانب «فارونا» إله السماء ~~والغور الأبعد، ويجلس تحت شجرة يعزف بقيثارة، ويحتسي شراب «السوما» # Soma # الذي يحبو الخلود. ولما وصل أعقاب «ياما» إلى الفردوس تقمصوا ~~صورا نورانية «رقيقة منزهة عن الألوان». # 18 # أما في الميثولوجيا الفارسية فالظاهر أن «ييما» كان يحكم على جماعة من الناس هم ~~من أولاده وأحفاده؛ لأن تقاليد هذه الميثولوجيا تنص على أنه عاش عمرا أطول من عمر ~~آدم. # ومن أجل أن يخصهم بصفة البقاء بعد أن كانوا قد خصوا بصفة الفناء، يحملهم على أن يأكلوا ~~طعاما محرما عليهم، بعد ms57 أن يوكل بهم «الديفاس» # Daevas # أي «الشياطين» # Demons ~~، ولكن ماذا كان هذا الطعام المحرم؟ ~~إذا أردنا أن نبحث في طبيعة هذا الطعام، فهل لنا أن نصل بين هذه الأسطورة وأسطورة أخرى تنص ~~على أن «مترا» جعل الناس فانين بأن أعطاهم طعاما من دهن «الأوركوه» # Ur Koh ~~، وهي البقرة البدائية التي تنص الأساطير الآرية التي ~~انتحلتها المذاهب «المثراوية» # 19 # على أن من جثتها - بعد قتلها - خلق النوع البشري لأول مرة؟ # 20 # وعوقب «ييما»؛ لأنه تطلع إلى الخلود، وحاول أن يكون خالدا هو والنوع البشري، خاضعا في ~~ما تطلع إليه إلى وحي قوة سفلية، ولم ينتظر حلول العصر السعيد الذي كان سيظهر فيه ~~«آهورا» # Ahura ~~. أما الأستاذ «مولتون» فلا يخفى شكه في ~~أن هذه الرواية ربما متت بصلة إلى أصل بابلي. # كذلك تجد أن «ييما» كأوت نابتشيم البابلي، كان ممن فسروا أسرار الخليقة ، فقد خصه «آهورا» ~~كبير الآلهة بأن يكون حفيظه وعرافه وحارسه على الخليقة. ولم يمض على خلق الخلق ثلاثمائة سنة ~~حتى غصت الأرض بما حملت من مخلوقات بشرية وغير بشرية، حتى لم تجد المخلوقات لكثرتها مكانا ~~تأوي إليه. # 21 # بعد ذلك أصاب الأرض سهم ذهبي ارتشق في أحد جوانبها فشقها. وعند ذلك بنى «ييما» ملجأ ~~ليلجأ إليه النوع البشري والحيوانات الداجنة في خلال شتاء سوف يشتد برده وتعصف رياحه. أما ~~الأستاذ مولتون فموقن بأن هذه الصورة الميثولوجية تغري الباحث كل إغراء بأن يعترف بأن فيها ~~أثرا واضحا من أسطورة الطوفان البابلية. وكذلك تقع في الميثولوجيا الجرمانية على «شتاء ~~مهلك»، فقد تساءل «أوديني» في إحدى قصائده المعروفة في إيسلاندا: «أي المخلوقات سوف يعيش ~~عندما يخيم الشتاء القارس الطويل على أهل الأرض؟» ~~••• # إلى هنا نكتفي بإيراد ما استطعنا الوقوف عليه من مادة للمقارنات بين الروايات التي ~~تناقلتها الشعوب البشرية جيلا بعد جيل. # أما ما أردنا أن نصل إليه من بحثنا هذا فلا يتعدى استجماع مادة واسعة حول موضوع بعينه. ~~وليس من حقنا أن نصرف القراء عن التفكير فيها برأي نبديه، ندافع عنه ms58 وننفي غيره من الآراء ~~الكثيرة التي تحوم حول هذا الموضوع. وهذه خطة سوف نسلكها فيما سننشر من مثل هذه ~~الأبحاث. # أما إهداؤنا هذه الرسالة إلى «أحرار الفكر»؛ فلأنهم أكثر الناس قدرة على النظر في الموضوع ~~نظرة بعيدة عن تعصب الدين وإفراط اللاأدرية. ms59