######OpenITI# #META# URI: 1381IsmacilMazhar.TaaththurThaqafaCarabiyya.Hindawi25730597 #META# Tags: history #META# ID: 25730597 #META# Title: تأثر الثقافة العربية بالثقافة اليونانية #META# AuthorID: 53973639 #META# Author: إسماعيل مظهر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - العرب قبل الإسلام‏ # 2 - مسالك الحضارة اليونانية إلى العرب1‏ # 3 - دستور البحث العلمي والفلسفي عند العرب‏ # 4 - علم الأحياء‏ # 5 - علم الرياضيات‏ # 6 - علم الفلك‏ # 7 - علم الطب‏ # 8 - بيت الحكمة‏ # تمهيد‏ # 1 - العرب قبل الإسلام‏ # 2 - مسالك الحضارة اليونانية إلى العرب1‏ # 3 - دستور البحث العلمي والفلسفي عند العرب‏ # 4 - علم الأحياء‏ # 5 - علم الرياضيات‏ # 6 - علم الفلك‏ # 7 - علم الطب‏ # 8 - بيت الحكمة‏ # | تأثر الثقافة العربية بالثقافة اليونانية # | تأثر الثقافة العربية بالثقافة اليونانية # تأليف # إسماعيل مظهر # | تمهيد # إن بين الدين والثقافة تشابها من حيث الطبيعة، ومن حيث الأثر، فمن الأديان ما هو عالمي ~~يخرج من البيئة التي نشأ فيها وينتشر في بيئات أخر، فتعتنقه شعوب مختلفة وتؤمن به أمم ~~متفرقة، ومنها ما هو موضعي ينشأ ويشب ويكتمل، ثم يهرم ويموت في نفس البيئة وفي عين المكان، ~~فلا يخلف من ورائه آثارا عامة بين فئات مختلفة من الناس، ومثل الثقافة من هذه الناحية كمثل ~~الدين؛ منها ما هو عالمي، ومنها ما هو موضعي، والثقافة اليونانية أولى الثقافات العالمية ~~في تاريخ الإنسان، نشأت وربت في بقعة فريدة من بقاع الأرض، سيالة العيون، متدفقة الأنهر، ~~مخضوضرة الجبال والسهول، حسنة المناخ، بعد أن نشأ وفني من قبلها حضارات موضعية عديدة، كحضارة ~~الكلدان وأشوريا ومصر، وحضارة جزر بحر الروم، فكانت الحضارة اليونانية عصارة تلك الحضارات ~~ولبها، انتحلها شعب فيه استعداد للابتكار ونزعة إلى البحث، فرببها وصبغها بالصبغة التي وصلت ~~إلينا مصبوغة بها. # وفي الثقافة العربية نفس هذه الصفات، ظهرت فيها كاملة وتجلت شاملة وافية، ولا ريبة في أن ~~صفة «العالمية» التي عرفت في الثقافة العربية ترجع إلى أصلين جامعين؛ الأول: أنها ثقافة ~~إسلامية استمدت من روح الدين الإسلامي ما فيه من صفات أنه دين «عالمي»، والثاني: أنها ثقافة ~~استمدت عناصرها الأجنبية من الثقافة اليونانية وهي ثقافة عالمية أيضا، «فالعالمية» في ~~الثقافة العربية تستمد أصالتها من الإسلام، وتستمد فروعها من أعظم حضارة ظهرت في العالم ~~القديم، ومن هذا المزيج الفذ تكونت ثاني الحضارات ms01 العالمية في تاريخ البشرية، وعندي أن أعظم ~~ميراث انحدر إلى الثقافة العربية من الثقافة اليونانية هو هذا التراث العظيم الذي جعل مما ~~خلف العرب لأعقابهم صفات القوة والخلود، يزداد بها ما في ثقافتهم الخاصة من قدرة على البقاء ~~والاستمرار. # إن النزعة «العالمية» التي أسلمها العرب إلى أوروبا في القرون الوسطى، كانت بدورها أعظم ~~تراث حمله العرب على أعناقهم ليؤدوه إلى أهل الحضارة الحديثة، ولو لم يكن للعرب من فضل غير ~~هذا الفضل لكفى به دليلا على ضخامة الأساس الذي وضعوا قواعده للحضارة وللمدنية. # وإني لعلى يقين من أن فهم الثقافة العربية فهما وثيقا لا يتأتى إلا بالاستعماق في درس ~~ناحيتين منفصلتين من نواحي المعرفة الإنسانية؛ الناحية الأولى: ناحية الدين الإسلامي وتفهم ~~روحه واستيعاب طبيعته استيعابا إنسانيا لا استيعابا غيبيا، والناحية الثانية: ناحية ~~الثقافة اليونانية وأثرها في تلوين الفكر البشري بذلك اللون الهليني الصرف البعيد عن تزوير ~~العقائد القديمة. # ولا يتسع لي الفراغ حتى أطنب في شرح ما في الدين الإسلامي من صفات «العالمية»، كما أنه لا ~~يتسع لي حتى أتكلم باستفاضة في روح الثقافة اليونانية مظهرا ما فيها من تلك الصفات، وإن ~~كانت الموازنة بين الدين الإسلامي وبين الثقافة اليونانية من حيث إنهما «عالميين» بحث لا ~~ينبغي أن يفوت القادرين من كتابنا، وإنما أكتفي هنا بالقول بأن تقوية ما ورث العرب من صفات ~~العالمية عن الدين الإسلامي، بما انتحلوا من ضروب الثقافة اليونانية، هو الأثر الأول الذي ~~يلمحه الباحث المتريث بينا جليا في الصورة التي تكيفت بها الثقافة العربية في عصورها ~~الذهبية. ~~••• # إن نظرة جامعة في الأصول التي قامت عليها الثقافة اليونانية تظهرنا على أنها قد قامت على ~~قليل من الأصول، تولدت منها فروع عديدة، أما هذه الأصول فمن المستطاع إحصاؤها وعدها، أما ~~الفروع التي تفرعت منها والشعب التي تشعبت عنها، فمن العسير أن يلم بها الباحث لكثرتها ~~واختلاف منازعها وتباين مشاربها، حتى قيل، وقيل بحق: إنه لا يوجد تحت الشمس من منزع فكري ~~حديث لا يمت إلى الفكر اليوناني ms02 بسبب من الأسباب، قريب العلاقة أو بعيدها. # إن الأصول التي قام عليها الفكر اليوناني في عصر ازدهاره تنحصر إجمالا في الدين والفلسفة ~~والرياضيات والعلم الطبيعي وعلم الأحياء والطب والأدب والتاريخ والنظام السياسي وهندسة ~~العمارة، ومن كل أصل من هذه الأصول نشأت فروع عديدة، وتلونت الفروع بألوان وفيرة، واتخذ كل ~~لون من تلك الألوان ظلالا وتدرجات، فتضخم بذلك ميراث الإنسانية عن الفكر اليوناني حتى شمل ~~نواحي الفكر والعقائد والعلوم والآداب، فكان من مجموع ذلك ما سماه المؤرخون الحضارة ~~الهلينية. # وأنت إذا نظرت في الثقافة العربية ألفيت لأول وهلة أن علاقتها بالأصول التي قامت عليها ~~الثقافة اليونانية قد تشتد وتتوثق ببعض تلك الأصول، وقد تفتر وتنأى عن البعض الآخر، على قدر ~~ما يكون في كل أصل منها من القرب أو البعد عن القواعد الأساسية في الإسلام، فما كان من تلك ~~الأصول ملائما لأسس الإسلام اشتدت آصرته بالثقافة العربية، وما كان منها منابذا لأسس ~~الإسلام ضعفت آصرته بها، والسبب الأول في هذه الظاهرة جلي واضح، فإنه ما كان لعربي أو ~~بالحري لمسلم أن يتبدل من عقائد اليونان وآدابهم بشيء يحل محل عقيدة أو فكرة تقوم على أصل ~~الإسلام، لهذا نفت أصول الإسلام عن الثقافة العربية كل ما كان في ثقافة اليونان منابذا لها ~~أو معاندا لطبيعتها. # مثل ذلك أن العرب لم يعنوا يوما بالنظر في العقائد «الأرفية» # 1 ~~- وهي عقائد تمت إلى الفلسفة وإلى الدين - وهي من ناحية أخرى عقائد كان لها أثر ~~بالغ فيما علم «فيثاغورس» في النفس، في حين أن معرفة العرب بنواح أخرى من فلسفة «فيثاغورس» ~~كان شاملا، وإن جاء في كتبهم منثورا غير منظوم في وحدة فكرية، كذلك كان لهذه العقائد ~~علاقات جمة بما خلف شعراء الحكمة عند اليونان من الآثار، وإنك لترى أن العرب لم يعرفوا ~~شاعرا واحدا منهم، ولا أتى في مخلفاتهم ذكر لشيء من آثارهم ولا آدابهم، وعلى هذا يقاس جميع ~~ما أخذ العرب عن الثقافة اليونانية. # الفصل الأول # | العرب قبل الإسلام # لم يكن العرب قبل ms03 الإسلام أمة منعزلة عن العالم المتمدين، بل إنها أمة يدل تاريخها على ~~نشاط تجاري ونشاط علمي، فقد كان لهم اتصال بالبلاد الواقعة شمالي الجزيرة وهي بلاد ذاعت ~~فيها ضروب من الثقافة اليونانية وضروب من الثقافة الرومانية، وكان لهم علاقة بالإسكندرية ~~قبل أن يفتحوا مصر بقرون عديدة، فقد ذكر المؤرخ «أرثر ويجل» الإنكليزي أن «إقليوفطرا» كان ~~لها علم بلغة العرب، وذكر أنه كان لها اتصال بأمير عربي # 1 # من شرقي الأردن ذكر له اسما يونانيا، # 2 # ولعله اسم أطلق عليه لعلاقة سياسية ما، وذكر اسم قبيلته، ولعلها عنيزة، وأن ~~انصراف أميرة من بيت بطلميوس إلى تعلم العربية دليل على أن شأنا ما كان للعرب في تلك ~~الأيام، وفي الإسكندرية خاصة، فإذا صح هذا، مضافا إليه أن الإسكندرية كانت منذ عهد بطلميوس ~~الأول نواة كبرى لنشر الثقافة الهلينية في شرقي البحر المتوسط، أي في بحر الروم جميعه، كان ~~لنا أن نلمح شيئا من علاقة العرب قبل الإسلام بثقافة الأغارقة. # كذلك قد انحدر إلينا من أخبارهم أنهم عرفوا مدرسة «جنديسابور» من أعمال «خوزستان» التي ~~أسسها «كسرى أنو شروان»، وكان حكم كسرى بين 531-578م، فاتصل أثناء حروبه في سورية (تلقاء ~~إمبراطورية بوزنطية) بتعاليم اليونان، فضيف فئة من فلاسفتهم، عقيب الأمر الذي أصدره ~~الإمبراطور «يوستنيانوس» بغلق المدارس والمعابد في أثينا. # وفي الفهرست لابن النديم (ص242) أن الذين وفدوا على «كسرى» من فلاسفة اليونان سبعة، ~~فأمرهم بتأليف كتب الفلسفة أو نقلها إلى الفارسية، فنقلوا المنطق والطب وألفوا كتبا طالعها ~~هو ورغب الناس فيها، ومن الدلالات البالغة على أن عناية كسرى بمن استوفد من فلاسفة ~~اليونان كانت كبيرة، أنه وضع في المعاهدة التي عقدها مع إمبراطورية بوزنطية نصا خاصا ~~بهم ضمن لهم به حريتهم المدنية والدينية، وأنهم أحرار في أن يعودوا إلى بلادهم فيما لو ~~أرادوا العودة. # وكان هؤلاء الفلاسفة من معتنقي مذهب «الأفلاطونية ~~الجديدة» # Neo-Platonism # ولعل لهم أثرا في الصبغة التي اصطبغ بها مذهب «التأله» # Mysticism # في فارس قبيل انتشار الإسلام، فقد كتب المستشرق ~~«نيكلسون» في ms04 كتاب «أشعار منتخبة من الديوان» طبع كمبردج (1898) شيئا يكشف عن العلاقة التي ~~تربط «الأفلاطونية الجديدة» بمذهب «التأله» كما أخذ به في فارس، وذكر الأستاذ «أوليري » في ~~الفصل السابع من كتابه في «الفكر العربي» ما يوضح شيئا من العلاقة بين الأفلاطونية الجديدة ~~والتأله كما عرف في بلاد فارس في العصر الوثني، وما كان من أثر ذلك في مذاهب التصوف التي ~~عرفت في فارس، بل وفي العالم الإسلامي من بعد. # وممن اشتهر في مدرسة جنديسابور من العرب قبل الإسلام طبيبان هما الحارث ابن كلدة وابنه ~~«النضر» الذي ذكره الرئيس ابن سينا، وكان مع الذين هزموا يوم «بدر» فأسر وقتل، وقيل: إن الذي ~~قتله هو «علي بن أبي طالب» (راجع أبا إسحاق الحصري الكيرواني في زهر الآداب ص27 ج1)، ~~وكلاهما من ذوي قرابة النبي # صلى الله عليه وسلم # فهو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن ~~عبد الدار، فنسبه يلتقي ونسب النبي في الجد الثالث. # كذلك كان للعرب معرفة بعلم النجوم قبل الإسلام، قال المرحوم الأستاذ «نلينو» في كتابه ~~المعروف «تاريخ الفلك عند العرب في القرون الوسطى»، ص105-108 ما يلي: # إن قدماء أهل بابل قد تصوروا السماء كأنها سبع طبقات # 3 # منضدة، وجعلوا في كل طبقة أحد النيرين والكواكب الخمسة المتحيرة حسب ~~قدر أبعادها عن الأرض، وهو في طبقته كأنه ساكنها وربها، فانتشر هذا الرأي عند أمم ~~أخرى مثل اليونان والسريان، وراج عند عوامهم أيضا حتى أخذته أهل الحضر من عرب ~~الجاهلية كما يظهر من ورود ذكره في جملة من النصوص القرآنية: # تسبح له السماوات السبع ~~والأرض ~~(سورة الإسراء 44). # الله الذي خلق سبع ~~سماوات ~~(سورة الطلاق 12). # ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ~~وما كنا عن الخلق غافلين ~~(سورة المؤمنون ~~17). # فقضاهن سبع سماوات في يومين ~~وأوحى في كل سماء أمرها ~~(سورة فصلت ~~12). # ألم تروا كيف خلق الله سبع ~~سماوات طباقا ~~(سورة نوح 15). # ألم تروا كيف خلق الله سبع ~~سماوات طباقا ~~(سورة نوح 15). # وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا ~~(سورة النبأ 12). # قال: والمحتمل أن ms05 العرب كانوا يسمون سماء كوكب فلكه كما ورد في الآية: # وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس ~~والقمر كل في فلك يسبحون ~~(سورة الأنبياء 33): # لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا ~~الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ~~(سورة ~~يس 40). # ولفظ الفلك مأخوذ أيضا على المحتمل من كلمة بابلية Pulukka ~~، ولكن لا نعرف شيئا مما كانت العرب يفتكرون في طبيعة تلك ~~السموات. # ثم قال: كانت العرب قد ميزوا الكواكب الخمسة المتحيرة من النجوم الثابتة وسموها بأسماء ~~مخصوصة قديمة الأصل، مجهولة الاشتقاق، لم يزل استعمالها إلى الآن، إني لا أجهل أنه ~~فيما وصل إلينا من أشعار الجاهلية لا يوجد ذكر الكواكب الخمسة المتحيرة غير الزهرة ~~وعطارد، ولكني لا أشك في قدم أسماء زحل والمشتري والمريخ أيضا؛ لأنها مذكورة عند ~~المؤلفين المسلمين قبل أن نقلت إليهم العلوم الدخيلة # 4 ~~- ولأن عدم معرفة اشتقاقها مع عدم مشابهة ظاهرة بينها وبين أسمائها ~~باللغات الأخرى السامية والفارسية، يدل على أنها قديمة الأصل عند العرب، أما عطارد ~~فقيل: إن عرب تميم كانوا يعبدونه، # 5 # أما الزهرة فمن المؤلفين السريان واليونانيين من القرن الخامس والسادس ~~للمسيح نستفيد أن بعض العرب المجاورين للشام والعراق، كانوا يعبدونها عند ظهورها في ~~الغدوات فكانوا يسمونها إذ ذاك العزى. # 6 # ثم قال: كانت أهل البادية من أحوج الناس إلى معرفة الكواكب الثابتة الكبرى ومواقع ~~طلوعها وغروبها؛ لأنهم كثيرا ما اضطروا إلى قطع الفيافي والقفار ليلا مهتدين ~~برؤية الدراري، فلولاها لضلت جيوشهم وهلكت قوافلهم في الكثبان والبراري، كما ورد في ~~سورة الأنعام (الآية 97): # وهو الذي جعل لكم ~~النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر ~~والبحر ~~. # فلا غرو أنهم عرفوا عدة من الكواكب الثابتة وسموها بأسماء مخصوصة، يذكر جزء منها ~~في أشعارهم مثل الفرقدين والدبران والعيوق والثريا والسماكين والشعريين ~~وغيرهما، ولكن لا يتوصل إلى فهم سعة معرفتهم بالكواكب الثابتة إلا من اطلع على كتاب ~~أبي الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي (المتوفى سنة 376ه/986م) في الكواكب والصور؛ ~~فإنه عند وصف كل صورة على طريقة الفلكيين، ms06 جمع أسماء الكواكب المستعملة عند عرب ~~البادية، فبلغت هذه الأسماء عدد نحو مائتين وخمسين أو أكثر، فمن كتاب عبد الرحمن ~~الصوفي ومن أقوالهم في منازل القمر، ترى أيضا أنهم في إثبات الصور النجومية، سلكوا ~~طريقة فلكيي اليونان، حتى لا نجد في الأكثر موافقة بين صورهم وصور اليونان. # هذا طرف مما وصل إلينا من علم العرب قبل الإسلام، على أن التدقيق في أشعارهم يدل دلالة ~~واضحة على أنهم كانوا ذوي نظر نافذ وقريحة وضاءة يستدل بها على استعدادهم الفطري لاستيعاب ~~المعارف، على أنه لا ينبغي أن نغفل عن أن ما ضاع من آثار الأقدمين، وبخاصة علومهم التي لم ~~يقيدوا إلا طرفا منها، يحول دون الحكم الصحيح على مقدار ما حصلوا من المعارف والفنون ~~المختلفة، ولا يخرج العرب عن حكم ذلك فإنهم في جاهليتهم تجري عليهم الأحكام التي جرت على ~~غيرهم من أهل الحضارات القديمة، وهم في إسلامهم قد نزلت بهم من النكبات والكوارث ما لا يقاس ~~به ما نزل بالأمم الأخرى، إلا أن يكون القياس مع الفارق البعيد. # الفصل الثاني # | مسالك الحضارة اليونانية إلى العرب1 # كان الخلاف على طبيعة المسيح مبدأ مناقشات تناولتها الشيع الكنسية في القرون الأولى من ~~انتشار المسيحية، وكان لاختلاف المذاهب في تلك المسألة أثر كبير في أن ينزع العقل إلى النظر ~~والتأمل الفلسفي. # اشتهرت «أنطاكية» بأنها من أولى مدن المسيحية التي قام زعماء الدين فيها بأول حركة من تلك ~~الحركات الفكرية التي كانت ذات أثر كبير في شيوع الفلسفة، وفروع الفلسفة اليونانية خاصة، ~~ذلك عقيب مناظرات دينية طويلة لا محل لذكرها، وقام بالحركة في أنطاكية معلمان، أحدهما: ~~«ديودورس»، والآخر: «تيودورس المصيصي»، وكانا شديدي الاعتقاد في كمال ناسوتية المسيح عليه ~~السلام. # كان من أكبر المؤيدين لهذا المذهب راهب من رهبان أنطاكية يقال له: «نسطوريوس»، انتقل إلى ~~القسطنطينية أسقفا لها سنة 428م، وتبع تأييد «نسطوريوس» لهذه الفكرة مناقشات حادة، انتهى ~~أمرها بعقد مجلس ديني في مدينة «إفسوس» سنة 431م فانتصر حزب الإسكندرية، وهو الحزب المنابذ ~~للمذهب النسطوري، واعتبر «نسطوريوس» ms07 وأتباعه هراطقة، غير أنهم بالرغم من ذلك جمعوا أمرهم ~~بعد مضي عامين من حكم مجلس «إفسوس» ونزلوا مصر واتخذوها مقرا لبث تعاليمهم. # قبيل ذلك العهد أغلقت مدرسة «نصيبين» # Nisibis ~~، أو بالحري ~~انتقلت إلى الرها # Edessa ~~، وفي سنة 363م سلمت مدينة نصيبين ~~إلى الفرس، تنفيذا للمعاهدة التي عقدت عقيب انتهاء الحرب التي أشعل نارها العاهل ~~«يوليانوس»، وكان رجال مدرستها منتشرين في الممالك المسيحية إذ ذاك، فعادوا إلى الاجتماع في ~~الرها وأسسوا مدرسة سنة 373م، وبذلك أصبحت تلك المدينة، بالرغم من أنها في أرض تابعة ~~للعاهلية البوزنطية، مركزا للكنيسة التي ينطق زعماؤها باللسان السرياني. # أصبحت مدرسة «الرها» موطنا لأفراد من زعماء النساطرة الذين لم يقبلوا حكم مجلس «أفسوس» ~~غير أن العاهل «زينون» الروماني أغلقها سنة 439م، بحجة أن صبغتها نسطورية متطرفة، فلم يجد ~~أهلها من موئل إلا الهجرة إلى بلاد فارس، فهاجروا إليها برياسة كبيرهم «بارسوما» سنة ~~457م. # نجح «بارسوما» في أن يقنع «فيروز»، ملك الفرس في ولاء النساطرة له ولأهل فارس، وظلوا، بعد ~~أن قطعوا على أنفسهم هذا العهد، عاكفين عليه في خلال الحروب التي وقعت من بعد ذلك، وبعد ذلك ~~أسس النساطرة مدرسة أخرى في «نصيبين» فأصبحت مركزا للتعاليم النسطورية، وهي تعاليم أنشأت ~~صورة جديدة من المسيحية، صبغتها شرقية بحتة. # من ثم انتشر النساطرة في غربي آسيا، وفي بلاد العرب، ينشرون تعاليم المسيحية على مذهبهم، ~~فأخذوا يستعينون على بث أفكارهم بأقوال ومذاهب منتزعة من الفلسفة اليونانية، فأصبح كل مبشر ~~نسطوري بحكم الضرورة معلما في الفلسفة اليونانية، إلى جانب أنه مبشر نصراني. # ترجم النساطرة كتب زعمائهم، وبخاصة كتب «تيودوروس المصيصي» إلى السريانية ليستعينوا بها ~~على بث أفكارهم، وترويج مذهبهم، ولكنهم لم يقتصروا على هذا، بل ترجموا كثيرا من كتب ~~«أرسطوطاليس» والذين علقوا عليها، ذلك بأنهم قد وقعوا فيها على ما يشد أزرهم في فهم المسائل ~~اللاهوتية العويصة التي كانوا يبشرون بها، بين أمم بعيدة عنها بعدا يجعل نشر هذه التعاليم ~~متعذرا، ما لم يستعن عليها بمبادئ من الفلسفة، ومباحث في التأمل. ms08 # غير أن كثيرا من تلك الترجمات قد أفرغ في قالب لم يراع فيه نقل الفلسفة اليونانية ~~لذاتها بل اتخذت ذريعة لبث مذهب ديني، هو مذهب النساطرة، والطعن في قياصرة الروم والكنيسة ~~الرومانية، فضعفت الثقة بالنقل من هذه الناحية؛ حيث قضت الضرورة على النقلة أن يخلطوا ~~قليلا من الفلسفة بكثير من تعاليم المذهب النسطوري، أو بالعكس. # تلك هي النواة الأولى التي نقلت من الفلسفة اليونانية إلى الشرق، وبخاصة فلسفة أرسطوطاليس ~~والأفلاطونية الجديدة، وكذلك كان من حظ جماعة من مترجمي النساطرة أن يكونوا أول من نقل تلك ~~الفلسفة من السريانية إلى العربية. # أما «نسطوريوس» فإنه إن كان قد اتهم وصدر حكم مجمع «إفسوس» عليه؛ فإنه ترك الكنيسة أمام ~~مشكلة من مشاكلها الكبرى التي احتدم من حولها الجدل، حتى انتهى الأمر بعقد مجمع بمدينة ~~«خلقدونية» سنة 448م، وكان من نتائجه أن طردت فئة أخرى من الكنيسة الرئيسية، هم المعتقدون ~~بالطبيعة الواحدة للمسيح # Monophysites ~~. # وأكثر المؤرخين على أن الكنيسة المصرية قد تبعت القائلين بالطبيعة الواحدة، ففي القرن ~~السادس الميلادي قام يعقوب السروجي وأنشأ شيعة اليعاقبة، فاضطهدتهم إمبراطورية بوزنطية، ~~ولكنهم لم يخرجوا عن حدود الإمبراطورية، بل بقوا فيها يمثلون قسما مستقلا من القائلين ~~بالطبيعة الواحدة، ثم أرسلوا طائفة منهم خارج الإمبراطورية تبث تعاليمهم، فاتبعوا نفس ~~الطريقة التي اتبعها النساطرة في استعمال اللغة القبطية واللغة السريانية، وفي الواقع أن ~~عصر السريانية الذهبي، لا يبدأ إلا برجوع اليعاقبة عن استعمال اللغة اللاطينية، إلى اللغة ~~السريانية، غير أن أهل الاختصاص في اللغات يقولون: إن هنالك خلافا بين السريانية كما ~~استعملها النساطرة في الشرق، والسريانية كما استعملها اليعاقبة في الغرب، ذلك بأن اليعاقبة ~~انتحلوا لهجات جديدة، يغلب أن يكون السبب فيها راجعا إلى استيطانهم. ~~••• # كان العصر الواقع بين بدء المجادلات الدينية في الكنيسة المسيحية وظهور الرغبة عند ~~المسلمين في درس الفلسفة، عصر ترجمة وإنتاج ذهني، ولم يعن الناقلون في ذلك العصر ~~بالفلسفة وحدها، بل عمدوا إلى الطب وعلم الكيمياء والفلك، فترجموا أكثر ما ترجموا في تلك ~~العلوم؛ لأنهم كانوا ms09 يعتقدون أن بين الطب والكيمياء والفلك آصرة قريبة ونسبا أدنى، وكان ~~اعتقادهم أن لعلم الفلك، من الناحية الطبيعية، علاقة بنشوء الأمراض، وحالات الحياة والموت، ~~والصحة والمرض. # اشتهرت مدرسة الإسكندرية بالبحوث الطبية، أما الفلسفة بمعناها الحقيقي فكانت علاقتها ~~باللاهوت، حتى اضطر دارسو العلوم إلى الفصل بين مباحثهم والفلسفة جهد المستطاع. # كان «يوحنا فيلوبونس» # John Philoponus ~~«أو يوحنا النحوي ~~كما يدعوه العرب خطأ» من متأخري الذين علقوا على أرسطوطاليس، كما كان من أوائل الذين درسوا ~~الطب في مدرسة الإسكندرية، والمحقق من أمره أنه كان يدرس في مدرسة الإسكندرية في الوقت الذي ~~أغلق فيه الإمبراطور «يوستنيانوس» مدارس أثينا سنة 529م. # ومن مشهوري فلاسفة الإسكندرية «بولس ~~الأجانيطي» Paul of Aeginae ~~، وكان يدرس في الوقت الذ وقع فيه الفتح العربي، وظلت كتبه ~~زمانا طويلا تدرس في الإسكندرية كمتون ذات قيمة كبيرة في علم الطب. # وكان أعلام المدرسة قد رسموا برنامجا، لعله الأول من نوعه في تاريخ الدرس والتحصيل ~~لتدريس الطب، يحصله كل من يريد أن يزاول هذه الصناعة، فانتخبوا ست عشرة مقالة من مقالات ~~«جالينوس» وترجموها لتكون برنامج الطب في المدرسة، ثم اختصروا بعضها واتخذت المختصرات رءوس ~~موضوعات تلقى على نسقها المحاضرات مشروحة مفصلة، والغالب أنهم لم ينزعوا هذه النزعة إلا لما ~~أنسوا في أنفسهم من القدرة على الابتكار والتعمق في الدرس إلى حدود لم يبلغها «جالينوس» ~~في مقالاته، وفي ذلك العصر كانت الإسكندرية منبع البحوث المبتكرة في كثير من فروع المعرفة، ~~لا في مادة الطب وحدها، بل في الكيمياء والرياضيات وصنوف العلوم الطبيعية. ~~••• # كانت الإسكندرية هي المباءة الأولى التي عرف العرب منها شيئا من الثقافة اليونانية، كذلك ~~كان وراثتهم منها أقرب من وراثتهم عن سورية، لهذا ذاع عندهم التنجيم حتى دلف العرب في ~~مفاوزه الوعرة، ذلك بأن نجم الإسكندرية في العلم كاد يطفئ أنوار السريانية، وتحت تأثير هذه ~~العوامل أكب العرب على مأثورات العقل في الإسكندرية، دون ما تضمنت السريانية من مباحث العلم ~~والفلسفة، وهنالك ظهرت مؤلفات «بولس الأجانيطي» الذي مر ذكره، وقد ظلت ms10 كتبه طوال العصر ~~العربي والعصر اللاتيني في القرون الوسطى، مادة التعاليم الطبية. # كذلك نبت علم الكيمياء في مدرسة الإسكندرية، وفيها تكونت النواة الأولى التي استمد العرب ~~منها، وفي ذلك يقول برتلو # Berthelot # في كتابه «الكيمياء في ~~القرون الوسطى» (طبع باريس سنة 1893): # إن المادة العربية في الكيمياء تنقسم قسمين: قسما مترجما عن كتب اليونان التي ~~عرفت في الإسكندرية، وقسما يمثل مدرسة عربية ثانية مستقلة البحوث عن ~~الأولى. # وفي الوقت الذي غرقت فيه الإسكندرية في بحوث الطب، كانت كنائس آسيا وأديرتها ومدارسها، ~~ممعنة في المباحث المنطقية والفلسفية والتأملية. # كان من الطبيعي أن يأخذ اليعاقبة عن تعليقات «يوحنا فيلوبونس» في تدريس علم المنطق ~~لعلاقتهم بمصر ولأن «فيلوبونس» من شيوخهم، غير أنهم لم يفعلوا، بل رجعوا والنساطرة إلى ~~مختصر «فرفوريوس الصوري» في المنطق المسمى «إيساغوجي» واتخذوه مدخلا للمنطق. ~~••• # مر بنا من قبل ذكر «بارسوما» الذي قاد الهجرة النسطورية إلى بلاد فارس وافتتح مدرسة ~~نصيبين، كان لهذا الرجل معلم يدعى «إيباس» هو القوة المحركة والعقل المدبر في مدرسة «الرها» ~~في أواخر أيامها، يستدل من بعض المقارنات التاريخية أنه أول من نقل «إيساغوجي»: مختصر ~~«فرفوريوس» في المنطق، إلى السريانية، وفي ذلك الوقت ظهر «فروبوس» Probus # فعلق على «إيساغوجي» وعلى بعض كتب «أرسطوطاليس» مثل كتاب ~~«أرمانوطيقا»: أي العبارة، أو كما يقولون: «باري أرمنياس» و«سوفسطيقا»، و«أنالوطيقا ~~الأولى»، أي القياس، فاتخذت تعليقاته بمنزلة شروح يرجع إليها طلاب المنطق في العالم ~~السرياني. # ومن الوصف الذي وصلنا عن التراجم السريانية عن «أرسطو» نعرف أن العرب لم يقتصروا على ~~النقل عنهم إلى العربية، بل اتبعوا نفس الأسلوب الذي تبعه المترجمون إلى السريانية عن ~~اليونانية، فقد كان من عادة المعلقين على «أرسطو» قبل العصر العربي أن ينقلوا مقطعا قصيرا ~~من المتن المترجم إلى السريانية، وقد لا يزيد على بضعة أسطر أو بضع كلمات، ثم يعلقون عليه ~~بإطناب قد يبلغ بضع صفحات، كما قد يقتصر على إشارات قصيرة، على مقتضى الحال، وقد اتبع العرب ~~هذه الطريقة عينها حتى في تفسير القرآن. # كان «سرجيس الرأس ms11 عيني» (المتوفى سنة 536م) أعظم كتاب اليعاقبة، وكان مترجما، كما كان ~~مؤلفا، في الفلسفة والطب والهيئة والفلك، وكان اشتغاله بالطب عمله الرئيسي، وقد ترجم الجزء ~~الأعظم من مؤلفات «جالينوس»، وأمضى زمنا بالإسكندرية أتقن في خلاله اللغة اليونانية ودرس ~~الكيمياء والطب في مدرستها الطبية عند أول عهدها بتدريس ذلك العلم، أما نشأته فكانت «برأس ~~العين» بالعراق، ولا تزال بعض ترجماته عن جالينوس محفوظة حتى اليوم في المتحف البريطاني، ~~وكتب مقالة في المنطق في سبعة مجلدات، ومنها جزء في «المقولات» «قاطيغورياس» محفوظ في ~~المتحف البريطاني، ومقالة أخرى في تعليل الكون بحسب مذهب «أرسطو»، وعددا من المقالات ~~القصيرة تناولت موضوعات مختلفة، وقد انتشرت مؤلفات «سرجيس» بين النساطرة واليعاقبة معا، ~~فكأنه بذلك قد اعتبر مرجعا عندهم في الطب والفلسفة، ويقال: إنه أسس مدرسة سريانية في الطب ~~أصبحت فيما بعد النبع المنبثق بما استسقى منه العرب، والراجح أنه لم يكن مؤسسها، وإنما كان ~~له أثر كبير في تأسيسها. # في ذلك الوقت - القرن السادس الميلادي - عاش «أخوديما»، وسيم أسقفا في «تغريط» سنة 559م. ~~فأدخل تعليقات «يوحنا فيلوبونس» لتكون الكتاب المدرسي الذي يدرسه اليعاقبة الذين يتكلمون ~~اللسان السرياني، ويذكر بعض الرواة أنه ألف مقالات في تعريفات المنطق، وفي الروح، وفي ~~الإنسان باعتباره عالما أصغر # microcosm ~~، ومقالات أخرى في ~~تركيب الإنسان على أنه مكون من جسد وروح. ~~••• # من مؤلفي النساطرة الذين عاشوا خلال القرن السادس الميلادي «بولس الفارسي» الذي كتب مقالة ~~في المنطق أهداها إلى الملك كسرى أنوشروان، وكان هذا فجر الفتح العربي، في سنة 638م فتح ~~العرب سورية ثم بلاد الرافدين، وبعد أربع سنوات فتحوا بلاد فارس، وفي سنة 661م استقر الملك ~~لبني أمية في دمشق، غير أن هذا الفتح العظيم لم تضطرب له حياة النصارى المشتغلين بالعلوم، ~~بل عاشوا في ظل الحكم العربي ممتعين بكل حريتهم السياسية والدينية. # حوالي سنة 650م كتب «حنا نيشو» مقالة في المنطق وعلق على «يوحنا فيلوبونس» ولم يكن ~~لليعاقبة مدارس ظاهرة الأثر كما كان للنساطرة، ولكنهم استعاضوا عن ذلك بدير لهم ms12 في ~~«قنسرين» على ضفة الفرات اليسرى، كان مقرا لدرس منتجات العقل اليوناني. # إن أعظم من ظهر من العلماء في ذلك العهد «سويرس سيبوقط» الذي عاش قبيل الفتح العربي وألف ~~تعليقا على «أرمانوطيقا» لأرسطو لم يصلنا منه غير نتف قليلة، ومقالة أخرى في القياس ~~تعليقا على «أنالوطيقا» الأولى، وشرح بعض المعضلات التي عرضت في «ريطوريقا» أي الخطابة، ~~«لأرسطو »، أما في الفلك فقد كتب مقالة في «صور منطقة البروج»، وأخرى في «الإسطرلاب». # كان «أثناسيوس بلد» أسقفا يعقوبيا سنة 684م، والمأثور عنه أنه ترجم «إيساغوجي» إلى ~~السريانية، كذلك كان «يعقوب الرهاوي» تلميذا «لسيبوقط»، ثم صار أسقفا للرها سنة 684م، ~~وكان معلما في اللغة اليونانية أحيا مواتها بعد أن كادت تموت في الشرق بالإغفال، ومن ~~تلاميذه «جورجيس» الذي سيم أسقفا للعرب، سنة 686م، وقد ترجم كل كتاب «أرسطو» في ~~المنطق الأورغانون # Logical Organon ~~، ولايزال في المتحف ~~البريطاني منه كتاب قاطيغورياس وأنالوطيقا الأولى، وكل منها مفتتح بتصدير. # إلى هنا نستدل على السبل التي سلكتها الثقافة اليونانية إلى المشرق منذ أن انفصل النساطرة ~~واليعاقبة عن الكنيسة الكبرى حتى الفتح العربي. ~~••• # كانت سنة 740م/333ه، بدء عهد جديد في تاريخ العربية، فقد شرع أبناء العرب يبدون حظا غير ~~قليل في تلقي الفلسفة والعلوم، وبدأت التراجم والتعليقات تظهر في اللغة العربية، على أن ~~الدرس باللغة السريانية لم يفقد مقامه فجاءة، بل إن هذه اللغة ظلت أداة للعلم والفلسفة حتى ~~زمان «أبي الفرج بن العبري» في القرن الثالث عشر المسيحي (1286م) وهو الزمن الذي ينتهي فيه ~~تاريخ الآداب السريانية. # تألف أول معهد للترجمة والنقل في العالم العربي من حنين بن إسحاق وابنه إسحاق بن حنين ~~وابن أخته حبيش الأعسم الدمشقي، مع غيرهم من المترجمين، وقد أسس هذا المعهد الخليفة المأمون ~~لنقل المتون اليونانية في الفلسفة والعلوم العربية، وكان حنين مسيحيا نسطوريا اشتغل ~~زمانا بالترجمة من اليونانية إلى السريانية، واشتغل بنقل إيساغوجي لفرفوريوس الصوري ~~وأرمانوطيقا لأرسطوطاليس، وجزء من أنالوطيقا، ومقالة أرسطو في الروح المسماة «ده أنيما» ~~وجزء من الميتافزيقا، وتلخيصات نيقولاوس ms13 الدمشقي وديوسقوريدس وبولس الأجانيطي وأبقراط، ~~ويقال: إنه لم يترجم مقالة الروح لأرسطو ولكنه راجعها بعد أن ترجمها ابنه إسحاق، ومن عجيب ~~الاتفاق أن تصبح ترجمة إسحاق لهذه المقالة وتعليق الإسكندر الأفروديسي عليها، مرجعا من أهم ~~المراجع لدرس الفلسفة حتى عصرنا هذا، ذلك بأن الفكر قد اتجه إلى درس علم النفس، ورجع عن درس ~~المنطق. # في القرن التاسع الميلادي (857م) ألف الطبيب يوحنا بن ماسويه كتبا في الطب باللغتين ~~السريانية والعربية، وكان أحد الذين قربهم العباسيون وأحلوهم محلا رفيعا من الاحترام ~~والإجلال، وفي ذلك العصر عاش فئة من الكتاب السريانيين كتبوا تعليقات على منطق ~~«أرسطوطاليس»، وفي القرن الثاني عشر المسيحي علق «ديونسيوس بارصليبي» على كتاب «إيساغوجي» ~~و«قاطيغورياس» وأرمانوطيقا وأنالوطيقا، وفي أوائل القرن الثالث عشر كتب «يعقوب بارشقاقو» في ~~الفلسفة والمنطق والطبيعة والرياضيات وما بعد الطبيعة. # ويعتبر القرن الثالث عشر المسيحي نهاية عصر الآداب السريانية، التي ختمت بأعمال «غريغوري ~~بار إرباوس» المعروف «بأبي الفرج بن العبري»، وقد لخص في كتاب له اسمه «إنسان العين» كثيرا ~~في المنطق وإيساغوجي لفرفوريوس، ولخص عن أرسطو المقولات أي قاطيغورياس وأرمانوطيقا أي ~~العبارة وأنالوطيقا أي القياس، وطوبيقا أي الجدل وسوفوسطيقا أي السفسطة، وله كتاب آخر أذكر ~~أن اسمه «عيون الحكمة» لخص فيه مقدمات المنطق وما بعد الطبيعة واللاهوت، وقد ترجم عن ~~السريانية مؤلف «ديوسقوريدس» في «البسائط» وألف في الطب مقالة أجاب بها على مسائل «حنين بن إسحاق»، كما كتب في الجغرافية. # الفصل الثالث # | دستور البحث العلمي والفلسفي عند العرب # اتبع العرب في البحث العلمي دستورا محكم الأساس، يوجه البحث في الناحية التي يحتملها كل ~~سؤال قد ينشأ عن وجوه البحث، غير أن هذا الدستور على إحكامه من ناحية الحصر والدقة، لا يقيد ~~العقل بحسب البحوث التي يتجه إليها، فإن حكما من أحكام هذا الدستور قد ينتهي ببحث في ~~الفلسفة لا مجال له إلا في العلم، وقد ينتهي في العلم ببحث لا مجال له إلا في الفلسفة، ~~وعلى الجملة نقول: إن هذا الدستور يحصر اتجاهات العقل، ولكن لا ms14 يقرر المتجه الذي ينبغي أن ~~يتجه فيه العقل إزاء كل بحث بعينه، وقد انحصر هذا الدستور عندهم في تسعة أحكام، قالوا: # 1 # إن السؤالات الفلسفية تسعة أنواع، مثل تسعة آحاد: وهي: ~~(1) ~~«هل هو»: سؤال يبحث عن وجدان شيء أو عن عدمه، والجواب نعم أو لا. ~~(2) ~~«ما هو»: سؤال يبحث عن حقيقة الشيء. ~~(3) ~~«كم هو»: سؤال يبحث عن مقدار الشيء. ~~(4) ~~«كيف هو»: سؤال يبحث عن صفة الشيء. ~~(5) ~~«أي شيء هو»: سؤال يبحث عن واحد من الجملة أو عن بعض من الكل. ~~(6) ~~«أين هو»: سؤال يبحث عن مكان الشيء أو عن رتبته. ~~(7) ~~«متى هو»: سؤال يبحث عن زمان كون الشيء. ~~(8) ~~«لم هو»: سؤال يبحث عن علة الشيء المعلول. ~~(9) ~~«من هو»: سؤال يبحث عن التعريف بالشيء. # حصر العرب بهذا الدستور المحكم متجهات البحث العلمي والفلسفي، غير أنهم لم يطبقوا هذا ~~الدستور تطبيقا يقتضيه التفريق الحتمي بين كفايات العقل الإنساني، فإن كفاية العقل ~~المستمدة من الحواس مباشرة، ينبغي لها أن تختص بجهات من هذا الدستور لا تتعداها، وكذلك ~~كفاية التأمل، فإذا عرض سؤال معضل في مسألة علمية أو فلسفية رأيتهم يحاولون تطبيق هذا ~~الدستور عليها جميعا، فسؤال يحتمل أن يكون من باب «ما هو» لا ينبغي أن ينظر فيه من باب «كيف ~~هو» أو «أين هو» أو «متى هو»، فإذا اشترك بابان أو أكثر في الإجابة عن «سؤال» ما، يجب أن ~~يفرق بين أجزاء السؤال، لتكون الإجابة عن كل جزء من اختصاص الباب الذي هو داخل فيه، حتى لا ~~تختلط كفايات العقل التي فرق بينها الطبع، بتخالط الأوجه التي تنشأ عن سؤال في العلم يمت ~~إلى الفلسفة بسبب، أو سؤال في الفلسفة فيه طرف من العلم، ولو أنهم طبقوا هذه الأبواب بحسب ~~ما يجب، لكانوا أول الواضعين للطريقة العلمية في البحث، تلك الطريقة التي يفخر أهل عصرنا ~~بها، ولكن لكل عصر حكمه، ولعل السبب في أنهم لم يطبقوا هذا الدستور على الوجه الذي ينبغي ~~راجع إلى وراثتهم عن اليونان بالذات. # كيف توصل العرب إلى ms15 هذا الدستور المحكم؟ وما هي الأصول التي اعتمدوا عليها في تفصيل ~~المعاني المنطوية تحت كل باب من أبواب هذا الدستور؟ لا شك عندي مطلقا في أن هذا الدستور ~~البديع وليد علم المنطق، وأنه قد استمد من «المقولات» العشر المسماة عند اليونان ~~«قاطيغورياس» وبالرغم من أن الفراغ المخصص لكتابة هذا البحث محدود؛ فإني لا أجد مندوحة من ~~الإطناب في هذا الباب، فالبحث جديد غريب على القراء والموضوع خطير الشأن، فإنه يتعلق من حيث ~~المنطق بمسألة من أعوص مسائله، ويتعلق من حيث تأريخ الفكر العربي بمنحى من أعوص مناحيه، ذلك ~~إلى أن أسلوب البحث العلمي والفلسفي عند العرب مسألة جدلية في زماننا هذا، تكلمت فيها من ~~قبل وتكلم فيها غيري من غير أن يحدد ذلك الأسلوب أو تعرف قواعده، # 2 # وإني لأقر هنا أن ما كتبت من قبل في أسلوب التفكير العلمي عند العرب لم يكن ~~قائما على الأساس الذي أضع قواعده في هذا البحث. # من أجل هذا كله ينبغي لي أن أشرح أبواب «الدستور» الذي وضعه العرب للبحث العلمي والفلسفي، ~~ثم أعقب عليه بشرح المقولات شرحا مختصرا جليا؛ ليكون كلامنا بعد ذلك قائما على أساس من ~~العلم بما نتكلم فيه، وسنرى بعد ذلك كيف تدلنا المقارنة على العلاقة الجوهرية القائمة بين ~~«قاطيغورياس» الذي هو يوناني الأصل وبين دستور البحث عند العرب. # 3 # وعندي أن إثبات أن أسلوب البحث عند أسلافنا أصله يوناني أو بالحري مستمد من أصل ~~يوناني، من رءوس المسائل التي يجب أن يعنى بها المؤرخون في تاريخ الثقافة العربية. # ونبدأ الآن بشرح دستور البحث العلمي والفلسفي عند العرب. # أولا: باب «هل هو»: # وهو سؤال يبحث عن وجدان شيء أو عدمه، والجواب نعم أو ~~لا. # الموجود يقتضي الواجد لأنهما من جنس المضاف # 4 ~~- ووجدان الشيء لا يخلو من إحدى طرق ثلاث: إما بإحدى القوى ~~الحساسة، وإما بإحدى القوى العقلية التي هي الفكرة والروية والتمييز والفهم ~~والوهم الصادق والذهني الصافي، وإما بطريق البرهان الضروري، وليس لإنسان من ~~طريق إلى المعلومات غير ms16 هذه، وأما معنى العدم فهو ما يقابل كل نوع من هذه ~~الطرق الثلاث فيقال: معدوم من درك الحس له، ومعدوم من تصور العقل، ومعدوم ~~من إقامة البرهان عليه. # ثانيا: باب «ما هو»: # سؤال يبحث عن حقيقة الشيء. # هذا السؤال يبحث عن حقيقة الشيء، أو كما يقول الفلاسفة: عن «ماهية» ~~الشيء، و«ماهية» لفظ منحوت من لفظي «ما هو»، وحقيقة الشيء تعرف بأمرين: ~~الأول الحد، والثاني الرسم، ذلك بأن الأشياء جميعا لا تخرج عن نوعين: مركب ~~كالجسم، وبسيط كالهيولي والصورة، والأشياء المركبة تعرف حقيقتها إذا عرفت ~~الأشياء التي هي مركب منها، فإذا قيل: ما حقيقة الطين؟ قيل: «تراب وماء» ~~مختلطان، والحكماء يسمون مثل هذا الوصف «الحد»، وحدوا الجسم: بأنه «الشيء ~~الطويل العريض العميق»، وفي قولهم: الشيء إشارة إلى «الهيولي» أي المادة، ~~وفي قولهم: الطويل والعريض والعميق إشارة إلى الصورة؛ لأن حقيقة الجسم ليست ~~بشيء غير هذه التي ذكرت في حده. # وأما الأشياء التي ليست مركبة من شيء فحقيقتها تعرف من الصفات المختصة ~~بها، مثال ذلك: إذا قيل: ما حقيقة «الهيولي»؟ فيقال: جوهر بسيط قابل ~~للصورة لا كيفية فيه البتة، وإذا قيل: ما الصورة؟ فيقال: هي التي يكون ~~الشيء بها ما هو، وهذا ما يسميه الحكماء «الرسم»، والفرق بين «الحد» ~~و«الرسم» أن الحد مأخوذ من الأشياء التي يتركب منها المحدود، والرسم مأخوذ ~~من الصفات المختصة بالمرسوم: وفرق آخر: أن الحد يخبرك عن جوهر الشيء ~~المحدود ويميزه عما سواه، والرسم يميز لك المرسوم عما سواه لا غير. # ثالثا: باب «كم هو»: # سؤال يبحث عن مقدار الشيء. # الأشياء ذوات المقادير كلها نوعان: متصل ومنفصل، فالمتصل خمسة أنواع: الخط ~~والسطح والجسم والمكان والزمان، والمنفصل نوعان: العدد والحركة، وهذه ~~الأشياء كلها يقال فيها «كم هو». # رابعا: «كيف هو»: # سؤال يبحث عن صفة الشيء. # والصفات كثيرة الأنواع، وسوف نشرح ذلك عند كلامنا في المقولات. # خامسا: «أي شيء هو»: # سؤال يبحث عن واحد من الجملة، أو عن بعض من الكل، إذا قيل: ~~طلع الكوكب، فيقال: أي كوكب هو؛ لأن ms17 الكواكب كثيرة، وأما إذا قيل: طلعت ~~الشمس فلا يقال: أي شمس هي؛ إذ ليس من جنسها كثرة. # سادسا: «أين هو»: # سؤال يبحث عن مكان الشيء أو عن مكان رتبته. # والفرق بين المكان والرتبة: أن المكان صفة لبعض الأجسام لا لكل الأجسام، ~~فإذا قيل: أين زيد؟ فيقال: في البيت، أو في موضع آخر غير البيت، وأما المحل ~~فهي صفة للعرض: والعرض نوعان: جسماني وروحاني، فالأعراض الجسمانية حالة في ~~الأجسام، فإذا قيل مثلا: أين البياض؟ فيقال: عرض حال في الجسم الأبيض، ~~وهكذا بقية الأعراض التي هي محمولات في غيرها، وأما الأعراض الروحانية ~~فحالة في الجواهر الروحانية فإذا قيل: أين العلم؟ فيقال: عرض حال في نفس ~~العالم، وكذلك بقية الأعراض الروحانية كالسخاء والعدل والشجاعة وغير ~~ذلك. # وأما الرتبة: فهي من صفات الجواهر الروحانية، فإذا قيل: أين النفس؟ ~~فيقال: هي دون العقل وفوق الطبيعة، وإذا قيل: أين الخمسة؟ فيقال: بعد ~~الأربعة وقبل الستة، والجواهر الروحانية لا توصف بالمكان ولا بالمحل، وإنما ~~بالرتبة. # سابعا: «متى هو»: # سؤال يبحث عن زمان كون الشيء. # والأزمان ثلاثة: ماض كأمس، ومستقبل مثل غد، وحاضر مثل اليوم. # ثامنا: «لم هو»: # سؤال يبحث عن علة الشيء المعلول. # والعلل أربع: علة هيولانية، وعلة صورية، وعلة فاعلية، وعلة تمامية، ~~فالعلة الهيولانية هي المادة التي يصنع منها الشيء، والعلة الصورية هي ~~الهيئة التي يكون عليها الشيء كالاستدارة أو التربيع أو الاستطالة أو ~~التكور، والعلة الفاعلية هي الصانع الذي يعمل الشيء، والعلة التمامية هي ~~الغرض من الشيء، وكل معلول لا بد له من هذه العلل الأربع، فإذا سألت عن علة ~~شيء؛ فاتجه بفكرك أولا عن أيها تسأل حتى يكون الجواب بحسب السؤال. # تاسعا: «من هو»: # سؤال يسأل عن التعريف للشيء، أي تحديده ولا يحتاج إلى شرح لأنه ~~بين بذاته. # تحت هذه الأبواب التسعة حصر العرب كمية السؤالات التي ترد على الأشياء من أي نوع تكون، ~~وإنما هم وضعوها لتقرب من فهم المتعلمين النظر في المنطق الفلسفي قبل الإقدام على درس ~~«إيساغوجي» وهو المدخل لذلك العلم. ms18 # وهنا ينبغي لنا أن نشرح المقولات العشر، التي هي «قاطيغورياس» عند اليونان، ونقلت إلى ~~العرب مع ما نقل إليهم من منطق «أرسطو»، حتى إذا فرغنا من شرحها أمكننا أن نوازنها بذلك ~~الدستور القويم. # وقد يسمي العرب المقولات الأجناس العشر وذلك ما سوف نأتي على سببه بعد، أما المقولات أو ~~الأجناس العشر فهي: مقولة أو جنس: الجوهر، الكم، الكيف، الإضافة، الأين، متى، الوضع، الملك، ~~أن يفعل، أن ينفعل، ولا بد لنا من أن نتكلم فيها جنسا جنسا: # الأول: جنس الجوهر: # ليس له حد، ولكن له رسما # 5 # ورسمه أن القائم بنفسه، القابل للأعراض المضادة. # ما هو النوع عند القدماء: النوع معنى يشمل جملة الأشخاص المتفقة في ~~الصورة، المختلفة في الأعراض، وبيان هذا أن الحكماء لما نظروا في الموجودات ~~فأول ما رأوا الأشخاص مثل زيد وعمرو وخالد، ثم تذكروا في من لم يروهم من ~~الناس الماضين، فعلموا أن كلهم تشملهم الصورة الإنسانية وإن اختلفوا في ~~صفاتهم من حيث الطول والقصر والسواد والبياض، والشهلة والفطسة، وما شاكل من ~~الصفات، فقالوا: كلهم إنسان، ولذا سموه: «نوعا»، وعلى هذا القياس سائر ~~أشخاص الحيوانات من الأنعام والسباع والطيور وغير ذلك. # هذه هي الخطوة الأولى، أما الثانية: فإنهم رأوا أن الحياة تشملهم كلها، ~~فسموها الحيوان، ولقبوها الجنس الشامل لجماعات مختلفة الصور، وهي - أي ~~الصور- أنواع له، ثم نظروا في أشخاص أخر كالنبات والشجر وأنواعها فعلموا ~~أن النمو والغذاء يشملها كلها، فسموها «النامي» وقالوا: هي جنس «أي النامي» ~~والحيوان والنبات نوعان له. # ثم انتقلوا بالنظر إلى الأشياء التي لا هي حيوان ولا نبات، أي الحجر ~~والماء والنار والكوكب، فرأوا أنها كلها أجسام، فسموها: جنسا، ورأوا أن ~~الجسم من حيث هو جسم لا يتحرك ولا يعقل ولا يحس ولا يعلم شيئا، غير أنهم ~~وجدوه بعض الأحيان متحركا متعقلا ومصنوعا فيه الأشكال والصور والنقوش ~~والأصباغ، فعلموا أن مع الجسم جوهرا آخر هو الفاعل في الأجسام؛ أي المؤثر ~~فيها بما يكسبها هذه الأفعال والآثار، فسموه روحانيا، فجمعوا هذه كلها في ~~لفظة واحدة ms19 وسموه: «الجوهر»، فصار الجوهر بذلك جنسا: والروحاني والجسماني ~~نوعان له، والجسم جنس لما تحته من النامي والجماد وهي نوعان له، والنامي ~~جنس لما تحته من الحيوان والنبات وهما نوعان له، والحيوان جنس لما تحته من ~~الناس والطير وغير ذلك. # فالإنسان بذلك نوع الأنواع، والجوهر جنس الأجناس، والجسم والنامي ~~والحيوان نوع من جنس المضاف، ذلك بأنها إذا أضيفت إلى ما تحتها سميت: ~~أجناسا لها، وإذا أضيفت إلى ما فوقها سميت: أنواعا لها. # الثاني: جنس الكم: # أشياء هي أعراض في الجوهر مثل ثلاثة أرباع وأربعة أرطال وخمسة مكاييل وما ~~شاكل يجري مجراها جميعا يشملها جنس الكم أو مقولة الكم. # ثالثا: جنس الكيف: # الكيف لا هو جوهر ولا هو كم، وإنما هو صفات كالبياض والسواد والحلاوة ~~والحموضة، وهي أعراض للجوهر، فالجوهر موصوف بها، وهي قائمة به، وكلها صور ~~متممة له. # رابعا: جنس المضاف: # هناك أشياء شتى تقع على شيء واحد لا يتغير في ذاته، بل يتغير من أجل ~~إضافته إلى أشياء شتى، وهذا ما سموه: جنس المضاف أو مقولة المضاف، فالرجل ~~مثلا يكون أبا وابنا وأخا وزوجا وصديقا وعدوا، وجميعها أشياء تقع ~~بين اثنين يشتركان في معنى من المعاني، وذلك المعنى لا يكون موجودا في ~~ذاتيهما، ولكن في نفس المفكر. # خامسا: جنس الأين: # يشمل معاني غير معاني ما تقدم؛ مثل: فوق وتحت وها هنا وهناك وما شاكل ذلك ~~فسموها: «الأين» أو مقولة الأين. # سادسا: جنس المتى: # يشمل معاني تدل على الزمان؛ مثل: يوم وشهر وسنة وحين ومدة وما شاكل ذلك ~~فسموها: «المتى» أو مقولة المتى. # سابعا: جنس الوضع: # يشمل معاني تدل على وضع الشيء مثل قائم وقاعد ونائم ومنحن ومتكئ ومستند ~~ومستلق فسموها: «الوضع» أو مقولة الوضع. # ثامنا: جنس الملك: # مثلها قولك به وعليه وله ومنه وعليه وعنده وما شاكل ذلك، فسموها: ~~«الملك» أو مقولة الملك. # تاسعا: جنس أن يفعل: # وهو يدل على تأثير الفاعل. # عاشرا: جنس أن ينفعل: # مثل قولك انقطع وانكسر وانبعث وانبجس، وهو جنس يدل على أثر الفاعل في ~~المنفعل. ms20 # لقد جمع المنطق في هذه الأجناس كل موجود من الجواهر والأعراض وما كان وما يكون، وليس في ~~مقدور أحد أن يتوهم شيئا خارجا عن هذه الأجناس وما ينطوي تحتها من الأنواع ~~والأشخاص. # غير أن حصر هذه الأجناس إنما هو قانون للعقل، فإذا شرع العقل ينظر في حقائق الأشياء أو في ~~ظواهرها، احتاج في تطبيق هذا القانون إلى دستور، وهذا الدستور قد فصل في التسعة الأبواب ~~التي سبق أن ذكرنا، ومن هنا ترى أن بين قانون المنطق ودستور التطبيق تضايفا لا ينفصم ~~وعلاقة لا تتصدع، وإلى هنا كان الوضع العلمي صحيحا لا غبار عليه، لا من ناحية القانون ~~المنطقي ولا من ناحية الدستور الذي يطبق به ذلك القانون، فمن أين إذن جاء ذلك التخالط الذي ~~نلحظه في الموضوعات التي تضمنها العلم الواحد عند العرب؟ كما تضمن الفلك علم التنجيم، ~~والكيمياء علم تحويل العناصر، والطب علم التأثر بالبروج إلى غير ذلك، كيف اختلط المعلوم ~~بالمجهول، وكيف امتزجت أشياء الغيب بأشياء الشهادة؟ هذا ما نحتاج للكلام فيه إلى موازنة بين ~~القانون المنطقي الذي هو المقولات ودستور البحث الذي هو تلك التسعة الأبواب، ثم إلى استقراء ~~ما يمكن أن يستقرأ من مجموع ذلك. # وقد يطول الكلام في الموازنة بين القانون المنطقي ودستور البحث العلمي، وقد يكون الكلام ~~في هذه الموازنة ذا قيمة علمية كبيرة، غير أن المقام ليس مقام الكلام في هذا الموضوع، وإنما ~~نكتفي بأن نقول: إن دستور البحث العلمي عند العرب قد قام على مقولات أرسطوطاليس. # الفصل الرابع # | علم الأحياء # لعلم الأحياء عند اليونان تاريخ طويل حتى لقد اضطر المؤرخون إلى الفصل بين تاريخ علم ~~الأحياء قبل أرسطوطاليس، وعلم الأحياء بعده، وإذا حققنا النظر فيما عرف العرب من هذا العلم، ~~رأينا أنهم قد اتصلوا بما عرف اليونان من بدايات هذا العلم في العهدين، مما يدل دلالة صادقة ~~على أنهم اشتغلوا به اشتغال العلماء، لا اشتغال النقلة والمترجمين. # ولقد ذاع عند العرب مذهب اتصال العوالم على النحو الذي ذاع به عند اليونان فقالوا: ms21 إن آخر ~~مرتبة الجواهر المعدنية متصلة بأول مرتبة الجواهر النباتية، وإن أول مرتبة النبات متصلة ~~بآخر مرتبة الجواهر المعدنية، وإن آخرها متصل بأول مرتبة الحيوان، وإن آخر مرتبة الحيوان ~~متصل بأول مرتبة الإنسان. # وكان لهذا المذهب أثر كبير في تطور الفكر واتجاهه نحو فكرة النشوء، ودليلنا على هذا ~~قولهم: إن الحيوانات كلها متقدمة الوجود على الإنسان بالزمان، فكان من ذلك بداية حسنة ~~للتفكير في تتابع نشوء الأحياء على مدى العصور الأرضية. # وقد يطول بنا البحث إذا نحن عمدنا إلى تتبع جميع المبادئ العلمية التي نقلها العرب عن ~~اليونان في هذا العلم، وإنما نكتفي هنا بنقل أهم الحقائق العلمية التي نقلها العرب عن ~~اليونان في علم الأحياء، وعليها قام البحث عندهم: ~~(1) # إن النباتات لا يخرج شيء منها عن صورة جنسه أو يتجاوز عن أشكال نوعه، وذلك أنه ما ~~رئيت قط ورقة زيتون خرجت من شجرة جوز، ولا حبة شعير خرجت من سنبلة حنطة، وكذلك حكم ~~كل الحيوانات وأشكال أنواعها في أشخاصها، وذلك أنه ما رئي قط أن مهرا خرج من رحم ~~ناقة، ولا جدي خرج من رحم بقرة، ولا كركي خرج من بيض نعامة، ولا فروج خرج من ~~حمامة. ~~(2) # إن لكل نوع من النبات أصلا، فما أصله كيموس ما، # 1 # ولكيموسه مزاج ما، لا يتكون من ذلك المزاج إلا ذلك الكيموس، ولا يتكون ~~من ذلك الكيموس إلا ذلك النوع من النبات، وإن كان يسقى بماء واحد وينبت في تربة ~~واحدة ويلفحها نسيم هواء واحد، وتنضجها حرارة شمس واحدة، وبهذا تختلف أحوال ~~النبات، وذلك أن رطوبة الماء ولطائف أجزاء التراب إذا حصلت في عروق النبات تغيرت ~~وصارت كيموسا على مزاج ما، لا يجيء من ذلك الكيموس والمزاج غير ذلك النوع من ~~النبات، وكذلك حكم أوراقه ونوره وثمره وحبه. ~~(3) # النباتات هي كل جسم يخرج من الأرض ويتغذى وينمو. ~~(4) # إن النبات متقدم الكون والوجود على الحيوان بالزمان؛ لأنه مادة لها كلها وهيولي ~~لصورها وغذاء لأجسادها، وهو كالوالدة للحيوان، وذلك أنه يمتص رطوبات أجزاء الأرض ms22 ~~بعروقه إلى أصوله ثم يحيلها إلى ذاته، ويجعل من فضائل تلك المواد ورقا وثمارا ~~وحبوبا نضيجا، ويتناوله الحيوان غذاء صافيا هنئيا مريئا. ~~(5) # إن حيوان الماء وجوده قبل حيوان البر بزمان؛ لأن الماء قبل التراب والبحر قبل البر ~~في بدء الخلق. ~~(6) # إن الحيوانات كلها متقدمة الوجود على الإنسان بالزمان. ~~(7) # الحيوان جسم متحرك حساس يتغذى وينمو ويحس ويتحرك حركة مكان. # هذا قليل من كثير مما يستطاع نقله عن مؤلفي العرب، ولكن الظاهر أنهم نقلوا هذه المبادئ ~~فرادى، فإنه لم يصلنا كتاب واحد مما كتب اليونان في هذا العلم منقولا إلى العربية، ولكن ~~الثابت أن مبادئ هذا العلم قد تسربت إليهم عن اليونان. # الفصل الخامس # | علم الرياضيات # في سنة 156 للهجرة وفد هندي إلى بغداد يحمل مقالة في الرياضيات وأخرى في علم الفلك، أما ~~الثانية فكانت مقالة «سدهانتا» # Siddhanta # التي عرفها العرب ~~من بعد باسم كتاب «السند هند» وترجمها إبراهيم الفزاري، فكان نقلها بداءة عصر جديد في دراسة ~~هذا العلم عند العرب، ولو لم يكن لها من أثر إلا إدخال الأرقام الهندية واتخاذها أساسا ~~للعدد في العربية، لكفى بذلك أثرا خالدا، فقد تطور على أثرها علم العدد عند العرب وسار ~~بتلك الخطى الحثيثة التي كان يعوقها دائما استعمال العرب لغير الهندية من الأرقام المعقدة ~~المهوشة. # وهنا يحق لنا أن نتساءل: «ماذا كان في ذلك تأثير العقل العربي؟ وماذا ترك من ~~الآثار؟» # يخطر بالبال عند هذا السؤال علم الجبر، على أن لعلم الجبر تاريخا يتقدم وجود العرب، لهذا ~~نتكلم فيه باختصار لنعرف تاريخ نشأته وكيف انتقل إلى العرب وماذا كان أثرهم فيه؟ # نتساءل: في أي عصر وفي أي بقعة من بقاع الأرض وجد علم الجبر؟ ومن هم أول الذين كتبوا فيه؟ ~~وكيف نشأ؟ وبأية وسيلة من الوسائل وفي أي عهد من التاريخ ذاع ذلك العلم؟ # كان الاعتقاد السائد في القرن السابع عشر أن رياضيي اليونان لا بد من أن يكونوا قد ~~استكشفوا تحليلا دقيقا لطبيعة علم الجبر على الصورة التي عرف بها في الأعصر ms23 الحديثة، وبه ~~استطاعوا أن يحللوا تلك المعضلات التي لا يسعنا إلا الإعجاب بثبات قدم كتابهم في معالجتها، ~~وأنهم أخفوا طرق التحليل وأظهروا النتائج فقط. # على أن هذه الفكرة قد تبددت الآن! فقد دلت المستكشفات الحديثة على أن رياضيي القدماء كان ~~عندهم طريقة التحليل، ولكنها اقتصرت على الهندسة، وأنهم لم يعرفوا من الجبر على صورته ~~الحديثة شيئا، غير أنه إن لم يثبت لدينا أن متقدمي الإغريق كانوا على علم بالتحليل الجبري؛ ~~فإننا نجد في عصورهم الأخيرة آثارا تدل على أن مبادئ التحليل الجبري كانت معروفة ~~عندهم. # في أواسط القرن الرابع الميلادي، وهو عصر بلغت فيه الرياضيات أحط دركاتها، قنع المشتغلون ~~بذلك العلم بأن يعلقوا على ما كتب الذين تقدموهم، على أنه بالرغم من ذلك بدأ علم الجبر ~~يتبوأ المكان اللائق به بين العلوم والمعارف الإنسانية. # في ذلك الحين كتب الرياضي «ديوفانتس» ~~الإغريقي # Diophantes # كتابا في علم العدد كان يتكون من ثلاث عشرة مقالة، لم يصل إلينا ~~منها سوى المقالات الست الأولى، ومقالة ناقصة، يظن أنها المقالة الثالثة عشرة من الكتاب ~~الأصلي، غير أن هذا الكتاب لا يكون مقالة تامة في علم الجبر، ولكنه يضع أساسا ثابتا يمكن ~~أن يقوم عليه ذلك العلم، فإن المؤلف بعد أن كتب قليلا من المعادلات البسيطة والمعادلات ~~الرباعية، عاد إلى الكلام في مسائل رياضية أخرى ذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بعلم الجبر. # قد يصح أن يقال: إن «ديوفانتس» هو واضع علم الجبر في اللغة اليونانية وبين الإغريق، غير ~~أن الدلائل تدل على أن المبادئ الأولية التي بثها في كتابه كانت معروفة من قبل، وأنه ابتكر ~~فيها مبتكرات ذات بال، ومن الثابت أن هذا العلم ظل واقفا عند الحد الذي تركه فيه ~~«ديوفانتس» حتى نقلت مقالات إلى إيطاليا في بدء النهضة العلمية. # وعلقت السيدة «هيباشيا» # Hypatia # ابنة ثيون # Theon # على كتاب «ديوفانتس»، غير أن هذا التعليق فقد الآن، كما ~~فقدت مقالتها على كتاب «أبولونيوس» # Appolonius # في القطوع ~~المخروطية، وهي سيدة من ذوات النبوغ ذهبت ضحية الجهل ms24 والتعصب الديني في أوائل القرن الخامس ~~الميلادي. # وجاء في أخبار الحكماء ص126 أن «ذيوفنطس» اليوناني الإسكندراني فاضل مشهور في دقته ~~وتصنيفه وهو صناعة الجبر، وله كتاب مشهور مذكور خرج إلى العربية وعليه عمل أهل هذه الصناعة، ~~فكأن «ديوفانتس» كان من نوابغ مدرسة الإسكندرية في أوائل القرن الخامس الميلادي. ~~••• # كان أول ما كشف كتاب «ديوفانتس» الذي ألمعنا إليه مكتوبا باليونانية في أواسط القرن ~~السادس عشر الميلادي في مكتبة قصر الفاتيكان، والراجح أن يكون قد نقل إليها عندما سقطت ~~القسطنطينية في يد محمد الفاتح. # وترجمه الكاتب «كزيلاندر» # Xylander # سنة 1575 إلى ~~اللاتينية وأذاعه في العالم اللاتيني وتبع ذلك ترجمة أخرى أتم من الأولى وضعها «باشيه ده ميزريا» # Bachet de Mezeriac # سنة 1621، وهو من أقدم ~~الأعضاء الذين أسسوا الأكاديمية الفرنسية، وكان «ميزيريا» رياضيا كبيرا، فأعانه ذلك على ~~فهم المسائل التي عرضت له في الكتاب فكان في النقل أثبت، غير أن متن ديوفانتس كان من النقص ~~والبلى بحيث لم يستطع أن يفهم المترجم قصده في بعض المواضع تاما، فكان يحدس المعنى أو ~~يتمم النقص ظنا، وبعد ذلك بقليل أضاف الرياضي الفرنسي مسيو ~~«فرما» # M. Fermat # إضافات كثيرة على تعليقات «ميزريا» تناول فيها سير من كتب من ~~اليونان في علم العدد، والنسخة التي طبعها «فرما» # Fermat # تعتبر أتم طبعات الكتاب إتقانا، على أن الترجمة اللاتينية لم تكن أول ترجمة ظهرت لذلك ~~الكتاب، فإن العرب كانوا أول من ترجمه. # إن كتاب «ديوفانتس» إن كان ذا شأن كبير في تاريخ علم الرياضيات؛ فإن أوروبا الحديثة لم ~~تتلق ذلك العلم بداءة ذي بدء عنه، بل عن طريق العرب، فإن العرب كانوا بعد اليونان أول من ~~عرف للعلوم قيمتها الحقيقية، في ذلك الزمان الذي كانت فيه أوروبا غارقة في ظلمات الجهالة، ~~فحملوا أمانة العلم، وأدوها للذين من بعدهم كاملة غير منقوصة بل مزودة بثمار العقل ~~العربي. # ولقد ثبت من التقاليد التاريخية أنهم صرفوا أكبر عناية في جمع ما كتب رياضيو اليونان ~~وترجموا كتبهم وكتبوا عليها تعليقات وشروحا ذات أثر ms25 كبير في تقدم علم العدد، يكتفي في ~~الدلالة على ذلك أنه لولا ما كتب العرب في تلك العلوم لما عرفت أوروبا شيئا عن هندسة ~~إقليدس مثلا. # ينسب العرب استكشاف الجبر عادة إلى أحد رياضييهم، محمد بن موسى، الذي عاش في أواسط القرن ~~التاسع الميلادي في عهد الخليفة المأمون العباسي، والمحقق تاريخيا «أن محمد بن موسى» ألف ~~مقالة في الجبر، فإن ترجمة لاتينية لتلك المقالة كانت قد أذيعت في عصر النهضة العلمية في ~~أوروبا، غير أنها فقدت، على أن القدر قد حفظ نسخة من الأصل العربي لا تزال في مكتبة «بودلي» ~~بجامعة أكسفورد، ويقال فيها: إنها نسخت سنة 1342 ميلادية، وينوه ناسخها في أول صفحة من ~~صفحاتها بأن كاتبها فلان «العربي القديم» وعلى هامش تلك الصفحة تعليق فيه ما يدل على أنها ~~أول مقالة كتبت في الجبر وأذيعت بين «المسلمين»، أما المقدمة ففضلا عن تعريفها بالمؤلف ~~فإنها تثبت أن «محمد بن موسى» كان يحثه الخليفة المأمون العباسي على أن يجمع في كتاب واحد ~~ما تناثر خلال كتب الرياضة من مبادئ الحساب الجبري، وكانت هذه الفقرة سببا في أن يعتقد ~~الباحثون في تاريخ العلوم أن «محمد بن موسى» جمع كتابه هذا جمعا من عدة مؤلفات كانت ~~متداولة بين أيدي طلاب العلم في البلاد العربية أو من مؤلفات وصلت إليهم في لغات ~~أخرى. # على أننا لا نجد من دليل يؤيد وجهة نظر الآخذين بهذا الرأي، فإنه لم تجر عادة المؤلفين لا ~~من العرب ولا من غيرهم أن يعرفوا بأنفسهم في مقدمات يضعونها لمؤلفاتهم، إذن فمقدمة كتاب ~~«محمد بن موسى» التي يعثر فيها على ذلك القول من عمل غيره، والراجح أيضا أنها وضعت لنسخة ~~نسخت من الكتاب بعد زمان «محمد بن موسى» أو في سني حياته ثم تداولتها الأيدي بالنقل حتى ~~وصلت إلى مكتبة «بودلي»؛ ولهذا نرجح أن كتاب «ابن موسى» لا يمكن أن تميز فيه ناحية النقل ~~على ناحية الابتكار الصرف. # يؤيد هذا الرأي أن «محمد بن موسى» كان متضلعا في علم الفلك، ms26 عارفا بما وصل إليه أهل ~~الهند في علم العدد والحساب، فالراجح أن يكون قد نقل عن الهند وأخذ عنهم، ولقد ثبت بما لا ~~سبيل إلى إدحاضه أن أهل الهند كانوا على علم بالجبر، بل عرفوا كيف يحلون القضايا غير المحدودة # Intermediate problem # لذلك يمكن أن يقال ~~ترجيحا: إن الجبر العربي منشؤه الهند أصلا، ولقد عرفنا كيف أن العرب مدينون لذلك الهندي ~~الذي وفد إلى بغداد بمقالة «السند هند» في الفلك، وتلك المقالة الرياضية التي اقتبسوا منها ~~الأرقام الهندية. # إلا أن العرب لم يقفوا عند حد النقل عن الأمم الأخرى، فإن التحليل الجبري ما كاد يقع في ~~أيديهم حتى أخذ كتابهم في الزيادة إليه وتنميته، فإن محمدا أبو الوفا الذي عاش خلال العقود ~~الأربعة الأخيرة من القرن العاشر الميلادي كتب تعليقات على المؤلفات الرياضية التي خلفها من ~~تقدمه من الكتاب والباحثين وكذلك ترجم كتاب «ديوفانتس»، وكان آخر عهد للعرب بالتأليف في علم ~~الجبر سنة 1031 ميلادية/423ه، على أنهم تركوا علم الجبر كما خلفه «محمد بن موسى» وأبو ~~الوفا، ولم تحدث ترجمة كتاب ديوفانتس من أثر كبير بينهم، وقد جاء في المقتطف مجلد 28 ص385 ~~ما يأتي: # وقد اشتغل الهنود والعرب بعلم الجبر، غير أنهم لم يضيفوا إلى موضوعات اليونان فيه شيئا ~~يذكر ولم يستعملوه إلا في حل المسائل العددية وبقي عندهم مسلكا متوعرا وهم يعتبرونه ~~حسابا عاليا. # ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن كتاب ديوفانتس لم ينقل إلى العربية إلا في عصر كان العقل ~~العربي قد أخذ يتمشى فيه مرة أخرى نحو الغيبيات. # وجاء في المقتطف مجلد 28 ص384، 385، 386 ما يلي: # وأقدم ما انتهى إلينا من أمر الجبر مؤلف وضعه ذيوفنطس # Diophante # المتوفى سنة 409م في ثلاثة عشر كتابا لدينا منها ستة فقط ~~والسبعة الباقية مفقودة ومباحث الستة الأولى هي في المعادلات البسيطة والسيالة من الدرجة ~~الأولى لمجهولين فقط يتبعها مسائل منشورة مع حلها والمجهول في جميعها دليله واحد، ثم كتاب ~~في المعادلات المفردة من الدرجة الثانية أي ما ms27 كان المجهول فيها مربعا فقط مع حل بعض ~~المسائل من هذا القبيل، ولعل السبعة المفقودة فيها مسلك أكثر صعوبة مما ذكر؛ لأن درجة الكتب ~~ترتفع بالتدريج في الستة الموجودة، ولم يسبقه أحد في استعمال العلامات بل هو أول من نبه ~~إليها فاستخدم الخط القصير علامة للطرح. # وفي سنة 507م نشر «براهماغوبتا» # Brahmagupta # الهندي ~~كتابا في الحساب والجبر يلحقهما ذيل في الهندسة، وهو كتاب نفيس في بابه حمل الكثيرين على ~~القول: بأن علم الجبر كان راقيا درجة سامية بين الهنود قبل «براهماغوبتا»، ودعا آخرين إلى ~~القول بأن هذا الهندي هو واضع علم الجبر دون غيره، ولعله اطلع على كتاب ذيوفنطوس اليوناني، ~~فإن كان ذلك فالواضع هو ذيوفنطوس وحده وإلا فيكون «براهماغوبتا» قد نازعه الشرف والفخر في ~~وضع هذا الفن، أما كتاب الرياضي الهندي فيشبه كتاب ذيوفنطوس في كثير من الوجوه ولا يزيد عنه ~~شيئا، وهذا حمل البعض على القول بأنه منقول عنه، ويعزز هذا الزعم قصر باع الهنود في سائر ~~العلوم الرياضية كالهندسة عما لليونان فيه المبلغ الأعلى والخطة المثلى، فلو كان الهنود أهل ~~اكتشاف في الرياضيات لاكتشفوا في الهندسة وهي أقرب إلى الحاجة من الجبر. # الفصل السادس # | علم الفلك # وفد ذلك الهندي الذي حمل مقالة السند هند والمقالة الرياضية إلى بغداد سنة 156ه/772م، ~~وكان من أثره ما وصفنا، أما كبار فلكيي العرب فلم يظهروا إلا بعد ذلك بنصف قرن ونيف، وكان ~~أولهم أبو معشر البغدادي تلميذ الكندي وقد توفي سنة 272 من الهجرة 885م، وذكر ابن خلكان في ~~الجزء الأول من تراجمه ص140 (طبع مصر) أن اسمه أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر البلخي المنجم، ~~وأن من تصانيفه كتاب المدخل وكتاب الزيج وكتاب الألوف، أما في العالم اللاتيني فيعرف باسم ~~«أبو مازار» # Abumazar ~~. # ومن بعده محمد بن جابر المتوفى سنة 317 من الهجرة 929م، ويعرف في المؤلفات اللاتينية باسم ~~«البتاغنيوس» # Albategnius # لأنه كان يلقب «بالبتاني» ~~نسبة إلى بلده «بتان» فيما بين النهرين، ونقل ابن القفطي أن البتاني صابئي من ms28 حران ابتدأ ~~الرصد سنة 264ه/877م، إلى سنة 306ه/918م، وأمضى ذلك العهد في مدينتي الرقة على الفرات، ~~وفي أنطاكية بسورية، وله من الكتب زيجه المشهور المسمى «زيج الصابي» أصله العربي محفوظ في ~~مكتبة الفاتيكان، وطبعه في ترجمة لاتينية «أفلاطون ~~تيبرتينوس» Plato Tiburtinus # في تورمبرج سنة 1537، تحت عنوان # De Scientia ~~Stellarum # وأعيد طبعه في بولونيا # Bologna # سنة 1645، ومن بين مؤلفاته التي لم تطبع تعليقات على كتاب ~~المجسطي، وشرح مقالات بطلميوس، ومقالة له في الفلك والجغرافية، وأصلح زيج بطلميوس الزمني ~~لأنه لم يكن مضبوطا، وزيجه أضبط ما وجد من نوعه عند العرب، وله عدة مستكشفات رياضية وفلكية ~~ظلت العمدة في علم الفلك عهدا طويلا في القرون الوسطى، وفي مدارس أوروبا على الأخص، وكان ~~يلقب ببطلميوس العرب لثبات قدمه في علم الفلك وتضلعه منه. # قال ابن العبري: «وفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة مات أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان ~~الحراني المعروف بالبتاني أحد المشهورين برصد الكواكب، ولا يعلم أحد في الإسلام بلغ مبلغه ~~في تصحيح أرصاد الكواكب وامتحان حركتها وكان أصله من حران صابئا.» # وجاء في الزيج الصابي الذي طبع حديثا برومية سنة 1799 وكان قد ترجم إلى اللاتينية وطبع ~~بها سنة 1537 «من المقدمة العربية» ما يلي: # إن من أشرف العلوم منزلة علم النجوم لما في ذلك من جسيم الحظ وعظيم الانتفاع ~~بمعرفة مدة السنين والشهور والمواقيت وفصول الأزمان وزيادة النهار والليل ونقصانهما، ~~ومواضع النيرين وكسوفهما، وسير الكواكب في استقامتها ورجوعها، وتبدل أشكالها ومراتب ~~أفلاكها وسائر مناسباتها، وإني لما أطلت النظر في هذا العلم ووقفت على اختلاف الكتب ~~الموضوعة لحركات النجوم، وما تهيأ على بعض واضعيها من الخلل فيما أصلوه فيها من ~~الأعمال وما ابتنوه عليها وما اجتمع أيضا في حركات النجوم على طول الزمان لما قيست ~~أرصادها إلى الأرصاد القديمة، وما وجد في ميل فلك البروج على فلك معدل النهار من ~~التقارب، وما تغير بتغيره من أصناف الحساب، وأقدار أزمان السنين، وأوقات الفصول واتصال ~~النيرين التي يستدل عليها بأزمان الكسوفات ms29 وأوقاتها، وأجريت في تصحيح ذلك وإحكامه ~~على مذهب بطلميوس في الكتاب المعروف بالمجسطي بعد إنعام النظر وطول الفكر والروية، ~~مقتفيا أثره متبعا ما رسمه؛ إذ كان قد نقص ذلك من وجوهه، ودل على العلل والأسباب ~~العارضة فيه بالبرهان الهندسي العددي الذي لا تدفع صحته، ولا يشك في حقيقته فأمر ~~بالمحنة والاعتبار بعده، وذكر أنه قد يجوز أن يستدرك عليه في أرصاده على طول الزمان ~~كما استدرك هو على أبرخس (راجع القفطي ص50 و51 طبع مصر) وغيره من نظرائه. # ووضعت في ~~ذلك كتابا أوضحت فيه ما استعجم، وفتحت ما استغلق، وبينت ما أشكل من أصول هذا العلم ~~وشذ من فروعه، وسهلت به سبيل الهداية لما يؤثر به ويعمل عليه في صناعة النجوم، وصححت ~~فيه حركات الكواكب ومواضعها من منطقة فلك البروج على نحو ما وجدتها بالرصد وحساب ~~الكسوفين وسائر ما يحتاج إليه من الأعمال وأضفت إلى ذلك غيره مما يحتاج إليه، وجعلت ~~استخراج حركات الكواكب فيه من الجداول لوقت انتصاف النهار من اليوم الذي يحسب فيه ~~بمدينة الرقة، وبها كان الرصد والامتحان على تحذيق ذلك كله. # وفي حدود سنة 828 للميلاد أمر الخليفة أبو جعفر المأمون بقياس درجة من الهاجرة لاستقراء ~~جرم الكرة الأرضية وقام بهذا العمل أربعة من علماء الهيئة مدونة أسماؤهم في صفحات ~~التاريخ. # قال أبو الفداء: # قد قام بتحقيق حصة الدرجة طائفة من القدماء كبطلميوس صاحب المجسطي وغيره، فوجدوا ~~حصة الدرجة الواحدة من العظيمة المتوهمة على الأرض ستة وثلاثين ميلا وثلثي ميل، ثم ~~قال بتحقيقه طائفة من الحكماء المحدثين في عهد المأمون وحضروا بأمره في برية سنجار ~~وافترقوا فرقتين بعد أن أخذوا ارتفاع القطب محررا في المكان الذي افترقوا منه، ~~وأخذت إحدى الفرقتين في المسير نحو القطب الشمالي، والأخرى نحو القطب الجنوبي، وساروا ~~على أشد ما أمكنهم من الاستقامة، حتى ارتفع القطب للسائرين في الشمال، وانحط للسائرين ~~في الجنوب درجة واحدة، ثم اجتمعوا عند المفترق وقابلوا على وجوده، فكان مع إحداهما ~~ستة وخمسون ميلا وثلثا ميل، ومع الأخرى ms30 ستة وخمسون ميلا بلا كسر، فأخذ بالأقل وهو ~~ستة وخمسون ميلا. # الفصل السابع # | علم الطب # بعد أن أسس الخليفة المنصور العباسي مدينة بغداد سنة 148 بعد الهجرة (765م) استقدم الطبيب ~~النسطوري «جورجيس بن بختيشوع» من مدرسة جنديسابور وعينه طبيبا ملكيا، ومنذ ذلك الحين ~~توارث الأطباء النسطوريون وظيفة التطبيب في قصور الخلفاء زمانا، وأسسوا مدرسة طبية في ~~بغداد. # ولما مرض «جورجيس» في بغداد وأذن له الخليفة بالرجوع إلى جنديسابور عين مكانه تلميذه ~~«عيسى بن صهاربخت» وقد ألف كتابا في فن الأدوية - الأقرباذين - غير أن القفطي صاحب كتاب ~~«أخبار الحكماء» يقول: «لما طلب المنصور جرجيس بعد رجوعه إلى جنديسابور مريضا وعوفي، وجد ~~عند الطلب ضعيفا من سقطة سقطها من سطح داره فاعتذر عن ذلك، وتقدم إلى عيسى هذا بالمضي إلى ~~المنصور فامتنع، فسير عوضه إبراهيم تلميذه، وبقي عيسى هذا في البيمارستان بجنديسابور ~~مقيما»، غير أن أكثر المؤرخين على الضد من رواية القفطي، يثبتون أن عيسى قدم بغداد وطب ~~بها. # وقدم من بعد ذلك إلى بغداد «بختيشوع» بن «جورجيس» وكان طبيبا للخليفة هارون الرشيد سنة ~~171ه/787م، ومن بعده قدم ابنه جبرائيل، فأرسل ليقوم على تطبيب جعفر البرمكي، وزير هارون ~~الرشيد، وكتب جبرائيل مدخلا لعلم المنطق، ورسالة للمأمون في التغذية والمشاريب، وملخصا في ~~الطب، وأخذ عن ديسقوريدس # Discorides # وجالينوس وبولص ~~الأجانيطي، وكتب في وصايا طبية كثيرة، ورسائل في الروائح، وغير ذلك، ومن المعروف أن الطب ~~الهندي كان أول ما أدخل في مدرسة جنديسابور، ومن ثم امتزج بالطب اليوناني، ولكن اليوناني ~~تغلب أخيرا. # ومن الذين اشتهروا من الأطباء في بغداد «يحيى بن ماسرجس» أو ماسرجويه # John ~~bar Maserjoye # وقد رأس مدرسة الطب في بغداد زمانا، وله مترجمات كثيرة ~~ومؤلفات، ويقول الأستاذ «أوليري»: إنه مترجم كتاب «سنتاغما» # Syntagma # إلى اللغة السريانية. # وظل الطب عند العرب واقفا عند حد النقل والترجمة تأليفا، وعند تجارب مدرسة الإسكندرية ~~عمليا، ولقد أشرنا من قبل إلى تلك الأساطير التي تخالطت بالطب والكيمياء في مصر بمدرسة ~~الإسكندرية، فإن هذه الأساطير قد ظلت ms31 مؤثرة أثرها المحتوم في العرب طوال أيام مدنيتهم، وكان ~~هذا الأمر في أن العقل العربي لم يثب إلى الابتكار في علم الطب مبكرا، شأنه في كثير من ~~ضروب المعارف التي زاولها، فإن الابتكار في الطب لم يأت إلا في عصور متأخرة من المدنية ~~العربية. # وفي أواخر القرن الثالث الهجري نقع على أبي العباس أحمد بن الطيب السرخسي وكان تلميذا ~~للكندي، ويقال: إنه كتب مقالة في الروح، ومختصرا لإيساغوجي، والمدخل إلى صناعة الطب (راجع ~~المسعودي جزء 2 ص72 طبع لبيزج). # وحتى عصر السرخسي كانت المباحث الطبية محصورة في يد المسيحيين واليهود غالبا حتى إنك ~~لتجد مؤلفا يقال: يوحنا أو يحيى بن سيرابيون # John bar Serapion # ولم أقف على كنيته العربية في أواخر القرن التاسع الميلادي، ~~يكتب في الطب في اللغة السريانية مختصرات ترجم أحدها عدة ترجمات، وطبعها بعد ذلك في ~~اللاتينية «جيرار ~~الكريموني» # Gerard of ~~cremonia ~~. # ويعتبر أبو بكر محمد بن زكريا الرازي أبا الطب العربي، توفي سنة 311 أو 320ه، (923 أو ~~932م) ويلقبه كتاب اللاتينية «بالرازيس» # Rhazes # وكان ~~مؤلفا موسيقيا، كما كتب في الفلسفة والأدب والطب، وغالبا ما يشير في مؤلفاته الطبية إلى ~~ثقاة من كتاب الهند واليونان. # ولا مشاحة في أن إدخال العنصر اليوناني الصرف في المؤلفات الطبية والاستعاضة به، عما كتب ~~أطباء مدرسة الإسكندرية نقلا عن القدماء، كان أعظم ما قام به مؤلفو العرب لصناعة الطب من ~~الخدمات، على أن مؤلفات «الرازي» قد سادت فيها الفوضى، ووصف بضعف التأليف، فهي ليست سوى ~~مجموعة من المقالات مفككة العرى غير متواصلة الحلقات، ولهذا السبب وحده رجع طلاب الطب عن ~~مؤلفاته إلى ما كتب ابن سينا؛ لأن مؤلفات ابن سينا فيها من الإلفة والنظام بقدر ما في مؤلفات ~~«الرازي» من التفكك وعدم التواصل. # ولقد تلقى «الرازي» العلم بعد أن كبر، ولما نبغ تولى رياسة الأطباء في بيمارستان بغداد، ~~ومن الأمثال التي كانت جارية على الألسنة، وتدل على منزلة الرازي قولهم: «كان الطب معدوما ~~فأحياه جالينوس، وكان متفرقا فجمعه الرازي، وكان ms32 ناقصا فكمله ابن سينا»، وهذا المثل يدل ~~واضح الدلالة على أن مؤلفات «الرازي» خليقة بما وصفناها به من قبل. # وكان الخليفة المنصور أكبر مشجع للأطباء النسطوريين على أن يسكنوا بغداد ويعملوا فيها ~~وكان له ضلع كبير في ترجمة الكتب العلمية والفلسفية عن اللغات اليونانية والسريانية ~~والفارسية غير أن اهتمام الخليفة المأمون بهذا الأمر كان أكبر، وحمايته للعلماء والحكماء ~~أثبت وأكثر تشجيعا. # الفصل الثامن # | بيت الحكمة # أسس الخليفة المأمون مدرسة ببغداد سنة 217ه/832م على نسق المدارس النسطورية والزرادشتية ~~وسماها «بيت الحكمة» وعهد بها إلى يحيى بن ماسويه # John bar Maswai # الذي توفي سنة 243ه/857م وهو من المؤلفين في السريانية والعربية، ~~وقد كتب مقالة في الحميات ظلت العمدة في دراسة تلك الأمراض عهدا طويلا، وقد نقلت إلى ~~اللاتينية والعبرية. # وأما أعظم الأعمال التي أداها بيت الحكمة شأنا فترجع إلى الجهود التي بذلها تلاميذ يحيى ~~وتابعوه وبخاصة أبو زيد حنين بن إسحاق العبادي المتوفى سنة 263ه/876م وهو ذلك الطبيب ~~النسطوري الذي عرف بأنه أكبر المترجمين في ذلك الوقت عن اليونانية إلى السريانية، فقد نقل ~~فضلا عن المؤلفات الطبية جزءا من منطق أرسطوطاليس «الأورغانون»، وبعد أن درس أبو زيد في ~~بغداد رحل إلى الإسكندرية، وعاد مزودا بكل ثمار الدرس التي كانت شائعة في وقته وأتقن اللغة ~~اليونانية التي اتخذها أداة للنقل إلى السريانية والعربية. # وكان معه في بيت الحكمة ابنه إسحاق وابن أخته حبيش الأعسم الدمشقي، وترجم حنين إلى ~~العربية مقالات إقليدس # Euclid # وبضعة مؤلفات عن جالينوس ~~وأبقراط وأرخميديس، وأبولونيوس الفرغوسي، وهو أكبر الذين اشتغلوا في الهندسة في العالم ~~الإغريقي بعد إقليدس وأرخميديس، ولد في الغالب سنة 250ق.م ومات في حكم بطلميوس فيلوباطر ~~«محب أبيه»، فكأنه عاش بعد أرخميديس بأربعين عاما على التقريب، وكتب في أشياء كثيرة غير أن ~~ما كتبه فقد بتمامه، ولم يبق إلا ما ترجم العرب عنه. # كذلك ترجم أبو زيد عن غير هؤلاء كما ترجم الجمهورية وطيمادس لأفلاطون وقاطيغورياس وفوسيقا ~~والماغناموراليا؛ أي الأخلاق الكبير لأرسطوطاليس، وتعليقات طمستبوس على المقالة الثلاثين ms33 من ~~الميتافزيقا، وترجم الإنجيل كاملا إلى العربية، ولم يقتصر على هذا بل ترجم أيضا كتاب ~~أرسطوطاليس في المعادن، وهو كتاب ظل زمنا طويلا العمدة في دراسة الكيمياء، وعن أصله ~~اليوناني أخذ بولس الأجانيطي. # أما ابنه إسحاق فقد نقل في الطب، وترجم إلى العربية مؤلفات أخرى؛ منها السفسطائي ~~لأفلاطون، والميتافيزيقا والروح والكون والفساد وأرمانوطيقا أو «باري أرميناس» أي العبارة ~~لأرسطوطاليس، وهذه المؤلفات ترجمها أبوه حنين إلى السريانية، ثم تعليقات فرفوريوس الصوري ~~والإسكندر الإفروديسي وأمونيوس. # وعقب على هؤلاء قسطا بن لوقا البعلبكي، وقد درس في بلاد اليونان وترجم كثيرا، ومن أشهر ~~ما كتب كتاب «الفلاحة اليونانية» نقلا عن السريانية، وقد طبع بمصر سنة 1293ه، وتوفي ابن لوقا سنة 311ه/923م. # وكان القرن الرابع الهجري العصر الذهبي في تاريخ الترجمة والنقل عند العرب، أما ذلك العمل ~~العظيم الذي تم في ذلك العهد، فإنه كان في الواقع راجعا إلى فئة من المسيحيين الذين كانوا ~~يجيدون السريانية، واحتذوا الأمثال التي درسوها في لغتهم؛ فإن عددا عظيما من الترجمات قد ~~نقلت حينذاك عن اليونانية مباشرة، وقد نقلها مترجمون درسوا هذه اللغة في الإسكندرية أو في ~~إغريقية، وغالب ما كان المترجم منهم قادرا على أن ينقل عن اليونانية إلى العربية ~~والسريانية معا، وكان هناك مترجمون عن السريانية، غير أنهم كانوا يعتبرون في الرتبة ~~الثانية بعد المترجمين عن اليونانية. # من مترجمي النساطرة الذين نقلوا عن السريانية «أبو بشر متى بن يونس» المتوفى سنة 328ه/939م وقد ترجم أنوليطيقا الثانية والبويطيقا لأرسطوطاليس وتعليقات الإسكندر الأفروديسي ~~على كتاب الكون والفساد لأرسطو، وتعليقات طمستيوس على الكتاب الثلاثين في الميتافزيقا، وله ~~مؤلفات مبتكرة في التعليق على قاطيغورياس أي المقولات لأرسطو وإيساغوجي لفرفوريوس. # ومن الثابت أن مترجمي اليعقوبيين يأتون بعد النساطرة، وكان من الذين نقلوا منهم عن ~~السريانية إلى العربية «يحيى بن عدي» المتوفى سنة 364ه/974م، وكان تلميذا لحنين بن إسحاق، ~~وقد راجع كثيرا من الترجمات التي تقدم عليه بها المترجمون، وأصلح نقصها وأضاف إليها ما ~~استقامت به معانيها، وترجم عن أرسطوطاليس كتاب قاطيغورياس والسوفسطيقا ms34 والبوليطيقا ~~والميتافيزيقا، وعن أفلاطون القوانين وطيماوس، وعن الإسكندر الأفروديسي تعليقاته على ~~قاطيغورياس «المقولات» وعن تئوفراسطؤس كتاب الأخلاق، وكذلك ترجم «أبو علي عيسى بن زاره» عن ~~أرسطوطاليس كتاب قاطيغورياس والتاريخ الطبيعي والحيوانات مع تعليقات يوحنا فيلوبونس. ~~••• # هذه صورة مصغرة لما كان بين العرب واليونان من العلاقات الثقافية، إذا كان الباحث يتوسع ~~فيها ملأت مجلدات، ولعل لنا فرصة أخرى بالعودة إلى هذا البحث لنوفيه حقه من البيان. ms35