######OpenITI# #META# URI: 1381IsmacilMazhar.TarikhFikrCarabi.Hindawi73191613 #META# Tags: philosophy #META# ID: 73191613 #META# Title: تاريخ الفكر العربي #META# AuthorID: 53973639 #META# Author: إسماعيل مظهر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # تاريخ الفكر العربي في نشوئه وتطوره بالترجمة والنقل عن الحضارة اليونانية‏ # جابر بن حيان‏ # أسلوب الفكر العلمي‏ # معتقد أبي العلاء المعري‏ # القصد والغاية‏ # أحمد شوقي‏ # مهيار الديلمي‏ # بشار بن برد‏ # الإهداء‏ # تاريخ الفكر العربي في نشوئه وتطوره بالترجمة والنقل عن الحضارة اليونانية‏ # جابر بن حيان‏ # أسلوب الفكر العلمي‏ # معتقد أبي العلاء المعري‏ # القصد والغاية‏ # أحمد شوقي‏ # مهيار الديلمي‏ # بشار بن برد‏ # | تاريخ الفكر العربي # | تاريخ الفكر العربي # تأليف # إسماعيل مظهر # | الإهداء # إلى أستاذي وصديقي الدكتور يعقوب صروف # إحياء لذكرى الصداقة واعترافا بما له عندي من الدين الأدبي الذي إن عجزت عن أن ~~أؤديه إليه حيا، فلا أقل من أن أحيي اليوم ذكراه وهو في عالم ~~الأرواح. # | تاريخ الفكر العربي في نشوئه وتطوره بالترجمة والنقل عن الحضارة اليونانية # 1 # للعقل الإنساني منازع قد تسوق إلى نواح من التأمل بعيدة كل البعد عن المنزع ~~الحقيقي الذي كان سببا في تحريك الفكر نحو النظر في المعقولات، فإذا نظرت في الخلافات ~~التي وقعت بين النصارى لدى أول عهدهم بالوجود، لما استطعت أن تدرك بادئ ذي بدء، إلى أي ~~حد سوف يذهب خلافهم، وتنتهي مناظراتهم. # كان الخلاف على طبيعة المسيح مبدأ مناقشات تناولتها الشيع الكنسية في القرون ~~الأولى، وكان لاختلاف المذاهب في تلك المسألة أكبر الأثر في النظر في المعقولات وفي ~~التأمل الفلسفي. # اشتهرت أنطاكية بأنها من أولى مدن المسيحية التي قام زعماء الدين فيها بأول حركة من ~~تلك الحركات الفكرية، التي كانت ذات أثر كبير في شيوع الفلسفة، وفروع الفلسفة اليونانية ~~خاصة، ذلك بعد مناظرات دينية طويلة لا محل لذكرها، وقام بالحركة في أنطاكية معلمان ~~يقال لأحدهما: «دبودوروس» والآخر «تيودوروس المصيصي»، وكانا شديدي الاعتقاد في كمال ~~الناسوتية في المسيح - عليه السلام. # وكان أكبر المؤيدين لهذا المذهب راهب من رهبان أنطاكية يقال له: «نسطوريوس»، انتقل ~~إلى القسطنطينية أسقفا لها سنة 428م، وتبع تأييد «نسطوريوس» لهذه الفكرة مناقشات حادة، ~~حتى انتهى الأمر بعقد مجلس ديني في مدينة «إفسوس» سنة 431م، فانتصر حزب الإسكندرية، وهو ~~الحزب ms001 القائل بما يضاد المذهب النسطوري، واعتبر نسطوريوس وأتباعه هراطقة. # كان النساطرة على اعتقاد كامل في أن نظراءهم بعيدون عن حكم العقل والضرورات ~~الطبيعية؛ لذلك سعوا بعد مضي عامين على حكم مجلس «إفسوس» إلى جمع شملهم، وعلى الرغم من ~~مطاردتهم والاستبداد بهم، نزلوا مصر واتخذوها مقرا لبث تعاليمهم. # قبيل ذلك العهد أغلقت مدرسة «نصيبين» # 1 # Nisibis # أو بالأحرى انتقلت إلى «الرها» # Edessa ~~. وفي سنة 363م سلمت مدينة «نصيبين» إلى ~~الفرس تنفيذا للمعاهدة التي عقدت إثر الحرب التي أشعل نارها الإمبراطور «يوليانوس»، ~~وكان أعضاء مدرستها منتشرين في الممالك المسيحية إذ ذاك، فعادوا إلى التجمع في «الرها»، ~~وفتحوا مدرسة سنة 373م، وبذلك أصبحت تلك المدينة، ولو أنها في أرض تابعة للإمبراطورية ~~البيزنطية مركزا للكنيسة التي ينطق زعماؤها باللسان السرياني. # أصبحت مدرسة «الرها» بعد ذلك موطنا لأفراد من زعماء النساطرة الذين لم يقبلوا حكم ~~مجلس «إفسوس»، غير أن الإمبراطور «زينون» أغلق تلك المدرسة سنة 439م بحجة أن صبغتها ~~نسطورية متطرفة، فلم يجد أهلها من موئل سوى الهجرة إلى البلاد الفارسية، فهاجروا تحت ~~رئاسة كبيرهم «بارسوما» سنة 457م. # نجح «بارسوما» في أن يقنع «فيروز» Piruz # ملك الفرس ~~بأن النساطرة يوالون أبناء فارس، ويمضون خاضعين لقوانينهم، وظلوا على عهدهم هذا عاكفين ~~في كل الحروب التي وقعت من بعد ذلك. ثم أسس النساطرة مدرسة أخرى في «نصيبين»، فأصبحت ~~بؤرة تشع منها التعاليم النسطورية، تلك التعاليم التي كونت وجها من أوجه المسيحية ~~مصبوغا بالصبغة الشرقية البحتة. # ومن ثم انتشر النساطرة في جوف آسيا وبلاد العرب، ينشرون تعاليم المسيحية، ولم يكونوا ~~عاملين على نشر المسيحية فقط، بل أرادوا أن ينشروا معها تعاليمهم الخاصة في طبيعة ~~المسيح، فأخذوا يستعينون على بث أفكارهم بأقوال ومذاهب منتزعة من الفلسفة اليونانية، ~~فأصبح كل مبشر نسطوري بحكم الضرورة معلما في الفلسفة اليونانية، كما أنه مبشر بالدين ~~المسيحي. # ترجم النساطرة كتب زعمائهم، وعلى الأخص كتب «تيودوروس المصيصي» إلى السريانية؛ ~~ليستعينوا بها على بث أفكارهم، ولكنهم لم يقتصروا على ذلك، بل ترجموا كثيرا من كتب ~~أرسطوطاليس ms002 والذين علقوا عليها؛ لأنهم وجدوا فيها أكبر نصير يشد عضدهم في فهم المسائل ~~اللاهوتية العويصة، التي كانوا يبشرون بها بين أمم لم تشم من ريح المدنية إلا قدرا ~~يجعل نشر مثل تلك التعاليم متعذرا، ما لم يستعن عليها بمبادئ من الفلسفة ومباحث في ~~التأمل. # غير أن كثيرا من تلك التراجم قد صب في قالب لم يراع فيه نقل الفلسفة ~~اليونانية لذاتها، بل اتخذت التراجم ذريعة لبث مذهب ديني، هو مذهب النساطرة، والطعن في ~~قياصرة الروم، والكنيسة الرومانية، فقلت الثقة بالنقل من هذه الوجهة وحدها، حيث كانت ~~الضرورة تقضي بأن يختلط قليل من الفلسفة بكثير من تعاليم المذهب النسطوري أو بالعكس؛ ~~للاستعانة بذلك على بث المذهب الديني، وهو الغرض الرئيسي. # تلك كانت النواة التي أشعت بالفلسفة اليونانية، وعلى الأخص بفلسفة أرسطوطاليس ~~والأفلاطونية الجديدة في جو آسيا خارج حدود الإمبراطورية البيزنطية، وسوف نرى في سياق ~~هذا البحث كيف أن جماعة من مترجمي النساطرة كانوا أول من نقل تلك الفلسفة من ~~السريانية إلى اللغة العربية، وبذلك انتشرت في العالم العربي كله. # غير أنك تجد رغم هذا أن في الحركة النسطورية أوجها من النقص شأن كل شيء يصدر عن ~~الإنسان، فإن انبتات صلاتها بالعالم اليوناني خارج الإمبراطورية البيزنطية، جعل ~~حركتها التعليمية مصبوغة بصبغة الانحصار في بقعة محدودة من آسيا. # أما «نسطوريوس» فإنه إن كان قد اتهم أمام الكنيسة، وصدر حكم مجمع «إفسوس» عليه، ~~فإنه ترك الكنيسة أمام مشكلة من مشاكلها العظمى، التي ظلت تعمل في رءوس الناس زمانا، ~~حتى انتهت المناقشات الشيعية بمجمع آخر عقد في سنة 448م بمدينة «خلقيدونية» # Chalcedon ~~، وكانت نتيجته أن أخرجت فئة أخرى من ~~الكنيسة الرئيسية هم فئة المعتقدين بالطبيعة الواحدة في المسيح # Monophysites ~~. # والظن الغالب على كثير من المؤرخين أن الكنيسة المصرية قد تبعت القائلين بالطبيعة ~~الواحدة، ففي القرن السادس قام يعقوب السروجي وأنشأ شيعة اليعاقبة، وهو الذي كون ~~الكنيسة اليعقوبية المصرية، وجمع شمل أعضائها وأقام أسسها، وأكبر دليل على ذلك أن اسم ~~«أقباط» مشتق من يعاقبة، فإن اسم ms003 هؤلاء في العالم اللاتيني «جاكوبيت»، وأقباط أقرب ~~الأشياء تحريفا إليه. # اضطهدت إمبراطورية بيزنطية الشيعة اليعقوبية، ولكن أعضاءها لم يخرجوا عن حدود ~~الإمبراطورية، بل ظلوا داخلها كقسم مستقل بصورة خاصة من أصحاب الطبيعة الواحدة # Monophysites # وأرسلوا طائفة منهم خارج الإمبراطورية ~~تبث تعاليمهم، على أن هؤلاء قد اتبعوا نفس الطريقة التي اتبعها النساطرة في ترك لغة ~~نظرائهم في الدين، وعمدوا إلى استعمال اللغة القبطية واللغة السريانية، والحق أن عصر ~~اللغة السريانية الذهبي لا يبدأ إلا برجوع اليعاقبة عن استعمال اللغة اللاتينية إلى ~~اللغة السريانية. # والظاهر لكل من درس علم اللغات أن هنالك فاصلا حقيقيا بين اللغة السريانية كما ~~استعملها اليعاقبة في الغرب والنساطرة في الشرق؛ فإن اليعاقبة قد انتحلوا لهجات حديثة، ~~يغلب أن يكون السبب فيها راجعا إلى طبيعة استيطانهم وتوزعهم الجغرافي. # إذا اعتبرنا النتائج التي حدثت من خروج النساطرة واليعاقبة، استطعنا أن نفهم لماذا ~~ترجمت أعمال الفلاسفة اليونان إلى اللغة السريانية، بينا نجد أن الحركة النسطورية قد ~~أصبحت بالتدريج الوسط الذي تركزت فيه ثمار التثقيف اليوناني، وانتشرت في آسيا خارج حدود ~~الإمبراطورية البيزنطية خلال بضعة القرون التي تقدمت انتشار الإسلام. # ولا خفاء في أن تعاليم أرسطوطاليس وأتباعه المشائين، وكذلك تعاليم فلاسفة ~~المدرسة الأفلاطونية الجديدة، كانت ذات أثر بارز في التأثير على كل من تعمد الخوض في ~~معارك الطوائف الدينية في ذلك الزمان، وكذلك منطق أرسطوطاليس، فإنه كان كبير الفائدة ~~وعليه بنيت طريقة الجدل التي اتخذها زعماء الدين ذريعة لإثبات مزاعمهم. # وبعد أن انفصل النساطرة واليعاقبة عن لغتهم الأصلية، نقلوا كثيرا من الكتب المسيحية ~~إلى اللغة السريانية، فأصبح في هذه اللغة مجموعة كبيرة من المؤلفات الفلسفية والعلمية ~~والدينية، على أن السبب في أنه لم ينقل إلى اللغة القبطية من المؤلفات بقدر ما نقل ~~إلى اللغة السريانية، أن اليعاقبة في مصر لم تدعهم الحالات إلى مواجهة مسائل معضلة في ~~الدين، كما كان النساطرة في آسيا. # كان العصر الواقع بين بدء المجادلات الدينية في الكنيسة المسيحية، وظهور الرغبة عند ~~المسلمين في درس الفلسفة، عصر ms004 ترجمة وإنتاج ذهني، علق خلاله على كثير من مسائل ~~الفلسفة، واستعرضت فيه طائفة كبيرة من أفكار اليونان ومذاهبهم، ولم يعن ~~الناقلون في ذلك العصر بالفلسفة وحدها، بل عمدوا إلى الطلب وعلم الكيمياء والفلك، ~~فترجموا في تلك العلوم كثيرا؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن بين الطب وبين الكيمياء والفلك ~~آصرة قريبة ونسبا أدنى، فكانوا يقولون بأن لعلم الفلك من الوجهة الطبيعية علاقة بنشوء ~~الأمراض، وحالات الحياة والموت والصحة والمرض. # كانت المباحث الطبية أكثر ذيوعا في مدرسة الإسكندرية منها في أية مدرسة أخرى، أما ~~الفلسفة بمعناها الحقيقي، فكانت علاقتها باللاهوت مباشرة، حتى اضطر دارسو العلوم إلى أن ~~يفصلوا بين مباحثهم وبين الفلسفة بقدر ما كان ذلك في المستطاع، على ما كان عليه الفكر ~~في تلك العصور من عدم القدرة والعجز عن التفريق بين كفايات العقل البشري. # كان «يوحنا فيلوبونس» # John Philoponus # أو يوحنا ~~النحوي # 2 ~~- كما يدعوه العرب خطأ - من متأخري الذين علقوا على أرسطوطاليس، كما كان ~~من أوائل الذين درسوا الطب في مدرسة الإسكندرية، والسنة التي توفي فيها غير معروفة، ~~ولكن المحقق من أمره، أنه كان يدرس في مدرسة الإسكندرية في الوقت الذي أغلق فيه ~~الإمبراطور «يوستنيانوس» مدارس أثينا سنة 529 ميلادية. # ومن مشهوري فلاسفة الإسكندرية «بولس الأجانيطي» Paul of ~~Aeginae ~~، وكان يدرس في الوقت الذي وقع فيه الفتح العربي، وظلت كتبه ~~زمانا طويلا تدرس في مدرسة الإسكندرية كمتون ذات قيمة كبيرة في علم الطب، وكان أعلام ~~المدرسة قد رسموا برنامجا، لعله الأول من نوعه في تاريخ الدرس والتحصيل لتدريس الطب، ~~يدرسه كل من أراد أن يزاول تلك الصناعة عمليا. # ولذلك انتخبوا ست عشرة مقالة من مقالات «جالينوس»، وترجموها ليؤلفوا منها برنامج الطب ~~في المدرسة، ثم اختصروا بعضها واتخذت المختصرات كرءوس موضوعات تلقى على نسقها المحاضرات ~~التعليمية شرحا وتفصيلا. وغالب الظن أنهم ما نزعوا إلى اختصار مقالات «جالينوس»، ~~واتخاذها رءوس موضوعات فقط، إلا لما أنسوا في أنفسهم وفي أساتذتهم من قوة الابتكار ~~والتعمق في الدرس، لأبعد مما كان يحدده لهم «جالينوس» في ms005 مقالاته، وفي ذلك الزمان أصبحت ~~مدرسة الإسكندرية منبعا للكثير من الأبحاث المبتكرة المحققة النفع، لا في مادة الطب ~~وحدها، بل في علم الكيمياء، وكثير من العلوم الطبيعية. وما أشبه مدرسة الإسكندرية قبيل ~~الفتح العربي بخلية تدوي بمختلف البحوث العلمية. # بيد أن هذه الحركة الطيبة لم تخل من نتائجها الرجعية، على ما كان فيها من نزعة ~~إلى العلم والفلسفة والتنوير الذهني، فإن التقاليد - وأجدر بها أن تؤثر في ذلك العصر ~~أضعاف تأثيرها في عصرنا هذا - قد أفسدت بعض وجوه العلم والفلسفة، فنزعت فئات إلى ناحية ~~«الجمود الفلسفي» Philosophical Obscurantism # ابتغاء ~~الضغط على العقول والرجوع بها إلى العالم المجهول من الفلسفة، على اعتقاد أن إدراكه من ~~طريق الطلسمات وفن التنجيم مستطاع على الأقل. # هذا هو السبب المباشر في كثرة ما تقع عليه عند العرب من ضروب المفاسد والشعوذة، وفي ~~كل ذلك يقول كبار المؤرخين: إن الذنب في ذلك ليس ذنب الإسلام ولا المسلمين، ولا ذنب ~~العقل السامي، ولكنها وراثة ورثها العرب عن الإسكندرية بعد الفتح العربي، كما ورثتها ~~جامعة «بادوى» Padua # الأوروبية في القرون الوسطى عن ~~العرب. # كان أول احتكاك للعرب بالآراء اليونانية في مدينة الإسكندرية؛ لذلك كانت وراثتهم منها ~~أقرب من وراثتهم عن سوريا، ولهذا انتشر عندهم التنجيم، ودلف العرب بقدمهم في مفاوزه ~~الوعرة، وظلوا عليه عاكفين حتى آخر عصور مدنيتهم؛ ذلك لأن نجم الإسكندرية في العلم قد ~~أطفأ أنوار السريانية، وأخص ما يأخذ بلب الناس في مثل تلك الحالات خداع الشهرة ~~وبعد الصيت؛ لهذا أكب العرب تحت تأثير تلك العوامل على نواتج العقل في الإسكندرية، ~~دون ما تضمنت السريانية من مباحث العلم والفلسفة. # في وسط هذه الصورة الذهنية نبتت مؤلفات «بولس الأجانيطي» الذي مر بنا ذكره، وقد ظلت ~~مؤلفاته طوال العصر العربي والعصر اللاتيني في القرون الوسطى مادة التعاليم ~~الطبية. # كذلك كانت مدرسة الإسكندرية منبتا لعلم الكيمياء، ففيها تكونت النواة الأولى التي ~~استمد العرب منها، سواء أفي هذا العلم، أم فيما تفرع منه من الفنون الأخر، التي كثيرا ~~ما امتزجت ms006 بالخيالات والأوهام، وفي ذلك يقول المؤرخ الكبير مسيو «برتيلو» # Berthelot # في كتابه «الكيمياء في القرون الوسطى»، ~~الذي طبع بباريس سنة 1893: «إن المادة العربية في الكيمياء تنقسم إلى قسمين: الأول ~~مترجم أو مأخوذ عن كتاب اليونان الذين كتبوا في مدرسة الإسكندرية، والثاني يمثل مدرسة ~~عربية ثانية مستقلة المباحث عن الأولى.» # وبينما كانت مدرسة الإسكندرية غارقة في المباحث الطبية، كانت كنائس آسيا وأديرتها ~~ومدارسها، ممعنة في المباحث المنطقية والفلسفية التأملية. # وكان من الطبيعي أن يأخذ اليعاقبة عن تعليقات «يوحنا فيلوبونس» في تدريس علم المنطق؛ ~~لعلاقتهم بمصر أولا، ولأن فيلوبونس من شيوخهم ثانيا. # غير أنهم لم يفعلوا لك، بل رجعوا والنساطرة إلى مختصر «فرفوريوس الصوري» في المنطق ~~المسمى «إيساغوجي»، وأخذوه كمدخل لعلم المنطق، ولا يزال هذا الكتاب يقرأ في الأزهر حتى ~~اليوم كمدخل لذلك العلم. # أما في الميتافيزيقا «ما وراء الطبيعة» والبسيكولوجيا «علم النفس»، وتطبيقهما على علم ~~اللاهوت، أو في الاستعانة بهما على فهم المسائل اللاهوتية، فقد كان ميل اليعاقبة إلى ~~الأفلاطونية الجديدة والباطنية أقوى من ميل النساطرة، كما كانت حياتهم وتعاليمهم أكثر ~~استكانة في الأديرة، في حين أنك تجد أن النساطرة قد نزعوا إلى الطريقة القديمة في ~~تأسيس المدارس، ولو أن ذلك لم يحل دون اتخاذهم أديرة، كانت بدورها منبتا للعلم ~~والفلسفة. وإذ أنت على ذلك إذا بك تجد أن نظام المدارس قد انقلب في آخر الأمر إلى ~~نظام الرهبنة. # كانت مدرسة «نصيبين» أقدم مدارس النساطرة وأعظمها جميعا، غير أن «مارأ بها» # MarAbha # وهو زرادشتي تنصر، وسيم أسقفا ~~نسطوريا، أسس مدرسة في «سلوقية» على نظام مدرسة «نصيبين». # وبعد ذلك بقليل أسس «كسرى أنوشروان» ملك الفرس المشهور مدرسة زرادشتية في «جنديسابور» ~~من أعمال «خوزستان»، وحكم «أنوشروان» بين 531-578 من الميلاد، وكان قد تأثر بتعاليم ~~اليونان، حينما كان يحارب سورية البيزنطية، فأضاف جمعا من الفلاسفة اليونان، والفلاسفة ~~العارفين بالفلسفة اليونانية، عندما أغلق الإمبراطور «يوستنيانوس» الهياكل والمدارس في ~~أثينا. # وكان الذين وفدوا على «كسرى» من الفلاسفة سبعة، فأكرم وفادتهم وأضافهم، وأمرهم بتأليف ~~كتب الفلسفة أو ms007 نقلها إلى الفارسية؛ فنقلوا المنطق والطب، وألفوا فيهما كتبا، فطالعها ~~هو ورغب الناس فيها (راجع الفهرست ص242)، على أن في رواية صاحب الفهرست شكا كبيرا، ~~إذ كيف ينقل الفلاسفة اليونان الوثنيون الذين لا احتكاك لهم بالفارسية، وعلى الأخص ~~الفهلوية، كتب المنطق والطب إلى لغة فارس، في حين أن الراجح ألا يكون لهم إلمام إلا ~~بلغتهم اليونانية القديمة، يبقى ذلك الشك ما لم يثبت أن الفلاسفة اليونان كان لهم ~~سابقة في دراسة الفارسية في عصر متقدم على عصر أنوشروان. # ويقول بعض المؤلفين: إن أنوشروان عقد المجالس للبحث والمناظرة، كما فعل المأمون من ~~بعده بقرنين ونيف، حتى «خيل للإغريق الذين جالسوه أنه من تلامذة أفلاطون»، أما عقد ~~أنوشروان لمجالس العلم فذلك محتمل؛ لأن أخباره مع وفود العرب وعقد المجالس لهم معروفة ~~مشهور أمرها بين الأدباء، أما بقية الرواية فأمر مشكوك فيه؛ لأن عهد أنوشروان بفلسفة ~~اليونان كان قصيرا إلى حد لا يعقل أن يبرز فيه أنوشروان في الفلسفة إلى هذا المدى ~~القصي، ومما يجعل الرواية أدخل في الشك أن أفلاطون علم في القرن الرابع قبل ~~الميلاد، ولم يعقد أنوشروان مجالس الفلسفة والعلم إلا في القرن السادس بعد الميلاد؛ ~~فكيف يخيل إلى الفلاسفة اليونان الذين حضروا مجلسه أنه تلميذ من تلامذة أفلاطون، في حين ~~أن تلاميذ أفلاطون كان قد أكلهم البلى من قبل ذلك بألف عام؟ # والذي ذكر هذه الرواية العلامة «غيبون» مؤرخ سقوط الدولة الرومانية (راجع كتابه تداعي ~~الإمبراطورية الرومانية وسقوطها، طبعة سنة 1813، جزء ثان ص298-307). على أن «غيبون» ~~لا بد من أن يكون قد استسقى هذه الرواية من كتاب عربي قديم. # 3 # ومما يدلك على اهتمام «أنوشروان» بأولئك السبعة الذين وفدوا عليه من فلاسفة اليونان، ~~أنه وضع في المعاهدة التي عقدها والإمبراطورية البيزنطية نصا خاصا بهم، ضمن لهم به ~~حريتهم المدنية والدينية، وعدم الاستبداد بهم فيما لو أرادوا العودة إلى وطنهم. # كان هؤلاء الفلاسفة من الآخذين بتعاليم «الأفلاطونية الجديدة» # Neo-Platonism # على أن أثرهم في الحياة الفارسية ~~غير معروف بالضبط، فإلى أي ms008 حد تذهب هذه التعاليم في التأثير على صور التصوف التي ظهرت ~~في فارس فيما بعد؟ ذلك ما أخذت المباحث الجديدة تجلو عنه الأستار. فقد كتب العلامة ~~«نيكولسون» في كتاب «أشعار منتخبة من الديوان» طبع كمبردج 1898 شيئا يكشف عن تلك ~~الآصرة التي تربط بين «الأفلاطونية الجديدة»، والباطنية كما أخذ بها في فارس. # وعقب عليه الأستاذ «ديلاسي أوليري» فدبج في مؤلفه الذي طبع سنة 1920 عن الفكر العربي ~~فصلا في الصوفية، هو الفصل السابع من ذلك الكتاب ~~(ص181-207) أوضح فيه أواصر العلاقة بين الباطنية المبثوثة في تضاعيف «الأفلاطونية ~~الجديدة»، وبين الباطنية الفارسية في العصر الوثني، وما كان من أثرها فيما بعد على صور ~~التصوف التي اختصت بها فارس وأبناء العرب بعد الإسلام. # وكان أساس التعليم في مدرسة «جنديسابور» غير مقصور على المؤلفات اليونانية ~~والسريانية، بل أضيف إلى ذلك تعاليم من فلسفة الهند وآدابها وعلومها، ترجمت إلى اللغة ~~الفهلوية، وهي اللغة الفارسية القديمة، وهنالك نمت علوم الطب حين تخلصت من جو الضغط ~~والاستبداد الذي حوطتها به التعاليم اللاهوتية. ومن غريب الأمر أن يكون من أشهر الذين ~~علموا الطب في ثوبه الجنديسابوري الحديث فئة من أشهر النساطرة المسيحيين. # ومن الذين اشتهروا من العرب قبل الإسلام في مدرسة «جنديسابور» الحارث بن كلدة الذي ~~عرف من بعد كطبيب، وابنه «النضر» الذي ذكره الرئيس ابن سينا كأحد أعداء سيدنا محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - وكان مع الذين هزموا يوم «بدر»، فأسر وقتله علي بن أبي طالب ~~صبرا، على رواية أبي إسحاق الحصري القيرواني (راجع زهر الآداب ص27 مجلد أول). فعرضت ~~للنبي # صلى الله عليه وسلم # أخته قتيلة بنت الحارث فأنشدته: # يا راكبا إن الأثيل مطية # من صبح غادية وأنت موفق # أبلغ بها ميتا بأن تحية # ما إن تزال بها النجائب تعنق # مني إليك وعبرة مسفوحة # جادت بواكفها وأخرى تخنق # هل يسمعني النضر إن ناديته # إن كان يسمع ميت لا ينطق # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه # لله أرحام هناك تشقق # قسرا يقاد إلى المنية متعبا # رسف المقيد وهو ms009 عان موثق # أمحمد ها أنت صنو كريمة # في قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت وربما # من الفتى وهو المغيظ المحنق # فالنضر أقرب من قتلت قرابة # وأحقهم إن كان عتق يعتق # أو كنت قابل فدية فليفتدى # بأعز ما يغلى به من ينفق # وقتل علي بن أبي طالب للنضر صبرا - أي حبسا - غير صحيحة على ما يظهر من شعر أخته ~~قتيلة، فإنها تقول: # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه # أي تنهل منه وتنال، وما يدل عليه الشعر إن صحت نسبته إلى قتيلة، أنه أسر ~~أولا، وربما حبس كظاهر قولها: # قسرا يقاد إلى المنية متعبا # وأنه قتل من بعد ذلك طعنا بالسيوف، أما ما يغمز به بعض الأدباء في نسبة الشعر إلى ~~قتيلة فتنم عن بطلانه ديباجة الشعر ورنة الحزن العميق، وفرط الأسى والشجن، ~~وهو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار، # 4 # فنسبه يلتقي ونسب سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام - في الجد ~~الثالث. ~~••• # ممن ذكر «الرازي» من أعلام مدرسة جنديسابور من أبناء الهند «شركة» # Sharak # و«قلهومن» # Qolhoman # ومنهم هندي يقال له: «شاناك» # Ganak # كتب رسالة في السموم ترجمها من بعد أحد ~~التراجمة ليحيى بن خالد البرمكي إلى الفارسية، ومن بعد ترجمت إلى العربية للخليفة ~~المأمون بن هارون الرشيد. # وترجمت في عصر هارون الرشيد بواسطة طبيبه الخاص بضعة كتب عن السنسكريتية إلى العربية ~~في علم الطب، حتى إنه من المتعذر أن تعرف أصل التعاليم الشائعة في الطب العربي إن كانت ~~مستمدة من الإغريق أم من الهند، أم هي مبتكرة، إلا بعد طول المزاولة والصبر على تفهم ~~حقيقتها وطبيعتها ومقارنتها بمنازع الآراء المستمدة من كل من تلك النواحي. # وفضلا عن المدرستين المسيحية والزرادشتية، فقد وجدت مدرسة وثنية في «حران»، ولا يعلم ~~كيف نشأت، وكيف تطورت! ولا من وضعها، وأقام أسسها! وكانت حران مركزا للتأثير الإغريقي ~~منذ عصر الإسكندر المقدوني الأكبر، وظلت موئلا لتعاليم الديانة اليونانية القديمة، بعد ~~أن انقلب العالم اليوناني الوثني إلى عالم نصراني، والظاهر ms010 أن «حران» قد ورثت كثيرا ~~من تعاليم الديانة البابلية القديمة التي كانت قد انتعشت في القرون الأولى من انتشار ~~المسيحية، إلا أن صور تلك الديانة القديمة قد ذهبت بها تطورات الديانة اليونانية ~~الوثنية كما فهمتها «الأفلاطونية الجديدة»، وكما وضعها زعماء تلك الفلسفة في مدينة ~~الإسكندرية، ولا مشاحة في أن حالات الفكر في «حران» تمثل آخر أدوار الوثنية ~~اليونانية والأفلاطونية الجديدة، كما وضعهما «فرفوريوس الصوري» حيث ظلتا عائشتين ممدتين ~~بكل أسباب الحياة، عيشة بعيدة عن معترك العالم الخارج عن حيزهما. # وعلى الرغم من المدارس التي علمت على النسق اليوناني، وأذاعت مواد الثقافة ~~اليونانية، فقد اقترنت التعاليم بكثير من المؤثرات الأخر التي لا يمكن لمؤرخ في تاريخ ~~الفكر أن يغفل أمرها، فإن الجنود الفارسية عندما رجعت من غزو سورية نقلت معها كثيرا من ~~آثار الفكر اليوناني، وطائفة من مظاهر الرفاهية اليونانية. # وكذلك طبعت نفوس أبناء فارس بعد تلك الغزوة بطابع من الإعجاب بالفن اليوناني وهندسة ~~البناء اليونانية، وكان المهندسون والبناءون اليونان الذين أسروا في الحرب أثمن ما رجع ~~به الجيش الغازي من المغانم، حتى إن بلاد فارس بدأت بعد تلك الغزوة تدخل نسق البناء ~~اليوناني فيما تشيد من المباني. # إذن فتاريخ القرون التي تقدمت انتشار الإسلام يدل على ذيوع قسط عظيم من التأثير ~~اليوناني في كثير من فروع الفن والعلم والفلسفة والهندسة والبناء، وفي زخارف الحياة ~~ذاتها، ومن قبل ذلك منذ عصر الإسكندر المقدوني، كان غربي آسيا لا يتنفس إلا في جو مفعم ~~بآثار الفكر الإغريقي. # 2 # مر بنا من قبل ذكر «بارسوما» الذي قاد الهجرة النسطورية إلى بلاد فارس، وافتتح مدرسة ~~«نصيبين»، كان لذلك الرجل معلم يقال له: «إيباس»، هو القوة المحركة والعقل المفكر في ~~مدرسة «الرها» في أواخر أيامها، ويظهر من المقارنة التاريخية أنه أول من ترجم ~~«إيساغوجي» مختصر «فرفوريوس» في المنطق إلى السريانية. # ويعتبر هذا الكتاب مدخلا لمنطق أرسطوطاليس كما قدمنا، ويدل ذلك على أن المنطق كان ~~يعتبر العلم الرئيسي الذي عني بتدريسه النساطرة، والظن الغالب أنه لم يكن ms011 ليقل ~~اعتباره في نظر اليعاقبة عند ذلك. # وفي ذلك الوقت ظهر «بروبوس» Probus # فعلق على كتاب ~~«الإيساغوجي»، كما علق على بعض كتب أرسطوطاليس، ومنها «إرمانوطيقا» # Hermeneutica # أي العبارة، أو كما يقولون «باري ~~أرمنياس» و«سوفسطيقا» # Sophistica ~~«وأناليطيقا الأولى» # Analytica priora # أي القياس، فكانت هذه التعليقات ~~بمثابة متون يرجع إليها طلاب المنطق في بلاد السريان. # ومن الوصف الذي خصت به التراجم السريانية عن أرسطوطاليس تعرف أن العرب لم يقتصروا ~~على النقل عنهم إلى العربية، بل اتبعوا نفس الطريقة، وذات الأسلوب الذي تبعه المترجمون ~~إلى السريانية، لا في تراجمهم فقط، بل في مؤلفاتهم أيضا. # كان من عادة المعلقين على أرسطوطاليس قبل العصر العربي أن يأخذوا مقطعا قصيرا من ~~متنه المترجم إلى السريانية، وقد لا يزيد عن بضع كلمات، يعلقون عليه بإطناب، وقد يذهب ~~التعليق إلى عدة صفحات طويلة، وقد يقتصر على إشارات مقتضبة، حسب ما يقتضي الحال من حاجة ~~إلى الإطناب أو الإيجاز، كما لو كان معلم في المدرسة يقرأ فقرة، ويلحق بأخرى بعد أن ~~يفرغ من شرح الأولى. # ولو نظرت في كتاب «المواقف» لعضد الدين، أو نظرت في تفسير القرآن، لوجدت أن «عضد ~~الدين» قد اتبع هذه الطريقة نفسها في كتابة مؤلفه الفلسفي، كما اتبعها المفسرون في ~~تفسير كتاب الله. # أما التعليق على «الإيساغوجي» فقد طبع بعناية الأستاذ «بومستراك» # Baumstrack # في كتاب # Aristotles bei ~~den syrern # في ليبنرج سنة 1900، كما طبع الأستاذ الكبير «هوناكر» # Hoonacker ~~«الأناليطيقا الأولى» في المجلة الآسيوية # Jornal Asiatique # في عددي يوليو وأغسطس سنة ~~1900. # وكان «سرجيس الراس عيني» المتوفى سنة 536 ميلادية أعظم مؤلفي اليعاقبة، وكان مترجما، ~~كما كان مؤلفا في الفلسفة والطب والهيئة والفلك، وكان اشتغاله بالطب عمله الرئيسي، بيد ~~أنه ترجم إلى السريانية الجزء الأعظم من مؤلفات جالينوس، وأمضى زمنا في الإسكندرية حيث ~~أتقن اللغة اليونانية، ودرس الكيمياء والطب في مدرستها الطبية لدى أول عهدها بتدريس ذلك ~~العلم، أما نشأته فكانت برأس العين بالعراق، ولا تزال بعض ترجماته عن جالينوس محفوظة ~~حتى اليوم في المتحف البريطاني ضمن ms012 المجموعة 14661 والمجموعة 17156. # ونشر العلامة المستشرق «ساخاو» # Sachau # نتفا مما هو ~~محفوظ في المجموعة الثانية في كتاب سماه # Inedita ~~Syriaca # في فينا سنة 1870، ونشر «ساخاو» فضلا عن ذلك ترجمة ~~«الإيساغوجي»، وفي المتحف البريطاني نسخة خطية من ذلك الكتاب، كما نشر «المائدة» ~~لفرفوريوس وقاطيفورياس؛ أي المقولات لأرسطوطاليس، ومقالة في الروح، وهي ليست مقالة ~~أرسطوطاليس المعروفة تحت عنوان «ده أنيما» # De Anima # وكتب مقالة في المنطق في سبعة مجلدات، ومنها جزء في المقولات محفوظ في المتحف البريطاني ~~ضمن المجموعة 14660، ومقالة أخرى ضمن ذلك الكتاب في تعليل الكون حسب مذهب أرسطوطاليس، ~~وعدد من المقالات القصيرة تتناول مختلف الموضوعات، أما في علم الفلك فقد ترك مقالة في ~~تأثير القمر بناها على مؤلفات جالينوس، ونشرها العلامة «ساخاو». # وقد انتشرت مؤلفات «سرجيس» بين النساطرة واليعاقبة على السواء، وكان الكل يحسبونه ~~مرجعا من المراجع العليا في الطب والفلسفة، وثقة من ثقاتهما، ويقال: إنه أسس مدرسة ~~سريانية في الطب أصبحت فيها بعد النبع المنبثق بما استسقى منه العرب، على أن الراجح ~~أنه لم يؤسسها، بل كان له أثر كبير في تأسيسها وقيامها. # وفي القرن ذاته - أي القرن السادس الميلادي - عاش «أخوديما» # Ahudemmeh # الذي أصبح أسقفا في «تغريط» # Tagrit # سنة 559م، فأدخل تعليقات «يوحنا فيلوبونس» ~~على أن تكون الكتاب المدرسي بين اليعاقبة الذين يتكلمون السريانية: ويقول بعض المؤلفين: ~~إنه ألف مقالات في تعريفات المنطق، وفي حرية الإرادة، وفي الروح، وفي الإنسان باعتباره ~~عالما صغيرا، # Microcosm ~~، ومقالات أخرى في تركيب ~~الإنسان على أنه مكون من جسد وروح، وهذه المقالة محفوظة في المتحف البريطاني ضمن ~~المجموعة 14620. # وإن صح أن «أخوديما» قد كتب في الإنسان باعتباره عالما صغيرا، حق لنا أن نكرر ~~المثل القائل: «لا جديد تحت الشمس»؛ فإن الإنسان أو العالم الصغير # Microcosm # قد سد التفكير فيه فراغا كبيرا في عقل «هردر» # Herder # الفيلسوف الألماني في القرن التاسع عشر، ~~كذلك انتشرت فكرات فلسفية، بل مذاهب حصرت همها في بحث الإنسان وعلاقته بهذا الكون ~~الفسيح وطبيعيا وأدبيا، بل تعدت إلى النظر الغيبي. ms013 # كان مذهب «سبنسر» في النشوء، ومذهب «هردر» في «الميكزوكوزم»؛ أي العالم الصغير يرميان ~~إلى إثبات وحدة الفكر، وإحداث ذلك التصور العميق الذي يسوق إلى الاعتقاد بأن الأشياء ~~تحتفظ ببقائها، وأن الحوادث الكونية تقع خضوعا لعلاقة كائنة بينهما يمكن إدراكها، ~~وأن وجهتي النظر الديني والعلمي في هذه الحياة يمكن التوفيق بينهما. # في القرن التاسع عشر حصرت طائفة من الكتاب همها في وصف العالم وصفا دقيقا، حتى إن ~~مؤلفاتهم قد كونت في عقل «هردر» حالة تساءل معها - في وسط تلك الصورة التي صورت بها ~~الطبيعة، وفي جوف التغيرات التي تنتاب هذا الكون الأكبر: أين يوجد الكون الأصغر؟ # إن صور هذه الدنيا العظيمة إذ تتغلغل في أعماق سحيقة من الإدراك العام، إنما تلزمنا ~~الرجوع إلى أنفسنا؛ لكي نعاود التساؤل كما تساءل «هردر»: «أية قيمة لحياة الإنسان ~~والإنسانية، بما فيها من الخصائص الخالدة، وبما في تاريخها من أوجه التغاير في وسط هذه ~~الطبيعة من مجموعها؟» # أما إذا أردنا أن نعرف إن كانت هذه الفكرة بذاتها هي التي قامت في رأس «أخوديما» في ~~القرن السادس الميلادي، ثم عادت إلى التكون في عقل «هردر» في القرن التاسع عشر، والفاصل ~~بينهما ثلاثة عشر قرنا من الزمان، فيغلب أن تكون محفوظات المتاحف الأوربية كفيلة ~~بذلك. ~~••• # من بين مؤلفي النساطرة الذين عاشوا خلال القرن السادس الميلادي «بولس الفارسي» Paul The Persian ~~، وقد كتب مقالة في المنطق أهداها ~~إلى الملك كسرى أنوشروان، وقد نشرها مسيو «لاند» # Land # في كتابه المسمى # Analecta Syriaca ~~. # كان هذا فجر الفتح العربي، ففي سنة 638 من الميلاد فتح العرب سوريا، وتبعها فتح ما ~~بين النهرين والعراق في سنة واحدة، وبعد أربع سنوات فتحوا بلاد فارس، وسنة 661م استقر ~~الملك لبني أمية في دمشق، ولكن هذا الفتح لم يؤثر في حياة الجماعات المسيحية، حيث كانت ~~طوائفهم تعيش تحت الحكم العربي ممتعة بكل ضروب الحرية السياسية والدينية، ولم يتعرض ~~حكامهم العرب لشئونهم الذاتية، وكل ما كان يطلب منهم للحكومة إنما هو الخضوع لقوانينها ~~الزمنية ودفع الجزية. # وحوالي ms014 سنة 650م كتب «حنانيشو» # Henanieshu # مقالة في ~~المنطق، وعلق على «يوحنا فيلوبونس»، ولم يكن لليعاقبة مدارس ظاهرة الأثر كما كان ~~للنساطرة، ولكنهم استعاضوا عن ذلك بدير لهم في «قنسرين» على ضفة الفرات اليسرى، كان ~~مقرا لدرس منتجات العقل اليوناني، وكان أعظم من ظهر فيهم هنالك «سويرس سيبوقط» # Severus Sebokt ~~- الذي عاش قبيل الغزو العربي، وألف ~~تعليقا على «إرمانوطيقا» # Hermeneutica ~~- لأرسطوطاليس ~~لم يبق منه إلا أجزاء صغيرة، ومقالة أخرى في القياس تعليقا على «أناليطيقا» الأولى # Analyica Priora # وشرح بعض المعضلات التي صادفها في ~~«الريطوريقا» # Rhetorica # أي الخطابة لأرسطو، أما في علم ~~الفلك فقد كتب مقالة في «صور منطقة البروج»، وأخرى في «الأسطرلاب»، أما الأولى ففي ~~المتحف البريطاني محفوظة ضمن المجموعة 14538، وطبعها العلامة المستشرق «ساخاو»، وأما ~~الثانية ففي برلين ضمن مخلفات «ساخاو»، وطبعها العلامة «ناو» # Nau # في الجريدة الآسيوية سنة 1899. # وكان «أتناسيوس بالد» # Athanasins BaLad # أسقفا ~~يعقوبيا سنة 684م، والمعروف عنه أنه ترجم الإيساغوجي إلى السريانية، ولا تزال هذه ~~الترجمة محفوظة إلى اليوم في قصر الفاتيكان، وهو من تلاميذ سويرس سيبوقط. # كذلك كان يعقوب الرهاوي # Jacob of Edessa # تلميذا ~~لسيبوقط، وصار أسقفا في الرها # Edessa # سنة 684، وترك ~~منصبه هذا سنة 688؛ لأنه عجز عن إدخال الاصطلاحات في الأديرة التابعة لأبرشيته، واعتزل ~~في دير «مار يعقوب» في «قيسون» بين حلب والرها، ثم تركه إلى دير آخر في أبرشية أنطاكية ~~حيث أمضى إحدى عشرة سنة يعلم المزامير، ويقرأ الكتاب المقدس باللغة اليونانية حتى أحيى ~~مواتها، بعد أن كادت تموت بالإغفال، غير أنه لم يعش هنالك هادئا؛ فإن أعداءه اضطهدوه ~~بحجة أنه يعلم الكتاب المقدس باللغة اليونانية، فسافر ثم عاد إلى الرها قبيل موته ~~بأربعة أشهر فقط، وكتب في ذلك الحين مقالا طبيا في المصطلحات المستعملة في الفلسفة، ~~ولا يزال محفوظا في المتحف البريطاني في المجموعة 12154. # ومن تلاميذ «أتناسيوس» المذكور آنفا «جورجيس» # James Bishop of The ~~Arabs # الذي سيم أسقفا للعرب سنة 686م، وقد ترجم كل كتاب أرسطوطاليس في المنطق «الأورغانون» # Logical Organon # ولا يزال ~~محفوظا ms015 من ترجمته حتى اليوم في المتحف البريطاني في المجموعة 14659 كتاب قاطيغورياس ~~وإرمانوطيقا، وأناليطيقا الأولى، وكل من هذه الكتب مقدم بتصدير وعليه تعليقات. ~~••• # إن هؤلاء الأعلام الذين عرض ذكرهم حتى الآن في سياق هذا المقال، هم الذين يكونون ~~تاريخ الفكر في العصور القديمة منذ انفصل النساطرة واليعاقبة حتى الفتح العربي، وإن ~~هذا لكاف لإظهار أن المتكلمين بالسريانية قد ظلوا طوال تلك الأعصر على ما كتب أرسطوطاليس في المنطق، وما بعد الطبيعة عاكفين، ولم يفتهم أن يعنوا بالطب، ودرس كثير من فروع ~~العلوم الأخر. # غير أنك إن بحثت في أعمال هؤلاء جميعا لما وقعت على شيء من قوة الابتكار الحقيقي، أو ~~على تعمق في الدرس العلمي، أو التأمل الفلسفي الصحيح؛ لأن جماع ما في تلك الحركة لم يكن ~~إلا نقل المتون الموجودة بين أيديهم، مع إصدار تراجم جديدة فيها، أو تعليقات عليها، أو ~~مقالات تفسيرية تحشى بها، على أن هذه الأشياء بدورها قد سدت فراغا كبيرا في تاريخ ~~الفكر الإنساني. # على أن الفتح العربي لم يحدث من أثر يصد تلك البحوث العلمية عن الانبعاث في طريقها، ~~فبنو أمية لم يفكروا يوما في التعرض لشئون المدارس الفلسفية، وكان الطلاب السريان ~~ممتعين بأقصى حد من الحرية تحت حكم العرب. # أما ما يرويه بعض المتعصبين من المؤرخين في مطاردة العرب لرؤساء الدين المسيحي فكله ~~فاسد من أساسه، فقد كان بعض رؤساء المسيحية يلجئون إلى الخليفة العربي المسلم، ويضجون ~~له بالشكوى من إخوانهم في الدين، وكان ذلك السبب الأكبر في التعرض لشئون النصارى. وهو ~~ما يسميه بعض المؤرخين تعقبا للنصرانية ومطاردة لها، واستمر أساقفة المسيحية على بحثهم ~~العلمي والفلسفي حتى سنة 740 حين سيم «مار أبها» # MarAbha # رئيسا لأساقفة النساطرة، فألف تعليقا على ~~منطق أرسطوطاليس. # وكانت سنة 740م - أي سنة 133 للهجرة - بدء عهد جديد في تاريخ العربية، إذ أخذ أبناؤها ~~يبدون حظا غير قليل من الاشتراك في تلقي الفلسفة والعلم، وبدأت التراجم والتعليقات ~~تظهر في اللغة العربية، على أن الدراسة باللغة السريانية لم تفقد ms016 أهميتها فجأة، بل ~~ظلت موئلا للعلم ومهدا للفلسفة حتى زمان «أبي الفرج بن العبري» في القرن الثالث عشر ~~الميلادي 1286، الذي ينتهي به تاريخ الآداب السريانية، سوف نعود إلى الكلام فيه. # وكونت أول مدرسة صحيحة للترجمة في العالم العربي من حنين بن إسحاق وابنه إسحاق ~~بن حنين، وابن أخته حبيش الأعسم الدمشقي، مع غيرهم من المترجمين، تلك المدرسة التي ~~أسسها في بغداد الخليفة المأمون لتنقل المتون اليونانية في الفلسفة والعلوم إلى ~~العربية، وذلك ما سوف نعود إليه بعد. # غير أننا لا ننسى هنا أن حنين بن إسحاق كان مسيحيا نسطوريا، واشتغل زمانا ~~بالترجمة من اليونانية إلى السريانية، والمقول: إنه ترجم من السريانية، إلا أنه راجع ~~فقط على الرواية الصحيحة الإيساغوجي لفرفوريوس، وإرمانوطيقا لأرسطوطاليس، وجزءا من ~~الأناليطيقا، ومقالة لأرسطوطاليس في الروح المسماة «ده أنيما» # de ~~Anima # وجزءا من الميتافيزيقا - ما بعد الطبيعة - وتلخيصات نيقولاس ~~الدمشقي، وتعليقات الإسكندر الأفروديسي، والجزء الأعظم من مؤلفات جالينوس # Galen # وديوسقورس # Dioscous # وبولس الأجانيطي، وأبقراط. # كذلك ترجم ابنه إسحاق مقالة أرسطوطاليس # de Anima # في ~~الروح، ومن الغريب أن تصبح ترجمة إسحاق لهذه المقالة وتعليق الإسكندر الأفروديسي عليها ~~مرجعا من أهم المراجع لدرس الفلسفة في عصرنا هذا؛ ذلك لأن الفكر قد اتجه إلى درس علم ~~النفس - البسيكولوجيا - في الأعصر الحديثة، كما أنه أخذ يبتعد عن درس المنطق حالا بعد ~~حال. # وفي ذلك العصر ألف الطبيب «يوحنا بن ماسويه» 857م مؤلفات كثيرة في الطب باللغتين ~~السريانية والعربية، وكان كما كان حنين بن إسحاق أحد الذين انتخبهم العباسيون واحلوهم ~~محلا رفيعا من الاحترام والإجلال، وحوطوهم بالعناية في بغداد عاصمة ملكهم، لينقلوا ~~فلسفة اليونان إلى العربية، وعاصر هؤلاء فئة من الكتاب السريانيين كتبوا تعليقات على ~~منطق أرسطوطاليس، وهو كما يقول العرب «أبو زكريا يوحنا بن ماسويه»، وكان أبوه صيدليا ~~في جنديسابور، وثقفه في بغداد جبرائيل بن بختيشوع. واشتهر في زمان المأمون والواثق إلى ~~زمان المتوكل (راجع أخبار الحكماء ص248 طبع مصر). # وفي القرن الثاني عشر المسيحي علق «ديونسيوس بارصاليبي» # Dionisius bar ~~Salibi ms017 # على كتاب الإيساغوجي وقاطيغورياس وإرمانوطيقا وأناليطيقا، ~~وفي أوائل القرن الثالث عشر كتب «يعقوب بارشاقاقو» # Jocob bar ~~Shakako # مجموعة من المحاورات، تكلم في الجزء الثاني منها على مسائل ~~كثيرة في الفلسفة والمنطق والفوسيقى # 5 Physics # والرياضيات وما بعد الطبيعة. # وينتهي العصر السرياني في نقل الفلسفة بالباحث «غريغوري بار إبراوس» # Gregory Bar Hebraeus # الذي تقدم ذكره، وهو الملقب ~~«بأبي الفرج بن العيري» # Abu L’Farag # في القرن الثالث ~~عشر الميلادي، وقد لخص في كتابه «إنسان العين»، وهو مجموعة ملخصات في المنطق، كتاب ~~إيساغوجي لفرفوريوس، ولخص عن أرسطوطاليس كتاب المقولات - قاطيغورياس - وإرمانوطيقا؛ أي ~~العبارة، وأناليطيقا؛ أي القياس، وطوبيقا # Topica # أي ~~الجدل، وسوفسطيقا # Sophistica # أي السفسطة، وكتب كتابا ~~آخر لخص فيه مقدمات للمنطق والفوسيقى، وما بعد الطبيعة واللاهوت، وسمى هذا الكتاب على ~~ما نظن «عيون الحكمة»، وله كتاب ثالث أذكر أن اسمه «زبدة العلوم» أو ما يقارب ذلك، هو ~~عبارة عن موسوعة جمع فيها فلسفة أرسطوطاليس، واختصر ذلك الكتاب من بعد تحت عنوان آخر، ~~وترجم عن السريانية مؤلف «ديوسقورس» في البسائط، وألف مقالة في الطب أجاب بها على ~~«مسائل» حنين بن إسحاق، وله كتاب آخر في الجغرافية لا أذكر اسمه العربي. # ويعرف أبو الفرج في العالم اللاتيني باسم «أبولفرجيوس» # 6 # أما الاسم «بارابراوس» فراجع إلى أصله العبري، ولد في مدينة من مدائن ~~أرمينية سنة 1226، وكان أبوه «هارون» طبيبا، وبعد أن تلقي على أبيه زمانا استعمق في ~~دراسة الطب حتى نال منه حظا موفورا، وكانت معرفته بالعربية والسريانية واليونانية، ~~وتنطسه في الفلسفة واللاهوت، سببا في أن يذيع صيته ويرتفع ذكره، وفي سنة 1244م انتقل ~~إلى أنطاكية # Antioch ~~، وبعد ذلك بقليل ذهب إلى طرابلس، ~~وصار أسقفا في «غوبا» وله من العمر عشرون سنة، ومن ثم انتقل إلى أبرشية حلب، وانتخب ~~سنة 1266 رئيسا لأساقفة اليعاقبة، وظل أسقفا حتى توفي بمراغة أذربيجان سنة ~~1286. # وأبو الفرج إن كان قد كتب في كثير من فروع العلوم المعروفة في عهده، إلا أن شهرته ~~تنحصر في العالم اللاتيني على الأخص في تأليفه ms018 كتابا وضعه في تاريخ العالم منذ الخليقة ~~إلى زمانه، وكتبه في السريانية أولا، وبعد زمان كتب له مختصرا في اللغة العربية، وقيمة ~~الكتاب الحقيقية على ما يقول كثير من المستشرقين تنحصر في كلامه عن الأمم الشرقية ~~وأصلها كالعرب والتتار والمغول وغزوات جنكيز خان، أما ما بقي بعد ذلك فمملوء بالأغلاط؛ ~~لأنه لم يكن واقفا على عدة من اللغات القديمة، التي كان لا بد له منها للاستعانة بها ~~على ضبط أسانيده. # وقد ترجم المختصر العربي إلى اللاتينية بعناية الدكتور «بوكوك» # Dr. Pococke # وطبع في إكسفورد سنة 1663. وظهر جزء من المتن العربي مع ~~ترجمته اللاتينية بعناية الأستاذين برونس ~~وكيرش # Brons and Kirsche # مطبوعا في ليبزج سنة 1788. # وقد اعتبر «أبو الفرج» من الثقات في السريانية وعلومها وترجماتها، وظل له الخطر ~~الأكبر في نظر طلاب العلم زمانا طويلا، في حين أنه لم يتعد - كما يؤخذ من تاريخه الذي ~~حققه المستشرقون - حد الجمع عمن سبقه من الكتاب والفلاسفة في موسوعة تضمنت ~~أبحاثهم. # كانت الجامعات السريانية التي دانت بالمسيحية بيئة طيبة انتعشت فيها الفلسفة ~~اليونانية والعلم اليوناني، ومن ثم انتقل كلاهما إلى العرب، على أنه لم تنم بين ~~السريان روح الابتكار والاستقلال في الرأي العلمي، حتى إن الكتب التي ترجمت إلى ~~السريانية، كانت قد خرجت من يد اليونان أنفسهم من قبل أن تنتقل إلى السريان، وكان ~~المعتقد الثابت عندهم أن أساس العلوم الإنسانية هو منطق أرسطوطاليس. أما ما بقي مما ~~درس أو كتب المعلم الأول فيجب على معتقدهم أن يفسر على قواعد «الأفلاطونية الجديدة» ومن ~~علق عليها. أما في الطب والكيمياء فإن برنامج مدرسة الإسكندرية فيهما كان معتبرا أرقى ~~ما يصل إليه التثقيف في هذين العلمين، على أن هذا الأمر لو اقتصر على ما نقل عن ~~جالينوس وأبقراط، وعلى تعاليم «بولس الأجانيطي» في طب التوليد لكان خيرا للناس، لولا ~~أن امتزج بتلك العلوم قسط من الباطنية # Mysticism # كان ~~ذائعا في مدرسة الإسكندرية، وكان قوامه علم التنجيم «الإسترلوغيا»، فتمازج العلم ~~بالأساطير، وشاعت فكرة أن بعض العقاقير الطبية ms019 لا تفيد فائدتها المرجوة، إلا عند مرور ~~نجم من النجوم السيارة، وما يجري ذلك المجرى من الفكرات الخيالية التي صبغت الطب في ~~الإسكندرية، ومن بعد عند العرب، بصبغة من السحر والشعوذة عاقت خطاه دون الانبعاث في ~~سبيل التقدم والرقي أزمانا متعاقبة. # ولا سبيل إلى القول بأن علم العرب في الطب والكيمياء كان عبارة عن تدجيل صرف، كما ~~يقول بعض الذين لم يتجشموا مئونة البحث والتحقيق، ففي العربية مؤلفات قيمة خدمت هذين ~~العلمين أجل الخدمات وأكبرها شأنا؛ ولو أن الجمود الفلسفي الذي شاع في مصر كان في ~~الغالب السبب في صد تيار للتقدم فيهما وعاق خطى الباحثين دون الابتكار طويلا. ~~••• # من هنا نعتقد أن اللاهوت والفلسفة والعلم في الإسلام لم يغرس إلا في أرض شبعت من ~~قبل بالثقافة اليونانية على اختلاف ضروبها وتباين ألوانها، أما السبيل التي خطت فيها ~~الثقافة اليونانية إلى العرب فذات خمس مفاوز : # أولا: # النساطرة، الذين كانوا أول من علم المسلمين، وأول الذين خدموا ~~الطب في العصور الأولى. # ثانيا: # اليعاقبة الذين كانوا أول من أدخل الباطنية والأفلاطونية ~~الجديدة في الجو العربي. # ثالثا: # الزرادشتيون في فارس وعلى الأخص مدرسة جنديسابور، ولو أن هذه ~~المدرسة قد امتزجت بعنصر قوي من عناصر النسطورية. # رابعا: # وثنيو «حران» ولو أن أثرهم في الإسلام لم يأت إلا ~~مؤخرا. # خامسا: # العبرانيون، على أنهم لم يكونوا على صلة بالفلسفة ~~الأرسطوطالية، وظلت مدارسهم في صور # Sora ~~«وبامباديثا» Pambaditha # عاكفة على درس شرائعهم ~~التقليدية. # لم يبدأ العبرانيون في درس الفلسفة إلا في العصور المتأخرة، وقد استمدوا من فلاسفة ~~العرب، غير أنهم ورثوا عن النساطرة نزعة إلى علم الطب، حتى إن الأطباء اليهود قد ~~ظهروا في أوائل عمارية بغداد، غير أنهم لم يبزوا النساطرة في ذلك، فمن بين الأطباء ~~الذين يذكرهم العلامة «لكلار» # M. Leclerq # في كتابه ~~تاريخ الطب عند ~~العرب # Histroire de la Medicine Arabe # في القرن العاشر الميلادي 29 طبيبا مسيحيا، وثلاثة من ~~اليهود، وأربعة من وثنيي حران، في حين أن النسبة اختلفت في القرن الحادي عشر، ms020 فكانوا ~~ثلاثة مسيحيين وسبعة من اليهود، ومن ثم تكاثر الأطباء العرب من بعد ذلك كثرة لا تحفظ ~~فيها النسبة بينهم وبين غيرهم. # 3 # لم تمض على سقوط دولة بني أمية في الشام ثمانون عاما، إلا وكان بين يدي العرب ~~مترجمات عن أكثر ما كتب «أرسطوطاليس» وتعليقات الذين اشتهروا من زعماء «الأفلاطونية ~~الجديدة»، وبعض كتب أفلاطون، والجزء الأكبر من كتب «جالينوس» وأجزاء أخر نقلت عن كتب ~~بعض الأطباء والذين علقوا عليها، وطائفة غيرها من كتب حكماء اليونان وكتاب الهند ~~وفارس. # لم يأت بعد هذه الحركة العلمية من مثيل لها في التاريخ، إلا حركة النهضة العلمية في ~~إيطاليا بعد سقوط القسطنطينية في يد محمد الفاتح، مؤسس دولة بني عثمان في ربوع ~~أوروبا. # وينقسم تاريخ الترجمة عند العرب إلى قسمين عظيمين: يبتدئ أولهما بقيام دولة العباسيين ~~إلى قيام المأمون بن هارون الرشيد؛ أي من سنة 132ه/749م إلى سنة 198ه/813م، وقد ترجم في ~~هذا العهد كثير من الكتب نقلها كتاب ومترجمون نالوا الحظوة الكبرى عند خلفاء بني ~~العباس، وكان كل منهم يشتغل مستقلا بنفسه، وأكثرهم من المسيحيين والإسرائيليين، وبعض ~~الذين اعتنقوا الإسلام من أهل الوثنية والديانات الأخرى، ويبدأ ثانيهما بقيام المأمون ~~والذين عقبوه على كرسي الخلافة من العباسيين، وأخص ما يمتاز به هذا العصر تأسيس تلك ~~الأكاديمية الكبيرة - بيت الحكمة - التي أقامها المأمون في بغداد، فجمعت بين جدرانها ~~فئة صالحة من المشتغلين بالعلم والفلسفة والترجمة، وكان همهم أن يصيغوا الكتب التي ~~ينقلونها، أو التي نقلت، في قالب يستطيع به طلاب العلم من العرب الوقوف على أسرار العلم ~~والحكمة. # كان أول عهد للترجمة في العالم العربي مقرونا باسم «عبد الله بن المقفع»، وهو من ~~أبناء فارس، زرادشتي الديانة، اعتنق الإسلام على يد محمد بن علي أبو السفاح. # وكان من المقربين في بطانته، على أن نهاية ابن المقفع كانت محزنة، فإنه مات مقتولا ~~بأمر الخليفة المنصور إلى سفيان حاكم البصرة، وكان بينه وبين ابن المقفع ترة، ~~فقسا في قتله، وكان ذلك سنة 142ه/759م أو 143ه/760م، ويقال: ms021 إن إسلام ابن المقفع كان ~~ظاهريا، وإنه ظل أمينا للزرادشتية، فكان يعتبر زنديقا. والزنادقة اصطلاح يعني به ~~«المانويون» أتباع «ماني بن فاتك» # 7 # وهم قوم من الوثنيين يقدسون الليل. # ولقد عثرت على قصيدة فيها ذكر للمانونيين وتقديسهم لظلمة الحلك، وضعها حافظ بك ~~إبراهيم ترجمة لقصيدة شكسبير في رواية «مكبث»، وكان قد ترجم الرواية كلها، ولكن الترجمة ~~فقدت، وإليك مطلع القصيدة: # كأني أرى في الليل نصلا مجردا # يطير بكلتا صفحتيه شرار # أراه فتدنيني إليه شراستي # فينأى وفي نفسي إليه أوار # وقال بعد أن تملكت من «مكبث» نزوة القتل ونهمة الدماء: # فيا حلم قاطعني ويا رشد لا تثب # ويا شر ما لي من يديك فرار # ويا ليل أنزلني بجوفك منزلا # يضل به سرب القطا ويحار # وإن كنت ليل المانوية فليكن # على سر أهل الشر منك ستار # على الفتك يا ضنكان صحت عزيمتي # وإن لم يكن بيني وبينك ثار # سأقتل ضيفي وابن عمي ومالكي # على أن عقبى القاتلين خسار # قال هذا في مناجاة «مكبث » لنفسه قبل أن يقدم على الفتك بضنكان، والقصيدة مطولة ~~نشرتها جريدة الأهرام منذ بضع سنين. # غير أن كتاب المسلمين استعملوا لفظ «زنديق» مطلقا من غير تحديد على فئات من ~~الخارجين عن الإسلام، فكان يعنى به أتباع «زرادشت» آونة، أو النصارى آونة أخرى، ~~وكثيرا ما كان يعني به المجوس، عبدة العناصر. # ومما يستدل به الكتاب على زرادشتية ابن المقفع، واتخاذه الإسلام ستارا رواية رواها ~~بعض الكتاب، إذ ذكر أن ابن المقفع مر يوما ببيت من بيوت النار فتمثل بقول ~~الأحوص: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل # حذر العدى وبه الفؤاد موكل # إني لأمنحك الصدود وإنني # قسما إليك مع الصدود لأميل # وقيل: إنه كثيرا ما كان يقول: # الأرض مظلمة والنار مشرقة # والنار معبودة مذ كانت النار # على أن ابن المقفع قد نقل بالفعل شيئا من مبادئ المانوية عن تعاليم «ماني بن ~~فاتك»، وكتب «ابن ديسان» إلى العربية، (بذلك يقول المسعودي جزء 8 ص293. طبع ليبزج ~~م). # وفي زمان الخليفة المنصور نقلت كتب ms022 عديدة إلى العربية عن اليونانية والفارسية ~~والسريانية، على أن الكتب التي نقلت عن الفارسية والسريانية لم تكن في أصلها إلا ~~تراجم عن اليونانية. # وأشهر ما ترجم ابن المقفع كتاب «كليلة ودمنة»، أو كما كان يدعى في الفهلوية ~~والسنسكريتية القديمة «أساطير الفيلسوف بيدبا»، ترجم ابن المقفع هذا الكتاب، وكان قد ~~نقل لكسرى أنوشروان إلى اللغة الفهلوية عن السنسكريتية، لغة الهند القديمة، نقله الحكيم ~~«برزويه» بعد أن سافر إلى بلاد الهند في طلبه، واستنسخه من الخزانة الملوكية مع طائفة ~~أخرى من كتب الهند. # ولقد فقد الأصل الفهلوي، غير أن المبشر «بوز» النسطوري كان قد ترجم الكتاب إلى ~~السريانية سنة 570م، وطبعت هذه الترجمة بعناية المستشرقين «بيكل» # Bickell # و«بنفي» # Benfey # سنة 1876، وكذلك فقد الأصل السنسكريتي ~~القديم، ولم يبق منه إلا آثار نشر بعضها في كتاب «بانشاتنترا» Panchatantra ~~، وهو يحتوى على الأساطير الخامسة ~~والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة والسابعة عشرة، وبعض منها في كتاب «ماها بهارتا» # Mahabharta # وهو يحتوى على الأساطير الحادية عشرة، ~~والثانية عشرة، والثالثة عشرة. # ويجمع المستشرقون أو هم يكادون يجمعون، على أن ترجمة «بوز» النسطوري لكتاب ~~«بيدبا» المنقولة إلى السريانية عن الفارسية، المأخوذة بدورها عن الأصل السنسكريتي، هي ~~الترجمة الخالية من آثار الوضع والحذف والإضافة، أما النسخة العربية التي نقلها ابن ~~المقفع فظاهر فيها من آثار الانتحال ما يظهر في كل التراجم السريانية، التي ظهرت في ~~أواخر العصر السرياني، وفي كل التراجم التي أخذت عن النسخة العربية إلى الفارسية ~~الحديثة، وإلى اللاتينية والعبرية والإسبانية والإنجليزية والفرنساوية والألمانية ~~واليونانية، على أنه لولا الترجمة العربية؛ لما نال هذا الكتاب ذلك الصيت البعيد. ~~وأسلوب ابن المقفع في كليلة ودمنة يعد مثال الأساليب العربية المنتقاة. # وعاش ابن المقفع أكثر عمره في زمان الخليفة المنصور العباسي، ويقول المسعودي (جزء 8 ~~ص291-292 طبع ليبزج): إن ذلك الزمان كان خصيبا في الترجمة والإنتاج الأدبي، فنقل فيه ~~عدة مقالات عن أرسطوطاليس، وكتاب المجسطي لبطليموس في الفلك، وكتاب إقليدس في الهندسة، ~~ومواد أخرى عن اليونانية. ~~••• # في سنة 156 للهجرة # 8 # وفد ms023 هندي إلى بغداد يحمل مقالة في الرياضيات، وأخرى في علم الفلك، أما ~~الثانية فكانت مقالة «سدهانتا» # Siddhanta # التي عرفها ~~العرب من بعد باسم كتاب «السند هند»، وترجمها «إبراهيم الفزاري»، فكان نقلها بداءة ~~عصر جديد في دراسة هذا العلم عند العرب. وقال الأستاذ نلليتو: # وما اقتصر الخليفة المنصور على مجرد أحكام النجوم وما يتعلق بها ضروريا، بل ~~منذ تأسيس بغداد بسنين قليلة بادر إلى إحياء علم الهيئة المحض مستسقيا من ~~موارد الهند، والذي دعاه إلى ذلك أن رجلا هنديا جاء بغداد في جملة وفد ~~السند علي المنصور، وهو ماهر في معرفة حركات الكواكب وحسابها وسائر أعمال الفلك ~~على مذهب علماء أمته، وخصوصا على مذهب كتاب باللغة السنسكريتية اسمه ~~«إبراهمسبهطسدهانتا» # Brahamasphutasiddhanta # ألفه سنة 628م/6 أو 7ه الفلكي والرياضي الشهيد «برهمكبتا» # Brahmagupeta # للملك «فيا كهرمكه»، # 9 # وكلف المنصور ذلك الهندي بإملاء # 10 # مختصر الكتاب، ثم أمر بترجمته إلى اللغة العربية وباستخراج كتاب ~~منه اتخذه العرب أصلا في حساب حركات الكواكب، وما يتعلق به من الأعمال، فتولى ~~ذلك الفزاري # 11 # وعمل منه زيجا اشتهر بين علماء العرب حتى إنهم لم يعملوا إلا به ~~إلى أيام المأمون، حيث ابتدأ انتشار مذهب بطليموس في الحساب والجداول ~~الفلكية. # أما لفظ سدهانت # Siddhanta # فمعناه ~~بالسنسكريتية معرفة وعلم ومذهب علمي، وأطلق ذلك اللفظ اصطلاحا على كل كتاب في ~~علم الهيئة وحساب حركات الكواكب، فمعنى «إبراهمسبهطسدهانتا» كتاب الهيئة المصحح ~~المنسوب إلى «برهم»، وحذف العرب ثلثي اللفظ مقتصرين على الثلث الأخير، وهو «سد ~~هانت»، ثم حرفوه قليلا لميلهم إلى المزاوجة والإتباع في الكلام، وضبطوه على ~~وزن أسماء البلاد التي نقل منها الكتاب فقالوا: «السند هند»، وسماه بعض ~~المتأخرين «السند هند الكبير»، تمييزا بينه وبين «السند هند» تأليف محمد بن ~~موسى الخوارزمي في عهد المأمون. # وأخطأ مؤلفو العرب في قولهم: إن تفسير «سند هند» هو «الدهر الداهر» # 12 # أو «دهر الدهور»، # 13 # وسبب ظنهم هذا ما سأشرحه عن قليل من استعمال أدوار سنين لحساب ~~حركات الكواكب في كتاب السند هند، ولم يصب ms024 البيروني إصابة تامة في (كتاب تحقيق ~~ما للهند من مقولة ص73) «والذي يعرفه أصحابنا # 14 # سند هندا هو سدهاند؛ أي المستقيم الذي لا يعوج ولا يتغير، ويقع هذا ~~الاسم على كل ما علت رتبته عندهم # 15 # من علم حساب النجوم، وإن كان قاصرا على زيجاتنا. # أما ما قاله المسعودي في أول الباب السابع من كتاب مروج الذهب (ج أول ص149 إلى ص150 ~~من طبعة باريس) فأكثره خرافات وأغلاط؛ لأنه خلط «برهمن» «وهو أحد آلهة الهند» ~~«ببرهمكبت» صاحب كتاب السند هند، ثم عكس الترتيب التاريخي الحقيقي للكتب التي ~~ذكرها؛ # 16 # لأن أقدمها في الحقيقة كتاب المجسطي، والثاني لآرجبهر، والثالث السند هند، ~~والرابع الأركند. # 17 # وطريقة الكتب الهندية في تعليم حساب حركات الأجرام السماوية طريقة غريبة مبنية على ما ~~يسمى بالسنسكريتية «كلب»، # 18 # وهي جملة ألوف ألوف أدوار تامة للنيرين والكواكب الخمسة المتحيرة، فإن ~~الهند زعموا أن كل الكواكب غير الثابتة خلقت مجتمعة مع أوجاتها وجو زهراتها في أول ~~برج الحمل، أعني في منطقة الاعتدال الربيعي، ثم أخذت تتحرك حركات مختلفة السرعة، وبعد ~~ألوف ألوف أدوار تامة ستجتمع كلها ثانية في أوجاتها وجو زهراتها في أول الحمل، # 19 # وجملة السنين الشمسية النجومية # 20 # الفائتة بين الاجتماعيين الكليين تسمى «كلب»، وعدد سني «كلب» النجومية على ~~حساب كتاب «برهمكبت» أربعة آلاف ألف ألف وثلثمائة وعشرون ألف ألف 4320000000، فيتمم ~~مثلا فيها عطارد سبعة عشر ألف ألف ألف وتسعمائة وستة وثلاثين ألف ألف وتسعمائة وثمانية ~~وتسعين ألفا وتسعمائة وأربعة وثمانين 17936998984 دورا تامة، ويتمم أوجه ثلاثمائة ~~واثنين وثلاثين دورا تامة. # فسمت العرب جملة سني «كلب» سني السند هند # 21 # وجملة الأيام أيام السند هند وأيام العالم، # 22 # وتسهيلا للحساب ربما اتخذ الهند جزءا من ألف جزء من «كلب» أصلا ~~لحساباتهم، وسموا ذلك الجزء «مهايك» # 23 # أو «يك»، # 24 # فصار عبارة عن مدة أربعة آلاف ألف وثلاثمائة واثنين وثلاثين ألف سنة. إلا ~~أن الأدوار فيه غير تامة بسبب الكسر الناشئ عن القسمة. وبما أن أحد حكماء الهند ms025 ~~الذين ذهبوا إلى هذه الطريقة وعليها بنوا الحساب هو آريبهط # 25 # المسمى عند العرب بالآرجبهر # 26 # اشتهرت جملة سني «يك» عند العرب باسم «الآرجبهر» أو أيام ~~الآرجبهر، # 27 # وبعض العرب القدماء زعموا أن الآرجبهر اسم الجزء من ألف جزء من سني السند ~~هند، # 28 # بل إنه اسم كتاب مستخرج من كتاب السند هند # 29 # مع أن الأول أقدم من الثاني. # أما المقالة الرياضية التي وفد بها ذلك الهندي مع كتاب «السند هند»، فكان لها أثر ~~كبير في درس الرياضيات، ولو لم يكن لها من أثر إلا إدخال الأرقام الهندية واتخاذها ~~أساسا للعدد في العربية، لكفى بذلك أثرا خالدا، فقد تطور على أثرها علم العدد عند ~~العرب، وسار بتلك الخطى الحثيثة التي كان يعوقها دائما استعمال العرب لغير الهندية من ~~الأرقام المعقدة المهوشة. # وهنا يحق لنا أن نتساءل: «ماذا كان أثر ذلك على العقل العربي؟ وماذا ترك من ~~الآثار؟» # يخطر على البال عند هذا السؤال علم الجبر، على أن لعلم الجبر تاريخا يتقدم وجود ~~العرب، لهذا نتكلم باختصار لنعرف تاريخ نشأته، وكيف انتقل إلى العرب؟ وماذا كان أثرهم ~~فيه؟ # نتساءل: في أي عصر وفي أية بقعة من بقاع الأرض وجد علم الجبر؟ ومن هم أول الذين كتبوا ~~فيه؟ وكيف نشأ؟ وبأية وسيلة من الوسائل؟ وفي أي عهد من التاريخ ذاع ذلك العلم؟ # كان الاعتقاد السائد في القرن السابع عشر أن رياضيي اليونان لا بد من أن يكونوا قد ~~استكشفوا تحليلا دقيقا لطبيعة علم الجبر على الصورة التي عرف بها في الأعصر الحديثة، ~~وبه استطاعوا أن يحللوا تلك المعضلات التي لا يسعنا إلا الإعجاب بثبات قدم كتابهم في ~~معالجتها، وأنهم أخفوا طرق التحليل وأظهروا النتائج فقط. # على أن هذه الفكرة قد تبددت الآن؟ فقد دلت المستكشفات الحديثة على أن رياضيي ~~القدماء كان عندهم طريقة للتحليل، ولكنها اقتصرت على الهندسة، وأنهم لم يعرفوا من الجبر ~~على صورته الحديثة شيئا، غير أنه إن لم يثبت لدينا أن متقدمي الإغريق كانوا على علم ~~بالتحليل الجبري، ms026 فإننا نجد في عصورهم الأخيرة آثارا تدل على أن مبادئ التحليل ~~الجبري كانت معروفة لديهم. # في أواسط القرن الرابع الميلادي، وهو عصر بلغت فيه الرياضيات أحط دركاتها، قنع ~~المشتغلون بذلك العلم بأن يعلقوا على ما كتب الذين تقدموهم، على أنه بالرغم من ذلك بدأ ~~علم الجبر يتبوأ المكان اللائق به بين العلوم والمعارف الإنسانية. # في ذلك الحين كتب الرياضي «ذيوفانتس» الإغريقي # Diophantes # كتابا في علم العدد، كان يتكون من ثلاث ~~عشرة مقالة، لم يصل إلينا منها سوى المقالات الست الأولى، ومقالة ناقصة، يظن أنها ~~المقالة الثالثة عشرة من الكتاب الأصلي، غير أن هذا الكتاب لا يكون مقالة تامة في علم ~~الجبر، ولكنه يضع أساسا ثابتا يمكن أن يقوم عليه ذلك العلم، فإن المؤلف بعد أن كتب ~~قليلا في المعادلات البسيطة والمعادلات الرباعية، عاد إلى الكلام في مسائل رياضية ~~أخرى، ذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بعلم الجبر. # قد يصح أن يقال: إن «ذيوفانتس» هو واضع علم الجبر في اللغة اليونانية وبين الإغريق، ~~غير أن الدلائل تدل على أن المبادئ الأولية التي بثها في كتابه كانت معروفة من قبل، ~~وأنه اتخذها قاعدة بنى عليها كثيرا فيما كتب، وأنه ابتكر فيها مبتكرات ذات بال، ومن ~~الثابت أن هذا العلم ظل واقفا عند الحد الذي تركه فيه «ذيوفانتس» حتى نقلت مقالاته ~~إلى إيطاليا في بدء النهضة العلمية. # وعلقت السيدة «هيباشيا» # Hypatia # 30 # ابنة ثيون # Theon # على كتاب «ذيوفانتس»، غير ~~أن هذا التعليق فقد الآن، كما فقدت مقالتها على كتاب «أبولونيوس» # Appolonius # في القطوع المخروطية، وهي سيدة من ذوات ~~النبوغ، ذهبت ضحية الجهل والتعصب الديني في أوائل القرن الخامس الميلادي. # 31 # ويدعى هذا الكاتب عند العرب «ذيوفنطس»: وجاء في أخبار الحكماء ص126 أنه «ذيوفنطس» ~~اليوناني الإسكندراني فاضل مشهور في وقته، وتصنيفه وهو صناعة الجبر كتاب مشهور مذكور ~~خرج إلى العربية، وعليه عمل أهل هذه الصناعة، فكأن ذيوفانتس كان من نوابغ مدرسة ~~الإسكندرية في أوائل القرن الخامس الميلادي. # وكان أول ما كشف كتاب «ذيوفانتس»، الذي ms027 ألمعنا إليه مكتوبا باللغة اليونانية في ~~أواسط القرن السادس عشر الميلادي في مكتبة قصر الفاتيكان، والراجح أن يكون قد نقل ~~إليها عند ما سقطت القسطنطينية في يد محمد الفاتح. # وترجمة الكاتب «كزيلاندر» # Xylander # سنة 1575 إلى ~~اللاتينية وأذاعه في العالم اللاتيني، وتبع ذلك ترجمة أخرى أتم من الأولى وضعها «باشيه ~~ده ميزريا» # Bachet de Mezeriac # سنة 1621، وهو من أقدم ~~الأعضاء الذين أسسوا الأكاديمية الفرنسوية، وكان «ميزريا» رياضيا كبيرا، فأعانه ذلك ~~على فهم المسائل التي عرضت له في الكتاب فكان في النقل أثبت، غير أن متن ذيوفانتس كان ~~من النقص والبلى بحيث لم يستطع أن يفهم المترجم قصده في بعض المواضع تاما، فكان يحدس ~~المعنى أو يتمم النقص ظنا، وبعد ذلك بقليل أضاف الرياضي الفرنسي مسيو «فرما» # M. Verma # إضافات كثيرة على تعليقات «ميزريا» تناول ~~فيها سير من كتب من اليونان في علم العدد، والنسخة التي طبعها «فرما» # Verma # تعتبر أتم طبعات الكتاب إتقانا، على أن ~~الترجمة اللاتينية لم تكن أول ترجمة ظهرت لذلك الكتاب، فإن العرب كانوا أول من ~~ترجمه. # إن كتاب «ذيوفانتس» إن كان ذا شأن كبير في تاريخ علم الرياضيات، فإن أوروبا الحديثة ~~لم تتلق ذلك العلم بداءة ذي بدء عنه، بل عن طريق العرب، فإن العرب كانوا بعد اليونان ~~أول من عرف للعلوم قيمتها الحقيقية، في ذلك الزمان الذي كانت فيه أوروبا غارقة في ظلمات ~~الجهالة، فحملوا أمانة العلم، وأدوها للذين من بعدهم كاملة غير منقوصة، بل مزودة بثمار ~~العقل العربي. # ولقد ثبت من تقاليد التاريخية أنهم صرفوا أكبر عناية في جمع ما كتب رياضيو اليونان، ~~وترجموا كتبهم، وكتبوا عليها تعليقات وشروحا ذات أثر كبير في تقدم علم العدد، يكفي في ~~الدلالة على ذلك أنه لولا ما كتب العرب في تلك العلوم لما عرفت أوروبا شيئا عن هندسة ~~إقليدس مثلا. # ينسب العرب استكشاف الجبر عادة إلى أحد رياضييهم، محمد بن موسى، الذي عاش في أواسط ~~القرن التاسع الميلادي في عهد الخليفة المأمون العباسي، والمحقق تاريخيا أن محمد ms028 بن ~~موسى ألف مقالة في الجبر، فإن ترجمة لاتينية لتلك المقالة كانت قد أذيعت في عصر ~~النهضة العلمية في أوروبا غير أنها فقدت، على أن القدر قد حفظ نسخة من الأصل ~~العربي لا تزال في مكتبة «بودلي» بجامعة إكسفورد، ويقال فيها: إنها نسخت سنة 1342 ~~ميلادية، وينوه ناسخها في أول صفحة من صفحاتها بأن كاتبها فلان «العربي القديم»، وعلى ~~هامش تلك الصفحة تعليق فيه ما يدل على أنها أول مقالة كتبت في الجبر وأذيعت بين ~~«المسلمين»، أما المقدمة ففضلا عن تعريفها بالمؤلف فإنها تثبت أن «محمد بن موسى» كان ~~يحثه الخليفة المأمون العباسي على أن يجمع في كتاب واحد ما تناثر خلال كتب الرياضة من ~~مبادئ الحساب الجبري، وكانت هذه الفقرة سببا في أن يعتقد الباحثون في تاريخ العلوم ~~أن «محمد بن موسى» جمع كتابه هذا جمعا من عدة مؤلفات كانت متداولة بين أيدي طلاب ~~العلم في البلاد العربية، أو من مؤلفات وصلت إليهم في لغات أخرى. # على أننا لا نجد من دليل يؤيد وجهة نظر الآخذين بهذا الرأي؛ فإنه لم تجر عادة ~~المؤلفين لا من العرب ولا من غيرهم أن يعرفوا بأنفسهم في مقدمات يضعونها لمؤلفاتهم، إذن ~~فمقدمة كتاب «محمد بن موسى» التي يعثر فيها على ذلك القول من عمل غيره، والراجح أيضا ~~أنها وضعت لنسخة نسخت من الكتاب بعد زمان «محمد بن موسى» أو في سني حياته، ثم تداولتها ~~الأيدي بالنقل حتى وصلت إلى مكتبة «بودلي»، ولهذا نرجح أن كتاب «ابن موسى» لا يمكن أن ~~نميز فيه ناحية النقل عن ناحية الابتكار الصرف. # يؤيد هذا الرأي أن «محمد بن موسى» كان متضلعا في علم الفلك، عارفا بما وصل إليه ~~أهل الهند في علم العدد والحساب، فالراجح أن يكون قد نقل عن الهند وأخذ عنهم، ولقد ثبت ~~بما لا سبيل إلى إدحاضه أن أهل الهند كانوا على علم بالجبر، بل عرفوا كيف يحلون ~~القضايا غير المحدودة # Intermediate problems # لذلك يمكن ~~أن يقال ترجيحا: إن الجبر العربي منشؤه الهند أصلا، ms029 ولقد عرفنا كيف أن العرب ~~مدينون لذلك الهندي الذي وفد إلى بغداد بمقالة «السند هند» في الفلك وتلك المقالة ~~الرياضية التي اقتبسوا منها الأرقام الهندية. # إلا أن العرب لم يقفوا عند حد النقل عن الأمم الأخرى، فإن التحليل الجبري ما كاد ~~يقع في أيديهم حتى أخذ كتابهم في الزيادة إليه وتنميته. فإن محمدا أبو الوفا الذي عاش ~~خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن العاشر الميلادي، كتب تعليقات على المؤلفات ~~الرياضية التي خلفها من تقدمه من الكتاب والباحثين، وكذلك ترجم كتاب «ذيوفانتس»، وكان ~~آخر عهد للعرب بالتأليف في علم الجبر سنة 1031 ميلادية/423ه، على أنهم تركوا علم الجبر ~~كما خلفه «محمد بن موسى» وأبو الوفا، ولم تحدث ترجمة كتاب ذيوفانتس من أثر كبير بينهم، ~~وقد جاء في المقتطف مجلد 28 ص385 ما يأتي: # وقد اشتغل الهنود والعرب بعلم الجبر، غير أنهم لم يضيفوا إلى موضوعات اليونان ~~فيه شيئا يذكر ولم يستعملوه إلا في حل المسائل العددية، وبقي عندهم مسلكا ~~متوعرا وهم يعتبرونه حسابا عاليا. # ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن كتاب ذيوفانتس لم ينقل إلى العربية إلا في عصر كان ~~العقل العربي قد أخذ يتمشى فيه مرة أخرى نحو الغيبيات، وجاء في المقتطف مجلد 28 ص384، ~~385، 386 ما يلي: # وأقدم ما انتهى إلينا من أمر الجبر مؤلف وضعه ~~ذيوفنطس # Diophante # المتوفى سنة 409م في ~~ثلاثة عشر كتابا، لدينا منها ستة فقط والسبعة الباقية مفقودة، ومباحث الستة ~~الأولى هي في المعادلات البسيطة والسيالة من الدرجة الأولى لمجهولين فقط يتبعها ~~مسائل منشورة مع حلها، والمجهول في جميعها دليله واحد، ثم كتاب في المعادلات ~~المفردة من الدرجة الثانية؛ أي ما كان المجهول فيها مربعا فقط مع حل بعض ~~المسائل من هذا القبيل؛ ولعل السبعة المفقودة فيها مسائل أكثر صعوبة مما ذكر؛ ~~لأن درجة الكتب ترتفع بالتدريج في الستة الموجودة. ولم يسبقه أحد إلى استعمال ~~العلامات، بل هو أول من نبه إليها فاستخدم الخط القصير علامة للطرح. # وفي سنة 507م نشر «براهما غوبتا» # Brahmagupta ms030 # الهندي كتابا في الحساب والجبر يلحقهما ذيل في الهندسة، وهو كتاب نفيس في بابه ~~حمل الكثيرين على القول بأن علم الجبر كان راقيا درجة سامية بين الهنود قبل ~~«براهما غوبتا»، ودعا آخرين إلى القول بأن هذا الهندي هو واضع علم الجبر دون ~~غيره، ولعله اطلع على كتاب ذيوفنطوس اليوناني، فإن كان ذلك فالواضع هو ديوفنطوس ~~وحده وإلا فيكون «براهما غوبتا» قد نازعه الشرف والفخر في وضع هذا الفن، أما ~~كتاب الرياضي الهندي فيشبه كتاب ديوفنطوس في كثير من الوجوه، ولا يزيد عنه ~~شيئا، وهذا حمل البعض على القول بأنه منقول عنه، ويعزز هذا الزعم قصر باع ~~الهنود في سائر العلوم الرياضية كالهندسة والهيئة عما لليونان فيه المبلغ ~~الأعلى والخطة المثلى، فلو كان الهنود أهل اكتشاف في الرياضيات لاكتشفوا في ~~الهندسة وهي أقرب إلى الحاجة من الجبر. # وفي أواخر القرن الثاني عشر نشر بهسكارا # Bhascara # الهندي كتابا شرح فيه كتاب «براهما غوبتا» مع بعض ~~إضافات تناولها من العرب أو من نفسه، وبهذا الشرح عظم أمر الجبر الهندي وارتفع ~~شأنه بين الأمم، فترجم هذا الكتاب إلى الإنكليزية بصور شتى، إذ ترجمه عدد ليس ~~بقليل من الراغبين في نشره. # ثم بعد برهما غوبتا بزمن طويل؛ أي في الربع الأول من القرن التاسع الميلادي ~~نشر محمد بن موسى الخوارزمي قيم خزانة كتب المأمون كتابا بأمر المأمون في ~~الجبر والمقابلة، وهو أول كاتب كتب بالعربية في هذا الفن، فهو واضع الاصطلاحات ~~الجبرية، وهو الذي أعطاه هذا الاسم العربي الذي نقله الإفرنج بلفظه عن عرب ~~الأندلس وعرب المشرق، حتى خيل للكثيرين أن العرب هم واضعو الجبر، وأنه لم ~~يسبقهم إليه أحد. # وقد اشتهر هذا الكتاب في الشرق والغرب، وطار ذكره في جميع الأصقاع، وكثرت ~~شروحه وترجماته إلى لغات كثيرة في أزمنة مختلفة، وكان هو المعول عليه في هذا ~~الفن مدة طويلة، ولا يشك الأوروبيون اليوم أن محمد بن موسى أخذ هذا العلم عن ~~الهنود واليونان؛ فهو كان قيم خزانة الكتب في بغداد، وله الاستطاعة أن ~~يستنبث ms031 ركازها ويقف على محتوياتها. # أما أبحاث الكتاب فهي الجمع والطرح والضرب للكميات الحاوية مجهولا واحدا، ~~أو جذر المجهول أو مربعه. وطرائق الجمع والطرح موضحة بخطوط يعبر بها عن القيم، ~~وفيه بعض أمثلة على المعادلة المفردة من الدرجة الثانية محاولة بعد إيضاحات ~~طويلة مبهمة، وفيه باب التجذير والترقية للكميات ذات الحد الواحد. # وقام بعده تلميذه «ثابت بن قرة» فألف كتابا بين فيه كيفية استخدام الجبر ~~في الهندسة وجمع بين الاثنين، وكثرت بعدهما كتب العرب في هذا الفن، غير أن ~~جميع ما ألف بعدهما لم يخرج عما وضعه محمد في كتابه الأول، فكلهم نقلوا عنه كما ~~نقل هو عمن سبقه من الهنود واليونان. # وفد ذلك الهندي الذي حمل مقالة السند هند والمقالة الرياضية إلى بغداد سنة 156ه/772م، ~~وكان من أثرهما ما وصفنا، أما كبار فلكيي العرب فلم يظهروا إلا بعد ذلك بنصف قرن ونيف، ~~وكان أولهم أبو معشر البغدادي تلميذ الكندي وقد توفي سنة 272 من الهجرة 885م، وذكر ابن ~~خلكان في الجزء الأول من تراجمه ص140 (طبع مصر): أن اسمه أبو معشر جعفر بن محمد بن ~~عمر البلخي المنجم، وأن من تصانيفه كتاب المدخل وكتاب الزيج وكتاب الألوف، أما في ~~العالم اللاتيني فيعرف باسم «أبومازار» # Abumazar ~~. # ومن بعده محمد بن جابر المتوفى سنة 317 من الهجرة 929م، ويعرف في المؤلفات اللاتينية ~~باسم «البتاغنيوس» # Albategnius # لأنه كان يلقب ~~«بالبتاني» نسبة إلى بلدة «بتان» في ما بين النهرين، ونقل ابن القفطي أن البتاني ~~صائبي من حران ابتدأ الرصد سنة 264ه/877م، إلى سنة 306ه/918م. # وأمضى ذلك العهد في مدينتي الرقة على الفرات، وفي أنطاكية بسوريا، وله من الكتب ~~زيجه المشهور المسمى «زيج الصابي» أصله العربي محفوظ في مكتبة الفاتيكان، وطبعه في ~~ترجمة لاتينية «أفلاطون تبيرتينوس» Plato Tiburtinus # في ~~نورمبرج سنة 1537 تحت عنوان # De Scinetia Stellarùm ~~، ~~وأعيد طبعه في بولونيا # Bologna # سنة 1645، ومن بين ~~مؤلفاته التي لم تطبع تعليقات على كتاب المجسطي، وشرح مقالات بطليموس، ومقالة له في ~~الفلك والجغرافية، وأصلح زيج بطليموس الزمني؛ ms032 لأنه لم يكن مضبوطا، وزيجه أضبط ما وجد ~~من نوعه عند العرب، وله عدة مستكشفات رياضية وفلكية ظلت العمدة في علم الفلك عهدا ~~طويلا في القرون الوسطى، وفي مدارس أوروبا على الأخص، وكان يلقب ببطليموس العرب لثبات ~~قدمه في علم الفلك وتضلعه فيه. # وذكر ابن خلكان (مجلد ثامن ص117، 118 طبع مصر) أنه توفي سنة 317ه/929م عند رجوعه من ~~بغداد بموضع يقال له «قصر الحضر»، وقال بأن الزيج نسختان أولى وثانية، وأن الثانية ~~أضبط وأجود، ولا أعلم أية من النسختين هي المحفوظة في مكتبة الفاتيكان. # وكذلك ذكر ابن خلكان أن له كتابا اسمه «معرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك»، ~~ورسالة في مقدار الاتصالات، وكتاب شرح أربعة أرباع الفلك، ورسالة في تحقيق أقدار ~~الاتصالات، وأنه شرح أربع مقالات بطليموس. # وترجمه ابن خلكان باسم أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان الحراني الأصل البتاني ~~الحاسب المنجم. # قال ابن العبري: # وفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة مات أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان الحراني ~~المعروف بالبتاني أحد المشهورين برصد الكواكب، ولا يعلم أحد في الإسلام بلغ ~~مبلغه في تصحيح أرصاد الكواكب وامتحان حركتها، وكان أصله من حران ~~صائبا. # وجاء في الزيج الصابي الذي طبع حديثا برومية 1799، وكان قد ترجم إلى اللاتينية ~~وطبع بها سنة 1537 «من المقدمة العربية» ما يلي: # إن من أشرف العلوم ~~منزلة علم النجوم؛ لما في ذلك من جسيم الحظ وعظيم الانتفاع بمعرفة مدة السنين ~~والشهور والمواقيت، وفصول الأزمان وزيادة النهار والليل ونقصانهما، ومواضع ~~النيرين وكسوفهما، وسير الكواكب في استقامتها ورجوعها، وتبدل أشكالها ~~ومراتب أفلاكها وسائر مناسباتها، وإني لما أطلت النظر في هذا العلم ووقفت على ~~اختلاف الكتب الموضوعة لحركات النجوم، وما تهيأ على بعض واضعيها من الخلل في ما ~~أصلوه فيها من الأعمال، وما ابتنوه عليها، وما اجتمع أيضا في حركات النجوم على ~~طول الزمان لما قيست أرصادها إلى الأرصاد القديمة، وما وجد في ميل فلك البروج ~~على فلك معدل النهار من التقارب، وما تغير بتغيره ms033 من أصناف الحساب، وأقدار ~~أزمان السنين، وأوقات الفصول واتصالات النيرين التي يستدل عليها بأزمان ~~الكسوفات وأوقاتها، أجريت في تصحيح ذلك وإحكامه على مذهب بطليموس في الكتاب ~~المعروف بالمجسطي، بعد إنعام النظر وطول الفكر والروية، مقتفيا أثره، متبعا ~~ما رسمه، إذ كان قد تقصى ذلك من وجوهه، ودل على العلل والأسباب العارضة فيه ~~بالبرهان الهندسي العددي، الذي لا تدفع صحته، ولا يشك في حقيقته، فأمر ~~بالمحنة والاعتبار بعده، وذكر أنه قد يجوز أن يستدرك عليه في أرصاده على طول ~~الزمان، كما استدرك هو على أبرخس (راجع القفطي ص50 و51 طبع مصر) وغيره من ~~نظرائه، ووضعت في ذلك كتابا أوضحت فيه ما استعجم، وفتحت ما استغلق، وبينت ~~ما أشكل من أصول هذا العلم وشذ من فروعه، وسهلت به سبيل الهداية لم يأثر به ~~ويعمل عليه في صناعة النجوم، وصححت فيه حركات الكواكب ومواضعها من منطقة فلك ~~البروج على نحو ما وجدتها بالرصد وحساب الكسوفين وسائر ما يحتاج إليه من ~~الأعمال، وأضفت إلى ذلك غيره مما يحتاج إليه، وجعلت استخراج حركات الكواكب ~~فيه من الجداول لوقت انتصاف النهار من اليوم الذي يحسب فيه بمدينة الرقة وبها ~~كان الرصد والامتحان على تحذيق ذلك كله. # وحقق البتاني ما يلي: «عن المقتطف مجلد 39 ص148»: # أولا: # أن ميل فلك البروج على فلك معدل النهار هو 23 درجة و35 ~~دقيقة، وكان أبرخس قد حسبه 23 درجة و51 دقيقة، وهو الآن 23 درجة ونحو ~~27 دقيقة. وقد حسب علماء الفلك المتأخرون أنه يتغير قليلا، وقد كان في ~~زمن البتاني 23 درجة ونحو 34 دقيقة فأصاب في رصده وحسابه إلى حد دقيقة ~~واحدة. # ثانيا: # أن طول السنة الشمسية 365 يوما و5 ساعات و46 دقيقة و24 ~~ثانية، وكان أبرخس وبطليموس قد حسباه 365 يوما و5 ساعات و55 دقيقة و12 ~~ثانية، وهو 365 يوما و5 ساعات و48 دقيقة و46 ثانية، فأخطأ البتاني ~~بمقدار دقيقتين و22 ثانية فقط، وسبب خطئه في اعتماده على رصد بطليموس ~~لا من رصده هو. # ثالثا: # دقق في ms034 حساب إهليلجة فلك الشمس، فقال: إن بعد الشمس عن ~~مركز الأرض إذا كانت في بعدها الأبعد يساوي 1146 مرة مثل نصف قطر ~~الأرض، وإذا كانت في بعدها الأقرب يساوي 1070 مرة مثل نصف قطر الأرض، ~~وإذا كان في متوسط بعدها يساوي 1108 مرات مثل نصف قطر الأرض، والنتيجة ~~التي وصل إليها قريبة جدا مما وصل إليه العلماء ~~الآن. # ويحله الأوروبيون في المحل الأرفع بين كل علماء الهيئة الذين ظهروا في كل ~~العصور. # وفي حدود سنة 828 للميلاد أمر الخليفة أبو جعفر المأمون بقياس درجة من الهاجرة ~~لاستقراء جرم الكرة الأرضية، وقام بهذا العمل أربعة من علماء الهيئة مدونة أسماؤهم في ~~صفحات التاريخ. قال أبو الفدا: # قد قام بتحقيق حصة الدرجة طائفة من ~~القدماء كبطليموس صاحب المجسطي وغيره، فوجدوا حصة الدرجة الواحدة من العظيمة ~~المتوهمة على الأرض ستة وثلاثين ميلا وثلثي ميل، ثم قال بتحقيقه طائفة من ~~الحكماء المحدثين في عهد المأمون، وحضروا بأمره في برية سنجار، وافترقوا فرقتين ~~بعد أن أخذوا ارتفاع القطب محررا في المكان الذي افترقوا منه، وأخذت إحدى ~~الفرقتين في المسير نحو القطب الشمالي، والأخرى نحو القطب الجنوبي، وساروا على ~~أشد ما أمكنهم من الاستقامة، حتى ارتفع القطب للسائرين في الشمال وانحط ~~للسائرين في الجنوب درجة واحدة، ثم اجتمعوا عند المفترق وقابلوا على ما وجدوه، ~~فكان مع إحداهما ستة وخمسون ميلا وثلثا ميل، ومع الأخرى ستة وخمسون ميلا بلا ~~كسر فأخذ بالأقل وهو ستة وخمسون ميلا. # ولم يذكر أبو الفدا إلا عملا واحدا، والحقيقة أنهما عملان وقعا في آن واحد، أحدهما ~~في برية سنجار في بلاد ما بين النهرين، والآخر إلى الشمال من بلد الشام بين تدمر ~~والفرات، وقد أثبتهما ابن يونس، وهو من أشهر الذين نبغوا في علم الهيئة في الخلافة ~~العباسية، توفي سنة 399ه/1008م. # وقال سناد بن علي: # أمرني المأمون أن أحقق وخالد بن عبد الملك درجة ~~في الدائرة العظيمة على سطح الأرض، فذهبنا لذلك، وسار علي بن عيسى الإصطرلابي، ~~وعلي بن البحتري من طريق ms035 أخر، أما نحن فتوجهنا إلى أن وصلنا بين فامية وتدمر، ~~فوجدنا الدرجة 57 ميلا، ووجدها كذلك علي بن عيسى وعلي بن البحتري، وبعثنا ~~بالخبر فوصل في آن واحد. # وذكر ابن يونس رواية أحمد بن عبد الله الملقب بحبش في كتابه «مطالع الأرصاد»، وحاصلها ~~أن العلماء ساروا في برية سنجار وقاسوا الدرجة، فوجدوا أنها ستة وخمسين ميلا وربع ~~ميل من أميالهم. # أما الطرق المتبعة الآن في قياس الدرجة فعمادها حساب المثلثات، وهو حساب دقيق جدا ~~(راجع المقتطف م28 ص440 و441). ~~••• # وبعد أن أسس الخليفة المنصور العباسي مدينة بغداد سنة 148 بعد الهجرة 765م، استقدم ~~الطبيب النسطوري «جورجيس بن بختيشوع» من مدرسة جنديسابور وعينه طبيبا ملكيا، ومنذ ~~ذلك الحين توارث الأطباء النسطوريون وظيفة التطبيب في قصور الخلفاء زمانا، وأسسوا ~~مدرسة طبية في بغداد. # ولما مرض «جورجيس» في بغداد وأذن له الخليفة بالرجوع إلى جنديسابور عين مكانه تلميذه ~~«عيسى بن صهاربخت»، وقد ألف كتابا في فن الأدوية «الأقرباذين» غير أن القفطي صاحب ~~كتاب «أخبار الحكماء» يقول: «لما طلب المنصور جورجيس بعد رجوعه إلى جنديسابور مريضا ~~وعوفي، وجد عند الطلب ضعيفا من سقطة سقطها من سطح داره، فاعتذر عن ذلك، وتقدم إلى ~~عيسى هذا بالمضي إلى المنصور فامتنع، فسير عوضه إبراهيم تلميذه، وبقي عيسى هذا في ~~البيمارستان بجنديسابور مقيما.» # غير أن أكثر المؤرخين على الضد من رواية القفطي يثبتون أن عيسى قدم بغداد وطب ~~بها. # وقدم من بعد ذلك إلى بغداد «بختيشوع» بن «جورجيس»، وكان طبيبا للخليفة هارون الرشيد ~~سنة 171ه/787م، ومن بعده قدم ابنه جبرائيل، فأرسل ليقوم على تطبيب جعفر البرمكي، وزير ~~هارون الرشيد، وكتب جبرائيل مدخلا لعلم المنطق ورسالة للمأمون في التغذية والمشاريب، ~~وملخصا في الطب أخذ عن ديوسقورس # Dioscorus # وجالينوس ~~وبولص الأجانيطي، وكتب في وصايا طبية كثيرة، ورسالة في الروائح، وغير ذلك، ومن المعروف ~~أن الطب الهندي كان أول ما أدخل في مدرسة جنديسابور، ومن ثم امتزج بالطب اليوناني، ~~ولكن اليوناني تغلب أخيرا. # ومن الذين اشتهروا من الأطباء في بغداد «يحيى ms036 بن ماسرجس» أو ماسرجويه # John bar Maserjoye # وقد رأس مدرسة الطب في بغداد ~~زمانا، وله مترجمات كثيرة ومؤلفات، ويقول الأستاذ «أوليري»: إنه مترجم كتاب «سنتا غما» # Syntagma # إلى اللغة السريانية. # وظل الطب عند العرب واقفا عند حد النقل والترجمة تأليفا، وعند تجارب مدرسة ~~الإسكندرية عمليا، ولقد أشرنا من قبل إلى تلك الأساطير التي تخالطت بالطب والكيمياء في ~~مصر بمدرسة الإسكندرية، فإن هذه الأساطير قد ظلت مؤثرة أثرها المحتوم في العرب طوال ~~أيام مدنيتهم، وكان هذا الأمر سببا في أن العقل العربي لم يثب إلى الابتكار في علم ~~الطب مبكرا شأنه في كثير من ضروب المعارف التي زاولها، فإن الابتكار في الطب لم يأت ~~إلا في عصور متأخرة من المدنية العربية. # وفي أواخر القرن الثالث الهجري نقع على أبي العباس أحمد بن الطيب السرخسي، وكان ~~تلميذا للكندي، ويقال: إنه كتب مقالة في الروح، ومختصرا لإيساغوجي، والمدخل إلى صناعة ~~الطب (راجع المسعودي جزء2 ص72 طبع ليبرج). # وحتى عصر السرخسي كانت المباحث الطبية محصورة في يد المسيحيين واليهود غالبا، حتى ~~إنك لتجد مؤلفا يقال له: يوحنا أو يحيى بن سيرابيون # John bar ~~Serpion ~~- ولم أقف على كنيته العربية - في أواخر القرن التاسع ~~الميلادي، يكتب في الطب باللغة السريانية مختصرات ترجم أحدها عدة ترجمات، وطبعها من بعد ~~ذلك في اللاتينية «جيرار الكريموني» # Gerard of ~~Cremonia ~~. # ويعتبر أبو بكر محمد بن زكريا الرازي أبا الطب العربي، توفي سنة 311 أو 320ه 923 أو ~~932م، ويلقبه كتاب اللاتينية «بالرازيس» # Rhazes ~~، وكان ~~مؤلفا موسيقيا، كما كتب في الفلسفة والأدب والطب، وغالب ما يشير في مؤلفاته الطبية ~~إلى ثقات من كتاب الهند واليونان. # ولا مشاحة في أن إدخال العنصر اليوناني الصرف في المؤلفات الطبية والاستعاضة به ~~عما كتب أطباء مدرسة الإسكندرية نقلا عن القدماء، كان أعظم ما قام به مؤلفو العرب ~~لصناعة الطب من الخدمات، على أن مؤلفات «الرازي» قد سادت فيها الفوضى ووصفت بضعف ~~التأليف، فهي ليست سوى مجموعة من المقالات مفككة العرى غير متواصلة الحلقات، ولهذا ms037 ~~السبب وحده رجع طلاب الطب عن مؤلفاته إلى ما كتب ابن سينا؛ لأن مؤلفات ابن سينا فيها من ~~الألفة والنظام بقدر ما في مؤلفات «الرازي» من التفكك وعدم التواصل. # ولقد تلقى «الرازي» العلم بعد أن كبر، ولما نبغ تولى رياسة الأطباء في بيمارستان ~~بغداد، ومن الأمثال التي كانت جارية على الألسنة وتدل على منزلة «الرازي» قولهم: «كان ~~الطب معدوما فأحياه جالينوس، وكان متفرقا فجمعه الرازي، وكان ناقصا فكمله ابن سينا»، ~~وهذا المثل يدل واضح الدلالة على أن مؤلفات «الرازي» خليقة بما وصفناها به من ~~قبل. # واشتغل «الرازي» بالكيمياء واستكشف ما سماه «زيت الزاج»، وهو الحامض «الكبريتيك» ~~والكحول، واستحضر الأول باستقطار كبريتات الحديد، واسمه في العربية «الزاج الأخضر»، ~~فلما استقطره خرج منه سائل أسماه «زيت الزاج»، ولا تزال الطريقة التي اتبعها «الرازي» ~~في استخراجه ذلك الحامض متبعة في استخراجه حتى اليوم، وأما الكحول فقد استحضره باستقطار ~~مواد نشوية وسكرية مختمرة. # وألف في استخراج الذهب من المعادن الأخرى مؤلفا كان لا يعتقد أنه حق وعلم صحيح، ولكن ~~الراجح أنه ما ألف فيه إلا ابتغاء الرزق والمال ليستعين به على تجاريبه الكيماوية، وألف ~~كتبا كثيرة لم يبق منها إلا القليل، ويقال: إنها كانت مائتي مؤلف، والباقي منها ~~كتاب «الحاوي» وهو أهمها، كتبه في الأمراض ووصفها ومداواتها، وكتاب «الطب المنصوري»، ~~وكتاب «الجدري والحصبة»، وكتاب «الفصول في الطب»، وكتاب «الكافي»، وقد ترجم إلى ~~العبرية، وهو موجود الآن في جامعة إكسفورد، وكتاب «برء الصناعة» وكتاب «الطب ~~الملوكي». # وكان الخليفة المنصور أكبر مشجع للأطباء النسطوريين على أن يسكنوا بغداد ويعلموا ~~فيها، وكان له ضلع كبير في ترجمة الكتب العلمية والفسلفية عن اللغات اليونانية ~~والسريانية والفارسية، غير أن اهتمام الخليفة المأمون بهذا الأمر كان أكبر، وحمايته ~~للعلماء والحكماء أثبت وأكثر تشجيعا. # 4 # أسس المأمون الخليفة العباسي مدرسة بغداد سنة 217ه/832م على نسق المدارس النسطورية ~~والزرادشتية التي كانت مؤسسة من قبل ذلك، وسمى تلك المدرسة «بيت الحكمة» ووضعها تحت ~~عناية «يحيى بن ماسويه» # 32 # John bar Maswai ~~، الذي توفي ms038 سنة 243ه/857م وقد مر بنا ~~ذكره. # وهو من المؤلفين في السريانية والعربية، أما مقالته في الحميات فقد كانت العمدة في ~~دراسة ذلك المرض زمانا طويلا، ونقلت من بعد إلى اللاتينية والعبرية. # أما أكبر الأعمال التي قام بها بيت الحكمة شأنا، فترجع إلى المجهودات التي بذلها ~~تلاميذ يحيى وتابعوه، وعلى الأخص «أبو زيد حنين بن إسحاق العبادي»، المتوفى سنة ~~263ه/876م، وهو ذلك الطبيب النسطوري الذي مر ذكره في تاريخ النقل عن اليونانية إلى ~~السريانية، فقد نقل فضلا عن المؤلفات الطبية جزءا من منطق أرسطوطاليس «الأورغانون»، ~~وبعد أن درس أبو زيد في بغداد رحل إلى الإسكندرية، وعاد منها مزودا بكل ثمار الدرس ~~التي كانت شائعة متقنا للغة اليونانية التي استخدمها فيما بعد أداة للنقل إلى ~~السريانية والعربية. # واجتمع معه في «بيت الحكمة» ابنه إسحاق وابن أخته حبيش الأعسم الدمشقي، وترجم حنين ~~إلى العربية مقالات إقليدس # Euclid ~~، وبضعة مؤلفات عن ~~جالينوس وأبقراط وأرخميديس # Archimides # وأبولونيوس البرغوسي # Apollonius of Pergaeus ~~، وهو أكبر الذين ~~اشتغلوا بالهندسة في العالم اليوناني بعد أرخميديس، ولد في الغالب سنة 250ق.م، ومات في ~~حكم بطليموس فيلوباتر Ptolemy Philopater # فكأنه عاش ~~بعد أرخميديس بأربعين عاما تقريبا، وكتب كثيرا، غير أن كل ما كتبه في اليونانية ~~فقد بتمامه، ولم يبق إلا ما ترجم العرب عنه، وكذلك ترجم أبو زيد عن غير هؤلاء، كما ترجم ~~الجمهورية # The Republic # وكتاب تيماوس # Timaeus # لأفلاطون وقاطيغورياس، والفوسيقا، و ~~الماغناموراليا # Magna Moralia # أي الأخلاق الكبير ~~عن أرسطوطاليس، وتعليقات تيمستيوس # Themistius # على ~~المقالة الثلاثين من الميتافيزيقا، وترجمة كاملة للإنجيل إلى اللغة العربية، ولم يقتصر ~~على هذا بل ترجم أيضا كتاب أرسطوطاليس في المعادن، وهو كتاب ظل زمانا طويلا مرجعا ~~من أهم المراجع في دراسة الكيمياء، وعن أصله اليوناني أخذ بولس الأجانيطي. # أما ابنه إسحاق ففضلا عما نقل في الطب، فقد ترجم إلى العربية تراجم أخرى منها ~~«السوفسطائي» # The Sophist # لأفلاطون، والميتافيزيقا ~~والروح «ده أنيما» # de Anima ~~، والكون والفساد # Degeneratione et de Corrupotione # وإرمانوطيقا أو ~~«باري أرمنياس»؛ أي العبارة ms039 لأرسطوطاليس، وهذه المقالة ترجمها أبوه حنين إلى السريانية، ~~ثم تعليقات على «فرفوريوس» والإسكندر الأفروديسي وأمونيوس # Ammonius ~~. # وبعد ذلك بقليل ظهر في أفق التأليف «قسطا بن لوقا» # Questa ben ~~Loqa # البعلبكي ، وقد درس في بلاد اليونان وترجم كثيرا، ومن أشهر ما ~~كتب كتاب «الفلاحة اليونانية» نقله عن السريانية، وقد طبع بمصر سنة 1293ه، وتوفي ابن ~~لوقا سنة 311ه/923م. # وكان القرن الرابع الهجري في الحقيقة العصر الذهبي في تاريخ الترجمة والنقل عند ~~العرب، أما ذلك العمل العظيم الذي تم في ذلك العهد، فإن كان في واقع الأمر راجعا إلى ~~فئة من المسيحيين الذين كانوا يتكلمون السريانية، واحتذوا الأمثال التي درسوها في ~~لغتهم، إلا أن عددا عظيما من الترجمات قد نقلت إذ ذاك عن اليونانية مباشرة، نقلها ~~مترجمون درسوا تلك اللغة في الإسكندرية أو في إغريقية، وغالب ما كان المترجم منهم ~~قادرا على أن ينقل عن اليونانية إلى العربية والسريانية معا، وكان هناك مترجمون عن ~~السريانية، غير أنهم كانوا يعتبرون في المنزلة الثانية بعد المترجمين عن ~~اليونانية. # من بين المترجمين النساطرة الذين نقلوا عن السريانية نذكر «أبو بشر متى بن يونس» المتوفى سنة 328ه/939م، وقد ترجم إلى العربية أناليطيقا الثانية # Analytica Posteriora # والبويطيقا لأرسطوطاليس ~~وتعليقات الإسكندر الأفروديسي على كتاب الكون والفساد لأرسطوطاليس، وتعليقات «تيمستيوس» ~~على الكتاب الثلاثين من الميتافيزيقا، وكل هذه الكتب نقلها عن السريانية، وله مؤلفات ~~مبتكرة في التعليق على قاطيغورياس؛ أي المقولات لأرسطوطاليس والإيساغوجي ~~لفرفوريوس. # ومن الثابت في تاريخ هذه النهضة الكبيرة أن مترجمي اليعقوبيين يأتون بعد النساطرة، ~~وكان من بين الذين نقلوا منهم عن السريانية إلى العربية «يحيى بن عدي» المتوفى سنة ~~364ه/974م، وكان تلميذا لحنين بن إسحاق، وقد راجع كثيرا من الترجمات التي تقدم عليه ~~بها المترجمون، وأصلح نقصها وأضاف إليها ما استقامت به معانيها، وترجم عن أرسطوطاليس ~~كتاب قاطيغورياس والسوفسطيقا والبوليطيقا والميتافيزيقا، وعن أفلاطون القوانين وتيماوس، ~~وعن الإسكندر الأفروديسي تعليقاته على قاطيغورياس - المقولات - وعن «ثيوفراسط» # Theophrastus # الذي علم بعد أرسطوطاليس في اللوقيون ~~كتاب الأخلاق، وكذلك ترجم «أبو علي ms040 عيسى بن زارة» عن أرسطوطاليس كتاب قاطيغورياس، ~~والتاريخ الطبيعي، وكتاب الحيوانات # Animalia # مع تعليقات ~~يوحنا فيلوبونس. # أما وقد بلغنا هذا المبلغ من البحث فليس ثمة من حائل يحول دون الكلام فيما وقف عليه ~~العرب من مؤلفات أرسطوطاليس. # كان «الأورغانون»؛ أي المنطق لأرسطوطاليس، من أوليات ما عرف العرب عن المعلم الأول، ~~وقد عرفوا معه كتاب بريطوريقا «الخطابة» والبويطيقا «الشعر» مع كتاب إيساغوجي ~~لفرفوريوس. # أما مؤلفات أرسطوطاليس في العلم الطبيعي فقد عرفوا منها الفوسيقا، وكتاب الكون الفساد ~~وتاريخ الحيوانات الطبيعي # Historia animalium ~~، وكتاب ~~الروح # de Anima ~~، أما كتاب المتيورلوجيا - الآثار ~~العلوية - الذي عرفه العرب، فظاهر الانتحال، وليس لأرسطوطاليس، وعرفوا عنه من العلوم ~~الأدبية الميتافيزيقا، وعلم الأخلاق إلى نيقوماخس # Niconacheàn ~~Ethics # وعلم الأخلاق الكبير، على أن هناك شكا كبيرا في أنهم ~~عرفوا الأخلاق إلى نيقوماخس. # ومن غريب الأمر أن سياسة أرسطوطاليس لم يعرفها العرب، ولم يعنوا بها، واستعاضوا ~~عنها بقوانين الجمهورية لأفلاطون. # ويرجح أن هذا هو السبب المباشر في أن نظم الحكومات ظلت عند العرب غارقة في طيات ~~النظر الغيبي، وأعانهم على ذلك إدماج الحكومة في الدين والخلط بين السلطتين الدينية ~~والدنيوية، وعدم التفريق بين سلطات التشريع والقضاء والإدارة. # وقد نسب العرب إلى أرسطوطاليس كتابا في المعادن وآخر في الميكانيكا لا يعرف الباحثون ~~في العصور الحديثة عنهما شيئا، وليس ذلك بكاف في إثبات أنهما لغيره، ولكن الدليل الذي ~~يرجح أنهما لغيره أن أرسطوطاليس لم يشر إلى هذين الكتابين في بقية كتبه التي استكشف ~~أصلها اليوناني في أوائل القرن التاسع عشر. # وظل «الأورغانون» قاعدة التعاليم الإنسانية عندهم، ومشى جنبا لجنب مع علومهم ~~الأصلية، كالنحو والفقه، والظاهر أن ذلك أمر طبيعي الوقوع في كفاءات العقل الإنساني، ~~أمر طبيعي أن يأتلف المنطق وعلوم الكلام، فإن هذه الظاهرة إن كانت قد وجدت متسعا في ~~العقل السامي في آسيا، فإن آثارها ظهرت في أوروبا لدى انتشار الفلسفة المدرسية في ~~العالم اللاتيني، قبل أن يكون لزعماء هذه الفلسفة؛ أي احتكاك بالعرب، فكأن العقل ~~اللاتيني والعقل التيوتوني الآريين، لم يعدوا ms041 القاعدة التي جرى عليها العقل ~~السامي. # ظل منطق أرسطوطاليس علما ثابتا أصيلا في كل البلاد التي عرفته، وبين كل الأمم التي ~~احتكت بالفلسفة اليونانية، رحبت به العقول أينما حل ولم تنفر منه الطبائع، لذلك نجد ~~أن كل المناقشات الفلسفية واللاهوتية التي تقع عليها في كتب العرب ليست سوى مسائل ~~مستمدة أصولها من الميتافيزيقا والبسيكولوجيا، ولهذا نجدها جميعا ذات آصرة متينة ~~بالكتاب الثاني عشر من الميتافيزيقا، والكتاب الثالث من رسالة الروح # de Anima ~~. # عرفنا قبل أن البسيكولوجيا لأرسطوطاليس لم تفسر عند العرب إلا بالاستعانة بما كتب ~~فيها الإسكندر الأفروديسي من التعليقات، وبذلك اصطبغت بصبغة من الألوهية وما بعد ~~الطبيعة «الغيبيات» أكملتها من بعد المدرسة «الأفلاطونية الجديدة»، وتعاليمها المستمدة ~~من كتاب «إيثولوجيا» للشيخ أفلوطين الإسكندري على الأخص، وهو كتاب في القول بالألوهية ~~نسب خطأ إلى أرسطوطاليس، وكان سببا في أن يعنت المعلم الثاني أبو نصر الفارابي نفسه في ~~سبيل التوفيق بين أفلاطون وأرسطوطاليس، ولم تذع الفكرات الخاصة بالقول بالألوهية في ~~«الأفلاطونية الجديدة» بين العرب إلا بعد أن ترجم كتاب «إيثولوجيا» المنسوب إلى أرسطوطاليس إلى العربية سنة 226ه/840م. # والحقيقة التي تثبت من البحوث الحديثة أن كتاب «إيثولوجيا» ليس سوى تلخيص لثلاثة ~~الفصول الأخيرة من كتاب يسمى «إنياديس» # Enneads # أي ~~«التاسوعات» # 33 # وضعه الفيلسوف أفلوطين الإسكندري Plotinus ~~، ~~فنقلها «ابن ناعمة» # Naymah # إلى السريانية ونشرها بين ~~الناس في صورة كتاب مستقل منسوب إلى أرسطوطاليس. # قد يؤخذ على هذا المترجم أنه لم يكن أمينا في النقل، وأنه أظلم مفاوز العلم وأضل ~~العلماء، غير أننا لا ننسى أن اسم أفلاطون وأفلوطين متقاربين في اللغة العربية، كما ~~هما في اللغة اللاتينية، وربما كانا متقاربين في اللغة السريانية أيضا، فلا يبعد أن ~~يكون «ابن ناعمة» قد تأثر بالرأي الذي شاع في مدرسة الإسكندرية من القول بأن فلسفة ~~أرسطوطاليس وفلسفة شيخه أفلاطون، غير مختلفتين في الجوهر، وأن التوفيق بينهما مستطاع، ~~وتلك فكرة ورثها العرب، ومضوا عليها عاكفين. # ولما ذاع كتاب «إيثولوجيا» اقترن درسه بدراسة تعاليم الإسكندر الأفروديسي، وكلاهما ~~يشرح أصول ms042 المذهب الأفلاطوني الجديدة، فكان لذلك أثر ظهر بارزا في ما كتب العرب من كتب ~~الفلسفة الإسلامية في سائر فروعها. # أما بين يدي الفلاسفة، والذين هم جديرون بحق أن يسموا فلاسفة، فقد ظهر بين العرب فيما ~~كتبوا ضرب من الأفلاطونية الجديدة مصبوغا بالصبغة الإسلامية، تشكل في آخر حالاته بما ~~كتب الرئيس ابن سينا، والفيلسوف ابن رشد، ونقل على هذه الصورة إلى الفلسفة المدرسية في ~~العالم اللاتيني في أوروبا، فكان أثره بين اللاتين لا يقل عن أثره بين العرب، ولما ~~استشم هذا المذهب ريح الفكر الغيبي انقلب إلى «باطنية» قاسية الأحكام ظهرت تحت عنوان ~~«التصوف» عند العرب، وكانت سببا في ذلك الضرب من «اللاهوت التأملي» الذي نمته الباطنية ~~وشربته بروحها الخيالية، وكثيرا ما تخالطت الفكرات الشائعة في ذلك المذهب باللاهوت ~~الإسلامي الصحيح، وظهرت ممزوجة به أو ممزوجا بها، مزجا يظهر جليا في سطور المؤلفات ~~التي تناولت تلك الأبحاث. # أما التعاليم الأولى لتلك «الأفلاطونية الجديدة» كما تحنرت في اللاهوت الإسلامي، ~~فتنحصر أولا في الاعتقاد بالعقل الإيجابي - ويسمونه «العقل الفعال» - الذي كان ~~الإسكندر الأفروديسي أول من قال به، على أنه فيض من فيوض الله، ثم العقل السلبي - ويسمونه العقل المستقل - ويختص به الإنسان وحده، ولا ينشط هذا إلا بقوة يبعثها فيه ~~العقل الفعال، وما هذا المذهب في مبناه وتفصيله إلا مذهب الأفروديسي إذ يقول: «إن غرض ~~الإنسان من الحياة ينحصر في أن يصل بين عقله الهيولاني والعقل الفعال بوحدة متينة»، غير ~~أن طريقة هذا الاتصال تختلف عند الفلاسفة وعند الباطنيين. ~~••• # يأتي بعد الفلسفة علم الطب، وهو من أكبر ما ورث العرب عن اليونان، غير أن هذا ~~العلم، وقد استمد من مدرسة الإسكندرية ومن بيئتها، لم يظهر بين العرب إلا مسمما ~~بتعاليم المدرسة المصرية المتأخرة، فظهرت تعاليم جالينوس وأبقراط ممزوجة بضروب من السحر ~~والطلسمات والتنجيم، فظلت هذه العوامل شديدة الأثر في أكثر ما خرج في الطب من المؤلفات ~~العربية، أما الأثر الحقيقي في الطب فقد نقل عن اليونان، وقد استمد أولا من كتب ~~النساطرة في ms043 الفلسفة، ثم من بعد ذلك عما كتب النساطرة والزرادشتيون في مدرسة ~~جنديسابور. # بعد ذلك يدخل الأثر الحراني في الطب عند العرب، وكانت مدرسة حران الوثنية ذات صلة ~~وآصرة بالأفلاطونية الجديدة أيضا، ولما مر المنصور الخليفة العباسي بحران على رأس ~~جيشه؛ ليحارب إمبراطور بيزنطية، أبدى عجبه من زي تزيى به بعض الذين قدموا من حران ~~ليؤدوا فروض التحية والولاء، فرآهم مهدلي الشعر، يرتدون ملابس ضيقة تلاصق أجسامهم، ~~ولما وقف على أمرهم وأنهم ليسوا نصارى ولا زرادشتيين ولا يهود ولا من أهل الكتاب، علم ~~أنه استكشف مستعمرة وثنية في ملكه الإسلامي، فأمرهم أن يعتنقوا دينا من الأديان ذوات ~~الكتب قبل أن يعود من الحرب، وإلا فإنه يكون في حل إذا حكم السيف رقابهم، فاعتنق ~~بعضهم الإسلام، وبعضهم الدين النصراني أو الزرادشتي، وظل بعضهم أمينا لعقيدته الوثنية، ~~غير أن هؤلاء ظلوا في حيرة من أمرهم حتى أدركهم مدره عربي أعطوه مالا تلقاء ما ~~ينصح لهم به من سبيل يخلصون به من سيف الخليفة، فنصح لهم بأن ينقلبوا صابئين، وهم من ~~أهل الكتاب بنص القرآن، على أن الخليفة لم يمر بحران في عودته، ولكن ظل ~~الحرانيون الذين انتحلوا الصابئية آمنين بذلك النعت الجديد، في حين أن الذين اعتنقوا ~~الإسلام أو المسيحية أو الزردشتية، ارتدوا إلى دينهم تحت عنوان الصابئية. # كان «ثابت بن قرة» أعظم من عرف في مدرسة حران في العالم العربي، توفي سنة 289ه، ~~وكان يجيد اللغة اليونانية، كما يجيد السريانية والعبرية، وترجم في المنطق والرياضيات ~~والتنجيم والطب، وكذلك في طقوس الوثنيين وتعاليمهم التي ظل أمينا عليها ثابت العهد ~~لها، وهو أبو الحسن ثابت بن قرة بن هرون «ويقال: زهرون» بن ثابت بن زكريا بن إبراهيم بن ~~كرايا بن مارينوس بن مالاميروس الحاسب الحكيم الحراني. ~~«وكان في مبدأ أمره صيرفيا بحران ثم انتقل إلى بغداد واشتغل بعلوم الأوائل فمهر ~~فيها، وبرع في علم الطب، وكان الغالب عليه الفلسفة، وله تآليف كثيرة في فنون العلم ~~مقدار عشرين تأليفا، وأخذ كتاب إقليدس الذي عربه حنين ms044 بن إسحاق العبادي فهذبه ونقحه ~~وأوضح ما كان مستعجما، وكان من أعيان عصره في الفضائل، وخرج من حران لخلاف بينه وبين ~~أهل مذهبه فنزل إلى كفر توشا، قرية كبيرة بالجزيرة الفراتية، أقام بها مدة، إلى أن قدم ~~محمد بن موسى من بلاد الروم راجعا إلى بغداد فاجتمع به فرآه فاضلا فصيحا فاستصحبه ~~إلى بغداد، وأنزله في داره، ووصله بالخليفة فأدخله في جملة من المنجمين، فسكن بغداد ~~وأولد الأولاد» (راجع ابن خلكان مجلد أول ص124 و125 طبعة أميرية). # ولقد توارث آل قرة العلم، فكان منهم ابنه أبو سعيد سنان، ومن أحفاده إبراهيم ثابت ~~وأبو الحسن ثابت وإسحاق أبو الفرج، وكل هؤلاء نبغوا في الرياضيات والفلك. # وكان أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة ببغداد في أيام معز الدولة بن بويه، وقرأ ~~عليه كتب بقراط وجالينوس، وقد سلك مسلك جده ثابت في نظره في الطب والفلسفة والهندسة ~~وجميع الصناعات الرياضية للقدماء.» (راجع ابن خلكان جزء أول ص125 طبعة مصر ~~الأميرية). ~~••• # أما ما كان يسمونه الفلاحة فقد نقل أحمد بن على بن قيس الكلداني المعروف بابن وحشية، ~~الذي عاش سنة 291ه «كتاب الفلاحة النبطية» عن الكلدانية أملاه على علي بن محمد بن ~~الزيات سنة 318ه وجعله خمسة أجزاء، ومنه نسخ خطية في برلين وليدن وإكسفورد والمتحف ~~البريطاني وباريس ودار الكتب المصرية، ومن الفلاحة أيضا كتاب للزيتوني يقال له: «مختصر ~~الفلاحة» عن كتاب ابن وحشية. # وقد تقدم أن لقسطا بن لوقا الطبيب النصراني كتاب «الفلاحة اليونانية» نقله عن ~~السريانية، أما كتاب ابن وحشية هذا فنرجع فيه إلى الأستاذ نلليتو. # والظاهر أن لمعتقد العرب في حركة إقبال الأفلاك وإدبارها سببان: الأول ما ورثوه عن ~~مدرسة الإسكندرية من النزعة إلى التنجيم والباطنية، وما ورثوه عن هذه المدرسة أيضا في ~~فكرة أن الأفلاك ذوات عاقلة. # ولقد يقال خطأ بأن العرب ورثوا هذه الفكرة أو الصناعة، صناعة إقبال الأفلاك وإدبارها ~~عن الكلدانيين؛ لأنهم ترجموا كتاب تنكلوشا البابلي إلى اللغة العربية، غير أن الأستاذ ~~نلليتو قد نفى ms045 هذه الفكرة، وأثبت أن كتاب تنكلوشا مختلق اختلاقا، ولذا ننقل ما قاله ~~في ذلك عن محاضراته التي ألقاها بالجامعة المصرية، وطبعت في كتاب تحت عنوان «علم الفلك ~~عند العرب» إثباتا لرأينا الأول: وإثباتا لفكرتنا في أن اختلاق هذا الكتاب دليل على ~~أن العرب قد قويت فيهم هذه النزعة من طريق مدرسة الإسكندرية، لا من طريق غيرها، قال ~~الأستاذ حرفيا: # تحفظ في أوروبا نسختان # 34 # من كتاب يخال المطلع عليه أول بدء أنه ترجمة تأليف تنكلوس إلى ~~العربية، واسم الكتاب في نسخة مدينة ليون كتاب تنكلوشا البابلي ~~القوقاني # 35 # في صور درج الفلك، وما تدل عليه من أحوال المولودين بها، نقله من ~~اللغة النبطية إلى العربية أبو بكر بن أحمد بن وحشية، # 36 # أملاه علي بن أبي طالب # 37 # أحمد بن الحسين بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الملك الزيات، وفي ~~نسخة مدنية بطرسبورغ: «كتاب تنكلوشا - كذا - القوفاني من أهل بابل في صور درج ~~الفلك وبعض دلائلها على ما أخذ عن القدماء»، وغاية الكتاب وصف الصور العجيبة ~~التي يتوهم المؤلف أن تطلع مع كل درجة من درج البروج الثلاثمائة والستين، ثم ~~ذكر صفات وأخلاق من كان طالع مولده الدرجة المذكورة، # 38 # وقال مثلا: إن الدرجة الثلاثين من الميزان «يطلع فيها زحل في ~~صورته العظمى التي لا يطيق أحد أن ينظر إليه، ولا أن يدنو منه على مسيرة ألف ~~سنة من شدة البرد والكزاز، وهو جالس على رفرف من ديباج، وقد جعل إحدى رجليه ~~على فخذ الأخرى، وعلى رأسه تاج من الزمرد الأخضر، وفي يده اليمنى طوق من حجارة ~~الشبج فيه مرآة كبيرة محلاة وهي تلمع وتبرق، ولحيته كبيرة بيضاء مثل الثلج، وفي ~~رجله خفا ديباج أسود جلد السواد، وهو مشتمل بكساء خزا أخضر أسود شديد ~~السواد وهو ساقط مطرق»، # 39 # وقال: إن الدرجة السادسة عشرة من برج العقرب «يطلع فيها لوح ذهب ~~مدفون حواليه فصوص زمرد أخضر، ورجل شيخ جالس في حجره مصحف يقرأ فيه أخبار ~~قياما الملك وأقاصيصه»، ms046 # 40 # وعلى قوله في الدرجة التاسعة من برج القوس «يطلع فيها عقويا الحكيم ~~في صورته إذ كان شابا جميلا، وقد أخذ بيده جارية حسناء، وهو يحدثها بحديث ~~صغار لا يفهمه أحد، ويضحك إليها وعن يمينها الصن المقير الذي حمل فيه رأس ~~ريخانا الملك إلى عمه، فلما رآه مات فبقي الصن بموضعه سنة لا يمسه أحد، ولا ~~ينظر إليه، والباب دونه مغلق إلى أن جاءهم رسول ملك الفرس فدخل البيت وحرق الصن ~~والرأس فيه»، # 41 # وجميع الكتاب خرافات مثل هذه يحكيها لدرجة درجة من فلك البروج، ~~فإذا قابلناها على ما وصل إلينا من تأليف توكرس أو تنكلوس الحقيقي وجدنا بين ~~الكتابين فرقا عظيما بل بونا شاسعا، ويركن تنكلوشا القوقاني «أو بالحري ابن ~~وحشية أو أبو طالب الزيات حسبما سأبين» إلى حكماء أهل بابل الأوائل، ودعاهم ~~بأسماء غريبة مختلفة اختلافا واضحا مثل أرميسا وبرهمانيا الخسرواني وغيرهما، ~~فلا ريب في أن هذا الكتاب هو المذكور في الفلاحة النبطية لأبي أحمد بن علي بن ~~المختار المعروف بابن وحشية النبطي. # 42 # ويضطرني ذلك إلى وصف كتاب الفلاحة النبطية، # 43 # ولو بغاية الاختصار، قال صاحبه في مقدمته: إن الكتاب الأصلي ألفه ~~قبله بألوف سنين حكيم بابلي اسمه قوثامي نقلا عن كتب أقدم من تأليفه بكثير ~~وضعها ضغريث وينبوشاد، وإن ابن وحشية ترجمه من لسان الكسدانيين أو النبطية - والمراد اللغة البابلية القديمة - إلى العربية سنة 291ه/904م، # 44 # وأملاه سنة 318ه/930م، على تلميذه أبي طالب أحمد بن الحسين بن علي ~~بن أحمد الزيات، فمغترا بهذا الكلام وبما وجد في الكتاب من الأمور والأسماء ~~الغريبة زعم خولسن # 45 # أنه من آثار بابل الثمينة النفيسة التي ضاعت لولا ابن وحشية وأبو ~~طالب الزيات، فاستنبط من ذلك الاستنباطات البعيدة، ولتعلموا أن الفلاحة ~~النبطية تتعلق بالعلوم السحرية أكثر منها بالطبيعيات والنبات فقال ابن ~~خلدون: # 46 ~~«وترجم من كتب اليونانيين - كذا - كتاب الفلاحة النبطية منسوبة ~~لعلماء النبط مشتملة من ذلك # 47 # على علم كبير، ولما نظر أهل الملة # 48 # فيما اشتمل عليه هذا ms047 الكتاب، وكان باب السحر مسدودا، والنظر فيه ~~محظورا، فاختصروا منه الكلام في النبات من جهة غراسه وعلاجه وما يعرض له في ~~ذلك، وحذفوا الكلام في الفن الآخر منه جملة. واختصر ابن العوام كتاب الفلاحة ~~النبطية على هذا المنهاج، وبقي الفن الآخر منه مغفلا نقل منه مسلمة في كتبه ~~السحرية أمهات من مسائله. # وقال في موضع آخر: # 49 # وكانت هذه العلوم # 50 # في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين، وفي أهل مصر من القبط ~~وغيرهم، وكان لهم فيها التآليف والآثار، ولم يترجم من كتبهم فيها إلا القليل ~~مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل، فأخذ الناس منها هذا العلم وتفننوا ~~فيه، ووضعت بعد ذلك الأوضاع.» # أما الذين جاءوا بعد خولسن من الباحثين عن حقيقة ذلك الكتاب، لا سيما كتشمد ~~المذكور آنفا ونولدكه # 51 # فبرهنوا البراهين الناطقة على أنه من تأليفات الشعوبية المفرطين في ~~تفضيل الأمم الأجنبية على العرب المحض المتخذين كل وسيلة جائزة كانت أم مكروهة، ~~أو مذمومة بلاغا إلى مبتغاهم. فغرض كتاب الفلاحة النبطية إثبات أن قدماء أهل ~~بابل قد توصلوا في مدارج الحضارة والتمدن والتقدم العلمي إلى غاية لم تتقرب ~~منها العرب في الجاهلية ولا فيما بعد الإسلام. # وحيث إن معرفة أحوال بابل وآثور القديمة قد اندرست كليا منذ قرون عند ~~الشرقيين، اخترع صاحب الفلاحة النبطية الأسماء والنوادر والأخبار، وزور ولفق ~~وموه، وفي كل واد هام، ووشى كلامه ونسج كتابه بالخرافات الشنيعة ~~والأكاذيب الفظيعة. # ومن أعجب العجائب أن كتاب الفلاحة النبطية على المحتمل ليس تأليف ابن وحشية ~~كما قيل في عنوان الكتاب وصدره، بل إنما هو من مختلقات أبي طالب ~~الزيات # 52 # الذي نسبه إلى ابن وحشية؛ أي إلى رجل قد مات وقت نشر التصنيف ~~تخلصا من ذم إخوانه المسلمين، وتبرئة لنفسه من تهمة النفاق والافتراء، وأنتم ~~تدرون ما أكثر مثل ذلك الفعل عند أصحاب الأحكاميات والسحريات والكيمياء، وكم من ~~تأليف عزي مثلا إلى هرمس وجاماسب وغيرهما من حكماء الوهميين، وكم نسب ~~إلى أبي معشر ومسلمة المجريطي من كتاب ألف ms048 بعد موتهما بقرون، وإني مرتاب حتى في ~~وجود ابن وحشية، الذي عزا إليه صاحب كتاب الفهرست ص311 إلى 312 عدة كتب في علوم ~~السحر، وص358 كتابا في الكيمياء من دون أن يفيدنا شيئا من أحوال حياته، ~~وأسماؤه أبو بكر أحمد بن علي # 53 # بن المختار بن عبد الكريم بن جريثا بن بدنيا بن برطانيا بن غلاطيا ~~- كذا - الكسداني، فترون أن أسماء أجداده أسماء وهمية لا أصل لها في اللغات ~~الآرامية - ومنها النبطية، أو في لغات أخرى، بل إن برطانيا وغلاطيا أسماء ~~ولايتين مشهورتين من ولايات المملكة الرومانية # 54 # ذكرا أيضا في كتابين لبطليموس منقولين إلى العربية، # 55 # فيتضح أنها جعلت أسماء أشخاص تزويرا، وزيادة على ما قلته. نستفيد ~~من كتاب الفهرست ص312 أيضا أن جميع تأليفات ابن وحشية في السحر إنما عرفت ~~برواية أبي طالب الزيات، فذلك يزيدني ريبا في حقيقة وجود ابن وحشية. # 56 # ثم نرجع إلى علم الكيمياء فنجد أنفسنا مسوقين إلى أن نقرن اسم «جابر بن حيان» ~~بحران، وهو رجل ذو شخصية محققة الأثر في تاريخ علم الكيمياء، ولم يتحقق الباحثون ~~من تاريخ مولده، ولكن التاريخ يدل على أنه كان تلميذا يتحقق من تاريخ مولده. ولكن ~~التاريخ يدل على أنه كان تلميذا للأمير خالد الأموي، وهو أول أمير عربي عني بالعلم ~~ليكون عالما، وكان ثابت القدم في علم الكيمياء، وتنسب مقالات كثيرة في ذلك العلم لجابر ~~بن حيان، وتدل التقاليد على أن أكثرها صحيح النسب إليه. # يقول مسيو «برتيلو» # M. Berthelot # في الجزء الثالث من ~~كتابه «الكيمياء في القرون الوسطى» # La Chemie en Moyen ~~age ~~«باريس 1793» في تحليل تاريخي قيم أن تاريخ كيماويي العرب ~~ينقسم إلى قسمين: الأول ينحصر في نقل المباحث الكيماوية التي قام بها فحول من علماء ~~الإسكندرية، والثاني ينحصر في ما ابتكر العرب في ذلك العلم بعد أن اتخذوا عمدتهم على ~~مباحث الإسكندرية، غير أنه ينسب كل ما في هذا العلم من الابتكارات في العصر العربي ~~لجابر بن حيان حتى قال فيه: «لجابر بن ms049 حيان في علم الكيمياء، ما لأرسطوطاليس ومن قبله ~~في علم المنطق.» # ونشر مسيو برتيلو في كتابه ذاك ستة مقالات صحت لديه نسبتها إلى جابر، ويعتبرها مسيو ~~برتيلو كمثال لما وصل إليه العقل العربي في ذلك العلم من الابتكار: ويقول بأن كل ~~الباحثين في هذا العلم من بعده كانوا عالة عليه نقلا وتعليقا. # لقد ظل العرب طوال قرون يقصرون مباحثهم في الكيمياء على البحث وراء تحويل المعادن إلى ~~ذهب، ولكن انقلبت الفكرة فيما بعد ذلك فأخذت الكيمياء بضلع أوسع من العلاقة بعلم الطب، ~~ولو أنها لم تتحرر تحريرا مطلقا من الأساطير القديمة، وكان لذلك العلم ثلاثة أغراض ~~عند القدماء؛ الأول: إيجاد محلل عام لكل المواد العنصرية، ثانيا: اكتشاف ما يدعونه ~~بحجر الفلاسفة الذي يحول المعادن إلى ذهب، ثالثا: العثور على إكسير الحياة، وهو دواء ~~يشفي جميع العلل والأمراض. إن موضوع هذا العلم كما كان يدركه القدماء لا يمت ~~بآصرة بعيدة أو قريبة لعلم الكيمياء كما عرف في العصور الأخيرة، غير أن تحويل العناصر ~~إلى بعضها بالتجارب الكيماوية لم يصبح في القرن العشرين ذلك الحلم الخيالي الذي تصور ~~أهل القرن التاسع عشر أن القدماء تعلقوا بأهدابه ضلة، على أن كل ما يهمنا في ~~هذا الموضوع هو ما أقر عليه المؤرخون في تاريخ العلم عند العرب في أنهم كانوا ذوي ~~كفاءات اختبارية عظيمة، وأنهم أجروا اختبارات جليلة القدر كبيرة الفائدة، ولو أنهم لم ~~يدركوا كل الإدراك ما كان لاختباراتهم تلك من الشأن والخطر الكبير. # إن كل المتون التي نشرها مسيو برتيلو بلا استثناء تبدأ بالتحذير من إذاعة أسرار تلك ~~الصناعة، وغالبا ما تتضمن فقرات يدرك منها أن كاتب المتن قد تعمد أن يغفل ذكر بعض ~~التجاريب والاختبارات لئلا يتناولها العامة الذين لم يتثقفوا فيفسدون على الناس أمرهم ~~وينكثون فتل الآداب والأخلاق، بما يصبح بين أيديهم من الذهب الذي يحولونه عن ~~المعادن الأخرى. # والكيماويون من العرب يدعون أنهم وصلوا إلى تحويل المعادن إلى ذهب، وأنهم وقفوا ~~على سر ذلك، والتاريخ مملوء بإشارات إلى تلك ms050 الدعوى، غير أن بعض الناقدين من معاصري ~~الذين ادعوا هذه الدعوى يقولون بأن دعواهم لا دليل عليها ولا صحة لها، وكثيرا ما ~~أشار المؤرخون إلى أن المعلم الثاني، أبا نصر الفارابي كان يعتقد بصحة ذلك الأمر، ~~وأنه كان ثابت اليقين في إمكان تحويل المعادن إلى ذهب، غير أنه مات فقيرا معدما، ~~بينا تجد أن الرئيس ابن سينا، وهو ممن لم يعتقدوا ذلك الاعتقاد، مات في كفاف من ~~العيش، وكان في مستطاعه أن يجمع ثروة كبيرة، لو أنه أراد ذلك. # ولقد اختلف المشتغلون بالكيمياء من العرب في كيفية تحول المعادن، أي في صحة الكيمياء ~~كما كانت تعلم في الصور الأولى، فقال بعضهم بأنها تتحرك فيصير النحاس فضة وتصير الفضة ~~ذهبا، وقال غير هؤلاء: إن المعادن لا تتغير إلا في صورتها لا غير، فيصبغ النحاس ~~فيصير أبيض اللون كالفضة، وتصبغ الفضة فتصير كالذهب، ولكن كل معدن يظل حافظا لصفاته ~~الأصلية فتظل الفضة فضة والنحاس نحاسا والذهب ذهبا (راجع المقتطف م41 ص105 وما ~~بعدها). # قال حجي خليفة في كشف الظنون: «إن الناس في علم الكيمياء على طريقتين؛ فقال كثير ~~ببطلانه، منهم الشيخ الرئيس ابن سينا، أبطله بمقدمات في كتاب الشفا، والشيخ تقي الدين ~~أحمد بن تيمية، صنف رسالة في إنكاره، وصنف يعقوب الكندي أيضا رسالة في إبطاله، وكذلك ~~غيرهم؛ لكنهم لم يوردوا شيئا يفيد الظن لامتناعه فضلا عن اليقين، وذهب آخرون إلى ~~إمكانه منهم الإمام فخر الدين الرازي، فإنه في المباحث الشرقية عقد فصلا في إمكانه، ~~والشيخ نجم الدين رد علي الشيخ ابن تيمية وزيف ما قاله في رسالته، ومؤيد الدين ~~الطغرائي صنف فيه كتبا منها «حدائق الإشهادات»، وبين إثباته والرد على ابن ~~سينا. # ولا يقصد هنا بالإثبات والإنكار إلا مسألة تحويل المعادن بعضها إلى بعض؛ لأن الظاهر ~~أن هذه الفكرة هي التي دار حولها محور علم الكيمياء في كل عصور المدنية ~~العربية. # قال الرئيس ابن سينا في إنكار تحول المعادن: # نسلم ~~بإمكان صبغ النحاس بصبغ الفضة والفضة بصبغ الذهب، إلا أن هذه ms051 الأمور المحسوسة ~~يشبه ألا تكون هي الفصول - أي الخواص - التي تصير بها هذه الأجساد أنواعا، بل ~~هي أعراض ولوازم، والفصول مجهولة، وإذا كان الشيء مجهولا فكيف يمكن أن يقصد ~~قصد إيجاد أو إفناء؟ # وقال الإمام الرازي مثبتا: # الإمكان العقلي ثابت؛ لأن الأجسام مشتركة في الجسمية، فوجب أن يصح على كل ~~واحد منها ما يصح على الكل، أما الوقوع فلأن انفصال الذهب عن غيره هو بالرزانة، ~~وكل واحد منهما يمكن التشابه فيه ولا منافاة بينهما. # ونقل الفارابي تعليل أرسطو في إثبات التحول: # إن ~~الفلزات واحدة بالنوع، والاختلاف الذي بينها ليس في ماهيتها، وإنما هو في ~~أعراضها ، فبعضه في أعراضها الذاتية، وبعضه في أعراضها العرضية، وكل شيئين من ~~نوع واحد اختلفا بعرض، فإنه يمكن انتقال كل واحد منهما إلى الآخر، فإن كان ~~العرض ذاتيا عسر الانتقال، وإن كان مفارقا سهل الانتقال، والعسر في هذه ~~الصناعة إنما هو لاختلاف أكثر هذه الجواهر في أعراضها الذاتية، ويشبه أن يكون ~~الاختلاف الذي بين الذهب والفضة يسيرا جدا. # وقال الإمام ~~شمس الدين محمد بن إبراهيم الأنصاري: # إذا أراد المدبر أن يصنع ذهبا نظير ما صنعته الطبيعة من الزئبق والكبريت ~~الطاهرين، فيحتاج إلى أربعة أشياء؛ كمية كل واحد من ذينك الجزأين، وكيفية ~~ومقدار الحرارة الفاعلة للطبخ، وزمانه، وكل واحد منها عسر التحصيل، وأما إن ~~أراد ذلك بأن يدبر دواء وهو المعبر عنه بالإكسير مثلا، ويلقيه على الفضة ~~ليمتزج بها ويستقر خالدا فيها ويكسوها لون الذهب ورزانته - المقصود بها الثقل ~~النوعي في الاستعمال الحديث - فاستخراج ذلك بالتجربة يحتاج إلى استقراء حال ~~جميع المعدنيات وخواصها، وإن استخرج بالقياس فمقدماته مجهولة، ولا خفاء في ~~عسر ذلك ومشقته. # ومما يلاحظ هنا أن أقوال المثبتين والمنكرين كلها نظرية مبنية على الأقيسة ~~المنطقية، ولا شأن لها بالعمليات. # ومما لا شك فيه أن العرب أخذوا مبادئ الكيمياء عن اليونان، فإن منهم فلاسفة بحثوا ~~في الأصول العنصرية منهم هيرقليطس الإفسوسي، الذي قال بأن النار أصل العناصر، ~~وإمبيذقليس الذي قضى بأن العناصر أربعة: الماء والهواء والنار ms052 والتراب، وقد تدعى ~~بالاستقصات الأربعة، وديموقريطس الذي قال بتكون العالم من حركات الجواهر الفردة المكونة ~~للهيولى، وإنا كساغوراس الذي اتبع طريقة قياس التمثيل في حل معضلات الطبيعة الكونية، ~~وأرسطوطاليس الذي قضى بأن الأثير يجب أن يضاف إلى العناصر الأربعة، وأنه عنصر ~~العناصر. # ولما انتقلت علوم اليونان إلى مصر من طريق مدرسة الإسكندرية توسع الكهنة الذين كانوا ~~يدرسون العلوم في الاشتغال بعلم الكيمياء، وزعموا أنهم حولوا المعادن إلى ذهب في أول ~~عصور المسيحية فاضلوا كثيرا من محبي الاستطلاع والطامعين في الغنى العاجل، حتى اضطر ~~الإمبراطوران ساويرس وديوقلتيانوس أن يأمرا بإعدام كل كتب الكيمياء، ولكن نجت منها ~~طائفة وصلت إلى أيدي العرب فكانت عمدتهم في هذا الموضوع، ومنها اقتبسوا الألفاظ ~~اليونانية المستعملة عندهم في الكيمياء. ~~••• # في خلال القرون الوسطى ترجمت عدة مقالات عن «جابر بن حيان» إلى اللاتينية، ويدعونه ~~«جيبر» # Geber ~~، وكان له أثر كبير في تكوين مدرسة كيماوية ~~ذات أثر في بلاد الغرب، وبعد قليل كثر العارفون بتلك الصناعة فكتبوا مقالات كثيرة في ~~اللاتينية نسب أغلبها إلى جابر، غير أنها ظاهرة الانتحال. # على أن الروايات عن جابر كثيرة، والقصص من حوله عديدة وجوهه، غير أن مسيو برتيلو ~~يعتقد بأن كل الظواهر التاريخية تدل على أن جابرا كان ذا آصرة قريبة، ونسب أدنى ~~إلى حران في أوائل القرن الثاني من التاريخ الهجري. # برقين 1924 # | جابر بن حيان # (1) ماهيته التاريخية # لعل أبا عبد الله أو أبا موسى # 1 # جابر بن حيان بن عبد الله أشهر من يذكره تاريخ العلم في العصر العربي من ~~العلماء، فإن اسمه يقترن من حيث الشهرة، ومن حيث الأثر النافع بأسماء العظماء من رواد ~~الحضارة والعمران، ولقد قال فيه الأستاذ «برتيلو» المؤلف الفرنسوي وصاحب كتاب «تاريخ ~~الكيمياء في القرون الوسطى»: إن اسمه ينزل في تاريخ الكيمياء منزلة اسم أرسطوطاليس في ~~تاريخ المنطق، فكأن جابرا عند «برتيلو» أول من وضع لعلم الكيمياء قواعد علمية تقترن ~~باسمه في تاريخ الدنيا. # ولقد عرف جابر بن حيان في العالم اللاتيني باسم «جيبر» # Geber ms053 # واشتهر بكتاب عرف في اللاتينية باسم # Summa perfectionis ~~، ويقول البحاثة «هولميارد» بأن ~~هذا الكتاب مأخوذ عن كتاب جابر المسمى «الخالص»، على أن لجابر في العالم اللاتيني ~~كثيرا من المؤلفات المنسوبة إلى من يعرفونه «جيبر»، غير أن هذا الكتاب أشهرها وأعمها ~~بين الناس انتشارا، على أن الفرق بين جابر وبين من يعرف في العالم اللاتيني باسم ~~«جيبر» قد ذهب ببعض المؤلفين في العصور الأخيرة إلى القول بأنهما شخصان مختلفان، ولكن ~~الأستاذ «هولميارد» قد أثبت أن جابر بن حيان هو بعينه المعروف في العالم اللاتيني ~~باسم «جيبر» وأن كل الكتب المنسوبة في اللاتينية إلى الاسم الأخير هي تراجم أو ~~اقتباسات عن مؤلفات العالم الفارسي أصلا، العربي نسبة. # في القرن الثامن الميلادي «الثاني من الهجرة» عاش جابر بن حيان في بلاط الخليفة هارون ~~الرشيد في بغداد، وكان على صلة حسنة بالبرامكة، والظاهر من سيرته أنه كان أشد تعلقا ~~بهم منه بخليفة المسلمين؛ # 2 # لأن البرامكة كانوا يعلقون على علم الكيمياء شأنا كبيرا، وكانوا يشتغلون ~~بذلك العلم ويدرسونه درسا عميقا، ولقد ذكر جابر في كتابه «الخواص» كثيرا من ~~المحاورات التي وقعت بينه وبينهم في معضلات هذا العلم. ويقول القفطي في ترجمة جابر في ~~كتابه «تاريخ الحكماء»: # 3 # إنه برز في فروع العلوم الذائعة في عهده ولاسيما علم الكيمياء، والظاهر أنه ~~كان له نصيب من الاشتغال بعلم الطب وطرق العلاج؛ لأنه كان من الشائع في ذلك العهد أن ~~يقترن العلم بالكيمياء بالعمل في صناعة الطب. # كل هذه الأشياء تحوط اسم جابر بن حيان بكثير من الأسباب التي تدعو إلى التأمل والنظر، ~~أما ماهيته التاريخية فالمحقق منها أشياء خمسة: # أولا: # أن اسمه جابر بن حيان «بن عبد الله». # 4 # ثانيا: # أنه كان فارسيا أصلا، عربيا نسبة ~~ومنشأ. # ثالثا: # أنه عاصر الرشيد والبرامكة. # رابعا: # أنه كان على صلة ما بجعفر الصادق. # خامسا: # أنه أشهر من ألف في العربية في علم ~~الكيمياء. ~~(2) حياته ومولده # هو أبو عبد الله جابر بن حيان الكوفي، # 5 # وقد يذكر بكنية أبي موسى، ms054 ولا يعرف بالضبط مكان ميلاده، ولكن كل الثقات من ~~المؤرخين يكادون يجمعون على أنه ولد إما بطوس في خراسان في الشمال الشرقي من بلاد فارس، ~~وإما في حران بالعراق، على أن الذين ترجموا عن حياته من المشتغلين بعلوم المشرق ~~وتاريخه يرجحون أن طوس مسقط رأسه، # 6 # وكذلك يجمع كل الثقات على أنه قضى شطرا من حياته في مدينة ~~الكوفة، # 7 # وكان صديقا للبرامكة وزراء هارون الرشيد، # 8 # وأنه عاش ردحا من الزمان في بلاط بغداد، وقد ينسبه بعض الباحثين إلى طرطوس؛ ~~كما فعل المستشرق واستنفلد # Wastenfeld # أو يذهب غيره ~~إلى أنه صابئ من حران، كما فعل المستشرق «دريبلو» # d’Herbelot # في المؤلف المسمى «المكتبة الشرقية» # Bibliotheque orienatale # ص360. # ومن أغرب ما عثرت عليه من أقوال بعض الذين ترجموا عن حياة جابر من الإفرنج أن ~~بعضهم نسبه إلى إشبيلية من بلاد الأندلس، # 9 # وليس هذا هو الخطأ الوحيد الذي وقع فيه الأوروبيون في ترجمة جابر، فقد ذكر ~~في بعض التراجم أن جابرا «أشهر علماء العرب وفلاسفتهم»، # 10 # وفي موضع آخر أنه «عربي» مجرد عن كل نعت، # 11 # ثم تجد أنه ملك العرب، # 12 # وفي مخطوطة # 13 # من المخطوطات نعت بأنه ملك العجم، وفي مخطوطة نادرة كتبت قبل سنة 1500م ~~يدعى بملك الهند، # 14 # وهذا يدل على أن الأوروبيين حتى عهد قريب لم يحققوا شخصية جابر بن حيان، ~~وأن كل علمهم بشخصه كان قاصرا على أنه «شرقي»، وأن غالبهم كان يعتقد أنه «عربي» في ~~حين أنه فارسي، انتسب إلى المدرسة الكيماوية العربية. ~~••• # يستدل من التواريخ المحققة أن البرامكة ظلوا ممتعين بثقة هارون الرشيد سبعة عشر ~~عاما من سنة 786 إلى 803 ميلادية 170-188ه، فعلى هذا نستطيع أن نرجع بحياة جابر في عهد ~~فتوته وشبابه إلى تاريخ سابق على سنة 765م/148ه، وهي السنة التي توفي فيها جعفر الصادق، ~~وأن عهد رجولته يقع في الربع الأخير من القرن الثامن الميلادي إلى ما بين ~~775-800م/159-184ه، أما حجي خليفة في كتاب «كشف الظنون» فيقول بأنه توفي سنة ms055 160ه؛ أي ~~ما بين سنتي 776 و777م، غير أن هذا القول ظاهر الخطأ إذا راعينا الاعتبارات السابقة ~~وذكرنا علاقة جابر بالبرامكة، تلك العلاقة المحققة الوجود بكثير من المراجع ~~التاريخية. # أما الجلدقي # 15 # فقد روى في كتابه «نهاية الطلب» كثيرا مما عانى كيماويو العرب لدى أول ~~اشتغالهم بهذا العلم من الاضطهاد والمصاعب، وذكر عن جابر بن حيان أنه خلص من الموت ~~مرارا عديدة، كما أنه قاسى كثيرا من انتهاك الجهلاء لحرمته ومكانته، وأنهم كانوا ~~يحسدونه على علمه وفضله، وأنه اضطر إلى الإفضاء ببعض أسرار الصناعة - أي الكيمياء - إلى ~~هارون الرشيد وإلى يحيى البرمكي وابنيه الفضل وجعفر، وأن ذلك هو السبب في غناهم ~~وثروتهم، ولما ساورت الرشيد الشكوك في البرامكة وعرف أن غرضهم نقل الخلافة إلى ~~العلويين مستعينين بذلك بمالهم وجاههم، وقتلهم عن آخرهم، اضطر جابر بن حيان أن يهرب إلى ~~الكوفة خوفا على حياته # 16 # حيث ظل مختبئا حتى أيام المأمون فظهر بعد احتجابه. وكل ما يهمنا في هذه ~~الرواية أن المعروف على رواية ابن النديم وحجي خليفة أنه توفي سنة 160ه/776-777م، ~~ولكن إذا صحت رواية الجلدقي فلا بد من أن يكون جابر قد عاش بعد هذا العهد بزمان طويل؛ ~~لأن المأمون لم يرتق عرش الخلافة إلا سنة 198ه/713م، وهذه الروايات المتناقضة توسع ~~مجالا كبيرا للبحث والتأمل. ~~(3) مؤلفاته # كان جابر بن حيان أكثر العلماء كتابة وتأليفا، أما قائمة كتبه الأصلية التي كانت بين ~~يدي ابن النديم صاحب الفهرست فقد فقدت، ولذلك تجد أن القائمة التي ذكرها في الفهرست ~~ناقصة لا يعتمد عليها كمرجع يصح أن يعتبر كاملا. # أما العلامة «فلوجل» # Flugel # الألماني فاعتمد عليها ~~واتخذها مرجعا تاما، وكان ذلك من أكبر الأخطاء التي اعتورت بحثه في حياة جابر هو ~~وتلاميذه الملتفون من حوله، الناحون في البحث نحوه، # 17 # أما ترجمة «برتيلو» # 18 # لأسماء الكتب التي أخذها عن الفهرست لابن النديم فأكثرها غير صحيح، وفي ذلك ~~دلالة على أنه لم يستطع أن يدرك معنى الأسماء إدراكا تاما، وأنه لم يحقق ما وقع ms056 فيها ~~من التصحيف والخطأ النقلي. # أما إذا أردنا أن نذكر كل مؤلفات جابر التي تناقلت الألسن أسماءها منسوبة إليه، فإن ~~ذلك يشغل فراغا كبيرا ولكنا نذكر هنا أشهر كتبه المعروفة مقسمة إلى أربعة أقسام: # الأول: # الكتب التي ذكرها صاحب الفهرست والكتب التي يوجد منها طبعات ~~معروفة أو مخطوطات محفوظة. # الثاني: # كتبه المشهورة التي لم تعرف في العالم العربي الحديث وعرفت في ~~أوروبا. # الثالث: # الكتب المذكورة في الفهرست، وهي إما معروفة بالاسم فقط، وإما ~~موجودة بالفعل. # الرابع: # الكتب التي لم تعرف إلا عناوينها. # ولقد أجمع أكثر من وقفت على كتاباتهم في جابر على أن كتاب «السموم» من الكتب التي ~~فقدت ولم يعرف منها إلا اسمها، ولكن الحقيقة على الضد من ذلك كما سنرى بعد. # الكتب التي ذكرها صاحب الفهرست والكتب التي يوجد منها طبعات معروفة أو مخطوطات ~~محفوظة ~~(2) # كتاب إسطقس الأس الأول، نقل بالزنكوغراف في الهند سنة 1891. ~~(3) # كتاب إسطقس الأس الثاني، نقل بالزنكوغراف في الهند سنة1891. ~~(4) # كتاب إسطقس الأس الثالث، نقل بالزنكوغراف في الهند سنة 1891، ويظهر أن ~~الجزء الثالث من هذا الكتاب هو المعروف عند صاحب الفهرست بكتاب ~~الإسطقس. ~~(5) # كتاب تفسير الإسطقس، وهذا يضاف إلى الكتب الثلاثة المتقدمة، ولم يذكره ~~صاحب الفهرست. ~~(6) # كتاب الواحد الأول، منه نسخة بالقسم العربي من المكتبة الأهلية # Bibliotheque Nationale # بباريس في ~~المجموعة رقم 2606 وأرجح أنه هو بعينه الكتاب الذي ذكره صاحب الفهرست باسم ~~كتاب الواحد الكبير. ~~(7) # كتاب الواحد الثاني، منه نسخة بالمكتبة الأهلية بباريس بالمجموعة رقم ~~2606 ويرجح أنه المعروف عند ابن النديم باسم كتاب الواحد الصغير. ~~(8) # كتاب الركن، يرجح أنه هو بعينه كتاب الأركان، وقد أخذت مقطوعات منه في ~~القسم السابع من كتاب «رتبة الحاكم» للمجريطي، ويقول هوليمارد بأن كتاب ~~رتبة الحاكم نسب خطأ إلى المجريطي، وقد ذكر جابر نفسه كتابا له باسم كتاب ~~الأركان الأربعة في كتابه «نار الحجر» - أما المجريطي فهو أبو القاسم مسلمة ~~بن أحمد المجريطي الذي عاش في مدينة مدريد في حكم الحكم الثاني 961-976م ~~درس الفلسفة والرياضيات والفلك والكيمياء ms057 في الشرق، وكان على صلة بإخوان ~~الصفا، ويظن أنه كتب بعض فصول من رسائلهم المعروفة، بما في ذلك الفصل ~~المكتوب في الكيمياء، وقد أكثر من ذكرهم في كتاب رتبة الحاكم. ~~(9) # كتاب البيان، نقل الزنكوغراف في الهند سنة 1891. ~~(10) # كتاب النور، نقل الزنكوغراف في الهند سنة 1891. ~~(11) # كتاب الزئبق، طبع برتيلو المؤلف الفرنسوي كتابين أحدهما باسم كتاب الزئبق ~~الشرقي، والآخر باسم الزئبق الغربي، ونقلهما من مكتبة ليون في القسم العربي ~~مجموعة رقم 440، ومنهما نسختان بالمكتبة الأهلية بباريس بالمجموعة رقم ~~2606. ~~(12) # كتاب الشعر، منه نسخة بالمتحف البريطاني بالمجموعة رقم 7722 نمرة ~~5. ~~(13) # كتاب التبويب، منه نسخة بالمكتبة الأهلية بباريس بالمجموعة رقم 2606 ~~وذكره الطغرائي، (راجع المجموعة رقم 8229 بالمتحف البريطاني). ~~(14) # كتاب الدرة المكنونة، في المتحف البريطاني محفوظة بهذا العنوان ضمن ~~مؤلفات جابر بن حيان بالمجموعة رقم 7722. ~~(15) # كتاب الشمس وكتاب القمر؛ أي كتاب الذهب وكتاب الفضة، يرجح أنه مختصر عن ~~كتاب الأحجار السبعة، وقد ذكره الجلدقي في نهاية الطلب، ومنه نسخة بالمكتبة ~~الأهلية بباريس بالمجموعة رقم 2606. ~~(16) # كتاب التراكيب، منه نسخة بالمكتبة الأهلية بباريس بالمجموعة رقم 2606 ~~ويرجح أنه الذي ذكر في الفهرست باسم كتاب التراكيب. ~~(17) # كتاب الحيوان، يذكر الجلدقي كتابا نسبه إلى جابر بعنوان كتاب حياة ~~الحيوان. ~~(18) # كتاب الأسرار، يرجح أنه كتاب «سر الأسرار» المحفوظة منه نسخة بالمتحف ~~البريطاني «بالمجموعة رقم 23418 نمرة 14»، وأنه هو الذي ذكر منه الطغرائي ~~عدة مقطوعات في عدة مواضع (راجع مجموعة المتحف البريطاني رقم 8229)، وفي ~~اللاتينية مخطوطة تنسب إلى جابر عنوانها # Secreta ~~secretorim # في كلية جوفنيل وكايوس # Govnille & Caius college # رقم 181 وفي كلية كوربس ~~كرستي # Corpus Christi # كمبردج رقم 99. ~~(19) # كتاب الأرض، لجابر كتاب «أرض الأحجار» طبعة برتيللو مأخوذا عن مجموعة ~~ليدن رقم 440، ومنه نسخة بالمكتبة الأهلية بباريس بالمجموعة رقم ~~2606. ~~(20) # كتاب التركيب الثاني، منه نسخة بالمكتبة الأهلية بباريس بالمجموعة رقم ~~2606. ~~(21) # كتاب الخواص، منه نسخة بالمتحف البريطاني رقم 4041 وبالمجموعة رقم ~~23419. ~~(22) # كتاب التذكير، ترجم العلامة هولميارد اسم هذا الكتاب من الإنجليزية # The book of rendering masculin # فهو ~~إذن خاص بالبحث في عنصر الإنتاج ms058 المعروف، وليس بمأخوذ عن مجرد التذكير ~~الذهني، وفي المتحف البريطاني مخطوطة بهذا العنوان مذكورة ضمن مؤلفات جابر ~~بالمجموعة 7722 رقم 12. ~~(23) # كتاب الاستتمام، ذكر الطغرائي بعض مقطوعات صغيرة من هذا الكتاب (راجع ~~محفوظات المتحف البريطاني رقم 8229)، وكذلك ذكره الجلدقي في كتابه نهاية ~~الطلب، وهذا الكتاب يقابل اسم الكتاب المعروف في اللاتينية ومنسوب إلى جابر ~~بعنوان: # Liber da investigatione ~~perfectioni ~~. ~~(24) # كتاب الأحجار، نقل بالزنكوغراف في الهند سنة1891. ~~(25) # كتاب الروضة، ذكره الجلدقي في الجزء الثامن من كتابه نهاية الطلب. ~~(26) # كتاب المنافع، في مكتبة برلين مخطوطة رقم 4199 بعنوان كتاب منافع ~~الأحجار. ~~(27) # كتاب الإيضاح، نقل بالزنكوغراف في الهند سنة1891. ~~(28) # كتاب مصححات أفلاطون، منه نسخة بالقسطنطينية بمكتبة راغب باشا مجموعة 96 ~~رقم 4. ~~(29) # كتاب الضمير، منه نسخة بالمكتبة الأهلية بباريس بالمجموعة 2606، وذكره ~~الجلدقي في الجزء الثاني من نهاية الطلب باسم كتاب الضمير في خواص ~~الإكسير. ~~(30) # كتاب الموازين، طبعة برتيلو مأخوذا عن نسخة بليدن محفوظة بالمجموعة 440، ~~ويظن مستر هولميارد أن هذا الكتاب هو المعروف بعنوان: # Liber de ponderibis artis # المحفوظة ~~منه نسخة في مكتبة الجمعية الكيماوية بباريس رقم 1654 ص103 في فهرست ~~المكتبة. ~~(31) # كتاب الملك، ذكر صاحب الفهرست أن جابرا قد ذكر أنه ألف كتابا باسم ~~«كتب الملك»، وهذا يدل إن صح، على أن الكتاب المذكور كان يتكون من عدة ~~كتب جمعت تحت عنوان واحد، ومما يؤيد هذا الزعم أن برتيلو طبع كتاب الملك ~~عن نسخة بليدن رقم 440 من المجموعة العربية، في حين توجد نسخة أخرى مختلفة ~~عما طبع برتيلو في المكتبة الأهلية بباريس رقم 2605، وهاتان النسختان ~~مختلفتان عن نسخة من كتاب الملك نقلت بالزنكوغراف في الهند سنة 1891، ويرجح ~~هولميارد أن هذا الكتاب نقل إلى اللاتينية وذكره بوريليوس # Borellius ~~(راجع محفوظات الجمعية ~~الكيماوية بباريس رقم 1654 ص103) وذكره كاريني # Carini # أيضا بعنوان # Rivista ~~sicula ~~. ~~(32) # كتاب الرياض، منه نسخة بمكتبة بودلي رقم 70 وأخرى بالمتحف البريطاني ~~المجموعة 7722 رقم 5. # كتب ذات خطر لم تعرف في العالم العربي الحديث ~~(33) # كتاب أبي قلمون، في الجدول الذي ذكر فيه صاحب ms059 الفهرست مؤلفات جابر يذكر ~~كتابا بعنوان «كتاب إلى قلمون»، وقد ترجم برتيلو اسم هذا الكتاب إلى ~~الفرنسوية فكان عنده # Livre a Qalamoc (Plus-etre fait-il) ~~lire le livre du Cameleon ~~. # وكلمة # Caméleon # معناها الحرباء ~~وبالإنجليزية # Chameleon # أما البحاثة ~~«فلوجل» فيقرر أن قراءة «إلى قلمون» في الفهرست تصحيف أو خطأ في النقل، ~~وأنها تقرأ «أبي قلمون» ويقول «هولميارد»: إن ما قرره «فلوجل» لا يحتمل ~~شكا؛ لأن كلمة «أبي قلمون» في العربية اسم للحشرة المعروفة في الإنجليزية ~~باسم # Jasper # وهي حشرة تأكل الذباب، وقد ضرب ~~المثل في العداء بالضب والنون والذباب وأبي قلمون. ~~(34) # كتاب ال «ب د و ح» ذكر في الفهرست، ويقول هولميارد: إن برتيلو قد أخطأ ~~في قراءة الاسم إذ قرأه كتاب البدوح # al-Badouh # من غير أن يفسر ما البدوح ~~هذا، ويقول بأن القراءة الصحيحة هي كتاب ال «ب د و ح»؛ لأن مجموع هذه ~~الأحرف يمثل القيمة العددية 2468، غير أني أرجح صحة قراءة برتيلو، فإنا لا ~~نزال نرى على بعض الخطابات كلمة «بدوح» وتحتها الرقم 8642، وهو الأصح لا ~~الرقم 2468 كما ذكر هولميارد، وهو طلسم يفيد السرعة والإنجاز، ولعله كان ~~يستعمل كما قال هولميارد كتعويذة طلسمية تسهل على الوالدات إذا تعسرن في ~~الوضع، والعلامة دي ساسي من هذا الرأي. ~~(35) # كتاب المجردات، ذكر في الفهرست، وهو بعينه المعروف في اللاتينية باسم # Liber denudatorum # ونسب إلى الرازي خطأ ~~(راجع دوزي)، وذكره أيضا بوريليوس. ~~(36) # كتاب التصريف، وهو المعروف في اللاتينية باسم # Liber ~~mutatorium ~~. ~~(37) # كتاب الثلاثين كلمة، معروف في اللاتينية باسم # Liber de ~~xxx verbis ~~. ~~(38) # كتاب الخمسة عشر، معروف في اللاتينية باسم # Liber ~~xv # منه نسخة عربية في مكتبة جامعة ترينتي بإكسفورد رقم ~~363. ~~(39) # كتاب مصححات سقراط، يظن هولميارد أنه نفس الكتاب المعروف في العالم ~~اللاتيني باسم: # Ad landem Socratis dixit ~~Geberis # منه نسخة في مكتبة بودلي رقم 1416. ~~(40) # كتاب السبعين، ذكره برتيلو ووصفه أتم وصف، وهو معروف في العالم اللاتيني ~~باسم # Liber Lxx # في المتحف البريطاني ~~بالمجموعة 10764. ~~(41) # كتاب شرح المجسطي، ذكر في الفهرست وترجمه «جيرار ms060 الكريموني» # Gerard of Cermona # منه مخطوطة بجامعة ~~كوربس كرستي بإكسفورد بالمجموعة 233، وأخرى بمكتبة بودلي، وثالثة بمكتبة ~~جامعة كمبردج. ~~(42) # كتاب الوصية، منه نسخة بالمتحف البريطاني بالمجموعة 7722، ومنه ترجمة ~~لاتينية # Geberi testamentum # في جامعة ~~ترينتي بكمبردج «مجموعة 925 و138»، وقد طبعت هذه الترجمة عدة طبعات. ~~(43) # كتاب الملاغم، ذكر في رتبة الحاكم، أما الملاغم في الكيمياء فيراد بها ~~خليط من معدن وزئبق، وفي المعادن الملغمى معدن يكون على هيئة بلورات أو كتل ~~كبيرة أو نصف سائل أبيض اللون فضيه، إذا قصم أو قطع أحدث صريرا، وهو مؤلف ~~من فضة وزئبق، أما ملغم الذهب فهو حصى معدنية صغيرة الحجم كالحمص بيضاء ~~اللون حبيبية القوام سهلة التفتت، وقد تكون على هيئة موشورات بيضاء ضاربة ~~إلى الاصفرار ثلثها ذهب وثلثاها زئبق. ~~(44) # كتاب الخالص، يقول «هوفر» # Hoefer # في ~~كتابه «تاريخ الكيمياء» إن كتاب الخالص هو الأصل الذي أخذ عنه الكتاب ~~المعروف في العالم اللاتيني باسم # Summa ~~perfectionis ~~، غير أنه لم يؤيد قوله هذا ~~ببرهان. # الكتب المذكورة في الفهرست، وهي إما موجودة أو معروفة بالاسم فقط ~~(45) # كتاب صندوق الحكمة. ~~(46) # كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل. ~~(47) # كتاب الحدود، منه نسخة بمكتبة القاهرة. ~~(48) # كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار، منه نسخة بالمتحف البريطاني في المجموعة ~~7722 رقم 54 وأخرى بمكتبة القاهرة، وطبعه في لوندرا مصحوبا بترجمة ~~إنجليزية للأستاذ «ستيل» # R. Stule # سنة ~~1892، ونشره «لوزاك» # Luzae & ~~Co ~~. ~~(49) # رسالة في الكيمياء، منها نسخة بمكتبة القاهرة. ~~(50) # كتاب في علم الصنعة الإلهية والحكمة الفلسفية، من نسخة بمكتبة ~~القاهرة. ~~(51) # كتاب خواص إكسير الذهب، منه نسخة بالمكتبة الأهلية بباريس بالمجموع 2625 ~~رقم 6، وترجمه إلى الإنجليزية العلامة هولميارد ونشر بمجلة # Science progress # سنة 1922 ص258، حيث ~~ذكر خطأ أنه رسالة من كتاب الخواص المار ذكره. ~~(52) # كتاب المقابلة والمماثلة، بمكتبة برلين رقم 4177 قسم عربي. ~~(53) # كتاب الرحمة، طبعه برتيلو عن نسخة مخطوطة بمكتبة ليدن رقم 440 قسم عربي، ~~أما الأستاذ هولميارد فيقول: إن هذا الكتاب من تأليف أبي عبد الله محمد ~~بن يحيى ذكر فيه كثيرا من المقطوعات ms061 عن جابر، ودليله على هذا أن مؤلفه ~~ذكر اسم نفسه في أكثر من موضع من الكتاب. ~~(54) # كتاب الرحمة الصغير، طبعه برتيلو ومنه نسخة في المكتبة الأهلية بباريس ~~رقم 2605، ونقل بالزنكوغراف في الهند سنة 1891. ~~(55) # كتاب التجميع، طبعة برتيلو عن نسخة في مكتبة ليون رقم 440 قسم ~~عربي. ~~(56) # كتاب التجريد، نقل بالزنكوغراف في الهند سنة 1891، وذكر جابر أنه ألف هذا ~~الكتاب بعد 112 مؤلف له، وأنه يؤلف حلقة من سلسلة كتبه في الميزان. ~~(57) # كتاب السهل، منه نسخة بالمتحف البريطاني رقم 7722. ~~(58) # كتاب الصافي، منه نسخة بالمتحف البريطاني رقم 7722. ~~(59) # كتاب الإحراق. ~~(60) # كتاب التخليص. ~~(61) # كتاب الإبدال. ~~(62) # كتاب زهر الرياض. # هذه الكتب الأربعة الأخيرة ذكرها الجلدقي. ~~(63) # كتاب الأصول، في المتحف البريطاني بالمجموعة 23418 رقم 13، وذكر بوريلوس ~~أنه ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان # Liber ~~Radicum ~~. ~~(64) # كتاب مهج النفوس، ذكره الجلدقي في الجزء الثاني من نهاية الطلب. ~~(65) # كتاب شرح كتاب الرحمة، ذكره الجلدقي في الجزء الثاني من نهاية ~~الطلب. ~~(66) # كتاب العفو، ذكره الطغرائي، وبالمتحف البريطاني نسخة رقم 8229. ~~(67) # كتاب الراحة، ذكره الطغرائي. ~~(68) # كتاب السر المكتوم، ذكره الطغرائي. ~~(69) # كتاب العوالم، ذكره الطغرائي، وكذلك ذكر برتيلو مؤلفا بهذا العنوان في ~~الطبعة التي أخرجها لكتاب الموازين، ومن هذا الكتاب نسخة في المكتبة ~~الأهلية بباريس رقم 2606. ~~(70) # كتاب الذهب. ~~(71) # كتاب الفضة. ~~(72) # كتاب النحاس. ~~(73) # كتاب الحديد. ~~(74) # كتاب الأسرب. ~~(75) # كتاب القصدير أو القالي. # ومن هذه الكتب الستة نسخ بالمكتبة الأهلية بباريس رقم 2606. ~~(76) # كتاب الخارصيني أو الخار الصيني، والخار الصيني معدن سمي في ~~اللاتينية # Katesim # ويرجح أنه تركيب من ~~الزنك والحديد: ويقول دوزي: إنه اسم صرف على الزنك وحده، ومنه نسخة ~~بالمكتبة الأهلية بباريس رقم 2606. ~~(77) # كتاب الإيجاز. ~~(78) # كتاب الحروف. ~~(79) # كتاب الكبير. # ومن هذه الكتب الثلاثة نسخ بالمكتبة الأهلية بباريس رقم 2606. ~~(80) # كتاب نار الحجر، منه نسخة بالمكتبة الأهلية بباريس رقم 2606، وطبعه ~~برتيلو عن نسخة بمكتبة ليون رقم 440. # كتب لم تعرف إلا عناوينها ~~(81) # كتاب الأربعة. ~~(82) # كتاب التصعيد. ~~(83) # كتاب الأطيان. ~~(84) # كتاب التنقية. # وهذه الكتب الأربعة ذكرها الجلدقي بلا تعليق في نهاية الطلب. ~~(85) # كتاب التنزيل. ~~(86) # كتاب المنتهى. # ذكرهما جابر نفسه في ms062 كتاب الخواص. ~~(87) # كتاب الخمسين، ذكره جابر في كتاب الزئبق الغربي. ~~(88) # كتاب الأدلة، ذكره جابر في كتاب الموازين. ~~(89) # كتاب صفة الكون، ذكره جابر في كتاب الرحمة الصغير. ~~(90) # كتاب تدبير الحكماء، ذكره جابر في كتاب الموازين. ~~(91) # كتاب السموم. # ولقد اضطررت هنا إلى ذكر كتاب السموم بين كتب جابر التي لم تعرف إلا ~~عناوينها مجاراة للرأي الشائع في أوروبا في حين أن هذا غير صحيح كما ~~سيبين بعد. ~~(4) كتاب السموم # من أشهر مؤلفات جابر بن حيان كتاب السموم؛ لأن السموم في الكيمياء وفي المادة الطبية # Materia Medica # من أشد الأشياء علاقة بعلم الطب، ~~غير أن الظاهر أن أكثر الباحثين من المستشرقين، ومن بينهم فئة من مثل الأستاذ روسكا ~~وهولميارد وده ساسي لم يعثروا على نسخة من كتاب السموم، غير أني عثرت في المقتطف على ~~مقالة نشرت بالمجلد 58 ص40 و41 على شيء عن كتاب السموم نجتزئ منه مما يأتي إتماما ~~لفائدة البحث: # ولجابر بن حيان كتاب اسمه السموم، منه نسخة بالمكتبة التيمورية بمصر يقال ~~فيها: إن مؤلف الكتاب هو أبو موسى جابر بن حيان الصوفي تلميذ جعفر الصادق، ~~وأن هذه النسخة نسخت بشيراز سنة ثلاث وخمسمائة خراجية، وإذا ثبتت نسبة هذا ~~الكتاب إلى جابر بن حيان فهو إذا أقدم الكتب العربية التي وصلت إلينا؛ لأن ~~جابرا توفي سنة 160 للهجرة على ما ذكره حجي خليفة في كشف الظنون، وذلك يطابق ~~سنة 776 ميلادية، وفي رواية أخرى أن جابرا كان تمليذا لخالد بن يزيد وهذا ~~توفي سنة 85 للهجرة، وقد تضاربت الأقوال في مسقط رأسه، فقيل في طوس، وقيل في ~~الكوفة، وقيل بحران في القرن الثالث الهجري، وإنه كان صابئا. # وهذه النسخة مبدوءة بالبسملة ولكنها خلو من الحمدلة والصلاة والتسليم. وهذا ~~يدل على أنه كان صابئيا، ولعل البسملة زيادة من النساخ. # والكتاب مقسوم إلى ستة فصول: # الأول: # في أوضاع القوى الأربع وحالها مع الأودية المسهلة ~~والسموم القاتلة، وحال تغير الطبائع والكيموسات المركبة منها ~~أبدان الحيوانات. # والثاني: # في أسماء السموم ومعرفة الجيد منها والرديء وكمية ms063 ما ~~يسقى من كل واحد منها، وكيف يسقى، وأوجه إيصالها إلى ~~الأبدان. # والثالث: # في ذكر السموم العامة الفعل في سائر الأبدان، والتي ~~تخص بعض أبدان الحيوان دون بعض، والتي تخص بعض الأعضاء من ~~أبدان الحيوانات دون بعض. # والرابع: # في علامات السموم المسقاة والحوادث العارضة عنها في الأبدان ~~والإنذار فيها بالإخلاص والمبادرة إلى علاجه والحكم بالإياسي ~~مما لا حيلة فيه. # والخامس: # السموم المركبة وذكر الحوادث الحادثة ~~عنها. # والسادس: # في الاحتراس من أخذ السموم قبل أخذها، فإذا أخذت لم ~~تكد تضر، وذكر الأدوية النافعة في السموم إذا شربت من بعد ~~الاحتراس منها. # وقد قسم السموم إلى ثلاثة أنواع: حيوانية ونباتية وحجرية، فمثال الأولى مرارة ~~الأفاعي، ومرارة النمر، ولسان السلحفاة، وذنب الإيل، والأرنب البحري، والضفدع ~~والذراريح والعقارب والكلب الكلب، ومثال الثانية البيش، وقرون السنبل ~~والأفيون، والبنج الأسود والشوكران، والشيلم والجوز ماثل، والكسيرة، وبزر ~~قطونا، والقطر، والكمأة، وصمغ الشذاب والبلاذر والدفلى والخربق واللفاح ~~واليبروج وعنب الثعلب والحلتيت، ومثال الثالثة الزنجار والزئبق والزرنيخ ~~والنورة والزاج والشب والطلق وبرادة الحديد وبرادة الذهب. # وقد أكثر المؤلف من ذكر فلاسفة اليونان وأطبائهم كأنه اعتمد عليهم، ولا سيما ~~في الكلام العلمي عن فعل السموم كقوله قد أطلق بقراط وجالينوس وأندروماخس، ~~وسائر أصحاب المهنة الطبية أنه لا شيء في أجسام الحيوان من الأخلاط أكرم من ~~الدم، وأنه قاعدة البدن. ~~(5) تلمذته على جعفر الصادق # يقع في أكثر التراجم التي كتبت عن حياة جابر بن حيان أنه تلميذ للإمام السادس جعفر ~~الصادق # 19 # 80 أو 81 إلى 147ه، 699 أو 700 إلى 765م، وليس في التاريخ الزماني ما يناقض ~~ذلك، فإن المرجح أن جابرا قد عاش ما بين سنتي 112 أو 123 إلى 195ه، 730 أو 740 إلى ~~810م، # 20 # ولكن الشك الكبير يقع في أن جعفرا قد اشتغل بالكيمياء. # نترك هذا البحث إلماما لنحقق النظر في مسألة أثار غبارها الأستاذ روسكا # Ruska # 21 # فإنه يقول بأن المسلمين ينقسمون إلى قسمين عظيمين، الشيعيون والسنيون، ~~وأن الشيعة غالبهم من الفرس، ويقدسون علي بن ms064 أبي طالب، ولهم فيه معتقدات شتى، وأنهم ~~أكثر نزعة إلى الصوفية؛ أي الباطنية الإسلامية من نظرائهم الآخرين، وإذ كان جعفر الصادق ~~سليل بيت علي بن أبي طالب، لذلك يحترمه الشيعيون احتراما كبيرا، ويحلونه مكانة ~~عالية من نفوسهم، ولهذا فالأستاذ روسكا يرجح أن يكون جابر، وهو فارسي، ولا يبعد أنه كان ~~ذا نزعة صوفية # 22 # قد احتك بجعفر الصادق، وأنه كانت بينهما صلة وصداقة، وهذا القول هو الذي ~~يرجح به الأستاذ روسكا أن علاقة كانت بين جابر وبين جعفر الصادق. # غير أن الأستاذ روسكا لا يقف عند هذا الحد، بل يذهب بعد هذا إلى رأي آخر، حيث يحاول ~~أن يثبت أن جعفرا لم يشتغل بعلم الكيمياء، ويريد من جهة أخرى أن يقول بأن كتب ~~الكيمياء المنسوبة إلى جعفر منتحلة فعلا، وأنه لم يشتغل بذلك العلم، ولم يؤلف فيه. وهو ~~يمضي في هذا الرأي موردا كثيرا من الأسباب التي تحمله على الاستمساك به، غير أننا ~~نورد سببا واحدا من الأسباب التي ذكرها، فهو يقول بأنه مما يبعد تصوره أن الاشتغال ~~بعلم الكيمياء، وإن كان قد انتشر وذاع في الإسكندرية وبغداد ودمشق، قد يحتمل أن يكون قد ~~وصل إلى المدينة، حيث كان يعيش جعفر الصادق، أحد أركان الشيعة، وإمام من أئمتها العظام، ~~وأن يكون قد اشتغل عن الدعوة الشيعية بالزئبق والفوسفور، أو بتعليم أمثال جابر بن حيان ~~طريقة تحويل المعادن بعضها إلى بعض، واستنادا على هذا الرأي، لا يقف عند حد الاعتقاد ~~بأن جعفرا لم يشتغل بالكيمياء لا غير، بل يمضي معتقدا بأن كل الكتب المنسوبة إلى جابر ~~والتي ذكر فيها أن جابرا كان تلميذا لجعفر يجب أن تعتبر مدخولة على جابر، وأنها من ~~مختلقات العصور التالية لعصرهما. # على أن في مذهب الأستاذ روسكا كثيرا من مواضع الشك وترجيحات لا مرجحات لها، وذلك ~~للأسباب الآتية: # أولا: # لم يستدل في التواريخ الموثوق بها أن جعفرا الصادق أمضى كل ~~حياته بالمدينة لم يبرحها. # ثانيا: # أن قول الأستاذ روسكا في أنه لم يعرف أن المدينة كانت ms065 ~~مركزا لدراسة علم الكيمياء إن كان صحيحا، فإن صحته لا تنافي مطلقا ~~أن يكون الإمام جعفر قد درس الكيمياء في مكان آخر. # ثالثا: # أن علم الكيمياء لم ينتعش ويثمر إلا بين أيدي الفارسيين ~~أولا، وأنهم كانوا يعكفون على الاشتغال به. # رابعا: # أن الصوفيين غالبا ما كانوا يدخلون المصطلحات الكيماوية في ~~أشعارهم الباطنية. # خامسا: # ولهذا نقول بأن جعفرا إذ كان من عمد الشيعة وأئمتها الكبار، ~~وإذ كان على اتصال بشيعيي فارس، فلهذا لا يوجد من سبب ظاهر يحول دون ~~الاعتقاد بأنه كان يشتغل بعلم الكيمياء من طريق نظري على الأقل، إن لم ~~يكن من طريق عملي تجريبي. # سادسا: # أن جابرا كان صوفيا كما هو مرجح من مقدمة كتاب السموم ~~الذي ذكر قبلا، ومن ترجمة القفطي له في تاريخ ~~الحكماء. # سابعا: # أن العادة في الطريقة الصوفية أن يتبع كل صوفي منهم شيخا ~~له، ولا يبعد أن يكون جابر قد تلمذ بالفعل على جعفر في الصوفية، ولا ~~يبعد أن يكون قد سمع منه شيئا في الكيمياء. # كل هذه الحقائق والاحتمالات لا تدل، حتى ولو لم يثبت أن جعفرا كان مشتغلا ~~بالكيمياء، على انبتات حبل الصلة بين جعفر وجابر، كما أنه لم يثبت أن جعفرا لم يكن ~~عارفا بمبادئ الكيمياء وأغراضها. # على أن القول في ذلك عديدة وجوهه مشعبة نواحيه، وقد يحتمل أن يكون رأي الأستاذ ~~روسكا صحيحا، وقد يكون هو الواقع، غير أن البراهين تنقصه. ~~(6) منزلته في التاريخ # ليس من شك في أن اسم جابر بن حيان من الأسماء الخالدة في التاريخ، وسواء أكان ~~عربيا أم فارسيا، مسلما أم صابئا، خراسانيا أم كوفيا، فإنه من مفاخر الشرق ~~برمته، بل من مفاخر الإنسانية كلها، لهذا نود في هذه الخاتمة أن ننبه بعض الذين ~~ينحون علينا بقولهم إننا نريد أن ننتقص العرب في مدنيتهم وعلومهم ، على أن النصفة ~~والإقساط في القول، لا سيما لدى النظر في مباحث التاريخ، لن تتوافر أسبابهما إلا بتوافر ~~أسباب الاستقلال في الرأي، ولهذا نختتم هذا البحث متسائلين كما سأل أرسطوطاليس ms066 إخوانه ~~في التلمذة: «إذا اختلف أفلاطون والحق، فأيهما أولى بالمحبة؟» # 23 # | أسلوب الفكر العلمي # نشوؤه وتطوره في مصر خلال نصف قرن # نشوء أساليب الفكر، سواء أكانت علمية أم أدبية، وتغير نزعات الفن، واختلاف السبل التي ~~تنتحيها الآمال أو تتمشى فيها العواطف أو تثور من أجلها الانفعالات، كلها منازع لا تدل على ~~شيء دلالتها على أن للأمم حياة كامنة، تختفي وراء الظواهر الاجتماعية التي تقع آثارها تحت ~~حسنا، على أننا إن مضينا في بحثنا هذا مؤمنين بأن لأساليب الفكر نشوءا، وأن لنزعات ~~النفس مناهج تتغير وتتحول، وأن للآمال التي تجيش في الصدور والعواطف والانفعالات التي ~~تمتلئ بها المشاعر مناح خاصة، ومنازع تتبدل ولا تثبت على حال، فإنما نمضي في ذلك مقتنعين ~~كل الاقتناع بأن للأساليب الفكرية وما إليها من مظاهر الحياة الكامنة، أجل ينقضي كحياة ~~الأفراد، وأن نشوءها وتطورها خاضع جهد الخضوع لسنن الحياة، وإن كان من الصعب أن نعرف من ~~حقيقة تلك السنين شيئا، أو نستبين من خوافيها أمرا. # تتكون الحياة الكامنة في الأمم من مجموع تلك «الآمال الغامضة المبهمة التي تجيش في صدور ~~الآلاف المؤلفة من أبناء آدم، وهم عاجزون عن إقناع شهوتنا أو التعبير عن حقيقتها، والسقطات ~~والهزائم التي تمر في عالم الحياة من غير أن يعرفها أحد أو يهتم بها إنسان، والرغبات التي ~~تعيش في صدور الناس ممتدة في سلسلة من التواصل والتتابع غير متناهية، أو تتشكل في صورة ما ~~من صور حياتهم، والمحاولات التي يتشبث بها الناس ابتغاء الوصول إلى حل المشكلات العملية ~~التي يمليها الطمع عليهم، أو تبعث بها الحاجة في النفوس، وتلك الساعات الطويلة التي ينفقها ~~محبو العلم سدى، طمعا في الوقوف على أسرار الطبيعة، جماع هذه المجهودات المخبوءة وراء ~~أستار الحياة هي التي تكون ذلك الهيكل الذي نسميه «فكر الأمة»، ولا يطفو منه ظاهرا على سطح ~~الحياة إلا جزء ضئيل بارز في صورة من الأدب أو العلم أو الفن أو المنتجات ~~المادية.» # 1 # وإذن ففي مشاعر الناس وآمالهم وانفعالاتهم وعواطفهم، وفي أعماق تصوراتهم ms067 يجب عليك أن ~~تتغلغل مسترشدا بمصباح «ديوجنيس»؛ # 2 # لتفتش في تلك الأغوار القصية عن ضالتك، إذا أردت أن تتكلم في أساليب الفكر أو ~~تعبر عن شيء من أسرار الحياة الكامنة في تضاعيف الأمم، على أنك لا محالة عاجز عن أن تبلغ من ~~التغلغل في صميم تلك الأغوار إلى نهاية تلمس فيها الحقيقة العلمية، أو تبلغ عندها إلى ~~الأسباب التي تحرك الجماعات وتقسرها على أن تتبع في الحياة طريقا ما. # من هنا نعلم علما حقا أن الوقوع على نقطة ابتداء نبدأ منها سفرنا في تقصي الأسباب ~~التي تغير من أساليب الفكر أمر بعيد مناله، إن نحن بحثنا وراءه في حياة الأمم الكامنة، ~~لهذا يجب علينا أن نرجع إلى ظواهر الحياة الملموسة لنتخذ منها نقطة ابتداء نتقصى بها شيئا ~~عن المتجه الذي يتمشى فيه الفكر، وأن ندرس الأسباب الظاهرة التي حدت بالجموع البشرية إلى ~~اتباع سبيل دون غيرها، أو الاستنامة لفكرة أو مذهب أو مبدأ دون أن نتصور يوما أن في ~~مستطاعنا معرفة الأسباب الحقيقية المستترة وراء تلك الظواهر. # خصت بعض عصور التاريخ بقيام حركات فاصلة، وحوادث عظيمة امتصت كل القوى العاملة النشيطة، ~~واندمجت فيها كل العناصر العقلية والتخيلية، حتى إنك لتجد أن تلك الحركات قد مضت مستبدة ~~بأمرها إما لتخضع كل القوى المنبعثة في عصر ما للعمل في سبيل إبراز غرض معين، أو تثبيت فكرة ~~بذاتها، وإما أن تلفيها وقد جرفت أمامها كل شيء إلى جو من التنازع والجلاد، يوجه بكل ما ~~فيه من مختلف الصور والقوى إلى تزكية الحادث الرئيسي الذي تلتف من حوله قوة الفكر والعناصر، ~~والأمثال التي يرويها التاريخ كثيرة منها تلك القرون الطويلة التي يقص أخبارها تاريخ ~~اليهودية، والعصور الأولى أينعت فيها الكنيسة النصرانية، والزمان الذي تقشعت فيه عن المدنية ~~سلطة اللاهوت، وزمان الإصلاح البروتستانتي، وعهد الثورة الفرنسوية. # 3 # في مثل هذه العصور لا يعوزك البحث أن تعنت نفسك باحثا وراء نقطة ابتداء ترتكز عليها، ~~وتتخذها لبحثك أساسا، في حين أنك تمر على قرون أخرى من الزمان ms068 مرا سراعا، فلا تجد فيها ~~من حادث يلتئم من حوله الفكر أو أشخاص يجذبون بقوة عقولهم، أو ثورة مشاعرهم، أو قوة ~~انفعالاتهم، أو تأجج عواطفهم، عقول الناس حول فكرة أو مذهب أو مبدأ تتخذ منه نقطة ارتكاز ~~ترتكز عليها، قد تعجز عن أن تجد نقطة ارتكاز ترتكز عليها في عصر برمته من عصور ~~التاريخ. # وقد تعجز عن أن تقع على ذلك في تاريخ أمة، وقد تفوز بأمنيتك في تاريخ أمة أخرى، فهل تقع ~~في تاريخ مصر الحديث، لا في تاريخها القريب منذ نصف قرن، بل منذ قرن ونيف من الزمان، منذ أن ~~غزا نابليون أرض مصر إلى اليوم، على حادث التأم من حوله الفكر التئاما يكفي لأن يغير من ~~أساليب الفكرة العلمية أو الأدبية؟ # لم يترك فتح نابليون من أثر بين في تغير أساليب الفكر، فقد وطئت أقدام الجيش الفرنسوي ~~أرض مصر وتركتها، وأهل مصر في فجوة من كهف الزمان، بل في أعمق فجواته، ما تحركت فيهم ~~شاعرية، ولا انفجر فيهم انفعال، ولا اهتزت لهم مشاعر. # لا يعوزنا لإثبات هذه النظرية من دليل، فإن أكبر علماء الأزهر، كانوا إذ ذاك أكبر عون ~~لنابليون على تحقيق مطامعه، ولم يهتز فيهم عرق ولا نبض لهم قلب. # السبب في كل هذا أن الحياة الكامنة أو الفكر الكامن كان إذ ذاك مفكك الأوصال مشتت ~~العناصر، ضعيف الأثر، فلم يلتئم حول فكرة معينة أو مبدأ بذاته فينوء بقوة التئامه على تلك ~~العقبة التي تصده عن الانصراف في السبيل التي تخطها له الطبيعة. # كذلك لا نستطيع أن نتخذ من عصر محمد علي الكبير نقطة ارتكاز قد يقال فيها أنها السبب في ~~تغير أسلوب الفكر في مصر، سيقت الجماعات المصرية سوقا نحو غايات لم تعرف يوما أنها ~~مسوقة في سبيلها، ولم تشعر بما ينتظرها وراء تلك الغايات من المقاصد التي كانت تجول في رءوس ~~زعمائها، تجد هذا جليا واضحا، لا في غزوات الجيش وحده، بل في ميدان العلم والمعرفة، فإن ~~ذلك العهد على كثرة ما أخرج من ms069 نوابغ المتعلمين الذين أوفدهم المصلح الكبير إلى أوروبا، لم ~~يخرج واحد استطاع أن يجمع شيئا مما بددته مظالم الحكومات السابقة من قوة الفكر الكامن في ~~المجتمع المصري حول غاية ما. # فإذا تركنا الحوادث التي انتابت مصر في أواخر القرن التاسع عشر، ورجعنا إلى الأشخاص لم ~~نقع في طول ذلك العهد على مصري واحد استطاع أن يحرك من كوامن الفكر، ويجمع شتاتها حول مذهب ~~أو مبدأ ما، ولكنا نقع على رجل واحد خرج من جوف آسيا ليلعب على مسرح مصر دورا نستطيع إذا ~~ما تبينا طبيعته أن نقع فيه على نقطة ارتكاز نرتكز عليها، على أننا لا نمضي في ذلك البحث ~~قانعين بأن ما أحدث ذلك الزعيم من أثر هو نقطة ارتكازنا، بل طبيعة نزعته في تمثيل القديم، ~~الذي لا يزال قائما بيننا بكل ما أوتي من قوة التقليد وحكم العادة، هي التي نستطيع أن نتخذ ~~منها نقطة ابتداء ننظر من ناحيتها في تغير أساليب الفكر العلمي في مصر، إن جاز لنا أن نقول ~~بأن في مصر فكرا علميا، وأن له أسلوبا تغير أو تبدل. # السيد جمال الدين الأفغاني هو ذلك الزعيم، وهو لا يمتاز على غيره من زعماء المتدينين بشيء ~~إلا بأنه أراد أن يتخذ من قوة الدين سبيلا للتأثير السياسي، والدعوة السياسية القائمة حول ~~فكرة استقلال الشعوب الإسلامية، وإعداد العدة لمقاومة النفوذ الأوروبي في الشرق ~~الإسلامي. # تعلم السيد جمال الدين الأفغاني منتحيا الأساليب العلمية العتيقة التي عكف عليها العرب ~~منذ القرون الوسطى، فهو بذلك صورة مصغرة أو مكبرة لعصر من العصور البائدة في تاريخ الفكر ~~الإنساني، وهو بنزعته السياسية أشبه الأشياء في عصره بالهياكل الحفرية التي تعيش بيننا ~~بجثمانها وإن رجعت بتاريخها إلى أبعد العصور إيغالا من أحشاء الزمان، لهذا نرجع بأنظارنا ~~إلماما إلى نزعات العرب العلمية التي مثلها السيد الأفغاني في القرن التاسع عشر، لنتخذ من ~~ذلك سبيلا إلى المقارنة والاستنتاج. # والسيد الأفغاني وريث العرب بحق في علومهم وفلسفتهم، وقف من الرقي الفكري حيث وقفوا، ووقف ~~عند النظر ms070 الغيبي، فكان في كل ما دبجت يراعته أو تحرك به لسانه مثالا حيا لما اختلط من ~~مباحث آبائه، ولما تناثر خلال كتبهم من مختلف الأبحاث، وما تضمنت مجلداتهم من متنافر الوضع ~~الذي اتصفت به تآليفهم، وحد النظر الغيبي الذي انتهى عنده العرب جدير بإبراز أمثال ما ~~أبرزوا من كتب اختلط فيها العلم بالفن ليخرج من مجموعها فلسفة، هي عنوان على ما بلغ الفكر ~~الإنساني من تهوش وانحلال في القرون الوسطى. ~~••• # إذا كان ناموس جاذبية الثقل أعظم استكشاف وصل إليه العقل البشري في عالم الكون والفساد، ~~فإن قانون «الدرجات الثلاث» الذي كشف عنه الفيلسوف الكبير «أوغست كونت» لأكبر استكشاف وصل ~~إليه العقل البشري في الطبيعة الإنسانية، وأن متابعتنا لشرح هذا القانون لهي النواة التي ~~تدور حولها أبحاثنا، لذلك نتابع الكلام فيه بإيجاز إتماما لفائدة البحث. # إن درس الإدراك الإنساني من كل ناحياته، وخلال كل الأزمان، يدلنا على وجود قانون ضروري ~~يخضع له العقل، نستبينه من حقائق النظام الاجتماعي، والتجاريب التاريخية الثابتة، فإن كل ~~فكراتنا الأولية ومدركاتنا، وكل فرع من فروع معرفتنا، لا بد من أن يمر على التوالي بثلاث ~~حالات مختلفة، الأولى اللاهوتية أو التصورية التخيلية، والثانية الميتافيزيقية الغيبية أو ~~المجردة، والثالثة اليقينية الإثباتية أو الواقعة، هذا هو قانون الدرجات الثلاث. ويمكننا أن ~~نحصر القول في هذا القانون بأن العقل الإنساني فيه بطبيعته كفاءة لأن ينتحي ثلاث طرق مختلفة ~~للتأمل من حقائق الأشياء، وطبيعته في كل من تلك الطرق تختلف عن الأخرى تمام الاختلاف، بل ~~إننا لا نبالغ إذا قلنا أنها تتضاد تمام التضاد، من هنا ينتج ثلاثة ضروب من الفلسفة أو ~~بالأحرى ثلاثة أساليب للتفكير في اكتناء حقيقة الظواهر كل منها تتافي الأخرى، أما الأسلوب ~~الأول فخطوة ضرورية يبدأ بها العقل في سبيل تفهم الحقائق أو البحث عن مصادرها، وأما الأسلوب ~~الثالث فيمثل العقل في آخر حالات ارتكازه على الحقائق البارزة الملموسة، وليس الأسلوب ~~الثاني إلا خطوة انتقالية تتوسط بين الأسلوبين. # أما العقل في الدرجة اللاهوتية فإنه يبحث في طبيعة ms071 الأشياء وحقائقها، وفي الأسباب الأولى ~~والعلل الكاملة، يبحث في الأصل والماهية والقصد من كل الأشياء التي تقع تحت الحس، وعلى ~~الجملة يبحث في «المعرفة المطلقة»، وهنالك يفرض أو يسلم بأن كل الظواهر الطبيعية ترجع إلى ~~الفعل المباشر الصادر عن كائنات تختفي وراء الطبيعة المرئية. # أما في الدرجة الثانية؛ أي في الحالة الميتافيزيقية الغيبية، وهي ليست إلا صورة معدلة عن ~~الدرجة الأولى، فإن العقل يستبدل فرض الكائنات السائدة على الطبيعة، بفرض قوات مجردة أو ~~شخصيات محققة الوجود في نظره، في مستطاعها إحداث مختلف الظواهر، وليس ما يعني في هذه الدرجة ~~من تفسير الظواهر إلا نسبة كل منها إلى مصدره الأول. # أما في الدرجة الأخيرة، وهي الدرجة اليقينية، فإن العقل يكون قد اطرح طريقة البحث ~~العقيم وراء الأسباب المجردة، وأصل الوجود الكوني ومنقلبه، والعلل الأخيرة التي تعود إليها ~~الظواهر، وألقى بجهوده في سبيل معرفة السنن التي تحكمها، هنالك يتحد العقل والمشاهدة ليكونا ~~أساس المعرفة، فإذا تكلمنا في هذه الحال في تفسير حقائق الكون، فلا نخرج عن إيجاد صلة بين ~~ظاهرة من الظواهر، وبين مجموعة من الحقائق العامة التي يقل عددها تدرجا بحسب تقدم العلم ~~اليقيني. ~~••• # فإذا نظرت بعد هذا التحليل في ما أبرز العرب من صور الفكر، من علم أو أدب أو فلسفة أو فن، ~~وجدت أن فيها من آثار التخلخل والتشعب ما هو جدير بأن يبرز في عصر عكف فيه الفكر على ~~طريقة الشك الغيبي لم يعدها إلى طريقة التحليل والنقد، ذاعت بينهم مذاهب فلسفية نقلها ~~المترجمون، وجلهم من النساطرة واليهود ووثنيي حران عن اليونانية، ولكنك لا تجد عندهم ~~مدارس فلسفية ينسب إليهم ابتكارها، فليس لهم مدرسة تعزى إلى الفارابي أو ابن رشد أو ابن ~~سينا مثلا، بل إن ابن رشد على الأخص لم تصبح له مدرسة تعتنق مذهبه الفلسفي الذي ذهب إليه ~~في تفسير أرسطوطاليس، وتشيد بذكره وتذود عن حياضه، إلا بعد أن انتقلت كتبه إلى جامعات ~~أوروبا في القرون الوسطى، فالمذهب الفلسفي ظل رأيا فرديا عند العرب، وانقلب مدرسة ms072 فلسفية ~~في أوروبا عند بدء نهضتها العلمية، بل إن شئت فقل عند بدء عكوفها على الأسلوب اليقيني، ذلك ~~فرق جلي بين درجتين معينتين يمر بهما العقل الإنساني، الدرجة الغيبية والدرجة ~~اليقينية. # وقد يخطئ بعض الناس إذ يقولون: إن للسنيين أو للأشاعرة أو المعتزلين مدارس ~~فلسفية، فإن جماع هذه وما يجري مجراها مذاهب لاهوتية استعانت بالفلسفة وببعض ضروبها دون بعض ~~على بث أفكارها، وقد يصح أن يكون من أفرادها من غلب عليه النظر الفلسفي، فواصل بين عطاء ~~مثلا قد نعتبره مجددا من جهة ما يدعو إليه من حرية الرأي واتباع ما يرشد إليه العقل في ~~النظر العلمي والفلسفي والديني. # ولكن مدرسة المعتزلين، إن صح أن تدعى مدرسة بحق، ترجع في أصلها ونشأتها إلى النظر الديني ~~المشوب بالفلسفة، أكثر من رجوعها إلى الفلسفة الصرفة، وكذلك الباطنيون «المتصوفة» فقد نقول: ~~إنهم فلاسفة يقولون بوحدة الوجود، كما كان يقول الذين أخذوا عنهم من الفرس وأساتذتهم أصحاب ~~الأفلاطونية الجديدة في مدرسة الإسكندرية، ولكن لم يكن لأحدهم مدرسة تنسب إليه ذاع رأيها ~~وكان لها أثر في تطور الفكرة الفلسفية في المجردات خلال عصر من العصور. # وأنت لو نظرت نظرة أخرى في المؤلفات العلمية الصرفة عند العرب لوجدتها قليلة، اللهم إلا ~~بعضا منها في الطب والكيمياء وخصائص النبات، وهي مؤلفات وسمت بطابع لا تراه يختلف ~~كثيرا عن الطابع الذي وسمت به مؤلفاتهم في فروع المعرفة التي كانت ذائعة في عهدهم، ~~كذلك إذ نظرت فيما كتبوا في النبات أو الحيوان، تجد أن المؤلف إن تحرر من الخلط بين فروع ~~من التاريخ والأدب، لم يتخط حد الوصف، فمن الكلام في صفات النبات أو الحيوان إلى ~~نفعه في العلاج، وهنالك بعض مؤلفين أرادوا أن يوسعوا من دائرة تآليفهم فتناولوا الكلام في ~~خصائص النباتات السحرية أو الطلسمات ونفعها في التمائم وتفسير الغيب، بل تراهم في حين آخر ~~قد مزجوا بين الفلسفة والفن فوضعوا الموسيقى في الفلسفة اعتمادا في الغالب على كلمة نقلت ~~إليهم عن فيثاغورس لدى قوله: «العالم عدد، العالم موسيقى.» ms073 # هذه العقلية بذاتها هي التي ورثها السيد الأفغاني عن العرب، عقلية وقفت عند حد الأسلوب ~~الغيبي لم تتعده، وتنكبت كل سبيل كان من الممكن أن يسلم بها إلى الأسلوب اليقيني، ~~ولقد كان من السهل الهين أن السيد الأفغاني يجمع ما تبدد من قوى الفكر حول ذلك الأسلوب، ~~كما كان من المتعذر عليه، وأن يجمع قوة الفكر حول مبدأ جديد في العلم أو الفلسفة تلتئم من ~~حوله شعب المجتمع المبددة لتدفع بقوتها نحو غاية أبعد مدى مما انتهت إليه أفكار آبائهم. ~~لهذا نقول، ونقول بحق: إن ما استجمع السيد الأفغاني من عناصر الفكر القديم القائم على ~~الأسلوب الغيبي قد ناء بجماعه على تلك النواة الحية التي كانت تتجمع حول الأسلوب اليقيني في ~~أفكار الأمة فلم تقو على محوها، ولكن عاقت خطاها ولا تزال تعوقها عن الانبعاث في سبيل ~~الحرية الصحيحة. # فأثر السيد الأفغاني في حياة الفكر في مصر، وإن شئت فقل في الشرق أثر سلبي صرف، لا يذكر ~~في تاريخ الفكر إلا كأداة رجعية تلقت الجماعات قوة صدمتها بأسلوب حديث، هو الأسلوب اليقيني ~~والنزعة الإثباتية، تتنكت بهما سبيل الغيب، لتتبع سبيل الشهادة. # على أن قوة ذلك الأسلوب الرجعي لا تزال قائمة بفئوسها ومعاولها، ولكنها تهدم ما تحت ~~قدمها، وتقطع بمعولها الجذع الذي ترتكز عليه قدماها، لتنهار في النهاية وتذهب بددا، ~~فالمدرسة القديمة القائمة بين ظهرانينا تتبع سبيل النظر الغيبي، بل غالبا ما ترجع سعيا ~~إلى النظر اللاهوتي، ذلك في حين أن المدرسة الجديدة أخذت تبني على النظر اليقيني أساس ~~نهضة كبرى، سوف نرى عما قليل بوادرها تنجلي لأعيننا ظاهرة من وراء حجب الغيب ~~الكثيفة. ~~••• # طالما سمعنا من الذين لا يقوون على إنعام النظر طويلا في مقدمات الأشياء ونتائجها، أن ~~الثورة العربية بدء نهضة فكرية حديثة، وأن ثورة 1919 قد تعدت حد البدء بنهضة لتكون خاتمة ~~تطور عظيم في الأفكار، لا في ميدان السياسة وحده، بل في عالم العلم وميدان الاقتصاد، على ~~أننا لا نسوق بأنفسنا مع الذين يسوقون بأنفسهم في هذه ms074 المغامر الوعرة المتعسرة، حذر أن تغوص ~~بنا أقدامنا في رمالها اللينة التي تبتلعنا غير شاعرين بليونتها ونعومة ملمسها، فإن ~~مواجهة الحقائق على خشونتها لأقوم طريقا، وأهدى سبيلا. إن نظرة واحدة في الثورة ~~العرابية كافية لأن تثبت لنا أن هذه الثورة كثورة 1919، لم تمس من الحياة الكامنة في ~~الأمة شيئا، وأنها لم تتناول إلا ظاهر الحياة بآثار سريعة الزوال، كتلك الآثار التي تخطها ~~يد الصبية فوق الرمال على شاطئ البحر، يكفي للذهاب بآثارها مد موجة واحد من موجاته. # لم تتناول الثورتان شيئا من تلك القواعد التي ترتكز عليها الحياة الكامنة في أغوار عقلية ~~الجماعات، فإن اتجاه الفكرة في الثورة العرابية نحو المساواة بين ضباط الجيش، واندلاع لهيب ~~التحطيم والهياج في الثورة الأخيرة فجأة ولا سابقة، لظاهرتان تكفيان وحدهما لإثبات ما نذهب ~~إليه. # قامت الثورة الفرنسوية على دعاية الإنسيكلوبيذيين، ديدرو وأصحابه، لامتر وهولباخ ~~وهلفتيوس، وعلى عقد روسو الاجتماعي، وعلى آداب فولتير الوضاحة، بل على مجهود سلسلة من ~~العظماء تعهدوا الفكر الكامن في طبقات الأمة المنتقاة منذ عهد ديكارت بتلك الفكرات الثابتة ~~التي يذهب أثرها إلى أبعد غور من أغوار الحياة الخفية في نفس الأفراد والجماعات، فأخذت ~~عناصر الثورة تتكون في الفترة ما بين 1596 إلى سنة 1879؛ أي منذ أن تنفس ديكارت نسيم هذه ~~الحياة إلى اليوم الذي خرج فيه أهل باريس يصيحون: إلى السلاح، إلى السلاح. # استجمعت عناصر الثورة الفرنسوية في قرنين من الزمان دأبت فيها الجامعات على بث المذاهب ~~العلمية والفلسفية، وقام بها فحول من الرجال أعطوا الجماهير أرقى المثل، كما تتحكم في رقاب ~~الشعب المستنيم لحكم الفرد، مستبدون تعهدوه بأقسى المثلات. # وما أنت في كل ذلك، إن أردت أن تضع تاريخا صحيحا، بناظر إلى عدد المتعلمين، فمن الجائز ~~أن يكون في مصر اليوم من المتعلمين عدد يربى على عدد المتعلمين في فرنسا عندما قامت ~~بثورتها، أو على عددهم في إنجلترا عندما انتزع زعماء الشعب وثيقة «الماغنا كارتا» من يد ~~الطاغية المستبد، فإن المسألة هنا مسألة «كيف لا مسألة كم»، انظر ms075 في القواعد التي ~~قامت عليها ثورة فرنسا، ثم انظر في القواعد التي قامت عليها أية حركة من الحركات العنيفة في ~~مصر، فإنك هنالك تستبين الفرق جليا، بين حركة أساسها نهضة أدبية فكرية تكون عناصرها، وبين ~~حركة قائمة على لا شيء، على أن الحركتين قد تتفقان من حيث نبالة القصد وسمو المبدأ، ~~ولكننا نقيس هنا بين الآثار التي تخلفها كلتيهما لا بين الأسباب الباعثة عليهما. ~~••• # لقد مضينا حتى الآن نفتش في جنبات التاريخ المصري الحديث على حادث يلتئم من حوله الفكر ~~لنتخذه نقطة ابتداء نبدأ منها، ويكون في ذاته سببا في تغير أساليب الفكر في مصر، ولا ريبة ~~في أننا أخفقنا فيما صبونا إليه حتى الآن. # على أنك أينما وليت وجهك في تاريخ مصر الحديث وقعت على آثار نهضة أدبية علمية تشربت الروح ~~الحديثة في البحث، وسعت جادة في سبيل المكافأة بين قوة الذكاء الكامنة في حياة الشعب ~~الفردية والاجتماعية، وبين حاجات العصر الحديث، فهل شبت هذه النهضة بلا بذر كالطفيليات؟ أم ~~كان لها أساس من الجهد المشترك، ودعامة من جهود الأفراد؟ # إن عجزنا عن أن نقع على حادث يلتئم من حوله في الفكر في ثمانية العقود الأولى من القرن ~~التاسع عشر في مصر، وأضفنا لذلك معتقدنا في أن الثورة المصرية في سنة 1919 لم تمس إلا ~~ظاهر حياة الأمة لزمنا أن نسعى إلى البحث وراء السبب الحقيقي الذي قام عليه ما ندعوه «نهضة ~~العلم والأدب»، كما يقول بعض الكتاب وإن كنا لا نجاريهم على صلاحية هذا الاستعمال إلا ~~تجاوزا. # أما إذا رجعنا إلى نهضة الصحف والمجلات العلمية والأدبية، فإنا نقع على عصر شبيه بالعصر ~~الذي بدأت فيه نهضة إنجلترا الأدبية في أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر، ~~فإن العصرين يتشابهان كثيرا، على أننا لا نستطيع أن نمضي في هذه المقارنة، أو نخرج من صلب ~~هذا المقال كتابا، إلا أن هذا لا يحول بيننا وبين القول بأن الفكر العلمي في مصر كان ~~أكثر تأثرا بالمجلات منه بالجرائد السياسية، فالمجلات ms076 لها الخطر الأكبر فيما نحس من تقدم ~~ندعوه «نهضة العلم والأدب»، المجلات وحدها هي التي أخذت بيدنا وأفسحت أمامنا سبيل الخوض في ~~عباب الأسلوب اليقيني الحديث، وهي التي قادت دفة الفكر في مصر، وهو يجتاز بحر الأسلوب ~~الغيبي العميق لتتكيف «النهضة» على صورة بددت سحب الحياة القديمة بما فيها من ظلمات الفكر ~~المجرد، لتكشف لنا عن شمس الأسلوب اليقيني الذي لم يصل إلينا من أشعتها إلا قدر ~~ضئيل. # على أنك لا تقع في كل هذا على حادث يلتئم من حوله الفكر، غير أنني أتوقع، وعسى أن يكون ~~ذلك قريبا، أن الخطوة التي خطوناها في سبيل الخروج من ظلمات الأسلوب الغيبي إلى وضح ~~الأسلوب اليقيني، سوف تقودنا سعيا إلى ميدان يتصادم فيه الأسلوبان تصادما يثير في جو ~~الفكر عجاجة ينكشف غبارها عن الأسلوب الغيبي، وقد تحطمت جوانبه واندكت قوائمه، وتترك ~~الأسلوب اليقيني قائما بهامة الجبار القوي الأصلاب مشرفا على الشرق، وقد هب من رقاد ~~القرون، ليسير في الدرب الذي مهدت سبله للأنام نواميس النشوء والارتقاء. # 4 ~~(1) أسلوب الفكر العلمي # نقد وعتب # 5 # قرأت في مقتطف فبراير الماضي مقال «أسلوب الفكر العلمي»، فرأيت كاتبه الفاضل قد تعرض ~~لأفراد وجماعات، فمر بالمرحوم السيد جمال الدين الأفغاني، وعلى ذكره تحدث عن العقلية ~~العربية أو الفلسفة العربية، كما تحدث عن حركة مصر السياسية الأخيرة، ووردت خلال ذلك ~~قضايا كثيرة يوجب الإنصاف التاريخي وحرمة الحقيقة النزيهة مناقشتها، وذلك ما أريد ~~التعرض لبعضه في كلمتي هذه. # وضع الكاتب العرب في الدرجة الثانية من درجات - أوغست كونت - وهي التي وصفها بأنها لا ~~تعنى في تفسير الظواهر إلا بنسبة كل منها إلى مصدره الأول، وأنها لم تلق بمجهودها في ~~معرفة السنن التي تحكم العالم، ولم يتحد فيها العقل والمشاهدة ليكونا أساس ~~المعرفة، وأخيرا وصف عقليتهم بأنها «عقلية وقفت عند حد الأسلوب الغيبي لم تتعده، ~~وتنكبت كل سبيل كان من الممكن أن يصل بها إلى الأسلوب اليقيني»، وأن تلك ~~العقلية في جمال الدين الأفغاني قد ناءت بجماعها على نواة الأسلوب ms077 اليقيني التي كانت ~~تجتمع في أفكار الأمة فلم تقو على محوها، ولكن عاقت خطاها ولا تزال تعوقها عن الانبعاث ~~في سبيل الحرية الصحيحة، إلى آخر ما أراد الكاتب أن يهول. # ولكن هذه العقلية قد أورثها جمال الدين لتلميذه الأستاذ الإمام المرحوم، الذي كتب منذ ~~حوالي ربع قرن عن حديث السنن الكونية ما كتب، حين تفضل بمناقشة صاحب كتاب فلسفة ابن رشد ~~في دعوى كهذه، زعم فيها أن العرب لا يقولون بالأسباب والمسببات تدينا، ولا يزال ما ~~كتبه في حكمته ومتانته خير صورة لأسلوب الفكر العلمي، ومثالا لتلك العقلية التي نعتها ~~الكاتب بما شاء، وهو في مناله يحسن صنعا أن راجعه أو نظر فيه، هذه العقلية التي هذبها ~~جمال الدين يعرف لها التاريخ مكانها بحق وستدين لها الأمة يوم تعترف نفسها جيدا بسابغ ~~الفضل على مختلف فروع نهضتها التي ينكرها الكاتب أيضا. # وهلا تعطف فوضعهم في أول مرقاة الدرجة الثالثة وقدر شيئا مما يشهد به المؤرخون ~~المنصفون من الأجانب، أو ما يقرره أساتذة الجامعات الحديثة من أن العرب هم واضعو ~~قاعدة «جرب واحكم»، وأنه يرى هذه الشهادات فيما ترجم من كتب أمثال «سيديو» و«جوستاف ~~لوبون»، وما نشر في الصحف والمجلات من هذا، وهلا يشفع للقوم عنده طب تجريبي، وفلك ~~تحقيقي، وهندسة تطبيقية، وكيمياء عملية كانت الأساس لهذا العلم الحديث، ومشاهدات صحيحة ~~وملاحظات عميقة في العلوم الطبيعية، وتصحيح لأخطاء يونانية، وغير هذا مما يسجله التاريخ ~~ويعترف به أهل هذه العلوم؟ # وهلا يقدر الكاتب أن دارسي آثار هذا العقل العربي يشكون مر الشكوى من إمعان القوم ~~في الأفكار وتقليب الفروض والمطالبة بالبرهان حتى ينتهي الأمر إلى بديهيته، ويرتكز على ~~المشاهدة أو المسلمات العقلية، وأن للقوم نظما للبحث أخرجتها عقلية ناضجة لم تكن ~~تقول هكذا خلق الله، وهكذا جرى العمل، بل كانت تدفع بقوة وشدة إلى النظر والفكر والتدبر ~~والبحث، ولا تزال قواعدهم فيه أسلم منطقية وأمتن مما نرى الآن ونسمع، ولا أزال أنصح ~~للكاتب أن يقيس بها أحكامه لئلا يقدم على مثل هذا ms078 الاتهام المجرد والتهكم الشنيع والحكم ~~القاسي دون برهان ولا شبهة، ولا يعتدل حتى يعرف للقوم شيئا، ولا ينزل على رأي المنصفين ~~فيهم. # وأنكر الكاتب أن للعرب مدارس فلسفية، وأشار إلى أنه ذاعت بينهم مذاهب نقلها ~~المترجمون وجلهم من النساطرة واليهود ووثنيي حران ... إلخ، كأنه يرى في هذا منقصة ما، ~~وكأن الحضارة كانت حضارة عربية الدم والجنس، وهذا ليس في شيء من الحق؛ لأنها حضارة ~~الإسلام، نشأت في كنفه وعلى يد الأمم التي ألف بينها وأزال عنها فوارق العصبية، ~~فتسابقت جهود أفرادها على اختلاف نحلهم وأجناسهم في سبيل العلم والمعرفة، على حين ~~قبرت العصبية العربية في القرن الثاني بقتل الأمين، وتقلص ظلها حين كان يمتد رواق ~~هذه الحضارة الإسلامية العربية اللسان والمزاج، فلا شيء في نقل النساطرة والوثنيين ~~واليهود، ولا وقت عند القراء للحديث في هذا، فلا نطيل الكلام عن هذه المدارس؛ لأن ~~الكاتب قد اعترف أن مدارس المعتزلة قد يصح أن تدعى مدارس بحق، إلا أنها ترجع في أصلها ~~ونشأتها إلى النظر الديني المشوب بالفلسفة، كما قال عنها وعن مدارس الأشاعرة، وأن ~~جماع هذه المدارس وما يجري مجراها مذاهب لاهوتية استعانت بالفلسفة وببعض النظر الفلسفي ~~دون بعض، فهل له - أصلحه الله - أن يقول ما هذا اللاهوت في الإسلام، وكم مجمعا ~~إسلاميا عقده القوم لتحرير مذهب أو بحث نظرية، وما الذي كان يتلقنه السلف الأول وهم ~~أصدق الناس فهما للدين؟ وما الذي احتاج إليه الإسلام قرنا ونصفا قبل الفلسفة؟ ثم ما ~~الذي استعان به بعد الفلسفة في سبيل تذليل عقبة من عقباته على نحو ما قد تكون المسيحية ~~قد فعلت؟ إلا أن حكم التاريخ وشهادة الزمن أن الخوض في هذه الكلاميات لم يسبق ~~الفلسفة، بل إنها أبحاث ترجع إلى الفلسفة الصرفة، التي لم يحتج إليها الدين، والكاتب ~~يعيش في بلد إسلامي، ففي مكنته أن يعرف أن ليس في قواعد الإسلام إلا شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن البدوي كان يتلقن هذه القواعد في جلسة قصيرة، ~~وأن ms079 الفلسفة بعد ذلك خلقت كل هذا، وخاضت حتى فيما نهى عنه، وذلك عمل مدارس القوم التي ~~كانت فلسفية صرفة، شابها شيء من النظر الديني، لا مدارس دينية شابها النظر ~~الفلسفي. # ويقودني حديث اللاهوت الذي ذكره الكاتب إلى عبارة أخرى وردت في مقاله إذ يقول: ~~فالمدرسة القديمة قائمة بين ظهرانينا تتبع سبيل النظر الغيبي، بل غالب ما ترجع سعيا ~~إلى النظر اللاهوتي، ولعل هذا النظر اللاهوتي شيء مما نقله الكاتب عن «مرتز» في صدر ~~مقاله إذ يقول: «والزمان الذي تقشعت فيه عن المدنية سلطة اللاهوت وزمان الإصلاح ~~البروتستانتي»، فأقول للكاتب ومن رأيتهم من القوم ينحون منحاه كثيرا: إن الإسلام ~~شيء آخر غير ما تسمعونه عن الأوروبيين من أمر اللاهوت، إن لديهم كنيسة وسلطة ورجالا ~~يربطون ويحلون، قد وقفوا في سبيل العقل يوما ما وحرموا وحاكموا وعذبوا، على حين ~~ليس لديكم من هذا، ولا يكاد يشبهه شيء، على حين أن لا رياسة في دينكم، ولا سلطة ولا حل ~~ولا ربط ولا اعتراف ولا إحلال، على حين أن هذا اللاهوت لفظ لا معنى له في الإسلام؛ ~~لأن الإسلام إصلاح عملي حيوي لا يقدس شخصا ولا يتقيد بشيء، ويحض على نظر ما في السموات ~~والأرض، ويجعل استعمال العقل شكرا لمنحه، وعلى حين يقول المرحوم الأستاذ الإمام، تلميذ ~~جمال الدين صاحب العقلية إياها، أن الكتاب الكريم لا يعرض لتقرير نظريات العلوم لئلا ~~يقف في سبيل العقل ويحد قواه، مع أنه يستثيره ويستنهضه في تعميم إصلاحه، فلئن شكا القوم ~~سلطة اللاهوت وعدوا الزمن الذي تقشعت فيه سلطته عن المدنية فاتحة عصر جديد، فلا ~~تشكوا منهم وأنتم الأصحاء، ولا تقفوا في مثل خطأ الأتراك الذين سمعوا حديث السلطتين ~~فذهبوا يقيمون للإسلام بابا وخليفة صاحب سلطة روحية، وأرى هذا الخطأ يبدو في مظاهر ~~مختلفة، ولكن هذه العجالة لا تتسع لها فإلى فرصة أخرى، وحسبنا هذا إلماما وإشارة إلى ~~ما نريد. # وأخذ المؤلف على القوم قلة المؤلفات العلمية الصرفة، ولا أرجع به إلى نقل ولا تذكير ~~بأن الإحصاء يظهر ms080 أن ما ترجم الغرب في نهضته عن الشرق أكثر مما أخذ عنه الشرق إلى عهد ~~قريب. لا أنقل شيئا من هذا فهو في المجلات مذكورا والكاتب يقدرها قدرها، ولا أذكره ~~بما يبذل الغربيون من جهود ويرصدون من أموال لجمع هذا الشتات، ولكني أقول له: إن من ~~كتب القوم ما لم تقع عليه عيوننا ولا سمعت به آذاننا، وإنه يحسن بنا قبل النفي أن نتريث ~~وأن نقدر أنه قد يكون في الدنيا ما لم يصل إليه علمنا، وأن عوادي الدهر قد سطت ~~على أكثر ما بقي لنا، وأننا حتى الآن لا نعرف صورة ما عن الحياة العلمية لإسلامنا، وخير ~~لنا أن نبني أولا، وأن نتذكر أن نهضة الغرب قامت على أساس متين عريض من إحياء القديم ~~وبعثه، وهاهم أولاء رجال الغرب يتخصصون في دقائق الفروع بل في توافه الأمور، فحبذا ~~لو كانت لنا بهم في بدء نهضتهم، وفي رقي مدنيتهم أسوة ما، فندرس فروع حضارتنا، ونرود ~~مجاهل تاريخنا، ومبهمات آدابنا، ونستخرج دقائق ميراثنا، بدل أن نضع الحضارة العربية، ~~وجهد أجيال، وعمل قرون في نقطة مداد نخط بها حكما عاما شاملا، وعبارة مطلقة رهيبة، ~~على حين تسمع بألم شكوى طلبتنا المصريين هنا من خجلهم أمام أساتذتهم - غير المستشرقين - ~~في مختلف العلوم حين يسألونهم عن أشخاص وآراء لسلفهم لم يسمعوا بها لحظة ما، وحين ~~يلفتهم أستاذ التشريح إلى اسم علمي يراه ليس عربيا، فيظهر بعد يسير من البحث أنه ~~كذلك، وعلى حين يختار لهم أساتذتهم الأجانب مواضيع رسائلهم النهائية أبحاثا عربية ~~ويدلونهم على مراجعها في محفوظات لديهم أو على حين لا نعرف من تاريخنا إلا ما يجود به ~~علينا باحثوهم ومستشرقوهم، فحبذا لو بنينا قبل أن نهدم في رفق؛ فلعل في الأنقاض ما قد ~~يسلم لنا في بناء الجديد. # ورمى الكاتب القوم بأنهم يمزجون الفن بالعلم «حتى أنهم وضعوا الموسيقى في الفلسفة ~~بناء على كلمة نقلت إليهم عن فيثاغورس»، وهكذا لم يتلطف في الوخز مع أن الموسيقى علم ~~وفن، وإنما كان فلاسفتهم يدرسون ms081 العلم، ولهم فيه نظريات لا تزال اليوم حديثة، ولصفي ~~الدين عبد المؤمن البغدادي كتاب مخطوط - يوجد هنا في برلين - ليس إلا مناقشة نظريات ~~علمية صرفة يعجب به الإخصائيون من الألمان وغيرهم، كما أن لهم أبحاثا نفسية في علاقة ~~الأنغام بالألوان، وعلاقتها بالأراييح - الأزهار - وهو ما يعتبر بحثا جديدا شيقا، ~~ويدرسه في جامعة برلين أستاذ الموسيقى وعلم النفس البروفسور ڨون هورن بوستيل # Von Horn Postil # وللكندي الفيلسوف رسالة ~~مخطوطة في الموسيقى - توجد أيضا في برلين - تناول فيها الأبحاث الشيقة، وقد أعجب بها ~~الأستاذ الألماني لاخمن واشترك مع الشاب المصري الفاضل الدكتور محمود الحفني الذي أتم ~~دراسة الموسيقى ببرلين في إحياء هذه الرسالة وتفسيرها، ولا يزالان يعملان على إحياء ~~غيرها من نفيس هذه الآثار. وأما فن الموسيقى أو الموسيقى العملية فقد دعوها صناعة ~~الغناء، وذكر ابن خلدون في مقدمته فضل هذه الصناعة بين غيرها من الصنائع، فلم يكن ~~فلاسفة العرب ملحنين ولا مغنين ولا أصحاب صنعة، كما لم يكن زرياب وإسحق ومعبد وشيعتهم ~~فلاسفة. وما يرى كاتبنا الفاضل في أن الأوروبيين قدوتنا وسادتنا يتابعون القوم في هذا ~~الخلط، ويدرسون الموسيقى في قسم الفلسفة في جامعاتهم، كما هو الشأن هنا في برلين؛ إذ ~~يدرس الطالب الموسيقى العلمية والفلسفة وعلما آخر يختاره، ويعطى بعد ذلك لقب دكتور في ~~الفلسفة، فلعل مشايعة السادة لقومنا في الخطأ تخفف من حدة الكاتب عليهم فلا يكونوا ~~معتمدين على كلمة نقلت إليهم. # ملحق ثان: حول أسلوب الفكر العلمي # 6 # قرأت بكثير من الإمعان والعجب معا ذلك المقال الذي نشره المقتطف في صدر باب ~~المراسلة والمناظرة في العدد الماضي، والذي تناول فيه كاتبه نقد مقالي أسلوب الفكر ~~العلمي، ولست أعلم إلى أي حد ذهب تأثير الفكرات التي أوردتها في ذلك المقال من ~~نفسه، غير أن الظاهر من أسطر مقاله أن الأثر كان بالغا، على أنه مهما كان ~~يقيني فيما كتبت ثابتا، ومهما كان اعتقادي في صحة ما أرى في أسلوب الفكر العلمي ~~عند العرب راسخا، فإني لا أتوقع مطلقا أن ms082 أقنع به رجالا عكفوا على أساليب ~~المدرسة القديمة. # لقد وقف الفكر العربي عند حد النظر الغيبي الممسوس بشيء من الشك في حقيقة الأسباب ~~التي كانت تعزى إليها الظاهرات، وكذلك في مقدرة الفكر الإنساني نفسه على معالجة ~~مشكلات ما كان لنا أن نعيب عليهم أنهم عجزوا عن حلها، ولكن نقرر وبكثير من الاقتناع ~~أن طريقة نظرهم فيها لم تكن لتؤدي بهم إلى الوصول إلى حلها، أفينكر ناقدنا مثلا ~~أن العرب قد بدءوا نظرهم العلمي والفلسفي من حيث نريد اليوم أن ننتهي؟ أينكر أنهم ~~بدءوا بالنظر في الماهيات ابتغاء الوصول إلى غايات الفلسفة والعلم، وأنهم أغفلوا ~~النظر في الظاهرات «الأعراض» وتعليلها لينتهوا منها إلى معرفة ما هي حقيقية ~~الأشياء؟ # نمضي قليلا في المقارنة بين الأسلوب الغيبي الذي عكف عليه العرب أو المسلمون أو ~~كما شئت فادعهم، والأسلوب اليقيني الذي وضعه باكون وجرت عليه الفلسفة في العصور ~~الحديثة، خذ مثلا موقف الأسلوبين إزاء الرياضيات؛ فإن العرب كانوا يعتقدون كما ~~اعتقد غيبيو الحكماء، وعلى رأسهم أفلاطون أحد أساتذة العرب الأكرمين، أن دراسة ~~العدد ليس لها من فائدة عملية سوى رياضة العقل على البحث والاستبصار والوصول من ~~طريق هذا البحث إلى معرفة حقائق الموجودات، وتجريد النفس من أدران المادة والتعالي ~~بالفكر إلى ما بعدها، بل إنهم لم يجعلوا لدراسة علم الحساب أو الهندسة من فائدة ~~عملية ما أو إحراز كسب مادي في ضرب من ضروب المعاملات كالتجارة أو الصناعة أو ~~الحاجيات الأولية التي تحتاج إليها الجماعات في العمران، تلك الحاجيات التي لولاها ~~لما كان لدراسة هذه العلوم من وزن يذكر في كل عصور التاريخ، أما لورد باكون ~~فعين لهذه العلوم قدرها بما ينتج من المنافع المادية التي كان يعتقد ~~الأقدميون أنها مرض الإنسانية العضال، وشأن العرب في الهندسة شأنهم في علم العدد، ~~فقد قالوا مجاراة لأفلاطون أو لمن وصلت إليهم كتبه من تلاميذه أو المتخرجين في ~~مذهبه: إن المشتغلين بعلم الهندسة يجب ألا يتذرعوا بها لإحراز المنافع المادية ~~وإلا نبا بهم القصد عن إصابة الغاية ms083 منها؛ لأن اشتغال العقل بالماديات يصرفه عن ~~إدراك كنه الموجودات؛ أي ماهياتها أو التوصل إلى معرفة الحقيقة المحضة والخير ~~المطلق، أما المحدثون أصحاب الأسلوب اليقيني فإنهم قالوا بأن الهندسة ليس لها من ~~فائدة إلا بقدر ما تنتج من فائدة مادية في حياتنا العملية، ذلك في حين أنهم لم ~~ينكروا تأثير العلوم الرياضية على الآداب وضروب المعقولات بتة، فوضعوا لآثارها ~~حدودا معينة، إذ قالوا بأن تأثير العلوم الرياضية من الوجهة المعنوية عرضي صرف، ~~وكذلك نجد أن الفرق بين الأسلوبين كبير لدى النظر في علم الفلك، فقد كان القدماء ~~وعلى الأخص المسلمون يعتقدون أن معرفة حركة الأجرام السماوية وكيفية هذه الحركة ~~ليست بذات شأن كبير، ولم يحثوا على الاشتغال بالفلك لما ينجم عنه من المنافع كمعرفة ~~الفصول والمواقيت؛ بل لما ينتج عنه من رياضة النفس على معرفة الحقائق المطلقة، أما ~~الأسلوب الحديث فله في الفلك مآرب أخرى، مبناها المنفعة المادية المنحصرة في ~~استكشاف المستحدثات. # كتب أرسطوطاليس في علم الحيوان وله مباحث عميقة في انقلابه الجنيني؛ وكتب العرب ~~ومنهم الجاحظ في كتابه الحيوان، ومنهم الدميري في كتابه حياة الحيوان «والأكمة في ~~كتابه التذكرة»، ومنهم القزويني في كتابه عجائب المخلوقات، فهل لناقدنا أن ينظر في ~~هذه الكتب ويقارنها بكتاب أرسطوطاليس، وكان من الواجب ألا تغيب عنهم مفصلات ما كتب، ~~ليحكم بعد ذلك علينا أو لنا؟ وليسائل نفسه: لماذا أصبح منطق أرسطوطاليس بين يدي ~~العرب في المنزلة الأولى بعد القرآن، كما كان بين يدي اليعاقبة والنساطرة في ~~المنزلة الأولى بعد التوراة والإنجيل؟ هل ينكر أن السبب في هذا أن المنطق - ~~وعلى الأخص نواحيه الجدلية - أكبر مرض للعقل إذ يكب على الأسلوب الغيبي وأكبر عون ~~لفلسفة الغيبيات في سبيل القضاء على الأسلوب اليقيني؟ # أما قاعدة «جرب واحكم» فليس العرب أول من وضعها ولا الإسلاميون أول من اعتنقها؛ ~~فإن أبيقورس وديمقريطس أول من علق عليها في تاريخ الفلسفة على ما بلغ إليه علمي، ~~وليظهر لنا ناقدنا أي باحث من الإسلاميين في الفلك لم يخلط الفلك بالتنجيم وكشف ms084 ~~الطوالع؟ وأي كيماوي منهم لم يعكف على تحويل المعادن إلى ذهب؟ وليبين لنا على أية ~~قاعدة حاولوا أن يخرجوا بالعلوم التي ذاعت بينهم من حيز النظر إلى حيز التطبيق؟ ~~فلعلنا على جهل بهذا، ولعله يزيدنا من لدنه علما. # ليس من الصعب أن يتفوه المرء أو يكتب كلمتي «جرب واحكم»، ولكن من الصعب أن يطبق ~~هذه القاعدة، فلو أن مجرد التفوه بشيء مرقاة إليه لأصبح الكلام ثمينا ولأصبحت ~~الكتب أغلى قيمة مما نرى، ولكان الأجدر بها أن تكتز وأن تشترى بأغلى الأثمان كما ~~يقول تيوغينيس، ولكن الواقع نقيض ذلك، فإن «جرب واحكم» شيء عرفه العرب عن اليونان، ~~ولكنهم مع الأسف لم يتخذوا هذه القاعدة أساسا لأبحاثهم العلمية، وقد يكون هناك ~~شواذ، غير أن هذه الشواذ لا حكم لها، ولكني أستطيع أن أقول بكثير من التعيين أن ~~لا شواذ أيضا. # ألم يكتب الرازي في تحويل المعادن إلى ذهب أشياء لا يقبلها العقل ولا تجيزها ~~التجربة؟ ألم يكتب جابر بن حيان كتاب البدوح في طلسمات تسهل على الوالدات الوضع إذا ~~تعذر عليهن؟ وهما بعد أكبر من عرف العصر العربي من الكيماويين؟ وهل من شيء في هذا ~~العالم هو أحوج إلى التجربة وإلى التخلص من موحيات الأسلوب الغيبي من علم الكيمياء؟ ~~ولماذا أذهب بالناقد بعيدا فما عليه إلا أن يقلب صفحات «تاريخ الحكماء»، وهو من ~~الكتب المعتمد عليها في تاريخ الفلك عند العرب بتحقيق الأستاذ «نلليتو»، ليرينا أي ~~فلكي ممن ذكرهم لم يأت في أول ترجمته أنه «الحاسب المنجم» حتى إذا ما رجعت إلى كتب ~~«الحاسب المنجم» وقعت على أشياء هي أدنى إلى زجر الطير وضرب الحصى ونعيب الغربان ~~وضرب السقاء، منها إلى أي شيء في عالم المعرفة الإنسانية. # والظاهر من كل ما كتب الناقد أنه أخطأ فهم ما نعني بالأسلوب العلمي اليقيني؛ فإنه ~~ترفق في النقد، ولم تأخذه حدة؛ إذ توسل أن نجعل العرب في أول مراقي الدرجة الثالثة؛ ~~أي الدرجة اليقينية من درجات «كونت»؛ ذلك لأن الأسلوب العلمي فكرة أو قاعدة يهتدي ms085 ~~بها الإنسان إذ يمضي باحثا وراء الحقائق، إنها ليست شخصا ولا رمزا ولا تمثالا، ~~بل هي طابع تطبع به المدنية، ونحلة ينتحلها الفكر، بحيث تصبح تلك النحلة عامة ~~شاملة، فإذا فرض وظهر في العرب من جرب وحكم، أو إذا فرض وظهر فيهم من استكشف وقرر، ~~فإنما ذلك عمل فردي ذاتي لا يدل على أن ذلك كان للمدنية طابعا، أو كان للفكر ~~العام نحلة وديدنا. # وبعد فلنرجع به إلى السيد الأفغاني، فإننا على ما نحمل له في قلوبنا من الاحترام، ~~لا نبرؤه من العكوف على الأسلوب الغيبي، وهل أتى ناقدنا ذكر رسالة الرد على ~~الدهريين؟ هل أتاه ذكر النقد الذي وجه به إلى«داروين»، معلم القرن التاسع عشر، ~~محاولا أن ينقض مذهبه في النشوء، فلم يجد من قول يدفع به حقائق العلم إلا قوله ~~أن مذهب «داروين» يفضي بالبرغوث لأن يكون فيلا وبالفيل لأن يكون برغوثا؟ وإذا ~~سألته لماذا؟ أجابك: لأن لكليهما خرطوما! ولا أذكر له غير ذلك من تلك الرسالة على ~~ما فيها من فاحش الخطأ وفاضح الخلط، تاركا لناقدي الحرية الكاملة في أن يقدر إلى ~~أية درجة من درجات قانون كونت يبلغ أسلوب الأفغاني في تقرير حقائق العلم. # أما الموسيقى فجائز أن تكون قد أصبحت علما أو فلسفة في العصر الحاضر، ولكنها لم ~~تكن كذلك في زمان العرب، بل كانت مجرد فن لا غير، وهذا ليس ببعيد؛ فإن كثيرا من ~~العلوم الحديثة لم تكن منذ زمان قصير إلا نظريات أو مجرد فكرات ناحية الغيب فيها ~~تربي على ناحية الشهادة. # ولست أعرف من أية طريق تبادر إلى ذهن الناقد أني أعيب على العرب أو على ~~الإسلاميين نقل النساطرة واليهود ووثنيي حران لمذاهب الفلسفة من قبلهم، أليس هذا ما ~~يرويه التاريخ؟ فلماذا يحمل كلامي على محمل النيل من العرب أو الإسلاميين إذا أنا ~~قررت ما يرويه التاريخ؟ وكذلك هو يقول - أصلحه الله - «وما الذي احتاج إليه الإسلام ~~قرنا ونصفا قبل الفلسفة» كأنه يعتقد خطأ أن الفلسفة اليونانية لم تذع بين ~~العرب إلا ms086 في العصر العباسي، وما أحيله على شيء يصلح به خطأه إلا أن يقرأ تاريخ ~~انفصال اليعاقبة والنساطرة عن الكنيسة الرومانية، وشيئا وجيزا من اتصالهم بالشرق، ~~وعلى الأخص بالعراق وسورية ومصر وفارس قبل ظهور الإسلام، ليعرف إن كان العرب قد ~~عرفوا الفلسفة من العالم السرياني وهم بعد نصارى ويهود ووثنيين، أم إنهم لم يعرفوها ~~إلا في العصر العباسي. # أما ذكر اللاهوت فالحق أني لم أقصد به سوى ما يعني من كلمة # Theology # ولا أظن أن الناقد ينكر أن ~~المسلمين قد امتازوا بكثرة المذاهب الثيولوجية، وما ذلك عنه ببعيد، على أن في رده ~~لكثيرا من البعد عما أقصد من اصطلاح اللاهوت، فإنه تساءل: كم مجمع اجتمع في ~~الإسلام لتحرير مذهب أو بحث نظرية؟ كأنه يعتقد أن فكرات اللاهوت لا تقوم إلا حيث ~~تكون مجامع كمجمع نيقية أو إفسوس أو خلقيدونية، وأظن أنه كاف أن يتذكر أن مسألة ~~خلق القرآن وقدمه قد استنفدت من جهود المسلمين بقدر ما استنفدت طبيعة المسيح من ~~الجهد عند النصارى، وأي كبير فرق بين مجمع إفسوس وبين مجالس المأمون التي كان ~~يعقدها للبحث في مسألة القرآن، وهل هو مخلوق أم قديم؟ وأي كبير فرق بين طرد ~~النساطرة من الكنيسة وبين جلد الإمام أحمد بن حنبل وسجنه وإهانته إزاء استمساكه ~~برأيه في قدم القرآن؟ وبعد فليظهر لنا ما هو الاعتزال، وما هي القدرية، وما هي ~~الجبرية، وما هي المرجئة، ومن هم الأشاعرة، ومن هم السنيون؟ وما هي بقية الفئات ~~المعروفة؟ إن لم تكن فئات قامت لتقرير مذهب أو بحث نظرية. # وما أريد أن أذهب معه في البحث لأكثر من هذا، ولكن ذلك لا يحول دون أن أسأله: متى ~~وفي أي عصر أزالت مدنية الإسلام عن الأمم الإسلامية فوارق العصبية؟ نترك كل شيء آخر ~~لنسأله: هل أزالت مدنية الإسلام فوارق العصبية بين قبائل العرب في الأندلس، وهي لم ~~تطأ إسبانيا إلا وهي على خلاف، ولم تفارقها إلا وهي أشد خلافا في سبيل السيادة ~~والملك انتصارا للعصبية مما وطأتها؟ فإذا كانت ms087 الفوارق العصبية لم تزل من بين ~~العرب أنفسهم وهم بعد في غمرة من حروب الفرنجة، فكيف بنا نعتقد أن فوارق العصبية ~~قد زالت من بين الشعوب الإسلامية كما يدعي الناقد؟ # ذلك ما رأيت أن أبعث به إلى ناقدي على صفحات المقتطف لعله لا يرمينا بعده بالتعصب ~~للجديد لأنه جديد، ولا بالنيل من القديم لأنه قديم، ولكن هو الحق نسعى في سبيل ~~الوصول إليه في هوادة وتريث، لا في ثورة واعتساف، والسلام. # العرب والبحث العلمي: رد # 7 # ورد على الخاطر مقالة في أسلوب الفكر في مصر، أنحى بها الفاضل أسماعيل بك مظهر ~~على أسلوب العرب فيما كتبوه، وسماه أسلوبا غيبيا على الإطلاق، وعلى العكس من ذلك ~~فقد بت في أن اليونان الأقدمين هم أرباب الأسلوب اليقيني وناشرو لوائه لبعض أقوال ~~لهم في الاستقصاء والتجربة وتحكيم العقل. # وكنت أود ألا يغرب عن بال الفاضل حينما كتب مقالاته أن كل شيء في هذا الكون ~~نسبي كما يقولون، وأن إرسال أحكام كهذه مطلقة لا يخلو من الشطط دائما؛ مثاله ~~أن لدي من «خلط» علماء يونان في كثير من العلوم ما يملأ مجلدا ضخما، وعلى ~~العكس لدي أقوال كثيرة لعلماء أوروبيين عظام يثبتون بها أن كذا وكذا من مؤلفات ~~العرب فيها ما يدهش من الأفكار العلمية المبنية على استقراء وتجارب مجردة عن كل ~~وهم سابق، فهل يجب أن نستنتج من ذلك قاعدة مطلقة تكون معاكسة لما قرره الكاتب ~~المحترم في مقالاته؟ أو هل يجب أن نجاري بعض العلماء الأوروبيين فنحكم على كل من ~~تقدمنا ونقول أن الأسلوب اليقيني لم ينشأ إلا البارحة؟ لست أرى هذا ولا ذاك؛ أي ~~لست ممن يرتئون وضع قواعد مطلقة في أمور كهذه، فاليونان ساروا في بعض أبحاثهم ~~العلمية على الأسلوب اليقيني وحادوا عنه في بعض آخر. # وكذا أجدادنا العرب، وقد يكون اليونانيون أقرب إلى الأسلوب اليقيني من العرب ~~إجمالا، ولم يتفرد العرب أو الإسلام باتباع الأسلوب الغيبي، فلا غضاضة إذن عليهم، ~~بل على العكس كانت علومهم المستمدة من علوم اليونان ms088 والفرس والهنود منارا ينير ~~باقي الأقوام في هاتيك العصور المظلمة مهما كان فيها من الحشو الذي لا تقره عقولنا ~~اليوم، أقول: عقولنا اليوم وأنا على يقين من أنه سيأتي حين من الدهر يرى أبناء ~~المستقبل فيه أننا نسير الآن على غير هدى في كثير من تجاربنا العلمية، وأننا نخبط ~~خبط عشواء في قواعد مادية أوصلنا إليها الاستقراء العلمي المحض، وسببه التباس كثير ~~من الغوامض علينا مما سيتبين في المستقبل القريب أو البعيد. # أتذكر أنني عندما كنت أدرس في أوروبا ضحكت بضع مرات مع معلمي من أنفسنا على أثر ~~إخفاقنا في تجارب كنا نجربها في النبات والحشرات، ولكم ظن العلماء أن أسلوبهم في ~~تجاربهم العلمية سيوصلهم إلى الغاية بلا ريب فأخفقوا وتخبطوا تخبطا ضحكوا منه هم ~~أنفسهم أو ضحك غيرهم منه فيما بعد، ولا يجوز برأيي الحكم على العرب وحدهم بأنهم ~~أصحاب أسلوب غيبي حكما مطلقا مهما كان في كتبهم من الأمور التي هي أقرب إلى ~~الشعوذة والتنجيم منها إلى الحقائق الراهنة، فالعرب وهم تلامذة اليونانيين قام فيهم ~~عدد غير قليل ممن اتبعوا الأسلوب اليقيني فأثبتوا حقائق ستظل فخرا لهم إلى الأبد، ~~وخلاصة الرأي أنه يجب أن نقول بأن العرب كانوا كاليونانيين والرومانيين يتبعون ~~الأسلوب الغيبي في بعض أبحاثهم، واليقيني في بعض آخر، ومن البديهي أننا لا نعني ~~الفلسفة وحدها بل جميع العلوم والفنون التي كانت معروفة. # وإما أن نحكم على الأقوام الغابرة جميعا حكما صارما فنقول: إنهم أصحاب أسلوب ~~غيبي على الإطلاق، وإن الأسلوب اليقيني لم يوجد إلا في عهد إسحق نيوتن وده كارت ~~أو أقرب من ذلك؛ أي في عهد أوغست كونت، وفي الحالة الثانية يشمل الحكم اليونانيين ~~بلا ريب، أما إذا خصصنا العرب بالحكم دون اليونانيين والأقوام القديمة فلا يفسر ذلك ~~إلا بأن الشعوبية شر بلوى أصابت العرب منذ سادوا إلى اليوم. # حول أسلوب الفكر العلمي # 8 # سيدي الأستاذ محرر المقتطف # قرأت للأستاذ الشهابي نبذة قصيرة في باب المراسلة والمناظرة أدلى فيها ~~برأي في أسلوب الفكر العلمي قال ms089 فيه بأنه كان من الواجب علي أن أذكر أن ~~كل شيء في العالم نسبي، وأحب لو أني لاحظت هذه الحقيقة قبل أن أحكم حكما ~~مطلقا في مسألة نسبية، ولست أدري كيف تكون مسألة نسبية تلك التي تتناول ~~الحكم في طابع من المدنية صبغ به عصر من عصور التاريخ؟ فإذا قلنا مثلا بأن ~~العصر الحديث هو عصر الإنتاج الميكانيكي، فهل يدل ذلك على أنه عصر عدم كل ~~أنواع الإنتاج حتى الإنتاج العقلي؟ كلا بل معناه أن طابع المدنية الحديثة ~~هو الإنتاج الميكانيكي، أليس ذلك حكما مطلقا؟ أليس هو حكما صحيحا؟ وإذا ~~قلنا بأن أسلوب العرب العلمي قد طبع بطابع الغيب، فليس معنى هذا أنهم عدموا ~~كل قوة على اتباع أسلوب الشهادة، ولكن معناه أن الأسلوب الغيبي شاع ~~حينئذ، فأصبح للعرب طابعا. # على أن لنا على هذا الرأي برهانا آخر، وهو برهان تاريخي، فإن الثابت ~~أن وراثة العرب العلمية قد انتقلت إليهم من طريق مدرسة الإسكندرية أكثر ~~من انتقالها إليهم من أي طريق آخر، لا في الفلسفة وحدها، بل في الطب ~~والكيمياء، وعنها أخذ العرب تلك الأساليب الغيبية التي خلطت بين الطب ~~والفلك، وبين الفلك والكيمياء، فهم في الواقع ورثة فورفويوس الصوري في ~~المنطق، وأخلاف ابن ناعمة في الإلهيات، أو بالأحرى خلفاء أفلوطين الإسكندري ~~الذي ترجم عنه ابن ناعمة كتاب الإيثولوجيا، وتلاميذ الإسكندر الأفروديسي في ~~الفلسفة وفي القول بحياة الأفلاك السماوية، والعقل الفاعل والعقل المنفعل، ~~إلى غير ذلك من الأشياء المبهمة الغامضة التي لا مبعث لها إلا قوة التصور ~~وحدها، ولا منبت لها إلا الأسلوب الغيبي. # ثم نعود بعد ذلك إلى اليونان، وأظن أن الأستاذ لا ينكر أن كل كتاب ~~العصر الحديث منهم الأعلام جومبرتز ووندلبند وماهافي وجلبرت موري وأردمان ~~وزيللر وهوفدنج قد أجمعوا على أن الشعب اليوناني القديم أقدر شعب حملته ~~الأرض وأظلته السماء من حيث القدرة على التفكير العلمي وعلى الحليل ~~والنقد. # وأظن أنه لا ينكر أنه ما من علم حديث إلا ونجد له بداياته مطوية في ثنايا ~~ما خلف ms090 الشعب اليوناني من آثار، فإذا كان أساتذة العصر الحديث قد اعترفوا ~~بما كان للشعب اليوناني من تفوق على شعوب الأرض من بدء الخليقة إلى اليوم، ~~فهل يعد ذنبا وجريمة أن عددت العرب مع الشعوب التي تفوق عليها اليونان من ~~حيث الكفاءة العقلية، بما فيهم الألمان والأنجلوسكسون والشعوب اللاتينية في ~~العصر الحاضر، والمصريون والكلدانيون والهنود وغيرهم في العصور ~~الغابرة؟ # وبعد فلست في مقام أنصر فيه العجم على العرب ولا علماء الغرب على علماء ~~الشرق لأكون في نظر الأستاذ من الناصرين لمبدأ الشعوبية. # على أني لم أفز حتى اليوم ببرهان أو دليل يقنعني بأن رأيي الذي رأيت في ~~أسلوب الفكر العلمي غير صحيح، وأني على الرغم من كل ما قيل لا أزال أعتقد ~~حتى اليوم أن أسلوب البادية في العلم والفلسفة كان أسلوبا غيبيا ~~صرفا. # العرب والأسلوب العلمي: رد # 9 # سيدي الفاضل رئيس تحرير المقتطف حفظه الله # قرأت ما كتبه الأستاذ الفاضل إسماعيل مظهر في جزء ديسمبر 1926 من المقتطف ~~الأغر ردا على ما ذكرته في الجزء السابق حول أسلوب الفكر العلمي عند ~~العرب. # للأستاذ أن يطنب بالشعب اليوناني القديم ما يشاء؛ فهذا الشعب حري بذلك، ~~وله أيضا أن يفضله مع من ذكر من الكتاب وغيرهم على كل الشعوب الحاضرة من ~~حيث القدرة على تحليل الحادثات الكونية ونقدها وعلى التفكير العلمي، فأنا ~~لا أريد أن أجادله في رأيه ما دام هذا الرأي لا يتعلق بالعرب وحدهم، لكنني ~~آخذ على الكاتب قوله: «وإني على الرغم من كل ما قيل لا أزال أعتقد حتى ~~اليوم أن أسلوب أبناء البادية في العلم والفلسفة كان أسلوبا غيبيا ~~صرفا»، فهذه الجملة تحتاج إلى إيضاح، ومعناه يجب أن نتساءل؛ أولا: هل ~~العرب أصحاب أسلوب غيبي كان لهم طابعا أم لا؟ ثانيا: إذا حكمنا بأن ~~أساليبهم العلمية كان الغيب طابعها فهل انفردوا وحدهم بهذا الطابع أم ~~شاركتهم فيه الشعوب الأخرى التي عاصرتهم أو درجت قبلهم؟ # أجمع الفلاسفة منذ أيام أوغست كونت إلى اليوم على أن الفلسفة والعلوم ~~المعروفة لم ms091 تتجرد من الأساليب الغيبية إلا منذ عهد باكون وده كارت في ~~الفلسفة، وكبلر وغاليليو في العلوم، فجميع الأقوام سواء في تعليل حوادث ~~الكون؛ أي بجعلها خاضعة لإرادة الأصنام أولا فالآلهة فالإله الأحد، فالعلل ~~الكامنة بها المنفردة عنها، على التتابع، إلى أن عدل العقل البشري أخيرا ~~عن كل ذلك وانصرف عن البحث في أصل الكائنات وغايتها ومدبرها إلى النظر في ~~النواميس الطبيعية التي تسير حوادث الكون بموجبها، ومنذ ذلك الحين أخذت ~~العلوم تتسع وتتقدم. # فقد ذكر أصحاب الفلسفة اليقينية، وخصوصا أوغست كونت في غير موضع من ~~مجلداته الستة، أن اليونانيين لم يتبعوا أسلوبا يقينيا محضا إلا في ~~الرياضيات ومن أعظم رجالهم فيها أرخميدس وإقليدس، ثم في فلسفة ~~أرسطو. # أما باقي الفلاسفة والعلماء اليونانيين الذين بحثوا في الفلسفة والنبات ~~والحيوان والزراعة والطب وغيرها، فقد كان يغلب الأسلوب الغيبي على أبحاثهم، ~~وأما باقي الشعوب التي لها مدنية تذكر في التاريخ القديم وتاريخ القرون ~~الوسطى فمعظم أبحاثهم العلمية والفلسفية هي غيبية، بحيث إنه إذا أريد عدم ~~البحث في النسبية، وأريد الحكم في الطابع الذي طبعت به أيام هذه الشعوب فلا ~~يمكن نعته بسوى أنه غيبي. # يتضح من ذلك أن ما ذكرته في عدد المقتطف الأسبق حول هذا الموضوع لم ~~يتغير، ومفاده أنه إذا أريد اتخاذ قاعدة مطلقة عن الأسلوب العلمي الذي كان ~~أكثر انتشارا في الشعوب القديمة فالغيب طابع الجميع بلا استثناء لا طابع ~~العرب وحدهم. # وبعد فأنا على اتفاق مع إسماعيل مظهر إذا سلم بهذا الرأي؛ أي بأن العرب ~~لم يتفردوا بكونهم كانوا ذوي أسلوب علمي طبع بطابع الغيب، بل إن كل الشعوب ~~المتمدنة التي عاشت قبلهم ومعهم يجب وسمها بهذا الطابع، وأن الأسلوب ~~اليقيني لم ترجح كفته حتى صار طابعا للعلوم إلا في المدنية الأوروبية ~~الحديثة، أما إذا أصر الأستاذ على رأيه في إفراد العرب بهذا الأسلوب فمن ~~المتعذر أن نتفق وقد تدوم مناظرتنا إلى أن نلتقي في العالم الثاني. # أسلوب العرب العلمي # 10 # سيدي محرر المقتطف # نشرتم للأستاذ مصطفى الشهابي في ms092 مقتطف يناير الماضي كلمة وافق فيها على ~~ما أرى من رأي في أسلوب العرب العلمي أن الغيب قد وسم على جبين آثارهم ~~العلمية طابعا خالدا، على أني لا أريد أن تمر هذه الفرصة من غير أن أعبر ~~للأستاذ عن رأيي في أن الأسلوب الغيبي قد شاع في أوروبا في أواخر القرن ~~الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، على الرغم مما جاء به نيوتن وباكون ~~وديكارت من قبل ذلك، أبادر إلى نشر هذه الحقيقة لأني أود من صميم قلبي أن ~~ألتقي والأستاذ في عالم الشهادة؛ فإننا إذا لم نلتق فيه، فالراجح أننا لن ~~نلتقي في عالم الغيب كما أشار الأستاذ في نهاية كلمته الأخيرة، ~~والسلام. # | معتقد أبي العلاء المعري # في الدين والخالق # ما كنت لأكتب في أبي العلاء المعري شيئا لولا أن لي في مذهبه فكرة قد أكون مسبوقا ~~بالبحث فيها، وإن كنت لم أقرأ حتى اليوم بحثا تناول معتقد أبي العلاء انتحى فيه ذلك المنحى ~~الذي أنحوه لدى النظر في عقيدته، والحقيقة أن الناس مختلفون في أبي العلاء هل هو متدين؟ ~~ومن ثم يوجب عليه تدينه أنه يعتقد بوجود الله، أم أنه إلهي صرف يعتقد بوجود الله على اعتبار ~~أنه علة العلل وصرف حالات هذا الكون ومبدعه ومدبره، ومن ثم يجحد الأديان، مستقلا أمر ~~الاعتناء بالإنسانية في جانب الله، فإن من الفلاسفة الإلهيين من يقول بأن أمر العناية ~~بحالات الإنسانية فوق هذه الأرض وبمنقلبه بعد الموت، إنما هي أشياء لم تخرج عن كونها تصورات ~~باطلة سيق فيها الإنسان بمقتضى غريزته وبقدر جهله بحالات العالم الطبيعية الحافة به، وأن ~~الله - سبحانه وتعالى - خلق العالم وبرأ الأحياء على مقتضى نواميس في علمه أن تظل كما كانت، ~~وكما هي كائنة، وكما ستكون، وسبق في علمه أن تكون هذه النواميس أبدية أزلية لا تتغير ولا ~~تتبدل، فهو على هذا الرأي مصرف الكليات ومدبر الكون في مجموعه، وعلى ذلك يكون أمر العناية ~~بسعادة الإنسان فوق الأرض وخلاصه بعد الموت، أمورا جزئية فعلها مناقض لما سبق ms093 في علمه ~~القديم أن يكون. أذكر لبعض الفلاسفة رأيهم هذا، وأذكر أنني أمضيت وقتا ليس بالقليل مع أحد ~~مشهوري الأدباء المعروفين نتصفح ما كتب أبو العلاء لنستخلص من آثاره كل شيء يدل على اعتقاده ~~بوجود الله وبفكرته في الدين، فوقفنا على كثير من الآراء المتناقضة وألوان من مختلف النزعات ~~في أبيات تظهر فيها عقيدة أبي العلاء في وجود الله ظهورا جليا واضحا لا تشوبها شبهة، ~~ولا تحف بها ريبة، غير أنك لا تلبث أن تجمع كل ما قال أبو العلاء مما يدل على اعتقاده بوجود ~~الله ثم تذكر قوله: # قلتم لنا إله قديم # قلنا صدقتم كذا نقول # زعمتموه بلا مكان # ولا زمان ألا فقولوا # هذا كلام له خبيء # معناه ليس لنا عقول # حتى تحف بك الريبة في حقيقة عقيدته في الله - سبحانه وتعالى - فهو يسلم بأنه - سبحانه ~~وتعالى - حكيم، ولكن عقله يأبى عليه أن يسلم بأنه بلا زمان أو مكان! فكيف كل هذا؟ كيف يمكن ~~أن نعتقد بأن الله حكيم، وأنه علة العلل ومبدع الأشياء، ثم في الوقت نفسه يشارك المعلولات ~~في صفاتها من الحد بالزمان والمكان؟ السبب في ذلك يمكن تعليله. # ارجع معي أيها الباحث المتريث برهة إلى النظر في حالات جسمك الطبيعية، وسايرني هنيهة في ~~بحث طبيعي منطقي نخرج منه بنتيجة تعلل لنا السبب في أن أبا العلاء يسلم بأن الله حكيم، ~~ثم لا يستطيع أن يسلم بأنه بلا مكان ولا زمان. # أنت إنسان تبصر وتلمس وتسمع وتذوق وتشم، وليس فيك من صفات تدل على وجودك غير هذه الصفات ~~التي اصطلح على تسميتها بالحواس الخمس، وأنت في هذه الآونة تقلب بين يديك كرة من الحديد ~~الأصم، هي مادة اصطلحت على تسميتها حديدا، سائل نفسك بعد ذلك كيف يمكن أن تعرف أن هذه ~~الكرة خارجة عن حيزك؟ تعرف ذلك لأنك تراها وتلمسها وتسمع رنينها إذا ألقيتها على الأرض، وقد ~~تذوقها إذا وجدت لها عندك طعما، وقد تشمها إذا كانت تنبعث منها رائحة، فإذا فرضت أنك فقدت ~~حاسة البصر فإنه ms094 يتعذر عليك أن تراها، وإذا فقدت حاسة اللمس تعذر عليك أن تشعر بها، وإذا ~~فقدت حاسة السمع استعصى عليك أن تسمع رنينها إذا ما أصابت جسما صلبا تلقى عليه، إذن يترتب ~~على هذا أنك لا تعرف لهذه الكرة من وجود خارج عن حيزك إلا من طريق حواسك، وإذن فكل ما تدرك ~~من وجود الكرة راجع إلى إدراكات كائنة فيك، وليست خارجة عن حيزك، وعلى هذا يتعين عليك القول ~~بأن فقدان الحواس يمنع عليك أن تدرك للكرة وجودا حقيقيا خارجا عن حيزك، مع أنك مع كل ~~هذا لا تستطيع مطلقا أن تعتقد بأن الكرة ليست خارجة عن حيزك وعن وجودك المادي؛ ذلك لأن ~~عقلك قد ركب عن أن يمضي معتقدا بأنها خارجة عنك بعيدة عن وجودك، وأن لها وجودا آخر غير ~~وجودك، على هذا جبل الإنسان وعلى هذا تركب عقله، فإذا اعتقد شخص ساعة بأن الكرة في حيزه ~~داخلة في وجوده وأخذ يؤدي عمله سائرا على هذا الاعتقاد، فعندها نقول بأن ميزان العقل قد ~~اختل وتفككت ألفته؛ ذلك لأن العقل ألفة، لا بل لن تسلم إلا بأن الكرة تشغل من المكان حيزا ~~خارجا عن حيز جسم الإنسان الشاعر بوجودها من طريق حواسه، هذا أمر سلم به كل المشتغلين ~~بالعلم الطبيعي كما سلم به كل المناطقة، فلنتركه هنيهة إلى بحث آخر يمت إليه بآصرة ~~قريبة. # في الفلسفة الحديثة اصطلاح وضعنا له «الفكرة الناسوتية» ترجمة، ولست أعلم مقدار انطباق ~~هذه الترجمة على الواقع، غير أني أستعمل الاصطلاح هنا ترجمة لكلمة «إنثروبومورفزم»؛ أي ~~الفكرة الفلسفية القائلة بتزويد الله - سبحانه وتعالى - بشيء من الخصائص الإنسانية والصفات ~~البشرية، على أن مضينا في الاعتقاد بأن الله لن تخرج صفاته - تجلت عن الشبائه - عن ~~أشياء تتحيز في أذهاننا حسب نماذجنا العقلية لأمر فيه من الخرق بقدر ما نقول بأن الشمس ~~تدور حول الأرض أو أن اثنين واثنين لا يكونان أربعة أو بقدر ما ننكر وجود المحسوسات ، أمر ~~يتنافى لدى أول وهلة مع اعتقادنا بأن الله مخالف للحوادث بمقتضى ms095 أنه علتها الأولى، غير أننا ~~مع كل هذا لا نستطيع أن نكون في موجد الأشياء فكرة غير مصبوبة في قالب تصوره لنا نماذجنا ~~العقلية؛ لأن هذا يخرج عن طوق الذوات الفانية. # خذ لك مثلا «إسبينوزا» فإنه أبعد الناس عن الاعتقاد بأن الخالق مكون على نموذج عقله، ~~ولذلك قال بأن الله عبارة عن «امتداد وفكر» غير أن دكتور «مارتينو» لم يلبث أن نض ~~فكرته قائلا: من أين أتى له أن الله امتداد وفكر إلا من النظر في حالاته الطبيعية؟ ذلك ~~لأن الامتداد والفكر أمران هما أخص ما تتصف به الأجسام والعقول، وعلى هذا فقس بقية ماذهب ~~إليه فلاسفة مثل هيجل وسبنسر وغيرهم. # فإذا رجعت بعد هذا إلى فكرة أبي العلاء، وجدت أن الرجل شاك لاأدري في المحسوسات، ~~حسي في الظواهر الطبيعية، توحي إلية ألفة عقله بأن الله حكيم؛ ذلك لأنه يقيس الحكمة في الله ~~مطبقا إياها على خصائص عقله، ولكنه ينكر أنه بلا زمان ولا مكان؛ لأنه لا يستطيع أن يحتفظ ~~بألفة عقله في الوقت الذي يمضي فيه معتقدا بأن هنالك شيئا خارجا عن الزمان والمكان، في ~~حين أن حالات جسمه الطبيعية وحواسه التي يدرك من طريقها ما هو خارج عن حيزه، لا توسع مجال ~~الاعتقاد في شيء خارج عن حد الزمان والمكان، أو بطريقة أوضح عن حد الحركة؛ لأن الزمان ~~والمكان شيئان أولهما قياس الحركة من جهة المتقدم والمتأخر، وثانيهما سطح لا يعرف إلا من ~~قياس وضع الأجرام ولا يدرك إلا من حركتها. # إلى هذا وحده أعزو السبب في تسليم أبي العلاء بأن الخالق حكيم، وإليه أعزو نكرانه بأنه ~~بلا زمان ولا مكان، فإذا أضفت إلى ذلك قول المناطقة بأن العلة الكاملة يجب أن يوجد معها ~~معلولها عرفت كيف أن أبا العلاء إنما يستند في قوله هذا إلى المنطق، فإذا قيل بأن الله - ~~سبحانه وتعالى - بلا زمان اقتضى ذلك القول بأن معلوله؛ أي الكون لا بد له من إحدى حالتين: ~~فإما أنه قديم، وإما أنه حادث، فإذا كان قديما قيل ms096 لك بأنه مشارك للعلة في عدم الحد ~~بالزمان، وإذا كان حادثا قيل لك بأن علته كانت ناقصة ثم كملت، وهكذا دواليك تدخل في بحث لن ~~تعرف له من نهاية، إذا ما أردت أن تذهب في بحث أبي العلاء من ناحية معتقده في الله لأبعد من ~~قولك بأنه كان لاأدريا في المجردات والنظر الغيبي، حسيا لدى نطره في نظام الطبيعة، لا ~~يرضى عن حقيقة إلا إذا قاسها على حالات جسمه الطبيعية وإلا إذا أتته من طريق الحواس أو إذا ~~وافق القول بها ألفة عقله، والدلائل على شك أبي العلاء في التقاليد كثيرة، نكتفي منها ~~بقوله: # جائز أن يكون آدم هذا # قبله آدم إثر آدم # وقوله: # قال قوم ولا أدين بما قا # لوه أن ابن آدم كابن عرس # جهل الناس ما أبوه على الد # هر ولكنه مسمى بحرس # في حديث رواه قوم لقوم # رهن طرس مستنسخ بعد طرس # وقوله: # يقولون أن الجسم ينقل روحه # إلى غيره حتى يهذبها النقل # فلا تقبلن ما يخبرونك ضلة # إذا لم يؤيد ما أتوك به العقل # بل نذهب في عقيدة أبي العلاء إلى شيء أكبر من هذا، نذهب إلى أنه كان جاحدا للأديان ~~متشككا فيها، أما شعره فيدل على كثير من الشك ومطاوعات اللاأدرية الممسوسة بأثر المرونة ~~الفكرية إلى حد بعد بعيد، ومن طبيعة الشك أن يترواح فيه الإنسان بين شيء ونقيضه، على أنك ~~تجد أنه إن ذكر الدين بخير مرة، فإنه إنما يذكره بذلك الخير ليصارحك من بعد ذلك بجحوده له، ~~وبأنه لا يعتقد أن بارئ الكون ومدبر أمره قد يعنى بالحيوان الناطق عناية من يشفع إليه ~~بالرسول تلو الرسول ليهديه الصراط السوي، لهذا يتلخص ما نريد أن نقول في عقيدة أبي العلاء ~~في أنه كان جاحدا للأديان معتقدا بالله اعتقادا ينزل إلى نموذج مستمد من أحط ناحية من ~~نواحي الطبيعة البشرية هي ناحية إدراك الحس، ولهذا لا يستطيع أن يتصوره بلا زمان ولا مكان، ~~وإن أردت شواهد على جحوده الأديان فإليك بعض ما قال: # ومتى ms097 ركبت إلى الديانة غالها # فكر على حسن الضمير دسائس # والعقل يعجب والشرائع كلها # خبر يقلد لم يقسه قائس # متمجسون ومسلمون ومعشر # متنصرون وهائدون رسائس # وبيوت نيران تزار تعبدا # ومساجد معمورة وكنائس # والصابئون يعظمون كواكبا # وطباع كل في الشرور حبائس # فهو إذن يقول بأن الشرائع تقليد، وهو بقوله هذا إنما يفسر حقيقة تلك الفكرات التي تدس على ~~حسن ضميره؛ أي على وراثته التقليدية التي يحاول دائما أن يرضيها إذا ما فكر في أمور الدين، ~~وهو يقول بأن المجوس والمسلمين والنصارى واليهود والصابئين لم تهذب أديانهم من نفوسهم ~~ولم تزك من طبيعتهم، ولذلك تراهم في الشرور سواء، وأنهم شرع في حكم الطبع البشري الرسيس ~~في الدنايا، وتلك آية من آيات جحوده للأديان، فإذا كان الدين شرع للهداية ثم عجز في رأي ~~أبي العلاء عن تأدية وظيفته، وأن الناس بعد اتباعهم مراسيم الشرائع لا يزال طبع البشر ~~غالبا فيهم! فعلام الدين وعلام الشرائع؟ وعلى أي شيء يبقى العقل من كل هذا؟ ثم ارجع إلى ~~قوله: # إن هللت أفواهكم فقلوبكم # ونفوسكم دون الحقوق مهلله # آليت ما توراتكم بمنيرة # أن ألفيت فيه الكميت محلله # لا تأمنوا برق الغمام فإنما # تلك السيوف من القضاء مسلله # قال افتكار في الحوادث صادق # جعل الصعاب من الحذار مذلله # هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت # ويهود حارت والمجوس مضلله # وعلى هذا يكون: # اثنان أهل الأرض؛ ذو عقل بلا # دين وآخر دين لا عقل له # هنا يتجلى لك أن أبا العلاء كان كما يقول المتأخرون «ديئست» وهذا معتقدنا فيه؛ أي أنه كان ~~جاحدا للأديان معتقدا بالله، فعنده أن أهل الأرض اثنان أولهما ذو عقل لا يسلم ~~عقله بأن معلولا يمكن أن يوجد بلا علة، ولذا فهو يعتقد بالله؛ أي بعلة العلل وبارئ ~~الأشياء، وآخر ذو دين يجمع بين المتناقضات - في رأي أبي العلاء - ولذا يكون بلا عقل. ثم ~~عد إلى قوله: # دين وكفر وأنباء تقص وفر # قان ينص وتوراة وإنجيل # في كل جيل أباطيل يدان بها # فهل تفرد يوما بالهدى جيل # فالدين ms098 والكفر والنزاع فيهما والأنباء التي تقصها كتب التنزيل عن الأولين والفرقان ~~والتوراة والإنجيل إنما هي في نظره أباطيل يدان بها، وأنه لم يتفرد جيل واحد من أجيال ~~الإنسانية بالهدى الذي يراه أبو العلاء، وما هو ذلك الهدى؟ هو ترك التقاليد الدينية التي لم ~~يقسها ولم يفندها عقل مستقل، ثم معرفة الله - سبحانه وتعالى - كل إنسان بقدر ما تحتمل ~~عقليته، وإلا فلو اتبع جيل هدى جيل غيره لأصبح بمقتضى تنافر وجهات النظر من الأباطيل كما ~~يقتضي تسلسل الفكرة عند أبي العلاء. ويقول: # إله قادر وعبيد سوء # وجبر في المذاهب واعتزال # وبالكذب انسرى وضح وليل # ولم تزل الخطوب ولا تزال # ولولا حاجة في الذئب تدعو # لصيد الوحش ما اقتنص الغزال # فهو بذلك يعتقد في إله قادر برأ الأشياء وبرأ عبيد سوء ذهبوا إلى جبر واختيار في المذاهب ~~واعتزال، ولا يدلك على فكرته في ذلك مثل قوله: # إن كان من فعل الكبائر مجبرا # فعقابه ظلم على من يفعل # والله إذ خلق المعادن عالم # أن الحداد البيض منها تجعل # سفك الدماء بها رجال أعصموا # بالخيل تلجم بالحديد وتنعل # لا تمس نار في الضمير فراشة # فضغائن الصدر الحريق المشعل # هو إذن ممن يقولون بالاختيار في أفعال الإنسان، وهو إذن يعتقد بأن الله لا يريد الشر وإن ~~كان يعلمه، وأن فعل الشر على ذلك من اختيار الإنسان ومن نتاج شهواته وانفعالاته، بل ومن ~~مخترعات عقله، فالله عندما خلق المعادن كان يعلم أن السيوف المهنده الباترة تصنع من صنف ~~منها، ولكن من الذي سفك الدماء بها؟ سفكها بها رجال اعتصموا بظهور الخيل المطهمة وألجموها ~~الحديد ليردوا جماحها ويسيروها حسب إرادتهم. # يعتقد أبو العلاء أن الله خير محض لن يأمر بفعل الشر؛ لأن الخير المحض لا يصدر عنه ~~إلا خيرا محضا، فكيف يمكن أن يعتقد إنسان ينزه الله - سبحانه وتعالى - بأن تصدر منه إرادة ~~شر ويكون في يقينه بأن الله خير محض مخلصا لنفسه ولضميره مرضيا لألفة عقله؟ الله يعلم ~~الشر أنه شر، ولكنه لا يجعل ارتكابه على ms099 إنسان قدرا مقدورا كما يقولون، وإلا لتنافى مع ~~بديهة العقل أن يستحق مرتكب الكبائر عقابا، أو فاعل الخير ثوابا؛ لأن الإنسان في تلك ~~الحال لا يكون إلا آلة مسيرة حسب مشيئة الأقدار لا تستحق من مثوبة ولا عقوبة، بهذه الفكرة ~~يقول أبو العلاء، وعليها يوافقه كثير من متنطسي الباحثين. # ولعله تتاح لنا فرصة أخرى نوفي فيها هذا البحث حقه، ونقارن بين فكرة أبي العلاء الفلسفية ~~وبين فكرة عمر الخيام، فإن ذلك يظهرنا على شيء من طبيعة الفكر الإنساني وكيف تنتقل الفكرات ~~من جيل إلى جيل متدرجة في أشكال من التغيير والتفاوت لا نهاية لتنوع صورها. # برقين 1926 # | القصد والغاية # في الطبيعة وما بعد الطبيعة # بربك أيها الفلك المدار # أقصد ذا المسير أم اضطرار؟ # مسيرك قل لنا في أي شيء # ففي أفهامنا منك انبهار؟ # وفيك نرى الفضاء وهل فضاء # سوى هذا الفضاء به تدار؟ # وموج ذا المجرة أم فرند # على لجج الدروع له أوار؟ # منذ أن ترامى أول شعاع أرسله الفكر فشق في ظلمات القرون الأولى للفلسفة طريقا إلى خفايا ~~العالم المجهول، تساءل الإنسان: لماذا خلق العالم؟ وأية غاية سبقت في حكم القدر ليخرج هذا ~~الكون قائما على ما نرى فيه من نظام؟ إن أردت أن تقع على جواب ينقع غلتك ويرأب ~~بقوة أدلته ما تصدع من يقينك، فأجب: لا أدري؟ كن لاأدريا إزاء هذا اللغز الوعر ولا ~~تحفل بما ينقل إليك من التقاليد، أما إذا سئلت: أهنالك من قصد في خلق العالم؟ وهل من غاية ~~لأجلها خلق الإنسان؟ فأجب إجابة الأدريين، وقل: نعم، لا بد أن يكون من وراء هذا النظام ~~الشامل قصد كامن وغاية مخبوءة لا أعرف من ماهيتها شيئا؛ فإن هذا النظام إذ يدل على قوة ~~تدبره على مقتضى الحكمة، فلا بد من أن تكمن وراء ظواهره غاية هو سائر في نظامه نحوها، متجه ~~بكل ما فيه من النشوء والارتقاء إلى بلوغ سمتها القصي والانتهاء عند ذروتها العليا. # انقسم الناس منذ أن بزغ فجر الفلسفة في بلاد اليونان، ms100 التي وصل إلينا من آثارها العقلية ~~ما نعتبره أكبر ميراث ورثه العقل البشري عن القرون الأولى، إلى فريقين: فمنهم من قال بأن ~~وراء النظام الظاهر قوة تدبره بحكمتها وتحوطه بعنايتها، وأن هذه القوة لا بد من أن تسير ~~بالعالم إلى قصد وتسوقه إلى غاية، نستدل عليهما بما هو مبثوث في أطراف هذا العالم من نظام ~~لا ينتابه خلل، ولا نلحظ في نواحيه من شيء لا يدل على أن له موجدا، ويقول هؤلاء: إن ~~الإنسان إنما يقيس حالات العالم الخارجي على حالات نفسه، فكما أن الشبح المنعكس من عدسة ~~زجاجية على حائط ليس سوى صورة مكبرة من ذلك الشبح الكائن في العدسة، كذلك النظريات الخاصة ~~بهذا العالم، كما يقول العلامة كروزيار: ليست سوى صورة مكبرة من نظريات العقل الإنساني تسبك ~~عادة على نماذج تستمد من تجاريبنا الذاتية، وعلى هذا لا يستطيع أن يكون في العالم فكرة ~~منطقية على حقيقته المطلقة، غير مقيدة بحدود العقل والذاتية البشرية، هذا مثال ~~الأول. # ومن الفلاسفة من يقول بأن هذا العالم قد صدر عن العماء الصرف على الرغم مما يظهر فيه من ~~نظام، وأن القصد في العالم غير بين، والغاية لا يمكن أن تدرك من بضعة نظم يسير العالم ~~على مقتضاها، ولا يمكن للعلم أن يدرك منها شيئا بطرقه الموضوعة، إلا من طريق الحس ~~الإنساني، ولما كان العلم لا يعتمد إلا على الحواس وحدها، ولما كانت الحواس لا تنقل إلى ~~العقل سوى تجاريب لا تدل طبيعتها على أن في خلق العالم قصدا، أو أن في خلق الإنسان ~~غاية، فلن نستطيع أن نسلم بقصد وغاية تكمنان وراء الظواهر إلا إذا ثبت لنا ذلك من طريق ~~الحواس، إن العالم كتلة موات من المادة والحركة، وإن الحياة والفكر وكل خصائص الإنسان ~~ليست سوى أعراض مختلفة لتفاعل المادة والقوة التي تحرك دقائقها، وهذا مثال الفريق ~~الثاني. # كل فريق من هذين الفريقين بما لديه فرح فخور، فمن أي الفريقين تريد أن تكون؟ تابعني ~~قليلا ونقل معي خطاك في بحث قصير يمكنك ms101 أن تكون لنفسك من بعده فكرة مستقلة، إذا عنيت ~~بعض العناية بتفهم الحقائق التي يقوم عليها. # خلق العقل الإنساني مقسورا على أن يعتقد ببضعة حقائق أولية لا يمكن بدونها أن تحتفظ ~~بألفته التي ينحصر فيها كل معنى من المعاني التي تفضله عن بقية الخلق الأدني منه في الطبيعة ~~نسبا وأحط مكانة، لهذا ترى الناس منصرفين في حياتهم وهم على شعور تام بأنهم يملكون شيئا ~~يكمن بين جوانحهم يسمونه القوة المدركة، وأنهم يحوزون شيئا آخر يدعونه حس الجمال والموسيقى ~~والشعر، وأن هذه الضروب المتنوعة من الحس الكامن إنما تظهر لهم كأشياء أولية ظاهرة بجانب ~~ذلك الشيء الغامض المبهم الذي يسمونه الإرادة الخفية التي لا يستطيع إنسان اكتملت ألفة عقله ~~أن يمضي معتقدا بأن ليس لها وجود حقيقي، لهذا نسوق مباحثنا لنخلص منها بنتيجة تظهرنا على ~~أن القصد والغاية تكمنان وراء كل الظواهر الطبيعية. # ينكر الماديون أن للإرادة وجودا حقيقيا، ولماذا؟ لأنهم إن سلموا أن للإرادة وجودا ~~حقيقيا لما استطاعوا أن يخلصوا مطلقا من النتائج التي تترتب على هذا القول، ولما أمكنهم ~~أن يخرجوا من قولهم هذا إلا معتقدين مع الإلهيين بأن للعالم خالقا مدبرا حكيما تبدو ~~إرادته، وتظهر حكمته جلية في نواحي الكون، ولذا تراهم يقولون بأن الإرادة ليست إلا عرضا ~~لاهتزاز دقائق المخ المادية، على الضد مما يقول به المثبتون للقصد من خلق العالم إذ يمضون ~~معتقدين بأن الإرادة ليست إلا الانتقال من حركة عقلية إلى فعل طبيعي، فإذا أردت أن تمشي ~~مثلا فإنك إنما تنفذ حركة المشي إذ تقوم في عقلك إرادة تحملك رغما منك على أن تتبع ~~هواها. # من هذا ندرك أن الماديين والإلهيين يختلفون من حيث الاعتقاد في السببية الصحيحة التي ~~تقوم عليها الإرادة، يقول الأولون: إن السبب الحقيقي في الإرادة ينحصر في اهتزاز دقائق ~~المخ المادية التي تنتج كل الصفات العقلية، ويقول الإلهيون: إن الإرادة عبارة عن خاصية من ~~الخاصيات التي يتصف بها العقل الإنساني ، ولذا فهي لا تعود إلى سبب منه تستمد، وإنما لها ~~وجود ms102 حقيقي قائم بذاته. # فإذا تابعنا الماديين وأنكرنا أن للإرادة وجودا حقيقيا، وأنها ليست سوى عرض من أعراض ~~السببية الحقيقة التي هي عند الماديين عبارة عن اهتزاز دقائق المخ المادية، لم يحل بيننا ~~وبين إنكار كل الخاصيات العقلية الأخرى حائل، وعلى نفس الدلائل التي ينكر بها الماديون ~~الوجود الحقيقي للإرادة نستطيع أن ننكر كل الخصائص والقوى والمدركات الإنسانية الأخرى، ~~نستطيع أن ننكر وجود الجمال والموسيقى، بل لا نقف عند هذا وحده، فنمضي من ثم إلى إنكار أن ~~هنالك فرقا حقيقيا بين منازع الفكر والعواطف، ونقضي من هذه السبيل على الفضائل ومضاداتها ~~من الرذائل، على اعتبار أن هذه الأشياء ليس لها من وجود حقيقي، بل نقضي على كل قضايا ~~العقل الإنساني ولا نترك من ورائنا بعد هذا في الحياة البشرية برمتها من شيء يستحق أن يكون ~~له قيمة صحيحة اللهم إلا كتلة مواتا من المادة والحركة. # إلى هذا المزلق الوعر يسوقك الماديون، يسوقونك أمامهم سعيا إلى حيث تفقد ألفة عقلك، وتقف ~~حائرا أمام ما تحس به بين جوانحك إحساسا صحيحا. # تناجي نفسك، إني خلقت مقسورا على أن أعتقد أن دقائق المادة تتجاذب وتتدافع لأني إذا ~~أردت أن أكسر حجرا، وكذلك إذا أردت أن أضغطه، فإن جواهره ودقائقه تقاوم إرادتي في كلتا ~~الحالتين، ذلك في حين أني لا أدرك كيف أن دقيقتين من المادة تتجاذبان في حين أنهما ~~تتدافعان، وكذلك أعتقد أن في الفضاء أثيرا يحمل إلى شبكية عيني الضوء، وينقل إلى صماخ ~~أذني مختلف الأصوات، في حين أني لم أر الأثير ولم أتناوله بتجربة تثبت وجوده من طريق ~~الحواس. إرضاء لطرائق العلم، يهمس في روعك وحي العقل بأن لا تعتقد بغير هذا وإن امتنع عليك ~~حسيا إدراكه؛ يهمس في روعك بأن للعالم المادي المحيط بك وجودا حقيقيا على الرغم من ~~أن الفلاسفة قد ينكرون وجوده كحقيقة ثابتة، وعلى هذا تتدرج من الاعتقاد بالعالم الخارجي، ~~إلى الاعتقاد بعالمك الكائن في تضاعيف فطرتك ، تعتقد بأن هناك فرقا حقيقيا بين الفضيلة ~~والرذيلة، وبين سمو المدارك ms103 الروحانية وبين إسفاف النزعات السفلى، تدرك أن الأنانية وحب ~~الذات شر، وأن الغيرية وإنكار الذات خير؛ وعلى الجملة تدرك أن هنالك فروقا كائنة في ~~عالم العقل بين منازل الفكر والعواطف. # بذلك تناجيك نفسك ويهمس في روعك عقلك، فإذا رجعت إلى الماديين وألفيتهم يرجعون بهذه ~~المعاني جماعها بلا تفريق بينها إلى اهتزازات دقائق غير مختلفة بعضها عن بعض أي اختلاف ما، ~~ولا تدرك من تلك الفروق شيئا مطلقا، فلا يصبح من شيء هو أثبت في يقينك من الاعتقاد بأنهم ~~إنما يلزمون أنفسهم الحجة بحكم المنطق بأن هذه المعاني لا يختلف بعضها عن بعض اختلافا ~~حقيقيا. # ثم ارجع بعد هذا ثانية إلى الإرادة؛ فإنك تجد نفسك مقسورا على الاعتقاد بوجود حقيقي لها ~~على الرغم من معتقد الماديين بأنها ليست سوى عرض يلازم اهتزازات دقائق المخ المادية، فإذا ~~اعتقدت بهذا وشعرت بأن ألفة عقلك تتطلب منك سببا يعود إليه نظام العالم المادي، وإذا كان ~~كل ما في مستطاع اختبارك أن يصل من علم بالسبب الأول والعلة الأولى ينحصر في الفعل العقلي ~~لإرادتك، التي هي رغم مزاعم الماديين عبارة عن الانتقال من الحركة العقلية إلى الفعل ~~المادي؛ أصبح من المحتوم، مادمت قد قسرت على فطرتك التي فطرت عليها، أن ترجع بمقتضى ألفة ~~عقلك ومقتضيات تكوينه وخصائصه إلى الاعتقاد بأن هذا الكون معلول لإرادة عاقلة؛ أي إلى خالق، ~~وليس لك أن تبحث بعد ذلك في أن لهذه الإرادة العاقلة التي تدبر العالم وجودا حقيقيا ~~يثبته العلم من طريق الحواس؛ كما أنه ليس لك أن تبحث من طريق العلم المعتمد على الحواس ~~الكائنة فيك؛ ولا تخرج عن حيزك، عن دليل يثبت لك وجود العالم المادي، أو يظهر لك كيف تتجاذب ~~دقائق المادة وتتدافع! وإنما كل ما تدرك وتعلم أنك جبلت على ألا تستطيع أن ترد على عقلك ~~ألفته، وأن تحتفظ بنظامه الذي خلقت مقسورا على الاعتقاد بصحة ما يوحي إليك به، إلا إذا ~~مضيت مؤمنا بوجود خالق ذي إرادة حرة يدبر العالم على مقتضى الحكمة البالغة ms104 من سمو المعاني ~~مبلغا لن تدركه قواك البشرية المحدودة. # نعود بعد هذا ونكرر ثانية أن الإنسان مقسور على أن يقيس حالات العالم المحيط به على ~~حالات نفسه، وأنه لا يستطيع أن يدرك علة العالم إدراكا صحيحا كاملا، وإنما كل ما في ~~مستطاعه محصور في أن يدرك أن للعالم إرادة تدبره كما تدبر إرادته حركاته وأفعاله في ~~الحياة. # وما دمنا قد سلمنا بأن للعقل ألفة ونظاما، وما دامت الإرادة خاصية من خصائص العقل، ~~فيترتب على هذا أن حكمة القصد في الأعمال الإرادية لا تصدر إلا عن عقل اكتملت ألفته، ولا ~~ترجع في مصدرها إلا إلى ألفة العقل، أما العقل الذي اكتملت ألفته فتصدر عنه إرادات تسير ~~الأشياء على مقتضى الحكمة. # وبحسب ما يكون في العقل من ألفة ونظام تكون نسبة الأفعال قربا أو بعدا عن مقتضى الحكمة ~~المدركة بقدر الطاقة البشرية، وعلى هذا النهج تقاس دائما إرادة القوة المدبرة للكون، كما ~~أن تسلسل الفكرة على هذه السبيل يقتضي أن نعتقد بأن القصد والغاية أمران لن ينفك عنهما ~~عقل اكتملت ألفته. # غير أن هذه الفكرات في مجموعها لا تسلم، كما يقول أبو العلاء المعري من خطرات تدس على ~~حسن الضمير وعلى ألفة العقل نفسه، تحيط بك هذه الفكرات وتتساورك منتزعة منك قوة اليقين ~~لتلقيك في غمرات الشك والحيرة إذا ما أزمعت أن تفكر في القصد والغاية التي من أجلها خلق ~~الإنسان؟ وغالبا ما يفكر الإنسان في هذا مقسورا عليه بمقتضى طبعه مدفوعا إليه بحكم ~~غرائزه، وإنا لا ننكر أن وقوف الفكر إزاء هذه الأشياء وأمثالها موقف اللاأدرية الصرفة ~~أسلم سبيلا، وآمن عاقبة من أن يمضي في التأمل منها فتكتسحه إلى حيث المهواة السحيقة ~~يتردى فيها إلى أعماق الجحود والإلحاد، غير أنك إن أمكنك أن تنصرف عن التفكير في القصد ~~والغاية التي من أجلها خلق كل شيء فكيف تستطيع أن تخلص من التفكير في القصد والغاية التي من ~~أجلها خلقت أنت الكائن المفكر المعتقد في صحة عدد من الحقائق التي تحوطك بنتائجها، وعلى ms105 ~~الأخص إذا اعتقدت وكنت في ذلك محقا، أن فكرك الخفي وخطرات نفسك القصية هي أعظم دليل ~~يقوم عندك على وجودك في وسط عالم لن تبلغ فيه إلى نهاية تفكيرا أو عملا! # يخرج الإنسان إلى هذا العالم جرثومة حية ينبذها القدر نبذا فلا تلبث أن تكتمل بشرا ~~سويا، ثم لا يلبث أن يذهب به الفناء منحدرا به من جوف الأزل البعيد إلى جوف الأبد ~~اللامتناهي، تفكر فلا تعرف من أين أتى ولا إلى أين ذهب، وأنت كما تأملت من هذه الحالات لا ~~تجد في العالم كله من سلوى تسليك عن التفكير في نشأتك ومنقلبك بعد الموت، إلا متاعب في ~~الحياة لن تستطيع أن تقطع من عمرك مرحلة، طالت أم قصرت، من غير أن تعتقد أنه كان من الحكمة ~~أن تظل حيث كنت قبل أن تولد، مكفيا هموم الحياة الدنيا بعيدا عن أحزانها. # علام كل ما في هذه الحياة؟ علام الحب والبغض؟ علام الألم واللذة؟ علام العسر واليسر؟ ولأي ~~شيء وضع لكل شيء نقيضه ونصب لكل أمر ضده؟ ولأي شيء خلق كل شيء؟ ولأية حكمة سبقت مشيئة الغيب ~~أن يكون الأمل في نفسك أعرق أصلا من اليأس في الحياة؟ تقول الفلسفة الحقة: لا أدري، وكفى ~~بلا أدري للفكر عاقلا عن الانبعاث مع التأمل في فلوات مجدبة لا تبلغ منها إلى ~~نهاية. # غير أنك إذا تركت الفلسفة ورجعت بعدها إلى مباحث العلوم الحديثة وقعت فيها على شعاع يضيء ~~سناه بعض ما يكتنف هذه الحياة من ظلام تشتد حلكته من حولك، كلما تأملت في حالات حياتك ~~والقصد منها. # وضع الفلاسفة في كل الأجيال أمثالا من فضائل الأخلاق تحتذيها النفس المهذبة لتكمل بها ~~ناسوتيتها العليا، من هذه الأمثال إنكار الذات والغيرية، وهي فضائل تظهر واضحة في سلوك ~~الأفراد إزاء بعضهم البعض وإزاء المجموع الذي هم تابعون له وللهيئة الراعية التي تقوم عليها ~~صوالحهم في الحياة، غير أن اتباع ما تقتضي به هذه الفضائل في الاجتماع الإنساني أمر ~~اختياري قد تفعله أو لا تفعله مختارا غير ms106 مجبر، هذا على الرغم من أن للعقل والآداب في ~~كلتا الحالتين حكما يختلف باختلاف الظروف، ولكن العلم الحديث قد أثبت في أواسط القرن ~~التاسع عشر أن الإنسان وكل الحيوانات العليا مقسورون على ضرب من الغيرية أثر الجبر فيه ~~ثابت لا يتبدل، وأثر الاختيار فيه معدوم البتة. # إذا تصفحت الأساطير التي تضمنتها مجلدات التاريخ الطبيعي في القرون الوسطى حتى أوائل ~~القرن التاسع عشر، لما وقعت على شيء يمكن أن يدل من طريق علمي على أن هنالك من قصد في خلق ~~الحياة فوق هذه الأرض، بل إنك لم تكن لتستطيع أن تفقه لأي الأسباب وضع نظام الأحياء في سلم ~~من الارتقاء كان يظهر لأعين الباحثين جليا واضحا، وإن عجزوا عن تعليل السبب فيه قرونا، ~~حتى قام العلامة شارلز داروين ووضع نظريته في الانتخاب الطبيعي في أواسط القرن ~~الفارط. # لقد كان لهذه النظرية، نظرية النشوء والارتقاء بالانتخاب الطبيعي وحفظ الصفوف الغالبة في ~~التناحر على البقاء، من الأثر في كل فروع العلوم الحديثة ما لا يمكن أن تبلغ منه بفكرة ~~صحيحة حتى تقف على تاريخ تقدم العلوم وتطور الفكرة فيها منذ ظهر العلامة كاسبار فردريك وولف ~~الجرماني 1759 حتى ظهور كتاب أصل الأنواع 1859، وما ترتب على ذيوع نظرية العلامة داروين من ~~الآثار الجلى على أنه مهما كان لهذه النظرية الفذة من أثر في العلوم الحديثة، فإني ~~أعتقد، وأعتقد بحق، أن آثارها في المباحث الفلسفية لا تقل عن أثرها في العلوم، واعتقد فوق ~~هذا أنه ما من شيء في هذه النظرية أبعد مدى في التأثير على العقل الإنساني من ناحية فلسفية ~~صرفة في إثبات القصد في علاقة بعض الأحياء ببعض، ذلك القصد الذي يبدو واضحا دالا على ~~أن نظام الكون الطبيعي الثابت الراجع في أصل منشئه إلى فعل إرادة مدبرة يكمن قصدها وتختفي ~~غايتها وراء الظواهر إنما هو نظام شامل لا ينفلت عن قطره شيء حتى الأحياء العليا والدنيا ~~بما فيها الإنسان ذاته. # لقد كان لمباحث داروين في علم الحياة أثر قلب الفكرة القديمة في ms107 نظام الأحياء المرفولوجي ~~«أي الخاص بالصورة والتركيب»، فإن علماء الحيوان والباحثين في التاريخ الطبيعي كانوا ~~يعتقدون أن اللون وحسن الصورة وجمال التركيب وما إلى هذه الأشياء التي كانوا يقفون عليها ~~لدى بحثهم صور الحيوانات التي يتناولونها بالوصف، ولا يعلقون عليها بشيء مما يمكن استقراؤه ~~فيها من عظات الطبيعة البالغة، ليست سوى أشياء لم تتصف بها الصور الحية إلا إرضاء لحس ~~الجمال، أو إقناع شهوة الالتذاذ والمتعة بها في الإنسان، وكان اعتقادهم أن الخالق لم يحدث ~~في الأحياء كل صور الجمال، إلا ليرضي الحيوان الناطق المدرك لحقيقة شيء لا يدركه الحيوان ~~الصامت، وعلى هذا الاعتقاد ظلوا عاكفين طوال قرون عديدة. على أن فكرة القصد الفلسفية ~~مصبوبة في هذا القالب لم تستمكن من عقول الباحثين في علم وظائف الأعضاء والتشريح استمكانا ~~ينزل منزلة العقائد العلمية الأخرى. # على أنه كان من المألوف في القرون الوسطى حتى أواخر القرن الثامن عشر أن يعكف بعض ~~الباحثين على التأمل من حالات غامضة مبهمة تتناول مسألة المكافأة بين المخلوقات بعضها نحو ~~بعض، وبينها وبين البيئة التي تعيش مكتنفة بآثارها، وظلت هذه الفكرة السامية تساورها الشكوك ~~والريب حتى وضع داروين نظريته المعروفة في النشوء والارتقاء، فطبقها من بعده الباحثون على ~~فكرة القصد في نظام الطبيعة تطبيقا مقتطعا من حالات اتخذت فيها الحيوانات الراقية في سلم ~~المراتب الحيوانية أمثالا تؤيدها، فإن نظرية داروين تقوم على معتقد بسيط ثابت في أن كل ~~عضو أو جزءا من عضو، وأن كل الخصائص الظاهرة والباطنة في العضويات، لا بد من أن تعود ~~بالنفع إما على ذلك الكائن بالذات، وإما أنها كانت ذات فائدة لسلف من أسلافه الغابرين، وأنه ~~ما من خاصية من الخصائص العديدة والغرائز المختلفة في طبائع العضويات قد استحدث فيها لمجرد ~~النفع أو إرضاء لشهوة الجمال واللهو في كائنات أخر غيرها، وعلى مقتضى ناموس الانتخاب ~~الطبيعي يكون السبب في وجود التراكيب المختلفة في الكائنات راجع إما لأنها مفيدة لها ولذلك ~~تنتخب للبقاء ثابتة في تضاعيفها؛ وإما لأنها كانت مفيدة لأسلافها ولذلك ms108 انتقلت موروثة في ~~الأعقاب. # هذه الفكرة الأولية في تطبيق نظرية القصد الفلسفية على الكائنات الحية وعلى الطبيعة ~~استتباعا، مضافا إليها فكرة أن الكون آخذ في النشوء ضارب في الارتقاء بقسط وافر، تزيح ~~عن العقول بعض ما كان يكتنفها من ظلام لدى التفكير في القصد من الخلق وفي الحياة برمتها وفي ~~الموت الذي يتلو الحياة ذاهبا بالأحياء في طريق واحد، فإذا ثبت أن ذلك الطريق يسلم إلى ~~الخلود، فهنالك تحل مشكلة القصد في الطبيعة حلا نهائيا، وإذا ثبت أن ذلك الطريق يسلم ~~إلى الفناء الصرف، ظلت تلك الغيامة الكثيفة تظلل العقل الإنساني أزمانا لا نقدرها. # برقين 1926 # | أحمد شوقي # ودلالة شعره على نفسيته # 1 ~~«محمود جاسر» # ليس بنا من حاجة لأن نستوحي آلهة الشعر، وأن نقدم لها القرابين والتضحيات لتتدلى من سماء ~~الأولمب الأعلى، وتهبط إلى حضيض هذا العالم تاركة جو ذلك الخيال الشعري إلى مادية هذه ~~الدنيا المعكوسة الصور المنحوسة في المبتدأ والخبر، والتي لا يمكن أن يميز فيها بين المؤثر ~~والأثر إلا بكد الأفهام والعقول، لتهمس في آذاننا همسة جافة إذا ما أردنا أن نستدر علمها ~~بشاعرية شوقي قائلة فيه من رقة ابن هانئ، ومن حكمة زهير، ومن خلاعة أبي نواس أقدار متخالطة ~~وحلقات متشابكة، فبأية من هذه الصفات رميت أصبت ناحية من نواحي شوقي، فإذا رميت بها جملة ~~أصبته في مجموع كيانه. # ولأية حاجة نستوحي آلهة الشعر، أو أن نجهد النفس في الاستعلاء في سماء ذلك الأولمب، أو أن ~~نبتهل ضارعين إلى الآلهة ليهبطوا إلى عالمنا الأرضي لنستجدي منهم العلم، وشاعرنا شوقي من ~~أعرق أهل هذه الدنيا بها صلة، وأقربهم لها نسبا وأشدهم بها لحمة، شاعر هو أكبر شعراء ~~العالم العربي في هذا العصر، تفرد بإمارة الشعر فهو أميرها غير الموروث حتى الآن في إمارته، ~~وسيد دولة البيان الحاكم فيها بأمره، المنزه عن الشبائه أن يكون له فيها شبيه، غير أنه على ~~الرغم من كل هذا شاعر أرضي الشاعرية دنيوي الخيال، لم ينزع إلى المثاليات إلا لحاجة يقضيها ms109 ~~في السياسة أو مأرب يناله في الدولة، فمدح من غير حاجة به إلى المديح، واستجدى به من غير ~~حاجة إلى الاستجداء، وأية شاعرية لم تفسدها السياسة؟ وأي خيال طمت عليه مآرب الدولات ~~المتراوحة حظوظها بين هبات القدر ولم ينزل إلى حضيض الشهوات؟ ومن ذا من الشعراء من عالج في ~~شعره السياسة وسلم من سقطات الوهم؟ ومن ذا منهم من أخذت بأطوافه مآرب الحكم وأفلت من كبوات ~~الهم والضجر؟ # على مقربة من شوقي وبين جنبات الشرق شاعر آخر، نبت في تلك البلاد الفسيحة التي كانت عندما ~~غزاها الآريون لأول مرة في تاريخ الدنيا رحابا متسعة مترامية الأطراف تكسوها غابات، لم ~~يلبث الغزاة أن انتفعوا بها وجنوا ثمراتها، فاتخذوا منها ملجأ يتقون به حرارة الشمس المحرقة ~~وهجمات الرياح الاستوائية القاتلة، كما وجدوا فيها مرتعا خصيبا لماشيتهم، ونارا يوقدونها ~~للتوسل وتقديم التضحيات، ومواد يبتنون بها القرى والأكواخ؛ لهذا كانت المدنية التي غرس ~~بذورها الفاتحون وليدة تلك الغابات القديمة وبين جنباتها الرحيبة أينعت وآتت أكلها. وفي ~~صميم هذه البيئة وذلك الوسط الطبيعي تلونت المدنية بلون خاص وطبعت بطابع وحده، ولقد حوطت ~~تلك المدنية بحياة الطبيعة الرحبة وتغذت بلبانها واتشحت بردائها، فكان لها بمختلف مظاهرها ~~وتباين نواحيها أكبر علاقة وأمتن آصرة، وفي هذه البيئة نشأ الشاعر السماوي، شاعر الوجدان ~~والخلود، شاعر الفناء في اللانهاية، شاعر النسك والزهادة، هنالك نشأ طاغور. # ولو أنك حاولت أن تقارن بين الشاعرين أو أن تقف موقف الوساطة بينهما لأعوزتك الحيلة ~~للتوفيق، ولأعيتك الحيل أن تجد بينهما وجها من المشابهة في أية ناحية من نواحي شاعريتهما. ~~وكيف يكون موقف من يريد التوفيق بين شاعرية تفيض بوحي الآلهة، وأخرى تفيض بوحي الملوك ~~والأمراء؟ وكيف يستطاع التوسط بين خيال يستمد موحياته من اللانهاية، وآخر يستمدها من ~~نهايات كلها زائلة، بل كلها أحلام؟ إنما الفرق بين الحالتين كالفرق بين شعاع من نور وقبس من ~~نار. # وبعد فهل أنت تعرف طاغور؟ أما إذا كنت لا تعرفه فاقرأ له وصف نفسه إذ يتمثلها في ثوب ناسك ms110 ~~جالس على باب كهف منعزل عن الحياة المدنية، ~~فيقول: # إن تقسيم الليالي والأيام وكذلك الشهور والأعوام لم يصبح من شأني. لقد تعطل عندي ~~مجرى الزمان الذي ترقص فوق أمواجه الدنيا وكأنه الهشيم أو الأغصان اليابسة. في هذا الكهف # 2 # المظلم أعيش وحدي غارقا في طيات نفسي، والليل الأبدي هادئ لا يتحرك كبحيرة ~~في جبل تفرق من ذات أعماقها القصية. الماء # 3 # تنضح به الصدوع # 4 # ومنها يتساقط. وفي بركة الماء الراكد # 5 # تسبح الضفادع القديمة، # 6 # إني أجلس أرتل تعويذة اللاشيء. إن أطراف الدنيا تنكش أمامي خطا وراء خط، ~~والنجوم المنحوتة من قطع الزمان المضيئة كأقباس النار تنقرض وتفنى. # أما الافتتان فلي، ذلك الذي يزودني به الإله شيفا، إذ يستيقظ بعد فترات يقضيها في ~~الأحلام ليجد نفسه وحيدا منفردا في فناء اللانهاية. # أنا حر: أنا الواحد العظيم المنفرد بذاتي. # عندما كنت لك عبدا أيتها الطبيعة أثرت بعض أجزاء قلبي ضد بعض وبعثتها في حرب ~~دموية انتحارا في سبيل الدنيا، وسلطت علي الشهوات التي ليس لها من غاية إلا أن يأكل ~~بعضها بعضا، وإنها تلتقم كل ما يسعه فمها، فأمضتني ألما وفرقا. لقد عدوت تائها ~~مجنونا أتبع ظلي! لقد قذفتني بما بعثت علي من وميض لذائذك الخلب إلى خلاء الشهوات. أما ~~ميولي القاسرة - وهي حبائلك وأشراكك - فقد أسلمت بي إلى قحط بغير نهاية، حيث استحال ~~الغذاء ترابا والماء بخارا. # حتى إذا ما صبغت دموع دنياي وأصبحت عندي رمادا؛ أقسمت قسمي لأنتقمن منك ولأصبن ~~عليك غضبي. أنت يا جماع الظواهر الكاذبة المسئمة، يا مبعث الخداع الدائم. لقد احتميت ~~بالظلام سكن اللانهاية، وحاربت أشعة الضوء # 7 # الخداعة يوما بعد يوم حتى أفقدتها سلاحها، وتركتها هامدة خائرة القوى تحت ~~قدمي. # والآن بعد أن تحررت من المخاوف والشهوات، وبعد أن انكشف عن بصري الضباب، وبعد أن أشعت ~~قوى عقلي بريئة وضاءة، فلأخرجن إلى عالم الكذب والبهتان مرة ثانية، ولأجلسن على ذات قلبه، ~~غير ملموس ولا بمزحزح عن مكاني. # هذا هو طاغور، أما شوقي فلا أظن ms111 أنه يغيب عن ذهنك قوله: # صوني جمالك عنا إننا بشر # من التراب وهذا الحسن روحاني # وهل يغيب عنك وصفه لحادثة في ليلة ساهرة كانت بطلتها غادة ذات مقام رفيع إذ يقول: # قالت لأترابها # مومئة بالعنم # من ذلكن الف # تى العربي العلم # يبيت ليلته # ساكرا لم ينم # قلن تجاهلته؟ # ذلك رب القلم # شاعر مصر الذي # إن خفي النجم لم # فهل يمكننا بعد هذا أن نتورط في وساطة بين شاعرين عقد لأحدهما لواء الزعامة في عالم ~~التوحيد، وللآخر لواء الزعامة في عالم الوثنية؟ نربأ بأنفسنا أن نضعها في هذا الموضع، وأن ~~نسومها طلب المحال فتطمع في غير مطمع. # أما المفاضلة فلا نتلكأ فيها، نعقد لشوقي لواء الإمارة في العالم العربي، ونرفع لطاغور ~~لواء الزعامة على كل البقاع التي تكسوها الشمس من كرتنا الأرضية، وكفى الشرق فخرا أن تكون ~~له في بداية القرن العشرين دولة للشعر، يقودها في العالم العربي شوقي، وفي العالم كله ~~طاغور. # قد يعز على الكثيرين من النقاد ألا نجعل شوقي أنبغ من هوميروس في الوصف، وأمتع من دانتي ~~في الرواية، وأعرف من شكسبير بحقائق الحياة الإنسانية، وأمتن من ملن في اللغة، وأعرق من ~~جوتة صلة بالفلسفة، بل قد يعز عليهم ألا نضع شوقي في صف وحده أو ألا نغرسه على قمة هرم نجعل ~~لبناته شعراء الدنيا كلها، ولقد أصبح هذا الزعم عند البعض إيمانا ومعتقدا ثابتا، ولست ~~أدري لماذا؟! ألأن شوقي نسج على منوال القدماء فحاذاهم ولم ينزع إلى غير ما نزعوا إليه من ~~الطرائق؟ أم لأنه أحيا موات الأساليب القديمة، ثم مزجها بقليل من مميزات العصور الحديثة ~~فخرجت أشعاره مزيجا من القديم والحديث، وخليطا من سليقة البداوة وطراوة الحضارة، قد تجد ~~لها أمثالا كثيرة في شعراء الدولة العباسية، وعلى الأخص من خالط منهم الأمراء والمترفين؟ ~~اللهم إنا لا نستطيع أن نجاري المغالين من مغالاتهم، ولا أن نفرط مع المفرطين في المدح ~~فنخرج من شوقي صورة غير موجودة، ونتكلم في شخصية لا حقيقة لها في الخارج. # يقولون : إن شوقي ms112 قد أفرغ الشعر في قالب جديد، ويقولون: إنه مجدد في الأساليب تجديده في ~~القوالب الشعرية، ولو إن القائلين بالحقيقة الأولى لم يشوهوها بالزعم الثاني لكان في ~~قولهم كثير من الحق والصواب، على أنه حق ينطبق على كل شاعر من شعراء العصور القديمة ~~والحديثة، فلكل شاعر نزعة تفرغ الشعر في قالب ما، وهذه النزعة راجعة إلى الاستعداد الفطري ~~الذي يكون من الشاعر شاعرا، ومن الكاتب كاتبا، ومن العالم عالما، وإذا كان من ~~المتعذر أن تتماثل النزعات والميول الفطرية، استتبع هذا أن يكون لكل شاعر من الشعراء قدرة ~~خاصة على إفراغ الشعر في قالب قد يقال: إنه جديد، وشوقي لم يعد هذه القاعدة. # أما التجديد في الأساليب فزعم لم يستطع أحد من النقاد إثباته لشوقي حتى الآن، وليس أدل ~~على هذا من أن أفخم قصائده وهي الأندلسية، ونهج البردة، وقصيدة كارنارفون قد نسج فيها على ~~قصائد قديمة؛ نالت في الأدب القديم مكانة جعلت لقصائد شوقي وقعا في النفوس جديدا، وحلاوة ~~تمازجت فيها الذكريات، فمن حنين إلى عظمة القديم، مصبوبة في قالب لا تخرجه إلا شاعرية شوقي ~~وحده، إلى شغف في الإيقاع على أوتار الحديث على صورة ما يصل إليها إلا من هام برقة ~~ابن هانئ واستوقفته روعة زهير. # لقد أجدبت اللغة العربية جدبا نسبيا في ذلك العصر الذي تقدم عصر النهضة الحديثة التي ~~ندعوها غالبا بنهضة محمد على، فإن عصر المماليك لم يكن ذلك العصر الأدبي الذي يصح أن يقال ~~فيه: إن اللغة أو الصناعات الأدبية قد كسبت فيه جديدا مبتكرا، على الرغم من كثرة ~~المؤلفات التي ظهرت خلال ذلك العهد المظلم، فإنها مؤلفات غالب ما عنيت بالفقه وكثر ما ~~أكبت على تدوين التراجم، فإن كتاب صبح الأعشى، وكتاب مسالك الأبصار، وقاموس لسان العرب، ~~وهي من مفاخر ذلك العصر، لا يمكن أن تعد كتب تجديد بالمعنى الصحيح، على الرغم من قيمتها ~~الأدبية كمراجع أو معاجم عظمى، وفي حدسي أن قيمة هذه الكتب وأمثالها مما خرج في عصر ~~المماليك لا تزيد قيمته الآن ms113 عن موسوعات إرش وجروبر العظمى، أو معلمة لينيوس في التاريخ ~~الطبيعي، وقيمتها في اللغة العربية كقيمة الموسوعة في الألمانية، أو المعلمة في اللاتينية، ~~إذن فعصر المماليك كان عصر إنتاج، ولكنه لم يكن عصر تجديد أبدا. # على أني أخشى أن يكون حكمي على الحركة الأدبية في عصر النهضة العلوية شبيها بحكمي عليها ~~في عصر المماليك من حيث الشعر، فإنه كان ولا شبهة عصر إنتاج؛ ولكنه ليس بعصر تجديد، إذا ~~أردنا أن ننظر في النهضة من ناحية الشعر وحده، وأغضينا الطرف عن حركة التجديد التي قامت حول ~~الترجمة في ذلك العصر، وهي حركة نعتقد أنها من أثمن ما أخرج محمد علي من الآثار العظمى، كان ~~لنا حكم قد يراه البعض قاسيا، والبعض معتدلا، ففي طوال القرن الماضي لم يظهر في مصر سوى ~~شعراء أربعة البارودي وصبري وشوقي وحافظ، قد يمكن أن نعتبر بحق أنهم الذين يمثلون دولة ~~الشعر فيه، وهم في مجموعهم صور مختلفة ونماذج متباينة من شعراء العصور القديمة، وأكثر ما ~~فيهم من الصفات آثار مستمدة في غالب الأمر من شعراء العصر العباسي، لهذا كان ظهور شوقي في ~~هذا العصر حادثا جديدا لا باعتبار الآثار الابتكارية الخالدة التي بثها في تضاعيف الشعر ~~العربي، بل باعتبار أنه أخصب إخصابا كبيرا بعد عصر طويل كادت تجدب فيه ملكة الشعر في ~~العالم العربي، وفي مصر على الأخص. على أن إخصاب شوقي له نواحيه المتعددة، غير أن أظهر ~~تلك النواحي، وأبين ما فيها من الآثار قدرته الكاملة على الوصف، فهو وصاف ماهر، ومصور ~~يبز الكثيرين من أهل صناعته قديما وحديثا، ففي الشعراء المعاصرين من يبزه في ~~المديح، وليس بقليل منهم من شبب بما لم يبلغ إليه شوقي، ولكن ليس منهم من يستطيع أن يجاريه ~~في مضمار الوصف والتصوير. ~~••• # كنا نود ألا يجري القلم سريعا، وكنا نود أن نبحث شوقي في هوادة وتؤدة، وأن نبحث على ~~الأخص ما يدعيه له الكثير من النقاد إذ يقولون: إنه مبتكر في المعاني والأساليب، والحقيقة ~~أنه لم يبتكر شيئا جديدا، ms114 ولم يغن دولة الشعر العربي بطريقة جديدة تضع بين القدماء ~~والمحدثين فاصلا كما فعل هوغو في الشعر الفرنسوي أو بيرون وتنيسون في الشعر الإنجليزي، في ~~حين أنه أقدر شعراء هذا العصر على مثل هذا الابتكار، فإن إلمامه باللغة الفرنسوية وبآداب ~~الفرنسويين كبير حتى إننا نعجب كيف أن قليلا من المعاني التي نظن أنها من ابتكاراته، ~~كقوله في توت عنخ آمون وهو يخاطب الشمس: # تعينين الموالد والمنايا # وتبنين الحياة وتهدمينا # إنما هي مستمدة من الشعر الإنجليزي، ومن خيال شيلي الشاعر المعروف. على أن الأمر لا يقف ~~عند هذا الحد، بل يتعداه إلى نقص آخر قد نراه أنكى من النقص الأول، فإن أكثر قصائد شوقي ~~المشهورة بين الناس عبارة عن أبيات لا يجمع بينها من شيء إلا أن شوقي نظمها، فالقصيدة عند ~~شوقي عبارة عن حلقات منفصلة غير متصلة، وليست كلا واحدا متلائم النواحي مترابط الأجزاء، ~~وفي استطاعة كل أديب أن يرتب أكثر قصائده ترتيبا جديدا بحيث يمكنك بعده أن تقرأ القصيدة ~~عكسا وطردا من غير أن يلتبس عليك معنى واحد من المعاني التي رمى إليها الشاعر، ومن غير أن ~~يستبهم عليك أنها من صناعة شوقي بل ومن روحه، فالفكرة عند شوقي غير متصلة، بل إن شئت فقل: ~~إن في كل بيت من أبياته فكرة وفي كل منها معنى، غير إن أعجب العجب أن هذه الفكرات ~~وتلك المعاني في مجموعها لا تكون كلا متلائم النواحي متصل الأجزاء، ولست أدري بأي شيء ~~نسمي هذه الظاهرة: أهي نبوغ وعبقرية، أم لازمة من لوازمه، إن لم تكن ضرورية لرفعه فوق مستوى ~~الشعراء، فلا أقل من أن نعتبرها من خاصياته الغريبة. # وأغرب ما في شوقي ضعف الكثير من مطالع قصائده، وأنت إذا أردت أن تحلل مطالع الكثير من ~~نظمه ما استطعت أن تمضي في حكمك عليه كنابغة الشعراء في هذا العصر من غير أن يستوقف نظرك ~~مطالع آية أخرى في الروعة والجلال، على أن الفارق بين ما يروعك جماله وبين ما يروعك قبحه ~~كبير ، لهذا نمضي ms115 في هذه المقارنة قليلا لنظهر هذه الصفة إظهارا جليا. # قارن مثلا بين قوله: # قفي يا أخت يوشع خبرينا # أحاديث القرون الغابرينا # وقس ما في هذا المطلع من روعة على قوله: # أبا الهول طال عليك العصر # وبلغت في الأرض أقصى العمر # فيا لذة الدهر لا الدهر شب # ولا أنت جاوزت حد الصغر # فإن ضعف المطلع هنا لا يقاس بجانب ما في هذين البيتين من تناقض غريب لا سبب فيه إلا العجز ~~عن مسايرة مقتضى الحال، فكيف أن أبا الهول قد بلغ في الأرض أقصى العمر، وكيف أنه لم ~~يتجاوز بعد حد الصغر؟ # ثم أذكر قوله: # قم ناد أنقرة وقل يهنيك # ملك بنيت على سيوف بنيك # بجانب قوله: # الله أعلم والقبور # النفس تخلد أم تبور # وانظر كيف أنه نسب العلم إلى القبور؟ بل كيف جعل علم القبور مساويا لعلم الله بخلود ~~الأنفس أو بوارها؟ # أو قارن قوله: # صداح يا ملك الكنار # ويا أمير البلبل # قد فزت منك بمعبد # ورزقت قرب الموصل # بقوله: # يا ناشر العلم بهذي البلاد # وفقت، نشر العلم مثل الجهاد # أو قوله: # ريم على القاع بين البان والعلم # أفتى بسفك دمي في الأشهر الحرم # بقوله: # سل يلدزا ذات القصور # هل جاءها علم البدور # أو قوله: # يا راكب الريح حيي النيل والهرما # وعظم السفح من سيناء والحرما # بقوله: # الدهر جاءك باسط الأعذار # فأقبل فأمر الدهر للأقدار # أو قوله: # الله أكبر كم في الفتح من عجب # يا خالد الترك جدد خالد العرب # بقوله: # يا بارك الله في عباس من ملك # وبارك الله في عمات عباس # أو قوله: # في الموت ما أعيا وفي أسبابه # كل امرئ رهن بطي كتابه # بقوله: # لكل زمان مضى آية # وآية هذا الزمان الصحف # على أنك لا تستطيع أن تمضي في هذه المقارنة بعيدا من غير أن تجد أن عدد مطالعه الضعيفة ~~قد أربى كثيرا على عدد ما يستهويك جماله وتستوقفك روعته. # على أن لدينا هنة أخرى لا يجب أن نغض الطرف عنها أو أن نسدل عليها من التفريط ms116 سترا، ~~فالحق أن قليلا من قصائد شوقي ما يتسق فيها النفس اتساقا كاملا، وليس لهذه الظاهرة في ~~شعر شوقي من سبب إلا تموج المعاني في مخيلته تموج الأثير في الفضاء، وعدم استقرار مشاعره ~~على صورة واحدة زمنا طويلا، لهذا تجد أن المعنى قد يتسق ويقوى في موضع، ثم لا تلبث أن ~~تجد ذلك البناء، وقد انهار فأصبح حضيضا، فلو أن مشاعر نابغتنا كانت قد أعطيت من قوة ~~الاستمرار ما يتساوى مع قوة اللغة، والقدرة على صبها في تلك القوالب الغريبة، لأخرج لنا ~~شوقي في هذا العصر خير ما خرج من الشعر العربي في كل العصور. # ومن أجل هذا تجد أن لشوقي مقطوعات قصيرة تتخلل قصائده لا يشق له فيها غبار أسلوبا ~~ومعنى، وعندي أن هذه أخص مميزاته، وإني أفضل مقطوعاته هذه على قصائد برمتها من غيره، وإن ~~اتصل فيها النفس وروعي الاتساق أشد مراعاة. # يدلك هذا على أن بين جنبي شوقي روحا ثائرة ونفسا متأججة، ولكنها ثورة أشبه بثورة ~~الرياح إذ تهب فتية هوجاء، ثم لا تلبث أن تمر عليك ناعمة، أو نار الهشيم إذ تتأجج مندلعة ~~الألسن في لحظة، وتصبح رمادا في أخرى، والصناعة بين يدي شوقي إنما تخضع لجماع هذه الصفات ~~الفطرية الطبيعية، فحيث تشتد ثورة نفسه تسمو معانيه وتقوى شاعريته، فإذا خبت نارها هبطت ~~المعاني والشاعرية معا إلى منزلة لم ينزل إليها الكثيرون من شعراء هذا العصر، وحيث تتأجج ~~نفسه بحادث يمس مشاعره تلمس النار سارية بين أبياته بل بين كلماته، فإذا هدأت العاصفة ~~ونامت، طوى عليها وعلى الشعر سترا من ميوعة الفطرة ولين الطبع، ينزل بشعره إلى المستوى ~~الذي لا يحسده عليه الكثيرون من أهل صناعته. # إليك مثلا واحدا تقيس عليه في كثير من قصائد شوقي، بل انظر كيف يكون تأجج العاطفة تفيض ~~بالسحر إذ هي مندلعة الألسن بنيران الأمل الوثاب إلى الغايات والمثل، ثم انظر كيف تنطفئ ~~شعلتها فتموت ويموت معها الشعر. # قال في مطلع قصيدة مشروع ملنر: # اثن عنان القلب واسلم به # من ربرب ms117 الرمل ومن سربه # ومن تثني الغيد عن بانه # مرتجة الأرداف عن كثبه # ظباؤه المنكسرات الظبا # يغلبن ذا اللب على لبه # بيض رقاق الحسن في لمحة # من ناعم الدر ومن رطبه # ذوابل النرجس من أصله # يوانع الورد على قضبه # زن على الأرض سماء الدجى # وزدن في الحسن على شهبه # يمشين أسرابا على هينة # مشي القطا الآمن في سربه # من كل وسنان بغير الكرى # تنتبه الآجال من هدبه # جفن تلقى ملكا بابل # غرائب السحر على غربه # على هذا يكون شعر شوقي إذ تلتهب نفسه بالعاطفة، فإذا ما انطفأت ولما ينته من نظم قصيدته، ~~ينزل من هذه السماء العليا إلى قوله: # أمر عليكم أو لكم في غد # ما ساء أو ما سر من غضبه # لا تستقلوه فما دهركم # بحاتم جود ولا كعبه # نسمع الحق ولم نطلع # على قنا الحق ولا قضبه # ينال باللين الفتى بعض ما # يعجز بالشدة عن غصبه # فإن أنستم فليكن أنسكم # في الصبر للدهر وفي عتبه # إلى قوله: # يا رب قيد لا تحبونه # زمانكم لم يتقيد به # ومطلب في الظن مستبعد # كالصبح للناظر في قربه # اليأس لا يجمل من مؤمن # ما دام هذا الغيب في حجبه # شوقي شاعر كثير الألوان متعدد الصور، فله في القومية جولات نكبرها، وفي الدين خطرات ~~يقف الأديب عندها وقفة طويلة، وله في الخلاعة مرقصات كاد يبز فيها أبا نواس، شاعر الخمريات ~~في عصر العباسيين، وله في غير هذه المواقف أشياء لا نعرض لشيء منها الآن حرصا منا على فراغ ~~هذه الصحيفة أن نملأ منه أكثر مما نستحق في هذا الموطن، على أني لست من الذين يقولون: إن ~~لشوقي شخصياته المتعددة، فهل هو في قومياته أبين أثرا منه في خمرياته؟ وهل هو في دينياته ~~أبرز شخصية منه في الوصف؟ أما إذا كانت الطبيعة قد خصت شوقي بشيء من هذا فإنها قد خصته ~~بالقدرة على النواح على المجد الزائل من المدنية الشرقية بعد أن اندك قائمها وغاصت في ثرى ~~الزمان قوائمها، فإنه إن بكى مجد المصريين، أو ms118 ناح على مدنية العباسيين، أو رثى دمشق الشام ~~أو طليطلة الأندلس، فإنه إنما يبكي الشرق ممثلا فيما كان له من مجد زال، ومدنية جاءت عليها ~~الأزمان فدالت ودرست آثارها، فهو شاعر الشرق الباكي عليه النائح على مجده القديم في أي لون ~~تكون ذلك الشرق وفي أية ناحية كان، وبأية صبغة اصطبغ. # والحق أن لشوقي في ذلك مواقف كانت قدرته الفطرية على الوصف أكبر عون له على تصوير ~~مشاعره فيها تصويرا كاد يخرج به عن تلك الدائرة التي لم تتسع إلا لغير ما خلق له شوقي، ~~دائرة السياسة مصروفة إلى تلك الفكرة القديمة، فكرة الجلاد بين الشرق والغرب، لا ليكونا ~~متكافئين، بل ليسود أحدهما على الآخر، ولتكون السيادة في الدنيا للأول دون الثاني. # ولم يكن لشوقي من بد وهو مغمور في بحر السياسة اللجي منذ نظم الشعر وهو في صباه، من ~~أن يشيد بذكر الخلافة، وأن يشبب بالاستقلال، تلك أشياء كان مقسورا على أن يجعلها المحور ~~الذي تدور من حوله أشعاره، وهو في هذا إلى ناحية الدعاية السياسية أدنى منه إلى وصف المشاعر ~~التي كانت تنطوي عليها نفسه، وما ظنك بشاعر يشب في بيت محمد علي وتحت كنفه وهذا البيت تابع ~~لدولة الخلافة؟ لم يكن له من بد أن يشيد بذكر الخلافة، وأن ينصرها على أوروبا كلها، حتى إذا ~~هدم ركنها وزالت دولتها أصبحت وأحلام الشاعر القديمة في غلاف واحد من النسيان مطوية مع ~~ذكريات الماضي، لا تستحق رثاء ولا نواحا، وما ظنك بشاعر يشب في كنف عباس الثاني فيجد أميره ~~في صراع دائم مع المحتلين لبلاده وعلى رأسهم سياسي شديد المراس يقود الحكومة، وآخر جندي ~~عنيد يقود الجيش؟ لم يكن له من بد أن يتغنى بالاستقلال والجلاء، خدمة لأغراض السياسة لا ~~خدمة للشعر، ولا إرضاء للشاعرية. # إنما أرضى شوقي شاعريته في تشبيبه بالشرق والشرقيين، وهو في هذه الناحية أصح نزعة منه في ~~كل منازعه الأخرى، فهو بحق شاعر الشرق العربي لغة، وشاعر الشرق كله عاطفة ووجدانا. # أما إذا أردنا أن ms119 نستطرد في بحث شوقي بحثا يرضي نزعة العصر الحديث في النقد فإنا لا شك ~~ننبو عما قصدت إليه السياسة الأسبوعية من هذه الأبحاث، لهذا نجمل القول، وجملته أننا أرضينا ~~في هذه الأسطر نزعة العصر الجديد، ولعلنا نكون قد أرضينا شاعرنا الكبير بأن صورناه كما نراه ~~صورة حقة لا خيالا بعيدا عن الحقيقة التي نقدسها ويقدسها هو من قبلنا، والسلام. # | مهيار الديلمي # دلالة شعره على نسبيته # لئن كان في الأمثال القائمة اليوم من حولنا في ميدان الأدب ونهضة الثقافة، كما يقولون من ~~مثل يصح أن يدل على شيء من الإفراط في احتذاء الأساليب التي رسمها لنا أدباء القرن الماضي، ~~أو من التفريط في دراسة نبغاء لا تعرف لأي سبب من الأسباب ظلوا مهملين طوال العصور، فإن ~~إغفال اسم مهيار الديلمي لمن أخص تلك الأمثال، وكذلك لا تعرف لأي سبب من الأسباب عكف ~~الأدباء على دراسة بعض شخصيات بائرة، غير أنها على جدبها وبورها خصت في كل عصور الأدب ~~العربي بأقصى ما بذل الأدباء والباحثون من عناية بالبحث والاستقصاء، وهل تجد أن اسم مهيار ~~بين الأدباء والشعراء بأسعد حظا من ابن الرومي؟ وكلاهما شاعر فحل، وكلاهما عبر عن نزعات ~~قامت من حوله ورسم في الشعر الجزل صورا استحالت إليها نفسيته، وما هي إلا صورة الحياة ~~الصحيحة تجلت في أوضاع لغة، كلاهما كان عنها غريبا، وكلاهما استوعبها استيعابا يدل على ~~نبوغ أصيل وعبقرية موروثة؟ # لا نعرف من هذا إلا أن في الحياة سرا كامنا يحرك ظواهرها على مقتضى ظروف نعرفها، ~~ولكنا لا نستطيع أن ندرك من مؤثراتها شيئا، لماذا يكون أبو نواس سمر الأدباء في كل عصر، ~~ولماذا يظل المتنبي قبلة المتأدبين في كل آن ولا يذكر اسم مهيار أو اسم ابن الرومي مرة، إلا ~~بعد أن يذكر شعراء أقل منهما في الأدب منزلة، وأدنى منهما في الشعر مكانة كديك الجن وصردر ~~وأبو الشمقمق، ألوفا من المرات؟ السبب في هذا تكاد تلمسه إذا أنت نظرت في الفرق بين شعر ~~تجود به سليقة مستمدة ms120 من خيال آري، وآخر تخرجه سليقة تستمد من خيال سامي الأصل، والفرق ~~بين العقل الآري بكل توابعه، مباين جهد المباينة للعقل السامي، فالفرق بينهما جلي في ~~المدنية التي أخرجها كلاهما، كما هو بين في صور الدين والشعر والموسيقى وبقية الفنون، ~~فإن أخص ما يمتاز به العقل الآري حب التنويع والقدرة على الجمع بين المتناقضات، ففي دين ~~فارس الآرية، وفي عصرها الوثني تجد أن الأصل في العالم عنصران عنصر النور، وعنصر الظلام، ~~يمضيان متعاقبين، وأحدهما يمثل الخير والآخر يمثل الشر، في حين أنك لا تجد في الأديان ~~السامية من شيء سوى التوحيد المطلق من كل قيد اللهم إلا فكرة الوحدة الآخذة بأطراف العقل من ~~كل جهاته، وهكذا الحال في الفنون على اختلاف صورها وعلى تشعب مناحيها، تجد أن فكرة الجمال ~~قد اتحدت في العقل الآري بفكرة الألفة اتحادا تاما، في حين أن العقل السامي لم ~~يدرك إلا فكرة الجمال، وعجز عن أن يكون من بين الأجزاء المفردة الجميلة بحق وحدة فيها ألفة ~~تلتئم وما في أجزائها من جمال. # أتخيل أن هذا سبب من أخطر الأسباب التي من أجلها لم يستسغ العقل السامي شعر مهيار ~~ولا شعر ابن الرومي، على أنك لا تقع في ظاهر شعرهما على شيء ينفر منه الأدب أو تأباه ~~الديباجة العربية، ولكن لسبب خفي لا تستطيع أن تقول ما هو؟ غير أنه في غالب الأمر ما ~~ذكرنا من الفرق بين منتجات العقل الآري، ومنتجات العقل السامي، إذ تعكس كلتاهما على ~~النفسيات المختلفة صورا لا نستطيع لدقتها أن نحدد أثرها في الأنفس والعقول تحديدا ~~تاما. # وكذلك الحال إذا نظرت في الفلسفة التي أنتجها العقل الآري، والفلسفة التي أنتجها العقل ~~السامي، فإنك تجد مثلا أن أحط صور الغيبيات التي أنتجها العقل الآري، لا تطاولها أرقى ~~الصور الغيبية التي أنتجها العقل السامي في الفلسفة، وكذلك الحال في العقل السامي، فإن ~~أحط صور التوحيد التي أنتجها العقل السامي لا تطاولها أرقى الصور التي أنتجها العقل ~~الآري في الدين، ولأي من الأسباب لم ms121 يعش دين المسيح - عليه السلام - في بيئته السامية ~~الأصلية؟ لأنه بثالوثه المعروف مناف لأوضاع العقل السامي ولخصائصه، بقدر ما هو ملائم ~~لنزعات العقل الآري، لهذا نزح إلى أوربا ليعيش هنالك، في ثنايا العقل التيوتوني المستمد من ~~العقل الآري وراثة ومنزعا. ~~••• # أما شاعرنا الذي نريد أن نتكلم فيه اليوم فهو مهيار بن مرزويه الكاتب الفارسي الديلمي، ~~ومهيار ومرزويه اسمان فارسيان أصيلان في الفارسية عريقان في العجمة، فلا مطعن إذن في نسبته ~~الفارسية لا من ناحية التاريخ، ولا من ناحية النسب. # كان مجوسيا وأسلم، ويقال: إن إسلامه كان علي يد الشريف الرضي أبي الحسن محمد الموسوي، ~~وهو شيخه وعليه تخرج في نظم الشعر، كما يقول مؤرخو الأدباء: وإنه وازن كثيرا من قصائد ~~أستاذه، وتوفي سنة 428 من الهجرة، وأسلم على الحقيق سنة 394ه، فكأنه عاش ستة وخمسين عاما ~~قبل أن يدركه الأجل المحتوم، وعندي أنه لم يسلم إلا بعد أن أدرك من العمر مدى عنده استطاع ~~أن يختار بين الأديان، وأن يوازن بينها ليختار له دينا، كما سترى عندما نتناول قصيدته التي ~~نظمها بعد إسلامه منوها بالكثير من حالاته وخصائص نفسه. # لشعر مهيار ديباجة وحدها، وفيه من متانة التركيب وحسن السبك ما لا تجده في كثير من شعراء ~~عصره الذين انتموا إلى البيئة التي حوته، غير أن طول نفسه في قصائده قد يضيع عليه شيئا ~~من قوة الانسجام وحسن السبك وجمال النسق، ولذا فأنت لا ترى مهيارا في قوة شاعريته الصحيحة ~~بقدر ما تراه في مقاطيعه القصيرة، وهي قليلة قد تبلغ حد الندرة في ديوانه الكبير، ولنأت ~~هنا بمثالين من مقطوعاته، أحدهما في الوصف، والآخر في الفخر لنستدل بهما على أن مهيارا ~~في مقطوعاته لا يدانيه إلا شاعرنا صبري في المحدثين: قال مهيار في وصف النيلوفر: # ساهرة الليل نئوم الضحى # ريانة والأرض تشكو الظما # رائحة في السرب لم تقتنص # ظباؤه إلا بأمر الدجى # ملتئم فوها وإن لم يكن # في شفتيها ما لها من لما # حية ماء ناقع سمها # وناقع سم الأفاعي الصفا ms122 # تعطيك منها ألسنا عدة # مجتمعات كلها في لها # وأنت إذا تأملت هذا الوصف وأطلت فيه التأمل وقعت على نزعة مهيار، فهو في وصفه للنيلوفر لم ~~يتناول أخذه بالنفس وجمال زهره أو أريجه أو غير ذلك مما يتناوله شعراء العرب في وصفهم، بل ~~وصف النيلوفر وصف شاعر تغلب في عقله نزعة الاستقراء والاختبار والمشاهدة، وهي نزعة من أخص ~~ما طوى عليه العقل الآري من النزعات، وأما المقطوعة الثانية فيقول فيها مفاخرا: # أعجبت بي بين نادي قومها # أم سعد فمضت تسأل بي # سرها ما علمت من خلقي # فأرادت علمها ما حسبي # لا تخالي نسبا يخفضني # أنا من يرضيك عند النسب # قومي استولوا على الدهر فتى # ومشوا فوق رءوس الحقب # عمموا بالشمس هاماتهمو # وبنوا أبياتهم بالشهب # وأبي كسرى؛ علا إيوانه # أين في الناس أب مثل أبي # سورة الملك القدامى وعلى # شرف الإسلام لي والأدب # قد قبست الملك عن خير أب # وقبست الدين عن خير نبي # وضممت الفخر من أطرافه # سؤدد الفرس ودين العرب # وهذا من بالغ الفخر الذي تتجلى فيه نفسية ذلك الشاعر الكبير وعظمته، وهي إن بلغت من ~~الدلالة على عزة نفسه ونزعته القومية وأثر الدين، فإنها لتدل على أنه لم يلجأ إلى المديح ~~إلا مماشاة للروح التي سادت في عصره، تلك الروح التي كان يلجأ إليها الشعراء لجوء الحاجة ~~طورا ومتابعة لقضاء المآرب السياسية طورا آخر، على أن قوم مهيار الذين سادوا الدهر فتى ~~ومشوا فوق رءوس الحقب، لقوم لم يسعد قوم غيرهم بفخر كفخر شاعرهم الأعجمي أرومة، العربي ~~لغة ومنزعا، فأين من هذا قول المتنبي مثلا: # أحارب خيلا من فوراسها الدهر # وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر # بل أين منه قول شاعرنا البارودي: # إذا استل منا سيد غرب سيفه # تفزعت الأفلاك والتفت الدهر # فإن الخيل التي من فوارسها الدهر، والسيوف التي تتفزع الأفلاك إذا ما استلت، ليست ~~بشيء إلا خيال الشاعر العبقري مصوغا في الكلام، ولكن القوم الذين سادوا الدهر، ومشوا فوق ~~رءوس الحقب هم قوم من المستطاع أن تظهر ms123 كيف سادوا الدنيا، وبقية العالم في ظلام، وكيف مشوا ~~فوق رءوس الحقب؛ إذ كانوا حتى في زمان المدنية العربية سادة الفكر الإنساني، وهم بعد مغزوة ~~أرضهم، منكسة أعلامهم. ~~••• # الظاهر من شعر مهيار، ومن كثير من حالات حياته أن إسلامه كان صادقا، وأنه أخلص لدينه ~~المنتحل إخلاص أهله لدينهم الوثني القديم، فلست ترى في كل شعره موضعا واحدا يدل على حنينه ~~إلى دين آبائه الأولين، بل ولا خطرة فكر يفيض بها بيت من أبياته بحيث يمكن أن تستدل منه على ~~أن كوامن نفسه قد تحركت ساعة واحدة بحنين لوثنيته الأولى، ذلك دليل على أنه أسلم للإسلام ~~مقتنعا راضي النفس مرتاح الضمير لأن يتبدل الوثنية بالإسلام، على الضد من كثير ممن أسلموا ~~إسلاما ظاهرا كابن المقفع مثلا، فإن الروايات عن إسلامه كثيرة والقصص من حوله متشاكلة ~~وجوهه، فقد روي أنه مر يوما ببيت نار من بيوت الزرادشتيين فتمثل بقول الأحوص: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل # حذر العدى وبه الفؤاد موكل # إني لأمنحك الصدود وإنني # قسما إليك مع الصدود لأميل # أما في شعر مهيار فلم أجد شيئا من هذا بل ولم أقع على رواية تدل على نزعة نفسه إلى ~~الوثنية ناظما أو متمثلا بقول غيره: وإن في قصيدته التي نظمها لما أن من الله ~~عليه بالإسلام، ولما أن صرفه الله عما كان يتردد في صدره من ميل إلى النصرانية كما يقول ~~مؤرخوه لبلاغا وعظة واسترسالا، وإن دل على شيء فإنما يدل على صفاء النفس وراحة الضمير ~~والدعوة الرشيدة لمعتقده الثابت، وهي قصيدته التي يقول فيها: # دواعي الهوى لك أن لا تجيبا # هجرنا تقى ما وصلنا ذنوبا # قفونا غرورك حتى انجلت # أمور أرين العيون الغيوبا # نصبنا لها أو بلغنا بها # نهى لم تدع لك فينا نصيبا # وهبنا الزمان لها مقبلا # وغصن الشبيبة غضا قشيبا # فقل لمخوفنا أن يحول # صبى هرما وشبابا مشيبا # وددنا لعفتنا أننا # ولدنا إذا كره الشيب شيبا # وبلغ أخا صحبتي عن أخيك # عشيرته نائبا أو قريبا # تبدلت من ناركم ربها # وخبث ms124 مواقدها الخلد طيبا # حبست عناني مستبصرا # بأية يستبقون الذنوبا # نصحتكم لو وجدت المصيخ # وناديتكم لو دعوت المجيبا # أفيئوا فقد وعد الله في # ضلالة مثلكمو أن يتوبا # ومن هذه القطعة وحدها تقع على عدة صور استحالت إليها نفسية مهيار قبل إسلامه، وتستدل على ~~حالات كثيرة نعددها هنا استيفاء لشيء من مستفيض البحث إذا نحن أردنا أن نتابع الكلام في ~~مهيار بما يستحق من الإجلال، وبما يشغل من مكانة في عالم الأدب. # أولا: # أنه تابع الهوى وجرى وراء موحيات الشهوة ~~أشواطا. # ثانيا: # أنه كشف له عن الغيب حتى انجلى لعينيه فأبصرتا ما كان خافيا، ~~وشهدتا ما كان غيبا، ولعل في هذه الإشارة دليلا على أنه اشتغل بالتصوف ~~حينا قبل أن يعتنق الإسلام، وليس بغريب أن يشتغل فارسي يتلقى عن الشريف ~~الرضي الأدب والعلم بالتصوف، وأن يجاري أهل الباطن في طرقهم المتشعبة، أما ~~إذا صح هذا، فإننا ننسب أغلب ما في شعره من رنة الحزن وعميق الهم إلى ~~اشتغاله بطرق المتصوفين. # ثالثا: # أنه نصب للبحث وراء تلك الأمور والزمان في إقباله؛ أي في شرخ شبابه ~~وفتوته، ومن هذا يستدل على أنه لم يسلم إلا بعد أن قضى طور الشباب، فإذا ~~كان قد أسلم وهو في الثلاثين من عمره، وكان إسلامه في العام الذي نظم فيه ~~هذه القصيدة 394، ووفاته في عام 428ه فكأنه عمر إلى منتصف العقد التاسع، ~~وأنه لم يمت إلا في الخامسة والثمانين. # رابعا: # أنه أرشد قبل إسلامه حتى لم يبق لدواعي الهوى في نفسية من ~~نصيب. # خامسا: # أنه بقي عهدا يتراوح بين عقيدتي الإسلام والنصرانية، وأنه ما من ~~سبب رجح عنده كفة الإسلام إلا اشتغاله بآداب العرب ومعاشرته للمسلمين، ~~وتمكنه من أسباب اللغة العربية التي هي لغة القرآن، نواة الإسلام الحية ~~الباقية على الدهور. # لا تجد في شعر مهيار من صفة ظاهرة جلية تعبر عما استحالت إليه نفسه من الصور إلا صفة ~~النواح على الدهر وعلى صروفه، ونظره في الحياة نظر الزاهد فيها الكاره لها، غير أن زهده ~~في الحياة غير ms125 مشوب بشيء من التشاؤم، فلا هو من طابع أبي العلاء، ولا هو من صفاء الخيام، بل ~~هو في زهده عن الحياة وبعده عن الصورة المألوفة لشعراء عصره نسيج وحده. # والظاهر أن الدهر قد نال من مهيار بما ينال به من النبغاء ذوي العبقرية، إذا هو ناء ~~عليهم بخصاصة أو عضهم بناب من الفقر أو خصهم بسوء الحظ، وسد في وجوههم كل باب فتح لغيرهم من ~~أمثالهم، ولكثير ممن هم أقل منهم في الأدب قدرا وأحط منهم في العلم مكانة، ولهذا تراه في ~~شكواه من الزمان ومن أهله مثال الصبر والشجاعة، ومثال الأمل الحي الذي تفيض به الأنفس ~~الكبيرة التي لا تعرف من اليأس إلا اسمه، وكثيرا ما يبقى أملهم حيا بين جنوبهم حتى يطوى ~~مع أبدانهم في أكفان الأبدية، لهذا نجتزئ ببضعة قطع من شعره تدلك على حقيقة نفسه، وعلى أمله ~~العريض في الحياة، قال: # فما بالي أرى الأيام تنحى # علي مع المشيب وهن شيب # عذيري من سحيل الود يحوي # حقيبة رحله فرس نجيب # وفى لي وهو محصوص وأضحى # غداة ارتاش وهو علي ذيب # ومحسود علي تضيق عني # خلائقه وجانبه رحيب # لطيت له فغر بلين مسي # ورب كمينة ولها دبيب # توق عضاض مختمر أخيفت # جوانبه وفي فيه نيوب # فإن الصل يحذر مستميتا # وتحت قبوعه أبدا وثوب # أنلني بعض ما يرضي فلو ما # غضبت حماني الأنف الغضوب # ومن هذا يرد عنان طرفي # إليك إن استمر بي الركوب # سترمي عنك بي إبلي بعيدا # وتنتظر الإياب فلا أءوب # وقال في قصيدة أخرى: # على أي أخلاق الزمان أعاتبه # وما هو إلا صرفه ونوائبه # تفرى أديمي وهي بتر شفاره # وجافت جروحي وهو صم مخالبه # ندوب تقفي هذه بعد هذه # وداء إذا ما باخ أوقد صاحبه # شغلت يدي حينا بعد ذنوبه # وزدن فقد تاركته لا أحاسبه # طرحت سلاحي وانتزعت تمائمي # وضاربه ينحي علي وسالبه # ببيض من الأيام هن سيوفه # وسود من الليلات هن عقاربه # أدامجه حتى يراني راضيا # مرارا وأعصي مرة فأغاضبه # وله شكوى بالغة في ms126 قصيدة مطلعها: # دعها تكن كالسلف من أخواتها # تجري بها الدنيا على عاداتها # ولعله كتبها في بدء عام جديد، وفيها يقول: # ما هذه يا قلب أول عثرة # قذفت بك الأطماع في لهواتها # هي ما علمت وإن ألمت لفضلة # من ثقل وطأتها وحد شباتها # كم خطوة لك في المنى أزليقة # لم تنتصر بلعا على عثراتها # وذخيرة طفقت يداك تضمها # والدهر خلفك مولع بشتاتها # ووثيقة ألجأت ظهرك مسندا # بغرورها فسقطت في مهواتها # ومن هذه القصيدة هذه الأبيات المشهورة: # إن كان عندك يا زمان بقية # مما يضام به الكرام فهاتها # صبرا على العوجاء من أقدارها # لا بد أن تجري على ميقاتها # ولعلها بالسخط منك وبالرضى # أن تستقيم طريقها بحداتها # أما مراثيه فأقربها إلى مراثي أبي العلاء ديباجة وأمتنها عبارة، وأكثرها انسجاما، ~~فمرثيته في أستاذه وصديقه ورفيق حياته الشريف الرضي، وهي من أمتن مراثي العرب ~~ومطلعها: # أقريش لا لفم أراك ولا يد # فتواكلي غاض الندى وخلا الندي # خولست فالتفتي بأوقص واسألي # من بز ظهرك وانظري من أرمد # وهبي الدخول فلست رائد حاجة # تقضى بمطرور ولا بمهند # خلاك ذو الحسبين أنقاضا متى # تجذب على حبل المذلة تنقد # فإذا تشادقت الخصوم فلجلجي # وإذا تصادمت الكماة فعردي # يا ناشد الحسنات طوف قاليا # عنها وكاد كأنه لم ينشد # عادت أراكة هاشم من بعده # خورا لفأس الحاطب المتوقد # وفيها يقول: # أنفقت عمرك ضائعا في حفظها # وعققت عيشك في صلاح المفسد # كالنار للساري الهداية والقرى # من ضوئها ودخانها للموقد # من راكب يسع الهموم فؤاده # وتناط منه بقارح متعود # ألف التطرح فهو ما هددته # يسري فواق البيد غير مهدد # يطوي المياه على الظما وكأنه # عنها يضل وإنه للمهتدي # صلب الحصاة يثور غير مودع # عن أهله ويسير غير مزود # عدلت جويته على ابن مفازة # مستقرب أمم الطريق الأبعد # يجري على إثر الضراب كأنه # يمشي على صرح بهن ممرد # يمشي الوهاد بمثلها من مهبط # وربى الهضاب بمثلها من مصعد # قرب قربت من التلاع فإنها # أم المناسك مثلها لم يقصد # رأبا به حتى تريح بيثرب ms127 # فتنيخه نقضا بباب المسجد # واحث التراب على شحوبك حاسرا # وانزل فعز محمدا بمحمد # وقل انطوى حتى كأنك لم تلد # منه الهدى وكأنه لم يولد # ومنها: # ولئن غمزت من الزمان بلين # عن عجم مثلك أو عضضت بأدرد # فالسيف يأخذ حكمه من مغفر # وطلى ويأخذ منه حد المبرد # لو كان يعقل لم تنلك له يد # لكن أصابك منه مجنون اليد # وإني أجتزئ من هذه القصيدة بهذه الأبيات، ولو طاوعت قلمي لجرى بها كلها، فليس فيها موضع ~~تفضله على سواه، وليس فيها من معنى أو تركيب، أو سياق يقف في سبيل ذوقك الأدبي، وهي من ~~ألفها إلى يائها على هذا النحو من قوة السبك وحسن البيان. ~~••• # ومهيار نسيبه قليل، وتشبيبه أقل، ولعل صروف زمانه قد صرفته عن التغني بالحسان والتشبيب ~~بهن، على أن له في هذا المجال جولات يبز بها كثيرا من الشعراء نذكر له شيئا على سبيل ~~الاستدلال، قال: # سلمت وما الديار بسالمات # على عنت البلى يا دار هند # ولا برحت مفوقة الغوادي # تصيب رباك من خطأ وعمد # بموقظة الثرى والترب هاد # ومجدبة الحيا والعام مكدي # على أني متى مطرتك عيني # ففضل ما سقاك الغيث بعدي # أميل إليك يجذبني فؤادي # وغيرك ما استقام السير قصدي # وأشفق أن تبدلك المطايا # بوطأتها كأن ثراك خدي # أرى بك ما أراه فمستعير # حشاي وواجد بالبين وجدي # وليتك إذ نحلت نحول جسمي # بقيت على النحول بقاء عهدي # وما أهلوك يوم خلوت منهم # بأول غدرة للدهر عندي # سل الأيام ما فعلت بأنسي # وعيش لي على البيضاء رغد # وفي الأحداج من رشأ حبيب # على ثوبيه من صلة وصد # يماطل ثم ينجز كل وعد # ولم ينجز بذي العلمين وعدي # وبعد، فهذا مهيار بن مرزويه الديلمي ما إن نصفه لك بوصف أو ننعته لك بنعت، وما إن نصور لك ~~صورة من نفسيته، فإن شعره وديباجته لأوثق في الأدب من أن يحيط بهما قلم كاتب مثلي، وإنهما ~~لأعرق في الأدب من كثير مما يجري على ألسنة المتأدبين في هذا العصر، فهل هذا ms128 الجيل يكون من ~~مهيار ومن شعره وأدبه الجم أوفى حظا وأوفر نصيبا من أسلافه الأقربين؟ # | بشار بن برد # صورة منه ومن حالات عصره # 1 # الشعراء أبين الناس نفوسا وأجلاهم باطنا، ولهذا ترى أنهم أكثر أبناء آدم تعرضا ~~لنقد الناقدين، على أنهم بعد من طينة آدم وحواء، وليسوا بأكثر من كل الناس إسفافا، ~~ولا أعلى منهم في الآداب مكانة، فهم طبقة خاصة تمتاز بموهبة ما، موهبة فنية لا تخرج في ~~حكمها عن بقية المواهب التي تمتاز بها بقية الطبقات من مجموع الحيوان الناطق، والحقيقة ~~أن نفسية الشعراء نفسية مفضوحة في شعرهم بينة في خطرات نفوسهم، جلية واضحة، بل تكاد ~~تكون ملموسة دون غيرها من نفسيات الناس، ولولا عجز الشاعر عن ضبط هواجس نفسه، وفقد ~~الإرادة عن كتمانها والترسل بها شعرا، لكان أبعد الناس عن صفة الشاعرية، فعجزه هذا سر ~~من أسرار قدرته الشعرية، وضعف إرادته سبب أول من الأسباب التي تسوقه إلى تصوير ما في ~~نفسه، ظانا أنه إنما يعبر عن حقائق العالم وعن نفسيات غيره من الناس بما يصور من ~~خطرات لا تقوم إلا في نفسه وحده. # كنت أسير يوما مع صديق أديب على شاطئ النيل ذات أصيل، وقد فاض النهر في آخر شهر آب، ~~وانعكست على صحفته النحاسية أشعة الشمس الذهبية، فوقف صديقي أمام النهر المتدفق المنساب ~~في جوف الطبيعة انسياب الأمل العريض في نفس أمضها الفراق، وقد بهت من عظم ~~ما يرى، فما لبث أن أخذ كتابا كان معي وكتب على أول صفحة منه: # الله أنت وأنت الله يا نيل # مني لشخصك تعظيم وتبجيل # يبدو جمالك ملء النفس قاطبة # فيأخذ النفس تكبير وتهليل # ولم يك صاحبي من المشتغلين بصناعة النظم، ولم أعرف عنه أنه شاعر، بل هو ناثر من ~~كبار الناثرين، وإن كانت في نفسه نزعة إلى الشعر، فإنما هي نزعة تلوح ضئيلة بجانب حب ~~البحث والاختبار، ولعله يقرأ اليوم هذا، ولعله يذكر هذه المناسبة فيستجمع في مخيلته ~~مرأى النيل ومشهد أمواجه المتلاطمة الآخذ بعضها برقاب بعض، ولعله ms129 يكمل ما بدأ منذ عشر ~~من السنين، فيخرج قصيدة بليغة في وصف النهر الفائض، بل في وصف ما فاضت به نفسه من الصور ~~المتخالطة. # وبعد، فهل رأيت في خطاب ذلك الصديق إلى النيل، كيف كشف عن نفسه كيف جعل النيل في ~~منزلة واحدة مع الله، وكيف بدا جمال الطبيعة ملء نفسه ممثلا في النيل، وفي ذلك الظرف ~~الذي انعكست فيه أشعة الشمس عند الأصيل على صفحة النهر النحاسية الجميلة، فأخذ ذلك ~~الجمال على نفس الصديق أطرافها، وملأ جوانبها فلم يترك في نفسه من مكان خال ليسع أية ~~فكرة أو معتقد أو مذهب أو صورة أخرى، وإن وحدة الوجود التصوفية لم تترك في العالم من ~~شيء عند شاعرنا الأديب إلا الله والنيل، ولا شيء غيرهما، وما من ريبة في أن هذه ~~الخطرة التي فاضت بها نفس الصديق في تلك الآونة قد فضحت سرائر نفسه وأظهرتها على ~~حقيقتها الكامنة دون مظهرها الخارجي، فنمت عن أن تلك النفس لو حوطتها عقائد ~~الوثنية لكانت أثبت فيها من كل ما خلق الفكر من صور الدين فوق هذه الأرض. # ولو أنك نظرت معي في ملامح صديقي مما ارتسم على وجهه من مظاهر الحب الشديد والعطف ~~مشوبين بشيء من الانقباض والحيرة، لاعتقدت بأن تلك الحيرة وذلك الانقباض لا يدلان ~~على شيء دلالتهما على تنازع بين التقاليد الوراثية في النفس إذ تتناحر جادة في سبيل أن ~~تملك كل منها أطراف النفس تحت تأثير ظرف من الظروف، وكأن الطبيعة ما خطت على وجه ذلك ~~الصديق مسحة من الحزن تراها نامة من حقيقة نفسه بلا شعر حتى وبلا حديث - على الرغم ~~مما يلوح في كلامه وحركاته من مظاهر المرح والجذل - إلا لتفضح سر نفسه وإن جهد نفسه في ~~إخفائه، وما لاح على وجهه في تلك اللحظة التي أخذ يخاطب فيها النيل من شيء، وما زاد على ~~صفاته من صفة إلا انفعال ممسوس بكآبة شديدة ازدادت معها مسحة ذلك الحزن العميق الذي ~~خطته يد القدرة على محياه. # على هذا النسق يدل ms130 الشعر دلالة صحيحة على حقيقة نفسية الشاعر، فإن الشعر هو الصوت ~~الصارخ الخارج من أعماق النفس، بل ومن أعمق أغوارها، ليسبك في اللغة عنوانا حيا ~~على النفسية التي بعثته من قرارة الوجدان إلى عالم الخطاب. # ومهما يكن من تأثير روح العصر على الشعر والشعراء، ومهما يكن من أمر حاجات الحياة ~~وتأثيرها في الشاعرية إذ تقلبها في بعض الأحيان إلى صناعة للنظم تبدو جلية واضحة في ~~المديح وغيره من صور الشعر قضاء لحاجات ما تحركت لها الشاعرية ولا فتنت بها النفس، فإن ~~الشاعر لن يفلت من القدر مطلقا، ولابد من أن تعثر في شعره على خطرة أو مقطوعة قصيرة أو ~~مناجاة يرسل بها إلى الله أو إلى الطبيعة أو إلى شيء أو معنى مبهم قد يشعر به ولا ~~يستطيع التعبير عنه، ما تنم في الدنيا عن شيء إلا عن دخيلة فطرته وعن نواتها التي ~~التأمت من حولها كل عناصر نفسه. # إن أدل صور الشعر على نفسية الشاعر إنما هو شعر الانفعال، الشعر الذي يبعثه انفعال ~~خالص في النفس غير مشوب بشيء من حزم الإرادة ولا وازع العقل، ولا تكلف من ناحية ~~الصناعة، فإذا أردت أن تبحث في مجموعة ما أخرج شاعر من قصيد لتستدل بشيء منه على ~~نفسيته، فإنما يجب عليك ألا تتعمد التغلغل وراء معانيه الخفية، ولا أن تغوص وراء ~~تشبيهاته، بل يتعين عليك أن تبحث في أي المواضع من شعره بعث انفعاله وتجرد عن إرادته في ~~ضبط معانيه وعرى عن عقال عقله ليسير وراء ما يريد أن يخرج من معنى معقود على غرض يريد ~~الوصول إليه، وإني لأتخيل أن هذه القاعدة لا تخطئ إذا أمكن تطبيقها بما يقتضى لذلك ~~من الحيطة والحذر وطول الأناة والصبر على البحث وقوة الملاحظة. # ولو أنك ثابرت على إتباع هذه القاعدة ورضت نفسك على التزامها لبان لك أن ~~تطبيقها على الشعر الجاهلي أيسر منه في الشعر المخضرم، وأنها أبعد ما تكون يسرا في ~~التطبيق على الشعر من بعد ذلك، فإن الخلق الجاهلي ما كان ms131 يعرف إلا الانفعال لشيء يملك ~~جوانب النفس حتى في أخطر ناحية من نواحي الشعر العربي، ناحية المديح والهجاء، أما هذه ~~الناحية فقد فسدت في عصور المدنية كل فساد حتى شوهت جمال الشعر، اللهم إلا من ناحية ~~الصناعة والانسجام، فإن المديح والهجاء من قبل ما كان ليفيض بأحدهما خيال شاعر من ~~الشعراء إلا تحت تأثير انفعال يدل دلالة واضحة، وقد تكون غير ذلك، لا على نفسية الشاعر ~~وحده، بل على بضع صفات حقيقية يتصف بها الممدوح أو المهجو. # فلما ضغطت حاجات المدنية والترف على النفسية الشعرية، وحوطتها عوامل الجشع الاجتماعي ~~بمؤثراتها خرجت بمواضع المدح والهجاء عن أن تكون شعرا يدل على الواقع، إلى صناعة ~~يستدر بها الشاعر أكف الأغنياء والأمراء بالحق والباطل، ففسدت صورة من صور ~~الشعر كانت من الممكن أن تظل نبعا فياضا بالدرس لمن يريدون أن يكتبوا في أشخاص الذين ~~اشتهروا من العرب في عصور مدنيتهم، وأنت بعد تقلب ما كتب الشعراء في أمير أو ~~وزير، ثم ترجع إلى المدونات التاريخية، فلا تقع إلا على صورة تختلف تمام الاختلاف عن ~~الصورة التي يطبعها في مخيلتك الشعر المقول فيه، ثم إنك لا تجد المدونات إلا على صورة ~~من النقص لا تزودك بسنادة قويمة يمكن الاعتماد عليها في بحث تاريخي أو تحليل نفسي، فإن ~~سطوة أهل الجاه قد حالت دون حرية الأقلام في تقرير الحقائق، حتى إنك لتجد مدونات ~~التاريخ قلما تتكلم في أشخاص الزمان الذي كتبت فيه إلا محشوة بالمديح شأن الشعر، ثم ~~تجدها تتكلم في أشخاص زمان سابق بشيء من الاستقلال في الرأي، ولكن الشك يساورك فيها كل ~~مساورة؛ لأنها على الأقل صورة منقولة للكاتب أو للمدون على ألسنة من تلقفها من الرواة، ~~وقد تكون صحيحة، ولكن من المحتمل أن تكون خطأ وافتراء. # كل هذه الأسباب يجب أن تجتمع في ذهن الكاتب إذا أراد أن يكتب في بشار بن برد، ~~مستعينا بدرس شعره على معرفة نفسيته وتحليلها، وأنت تعرف بشارا وتعرف عصره، عصر قريب ~~من بدء انقلاب تاريخي عظيم، ms132 لا في تاريخ الإسلام والمدنية الإسلامية وحدهما، بل في ~~تاريخ الدنيا، استتب الأمر للعباسيين في بغداد وبدأت موارد الإمبراطورية الإسلامية ~~العظمى تزود العاصمة الجديدة بكل ما تستطيع من صنوف الترف والانغماس في شهوات إن لم ~~تبلغ في عصر بشار مبلغها في عصر الرشيد أو المأمون مثلا، فإنها صورة تكفي إذا قستها ~~بأخبث صور الفساد الروماني؛ لأن تولد في ذهنك فكرة أن المدنية الإسلامية أينما ~~حلت وكانت قد حملت معها بزور إنحالها، وقد نبتت تلك البذور في كثير من أطوار تلك ~~المدنية، ولكنها ظلت دائما كامنة دفينة في أعماقها، منقولة عن البادية إلى الحاضرة ~~مرتكزة على أساس من الصفات النفسية، ما كانت البيداء إلا سدا منيعا حال دون ظهورها ~~بذلك المظهر الذي تجلت به في بغداد في أوائل العصر العباسي وأوسطه، وانتهى بتغلب شعب ~~جديد كانت السهول مباءته والجبال والأحراش مثابته. # إنك لا تستطيع أن تتغلغل في حياة بغداد الاجتماعية إلا من طريق كتب الأدب، وما ترويه ~~تلك الكتب مشعب الأطراف كثير الوجوه متعدد القصص، على أنه في مجموعه لا يحوط نفسك بشيء ~~ولا يولد في ذهنك من فكرة إلا فكرة الإكباب على الملذات والمبالغة فيها والافتنان في ~~حيازتها بكل طريق مستطاع سواء أرضيت به شريعة الآداب أم نفرت منه، ولا أريد أن أذهب ~~بالقارئ بعيدا ولا أطوف به في مجاهل كتب الأدب الكثيرة، فإن كتاب ألف ليلة وليلة ما هو ~~إلا صورة تكاد تكون صحيحة في فلسفة الحسيات التي تملكت فكرة الناس وأذلت أعناقهم في ~~بغداد في أزهر أيامها بالمدنية الإسلامية، بل يكفي أن تطوف بسوق النخاسين في بغداد ~~لتطبع في ذهنك صورة صحيحة من مدنية ذلك العصر، هي أشبه الأشياء بتلك الصورة التي تصورها ~~لنا صفحات التاريخ عن آخر عهد مر بمدينة بومبي قبل نكبتها. # قال كاتب عربي: ولقد شهدت سوق الجواري في مدينة بغداد، وقد أقيمت في الموضع المعروف ~~بسوق النخاسين، فرأيت فيهن الحبشيات والروميات والجرجيات والشركسيات والعربيات من ~~مولدات المدينة والطائف واليمامة ومصر ذوات الألسنة العذبة والجواب ms133 الحاضر، وكان بينهن ~~من الغانيات اللاتي يعرض بما عليهن من اللباس الفاخر الذي لا غاية بعده، بما يتخذن من ~~العصائب التي ينظمنها بالدر والجوهر ويكتبن عليها بصفائح الذهب كلاما يحلو لأهل الطرب، ~~فرأيت على بعض العصائب: «وضع الخد للهوى عز»، ورأيت على بعضها: «من كان لنا كنا له»، ~~ورأيت في صدر جارية هلالا مكتوبا عليه: # أفلت من حور الجنان # وخلقت فتنة من يراني # وقرأت في عصابة أخرى: # ألا بالله قولوا يا رجال # أشمس في العصابة أم هلال ~~«وبعض الغواني المترفات كن يتحلصن سرا من حيث لا يردن المقام، ثم يأتين السوق ~~متواريات عن عيون الرقباء إلى أن يقع سوقهن على أحد من الناس ومواليهن غير عالمين، ~~فيتصرف النخاسون في بيعهن مثل تصرف التجار ببضائعهم.» # هذه الصورة على ضئولتها كبيرة الأدلة على روح ذلك العصر، تلك الروح التي ما كانت تقود ~~خطوات المدنية القائمة فيها إلا إلى الانحلال والفساد، وهل هي إلا صورة روما في آخر ~~عصور مدنيتها حيث كان الرجال يعدون السنين بعدد النساء اللائي اتخذوهم عشيقات، وحيث كان ~~الأبناء لا ينسبون إلى آبائهم، بل إلى أمهاتهم، فيقال ابن فلانة لا ابن فلان! # ذلك الجو الذي حوط بشار بن برد، ما كان ليخرج لنا من الشعر إلا ما وصل إلينا عن بشار، ~~وما كان ليزودنا بشيء من مورد البحث إلا بكل ما يمكن أن يستدل به على عناصر الفساد الذي ~~أخذ يدب في جسم الدولة العباسية في بغداد منذ أول نشأتها إلا قليلا. # ولا تجد في ذلك الجو المعتم إلا مفاسد وشهوات ضالة مضلة، ما كانت لتؤثر في شيء بقدر ~~تأثيرها في الروابط الاجتماعية التي تكون الأسرة، وهي ساندة البناء الاجتماعي، وأول ~~ركيزة في قيام المدنيات؟ # ولعمرك لو أردت أن تبحث في نظام الأسرة إذ ذاك وتمشيت من ثم إلى البحث في أخلاق ~~المرأة التي تريد، وما أرادت في كل الأزمان المتمدينة إلا أن تستقل برجل تهبه من ~~عواطفها بقدر ما يهبها من عواطفه، ويخصها من حبه بقدر ما تخصه ms134 من حبها ، ألا ترى معي بحق ~~أن نظام الأسرة كان بائرا، وأن رابطة المجتمع القائم عليها كانت مفصومة، وأن ~~الحياة إذا ذاك كانت عبارة عن نسيج مفكك الأوصال، لم يرأب صدوع الاجتماع فيه نظام مدني، ~~ولم يقم فيه للمرأة من وزن، اللهم إلا بمقدار ما ترضى في الرجل من شهوات هي أحط ما ~~أخرجت الطبيعة من فاسد عناصرها في الحياة؟ وهل من المستطاع أن تتكون أسرة متلائمة ~~العواطف متناسقة الآداب، وقد تحكمت فيها الإماء اللواتي كن لا يعشن إلا متطفلات على ~~شهوات الرجال، متضاربة مراميهن، متنافرة مصالحهن، متناثرة حول الشهوة رغباتهن، متضائلة ~~بجانب الرذيلة فضائلهن، مركزة حول البغض والحسد أفكارهن، قريبات من الإثم، بعيدات عن ~~التقوى، هائمات جامحات شاردات، ما من حاجة لهن في الحياة، وما من مطمع في الدنيا سوى ~~إرضاء أفسد ما انطوت عليه نفس الرجل من الصفات؟ وأنت بعد، هل تجد للرجل من مجال ~~ينمي من صفات الرجولة فيه إلا معهده المنزلي؟ فكيف به وهو لا يرى إلا صور الخنوثة ~~قائمة من حوله، تزكي فيه مواضع الفساد، مقصية به عن مواضع العفة والشرف، نازلة به ~~إلى الحضيض، هابطة به إلى الدنى والمفاسد، سالبة منه شرة الرجولة، قاتلة فيه صفات ~~الذكورة الصميمة؟ # هذه الصورة تتحيز في ذهني وتظل شديدة الأثر فيه كلما فكرت في عصر بشار بن برد، وكلما ~~فكرت في العصر العباسي من ناحيته الأخلاقية، على أنك إن فكرت في العصر العباسي من حيث ~~الأدب لوجدت فيه مناقص وكمالات شأن كل الأعمال الإنسانية، على أن أنقص ما أراه فيه ~~نزعة الأدباء إلى المنابذة بالألقاب والأنساب، وجنوحهم إلى المفاضلة بين الشعراء أو ~~الكتاب، وهي ظاهرة أقل ما فيها أنها تدل على انصراف عن الأدب الحقيقي على الوجه الأكمل ~~إلى أشياء لا تضر إن تركت، ولا تفيد إذا ذكرت، بل أنها فوق ذلك من مواضع الضعف في فنون ~~الأدب، وفي الصناعات الأدبية، قال الرواة: إن أحسن الناس ابتداء في الجاهلية امرؤ ~~القيس حيث يقول: # ألا عم صباحا أيها الطلل ms135 البالي # وحيث يقول: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # وفي الإسلام القطامي حيث يقول: # إنا محيوك فاسلم أيها الطلل # ومن المسلمين بشار حيث يقول: # أبى طلل بالجذع أن يتكلما # وماذا عليه لو أجاب متيما # وبالفرع آثار بقين وباللوى # ملاهي لا يعرفن إلا توهما # وما أعتقد أن بشارا والقطامي إلا من الناسجين على وتيرة امرئ القيس، فكلاهما في ~~حسن ابتدائه خاطب الطلول البوالي، وإنك لتجد في النواح على الطلول رنة حزن في النفس ~~عميقة، وهي على ما تبعث من الحزن في النفس لا تولد فيها إلا الذكريات، ذكريات المنازل ~~الخاوية والصور الذهنية الحية بما يتخللها من الانفعالات الشديدة الأثر، والدليل على ~~أن بشارا والقطامي قد نسجا على منوال امرئ القيس أن أمتع بيت قاله بشار قد ظل ~~زمانا يجهد نفسه لينظمه على نسق بيت امرئ القيس المشهور. # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا # لدى وكرها العناب والحشف البالي # فقال بشار: # كأن مثار النقع فوق رءوسنا # وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # على إن هذا البيت لا يخلو من نقد؛ فإنه أقل من سيوفه؛ لأن «أسياف» جمع قلة، ~~ويقولون: إن بشارا أغزل الشعراء حيث يقول: # أنا والله اشتهي سحر عيني # ك وأخشى مصارع العشاق # ولو قالوا بأنه أجبن المحبين وأحرص العشاق على حياته لكان ذلك به أولى، على أنني لا ~~أجد في مباحث الأدب من مبحث هو أعق لفضيلة الإقساط في القول من المفاضلة بين الشعراء أو ~~الموازنة بينهم أو الوساطة فيما اختلفوا فيه من مذاهب الشعر، فأنت تجد أن لكل شاعر من ~~فحول الشعراء صفة قلما يدركه فيها شاعر غيره، وأنه نسيج من الشاعرية وحده غير قائم على ~~أساس مستمد من تقليد أو تشبه بغيره؛ لأن الشاعرية سليقة موروثة في النفس ولن تتماثل ~~الشاعريات إلا إذا تماثلت الصفات الموروثة، وهذا أمر بعيد مناله متعذر وقوعه. # وإنا لا تحوطنا شبهة مطلقا في أن شاعرنا الذي نتكلم فيه اليوم نسيج من الشاعرية ~~وحده، وأن في شاعريته مزيجا من الصفات الموروثة لم تتهيأ لشاعر غيره، كما أن ms136 بقية ~~فحول الشعراء لكل منهم صفات لا يشاركهم فيها بشار ولا غيره من أهل هذا الفن المطبوعين ~~عليه. # على أنه تعترضنا في بحث بشار من ناحية الشاعرية ومن ناحية دلالة شعره على نفسيته ~~موانع كثيرة: # أولها: # أننا لا نستطيع أن ندرس حقيقة العصر الذي عاش فيه من ناحية ~~النظام الاجتماعي دراسة تولد في أذهاننا صورة غير الصورة التي وصفناها ~~من قبل، وإنها لصورة آثارها كثيرة الذيوع فيما وصل إلينا من شعر ~~بشار. # وثانيها: # أنه لم يصل إلينا من شعر بشار إلا نتف ومقطوعات قصيرة، ولم ~~يصل إلينا من شعره قصيدة كاملة، على أنني أعتقد أن ما وصل إلينا من ~~شعره كاف لدرس قوة شاعريته والاستدلال بها على حقيقة ~~نفسه. # ولن أشك بجانب هذا في أن شعر بشار لو وصل إلينا كاملا، كما وصل إلينا شعر المتنبي، ~~أو أبي العلاء المعري أو غيرهما من الشعراء، لكان لنا منه مورد كبير في دراسة عصره ~~والاستدلال به على حالات قامت في ذلك العصر، فإن ما وصل إلينا من آثار بشار الأدبية على ~~قلتها، تدلنا دلالة واضحة على أن ذلك الشاعر الكبير كان قد اندمج في جوه اندماجا ~~تاما، وامتزج دمه بعناصر المدنية التي قامت من حوله، فهو صورة من ذلك العصر، صورة أقل ~~ما فيها من الدلالة على الروح التي ذاعت فيه، أنها خارجة من نفس شاعر ملء نفسه ~~الشاعرية، صورة مفضوحة في الشعر غير موشاة بشيء من صناعة الكلام ولا مغشاة بجمال النثر ~~ولا ببيانياته ولا خطابياته، ولا محلاة بالصناعات البديعية التي لجأ إليها كتاب ~~ذلك العصر. # وبعد فأنت لا تبعد عن روح العصر العباسي بقدر ما تلجأ إلى الصناعات النثرية التي ~~ذاعت فيه، فإنها لا تعطيك من صور ذلك العصر إلا صورة مكذوبة قد تستدل منها على شيء من ~~رقي اللغة أو انحطاطها، وقد تستدل منها على شيء من جمال الأساليب أو فسادها، ولكنك لا ~~تلجأ إليها للاستدلال بها على روح ذلك العصر الحقيقية، إلا وتكون لجأت إلى أوهن ناحية ~~من ms137 نواحي التنقيب في عصر هو أبعد العصور عن تزويدك بمراجع يصح أن تتخذ دعامة للبحث ~~العلمي الأدبي بحثا يرضي الحق والضمير. # 2 # إلى هنا ينتهي تحليلنا لعصر بشار بن برد، وكيف كان بشار صورة صادقة لعصره الذي عاش ~~فيه، وكيف أن ما وصل إلينا من بشار على قلته يعبر أحسن تعبير عن النزعات التي قامت في ~~ذلك العصر وعن الانفعالات التي جاشت بها العواطف الثائرة في صدور الرجال والنساء، ولم ~~أشأ أن أتورط في الكلام في هذه الأشياء باستفاضة وأستطرد متخذا من كتب الأدب أمثالا، ~~ومن مجالس العظماء والأمراء أدلة على صدق ما ذهبت إليه حذر الإطالة في شيء يكاد يكون ~~الشعور بصحبته أسبق إلى النفس من الأدلة والبراهين التاريخية والعقلية، على أننا لا ~~نريد بعد هذا أن نتورط في الوصف والشرح لأكثر مما أدلينا به من قبل، لهذا نمضي في تحليل ~~نفسية بشار بن برد لنخلص من هذا التحليل بفكرة في دلالة شعره على نفسيته المتوهجة ~~الثائرة المشبوبة بتلك النيران العاطفية التي صبغت العصر الذي عاش فيه. # أعرف في العربية ثلاثة شعراء لشعرهم في أذني نغم وحده، ولمعانيهم مرمى بذاته، بل ~~يكادون يخرجون من الحيز الذي شغله شعراء العربية إلى حيز لم يلجه من قبلهم، ولا ~~بعدهم شاعر نطق بالضاد. # وليس هذا الحيز مقصورا على متانة في اللغة، ولا سبك في الأسلوب، ولا ترفع في ~~المعاني، ولا ما إلى ذلك مما يتفوق به الشعراء في صناعة الشعر، بل هو حيز العقلية ~~الإيجابية التي تنظر إلى الحقائق كما هي حتى في الهجو والمديح، والنفسية التي تنطبع ~~عليها صور الزمان الذي تحفها نظمه الاجتماعية على اختلاف صورها وألوانها. # هؤلاء الشعراء الثلاثة هم مهيار الديلمي، وبشار بن برد، وابن الرومي، وأولهم كان ~~تلميذا للشريف الرضي وراوية له؛ فانطبع بطابع التصوف والزهد حتى إنك لتجد ذلك شديد ~~الظهور في شعره بين الأثر في نزعته الشعرية، وبشار بن برد عاش في عصر الخلاعة ~~والفتنة فكان خليعا مفتونا بصور المدنية كما اقتبست عن العالم الروماني ms138 والفارسي، ~~وكلاهما تطوح في الحسيات حتى لقد بلغ منها أقصى المبالغ، وابن الرومي كان عبدا ~~اشتري بالمال فكان في أخلاقه عبدا، وفي خياله عبدا، وفي تصوراته عبدا رقيقا، ~~على الرغم من جودة شعره وقوة بيانه وبالغ وصفه. # ولعل السبب في هذا أنهم بعيدون عن العقلية العربية فكانوا نسيج وحدهم في الشعر وفي ~~الشاعرية، فإن مهيارا وبشارا كلاهما فارسي وابن الرومي بعيد عن الدم العربي بعد ~~السماء عن الأرض، ولا خفاء في أن العقلية الفارسية عقلية تتمشى فيها أصول الآريين ~~الذين غزوا الهند ودوخوا الممالك في العصور القديمة، والذين لهم في الفلسفة جولات لم ~~يشق غبارهم فيها أحد، ولهم في اللغة آثار لم يستطع إلى الآن أحد من أهل العربية أن ينال ~~منها بما يسقط من قيمتها ويحط من قدرها، وهم فوق ذلك حسيون لا يؤمنون إلا بالحس، ~~إثباتيون يحكمون العقل قبل المشاعر، حتى إنك لو رجعت إلى الأديان التي انتشرت فيهم لما ~~رأيت في دين منها إلا أثر الطبيعة متجليا بارزا كأن الذين وضعوا هذه الأديان لم ~~يعبدوا في الواقع إلا الطبيعة، ولم يريدوا بما وضعوا من صور الدين إلا أن يدمجوا ~~الإنسان في الطبيعة إدماجا أساسه مثل يتخايل إليهم من طريق الدين، ولكن ليرجع بهم إلى ~~الطبيعة سعيا. # خذ دين ماني بن فاتك، ويكاد يكون آخر الأديان ظهورا في بلاد فارس قبل الإسلام، فلقد ~~ظهر ماني في أيام سابور بن أردشير، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور سنة 277 للميلاد، ~~ويقول العرب: بأنه أخذ دينا بين الماجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة عيسى وينكر ~~نبوة موسى، غير أن صاحب الفهرست يذكر ما هو أقرب من هذا إلى حقيقة الدين الذي ظهر به ~~ماني، فيذكر أن ماني «يزعم» بأن العالم مصنوع من أصلين قديمين هما النور والظلمة، ~~وأنهما أزليان سرمديان، وأنه ما من شيء إلا وهو من أصل قديم. # وفي ما قال صاحب الفهرست بعض الحقيقة لا الحقيقة كلها، والحقيقة أن دين ماني يقوم ~~على أصلين؛ الأول القدم المطلق، والثاني تفاعل ms139 الأضداد أو تواترها، وإني أرى أن ~~استعمال تواتر الأضداد أرجح من استعمال التفاعل في معنى لم يرد به صاحب هذا الدين ما ~~تؤدي إليه هذه الكلمة تماما، فكل شيء عندهم قديم أزلي سرمدي، وأن الطبيعة كلها قائمة ~~على أضداد تتواتر ولكن لا تفنى، فهي قديمة أيضا، فكأن ماني لم يقل بأن الأصل في العالم ~~النور والظلمة، بل قال بأن النور والظلمة من أظهر الأضداد التي تتواتر تواتر غيرهما من ~~الأضداد. # من هنا يظهر أن ماني بن فاتك لم يقصد بالدين الذي وضعه أنه تفسير لحقائق ما بعد ~~الطبيعة والغيب من طريق الدعوى، بل قصد إلى الطبيعة الحافة به، يدمجها في الدين ليخلص ~~من هذا بنتيجة، هي أن يندمج الناس في الطبيعة اندماجا أساسه المعتقد واليقين، وهذا ~~بالذات ما تتخيله العقلية الآرية، بل لا نبالغ إذا قلنا بأن العقلية الآرية لا تنتج إلا ~~هذا، فهي عقلية تؤمن أولا بالحواس ومن طريق الحواس تحاول الاندماج في الطبيعة. # ولما استقر العقل الآري في أوروبا وغزاها الدين المسيحي، وهو دين سامي بحت، لم ~~تلبث العقلية الأوروبية المتأصلة من الطبيعة الهندوجرمانية أن قلبت الدين السامي ~~النازع إلى الغيب وما بعد الطبيعة إلى دين تتجلى فيه المحسوسات وتبرز مظهرة آثارها في ~~كل شيء، فلم يبق من دين المسيح عيسى ابن مريم في أوروبا إلا الاسم، ولم تسمح العقلية ~~الأوروبية لشيء من هذا الدين بأن يبقى ويعيش في جوها إلا ما وافق طبيعتها، فبرز الدين ~~النصراني بعد قليل في ثوب اندمجت فيه الطبيعة، لا على نفس النمط الذي أدمجها به ماني بن ~~فاتك، بل على صورة أخرى استمدت من وحي الفكرة لا من وحي التواتر والامتداد، ولكن كل ذلك ~~يتفق في النهاية، يتفق في أن العقل الآري نزاع إلى الاندماج في الوسط الطبيعي ~~اندماجا تاما، أما العقل السامي فعلى الضد من ذلك، فهو وهاج براق وثاب إلى ~~الغيبيات متهافت على العلم بما لا يستطيع العقل الصرف أن يعلم منه شيئا. # هذه العقلية بذاتها تتجلى في الفرق بين ms140 من ذكرنا من الشعراء وبين شعراء العرب الذين ~~يجري في عروقهم الدم السامي الصحيح ومنه يستمدون عقليتهم، حتى لقد تجد أن أهل ~~الأدب من الإعراب لم يستسيغوا الكثير من شعر مهيار وابن الرومي؛ بل إن بشارا لم ~~يتواتر شعره بينهم إلا لما كان فيه من توافق بين منازعه وبين تصورات أهل العصر الذي عاش ~~فيه، ولولا هذا لانطوى بشار كما انطوى من قبله مهيار وابن الرومي، ولم تعرفهما إلا بطون ~~الدواوين وإلا الأقلون من الأدباء الذين امحت من عقولهم آثار العرب خلال بعض ~~الأزمان. # على هذا نعتقد أن بشارا من تلك الفئة التي جددت في أساليب الشعر العربي تجديدا لم ~~يكن أساسه الخيال، ولم يعمد إلى المعقولات الصرفة يصفها بأوصاف الذوات الحية الكائنة؛ ~~بل عمد إلى الحقائق حتى في مديحه وهجائه، ولم ينزع إلى تلك الأشياء الخيالية التي عكف ~~عليها غيره من الشعراء الذين جرت في عروقهم الدماء السامية. # أما إذا وقعت في شعر بشار على شيء قد يقال: إن فيه نزعة إلى العرب فقد تستطيع أن ~~ترجع فيه إلى سبب طبيعي؛ فإن أمه عربية، ومن المحقق أن يكون لذلك أثر في شعره وفي ~~عقليته، غير أن الصفة الغالبة فيه هي الصفة الآرية، صفة الاحتكام إلى الحقائق ~~الملموسة وإلى المحسوسات يستوحيها المعنى في قالب عربي مبين. # هو بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء، وكان أبوه من فرس طخارستان وجيء به في سبي ~~المهلب بن أبي صفرة، ووهبه المهلب إلى امرأة من بني عقيل فتزوجت به ونسب إليها وولدت ~~منه بشارا، وكان مولد شاعرنا بالبصرة حوالي سنة 55 للهجرة الواقعة في سنتي 674-675م، ~~ونشأ بشار في بني عقيل مولعا بالاختلاف إلى الأعراب الذين يخيمون بالبادية، فشب على ~~غرارهم فصاحة لسان، وقوة بيان، حتى عده البعض آخر من يستشهد بشعره من الشعراء في ضروب ~~اللغة، ولقد ولد بشار مكفوف البصر، فعاش ما عاش لا وسيلة له إلى المعرفة إلا الأذنين، ~~وكفى بهما مع صفاء الطبيعة وقوة الشاعرية أن يخلقا من بشار ms141 شاعرا مجيدا ومجددا، هو ~~أول المجددين من موالي الفرس الذين تفخر العربية بهم وبآثارهم التي خلفوها وخالد ~~معانيهم الباقية على جدتها وإن أخلق الزمان. # والروايات من حول بشار كثيرة والقصص متعددة وجوهه، على أن الروايات قد اتفقت على ~~أنه قال الشعر وهو ابن سبع سنين، وأنه كان أميل إلى الهجاء منه إلى أي فن من فنون ~~الشعر، ولا جرم أن تنزع نفسه إلى الشعر فتيا ويكون من المواهب ما يستطيع أن يذلل من ~~طريقها معاور اللغة؛ يكون في مقدوره أن يبلغ من الشعر ما بلغ بشار بن برد في سني شبابه؛ ~~وظل عليه إلى أن مات. # لم يعرف العرب من ضروب النقد الأدبي إلا ضربان، أولهما المفاضلة، ومن التجاوز أن ندعو ~~هذا نقدا أدبيا، وثانيهما نقد المعاني والألفاظ من طريق الاتساق واللغة، وهذا أول ~~مدارج النقد، على هذا لا نستنكف أن نقول: إن العرب لم يعرفوا من النقد إلا بدايات قد ~~نأثم أن نقول في بعضها: إنه نقد، وقد نقبل مكرهين أن نقول فيما بقي منها: إنها نقد أدبي ~~على ما عرف في العصر الحديث. # على أننا نكاد نتخطى هذا الدور، وإن كانت آثاره لا تزال شديدة الفعل في الكثير مما ~~تبرزه أقلام الكتاب والنقاد في عصرنا هذا، غير أننا وقد أزمعنا أن نتكلم في بشار، وأن ~~نعرض له برأي نحلل فيه نفسيته، فإني أرى من الأوفق أن أورد رأي النقاد الذين تكلموا فيه ~~من قبل لعلي أستعين برأيهم على بلوغ شيء من الحق ينير لنا السبيل، قال الأستاذ ~~الزيات في بشار أنه ~~(1) أول ما تكلم في الشعر الهجاء؛ لأن سوقه كانت نافقة. (2) وإنه طرق أبواب الشعر ~~التي فتحت قبله وزاد عليها. (3) وإن الاتفاق بين رواة الشعر ونقدته على أنه رئيس ~~طبقة المولدين. (4) وإنه كان مجددا في المجون ورقة الغزل. (5) وإنه جمع بين جزالة ~~البدو ورقة الحضر. (6) وإن شعره الحد الأوسط بين القديم والحديث. (7) وإنه كامرئ القيس ~~في الجاهليين. # ولست تقع في مجمل هذا على جديد يصح أن تركن إليه ms142 في نقد تتناول فيه بشارا على نمط ~~حديث. # وقال الأستاذ العقاد - وهو عندي من أكثر النقاد فهما لطبيعة بشار: إن شعر بشار ~~يقسم إلى قسمين: (1) الأول بدوي تغلب فيه الجفوة، وحضري تغلب فيه الرقة والنعومة. (2) ~~وإنه إذا نظم في أغراض الشعر القديمة كان أقرب إلى لغة الأعراب، وإذا نظم في الغزل ~~والمجون كان أقرب إلى اللغة المألوفة الشائعة التي «رقت حواشيها وسلسلت عباراتها.» (3) ~~وإن روح شعره تدل على الطبيعة الحيوية والمزاج الدنيوي الذي يتخيل الأشياء كما يحسها ~~في عالم الواقع القريب. (4) فلا إلهام في شعره ولا حنين ولا أشواق ولا بدوات ولا خيال، ~~ولكنها تجربة الدنيا تملي عليه ما ينظم من الحكمة والوصف والغزل. (5) وإنه أصلح أدباء ~~العرب؛ لأن تؤخذ عن شعره الشواهد الكثيرة على أساليب الطريقة الطبيعية الواقعية التي ~~اشتهر بها بعض أدباء فرنسا على الخصوص في القرن الأخير. # وهذا الكلام كثيره حق واقع، على أن الأستاذ العقاد لو رجع إلى تحليل عقلية بشار ~~تحليلا إثنولوجيا لاستطاع أن يصيب كبد الحقيقة، على أنه مهما كان في تعليله لطبيعة ~~بشار من تمسح بالدنيويات؛ ليعلل بذلك حقيقة عقليته الحسية، فإنه في ذلك إنما أورد عرض ~~الشيء ليكون علة، ولم يبلغ إلى الجوهر الكامن في وراثة بشار الآرية عن أجداده الفرس، ~~على أن هذا النقد من أبلغ ما وقعت عليه من صنوف النقد الحديث إمعانا في التعمق إلى ~~الأصول، أو كما يقولون للعناصر الأولية التي يقوم عليها النقد التحليلي الصحيح. # وقال الأستاذ طه حسين: إن بشارا (1) شاعر غزير المادة جدا. (2) وإن الجيد في ~~هذه المادة لم يكن صادقا في شعره ولا مخلصا، إنما كان يتكلف المعاني في أكثر الأوقات ~~ويتكلف الألفاظ والأوصاف أيضا. (3) وإنه لم يكن محببا ولا لينا رقيق الطبع والحاشية، ~~وإنما كان قويا جبارا مبغضا. (4) وإنك إن أردت أن تعرف الفن الذي برع فيه بشار فهو ~~فن الهجاء، وفي الحق أنه قتل الهجاء، وإن الهجاء قتله أيضا. # وفي هذا القول من الدلائل ما يثبت لك أن الأستاذ طه حسين لم ms143 يفهم من نفسية بشار ~~شيئا، ولا حلل من طبيعة بشار شيئا، فالقول: إن بشارا شاعر غزير المادة ليس بجديد في ~~نقد بشار، وأما أنه يتكلف المعاني والألفاظ والأوصاف فذلك بالقياس إلى المحبين للأستاذ ~~من الشعراء الساميين الذين لم يقف على الفرق بينهم وبين الشعراء الذين تجري في عروقهم ~~الدماء الآرية، وأما القول بأنه قتل الهجاء فليس بصحيح؛ لأن شعر بشار لم يصلنا على ~~تمامه، وإرسال الأحكام العامة بالاعتماد على الجزئيات لا يؤمن معه الزلل والخطأ، ~~والدليل المادي قوله بأن بشارا قتله الهجاء؟ ولست أدري كيف أن الهجاء يقتل من قتل ~~الهجاء؟! # وقال الأستاذ ضيف: إن بشارا (1) رأس المحدثين وأشعرهم. (2) وإنه من الشعراء الذين ~~أحدثوا انقلابا في الأساليب الشعرية، وقد أدرك الدولتين الأموية والعباسية. (3) وإنه ~~اشتهر بمخالفة الأسلوب القديم وحمل على العرب. (4) وإنه استخف بالعادات وبكثير من ~~المسائل الدينية. (5) وإن له آراء رجعية في الدين. (6) وإنه من أشعر الشعراء وأكثرهم ~~مجونا وأقلهم مبالاة بما يقول ويفعل. # وهذا النقد - إن صح أن نسميه نقدا - ليس إلا مقررات لم يعلل أسبابها الأستاذ تعليلا ~~صحيحا على الأسلوب العلمي الحديث، وكان في مستطاع أي ناقد في القرن الأول أو الثاني من ~~الهجرة أن يقول ما قال الأستاذ ضيف في القرن العشرين. # والحقيقة أن كثيرا من الذين نقدوا بشارا، وعلى الأخص الذين قالوا بأن الهجاء أظهر ~~مظاهره لم يستطيعوا أن يفهموا الشاعر فهما صحيحا، والذي أفهمه أن الهجو في شعر بشار ~~كان تبعا لنزعة أخرى، ولم يكن صفة أساسية في نفس بشار، بل إن الصفة الأساسية كانت ~~الإباحة، فهي التي دفعت به إلى الهجاء، وهي التي درجت به في كل ما تقع عليه في شعر بشار ~~من مظاهر الخروج على المألوف، والسبب في هذا أن العقلية الطبيعية الواقعية إذا حف بها ~~من الأسباب المدنية والعمرانية ما حف ببشار في أيام الدولة العباسية انقلبت أبيقورية ~~صرفة، على غرار تلك الفكرات التي احتكمت في العقل الروماني في أواخر أيام الإمبراطورية ~~الغربية، ومن هنا نشأ ما تجد في بشار ms144 من ميل للهجاء وإطلاق كل الأشياء إطلاقا أعمى لا ~~حد له ولا غاية. # على أننا قد نتساءل قبل أن نمضي في نقد بشار نقدا أدبيا تحليليا كيف يمكن أن ~~نحكم في بشار حكما صحيحا، ولم يصل إلينا من شعره إلا القليل؟ على أني لا أشك في أن ~~مجموعة ما وصل إلينا من شعر بشار على قلته يزودنا بأقذع ما قيل في الهجاء، وأدق ما قيل ~~في الغزل، وأحلى ما قيل في الوصف، وأمتع ما قيل في التشبيب، وأدق ما قيل في المديح ~~وأعظم ما قيل في الفخر، وأجدد ما قيل فيما يمكن التفريق به بين الأساليب القريبة من عهد ~~النشأة الإسلامية وأول التحضر العربي. # على أنك إذا أردت أن ترى بشارا في حقيقته، فانظر إليه في أخلاقه، فهي المرآة التي ~~تريك بشارا رجل حس صرف يتعلق بالدنيويات؛ لأن طبيعة عقله تنزع إلى الاندماج في ~~الطبيعة، وكانت الحضارة التي قامت من حوله من أكثر الأشياء تحبيبا لأمثاله في الدنيا، ~~أفليس إدمانه الخمر وصبوته إلى النساء وابتذاله وبعده عن العفة إلا أثرا من آثار ~~الحضارة التي حفت به إذ صادفت فيه نزعة ووقعت فيه على بيئة خصبة؟ أما جبنه وخوفه من ~~المقال والحسام فليس له من سبب إلا اعتقاده بأن قول الحق لا يزول، ولا ينسى، وإن فيه ~~من الدنايا ما لو قيل مرة لجرى مثلا، ويقينه أن الحياة ثمينة لا تشترى بمال ولا ~~تباع بشرف ولا بعزة. ولعل في هذا أثرا من نشأته وتربيته الأولى. # روي بأن بشارا هجا روحا، وهو شاعر أدرك الدولتين الأموية والعباسية، وكان من ~~الفضلاء ومن الرواة الذين أكثروا من حفظ كلام العرب، وكان بين بشار وروح مهاجاة، فوصف ~~بشار سيف روح بما يحط من قدره، فأقسم إذا لقيه ليضربنه بالسيف ولو في حضرة أمير ~~المؤمنين، ففزع بشار وخاف وقام من فوره إلى المهدي يستجير به، فلما حضر روح قال: أنا ~~عبد أمير المؤمنين أطيعه في كل شيء إلا بشار، فقد حلفت من أجله يمينا غموسا، فقال ms145 ~~المهدي: ومن أجل بشار دعوتك، وجيء بالعلماء فأفتوا بضربه بعرض السيف، فلما هوى عليه روح ~~تألم وتأوه تأوه النساء. وإذا صح هذا كان دليلا على حبه الدنيا وتفانيه في الطبيعة ~~التي ليست الحياة إلا أهم مظاهرها وأبلغ آياتها. # كذلك نجد أنه قد نزع طافرا إلى صفات آبائه المرة بعد المرة، وفي هذا دليل على صفاته ~~الآرية الرسيسة المنبثة في تضاعيف فطرته، فقد سئل مرة بأي شيء فقت أهل عصرك؟ فأجاب على ~~هذا السؤال جوابا عبر في الواقع عن حقيقة عقليته تعبيرا لم يبلغ إليه في شعره، وفضح ~~عناصر نفسه بما لا يمكن أن يبلغ إليه تعبير في وصف الطبيعة الحسية والعقلية الإثباتية ~~في أيما متجه من اتجاهات الحياة مشت وفي أي مظهر ظهرت، أتعلم بماذا أجاب بشار؟ # لم أقبل كل ما تورده على قريحتي - فما بالك بما تورده عليه قريحة غيره - ويناجيني به طبعي ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفطن ومعادن الحقائق ولطائف ~~التشبيهات فسرت إليها بفهم جيد وغريزة قوية فأحكمت سيرها، وانتفيت خيرها، وكشفت ~~عن حقائقها واحترزت من متكلفها، والله ما ملك قيادي قط الإعجاب بشيء مما آتي ~~به. # هذه المبادئ بذاتها إذا عم تطبيقها على احتكام العقول في حقائق الأشياء كانت بعينها ~~حرية الفكر والنزوع إلى الواقع المحسوس، وتلك صفة يختص بها العقل الآري. والواقع ~~أننا لا نستطيع أن نعرف بشارا إلا من هذه الطريق، فهي مفتاحه الذي لا يمكننا أن نعالج ~~بغيره مستغلق نفسيته. ms146