######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.AhadithQarya.Hindawi84793046 #META# Tags: literature #META# ID: 84793046 #META# Title: أحاديث القرية: أقاصيص وذكريات #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الأقاصيص‏ # بابا نويل‏ # الأرملة مارينا‏ # ركبوه العجل‏ # وعظة بونا اسطفان‏ # لا يسلم الشرف‏ # طبيب امرأته‏ # مذكرات شباط‏ # البهائم تفكر في مصيرها‏ # قصة السعادة‏ # قصصي وأخباري‏ # عين كفاع‏ # عيد الصليب من عين كفاع‏ # مجلس القرية يلوم الحكومة‏ # رسالة إلى الرياس‏ # وداع الرئيس حبيب باشا‏ # بمناسبة الدستور والاستقلال‏ # عن المونوبول والغلاء‏ # رسالة شقت طريقا وبنت جسرا‏ # صباحية‏ # استسقاء‏ # مار عبدا والمطران‏ # أولى معاركي الأدبية‏ # كيف تعلمنا‏ # سنتان في مدرسة الحكمة‏ # مدارس الأمس ومدارس اليوم‏ # حقا قام ولكن بلا صيام‏ # جينا للضيعة جينا‏ # حكاية الماء‏ # روداج‏ # الأقاصيص‏ # بابا نويل‏ # الأرملة مارينا‏ # ركبوه العجل‏ # وعظة بونا اسطفان‏ # لا يسلم الشرف‏ # طبيب امرأته‏ # مذكرات شباط‏ # البهائم تفكر في مصيرها‏ # قصة السعادة‏ # قصصي وأخباري‏ # عين كفاع‏ # عيد الصليب من عين كفاع‏ # مجلس القرية يلوم الحكومة‏ # رسالة إلى الرياس‏ # وداع الرئيس حبيب باشا‏ # بمناسبة الدستور والاستقلال‏ # عن المونوبول والغلاء‏ # رسالة شقت طريقا وبنت جسرا‏ # صباحية‏ # استسقاء‏ # مار عبدا والمطران‏ # أولى معاركي الأدبية‏ # كيف تعلمنا‏ # سنتان في مدرسة الحكمة‏ # مدارس الأمس ومدارس اليوم‏ # حقا قام ولكن بلا صيام‏ # جينا للضيعة جينا‏ # حكاية الماء‏ # روداج‏ # | أحاديث القرية # | أحاديث القرية # | أقاصيص وذكريات # تأليف # مارون عبود # | الأقاصيص # | بابا نويل # أول ما يواجهك في ذلك البيت العتيق فراش ممدود حد صندوق دهري أطول منه. صندوق ألبسته ~~الأيدي التي تعاورته ثوبا دسما فتنكر تحته خشبه. في خواصر ذلك البيت اللبناني القائم ~~سقفه على ثلاث قناطر، دقت أوتاد هنا وهناك، كانت هي (البورتشابو) في ذلك الزمان. # أما أروع ما في صدر ذلك البيت، فرف خشبي وضعت عليه قوارير فخارية مختلفة الأشكال، ~~وشماعدين وثريات للشموع البيضاء والصفراء، وسرج وقناديل تضاء أمام صور وأيقونات وصلبان ~~ومسابح تكاد تشغل مساحة لا تقل عن أربعة أذرع طولا في أربعة عرضا، فيخال الداخل إلى ~~ذلك البيت أنه أمام مذبح لا ينقصه إلا (بيت الجسد). # وكان مندسا في ذلك الفراش هيكل بشري ما فيه إلا العظم والروح والجلد. أخذت الأيام ~~من عرض أكتافه فدق واستطال. وأما لحية ذلك العملاق، فظلت ms001 محافظة على أبهتها ولم تخسر ~~منها إلا مقدارا زهيدا لا ينقص من مهابة الشدياق ولا يحط من قدرها. # عمر الشدياق اسطفان كثيرا، فعزا العوام طول حياته إلى عفته، فمنهم من يؤكد أنه ما ~~اشتهى امرأة قط، ومنهم من نزهه عن ذلك تنزيها. ولولا زجر الخوري للغلاة لقالوا: إنه ~~حبل به أيضا بلا دنس. # وكانت امرأة طاعنة في السن من نساء القرية تنظر إلى زوجها الشيخ، وتصر شفتيها وتسكت ~~كلما سمعت ما يقول الناس عن الشدياق، ولا تزيد على القول: أعرفه عندما كنا وليدات نرعى ~~المواشي. # وفي ليلة عيد الميلاد سنة ألف وثمانمائة و... كان الشدياق اسطفان قد فات التسعين، ~~فتململ في فراشه بعد ظهر ذلك النهار. وتنبهت ابنة أخيه مرتا إلى همهمته، فهي تنتظر ~~الساعة، والانتظار صعب، فمغمغ قائلا: مرتا، هاتي اسقينا. # وأخذ الإبريق بيديه الثنتين، ومع ذلك لم يحكم توجيه أنبوبته إلى الهدف فشرب هو ~~واللحاف، ولما أبطأ لهاثه تنهد وقال: سامع حس ناس، من عندنا يا مرتا؟ ~~- عندنا متى يا جدي. ~~- متاه، كيف الطقس؟ ~~- الشمس مريضة يا عمي، ولكن النهار دافي جدا. ~~- وهذا الذي جاء من أميركا إيش خبر عن الغائبين. ~~- الليلة يسهر عندك مع الضيعة. ~~- أهلا وسهلا، سمعت يا مرتا. ~~- نعم سامعة. النقل حاضر. # وأخذ الشدياق ينسحب من تحت لحافه رويدا رويدا، وبعد جهد قعد في فراشه فبدا - حين ~~تكوم - كأنه كرسي عمود في قلعة متهدمة. وأراد النهوض فعجز، ولكنه تماسك وابتدأ يصلي ~~وهو يحاول شد صرمايته التي لم يرق لها أن ينتعلها. وظل يعالجها ويتلو صلاته بحرارة، حتى ~~استظهر عليها، فمشى إذ ذاك يجر رجليه وكأنهما ليستا منه. ولولا تقوس ظهره لخلته ماردا ~~أفلت من قماقم سيدنا سليمان؛ لحية بيضاء كأنها صوف فروة عتيقة، أصبحت خصلها جدائل لما ~~بينها وبين المشط من عداوة. فهي بنت عم شعر الشنفرى لحا، وإذا ارتفع نظرك عنها قليلا ~~وقع على حاجبين كأنهما رفرف فوق أنف مروس معقوف كمنقار نسر. # كان ملبوس الشدايقة غنبازا أسود مقلما، ولكن الهرم الذي اعترى غنباز ms002 الشدياق اسطفان ~~أخذ الكثير من لونه وحلت محل أقلامه أنهار من الخواء نمت عن بطانة بيضاء. ومشى ~~الشدياق غير محكم الزنار، فتجمع برداه، عن يمين وعن شمال، كستار مسرح مفتوح نصف فتحة، ~~أما الممثلون فقد تواروا واضمحلوا. وما بلغ الباب القبلي حتى انهار على فروة مدت له. ~~ثم أخذ يستوي على مهل حتى تمثل بشرا سويا، واستند إلى حائط البيت رازحا تحت أثقال ~~التسعين التي تمطت بصلبها وناءت بكلكلها على منكبيه. # ونظر إلى الطبيعة بعينين جفت ماويتهما فرآها صفراء مغبرة فقال: عجيب! كيف اصفرت ~~الدنيا، ما كانت هكذا منذ أيام. وحك صلعته كمن يشغل باله أمر خطير، وأطرق إطراقة طويلة. ~~ورفع رأسه فإذا بدمعة تكرج في ثلم من وجنته لتنهار عند مدخل لحيته. # وطفق الشدياق يجهش ثم تعالى بكاؤه فلفت أنظار العابرين والعابرات. وشاع في القرية أن ~~الشدياق اسطفان يبكي، وهو من لم ير قط باكيا فتضاربت في ذلك أقوالهم. # رأى الشمس جانحة لتتوارى خلف الجبل فانتحب. أدرك أنه إلى ما تصير إليه صائر، فراح ~~يناجي نفسه: هي تغيب وتشرق، أما أنت يا اسطفان فإلى ظلمة القبر. لا شروق ولا غروب. إنه ~~يضيق صدره وهو في فراشه اللين فكيف به متى وسدوه التراب. إنه يبرد، وهو نائم حد الموقدة ~~فكيف به متى نام في قلب الأرض حيث يبقى في ظل الموت إلى الأبد. # ورأى نصف قرص الشمس قد أوشك أن يتوارى خلف الجبل فأرسل زفرة حرى. وأخذ يتحلحل ليعود ~~إلى مرقده قبل أن يختفي كانون الله ويقرصه البرد. # وما ذكر الله والعذراء حتى عاد إليه إيمانه بالخلود والحياة الأبدية، فتشدد ونسي ~~البكاء. # ذكر أن المسيحي الصالح لا يموت بل ينتقل من وادي البكاء والدموع إلى دار النعيم حيث ~~يتمتع برؤية الله وجها لوجه. # ثم عاودته نوبة الشك فانخرط في البكاء وقال. هل بعد الشقا بقا، ترى نعيش ليوم عيدك يا ~~مار مارون؟ آه يا حبيب القلب، نلتقي يا ترى في الخدر السماوي؟ من يعلم؟ وبينا هو غارق ~~في تلك الظلمة ms003 سمع صوت امرأة تناديه: اسطفان، ضيعت إيمانك بالحياة الأبدية! # فتلفت فلم تقع عينه على أحد، فقال في قلبه: مؤكد، هذي العضرا مريم، من يقول لي هذا ~~غيرها. ثم التفت وخاطبها كأنه يراها: لا تؤاخذيني يا ستي السيدة. الآخرة مخيفة، والموت ~~يفزع. عذري معي، ابنك يسوع بكى في البستان. أنا متكل عليك يا حبيبتي. تعبنا وشقينا ~~حتى نرى وجهك الحلو. لا تخيبينا. # وخاف الشدياق أن يعتب عليه الله فاستوى ما استطاع مادا بصره إلى فوق وقال يناجيه ~~بأعلى صوته: يا صاحب الخيمة العالية، يا من تعيش في النعيم، ويمجدك الكاروبيم ~~والساروفيم، ماذا عندك للشدياق اسطفان الذي قضى حياته متبتلا؟ هل تحاسبه على كل هفوة؟ ~~ألا تتساهل معه؟ ألا تدخله أخدارك السماوية بعد أن عاش تسعين سنة تحت مظلتك الكبرى لا ~~يهمه إلا طاعتك. # ارحمني يا الله كعظيم رحمتك. ما أرعب ساعة الميعاد يا الله؟ قلبي يدق، أنا خائف ~~جدا. شددني يا الله. الشيطان يجربني دائما. أينما رحت أراه حاضرا. تف له. ما أبشع ~~وجهه، وذنبه وقرونه. # وتذكر الشدياق أنه أمسى فراح يرتل وهو ماش، الميمر السرياني: برمشو صليبوخ روشيمنو ~~على هادوماي ... إلخ. # وكان متى ومرتا قد أضرما النار في الموقد فحمي البيت، وارتمى الشيخ ليتربع قرب ~~النار. # شيخ منودل، ينوس كرقاص الساعة. نسي الشك والفزع حين تدفأ. ولذعته النار قليلا، ~~فتجهم وجهه وانقبض كأنه رأى في الموقد نار جهنم. تذكر عواقبه الأربع فارتاع وانكمش. ~~وعلا اللهيب فخال أنه يرى من خلاله شبابيك الجنة مفتوحة مضاءة، فتهلل وتذكر عليقة موسى ~~التي اشتعلت ولم تحترق، فانحرف فكره عن نيران الجحيم. إذن في النار ذكريات طيبة ~~للمؤمنين، فما باله وهو الرجل الصالح الذي راض نفسه على الفضائل المسيحية، يفكر هذه ~~الأفكار السوداء؟ # لا شك في أن إبليس يجربه ليقطع أمله ويتزعزع إيمانه في أخريات حياته، فصلب على وجهه ~~مرات وخرج من جو تلك الأفكار التي خاف منها، وصاح: مرتا بخري الصورة. # فنهضت مرتا بمجمرتها، تبخر الصورة فملأت رائحة البخور الجوري البيت، فتنشقه الشدياق ~~وهو ms004 يهتف: إخايه! صار كصوفي أسكرته المشاهدة، حتى خيل إليه أنه يرى في دخان المبخرة ~~الصاعد سلما مثل سلم يعقوب يرتقي به إلى سماوات ذي العرش، فأخذ يرتل بصوت رخيم لا ~~ارتجاف فيه ولا اهتزاز، كأنه ابن أربعة عشر. # أنت الشفيع الأكرم # عند ابنك يا مريم # وما انتهى من إنشاد هذه المديحة حتى صرخ: يا بنت! بخرت صورة مار مارون؟ # وبخرت البنت ورتل هو: لك شرف مفرد كبدر الضيا، وأومأ إلى متى فشاركه في ترتيلته ~~التي لم يصرم حبلها إلا الفواق. وما ارفض موكب صلاته الحافل، حتى عاد إلى قعدة ~~الأربعاء وهو يقول: ترى يكون لنا حظ ونسمع تهاليل الساروفيم، ونرى الراكب على ~~الكاروبيم! ما أحلى هاتيك الساعة. قريبا نلتقي يا مار مارون. # وقدمت له مرتا العشاء وفيه ما تحرمه الكنيسة في صوم الميلاد - وهو ابن تسعين يحل له ~~أكل كل طعام - فكف عنه يده ونفسه تشتهيه. لم يأكل إلا بضع حبات من الزيتون ورأس ثوم ~~شواه. ولماذا الأكل، أليحرم الأجر؟ غدا نأكل إن شاء الله اللحوم والألبان، فديوك ~~الميلاد تغلي على النار، وتغني في القدور كأنها جوقة ترتل: المجد لله في العلا ... # وقال لمرتا وهي ترفع الصينية: غدا نأكل مع الضيعة من طعام العيد. فمنذ صار الشدياق ~~ذلك الشيخ الجليل الذي تقبل الناس يده ويلتمسون دعاءه وبركته، أخذ يدعو أهل الضيعة ~~إلى مأدبة الميلاد التي يعدها لهم كل عام. # وعاد الشدياق إلى فراشه واحتبى بلحافه، ووفدت أهالي الضيعة عليه. المسنون يمسونه ~~بالخير نصف ساجدين. تنحدر أيديهم من قمم رءوسهم لتستقر على ساحات صدورهم الرحبة. ~~والصغار ينكبون على يديه يقبلونهما، سيان عندهم اليمنى أو اليسرى. وجلس الناس سطورا ~~سطورا حوله وبين يديه، وطغت على البيت رائحة منبعثة من مصابيح الزيت المطفأة فأخذ ~~بخناق الشيخ سعال ديكي، ولو لم يسرع أحدهم إلى فتح الأبواب لكان فطس وذهب مأسوفا على ~~شبابه. # وساد البيت سكوت رهيب، لم يكن يسمع صوت نابس. فكأن الناس في صحراء لا أنيس فيها ولا ~~جليس. الجميع يتطلعون إلى الشدياق ms005 بعيون مفتحة والشدياق يحرك شفتيه الراقصتين، يتمتم ~~ولا يبين. وأخيرا انشق فمه وخرجت منه هذه الكلمات: هذه ليلة مباركة يا إخوتي، فيها ولد ~~سيدنا يسوع المسيح بمذود البقر ليعلمنا التواضع. علينا أن نولد مثله كل سنة؛ لأنه - ~~لاسمه السجود - قال: الذي لا يرجع إلى بطن أمه ويولد ثانية لا يستحقني. والولادة ~~الثانية معناتها أن ينظف الإنسان نفسه وجسده حتى يعود طاهرا نقيا كالمولود ~~جديدا. # فهز الرجال رءوسهم إعجابا، وتنهدت العجائز متأسفات على مواهب الشدياق كيف ضاعت ولم ~~يصر كاهنا. # أما خوري الضيعة فكان يؤمن بإعجاب على كل ما قاله الشدياق ويتحسر في قلبه على قيراط ~~من مثل فصاحته النادرة، ثم يقول للذين حوله: هذا رجل قديس، المثل الصالح أبلغ واعظ، ~~وشدياقنا طاهر نقي مثل الآباء الأبرار. # وقبل أن يتوغل الشدياق في موعظته دخل المغترب الخواجه توما فهمس بعضهم: جا، ~~جا. # وظل سمع الشدياق صادقا. فسأل: منو جا؟ فخبروه. والتفت الشدياق فرآه فهتف بلا شعور: ~~بسم الأب والابن والروح القدس. هذا هو. لا ينقصه إلا الذنب. # وتقدم منه الخواجة توما بزيه الفرنجي الذي لم تر الضيعة مثله من قبل؛ لأنه أول من ~~هاجر وعاد، فكاد الشدياق يتراجع لو استطاع ولكن الجدار خلفه، وسلم توما سلام الأمير كان ~~فكاد يخلع يد الشدياق الهزيلة. لم يرق للشدياق ذلك السلام الخارج عن حظيرة الاحترام ~~التي أقامتها القرية حول شدياقها، ولكن كل شيء مر بسلام. وقعد المستر توما قعدة ~~بلادنا، جلس على طراحة في صدر الحلقة فتضايق وكاد بنطلونه ينشق، فقام ابن عم له وبنى له ~~مقعدا من المساند والمخدات، والشدياق ينظر وقد غاظه خروج المساند من صفها. ولا سيما أن ~~الخواجة توما جلس ولم يحتف كالآخرين. ما خلع نعليه حين داس البلاس الذي يصلي عليه ~~الشدياق ويقبله مرات حين يسجد. وزادت في الطين بلة، حركات توما الغريبة الدار. لم تعجب ~~الشدياق حركات توما وسكناته، وكان يجن حين يسمع منه بعض ألفاظ أميركية مثل: يس، ~~وتنكيو، وفاري كود، وغود نايت وغيرها. ولكنه احتمل ذلك وهو ms006 يتمتم: مع آلامك يا يسوع. ما ~~صبر الشدياق هذا الصبر إلا ليسمع من المستر توم أخبارا جديدة بلغته عنه: فقال الشدياق: ~~توماه، أية ساعة جئت. ~~- أمس الظهر يا عمي. # فأجاب الشدياق: لا تؤاخذني، ما قمت بالواجب. عذري واضح ومقبول. ~~- يس، يس القصد مشاهدتك. الحمد لله شاهدناك بخير. ~~- كيف تركت جماعتنا؟ ~~- الجميع بخير، يسلمون عليك. # فنكزه واحد ووشوشه: قل ويقبلون أياديك الطاهرة، ففتح توما فاه ليقولها، ولكن السبق ~~كان للشدياق الذي قال: وكيف أحوالهم الروحية والمادية. ~~- بألف خير صاروا شبعانين كلهم. # وسكت الشدياق وهز برأسه، وظل يحرك شفتيه، ولكنه لم يقل شيئا. # وأشار أحدهم على توما أن يخبر الشدياق عن الموارنة ويطريهم ففعل، فقال الشدياق: ما ~~داموا متمسكين بمارونيتهم لا خوف عليهم. ~~- يس، عندنا كل شيء، كنائس، مدارس، خوارنة، إذا رأيتهم حسبت أنك في لبنان. ~~- عال، عال. # وانقشعت الغمامة عن وجه الشدياق وأخذ يتغنى متهللا بنشيد مار مارون الذي يعرفه كل ~~قروي، فسانده الجمهور في تلك الرحلة الشاقة إلا توما فكان مثل الأطرش في الزفة. # وما انتهى الشدياق من نشيده حتى فتح توما فمه ليحكي، فأومأ إليه الشدياق بجمع كفه أن ~~يمهله ليأخذ النفس. وأخيرا قال توما: سمعتك عند وصولي تحكي عن الميلاد، آه يا عمي لو ~~عينك تنظر هذه الليلة في النايرك، هذي عندنا في النايرك وفي أوروبا ليلة عظيمة جدا. ~~أحسن الهدايا تقدم للأولاد، سي، الأغنياء يعطون الأولاد الفقراء كل شيء، المأكولات ~~الملبوس، اللعب. آه لو عينك تنظر يا عمي، كل بيت يعمل شجرة تكلفه المبلغ المرقوم، وفي ~~هذه الشجرة أشكال وألوان. ثم هز توم رأسه وعامت على فمه لفظة فاري كود الكرسموس في ~~أماركا. # فقال الشدياق: إيش دين هذه الشجرة؟ ~~- هذه شجرة الكرسموس، يعني الميلاد. يعلقون فيها الملائكة والشموع، الشريط من كل لون، ~~علب شوكولا وبسكوت وكاتو. # فقال الشدياق متعجبا: أسامي غريبة؟ ولأيش كل هذا؟ ~~- إكراما للميلاد. ~~- تبارك اسم سيدنا يسوع المسيح، واصل خبره لهناك؟ إذن في البلاد التي كنت فيها ناس ~~تعرفه مثل الموارنة. ~~- يس، يس ... معلوم ms007 ، كلهم نصارى يا عمي. ~~- هذا حد علمي، عال عال. ~~- يا ليتك تعرف كيف يتصورون الميلاد. ~~- هات خبرنا، ولكن قوس حنكك مرتخ. شد البراغي واحك. # فضحك المستر توم وقال: تعودت اللفظ الأميركاني. ثم صر بوزه قليلا وقال: يتصورون ~~الميلاد شيخا كبيرا لحيته لزناره وشواربه شبر وأكثر. يحمل على ظهره كيسا فيه هدايا ~~للأولاد العاقلين. فينام جميع أولاد الأميركان تلك الليلة منتظرين هدايا سانت كلوز ~~(بابا نويل) الذي ينزل إلى البيت من المدخنة، وفي الصباح يكون تحت مخدة كل ولد منهم ~~سكربينه جديدة، فيها ملبس ولعب، وأشياء وأشياء. # فهز الشدياق رأسه وصاح: يه، يه، يه، يه، صار الميلاد بياع سكربينات! المسيح الذي قال: ~~من لا يدخل من الباب فهو لص وسارق، ينزل من المدخنة، ما شاء الله عن بلادكم يا ابني. كل ~~شيء فيها ينمسخ. نعم، كل شيء ... أنت، مثلا، رحت توما ورجعت توم وتومي. وقال باستهزاء: ~~تعرف يا مستر توم، حكاية الميلاد عندنا غير حكايته في بلادكم. اسمع يا ابني حتى أخبرك: ~~كان في ضيعتنا خوري اسمه الخوري نصر الله. كان متزوجا وماتت خوريته بلا أولاد. ~~والخورية مثل الصنوبرة إذا انقلعت لا تفرخ، كما تعرف. وهذا الخوري كان من أغنياء الضيعة ~~الكبار، وليس له إخوة حتى يأخذوا التركة. وهو في الوقت نفسه رجل تقي عمال خير، يريد أن ~~يوزع مقتناه على المحتاجين. كان يعظ يوم أحد النسبة - أظن أن أميركا نستك أحد النسبة ~~- هو الأحد الذي قبل الميلاد - كان يعظ يوم هذا الأحد ويوصي الناس أن يكونوا أتقياء، ~~ويسيروا بخوف الله لتحل عليهم بركة الميلاد. ثم ينتظر عتمة ليلة عيد الميلاد ليحمل ~~كيسا من الدراهم إلى عائلة فقيرة، ولهذا كان يقول لهم، من يعتقد أنه يستحق بركة ~~الميلاد فليرد بابه ردا. وهكذا كان كل سنة يقصد بيتا ليترك فيه الكيس لتلك العائلة. ~~وبقي يعمل ذلك سنين. وأخيرا عرف الناس أن الخوري هو الذي يحمل إليهم ذلك الكيس فصاروا ~~يسلكون سلوكا حسنا، ويصلون إلى الله لتحل عليهم بركته مع هدية الميلاد. # هذه ms008 حكاية الميلاد عندنا لا حكاية ميلاد أميركانك الذين صيروا الطفل الإلهي لعبة ~~أولاد. قالوا: إن أميركا فيها جنون كثير فيما صدقت لولا هذه الخبرية. # واندحر المستر توم في هذه المعركة فأراد فتح جبهة ثانية، فراح يحكي عن جورج واشنطون ~~وتحريره أميركا. # فصاح الشدياق وكان صدره قد امتلأ غيظا: منو هذا جرج شنتان حتى تذكره وتنسى مار ~~مارون؟ مار مارون حررك من عبودية الطاغوت. خرفت يا توم، رجعت إلينا تلفان، ما فيك شعرة ~~من الموارنة. # وكان الناس يعجبون بحديث المستر توم ولكنه لما احتك بالشدياق سقط من عيونهم، وقال ~~واحد: شخص مثل الشدياق حرام يموت. # ولما تقهقر المستر ثانية في معركة الأشخاص، راح يتحدث عن الاختراعات الحديثة فقال: ~~اليوم اخترعوا آلة تحكي وحدها. مثلا، حديثنا الليلة، تلقطه هذه الآلة وتراجعه لنا ساعة ~~نريد. # فلم يزد الشدياق على قوله: الدنيا فيها كذب كثير. # فاستاء توم وحلف للشدياق أنه رآها وسمعها، وكان نوى أن يحضر معه واحدة منها ولكنه جاء ~~على عجل. ثم خبره عن الأوتوموبيل والبالون فاستولت على الشدياق الدهشة وأصابه شيء ~~كالذهول. وفتش عن منفذ فوجده فقال: ربما أنها صحيحة وإلا فكيف صعد مار إلياس إلى السما ~~في مركبته النارية. # وطاب للسامرين أن يتحدثوا عن الآلة المسماة بالفونوغراف والشدياق يسمع ولا يجادل، ~~وعيون الناس شاخصة إليه، وظلوا مستغربين سكوته العميق حتى رأوه يحل حبوته ويتمدد ويصيح: ~~ضعف الضو يا مرتا؟ # ورأى الناس المصباح يزهر كما كان، ولكن مرتا رفعت الفتيلة ففاض النور، وبعد هنيهة صاح ~~الشدياق: مرتا، الضو ضعيف يا جدي، مخطي السراج، صبي الزيت. # وجاء دور النقل وأخذ الجمهور يتلهى بأكل التين المطبع والزبيب واللوز والجوز. كانوا ~~يلغون ويلغطون، والشدياق مشغول عنهم في انحلال جسده، فهو يموت عضوا فعضوا. وكان ~~المستر توم يفيض في التحدث عن عجائب أمريكا والناس يصغون إليه مرتخية أفواههم. # وفي تلك الفترة قال الشدياق بصوت كأنه خارج من قعر بئر: أين الخوري؟ # فاقترب منه الكاهن فقال له: أتت الساعة، صلوا جميعا لأجلي، صلوا يا إخوتي، اغفروا ms009 لي ~~من أجل المسيح. حلني يا محترم. # فوقف الخوري على سلاحه منتظرا اللحظة الملائمة. واستحال البيت كنيسة، ركع الجميع ~~يصلون ويرتلون طلبة المنازعين ليعاونوا الشدياق على رحيله من هذه الدنيا، وبصوت يكاد لا ~~يسمع رتل الشدياق وعيناه مغمضتان، النشيد المريمي: # إن قلبي في هوى مريم # لم يزل مشغوفا مغرم # يرجو فرجا # من ثقل الآثام # وانقسم الجمهور جوقتين مرتلين، وسكت الشدياق ولكنه ظل يحثهم بهزة الرأس: # جرني عملي لقطع الرجا # ولم يبق لي قط ملجا # إلا مريم # حصن الخلاص والنجا # زيت الشفا بلسم النقا # خبز العبادة خمر التقى # يا سعد من في # باب مريم التقى # تمام سعادتنا في الثبوت # بعبادتك حتى نموت # هاللويا # ونحظى بالملكوت # ولم ينته النشيد حتى كان الشدياق قد انتهى، فاستحالت السهرة مأتما. وفيما هم يخلعون ~~ثياب الشدياق ليلبسوه الثوب اللائق بمقابلة القديس بطرس، عثروا على ورقة فيها وصيته، ~~فقرأها الكاهن على الجمهور: ~~(1) # يهب مرتا بنت ابن أخيه بيته وما حوله من أرض وما فيه من متاع، بشرط أن ~~تأخذ ابن عمها متى. ~~(2) # يلتمس من غبطة البطريرك أن يحقق بعد موته ما حرمه إياه من حياته فتبنى ~~كنيسة على اسم مار مارون وقد جعل لها وقفا ضيعة أخرى بكاملها. ~~(3) # يقف ما بقي عنده من عقار على بناء مدرسة لأحداث الضيعة، ومن ريعها يدفع ~~راتب المعلم ليدرسهم السريانية والعربية. # وأصبح الناس والشمس مكسوفة والضيعة في عتمة، فارتفع الشدياق عندهم إلى مرتبة ~~الطوباويين. وفيما هم يأكلون مأدبة الميلاد التي أعدها لهم الشدياق قال واحد، والكلام ~~يزاحم الطعام: بعدما رحت، فطلعت صوب بيت الشدياق فرأيت الملائكة طالعين نازلين من ~~البيت. # وقال جاره: وأنا رأيت كوكبا طلع من البيت وحلق ثم اختفى خلف الجبل. # وقالت امرأة: طول الليل ونحن نسمع أغاني وتراتيل وصنوج ونواقيس تدق في بيت ~~الشدياق. # وقال الخوري: الشدياق قديس لا شك فيه، فالشمس كسفت مرتين مثل هذا الكسوف: مرة يوم موت ~~سيدنا يسوع المسيح، ومرة اليوم، هنيئا لنا صار عندنا قديس، وهو وحده يغل لنا ويدر ~~علينا أكثر من ms010 ألف وقف. # | الأرملة مارينا # 1 # الأرملة (مارينا) من (عين كفاع) بيتها علية مؤلفة من أربع غرف وبهو، مسقوف ~~بالقرميد، وإلى جانبه الشمالي والقبلي بئر وقبو، تواجه بوابته كنيسة مار روحانا، ~~المشيدة على أنقاض برج قديم، وفي ظلها تتفيأ المقبرة النائم فيها من رقدوا بالرب ~~على رجاء القيامة. # أما عين كفاع فقرية متواضعة، قائمة على رابية بين الجبال، تطل على البحر من الجهة ~~الشمالية، حيث يمتد نهر شتوي طويل متعرج، تتناوح حوله شماريخ الجبال فتكاد ~~تتصافح، وتتفكك سلسلة ذلك المنظر الرائع عند جسر المدفون. وفي الجبال المنتصبة حول ~~عين كفاع مغاور عديدة مفتحة الأشداق كحناجر المظلومين، أشهرها مغارة سيدة القطين ~~التي كانت ديرا للحبساء الأبرار في ذلك الزمان، ولا تزال آثاره قائمة في قلب ذلك ~~الصخر تلقي على الذين يبصرون دروسا وعبرا. # وأمام القرية - شرقا - ينبسط سهل صغير مقعر يسمونه (الوطا) كله أشجار زيتون ~~يتخللها تين وسفرجل وإجاص، وأدواح سنديان وعفص وبطم تتعرش عليها الكرمة، فتغني ~~الملاكين عن القلال. ويلتف الوطا - قبلة - حول القرية فيتصل غربا بواد يمتد حتى ~~يتصل بالنهر الشتوي الذي كأنما سموه المدفون لاختفائه بين الجبال حتى تكاد لا ~~تراه. # فعين كفاع كما رأيت جزيرة برية لا يدخلها قادم إلا من الجهة الشرقية فكأنها حصن ~~طبيعي، وبيت جرجس يوسف عبود زوج مارينا ثاني بيت تراه إذا دخلت القرية من بابها ~~الشرقي الشمالي، اشتراه جرجس ورممه فصار من بيوت القرية المعدودة، موقعه جميل، على ~~كتف الوطا. وكان جرجس ميسورا فأنفق عليه أموالا كثيرة فجدد شباب التوت - رحم الله ~~عهده - وأعد قسما لزراعة الدخان المثلثة الرحمات. # وما استراح جرجس من أعماله حتى تتالت عليه المصائب والبلايا، فلم ينعم طويلا ~~بهذا البيت فكأنما أعده ليموت فيه. توفاه الله فجأة صباح عيد الميلاد منذ سنين، بعد ~~وفاة ابنه يوسف الشاب بثلاثة أشهر، فترك زوجا أرملة لها بنون وبنات قاصرون ~~وقاصرات. # وكثيرا ما علل الناس - في القرية وجوارها - مصائب جرجس ونكباته، فعدوها من عجائب ~~العذراء - عليها السلام - فبيت جرجس وما يتبعها من عقار ms011 كان وقفا لها فاشتراه من ~~بكركي بمئات الليرات الصفراء الرنانة. # السيدة (ضيقة) يقول أهل القرية، فكم أماتت من أبقار وغنم ومعزى وحمير رعت العشب ~~من أرضها، وسركيس الكريدي مات محروقا؛ لأنه كان يزعج وكيل وقفها - الخوري يوسف ~~مسرح - ويطالبه باسترداد عقار أبيه وجده الذي اغتصبه الوكيل المذكور وضمه لأملاك ~~السيدة. # أجل لقد نكبت سيدة البياض قرية عين كفاع الهادئة بمصائب جمة، منذ وطئت أرضها ~~أقدام هذا الخوري، لقد أقلقها في حياته، وأزعجها في مماته، فنكبة مارينا الأرملة ~~التي ترى، من مآثر هذا الكاهن التي لا تحصى، فسجلات محاكم كسروان والبترون وبعبدا ~~على عهد المتصرفية حافلة بالدعاوى التي أقامها المحترم، على أهالي القرية، ولم ينج ~~منها إلا نفر. # عفاه رستم باشا بمرسوم خاص من الرسوم، فأخذ يقيم الدعاوى بلا روية، فتساق الناس ~~إلى دوائر الحكومة. وليس أبغض إلى القروي الهادئ المطمئن من رؤية جندي يبلغه دعوة ~~إلى محكمة. أما الخوري يوسف مسرح فماذا يهمه؟ فرسه عنده عليقها من كيس الوقف ~~ومرعاها زروع القرية، ومن يردها عن زرعه يزور غزير، وينام في (بيت خالته). وهكذا ~~قضى الخوري حياته بين كسروان والبترون وبعبدا وبتدين وبكركي وبيروت وحريصا؛ لأن ~~دعاويه كانت تتناول حتى رئيسه الروحي بطرك الموارنة، فلا تراه إلا على فرسه رائحا ~~جائيا على سيف البحر. وأخيرا ركب البحر ابن سبعين ليبلغ شكواه الحبر الأعظم بابا ~~روميه. # 2 # ما انسلخ جلد الليل وانشق الفجر حتى كان الحمار وعليه خرج من الجنفيص بباب ~~مارينا، وكان أولادها اليتامى يروحون ويجيئون واحدا إثر واحد، هذا يحمل الرداء، ~~وتلك الحذاء، وذاك كيسا وتلك صرة، والمكاري يحشو بها الخرج مراعيا التوازن بين ~~عينتيه، وكلما وضع قطعة هز رأسه أسفا. # وبعد هنيهة أطلت مارينا من البوابة بوجهها الكالح المجعد وقامتها الطويلة ~~النحيلة، عليها فسطان أسود بسيط طويل فضفاض مشدود على خصرها النحيل، فوقفت على عتبة ~~الباب كأنها تتذكر إذا كانت ناسية شيئا من عدة السفر، فما وقع بصرها على المقبرة ~~حتى صرخت بملء فيها: على من تركتني يا جرجس. ms012 قم وانظر مارينا على طرقات البحر، من ~~يعول اليتامى يا جرجس، من يفض المشاكل يا جرجس، يا ويلي أنا امرأة أرملة مسكينة ~~كلمتي غير مسموعة. من يخلصني يا ناس، من يخلصني. يا يوسف، قم وانظر أمك كيف صارت، ~~الله يبلي الذين بلوني، يا ضيعان التعب! عشرين سنة في أميركا قضيناها حتى نرتاح في ~~آخرتنا، أين الراحة، اشترينا الهم والتعب. راح المال والرجال، راح المال والرجال يا ~~حسرتاه، يا ذلي! # فجاء أهل القرية جرد العصا على هذا الصراخ الشاذ - وفي القرى يستيقظون باكرا - ~~والتموا على صراخ مارينا الذي لم يسمعوا مثله إلا يوم أصيب ابنها يوسف الشاب بنوبة ~~أخذته، ويوم مات زوجها جرجس فجأة بعد ولده يوسف بثلاثة شهور. # فرأوا مارينا مصروعة فتجمعوا عليها يسعفونها. ودواء من يغمى عليه في القرى رقعة ~~تحرق، فأفاقت مارينا وهي تردد: يا عذرا، يا عذرا، يا عذرا، الله ينتقم منك يا ~~... # فأخذ الناس يهدئون ثورتها ويصبرونها على بلواها، وهي تفور كالقدر الهائج قاذفة ~~اللعنات بالمئات والألوف من قلب مقروح، ولما شفت نفسها همدت فقال لها المكاري: قومي ~~يا مارينا، تعالي يا ست، الله يرضى عليك. النهار شبر، لا نصل إلى جبيل قبل غدا ~~الرهبان. عجلي قومي راحت الغدوة. أيش ينفع الصراخ هنا، صرخي عند سيدنا البطرك. الله ~~معك، يا الله قومي. # فما فاه المكاري بكلمة سيدنا حتى ازرق وجه مارينا وفاض على لسانها ما امتلأ به ~~قلبها، وأعادت الكرة فامتلأ الجو سبابا وشتائم. # وكان بين الناس شيخ جليل يتعكز على عصاه، في قلبه إيمان كثير، ووجهه طافح بالطاعة ~~المارونية، فغاظه ما سمع، فقال لمارينا: اسكتي يا بنت، لا تسبي الرؤساء. # فأقبلت عليه مارينا وانطرحت أمامه على الأرض صارخة: حقي يا عمي، حقي، حقي ضاع يا ~~عمي جناديوس. # فتغرغرت عينا ذلك الشيخ، وبعد أخذ ورد، أقنعوها فركبت الحمار دامعة، فالتفت الشيخ ~~بالحاضرين وقال: ما هذه الأيام التي وصلنا إليها؟! # وتوقع الجمهور أن يقول جناديوس أكثر من هذا فلم يزد، وسار في طريق بيته. # فما تقدمت مارينا ms013 بضع خطوات حتى قاقت الدجاجة، فصاحت: هش ... ولوت عنقها صوب بيتها ~~توصي أولادها بالانتباه للدجاجات والبسة والخروف، ثم أدارت وجهها صوب الشمال توصي ~~ابنتها رشيدة لتنام مع أخوتها، إذا لم ترجع مارينا من سفرتها في تلك الليلة، وسارت ~~تبكي. # وبعد خطوات أخرى أوقفت الحمار ولم تلتفت؛ لأنه صعب المراس ثم صاحت: يا رنسية، ~~بيعوا الدخان إذا جاء الحواط، ولا تخلوه ينقيه. # وما بلغت الوطا حتى صاحت: أوخ، نسيت الأوراق بالبيت، حنا بحياتك ارجع عني أو ~~انتظرني، فعاد حنا يتذمر من رفقة النسوان، وجلب الصكوك وكل أوراق المرحوم جرجس، ~~ولحق بمارينا في منتصف الوطا. # وكانت مارينا قد انضمت إلى بعض مكارين ذاهبين إلى جبيل بندر تلك الناحية، فأخذت ~~تقص عليهم أخباره وتحدثهم عن مصائبها وبلاياها، مفتخرة على أيوب، وهي لا تدري من ~~تلوم، وأخيرا أطلقت قنبلتها فأصابت شظاياها الجميع - من مارون إلى خليفته الجالس ~~على كرسي أنطاكية. # وفيما هي مشغولة بالحديث أرخت من رسن الحمار، فسك بها فصاح المكارون بصوت واحد: ~~مارشليطا، مارشليطا! # فما هوت مارينا إلى الأرض، واستوى الحمار وتابع سيره، ومضت مارينا في حديثها كأن ~~لم يحدث شيء مما كان، والتفتت بالمكارين فإذا هم يضحكون وأيديهم على أفواههم، فكظمت ~~غيظها، ولم تقل كلمة بل تنهدت طويلا. # 3 # ركبت السيارة من جبيل بعد ما بدلت، ورافقها أخوها زخيا في هذه الرحلة، فما ~~تحركت السيارة حتى رسمت مارينا على وجهها إشارة الصليب وتوكلت على الرب ~~يسوع. # وبعد مسير مائتي متر أطل تمثال سيدة مرتين فصلبت مارينا يدها على وجهها وصلت ~~الأبانا والسلام، ثم قالت: سفرة موفقة يا ستي السيدة، لك مني كعب زيتون في وطاعين ~~كفاع نذر حلال زلال. # والتفتت إلى زخيا وقالت: ما قولتك يا زخيا، هل تتحنن قلوبهم هذه المرة أم يصيبنا ~~مثل كل مرة؟ # وانقطعت عن حديثها فجأة؛ لأنها واجهت هيكلا آخر هو كنيسة مار زخيا، فمار زخيا ~~شفيع الغرقى، ومارينا غارقة في بحر هائج، فبسملت وصلت كالعادة، الأبانا والسلام، ~~ثم قالت لأخيها: قرفت الصلاة يا زخيا، ما ms014 رأيك بسفرتنا هذه المرة: فهز زخيا رأسه ~~وقال لها: أنا نبي؟! التدبير عند الله يا أختي. # وأخذا في الحديث ورفيقهما الراهب يسترق حديثهما ولا يفوه بكلمة بل كان يهز رأسه ~~حينا بعد حين، ويسرح بصره في البحر المعرورف، تارة يفتل شاربيه وطورا يمشط لحيته ~~بأصابعه، ولشد ما كان دهش الراهب عندما استوقفت مارينا السائق بعجلة غريبة، فوقف ~~بغتة. فصاح الراهب: أيش بك يا بنتي! # فقالت مارينا: مار ضومط يا محترم، أنا ناذرة أن أصلي راكعة أمام صورته، ربي ~~ألهمني أن مار ضومط يساعدني، ولمار ضومط فضل على زوجي شفاه من (العصبي). # وانبطحت مارينا أمام صورة مار ضومط على السكة تصلي بعين دامعة وقلب جريح، ثم ناجت ~~مار ضومط بصوت مسموع: بحياتك يا مار ضومط، كملها معنا، ولك مني ما تريد، وانحنت ~~فقبلت عتبة صومعته الصغيرة، وألقت فلسها في صندوق النذور وعادت إلى السيارة، فقال ~~السائق: خلصنا يا ست؟ فأجابته: إن كان الله قبل، سق. # فتحول الراهب من السيارة بعد أن قال لمارينا: رزقك الله حسب نيتك يا بنتي، ثم فتح ~~صندوقة النذر وأخذ ما بها وحاسب السائق ووضع ما بقي في جيبه، وقال: وفقكم ~~الله. # وسار صعدا إلى مار ضومط القريب من الصومعة، فهو رئيس ذاك الدير الذي يجترح قديسه ~~العجائب، فهو اختصاصي بمرض العصبي، اختصاص مار شليطا بالبهائم، وقزحيا بالمجانين، ~~واستأنف السائق السير. أما زخيا فظل يتبع الراهب بنظره حتى دخل الدير، فهز رأسه ~~وتنهد. وبعد بضع دقائق أطل تمثال سيدة حريصا العظيم فقال زخيا لأخته: سيدة حريصا يا ~~أختي! # فقالت مارينا: يه! وبسملت بعجلة وصلت صلاة غير خفيفة. # 4 # وصلت مارينا وأخوها زخيا قصرا عاليا يشرف على البحر تكتنفه أشجار الصنوبر، ~~وأجراس قبته المثلثة تقرع كلها، فسأل زخيا عن السبب فأجيب: عيد جلوس سيد القصر ~~المغبوط فلم ترق لمارينا هذه الصدفة، وعند تحولهما من السيارة في ساحة القصر التقيا ~~بكاهن كهل قصير القامة بدين، نظارتاه سوداوان، فتقدمت منه مارينا وحيته قائلة: ~~المجد لله يا معلمي. # فأجابها: دائما لله ms015 يا بنتي. وفيما هي تقبل يده قال لها: كيف حالك، وكيف حال ~~أولادك؟ فأجابت بانكسار: بخير، بصلاتك ودعاك يا محترم. # أما زخيا فسلم على الخوري هازا يده، وكان بينهم ثلاثتهم حديث ثم تفرقوا. # وتقدمت مارينا من البوابة تريد الدخول فمنعها البواب قائلا: لا إذن لكم اليوم، ~~اليوم عندنا مندوبو الحكومات ورؤساؤها وأعيان البلاد ووجوهها. قالوا لك أمس ما ~~قالوه، فماذا تريدين منهم اليوم؟ فأجابت مارينا: أريد إما مالي، وإما عقاري. أطلب ~~حقي. ~~- لا إذن اليوم. ~~- مالي هنا، حقي عندكم. ~~- قلت لك: لا إذن، روحي إلى المحكمة. # فأدهش زخيا ما رأى، فوقف مسبوعا، ثم اقتحم الباب حتى كاد يشاجر البواب، فخافت ~~مارينا لما رأت الشر في عيني أخيها، فتعلقت بردائه وأخذته وابتعدت مرددة: مليح، ~~مليح. # أما البواب فهز رأسه وأقفل البوابة. # وظل زخيا يتمشى ذهابا وإيابا، أما مارينا فوقفت إلى جدار الكنيسة تسمع القداس ~~من وراء الحائط كأنها يهودية إزاء جدار الهيكل في أورشليم. # وبينما كان الشمامسة يرتلون في الداخل: مستعد قلبي يا رب ... # كانت مارينا تتمتم في الخارج: اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا كما نحن نغفر لمن أخطأ ~~إلينا ولكن نجنا من الشرير. # 5 # كان القداس (احتفاليا صارخا)، شمامسة يسبحون وكهنة يترنمون وأحبار يرتلون. ~~ألفاظ خليط من السريانية والعربية، واهتزازات أصوات لا يقام لها وزن، فلا يسمع من ~~الخارج إلا دندنة، ولا يفهم من كل ما يقولون إلا الخاتمة - هللويا ~~كيرياليسون. # وأجالت مارينا يدها فأخرجت من عبها سبحتها الطويلة (الوردية) والتصقت بجدار ~~الهيكل جهدها لتدنو من المذبح ويفي قداسها. # ومضت ساعة على انتصابها فأعياها التعب، فقرفصت ووجهها للحائط. ومرت ساعة ثانية ~~ولما تنته (الرتبة والقداس) فرنق النوم في عينيها، فبدت لما بها من يأس، كالنمرة ~~الهامدة. أما أخوها زخيا فجلس على صفة تجاه البوابة، يرقب النوافذ عله يرى من يعلمه ~~إذا كانت مقابلة غبطته ممكنة. وبعد انتظار طويل لمح كاهنا يعرف وجهه، فجرأه عليه ~~ما ذكره من حديثه مرة عن قضية أخته، فهذا الكاهن قال مرة: إن مارينا تطلب حقا ~~صراحا ms016 لا صدقة، فتقابل بعنف وتطرد ، وقضيتها قضية وقف وأيتام وأرملة، كلها منوطة ~~بذلك المقام لا سواه. # فسأله زخيا عن (المواجهة)، فهز الكاهن كتفيه، ثم فكر قليلا وأجاب: لا أظن. ثم ~~تحول عنه، فانتقل زخيا مغيظا ودنا من أخته مارينا فسمعها تغمغم كمن في حلم، فتردد ~~في إيقاظها إلا أن الضجر والسأم حركا يده فهز أخته فصرخت: بحياتك يا سيدنا. # استيقظت مارينا مضنوكة كمن أفاق من غيبوبة، وأخذت تفرك عينيها متنهدة، فما صدقت ~~أنها ترى أمامها أخاها زخيا، وما هدأ روعها حتى قصت عليه حلمها الرهيب، وإليكه ~~ملخصا: رأت البطريرك الحويك، ودار بينها وبينه حديث (قضيتها)، فخبرته أن المحكمة ~~أزالت يدها عن العقار وهي لا تدري إلى من تلتجي. وبعد حديث غير قصير توارى البطريرك ~~إلياس عن نظرها في الضباب. ورأت مارينا أنها في الكنيسة بين المصلين وراء غبطة ~~البطريرك، وبعد هنيهة رأت شخصا عملاقا ضخم الجثة، عبوسا، عريض الجبهة مجعدها، ~~أنفه مروس معقوف كمنقار الطير، مرتخي الشاربين، معتدل اللحية، قليل الشعر تحت ~~العثنون، يلبس رداء مقورا عند العنق، لا ياقة له، قصير الأكمام يبدو منه الذراعان، ~~وهو مزنر بقد، وفوق الرداء جبة فضفاضة، والدم يتفجر من وسطه كأنه نبع غزير ~~يتدفق. # خرج هذا الشيخ الجبار من (السكرستيا) كأنه حاف، وتنهد وتأفف فأطفأت زفرته الشمع ~~ثم انقلبت الشماعدين، وارتجفت الأيقونات، وتحرك الصليب، فذعر الجميع أيما ذعر. ~~انشلت حركة الطقسيات وابتعد الناس عن الخورس، وتألبوا على بعضهم في صحن الكنيسة ~~كقطيع غنم جافل، وهرب الذين استطاعوا، يدفع بعضهم بعضا، وعلا الصراخ وارتجف الشيوخ ~~كأنما أصابتهم البرداء. # أما الشيخ الراعب، فسدد يده إلى المتقدمين في الأخوة، وقال لهم كلمات قليلة جدا ~~تذكرت مارينا أنها سمعتها يوم الأحد في كنيسة الضيعة، عندما تلا إبراهيم ملحم الريش ~~قربان، فخالت أن الكنيسة تقضقض لتنهدم فخافت جدا، فإذا بالبطريرك إلياس يلوح لها ~~من بعيد ويصرخ بها: لا تخافي. # فصاحت مارينا بكل قواها: بحياتك يا سيدنا. # وانقطع خيط حلمها كما تقدم عندما أيقظها أخوها زخيا. # فشبك زخيا يده ms017 بيد أخته وقال لها: لا نتيجة لنا هنا يا أختي، لم يبق قدامنا إلا ~~رومية إذا أردت، الحقائق لا تصح فكيف الأحلام؟! # فصاحت مارينا: رومية! إذا كان مع أبناء العرب مثلي لم أسلك، فكيف مع الطليان. يا ~~الله، يا الله. # ثم سارت مع أخيها تولول قاذفة الدعوات الخيرية، ولما صارت بين يدي بيوت غادير ~~وحارة صخر أسكتها أخوها زخيا. # 6 # رجعت إلى جبيل مع أخيها فرأت كاهنا تعهده يعبر الرؤى، فتذكرت حلمها المزعج وقصته ~~عليه، فسمعه المحترم بكل إصغاء، ولما انتهت ألقى عليها أسئلة كثيرة يسألها غالبا ~~معبرو الأحلام. وبعد تفكير هنيهة خالتها مارينا دهرا غرز الخوري يوسف الزناتي ~~أصابعه في لحيته طويلا، فلاحت ثناياه من بين شفتيه المقلصتين، ثم انتزعها وتنهد ~~كمن أثقل صدره وضيق نفسه هم ثقيل وقال: أما الشيخ الكبير يا بنتي فهو النبي ~~أشعيا يهددنا بالويل كما تهدد ملوك وأحبار بني إسرائيل. وأما الكلام الذي سمعته ~~فأظنه هذا: (ويل للذين يشترعون شرائع الظلم، والذين يكتبون كتابة الجور ليحرفوا حكم ~~المساكين ويسلبوا حق بائسي شعبي، لتكون الأرامل مغنما لهم وينهبوا ~~اليتامى). # فصاحت مارينا وقد تذكرت تلك الكلمات. ~~- نعم نعم، أنت نبي يا محترم، والنتيجة؟ # فرد الكاهن هازئا آسفا: النتيجة، النتيجة، النتيجة يا بنتي عيب علينا. صلي ~~للعذراء مريم واشركي نيتك مع نية الكنيسة. قدامنا احتلال روماني، والطوفان قريب، ~~الله ينجينا. # وانصرف الكاهن. وخابت مارينا في حلمها خيبتها في يقظتها، ثم تغلغلت بسوق ~~جبيل. # | ركبوه العجل # - ما أكبرها مصيبة يا أم سليم. # منصور أول فلاح خبير بتنقية الأشجار، كأنه تعلمها في مدرسة. يبني الحيط علو ثلاث ~~قامات وطول يوم الجوع كأنه مخطوط بالميل. إذا دخل القرش عبه لا يقدر أحد أن يخرجه منه. ~~حبس مؤبد. أمس طلب منه أخوه خمسة قروش فقامت قيامته. كان جوابه: من يكسر حق الفدان! حق ~~الفدان مثل مال الوقف، لا تقربوا صوبه. # فأجابتها أم سليم: هنيئا لك يا أم منصور. ولد ممتاز، يسوى ألف تلميذ مدرسة مثل ~~ابننا. ابننا لا يهمه إلا صقل ms018 شعره وفرقه يمينا وشمالا، يقف قبالة المرآة ساعة، ~~ساعتين، والله يعلم متى ينتهي. إذا قلت له انقل الخروف من الشمس نظر إلي نظرة تفزع. ~~كأنه يريد أن يأكلني بعينيه. # وبعد أن دقت على ظهر جارتها أم منصور دقات عنيفة صاحت بها: طيبي خاطرك يا أختي، ابنك ~~ممتاز. جده ما كان متعلما وأملاكه نصف الضيعة. لا تتأسفي على العلم. ~~- ولكنه من ناحية ثانية يا أم سليم، يضحك عليه أصغر ولد. يصدق كل ما يقوله له. أعلمه ~~كل يوم ولا يتعلم. صدقيني، إذا قلت لك: فكري يرافقه أينما راح. أخاف عليه من أولاد ~~الحرام. # فقالت أم سليم: ما دام لا يفرط بقرش فخوفك في غير محله. # فتنهدت أم منصور وقالت: وضحك الناس يا مستورة! راح الخنوص وجاء الخنوص. # وما فتحت أم سليم فمها لتجيب حتى كان أبو منصور منتصبا بالباب كالمارد يردد حديث ~~زوجته، مقلدا نبرة صوتها وحركاتها قائلا: وضحك الناس يا مستورة. راح الخنوص وجاء ~~الخنوص. الخنوص مستغن عن الكبير والصغير. اشكري ربك، عندك إبراهيم يسطو على طابور، ~~وعندك خليل ينزع الدبس عن الطحينة. وعندك جميل مثل البدر. أم منصور يا أم سليم، تريد ~~أولادها مثل بعضهم، والناس لا تكون شغل فبركة. إذا كان منصور لا يصلح للديوان، فهو أكبر ~~معلم في سوق الفدان والبيت يلزمه كل شيء. # فتنهدت الأم وقالت: منصور مصمم على الرواح وحده لمشترى الفدان. # فصاح أبو منصور: من غير شر. يروح ويرجع مثل السبع. ~~- أقنعه حتى تروح معه. ~~- إذا ترجاني وباسها - وأشار إلى يده - وجها وقفا، رحت معه، وإلا فليذهب وحده. أهي ~~سفرة إلى أميركا. يعرف الناس والناس تعرفه. ~~- وهنا البلية يا رجل. خف ربك. ~~- ومتى مت من يروح معه؟! اتركيه، الإنسان لا يتعلم إلا من كيسه. # وبينما كانت الأم والجارة والأب يتحاورون كان منصور على المصطبة قدام الباب سابحا في ~~أحلام الشعراء يتأمل البقر تحرث الحقول ويتفتت قلبه حسرات، ندم لأنه كسر فدانه، ولم تقع ~~عينه بعد على عجل يماشي البقرة الباقية عنده. جمع قواه العقلية ms019 وأخذ يقلب المشكلة على ~~جميع وجوهها ، فما وجد أمامه إلا حلين: إما أن يبيع البقرة ويشتري زوجا ملائما، أو أن ~~يفتش أيضا فلعله يجد. فتأفف وقال: تأخرنا، فات الفوت. أملاك الضيعة كلها تضحك وكرومنا ~~معبسة. لا يضحك الأرض غير السكة. خيرات البشر على أكتاف البقر. طغاني الشيطان وكسرت ~~فداني. الحق كله على خالي. ثم حرق على أنيابه وأعاد العبارة شادا على كل كلمة: كل ~~الحق على خالي. # ودخل البيت فإذا بوالده يقول له: أمس كان الحق على عمك واليوم على خالك، وغدا على ~~من؟ # لم يجب منصور على تهكم والده، ولكنه قال لأمه: اليوم عملت مثلما قلت لي. # فتمتمت الأم: مصيبة. مصيبة جديدة. خير إن شاء الله. هات خبرنا. # فقال منصور: كنت مقيلا تحت الزيتونة الكبيرة في الوطا وكلبنا بارود نائم حدي. وجاء ~~(كبر عقلك) أي الناطور. ~~- مرحبا منصور. ~~- مرحبا عمي فنيانوس. أهلا وسهلا. تفضل. تفضل. # وما استراح ومسح عرقه حتى قال: يا بارك الله، خروفك سمن. # فقلت له: أي خروف؟ فأشار إلى الكلب وقال: هذا. # قلت له: هذا خروف يا عمي فنيانوس! # فقال: كبر عقلك يا منصور. يا حيف عليك، لا تعرف الخروف. # فقلت له: هذا كلبنا بارود، وأنا ربيته جروا. # فقال: كبر عقلك. ماذا يقول الناس إذا عرفوا أنك تخلط بين الكلب والخروف؟! # فحرت في أمري وكدت أصدق ولكني تذكرت كلمتك: لا تصدق قبلما تجرب. فقلت لفنيانوس: وهذي ~~الأذن أذن أيش؟ # فأجاب: والو، أذن غنم. ~~- وهذا الناب؟ ~~- ناب غنم. ~~- وهذا الصوف. ~~- فهز رأسه وقال: صوف غنم. كبر عقلك. # ولما ضاقت حيلتي أمسكت بذنب الكلب فكشر عن أنيابه، فقلت له: وهذا الذنب ذنب ~~أيش. # فقال لي: ذنب غنم يا منصور، قلت لك كبر عقلك. # ولما عجزت عن إقناعه وكدت أنا أصدق أنه غنم، قلت في نفسي، ما بقي إلا حجر واحد، اضربه ~~يا ولد في الجوزة. وكأن فنيانوس فطن للعبة، فوقف ينفض ما علق من التراب بذيل شرواله ~~استعدادا للذهاب، وما خطا خطوتين حتى صحت بالكلب: امسكه بارود. وأخذ ms020 (كبر عقلك) يركض ~~والكلب يركض، وأنا أصرخ: كبر عقلك لا تهرب هذا خروف. # يا ليتك كنت حاضرة. كانت ضحكة لمن يضحك. فضحكت الأم بملء فيها، وقد أعجبها انتصار ~~ابنها، وتضاحك الأب. وقد ارتاح إلى تقهقر فنيانوس أمام ابنه منصور، فقال لزوجه: تهنيك ~~السلامة. لا يهمك شيء. ما على قلب منصور شر إذا راح وحده ليشتري العجل. # وعصاري ذلك النهار بارح منصور البيت متوكئا على عصا زعرور ذات عقد كان يسميها عصا ~~الكلاب. وشرع منذ خرج من الضيعة يسأل كل فلاح يمر به عن عجل علوه كذا وصفته كذا. وكل ~~فلاح يرشده إلى ما رأى وشاهد. # المهمة صعبة فقلما يبيع فلاح ثوره في بدء الربيع. لا يباع إلا العجل الذي فيه عيب، ~~وهذا ما لا يريده منصور فأخذ يردد في طريقه: بعنا عجلنا لأنه ينفخ على الأولاد الصغار ~~فمن يدرينا أننا لا نشتري عجلا ينطح الكبار. حقيقة أن مسألة شراء العجول مسألة ~~دقيقة. # ووقف هنيهة يتأمل سوء المصير ويحسب للمستقبل ألف حساب. ثم مشى وهو يقول: الدنيا قسمة ~~ونصيب. امش يا صبي، ما أحلى ما يقدر الله. وبعد ساعات بلغ مفترق الطرق فتحير أين يذهب، ~~إلى جاج أم إلى مشمش. وبعد استراحة قليلة على العين أكل نقرة مما زودته به أمه، وحاول ~~أن يشرب فلم يستطع لأن قامته القصيرة جدا لا تكفي للانحاء فوق الجرن الكبير وبلوغ رأس ~~النبع، فالتفت يمنة ويسرة وإذ لم ير أحدا شرب من الحوض ومشى، فعلت نحنحة وقهقهة من أحد ~~البيوت فمشى ولم يلتفت. # ودخل قرية جاج قرب الغروب يسأل عن العجل المطلوب، فأراه السمسار عدة عجول، فأعجبه ~~واحد منها، ولكنه استغلاه فترك جاج قاصدا ترتج. # أما فلاحو جاج فقعدوا يتحدثون، فقال أحدهم: غدا يرجع صاحبنا ومعه عجل مخايل بطرس. ~~هذا مشتر وهذاك بياع. فلا أقل من أن نتسلى ونضحك. خسرنا البيعة، فلا أقل من أن نربح ~~السلوى. غدا الأحد، لا شغل ولا عمل، فكلما مر على واحد منا يحدثه عن العجل أنه حصان ~~ويبارك له ms021 فيه. # وقعدوا صباح الأحد ينتظرون عودة الخنوص، وإذا به مقبل قرب الظهر. يقود عجلا أسود ~~اللون ذا قرنين معقوفين في جبهته نكتة بيضاء. كان منصور يقوده معتزا معجبا بما اشترى ~~وكأنه يقود جوادا أصيلا لا عجل بقر. فحياه أول واحد ببرودة، وقال له: كنت قلت يا ~~شاطر: إنك طالب حصان كنا أريناك عشرين حصانا، وكلها أحسن من هذا. هذا حصان مخايل بطرس، ~~آه. فهز منصور برأسه ومشى، وما خطا بضع خطوات حتى وقف آخر في طريقه وصاح به: الله ~~يوفقك، حصان مخايل بطرس أصيل. ولكن فهمنا منك أنك تطلب عجلا لا حصانا. ما عليك لوم، ~~الإنسان يغير فكره عشرين مرة بالساعة. # فضحك منصور وتمشى. فإذا بامرأة تقول له: اركب يا شب، تقود الحصان وتمشي. ثم نبرت كمن ~~أفاق من غفلة وقالت: الحق معك، الركوب قلة احترام للضيعة. كلك لطف، مع السلامة. # وبلغ ساحة القرية فلقي رجالا كثيرين شيوخا وكهولا وشبانا فاستوقفوه. وتساقطت عليه ~~الأسئلة من كل فج، كل واحد يبدي رأيا. هذا يقول: لو كان اشترى حصان مرهج كان أرخص ~~وأحسن. وآخر: هذا نصيب. السر في التوفيق. وأخذوا يطوفون حول العجل، هذا يمتدح محاسنه ~~وهذاك يذكر بعض عيوبه، وأخيرا قالوا كلمتهم المعروفة: مسمار خيل أي وسط، وباركوا ~~لمنصور فيه من كل قلبهم فمضى في سبيله. # وتربصوا لمنصور في ظاهر القرية ليروا ماذا يفعل متى غاب عن الأبصار. أما منصور فطفق ~~يغربل أقوالهم فقال في نفسه: مستحيل أن يكذبوا كلهم. ووقف قليلا يتأمل العجل فقال في ~~نفسه: عجل جميل، نعم إنه مثل الحصان، أما أنه حصان فهذا بعيد. ثم مد يده إلى أحد قرنيه ~~وقال: ما رأيت بعد حصانا له قرون. # وإذا بشيخ من وراء الحيط يقول له: كم حصانا رأيت في حياتك، الخيل أشكال يا ابني، ~~إياك أن تنغش وتبيعه على أنه عجل. هذا حصان، مؤكد. الخيل تفلح مثل البقر. لا ~~تندم. # ومشى منصور على خيرة الله، وتذكر وصية الوالدة: لا تصدق ما لم تجرب فقال في نفسه: ~~ماذا نخسر ms022 إذا جربنا. # وتذكر حادثته الطريفة مع (كبر عقلك) الناطور فتجرأ وضحك. ومشى وهو يتلفت خلفه ليرى ~~إذا كان لا يراه أحد. ولما استوثق من الوحدة، قرب العجل من حائط على جانب الطريق ونط. ~~ولكن ما رؤي على ظهره حتى كان بين أرجله، وهو يعركه بقرونه. # وأقبل المتآمرون لمؤاساة ضحيتهم. وللقرى ما للدول صليب أحمر، فتفرقوا فرقا، هؤلاء ~~يسعفون منصور المهشم، وأولئك يركضون وراء العجل الشارد، إلا واحدا لم يأت عملا غير ~~وقوفه عند رأس الخنوص وقوله: الحق معه، هذا عجل، التجربة أكبر برهان. # | وعظة بونا اسطفان # فغال قرية لاطية في لحف جبل، تنظر إليها من عين كفاع فلا ترى إلا قبة كنيستها الشامخة ~~- اليوم - كأنها أصبع جبارة تومئ بها إلى الأعالي. أما بيوت القرية فمستكنة في ظلال ~~الأشجار صيفا شتاء، ولعلها القرية اللبنانية الوحيدة التي لا ترى بيوتها الشمس بالمرة ~~حين يقصر عمر النهار. # ولو درجت العادة أن تعطى قرية الوسام الزراعي لاستحقت قرية فغال أرفع النياشين. إنها ~~غزيرة المياه، فكأن عيونها أنداء تدر للقرية خيرات كثيرة، وتنعش أشجارها المتلازة فتعيش ~~متعانقة متآخية لا تعرف الانقسام الطائفي، فاللوزة تعانق التينة والزيتونة حد المشمشة. ~~والتوت - رحم الله أيام التوت - قائم بين هذه كلها. والبحر ترقص أمواجه قبالة الضيعة، ~~فتضاحكها راضية، وتتوعدها وتهاجمها من بعيد، غاضبة. # إذا سرت في هذه الضيعة الغابة تلتبس عليك الطريق، ولا ترى بيتا من بيوتها المظللة ~~بالأشجار المختلفة حتى تطأ عتبته. أهل قرية فغال عاملون قانعون يتقون الله، شعارهم: على ~~قد بساطك مد رجليك لا ينفقون فوق طاقتهم. فأكره ما يكرهون الدين، ولذلك تراهم دائنين ~~لا مديونين. يحبون الأرض ويتكلون على كرمها فيحرثونها ويسقونها من الينابيع المتفجرة من ~~صدر الجبل النائمة قريتهم في حضنه، ومن يتكل على الأرض لا يبتعد عن خالقها. # إنهم ككل أبناء القرى يتكلون على السماء فإذا لم تمطر رفعوا إليها أبصارهم واستسقوها ~~مصلين مبتهلين. إن بدعة المطر الاصطناعي لم تعث بينهم ولو حدثتهم عنه لأجابوك: لا نريده ~~غصبا عن الله. أما السياسة فلها ms023 أخصاء يسمونهم زعماء. فهؤلاء يروحون ويجيئون ويعيشون ~~على هامش المدينة ليكونوا سفراء القرية. وهم يسمونهم لبطالتهم مهندسي طرقات. وقد يبطر ~~واحد من هؤلاء ويطغى فيستحيل حاكما بأمره إذا تعرف بأصحاب النفوذ. يتقرب من المسئولين ~~ليستبد بالأهلين المساكين. والزعامة عند هؤلاء محل قومسيون نقال، وغالبا ما تكون في ~~ذلك الزمان، في بيت خوري الضيغة؛ لأن تحت جبة كل أكليريكي، كبيرا كان أم صغيرا، ~~حاكما مستبدا. # وإذا تغلغلت في قرية فغال بدا لك في رأس الضيعة بيت ضخم بالنسبة إلى البيوت الأخرى ~~المتواضعة. فهو مؤلف من ثلاث غرف قائمة لصق بيت طويل عريض، ينام سقفه الخشبي على قناطر ~~معمدة. في هذا البيت الواسع يسهر جمهور القرية شاتين مصطلين بناره التي لا تطفأ؛ لأن في ~~هذا البيت تنام قفة عظام ليلا نهارا. عجوز تسعينية عقلها وحواسها كاملة وإن كانت ~~ملامحها غير قابلة للوصف. # أما الغرف فواحدة يسمونها الصالون وإن كانت لا تتسع لعشرة أشخاص، والثانية لمنامة ~~الخوري البتول وحده. وهذا الخوري مديد القامة كبير الهامة لا يقل تكعيب هيكله عن ثلاثة ~~أذرع معمارية. لا يتزنر على خصره بل تحت إبطيه؛ لأن كرشه يحتاج إلى حبل جمل، وكان زناره ~~عرض أصبعين حتى لا ينطوي فوق كرشه. # كانت تنام مع هللون العجوز بنت بنتها، الست لوسيا الأرملة الشابة. وكانت تداعب جدتها ~~ولا تبالي بزواجر أمها. وكانت الجدة تحب هذه البنت حبا جما رغم شيطنتها، وتستجيب ~~لأكثر رغباتها. فأقبلت البنية على جدتها تطلب منها حكاية المساء كما عودتها كل ليلة، ~~فقعدت البنت على حافة فراش ستها وأصغت تنتظر الحكاية العتيدة. # ولكن هللون كانت مضطربة تفكر بعواقبها الأربع: الموت والدينونة، والجحيم والنعيم. ~~وفيما هي منتظرة وصول الواعظ الشهير الأب اسطفان البنتاعلي، فنادت بأعلى صوتها المرتجف: ~~يا خوري بطرس، وأين صار بونا اسطفان؟ # وشخصت عينا هللون إلى الباب؛ لأنها كانت تستدل على مجيء الخوري بطرس من العتمة التي ~~تسبقه وتنتشر رويدا رويدا ثم تسد الباب لأن الخوري كان عملاقا ضخما بلا جبة فكيف به ~~إذا تثقل في كانون. ms024 وبعد هنيهة دخل الخوري ليقول: أبونا اسطفان صار في عين كفاع. واليوم ~~ختم الرياضة. والليلة يكون عندنا افحصي ضميرك جيدا. # فقالت هللون: يهمني أن أسمع وعظته أولا، وبعد ذلك أفحص ضميري وأعترف وأتناول. # فقال الخوري: أظن أنك عارفة أن الليلة ليلة البربارة. ~~- وكيف! معلوم عارفة. # فطوقت كاترين عنق ستها وقالت بغنج صبياني بريء: فإذن يا ستي احكي لي حكاية ~~البربارة. ~~- تكرم عيونك ولكن بشرطين: أولا أن تقولي سيرة القديسة بربارة، وثانيا أن تتلثمي ~~لأن بربارة كانت قديسة، ولا يجوز أن تسمعي سيرتها وشعرك منبوش مثل الجنية. اسم الصليب ~~وذكر الصلبان. # فأخذت البنت تتلثم وتتوقر، وتترصن، وأرهفت أذنيها للسمع، وبدأت هللون بقصة القديسة ~~بربارة. وغادر الخوري المكان. # والتفتت البنت إلى ستها مستغربة خروج عمها الخوري حين بدأت ستها بالحكاية القديسة، ~~فقالت العجوز: عمك يا بنتي سمعها في السنكسار أربعين خمسين مرة. ما لك وما له، اسمعي ~~أنت. # بربارة يا بنتي قديسة كبيرة ولها أعظم إكرام في الكنيسة. أبوها وثني اسمه ديو سقوروس. ~~كان يحبها جدا لطباعها الكريمة وجمالها. رباها في حصن منفرد حتى لا تقع عليها عيون ~~الرجال. # فقالت البنت: وكيف قدرت عاشت، وحدها، يا ستي؟ # فقالت الجدة: عاشت وحدها لأنها ما كانت مثل بنات اليوم. وفي الحصن أخذت تتأمل في ~~الدنيا وشكت بآلهة أبيها وآمنت بالمسيح له المجد. # فقالت البنت: قلت يا ستي: إنه رباها وحيدة في حصن، فمن دلها على المسيح؟ ~~- إلهام رباني. تقبريني يا شاطرة! بس اسكتي ولا تقاطعيني. ولما بلغت، أراد أبوها أن ~~يزوجها بأمير من أمراء البلد فرفضت، وطلبت منه أن يبني لها حماما فبناه وأمر أن تفتح ~~فيه طاقتان، فأشارت هي أن تفتح فيه ثلاث. # وقالت البنت: ما الفرق بين الثنتين والثلاث طاقات؟ # فأجابت هللون: على اسم الثالوث يا بنتي، لا تكثري السؤالات. القصة طويلة حتى نخلصها ~~قبل وصول بونا اسطفان والهيلجي: رسمت القديسة بربارة إشارة الصليب على عمود رخام ~~بالحمام فأثرت أصابعها به، وظل رسم الصليب عليه. ثم أخذت تكسر أصنام والدها وتبزق ~~عليها. ms025 ودرى أبوها بعملها فهب ليفتك بها بسيفه، فهربت من وجهه وركض خلفها. وكانت في ~~الطريق صخرة تسدها فانشقت الصخرة حتى مرقت بربارة ثم عادت الصخرة إلى حالها كأنها لم ~~تنشق. # فابتسمت الصبية كاترين ولحظت العجوز ذلك فقالت لحفيدتها: آمني يا ابنتي، لا تشكي ~~بعجائب الله. ثم تابعت سرد حكايتها: ودار أبوها الدورة فوجد بعد التفتيش أن بنته بربارة ~~مختبئة في مغارة فضربها بقساوة وجرها بشعر رأسها إلى بيته. ثم قادها إلى الحاكم، ولكن ~~الحاكم لاطفها لأنها أعجبته. ووعدها وعودا كثيرة إذا كفرت بالمسيح وسجدت للأصنام. فلم ~~ترض لا بكثير ولا بقليل. ولما عجز الحاكم عن ردها إلى دينه، وهو دين أبيها، أصدر أمره ~~بتعذيبها. فجلدوا جسدها الطاهر فامتلأ جراحات. # وأجهشت البنت للبكاء فقالت جدتها: اصبري يجيئك الخبر. وألبسوا بربارة ثوبا من شعر، ~~وألقوها في حبس الدم فظهر لها المسيح وعزاها. وشفى جراحها. # فاطمأن قلب البنت كاترين حين شفيت بربارة. أما الجدة فقالت: وفي ثاني يوم قدمت للحاكم ~~فأمر أن يمزقوا جلدها بأمشاط حديدية، وأحرقوا خواصرها بشموع وقطعوا ثدييها. # فصرخت البنت، فجاء عمها الخوري وقال لهللون: لا تفزعي البنت بحكاية البربارة. # فقالت هللون: يه، أنت خوري ووكيل بطرك وتقول: لا تفزعي البنت بحكاية بربارة! أهي ~~حكاية يا خوري بطرس؟ # فاستحضكت كاترين وقالت هللون: ما وصل بونا اسطفان؟ # فقال الخوري: بونا اسطفان على الطريق. بحياتك لا تفزعي البنت. # فعقدت هللون نونتها وازداد وجهها تجعدا وقالت: لو كانت البنت في القداس ألا تسمع ~~السنكسار؟ أنا ما زدت ولا نقصت. والتفتت بكاترين وقالت: وصلنا عند قطعوا ثدييها وساقوها ~~عريانة في أسواق المدينة والجلادون يضربونها بالكرابيج، فابتهلت إلى الله فسترها بثوب ~~من نور فلم يعد أحد يبصر عريها. # وأخيرا حكم الحاكم مرسيانوس بقطع رأسها. فاستأذنه أبوها بذلك، فأخذها إلى الجبل ~~القريب وهناك قطع رأسها بيده. # فصاحت البنت: أما والد وحش. ديب كاسر. ستي، كيف حفظت السنكسار مثل كرج الماء! فصرت ~~هللون أصابع يدها إشارة الانتظار فأصغت البنت وقالت الجدة: وبينما كان الوالد القاسي ~~راجعا إلى ms026 بيته وثيابه مصبوغة بدم الشهيدة البتول ، أرعدت السماء بغتة وانقضت عليه ~~صاعقة ومات. وبعد أيام قليلة مات الحاكم فجأة. # فصاحت البنت: آهيك. وقالت هللون: ولذلك يصلي الناس للقديسة بربارة كيلا يموتوا بغتة ~~بلا اعتراف ومناولة. البربارة سلام الله على اسمها عجائبها كثيرة. منها أن رجلا كان ~~متعبدا لها، ولما احترق بيته وأحاطت به النار صرخ يا قديسة بربارة! فجاءت إليه حالا ~~وهو على آخر رمق فسترته بثوبها وحمته من النار، وظل حيا حتى اعترف وتناول ودهن بزيت ~~المسحة وفاضت روحه. # وما أنهت هللون حكاية بربارة حتى سمع حداء الغوغاء في القرية: # هيلجي برباره # والقمح بالكواره # فقالت هللون: سمعت يا بنتي هذا الاحتفال؟ هو تذكار طواف بربارة عريانة في شوارع ~~المدينة. واقترب الغناء ودخل المعيدون بيت الخوري وخلفهم صبيان القرية وشبابها، وهم ~~يصرخون: # هيلجي هيلجينا # أيش ما كان عندك عطينا # وتقدم (المسود) يرقص عند فراش هللون ويهتف: # شيحا فوق شيحا # صاحبة البيت مليحا # فصاحت هللون: أعطوهم وبحبحوا. # ودخل الخوري بطرس وهو يقول: عجلوا روحوا، جاء المحترم بونا اسطفان. لك البشارة يا ست ~~هللون! # فهتفت هللون: الله يبشرك بالخير، ويرزقك آخرة صالحة. # ودخل المحترم بونا اسطفان الصالون بقامته المربوعة يتغربل ويتدحرج كأنه برميل سنمورة. ~~لون وجهه أسود ولا يعرف من ثوبه إلا إذا تبسم. فلو كان علمانيا لكان (مسودا) بلا ~~صبغة. وعاد الخوري بطرس لاستقبال الواعظ في القاعة، ودار بينهما حديث هللون العجوز ~~وأنها تنتظر بحرارة، تريد أن تسمع وعظ بونا اسطفان. # فقال المحترم: وكيف نعظ امرأة بمفردها، وماذا أقول لها؟ # فقال الخوري بطرس: الكلام الذي يدور على لسانك. # فقال الأب اسطفان: قولوا لها تستعد. أنا حاضر. # فنادت هللون بنتها لوسيا لترتب فرشتها وتساعدها على الجلوس جلسة لائقة بكلام الله ~~وبكهنوت الواعظ الجليل. # وبعد هنيهة دخل المحترم البيت يتوكأ على عصاه الأبنوسية، وأعطى هللون يده فقبلتها، ثم ~~ابتدأت المعركة البتراء، وما قال حضرته: # حصاني كان دلال المنايا # فخاض غبارها وشرى وباعا # حتى ضربت هللون صدرها تلتمس شفاعة القديس الذي تخيلته. وكاد الخوري ms027 بطرس يقرض شفته ~~السفلى المندلقة من شدة العض عليها سترا للضحك، وتابع المحترم: # وسيفي كان في الهيجا طبيبا # يداوي رأس من يشكو الصداعا # فاشتد القرع وتحمست الشيخة وقد أخذتها بلاغة الوعظ، فقال لها خوري الرعية: توفي صدرك، ~~قتلت حالك يا بنت الحلال. ولما قال بونا اسطفان: # ولو أرسلت رمحي مع جبان # لكان بهيبتي يلقى السباعا # امتلأت هللون إيمانا، وظنت أنها إذا قالت للجبل انتقل ينتقل. واقعنسس المحترم وازداد ~~كرشه نتوءا حين رفع عقيرته وأنشد مسك الختام. # إذا التنين هرول من أمامي # يظن البحر باعا أو ذراعا # وكان يشد على هذه الكلمات: حصاني، وسيفي، ورمحي، والتنين. فرسم بذلك الصورة الواضحة ~~التي أراد طبعها في مخيلة هللون. واقترب من العجوز وصلى على رأسها متمنيا لها خلاص ~~نفسها. # وجاء حفيدها طانيوس شقيق كاترين يسأل جدته عن موضوع الوعظة فأجابته: والو! خمنتني ~~خرفت. من من القديسين راعي الحصان وحامل سيف، وناقل رمح وقاتل التنين غير مار جرجس! ~~يقبرني حصانه، وسيفه ورمحه. نسيت يا ابني أن صورته على الليرة الإنكليزية، خذ تفرج عليه ~~وحطها بعبك. # وهم طانيوس بإخبارها أن مار جرجسها هو عنتر عبس، فنكزه خوري الرعية الذي حضر تمثيل ~~الرواية المؤلمة فأمسك عن الكلام. وقال الخوري وهو يلملم أذيال جبته استعدادا للخروج: ~~إيمانك أحياك يا ست هللون. # فأجابته متهللة: الحمد لله، قبل الرب طلبتي فما مات قبلما سمعت كلام الله من بوز بونا ~~اسطفان. # فقال الخوري: حظك كبير. ثم خرج وهو يتمتم: الكنيسة القريبة لا تشفي. # | لا يسلم الشرف # قالت له جارته أم جميل، وهو عائد إلى بيته: سعيد! كنت سهران؟ # هاجته لهجتها. تذكر الخزية التي أخذ فيها زوجته مساء أمس، وخال أن أم جميل تعرض به. ~~وإلا فما معنى قولها: كنت سهران! ومن لا يسهر؟ ما هذي أول مرة أسهر فيها. أم جميل عارفة ~~إذن بخيانة زوجتي، إن شرفي الصريع يصيح بي: خذ بثأري. انتقم لي. ~~- لعينيك أيها الشرف الرفيع، لا أكون سعيد المهيار إن لم يرق على جوانبك الدم، قال ~~هذا وهو ms028 يلج باب بيته، ثم هرع إلى حيث ترقد زوجته، ويده على مسدسه. ~~••• # سعيد في العقد الرابع من عمره. رخو، عظيم البطن، تخال أنه حامل. وجهه منتفخ كالرغيف ~~السخن، وفي وسطه أنف كالفستقة عششت حواليه طفيليات مزرقة تكاد تطر: مربوع القامة، زاره ~~الشيب زيارة ضيف محتشم، ثم هاجمه بطبل وزمر، لسنة خلت، فحط رحاله في صدغيه وحاصر هناك. ~~إذا تطلعت إلى عينيه رأيت البؤبؤ الأسود يرقص رقصا موقعا في تلك اللجة الحمراء فتخال ~~أنك أمام حبة زعرور مسوسة. # كثيرا ما كان يتغنى سعيد بحلاوة فمه ويشبهه بالخاتم، ولكنه يقطع الحديث بغتة حين ~~يتذكر حاجبيه العريضين المتصافحين بحرارة عند سفح جبهته الضيقة. أما فكه الأعلى فنافر ~~يقفز بغنج إلى الأمام متنكرا بعض الشيء تحت شاربين هزيلين. # لبس القنباز في فجر حياته، ثم بدل به الحلة الفرنجية فتناسى ماضيه السعيد وأصبح يأنف ~~من التحدث عن زرعه وضرعه. وتعالى على لداته، فصار لا يطيق الجلوس معهم لأنهم متأخرون، ~~لا يعرفون رجال السياسة معرفته لهم. إنه يحب السياسة حبا بريئا، ويحدثك عن كبار ~~رجالها بلا كلفة، ولا ينسى أن يخص اللامعين منهم بكلمة ثناء باردة. وإذا ما انفرجت ~~شفتاك هزءا ظنك معجبا بحديثه، فيتنحنح ويبصق، ويومئ قائلا: اسقونا. حتى إذا شرب تلفت ~~يمينا وشمالا، وقال: هناكم الله. واستأنف حديثه بصوت كأنه مواء الهرة. # ويظل سعيد على هذه الحال يتحدث بحدة ويعيد كلمة: فقط، وإنما، وفهمت. ثم يقوم ويقعد، ~~ويفرك رأسه حتى يصوصي الكرسي تحته، ويستشهد في سبيل القيام بالواجب، وإذا ظن أنك تصغي ~~إليه انتفخ كالطاووس، وطفق يقص عليك ما اكتسبه من اختبارات في طوافه وتجواله. وإذا لم ~~تعره الاهتمام العنيف، تبرم بك وبالناس. # يستولي سعيد على المبادرة أين وجد، ولا يفلت خيط الحديث عن نفسه وعن آبائه وأجداده. ~~فأبوه حاتم، وجده جعفر، وخاله صمصامة العرب، فهو منسوب العم والخال ورث النبل والمروءة ~~من طرفيهما. أما العلم فلا يحسد أحدا عليه. وما العلم؟ لقد علمه الدهر ما لا تعلمه ~~عشرات المدارس في عشرات السنين، العلم ms029 اختبار وتجاريب. ثم تتسع حدقتاه ويقول لك: اسأل ~~إذا كنت لا تصدقني. # وسعيد، عدا هذه المميزات الحلوة، واثق بشجاعته رغم أنف من لا يصدق. ولا ينعته بالجبان ~~إلا من يحسده على مركزه الأدبي وتطوره الغريب في مراحل الحياة. # تزوج سعيد في الثلاثين من عمره، وعاش سنوات عيشة هانئة هادئة. فزوجته، كما يخبر، تخاف ~~بطشه وجبروته، وتحبه حبا لا تشوبه شائبة. ألم تمرض قبل زواجها بعام عندما هددها ~~بالترك فأشرفت على الموت؟ # قال البعض: إنه سل، وقال آخرون: إنه داء لا شفاء منه، أما سعيد فهو وحده يعرف السبب. ~~ثم كان الزواج وكانت حياة كلها نعيم. كم كانت تنصحه بمحبة وعطف: الصحة كنز يا حبيبي، لا ~~تنهك قواك، أشفق على نفسك. # كل هذا يتذكره سعيد وما زال وقعه العذب في مسمعه. ولكنه عندما يتذكر ليلة أمس ينتفض ~~كالمقرور وتتشنج أعصابه، ويقضقض عصلا في أسرتها الردى، وتطغى عليه رغبة ملحة تدفعه إلى ~~الانتقام، فيسمع هاتفا يصيح به: سعيد؟ حان لك أن تثأر لكرامتك وشرف آبائك وأجدادك، أين ~~العزة والناموس؟ # الساعة المعلقة على الحائط تدق الواحدة بعد نصف الليل، وكل ما في الطبيعة يمهد لك ~~الطريق: سماء ترغي وتزبد، عواصف يجن جنونها، ورعود تقهقه. الفرصة سانحة فاغتنمها. استرح ~~من هذه الفاجرة. اقتلها. لا تسامحها هذه المرة مهما بكت، ومهما توسلت. إنها تكذب، وتكذب ~~بجرأة ووقاحة. كن صخري الفؤاد فلا تؤثر بك دموعها وتوسلاتها. إذن أقدم ولا تخف. # وبينما هو غارق في نجواه، في تلك الليلة الصاخبة، تمثل له شرفه كالوطواط الجريح ففرت ~~دمعة من بين هدبيه فصاح: جبان، أي والله جبان. ~~- جبان، جبان. ها ها. وضحك ضحكة بلهاء عندما تذكر هذا اللقب الذي يثير حقده فتقلصت ~~شفتاه وجمدت عيناه. وقرصه البرد فاندس في فراشه وهو يقول: أنا جبان؟! لا لا لا. ما بقي ~~من عمر هذه الشقية غير دقائق معدودات. ورصاصات مسدسي، هذه الرصاصات الجهنمية ستطفي ~~هاتين العينين. عفوت عنك مرتين وثلاثا. يكفي! يكفي! لا رحمة بعد الآن. # أريد أن أطهر فراشي، أريد ms030 أن يسلم شرفي الرفيع من الأذى . بعد دقيقة أمزقك أيتها الحية ~~الرقطاء. أتظنين أني صدقت كلامك أمس: لا والله أبدا، سأنتقم منك أفظع انتقام، هذا عار ~~لا يطاق، هذا عرين أسد فكيف تدخله الكلاب. # وكأنه خال زوجته الغافية تبتسم فاهتاج وصاح: ما بالك تبتسمين! أمهلي يا زانية. قريبا ~~يلف هذا الجسد في خرق قذرة كسيرتك، وترقدين في المزبلة إلى الأبد. المزبلة أطهر منك يا ~~لعينة. # وبينما كانت تلك الأفكار تتنازعه قبض على المسدس وهم بإطلاقه، ولكنه عدل عما صمم ~~عليه. أراد أن يكون ختام المأساة التي مثلتها زوجته الخائنة أكثر عنفا وهولا. مرت في ~~خاطره فكرة عابرة لم يلبث أن ابتسم لها ابتسامة رضى. فالخطة التي كاد أن ينفذها لا ترضي ~~أنفته وإباءه. إذن يذبحها ذبحا ويتركها تتخبط في دمها طوال الليل. ستصرخ وتبكي وتولول ~~طالبة النجدة ولكن من يسمع في هذه الليلة الصاخبة. إن المشهد المخيف الذي تصور وقوعه هو ~~وحده يشبع نهم نفسه المتعطشة إلى الثأر لشرفه المهشم. # ونهض من فراشه يستطلع أحوال خنجره فوجده في أحسن حال، فابتسم له ابتسامة حامضة وقال: ~~لهذا الخنجر ماض أبيض في أيام أجدادي السود. سأطبق أصابعي على قبضته كالكماشة وأحز ~~عنقها، وكلما ازدادت صراخا زدتها حزا. لا شفقة ولا رحمة هذه المرة. الشرف فوق ~~الرحمة. # سوف أقطع رأسها ولا يسلم عضو من أعضائها من شر هذا الخنجر المجيد التاريخ. # ثم استضحك وقال: انتقام حلو. سيقول الناس عني أني رجل بربري. فليقولوا ما شاءوا. لا ~~تهمني أقاويلهم متى كان انتقامي شريفا. إن جريمة القتل شنيعة لا تليق بي. ولكن هذه ~~الجريمة التي أواجه بها ربي بعد عمر طويل ستغفر لي: الزانية ترجم. وأي فرق بين الذبح ~~والرجم! ثم صاح مخاطبا نفسه: اقتلها إذن لتبرهن للناس أنك غير جبان. # وفكر بالعاقبة فقال: سأخفي آثار الجريمة، لا جمل ولا جمال. حياة كالمعتاد. وإذا ~~افتضحت أرفع جبيني عاليا وأصيح: انتقمت لعرضي. مرحبا بالقيود وأهلا بالسجن. سوف أمثل ~~أمام القضاء مرتفع الرأس. سأخبر القضاة عن الأسباب، ms031 وعن ماضي وماضي عائلتي الشريف ~~النظيف ، وكيف هدمت هذه العاهرة ذلك البناء المشمخر، ولوثت سيرة طيبة كالمسك. سأقول لهم: ~~إني لا أخاف عقابا في سبيل الدفاع عن كرامتي الموروثة، وأقرع الحجة بالحجة وأريهم أنني ~~أهيج كالبركان إذا مست كرامتي. المحاكمة تخيف الأنذال الجبناء وحدهم. سأكون هادئ ~~الأعصاب حتى انتهاء المحاكمة، ومهما كانت الأحكام قاسية فما هي إلا سفاسف بالنظر لشرفي. ~~سوف يتناقل الناس ولا شك، جيلا بعد جيل خبر انتقامي، ويحوكون حوله الروايات والأقاصيص ~~المفزعة مثنين على المغامرة الجريئة. أما الجرائد، وهذا ما يكفيني فخرا، فستنقل إلى ~~قرائها بحروف بارزة ضخمة، حكاية انتقامي لشرفي، وتضع في الصفحة الأولى صورة بطلها سعيد ~~المهيار. # تيك، تاك، تيك. # وبينما كانت هذه الوساوس تزدحم فتتصادم في ذهن سعيد دقت الساعة دقاتها الخمس بعد نصف ~~الليل وصاح الديك. استيقظت زوجة سعيد، وبعد أن تمطت في فراشها هنيهة قامت إلى القهوة ~~تعدها. ~~- سعيد، سعيد، القهوة حد راسك. # ففرك عينيه، وزفر زفرة عميقة، وأجاب: نعم. نعم. # ثم قال في نفسه: آه ما أطيب قلبها! حقيقة إني كنت فظا غليظ القلب ... # | طبيب امرأته # أبصرت أسما أم شاكر قادمة فهتفت بها من بعيد: صحيح أن ابنك تزوج من المدينة؟ أين ~~كان عقلك لما شاورك؟ # فابتسمت أم شاكر ابتسامة مريضة، وقالت: ولكنها لطيفة جدا يا ست أسما. # فصفقت الأميرة كفا على كف وصاحت: مغشوشة أنت. مغشوشة. أمهلي حتى تحط رجلها في ~~الركاب. الله لا يغرك منها. وقعت يا شيخة. # ومدت الست أسما يدها تصافح أم شاكر، وانطوت عليها توشوشها. امتلأت نفس الشيخة شكا ~~فسارت في سبيلها واجمة تفكر. ثم انقشعت غمامة سوء الظن فقالت بصوت مسموع: لا عرس بلا ~~قرص. متى عرفت الست أسما كل هذا؟ # وكأنها في تلك اللحظة قد اهتدت إلى الحقيقة فصاحت: شهادتها مجروحة. كانت عينها على ~~شاكر وخاب أملها. وما اطمأن قلبها قليلا حتى عاودتها حمى الشك فقالت: ومع ذلك من يدري! ~~ربما كانت تعرف شيئا عن أمها، عن خالتها، عن عمتها، أما البنت فمسكينة. عمرها ms032 سبعة ~~عشر. وما تاهت أم شاكر في مجاهل الظنون هنيهة حتى هبت الذاكرة لنجدتها ثانية فقالت ~~لنفسها: لا يجيء على أبيه وأمه غير الغراب. # وما سري عنها حتى بدت لها امرأة أخرى تضاحكها من بعيد وهي تهتف: ساعة مباركة يا ~~شيخة. ثم هزت برأسها فاصفر وجه أم شاكر. تهيأت لاستقبال صدمة جديدة ولكن هذه قالت: ~~اشكري ربك على هذه النعمة. أنت عشت حتى زوجت المحروس، أما أنا، يا حسرتي، فمن ~~يدري. # فاطمأن قلب أم شاكر وقالت: الله كريم يا أم يوسف. قالت هذا وراحت تجيل عينيها في غضون ~~وجهها فلم يبد لها شيء غير التهنئة البريئة فحمدت الله ومضت بسلام. ~~••• # السماء تتوعد وتتهدد، غيوم تحشد على حدود اليابسة إعلانا لحرب عوان، فكل ما على ~~الأرض يرتجف ويرتعد، والغنم هرولت إلى المراح بدون إذن الراعي. # دخلت أم شاكر بيتها وأسرجت، فالظلام سريع الخطى، والسنديانة تتماسك قدام بيت الشيخ ~~حين تزعزعها العاصفة. ومصاريع الأبواب تصطك كأنما البيت مصاب بالبرداء، والسراج يحرك ~~ألسنته كأنه يتهزأ بالزوبعة. # وكان الشيخ قابعا في الزاوية فقال لزوجته: دبي للنار بالحطب. فشبت النار وقعدا ~~يصطليانها. وما افتتحا الحديث حتى انقضت صاعقة هزت البيت، فهتفا بلسان واحد: قدوس. ~~قدوس. قدوس. # الغيم يكب ما في جيوبه، وخيول البرق تتراكض يطارد بعضها بعضا فتخترق صميم قلب البيت ~~وتشع فيه شعا. الصواعق كخيل الطراد وأبو شاكر وزوجه يصدانها عنهما بالقدوس ~~والبسملة. # ونقلت السماء رحى حربها إلى الجنوب فقال الشيخ: ترى يخدمنا الحظ ونرمم هذا البيت؟ ~~فكان الجواب صوت صاعقة قاما لها وقعدا. ثم تلتها واحدة أخرى غير مزمجرة، فاطمأن، وأشار ~~بيسراه قائلا: بعيدة عنا. # فأجابت الأم: ومن يدريك أنها بعيدة عن ابننا؟ # فأجاب أبو شاكر ساخرا: دائما ابنك، صار ابنك حكيما، وتقولين: ابني ابني. كأن ما في ~~الدنيا أحد غير ابنك، قولي: تعبنا ولقينا. قولي: غدا نفك الرهن ونوفي الدين. العروس ~~غنية. # فتنهدت الأم وقالت: هربنا من الدب وقعنا في الجب. # فصوب أبو شاكر نحو ذقنها شباة أنف ابن حرب، وأشار بهزة ms033 رأس وغمزة عين: خير إن شاء ~~الله. # فأطرقت الشيخة وراح الشيخ ينظر إليها ويبرم شاربيه ويفتلهما بيديه الثنتين. ولما ~~استقرت عقارب الساعة على العشرة وعشرة، وأبطأ عليه الجواب نكعها نكعة كادت تقلعها وصاح: ~~قولي لي أي دب وأي جب؟ ابنك وحيد يا مستورة، أهي مصيبة إذا تزوج؟ ما تزوجت أنت؟ ما ~~تزوجت أنا؟ ولكنها قصة الحماة والكنة. # فأجهشت أم شاكر وقالت، وهي تجر الكلمات جرا: عندك للسر موضع؟ فاستضحك أبو شاكر حتى ~~أبدى نواجذه وصاح: هذا آخر زمان. الحرمة تسأل زوجها إذا كان عنده للسر مطرح، نعم عندي، ~~وحق العضرا مريم، عندي قبر لا بئر. فحدقت إليه كأنها تسأله بعينيها الكتمان فصاح ثانية: ~~عندي جهنم الحمرا، قولي يا بنت الحلال. # فتنهدت أم شاكر وقالت: خبرتني الست أسما أن عروس ابننا ترقص على الحبلين. قضت عمرها ~~مع هذا وهذا. # فصاح الرجل: الله المجير من لسان النسوان. أهي بنت خمسين حتى تقول الست اسما عنها ~~(قضت عمرها)؟ وقبل وبعد أنت كم سهر عندك من شب، كان بيتكم يفرغ ويمتلي كل ليلة عشر مرات ~~وأخيرا كنت من نصيبي، وكنت من خير النساء. # ثم استضحك وأمسك طوقه بيده ونفضه قائلا: هذا إذا لم أكن مخدوعا. # فابتسمت الأم نصف ابتسامة واستطرد هو قائلا: كان يجب أن تفهمي يا زكية، إن جناب الست ~~أسما كانت منتظرة ابنك. فحدقت إلى وجهه مستغربة كلامه، فحملق وكز قائلا: نا ... عم. إذا ~~كانت هي بنت مير، فابنك دكتور وأبوه شيخ الضيعة. # وفيما هما يتناطحان زحفت المياه في صحن البيت فهبا يطاردانها. كان الشيخ أبو شاكر ~~يسوق الماء صوب صحن الباب ويقول: هذي آخر سنة. وعد الصبي بهد البيت وبناء بيت يليق ~~بالشيخ والدكتور. # فقالت الأم: أنا لا أطلب إلا أن يكون حظي ببنت أوادم. # فصرخ الأب: عدت إلى نغمتك الأولى ... اشطفي. اشطفي. مسحي وقولي: الله يرزق الست أسما ~~ابن حلال مثل ابنك. ~~••• # وراح الشتاء وجاء الصيف. أقبل العروسان على الضيعة فكانت في دار الشيخ أبي شاكر أيام ~~وليلات جرى فيها ms034 النبيذ وسال العرق. كانت تهب من كل فنجان زوبعة دعوات للدكتور وعروسه. ~~وكان الدكتور وأبوه يردون الكيل كيلين. أما العروس فكانت غريبة عما يدور حولها. كانت ~~تجهل الكثير من عبارات القرية وأجوبتها، فتنبري حماتها للجواب رادة عنها هجمات من ~~يقصدون لها امتحانا لزلاقة لسانها. كانت عين الحماة على كنتها تروزها، وكانت الكنة ~~مسرورة سرورا يخالطه شيء من الازدراء. أدرك الدكتور ذلك فامتعض، أما أبوه المستأسد في ~~الستين فما كان يدرك شيئا أو لا يبالي قط بما يدور حوله. ينفخ من أنف كالكير، وينظر ~~بعيني نسر عتيق، وينطق بصوت أعرض وأحد من صوت الببغاء: شباب، كاس العريس. اشربوا. ابن ~~كذا وكذا كل من لا يشرب. يا نسوان، كاس العروس ... كاس سعادتك يا ست أسما شرفتينا ~~... # فابتسمت الأميرة وشربت كاس الشيخ والعروسين فأجابها الشيخ: وطول عمر سعادتك. # كانت العروس تعجب بفتوة عمها الجبار، تهابه وإن ازدرت هندامه العتيق. تتحاشى مصافحته؛ ~~لأن أصابعها الدقيقة تضيع في يده الرودانية. # ثم انقضى الصيف وانطوى بساط ليالي أفراحه البلدية، وعاد الطبيب وعروسه إلى المدينة ~~ولم تبحث مشكلة الديون قط. فشاكر كان يفر بزلاقة كلما استدرجه والده إلى ذلك، فضرب ~~الشيخ أبو شاكر لدائنيه موعدا جديدا، ولكل أجل كتاب. # ومر الخريف وبات الزيت في خوابيه، وهبط الشيخ إلى المدينة ليشتي عند ابنه الدكتور، ~~وكم كانت دهشته ودهشة امرأته عظيمة حين قيل لهما: هذا بيت الدكتور شاكر. # اعتز الشيخ وكاد يخرج من ثيابه وقال: هذا بيت ... ولكن كلمة طائشة هاجت النمر. سمع أبو ~~شاكر بنت الجيران تقول لأمها: جبليان، رجل وامرأته. فحول أبو شاكر نحوها وجهه الفرزدقي، ~~وأراها عينيه الكبيرتين المحمرتين، وصلعته البراقة فوق حاجبين غليظين، وشاربين كقرني ~~الكبش. فاقشعرت وتوارت في بيتها ترتعد. وهم أن يطاردها في عقر بيتها، فأمسكت أم شاكر ~~بذيل شرواله وانكسر الشر. # وانشق الباب ودخلا بالكد، ولكنهما رأيا دنيا غير دنياهما. كراسي خيزران لماعة ومقاعد ~~مخملية أرجوانية أين منها مقاعد الخيش المحشوة هشيما وقشا والمجللة بالشيت الرخيص. ~~أواني أشكال وألوان يجهل الشيخ والشيخة ms035 عنها كل شيء حتى أسماءها، فكان ارتباك زال بعد ~~حين. كان الاستقبال حارا ساعة القدوم السعيد ثم أخذ يفتر رويدا رويدا حتى صار ~~باردا مثلوجا بعد أسبوع مست عزة أبي شاكر؛ لأنه لا يحب الوجوه الجامدة. قضى العمر شيخ ~~شباب ولا يريد أن يموت إلا شيخ شباب. ~~- شاكر. ~~- نعم بابا. ~~- لا بابا ولا بطرك. # فضحك الدكتور وأجاب: ولا خوري ولا مطران. # فعبس أبو شاكر وقال: ابتدأت تهزل معي؟ اوع هه. العين لا ترتفع فوق الحاجب. ~~- أمرك لا تؤاخذني. # فصمت هنيهة ثم قال: بنت الطيان لو كان عندها مال قارون لا ترتفع على بيت بو شاكر. ~~كأنه ما عندها علم ولا خبر عن جدك وجد جدك؟ بنت من هي حتى تتأبى علينا، بنت طيان ولو ~~كان المال فوقها وتحتها. اسمع يا ابني ما قالت القدماء: زوان بلدك ولا القمح الصليبي. ~~أكنت بلا عينين لما نقيتها، وجه أحمر مثل قفا السعدان. تضحك منا بنت الكلب كلما لفظنا ~~القاف وقلنا هادا وما قلنا هيدي مثلها. وحق الذي قال لها كوني فكانت، نهار غد أطرح ~~أملاكي بالمزاد. الله لا يردها عن يد بقرة سودا مثلها. # ورنت في أذن أبي شاكر قهقهة فانتفض كالعقاب، ولو لم يقف ابنه بالباب لدخل غرفة العروس ~~وانتهى كل شيء. # وتعلق الطبيب بأبيه يتملقه ويسترضيه: مص القصب عقدة وعقدة يا شيخ. فكشر أبو شاكر ~~وصاح: هذي قصب. هذي عظم على مزبلة. # قال هذا وانتفض كالملدوغ، وبعد أن أطرق قليلا، أخذ امرأته بيدها وهو يومي برأسه: ~~قومي. وخرجا دون أن يودعا. ولما ابتعدا قليلا قال لزوجته: العوض بالله، خسرناه يا أم ~~شاكر، ابنك ما في يده شيء. # صار جحش المره. يخرب بيتها، كلها شبر وعندها هذا الفعل. دحروجة تقود رجلا طول ~~المارد. ولكن البيت والمال لها، ويا ذل رجل يأكل من تحت يد امرأته. # بنت الحرام كانت تغطس عندنا في الدجاج والسمك واللحم، أما في بيتها فتطعم الناس ~~بقانون. لا تنتظري الكرم من ناس يفتحون بابهم ربع فتحة. وابنك التنبل أي ms036 إكرام قدمه ~~لوالده؟ لا أحوج الله والدا إلى ولده. لو أنفقت على نبش النبع نصف ما صرفت عليه كنت ~~اغتنيت. لو كنا غرسنا أرضنا زيتونا ولوزا وتفاحا لكان عندنا الآن محصول يغنينا ~~ويغنيه عن التلوث بالمرضى. ولكن أين المرضى؟ قعدنا عندهم جمعتين ما نظرنا وجه مريض، ولا ~~استدعاء أحد. ابنك طبيب مراته، أما كان أحسن له ولنا لو بقي في الضيعة. # ثم وقف وأخذ ذراع امرأته وهزها هزة تعتعتها وقال: يفرجها ربك يا أم شاكر. كنت آكل ~~اللقمة من قلب السبع ولا أزال بقوة الله. # فتنهدت وقالت بعين مكسورة وقلب منسحق: ولكن البيت مرهون. # فضرب أبو شاكر صدره وصاح: ولكن أنا مفكوك، تسلم أميركا. # فشهقت وكادت تسقط، فتلقاها بيده وقال: أنا وأنت يا مجنونة! # فصاحت وهي تشهق: لا أنا ولا أنت. نموت هنا، ولا نضيع في الغربة كما ضاع أخوك في بر ~~البرازيل. ~~••• # وبلغ الشيخ والشيخة الضيعة فامتلأ البيت بالمسلمين. وبعد أيام عاد الدائنون إلى ~~إلحاحهم فقال لهم أبو شاكر بإباء: أبو شاكر لا يوطي نفسه للنسوان. لا قامرت ولا صاحبت، ~~ولا سكرت. ركبني الدين لسببين: نبش النبع وتعليم ابني. لا النبع طلع ولا الصبي نفع، ~~خذوا الخشبة التي فوق رأسي وأريحوني ... # فهزت كلمته أحدهم فقال: نمهلك سنة سنتين، وبدون فائض يا شيخ، ولا نخرب بيتا للسيف ~~والضيف. # فتنفش أبو شاكر، ومد يديه إلى شاربيه، فعادت عقارب الساعة إلى العشرة وعشرة بعد ما ~~كانت تشير إلى الثامنة والثلث، وجاءت القهوة فشربوها وانصرفوا. # وظلت الأيام والشهور تمر بلا جدوى، وأخيرا قضي الأمر وطرحت عقارات الشيخ فبات صريع ~~الهم في الليل وأسير الذل في النهار، يؤلمه أن يسمع من كانوا يخدمون ضيوفه يقولون: بيت ~~الشيخ مطروح بالمزاد، ماذا ينفع العلم الذي يخرب البيوت. # وكان يجن جنونه كلما وقعت عينه على تلك الوريقات الملصوقة على أبواب الكنيسة ~~والدكاكين، محددة موعد المزايدة في عقار الشيخ. وقعد عصاري آخر يوم من أيلول يفكر كيف ~~يخرج من مضيقه، فلم يلح له بصيص أمل فتنهد وقال بلا ms037 وعي: فرجك قريب يا رب. # وما كاد ينتهي من دعائه حتى ماد به البيت. سمع طقطقة على السطح أشبه بوقع حوافر معزى ~~تركض فاستبق وزوجته الباب، وما أطلا حتى سمعا قرقعة انهيار الجدران هنا وهناك. رأيا ~~الغبار يتصاعد والأرض تميد، فسقطت زوجته على الأرض مذعورة، فصاح بها: لا تخافي، الدنيا ~~تنهز ولا تقع. # وسارت الهزة الأرضية في سبيلها وراح الشيخ يتفقد جدران بيته، فرأى العيب في واحد منها ~~فقعد يناجي ربه وهو بين الباكي والضاحك: أهذا فرجك يا رب؟ طلبنا منك الفرج فزعزعت أركان ~~البيت؟! # وما انتهى من معاتبة ربه ومحاورته حتى أقبل عليه الناطور صائحا: البشارة لك يا شيخ. ~~عوض الله عليك وطلع النبع. والله العظيم ثخن بوز الجرة. # فالتفت الشيخ إلى زوجته وقال: صدقت. قلت لك كنت آكلها من قلب السبع، واليوم أكلتها ~~من قلب الأرض. # فاستدارت عينا أم شاكر، وانشق فمها، ولكن الكلام بقي محاصرا هناك. # | مذكرات شباط # شباط شهر ناقص لا تفعل فعله ملوك الشهور. حقا، إن كل ذي عاهة جبار. كانت أمي تخاف ~~شباط وتخوفني منه. فلا تنتشر غيمة في الجو حتى تغرزني حد الموقد كالوتد، ولو قدرت أن ~~تكتفني وتربطني بخناق، لفعلت. # كان حديث الشتاء حديث شباط متى جاء. فكلما مات شيخ أو عجوز كنت أسمعهم يقولون: أخذه ~~أو أخذها شباط. وكانت أمي تردد، دائما، هذه اللازمة: ومن يعصي عليه. وأخيرا فارقت هي ~~فيه. # ودخلنا المدرسة فأنستنا الشيطنة حديث شباط، إلى أن كانت سنة قارسة البرد فقلنا: راح ~~شباط وراح معه الشتاء، فقال معلمنا وكان يفخم اللفظ ويؤثر الغريب من الكلام: رويدكم يا ~~أولادي، راح الصن ونحن اليوم في الصنبر. فقلنا كالمستهزئين: وما الصنبر؟ فأجاب: هو ثاني ~~أيام العجوز. فضحكنا ورددنا: أيام العجوز؟ فصاح: هيهيء. أي نعم أيام العجوز، المستقرضات ~~في لغة العوام، أربعة أيام من شباط وثلاثة اقترضها شباط من إذار ليتشفى من عجوز شمتت ~~به. # فقلت: وماذا عمل بها؟ فأجاب: سد بوزك. لا تضيع الوقت. # وفي الثامنة عشرة من عمري انتشرت الحمى ms038 في المدرسة فكانت لنا فرصة مرفع في شباط، ~~والتلميذ يرحب بالطاعون إذا كان يعطي فرصة. وفي طريقي إلى البيت نزلت على صاحب لوالدي ~~وبت عنده فكان حديث السهرة عن عنترة الشهور وكم جادت يداه بعاجل طعنة. فقال صاحب البيت: ~~شباط قاشوش. فابتسمت، فقال لي: إن شاء الله تكبر وتخبرنا فيما بعد. فأوحت إلي كلمته ~~أن أكتب مذكرات شباطية. ولما عدت إلى المدرسة شاورت (مرشدي) في الأمر فقال: اكتب، ولكن ~~توق الفلسفة، فالتفت إليه مستفهما فأومأ بيده إيماءة من لا يريد البحث، وقال: ليس، ~~اكتب. فشرعت في عملي بعد سنوات وهذا بعض ما كتبت: في الثانية والعشرين كنا ندرس كتاب ~~الذمة - كانوا يسمون علم اللاهوت هكذا، يوم كانت شئون الذمة وشجونها تشغل البال - فرفعت ~~أصبعي في أحد أيام شباط وقلت: مسألة. # فأجاب المعلم: هاتها. فقلت: هذي العلامات التي نراها على الأبواب في شباط، ألا تظن ~~أنها مأخوذة عن العبرانيين عندما أمرهم الرب أن يعلموا بيوتهم بعلامة لئلا يدخلها غلطا ~~ويقتل أبكارهم خطأ؟ فقال مغيظا: هذي من مذكرات شباط؟ اقعد يا ابني. بس. # في الخامسة والثلاثين بدأت أحس بوجود شهر اسمه شباط. أما في السنين التي مرت قبلها ~~فكنت أفرح بقدومه ويعجبني ثلجه وهواه وشمسه وشتاه، وأتهلل حين أرى اللوزة تتخطر بثوب ~~الزهر. وأذكر لما كنت صبيا، أنني رأيت جملا يرغي ويزبد دالقا جرابه الأحمر، فقلت ~~لعشير أكبر مني وأخبر: أتقول قلبه يوجعه؟ فأجابني ضاحكا من سذاجتي: عجل، هات له ~~الطست! # ولما بلغت الأربعين تهيبت شباط ولبست لاستقباله طاقا فوق طاق، فقالت الشباب: صرت ~~تخاف شباط! فأجبت: درهم وقاية خير من قنطار علاج، فقال أحدهم: وكيف يكون قنطار العلاج ~~إذا لم يكن هذي الثياب التي عليك. # وبين الخمسين والستين صرت كلما انقضى شباط أقول في قلبي: دعسنا رقبته. وفي الستين ~~أحسست برقة جلد ووهن عظم، ولكنني كنت أتجاهى بقوتي عند من جاوزوا حد الأربعين، لتطمئن ~~قلوبهم. يظهر أن الإنسان متى كبر يظهر من الضعف قوة. # في الثانية والستين غطى الثلج البلاد حتى ms039 المراكب في المينا، ومع ذلك انقضى شباط ولم ~~يمت إلا طفلة بنت ستة شهور. # في السابعة والستين، غريب شباط، المرفع فيه، والأعراس فيه، وأكثر الأمراض والوفيات ~~فيه، جمال تهدر. وسنانير تتنادى من كل فج - لكل خطاب يا بسين جواب - وفي زوايا البيوت ~~شيوخ وعجائز تغص بسعالها وتشرق بريقها، متضايقين من ضجيج الحياة حولهم، فيصرخون ولعابهم ~~يسيل: الله يقطع جنسكم، ما أفضى بالكم! وما يكون الجواب غير مواء موسيقي منغم. # في السبعين ارتخت ركبتاي فدعمتهما بالعصا. أغلقت الباب طول الشهر، صارت أخف نسمة هوا ~~تفزعني. وإذا تجولت في يوم دافئ تحسبني فراشا يمشي على الأرض. # في الثالثة والسبعين زارني أبو الركب فهد حيلي، الله يهد عظامه، ولكن رحمة الله كانت ~~واسعة. تخلصنا منه. # هذي السنة هي الخامسة والسبعون، الصحة مثل الحديد، لا رشح ولا من يحزنون. أكثر الناس ~~ناموا جمعة وجمعتين، ما خلا بيت من فراش وفراشين. أنا كنت مثل السبع. نشكر الله! # في السابعة والسبعين راح شباط وفي ظهره مخباط. كل شباط ونحن بخير. # شباط الثامنة والسبعين كان هينا علينا كأنه شهر تموز. ما مرض أحد. صح فيه قول المثل: ~~لو شبط ولو لبط ريحة الصيف فيه. الله يبعد الجراد. شمس شباط تخوف. # في التاسعة والسبعين. شباط هذه السنة متقلب مثل أكثر الناس. الحق مع من قال: شباط ما ~~عليه رباط. # اليوم دعست في الثمانين - العمر كله إن شاء الله - ولكني تفكرت كثيرا في شباط هذه ~~السنة الملعونة. الموت كثير، إذا قلنا من شدة البرد، فشهر كانون فحل الشتاء. ما عرفت ~~لماذا ينتظر الناس شباط حتى يموتوا! # أنا اليوم في الثانية والثمانين. الصحة ممتازة. الأبواب كلها مسدودة. ومن أين يخش ~~المقصوف العمر! ولكن قضية شباط ترافقني إلى القبر. لا نحل مشكلة حتى تجيئنا الثانية. ~~قال لي أمس الشدياق جرجس، وهذا ملفان من تلاميذ رومية: إن أغلب العلماء والرجال الكبار ~~ولدوا في شباط. استحيت أن أقول له: إني أنا من مواليد شباط. ولكني قلت في قلبي: إذن أنا ~~عظيم وما عرفت ms040 حالي. طلبت دفتر العماد من الخوري وما فتحت أول وجه حتى عرفت أن الخوري ~~من مواليده فقلت: النظرية صحيحة! ولما قلبت الدفتر كله رأيت أغلب بهاليل الضيعة ولدوا ~~فيه، ما ترقينا شيئا! # في الرابعة والثمانين كان شباط قاسيا جدا. مات جمهور كبير. مشيت خلفهم كلهم. الهمة ~~قوية وهذا أجر عظيم. وفي الخامسة والثمانين مات نحو عشرين نسمة في آذار ونيسان، وما ~~مات أحد في شباط. سألت من هم أكبر مني فضحكوا وقالوا: لعل عزرايل خرف. قلت: يا ليت. ~~ربما ينسانا. # شباط السابعة والثمانين أقسى شباط مر علينا. صواعق متلاحقة، أكتب والرعود تهز البيت ~~هزا. قدوس قدوس قدوس. صاعقة قريبة جدا. نشكر الله. # في التسعين صح الصحيح وطينت الباب الشمالي والشبابيك كلها. تذكرت ما كنت أراه على ~~الأبواب فقلت لابن ابن ابني: ارسم على الباب شكل صليب، فضحك الصبي واستفهم، فتذكرت ~~مسألتي لمعلم اللاهوت من سبعين سنة، وقلت بصوت ربما يكون سمعه الصبي: آه، كم كنت جاهلا ~~ومتمردا. # في الواحدة والتسعين زارني واحد من جيلي. دخل علي وهو يضحك ويقول: صارت تنفع اليوم ~~صلبان شباط! # فقلت له: صرنا في الواحدة والتسعين. # في الثانية والتسعين: ظاهرة غريبة، أتخيل الموتى من رفاقي وأقاربي قاعدين حولي. ما ~~هذي التصورات الغريبة! # في الثالثة والتسعين راح شباط وجاء آذار. عيدت مع المعيدين. أكلت خمس بيضات مسلوقة ~~ولو أعطوا أكثر أكلت. # اليوم في الخامس من شباط بلغت الرابعة والتسعين. طينت الباب وأرخيت البلاس على الشباك ~~الذي عند رأسي، صرت كأني محبوس في قنينة. # السنة كبيس واليوم آخر شباط. انتهى والحمد لله. حاولت أن أكتب فما طاوعتني أصابعي. ~~فندهت فجاء ابن ابني، فقلت له: اكتب عني. # وهنا تغير الخط وكتب الحفيد: قعدت لأكتب ولكن جدي نتش الورقة من يدي وقال: غدا أكتب ~~أنا بخطي. هذا طرف فالج، عارض ويزول. وكنت أرى حنكه يرتخي وأسمعه يقول: جدك يقنطر إن ~~شاء الله - يعني أنه يبلغ المائة. وبعد قليل انعقد لسانه، ومات من ساعته وهو ينظر إلي ~~بعينين يكسرهما الموت، فعرفت ms041 أن في وجهه كلاما لم يقله في الأربع والتسعين سنة. # | البهائم تفكر في مصيرها # وعاد الثور والحمار لينزربا بعدما أنهكهما التعب. كانا تحت النير يحرثان الأرض طول ~~النهار، فما دخلا المزرب حتى ربطهما صاحبهما، وراحا يلحسان ما علق في أرض المعلف من ~~بقايا التبن والهشيم، ولما لم يظفرا بشيء انبطحا وجها لوجه وشرعا يعالجان مشكلتهما ~~الاجتماعية المعقدة على مستوى عال، فقال الثور: نحرث ونحرث، والعشاء تبن وحشيش يابس، ~~وعند طلوع الضوء يأتينا الطعام المعهود. أتقول: إن على وجه الأرض من هم أشقى ~~منا! # فأجهش الحمار بالبكاء ثم نهق قائلا: نعم، نحن أشقى من عليها وأنا أشقى الأشقياء. أنت ~~يا زميلي لك عمل واحد، تفلح الأرض وتستريح، أما أنا فأين كنت اليوم! أما كنت مشدودا ~~معك لأن رفيقتك نفساء؟ ويوم لا تكون للفلاحة يد يفكر صاحبنا بإيجاد عمل لي، وإذا لم ~~يجده خلقه. فإما أن يسوقني لحمل الحطب، وإما أن يذهب بي إلى الطاحون، وإن كان لا عمل ~~عنده حط الجلال على ظهري وبسط فوقه طراحة وركب ليزور أحد أصحابه في القرى المجاورة. ~~والأنكى من كل هذا الشقا والتعب مثلهم الذي يردد ويرددونه على مسمعي: حمله واركب. آخرته ~~للكلاب. # فخار العجل يقول: ألا يكفيك يا ذكي أنك تموت موتة ربك! لا تذبح مثلي متى شيخت أو ~~قصرت، فتموت قبل الأوان. # وفي تلك الهنيهة الحافلة بالتأملات العقلية دخل صاحبهما يحمل سل التبن فقطعا الحديث ~~لئلا يتسرب إليه شيء من أسرارهما الاجتماعية. ولما امتلأ المعلف تبنا قاما، وهما ~~يقولان معا: وهل يعطى حمار وثور غير مثل هذا العشاء؟ # فقال الثور: نحن ولت أيامنا، وانقضى زمان عزنا. رحم الله نصيف اليازجي القائل: # متى ترى الكلب في أيام دولته # فاجعل لرجليك أطواقا من الزرد # هذا زمان الكلاب والقطط يا أخي. ليس الكلاب التي تطارد الوحوش الضارية، ولا القطط ~~التي تصطاد الفيران والجرذان، بل تلك التي تجلس في الأحضان، وتتبادل وأصحابها القبلات ~~وتدلل وتأكل خير الطعام من ألباننا ولحومنا، ومن السمك والسردين واللحوم المعلبة، أما ~~نحن ms042 الذين نخدم خدمة نصوحا، ونستخرج الخيرات من قلب الأرض فنرضى بالأكل من حيث كان ... ~~ليس من يبالي بنا، فلولا كتفي وظهرك من أين كانت تأكل الناس؟! أما كانوا يحلون محلنا ~~ليقوموا بأعمالنا وأشغالنا الشاقة؟ # فقاطعه الحمار قائلا: ولماذا لم تقل كتفي أيضا، أما كنا اليوم نفلح الأرض ~~معا؟ ~~- بلى يا صاحبي، فلولانا ما أعطت الأرض غلة. تأمل، نزرع ما نزرع تحت المطر، محتملين ~~البرد ولا نذوق حبة من الحبوب التي نسقيها عرق جلودنا. وإذا نبت الزرع وحاولنا رعيه أو ~~أن نقضم قضمة منه، علا الصياح من كل فج عميق، وانقضوا علينا بعصيهم، كأن لا حق لنا بشيء ~~من إنتاجنا. الحق مع الذي قال: ابن آدم كافر أسود رأس. # فقال الحمار: وط صوتك لئلا يسمع صاحبنا. قرب حتى أوشوشك. أما سمعت بعد بالآلات ~~التي تفلح وتزرع وتقلب الأرض ظهرا لبطن! قصرت حياتنا على وجه الأرض. سوف يستغنى ~~عنا. # فقال الثور: كيف! ومن أين يأتون باللحوم والألبان إذا انقرضنا، أيأكل بعضهم لحم ~~بعض؟ # فضحك الحمار وقال: ما أقل عقلك يا بهيم، صحيح أنك فدان! نسيت أن عندهم الغنم والمعزى ~~وحيوانات أخرى. # فتضاحك الثور وقال: كل عشرين رأس غنم لا تحلب قدر بقرة واحدة. ولكن أنت ما يحل بك يا ~~مسكين! فجلدك لا يسكف ولحمك لا يؤكل. # فاستضحك الحمار وقال هازئا: ناس كثيرون يأكلون لحمي، فإذا ضاق بوجهي هذا المحيط وقل ~~الرزق أهاجر، مع الذين يهاجرون، أما قال الشاعر: وأرض الله واسعة الفضاء. # فهز الثور قرنيه استخفافا وقال: هذا آخر زمان، الحمار فيه يقول الشعر. إلى أين تهاجر ~~يا جحش، ومن يستقبلك على البور أو في المطار، نحن همل ليس من يسأل عنا. الكلاب خير منا. ~~الكلاب محظوظة في هذا الزمان. فبعد ما كانوا يتنجسون منها، حتى قالوا: فلان قعد مني ~~مقعد الكلب، صار للكلاب صدر الديوان. # فحرك الحمار أذنيه وقال: سبحان الله! الدنيا أدوار، وهذا الإنسان يلعب ~~بمقدراتنا. # وسمع الثور حس صاحبه فأسر الكلام وقال الحمار: هس، هس، ذهبت أيام البراذع والجلال ms043 ~~والجلاجل، كما مضت الأيام التي لم تكن تذبح فيها بقرة. ~~- أنا ما رأيت يوما أبيض في حياتي، فكل أيامي إما أن أكون محملا وإما مركوبا، ~~واليوم صرت أفلح. اكتمل النقل بالزعرور كما يقولون. # وشق الفلاح باب القبو فكفا عن الكلام وشرعا يقضمان. فرد الباب عليهما وذهب، وبعد ساعة ~~زمان جاء وفكهما وأطلق سراحهما ليرعيا في مرج قريب، فصادفا جملا وبغلا وقعدوا جميعا ~~يتشاكون فقال البغل: أنتما يا حمار ويا ثور، رضيتما بالتبن الحاف فصار طعامكما الدائم، ~~ألا تعرفان الإنسان طميعا بخيلا شحيحا؟! الحق على من خلفاكم وعوداكم هذه العيشة ~~الذليلة. الذنب ذنب المربي، أما أنا فلا بد لي من الشعير، كما لا بد لأخي الجمل من ~~الفول والكرسنة. أضربنا عن الطعام فوقف العمل، واضطر صاحبنا أن يرضينا ليشتغل ~~ويقبض. # فشقشق الجمل وقال: هاتيك أيام راحت وا حزني عليها. أيام كنا نأكل فيها الكرسنة والفول ~~المنقوعين، أما اليوم فلا فول ولا مكيول. ولا من يحزنون. كنت فيما مضى أشكو الأحمال ~~الثقيلة، أما في هذه الأيام فالحمل نادر والأكل أندر. هذا الزمان كما قلنا، زمان الكلاب ~~والقطط، تأكل خير أكل وتنام على صوف، ولا تعمل شيئا. # فنظر الحمار إلى الثور نظرة ذات معنى فقال البغل: صرح يا ابن أبي، قل بماذا تفكر، ~~فنحن في المصيبة سواء. # ولما استوثق الحمار من أخيه البغل قال له: اسأل خالك الحصان، أما مر ورآني مكدونا ~~قبالة هذا العجل لأن رفيقته نفساء. # فقال البغل: وماذا عملت يا حمار! هم يتزوجون ويخلفون وأنت تشتغل عنهم! قل لي ماذا ~~عملت؟ ~~- ماذا عملت؟ أكلت كم عصا ومشيت غصبا عن رقبتي. فتقدم البغل ينظر إلى الجرح الذي ~~أحدثه النير في رقبة الحمار، ثم هز رأسه وقال: لم يسموك حمارا عن عبث، فلو كنت عملت ~~مثلي لنجوت. # فصاح الحمار: وماذا عملت؟ علمني حتى أعمل مثلك. # فقال البغل: تعنفصت ولبطت وكدشت، ولما لم أنقد له خاف وتركني، وجاء بك يا جحش لتحل ~~محلي. # فقال الحمار: الحكم إذن على الطائع. # فقال البغل: هذي يا ms044 ابن أمي شريعة الناس، ما بلغك بعد قول شاعرهم: ومن لا يظلم الناس ~~يظلم. إذا أردت أن تعرف أخلاق أمة ففتش عن أمثالها، فمثل البشر يقول: الفاجر أكل ماله ~~ومال التاجر. يعد الإنسان ألف عشرة قبل أن يركب بغلا، بينما تراه يركب الحمار ~~ارتجالا. يقولون في مثلهم: الحيط الواطي كل الناس تركبه، أنت حيطك واطي، فعبثا تشكو: ~~شكوى الجريح إلى البئزان والرخم. # وهنا تدخل الثور ليعرض قضيته فقال له البغل: سد بوزك. ولا كلمة. أنت أقل فهما من ~~الحمار. ولذلك قال الشاعر: # علي نحت القوافي من معادنها # وما علي إذا لم تفهم البقر # كان يقدر الشاعر أن يقول: الحمر بدلا من البقر ولا ينكسر الشعر ولا القافية، فكيف ~~تترك ابن آدم يجيعك ويكدنك مع الحمار! ألا يحط هذا من مقامك، مع أنه معك سلاح ليس لأحد ~~منا. # فأجاب الثور: أنا معي سلاح؟ أين هو سلاحي؟ # فقال الجمل: معلوم، ألا تراه، أنت أعمى يا ترى؟! # فقال البغل للجمل: اسكت يا هبيل، كل الحيوانات تحكي ما عداك. أنت طمعت البشر فينا، ~~رقبتك باع ويقودك ولد أقل من ذراع. # وبربر الجمل ودلق جرابه الأحمر، فقال البغل: هس. ولا كلمة. فلو عرفت قوتك لما أناخوك، ~~وحطوا على ظهرك الجبال من الأحمال، ثم نهضت بها ومشيت. # فقال الثور للبغل: يا سيدنا، قطعت حديثك معي ورحت تحدث غيري. قلت لي معك سلاح ولم ~~تدلني عليه. # فنط الحمار وقال: أعرفتم من منا هو الحمار؟ هذا هو الحمار ألا تعرف يا ثور أنك صاحب ~~سلاح لا ينزع منك؟! فوالله ثم والله ثم والله لو كان لي أحد قرنيك لما تركت إنسانا ~~يقودني. # فأجابه البغل: ولكن لك حافر فلماذا تتركه يسوقك؟! # ولما حان وقت المغيب جاء صاحبهما ليسوقهما إلى الزريبة كالمعتاد، فلبطه الحمار لبطة ~~موفقة أطلعت روحه، فمات لساعته وكر الحيوانان إلى مزربهما لا يلويان على شيء. # ثم كان البحث عن القاتل فاتهم من اتهم. وبينما كانت التحقيقات جارية كان الحمار ~~والثور يتحاوران، فقال الحمار للثور: هل وصلك خبر ms045 الكلب العجيب الذي ينبش المجرم ويقبض ~~عليه؟ # قال الثور: صحيح! ويعرفهم تماما. # فقال الحمار: هكذا يقولون، حقا إنه ذكاء عجيب. # فقال الثور: ما هذا ذكاء. هذي قوة شم. # فأجاب الحمار: أنت لا تعترف لأحد بشيء. شم أنت مثله لنرى ما يكون. نسيت أنه ابن جنسنا ~~ويقبض على الناس متى اعتدوا. هذا فخر لنا يا حبيبي. فخر وأي فخر أن يخوف المجرمين من ~~البشر كلب. ويقر الأمن فيما بينهم. # فمغمغ الثور: تف لهذا الزمان ما أردأه! صار المقام الرفيع فيه للكلب. كان يمشي خلفنا ~~ذليلا، وكانوا يتنجسون منه إذا لمسهم لمسا، فصار ينام على السرير، يأخذون حليبنا ~~ليطعموه إياه في صحن صيني ونحن ما زلنا نأكل في المعالف، وننام على زبلنا وزبل غيرنا، ~~ونشرب من الجرن العفن الأزرق. # فقال الحمار: لا تحسد الكلاب، يكفي أن فرعا منا يأخذ بثأرنا من البشر. الناس الجبناء ~~الذين يغدرون، ويقتلون في الخفاء. فلو كانت لهم سلامة النية والشجاعة ما احتاجوا إلى ~~كلاب تدل على المجرمين منهم. حسبنا فخرا أن حيوانا واحدا من جنسنا يكشف مظالم ~~الإنسان المستبد المعتقد أن الله سلطه علينا فيذبحنا ساعة يشاء. ثم يذبح أخاه الإنسان ~~ليأخذ ماله وهو غير محتاج إليه. هل سمعت أن حيوانا اهتم للغد، فطالب بأكثر من القوت؟ ~~ومع ذلك يسعون للاستغناء عنا بآلات صماء، فما عساه يحل بنا في الغد؟ حقيقة إن المستقبل ~~مظلم. # فقال الثور: والله ما أعرف لماذا لا نفكر بأن يكون لنا ضمان جماعي يؤمننا مخاوف ~~الشيخوخة عند العجز عن السعي، أما قال المثل: من سعى على رجله رعى، وهل يحمل الرجل غير ~~البطن الملآن. # فقال الحمار: أنا متكل على الذي خلقني. ومع ذلك أقول، وأعني ما أقول، إذا كان ليس عند ~~الناس في لبنان مثل هذا الضمان، فكيف يكون لنا نحن البهائم. # وبينما هما يتناجيان انشق باب القبو فدخل كلب غريب لم يعرفا له صورة وجه من قبل، ~~فظناه الكلب الذي تحدثت الصحف عن عبقريته والاستقبال الذي جرى له في المطار، فنفخ الثور ms046 ~~وعج. ونهق الحمار وحاول أن يقطع الرسن. تمثل له شبح جريمته وتذكر حديث الكلب الذي ينبش ~~المجرمين، فخال أنه هو، وأنه جاء ليقبض عليه، أما الثور، وهو البريء من كل إثم، فتشدد ~~وقال: مرحبا بالضيف، شرفتنا بهذه الزيارة أيها النسيب العزيز، الضيف له الكرامة، ولكن ~~بيتنا خال حتى من عظمة، وكل ما نرجوه منك غض النظر عن جريمتنا، ولا تفضحنا بين الناس ~~فيشمتوا بنا. كن نصيرا لبني عمك، فنحن كلنا من ذوي الأذناب وهم بشر ظالمون. إذا قتلنا ~~واحدا منهم خطأ فكم قتلوا من الملايين منا عمدا. كن حيوانا ولا تبع دم بني عمك بطعام ~~مريء يعدونه لك، كنا مظلومين ففار دمنا وقتلنا صاحبنا عن غير سابق تصور وتصميم. # أما الكلب فوقف مبهوتا صامتا لا يفهم شيئا مما حكاه الثور. وتشجع الحمار وقاطع ~~الثور قائلا: يقولون إنك ذكي جدا يا بن العم، والذكي مثلك لا يجهل المادة الكلية ~~القائلة: جناية العجماء جبار، وخصوصا أن الجاني حمار، ثم زوى ما بين عينيه ونصب أذنيه ~~وقال: إذا كان (الاجتهاد) يبرئ الإنسان العاقل من جناية القتل عمدا، أفلا يبرئ هذا ~~النص الواضح كعين الشمس جحشا مثلي! كن فهيما. هذا نص وليس حيلة تلبس رداء ~~القانون. # فابتهج الثور واستضحك في عبه وقال: ومتى تعلم الحقوق هذا الحمار. # ولم يفهم الحمار ما قاله الثور وأتم حديثه: ثم لو سلمتني ماذا يصير؟ إنهم يخلون سبيلي ~~بلا كفالة. في هذا البلد جناة كثيرون، فإذا أردت أن تبيض وجهك مع أصحابك فاقبض على واحد ~~منهم بدلا مني. لا تخف أن تتعب ضميرك، ففي اليوم الواحد ترتكب عدة جنايات. # وبينما كان الثور يحاول إقناع الكلب، والكلب لا يفهم شيئا مما يقال، كان الحمار ~~يتهيأ لمغامرة. يريد أن يموت قبل أن يستسلم لكلب، فلو كان أسدا أو نمرا لهان عليه ~~الأمر. إذا كان المثل يقول: يأكلها السبع ولا يأكلها الضبع، فكيف بالكلب؟! # ولم تنجل الغمرة إلا عندما لف الكلب ذنبه وخرج. وظل الحمار حينا قلقا مشغول الفكر ~~يبكته ضميره حتى ms047 عرف أن الكلب سوقي لا بوليصي ، وقد مر من هناك عرضا. # | قصة السعادة # بين ثنايا جلباب الدهور وغضون جبين الأزل فتشت عنها فلم أجدها. وبتلسكوب هذا الزمان ~~حدقت إلى خيالها الضئيل فرأيته يتوارى ويضمحل وراء ضباب المدنية. # في صحارى الآمال وعلى شواطئ بحار المطامع، بحثت عنها فوجدت الرياح ذرتها رملا في ~~الأحداق فعميت عنها العيون وابتلعتها اللجج، فكان الغائص عليها من المغرقين. # قالوا: إنها بذور إلهية نثرتها يد الخفاء على وجه الكرة الأرضية قبل ظهور الحياة، ~~فبحثت جيولوجيا فلم أجدها بين بقايا إنسان الكهوف وفئوس ومدى الصوان. # لقد التقط عقبان الأبد ونسور الأزل بذور الآلهة وطارت محلقة في الأفق المجهول. سمعت ~~حفيف أجنحتها ولم أرها. ما رأيت إلا شبح العدم جاثما على جبهة الوعر، يرقب ساعة يبحث ~~فيها عن عرشه المفقود ويعصب رأسه بثلجه. # إنه ليوم رهيب يوم ظفر العدم، إذ تصبح أشباح النوابغ رمما بالية، يضحك منها الفناء ~~ويهزأ بها اللا شيء. يوم يقبض العدم على قضيب ملكه (ويؤدب المتشردين). هذا هو لقب نوابغ ~~الأرض في مملكة العدم. # تصفحت الأسفار وقرأت سطورها وما بين السطور فلم أجد إلا شكوكا مدلهمة تزداد على ~~البحث ظلاما. استعرضت جنود العلماء والفلاسفة وفي أيديهم سيوف وقنابل البراهين، فرأيت ~~تلك منثلمة وهذه محشوة رمادا. رأيتهم نياما في ظلال الشكوك والتهكم يقهقه فوق رءوسهم ~~صائحا بهم: ناموا واستريحوا يا نوابغ الأرض فقد ضللتم الناس وضللتم. # مع عمالقة التاريخ وجبابرة الإنسانية سرت برعدة. خلتهم راكضين وراء السعادة فأسرعت ~~معهم فاختفوا عن نظري في صحراء التيه فدخلت أرض الفراعنة وحدي. # رأيت جلال ملوكها أبناء الشمس. تصفحت أسفارهم في هياكلهم، ومع موسى الذي تدرب على ~~حكمتها أمعنت النظر فيها. رأيت عصي الكهان تنساب حيات تحت أقدام الفراعنة فاتبعتها إلى ~~هيكل إيزيريس. رأيت هناك الإله الثور وعلى ظهره النسر فقلت: هذا هو السعادة. صعق الكهان ~~لأن الثور قد مات واضطرب الوادي حزنا على الإله، فقلت: لا سعادة هنا. # طفت حول الأهرام واستنطقت أبا الهول فأجابتني مومياء من قبور الفراعنة: ms048 فتش عن ~~السعادة في غير هذه الأرض فقد حنطنا أجسادنا لتراها صور أرواحنا إن وجدها أحد ~~بعدنا. # سرت على طريق الهند فرأيت رفيقي في هيكل الآلهة - موسى - يلتفت يمينا وشمالا وإذ لم ~~ير أحدا قتل المصري وطمره في الرمل، فسألته عن ضالتي فهز كتفيه مشيرا إلى المصري ~~المقتول. # طويت الصحراء فشاهدت فيها آثار الأنهار فأيقنت أن المدنية رحالة يجوب الأقطار وله في ~~كل منطقة طلول وآثار. ولما وصلت ضفاف الكنج حملت تياراته أثقالا من الآمال وجبالا من ~~التساؤل. # تحت أقدام برهما - ثالوث الهنود - وبين غطرسة كهانه لم أجد أثرا للسعادة. وفي مطاوي ~~(الفيدا) لم أعثر إلا على بعض متحجرات صقلوها ونادوا على الدر والألماس. # اضطرب البراهمة لأن إلها جديدا ولد من خاصرة أمه. يمد يده ليقوض أركان فلسفتهم ~~ويمزق أسفارهم فأسرعت الخطى إليه، أركبني بوذا في مركبته (الإلهية) فجرت بنا نطوي سهول ~~الخيال وتعبر أودية الأشباح، فسرنا نفتش عن السعادة في جيوب الغيوم فكنا كالقابض على ~~الماء. تركته متربعا في ظل شجرته الأزلية يستمد الروح العلوية لتبدد انقباض نفسه، ~~فازداد بركانها ثورانا؛ لأن السعادة طائر لا يستكن في ظل شجرة يستظل بها البشر. # رأيت كنفوشيوس يعلم في الصين، وسمعت تلاميذه يطلبون منه ما أطلب، وهو يعللهم بطبخة ~~الحصى فناموا ولم ينضج الطعام. # عدت إلى أثينا فرأيت في رواق هيكل الحكمة فيلسوفها الخارج على المألوف، المتمرد على ~~التقاليد، نائما في برميله فسألته عن السعادة فدفع إلي مصباحه وقال لي: فتش عنها، ~~فقد فتشت قبلك فلم أجد (الرجل) السعيد. # صعدت إلى قمم الأريمنت فلم أر الطهارة والسعادة كما قال شعراء اليونان فانحدرت إلى ~~الشاطئ وأبحرت إلى بيبلس مدينة الثالوث الأقدس الفينيقي، لأبحث في كتب سنكنتين وطالس ~~فرأيت الشعب يبكي الإله المقتول الذي افترسه الدب في الغينة فغادرت شعبا يفترس إلهه ~~دب، أتعثر بأذيال الخيبة ميمما أرض إسرائيل. # قلت في نفسي: ما لي أفتش عن السعادة ولا أرى إلا بشرية متألمة، ولا أسمع غير النحيب ~~والعويل. # في سفح الطور أعييت فجلست أفكر في ms049 تعاسة الباحثين، ضاحكا من المتفلسفين، باكيا على ~~المتمنطقين، فرأيت موسى اتقد غضبا ورمى لوحي الشريعة فكسرهما في أسفل الجبل. فقلت له: ~~ما بالك يا جبار الأنبياء. يا قاتل المصري، يا شاق البحر الأحمر، يا فالق الصخرة بعصاه، ~~أمثلك يغضب؟! فأجابني: من سعى وراء إسعاد البشر ذابت نفسه وأكلته الكآبة. # نمت تحت أقدام الجبل نوم فتية الكهف، واستيقظت عندما سمعت راحيل تبكي على بنيها. فجلت ~~بأقدام اليأس في خيام الأنبياء، وأكواخ شعراء إسرائيل. فرأيت الشاعر أيوب مفترشا ~~الرماد يدعو على نهاره وليله واللعنة ملء فمه. رأيت شاول صريعا على جبل الجلبوع ومجن ~~الجبابرة معفرا بالتراب. رأيت داود يئن على عرشه موقعا بكاءه على العود والقيثارة. ~~رأيت سليمان طائفا في الهيكل تائها في الشوارع متغزلا بنشيده وقد صادفه حارس ~~المدينة. رأيت حول سريره ستين جبارا، وكل منهم سيفه على فخذه لأهوال الليل فقلت: هذا ~~أسعد البشر، فأصغيت إليه فسمعته مرددا: كل شيء باطل. # سمعت أشعيا بن أموص صارخا في مدينة ذلك الزمان: رؤساؤك عصاة وشركاء للسراق. رأيت ~~أرميا باكيا في صهيون، ومر أمامي موكب من الشعراء الأنبياء الصغار وكلهم غائصون في ~~بحور الأحلام ينتظرون فرعا جديدا من جذع يسي فانتظرت ذلك الآتي، عله يرشدني إلى ما ~~أفتش عنه. # جاء فرأيته في بستان الزيتون رافعا يديه إلى السماء صارخا: يا أبتاه اجز عني هذه ~~الكأس، وسمعته يبكت تلاميذه قائلا لهم: ألا تسهرون معي ساعة واحدة. فقلت: ما لي ~~وللسؤال فقد جئته يوم بؤسه. فبارحت أورشليم تاركا خلفي ضوضاء الكتبة وجلبة الفريسيين ~~نافضا ما علق بأذيالي من غبار تلك الدهور. يممت جزيرة العرب لأسأل عباد اللات والعزى ~~عن السعادة فشهدت مقتل كليب، ويوم أوارة، وسوق عكاظ، وسمعت وقع أقدام نبي عربي فأسرعت ~~الخطى إلى المدينة فصادفته هاربا يتسلق الصخور ويتسرب في المغاور والكهوف فلم أستحسن ~~السؤال في ذلك المجال. # فعدت واليأس ملء صدري من رحلة استغرقت سنين فالتقيت في ضواحي دمشق بشيخ جليل ألبسته ~~الأيام جبة لحمتها العصور وسداها الدهور. رأيت بقربه مركبة نارية ms050 دونها إتقانا طائرات ~~هذا الزمان. فصحت به: تسم يا شيخ. فأدرك أنني استهنته فجرد سيفا لا أدري من أين جاء ~~به؟ ولا أين كان يخفيه؟ فاتقد شعلة نارية فتذكرت صورة في إحدى الكنائس وقلت في نفسي: ~~هذا إيليا لم تخمد نار حدته الأجيال. وماذا يصنع هزيل الأسفار أمام من يستنزل من السماء ~~النار، ويقتل ثلاثمائة وخمسين من الكهان؟! فسألته الصفح عن غلاظتي فابتسم ابتسامة ~~روعتني - وكم من ابتسامة ترتعد لها الفرائص - وبعد حديث طويل أطلعته على خفايا نفسي ~~وأخبرته أنني طفت في الأرض مفتشا عن السعادة. # فقال لي: إنك تفتش يا ابن اليوم عما يفتش عنه شيخ الأجيال. فإن شئت إزاحة اللثام عن ~~وجه الحقيقة فاصعد إلى الأعالي وقابل رب الأرباب. إنما كن جسورا فهنالك من يقفل الباب ~~بوجهك. # فتنهدت قائلا: قبل الدخول عقبات يا شيخ. يا أيها النبي الحي المخلد على رغم الموت، ~~مهد لي الطريق حتى أتعلق بأذيال الباب، لأسمعك صراخا تردد صداه الأرض. # فأركبني مركبته النارية التي أقلته مرة إلى السماء، فاخترقت الأعالي فأفزعت ضوضاؤها ~~سكان المريخ، وأطل علينا من سكان الكواكب أشكال وألوان. # وقفت المركبة على باب السماوات فرأيته مفتوحا ولا حاجب هناك ولا بواب. يلجه جميع ~~أبناء البشر ولا يسأل أحد هناك إلا عن حسناته. فسمعت صوتا يناديني: من أين ~~القادم؟ # حدقت النظر إلى المكان الخارج منه الصوت، ولما لم أر أحدا؟ قلت بعد هنيهة: من ~~الأرض. # فأجابني: ولماذا جئت إلى هنا؟ # فقلت: أفتش عن السعادة. # فقال: ألم تجدها؟ # فقلت: كلا. # فأجابني: ولن تجدها فمطامع المادة لا تحد. إن السعادة روح وهيهات أن تستولي الهيولي ~~على الأرواح. لقد أقلقتم مسامعي يا أبناء التراب، فكدت أصير مثلكم لا سعادة لي. فارجع ~~من حيث أتيت، واسأل سفرائي في أرضكم عنها. # فأجبت: لقد طفت في مشارق الأرض ومغاربها، رأيت الرسل والأنبياء والفلاسفة فلم أجد ~~أحدا منهم سعيدا، أما سفراؤك فما رأيتهم ولا أعرف قصورهم. # فقال: نحن الأرواح لا نستسفر غير الأرواح، فسفيري هو ما تسمونه (الوجدان والضمير) في ms051 ~~لغتكم. # وابتسم البرق وقهقه الرعد فاضطربت . وبعد هنيهة وجدتني في برية مقفرة عاينت على صخورها ~~آثار دم هابيل، فاستيقظت من حلمي الرهيب على قرع ناقوس الواجب. # تأملت في ما رأيت وأخذت أندب حظ إنسانية تحمل على رأسها دم أبنائها الذين ضحتهم ~~المطامع على مذابح آلهة كذبة. آلهة السعادة والأمل. # قلت في نفسي: ما تفاحة حواء وحكايتها إلا رمز السعادة المفقودة. إن ترنيمة (ملتون) ~~الخالدة لهي رمز السعادة وهيهات أن يلتقي (الفردوس الضائع). إن ذلك الطائر الجميل الذي ~~صورته قرائح الشعراء، لقد أفلت من قفصه وهيهات أن يعود. # فيا أيتها السعادة. # أنت سر من الأسرار، عظمته في اختفائه، وإن أدركه البشر يئسوا وملوا الوجود، وما أشقى ~~حياة يملها الناس. # أنت خيال النفس المستقرة في الجسد كالخيال في المرآة. تدركه العين ولا تقبض عليه ~~اليد. وما الفلاسفة غير أطفال يحاولون القبض على خيالاتهم في المرايا. # السعادة تحقيق الأمل، والأمل ابن الطمع، والطمع بحر أزلي لا ينضب ولا يتبخر. # السعادة شبع النفوس الجائعة والنفوس لا تشبع. تجري المادة وراء السعادة، وراء ذلك ~~الخيال، فلا تجده إلا بموت الآمال. ولا تموت الآمال إلا بالموت. وهل من سعادة في ظلال ~~الموت. # العين والسعادة فرسا رهان. من رأى تمنى. ومن تمنى قد ينال، ومن نال ما ينال تمنى ما ~~لا ينال. فلا سعادة لذي عينين. # وبعد تفكر قليل نهضت إلى عملي ولم أعد أسمع إلا عويل المادة بين مخالب العدم، فما ~~أمر اليقظة وأقسى جبار الأبدية والأزل. # | قصصي وأخباري # | عين كفاع # القرية هي عين كفاع، وحديثها حديث كل قرية في الأرض والمريخ، فالناس ناس في كل مكان ~~وزمان، ولا يعقد الحياة إلا المدنية. # عين كفاع لفظة سريانية مركبة، تعريبها: العين المخفية. ووافق الاسم المسمى، فخفيت على ~~الحكومة فكانت كأبي نواس حين قال: # تحجبت عن دهري بظل جناحه # فصرت أرى دهري وليس يراني # ولو كانت تحت الجناح لانتظرت النقف، ولكنها بعيدة عن الحضانة، فلا فرخا أنتجت، ولا ~~بيضة صلحت. # كانت على عهد لبنان معبر القوافل القادمة من ms052 جبيل، وجونيه، وبيروت، وصيدا، ودمشق ~~مثقلة بالبضائع إلى بنادر الشمال: دوما، وبشري، وأهدن، وغيرها، من دساكر لبنان، فكانت ~~الطريق ثرثارة أبدا، لا تخلو من الرجل والحافر. أجراس بغال وجمال تدق، وجلاجل حمير ~~تهمهم، ومكارون يغنون مع الفجر العتابا، والميجانا، والمواليا، والمعنى، والقرادي، ~~وأحيانا أناشيد كنسية مثل: إن قلبي في هوى مريم، وصلاتك معنا، واطلبي عنا، فتظن أن ~~بيعة سيارة فيها أجواق مرتلين لولا سب الدين إذا تعس الحمار أو كبا البغل. أما اليوم ~~فالطريق خرساء طرشاء كمسامع الحكومة عن ندائنا. # نعم خفيت عين كفاع على الحكومة اللبنانية فمهد الأحدب - مهما يكن من شيء فللأحدب ~~الشكر - طرق الدواليب إلى القرى المحيطة بها من الجهات الأربع فزمرت السيارات حولنا في ~~كل فج وعلى الذرى، ورقصنا نحن رقصة الطير، وهكذا ظلت هذه القرية وحدها بلا طريق. لو ~~مهدت الأميال الخمسة الباقية لاختزلت طريق الأرز، وأمن المسافرون حر الصيف وبرد ~~الشتاء. # عاتبنا الدباس عندما مهد طريق مار يوسف جربتا، ولم يبال ببعد الشقة، ودير مار يوسف ~~هذا في وحدة الرهبان فيه بضع راهبات متعبدات فاضلات. وعاتبنا الحكومة فقالوا لنا (غدا) ~~ولولاكم ما مهدناها. لقد صدقوا، استعاروا اسمنا كي يحققوا قول المثل اللبناني: النذر ~~للدير ... إلخ. # وصبرنا حتى ضاق صدرنا فكتبنا إلى الدباس يوم كان دكتاتورا نذكره بوعده فتناساه ولم ~~يجب. وقيل لنا: إنه يطرب للشعر، ورأينا شاعرا يمدحه فيستحق شكر لبنان، فكتبنا إليه ~~شعرا معاتبين لا مادحين، ومما قلناه له: إننا على دين بشار لا نمدح ريحانة قبل شم. أما ~~تلك القصيدة فهذا مطلعها، والكتاب يعرف من عنوانه: # قل للرئيس عداك حظ أنكد # أقرى معذبة ودير يسعد # فما نفعنا الشعر، ولا أجدى النثر، ولم يعد الدباس ذلك الحظ الأنكد. # قال العرب: الحديث شجون. ألا ترى كيف ينجر الحديث، فلنعد إلى عين كفاع. أما موقعها ~~الطبيعي فدونك وصفه الوجيز: «جزيرة برية» على رابية مخروطية مفرطحة قليلا، تعلو مائتين ~~وخمسين مترا عن الأودية التي تطوقها. خطط الجدود قريتنا الصغيرة في عين حكومتنا، فإذا ~~نظرت إليها من ms053 جبل معاد تخالها حلزونا، يحدها شمالا نهر شتوي يسميه الجغرافيون نهر ~~المدفون، وغربا واد شتوي أيضا يصب في النهر، وقبلة وشرقا سهل مقعر قليلا، مساحته ~~بضعة أميال مربعة (تمت حدود بطريركية فارناي # Ferny ~~) إن ~~صح ما قاله فينا الأب ل. خليل (بشير 4 تموز 1935). # في هذا السهل غرسوا وغرسنا الزيتون، والحكومة من الملاكين أيضا في هذا السهل الخصيب، ~~وكم زجت - على عهد السلاطين - في السجون من أبرياء اتهموا بعقر زيتونها، وما كان الجاني ~~غير العاصفة، أما في صدور الجبال المتكئة حول عين كفاع، كثبير امرئ القيس في عرانين ~~وبله، فأغراس عنب وتين وكل ما عرف الفلاح اللبناني من أشجار مثمرة، فصار يحق لنا أن ~~نرتل: # والتين والزيتون * وطور سينين ~~* وهذا البلد الأمين ~~. حقا إنها بلد أمين ~~ممن يدخلون القرى فيفسدونها. # إذا تأملت ترى الحيطان منظمة كسطور ابن مقلة فتحسبك في مدرج روماني والعرائش كالعرائس ~~تجلل قلالها كأنها عذارى دوار في ملاء مذيل. # والقمم وما أجمل تلك القمم تختبئ خلف بعضها كعذارى لبنان في محفل، عنيت القرويات لا ~~المتسابقات إلى عروش الجمال. # الوادي الشمالي رهيب جدا، وضيق جدا كصدور اللاهوتيين المتحرجين، تتناوح فوقه ~~الجبال حتى تتصافح، يمتد من ميفوق إلى سيف البحر حيث بني على قدميه جسر المدفون. ~~مسافته عشرون ميلا أو تزيد، وتعاريجه أوضح ما تكون في عين كفاع، فكأنك أمام فسطان ~~الملكة فكتوريا المثنى والمطوى بشكل ملوكي. ولو كان هذا الوادي الذي تطل منه القرية على ~~البحر عريضا تجري فيه المياه لقلت لك الدردنيل أو البسفور. ولكنه يضيق فيصير قيد باع ~~فقط. وفي هذا كان يربض الناس لتحية بعضهم في الليالي السوداء، وكل ليالي (الزرادات) ~~سوداء، وأنى لضوء القمر أن يبدد ظلمة لا تكاد تنيرها أمه. # في القرية وحولها هوى عديدة، فقرب بيتنا هوة سدها جدودنا فصرنا نقصد هوة (المساسير) ~~حيث ندهور الحجارة ونصغي إلى صوتها وصداها، فتتساقط من درجة إلى درجة فنعد السبعين ~~والثمانين ولا نزال نسمع التدهدي، حتى اعتقدنا صغارا أن هناك باب جهنم، وكانوا يخوفونا ~~بخروج ms054 الجن والشياطين والعفاريت والرصد من فم تلك الهوة الرهيبة ليصدونا عنها، وللرصد ~~حديث مثير لا نضن به عليك. # حول القرية كهوف تعد بالعشرات، مهرتة فوه ككواسر لامية العرب، فكأنها فم الدهر يحدثنا ~~بما مر أمامها من مشاهد وعبر ولا نفهم ولا نعي شيئا. # أما غابات القرية، وجل أشجارها سنديان، فمربعات ومثلثات وموشورات على جوانب كرومها، ~~وفي الجهة الغربية غابة تكسو الجبل من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وفي الجهة الشمالية ~~بقعة كبيرة كلها من الآس. # القرية نصرانية مارونية وقديسها مار روحانا يعيدون له في 29 أيلول كأنه عيد القطاف ~~والعصير، أو مناحة أمنا على فتى فصولها. إن عجائب القديس روحانا كثيرة، أكثر من عجائب ~~يسوع، وحياته غرائب سأحدثك عنها يوم عيده، أما الآن فإليك أنموذجا منها: نجى القديس ~~صبيين من أسد (رديء) كاد يفترسهما، وإن سألت كيف ذلك؟! قيل لك (عجائب الله في ~~قديسيه). # أما صورة القديس فتنبئك أنه أجرى نهرا حال دون الأسد وفريسته، فأقعى يعوي كالكلب ~~بالمقلوب. وعندما شككت صبيا سألت جدي الخوري: ماذا صار بالنهر بعد نجاة الولدين، وأي ~~أصعب أقتل أسد أم إجراء نهر؟ فانتهرني قائلا: سد بوزك آمن يا صبي ولا تسأل. ~~وسكتنا. # ومن عجائب قديس ضيعتنا أيضا أنه (استنبع) عين ماء لقرية ظمأى استغاثت به، ولم يذكر ~~السنكسار أنه استعان بالعصا كموسى، ليته يرق للقرية المتعبدة له. فهي ظمأى تفتش منذ ~~أجيال عن العين المخفية (عين الوطأ) ولا تجدها، فالأسطورة القروية تقول: إنها مغطاة ~~بسبع لحف! # سألت القديس روحانا ليلة عيده عام أول، بعدما أعيتني الحيلة وبقيت الضيعة بلا درب أن ~~يعمل عجيبة واحدة، فأجابني: إن الله لا يأذن بعمل العجائب اليوم. # فقلت له: ما أقل حظنا! فأجاب: نعم. ألم تقف الحكومة عن تمهيد الطرق حين جاءت ~~نوبتكم! # قلت: ولكن الحكومة تعمل متى شاءت، وتنفق عشرات ألوف الليرات على توسيع طريق وتعبيدها، ~~وتعتذر بالمراسيم إذا أبت. # قال: ونحن أيضا نحتج بقلة إيمانكم. # قلت: لو لم تبق شماسا لظل الرب يستجيب لك ويرخص بالعجائب متى ms055 طلبت. # قال: وحكومتكم كذلك لا تسمع إلا للمتقدمين في الأخوة. # قلت: هذا تعبير عتيق، فالذين تعنيهم يحملون اليوم ألقابا فخمة، وإذا لم نقبل أيديهم ~~راكعين حاسرين يحردون. # قال ... # قلت ... # أما بيت هذا القديس (كنيسة الخورنية) فبنيانه فخم متين مشيد على بقايا برج قديم لا ~~تزال آثاره ماثلة، فزاويته القبلية الغربية راسخة على حجارة ضخمة كأنها من قلعة بعلبك، ~~وإن كانت دون الكبرى ضخامة، فكأن حجارة الهيكلين من مقلع واحد. أما درج الكنيسة فداخلي ~~وهي أشبه بحصار منها بهيكل، وفي خاصرة حنية الكنيسة حجرة مخفية أعدها القدماء مدفنا ~~لكنوزهم، إذا اجتاح الغاشمون قريتهم وأخذوها عنوة. وسنديانة الكنيسة الضخمة الهرمة التي ~~أكلت الأيام جذعها، كقلوب الفريسيين، فتحدثك بعمر الهيكل. فعين كفاع - كما ترى - حصار ~~طبيعي لا يدخلها الجباة ومبلغو أوامر الحكومة إلا من بابها الشرقي، ولولا هؤلاء ما عرفت ~~القرية أن في الدنيا حكومة. فعين كفاع - قبل الطائرات - كانت قرية محسدة في ليالي ~~الأهوال لا يلجها أحد بلا تعب وعناء، ومن يضل الطريق لا يستطيع الخروج منها إلا إذا عاد ~~من حيث أتى. # حدثني جدي عن الأمراء الشهابيين يوسف وبشير ورجال حكومتهم كيف كانوا يأتونها لصيد ~~الحجلان والقطا (الحمام البري) بحاشيتهم وبئزانهم، ودلني على مقعد الأمير في الوادي ~~الرهيب - القطين. في هذا الوادي الجبار المقطب الجبين كان لرهبان ذلك الزمان المتقشفين ~~دير عظيم جدا لا تزال آثاره ماثلة # 1 # ولخراب الدير أسطورة نذكرها في حينها. # وعلى الجبال عدة هياكل يتهددها الدمار: مار عبدا، ومار سمعان، ومار سركيس. في دير مار ~~عبدا تخفى المطران يوسف اسطفان حين أهدر الأمير بشير دمه بعد (عامية أنطلياس ولحفد) وفي ~~الذروة الغربية تجثم كنيسة معاد القديمة # 2 # كأنها إحدى قلاع دردنيليا البري. # وعلى جبالنا وفي أوديتنا كان يلهو مواطننا الإله أدونيس، وكانت نمورتنا أشد احتراما ~~للمعبود فلم تفترسه كخنزير الغينة البري. # هذه هي عين كفاع المسكينة، ومن محاسنها اليوم بعدها عن الضوضاء، فكأن الحكومة الجليلة ~~أرادت أن تبقي في بلادها المحروسة نموذجا للقديم فما وجدت أصلح من ms056 عين كفاع في بلاد ~~جبيل، مهد الديانة والحضارة الأول، فسدت أذانها عن نداء أهلها. تعتمد القرية على الحرير ~~وقد مات، وعلى الزيتون وهو يحتضر، وعلى الكرمة والتين وقد هرما، وعلى التبغ، ويد شركة ~~الحصر آخذة بخناقه، وعلى السفرجل والآجاص وغيرهما فلا تبيع ثمرة لتعذر النقل، فتسقط ~~الثمار تحت أماتها وتغني المزارعين عن الأسمدة. # سماء عين كفاع صافية كقلوب القرويين فلا ضباب ولا رطوبة. أفق كعين الديك لا يتعقد فيه ~~سحاب إذا أصفنا، ثمار استبدت باللذاذة، وخمرة دونها خمرة شمبانيا وبوردو، ذاقها أجانب ~~كثيرون فأعرضوا عن خمرتهم واحتسوها متمطقين. # عين كفاع مجرى هواء وللريح فيها هينمة أزلية، ولولا أن عين كفاع على قمة لقلت لك إنها ~~ومحيطها كصحن مثروم. يمر الصيف ولا يلزم واحد فراشه. الجميع في عرازيلهم وعلى مصاطبهم. ~~عرب متحضرون ينامون على ابتسامة القمر، ويستيقظون على غمز النجوم. لا يعرفون البق ~~والبرغش، الجداجد تزمزم في أوديتهم كابن المقفع ليلة إسلامه. والحجلان نقوقي مترحمة على ~~المعري، والثعالب تعوي مسبحة خالق الدجاج والعنب والقثاء، فتجيبها الكلاب فتسد ~~بوزها. # في عين كفاع تنتهي حدود الزمن، ومقاييس الناس، وعرف البشر وتقاليدهم، فناموسيتي فيها ~~مزرقة مدبجة بالماس غماز، ومناطها الجاذبية كما يزعم أحفاد نيوتن، وكرسي رفرف أو ~~أفريز أو صفة. المحصول مشترك، لا بيع ولا شراء إلا إذا ضخمت الكمية. على الغريب ابن ~~السبيل أن ينادي الناطور ثلاثا فإذا لم يجبه حل له دخول الكروم والأكل من ثمارها، ~~الأكل مباح أما الأخذ فسرقة وتعد، تلك هي الاشتراكية المعتدلة. # كثيرا ما كان يزورنا مجهولون ويصرفون في وادينا أياما وأسابيع وشهورا فنقريهم مما ~~ملكت أيماننا، حتى يستسلموا إلى الشريعة التي تطاردهم، أو يعفى عنهم. # إن يد الشرطة والجند قصيرة عن مطاردة الأشقياء في وادينا الرهيب. سنقص عليك أيها ~~القارئ أحاديثنا، وهي شتى الأنواع والألوان فإن شاقتك فحسبنا، وإلا فنحن في حديثنا ~~ماضون، ففي النفس أشياء لا بد من البوح بها وتسجيلها عملا بمثلنا القائل: «بحنا ~~واسترحنا». # | عيد الصليب من عين كفاع # جبل جاج أقرع، قاعد بوجهنا ms057 ككبير أناس امرئ القيس. بجاده رمادي مجعد، وفي وجهه نكت ~~كأنها البثور التي تأتي الوجوه على الهرم. تلك فضلة أرز تشهد لنا عند الدهر على ~~(أصدقائنا) الذين يأخذون منا جزية المحبة. بل بقية كأس شربناه منذ كانت الألوهة فينا ~~والمعبود منا. وإلينا ابن التي كانت لأورويا فكان أطمع من أبيه. حلق الرءوس ونعم، وصار ~~الحالق عريسا والهيكل مضجعا لحبيبته الجميلة بالحذاء، إن (يهوه) كان في كل عهد حجل ~~صيد، وبيته ستارة. # سامحك الله يا حيرام. # يظهر جبل جاج من عين كفاع كحنية مذبح سقط عقدها فعوضها الله منه قبته الزرقاء. تتدرج ~~إليه الذرى كالكاهن إلى مذبح ربه، فما أجمله والغروب يلفه بعباءته كما اشتهى الزاجل ~~اللبناني أن تفعل به حبيبته. # تلوح في الأمد الأبعد قرنة جفرون فتخالها منبر واعظ بليغ لا يفلق الناس كلامه المعاد، ~~ولا تمل العين حديثه الصامت، وإذا لاحت عليها نار الرعاة حسبته منارة بحر ~~الظلمات. # يؤثر بي جدا منظر الغروب ولا سيما بعد ما مال النهار. وها أنا أرسمه لك من خلف ~~تاركا لغيري وصفه من قدام، فإذا احتضرت الشمس خلت جبل جاج جمرا مكسورة حدته، حتى إذا ~~فارقت الشمس المريضة رمد رويدا رويدا، وازرق من خلفه الأفق الأغبر، ثم تشتد الزرقة ~~وتسود إذا طالت غيبة القمر. فلو شهد فولتير غروبنا العجيب لنساه ذاك الشروق الذي انخلع ~~عقله حين شاهده. # ولجبل جاج منظر نهاري أريد أن تعرفه. إن اتزرت سماؤنا حلقت الشمس فوق الغيم وضربته ~~فيلوح كسبيكة فضة خارجة من تحت يد الصائغ، فالشمس عندنا تفضض لا تذهب. # وإذا استقبلت عند الدغيشة ملعب أدونيس ومرتع الزهرة - جبل الفتوح - تراءت لك سنديانة ~~أغبة الوحيدة، الواقفة في الرقيع بين عاليه وعين الكفاع، كأنها شبح أحد الأجداد الذين ~~عمروا هذا الجبل، وإذا أشملت نظرك رأيت البحر كشقة كرمسوت تلبق بعشاق البرفير ~~والأرجوان. # كثيرا ما يصعد الدخان عند أقدام السيد المتكئ فنحسب الناس يبخرون ضيفهم الدائم، ~~ويستنير الأفق قبل وصول راعي النجوم فتخال نارا توقد خلف جبل (القرين) وتوشك أن ms058 تحرق ~~شعور بنيات الجبل، ثم تتسع قنطرة النور وتبدو صلعة ملك الليل كرقيب يتسرق من وراء جدار، ~~حتى إذا قارب قرصه الثلثين خلته قاووق جدي الخوري لو كان طوبه البابا وصوره داود ~~القرن. # وإذا علا القمر ذراعا تأخذ الظلال في الهرب من وجهه واحدا خلف واحد، كعذارى لبنان ~~القرويات من وجوه الزائرين. ظلال تمثل للشاعر دنيا لا يحلم بها إلا من كان كشاعر بنت ~~الرقمتين يرى بعينيها وترى بعينه، وإذا علا القمر قامتين اشتد البهق وتوارت الأشباح في ~~الكهوف، واختفت في الأودية هاربة من وجه الفاتح، وتجلت كنيسة بجه تحت برقع النور كأنها ~~قلعة فقرا. # أما وادينا الرهيب فيظل متمردا ولو استوى الملك على العرش، فهو خارجي كابن الزبير لا ~~يبايع ولو صلبوه. ضيقت جباله علينا، ولكنها أرتنا الشمس على ضربة حجر منا، فظننا يوم ~~كنا نحلم أن ملكوت الله لنا وحدنا، إننا ندركها بيدنا إذا استوينا على قمة ~~(الشباع). # وإذا ترطب الهواء الغربي ظهر جبل معاد قرب الفجر الكاذب ككاهن مربوع عريض الكفل يلبس ~~درعا من القطن المندوف مشرشر الأطراف. # هذا مشهد أراه كلما اكتمل القمر. أما المشهد الذي أراه في العام مرة فهو ليلة عيد ~~الصليب. # أقف ليلة العيد قرب الغروب فيطير عقلي من رنين الأجراس المتجاوبة حولي في أودية ~~ومغاور وهوى وآبار عين كفاع. وأسمع ما لو سمعه بولس حين رجع غانما من السماء، لما قال: ~~لم تسمع به أذن ولم تره عين. فهذا يتحقق عندنا ليلة 14 أيلول. # التفت صوب الشرق فرأيت نور الشمس يزنر الجبل، كأنه يشد حقويه كبطرس، وإن لم يذهب به ~~حيث يشاء كما أنذره معلمه، وصعدت نظري إلى قرنة حفرون الناتئة كعرف الديك، فخلت يسوع ~~والشيطان واقفين عليها يتعاتبان. يذكره إبليس بفرصة ضيعها، ويعرض عليه الدنيا مرة أخرى، ~~فعجبت واعجب معي أنت لشيطان يعرضها على ربه! وإن قلت لكاهن هذا يدور بك حول (الطبيعة ~~الإنسانية) حتى تدوخ، وإذا قلت شيئا آخر قال لك (بحسبما هو إله) وهكذا تكون دائما بين ~~نارين مع ms059 (المحامين) عن الله، وهم كالهر لا يقع إلا واقفا، فارمه كيف شئت . # وكأنني رأيت الجدال انتهى بقول عدو البشر للمخلص: هذه شواربي احشها إن ظهرت لهم ولم ~~تأكلها، ولكن السيد تغلب أيضا على جبل جاج ولم يدخل في التجارب، وإن لم يتجرأ على ~~الظهور فهو يعرف ما عنده ويحب السترة. # أخذتني هذه الأفكار حتى بدت أنوار العيد، فصعدت إلى (قبة الوادي) ودقت أجراس الجوار، ~~فحسبت داود قام وهو يرقص ويرتل للتواب الرحيم، وعينه على أوريا أخرى، لا تستبعد حديثي، ~~فمن عين كفاع أسمع ثلاثين جرسا وأكثر تدق كلها في تلك الساعة، فتصور كيف تكون؟ ثم علت ~~التهاليل على القمم، فخلت كهان الكنائس المتهدمة نفضوا غبار القبر وتجمعوا على الذرى ~~يصرخون مع الصارخين: محبة بالمسيح كيرياليسون. # وبين تهاليل الفتيان وهتاف الصبيان وتسبيح الكهول والشيوخ، تندلق ألسنة النيران من ~~رءوس وأحشاء الجبال، كأنها ألسنة أفاعي الشك، ثم يتعالى الدخان كسلم يعقوب المشهور ~~فتقول: هذه ساعة القيامة والدنيا تحترق، كما زعموا، وتحسد المستعدين، وهكذا تستحيل ~~بقعتنا معبدا منيرا، فتغبر الفقاقيع الغائمة على كأس الفضاء الذي يشكل عندنا كأس ~~شمبانيا. وإذا جاز القاطع والمانع في التشبيه كما يحلو في المنطق قلت: محيطنا كقشرة ~~بيضة - كبر ما شئت - نصفها من الغبراء، والنصف الآخر من السماء. # تخيل أنت ما تشاء، أما أنا فأصف ما أرى، وإذا لم تصدقني فشرفنا بزيارة. # لاحت لي طغمات الوقيد على رأس جبل (بوشال) كصفوف عسكر في الجبهة؛ لا تضمحل فرقة حتى ~~تتقدم أخرى، والدخان ينعقد فوقها كليل بشار، ولكنها حرب بلا رماح ولا سيوف. فالكواكب لا ~~تتهاوى. # تحلق الأنوار على الجبال، كأنها جراحات السيد تفتحت على التلال لتغرق الكتبة ~~والفريسيين بطوفان أحمر، أو كأن للجبال عيونا محمرة تتفتح على الأمة الجريحة، ثم تنطبق ~~خوفا من جلال المشهد. وتسمع خشخشة الهشيم المحترق، كأنها فحيح الثلابين، وكل هذه ~~الأصوات تتحد لتصير صوتا واحدا يهتف مع المعيدين: محبة بالمسيح كيرياليسون. # إنهم يكرمون المسيح باللهيب ويسوع كان لهيبا حقا، كما قال الشاعر السرياني في ~~بيلاطس ms060 ومحكمته: قامت القشة على الكرسي حتى تدين اللهيب. # إن نار تلك الخشبة ستظل متقدة ما دامت الإنسانية في حاجة إلى نار ونور، فمن للمقهورين ~~غير الناصري الشهيد، فهو إمام المجاهدين، ومن يقتد به لا ييأس. فسلام عليك يوم ولدت، ~~ويوم تموت، ويوم تبعث حيا. # أهلا بك يا سيد، ولكنك طولت الغيبة. عجل عجل. # لو ترى محبة بالمسيح كيرياليسون تطير عن رءوس الجبال كالعقبان وتتصاعد من الأودية ~~كاليمام، لهتفت معهم: هاللويا كيرياليسون. فما أعظم هذا الضعيف وما أسعده، ولئن طرد من ~~القصور فهو سيد الأكواخ ولا يذهب من مخيلة الشعراء. # عظيم هو هذا المصلوب. يدفئ أنفاسنا ميلاده، وتفرح معنا الأرض بقيامته، ونودع الصيف ~~بمهرجان صليبه. # إن جبال بلادي أبهج منظرا، وأعطر روائح من جبال الأرز كما قلت يا رينان. فلو تراها ~~ليلة هذه المحرقة البريئة لقلت أكثر، ولو رأيت محبة الناس ليسوع ليلتها لتيمك ~~حبه. # يخزي الله من يكفرك، ولكن الذي كان في أورشليم كالدجاجة الغريبة صار عندنا ~~أغرب. # حللت يا يسوع محل ابن عمنا العاشق، وإلهنا الولهان الطماح، فأهلا وسهلا ~~ومرحبا. # علمتنا: أعطنا خبزنا كفاف يومنا فهات خبزا. # إننا ننسى ليلة عيد صليبك أوجاعنا، ونصدق من خبروا أنك حملتها عنا، ولكن صباحنا أسود. ~~إن خيراتنا بين أيدي هؤلاء المهللين ليلة عيدك، والمتوجين في صباحه، والمعجن عدو ~~الرغيف. # أعطينا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، فأصبحنا على الأرض البيضاء، فهل عندك تعليم جديد ~~تبلونا به لنؤجر؟ # البشرية كلها علينا، والدينار الذي رأيته في القدس نام مثلك في الحبس. قلت: لا تعبدوا ~~الربين فتركناه وتبعناك، فانظر ماذا تعمل لنا، هات ما عندك يا يسوع فالاتكال ~~عليك. # هل من هرقل يخلصك من أكاسرة اليوم؛ لنعيد لك عيدا جديدا؟ هل من هيلانة تنجيك من ~~الرطوبة التي ألبستك قميصا من الزنجار، أنا والله خائف عليك من الاستسقاء. # سلام أيها القروي، والمجد لك يا ابن الضيعة. ~~(نوروا) يا مساكين، نور الله عقول رعاتكم، إن بساط الصيف واسع، أما الشتاء فطوبى ~~لمن يقطعه. إنه يعيش عمرا جديدا. ms061 تعللوا بقول معلمكم: من يصبر إلى المنتهى ~~يخلص. # عظموا الخشبة بعد ثلاثة عشر قرنا، واسألوا الله أن لا تسوس. # وقرب نصف الليل انتهى الفيلم، فقعدت منهوكا كمن قطع عشرين واديا، وهبط ربعي عن ~~التلال، وجرى حديث عن الرب يسوع سأنقله إليك فلا تلج بحياة ربك، وإذا عذرتني كما عذر ~~جارته بنت المجدل فربحت سعادة الدارين، نعمت وإياك هناك بجيرة ذات النورين، ليت لي ولك ~~ربع حظها. # | مجلس القرية يلوم الحكومة # لا نعني بمجلس القرية المختار والعضوين المعينين من الحكومة. فمجلسنا هذا لا ينتخب ~~ولا يعين، ولا يتقيد بعدد، وليس له نصاب قانوني؛ قبته سنديانة الكنيسة ودورته دائمة، ~~قبل القداس أو الزياح. نعقده حيث نجتمع؛ في السهرات، في عيادة المرضى، أو السلام على ~~الغائب، فالسلام عندنا يحل على من يغيب عن الضيعة ولو يومين. # من حضر باع واشترى فالأمر شورى بيننا، ولا خلاف على الرئاسة، فما أحد خير من أحد إلا ~~بالصحة والعافية والرأي السديد. فإذا دارت الغربلة والبخل حسبتك في طاحون أنطلياس، لا ~~محاباة ولا شفقة. المجلس دينونة رهيبة، ومن يشهده خال أنه في وادي يوشافاط، والويل لمن ~~ساءت سمعته وقلت هيبته، فالمجلس يشجبه ولو كان رأسه ينطح السحاب. # أما الاجتماع الذي أحدثك عنه، فكان مساء الاثنين 16 أيلول، فأكثر القرية ينتظرون صاحب ~~البريد عصر الإثنين أو الجمعة، وهو لا يخرم ولا يخلف الميعاد. استبطأه الناس ذاك النهار ~~فتفرقوا ليتعشوا، وعشاء القروي مع غياب الشمس، فكأنه صائم رمضان أبدا. # نهق حمار صاحب البريد في سفح القرية عند الدغشة فرددوا: جاء، جاء. وازدردوا لقمتهم ~~ملهوفين، وعادوا إلى الاجتماع على سطح البئر، وإن شئت تعبيرا جديدا قلنا لك ~~(الفيرندا) لا السطح والمسطبة. # كانوا فيما مضى يسألون بطرس - البوسطجي - عن المكاتيب المضمونة الحاملة بشائر الفلاح، ~~لأهل الكادحين عبر البحار، ولكنهم صاروا غير مرغوب فيهم حتى في السنغال، أما اليوم فكل ~~بضاعة البريد وطنية؛ بلاغات محاكم، وإنذارات، رسوم مسقفات ومسكرات، وغرامات يجود بها ~~بعض الجنود الخيرين على من يفتح باب بئره، أو لا يعمل ms062 السدادة باطونا أو حديدا. ~~فباتوا في هذه الأيام الرحراحة يتهافتون على الجرائد. كل يتناول واحدة من الصحف ~~والمجلات التي ترد علي. الجميع يعنون بأخبار الحرب؛ فالملسوع يخاف من جرة الحبل، فحرب ~~الأمس أهلكت نصف سكان القرية، وسكرت حارة برمتها. أستغفر القلم والذاكرة بل فتحت ~~أبوابها وسقوفها، أما اليوم فعادت الضيعة كما كانت من قبل نقدا وعددا. # كانوا يتوقعون أن تعلق الحرب بأوروبا فابتدروا سلاحهم؛ من خروب ما كانوا يبالون به، ~~فصح قول المثل المحلي: جاء من يعرفك يا خروب، وثمار لم يكونوا يحرصون عليها لو لم ~~يتذكروا كيف كبرت قيمة التين وابيض وجه الخروب، فصار دبسه سيد المائدة زمنا، ككافور ~~في مصر. # بشرتهم الصحف بالسلام العالمي، فدعوا للآفال ولجنة الخمسة، وحيوا الأساطيل الإنكليزية ~~الساهرة على السلام بأعين لا تنام، وانصرفوا إلى الأخبار المحلية، فلفتت نظرهم الموازنة ~~فتداولوا حديثها. أما ساعي البريد بطرس فما وعى شيئا من هذا، انبطح يشخر، وكيف يسهر من ~~يطوف زهاء ثلاثين قرية في الأسبوع مرتين، وفي خرجه مئات الرسائل المضمونة التي تفتقد ~~بها الحكومة رعيتها، وتحصل الغرامات. # وخف عدد الناس فصعدنا إلى (قبة الوادي) لأن الليلة كانت حرة، فقعدنا حلقة على الحصير ~~كأننا في حلقة النظام، أو أحد المحدثين. بضعة عشر شخصا كل وجريدته، وبينا أنا أفتش في ~~صحف فرنسا عن نبأ الكاتب الشهير هنري بربوس إذا بواحد يشق الحديث قائلا: هه، صدقوا ~~الميزانية. # فاشرأبت الأعناق وقال واحد: أية جريدة معك. ~~- صوت الأحرار. # وقال آخر: كم مليونا. # فأجاب: أربعة ملايين و... و... وكسور. # وسأل أكثرهم: والطريق ... # وكان سكوت وتغامز، أما أنا فنمت عن هذا الحديث وتشاغلت بصحيفتي. إن قصتي مع قومي، ~~وكلهم خير مني، كقصة الأرملة وطبختها لبنيها. وهل وعود حكومتنا غير هذا! أما تلك فجاءها ~~عمر وكيس الطحين على ظهره، أما نحن فقدرنا لا تزال منصوبة على الموقدة والطعام لما ~~ينضج، غير أننا ما نمنا ولن ننام؛ فالجوع فضاح. # فنهرني شيخ مجلسنا ونهزني قائلا: أيش بك، احك. اكتب للدباس. # فضحك فتى منا خفيف، فخفت أن ms063 يغضب الشيخ لأنه شواط، فتواضعت له وقلت: يا خال، الدباس ~~مات، وموعد وصول جثته من فرنسا يوم عيد مار روحانا (29 أيلول). # فهمد كالمخجول وقال: أنا ما عرفت! الله يرحمه، عمله مليح مع جيرتنا، من الريس ~~اليوم؟ # قلت: حبيب باشا السعد. # فقال: عال عال. إذن اكتب للباشا. # فأجبت: عرضنا له عام أول. # فابتدرني قائلا: أنت ومن؟ # فضحكت، لأن ضمير الجمع معدوم عندنا، وقلت: أنا وأنتم. # فقال: وأيش صار. # قلت: ... # فهز رأسه وقال: هيهيء، وأطرق طويلا. # واستلم الحديث شاب فقال: الطرق تعني مدير النافعة، لماذا لا تحكي معه؟! # فقلت: حكيت. ويشهد لي الصديق كرم ملحم كرم. # فقاطعني قائلا: صاحب ألف ليلة وليلة. # فقلت: نعم هو بعينه. # فاعترض آخر وقال: عليك بمدير الداخلية. # فقلت: كلمته في بيت صديقي نسيت عازار، في غرزوز. ورأى أحدهم أن المحافظ يقدم ويؤخر، ~~فأجبت: كذلك فعلت في غرزوز، ثم ذكرته في عاليه. # وقال أحدهم: والقائمقام. # فقلت: آخر حديث كان بيننا يوم عيد مار يوحنا (24 حزيران). سألني إذا كان عندنا مشاع ~~فقلت له: الضيعة كلها مشاع. ووعدني بزيارة، وأظنه فزع من الطريق فتأخر. # فقال أحدنا: يا هو، نسيتم النواب. # فأجابوه: النواب يسألون عنا ويعرفوننا قبل الانتخاب، النواب مساكين ما بيدهم ~~شيء. # أما شيخنا فاحتد وانتخى - هو خائف أن يموت ولا يصلي عليه المطران - وأخذ يشيخ علي: ~~يظهر يا خالي أنك تعرف تخربش على الورق، وتطقطق على الآلة (الآلة الكاتبة) ليل نهار. ~~خبرهم عن طريقنا أنها أهم درب في جبل لبنان، (قادومية) تربط الدنيا ببعضها. ما سمعت حكي ~~الجرائد عن سيدنا البطرك؟ لا تتعجبوا، البطرك ملزوم يمشي! المجمع اللبناني يأمره بزيارة ~~أبرشيته، هكذا قل لهم حتى يعرفوا حالهم. # فعلت ضحكة أحس بها الشيخ - مع أن الفتى أكل ثلاثة أرباعها - فعقد حاجبيه ودار ثم قال ~~لي مشيرا إلى الشباب: أولاد! الحكي معهم ضائع. يا مارون، ما قلت للحكام إننا دفعنا ربع ~~المجيدي، ونصف المجيدي، والليرة، والربع. منذ سنة الستين إلى اليوم، والحكومة ما صرفت ~~بارة واحدة على دربنا، لو ms064 ردوا لنا مالنا بلا فائض عملنا أحسن درب في لبنان كله بلا ~~جميل مخلوق خلقه الله. # فقلت له: قلت لهم كل هذا، وقلت لهم أيضا: إن الحكومة اعتبرت دربنا فعدتها من ~~(المنافع العامة) بقرار سجل في النافعة تحت رقم 2116 بتاريخ 22 آيار سنة 1932 وقلت لهم: ~~إن شق الباقي - 6 كيلومترات - يربط الشمال بالجنوب وتنفتح أقرب درب إلى الأرز وقلت ~~... # فكأنه رثى لي فقال: طيب، طيب، يظهر أنك قلت كثيرا. لماذا ما سمعوا لك؟ # فأجبته: لا أعرف! فهز رأسه واحتبى. فقال واحد: كل هذا تعب باطل، ما لها إلا ~~الفرنجي. # وبهتنا محيرين فضحك شاب من عادته قراءة الجريدة من العنوان إلى الإعلان وقال: خبر ~~كويس. # فأصغينا إليه، فقرأ علينا خبرا أذاعته جريدة الراصد، وهو أن مدير الداخلية طلب من ~~القائمقامين تقديم تقرير عام عن حالة كل قرية ودسكرة، ومبلغ حاجتها إلى الإصلاح من ~~ينابيع شحيحة وملوثة وأمراض. # فهتفوا جميعا: نشكر الله، لا ينابيع ولا أمراض. # فقال: اسمعوا. وأتم: والطرقات اللازم فتحها وإصلاحها، فصاحوا جميعا فرحين: جاءت وجاء ~~بها الله. # وخفتت أصواتنا فقال واحد مشئوم: اقرأ تفرح، جرب تحزن. # وقال آخر لعين جدا: إذا وعدتكم الحكومة بضريبة صدقوا، أما إذا قالت لكم أعمل الطريق ~~فيا طولها غربة. # فهز الخال رأسه وقال: إذا بقينا على ما نحن كيف يزورنا سيدنا البطرك، أظن الحكومة ~~مهتمة بالطرق لهذا السبب. # فتبسم الكثيرون، فعدا الشيخ طوره، وكاد يخرج من جلده، وصاح بنا: عيب علينا أن يجيئنا ~~البطرك ماشيا. ثم هدأ لحظة، فصمتنا نكظم الضحك، فقال لنا: بدا لي فكر. # فقالوا جميعا: هاته يا بو يوسف، فأجابهم: غدا متى جاء سيدنا احملوه من أول (خراجنا) ~~إلى آخره؛ لئلا تصيبه مصيبة عندنا تصيرنا مثلا بين الناس. استرنا يا رب. # وتحرك للذهاب، فنهضوا جميعا كأنهم معلقون بخيط واحد. # أما ما أقره (برلماننا) قبل الانصراف فهو أن نقطع الصفحة السادسة من عدد الأحرار (20 ~~تموز و24 آب) ونرفعها إلى حضرة مدير الداخلية، مع العريضة التي نصوها هم، وإليكها بعد ms065 الترجمة: # تطلبون إفادة القائمقام عن قريتنا، فلكي تعجلوا في شق طريقنا - وزاد الشيخ: ~~قبل حضور غبطته - وتحسبوا حسابنا في الميزانية الجديدة ، أرسلنا ما كتبه أحدنا ~~مارون عبود عن قريتنا وطرقها، فإذا لذلكم (النحو) قرأتم ما كتب، وإن أعجبتكم ~~البساطة قرأتم عريضتنا هذه، ثم سردوا موقع الطريق وعلاقتها القديمة والجديدة ~~بالجمهور. وغب الفحص والتحقيق إذا لم تصدقونا تتضح لكم حالنا وحاجتنا إلى ~~الطريق، وأننا بقينا وحدنا بلا درب، فإن كنا محسوبين من رعيتكم تشقوها لنا، وإن ~~تتعذروا عن شقها كلها أوصلوها إلى أول خراجنا، ونحن نتكفل لكم بإيصالها إلى ~~ضيعتنا، وتسليمها لجيراننا أهالي صغار، وجربتا، وتولا، والبقيعة، وضهر أبي ~~ياغي، وشويت، وهكذا نربط البلادين: جبيل والبترون، والمحافظتين: الشمال وجبل ~~لبنان، ويصير عندنا طريق تمكننا من بيع العنب والتين والزيتون والإجاص ~~والسفرجل، وإيصال دخاننا إلى مستودع الشركة بالوقت، فلا تغرمنا وتخرب بيوتنا، ~~وحينئذ نقدر على الدفع للجباة ولا نردهم فارغين. كثيرون منا يا أفندي يموتون ~~ولا يلحقهم طبيب ولا دوا، فأطباء البلاد نزحوا، والفرمشيات سكرها أصحابها، ~~فأملنا أن تلبوا طلبنا الزهيد الذي لا يكلفكم إلا خمسمائة ستمائة ورقة، أنتم من ~~خير المولى تنفقون بكرم وجود ألوف ليرات على تقويم حيط، وتصرفون ألوف الليرات ~~تعويضا لواحد من المأمورين ما خسر شيئا في حياته بل ربح كثيرا وضب، فاحسبوا ~~- لا سمح الله بذلك - أنه كان منا موظف وصرفتم له تعويضا، فاصرفوا لنا مثل ~~هذا المبلغ وسموه مثلما تريدون: قرضا، تعويضا، حسنة لوجه الله، نحن قابلون ~~بذلك وإن كان لا يساوي قيراطا من أربعة وعشرين مما دفعناه وندفعه إلى الصندوق ~~منذ سنة الستين إلى اليوم، إن الذي يأكل ولا يطعم تذمه الناس، ونحن نعرف ~~الحكومة كالأب، والأب لا يفرق بين أولاده حتى المعاتيه منهم، وفي الختام نشكر ~~مساعيكم المشكورة ودمتم بخير سالمين. # حاشية: # إلى مدير الداخلية السيد صبحي بك أبو ~~النصر. # هذه صورة محضر مجلس القرية نقلتها بحروفها، وسأنقل أيضا شيئا كثيرا بكل صراحة، ~~ولولا تعميمكم ما وجهوا خطابكم إليكم، فعسى أن تحيط بها المراجع ms066 علما فقد أغلينا الورق ~~وما من مجيب. # وأزيد حضرتكم علما أن متمشرقا كبيرا شاء زيارتي في لبنان فأجبته: إذا جئتنا في عيد ~~الفصح تجدني في عين كفاع، فإذا كنت رياضيا كجماعتك الإنكليز، فاستعد للسير على قدميك ~~في طريق قلقة المجاز، تتعثر فيها المعزى. فتعجب الأستاذ كيف يكون هذا في جمهوريتنا ~~السعيدة بطرقها الرئيسية المزفتة العريضة كشوارع لندرة، حتى تنازل وقال: يظهر أنكم ~~توجهون بضاعتكم. # إن هذه الصراحة التي أخاطبكم بها قد خسرتني الكثيرين من أصحابي، عوضني الله من هؤلاء ~~جميعا بصداقتكم التي أخطبها وأتمنى أن تكون كشهر الصوم في الطول. # | رسالة إلى الرياس # إليك يا سيدي الرئيس، أوجه - بعد السلام - أول كلمة تصدر عن عاليه. لا تتعجب أن أسلم ~~عليك بالرئاسة، وقد سقطت من يدك، فنحن الجبليين نقول مع تلميذ لأمنه: من صار كاهنا مرة ~~كان كاهنا إلى الأبد. فالخال بو يوسف ظل يحسبك رئيسا حتى 16 أيلول. # أكتب إليك لأبلغك عرفان جميل قرية مهملة تحترم الأموات أحسنوا إليها أم أساءوا. أنت ~~لم تحسن إلينا بيد أنك ما أسأت قط، فلا أدري كيف أصحح فيك قول المتنبي: # أنا لفي زمن ترك القبيح به # من أكثر الناس إحسان وإجمال # فشقكم الطرقات محتجين بإيصالها إلينا، ثم وقفها على أبواب الأديار أفسد معنى البيت، ~~فلا أدري كيف جوزت هذا وأنت وعيت في صدرك قوانين الدول كما قال الدكتور فياض في تأبينك. # سيدي: # ما مشينا في ركابك، ولم نمر أمام نعشك، إلا أننا - علم الله - أسفنا جدا ~~على شبابك المتقد، وثقافتك الواسعة العميقة، عذرنا واضح يا سيدي، حاولنا تأليف ~~(وفد) لنظهر بين الناس، وإن كان الظهور يقطع الظهور، فحالت دون رغبتنا وعورة ~~الدرب، لا تظنني مبالغا، فبالكد كنا ننقل الذين يمضون لسبيلهم من مستشفيات ~~بيروت، نقع ونقوم مرات تحت النعش. يؤيد ما أزعم بيروتيون كرام شيعوا معنا جثمان ~~نسيبتهم، أدال كيرللس عبود، منذ سنة ونصف، ففاضت ألسنتهم بالأدعية الخيرية ~~للحكومة الساهرة على راحتنا! # ستأسفون يوم يبلغكم تأخرنا، عفوا، بل فقدان بضع حلقات من سلسلة ms067 الموكب، ~~وستندمون حين تعلمون ما فعلت القرية الصغيرة التي لم تخطر على بالكم واستهنتم ~~بها. # اجتمعنا - مجلس القرية - بعد 16 أيلول مرة واحدة ، واتفقت كلمتنا على تعطيل ~~العيد الكبير(عيد مار روحانا 29 أيلول) حدادا # 1 # عليكم واحتراما لوصولكم ميناء العاصمة، فلم ندق الجرس إلا بضع ~~ضربات حزن؛ إيذانا بحلول الصلاة مساء والقداس صباحا، ولم نحرق القندول ~~والبلان والكاز على سطح الكنيسة، ولم نشعل القناديل، فكانت الضيعة خرساء سوداء، ~~لا دق جرس ولا تنوير، ولا مجال (قول) ولا رقص، ولا زمر، ولا (دبك) حتى القداس ~~كان صغيرا. # اسأل القرية فأنا (واقعي) في أحاديثها، كل هذا فعلناه بلا دعوة، ومن يدعونا ~~ونحن ما زلنا منسيين كما كنا في عهدك، فعسى أن يفيد هذا الدرس، فلا نهمل ولا ~~ننسى غدا. # الكلام بيني وبينكم، الظاهر أن الحكومة ما دعت إلى مأتمكم إلا من (قيدت) ~~أسماؤهم في دفتر (القروض) التي ابتدعتموها، فحققتم أحلام كل قرية ودسكرة كما ~~قال صديقي صاحب البيرق، ولكن أظنه يذكر جيدا أن أحلامنا نحن ظلت أضغاثا، ما ~~أقرضتمونا؛ لأنه لم يتوسط بيننا وبينكم غير (حقنا). خطيئتي عظيمة يا مولاي، ~~ليتني تركت قومي يتوسلون إليك ببطاقات من يمنحون البركة الرسولية والدعاء ~~الأبوي. # لا أدري إذا كان بلغك أن كثيرين لم يلبوا الدعوة هون عليك لا تتعب يا ~~أستاذ، هذا حالنا. نحن مع الواقف، والمولي ما له صاحب. لقد علمناهم درسا ~~عميقا من دروس المروءة والوفاء، فلعلنا لم ننفخ في رماد. # كأنني أراك تحك رأسك وتقول: عين كفاع، عين كفاع تذكر جيدا، تفطن مليا، ~~تذكر كتابي الأخير المسجل في بريد جبيل المذيل بكلمة شخصي، ففيه (مصور) الطريق، ~~وفيه وعد صريح بتخليد اسمك في صدر جبل (القطين) الجبار، كالفاتحين المرقومة ~~أسماؤهم عندنا على صخور وادي حربا. # 2 # وبعد، فالماضي مضى، عسى أن يكون الحق حبيب الله في (العالم) الذي صرت إليه، ~~وليس في عالم (الآخرة) قرية مهملة مظلومة كعين كفاع ننقل إليها ونعلق بها إلى ~~الأبد. يعد (المجلس السماوي) طريقها من المنافع العامة لتصل ms068 إلى قصر مار بطرس ~~وبولس، وتقف على باب كرسي مار يوحنا فم الذهب، ونبقى نحن بلا درب، حتى في ~~الملكوت، إلى دهر الداهرين. # أنا خائف كثيرا من هذا، بحياتك تطمئنني والسلام عليك. # | وداع الرئيس حبيب باشا # اليوم سلم شيخ لبنان مقاليد الحكم إلى فتاه، ونعم الأب والابن. # أبى القلم إلا أن يودع فارسا جالد عشرات السنين، وشيخا مفردا حمل على منكبيه أثقال ~~جبل وأهوال دهر. # ففي كل طية من جبينه تستريح أمنية متعبة، وتحت كل شعرة من مفرقه يرقد أمل ~~منهوك. # ما كان قط إلا قائدا، شابا وكهلا شيخا، فكأنما ولد للعظائم. # ما عجن لبنان وخبزه رجل مثله، ولا رأى أحد منا ما رأى ابن هذا البيت. # فمن عهد الإقطاعات، إلى زمن المتصرفية، إلى يوم الانتداب، والحكومة قائمة قاعدة في ~~بيت سعد الخوري. # لست أؤرخ الآن، فادرس تاريخ سعد فهو تاريخ لبنان الحديث. # فيا ابن البيت الذي (ذاب) في حب لبنان، إننا نحييك. # إننا نودع رئاستك شاكرين حامدين، فما أبقيت من جهدك شيئا. # لئن غاب شخصك عن الديوان، فرأيك ماثل في كل مكان. # يا أبا اللبنانيين. # يا ابن بيت الجبل. # أيها الوجه اللبناني المجيد. # يذكرنا محياك سيماء لبنان المحضة. # السيماء التي يبتلعها الأفق رويدا رويدا. # سيذكرك لبنان بالتعظيم، ويعلم أنك كنت حاكما له وأبا. # تهش للقمر وترحب بالمثقف، وتداور العنيد الوقح. # خدمت بلادك حتى أعييت، فأنت بالراحة الجليلة جدير. # فاجلس على عتبة بيتك، وانظر إلى البستان الذي حرثت حتى المساء. # لقد سقيته عرق جبينك، ودفنت مع كل حبة ذرة من حياتك. # لقد ألقيت منجلك التي فضضها الحصاد، فبارك الآتين بعدك. # هنيئا لمن تحل عليه بركة اليد النظيفة. # الرءوس تنحني باحترام أمام اليد العليا. # أما اليد السفلى فتزدرى. # سنذكر ولايتك مرددين قول أبي الجهم في معاوية: # نميل على جوانبه كأنا # إذا ملنا نميل على أبينا # نقبله لنخبر حالتيه # فنخبر منهما كرما ولينا # عمرك الله ما لبقت بك الحياة. # فبقاؤك أمل أشهى من العنقود. # ورجاء أخصب من الحبة. # | بمناسبة الدستور والاستقلال # كسائي ms069 كسائي إنه الدرب بيننا # فلا تدع النغر المخوف بلا درب # هذا ما قاله ابن الرومي في الدرب، والدرب حديث ابن عين كفاع فهو يتوجع، وإن لم يبك ~~كصاحب امرئ القيس لما رأى الدرب دونه، قالوا للجوعان ثلاثة وأربعة فقال: سبعة أرغفة. ~~وأهالي عين كفاع المحرومون من حق المرور إذا وعظهم الخوري قائلا لهم بلسان المخلص: أنا ~~هو الطريق، والحق، والحياة، جدفوا في قلوبهم حانقين على من هضموا حقهم في الطريق التي ~~هي الحياة. # طريق عين كفاع مشكلة دولية قد لا تفضها جامعة الأمم، فكلما داويت جرحا سال جرح، جعلت ~~في ظل جمهورية الإخوان وأبناء الأعمام غاية مبررة لوسائط ساداتنا الأحبار المحترمين، ~~فتمسحوا بنا كتيس الخطيئة، ولما تراءت ظلامتنا بعد حين لفخامة الرئيس السابق «حبيب باشا ~~السعد» أدرك أن الطريق هي العلاج الشافي لجراح القرى والمزارع السبع فأمر بشقها، ولكن ~~مبضع حضرة مدير النافعة تحول عنها، إما لأنه كان يداوي الجرح الأقوى، وإما لأن قلبه ~~رقيق لا يحتمل فظاظة الشق، كان موعدها شهر آذار فنسيها كما قال، وهكذا انقض علينا آذار ~~الهدار أبو الصواعق والأمطار، فترك الدار تنعى من بناها، وعدنا نبني من جديد فتصدى لنا ~~(العجز) وصح بنا قول المثل: لسوء حظ الحزينة سكروا المدينة. أما اليوم فالقرية سكرى ~~بالآمال تحلم بالحياة والمساواة، وإن شاء الله يشرب الكمون. ~~••• # الليلة مساء الجمعة، واليوم عيد رهبان مار مارون، وهؤلاء قديسون طاروا إلى السماء ~~رفا واحدا، 350 شهيدا، فأحدث وصولهم لبكة في الملكوت، كما يحصل في الفنادق الكبرى ~~عند وصول أفواج السياح، أما مانحهم إكليل الشهادة، أي قاتلهم، فهو أخوهم بالرب الأسقف ~~ساويروس من أتباع أوطاخي وديوسقوروس، قتلهم لتمسكهم بإيمان المجمع الخلكيدوني، وكم قتلت ~~رؤساء المذاهب من أبرياء وأبادت من شعوب وأمم. # لهؤلاء الشهداء إخوة عندنا - الضمير يعود إلى عين كفاع - فالأسطورة تروي أن دير ~~القطين العظيم - راجع آثار لبنان للامنس - كان مأوى رهبان أتقياء قتلوا كإخوتهم رهبان ~~مار مارون، ولم يعصمهم سور الدير الحصين القائم صامتا كئيبا في وادينا الرهيب كجبار ~~مقهور. ms070 لهذا تغالي عين كفاع في احترام هذا العيد المثنى، ويذكر أهلها بحسرة الرهبان ~~الشهداء كلما أطلوا من أبوابهم الشمالية، ووقعت عيونهم على هذا الدير الخرب، الذي لا ~~يشبهه في لبنان غير دير قزحيا، مخرج الشيطان من الممسوسين بعد أن يشبعه الراهب قتلا ~~بمداسه، أما ديرنا فأروع وأقدم منه، وفي الخراب روعة وعبرة لا تقرؤها في سطور البنى ~~العامرة. أما ماذا ينفع ديرنا المؤمنين، فصاحبته (سيدة البزاز) تغزر حليب الأمهات ~~فيهر من ثديهن هرا، أو يجري مثل النهر كما روت لي إحدى العجائز. # إذن علمت - لا شك - أن سماع القداس في هذا النهار لازم، والبطالة عن جميع الأشغال ~~العالمية واجبة، ومن يخالف يأثم، والأفصح - كما يعبر اللاهوتيون - يخطئ خطيئة مميتة ~~تنزل إلى جهنم، ولا يحل منها إلا يمين الخوري الطاهرة، فننجو من الهلاك الأبدي، فالعيد ~~- علم الله - فضيل كما قال محمد محسن عضو مجلس إدارة متصرفية لبنان في عيد مار ساسين ~~الواقع يوم السبت فاقترح تعطيله وقبل اقتراحه بالإجماع، فشم المجلس الهواء ثلاثة أيام، ~~ذكر فيها بالخير إبراهيم صادر صاحب المفكرة التي هدت محمد محسن إلى قديس اسمه ساسين ~~نفزع به الأولاد كيلا يتشيطنوا. # وكانت للعيد أروع بهجة هذه السنة؛ لأن المهندس وديع بعقليني أنهى ليلته تخطيط الطريق، ~~فكان القداس وصلواته وتضرعاته وابتهالاته من نصيب فخامة الرئيس، أما فخامة الباشا ~~الحبيب فأخذ نصيبه في حينه، ولا يزال الدعاء له ملء الأفواه. # وليوم الجمعة عندنا ميزة أخرى لا تفارقه، فهو موعد وصول صاحب البريد. فلو مات - مثلا ~~- عزيز علينا يوم السبت مساء لا يجيئنا نعيه قبل مساء الجمعة أي بعد أسبوع، فيصح بنا ~~قول المثل: يا معزيا بعد حين يا مجدد الأحزان. يقول المثل اللبناني: إذا كذبت بعد ~~شهودك، أما أنا فشاهدي في يدي وهو ختم البريد وخبري فرح - يقطع الموت من الدنيا. # دعتني لجنة دار الأيتام الإسلامية لحضور الاحتفال بالأستاذين أحمد أمين، وعبد الرحمن ~~عزام المصريين، وسماع محاضرة أحدهما أحمد أمين، وأنا ممن يحترمون اجتهاد أحمد الأدبي، ~~فأرسلت كتابها إلي يوم ms071 السبت 25 تموز فوصلني الجمعة مساء، بعد الحفلة بيومين. ~~••• # قد أدركت بعد ما قدمت لك أن سهراتنا ستكون حافلة. نعم يا سيدي، وإنها من ليالي الدهر، ~~بحث فيها (مجلس القرية) شئونا هامة. وقبل تسجيل وقائع جلسته الخطيرة لا بد لي من أن ~~أعرفك تواريخنا، وحدودنا، ومواقيتنا. الحدود والتخوم في عين كفاع كهوف ومغاور، فلو سئل ~~أبو يوسف أين حصدت اليوم؟ أجاب: عند مغارة القطين. ولو سألت المعاز أين سرحت المعزى ~~الليلة؟ قال لك: عند مغارة البابين. ولو سألت الصبيان من أين أكلتم عنبا وتينا؟ ~~أجابوك: من عند مغارة الفتاح. ولو قلت للصبايا الحاملات العنب المتلالئ كثغورهن، من أين ~~هذا؟ قلن لك: من عند مغارة طنوس فرنسيس. ولو سألت الناطور: أين رأيت أثر ديك فلان، ~~ودجاجة فليتان؟ قال: عند مغارة القس مرقص أو مغارة القرقفة، ولو قلت لناظر يحملق: ماذا ~~ترى؟ قال لك: رجلا فوق مغارة شير بنور لعله فلان. ولو خبرك الشيخ عن بطولته في أيام ~~عزه قال لك: كنت معهم عندما كبسنا اللصوص في المغارة السودا، يوم عيد مار إلياس، ~~وسلمناهم لطالب بك - مدير جبيل قبل ولده الشيخ وديع، حاكم بيبلوس. # أما مواقيتنا فصلوات، فهم يقولون جانا الجابي صلاة الظهر، وجا عداد المعزى عند صلاة ~~الرهبان، ووصل المهندس بعقليني عند دقة الصلاة، وكبس مفتش المونوبول الضيعة والناس في ~~الزياح، ورجع المرسال قبل القداس. # أما التواريخ فأعياد، يقولون: ولد حنا يوم عيد مار بطرس، وتزوجت صابات يوم عيد ~~ماريحنا - يوحنا - ووقع البطرك إلياس عن البغلة قبالة عين كفاع يوم عيد جميع القديسين - ~~وعيد جميع القديسين في الكنيسة كالجندي المجهول في الدولة - ووصل جرجس من أميركا ليلة ~~عيد مار روحانا - قديس الضيعة - ومات صباح الميلاد، وكانت زلزلة (سنة 1918) ثاني عيد ~~مار روحانا، وانتهت الحرب يوم عيد مار شليطا، وماتت بقرة فلان ليلة الغطاس، ~~وهكذا. # والقرويون يعتقدون باختصاص القديسين، فكل قديس مختص بمرض، يشفي منه أو يبلي فيه. فهو ~~يفعل الأمرين، كما يقول الشاعر: إذا أنت لم تنفع فضر ... إلخ، وبعض القديسين ms072 يخنق أيضا، ~~ولذلك ينذرون لهم عند وقوع أقل عارض لهم. فسبحان مقسم الرزق على عبيده الصالحين في ~~الحياة والممات. فالقرويون يتوقعون الري يوم عيد مار شليطا (20 تشرين الأول) شفيع البقر ~~والحمير، وينتظرون نزول السماء يوم عيد مار جرجس البطل الصنديد الذي كان شفيع بني تغلب ~~قبل الإنكليز وموعده 23 نيسان، ورية نيسان تسوي السكة والفدان، والخضر أو مار جريس أبو ~~الحربة يخضخض البحر في هذا اليوم مفتشا عن أولاد التنين الذي قتله وخلص بنت الملك من ~~شره. ~~••• # أقبل الليل وأقبلوا، وسلموا وسلم عليهم بطرس - موزع البريد - اللطيف الأمين، وجلسوا ~~كل على هواه، وتناول من يقرءون منهم الجرائد بلا إذن ولا دستور. وتحدث الآخرون عن ~~أعمالهم اليومية، عن بيادرهم، عن مصيبة أحدهم بموت بقرته على البيدر وانكسار فدانه، وعن ~~مؤاساة الضيعة له، والمؤاساة أحسن مزايا القرى، وخير ما فيها سلامتها من المن، وكان ~~حديث العنب فأثنوا على كرم (الكساير وشحواتا) لأن عنبهما يحلو قبل الكروم كلها، وكانت ~~المفاضلة بينهما، كما يفاضل بعضهم بين الشاعرين شبلي الملاط وبشارة الخوري، وتحدثوا عن ~~السفرجل، والأجاص، والزيتون، والتين، وعللوا النفس باليسر في العام القادم؛ لأن غلتهم ~~تنفق، فدعوا للأستاذ أده بطول العمر من صميم القلب ثم جاءوا على ذكر الدستور ~~والاستقلال، فقال واحد: نحن على ما نحن، بدستور وبلا دستور. # وقال ثان: خلوا الدستور لطلاب الوظائف الكبيرة، نحن على هذه الحصيرة. # فهز ثالث رأسه وقال: هذا كلام، الدستور مليح، كيفما دارت الحال. # فأجاب رابع: عرفناهم فوق وعرفناهم تحت، العلة من الرجال، هم نوموا الدستور في القبور، ~~وصيروا الاستقلال للاستغلال. الدستور منفعة لناس معلومين، أيش نفعنا الاستقلال وأيش عمل ~~لنا الدستور؟ أين الضيعة مسكين ما له حظ من الحكومة إلا إذا كان له فيها ظهر ~~قوي. # فقال واحد: إذن نحن حظنا أكبر من جبل جاج، أده ابن بلادنا. # فقال واحد بكل هدوء: هيء، أده لكل الناس. # فأجابه ذلك بلهجة القاطعة حجته: عال يا سيدي، رضينا، نحن نطلب أن يساوينا بأقل الناس، ~~بالأرمن يا سيدي. # فأمن ms073 جاره على كلامه بقوله: وكثر الله خيره، فأعادها ذاك وقال قارئ الجريدة: كتب أده ~~للبطرك - فتغامز الشيوخ لأنه لم يقل سيدنا - والمطارين والمفتي ومشاريخ العقل وأصحاب ~~الجرائد وأعضاء المجلس ورؤساء الجمعيات يسألهم رأيهم في الدستور والاستقلال. # فقال بو يوسف: غنمت لحاكم. وجر (كم) حتى بلغت قانون المونوبول طولا، وضحك كالساخر، ثم ~~عبس وقال بحدة ونزق: أيش هم الروسا والحكام، البطرك والمطارين يطلبون العشور ويأكلون ~~غلة المفلوح والبور. والحكومة تطلب الضرائب. يا بحر الله خذ عبد الله، كل هذا ما يرد ~~علينا شيئا. # فقال شاب متعلم: الحق مع الخال، صار أده ريس جمهورية وأخذت الجرايد تطلب وتتمنى، ~~قولوا لي أية جريدة طلبت لنا شيئا، هل طلبت جريدة شق طريق؟ هذا لا يهمهم؛ لأن الطرقات ~~حولهم وحواليهم، كل هذا باطل، ما يعرف المرض إلا الواقع فيه. # فقال قارئ الجريدة كالمستغرب: اسمعوا يا بشر، البطرك طلب أن يكون للأفوكاتو - المحامي ~~- ثلاثة أصوات، وللطبيب مثله، ولل ... فأتمها واحد: وللخوري؟ فضحكنا، وأومأ ذاك برأسه أن ~~لا. فقال كثيرون: خسر سيدنا البطرك وما درى بتقليله من قيمتنا، فقال واحد: نعم غلط ~~سيدنا البطرك. فسمعها أبو يوسف فازور ورفع يده قائلا: يا صبي سد بوزك، فضحك ذاك، ~~وشاءوا أن يتنادروا على إلياس فخبروه أن ليس له في الانتخاب القادم إلا ربع صوت لأنه ~~أمي. فحمي إلياس علينا وعلى أولياء الأوقاف الذين يأكلون أموالها ويتركون الضيع بلا ~~مدارس كما جرى في أيامه. وهوسوه فتهوس كعادته، فشهر الحرب على رجال الدنيا والدين، وسأل ~~إذا كان القاصد الجديد وصل، فعلمنا أن المسألة ستتطور. # أما أبو يوسف فسكت عن حديثنا كأن لم يسمعه. ثم قال: في الزمان الماضي كان أعضاء ~~المجلس من الضياع. الله، الله يا دنيا كيف تقلبت الأحوال، كيف راحت أيام فارس أفندي، ~~وأسعد بك، والزغزغي. أعضا اليوم مساكين ما ينفعونا شيئا. # كلهم أولاد مدن، وابن المدينة ما عنده شيء من أخبار الضياع. فقال واحد: ما كلفت ~~الحكومة نفسها وسألت أحدا من الضياع، ضاع حقنا يا ترى من سؤال ms074 بسيط. # فجاوبه أبو قصحيا: على حد سوا، سألت أو لم تسأل، الرأي الأخير لمن؟ للفرنجي. # وكانت كلمته فصل الخطاب فعادوا يستعرضون الماضي السعيد فقال كهل: العم أبو يوسف كان ~~يقبض من موسم الشرانق وحده خمسين عسملية، أي عثمانية. من عند المغارة وحدها كان يستغل ~~بأكثر من عشر ليرات، أتتذكر يا خال قبضة عيد ماريحنا (24 حزيران) عدوها لك قدامي على ~~الحصيرة، كانت فوق الستين ليرة وأكثر. فابتسم أبو يوسف لذكراها الحلوة. وأشار المتكلم ~~إلى الجمهور بلباقة: تفضلوا، اسألوه كم قبض السنة. # فتنهد أبو يوسف وأجاب: سبع ليرات، فقال أحدنا متجاهلا: ذهب أم ورق؟ فصاح أبو يوسف: ~~ذهب يا مجنون! وأين الذهب! ورق ورق، دفعتها مال طريق عني وعن الأولاد، ويا ليتها كانت ~~كافية. # فتنهد أكثرهم عند ذكر الطريق وقال الكهل: وكان أبو يوسف يقبض نحو أربعين ليرة ثمن ~~دخان، كم قبضت يا خال عام أول. # فأجاب ثلاثين ورقة قبض الجابي عني منها 17 ليرة، وأعطاني وصلا بالميرة. فهمس أحدهم ~~في أذن أبي يوسف: يسلم البيدر يا خال، فضحك أبو يوسف وقال: آيه، الحمد لله، السنة طيب، ~~البيدر مليح ولو محل، الجابي لا يجيء صوبه. # فقال واحد: ولكنه يحجز اللحاف والطنجرة. فقال آخر: أيوة، الجابي وقح لا يذكر الخبز ~~والملح. تعشى ونام عند سركيس، وترك له الإنذار تحت المخدة. # فقال أبو يوسف: كله هين متى وجد الخبز (اطلبوا دستور يحمي التنور). # فأعجبتهم كلمته هذه فضحكوا جميعا، وأبو يوسف كالمرحوم والده الخوري موسى يحب السجع. ~~وهكذا عادوا إلى السياسة من حيث لا يدرون، فقال قارئ الجريدة: يطلب البعض جعل النواب ~~خمسة وأربعين، فقال واحد: إذن زادوا واحدا على أم أربع وأربعين، وقال آخر: ما الفائدة ~~لو صاروا مائة وخمسة وأربعين، نحن على ما نحن لا نخطر على بال أحد منهم. كل نائب يفتكر ~~بصحابه، ونحن قش رز، أحسن رأي أن تعتمد الضيع على جريدة تطالب بحقوقها. # فقال ناقم: عجيب، كيف تغيرت الأحكام كلها بعد الحرب. # فقال آخر: عندي شرح المجلة، ولكنهم قالوا ms075 لي: إنه صار ملغى. فضحك واحد مشهور بالتنكيت ~~فعلمنا أنها جاءت، فسكتنا ننتظرها فتنحنح وقال: أخذت أم سمعان لابنها كتاب لاهوت عتيق ~~من عند خوري الضيعة، فلما رآه معلمه قال لها : رديه معك يا ستي، هذا بطل، فقالت له أم ~~سمعان: يا ترى المسيح العتيق مات. # فقال لبيب: كما في السما كذلك على الأرض. فكمل واحد ضعيف العقل وهو يظننا نصلي: أعطنا ~~خبزنا كفاف يومنا، فجاءت في موضعها وصح فيه قول المثل اللبناني. # وقال مترصن: وزاد الطين بلة قانون المونوبول، من يخرم منه حرفا خرب بيته، فالسيف ~~مسحوب فوق رءوسنا ويقولون لنا: الاستقلال الاستقلال. وأين الاستقلال لمن لا يزرع حقله ~~بعقله؟ وأين الاستقلال للذي لا يسحب كيسه على عيني وعينك يا تاجر؟ وأين استقلال ابن ~~الضيعة والمزرعة ما دام تحت رحمة المفتش والورديان وبيته معرض للنبش كل ساعة، وغلته في ~~خطر الحرق إذا أرادت الشركة. مصيبة الضياع كبيرة جدا جدا وخصوصا ضيعتنا عين ~~كفاع. # فقال أبو ميشال: هذا الصحيح، ثم هز رأسه وصاح: والله والله، وحق جسد الرب، وحياة ~~الله. # فسد أبو يوسف أذنيه كيلا يسمع الحلف بالله بالباطل، أما أبو ميشال فما بالى بل انتخى ~~ووقف وقال: وحقك يا مار روحانا، فشخه - أي خطوة - ثنتين ثلاثة، لو ما كان ديب ناضر مثل ~~السبع وركض إلى عمشيت في الليل وعملوا له تسع حقن كان مات وبليت عظامه، يا هو. لو كانت ~~عقصت الحية عمي مارون من كان حمله إلى عمشيت! كان مات معنا على الدرب، اشكروا الله يا ~~ناس. # فأخذ يشكر الله وأبو يوسف يدق بيده على ظهره استحسانا لما قال كأنني كنت أنا ~~الملدوغ، مع أنني كنت في عاليه ليلة عضت الأفعى أخانا ديب ناضر. واسترسل أبو ميشال في ~~حديث مؤلم عن الذين ماتوا ولم يسعفهم طبيب، فتنهد الناس جميعا ودعوا للرئيس بالخير ~~لأنه أمر بشق الطريق، وهندسها البعقليني. # ثم آل الحديث إلى فتى حامل شهادة فقال بلهجة خطابية إنما بدون سيداتي سادتي: لا بطرك ~~ولا حاخام ولا مفتي ms076 ولا مطران، ما حك جلدك مثل ظفرك، يجب أن نهتم بأمورنا، كلنا نعرف أن ~~القرى حياة الحكومة والمدن فلماذا تهملها الحكومة؟ قولوا لي. هذا ناتج عن خمولنا نحن ~~أهل القرى، الحكومة لا تعرفنا إلا يوم الانتخاب، وحين تحتاج إلى إمضاءاتنا للشكر ~~والتأييد، فلو كنا رجالا ما انتخبنا ولا أيدنا إلا من يؤيد مطالبنا العادلة. يا ~~ذوات. # فهز أبو يوسف رأسه وتبسم لكلمة (ذوات)؛ ولكنه التفت صوبه، فقال الفتى: تذكرنا الحكومة ~~في أيام المواسم فترسل الجباة لسؤال خاطرنا، فتهلل أبو يوسف لها وقال: صحيح. # وقال الفتى: تأخذ منا لتعطي غيرنا. فضحك أبو يوسف وقال آية الإنجيل: من له يعطى ~~ويزاد. فقال الفتى المتحمس تتذكرنا الحكومة كما يتذكر المعلم، أي: الملاك، شريكه يوم ~~العيد إذا تأخرت العيدية، أي: الهدية، أما في أيام البيدر فيحاسبه على الحبة. # وتوقف قليلا فخفنا أن يرتج عليه، ولكنه استأنف كلامه قائلا: البطوا الذين ركبوا على ~~ظهورنا حتى وصلوا إلى الكراسي، ولما صاروا في السرج ما عادوا ذكرونا ولا عرفونا. ~~فلتعلفنا الحكومة حتى نسمن، الحمار يعلق له صاحبه أقة شعير ليركبه طول النهار. # فصاح أبو طنوس: عشت يا بطل، وتحمس الجمهور فقال واحد: ربما كان بين الذين سألهم الريس ~~من يعرف أحوالنا، فقال الشاب: لا تعيشوا على: ربما ولعله، ارفعوا أصواتكم والرئيس يسمع، ~~أنا أعرف الأستاذ أده. # فناست الرءوس تعجبا، وتناظروا هامسين: هو، هو، يعرف أده! أما الفتى فلم يبال وأتم ~~حديثه قائلا: فهموه أنكم تدفعون ولا تقبضون، يأخذون منكم ليعطوا غيركم، خبروه أن ~~الموظف إذا كان بخير قال البلاد بألف خير، والعكس بالعكس. فهموه أنكم تموتون ولا يعلم ~~بكم أحد، لا أطباء ولا صيدليات ولا طرقات ولا مدارس، ولا ماء ولا كهرباء. خبروه أنكم ~~منذ سبعين سنة ما صرف لكم غرش واحد من صندوق الحكومة لإصلاح طرقات القدم والحافر، خبروه ~~كل شيء، دقوا الباب تسمعوا الجواب. # فقال كبير المجلس: لا تخافوا يا ناس، الأرض تنهز ولا تقع، شدوا لحمكم، ثم التفت إلى ~~الفتى وقال له: سماع يا ms077 ابني، كن مطمئن البال، ربنا قدير وهو يعرف كل شيء، ثم لا تنس أن ~~الدول تروح والفلاح باقي، راحت تركيا ونحن بقينا، واليوم كلنا نترحم على المير يوسف؛ ~~لأنه كان يحب الفلاحين. # وفتح الفتى فمه ليرد عليه، فسمعنا صراخا وعويلا غريبين، فركضنا حفاة ومنتعلين فإذا ~~امرأة تصرخ فوق رأس ابنها الوحيد وهو مصروع أمامها يقاسي غمرات الموت. بلع عجوة مشمش ~~فسدت زلعومة، فركض أبوه إلى شبطين، وعمه إلى جبيل وخاله لا أعلم إلى أين. وأخيرا تركته ~~أمه بين أيدينا وأسرعت إلى مار روحانا لتضع على مذبحه فسطان العرس وسوارها الذهبي، ~~وحملت عمته إبريق الزيت لتضيء السيدة، وهي كنيسة قديمة خربة لم يبق منها إلا آثار دارسة ~~ليس لها امرؤ قيس يبكي عليها، أما نحن فالتففنا حول الصبي ننتظر الأطباء ولا ندري ماذا ~~نصنع له. # الشقة بعيدة، والطريق عكشة، والقمر غاب، ومن يعلم إذا كان يأتي الترياق من العراق قبل ~~أن يكون العليل فارق، ولكن الله ستر وعمل مار روحانا عجيبة - ومنهم من يقول السيدة ~~عليها أشرف السلام - فبق الولد العجوة. # | عن المونوبول والغلاء # بلغت بي السيارة كوع غلبون، فطرحت الصوت على الضيعة، والصوت تلفون القرى، فجاءني ~~المكاري بدابة آية في الدواب، وما ركبتها حتى أخذت في التحويل الصاعد والنازل فخلت ~~جزيرة تزحل. بانت أذناها على الضهر، وظل ذنبها في النهر. ولم أعد أدري إلى أي القطبين ~~أنا أقرب. # اعلم علم اليقين أن من ذم زاملة المكاري، فكأنه قدح في عرضه، ومع ذلك لم أحتشم منه ~~فقلت: يا سبحان الخالق، من أين لك هذه العروس، ومن هداك إليها! # فضحك وقال: الغلا جلاب. قلت: حقا إنها عجيبة. فامتعض وقال: البرهان أنها شغلتك عنا ~~فما قلت كيف حالكم. قلت: خف ربك يا رجل، وهلتني دابتك، كيف حالكم جميعا، كيف الضيعة من ~~كعبها إلى رأسها؟ فقال: بخير تسأل خاطرك. قلت: والأحوال؟ قال: لا تسأل، الأحوال أوحال. ~~سنة ضيقة. # قلت: لا خوف عليكم، الزيت غال جدا، فقال: وأين الزيت! بعناه في المعصرة، بأربعين ~~وخمسة وأربعين، ms078 ورأس السعر كان خمسين. قلت: الدخان يسد العوز، اضحكوا في عبكم. # فملأ الوادي دعاء للشركة، وإذ لم يجد من يستبد به ضرب الدابة بعصا لسعني رأسها فخلتها ~~عصا موسى تستحيل ثعبانا عند ذكر فرعون، وأثنيت من أجلها على طول الأتان الذي استبشعته. ~~واشتد إيماني بلا تكرهوا شيئا. # ودخلنا الضيعة مع الدغيشة، فجاءت الوفود للسلام، وطالت سهرتنا كليالي كانون. كنا ~~فرحين (بالطريق) لو لم يأتنا من جبيل نبأ غلاء الطحين، فاسودت الوجوه وقال شيخ ~~المتكئين: لولا غلاء الحبة كنا بألف خير، يظهر أن ربنا لا يكملها. # كان عهدي بالضيعة فرحة مرحة، إنجيلية لا تهتم للغد فإذا بوجوه الناس كابية، ~~وابتساماتهم مغبرة؛ وقلوبهم بلا رجاء. كلهم متشائمون خائفون، لا نكت ولا نوادر. ذهبت ~~ليالينا الكشكشية، ننتظر نكتة فنسمع آهة. وبعد صمت غير قليل قال أحدهم: كيف نعيش السنة، ~~ما بقي غير الدخان ويا ليته لنا، تسلفنا عليه من هذا وهذاك، ومن يعلم متى تستلمه الشركة ~~منا، وكيف تسعره؟ # فأجاب آخر: استلمت عام أول في تشرين وتستلم السنة في شباط، والسنة القادمة في نوار، ~~وبعد ثلاث أربع سنين تتركه في ذقوننا إن لم توقفها الحكومة عند حدها. # فقلت له: وكيف الأسعار؟ فأجاب: كيف يعيش الفلاح مع غلاء الطحين وسقوط الليرة ~~والدخان! # قلت: سمعت أنهم زادوا السعر 25 بالمائة، فقال: عندهم ألف باب يخلصهم من الزيادة، وما ~~عندنا باب واحد يخلصنا من شرهم. ما نظرت بعينك حرق الدخان في الصيف؟ # فتأفف أحد المؤمنين بالقيامة العتيدة وقال: هذا آخر زمان. فاحتد آخر وقال: كيف العمل ~~يا بشر، أيش ينفعنا الكلام في القرنة؟ فأجاب أبو طنوس، العمل عند الله، والأمل بسعي ~~سيدنا البطرك. # فأحب أن يداعبه شاب قاعد لصقه فقال له: خبرونا أن البطرك لان، وسكت. # فلكزه أبو طنوس وقال له: اخرس يا صبي، قل سيدنا واحن رأسك. من خبرك أنه سكت، هذا كلام ~~ناس كذابين غشاشين، سيدنا البطرك أنطون صخر أصم. فقال الشاب: والصخر لا يصعب على (النقاش). # 1 # وأعجبت الصبي فصاحته، وذبل أبو طنوس، ms079 فجبر أحدهم خاطره بقوله: عمي أبو طنوس أخبر منا ~~كلنا. الجمعية # 2 # قابلت سيدنا البطرك، وخبرت أنه مثل الحديد. # فتعالى أبو طنوس إذ ذاك ولكش الشاب لكشة أزخم من الأولى وقال له: سمعت بأذنك يا ذكي. ~~ثم هز برأسه والتفت إلينا قائلا كأنه يوبخنا جميعا: العوذ بالله، يجينا كل قبز لسانه ~~يلحس قفاه، ويتطاول على الأوادم في بيوت الناس ولا نقول له كلمة. وتقلقل كمن يريد ~~الخروج فاسترضيناه، ولا تسألني كيف، فللرضا عندنا تقاليد كثيرا ما تغسل الدم. # ثم عدنا إلى حديثنا فسألتهم عن جمعية مزارعي الدخان، فأثنوا عليها جدا، وخبروني ~~أنها قابلت الرئيس ووعدها خيرا، فقال متشائم: الحكومة ملتهية بالاستقلال، والترتيب ~~الجديد. فرد عليه أحدهم: أنت لا يعجبك شيء، النقلة من البيدر إلى البيت تكلفك جمعة، ومع ~~هذا تلوم الحكومة إذا تأخرت ساعة. # فانتفض كهل عتل - نسيب أبي طنوس - وقال: يا الله، الليلة قصتكم عجيبة يا جماعة، هذا ~~يقول: البطرك لان، وهذاك الحكومة ملتهية بالاستقلال. صح فينا قول المثل: القلة تورث ~~النقار. نعم الاستقلال قبل الخبز، غيرنا خسر المال والرجال، ونحن أخذناه على الهينة. ~~من من لبنان يقف وقفة أده، الله يعطيه ستين ألف عافية، ويطول عمره ما دامت الدنيا ~~دنيا. # فأعجبت نخوة كهلنا الجمهور، فاهتز بعد خمول، ونسي الغلاء ورعبه، وصفق بعض التلاميذ ~~لكلامه كأنهم في المدرسة. فالتفت أبو يوسف يمينا وشمالا مستغربا وقال للأولاد: عندنا ~~عرس! استحوا، أمس مات الشيخ، كفنه ما تلوث بعد. # وانثنى يسأل جاره عن التصفيق فخبره، فسر، وحاول أن يتكلم فسبقه أحدهم وقال: اصبروا ~~يا ناس، الله يساعد الريس عنده ألف مسألة أهم من مسألتكم. وأيده جاره بقوله: أي نعم مص ~~القصب عقدة عقدة. # وتركوا الكلام لأبي يوسف فقال: سمعت من كثيرين أن ريسنا ممتاز، يحب الفلاح، لا بد من ~~الفرج في أيامه، اصبروا لا تكونوا لجوجين. ثم نظر إلي وقال: خبره يا خال عن الحالة ~~كما هي، ولا تنس غلاء الطحين، لو بعنا أقة الدخان بورقتين - ليرتين - وبقي سعر الطحين ~~على حاله ms080 ما ترقينا شيئا. الفلاح تهمه الحبة، ومتى وجدها وجد كل شيء، وإذا بقي الغلاء ~~اشتهينا العضة بالرغيف. # فقال له أحد المعلمين وهو يومئ إلي: ما باله فينا يا خال، باله بأحمد فارس. # فحرك أبو يوسف يده في وجه جاره وسأله: منو أحمد فارس؟ فما فاز بجواب. وأخذ الأستاذ ~~يخبر عن تصريحات الرئيس وما ينوي عمله من مشاريع عمرانية حتى كان الكلام عن الري وجر ~~المياه، فقال أبو طنوس: نحن لا نحتاج جر نهور، نحتاج جرة قلم تقصف عمر الغول؛ يعني ~~الاحتكار. ‏ # فقال آخر: حسب الرئيس كل بلادنا مثل جبيل والبترون، فلو زارنا ووقعت عينه علينا رق ~~قلبه لنا وكش الشركة من لبنان كله. # ودخل في تلك الساعة نسيبنا يوسف مراسل الشركة، فتصافحنا وقعد، وكأنه لم يعجبه (كش ~~الشركة من لبنان كله)، فأخذ يبين منافعها للزراع، ويقابل بين أمس واليوم بإيمان وطيد. ~~وأفاض في تمجيد أعمال الشركة ونفعها كأنه خوري عتيق يعدد عجائب العذراء في الشهر ~~المريمي. ثم وجه كلامه إلى أبي يوسف وقال له: يا خال، بذمتك بدينك بحياة أولادك، قل لي: ~~أي أحسن، احتكار غالان، أم احتكار الحواط وملكان؟ # فأطرق أبو يوسف وانتظرنا الجواب، فإذا به يقول: الفلاح في الحالتين مقهور، ولكن ~~الحرية حلوة، وحرق الرزق قبالة العين من يطيقه. # فقال كهلنا: سمعتم يا ذوات، عرفتم قيمة الاستقلال. # وخفت أن يتطور الحديث فقطعته مسائلا عن الجمعية، فقال واحد: الجمعية لسان حالنا ~~كلنا، تقضي وتمضي عنا، ونحن نؤيدها بكل قدرتنا. قلت: من منكم موظف فيها، فقال: طلبوا ~~المختار فما رضي. # فالتفت بأحدهم، فأجابني: لا تتعجب، مأمور يخاف على الوظيفة، ومثله ابن عمنا عضو ~~الاختيارية. ولكن هذا لا يهمنا، المهم العمل، قريبا تقدم الجمعية بيانا طويلا ~~عريضا، للحكومة والأمل بالله. # وانتقلنا إلى شئون أخرى، وبت أترقب الساعة التي تجمعني برئيس الجمعية أو نائب رئيسها، ~~لعلي أصور الزراع للرئيس كما هم، فهم يرون فيه (المسيح الآتي ولا ينتظرون آخر) وحسبنا ~~الآن أن نحددهم له تحديدا قاطعا مانعا كما يقول المناطقة: الزراع أو ms081 القرويون، أو ~~الفلاحون، هم وحدهم الذين يخاطبون ربهم بإيمان وطيد: أعطنا خبزنا كفاف يومنا، أحلال أن ~~يؤخذ الرغيف من أيديهم؟ # | رسالة شقت طريقا وبنت جسرا # كنت في دار المكشوف أمعن مع الشيخ فؤاد حبيش في الأحماض، يوم تلفنت للمغفور له السيد ~~عبد الحميد كرامي في سوق الغرب، أسأله إذا كانت زيارته ممكنة. فأجاب - رحمة الله عليه: ~~أهلا وسهلا إذا كانت زيارة غير أشغال. أما إذا كانت من أجل الطريق - طريق عين كفاع ~~دير مار يوسف - فنصيحتي لك أن تبقي (العرايض) معك يومين ثلاثة، وبعدها نرى. # وفي اليوم الثالث استقال، وساعتئذ أدركت معنى ذاك التأجيل. # وألف الوزارة سامي بك، فقلت في نفسي: ما الحيلة وأنا لا أعرفه إلا معرفة وجه. لا دالة ~~لي عليه، فإلى من نلتجي؟ # وبعد تفكير غير طويل قلت في نفسي: التجي يا صبي إلى نفسك، ما حك جلدك مثل ظفرك. أما ~~دلتك سيماء سامي بك على طواياه؟ ألا يقرأ المكتوب من عنوانه؟ أما عرفت أن روح هذا الرجل ~~في كفه؟ وهو مستعد - في كل ساعة - أن يهبها لاثنين: الأفضال والنضال. # وإذا لم يكن لديك شفيع غير قلمك وحق القرى في الحياة فهذا يكفيك. أما سمعت أن سامي بك ~~هو أبو المشاريع العمرانية، وأنه إذا بان له حق لا ينام حتى يقره. أنسيت قول الشاعر: إن ~~تطلبوا الحق نعطي الحق صاحبه. هذا لسان حال كل رجل دولة نزيه كسامي بك. # ورحت إذ ذاك أفكر كيف أداور أمري، فقالت لي النفس: الحقيقة وحدها يجب أن تقال لرجل ~~كهذا لا يحب إلا الصراحة. في يدك ثلاثون عريضة من ثلاثين قرية أهلها يستصرخون الحكومة ~~طالبين شق طريق فيها لهم ولغيرهم حياة، فأقدم ولا تردد. وأخيرا أقدمت مستعينا بالحبر ~~والورق الذي خذلني في مواقف عديدة حتى اتخذته - مؤخرا - عنوانا عاما لما ~~أكتب. # وقعدت أكتب رسالة لسامي بك مستلهما وجهه المنير وابتسامته التي تضيء وجهه ووجوه من ~~في حضرته، وبدأت أبجل وأعظم. # وبعد هنيهة قرأت ما كتبت فإذا به مبتذل، حبر على ورق. ms082 فقلت: أبهذه الثرثرة يواجه ~~الرجل الحر؟ أهذا كلام يدر؟ هذا كلام يسمعه أولياء الأمور كل يوم متأففين متضجرين، وحبر ~~على ورق لا يخرج من الظرف إلا لينام في سلة المهملات، فإن كان ما لا بد منه، ~~فغيره. # وأخذت تلك الورقة ومزقتها نتفا نتفا، ورحت أكتب على خيرة الله: # سيدي صاحب الدولة الأفخم # العصر - يا مولاي - عصر هرولة واستعجال، فاسمح لي أن أهنئك بسرعة وأخاطبك ~~بسرعة. # يعتقد غيري بخيرات المقابلات الجزيلة، أما أنا فبالعكس، فإذا أردت أن تصغي، ~~فالمكتوب خير من المسموع وأبقى. وإلا فإني أضن بوقتك ووقتي. أضن بوقتك الثمين ~~وتضييعه في الإصغاء إلى وكيل مسخر عن منطقة منسية لا يعرفها إلا الجباة، ولا ~~يرتادها إلا المرشحون، قبل ساعة الانتخاب بأيام، وهب أن المقابلة كانت فعم ~~تنجلي تلك الغمرة؟ نفتش كلانا عن عبارة يجمل بها الحديث، أبخرك وتشكرني، وأنصرف ~~من عندك لكي أتبجح في كل محضر: قابلت دولة سامي بك، ما شالله، رجل لطيف جدا، ~~متواضع كأنه ليس رئيس دولة. # عفوا. والوعود يا مولاي، كيف ننساها وهي بيت القصيد؟ تعدني أنت وعدا أجعله ~~أنا حكما مبرما، فيتصاعد الدعاء من أفواه الآملين. إن الثناء حاصل في كل حال ~~يا سيدي، فنحن قوم تعودنا أن نكون دائما مع (الواقف) أما من يقعد، فيقعد وحده، ~~إننا نقوم مع القائمين، ولا نركع مع الراكعين. # إن الثناء على السلف واجب، فكل من استوزر - وأنت منهم - لم يترك شيئا من ~~جهده. وأنا من المؤمنين بقول المثل: الحرب بالنظارات هينة. لذلك أراني أوسع على ~~أولياء الأمور وأعذرهم؛ لأن أعباء السياسة تنوء بها الجبال - وخصوصا في عهد ~~القنابل - فكيف بأكتاف الرجال. # فلهذا، إننا نطلب لك من الله المعونة لترضي، (أولا وآخرا) أربعة وخمسين ~~رجلا، فتبقى في كرسي الحكم زمنا تستطيع به القيام بعمل جليل. # الورق قليل جدا، ولا فسحة للكلام والإكثار منه، فلنوجز: ليس لنا في هيكل ~~الحكومة شفيع، فنفوز بشيء عند (التوزيع) ومال الدولة كمال الصدقات يؤتى على ~~حبه، ذوي القربى واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والقرويون عموما، ms083 ونحن ~~خصوصا - يا سيد - أبناء سبيل بكل ما في الكلمة من معنى. إن القرية متروكة على ~~الله، ومشاغل الله جل جلاله أكثر من مشاغل النواب الكرام. # إن كل وكد من يقتسمون أموال الطرقات، في طرق بيوتهم وبيوت أنصارهم، وما بقي ~~فلطرق مناطق الاصطياف. ونحن لو يعلمون (مصيفون) في قرانا، ولسنا نبلغها إلا ~~بشق النفس، وعلى ظهور الحمير، والحمير مهدودة القوى في أيامنا هذه. # وإذا ركبنا سيارة دفعنا (أم الخمسين) فدى لعيني الأربعة والخمسين، عن بضعة ~~عشر كيلومترا، وهيهات أن نبلغ بيوتنا سالمين من العطب. # هذه حال طرقاتنا حيث توجد، أما ما نشرب فمن مياه الشتاء المجموع في الآبار ~~والصهاريج، وأغلبه ملوث، فتفشو بيننا (الدورية) في أيلول وتشرين، والكينا عزيزة ~~نادرة. # أما العلم فأخو الطرقات والمياه. مدارس - إذا وجدت - خير من تعليمها الجهل ~~المطبق. كان أحد العلماء نوى أن يزورني لغرض أدبي، فلما درى بما دون بيتي من ~~أهوال، تغلبت مخاوف الطريق على لذته الأدبية والعلمية، فنسي ما حلم برؤيته من ~~آثار. # قرأت تصريحا لك قلت فيه: إن الله خلق الكون في ستة أيام، فما قولك في أرض ~~تكون كما تركها الله في اليوم السادس، لولا بقية آثار فيها؟ فقرى بلاد جبيل ~~أصلح مكان لاختبار علماء الجيولوجيا؛ لأن طبقات الأرض فيها كما كانت بعد ~~الطوفان. # صرحت أنك ستعتني بالقرية، فحسنا تصنع. وسمعت أنك ستزورها فأحسن وأحسن تصنع. ~~فما راء كمن سمعا. # فحال دولتنا كسيدة تلبس (روبا) مزركشا، فوق ثياب ممزقة بالية، أو أننا ~~كبائعي البندورة، خير بضاعتنا على وجه (السحارة) أما ما تحت ذلك فخبص في ~~خبص. # الخلاصة أننا نستغيث بك، نريد طرقات، ومياها، ومدارس لمنطقتنا المحرومة، ~~وهذا آخر حجر نضربه في (الجوزة). # إننا نرجو من نوابنا الكرام أن يمهلوا الحكومات، رحمة بنا نحن الذين ~~انتخبناهم، ريثما تسخن الكرسي تحتهم، فلا نكاد نخابر حكومة حتى تنقلب، فنعيد ~~الأمر كما بدأناه. # وفي الختام تفضلوا - يا صاحب الدولة - بقبول احترام المعجب بمواهبكم والمقدر ~~علمكم وعبقريتكم، وإننا نشكركم سلفا وإن قال المثل: ما شكر ms084 السوق إلا من ~~ربح. # الداعي لدولتكم # مارون عبود # عين كفاع 3 / 9 / 1945 # وحرصا على بقاء هذه الرسالة سالمة من كل مبتذل، أتبعتها بقصاصة كتبت فيها: # أضم إلى رسالتي هذه ثلاثين عريضة موقعة من ثلاثين قرية، وهؤلاء جميعا يلتمسون شق ~~طريق عين كفاع-دير مار يوسف، فهذه العقبة إذا ذللت، لا يضطرون إلى اللف والدوران وإضاعة ~~وقتهم، وإن كان من حطب لا من ذهب. # ونظمت تلك الأوراق وأدرجتها في ظرف يسعها وأرسلتها مضمونة. قال الكثيرون: ما أقل ~~عقلك، الغرض على قد المرسال. رح أنت. # وبعد أيام رحت أنا، وكان مدير النافعة محمد بك رعد، فتأهل وقال: سيدنا سامي بك قال ~~لي: أسرع، عجل، ضع 50 ألف ليرة لطريق عين كفاع-دير مار يوسف. نحن في عصر السرعة كما ~~قال، فلا يكون هو أسرع منا. اقرأ هذا المكتوب وأعده إلي، مكتوب ظريف نازك، يستأهل ~~أكثر من خمسين ألف ليرة تدفع لإغاثة بلاد. # وهكذا عدت مظفرا من السراي أردد قول أبي فراس: # إذا ما أرسل الأمراء جيشا # إلى الأعداء أرسلنا كتابا # وهذه المرة كان الحبر والورق أغلى من الألماس مئات المرات، صادف أرضا طيبة فأغل أيما ~~غلة. # أما الطريق فشقت الخمسون ألف ليرة قسما منها، وبنت جسرا حال دون النهر وأرواح ~~العباد، ولكنها لا تزال حيث تركها سامي بك. لست أذكره بها لأن الكريم لا يهز، والفاروق ~~عمر بن الخطاب لم يذكره أحد بتلك الأرملة. # كم كنت أسمع الناس يقولون حين تقف بهم السيارة عند منتهى الطريق ويشمرون للمشي: الله ~~يرد أيامك يا سامي بك. وأنا أقول معهم: الله يطول عمر هذا الصاروخ الذي يحق له كلما ولي ~~الأحكام، أن يردد قول الحجاج بن يوسف: لا أهم إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، ولا أعد ~~إلا وفيت. # | صباحية # استقل عيد الميلاد بكل ما يتعلل به القلب الإنساني من رموز سامية وأمل بعالم أصلح ~~وحسبك هذه الكلمة: المجد لله في العلاء، وعلى الأرض السلام، والرجاء الصالح لبني البشر. ~~لم يدع لعيد رأس السنة شيئا من ms085 المعاني الإلهية، فكان عيد السماء وظل عيد رأس السنة ~~عيد الأرض؛ ولذلك خلا هذا العيد من المعاني التي تربط الأرض بالسماء. # لقد أمسى من تقويم الدهر، كهنيهة يتنفس فيها المسافر الصعداء، ثم يستأنف الخبط في ~~بيداء الأمل. يلتفت المرء في هذه الوقفة، إلى الوراء فيمتلئ قلبه مرارة إن كان خاب، ~~ويزود سنته بالكلمة المشهورة: تذكر ولا تعاد. وإن كانت سنة خير وبركة تلهف على واحدة ~~مثلها تقبر الفقر. # الخائب في هذا اليوم يرجو ظفرا عتيدا، والمفلح يتمنى مزيدا، ولولا هذا الرجاء لخلا ~~هذا العيد من كل معنى. # إني أرى الناس فيه سواسية، فالشيوخ المطلون على هاوية الأبدية، وأصحاب الرؤى والأحلام ~~من الفتيان والفتيات يلتقيان جميعا عند عتبة رأس السنة. كلهم يتقبلون التهنئات بحرارة ~~وابتسام. لا شك في أن ابتسامة الشيخ رخوة، ولكنها ابتسامة في كل حال. # وعلى ماذا يهنأ الشيخ؟ ألأنه ماض لسبيله غدا أو بعد غد؟ ولكن لا. الشيخ يرجو عمر ~~لبيد، وعلى الأقل عمر لبيد الذي سئم الحياة وطولها وسؤال الناس كيف لبيد؟ فليأمل. ليس ~~عند الله أمر عسير. # هذا سر الحياة، وهذا لغزها المعقد المقعد، وكلما طول الحبل طاب للجواد المرعى. # أصبح هذا اليوم محطة لإذاعة التمنيات، فلا تسل عما يتبادله فيه الناس من هدايا طريفة، ~~وما تهدر فيه من ثروات على الموائد الخضراء، أما الفقير فحصته ألم وحنق وسب الدهر. كشف ~~البخت في كل مكان، في كل بيت، يستخبرون الورق، فيضيعون ما عندهم في سبيل استكشاف ما ~~تضمره لهم الأيام، ومتى كانت الأيام تكشف ضميرها للناس، إن كان لها ضمير. # هذا حديث رأس السنة العام، أما الخاص فهو ذكريات عن شيخي. كان لجدي في ليلة هذا العيد ~~رأي غير رأي الناس. كان يجلس متربصا عن يمين الموقد، كعادته كل ليلة وعصاه حده، ~~فيذكرني قول زهير: وألقوا عصي الحاضر المتخيم. أجل لقد ألقى جدي عصاه، وقعد في قاعة ~~الانتظار، يقضي السهرة وشفتاه ترقصان الهوينا، قد تفلت من بينهما ألفاظ ولكنها لا تفهم، ~~يولي ظهره السامرين كأنه لا ms086 يعرف أحدا منهم، وكلهم أولاده وأحفاده وأنسباؤه. # القيامة قائمة حواليه، لعب ورق يتفاءل به الغالب، ويتشاءم المغلوب. كلاهما يخال أن ~~هذا اللعب جد، وعليه يتوقف نحس عامه وسعده، فكأنما سر الغيب يكمن في نقاط الورق ~~وتزاويقه . يحتال كل منهم على الفوز، ويتوسل له بالحيلة والغش، زاعما أنه إذا غلب ~~استولى على أمد الحظ، وواكبه التوفيق والإقبال في سنته الجديدة. # وتدار على الناس أكلة ليلة العيد التقليدية: القمح المسلوق، المخلوط بالجوز واللوز، ~~وما يتبعه من نقل فلا يأكل جدي إلا نقرة، فأخاله من تلك الطيور القواطع التي طالما شبه ~~لي بها الناس في طريقهم إلى دنيا الأبدية. # وينام جدي، وأنام أنا، والجمهور لا يزال في صخبه، لا أعرف ماذا كان يحلم ابن تسع ~~وثمانين بمناسبة هذه الذكرى. أما أنا فمهما نسيت فلا أنسى أنني كنت أحلم بالصباحيات: ~~بالسكربينة الجديدة، بالقنباز المقلم، بالزنار الحريري، بالطربوش الأحمر العزيزي، ~~بمجاني الأدب الذي وعدني به ابن عمتي الخوري، بالساعة التي قال خالي الخوري أنه يرسلها ~~من القدس. # إن هذه الصباحيات تافهة بالنسبة لصباحية جدي. كانت (صباحيتي) أولا، ريالا مجيديا ~~ثم أخذت تكبر معي حتى جعلها أخيرا ليرة ذهبية. # كنت ووالدي مع هذا الدينار على طرفي نقيض، تعجبني أنا طلعته ورنته، وتعجبه هو قيمته. ~~أما ضمن حق قنطار طحين. فيظل الدينار في حوزتي حتى الظهر، ثم يزج في سجنه الموقت. أما ~~لداتي فكانوا يتسابقون على (تصبيح) ذويهم، والضربة في (الصباحية) لمن سبق. ولكن من أين ~~لهم جد كجدي تسخى نفسه عن أصفر رنان. كانوا يخوضون الضيعة خوضا من كعبها إلى رأسها وما ~~يجمعون إلا متاليك وبشالك، أما الليرة الذهبية وعليها صورة خيال - مار جرجس - فكان لا ~~يظفر برؤيتها أحد غير مارون. # أذكر أننا تجمعنا مرة وقصدنا قرابة لنا اشتهر بالشح، لنصبحه بالخير. وعند انشقاق ~~الفجر شققنا بابه واستولينا على المبادرة هاتفين بصوت واحد: صبحك بالخير. # فهالته كثرة عددنا وأوجعه صباحنا، ولكنه تجلد وقال: الله يصبحكم بألف خير. # وسكت وسكتنا، فقال أحدنا: هات صباحيتنا. فأجاب: ألا يرضيكم ms087 أن يكون الواحد بألف. قال ~~هذا وأيقظ زوجته، وهي عجوز مثله، فقابلتنا بوجه كالنعل. ولما قال: أعطيهم صباحيتهم ~~استبشرنا وظننا أننا فتحنا القلعة. وما خاب الأمل إلا حين قامت إلى قدر هرمة جاءت معها ~~في جهاز عرسها وقعدت تصب القمح البائت بكرم حاتمي، فقلنا لها: هذي أكلة السهرة، ~~والصباحية تكون من الكيس. # فتنطح العم للجواب وقال: ما سمعتم قول الإنجيل: لا تعبدوا ربين الله ~~والمال. # وقالت هي: أولاد وقاح بلا مربي. # ومرة حاول أخ لي أن يوقظني ليصبحني في رأس السنة، ولكنني سبقته فخاب فراح وهو يبربر: ~~الله لا يسعد صباحك. # وفي آخر عمر جدي وكنت صرت أفهم الخمس من الطمس، والكوع من البوع، تجرأت عليه وقلت له: ~~أنت تعبس وحدك يا جدي في هذه الليلة. # وكأنه قد أعجبه مني أني فطنت لبعض سره فانبسط وجهه وقال لي: هذي ليلة محبة ذات عندنا ~~نحن البشر. نودع السنة الرائحة بالطمع، ونستقبل الغادية بفم مثل فم الحوت، قلما تجد ~~رجلا يحاسب نفسه حسابا صارما. أما جدك يا مارون فموقفه في هذه الليلة من نفسه موقف ~~الديان الرهيب، يستعرض كل أعماله في بحر السنة. # أتذكر حسناتي وسيئاتي، أكلف نفسي التكفير عن إساءاتي في عامي الجديد بما أزيده من ~~حسنات. فلو كان كل رجل، بل كل صاحب سلطان يحاسب نفسه حسابا عسيرا في رأس كل سنة، لما ~~بقي في الأرض مظلوم، ولملأ السلام الأرض وعاشت البشر بسلام. ولكن المادة سدت الأبواب ~~على المحبة فنامت خارج البيوت. # صدقني يا ولدي إذا قلت لك: ما وقعت عيني في هذا اليوم إلا على ناس يتمنون زيادة ~~المال، ولا فرق عندهم بين حرام وحلال. فما داموا لا يفكرون إلا بالمادة، ولا يعنيهم غير ~~زيادتها في العام الجديد، فمن أين تدخل الرحمة إلى القلوب؟! # أبواب القلوب مغلقة، الإحسان يقرع ولا يفتح له. فرأس السنة عندنا عيد ابتهاج وطمع ~~ومنافسة: ابتهاج بما كنزنا. وطمع بجذب المادة صوبنا، لينتفخ كيسنا، ويكبر صندوقنا، ~~ومنافسة على ادخار ما تيسر لنا من حطام الدنيا. ms088 # فإذا ظل الناس لا يحاسبون أنفسهم كل عام إن لم أقل كل ليلة، ماتت ضمائرهم، وموت ~~الضمير موت السلام، ولا سلام ما دام المال معبودا. # ثم حملق بوجهي وقال: أتفحص ضميرك كل ليلة كما علمتك؟ # فترددت في الجواب، فقال: أيش بك؟ رد. # فقلت: نعم. # فقال: (نعمك) ضعيفة. افحص ضميرك ونم. وما صبح إلا فتح. # وفي الغد فتح مصره، ونزل (الخيال) إلى الساحة. وكان مارون بطل الصباحيين - لا ~~السباهيين - في الجيرة. # | استسقاء # لو رجعت اليوم يا سيد، لاشتهينا أكل التين. ~~••• # كان الخوري يوحنا عبود جدي ومعلمي، وهو أول شخص لزمته في فجر الحياة، فما أحسنت قراءة ~~السريانية حتى حملني على الصلاة معه، فكنا نقيمها أينما اتفق، في البيت، قدام الباب، ~~على البيدر، في الحقل، في الكنيسة. كلانا يحمل (شحيمة) فكنا (خورسا) متنقلا نقيم ~~الصلاة حيث تدركنا، وكانت صبوتي صلوات متتابعة، فكأنني كنت كاهنا (بالمقلوب). # كررت تلك الصلوات مئات المرات، وما هي إلا ترانيم وأناشيد صوفية رائعة، حتى حفظتها عن ~~ظهر لساني، ولا يزال جلها عالقا بذهني على بعد عهدي بها، وأشهد أنني ما برحت أهتز ~~لسماعها، كما كان يرتاح الخليفة المنصور إلى الحداء أكثر من الرصد والبايات. # وفي 8 شباط سنة 1899 فرغنا من صلاة (النهار) وجلسنا على المصطبة الشرقية، فقص علي ~~جدي نبأ مار مارون وتلاميذه الثلاثمائة والخمسين شهيدا، وكانت تنهداته متتابعة، حتى ~~أجهش بالبكاء فخفت عليه، ثم ذكر رهبان دير (القطين) وهو كهف عظيم قبالة قريتنا عين ~~كفاع، لا تزال آثاره ماثلة وإن أقوت وطال عليها سالف الأمد. # وبعدما حشا ذاكرتي بقصص أولئك النساك الحبساء نهض قائلا: الحقني يا صبي. # ومشى ومشيت وراءه وانقطع الكلام، وشرع يصلي في طريقه إلى الهيكل، تارة يهمس، وحينا ~~يهمر، وإن حياه أحد رد التحية بإيماءة كالومضة، زاويا ما بين عينيه كخلقته، وما بلغ ~~الكنيسة حتى رأى أخاه بالرب الخوري يوحنا الحداد في ساحتها فسلما (بالمجد لله)، تحية ~~القدماء، وجلسنا على مقعد حجري، ودار حديث قصير، فاستكبرا أمر القيظ نذير المحل والقحط ~~والجراد، وعزا ms089 الكاهنان انحباس المطر إلى خطايا البشر الكثيرة، ورأيا أن هذا (الغضب) لا ~~يرفعه عن الأرض إلا الصلاة والزياحات، فعزما على إقامة زياح حافل لصورة مار مارون ~~استسقاء للمطر. # ثم قرأ جدي فصلا من (مرشد الكاهن)، وقرأت لهما فصلا من كتاب الاقتداء بالمسيح، ثم ~~استأنفا الحديث، فذكرا ثالثهما الخوري موسى - جدي لأمي - الذي مات منذ أشهر، فقص جدي ~~على الخوري حنا حلما أذكر منه أنه رأى أخاه الخوري موسى يقيم قداسا (كبيرا) في برية ~~واسعة، وحوله جمع غفير من أحياء وأموات يعرفهم جدي. وبعد التأويل والتعبير ربح الميت ~~قداسا وجنازا أقاماه له في الغد. # وانفض مجلسهما ودخلا الهيكل، فقرعا الجرس، وزينا البيعة، وأسرجا قناديلها، ثم تحولا ~~إلى (القراية) فنبشا الصلوات الخاصة بمار مارون في الشحيم والسنكسنار والريش قريان، ~~وأعلما عليها جميعا. # وقرع الجرس ثانية، وما أمسينا حتى دق به ثالثة، فأقبل كل جمهور الضيعة وقامت الصلاة، ~~وامتلأت الكنيسة رنينا وهزيزا، ثم تليت على الملأ سيرة أبيهم القديس مارون، وما قاسى ~~من الشياطين التي كانت تجربه، فانفجرت الصدور تنهدا، ولما نال إكليل السعادة الأبدية ~~فارقتهم النوبة وابتهجوا. # وكان الكاهنان يرصدان القارئين حتى إذا بدرت من أحدهم غلطة أخذوه بها وصلحوا خطأه ~~بنبرة عنيفة، وكان جدي أكثر تحديا للشمامسة، وكثيرا ما كانوا يكرهون معاونته ويهربون ~~منها. ولكنه لم يلن لهم ومات لا يعرف الهوادة، كأنما كان يعتقد أن الغلطة تفسد الصلاة، ~~فما كان يحابي أحدا حتى الكهنة. # ولما انحلت الصلاة قال للشعب قبل منحهم البركة: غدا نقيم قداسا وزياحا كبيرين، ~~فعلى الجميع أن يعترفوا ويتناولوا ليربحوا الغفران الكامل الممنوح من سيدنا البابا لعيد ~~مار مارون بشرط زيارة الكنيسة الخورنية والصلاة لأجل ارتفاع شأن الكنيسة ~~البطرسية. ~~••• # ومع الصبح سمعت جدي يقول لأبي: ما أفاق مارون. # فقال أبي: أنا أروح معك خل الصبي ينام. # فنفر جدي وقال: صح فيكم قول الإنجيل يا حنا، أنتم ما دخلتم ومنعتم الذين يدخلون. يا ~~ضيعان تعبي، هيهات أن يكون خوري بعدي في هذا البيت. # فرفعت رأسي إذ ذاك وصبحته ms090 ونهضت وقبلت يده، فباركني وضحك لي ضحكة مليئة ما رأيتها منه ~~من قبل، وانفتل يصلي حتى لبست ثياب الأحد والعيد، وسار وتبعته، وظل يردد حتى دخل ~~الكنيسة قطعة سريانية هذه ترجمتها: إن كان العبد بلا خطيئة من أين تعرف رحمة السيد؟ ~~ارحمني يا الله كعظيم رحمتك. وسجد وزميله الخوري يوحنا سجدة الصبح، فقاما وركعا مائة ~~مرة وأكثر. ولما أقبل الناس تحولا إلى كرسي الاعتراف، وظلا يعرفان حتى الضحى، ثم أقاما ~~الذبيحة الإلهية، وبعد الإنجيل ألقى جدي هذه الخطبة: # يا إخوتي المباركين # اجتمعنا اليوم لنعيد عيد أبينا العظيم، فمار مارون هو التاجر الذي حكى عنه ~~الإنجيل أنه وجد درة ثمينة فمضى وباع ماله واشتراها. نعم يا أولادي، إن مار ~~مارون هو العبد الصالح الذي ربح بالخمس وزنات خمسا أخر، وفلح كرم الرب من ~~الصبح حتى المساء، كما سمعتم أمس، وتسمعون الآن من مديحه، فالذي انقطع عن ~~الدنيا كلها وقعد في مغارة يصوم ويصلي ليلا ونهارا، ويدافع عن الإيمان بتقوى ~~وحرارة يستأهل أكثر من هذا المدح. صح فيه قول مار أفرام ملفان البيعة: ويكون ~~لهم بعد موتهم أعظم إكرام. وأي إكرام أعظم من العبادة. # ما كان أبونا ما مارون يعيش كما نعيش نحن، وما كان يفتكر بما نفتكر به نحن، ~~كان يطلب ملكوت الله وبره. ومار مارون ما كان يلبس كما يلبس إكليروس اليوم ~~الغنابيز المزررة، ولم يكن يحمل عصا مذهبة ومفضضة. كان لباسه الشعر ليقهر النفس ~~المتكبرة، وعصاه من الزعرور ليرد بها عنه الكلاب، وصليبه كان في عبه ليخزي به ~~إبليس اللعين، لا للزينة والبهرجة، وهذا التاج الذي على رأسه، والعصا التي بيده ~~نحن الذين يغرنا المجد العالمي حملناه إياهما، ولو كان أبونا غير هكذا ما طلب ~~يوحنا فم الذهب صلاته ودعاه. فمار مارون قس، والقديس يوحنا فم الذهب مطران عظيم ~~ومن ملافنة البيعة. # إن مار مارون غلب الشيطان كما خبرنا السنكسار، ونحن أولاده يغلبنا الشيطان كل ~~ساعة. مار مارون شفى مرضى كثيرين، ونحن المرضى في قلوبنا وليس من يشفينا، نحن ms091 ~~كما قال مار أفرام كنار الروح: دبت الآكلة في الجسم وسرت. # يا حسرتي علينا يا أولادي، إذا حجب الرب عنا رحمته؛ فلأننا ما عدنا نفتكر به. ~~تركناه فتركنا، ما عدنا نفتكر إلا بالدنيا، من كبيرنا إلى صغيرنا، أبونا مار ~~مارون أسس ونحن ما وضعنا حجرا على الحيط، خراب عمومي في الدنيا والدين، الروح ~~الطيبة راحت مع القدماء، وخطايانا الكثيرة ورثت كل هذه الضربات والبلايا ~~والضيق، متى كان ينقطع المطر في كانون وشباط، ومتى كان يخاف الناس من الجوع ~~والعطش في جبل لبنان. # كيف نخاف نحن المسيحيين من الجوع، وإنجيلنا يقول: أبوكم السماوي يقيتكم، ولا ~~تهتموا بما للغد. كيف نخاف الغضب الرباني وعندنا التوبة والاعتراف، والمناولة ~~والصلاة. فإذا كنا نحن البشر يرق قلبنا على من يصرخ حول بيوتنا، وعلى بقرة تعج ~~في القبو، فماذا تراه يفعل ربنا الذي قال: من منكم إذا طلب منه ابنه سمكة يعطيه ~~حية. أما هو الذي جرأنا على الطلب منه بإلحاح، أما هو قال لنا: اطلبوا تجدوا، ~~اقرعوا يفتح لكم. قووا قلبكم واقرعوا بابه ولا تخافوا. # صلوا يا أولادي ولا تملوا، لا تتكلوا علينا وحدنا، فنحن فقراء بالروح. عندما ~~كانت الكاسات والصلبان من خشب، كانت القلوب من ذهب، واليوم بالعكس كاسات وصلبان ~~من ذهب، وقلوب من خشب، ويا ليت، خشب منخور. الويل لنا من تلك الساعة التي يقيم ~~فيها ربنا الخراف من عن يمينه والجداء من عن شماله. # كلكم تعرفون مثل التينة، فربنا يسوع المسيح لا يقصد بالتينة إلا نحن ~~الرعاة. فلو رجع المخلص اليوم يا أولادي ماذا كان يعمل؟ الله يعلم. # وضاق به الكلام وخانه اللسان وتغرغرت عيناه بالدموع، فالتفت صوب المذبح ليمسحهما، ~~فوقعت عينه على الصليب فقال بصوت أعجز عن وصفه هذه الكلمة العظيمة على سذاجتها: لو عدت ~~اليوم يا سيد لاشتهينا أكل التين. # وكان سكوت عميق، وأجهشت العجائز، وقرعت الصدور. وعاد جدي إلى الكلام فقال: فلنصل يا ~~أولادي، فلنتشبه بأبينا مار مارون، فبصلواته عمل العجائب الكثيرة. ما هي الصلاة، الصلاة ~~حكي الإنسان مع ms092 ربه، فإذا كان حكي الناس مع بعضهم يولد المحبة والألفة، وإذا كان انقطاع ~~الجيران عن الكلام يقوي العداوة حتى نعجز عن حلها، فأيش قولكم بمن لا يحاكي ربه؟ إذا ~~كان أهل البيت لا يكلمون بعضهم فماذا يكون البيت ؟ طبعا كلكم تقولون: جهنم ~~الحمرا. # صلوا إذن فكل ما تطلبونه تنالونه كما يعلمنا الإنجيل الطاهر، اطلبوا من ربنا أن يتحنن ~~علينا ويرحمنا. أن يروي قلوبنا العطشانة إلى النعمة الإلهية، ويسقي زروعنا، ويبارك ~~علينا، ويحمينا من الجراد. # صلوا عن نية بطركنا الجديد مار إلياس بطرس الحويك حتى يساعده الله على تجديد البيعة ~~وصيانة عزها الروحي، ويسير على درب بطاركتنا القديسين. وصلوا له حتى يقوم بوظيفته، ~~فحملته ثقيلة. ولكنه يقوم بها بمعونة الله الذي لا يخيب المتكلين عليه كما قال داود. ~~البطرك إلياس كلكم تعرفونه رجل مجرد عن الدنيا، وفيه روح آبائنا الأقدمين، وقد حكينا ~~عنه منذ شهر من على هذا المذبح المقدس. # أما أنا وأخي الخوري حنا فعبدان حقيران خاطئان، نقع ونقوم تحت نير الرب سبعين مرة لا ~~سبع مرات، كما قال النبي داود. فصلوا لأجلنا كما نصلي لأجلكم، ولنتضرع جميعنا إلى أبينا ~~مار مارون ليسمع صلواتنا ويساعدنا ويسهر على كنيسته، ولا يهملها لأجل خطايانا الكثيرة. ~~رزقنا الله شفاعته، آمين. # ولما انتهى القداس سار الجمهور بصورة أبيهم مار مارون يحملها الخوري حنا الحداد، وجدي ~~يبخرها، والشمامسة يرتلون ويترنمون؛ والشباب يقرعون الجرس قرعا عنيفا، فالفرصة سانحة، ~~وقرع الجرس أحب شيء إلى قلوبهم، ولا سيما أن قرعه في غير وقته كان فلتة في تلك ~~الأيام. # لا أزال أتذكر جدي كيف كان يبخر دائما بحماسة، وهو ابن ثمان وثمانين، ويرتل بصوته ~~الجهوري الجميل، الذي لم أرث منه شيئا. يبخر وهو يعود القهقرى، وأنا خائف إن تعثر بحجر ~~رجله فيقع. كان جدي ينظر أحيانا إلى السماء، وما دريت لماذا حتى كان المساء وتلبدت ~~الغيوم وسقط المطر. وقال لكنته أمي: هاتي عشيني، الرب قبل صيامي وصلاتي. كثر ~~خيره. # | مار عبدا والمطران # كان شهر آب عام 1900 يلفظ آخر ms093 نفس لما دعاني فلبيت، وتماشينا، هو شيخ يحمل على منكبيه ~~أثقال قرن، وأنا غلام ظهره خفيف. وما جاز بيت أخيه الخوري موسى - جدي لأمي - حتى رأيته ~~يكتم دمعة ويسترها ويقول: هم السابقون ونحن اللاحقون، رافقني عام أول لزيارة مار عبدا ~~ليلة عيده، فأين هو اليوم؟ # وكأنه ذكر قول رسول الأمم: «إن الذين يموتون بالرب لا ينبغي أن تحزنوا عليهم كالناس ~~الذين لا رجاء لهم.» فصلب ومشى يصلي. ولما توسطنا القرية نتر يده من يدي، وما دريت ~~لماذا حتى مال نظره إلى ردم فيه بهيمة ترعى، فغضب ونادى صاحبها، فأقبل هذا يصفق على ~~فخذيه، وساقها بعد اعتذار طويل، فاغتفر له جدي زلة لم يتعمدها، # ثم أخذ بيدي قائلا: أتعرف اسم قديس هذا الهيكل؟ فقلت: لا. قال: اسمه برصوما، وهذه ~~الخربة أقدم كنائس البلاد، كانت للروم والموارنة والفاصل بينهما حائط. # قلت: مثل بيتنا وبيت عمي. فابتسم للتشبيه وقال: تماما. # قلت: واليوم لماذا لا تكون الكنائس هكذا؟ قال: ما كان الإخوة يتفرقون في الزمان ~~الماضي ما زال البيت واسعا، واليوم يتفرقون عند (البلوغ) راحت الألفة وكثر ~~البغض. # وسألت أيضا كعادتي، فقال: لا تكثر من السؤالات، أنا تعبان والشمس على الغياب. # ومشينا فأسرع نازلا تسوقه الشيخوخة بعصاها، فكان يجاهد نفسه فيبدو نشيطا رغم ~~التسعين. ولما بلغنا (الوطا) انسابت حية فصرخت: حية حية! فوقف مضطربا يهز عصاه، ولما ~~رآها هاربة تبسم ابتسامة غير مشرقة وقال لي: خفت يا صبي. نسيت قول إنجيل اليوم: «ها هو ~~ذا أنا أعطيكم سلطانا أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، فلا يضر بكم ~~شيء». # وطوينا السهل فواجهنا رجل في يده ورقة سوداء الحواشي، فوقف جدي وقال: الله يعطينا ~~خيره. فدنا منه الرجل وقبل يده، ودفع إليه الرسالة، فقرأها وقال: الله يرحمها، كانت ~~امرأة فاضلة، ماتت ليلة عيد شفيعها ودفنها يوم عيده. وأعاد الورقة إلى الرسول فأخذها ~~بعد تقبيل يد الخوري ثانية وراح في طريقه. وأخذنا في العقبة فانقطع الحديث. وبلغنا دير ~~مار عبدا فما رأينا هناك غير خمسة أنفار: ms094 جزارين أمامهما الضحايا، ومكارين يحملون ~~الشراب والنقل للعيد. # ودخلنا الكنيسة المهجورة فصلى وصليت وراءه راكعين على الحصى والتراب أكثر من نصف ~~ساعة. قد يكون الوقت أقل وأنا توهمت كذلك؛ لأن زيارة الكنائس والصلوات كانت أتخمتني. ~~وخرجنا فجلسنا في الدهليز على صفة، فتنحنح وقال: ستسمع مني الآن قصتين: قصة الدير ~~وقديسه، وقصة مطران تخفى فيه. فتحركت يمينا وشمالا وأحكمت قعدتي فقال: ما ترك ~~الزمان من هذا الدير الكبير إلا هذا القبو والدهليز والقبو الذي يلاصقه. كان ذلك القبو ~~مقام مار سمعان العامودي عليه السلام، وهذا المكان كان ديرا للراهبات، وبقايا المعاصر ~~والآبار تدل على أنه كان مسكونا، لا مزارا على تلة. كنا نعمل فيه رياضتنا الروحية ~~قبلما فتح لنا الرهبان أبواب الديورة. أما قديس هذا الدير - مار عبدا - ففارسي الأصل من ~~تلامذة يهوذا. # فخفقت برأسي، فاستدرك قائلا: يهوذا الرسول لا يوضاس اللعين. سام الحبر يهوذا مار ~~عبدا أسقفا على مدينة خشكار في بابل. فضحكت لها فقال: ما لك؟! أعجبتك كلمة خشكار؟ قلت: ~~وضحكتني. # فتابع حديثه: وكان مار عبدا كثير الصلاة يشتهي إكليل الشهادة جدا. فقلت: مطران ~~يشتهي إكليل الشهادة يا جدي! أما كان عنده تاج مثل مطاريننا اليوم! فتغاضى عن كلمتي هذه ~~وقال: فسار إلى مدينة (نوا) في تخوم الهند. فهززت رأسي ونفخت فتعبس وزأرني سائلا: ما ~~بك؟ قلت: كيف يذهب مطران ماشيا، ما رأيت مطرانا يمشي، فالمطران ل. جاءنا على حصان ~~أحمر والمط ... فزجرني قائلا: هس يا صبي، سماع. أما عجائب مار عبدا فكثيرة جدا، مر ~~بمدينة ما كان سكانها كفارا فطردوا القديس بالضرب والإهانة. # فقلت: وكيف يضربون المطران وأنا رأيت المطران بعيني يضرب بالعصا، فتمتم: يا ويلاه يا ~~حالاه! ولما رأى كثرة الاعتراضات أسرع يعدد عجائب القديس، فقال: شفى جملا كان (يسكنه) ~~شيطان، فقلت: ولماذا يسكن الشيطان جملا، أما علمتني أن أقول وقت التجربة: يخزيك يا عدو ~~البشر، إذن الشيطان عدو الجمال أيضا. # فتململ وقال: وقتل تنينا، وشفى مرضى كثيرين. قلت: واليوم ألا يشفي. قال: بلى. يشفي ~~من البردية ms095 (حمى النفض) من يستشفعون به وينذرون له. وحاول أن يواصل كلامه فقاطعته: وإذا ~~كانوا فقراء ولم ينذروا له شيئا ألا يشفيهم؟ قال: بلى، إذا صلوا بحرارة. قلت: وهل ~~النذر يغني عن الصلاة، فأجاب: لا. # وكأنه ضاق بي فحتم علي ألا أقاطعه وقال: فآمن أربعة آلاف فعمدهم وسام لهم كهنة ~~وشمامسة. فقلت: وبرادطة وخوارنة أسقفيين أما رسم؟ فأمرني بالصمت وقال: لا تقاطعني ومضى ~~يقول: وخرج من القرية فطلع عليه ثعبان في الطريق، فرسمه بالصليب فمات، فقلت: أنت خلصت ~~منه بلا رسم صليب، فأزهى وما أبدى، وقال: وعاد القديس إلى مدينة (نوا) فرآهم مالوا إلى ~~الكفر وهدموا الكنائس وطردوا المسيحيين، وتنهد، فتمثلت: طوبى لكم إذا عيروكم واضطهدوكم، ~~فقال: عافاك - وجرها جدا - ولكن اسكت لا تقاطعني: ولما علم أسقف البلد بعود مار عبدا ~~جاءه يخبره بقتل الكهنة وهد الكنائس فعزاه القديس. ودخلوا المدينة فهاجمهم أهلها فصلى ~~مار عبدا فحدثت زلزلة زعزعت المدينة، وتراءت ظلمة ونار في السماء فخضعوا جميعا قائلين: ~~ارحمنا يا قديس الله، فأسكت الرجفات بصلاته، وشفى رجلا مخلعا. # قلت مبتسما: مثل سيدنا يسوع المسيح، فقال بنفرة: نعم، ما قلت لك: لا تقاطعني. فأمررت ~~يدي على فمي، وتابع حديثه: ورجع الأسقف إلى خشكار. فعاودني الضحك، فاغتفرها لي ولكنه ~~صبر علي لحظات وقال: فوجدهم رجعوا إلى عبادة الأوثان فوعظهم فاضطهدوه وسجنوه. وفي ~~السجن عمل عجائب كثيرة، وجاءه ملاك الرب في السجن وقعد يشدده ويعزيه. # قلت: الملاك الذي بشر مريم؟ قال: عند ربنا ملائكة كثير، وفي الغد جلدوه حتى انتثر ~~لحمه، وبانت عظامه فدهنوه عسلا ووضعوه في الشمس لتلذعه الزنابير، وأخيرا قطع الملك ~~رأسه وقتل معه كهنة وشمامسة وبتولات. صلاته تحفظنا. فقلت كالمعتاد: آمين. # وتحرك للنهوض قائلا: يا مار عبدا. فحزنت وتمنيت لو يتمهل قليلا لأشهد العيد، ~~وخرجنا. فردد الناس فيما بينهم لما رأوه: خوري حنا عين كفاع، ودنوا منهم فباركهم واحدا ~~واحدا، وكان يقبض على يد من لا يعرفه ويسأله، ابن من أنت ولو كان ابن ستين؟ وانصرف ~~وهو يقول لهم: توقوا السكر ms096 يا أولادي. # فوقفته لأطيل بقاءه ريثما أملأ عيني من مشاهدة العيد فقلت له: وقصة المطران. فأجاب ~~امش. تسمعها في الطريق. ومشى وهو يبربر: كانت الأعياد للصلاة والعبادة، فصارت لشرب ~~العرق والنبيذ، وأكل اللحم يوم الجمعة، وما بلغنا الوطا حتى دخلنا في العتمة. وأضرم ~~الشباب النار في الهشيم - زينة الأعياد في القرى - فمشينا، على ضوء نارهم حتى ~~البيت. # وحدثني في الطريق عن فرار المطران يوسف اسطفان من وجه المير بشير بعد عامية لحفد، ~~واختفائه مدة في هذا الدير؛ لأنه اتهم بكتابة صك الاتحاد بين الدروز والنصارى على أن لا ~~يدفعوا للأمير إلا المال المعين. # وأقام المطران في الدير منتظرا صفح المير بشير، ولما بلغه أن التوسط له لم يجد، عزم ~~على الرحيل إلى أضاليا مسقط رأس المردة، فلحق به الشيخ يعقوب سمعان البيطار، فأدركه عند ~~النهر البارد، وأبلغه صفو خاطر الأمير، وأرجعه. ومثل بين يدي أبي سعدى فسقاه القهوة ~~القاضية. # ولما أنهى جدي قصة المطران - كما لخصتها - أخذني من كتفي وهزني بعنف قائلا: كيف يا ~~مارون، أما رأيت مطرانا يمشي! # قلت: ولكن يا جدي هذا مطران، فقاطعني بنبرة قائلا: ما هذا مطران، هذا يا جدي، شهيد ~~مثل مار عبدا. # قلت: ولماذا خاصم المطران المير حتى أصابه هكذا، فالمطارين اليوم بألف خير. # فقال بعد ما حملق بي: هذه إرادة الله وستنا مريم العضرا، ومتى اتفقنا نحن والحكام يا ~~ويل الشعب في لبنان. فمرقصنا - مرقص الكفاعي - الله يرحمه نهى مير جبيل كثيرا عن ظلم ~~الشعب فما سمع له. ولما حبسه باشا صيدا في البير. قلت: في البير! قال: نعم في البير. ~~طلب الأب مرقص فذهب إلى صيدا فقال له: صل لأجلي يا محترم، بلغ صراخ الشعب مسامع الرب ~~الصباووت، كما قلت لي مرات. ومتى رجعت خذ من زيتون الحكومة في وطا عين كفاع، ما يعجبك؛ ~~ملكا لديرك - دير معاد - وهكذا صار. وغدا في ذهابنا إلى (النعوة) أدلك على الصلبان ~~التي رسمها الأب مرقص في بدن الزيتون الذي تملكه. # قلت: وماذا أصاب المير؟ فأجاب ms097 خلصته صلاة القس مرقص، ووقف فجأة وقال: مارون أتعرف ~~تعمل (مرثاية)؟ المرأة التي جاءنا خبرها من أقاربنا، هذه امرأة فاضلة، وحدق إلي كمن ~~يترقب الجواب. ولما ابطأت عليه قال لي: أحب أن أسمعك قبل أن أموت. # فقلت: العمر الطويل يا جدي، فأجابني بفرح كالبكاء: ولك يا عيوني. # | أولى معاركي الأدبية # كان جدي لوالدي - رحمهما الله - من علماء زمانه. وكان يخشى أن يرفع العلم من بيته حين ~~يخفض أو يرفع هو من هذه الدنيا، ولما رأى في قبسا من ذكاء توهم أنه سيصير نارا ~~آكلة، فجعل وكده في بعد خيبته في بنيه. وأخذ يناقشني في أمور فوق عقلي فكنت أجاريه في ~~شوطه فيتفاءل ويتشاءم مع رياح الأجوبة والأسئلة التي تهب عليه من ناحيتي. فالكلام بيننا ~~أخذ ورد، وكما يكون الحوار بين رجل خنق التسعين وابن أربعة عشر. # كدت أصير ظلا لشيخي الزهيري الذي لم يسأم الحياة، فهو يجري معها في المضمار وإن قطع ~~الجري أنفاسه، وأسطع صورة له وأوضحها في ذهني هي لحيته المندلقة على صدره. وكنت إذا ~~أبديت إعجابي بها، وقايست بينها وبين لحى زملائه الآخرين همهم أبي وقال لي: هذا ربعها ~~يا صبي! يا ليتك نظرتها في عزها. حظك قليل، يا سلام، يا سلام عليها. # وقال جدي لوالدي في إحدى ليالي الصيف: أفتكر بمدرسة كبيرة. هذه المديرسات صارت صغيرة ~~على الصبي، ربما طلع منه شيء، من يعلم. # ثم عقدت جلسات عديدة شاركت فيها الوالدة، وأخيرا أقروا بالإجماع أن يدخلوني أكبر ~~مدرسة في المقاطعة. وكان العهد بالعلم في ذلك الزمان غير العهد به اليوم. ندخل المدرسة ~~في أول تشرين الأول، ثم لا نرى وجه الضيعة قبل منتصف تموز. لا أعياد، ولا مرافع، ولا ~~فرص، ولا ولا. كنا نودع أهلنا جادين غير هازلين، في غيبة لا هوادة فيها. # وإذا عدت صيفا فلأكون في كنف شيخي أي من مدرسة ثابتة عنيفة، إلى مدرسة متنقلة أعنف. ~~كان - رحمه الله - يذاكرني في كل فن ومطلب. في الإعراب والتصريف، ورواية الشعر ~~والنثر. # وعدت من المدرسة ms098 في صيف سنة 1900 فرأيت شيخي مهدودا. ولكن نفسه ما زالت كما كانت ظل ~~يذاكر في كل ما يعلم؛ ويبدي آراء أعجب بها، وأستغرب صدورها من مثله. # ونعيت إلينا في منتصف آب امرأة صاهرنا أحد أبنائها، فقال لي جدي: شكر لي ريس مدرستك ~~جراءتك ووقفتك على المنبر، وأنا أحب أن أسمعك قبل غياب شمسي. هيء مرثاة تقولها غدا في ~~المحفل، وأحب أن أسمعها لأعطيك رأيي فيها. # وكانت علامة انصرافي من حضرته فتحه كتاب صلواته الخمس - الشحيمة - فدخلت البيت، وأنا ~~أفكر إلى أي كتاب ألتجئ. إلى مجاني الأدب، إلى مجالي الغرر، أم إلى الدرر لأديب إسحق. ~~تلك كانت كتب مطالعتنا في ذلك الزمان، فتأبطتها مع كف ورق وقلم رصاص وقصدت موضع خلوتي ~~وانفرادي. صخرة عالية في القرقفة، تحتها واد عميق استحليتها مقاما للدينونة، حواليها ~~منطقة تكسوها خضرة السنديان والآس وأشجار برية مختلفة. هناك جلست على مقعدي الذي تعودت ~~أن أقرأ - وأنا عليه - الكتب التي أحبها. قرأت عدة تآبين لأديب إسحق وفيه. # كنت سمعت أن تغاريد الطيور تهيج القريحة فتمنيت لو يجيء الحسون ويغرد بالقرب مني، ~~ولكني ما سمعت إلا زقزقة عصافير غير ملهمة، ثم أخذت الحجال تتكلم في الأحراج المناوحة ~~فما نفعتني ولا هاجت قريحتي. فصرت أقول: آه على الحسون، أين الحسون الآن؟ الحسون وحده ~~يوقظ هذه القريحة النائمة. وا خيبتي عندك يا جدي. ها قد مضت ساعة وساعتان ولم أكتب ~~شيئا. فلأكتب، وكتبت: كذا فليجل الخطب، وقبل أن أتم البيت، قلت: لا. غدا عيد السيدة، ~~وهذا عيد عظيم في البلاد كلها، وخصوصا في ضيعة المرحومة، فكنيستهم على اسم السيدة. إذن ~~الأفضل أن أبدأ هكذا: # لبس الرجال جديدهم في عيدهم # ولبست حزن الأمهات جديدا # الآن جرى القلم فلنكتب على خيرة الله، فكتبت: إنني في موقع حرج بين الموت والحياة، ~~تخنقني الزفرات، وتغرقني أمواج البليات، قلبي مصاب بسهام الأحزان، وصرت هدفا لنوب ~~الزمان. ~~- غاق، غاق، غاق. هذا غراب ينعق، لعن الله الغربان! وزاد في الطين بلة أنه فرد غراب، ~~وهكذا قطع الغراب ms099 مجرى الوحي والإلهام، فطويت ورقتي ودفنتها في عبي. وعدت إلى البيت، ~~فوجدت جدي قاعدا ينتظر، فحكيت له ما جرى فضحك ضحكة مرة وقال: قريحة تهيجها دقات حجل ~~ويهمدها نقيق غراب ما هي قريحة. # فقلت له: شر الصباح ولا خير المساء . غدا تسمع ما يعجبك. # فقال: اتكلنا على الله. # فقلت: وربما الليلة. # فقال: إذا فاض النهر، وما طار غراب. # وكانت الوالدة تسمع هذا الحديث وكأنها مرتبكة في حل رموزه، فأشارت بمدراها كصاحبة ابن ~~أبي ربيعة، وقالت: أيش؟ فقلت: ماش، بحياتك يا أمي أجلي زجاجة القنديل. وقصي فتيلته. ~~بالك مشغول بحديثي مع جدي. غدا تسمعين ما يرضيك. فانكبت على إصلاح هندام المصباح وهي ~~تردد ضاحكة: ما صبح إلا فتح. ~~••• # وقعدنا على المصطبة قدام الباب وأصغى جدي ليسمع تأبيني لأم أنطون، فما أسمعته قولي: ~~إنني في موقف حرج بين الموت والحياة، تغرقني أمواج البليات، حتى ضحك وقال: لأ، لأ، ~~كثرتها يا ابني. طيب قل، فأتممت: يحق لي ذرف الدموع، وندب هاتيك الربوع، ولعن الدهر ~~الخئون، لأجل ما يبقره مخلب المنون. # والتفت بجدي فرأيته يهز برأسه، فقلت: ما بك، إن كانت لا تعجبك أمزقها. # قال: كمل - عافاك - ولكنك زدت العيار. بعدئذ أعطيك رأيي. # فقلت: # والدهر نقاد على كفه # جواهر يختار منها الجياد # فقال: يختار منها؟ قلت: الجياد. # قال: مليح. # ومضيت في قراءتي: هي الدنيا غرور، وما بها من سرور، ولكن تعزوا بالمقول، واذكروا كلام ~~الرسول، حين يقول: إن الذين يموتون بالرب لا ينبغي أن تحزنوا عليهم كسائر الناس الذين ~~لا رجاء لهم. # فاهتز جدي وبان الرضا في وجهه وقال: عال، عال. # وكانت الوالدة كامنة وراء الزاوية تتنصت، ولما رأت براعتي وضعت أصبعها في أذنها، ~~وأسرعت إلى جارتنا تبشر بفصاحة ابنها، فطار الخبر في الضيعة أن مارون عامل خطبة متينة ~~لأم أنطون. # قال جدي: كمل. فقلت: إن المرحومة كانت شجرة مثمرة بحقول الصلاح، تصطاد السانح ~~والبراح. # قال جدي: ما قالوا البراح، قالوا البارح. # فقلت: والسجعة. فقال: أهي فرض؟ طيب، اعملها هكذا: حط محل بحقول الصلاح ms100 بالحقل الصالح ~~فتستقيم لك السجعة. # فأعجبني منه ذلك، ودونت ما قال. ومضيت حتى قلت: كانت المرحومة درة نفيسة وعلطميسا ~~كليسة. # فاستغرب ما قلت وصاح: آخ، آخ، آخ، ما معنى علطميس؟ لفظة ثقيلة ما شاء الله! أكثر من ~~رطل. # قلت: قال معلمنا: إن معناها العفيفة الحسنة القوام. # فقال: ومن يفهمها من الناس؟ إذا سمعوا كلمة علطميس حسبوا أنك تسبها. اضرب عليها. ثم ~~ما معنى كنيسة؟ # قلت: المرأة الحسناء المستورة قال: بعيد الشبه ألف مرة، المرأة كنيسة؟ ثم ما دخل ~~الحسن في التأبين؟ هل أنت تتغزل؟ وهذي احذفها. # فحذفتها وأنا أقول: بقي لفظة صار من الواجب حذفها. قال وما هي؟ قلت: كانت المرحومة ~~عجنجرة. # قال: وماذا قال معلمك التيس عن عجنجرة؟ # قلت: قال المكتلة، الخفيفة الروح. # قال: يا ابني أم أنطون مكتلة؟ يا جدي، أعمى أنت؟ أم أنطون جلد على عظم. # قلت: إذن أشطب على هذا، وجررت القلم فوقها. ورحت أقرأ حتى بلغت قولي: # ولو كان النساء كمن فقدنا # لفضلت النساء على الرجال # قال: وهذا كذب، لا تفضل امرأة على الرجال مهما كانت. # فقلت: ومريم العذراء؟ # فارتبك جدي وكز على أسنانه، وقال: اقرأ قدامك، كمل. احذف البيت. هذا كثير على واحدة ~~مثل أم أنطون. # فقلت: ولا شك أنها ذهبت من دار الأتراح، لتحل في الضراح. # فصرخ: أيش هو الضراح؟ ما كفاك أنك قتلتنا بالسجع حتى تهلكنا بهذه الألفاظ ~~الوحشية. # فقلت: الضراح هو البيت المعمور في السماء الرابعة. فصرخ: وهذا أيضا من فضل معلمك؟ ~~ليتني أعرفه لأحش لحيته ولو وقعت في (الحرم) من ذات الفعل. لا يا جدي. اكتب اكتب: ولا ~~شك أنها ذهبت من دار الفناء لتلقى ربها في دار البقاء. # فكتبت ما أملاه وقرأت: إن فقيدتنا الجليلة أم صالحة قديسة، وستحل - ولا شك - بالمكان ~~المعد لها من قديم الأجيال. # فرقصت لحية جدي الدبكة، ودفعني بيديه الثنتين فاستلقيت على ظهري، وصرخ: قم عني يا ~~بغل، أنت بابا حتى تثبت قديسين؟ القداسة! قضينا تسعين سنة بالصلاة والصوم وخوف الله، ~~وقلبنا يدق خوفا من ms101 تلك الساعة. وأنت تثبت أم أنطون قديسة بشطحة قلم! هذا رثاء؟! هذا ~~طق حنك. سجع ومزع. كلام فارغ مثل رأس الذين علموك. # فلملمت قوامي المسفوح، ونهضت متأثرا من تلك الخيبة المرة ومن هاتيك الساعة طلقت ~~الغريب والسجع، وهجرت الغلو، واعتصمت بالواقع. # | كيف تعلمنا # أظن أن للأبجدية التي أبصرت النور على شاطئنا عملا عظيما في العقلية اللبنانية. لقد ~~فصلنا الدهر المستهزئ ببنيه عن ذلك الزمن الحافل بالأمجاد، ولكننا مشينا في ظهور جدودنا ~~نحلم في كل عصر بالقراءة والكتابة. فمنذ قرن وأكثر كان شعار اللبناني المثقف دواة يشكها ~~في زناره، سيان في ذلك من يلبس غنبازا يجرر أذياله، وهي الصورة الغالبة على هؤلاء ~~كالشيخ ناصيف اليازجي، أو من يلبس سروالا كالمعلم بطرس البستاني. # كان الكاتب اللبناني يتباهى بتلك الأداة النحاسية؛ ذات الباقول المنقش، والقصبة التي ~~تنام فيها أقلام (الغزار) مطمئنة. فإذا دخلت قصر الأمير اللبناني رأيت فيه رجلين: رجل ~~السيف يزين صدره خنجر ذهبي الغمد، ورجل القلم وحليته الدواة التي جود صنعها آل نفاع ~~في بيت شباب فأصبحت تحفة طريفة بل وساما لبنانيا بكل ما تتحمل لفظة الوسام من شرف ~~ومجد. # وكانت الكتابة منذ قرن تقريبا مفخرة يتباهى بها من يحسنها فيمشي الشدياق كابن الرومي ~~مشية يغربل فيها. وقد سمعت في عرس منذ نصف قرن وأكثر واحدة غنت لي (زلغوطة). تلك أول ~~مرة سمعت فيها اسمي يطير في الهواء. ويذكر في محفل. # من عادات اللبنانيين في أعراسهم أن يغنوا، رجالا ونساء، في تمجيد بعضهم أولا، وقد ~~لا يحرم من له بعض الشأن من (ترويدة) رجل أو زلغوطة امرأة، وهذا ما ظفرت به أنا في ذلك ~~العرس. غنت لي السيدة ياقوت فقالت: # آووها - أنا ما بغني عالهوا # وبغني لهالجمع كلو سوا # وبخص من بينهن شدياق مارون # ملفان وبيلبقلو شك الدوا # كانت تلك الأغنية كنفخة في فقاعة صابون فهرعت إلى دواة مهجورة كانت عند جدي فجلوتها ~~وشككتها في زناري، ولم أدع زقاقا من الضيعة إلا عرضت فيه دواتي على الأنظار، فكنت ~~شدياقا صغيرا يشك ms102 دواة لا يقل وزنها عن نصف أقة. # اللبناني لا يتمنى ثروة وافرة فحسبه القوت. نشأ وهو يردد: هنيئا لنفس ما عليها ولا ~~لها. إنه خشن كصخوره، إذا حصل على البرغلات والزيتات والتينات عاش عيشة راضية، أما ما ~~يشغل باله هو تعليم ابنه ولو القراءة البسيطة، وتعليق الحرف وكتابة الهندي. أي الأرقام ~~الحسابية. # وإذا قلت لواحد منهم كيف الحال، فلا يشتكي الفقر ولا يتذمر من خشونة العيش. الهم ~~الأكبر هو خوفه من أن يفوته تعليم أولاده. # وإذا عرفنا تاريخ الوقف اللبناني في كل قرية عرفنا أن غاية الواقف، منذ مئات السنين، ~~كانت تعليم الأولاد. ففي ظل الكنيسة تنشأ المدرسة. وإذا تهاون وكيل الوقف قامت قيامة ~~القرية، وكذلك قل عن ديورة الرهبان. فعلى الدير أن يخص راهبا بتعليم الصغار القراءة ~~والكتابة مجانا. # أما كيف كانوا يعلمون ويتعلمون فإليك الخبر: يكتب المعلم الألف باء على ورقة يشكلها ~~الولد بخشبة مفروضة لها متكأ، ويأخذ مدلا وهو عود رفيع يدل به على كل حرف تعلمه. ومتى ~~عرف الألف باء طردا وعكسا وانتقاء، كتب له القسيس الأبجد، ثم ينقله إلى (القدوس) ~~وغاية الغايات كان مزامير داود. يقرءونه ولا يفهمونه. # هذه المرحلة هي المرحلة الأولى التي يقف عندها الأكثرون وهي تضاهي الشهادة الابتدائية ~~اليوم، وإذا كان الولد ابن بيت ميسور أدخله أبوه مدرسة أعلى. وهذه المدارس الصغيرة كانت ~~منتشرة في لبنان، يقدم على فتحها الكهنة المتبتلون فيعلمون بها أبناء القرى المجاورة. ~~ومن يقدر أبوه على تعليمه فهناك مدارس عالية للتعمق في درس النحو واللغة. # وكانوا في ذلك الزمان يعتمدون على الذاكرة يحشون عقل الطالب محفوظات لا أول لها ولا ~~آخر. شعر ونثر من كل عصر، والويل لمن يلحن أو يخرم حرفا أو يخطئ في حركة عين المضارع ~~فتقلع عينه وتصلم أذنه. المتقدم من الطلاب يعلم النحو في ابن مالك. شعر منظوم يحفظه ~~التلميذ كالماء الجاري. أما شرح المعلم فهكذا. يقول أولا بيت ابن مالك بكامله: # كلامنا لفظ مفيد كاستقم # واسم وفعل ثم حرف الكلم # ثم يشرح قائلا: ms103 يعني كلامنا لفظ مفيد مثل استقم. وينتقل إلى الشطر الثاني فيقول: ~~معنى هذا الشطر الكلم اسم وفعل وحرف. فهمتم يا أولادي؟ فنجيب بصوت واحد: نعم يا ~~معلمي. ~~- طيب، عافاكم، عافاكم. # وينتقل إلى درس آخر فيقول مثلا: # والاسم منه معرب ومبني # لشبه من الحروف مدني # ويسير في شرحه الدرب الدرب فيقول: يعني الاسم منه معرب ومبني لشبه من الحروف مدني. ~~فهمتم؟ فقلنا: نعم إلا واحدا اجترأ وقال: لا. ما فهمت يا معلمي. # فرد المعلم ذيل كوفيته الأيمن على كتفه اليسرى وقال: شربل جحش، مهما شرحنا له لا ~~يفهم. فضحكنا وبكى شربل. ومضى المعلم يشرح بتلك البراعة، يقول لنا أشياء وأشياء وقل ~~منا من فهم عنه شيئا. # ومضت السنة على ذلك النوال، يلقي علينا ألفاظا يضل في واديها الشنفرى، ويتيه امرؤ ~~القيس. # وفي ذات يوم جاء والد يحمل الزاد لابنه، فقعد يستريح قرب شباك غرفة درسنا، فسمع ~~معلمنا الخوري يترنم بهذا البيت مستشهدا به على مضارع كان وحذف نونه: # صاح شمر ولا تك ذاكر الموت # فنسيانه ضلال مبين # فصاح ذلك الوالد من الخارج وهو يصفق على فخذه: يه يه يه. استح يا خوري يوسف! لا تعلم ~~أولادنا قلة الهيبة. # ويجي رأس السنة فيفرض علينا أن نكتب إلى آبائنا مكتوب معايدة فنحك رءوسنا فلا يخرج ~~منها شي، فنهرع إلى الكتب المختصة بالمراسلات كالشهاب الثاقب وغيره، حتى إذا وقعنا على ~~المكتوب المطلوب نقلناه بكل أمانة وبعثنا به إلى أهلنا. وإليك واحدة من هذه الرسائل ~~الطريفة التي نقلها رفيق لي عن تلك الكتب، ووجهها إلى والده: # والدي العزيز # بعد لثم يديكم وطلب رضاكم الأبوي على الدوام. أحاول أن أكتب إليكم فيفت في ~~عضدي لأن باعي قصير، ولكن شوقي إلى محياكم يجري قلمي في هذا المضمار. # إلى أن يقول - طبعا نقلا عن الكتاب: ~~(نحن متوجهون نهار الخميس القادم إلى طرابلس الفيحاء). # ثم نقل خاتمة المكتوب بشحمها ولحمها، وبعث برسالته إلى والده فوصلته مساء ~~الأربعاء. # فما قرأه الوالد حتى اضطرب. شغلت باله عبارة: فت في عضدي، وباعي ms104 قصير. فخشي أن يكون ~~قد أصاب ولده مكروه فت عضده، وقصر باعه! وازداد اضطرابا حين علم أن ولده متوجه إلى ~~طرابلس. وقعد الرجل يفكر ولكنه لم يتوصل إلى حل ألغاز مكتوب ابنه، وأخيرا قال للمكاري: ~~عش البغلة، وبات على سفر . فما انشق فجر الغد حتى كان في البحصاص. # وقضى ذلك النهار يفتش عن المحروس في شوارع طرابلس وأزقتها، ولما أعيا قصد المدرسة ~~فوجد ابنه فيها سالما، لا باعه قصر ولا عضده مفتوت، فحمد الله وسأل ابنه: متى رجعت من ~~طرابلس؟ فهز الفتى كتفيه وقال: أية طرابلس؟ ~~- طرابلس. أنت كتبت لي أنكم متوجهون إلى طرابلس، فشغلت بالي ولاقيتك. # فقال الطالب النجيب: هكذا مكتوب في الكتاب. # وكانت دقيقة صمت جزم الوالد فيها أن تعبه غير ضائع، وأن المحروس سيكون من النوابغ إذا ~~عاش. # وحكى لي مرة البطرك إلياس قال: دخلنا مدرسة غزير وكتبنا لوالدنا نذكره بالنجاصة ~~التي حد بيتنا، فأرسلوا لي سلة فأكلت وأطعمت. # وفي العام الثاني تعمقت في اللغة، وأخذت عن معلمي أن الجيم والصاد لا يجتمعان في ~~كلمة، فدققت ورميت والدي بمكتوب الكلمة الصغيرة فيه رطل. ولما بلغت ذكر النجاص استعنت ~~بفصاحة معلمي؛ فأرشدني إلى الكلمة الفصيحة. فكتبت: يا والدنا، لا تأكلوا الكمثرى وحدكم: ~~ولا يغرب عن نيرتكم تذكر ولدكم الذي يحب ذلك الجني. # فحرمت تلك السنة أكل النجاص؛ لأن والدي لم يفهم ما قصدت. # هكذا كانوا يعلمون في ذلك الزمان، ومع عقم هذا التعليم فقد أنبتت البلاد رجالا كان ~~لهم شأن مذكور في تاريخنا، استفادوا وأفادوا لأنهم أرادوا، والإرادة أم الإبداع. # | سنتان في مدرسة الحكمة # 1905-1906 # رأى عيني شاردة، وهو يربأ بالكهنوت أن يهان في الدهر العتيد، فغضب غضبة بينها وبين ~~حسان بن ثابت أقرب النسب. سب - رحمه الله - دين لحيتي سلفا، فعلق على صدري وساما ~~مرصعا يوم كانت تحلم العائلة بالطيب النازل على لحية هارون، وبعودة المجد إلى بيت ~~لاوي، فالكاهن لا يقل شرفا عن الملائكة، أولئك يسبحون الحمل المقتول، وهذا يولم عليه ~~بكرة، ويسبحه عشيا. # أغضبناه - دفأ ms105 الله ضريحه - ولم نكن عند ظنه فسب تلك العوسجة قبل أن تنبت. أنذرنا ~~- عظم الله أجره - بالخطر الأشمط، فأدركنا في تلك اللحظة من العمر أننا سننصب هدفا ~~سيارا على صدرنا ترميه ألسنة الغاضبين، وأولهم والدنا الفاضل، كلما أحوجت ~~الضرورة. # إذا كنت ممن سمعوا بخبر التينة التي يبست لساعتها؛ لأن المسيح لعنها، فلا تتعجب. هكذا ~~أصاب لحيتي قبل أن يحبل بها في البطن. والمسيح - لاسمه السجود - وأبي - سامحه الله - ~~استعجلا الشيء قبل أوانه. طلب مني أبي تعفف الكاهن البتول وأنا شرخ كقوم الجنة لم أذق ~~بعد طعم الدنيا وحلاوتها. والسيد - له المجد - عن له التين في غير أبانه فعوقب ~~بحرمانه، وماتت التينة شهيدة مظلومة كما قضى كهنوتي مأسوفا على شبابه الروحي. ما تقول ~~إني فعلت إذ هبت على غابتي هذه العاصفة الهوجاء؟ لا شيء. مر في خاطري أن أرجعها أدراجها ~~فلاحت لعيني الوصية الرابعة، كما ظهرت إشارة الصليب لذلك الملك فانتصر بها، وخفت أن ~~يقصر عمري إذا قلت له: أف، فأحجمت. وكان سكوت عميق شوشه ضحك إخوتي الصغار فهرولت إلى ~~فراشي أبل مخدتي بدموعي حتى تعكرت من الغيظ عيناي كما قال داود. ولو فعلت مثله لقلت هذا ~~جزائي، ولكني لم أزن ولم أقتل. أغضبت والدي نظرة فابتسامة ذقت غبهما شتيمة مبتكرة فعملت ~~بالمثل القائل: نصف الدرب ولا كلها. # يا لك ليلة لم أنم فيها، ومن أين يجيئني النوم بعد تلك الإهانة العبقرية التي تضحكني ~~كلما تذكرتها؟ ولكنني لا أجحد يدها البيضاء عندي، وحسبي أنها فتحت لي باب الحبس ~~المؤبد. # وكيف يغفى فتى في عنفوانه وقد أوتر أبوه قوسه ورماه في صميم أمله. وفيما أنا ألتمس ~~فرجا لهذه الأزمة إذا بيد تمتد إلى جبيني فعرفت أنها يد أمي، فتأففت وقلت لها: ما لك ~~وما لي، اتركيني في مصيبتي. # فما نبست - رحمها الله - وسكتنا بضع دقائق كنت أحس فيها أنها تبكي فقلت لها: وأين ~~راح؟ # فأجابت كمن تخنقه العبرة: عند بيت عمك. # فارتفع صوتي وقلت بحزم: بشريه، الرجعة لمار يوحنا مارون مستحيلة. # فأجابت ms106 كمن يضحك ويبكي: يا تقبرها بشارة. والخورنة يا ابني؟ # قلت: نفكر فيها. # فقالت كمن يشجعني، ويفتح لي باب الصيرة التي رفع سياجها الشائك حولي: افحص ضميرك، ورز ~~حملتك، إن قدرت كان به. فهمت، لا تعلق ولا تعلقنا. ~~- ما فهمت. ~~- افهم على مهلك. ~~- يعني؟ ~~- يعني: إما الخوري مليح وإما لا. البيت متعود على خوارنة أوادم. إن سب أبوك لحيتك ~~يسب الغريب لحيتك وإكليلك. مارون يا مارون، اصح يا ابني. علماني خائف الله أحسن من ~~مطران بلا شئمة. # قلت: وقضية المدرسة؟ هو لا يرضى إلا مار يوحنا مارون. ~~- ومار يوحنا مارون مليحة يا ابني، أين تعلم ابن عمتك وخالك. # قلت: ولكني ختمت دروسها. # فسكتت هنيهة ثم قالت: لعله يقنع، أبوك يحمى ويهب، ولكن قلبه طيب. أية مدرسة ~~تريد. ~~- ما كنت سامعة أمس؟ نسيت الحكي عن مدرسة الدبس. ~~- لا، ما نسيت، ولكن أبوك يخاف من بيروت. قال: إذا علمناه ببيروت خسرنا الخورنة ~~للأبد. ~~- ولكن، أنا أربح. # فضحكت وقالت: من يكره الربح، هات خبرني عن ربحك. # قلت: علم وخبرة. خوري متفتح أحسن من خوري أعمى. # فقهقهت وقالت: متفتح أم مفلقح. # فتبالهت كمن لم يسمع وقلت بهوس: تلميذ مدرسة الدبس غير تلميذ مار يوحنا مارون، وتلميذ ~~بيروت غير تلميذ كفرحي. ~~- يا ما أحلى كفرحي، لا دبس ولا عسل، كل المدارس تعلم. المليح مليح أينما كان. جدك ~~تعلم تحت السنديانة وكان أحسن خوري. صل ونم على خيرة الله. شر الصباح ولا خير ~~المساء. # ثم قامت ترسم إشارة الصليب في الهواء فوق رأسي. وصليت كما شاءت، فنمت نوما لذيذا ~~ورأيت أحلاما أقاحية كنت أتلفت فيها عن يمين وعن شمال لأرى إذا كان أبي ينظرني ويسب ~~دين لحيتي مرة ثانية. # وكان في الضيعة رجل داهية من أقاربنا. فقير الحال ولكنه ابن جلا، نبيه كلمته مسموعة. ~~جاء يسهر عندنا مع الساهرين. وذكروا المدارس فامتدح مدرسة الدبس جدا، ثم وجه الكلام ~~إلى والدي قائلا: إذا كنا نريد أن يقوم منا خوري مثل البشر ابعث مارون إلى مدرس ~~الدبس. # وأمن ابن ms107 عمي على كلام خاله هذا وقال: عمي حنا رجل مكفي ومارون مليح. من يعلم ربما ~~صار مطرانا. # وما زالا بأبي حتى انتخى وتبسم، والتفت بي وبوالدتي كأنه تذكر تلك الآية التي هبطت ~~عليه أول أمس وقال: طيب، مدرسة الدبس مدرسة الدبس . أبشري يا أم مارون. جهزي حوائج ~~ابنك. # فتهلل وجه الأم لهذا الفوز العاجل، وبعد أسبوع كنت في مدرسة الحكمة بين تلاميذ من كل ~~البلاد حتى قبرس، كدت أنكر نفسي بعد ما خلعت غنبازي الجوخ الأسود وشروا لي الكتان ~~وصدرية المخمل المزررة وزناري المقلم، ولبست ثوبا إفرنجيا أنيقا. راح الشدياق ~~وجاء الأفندي. وكان الطوق المكوي يشد الزيار على رقبتي الغليظة، فأخال الياقة كأنها ~~الخناق وأبدو لعيني كأنني الهر المشنوق. بعد ذلك الشروال الرحراح وحريته الواسعة النطاق ~~لبست الثوب المزمك، فشعرت كأن كلا مني في حبس، وصرت أسيرا مكبلا كحرباء الأخطل. ~~ولكني فرحت بخلاصي ونجاتي من الفخ الذي نصبوه لي. # وشاع في المدرسة أنني أنظم الكلام الموزون المقفى الذي كانوا لا يزالون يسمونه شعرا، ~~فتجمعوا علي كأنهم حول دب يرقص، وكان منهم رشيد، وأحمد تقي الدين، ومرشد خاطر، وحبيب ~~جرجس - الدكتور حبيب اسطفان - وسعيد عقل الشهيد، وأمين رزق ابن صفي، وغيرهم ممن نسيت ~~أسماءهم. استنشدوني فأنشدتهم بعض فرائدي الدرية في العذراء مريم وابنها يسوع، والقلبين ~~الأقدسين، ويوبيل الحبل بلا دنس، ثم تشطير: لو كان للأفلاك نطق أو فم لترنمت بمديحك يا ~~مريم، وتخميس، عجيب أنك العذراء حبلى برب قد تعالى في العجائب. هذه كنا نرتلها كل أحد ~~في صلاة (الأخوية)، ثم باقة أزهار لملكة آيار، فضحك رشيد تقي الدين ضحكته الصارخة ~~كنكتته وحزبيته، وقال لعصابته الطاهرة: الشب مليح، ولكن ينقصه علم، دربوه يا ~~شباب. # فتعلمت منهم ما ينقصني، فطرت معهم في أفقهم وعرفوا بعدئذ أني أستاذ كبير، ولكنني كتمت ~~علمي تواضعا، وصرنا عصبة تهتز الأرض تحت أرجلنا، والويل لمن يعلق بلساننا. كانوا ~~يلهجون كثيرا ب (خدعوها بقولهم حسناء)، فوجدتني في نعيم وشكرت ربي على حرية اضطهدت ~~لأجلها، وتذكرت القصاص الذي أنزله ms108 بي رئيس مدرستي السابقة - المنسنيور أرسانيوس - لأجل ~~قصيدة غزلية شطرتها ونشرتها في جريدة الروضة تحت عنوان: قتيل الغرام. # وفي ذلك الزمان كان سيد الموقف الأستاذ شبلي الملاط، فبيروت كلها تنوه به، وموشحة ~~(الجمال والكبرياء) ملء الأفواه، وعلى كل لسان: # طفلة فوق سرير من خشب # في زوايا بيت صياد قديم # بخل الدهر عليها بالحسب # والغنى والجاه والبيت الكريم # هذه القصيدة القصصية كانت آية زمانها، بل الزاوية الأولى في تطور الشعر الحديث، وكان ~~صاحبها الملاط مثل الشعراء الأعلى، ولأجلها لقبوه الشاعر العصري لخروجه على القديم ~~وافتتانهم بجديده الرائع. وكان شبلي يمر في أروقة الحكمة كأنه أحد أعمدتها في شموخه، ~~وليس بين الأستاذ الجليل والسماء أكثر من شبر. # كانت السنة الأولى ثقيلة علي، وما قولك بمن ينتقل من مدرسة تكتنفها غابة في برية ~~إلى معهد يشرف على بيروت وما فيها. بيد أنني ألفت محيطي بعد عناء ولابسته بعد ضيق شديد ~~بالزي الفرنجي. لم تعد تدهشني قصور بيت سرسق وبسترس وتويني، ولا مقبرة الأشرفية ~~وتماثيلها النافخة في الأبواق مشيرة إلى فوق. ولا البنايات الضخمة، ولا النسر اللازق ~~بجبين بيت تابت، ولا البواخر والبوارج والأساطيل. لم أعد أستغرب شيئا حتى الصدور ~~العارية ولا الجمال المعروض على الناس في الطرقات. ولا القطط والكلاب المضطجعة في أحضان ~~السيدات المترفات، في عجلاتهن ذات النوافذ البلورية. # صرت جبلا لا يهزني ريح بعدما كنت أخف من الريشة، فأمسيت أمر بهذه الغرائب مر النسر ~~في الجو، لا أسأل عن شيء؛ لأنني عرفت كل شيء فاسترحت وأرحت أعز أصحابي المرحوم الدكتور ~~مسعد كرم من سؤالاتي الكثيرة. # بعدما كنت أحسب الدرزي غولا يأكل الأولاد أصبح أكثر أصحابي دروزا. فهذا الشيخ سليم ~~حمادة من غريفة القصير القامة يمشي بيني وبين مارون نطين الدرعوني فتخالنا صورة العائلة ~~المقدسة تمشي على أرض مدرسة الحكمة، وسليم يصرخ في ذلك الملعب: ما حال درزي بين ~~مارونيين. # بعدما كنت أفزع من الدرزي مثل مار ساسين صرت والأمير رفيق أرسلان على مركع واحد في ~~بيعة الله تجمعنا وليمة القداس كل ms109 صباح، عدا ما هنالك من (هوردفر) زياحات وصلوات وزيارة ~~قربان بعد الغداء. كان سعادة المير كالزئبق الرجراج لا يستقر ولا يستكين، وكثيرا ما ~~كان نصيبي النقط السوداء والقصاص وينجو هو؛ لأني وعر والأمير أليق مني وأكيس يعرف كيف ~~يداري جناحه. وقد كان يسبق النصارى إلى جائزة التعليم المسيحي. # وبالاختصار لم يحتضر العام المدرسي حتى صارت الدجاجة الغريبة ديكا ينقر ويناقر، ~~يهجو وتهجى ذقنه السوداء الكثة الكالحة، كما يذكر كل الرفاق أخص منهم الصديقين ~~الأديبين القاضي مراد أبي نادر والتاجر إلياس غانم. # فما أعظم أجرك يا والدي، وأجزل إحسانك. أنت الذي أرحتني منها. # كنت أهجو بلا رحمة ولا شفقة. الخوارنة والعوام، التلاميذ والأساتذة. أكتب هنا وهناك ~~في الروضة والنصير والمنار والحقيقة والمشرق ولم أعف المقتطف من هجوم. الخلاصة كنت معمل ~~نثر وشعر. كنت لو قال لي واحد: كيف حال الجناب، أجبته نظما: بخير نحن يا شيخ الشباب. ~~كنت غرا أحمق أحسب كل ما يكتب أدبا فأخرجت كتبا لعنة الله عليها، وقصائد أتمنى ~~لأكثرها ما نزل على سدوم وعمورة، وليس الحق علي فهذا جو مدرسة الحكمة، موئل لغة ~~الضاد، ومحيط الأدب والشعر فكأنها البصرة والكوفة معا. # وكانت المدرسة تعلم اللغة الإنكليزية والتركية مع العربية والفرنسية والسريانية، ~~وكانت تدرس الحقوق لمن يحب من العلمانيين، واللاهوت للإكليريكيين، فتعلمت شهرا واحدا ~~لغة إنكليزية فحفظت الوقتين الأولين من الفعل المساعد وما زلت أذكر: أي هاف نت هبي. وقد ~~لا تكون صحيحة. ما ندمت على شيء مثل تركي اللغة الإنكليزية، وسبب ذلك معلم هذه اللغة ~~الخوري يوسف الخوري الذي أحفظ له ذكرى مرة. كان هذا الخوري خفيفا، وقد أضحك التلاميذ ~~مني يوم وصف لي ذرورا يذهب الشعر من وجنتي الفاتنتين فأستغني عن المقاريض والملاقط. ~~كان دواؤه هذا من الذي يستعمل في الحمامات، فأثر ببشرتي الناعمة، فسخطت على ذلك الأستاذ ~~الكريم. # أما أستاذنا في اللغة الإفرنسية المير يوسف شهاب فإكليركي أيضا، ولكنه شدياق لا ~~خوري. بصير جدا بأصول هذه اللغة، كنا نداعبه بسماجة وكان يحتملنا. دخل يوما الصف ms110 ~~فرأى مكتوبا على اللوح بالقلم العريض: حمار. فتوجه إليه على البديهة وجعل شدة فوق ~~الميم وقعد. فبلعنا بريقنا وتغامزنا، وهكذا كان يرد كيدنا في نحرنا. ما كنا نسره - ~~يرحمه الله - إلا ساعة يعرض ذكر الأعمار؛ لأنه بقي في الخامسة والأربعين ربع قرن. ~~وأخيرا قفز قفزة واحدة إلى الثمانين. وآخر مرة التقيت به في أحد مطاعم بيروت قال لي: ~~صرت في التسعين، والمعلم عبد الله - البستاني - باق في الستين لا يتحلحل. # فرض علينا هذا الأستاذ نظم الشعر الإفرنسي ففاتت أبيات أحدنا العشرين مقطعا، وأخطأ ~~رفيقنا هذا تهجئة العنوان فجعله # ver # أي دودة بدلا من # vers # شعر. فما وقعت عين الأستاذ على العنوان حتى ~~غطى شاربيه بيسراه كعادته حين تحضره النكتة، فأعرناه انتباهنا، فقال: يا لياس، يا ~~حبيبي، هذي دودة؟ هذي أم أربع وأربعين. فعج الصف عجيجا وضحك حتى انبج. وجاء المدير - ~~الخوري بطرس مبارك - على ضوضائنا فشاركنا بابتسامته الهادئة الساحرة الحائرة - أعجز عن ~~وصفها - وانصرف. # وكان الخوري فرنسيس الشمالي يعلمنا التعليم المسيحي، وكان لنا رفيق إكليريكي كلع، ~~يقعد حدي وكنت أتندر عليه. شرح لنا الخوري لماذا اختتن المسيح فقلت له: أنطون، صحيح أن ~~المسيح اختتن؟ # فأجاب: ما سمعت الخوري! # قلت: وأيش عملوا بالقلفة. # فقال: رموها. ونظر ليرى كيف كان وقع جوابه، فرأى أني غير مطمئن فقال: حقيقة يا مارون، ~~المسألة فيها نظر. # فقلت: اسأل المعلم. # فانتصب أنطون كالمارد ودق على الطاولة، فاستعاذ الخوري بالله واضطرب على كرسيه؛ لأن ~~أسئلة أنطون الغريبة كانت تضعضعه. وطرح أنطون سؤاله فعلا الضحك والضجيج وأخذ الخوري ~~يضرب المنبر ويصيح: كلب تيس، يقصف عمرك. اقعد مطرحك يا بغل. # وأراد الشماس أن يدافع عن قضيته فلم يمهله المعلم الألثغ بل صرخ به: هث، هث، ثد بوزك. ~~وبعد التحقيق الإداري كانت لي الحصة الكبيرة من القصاص وشتمني المدير بيني وبينه وقال ~~لي: حتى على المسيح يا مارون، وقدام تلاميذ من كل الملل والشعوب! هذا المنتظر من تلميذ ~~مار يوحنا مارون؟ هتيكة، عيب. زين اسمك، لئلا يصح فينا وفيك: يا ms111 ذلكم يا موارنة إن كان ~~هذا مارونكم. # وخرجت من عنده خزيان، خجلان أدعو على خصلة البدن التي لا يغيرها إلا الكفن. # أما أستاذنا الشيخ سعيد الشرتوني فلم يكن صاحب نكتة، وإن حاولها جاءت باردة. كانت ~~السذاجة تكسو وجه ذلك العملاق، والوقار يسود مجلسه . أحببته كثيرا وأحبني حتى صرنا ~~صديقين لا كلفة بيننا. أسمعته يوما بيتين في هجو لحية معلم لي ختمتها بهذا الشطر: فخري ~~بلحيته فخري بلحيته، فقال: تفخر بلحيته مرتين؟ هذا كثير. أرني كيف كتبتها. فتبسم وقال: ~~التورية مليحة ولكن أيصح فيك: وكم علمته نظم القوافي. لا تغط قلمك في هذه الدواة، وقد ~~فعلت كما قال. # كان أستاذنا عالما كاتبا، اجتهاده يفوق ذكاءه. يريد أن يقول الشعر فيخرجه كالنثر أو ~~أرذل. # كان الشعر فاكهة كل حضرة، وكانت المدرسة تعول على الملاط فيما يلم بها من مناسبات ~~فجائية. فيهدر ذلك الفحل كالبحر الزاخر ويبيض الوجه. وكان زعيم المجددين كما قلنا وأثره ~~واضح في توجيه الأدب لا يجحده إلا كافر. وإن انتقدناه فنقدنا لا يضره، شيئا فالكمال ~~للأب الأزلي شيخ المشايخ. # وكانت المدرسة على عهدنا حزبين: حزب الرئيس الخوربسكبوس بولس الدبس، وحزب المدير ~~الخوري بطرس مبارك - الشماليون حزب الرئيس، والجنوبيون حزب المدير، والحد الفاصل جسر ~~المعاملتين. وانتهت المعركة في آخر السنة الأولى بقصائد هجاء طبعت، أما أنا فما كنت ~~لبولس ولا لافلو بل لله الذي أنبت. # وعدت إلى البيت أطأ الثرى كأسد المتنبي، أمتن على الأرض إن مشيت عليها. أنا تلميذ ~~مدرسة الدبس. يا أرض اشتدي ما أحد قدي. # وجس الوالد نبضي ليعلم أين تكمن الفكرة الكهنوتية وأين غورت؟ فرأى مني رجلا رصينا ~~متكتما، بعيد القعر، كأني أحد دهاة الإنكليز. وأخيرا قلت له: قبل ست سنين لا أستطيع ~~الصعود إلى هذه الدرجة المقدسة، وفي ست سنين يموت ألف ويعيش ألف. فلنصبر. # ففتل وجهه عني وقال: على مهل. لا تستعجل. إياك لئلا تقع وتفك رقبتك. السلم ~~عال. # ولا أدري كيف غلطت وتمثلت بهذا البيت: # ما مضى فات والمؤمل غيب # ولك الساعة التي ms112 أنت فيها # فصفق كفا على كف واستضحك وقال: اكتمل النقل بالزعرور. ثم طفق يصيح: يا أم مارون، ~~اسمعي ابنك البيروتي صار مثل الخوري نعمة الله حنون. كنا بمصيبة صرنا بثنتين. هاتي من ~~يترجم بيننا وبين الأفندي البري. # وفي ذات ليلة خبرته أني ذاهب إلى بيروت لأحرر جريدة، وأعلم في اليسوعية والفرير، فوضع ~~طوقه في كفه وقال: أنا لا يعنيني، شاور الست كاترينا، صار الحكم للنسوان، هذي طبخة ~~أمك. # قال هذا بغضب وسط، وتركني وهو يردد: كلي واشبعي يا أم مارون. عمر بيتك. # وبعد أسبوع كنت محرر جريدة الروضة مع ذلك الرجل التقي النقي المرحوم خليل طنوس باخوس. ~~وبعد عام مات الدبس فقمنا بما يقضي به الوفاء نحو الفقيد العظيم. وخلفه المطران بطرس ~~شبلي، فهبت الطائفة بزعامة يوسف الهاني تطلب أن يكون لها مجلس ملي كغيرها من الطوائف ~~الشرقية. وكان يومئذ قد انتدبني الصديق عبود بك أبي راشد لتحرير جريدة النصير لسان حال ~~المطالبين بالمجلس، فأخرجت من كلية القديس يوسف، والفرير، وهكذا انقطع الحبل بيني وبين ~~مدرستي. # وظللت أحن إلى آمالي التي ماتت في زواياها وذكرياتي المدفونة بين جدرانها. بعدت الشقة ~~بيني وبينها، وأنكرتني لتطرفي. أما أنا فبقيت أذكر أيامها بالخير مع أنني ركعت في قاعة ~~الدرس قبل انتهاء دراستي بأسبوعين وكان شاربي فترا وأكثر. # أصبح من فضول الكلام أن نذكر إحسان مدرسة الحكمة إلى لغة العرب والأدب الحديث، ~~وأبناؤها ملء الدنيا يعلمونها الناس. أحدقت بالمدرسة أحوال وظروف فهمدت كما تخمد وظلت ~~تصارع في سبيل البقاء. ودارت الأيام دورتها وتداولتها الأيدي، فكانت تعلو وتهبط حتى جاء ~~هذا الرئيس النحيل الذي لو رآه المتنبي لقال: # ودهر ناسه ناس كبار # وإن كانت لهم جثث نحيلة # حرث هذا الأب كرم سيده ولا تزال يده على المحراث يخرج الجفنة حبلى بالعناقيد. أعاد ~~إلى المدرسة عزها الأول ولا يزال يمشي بها بأقدام الجبابرة. فما أجمل خطواتك بالحذاء يا ~~بنت الأمير. كلك جميلة يا خليلتي ولا عيب فيك. # لا خوف على كرم سليمان ما زال الناطور الأكبر ms113 يقنص الثعالب الصغار التي تتلف الكروم، ~~كانت الرئاسة أمثولة، فصيرها هذا الخوري بطولة، كان يوحنا مارون الأول بطريركا يناضل في ~~سبيل عقيدة دينية، وهذا يوحنا مارون الكاهن يكافح في سبيل العلم والتربية والوطنية. ~~ولولا المربي ما عرفت ربي. # عشت يا أبت، حقق الله حلمك الأغر. # | مدارس الأمس ومدارس اليوم # أليس من حق الطالب أن نعرض عليه شريط ذكريات مدرسية قديمة وحديثة؟ أليس هو اليوم ~~منصبا على دروسه حالما بشهادته عروس آماله التي يرى السعادة كلها في تزاويقها ~~وحروفها؟ # يقول الناس عموما وذوو التلاميذ خصوصا: أين مدارس هذا العصر من مدارس ذلك الزمان؟ ~~وأين تلاميذنا من أولئك التلاميذ؟ # إنهم طبعا يضعون الحق على المدارس: ويبرئون أنفسهم حين يقولون هذا. ولهذا أنا أروي ~~ما مر على رأسي من شئون المدارس وشجونها، فيقابل القارئ بين مربي ذلك الزمان، ومربي ~~اليوم. # دق قلبي دقات عنيفة عندما قال أبي لأمي: دبرنا له مدرسة. والتفت إلي وهو يجر ~~كلماته: غدا تصير الشدياق مارون، فلم أبد ما كان ينتظره من الارتياح فأعرض عني. # ودخلت المدرسة مع من دخلوا فكانت الفاتحة أن أكلت قضيبين سخنين على سفح ظهري، فأرخيت ~~لرجلي العنان فاستقبلني والدي العملاق بأحد قضبانه. # كان غفر الله يعمل بنصيحة ابن سيراخ القائل: إذا أحببت ولدك فهيئ له القضبان حزما ~~حزما. ثم قادني بأذني كالعنزة الشاردة، وهناك على أعين التلاميذ قال الكلمة المأثورة ~~للمعلم: اللحم لك والجلد والعظم لي. ثم التفت بي وقال: فهمت يا كلب. ومنذ ذلك الحين صرت ~~أطوع من الخاتم في الخنصر، وأنعم من المخمل. # ويوم أحد الوردية الكبيرة خرجنا من الزياح، فإذا بزمارين معهم دب يغنون له ويرقص على ~~وقع الدف والقصب، فعجبت من طواعية الدب واستوائه كالبشر، يعرض العصا بين كتفيه ~~كالناطور، ويمشي مشية الصبايا والعجائز، ينام ويقوم كما يكلفه صاحبه. حتى إنه يدخن ~~بالغليون. # قلت لوالدي: الدب كيف تعلم كل هذا؟! فضحك وقال لي المثل المعروف: العصا تعلم الدب ~~الرقص. # ففهمت تعريضه بي وقلت في نفسي: إذا كانت كقضبانك تعلم أكثر ms114 من دب. # هذي واحدة من ذكريات مدرستي الأولى، مدرسة تحت السنديانة، حيث كنا نصطف خطا طويلا ~~حد حيط الكنيسة، الأعلى فالأعلى علما. وفي تلك المدارس كانت تسوسنا العصا أستاذة الدب. ~~أما عقاب الجرائم الكبرى فكان (الفلق) ليتك تذوق طعمه. الفلق خشبة تكمش الساقين كالعض، ~~لتعرض القدمين إلى قضيب المعلم فينصب بلا شفقة. إنني لم أذق هذا العلاج، والفضل لحزمة ~~قضبان الوالد التي إذا مات منها سيد قام سيد. # وواحدة ثانية من ذكريات أول مدرسة داخلية، أذكر ولا أنسى أبدا أنني بكيت أول ليلة ~~بكاء مرا حتى بللت دموعي مخدتي وتعكرت من الغيظ عيناي، كما قال داود بعد فعلته تلك، ~~كنت كالغريب في تلك المدرسة فاستوحشت جدا، وعللت النفس بالسلو، فإذا بي في الغد ألتفت ~~صوب بيتنا فأبكي. سخر مني رفاقي وسموني البكاء. ولكني فقتهم درسا حين نسيت ملاعب ~~صبوتي فراح ذلك الاسم. # ومرت الأيام فجاء أحد المرفع فتذكرت الخروف الذي ذبحناه عام أول، وارتمينا بشحمه ~~ولحمه كعذارى امرئ القيس. تذكرت الكبة النية، والهريسة، والكروش المحشوة، وجميع أصناف ~~المآكل اللبنانية، فبكيت حتى درى أحد رفاقي فقال لي: تبكي يا مارون؟ فأجبته: لا. باصر ~~بنومي. فضحك وضحكت. # وسمع حديثنا الراعي أي الناظر العام، فلم يزد على قوله: شر الصباح ولا خير المسا. ~~ناموا. # ما غمضت لي عين تلك الليلة. أحاول النوم ولا قرار على زأر من الأسد. إن شبح القصاص ~~رهيب، أخاف على جلدي، فكل شيء إلا العصا. ولكنها مضت على خير. هاودنا المدير بمناسبة ~~(أوكازيون) المرفع. # ويوم عيد البشارة 25 آذار ساقنا (الراعي) إلى نزهة في وطا عين كفاع، فسرحنا في تلك ~~البطحاء المقفرة نتنافس في جمع الأزهار لدفن الصليب، فكنت كلما قطفت زهرة ألتفت صوب ~~العقبة، ولكنني لا أرى أمي مهرولة فأعود إلى انتقاء زهراتي، ثم أتلفت فلا أراها. # ودق جرس الضيعة معلنا الظهر فانسلخ قلبي. وقفنا جميعا لصلاة التبشير ثم قعدنا نتغدى ~~على مرجة عين الوطا. إنها عين بلا ماء، كما يقول المثل: اسمك عروس فلا تحزني. ولما يئست ms115 ~~من مجيء الوالدة همست في آذان أصحابي من التلامذة: اطلبوا من الراعي أن يفرجكم على ~~كنيسة ضيعتنا. فصاح بهم: يا قليلي الأدب، قولوا زيارة مار روحانا عليه السلام، وأخذ ~~يسرد لهم عجائبه عن ظهر قلب. كأنه يتلو السنكسار. # فصاحوا: لا تواخذنا يا معلمي. غلطنا ، زيارة مار روحانا عليه ألف سلام، فصاح إذ ذاك: ~~اصطفوا. وإياكم أن تتلفتوا في الضيعة يمينا وشمالا. لا تردوا على من يسلم عليكم قبل ~~الصلاة، وإعطاء الديو كراسياس. # ودخلنا الضيعة أصناما أو كالأصنام، وصلينا في كنيسة مار روحانا صلاة طويلة. ولما ~~خرجنا عرضنا في الساحة، وصلينا أيضا السلام الملائكي وأعطانا الديو كراسياس. # ورحنا نلعب بالطابة في تلك الساحة وجيران الكنيسة يتفرجون علينا من بعيد، لا يسمح ~~الراعي لأحد أن يخالطنا. # وبينا أنا أغمز ابن عم لي ليذهب ويخبر أمي فإذا بها مقبلة، تحمل على صينية، الفول ~~الأخضر، واللوز الفريك، والتبولة مع ورق العنب. وبعد ألف رجاء سمح الراعي لرفاقي بأكل ~~ذلك. # وطلبت والدتي من حضرته أن يأذنني ربع ساعة لأرى إخوتي الصغار فامتنع، وقال للوالدة: ~~القانون مقدس يا أم مارون. # فأجابت الوالدة: القانون على رأسنا يا محترم، ولكن هذا ولد، وإخوته صغار، والبيت على ~~رمية حجر، فما عليه لو رأى إخوته ربع ساعة؟ # فأجابها: هذا لا ينفعه، اتركيه، قسي قلبك يا أم مارون. # فأجابت: أهو قلب الأم حديد حتى تقسيه؟ # فأجاب وهو يشد على كل كلمة: العلم لا يسع معه شيئا. رؤية إخوته ربع ساعة تشغل باله ~~جمعة. الله يجبرك يا أم مارون، اتركي ابنك يتعلم، الصبي شاطر، لا تشغلي باله. قال هذا ~~ودق الجرس وعج: أنافان. # لم يعز والدتي إلا بهذه الكلمة، قالها وهو مشمر: تموز قريب، ما بقي إلا ثلاثة أشهر ~~ونصف. وأدارت أمي ظهرها وأظنها بكت، أما أنا فالتفت صوبها، فزجرني الراعي كما يزجر ~~المعاز عنزة خرجت من الصف، فلعنت لحيته في قلبي. # قلت: تموز. تموز، نعم، يا قارئي العزيز، كنا ندخل المدارس في أول تشرين الأول، ثم لا ~~نخرج منها إلا في ms116 منتصف تموز، لا فرص ولا أعياد. لا مرفع ولا من يحزنون. قلت هذا لأذكر ~~أنظمة مدارس ذلك الزمان. # أما اليوم فتموز محذوف من تاريخ السنة المدرسية، وتشرين الأول أكلوا ثلثه، والفرص ~~أكثر من الهم على القلب. في كل أسبوع يصبح التلميذ أهله ويمسيهم، ناهيك بمخالطته الناس ~~في المدن، فمن قهوة إلى سينما، ومن مرقص إلى سباق خيل، إلى جهنم الحمرا. # إذا وبخ الأستاذ تلميذا وقعت السماء على الأرض. وإذا فرك المعلم أذن صبي أقعد والده ~~شاربيه وكشر عن نابيه وشمر عن ساعديه، وجاء المدرسة للمصارعة. # ولا تنس الإضرابات والتظاهرات فهي تذهب بقسم كبير من أوقات الطالب، خصوصا إذا كان ~~الموسم مقبلا، وهناك بلية هي شر تلك البلايا؛ إنها بلية الإذن، وقد سهلها التلفون، ففي ~~كل يوم يزعجنا الطلاب وذووهم. وإليك نموذجا. # دق جرس التلفون. ~~- نعم هنا المدرسة، من تريد الست؟ ~~- من فضلك مدير المدرسة. ~~- نعم، أنا المدير، وحضرتك؟ ~~- أنا أم فؤاد يا أستاذ. ~~- أي فؤاد منهم؟ عندي أكثر من فؤاد يا ست. ~~- فؤاد، فؤاد عيطو. أرجوك أن تسمح له يوم السبت. ~~- لا إذن في التلفون. ~~- كيف؟ ~~- نعم، هذا ممنوع. ~~- والسبب؟ ~~- السبب بسيط، أنا لا أعرف صوتك. وأحيانا تكون الأم غير أم. ~~- شو عمبتقول، بارول دونر أنا أمه. ~~- أمس كان عندكم يا ست، والإذن بالشهر مرة. # ولما عرفت أن حيلتها لم تجز علي راحت تقهقه وتغني بلا حياء: زروني بالسني ~~مرة. # هذه واحدة وواحدة أخرى أتت من واحد لم تعجبني سيماه. أقبل علي يستأذن لطالب زاعما ~~أنه جاء من عند أبيه الذي ينتظره ببيروت. # فبغته بالسؤال: حضرتك أخوه؟ # فأجاب: ابن عمه. # قلت: مؤكد؟ # فانتفخ وتعالى وقال: نحن لا نكذب يا أستاذ. # قلت: بما أنك لا تحمل رسالة من والده، تفضل وأرني بطاقة هويتك. # فاصفر واحمر واخضر، وذهب متعثرا، فكلت له التوبيخ بالمد، ولكنه ولى صابرا ~~عليه صبرا جميلا. # إن أحوالا كهذه تقلقل معاهد العلم وتقف حجر عثرة في سبيل إعداد جيل صالح، ولهذا لا ~~أرى مستقبلا باسما لثقافتنا. # إذا لم يحتل ms117 العلم - وحده - ساحة شعور الطالب فهيهات أن يفلح. # | حقا قام ولكن بلا صيام # خسرت القرى كثيرا من ورعها وتقواها، فأمست أيام الصيام فيها كغيرها من الأيام. قلما ~~تجد واحدا من بنيها صائما أو ممتنعا عن (الزفر)، أي عن أكل اللحوم والألبان ~~والبيض. # ففي هاتيك الأيام، أيام السلف الصالح كنا نرى اللبن والبيض بأعيننا ولا نذوقهما، ولو ~~بكينا حتى تبيض عيوننا. ~~- عيب يا ابني، الصوم كله سبع جمع! # كنت في السابعة أو الثامنة من عمري، وكان والدي يقول لي: أنت شب طويل عريض، وكيف لا ~~تصوم. أترضى أن تكون مثل الأولاد الصغار. عيب عليك، ما سمعت قول المثل: الصلاة عادة ~~والصوم جلادة. # وأنظر أنا إلى عرضي وطولي فأجدني بين بين، فلا أنا شب ولا أنا طفل، فأخضع للأمر ~~الواقع. وأخيرا تعودت فصرت صائم الدهر لا تطلب نفسي (الترويقة) أبدا. وإذا فككت ريقي ~~ذهب نشاطي، و(رواقي)، فأنعس ويمتنع علي العمل في ذلك النهار. # كنا ننتظر جرس الظهر، حتى إذا ما دق، سكتت الضيعة وحسر الجميع عن رءوسهم. الصمت في كل ~~مكان، الراعي يسكت مزماره، والفلاح يقف فدانه، فلا تسمع في الحقول صوت نابس. ومدرسة ~~الضيعة تصلي صلاة التبشير بصوت جهوري وتفك أولادها وجميعهم صائمون، إلا من هم دون ~~السابعة من العمر. كنت أطرب لسماع أجراس الظهر تقرع في الصوم، أما اليوم فلا أسمع إلا ~~جرس دير معاد. فالناس كلهم مفطرون ولماذا تقرع الأجراس، ولمن؟ # صوموا تصحوا هكذا قيل، ومع ذلك ترك الصوم، وكذلك صار حظ الصلاة ضئيلا جدا، فأولئك ~~المشايخ الذين كانوا يقيمون الصلاة خلت الكنائس منهم، فلا قارئ ولا مرتل، حتى ولا كاهن. ~~فأكثر قرى بلاد جبيل لا خوري فيها، مع أنها أبرشية البطريرك. # الكل متراخون متهاونون. ارتفعت الكلفة بينهم وبين ربهم فصاروا لا يهابونه ولا يصلون ~~له مبتهلين. والكهنة الموارنة (تليتنوا) أي صار صيام الشباب منهم لاتينيا. وجبة خفيفة ~~صباحا، وغداء يملأ الكرش ظهرا، وعشاء بين البينين مساء. وهذا صيام له أجره عند ربك ~~الغفور الرحيم. # جاء الضيعة كاهن يعرفني ms118 يوم خميس الأسرار، وشرفني بزيارة فدعوته إلى الترويقة، ~~مجاملة، حين ودع لينتقل إلى قرية تبعد عنا نصف ساعة ركوبا، فلبى الدعوة. # وكان والدي جالسا معنا فعبس وتولى حين قام الكاهن إلى المائدة. وقال والدي: يا الله. ~~وغادر البيت. # ولما ذهب الخوري عاد الوالد وقد وقفت شعرات جفونه كريش القنفذ. وقال: راح المحترم؟ ~~إلى أين مسافر حضرته؟ إلى بجه! جدك وأنا كنا نمشي خمس ساعات على رجلينا ولا نفطر في يوم ~~عادي من أيام الصوم، فكيف يوم خميس الأسرار في جمعة الآلام. يا حسرتي على الرز ضاعت ~~ملاعقه. هذا البيت ما أفطر فيه أحد في الجمعة الحزينة يا مارون، تكارم ما شئت واعزم على ~~الناس، ولكن بعد العيد. لا تزعج عظام جدك. # وأذكر أن رجلا ماتت عنده غنمة في الصوم فقعد (يقورمها) على مرآى من أولاده، ولم ~~يذقها هو ولا أحد من أهل بيته. وكان ابن البقرة السعيد الحظ هو الذي يولد في الصوم ~~فيبقى له لبن أمه. وإذا حلبت فيما بعد فلكي يصنع حليبها جبنا أو لبنة لفرحة ~~العيد. # وكثيرا ما كان جدي في جمعة الآلام يفطر على ورق البصل ولا يذوق طعاما إدامه الزيت. ~~ويتعشى رأس ثوم بعد أن يشويه، ويتحلى بالتين المطبوخ بالدبس، بعد أن يعود من صلاة الحاش ~~«الآلام» ويكون قد شبع من سب اليهود الذي لم يبطل ولا يزال، ولكن المصلين بتلك الحرارة ~~قد فقدوا. # كان رحمه الله يقول: قال الله لعبده: كن حارا أو باردا، ولا تكن فاترا، ولذلك كان ~~هو حارا وخصوصا حين كان يضربنا بعكازه إذا قصرنا في واجباتنا الدينية. # وكانت والدتي أشد حرارة من جدي - وهو عمها في جهتين - لأنها بنت خوري وكنة خوري ~~وكلاهما زميتان محافظان على الصلوات الخمس يقيمانها في أوقاتها ومواعيدها. # وينشأ ناشئ الفتيان منا # على ما كان عوده أبوه # تعودت المرحومة أن تضع الشمعة وعلبة النار حد فرشة أبيها الخوري وعند رأسه، حتى إذا ~~ما نهض ليصلي صلاة الليل، والكل نائمون، أضاء هو الشمعة وقام بصلاته على موسيقى ms119 شخير ~~أولاده. ولما انتقلت بنته إلى بيتنا، بيت أخيه، ظلت تعامل عمها الخوري معاملتها والدها، ~~ثم ظلت على تلك العادة، فكانت إذا ما أمسى عندنا خوري تضع له الشمعة وعلبة النار حد ~~رأسه. # وجاءنا أحد هؤلاء الكهنة الذين لا يصلون فاختارت له الوالدة شمعة جديدة وكم كانت ~~خيبتها مرة حين لاح لها النهار ورأت أن بكارة الشمعة لم تفض، فنادت والدي وهي تولول ~~فهرول ظانا أن في الفراش حية لدغتها، وما دنا منها حتى صاحت متعجبة: تفرج يا حنا، ~~الشمعة بقيت كما هي! يه يه يه. ~~- بلا يه وبلا بلوط، اليوم صار البيع بالجملة. أيام أبيك وعمك راحت يا كاترينا. كان ~~الناس يودعون المرفع ويستقبلون الصوم بهذه العبارة: كما رفعتم بخير تصوموا وتعيدوا ~~بخير. واليوم إذا أردنا أن نكون صادقين فماذا نقول؟ # وكان الناس يعيد بعضهم بعضا بقولهم: المسيح حقا قام، وكان الجواب: حقا قام، ~~واليوم يصح أن يقال: المسيح حقا قام، ولكن بدون صيام. # | جينا للضيعة جينا # إلى الدكتور سليم حيدر # إذا كان أعجبهم فيما مضى أن يسموا ابن العميد والطغرائي ذا الوزارتين فكم تراه ~~تعجبني، وأنت أديب وشاعر، مثلهما، أن تكون ذا وزارات: تلفون وبرق وبريد وزراعة. وليس من ~~الغريب أن تفلح حيث تكون، فالذي رآك مثلي هلالا لا ينكرك بدرا كاملا. # وبعد فلا أسمع إلا تقرير اعتمادات بالملايين للتلفون الأوتوماتيكي، فهل فاتك أن ~~القرية التي يتغنى بها شعراء العامية والفصحى فيها بشر ذوو أرواح! # إذا تحدثت يا معالي الوزير، عن الخبز والطعام أمام جوعان أخذ يبلع ريقه، وطفقت شفتاه ~~تنطق بغير الكلام، فمشروع القانون المعجل لإنشاء 25 ألف خط تلفوني إلى الملحقات هو الذي ~~اقتضى أن نوجه إليك الخطاب. # ونحن ماذا؟ أمن الملحقات أم من الذيول؟ راجع الملفات في مديرية الهاتف تعلم أنه قرر ~~لنا إنشاء خط منذ سنوات، فإذا كان كل وزير لا يعمل إلا المهم (في نظره) فنحن لن نسمع ~~صوت (هاتف) إلا في القبور يوم ينفخ في الصور؛ لأنني لن أصير وزيرا لأعمل لضيعتي ms120 ~~ومنطقتي. # لقد أرتني الأيام، أن كل من يحل في الدست يحسب أنه ما جاء إلا ليركب (الدست) ويطبخ ~~أطيب ما عنده لمن عنده أما نحن فبين حانا ومانا ضاعت لحانا، وعشنا ونعيش ~~منتوفين. # لنا سنوات واقفون عند الحوض، والناس يردون ويصدرون ولا نفوز بنقطة ماء. كل وزير يقدم ~~الأهم على المهم، ومن يكون الدفتر معه لا يقيد نفسه من الأشقياء. # إذا كان الاصطياف يا صاحب المعالي، هو المهم في نظر الدولة وهي لا تبالي إلا بالرجل ~~الغريبة، فنحن نربع ونصيف في قرانا، ويشرفنا بزياراتهم أناس يهم الدولة أن يذكروها ~~بالخير ويثنوا على تقدمها وعمرانها. فما لكم لا تذكرون إلا الاصطياف! ألا فاذكروا ~~النفوس ولو مرة. أتهمل ثلاثة أرباع الدولة وأكثر لنري السياح أننا إلى الأمام ~~سائرون. # إن حياتنا أعز من قروش تمهدون سبل اكتسابها لأناس على حساب آخرين. فلو أعطيتمونا نقطة ~~ماء، وشرارة كهرباء وتلفونا لا يلبي إلا بعد ساعات لصارت ضياعنا مصيفا ومشتى ~~ومربعا. # حقا لقد صرت أخاف الإقامة في بيتي، وهذا أقصى الذعر وأسوأ حالة يبلغها الإنسان. إن ~~هذا القلب الذي كان يمشي بنظام أوتوماتيكي قد صار يحرن قليلا، وإني لأخشى أن يتعس وليس ~~له من يشد به، فأقرب طبيب إليه يبعد عنه ثلاث ساعات. أعرفتم الآن لماذا نلج ~~ونلح؟ # أنا رايح بعد أسبوع إلى عين كفاع، وإذا كان ما أخشى أن يكون، فماذا تنفعني أو تنفعكم: ~~إنا إلى الله وإنا إليه راجعون. # يعز علينا أن نشكو، ولكن طفح الكيل، والوعاء الذي لا يمتلئ يكون معيوبا. اذبحوا ~~(للابن الشاطر) ألف عجل مسمن، ولكن لا تبخلوا علينا بشاة بشارية نعلق في جيدها ~~جلجلا. # فمتى هذا الوعد، ومن ينتظر سنوات غير الذي يحلم بالوزارة. # في حزيران 1951 قيل لي: في آخر تموز تتصل بالعالم تلفونيا فشكرت وخرجت. # وما انقضى تموز حتى راجعت، فأجبت في آخر آب. وذكرت في أوائل أيلول فما نفعت الذكرى، ~~وصح بتلك المواعد قول النابغة: تمر بها رياح الصيف دوني. # ولكن الغريق يتعلق بحبال الهوا. فراجعت أيضا ms121 فقيل لي: في آخر شباط ينتهي كل شيء. ~~ولكن شباط شبط ولبط، وآذار شخر وهدر، ثم هب هواء نيسان السخن وما تفتح في أرضنا برعم ~~من براعم التلفون، وها قد مرت أربع سنوات ولا رجاء ولا حياة. ألسنا كلنا أبناء دولة ~~واحدة؟ أما لنا ما للعاصمة والملحقات؟ إننا راضون أن يكون لنا من الجمل شعرات من ذنبه، ~~لا من أذنه كما يقولون. # أنشكو نزوح أهالي القرى إلى العاصمة ثم لا نعمل للقرية شيئا؟ # أرى مثل الحكومة معنا كمثل أب يلبس زوجته وبنته الكبرى أحدث الثياب وأغلاها، وأنفس ~~الحلي وأبدعها؛ للصباح حلي وثياب، وللعصر حلي وثياب، وللمساء حلي وثياب. أما أولاده ~~وبناته الآخرون، فليس لهم فسطان شيت ولا طقم كاكي، عوراتهم مكشوفة يمشون بالزلط يا ~~واو. # أمن العدل أن لا يتصل ابن القرية بطبيب حتى يدركه قبل أن يفطس؟ وهل من العدل أن نشقى ~~ساعات مشيا على الأقدام لندعو الطبيب ونجلب الدواء؟ # يقولون: إننا في عصر السرعة، ثم لا نشعر بالسرعة إلا في الوعود. فقبل أن نسأل نجاب: ~~نعم نعم. ولكنها نعم بلا نعيم. # 24 مليون ليرة وثلاثة أرباع المليون للتلفون الأوتوماتيكي، ونحن لا نرى ولو خازوقا ~~في أراضينا، يعللنا بالآمال، أنعيش على أغاني الإذاعات، جينا عالضيعا جينا. ضيعتنا ~~غامرها النور. يا ضيعا ما بنساك. غنوا للضيعة حتى تنام. بنجوها لتنسى أوجاعها ~~وآلامها. # يقولون: إن الإيحاء بتكرار الكلام يشفي من المرض، ولعل هذه الأغاني تجعل الضيعة تصدق ~~أن السعادة فيها وما في الحواضر إلا الشقاء. فليت هؤلاء الذين ينادون: ترمس أحلى من ~~اللوز ينامون في القرية ليلة لنرى كم يرون بها من نعمة. # القرية تسعد في مخيلة الشعراء ولا تقصد إلا في موسم الانتخابات، فإذ ذاك تصير يد ~~الفلاح المبردية ناعمة كالحرير، وعباءته أجمل من الفراك، وعصاه المعقدة قضيب ماريشال، ~~ومنجله وشاح الأرز. # مسكينة الضيعة، ومساكين فلاحوها فما خلقوا إلا للتطبيل والتزمير واستقبال الزعماء ~~والزحف إلى المدن للمظاهرات، حين يصفرون لهم. # يا معالي الوزير، إذا كان القصد من تركنا والاهتمام بغيرنا ms122 هو أن نري الغرباء ما ~~أحرزه لبنان من تقدم، فنحن مستعدون أن نريهم أن لبنان سحارة بندورة خير ما فيها على ~~وجهها. # ما أسمع إلا من يحسدون القرية على فرنها وتنورها، وكوخها وعرزالها، ومعازها وكرازها، ~~وعنبها وتينها، ناسين نفوس أهلها المتألمة وشقاءهم في سبيل العيش. فهل أقل من أن نسقيهم ~~إذا عطشوا، وإذا مرضوا أن نمكنهم من الحصول على الطبيب في الوقت المناسب؟ # وكيف يقدرون على ذلك وليس لهم بريد ولا برق، ولا سيارات غب الطلب. إذا كان المكتوب ~~يصل إلى أقصى عواصم الدنيا قبل أن تصل رسالة إلى القرية فكيف نستغيث؟! ومع ذلك تشكو ~~المدينة من تهافت الناس عليها. أليس كل فتى قروي ذاق حلاوة حياة المدينة أسابيع يطلق ~~قريته البتات؟ فإذا شئتم أن تظل القرى عامرة فرفهوا - ولو قليلا - عن سكانها المساكين، ~~فلا يكون عليهم الغرم، ولغيرهم الغنم. # إنها لقسمة ضئزى. # | حكاية الماء # ما شققنا الطريق ووصلنا إلى بيوتنا بالسلامة حتى أعلنت الحرب الهتلرية، وما انتهينا ~~من قرع الجرس ابتهاجا حتى حملت إلينا أول سيارة نبأ إعلان تلك الحرب المشئومة فوجم ~~الناس، ولكن (الطريق) نفعتهم جدا فصاروا يبيعون محصولاتهم، وسهل عليهم الأخذ ~~والعطاء. # وبعد شق الطريق رادوتنا فكرة جر مياه الشرب إلى القرى العطشى، وكان النبع المسمى (نبع ~~قطرة) هو أملنا الوحيد فراجعنا الحكومة بشأنه فوعدتنا خيرا، وفي ساعة سوداء حمل إلي ~~أحد الأصدقاء جريدة لبنان الرسمية لأقرأ فيها مرسوما يجيز للرهبانية اللبنانية البلدية ~~جر مياه ذلك النبع إلى دير كفيفان في بلاد البترون. # فعقدنا الاجتماعات وطيرنا برقيات الاحتجاج، فلجأ الرهبان إلى تهدئة الخواطر، وعللوا ~~أهالي القرى باقتسام المياه، ورأى الجميع: الصلح سيد الأحكام. وعندما كان فريق من وجهاء ~~قرى ساحل بلاد جبيل يشدون العزائم إلى دير ميفوق ليقتسموا والرهبان ثياب العوام ~~ويقترعوا على لباسهم، وعندما كان رهبان ميفوق يشربون والمدعوين على جلد الدب كنت أنا في ~~طريقي إلى بيروت فبتدين. # لم يكن بقي إلا بضعة أيام حتى يمسي المرسوم نافذا، فأقمت الدعوى في مجلس شورى الدولة ~~وهرولت ms123 إلى بتدين، فسبقتني إليها الصحف التي نشرت خبر الدعوى المقامة مني على رئيس ~~الرهبانية العام والحكومة اللبنانية. # وعلى الغداء قال لي فخامة الشيخ بشارة الخوري: تقيم الدعوى علينا ونغديك ~~عندنا! # فأجبته بما لي عليه من دالة: عندك عندي، وما أقمت الدعوى بدون إخبار إلا لأن (الدق ~~محاشر)، وإذا لم أفعل ذلك أخاف أن (تروح علينا) ويعدي السبت، فأولاد الحلال كثار. قد ~~فعلت لأقطع الطريق عليهم وأترك لفخامتك مجال إعادة النظر، فالرهبان يعملون بقول المثل ~~اللبناني: من بعد حماري لا ينبت العشب، وقصتهم مشهورة. # فقال: وما هي. # قلت: في التقليد عندنا يروون حكاية هي أن راهبا انقطعت تكة سرواله، فالتفت في ذلك ~~الليل البهيم فوقعت عينه على خيط يربط الأرض بالسماء فتناول السكين وقطعه ليربط به ~~سرواله، فابتسم الشيخ، جزاه الله عنا خيرا وأرسل نكتته الناعمة، ومن طبعه أن يرسلها ~~ولا يجعلك تحس أنها داوية: اشكر ربك. هذا ما نتمناه. # وهكذا خنق الشيخ ذلك المرسوم في المهد، وأعطي الشعب حقه، ولكن جرة الرهبان لم تطلع ~~من البير فاضية، قبضوا ثمن المياه خمسين ألف ليرة. # وخططت السبل بعد خمس سنوات، فأعدت الكرة إلى بتدين وقلت لفخامة الشيخ: يقولون عندنا: ~~إن تخطيط السبل دعاية انتخابية. # فقال: لا. لقد أرصدنا مبلغ ثلاثماية ألف ليرة. وستشربون إن شاء الله. # قلت: وندعو لفخامتكم بطول العمر. # ثم كان ما كان، وجاء الأستاذ ريمون أده نائبا عن بلاد جبيل، وها هو قد نفذ ووسع ~~دائرة البيكار فشرب ساحل بلاد جبيل كله أو كاد، ولم يبق غير التلفون والكهرباء. # فإلى الشيخ الرئيس الذي سمع صوتنا وحفظ لنا هذا الحق الحيوي أحر الدعاء، وإلى الأستاذ ~~ريمون أده الذي جاهد ولا يزال يجاهد في سبيل المنطقة التي ينوب عنها أجزل الشكر، ~~وهنيئا لمن شرب، هكذا نقول. نحن زائلون جميعا، أما المشروع فباق إلى ما شاء ~~الله. # وفيما يلي فقرات من عرض القضية الذي رفعناه إلى مقام محكمة شورى الدولة الموقرة ننشره ~~هنا ليذكرنا الناس ويترحموا على من أحسنوا إليهم. بعد الوفاة ms124 طبعا عملا بسنة منح ~~النياشين عندنا. # عفوا، نسينا أن نشكر الصحافة التي ناصرتنا وحملت إلى السلطات الثلاث صوتنا، وأخص ~~منها بالذكر جريدة التلغراف والطيار ولسان الحال والأحرار والأخبار، وصوت الشعب التي ~~نشرت عرض القضية ملخصا في عددها 1252 بتاريخ 25 آب سنة 1946 وهذا هو كما ورد فيها: # قرى بلاد جبيل العطشى # الأستاذ مارون عبود يقيم الدعوى على الحكومة، وعلى رئيس الرهبانية البلدية ~~بعد صدور مرسوم بالترخيص للرهبان بأخذ مياه ميفوق إلى دير كفيفان! # في خراج قرية ميفوق من بلاد جبيل نبع اسمه (نبع قطرة) وفي هذه المنطقة 26 ~~قرية محرومة من المياه، ولا سبيل لسقيها إلا من هذا النبع. وقد طالب أهاليها ~~الحكومات السابقة كلها بجر مياه النبع إليها دون جدوى. وظلت هذه القرى لا تجد ~~ماء للشرب إلا المياه المجموعة من الأمطار. وبينما كان الأهلون يأملون أن تلبي ~~الحكومة طلبهم، فتقوم بواجبها في جر مياه نبع قطرة إلى قراهم، فوجئوا بمرسوم ~~يقضي بالترخيص لرهبان دير كفيفان (منطقة البترون) بجر مياه النبع إلى ديرهم، ~~وحرمان أهالي بلاد جبيل من نبع ينبع ويجري في أرضهم، أي حرمانهم من مياه الشرب ~~إلى الأبد، فأقام الأديب الكبير الأستاذ مارون عبود لذلك الدعوى على الحكومة ~~وعلى رئيس الرهبانية البلدية الأباتي يوحنا العنداري، لدى مجلس الشورى. ~~والأستاذ عبود من سكان (عين كفاع) إحدى القرى صاحبة الحق في نبع قطرة والدعوى ~~التي أقامها الأستاذ مارون عبود، عدا عن حججها الحقوقية البالغة. طرفة أدبية، ~~نقتطف منها بعض الفقرات قال: «هذه القضية تشبه الأمراض المزمنة، لقد طالبنا ~~الحكومات السابقة كلها بجر هذه المياه إلى قرانا؛ لأنها حقنا الشرعي، أما هذه ~~القرى فهي: بجه، عين كفاع، غبالين، غلبون، بيت الأشقر، الصليب، معاد، دير معاد، ~~غرزوز، بخعاز، شيخان الرومية، جدايل، الريحانة، المنصف، البربارة، الحلوة، ~~بعشتا، عمشيت، غرفين، العفص، حبالين، شامات، حصارات كورا الهوا، حصرايل. # إن هذه القرى جميعها محرومة من مياه الشفة، وهي تشرب من الآبار المجموعة ~~مياهها من أمطار الشتاء، ولا أمل لها إلا بنبع قطرة الذي يحاول ms125 آباؤنا الرهبان ~~المحترمون اختلاسه بمرسوم ...!» # وبعد أن يعدد الأستاذ مارون عبود محاولات الرهبان لإتمام المشروع قبل صدور ~~المرسوم، واحتجاجات الأهلين، يشرح الحق الشرعي لسكان بلاد جبيل، دون الرهبان، ~~في هذا النبع فيقول: «إن هذا النبع ليس في خراج دير ميفوق كما ورد في المرسوم؛ ~~إذ ليس لدير ميفوق خراج، وإنما هناك قرية اسمها ميفوق والدير فيها. أما هذا ~~النبع، نبع قطرة، فيصب فوق قرانا التي تطالب بالشرب منه، بينما آباؤنا الرهبان، ~~زادهم الله رشدا، يكلفون المياه ضد طباعها، يكلفونها أن تتحدى ناموسها الطبيعي ~~ليرضوا عنادهم المشهور، يريدون أن تمشي المياه مشية السرطان (السلطعون)، وتسير ~~طلوعا، ومن طبيعتها أن تشق طريقها نزولا، فالمياه لا تعرف إلا التحويل ~~النازل. أما التحويل الصاعد فليس في حسابها، وإن حاول الرهبان تعليمها حسابا ~~جديدا، فهيهات أن تتعلم وسنخرجها من مدرستهم تلك. (إنه لا يجوز) أخذ ماء من ~~منطقة لا تستغني عن ذاك الماء لتسقي منطقة أخرى في استطاعتها أن تشرب من نبع ~~آخر أغزر وأكمل منفعة وأعم فائدة وأقل تكاليف. إن المثل اللبناني يقول: الماء ~~لا يمر على عطشان. فكيف تجهل هذا الرهبانية، وهي لبنانية بلدية؟! فهل وصلنا إلى ~~زمان تحرف فيه الأمثال، كما تحرف القوانين، مدنية ودينية؟» # إذا ادعى الرهبان أنهم يريدون سقيا دير لهم، وعملوا بالمثل اللبناني القائل: ~~بقر الدير ورزق الدير، أجبناهم: ونحن عندنا دير هو دير معاد. # كيف يسوغ الرهبان أن يأخذوا المياه من ميفوق في بلاد جبيل إلى دير كفيفان في ~~بلاد البترون؟ إن دير كفيفان يستطيع الشرب، كما قلنا، من ينابيع عديدة، أما دير ~~معاد فإذا سمح الله، ولن يسمح بذلك جل جلاله، وقدر الرهبان أن يغتصبوا حقا ~~بمرسوم، عطش هذا الدير وعطشنا معه إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين، بلا ~~آمين. # وفي الختام يطلب: ~~(1) # إلغاء أحكام المرسوم. ~~(2) # تصفية حساب مياه ميفوق كلها ما عدا النبع الفوقاني. ~~(3) # جر مياه ميفوق الزائدة إلى جميع قرى بلاد جبيل العطشى؛ لأنه حقها ~~الشرعي. # ونحن نؤيد هذه المطالب المحقة الشرعية، من جميع النواحي الحقوقية ms126 والعرفية، ~~ومن الناحية الواقعية أيضا؛ إذ إن قرى بلاد جبيل المذكورة ليس لها أمل بغير ~~نبع قطرة، ولا يجوز أن تحرم منه، هذا فضلا عن أنه ينبع من أراضيها. # ونحن نأمل من مجلس الشورى أن ينظر في القضية على هذا الضوء، كما نلفت نظر ~~المسئولين إلى ضرورة إرواء عطش أبناء قرى بلاد جبيل الذين لم يتنازلوا عن حقهم ~~في مياه قطرة. # | روداج # كنا أعضاء عاملين في مأدبة آل خير الله بمحطة بحمدون، أعدوا تلك المأدبة على شرف ~~عريسين حبيبين، الدكتور إسكندر حتي وأخيه كمال. في تلك الهنيهة نظر إلي عمهما الطبيب ~~الأعظم الدكتور يوسف حتي نظرة خبير، وقال لي: رح صوبنا حتى نعمل لك روداج، فرحت أسأل ~~وما الروداج؟! وأخيرا فهمت فقلت لنفسي: إن سيارتي موديل سنة 1886، أما كان الأحرى ~~بالدكتور أن يقول: تصليح. # كان ذلك في حزيران سنة 1955، وكان مساء وكان صباح فنسيت حالي وذهبت إلى عين كفاع غير ~~ذاكر ما قاله لي الطبيب الذي أنقذ حياتي أول مرة، عام 1926، تداركني حين أصبت ببنت ~~الحمرا وقطع الطريق على عزرائيل الذي كان قابعا في وصيد بابي ينتظر الفرصة الملائمة، ~~فانتهره الدكتور يوسف حتى لف ذنبه وراح مهرولا يفتش عن غيري. # وما تذكرت روداج الدكتور حتي إلا عندما قمت من صرعتي المشئومة صباح يوم 23 تموز، وكان ~~يوم سبت، كأن الله الذي استراح من جميع أعماله أراد أيضا أن يستريح مني، ولكن شيئا من ~~ذلك لم يكن فأسرعت إلى بيروت، بل أسرع بي أولادي إلى الدكتور حتي فاستقبلني تلميذي ~~الطاهر الدكتور حتي الثاني، وأحلت إلى الاستيداع في مستشفى سان شارل. وبعد هنيهة دخل ~~علي الدكتور حتي وقال: ما جئت إلا بعد أن عملت أكسيدان؟! ثم راح يفتش عن الموتور. وما ~~كان أشد تعجبي حين قال: إنه ما زال صالحا. الموتور بضاعة قديمة، وكذلك المراوح ~~والمصافي إذن لا يزال في اليد حيلة. وأخذ الأطباء معاونو الدكتور يروحون ويجيئون، ~~يفحصون ويدققون ومشت أسراب الراهبات والممرضات فتخيلتهن كما قال شوقي في وصف سقف كنيسة ms127 ~~آجيا صوفيا في عهدها البيزنطي: # فمن ملاك في الدجى رائح # إلى ملاك في الدجى مغتد # هذه تحمل علاجا يبلع، وتلك في يدها إبرة تزج، وهاتيك تجيء بميزان الحرارة، وغيرها ~~تحصي أنفاسي ونبضي. قيامة قائمة. # وإذا سألتني رأيي فيهن أجبتك بالمثل العربي القديم: لا رأي لحاقن كنت مشغولا في جسدي ~~لا أرى الوجوه إلا صفراء. وإخال الابتسامات جهشة المتباكي. # دعاني الدكتور حتي بالأمس إلى الروداج، فإذا بسيارتي أمست اليوم بحاجة إلى نفض. ~~قالوا: إن هارون الرشيد احتبس ليلة ما، فتمنى لو يعطي نصف ملكه بتلك الليلة ويستريح من ~~تلك الملعونة، أما أنا فماذا أقول؟ بل ماذا أعطي؟ بل هل أنتظر شيئا مما ينتظر الرشيد ~~من جوار، سبعة عشر يوما قضيتها بلا نوم، لم تغمض لي عين ولا هدأ لأولادي قلب، سيارتي ~~في الكاراج والله أعلم متى تخرج، وكيف تخرج؟ # كان امرؤ القيس ينتظر نجوم الليل ويراقبها. أما أنا فكنت أراقب من باب غرفتي الخلفي ~~مصابيح السان جورج ولافتة بالم بيتش، وهيهات أن تخبو تلك الأنوار، وكثيرا ما حدثتني ~~نفسي عند اشتداد الأزمة أن أتدهور من البلكون وأستريح من تلك الآلام التي لا ~~تطاق. # كانت ابتسامة الدكتور إسكندر والدكتور كنعان تشجعني على الطمع بالنجاة، وبقيت كذلك ~~حتى جاء خبر العملية. كانوا فيما مضى يقولون: آخر الدواء الكي، أما في هذا العصر فآخره ~~شق البطن، ومن ينتظر العملية كمن يلقي بنفسه في أشداق حوت يونان، ثم ينتظر أن يبصقه، ~~وهل من حوت أوسع شدقا وأحد أنيابا من الموت؟! # وأخيرا جاء الجراح النطاسي الدكتور بولس يقول: إننا نسن السياخ. فهززت برأسي وقلت ~~له: # إذا لم يكن غير الأسنة مركبا # فليس على المضطر إلا ركوبها # يا مرحبا بالعملية وبك يا دكتور. وبعدما تحدثنا مليا خرج من عندي ليقول لابني ~~الكبير: أبوك معنوياته قوية جدا وهذا ما يساعدنا على نجاح العملية. # ثم دخل المبنج الدكتور أبو حيدر بعد حين. وفي موعده جاء الدكتور حتي فسألته، فقال: ~~قررنا أن نفتح لك البوتنير! فقلت: وأي وسام نعد لها؟ ms128 فقال: وسام العمر الطويل. # ولما كان صباح الإثنين لم أرض أن أحمل على المحفة كالمعتاد، بل مشيت إلى غرفة الحياة، ~~حتى بلا عصا، مشيت بخطوات ثابتة مشية جندي إلى ساحة القتال. وتذكرت (الإرادة) في تلك ~~الدقيقة الفاصلة بين الحياة والموت فتشددت، وقلت: لن أموت، سوف أستريح من أوجاعي وآلامي ~~وأحيا. # وقبل أن أستلقي على الوضم قلت للمبنج الدكتور أبو حيدر، وأنا أقلب عيني في زوايا ~~الغرفة: وأين هو؟ فخالني أهذي، فأفهمته أنني أسأل عن الموت أين يتخبأ، وقلت للموت وقد ~~تمثلته أمامي: إياك والغدر، لا تكن كالسارق كما قال المسيح؛ فإن كنت بطلا فهذه الساحة ~~لي ولك، فهلم. # وأخيرا غبت لأعود بعد ساعات أحمل في بطني نبريشا ظللت منه في جهد جهيد مدة خمسة ~~أشهر، كانت تعزيني على آلامها المزعجة أنها مكنتني من نكتة لا بأس بها. كانوا يتحدثون ~~أمامي عن الاختصاص في هذه الأيام، فقلت لهم: أنا تخصصت مؤخرا في المستشفى، ولكن ~~اختصاصي تحتاني، فصار عندي لكل عمل آلة. # وهناك نكات أخرى كانت ترفه عني وتنسيني قلق الليل، منها هاتان النكتتان: فواحدة جاءت ~~من صوبنا، دخل علي واحد، ولما كان لا بد من الحكي في مثل هذه الأحوال قال: الحمد لله ~~على السلامة. # فقلت لا تتسرع يا عمي الخطر قدامنا. # فأجاب: الله يبعده. ما على قلبك شر، ولكن الذي حيرني وحير أهل الجيرة كلها هو أنه كيف ~~وصل إليك مرض البروستنت وبلادنا نظيفة منه. # وكان الدكتور أشقر حاضرا فمات من الضحك. فقلت له: إنها رمية من غير رام. # وواحدة ثانية أتت من امرأة نصف. دخلت فرأت النبريش في الزجاجة المعهودة. وأنا ممدد ~~على كرسي، فقالت مستغربة: يه! خبرونا أن مرضك ثقيل، وهذا أنت تشرب أركيلة. على كل هي ~~أحسن من العطوس، وخصوصا إذا كانت مثل هذي. لا جمر، ولا دخان. # ورأت ماء أركيلتي أصفر فتحلحلت لتكب الماء وتنظف الزجاجة وهي تثرثر: معرفة الراهبات ~~قليلة بمعاملة الأركيلة، ولا يشد بالبقرة غير صاحبها. # فقلت لها: نسيت أني ذكر! قولي المثل كما ms129 هو ولا تستحي: لا يشد بالفدان إلا ~~صاحبه. # ودخلت الممرضة وأخذت الزجاجة التي كادت تمتلئ، ففهمت أم حنا أنها أركيلة مستشفى، هكذا ~~سمتها: وهكذا كنا نسميها، عند حاجتنا إليها في البيت. # قالت العرب: على الرائد أن يصدق أهله، وأنا قد استسفرني القدر إلى الأبدية، ولكنني ~~كنت سفيرا غير مرغوب فيه فأرجعت عن الحدود. وقفت على أبوابها ولما أدخلها. وعدت على ~~أعقابي أشكر من يشكر على المكروه، وأبي وجدي اللذين أورثاني هذا الموتور، أي القلب الذي ~~لم يحتج إلى خرط ولا ولا. # وما استرحت من آلام الاحتقان الطبيعي الحادة، حتى بقيت ستة أشهر كاملة أعاني ألم ~~الاحتقان الفكري، مرت أحداث خطيرة لم أعلق عليها، ولكن الغد لنا فسوف نعلق إن شاء الله. ~~إذا قلت لك: إنني منذ بلوغي رشدي لم أنقطع عن الكتابة يوما واحدا فصدقني، أما إذا كنت ~~مثل توما لا تصدق ما لم تضع أصبعك فتعال لأريك دفترا من دفاتري يرجع تاريخه إلى أكثر ~~من نصف قرن، فترى آثاري الأولى وتضحك من مارون عبود الماضي؛ إذ لا ترى فيه إلا شيئا لا ~~يكاد يدرك من ملامح مارون عبود الحاضر. فأنا يا أخي عملت نفسي على ذوقي، فإن كان أعجبك ~~شيء في فالفضل فيه لي؛ لأني ماشيت الزمن فلم أتخلف عن ركبه ساعة، وإني أعاهد الشباب ~~على هذا وأرجو أن يعملوا دائما وأبدا وهم واصلون إلى ما يبغون. # عفوا، قد قطعنا حديث العمليات فهناك عملية أخرى تنتظر أن أتحدث عنها. ها قد رجعنا ~~إلى بيت خالتنا، أليس المستشفى كالسجن؟ كنت هذه المرة أشد خوفا مني في المرة الأولى. ~~ولكني بقيت أشجع نفسي وأقول لها: العملية ناجحة بدون ريب، وظللت أكرر ذلك حتى تمكن هذا ~~الاعتقاد في نفسي. وبعد فأنا لم أخدعها ما زال يسعف الجراح قلب كالمهدة، ورئتان كجناحي ~~العقاب، وكليتان كنبع أفقا، يحنو على هذه كلها صدر كالكير عامر بالاستهزاء بالموت ~~والاستخفاف به. # كان قبالتي في غرفتي مصلوب - لا تظن أنه ظهر لي كما ظهر للبابا - ولكني ذكرته لأروي ms130 ~~لك ما حدثته به. # قلت له: هبني يا سيد، شيئا من شجاعتك لأستقبل الموت، فالعملية ليست لعبة في كل حال. ~~أنت طلبت من أبيك أن يجيز عنك الكأس، ولكنك شربتها ولم تجزع ولم ترع. شربتها ليكسب ~~الناس الحياة الأبدية فغلبت الموت بالموت، وأنا سأشربها لأغلب الموت بالحياة وأكتب بعد. ~~وعزائي على عيشتي أرمل دهر هو أن أبنائي لم يكونوا كتلاميذك الذين لم يسهروا معك ليلة ~~واحدة. إنهم لم يناموا قط. # وأخيرا كما مشيت أول مرة إلى غرفة العملية بخطوات ثابتة، مشيت إليها ثاني مرة، وقد ~~سمعني تلميذي الأستاذ رشاد بيبي أقول لأولادي: أنا راجع بعد قليل. # وقلت للجراح النطاسي الدكتور حسيب بولس: لا تربط لساني كما تفعل بغيري. لا تخف أن ~~أبلعه فهو الحيلة والفتيلة. # فاتني أن أذكر لك حادثة طريفة: قبل العملية الأولى جاءني كاهن وهو صديق ونسيب، يريد ~~أن يمهد لي الدرب إلى الأبدية، فقلت له: ثق يا ابن عمي أنني لا أحتاج إلى من يدلني على ~~درب بيت أبي، وأنني في غنى عن وسيط يفتح لي الباب. وأنا والرسل جميعا أصحاب فلا بد من ~~أن يفتح لي واحد منهم. ناهيك أن معي جواز سفر من الأب الأقدس، باص ديبلوماسي يساعدني ~~على الدخول، تكفي معه كلمة واحدة لأطهر من آثامي وأدخل الجنة بثيابي، كما يقولون. وقبل ~~وبعد (بعد بكير) يا محترم، فأنا لا أموت في هذه النقلة، وإذا عشت وعشنا وعزناك لا ~~نخبيك. # ومضت المعركة الثانية بسلام، وكان جنودها أطباء وعلماء نطاسيون، وجراح شاب واثق من ~~علمه ومن نفسه، وراهبات ساهرات، وممرضات كأنهن راهبات. فإذا قلت لك: إنني شعرت أثناء ~~إقامتي في المستشفى أن كل من فيه من كبير وصغير، كان يسهر علي ويهمه أن تنجح عمليتي، ~~فصدقني. # أما أريحية الأستاذ سعيد فريحة فإنها كانت فوق وصف الدكتور يوسف حتي لها. جاءني قبل ~~العملية الأخيرة الخطيرة يقول: تقدر أن تأخذ من صندوق الصياد ما تشاء. اطلب ولا تستح. ~~كبر حجرك واضرب. # وأخيرا إني أشكر من عادوني وآسوني في ms131 بلواي، وأنا هنا في مقام الشكر. أما العتب فله ~~مكان آخر وسيكون حسابه عسيرا. ms132