######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.AkhirHajar.Hindawi97260461 #META# Tags: literature #META# ID: 97260461 #META# Title: آخر حجر #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # في العجلة السلامة‏ # المرض الأكبر‏ # شبابك على قدر طاقتك‏ # طريق الفلاح‏ # احذروا الغضب‏ # الأكواخ منابت العباقرة‏ # مصرع العدل والمحبة‏ # من وحي الأعياد‏ # مع الشمس‏ # إلى إخواني الطلاب‏ # كيف تصبح رجلا ناجحا‏ # التربية الوطنية في لبنان‏ # ومن لا يكرم نفسه لا يكرم‏ # إلى الراسبين في الامتحان‏ # النمام عدو السلام‏ # على أبواب المدارس‏ # العائلات المستورة‏ # على بوابة مدرسة‏ # تشرين الأول‏ # إلى الشباب المثقف‏ # التشبه آفتنا الكبرى‏ # هل من يعتبر‏ # بصراحة‏ # حول امتحان البكالوريا‏ # خطرات‏ # نحو حياة أفضل‏ # صور ومشاهد‏ # علمتني الحياة‏ # الشجر تتهم البشر‏ # قصة السعادة‏ # إلى المرأة‏ # حفلة ناشفة‏ # لوحة الجميل الخالدة‏ # في العجلة السلامة‏ # المرض الأكبر‏ # شبابك على قدر طاقتك‏ # طريق الفلاح‏ # احذروا الغضب‏ # الأكواخ منابت العباقرة‏ # مصرع العدل والمحبة‏ # من وحي الأعياد‏ # مع الشمس‏ # إلى إخواني الطلاب‏ # كيف تصبح رجلا ناجحا‏ # التربية الوطنية في لبنان‏ # ومن لا يكرم نفسه لا يكرم‏ # إلى الراسبين في الامتحان‏ # النمام عدو السلام‏ # على أبواب المدارس‏ # العائلات المستورة‏ # على بوابة مدرسة‏ # تشرين الأول‏ # إلى الشباب المثقف‏ # التشبه آفتنا الكبرى‏ # هل من يعتبر‏ # بصراحة‏ # حول امتحان البكالوريا‏ # خطرات‏ # نحو حياة أفضل‏ # صور ومشاهد‏ # علمتني الحياة‏ # الشجر تتهم البشر‏ # قصة السعادة‏ # إلى المرأة‏ # حفلة ناشفة‏ # لوحة الجميل الخالدة‏ # | آخر حجر # | آخر حجر # تأليف # مارون عبود # المؤلف (1886-1962). # | في العجلة السلامة # في حياة كل إنسان دقائق أشبه بما يسمونه المعركة الفاصلة، فإذا أضعناها فكأننا نضع مصيرنا ~~على كف عفريت، أو نرهن حياتنا بكاملها لأمل طائش، ولا نرجو حلول الساعة التي يفك فيها ~~الرهن. # وعندما قال الذين مشوا قبلنا على دروب الحياة: في العجلة الندامة، كان مركوبهم، إما ~~أرجلهم، وإما قوائم حيوان مسخر لخدمتهم. أما نحن أبناء هذا الجيل، فمركوبنا نار وحديد ~~وفولاذ، منها ما يمشي على الأرض، ومنها ما يدع الطير خلفه ولا يلحقه مهما جد وكد؛ ولذلك ~~قالوا هم: في التأني السلامة. # ومع ذلك فقد رأينا في الأقدمين من آمن بفوائد العجلة. أما قالت العوام: الضربة لمن سبق؟ ~~وهذا ما ينطبق اليوم انطباقا كليا على عصرنا، ms001 عصر السرعة. # ففي ذلك الزمان كان أكبر عيب أن تأكل واقفا أو ماشيا، أما اليوم فأصبح كل شيء يعمل على ~~الماشي. لقد استراحت المقاعد وتعبت الأرجل. قد تنهار الأعصاب باكرا بسبب هذا الكد، ومع ذلك ~~فهو ضروري للفلاح، وهل يحقق أملا من يسترخي في فراشه ولا ينفض عنه لحافه إلا حين يعتدل ~~ميزان الشمس؟ إن من يحور ويدور، حتى يبدأ عمله، فهيهات أن ينجزه، فكثيرا ما يدعه ولا يفعل ~~شيئا، يؤجل دائما وينتظر ساعة نشاط رائعة، وتلك الساعة لا تأتي. # أما روى التاريخ عن امرئ القيس، أنه قال؛ عندما جاءه خبر قتل أبيه: اليوم خمر وغدا أمر. ~~وماذا فعل الغد لامرئ القيس، وأي غرض قضاه له؟ أليس الموت على الطريق وضياع الملك؟ فلو كان ~~ترك الكأس ونهض، لما اضطر أن يبكي، هو وصاحبه، الذي بكى حين رأى الدرب دونه. ولما قال له ~~هو: لا تبك عينك، إننا نحاول ملكا أو نموت فنعذرا. # لقد فاتك القطار يا امرأ القيس ولم تقيد الأوابد، وما ظفرت إلا بلقب الملك الضليل عن ~~جدارة واستحقاق. إن صديق الكأس لا يفلح. # من تأن نال ما تمنى، لم تعد عملة رائجة في هذا العصر، فالناس في حلبة السبق دائما، لا ~~ينتهون من شوط حتى يبادروا إلى آخر بلا تأجيل ولا تردد. أما قال الشاعر: # إذا كنت ذا رأي فكن فيه مقدما # فإن فساد الرأي أن تترددا # فالتردد هو الذي يخيب أمانينا ويحول دون الفلاح. قال الحجاج في خطبة الولاية: «إني والله، ~~لا أهم إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت»، فالتراخي والتردد والتأجيل لا تحقق أملا ولا تبلغ ~~مرتبة. # أستعرض حياتي، على تفاهتها، وخلوها من المغامرات، فلا أجدني ندمت على شيء فعلته، بل ندمت ~~دائما على الذي لم أفعله في حينه؛ لأن الفرص إذا ذهبت لا تعود. ومن يضيعها أضاع كنزا لا ~~يقع عليه فيما بعد؛ ولذلك قالوا: الوقت من ذهب. # قيل لقائد عظيم: القائد الفلاني عظيم مثلك، فأجابهم: وهناك فرق بيننا، وهو أنني أسبقه ~~أربع ساعات. يعني ms002 أنه يستيقظ في الساعة الخامسة ويبادر إلى عمله، بينما زميله لا يستيقظ قبل ~~التاسعة. فإذا كنت أيها الأخ الكريم، من أصحاب النهوض في الساعة التاسعة، فعدل منهاجك منذ ~~الغد إذا أردت أن تحقق شيئا تذكر به. # لا تندم على ما فات واستعوض عنه بما هو آت، فقد تسترد في عام ما أضعته في أعوام. عد إلى ~~ماضيك، وتذكر كم فاتتك من مواعيد؛ لأنك أضعت بضع دقائق في الحديث مع واحد لا عمل له إلا ~~الثرثرة والتساؤل عما لا يفيده، فأضعت أنت ما يفيدك. كن جسورا ولا تبال بمن يستوقفك إذا ~~كنت على ميعاد. # قال أحد المفكرين: ما من وقت مثل الزمان الحاضر، فمن لا ينجز ما يفكر بتحقيق عمل حين ~~يعن له، فهيهات أن يحققه فيما بعد. فلا تؤجل عملا، واجعل شعارك: الآن. امح كلمة غدا من ~~سفر حياتك، فنقد غدا باطل لا يتعامل به المفلحون. إن التردد يمسي مرضا، والتأجيل هو أول ~~أعراض هذا المرض الاجتماعي العضال، فإذا طلبت من ابنك أن يقوم بعمل، وقال لك بعد ساعة ~~مثلا، فقم إليه واقتلعه من مكانه ثم خذه بساعده، وهكذا افعل به كل مرة إذا أردت أن تحميه ~~من ميكروب هذا المرض القتال. # اقرأ على مسامعه نصيحة ولتر سكوت التي أسداها إلى شاب حصل على مركز جديد وهو يطمح إلى ~~التقدم: خذ حذرك من الانقياد إلى ما يحول دون استعمال وقتك كله، فلا تضيعه بما لا يعنيك ولا ~~يفيدك. اعمل واجبك أولا وبسرعة، ثم خذ حقك من الراحة بعد إتمام العمل. # إن العجلة هي سمة عصرنا. ولكن ليس معنى هذا أن تكون أهوج، فلا تتقن عملك. إن عدم إضاعة ~~الوقت هو العجلة المطلوبة. إن السرعة أم الثقة بالنفس، وهي أنصع برهان على انتظام أعمالنا ~~ومقدرتنا. ومن لا يذهب إلى مركز عمله إلا بعد أن يدور في زوايا بيته دورات عديدة، ويخرج ثم ~~يدخل إلى بيته مرات قبل أن يفارقه بالسلامة، فهذا لا يعرف العجلة، ولن يأتي في غده عملا ~~جليلا. # فلنتعلم ms003 السرعة من الطبيعة، فكل ما فيها في حركة دائمة، تسرع خطاها ولا تقف دقيقة ~~لتستريح؛ لأن راحتها في عملها الدائم. # سئل أحد مشاهير الرجال: كيف أتممت كل أعمالك في هذا الوقت القصير؟ فأجاب: إنني أعمل في ~~الحال ما يجب علي أن أعمله، وأنتظر الجديد لأنجزه حالا. # فاعمل يا أخي اليوم ما يكن عمله. # ما مضى فات والمؤمل غيب # ولك الساعة التي أنت فيها # لا تؤجل شيئا؛ لأن الغد ليس ملك يديك، إنك لا تدري ماذا يحدث، فتندم على ما فات، ولات ~~ساعة مندم. # ابصق على الشيطان واجعل شعارك: في العجلة السلامة، وقدم الأهم على المهم. وليكن لكل عمل ~~وقت؛ وإذا فعلت فأنت مفلح إن شاء الله. # | المرض الأكبر # وما أعني إلا الوهم، فالوهم يورث الهم. # والهم يخترم الجسيم نحافة # ويشيب ناصية الصبي ويهرم # فالوهم هو الداء المقيم الذي لا يحول ولا يزول، إذا استولى علينا جعلنا نظن الموجود لا ~~وجود له، ونحسب ما لا وجود له حقيقة ملموسة؛ فنسمع أصواتا، ونرى أشباحا تروعنا فنخافها، ~~كأنها ذوات كيان. وقد أصاب المتنبي حين وصف جبانا بقوله: «إذا رأى غير شيء ظنه ~~رجلا.» # روى العالم غوبلو أن أحدهم قال له إنه أصيب بوهم تكرر مدة من الزمن، فكان ينظر، حين يجلس ~~إلى مكتبه، شخصا على المقعد يحدق النظر إليه بينا أنه لم يكن على المقعد أحد. # وهذا يذكرني بما قرأت عن باسكال، زعموا أنه كان يرى هوة فاتحة فمها عن يمينه كلما جلس إلى ~~مكتبه، فيرتاع، ولكي يزيل هذا الوهم، كان يضع كرسيا على فم تلك الهوة ليطمئن قلبه إلى عدم ~~وجود هوة. # ليس المجال هنا مجال تعداد أوهام الناس، فعندنا من أوهامنا ما يغنينا عن تلك. كما أننا لا ~~نقصد الأخبار وسرد قصص الوهم، ولكننا نعني الأوهام المرضية التي تستولي علينا فتجعلنا ~~مصابين بالمرض الذي نختاره وننتقيه. # رأيت في شبابي راهبة بلدية كانت تتوهم أن في أذنها عصفورا تزعجها انتفاضاته. وقد قصدت ~~أطباء بيروت في ذلك الزمان - منذ نصف قرن - وظلت تروح ms004 وتجيء والعصفور جاثم لا يطير من ذلك ~~الوكر الدافئ. # وأخيرا تركت أنا جبيل ولم أعد ألتقي تلك الراهبة. وقد سألت عنها فقيل لي: إنها في مغارة ~~دير قزحيا، عصفورية لبنان في ذلك الزمان. # أما أوهامي أنا فليست من هذا العيار الثقيل، ولكنها إن لم تمتني، فقد أزعجتني ولا تزال. ~~ولا بأس علينا إن روينا للقارئ بعضها، فهذا الموضوع، جميع الناس فيه سواء، فكما لا يخلو رأس ~~من هم كذلك قلما يخلو من وهم. # كنت منذ نشأتي مشغول البال على صحتي، فخطر لي أن أكون طبيبا نفسيا، فاشتريت كتاب طب ~~أطالع فيه. # كنت إذا سمعت بانتشار مرض في البلاد، أسرع إلى فهرست ذلك الكتاب، وأقرأ عن ذلك المرض، ~~وهكذا صرت اختصاصيا أصاب بالمرض الذي أريد، ساعة أريد. # وذات سنة أقبلت حمى التيفوئيد على المدرسة التي كنت فيها، وعجز طب ذلك الزمان (1903) عن ~~مكافحتها فصرفتنا إدارة المدرسة إلى بيوتنا. # واعتقدت أنا، أو توهمت، أنني أحمل ميكروب التيفوئيد معي، فرحت أقرأ في ذلك الكتاب، ~~المشئوم علي، فوقعت على عبارة فيه تقول: إن نبض المريض بالتيفوئيد تزدوج ضرباته، فجسست ~~نبضي، فإذا به مزدوج. خفت جدا، ولاحظ والدي قلقي، فأخبرته، فقال: هات يدك، وبعدما جسها ~~قال: من خبرك أن نبضك مزدوج؟ فأجبته: خبرتني إصبعي. # وبعد حين استفحل أمر الوهم فنمت في فراشي، وجاء الذي كنا نسميه حكيما، وبعد أخذ الحرارة، ~~وجس النبض، وفحص اللسان وتفتيش جميع زوايا جسدي، قال: ننتظر يومين ثلاثة لعله خير. ثم مضت ~~أيام وأنا على حالي، فضاق صدر والدي فصرخ بي: قم من فراشك. وبعد جهد نهضت، وما زلت ~~ناهضا. # ولكنني ما خلصت من وهم الفتوة حتى وقعت بأوهام الكهولة. قرأت أن العمر واحات. فمن يبلغ ~~واحة الثمانية والأربعين، فلينتظر الثامنة والخمسين، وإذا بلغها فلينتظر الثامنة والستين، ~~وها قد فتها، والله أعلم إلى أين نصل. ولكنني قضيت أهوالا وسلخت أكثر عمري، وأنا في غرفة ~~الانتظار، حتى أصبحت اختصاصيا في انتقاء الأمراض. # كلما أحسست بحركة في جسدي انتقيت لها أخطر الأمراض وتوهمت ms005 أنني مصاب به، وكنت إذا أصبت ~~برشح أحسب أنني معرض لما يليه. وهكذا انقضت حياة قلقة، ولكني كنت أنسى أوهامي التي أجترها ~~عندما أنصرف إلى عملي وأكب عليه، حتى أنسى كل شيء إلا ما يشغلني به عملي. # وقعدت منذ ربع قرن على سرير العيادة عند الدكتور أ. خ. فعني بي ودقق كثيرا، وأخيرا ~~انتصب أمامي بقامته الفارعة وقال: منذ كم سنة وأنت تشعر بهذا المرض؟ # فأجبته: منذ سنوات. # فقال: لو كنت مريضا حقا لكانت تخت عظامك، أتمنى لو تكون لي سلامة جسمك، فدع هذه ~~الأوهام وراجع رواية موليير «المريض غصبا عنه». # واستطرد قائلا: أربعة أشياء تجنبها يا مارون: ميزان الحرارة، والقبان، وأخذ النبض، ووزن ~~الضغط؛ إن هذه الأربعة تتغير وتتبدل فلا تشغل بالك بها. أنت سليم من كل مرض. # ومنذ أشهر التقيت الطبيب الذي أطلقني حينا من سجن أوهامي، فضحك وقال لي: كم صار عمرك؟ ~~فقلت له: في الثالثة والسبعين. # فقال: أصدقت الآن إنك بألف خير وعافية. # فقلت له: ليس كل التصديق ... # فقال: هذا لخيرك؛ لأنك صرت في عمر يستدعي الحذر. الحذر ضروري، ولكن التوهم مرض، وإذا ~~استفحل أصيب صاحبه بالمرض الذي يريد ويصدق نفسه. # هذه قصتي، وما أزعجتكم بها إلا لاعتقادي أنها قد تكون قصة أكثركم، وإذا صح ما زعموا من أن ~~الحب هو أقوى الفيتامينات، فالوهم هو السم الناقع والمرض الأكبر. # يقول الأطباء: «معنويات المريض تساعد على شفائه»، فأية معنويات تكون لصاحب الأوهام؟ رحم ~~الله إيليا أبو ماضي القائل: # أيها المشتكي وما بك داء # كيف تمسي إذا غدوت عليلا؟ # أحسن الأدوية في هذه الحالة، هي ترديد المثل العامي القائل: «وقوع البلا ولا ~~استنظاره.» # فالواهم يدلك عليه، إذا قلت له: كيف حالك اليوم؟ يظن أنك تتقصى أخبار صحته، أو أنك عارف ~~أنه مريض، فيفتح السجل ويقعد يقص عليك ما أحس أمس واليوم. وهكذا يظل يجتر أوهامه، ولا يصدق ~~أنه معافى ولو حلف له الطبيب. # كثيرا ما اهتم علماء النفس بهذا الموضوع الخطير، وقالوا أخيرا: إذا نحن فكرنا في السقم ms006 ~~والمرض أصبحنا مرضى. # قال ماركوس أوريليوس، الإمبراطور العظيم: إن حياتنا من صنع أفكارنا. # أعرف رجلا عظيما مات منذ سنين، قضى حياته في معالجة أمراض غير موجودة، ولو كان مريضا ~~حقا لما جاز التسعين. ولكثرة أوهامه، اقتنى معجم لاروس الطبي، وجعله كتاب مخدته يطالع فيه ~~في أوقات فراغه ليلا ونهارا. # أما دواء الأوهام فهو تناسيها، ولا نتناساها إلا بالعمل المستمر ولعل هذا ما عناه، وليم ~~جيمس، بقوله: «ليس في إمكاننا أن نغير شيئا من إحساساتنا بمحض إرادتنا، ولكن في استطاعتنا ~~أن نغير أفعالنا فتتغير إحساساتنا.» فالطريق إلى السعادة المفقودة هي أن تظهر كما لو كنت ~~سعيدا. # ألا تكفينا أمراضنا حتى نقدم على اختراع أمراض غير موجودة؟ # لا يشفينا من أوهامنا إلا الاعتقاد الذي لا يتزعزع بقول القائل: «لا بد مما ليس منه بد.» ~~وإذا لم تعمل بهذه الكلمة، وقعدت تغذي أوهامك، فإنها تتكاثر عليك، تنام معك في سريرك، ~~وترافقك في مسيرك ولا تدعك حتى تنهار أعصابك وتمضي لسبيلك بلا رجعة. فخير لنا أن لا نقطع ~~جسرا قبلما نصل إليه. # | شبابك على قدر طاقتك # إن عدد السنين، وشيب الشعر، وسقوطه، كل هذا لا يقدم ولا يؤخر. # هل رأيت ثورا يدركه الشيب أو الصلع مهما يعش؟ # ليس العبقري للحراثة، ولا يعيش على عضلات يديه ورجليه، وإنما يحيا ويظل فتيا بتلافيف ~~دماغه. فرب فتى خرف في الثلاثين، ورب شيخ ظل فتي الفكر في الثمانين والتسعين. # إنا لفي زمن يهزءون فيه بالشيخوخة لأنها شيخوخة. هذا هو اعتداد الكثيرين من الشباب، ولا ~~عجب، فالصراع، كما نلاحظه، قائم أبدا بين الشيوخ والشباب. # نبدأ في البيت، فالشيخ لا يعجبه شيئا من أعمال ذريته، وهذه غريزة المحافظة على السيادة ~~التي فقدت أو كادت. # يريد الشيخ أن تمشي الأمور على عقله. يكون ابنه في الثلاثين وما فوق، وإذا أتى ما لا يقره ~~عليه، ولم يستطع أن يسيره كما يروم، هز رأسه وقال: أولاد! # وكذلك أم الأولاد، فإنها لا عمل لها إلا نقد كل حركة من حركات كنتها. تفتش دائما حولها ms007 ~~لعل عينها تقع على من تغمزه على تلك العروس وتقول همسا: كنا وكنا ...! # أما الكنة فتقول وهي تتنهد: عجوز! # وإذا خرجنا من البيت الأبوي، عثرنا على أنماط لا تحصى في جميع ميادين الحياة. رأينا الجيل ~~النازل لا يعجبه إلا القليل مما يعمله الجيل الطالع، والجيل الطالع لا يعجبه شيئا من أعمال ~~السلف، يريد أن يقوض أساس ما بناه السابقون، وهذا هو ناموس الحياة الخفي، فالشباب يسعون ~~ليتفوقوا على شيوخهم، والشيوخ يناضلون عن صرحهم ليظل شامخا. وهم لو قدروا لردوا الناس إلى ~~عهد المغاور. # كم أضحك عندما أقرأ وداع القرن التاسع عشر في كتاب مجالي الغرر. عد كاتب ذاك المقال عجائب ~~ذلك القرن واختراعاته من الداليجانس إلى المنطاد، فالقطار، والفونغراف، وتساءل عما سيحدث! ~~وما مرت في سمائنا طائرة فدرين عام 1912 حتى قلنا ضاحكين من القطار: أمن يمشي على خط لا ~~يحيد عنه كمن يروح ويجيء في الفضاء كما يشاء؟ # شاء أحد شعرائنا أن يتخيل، فقال في نابليون: # قالوا لنابليون ذات عشية # إذ كان يرصد في السماء الأنجما # من بعد فتح الأرض ماذا تبتغي # فأجاب أبحث كيف أفتتح السما # واليوم، وقد فتحت السماء، وطرنا إلى الفضاء الخارجي، وفكرنا في التسابق إلى استعمار ~~الأجواء واحتلال القمر، فهل يكون الفضل في هذا للشباب وحدهم، أم للشيوخ وحدهم؟ # لا لعمري! ليس في الميراث الإنساني شيوخ ولا شباب، بل همم وطاقة وحمية. # فالنبوغ قريحة توجد أولا، وعمل يوجد أولا وآخرا. وما دام الجهاز الدماغي صالحا للأخذ ~~والإعطاء، فلا تضير الشيخوخة أحدا، كما لا تنفع الشبوبية شيئا، إذا كانت بلا طاقة. # إن خيط العبقرية يمتد من المهد ولا ينتهي إلا في اللحد، والأدلة على ذلك كثيرة. فإذا ~~استقرينا التاريخ أنبأنا أن الأعمال الجليلة، في كل ميدان، كان فرسانها من الشيوخ ~~والشبان. # ليست العبقرية بضاعة، فنعطى منها نماذج بلا ثمن؛ إن ثمنها موجع جدا. # العبقرية كالأرض الطيبة التي تخرج نباتها بإذن ربها ثم تعطيك بقدر ما تحرثها وتغذيها. ~~وكنز العبقرية المطمور لا ينبشه إلا العامل المثابر شيخا ms008 كان أو شابا؛ فلكي يكون الشبان ~~فاتحين مكتشفين، فما عليهم إلا أن يجدوا لينبشوا الكنز المدفون بين تلافيف أدمغتهم. # أليس بالكد والتأمل وصلت القردة إلى أن تصور وتعرض رسومها مع رسوم نوابغ الفن؟ فكيف تريد ~~أنت أن تكون شاعرا، كاتبا مكتشفا عبقريا، بلا تأمل ولا تفكير؟ # إن الثرثرة تعوقنا جدا، وتبدد طاقتنا. فلنتأمل كم جاهدت تلك القردة المسكينة حتى حققت ~~ظن داروين في جنسها، فاجتهد أنت واعمل مثلها صامتا. # يقول المثل: لا يخلو رأس من حكمة، وهذا ما حققته لنا الأيام. # إن الموهبة هي الأساس، أما حجارة البنيان فهي الإرادة، والرغبة والطاقة، وبذل أقصى الجهد. ~~فإذا كنت مزودا بطاقة ولا تستثمرها فماذا تنتظر؟ # لا يغرنك شبابك إذا كنت شرخا، ولا تهولنك شيخوختك إذا كنت هرما. فالقصة قصة طاقة، وعلى ~~قدر طاقتك يكون إنتاجك. # ألا يذكر كلامي بقول المتنبي: «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»؟ # فالشاعر أو المفكر، أو العبقري يسبق إلهامه العلم؛ ولهذا يكبر المتنبي في عيني كل ~~يوم. # ما عساك تفعل من العظائم إذا كنت تتثاءب ألف مرة قبل أن تنهض من فراشك؟ وإذا كنت هكذا ~~فاعلم أنك شيخ محطم ولو كنت ابن عشرين. # الفتوة وحدها لا تكفي، فليست المسألة مسألة سن. # إذا كنت عبقريا ولا تعمل، فإنك تظل حيث أنت وقد يسبقك واحد دونك ذكاء، ولكنه أعظم طاقة ~~وحمية، ويحب عمله من كل قلبه. # يقولون: إنه يقتضي لنا سبعون مليون سنة حتى نقطع الفضاء، ثم تظل تلك الرحلة المليونية بلا ~~نتيجة. أفلا يخطر ببالنا شيخ المعرة الذي قال قبل ألف سنة ونيف: # ولو طار جبريل بقية عمره # من الدهر ما اسطاع الخروج من الدهر # المعري شيخ وهن عظمه ورق جلده. والمتنبي أخو خمسين مجتمع أشده، وكلاهما سبقا العلماء ~~إلى حقائق أقروها اليوم. # أتريد أن أضع لك مخططا يريك أنه ليس للعمر تأثير على أصحاب العقول الكبيرة؟ ولكني قبل ~~ذلك أحب أن تعرف ما يقوله غلادستون حول هذا الموضوع، قال: «إن للعمل الذي يمكن استخراجه من ~~الدماغ الإنساني حدا ms009 معينا، والرجل الحكيم لا يبذل قواه في عمل لا يطيقه.» فخير ما أتمنى ~~هو إيقاد النار الكامنة في صدور الفتيان؛ لأن في كل هيكل بشري نارا خالدة تدفعه إلى عمل ~~نافع، يبرز فيه على سواه. # يغتر بعضنا بالشهادات والألقاب العلمية، ويتهافتون على إدراكها بدون علم أو امتحان، ~~وينامون على الثقة. ولكن باكون قال: «إن الدروس لا تعلم كيفية الاستفادة، ففي خارج الكتب ~~حكمة تكتسب بالملاحظة. وفائدة الكتب يجب أن تطلب في خارج جلودها.» # والآن فلنقم بما وعدنا، ولنعد إلى الجدول مبتدئين بالشباب النوابغ. # قال رسكين: «أبدع الآثار الفنية اصطنعت في سن الشباب.» وقال دزرائيلي: «كل شيء عظيم من ~~صنع الشباب. إن القلب هو الذي يتسلط على الشباب، أما الرجولية فيتسلط عليها الدماغ. ~~فالإسكندر ونابليون، كانا شابين حين قبضا على المسكونة.» # ورافائيل وبيرون ماتا قبل الأربعين، وروملوس أسس رومية في العشرين، وأسامة بن زيد عقد له ~~لواء الفتح وهو يافع. ونيوتن اكتشف بعض أهم اكتشافاته وهو لم يبلغ الخامسة والعشرين، وكتس ~~مات في الخامسة والعشرين، وشلي قضى نحبه في التاسعة والعشرين، وأديب إسحق ونجيب الحداد ماتا ~~في هذه السن، ولوثيروس عد مصلحا في الخامسة والعشرين، وفيكتور هيغو ألف مأساة وحاز ~~ثلاث جوائز وهو دون العشرين، وغوت أنشأ تمثيليات في الثانية عشرة، وابن المقفع مات في ~~السادسة والثلاثين وكثيرون من نوابغ العالم ماتوا قبل الأربعين. # وإذا كانت الطاقة تنتج ما أنتجت في طور الشباب، فماذا يكون منها لو رافقت الشيخوخة؟ هاك ~~جدول الشيوخ: # غلادستون، في سن الثمانين، كانت له عشرة أضعاف القوة والقيمة اللتين يتمتع بهما شاب من ~~طرازه في الخامسة والعشرين، وهوميروس الشيخ الأعمى نظم الأوديسة في آخر العمر، ولزوميات ~~المعري بنت شيخوخة مهدمة، وكان ولنكتون وكليمنصو وتشرشل بين السبعين والثمانين حين ربحوا ~~الحرب العظمى، وقصة روبنسون كروزي كتبت في الستين، وأفلاطون مات في الحادية والثمانين وهو ~~يكتب، وشوقي ظلت طاقته تعطي حتى الليلة التي مات فيها، وغاليلو ظل في السابعة والسبعين ~~يواصل عمله ويطبق مبادئه العلمية وهو مكفوف البصر، والشدياق ms010 والجاحظ ألفا وكتبا في التسعين، ~~وبرناردشو نيف على التسعين وظل مرحا لا تفارقه طاقته. # إن الرجال كالخمرة، فمنها ما يصير خلا متى عتق، ومنها ما يصير نبيذا فاخرا. فلا تقل ~~إذن: هذا شاب وذاك شيخ، فما أشبه دماغ الإنسان بالبطارية الكهربائية، فمنها ما يفرغ في ~~الشباب، ومنها ما يظل يعطي إلى آخر العمر. فكن إذن شمسا، قوية الطاقة لا قمرا يستمد النور ~~ويستجديه، ويتضرع إلى الغيوم كيلا تحجب نوره المستعار. # وإذا سألتني كيف أعرف إذا كنت شيخت، فإني أجيبك: اسأل قلبك يقل لك. فإذا كنت لا تعتقد أنك ~~كبرت، فأنت لا تزال بخير ولو كنت ابن تسعين. # | طريق الفلاح # ليس للفلاح؛ أي النجاح في الحياة طرق معبدة، ولا خطوط حديدية، ولا أوتسترادات. فعلى كل ~~منا أن يشق هذا الطريق الضيق بيديه. وما أخال الباب الضيق الذي عناه يسوع إلا طريق الفلاح ~~الذي كثيرا ما نهتدي إليه، ولكن بعد كد وعناء عظيمين. فمنا من يفلح شابا، ومنا من لا ~~ينفتح له باب النجاح إلا مكتهلا، ومنا من لا يدرك شيئا لا شابا ولا كهلا. # أصحيح أن الحظ يكمن لنا على جانب الطريق، فإن التقينا به صفت لنا الحياة وعشنا ببحبوحة ~~ورخاء، وإلا فإننا نظل نتعثر حتى نصادفه فنسير الهوينا وتفارقنا الحيرة؟ # نرى واحدا ينجح في عمله منذ أول خطوة في هذه الحياة، ونرى آخر يمشي ويظل حيث هو متنقلا ~~من عمل إلى عمل حتى لا يدع عملا إلا جربه، ثم عاد عنه وقعد ينظر إليه ملوما حسيرا. فما ~~سبب الفرق بين هذا وذاك؟ # إذا قابلنا نحن بين الاثنين، فقد نرى الناجح دون الفاشل ذكاء واجتهادا. فما العلة يا ~~ترى؟ # غالبا ما يكون الناجح المفلح من الكادحين في الحياة، وهؤلاء هم الذين يوجهون أنفسهم ولا ~~يوجههم آباؤهم وأولياؤهم؛ ولذلك لا يعملون إلا بوحي من رغبتهم، وهنا سر الفلاح. فإذا كنا ~~نحب عملنا شققنا خطة نسير عليها إلى النهاية، وفزنا بأمانينا وتحققت آمالنا. # إن لنا منا وفينا موجها في طريق الفلاح، فإذا سرنا ms011 بهديه عشنا مطمئنين، وإلا فإننا نظل ~~على هامش الحياة. فما علينا يا ترى أن نعمل؟ # علينا أن نتبع ما نميل إليه من عمل، فالعمل الذي نرغب فيه هو الذي يجب أن نتبعه. # أبوك يريد أن يراك بين أكابر العلماء، ولكنك أنت لا تستطيع، وأمك تريد أن يكون ابنها ~~سياسيا، فتفتش لك عن كرسي تجلس عليه لتراك قبالة عينيها وتعتد بك وتعتز، ولكنك أنت لا ~~تصلح للرئاسة ولا للسياسة؛ لأنك خلقت لتكون رجل أعمال وتاجرا ناجحا، فهل تضيع ذاتك بين ~~إرادة أبيك وأمك؟ # لا بد من وجود ميل في قرارة نفسك، وهذا الميل يجب أن تتبع، ولو كان عملك ليس من الأعمال ~~الجلى. # أنت هو الذي يشرف عمله، فالناس يعجبهم الإتقان. ولا يمكن أن تخرج شيئا أنيقا إذا كنت لا ~~تحب عملك. # لا بد أن تكون فيك قوة ما، فعليك أن تبحث عنها، ومتى اهتديت إليها مشيت في طريق الفلاح، ~~وحق لك أن ترجو خيرا. # إياك أن تقدم على عمل لا ترجو أن تجيده إجادة تامة. فالعمل الناقص لا تقره نواميس ~~الحياة. # قد تقول لي: ومن أين أعرف مقدرتي؟ وأنا أقول لك: حاول. جرب. وإذا بدأت فواظب. # لا تتطلب مركزا لا تقدر على ملئه، وإذا حصلت على مركز فلا تطمح إلى منصب أعلى منه، بل ~~ارفع شأن مركزك بإتقانك العمل فيه. # إن المركز الذي تحصل عليه لا يرفع من شأنك إن كنت غير قادر على التصرف فيه وتدبير شئونه، ~~بل تزدرى وينظر إليك باستهزاء وسخر. # وإذا كنت بلا عمل فاقبل بالعمل الذي تيسر لك. وإذا كان دون مقامك الذي يصوره لك طموحك، ~~فأنت تصل إلى ما تطمح إليه إذا أتقنت عملك هذا، فيتهافت عليك أصحاب الأعمال. # لا تطلب منك الحياة إلا ما انتدبتك إليه، فلا تغتر بشهاداتك ووسائلك، فالعمل شيء والحبر ~~على الورق شيء آخر. فرب رجل حامل أسمى الألقاب العلمية لا يستطيع أن يماشي رجل أعمال حصيف، ~~وإن يكن أميا. # إن طمعنا بجعل أنفسنا غير ما نحن هو الذي أشاع ms012 هذه الفوضى في المجتمع. # انظر إلى الناس، فقلما تجد رجلا في محله؛ فهذا جراح في مستشفى كان الأجدر به أن يكون ~~جزارا على ظهر وضم، وذاك مرب، لو أنصفته الأيام كان يجب أن يكون راعي بقر أو غنم، وتجد ~~محاميا لم يخلق إلا ليكون مزارعا، وفتيانا يبيعون أوراق اليانصيب أو يحملون السل للعتالة ~~كان يجب أن يكونوا على مقاعد الجامعات العالية يتلقون العلوم العويصة. # إن رغبتنا في المجد الباطل هي التي جعلتنا نتبادل المراكز، وهي التي جعلتنا نزدري المهن، ~~ولا نفكر إلا بالسلطة الفارغة ولو على قن دجاج. # إن كل عمل هو شريف إذا كان صاحبه من ذوي الضمائر الحية، فأصغ إلى صوت ميلك، وأجب نداء ~~رغبتك. وإذا أراد أبوك أن ترث مهنته مع عقاراته، وأنت لا تميل إلى ذلك فقل له: فتش عن ~~وارث غيري، وأنا سأفتش عن عمل أحسنه وعقار أستطيع استثماره. # ليس المال كل شيء، فرب ذي مال لا تلعنه الناس حتى بالأجرة! فلتكن غايتك العمل الشريف، ~~أما المال فلا يبقى. # اهتم قبل كل شيء بأن تكون إنسانا، وبعد ذلك اختر من المهن الحرة الشريفة واحدة تحسنها ~~وتبز فيها الآخرين، وإلا فخذ أي عمل آخر مع أنانيتك فذاك شرف كبير لك. # وإذا كنت بلا أعوان ولا أنصار، فالنصيحة التي أزودك بها، إذا كنت مباشرا العمل جديدا، ~~هي فيما قال رسل ساج: # إن خير طريقة يبدأ بها شاب لا أصدقاء له ولا نفوذ هي: ~~(1) # أن يوجد مركزا. ~~(2) # أن يحافظ على الصمت. ~~(3) # أن يلاحظ. ~~(4) # أن يكون أمينا. ~~(5) # أن يجعل مستخدمه يعتقد أنه إذا استغنى عنه خسر. ~~(6) # أن يكون مهذبا. # وأخيرا اتخذ مهنة فهي عقار لا يبور. ومهما عملت فكن أعظم من عملك وفي ذلك فلاحك. # إذا كان الحيوان يروز حملته قبل أن يقدم عليها، فلا يقفز من عبر إلى عبر إلا بعد التحقق ~~من قدرته على ذلك، أفلا يجدر بك أن تكون أنت خيرا منه؟! # | احذروا الغضب # الغضب هو أحد فرعي غريزة حفظ البقاء في زعم علماء النفس. # فغريزة ms013 حفظ البقاء عندهم قسمان: دفاعي وهجومي. فغريزة الخائف دفاعية، فلا تلمه إذا شمع ~~الخيط وأنقذ فخارته من التحطيم، كما عبر أبو دلامة. # أما القسم الهجومي فهو غريزة الغضب التي تشتعل في النفس وتحرق ما يقف في وجهها، وأحيانا ~~تحرق نفسها ولا تبالي، ولا يطفئ نارها إلا منازلة الخصم. إنها الغريزة التي لا تقاوم. وقد ~~نفخ الشعراء في نارها فأضرموها، حتى إن أبا الطيب حرض على الغضب وجعله طويل العمر ~~بقوله: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # وكما أن المتنبي لا يهادن أبدا، فهناك شعراء قبله وبعده حثوا على حب السلامة ~~والمغفرة. # أما السلف الصالح فقاوم بالمثل جاهلية الناس ليكسروا من حدة شرتهم وستأتيك ~~أخبارهم. # لنبدأ أولا بما علمته الكتب السماوية؛ فالقرآن الكريم لم يمهل الغضوب حتى يغفر إلا لحظة ~~حيث قال: # وإذا ما غضبوا هم يغفرون ~~. # وجاء في الكتاب المقدس: فلا تغرب الشمس على غضبكم. وكما روى متى الإنجيلي، في خطبة الجبل ~~التي نقلها عن لسان معلمه: إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجبا الحكم ... فإن قدمت ~~قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئا عليك فاترك قربانك، واذهب أولا اصطلح مع ~~أخيك. # وقد ذكر عن لنكولن أنه كثير المسامحة حتى قال: ليس لنا أن نلوم أحدا على ما يقوم به من ~~عمل، فنحن جميعا مسخرون للظروف والأقدار، تسيرنا البيئة التي نشأنا فيها، والتعليم الذي ~~تلقيناه، والعادات والوراثة التي تكيف الناس وتلصق بهم طابعها الخالص إلى الأبد. # يقول لك الطبيب: لا «تنرفز»؛ أي لا تغضب. ومع ذلك نرانا نغضب لأدنى سبب. ولعل عذرنا موجود ~~فيما سبق من كلام لنكولن. # قال لي أحد أطباء العيون: عش هادئا خاليا من التفكير إذا شئت المحافظة على ضوء عينيك عش ~~عيشة نبات. # فضحكت وقلت: وما رأيك لو عشت عيشة حيوان؟! # فأجاب: لا، إن الحيوان أقل تفكيرا من الإنسان، هو يغضب حين يفترس، وأنت يجب أن لا تغضب ~~أبدا ... # قلت: إذن تريد أن تجعل مني طوباويا حيا. # فقال: ms014 كن أكثر من قديس، إذا شئت المحافظة على نعمة النور. # وعملت بمشورته أسابيع، فبان لي الفرج، وصرت إذا استفزني الغضب، أتذكر وصية الطبيب، ولكني ~~لم أستطع الحياة بدون فكر. # كنت أغضب إذا غنت الذبانة وحدها، كما قال عنترة، وبقيت كذلك حتى قرأت أخيرا كلمة العالم ~~البسيكولوجي فرنسيس جيمس: «إن الله يغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، ولكن جهازنا العصبي لا يغفرها ~~أبدا.» فهو يصرعنا فورا. # نعم، قد رأيت في حياتي أكثر من واحد ماتوا فجأة؛ لأن غضبهم حمي جدا، فانفجر الأظان. ~~ولعل المسيح لم يوص بالمغفرة ومحبة الأعداء والغفران إلا لأمرين؛ اكتساب مكارم الأخلاق، ~~والمحافظة على الحياة. فأمراض القلب وضغط الدم، والسكري، وقرحة المعدة وغيرها لا يقاومها ~~إلا الهدوء والسكينة والحلم. فالغضوب يعاقب نفسه ساعة غضبه. # قال ديل كرنيجي في كتابه «دع القلق وابدأ الحياة»: «إذا لم نستطع أن نحب أعداءنا، فلا أقل ~~من أن نحب أنفسنا.» # أما نصح المسيح بنبذ الغضب، والغفران سبعين مرة سبع مرات؛ أي 490 مرة؟ # أما الحمقى من الناس فيعدون الغافر جبانا، ويا للأسف! # أعرف واحدا كان يقول لزوجته: إذا حميت أنا ابردي أنت؛ لأننا إذا حمينا كلانا وقفت الحية ~~على ذنبها. # وهكذا استطاع صاحبنا أن يغضب وحده ويموت وحده، ويفسح في المجال أمام زوجته لتعرف عريسا ~~جديدا. # ولولا شرور الغضب الكثيرة لما عدوه في النصرانية من الخطايا الرئيسية. ألا تضحك من نفسك ~~حين تغضب؛ لأن أحد الناس مر بك ولم يؤد لك التحية كما عودك الناس من مراسيم؟ فلو نطق أهل ~~القبور وسألتهم عن التي أماتتهم لأجابوك: إن الغضب قصف أعمارنا وأودعنا في هذه البيوت ~~الضيقة المحكمة السد. # نعم؛ نحن معرضون للغضب في كل دقيقة. يغضبنا أكثر ما يحدث في بيوتنا، وأكثر أعمالنا وفي ~~شوارعنا، نغضب حتى إذا لم تجر الريح كما تشتهي سفننا أو لم تمر بنا بترتيب. # لقد تنافست العرب في الحلم والتغلب على الغضب، فأصبح الناري الطباع حليما، واسع الصدر، ~~طويل البال، كما سنسمع من أخبارهم، وإليك ببعضها: # غضب زياد فأمر بضرب عنق ms015 رجل. فقال له ذاك الرجل: أيها الأمير، إن لي بك حرمة. فقال: وما ~~هي؟ فأجاب الرجل: إن أبي جارك بالبصرة. قال: ومن أبوك؟ فقال الرجل: إني نسيت الآن اسم نفسي، ~~فكيف لا أنسى اسم أبي؟ # فبرد غضب زياد، ورد كمه على فمه وضحك، وعفا عنه. # قال رجل لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أي شيء أشد؟ فقال النبي: غضب الله، فقال الرجل: وما يباعدني ~~من غضب الله؟ فأجابه الرسول: أن لا تغضب. # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد عماله: لا تعاقب وأنت غضبان، وإذا غضبت على أحد فاحبسه. ~~فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه، ولا تجاوز به خمسة عشر سوطا. # وقال الصحابي أبو ذر لعبده: لماذا أرسلت الشاة على علف الفرس؟ # فقال: أردت أن أغيظك وأغضبك. # فقال أبو ذر: لأجمعن مع الغيظ أجرا، أنت حر لوجه الله تعالى. # وقال لقمان لابنه: ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة؛ الحليم عند الغضب، والشجاع عند الحرب، ~~والأخ عند الحاجة. # بهؤلاء فلنقتد، ولكن أصحاب الغضب المزمن لا دواء لهم. # | الأكواخ منابت العباقرة # عند الألمان مثل يقول: «الفقر هو الحاسة السادسة.» ومعنى هذا أنه إذا كنا نعتمد على ~~حواسنا الخمس لنعمل في هذه الدنيا ونفلح، فالفقر يسلحنا بحاسة سادسة، والستة خير من الخمسة. ~~فلا تقل بعد هذا: أنا ابن فقير، ولا تحسد الغارقين في بحور النعمة، ولكن قل: سأصير مثلهم. ~~وشمر عن زندك، ولا تقض حياتك قانطا بائسا. # وبعد، فليس المال كل شيء، ولو خلق الناس مكفيين لما فكروا بعلم وأدب، ولظلت الإنسانية ~~تفترش الأرض، ولما رأينا ناطحات السحاب، ولما سابقنا الطيور تحت قبة السماء. # إن الفقر لا يخلو من النعم، أليس في قريتك جبال؟ # تأمل تجد أن أقوى الأشجار ترتفع من بين شقوق الصخور إلى الأعالي. فالأرز الذي يتغنى به ~~شعراء العالم، وتقصده الناس من أقصى أقطار المسكونة لهو ابن فقر. لم ينبت في مهاد نعمة ~~التراب والسماد، وإن كانت جذوره تمتد إلى القاع. # هو خالد لأنه يصبر على شظف العيش، ms016 فلا يتكل على من يكافح عنه الحشرات الفتاكة. # فاشكر الفقر إذن؛ لأنه يقويك منذ نشأتك، ويجعلك جبارا عنيدا؛ لأنك تكون ذقت طعم نار ~~الفقر. # والسنديانة لا تحتاج إلى تربة كثيفة أو عناية وسهر كما تحتاج التفاحة وغيرها من بنات ~~البساتين وربيبات المحراث، فهي بنت الغاب، وفي الغاب مرابض النمور والأسود. # التفاحة تذكرة مع اللذة، أما السنديانة فمع القوة والصرامة والعناد. وتلك هي الرجولة ~~المخشوشنة مربى الغاب. # التفاحة يسيل لذكرها اللعاب، أما السنديانة فتتفتح عند ذكرها الأوداج والأعصاب. # التفاحة بنت سنوات، أما السنديانة فبنت مئات، لم يغرسها ولم يتعهدها أحد، وكذلك ~~العباقرة. # وإذا رأيت فقيرا اغتنى وهو يرى الإحسان أطيب شيء، فلا تقل: يا سبحان الله! كيف كان وكيف ~~صار، وما أجمله محسنا! # اعلم أنه خريج مدرسة الفقر النابغ. وهو بإحسانه إلى البائسين يثأر لنفسه من الفاقة، وأخذ ~~الثأر لذيذ، أليس كذلك؟ # قال أحد الحكماء: «ليست كل مصيبة لعنة، فكثيرا ما يكون الفقر في أول العمر خيرا وبركة.» ~~وهذا ما نراه بأعيننا، فالقابضون اليوم على مقاليد التجارة والصناعة هم أبناء فقر، وذاقوا ~~طعم الحاجة صغارا. لا أدري من قال ما معناه: يظهر أن أمريكا مديونة للأكواخ؛ لأن أشهر ~~أعاظم العالم، لا في أمريكا وحدها، طلعوا منها. # هل أعدهم لك؟ لماذا؟ عدهم أنت. # ما عليك إلا أن تفتح كتبك لتعلم أن أديسون الأمريكي هو من أبناء مدرسة البؤس، وأن سبنسر ~~الإنكليزي كان غلاما حافي القدمين. ودزرائيلي الذي وصل إلى رئاسة وزارة بريطانيا لم يكن ~~يرفل في صغره بحلل الديباج. # لا يا أخي، إنه كان آخر الفقراء رتبة، ولكنه كان ذا عقل ثاقب وإرادة فولاذية. وقد عبر عن ~~ذلك بقوله: «إن ما حدث أمس سيحدث اليوم، وأنا قادر على التغلب بالثبات والحمية على أعظم ~~المصاعب.» # ومضى يحاول، ولكنه لم ينجح أولا؛ لأن المجلس كان يستقبله بالصفير والاستهزاء، حتى قال ~~مرة لأعضاء مجلس العموم: «سيأتي يوم تصغون فيه إلى كلامي.» ثم ظل يعمل حتى جاء اليوم الذي ~~صار فيه دزرائيلي قطب عصره بلا منازع. ms017 # وجاء في كتاب الدكتور سويت ماردن عن لنكولن أنه ولد في كوخ خشبي ولم يدخل مدرسة قط. كان ~~وهو شاب يقطع الألواح ليبني له كوخا خشبيا يأوي إليه، وهو بدون بلاط ولا نوافذ. تعلم ~~الحساب على ضوء الموقدة، وراح يجد ويكد حتى صار لنكولن الذي لا نزيده عظمة إذا قلنا: رئيس ~~الولايات المتحدة. # وهناك الرئيس الأمريكي الآخر جيمس غازفيلد. كان كناسا وبغالا، وأخيرا صار قارع الجرس ~~في الكلية التي تخرج منها، وقل لي بعد هذا: ليس لي وسائل لأرتقي وأتقدم. # أأذكر لك الجزار، ومحمد علي، والمير بشير، وغيرهم ممن ولوا الأحكام؟ # أم أذكر لك الفارابي الفيلسوف، والمطران الدبس صاحب تاريخ سوريا الضخم الذي كان طالبا ~~فقيرا شديد الحاجة إلى حذاء، فاشتراه له رفاقه، ولم يحل الحسد بينهم وبين تلك ~~المكرمة؟ # والأنبياء، صلوات الله عليهم، أليسوا أبناء فقر؟ أما التقط آل فرعون موسى ليكون لهم ~~عدوا؟ # والسيد المسيح، أما كان ابن نجار، وعاش وليس له مكان يسند إليه رأسه، ثم مات وما على جلده ~~قميص؟ # ومحمد رسول الله، هل كان من تجار قريش؟ أما مات ودرعه مرهونة؟ # وأبو بكر، أما مات ولا ثروة عنده؟ أما أمر أن ترسل القطيفة التي كان يتخفف بها إلى بيت ~~المال؟ # ثم ما لك ولهؤلاء. جل جولة خفية واسأل عن صروح الأعمال في عواصم الشرق، فيقولون لك هذه ~~لمن وتلك لمن. لست أسمي لك واحدا؛ لأنك تعرف المشهورين منهم، وستستغرب متى سموا لك جددا. ~~ليس المهم أن تعرف أسماءهم ولكن المهم أن تعرف أنهم كانوا مثلي ومثلك. # ليس في الدنيا فقير يحق له أن يقول: ليس لدي رأس مال فكيف أباشر عملا وأبلغ ما بلغ ~~الناجحون في الحياة. # وكيف يقول ذلك من يحمل رأس ماله في يديه وهو لا يعرف أنه حامله؟ اشتر، عفوا، استعر ~~كتابا يشرح لك تكوينك العجيب المحصور بيانه بهذا البيت الشعري الصغير: # وتزعم أنك جرم صغير # وفيك التقى العالم الأكبر # إن الذين يشقون الطريق إلى العوالم الأخرى، ويحاولون الوصول إلى جارنا القمر ms018 ليزوروه ~~زيارة ودية ، يعجزون عن خلق شيء مثلك ... يخلقون آلات تحتاج إلى وقود ومدبرين، أما أنت فوقودك ~~منك وفيك وتدير نفسك بنفسك. إن القيود التي تديرك لتضحكك إذا فهمت حقيقتها. # أتعرف ما في يديك ورجليك وعينيك وأذنيك ونخاعك من قوى لا تقدر؟ # اذهب إلى غرفة التشريح، وإياك أن تقول بعد ذلك: ليس لدي رأس مال أباشر به عملا. إن في كل ~~واحد منا، حتى الذي ليس عنده عشاء ليلة، جهازا يمكنه، إذا كد واجتهد، من خلق الأقمار ~~والصواريخ وقنابل وعجائب لم تظهر بعد. # ولكن إذا كنت رخوا لا يعنيك إلا أن تأكل وتشرب وتنام وغير ذلك، فلا تفلح أبدا، ولو ~~نادوك ألف مرة في اليوم: حي على الفلاح. # والغريب جدا أنك تندب قلة حظك، وتشكو أن لا حظ لك. إنك تريد الدجاجة منتوفة محلوقة ~~مطبوخة مقدمة لك على صينية فضية. إن هذا لا يكون؛ فإذا أردت أن تأكل طعاما شهيا لذيذا، ~~فلا بد من حرق اليدين. ثم كيف تشكو غياب الحظ وبعده عنك وهو بين يديك؟ # إن في يديك عشرة حظوظ لا حظا واحدا، فأصابعك العشر كل واحدة منها حظ. فاعمل بها وأقبر ~~الفقر. # اعتمد على قول الشاعر وامض في طريقك بحزم وصبر، ولا تلتفت وراءك، وإذا كنت لا تعد النجاح ~~إلا في كسب المال، فاعلم أنك ستمسي غنيا إذا عملت بحماسة. # بيد أن المال يزول، وهو لم يوجد إلا لقضاء الحاجة، إنه واسطة لا غاية. # أتظن دول الأرض تبيع نابغة واحدا بملايين الدنانير؟ فاطلب خوالد الأعمال. وإذا هزئ بك ~~غني متخم فقل له: يا مرحبا بالفقر إذا كان منبتا للعباقرة. # | مصرع العدل والمحبة # في إحدى أمسيات الخريف، كان شبح يتمايل بين أشجار غابة صنوبر تشرف على البحر، وكان ينظر ~~إلى البحر بقلق واضطراب، وكان على قسمات وجه ذاك الشبح بقية من جمال كاد يبتلعها الهزال، ~~فالوجه كالزعفران اصفرارا. والجسم رق وضمر حتى كاد أن يطير مع النسيم. # كان ذاك الشبح يمشي الهويناء لا ريث ولا عجل، وحيدا قلقا كأن ms019 وراءه من يطارده . يلقي ~~نظرات تائهة على ما حوله، ويرهف أذنيه ليسرق السمع، فلا يقع في أذنيه إلا همهمة نسيم، وصدى ~~أوراق تتناثر. # كان يرتجف كلما تهاوت ورقة، ويرتعد فرقا كلما هبت نسمة قوية. # كان هذا الشاب قلقا جدا، يتمشى ويتوجس خيفة، فكأنه والقدر على موعد. # لا يدري أحد ما يتوقعه هذا الظل البشري من عالم الغيب، ولا أي سر ينتظر أن تتلقاه الأرض ~~من السماء، فأشبه هذا المسكين في اضطرابه وهزاله، ظلا لشجرة معراة من أوراقها، أو خيالا ~~هبط من السماوات العلى. # والتفت صوب البحر، فرفع نظره الحائر على بساط البحر الكرمسوتي، فرأى خليج جونيه الذي تحته ~~يتراقص تحت عين الشمس، وهي تهبط رويدا رويدا تاركة في الأفق لهيبا داكنا كأنه ابتسامة ~~غضب بدرت منها على ما شاهدته وتشاهده من ظلم بني البشر. وحزنت الآكام والقمم لحزن أمها التي ~~توارت في الحجاب، فانتزعت من خزانة الليل أحلك ثوب يلائم حزنها وحدادها. # وهب النسيم بليلا منعشا، ثم جفت طراوته وكأنه ندم على ما فعل، فما عتم أن استحال إلى ~~ريح صرصر تصول وتجول في تلك الغابة، فنثرت أوراقها الواهية فكست الأرض صفرة تنسجم مع وجه ~~الزائر البائس. # وبدا القمر من وراء الجبال التي لا تزال تحمل بقية من عطر فضائل الآباء القديسين، فابتسم ~~ابتسامة عريضة، ولكن سرعان ما بادر إلى التلثم بالغيوم. لعله أدرك، أو أن الشمس نقلت إليه ~~نبأ جديدا عن تجبر الناس واستبدادهم، وما هم عليه من ظلم وبغض، ومحبة ذات وحقد، فغطى وجهه ~~لئلا يراهم. # والطبيعة التي تسمع دبيب المنى هدأت حركتها هنيهة كأنها تصغي إلى صوت الشبح المضطهد ~~المشرد. # أما الشبح، فحين أيقن أنه بمنأى عن مضطهديه، هام على وجهه باكيا منتحبا، وإن كان لا ~~يرجو من القدر الأعمى فرجا لكربته، فهو يعلم المكتوب له في لوح الأزل. إنه سيلفظ آخر نفس ~~من أنفاسه قبل انشقاق الفجر، فمشى هائما يروعه تساقط أوراق الأشجار، وتقلقه زغردة الرياح، ~~فينتبه إلى ما لا يدرك وكأنه يقول للرياح: رويدا رويدا ms020 يا أختي، فسوف لا تهبين إلا على ~~ذئاب في ثياب، زمجري ما استطعت إذا كنت مستعجلة. # وكان الشبح يفتح عينيه السوداوين للريح العاتية دون أن تتأثرا بما يصفع وجهه من غبار؛ ~~لأنهما غارتا في محجريهما. # كان ينظر إلى القمر الذي يتخبأ تارة خلف الأغصان، وطورا وراء الغمام الظاعن في بيداء ~~السماء، فينفر من هذه المداعبة ويقبع كالغزال الشارد. # ولما بلغ ساق سنديانة قضت العاصفة على عنفوانها، قعد عليها يلتمس الراحة. # وأرخى لنفسه عنان التصورات، وراح يراجع تاريخ حياته منذ بلغ التذكر حتى الساعة التي هو ~~فيها. # ندب سوء حظه ومصيره، وكيف بعد أن كان يتسربل ثياب النعمة السابغة، ويتقلب على فرش العزة ~~والكرامة، أضحى طريدا شريدا ليس له مكان يسند إليه رأسه. # حاق به الذل، وجاءه الهوان فاحتل دياره، وأصبح له في كل عضو من أعضائه مرتع ومقيل. # فبعد أن كان بين البشر أعز من الحياة وأطيب منها، أمسى أذل من مومس، يطرد عن أبواب ~~القصور التي كان يرتع فيها بالأمس. # كان لا يرضى إلا بفوق الفوق، وصار يرضى بأقل من القليل، ولا يدرك شيئا من القليل ~~التافه. # وبينا هو غافل عن كل شيء، حتى وجوده، إذا به يسمع صوتا يناديه، وقد نزل في مسامعه نزول ~~المطر على زهرة أضناها حر النهار: حبيبي أين أنت؟ ~~- أنا هنا يا زهرتي الذكية. ~~- حبيبي، وماذا تفعل وحدك في الغابة؟ أما خفت من الذئاب؟! ~~- وكيف أخاف الذئاب وأنا بينهم؟ ~~- وماذا جئت تعمل هنا؟ ~~- أناجي الله لعله يسمع صوتي. ~~- والذئاب قلت لك؟! ~~- ولأجل الذئاب الداجنة أناجي ربي. ما هربت إلى هنا؛ إلا لأنهم سيتغلبون علي. لقد دنت ~~الساعة ومن ينجيني منها؟ # وكان المتكلم فتاة سماوية الجمال، إلهية الحسن، كالتي رآها سليمان وهام بها في نشيد ~~أنشاده، ولكنها غير ملتحفة بالشمس والقمر والنجوم؛ لأنها ليست بطالعة من البحر. هي جبلية ~~مثلنا، خطبها هذا الشبح المسكين قبل أن يصير الشبح الذي سبق وصفه، وقبل أن يصاب بدائه ~~العضال، ولكنها لم تتخل عنه لشدة حبها له، ولم يبعدها ms021 عنه الداء القتال الذي ألم به ~~فأحاله عن العهد. # آثرت هذه الفتاة الموت على حياتها بدون حبيبها. وها هي قد دنت منه، ورسمت على جبينه قبلة ~~المحبة التي هي أقوى من الموت. # وبعد سكوت لا تصفه الأقلام هتفت به: هيا بنا يا حبيبي، إلى العش الذي أحسسنا فيه بالدفء. ~~ألا ترى أنك ترتجف كهذه الأوراق التي تتساقط حولنا وعلينا؟ قم ولا تيأس، لا تقنط من رحمة ~~الله. ~~- أي عش بقي لنا يا حبيبي؟ لقد مزقته الرياح، والفراخ مهيضو الجناح. ~~- قم قلت لك، انتصر على هذه السويداء بالرجاء. ~~- عبث، دعيني أرقد هنا مستريحا، ما بقي من عمري إلا دقائق معدودة، اتركيني هنا وامضي إلى ~~البيت وحدك. # فانتحبت الحبيبة وكادت تولول لو لم يزجرها بقوله: ابلعي صوتك، وإلا اهتدوا إلينا وقتلونا ~~معا شر قتلة. # وتهاوت عليه وطرقت عنقه، فصرخ: إياك، ابعدي عني، ألا ترين سائر الأصدقاء والخلان الأوفياء ~~قد هجروني ونبذوني؟ لم يعودوا يكترثون لي، فاتركيني وشأني، دعيني أموت وأنا أنظر إلى هذا ~~الصنم الضخم الذي يلجئون إليه خدعة واحتيالا ... لا أجدف ولا ألعن، ولكني أقول: الويل للذين ~~يأكلون اللباب ويلهون المساكين بالقشور. ~~- قم معي، والله لا أروح ولا أدعك وحدك، الليل كافر يا حبيبي. ~~- ليس أكفر من هؤلاء ... # ولما أعيتها الحيلة، قعدت حد رأسه تداعب شعره الذهبي بأناملها الفضية. # وبعد سكوت طويل، زمجرت الرياح، فارتعدت فرائص الشبح، وبكل تعب وجهد رفع رأسه والتفت نحو ~~الشجرة التي قبالته. وبعد تأوه وتنهد قال لصاحبته: انظري إلى هذه الشجرة التي هي أمامنا. ~~ألا ترين أن الرياح لم تبق من أوراقها سوى خمس ورقات؟ انظري إليها جيدا، تفرسي ~~بها. # وظلت تظنه يهذي حتى قال: إن ساعتي الأخيرة مرهونة بسقوط هذه الأوراق الخمس، ومع سقوط آخر ~~ورقة ألفظ آخر نفس من أنفاسي. ~~- ماذا؟ أنت تموت؟ هذا لا يكون، لا يا حبيبي. # قالت هذا وطوقت عنقه بذراعيها وأردفت قائلة: أنت تموت؟ أنت تفارق الحياة وأنا ~~أبقى؟ # ثم أخذت تهطل الدموع بغزارة. وكانت كلما حدقت نظرها إليه، أمعنت ms022 في الشهيق وإرسال الزفرات ~~الحرى. # وعند ذلك هبت ريح شديدة فذهبت بثلاث ورقات من الورقات الخمس، فهتف الشبح المسكين: مهلا ~~أيها القدر لا تنزل غضبك ولا تجرد سيف نقمتك. مهلا أيها الحاكم الصارم. مهلا وارحم والدتي ~~التي سيرمي بها فعلك في هاوية اليأس فالانتحار، ألا تدري أنها ستمسي ثكلى من بعدي؟ بالله ~~مهلا، لا تقس علي، فلست أقوى من تلقي ضرباتك، واحتمال تعذيبك. # ولكن لا، فلتكن مشيئة المبدع، فكل شر يأتي من عنده هو السبيل إلى إيجاد ما هو ~~أحسن. # خذ هذه الروح واذهب بها إلى دنيا أفضل، وارم هذا الجسم حيث تشاء، فلا خير فيه ما دامت ~~خاصتي لا تعرف له قيمة. # ظنوه شيئا كلا شيء. # رحماك اللهم، ألا ترد عني كأس الموت؟ ألا ترحم شبابي؟ ألا ترثي لصباي؟ حول نظرك عني، ~~إلى غيري، فأنا وحيد لوالدتي وركنها الوطيد. # أواه! ما من فنائي مناص. هذا ما حل بالغابرين حين زاغوا وفسدوا. # فأجابه صوت رددت الأودية صداه، وسمع في أطراف الغابة: لا مناص، لا مناص! # وتلت الصوت زمجرة ريح شديدة أطاحت بالورقة الرابعة. فصاح الشبح: ها قد سقطت الورقة ~~الرابعة، ولم تبق إلا واحدة تكاد تسقط. فهيا أسرعي إلى البيت يا حبيبتي، ونادي أهلي وأقاربي ~~ليأتوا إلى هذا المكان، فقد دنت الساعة التي أسلم فيها روحي؛ لا يجيئون لأنهم يخافون مني. ~~يخافون أن تسري إليهم العدوى. آه يا ربي! # فصاحت الفتاة بملء فيها: أنا لا أبرح هذا المكان، فإما أن نذهب كلانا إلى البيت أو أبقى ~~بقربك إلى ما شاء الله. # فقال الشبح: لا سبيل إلى البيت؛ ابقي أنت هنا لأنك لست مثل أهلي قلبك من تراب. آه ما ~~أنبلك وأشرفك وأطهرك، وما أشد ظلمهم وبغيهم وخبث نياتهم، ولكن ابتعدي عني قليلا فإني أخاف ~~أن تحرقك أنفاسي الحرى. # قال هذا وتمطى، وبعد ألف جهد أخذ غصنا يابسا خط به على الثرى: ما أثقل الحياة في أرض ~~ماتت فيها الفضائل. # وهبت الريح مرة ثالثة وحملت الورقة الخامسة إلى مكان بعيد، واغبرت ms023 السماء، وانتشرت في ~~الأفق غيوم سوداء مكفهرة تنذر بمطر غزير. # وطلع الصباح على جثتين: الشبح وبجانبه حبيبته الفتاة النبيلة، وفوق رأسه ومن حوله والدته ~~وإخوانه: المروءة والدين والمحبة والوفاء والشرف. # فسلام على فقيدين وفيين نبذتهما الدنيا، ولما فقدتهما ندمت حين لا ينفع الندم. # لقد مثل الشاعر العظيم مصرع العدل والأخوة، فشبههما بفتى وفتاة، وشبه الدين والمروءة ~~والمحبة والوفاء والشرف بالورقات الخمس التي، إذا تعرت منها شجرة المجتمع البشري، فقد كل ~~فضيلة وانهارت فيه أركان السعادة البشرية. # إن الضمير، وهو الحارس الأمين لشجرة الإنسانية، هو الذي يوجهنا في سبيل الحفاظ على ~~الورقات الخمس لئلا تصير شجرتنا حطبا لا ثمر فيها ولا ظل لها. # فعبثا نطلب أخوة بدون عدل، ولا عدل بدون محبة. # وإذا قالوا: العدل أساس الملك فنحن نقول: العدل أساس المجتمع لا أساس الملك وحده. فالملك ~~زال ويزول، أما المجتمع فباق حتى قيام الساعة. # والويل للمجتمع إذا خلا من المحبة. أما غفرت ذنوب مومس المجدل لأنها أحبت كثيرا؟ # | من وحي الأعياد # عيد بأية حال عدت يا عيد؟! # كذلك تساءل الشاعر الجبار منذ ألف عام ونيف. وها نحن نتساءل اليوم، بل أكثر منا كل عام ~~مضى: ترى ما يحمل لنا هذا العام بين ثنايا ثوبه المبطن. # الأعياد واحات يستريح فيها الإنسان هنيهة ثم يغذ في سيره إلى حيث لا يدري، ولكن ما لنا ~~وللواحات. فالواحات صارت كلا شيء؛ لأننا صرنا نقطع الأجواء قاعدين. فاستراحت أجسامنا وتعبت ~~عقولنا وأفكارنا. # كنا نصلي هاتفين: المجد لله في العلا، وعلى الأرض السلام، أما اليوم، والسماء تهددها ~~الجبابرة، فلنسأل لها السلام بدلا من الأرض التي أخرجت من أحشائها ما دفع بنيها ~~صعدا. # يقول أبو الطيب في شطر بيته الآخر: بما مضى أم لأمر فيك تجديد. # منذ ألفي سنة وأكثر كان لبني إسرائيل عيد يسمونه عيد التجديد، وقد قال سليمانهم: لا جديد ~~تحت الشمس. فماذا تراه كان يقول لو قام اليوم ورأى إنسان هذا العصر يحاول فتح السماء ~~بأقماره وصواريخه؟ # وبعد فتح السماء، يا إخوتي، ماذا تنتظرون؟ ms024 ألا تكفيكم خيرات الأرض؟ اتركوا هذه الأسرار ~~مكتومة لتظلوا تقولون: المجد لله في العلاء. # إنكم تزعمون أن قنابلكم العتيدة تفني الأرض. والأصح كان أن تقولوا: «تخربط» المسكونة وما ~~تفني أحدا غيرنا. فالأرض تتكون بشكل جديد ليرثها غيرنا، فلا تتعبوا قلبكم يا ~~مساكين! # تأدبوا يا قضاة الأرض. هكذا قال داود. ومع كل هذا إنني أتمنى للعلماء أن يعودوا من شطحتهم ~~الجوية غانمين، فلعلنا نقضي ما بقي من العمر في سياحة ممتعة في كوكب غير هذا الكوكب. # أما الأعياد، وهي الغنية بالذكريات، فإنها تخمة للسعداء، وحسرة للأشقياء، وضربة على ~~البخلاء ... # كنا صغارا وكانت أعيادنا على قدنا، ولما كبرت آمالنا وأمانينا، فصارت أعيادنا ~~حسرات. # كنا ننتظر العيد في شبابنا، أما اليوم فصرنا نعد العشرة ونقول: ترى هل نعيش إلى العيد ~~القادم؟ # أما الفقير فعيده مأتم، ومع ذلك يساهم فيه قدر المستطاع. # المعسور والميسور كلاهما يتباريان في حلبة العيد، وما قتل الناس غير التشبه والمنافسة، ~~ولولا أنفق الأغنياء كماليات الأعياد على عمل البر والإحسان لما شعر الفقير أن غنى البخيل ~~جريمة كبرى. # ندعو بعضنا بعضا إلى ولائم كلها تخمة لنا، أما الفقير فله الله. ومن يعلم مشيئة علام ~~الغيوب؟ فما أجمل أن ندعو الفقراء إلى مأدبة من مآدبنا السخية ونواكلهم على المائدة. ألا ~~نكون، إذا فعلنا، قد عملنا بدعوة جديدة وأسلوبا طريفا من أساليب الحياة؟ # وإذا كان هذا الاقتراح لا يعجب السراة، فليعدوا في الأعياد مأدبتين؛ واحدة للعراة الذين ~~ما عليهم من الخام ريحة، وواحدة للسراة المموهين بالذهب. # ولكن ممن نطلب؟ فالكرماء المستورون غير قادرين، والبخلاء يوم العيد عندهم مناحة. # قلت فيما سبق: العيد ضربة على البخلاء. وقلت اليوم: العيد مناحة صامتة. والسبب هو أن ~~البخيل لا يقوى قلبه على مفارقة رفقاء العمر من ماله، تلك القروش التي ألقاها في حبس الدم، ~~فشابت وهرمت في صندوقه. # جميع الناس يفرحون في الأعياد، وينتظرون مقدمها، إلا البخيل، فإن دقات قلبه تزداد رويدا ~~رويدا كلما اقتربت ليلة العيد. فهو يتلوع سلفا لفراق حبيبه القرش الأسود، ولا كان ms025 اليوم ~~الأبيض. # إنه البخيل يوم العيد حتى بالابتسامة، فلا يفتح شفتيه على مصراعيها، يشق باب فمه نصف شقة، ~~وينظر إلى المعيدين وكلهم لا يسوون في نظره قرشا واحدا يفلت من الحبس. # عرفت عملاقا من هؤلاء البخلاء، فترحمت على أبي العتاهية القائل: # إنك لو تستنشق الشحيحا # وجدته أنتن شيء ريحا # كان هذا البخيل المثالي عقيما، قلت: عقيما وأنا أعني ما أقول، فجاء لداته يقولون: أنت ~~لا تطمع في عقب، أليس من الخير أن تعطي قسما من ثروتك الوافرة إلى ابن أخيك؟ # فأعمى ذلك الخبر الأسود نظره، ولكنهم لم يتركوه وشأنه، بل راحوا يداورونه. فراح يعتذر ~~وينشر العلل. وأخيرا اهتدى إلى حل من باب: «عين لا تقشع وقلب لا يوجع.» فكتب سندا لأمر ~~ابن أخيه يستحق بعد ثلاثين سنة. # هذه حكاية هذا البخيل العبقري. أما أنا فما عرفته إلا على أبواب التسعين، فزرته إذ ذاك ~~ورأيته يهمهم ويدمدم، فقلت: خيرا إن شاء الله. # فقال: وأين الخير؟ كتبت سندا لابن أخي منذ ثلاثين سنة، على أمل أن يقبضه بعد موتي، وها ~~أنا عشت ولا بد من الدفع. # فقلت: اشكر ربك إنك عشت. عيد مبارك. # فصرخ: ومن أين تأتي البركة؟ هل يجيء من الأعياد غير الخسارة؟ الموت أحب إلي من الحياة بعد ~~فراق ألف عملية تذهب غدا من صندوقي ... # فقلت: الخير كثير. # فقال: المال مثل الأولاد، لا أحد يغني عن أحد. # فتركته حين أجهش بالبكاء، ومشيت وأنا أقول: لو عرفت أن الرجل عنده مأتم لألف عزيز ~~يفارقونه غدا لما جئت صوبه في هذه الضيقة. # ثم انفجرت ضاحكا وأنا أخرج من الباب وقلت: هذا لم يحظ به الجاحظ حين سمى بخلاءه أصحاب ~~الجمع والمنع. # | مع الشمس # تحية أيتها الطالعة من وراء جبالنا لتلقي علينا ابتسامتها المحيية. ابتسامة الأمل ~~لطفلها. # داست أقدام الأجيال رءوس السنين، واضمحلت الدهور وسحقت شعوبا لا تحصى، وأنت لا يزال ~~شبابك يتجدد. # هرمت الآثار وانسحقت تحت حوافر خيل الزمان الجامحة، وأنت ما لا تزالين ضاحكة مبتسمة. ~~ضاحكة من عظمة الإنسان وسرعة فنائه. ms026 ضاحكة من كبريائه وعجرفته. هازئة بعظائمه الزائلة ~~كالظل. # في العصور الغابرة نازعت الخالق الألوهية، واغتر بجمالك الإنسان، فطأطأ لك الرأس، وعفر ~~الجبين بالتراب. # حسب في جمالك الباهر قوة الخالق. ظن في ابتسامتك حياة وجود، ولا بدع أن عبدك، فكثيرون هم ~~اليوم من يعبدون الجمال ويسجدون للابتسامة. # إن رفع الإنسان الضعيف الهياكل على الأعمدة القوية ليناجي تحت سمائها بهاءك الأبدي وجمالك ~~الأزلي، فاليوم يشيدون القصور المزخرفة والبيوت الجامعة لشتات الرونق والبهاء، ليعبدوا في ~~داخلها جمالا زائلا. # هذه البيوت، لو قيست بهيكلك العظيم «قلعة بعلبك» لما كانت دونه قوة بالنظر إلى حالة ~~الإنسان. فاليوم يدرك المرء الشباب في سن الصبا، والشيخوخة في الشباب؛ وهذا ما يجعل الأثمار ~~غير ناضجة وشهية. هذا ما يفقدها بعض معاني اللذة والجمال. # ينتظر الفقير طلوعك على الوجود ليجد في سبيل اكتساب لقمة يسد بها رمقه. # تصبو إليك الضوضى لتحيا؛ لأن انحجاب وجهك عنها يجر عليها الوحشة فتموت. # الجاهل يراك حملا ثقيلا على البشرية؛ لأنه ينقطع عن اللهو إلى العمل، عن الملذات إلى ~~الحياة الحقيقية، إلى الجد والنشاط. # والعاشق يصبو إلى غيابك ليخفي بين أحشاء الظلام وحشته وحزنه، والليل أخفى للويل. # أيتها الشمس! كم شهدت من الحروب الطاحنة، وكم اصفر وجهك حين وقعت عينك على متاعب البشرية ~~المعذبة! # كم غطيت وجهك بالغيوم كيلا تري ما نراه. وكم كسفت من الأنوار فمثلت بأدوارك هذه ما يطرأ ~~على الإنسان، هذا المخلوق القوي كإله، والضعيف كاللاشيء. # أيتها الشمس! كم شاهدت من فظائع البشر، فكنت وما زلت تضحكين لكل شيء وتهزئين بكل شيء: ~~للموت والحياة، للخراب والعمران، للعلم والجهل؛ فكأنك عالمة سرا لا تفشينه لمخلوق، عارفة ~~أن كل شيء صائر إلى الزوال. كأنك شاعرة بضعف الإنسان الذي يدعي الألوهية ولا يخجل، يتدرع ~~بالقوة ولا يستحي. # إنك تمثلين في كل يوم أطوار الحياة، فأنت في الصباح لطيفة، وفي الظهر فتاة قوية، وفي ~~المساء عجوز هرمة رسمت يد الشيخوخة خطوط اصفرارها على جبينك. # في الظهر تمثلين المرء في أيام عزه وجبروته حين لا تستطيع ms027 أن تتفرس به النواظر، ولا تمتلئ ~~العين من النظر إليه. # وفي المساء تمثلين دور سقوطه حين ينظر الجميع إليه بعين المزدري الضاحك من الزوال، غير ~~المفكر بهذا السر العظيم. سر الانقلاب والاضمحلال. # أيتها الشمس! أنت أصدق مؤرخ لو نطقت، أنت رافقت الإنسانية من المهد، وسترافقينا إلى ~~اللحد، شاهدت مآتمها وأعراسها، شبابها وشيخوختها. # وفي هذه البقعة الخضراء نظرت إلى عبادك الفينيقيين تجري في عروقهم دماء الحياة، يرفعون ~~القصور العالية ويذللون البحار، واليوم تشاهدين أطلال مجدهم وبقايا آثارهم. # رأيت الشرق في أعلى سماء التقدم، ونظرت الغرب يحل محله. وسترين غير الاثنين في مقام لا ~~نظنه يصل إليه. # أيتها الشمس! لماذا لا تحسدك النجوم على مقامك السامي؟ لماذا لا تحاربك لنرى كيف تتطاحن ~~الكواكب؟ أم أنت منزهة عن كل خصام وشقاق؟ # خلقت لتمجدي الله دائما، ولن تتسلقي جدار حقوقك وواجباتك كما يفعل الإنسان الحقير أمام ~~خالقه الجبار ولا يخجل. # كنت شاهدا على طرد آدم من عدن، على ضلال قايين، على دماء هابيل، على الطوفان الذي كان ~~ليغسل الأرض من أدران الإثم. # رأيت دخان رومة مرتفعا إلى الغمام ولم تأسفي، سمعت ضجة سقوط أسوار أريحا ولم ترتعدي. ~~نظرت ضربات مصر ولم تنتقمي لها من فرعون الظالم ... # والمارتينيك، وبومباي، وقرطاجة، وسان فرنسيسكو، محقها الدهر وسحقتها الأقدار تحت أقدامك، ~~فابتلعتها لجة العدم، وأنت ناظرة إليها بثغرك الذهبي، ولم تزده رهبة الفناء ~~صفرة. # أيتها الشمس! رأيت الجبابرة تغتالهم الصعاليك، كما شاهدت الفقير يموت على الطريق أمام ~~أبواب القصور. # كل يوم تطلين على الوجود بجمال غير متغير، فهل لك أن تعلمي المتلونين المتقلبين أن ~~يثبتوا؟ # أنت تشاهدين الآثام كل ساعة ولا تغضبين على أحد، فهل لك أن تعلمي الجالسين على كرسي موسى ~~سعة الصدر فلا يغضبوا للأمور الطفيفة؟ أنت لا تنتقمين عندما ترين ما تنقبض له أسرتك، فهل ~~تعلمين محبي الانتقام الصبر والأناة؟ # إن حملك خفيف ونيرك طيب. فهل يسمع ما أقوله عنك أصحاب الأحمال الثقيلة التي يسقط تحتها ~~الفقير كما يسقط الكوخ المتداعي تحت أقدام الصاعقة؟ # أنت ms028 لا تقاومين الغيوم إذا وقفت بوجهك؛ لأن ذلك من واجبات الريح، وهي تبددها من أمامك. ~~فهل يتعلم منك البعض فلا يتجاوزون حدودهم؟ # لم نسمع أنك اهتممت بأن تمطري عوضا عن الغيوم، فهل يفهم ذلك منك أولئك المتداخلون بما لا ~~يعنيهم؟ # أيتها الشمس! كم أتمنى أن تظهري بغتة في ظلمة الليل لتري فظائع البشر ومفاسد المدنية؛ ~~لتعلمي السر الذي ندرك به الشباب في الصبا، والشيخوخة في الشباب؛ لتنظري في القصور ~~المقامرين والمقامرات، وفي الحانات السكيرين والسكيرات. # لقد سقطت عن عرش الألوهية ولم تغضبي. وبعدما كان يناجيك الإنسان كالإهة عظمى، أمسى يفكر ~~بالصعود إلى جوارك، بل إليك لولا نارك! ولا أحسب أنك نسيت صلاة الفيلسوف نون الذي كان ~~يقدمها لك في صور منذ خمسة عشر جيلا ساجدا لك هاتفا بك: «يا ملك النار ومبدأ العالم، ~~أيتها الشمس المنظمة الأزلية لحياة البش،. من عجلتك الذهبية ينزل العمر، وإذا ما هجمت على ~~الليل يهرب عن عرشه. إن مرجة السماء الواسعة تتهلل بقدومك، وتحت قرصك تنبت الحياة وتنمو. يا ~~من قمصانك المرصعة بالنجوم تنير السماء، أعيريني أذنا صاغية واستجيبي لصلاتي.» # فأجابتني الشمس: من بدء الخلق وأنا أتمم واجباتي، ولا يعتدى علي ولا أعتدي، وأولا ~~وآخرا، لا حول ولا قوة إلا بالله. # | إلى إخواني الطلاب # قد تقولون، أيها الأعزاء: ما بال هذا الرجل يركض وراءنا إلى بيوتنا؟ أما شبعنا من نصائحه ~~في الخريف والشتاء والربيع حتى يلحق بنا في الصيف؟ أليس الصيف للاستراحة؟ # نعم يا عزيزي، ولكن الصيف للتحصيل أيضا. إنه لتحصيل غير التحصيل المدرسي. التحصيل ~~المدرسي لا بد من تجرعه، أما التحصيل الذي أدعوك إليه فهو مغذ لعقلك، ومنم لمعارفك، ~~ومقو لتفكيرك. إنه لذيذ الطعم لا تستطيع الحصول عليه في المدرسة. فالمناهج الموضوعة لك ~~تضيق عليك، ولا تدع لك وقتا للمطالعة، مع أن القراءة النافعة هي الغذاء العقلي والدم ~~الجديد. # أنت تعلم مما تقرأ أن الطب الحديث يدخل في عروق الضعفاء دما جديدا، وليتر الدم يساوي ~~ثلاثماية ليرة. # لا تخف فما أنا جراح وأريد إدخال ms029 دم جديد، فالدم الذي أعنيه هو القراءة، وسأكون معك ~~خفيفا لطيفا، فلا أحملك في العطلة التي انتظرتها ما يثقل عليك. إنني أدعوك إلى مجالسة ~~صديقك الكتاب، وأسألك ألا تجافيه وتعرض عنه، فهذا الصديق هو أبقى لك من كل الناس حتى أبيك ~~وأمك. # إن وصيتي لك ليست بدعة جديدة، فأنت طالب معرفة وعلم، وأول آية أوحى الله بها إلى الإنسان ~~هي: # اقرأ باسم ربك ~~، فأنا إذن لم أتجاوز معك حدود ~~الله، فاقرأ باسم الله وتوكل عليه. وكما أوصى القرآن الكريم بالقراءة للاستنارة والهدى ~~والإرشاد، كذلك قال الإنجيل: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.» # فالإنسان محتاج إذن إلى خبز آخر هو خبز المعرفة، وهذا الخبز لا تجده إلا في معاجنه ~~الخاصة؛ أي الكتب. فالدول اليوم تحشد كل قواها لتنور عقول شعوبها، ولا حيلة إلى ذلك غير حمل ~~الرعية على القراءة، فتوصلوا أخيرا إلى توجيه مكتبات تطوف الأرياف، وتدعو الناس إلى ~~المطالعة بالمجان. # أعرف أن أول من حض الناس على مؤاخاة الكتب والدفاتر هو ناطق بالضاد مثلك وهو أبو الكتاب ~~العربي. إنك تدرس شخصية هذا العبقري وأدبه، فهو الذي انبرى إلى الدفاع عن الكتاب منذ ألف ~~ومائتي سنة؛ ذاك هو الجاحظ الذي اجتمع في شخصه الضدان: الحلاوة والبشاعة. # رووا عنه أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين ليلا ليقرأ ما فيها من كتب. وقالوا إنه لم يعثر ~~بورقة إلا لمها وقرأها ولو كانت على مزبلة. لست أظن أن أحدا وصف الكتاب كما وصفه هو حين ~~قال: «الكتاب وعاء ملئ علما، وظرف حشي ظرفا، فهو بستان يحمل في ردن، وناطق أخرس لا ~~ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلا بما تهوى. ولا أعلم جارا أبر، ولا رفيقا أطوع، ولا معلما ~~أخضع من الكتاب.» ~~«الكتاب لا يجادل، ولا يشاغب، ولا يماري. وهو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا ~~يداجيك، ولا يداهنك. لك فيه نزهة وسلوى وغنى عن مناظرة الناس ومذاكرتهم، وسماع ألفاظهم ~~الساقطة ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم الردية.» # أعرفت إذن إلى ماذا أدعوك، إلى المطالعة صيفا، فاجعل لكل شيء ms030 وقتا، ولا تنس الكتاب من ~~وقت يومي، ثم لا تخرم الميعاد. # إن الكتاب، يا حبيب القلب، لا يطرح نفسه عليك، ~~ولكنه دائما في انتظارك، ينتظر منك غمزة ليجيبك: «عبدك بين يديك» كما كانت تقول المرحومة ~~ستك في حكاية خاتم لبيك. # وبعد يا عزيزي، فالكتاب هو الذي صنع العظماء وخلق العبقريين. أليست الدنيا كلها هي كتاب ~~الله الأعظم؟ وقد قالوا: لكل أجل كتاب، ولكل إنسان كتاب يحمله بيمناه حين يقف بين يدي ربه؟. ~~فتمرن أنت منذ اليوم لتحمله جيدا، وتكون من العارفين. فالكتب هي سجلات المعرفة الماثلة ~~دائما بين يديك متى شئت، أما السينما التي لا تخلف مواعيدها، فهي معرفة أيضا، ولكنها ~~معرفة عابرة، ضائعة بعد حين، كما قال الشاعر: # كل علم خارج القرطاس ضاع # كل سر جاوز الاثنين شاع # والكتاب محك الأذهان والألباب، وعلى ضوء مطالعته تتفتق مواهبك المختبئة وراء ستر ~~كثيف. # لا أظن أنك نسيت حديثي آخر مرة، وفيه قلت لك: المدرسة تعلمك القراءة، والجامعة تدلك على ~~الدروب، ولكن المدرسة لا تقرأ عنك. ومتى علمت أن نوابغنا ونوابغ الدنيا جمعاء لم يتعلموا في ~~مدارس اليوم، ومع ذلك حققوا قول أحد العظماء: «إنني أخاف صاحب الكتاب الواحد.» فاقرأ إذن ~~يوميا، واقرأ بإمعان، لا لتتسلى فقط. # إذا كانت أجسادنا تحتاج إلى بعض حبوب الفيتامين، أفلا نحتاج يوميا إلى القراءة لنداوي ~~ما في عقولنا من فقر دم؟ # وإذا سألتني قانونا للقراءة، قلت لك ما قاله برناردشو: «القانون الذهبي في هذه الحال هو ~~أنه لا قانون هناك.» قس القراءة على الأكل. أما قال أبوك وجدك: «كل ما تشتهي نفسك؟» فكل ~~غذاء لا تشتهيه النفس، لا يستطيبه الآكل، ويكون كالدخيل على الجسم. فاقرأ إذن ما تحب. كن ~~واثقا بنفسك، واعلم أنك ستكون رجلا إذا طالعت. ومن يدري أنك لا تصير من أصحاب الكتب التي ~~تقرأ وتنير إذا اجتهدت؟ # يسرني أن أشجعك، ولهذا أقول لك: إن الكتب العظيمة تطبع في المدن والعواصم الكبيرة، ~~ولكنها كتبت وتكتب في القرى، أو في الأحياء الحقيرة. # إذن فثابر واجتهد ms031 لتكون واحدا من هؤلاء الكتاب الأفذاذ، وهذا لا يكون إلا إذا قرأت كل ~~يوم بانتظام. فقراءة ساعة كل يوم تمكن كل ذي مقدرة عقلية عادية من أن يصير متضلعا من علم ~~ما، وتمكن من هو غير متعلم أن يصير مثقفا عارفا في غضون بضع سنوات. # أنت تلازم المدرسة بضع عشرة سنة، ولكنك قليلا ما تقرأ غير الدروس المفروضة عليك، فليتك ~~تنتزع من الأوقات التي تضيعها ساعة للقراءة والكتابة. # إن مؤلفة كوخ العم توما ألفت هذه الرواية الشهيرة بما انتزعته من وقت كان يضيع لولا همتها ~~وحزمها. ولونغفلو ترجم جحيم دانتي في الدقائق العشر التي كان ينتظر فيها غليان قهوته كل ~~صباح. والفردوس المفقود لملتون نظم في اختلاس بضع دقائق يوميا. # لا تيأس مهما يكن عقلك سميكا، ولا تنس أن شاعر الكنيسة وملفان البيعة أفرام السرياني ~~كان قنط من عقله السميك لو لم يسأل تلك المرأة عن خرزة البير التي براها الحبل على طول ~~الأيام. # لا شك في أنك ككل ناشئ، تطمح إلى أن تكون شيئا مذكورا، وها قد دللتك على طريق العظمة، ~~فنظم وقتك واعمل بقول أمك: تحسيك الخلية من أولها. # 1 # بحياتك قل لي: مهما تكن مجنونا وأبله، هل ترمي بليرة على قارعة الطريق كما ترمي بعض ~~النفايات؟ # الجواب: لا، فما قولتك إذن بالذي يرمي على طريق الحياة ساعة من زمان كل يوم؟ # إننا نرمي الساعات ولا نبالي. # الآن قد انتهت معركة الامتحانات. فإن كنت لم تفز فالواجب يقضي عليك بألا تضيع فرصتك في ~~صيد الحجلات، ورمي الشباك للحمامات التي تفرفر حول بيتك وتهاجمك من الشباك. سد النوافذ ~~سدا هرمسيا. وضع كل وكدك في منهاجك. # كثيرا ما نسمع في هذه الأيام أخبار انتحارات طلاب وطالبات؛ إن الانتحار ليس بعذر مقبول. ~~لقد ولدنا للحياة، فلماذا نستعجل الموت؟ فدرس متواصل يغنينا عن تمثيل هذه المأساة. # الشهادة كالحرية، تؤخذ ولا تعطى، فحصلها بدرسك. ومع ذلك فإني أرى كل شهادات الأرض لا ~~تساوي حياة واحد من الناس مهما يكن تافها. # سألني الكثيرون: من ms032 أين لك الوقت لتكتب كل ما تكتب، وهم لو عرفوا أني صرفت حياتي كلها في ~~هذا الميدان، ولو كنت حرصت، كما يجب، على عدم ضياعها لكان لي أضعاف ما لي. # ويسألني غيرهم إذا كان عملي التعليمي يحول دون عملي الأدبي فلهؤلاء أقول: إن رجال الأدب ~~في عصر دانتي كانوا كلهم إما تجارا، وإما أطباء، أو قضاة، أو جنودا. # وأنا أعرف كثيرين قد انتزعوا شهرتهم من بين أشداق الفاقة. إذن إلى ماذا ندعوك بعد طول هذه ~~السيرة؟ # ندعوك إلى الدرس، إلى قراءة ساعتين يوميا في فرصة الصيف، فتسمن ضلعك وتعود إلى المدرسة ~~قويا نشيطا. # كثيرا ما يعود الطالب إلى مدرسته في تشرين وقد نسي كل شيء تقريبا؛ لأنه طلق كتبه ~~وأشاح عنها إلى غيرها ... إن هذا الطالب لن ينجح. # وكثيرا ما أعرف من أولياء طلاب يعلمون أبناءهم صيفا ليقفزوا في صفوفهم. # إن العلم لا يدرك بالقفز والجمز والنط. فالثمرة التي لا تمر في جميع أطوارها لن تكون شهية ~~لذيذة. فلينضج أبناؤنا على مهل، فهم ثمار الإنسانية والطفرة في الحياة محال. # فلنمتن حيطان ثقافة أبنائنا، ولا ننح باللوم على مدير التربية وأعوانه إذا قصر ~~أبناؤنا. ولنسهر على أولادنا فهم في حاجة إلى ذلك. وإذا سهرنا على تصرفاتهم المسلكية في ~~الفرص المدرسية - وما أكثرها - أمنا وقوع الكارثة. # فيا أيها الآباء المحترمون! فلتكن عيونكم على بنيكم عشرة عشرة، كما يقولون، ففي هذه السن ~~يتقرر مصيرهم. # لا أريد بهذا أن تضايقوهم فيتمنوا زوالكم، كما قال معاوية، بل خذوهم بالحسنى ولا تجعلوا ~~نصحكم لهم مصارعة لئلا تصرعوا معا. # وكلمتي الأخيرة إليك، أيها الأب، هي أنك إذا رأيت أقل عداوة بين ابنك والكتاب، فحاول أن ~~تؤلف بينهما، وإلا فتداركها بالفراق لئلا تنفق عليه ما لا ينفعه أكثر إذا بذل في غير سبيل ~~تحصيل العلم. # | كيف تصبح رجلا ناجحا # إذا التقيت برجل مهموم مغموم، وبدأ يشكو لك نكد دنياه، زاعما أن أشغاله فوق رأسه، وليس ~~له وقت يتنفس فيه، فلا تصدقه ولا ترث له، واعلم أنه لا يدبر ms033 الأمور ولا يعرف كيف يستفيد من ~~وقته. فالوقت أوسع مما يظن لو أحسن استعماله. # تخبرنا التوراة أن الله خلق الكون في ستة أيام، وفي اليوم السابع استراح من جميع أعماله، ~~ورأى كل ما يصنعه حسنا لا يحتاج إلى تنقيح. وفي هذه الحكاية أروع درس للذين من الإشارة ~~يفهمون. # فإذا كان الله، جلت قدرته، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون، قد قسم أعماله على أيام ~~معدودات، أفلا يجدر بخليفته الذي خلقه بنفخة أن ينسج على منواله، فينجز ما يهم بخلقه ويظل ~~مستريحا؟ # لا ينقذنا من همومنا، إذ تتراكم الأشغال علينا، إلا تقسيمها على أيامنا، فنخص كل يوم بجزء ~~لا نتناول غيره، فالرجل، مهما يكن ضعيفا، يستطيع أن يعمل ساعات في اليوم، وهذه الساعات متى ~~ضمت إلى بعضها تصبح أشهرا، وتصير الأشهر سنة، وإذ ذاك تظهر لنا جليا فائدة هذا التقسيم ~~وما أعقبه من راحة. # أما إذا كنا نخلط أعمالنا، فإننا نعيش في قلق وهم ولا ننجز شيئا. # ولعل السيد المسيح حين قال: «لا تهتموا بما للغد» يوصينا أن ننصرف بكليتنا إلى عملنا ~~اليومي، ولا نفكر بالغد بل نجعله كأنه لا يعنينا أمره. # لا تقل: ماذا أفعل غدا، بل قل: ما علي أن أعمل اليوم. فإذا خابت أمانيك أمس فلا تبك ~~عليها اليوم وغدا، فالماضي سجل انطوى، والغد صفحات مجهولة، فليس لنا إلا الحاضر، فلننكب ~~على إنجازه، ولا تنجز الأعمال إلا إذا قسمت، فالثروة لا تدرك إلا قرشا قرشا، والقصر لا ~~يبنى إلا حجرا حجرا ومدماكا مدماكا، والذي أبدع التجارة بالتقسيط يستحق التعظيم، ~~والبنوك التي سهلت للناس طرق التوفير لجمع المال قد أغنتهم وعلمتهم جمع الثروات. فهذه ~~كبريات الدول تقسم إنشاءاتها على سنوات. # يصعب كثيرا على الإنسان، إذا لم يكن ذا مال، أن يبني داره ويؤثثها بطريف الرياش، ولكن ~~عندما ينفسح له في مجال المشترى بالتقسيط يعيش في بيت جديد ناعم البال، ويعمل مطمئنا ~~ليهيئ ما يستحق عليه من أقساط شهرية. # وبسهولة التقسيط نفسها، نستطيع أن نعمل يوميا بكل راحة إذا قسمنا ms034 عملنا على يومنا ~~وتناسينا هموم ماضينا ولم نفكر بالغد. # إن الانصراف إلى الساعة التي نحن فيها يشحذ همتنا ويجعلنا ننصرف إلى العمل الواحد في ~~الساعة الواحدة. فلا يجدر بنا أن نعمل عملين في آن واحد، وإذا حاولنا فلا نقدر على إنجاز ~~شيء. # كيف حالك اليوم؟ هكذا يسأل بعضنا بعضا، فما سمعت في حياتي من يسأل كيف حالك أمس، ولا كيف ~~حالك غدا. وفي الصلاة لا نطلب من الله إلا قوتنا اليومي، ولا نقول له حين نصبح إلا: اجعل ~~يا رب نهارنا سعيدا. # ترى لماذا نترك الزهيد الذي نحصل عليه، ونعيش في جنات المستحيل المعلقة بحبال الأماني ~~الفارغة؟ # لماذا نترك الحاضر، وإن تافها، لنسعى وراء طائر جميل صورته لنا أمانينا؟ # إن المسترسل في أمانيه، المعرض عن واقعه، لهو أشبه بالمنبت الذي «لا أرضا قطع ولا ظهرا ~~أبقى» كما جاء في الحديث الشريف. # فليكن لنا برنامج عمل يومي نسير عليه. كما لا نؤجل عشاء أو غداء، كذلك يجب أن نتقيد بهذا ~~البرنامج العملي إذا شئنا النجاح. # إن حامل السلم بالعرض لا يمشي مستريحا، ولا يفتح الطريق لغيره ليسير الهوينا. ومن يخلط ~~أعماله ببعضها لا ينجز منها شيئا، ويمضي نهاره دون أن يتم واحدا منها. # كل بدوره أيها السادة، هذه عبارة قرأت حكايتها في كتاب نسيت اسمه، وهي أن ببغاء كان ~~يرددها، وهو موضوع في قفص معلق في مدخل أحد نوادي الصيد، فإذا أقبل الأعضاء على باب النادي ~~راح الببغاء يردد عبارته المحفوظة: «كل بدوره أيها السادة.» ونحن إذا انصرفنا إلى مشكلاتنا ~~كلا بدورها استطعنا حلها، ووجدنا راحة في الترتيب. # ولكي نقطع الطريق على هموم الغد يجب أن نوزع عملنا على أيامنا، ولكي ننفذ علينا ألا نبقي ~~أمامنا أو في متناولنا إلا ما نخصصه لعمل نهارنا، وبهذا نبعد عنا الهم والخوف من أعمالنا ~~الكثيرة. # خاف أحد تلاميذي من برنامج صف الفلسفة فصار يحوم حول تلك الكتب ولا يجرؤ على مد يده إلى ~~أحدها، وخصوصا فلسفة التاريخ الطبيعي. فقلت له، بعدما كاد ييأس: باشر، ms035 فقد ذهب ~~الوقت. # فأجابني : أرأسي مخزن حتى يسع كل هذه الكراريس؟ # فتركته ورحت أفتش عن حل لمعضلته وقد تجسد أمامي مستقبله الضائع إذا ظل في هذا الخوف. ومع ~~الصبح غدوت إليه غدوة امرئ القيس، فوجدته لم يشرع بعد في عمله، وما زالت كتبه مرصوفة على ~~المكتب أمامه. # فقلت له: خذ واحدا منها وبادر. # فقال: أي كتاب آخذ؟ # قلت: خذ كتاب التاريخ الطبيعي، وابدأ، فمثلنا يقول: العتبة نصف الدرب. # فأجابني: لو كنت اخترت الهرم الأصغر لكانت نصف مصيبة. # فقلت له: إننا نصير الهرم الأكبر أقل كثيرا من الأهرام الصغيرة. # وتناولت كراسا من تلة تلك المجموعة وقلت: ألا تستطيع حفظ هذه الوريقات بيومين؟ # قال: بلى أقدر. # فقلت: احفظه، والملتقى بعد غد. # وجئت في الموعد فوجدته قد استظهر الكراس الأول فقلت: خذ الثاني، والموعد بعد غد. # ونهجت معه هذا النهج شهرا، فإذا به صار يمشي وحده، وأخيرا فاز بالشهادة وصار اليوم ~~قاضيا مرموقا. # فلو لم نفرق تلك العشرات من الكراريس لما تجرأنا على مهاجمتها، فكلمة فرق تسد تستعمل ~~أيضا في غير السياسة. # إن الذي لا يعرف من أين يهاجم وكيف يصادم لا يربح معركة. فالساعة الرملية تفرغ ما فيها في ~~أربع وعشرين ساعة، ولا يعني حبة أن تزاحم أختها في الممر المعمول على القد، وهي لو فعلت ~~لتعطل السير، ومثل تلك الساعة يجب أن تكون سيرورة أعمالنا اليومية كما قالت تلك الببغاء: كل ~~بدوره أيها السادة. # هكذا يجب أن نعمل - الآن - ولا نهتم للغد، فالغد يهتم بشأنه. # ولكن الإنسان خلق عبدا لأحلامه وأمانيه، فلا يرضيه ما حوله بل يتطلع دائما إلى الأفق ~~المجهول. يكون في جنة وحوله ثغور أجمل الأزهار ترنو إليه، فيعرض عنها ويفتش عن ~~غيرها. # يكون في بحبوحة، ويخاف أن يفتقد الرغيف ولا يجدها، والذي يخاف على تعذر الحصول على رغيف ~~الغد هو مختصر إنسان ... فالإنسان يعلم أنه ليس عليه أن يتوانى، فإضاعة دقيقة هي فقدان الرغيف ~~الذي يحن إلى طلعته. يجب أن نجري مع الزمن، فاليوم الجديد هو حياة جديدة، ms036 إن النوم هو موت ~~مؤقت وقد يؤدي بنا إلى موت أبدي إذا لم نستقبل الغد ببشاشة، ونحييه تحية المحب المشتاق ~~النشيط، ونبدأ عملنا بلا مقدمة ولا تمهيد. # إن لذة الحياة هي في العمل المستمر، وترك العمل يولد التفكير بمصاعب الحياة ومصايبها، ~~وهذا التفكير يولد الهم والقلق. فالحياة وجدت لكي نعيش فيها لا لكي نفلسفها؛ ولكي نبعد ~~الهم يجب أن نخلق لأنفسنا أعمالا تسد الفراغ. يجب ألا نفكر في غدنا إلا عندما ينتهي ~~نهارنا. وإذ ذاك نضع منهاج الغد، فبدلا من أن نجتر همومنا في قيلولتنا فلنستيقظ. # إن كل يوم هو أشبه بالليمونة تقسيما. وعلى غرارها يجب أن نقسم أعمال يومنا. وأخيرا يجب ~~أن لا نرمي الليمونة في صندوق الزبالة إلا بعد أن نيأس منها. # يقول المثل: «الأمور تدبر بعضها» فلماذا نستبق الزمان، لماذا لا نعمل هادئين تاركين حبل ~~الغد على غاربه؟ # إن معلمنا الأكبر هو معنا، هو قلبنا، فليكن دليلنا حقا، ولنتشبه به في انتظام دقاته ~~الرتيبة. فلولا هذه الرتابة ما استطاع أن يعمل سبعين ثمانين سنة ليلا نهارا. # من يستطيع تغيير ناموس الحياة؟ ألم يقل الحجاج: «لا بد مما ليس منه بد»؟ # ألم يقل الجلاد لسقراط، حين ناوله كأس السم: «ارض بما ليس منه بد؟» # إن المؤمن لا يخشى شيئا، بل يتابع طريقه على بركة الله. يتابعها ولا يخاف شيئا. فإن كان ~~مسيحيا فعنده: «شعور رءوسكم محصاة لا تخافوا، فشعرة منها لا تسقط بدون إرادة أبيكم.» وإن ~~كان مسلما فهو متوكل على ربه في كل ثانية يردد: # قل لن يصيبنا ~~إلا ما كتب الله لنا ~~. وإن كنا نؤمن بالعلم الحديث فنحن باقون ندور مع ~~هذه الأفلاك كيفما دارت، وأي شيء يهمنا؟ # لقد مضى الزمن الذي كان فيه المرحوم جدي يخبرني عن انتهاء العالم العتيد، ويختم كلامه ~~بقوله: «تؤلف ولا تؤلفان»؛ أي لا تأتي سنة الألفين ميلادية حتى تقوم القيامة. # فأين هو اليوم ليقرأ ما تنشر الصحف والمجلات، ويعلم أننا ننتظر أن نشيد لنا دكاكين ومحطات ~~بنزين وغيرها في القمر ms037 والزهرة والمريخ؟ # فإذا رأيت الرجل مطرقا، شارد الفكر، مهموما، فاعلم أنه لا يحسن تصريف أعماله، بل ~~يكردسها فتتراكم ويحمل همها. إنه يجعل من تأجيلها خميرة للقلق واضطراب الأعصاب. وهو، لو ~~أراد، لاستطاع أن يخلو من الهم، وعاش مثل صاحبنا الدرويش. # في الحرب العظمى الأولى، التقيت بدرويش يحمل كشكوله. وكنت أنا أحمل زادي. فالخبز عز في ~~ذلك الزمان ولو كان خبز شعير. # ترافقنا مسافة غير قصيرة. وأخيرا مر بنا غني يركب عربته، فتقدم منه الدرويش يقوله: «من ~~مال الله!» # فوقف الرجل وأمر خادمه أن يعطيه، فأعطاه بضعة أرغفة، فأخذ اثنين فقط ورد البقية. # فصاح به الغني: أفي هذه الأيام يرد من خبز القمح؟ # فقال الدرويش: هذا عشائي، أما فطوري فعلى غيرك، إن عشت. # فقلت له بعدما مشينا: يا درويش الخير، ألا تخاف الجوع؟ # فقال: لا والله! ومن يتوكل عليه يظل مكفيا. لي سبعون عاما، وأنا أطوف في أرض الله ولم ~~أحرم القوت. أتكون البهائم خيرا منا؟ # ثم حملق بي وقال: ألا تعرف ماذا يقول إنجيلك: «تأملوا طيور السماء فإنها لا تزرع ولا ~~تحصد، وأبوكم السماوي يقيتها»؟ # نحن لا ندعو إلى عيش الزهد والتقشف والتوكل بدون عمل وسعي، ولكنا ندعو إلى حياة رتيبة ~~حافلة بخير العمل الذي لا تلذ هذه الحياة بدونه. وإذا شئنا أن نخفف همومنا فلنعمل بقول ~~المتنبي: # لا تلق دهرك إلا غير مكترث # ما دام يصحب فيه روحك البدن # فما يديم سرور ما سررت به # ولا يرد عليك الفائت الحزن # فليت الذين يركبون كتفي الدهر ويجعلون كل خطاياهم في رقبته يحسنون استثمار حياتهم، ويكفون ~~عن سب الدهر المسكين. فلو صارت الأرض كلها أقمارا وصواريخ فإنها لن تعثر عليه لتقتص منه ~~... # | التربية الوطنية في لبنان # لا أرى في مدارسنا كتبا وضعت لناشئة لبنانية. # فتشت في الكتب حتى عييت، فما وجدت واحدا منها يتسم بطابع الدولة كما هي الحال في الدول ~~التي تؤمن بذاتها وبكيانها. # جاء في وصية النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى معاذ بن جبل وأبي موسى: «يسرا ولا ms038 تعسرا، وبشرا ولا ~~تنفرا .» # ما رأيت دولة تمثل تمثيلا أشبه بالملهاة كما هي الحال في لبناننا العزيز. ولسنا نحس ~~الانقلابات والتطورات إحساسا يفوق حسن النظارة في المسرح. إننا نفرح بمرسوم، ونحزن بمرسوم، ~~وهل يفرح حقا من يؤمر بالفرح؟ # إن الحياة المدرسية هي نواة الحياة الاجتماعية الوطنية. فهل من يقول لي: ماذا نزرع - على ~~مقاعد المدارس الأجنبية - في نفوس النشء اللبناني؟ # إذا كان الكاهن رسول ربه، فالمعلم هو الرسول المبشر بأسمى عقائد زمانه ووطنه. فهل يشعر من ~~تعلم وتتلمذ في مدارس الأجانب أنه ابن هذه الصخور؟ # اسمعوا، أيها الإخوان، كما تختلف تربية المصري عن تربية الحجازي والعراقي، تختلف كذلك ~~التربية اللبنانية عن غيرها، فلا يكون تحوير المنهاج وفقا لزراعة الدخان في النبطية، ~~والقمح والعدس في بعلبك، والليمون في صيدا وطرابلس، والموز في أنطلياس، والدراق والخوخ في ~~بسكنتا، والبطاطا في تنورين والعاقورة، والتفاح في فاريا وميروبا، والأجاص والجوز في بشري ~~وأهدن. # إنني تحدثت عن التربية الوطنية، والتربية الوطنية تتناول أولا ما يزرع في النفوس هذا ~~الذي أريد أن أعرفه فقط، مع اعترافي أنكم تستحقون شكر الوطن على ذلك التحوير، فويل أهون من ~~ويلين. # لا جديد في لبنان إذا كنا نرى في مدارسنا الماروني إلى جانب الدرزي والأرثوذكسي مع السني ~~والشيعي، فالمطران جرمانوس فرحات تتلمذ للشيخ سليمان الحلبي قبل أن أعلنت حقوق الإنسان ... ~~وأنا كنت أجلس في عهد التلمذة سنة 1905 على بنك واحد في كنيسة مدرسة الحكمة، كل يوم، وحوالي ~~الأمير رفيق أرسلان والسيد محيي الدين أيبش. فالمير والسيد لم يتنصرا، ومارون عبود خرج ~~كصاحب مضرية بديع الزمان. # لست عدو الدين، ولا أطلب تربية بلا دين. فمن الخير تعليمه لئلا يخرج أبناؤنا بلا وطن ولا ~~دين. فالاعتقاد، كما يقول بلزاك في قصته «خوري القرية» هو الإرادة البشرية البالغة أقصى ~~قوتها. ولا ولا ولولاه لما رددنا: # نصر من الله وفتح ~~قريب ~~. فالمعتقد المكين سر قوة الشعب، ولا تعدوني وثنيا إن قلت: إن لبنان ~~أدونيس كان أعز من لبنان هذا. الدين لا يستأصل من ms039 الإنسان، كالوكيل الدوري، كلما عزل فهو ~~وكيل. وقد قال دركايم معلم المعلمين العلمانيين: إذا أفرغنا المبادئ الأدبية من عناصر الدين ~~فإننا نبترها. # مسكين حظ لبنان، فما فيه حد وسط. فهناك إما لبناني يظن لبنان جزءا من أوروبا، وإما ~~لبناني يريد أن يجعله في الدهناء وحضرموت وقد نسي أن العرب أولعوا بوطن ثان كلبنان، هو ~~الأندلس، وأن لبنان عربي اللسان، شرقي الجنان، طعمت شرقيته بالحضارة الغربية، فكونته هذا ~~التكوين الخاص، فيه العربي والمستعرب، فما حيلتنا في المولييريين الذين جعلوه طبيبا غصبا ~~عنه. # إذا كان الإنسان ابن بيته فلا يكون لبنان إلا كما هو. إن بيته شارع يمتد إلى الجادة ~~العالمية، يرى كل عابر سبيل ولا عاصم من التأثر. # إن التربية فن، الغرض منه الحصول على أكثر مقدار من تكييف الفرد لبيئته ونموه فيها. ~~المسيحي يقول: «النؤمن» والمسلم يقول كلمة الشهادتين، والمعلم اللبناني يجب أن يؤمن بلبنان ~~أولا ليصبح من رسل تربيته. # قال زياد بن أبيه: «إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله.» ولهذا أقول كما ~~قال الحجاج: «يا أهل لبنان، إنني لم أجد لكم دواء لدائكم إلا الجندية.» # فالجندية هي البوتقة التي تصهرنا جميعا وتطبعنا على غرار واحد، فنحس أن لنا وطنا، فكل ~~تربية وطنية تظل عقيمة حتى ينام المواطن شهورا في الثكنة العسكرية يحيي علمه بالسيف ~~والبندقية. المدراس تخرج مخنثين، أما الثكنة العسكرية فتطهرهم وتخرجهم رجالا صالحين لحرب ~~بغير النظارات. # ويح لبنان! فشعبه بخلاف الشعوب، وحكومته عكس الحكومات. # للشعوب قلب وليس لها أعين تنظر بها، فهي تحس ولا ترى. # والحكومة بالضد فهي تنظر ولا تشعر، ويا ويل أمة شعبها ينظر وحكومتها تشعر، إن الهوة ~~بينهما عميقة. # وا عجبا! كيف صارت المدارس التي أوجدها النوابع الثائرون تخلق للأمة عجزا وقاصرين، ~~ومشلولين ومسلولين! # عندما كان هدف التربية يصلح لكل زمان ومكان قال أجدادنا: لولا المربي ما عرفت ربي. فالرب ~~كان هدف التربية في زمن الروح، أما في عصرنا هذا، عصر المادة، فهدف الرجل وطنه. والتربية ~~التي تصلح ms040 له هي تطعيم وتلقيح. فالميول المكتسبة تطعم وتلقح بالميول الغريزية. فالمربي لا ~~يخلق ميولا جديدة بل ينمي الميول الغريزية أو يقاومها. فقصارى المربي أن يروض الشخص ~~فيصلح للجري في الشوط المنتظر. إن الأخلاق الفاضلة تكتسب بممارستها وتعودها فتصير خلقا ~~وسجية. # ولنستنر أخيرا بشيء من علم النفس: إن لمسنا جسدنا يختلف عن لمسنا للأجساد الأخرى. # إذا لمسنا جسدنا أحدث هذا اللمس إحساسا مزدوجا؛ لأن اليد اللامسة تكون لامسة وملموسة، ~~أو فاعلة ومنفعلة، كما يعبر الاختصاصيون. فالمربي الوطني يكون إحساسه مزدوجا إن كانت ~~عقيدته صادقة لا زندقة فيها. أما المفلوج فيفقد هذا الإحساس المزدوج، ويخال عضوه المريض ليس ~~أحد أعضائه. # فإذا شئنا أن نربي للوطن رجالا صالحين فلنقص المفلوجين. # 22 كانون الثاني 1942 # | ومن لا يكرم نفسه لا يكرم # كان في ضيعة من لبنان رجل مستور، تعشق مسايرة «المشايخ» حتى الوله، واستطيب مذاكرتهم ~~التي تثير الضحك، على ما فيها من العبر. فأخذ يتعشى قبل الغروب ليأتي بيوتهم ملس الظلام، ثم ~~لا يعود منها حتى يتدهور الليل. # وكثيرا ما كان المشايخ يزأرونه ولا يحس، ويقابلونه بفجاجة ولا يشعر. يستحلي حديثهم، ولو ~~تماجنوا به وتنادروا عليه، وما كان يهتم في حضرتهم إلا بأن يقول كلمة جرت العادة في قولهم ~~عندنا للشاربين: هنيئا يا سيدي، أو هنيئا لمن شرب، أو صحة وعافية، بحسب مراتب ~~الناس. # وأخيرا تعود المشايخ رؤية هذا الضيف، فألفوه، وتغير نظرهم فيه حتى صار في عين نفسه ~~كأنه واحد منهم. طيف بالشراب عليهم جملة، ذات ليلة، فأدى صاحبنا مهمة: هنيئا يا سيدي، ~~لكل واحد منهم. ثم جاءت نوبته فشرب وأجال نظره فيهم فإذا هم في شغل عنه، فرأى أن يتنحنح ~~ففعل، ثم أح، ثم سعل ... وما من يلتفت! # فانشق صدره من الغيظ حتى عدا طوره وقال لهم: محسوبكم شرب يا مشايخ! # فأجابه أحضرهم نكتة وألذعهم نادرة: «كل عمره يشرب.» # فكركروا جميعا في الضحك، ولم يفز صاحبنا منهم بكلمة: «صحة» حتى بعد استجدائها ... # هذا موقفنا من مصر العزيزة، أيها الأستاذ الصاوي، فلا تطلب ms041 لنا تكريما منها، بل ترحم ~~معي، يرحمك الله، على زهير بن أبي سلمى. # جاءنا أديبكم «المازني» فتنادى أدباؤنا واحتفوا به، فكرموه حتى شبع، ومدحوه حتى ~~استعفى. # وزاركم أديبنا «كرد علي» وقد علمت كيف مرحبوه، واحتفوا به. ~~••• # حسن أن تسمي بيروت أحد شوارعها باسم شوقي، فإجلال النوابغ اليوم فرض كالصلاة بالأمس. ~~وشوقي استهوته بيروت وسحره لبنان، كما فتن من قبل شعراء العبرانيين المعروفين بالأنبياء، ~~وفيهم أكابر وأصاغر كشعرائنا اليوم. ولم يفت المتنبي أن يذكر لبنان فقال: # وجبال لبنان وكيف بقطعها # وهو الشتاء وصيفهن شتاء؟ # وإن أقل المتنبي في وصف لبنان فلا بدع، فهو شاعر عشق شماريخ الآمال لا براعيم الجبال، وقد ~~كان جرحه طريئا والمسالك شابكة، وشبح ابن خالويه يتمثل له في كل دو. كما أصاب امرؤ القيس ~~في رحلته السياسية فلم يقل الشعر في وصف القسطنطينية، فأنكره بذلك طه حسين، وركب كتفي ~~التاريخ مستدلا بفقد هذا الوصف على عدم وجوده ... ونسي أنه مقتول أبوه وهو يحاول ملكا أو ~~يموت، وأنه غاب وما آب. # ودارت الأيام فعاض التاريخ لبنان بشعر شوقي، صنو المتنبي، ومحا نهوض مصر هجو أبي الطيب. ~~فالأمة التي هال شاعر الحكمة الثائرة خضوعها لعبد، لم يرعها «الأسد» ولا فت في عضدها زئيره. ~~فلو نشر للف بيده تلك الصفحات التي سودها بالنيل من الأمة المصرية المجيدة لأجل ذلك المخصي. ~~قاتل الله أسود وأبيض جنيا على مصر ولبنان فحرماهما أناشيد الشاعر الخالدة. # وهل مصر ولبنان إلا شقيقان أنامتهما السياسة منذ القدم في مهد واحد، ودانا بعقيدة واحدة ~~منذ فجر التاريخ؟ # فهذا بحرنا كان مسرحا للأمتين يربطنا بأواصر مدنية ودينية، فكم حملت إلينا أمواجه «سلة ~~البردي» تنبئنا بقيامه المعبود المشترك «أدونيس». وهل من رابطة أحلى وأمتن من العيد؟ # أجل هذا «بحرنا» لا بحر الروم والرومان، ولا بحر الأسبان كما أسماه أييانيز في قصته: ~~«ماري نوستروم» أي «بحرنا». فنحن أولا أتخمنا شواطئه وموانئه بضائع، وملأنا ظهره سفينا، ~~كما قال ابن عمنا عمرو بن كلثوم، وحملناه أثقالنا إلى أمم الأرض من متاع ورسالة. ms042 فحول حوضنا ~~هذا تجمعت أمم الأرض، وعلى متنه تناطحت، وسبحان وارث الأرض وما عليها. # وهذا تاريخ إبراهيم باشا، ألا يذكرنا - إن تنفع الذكرى - بهوى جمعنا حول العلم؟ # فالبنادق الإبراهيمية لا تزال في بيوتنا، وطربوش محمد علي على رءوس شيوخنا، وكلمة مصريات ~~على لساننا، وهي آصرة تربطنا. والشاعر شوقي مولود، كما قال عن نفسه، بباب بيت نصرناه ~~بسيوفنا وقلوبنا، وكما دارت الدائرة على أميرنا مات الشاعر كالفراء ... # إذن فليست تسمية أحد شوارع بيروت باسم شاعر جيله - ولو أغضبنا العقاد ~~- بأمر عظيم، فما فينا إلا منا، وكلنا تربطنا اللغة التي ~~كان لها لبنان كالحجاج لأهل الشام. ومن استحق شكر لبنان في حياته - وشكر لبنان للأحياء فلتة ~~- ألا نزيده منه في مماته، ونحن دولة اشتهرت بتكريم الناس مكفنين، كما كرمت جبران. ولا أدري ~~أكانت أرغمت المكرزل على ذلك أمس ... # إذن لا يكبر الصاوي مروءة لبنان، ولا يلوم مصر إذا أبطأت عليه، فلبنان كما قال نابغته ~~جبران، كل قبيلة فيه أمة، فلسفته شعوذة، وسياسته ثعلبة، ينصرف عن الدين إلى المذهب، ولا ~~يرفع صوته إلا وراء النعش. # أجل إن لبنان بلد متصوف يدين بآية: «من سخرك ميلا امش معه ميلين، ومن خاصمك ليأخذ ثوبك ~~فأعطه رداءك.» # إن لبنان - رحم الله شاعر بلعنبر - لا تغره هذه الأمجاد الباطلة، فلا تطلب له، يا أستاذ، ~~شيئا منها. ولو لم يكن أمرع للزهاد والنساك لما جعله المتصوفون مقر «أقطابهم» يقيمون فيه ~~مع أحنوخ وإيلياء إلى يوم يبعثون ... وهذه صوامعه على قلله لسان ناطق. # إننا نشكر للصاوي عاطفته الطيبة، وإن رأيناه اشتط في تذكيره قومه بتكريم من لا يكرم نفسه ~~ولا يحترم نوابغه. فهذا جبران أديبنا العالمي، أما انطفأ خبره عندنا، وذهب ذكره مع الدوي؟ ~~فلولا كيسه ما عاد إلى بلاده مكرما لينام في دير مار سركيس، على كتف نهر قاديشا الذي ترعرع ~~على ضفتيه، ومزج ترنيمه بخريزه، ونام نومة الأبد على هينمة سروه وأرزه وشربينه. # فلأي ذكراه اجتمعنا بعد يومه، وأي علومه نصبنا، وأي شارع أسمينا، ثم لا نفتأ ms043 نردد: «ملء ~~عين الزمن سيفنا والقلم!» # وهذا فرح أنطون، ماذا لقي من هذا الوطن، وأخجلة التاريخ من أبي المدرسة الحديثة الحرة، ~~فمن بشر برنان وتولستوي وروسو ونيتشه وروسكين وغيرهم قبله. ماذا فعلنا له غير الإغارة على ~~آثاره بعد أن اتخذ سويداء قلبه مدادا لتحبيرها؟ # وهذا المنفلوطي، رحمه الله رحمة واسعة، صديق فرح، قد قرظ بولس وفرجيني القصة التي ترجمها ~~فرح، بقصيدة، يوم كان المنفلوطي يقول الشعر، ثم شن الغارة على بيت صاحبه - وأظن ميتا - ~~فسبا بنته وكساها ثوبا عربيا من طرازه، فأفسد خطوطها ورسومها، فصارت لا عربية ولا ~~فرنجية. # وجبران عندنا، أيها الأستاذ، كولي الدين عندكم، كلاهما لم يذكرهما المنهاج. وهذا ~~«المفصل» الذي وضعته لجنة من أساتيذكم، أذكر ولي الدين؟ مع أن مؤلفيه قدموا بين يدي ~~مفصلهم أنهم «لم يقتصروا في الكتاب على ما دل عليه المنهج، بل لقد زادوا عليه ما رأوا فيه ~~نفعا، وترجموا لرجال رأوا في الترجمة لهم أجزالا في الفائدة.» # أما من فائدة ترجى من أدب ولي الدين وجبران وفرح؟ # إننا لا نطمع منكم، يا أستاذ، بأسماء شوارع ونصب تماثيل بل: اذكرونا مثل ذكرانا لكم ~~... # لقد أقر منهاجنا ولي الدين، فليتكم تذكرون جبران ليصبح قول الإنجيل: لا يكرم نبي في وطنه. ~~ولكن كيف أتمنى عليكم ذلك وأدباؤكم لم يقولوا كلمة فيه بعد موته؟ # لشد ما عتبت على خليل مطران يوم قرأت مقاله: «رواد النهضة الحديثة» في هلال حزيران! فوا ~~عجبا له! أينسى ولي الدين وجبران وفرح أنطون، ويذكر أسماء لم نسمع بها؟ فمن الحيف أن ~~ينساهم خليل الذي لا ينسى أحدا، ويجود على كل مخلوق بثناء، ولو بشيء كشعر بشار في: «ربابة ~~ربة البيت» # قلت يا شاعر الأقطار الجليل: إن في من ذكرت «الشموس والأقمار والكواكب الصغيرة الأقدار.» ~~أليس هؤلاء شيئا من هذا؟ كنت ذكرتهم وبرأت ذمتك، فمن تراه يذكرهم عندك؟ أعبد العزيز ~~البشري، مفخرة العرب، كما سمعناك تلقبه ليلة شوقي؟ # ما أسخاك يا خليل بالألقاب! # انظر، فهذا مفخرة العرب الشيخ عبد العزيز ينوب عن الرحمن ms044 الرحيم في مفصله، حين يترجم ~~لرجال النهضة الحديثة، «فيرحم» منهم من يشاء، ويحرم من «رحمة الله الواسعة» الخشاب والعطار، ~~وزيدان مؤرخ التمدن الإسلامي، وصروف معلم ناموس النشوء، والبستاني، واليازجي، حتى أحمد فارس ~~الشدياق الذي جهزه أمير المؤمنين ودفنه في وطنه. # هذا «المفصل» أمامك يا خليل، عسى أن تكون أنت من المرحومين بعد العمر كله، فبص وقل معي: ~~قاتل الله نعرات الشرق، فهي كليل ابن الفارض، وحملها معي دم شهداء الأدب كما حمل المسيح ~~جيله دم الأنبياء وكان منهم. # ثم ما لي أطلب إلى مصر ولبنان أنصاف هؤلاء النوابغ، فولي الدين يكن بغني عن «المجمل ~~والمفصل» وفرح يحيا بآثاره الخالدة يوم يؤرخ الأدب تأريخا نزيها لا عوج فيه. لا أنسى فصل ~~العقاد في فرح، فقد أنصفه ووفاه حقه. أما جبران صاحب «النبي» و«الأجنحة المتكسرة» فهو خالد ~~بمصطفاه وسلماه، لا بما خطوا فوق مضجعه: «هنا يرقد نبينا جبران» فالأنبياء قد ختموا. # فما أمر خيبتك يا جبران! لقد طوفت في الآفاق ثم عدت ونمت حيث نام «خليل الكافر» و«يوحنا ~~المجنون»: في الدير. فنم يا صاحب «ابن الإنسان» مستريحا. نم مكفنا بضباب البخور، وثق أنك ~~لن تعود إلينا فنخجل منك؛ لأن امرأة أخرى لن تلدك (النبي ص119). # إنك نائم في لبناننا لا في «لبنانك» والذين أبغضتهم في حياتك هم، وحدهم، ينتصبون حول ~~تابوتك في ذلك الكهف، كل عام، يتضرعون إلى ابن الإنسان - بالسريانية - صارخين، قائلين ما ~~معناه: ونيح عبدك يا ابن الله ... إلخ. # أما أخوك فرح ويكن، فما علمت، لم ينعما حتى بضريح؛ لأنهما عاشا تحت سماء لا تمطر ~~صواعقها إلا نوابغها، اللهم الذين لم يلبسوا أطمارها. # فسلام على نوابغ العرب من زهور لبنان وصخوره، ورحمات الله، عد الحصى والتراب، على ولي ~~الدين والأدب! # أسمعت يا شيخ عبد العزيز؟ # لقد صدق أشعيا القائل: خجل لبنان وذوي. # 29 / 11 / 1934 # | إلى الراسبين في الامتحان # قال المثل اللبناني: «في تموز تغلي المياه في الكوز»، فلا بأس علينا إذا قلنا نحن: «في ~~تموز المنحوس تفور الدماء في ms045 الرءوس»، ولكن ليس في كل رأس، بل في رأس من يرسبون في ~~الامتحانات. فهذا فتى يهدد بالانتحار، وهذه فتاة تتجرع صبغة اليود، أو تزدرد كمية من أقراص ~~الكاردينال، وذاك شاب يتهدد ويتوعد، ويسن السكين ليقضي بها على من يعتقد أنه سبب له الرسوب ~~وعوقه من الخوض في معترك الحياة. # إن الشهادة هي عروس أحلام فتياننا. فأعجب لورقة فيها هذا الفتون الذي يدفع إلى ~~الجنون. # إن بعض شبابنا يصح فيهم ما قال نجيب الحداد في المقامرين: # قد اختصروا التجارة من قريب # فعدم في الدقيقة أو يسار # فأصحابنا، بل أحبابنا التلاميذ مستعجلون جدا. ولا عجب في ذلك، فالعصر عصر السرعة ~~... # إنهم يريدون الشهادة من أقرب الطرق، وإلا تمثلوا بقول امرئ القيس: «نحاول ملكا أو نموت ~~فنعذرا!» # لا يا حبيبي، الروح عزيزة ومن يدريك أو يدرينا أنك لا تكون في المستقبل السيد الذي يرفع ~~رأس وطنه عاليا كأكثر الذين نتحدث عنهم حتى نطحت رءوسهم السماء وغابت وراء الغيوم؟ فحتى ~~يهون عليك الأمر، ولا تستصعب رسوبك، ادرس سير نوابغ العالم، فقد تجد بينهم من رسب مثلك وخرج ~~إلى العالم وليس في يده السلاح الماضي الحدين الذين تحلم به. # يعجبني في هذا المقام أن أسرد على مسمعك حكاية أب استعجل الوصول إلى البيت قبل أن يحدق به ~~الظلام. كان في طريقه نهر شتوي طائف. فبدلا من أن يدور الدورة حتى يصل إلى الجسر، شمر عن ~~ساقيه وقودم، فمضت به الحامولة إلى البحر وترك أما وطفلا رضيعا. # ولما درج الطفل وشب، سأل أمه في إحدى ليلات كانون التي يحلو فيها السمر عن أبيه الذي لم ~~يعرفه، فقالت له: قلت لك فيما مضى: والدك غائب وسيعود، أما الآن، وقد صرت بالغا رشيدا، ~~فمن حقك أن تعرف أن أباك مات، والموتى لا يرجعون. # فوجم الفتى هنيهة، ولكنه أراد أن يعرف كيف مات أبوه، فأجابته أمه: كان في المدينة، وعندما ~~رجع كان النهر طائفا، والجسر بعيد، فخاطر وقطع، وكانت النهاية. # فقال الفتى: ولماذا لم يذهب إلى الجسر؟ # فقالت الأم: ms046 استعجل ليصل إلى البيت قبل أن يدهمه الليل. # فأجاب الغلام: ولو كان مشى إلى الجسر، أما كان وصل الآن؟ # فمن هذه الحكاية تعلم، أيها الطالب الكئيب. فإذا لم تصل العام، فإنك واصل بعد عام أو ~~عامين، فلماذا تلوث يدك بدمك، أو بدم غيرك وتقضي العمر شقيا؟ # ابحث عن سبب علتك وداوها، واقرأ سير الرجال، تجد بينهم من لم يكونوا أحسن منك حالا، فما ~~نالوه من شهرة لم يبلغوه إلا بالكد والجد وسهر الليالي. # قل لي: كم ليلة سهرت، وكم سنة انصببت على كتبك كما يكون الانصباب لأرى إذا كنت تبلغ ما ~~تصبو إليه؟ # إن درس شهر نوار وبضعة عشر يوما من حزيران لا يجديك. فتحصيل البكالوريا لا بد له من خمس ~~سنوات درس متواصل فكيف تريد أن تحقق ذلك في شهرين ثلاثة؟ # ففي ليالي الكوانين يقرصك البرد فتسترخي تحت اللحاف، وتلعن أبا الذي دق الجرس ألف مرة، ~~وفي فصل الربيع تستسلم إلى مباهجه، وتناجي زهوره التي توحي إليك بألف معنى ... وتظل كذلك حتى ~~تصير على رمية حجر من موعد الامتحان، فتركض إذ ذاك إلى الكتب الكثيرة المطلوب منك ~~درسها. # قلت: درسها، والدرس لفظة مجازية مأخوذة من درس القمح على البيدر، وعليك أن تفعل كالفلاح ~~الذي يظل يدرس ويدرس حتى ينال المحصول. # إن المنهاج لا يطالع مطالعة سطحية. ومن يفعل ذلك يبوء بالخذلان. # فالمعرفة لا تكتنز ما لم تستحل إلى ذوق كما يستحيل الخبز دما في أجسامنا. # هذا هو موقفنا من المنهاج أنا وأنت. أنا كأستاذ علي أن أكون دليلك كما كان فرجيل دليل ~~دانتي في الجحيم والمطهر والنعيم. # وفي منهاجنا جحيم ونعيم ومطهر، ولا بد من المرور بها جميعا، والأمر لله، والامتحان مشتقة ~~من المحنة. # احذر أن تقامر في تحضير المنهاج، فالمقامر خسران إن عاجلا أو آجلا. # لا أعني بالمقامرة لعب الورق أو سباق الخيل، بل أعني أن لا تتكل على اليانصيب، كأن تدرس ~~هذا الشاعر أو ذاك الكاتب، راجيا أن ينزله الحظ عليك في قفة ويقول لك: «تفضل يا ms047 عزيزي، خذ ~~موضوعك غنيمة باردة.» إن الذين يفعلون هذا ، أساتذة وتلاميذ، ليس لهم أقل نصيب من الأمانة ~~العلمية والتعليمية. # وهناك سبب آخر أدى إلى رسوبك الذي استغربته، ومن حقك ألا تستغربه. أما تركت المدرسة ~~الفلانية؛ لأنها لم ترفعك إلى صف أعلى وأنت تريد أن ترقى إليه؟ # إن العلم لا يتعرف إلى الأوتوماتيكية، والطالب كالثمرة، يجب أن يمر في أطوار شتى، محتملا ~~الحر والبرد حتى الثلج لينضج مثلها ويصير ذا نكهة شهية. فإذا كنت ظننت أنك ربحت سنة أو ~~سنتين، فأنا أقول لك: إنك لم تفز إلا بخيبة مرة، وكانت المصيبة الثانية شرا من ~~الأولى. # ثم، أما حاولت أن تخدع أساتذتك ومدرستك، بنقل من هنا وهناك؟ # أما توسلت إلى مدرستك حتى تجيز لك دخول الامتحان وأنت غير كفء له؟ # إن أحوالا شتى كان يجب أن تهديك سواء السبيل، ولكنك اتكلت على ما لا يجوز الاتكال عليه ~~من وسائل ووسائط لا تذكر هنا، فلندعها في القلب تجرح ولا تخرج من الفم فتفضح. # ثم أتحسب أن ما يمليه عليك معلمك سلاح تقاتل به معترك المعرفة؟ لا يا أخي! # إن ما ينقل من هنا وهناك، وتجمع أطرافه وأذياله ليصير دراسة ليس بذي بال عند الممتحن ~~الحصيف. # وعلم الأصول من نحو وصرف وبلاغة إما أعرضت عنه؛ لأنك رأيت كتاب اليوم يصرحون بأن هذا لا ~~يفيد، وقد أعرضوا هم عنه فسرت أنت وراءهم؟ # لست أضع كل الأعباء على كتفيك، ولكن أريدك أن تكون أشد انتباها، فمهما كان أستاذك غير ~~ضليع، يظل أسمن منك ضلعا فهو على الأقل يكتب صحيحا، وأنت - رعاك الله - لا تراعي حرمة ~~اللغة، ظانا أنك، إذا استظهرت ما أملي عليك، ربحت المعركة. # لا يا ابني، إن من يسير وراء القدماء ولا يفكر لا تظهر شخصيته. والشخصية أعظم جدا من ~~المنهاج المطبق؛ أي السير على الطريق المعبدة. # نريد أن تظهر شخصيتك أدبيا في الدراسة الثانوية. أما شخصيتك السياسية والحزبية فهذه ~~موضعها في الدروس الجامعية: الحقوق والطب وغيرهما، وغيرهما! # أتعترف الآن بأنك لم تكن على ms048 حق حين كنت تفكر بالإضرابات لأجل قضايا تافهة، وكل ذلك لكي ~~تتخلص من الدروس؟ # إذا كانت الشئون الكبرى لا تصح مقاومتها بتعطيل العمل، فكيف بالشئون الصغرى؟ # فعند أقل حادث نلجأ إلى الإضراب، ونطلق الكتاب، وهذا عمل لا يتفق مع الدروس الثانوية، ~~والعلم عامة لا يسع معه شيئا. # إن الشهادات لا تنال بالاحتجاجات والمؤتمرات، إنما تنال بالدرس الذي لا ينقطع. فلندع ~~معالجة الشئون الطارئة لأربابها. أما أنتم الآن فلا شئون عندكم ولا شجون. # أما المدارس فعليها أن تقف من طلابها موقفا صارما، فلا ترقي ولا ترفع لأجل دمعة فرت من ~~عين، أو كلمة تهديد يرسلها أب جاهل. فالعلم لا يؤخذ غلابا ولا بالتمني «والخاطرشن» ~~... # قال ابن سيراخ: من أحب ابنه فليهيئ له القضبان حزما حزما. # ونحن نقول: من أحب تلميذه فلا يراعيه. فصديقك من صدقك من لا صدقك. # كنت ألجأ مع الطالب دائما إلى البرهان: يقول لي مثلا: جربني في هذا الصف، وإذا لم أمش، ~~نزلني في نصف الفصل. فأقول له: النزول ذل وانكسار، فأنا أضعك الآن حيث أعتقد أنك تستحق، ~~وإذا رأيتك قادرا أصعدك. # ولكن المحاورة لم تكن تقف عند هذا الحد، فيقول الطالب: والكتب يا معلمي غالية أسعارها، ~~فلا بد من شراء كتب جديدة ودفع المبلغ المرقوم. # ولم أضعف تجاه هذا الطالب الداهية فقلت له: لا تكتب اسمك عليها، واحفظها نظيفة لنستعيدها ~~منك ونعطيك غيرها. # ولا يقتنع الطالب، فيطرح الصوت على أبيه وعمه وخاله وأولاد الحلال من أوجه الضيعة ~~والجيرة، وكلهم يساعدونه حتى نكذب عليه. # أما حق الكذبة فيدفعه هو يوم الامتحان، وقد قيل: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. # | النمام عدو السلام # من ذاك الذي نراه في النوادي يبحث بعينيه عن رجل يسكن إليه؟ # ينحني على عمرو وينطوي كالخيزران فوق رأس بكر ليصب في آذانهما ما أنتجه من حكايات كاذبة ~~وروايات أحكم صنعها حتى أشبهت الواقع. # حديثه مناجاة، وكلامه همس قلما يتجاوز تخوم شفتيه. ينفرد بهذا ويختلي بذاك، ولا يستقر على ~~حال، فيفر من هذه الزاوية إلى تلك ms049 كأنه الزئبق الرجراح. # يرحب به هؤلاء ويحتفي به أولئك ، وكأنهم جميعا في انتظار مقدمه السعيد. # ومن هو ذاك الجوابة الهداج حول البيوت؟ فلا يدخل من باب حتى يخرج من الآخر، إذا لم يقع ~~على المرعى المنتظر؟ # يحمل إلى زيد أخبار عمرو، وينقل إلى خالد أبناء مصطفى. فونغراف يعبي ويفرغ، همه بذر ~~الشقاق بين الأصحاب والأعداء، وتجارته الأحاديث، ولكنه يتجر بها تجارة فاجر باع ذمته في سوق ~~الخساسة. # فإذا كنت لم تعرفه فأنا أعرفك به: هذا هو النمام الذي يزرع بذور الفتنة في الأذهان ~~والقلوب ويتعهدها بماء الكذب والنفاق، فتنبت شوك العداوة والبغضاء. # فالنميمة أشد الآفات فتكا بالهيئة الاجتماعية. كم قبح القرآن الكريم ذويها، وكم ضربت ~~بهم الأمثال، وكم قيلت فيها أشعار، وكم مرة وقف السيد المسيح على روابي أورشليم محذرا قومه ~~من هؤلاء المرائين، وكم كتب القديس بولس الرسالات الضافية الذيول يحذر بها الأخوة شر ~~النميمة، وقد قيل: «أربعة لا يدخلون الجنة: النمام، والمستهزئ، والمرائي، والكذاب.» # فالنمام - قبح الله وجهه - هو رسول الشر، ونذير الخراب، والبوم الناعب في قصور المودة! ~~فكم فرق بين أخ وأخيه، وصديق وصديقه، فكأنه لم يحفظ من الإنجيل غير قوله: «جئت لأفرق الأخ ~~عن أخيه، والابن عن أبيه!» # وللنميمة أضرار جسيمة فهي تثير كوامن القلوب وتوقد نار البغض. وكم من مشكلة كان يهون حلها ~~على أصحاب النيات الحسنة لو لم يقف بوجههم النمام، وينقل الأخبار المنسوجة على منوال ~~خساسته، فقويت بذلك شوكة الخصام وصعب كسرها. # قال بعض الحكماء: «احذروا لصوص المودات، وهم السعاة والنمامون. فمن أطاع النمام أضاع ~~الصديق.» # ودفع إنسان رقعة إلى الصاحب بن عباد يحثه فيها على أخذ مال يتيم، وكان مالا كثيرا، فكتب ~~ابن عباد على ظهر تلك الرسالة: «النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة، والميت رحمه الله، واليتيم ~~جبره الله، والساعي - النمام - لعنه الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.» # قال رسول الله: «لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا. فإني أحب أن أخرج إليكم سليم ~~الصدر.» # وكلم معاوية الأحنف في شيء ms050 بلغه عنه فأنكره الأحنف، فقال له معاوية: «ولكن الذي بلغني ذلك ~~رجل ثقة.» # فأجاب الأحنف: «إن الرجل الثقة لا يبلغ مكروها.» # وجاء في سفر الأمثال: «رجل الأكاذيب يطلق الخصومة، والنمام يفرق الأصدقاء، وكلام النمام ~~مثل لقمة حلوة وهو ينزل إلى مخادع البطن. بعدم الحطب تنطفئ النار، وحيث لا نمام يهدأ الخصام ~~ويعيش الناس هادئين مطمئنين.» # وقيل أيضا: من حرم الخير فليصمت، وإن حرمهما - أي: الخير والصمت - فالموت خير له. وقال ~~الله في كتابه العزيز: # ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم ~~. # وفي الحديث الشريف: «لا يدخل الجنة نمام. وشراركم المشاءون بالنميمة المفسدون بين ~~الأحبة.» وقال أيضا، صلوات الله عليه: «ملعون ذو الوجهين، ملعون ذو اللسانين، ملعون كل ~~نمام!» # وما أجمل ما تكني به العامة عن النمام فسموه «زقاق صحون.» # كان الفضل بن سهل يكره النميمة، وكان إذا أتاه ساع يقول له: «إن صدقتنا أبغضناك، وإن ~~كذبتنا عاقبناك، وإن استقلتنا أقلناك.» # وقال المأمون: «النميمة لا تقرب مودة إلا أفسدتها، ولا عداوة إلا جددتها، ولا جماعة إلا ~~بددتها.» وقال صالح بن عبد القدوس: # من يخبرك بشتم عن أخ # فهو الشاتم لا من شتمك # ذاك شيء لم يواجهك به # إنما اللوم على من أعلمك # وقال الحسن: «ستر ما عاينت أحسن من إشاعة ما ظننت.» # وقال عبد الرحمن بن عوف: «من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها.» # ولذلك قالوا: النمام هو أحد الشاتمين، وقد سبك من بلغك السباب. # وكان لابن الوردي الشاعر غلام رديء المسلك اسمه بهادر فحرره، ولكنه ندم على ذلك؛ لأنه ~~بتحريره إياه كان كمن أطلق وباء في المجتمع. وفي ذلك قال قصيدة مشهورة هذا مطلعها: # بهادر عبدي لا بهاء ولا در # فما أنا حر يوم قولي له حر # ومن صفات هذا العبد أنه لم يكن يحمل إلى مولاه إلا أخبار السوء، ومن طبعه أن لا يهدأ له ~~لسان فهو كما تقول العامة في من كان مثله: «لسانه بسبع شناخيب»، وفي وصفه قال هذا الشاعر ~~المنكوب بعد أن عدد شعرا صفات ms051 هذا العبد النمام المبشر دائما بالسوء: # وإن قلت: ما الأخبار؟ قال: رديئة # سعوا فيك، أو مات امرؤ، أو غلا السعر # وإن قلت: من في الباب؟ قال مفولا # على الباب عزرائيل وانفصل الأمر # ومن الأمثال المصنوعة على قالب كليلة ودمنة، حكي أنه كان في إحدى الغابات الكثيفة شجرة ~~ضخمة طال عمرها فنخرت السنون في جذعها. وضعت اللبؤة في قرارة جوفها أشبالها، كما بنى ~~العقاب في شماريخ أغصانها وكره. وبينما كان في وكره يزق أفراخه، إذ بالهر يشرفه بزيارة غير ~~منتظرة افتتحها بالتحية المعتادة: «حياك الله أيها الصديق.» وبعد السلام والكلام شرع الهر ~~بالتدليس والتملق، فتنفش العقاب وأصغى بأبهة ورصانة إلى حديث زائره الكريم. وبعد إفراغ جراب ~~التحيات والسلامات انتقل الهر إلى الغرض الذي من أجله جاء فقال له: «لي معك حديث تهمك ~~معرفته، وإذا لم أقدم حتى الآن على إطلاعك عليه فخوفا من أن تبوح بالسر.» # وبعدما كبر الأمر وجسم الخطر أقسم له العقاب بشرفه وبدينه أنه لا يفشي من سره شيئا. ~~فقال له الهر: «سمعت الأسد يقول لبنت عمه اللبؤة: إنه يترقب فرصة غيابك ليصعد إلى أفراخك ~~ويأخذها زادا لأشباله.» # فشكره العقاب على نصيحته الغالية، وودع الهر وانصرف. # وفي طريقه عرج على الأسد، وقبل أن يدخل عليه صاح به من بعيد: «أمني يا ملك الزمان، فأنا ~~أحمل إليك نبأ يهمك.» # وكان له الأمان الذي أراد، فدخل وهو يقول: «أسعد الله صباحك يا ابن العم، إن القرابة هي ~~التي حملتني على أن أنقل إليك خبرا يهمك جدا أن تعرفه؛ لتكون على بصيرة من أمرك. إن ~~العقاب المعشش فوق في أعالي الشجرة يتحين فرصة غيابك لينقض على أشبالك ويطعمها ~~أفراخه.» # فتعجب الأسد من هذا النبأ، وربض لا يفارق العرين، ومثله فعل العقاب. وظلا على تلك الحال ~~حتى ماتا وأولادهما واستراح الهر منهم جميعا. # فلو قلدنا النمام زمام الحكم وقلنا له: كن عادلا واحكم على الهر بما يستحق من عقوبة ~~فبماذا كان يحكم عليه يا ترى؟ # فيا أيها النمام الزنيم، والمشاء الأثيم، ألا ms052 أشفق على إخوانك! # ألا رحمة بقلوب العباد، ولا تطلب الحياة بقتلك الناس! # فإذا كان هذا سبيلك لاكتساب عطف الناس فقد ضللت. # كن سليم النية صافي السريرة تجد ثغر الحياة باسما لك، والطمأنينة مادة يدها لتصافحك، ~~والسعادة فاتحة ذراعيها لتضمك إلى صدرها. # إن ثوب الرياء يشف عما تحته، ومهما انفسح أمامك الأجل وطال، فلا بد من الافتضاح. وإذ ذاك ~~تغلق بوجهك الأبواب، وهذا إذا لم تطرد كالكلاب. # | على أبواب المدارس # حكاية مزارع # جاءني رجل حاشيته رقيقة ولكنه مستور الحال. وبعدما ارتمى على المقعد واسترخى قليلا، تنهد ~~ونفخ نفخة أرقصت الأوراق على مكتبي، فقلت له: «خير إن شاء الله! أية أزمة أنت فيها؟ لست أرى ~~على وجهك دلائل مرض، ولم يبلغني أنك أصبت بأنف العنزة ولا ذنبها، فما هذا الضنك البادي على ~~وجهك؟» # فتأوه الرجل وقال: يا ليت! دواء الأنفلونزا هدية المقرف، ليمونة حامضة وقرص إسبرو، أما ~~علتي أنا فهي في جيبي. صرنا على أبواب المدارس والجيب فاض. أنا خائف أن يبقى الصبي بلا ~~مدرسة. # فقلت: ما أكثر المدارس يا أبا جميل! فنق واختر منها ما يلائم، وعلى قد بساطك مد ~~رجليك. ~~- وإذا لم يكن لي بساط بالمرة فما العمل؟ # فأجبته: أبلغ بك الضيق هذا المقدار ونحن لا نعرف؟ # فقال: لم أحتج بعد إلى القوت، ولكن الأقساط المدرسية وارمة والعام ضيق. الزيتون ما حل، ~~والتفاح أرخص من الفجل. مائة صندوق لا تسدد القسط الأول، وثمن الكتب والقرطاسية، والدخان لا ~~نعرف كيف يكون سعره. كانت الناس تفرج عن بعضها، أما اليوم، ومع أن العملة ورق، فالناس ~~تنكر وجودها وتقبرها تحت تاسع أرض. أكثر الناس يكسرون يدهم ويشحذون عليها. عجزنا وما وصل ~~إلى يدنا قرش؛ أنا خائف أن يطلع الصبي بلا علم. # ومرت الأيام وعاد الرجل طلق المحيا، فقلت في نفسي: أبو جميل قرع باب الفرج وفتح ~~له. # فقال بعدما احتبى: أنت تظن أني وقعت على ابن حلال أقرضني القسط. نعم يا سيدي، قد وجدنا ~~القسط في صندوق أم الأولاد. باعت فسطانها المخملي وخاتمها ms053 الذهبي، وقالت لي حين أعطتني ~~المال: ما نفع شب طويل عريض ليس في رأسه علم؟ الفسطان يعوض، أما العلم فهو كالزرع، إذا لم ~~يغرس في وقته فلا تنتظر منه غلة. # وهنا تأوه أبو جميل وقال: لا تسألني بماذا كافأتها على هذه البشرى ... وقمت فورا إلى ثيابي ~~الجدد وطرت بابني إلى المدرسة. وها نحن ننتظره كما ننتظر الحبة التي نبذرها في تشرين، ~~ولنأكل غلتها في حزيران، أليس العلم غرسا؟ ~~••• # هذه حكاية أكثرنا أيها الطالب العزيز. # لقد دخلت المدرسة بفضل فسطان أمك، الذي لبسته في ليلة زفافها، وهي تحلم بك. فماذا تفعل ~~أنت حتى تكافئها وتكافئ أباك على تلك الساعات المضنية التي زعزعت أساساته؟ # الأبوان لا يترجيان إلا فلاح ولدهما، فاعمل لتخرج مفلحا، قدر جهاد والدك وتضحية أمك، ~~واكسب من العلم كل ما تستطيع. # وكأني بك تسألني: وماذا أعمل حتى أكون شابا ناجحا؟ إن كان عندك شيء غير الوعظ ~~فهاته. ~~- نعم عندي هذا السؤال: هل أنت مقبل بكل رغبة على المدرسة؟ فإن كنت كذلك فأنت ناجح وغني ~~عن إرشادي. # إن العلم لا يسع معه شيئا. فالدماغ كالوعاء، إذا ملأناه فلا نستطيع أن نزيد عليه شيئا. ~~أما سمعت قول المثل: «بطيختان لا تحملان بفرد يده»؟ وكذلك هو الفكر، فإنه لا يشغل بأمرين في ~~وقت واحد. # قال أحد علماء الكنيسة الأتقياء: على من يريد الترهب أن يخلع ثيابه عند بوابة ~~الدير. # أفهمت معنى هذا القول؟ # معناه أن من ينصرف إلى الزهد يجب أن يتجرد من كل ميوله الأخرى. وأنت إن كنت غير زاهد في ~~اللهو والعبث فما لك والمدرسة! أما إذا دخلتها فاقفل الأبواب خلفك جيدا، واعمل برغبة كلية ~~تدرك غايتك. # إن المعرفة لا تنال باللهو وطق الحنك، فإذا كنت طائشا كالفراشة فستخرج من المدرسة محترق ~~الجوانح. # ليس المعلم بوليسا يحمل فردا على جنبه ليعلم الطالب غصبا عن رقبته. إنه كبائع الكعك ~~الذي تراه واقفا عند بوابة المدرسة، فهو لا يقاتلك إذا لم تشتر منه بل يحاول أن يغريك ~~ويشهيك، ولك أن تفعل ما ms054 تريده. # المعلم لا يقدر أن يطعمك كما يطعم أبوك الأشجار البرية. عندك وسائل كيما تعد نفسك ~~للنجاح. منها الإرادة فاعتصم بها تنجح. # وإذا أعياك القبض على ما ترغب فحاول أن تتعود. # إن العادة توليك نعما كثيرة وآثاما كثيرة. فإذا تعودت إتمام واجباتك صرت رجلا في ~~الحياة، وحزت المعرفة التي دفع ثمنها فسطان أمك. # التجئ إلى العادة، فإنها تمسي غريزة. فمن ألف القراءة قبل النوم لا يرقد ما لم ~~يقرأ. # أرأيت العادة كيف حولت القراءة بنجا؟ # فإذا قبضت على كتاب، فلا تدعه حتى تأتي على آخر صفحة منه. # سألت مرة تلاميذي: من قرأ منكم كتابا كاملا في اللغة الفلانية؟ # فأجابوا: لا نحبها، فلا نفتح الكتاب حتى نطويه. # فقلت لهم: احسبوها شربة زيت خروع، تعودوا عليها تستطيبوها. # فتعود بعضهم عليها وطابت نفوسهم بها حتى رغبوا فيها وكتبوا فصولا لا بأس بها. # فإذا أردنا وتعودنا بقي علينا شيء واحد وهو الأهم؛ أي الانتباه. # هنا تخطر لي الآية الإنجيلية القائلة: إذ لم يبن رب البيت فعبثا يتعب البناءون. وهكذا ~~يمكننا القول: إذا لم ينتبه التلميذ فعبثا يتعب المعلم. # والانتباه لا بد لنا من التعود عليه والمثل يقول: «كل شيء عادة حتى الصلاة ~~والعبادة.» # فإذا مرنت نفسك على الانتباه استفدت كثيرا مهما كان عقلك غليظا. # العادة هي التي تخفف عنك جميع أثقال الحياة، فتتحمل المشقات وترضى بحالتك التي أنت ~~فيها. # العادة هي التي تعلمك الانتباه، إذا تعودته تأتيه بدون أقل كلفة. # وهنا يجب أن يهب المعلم إلى نجدتك، فالانتباه لا يكون إلا حيث تكون اللذة والرغبة، فعلى ~~الأستاذ أن يجعل دروسه لذيذة بما يبثه فيها من شخصيته الجذابة. إذا كانت له شخصية. # ومن هنا جاء التصفيق بالأيدي للخطيب المجيد، وبغيرها للمحاضر البائس. # إن قراءة الكتب اللذيذة تسترعي انتباهنا، وتسوقنا بعصاها إلى حيث تريد، ولا يمكن إلا أن ~~ننتبه إذا كنا نقرأ كتابا يستهوينا ويرغبنا. # هذه رءوس أقلام وفيها بعض الكفاية الآن وسوف لا ننقطع عنك يا أمل الأم والأمة. # | العائلات المستورة # إنها كواكب نيرة تهاوت ms055 من علياء سمائها، وشهب خبت أنوارها المتقدة، ونسور نبل وكرم شل ~~الدهر أجنحتها، فسقطت من أعالي معاقلها الحصينة، فأبت عليها أنفتها أن تزحف مع خشاش الأرض، ~~فانزوت وفي القلب حسرة، وفي العين دمعة تفجرها الذكرى. تنظر إلى معاقلها بعين مكسورة، ثم ~~تحني رأسها لتنسجم مع واقع حالها راضية بما كتب الله لها. # إن العائلات المستورة هي ذلك النسر الذي قلما يدرك الناس هول فجيعته. فهم لا يرونه على ~~رفارف الشوارع، ولا على أبواب المنتديات مادا يده؛ لأنه لا يحتمل أن يقف سائلا بعدما كان ~~مسئولا، ويأبى أن تكون يده السفلى بعدما كانت العليا، فهو يصبر ويصبر مرددا قول المثل: ~~«خليها في القلب تجرح، ولا تخرج من الفم فتفضح!» # إن بشارا الأعمى، مع جشعه وتكالبه على المال، أدرك ما يعانيه الكرام من ألم حين تعجز ~~أيديهم عن الجود ومؤاساة الناس، فأبرز صورتهم في أجمل إطار حين قال: # إن الكريم ليخفي عنك عسرته # حتى تراه غنيا وهو مجهود # وللبخيل على أمواله علل # زرق العيون، عليها أوجه سود # ومن ينكر أن تلك العائلات المستورة حقا لم تكن دعامة راسخة لبنيان المجتمع، فترك سقوطها ~~فراغا عظيما؟ # فطالما كانت عضدا للفقير، وساعدا للبائس، وعكازا للضعيف المسكين، فانتشلت بحسناتها ~~تعساء مطروحين في غيابات الجوع والخوف والجهل. ولكن الدهر الذي لا يرحم جار عليها، فأذاقها ~~مرارة الجوع والخوف، فقبعت في عقر دارها تلتمس قوت من لا يموت. # هوت إلى الحضيض، وليس لها بسطة كف تستعين بها على قضاء حقوق الحياة، فصبرت على نوب الزمان ~~بإباء، ولم يصغر البؤس والحرمان نفوسا عاشت كبيرة، ويأبى الشرف وعزة النفس أن تموت صغيرة. ~~لم يطرأ على ذلك العنصر الكريم ما أفسده عند فقد المال، فكان كالذهب الخالص لا يأكل الصدأ ~~عرقه المتين مهما تراكمت عليه الأقذار والنار. # ففي هاتيك البيوت التي كانت أبوابها مشرعة للبائسين، ومعجنها سائبا للعافين، أمست النفوس ~~تتهلل إذا شبعت البطون، وتغتبط إذا فتحت بابها ليخرج منه رغيف يسد رمق معوز. # إن الفقر الحقيقي يتجسم بين تلك الجدران ms056 الصامتة حيث لا أيدي تبسط على قارعة الطريق، وحيث ~~العيون تحجبها براقع الحياء، وحيث عزة النفس تترفع عن السؤال، فتتمسك بأهداب الصبر على خواء ~~البطون. # إن كماليات هذا العصر وتقاليده تمتص ما بقي في كأسها فتحاول ستر خصاصتها، ولكن أنى لها ~~ذلك والفقر فضاح! فهي كالمحكوم مؤبدا بالأعمال الشاقة فلا براح له. # الناس في حفلاتهم، يتحلقون حول الموائد الموشاة بصحاف ألوان الطعام، يأكلونها بعيونهم ~~وأفواههم، وآذانهم صماء عن تنهدات العيال المستورة، ناسين مآدبها وكوكتيلها وشايها، ~~وتبرعاتها ومبادرتها إلى إغاثة الملهوفين والمنكوبين. ففي كل موسم لا يطرق أحد بابها ~~ليؤاسيها أو يسليها أو يتوجع لها. # أيامها أمست مآتم، ولياليها للنحيب الصامت. تتأسف على الجاه العظيم، وتتلهف على مال فرقت ~~شمله يد القدر الغاشم. وكل مصيبة تصغر متى كبرت، إلا مصيبة زوال النعمة، فإن آلامها ~~وأوجاعها تتجدد كل ساعة. ولكن ذلك البكاء لا يتجاوز صدرها، فهي ترجع صوتها كالمطوقة التي ~~تبكي الهديل. فأين هم الذين سمتهم العرب جابري عثرات الكرام ليتداركوا هذا البؤس ~~الصامت؟ # فباسم الإنسانية نسأل ذلك الغني الحديث النعمة أن لا يرفع رأسه اختيالا وكبرا، ويخفف ~~الوطء على أديم الأرض، ولا يغره حشد المال ورقا وذهبا في صندوقه الذي لا يدخله حتى الهواء ~~القالع ... فما ضر ذاك الثري الأمثل لو ألغى مأدبة أو حفلة كوكتيل من حفلات العام، ونفس بها ~~عن هذه العيال المسكينة، بينما هو يعلق في صدر قاعته: «الخلق كلهم عيال الله»؟ # أنتركها في بؤسها كما ترك جزيمة بن بشر أصدقاؤه وجفوه بعدما أنفق عليهم ماله؟ # أبى جزيمة الشهم أن يخرج من بيته فقيرا حتى يقرع الموت بابه وينتزع درة تلك النفس من ~~صدفها. بل فلنكن كعكرمة الفياض الذي حمل إليه تحت جنح الليل الدامس كيسا من الدنانير، ولم ~~يشعر بذلك أحدا. # فإلى أمثال هؤلاء نلفت أنظار الحكومة، فهم أحق بفضلات الميزانية من الأنانيين الذين ~~يتناتشونها ويسلبون بمراسيم ما يطمعون به منها. # قد تكون في هذه البيوت المسدلة عليها ستور النسيان آنسة ذات جمال وكمال يحول دون تأهلها ms057 ~~قليل من المال يكون جهازا لها، كما تقضي عادات هذه الأيام، فلا تبقى حملا ثقيلا على ~~عائلتها التي هي أيضا عيال على القدر الساخر. # وقد يكون بينها فتى متوقد الذهن بخل عليه الدهر الظالم بقليل من المال؛ لتقبله إحدى ~~المدارس العالية في حضنها حيث يتلقى العلوم ويكون في المستقبل من جنود المعرفة التي تحارب ~~الجهل المخيم في آفاق البشرية. # وقد يكون بينها صبية صغار يتضورون جوعا، وسيدة انزوت بين جدران بيتها ولم تخرج منه ~~بأثوابها الرثة حياء وخجلا. وسيد لا يجد غير المعول ليحصل به ما يقوم بتكاليف عائلته ~~المنكودة. # هذا ما نذكر به بمناسبة المواسم والأعياد وحلول الشتاء القاسي، وعسى أن تصادف كلمتنا ~~هذه آذانا تسمع، وقلوبا ترق، وأيادي تسمح، فالثروة التي لا ينتفع بها الغير أشبه بالطعام ~~الزائد، فإنه يبشم ويتخم، ويضر ولا ينفع. # | على بوابة مدرسة # في مثل هذه الأيام تتفتح جراح المعسرين. # يستعد اللبناني للمدرسة في أوائل تشرين، كما استعد في آب للتموين. # فمستقبل أولاده مرتبط بتعليمهم. هكذا يقول، ثم يروح يرهن ويستدين حتى يكون القسط حاضرا ~~في الحين. أما المئونة فترجأ إلى الغد. يدبرها الله ... يأخذ من عند هذا البرغل والطحين، ومن ~~عند ذاك الزيت والرز والحبوب. # يختلق عذرا لهذا وأسبابا لذاك؛ فلا يخرج من الدكاكين وسلته فاضية. # أما المدرسة، وخصوصا إذا كانت أجنبية فغريم يابس، لا بد من الدفع نقدا في الحال، فلا ~~سندات غب الطلب، ولا غب مرور شهر، لا طالب ولا مطلوب، ادفع وادخل ولا هوادة، فالج لا تعالج. ~~تدفع، تدفع المبلغ المرقوم وأنت واقف على فرد رجل. # كانت الرواتب في الأمس نصف مصيبة، ولكن الحكومة رحمت المعلم بعد ألف يا ويلاه، وزادت له ~~عشرة بالمائة، فزادت المدارس ثلاثين وأربعين، والحكومة لا تسأل ما دام الحال ماشيا. والحال ~~أوحال، وماشي الحال في وطن الإشعاع. # ترى أما نحن في حاجة إلى وزارة من راديوم حتى لا تنطفي سرج إشعاعنا؟ # دعاني إلى ما كتبت عن العيال المستورة مشهدا رأيته عرضا منذ أسبوع عند بوابة ms058 إحدى ~~المدارس في العاصمة. # رأيت سيدة تغضي حياء ويغضى من مهابتها، رأيتها تلملم ذيول دمعة وتمشي في سبيلها تهمهم ~~وتدمدم، فقلت: ها قد سقطت على الموضوع فلنتقدم. # وتقدمت وتقدمت هي. وأخيرا وقفت لتمر العاصفة بسلام. ولكني وقفت أنا أيضا لأقول لها: ~~ما بك يا سيدتي؟ رأيتك خرجت من ذاك المعهد دامعة. # فتفرست في محاولة أن تعرف إذا كنت من يوثق به، ثم قالت: «يا ويل من يحط عليه الدهر في هذا ~~البلد، عرضت أساوري على أمين صندوق المدرسة فقال لي: اذهبي إلى سوق سرسق، وهناك تجدين من ~~يشتريها منك، أما نحن فخدام علم لا صيارفة.» # فقلت: اجعلنا رهينة في يديك لبضعة أيام، ولولا الخوف من ضياع الوقت على أولادي لتصرفت ~~بها، كيفما دارت بها الحال، ودفعت القسط. # فأجابني: آسف يا سيدتي فلا تضيعي وقتك ووقتي فغيرك ينتظر نوبته. # هذه قصتي الحاضرة، وهناك غيرها أقاصيص شتى، منها أن ابني الكبير أرسلناه إلى أوروبا لينهي ~~علومه في إحدى جامعاتها. كنا في بحبوحة يوم راح، فظل يبرق إلينا: أرسلوا دراهم، وظللنا نرسل ~~حتى نهاية هذا العام الذي وقعت به الكارثة. أفلسنا وصرنا إلى ما صرنا إليه. فالأوقاف التي ~~كنا نتبرع لها، والجمعيات الخيرية التي كنا نعضدها لم تشأ أن تتذكر ماضينا، ولا الذين على ~~كراسي الحكم يذكرون ليالينا الطافحة شرابا، وبيتنا الذي جعلناه لهم مرقصا. # فقلت: أليس في طائفتك أوقاف. # فقالت: بلى، ولكنهم يزعمون أن الأوقاف للفقراء ونحن لا نزال نحسب من الأغنياء. رحم الله ~~ذلك الزمان الذي كانت فيه مدارسنا ترى أصحاب البيوت الهاوية أحق بالمساعدة؛ لأنهم ساعدوا ~~يوم كانوا قادرين. # فقلت: وأين أبو أولادك لا يقوم عنك بهذه المهمة الشاقة؟ # فكزت على أسنانها وقالت: الله يقصف عمره، هو الذي رمانا وانسل. # فقلت لها: ولماذا لم تتنكري ما دمت لا تطيقين الظهور؟ # فقالت: وكيف أتنكر يا رجل؟! أألبس ثياب المهرجين؟ # فقلت: لا، أنت غير مستورة، ستر الله عليك وعلينا، بهذه البودرة وأحمر الشفاه والخدود ~~والأظافر، وأنا ضمين لك، إذا تخليت عنها، تنكرت ms059 فلا أحد يعرفك. لقد غرقت يا مولاتي ~~بالكماليات فأصبحت محتاجة إلى الضروريات، لطف الله بك وبأولادك ... أليس لك يد في الدواوين؟ ~~فقد قرأت أنهم يصرفون للعيال المستورة مبالغ محترمة وأنت منها، فأسرعي قبل أن يفوت ~~الأوان. # فتأوهت وقالت: يا حسرتي ولى الزمان وفاتنا. # فقلت لها: يا ميجنا يا ميجنا يا ميجنا. هذه أحوال الدنيا يا أم فلان، أنت لست من العيال ~~المستورة، ولو كنت صنت بيتك ولم تجعلي منه مأوى للمستهزئين، ولم تنفقي ما أنفقت على الذين ~~أكلوا الطعم و... لما سقطت في هذه الهوة. # لم يعد ينفعك هذا الظهور الذي لا تتنازلين عنه، فاعملي واقتصدي، الزمي بيتك واعملي منذ ~~الغد، فليس العمل عارا، ولكن العار هو أن تسألي الناس. # وبعد، فلماذا هذا الهوس بالمدارس الأجنبية، ابنك في الصفوف الثانوية، ولدى الحكومة مدارس ~~مجانية من هذا الصنف. ابنك في الصفوف الابتدائية والحكومة أعطت المدارس المجانية ملايين ~~فاستفيدي منها، ادخري حلاك إلى أزمة أشد. ولكن آفة العيال المستورة أنها لا تريد أن تنزل ~~عن مستواها مقدار شعرة. # ترى المدارس الأجنبية أرفع وأسمى من مدارس بني جنسها، وتريد أن تخفي جراحها ولا تعالجها، ~~وهذا هو عين الخطأ. فامحي من ذهنك صور أرستقراطيتك تفلحي. # إنه شبح عظمة الأجنبي الموهومة لا يفارق مخيلتنا. أتقولين لي: أي فرق بينك وبين أولئك ~~الشحاذين الذين يدورون على بيوت الناس، وفي أيديهم «مناشير من البطاركة والمطاردين» يحثون ~~بها الناس على معونتهم وإسعافهم؟ # أما كان أولى بأولئك السادة أن يبذلوا لهم العطاء من مال الأوقاف الذي يتنعمون به، ولا ~~يكلفوا الناس الإحسان حياء؟ # اذهبي يا أختي واعملي. تسلي بالصنارة، وبيعي ما تحبكين وتنسجين بواسطة من تستر ~~عليك إذا كنت تستحين. صوني وجهك واعملي تقدري على بنيان بيتك المنهار، واصبري وانتظري فما ~~بعد الضيق إلا الفرج. # غدا يكبر أولادك ويعملون وتعود الثروة إلى مجاريها. # | تشرين الأول # في هذا الشهر تعود فراخ الإنسانية إلى أقفاصها. ففي الأوكار والوكنات المدرسية تربى وتدرب ~~عقبان ونسور فتطير محلقة في أجواء الحياة. أما الزرازير والخفافيش ms060 - وما أكثرها في المدارس ~~- فتخرج لتسف في السهول، لا تعلو عن الأرض إلا أذرعا؛ لأنها لم تخلق للقمم. # فمن أحشاء تلك الثكنات، كبيرة وصغيرة، تخرج إلى ميادين الحياة جنود في أيديها عتاد العلم ~~الحديث لتخوض معارك التقدم والرقي وتسير بالبشرية قدما. # فمن بين جدرانها، وهي ليست مبنية كالحصون متانة، تكر فرسان المعرفة، وتفر شانة على ~~الجهالة غارات شعواء، وتنقض على الجهل والخوف بما علمتها المدارس من دروس الشجاعة. # المدرسة هي أم العظماء. تتمخض بهم أجنة، وتلدهم ولادة ثانية، ثم تطلقهم في فضاء الكون ~~الواسع، كما تطلق أمات الطيور فراخها حين تستوي أجنحتها وتشتد. # تتكون عقول الناشئة من تربية حقيقية سامية وعلم صحيح، ومن هذه الخلايا يتكون جسم الأمة ~~التي تريد أن تحيا وتساهم في معترك الحياة. # ترسل المدرسة عباقرة بنيها هدامين بنائين. ينصرون الإنسانية المتألمة، ويرشدون المتخبطين ~~في ظلمات الشبهات ومجاهل الترهات. فما أعظم شأن المدرسة وأجزل منافعها للبشرية. فلولاها ~~لبقي البشر في ضلالهم يهيمون. # املئوا المدارس تفرغ السجون. كلمة كان لها دوي يوم قيلت، وقد أعارتها الأمم سمعها فسارت ~~إلى الأمام وقلت فيها الجرائم. # أما الشعوب الثقيلة السمع فظلت تغط في سبات الخمول العميق. # واليوم، وقد أزالت أقلام الكتاب الصماخ من الآذان، فقد سمع كل شعب ووعى، وعلم أن بالعلم ~~والمدرسة نجاح كل أمة، ومن بين جدرانها تظهر أشعة التقدم. # لا نضيع الوقت في تعداد منافع المدرسة، فهي أحدوثة البشر تحت جناح الليل، وفي نور النهار، ~~وكل زمان ومكان، ولكننا نسأل الناس: هاتوا لنا عظيما لم تخلقه المدرسة، وهل في الدنيا عظيم ~~بدون علم؟ الجواب: المدرسة أم العظام والعظائم؛ ولهذا انصرفت إليها أفكار كل شعب، فتهافت ~~أغنياء الشعوب على تشييدها. أما نحن فما زلنا مقصرين في هذه الحلبة، وقد سبقتنا الشعوب ~~أشواطا. # أتتعزى الإنسانية عن عذاب أطفالها بالدارات القائمة على الروابي والقصور الشاهقة؟ # ألا تتألم عندما ترى صغارها يتيهون وراء قطعان المعزى وأسراب البقر في الأودية، حفاة عراة ~~يرثي لبؤسهم أشد القلوب تصخرا؟ # وفي المدن، حيث الشوارع العريضة التي ms061 تقوم على جانبيها دور اللهو الشاهقة، نرى بؤس ~~الناشئة ، وعلى ظهورها الأحمال الثقيلة، تارة بالسلال وحينا بالحبال، ومن لم يستطع منهم حمل ~~السل تنسل يده إلى البيوت والجيوب. # ألا يعلم أصحاب الثروات التي لا تحصى أن غفلة هؤلاء الصبية الصغار ستنقضي، ويمزق شبابهم ~~الستار الحاجب مستقبلهم فيثورون على عبدة الأموال الذين يقولون: الملك لله، وليس لمخلوقات ~~الله من مالهم نصيب؟ # في منعطف الطرق وشوارع المدن وأسواقها، حيث يتسابق الناس كادحين ليستولوا على القرش، يرى ~~المتأمل أفواجا من هؤلاء الصغار يجدفون ويلعنون ويأتون كل محرم بلا خجل، إذ لم يروا يدا ~~تضمهم إلى صدر فيه حنان وانعطاف، ومدرسة تغذيهم بالتهذيب والعلم الصحيح. # إن هؤلاء الصغار هم مستقبل البلاد، فإذا شئتم أن يكون لكم مستقبل يرجى فهذبوهم. # أطلقوا، أيها الأغنياء، من شرفات قصوركم المعلقة بين السماء والأرض، وانظروا إلى أبناء ~~إخوانكم هؤلاء الصغار، فإذا شبوا بين براثن الشقاء تعلموا الشراسة والقسوة، وعكروا في ~~المستقبل كأس صفائكم. سيفسدون الهيئة الاجتماعية ويكونون حملا ثقيلا على منكب المجتمع إذ ~~يزرعون الفساد فتحصدون أنتم الأكدار، وما هم زارعوه ولكن جهلهم هو الزارع. # أليس منهم اللص الأثيم وسفاك الدماء الرابض لكم في الطريق ليسلب أموالكم وينازعكم ~~البقاء؟ # فلو فكرتم بهذا قليلا وتأملتم به مليا، لو نظرتم إلى هذا الفقير البائس لعفتم بعض ~~الكماليات وتركتم موائد القمار وأنفقتم جانبا من أموالكم على المدارس التي تروض الوحش في ~~الإنسان، فيتسنى لكم العيش في راحة بال، وبهذا تأمنون اللصوص وتتركون أبوابكم في الليل ~~مفتحة ليدخل منها الهواء الجديد المنعش. # كم صغير تنبعث نار الذكاء من جبينه قد ذهب ضحية الفقر وخسرته الإنسانية. كان يرجى أن يكون ~~مخترعا أو عالما أو مهذبا أو ... ولكن عجزه عن اقتباس العلم أطفأ تلك الشعلة وأخمد ذلك ~~القبس. # في أميركا لاموا كرنيجي المثري الشهير؛ لأنه أنفق معظم أمواله على بيوت العلم ولم يخص ~~قسما منه ببيوت يأوي إليها الفقراء؛ لأن الكثيرين في البلاد التي نظن حجارتها ذهبا وفضة ~~كانوا يتألمون من الجوع. أما نحن فنلوم ms062 أغنياءنا على إنفاقهم أموالهم في غير سبيلها، إذ لم ~~نجد رجلا وقف أمواله على مدرسة خيرية تقبل في حضنها أبناء البلدة التي أبصر فيها ~~النور. # لم نر بيننا من حول همه إلى إنماء المدارس الابتدائية في البلاد، بل كلهم على وتر واحد ~~يضربون. # أما حان أن ننتبه من سنة الكرى ونهتم بصغارنا اهتمامنا بنفوسنا؟ # المدارس الابتدائية ضرورية في كل بلدة في شرقنا العربي، وليس ذلك على الحكومة وحدها، فنحن ~~أيضا مسئولون عن معاونتها. نقول هذا؛ لأننا نعلم أن في كل وطن من أوطاننا قرى عديدة محرومة ~~من مدرسة ابتدائية تعلم الصبيان المبادئ الأولية من القراءة والكتابة. # فمتى تستيقظ من هذا السبات العميق، من هذا النوم المزعج المملوء أشباحا مخيفة وأحلاما ~~رهيبة، ونهتم بشبيبتنا المقبلة؟ # وإذا لم نجد من يهتم بنا فمن الضروري أن نهتم بنفوسنا ونعد لصبياننا مستقبلا سعيدا. ~~فالذين لا يحسنون القراءة والكتابة في الأمم الراقية تسعة في المائة، أما عندنا ~~فبالعكس. # وفي مناسبة افتتاح المدارس فلننظر إلى الذين تضيق المدارس عنهم وليس لهم مأوى أدبي، هذا ~~إذا كان لهم المأوى الآخر. # فإلى جمعياتنا الخيرية التي أنشئت لإغاثة الفقير نوجه كلمتنا هذه ~~سائلينها - وهي نصيرة البائس - أن تهتم للمدارس ~~الابتدائية وتحول إليها همها، فالفقراء إلى الخبز عندنا قليلون أما فقراء العلم فلا ~~يحصون. # إن مدارسنا أضيق من أن تتسع لناشئتنا، ووقفة قليلة أمام تلك البنايات تنبئنا بالحاجة ~~القصوى إلى دور تتسع لأبنائنا. # إنكم أغنياء ببيوت اللهو على اختلاف أنواعها. فهلموا إلى هذه المكرمة يا من تطمعون بالأجر ~~والصيت الحسن. # | إلى الشباب المثقف # يظل هذا الفكر يصحبني ويمسيني كأنه طيف وحيد ابن الرومي، لي حيث انصرفت منه رفيق، عن ~~شمالي وعن يميني، ومن خلفي وقدامي، فأين عنه أحيد؟ # ثم غورت الفكرة في اللاشعور، فطفق يشتغل بها عني. # جرى كل هذا في نفسي وأنا غافل عما بي. # وكان إن ثقلت منذ ليال بعد العشاء، فراودني النعاس عن نفسي، فاستسلمت للتجربة. # وما عانقت مخدتي ذاك العناق البريء حتى أقبلت بنات فرويد وابن ms063 سيرين تخطر في هوادجها ~~وحدائجها! # وإذا بي أرجع شرخا ، أتخطر في مكتبي كأني غصن بان يداعبه الهواء، وقد قلت في نفسي: ولم ~~كل هذا العناء؟ فكما كنا نعالج في اشتداد أزمات التأليف الماضية، مواضيع: الحرية، وحب ~~الوطن، والتأني، والصدق، فلنكتب اليوم عن امرئ القيس ودارة جلجل. # المواضيع كأزياء الثياب. فما علينا لو درنا حول دارة جلجل جولات، فأنكرنا وشككنا، وسفهنا ~~حامل لواء الشعر في النار، وتطور الحلم؛ وللأحلام تطورات عجيبة، فما راعني إلا امرؤ القيس ~~يسدد نحوي رمحه، فقمت فزعا. # إنها والله أول مرة رأيت فيها رمحا مسددا. فتماوت له، فأدرك أنه ينازل غير بطل، فوقف ~~عند رأسي هازئا، وقال: تكفيني قروحي، فلا تنكأوها ببحوثكم البغيضة. هذا ينظر وجودي، وذاك ~~يفسقني، وهذاك ينصرني! أفلا تستطيعون غير هذا العبث؟ # لديكم مئات الدارات، وعندكم مئات العنيزات، وعشرات الحمامات. فما لكم تتأثرون عنيزتي، ~~وتحتلون دارتي؟ # إن دور اصطيافكم وطلولنا سيان. فاسألوا كما سألنا ... وقفت على الطلول مرة فوقف الشعراء ~~وقفتي، ووقف الشعر. # فقلت في نفسي: قاتل الله الجاهلية! فألطف تحياتهم السيف والرمح. الفرار الفرار. # فجئت الفرزدق فقال لي: إن نار غالب قد طفئت. # وقابلني الأخطل بعباءته الموصلية البراقة، وابتسامته الكزة، وعلق يحلف بالصليب، ومار ~~سرجس، إنه لا يريد قتالا. # أما إذا أزعجته فينتحي له من لياليه العوارم أول ... فهو يرى الهوامش التي تعلق على حواشيه ~~أبرد من جلد الحية وأشد صمتا من السمكة، فما يراها تعني شيئا. # وفيما نحن نتجادل، أقبل علينا رجل مربوع غير ممتلئ فقال الأخطل: هو ذا الخطفي، قد أجمعنا ~~أمرنا أمس، وبتنا على أن يتوجه أحدنا إليكم، فينبئكم أننا جد أصحاب في الأبدية، نأكل في ~~قصعة واحدة، فإياكم وإيانا ... # أما جرير فقال، بعد أن احتبى: يا غياث، منو هذا الأرضي، وما يبتغي؟ # فخبره خبري، فاحرنجم عني بعد إقبال، ولم يزد على أن قال: أشتهي والله أن أقول: «دامغة» ~~ثانية فلا تكن موضوعها. وليتك تكون، فلي فيك مرعى خصيب. # ورأيتني أفر من هؤلاء الشياطين الثلاثة وأهيم على وجهي، وأرى عمر ms064 يقود الأغر، وحوله ~~صويحباته الثلاث، والابتسامة ملء فمه، وقد عرفته من ثنيتيه، ونظراته المتقدة كالتنور ~~المسجور، فقلت في نفسي: ساعة رضى، لعل عمر يرخص لنا بالرعي في حماه. # ففهم عني بلا كلام، وحذرني مغبة عملي، ثم قال: أنتم يعنيكم الإخلاص في الحب. وأنا كان ~~يعنيني من الدنيا اثنان: الجمال والفن. كلاهما متعة عندي، فاعملوا أنتم ولا تكونوا طفيليين. ~~حسبي تعذيب رواتكم، فلا تزدني، عافاك الله. # فقلت في نفسي: إذن علي بالعميان، فإذا اشتد الخطب أهرب. # فأقبلت على بشار، فرأيته منبطحا في دهليزه كأنه جاموس، فما أحس بي حتى استوى قائلا: ~~ليفهم الناس شعرنا ما استطاعوا، فويل جهلهم أخف من ويلات شروحكم السمجة. # وما صدقت أنه الجد حتى بل يده بقائم سيفه الذي يعاتب به الجبابرة فانصرفت راشدا. # وإذا بحماد عجرد يقهقه ويناديني: أتطلب الخير من عند القرد؟ # فأجبته وأنا لا ألوي عليه: قردك يخيف يا حماد. # وسمعت شخيرا ونخيرا يتعالى من ماخور على الطريق، فرأيت والبة وأبا نواس سكرانين، فما ~~رجوت عندهما خيرا. # ومر بي رجل من أهل السمت قيل لي: إنه ابن المقفع، فلم ألحق به. # ورحت أنشد الجاحظ في دكاكين الوراقين، فلقيني أعمى يتعكز على عصاه، فعرفته ورجوت أن يكون ~~أرحب صدرا من زملائه، فأخذ الشيخ يتلوى كأنه ممغوص. ومما قال: هجرت الناس لأستريح فلم ~~يكفوني شرهم، هذا يثقل علي في سجني برابطة المودة، زاعما أنه يعرف فضلي. وذاك يطوفني في ~~الدنيا وأنا رجل ضرير مكسور العصا، ويزيدني نكاية بتقويلي ما لا أقول. ندمت والله، واستغفرت ~~ربي ألف مرة؛ لأنني كتبت «عبث الوليد» فما عبثكم أنتم بنا يا أولادي؟ لست والله من عميان ~~الكدية، أفي كل عصر لي ابن قارح يقرح قلبي وكبدي؟ # فقلت في نفسي: ربما سئم هؤلاء المشاهير دروسا هي حقا أثقل من درس البيادر، فجاء في ~~بالي دعبل الخزاعي، وإذا به يرتفع لي من بعيد، يحمل خشبته التي لم يصلبه عليها أحد، فحمد ~~الله وأثنى عليه؛ لأنه استراح بشفاعة آل البيت من منهاج البكالوريا. # ومنيته، ms065 مواعد كاذبات فما صدق ولا اغتر. وكان وداعنا صرخة داوية، فاستيقظت على صوت صاعقة ~~انقضت في مكان قريب. فقعدت في فراشي مذعورا أدلك عيني كالخفاش. # | التشبه آفتنا الكبرى # إذا التقيت رجلا ورأيته مقطب الجبين ملبوكا مرتبكا، يضرب التل ولا يصيبه، فاعلم أن يده ~~قد قصرت. وإذا حدثته وراح يشكو لك العسر والضائقة المالية، فاعلم أنه سقط في هوة التشبه ~~فأسرف ولم يقف حتى استحال يسره عسرا. # إنه إما مبذر، وإما له زوجة غير حكيمة. ومتى اجتمع الاثنان في بيت فرح من دربه لئلا ~~يطمرك ردمه، ولا عاصم لك! # من طبيعة المرأة أن تسأل القادم من أهلها عما صنع الداعون إذا كان آتيا من وليمة، أو من ~~حفلة كوكتيل، والغاية من هذا السؤال هي أن تزيد عليهم حين تأتي نوبتها؛ ولتظهر أنها من ~~سيدات المجتمع الراقيات ... # وإذا كانت المرأة مع زوجها والتقى صديقه وزوجته، فهي تنظر قبل كل شيء إلى ثياب تلك السيدة ~~وحلاها، وتلسعها عقارب التشبه. لا يعنيها إلا تأمل ذلك الثوب، والسؤال عن ثمن ذراعه، ~~وتكاليف خياطته و... و... # أما وجه صديقتها فهو في الدرجة الثانية من الأهمية؛ لأنه لا يمكن الحصول عليه من ~~السوق. # الناس، وخصوصا في الشرق مطبوعون على حب الظهور، ولو كان يقطع الظهور. وأكثرهم يطلبون ~~المعالي من غير أبوابها، ويظنون كسب المجد ببذل درهم يجمعونه مجبولا بعرق الجبين ومصبوغا ~~بدم القلب. # إنهم ينفقون ما جمعوا في سبل كانوا في غنى عن سلوكهم؛ لأنها تؤدي بهم إلى صحراء التعاسة، ~~بل إلى شيخوخة هم وذل ينضم فيها ضيق الصدر إلى ضيق ذات اليد. والمصيبتان لا تحتملان. # خذها من مجرب ولا تسأل عنها الحكيم: فالشعراء الذين نتهمهم بالكذب صادقون حين ينظمون ~~الحكمة. أما قال أحدهم يصف التشبه: # من تردى برداء # ما رآه من ربيه # وابتغى ما قد تعالى # عنه مما يشتهيه # سوف يأتيه زمان # يتمنى الموت فيه # أجل لقد تفشت أوبئة التشبه والتبذير في هيئتنا الاجتماعية الحاضرة، اللابسة من المدنية ~~ثوبا مستعارا، فصرت ترى أيا كان من الناس ms066 سواء في ذلك النائمون على مهاد الثروة وأولئك ~~الذين يصلون الليل بالنهار بغية الحصول على ما يسدون به فراغا في بطونهم، تاركين للقدر ~~عائلة يضنيها العوز. يتنافسون في تضحية الدينار على مذابح الكماليات غير مبالين بالحاجات ~~الضرورية التي يطالبهم بها البيت والأسرة. # لقد بات التشبه يمتص دماء الثروة ويجعل الجيوب خاوية خالية، تشكو مرارة وحشة ذلك الوجه ~~الأصفر الخلاب. # ولو أردنا أن نعدد عيالا جرها التشبه إلى الإسراف والتبذير وإنفاق المال جزافا، لضاق ~~المقام؛ ولهذا نطوي تلك الصفحة؛ لأن كل من يفكر متأملا بخراب البيوت العريقة وسقوطها عن ~~كراسي النعمة إلى حضيض الذل والفاقة يجد أن السبب الأكبر كان إنفاق الأموال بغير حساب، وهذا ~~هو الداء العضال الذي أصيبت به ناس هذا العصر. # تجد الفتى يجد ليلا نهارا ليحصل في شهر بعض المال، ولا يكاد يقبض المبلغ المرقوم حتى ~~ينفقه في الملاهي والملاعب، وعلى موائد الحانات، وبين الغواني اللواتي يبعنه الحب بالثمن ~~الموجع، ويبدين له من ضروب التودد الزائف ما يصدق وإن كان لا يجهل سره. # ومع ذلك ينفق كل ما وصلت إليه يده، غير آسف على تعب قضاه، وشقاء قاساه، متشبها بصاحب ~~الملايين، غير ناظر إلى الغد، ناسيا أن من يكلل شبيبته بالتبذير يتوج شيخوخته بالأشواك ~~الدامية في الجراح. # فما أشد وطأة التبذير في هذا الزمان! وما أقوى شوكة التشبه الذي ألقى الكثيرين من شاهق ~~قصور الرخاء إلى مهاوي الويل والبلايا. # ترى الإنسان يحمل نفسه فوق طاقتها، ويكلفها ما لا تستطيع النهوض بأثقاله؛ ليبرز في أبهة ~~صاحب الثروة، حاسبا أن ذلك المظهر يخفي فقره وعوزه، لا بل تفاهة عقله، غير عالم أن الفقر ~~سيظهر مهما حاولنا أن نخفيه. إنه كالنار الكامنة في أحشاء الأرض، فلا بد من أن تثور يوما ~~وتدك شوامخ الجبال. # فمتى يا ترى يقف الرجل عند حده من هذه العظمة الكاذبة التي تحرم الهناء وتقلق راحة الحياة ~~المطمئنة؟ # متى نترك المساواة في هذا المجال، واضعين لحياتنا نظاما نسير عليه، لنأمن سوء العاقبة ~~وشر المصير؟ ونسلك طرق ms067 الحياة على مهل، غير شاعرين بتعب ينهك الجسم ويضنيه ؟ # فما فائدة الرجل من ليلة فخفخة وترف تهرب كالظل، وينقلب صاحبهما في ساعة من نعيم الحياة ~~إلى شقاء قلق وعتب على دهره، ملوما حسيرا، يهمهم سابا الدهر، وهو الجاني على نفسه؛ لأنه ~~لم يحسن إدارة بيته ولم يعرف كيف يصون ماله وينقذ أسرته من ويل يطحن حبات قلوبهم ~~طحنا. # ومن أراد أن يعرف الغرور الذي وصلنا إليه في هذا العصر، عليه أن يدخل ناديا عاما، فيجد ~~امرأة البقال والفوال تزمل بثوب زوجة صاحب الأموال الطائلة التي لو أكلها ذهبا لكفته مئونة ~~الحياة. ونظر ابن الحمار والبغال بحلة ذي الثروة الطويلة العريضة. لا نظنه يستطيع بعد هذا ~~أن يمنع دمعته من الفرار ويقول مع الشاعر: # أمور تضحك السفهاء منها # ويبكي من عواقبها الحكيم # قضى التشبه على معظم قومنا بالخضوع لشرائعه القاسية، إذ حسبوا أن في انضمامهم تحت لواء ~~المجد الكاذب كل العظمة. # لم يعلم أولئك المساكين أن الناس يهزءون بهم إذا رأوهم يطلبون العلاء بذراع من الجوخ، ~~ويردة من الحرير، ومتر من الكتان! # فيا أيها الناس! رفقا ببيوتكم، فالدمار يتهددكم. وازنوا بين ظاهركم وباطنكم، لا تظهروا ~~بمظاهر الترف والإسراف إذا كنتم لا تستطيعون أن تحملوا على عاتقكم هذا الحمل الثقيل. # وأنت، يا أخي الذي تضني شبابك الناضر وتذبل غصن حياتك الغض في معترك العمل لتحصل في آخر ~~الشهر دينارين أو ثلاثة، ما ضرك لو أبقيت لغدك بعض ما تحصله؟ فلا تقل، هداك الله: «لا ~~تهتموا بما للغد، فالغد يهتم بشأنه.» وتنفق مالك في سبل لا يرضى بها الشرف، وينفر منها ~~الضمير، بل ادخر ما تستطيع ولو قليلا لساعة يكبل بها الهرم يديك بقيود الضعف وأغلال ~~القصور. # إذا كنت تنفق كل ما تكسبه فثق أنك لا تبلغ ما تتمناه من الثروة ولو ربحت بيومك الألوف ~~المؤلفة. # وأنت، أيتها السيدة الفقيرة التي يحملها غرورها وطيشها على تحدي النساء الموسرات لتقتدي ~~بحركاتهن وسكناتهن، غير ناظرة إلى زوجها المسكين وما يعاني من الأتعاب والشقاء في جمع ms068 درهم ~~تنفقه على أمور كانت في غنى عنها لولا تشبهها بمن هي أعمق ثروة، وأعظم قدرا وأعرض جاها. ~~ما ضرك، يا سيدتي، لو كنت زوجة لا تهمها الخزعبلات، ولا تخدعها السفاسف، فتدخر اليوم ما ~~يفرج ضيقها في الغد؟ # فلنصغ إلى صوت الواجب، ولنسمع نداء الضمير، ولنكون رجالا، لا بإسرافنا وتبذيرنا، بل في ~~اقتصادنا وادخار القرش الأبيض لليوم الأسود، كما يقولون. فبهذا نكفل لنا ولأسرتنا مستقبلا ~~سعيدا، ولا نخشى جيوش الشدائد متى داهمتنا واحتلت ساحتنا. فالدينار لا يجمع بغير الاقتصاد ~~وخلع ثوب التشبه والإسراف. فلنحذر هذه الأوهام العصرية التي لا ينال منها الإنسان غير ~~الهموم والمهانة، فهي تجر عليه الفقر من حيث لا يدري ولا يظن. # يا سيدي وسيدتي، يقول المثل: «على قدر بساطك مد رجليك»، فما لكما والتطاول إلى ما لا تصل ~~إليه يدكما؟ # لا يغرركما ما يقول الناس عن مأدبتكما أو حفلتكما. ولا تنتظرا الإعجاب والثناء حين تظهر ~~صورة مائدتكما. فكل هذا لا يساوي هم ربع ساعة. # الكرم فتوة، ولكن ما كلف نفسا فوق طاقتها. # إن الفقر يقف دائما خلف التبذير، وهو ينتظر منه أن يفتح له الأبواب، فلنغلقها جيدا نأمن ~~شر هذا الضيف الثقيل. # لا يغرركم قول الشاعر: «وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم»، فهو لا يعني هذا التشبه الأحمق الذي ~~يقول الكتاب الكريم في أصحابه: # إن المبذرين كانوا ~~إخوان الشياطين ~~. فحكمة الدهور تعلمنا: «على قدر بساطك مد رجليك.» وإن ~~لم نصغ لها نمنا في العراء، فراشنا الأرض وغطاؤنا السماء. # | هل من يعتبر # احتفل العالم المسيحي بذكرى الراقدين، وكما للمسيحيين يوم، كذلك للمسلمين يوم يسمونه خميس ~~الأموات. والجميع يزورون المقابر، يحيون بالأزهار قبور ذويهم، ويحسنون إلى الفقراء ~~والمعوزين بهذه المناسبة. # وبلا شعور رأيني أتوجه إلى مدينة من مدن الأموات، فأوحت إلي سكينتها وهمودها هذه الكلمات ~~فقلت. # هنيئا لسكان هذه المنازل الهادئة، وسعدا للنائمين بين جدرانها الضيقة، فقد أمنوا شرور ~~المجتمع، وويلات البشرية المعذبة التي تتمخض بالأوجاع لتلد البلايا والمصايب. # أمانا لتلك الأجساد الهامدة، فقد عرتها المنية من دقائق الحياة، ms069 فعادت إلى الطينة التي ~~جبلت منها، مودعة حركة الوجود ، واستراحت من عناء الحياة وضوضى الناس المزعجة، واستكانت في ~~مضجع الهدوء: في المقبرة، مدنية السكون والراحة، حيث تتلاشى مطامع هذا العالم الفاني، وتسقط ~~أصنام المدنية عن كراسيها. # وقفت هنيهة أتأمل وأفتكر. # وقفت لأناجي عظام من سبقوني. # جئت لأتحدث إليهم بالفكر والقلب وأعيش هنيهة بين قوم تعروا من مطارف المادة، وتركوا معها ~~أباطيل الدنيا وترهاتها. # ذهبت لأجالس قوما إذا غبت عنهم لا يغتابونني، وإن غفلت عن الآخرة يذكرونني، وإذا وثقت ~~بهم فلا يغدرونني. # هناك، في تلك البيوت الحقيرة، بدت لعيني عظمة ليس بعدها عظمة. رأيت عظمة الآخرة في جانب ~~الدنيا الزائلة التي تغر كثيرين من البشر فيبطرون ويرفسون. # حسبوا الحياة والسعادة بالخبز والمال، وما دروا أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وأن ~~حياة النفوس الكبيرة والهمم العالية ترتكز على صخرة ضخمة لا تنال قنابل العلم منها شيئا، ~~وتلك الصخرة هي الضمير. # إن عظمة البشر، مهما سمت وتعالت، فعند باب القبر تنتهي، ووراء جدرانه تضمحل وتتلاشى، ولكن ~~الضمير الحي وحده يثبت في وجه العدوان ثبوت الصخرة أمام العاصفة. وتلك هي الحياة الثانية ~~التي لا يلاشيها موت ولا تسحقها طوارق الحدثان ولا تنسخها أيدي الزمان. # إن حياة الذكر الحسن لهي أطول من حياة المادة وأكبر شأنا منها، فالتاريخ - وهو الكاتب ~~العدل - يسجل مآثر قوم كانوا بإخوانهم بارين، ويمنحهم الطوبى، ويحرق لهم بخور الاحترام ~~ويضفر أكاليل الثناء. وطمعا بهذا الإكرام كان ملوك أرض الفراعنة القدماء يمحون آثار ~~سلفائهم عن المباني ويجعلون مكانها آثارهم لتنسب إليهم ويغنموا الثناء الطيب الدائم. # وقفت هنيهة في مدينة الأموات، فسمرتني بمكاني أفكاري، فقعدت على حجارة أضرحتهم، وخطرت ~~ببالي عملية حسابية للذين عرفتهم فيمن ماتوا، ثم نهضت أنفض ثيابي، ورأيني مدفوعا إلى قبر ~~عال قام على أعمدة من الرخام، مزين بالأكاليل المزركشة والتماثيل البديعة، فتقدمت ووقفت ~~متأملا علي أرى ما يوحي إلي أسرار عظمة ساكنه، ومآثره التي قلد بها جيد الإنسانية، فوقع ~~نظري على بلاطة رخامية أفادتني أن ساكن ذلك الجدث، ms070 بل القصر الشاهق، رجل قضى أيامه جامعا ~~لشتات الدنانير ، محملا إخوانه في البشرية نيره الثقيل. فمن أتعاب أولئك التعساء وعرق ~~جبينهم جمع الثروة التي كانت سببا لسعادته بضعة أيام وراحة عدة سنين. # عاش في حياته تحت سماء القصور غارقا بين حشايا الحرير، ورقد رقادا أبديا في ضريح أرفع ~~من قبور الفقراء. # وقفت أمام ذلك الضريح العالي أقول في نفسي: ماذا يقصد هذا الغني من هذا الضريح الشاهق؟ ~~أيطمع بذكر خالد ويرغب في الثناء الطويل؟ كل هذا كان قد ناله مضاعفا لو أنفق ما أنفقه على ~~هذا القبر في سبيل البر والإحسان. إن هذا الأثر الباطل يزول ولكن آثار الرحمة لا تمحى مهما ~~تعهدتها السماء بأمطارها، ولامستها الريح بأصابعها. # فيا أيها الغني صاحب الملايين والأملاك المترامية الأطراف ابن الضريح، نظفه من الأقذار ~~ما شئت. # ويا أيها الناس ضمخوا فقيدكم بالعطر والطيب، وكفنوه بالحرير والديباج، واحفظوا جسده بين ~~ألواح البلور، ولكن هيهات أن تحفظوه من الفساد، هيهات! فسيقبض عليه الفناء ويتلاشى ذلك ~~الجسم الناعم، ويصبح مقبلا للدود والحشرات، ولا تبقى غير آثاره التي تستحق التخليد. # ثم حولت نظري إلى جانب ذلك الضريح فرأيت حفرة تبدو عليها المسكنة، تحرسها قطعة من خشب وقد ~~كتب عليها: «هنا دفن فلان المسكين اللاجئ إلى هذا البلد.» فتأثرت وقلت: كيف يقولون: لاجئ ~~وكلنا في هذه الدنيا لاجئون؟ # فقير، نعم، وقد عرفته من ضريحه: # مساكين أهل «الفقر» حتى قبورهم # عليها تراب الذل دون الخلائق # أهكذا يعيش الفقير ذليل الجانب ويموت محتقرا مهانا؟ # ثم أيها الفقير في رمسك فليس عليك بالمسكنة من عار، واعلم أن العظمة بالبساطة، وكلما ~~ارتقى المرء، وازداد علما، واقترب من الروحيات؛ يعود إلى حضن الطبيعة منبع البساطة ~~والسذاجة. # وهنا اشتد تأثري، فاغرورقت عيناي بالدموع. وحولت وجهي إلى ناحية أخرى من الجبانة، فشاهدت ~~ضريح ولد صغير لم يبلغ الثالثة من سنيه. كان ترابه لا يزال رطبا، وكانت الأم منحنية عليه، ~~وقد تصاعدت زفراتها، وامتد أنينها، فما رأتني حتى ظنتني شبحا طالما أرعب الناس في ظلام ~~الليل ms071 فلم يأتوا المقابر خوفا منه. فهدأت روعها وقلت لها : لا تخافي، أنا إنسان لا خيال. ~~جئت في هذه الساعة لأؤنس الأموات في وحشتها. أنت تبكين على ابنك وأنا أبكي على كل هؤلاء ~~الراقدين، بل أبكي على جسدي الذي سيتفرق شمله، وتتبعثر أعضاؤه، ويصبح العقد المنظوم ~~منثورا. # فضربت المرأة صدرها وقالت: ولدي، وا لوعتاه على ولدي، لم يعرف الخير من الشر. صغيري الملك ~~الطاهر يموت، والعائثون في الأرض فسادا يعيشون؟ ابني يموت ولم يذق من حلاوة الدنيا، ويعيش ~~أولئك الذين تمرغوا في حمأة الدنايا والرذائل؟ ابني يموت والسفاحون والجزارون يعيشون ~~وينتعمون؟ أيعيش المرائي والنمام والكذاب والسفاك والسارق ويموت ولدي؟ # فأجبتها: لا تتذمري أيتها المرأة، وسلمي لأحكام ربك، وتعزي على فقد وحيدك، فهنيئا له. ~~لقد تخلص من متاعب الأرض ومفاسدها ومهما قصر عمر الإنسان كان سعيدا. # وتركتها أريد الخروج؛ لأن وطأة الأحزان كانت قد ثقلت علي، فرأيت على طريقي ضريحا ~~مموها بالكلس، فتركته ولم أعرج عليه بل قلت: ما أكثر أمثال هذا الضريح بين البشر. # وكان على جانب القرافة الأيمن ضريح بسيط عرفت أنه مستودع عظام ذاب صاحبها حبا لأمته ~~فقلت: أهذا جزاء من يخدم القلم في هذه البلاد، أيظل يصح بها القول: ما زال فيها الألمعي ~~غريبا؟ # رحمة الله عليك أيتها الأيدي البالية! فقد كنت تديرين الأقلام، وتحاربين الظلم والاستبداد ~~والفساد. أهكذا يكون جزاؤك؟ # لا فقد بدأت الأمة تشعر بفضل الذين يعلمونها واجباتها وحقوقها. فسوف تكرم رفات ذوي الفضل ~~ويرفع منار العلم والأدب. # وفيما أنا أهم بالخروج، رأيت من عن يميني بلاطة رخامية ناصعة البياض لم يمر عليها أزميل ~~نحات، ولم يحط عليها حرف، فسألت الخفير، قبر من هذا؟ # فأجاب: يقال: إنه قبر رجل أوصى أن يظل شاهد قبره غير مكتوب عليه. # فقلت: هذه الصفحة البيضاء هي رمز التاريخ، نجيء الدنيا لنكتب عليها بيدنا أعمالنا، فمن ~~مخبر عني قادة الشعوب المعتدين الجائرين أن هذه البلاطة في انتظارهم، وسيحفر عليها أزميل ~~النحات الأكبر كلمات لا تزول. # وما وضعت رجلي على عتبة الباب ms072 حتى عدت وألقيت نظرة ~~على تلك القبور، وقد تمثلت لي رهبة الموت وناديتها: يا بيت الإنسان الأخير، يا مقر الراحة ~~من أتعاب الحياة، أيتها القبور، يخافك بعض الأغرار ويرتعدون من المرور بقربك في ظلمة الليل، ~~ولو عقلوا لجزعوا من المدن والمراقص، وخافوا من المرور بجانب بعض الأحياء - وحوش الإنسانية ~~- الذين يغيرون على بعضهم بلا حق وينصبون الفخاخ والمكايد. # يا مدينة الأموات! أنت مدرسة المتأمل المفكر، أنت تخبرين المرء عن مصير العظمة الكاذبة ~~واضمحلال المال، عن فناء هذا العالم. # فهنيئا لمن يراك ويعتبر! # | بصراحة # إن كلمة بصراحة محط كلام، صرنا نكررها ولا نحس بها. # نفتتح بها كل حديث، ونختتم بها كل محاورة، ونحن على ضهر القضيب وهي في وادي ~~قنوبين. # يقول الواحد منا لجليسه: «اسمح لي أن أقول لك بكل صراحة.» # وإذا قال له: «تفضل، هات الحديث» راح يخمع في كلامه كالحصان المشكول، ويمغمغ فيما يقول، ~~ويقول كل شيء ما عدا الصراحة. # جاءني واحد يخلط مكالمته بهذه الكلمة التي تدور على لسان الكثيرين: «موش مظبوط؟» # يقولها ويحدق إليك منتظرا أن تجيب بنعم وتومئ برأسك كالجرذون. # ثم يتبعها بعبارة ثانية هي بنت عمها لحا: «مظبوط وإلا لا؟» ثم ينتظر هذا الرجل الصريح، ~~فإذا أجبت بلا عبس، أقبل عليك بوجه كالقدر، ولكنه يريد أن يحكي، فيصبر عليك، ويعيد الكرة ~~تلو الكرة، منتظرا أن تؤمن حتى إذا لم تفعل عند كل عبارة؛ نكزك بجنبك وقال: «ما لك لا ترد؟ ~~احك وكن صريحا مثلي.» # ولما كان يشقني حديثه البارد وقلت له: تريد الصراحة؟ # فصاح: معلوم! # قلت: إذن، فاسمع يا جميل: الذين يتكلمون دائما بصراحة قلما نجدهم. فأين الصراحة حين ~~تجامل من لا تريد أن تراه، وترحب بالثقلاء، وتمضي في تبجيلهم إلى المدى الأبعد؟ وأية صراحة ~~هي صراحتك حين تجاري في المسايرة من يحدثك ويكذب عليك وتكذب عليه، وتقول في قلبك: «لا بد ~~للرطل من رطل ووقية» حتى ترجح كفتك وتحوز قصب السبق في ميدان الرياء والكذب؟ # رددت يا جميل كلمة الصراحة مائة مرة، حتى صارت ms073 لحمة حديثك وسداه. أتسمح لي أن أقول لك ~~بصراحة : إن الصراحة مفقودة من بين بني البشر؟ فلو التقيت أحد معارفك وقال لك: «أنا مشتاق ~~إليك جدا»، فهل تجيبه بصراحة أنك أنت غير مشتاق؟ وإذا قال لك آخر أمام الناس: «ما رأيك في ~~فلان؟» أفتقول له ما كنت تقوله فيه بخلوتك؟ # وإذا جاءك طالب، أتعين له ميعادا وفي نيتك ألا تخلفه؟ # يقولون: إن الساسة غير صريحين، وأنا أقول: إن الصراحة تصرع إذا اصطدمت بالمصلحة. فليت ~~الذين يوسعون حين يفصلون من جلد غيرهم يفعلون ذلك حين يمشي المقص في جلودهم. # سمعت أديبا كبيرا يكذب على المنبر، مع أن زياد بن أبيه قال في خطبته البتراء: «إن كذبة ~~المنبر بلقاء!» فقلت له، حين انتظر تهنئتي له بخطابه التذكاري: أأنت مؤمن بما قلت؟ # فأجاب: حط بالخرج، هذا رجل صار في دنيا الحق. # فقلت: أتتحدث عمن صار في دنيا الحق بكلام غير حق؟ # فأجاب: وماذا كنت تفعل لو كنت محلي؟ # فقلت: كنت اعتذرت. # فتنفش كديك الحبش، وارتفع عن الأرض شبرين وقال: التهرب جبن. # فأجبت بصراحة: عشت يا بطل الكلام الكاذب. # | حول امتحان البكالوريا # إذا كان الشاعر العربي قال منذ مئات السنين: «وتحت الرغوة اللبن الصريح»، أفما حان لنا أن ~~ننفح في الرغوة لنعلم كم عندنا من الحليب في الدلو؟ فكلمتنا الصريحة نرسلها اليوم حول ~~المنهاج التعليمي باحثين عن الضعف في امتحاناتنا الرسمية. فلو كانت المعاهد تنقي التلاميذ ~~المرشحين للشهادات، كما كانت تنقي المرحومة ستي قمحها وبرغلها حبة حبة، لما وصلنا إلى هذه ~~النتيجة الرديئة، فمن ثلاثة آلاف ممتحن تقريبا لم يسلم الخمس، فأين العلة يا ترى؟ # إن هذا ناتج عن تهافت أصحاب المدارس على التعبئة والحصول على أكثر عدد ممكن. ومتى كان ~~هذا، فالطالب يفرض صفه على المدرسة، ثم يفرض بعدئذ ترشيحه للامتحان، وهكذا يكون السقوط ~~عظيما. # يقول المثل: من القداحة شيء ومن الصوانة شيء، أما إذا كنت تقدح في حجر خفان فإنك تعود بلا ~~شك بخفي حنين. # أصحاب المعاهد والتلاميذ تهمهم الشهادة. أما الثقافة ms074 الصحيحة فأمرها لله. # التلاميذ لاهون بالألعاب والأحزاب ورحلات شم الهواء، والمدارس يهمها أن تسلم لها كثرة ~~العدد الناتجة من إحراز الشهادات. # وإذا ضاقت بها دروب الشهادات الرسمية، أعطت هي شهادات من عندها، وعلى حاملها أن يلجأ إلى ~~زعيمه ليسعى في الدوائر الرسمية إلى معادلتها، ويكذب على صاحبه ووطنه، ويدخل في الدواوين ~~والمصالح أنصاف الأميين من حاملي هذه الشهادات. # وإذا عذرنا، قلنا: إن برنامج البكالوريا عندنا مثقل بالمواد، وعلى المعلم والطالب أن ~~يدرسها في عامين اسما. أما فعلا ففي أقل من عام. ففرصة الصيف أربعة أشهر، وفرصة الشتاء ~~ثلاثة أسابيع، ومثلها فرصة الربيع. وهناك من الأعياد ما يعطى بالمفرق، فيعادل أكثر من فرصة ~~فصلية كبيرة. # قد نسينا العطلات التي تفرضها الإضرابات فتضيع وقت التلاميذ وتفقد بها المدرسة مهابتها؛ ~~لأنها تقف مكتوفة اليدين حين تسود الغوغاء. # أجل لقد فقدت أكثر المدارس سلطانها فضاعت البقية الباقية من هيبة المعلم. # المعلم أحد اثنين، إما ذو عضلات وقوة جسدية يكبل يديه القانون الذي يمنع الضرب، أو أنه ~~قليل الظل فيضربه التلاميذ ... وتحتاج إذ ذاك المدرسة إلى مدير سرك يحكم بالسوط. # نحن لا نحبذ التربية بالقوة، ولكن بعد تجارب خمس وخمسين سنة تبين لنا أن ابن الإنسان هو ~~ابن عم الدب كلالة، لا يعلمه إلا العصا. وقد قرأت في هذا العام أن إنكلترا رأت أن المعلمين ~~فقدوا سلطانهم، فصارت السلطة للتلميذ حين بطل الضرب. # هذا من حيث التلاميذ. أما المدارس فملقى حبلها على غاربها، وما من يسأل عنها. # إننا نضع الحق على المنهاج. نعم، إن على المنهاج حقا، ولكن ليس كل الحق، فقبل أن نطبق ~~المنهاج يجب أن نهيئ للتلميذ انضباطا يؤدي إلى الانتباه. # في أرضنا نضع الحق دائما على القوانين ونحاول إصلاحها، وكيف تصطلح القوانين إذا كان ~~القيمون عليها غير قادرين؟ # أسمعهم يقولون: «إن اللغة العربية صعبة المنال، فكيف يتعلمها أبناؤنا وهي على ما ~~هي؟» # وإذا حكينا بصراحة قلنا: «علينا أن نعلم المعلمين أولا كيف يعلموا اللغة ~~وأصولها.» ~~«بادروا إلى حجز محلاتكم»، هكذا يقولون في ms075 آخر كل إعلان مدرسي. ويكون عندنا مائة مقعد ~~وندعو ألفا، ويكون عندنا مكان يضيق عن المائة فنقبل ثلاثمائة. # وإذا فتشنا آخر العام المدرسي عن طالب ذي شخصية فلا نجده؛ لأن أساليبنا لا تكتشف ~~الشخصيات. فالطالب بوق ينفخ فيه معلمه ألحانا ناشزة أكثرها مما وضعه القدماء من الذين ~~عالجوا نقد الأدب. # إن كتبنا المنهجية ليست من معجن مصنفيها، ولا من خبز فرنهم وتنورهم. وهي تسمم عقلية ~~الطلاب الذين يعتمدون عليها ليواجهوا بها الامتحانات الرسمية. # وهكذا، فإنك إذا فتشت عن شخصية بين معالجي أبحاث البكالوريا، فإنك لا تعثر إلا على ~~إسطوانات ذوات ألحان مكسرة. # أما الموضوعات التي تلقى فهي تكرر كل عام بصورة أخرى؛ وسبب ذلك تلك الكتب السطحية ~~المنهجية التي يقصد بها التجارة. فلم لا تؤلف الوزارة المسئولة لجنة تسهر على الكتب ~~المدرسية وتنقيها من الزوان والشيلم؟ فهذه الكتب الفارغة إلا من الورق وهذا المنهاج المضخم ~~الوارم يجب النظر فيها سريعا لتصان الثقافة قبل اندثارها الكلي. # فليتنا نعود إلى الشدة في المدارس والقسوة في الامتحانات، ففيهما صيانة كرامة العلم ~~والتعليم. # كان المعلم يضرب بالمخمس؛ أي الكف، فصار الطالب يشهر المسدس، وكفى الله المؤمنين ~~القتال. # وأخيرا أقول: ما بقي إلا أن تضع مدارسنا الابتدائية لشهاداتها بزة رسمية ذات شرابة وقبعة ~~ورداء، فيكتمل النقل بالزعرور، ومن يمنعها؟ # | خطرات # 1 # لقد أراني ما طرأ على نظري من خلل أشياء لا عهد لي بجمالها، فتحقق لدي أن الجمال في ~~نفس الناظر لا في نفس المنظور. # إن الاكتشافات الحديثة تغير النظريات المحاطة بهالة تقديس، ورب عظمة ~~متحجرة هي أصدق من ملايين الكتب. # الباحث عن الجمال الفني في مختصر رائعة من روائع الأدباء المشهورين كالباحث ~~عن الجمال الإنساني في الهيكل العظمي. # يسعد الإنسان بتخيلاته. فلولا خيال المشترعين لم تكن نار يخافها ابن آدم، ولا ~~جنة يحلم أن يسعد بها، فيعمل الخير ويحيد عن الشر كما أوصي. # العلم يقتل التعزية والرجاء، فحين كان يظن الإنسان أن عمر الكون بضعة آلاف من ~~السنين كان أسعد، ولكنه إذا صدق الرأي ms076 العلمي الحديث الذي يجعل عمر الكائنات ~~مئات الملايين من السنين ، يرى أنه أقل من شعرة من قطر برج ممرد. فأين عظمة ~~الإنسان إذن؟ # إنها ولا شك في دماغه الذي جعله يخلق كل هذه المزاعم. # الأساطير أحلام لذيذة يعيش عليها الإنسان وينعم بها وهو يردد مع ~~الشاعر: # متى إن تكن حقا فتلك هي المنى # وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # إن محاولة اكتشاف أسرار الفضاء ستزيدنا شقاء وعماوة قلب؛ لأن السماء ~~فاضية. # ترى ماذا يحل بالموسيقى الرخيمة لو زادت قوة سمعنا أضعافا؟ قد أوحت إلي ~~السماعة هذه الفكرة عندما استعنت بها على تقوية سمعي، فرميتها جانبا وفضلت قلة ~~السمع على كثرته. # لو كنت قسيسا لقلت: «فلنضحك» بدلا من «فلنصل»؛ لأن الضحك لا يكون إلا في ~~الفرح والفرج. أما الصلاة فتكون حامية حارة في الأزمات الشداد، وإذ ذاك تستبعد ~~المرح وقد تعده مفسدا للصلاة، كما قال الرشيد لمضحكه ابن مريم. # قال لي واحد: ليتني أعرف لغة أجنبية لأقرأ ما كتبه برغسون عن الضحك. # فأجبته: عندك الجاحظ فاقرأ ما كتبه في مقدمة كتابه البخلاء. # أعجب كيف لم يقل الله في وصاياه العشر: «لا تغضب» بدلا من «لا تقتل»؛ لأن ~~الغضب أبو الجرائم كبيرة كانت أو صغيرة. فكيفما سرنا في طريق الحياة يقفز الغضب ~~من أمامنا. فقد يغضبنا أحدهم؛ لأنه أخل بمراسم السلام والتحية، ونحن نريدها ~~طبقا للهندازة، أو بناء على مراسم القديم على قدمه. قد هدانا الشاعر القديم ~~طريق الحياة المستقيم حين قال: # إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى # وحظك موفور وعرضك صين # لسانك لا تذكر به عورة امرئ # فكلك عورات وللناس ألسن # وعينك إن أبدت إليك مساوئا # فصنها وقل: يا عين للناس أعين # وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى # وفارق ولكن بالتي هي أحسن # وجاء في التوراة: «الغضب قساوة والسخط جراف.» ببطء الغضب تقنع الرئيس، ~~واللسان اللين يكسر العظم. # إن الله يغفر لنا خطايانا ولكن جهازنا العصبي لا يغفر قط. فاحذر الغضب تتجنب ~~قرحة المعدة والضغط العالي والسكري ومرض القلب. # الحياة بطارية ms077 مشحونة يمكنك أن تفرغها في الثلاثين، ويمكنك ادخارها إلى ~~المائة ، فكن حذرا واقتصد. # ربما أنهم قالوا: «العجلة من الشيطان»؛ لأن الشيطان من نار في عرفهم، وهو ~~مغامر جسور دق قرونه بالخالق العظيم. فهل رأيت بليدا متكاسلا أكل سمكا ~~طازجا من البحر؟ إنه يأكله ميتا معروضا على طبق في ساحة السمك. # 2 # الابتذال يقتل الكلمة ويقبحها، فالأجل الأمجد ليس أفخم منها. ومع ذلك سمجت ~~لما دارت على الأقلام، فأصبح الذوات يفضلون عليها السري الأمثل أو الوجيه ~~الهمام. # شبهت الدنيا بقصر سميته قصر المسكونة. فالنوابغ والعباقرة يدخلون ويخرجون ثم ~~لا يظفرون بمقابلة الأجل الأمجد. والظافر منهم هو الذي يكتب اسمه في سجل ~~التشريفات ويمضي لسبيله. # لو لم يظهر السيد المسيح لامرأة أولا، لما انتشر خبر قيامته بتلك السرعة، مع ~~انعدام وسائل الإذاعة والنشر. # ليس في الدنيا عصي على النقد، شرط أن تحك رأسك لتخرج الشرر، من أسنان المشط. ~~فإذا كانت أسنان المشط تفعل ذلك، فكيف بذرات دماغك حين تتفاعل؟ # ليتني أعطى عمرا آخر مع بقاء المخ سالما، فقد رأيت آخر العمر أنضج وأشهى، ~~وليت الإنسان يستطيع أن يورث الآخرين علمه، فيبدأ العلم من حيث ارتفع. # أشعر نحو الكتب شعوري نحو الكائنات الحية. أتخيل الحبر على الورق كدم فوق ~~الجلد لا تحته. فما أجمل أن تهدي إلى صديقك كتابا ينوره، لا زجاجة ويسكي ~~تطيره. # لا أخاف العمى إلا لشيء واحد هو أني أصبح محتاجا إلى معونة إنسان غير ~~الإنسان الذي هو في قميصي. # شاهدت أول طائرة في سماء بلادي وتعجبت. # قبل أن يلفظ القرن التاسع عشر أنفاسه سمعت أول أسطوانة تغني، ثم توالت ~~الاختراعات ولا تزال، حتى تمنيت لو كان أجل مجيئي نصف قرن على الأقل. # عندما رأيت صورة الأقمار ترسل إلى الفضاء، تذكرت كيف كنا نطير الطيارات ~~والقواعد سطوح بيوتنا. فهل يأتي بعدنا من يشبهنا هذا التشبيه؟ # إذا كانت الأرض لم تشبعنا، فهيهات أن يشبعنا ذاك الذي سمته التوراة: «توهو ~~بوهو» وجعلت روح الله يرف على وجه المياه ... # مساكن سكان الفضاء، فأكبر ms078 نكبة ستحل بهم هي ساعة نشرفهم بزيارة ومعنا عتادنا ~~الجهنمي. # سيظل الدماغ البشري عظيما ما دام التفكير لا ينقطع، وما دام هناك طموح. وكم ~~أضحكنا جنون المتنبي القائل: # إذا غامرت في شرف مروم # فلا تقنع بما دون النجوم # وكم أكبرت عبقرية ضرير المعرة حين قرأت وصفه اتساع رقعة الدهر بقوله: # ولو طار جبريل بقية عمره # من الدهر ما اسطاع الخروج من الدهر # فأين جدي الذي كان يقول بكل إيمان: «تؤلف ولا تؤلفان» أي: في نهاية ألفي سنة ~~تمر على ميلاد ابن البشر تقوم القيامة وتذهب الكائنات إلى حيث ... # فها إن العلم يثبت أن الأرض التي خلقها رب موسى في ستة أيام عمرها ملايين، ~~وإن زعم داروين وكفره في أعين الثائرين عليه أصبحا سكرا وترياقا: # ومن تأمل في الدنيا ومهجته # أقامه الفكر بين الضعف والتعب # ما أبطأ خطوات التطور، فكل سنة من أعمارنا تساوي مليون سنة في حساب ~~التطور. # وعلى هذا القياس لا تصل نفوسنا إلى حضرة ربها إلا بعد ملايين السنين. فلينعم ~~الملاحدة بالا؛ لأنهم يتطورون ويصيرون غيرهم قبل الوصول إلى حضرة من على العرش ~~استوى، وسبحان الذي لا ينسى. # | نحو حياة أفضل # عنوان كله طمع ومحبة ذات، فيا ليت شعر الذين يطلبون حياة أفضل، فهل هناك حياة أرفه وأفضل ~~من حياة اليوم؟ وكيف تكون يا ترى؟ # ما نسينا بعد ركوب الخيل، بل الحمير، يوم كنا نقضي يوما لنقطع مسافة نتجاوزها اليوم ~~بساعة زمان قاعدين، لا راكبين. # ما نسينا عهد المرسال الذي كان يقضي يومين حتى يأتينا بخبر من المدينة، ولم ننس قول ~~طرفة: «ويأتيك بالأخبار من لم تزود.» # لا أتحدث عن الغيبيات؛ لأنه لم يثبت لدي بعد غير ما أدركه بحواسي الخمس، وإن تكن العين ~~والأذن تخدعان أيضا. # كنت أؤمن أن الجمال في ذات الناظر، فإذا بي، عندما طرأ خلل على إحدى عيني، أري جمالات لم ~~أكن أراها. فالحياة الفضلى هي إذن في أنفسنا، وكما نفكر نكون، فعبثا نطلب حياة أفضل في ~~خارج أنفسنا. فالحياة المرضي عنها نحن نخلقها ms079 بأنفسنا لأنفسنا، وقد وصلنا إلى القمة وما ~~زلنا نطلب أفقا أعلى وأبعد. # قد رأيت، بعد إمعان الروية، أن من يطلب حياة أفضل فليفتش عنها في ذاته. «إن الملكوت فيكم» ~~هكذا قال المعلم، وهو يقول الحق. # وقال حكيم: «كما تفكر تكون.» # الطموح ضروري لرقي الإنسانية، ولكن السعادة في الحياة لا تأتي في الغلو ~~والإيغال. # أجل، إن الحياة تدفعنا إلى الأمام دفعا، ولكن هذا الدفع لا يؤمن لنا الغبطة المنشودة، ~~فشاعرنا الأكبر قال: # إذا غامرت في شرف مروم # فلا تقنع بما دون النجوم # وها قد كدنا ندرك النجوم، وتحققت لنا حياة أفضل، وما زلنا نطلب الحياة الفضلى، فمن وهب ~~المعرفة يطلب أن يوهب أيضا المال. ومن أعطي الحكمة يتمنى لو كان جبارا عنيدا، وسلطانا ~~مولى على رقاب العباد. # قال فورد عن الأحد، يوم الراحة الأسبوعي: «إننا نحتاج إلى بعض الوقت نرتاح فيه عقب قضاء ~~يوم بلا عمل.» # اقرأ كتاب سلامة موسى: «حياتنا بعد الخمسين»؛ لتعلم ~~رأي فورد جبار عالم الصناعة. فهو ينقل لنا عنه أنه قال في الثمانين من عمره: «سوف يكون ~~العالم أفضل مما هو الآن للناس، وهو الآن خير مما كان حين كنت صبيا، وسيطرد في الارتقاء ~~والتحسن، ولكن على الناس أن يتعلموا من اختباراتهم، وأن يعيشوا للمستقبل وليس ~~للماضي.» # ونحن نقول: ليست الحياة الفضلى في مال نمرغ أنفسنا في أوحال مانحيه، ولا في ثروة نبيع ~~لأجل كسبها ضمائرنا وعزة نفوسنا في المزاد العلني. فإذا كنا نريد حياة أفضل، فلا نتسابق على ~~الفتات المتساقط عن موائد الجبابرة. # إن الحياة تكون أفضل إذا بعدت عن الكذب والدجل، وعن الذل المخزي. وأرى أن الحياة الفضلى، ~~كما هي في نظر جبابرة الأرض، هي سبب كل الويلات وشقاء الإنسانية. # فأية سعادة لمن يطير ويقطع المسافات بمثل لمح البصر، إذا كانت نفسه تتسرب مع خشاش ~~الأرض؟ # إن النفوس لا تسعد إلا بالمال الحلال. ولا يكون المال حلالا زلالا إلا إذا عدنا إلى ~~الشعار الإنساني القديم: «بعرق جبينك تأكل خبزك.» # إن عرق الجبين هو ملح الحياة، ms080 ومن يأكل طعامه بلا ملح؟ # وقبل وبعد، فالحياة الخالية من الجهد والنشاط لهي أغنية على وتيرة واحدة. ومن ذا الذي ~~ترون له مثل هذه الأغنية؟ فالحياة لا تحلو ولا تطيب إلا إذا تنوعت. # وإنني لا أتصور حياتي السعيدة في الفردوس حيث النعيم المقيم إلا وأخشى الضجر. # إن من يطلب عالما لا شر فيه، كمن يطلب لحما بلا عظم. # وكل باحة نلتمسها نجد متاعبها منها وفيها. # | صور ومشاهد # ما أكثر مشاهد الحياة، وما أسرع مرورها! # إنها تمر كالبرق الخاطف الأبصار، وما على الناظر إلا التقاط ما تمثله سينما الحياة ناطقة ~~وصامتة. # وهل نحن غير ممثلين يخرج كل منا دوره كوميديا أو تراجيديا؟ # الزواج مشكلة هذا العصر. كان شاعرنا يقول فيما مضى: # وماذا تبتغي الشعراء مني # وقد جاوزت حد الأربعين # أما ذكور هذا الزمان - وقد أمسى الزواج عندهم قضاء واجب، كما يقولون - فليس يتذكره أحدهم ~~إلا حين يذوي شبابه، أو يذهب ساقه وسماقه، كما تقول العوام. # يستفيق الرجل في عصر الحياة، يستيقظ من غفوته حين يقصر عن الكر والفر، فيفتش على ضوء ~~شيبته عن أنثى يحجر عليها في بيته يوم يصبح في حاجة إلى ممرضة لا إلى زوجة. # إنها إحدى آفات المدنية التي تدعونا إلى معالجتها واجباتنا الاجتماعية. فالبستاني لا ينفك ~~عن الطواف بين أشجاره المثمرة، تارة يلجأ إلى المنفخ ليكافح الجراثيم العائثة بالجذوع ~~والأغصان والأوراق، وطورا يجيء بالمضخة للرش لتسلم من الكوارث شجراته الحبيبة. # أما نحن فقلما نبالي بجنيناتنا البشرية التي تتطلب منا جهودا جلى، واهتماما منقطع ~~النظير. # إن تهرب الشبان من أعباء المسئولية البيتية هو الذي أكثر عدد العوانس في هذا ~~الزمان. # ولكن على من الحق؟ ومن هو المخطئ؟ الفتاة أم الفتى؟ # سوف أعرض الآن إحدى صفحتي هذه القضية الخطيرة، وإني لأرجو من القراء أن ينهجوا نهج حكام ~~هذا العصر؛ أي ألا يصدروا حكمهم الآن بل يؤجل ذلك إلى ما بعد الاطلاع على الصفحة الثانية، ~~عملا بنصيحة أحد القضاة القدامى الذي قال: «إذا جاءك شاك وقد قلعت عينه فلا تحكم ms081 له؛ ~~لئلا يأتيك خصمه وقد قلعت عيناه.» # اجتمعت بشاب فات الأربعين ، وهو يزعم أنه قارب الثلاثين، فقلت له: أراك كبرت يا جميل عن ~~الصبا، وقطعت تلك الناحية، أما وقعت بعد على بنت الحلال تقاسمك السراء والضراء؟ # فتأفف صاحبنا ونفخ نفخة تذري بيدر دير، ثم صفع صلعته صفعة رنت لها القاعة التي كنا فيها. ~~وأطرق يفكر، ورحت أنا أتأمل أصابعه المنطبعة على بطيخته، وأنتظر كلامه. # وأخيرا هونها الله وانفكت عقدة لسانه وقال: وكيف أتزوج يا شيخ، ولم أجد بعد فتاة واحدة ~~ملأت عيني وقلبي؟ # فقلت: عجيب! هل انقطع نسل حواء؟ # فقال: نعم، اسمع حتى أخبرك. فأسما رشيقة القوام كأن الشاعر يعنيها بقوله: # إذا قامت لحاجتها تثنت # كأن عظامها من خيزران # بهية الطلعة، فتاة متنورة، بنت مثقفة، ذوق سليم، ذكاء حاد، تكفيها الإشارة لتفهم. ولكنها، ~~وا أسفاه! شرسة، سريعة الانفعال، مستبدة برأيها، تريد أن تكون الكلمة الأخيرة لها، فكيف ~~تصفو أيامي بقربها؟ # وهند بنت بيت، جمال ساحر، ودوطة ضخمة، معها الكثير من الدنانير الرنانة لا المخشخشة، ~~ولكنها متكبرة، شامخة بأنفها، تعد نفسها فوق البشر، لا تلتفت إلى من هم دونها إلا لتزدريهم. ~~لا يعجبها أحد في الدنيا. فهل يطيب عيشي إذا اقترنت بها واتخذتها شريكة لحياتي؟ # وسلمى أسيرة الموضة، تقضي أغلب ساعاتها منكبة على البيانو، تحب اللهو، ولا ترى إلا ~~متنقلة من سينما إلى مسرح، ومن صالة إلى قاعة، لا تهتم إلا بما تهتز له أوتار قلبها، حملت ~~والدها حملا ثقيلا من الدين، فهل يرجى أن تكون ربة بيت في المستقبل؟ وهل تحسن تربية ~~الأولاد على الاقتصاد ما زالت هذه ميولها؟ # وجوزفين جامعة لشتات المحاسن، إلا أنها تقامر كوالدتها، وتشرب أيضا ... وإحدى هاتين ~~الآفتين تهدم أكبر بيت، فكيف بهما إذا اجتمعتا؟ ألا تحول بيتي منتدى وقهوة إذا ابتليت ~~بها؟ # عفوا، نسيت أن أخبرك أنها لا تدع السيكارة حتى تمسك نربيج الأركيلة، لا تحدثك إلا عن ~~الماتينيه والسواريه، وعن حفلات الكوكتيل بعبارات هي كوكتيل حقا. وبألفاظ كأنها مسبحة ~~الدرويش. ~~- طيب، إياك أن تنسى ms082 شيئا، هات كل ما عندك. # فتنهد وقال: ونبيهة تعيش مع أهلها بكل رعونة وخشونة؛ ترفس أخاها، وتقاتل أمها، وتلعن ~~أباها إن أغاظها، وتظل معبسة بوجه أهلها، في حين أنها تبتسم لعابري الطريق، وتذوب رقة ~~ولطافة لدى مقابلتها زوارها. قل بحياة ربك، أفلا تعاملني كأهلها متى صارت زوجتي؟ # قلت: ربما، وماذا بعد؟ # قال: وأنيسة كسلانة، تطيل السهر ولا تستيقظ إلا عند الظهر، فتقضي ما بقي من النهار على ~~غسل وجهها والتضمخ بالطيوب، وضفر شعرها، وتزجيج حاجبيها، وهي لا تقبل نصيحة أمها وتعد كل ~~عمل عارا، تتأوه إن لمست الحرير، فكأن جسمها من النعنع، فما عساها تفيد البيت يا ترى؟ ألا ~~تدك أساساته؟ # وكريمة، لما زرناها قعدنا على مقعد حريري، ولكنه متواضع فتنكر في ثوب من الغبار، فكدنا لا ~~نعرف لونه، وقد رأيت أثاث بيتها مبعثرا وثيابها غير نظيفة، لحظت أنها لا تهتم بشيء إلا ~~بمطالعة الروايات السخيفة، ولا تتحدث إلا عن أبطال الشاشات البيضاء، فكيف يكون حالي إذا ~~صارت حليلتي؟ # وأليس لسانها أطول من حبل الجمال، ثرثارة، تثلم أعراض رفيقاتها ونظيراتها، مدعية، تجهل ~~القراءة والكتابة. وتوهمك أنها فيلسوفة عصرها ... أنها جميلة جدا، وهل يكفي جمال وجه يخلو ~~صاحبه من جمال العقل والأدب؟ # وسعدى وقحة متفرنجة، حديثها مخلوطة، كلمة عربية، وكلمة أعجمية وهي نصف أمية، أقول: نصف ~~أمية حتى لا أقول: نصف متعلمة؛ لأنها لا تستحق هذا اللقب، ومتى حمي التنور لا تنطق إلا ~~باللعنات! وهل أقبح من أنثى تسب الدين؟ صدقني إذا قلت لك: إني سمعتها بأذني، رأيتها مرارا ~~تضرب خادمتها كما تضرب الحيوان، وتقذفها بلعنات لا ينطق بها أولاد الشوارع. # وليلى مترجلة لا ينقصها إلا زوج شوارب، تتجول وحدها في الأزقة، تنفق كل ما يصل إلى يدها ~~على توابل الحسن ومقبلاته، كأنها تجهل: # إن المليحة من كانت محاسنها # من صنعة الله لا من صنعة البشر # وجميلة لا تعلم شيئا من أمور تدبير البيت، تستعين بجاراتها على رتق ثوبها، ومن كانت لا ~~تحسن تدبير نفسها فكيف يمكنها أن تدبر البيت بحكمة ms083 ونشاط؟ فأمي صارت على حافة قبرها، وأختاي ~~واحدة تزوجت والثانية ماتت . # فقلت له: يبقى وجودك، ونفرح منك، وأخيرا؟ # فقال: أخيرا، ولكن واحدة اسمها سليمة، أعجبتني جدا. # فقلت بصوت منخفض: الحمد لله. # وأتم هو كلامه: فهي سليمة الطوية صافية النية، ترف على وجهها روح الطهارة وتصبغ خمرة ~~الحياء وجنتيها، وهي تحترم البشر. معلمة، مهذبة، مقتصدة، تكره الاغتياب والنميمة، لا تبالي ~~بالأزياء، لا تميل إلى الملاعب والملاهي، ماهرة في أكثر الأشغال اليدوية، بنت أوادم تقوم ~~بواجبات البيت حق القيام، طبخ ونفخ وهلم جرا. # فقاطعته وصحت صيحة فرح وقلت له: ساعة مباركة، خذها. # فقال: وكيف آخذها، وهي ما معها شي، وأنا طفران؟ # فقلت له: زاد واحد يكفي اثنين. # فقال: يا ليت، ولكن من أين؟ # فقلت: إذن، أنت تطلب العصفور وخيطه؟ # قال: نعم. # قلت: إن شاء الله تعيش ... حتى يطلع الحشيش ... # | علمتني الحياة # وكان الأصح أن يقال: ما هو أبلغ درس علمتنيه الحياة. # إن دروس الحياة في أمثالها؛ فالأمثال هي المواد الكلية من كتاب قانون الحياة. وقد قالت: ~~إذا لم تعلم ابنك فالدهر يعلمه. # لم أكن من المؤمنين بالكلمة المأثورة: «اتق شر من أحسنت إليه»، ولكن ما صادفته عمليا في ~~حياتي أثبت لي صدق هذا القول. فالذي تحسن إليه، كثيرا ما يتمنى زوالك لئلا تؤذيه رؤيتك حين ~~يتذكر ما لك عليه من دين، وإن كنت أنت قد شطبت الحساب على الفور؛ ولذلك لم أعد أستغرب ~~الجحود، ولم أعد أنتظر شكرا من أحد. # أما قول الحطيئة: # من يصنع الخير لا يعدم جوازيه # لا يذهب العرف بين الله والناس # فالذي يريد تأجيل ديونه إلى يوم الله فله شأنه. أما الناس فلا ننتظر منهم عرفان جميل، فهم ~~إذا شبعوا بطروا، وإذا قدروا رفسوا وعضوا. # في المثل: «كل ما تزرعه تقلعه إلا ابن آدم فإنك تزرعه ليقلعك»، فخير لك أن لا تزرع ولا ~~تنصب هذا الحيوان الأسود الرأس المستوي القامة. # علمتني الحياة أن المال لا رائحة له، ولكنهم نسوا رائحة البخيل التي دونها نتانة القبور. ~~أوليس البخيل قبرا ms084 جوالا يملأ محيطه قذارة ونتنا؟ # كنت أهزأ بالشيخوخة، حتى إذا ما بلغت القمة الأولى من قمم العمر، وقفت متحيرا في الطريق ~~المؤدي إلى القمم الأخرى. # يقولون: إن المعاشرة تؤثر، ولكن الحياة علمتني أن الطبع غلب التطبع. # ومكلف الإنسان ضد طباعه # متطلب في الماء جذوة نار # كانت حياتي كفاحا مستمرا، ولا تزال جهادا مرا. ومن هذا تعلمت ألا أيأس ولا أقنط، ~~فكأني دائما أنتظر شيئا فأشمر للحاق به، ولعل هذا هو الذي جعل طريقي لا نهاية لها. لم أكن ~~من تلامذة الحياة النجباء، فسقطت في الامتحان. وها أنا أجرر أذيال خيبتي في البشر. # أنا أعول كثيرا على المأثور من الكلام القديم شعرا ونثرا، فالشعر العربي مستودع الفكر ~~الإنساني، والأمثال العامة هي زبدة فلسفة البشر، ولا عيب فيها إلا أنها تجمع المحاسن ~~والأضداد. # علمتني الحياة أن تقديسنا للقديم يبقينا حيث نحن؛ ولذلك أراني أهش وأبش للجديد حيث ~~أجده. # وبعد التفكير العميق وجدت أن الكذب هو سدى ما ننسجه من أحاديث ولحمته، من أهلا وسهلا ~~ومرحبا، إلى شرفتمونا بزيارتكم، أعيدوها. فكلمة مشتاقون تخرج كل ثانية من فم كمغارة أفقا، ~~وحديث المجاملة يتدفق كالشلال في كانون. # وقبل وبعد فأنا لم أتعلم شيئا من مدرسة الحياة في هذا الدور، فعسى أن أكون تلميذا ~~نجيبا في الدهر العتيد. # | الشجر تتهم البشر # ما أثقلك يا ظلام! وما أقساك يا ليل! فقد زدت الغابة وحشة، وأخفيت تحت جناحيك وحوشها ~~المفترسة، وناديت الضواري: خلا لك الجو ... # الغابة في الليل كالمدينة في النهار، في الاثنين ذئاب تخشى أنيابها وبراثنها، ولكن لكواسر ~~المدينة أنيابا من حديد وأظافر من نار، وهي أجرأ وأفتك وأحد نابا من وحوش ~~الغابة. # دخلت الغابة تحت لواء الظلام فهمس الضمير في أذني: «امش في النور ما دام لك ~~النور.» # نعم سمعت صوتك أيها الضمير، ولكن أتجهل أن من أحشاء الغيوم السوداء تنبثق الكهرباء ~~الساطعة؟ # ما هذا الصراخ والعويل؟ ما هذا البكاء الجارح؟ أرى أشباح الموت تلوح في الفضاء، وزفرات ~~المنية قد ملأت الغابة. # ليست الأشجار ببشر ليزاحم ms085 بعضها بعضا وتقتل وتتبادل الغارات. إذن فما الذي أقلق خاطر ~~الليل ، وأزعج بال الهدوء والسكينة؟ # لا بد من أن تكون لابن الإنسان يد في هذه الضوضاء وفضل على نشأتها، فلنتقدم وننظر. أما ~~قال الشاعر في ذلك الزمان: # عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى # وصوت إنسان فكدت أطير؟ # وكان الخوف ينمو كلما اخترقت قلب الغابة، فتثقل علي وطأة الرعب، والصوت يزداد قوة ويحمله ~~الهواء على منكبيه طائرا به في أقطار الغابة الموحشة. # ذعرت الضواري وتركت الطيور وكناتها، وفر الذئب هاربا خوفا من ريحة الإنس. أما أنا ~~فتقدمت مستقبلا ما يكون بصدري، فقد علمتني الحوادث ألا أدير ظهري لطاعن فأمكنه من ~~مقاتلي. # وكان الصوت ينبعث من كهف ضفرت له يد الطبيعة إكليلا من العليق والعوسج، واهتديت إلى بابه ~~فدخلته قائلا: إن التاريخ يعيد نفسه، وهذا نظير جريح أريحا، فما ضرني لو كنت ذلك السامري؟ ~~وما وقعت عيني على ذلك المتوجع حتى سمعته ينادي: «ويلهم قتلوني.» # تفرست بالصارخ، فإذا هو فتاة غضة الشباب، جميلة، غطى شعرها الأسود الطويل وجهها البديع ~~الناصع البياض. ناديتها فأعرضت عني مغطية وجهها بيديها الناعمتين، وصاحت: «إلى هذه البرية ~~لا تزالون تقتفون أثري؟ دعوني أعيش في هذه الغابة كالنساك، فقد سئمت أعمالكم يا بني ~~البشر. لقد جرتم علي، وسحقتم قلبي، وحطمتم مجدي! اضطهدتموني واحتملت كل ما لحق بي من ظلمكم، ~~أيها القساة، فدعوني الآن أستريح في هذه البرية بنفس راضية، إلى أن يقضي الله أمرا كان ~~مفعولا.» ثم أعولت فملأ صراخها الفضاء، فتفطر قلبي لوعة عليها. # وسألتها: من أنت أيتها الفتاة؟ وأية جناية ارتكبت فأبعدت إلى هذه الغابة حيث لا يؤنسك غير ~~نعيق البوم والغراب، وفحيح الأفاعي وخوار الضباع؟ أأنت تموتين وتودعين الوجود؟ ومن يرضى عن ~~موت غادة مثلك؟ فقومي تنقلي بين الأزاهر، فإنك لا تزالين زهرة ناضرة لم تنفتح العين على ~~أجمل منها، وحدثيني عما نزل بك من مصائب الدهر فلعل لدائك عندي دواء. # فأجابت: قضي الأمر ولم يعد لي من الحياة نصيب، فأنصاري قد ماتوا، وأنى توجهت ms086 لا أرى إلا ~~وجوها كالحة، وجباها مقطبة، وحناجر مفتحة كالقبور، وسم الأفاعي تحت الشفاه. ينظرون إلي ~~نظرة القضاة إلى لص مجرم، ولا يريدون غير رجمي؛ ولهذا تركت معترك المدن حيث تتطاحن البشر، ~~وجئت إلى هذه الغابة أنشد السلامة والاطمئنان. هجرت الهيئة الاجتماعية وطويت عنها ~~كشحا. # فقلت لها: ضاق صدري، ولم يبق في قوس الصبر منزع. فهل أنت ساردة لي تاريخ حياتك؟ يظهر أنك ~~غريبة الأطوار وأسرارك عميقة! # فأجابت بطرف مكسور: أنا هي العذراء التي افتخر بها الإنسان القديم، وتغزل بها كبار ~~النفوس، وتعشقها الفلاسفة والمطلعون على أسرار البشرية. أنا هي المحور الذي تدور عليه رحى ~~الحياة، والشمس التي تلقي أنوارها على المجتمع الإنساني فتنعش ما ذبل من رياضه، وتبدد ظلمات ~~لياليه الحالكة. أنا هي الروح لجسم المدنية الحاضرة، وما نفع الجسم إذا فارقته ~~الروح؟ # أنا هي نعيم هذه الحياة، فمن لجأ إلي أمن الويل والنوازل، ومن أعرض عني عاش معذبا في ~~جهنم الضمير، فالويل للذين جاروا علي وتركوني، فعاقبة حياتهم وخيمة، وأيامهم سوداء مظلمة. ~~أنا هي عروس الشعراء، بل عروس كل ذي نفس تشعر، فكم من رجل أراد الصعود إلى سماء المجد، ولكن ~~كرهه لي أدى إلى هبوطه من أعلى إلى أسفل. وكم من فتى أحب أن يسود بدوني فلم يوفق. # فصحت بها: يا أختاه! دعي قول أنا وأنا، فما قلته تغني عنه كلمة، فقوليها بالله ~~عليك. # فنظرت إلي شزرا وقالت: أنا هي «الأمانة» والويل للبشر إذا فقدوني. فالقائد إن لم يكن ~~حائزا على جانب عظيم من الأمانة يخون دولته ويقوض دعائم مجدها. والخادم إذا لم يكن ~~صادقا مخلصا، يدس لسيده السم فيميته شر ميتة، والصديق إذا لم يكن أمينا، كان ويلا ~~يوقع من اصطفاه في شراك البلايا، والتاجر إذا لم يكن صادقا أمينا يبيع ذمته وينهب أموال ~~البشر ولا يبالي إلا بجمع الثروة، سواء أعن طريق الشهامة جاءت أو عن طريق اللؤم والدناءة. ~~وقصارى الكلام أن كل ذي شأن في الهيئة الاجتماعية إذا لم يكن صادقا فهو مكروه وممقوت ms087 من ~~البشر. # فأجبتها: خففي عنك، ولينعم بالك، فإن أنصارك كثيرون. كثيرون هم الأمناء الصادقون والذين ~~يرون الخيانة جبنا وعارا. فعندنا التاجر والخادم والمخدوم والصديق يحمون ذمارك ويفدونك ~~بدمائهم، فقد ورثوا هذه الخلة الكريمة عن أجدادهم الذين اشتهروا بها ورفعوا لواءها. # أما هي فأجابتني: لقد عم الطمع والرياء، وأصيبت الناس بداء حب الثراء، وانتشرت المداجاة ~~حتى سموها سياسة عصرية، وهذا الذي رغب إلي الاعتزال. # فقلت: وكيف تعتزلين هنا، فالأشجار وحدها تقضي عليك؟ # فحدقت إلي شجرة كهلة وقالت: فتح عينك، نحن شجر لا بشر. انظر تر أننا لا نقتتل على شيء، ~~كل واحدة منا تقف حيث هي فلا نتنازع لا على الماء ولا على الهواء، ولا على النور. إن صفوفنا ~~لا تتحرك ولا تعلن حربا، فهذه الغابة تعيش أشجارها بسلام، تتعانق أغصانها ولا منافسة بينها ~~على شيء، فعند السماء والأرض خير كثير. أصغ، أصغ، ما لك مبهوتا؟! ~~- كلي آذان، يا سيدتي، فقولي ما عندك. # فقالت الشجرة: هل سمعت صوتا غير حفيف الأوراق؟ اعلم وخبر جماعتك الناس أن شريعتنا ~~شريعة السلام والاطمئنان. وإذا كان عندنا جور وبغي، فهو يأتينا من القرى والمدن. إن الذنب ~~هو ذنب الدم، أما الماء الذي يجري في عروقنا فلا يحملنا على الجريمة. إن ذوي الدم وذواته هم ~~الذين يزعجون الغابة، وإذ قلتم ذامين قادحين: «شريعة الغاب»، فالذنب ذنبكم أنتم وذنب ~~الحيوانات، وكأنكم أدركتم ذلك فقلتم عن أنفسكم: «فلان دمه حار، وفلان دمه بارد، وفلان دموي؛ ~~أي سفاح.» # قال أحد مجانينكم: «من خلق علق»، وكلمته هذه تصدق فينا؛ لأننا لا نسعى، نعطي ولا نأخذ، ~~ويغار علينا ولا نغير على أحد. تأتوننا بفئوسكم ومناجلكم، فنقابل شركم بالخير، ونعطيكم كل ~~ما نملك حتى أنفسنا. # جبلتم على الشر والأذى؛ ولذلك تقولون: «الدم لا يصير ماء.» لا أقول لك: اخرج من غابتنا؛ ~~لأننا خلقنا لا نرد أحدا. أما أنتم فقد يقتل بعضكم بعضا من أجل عود من عيداننا. # أما هذه الفتاة، فقد جاءت إلى حمانا، ونحن نضمها إلى صدورنا، وإذا اعتدى عليها أحد ms088 فلا ~~يكون إلا من ذوي الدم. فاذهب من حيث جئت، ودع عندنا هذه اللاجئة وشأنها. لقد جاءت إلينا، ~~ونحن لها. # | قصة السعادة # بين ثنايا جلباب الدهور وغضون جبين الأزل فتشت عنها فلم أجدها. وبتلسكوب هذا الزمان حدقت ~~إلى خيالها الضئيل فرأيته يتوارى ويضمحل وراء ضباب المدنية. # في صحارى الآمال، وعلى شواطئ بحار المطامع، بحثت عنها فوجدت الرياح ذرتها رملا في ~~الأحداق فعميت عنها العيون وابتلعتها اللجج، فكان الغائص عليها من المغرقين. # قالوا إنها بذور إلهية نثرتها يد الخفاء على وجه الكرة الأرضية قبل ظهور الحياة، فبحثت ~~جيولوجيا فلم أجدها بين بقايا إنسان الكهوف ومدى الصوان وفئوسه. # لقد التقط عقبان الأبد ونسور الأزل بذور الآلهة وطارت محلقة في الأفق المجهول. سمعت حفيف ~~أجنحتها ولم أرها. ما رأيت إلا شبح العدم جاثما على جبهة الوعر يرقب ساعة يبحث فيها عن ~~عرشه المفقود ويعصب رأسه بثلجه. # إنه ليوم رهيب يوم ظفر العدم، إذ تصبح أشباح النوابغ رمما بالية، يضحك منها الفناء ويهزأ ~~بها اللاشيء. يوم يقبض العدم على قضيب ملكه «ويؤدب المتشردين». وهذا هو لقب نوابغ الأرض في ~~مملكة العدم. # تصفحت الأسفار وقرأت سطورها وما بين السطور فلم أجد إلا شكوكا مدلهمة تزداد على البحث ~~ظلاما. استعرضت جنود العلماء والفلاسفة وفي أيديهم سيوف البراهين وقنابلها؛ فرأيت تلك ~~منثلمة وهذه محشوة رمادا. رأيتهم نياما في ظلال الشكوك، والتهكم يقهقه فوق رءوسهم صائحا ~~بهم: ناموا واستريحوا يا نوابغ الأرض فقد ضللتم الناس وضللتم. # مع عمالقة التاريخ وجبابرة الإنسانية سرت برعدة. خلتهم راكضين وراء السعادة، فأسرعت معهم، ~~فاختفوا عن نظري في صحراء التيه فدخلت أرض الفراعنة وحدي. # رأيت جلال ملوكها أبناء الشمس. تصفحت أسفارهم في هياكلهم، ومع موسى الذي تدرب على حكمتها ~~أمعنت النظر فيها، رأيت عصي الكهان تناسب حيات تحت أقدام الفراعنة فاتبعتها إلى هيكل ~~إيزيريس، رأيت هناك الإله الثور وعلى ظهره النسر فقلت: هذا هو السعادة، صعق الكهان؛ لأن ~~الثور قد مات، واضطرب الوادي حزنا على الإله، فقلت: لا سعادة هنا. # طفت حول الأهرام ms089 واستنطقت أبا الهول فأجابتني مومياء من قبور الفراعنة: فتش عن السعادة في ~~غير هذه الأرض، فقد حنطنا أجسادنا لتراها صور أرواحنا إن وجدها أحد بعدنا. # سرت على طريق الهند فرأيت رفيقي في هيكل الآلهة - موسى - يلتفت يمينا وشمالا، وإذ لم ~~ير أحدا قتل المصري وطمره في الرمل، فسألته عن ضالتي فهز كتفيه مشيرا إلى المصري ~~المقتول. # طويت الصحراء فشاهدت فيها آثار الأنهار فأيقنت أن المدينة رحالة يجوب الأقطار وله في كل ~~منطقة طلول وآثار. ولما وصلت ضفاف الكنج حملت تياراته أثقالا من الآمال وجبالا من ~~التسآل. # تحت أقدام برهما، ثالوث الهنود، وبين غطرسة كهانه لم أجد أثرا للسعادة. وفي مطاوي ~~«الفيدا» لم أعثر إلا على بعض متحجرات صقلوها ونادوا على الدر والألماس. # اضطرب البراهمة؛ لأن إلها جديدا ولد من خاصرة أمه. يمد يده ليقوض أركان فلسفتهم ويمزق ~~أسفارهم فأسرعت الخطى إليه. أركبني بوذا في مركبته «الإلهية» فجرت بنا تطوي سهول الخيال ~~وتعبر أودية الأشباح فسرنا نفتش عن السعادة في جيوب الغيوم، فكنا كالقابض على الماء. تركته ~~متربعا في ظل شجرته الأزلية يستمد الروح العلوية لتبدد انقباض نفسه، فازداد بركانها ~~ثورانا؛ لأن السعادة طائر لا يستكن في ظل شجرة يستظل بها البشر. # رأيت كنفوشيوس يعلم في الصين، وسمعت تلاميذه يطلبون منه ما أطلب، وهو يعللهم بطبخة الحصى، ~~فناموا ولم ينضج الطعام. # عدت إلى أثينا فرأيت في رواق هيكل الحكمة فيلسوفها الخارج على المألوف، المتمرد على ~~التقاليد، نائما في برميله، فسألته عن السعادة فدفع إلي مصباحه وقال لي: فتش عنها، فقد ~~فتشت قبلك فلم أجد «الرجل» السعيد. # صعدت إلى قمم الأريمنت فلم أر الطهارة والسعادة كما قال شعراء اليونان، فانحدرت إلى ~~الشاطئ وأبحرت إلى بيبلس مدينة الثالوث الأقدس الفينيقي، لأبحث في كتب سنكنتين وطاليس، ~~فرأيت الشعب يبكي الإله المقتول الذي افترسه الدب في الغينة، فغادرت شعبا يفترس إلهه دب، ~~أتعثر بأذيال الخيبة ميمما أرض إسرائيل. # قلت في نفسي: ما لي أفتش عن السعادة ولا أرى إلا بشرية متألمة، ولا أسمع غير النحيب ms090 ~~والعويل. # في سفح الطور أعييت فجلست أفكر في تعاسة الباحثين، ضاحكا من المتفلسفين، باكيا على ~~المتمنطقين، فرأيت موسى اتقد غضبا ورمى لوحي الشريعة فكسرهما في أسفل الجبل. فقلت له: ما ~~بالك يا جبار الأنبياء، يا قاتل المصري، يا شاق البحر الأحمر، يا فالق الصخرة بعصاه ... أمثلك ~~يغضب؟ فأجابني: من سعى وراء إسعاد البشر ذابت نفسه وأكلته الكآبة. # نمت تحت أقدام الجبل نوم فتية الكهف، واستيقظت عندما سمعت راحيل تبكي على بنيها، فجلت ~~بأقدام اليأس في خيام الأنبياء، وأكواخ شعراء إسرائيل، ورأيت الشاعر أيوب مفترشا الرماد ~~يدعو على نهاره وليله واللعنة ملء فمه. رأيت شاول صريعا على جبل الجلبوع ومجن الجبابرة ~~معفرا بالتراب. رأيت داود يئن على عرشه موقعا بكاءه على العود والقيثارة. رأيت سليمان ~~طائفا في الهيكل، تائها في الشوارع، متغزلا بنشيده وقد صادفه حارس المدينة. رأيت حول ~~سريره ستين جبارا وكل منهم سيفه على فخذه لأهوال الليل، فقلت: هذا أسعد البشر، فأصغيت إليه ~~فسمعته مرددا: كل شيء باطل. # سمعت أشعيا بن أموص صارخا في مدينة ذلك الزمان: رؤساؤك عصاة وشركاء للسراق. رأيت أرميا ~~باكيا في صهيون. ومر أمامي موكب من الشعراء الأنبياء الصغار وكلهم غائصون في بحور الأحلام ~~ينتظرون فرعا جديدا من جوع يسي فانتظرت ذلك الآتي ... عله يرشدني إلى ما أفتش عنه. # جاء فرأيته في بستان الزيتون رافعا يديه إلى السماء صارخا: يا أبتاه أجزعني هذه الكأس ... ~~وسمعته يبكت تلاميذه قائلا لهم: ألا تسهرون معي ساعة واحدة؟ فقلت: ما لي وللسؤال فقد جئته ~~يوم بؤسه. فبارحت أورشليم تاركا خلفي ضوضاء الكتبة وجلبة الفريسيين، نافضا ما علق بأذيالي ~~من غبار تلك الدهور. يممت جزيرة العرب لأسأل عباد اللات والعزى عن السعادة، فشهدت مقتل كليب ~~ويوم أوارة وسوم عكاز. وسمعت وقع أقدام نبي عربي فأسرعت الخطى إلى المدينة فصادفته هاربا ~~يتسلق الصخور، ويتسرب في المغاور والكهوف فلم استحسن السؤال ... # فعدت واليأس ملء صدري من رحلة استغرقت سنين، فالتقيت في ضواحي دمشق شيخا جليلا ألبسته ~~الأيام جبة لحمتها العصور وسداها الدهور. ms091 رأيت بقربه مركبة نارية دونها إتقانا طائرات هذا ~~الزمان. فصحت به : تسم يا شيخ؛ فأدرك إنني استهنته، فجرد سيفا، لا أدري من أين جاء به ولا ~~أين كان يخفيه، فاتقد شعلة نارية، فتذكرت صورة في إحدى الكنائس وقلت في نفسي: هذا إيليا لم ~~تخمد نار حدته الأجيال. وماذا يصنع هزيل الأسفار أمام من يستنزل من السماء النار، ويقتل ~~ثلاثمائة وخمسين من الكهان؟ فسألته الصفح عن غلاظتي، فابتسم ابتسامة روعتني - وكم من ~~ابتسامة ترتعد لها الفرائص - وبعد حديث طويل أطلعته على خفايا نفسي وأخبرته أنني طفت في ~~الأرض مفتشا عن السعادة. # فقال لي: إنك تفتش، يا ابن اليوم، عما يفتش عنه شيخ الأجيال. فإن شئت إزاحة اللثام عن وجه ~~الحقيقة فاصعد إلى الأعالي وقابل رب الأرباب. إنما كن جسورا فهنالك من يقفل الباب ~~بوجهك. # فتنهدت قائلا: قبل الدخول عقبات يا شيخ. يا أيها النبي الحي المخلد على رغم الموت، مهد ~~لي الطريق حتى أتعلق بأذيال الباب؛ لأسمعك صراخا تردد صداه الأرض. # فأركبني مركبته النارية التي أقلته مرة إلى السماء ... فاخترقت الأعالي فأفزعت ضوضاؤها سكان ~~المريخ، وأطل علينا من سكان الكواكب أشكال وألوان. # وقفت المركبة على باب السموات فرأيته مفتوحا، ولا حاجب هناك ولا بواب، يلجه جميع أبناء ~~البشر ولا يسأل أحد هناك إلا عن حسناته. فسمعت صوتا يناديني: من أين القادم؟ # حدقت النظر إلى المكان الخارج منه الصوت ولما لم أر أحدا قلت بعد هنيهة: من ~~الأرض. # فأجابني: ولماذا جئت إلى هنا؟ # فقلت: أفتش عن السعادة. # فقال: ألم تجدها؟ # فقلت: كلا. # فأجابني: ولن تجدها، فمطامع المادة لا تحد، إن السعادة روح وهيهات أن تستولي الهيولى على ~~الأرواح. لقد أقلقتم مسامعي يا أبناء التراب فكدت أصير مثلكم لا سعادة لي فارجع من حيث ~~أتيت، واسأل سفرائي في أرضكم عنها. # فأجبت: لقد طفت في مشارق الأرض ومغاربها، رأيت الرسل والأنبياء والفلاسفة فلم أجد أحدا ~~منهم سعيدا. أما سفراؤك فما رأيتهم ولا أعرف قصورهم. # فقال: نحن الأرواح لا نستسفر غير الأرواح، فسفيري هو ما ms092 تسمونه «الوجدان والضمير» في ~~لغتكم ... # وابتسم البرق وقهقه الرعد فاضطربت. وبعد هنيهة وجدتني في برية مقفرة عاينت على ~~صخورها آثارها دم هابيل ... فاستيقظت من حلمي الرهيب على قرع ناقوس الواجب ... # تأملت في ما رأيت وأخذت أندب حظ إنسانية تحمل على رأسها دم أبنائها الذين ضحتهم المطامع ~~على مذابح آلهة كذبة، آلهة السعادة والأمل. # قلت في نفسي: ما تفاحة حواء وحكايتها إلا رمز السعادة المفقودة. إن ترنيمة «ملتون» ~~الخالدة لهي رمز السعادة وهيهات أن يلتقي «الفردوس الضائع». إن ذلك الطائر الجميل الذي ~~صورته قرائح الشعراء قد أفلت من قفصه وهيهات أن يعود ... # فيا أيتها السعادة. # أنت سر من الأسرار، عظمته في اختفائه وإن أدركه البشر يئسوا وملوا الوجود، وما أشقى حياة ~~يملها الناس. # أنت خيال النفس المستقرة في الجسد كالخيال في المرآة، تدركه العين ولا تقبض عليه اليد. ~~وما الفلاسفة غير أطفال يحاولون القبض على خيالاتهم في المرايا. # السعادة تحقيق الأمل، والأمل ابن الطمع، والطمع بحر أزلي لا ينضب ولا يتبخر. # السعادة شبع النفوس الجائعة والنفوس لا تشبع. تجري المادة وراء السعادة، وراء ذلك الخيال، ~~فلا تجده إلا بموت الآمال، ولا تموت الآمال إلا بالموت، وهل من سعادة في ظلال الموت؟ # العين والسعادة فرسا رهان، من رأى تمنى، ومن تمنى قد ينال، ومن نال ما ينال تمنى ما لا ~~ينال، فلا سعادة لذي عينين. # وبعد تفكر قليل نهضت إلى عملي ولم أعد أسمع إلا عويل المادة بين مخالب العدم، فما أمر ~~اليقظة وأقسى جبار الأبدية والأزل. # | إلى المرأة # يا سيدتي: # لا تصدقيني إن قلت لك: أمسيت لا يعنيني أمر المرأة، لا يا سيدتي، فأنت دائما في البال، ~~ولا تبرحين من دنيا الخاطر، ولو صار الجسم حطبا ... فأنت الأم ومن ينسى أمه؟! وأنت الأخت ومن ~~ينسى حنان أخته ومحبتها؟! وأنت رفيقة الحياة، ومن ينسى رفقة عمر أتت ثمارها وأكلها ذرية ~~صالحة يتألف من خيوطها العلم الذي هو عنوان الوطن؟! # وقبل وبعد، فأنت، منذ تكون العالم، بحسب رواية من شئنا - من موسى حتى ms093 داروين - كنت ~~تسيرين إلى جانب الرجل، يدك في يده. في الكهف كنت إلى جانبه تحتملين مثله شظف العيش وتجرين ~~في مضمار الحياة، محاولة بلوغ الغاية، وفي القصور اتكأت على الخز والديباج، وجعلت بيتك جنة ~~ذات حور وولدان، فلولاك أيتها الأم، والأخت، والزوج، والبنت، كان الوجود عبئا ثقيلا، ~~وكانت الأرض جهنم حمراء. # تقول التوراة: إن يهوه رأى الوجود ناقصا حين خلق آدم، فخلق المرأة، فسد وجودها ذلك ~~الفراغ الذي أحس به المبدع الأسمى والناقد الأول. # وهكذا تكون المرأة ذلك الوتر الذي تمت به آلة التكوين الشجية الألحان، ولولا هذا الوتر ~~الطريف لظلت شوهاء جوفاء، لا ترسل النغم الرخيم الذي يشرد الأحزان ويبدد ظلمات الأشجان، وما ~~أكثرها في دنيانا. # فإذا صحت الرواية، وما في رواية الكتب المقدسة شك، كنت ضلعا من أضلاع الرجل، وهكذا يكون ~~الله، تعالى وجلت قدرته، قد خصك منذ البدء بهذا الخلق، ولله في خلقه شئون، وشتان ما بين ~~التراب واللحم، وإذا كان هذا الأخير منه قبل أن ينفح فيه روح الله. # وإذا كنت لم تخلقي على تلك الصورة فيكون القالبان قد صبا في وقت معا، ولا مجال إذن ~~لهذا التفريق بين المخلوقين، الرجل والمرأة. إن حكاية الفردوس الأرضي تؤكد لنا المساواة بين ~~الرجل والأنثى، فلو اعتبرها المشترع أقل عقلا من أخيها الرجل لما عوقبت مثله. فنهضة المرأة ~~للمطالبة بحقوقها ليست بدعة جديدة، وهذا الانتقاص لم يوجد إلا يوم استبد الرجل بالأمر ووضع ~~هو الشرائع والقوانين. # كان الرجل والمرأة قبل ذلك متساويين، ولم تحبس في قفصها الذهبي إلا عندما مدت المدنية ~~براثنها إلى أقفال البيوت، فهب الرجل يصون كنزه الثمين من أيدي العابثين، ومن لا يفكر بأثمن ~~ما عنده حين ينتشر الذعر ويضطرب حبل الأمن؟ فالأسوار التي رفعت حولك لم تكن إلا لصيانتك ~~أيتها الدرة الثمينة، فارحبي صدرا بها، ولا تحاولي أن تدكيها كلها وتجعليها قاعا ~~صفصفا. # يظن الناس أن المدنية والرقي قاما على أكتاف الرجل، أما الواقع فيرينا أن المرأة ساهمت في ~~بنائهما، فإذا عدنا إلى فجر التاريخ، ms094 رأينا المرأة والرجل آدم وحواء، راحيل ورفقا، ويعقوب ~~وإسحق يضربان في مجاهل الأرض عرضا وطولا. وكم رأينا الرجل عاجزا في بعض الميادين فتنبري ~~المرأة للجهاد وتحفظ الأمة والوطن. # ولكن الرجال قالوا: الرجل أفضل من المرأة. أما ~~التاريخ فينتصب على قدميه ليقول: لا، فهذه التوراة تنبئنا أن امرأة اسمها دبورة كانت قاضية ~~وفيها يقول سفر القضاة (ف4 ص5): # كانت دبورة تجلس تحت نخلة بين الرامة وبيت ~~إيل في جبل إفرائيم، وكان الرجال يصعدون إليها لتقضي لهم. وهي التي دفعت باراق ~~لقتال سيسرا فظفر به. # بدأت بالأمر دبورة القاضية وأتمته ياعيل امرأة حاير العيني، فقتلت سيسرا، حين دخل ~~خيمتها فارا، وأذلت الكنعانيين أمام شعبها. # ويروي الكتاب أخبارا كثيرة عن نساء أخريات ساهمن في شئون جلى فكانت لهن جولات مشهورة ~~في جميع الميادين الاجتماعية. # وإذا تقدمنا في التاريخ إلى فجر المسيحية سمعنا القديس بولس، في إحدى رسائله، يوصي الرجال ~~بالنساء خيرا فيقول لهم: ولا تكونوا قساة عليهن. ثم نتقدم قليلا فنسمع الحديث الشريف: ~~رفقا بالقوارير. # لقد سماك قارورة فلا تحاولي أن تجعلي نفسك باطية # 1 # شغل اللاذقية ... أي: لا تطلبي الأشغال الشاقة فهي لا تخلق لك ولم تخلقي لها، ~~فأنت في نظري قارورة من بلور فلا تتمني أن تكوني أجانة من فولاذ، فخير الأمور ما كان بين ~~بين. لا تتهمي قومك بهضم حقوقك. فهذه قوانين نابليون، الصادرة عن أمة سبقت جميع شعوب الأرض ~~الحديثة إلى الحرية لم تكن أرأف بالمرأة من الشريعة السمحاء التي «فرضت» لك ورفعت عنك كل ~~حيف وجور. ترى «قوانين نابليون» أنه لا يسوغ أن يتولى الوصاية والعضوية في المجالس ~~العائلية: القصر والمحجور عليهم والنساء وكل من اشتهر بسوء السيرة. وتقول أيضا: لا ~~تستطيع المرأة الحضور في المرافعات أمام هيئة القضاة بلا تفويض من زوجها. # وفي المادة 217 تقول: لا تستطيع المرأة أن تهب ولا تبيع، ولا أن تقتني من غير إذن زوجها ~~ومشاركته. بينا نرى في التوراة إن إحدى النساء بعد أن رفض زوجها أن يرسل زادا إلى داود، ms095 ~~عندما كان فارا من وجه شاول، جاءت إليه تحمل الزاد والخمر. # وفي المادة 222 تقول: إذا كان الزوج محجورا عليه، أو غائبا فإن في استطاعة القاضي أن ~~يفوض المرأة في المثول أمام القضاء. # وتقول في المادة 224: إذا كان الزوج قاصرا فلا بد للمرأة من الحصول على تفويض من القاضي ~~للحضور أمام هيئة القضاة لإبرام عقد. # وهذا ما حمل رنان الفيلسوف الفرنسي على الإعجاب بالشرائع القديمة ففضلها على شرائع أمته ~~إذ قال: إن هذه الشريعة أكثر إنسانية وعدالة من كل ما كتب في ذلك العهد. # ولشعراء العهد العتيق أقوال طيبة في المرأة المنشودة، قالوا: # من يجد المرأة الفاضلة؟ إن قيمتها أثمن من اللآلي. # تبسط كفيها إلى البائس، وتمد يديها إلى المسكين. # لا تخشى على بيتها من الثلج؛ لأن أهل بيتها جميعا لابسون الحلل. # تلقي يديها على المكب، وأناملها تمسك المغزل. # تفتح فاها بالحكمة، وفي لسانها سنة الرأفة. # رجلها معروف في الأبواب حيث يجلس بين شيوخ الأرض. # تلاحظ طرق بيتها، ولا تأكل خبز الكسل. # المرأة الحكيمة تبني بيتها، إنها إكليل لزوجها. # لطف المرأة ينعم رجلها وأدبها يسمن عظامه. # الشمس تشرق من علا الرب، وجمال المرأة في عالم بيتها. # سيداتي: # لقد أطريتكن نعتا فلا يغرنكن ثنائي. اطلبن ما شئتن فهذه مطالب يحققها الزمن، فبريطانيا ~~المعروفة بالمحافظة على التقاليد، جارت روح العصر وأعطت النساء ما أعطت من حقوق. فكان منهن ~~المحافظات ورئيسات مجالس مقاطعات، وقد عينت أخيرا سيدة في مجلس الملك الاستشاري الخاص. وقد ~~دل الإحصاء، كما قرأت منذ أيام، على أن عدد الموظفات اللواتي يشغلن مناصب رئيسية قد بلغ ~~3500 سيدة. # إن كل ما تطلبن جائز إلا طلب بعضكن أن تخاطبن بالواو والميم كالرجال بدلا من التاء ~~والنون، إن هذا شطط. إنه لطمع تأباه موسيقى لغتنا. فنعومة التاء ورخامة النون أليق بكن من ~~خشونة الميم، وضخامة الواو؛ لهذا خص سلفاؤنا الأذكياء جمعكن المؤنث بالتاء والنون ~~لملائمتهما أنوثتكن. ولم يقصر اللغويون العرب عن النحاة في الذوق الفني فقالوا: صفقت ~~الرجال وصفحت النساء. # أرأيتن الفرق ms096 بين صفق وصفح، فلا تطلبن الزيادة لئلا تقعن في النقصان. قد يكون لي معكن غير ~~هذا الحديث من وراء حجاب المذياع، وما أكثفه، ولكن لا بأس، فكأن من أبدعه خاف أن يسحركن ~~جمالي الرهيب، وللمخترعين في خلقهم شئون. وأنا في كل حال لا أخاف منكن ما خافه الأخطل حين ~~قال: # وإذا دعونك عمهن فإنه # لقب يزيدك عندهن خبالا # فالشيب ما هو عيب والسلام. # | حفلة ناشفة # 67 مرة توالى علي يوم 9 شباط، وبينا كنت قاعدا أستريح ذهب بي الفكر إلى الماضي البعيد، ~~وإذا بالسبعة والستين مارون الذين طواهم الدهر يبرزون لي مهنئين بعيد مولدي، مترجين لي ~~العمر الطويل ... وبعد مجاملات المعايدة ابتدرني أحدهم بقوله: أي مارون منا أحب إليك؟ # فقلت: يا بارك الله! من أين جئتم؟ فيكم البركة! كلكم أنا. تفضلوا تفضلوا اقعدوا. وهفا ~~قلبي لمارون الصبي فقلت له: أتذكر القتلات التي كان يطعمك إياها جدك؟ فقهقه قهقهة ولد ~~ورش. # وبعد هنيهة أدخل مارون شاب يده في عبه، فعرفت أنه أعد قصيدة تهنئة، من تلك البلادات ~~المدرسية التي كنا نهيئها لأعياد معلمينا، فقطعت عليه الطريق بقولي: الضغط عال يا أخا ~~الشباب، لا تزده ارتفاعا. # فامتثل وأمسك، ولكن خبيثا من السبعة والستين قال بابتسام: المشايخ تحب التحدث عن الماضي، ~~هات خبرنا عما مر عليك من أخطار نجوت منها. # فقلت له: أقال لك أحد إني كبرت حتى جئت تمتحنني، أم أردت أن تعرف كم مرة أفلت من يد ~~عزرائيل؟ # فحنى رأسه كالمستحي، ومط بغنج كلمة لا. ثم قال: ولكن الأحباب يتذاكرون، ونحن من ~~تعرف. # فقلت له: كأنك راض عن أخاديد وجهي، وحواجبي المنتفشة كريش القنفذ، وتحب أن تعرف أين صار ~~دماغي، فإذا كان الأمر هكذا فخذ: سقطت مرة عن رأس الدرج متدحرجا يوم كنت ابن أربع خمس ~~سنوات، وانكسر عظم جبهتي، ولكني نجوت، وكتبت تلك الوقعة على جبهتي كلمة «لا» بالمقلوب إلى ~~أن أخفتها يد الأربعين وإخوانها. ثم سقطت ثانية عن رأس سطح بيت مع حجر كبير ولكنه لم ~~يمعسني. ومرة ثالثة ms097 تدهورت أنا والمحدلة عن سطح «مدرسة النصر» ولكني سلمت أيضا. # وكنت سائرا مرة بالليل فضللت الطريق قبالة قرطبا، وصرت على قاب قدمين من الهاوية، ولكن ~~الله ستر وإلا كانت تخت عظامي. # والتفت إليهم فرأيت «الموارنة» الصغار يضحكون. فقلت: ما بالكم؟! فهتفوا بمرح الصبيان: ~~كمل. # فقلت: ودنوت مرة من حائط لأقضي حاجتي على طريقة بني إسرائيل ... فإذا بالحيط أفعى راصدة ولو ~~لم أنتبه لها لاصطدمت بالثعبان وقضي الأمر ... # وسهرت مرة في قهوة رأس العين ببعلبك، وفي عودتي إلى «الأوتيل» أطلقوا علي الرصاص وهم ~~يحسبوني غيري، ولكن العمر كان لا يزال طويلا. # ومرة كمن لي أحدهم في الطريق ليلا فتبادل التحيات الرصاصية مع غيري وفزت أنا؛ لأني لم ~~أشهد المعركة ... # ومرة أطلقت الرصاص من مسدسي في حفلة مرفعية، وأعدته إلى زناري فانطلقت الرصاصة الباقية في ~~شروالي ... ولكنها زلقت على المرحوم كرشي، فما أصيب أحد من السكان ... # وهنا قاطعني أحد السبعة والستين وقال: أكل حياتك أخطار؟ حدثنا عن أيام ملذاتك. # فأجبته: صدقني يا عزيزي، إذا قلت لك: إنه قلما كان لي يوم فراغ ألتذ فيه، كل لذات حياتي ~~كانت «على الماشي» كما يقولون. الحياة ركض وراء الرغيف، والرغيف دولاب كما تعلم، والدولاب ~~أسرع من الرجلين. حياتي كلها عمل متواصل، حركة بلا بركة، وإذا مت لا يجدون في جيبي حق ~~الكفن، أتصدقني؟! والله ما زلت كما تركتموني. # فقال شاب منهم: طيب؛ خبرنا عن العظائم التي أحدثت بعدنا. # فقلت لهذا الوقح الساخر: بلا أكل حلاوة ... جئت تهني أم جئت تتهكم؟ تظن أنك تحدث الإسكندر ~~ذا القرنين أو نابليون. ليس في حياتي قمم تحتاج إلى مصعد كمصعد الأرز، ولا هوى تحتاج إلى ~~حبال. النضال مستمر بيني وبين الحبر والورق، وأظنك ما نسيت مثل الحبر والورق. كلا الأخوين ~~... # نسيت يا ربي، أن أخبركم حادثة مهمة؛ عندما كنت صحفيا عام 1907-1914 حاولوا أن يستريحوا ~~مني، ولكني سلمت وبقيت حتى اليوم لأثرثر معكم في هذه الساعة. # فانتصب واحد منهم، فأمرته بالانطواء فتكوم وهو يقول: حياة اليوم أفضل من حياة ms098 ~~الأمس؟ # فقلت: حياة اليوم فيها راحة ولكن حياة الأمس كانت ألذ، ومتى كثرت الراحة قلت اللذة. فقال ~~غيره: أنت رجل عركتك الدنيا، فما أمر خيبة عانيتها؟ # فأجبته: كأنك تخاطب ابن تسعين. تقول الدنيا: عركتني، فلو كانت عركتني لكانت فزرتني، أما ~~أكبر الآلام فهي خيبة الأمل، وضياع الفضل. # فصاحوا جميعا: أتندم على الإحسان؟ # فقلت: كأنكم تحدثون روكفلر وفورد. لا لم أندم، وسأظل أتبرع «بالملايين» حتى تأتي الراحة ~~الكبرى ... # فقال خبيث منهم: أما وقد تحدثت عن الراحة الأبدية، فما رأيك في الموت؟ # فقلت: الله يبعده، يظهر أنك قليل الذوق. # وحاول أن يتكلم فقلت: بس، بس، قصر حديثك. إن ذكر الموت أمام من كان في عمري مؤلم كنكران ~~الجميل. # فقال واحد منهم، ما زلت أتذكر وجهه جيدا: حدثنا عن أشد ما يؤلمك. فقلت: ضياع الفضل ~~والتعب. # وقال ثان: وأشد ما يضحكك؟ قلت: مارون عبود الباقي. # وقال آخر: وأشد ما يحزنك؟ قلت: ذكرى مارون عبود الذي راح. # فقالوا جميعا بصوت واحد: إذن أنت تتمنى طول العمر؟ فصرخت بهم: هذا سؤال يا حمير؟ # فضجوا قائلين: قم رح معنا، ولماذا ترجو الحياة؟ # قلت: لماذا أرجو الحياة؟ أتمناها لنحيا معا يا أذكياء. # وما انتهيت حتى رأيت السبعة والستين مارون يخرجون مصطفين كأنهم تلاميذ مدرسة. # فكان مشهدهم مثيرا للضحك، وخصوصا عندما أخذوا يصيحون واحدا واحدا: باي باي. باي ~~باي. # فصرخت بهم: تخيبوا، الله لا يردكم، نسيتم لغتكم! # فرددوها بصوت واحد نكاية بي، وهكذا قطعوا علي حلم يقظتي. # | لوحة الجميل الخالدة # عندما كنت أروح وأجيء - وما زلت أفعل ذلك عند الاضطرار - أذكر أنني لم أكن أقصر عن قبول ~~دعوة إلى سهرة أو حفلة أدبية أو فنية. # خصصت الأدب والفن؛ لأنني لست ممن يدعون إلى حفلة انتخاب ملكة جمال، مثلا، وإن كنت لا ~~أقبل إلا بالانتخاب. # وفي عام 1940 دعيت إلى معرض أصدقاء الفن، وكان مكانه في السماء الثالثة من ندوة النواب، ~~هناك عرضت على ذوي الأبصار والبصائر روائع الذين يجعلون الآلهة تصاوير وتماثيل. رقيت إليها ~~على درج مزين بمسوخ ms099 نخل مغروسة بالأصص، كالعقول الكبيرة في الأقاليم الضيقة. # ذكرتني بذلك صورة نشرتها الصحف فرأيت فيها الرئيس الأول يعلق على صدر الفنان اللبناني ~~وساما يعلن تقدير لبنان للعبقرية والنبوغ الفنيين؛ ولهذا عن لي أن أعود إلى ذلك الماضي ~~وأنشر ما كتبت مرة من تعليقات على هامش ذلك المعرض الناجح. # دخلت ذلك الهيكل العابس فرأيتني فيه لدى كتاب ومنشئين يدرسون آثار زملائهم يستنطقون تلك ~~الروائع، فتجيبهم بقدر ما في نفوسهم هم من وعي وإلهام، وفي بلادنا السعيدة لا يقرأ الشاعر ~~غير الشاعر، ولا الكاتب إلا الكاتب، فكأن الفنانين عندنا لا يصورون إلا لنا، ونحن لا نكتب ~~إلا لهم. ما رأيت إلا بصرا حائرا يرتع في جمال صامت، فيستيقظ الهوى المكتوم ويبوح بسره ~~للقلم. # استقبلتني شخوص الفنان الشهير الأستاذ يوسف الحويك فملت إليها فإذا برب تلك الأسرة ~~المباركة في نقاش حامي الوطيس مع سيدة، كأنه يلقي عليها دروسا في الفن ولكنها تلميذة رصينة ~~تأخذ وتعطي - في الموضوع فقط - ولا تقبل نفسها إلا ما يقطع عقلها. استنظرني المثال فلم ~~أستطع؛ لأنني كنت على منهج. وطفت في ذلك الفردوس وكان فرجيلي الجميل. وقع نظري على سيدة ~~منبطحة - ظن خيرا فهي تصميم - إنها مبدأ أولي لفكرة لم ينضجها الحويك بعد، وآثار الفنان ~~كعملية الخلق في سفر التكوين، تكون أولا «توهو بوهو» وروح الفنان ترف عليها. وأطل على ~~موكب مليحات الجميل، من وثنيات وجذعات وقارحات، عذارى دوار ولكن بلا ملاء مذيل، طالعات ~~من بحيرة دارة جلجل لكل امرئ قيس ... هذه بالورب وتلك بالعرض، أوضاع شتى إلى مثلها يرنو ~~الحليم صبابة. جمال مثير لم أغلغل النظر فيه؛ لأنه جاء بعد تخمة، وما شكرت لئلا أزاد ~~... # ثم غربت في تلك القاعة فإذا بالمسيح مستريح على الأرض بعد موعظة الصليب الشاقة. زوى ~~الجميل عنه غانياته الخالعات أكثر من العذار ... فهو في واد وهن في واد، مع أنه القائل: ~~الأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب. # طول لوحة مسيح الجميل 320 سنتيمترا، وعرضها 95، وبحق أسميها لوحة؛ لأنها لوح حقا، بل ~~هي لوح وصايا ms100 جديدة لفن جديد، أبدعها قيصر لتنام سيدة في الجوزة ببيت الشباب، أبدعها بناء ~~على طلب المهاجرين، ولولا سخاؤهم لم تكن هذه الطرفة الفنية الخالدة، وكم للمهاجرين عندنا من ~~يد يعجز الفنان: فن القلم وفن الريشة عن تصويرها. وعلى ذكر سيدة الجوزة أقول: إن صديقي ~~قيصر ضرب الحجر في الجوزة فأكل وأطعم الفن. # لست أقول لك: إن الجميل حاذق متقدم في فنه، متمكن من صناعته، فإذا عرفته أدركت مثلي أنه ~~فنان شكلا ولحما ودما، وإذا حدثته نم لك عن طبيعته الفنية ما يرويه من روائع الأدبين: ~~الفصيح والعامي. فصاحبنا فنان في حركاته وابتساماته ورموزه وغمزاته. # كثيرا ما أفتش عن الفكرة في فن اليوم، وقلما أجدها، فأكثر المحدثين قد أهملوها كأنما ~~الشعر والتصوير كخيل الطراد، السابق منها الجواد. أما الجميل فهو من المخضرمين، له جديد ~~المحدثين وبديع القدماء، فهو يدرس موضوعه درسا نفسيا، ويحلله تحليلا فنيا قبل أن يهبه ~~الحياة؛ ولذلك نرى في مسيحه بطلا بين براثن الموت، ثائرا متمردا وراء الآباد والآزال، لم ~~يأخذ الموت منه ما وهبته له الحياة. ففي موته بلاغة ناصعة ألوانها لا يدرك تأويلها إلا ~~الراسخون في العلم ... # أشهد أنني أعرف مسيح الجميل أين رأيته، ولا عجب فالفنان الأصيل أبو روائعه، وهل تختفي ~~ملامح الآباء في الأبناء. # كأن كلمة «حمل الله» بطلت من قاموس الجميل، فمسيحه بطل مغلوب على أمره، ويا ويل الدنيا ~~من الخالدين المغلوبين، فلغبتهم انتصار وانكسارهم ظفر. # إن الوهاد الأزلية التي خلقها الجميل في جسم مسيحه المسجى تظل علينا منها آلاف ~~المواعظ، وفي رؤيتها غناء عن سماع تلك. السيد غلب وذاق حتى الموت موت الصليب، ولكن صرامة ~~شفتيه تعبر لنا حلمه بالغلبة والانتصار، ولكنه في كل حال حلم مفرط في الآلام تحاول الأمومة ~~المفجوعة بالشباب تفسيره فتحار فيه. تنحني العذراء مريم أم يسوع فوقه مفتشة بألف عين عن ~~الحياة الضائعة فلا تجدها، وتحاول أن تبثها فيه من عينيها فلا تفلح، كأني بها لم تصدق أنه ~~مات ... ~~- صبرا يا سيدتنا، إن حبة الحنطة إن لم ms101 تمت لا تعش هكذا قال ابنك، وستأتيك المجدلية ~~بالخير بعد غد. # ليس للمقاييس قيمة في نظر الجميل فهو يرسم كأنه يخربش، ويصور كأنه يدهن، ريشته مكنسة، ~~وهندازه ذوقه، وبركاره عيناه، ومن بين منفرجهما تخرج الخطوط متناسقة متوازية، ونكتة فنه أنه ~~من ذوي الوزارتين، يتذوق الأدب إلى حد بعيد، ويكتب كأديب مثقف، ولا غرو فالأدب والتصوير ~~أخوان. بل هما كتاب الجمال والحق في مجلدين. # ولنعد أيضا إلى يسوع واحة الفن الخالدة. مات السيد فكان وليمة أزلية أين منها الأرغفة ~~السبعة ... صار جسده مأكلا حقا، ودمه مشربا حقا ... أما الفن وهو من أبناء المعاني، فكان ~~قنوعا فجعل مأدبته ذكرى حياته، وخصوصا مأساة موته حديث الإنسانية الخالد. ولقيصر الجميل، ~~خصوصا، مرعى خصيب في حقل يسوع، فصديقنا رضع حب المخلص مع حليب أمه. فتلك الأم التقية ~~الصالحة تحوط ابنها باسم الصليب المقدس كل ليلة، ولا يهنأ لها نوم إن لم تفعل، فقد تخشى على ~~وحيدها من التوابع والزوابع وهي لا تدري أن قيصرها زوبعة. أما جدوده الجميليون فلم تشب ~~دمهم المسيحي شائبة، وهذا ما ورثه عنهم فتاهم فهو لا يتخيل ابن الله إلا كما رسموه له، أو ~~كما رآه فيهم فيجيء مسيحه لبنانيا يجمع إلى السذاجة تلك القوة الصارمة التي تخلق منه ~~رجلا غير عبراني، عضلات مفتولة تدل على أنه نبت عند مغارة أفقا أو نبع قاديشا ... # أفتش عن العظمة في يسوع فلا أجدها في الإله بل في الإنسان منه، والفن تمجيد للإنسان؛ وكي ~~نمجد الله يمثله لنا الفن بصورة الإنسان، ثم يخلع عليه ما يخلع من خير سيماء الناس، ويستنبط ~~من يستنبط من المثل العليا، والفنان بل كل ذي رسالة خالد ومخلد بما يعبر عنه. # دع الإبداع الوسط الذي يملأ الأسواق، فالخلق في الفن خير من الواقع، فليكن وكدنا الخلق ~~البديع. إن فن التصوير عندنا رسما كان أو نحتا، سار في طريق الجديد، وقد يكون أفلح أكثر ~~من الأدب لندرة الفنانين وكثرة المتأدبين، وبلية الأدباء هؤلاء الذين لا يعدون العشرة ~~فيلقون جيفهم على ms102 قارعة الطريق. # قلت: إن الفن التصوير قد شمر وعدا وإن استراح فتحت عين الشمس. من كان قبل اليوم ينفق ~~الوقت والمال ليصور رجلا أو مشهدا عاديين لا معنى لهما في نظر الأرستقراطيين؟ فالأدب ~~الشعبي استيقظ ثم مات مع الجاحظ، إلى أن بعث منذ أعوام، والتصوير خرج عندنا منذ سنين من ~~عتمة الكنائس والقصور إلى الأكواخ والغابات والجداول يحمد الله على الحرية والنور. # إن الفكرة التي يهملها اليوم الفن الحديث تحل المحل الأول في مسيح الجميل الميت، وكذلك ~~في صورة «مسيحه» الشاب، فهو ليس ممن يحولون لك خدهم الأيسر إذا ضربتهم على الأيمن ... والدرس ~~النفسي الذي يتجلى لنا في مسيح الجميل الشاب فما فارقه قط وهو ممدد على الأرض في سفح جبل ~~صهيون، وستزعم زعمي إذا قدر لك ورأيت هذه الصورة الطريفة التي هي بدعة جديدة في الفن، في ~~الأسلوب والتلوين، ألوان خلقها المؤلف من المعادن فلاءم الكساء ذلك الهيكل الخالد، ألوان ~~تبص. # قال الجميل مؤلفها: إنها من «اللاك» فهمهمت كمن فهم ولم أستقص. وما كانت الألوان قط حقيقة ~~لا غبار عليها، بل هي كلمات الفن للتعبير عما في نفوس أصحابه، هي جمال الذكورة والأنوثة، ~~وخلق فتنة وإغراء غايتهما بقاء النوع الذي نعبر عنه في لغة الأرواح بالخلود. # انظر إلى القمم التي تحرس الإله الراقد، تر الجميل أنصف شاعر الجليل الأبدي فخلد إلى ~~جانبه محيطا عز عليه الانفصال عنه، مع أنه عائد إلى أبيه السماوي، فصرخ إذ تذكره: يا أبتاه ~~نجني من هذه الساعة. # ثم لا تنس تلك القمة الخالدة التي خلقها الفنان من كتف ستنا مريم، فكانت متممة لهذه ~~الصورة بل لهذا «الكل» الذي ينطبق بألسنة عديدة كالتلاميذ في العلية. وانظر إلى الصخر ~~المشقق فقد يكون رسمه الجميل تتميما للكتاب ... فما أجمل المصطاف والمتربع في أقاليم حياة ~~يسوع. # قد ينكر أصحاب المقاييس كتف مريم الضخمة، ولكن الكتف التي حملت (حامل خطايا العالم) ... لا ~~تتجاوز المقدار مهما غالى المصور، فالذهن يكذب فيها العين فتبطل المقاييس وتتعطل المصطلحات ~~... وإذا رأيت ذراع يسوع ms103 ضخمة، فلا تنس أنها ذراع الرب ... ناهيك أن مقاييس الجميل هي ما ~~اقتضاه التوازن، والجمال اتزان وملائمة. وإذا أغرتك كما أغرتني هذه اللوحة وتبحرت في ~~معانيها فلا تسأل عن النبات القائم حول الشهيد، فالكتاب قد تم في نيسان ... # وبعد فلا تتعجب إن رأيتني بين نقدة التصاوير فقبلي قد تنبأ شاول، فإن أعجبتك نبوتي ~~فأثن علي بما أنا أهله، وإلا فباستطاعتك أن تقول لي ما قال ذاك المصور للإسكاف: احصر كلامك ~~في الحذاء. أما أنا فأقول لك: كل الدروب تؤدي إلى الطاحون، ونحن نقوم الفن بما يلهمنا إياه ~~الذوق، وإن قال قبلنا تولستوي: ليس الفن متاعا أو لذة أو ألهية، بل الفن عضو حياتي في ~~الإنسانية ينقل إلى حقل العاطفة إدراكات العقل. # ويتوقع الفيلسوف الأكبر أن يخلق الفن بين الناس الوحدة العامة الشاملة ويمحو الجاهلية ~~والعسف والإكراه. # حاشية - إن جولتي في منطقة «أصدقاء الفن» كانت على قدر وقتي في تلك الساعة من عام ألف ~~وتسعماية وأربعين، فلم أتجاوز، غربا، مسيح الجميل، ولم أتعد، شرقا، تصميم الحويك، ~~فللفنانين الآخرين ثنائي العاطر، فبينهم من عرفت فضله وأقدر نبوغه كالأستاذ مصطفى فروخ - ~~ولكن ما نفع الثناء والإطراء، أهكذا تستثار همم أصدقاء الفن؟! # إن ما نكتب من تقريظ ونقد هو نقد غير رائج في السوق، ولا يصلح رأس مال للتبضع، لشراء ~~القماش والدهان وجميع حوائج النحت والتصوير، ولكن هناك نقدا آخر مكتوب عليه «تدفع لحاملها ~~شكا على باريس، أو لندن». أما أوراق «عفاريم، برافو كويس كثير»، فلا تمكن صديقنا الفنان من ~~عشا ليلة. # اللهم، لطفا بأقرب عبيدك إليك، يمثلونك لعابد المال فترتاح نفسه المتبرمة، وينفتح صدره ~~وتنبلج أسرته المعبسة كوجه صندوقه، ولكن يده تظل كالدبوس، وشعاره لا يزال إياه، صوب الكيس ~~لا تقرب. # هذا ظن يشبه اليقين، ولعلي أسمع أن فلانا الفلاني دفع كذا وكذا تعويضا مما أنفقه أصدقاء ~~الفن في سبيل عرض روائعهم التي حسنت ظن الناس بنا. # فهل من يكذبني؟ ms104