######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.AmirAhmar.Hindawi83157390 #META# Tags: novels #META# ID: 83157390 #META# Title: الأمير الأحمر: قصة لبنانية #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عصابة بلاد جبيل‏ # حبيس1 مار عبدا الحرش‏ # سياسة الخوري بطرس‏ # عيد مار روحانا‏ # على طريق المنفى‏ # دير القطين‏ # قهوة الأمير الأحمر‏ # وقعة الأمير قاسم‏ # هواجس1 المير بشير‏ # جوقة النور‏ # حيلة الشدياق سركيس‏ # عصابة بلاد جبيل‏ # حبيس1 مار عبدا الحرش‏ # سياسة الخوري بطرس‏ # عيد مار روحانا‏ # على طريق المنفى‏ # دير القطين‏ # قهوة الأمير الأحمر‏ # وقعة الأمير قاسم‏ # هواجس1 المير بشير‏ # جوقة النور‏ # حيلة الشدياق سركيس‏ # | الأمير الأحمر # | الأمير الأحمر # | قصة لبنانية # تأليف # مارون عبود # المؤلف (1886-1962). # | عصابة بلاد جبيل # متى رأيت أبا ناصيف عائدا من حقله، في أخريات أماسي أيلول المغبرة السماء، تذكرت قول ~~الشاعر: «ما للجمال مشيها وئيدا»! # 1 # ولكن صاحبنا لا يحمل جندلا # 2 # ولا حديدا، بلا سلا # 3 # من التين المشرح، # 4 # يشده إلى صدره بحبل من الشعر؛ ليحمل في يده اليمنى قفة # 5 # فيها الزبيب ونوع آخر من التين المجفف. فالتين والدبس والجوز والزبيب حلاوة ~~الفلاح اللبناني ونقله # 6 # شاتيا، ومتربعا. ويأكل بعضها ويدخر البعض الآخر لقرى # 7 # الضيوف وسلوى السامرين عنده في ليالي الشتاء المعربدة. # على هذا درج اللبنانيون القدامى الذين جعلوا من هذه الجبال حصونا لهم منيعة، وأحبوا ~~أرضهم بقلوبهم وسواعدهم، فما تغنوا بها، بل استنبتوها مواسم وخيرات، وجعلوها أما يفيض ~~حنانها لبنا وعسلا وزيتا، فتمتلئ الخوابي # 8 # وتكتمل المؤن، وإذا بالقروي سلطان في بيته الصغير، يهزأ بالأزمات والأعاصير. # 9 # كان أبو ناصيف يمشي متثاقلا تحت حملين: حمل واقعي، وهو نحو ربع قنطار، وحمل معنوي، ~~وهو التفكير بما عساه يبقى له ولأولاده من تلك الغلة التي سقى أشجارها بعرق الجبين و«زوم» # 10 # العينين. # كان يفكر بالمير وضرائبه السخنة ... وها هو يمشي ويردد بصوت مسموع: «في كل يوم جباة وعسكر، ~~خيالة وأغوات # 11 # يثقلون على الناس ويكبسون البيوت، كل مدة نسمع بضريبة جديدة: هذي اسمها ميري، ~~وواحدة اسمها شاشية، وثالثة اسمها بزرية». # 12 # ثم حط السل على حائط ليستريح قليلا وصاح: «ورابعة اسمها ضربة تفك رقابهم من كبيرهم ~~إلى صغيرهم! ما خبرنا أحد من جدودنا بمثل ms01 ظلم المير بشير قاسم. الله لا يرده!» # ونظر أبو ناصيف إلى التينات الخضر المشققة الأفواه، فخالها تضحك له ولأهله، فهز رأسه ~~بحسرة وقال: «ما أكرم الأرض وما أوفاها! أطعمها تطعمك.» # ورأى الهواء يتغير، فحمل سله ومشى وهو يقول: «أيلول طرفه بالشتا مبلول. # 13 # نشكر الله، سلم التين هذه السنة، وما حمض منه شيء ولا اسود. الموسم مليح ~~هذه السنة، ولكن من يشبع سيدنا المير؟ ... أفظع من حوت مار جرجس!» # 14 # وما بلغ المصطبة # 15 # حتى كانت امرأته في انتظاره، فهرولت نحوه لتعاونه على حط الحمل عن ظهره، فقال ~~لها وهو يطحر: # 16 ~~«هذه أكلة تين مشبعة! ودعوا الصيف ...» # فضحكت لولو للتينات المنثورة على وجه السل متعجبة كيف وجدها زوجها، مع أن التين ساب # 17 # منذ منتصف أيلول. والمثل يقول: «بعد عيد الصليب كل أخضر يسيب». # 18 # وقعد أبو ناصيف بعدما أرسل زفرة مديدة، وانطوى على شرواله # 19 # ينقي القطرب # 20 # والشوك العالق بأذياله، ثم خلع عباءته القصيرة الأكمام، ونظر إلى ساقه التي ~~هشمها العليق والقندول ولم يبال، بل قال لزوجته بصوت المفجوع بعزيز: «صحيح قول المثل يا ~~لولو، لو كان للصيف أم كانت تبكي عليه.» # فاستضحكت أم ناصيف وقالت: «لولا الشتاء يا ابن عمي، ما كان الربيع، ولولا الربيع ما كان ~~الصيف ...»، ثم تناولت الإبريق والصابونة وأخذت تصب الماء على رأس زوجها. # وخطرت على بال أبي ناصيف السياسة، فحول وجهه الممرغ # 21 # بالصابون صوب امرأته وقال: «أيش الأخبار اليوم؟» # فصاحت الزوجة: «ما أفضى بالك! غسل! الصابون على رأسك ووجهك، وتسأل عن الأخبار؟» # فحرن # 22 # الرجل وقال: «قلت لك هاتي الأخبار ... احكي واسكبي.» # فهزت المرأة برأسها، فرفع وجهه نحوها، وأغمض عينيه ليقيهما لذع الصابون، وأخذ ينتظر ~~قص الأخبار ... # وراحت المرأة تتأمل زوجها، والصابون يكسو وجهه ورأسه، رأت شاربي الزناتي خليفة # 23 # نائمين تحت أنفه الأفطس، وقد بانت أذناه بوضوح حين نام الشعر تحت الماء ~~والصابون، فخالتهما مروحتين صغيرتين ... وبلا وعي صبت الماء بغتة، فانتفض أبو ناصيف بعنف، ~~وشتم شتائم تعود أن ms02 يجود بها في مثل تلك الساعة. وإذ رأت لولو أن لا بد من سرد حوادث ~~النهار، وإلا علق الشر، قالت لزوجها: «أخبار سودا يا رجل! رجع المير بشير، والضيعة قائمة ~~قاعدة! ...» # فانتفض الرجل وقال: «رجع المير بشير! يا للقرد! من خبرك؟ من حمل هذه البشاير ~~المنحوسة؟ كيف رجع لوسيفوروس # 24 # بعدما قلنا: راح واسترحنا منه؟» # فهزت المرأة كتفها اليسرى هزات عنيفة وقالت بنبرة: «أنا عارفة؟ رجع!» # فصاح الرجل: «وإيش يهم المرأة، إن نزل بشير أو ركب حسن؟» وطفق يسمعها من أحماض # 25 # الكلام، لعلها ترد عليه بكلمة فيضربها كفين وينفش؛ ولكنها سكتت لأنها ~~تعرف طباع زوجها. # واشتد عليه لذع الصابون فصرخ: «اسكبي، اسكبي ... غضب الله عليك وعلى أخبارك.» # فاحمر وجهها حتى كاد يزرق، وصبت الماء بنزق، # 26 # فصرخ بها: على مهلك! ... فرحت برجعة المير يا مستورة؟ رجع الزنبور للوكر ... قبل ~~الصباح تملأ خيالته البلاد، وينتشر العسكر، ويأكل الأخضر واليابس. ما على ضرس هذا الباغي # 27 # مر ... من يرد ظلمه عنا؟ الشعب ميت. قتل أولاد باز، وأعمى أولاد عمه، ~~وقهر عامية # 28 # أنطلياس، وأشبع رجال عامية لحفد قتلا. راح وقلنا استرحنا من شره، فما ترقينا # 29 # شيئا. المير عباس كان أبشع منه. الله يرحمك يا مير يوسف! هذاك أبو الفلاحين، ~~هذا حبيب قلبنا نحن أهل بلاد جبيل. يدبرها الله. اسكبي يا مرة.» # وتناول فوطة نشف بها الماء عن وجهه ورأسه، ثم أخذ يقلع ثيابه بنزق وحمية، # 30 # فقالت له زوجته: «سألوا عنك.» ~~- وأين كان عقلك يا ذكية؟ كنت خبرتيني لما وصلت. ما هو السبب؟ قولي، عجلي، من سأل ~~عني؟ ~~- الشدياق سركيس، وكل من على «الغرض». # 31 ~~- وأين راحوا؟ ~~- قالوا لي: إلى الاجتماع في الكنيسة. ~~- ومن معهم؟ عمي الخوري معهم؟ ~~- لا، غائب عن الضيعة. ~~- هذا خوري جبان، ضعيف، خزى الله أمثاله! ... عرفت أين هو؟ ~~- قال لي إذا سألك إلياس عني قولي له: أنا رائح إلى حاقل. # 32 # ولما ابتعد عن البيت قليلا وقف وقال لي: لا تنسي يا بنت أن تقولي له: ms03 عمك ما ~~نسي الخوري نهرا المتيني، دمه ما زال طريا! ... # فصاح أبو ناصيف: «لا بارك الله بلحيتك يا عمي، هتكت # 33 # سبيلنا ... خائف على دمك؟» # فوقعت كلمته في أذن عمه، فرد عليه وهو داخل: «سلم بوزك، # 34 # لحية الخوري ترد عنه ضربات كثيرة ...» # فصاح أبو ناصيف: «كيف تركت الحزب يجتمع وحده؟ هذا عيب يا عمي!» # فقال الخوري: «سماع يا ابني، أنا من اليوم وطالعا، مع الأمير بشير، وأنت تكون مع أخصامه، ~~فإذا تغلب المير بشير تشفعت فيك، وإن دارت الدائرة عليه تتشفع أنت في، وهكذا نمسك ~~الحبل من طرفيه.» # فوجم الرجل، فظن عمه أنه أقنعه، ولكنه ما لبث أن انتفض بعد هنيهة وقال: «أنا لا أرجع عن ~~«غرض» المير يوسف، ولو طار رأسي.» # فأجابه عمه بهدوء: «الموت قدامك يا مجنون!» # ثم ابتسم وقبض على لحيته ذات الفلقتين # 35 # بيديه الثنتين وقال: «اسمع من عمك يا صبي، أكبر منك بيوم أخبر منك بسنة. اعمل ~~برأيي يا ابني، كن أنت مع حزب المير يوسف، وأنا أكون مع حزب المير بشير، ونعمل كما ~~قلنا.» # فانتفض أبو ناصيف وقال: «والله، ثم والله، ثم والله، إن رفقنا يا عمي أكون أنا أول من يبل # 36 # يده فيك ... لا تكون السياسة هكذا ... فإما معنا وإما علينا ...» # فقال الخوري: «إن نجحت سياسة المير، فأنا أول من يدخلك في رضاه. لا تتهوس ... خل ~~عقلك برأسك يا ولدي.» # فحملق أبو ناصيف بعمه بعينين كنافذتين، وقال له: «وأين الاجتماع؟» ~~- بالكنيسة طبعا. ~~- أية كنيسة؟ ~~- كم كنيسة عندنا؟ ~~- جماعتنا وحدهم؟ ~~- آه! معهم ناس من كل الجوار. ~~- إذن الحديدة حامية. ~~- معلوم. وآخر الأخبار أن المطران يوسف اسطفان اختفى، والشيخ زعيتر راشد الخازن هرب. ~~قلوب جميع الناس تدق. مرعي الدحداح مسجون بغزير، والقصاصات # 37 # ماشية. حلاقة على الناشف ... ~~- ليطبخ المير بشير أحمض ما عنده. أنا رايح إلى الاجتماع. # ولم يعد أبو ناصيف إلا قرب منتصف الليل، فوجد ~~عمه الخوري وزوجته في انتظاره ... # دخل البيت بلا حيا الله ولا سلم الله، وأخذ غدارته # 38 # وطبنجته ms04 # 39 # وخنجره ومجهريته، # 40 # ولبس عباءته الجديدة، وتلثم بكوفيته، وأغرق ساقيه في جزمته وقال: «عمي، ~~بحياتك، لا تتخل عن لولو في غيابي.» ~~- إلى أين يا ولد؟ حط عقلك براسك. ~~- ما قدامنا غير الموت، بعد ثورتنا في لحفد، وبعد تظاهرنا مع المير حسن والمير ~~سلمان ، فالأحسن أن نموت مرفوعين الرأس ولا نموت مثل الغنم. راح الجزار وجاء جزار ألعن ~~وأبشع. ~~- سلم يا صبي، وعلي أنا رضا المير. ~~- ما أقل عقلك يا عمي، هذا رجل غدار. من سلم له وسلم؟ # فقبض الخوري على لحيته ثانية وقال لابن أخيه: خذها من هذه اللحية. ~~- لا تتعب يا عمي، هكذا قررنا. أنا مع الشدياق سركيس. وراسي وراسه، فإما أن نموت وإما أن ~~نعيش. ~~- قلت لك: اعقل يا صبي. الفلاح لا يقدر على مير. العين لا تقاوم المخرز، # 41 # اسمع مني وابق في بيتك ... البارحة تزوجت. حرام عليك تترك هذي البنت!» # وكانت المرأة غاصة بالبكاء، فصاح أبو ناصيف: «أتركها! من قال إني أتركها؟ كل ليلة أنا ~~عندك يا لولو. لا تبكي ولا تتأسفي. كل ليلة، أسقط على البيت مثل الصقر. # 42 # قررنا أن نقلق راحة المير بشير، وألا نقدم رقابنا، برضانا، للنير. ~~خاطركم!» # ووقفت زوجته بالباب تشيعه بعين دامعة، ولما انقطع صدى وقع خطاه انفتلت # 43 # إلى البيت واستدارت في قرنته تتفجع وتتوجع، وعمها الخوري يعزيها ~~ويصبرها. # وبعد أيام أطلت عساكر المير تطلب الثائرين المتوارين عن الأنظار. بلغ «سعادته» أن ~~عصابة تعيث في بلاد جبيل ولا تعتدي إلا على من هم على «الغرض»، أي رجال حزبه، وقد هاجموا ~~ولده المير قاسما في قلعة جبيل، فقتلوا واحدا من رجاله، وقالوا لأحد الحراس عند فرارهم: ~~«قل للمير قاسم: خبر والدك أنه ربما ملك بلاد جبيل بالقوة، ولكنه لا يملك قلوبها مهما ~~عمل. نحن عليه ولا نكون معه أبدا. بداية الظلم معروفة ونهايته لا يعلمها غير الله ... إذا ~~راقت له الأيام فقريبا يتعكر صفوها. إن عين الله لا تنام، وما للعبد المظلوم غير ~~ربه.» # | حبيس1 مار عبدا الحرش # تهلل ms05 الذين على «غرض» المير بشير، وهم أقلية، أو بضعة أشخاص في كل ضيعة من بلاد جبيل، ~~فكان الفرح عندهم أياما. # أحيوا ليالي القول # 2 # و«العتابا» # 3 # والزغردة # 4 # ابتهاجا، ورقصوا ودبكوا، وهزجوا # 5 # وحدوا. # 6 # كانوا يتحدون خصومهم، حينا بإحراق البلان # 7 # والقندول # 8 # على سطوح البيوت، وتارة بقرع الجرس وأغاني «الجفا». # 9 # وأخيرا طفح الكيل فأدت هذه التظاهرات إلى مناوشات واشتباكات بين الحزبين أسفرت ~~عن جرحى كثيرين وبضعة قتلى. # وكانت حكومة المير تعضد من لها فتقبض على خصومهم، محقين كانوا أو محقوقين، فاستفزت هذه ~~النكاية الشدياق سركيس وجماعته، فنفروا من بيوتهم، وشرعوا يكبسون كل ليلة، بيوت الموالين ~~انتقاما من حكومة المير التي كانت تضرب بيد من حديد على مناوئيها # 10 # ثم تفاقم # 11 # شر هذه العصابة في قرى بلاد جبيل، فتمادت في طغيانها حتى سولت لها النفس أن ~~تهاجم الأمير قاسم ابن الأمير بشير في عقر عاصمته جبيل، فرعبته وأحنقت والده. # كان الشعب في هذه الحقبة يقاسي من الأمير الأمرين: مرارة العصبية # 12 # المتغلغلة في عظام اللبناني، فلاحا وعاملا، وملاكا، وشيخا، ومرارة ~~الجباية والأموال الأميرية. # ثقل المير على خصومه في كل أنحاء ولايته، وخصوصا في بلاد جبيل، بؤرة المعارضة، حيث ~~اضطرمت نار «عامية» لحفد التي تحدت الأمير بقتلها بعض رجاله. # كانت هذه العامية - نسبة إلى العوام - جامعة لرجال البلاد على اختلاف طبقاتهم ومللهم، ~~وأقاليمهم. فيها الجبيليون، والبترونيون، والكسروانيون، وأهل جبة بشراي، ومتاولة بلاد ~~جبيل، فأقضوا مضجع الأمير زمنا، ومن هنا جاء المثل اللبناني القائل: العامية ~~عمى. # فتقلبات آراء ولاية صيدا كانت تشجع الأهالي وتقويهم وتدفعهم إلى الثورة، فباشا صيدا أخذ ~~عن الجزار درس خلعة # 13 # الولاية، فكان يكسوها من يغلي ثمنها. # سمع شكوى «عامية أنطلياس» وكتب لهم ألا يؤدوا للمير بشير إلا مالا واحدا # 14 # كعادتهم. بينا هو كان قد طلب من المير بشير «ألف ربع ذهب فندقلي # 15 # خرج جيب»، فاضطر الأمير إلى مغادرة البلاد، ثم رضي عليه حين دفع المبلغ ~~المرقوم، فعاد المير بشير إلى ولايته وأمعن ms06 في الضغط على الرعية ليجمع مالا يسد به فم ذلك ~~الوالي، ويدعم الكرسي، فضج الأهلون وكانت «عامية لحفد» في العام نفسه، فقتل من ~~الأهالي ثمانون رجلا. # ظن الأمير أنه خنق صوت الشعب الضعيف المظلوم؛ وإذا بريح السياسة تجري بما لا تشتهي سفن ~~الأمير، ففر من البلاد وقويت شوكة خصومه. # وبعد حين رقع ما تمزق من فروة ولايته، وعاد يسعى لقهر خصومه ، ففر أعداؤه متوارين من ~~وجهه خوفا على رءوسهم، وهذا ما حمل الشدياق سركيس على تأليف عصابة «الثورة الدائمة» على ~~حكومة المير، وكان أبو ناصيف من أشد أعوانه ضغنا # 16 # وحقدا. # أما حياة هذه العصابة وسيرورتها في البلاد، فكانت مطبوعة على غرار جميع العصابات. لا تكاد ~~تظهر في قرية حتى تختفي ويذر قرنها # 17 # في ضيعة أخرى. حصونها تلك الكهوف # 18 # المنيعة المنتشرة في أودية بلاد جبيل، وأهمها دير القطين # 19 # وواديه الرهيب. # وهكذا أصبح شعب بلاد جبيل كالحجر بين مهدتين: # 20 # العصابة الأهلية وعسكر المير، فلا يخرج أحدهما من قرية حتى يجيء الآخر على ~~أثره. أما العصابة الشدياق سركيس، فكانت أرأف بالأهلين من عسكر المير الذي تعود التنكيل # 21 # وألف الانتقام. # ولما انتهت جباية الأموال وأدى الشعب عن يد ما فرضه عليه الحاكم، وانكسرت شوكة غضب ~~الأمير لانشغاله بدفع الخطر الخارجي، كان يسمع شكايات حزبه في بلاد جبيل ويرسل عسكرا يتعقب ~~الأشقياء، ولكن الشئون الأخرى الجلى # 22 # كانت لا تسمح له دائما بتلبية طلب هؤلاء، فمل رجال حزب الأمير، ورأوا إجابة ~~مطالب عصابة الشدياق خيرا وأبقى، فطايبوها اتقاء لشرها، وهكذا عاشت في «وادي القطين» ~~كأنها حكومة في قلب حكومة، إلا أنها لم تكن تبلص # 23 # الأهالي كالأمير، فما طمعت بغير القوت، ولا مدت يدها إلى معجن فقير. # وفي تلك الأثناء حل محل حديث العصابة خبر ناسك # 24 # جديد ظهر في دير مار عبدا الحرش، القائم على مقربة من دير القطين. # فهذا الدير المكفهر # 25 # الوجه، الملثم ببرقع # 26 # من شجر السنديان، لا يصلح حصنا لعصابة كدير القطين، ولكن موقعه ms07 الطبيعي صالح ~~لإشعاع الفضيلة والتقوى. # أعجب أهالي القرى المجاورة أن يحل بينهم هذا «الحبيس» الجديد المتكل على الله في معاشه ... ~~فمن عادة الحبساء في لبنان أن يمونهم دير ما، أما هذا الناسك فحل في هذا الدير المهجور ~~منذ عشرات السنين، ولا معين له غير كاهن آخر مثله، ولكنه أفتى منه. # كان يروح هذا الكاهن الشاب ويجيء ليقوم بخدمة معلمه وتموينه، أما الحبيس، وهو كهل، فلا ~~يبرح الدير أبدا. تجده إما على سطح الدير مصليا، أو في داخله راكعا ساجدا، أو نائما ~~على صفة # 27 # من حجر، قائمة في قبو، قدام باب الكنيسة. # تزين جدران هذا الدير الجوانية والبرانية # 28 # أعشاب مختلفة، منها ما يتدلى، ومنها ما ينكمش على ذاته كالشعب حين يغلب على أمره. # كثيرا ما مر الناس بهذا الحبيس فولاهم # 29 # ظهره ثم توارى عن أبصارهم. تلك تقاليد الحبساء، ولكن المحترم تغالى # 30 # فيها. # كان يزعجه جدا ذاك الطريق المار حد الدير، القائم على كتف غابة من السنديان فنسب ~~إليها. # لا يبدو اليوم لعين الناظر من هذا الدير العتيق # 31 # إلا القليل، فكأن بابيه عينان تحدقان إلى دير معاد الجاثم قبالته على الرابية المناوحة. # 32 # تنبسط تحت أقدام هذا المنسك بطحاء # 33 # عين كفاع التي يسمونها «الوطا». # تكاد تكون هذه البطحاء بستانا، ففيها التين والزيتون والعنب والأشجار المختلفة من سفرجل ~~وإجاص وتفاح، وحواليها من الجهات الأربع تقوم قمم رائعة المنظر، فكأن تلك الجبال المختلفة ~~الأشكال حيطان رفعتها يد الطبيعة لصون هذه الجنة الأرضية. # أما الدير فتدل بقايا آثاره على كبر شأنه يوم أحدث، وإن لم تبق منه الأيام غير ~~كنيستين صغيرتين متلاصقتين، واحدة منهما على اسم مار عبدا، وهي هيكل صغير بني على الطراز ~~اللبناني في القرون الوسطى، وأمامه قبو # 34 # فيه صفة من حجر، وإلى جانبه كنيسة أخرى على اسم مار سمعان العمودي، وهي أكبر من ~~هيكل مار عبدا؛ لأنه لم يبن أمامها قبو مثل تلك. # وإلى جانب الدير آبار عميقة لجميع مياه الشتاء، وبقايا حجارة معاصر وغيرها، ms08 تدل على أن ~~هذا المكان كان مأهولا. # يتناقل الأهالي بالتقليد أنه كان فيما مضى ديرا للراهبات. أما ما حول الدير اليوم من ~~عقارات فأصبح منذ عهد بعيد ملكا خاصا لا وقفا، شأن كل بيت قديم تدور عليه الدوائر. # 35 # وعلى رمية حجر من الدير تشق البطحاء - الوطا - سكة سلطانية # 36 # لا ينقطع فيها حس البشر، ولا تنفك أصواتهم تقع في أذن «الحبيس» ليلا ~~ونهارا. ضوضى قائمة قاعدة، فإذا نام في الليلة الباردة على الصفة خفت رنين أجراس ~~البغال وجلاجلها، وسباب # 37 # المكارين # 38 # وأحاديثهم الماجنة. وإذا كانت الليلة حارة ونام الكاهن على سطح الكنيسة في عرزاله، # 39 # كما اعتاد، فقليلا ما يستطيع مناجاة ربه ومحاسبة نفسه، فهو لا يكاد ينصرف إلى ~~تذكر ماضيه حتى تتعالى الضجة حوله من الجهات الأربع. # قرى متجاورة متلاصقة، وسكة سلطانية تشق الوطا ولا تهدأ الرجل فيها لا ليلا ونهارا. ~~والناس هنا وهناك في خيامهم وعرازيلهم ينطرون كرومهم، ويسهرون على زيتونهم وسفرجلهم ~~وتينهم. # نواطير تروح وتجيء، تسعل وتتنحنح ليعلم السارق أن الناطور سهران ... وهناك فريق من الشباب ~~يعقدون حلقات السمر على التلال والرجامي، # 40 # شاربين مغنين. # وفي ليلة كثيرة البرغش، ذاك الخصم الضعيف القوي، قلق الكاهن فجثا # 41 # يصلي. # وقع في أذنيه حديث عائلة تنام في خيمة قبالة الدير، ناطرة كرمها وتينها. # سمعهم يذكرونه فأصغى إليهم. وتذكر أنه يصلي فحول أذنه عنهم، ولكنه لم يستطع التغلب ~~على إرادته. # سمع الابن الصغير يقول لأمه: فزعت منه يا أمي، طويل، طويل، طويل! # فقال الأب: قل مثل المارد. # فضحك الابن وقال: أطول يابا، لحيته ذراع، مروسة تصل إلى زناره. حسبته بلا بوز # 42 # قبلما تكلم. الشرار يطير من عينيه. ما تطلعت صوبه حتى رجفت عظامي. # فقاطعه الأب وقال: ومثل الحشيش يبست. # فاغتبط الولد وقال: هذي من «المزامير» # 43 # حفظتها اليوم. # فقال الأب: أنت شجاع يا فارس، تصلح للخدمة في عسكر المير. # ثم تطاول الحديث واشتبك، فهام الحبيس في أودية الذكريات ... فإذا به يسمع مكاريا يطوي ~~«الوطا»، وهو يرتل # 44 ms09 # خدمة القداس، ويؤازره رفاقه فألفوا جوقة، حتى خيل إلى السامع أن القداس # 45 # قائم ... # أطرب صوت المكاري الرخيم زمرة الشباب الساهرين على البيادر، فأصغوا إليه متعجبين من صفاء ~~صوته وليانه. وما سكت حين انتهت الترنيمة حتى صاح به شاب من فوق ذروة: # 46 # عشت، عشت! سمعنا. سكتنا حتى نسمعك، فلا تسكت أنت. # فقال الحبيس في نفسه: ليتكم تظلون ساكتين، ما أغانيكم إلا فشار، # 47 # أما هذا المكاري فيرتل كلام الله الذي يهز النفوس ويلين القلوب، وإن كانت ~~أصلب من قلب الحكام الظالمين. # وسكت المكاري. وتلك خصلة # 48 # أصحاب الأصوات الرخيمة؛ ولذلك قيل: لا تقل للمغني غن. # ويئس الشباب من المكاري، فاستأنفوا أغانيهم من عتابا وميجانا ومواليا. أغاني عشق وغرام ~~كان يتمرمر الحبيس من سماعها، ويتمنى أن يسكت هؤلاء السكيرون ويرفض اجتماعهم. # وأخيرا غلبه النوم فرقد، ثم استيقظ ففتح عينيه على ضوء الفجر الكاذب، # 49 # وسمع خيالا يجد السير في الوطا وهو يقول لرفيقه: يقولون إن المطران يوسف ~~اسطفان هرب من وجه المير بشير، وإنه متخف في هذه النواحي. # فأجابه رفيقه: ربما، ولكن من يعلم أين هو. قالوا إنه متكل على الشيخ يعقوب البيطار ~~ليدخله في خاطر المير. # ففرك الحبيس جبهته وقال في نفسه: شعور رءوسكم محصاة لا تخافوا ... الله ينجيك يا مطران ~~يوسف. اتكل على يسوع الذي قال: لا تخافوا ممن يقتلون الجسد ... إذا قدر المير أن يقتل جسد ~~المطران يوسف، فلا يقدر أن يقتل نفسه. لا يقدر أن يخنق روحه وتعاليمه مهما عمل. # وما انتهى من معالجة هذه الفكرة حتى تناول سبحته الطويلة من جيبه الرهباني البعيد القعر، ~~وصلب يده على وجهه، وشرع يصلي وظل حتى انبلج الصبح. # 50 # ولما استضاء فتح «شحيمته» # 51 # وأخذ يتلو فرضه. وبعد ساعة استيقظ خادمه فدخلا الكنيسة معا وأقام ~~القداس. # وفيما هو يبخر الشعب تعجب من تبكير الناس إلى حضور قداسه. وما حانت تلاوة الإنجيل حتى ~~رأى رجلا يقرب ولدا من المذبح راجيا أن يتلى الإنجيل على رأسه، ففعل. وما حانت ~~الدورة بالكأس ms10 حتى كانت امرأة واقفة بباب «الخورس» # 52 # وعلى زندها طفل ترجو أن يكبس رأسه بالكأس ليشفى من علته. وكان أن شفي المريضان، ~~كما زعم ذووهما، فطارت أخبار معجزات # 53 # الحبيس في الجوار، فتقاطر الناس إليه من كل صوب، حتى أقلقوا راحته وهو يريد ~~الابتعاد عن الناس. # وفي غد أحد الأيام، جاءه أناس كثيرون يسألونه الصلاة للمرضى، وكثيرا ما كانوا يكلفونه ~~الصلاة على الماء لطرد الفئران والجرذان والنمل من بيوتهم فيفعل، وهو واثق أنه عبد خاطي ... ~~لوث كهنوته ولطخه بأوحال الدنيا وسياستها، والتقوى والسياسة لا يجتمعان. ومن زعم غير ~~ذلك؟ كان الأمير بشير يعترف # 54 # ويتناول # 55 # سرا، ويصلي ويحضر القداس، ثم يسفك دماء خصومه ولا يتحرج ولا يتحوب. # 56 # وكثر عليه طلب الماء المكرس # 57 # لطرد الحيات، حين شاع أن حية مار عبدا الدهرية، التي يزعم الأهلون أنهم رأوا ~~لها قرونا، قد اختفت منذ سنة تقريبا، فما رآها أحد بعد مجيء الحبيس. فلا صياد ولا ~~معاز، ولا فلاح، ولا أحد من أصحاب الأملاك المجاورة لحرش مار عبدا، حيث تقيم هذه الحية المؤلفة، # 58 # زعم أنه رآها. # وبلغت هذه التخرصات # 59 # والمزاعم مسامع الحبيس، فكان يعلن لزواره أنه ليس ممن يجترحون العجائب، وهو ليس ~~من المتقشفين # 60 # القدامى، ولا الزهاد # 61 # الذين صفت أنفسهم، فلينتظروا قليلا ريثما يعتق في هذه المهنة ... # ولكن الناس، متى آمنوا، لا يصدقون كل ما يقال ضد إيمانهم، ولو كان ظاهرا مثل عين الشمس. ~~ففكر الحبيس آنذاك أن يفتش عن دير آخر ينزوي فيه ولكن ... # | سياسة الخوري بطرس # وجاء عيد مار روحانا، # 1 # وهو خاتمة فصل الصيف، وشاء وكيل وقف عين كفاع أن يكون عيد الضيعة ممتازا بحضور ~~الحبيس، فعرض رأيه على الأهالي في أثناء تجمعهم كعادتهم، تحت سنديانة الكنيسة، لمعالجة شئون ~~الساعة، وطال الأخذ والرد حول موضوع الحبيس. # 2 # وأخيرا أقروا دعوته، وكلفوا خوري الرعية ووكيل الوقف أن يأتياه في خلوته، ~~ويكلفاه أن يشرف الضيعة في يوم عيدها الأعظم ويحتفل بالذبيحة الإلهية. # وعصارى نهار الأحد، قبل ms11 العيد بيومين ثلاثة، ذهب خوري الرعية، وكان وكيل الوقف يريد من كل ~~قلبه أن يقيم الحبيس قداس عيد مار روحانا، فيذكر تقليد القرية، بعد عشرات السنين، أن الحبيس ~~أقام قداس العيد على عهد الوكيل فلان! # أما خوري فكان يقول في نفسه وهو يصعد في عقبة # 3 # مار عبدا: # 4 # هذه إهانة لي. معناتها أن الحبيس أفضل مني! صح فينا قول المثل: الكنيسة القريبة ~~لا تشفي. # 5 # وفي تلك الهنيهة تذكر «الصينية» وما تجمعه من فلوس، فثار واهتاج حتى نسي أن وكيل الوقف ~~يرافقه في هذه الرحلة المشئومة، فنبر قائلا: الأوفق أن نعرقلها ... # فصاح به الوكيل: ما هي يا خوري بطرس؟ # فانتبه الخوري وخاف أن يفتضح سره، فقال: ماش. ماش. # 6 # فضحك الوكيل وقال : لا ماش ولا لاش. أنا سامع يا بونا. # وكان الخوري في هذه الفترة قد استعد على مخرج ينقذه من المضيق الذي حشر فيه، فقال ~~للوكيل: أنت عارف أن ابني إبراهيم طلب مني أن يكون في خدمة المير، وأنا مثل جميع أهل بلادي ~~نطيع الأمير غصبا عنا، وننتظر الساعة التي نتغلب عليه فيها. هذي هي القضية. # وكان الحبيس وراء شجرة فوق الطريق يتفحص أمر القادمين، فعرف أنهما من الغائصين في السياسة ~~الحزبية إلى الأذقان، فأسرع وتوارى في كنيسة مار سمعان، وقال لرفيقه: اصرفهما عنا، ولكن بعد ~~أن تعرف ما يريدان ... # وقعد واضعا أذنه على نافذة صغيرة يلتقط الحديث، ولما انجلت له الغاية، ورآها دينية رعائية # 7 # خرج إليهم. # وبعد السلام والكلام طفق يعتذر عن تعذر مخالطة الناس عليه، بعدما نذر الوحدة ~~والانقطاع. # فقال له وكيل الوقف: الدعوة يا بونا لقداس لا لعرس. رح وارجع الدرب الدرب. هذا عيد تتجمع ~~فيه ألوف مؤلفة من المؤمنين بشفاعة قديسنا. قديسنا عظيم، عجائبه ما لها حد ولا طرف. لا ~~بد من أنك قرأت «سنكساره». # 8 # كتبه لنا، مع صلاة المساء والستار # 9 # والليل والصبح، الشدياق # 10 # جبرائيل آصاف العرموني. كذلك كتب لنا صلاة مار عبدا، هذا الدير الذي أنت ~~فيه. # فتبسم الحبيس ms12 وقال: بيت آصاف عندهم مار روحانا وعندهم مار عبدا. # فقال الخوري: أنت تعرفهم، يظهر أنك كسرواني. ~~- أنا عبد من عبيد الله يا ابني، كل بلد لي فيه إخوان بالرب أنا منه. # فقال الخوري: ه ء ... أنت كسرواني، عرفتك من لهجتك. # فقال وكيل الوقف: خوري بطرس! ما لك وما لضيعته! الحبيس لجميع المؤمنين. وخاطب الحبيس ~~قائلا: يا محترم أرجو منك أن تقدس لنا يوم العيد، فأهل الضيعة جميعا يلتمسون بركتك ودعاك، ~~لا يحق لك أن ترفض دعوة ربانية لوجه الله، ربما كان بين الناس رجل ما اعترف ولا تناول منذ ~~سنين، يلهمه ربه بوجودك فيعترف ويتوب على يدك. # فقال خوري الرعية، وهو بين ضاحك وعابس: يعني أنهم يعترفون له ولا يعترفون لي؟ # فقال وكيل الوقف: أقصد يا معلمي ، أن غرباء كثيرين يحضرون العيد، أشكال وألوان، ومع ذلك ~~كثيرون لا يعترفون لك؛ لأنك تعرفهم ... # ابنك، مثلا، لا يعترف لك، الإنسان إنسان، يستحي حتى في كرسي الاعتراف. # فسكت الخوري وهو يقول: طيب طيب، الحق معك ... # وكان الحبيس مطرقا، فيظن الناظر إليه أنه يتأمل لحيته، مع أنه كان يتخيل لحية الأمير ~~بشير الذي عاد مظفرا فشرد خصومه. # وطال السكوت فقال وكيل الوقف: وعدتنا يا محترم؟ # 11 ~~- نعم يا ابني، ولكن أنتم مغشوشون بقداستي، أنا أحقر عبيد الله. أنا عبد خاطي. # فضحك وكيل الوقف وقال وهو يتهيأ لتقبيل يد الحبيس: ليت كل الخاطئين مثل حضرتك. # قال هذا وودع وانصرف، ولما وصلا إلى سنديانة كنيسة الضيعة، قعدا يستريحان تحتها، فقال ~~خوري الرعية لوكيل الوقف: حقيقة إنك فصيح يا جنا. # فضحك الوكيل وقال: تعيش وتفيق يا خوري بطرس! يقول المثل: لا يقطع الشجرة إلا فرع منها، # 12 # ومع ذلك ما ساعدتني على إقناع الحبيس مع أنه من طغمتك. # 13 # ثم سفق # 14 # صلعته # 15 # سفقة رددت الكنيسة صداها وقال: الآن فهمت. هذه هي التي قلت إنك تريد أن ~~تعرقلها. لكل ساقطة لاقطة # 16 # يا خوري بطرس. # فتضاحك الخوري وقال: إذا كنا لا نعرف أصله وفصله، فكيف يجوز ms13 أن نحترمه هذا الاحترام؟ ومن ~~يدرينا ما هو؟ ومع ذلك لكل شيء وقت. ما أتت الساعة بعد. # هذا ما كان يدور من حديث بين الوكيل وخوري الضيعة. أما الحبيس فكان في الأيام التي سبقت ~~العيد يحاسب نفسه ويتذكر ماضيه، يتذكر كيف كان عائشا ناعم البال مستريحا في مدرسته الكبرى ~~عين ورقة، يعلم الناس ويهذب العقول، يبث في الناشئة مبادئ الحرية الصحيحة عملا بقول ~~الإنجيل: تعرفون الحق والحق يحرركم. # تذكر كيف كان يسوس شبابا من أبناء الشعب ليخلق منهم ثوارا على الاستعباد. # تذكر كيف كان يحدثهم عن الثورة الفرنسية، كيف تغلب الشعب الفرنسي على مستعبديه ~~الإقطاعيين، وقد كانوا أفظع جرائم من إقطاعيي لبنان وأشد قوة. # وتذكر كيف اقتلعه المير من محيطه، محيط مدرسة عين ورقة؛ ليجعل منه قاضيا يتستر خلف ~~أحكامه وينتقم من الناس . # وتذكر كم كان ينصح المير ليكف عن ظلم الشعب، وأن الشعب خير له من الإقطاعيين الذين ~~يستعين بهم على تدويخ # 17 # الرعية وإذلالها، ثم كيف كان الأمير لا يعمل بهذه النصائح، ولا يبالي إلا ~~بالكراسي، ولا يهمه إلا استرضاء هذا الزعيم وذلك، يشركهم في المنافع # 18 # والحكم لتظل له الكلمة الأولى. # ثم تذكر كيف أنه عيل صبره ولم يستطع أن يظل في منصب القضاء؛ لأنه رثى للشعب المسكين ~~الذي رآه يساق كالغنم، ويضرب كالبقر، ويطوع كالخيل؛ لتكمل مشيئة الأمير. وإذا بان حق ~~في غير الجانب الذي يؤيده المير، فذلك الحق محكوم عليه بالإعدام. # إن الشريعة في فم الأمير، وما القاضي إلا منفذ لإرادته. فما استطاع الخضوع لهذا الطغيان، ~~ولا التغلب على صوت ضميره الذي كان يدعوه إلى مناصرة الحق، والعمل بروح العدالة. # ثم تنهد وقال: نحن أبناء بيت كان ضحية الإقطاعية، كادوا لعمي من قبلي فحطوه عن ~~البطركية، ولكنه صبر فظفر. # قد يكونون هم الذين أوصلوني إلى ما وصلت إليه من شقاء وتعاسة وتعب بال. أما كنت أميرا ~~في ظل المير؟ # أما كنت صاحب الكلمة الأولى بعد سعادته؟ # ثم زفر زفرة حرى وقال: ضاعت ... # وكأن الحقيقة التي ms14 انتدبته للنضال عنها قد تراءت له في تلك الساعة العصيبة فصاح: لا لا ~~لا. إن راحة الضمير خير من راحة الجسم. # نعم غلبنا وشتتنا في العاميتين، في عامية انطلياس وفي عامية لحفد، إلا أننا نظل نجاهد ~~حتى نقضي على سياسته الغاشمة، على حبه السيادة الذي هون عنده امتصاص دم الشعب. كل حال ~~يزول، حتى حكم المير بشير بالرغم من جبروته # 19 # وطغيانه ... لا بأس بهذا الأمير لولا جشعه # 20 # وطمعه. مليح هذا الأمير لولا بغيه وقسوة قلبه. مليح هو لولا مطحنته # 21 # ومصبنته # 22 ~~... مليح لولا احتكاره كل مرافق # 23 # لبنان. يظل هذا الأمير حيا حتى تصطدم الناس بالكرسي، فإذا كان ذلك يقتل ~~ويبيد، ويسمل # 24 # العيون ويقطع الأيدي، وينفي ويشرد ويبعد، ويصير سفك الدماء عنده مثل شربة ~~ماء. # يا ترى، ماذا ينفعه الاعتراف والمناولة وسماع القداس؟ # أريد رحمة لا ذبيحة ، هكذا علمنا سيدنا يسوع المسيح. # عفوا يا أمناء الكنيسة ... أأنا شككت؟ حالة تحير. ذهب المير بشير وتولى الحكم أميران، ~~وظلت الحكاية كما هي. # يظهر أن الداء في صيدا وعكا، وحكاية المير مع الشعب تنطبق على هذه الحكاية الوجيزة. قيل ~~سأل الحيط الوتد: # 25 # لماذا تشقني؟ فقال له: اسأل من يدقني. # الولاية سلعة تباع بالمزاد عند ولاة صيدا. ترجينا أن نلتف حول المير بشير ونصون ~~حريتنا واستقلالنا، فإذا به يراعي مصلحته قبل كل شيء، وما يتفق مع مصلحته فهو مصلحة ~~البلاد. # والأميران اللذان وليا الحكم لم يكونا أرأف بالشعب من بشير. إذن كان يستطاع إصلاحه لو ~~أسعفت الأيام ورضي. # ولكنه أحقد من جمل، يتحين الساعة المواتية ليبطش وينتقم، لا يدعها تفلت منه متى قدر ~~... # ومع ذلك فالأمير ذاهب، أما الشعب فباق، فلنعمل لصد الظلم عنه، ولا بأس إن مات الراعي ~~لأجل الرعية. # إن أسرة قد تصير أمة، فلا عكس الله الآية لتصير الأمة أسرة ... والإقطاعي ابن عم الإقطاعي ~~مهما تباعد بينهما النسب، ومهما فرق الدين. والعامي أخو العامي حيث كانا. ~~فلنسع لتوحيد إخوتنا. # الفرصة سانحة بعد غد. قالوا إنه عيد ms15 عظيم تجتمع فيه الناس من بني وبني، فلنهيئ عظة نثير ~~بها الشعب ولا نؤاخذ عليها، فالكلمة للشعب أخيرا، مهما طال عمر المستبدين. فالأمير ~~الخير هو من يحبه شعبه ويحب هو شعبه. # يقول الكتاب المقدس: لا سلطة إلا من الله. لقد شككت بذلك حين رأيت الظلم بعيني ولمسته ~~بيدي. فكيف تكون السلطة من الله وهي تشترى من الجزار # 26 # ومن عبد الله باشا؟ # 27 # كيف تكون السلطة من الله ويتولاها من زاد في ثمنها وأغلاها؟ أليست مطروحة ~~بالمزاد؟ فكيف تكون من الله؟ # قال هذا الكلام بصوت عال، فسمعه خوريه فقال له: سيدنا ماذا تقول؟ # فتنهد الحبيس وقال: استرنا، ستر الله عليك. رأيت أهوالا تشيب الرأس وتشكك من لم ~~يشك في عمره. # سامحني يا الله، أما قلت أنت: إن يد الله مع الجماعة؟ # 28 # واحدة بواحدة إن كنت أخطأت. ها أنا أتحمل عذابات وآلاما في سبيل شعبك . نصحت الأمير فما ~~سمع، ونهضت بالشعب فرزح، # 29 # وها أنا أقاسي الهوان # 30 # راضيا قائلا: فلتكن مشيئتك ... # | عيد مار روحانا # ما جاء «بعد غد» حتى قرع جرس مار روحانا # 1 # عين كفاع عند الضحى. # كان الدق، أولا، غير عنيف وغير متزن، يدل على أنه قرع صبيان يستعجلون العيد فتعلقوا بحبل ~~الجرس جماعات، فطن طنات ضعيفة متقطعة. إن حبل الجرس في القرى مباح للجميع ليلة العيد ~~ونهاره، ومن شاء فليجرب باعه وذراعه. فأنشودة الجرس، تردد أصداءها الأودية، هي صوت ~~العيد، صوته الأعلى في القرية اللبنانية، فلا بهجة بلا صلاة جماعية # 2 # ولا فرح بلا قرع أجراس. # وسمع الحبيس دقات الجرس، فأخذ يعد موعظة العيد مستعرضا الأفكار الرئيسية التي يريد أن ~~يعالجها. # الموضوع جاهز معد، إلا أنه لم يوفق إلى آية يجعلها حجر أساس يبني عليه ~~عظته. # واشتد قرع الجرس وانتظم، فعلم أنه قرب الظهر، وبعد هنيهة دق دير معاد # 3 # جرس التبشير، # 4 # فأخرج من زناره ساعته الفضية وفتحها، فإذا عقربها يشير إلى أن الساعة الحادية ~~عشرة والدقيقة العشرين، ففتح بابها الآخر وشرع يشد زنجيرها بالمفتاح ms16 حتى بلغ الغاية، ثم ~~نقل المفتاح إلى منزلة العقارب، فقدمها خمس دقائق كعادته كل يوم، ثم أعادها إلى زناره ~~الأحمر، وأحكم وضع بندها # 5 # الأسود الذي تضمه في الوسط حلقة صفراء. # وشرع يتمشى في الساحة قدام باب الكنيسة. # تذكر في رواحه ومجيئه أن المحتفى به، القديس روحانا، قد امتحن كثيرا ولكنه فاز أخيرا، ~~فخطرت في باله إذ ذاك الآية الإنجيلية القائلة: من يصبر إلى المنتهى يخلص. # رأى أنها مصاقبة كل المصاقبة، فبش وقال: توفقنا، أصبنا عصفورين بحجر واحد. # وظل يفكر ويفتش لعله يقع على آية أكثر وضوحا وملاءمة؛ لأن الشعب غليظ العقل غالبا، فدخل ~~الكنيسة وفتح الإنجيل، إنجيل اليوم التاسع والعشرين في أيلول، وهو يوم عيد مار روحانا، فما ~~وجد شيئا أحسن. # ودق الظهر في دير معاد فحسر # 6 # قلنسوته # 7 # عن رأسه وركع يبشر. # ذكرته الساعة، ساعة الظهر، تلك الموائد السخية التي كانت تعد له في المدرسة، وفي ~~قصر الأمير بشير، فتنهد وقال : من يصبر إلى المنتهى يخلص. # أعجبته الآية جدا، وفكر بإيضاحها كل الإيضاح في القداس الكبير الذي يقيمه في الغد، ~~فنبه رفيقه الخوري ألا يقول في خدمة القدس: «بارخ مور ريش كهنه»، أي: «بارك يا سيدنا رئيس ~~الكهنة»، فأومأ الخوري برأسه أن نعم، وصلب # 8 # الحبيس على تلك المائدة الحقيرة، وصلى عليها شاكرا، كأنها العشاء السري # 9 # أو مائدة المير بشير، ثم جلس ورفيقه يأكلان. # وأخذت وفود العيد تكر من الجرد، فريق يمر من خلف الدير، وفريق من قدامه، فتوارى الحبيس ~~وخوريه وراء سنديانة عانس # 10 # لا شيخة، فكانا يسمعان حديث المارة ولا يراهما أحد. # وقعد وفد من نساء ورجال وفتيان وصبيان على حجارة مرصوفة في ساحة الدير، واستقلوا من بئر ~~مار عبدا العميق ماء باردا. شربوا جميعا إلا واحدا، فقال له رفيقه: اشرب، هذا ماء صلى ~~عليه الحبيس. # فضحك ذاك وقال: ليس في بطني فأر، ولا حيات، ولا نمل، حتى تطردها صلاة الحبيس. # فوبخته زوجته على قلة إيمانه، وقالت له: ماذا ~~يفيدك قداسه غدا إن كان ms17 هذا إيمانك؟ ... # فوجه أحد الرفقاء الحديث توجيها آخر وقال: من أين يأكل هذا الحبيس؟ فلا دير يطعمه، ~~ولا وقف ينفق عليه. يقولون إنه مكتف، ما طلب رغيف خبز من أحد. # فقالت المرأة: من يدريكم؟ ربما يأتيه غراب برغيف خبز، مثل القديس بولا أول ~~الحبساء. # فهمهم # 11 # زوجها وقال، إذا رأى غرابا فردا: اسكتوا قد يكون هذا الغراب يخبي رغيفا في ~~عبه، فخاف أن نلتقطه أو استحى منا، فما رماه للحبيس، قوموا نذهب. # وما انصرفوا حتى نهض الحبيس من مجثمه والتفت صوب طريق «الصليب»، # 12 # فرأى جماهير مقبلة على القرية صاحبة العيد، مالئة طول الطريق وعرضها، مشاة ~~وخيالة، خيل وبغال وحمير، كلهم يثرثرون ويلغطون # 13 # فلا يفهم شيء من كلامهم. # وما انتهى عجب الحبيس من وفود الشرق والجنوب، حتى التفت نحو الغرب فرأى الناس قادمة مثل ~~النمل على طريق «معاد» الضيقة. سلسلة طويلة، أشخاصها تمشي واحدا خلف واحد؛ لأنها طريق ~~رجل لا طريق حافر. # 14 # ثم حول نظره شمالا فرأى طريق «صغار » # 15 # غاصة بوفود المعيدين، فتعجب كيف لا تضيق قرية صغيرة مثل عين كفاع بمثل هذه ~~الجماهير التي بدت طلائعها. # أما أهالي الضيعة فكانوا قد استعدوا لهذا اليوم السعيد. # إنه يوم يكرم فيه الضيف والضيفن، # 16 # والقريب والغريب. يقبل الناس فيه من بني وبني # 17 # على القرية ليحظوا ببركة العيد وزيارة الأقارب والأصحاب. # لكل قرية في لبنان عيد، ولكل ضيعة يوم. أما مار روحانا فيومه أعظم الأيام؛ لأن عجائب قديس ~~عين كفاع كثيرة. هو اختصاصي بشفاء المغص، ومشهور في القرية والجوار بسرعة الغضب والاقتصاص ~~المعجل. # فالذي يعتدي على أملاكه وأشيائه يصاب «بالفتق» حالا، ولا يعصمه منه عاصم، لا حزام بارير # 18 # ولا جد جده. إنه لا يشفي ما لم يعوض أو يرد المسلوب. # واستعدوا لهذا اليوم المحجل، # 19 # فغسل بياض الفرش، ونظفت البيوت ورتبت أحسن ترتيب، وهرم التبغ الجبيلي ~~- كان يعرفه التجار المصريون بالكوراني - ليقدم للضيوف، وعين كفاع أشهر قرية بهذا ~~الإنتاج، وفي ذلك قال الزجال في ذلك الزمان: # خد ms18 عملك سيكاره # تتنات رفاع # من دارة حنا بشاره # في عين كفاع # وكان الحبيس واعدا نفسه بأن يذوق دخان عين كفاع يوم العيد، ولكن حادثا خطيرا جرى فلم ~~تتحقق أمنيته تلك. # وأشرفت الشمس على الغروب فامتلأت الضيعة ناسا حتى كادت تضيق. وقعد الحبيس على سطح مار ~~عبدا، قدام خيمته يتأمل ويفكر بغفلة الشعب، وبماذا يوقظ شعوره في غده. # وارتفع الغناء فسكت الجرس، واشتدت العربدة. # 20 # حلقات حلقات على «الرجامي» # 21 # وعلى مصاطب # 22 # البيوت، النبيذ والعرق يصبان كالماء، ورائحة اللحم المشوي تملأ الأنوف، ~~وقرع مدقات الكبة يصم الآذان. # ذبح في تلك الليلة نحو تسعين رأسا من الغنم والمعزى، وفرغت خوابي القرية من العرق ~~والخمور العتيقة، فشرب الزائرون المسطار. # 23 # واشتد الرقص حول الكنيسة على وقع التصفيق والزمر والغناء، فاختلط كل ذلك حتى ألف وحدة ~~لا تتجزأ. وكان أبرز شيء رقصتنا البلدية - الدبكة - شباب وفتيات، بجانب كل فتاة فتى يمسك ~~يدها بأطراف أنامله. يكرون ويفرون، يقبلون ويدبرون، يشرئبون وينكمشون، ~~والزامرون تنتفخ بطونهم كالقرب # 24 # من شدة النفخ. # وفي الكنيسة كثيرون من الأتقياء حاملي النذور من زيت وشمع وبخور ونقود يغطون في نومهم ~~الثقيل. # أعد وكيل الوقف فرشا كثيرة لمن نذروا أن يناموا ليلتها في الكنيسة. أما جاءوا ليفوا ~~نذرهم للقديس الذي استجاب طلباتهم؟ # كان يرى في صحن الكنيسة عشرات النائمين والنائمات من رجال ونساء، صبيان وصبايا ممن ~~نجوا من الآفات والعاهات بشفاعة القديس روحانا، التي لا تتراجع دون معضلة مهما عظمت ~~وضخمت. # كان أكثر هؤلاء يتجمعون حول محادل صغيرة موضوعة في الكنيسة حد خوابي # 25 # الزيت منتظرين نوبتهم. # 26 # فهذه امرأة تمر المحدلة اللطيفة على صدرها لتدر لطفلها، وذاك يدلك بها بطنه، وهاتيك ظهرها ~~حيث الألم. # لست ترى إلا محادل تدحرج على بطون تقرقر، # 27 # وكل يشكر للقديس استجابة طلبه. # أما البيوت فتستحيل خانات يحتلها كل زائر رافعا الكلفة، يأكل ويشرب وينام. # وبعد انقضاء هذا اليوم الأغر، يفتخر كل واحد من أهل الضيعة بكثرة ضيوفه ليلة ~~العيد. # أما من لم يكن يجد ms19 فراشا فكان يضطجع في ساحة الكنيسة أو على رجامي الضيعة، أو يسهر ~~الليل كله مع كثير من الشباب الذين لا يذوقون طعم النوم. # لا ضيق ولا عناء، المصاطب قدام كل بيت، والسطوح كلها ممهدة مطينة ... # لم يكن في ذلك الزمان سطوح قرميد لا يستفيد منها الناس؛ ولذلك قالوا: بساط الصيف ~~واسع. # وكنت ترى «الثريات» # 28 # المصنوعة من القش والقطن والعجين والزيت محمولة على أكف نساء القرية وبناتها؛ ~~لتشعل عند أقدام المذبح أو عليه، إكراما للقديس، فتبدو المهابة على كنيسته حين تذهب ~~عتمتها. # وقصارى الكلام أن الناس في العيد فريقان: فريق يجيء ليغني ويأكل ويشرب ويرقص ويصطاد ... ~~وفريق، وهو قليل، إنما جاء لاستمداد شفاعة القديس العظيم والتماس بركته ودعاه. # لم يغمض لعين كفاع جفن في تلك الليلة، وكذلك أصاب الحبيس؛ أزعجه عياطهم # 29 # ومياطهم، # 30 # وشكر ربه على أنه فكر بخطبة العيد قبل تلك الليلة الصاخبة، فما طلعت الشمس ~~حتى كان في ساحة كنيسة مار روحانا، حيث التفت حلقة قوالة # 31 # تحت سنديانة الكنيسة الدهرية. عقدت جلستهم تلك منذ منتصف الليل، ولا يزال ~~أبطالها، وقد طلع الصبح، ثابتين في ميدان القول، ينتقلون من موضوع إلى موضوع، لم يتركوا ~~غرضا من أغراض شعرهم إلا عالجوه مرتجلين # 32 # القرادي والمعنى، والعتابا والميجانا، والمواليا وكل ضروب الغناء، حتى إذا ~~ما سكروا راحوا يبوحون بمكنونات صدورهم، ويصرحون بميولهم وآرائهم في شئون الوقت. # ووافق ذلك قدوم الحبيس، فسمع أحد هؤلاء الشعراء يقول: # حكمك يا مولانا المير # ما فيه غير بلص # 33 # وتعتير # 34 # شربت الدم وخنت العم # وحرقت دين الفقير # فسد الحبيس أذنيه حين سمع سب الدين، ولكن الشاعر الثمل # 35 # أتم غير مبال، فأصغى الحبيس إلى بيانه: # شربت الدم وخنت العم # بغير «الخلعة» # 36 # ما بتهتم # كيفما ملت بتضرب كم # وديوانك وادي الحرير # تقشيط # 37 # وسخره # 38 # وتقنين # تا تعمر بيت بتدين # يا ويل الشعب المسكين # إن غير صابون المير # إن غير الله يعينو # من بلصاتو وصابونو # وأكبر بلوي طاحونو # الله يا بشير كبير # فتعالى ms20 الصياح من هنا وهناك: ~~- اسكت يا وحش. ~~- سد بوزك يا دب. ~~- خربت بيوتنا الله يخرب بيتك. ~~- يقطع لسانك يا سفيه. # فصاح القوال: ما لكم يا جماعة، قولوا لي أيش صار. # فتقدم واحد منه، وبعدما انتزع الدف # 39 # من يده وقال له: ما صار شي ... المير رجع! ~~- ها ها ... قولوا لي رجع. طيب رجع يا سيدي. الله يبشركم بالخير. # هات الدف. فأبى الرجل أن يعيد إليه الدف، فاشرأب ومد يده صارخا: اسمح لي. # فصاحت الناس من كل جهة: أعطه الدف. # وتعالى الصياح: الدف ... أعطوه الدف، وكاد يعلق الشر، لو لم يتقدم الحبيس ويأخذ الدف، ~~ويسلمه للقوال الذي صرخ على الفور: # عاد البشير عالقصر الله يكون معو # وعين العناية باللطافة تقشعو # يا رب هونها علينا برحمتك # ساد الأمان يا ناس كدوا وازرعوا # ساد الأمان يا ناس والغيم انقشع # لمن حسامك يا بشير حدو # 40 # لمع # بشفاعتك يا مار روحانا # 41 # عن كفاع # تنظر إلى حكم البشير وترفعو # فصاح الجميع متغامزين: وترفعو ... وترفعو! # فهز الحبيس رأسه ودخل الكنيسة وتبعه الجميع، إلا أناسا لم يجدوا مكانا يقفون فيه داخل ~~الهيكل، فتجمعوا حول الأبواب والشبابيك. # وبلغ الحبيس الخورس. # 42 # وبعدما أدى واجب السجود والركوع تقدم من المذبح، وما هم بارتداء ثياب ~~التقديس حتى انطوى خوري الضيعة عليه يوشوشه، فاضطرب ~~الحبيس وأدخل يده في عبه، ثم أخرجها وأومأ خوري الرعية، فسار خلفه إلى ما وراء المذبح، ~~وهناك أراه شهادة سيامته # 43 # فتأكد من كهنوته. # 44 # ثم خرجا، وإذا بخوري الرعية أصفر الوجه مضطرب مذعور. # وارتدى الحبيس «الغفارة» # 45 # وتقدم من المذبح الكبير بجلال وخشوع وشرع في قداسه «الكبير». # وعندما بلغ الشمامسة # 46 # قولهم: «بار خمور»، # 47 # صاح بهم خوري الرعية منددا: «ريش كهنة». # 48 # ولكن الحبيس أنشد بصوته الجهوري: «الحي الذي مات ثم قام»، فأخفى صوته كلمة الخوري، وأتم ~~الشماسة النشيد. # والتفت الحبيس نحو الخوري غامزا إياه بعضة على شفته المتوارية خلف لحيته، ففهم ما ~~أراد ... # وبلغ الحبيس الإنجيل فتلا بخشوع عظيم: «سراج جسدك عينك، فإن ms21 كانت عينك بسيطة كان جسدك كله ~~نيرا، وإن كانت عينك شريرة كان جسدك كله ظلاما ... إلخ.» # ولما انتهى من تلاوة هذا الفصل المعين ليوم العيد، قبل الإنجيل وأعاده إلى مكانه، ثم ~~التفت صوب الشعب يعظهم مبتدئا بالآية: «من يصبر إلى المنتهى يخلص». # واستطرد قائلا: «ما أشبه الحياة، يا إخوتي المباركين، بالطريق الضيق، تعترضنا فيه عقبات ~~وصخور لا بد لنا من إزاحتها أو تحطيمها لنعبر بسلام، ونأمن شر الذئاب والوحوش المنتشرة في ~~الغابات التي تحدق بالطريق من هنا وهنالك، فإذا كنا غير مسلحين بالصبر لا نبلغ المقر الذي ~~نقصده ونطمع بالاستراحة فيه.» ~~«الرجل الصابر يشبه السندان، فإنه لا يخور # 49 # ولا يسقط مهما اشتد عليه الضرب. كل شعب تمر عليه أهوال وبلايا، فإذا لم يثبت ~~لها ولم يحتملها، فإنه لا يبلغ يوما يقول فيه: ها أنا استرحت؛ لأني ثبت في وجه العاصفة ~~فلم تقتلعني.» ~~«رأيت في أصابع كثيرين من إخوتنا بالرب خواتم محفورة عليها هذه الكلمة: «يزول». إنهم ~~ينقشون هذه الكلمة على خواتمهم ليتذكروا دائما أننا، نحن البشر، زائلون، بل عابرو سبيل. ~~أما أنا العبد الحقير الخاطي فلهذه الكلمة عندي معنى آخر وهو: اصبر أيها الإنسان، فكل ما ~~يسوءك يزول؛ ولذلك أقول: اصبر أيها الشعب، فالذي يظلمك يزول، إنه يذهب وأنت تبقى إن ~~صبرت.» ~~«قد نرى من رؤسائنا رجال الدين والدنيا أشياء لا تنطبق على الشريعة والناموس، فنظن أن عين ~~الله نائمة، وأنه - سبحانه وتعالى - غافل عن كل ما جرى ويجري، فيشك بعضنا ويلج # 50 # فيكفر، ويصبر الآخرون منتظرين عمل الله فيكون جزاءهم الفوز والظفر. إن الله ~~يطول الحبل كما نقول في كلامنا، وكما يقول - عز وجل - بلسان نبيه داود: الله فاحص الكلى ~~والقلوب، طويل البال شديد العقاب. فلا تيأسوا يا إخوتي، فمثل هذه الأحوال الشاذة لا تدوم، ~~وما ترك الله شعبه في زمن من الأزمان حتى يترككم أنتم. أليس هو القائل: «من يصبر إلى ~~المنتهى يخلص؟» ~~«لا تشبهوا الروحانيات بالزمنيات لئلا تشكوا وتدخلوا التجارب.» ~~«تذكروا ما مر على رءوس جدودكم ms22 من اضطهادات وظلم، وكيف قابلوها بالصبر حتى تغلبوا ~~عليها. إن الصليب يعلمكم التضحية، فتأملوا به دائما، وتذكروا أبدا أن يد الله على قلب ~~الجماعة.» # وكان خوري الضيعة يهز برأسه عند كل جملة، ويلتفت صوب الشعب معلنا استحسانه كلام الحبيس ~~مؤمنا عليه ... ثم ينتفض وكأنه يريد أن يقول للحبيس: «صرح ولا تخف، كلنا معك!» # ولكن عين الحبيس كانت دائما على الخوري. # كان خائفا من إفشائه السر الذي قضت الضرورة أن يعرفه. ولما رأى الحبيس تساقط الخوري تحت ~~حمل السر خاف عليه من الانهيار، وختم عظته بالثناء على القديس المحتفى بعيده، مانحا ~~المؤمنين «البركة»، فخر الخوري إلى لحيته ساجدا لاقتبالها، ثم تذكر أنه لم يصب في ~~عمله، فنهض في الحال متداركا ما بدر منه. # وانتهى القداس على خير، وخرج الناس متخشعين، إلا واحدا يعرفه الناس أنه من المتشردين، ~~ويتهمونه بحوادث كثيرة لم تثبت عليه واحدة منها. فهذا الرجل، وهو الفتى القوال الذي هجا ~~المير، اقترب من خوري الضيعة وقال له: «قل للحبيس أني أريد أن أعترف، إذا كان يتفضل ويسمع ~~اعترافي.» # فتقدم الخوري من الحبيس بخضوع يبديه الكاهن لمن هو فوقه رتبة. # ثم تذكر الموقف فالتفت إلى صحن # 51 # الكنيسة، وإذ لم يجد إلا بضع عجائز وأطفال، قال للحبيس: «لا تخف، هؤلاء لا ~~يفهمون شيئا.» # والتمس منه سماع اعتراف الرجل، فخف الحبيس للخلوة بالمعترف وراء المذبح حيث تعود ~~الكاهن أن يسمع اعتراف الرجال. # وما كان أشد عجب الحبيس حين بادره الرجل بعد تلاوة «فعل الاعتراف» بقوله: أنا تلميذك ~~القديم، عرفتني؟ ~~- تلميذي القديم! ... # قالها الحبيس وهو يهز برأسه، ثم قال بلا اكتراث: «كل من يعترف عندي هو تلميذي، وأنا ~~معلم اعترافه.» ~~- لا يا سيدنا. # فقطب الحبيس وجهه، وأتم المعترف حديثه: أنا تلميذك في عين ورقة. ~~- تل ... ميذ ... ي في عين ورقة؟ من أنت؟ ومن أنا؟ لا تغلط يا ابني. الناس تتشابه ~~كثيرا. ~~- أنت المطران يوسف اسطفان، زرتك مرات في دير مار عبدا الحرش، وما عرفتك ولا عرفتني. أنا ~~الذي كان يزورك في الدير ms23 في ثياب شحاذ ولا تعرفه ولا يعرفك، الآن عرفتك، عرفتك من لهجتك في ~~الوعظ، ومن روح موضوعك. يا الله! كيف غبيت علينا؟ أنا هارب مثلك، وأنا أقول مثلك: من يصبر ~~إلى المنتهى يخلص. ~~- أنت عرفتني، وأنا ما عرفتك بعد. عرفني بحالك. ~~- يه، يه، يه! ما عرفتني بعد يا مطران يوسف؟ أنا الشدياق سركيس. # وعانق المعلم تلميذه، فسمع خوري الضيعة نشيجا # 52 # وبكاء، فدخل عليهما، فحتم الأسقف # 53 # على الخوري أن يكتم السر، وانتظر المعيدون الحبيس ليفوزوا ببركة دعائه، ولكنهم ~~رأوه يصعد في عقبة # 54 # قرية صغار ومعه القوال. # وتناسى الناس ما كان في الحال، ووضعوا «الجرن» # 55 # في ساحة الكنيسة، والتفوا حوله حلقة واسعة، فانبرى له الشباب، وشرعت كل قرية تنخي # 56 # شبابها، فرفعه شاب فوق رأسه مقوما زنده أحسن تقويم، فهاهى # 57 # له أهل ضيعته ورفعوه على الأكتاف، فاحمرت عيون منازليه، ولكن الشر وقف عند ~~هذا الحد. # ثم نزلت الخيل إلى الميدان، وكان رمي الجريد، ثم المنافسة في ضرب السيف، فكانوا يجعلون ~~العصا الغليظة على فم قنينتين، ثم تضرب فتقطع دون أن تتحرك القنينتان. # واختتم ذلك النهار الأغر المحجل # 58 # بلعب السيف والترس - الحكم - فأظهر الكثيرون من الشباب خفة وتفوقا، وعند العصر ~~ودعوا الضيعة، فعاد إليها هدوءها وسكينتها. # | على طريق المنفى # - العين لا تقاوم المخرز، اسمع مني يا شدياق، الزم بيتك. # قالها المطران يوسف اسطفان لتلميذه الشدياق سركيس، وهو يحاول القعود للاستراحة تحت خروبة ~~في ضهر صغار. # 1 # وقبل أن يجيب الشدياق، قال المطران بتحسر: صغار لفظة سريانية ومعناها السكرة - القفل - ~~فهل معنى ذلك أن بلادنا تسكر بوجهنا؟ العلم عند الله وحده. هذي آخر نظرة نلقيها على آخر ~~حدودك يا كسروان. # وبان في وجه المطران وخوريه حزن عميق، ثم التفت المطران إلى الخوري، وقال له: ترجع أنت من كفيفان، # 2 # فأنا صرت في غنى عن شقائك معي. أنا دائر على باب الله بعد اليوم، أما وجهتي ~~فإلى خارج لبنان. قوموا امشوا. # وما صاروا في فم الوادي حتى التفت المطران ms24 إلى تلميذه القديم الشدياق سركيس وقال له: هذا ~~وادي حربا يا شدياق. # فتنحنح الشدياق وقال: ونحن في حرب يا سيدنا، نحن نحارب الظلم والاستبداد، كما علمتنا، حتى ~~نموت. ~~- لا يا ابني، رجوعك إلى بيتك أحسن لك. إذا كانت عامية لحفد ما ثبتت في وجه المير، ~~فكيف تتأمل، وأنتم جماعة قليلة، أن تقاوموا حاكما عنده المال والرجال؟ الأفضل أن تقعد في ~~بيتك تنتظر الساعة ... ربما أتت. ~~- إذا أنا قعدت في بيتي، وأنت قعدت في ديرك، فمن يبقى في الميدان؟ لا بد من المقاومة، لا ~~بد من الموت لمن يطلب الحياة. # فالتفت المطران إلى تلميذه التفاتة مجنونة، وتعجب من هذه الصلابة. # استعرض حياته المدرسية، فتذكر أنه كان لا يسكت عن استبداد معلميه، فالتفت إلى الخوري ~~معاونه في عين ورقة التفاتة وقال له: نسيت حين هاج الشدياق التلاميذ عليك لاستبدادك، ها هو ~~يفعل ذلك اليوم. # فالتفت الشدياق إلى الخوري واستجمع ذاكرته، فما ذكر شيئا عن هذا الخوري، فقال في نفسه: ~~فمن هو يا ترى؟ # ورأى المطران والخوري يبتسمان لهذه الذكرى، فتضاحك وقال: تقول لي ارجع إلى بيتك، وأنت ~~عازم على مبارحة لبنان! اعمل، يا سيدنا، ما تريد أن أعمله أنا. # فصاح المطران: هيهات! # وأجاب الشدياق: أنت هيهات، وأنا هيهات. # والتفت الأسقف إلى صخر قائم على جانب مدخل الوادي الشمالي وقال : أتعرف ما كتب على هذا ~~الصخر؟ هذا اسم قائد يوناني افتتح بلادنا لدولته. ~~- وأين هي دولته اليوم؟ ~~- راحت ... # فصاح الشدياق، كأنه يرى ساعة النصر العتيدة # 3 # أمام عينيه: مثلما راحت دولة اليونان والرومان والدول الأخرى، كذلك يروح حكم ~~الشهابيين، وتمحى الإقطاعية إذا قاومنا وصبرنا. أما قلت في وعظتك اليوم: من يصبر إلى ~~المنتهى يخلص؟ فأنا صابر، وأظل صابرا حتى تعود أنت كما أنت، تقضي بالعدل بملء حريتك، لا ~~يقول لك مير أو شيخ أحكم على هذا، وبرئ هذاك. هذا ما أنا ثائر لأجله، وما دام يحلم برأسك ~~ورأسي، ورأس غيري من المقاومين، فالأفضل أن نموت ولا نستسلم له ليتشفى بقتلنا. وإذا سمعت ~~مني ms25 يا سيدنا بقيت في بلادنا متخفيا. هنا علينا أن نقاوم، هنا يجب أن نصلح. ما لك وموارنة أضاليا؟ # 4 # سواء عندنا أضلوا أم اهتدوا! # وما بلغوا نهاية «وادي حربا» وأطلوا على «الكراسي» # 5 # حتى قال المطران للشدياق: تأمل كيف تدور الأيام، فبنو حماده حكام هذه ~~البقعة غلبهم المير يوسف وانتزع الحكم من أيديهم، وأعطى الرهبان أملاكهم بعدما شنقهم. ودير ~~كفيفان الذي تقصده الآن وعقاراته كلها كانت لهم. وزيتون وطاعين كفاع، ووطا كفيفان هو منهم، ~~أبقاه المير يوسف له فصار اليوم ملك المير بشير. تأمل كيف كان بنو حماده يحكمون هذه ~~الأرض وكيف صاروا اليوم. ~~- وما زلت تعرف دورات الزمان، فلأي سبب تأمرني بالخضوع والتسليم؟ # وقف الشدياق عند هذا الحد حين رأى بضعة أشخاص مقبلين نحوهم. عرفهم أنهم من رجال المير؛ ~~لأنه التقاهم منذ أيام في ترتج، # 6 # حيث كانوا يحبون الأموال الأميرية. وبدأ المطران يتحدث عن «خلاص النفس» حين ~~غمزه الشدياق، وظل ماضيا في كلامه حتى بلغا المفرق، فاتجه ورفيقاه شرقا، وظلت شرذمة # 7 # الخيالة مجدة في وجهتها قبلة، وبعد مسير نصف ساعة كان المطران والخوري ~~والشدياق في دير كفيفان القائم شرقي القرية. # وفي ذلك الدير المنفرد، في رقعة حمراء التربة، قليلة الشجر، صرفوا نهارهم آمنين، وما ~~أمسوا حتى رقدوا. أتعبهم السير والسهر ليلة العيد. والمطران كان يشهده من بعيد، ويسمع بعض ~~ما يقال. # والشدياق كان يغني ويحاول إثارة الخواطر وإهاجة الشعب على الحكومة، كما مر. # واستيقظ المطران مع الفجر وأيقظ الشدياق وخوريه، ثم استدعى رئيس الدير وقص عليه خبره، ~~وسأله أن يعد له ثوبا من ثياب شركاء الدير، وترك للدير صليبه وخاتمه وثيابه، ثم أخبر ~~الرئيس أنه وهب «كأس التقديس» # 8 # إلى كاهن من بني صقر في بجة، # 9 # وأنه لا يحق لأحد أن يطالب به أو يسترده؛ لأنه ملكه الخاص ولا علاقة لوقف عين ~~ورقة به. # وبعد ربع ساعة استحال المطران شحاذا، وودع الشدياق سركيس طالبا منه الإخلاد إلى ~~السكينة، وانتظار مشيئة الله الكائنة لا محالة، ولا تكون ms26 إلا خيرا. # فأخذ الخوري يبكي لفراق سيده. أما الشدياق فوقف ومد يده اليمنى نحو كنيسة الدير وقال: ~~وحقك يا مار قبريانوس كفيفان، يشهد علي ربي وجميع القديسين أني لا أكف شري عن المير ~~وجماعته حتى تعود، يا سيدنا، إلى ما كنت عليه. فإن رضي عليك المير وأجاب مطالب الشعب الذي ~~قدته سيادتك، رضيت أنا ولزمت بيتي، وإن بقيت هكذا مشردا فلا يردني إلا الموت. # وكان موقف الانصراف مؤثرا جدا. ذهب المطران شمالا ورجع الخوري والشدياق على أعقابهما، ~~وفي الطريق كان الخوري يوسف حائرا بأمره لا يدري أن يذهب، فقال له الشدياق: ما افتكرت أن ~~تعمل؟ # فأجاب الخوري: كنت مع سيدنا خاليا من الهم، والآن أنا متحير. ~~- ماذا يحيرك؟ كما كنت أنت في خدمة المطران، نكون نحن في خدمتك وتكون معنا. لا بد لنا ~~من سماع القداس يوم الأحد والعيد، لا بد لنا من الاعتراف والمناولة. إذا كنا ثائرين على ~~المير فنحن ما زلنا عبيد الله، وإذا قتلنا خصومنا فنيتنا سليمة وغايتنا طيبة. غايتنا ~~نصرة الشعب المظلوم. نحن يا محترم - وأنت طبعا تعرف اللاهوت # 10 # أكثر مني، في موقف الدفاع عن النفس - اشتهينا العضة من الرغيف # 11 # في أيام سعادته. نحن نزرع وهو يحصد. نحن نجمع وهو يأخذ ما نجمع بزرية وشاشية ~~وفردة وشونة! # 12 # يدعونا إلى القتال فنلبي، ومتى انتصر يحاربنا إذا لم نعطه ما يطلب. يشد ~~عليه الباشا الزيار # 13 # فينهب بيوتنا ليرضيه، ويدفع ثمن الخلعة المطروحة بالمزاد. فأحسن عمل تعمله، يا ~~محترم، هو أن تكون معنا، يصيبك ما يصيبنا. ما أنت خير منا ولا أحسن. إذا سمعنا القداس كل ~~أحد وعيد يوفقنا الله ونقهر أعداءنا ... # والتفت إليه الشدياق سركيس ليرى فعل كلامه فيه، فرآه يبتسم. ~~- ما لك تبتسم؟ أعجبك هذا الرأي؟ إذا كنتم أنتم الخوارنة لا تؤيدون ثورتنا فمن يؤيدها؟ ~~أتظن أن الثوار لا يحتاجون إلى الوعظ وسماع كلام الله؟ إن لكلام الله قوة عظيمة؟ فهو ينخي # 14 # الرجال ويقويها. # فلو قلت مثلا للعصابة: إن يد الله مع ms27 الجماعة، كما قال سيدنا أمس، ولو قلت لهم: أعطوا ما ~~لقيصر لقيصر وما لله لله، فإنهم يتشددون ويعرفون أنهم يعملون إرادة الله. فإذا رأوا خيالة ~~المير يبلصون الشعب هاجموهم ببسالة وقتلوهم، وما خافوا أن تهلك نفوسهم ويعذبوا في ~~جهنم. # والتفت إلى الخوري فرآه يضحك، فتعجب كيف لا يعرف هذا الخوري إلا الضحك. # ولما دخلوا قرية «تولا» قطع الشدياق حديثه، وأخذ يتحدث عن أسعار البقر والمعزى والحمير ~~ليوهم السامعين أنهما يرغبان في شراء هذه الحيوانات. وقبل ~~أن يصلوا إلى ساحة الكنيسة أقبلت عجوز مسلمة على ~~الخوري فقبلت يده بكل احترام، فالتفت إليه الشدياق فرآه يبتسم. وسألت العجوز الخوري أن ~~يسمع اعتراف زوجها المريض؛ لأن خوري الضيعة غائب، والمريض في حالة خطرة، فامتنع الخوري وقال ~~لها: نحن مستعجلون يا بنتي. # فقال له الشدياق: هذا لا يجوز يا محترم. # فضحك الخوري، فقال الشدياق في نفسه: هذا الخوري لا يعرف غير الضحك. قصته عجيبة ~~والله! # وكانت المرأة تتضرع إليه وتلح فقال لها: يا أختي أنا خوري جديد، ما فوض إلي البطرك ~~بعد أن أسمع الاعتراف. # فحملق الشدياق سركيس قائلا: يا بونا! # 15 # الضرورة تحل من الناموس. # 16 # مريض ينازع تقدر أن تسمع اعترافه وتحله من جميع خطاياه. يظهر أنك لا تحب عمل ~~الخير، أو أنك لم تدرس اللاهوت على معلم ماهر. هكذا علمنا المطران يوسف الذي ودعناه منذ ~~ساعة. # فبهت الخوري، فأخذه الشدياق بطرف جبته وقاده إلى البيت، وهو يقول له: ادخل. لا تترك الرجل ~~يهلك، وفي مكنتك أن تخلص نفسه. # ودخل الكاهن والشدياق على المريض، فمات لافظا روحه مع «الحلة». # 17 # وبينما كان الشدياق والخوري سائرين في طريقهما كان الجرس يقرع حزنا، معلنا وفاة مؤمن ~~مات على رجاء القيامة، وإيمان بطرس إيمانه. # ودخلا في مضيق بين جبلين، فكان الخوري ينظر إلى الطريق متعجبا من وعورتها، فقال له ~~الشدياق: هذه طريق سهلة، قدامنا أبشع منها. شد حيلك # 18 # يا محترم. # فضحك الخوري، فتعجب الشدياق لضحك بلا سبب. ولما ابتدأت طريق «القطين» وانسكبا فيه ~~انسكابا، ms28 قال الشدياق: هذه هي طريق الحق والحياة التي سمعنا الكلام عنها في إنجيل الأحد ~~الماضي. إن طريق الدفاع عن الحرية وعرة وصعبة، ولا بد من قطعها لشعب يريد أن يعيش ويقاوم ~~الحكام الظالمين، فاعتمد على مساعدتنا وابق معنا. أما رأيت كيف أنك عملت اليوم أعظم عمل ~~وربحت أكبر أجر؟ # فالتفت إليه متعجبا جاهلا أنه أتى عملا. فقال له الشدياق: ما لك تشير بيديك متجاهلا؟ ~~نسيت أنك خلصت نفسا كانت هلكت لولاك؟ # فضحك الخوري ضحكة فاقت جميع الضحكات السابقة، فكاد الشدياق يجن من هذا الضحك، وأراد أن ~~يستفهم عن أسبابه، ولكنه سكت. # وسارا في طريقهما فكان الخوري يكوكي # 19 # فيها خائفا، تارة تصطك ركبتاه، وحينا يكبو، # 20 # وكثيرا ما يفقد توازنه فيسنده الشدياق، وما صدق أنهما وصلا النهر، فزفر زفرة ~~حرى وارتمى على «بلاطة الشالوق» # 21 # حيث استراحا نحو نصف ساعة. # وسأل الخوري رفيقه: إلى أين بعد هذا؟ # فأخذه الشدياق من كتفيه وحول نظره إلى مغارة لم ير الخوري مثلها في حياته، وقال له: ~~إلى هنا الدير، دير القطين. # فقال الخوري: هذا دير؟ إنها مغارة تتسع لحيوانات نوح كلها! أي شغل لي في هذا ~~الدير؟ # فأجاب الشدياق: نلتجئ إليه، ونحاصر فيه ساعة الشدة فلا يقوى علينا أحد. وفي هذه المغارة ~~كل ما يحتاج إليه الخوري، حتى المذبح. فهو على اسم «السيدة» عليها السلام. هناك تقدس لنا كل ~~أحد وعيد. # فضحك الخوري ضحكة كبيرة، فتعجب الشدياق، ولكنه صبر عليه منتظرا دخول المغارة، ثم نهضا ~~وصعدا في تلك العقبة التي لا تقطع إلا بصعوبة عظيمة، ولما بلغا مدخلها قال الشدياق ~~للخوري، وكلاهما يلهث ككلب صيد تعب من المطاردة: هذا هو الباب الضيق، الذي تحدث عنه ~~المسيح في إنجيله الطاهر، ووصانا بدخوله، وإذا كنا نحن العلمانيين نحاول دخوله، فكيف ~~الكهنة مثلك! # فقال الخوري: آه! ... وضحك. # ولما قعدا على حجرين قبالة مذبح السيدة قال له الشدياق: بعد غد أحد «الوردية الكبيرة» # 22 # ستقدس لنا وتزيح، # 23 # ونعترف جميعا ونتناول من يدك الطاهرة ... # فاستغرق الخوري في ms29 الضحك، ثم شال # 24 # قاووقه # 25 # عن رأسه، ووضعه حده قائلا: اقعد يا خوري! ثم حسر # 26 # جبته فبان خنجره وغدارته # 27 # وطبنجته # 28 # من تحتها، وقال: قم يا خير الله. أنا يا شدياق، لست خوريا. ما سمعت بخير ~~الله اسطفان؟ # فالتفت إليه الشدياق مشدوها، وأومأ برأسه أن نعم. وبعد هنيهة انحلت عقدة لسانه فقال: أنت ~~خير الله؟ ما عرفتك يا خير الله، تغيرت يا رفيقي. # فأجاب خير الله: أنا هو ... كنت في حراسة عمي؛ وسأبقى معكم لأن المير يطلبني كما يطلبكم، ~~دمي يعجبه مثل دم عمي ودمكم. # وكانت عصابة الشدياق متخفية في تعاريج # 29 # الكهف وثناياه، فعندما رأوا رجلا يكشف عن سلاحه المخبأ، ظنوه جاسوسا فهجموا هامين # 30 # به، فصاح بهم الشدياق: وراءكم! هذا منا وفينا. # وبينا كانوا يتحدثون ويدبرون أمرهم، عاد رجل منهم وكان قد ذهب يتجسس ليعرف ما عمل المير ~~قاسم حين بلغه ما قيل في العيد سبا # 31 # بأبيه، فخبرهم أن الشيخ يعقوب البيطار جاء خلف المطران يوسف ليخبره أن المير ~~رضي عليه، فقالوا له: إنه غادر دير مار عبدا، متجها شمالا، فجد في إثره. # فقال خير الله اسطفان: خاطركم يا شباب، لا بد من اللحاق بعمي. فالشيخ يعقوب يكون الليلة ~~في «بسبينا». # 32 # لا بد لي من الاجتماع به، فرجت إن شاء الله. # فضحك الشدياق وقال له: قل لعمك عن لساني، لا يغره عفو المير، هذا غدار، قلبه أقسى من ~~الصوان. قل لعمك عن لساني أن يأخذ حذره منه، فقلب المير لا يصفو. يظهر الطيبة # 33 # لكنه مكار. قل لعمك أن يراجع تاريخ حياة المير بشير، وهو أعرف الناس به؛ ~~لأنه كان قاضي الجبل عنده. المير لا دين له، ما له مذهب ولا مركع. مذهبه السلطة ودينه ~~الخلعة. قل له أن يتذكر كم قتل من الناس. إن رص # 34 # البصلة أصعب على المير من رص هامة # 35 # إنسان! وبالاختصار أنا خائف على عمك. # فأجاب خير الله: تغير الموقف، لا بد لي من اللحاق بالشيخ وعمي. ms30 # فقال الشدياق: سلم عليه وقل له إني باق على العهد، فإن صفت له الأيام فليذكرنا في ~~ملكوته ... وإن تحقق ظني وغدر به المير فأنا باق على عهدي، لا أحول ولا أزول، فإما أن أموت ~~وإما أن ينتصر الشعب. أظل على عهدي حتى آخذ بثأر الثمانين الذين قتلوا في عامية لحفد. يا ~~بطرس، يا خالد، يا إلياس، قوموا رافقوا خير الله إلى مدخل وادي حربا. يا خير الله، بسبينا ~~حد كفيفان # 36 # خذ عن شمالك. ولكن تغد قبل الرواح. # فاعتذر خير الله عن الأكل وقال الشدياق: زودوه، ربما جاع في الطريق، يا خير الله تغد ~~على عين شمونا. نبع ماؤه أطيب من العسل. # فقال خير الله: وأين عين شمونا؟ ~~- على كتف وطاجران، على شمالك قبل أن تصل إلى كفيفان. # ومشى خير الله بخفارة # 37 # رجال الشدياق حتى دخل وادي حربا، أما الشدياق فاجتمع إلى أبي ناصيف وقال له: ~~الليلة نهاجم «حاقل» # 38 # ننهب ما ننهب ونقتل ما نقتل. أهل حاقل هم الذين خانوا رجال عامية لحفد، وأظهروا ~~الإخلاص والطاعة للمير حينما نزل بعسكره على العين. # وما أقبل المساء حتى كان الشدياق ورجاله يسيرون في النهر صعودا. وفي أول السهرة بلغوا «الخاربة» # 39 # ومنها ارتقوا إلى السبيل، # 40 # ثم هبطوا حاقل، وكانت وقعة بينهم وبين فصيلة من عسكر المير جعلت مركزها حاقل ~~لثقتها بأهاليها. # وانجلت المعركة عن مقتل رجل من العصابة، قطع رأسه قائد العسكر وبعث به إلى المير قاسم على ~~أنه رأس الشدياق سركيس، وقاسم أرسله إلى والده اكتسابا لرضاه، وشفاء لنفسه المتعطشة إلى ~~دم خصومه ، ولكن أحد رجال المير بشير نفى أن يكون ذلك الرأس رأس الشدياق؛ لأنه يعرفه حق ~~المعرفة. # أما «أبو ناصيف» فشاع عنه أنه هو الذي قتل في شر حاقل، فاحتفل ذووه بمأتمه احتفالا ~~صارخا، وبلغ المير قاسم موته فصدقه واستراحت الضيعة وزوجته الفتاة من ضغط العسكر، وطالت ~~أعمار البقر والمعزى والغنم والدجاج ... # | دير القطين # دير القطين كهف لا أخ له في لبنان. بناه قدماء الرهبان الجبابرة ms31 في أحشاء جبل تطاول ~~قمته أسمى القمم المناوحة # 1 # جبل معاد. ومعنى القطين في لغة العوام: الكهف العظيم؛ ولهذا سمي الدير ~~باسمه، ولعله كان نحو ثمانين مترا طولا في ثلاثين ونيف علوا واتساعا، تنبئنا عن هذا ~~العلو تلك الغرفة الباقية، معلقة كالحرز # 2 # في عنق الجبل، ويسميها أهل القرى المجاورة «أوضة الريس»؛ # 3 # لأننا كما يقول مثلنا: نحب العلى ولو على الخازوق. # فإذا جئت هذا الدير - الكهف اليوم - رأيت في طرفه الشرقي معبدا ذا حنيتين، # 4 # تحتل «السيدة» إحداهن حتى الساعة، وهي معروفة باسم سيدة البزاز، تزورها الأم ~~القليلة الحليب فترجع من عندها وأقل ما يقال فيها: لله درها # 5 ~~... والمظنون أن السيدة قد اكتسبت هذا اللقب من رواسب متحجرة مدلاة في سقف تلك ~~المغارة على شكل الثدي أي: البز. # تزعم الناذرات # 6 # أنهن إذا بخرن هذي الثدي المتحلبة # 7 # ينقط منها الماء، ومتى حصل ذلك تؤمن المرأة أن نذرها قد قبل، وطلبتها ~~استجيبت وستدر لولدها. # وإذا سرت في اتجاه الغربي قاطعا الكهف، رأيت عند نهايته بناء ما يزال قائما، وشاهدت في ~~هذا الجدار الكثيف منافذ واسعة من الداخل، ضيقة من الخارج، تشبه المرامي # 8 # التي في القلاع القديمة. # كان الرهبان يرصدون منها حركات الأعداء، ويرمونهم بالحجارة وغيرها ليصدوهم عن ديرهم. ~~فالصعود إلى هذا الدير صعب جدا، حتى كأن الإمام علي عناه بقوله: ينحدر عني السيل ولا يرقى ~~إلي الطير. # تقوم فوق هذا الدير صخور عالية جدا، وهي ملساء كأنها نشرت بمنشار، فلا يستطيع حتى الطير ~~التعلق بها. يعيش في نخاريبها نحل كثير آمنا إغارة البشر على عسله، وتعشش كواسر الطير في ~~شماريخها مطمئنة إلى فراخها. # يحسب الناظر، من بعيد، هذه الصخور جدارا قائما، وفوق هذا الجدار صخور مرصوفة، من عهد ~~نوح، صفوفا صفوفا، وأدراجا أدراجا. وعند انتهاء هذه الأدراج تطبق على القمة صخور تشبه - ~~مجتمعة - السلحفاة الجاثمة. # إن الذين يعتصمون بهذا الكهف لا يؤخذون إلا بالتجويع والعطش. أما في غير هذا فلا يمكن أن ~~يدركهم أحد إذا كانوا مستعدين، ms32 فإنهم يقتلونه بما يدهدون # 9 # عليه من صخور كانوا يعدونها في مغارتهم كعتاد حربي - في ذلك الزمان - لا بد ~~منه في الملمات. # أما من يجرؤ من الأعداء على الهبوط إلى النهر ليقتحم الدير ويأخذه عنوة، فإنه ينام هناك ~~تحت الردم نومة الأبد ... حصار تعجز عن فكه طائرات اليوم وقنابلها ذوات الأطنان. فالدير جبل ~~حقا، ويا جبل ما تهزك ريح. # منظر وعر # 10 # يخافه أشجع الناس في وضح النهار، فإذا قعدت في ذلك الكهف وتأملت قليلا الجبال ~~المطبقة عليك، بدت لعينك المغاور أشكالا وألوانا، بعضها كالعيون تنظر إليك نظرات تفزع ~~وتخيف، ومنها ما هو كأشداق الحيتان، تخالها مفتحة لتزدردك، # 11 # وبعضها كالصدور المنحنية كأنها تريد أن تضمك فتعصرك. # وفوق هذه صخور كالشيوخ المحدودبة، تخاف منها أن تنطوي عليك فتهرسك. # 12 # وهناك مغارة ذات بابين يسمونها مغارة العينين، تزعم أساطير الضيعة أن فيها وفي ~~جاراتها «الرصد»، # 13 # وأن المكان كان مأهولا بالجن قبل أن استعمرت المكان «السيدة» وأجلتهم ~~عنه. # وإذا تأملت رأيت شماريخ الصخور تمثل لعينك أشياء عديدة من مخلوقات الله، وإذا نظرت في سقف ~~الدير رأيت أعشابا تتدلى كأنها زينة أقامتها يد الخراب، وفي الجدران نبات مختلفة أسماؤه، ~~منه العطري كالقويسة، والصعتر، ومنه الكريه الرائحة كالفيجم، أما الأشجار النابتة في ~~الصخور، حيث وجدت لها غذاء، فهي في الغار والبطم والسنديان والعفص. # لا يمكن الناس أن يدخلوا هذا الدير إلا واحدا واحدا، متعلقين بالصخور تعلقا، وإذا ~~زلت بأحدهم قدمه لقي حتفه في النهر. والقدماء والمحدثون يسمون هذا المكان «العاصي»، وقد ~~تدهور هناك أناس كثيرون فقتلوا، والتقليد يحفظ أسماءهم الكثيرة. # هذا هو الوادي الذي يقي حقا لفحة الرمضاء، # 14 # ويحنو على ضيفه حنو المرضعات على الفطيم. فإذا قعدت فيه فلا ترى من السماء ~~إلا مقدارا يسيرا، وإذا جئته في كانون ترى النجوم صلاة الظهر. # 15 # إن أول ما يواجه الداخل إليه مذبح السيدة القائم قرب فم مغارة لم يدرك آخرها رجل بعد. ~~إذا توغلت فيها قليلا تسمع هديرا # 16 # فتفزع وتعود على عقبيك، ms33 وإذا تمشيت لتقطع الكهف طولا تسترعي انتباهك أشياء من ~~صنع يد البشر، يظن أنها آثار معاصر عنب أو غيرها. # لا يدركك السأم في ذلك المكان، على وحشيته ووعورته. الأطيار المختلفة الأصوات والأشكال ~~تغنيك، فهناك الحجل، والغراب، والترغل، وأبو زريق، والحسون، وكل الأطيار التي تألف لبنان ~~... # وإذا سكتت الطيور فالقرقضون - السنجاب - يناجيك، ويترنم لك ليلفت نظرك ويغريك جماله ~~الفتان. أما الماء ففي مجرى النهر الشتوي يطمه # 17 # في الشتاء ما يجرفه السيل من تراب وحصى، ويكشفه الرعاة المضطرون إلى الماء في ~~آخر الصيف، فيروون غليل قطعانهم. # في الهيكل قنديل قديم جدا قلاووني الشكل، ما زال الناذرون والناذرات يمدونه ~~بالزيت. # يعلوا موقع هذا الكهف عن الأرض نحو مئتي متر، والجبل الذي يقوم فوقه قياما عموديا لا ~~يقل ارتفاعه عن أربع مئة متر. # وقصارى الكلام كان هذا الدير حصنا حصينا يتوارى فيه الشعب اللبناني هاربا من وجه حكامه ~~الظالمين، الذين كانوا يكتفون بنهب البيوت إذا لم يجدوا السكان. أما كيف خرب هذا الدير، ففي ~~المحيط أسطورة تروي حكاية عن سكانه لا محل لها هنا. # | قهوة الأمير الأحمر # ما وجد الشدياق سركيس وعصابته حصنا أمنع من دير القطين فلجئوا إليه. # كان الدير مخوفا في كل حين، لا يأمن زائره غدر قطاع الطرق اللاجئين إليه، أما الآن ~~فصار مقر عصابة منظمة عجز المير بشير عن تذليلها وإخضاعها. ففي سرداب # 1 # المرامي كان يتناوب رجال الشدياق سركيس الرصد # 2 # والسهر، حتى إذا أحسوا بعدو كثير العدد، انسلوا صوب الشرق واختفوا في جيوب ~~الوادي، وإن كان العدو قليلا ثبتوا له وأرهبوه، فيعود على أعقابه. # ولزيادة الحذر والاطمئنان كان الشدياق يجعل أحد رجاله على «شير الكروم» # 3 # فيرصد الطرق جميعها، وهكذا تأمن العصابة الغدر من كل ناحية. # وبعد غارة «حاقل» الآنفة الذكر، استقرت عصابة الشدياق في دير القطين، وكانت كلما سمعت ~~بجباة الأمير نهضت للتنكيل # 4 # بهم، فيقطعون عليهم الطريق ويشلحونهم ما جمعوا، وكثيرا ما كانت تسفر هذه ~~المناوشات عن قتلى وجرحى من الطرفين. # وفي يوم صافي الأديم ms34 # 5 # من أيام تشرين الثاني، بينما كان الناس يزرعون في الجبل المناوح # 6 # للدير، وفي الأرض الممهدة فوق ظهر الدير، وتحت أقدامه وحوله وحواليه، كنت ترى ~~تلك الأرض القفراء كأنها بلد آهل بالسكان. # وكان الشدياق سركيس جالسا في فم الكهف قبالة زميل له يلعبان «الدريس»، يلعبان ويتحدثان ~~ويدخنان الشبق - الغليون - فينعقد الدخان في الفضاء حلقات حلقات، وتنبعث رائحة التبغ ~~الزكية، فالأهالي كانوا يهدون إليهم أجود التتن وأطيبه، تشجيعا لهم من جهة، وخوفا من ~~سطوتهم واعتدائهم عليهم إذا لم يقوموا بالواجب ... # فكان الناظر إلى الشدياق سركيس، إذا رآه قابضا بيده على ماسورة الغليون التي تتجاوز ~~الذراع طولا، وشاهد الدخان منبعثا من فمه ومنخريه، ومن بين شعرات شاربيه ولحيته، يخال أن ~~هنالك «حريقة» تستدعي استقدام الإطفائية. # وما أخذ زميله بحصة - حصاة - حتى قال له: ما لك حق، ردها. لا «تزعبر». # 7 # صرت مثل سيدنا المير لا يهمك إلا أن تغلب وتأكل ... ~~- طيب ... رجعتها يا سيدي. ~~- العب. ~~- لعبت. # قال هذا ونقل بحصة. فأكل الشدياق سركيس، وواتى اللعب رفيقه فأكل أيضا. # وفيما هما يلعبان ويتنادران، بدا لهما هر في الجبل، وراء النهر، فصاح رفيق الشدياق: ~~تأمل يا شدياق تأمل. هذا بسيننا حيمور، قالوا لي إنه ترك البيت يوم تركته ~~وتبعتك. # فضحك الشدياق سركيس بملء فكيه، وقال: ربما كان في البسينات أوادم وثوار مثلنا. ~~- العب. انقل بحصتك. الدق لي ... ~~- الدق لك؟ من قال؟ ~~- أنا قلت ... # وحانت من الشدياق التفاتة فوقعت عيناه على وحش فصاح: ضبع! فأطلق رجاله بندقياتهم فاقشعر جلد # 8 # الوادي، وظن الفلاحون أن الواقعة وقعت بين رجال المير والعصابة، ففكوا # 9 # بقرهم وسربوا، # 10 # فكان حظ البقر راحة ساعة زمان. # وقدم أبو ناصيف من مرقبه وعلى وجهه كآبة وحزن، فأشار الشدياق سركيس برأسه مستفهما، فقال ~~أبو ناصيف: خبر منحوس. جاء خبر المطران يوسف. ~~- المطران يوسف؟ لا! ~~- بلى. ~~- وكيف مات؟ ~~- تسأل كيف مات وعند المير بن وسكر؟ # فقال الشدياق بحزن وأسف: مسكين معلمنا! نصحته وما انتصح. قلت له: خذ حذرك، لا يغرك ~~وعد المير، ms35 وعفو المير، هذا جبار. حليم عند عدم المقدرة. رحمة الله عليك يا مطران يوسف، ~~يا عدو الظالمين، ويا حبيب قلب الشعب المظلوم. # قال هذا ثم نهض من مكانه ونفض ما علق في أذيال غنبازه من هشيم وتراب، ونادى: شباب ~~اتبعوني. أين هو الرقيب؟ امشوا كلكم. # وسار أمامهم حتى وقفوا أمام مذبح السيدة، وهناك غمس الشدياق أصبعه بالماء المقدس، ومسح ~~جبهته بزيت قنديلها، راسما عليها شكل صليب، ثم وضع يده على الصورة وقال: وحقك يا سيدة ~~البزاز، لا أرجع عن مقاومة المير ما بقي لي رجل تحملني. # والتفت إلى عصابته وقال: عاهدوني. # فصاحوا جميعا: عاهدناك ونعاهدك. # وكان قد انتصف النهار، فسمعوا جرس عين كفاع يدق الظهر، فحسروا # 11 # عن رءوسهم و«بشروا» # 12 # وأكلوا. # وبعد الغداء قر رأيهم على مهاجمة المير قاسم في جبيل، فإن قدروا كان خيرا، وإلا كان ~~عملهم هذا ردا على غدر والده بالمطران اسطفان، مستشار عاميتي انطلياس ولحفد. # وفي ليلة عيد رأس السنة كانت العصابة على أبواب جبيل، ولكنها ارتدت خاسرة. قتل من ~~رجالها ثلاثة، ومن عسكر المير قاسم واحد، فتفرق رجالها في البلاد تاركين حصنهم إلى ~~حين. # وبلغ الأمير اعتداؤهم المتواصل، ورأى أن ابنه عاجز عن القبض عليهم وكسر شوكتهم، فأرسل ~~خيالته ليتعقبوهم في البلاد، فكان الخيالة يحتلون كل قرية مر بها العصاة، آكلين مئونة ~~الأهالي، ذابحين الدجاج والغنم والمعزى والبقر. فضجت البلاد، واستصرخت البطرك الجديد ~~الحبيشي، فكتب إلى سعادة المير يلتمس منه كف شره عن الأهالي، فلا يؤخد البريء بجريرة # 13 # الجاني، وتعهد صاحب الغبطة لسعادة المير بإعلان الحرم # 14 # الكبير في قرى بلاد جبيل، ومن يجسر بعد ذلك على إيواء الثوار ومدهم ~~بالذخائر؟ # وكان الشدياق إذ ذاك معتصما في اللقلوق مع من بقي حوله من رجاله، فقال حين بلغه هذا ~~الخبر: الآن صرنا كما قال المثل: مثل الحجر بين شاقوفين. حاكم إقطاعي، وبطرك إقطاعي، كلاهما ~~من غزير. انخلي يا ليلى واعجني يا زمرد. # حكم إقطاعي دينا ودنيا. الشعب المسكين يتنكر لنا خوفا من «الحرم» فأين ms36 نهرب؟ لا بد من ~~الصبر. السياسة تخلق ما لا نعلم. # ثم قال لرجاله: ما العمل يا شباب؟ # فأجاب أحدهم: الموت حاصل في الحالين، نظل نجاهد حتى تفرج. # فقال الشدياق: وهذا رأيي، فلنغب مدة عن البلاد كما غاب «سعادته»، ولعلنا نعود كما ~~عاد. # فقال آخر: هو غلط، والأوفق أن نتخفى في البلاد فيظنوا أنهم استراحوا منا، ثم نهاجمهم متى ~~أتت الساعة. # وبعد مناقشة دامت ساعات أجمعوا أمرهم وتفرقوا في البلاد متنكرين، فصار الشدياق سركيس ~~معلما في قرطبا، يدرس الأولاد العربية والسريانية والحساب، ويعلمهم الخط بالقلمين: ~~العربي والسرياني. واستحال رجاله فلاحين وبنائين وأجراء، وكلهم ينتظرون الساعة التي يطفح ~~فيها الكيل ليشعلوا نار الثورة. # وحدثت في البلاد، أثناء ذلك، أحداث جسام، فاستراح الأمير قليلا من مناهضة # 15 # بلاد جبيل، ولكنه لم يسترح من مقاومة خصومه في الشوف. # اشتد النزاع بينه وبين «المناصب» # 16 # فتألبوا عليه. وكان الشدياق يعلم ويستقي الأحداث، ينتظر بين ساعة وأخرى حدثا ~~جسيما ولا يدري على من تدور الدائرة فيه. # وكان الأمير بشير يحوك شراك الدسائس، وينصب الفخاخ لخصومه، والناس في البلاد فريقان: واحد ~~مع المير بشير، وآخر مع سميه الشيخ الجنبلاطي. وكما تكون الحالة في الشوف كذلك تكون في ~~بلاد جبيل، فهي حزبان أيضا، حزبان سياسيان لا يهمهما الدين والطائفة. يجمع حزب المال ~~ليشتري الخلعة لزعيمه، فيدفع كل واحد من الحزب ما يقدر عليه دونما نظر إلى الملة ~~والمعتقد. # ورأى الشدياق سركيس أن الوقت قد دنا، فلم شمل عصابته، وعاد إلى وكره دير القطين، حصنه ~~الحصين. # عادت العصابة في أوائل الصيف، تظهر الفئوس والمعاول والمناجل، وتخفي الغدارات والطبنجات ~~والمجهريات والخناجر. # وها هي مغارة القطين - الدير المذكور - حافلة برجال من جرود كسروان يقطعون الأشجار ~~ويصنعون الفحم. ها هم يعملون نهارا، ويغنون ويزمرون ويرقصون ويدبكون ليلا، فأصبح ذلك ~~الوادي ساهرا طروبا. صار ذلك الكهف الموعر حافلا بالمسرات واللهو كبيوت الوجهاء العظام، ~~ناهيك أنه صار بندرا # 17 # تجاريا تأتيه المكارون كل يوم، ناقلة الفحم إلى المدن ... # | وقعة الأمير قاسم # وأهدى الأمير بشير ms37 إلى ولده قاسم، نائبه في بلاد جبيل، «جفتا» جديدا بمناسبة موسم صيد ~~الحجل. وكان قاسم قد أمن شر عصابة الشدياق سركيس، واستراح من غاراتها على مقاطعته، فخرج ~~صباح يوم من منتصف آب يطارد حجال المنطقة الساحلية في بلاد جبيل، بعد أن طارد الرعية عند ~~قطف الشرانق وجبى ما جبى من الأموال، وأدى لوالده «الأكياس» كاملة غير منقوصة ... # خرج من بعشتا # 1 # مصعدا في ذلك النهر الشتوي، وتفرقت رجاله في الجبلين من عن يمينه ومن عن ~~شماله، وظل الموكب مصعدا حتى بلغ طريق السكة عن نهر غلبون، فانعطف صوب «الصليب» يقصد وادي ~~عين كفاع، حيث تكثر الحجال في تلك الأرض الحمراء التربة، الصوانية الحصى. # مر موكب الأمير متفرقا في «الوطا» # 2 # حيث تملك الإمارة كثيرا من أشجار الزيتون، ولا يزال يعرف عند حكومة اليوم ~~باسم زيتون الميري أو البكليك، فذهب بعض نزولا، وراح فريق طلوعا، واتبعت جماعة الطريق ~~العام، حتى بلغت النهر الذي هو التخم # 3 # الشمالي لمقاطعة بلاد جبيل التي يحكمها المير قاسم. # لم تكن تلك أول مرة يجيء فيها الأمير قاسم هذه المنطقة، فأكثر الناس يعرفونه؛ لأنهم إليه ~~يرجعون في قضاياهم كلها. # وكان قد سرى خبر قدوم المير للصيد فتحسبوا، ظنوا تلك الزيارة خدعة فاستعدوا. ~~الملسوع يخاف من جرة الحبل، ومن يدري ما ينوي الأمير، فقد يتظاهر بصيد الطيور وتكون ~~غايته صيد الناس، أو محصولاتهم وأموالهم على الأقل، فوقف الشعب حذرا، وتذكرت عصابة ~~الشدياق سركيس، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ... # وكان أبو ناصيف في مرصاده على «شير الكروم» # 4 # يتظاهر بأنه يقطع الحطب، ولكنه يراقب الرائح والجائي. # ولما ظهر المير عند غبالين، # 5 # انحدر أبو ناصيف إلى الوطا، ووقف في قارعة الطريق ليرى أين يتوجه سعادة المير ~~الصغير، ولكي يتأكد إذا كان هو، أو أن هناك أحدا غيره من هذه السلالة المباركة ... # رأى رجلا أدكن # 6 # اللون، قصير القامة، ممتلئ الجسم، ضخم الشفتين، فقال في نفسه: هذا هو. ~~- تفضلوا يا إخوان، حولوا، كلوا عنبا وتينا ... # هكذا ابتدرهم أبو ناصيف ms38 ببساطة أعجب بها المير قاسم الكريم الوديع، فشكر هذا الفلاح ~~على كرمه الطبيعي، فهو يعرف عادات البلاد وكرم أهليها. والبلاد تعرف من أمثالها، والمثل ~~عندهم يقول: فلان كرم على درب. # ابتسم المير قاسم لبو ناصيف وقال له: زاد فضلك يا عم. أكلنا من خيرك. كيف حالكم؟ ~~- العفو، كله من خير سيدنا المير، اللحم الذي على أكتافنا من خير سعادته ... فلولا حكمه ~~العادل ما بقي عندنا غلة، ولكنه - طول الله عمره - ربى القمل في رءوس # 7 # عصابة الشدياق سركيس، وأراحنا من شرها. ~~- إذن أنتم في راحة؟ ~~- الحمد لله، الحمد لله ألف مرة. تأمل هذا الكرم. كرم على درب، وعناقيده ما قطف منها ~~واحد، هذا كله من الأمن والحكم العادل. # فالتفت الأمير قاسم إلى أحد مرافقيه وقال له: فلاح نبيه، يصلح خطيبا في قاعة العمود. # 8 # فأجابه ذاك: ليست الفصاحة وقفا على المتعلمين، ففي الأميين من هو أبرع وألسن. # وهرول أبو ناصيف وقطف بضعة عناقيد وقدمها بيديه الثنتين للأمير على أنه لا يعرفه، فأخذ ~~الأمير حبتين وأكلها ثم قال: الله يفيض رزقك. # فأجاب أبو ناصيف بوداعة وسذاجة: حلت البركة. # وانحدر المير نحو النهر، وراح أبو ناصيف صوب القطين. سار فوق الطريق يرافق الموكب عن كثب، # 9 # ينتظر المفرق ليرى هل يذهب الأمير قاسم طلوعا أو نزولا، ولما سمعه يقول ~~لرفيقه: «اليوم تتفرج # 10 # على دير القطين. ما أوعر واديه!» # 11 # عرف وجهة الأمير قاسم، فلم يعد ينتظر وأسرع إلى الشدياق سركيس، الفحام ~~الجديد، ينبئه بتشريف سعادته. # وكان الشدياق سركيس يمهد تراب المشحرة، # 12 # فتابع عمله وهو يردد بكل برودة: أهلا وسهلا بسعادة المير، يا هلا هلا. اليوم ~~يومك يا سيدنا المير. # وبعد ساعة كان المير يصعد في عقبة # 13 # الدير، فلا تستقر قدمه حتى يزحل عن عتب # 14 # الطريق ... # وبعد تعب عظيم دخل في الباب الضيق وهو يقول: شباب، الله يعطيكم العافية. # فأجابه الشدياق سركيس، بعد أن التفت إليه، وعاد إلى عمله: العافية تجيك. تفضل خذ راحتك. ~~يا طنوس هات الإبريق، ربما ms39 كان العم عطشانا. ~~- معي رفيقان. ها هما. ~~- أهلا وسهلا، عندنا ماء يسقي خمسين. ~~- ومن أين لكم الماء في هذه الجبال الجرداء؟ ~~- وعدنا المير، الله يطول عمره، عندما كنا نجر له نبع الصفا، أنه سيجر لنا المياه ~~من الجرد. # فقال الأمير قاسم: ربما صح فيكم قول المثل: أسقيك بالوعد يا كمون. # 15 ~~- لو لم تكن ضيفنا سمعت ما لا يرضيك، ميرنا، الله يحفظه، إذا قال فعل. وما يحوجه إلى وعد ~~بلا وفا لتكون عداوة بلا سبب؟ وابنه المير قاسم نسانا رحمة المير يوسف وحبه ~~للفلاحين. # وأقبل الإبريق على يد رجل تخاله زنجيا لكثرة ما عليه من الفحم والتراب وغيره، فقال ~~للمير، وهو يقدم له الإبريق: غض النظر ... لا تؤاخذنا يا سيدنا، إبريق الفحامين وسخ ~~ظاهرا، ولكنه نظيف باطنا. # فابتسم المير، وقال، وهو يتهيأ للشرب: مثل قلوبكم. صحة البدن # 16 # يا مهذب. ~~- بدنك صح، الله يطول عمرك. # وهم الفحامون بالأكل فتربعوا # 17 # على الأرض، ثم صلبوا والتفتوا إلى المير ورفيقيه وقالوا لهم بصوت واحد ~~تقريبا: تفضلوا شاركونا. # فقال المير: صحة وعافية، سبق الفضل. ~~- تفضلوا. انطحوا الزاد. # 18 ~~- صحتين. ~~- كلوا معنا لقمة حتى يصير بيننا وبينكم خبز وملح. ~~- أكلنا من خيركم. ثم نهض المير وهو يقول: نتفرج على الدير بهذه الفرصة. الجفت أمانة ~~عندكم. # فقال الشدياق سركيس: محفوظة. # ومشى المير معه الرجلان، وما ابتعدوا قليلا حتى قال الشدياق سركيس لرجاله: أنا علي ~~بالمير، وأنتم عليكم بالاثنين. بو ناصيف أنت تدفر # 19 # الطويل من رجاله بغتة فيستريح في النهر ... وأنتم كتفوا # 20 # الشب وخذوا سلاحه. وأنت يا طنوس، صوب جفت المير إلى صدره متهددا إذا مانع ~~أو عارض. إياك أن تطلق النار مهما حدث. # فتعجب الرجل كيف لا يطلق النار وفتح فمه، فقال له الشدياق: هس هس هذا شغلي. # وقبل أن يبلغوا المرامي # 21 # كان الشدياق سركيس دليل المير في ذلك المتحف الطبيعي. دله على المغاور ~~وسمها له بأسمائها. وعلى وعلى ... وبعد هنيهة أعطى الإشارة لرجاله، فكان «الطويل» يتدحرج من ~~علو مئتي متر، وكان ms40 الشب مكتوف اليدين بحبل «المشحرة»، وكان الأمير قاسم فاتحا فمه مندلق # 22 # الشفة السفلى، فصاح به الشدياق سركيس: سلم تسلم. # فصاح الأمير قاسم: سلمت يا سيدي. # وقال الشدياق سركيس: وأنت سلمت. نحن يا مير لا نغدر بأحد، نحن لسنا أمراء لنقتل الناس ~~بالقهوة كما يفعل والدك. نحن لا نؤمن الناس ونغدر بهم. هات خنجرك. # فهز المير قاسم برأسه، بينما كانت يده تخرج خنجره من حزامه. # وبينا كان بعض رجال المير يصعدون في النهر، رأوا «الطويل»، وقد صبغت دماؤه حصى النهر ~~البيضاء. # فقال لهم، وهو يلفظ روحه: المير ... فوق ... في المغارة ... # فتعالى صفير الاستغاثة كعزيف الجن، وكانت الكهوف تردد الصدى الذي تقشعر له ~~الأبدان. # أما مرافقو الأمير فصوبوا بنادقهم من الجبل المناوح ليرموا الكهف، فصاح بهم الشدياق ~~سركيس: إياكم ثم إياكم. المير لا يزال حيا. إن اعتديتم اعتدينا، ورميناه إليكم لتأخذوه ~~ميتا. يا سيدنا المير، أعطهم صوتك. قل لهم ماذا تريد. # فصاح المير قاسم: اتركوني. ارجعوا. # قال ارجعوا وأشار بيده إلى المجهول، ففهموا أن عليهم أن يستمدوا من جبيل قوة تستطيع ~~مقاومة العصابة، فعاد فريق منهم إلى جبيل بعدما كان الخبر سبقهم إلى الأسكلة، # 23 # فالتقوا بعسكر النجدة في غرفين، # 24 # فانضموا إليهم وعادوا جميعا إلا واحدا جد في السير إلى بتدين حاملا إلى ~~المير الكبير ذاك النبأ المشئوم. # أما المير قاسم فقعد على حائط المرمى المهدم. # كان واجما ولكنه رابط الجأش، يفكر بالحكم وعواقبه الوخيمة # 25 # ونهايته المروعة. # أليس هو الآن مع الموت على موعد؟ ما عليه لو مات، ولكنها موتة لئيمة، أمير وابن المير ~~بشير الذي دوخ البلاد والأقاليم المجاورة تأسره عصابة! هذا كثير. وإذا بلغ الخبر والدي ~~فماذا يقول عني؟ إنه لا يهمه موتي، فالموت عند الوالد أرخص من الفجل! ولكنها سمعة رديئة ~~ولطخة لا تمحى. # وأفاق الأمير من غيبوبة هذا التفكير على صوت الشدياق سركيس يدعوه إلى المسير، فمشى معه ~~حتى بلغا متكأ أمام المغارة الكبيرة وهناك أجلسه، وما كان أشد دهشة المير حين رأى رجالا ~~عديدين ms41 يخرجون من بطن ذاك الكهف البعيد المدى شاكي السلاح كالقنافذ، # 26 # فقال لهم: أنا أعزل، والأعزل لا يحتاج إلى هذا الجمهور. # فقام الشدياق سركيس إلى جفت المير وقدمه إليه قائلا: هذا جفتك يا سيدنا، تفضل. وهذا ~~خنجرك. # فأبى الأمير قاسم أن يسترد سلاحه، وأراد أن يطول الأخذ والرد، ولكن الشدياق سركيس أراد ~~أن يقصر مسافة المحاورة فقال له: يا سيدنا المير، أنا عرفتك وأنت لم تعرفني، والدك يطلب ~~رأسي، وإني أشكره على جعله سعره غاليا جدا. أما أنا فلا أطلب رأسك، إن رأسك يبقى لك ~~ملكا خالصا صحيحا شرعيا لا ينازعك فيه منازع. نحن قطاع طرق كما تسمينا سعادتك، ولكن ~~في العصابات وقطاع الطرق أناسا ضميرهم حي، لا يأكلون مال اليتيم والأرملة، ولا يبلصون # 27 # الفقراء ليظلوا متحكمين برقاب العباد. # نحن نعاهدك على حفظ دمك، وعلى صون كرامتك، والأيام هي التي تحكم بيننا. تفضل اذهب حرا ~~طليقا لا يمسك أحد. # فتعجب الأمير من ذلك، ولكنه لم يهم بشيء. تحير في وجهه الارتباك العنيف، وكما يعمل ~~كل من يقع في معضلة # 28 # سوداء قاتمة المداخل والمخارج هكذا فعل هو، فلم يبد ولم يعد ... # فقال له الشدياق سركيس: اذهب قلت لك. لا غدر ولا خديعة. أقسم لك بشرف «الفلاحين» الذين لا ~~يغدرون ولا يدسون # 29 # ولا يكيدون، # 30 # إنك حر طليق لا يمسك أحد منا، ولا أقول من رجالي؛ لأننا لا زعيم فينا، ~~كلنا واحد. تعاهدنا أمام هذا المذبح العاري المهجور على مقاومة الاستبداد المزدوج. كنا في ~~حكم إقطاعي دنيوي هو حكم والدك، وصرنا اليوم تحت حكم إقطاعي ديني هو سلطة البطرك الحبيشي: ~~أسند لي حتى أحملك ... والحاكمان المستبدان ابنا ضيعة واحدة ... حرم البطرك البلاد كلها ~~ليرضي سعادة الوالد، ولكننا نحن لا يصعب علينا أن نتخلص. # ورأى الأمير يتحلحل بحذر، ينظر إلى رجليه نظرة، وإلى رجال العصابة ثنتين، فقال له ~~الشدياق: قلت لك هذا جفتك. هذا خنجرك. امش، وافعل بعد ذلك ما بدا لك. اشنقنا، خوزقنا، إن ~~وقعنا في يدك . نحن نريد ms42 أن نعلمك درسا مفيدا ولا نريد أن نقتلك، نريد أن نعلمك ونعلم ~~والدك أن الشعب «شيء» وأن إرادته هي الغالبة. لا يد غير يد الشعب، مثلما ذهب فخر الدين يذهب ~~والدك ويبقى شعب لبنان في بيوته، وكما ذهب بنو حماده عن بلاد جبيل تذهب أنت. بلاد جبيل ~~باقية إلى الأبد. أما المير قاسم فغيمة سارحة. نفخة هواء تبددها. نحن ننتظر الرياح حتى ~~تطيب ... وإذا ذهب الشدياق سركيس تخلق لكم الأيام ألف سركيس. الشعب نبع قوي، والعائلة الحاكمة نزازة # 31 # اطبخوا للشدياق سركيس أحمض # 32 # ما عندكم. قم قلت لك. # وإذ لم يذهب المير قال سركيس لعصابته: شباب سلاحكم. فوقفوا واستعدوا ... فقال الشدياق ~~للمير: رح قلت لك. ~~- وماذا يصير إذا بقيت؟ ~~- نحن لا نبقى. # قال هذا وأخذ جفت المير وهو يقول: لو كنت واثقا من أنك لا تطعن في القفا # 33 # لتركت لك جفتك، ولكن لا بأس هذا تذكار منك ... # ثم قلبه وقرأ ما كتب عليه بالحرف اللاتيني وقال: فبركة ممتازة. هذا يبقى عندي لأذكرك به. ~~أما الخنجر فيبقى لك؛ لأنك لا تستطيع أن تستعمله متى بعدنا عنك. خاطرك يا مير. اسأل عنا ~~خاطر الوالد، وقل له: الشدياق سركيس لا يخرج من لبنان كما خرجت أنت، ولا يستعين بأحد من ~~الغرباء على أميره كما استعنت أنت. الشدياق سركيس لا يخون عمه ولا يقتله، كما فعلت أنت، ~~ولا يعمي ولا يقطع الأيدي والألسنة ولا يشوه خلقة الله. قل له: الشدياق سركيس يظل يحاربك ~~في لبنان، ومن يصبر إلى المنتهى يخلص، كما قال آخر شهداء قهوتكم المطران يوسف اسطفان في ~~آخر وعظة. # شباب! تهيئوا. إن تجارتنا بالفحم ربت لنا أعظم ثروة. خاطرك يا سيدنا. # وكان الأمير صامتا كالصخر الجالس عليها. # ظل قاعدا ينظر إليهم وهم يتمشون في الجبل متجهين نحو الشرق كأنهم الأفاعي التي لا ~~تزلق. # وبقي الأمير في مجلسه نحو نصف ساعة صامتا معقود اللسان، كأنه زكريا # 34 # حين خرج من الهيكل. وبعد ذلك الصمت الطويل قام وهو يقول ما لم يفهم. ms43 # مشى المير وقد أنسته الكارثة الفتى المشدود كتافا، فصاح هذا به: نسيتني يا سيدي؟ # فتنهد المير، ثم سار نحوه متعثرا بأذيال عباءته، وفك كتافه وسارا معا، حتى إذا ~~مرا «بالطويل» المضرج بدمائه على حصى النهر البيضاء، ترحما عليه ... # وكان بعض رجال الأمير كامنين ينتظرون ختام الرواية، فنهضوا من مجاثمهم، وساروا ~~معه. # وراء نهر غلبون # 35 # التقى الأمير ورجاله بفصيلة قادمة لنجدته، فأمرها سعادته بالرجوع وكتمان الخبر، ~~وخصوصا التفاصيل. ولكن السهم كان قد نفذ، والرسول المتجه إلى بتدين، عرين النمر اللبناني ~~الشرس، قد يكون قطع نصف الطريق، فعض الأمير قاسم على جرحه، وبلغ جبيل منهوكا تعبا، فلزم ~~قاعته خجلا من رجاله. # حاول كثيرا أن ينام ولكن النوم طار، ولا قرار على زأر من الأسد ... # | هواجس1 المير بشير # شهر آب موسم صيد الحجل في لبنان. وفي آخر هذا الشهر كان الأمير بشير يخرج إلى ضواحي ~~بتدين في موكب ملوكي للصيد. # يمشي تحف به بطانة فيها الشاعر والكاتب، والطبيب والمشترع، # 2 # وتلتف حوله وحواليه حاشية تجر أذيالها، فريق يحمل البنادق والجفوتة، وآخرون ~~على كتف كل واحد منهم صقر أو باز. # 3 # تصرخ تلك الجوارح على زنودهم مصفقة بأجنحتها طربا وحنينا إلى المعركة العتيدة، # 4 # وكانت تلك الصرصرة # 5 # أشهى لقلب الأمير من أنات الناي والعود؛ لأنه أشبه خلقا بتلك ~~الكواسر. # كان الأمير أكثر هوى لصيد الباز، وأشد ميلا إلى منازلة الطير للطير، وإن كان يعجب ~~بالسلاح الذي استحضره من أوروبا، أو صنعه عند أشهر القيون # 6 # اللبنانيين. # ولما بلغوا «القاطع» # 7 # تفرق هواة الصيد، وأطلقت الصقور والبئزان، فملأت الفضاء صراخا، وكانت تلك ~~الطيور تطرب وتنتخي # 8 # حين تسمع دوي البارود تردده تلك الأودية. والصوت إذا مشى بين مطاوي الجبال ~~وتعاريجها كبر وتضخم وطال. # تذكر الأمير في ذلك النهار صقره «كاسب» الذي انتقل من هذه الدنيا الفانية حديثا ... ~~فعز عليه فقده. # أحب سعادته هذا الصقر العبقري فصنع له عند أحد أبناء نفاع، في بيت شباب، تمثالا ~~نحاسيا قبل موته، ودشنه في حفلة كبرى واضعا ms44 إياه في وسط الدار الداخلية، على حافة ~~البركة الكبيرة في القصر . وقد جعلوا الماء يتدفق من منقاره كأنه الفضة البيضاء سائلة ~~... # كان الأمير، في ذلك النهار، فرحا مرحا على غير عادته، ولكن امتعاضة عابرة كانت تمر في ~~خاطره حين يتذكر الفقيد العظيم - كاسب - فتجره تلك الذكرى إلى التفكير بمصير إمارته ~~بعده. # استعرض أولاده الثلاثة ليرى بينهم من يقوم مقامه في الغد البعيد فما وجد، فرفع رأسه وهو ~~يقول: هيهات. ولدي قاسم أدعر # 9 # لا يعرف كيف يدخل ويخرج، وابني خليل قائد حرب، يصلح للتدمير لا للتدبير، ~~وشقيقهما أمين سياسي لا ينقصه الرأي الأصيل ولكنه غير شجاع. # كان الأمير يقلب أموره على جميع وجوهها، فيرى أنه قد استراح من جميع خصومه، وأمن شر ~~دسائسهم بعد أن ربح وقعة المختارة، وقتل سميه الذي كان يقض مضجعه بائتماره به. # كان الشيخ بشير نصيره أولا، ثم صار قذى # 10 # في عينه، وشجى # 11 # في حلقه. # وطال التفكير فتذكر كلمة خصمه الجنبلاطي: «البلاد لا تسع بشيرين.» وتذكر كيف أجابه هو: ~~«المكعوم يرحل.» # أجل، إن الشيخ بشيرا الجنبلاطي قد رحل رحلة لا رجعة بعدها، وها هو الأمير بشير يفتكر ~~الآن بمن يخلفه فلا يجده بين أولاده. # وبينا كانت أفكار الأمير تتداعى # 12 # فتجره معها من مكان إلى مكان، ومن شيء وضيع لا يؤبه له # 13 # إلى أمور خطيرة كولاية عهده ومصير إمارته، بعد أن استراح من جميع أعدائه، إذا ~~بصياح الرجال يعلو، وإذا بأحد بزاة المير «الأسابر»، # 14 # يحلق، وهو يصارع في الجو طيرا خطيرا، أكبر منه وأقوى. # شرع الصيادون يطلقون بنادقهم في الفضاء تشجيعا لطائرهم، وإثارة له، فاستكف المير محددا ~~النظر في الفضاء، وإن كان له من ضخامة حاجبيه رفرف كثيف يرد عين الشمس. # وبعد صراع عنيف في الجو، إذا بأسبرة كان قد سماها الأمير «ميمونة»، تقبل على سيدها وبين ~~مخالبها طائر أكبر منها، ثم استقرت على كتف العبد مهيار المختص بحملها وخدمتها، تحدق إلى ~~سعادة المير بإعجاب ودلال. # فتنهد المسكين زال عنه الكابوس، # 15 ms45 # وقال وهو لا يزال تحت تأثير فكرة مصير الإمارة: لا نقطع الأمل ... # سمع المعلم بطرس ما قاله سيده ، فعرف أن سعادته كان يفكر في مشكلة عظيمة الشأن، فسأل ~~مولاه: أي أمل يا سيدنا؟ # فانتبه المير وقال: كنت ظننت أنه لا يقوم بين البازات خلفا لكاسب، وها إن «ميمونة» ظهرت ~~وبرزت، فلنسمها بعد اليوم «ظافرة». قربها إلي يا مهيار. # فتقدم مهيار وجثا أمام مولاه، فأخذ المير يدغدغ # 16 # رأس ظافرة ويداعب برفق ريش جناحيها كما يداعب عاشق شعر حبيبة تيمته. # 17 # وظل يدغدغها وقتا طويلا، وظلت تتمسح بصدره حتى غيبت رأسها تحت لحيته العامرة، ~~فابتسم وهو يبعدها. # وسمعت حس حجال فانطلقت كالسهم، ثم رجعت بعد حين إلى أميرها بحجل عتيق، فعن له أن ~~يسميها اسما أجمل، قد يكون فيه شيء من حفظ العهد، فقال للمعلم بطرس: سميناها «كاسبة» ... ~~فما رأيك؟ # فأدرك بطرس حالا قصد مولاه، فأجاب: رأي الأمير أمير الآراء. في الاسم الجديد رعي عهد، ~~وذكرى وفية للفقيد الغالي «كاسب». # ومر ابن آوى في الوادي فأطلق بعض رجال الحاشية بواريدهم وجفوتتهم فأردوه، فامتعض الأمير ~~وقال: لا الأمير ولا رجاله يصطادون ثعالب ... ~~••• # كان التوفيق حليف الأمير في هذا اليوم، وانجلت غمراته # 18 # عن صيد كثير، حتى قال الأمير إنه اليوم الأغر # 19 # من أيام صيده. وعند المساء عاد الموكب إلى بتدين. # وبعد الاستحمام كان العشاء، ثم سهرة طويلة. # قعد المير على طراحته في صدر قاعة العمود، حيث اعتاد أن يجلس بعد الرجعة من المعارك ~~غانما. # لبس ليلتها أحب ثيابه إليه، تلك التي كان يلبسها ~~حين يقابل زواره الكبار: غنباز أبيض، وزنار كشميري، # 20 # شك فيه خنجره الذهبي المرصع، فبرزت قبضته من بين فلقتي # 21 # لحيته. وقدم له الغليون «الشبوق»، فأخذ ماسورته، وانبسطت أسارير وجهه، فخففت ~~وطأة حاجبه الثقيل، ولانت شوكة شاربيه، وتلك كانت عادته: فلا يكلم إلا حين يبتسم ... # قال بطرس كرامه: ما يأمر مولانا؟ فلأمر ما ظهرت لنا بهذا الثوب على خلاف العادة. # فابتسم الأمير وقال: كأنك قاعد في فكري. لا ms46 فرق يا معلم بطرس بين ربح يوم صيد وربح معركة. ~~الظفر حلو، ولو في أحقر الأمور، والغلبة أحلى ولو كانت على أجبن الطيور: الحجل . # وكان الحراس المختلفو الألوان والأجناس في مراكزهم يصغون ويسمعون. # وبعد أن سكت المير هنيهة قال: أين كاسبة؟ من حقها أن تحضر مجلسنا هذا. # وجاء بها مهيار فوضعها في أقصى السماطين، # 22 # فأومأ الأمير إليه أن قربها، ثم قال لها: مقعدك حدي. # ومد يده إليها يدغدغ رأسها وهو يقول، بينا تشغل فكره قضية أخرى: عافاك ... ربحت معركة ~~اليوم. # ثم قال للحاشية الجالسة بين يديه في السماطين: تأملوا هذا أشرس طير، ومع ذلك لان. هذا ~~أفتك طير أمنا شره وغدره. تمر يدي على رأسه باطمئنان أكاد لا أحصل عليه حين أمرها على خد ~~أحد أبنائي. الطيور الكاسرة آلفتنا، أما أصدقاؤنا فهم دائما لنا بالمرصاد # 23 ~~... ~~- نعم؛ لأننا نعرف أعداءنا ونتقيهم. الرئاسة يا معلم بطرس تخلق لنا أصدقاء موقتين، وأعداء ~~دائمين. # وسكت الأمير ولم يشبع الموضوع بحثا، غير أنه لم يزد على ما قال شيئا. # كان يمر كفه على ظهر كاسبة ويمتص غليونه، ثم ينفخ الدخان فيخرج من فمه متغلغلا بين ~~شاربيه ولحيته. والتفت فرأى بطرس كرامة يتطاول كعادته حين يحضره شيء من الشعر، فقال له: ~~عندك شيء؟ فأجاب المعلم: نعم، إن أمرت. # فقال الأمير: لعله في كاسبة، ونظر إليها نظرة عطف. # وقال المعلم: وفي كاسبة، وأنشد: # لله أسبرة # 24 # غراء قد جعلت # أحداقها # 25 # من يواقيت ومرجان # 26 # براقة الجيد # 27 # من فرناسها خرجت # 28 # تتيه في بردتي # 29 # حسن وإحسان # لها من الصبح صدر مشرق، وكذا # من الظلام قبيل الفجر جنحان # شهباء # 30 # ماضية المنسار # 31 # راحتها # مخضوبة # 32 # بدم من آل حجلان # فأبدى الأمير استحسانه بقوله: أوم ... وأتم المعلم بطرس: # لا زال صاحبها المولى البشير تضي # سعوده برفيع العز والشان # 33 # ولا تزال له العلياء خادمة # ما صادح # 34 # الورق # 35 # غنى فوق أفنان # 36 # لم يهتز المير اهتزازته المعهودة حين كان يسمع المديح، ورفع نظره ms47 إلى الأبيات المكتوبة ~~على جدران القاعة، فقرأ بصوت عال: # خولتني # 37 # يا إلهي خير تسمية # 38 # فكنت فيك بشيرا. أنت لي عضد # 39 # يا رب أمنن بعفو منك لي كرما # واغفر جنايات عبد منك يرتعد # وجد بخاتمة يا رب يعقبها # ذاك النعيم السعيد الثابت الوطد # فأسر بطرس كرامة إلى الشيخ أمين الجندي: نفس سيدنا غير طيبة الليلة. # فسمع الأمير وقال: إن ذكرنا الله لا تكون نفسنا طيبة؟ بلى يا معلم بطرس. أتمنى على ربي ~~ألا يحلني من ديار آخرته دارا أقل رونقا من قاعة العمود. من يذكر منكم حديثا شريفا في ~~هذا المعنى؟ # فأخذوا يعصرون يوافيخهم # 40 # فما أدركه أحد. فقال الأمير: أنا أذكره: «بيت الرجل جنته الدنيا». فنحن ما ~~تجبرنا ولا تكبرنا إذا بنينا مثل هذا البيت ... # ثم أنشد قوله ببيت الدين: # سرى النسيم ببيت الدين ذكرني # حديث من كنت أهوى والزمان صبا # وقد شفى كبدي الحرى # 41 # بروضتها # جري «الصفاء» الذي في سفحها انسكبا # هدى لنا نسمات من نوافحه # مبسامها # 42 # فأزال الهم والكربا # وبث عرف الأقاحي # 43 # والخزام # 44 # ضحى # وادي الجنان فأحيا قلبي الوصبا # 45 # كيف رأيت يا معلم بطرس، أليست نفسي طيبة؟ ألا تكون نفسه طيبة من يقول شعرا كشعرائه؟ ... ~~تمر على المرء ساعات لا يدري كيف يتخلص من سودائها، ثم تنقضي ولا يدري كيف انفرجت تلك ~~الأزمة. # وتحلحل ونفض رماد غليونه فتقدم الخادم لرفعه من الحضرة، وتلك كانت علامة ارفضاض المجلس ~~الأميري والانصراف. # وبعد دقائق معدودات كان قصر الأمير صامتا مظلما لا يرى النور إلا من نوافذه التي ~~يدخلها ضوء القمر. # لا ضوء في ذلك القصر العظيم إلا ما يرسله قنديل معلق في البهو، فهذا وحده كان يضاء طول ~~الليل. # وترك الأمير قاعة العمود واتجه نحو الشرفة التي يطل منها على الوادي ودير القمر وبعقلين، ~~فكان يمشي بلا شعور كالراقص، فكأن المياه المرتفعة من الفسقيات، # 46 # والتي تخر من السبيل # 47 # في دار الحريم كانت تصفق له. # كان القمر بدرا في تلك الليلة، فوجه ms48 قمر أيلول نقي اللون وإن كان مخددا، # 48 # يراه الناظر إليه بعينه المجردة فيحسبه قطعة من فضة سائلة. # فهمهم المير وقال: هذه جنة تجري فيها ومن تحتها الأنهار. اللهم أعضنا عنها مثلها. # ولما وقف على شفير الشرفة، ألقى بنظرة على الوادي العميق القائم على كتفه القصر. # رأى أشجار التوت فخالها صفوف عسكر عارضة الرماح، مصطفة فوق جدران كأنها مدرج، جدران ~~شيدتها يد الفلاح اللبناني وعنه ورثها الأمير. # رأى ذلك المشهد الجميل فأعجبته نفسه وشعبه حتى تخيل قضبان التوت رماحا تصون ~~الإمارة. # وكان موسم الحرير في تلك السنة مقبلا جدا، وقد قبض الأمير من محصوله ما ملأ الصندوق، ~~فاستبشر بالموسم المقبل، ولكنه تذكر ما طلبه منه باشا عكا، فمر في خاطره المثل القائل: لا ~~تستكثر أولادك على عزرائيل، ولا مالك على ظالم. # انتفض صدره في تلك اللحظة، وخرجت الزفرة من أنفه علامة استهزاء لم يدر الأمير أهي له ~~أم عليه، إلا أنه اطمأن أخيرا إلى استطاعته تأدية ثمن «الخلعة» مهما أغلاها ~~الباشا. # وكان الوادي يزداد رهبة كلما مال القمر صوب بعقلين، فتمثل لعينيه وادي يوشافاط حيث ينتظر ~~أن يقف للدينونة. # ونظر إلى الحور والسرو والشربين، فحسب تلك الأشجار عمالقة تريد منازلته، ورفع عينيه إلى ~~الجبال المناوحة فخال الأشجار المنتصبة على قممها الشامخة جيوشا متأهبة. # وقفز فكره إلى موقع قصره الاستراتيجي، فأعجبه وقال: من أين يأتينا العدو ولا نراه؟ أمن ~~الوادي، والسبيل كالدرج اللولبي؟ أمن الدير ودون ذلك أهوال؟ أمن بعقلين، وعيون الحراس ساهرة ~~لا تنام؟ إننا لا نؤخذ ما دام الله معنا. # وما ذكر رضا الله عنه حتى لاحت ضحاياه. # مروا أمامه في تلك الدقيقة الرهيبة كجنود معركة منهزمين، أو جنود سلموا وألقوا ~~سلاحهم، فتعجب من أين تجيء هذه الأفكار السوداء. وأراد أن يخبئها تحت لحافه، فهرع إلى ~~مخدعه، فما غمضت عينه حتى رأى في نومه حية رقطاء تنساب نحو «كاسبة»، فاستل خنجره وضرب، ~~فإذا بالطعنة تصيب رأسها فماتت ... # استيقظ مغموما، فترك فراشه، ولبس غنبازه، وخرج غير متزنر ولا شاكا خنجرا. ms49 # أراد أن يعود إلى الشرفة حيث كانت تطيب له الجلسة ليلة الأرق، فما توسط ساحة دار الحريم ~~حتى رأى نفسه مندفعا للعود أدراجه، فانكفأ، # 49 # وإذا به يخرج إلى صحن الدار حيث النافورة # 50 # الكبرى. # وقف هناك حيث ظن أنه يتغلب على هواجسه بخرير الماء، ولكنه لم يفلح. # حدق النظر إلى دائرة واجهة القصر الكبرى، فرأى «المعمولة» # 51 # والأقراص كأنها تدور، ثم رأى النقوش التي تشبه الدانتلا # 52 # تحمر أمام عينيه، ففركهما، ولكن كل شيء ظل على حاله. # تفرس بما حفر على عمودي بوابة الدار البرانية # 53 # الرخامية، فخال تلك الخطوط المجدولة أفاعي متعانقة ... والتفت إلى غنبازه فرأى ~~عليه نقطا حمراء تتسع دوائرها كلما أمعن في تأملها. # لم يصدق ما كان يتراءى له، وأيقن أن لا شيء مما توهم، فشدد عزمه وفرك عينيه مرارا ~~فتغير المشهد. # رأى حجارة واجهة القصرة البيضاء قد استحالت إلى حمرة حجارة عكار التي نقلها فخر الدين ~~وبنى بها قلعة دير القمر حين قهر ابن سيفا، فصاح الأمير: الله، ماذا بنا الليلة! صار بطل ~~المزة وسانور أضعف الناس. ما هذه الأوهام! # ومشى نحو الشرفة حيث كان أولا، فرأى رجلا يشخر وينخر. # 54 # صاعدا نحو القصر في الطريق اللولبي. # كان الرجل يطحر ويزحر # 55 # في تلك العقبة. # كان يمشي ثم يقف، فرابه # 56 # أمره. رآه يتقدم في طريق القصر، بلا وجل، فقال: هذا حامل خبر مستعجل. # وأخذ يخمن ويحسب ويظن، فما أصاب في واحد من ظنونه. # وحين دنا الرجل من القصر، وكاد أن يختفي في أروقة # 57 # أقبيته، قبض عليه الخفير، وأجله إلى الصباح، فصاح الرجل: علي أن أقابل ~~سعادته الآن. # فقال الخفير: لا تنس أن الليل ناصف. ثم التفت إلى القمر وقال: أكثر أكثر. الساعة الخامسة ~~- زواليه - تقريبا. ما صبح إلا فتح. من يتجاسر على دق باب سعادته في هذه الساعة؟ # فقال الرجل: ما العمل، يا أخي، أنا قعدان حسن شهاب. اسمح لي بالدخول، وأنا ~~المسئول. ~~- لا، لا، لا. لا قعدان ولا قيمان، وإذا غضب سعادته ms50 فمن يرد لي رأسي إلى محله؟ لا، لا، ~~لا. # فسمع صوت من الشرفة يقول: خالد، اسمح له، وتعال أنت معه. فعرف الخفير خالد أنه صوت سيده ~~المير فتعجب. # ومشى الخفير خالد مع الرجل، فإذا بالأمير قاعد ينتظره في قاعة دار الحريم. نهض له حين ~~عرفه، وقبل كتفه حين سلم، ثم التفت بالخفير التفاتة معناها: انصرف. # وروى قعدان لعمه المير بشير ما حل بالمير قاسم، وكيف وقع في يد عصابة بلاد جبيل. فأسكت ~~الأمير هنيهة هذا الخبر، ثم قال لقعدان: قل للحارس الخارجي يحضر. # وقال له حين أقبل: المعلم بطرس. # وجاء المعلم بطرس، فكانت بين المير ومستشاره مداولة طويلة انتهت مع الصبح. # وقبل شروق الشمس كانت خيالة المير تطأ بحوافر خيلها ساحة دير القمر. # وظل غضب الأمير يشتد فيتوعد ويتهدد. # وقعت عينه على بيت ابنه قاسم، فحرق # 58 # على أسنانه وتمنى لو كان قاسم فيه ليهده # 59 # على رأسه. # أما بطرس كرامه فكان يتضرع إليه ملتمسا كتم الخبر، فالخيالة ذاهبة، ومن عادتها أن تذهب، ~~فلا يحسن أن تدري «المناصب» # 60 # بالأمر فتشمت بالأمير. # فصاح الأمير: وماذا يورثني هذا التنبل غير الشماتة؟ قاسم مهما علمناه لا يتعلم. أكبر ~~مصائبي هي في أولادي. نسيت حين سألتني أمس عن كلمة قلتها في الصيد. كنت أستعرض أولادي ~~ثلاثتهم، فما وجدت فيهم واحدا يستطيع أن يخلفني. صح فينا القول المأثور: النجيب ... النجيب ... ~~نسيت المثل، كمله أنت. # فقال المعلم بطرس: النجيب لا ينجب. وهذا لا يصح فيك إن شاء الله. # فقال الأمير: بلى صح يا بطرس. ~~- أنت غضبان الآن يا سيدي، ومتى ذهب الغضب تعرف أن مثل هذا قد يحدث. المهم أن ندركه قبل ~~أن يصاب بأذى. # فانتفض الأمير وقال: وجه الآن رسالة إلى قائد الخيالة، قل له يأمرك المير أن تضرب، ~~وتقتل، وتنهب، وتحرق كل بيت، وكل قرية تعرف أن العصابة دخلتها. لا بد من الإتيان برأس ~~الشدياق سركيس مهما كلف الأمر. هذا الكلب يأسر ابن المير بشير؟ يا خجلتي عند الباشا إذا ~~بلغه الخبر! بلاد ms51 جبيل شوكة في عيني، ولا بد من قلع هذه الشوكة. # فقال بطرس: إن حزب سعادتك قوي في بلاد جبيل. # فصاح المير: لا تصدق! هذا كلام كذابين يهمهم بياض الوجه، يهمهم الاستغلال، ومتى دارت ~~الدوائر على المير كان هؤلاء أول من يطبل ويزمر للراكب. النار تحت الرماد يا معلم، نسمة ~~هواء تشعلها. بلاد عنيدة، تحب المير يوسف وأولاده. هؤلاء حزب المير يوسف وأولاد باز . ~~- ولكنهم صاروا كلهم تحت التراب. ~~- وحبهم ما زال في القلوب ... أنا المخطي. جعلت من أولاد باز شهداء تقدسهم العامة. آه من ~~العوام ... إنهم دائما أعداء الجالس على الكرسي، يتذكرون الرائح، وينسون جميع خطاياه. ~~- لا تضطرب يا مولاي. كل شيء هادئ. هذا حادث بسيط، فالأعداء الكبار راحوا. # فنفر المير وقال: حادث بسيط! لصوص يقبضون على حاكمهم، وتقول حادث بسيط؟ الله! كيف يكون ~~الحادث المركب يا بطرس، إذا كان هذا بسيطا؟ لا تهونها. # وفي تلك الدقيقة أدخل صاحب الإذن على الأمير رجلا يحمل رسالة فيها أن المير قاسم قد نجا، ~~وهو الآن في سرايته بجبيل، وقد سير رجاله وراء العصابة وهم الآن يتعقبون آثارها. # فقال بطرس كرامه: أتأمر يا مولاي بإرجاع الخيالة؟ ~~- لا، لا، لا. فليعملوا كما قلت، وليقبضوا على كل من ليس على «الغرض». # 61 # فليذبحوا مواشيهم، وينكلوا # 62 # بهم، ولا يخرجوا من بيوتهم حتى يأتوهم برجال العصابة. ليأخذوا الأب بجريرة # 63 # الابن، والزوجة بذنب رجلها، وغير هذا لا يطوع بلاد جبيل هذه البلاد العنيدة ... ~~آه من هذه البلاد. حاولوا الثورة علي مرات، وكانت أعدائي حولي وحوالي في كل مكان، ~~وغلبتهم، أما الآن، وقد استرحت من الجميع، فما بقي علي إلا هؤلاء، فلنتبع رأس الحية ~~الذنب! # اكتب يا بطرس لقاسم، وقل له: إذا لم تأت برأس الشدياق سركيس فلست أهلا أن تدعى ~~شهابيا، ولا تكون ابن المير بشير إن عجزت. # أصلح غلطتك بالانتقام من بلاد جبيل، أريد أن أرى من شرفة بتدين دخان بلاد جبيل يتصاعد فوق ~~أرز جبل جاج، أريد أن أرى جبيل تأكل بعضها إن لم ms52 تجد ما تأكله. # وظل كبس البيوت والتثقيل على الناس في بلاد جبيل أشهرا، ففرضت الغرامات على القرى، ~~وكانت فرصة سانحة للوشايات والتشفيات، فانتقم الأخ من أخيه، والجار من جاره. # وظل الأمير ينتظر قدوم رأس الشدياق سركيس وتقتيل أبطال عصابته، والخيالة عاجزون عن ~~ذلك مع عظم جورهم وشدة فتكهم وقسوتهم. # شفى هذا التنكيل نفس الأمير بشير، ولكنه لم يبرئ سقمها؛ فحين جاء ابنه قاسم إلى بتدين ~~بعد أشهر، لم يسمح له بالدخول عليه. # | جوقة النور # من تأمل قصور بتدين الأربعة رأى قصر الأمير الكبير قائما على شفير، # 1 # وقبالته على الشفير الآخر قصر ابنه المير قاسم، وبين القصرين أرض منبسطة مجوقة ~~تكون شكل الهلال الخصيب مصغرا. # وإذا رفع الناظر بصره إلى ذرى بتدين، رأى في أعلاها قصرين آخرين، أحدهما يعرف بالمقصف، # 2 # بناه الأمير لبنته سعدى، وفيه كان يصيف، وبنى قبالته قصرا آخر لولده أمين، ~~وموقع هذين القصرين الطبيعي كموقع القصرين الأولين. # أما قصر ابنه الثالث، المير خليل، فمنتصب فوق القصر الأكبر كأنه حارس له. # وقف الأمير قاسم في بوابة قصره القائم على طرف الهلال الآخر، يحدق إلى قصر والده العظيم، ~~وفي صدره من نار الحنق والغيظ ما يحرق بلادا. # نظر إلى القصر الأميري فخاله جدارا واحدا لا نافذة فيه، على كثرة شرفاته ونوافذه، ~~وأبوابه وأروقته. # ولا عجب في ذلك؛ فغضب الأمير بشير إذا حمي يعمي ويصم. # وأخيرا صمم المير قاسم على أن يقتحم القصر؛ وليكن بعد ذلك ما شاء والده، ثم مشى على ~~غير هدى وبلا وعي حتى دخل دار الكتبة. # دخلها كأنه كان في غيبوبة ولم يستفق منها إلا حين قال: يا معلم بطرس، الوالد لا يذكر ~~إلا الساعة التي هو فيها ... نسي «عامية لحفد» ... فأول ثورة شعبية علينا كانت في بلاد جبيل. ~~هذه البلاد نبع كل شر. وضعني والدي في أصعب مقاطعة ومع ذلك يلومني. # وكان المعلم بطرس يسمع وهو يرمل # 3 # ما خطه على قصاصة ورق ليوجهها إلى إقطاعي لم يؤد كل ما عليه من المال ~~الأميري، ms53 ونبهه فيها إلى ابتداء قطف الشرانق في الساحل، وأن عليه تسديد البقية الباقية عن ~~الأرزاق والأعناق # 4 ~~... فالأكياس الخمسة المطلوبة من العام الماضي يجب تسديدها قبل مطلوب هذا العام، ~~وأن الباشا لا يترك للأمير قرشا واحدا من مطلوبه، فكيف يمكن سعادته أن يترك لكم؟ ... وإذا ~~بان عجزكم عن دفع المفروض على مقاطعتكم، اضطر سعادة المخدوم المعظم إلى إجراء ما لا ~~يسركم. # ولما نشفت الورقة نشرها المعلم بطرس على عيني المير قاسم وهو يقول: اقرأ يا سيدنا المير. ~~الله يساعد والدك ويعينه. والدك لا يستريح دقيقة. للباشا كل يوم مطلب جديد. اليوم يطلب جزية ~~فوق المال الأميري، وغدا يطلب مالين وجزيتين. لا ندري كيف نوفق بين مطالب الباشا وطمعه، ~~وبين رحمة الشعب ومصارفات الإمارة. أبوك ملك يا سيدنا المير. مصروف «الدار» كبير، فعلينا أن ~~نساعده بدربتنا وحنكتنا. # فصاح المير قاسم: دائما تذكرون لي الدربة والحنكة كأني ولد طائش ... رضا المتغضب صعب، ~~وبلاد جبيل لا تحبنا لترضى وتنقاد وتعاون، بلاد تبغضنا، والبرهان هو أن أول ثورة علينا ~~اشتعلت فيها، وعصابة الشدياق سركيس هي بنت تلك العامية. # فتبسم المعلم بطرس كمن يريد أن يقول شيئا ثم عدل عنه، وأدرك ذلك المير قاسم، فقال له: ~~قل لا تخبئ شيئا. المطمور تكسر السكة # 5 # يا معلم بطرس. احك لا تستح. # فقال المعلم: ألا تغضب؟ ~~- لا، لا، قل وهل أقدر أن أغضب؟ فأنتم من غير شيء تقولون إني أهوج، غير مرن. ~~- سمعتك تذكر عامية لحفد مرتين. ومن كان هناك حين ثار الأهالي؟ # فأطرق الأمير قاسم، وأدرك أن المعلم بطرس يغمزه؛ لأنه هو الذي كان في لحفد يحصل المال ~~الأميري حين أعلن الأهالي العصيان، غير أنه ما تلكأ بل أجاب. طيب، أنا الذي كنت في بلاد ~~جبيل حين ثارت عامية لحفد، ولكن من كان في أنطلياس؟ عامية أنطلياس قبل عامية لحفد، رجال ~~العاميتين هم هم ... المرض في الكرسي لا في شراسة المير قاسم! ثم تمتم: الآباء يأكلون الحصرم ~~... # فأتم المعلم بطرس: والأبناء يضرسون. ما لنا ونبش القبور، ms54 الآن خضعت البلاد طولا وعرضا، ~~فكيف ترى بلاد جبيل؟ هل تغيرت؟ ~~- أؤكد لك أنها تغيرت. ~~- والسبب؟ ~~- السبب! الأحوال غيرتها. كانوا يظنون أن والدي يستعين على إخضاعهم بالدروز، وأنه مسيحي ~~في الظاهر، أما بعد أن أخلص البطرك الحبيشي للوالد، فشعب بلاد جبيل المتعصب لمارونيته اعتقد ~~أن المير من ملته ... ~~- وما رأيك في عصابة الشدياق، أليست مارونية؟ أين هي اليوم؟ لا يطيب عيش الأمير إلا بعد ~~أن يقتلعها من جذورها. # فهز المير قاسم كتفيه ومط شفتيه وقال: لا أعرف الحقيقة ... ولكني أعرف أنها ليست في ~~مقاطعتي، وهذا ثابت عندي. # فضحك المعلم بطرس ضحكة أغاظت المير قاسم، ولكنه ازدردها وانطوى عليها. # كان فصل الخطاب سعلة سعلها المير بشير، فهرول المعلم بطرس حاملا إليه ما كتب ليوقعه ~~سعادته. # وبعد دقائق عاد المعلم من عند المولى وقال لابنه المير قاسم: سعادة الوالد أمر بذهابك ~~حالا إلى جبيل، والابتداء بالتحصيل؛ لأن موسم الحرير ابتدأ، والسماسرة بدأت تبعث بالشرانق ~~إلى الكراخين. # 6 # فهرع المير قاسم ليسلم على والده، فالتقى به في باحة دار الحريم فقبل يده ~~وانصرف. # لا سلام ولا كلام. ~~••• # كان من عادة المير، قبل «قطف الشرانق»، أن يزور قبر زوجته الأولى الست شمس، متذكرا ما ~~لها عليه من أفضال، فبمالها اشترى بتدين كلها، وبمالها توطدت له إمارة لبنان؛ ولهذا دفنها ~~في طرف حديقة القصر، أقام لها قبرا فخما، وعلى الطريقة الإسلامية، ولكن ليس على أسطوانيته ~~شيء مما تعود المسلمون أن يحفروه من آيات كريمة. # ما وقف المير حيال القبر حتى تذكر ما دار بينه وبينها من حديث منذ عشرات السنين، حين ~~ذهب من قبل عمه المير يوسف «ليصفي» مالها. # كان بعد الطعام يصب لها حتى تغسل يديها، وكان الماء سخنا، فصاحت به مداعبة: ~~حرقتني. # فأجاب المير بشير: وأنت حرقت قلبي ... # وفي جلسة حبية عقبت ذلك العشاء السري، قالت له الكلمة التاريخية التي ينقلها لنا التقليد: ~~فليكن أولها بشير وآخرها بشير - مشيرة بذلك إلى اسم زوجها الأول. # تذكر المير تلك الكلمة حين وقف حيال قبرها، فصاح ms55 بمرارة وامتعاض: آه يا شمس! أولها بشير، ~~وآخرها ابنك قاسم ... نسيت كم قلت لك إن ابنك هذا لا ينفع، وما كنت تصدقيني ... قاسم يخلق ~~المشكلة من غامض عين الله. # وبعد إطراقة قليلة قال فيها كلاما لم يفهم، مشى بين الدلب والسرو والحور حتى بلغ ~~الشرفة المطلة على جبال الباروك، فنظر إلى ذلك الوادي المندلق # 7 # من رأس الجرد إلى كعب الساحل، وبعد تأمل قليل رجع على عقبيه. # سار غير واع تقريبا، وما أفاق من حلم يقظته هذا حتى رأى نفسه في «الشرفة» ينظر إلى ذلك ~~الوادي الممتد من معاصر الشوف حتى البحر، واد عريض مفلطح # 8 # فلا هو واد ولا هو بطحاء. # 9 # وطاب لسعادته أن يدخن أركيلة ويشرب قهوة، ولكن صدره انقبض إذ رأى الوادي حليقا قد ~~أرعيت فيه مناجل القز ففقد خضرته. # ذهبت تلك الخضرة طعاما سائغا لدودة القز. # ما كاد يشجيه # 10 # فقد تلك الروعة، حتى أطربه رنين أجراس البغال، وثرثرة المكارين # 11 # الذين يتحدثون عن إقبال موسم الحرير في البلاد. # ضحك الأمير واستبشر بسهولة الجباية ورد غضب الباشا. ترجى أن لا يزعج الفلاح بالمطالبة ~~هذا العام، والأمير بشير في اعتنائه بعقاراته، كان مثلا صالحا للفلاح اللبناني. # وفي صباح الغد ركب حصانه الأدهم # 12 # ليشرف على قطف شرانق مواسمه الخاصة، يرافقه مدربه المعلم بطرس وجمهرة من ~~العسكر والحاشية. # كان يرى في طريقه العطارين # 13 # يحملون الأقمشة وغيرها من لوازم أهل القرى ليبيعوهم ما يحتاجون إليه منها، إما ~~مقايضة أو بالمال. # وسمع من هؤلاء بائعا ينادي: معنا حلاوة، راسين براس يا حلاوة. أي رطل حلاوة بإقة ~~شرانق. # فقال الأمير في قلبه: مسكين الفلاح، جميع الناس تحتال على شرانقه ... ما كان يذوق الحلاوة ~~لولا الشرانق. يظل من الحول إلى الحول على التين، وهذا يوم الحلاوة ... ولكن من أين، نحن وهو ~~كما يقول المثل: نأكل حلاوته وأمه تقبره. # ورأى على مصطبة # 14 # صاحب دكان يحاسب فلاحا استدان منه طول السنة على رجاء الموسم، فهز الأمير ~~رأسه وقال: صدق من قال ms56 موسم الحرير ممزق الكمبيالات والدفاتر. فلو كان الخيالة يسبقون ~~أصحاب الدكاكين كنا استرحنا، ولكن جباتنا لا يأتون إلا بعد أن يستوفي التجار ديونهم. # ولما وصل كفرنبرخ رأى تحت سنديانتها جوقة نور معهم دب وسعدان يرقصونهما، فما أبصروا ~~الأمير وخيالته حتى جمدوا وسكتوا احتراما وإجلالا. # تهيبوا الموكب الأميري فبهتوا ... ولم يقطب الأمير وجهه ولم يعقد حاجبيه، فأدرك ~~المعلم بطرس أن حركات رقصهم، وطبلهم وزمرهم، وألعاب قردهم ودبهم تروق لصاحب السعادة، فغمز ~~النوري الأكبر، فهب ذاك مثل النسيم وصاح: على شان سعادته . # فانتفخت القربة في فم أحد رجال الجوقة، وانتفخ معها خداه وبطنه، فضحكت الحاشية، وانبسط ~~وجه الأمير. # وعاونه الزمار والدف المخشخش، ثم رج الطبل؛ فترجل الأمير لأنه كان يحب المطربات ~~البلدية، وخصوصا الضخم من أصواتها، كما كان يهتز للشعر. ولما رأت جوقة النور أن سعادته ~~مرتاح إلى حركاتهم استخفهم # 15 # الطرب، فكان «دبهم» أخف من الطير. يقولون له: امش مشية العجوز، فينحني على ~~عصاه ويكاد يدب، ويقولون له: امش مشية الصبايا، فيتغندر ويتخطر مثل بنت خمسة عشر، ~~هازا المحرمة وفي رقبته فوطة. # ويسألونه: كيف عجن الصبايا؟ فيقعي # 16 # ويأتي بتلك الحركات. ويطلبون منه أن يمشي مشية الناطور فيفعل. # أما السعدان فكان يأتي في الخفة ضروبا، ويجيب عما يطرح عليه من الأسئلة بنباهة ~~وذكاء. # قال له صاحبه: أين قيمة سيدنا المير؟ فوضع يديه الثنتين على رأسه بكل تجلة واحترام، ~~ولولا القليل أنشده قصيدة. وقالوا له: أين قيمة المعلم بطرس؟ فوضع يدا واحدة على ~~رأسه. # تعجب المعلم بطرس كيف يعرف شيخهم اسمه، ولكن الشك فارقه؛ لأنه يعلم أن أبناء الخالة - ~~النور - يعرفون الأسماء ... # وقدموا لقردهم طربوشا صغيرا ليلبسه على شان المير ففعل، وسألوه أن يلبسه على ذكر ~~الجزار، فقذف به في الهواء نافرا مشمئزا ... # فارتاح المير إلى هذا الذكاء. # ثم ذكروا له اسم أحد مناصب الدولة بالبلاد الذي لم يحسن استقبال «جوقتهم» ولم يعطهم ~~شيئا، فأعلن السعدان نفوره وغضبه، فضربه مرقصه وقال له: حط يدك على راسك. فأبى السعدان ~~وامتنع ... # فتركه وسأله: أين ms57 قيمة فلان؟ - وهو من «مناصب البلاد» وقد توارى من وجههم وما أعطتهم داره ~~شيئا - فوضع السعدان يده على قفاه ... فابتسم المير وقهقهت الخيالة والمعلم. # وذكروا للسعدان اسم رجل غير حائز على رضا المير، فرمى السعدان بالطربوش. # كان المير يضحك لكل هذا. ولما أبدى سعادته هذا السرور استأذنه زعيم الجوقة بالرقص، فرخص ~~له، فأحدث منه أشكالا وألوانا. # كان يطلق رجليه في الهواء ويمشي على يديه، ثم ينام على الأرض ويرفع ساقيه طاويا ركبتيه ~~على خنجرين يكحل بهما عينيه. # وأخيرا صعد أحدهم على سطح بيت وأدار وجهه نحو الأرض، ثم انحدر من فوق إلى تحت متمسكا ~~بالجدار بيديه وفخذيه، والأمير يزداد إعجابا بهذه الرشاقة. # وبعد ساعة تقريبا أمر لهم الأمير بما أمر، فتقدم منه شيخهم داعيا له بطول العمر، ~~وسأله إن كان يرخص لهم بحفلة تفوق هذه «الدار»، فابتسم الأمير ولم يجب، ولكن المعلم بطرس ~~أومأ أن نعم. فتشجع رئيس الجوفة وقال: عبد سعادتك يكشف البخت، # 17 # ويضرب المندل، ويعرف الماضي والحاضر والمستقبل، أنا يا سيدي نوري ابن نوري ابن نوري # 18 ~~... هذا العلم وراثة عندنا، والسر محفوظ في سليلتنا، فإن أمرت وراق لك صرف ساعة ~~رضا، أطلعناك على الأسرار التي تريد أن تعرفها. ندلك على كل شيء تريده من ضائع، ومن عاص، ~~ومن طائع، أنا الشيخ إسماعيل ابن شيخ النور الأكبر، فإذا أمرتني أريتك كل ما تريد أن ~~تراه. # سمع الأمير، ولكنه لم يصدق كل ما قيل، غير أنه نوى في تلك الساعة أن يصرف نهاره تسلية، ~~ولا بأس أن يكون مع النور. # وتقدم نفر من خيالة المير وسألهم عن «الكواشين» - جمع كوشان، وهو الوصل بالمال الذي ~~يترتب على النوري أن يدفعه في البلاد التي يمر بها - فرأى معهم الوصولات المطلوبة موقعة ~~من مأمور جبيل، أي مقاطعة المير قاسم. فقال لهم الخيال: إذن زرتم المير قاسم؟ # فأجاب شيخ النور: ورقصنا له وأكرمنا ... ثم التفت إلى السعدان وهز له الخناق صائحا به: ~~أين قيمة المير قاسم؟ فرفع السعدان يده إلى رأسه. ~~••• # وعاد ms58 الأمير إلى القصر عصر ذلك النهار طيب النفس، وقعد يتحدث في المساء مع المعلم بطرس ~~والكتاب، فكان التعجب شاملا مجلس الأمير. # تعجبوا جميعا كيف يتعلم الحيوان ويعمل أحيانا ما لا يستطيع أن يقوم به الإنسان العاقل ~~أحيانا. ثم جرى حديث السحر وغيره من ضروب الشعوذة، فأخذ هذا يؤكد وذاك ينفي. # سردت أخبار فيها الغرائب والعجائب حتى استطردوا إلى قصة الراهبة هندية التي كانوا يزعمون ~~أنها كانت تركب تيسا، وتذهب إلى الهند ليلا وتعود في الصباح. # فضحك المير وقال: سموها هندية لأجل هذه الخرافة ... # فقال الشاعر أمين الجندي، وكان مع السامرين في تلك الليلة: رأيت صاحب المندل بعيني ونسخت تعازيمه، # 19 # وحفظتها عن ظهر قلبي، وجربتها بعد أن استعنت بآراء ابن خلدون فما نجحت، ~~وإليكم الحكاية: # كنا في حمص شبابا، وأردنا أن نكتشف قاتلا، فلجأنا إلى صاحب المندل فأجاب طلبنا، ~~وكانت الجلسة. # ألقى البخور في النار وغطى رأسه بكوفية بيضاء رقيقة جدا، ثم جاء بخاتم وكتب على ~~ورقة ناصعة البياض بقلم غزار وحبر أسود أربع كلمات: «هاروت ماروت، يأجوج مأجوج». ثم ~~كتب أيضا هذا الدعاء الذي وضعه ضمن الخاتم: «أقسمت عليكم يا أولاد بيرواح الموكلين ~~ببني آدم، بحق الاسم الأعظم الذي قال للسموات والأرض: ائتيا طوعا أو كرها. قالتا: ~~أتينا طائعين. أجيبوا طلبي مسرعين. بحق النقش الذي على خاتم سليمان.» ثم أخذ يعزمم ~~بما يأتي: «سقموش سقموش، الياخ الياخ، جاوب يا أحمر، وأنت يا أبيض. انزلوا في هذا ~~المندل - وكان وضع طستا أمامه فيه ماء - واكشفوا الحجاب بينكم وبين الناظرين. بحق ~~سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وبالحق نزل إنه من سليمان. ائتوني مسلمين طائعين ~~لأسماء رب العالمين. الوحا الوحا، العجل العجل.» # واستمر يتلو هذه التعزيمة نحو نصف ساعة أو أكثر، فاختفى اللون الأسود وحل محله ~~اللون الأبيض ... ثم رأينا الرجل الذي طلبناه وعرفنا أين يقيم. # فقال بطرس كرامه: هل وصلتم إليه، وقبضتم عليه؟ # فقال أمين الجندي: ما جربنا ولا سعينا. # فتمتم الأمير: إذن ... ما ترقينا # 20 # شيئا. # وكان الأمير قد عزم ms59 أن يطلب من شيخ النور الذي يدعي معرفة السحر أن يرشده إلى مقر ~~الشدياق سركيس، فسمع كل هذه الأحاديث ببال طويل، ولما رأى أنهم لم يفيدوه شيئا، كب رماد ~~غليونه، فانصرفوا. # ولما تمدد سعادته على فراشه، رأى - وهو بين الغافي والواعي - أنه في سهل طويل، أرضه ~~حمراء كثيرة الحجال، وكان معه في الصيد ولده قاسم، فرمى أول مرة، ثم ثنى وثلث فلم ~~يصب شيئا. فقال له المير: هات جفتك، من يقول إنك ابن الأمير بشير؟ # وتناول الجفت ورمى فأصاب الحجل، ولكن الحجل لم يمت بل سقط إلى الأرض وكرج نحو المير ~~واختبأ تحت ذيل عباءته. # تعجب المير من ذلك، فصاح بالحاشية: القطوه، امسكوه! ففر الحجل فرة، فإذا به في حضن ~~الأمير. # وانتفض الأمير، فإذا بهذا الحجل يستحيل أفعى، فخاف منها ولكنه أسرع فقبض عليها، فكانت ~~القبضة على عنقها. # وما بلغ الأمير في حلمه هذه الغاية حتى رأى في نومه أيضا أنه يفسر هذا الحلم فيقول: ~~الحية امرأة، وبما أننا قبضنا عليها فقد أمنا شرها، ولكن هذه الحية عادت حجلا كما رأى ~~أولا، فدفعه الأمير إلى حاجبه باسم، وأمره بالاعتناء به والحذر منه في وقت معا. # ثم اتجه الحلم اتجاها آخر، فرأى الأمير أنه في قصره، وأن جدارا منه تداعى # 21 # وكاد يسقط عليه، فانتبه من شدة الفزع، فرأى أن شيئا من هذا لم يحدث، فحمد الله ~~على أنه حلم، ونام حتى الصبح ولم يعد يرى شيئا. # | حيلة الشدياق سركيس # وبعد بضعة أيام رأى الأمير رؤى مزعجة لم يتذكر منها غير القليل، فعادت به الذكرى إلى حلمه ~~المزعج، فأمر نجابه # 1 # علي حبق أن يطير إلى دير القمر ويأتيه براهب كنيستلة - كنيسة التلة - ليئول # 2 # له الأحلام التي تزعجه ولا تذهب من فكره ... # وبينا كان الراهب يتبحر في تلك الرؤى، عاصرا يافوخه ليفسر حلم الأمير، إذا بالحاجب ~~يدخل ليقول لسعادة المير: الشاعر الذي أمرت أن يتشرف بالمثول بين يديك ينتظر في ~~الخارج. # فصر المير أنامل يسراه علامة الانتظار، فخرج الحاجب، وفتح ms60 الراهب فاه وقال: ستظهر لك ~~أسرار قضية تشغل بالك، ويقع في يدك عدو لا يستهان به، وتخرج من هذه المعضلة # 3 # مرتاح البال. # فقال المير: والحيط الذي أبصرت في المنام أنه عاب ... # فأطرق الراهب وقال: أبعد الله عن سعادتك كل عيب. الأحلام تفسر، غالبا، بالمقلوب. ~~سترفع سراي بتدين فوق كل سراي. ثم افتكر هنيهة، وهز رأسه وقال: إن شاء الله. مؤكد. # فقال الأمير: إن شاء الله، عسى أن يستجاب دعاك. # وأومأ بعدئذ إلى الحاجب، فدخل الشاعر وانصرف الراهب. # حيا الشاعر صاحب السرير واضعا يده على جبهته، ثم أنزلها إلى صدره ، وانحنى منطويا كالعرجون، # 4 # ثم وقف منتصبا في القاعة كالعمود. # كان الشاعر مفرط الطول، أبيض اللون، تدل سيماه على أنه ليس من الجنس الأسمر، واسع الحدقتين، # 5 # أنف طويل مروس، معقوف كأنه منقاد نسر، ملتح ولكنه كوسج # 6 # تكاد تظهر جلدة وجهه من تحت شعره، وقد ناهز الخمسين من العمر. # وبينا كان واقفا حد العمود صامتا كأنه عمود آخر، كان المير يتفرس به. # تذكر أن هذا الوجه غير غريب عن ذاكرته، وراح يقول في قلبه: أين رأيته يا ربي! # وأخيرا طرد تلك الفكرة وقال في نفسه: الناس تتشابه. # وبدون تفكير سأل الشاعر: أنت من قبرص؟ ~~- نعم يا صاحب السعادة. ~~- شاعر عربي من قبرص؟ ~~- نعم يا سيدي، أنا لبناني الأصل، هاجرنا هاربين من وجه الجزار. طلب الجزار والدي ثم أهدر ~~دمه، فخاف وفر إلى قبرص. ~~- وعجز الجزار عن القبض عليه في قبرص! ~~- نعم يا سيدنا؛ لأن ليس له دهاء المير بشير؛ ولأن والدي ما قتل بطركا كأولاد أبي ~~كشك. # فسر الأمير بهذا الإطراء وقال: يظهر أنك تعرف في تاريخ لبنان. قل لي متى جئت من ~~قبرص؟ ~~- يسألني الأمير متى جئت من قبرص وهو الذي لا تخفى عليه خافية في بلاده. لا شك أن رجالك ~~عرفوا بي حين وضعت رجلي على الشط. ~~- ولماذا أتيت لبنان؟ ~~- لأن الشعر ينفق عند أميره، فهو يجدد عهد خلفاء العرب وأمرائهم، ومحيي الشعر ~~والشعراء. # فراق ثناؤه للأمير، ms61 فأطرق وقال في قلبه: هذا رجل يتغدانا قبل أن نتعشاه. ثم ألقى عليه ~~نظرة من نظراته المفترسة وقال: منذ كم أنت في لبنان؟ ~~- منذ أكثر من نصف سنة. ~~- طيب أسمعنا الآن، على أن نتم حديثنا فيما بعد. # فأنشد الشاعر قصيدة عصماء، جاء فيها على كل حوادث المير بشير من وقعة المزة وسانور إلى شر عينداره. # أخرجها بصورة شعرية رائعة، صور الأمير أسدا رابضا على كتف الوادي، يحمي لبنان جبروته # 7 # وسطوته، وأنه عصامي أصيل سبق الجياد القارحة # 8 # يوم كان مهرا، وسيظل حائزا قصب السبق ... # فاستحسن الأمير قصيدته كل الاستحسان، وسمح له بتقبيل أنامله، وأمره بالجلوس حده على الصفة. # 9 # وبينا كان الأمير يسأل الشاعر عن أحوال قبرص وموقعها، وحكم الإنكليز فيها، دخل الحاجب ~~يعلن وصول بناء طلياني استقدمه المير لصنع فسقية # 10 # قائمة على الأسود كما في قصر الحمراء. فقال الأمير: الشدياق حنا غائب الآن فمن ~~يترجم لنا؟ # فضرب الشاعر صدره وقال: عبدك، إن أمرت. # فقال الأمير للحاجب: أدخل الطلياني. # وبعد انصراف الطلياني من الحضرة سأل المير الشاعر أين تعلم الطليانية، فأجاب: في عين ~~ورقة يا سيدي، أنا ماروني. # فقال الأمير مظهرا اطلاعه وروايته للشعر: # كن كيف شئت فإن الله ذو كرم # وما عليك إذا أذنبت من بأس # إلا اثنتين فلا تقربهما أبدا # الشرك # 11 # بالله والإضرار بالناس # ودخل في تلك اللحظة المعلم بطرس، فقال الأمير: كيف رأيت الشاعر القبرصي؟ يظهر أن قبرص ~~تنجب شعراء أيضا ... # فابتسم الشاعر، وأجاب المعلم بطرس: لو لم يكن يستأهل الوقوف في قاعة أمير الشرق ما ~~استأذنت له. # وفي أثناء هذا الحديث ارتفع صوت زامر يرافقه غناء جوقة: # يا طيري وغطي يا حمامه # وانزلي بدار السلامه # جيبيلي من حبي علامه # سيكاره وبصة ناره # وإذا بصوت الخفير الجهوري يملأ الميدان زاجرا # 12 # الجوقة، فينقطع كل حس. # ويطل الحاجب من القاعة فيقول: جوقة نور، معهم دب وسعدان. # فقال المير: جاءوا بوقتهم. # ثم خرج وقعد في شرفة تطل على الساحة آذنا لجوقة النور بتمثيل دورهم. # لم يبال ms62 المير كثيرا بما أعده القراد # 13 # ومرقص الدب من حركات ومشاهد رآها في كفرنبرخ. كان يفكر بأشياء كثيرة منها أنه ~~لم ير مع الجوقة شخصا لفت نظره حين رآهم في كفرنبرخ. وبكلمة نزلت في ذهنه، كلمة قالها ~~الشاعر: أنا ماروني ... تلميذ عين ورقة. إذن هذا يعرف الشدياق سركيس، فهما من جيل واحد ~~تقريبا، فلماذا لا يغريه كما أغرى حسن علي حتى قتل أخاه بألف قرش ووظيفة؟ # ورأى نائب شيخ جوقة النور أن ألعابهم المعادة لم ترق لسعادته في القصر كما راقت له تحت ~~سنديانة كفرنبرخ، فوقف وقال: دستور من صاحب الإذن والدستور. # وأومأ إلى أحد رجال عصابته فصعد إلى رأس القصر، ونزل على زاوية قاعة العمود نزول الأفعى، ~~فكان المتفرجون يقشعرون ويصرخون حينما يختل توازنه بعض الشيء، وما صار على الأرض حتى قفز ~~وانتصب أمام الأمير ساجدا له، فاستحسن لباقته ولياقته. # وتقدم ثان، فوقف على حافة البركة وجمز، # 14 # فإذا هو على الحافة الثانية منتصبا كالرمح. سجد الرجل للمير حيث ثبت، ثم أعاد ~~الجمزة بالمقلوب، فعاد إلى حيث كان أولا، ولم يول الأمير ظهره، فضج النظارة ~~إعجابا. # ثم تقدم ثالث ووقف لصق جدار القصر العالي ورمى جريدة، # 15 # فإذا بها تحلق فوق البوابة وتقع وراء الجدار، فأعجبت المير فروسيته. # ثم أعد كرسيان بينهما مسافة ذراعين تقريبا، فتقدم أحد الجوقة وأسند رأسه إلى واحد، ~~ورجليه إلى الآخر، ووقف على بطنه وصدره وفخذيه خمسة رجال ولم يلتو، فصفق المشاهدون له ~~طويلا. # استطاب الأمير ذلك منهم، ولكنه عده تحديا لرجاله، وعلى كل فالنور لم يدعوا ~~الفروسية كما ادعى «الدالاتي»، ولم يتحدوا أحدا تحدي «المصارعجي»، فأمر بإعطائهم، ~~وإكرامهم، وإضافتهم إلى ما طاب لهم البقاء. # فدعوا للأمير دعاء حارا جدا طرب له حتى اهتز، ونسي تحديهم في ضرب الجريدة والقفز، ~~والتسلق من عل إلى أسفل. # وعاد الأمير إلى القاعة آمرا الشاعر أن يتبعه. ولما دخلا جلس الأمير في الزاوية على ~~طراحته الدمقسية، # 16 # وبرقت عيناه حين مشط بأصابعه لحيته التي وخطها # 17 # الشيب، ولاحت من ms63 بين فلقتيها # 18 # قبضة خنجره كأنها رأس أفعى. # أمر الشاعر بالدنو منه، وأقفل الباب، فأطرق الشاعر وتكتف. # قال له المير: قلت لي أنك تلميذ عين ورقة. ~~- نعم يا مولاي، أنا تلميذ عين ورقة. ~~- على رئاسة من؟ ~~- على رئاسة ... رئاسة ... اسمه على رأس لساني. صار مطرانا بعد مدة. يا ربي تذكرني. ~~تذكرت. الخوري يوسف اسطفان؟ # فعبس الأمير لحظة لهذه الذكرى ثم قال: هل عرفت شخصا اسمه الشدياق سركيس شاهين؟ ~~- وكيف ... سركيس شاهين ... هذا جبيلي. كان رفيقي في الصف، وكنا مثل الإخوة. ~~- اجتمعت به بعد المدرسة؟ ~~- منذ سنة تقريبا كان في قبرص، وقالوا لي إنه رجع إلى لبنان. ~~- إذن تعرفه إذا فتشت عليه؟ ~~- معلوم. ~~- إلى أي صف وصلتم في المدرسة؟ ~~- درسنا كل العلوم واللغات: فلسفة، لاهوت، # 19 # عربي، سرياني، لاتيني، طلياني. ~~- اسمع إذن ما أقول لك: أنت شاعر جئتنا مادحا فأكرمناك، وفوق ذلك الإكرام أنا أكلفك ~~بمهمة، إذا قمت بها لك مني مئة ربع ذهب فندقلي. نعم فندقلي. ووظيفة في القصر. تكون من ~~كتابي. ~~- اؤمر يا مولانا. ~~- تفتش على الشدياق سركيس وترشد خيالتي عليه. هم يمشون خلفك، لا تخرج أنت من قرية حتى ~~يدخلوها هم، وهكذا يظلون على مقربة منك. ~~- وماذا يصير إذا دللتهم عليه؟ ~~- تقبض المبلغ وتقعد على كرسي وظيفتك. ~~- اسمح لي أن أسأل. # فأومأ الأمير برأسه أن اسأل. # فقال الشاعر: وماذا تعمل به الخيالة؟ ~~- يأتوني برأسه؛ لأنه أزعجني جدا. # شد سعادته على كلمة جدا، فتبسم الشاعر وقال: أوف ... النهار يعرف من أوله ... هذا اللعين ~~كان في المدرسة مزعجا، ولكن ذكي جدا يا مولاي، يصلح خادما لأفكار سعادتك. ~~- لا، لا، لا. ~~- بلى إن أمرت. فأنا أعرف الشدياق سركيس، داهية يا سيدنا، حاضر القلب، لا يهاب الموت. إن ~~عاهد وفى. عرفناه، ومع ذلك من يدري. اسمع كلامي ولا تصدقني. الإنسان قد يتغير. # وقرقر # 20 # بطن الشاعر فشد عليه، أما الأمير فتظاهر أنه لم يسمع شيئا، ونفخ نفخة تذري ~~بيدرا كما يقولون، فاضطرب الشاعر. # التفت فرأى سيف الأمير نائما حده على «الديوان» # 21 ms64 # فخاف، وخصوصا حينما انتفضت لحيته العامرة كدنيا مطامعه وآماله ~~بالسيادة. # حسب الشاعر تلك اللحية مقصبة هبت عليها عاصفة حين تمايلت ... وانتظر جواب الأمير والأمير ~~ساكت. ودام ذلك دقيقة خالها الشاعر شهرا، فقال الأمير: إذن تعرفه حق المعرفة، وهذا رأيك ~~فيه. ~~- أمني يا مولاي، لأصرح برأيي بكل وضوح. ~~- أمنتك. # فظل الشاعر صامتا، فصاح الأمير: أيش # 22 # بك! ما قلت لك أمنتك! # فقال الشاعر: طبعا سعادتك تعرف البطرك الحالي، الحبيشي، اسأله عن الشدياق سركيس فهو ~~يعرفه، فإن لم يستحسن ما عرضت لسعادتك من رأي فأنا في قبضة يدك، أبقى رهينة عندك حتى يجيئك ~~الجواب ... وإن استثقلت وجودي، أغب وأرجع. ~~- بل تبقى عندي في كل حال، فأنا محتاج إليك، لك عندي شغل يا شدياق، أنت شدياق لأنك تعلمت ~~في عين ورقة. # فاضطرب الشاعر، وحنا رأسه مفكرا. ورأى الأمير ذلك فقال: وإن لم يعجبك قصرنا ففتش عن ~~أحسن. # وأراد الشاعر أن يطري، فقال الأمير: لا مجال لكثرة الحكي. تقدر أن تجي براس الشدياق ~~سركيس أو الإرشاد إلى عصابته، ولك المال والوظيفة! # فأجاب الشاعر: وظيفة فقط. ونفتش عن الشدياق، ولعل الله يبختنا # 23 # به. أمني يا مولاي حتى أبدي لك رأيي بوضوح. ~~- قلت لك أمنتك ... كم مرة نؤمنك ... احك ما عندك. ~~- أعطني عهدك وزمتك وجوارك. ~~- أعطيتك. أنت في زمة المير بشير، وعهده ووجهه. # فضحك الشاعر وقال: أتجرأ أن أحكي؟ ~~- قل، قلت لك. # فأجاب الشاعر بخضوع يمازجه الخوف: أريد يا مولانا عهد بو سعدى لا عهد الأمير بشير. # فقطب المالطي حاجبيه، فأحس الشاعر بشيء كأنه الماء الفاتر يجري تحته ... ثم انبسط وجه الأسد ~~اللبناني فعادت روح جليسه إليه. # ولما أفرخ روعه # 24 # فقال له: لماذا تطلب مني عهد بو سعدى؟ ألا تقنع بعهد المير بشير؟ # فأومأ الشاعر بعينيه: أن لا. # فضبط الأمير من نفسه ما لم يتعود ضبطه ... كان يهمه رأس الشدياق سركيس، فطايب الشاعر وقال: ~~لماذا؟ # فقال الشاعر: في لبنان يا سيدي أكثر من بشير، أما بو سعدى فليس له في الدنيا سمي ولا ~~نظير. ms65 ~~- هذي ليست حجة. # فقال الشاعر في نفسه: الموتة واحدة. ثم تشدد وقال للمير: أمني يا سيدي لأوضح ~~أكثر. # ففرغ صبر الأمير، ولكنه تذكر حاجته إلى رأس الشدياق سركيس، فأبدى الحلم والأناة # 25 # وقال للشاعر: أمنتك. احك. # فقال الشاعر بلهجة من لا يهمه الموت: أبو سعدى حليم لأنه أب، أما المير بشير فربيب ~~الجزار. فإن أمرت أعطيتني عهد بو سعدى الذي يحل قضية الشدياق فتراه بين يديك. # فقطب الأمير وقال: لك عهد بو سعدى. # وكان الأمير لا يحنث # 26 # قط متى تكلم كأبي سعدى. # فقال الشاعر: اتفقنا، إذن، على أن يجيء الشدياق سركيس مسلما، ولا خوف على حياته. ~~- نعم ... ~~- أمرك يا سيدي. # وكانت في تلك الآونة تطفو على شفتي الشاعر كلمات، ثم لا يجرؤ على إطلاقها من وكرها، فأدرك ~~المير ذلك فقال له: صارحنا، قل ولا تخف شيئا. # فقال الشاعر: أما عليه خطر من القهوجي؟ ... وإذا حمي غضبك فمن يردك؟ ~~- عهدي. ~~- والمطران يوسف اسطفان كيف مات؟ # فقطب الأمير وجهه وقال: ما عاهدته. مطران غدار. جعلته قاضيا للنصارى، فخانني وماشى ~~الثورة. ~~- ألا يصيب الشدياق ما أصاب أبناء باز؟ ألا يحل به ما حل بأبناء المير يوسف؟ # فانتفض الأمير وقال: معلم ذمتي، # 27 # لم يوبخني على دفني الأعداء أحياء وإعمائي الناس ... أوع هاه ... لا تتماد. لا ~~توقظ غضب المير بشير ... اتركه نائما. ~~- أنت عاهدتني، ورخصت لي فأرجو ألا يسوءك كلامي. ~~- إذن خذ الجواب. أنا ما قتلت واحدا عاهدته، وأولاد باز وأبناء عمي المير يوسف بقايا ~~دولة ذهبت، كانوا خطرا علي، ومن لا يتقي الخطر؟ لو لم أفعل بهم ما فعلت لفعلوا هم ذلك ~~بي. أعميت أبناء عمي طبقا للتقاليد والعرف؛ وقتلت سواهم قتلا لأنهم ليسوا من العائلة ~~المالكة. إن ما تسمونه أنتم فظاعة بربرية هو تقليد وعرف. أفهمت؟ # فأجاب الشاعر: فهمت، نعم فهمت. # فقال المير: إذن قصر حديثك، واسع بإحضار الشدياق سركيس. # فأجاب الشاعر باسما: أقول له إن المير أعطاك عهد بو سعدى. # فأومأ برأسه أن نعم. # فقال الشاعر: وإذا لم يصدقني. ~~- هذا ms66 شغلك. يظهر أنك قدير. # فقال الشاعر: وإذا لم يحضر مطيعا جئناك برأسه وقبضنا المبلغ وتوظفنا. وإذا صدق وجاء ~~فلا خوف عليه، أليس كذلك؟ ~~- حقيقة إنك وقح؛ كأنك تساوم العطار # 28 # ولست تحدث الأمير ... # ركبناك خلفنا فمددت يدك إلى الخرج. # 29 # خاطبت المير بلهجة ما خاطبه بها أحد بعد. قلت لك هات الشدياق سركيس، وعليك ~~وعليه، وعلى عصابته أمان الله وعهد بو سعدى. إن كلامك معي لا يخرج إلا من رأس داهية، # 30 # فمن أنت يا إنسان! # وبسرعة خاطفة التف الشاعر بذيل عباءة المير وصاح: أنا الشدياق سركيس وجوقة النور ~~عصابتي. # فأجفل # 31 # الأمير كمن رأى حده أفعى، ثم ما عتم أن صرخ به: قم عني. الله يخيبك! صح فينا ~~قول المثل: الدارس غلب الفارس. # عين كفاع 1948-1953 ms67