######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.AqzamJababira.Hindawi80804060 #META# Tags: novels #META# ID: 80804060 #META# Title: أقزام جبابرة #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حجارة الضيعة‏ # لا! يا بونا‏ # ميلاد‏ # مغرور‏ # قاطع طريق‏ # من مشاكل القرية‏ # المسيح حقا قام!‏ # أبو الغنباز‏ # حديث خرافة‏ # ابن عزرائيل‏ # هيكل‏ # إبراهيم القصصي‏ # السلالم!‏ # حزبية بلهاء‏ # مرفع!‏ # مرشد الأخوية!‏ # مأتم قروي‏ # حظ ونصيب!‏ # السلامة غنيمة!‏ # حردان‏ # دكان الضيعة‏ # الناطور‏ # الجنون فنون‏ # على باب الله!‏ # حجارة الضيعة‏ # لا! يا بونا‏ # ميلاد‏ # مغرور‏ # قاطع طريق‏ # من مشاكل القرية‏ # المسيح حقا قام!‏ # أبو الغنباز‏ # حديث خرافة‏ # ابن عزرائيل‏ # هيكل‏ # إبراهيم القصصي‏ # السلالم!‏ # حزبية بلهاء‏ # مرفع!‏ # مرشد الأخوية!‏ # مأتم قروي‏ # حظ ونصيب!‏ # السلامة غنيمة!‏ # حردان‏ # دكان الضيعة‏ # الناطور‏ # الجنون فنون‏ # على باب الله!‏ # | أقزام جبابرة # | أقزام جبابرة # تأليف # مارون عبود # | حجارة الضيعة # أبو نعوم فات التسعين بضع خطوات وظل يروح ويجيء. لم تهرهر # 1 # التسعون جدران بنيته الشامخة. هيكل ضخم، أحكم بنيانه مناخ قريته الجبلية، ~~فكأنما استعيرت مواده من صخور ضيعته السمراء. حاجبان ثقيلان، ورأس مدور أسمر، نحاسي، خربش # 2 # الزمن حول أنفه الأفطس خطوطا مزرقة كأنها الزنجار. # 3 # ما شان # 4 # ذلك الوجه الصلب في شيخوخة أبي نعوم المباركة إلا رمد ربيعي اجتمع أشده في ~~السبعين، فصارت حدقتاه كعيني الوروار. وفي الثمانين ارتخى جفناه فانقلبا ظهرا لبطن. أما ~~عقله وجميع حواسه فما أخذت منها الأيام شيئا، عقل ابن ثلاثين لولا أنه يحدث نفسه بصوت ~~عال. # يقعد على صفة # 5 # قرب حائط الكنيسة يتشمس. إن شرقت الشمس شرق معها، وإن غربت غرب، ومتى ~~غابت يغيب في فراشه. وفي هذه الجلسات قلما يسكت، يهرف # 6 # مراجعا ذكرياته، لم يتعلم ليكتبها ويحصى بين المؤلفين؛ لذلك كان يحدث بها ~~نفسه إلقاء وإيماء كأنه يكرر دورا تمثيليا ليجيد إخراجه على المسرح، وأن الليلة ليلة ~~تمثيل الرواية. # تجري على لسانه أقوال حكيمة لو قالها في الأربعين والخمسين لأحصي مع الحكماء الكبار، ولكن ~~الشيخوخة متهمة، # 7 # وإن قالت من الأقوال أثقبها. لو نطق في الأمس بما يقوله اليوم لأحصي مع أبي ~~فلان وفلان وفلان، حكماء الضيعة السعيدي الذكر ... # يقع رف # 8 # دوري على سنديانة الكنيسة فيتهلل أبو نعوم للغط ms01 # 9 # تلك العصافير وثرثرتها. قد تزرق أحيانا عليه فيمسح صديريته باسما، ولا يتقزز ~~منها فكأنها من حفدته، وإذا غرد الحسون رجح رأسه لتلك الموسيقى التي ألفها، وإذا رأى ~~السنونو تباشر ولوى كتفه كأنه يرمي عنها شباط الثقيل، وعلل نفسه بالعيش إلى العام المقبل، ~~ثم يلج في تحديث نفسه بنبرات عنيفة تارة، وخفوت طورا. # وفي يوم من أيام نيسان البسامة قعد أبو نعوم على حائط قبالة الكنيسة، لم يستطع استقبال ~~الشمس بعينيه المتهدلتين # 10 # فولاها ظهره، ثم أوغل في ذكرياته وعلا صوته بسردها: حجارة مخرشبة، # 11 # ولكني أراها مثل البدور، كل ثقب من ثقوبها بوز # 12 # يحكي وعين تنظر. ما أجمل حديثها وأحلاه! كأنها تقول لي: «أبو نعوم، أهلا ~~وسهلا، مرحبا يا عشير الصبا، مرحبا يا ابني الصغير، أنا ربيت جد جد جدك، تحت جناحي ~~تخبا في الضيقات والشدائد، وفي حضني كان يحدث ربه بكل هدوء وخشوع، وتحت أرجل منبر ~~اعترافي طرح خطاياه فخرج من بركة التوبة أبيض مثل الثلج. ضمن هذه الحيطان تبارك إكليل جدك ~~الأعلى منذ أجيال، وأنت واحدة من ثمرات بركتي، وها هم ناموا حولي جميعا، وها أنا أرعى ~~قبورهم كحارس لا ينام، وناطور لا يغفل. # قم يا ابني، قم قبل خد بابي الأملس، قبله لتحس شفتاك طعم شفاه أجدادك الأقدمين، إن ~~شفاههم الصلبة قد نعمت هذا الخد فصار مثل الحرير». # وتحلحل أبو نعوم رويدا رويدا، ثم نهض ومشى مشية المقيد، وقال بصوت عال: أمرك يا ~~عيوني! # وتقدم من خد الباب فقبله وقال: هه! هذي بوسة ثانية، وهذي ثالثة. والتفت بجدار الكنيسة ~~كأنه يسأله: أبوس بعد؟ ... ثم ترامى على خد الباب وقبله قبلات لا تحصى، وقفل راجعا. رأى ~~جرنا في ساحة الكنيسة فوقف عليه وقال: هذا جرن الشباب، هذا أيضا يقول لي: تذكر، يا بو ~~نعوم، يوم كنت شيخ الشباب، يوم كنت تلعب بهذا الجرن # 13 # لعبا، كنت تقيمه فوق رأسك خمس مرات حتى إذا انتهيت رفعوك على الأيدي. # واقترب من الجرن، وبعد ألف جهد استطاع تحريكه، فهز ms02 رأسه وقال: هاتيك أيام وهذي ~~قبالها. # وما استقر حيث كان حتى رأى دودة سارحة على طرف عباءته، فقال لها: هه! من قبر من طلعت؟ ومن ~~جثة من تغذيت؟ على مهلك، لا تخافي، على كل حال أنت منا وفينا، أنت بنت ضيعتنا. # وفي الغد دق قداس الأحد فكان أبو نعوم أول الملبين، قعد يتشمس في مكانه منتظرا ابتداء ~~القداس، جلس وحده، ولكن واحدا تعود أن يدون أخباره في دفتر لتظل تاريخا للضيعة، قعد حده ~~فطفق يروي له ما شاهد وما سمع من أخبار أمراء لبنان من فخر الدين وآل سيفا إلى المير يوسف ~~والمير بشير الجالس سعيدا على كرسي إمارة الجبل. # وأقبل شاب غريب في يده طبر، # 14 # وتحت زناره من وراء خنجر جزيني، ملثم بكوفية شامية مفتلة الهداب. # 15 # شاب معتد بنفسه يعرف شابا وأكثر من الضيعة، فسلموا عليه واحتفوا به. # سأل أبو نعوم الشاب القاعد حده: من أين هذا الشب؟ فأجابه الفتى: غريب. # فقال: أهلا وسهلا، من رأس شفتيه. # وابتدأ القداس فدخلوا الكنيسة جميعا، وكان آخرهم أبو نعوم، فقبع في مكانه المحفوظ حد العضادة # 16 # بجنب الباب. رأى، وهو داخل، الطبر معلقا بمفتاح الباب فهز رأسه وعبس. # وانتهى القداس فكان أبو نعوم أول الخارجين، وأخذ الطبر وقعد على الصفة، فأقبل الشاب ~~مسلما على الشيخ، وقال له: أعجبك الطبر يا جدي؟ # فأمسكه أبو نعوم بيده المرتجفة وقال له: عندنا مثله كثير يا ابني، تعلم في المستقبل ~~ألا تعلق طبرك بمفتاح باب الكنيسة، هذا خرق لحرمة الضيعة، أخذته فكة مشكل، وإلا كان ~~وقع الشر. يا أولاد، هذا من جيراننا وضيفنا، قوموا بواجبه. هذا طبرك يا شب، ثاني مرة خذ ~~حذرك. # وذهب الناس إلى بيوتهم، وراح الشاب مع أصحابه. # وأحب أبو نعوم أن يتمشى في ذلك اليوم المشمس، كان يجد لذة في النظر إلى حجارة الضيعة ~~ويطلق عليها لقب الأصحاب. كان ينفر من الحيطان المرممة، ويأسف لأنها تغيرت عن ~~عهده. # وبلغ في نزهته برج الضيعة القديم، فرأى أن حجارة منه قد أخذت ms03 فثار وهاج. خبروه أن ~~بطرس - وجيه الضيعة - احتاج إليها ليكمل مدماكا في بيته الجديد، فأخذ يرغي ويزبد كأنما قتل ~~أحد أولاده: لا كبير ولا صغير، هذه حجارة عاشرت جدودنا وأفضلت عليهم وحمتهم، لولاها ما ~~بقى منها المماليك من يخبر، فبدلا من أن نبني البرج نهدمه؟ يا خيبتنا تجاه ~~الأجداد! # ومضى يعدد مآثر تلك الحجارة التي اقتلعت من مكانها كأنه يرثي ولدا له مات في عز شبابه: ~~حجارة دهرية تخبر عن تاريخ جدودنا وأعمالهم، هي وحدها تربطنا بضيعتنا وبلادنا، أنطمع بها ~~وننقلها من وطنها؟ أؤكد لكم أنها توجعت، والله العظيم إنها حزنت لما فارقت أخواتها بعدما ~~عاشت معهم مئات السنين. قولوا للشيخ يردها مثلما كانت، وإلا فإنها تنتقم منه ومن ~~الضيعة. # وقعد على حائط البرج يبكي، ثم تناسى المصيبة فطفق يحدث نفسه بصوت عال: «هذا البرج حمى ~~الضيعة مرات، هذا أخو الكنيسة في الساعات السود، كيف يأخذ منه واحد حجرا، وفي الضيعة ~~حجارة مرمية على الطرقات، والمقلع على رمية حجر من بيته؟ أي معنى يبقى للضيعة إذا راح ~~البرج؟ في كل حجر من حجاره وجه جد من جدودي. آه، كلما تغير حيط من حيطان الضيعة أحس كأني ~~فارقت واحدا من عشرائي!» ~~«يا مرين، يا مرين، هاتي لي أتغدا يا جدي.» # ولما تيقن أنها سمعت قال لنفسه: أريد أن آكل بين أصحابي وأحبائي. # ثم أخذ يمر يده بحنو على وجه حجر أمثل في البرج كأنه يداعب جدا محبوبا، وألقى نظرة ~~على الجبال القائمة حوله، فخال أنه أحاط نظرا بالمسكونة كلها، فقال: ما أجملك يا بلادنا ~~وما أحلاك! # وسأل نفسه كعادته: قولتكم هاتيك الدني حلوة مثل هذي الدني. من يدريك؟ سلمها ربانية يا بو ~~نعوم. # وفيما هو في هذه النجوى، جاء بضعة كهول ليقفوا على رأيه، الطاعون تفشى في البلاد وظهر ~~في القرى المجاورة فماذا يعملون؟ # فصلب أبو نعوم يده على وجهه وقال: الله يرد البلية عن الضيعة، زنروا الكنيسة. # فاستغربوا كلمته، فأفهمهم كيف، فطافوا على بيوت الضيعة واحدا واحدا، وعاد أبو نعوم ms04 ~~بعدما تغدى إلى مجلسه على الصفة عند الكنيسة. # وجاءوا بالحوائج التي يعملون منها زنارا: من هنا ملاءة، ومن هناك كوفية، ومن عند هذا ~~ملحفة، وجمعوا كثيرا من الحرير غير المفصل والمخيط من حياكة نساء الضيعة وبناتها. # وحل أبو نعوم كمره عن وسطه ودفعه إليهم، فقالوا له: تعطينا زنارك؟! اتركه، أخذنا من ~~بيتك. # فصاح بهم: خذوا بدني أيضا، بدني من ضيعتي ولها. # وبعد تزنير الكنيسة أمر أبو نعوم أن يحرسوا مدخل القرية، ويمنعوا الغرباء من ~~دخولها. # ولما أمنوا شر الطاعون فكوا الزنار، فكان على من يريد استرجاع حاجته أن يدفع فكاكا، ~~وإذا تركت تباع بالمزاد وثمنها للكنيسة. # وردوا على الشيخ كمره، فقال لهم: فكاكه فيه، نذرته دفع بلاء عن الضيعة. # كان في كمره خمس ذهبات ادخرها ليومه الأسود، ولكن الضيعة وفته حقه حين مات، فجهزوه من مال ~~الوقف، ودفنوه في الكنيسة تقديرا لإخلاصه. # | لا! يا بونا # السنبلة تعطيك صورة ست الإخوة، فهي مثلها استواء قامة وانحناء رأس، تزدحم في وجهها ~~المعاني الطريفة: فالعينان كالماويتين # 1 # تجول فيهما عذوبة مرحة، وتستقر في أعماقها أحلام قصية، والأنف كأنه أصبع ~~الإرادة العنيفة يملي ولا محيص، # 2 # ولولا ما في فمها وعينيها من وداعة، لكانت أصدق تمثال للعناد، في خديها نونتان # 3 # تتحدثان عن أنوثتها المثالية كلما ابتسمت، ذات منطق فعال، يوقظ ما في صوتها ~~من غنة # 4 # كوامن النفس، وإذا صمتت انبرى جمالها يصدق قول الحكماء: السكوت من ذهب. # سموها ست الإخوة لأنها أخت سبعة، كان لها عمة تدللها وترعاها بمقامهم جميعا، وكلما ~~خطرت أمامها رافقتها بنظرة كلها محبة وقالت: سبحان الخالق، كأنها أنا! # وبلغت ست الإخوة أجلها فتهافت الشباب عليها، وقعد لهم ذوو قرابتها بالمرصاد، فقد جرت ~~العادة على أن يكون أمر البنت شورى بينهم ... تألب عليها بنو عمها، وإخوتها، وأعمامها، ~~وأخوالها، وأمها العنيدة، حتى والدها المفلوج؛ ليزوجوها شابا دميما، # 5 # ولكنه منسوب العم والخال، كثير المال ... كان لكل منهم مأرب إلا أمها التي ~~ذاقت طعم القلة فتمنت البحبوحة لبنتها، بعدما علمها الدهر ms05 أن الحب ماض والثروة ~~باقية. # وبعد طوفان من النصائح الثمينة، قالت الأم لبنتها تسهيلا لأمر هذا الزواج، وفكا لهذه ~~المشكلة: عودي نفسك عليه. # فضحكت ست الإخوة وقالت: أهو أكلة يا أمي؟ # فأجابتها: أي نعم، كل شيء عادة. # وجربت ذلك ست الإخوة فوجدت مرشح أهلها قريبا أكره منه بعيدا. # أما عمتها التي تحبها فكانت تنفض طوقها كلما استشارتها وتجيبها: أنت حرة، من يغصبك ~~عليه؟! # ولما أطبقت الكماشة فكيها على ست الإخوة كانت تقف عمتها ست البيت حيالها، وتهم بالكلام ثم ~~تنثني، وكثيرا ما كانت تدنو منها فتضع يدها على كتفها، وترفع حاجبيها وتكاد تنطق، ثم تعدل ~~ولا تقول شيئا. وإذا كانت ست الإخوة قاعدة وضعت عمتها يديها على خصرها وانحنت نحوها، ثم ~~تستوي ولا تقول شيئا. # فقالت لها ست الإخوة يوما: احكي يا عمتي، لا تبلعي كلامك. ولكن العمة انقلبت وهي تقول: ماش، # 6 # ماش. # فقالت البنت لنفسها: حيرتني عمتي يا بشر! # وتذكرت يوما كلمة كان يرددها أبوها كلما اغتاظ من عمتها: قصتها لا تنتهي إلا في القبر. ~~فراحت تبحث عن تلك القصة. # إن المعضلات # 7 # كالأنشوطة، # 8 # فبينا تراها معقدة إذا بها تنحل بغتة. فقالت ست الإخوة: عمتي! عملت أحسن عمل ~~واسترحت من هموم الدني. # فتجهم وجه العمة وقالت: هذي إرادة الله فيه، تعب ساعة ولا كل ساعة، الله ~~ساعد. # فاستنجدت ست الإخوة بما عندها من دلال وغنج وقالت لعمتها: الله، الله قال لك: ابقي عزبة ~~يا عمتي! # فضحكت ست البيت وقالت: ليتك تقبريني ما أحلاك! ذكرتني أيام عزي. لا يا حبيبتي، الله ما ~~قال لي لا تتزوجي، ولكن الناس. كل البلاء من الناس. ~~- لا تضحكي علي ... كيف؟ بحياتك فهميني، الفخ منصوب قدامي. # فسكتت العمة وحدقت إلى بنت أخيها، فكادت أسرارها تنهض من أثلام وجهها، وفتحت فمها لتقول ~~شيئا، ولكنها أطبقته، فغمرتها البنت بالقبل، فأبعدتها عنها بلطف، وقالت لها وعيناها ~~تتغرغران بالدموع: قومي، روحي نزور القربان # 9 # ونرجع. # وهناك في ظل الكنيسة العتيقة التي كانت هيكلا لأدونيس منذ ألفي سنة، ms06 وقفت ست البيت ~~واتسعت حدقتاها فبدت كنبي يوحى إليه، فضربت كفها على خد باب الهيكل وقالت بلهجة جندي ~~يتحدث عن معركة ربحها هو: «لو كان لهذا الحيط لسان حكي وشهد! قصتي قصة عظيمة يا بنتي، كل من ~~عرفوها صاروا في ديار البلى، # 10 # ما بقي منهم إلا واحد لا غير، هو أبوك. قصتي مثل قصتك تماما يا حبيبتي. # سمعت قول المثل: «عروس في الإكليل لا تعرف لمن تصير»؟ أنا صدقته بالفعل. اسمعي الخبر: ~~كنت أحبه من كل قلبي، صدقيني إذا قلت لك: حبه معشش في عظامي. شب مثل السبع، طلعة أسد، ولفتة ~~نمر، ما خلوني آخذه، قطعوا «التحليلة» # 11 # ليزوجوني غيره، وعينوا الوقت يوم الخميس في جمعة المرفع. # 12 # تواجهنا قبل الإكليل بيوم، فضربت صدري وقلت له: أنا لك. # فتعجب المسكين وقال: والتحليلة؟! # فقلت: لها حلة. # وقعدنا نتفق على خطة ... فجن المسكين، وسقط على يدي، فقلت له: اقعد بعيدا، ما لك حق. وحق ~~القربان الطاهر، ما سمحت له ببوس ذيل فسطان عمتك.» # فقالت ست الإخوة: بحياتك يا عمتي، سمي لي إياه. # فضحكت وقالت: اسمه مثل اسم صاحبك: مخايل. # فشهقت ست الإخوة وضربت كفيها على ركبتيها، فقالت العمة: اسمعي، اتفقنا على خطة ما عملتها ~~مرأة قبل عمتك الحقيرة بعيونكم. ~~- لا يا عمتي، حاشا قدرك. # 13 ~~- بلى يا عيون عمتك، كل ابن عصر يستصغر من كان قبله. # وسكتت ست البيت هينهة حسبتها بنت أخيها ساعة، وتعلقت عيناها بوجه عمتها فتصورتها بنت ~~ثلاثين، انبثق في وجهها نور جديد كان أشد وضوحا في عينيها، لم تشأ البنت أن تقطع صمت ~~عمتها. # كانت ست البيت مكركمة # 14 # في ثيابها ككل عجوز في شباط، ولكن ست الإخوة خالتها غصن بان، ولما لم ~~تستطع صبرا قالت لها: وماذا صار يا عمتي؟ # فهمهمت # 15 # العجوز، ثم تنهدت وقالت: برزوا # 16 # عمتك برزة ما لها مثيل، وعمتك كانت ست زمانها، وطلعنا من البيت بين حداء # 17 # الشباب، وزغاريد # 18 # النساء، ووقفنا في صحن الكنيسة، جماهير، كانت الكنيسة محشوة مثل ms07 الرمانة، وبدأ ~~الخوري يكلل، وتعجب الناس من وجود مخايل فشكروه. # وقرأ الشماس «الرسائل»: # 19 # يا أيتها النساء، اخضعن لأزواجكن كما لربنا؛ لأن الرجل رأس المرأة؛ فاصفر وجه ~~مخايل، فغمزته فاشتد حيله. # 20 # وتابع الشماس: لأن الرجل رأس المرأة، كما أن المسيح رأس الكنيسة، وكما أن الكنيسة تخضع ~~للمسيح، هكذا فلتخضع النساء لأزواجهن في كل شيء. # وبعد «البولص» # 21 # قرأ الخوري الإنجيل: «ذكرا وأنثى خلقهما، لأجل ذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم ~~امرأته، ويكونان كلاهما جسدا واحدا، فما جمعه الله لا يفرقه الإنسان.» # وأخذ الخوري يوجه إلي النصائح، فقال كما سمعت عدة مرات في الإكليل: وأنت أيتها العروس ~~المباركة قد سمعت ما قلته لزوجك. # فصار مخايل يخضر ويصفر ويزرق مثل جمل اليهود، # 22 # فغمزته فتنشط. وأتم الخوري: فالوصية لكما معا، فعليك أن تكوني خاضعة لزوجك ~~كما للرب، ومطيعة له في كل شيء ما عدا الخطية. قدمي له كل كرامة ومحبة، واخدميه في جميع ~~لوازمه. كوني وديعة، فاضلة، عفيفة، حسنة الأخلاق كالنساء التقيات، فالمرأة العاقلة خير من ~~الجوهرة الثمينة. # فضحكت البنت حين سمعت عمتها تروي كل ما جاء في رتبة # 23 # تكليل العرسان عن ظهر قلب، وقالت لعمتها: حفظت كل هذا! الخوري العتيق بالكد ~~يعرفه. # فأعجب العمة هذا الثناء وقالت لبنت أخيها: عمتك بنت أخوية، كانت ريسة، لا أحد غيرها من ~~بنات الضيعة كان يقرأ ويكتب، صوت حلو، وتلحين ملائكي يسكت الخوري والشمامسة. # ثم استأنفت الحديث بقولها: لا تضيعيني، خليني أكمل لك قصتي: وجد الجد فقال الخوري ~~للعريس: أيها الابن الحبيب لاوندس، أتريد أمة # 24 # الله، ست البيت هذه، الواقفة هنا، زوجة لك؟ فكان لاوندس أرشق من النسيم وجاوب: ~~نعم، نعم، يا معلمي. # والتفت إلي الخوري وقال: وأنت أيتها الابنة المؤمنة، ست البيت، أتريدين عبد الله لاوندس ~~هذا، الواقف هنا، زوجا لك؟ فما جاوبت. # قال البعض: مستحية، مستحية. # وقال غيرهم: قالت نعم، كلل يا محترم. # فقال الخوري: ما سمعت، وأعاد السؤال. # فأجبته: لا، يا بونا. # فطلع صوت من خلفي يقول: البنت صندوق ms08 مقفول، # 25 # هذي ما صارت. # وماجت الخليقة، وكل من معه كلمة قالها. هذا يقول لي: عيب. وهذا يقول: لا تخيبينا يا ست ~~البيت. وأنا مصرة لا أقبل. # فقال الخوري: وأخيرا يا بنتي؟ # فجاوبته: الأخير مثل الأول. # وهم الخوري بقلع البطرشيل، # 26 # فقال عمي: امهل يا بونا، # 27 # أنا أقنعها. # فطار صوابي إذ ذاك وقلت للخوري: اشهد يا محترم، أخذت مخايل بطرس زوجا لي. # وصرخ مخايل من بين الناس: اشهد يا بونا، أخذت ست البيت زوجة لي. # وحمي الشر يا بنتي، وجرى الدم ... # انقسمت العرب عربين، # 28 # ما بقي على المذبح شموع وشماعدين، كسروا العكاكيز، ضرب بالكتب، بالمباخر، ~~بحق البخور، # 29 # ما سلم إلا «الكاس». # مسكين هذاك الخوري، كان روح قدس! فشل، ورقصت لحيته على الحبل. ~~- وأنت ايش عملت؟ ~~- أنا ايش عملت؟ كنت حاطة روحي على كفي. ~~- والزواج؟ ~~- ثبت يا بنتي، ولكنهم «حرمونا» # 30 # مدة، فخرقت في البيت. ~~- وأخيرا؟ ~~- وأخيرا، الكنيسة حليمة، حلوا الحرم، وسبقني مخايل إلى أميركا كما اتفقنا، وهناك مرض ~~المسكين بالحمى ومات، ورجعت عمتك من مرسيليا. # سمعت قصة عمتك يا بنتي؟ هذي هي. # فقالت ست الإخوة: إذن «اشهد يا بونا» تغني عن صلاة الإكليل. # 31 ~~- معلوم، معلوم، كأن «الصلاة الفرنجية» معمولة لحفظ حرية البنت الضعيفة. ~~- وإذا كان العمل جائزا وصحيحا، فلماذا حرموكم؟ ~~- الزواج صحيح ولكنه غير جائز، وقلما يحدث، ويعد تمردا على ما رسمته أمنا الكنيسة ~~المقدسة؛ ولهذا ما استصوب الناس عملي، ولكن أنا رأيته أحسن من تركيب القرون ... مسألة الحب ~~طبيعة لا تتطلب فلسفة، والضعيفة فيها بطل، فكيف إذا كانت جبارة مثل عمتك؟ # المسيح أقام العازار من الموت لأنه كان يحبه، فكيف أقبر قلبي إلى الأبد؟ لي فرد ~~قلب. # سمعت قول المثل: «ظلمك خوريك» لا تصدقي، لا الدين ولا الخوري ولا الشرائع تظلم، الحق كله ~~على الأهل، وعلى البنت الجبانة. # قولي لا، واستريحي طول العمر. الناموس ضروري، وإلا صارت الناس مثل البهائم، ولكن الناموس ~~لا يجبر الناس. ايش معنى قولهم: بسمت الله ورسوله؟ أي: بناموس الله. وإذا ms09 تعدى الناس على ~~الناموس فالحق عليهم. # صدقيني إذا قلت لك: لا تمر جمعة حتى أبصره في نومي، وهذي أكبر تعزية. # فتبسمت ست الإخوة، فقالت لها عمتها: اضحكي، صدقيني إذا قلت لك: كلما قلت فعل الاعتراف ~~ووصلت إلى قولي «مار مخايل وجبرايل»، يقشعر شعر بدني، وأهتز من كعب رجلي إلى قرص مخي. # 32 # مسكين مخايل! لا تضحكي يا بنتي، الحب المتين لا يموت، وكل فرس لها خيال. # قومي نرجع، اكتمي السر ودبري أمورك، البنت من طبعها الحياء، قوي قلبك وكبري رأسك، لا ~~تنساقي مثل النعجة ... خلاصك في يدك يا إسرائيل. # ولما اشتد الضغط على ست الإخوة دخلت على أبيها الذي ما عاق دفنه إلا بقية نفس تتردد بين ~~الجلد والعظم، وهناك صرحت لوالدها بما في نفسها. # فألقى عليها والدها نظرة يأس، ثم اصطكت أسنانه، وقال بصوت كأنه آت من بعيد: البنات من ~~صدور العمات، روحي يا بنتي، الله يستر عليك، نحن في غنى عن «صلاة فرنجية» ثانية ... بيتنا ~~معود ... # | ميلاد # - الضغط يولد الانفجار، انفجرت يا جماعة. # ثم أخذ يحدث نفسه عادا أصابع يده اليسرى: يا ميلاد، عش البقرة والعجل، ميلاد سرح العنزات. # 1 # ثم قال يقلد صوت أمه: ميلاد، بحياتك، تملي الجرة. وبعد سكتة كأنها تفكير انتفض وصاح: ما ~~بقي إلا يا ميلاد كنس البيت، يا ميلاد غسل الصحون، يا ميلاد غسل الثياب، يا ميلاد ~~اعجن، ويا ميلاد اخبز ... وأين الموت يا هو؟ ما عندي دقيقة أحك رأسي. # فتضاحكت أخته فروسينا، فانفجر غضبه وكشر عن نابه متهددا فتضاحكت وقالت له: الذي يسمعك ~~تحكي يقول إنك خوري مرقص غرقان بين كتب اللاهوت والسرياني حتى ينسى غداه وعشاه. هذا شغل ~~الفلاحين مثلنا يا عيوني، أنا قاعدة، وأين أمك؟ وأين أبوك وإخوتك؟ كلهم في الشغل. # وقع هذا الحديث في أذني الوالدة، فألقت عن كتفها حملة الحطب، ووقفت تتنصت، ثم دخلت وهي ~~تتكلف الابتسام استرضاء لابنها ميلاد الساخط، فقال حين رآها: جاءت الجنية، حرمة ما لها ~~دين، لا تستريح ولا تخلي أحدا يستريح. # فقالت له ms10 بعطف وحنان: ايش قلت يا روحي؟ # فأجابها ميلاد بهزء وسخرية: ماش يا روح حالك، ما أحلى لسانك وأكثر مطالبك! ~~- بلى، سمعتك تحكي. ~~- لا بلى ولا ملا، بيت مثل جهنم، عيشة مقرفة مثل وجوهكم. # قال هذا ومشى وهو يطبطب، # 2 # ومشت أمه من على يمينه تداعبه وتراضيه، وظلت تطايبه حتى انفجرت ضحكته المعهودة، ~~فهدأت قدره الفائرة. # ورجعت الأم وهي تقول في نفسها: الحق معه، حياة كلها تعب وشقاء، مسكين ميلاد، ما رأى يوما ~~أبيض! # ومر في خاطرها فكر عنيف اسود له وجهها. وسرعان ما تكشفت تلك الغيمة السوداء حين لاحت ~~جارتها على الطريق، فرشقتها بالحديث من بعيد: كل الأولاد صاروا مثل ابنك يا أم سعيد، البلية ~~كلها من ابن أغناطيوس، قعد يومين في بيروت ورجع أمس، ومعه أخبار يا أم سعيد! أخباره أشكال ~~وألوان، الأولاد عقلهم قليل، داري ابنك وإلا فالخسارة عليك يا أختي. # فأقبلت أم سعيد على جارتها تستفهم، فوقفتا على قارعة الطريق. في يد أم سعيد سل # 3 # فيه أشياء، وتلك جرتها ملآنة على كتفها. دار الحديث نصف ساعة وأكثر، ولو لم ~~يمر «نقادة الضيعة» الناعي على نسائها هذه الخصلة، ما انزوت أم سعيد في بيتها، ولا ذهبت ~~حاملة الجرة في طريقها. # أزعجت أخبار حاملة الجرة أم سعيد، فرقصت شفتاها الضخمتان رقصة هينة، وغل # 4 # الخبر يديها، فأمست لا تدري ماذا تعمل، تبدأ بعمل ثم تتركه، وظلت كذلك أكثر من ~~ساعة. وأخيرا تذكرت أن الظهر قد قرب وأن زوجها سيعود ليتغدى، هو لجوج لا يرضى بغير الطبيخ ~~أكلا، وخصوصا الضخم منه، شعاره: لا يحمل الركب غير البطن. فوضعت القدر على النار وشرعت ~~تنقي العدس، ولكن أخبار جارتها ظلت تشغل عقلها، وبينا هي شاردة الذهن إذا بجارة أخرى تمر، ~~فصاحت بها أم سعيد بعد رد الصباح: تفضلي! # فتفضلت، ونشر بساط البحث. كان الموضوع ابن الجيران العائد من بيروت، فأقلق القرية ~~الهادئة. وطال الحديث، فنصب ميزان الدينونة. استعرضت المرأتان بيوت الضيعة واحدا واحدا، ~~ثم قر رأيهما على أنها حالة لا تطاق: ms11 الكبار راحوا إلى أميركا، والصغار سينزحون إلى بيروت، ~~ولمن تبقى الأرزاق والبيوت؟ # وتنحنح أبو سعيد وسعل، ففرت الجارة من الباب الغربي، ودخل هو من الباب الآخر يشخر ~~وينخر، وقبل أن يصبح ابتدرته أم سعيد بيعطيك العافية. # فرد من رأس شفتيه، وتنهد، وقعد فملأ الحصيرة، قال: الحمد لله. فردت أم سعيد كالعادة: ~~كل ساعة. وبعد أن شرب دورق # 5 # ماء مسح شاربيه بيده، وأومأ مستفهما من زوجته عن تعبيسها، فقالت: اسكت يا رجل، ~~أخبار بشعة جدا. # فقهقه أبو سعيد وقال: بحياتك، قولي لي، متى كانت أخبارك مليحة؟ قلت لك ألف مرة: لا تحملي ~~السلم بالعرض، وصي على غير هذا الوجه يا أم سعيد. # فامتعضت، ولكنها لم تجبه على تهكمه لئلا يقوم القرد. # 6 # وبعد محاولات واستعدادات انفتح فمها وقالت: الكلام بيننا. فقاطعها: لا تقولي الكلام ~~بيننا، ويكون الكلام بين سيقان الدجاج. # فبهتت وسكتت، فقال: طيب، احكي. # فقالت: ابن جارنا البيروتي لعب بعقل الصبي، حلى في عينه عيشة بيروت، ربما راح ~~معه. # فقهقه أبو سعيد وصاح: صدقت يا مجنونة؟ وإذا راح يرجع مثل الكلب، اتركيه يكشف بخته، متى ~~تغرب يعرف أنه عائش بنعمة. # فتطلعت إليه أم سعيد بعينين واسعتين، فقال لها: كليني بعينيك، بومة! # 7 # ما عندك إلا بشائر النحس. # فنابت دموع الأم عن الكلام، وتأثر أبو سعيد أول مرة في حياته، فذهب في الكلام مذهبا آخر، ~~وقال لزوجته بوداعة: خلينا نعيش يومين مثل الناس، نسيت قول المثل: «قلبي على ابني وقلب ~~ابني علي الحجر»؟ الله معك، قومي غدينا. # فرضيت المسكينة وقامت، ولكنها تذكرت أن ولدها ميلاد لم يعد بعد، فاستمهلت زوجها ريثما ~~يرجع، فأبى. # وتغدى وعاد إلى عمله، فالطقس ملائم، وعنده أشياء يجب أن يتمها قبل أن يخر المزراب. # 8 # الجو معكر، والبرق مشتعل منذ ليال. # وفي المساء شاءت الأم أن تفاتح ولدها بحديث بيروت، فقطب أبو سعيد جفنيه الرهيبين، ~~فارتعدت. # وغدا ميلاد إلى بيروت غدوة امرئ القيس، غاب الولد فانتظروا يومين ثلاثة، وأخيرا عرفوا ~~أنه في المدينة. وانقضت جمعة وجمعتان، ms12 وميلاد لم يرجع. # وسرت الوشوشة في الضيعة: ابن ابو سعيد دائر على أبواب الناس، جوعان عريان ... ولكن الخبر لم ~~يبلغ أذني أبي سعيد الكبيرتين؛ لأنه لا يخالط البشر، لا يؤمن بغير الحقل، وليمت جوعا من لا ~~يعبد الأرض. مذهبه: من لا يزرع لا يشبع. # أما أم سعيد فعرفت أخبار ولدها من حاملة الجرة، الملقبة بالضيعة «بالبوسطة » لثرثرتها، ~~فقعدت تبكي، وقبل عيد الميلاد بيومين قالت لزوجها: اسمح لي فتش عن ميلاد. وقبل أن يقول لا، ~~اندفعت تقول وعيناها عالقتان بوجهه: بحياتك اسمح لي. كيف يمر عيد الميلاد والصبي غائب عن ~~البيت؟ # فعبس أبو سعيد، فقالت بانكسار: بحياتك، قل لي: روحي. ~~- روحي، مع السلامة يا أم سعيد، ولكن خيطي فسطانك، له نصف سنة في الصندوق، ~~وكندرتك؟ # فأجابت: الفسطان نخيطه الليلة، وأستعير كندرة أم حبيب. # فاستضحك وقال: خيطي على مهلك، الفرس ما قلعت التوتة. # 9 # بيتربى أحسن إذا ما خليناه يعيد في بيروت. ~~- لا لا لا لا لا. ~~- طيب، الحق معك، اركضي، الحقيه. # وخافت أن يسترد أبو سعيد الإذن فلم تخيط شيئا. استعارت كل شيء حتى النعال والجوارب ~~وغيرها ... وكان ليلة عيد الميلاد في بيروت. # لم ينفتح لميلاد باب رزق في بيروت، فأمثاله في المدينة مثل الجراد الزحاف: هذا يعتل، ~~وهذه تشحذ، وذاك ينشل، أما ميلاد فحاول ذلك كله فأخفق. لم تسد العتالة والشحاذة جوعه، فذبل ~~حتى كاد ييبس، وتوسخت ثيابه وتمزقت، فأصبحت الناس تتقزز منه فيزجر ليبتعد. # وسمع المسكين أن الناس يحسنون ليلة الميلاد ونهاره فاستعد للمعركة، ولكن ضفادع بطنه كانت ~~تنق، وسيقانه لا تحمله، تذكر قول والده: التين مسامير الركاب. # 10 # فتحسر على لعقة # 11 # تين، ومشى في السوق كأنه البؤس متجسدا. # رأى شجيرات عيد الميلاد منصوبة عند أبواب المخازن فضحك منها، ولكنها ذكرته تينتهم الشتوية ~~فتأوه، ثم مشى بعين مكسورة يفتش عن الرغيف، والرغيف دولاب هيهات أن يدركه بائس مهدود مثل ~~ميلاد! والتفت فرأى ديوك الحبش مسموطة ومعلقة بمناقيرها فظنها دجاجا فهتف وهو ماش: يا ~~بارك الله! هذا دجاج. # وهاجته ms13 وسوسة # 12 # الملاعق ورنات الكئوس هنا وهناك، فتذكر فطور أمه يوم عيد الميلاد عام أول، ~~وتنهد وزحف بعزم قاصدا ساحة البرج، وأزجت # 13 # عليه الشمال جامد البرد فوحوح، # 14 # وتذكر الغارة التي كان يشنها على خابية # 15 # النبيذ فتحسر على مصة. # ولما أعياه الطواف لطي قرب كاتدرائية مار جرجس، ومد يده أول مرة وصرخ: حسنة عنكم يا ~~أجاويد، دخيلكم! جوعان. # ومرت الناس وما وقف عليه أحد، طرحت له بضعة أنصاف قروش، ولكنها لا تشتري رغيفا، وحمي ~~صراخه فازداد عددها قليلا، فوضعها في لبادته المزفتة. # كان يصرخ ويحسب، فإذا معه ثمن رغيفين، فحمد الله، وتذكر الآية الإنجيلية القائلة: «اطلبوا ~~تجدوا، اقرعوا يفتح لكم.» فراجعه توجعه وأنينه، وطفق يتحمس ويجد في التمسكن حتى استولى ~~على أمد بلاغة هذا الفن، ولكنه لم ينتفع لأن الازدحام على مورد «مغارة الميلاد» كان قد ~~خف. # فحبس ميلاد لسانه، وشرع يحسب ما في اللبادة # 16 # حسابا نهائيا، فضمن العشاء، وبقي له ما يفك به ريقه أن أصبح، فتوكل على ~~الله ونهض، فما كاد يستوي حتى بطحه أزعر # 17 # من لداته # 18 # واختطف القبعة وطار. # فزعق # 19 # ميلاد زعقة منكرة وهم باللحاق به، فدوخه الجوع وسقط كومة في مكانه. # وكانت امرأة تشاهد عن الرصيف الآخر صراع بائسين من صبية الأزقة حول الرغيف، فرق قلبها ~~وحركتها الشفقة حتى اندفعت إلى حيث الصريخ. مشت وهي تتعثر بأذيال فسطان أطول منها، تكوكي # 20 # وتخمع # 21 # كأن حذاءها ضيق، وقد كادت تسقط في حومة الطريق لو لم تتشدد. # وبعد ألف جهد وصلت إلى حيث يتكوم الولد المغلوب، فوقفت عليه وعيناها تتغرغران بالدموع، ~~ثم كرجت على خديها حارة تكاد تحرقهما. وبعد هنيهة تأمل، لا يعلم أحد ما وفد فيها من ~~ذكريات على مخيلة تلك المرأة، رأت نفسها تهتز للإحسان، مندفعة إليه، على قلة ما في جيبها من ~~مال. # وأخيرا امتدت يدها إلى الولد فهزته، وقالت له وهي بين الوعي واللاوعي: قم يا ابني، تعال ~~معي، أنا أعشيك. # فشق ميلاد عينيه وصاح: أمي! # | مغرور ms14 # عرك سياسة القرية وعركته فتوهم أنه بسمرك زمانه أو عبد الحميد، ومتى تمطى بصلبه # 1 # وقعد يخبرك عن بلائه الحسن في المعارك الانتخابية، تخال أنه يضع من يشاء، ويرفع ~~من يشاء. يظن أنه يقص عليك أحسن القصص؛ فيستمكن من الكرسي ويرفع طربوشه الدهري عن جمجمة ~~كأنما خطت بالبيكار، قلت جمجمة لأن الجزر بلغ أقصاه في ذلك الرأس. # ألقيت عليه نظرة بلهاء، وكدت أتوه في عالم التأمل لو لم يهزني بعنف ويهتف بي: أعجبك ~~رأسي؟ يا ما مر على هذا الرأس من مصائب وبلايا! ضربات لا تهر الشعر فقط، ولكنها تهد ~~الجبال الشامخة. تحب تسمع؟ سماع أخبارا تشيب رءوس الأطفال. # ثم تطاول ونظر بعيدا، فالتفت لأرى ما يرى، فإذا به يقول لي: ما لك؟ فقلت: لا ~~شيء. # ودعمت رأسي بيدي التنتين لأمكن عيني من وجهه الطريف علامة الإصغاء. أما هو فأخذ ~~يحكم قعدته ويرتب فناجين القهوة على الطاولة. كان يعبث بها ويلتفت نحوي، وأنا أنتظر وهو ~~يتهيأ. # وبعد دقائق أظنها لا تقل عن العشر، قال: نعم. قلت: نعم. قال: ماذا تريد؟ # قلت وقد كدت أنشق من الغيظ: قلت لي سماع حتى أخبرك، وأنا أنتظر منذ ربع ساعة. # قال: اسألني يا صاحبي، عندي مليون قصة، عمن تريد أن أخبرك؟ تريد أخبارا قديمة أم جديدة؟ ~~أنا تاريخ من لحم ودم. # قلت: عرفت. # قال: عرفت ... ثم كركر # 2 # في ضحكته الصاهلة وقال: قلت عرفت، هذا غلط. حقا إنني لا أعرف ماذا ~~أعرف. # قلت: حديثك غريب اليوم يا خواجا مخول، لا أفهم قصدك. # فقال: أشرح لك، معناتها لا تسأل، يعني بحر له أول ما له آخر. # ولما يئست منه قلت: والآن ماذا تعمل في المدينة؟ طلقت الضيعة؟ كلما جئت بيروت أراك في هذه ~~الساحة. # فمد نحوي رقبة زهاء فتر، # 3 # وقال كأنه يفضي إلي بسر دولي: موعود. # لفظ هذه الكلمة مقطعة مفخمة، ثم أعاد تلك الرقبة إلى نصابها وتثاءب، فوجدتني تجاه فم ~~كأنه مغارة قاديشا، تتدلى في سقفه وترتفع من أرضه بقايا أنياب وأضراس ... وكأنه ms15 أحس كراهية ~~ذلك المنظر فاتقاني بيد أصابعها كالموز، ثم استرسل في الحديث وقال: كل هؤلاء الجالسين على ~~الكراسي أعرفهم كما تعرفني وأعرفك. أمس تعشيت عند فلان، وأكد لي أن غرضي مقضي، ولولا بعض ~~مشاكل داخلية وخارجية مستعجلة كنت على الكرسي من زمان. كل هؤلاء لولانا ما وصلوا. # فأجبته: ما فهمت. # فتضاحك وقال: بلى فهمت، لا تتجاهل، وصلك مثلما وصل غيرك ما عمله مخول لإنجاح الجماعة. ~~يقولون لي من بعيد: كيف حالك على الفضل؟ # قلت: طيب، سلمنا بهذا، ولكن أية وظيفة تقدر عليها أنت؟ # فطفق يفح كالصل، # 4 # ويتلوى على كرسيه، وبعد همهمة وتمتمة، قال بغضب: أنا؟ أنا أي عمل أعمل؟ كل ~~هؤلاء أولادي، ما عرفوا من السياسة والإدارة ربع ما عرفت، أعرف الأقلام الأربعة # 5 # بلا غلط، هذي أساس علم الحساب، الوظيفة لا تحتاج إلى أكثر. خطي جميل جميل أكثر ~~مما تتصور، كتبت لمعالي الوزير مكتوب تهنئة، ولما التقينا البارحة قال لي: سمعت عن خطك وما ~~صدقت حتى وصلني مكتوبك، هذا خط يدك يا مخول بيك؟ فقلت له: وخط من يا سيدي؟ فقلب شفته وقال: ~~الرجال مخبأة في ثيابها، قليل في الدولة من يخط مثلك. # فعندما سمعت هذه الكلمة ضمنت المركز وتأكدت أنني سأعين في هذين اليومين. # وشرع ينبش محفظة كجراب الكردي وهو يقول لي: هذا مكتوب الوزير، وهذا كرت المدير. كان يلقي ~~كل ذلك على الطاولة ليريني ما كتب على الظرف، وأخيرا صاح: لقيته ... تفضل، هذا خطي ~~... # وبعد استراحة قليلة صاح بي: آه! لولا تعرف كم تعبت قدامهم وكم ركضت؟ يشهد علي ربي، ما ~~كنت أنام الليل، أترجى هذا وأراضي هذاك ... الغاية وصلناهم، وصلوا وما زالوا حافظين الجميل، ~~ما التقيت بواحد منهم إلا بش لي وقال: ننسى حليب أمنا ولا ننسى أفضالك. # قلت: ولكن كل اعتمادك على الجداول الأربعة والخط، وهذا لا يكفي، أخاف أن تعلق وتخيب، ~~الخيبة مرة. # فضحك وقال: أنت خائف على مخول؟! أنت لا تعرف داعيك؟! والله ثم والله، أنا أنزع الدبس عن الطحينة، # 6 # خوفك ms16 في غير محله. # ثم أخذ يهز برأسه ويقول: هذا مخول، أنت خائف على مخول؟! خوفك في غير محله. # قال هذا وهو يحدق إلى وجهي كأنه يريد أن يأكلني بعينيه، وأخيرا صاح بعدما لطم الطاولة ~~بجمع يده: الدنيا وهم يا صاحبي، لا بد من الجرأة، إذا لم تخف من المقام ركبته، وإلا ركبك. ~~والحمد لله تعالى قلبي أشد من الحديد، كثرة الدعاوى صيرتني أعرف «الشريعة» مثل محام كبير، ~~وتقلب الدول علمني السياسة، لا يهمني شيء بإذن الله ودعاك. ~~- ألا تظن، يا مخول بيك، أن المركز يضرك ماديا ولا ينفعك؟ فجنابك - كما سمعت - صاحب ~~عقارات واسعة تدر عليك أكثر من دخل وظيفة صغيرة تجد وراءها منذ زمان. # فتطاول للفظة بيك، وصفق تصفيقا حادا التفت له كل من في القهوة: هات قهوة يا صبي، ~~عجل علينا. # ثم فتل شاربين معقوفين وقال باستهزاء: من خبرك أنها صغيرة؟ لا، لا يا خواجا بطرس، أنا ~~موعود بوظيفة أكبر مما تفتكر، غدا تعرف. # قلت: هبها كبيرة فأنت في بيتك أكبر منها، والتوتة والزيتونة والعريشة والتينة أكرم من ~~صندوق الحكومة، الناس يدارونك اليوم وأنت لا تداري أحدا، وغدا متى توظفت تضطر أن تداري من ~~يداريك وتستعطف من يلتمس رضاك لتثبت مركزك، وإذا جرت الرياح بالعكس فهناك المصيبة يا مخول ... ~~يا مخول بيك، الصواب ألا تقبل وظيفة. # فامتعض وبان الكدر والغم في وجهه وقال لي: السر بيننا، الحق معك، ولكن ينكيني ناس كانوا ~~خداما عند المرحوم جدي واليوم صاروا يأمرون وينهون، تستقبلهم الناس كأنهم شيء عظيم. بحياتك ~~قل لي، كيف أبقى في ضيعتي بين فلاحين يصبحوني ويمسوني، وإذا حولت ظهري قالوا في قفاي: ~~تأملوا ابن فلان أين صار، وهذا غارز كالوتد. هذاك صار شيئا من لا شيء، وهذا يدلل كل يوم ~~على قطعة أرض، ويكون سعيدا إذا لقي من يشتري. ~~- ولكن أنت واثق من هذه الوعود؟ ~~- مؤكد - وشد على الكاف شدا عنيفا - بهذين اليومين ينتهي كل شيء. # قلت: وفقك الله، هذا ما نتمناه. # وتهيأت للنهوض فقال: اقعد، ما انتهينا ms17 بعد. إذا احتجت إلى شيء في المستقبل فأنا مستعد، ~~تعال صوبي، ما غايتي من الوظيفة أن أعمر بيتي، غايتي خدمة إخوان وأصحاب مثل فضلك ... ونكاية ~~بجيراني، ظنوا أني عاجز عن وظيفة؛ ولذلك حلفت للأولاد يمينا أنني لا أرجع إلى البيت إلا ~~والمرسوم في عبي. # قلت: ولكن أراك في هذه الساحة منذ سنة وأكثر. # قال: ما سمعت؟! قلت لك: حلفت ألا أعود إلا ظافرا. # وهممت بالنهوض فصرخ: اقعد، دائما مستعجل. # فقلت: علي قضاء أشغال كثيرة والشمس كادت تغيب، أستأذن. ~~- إذنك معك. # وما خطوت بضع خطوات حتى ناداني وهرول # 7 # نحوي، ولفني بذراع كأنها يد القدر، وانحنى على أذني يوشوشني، فأبديت أسفي. ~~فقال: بس بس، خمنت # 8 # أنك ميسور، فقلت تقرضني مائة ليرة أردها لك بعد يومين ثلاثة، بعد التعيين ~~القريب جدا. # ورحت أسعى في قضاء حوائجي، ثم عدت عند الدغيشة # 9 # فرأيته قابعا في مكانه، ينتظر أوب # 10 # الناس إلى بيوتهم ليستنجزهم ما وعدوه به، ولكنه قلما يحظى بالمواجهة ... لا يظفر ~~إلا بهذا الجواب التقليدي لقارعي الأبواب من أصحاب الحاجات: البيك ما رجع، غائب، في الجبل، ~~الأفندي مدعو إلى حفلة شاي، وهكذا دواليك ... # ومرت شهور انقطعت خلالها عن زيارة بيروت، ولما هبطت إليها وجدته حيث كان في تلك الزاوية ~~من القهوة، فضحكت وقلت: كيف الحال يا أخا ساحة البرج؟ # فأجاب فورا: قال لي: اغد علي، انتهى كل شيء. # قلت: ما أطول بالك! # فقال: الصبر مفتاح الفرج، صبرنا ولقينا. # قال هذا وهو ماش، ثم التفت إلي وقال: لا تؤاخذني، الآن أجدهم في البيت، هذه الساعة ~~المناسبة، وإلا أفلتوا من اليد. # وجعلت أتأمله فخلتني رأيته منذ عشر سنوات: أصفر هزيل، ثياب رثة وسخة، إطار طربوشه مسود ~~كأنه مصبوغ بفحم القدر، عيناه غائرتان حتى تخالهما قابعتين في كهف، خفت خطواته وذهب ~~نشاطه. # ولاح له البيك على الرصيف المناوح فعلق يناديه، والبيك يتغافل ولا يريد أن يسمع، فشمر # 11 # مخول للحاق به، فكانت مباراة مضحكة أحرز البيك فيها قصب السبق وصعد إلى حافلة ~~التراموي. # وأبى ms18 مخول الهزيمة وقد كره المواعيد والتهرب، فصاح: يا سيدنا، يا بيك! والبيك يشق طريقه ~~في الحافلة غير حافل. # وتعلق مخول بمتكأ التراموي تعلقا غير محكم، وكانت محاولة فاشلة، دار دولاب القدر دورته ~~فإذا بمخول يترك إحدى رجليه تحت الدواليب. # | قاطع طريق # عاد بو خطار إلى بيته أشعث # 1 # أغبر، فعلق بندقيته «بالسكيكة»، # 2 # ووضع الطبنجة # 3 # في «الطاقة» إلى جانبها، وجعل ما في عبه وجيوبه وطيات زناره على رف مصنوع ~~من الحوارى، ثم تربع في مقعده عن يمين الموقدة، وجاءت امرأته برسيطا بالإبريق والطست فشرع ~~يغسل رأسه ويحكي. # كان يتوقف عن العمل ليطرح عليها الأسئلة، وكثيرا ما يفعل ذلك والصابون يرغي على وجهه، ~~فإذا لذع عينيه أطبقهما وفتحهما وحكى، وطال حديثه فصبت برسيطا الماء بلا وعي، فانتفض ~~وسب الدين، وسرعان ما أدرك أنه ارتكب خطيئة مميتة، فطفق يستغفر ربه، وينشف وجهه ويحكي، ~~كما يتمشط ويسأل، يسأل ولا ينتظر جوابا، حتى إذا جاء دور فتل الشاربين وإقعادهما على طراز ~~دياب ابن غانم كان صمت عميق. # وبعد دقائق معدودة التفت الأسرة حول طاولتها المستديرة (الطبلية) حيث يأتمرون بقتل ~~الطعام، على فخذ كل منهم رغيف كالملاءة المدنرة، شوكاتهم أيديهم، وملاعقهم من خبزهم. ~~كان بو خطار لا يأذن بالكلام على الطعام، فمن يسأل يجب، وإلا فلينشغل بصحنه لتلقى الأيدي في ~~وقت واحد حول قصعة التين أو الدبس، مشاع الأسرة. # وبعد حمده تعالى على ما أعطى من الخبز، ينثر بو خطار عليهم نصحه وإرشاده، يصلح أخطاء ~~النهار للزوجة أولا، وللعجايا # 4 # ثانيا، وأخيرا يعود إلى أركان حربه، إلى ولديه خطار وشلهوب، فيرسم لهما خطط ~~المهنة، منددا بما ارتكبا من هفوات في بحر النهار، فيقول لخطار: «جئته من خلف وكان يجب أن ~~تجيء من قدام. قلت له: اشلح وانتظرت، وكان الأوفق أن تبغته، تضربه، أو تصيح به على الأقل ~~صيحة تهتز لها مفاصله.» ~~«وأنت يا شلهوب، لو وقفت على المفرق كما فهمتك، ما هرب ذاك اللعين، مؤكد أن المال كان ~~معه، لا بأس، راحت، خيرها بغيرها، ms19 انتبه ثاني مرة.» ~~«اليوم ما توفقنا يا أم خطار، السيدة غضبانة علينا ...» # فابتسمت أم خطار ابتسامة مقهورة، ثم مر بو خطار بشئون أخرى مر الكرام، وتأوه وقال: ~~اركعوا حتى نصلي. # وانتصب كأنه عمود ذهب ثلثه، ورأى أن ركوع أحد بنيه غير واف بالمطلوب، فزجره # 5 # وقامت الصلاة، الأب وولي عهده جوقة، والأم ولفيف الأسرة جوقة ثانية، وبعد طلبة السيدة # 6 # زاد بو خطار على «الفرض» # 7 # بضع مرات الأبانا والسلام، صلاها بحرارة، راجيا من العذراء التوفيق في ~~الغد. # وزحف توا إلى فراشه فاستلقى على قفاه، ثم قال وهو يلتحف: حضري الزوادة يا برسيطا، ~~لا تنسي أنها لنهار الجمعة، اسلقي بطاطا. وبعد هنيهة رفع رأسه عن المخدة وقال لها: الشروال ~~مخزوق، دبريه، والكبران # 8 # مفتوق. ثم همهم: إن وقعت عليه عيني لأخطفن روحه. # وبعد أن قبع تحت لحافه عاد فكشف عن صلعته المجعدة وقال لابنه: سن السكاكين ونظف ~~القرابينة، حمص البارود لئلا يصيبنا ما أصابنا اليوم. # فأشارت أم خطار بيدها تستفهم، فاستمهلها ابنها حتى غفي أبوه، فقال لها: وقعنا اليوم على ~~اثنين، واحد قشطناه، والثاني هرب. الثاني شب أخو أخته. # 9 # ثم أخرج خاتما فضيا مكتوبا عليه «يزول»، فامتعضت برسيطا إذ رأته وقالت: هذا هدية ~~لمحبوبته، حرام عليكم. # فأومأ خطار نحو أبيه وقال: قولي له، لا تقولي لي أنا. إن قلت له مرة: حرام، يجن جنونه ~~ويقول: ولد نذل، دائما تقول هذا كذا، وهذاك كذا، قشطهم والعن جد جدهم. # وبعد قليل هدأ البيت إلا من شخرات بو خطار الطالعة النازلة، وكان يتكلم بلا وعي، فيتهدد ~~هذا، ويأمر ذاك بالتسليم، ثم يصيح بولده: نبشه يا خطار. # وأفاق كعادته عند الفجر الكاذب # 10 # فصلب # 11 # مرات، ثم قعد يصلي للعذراء في فراشه، وتطول النجوى أحيانا، فيعتذر بو خطار ~~إليها عن تقصيره نحوها، ثم ينذر لها ربع ما توفقه إلى سلبه، كأن يقدم لكنيستها ثريا أو ~~شمعدانا أو بخورا أو شمعا، وإن كان التوفيق عظيما يعدها بجرس شغل بيت نفاع. # 12 # وبعد صلاة ساعة ms20 تقريبا يكونون في طريقهم إلى مربضهم، ووراءهم ابنه الصغير حاملا جراب # 13 # الزاد. # أما بو خطار فلا يترك مسبحته، يظل يصلي، وإن حسب أنه سها أو غلط بحبة أعادها، يريد حساب ~~الصلاة مقوما، خاليا من السهو والغلط، وإلا فكيف يوفقه مقسم الأرزاق؟ # كان يصلي ويفكر بمن يسوقهم إليه القدر، فدق جرس القداس، فصلب يده على وجهه، واعتذر ~~إلى ربه عن تركه القداس ووعده أن يشترك فيه بالعقل والروح. # وبلغ مكمنه مع الشمس، فدق جرس «التبشير»، # 14 # فحسر # 15 # طربوشه المغربي عن جبهته بعض الشيء، وركع على البلاطة «يبشر» هو وولداه، ثم ~~ربضوا كل في مكانه ينتظرون الرزق الحلال الزلال ... وقلب بو خطار يدله على أن العذراء راضية ~~عنه، وستوفقه. # وسمع قادما يغني فأشار إلى ولديه فاستعدا، ظل القادم مطمئنا حتى رأى رجلا في يده ~~مسبحة يصلي فارتاع وفشل، تعجب من نفسه كيف يخاف من رجل يصلي، ولكنه أظهر الجلد وحيا ~~باحترام عظيم، فقطب بو خطار حاجبيه كالرفراف وحدجه # 16 # بعين حمراء ناتئة الجذور. # مشى الرجل وعينه على أنف مثل مطفأة الشمع، فأومأ إليه بو خطار بالمسبحة أن قف، ولكنه ~~تغافل ومشى، فصاح به بو خطار: قف، لا تجربني، اتركني أكمل صلاتي. # فأدرك الرجل أنه وقع بين يدي بو خطار، فقال في قلبه: مؤكد هذا هو. # واستمر بو خطار يصلي والرجل منتظر، وأخيرا دنا منه مشيرا بأصابعه: هات ما معك. ~~- ما معي شيء يا بو خطار. ~~- ما معك شيء يا بو خطار، هذا حكي! ثم من قال لك أني بو خطار؟ ~~- شكلك يا عمي. ~~- الله يعمي قلبك، طيب، هات ما معك. ~~- معي عشر مجيديات تدينتها حتى أشتري طحينا للأولاد. ~~- الله يجبرك، هاتها. ~~- بحياة العضرا # 17 # عف عني. # فهز بو خطار رأسه وأشار بيده أن هات. # وبعد أخذ ورد وتوسل وبكاء، قاسمه بو خطار المال إكراما للعذراء مريم، وانصرف الرجل يدمدم # 18 # راضيا بنصف المصيبة. # أما بو خطار فصلب بالمجيديات، # 19 # ثم زجها في عبه وهو يقول مسترزقا: استفتاح مبارك من ابن ms21 حلال! # وحدق إلى السماء يناجي حبيبته العذراء مريم وقال: لعيون عيونك ما ظلمناه، عوضي ~~علينا. # وسمع حس ناس يسوقون دواب، وهم في حديث صاخب عن الأسعار، عن إقبال المواسم، وعن ... وعن ... ~~فهمس: جاءت الرزقة، جمهور. # فهيأ خطار بارودته، وأخذ شلهوب يعرض الطبر # 20 # ويسدده كأن الضحية أمامه. # كانوا ثلاثة يسوقون دوابهم، فصرخ بو خطار صرخة كبرها النهر وضخمها: شباب، اشلحوا ~~تربحوا. # وكان بين الثلاثة شاب معتد بنفسه، فأجاب بفظاظة وسب أمهم، فأطلق عليه خطار بندقيته ~~تهويلا، فأجاب هو بالمثل، أما القول الفصل فكان لطبنجة بو خطار، فخر الفتى صريعا لليدين والجران، # 21 # وسلم رفيقاه، فسلبوهم كل ما معهم حتى الثياب والزاد . # وقعد بو خطار يحسب ما أصاب في ذلك النهار السعيد، فكان ثلاثا وخمسين ذهبا، وبضعة عشر ~~ريالا، وكيسا (ضبوة كبيرة) من البشالك والزهراويات والمتاليك والنحاسات، # 22 # فتأفف بو خطار شاكيا ثقلها. # ونظر إلى الأسلاب فإذا هي طبر نحاسي منقش، وخنجر، وساطور، وبارودة «مجهرية»، فقبل الأرض ~~شاكرا ربه على النعمة وصاح بولديه: بوسوا الأرض يا ناكرين الجميل. ثم قال ضاحكا: مال ~~وعدة، هذا توفيق. # وأخذ يداعب العذراء وعينه على الغنيمة: كتر الله خيرك يا ستي، الله يطول عمرك، اليوم ~~فرجت بو خطار، لك مني جرس يرن له الحادي في الوادي. يا ولاد، هاتوا الزوادة، افتحوا ~~جراب الجماعة. # وتربعوا ثلاثتهم على بلاطة في نصف النهر، وأكلوا بقابلية غريبة بعد تلك المعركة الموفقة، ~~فأخذ الصغير شقفة من قالب جبن كان في جراب المسلوبين، فضربه بو خطار كفا على وجهه وقال: ~~اعتبر يا وحش، تتزفر # 23 # يوم الجمعة! لولا قلة دينهم ما وقعوا بين أيدينا. # | من مشاكل القرية # إذا كنت سمعت بالجنائن المعلقة وتريد أن تراها فهلم إلى لبنان؛ ففي نحور شماريخ ~~الجبال قرى معلقة حقا، تبص حين تضربها الشمس كأنها عقود المرجان، ويتلألأ زجاجها في ~~الفضاء كأنه بحيرة الفضة البيضاء سائلة ... # أنوار تموج وتمور # 1 # فتخالها في صراح ونطاح، بيوت منثورة هنا وهناك تحف بها جنائن غناء تحدث ~~الزنديق بنعمة ربه، وكرم ms22 الأرض وسخائها. وحسبه شهادة الطيور الآمنة، المسبحة في كل آن من ~~منحها تلك الوكنات المطمئنة. # وإذا عرفت طبيعة الأرض أكبرت عزم الفلاح اللبناني، فقد فتت معوله تلك الصخور فاستحالت ~~ترابا. # وإذا رأيت القيامة تقوم بين أبطال قصتنا اليوم على شبر أرض فلا تتعجب، فالأرض في لبنان ~~عزيزة وخصوصا في الجبال. ليس في لبنان قرى يملكها واحد من الناس، فالأرض تكاد تكون موزعة ~~بين اللبنانيين بالقسطاس والميزان، إذا استثنينا بعض الديورة. # التراب عزيز في هذا الجبل، فهو قشرة يكاد يبلغ قعرها المحراث، فإذا رأيت أبا فارس الذي ~~نروي لك حكايته يبذل هذه الجهود الجبارة، فلا تقل: ما أتعس القروي اللبناني! إنه يفتش عن ~~حفنة تراب . لا يا سيدي، إنه وإياك بألف خير، فجنينة ابو فارس تدر له آلاف الليرات من نقد ~~اليوم، وإليك حكاية هذا الاقتصادي العنيف: # السماء تطش # 2 # والفعلة يزمجرون ويتبخترون في الخندق، لا تسمع إلا بب بب بب بب، معاول تشرئب ~~لتنقض، سواعد مفتولة فتل شزر، # 3 # وأعضد منتفخة تكاد تخرج من الجلد، وألحاظ تنظر بغيظ مخلوط بتهديد إلى عين الشمس ~~الملتفة بغلالة من الغيم. # كانوا يعملون صاخبين تحت نقط المطر، وكان لسان حالهم يقول للشمس: تخبي، وللغيوم: أمطري ما ~~شئت، فلا بد من إتمام نهارنا وقبض الأجرة كاملة، لو جرى هذا الخندق كالنهر ما خرجنا منه قبل ~~الغياب، علينا أن ننقب من الفجر إلى النجر، # 4 # فلننقب، ليس الإنسان طينا فيذوب. # وهكذا ظلوا يعملون تحت رذاذ المطر، ولو تركوا معاولهم وكفوا عن عملهم ربع ساعة للحقهم ~~الحسم والحط من أجرة يومهم، كلها ربع مجيدي، فما يبقى إذا امتد إليها قلم أبو فارس ~~البارع في الجمع والطرح؟ له عليهم عادة يعرفونها: إذا كفوا عن العمل قبل المغرب بنصف ساعة ~~شطب قلمه ربع النهار ليكون الحساب مقوما لا عوج فيه. # رأى أبو فارس شجرات جاره غضة ترشح الماوية من فروعها وجذوعها، فأدرك أنها تسابق شجراته ~~العزيزة على السماد الذي يكدسه في أرضه كل سنة، فهو لا يستحي أن يلمه ms23 عن الطريق، وإذا ~~عابه أحد هز رأسه وقال مبررا عمله: لو كان الحرامي يفهم ما سرق غير الزبل. # رأى أبو فارس أن يحفر خندقا على الحد ينتفع به من جهات: أولها تقطيع جذور أشجار جاره ~~واستئصالها، وثانيها بناء حائط يصون به أرضه؛ لأن جاره لا يراعي شجرات أبي فارس عند ~~الفلاحة، فكثيرا ما يكسر غصونها حين يحرث أرضه، ناهيك بأنه لا يكم # 5 # فدانه، فينتش رأس غصن من هنا وورقة من هنالك ... وثالثها حفظ التراب فلا تذهب حبة ~~من عنده إلى أرض جاره، فقد كادت أرضه أن تحفى لأنها منحدرة غير مستوية. # قطع الفعلة جذورا واهية فور الشروع في العمل، فتهلل أبو فارس كأنه ملك البصرة ... ولما ~~تعمقوا في النقب رأوا مشهدا لم يكن في الحساب: كانوا يحسبون أن الأشجار تعرف التخوم ~~والحدود، فإذا بظاهر الأرض مقسوم، أما قلبها فمشاع، تسرح فيه الجذور وليس من يقول لها: قفي ~~عندك، هذا حدك. إنها لا تخضع لنواميس الناس وعرفهم. # رأوا الجذور رائحة جائية، متشابكة متعانقة في قلب الأرض كأنها تقول في نفسها: إن سطح ~~الأرض للناس فليقتتلوا عليه، أما قلبها فلنا، نحن الجذور، نعيش فيه بسلام واطمئنان حتى ~~يفرقنا هادم اللذات ... # قال كبير الفعلة: اندهوا # 6 # أبو فارس. # فطار إليهم إذ سمع اسمه، خاف أن تذهب دقيقة ضياعا، ولعجلته عثر، ولكنه ما بالى بسقطته، ~~فهرول وهو يمسح ما علق بذيل شرواله من تراب وزبل ... ثم أدرك أنه رمى الزبل في أرض جاره ~~فانحنى يلمه ورماه في أرضه. كان أمرهم بقطع الجذور المنسابة من عند جاره، فلما رأى جذور ~~أشجاره تسعى في أرض جاره وراء رزقها بهت واحتار، ولكنه اختار أهون الشرين فصاح بالفعلة: ~~سلمت أيديكم يا شباب، استريحوا، الله يعطيكم ألف عافية، لفوا سيكارة. # هذي أول مرة يسمعون فيها كلمة سلمت أيديكم، فهو لا يرضيه فاعل مهما جد واجتهد، وشعاره ~~مع الفعلة: من يأخذ مالي آخذ روحه. # قعد الفعلة باسمين، وفتح أبو فارس كيسه ولف سيكارة، إنها لا تلف وقت الشغل إلا ms24 ~~بفرمان يصدره صاحب الورشة، وكثيرا ما يتقاعس أبو فارس عن إصداره متناسيا ساعة الراحة ... ~~فشكروا للجذور التي اعترضت عملهم فاستصدرت الفرمان. # 7 # تمددوا على التراب كأنهم على فراش ناعم، فالمطر العابر لم يبلل الأرض، وأخذوا يتنادون. ~~أما أبو فارس فكان يفكر بماذا يعمل، لقد نبش الأساس فهل يطمه؟ وأي فائدة جنى؟ ثم ما نفع ~~حبة تراب يحرص عليها ويتكلف ما يتكلف ما دامت الجذور لا تقتسم الأرض كالناس؟ وجرته فكرته ~~إلى ناحية مجهولة فاضطرب، ولكنه أخفى اضطرابه. مرت في خاطره نزوات فلسفية لم يستطع ~~التعبير عنها ... وتذكر إذ ذاك جاريه بو طنوس وبو خليل اللذين اختلفا على شبر أرض فاستخف ~~عقلهما. # وفي تلك الدقيقة الخطيرة من تاريخ حياته التفت إلى فوق فرأى على عرض الطريق شيخين قاحلين ~~يابسين. كان هذان الشيخان واقفين ينظران هازئين بعمل أبو فارس الشحيح، ساءهما أن يعييهما ~~الفصل في قضية «الحد» المستعصية بين بو طنوس وبو خليل، فشقت الضيعة حزبين. # قال أحد الشيخين: الشر شرارة، كان الخلاف على شبر أرض فصار غرضية وحزبية، انشقوا وشقوا ~~الجوار معهم. # فقال الشيخ الآخر: لا تشغل بالك، تجيء ساعة تنحل القضية فيها من تلقاء نفسها. # وسكتا ليهيئا ما يقولان، فصاح أبو فارس: بو يوسف، أهلا وسهلا، جئت بوقتك، عمي بطرس ~~تفضل معه، انزلوا، منظر غريب، وتأملوا ما أقل عقلنا نحن البشر. # فأجاب بو يوسف: خير إن شاء الله. # ومشى مشية المقيد يتبعه بطرس، يهدجان وتغرق أرجلهما بالتراب المبثوث، وما أشرفا على ~~الخندق حتى قال أبو فارس: بحياتكم، تأملوا، هذا «شلش» عريشة جاري، تأملوا ما أبعده يا بشر! ~~وهذا شلش لوزتي رائح صوبه بالسلامة، فماذا نفعني عملي؟ # فتناظر الشيخان وارتجفت ذقناهما، ومر في رأسيهما فكر واحد، فأطرقا، والفعلة يمزحون ~~حولهم ويضحكون كأنهم لم يعملوا نهارهم كله أشق الأعمال، ولا يعنيهم ما يعمل الشيخان وبو ~~فارس، كل ما يعنيهم أن يطول الحديث لتطول الاستراحة، ففتحوا أكياسهم ولفوا سيكارة ~~ثانية. # فمرمر بو فارس وقال: والله العظيم احترت في أمري، مدوني برأيكم. # فقال بو ms25 يوسف: رأيي أن الإنسان قليل العقل، الشجر أدرك من البشر، بو طنوس وبو خليل ركبهم ~~الدين وباعوا ما فوقهم وما تحتهم من أجل اختلافهم على الحد، على شبر أرض، انشقوا وشقوا ~~الضيعة والجيرة والبلاد، حروا الدنيا كلها، أشعرت ألسنتنا من الترجي، وكل واحد منهم يريد ~~أن يأكل خصمه، ومحاكم هذا الزمان - والحمد لله - تطول الحبل. باب الشريعة واسع، كلما انسد ~~باب يفتح «الأبوكاتية» # 8 # عدة أبواب. بو طنوس، امش معي، وأنت يا فارس رافقنا. # فتردد أبو فارس لأن الفعلة قاعدون، خاف أن يخسر شيئا من عرق جبينهم، فأبدى حركات لولبية ~~أسفرت عن تحويل الفعلة إلى عمل آخر، ولحق بالشيخين. # وبعد هنيهة رجعوا ثلاثتهم ومعهم بو طنوس وبو خليل، وقفوا جميعا خاشعين ينظرون إلى الجذور ~~وقفة موسى بجانب الطور، صمتوا كأنهم يتلقون درسا في علم الاجتماع من تلك الجذور الخرساء ~~... # وطال السكوت فقال بو يوسف: الشجر أكمل عقلا منا نحن البشر، فمن يعتبر؟ # فصاح بو طنوس: فهمنا، فهمنا يا عمي، تصافينا. # وقال بو خليل: نعم، نعم، وإن لم يبق على خميرنا طحين. # | المسيح حقا قام! # «أسبوع الآلام» # 1 # مأتم حقا، تحد فيه الكنيسة ولا تتبرج إلا مساء «سبت النور» # 2 # ابتهاجا بقيامة «العريس» منتصرا، فإذا سماه القروي «الجمعة الحزينة» فقد ~~صدق. # الضيعة خاشعة صامتة، والحزن يملأ كل بيت، لا يحيون بنهارك سعيد، ولا يصبحون ولا ~~يمسون بالخير، سلامهم «يتمجد اسم الرب يسوع»، ورده «السلام لستنا مريم العضرا»، ~~والكنيسة كخلية النحل، ناس تجيء وناس تروح، الجدران تتنهد، والحنية # 3 # تتأوه، والقبة تولول مهدودة الحيل، الصلوات خمس كل يوم، وعن الصوم لا تسأل، لا ~~يفطر إلا الزنديق، ولا يأكل اللحم والبيض واللبن إلا القليل الدين ... # في ذلك الزمان، جاء الخوري تيموتاوس الهيكل قبل الغروب، ودق الجرس حزنا، ثم أخرج من ~~عبه مسبحة الوردية # 4 # ليصلي للراكب على المشارق والمغارب، أخذ يذرع ساحة الكنيسة بجلال ووقار كأنما ~~يمشي على البيض، يتنهد أحيانا، وينظر إلى مسبحته ليرى أي مسافة قطع، إن صلاة مساء الخميس ~~طويلة ms26 والناس أبطأوا. غريب شكل هذا الخوري! لو عرفه داروين لما احتاج إلى برهان آخر: حاجباه ~~قاعدان تحت جبين نافر كأنه رفراف مطفف فوق نقرتين في صخر منقوش، يمتد بينهما أنف أفطس ~~مشلوق، وتحت هذا الينبوع شاربان كقرني الكبش، تتدلى تحتهما لحية طويلة لو لم تكن سوداء ~~كجناح الغراب لحسبتها مكنسة. # سبحان الخالق ما أكرمه! أعطاه بشاعة بغير حساب، وكأنه شاء أن يجعله آية فابتلاه بالجدري ~~الذي قلل هيبته كثيرا. وبلوته الكبيرة أنه أخيف، فإحدى عينيه خروبية، والثانية زرقاء ~~يحسبها الرائي خرزة عين، لهذا غلب لقب «بليق» على اسمه بطرس، قبل أن مسح بالزيت المقدس ~~كاهنا لله. ثم زاد سمنه في بشاعته، فهو بعد كهنوت الخبز مربوع ثخين أسود لماع. # كان الخوري مرحا في شبابه، يفرفر فلا يستقر بمكان، لا شغل له إلا النط بالضيعة، فما تسمع ~~إلا راح بليق جا بليق. الولد عجزة أبيه، # 5 # ولد صيفي، مات أبوه والأم لا تربي، فركب رأسه، ما نجت بنت في الضيعة من مداعبة ~~أو سهرة عندها، وكثيرا ما كان يدق عدة أبواب في الليلة الواحدة، وحيث يحل يمتلئ البيت ~~هرجا وضحكا، وإذا خرج نبح أو نهق، فترد عليه كلاب الضيعة وجحاشها. # كاد يتزوج طابيتا بنت ضاهر حنا، ولكنه أطاع أمه وخصى نفسه بعد موت خوري الضيعة، فدرس اللاهوت # 6 # والسريانية، وبعد سنتين صار كاهنا جليلا. # الميت وحيد أبيه، والليلة قمراء تغري الناس بالخروج، فأقبلوا على الكنيسة جميعا حتى ~~العجز ليحضروا تمثيل مأساة الفادي. لباس الجميع السواد كأنما الضيعة استحالت ديرا، ~~والكثيرون لا يصلحون من هندامهم إماتة # 7 # لنفوسهم، وبعض الشيوخ الأتقياء يلبسون الجبب مقلوبة كأن الفقيد ابن عمهم لحا. ~~الجميع يصلبون حين يواجهون الكنيسة، بعضهم يقبل خد الباب، وآخرون زاوية الهيكل، ومن ~~يختصر يستلم الحائط ويصلب. التحية للخوري أولا، ثم للجماعة، فيجيب حضرته بتحريك لحيته، ~~يلتفون حلقات وحديثهم كحفيف الحصاد، طنافسهم العشب، وكراسيهم الحجارة. # وجاءت الآنسة طابيتا، وقد زرفنت # 8 # شعرها كعادتها، فأكبر بعضهم وقاحتها وخصوصا زكريا، وعذرها غيره لأن البنت بارت ms27 # 9 # بعد «بليق»، فهي الآن تتصيد عريسا ولا يهمها أمات المسيح أم عاش. كانت طابيتا ~~غير فصيحة، ولكنها ذات حركات أبلغ من الكلام في التحريك والاستمالة، سمراء مقبولة ~~الصورة. # باست خد الباب بشفتيها الممتلئتين بوسعة بليغة، ومست الأب الجليل فأجاب بحنوة رأس ~~خفيفة، وبلا شعور ارتفع صوته في صلاته فقال: أعطنا خبزنا كفاف يومنا، فضحك الشدياق # 10 # زكريا وزمرته الملتفة حوله عند جذع السنديانة، فتنبه أبونا تيموتاوس وتنهد يسأل ~~الله الستر ... # لم يكن غير الصبيان يقبلون يديه الطاهرتين فيمنحهم البركة الإلهية، فيستقبلونها مكشوفي ~~الرءوس، ويزودهم بابتسامة لا تتضح إلا على جبينه؛ لأن فمه النقي مخبأ وراء غابة كثيفة ... وما ~~عليه إن ابتسم لهؤلاء وهو يصلي، فالسيد المسيح قال: دعوا الصبيان يأتون إلي. # أما مشايخ الضيعة فكانوا يهزون رءوسهم متعجبين كيف راح بليق وجاء غيره. # وقالت عجوز للقاعدة حدها: الله، الله، كيف كنت يا أم قبلان وكيف صرت! سمع ابنها منها ~~فصار خوري الرعية. فأتمت تلك: وعمر بيتها، واستراحت من هب # 11 # الفرن والتنور. كانت تأكل من مغزلها وكارتها # 12 # فصارت أميرة. # أما الخوري جرجس الذي أمسى عاجزا مخرشما # 13 # فكان جالسا بين أولاده يسمع حديث المرأتين، يحرك شفتيه ولحيته الحالئة # 14 # ولا يقول شيئا، يتذكر عزه القديم يوم كانت الرعية لراع واحد فيتمتم، وأخيرا زم # 15 # بأنفه فجأة وقال بحدة وهزء: تف للأيام التي وصلنا إليها، متى كانوا يكرسون ~~للرب نفاية الناس مثل أخينا بالله! ... هذا خوري؟ هذا تنبل. # وحاول أولاده أن يسكتوه، فرفع صوته نكاية بهم وصرخ مرتين: هذا تنبل، هذا تنبل. # أما الشباب عشراء تيموتاوس فتنحوا والتفوا حلقة على الرجمة # 16 # تحت البانة # 17 # يتحدثون ويتغامزون، تارة يقضمون الضحكة قضما، وأحيانا يقطونها قطا. وبدا ~~الاضطراب على وجه الخوري تيموتاوس فكان يتئد في مشيته صوبهم لعله يسترق شيئا من حديثهم، ~~الخوري يخاف لسان أحدهم زكريا، وزكريا هذا شاب فات الثلاثين، طويل القامة نحيلها، مبيض ~~البشرة مصفرها، تبتل # 18 # في الخامسة والعشرين، ولبس الغنباز الأسود المخطط، وشك الدواة في زناره ms28 كشدايقة ~~ذلك العصر، وأطلق للحيته الشقراء سبيلها، ولكنه كان يأخذ منها فلا تطول، عبث رفقاؤه بقصيرته ~~أولا، ولكنه صبر عليهم فغلبهم. # الشدياق محمود الصفات، يغض طرفه إن بدت له جارته، يحافظ على وصايا الله والكنيسة، لا ~~يتخلف عن قداس، ولا يفوته زياح، هو وافه الكنيسة (القندلفت) # 19 # وشماس الخوري ليربح الأجر، لم يفطر يوم سبت منذ بلغ ورشد، ولم يأكل لحما ولا ~~بيضا ولا لبنا يومي الأربعاء والجمعة، وفي الصوم يعاف الزيت أيضا، سيان عنده أجاز ~~البطريرك ذلك أم لم يجزه فهو بطريرك نفسه. متعبد لمريم العذراء، إن سقط «ثوب السيدة» من ~~رقبته لا ينام تلك الليلة نوما هادئا، ولولا تهكمه وعبثه بالناس ما شك أحد في قداسته؛ ~~فهذا العبث بذوي العاهات خطيئة كبيرة تنزل إلى جهنم، والإنسان يلقى غيها فيعاقب نقدا لا ~~صبرا، يخلق الله في ذريته عيوب من يستهزئ بهم. # كان زكريا يعبث دائما بصاحبه الخوري تيموتاوس فهو بطل مهازله، يناديه ببليق حتى بعد ~~الكهنوت فيجن الخوري، ولكنه يخاف الوقوع في لسانه فيسكت على مضض، وزكريا لا يرحمه أبدا. ~~يعرف أنه خراط يدعي البطولة ويموت فزعا إن وزوزت الدبانة، فيفتري عليه الأخبار ~~والمغامرات العنيفة. # تجمع الناس وقامت صلاة الخوري، وقص السنكسار # 20 # حكاية المحاكمة والجلد والصلب، فتعالت تأوهات العجائز وتنهدات الشيوخ كأن الضرب ~~يقع على جلودهم. تلي الريش قريان (فصول من أرميا وأشعيا ... إلخ) وأخيرا خص الخوري ~~تيموتاوس الشدياق زكريا بتلاوة «البركسيس» (فصل من أعمال الرسل)، فقرأ ببراعة فصلا أعده ~~منذ العصر وهو خبر تلك «التلميذة» التي ماتت في يافا، ودعي مار بطرس من لدة (اللد) خصيصا ~~ليقيمها من الموت، فما بلغ زكريا هذه العبارة: «وصلى بطرس وصرخ: يا طابيتا قومي، ففتحت ~~عينيها»، حتى صاحت طابيتا من بين النساء: ليتك ما تفتح عينيك، يقصف عمره ما أثقل دمه! هذا ~~شدياق؟ هذا قندلفت؟ هذا شيطان! # فضحك الجميع حتى الخوري العتيق، أما زكريا - وتلك عادته - فما خف وقاره ولا نقص، بل مضى ~~في فصله حتى النهاية كأنما لم يكن شيء ms29 مما كان. # وتلا الخوري تيموتاوس بضعة أناجيل بصوت مرتجف؛ لأن الصدمة لم تكن هينة، وختمت الصلاة ~~وارفض الناس حزنانين. وصباح يوم الجمعة تنافسوا في جمع الأزهار أشكالا وألوانا، وجاءوا ~~يطرحونها على قدمي الصليب المنصوب في «الباب الملوكي». وقرب الظهر جنزوا وطافوا بالميت ~~ثلاث مرات في صحن الهيكل، ثم قبلوه واحدا واحدا مودعين، ودفنه الخوري والشمامسة خلف ~~المذبح ليقوم في اليوم الثالث كما هو مكتوب. # وعادوا عشاء وتألبوا حول خوريهم، فقعد المحترم على حجر عال، يحيط به زكريا ورهطه، ومشى ~~الحديث، فصلاة الجمعة خفيفة. شرع الشدياق زكريا يهز من عطف المحترم، ويحك له على الوجع، ~~فاستعرض ذكريات شباب بليق قبل أن قمطته أمه بثياب الدرجة المقدسة، فذكر أحدهم دق الجرس، ~~فقال زكريا: أبونا تيموتاوس دق جرس مار نهرا خمسين نزلة. # 21 # فقال الخوري: وأنت الصادق يا شدياق، مائة وعشرين نزلة بيدي التنتين، وفوق العشرين ~~بخنصري. # فاستكبرها أحدهم، وقال: أف! فصاح به زكريا: اسكت يا هوه، أنا أخبر منك، قدامي أنا قطع ~~جنزير جرس دير قصحيا بكبسة واحدة، ولو خبرتك عن جرس مار ساسين حاقل كنت تجن. لعب بالسبعين ~~أقة لعبا، وخرزة بير كنيستنا هذه لو كان لها فم تشهد. # ثم التفت إلى الخوري وقال له: بحياة قدسك يا معلمي تخبرهم. # فتنفس الخوري وقال: نسيت، ذكرني يا شدياق. # فقال زكريا: قصة المارد. ~~- قصة المارد؟ مارد حب أن يتعدى علينا، مزعت رقبته. ~~- كمل، لا تستح. ~~- راح رأسه عشرين شقفة. # فقال زكريا: أجرك كبير، استراح الناس من شره. # فتهامس الناس قائلين: إذن أخبار المارد صحيحة. # فسمع زكريا فأخذ يتهزأ بهم: الخوري يخبرنا ونقول: صحيح، صحيح! # ثم التفت زكريا إلى جماعته بهيئته الجدية المضحكة ولم تتكلم إلا عيناه، فأطرقوا جميعا ~~عاضين على شفاههم، ثم حول وجهه صوب الخوري وقال: ما لك! أخبارك الليلة قطف. # 22 # لا تغير عادتك. # فتاق الناس إلى سماع أخبار خوريهم، وظنوا أنه يأكل بشرا. أما الخوري جرجس فأخذ ينفخ ~~ويتأفف ويحاول أن يقول كلمته، فيمنعه ابنه، فيدمدم، # 23 # ويسكت. # وانتظر زكريا ms30 شيئا من الخوري فلم يكن، فقال: اسمعوا آخر خبر، هذا أعظم بكثير من الأخبار ~~التي سمعناها، فقال الخوري: أي هو؟ # فأجاب زكريا: المعتر # 24 # الذي لاقاك لما كنت راجعا من عند ... من عيد مار نهرا. # فضحك الخوري وقال: الشدياق لا ينسى، بطحته في النهر، وبعدما شبعته قتلا، كبست على صدره ~~كبسة واحدة فبق الدم. # فقال أحدهم: قالوا شلحك. ~~- شلحني؟ مسكين! طرمحتني # 25 # نفسي ونويت على قتله، ولكن قلت: اتركه يا صبي، لا ترم ضيعتك ببلبلة، كانت ~~الحادثة في خراج # 26 # الضيعة. # فبدرت من الخوري الشيخ كلمة ثخينة تداركها ابنه برفع صوته فطمرها ... ولم ينقطع سياق ~~الحديث. # وانجر السمر البريء إلى تلاميذ المسيح، فتعجب الناس كيف جبنوا وتركوا المخلص بين أيدي ~~اليهود، لم يذكروا خبز العشاء السري # 27 # وخمره، فما سهروا معه ساعة واحدة، تركوه يبكي وحده في البستان. # 28 # وبطرس الذي ابتهر وادعى الرجولية أنكره ثلاث مرات قبل صياح الديك. # واحتدم جدالهم، فأمست لهم ضوضاء كأنهم على الجلجلة ساعة الصلب، فقال زكريا بسذاجة ماكرة: ~~يا حسرتي على الرز، ضاعت ملاعقه. # 29 # لو كان ربنا في أيام معلمنا الخوري تيموتاوس كان عرف اليهود قيمتهم. # فأحس بها الخوري قليلا، ولكنه بلعها، وقال بحدة: سماع يا شدياق، هذي إرادة ربنا ~~يسوع المسيح له المجد، وهو لو حب كان أمحى أثر اليهود. سمعت قول الإنجيل أمس، كلمته: أنا ~~هو، قلبتهم على ظهورهم. # وأعجب الخوري ببلاغته هو، فتحرك أيما تحرك، فبصت لحيته المرعزية # 30 # تحت ضوء القمر، فضحكت زمرة زكريا، فحار الخوري في ضحك بلا سبب، ولكنه لم يقف، ~~بل التفت إلى القوم التفاتة منطيقي أدلى ببرهان ذي حدين، فرجحت الرءوس إعجابا، وانقلبت ~~شفاه عديدة استكبارا، ورأى الخوري طابيتا شاخصة تأكله بعينيها، فتذكر أياما لم يكن جسده ~~فيها هيكل الروح المقدس، ولاذ «بالنعمة» فأخزى الشيطان، واشرأب وتفرعن. # أما زكريا فاختبى بيديه وقال: الحق مع بلي ... هئ، مع الخوري تيموتاوس. والله العظيم لو ~~كان حضر المعركة كان نتف لحية قيافا، # 31 # ودعس رقبة يوحانان. # فهزهز الخوري ms31 رأسه وقال: هذا نصيبنا، ما أحلى ما يقدر الله! # وطاب الحديث للخوري فانبسط زكريا وقال: لكن خوف الرسل بين يا معلمي، هذا مار يحنا حبيب ~~المسيح كان أول الهاربين، ثم لاحظ كم مرة فزعوا بعد القيامة. أؤكد لك أنهم كانوا يفزعون من ~~خيالهم، مساكين! # فمطمط # 32 # الخوري وقال: لا يخلو الأمر، عندهم شيء من هذا، ولو كانوا كما يجب ما قال عنهم ~~مار بولس: واختار ضعفاء العالم ليخزي # 33 # الأقوياء. # فصاح زكريا بلهفة: هذا الصحيح يا معلمي. # وسمع الخوري جرجس هذا الكلام فتهيأ واستعد، فهدأه ابنه. أما الناس فكانوا يصغون إلى ~~الاثنين معجبين بفصاحة خوريهم وبراعة شدياقهم. # وسأل أحدهم عن سبب ظهور المسيح للنساء أولا ثم للتلاميذ، فأجاب الخبيث زكريا: حتى يشيع ~~الخبر حالا ... النسوان لسانهم طويل. # فتمتمت طابيتا كلمة فهمتها جاراتها وضحكن، ولم ينتبه لها زكريا؛ لأنه كان يعد رمية جديدة، ~~فقال: معلمي، يا ترى لو ظهر لك المسيح تفزع منه مثل التلاميذ ؟ # فابتسم الخوري كالهازئ وقال: ما قولتك أنت؟ # فقال زكريا: قولتي أنا؟ يا جبل ما يهزك ريح. # فأجاب الخوري: هذه نعمة بعيدة عني، أنا عبد خاطي. # ثم تنهد تنهيدة عظيمة وقام إلى الصلاة وهو يقول: يا ليت، يا ليت! # ودخل الكنيسة يواكبه زكريا ويقول على مسمع من الناس: من يعلم؟ من يدري؟ عجائب الله ~~كثيرة. # أما الخوري العتيق فتحلحل ونهض وهو يقول: إيه! صرنا ملعبة. # فغمز ابنه طرف جبته فصرخ: اتركني، ملعبة وأكثر، لولا العيب والحيا كنت أحش لحيته، خوري ~~بهلول. # وبعد ظهر السبت قلعت الكنيسة ثيابها السود، وتزينت ابتهاجا بقيامة الذي وهب الحياة لمن ~~في القبور، فصلوا صلاة خفيفة زحزحت الكابوس عن صدرهم، وعادوا إلى بيوتهم فرحين بعد ~~ترتيلهم: المسيح حقا قام. # أما الخوري جرجس فظل في الكنيسة يصلي منتظرا قداس نصف الليل، وكان بعض شيوخ وعجائز يأتون ~~لزيارة القبر، وما انتصف الليل حتى أقبل الخوري تيموتاوس وقرع الجرس قرعا ذكرهم بشباب ~~«بليق» الأغر، فخف الشعب إلى الكنيسة، وانقسم الشمامسة جوقتين يخدمون القداس. # وفي مثل هذه ms32 الساعة التي تدحرج فيها الحجر عن القبر ليقوم السيد، أقبل الخوري تيموتاوس ~~على باب الحنية الأيسر يبخر ويرتل بالسريانية، معظما من غلب الموت بالموت، ويسأله الرحمة ~~لجميع المؤمنين، فطلع إليه من خلف المذبح - حيث القبر - شبح عليه ملحفة بيضاء، فتراجع ~~الخوري مذعورا، وتقدم الشبح ووقف بالباب، فصرخ الأولاد والنساء، ووهل الرجال، واستبق ~~الجميع الباب، وأفاق الخوري جرجس من سهوته على الضوضاء ونهض يستخبر، فرأى أمامه الشدياق ~~زكريا، فقال: ايش صار يا شدياق؟ أين راحوا؟ # فأجابه زكريا: هربوا، ظهر لهم المسيح. # فتعجب الخوري وقال: وأين الخوري تيموتاوس؟ # فقال زكريا: راح معهم. # فضرب الخوري بيديه على فخذيه وقال: يه، يه، يه، يه، يه، يا هتيكتنا، # 34 # فزعوا من حمل الله! # ثم تفكر قليلا وقال لزكريا باشمئزاز: عيب يا شدياق، عيب، أنت رجل طيب، الله غضب على ~~الضيعة ورسموه خوري، غلطة وقعت، العصمة لله وحده. # فمغمغ # 35 # زكريا كلمات، وهدج # 36 # الخوري جرجس ليعيد الناس، فسمع زوجته - الخورية - تقول: لو كان لنا حظ ما كان ~~ظهر المسيح لخورينا، فصاح بها الخوري: صدقت يا معتوهة؟ # 37 # روحي صلي، روحي، هذا وجه يظهر له المسيح. # وما خطا خطوات حتى عاد الخوري تيموتاوس والرعية مستحيين، فقال له الخوري جرجس بكل هدوء: ~~كمل قداسك، خلصنا. # أما زكريا فظل واقفا عن يمين مذبح البخور كالملاك، تقول عيناه لصاحبه الخوري تيموتاوس ~~أشياء كثيرة ... # | أبو الغنباز # بينا كان طنوس يقص على واحد من «الزمرة» # 1 # أخبار عبثه بجريس في سهرة أمس الأول، إذا بزوجته لوديا تتمرمر، وتقول: حرام ~~عليكم، اتركوا هذا المسكين، كفاه عذاب، خف على «عواقبك» # 2 # يا طنوس، ربنا قادر أن يبتلينا بولد أقرع وقواق (لجلاج) مثله وأكثر منه. # فصاح طنوس: اضحكي في عبك يا حرمة، إذا حصلنا على هذه النعمة. الضيعة محتاجة دائما إلى ~~واحد على شكله. ~~- يه، يه، يه، ما أقل دينك! أنت هرطوقي. # 3 # فاستل طنوس يده التي استحالت دبوسا، # 4 # وكشر وهجم، فردته ضحكة زوجته لوديا من نصف الطريق، وهكذا كان يسلم جلدها من ms33 ~~الرص واللبد. # ليس لطنوس سمات تميزه من أهل قريته، فأكثر القرويين من نمط واحد، إلا أنه كان مهذارا ~~يتحدث كأنه يمثل، يحشو كلامه ب«فهمت» و«سمعت» و«لحظت» مشفوعة بنكعة أو لكمة لتفهم غصبا عن ~~رقبتك ... أحصوا عليه هذه الكلمات الثلاث في سهرة واحدة، فوردت في كلامه أكثر من مائتي ~~مرة. # ولعل سيرة طنوس مع عجله «عيوق» عودته مثلها مع الناس، فعصاه كانت تنهض أبدا وترتمي ~~على ظهر ذاك الثور لسبب ولغير سبب؛ فصار عيوق مثلا يضرب في القرية. إن ضرب أب ولده ضربا ~~موجعا صاحت أمه: ليتها تنكسر من الكوع، أهو عيوق؟ وإذا اشتد الضرب بين اثنين قالوا: ضرب ~~عيوقي. # وأدركت عيوق السن فجاء قصاب ليشتريه، فخمن ما عليه من لحم تخمينا لم يعجب طنوس، ~~فلكمه قائلا: قو قلبك، فهمت؟ ثم نكعه ليقول له: لحظت؟ لا يغرك صغره، هذا ملبود. # وغابت الشمس فتعشى طنوس وتمشى. حان وقت السهرة وهو لا يهنأ له عيش إن لم يسهر حيث يكون ~~جريس الأقرع ، فطاف حول بيوت القرية، حتى إذا حزر أين هو، دخل، ومسى، وقعد. نظر إلى جريس ~~فرآه مغتما، ظن أنه يتصنع في الجد ليتأبى عليه ويكف عنه شره، فمساه خصيصا، فرد جريس ~~المساء من رأس شفتيه، فغمز طنوس الحاضرين صارا أصابعه إشارة الاستعداد للمعركة. # كان جريس يوشوش صديقه سركيس بلجلجته المعهودة: عا عا عا عصيت، عا عا عا على الأطباء، ما ~~قدر واحد منهم عا عا على إنبات شعرة في مخي. # 5 # وكان جريس متهالكا على الحديث، يعاني ما تعانيه الحبلى ليخرج كل كلمة من كلماته، بينا ~~كان طنوس يتهزأ به، يفتح فمه ويغلقه مثله، مضحكا الناس. ~~- ايش العمل يا بشر؟ عجزت والله، كلما جاء «مغربي» يأخذ مني المبلغ المرقوم. # فأجابه سركيس: سلم أمرك لربك. # فقال جريس متوجعا: لربي سلمته من زمان، لم تبق كنيسة من كنائس الله إلا نذرت لها، أمس ~~زرت «الحرضيني» # 6 # وأخذت عن قبره سل تراب. # فالتفت إلي سركيس التفاتة استغراب ولم يفه بكلمة، فقال جريس: والله العظيم، ms34 قلت لك ~~سألني عن الحالة. هيه، هيه، كان في قربوس رأسي شعرة طارت. # فقال سركيس: لا تقطع الأمل يا صاحبي. # فضحك جريس ضحكة هي بالبكاء أشبه، وقال: عشرين سنة قضيناها طالبين رحمة الله، احزر ماذا ~~كانت النتيجة؟ ~~- أنت أخبر، قل. ~~- مصيبة أكبر. # وانحنى على أذنه يصب فيها سر الفاجعة. # فالتفت سركيس كالمتعجب، فقال جريس: والله، لعنة الله على الكذاب، كنت بفرد هم فصرت ~~بهمين. # قال جريس هذا وطفق يتأمل وجه صاحبه سركيس ليرى أثر كلامه فيه، فرآه يمط شفتيه، يصرهما ~~كأنه يتأهب لضحكة، فقال جريس: كل هذا هين يا شيخ، ولكن من يخلصنا من طنوس إذا درى. # ثم أطرقا صامتين حتى انتهيا إلى قول أحدهم: هاتوا الورق. # فصاح صاحب البيت: مساند وطراريح، ضوئي القنديل الكبير يا مرين، وأشار بأصبعين، ففهمت مريم ~~وأشعلت القنديل نمرو 2. # كان من عادة طنوس أن يلعب ضد جريس، أما تلك الليلة فقال: رفيقي جريس، فنسي جريس مصيبته: ~~العليا والسفلى، المكشوفة والمستورة، فانبسط وجهه وقعد، ودار الورق دوراته ، فاحتدم اللعب ~~والجدال حتى كاد يعلق الشر. تكافأ الخصمان فمكنا قعدتهما لربح الدق (الشوط) الأخير، وأشار ~~كل فريق إلى ورقه، وانتظر جريس إشارة رفيقه طنوس، ولكن طنوس لا يشير، تساقط الورق من الأيدي ~~وجريس حيران لا يدري ما يلقي ولا ما يبقي، فصاح بطنوس: أششش أشر. ولكن طنوس لم يخرج عن ~~صمته، ففأفأ جريس وتمتم، فقال طنوس متباردا: لا بد من التأشير يا شريك. ~~- معععلوم. # فأبدى جريس علامة أص الديناري وقال: أقرع. (أي وحيد من نوعه). # فانتفض جريس كما لدغته عقرب وقال: كا كا كا كيت وكيت من ... ولما رأى طنوس متأهبا للصرع ~~أتم قائلا: من دين لعب الورق. وانصرف غضبان. # وأصبح المسكين فإذا حمله الجديد قد ثقل عليه، كان يشكو خفة فوق، فصار يشكو ثقلا تحت. ~~فتق ولد كبيرا ... ثم أخذ ذلك الهم يتضاعف يوما فيوما حتى كان يبوح الشروال بالسر، ففصل ~~غنبازا ستره به، فخلق موضوعا جديدا لعبقرية طنوس. أطلق طنوس على جريس لقب الشدياق، وصار ~~غنبازه ms35 حديث الضيعة، وخصوصا على التنور حيث تمتزج القهقهة بالرق. # 7 # تقولوا عليه ما شاءوا، إلا صاحبه سركيس فكان يهز رأسه ويتمثل: الذي درى درى، والذي ما ~~درى قال: كف عدس. # 8 # أما طنوس ذاك المخرج الرائع فكلف من نظم له هذه «الردة»: # 9 # يا مشرشح يا بو الغنباز # لململو ديالو وقصو # اخبز خبزك عند الخباز # لو خبزو وأكل نصو # ورددها الصبيان ترديدا ضيق الضيعة على جريس، فمشى إلى بيروت مشية توجع القلب، مشية ~~البغلة المشدود خناقها لئلا تتعس. # 10 # وبلغ أسكلة # 11 # جبيل بعد ألف جهد، فإذا بعربة تقف وصوت يصيح: اطلع يا جريس. # عرف جريس صوت صاحبه طنوس فاستعاذ بالله، ولكنه طلع وقعد حده، وهو يقول في قلبه: سفرة ~~مشئومة. # وقبل أن يبلغوا مخفر جسر بيروت حذرهم السائق من التبغ والسلاح. كانوا في ذلك الزمان ~~يصادرون التبغ الكوراني، وتسهيلا للتفتيش كان «الورديان» # 12 # يزج «شيشا» في الحمولة حتى إذا شك في عدل # 13 # ما أمر بتفتيقه. وهكذا فعل حين أوقف عربة طنوس وجريس، أمر الركاب بالنزول منها ~~و«شيش» كيس خيش فيها، ثم فض البقج # 14 # كلها، وأخيرا تحول إلى المسافرين الستة فمد يده إلى أعماق جيوبهم. # وجاء دور جريس فظن أن تحت غنبازه كيسا، فأقبل عليه ليجسه، فامتنع عليه جريس وصرخ: فت فت ~~فت ... # ثم هرب من وجهه يقهقر في مشيته، والخفير لاحق به يسدد نحوه الشيش وهو يقول: معك تتن، نحن ~~نعرف كل هذه الحيل. # فصرخ جريس: لا لا لا لا ... فت فت فت. # فصاح الورديان: ضربة تفت رقبتك ... وهجم عليه يريد أن يزج الشيش في موضع الظن، فانطوى جريس ~~أمامه، وباح أخيرا بالحرف الثالث، فاحمر وجه «الورديان» وأعاد شيشه إلى مخلاته. # أما طنوس فنكع # 15 # جريس عند أذنه قائلا له: ها ها، فهمت؟ عرفنا سبب لبسك الغنباز يا مضروب. لحظت؟ ~~استعد لردة تسر خاطرك. # | حديث خرافة # أحست أم جبرايل ببهر # 1 # لما فرغت من تنقية الطحنة، فقعدت كالخفاش # 2 # تدلك عينيها. وبعد سكوت قصير جدا رفعت خصلة ms36 شعر شقراء هاجمة على خدها الأيمن ~~وقالت: كذاب الذي قال «القمح البلدي لي ولولدي». القمح البلدي ثلثه زوان وشيلم، # 3 # مهما غربلنا ومهما غسلنا لا ينظف. # وشعرت بدوار # 4 # لما استوت، شعرت كأن رجلها يابسة فجلست قائلة: تقبر الأرامل! حياتنا كلها طحن ~~وخبز، وطبخ ونفخ، وغسيل وترقيع، ما لنا ساعة نشاهد فيها وجه ربنا، عيشة من قلة الموت، اسمي ~~أم جبرايل، وجبرايل ابن غيري. وانطوت تمتحن خدر # 5 # رجلها، تقرصها فلا تحس أنها منها، وتمدها فلا تشعر أنها لها. ولما عادت الدماء ~~إلى مجاريها قامت لحاجاتها: جلت زجاجة قنديل الكاز، وزيتت الفانوس الخاص بعلف الفدان، ~~وأقبلت على العشاء تعده، فالطبخة ناضجة لا ينقصها غير القلية والتوابل. # إن أبا جبرايل يخور، # 6 # وإذا أبطأ عليه الأكل ملأ البيت مسبات. # 7 # والبيت حد الطريق، وأم جبرايل فتية، كبيرة النفس، يعز عليها أن يتحكم بها أرمل، ~~وعندها للسر بئر عميقة تقبر فيها ما يحدث من مشاكل بين المرأة وزوجها، وكثيرا ما تحتمل ~~الضرب وتسكت طلبا للسترة، وكسرا للشر. # أما لحود - أبو جبرايل - فبارود مزيبق # 8 # يلتمس سببا لينفجر، ويعلم الناس أنه ناري الطبع فيستهابوه، لا يجد أمامه من ~~يبرز عند هذه المكرهة # 9 # ويسكت إلا زوجته، فجعلها هدف «مراجله». # 10 # يدخل البيت لابسا وجه النمر، فتحاول أن تكسر شراسته بابتسامة ناعمة، فيزداد عتوا # 11 # ولا يرد المساء، وإذا استوضحته عن أمر فجوابه نبرات عنيفة، أو سكوت ~~مؤلم. # وضع النير والجراب في مكانهما وأخذ الفانوس فرأى فتيلته، التي سب لأجلها أمس، ممروتة ~~ناعمة نظيفة كأنها خصلة حرير تلفح النار لفحا. لم يجد مجال القول ذا سعة ليقول، فأخذ ~~الفانوس بيد والسل بيد، ومضى إلى القبو يفتش عن سبب آخر. رأى الدجاجات دخلت التبان # 12 # وذرت التبن، فطفق يعر ويهر. # 13 # لا يستطيع أن يلوم زوجته؛ لأنه هو الذي ترك باب القبو مفتوحا، ففكر فاهتدى ... ~~أليس على المرأة أن تكون متنبهة دائما؟ فأشغال الرجل كثيرة، وعلى هذا البناء هاج بحره. ~~ورأى جبرايل أن «خالته» لا ms37 تستحق هذا الشتم والسب فتنطح، ولكن والده ألقمه مما تعود أن ~~يطعمه إياه عند دخوله شخصا ثالثا، فسكت. # وبعد دقائق معدودات ذهبت غيمة شباط فعاد لحود كأحسن ما يكون الرجال، رقيق الجانب، دمث ~~الأخلاق، يخاطب فروسينا بيا أم جبرايل، ويا بنت عمي. ثم انتهى العشاء على خير. # وامتلأ البيت ناسا، فأبو جبرايل ذاهب إلى البندر # 14 # ليتقمش لابنه العريس، فأسعار دكان الصليب غالية، والمثل يقول: رح إلى البندر ~~وتغندر. عرس جبرايل بعد يومين، والطحنة الكبيرة التي نقتها أم جبرايل بمعونة جاراتها هي ~~لتلك المعركة الطاحنة التي سيكون لها ما بعدها. # وشرع الساهرون يكلفون أبا جبرايل قضاء حوائجهم من المدينة، وهو يتقبل طلباتهم ببشاشة ~~ولطف. يقول لهذا: «تكرم»، ولذاك: «بسملله»، ولتلك: «من عيني». وكلف بشراء بابوج للشبينة، # 15 # فأجاب بقوة العادة: «على راسي». فابتسم الكهول، وقهقه الشباب، فانتفض، ولكنه لم ~~يقل كلمة احتراما لبيته. # وجرى حديث التموين، فعيد السيدة (15 آب) ميزان الأسعار عندهم، والمثل يقول: لا يرخص في ~~الشتاء غير الماء. التموين واجب، وهم قادرون، فموسم الحرير كان مقبلا، والعنب طيب، ~~والتبغ جيد، والزيتون ممتاز، لا يبقى غير الحبة، ولا يسد هذا العجز بأرخص الأسعار غير ~~البترون، فكلفوا أم جبرايل درس حالة السوق، وتذمروا من كثرة الزنابير، فقال أحدهم: سنة ~~حشرات، الحيات بحر. وانساق الحديث فطال، حديث حيات ... ثم انتقلوا إلى حديث الجن فقال ~~واحد: يا بو جبرايل، إياك أن تنسى، توق جن شير بنور، فوعة # 16 # جن في هذه الأيام ما لها دين. # فهز لحود برأسه وقال: عمك عم يا ملخم، أنا أبو جبرايل. # فضحك فتى وقال سرا: تشرفنا. ثم غمز رفيقه كأنه يقول: سنرى. فأسفرت تلك الغمزة عن مؤامرة ~~مرتجلة، كان لها شأن جليل في تاريخ القرية. # لم يسمع أبو جبرايل وأتم حديثه قائلا: لا تخافوا علي، معي الخوري، بركة صليبه ~~تحرسني. # فقال آخر: انتبه لئلا ينشلوا الطحنة. مرة قعدت الجنية لرجل في عرض الدرب، وأخذت تنوح ~~وتبكي طالبة منه أن يركبها على دابته من النهر إلى الضهر، ms38 فأعجبه جمالها، فحط طحنته ~~وأركبها، أعطته ليرة فرح بها، ولكنه لم يجد الطحنة لما رجع، وافتقد الليرة فإذا هي شقفة ~~فخار. # وقال ثان: وظهرت الجن لبو أنطون بشكل حطب، فحطب وعاد، وكان يتعجب من خفة حملته، فلما ~~حطها قدام الباب دق جرس الظهر فصلب، فاختفى الحطب كله إلا عودين من الزيتون. # فقال شيخ: الزيتون مبارك. # فصرخت أم جبرايل: اسم الصليب وذكر الصلبان. # وقال واحد: ملاعين الجن، سبحان خالقهم، أعطاهم خاصة ما أعطانا إياها. قال عمي بو جبرايل ~~معه الخوري، كأنه نسي قصة الخوري متى لما دعوه ليكلل لهم العريس، صلب الخوري فانطفأت ~~الأنوار واختفت الجماهير، فمات من الفزع، وبقي لسانه مربوطا شهرين. # كان أبو جبرايل يسمع ويعتبر وينظر إلى عضلاته الغليظة ... نوى في تلك الساعة أن يرجع قبل ~~المغيب، وتسلح قبل الرحلة بكتاب مار قبريانوس، وبصليب ورثه عن جده، ولكن الدواب قصرت في ~~العقبات الكثيرة فوصلت آخر السهرة وتبعها أصحاب الحوائج فكوا الحمولة ونزلوها، وانتظروا ~~أبا جبرايل فما جاء. # رابهم أمره، فقالت إحدى النساء: سمعت حس مشي خلف الدواب، فأين اختفى؟ وكيف وصلت ~~وحدها؟ # فأجاب مستشار الضيعة: جن، قلت له لا تتأخر فما سمع كلمتي. # فولولت أم جبرايل، فقال فتى: نخوة يا شباب، يا الله، امشوا إلى مغارة شير بنور. وبعد ~~دقائق بلغوها فوجدوا أبا جبرايل منبطحا ببابها، يرن ويئن، وأفاق بعد إسعاف عنيف فخبر أن ~~شابين لون وجههما أحمر، وشعرهما أصفر، وعيونهما مشقوقة بالطول، عزموا عليه، وحولوه بالقوة ~~إلى المغارة ليحضر وليمة العرس، وصلب قبل أن يمد يده إلى الطعام فاختفى كل شيء. # فابتسم الشابان وقالا: صحيح، ونحن سمعنا أغنيات ما سمعنا مثلها. # واجتمع مجلس القرية صباح الأحد بعد القداس فقرروا جميعا أن استفحال أمر الجن ناتج عن أن ~~القرية عندما انكسر جرسها بدلته بأكبر منه، فلم يدخل القبة حتى هدموا الأقواس التي يقوم ~~عليها الصليب، فظلت القبة بلا صليب ... وقر الرأي على أن يرفعوا صليبا عاليا يشرف على ~~قرارات أوديتهم. # ومضت سنوات لم يحسوا فيها أثر الجن، حتى ms39 كان أبو جبرايل يوما في قطعة أرض له عند النهر ~~فيها مغارة تأخذ منها النساء حجر «الملحقاق» ليعملن المعاجن والقدور، رأى امرأة منبوشة ~~الشعر فتأكد أنها جنية، فترصدها حتى دخلت المغارة، ثم أقبل يرشق وجهه بإشارات الصليب ويدهدي # 17 # الصخور برشاقة على بابها. # وصاحت المرأة صيحات رج لها النهر: دخيلك، أنا مرتا يا لحود، أنا مرتا يا بو جبرايل. # ولكن أبا جبرايل ظل يردم بخفة ويقول: لا مرتا ولا لحود، غشي غيري، ما انقطع جنسكم بعد ~~يا محروقة الدين؟ # وابتعد الصوت لكثرة ما أهال لحود على باب المغارة من حجارة وتراب، فاستهوى وتنهد ... وإذا ~~بجرس الضيعة يدق، فتسمع وقال بعدما أبدى إشارات الرضى بهز جمع يده اليسرى: هذا جرس يقطع ~~أثر الجن كلهم. # | ابن عزرائيل # جاءت أم إبراهيم بعين مكسورة تستكتب معلم ذمتها # 1 ~~(الخوري) رسالة إلى ولدها المهاجر، فاستأجلها. ولما أشعرته أن البريد على سفر ~~امتشق قلمه من أنبوبة دواته، ثم لاقها # 2 # وطفق يكتب. # وتلا على أم إبراهيم ديباجة الكتاب الناعمة فترطبت أهدابها، وراح الخوري يتعصر كحبلى ~~تتمخض، وبعد ألف جهد نزلت على سن قلمه الكلمة المأثورة: من أخذ من ملة غير ملته مات بعلة ~~غير علته . وأحس طعم هذا الإلهام الرفيع فاهتزت لحيته، وانفتح فمه الأدرد # 3 # عن ثنية # 4 # ما زالت غارزة باللثة # 5 # كأنها سن ثوم. # قعدت منه أم إبراهيم مقعد الكلب تتحرك جوارحه كلما تحركت يد صاحبه، تحاول بزفراتها ~~المديدة حث الخوري، وأخيرا هتفت به بلا شعور: ايش كتبت يا معلمي؟ البوسطجي معجل. # فاستمهلها بالخمس اللطاف، وعينه على القرطاس، حتى إذا انهال عليه الوحي تلقاه بلهفة وكتب: ~~سمنجون بنت خالك مثل قلب الصباح، قامتها رمح رديني، # 6 # وعيونها لوزية، وخدودها مثل التفاح الشامي. صورة بورق يا ولدنا، والمثل يقول: ~~أهلك ولا تهلك. # وزفر الخوري زفرة استهولتها أم إبراهيم، وقرأ ما خربش، فقرعت صدرها داعية بطول عمره، ~~وانكبت على يده الطاهرة تقبلها بحرارة، سحرتها فصاحة الرسالة فضمنت عود ولدها غب اطلاعه ~~عليها، ولكنها استقصرتها، فاستزادته، ms40 فكتب: طلاب سمنجون مثل النمل، الناس تقصدها من بني ~~وبني ... وأنا أصبحها وأمسيها. احضر حالا حالا حالا، المرأة حاجة الدهر، والإنسان لا يجدها ~~كل ساعة، يكفيك ما جمعت، ولمن تجمع إذا مت بلا عقب؟ ~~- يا أم براهين، عجلي، البسطجي رائح. # وغلف الخوري الرسالة، فصرخت أم إبراهيم: لا يا معلمي، لا. ونتشتها من يده وأخذت تحرق ~~أطرافها بسيكارة الخوري. # وبعدما ابتعدت بها خطوات تذكرت أنها لم تقبل يده شاكرة، فانفتلت صوبه، ثم أدركت حرج ~~الموقف، فاعتذرت من بعيد وهرولت. # وبعد أشهر خف إخوة إبراهيم وبنو عمه إلى ميناء بيروت ليستقبلوه، وزحف من بقي في الضيعة ~~من أحياء إلى دكان على مفرق الطرق، يحسبه الرائي منطرة، # 7 # لا حانوتا يتبضع منه القرويون ويتقمشون. أما الدفع فموعده كتلك الساعة التي لا ~~يعلمها أحد إلا الآب ... وبعد انتظار ساعات في تلك البرية أطل الموكب تتقدمه الحمولة: أعدال نقل # 8 # وحوائج، وصناديق أميركية تتلألأ تحت أشعة عين الشمس؛ فارتفعت الأصوات بالتأهيل ~~والترحيب، ثم تناوبوا التقبيل حتى شكا إبراهيم خدرا في رقبته وطلب الهدنة ... ثم استؤنفت ~~المعركة، وأخذوا يعرفونه بمن درجوا وشبوا في غيابه، فيقبلهم ويربتهم # 9 # تربيتا أميركيا، يضحك له البعض، وينشده الآخرون. وساروا به أخيرا، فريق ~~يهزج، وفريق يغربل وينخل ، وكلهم يقولون: يا بارك الله، هامة جمل! وكانت أمه تنتظره في ساحة ~~الكنيسة حيث يمر، فازارته القديس، ووفت نذرها. وفي البيت كثرت السؤالات عن الغائبين فكان ~~الجواب: الجميع بخير. # وفتحت أم إبراهيم كفها فأطعمت وسقت بسخاء، وسهر إبراهيم إلى ما بعد نصف الليل، فأصبح ~~شاكيا قلق فراشه ويبوسته، مع أن الوالدة نفشته أي نفش، ولكن التخت خشبي وبلا رفاس، فبيت ~~إبراهيم من المحافظين ما زال كما فارقه. # وجاء الجيران مع الصبح، فقعد يحدثهم بابتسامة اكتسابية، رأوه شابا كبير الظل، أخذ التعب ~~شيئا من نضرته أمس، أما اليوم فهو عظيم جدا: شاربان قاعدان كأنه الزناتي خليفة. سألوه عن ~~«توفيقه» فشكر ربه برطانة # 10 # المهاجر الحديث العود. وبعد أيام قاطع على ألوف من الحجارة، كما يفعل ms41 المهاجر ~~«الموفق»، فتحدثت الضيعة بذلك أياما، ودبت الحياة في مقالعها المهجورة. # أما سمنجون - وهي بيت القصيد - فشعرت بهبوط درجة الحرارة مذ رأته وحدثته، كانت تتوقع ~~تجاوزها الحد فإذا الأمر بالضد، فقالت في نفسها: لم يتغير فيه شيء، هو هو، ولكن هناك ~~شيئا صعبا فهمه، هذا الإبراهيم غير هذاك، وإن كان إياه. أما كيف فما أعرف ... منذ خمسة عشر ~~عاما و«برهون» ملء قلبي وأذني، فما لي إذ جاء لا أرى تلك اللهفة؟ ما لذكريات الصبا غافية ~~لا تفيق، وقربي منه لا يرغبني فيه؟ عجيب! لما كنا وليدات كنت أحبه أكثر. # ووزع إبراهيم هداياه على الأخصاء من مواس، وساعات، وأقلام حبر، وخواتم ذهب أميركي، وغير ~~ذلك، وحمل إلى سمنجون الساعة الثمينة مع سلسلتها الطويلة من الذهب الخالص، والخواتم، ~~والأساور، فترطب قلبها وتندى، ولكنها تذكرت دملجا # 11 # زجاجيا أهداه إليها في الصغر، قبل الهجرة، فرأت أن تلك الزجاجة الزرقاء كانت ~~أحب إلى قلبها من هذا الذهب والألماس، فما سر ذلك؟ # وأدرك إبراهيم أنه لم يظفر منها بتهافت العشاق رغم الهدايا النفيسة، والبيت العظيم الذي ~~بلغ الأعتاب، فأخذ يتفاصح ويتظرف، وإذا بالأمر بالعكس، فهو غائبا عن العين أقرب إلى القلب، ~~تتأمله سمنجون فتقول في نفسها: «رجولة تامة، غنى وافر، جاه # 12 # يمتد بسرعة الغيم، هذا مطران الأبرشية شرف للسلام عليه، وتهنئته بالرجوع، ~~ومدير الناحية يجيء بعد يومين، و«البروش» # 13 # الذي أهداني إياه في السهرة الأخيرة يسوى مائة ذهب، فما أريد بعد؟ ليس هناك رجل ~~آخر أحبه لأقول قلبي مشغول، فما هو السبب يا ترى؟ # يتحدث إبراهيم عن شأنه في المهجر أحاديث تحبب وترغب، وكلما أمعن في أحاديثه جد قلبي ~~في الهرب، فما العلة يا ترى؟ قصتي عجيبة والله!» # وأتى المدير ليهنئ بالعود الأحمد، فبالغ السنيور إبراهيم في إجلاله وتكرمته، أعد له غذاء ~~ملوكيا قلما أعد مثله في البلاد، ودارت الأنخاب على المائدة، فأثنى صاحب العزة على كد ~~إبراهيم وجده، ورفع اسم الجالية عاليا بما أنشأ من روابط متينة مع رجال الدولة في «الريو». ~~وأخيرا ms42 رفع المدير كأسه شاربا نخب المهاجرين بشخص زعيمهم برهون، وتمنى عودتهم جميعا ~~غانمين مثل إبراهيم أفندي. # فهز شيوخ القرية رءوسهم إعجابا عند كل جملة، خصوصا حين قال عزته: «إبراهيم ~~أفندي». # أما سمنجون فكانت حاضرة كالغائبة، واستؤنف الأكل والشرب، ونثرت النكات والأحماض # 14 # التي هي مسرح القرية وحياتها؛ فانتشى إبراهيم وأفاض في سرد ما عنده من نوادر ~~وفكاهات محفوظة، وأكثرها تدور حول المرأة، وختمها بهذه الحكاية فقال: «تزوج عزرائيل امرأة ~~مترجلة كانت تتحكم فيه، فرزقه الله ولدا اختارت له أمه الطب مهنة، وأجبرت زوجها عزرائيل ~~على ألا يقبض روح مريض يعالجه ابنهما، فأطاع حتى يستريح من شرها، وبعد حين كره عزرائيل ~~الحياة مع زوجته المتأمرة، فهجر البيت، ولكنه ظل يلتقي بابنه عند المرضى. # ومرضت الملكة مرضا عضالا عجزت عن مداواته حكماء الدولة، فدعوا لها ابن عزرائيل، فتركها ~~له أبوه حسب الاتفاق. # وعاشت الملكة طويلا، فوبخ الرب عزرائيل، فصمم على قبض روحها، ودعوا ابنه فجاء، ولكن ~~عزرائيل ما تزحزح هذه المرة، ولما عجز الابن عن إخراجه أخذ يفكر، فما وجد حيلة أنفع من أن ~~يتهدده ويخوفه بأمه، فصاح به: أبي، أمي ورائي، اهرب. # ولما سمع عزرائيل ذكرها طاح كالمجنون، وصحت الملكة.» # أضحكت الحكاية الناس إلا سمنجون، وفي الغد ردت عليها ردا قاسيا، فأعادت إلى إبراهيم ~~هداياه. # | هيكل # قصر هيكل عن العلم صبيا فشب هبالا # 1 # واكتهل دجالا. # 2 # عصاه بنت عم المخل، وحبات سبحته كمح # 3 # البيض كثافة ولونا، يلوح بإحداهما لمن يناوحه على الرصيف الآخر. في عروته نسيلة # 4 # صفراء يزعم أنها شارة وسام رفيع استحقه في الجبهة الغربية التي شهد معاركها ~~متطوعا، وكان يدهده # 5 # الجماجم في الخنادق كرءوس البطيخ. # هيكل مفري # 6 # الشفة العليا خلقة، ويزعم لك أنه جرح بطولة جرحا كان قتله لولا لطف الله، ~~وصلاة أمه، ودعاك. # رأسه براق مدور كقالب جبن فلمنكي، يجتمع فيه النقيضان: في القمة بقية وبر كصوف ~~السنانير، وفي المنحنى شعر مثل شوك القندول. يصح في تلك الكرة ما قاله برناردشو في لحيته ms43 ~~الكثة وصلعته الجرداء: كثرة إنتاج، وسوء توزيع ... # يلاقيك هيكل مبتسما، ويسألك على الفور: كيف حال من فارقت؟ وإذا قلت له: تعرفني؟ من أنا؟ ~~حك صدغه، وعض جحفلته # 7 # بأسنان كحب الفول المسوس، ثم أطرق إطراقة الأفعوان ومغمغ: اسمك، اسمك ... على رأس ~~لساني، حتى إذا ذكرته خاصرك وتمشى وهو يقول: أوف. # ثم يقف محاولا تقديم سيكارة لعلك تسبقه إلى تلك المكرمة ... وإن غفلت أو تغافلت تقصى ~~جيوبه، ثم قال: هات سيكارة، نسيت علبتي عند فلان. ويسمي لك إما وزيرا وإما مديرا. # ومن مواهبه النادرة أنه يرود الأرض في دقائق معدودات، فإن رأى قلة خيرك انصرف إلى ~~غيرك. # مسرح هذا البطل ساحات دور الحكومة وأروقتها؛ فهو «أبو فتح» جديد، يتصيد في الحرام وعلى ~~عيني وعينك يا تاجر. هناك - في السراي - يعرض خدماته على الوارد والصادر، وخصوصا على من لا ~~ظهر له، ولولا همته القعساء - كما يقول - مات حق الفقير. # صنارته في تصيد العوام تحية المأمورين القادمين إلى الدواوين، فإن ظفر بكلمة من أحدهم ~~فاز بطعم كثير الخير والبركة. # إذا وفد قوم على السراي زج بنفسه بينهم ليقول بعد الخروج للمغفلين: هذا وفد من القرية ~~الفلانية، كان ميعادهم أمس وجاءوا اليوم، عرفناهم بمعالي الوزير. مساكين، راحوا شاكرين ~~حامدين. # ويغادر هيكل السراي مع المأمورين كأنه واحد منهم، يكمن لطرائده عند باب أحد مقاهي ساحة ~~البرج كمون العنكبوت للذباب، حتى إذا استحوذ على جليس هاها بصبيان القهوة وصفق لهم، ثم ~~يتلطف ويقول: اطلب، فنجان قهوة، قدح بيرة، كاس عرق، قنينة كازوز، تحب وسكي؟ أبدا غير ممكن، ~~لا بد من شيء. # وإذا امتنعت أنت طلب هو، فتشرب على صحته، وله الغنم وعليك الغرم، فأساليبه في التغافل عن ~~الدفع غريبة عجيبة. إن خاف أن تنزل به الكارثة ابتدر وابتكر، فكل مار على الرصيف، شرط أن ~~يكون من ذوي الجثث الضخام، هو عنده إما موظف كبير، أو زعيم خطير، ينهض له هيكل إجلالا ~~واحتراما، فإن رد التحية قال لك: هذا فلان بيك، صديقي جدا. وإذا أومأ ذاك المار ms44 برأسه ~~أو يده أوهمك هيكل أنه دعاه وله معه كلام. ~~- انتظرني، أنا راجع حالا. # وهكذا يرهنك عند صبيان المقهى كما رهن الغراب الديك في الأسطورة المشهورة. # وتلتقيان بعد حين فيعتذر ويدعوك إلى فندق شهير فيطعمك ويسقيك، فإذا رأى منك الجد، حرن # 8 # في منتصف الطريق، وصك # 9 # وجهه صكة مشئومة، وصرخ صرخة ترتعد لها: علي موعد، الله يخزي الشيطان، كيف ~~نسيت؟! فلان - ويختار من الأسماء الرائجة أوقعها في نفسك - يكون قاعدا على نار. # ثم ينفخ كالثور ويقول: أوف، ما أثقل البشر! خنقوني يا عمي، صدقني إذا قلت لك: لا أرتاح ~~دقيقة، من بيت وزير إلى بيت مدير، ومن عند رئيس إلى محافظ، من دائرة إلى دائرة، ومن محكمة ~~إلى محكمة، وفوق التعب تدفع من كيسك، كلت # 10 # يميني يا إنسان. # ثم يتنهد ويجاوب عنك: المسألة بسيطة، من لا يحس مع الناس لا يكون من الناس، إنما مصيبتك ~~فيهم أنك إذا قصرت عن مسألة قامت قيامتهم، أأنا رب العز حتى أعمل كل شيء؟ # وتغتر بهذا الكلام فتكشف له عن وجهك وتفضح نفسك عنده، فيقبل عليك ببطنه المندلق، # 11 # وقوائمه القصار ويقول: يا مرحبا بك، قضيتك عند سعادته؛ أي عند القاعد على نار. ~~الآن هو في بيته، رخص لي، أين ألاقيك الصبح؟ في القهوة؟ انتظرني هناك. # وهكذا يمد لك السفرة على الطريق ، فيربح المعركة الثانية، وفي الغد يربح الثالثة. # يصبحك بقصة ملفقة: سعادة البيك - القاعد على نار - طلع إلى صوفر، ولكن التعب ما ضاع، ~~سهر هيكل في بيت رفيع العماد، كثير الرماد، وصاحبه طويل النجاد ... هناك، لحسن حظك، التقى ~~سيدة تقدم وتؤخر، ينام البيك على يدها، تزود منها بطاقة توصية تحرق العشب. ثم يريك ~~ظرفا مخربش العنوان باسم جناب البيك، ويسألك كراء سيارة. وبعد أن تتدهور فلوسك في هوته ~~يودعك: فلا تؤاخذنا يا شيخ. ويلتفت بعد ابتعاد خطوات ملوحا بسبحته قائلا بابتسام: ادع ~~لنا بالتوفيق. # وإذا أعرض عن هيكل ذو حاجة أو استخف به، بث حوله وسطاءه وسماسرته فقالوا له: هيكل رجل ms45 ~~داهية، عفريت، الدنيا وسائط، لا توكل أحدا. ثم يعددون له ما حل من مشاكل كبار عدا ~~الصغار، أصحابها إما موتى، وإما غائبون، أو مجهولون. # أما هيكل، وهو من المغامرين في الثرثرة، فعنده لكل مقال مقام. يلجأ هنا إلى ما قل ودل، ~~فيتطلع تطلع النسر، ثم ينحني صوبك ليهمس في أذنك: الكبير منهم بيدي مثل الخاتم في الخنصر. ~~وإذا بانت في وجهك دهشة قال لك باستهتار: نعم، نعم. كبر وصغر يا سيدي. # ويتعرم عليك هيكل مشيحا بوجهه عنك، فيقرصك الوسيط قرصة لاذعة ليقول لك: صدق يا سيدي. ~~ويروي لك واحدة من خوارق الأستاذ هيكل ويختمها بقوله: الشكران في الوجه مذمة. ثم يغمزك ~~صارا أصابعه، مرجئا الحديث لئلا يجرح تواضع الأستاذ بلا علم ... # الناس مغارس، وكذلك هم هؤلاء الدجالون الهبالون، إذا مات منهم سيد قام سيد، قلما يخلو ~~منهم بلد. أما هيكل فهو رجل الساعة، له في كل عرس قرص، ينشر في الصحف كلاما يتملق به أولي ~~الأمر كما تتملق هرتك بحك جلدها، فيمسي مقربا منهم ولا حاجب عليه ولا بواب. # قد ينقع الحر الكريم عند أبوابهم ساعات ويأتي هيكل فيجره بطوقه، وإن احتشم فبطرف ردائه ~~كأنه يدعوه إلى مأواه، حتى إذا توسط به الديوان قدمه إلى صاحب الكرسي على أنه بيضة البلد ~~وزعيم المنطقة ... وبهذا ينفتح فم محفظتك، ولو كان مصابا بالكزاز، # 12 # لمن وقاك مهانة الابتذال وذل الوقوف على الأبواب. # وصدق هيكل نفسه فغرته عينه بجميع البشر، واتجه حديثه اتجاها جديدا لما كبر، فصار ~~يقول: أمس كنا مع فلان في «البار الفلاني»، وأول من أمس كنا في «السرك» الفلاني. خسر أكثر ~~من ألف ليرة، شرب حتى تلف، ثم يدق على صدره مؤكدا: أنا وصلته إلى بيته، منذ عشرين سنة لا ~~نتفارق، مثل اللحم على الظفر. # وذكروا له، في إحدى السهرات، شابا ولي الرئاسة قبل إبان الرئاسة، وسألوه: منو # 13 # مفتاحه؟ # فضرب هيكل صدره البهم وقال على الفور: أعرفه مثلما أعرفكم، كان المرحوم أبوه يعزني، الله ~~يعزكم، كان - الله يرحمه ويرحم ms46 موتاكم جميعا - يقول لي: دبر الصبي يا هيكل، أنا متكل ~~عليك. أمس رافقته إلى الجبل لزيارة شخص عظيم ورجعنا موفقين. مستقبله عظيم، هكذا تنبأت ~~لوالده، يا ليت والده عاش ليراه على الكرسي، ولكنه، في كل حال، مات مجبور الخاطر. # فقال صاحب الدار: لهذا الشاب - ودل على أحد الساهرين - دعوى في محكمته، يدفع ثلاثمائة ~~ليرة إن ربحها. # فانبسط هيكل وكاد يخرج من ثيابه وقال: خذوها من لحية عمكم هيكل. # وضربوا له موعدا فأتاهم، وقال وهو يقعد: على العشا قلت له: يا صبي، دعوى فلان تهمني. ~~احزروا ماذا قال؟ وحياة عيونكم قال: خذها من عيني التنتين يا عمي هيكل. ما ذكرت له المبلغ ~~حتى أعرف إن كان يذكر الفضل. مسكين، والله ما نسي، ولكني أخيرا أخبرته. # وبعد أخذ ورد قبض هيكل المبلغ وودع. فما بلغ الباب حتى استوقفه الشاب صاحب الدعوى وقال ~~له: تؤكد، يا خواجا هيكل، أنك تعرف القاضي؟ # فهز هيكل برأسه وقال: يا سبحان ربك، نحن نغني في الطاحون؟ قلت لك: تعشيت أمس عنده. # وكان صمت غير طويل تحدثت في أثنائه عيون القوم، فأدرك هيكل أن الفخ انطبق، ولكنه تماسك ~~وقال: إن كنتم لا تصدقوني فهذا مالكم. # وبينما كان القاضي يسترد المال أراق على جوانب شرف هيكل الرفيع شيئا غير الدم ... فاستخذى ~~هيكل وخرج وهو يمسح وجهه بكمه. # | إبراهيم القصصي # بعد معارك طاحنة وطويلة الأمد، قطع إبراهيم الشوط الأول من البكالوريا، ثم قصر في عقبة # 1 # الفلسفة فقعد حسيرا ملوما، وصبا إلى الجامعات فما فتح له الجزء الأول من ~~البكالوريا أبواب معاهد الحقوق؛ فقلع ثوب «جنسيته» وجاءها متنكرا بهوية غريبة، فقبل على ~~الرحب والسعة. # ورسب عدة سنوات فيئس وطلق الحقوق ثلاثا. التفت يمينا وشمالا فلم يجد خيرا من «الباب ~~الواسع» فولجه، وأخذ يمد الصحف بالأخبار المحلية، فأحس الناس بوجوده. ثم تخطى إلى ~~معالجة سياسة البلد وشئونه الداخلية، فانفتحت له أبواب ضواطير السياسة، فأمسى وإياهم ~~يمرحون في صعيد واحد ... # وتذكر بعد حين أنه عرض على معلمه - حين كانوا يتعلمون العروض - ما ms47 قرزم من شعر، فقال له: ~~إنك ستكون قوالا، # 2 # فهاجم أحد الرؤساء بقصيدة وقعت منه موقع استحسان؛ لأنه طعن بها على السلف ~~وقدس الخلف. وأعاد الكرة في مناسبة أخرى فحك للممدوح حكا أرضاه فقربه وأدناه؛ فهام ~~صاحبنا في أودية الشعر، ثم طمح إلى القمم مستعينا بالصحف فجعلته الشاعر الكبير، فمات من ~~الفرح. # ورأى أنه يحسن «الريبورتاج» فأخذ يمتحن ما يجريه قلمه من الأنهار في صحارى الصحف، فرأى ~~فيه عناصر القص، فشاء أن يكون قصصيا كبيرا، كما صار شاعرا كبيرا بباعه وذراعه ومعونة ~~صحف كان يغمرها بأخباره الملفقة. # انكب على قراءة بلزاك واستندال ودوستويفسكي، فما رأى عندهم معجزا. رأى أنه مثلهم، وأنه ~~يستطيع ما استطاعوا، فتمخض ووضع قصة عجيبة، لف المولود الجديد بأقمطة براقة، وطاف ~~بتحفته على دور النشر، فوعدته بمطالعتها ورد الجواب. وبعد أسبوع أعيدت إليه مع الشكر، فغضب ~~وسب دين بلاد ليس فيها من يتذوق الأدب السامي، وأخذ يعلن في الصحف التي يراسلها عن قصته ~~العجيبة، ويعد العالم العربي بظهورها قريبا، ومما كتبه في أحد الإعلانات: # فريدة، قصة جديدة ... مؤلفها الشاعر الأكبر ... فتح جديد في لغة الضاد. # فيها اشتباكات ديماس، ووصف زولا، وتحليل دوستويفسكي، وعوالم بلزاك، وشخوص شكسبير، ~~وخيال شاتوبريان. هي القصة التي يحل بها الأدب العربي محله العالمي، فليبشر أبناء ~~الضاد فقد صار لهم أديب مسكوني. # 3 # وبعد هذا الإنذار كر على دور النشر، فظلت هادئة الأعصاب ولم تندحر أمامه، فرأى أن يعمل ~~بقول المثل: ما حك جلدك مثل ظفرك. فعزم، بعناد، على أن يكون مؤلفا وناشرا، فدفع قصته ~~إلى كاتب شهير، فقدمه إلى القراء، وتعاونا تعاونا وثيقا على غزو العقول، فصدرت المقدمة ~~مرقومة بالحروف الأبجدية، عشرون صفحة علم فيها الكاتب الشهير الناس كتابة القصة، واتخذ ~~لها نموذجا قصة «فريدة» ذات الحوادث العجيبة، والتصوير الغريب، والتحليل النفساني الذي لم ~~يدرك استندال بعضه، ولا دوستويفكي أقله. # وظهرت القصة الفريدة فاستقبلتها الصحف المعلومة بالتهليل والتكبير، وعظمت صاحبها أيما ~~تعظيم، أما الأدباء الحق فصمتوا. ونعم إبراهيم بشهرة صحفية واسعة، ولم يكتف ms48 بما استجداه من ~~ثناء الأقلام الجوفاء، وبما كتبه هو عن نفسه بلسان الآخرين، فطمع باستدراج النقاد الكبار ~~... # وبلغ به حب الشهرة حد الوسواس، # 4 # فإذا جالسته أخذ يستدرجك إلى التنويه به والثناء عليه، وكلما فتحت فاك لتقول ~~كلمة تبتدئ بالفاء والراء ينتفض ظانا أنك ستقول شيئا عن فريدة ... حتى إذا أيأسته من هذا ~~جال في ميدان البحث الأدبي، وتفوق على ابن الأثير في مدح نفسه، ورأى أنه أغزر ألوانا من ~~جبران. # ونام ذات ليلة حزينا، ضامه ركود الثناء وهو ممن يحبون أن يذكروا كل يوم، فقال في قلبه: ~~الشهرة أقصى أماني الرجال وخصوصا الأدباء. # وبعد أن استرخى في فراشه رفس اللحاف وقعد يحسب ما ربحه من سوق الدعاية، فعزم على إنفاق ما ~~جمع في أشرف السبل، وبعد محاولات هدأت أعصابه فنام، وملأ قلبه أمل لا حد له ولا طرف. # وبكر في الغد للاصطباح عند أحد أصدقائه، وسأله أن يؤدي له خدمة لا تكلفه شيئا، وعرض ~~عليه الفكرة، وبعد أسابيع كان احتفال في أكبر فنادق الثغر، «علفة» # 5 # لها ما بعدها أقيمت على شرف القصصي العظيم. # قام الشعراء والخطباء بما وجب، وتقدم أناس معدودون لهذه المهمة وسألوا المؤلف أن يوقع على ~~نسخ من قصة «فريدة»، ففعل ذلك بتواضع. وفي الغد ظهرت كلمة في جريدة رصينة هذا نصها: # حقا إن الأدب مهزلة في هذا البلد، إذا أقيمت حفلة على شرف مؤلف «فريدة» فماذا ~~نترك لمؤلف تغريبة بني هلال؟ يا ضيعة الحبر تسود به صفحات لا تبيض وجه البلاد! ~~كان قد هان علينا الأمر لو لم يمثلوا هذا الدور المضحك المبكي، ولو درى المؤلف ~~المغفل أنها مهزلة لاختار طريقا أمثل من الطريق الذي سلك. إن سكون ريح النقد عندنا ~~جرأ زعانف # 6 # الأدباء على التأليف، ولولا التدجيل الذي يؤدي إلى التضليل لظل صاحب ~~«فريدة» في حقله، ولم يقتحم الغابات العذراء التي لا يرتادها غير النوابغ ... فما ~~دامت الأقلام تحابي وتكتب ما يوحى به إليها، فلا ينتظر أن يكون لنا أدب ~~صحيح. # وفي غرفته ms49 التي رتبها ونظمها على طراز فني، قعد صاحبنا تحت المصباح الكهربائي المحجب ~~بمظلة بنفسجية يطالع «رسالة الغفران». وجاءه أحد أعوانه بالصحيفة فقرأ ما كتبه بحيرة ودهشة ~~وقال في نفسه: يا للعجب! إن قصتي لمامة، الفصل الأول من عند موباسان، والثاني أخذ عن ~~فلوبير، والتحليل لدوستويفسكي، والغرائب عن ادغار بووديماس، والتعابير أكثرها عن فصحاء ~~العرب، فكيف لا تكون قصة «فريدة» فريدة؟ الحق مع المتنبي والشعراء الذين قلدوه فيما بعد: ~~إنه الحسد، فأكثر النقاد حساد ... فليفطسوا. # ثم بدا في وجهه غضب حليم، فضرب مكتبه بجمع يده وقال: أنا خالد، وكتابي خالد، غدا تقدرني ~~الحكومة فتزين عنقي بقلادة المجد، أو تبصم صدري فيشع عليه نجم الافتخار. وقد ألفت منذ ~~اليوم لجنة تعنى بتكريمي وتلتمس ذلك. # وجره الحزن العميق إلى وادي الكرى، فرأى أنه في العالم الثاني، العالم الذي لم يره، ~~ولكنه قرأ وصفا له. رأى نفسه في كوخ حقير، ليس فيه غير حصير مقطع، وقربه كوز معشوشب، وليس ~~حول ذلك الكوخ غير قندول، وعجرم، وعليق، # 7 # فلم يعجبه ذاك المصير. # والتفت فرأى من بعيد رجلا ينظر إليه ويبتسم، فقال له: من أنت؟ فأجابه: ما عرفتني؟ أنا ~~الصاحب بن عباد، لقد مت بموت دعاتي، ومات معي من دعوت له كذبا وزورا، وعاش بعدي وبعده ~~الشاعر العظيم. كان يجب أن تعتبر بي، فكل ظل يزول إلا الأدب الصحيح، فسبحانه! إنه الحي ~~الباقي. # | السلالم! # لما لملمت عاصفة الانتخاب أذيالها حتى انقض القرويون من جبالهم الصلعاء على العاصمة، ~~يلوحون بعصيهم ونبابيتهم، # 1 # وعلى رءوسهم لبادات # 2 # كقوالب السكر، معصبين عليها بكوفيات مختلفة الألوان. السكاكين المزرعانية ~~والخناجر الجزينية مشكوكة في زنانيرهم العريضة، وفي يد كل فتى معتد بنفسه طبر # 3 # ودبوس. # 4 # وفي كل هنيهة تنطلق غدارة # 5 # فتوقظ القمم الغافية حول الطريق. # لم يبق في القرى إلا الحزب المقهور، تأكل قلبه الخيبة، وينتفض كلما قرع الجرس، أو غني ~~بيت «عتابا» أو «ميجانا» يحسب كل بادرة في القرية نكاية وتحرشا به. # مرت الوفود عجالى على ساحة البرج يعرب ms50 هزجها عن الفرحة الكبيرة بفوز «النائب» الكريم، وإن ~~كان أكثرهم لم يروا خلقته ... يتقدم كل ضيعة زعيمها الذي زرع الدنيا آمالا وأماني، حين دعا ~~للنائب مأجورا أو موعودا ... فريق أكبر همه عزل المختار المستبد، وفريق يرى كل النصر في فض ~~البلدية وتعيين الرئيس والأعضاء من أفراده، وجماعة يحلمون بشق الطريق، فضيعتهم من لبنان عند ~~الجابي، وليست منه ساعة اقتسام الميزانية ... هي حبيبة قلب النائب حتى مساء يوم الاقتراع، ~~ويغيب عنها وجهه الكريم ووجه سماسرته مع غياب شمس ذلك النهار. وجماعة ينتظرون المياه، فقد ~~أسقمتهم مياه الآبار الموبوءة، وجميعهم موعودون «بمدارس» يتعلم بها أولادهم الهمل. # 6 # أما قيدومهم # 7 # فتوظيف «ابنه» يشغل باله ... «فالمحروس» حامل السرتفيكا، والسرتفيكا اللبنانية ~~تخول حاملها حق فتح مدرسة ... ووجيه القرية تعب وضحى، ولولا مساعيه المشكورة لم تقم للحزب ~~قائمة. أما كان الفرق سبعين صوتا بين المجلي والمصلي؟ إذن فأصوات ضيعتنا هي التي أمالت ~~الكفة، ومن قال غير هذا نفقأ في عينه حصرمة ... لو ضوءوا أصابعهم العشر قدامنا ظلوا ~~مقصرين. هكذا كان يقول في قلبه. # كل هذه المآرب تكومت حول بيت «النائب» الذي ملأ الدنيا وعودا لو تحقق واحد منها لباهى ~~لبنان سويسرة. ضاقت ساحة البيت على الوفود التي تنصب فيها، فتصادموا بالرءوس والمناكب ~~ليفوزوا بطلعته البهية، وحميت المجاحشة بين الوجهاء على الدنو من جنابه، وهز يده بحرارة ~~على عيون الناس، فالعظيم من وقف حده. # كان استقباله لهم مرضيا، وإن قل عرض ابتسامته بعض الشيء، وهزلت هشاشته وبشاشته عن ذي ~~قبل. لقد غاض كثير من ذلك اللطف العرمرم الذي بدا منه حين زار الضيعة، كان ينحني فيها ~~احتراما للمكاري # 8 # والمعاز، # 9 # وقد خلع كتف الخوري حين انكب على يده يقبلها إظهارا لتقواه، واليوم يستقبل ~~برخاوة يد حتى أبو طنوس الذي فتح بيته، وسيب # 10 # معجنه للمصوتين مدة «المعركة». # لم يدرك العوام ذلك فظلوا يحدون ويتهددون خصمهم، كانت أغاني القوالة # 11 # تملأ آذان النائب فيفرح بالثقة الكبرى، والشعبية القوية التي لم تر بيروت ~~مثلها، ويلتفت إلى زميله ms51 قائلا وهو يهز برأسه: قلوب طيبة ياهو، ما شلاه! # 12 # فيضحك النائب الآخر ويقول: وجماعتي أطيب! # كان وجه النائب يعبس حين يذكره «الهازجون» # 13 # بوعوده الغزيرة. ولما جاء دوره خطب فيهم وأجاد الشكر، وقال إنه لا يضن على ~~أنصاره بشيء حتى روحه، فصفقوا تصفيقا حادا، وأطلقوا آخر ما معهم من خرطوش، وعادوا إلى ~~ضيعتهم يبتهرون # 14 # ويتهددون، فنبض نائبهم قوي كما كان قبل الانتخاب، وإن انكمشت ابتسامته واصفرت ~~قليلا ... # وانتظروا مهندسي الري والطرقات، وترقبوا الصحف ليقرءوا مراسيم العزل والتوظيف وفتح ~~المدارس. تذاكروا شئون حقولهم التي تصلح جنائن، والطريق المزفتة التي تنقل ثمارهم العتيدة # 15 # إلى أسواق المدن، واستعرت # 16 # نيران المنافسة بينهم على من ستكون جنينته أحسن، وأخيرا تركوا الحكم للأيام ... ~~وكان حكمها قاسيا. # أما «صاحبهم» فكان مشغولا بنفسه، يعللها بمنصب أسمى، ويستغل تلك المظاهرة، فهاب ~~المضطلعون بالحكم «شعبيته» وأصاب السهم المعلى. # 17 # وانتظر جماعته حتى ملوا، عملوا حساب فضلهم عليه فوجدوا أنهم لو لم يؤيدوه لكان اليوم ~~يبيع مما يملك ليفي ديونه. إذن فلهم عنده دين مستحق، وما عذره، وهو رجل الساعة؟ وإذا كان لا ~~يعمل، فمتى؟ # وخرجوا من الكنيسة يوم أحد قال فيه الإنجيل: اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم. فقال ~~عقيدهم: نخوة # 18 # يا شباب، إذا كان سيدنا يسوع المسيح، وهو أبو الرحمة، لا يعطي بلا طلب، ولا ~~يفتح لأحد بدون دق باب، فكيف الحكومة؟ # وبعد التشاور وجهوا إليه ثلاثة انتخبوهم بعد جدال عنيف، فاستكان على مضض من ظنوا أن ~~القرعة تصيبهم. # ومكث الوفد أسبوعا في العاصمة حتى قابل الزعيم ثلاث دقائق، وعاد من عنده مثقلا بالوعود. ~~وبعد أشهر ظهرت الميزانية وليس فيها شيء، لا طريق، ولا ماء، ولا مدرسة، ولا موظف، ولا ولا ... ~~فغضبوا غضبة مضرية، ولكنهم بلعوها خوف الشماتة ... وكان صاحبهم يعلو ويسمو وآمالهم تكبر ~~وتنمو، ولا شيء يتحقق. شعاره معهم قول المثل العامي: أسقيك بالوعد يا كمون. # 19 # وأخيرا عولوا على اقتحام المدينة جميعا مهنئين ومطالبين «نائبهم» الجالس سعيدا على ~~كرسي الحكم، وإذا لم ينجحوا ms52 اتخذوا خطة أخرى، وتعلموا درسا جديدا من الحوادث. # كان عهدهم ببيت «النائب» صغيرا، وهو في شارع كذا، فإذا به صار قصرا، وحوله عرصات فسيحة ~~ظهروا قليلين فيها، فتهيبوا الموقف. على البوابة جندي يخفر المدخل، فدخلوا الباحة بعد ~~الاستئذان، وحاولوا الارتقاء في السلم الرخامي ذي الساعدين المعقوفين فمنعوهم. والتمسوا ~~مقابلة «صاحبهم» فقيل لهم: مشغول بشئون الدولة، خارجية وداخلية. # استقبلهم بالنيابة عنه أحد رجاله؛ فأصروا على مقابلته هو لأن لهم قبله مطالب وليسوا ~~بالمتطفلين عليه. # فأجابهم: اكتبوها ... فهز أحد الأهالي رأسه وقال: كأنك لا تعرف قول المثل عن الحبر ~~والورق! # وصاح الجمهور: أين صارت الطريق؟ ... ففات الرجل مثل الحبر والورق، فضحك وقال لهم: معاليه ~~مهتم بها. ~~- والماء؟ ~~- أيضا. ~~- والمدرسة؟ ~~- أيضا وأيضا. ~~- والبلدية والمختار والناطور؟ ~~- كله يصير. ~~- هذا كلام سمعناه مرات، قل له يطل علينا على الأقل، لنا حديث معه. ~~- هذا غير ممكن الآن، في رأسه ألف مشكلة، دوخه شغله الكثير. فقال جسورهم: ونحن تركنا ~~شغلنا وقابلناه لما زارنا، وتقاتلنا لأجله. يتخبأ كأنه لا يعرفنا؟ # فقلب الكاتب شفتيه، وهز كتفيه ... وانفتحت البوابة بعنف، فدخل وسفق # 20 # الباب خلفه، فعلا الصراخ والصياح، ولوحوا بالنبابيت والدبابيس والعصي، فهرع ~~الخفير إلى التلفون يطلب قوة ترد الرجال المحمرة عيونهم عن بيت الزعيم، ولكن شيئا من ~~هذا لم يقع. # وقع حادث غريب جدا، تحقق حلم سلم يعقوب الذي امتد بين السماء والأرض فصعدت عليه ~~الملائكة ونزلت، هذا سلم قصر الزعيم يقف في الجماعة خطيبا، استحال ساعداه يدين رهيبتين ~~أشار بهما إلى الحشد فخرجوا جميعا، وأصغوا إليه بأفواه نصف مفتوحة، فقال لهم: # يا إخواني، تريدون دخول القصر العظيم، هيهات هيهات، في الدنيا سلالم مختلفة: ~~سلالم حجرية، سلالم خشبية، سلالم من لحم ودم، وأنتم واحد منها. # أما سمعتم قول ذلك الفيلسوف: كانوا سلما لي فصعدت عليهم؛ ولذلك اضطررت إلى ~~دوسهم لإتمام سيري، أما هم فحسبوا أنني أستخدمهم للصعود والاستراحة عندهم. # مساكين أنتم يا جماعة! أنا أحمل الناس على ذراعي ليدخلوا القصر الشاهق، فأكافأ ~~منهم بمسح أرجلهم بجبهتي. يستندون على أصابعي ms53 لئلا يسقطوا، وإذا دخلوا قعدوا ~~يتنادمون ويسمرون، وأظل خارجا، أقاسي حر الصيف وبرد الشتاء، وإذا منوا علي ~~فبقليل من الماء، ومكنسة عتيقة ليذهبوا أقذارهم عن سواعدي وصلعتي. # 21 # أنا سلم، أما أنتم فسلالم ومطايا تحملون الذين يصعدون على ظهوركم ورءوسكم ~~وأعناقكم. أقسم لكم بالله أنني ما دخلت القصر، وكثيرا ما ينسفونني ويهدمونني إذا ~~تعرضوا للخطر ... نحن في الهوى سوا يا إخواني ... # وتعجب الخفراء من صمت الجمهور العميق وتحديقهم إلى القصر، فقالوا لهم: لا تنتظروا، ~~فالزعيم خرج من الباب الخلفي، روحوا في سبيلكم. # وتعجب الجمهور من بلاهة الخفراء فقالوا لهم: ما سمعتم وعظة سلم القصر؟ # فصاح بهم عقيد الخفراء: مجانين أنتم يا بشر، السلالم تتكلم؟! # فأجابوا: نعم، نعم! وأبلغ وعظة سمعناها وعظتها. # فضحك العقيد وقال لهم: مساكين أنتم! من لم يكن لنفسه واعظا كلت عنه جميع المواعظ. ~~امضوا بسلام، وانتظروا الدورة الآتية ... ولكن المجاذيب لا تتعلم! # | حزبية بلهاء # مل العقال حياة القرية الصاخبة بعد ما تعودوه من العيش الهنيء الهادئ، رجعوا إلى ~~أنفسهم فأدركوا أن في تقسمهم أحزابا سلب راحة وضياع مال، عرفوا أنهم آلات مسخرة يديرها ~~فلان وفلان طمعا بوجاهة محلية رخيصة، فحاولوا إصلاح الحال، ولكنهم لم يقدروا على توجيه ~~بنيهم؛ لأن كلا منهم يتعصب لرجل تعصبا أعمى. إذا اجتمعوا في عرس تشاجروا، وإن ضمهم مأتم ~~حولوه ساحة عراك، وإذا جاء عيد - وما أكثر أعيادهم - تسيل دماؤهم على حبل الجرس، وتنوب ~~العصي والشتائم عن تسابيح العيد وتهاليله، وهكذا أصبحت تلك المواسم مآتم للأمهات. # ورثى وجوه # 1 # القرى المجاورة لمنقلب جارتهم المضحك المبكي، فتوافدوا إليها لإصلاح ما أفسدته ~~الحزبية البلهاء، ورتق ما فتقه الشيطان، ولكنهم خابوا؛ فكل زعيم من هؤلاء الزعانف يدعي ~~البراءة ويتنصل من التبعة ملقيا المسئولية على كتفي خصمه، وإذا دعاهم المصلحون إلى اجتماع ~~طمعا باستحيائهم إذا وقعت العين على العين، لاذوا بمحاذير كاذبة، ومضوا في غوايتهم يشدد ~~بعضهم بعضا، أو يقهرون خصومهم ويمحقونهم. # وهكذا صارت القرية الآمنة وكر شغب وعش نكايات: كبس بيوت واستغاثات، نبابيت ودبابيس تنطق ~~بتمجيد ms54 رءوس فارغة، فلم ير بعد هذا من يتجول وحيدا، يسيرون في الأزقة والدروب ثني ~~وجماعات، معتمدين على خناجرهم وسكاكينهم. وقد تطلق مفرقعة فيعلو صراخ من يحب الاتهام زورا ~~وبهتانا، وترفع الشكوى حتى أزعجت برقياتهم مركز المتصرفية. # وبلغت أخبار القرية مسامع السيد المغبوط # 2 # فوجه إليها أحد أعضاء ديوانه، فعاد كما جاء. زعم لصاحب الغبطة أن القلوب قاسية ~~متحجرة لا يسمعون كلام الله، فالسعي عبث، والتعب ضائع مع أناس همج # 3 # أو كالهمج؛ فرأى غبطته أن يرميهم بالمرسل البطريركي الخوري يوسف اللاذقاني لعله ~~يلقي في تلك القلوب الصخرية بذور المحبة، وأمره أن يعمل لهم «رياضة» روحية، لا تنقضي حتى ~~يتوبوا ويعودوا إلى الله، فقد تعود هذا الأب الحسن السيرة أن يتغلب على الشيطان الرجيم ~~ويطرده من كل قرية عشش فيها. # الخوري يوسف طويل جدا، كأنه القناة المثقفة، أصفر كالزعفران، لحيته كالتي رآها ابن ~~الرومي في وجه حبيب قلبه البحتري، أنفه معقوف كمنقاد النسر، أهوج، # 4 # ناري الطبع يهب كالبنزين إذا امتد إليه أقل قبس، # 5 # يحب حتى الهوس حل المشاكل، وكلما تعقدت ازداد فيها رغبة. وثق الناس بفضائله ~~المسيحية حتى غالوا فيها، فنسبوا إليه المعجزات وخصوصا بعد غيابه سنوات في المهجر. # وبلغ الضيعة خبر مقدمه، فاهتزت قلوب العجائز لهذه البشرى، وحمدن الله الذي سيكحل عيونهن ~~برؤية اللاذقاني قبل الوفاة، والتماس بركاته ودعاه. # أما البنيات فطرن فرحا بتشريفه، وهو من عرف لدى الخاص والعام بالحملة على الشبان الذين ~~يؤجلون الزواج، فإذا دخل قرية واعظا يعنيه قبل كل شيء أن يعرف «اللفايات»؛ أي تردد الشباب ~~على هذه وتلك ، فيستأصلها إما بزواج مقدس يباركه هو قبل تحوله عن القرية، أو بقطع كل علاقة ~~بين هذي وهذا، ففي شرعه أن كثرة الترداد تفسد النيات السليمة وتفرط ما نوى الشباب على ~~عقده. # وإذا درى بعلاقة جنسية غير نقية شهرها # 6 # من على المذبح، وإذا نصح المتحابين وما ارتدعا لجأ إلى «الحرم». وصاحب الغبطة ~~لا يرد لمرسله طلبا، وبالجملة هو عدو العشاق الأكبر، جبار في الكنيسة، لا ms55 يحابي ولا ~~يصانع، شعاره في أعماله الرسولية الآية القائلة: «هو ذا الفأس ملقاة على أصول الأشجار، فكل ~~شجرة لا تثمر ثمارا صالحة تقطع وتلقى في النار.» # ألقى مقدمه الرعب في قلوب الرعية وخصوصا الزعماء، خافوا على عنادهم من الاندحار فأتمروا ~~على الثبات في وجهه. # قال أحدهم وهو كبيرهم: اعقلوا يا جماعة، أنتم لا تعرفون اللاذقاني، هذا خوري لا يلعب، توقوه، # 7 # قلت لكم، فبكلمة واحدة منه يخرب بيوتكم إلى أبد الآبدين، البطرك يسمع له ~~ويصدقه، والحكومة تلبي البطرك، وقد فهمت أنه جاءنا واعظا، ويصير قاضيا إذا خالفناه، ~~ويرمينا بحجره، توقوه يا جماعة. # فتناظر الشبان ثم قالوا: يفرجها الله، أهلا وسهلا باللاذقاني. # وسألوا أم طنوس، جدة الوجيه الذي ينتصرون له، عن اللاذقاني؛ لأنه نزل في بيتهم يوم كان ~~زوجها وكيل وقف الضيعة، فأخذت تخبر أخبارا عن عجائبه أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة، منها ~~أنها امتحنته ليلة، فوضعت له شمعة حد مخدته ولم تترك له علبة كبريت، وهذا الخوري يستحيل ~~أن يكلم امرأة ليلا، فتحسس فلم يجد علبة النار، فنفخ نفخة غضبان لحرمانه صلاة الليل، ~~فاشتعلت الشمعة وركع يصلي فرضه. # وروت عجوز أخرى أنه كان يخبز «البرشان» # 8 # للقداس، ففرت دجاجة بعثرت ما أعده الخوري قربانا وحطمته، فزجرها داعيا ~~عليها: ليتك في بوز # 9 ~~«الواوي»! ففرت الدجاجة فتلقاها ابن آوى غنيمة باردة ببركة اللاذقاني ودعاه ~~الصالح ... # وظلت الضيعة هائجة مائجة منتظرة المرسل، والمرسل لا يأتي، إلى أن ظهر يوما بغتة. دخل ~~الكنيسة صباح الأحد، والناس في القداس، فعرفه من الخبر من لم يعرف وجهه، وساد الهيكل سكون ~~عميق. مشى في صحن الهيكل بوقار، فخلت سروة تمشي، واستقر على «الخورس» # 10 # خاشعا مصليا، وقبل نهاية القداس مشى إلى المذبح وقرأ على الناس مرسوم صاحب ~~الغبطة، ودعاهم جميعا إلى حضور الوعظ: مرتين للرجال والنساء معا، صباحا ومساء، ومرة ~~للنساء وحدهن عند العصر، وتسهيلا لأشغال الضيعة، وعد بانتهاء وعظة الصباح مع شروق الشمس، ~~والابتداء بعظة المساء بعد الغروب، فالحضور واجب ولا سيما أن القرية خلت ms56 من المحبة ~~المسيحية، فلا بد من إعادة السلام إليها طوعا أو جبرا. # فهز المعتدون بأنفسهم رءوسهم، وقال فتى جاهل: نبض المحترم قوي. فأسكته القاعدون ~~حده. # ومشى الوعظ بحسب البرنامج الذي تعود وعاظ الرياضات # 11 # اتباعه: محبة القريب، السعادة الأبدية، جهنم، الدينونة، عواقب الإنسان الأربع. ~~فكانت ترتج الكنيسة وترتعد الفرائص # 12 # عندما كان اللاذقاني ينتفض على المذبح صارخا: تذكر عواقبك يا إنسان. # كان اللاذقاني يؤخر المواعظ الراعبة إلى آخر الرياضة، ويقلل الأنوار في الهيكل عند ~~إلقائها، فيمتلئ الشعب رهبة إذ يرى على المذبح شبحا رهيبا كأنه مارد ألف ليلة ~~وليلة. # ورأى أن مواعظه لم تؤت الثمر المطلوب فأخذه العجب، ورماهم بأرهب عظاته. العظات معدة، ~~وهو يعرفها واحدة واحدة، فيختار منها ما يطابق مقتضى الحال. كان إذا ألقى أصغر قنابله ترتفع ~~الآهات وتعلو الزفرات ويتصاعد النحيب من زوايا الكنيسة، فما بال الضيعة قاسية قلوبها؟ إذن ~~فليلق قذيفة من العيار الثقيل. # والتفت فرأى دموعا تترقرق على وجنتي المعاز الهرم مخايل ساسين، ونظره عالق دائما بوجه ~~الخوري لا يتحول عنه أبدا. أفرح المشهد قلب اللاذقاني، وظن أن كلامه وحركاته أثرت بالمعاز ~~فراح يبالغ فيها. # والتفت مثنى وثلاث ورباع فرأى الدموع تطرد فوق خد المعاز فحدثته نفسه باستغلالها، ~~فحول وجهه صوب الموعوظين وصاح: قال السيد في إنجيله الطاهر حين وعظ على الجبل: طوبى ~~للنقية قلوبهم فإنهم يعاينون الله. عجيب غريب، لا يؤثر كلامي إلا في المعاز، أما الوجوه ~~والأعيان فقلوبهم متصلبة. نعم، نعم، إن حناجرهم قبور مفتحة، وسم الأفاعي تحت شفاههم، كما ~~قال النبي داود. # وسكت هنيهة، ثم تنحنح وقال: إن دموع العم ميخائيل ترد غضب الله عنكم أيها الأشرار، فدمعة ~~توبة صادقة تخمد نار جهنم، ولكن يا ميخائيل، بالله قل لي ما يبكيك؟ أنا متأكد أنك نقي القلب ~~وستعاين الله. # فتنهد مخايل وأجاب بعدما ألح عليه الخوري مرات: يا حبيب قلبي أنت، يا معلمي خوري يوسف! ~~عندما تلوح بيدك وتشترب (تشرئب) أتذكر فحلنا # 13 ~~«بروش» الذي أكله الذئب عام أول. # | مرفع! # في ليلة شباطية ms57 كأنها العروس في ثوب الإكليل، قالت أم طنوس لرجلها على إيقاع موسيقى ~~أسنانها: أين نحن من المرفع؟ # 1 # الكبش رزح إليته، يا بارك الله، صارت أكبر من الجاروش. # 2 ~~- اعلفيه، كلما زاد الخير نفع، لا تقولي إلا جا المرفع، بعد جمعة ونصف يا أم طنوس. # فرقص الأولاد تحت اللحاف وسنوا أضراسهم لمعركة الرفع، اشتاقوا إلى اللحم، فقد ودعوه ~~في تشرين. ذبحوا كبشهم الأبرش يوم عيد مار جرجس، فأكلوا ما أكلوا، وملئوا البراني # 3 # شحما ولحما. تلك وقود أيام كانون ولياليه متى خرت المزاريب. # 4 # اللحم يدفئ العظام، أما النار فتدفئ الثياب. هكذا خبرهم السلف الصالح. # هذا بعض سمر # 5 # الليل، أما حديث النهار على أبواب المرفع فكان: كم رطلا تجرد # 6 # مرفعية مخول؟ وكم يعمل ثني # 7 # يوسف؟ وجدي حنا لحمه رخص مثل الندي، وكبش إيليا لحمه عاس، وقرقور حنينة يأكل ~~ولا يجتر، مسموم لا يسمن، وخروف أم طنوس يفوت العشرين رطلا. # وقبل المرفع بأيام يعاير بعضهم بعضا ويتخاطرون، والموعد الأحد في الثاني والعشرين من ~~شباط، وإذ ذاك تعرف القرعاء من أم قرون. # 8 # وجاء أحد المرفع فتحلقوا في ساحة الكنيسة يتنافسون بمرفعياتهم، أحاديث حامية أشبه بالنقار ~~واللغط منها بالمذاكرة، الخوري يروح ويجيء تاليا صلاة الصبح الطويلة في كتاب الفرض، يكاد ~~ينشق صدره من أحاديثهم. أما جاءوا ليسمعوا كلام الله، ويذكروا «موتاهم» بصلواتهم هذه جمعة ~~الموتى؟ فما بال هؤلاء المجانين لا يلهجون إلا باللحم والخمر؟ نسوا تعاليم الكنيسة التي ~~تأمرهم بالصلاة في هذه الجمعة. صح فينا المثل: عند البطون ضاعت العقول. # وأطبق كتابه ليقول لهم هذه الكلمة، ولكنه خشي أن يجاوبه أفرام الشقي فيقع الشر بينه وبين ~~أولاده، فأرجأ ذلك ليقوله في الكنيسة. # ودخلوا الهيكل وكلهم يلهجون بالمرفع وأفراحه المنتظرة، وأقام الخوري صلاة الموتى ~~الجهورية يعاونه الشمامسة. # 9 # وفي ختامها سأل الشعب أن يصلي لأجل راحة أنفس الموتى الراقدين بالرب، وشرع يتلو ~~قداسه. # لم يكن الإصغاء كالعادة، فتمرمر الخوري على المذبح. لم تقع عينه، وهو يبخر الشعب، إلا على ~~رجل ms58 واحد متخشع يصلي بحرارة، تارة يسجد مقبلا الأرض، وطورا يرفع نظره إلى صورة قديس ~~الضيعة، ويقرع صدره بانسحاق قلب. كان الخوري يتعزى إذ يرى هذا الفقير يصلي بحرارة فيقول ~~في نفسه: أنا أعظم من ربنا؟ أما قال للوط: لا أهلك المدينة من أجل العشرة؟ غنطوس وعيلته ~~فوق العشرة. # وهجمت عليه بغتة فكرة ثانية، فقال: غنطوس يصلي بحرارة لأن ليس عنده مرفعية، الآن فهمت ~~كلام الإنجيل: طوبى للمساكين، إن لهم ملكوت السموات. # وشعر بتشتت أفكاره فجمعها ومضى في قداسه. وبعد أن تلا الإنجيل قام في رعيته واعظا، فقال: # يا إخوتي المباركين # جعلت الكنيسة المقدسة هذه الجمعة تذكارا للموتى، وما معنى تذكار الموتى وكيف ~~نذكرهم؟ بالبكاء والنحيب! لا، هذا ممنوع، والدليل قول بولس الرسول: إن الذين يموتون ~~بالرب لا ينبغي أن تحزنوا عليهم. إذن، فبم نتذكرهم يا إخوتي؟ نتذكرهم بصلواتنا، ~~نتذكرهم بتضرعاتنا، بصدقاتنا وإحساننا إلى المحتاجين منا. # فتنهد هنا غنطوس عن غير قصد وبلا شعور، وجأر بالصلاة هاتفا: أعطنا خبزنا كفاف ~~يومنا. # ومضى الخوري يقول: # ما وجدتكم فاهمين هكذا، ما سمعت في الجمعة الماضية إلا حديث مرفعيات: هذه الذبيحة ~~تعمل كذا، وهاتيك تعمل أكثر من هذي، ونبيذ فلان أطيب من نبيذ فلان، وخابية فلان ~~باردة، وخابية فلان مثل النار ... حديث لحم وخمر كأن ضيعتنا المشهورة بالتقوى ~~والعبادة استحالت خمارة. # لا تكونوا مثل الذين قال عنهم بولس الرسول: آلهتهم بطونهم، البطن مخزن التجارب ~~فلان تحشوه باللحم والخمر. # تذكروا موتاكم، يا إخوتي، في هذه الجمعة. كانت جمعة الأموات فصارت جمعة الخوات. # 10 # جمعة الأعراس والسكر، جمعة الرقص والدبك، والشر والتقاتل. # منكم ناس إذا قلنا لهم: لا تشربوا الخمر، قالوا: مار بولس جوز لنا ذلك لما قال: ~~قليل من الخمر يفرح قلب الإنسان، وخذ قليلا من الخمر لإصلاح معدتك. صار المجانين ~~لاهوتيين. مار بولس قال: قليل من الخمر، ولكن أنت، يا ابني، تشرب خابية ولا تروى. ~~مار بولس قال: خذ قليلا من الخمر لإصلاح معدتك. أما معدنا نحن إذا أصلحناها فكل ~~طحين الشام لا يكفينا. ms59 # وأنكى شيء هو قولكم: خميس السكارى. متى كان للسكارى خميس؟ # كلوا، يا إخوتي، وسروا، وافرحوا، ولكن لا تنسوا الإحسان والصدقة. تذكروا وأنتم ~~تأكلون، من ليس عنده أكل. # أشركوه في ذبايحكم، أشركوه بالخيرات التي أنعم الله بها عليكم. # وكان غنطوس لا ينفك يصلي بحرارة كأنه لا يفهم ما يقال ولا يعنيه منه شيء، وكانت عين ~~الخوري عليه دائما، فقال: # فكروا بالقريب وأنتم ترقصون وتدبكون، وتغنون وتزمرون. حافظوا على عادات أجدادكم ~~الطيبة في هذا الأسبوع. لا تعملوا كما يعمل غيرنا من جهال القرى: إذا لم يكن في ~~الضيعة عرس عملوا عرسا كاذبا. # فتغامز بعض الشباب بالأيدي والعيون كأنهم اهتدوا إلى فرح جديد لم يخطر ببالهم. # وقال الخوري: # يا إخوتي، من عادات جدودنا أن يزوروا الضيعة من أولها إلى آخرها، وبهذه الزيارة ~~يغسلون القلوب، ويتصافى المتخاصمون بهذه الطريقة، أنا مستعد أن أمشي معكم يوم «قطع الزفر». # 11 # فأجابه أحد المتورعين: # 12 # اقبلها راسا براس، اشكر ربك، يا محترم، إذا بقيت الحال على ما هي. # وختم الخوري عظته بالكلمة المأثورة: # كما ترفعون بخير تصومون وتعيدون بخير. # واستحالت الضيعة، كل جمعة المرفع، مطبخا: دعوات وولائم تقام هنا وهناك، أهازيج وأغان، ~~ميجانا وعتابا ومعنى، وأبو الزلف وموليا، والقرادي، شيخ الزجل في هذا الموسم، يقولونه ~~مدحا وجفاء، رقص وزمر ودبك، دق كبة وقلي أقراص، وقتار # 13 # اللحم المشوي ينبعث من كل بيت ... جنت الضيعة على مرأى خوريها وسمعه، وهو يسأل ~~الله أن يمضي الأسبوع بسلام. # وخاب أمل الشباب بالعرس المنشود، فعملوا عرسا كاذبا أنفقوا عليه بسخاء، فأدرك الخوري ~~أنها غلطته إذ ذكرهم لما وعظهم بما كانوا ناسين، ولكن الخوري ظل راضيا لأن جو الوئام لم ~~يتعكر. # ومشى الخوري وخوريته ليلة السبت إلى بيت غنطوس يحملان أقراص الكبة وطنجرة هريسة، # 14 # وما بلغا الباب حتى سمع الخوري غنطوس يقول لعيلته: صلوا مرتين «أبانا» ومرتين ~~«السلام»؛ لأجل عمكم المنقطعة أخباره في أميركا. # وعند انتهاء صلاة تلك العيلة البائسة دخل الخوري وزوجته بالطعام، فكان عشاء سري ~~حقا. # وصباح اثنين الصوم ms60 لم يحضر القداس وحفلة «الرماد» # 15 # غير طنوس وعيلته، وبضعة عجائز وشيوخ؛ فتذمر الخوري، ولكنه «قبلها راسا براس» ~~كما قال له أحدهم. # وقعد المصلون تحت سنديانة الكنيسة يتذاكرون حوادث المرفع في أثناء انتظارهم ساعي البريد، ~~ثم انضم إليهم كثيرون من ذوي المهاجرين، وكل يترقب النجدة من وراء البحر، فانكشف ذاك النهار ~~الميمون عن أعظم حدث في تاريخ القرية المتواضعة: رسالة من قنصل أميركا يسأل فيها عن غنطوس ~~إلياس المحفوظ له في صندوق حكومة الولايات المتحدة مبلغ مائة وسبعين ألف دولار تركة له من ~~أخيه. # فغرز الخوري أصابعه في لحيته الأشبة # 16 # وصاح: هذا مرفع يا غنطوس! # فاهتز غنطوس لهذه البشارة ومات موقتا. # | مرشد الأخوية! # لحيته عامرة شمطاء، # 1 # فائرة # 2 # على وجنتيه كالعجين التاخ # 3 # على حفافي المعجن. تكاثرت فانشقت حزبين، وعلى رأس كل حزب شارب حائم على المورد: ~~كلاهما متدليان كالصفصاف، يوقظهما «المحترم» # 4 # كلما جد في الكلام، فيرفعان رأسيهما هنيهة، ثم يعودان إلى التهويم # 5 # شيئا فشيئا. على رأسه «قاووق» # 6 # ناصل # 7 # الصباغ، تجهل - أول وهلة - أين تنتهي حدوده في صحراء جبهته البراقة. قاووق كفلكة # 8 # المغزل فوق قامة طالت واستدقت فضاع «أبونا» في جبته. # يشد خصره شدا عنيفا بزنار كان في فوعة # 9 # صباه قرمزي اللون، فتخال خصره الزنبوري مفروضا فرضا، أما عينا الخوري ~~فقادحتان قلما ثبت لهما أحد من أبناء رعيته. ومن يدم النظر إليه يغض طرفه غصبا عنه، ~~ويهتز كمن مسته الكهرباء. # ومن هذا «المركب» النحيل ينبعث صوت جهوري عريض يوبخ ويؤنب بلا مبالاة ولا خوف، صوت ~~كاهن مؤمن بسلطانه الرسولي فلا يمالئ ولا يحابي، يعلم ويعمل ناشدا الكمال المسيحي لنفسه ~~ولرعيته. # أنشأ «أخوية» # 10 # استمد روح نظامها من «أعمال الرسل»، محاولا إحياء الاشتراكية المسيحية الأولى ~~بين أبناء رعيته، فحقق كثيرا مما ابتغى واشتهى. وعمت أخويته القرية، فكان له في كل عيد ~~ثورة على الجيوب المنيعة، يتوقع خيرها الجزيل كل رقيق الحال. # وجاء موعد صلاة الأخوية - قرب ظهر الأحد - فدق الخوري الجرس أول مرة، ms61 وطفق يصلي متمشيا ~~تحت تلك الشميسة الناعمة، شميسة مواتية يندر وجودها في كانون، فاستبشر الخوري وعدها ~~نعمة. # وعند الدقة الثالثة أطبق «شحيمته» # 11 # ودخل الكنيسة، ثم عاد وهو يقلب صفحات كتاب كرشوني # 12 # لماعة مبقعة تزلق عنها الأصبع لكثرة ما تداولتها الأيدي ونقطت بالشمع، أكل ~~الدهر حبر ذلك الكتاب الخطي كما قرض الحبر الكثير الزاج بعض صفحاته فبدت كأنها مخرمة. ولما ~~وقع الخوري على الفصل الموافق لخطة في رأسه طوى زاوية الورقة وأطبق الكتاب، ومشى إلى الجرن ~~الموضوع حد زاوية الكنيسة، ثم استوى فيه فصار كأنه فوق منبر. # واستدارت حلقة أبناء الأخوية في تلك الشميسة، هؤلاء على حجارة، وأولئك على جذع السنديانة ~~الدهرية، وبعض الصغار في جوف الجذع يتوشوشون، فزأرهم الخوري فخرسوا. # أما النساء فقعدن ناحية، على صفة في ظل جدار الكنيسة المنخورة حجارته العتيقة، تتوسطهن ~~الخورية والشيخة. # شخصت أبصارهم جميعا إلى الخوري منتظرين ما يقرأ، ثم ما يشرح ويفسر ويعلق من حواشي، كانت ~~تعجبهم تعليقاته على هامش الموضوع أكثر من الكلام المكتوب المعاد، فالخوري - على جفاء شكله ~~- خفيف الروح، مرح، غير زميت، # 13 # طيب القلب، إذا راودته النكتة في أقدس الساعات لا يصدها. # أخذ يتجمع في ذلك الجرن ويتكوم حتى إذا ما تمكن فيه شق كتابه، وهو يتمتم: أول من أمس ~~كان عيد الميلاد، وبعد أيام يجيء عيد الختانة أيام راكضة. ثم التفت إلى القندلفت # 14 # وقال: دق دقة البداية يا سمعان. # فقرع سمعان الجرس خمس ضربات وجلس، فتنحنح الخوري وسأل دون أن يلتفت: كمل الجمهور؟ # فنظر سمعان إلى الجدول وقال: باق فلان وفلانة. # فسعل الخوري وقال مغتاظا: فلانة معذورة أم طفل، ولكن الشيخ بطرس ما هو عذره؟ # فقال أحدهم: رأس السنة، حساب كمبيالات وتحصيلات. # فقال الخوري: المثل يقول: ساعة لك وساعة لربك. وأتبعها بكلمة وهزة رأس أعجبت أبناء ~~الأخوية فضحكوا. وشرع يقرأ فصلا موضوعه: أحبب قريبك كنفسك. # ووافقت نهاية الفصل قدوم جناب شيخ الضيعة، فأطبق الخوري كتابه والتفت إليه قائلا: خلصت ~~من سماع كلام آبائنا القديسين، فسماع يا ms62 شيخ، كلام هذا الخاطي. ربنا وصانا، يا إخوتي، ~~بمحبة قريبنا كنفسنا، سمعتم قصص الذين عملوا الخير وكيف كان جزاؤهم فوق، وسمعتم كذلك حكايات ~~القادرين على الإحسان وما فكوا ريق فقير، وكيف استقبلتهم إخوتهم الشياطين تحت. المكاوي ~~طالعة نازلة، خذ وهات، على أيديهم، على أرجلهم، على رقابهم، على صدورهم، على بطونهم ~~وظهورهم، ما تركوا من جلودهم مغرز إبرة بلا كي. # وأخيرا ذوبوا الفضة التي كنزها الغني الشحيح والذهب الذي خزنه، وكل قرش أخذه وأعطاه ~~هذاك القليل الخير، وصبوها كلها دفعة واحدة في بطنه، ولوسيفورس # 15 # قاعد قبالته يتلذذ بالمنظر الشهي. # هذا الذي أصاب من حب ماله؛ وترك قريبه يشقى لأنه جوعان، عريان، بلا مأوى. الشيطان ذكي ~~منحوس - وجر واو منحوس جرا طويلا - يخترع القصاص الملائم والمؤلم المنكي. # وفيما كان الخوري يعظ بحرارة صاح مكار من خلف الكنيسة: معنا بطاطا، بطاطا ممتازة، بطاطا ~~بقعكفره. # فامتعض الخوري وعدل شاربيه وصاح: تعال يا بياع، اقعد اسمع كلام الله ونفق ~~حمولتك. # ثم التفت صوب الخورية - زوجته - وقال: عشرة أرطال تكفينا يا خورية؟ فأيدت قوله بحنوة ~~رأس، وابتسمت مع الضاحكين. # وقرفص # 16 # المكاري بين الموعوظين، ومضى الخوري في الإرشاد: يا أولادي، لا يا أولاد مريم، ~~ما معنى كلمة أخوية؟ # فأجاب أكثر من واحد: معناتها أخوة. # فقال الخوري: إذا كنتم إخوة فاقسموا قسمة حق، كما يقول المثل. لا يا إخوتي، أنا لا أطلب ~~قسمة حق، بل ربع ربع ربع الحق. يعني: أعطوني من الجمل أذنه. نعم يا أحبائي، عندنا عمل خيري ~~كله أجر، وصيت حسن. الأجر مؤجل، والشرف معجل، فتنبهوا وانتظروا. # ومضى الخوري في حديثه يمط ويمغط، فقال واحد: تفضل يا معلمي، احك. # فأيقظ الخوري شاربيه النائمين، وقال: أخوكم منصور حنا بلا بيت، عار على ضيعة مثل ضيعتنا ~~أن ينهد فيها بيت منذ سنتين ولا تعمره. # فتعالت الأصوات: قائمة - لائحة - امسكوا قائمة . # فقال الخوري: شيخ بطرس، تفضل. # فتلكأ الشيخ، فقال القندلفت: هذي قائمة، قولوا. # فزجره الخوري بنظرة حادة، وإذ لم يلحظ صاح به: أعط الشيخ الورقة. # فقال ms63 أحدهم: قيدوا، شغل عشرة أيام. # وقال ثان: خمسة. # وقال ثالث: سبعة. # وقال مكار: شغل ثلاثة أيام على الدابة. وقال آخر: ريال مجيدي. وقال غيره: نصف ~~مجيدي. # وكثر المتبرعون بأرباع المجيديات والبشالك والزهراويات. # 17 # ثم طغى التبرع فرقصت لحية الخوري الدبكة. # وانتظر الخوري دفعة الشيخ، ولكن الشيخ ظل هادئ الأعصاب، فقال الخوري: والشيخ بطرس؟ # فمأمأ جناب الشيخ وقال: ار ... ار ... ريالين. # فصرخ الخوري: وا لو! ابن عمك منصور يدور على أبواب الناس؟ افتح كيسك، افتحه، الله يفتح ~~بوجهك باب السماء ... إلياس دفع نصف مجيدي وما عنده عشا ليلة، ومتى مشته العضة بالرغيف ~~ويدفع بشلكين، وأنت الشيخ بطرس، يدخل لك كل طلعة شمس مبالغ ... تدفع ريالين؟ هذي ما أنزلها ~~الله بكتاب. # ولم ينفع الكلام، وحرن الشيخ. ظل عند قوله لا يتزحزح. نتش الخوري القائمة وعدلها ~~بنظرة مستعجلة وهز برأسه وقال: تأخرنا، قوموا نصل. # وبينما هم خارجون من الكنيسة إذا بعجوز تدفع إليه بيد مرتعشة صرة نقود قائلة: احسبها ~~يا معلمي. فحسبها الخوري، فأربت على ثلاثة ريالات، فألقاها في الكيس وبارك أم جرجس. # وكانت السهرة تلك الليلة عند المحترم، وفيما هم يسمرون فرحانين بما عملوا، جاء أحدهم وكان ~~قد غاب عن الأخوية بإذن، فقال: عرفت أنكم تبرعتم اليوم لأخينا منصور لتعمروا بيته، لا ~~تستأجروا معلما، أنا أبني البيت من أول حجر إلى آخر حجر. # فتناظر الحاضرون متهللين، وقبله الخوري في جبهته قبلة رنانة، والتفت نحو الجمهور متحدثا ~~إليهم بكل جوارحه ما عدا لسانه. # وانتصف الليل وما شعروا. وفيما هم يتسلون بأكل الزبيب والتين اليابس والجوز واللوز إذا ~~بصراخ حاد: دخيلك يا معلمي، عجل يا خوري يوسف، بطرس حصل له عارض. # ألقت زوجة الشيخ بطرس كلمتها من الباب وعادت أدراجها وهي تطبطب: # 18 # هذا كله من تغضب الخوري ... الله يقصف عمر البخيل ... ساعة عمر مثل الأوادم تسوى ~~الدنيا وما فيها، رجل دينه ومعبوده المال. # وسار الخوري مشمرا، فسبقها إلى البيت، رأى الشيخ بطرس قاعدا في فراشه يدعم رأسه بيديه ~~التنتين، فتقدم منه جاسا نبضه، ms64 وقال: بسيطة يا شيخ! # فأجاب الشيخ: قصة حلم بشع، هذي وحلة وعظة النهار ... # فضحك الخوري وقال: مليح، فإذن زرت جهنم ورجعت، الحمد لله على السلامة. # فتضاحك الشيخ وأخرج من عبه مفتاحا أصفر معلقا بتكة المصر، # 19 # وزحف نحو الصندوق. # كان في نيته أن يدفع خمس ذهبات، فلما رأى أنه لا يزال حقا على الأرض جعلها ثلاثا، ولما ~~واجه صندوقه اكتمل وعيه فأسقط المبلغ إلى اثنتين. # وأدار المفتاح في القفل فطن ناقوسه تلك الطنة المحبوبة، فطرب الشيخ ولم تطاوعه يده على ~~تسريح أكثر من واحدة من ذلك الجيش العرمرم. وبعد تردد طويل سقطت الليرة الذهبية في كف ~~الخوري. # فحدج # 20 # الشيخ بعينيه السوداوين، ووقف هنيهة وقفة المتردد، وأخيرا أدخل يده في جيبه ~~وهو يقول لمن معه: الشعرة من ظهر الخنزير بركة. امشوا ... # | مأتم قروي # ولد شلهوب وعاش في قرية تصبحها الشمس وتمسيها، فانتفع بالنور السابق واللاحق، وكثيرا ~~ما كان يدقق في حساب عمره، فيجد أنه عاش عمرين بالنسبة إلى جاره متى الذي لا يفلح إلا ~~إذا حمي النهار، ويفك فدانه # 1 # قرب العصر. كان يتهلل لهذه النتيجة فيشيع بشر صارم في قسمات وجهه المتنافرة، ~~ويرضى عن نفسه كل الرضا، فيثني عليها بصوت عال: مثلك تكون الرجال يا شلهوب! # النوم عند شلهوب ابن عم الموت؛ ولهذا قلله ليطول عمره، فكان يقضي السهرة إما بحوك ~~القصب سلالا وقوصرات، أو بخصف # 2 # النعال، أو بفتل حبال من الجلد فتل شزر # 3 # فتصير أطول عمرا. # ما مر قط بمسمار أو قطعة حديد أكلها الصدأ، أو طربوش عتيق، إلا التقطها ليقايض # 4 # بما لا ينتفع به مباشرة، فيكون للأولاد قضامي وحلاوة بلاش. أما مآثره التي ~~يتباهى بها ويعتد، فمنها أنه تأهل في السادسة عشرة، وأصاب أرضا مغلالا، فكان له اثنا ~~عشر ولدا وأربع بنات. كان يقلب فيهم رأسه الصغير المدور وعينيه اللوزيتين، ثم يزم ~~بأنف كمنقار البطة ويقول: الله يدبر. ومتى تجمعوا حواليه داعب هذا، وزجر تلك، ويده لا تنفك ~~عن عمله. # وشاخ شلهوب فقسم ما ms65 يملك بين بنيه، وراح ينتقل في تلك الأبراج الاثني عشر، وهو لا يملك من ~~دنياه التي أنماها غير أربعين ذهبا، ادخرها لتكون تكاليف رحلته إلى الآخرة. # أما زوجته فقد استراحت وأراحت، ما كانت ترضى، لم تطب لها الحياة مع شلهوب لبخله وتقتيره، # 5 # وكان في قلب شلهوب منها حسرة، فصارت بموتها حسرتين. عذبت قلبه بتدللها قبل ~~الزواج، وكلفته جهازا ينسى حليب أمه ولا ينساه، كما كان يقول. وإذا حسب ما بذر في حياته ~~جعل ثمن فسطان العرس المخملي ونفقة العرس في رأس القائمة. # كان يحسب هذا المبلغ وفائدته المركبة طوال خمسة وخمسين عاما، فيصفق كفا على كف تحسرا ~~على ثروة ضخمة أفلتت من يده، ويقول بصوت عال: راحت. # فيخال بنوه أنه متحسر على المرحومة والدتهم، فتغرغر عيونهم بالدمع. ثم يتوغل شلهوب في ~~دنيا ذكرياته فيتخيل مأتمها الحافل وما كلفه من ذهبات فتتزعزع أركانه: ثلاثة آلاف قرش! ~~ليتني ما سمعت من الناس وعملت بعقلي، كنت وفرت نصف المبلغ على الأقل. # وتلمس «كمره» الذي كان لا يحله لا ليلا ولا نهارا فاطمأن. لم يكن يأسف على فراق دنياه ~~كأسفه على هذه الذهبات التي سيتفرق شملها يوم دفنه، والفراق مر، فيقول: قلة عقل، خوري واحد ~~كثير علي، مسكين ابني داود! ركبته العيلة، أمس كانت حرمته طائفة بالحارة تفتش عن أقة خبز، ~~سمعتها تقول لأم جرجس: جمعة عمي عندنا، وما في معجننا رغيف، فانسلخ قلبي. # وكبرت مروءة شلهوب عند هذه الذكرى، فمد يده إلى عبه ليعطي كنته مجيديا ثمن عجنة، ولكنه ~~استظهر على التجربة بإرادته الحديدية فلم تلك اليد وبزق على الشيطان. إن المبذرين إخوان ~~الشياطين. # وعجت البقرة فصاح بكنته: عشي البقرة يا عمي، هذي حيوان لا يحكي ولا يبكي. # ثم عاد إلى تفكيره. أدرك أنه يضيع الوقت بالتفكير، فعذر نفسه؛ لأن العتمة تعوقه. ولو أنه ~~ضوا السراج كانت الخسارة أجسم، فما يعمله لا يوازي ثمن الزيت، فهو إذن قد وفر. # ونام تلك الليلة بعد صراع هواجس عنيف، فرأى أحلاما غريبة: موتى يخالطهم كأنه ms66 وإياهم في ~~شبابه، ورأى امرأته أيضا جاءت تطالبه بأشياء أشياء، وحسر اللحاف عن رأسه فرأى النور ينسل ~~من شقوق الباب فنهض من فوره، وخرج يتمشى على المصطبة مزيحا كابوس أحلام الليل عن صدره، ~~ولكنه غرق في أحلام اليقظة فقال: يظهر أن الله راض عني، انتظرت عزرائيل مرات وما جاء. ثم ~~استضحك وقال: الله يبعده. # وطفق يتأمل الضيعة وإطارها الجميل، فرأى منظرا عجبا، قد يكون كان، ولكنه لم يحس به كهذه ~~المرة. كل ما في الحقل جميل ثائر: جنت الزهور وتطاولت الأعشاب، واشرأبت شفاه البراعم، ~~والسنونو تهبط وترتفع كأنها ترقص في الجو، فأعجبه المنظر وتذكر الموت فقال عفوا: الله ~~يبعده. # ومر واحد من لداته فعزم عليه فعرج، وقعدا يتذكران أيام الشباب ويتحدثان عن الدينا ~~الزائلة، وذكر له شلهوب أنه أبصر في منامه زوجته، وتذاكرا في تأويل ذلك الحلم، فأجمعا الرأي ~~على أن زوجة شلهوب محتاجة إلى معونة روحية، فنوى شلهوب على إعطاء خوري الضيعة حسنة ~~قداس. # وأيقظ ابنه الصغير، فأخرج المعزى من المراح، وبعد أن استعرض شلهوب ذلك الجيش، شيع ~~«الشيخ» - وهو كراز عزيز على قلبه - بنظرات أبوية وابتسامات مملوءة إعجابا، ثم أخذ ~~مسبحته وتمشى يصلي فرضه. # وفي مساء هذا اليوم الجميل نفضت شلهوب البرداء فاصطكت أسنانه، قاوم ما استطاع، ولكنه لم ~~يثبت فنام. # وطالت نومته وكثر عواده، فهو على حرصه وتهالكه على الدنيا كان يغالي في عيادة المرضى ~~ابتغاء للأجر. كانت مروته عظيمة، جواد سخي بكل ما لا يمس كيسه، ولكل شيء عنده حساب ~~مقوم. # وساءت حال شلهوب فاستعدت الضيعة ليومه، وليس المأتم في القرية بالأمر الهين؛ فعلى كل بيت ~~واجبات كإطعام المؤاجرين، وتقديم المرطبات، والسيكارات، والقهوة حتى الكحول والنقل ~~والإركيلة. # وبان الموت في شلهوب فقعد الخوري حد رأسه لا يفارقه خوفا عليه من عدو البشر، والناس ~~شطران، شطر يروح وشطر يجيء. والغادي يسأل الرائح: أين صار؟ أما المحترم فكان يجيب الجميع ~~بضجر: الأمر بيد الله ... ما بقي إلا القليل. # وقف دولاب العمل في القرية، فجميعهم ينتظرون الساعة، وعقرب الساعة ms67 بطيء جدا. # وكانت الحشرجة تتقطع فيخالون أنه مات حتى إذا امتدت يد إلى الكمر ردتها يد شلهوب وعاد ~~يغرغر. # وبلغ أنسباء شلهوب في القرى النائية أنه نوى الرحيل، فتهافتوا على القرية فملئوها، ~~واستحالت البيوت مطابخ، فاستهلك العواد ما هيئوه ليوم الدفن، فهرع صاحب الدكان إلى ~~البندر يتحوج. وطال نزاع شلهوب فراح الناس يعللونه على عادتهم فقال واحد: في رقبته ~~ذخيرة عود الصليب، فأجابه الآخر: من أين له الذخيرة؟ فتشه الخوري فما وجد غير ثوب ~~السيدة. # فقال آخر: إذن واقد نير. # وبينما كان عواده الغرباء يتغدون في أحد البيوت قرع الجرس حزنا فتنفس الجميع الصعداء ~~وهرولوا إلى بيت الفقيد، أما سمعان - مجهز موتى القرية - فكان أرشق من النسيم. حلق ذقن ~~الفقيد، ثم انتزع «الكمر» وشرع يلبس شلهوب بذلته الدهرية: شروال جوخ، وصدرية مخمل، ~~وزنار حرير مخطط، وكبران، وبعدما أصلح هندامه أنامه نوما مريحا، فبرز في أحسن سمت، ~~فاكتسى وجهه سيماء الطوباويين. # وانعقد على الأثر مؤتمر المناعي، فشق كبير الضيعة الحديث قائلا: كلنا غلة الموت، شقي ~~المرحوم وتعب، ولكنه جمع. مات - والحمد لله - مجبور الخاطر بالمال والرجال. # وبعد هذه الخطبة البليغة التفت إلى بطرس ابن شلهوب البكر يسأله عن كبر المأتم ~~وصغره. # فأجابه: الثوب الذي تفصله نحن نلبسه. # فصاحت أخت الفقيد وهي عجوز درداء: أملاكه نصف الضيعة وتقول: كبير وصغير! # فصاحت بنته: لا تستخفوا فينا، انعوا البلادين. # وانقطع الكلام، فاستل الشيخ مسبحته من جيبه وطفق يعد القرى التي اعتادوا أن ينعوا إليها ~~الوجهاء، فزاد عددها على الخمسين وتجاوز عدد كهنتها المائة. # ومشت الأقلام على الأوراق، فتقدم كهل من الشيخ وقال بصوت منخفض: أنطون حرد لأنكم ما نعيتم ~~قرية زوجته. # فقال الشيخ: سيدنا البابا فقط معصوم من الغلط. أنطون، لا تؤاخذنا يا عمي. # وتبادلا ابتسامة رضى زاد بها عدد الكهنة خمسة. # وقال متزعم: ما افتكرتم بسيدنا. # فصاح الجميع: محفل كبير بلا مطران. # فقال الخوري: المال لا يكفي الخوارنة، ما مع المرحوم غير أربعين ليرة. # فاصفرت وجوه أبناء شلهوب، فقال واحد من الناس: اجعلوا ms68 «المعلوم» نصف مجيدي. # فقال الشيخ: لا يا جماعة، لا تمسخوها، المال موجود. # ومال على بطرس يوشوشه، فقضي الأمر واقترض بطرس خمسين ذهبا. # وحمل الشباب نعي شلهوب إلى البلاد ساحلا وجردا، لم ينسوا النادبين والنادبات. # وانصرف بعضهم إلى إعداد غداء المحفل الكبير، فذبحوا خمسة رءوس من معزى المرحوم وفي ~~مقدمتها «الشيخ» الذي كان يحبه حبا جما. # وأفاق شلهوب من غفوته الطويلة فقالت له حفيدته الصغيرة: ذبحوا «الشيخ» يا جدي. # فأجاب شلهوب: الله يقطع رقبة من ذبحه. ونظر إلى ثيابه وقال: من قال لكم حتى تلبسوني ~~بذلتي؟ # فقالت البنية: قالوا إنك ميت. ~~- من قال؟ لا، ما مت بعد، وأين الكمر؟ # وعلقت عيناه بوجه ابنه بطرس، إلا أن بطرس لم يكن يدرك شيئا في تلك الساعة، كان مشغول ~~البال بمن نعى، وبما استدان، وبما ذبح من القطيع، ولكن شلهوب كان عند حسن ظن ابنه هذه ~~المرة، فمات بعد هنيهة وانفرجت الأزمة الشلهوبية. # | حظ ونصيب! # كانت لوسيا خصبة البطن، فما دار القمر تسع دورات حتى أهل الصبي، فملأ الفرح البيت ~~وتعداه إلى القرية، فزوجها اسطفان محبوب من كبار القرية وصغارها، عرف بالفتوة والمرح، ~~فكنوه قبل الزواج بو مروه. شاب تام الخلق، وإن لم يكن آية في الجمال، شجاع، غيور، كريم ~~النفس، لا يتخلف عن فرح ولا يقصر في ترح، قيدوم الشباب في الحوادث السوداء والبيضاء، هو ~~أول من يحدو للعريس، وأول من يندب الميت، حاضر القلب واليد واللسان، لا عيب فيه غير حول ~~في إحدى عينيه فصح فيه قول المثل: يا حينو لولا عينو. # سلف جميع الناس فهبوا جميعا يهنئونه بابنه البكر، فامتلأ بيته سكرا ورزا، ~~وصابونا وفراريج. وكان اسطفان مزهوا بهذه النعمة يقعد شاربيه بين دقيقة وأخرى، ويقدم ~~النقل والقمح المغلي لكل زائر وزائرة، ويحشو جيوب الصغار لوزا وزبيبا. يكاد الفرح يقطر ~~من عينيه، ولكنه يحاول ألا يعرض إحداهما فينظر بالوراب. # وكانت الأم الراقدة في زاوية ذلك البيت الطويل المتواضع تهش وتبش، رادة التهنئات ~~والتحيات بأحسن منها، مع أنها كانت ممغوصة، ولكن سرورها ms69 بثمرة أحشائها المبكرة غطى على ~~وجعها. # وبعد أشهر مرض الطفل فعالجته القابلة بالبابونج والحقن، فانكسرت شوكة الحمى، ولكنه ظل ~~كزهرة لا تيبس ولا تينع. اتسعت حدقتاه وقشط اللحم عن وجنتيه، فأمست ذقنه حادة بعد استدارتها ~~الفاتنة. كان الطفل يذوب وأمه تذوب معه فتضعضع الوالد. أم تبكي، وولد يئن، ووالد يقعد ~~كئيبا حزينا قدام باب بيته يشكو إلى الله همه. # ورأت أم إلياس طبيبة أطفال الضيعة، وهي عجوز ربت خمسة عشر ولدا، أن الكي ضروري فكووه ~~أولا في القمة، وإذ لم ينجع طبها هناك انحدرت إلى لحف الذقن، ثم هبطت إلى البطن فكوته ~~ثلاثا فوق السرة، ففارق بعد أيام. # وبعد عام رزق اسطفان ولدا آخر كان حظه كأخيه، ثم ثالثا ورابعا فلحقا بأخويهما حتى مات ~~صبره وكاد يكفر بربه. لا يدري كيف يعزي زوجته التي يحبها فيطفر إلى الحقل، أما الزوجة ~~المسكينة فأين تهرب؟ # كانت تبكي كلما وقعت عينها على السرير وتقول في نفسها: الذنب ذنب من يا ربي؟ من المذنب ~~منا؟ إن كنت أنا أو زوجي فما خطيئة أطفال أبرياء حتى لا يعيش منهم واحد، دخيلك يا مار جرجس، ~~وا لو، صبي واحد فقط حتى نقدر أن نعيش، مسكين ابن عمي! ما تغير أبدا، ما رأيت منه إلا كل ~~خير. # ثم أقبل الخامس فأشارت إحدى العجائز أن يسموه باسم أحد الوحوش ليردوا عنه «القرينة» التي ~~خنقت إخوته جميعا، فقالت الأم إنها علقت في رقابهم جميعا «كتاب مار قبريانوس» وطوق ~~قصحيا، والله العظيم ما تركت واحدا بلا كتاب ولا طوق، عن مذبح كل قديس أخذت بركة، يا قلة ~~الحظ! # فقالت العجوز: اعملي مثلما قلت لك، سميه نمرا أو أسدا أو فهدا فلا تقربه «المطرودة» ~~أبدا، نسوان كثير أصابهم مثلما أصابك وخلصتهم بهذه الواسطة. # ثم كان مؤتمر خماسي من الجدين والأبوين والعجوز، فاختاروا اسم فهد للمحروس الخامس، وتهللت ~~الأم وعاشت زمنا بهذا الأمل الجديد. # وجاء يوم العماد فحملت الولد عرابته، ومشى والده وعرابه خلفهما إلى الهيكل حيث كان ~~الكاهن والشمامسة وبعض الأقارب ms70 ينتظرون، وشرع الكاهن في رتبة العماد، ولما بلغ قوله: أنا ~~أعمدك يا ... سأل العراب عن الاسم المختار، فتعالت أصوات من الشعب: فهد، فهد، يا ~~أبونا. # فرقصت لحية الخوري غضبا وقال: فهد، ايش هو هذا الاسم؟ الوحوش في غنى عن العماد، أنا لا ~~أعمد الضباع والفهود، هاتوا اسم قديس، فاهد، ما شاء الله! ~~- نرجوك يا محترم. ~~- لا لا لا، مستحيل يا أولادي، مستحيل، لا تجربوني. وكان الجد من العارفين بهذه الأصول ~~فصاح بهم: لا تغلطوا الخوري، الخوري معه حق. سم يا معلمي الاسم الذي تريده. # فتماسك الخوري وضبط نفسه وقال: أنا أعمدك يا ساسين باسم الآب والابن والروح القدس. # فهمس الشيخ في أذن جاره: هذا اسم قديس ابن عم فهد. ثم قال للخوري: عال يا معلمي، عال، كان ~~الله قاعد على لسانك، أصبت عصفورين بحجر واحد. # وجاء دور الغداء فأكلوا في البيت طعاما شهيا أعدته أم فهد، وتأنقت فيه ما شاءت، وخرج ~~الكاهن داعيا للولد بالسلامة، وللبيت بالبركة ... # وفي ليل ذلك النهار استيقظت لوسيا على صراخ ولدها، فأخذت تصلب فوق سريرة، ثم جاءت بكتاب ~~مار قبريانوس فعلقته فوق رأسه في عمود السرير الأفقي، فنام حتى الصباح. # ومرت أيام وأسابيع لم يشك فيها الطفل ألما ولم يوجعه شيء، ثم حبا ودب وتجاوز عمر ~~إخوته، وأمه ما تزال مضطربة، خافت ألا يكون اسم فهد كافيا لصد «القرينة» فقالت في نفسها: ~~لماذا لا نلتجئ إلى مار ساسين سميه في العماد؟ مار ساسين قديس نشيط، تفزع به الأمهات ~~الأولاد متى تشيطنوا. # وظل هذا الفكر يروح ويجيء حتى قلقت في إحدى ليالي كانون وقلق زوجها معها فقالت له: ناوية ~~أن أنذره لمار ساسين، فما رأيك؟ الأحسن أن نمسك الحبل على الطرفين. ~~- الرأي رأيك، اعملي مثلما يلهمك ربك. # وفي الغد فصلت لوسيا لفهدها ثوب راهب، ونذرته للقديس ساسين، وأرخت شعره على أن تقصه في ~~تمام السنة الرابعة يوم عيد القديس ساسين ، وفي مقامه، وتزن ثقل الشعر ذهبا. # وبعد سنتين وبضعة أشهر كانت أم فهد وزوجها في الطريق ms71 إلى حاقل، ومعهما خروف يقوده زوجها، ~~وخرج من القمح المدقوق على ظهر الدابة التي تركبها الأم والصبي، وما أطلوا على «حاقل» حتى ~~رأوا الرءوس تموج في ساحة كنيسة القديس ساسين كسنابل الحصاد، موسم يقصده المؤمنون من أماكن ~~بعيده، وفود وفود معها نزور وقرابين، شمع وبخور، زيت ونقود. # وبعد أن زاروا الكنيسة واستراحوا ذبحوا الكبش، وأوقدت النار تحت الهريسة التي نذرتها أم ~~فهد فطورا للمعيدين. # تلك كانت أول مرة شهدت فيها لوسيا عظمة عيد مار ساسين، إنها لم تحضر إلا عيد قريتها، وعيد ~~قريتها ليس من فحول الأعياد؛ لأن القدماء لم يحسنوا اختيار قديس من أصحاب العجائب الكثيرة، ~~والمعجزات الكبيرة. قديسهم وسط؛ ولذلك كان عيده بين بين. # وقفت أم فهد كالمشدوهة تسمع وترى: رقص ودبكة، أغاني عتابا وميجانا، شباب تسامى للعلى ~~وكهول، فتحت سوق عكاظ بين القوالة، واحتدم القول حتى أدى أخيرا إلى «الجفاء» الذي يسميه ~~الشعر الرسمي هجاء، ولولا العقلاء علق الشر. # هوذا ضيعة كبيرة جاءت جرد العصا، فحسب العقال للعاقبة حسابا. كانت أم فهد مكروبة ولا ~~تدري لماذا، أما أبوه فكان يمشي كالراقص، يحيي هذا، ويصافح هذاك، يعرف الكثيرين من ~~الزائرين فهنئوه بالسلامة، ودعاهم إلى أكل الهريسة على سلامة المحروس، فوعدوه ~~خيرا. # وكان الصبي يسأل أمه أسئلة ساذجة فتجيبه وهي كالساهية، ترتاع كلما اشتد الصخب وتتأهب ~~للرجوع ثم تتذكر أنها ناذرة، وغدا موعد قص شعر الصبي ووضع النذر على المذبح. # وتلاحى شباب قريتين فحجز العقال بينهم وصالحوهم، فعادوا إلى مجالسهم يشربون ويأكلون ~~ويسمرون، وانقضت الليلة على سلامة وعافية. # وفي الغد كانت أم فهد في الهيكل راكعة قدام المذبح، فجز الكاهن شعر فهد، ووزنت الأم ~~ثقله ذهبا، وقعدت بين النساء تصلي صلاة الشكر متضرعة إلى مار ساسين حارس ولدها. أما أبوه ~~فكان بين الرجال، يحدث هذا، ويتندر على ذاك، وزوجته تصرف على أسنانها متألمة من استهتاره، ~~تنظر إليه نظرة تبكيت وكأنها تقول له كلما وقعت عينها على عينه: سماع كلام الله يا رجل، ~~احترم صاحب المقام الذي حفظ لك ابنك. ms72 بيد أنها كانت تتعزى إذ ترى أكثر المصلين مثله. # وما انتهى القداس حتى كانت أم فهد وبعض المؤاجرات يكسرن الهريسة، بينا كان الشباب ~~متحلقين حول حبل جرس مار ساسين. الجرس شهير يقصده الشباب الأشداء، وينتظرون عيده ليظهروا ~~مواهبهم العضلية، فكان الحبل ينتقل من يد إلى يد. # وكان شاب ذا شاربين معقوفين كذنب العقرب، وأنف أقنى كأنه منقاد نسر، عيناه كالجمر لكثرة ~~ما وقد من الكحول؛ فاحمرت أعين الشباب حسدا واحتكوا به، وكان الخبط واللطم واللكم، وماجت ~~الجماهير في تلك الساحة حتى خلتهم قطعة واحدة تتحرك. # واستيقظت أم فهد من همكتها بالهريسة على صراخ الجماهير، وسباب الشباب، فما رأت فهدا ~~حولها، فصرخت: ابني، ابني! # وزجت نفسها بين الجماهير تصرخ صراخا يفتت الأكباد ويسمعه حتى صاحب المقام ... ففعل صراخها ~~في الجماهير ما لم تفعله همة المصلحين، فهمدت الضوضاء، وانجلت المعركة عن عدة جرحى، وبعج ~~بطن فهد، فأكلت الهريسة عن نفسه ... # | السلامة غنيمة! # النار في الموقد تبربر وتغني وإبريق القهوة يدندن، حتى إذا دب الخادم بالحطب هزج ~~الإبريق وبقبق، وهلال منبطح في الزاوية ملتف بعباءته، يجرد ساقه ورجليه إظهارا لجوربيه ~~المخططين وبابوجه المزركش، يغصب نفسه على القراءة ناظرا من وراء نظارتين ذهبيتين، غرته ~~الأبهة فركبهما فوق أنفه الأفطس. كان يتزنر بحبل القد أو الشعر، ويكوكي خلف والده حاملا ~~الجراب فلا يبلغ الحقل إلا بعد ألف جهد، حتى إذا مشى القلم المجهول في لوح القدر، تبدلت ~~صورة هذا البيت. # فر أبو هلال من وجه العدالة إذ جرح أحد بني عمه جرحا مميتا، فإذا الثروة في انتظاره ~~بالريو ديجانيرو. ربح الجائزة الأولى في «البيش»، فأصبح بين ليلة وضحاها من أصحاب بيوت ~~المال، طويل التجارة، عريض الجاه. ومشى قدما، فأمسى سيدا خطيرا توقره الجالية، وسمعت ~~كلمته أصحاب المقامات من رجالات البرازيل. # وأخذت السفاتج ترد على ابنه هلال حتى ازدحمت ببابه، فشخر ونخر. شاور والده في بناء بيت ~~رفيع العماد تخسأ من النظر إليه أبناء عمومته فأجابه: # ولدنا العزيز هلال # احسب حساب غدرات الزمان، السترة تكفينا، ما ms73 سمعت قول المثل: على قد بساطك مد ~~رجليك؟ لا تكبر فشختك يا ابني. # والدكم: مرهج # وطوى رسالته هذه على حوالة بألفي ليرة إنكليزية، فخطا هلال خطوة واسعة أدت إلى خطوات أوسع ~~وكثرت أقاويل الجيران، هذا يقول: توفيق غريب عجيب، المال مكبوب على الطرقات حتى يجمعه مرهج! ~~والله العظيم قصة عمنا مرهج قصة غريبة. وإذا بزوجته ترد عليه قائلة: الدنيا سعود ~~وبخوت. # ومثل هذا الكلام كان يتداول في زوايا بيوت عرشين وعلى مصاطبها كلما اجتمع اثنان، أما عند ~~بيت مرهج فتسمع: هاتوا الطين، قدموا حجارة، أصوات تتعالى على الحيطان، ووجوه الجيران تتقلص ~~وتتمدد وتصفر وتخضر، والسن تقول: كان هلال في شروال خام مصبوغ، وصديرية ديما، وكانت الأرض ~~لا تطبق ثقالته، فكيف به وقد لبس الجوخ؟ من ينجينا من شره متى كمل القصر؟ # وما صفف قرميد بيت هلال حتى لاحت للقرية أشباح النفوذ الرهيب وتحققت ظنونهم. طمح هلال إلى ~~مشيخة الضيعة وراح يسعى لها، سخت نفسه عن مائتي ليرة إنكليزية إن صيره مدير الناحية ~~شيخا. # ودرى حزب الشيخ بما يطبخ هلال فتهيئوا للكارثة، كيف تفلت المشيخة منهم؟ هذا لا يكون. ~~فأعدوا للأمر المال والرجال، فغلا سعر السوقة وتدللوا حينا، وخفض لهم الأنصار جناح الذل، ~~وظلوا يداورونهم حتى اشتروا أصواتهم آخذين عليهم العهود والمواثيق، ثم حاموا حول صاحب ~~الرفعة مدير الناحية فرضي بالتي هي أحسن ... # لم يكن عزل شيخ في عهد المتصرفية بالأمر الهين، ففكر المدير بحل مريح مربح، فبقي الشيخ في ~~منصبه الرفيع، وعمل من هلال بيكا. كان موسم التبرع للأسطول العثماني، فتبرع هلال بخمسين ~~ليرة عثمانية إعانة للأسطول الشاهاني المظفر، ونامت المائة والخمسون الباقية عند المدير ~~نومة أهل الكهف، ففتح البيك هلال بيته على مصراعيه: سفرة ممدودة للرائح والجائي، أكل وشرب ~~قهوة وإركيلة وسكاير أكسترا عند البيك، سهرات تارة تكون صامتة تقضى بلعب الورق، وحينا ~~باجتماع القوالين يغنون للبيك الطازج، داعين لأفندينا بطول العمر ... وهلال ينفق عن سعة، ~~والحوالة في ظهر الحوالة. # هوذا رجال البيك ينصرفون من «الدار» قرب منتصف الليل، ms74 ممسين جنابه واحدا واحدا، وهو ~~يرد كل مساء بأحسن منه، وخصوصا لمن يودعون جنابه بالبكوية، ويكشر بوجه من يغلط ويقول: ~~خواجا هلال. والويل لمن يقول: هلال فقط. # صار بيكا بشطحة قلم وهو يحفظ بطاقة مدير الناحية، في قلب قطعة من الأطلس الزاهي، مدبجة ~~بخيوط استعيرت ألوانها من قوس قزح، وقد حف بها إطار يشع كعين الشمس، عرضها في صدر القاعة ~~ليقرأ كل زائر: # إلى سعادة قائمقام كسروان المحترم # إن صاحب الدولة مظفر باشا متصرفنا المعظم يشكر أريحية هلال بيك مرهج لتبرعه ~~بخمسين ذهبا عثمانيا، إعانة لأسطول الدولة العلية، أيدها الله، فبلغوا ~~المومأ إليه شكر أفندينا، ودمتم محترمين. # مدير القلم التركي # ن. ر. # وما خرج آخر واحد من السمار حتى صاح هلال بك: فريدة، هاتي ورقة عن الكنسول، عتم، ~~توقي. # النار لا تزال تثرثر، وإبريق القهوة يبربر، فارتفع الغطاء واندلعت القهوة على الوجاق، ~~فهرولت فريدة، فصاح البيك: على مهلك، كب القهوة خير، ربما جاءنا مكتوب من الوالد، طول، ~~ضاقت يا فريدي. # فصاحت فريدة: وكيف لا تضيق فيك، لو أعطوك مال القارون تبذرقه بيومين، اخبزوا، اطبخوا، ~~حمسوا البن، هاتوا السكر، أين الدخان يا فريدي؟ كل مال البرازيل لا يشبعك. ~~- قلت لك ألف مرة: هذا لا يعنيك، لا تنقي، اعملي إركيلة. ~~- إركيلة! راح الليل يا معلمي. ~~- نعم إركيلة، هاتي الورقة. # ونتشها بغضب فما صارت في يده حتى خربش عليها: سيدي الوالد. ولكنه ضرب عليها وكتب: يا ~~بيي، وهو يقول: بلا سيدي بلا بطيخ أصفر. ثم بدأ كتابه كالمعتاد: بعد تقبيل أيديكم. ولكنه ~~عاد فخربشها وقال: أنا هناك حتى أقبل يده! ما قبلتها حتى أقول له ذلك. بحياتك يا ربي ~~ألهمني كيف أكتب حتى تصل البوليصة مثل البرق، انفضحنا، كبرنا «الفشخة» فانفسخنا، مؤكد أن ~~أولاد الحرام كتبوا له عن كل شيء، ما تركوا كبيرة ولا صغيرة حتى خبروه عنها، وخصوصا ابن ~~عمي بولص الحسود الكلب، رأى نفسه صغيرة ، لا أحد يسأل عنه، مؤكد هو الكاتب لوالدي. تركته ~~رنجه وقالت لأم سليم: بيك مثل هلال ms75 أفضل بكثير من فلاح مثل بولص. كان الوالد يبعث الألف خلف ~~الألف، ومنذ سنتين ما بعث بارة، معناتها أنه هناك أرذال يبخون، ركبنا الدين، وإذا تأخر ~~الوالد انفضحنا، كل هذا هين عند حجز حوائج البيت، أو الحبس. # ووقفت فريدة تتأمل اضطراب البيك، وتنظر إذا كانت الإركيلة تدخن، فلم ينتبه هلال إلى ~~موقفها منه، ولما أدرك أنها سمعت بعض نجواه قال لها: روحي نامي يا بنت، اتركيني وحدي، ~~وانكب على الورقة بحدة يكتب: # بعد السلام والكلام، أخبرك حصلنا بجاهك وكدك على عز ما حصل عليه أحد في ~~بلادنا، ولكنه يتدهور إذا لم تعجل بإرسال الدراهم، عجل، وإلا راحت البكوية طعام ~~القرد، عجل، أنا على نار، انقطاع تحاريرك قطع ظهري، ابعث ألف ليرة بالتلكراف ~~حالا حالا حالا حالا. # ولدك: هلال # ثم أخذ المكتوب وأحرق بجمرة إركيلته زواياه الأربع، ووضعه في مغلف كان أحد التلامذة نسخ ~~له عليه عنوان أبيه، ونام على أمل أن يسلمه في غد إلى ساعي البريد. # نام وملء رأسه الهواجس، فقضى ليلته تلك بين الغافي والواعي، نام ولكنه لشدة اضطرابه خال ~~أنه لم ينم، فقضى ليلته لا ينتهي له حلم حتى يبدأ آخر. وأفاق مع الصبح فإذا به لا يتذكر إلا ~~واحدا: رأى أن بئره فارت كالقدر، ولكن لون الماء غير صاف، ثم طغى الماء فكاد يطم البيت ~~فاستنجد وصرخ، فإذا بساعي البريد يدق الباب، فقعد في فراشه يفرك عينيه وهو يقول: الله ~~يعطينا خيرك. # فأجاب الساعي بعد السلام والإكرام: كله خير يا جناب البيك، المدير يتغدى عندك يوم ~~الأربعاء. # فوجم هلال، وسترا لضعفه أجاب بنبرة: أهلا وسهلا. # أما فريدة، وكانت تهيئ القهوة للبيك، فصاحت: العمى، ما لهم شغل غير الأكل والشرب، اطبخي ~~وانفخي يا فريدة ... # وقال البيك: ومن أميركا؟ # فمط الساعي شفتيه، وهز جفنيه وساد السكوت. # وبعد أيام رؤي كهل نحيل أصفر اللون، مرتخي الشاربين، في يده حقيبة أكل الزمان شيئا من ~~زواياها الأربع، يقطع طريق الضيعة بضعف وتوان، ولا يسأل عن أحد، يقف متأملا كل ~~شيء. # استغرب ms76 الأهالي زيه فأطلوا من الأبواب يرون أين يقصد، وأي بيت يدخل، ولم ينزووا في ~~بيوتهم إلا حين دخل بيت هلال بك، فقعدوا يرجمون، هذا يقول: غايته كذا، وذاك: هذا ~~مرسال. # ودخلت واحدة من أولئك النساء المترجلات على المجتمعين وقالت: يا جماعة، إن صدق ظني، هذا ~~أبو هلال. # فصاح بها زوجها: مجنونة أنت! أبو هلال يهز البلاد متى جاء، الله يرد عنا، يد البيك قصيرة ~~ولا يهدأ. # فدقت المرأة يدا بيد وصاحت بعناد: هذا هو، من يشارط منكم؟ # وكان هو، ما عليه غير ثياب عتيقة، وفي يده حقيبة رثة فاضية، أغناه البيش، وأفقرته ~~البورصة. # | حردان # قال الراوي: كان عهدي به مد النهار كالذي صرعه عنترة في حومة الموت، فإذا بذاك الشحم قد ~~ذاب، وأمسى قليلا ظله ... كان ذا قفا كالطبل، فإذا به لا يرج ولا يمور. كان يلبس الألبكا ~~صيفا، والصوف المارينوس شتاء، فكنت إذا ما رأيته منتصبا تخاله عدلا قنطاريا من الشعر ~~يستوعب مئونة البيت من القمح. لقد دق جناب «البيك» واسترق، فماج في ثوبه الرحراح حتى ~~يحسبه الرائي أنه مستعار وليس لجنابه أصلا. # كدت أنكره حين بادرني بالتحية، ولكن نبرة خاصة في صوته لا تزال ترن في أذني منذ سنتين ~~ذكرتني به. أما الوجه الذي يحمله اليوم فلم أستطع فك مشاكله ولا حل رموزه الهيروغليفية إلا ~~على ضوء صوته، كان ذا عينين تقاومان المخرز، فإذا بهما ذابلتان تشتكيان حتى ضوء النهار ~~الغائم، وكان ذا وجه مرح طروب فإذا به كوجه طفل يتهيأ للبكاء، تكرش وجهه واتسع فمه كمغارة ~~الضبع، وشاء أن يحذف بضع صفحات من سجل عمره فأحفى شاربيه فتبشع، وبان العيب الفاضح في عنوان ~~كتابه. # أدهشني منه أن يستولي على المبادرة في التحية بعد أن كان لا يردها. كنت في الأمس أسيج ~~الطريق بقدي الممشوق، ووجهي الصبوح، أستعد على ابتسامة تقيد الأوابد، ولكن البيك، في عز ~~سلطانه، كان يفر من المأزق كالغزال الشارد، لا يرعوي لروعة حسن ولا لسحر جمال ... فأقعد آسفا ~~على لحظة محيية أفلتت مني ... فليس ms77 رد تحية وبشة قليلة من موظف كبير بالأمر الهين. # وازداد عجبي حين قال لي: تفضل أين تستريح؟ ثم جرني معه جرا إلى أول قهوة، ~~وانزوينا. # قعد سيدنا البيك ولكنها قعدة قلقة مقلقة، فكأن سعادته على شوك، نفيخ وفحيح، تنهد وتأفف، ~~أتطلع فأرى شعرات جفنيه «البشيريين» واقفة على سلاحها، استعداد وتأهب في مناطق الوجه كلها، ~~يريد جنابه أن أفتح أنا الحديث، فأخذ يلقي شباك نظراته ويغمرني بالتفاتات معناها: تكلم، ~~فتجاهلت غمزاته وومضاته. # وانتقل مولانا إلى إيه، ونعم، ولكني ظللت معتصما بالصمت والتجاهل، فاضطر إلى إلقاء ~~الدرر وقال لي: من أين جاءك هذا السكوت؟ أعرف أن لسانك يلحس أذنيك. # فأجبته: علمنا الجدود أن السكوت من ذهب. # فنفخ نفخة تذري بيدرا، وهكذا انفتح الجراب. # فقال: يرحمهم الله، كانوا خيرا منا وأحسن. # فأجبته: لا خير ولا أحسن، ولكن الحنين إلى الماضي من طبع البشر. التمدن على قدم وساق، ~~والمدارس ملء الأرض، والأمل بحياة جديدة ينعش القلوب، شباب طماح ... # وما سمع كلمة «شباب» حتى ازرق وجهه واخضر، وكدت أسمع صريف أسنانه، ثم فتح فمه ~~متثائبا. وبينا هو يربت بأصابعه الجرداء على باب المغارة، قال مجمجما: لا تذكر الماضي ما ~~لم تترحم عليه. # قلت: ولماذا؟ ابدأ بضيعتك، أليس جيرانك اليوم أحسن منهم أمس؟ # فضرب رخام الطاولة بنريج إركيلته، فاشرأبت نحونا الأعناق، ولكنه لم يبال وصرخ: كيت وكيت ~~من جيراني، ما بقي في الدنيا جيران مثل الناس، جيراني؟ ليتك تقبر كل جار مثل جيراني، جيراني ~~كانوا أول من عيد يوم عزلي، ولولا الحياء «نورت» بيوتهم. # قلت: إذن جيران أوادم، فنحن بألف خير يا مولانا، ما دام في الدنيا حياء. # فهز جمجمته هزات، فقلت: وأصحابك الجدد أليسوا أرقى وأكيس من الذين آخيتهم في ماضيك ال ~~... في الماضي العتيق. # فامتعض أولا، ثم زالت الامتعاضة حين أصلحت تعبيري وقال: أصحابي! وأين هم أصحابي؟ كلهم ~~ذئاب كاسرة، فسدوا مثلما فسد الزمان الذي نحن فيه. # قلت : والجماعة. # فتنهد وقال: أية جماعة؟ حزبنا! صار حزبنا بلا راس، لا تذكر شيئا من هذا، كل ms78 واحد يشد ~~صوب صدره، الناس مع الواقف، إنهم لا يذكرون شيئا من تضحياتي، لا المال ولا الجهاد ولا ولا ~~... كأني لم أعمل شيئا يستحق الذكر. # قلت: الرب يعوض، عندك أولاد، المستقبل لهم. # فتنفض كديك الحبش، وانفتحت حدقتاه، وطفرت منهما عينان حمراوان خلتهما بيضتي عيد، وقال: كل ~~البلا من أولادي، لا يرجى منهم خير، خاب الأمل، يضحكون مني، يهزءون بماضي والدهم، لا ~~يذكرون يوم كانت الناس على أبوابهم مثل النمل، نسوا كل ذلك، أولاد مناحيس، شرب عرق، ولعب ~~قمار، ورقص إلى آخر الليل، هذا شغل أولادي، طيروا كل ما جمعت. # ولما عجزت عن سماع كلمة ثناء منه نهجت نهجا آخر وقلت: وكيف ترى الطبيعة، هل تغيرت مثل ~~الناس؟ # فقال: أية طبيعة؟ # فأشرت بيدي التنتين وقلت: الطبيعة ... كم يوجد طبيعة في لساننا؟ # فهز برأسه وقال: تريد الطبيعة المعروفة؟ فهمت، إي نعم، كل شيء فسد، لم يبق شيء كما كان، ~~الهواء فسد، والأرض فسدت ... أين موسم الحرير اليوم؟ أين الغلال في وقتنا الحاضر من الغلال ~~الماضية؟ خيرات كانت دافقة، كان رطل القمح بقرشين يا شيخ، لا أمراض ولا وباء، صحة مثل ~~الحديد، انظر اليوم، الأكل بالقراريط، الدنيا مقلوبة رأسا على عقب ... ألا ترى ~~بعينيك؟ # قلت: أرى ما تراه أنت، فما سبب كل هذا؟ # فأجاب: السبب ... السبب ... السبب. وظل يمضغ السبب ويعلكه، فقلت: الاستقلال طبعا. # فالتفت ليرى إذا كنت جادا، ولكني لم أدعه في حيرته، فقلت: تذكر جلستك هنا منذ سنوات، ~~كنت تحاضر عن محاسن هذا الزمان، كنت ترى كل شيء مليحا، وتغضب لهمسة انتقاد. # فتمكن من كرسيه وحدق إلي بغضب وقال: ماذا تعني؟ # قلت: أعني أن كل هذه المساوئ فينا، ونحن نتهم بها الزمان ... مسكين الزمان، ما زال الزمان ~~كما كان، وما زال أهله خيرا مما كانوا. # فقال: لا أوافق على هذا. # فقلت: توافق أو لا توافق، هذه حقيقة وعليك أن تعرفها، فلو ظلت المياه في مجاريها لكنت ترى ~~الدنيا بألف خير. إن الذي ساءت حاله هو أنت، فخلت أن كل ما حولك ms79 قد ساء، فلو عدت إلى حضن ~~إبراهيم لما قلت إن الناس في جحيم، فهذا النسيم الذي تصوره لنا أحاديثك ريحا سموما يستحيل ~~في الحال بردا وسلاما، وتقول للناعقين كما تنعق أنت الآن: في فمكم التراب، سدوا بوزكم، كل ~~ما في البلاد يكذبكم. # فأطرق صاحبي وأخذ يفتش في جعبته عن آخر سهم، ولما وجدها فارغة تحامل على نفسه وقام، وكأنه ~~أبى أن يخرج من المعركة مغلوبا، فقال - وكان المطر قد انحبس: ما رأيك في هذا الطقس؟ هل ~~مر مثله على البلاد؟ # قلت: هذا كله من الاستقلال. # قال: يعني ... # قلت: وما معنى قولك يعني؟ # قال: والأمراض التي لم نكن نسمع بها. # قلت: وهذي أيضا وصى عليها الاستقلال. # فكظم البيك، ودرى أن الحديث استحال استهزاء، فشاء أن يغير المجرى، فقلت: دعني أكمل، وأين ~~جارك الذي مات أمس؟ وبيت ابن عمك الذي احترق منذ جمعة؟ والجسر الذي سقط البارحة؟ والقطار ~~الذي حاد عن الخط أول من أمس؟ وحمارة جاركم التي ضربها «الملعون» فماتت مأسوفا على شبابها ~~الغض؟ كل هذه البلايا والمصائب سببها الاستقلال، أليس كذلك؟ # فنهض البيك عن كرسيه، والامتعاضة ملء وجهه المتجعد، ترك طربوشه على الطاولة عربون العودة، ~~وبقيت وحدي أفكر في هؤلاء الناس الذين يقيسون الدنيا بمقياس غضبهم ورضاهم. وفيما أنا أتبحر ~~بقول الشاعر: # إن نصف الناس أعداء لمن # ولي الأحكام، هذا إن عدل # تذكرت المثل السائر: فلان يحكي أكثر من قاض معزول. # لم يخرجني من منطقة تفكيري إلا صوت صبي من باعة الصحف ينادي: معنا جريدة الوطن، تعيينات ~~جديدة. ثم أقبل علي وبسط العدد أمامي قائلا: اقرأ، اسمك فيها، لعلك تعطيني البشارة إن ~~شاء الله. # فعبست وقلت للفتى: ومن قال لك إنني طالب وظيفة؟ # فقال الولد: مالك غضبان؟ قلت ربما، أتهمتك بسرقة حتى غضبت كل هذا الغضب؟ # فضحكت وقلت: طيب، خل لي العدد. # وبعدما قبض ثمنه شاء أن يدلني على اسمي طمعا بالبشارة، وما كان أشد دهشتي حين قرأت: # عين الأستاذ فؤاد إبراهيم قاضيا في محكمة بداية المجدل فنهنئه، وبهذه ~~المناسبة ms80 نرى لزاما علينا أن ننوه بخدمات والده الجليل بطرس بيك إبراهيم، فقد قضى ~~الشطر الأكبر من حياته في القضاء، وكان مثال النزاهة. إننا نتمنى أن يصح في نجله ~~الكريم الأستاذ فؤاد قول فيلسوف الشعراء: # وينشأ ناشئ الفتيان منا # على ما كان عوده أبوه # فقلت في نفسي: صدفة غريبة! وقعدت أنتظر عودة بطرس بك، وأخيرا جاء يهدج ويلهث. # فقلت له: أطلت الغيبة يا بيك، وقد حدث في غيابك ما حدث. # فقال: وماذا صار؟ # فقلت: تقرأ، أو أقرأ لك. # فقال: نسيت نظارتي في البيت، تفضل اقرأ، وماذا في هذه الأيام غير أخبار المصايب والبلايا ~~والضرائب السخنة. # فلما تلوت على مسامعه خبر تعيين ابنه قاضيا، قلت: أهذا خبر سيئ يا مولانا؟ كنت أحب أن ~~أسمع رأيك الجديد في زماننا وأهله، ولكن الأفضل إرجاؤه إلى البيت عندما نقوم بواجب ~~التهنئة. # فنهض وهو يقول: أهلا وسهلا، ننتظرك الليلة. # فقلت: نعم، لنسمع الأسطوانة الجديدة ... # فما زاد جوابه على ضحكة صارخة دلتني على أنه شمل «الزمان» برضاه ... # | دكان الضيعة # من رأى الخوري يتمشى مستعجلا ظن أنه يقيس سطح قبوه ... زكى غيظه وحنقه لون سمرته فصار ~~باذنجانيا، يتحدث ويشير كأنه يماشي شخصا، يسيره شعوره الداخلي فتارة يبطئ وطورا يسرع، ~~ومن رآه تحت أذيال تلك العتمة الرمادية الهابطة على الضيعة رويدا رويدا خال أن أحد عمالقة ~~التوراة قد نشر. # وقبل أن يلف الليل القرية بشملته السوداء مر بطرس على الطريق الملازق بيت الخوري، فطار ~~عقل الكاهن حين وقع نظره عليه، فبصق من حيث لا يشعر، وعلت همهمته وحث مطيتيه كأنه رائح ~~إلى دفن ويخاف أن تفوته الصلاة وما يليها ... ثم انفجر يقول: دكان بطرس خرب الضيعة، كنا بألف ~~خير قبل هذا الدكان، عود الناس على الشرب ولعب الورق، فهجروا الحقول، الكروم وبساتين ~~الزيتون والتين أكلها الشوك والعليق، الأرض كلها بور، قندول وبلان، كانت الضيعة تبيع من كل ~~الأصناف، فصرنا لا زرع ولا ضرع . # حنا طنوس كان يطبخ قنطار تين ويبيع قنطارين وأكثر، واليوم اشتهى أولاده قشرة التين، ومن ~~أين ms81 يأتي التين؟! الأرض إن أطعمتها تطعمك، وإذا دينتها توفيك القرش عشرين، ولكن الذي كان ~~يدينها راح، وترك أولاده غارقين في دكان بطرس، لا شغل ولا عمل، شغلهم القمار وشرب بيرة ~~وعرق. # وأخذ يفتش عن أسماء المشروبات الحديثة فما دار على لسانه اسم واحد من أسمائها، فانتفض ~~وأشار بيده إشارة غضب وقال: مشروبات غريبة ما لها دين ولا مذهب، ما عاد يعجبهم النبيذ ~~والعرق، ولكن الشرب هين عند القمار ... يا عضرا نجينا، تدرجوا من لعب المنقلة والداما ~~والطاولة إلى لعب الورق، ومن لعب الورق إلى القمار، متى كان الإنسان يبيع الطنجرة؟ جرجس بن ~~حنا طنوس باع الطنجرة حتى يقامر، يا خراب الضيعة! # ضيعتك تخرب قدام عينك، يا خوري يوسف، وأنت واقف قبالها مثل الخيال؟! لا لا لا لا، وبخ ~~وأنب ولا يهيننك أحد كما قال بولس الرسول. # يعلم الله أنا ما قصرنا، ولكن على من تقرأ زبورك يا داود؟ ناس مثل الحيطان، إذا لم ~~نسكر دكان بطرس راحت الضيعة، وعلى الشرف والطهارة ألف سلام. # بنات ونسوان، شباب ورجال في دكان بطرس الملعون، يقابلهم بضحكته الشيطانية، يتدحرج بينهم ~~مثل البرميل، كرشه قاعد قدامه كأنه في الشهر التاسع. لعنة الله على هاتيك السحنة ~~الملعونة! المنافق يعمل حاله مثل المهرج ويضحك على ذقون الناس، والناس حمير لا ينقصهم إلا ~~الذنب. كان أفقر واحد في الضيعة فصارت الليرات معه مثل التراب، تعجبك ضحكته عندما يزوي ~~هاتيك العين الحولاء ... الشيطان بذاته. # وكانت زوجة الخوري تتنصت ولكنها لا تسمع إلا كلمات متقاطعة، ما فهمت منها إلا ما دلها ~~على أنه يتكلم عن بطرس ودكانه، وبطرس عزيز على الجميع، ودكانه ملتقى الخلان ... يحول عينه ~~الحولاء صوب الجيوب، وليفعل الناس في دكانه ما شاءوا، فهو غير قيم على الأخلاق، لا يعنيه ~~إلا أن يبيع ويقبض. # وتقدمت زوجة الخوري منه وقالت: نسيت حالك يا خوري، نحن في كانون، الطقس بارد. # فكز المحترم وقال: ما عليك، الطقس بارد، وأنا حامي. # فقالت في نفسها: الله يطفيك. ثم قالت له بعطف: اقعد، تدفأ ms82 واحك، من يعارضك. # ودخل الخوري، وقبل أن يقعد انتفض رافعا رأسه ويديه نحو السماء، فلاحت أصابعه كالمدرى ~~وانتفشت لحيته كالبلانة وصاح: غضب الله، من فوق، ينزل عليك يا بطرس، خربت الضيعة. سألني ~~الوعاظ عن دكان بطرس فنكرت الحناء وأثرها محافظة على سمعة الضيعة، أما الآن فغير ممكن أن ~~أسكت. ~~- اسمع مني يا خوري، ما لك وما لهم، كلهم من حزب بطرس، يدين هذا، ويقرض هذاك، ولولا ~~نفوذه ما عينوه أمس مختارا، وما سألوا عن أحد، هذا شر، ما لك وما له. ~~- اسكتي يا خورية، لا تشوري، هذا شغلي، هذا واجب كهنوتي ديني، من يحمل عني خطيتي يوم ~~الدين؟ أنت يا حرمة؟! وأنت كم مرة قلت لك: لا تدخلي دكان بطرس، لا تشتري شيئا من عنده، ~~كوني مثلا صالحا، لا توصلي موسى بطرس إلى لحيتي؟ سمعتي؟ ~~- ايش بك الليلة يا خوري؟ نحن يجب أن نكون لعموم الضيعة. ~~- هذا مطلوب من الخوري لا الخورية، الخوري يكون للعموم، فهمت؟ الآن أقدم عريضة لسيدنا ~~البطرك التمس فيها «الحرم» لبطرس ومن يدخل دكانه، القمار ممنوع دينيا. ~~- ليس هذا من رأيي يا خوري، اسمع مني، لا تتعب نفسك وتقلق الضيعة. ~~- من سألك عن رأيك حتى تقولي ليس هذا من رأيي؟ كان يقع في «الصينية» أيام الآحاد لا أقل ~~من مائة قرش، فصارت لا تجمع إلا عشرة قروش. كانت «صينية» عيد الميلاد تجمع خمسمائة قرش، ~~البارحة ما جمعت إلا أربعين، أكل البيضة وقشرتها ابن الحرام. القرش الذي كان يحطه الولد في ~~الصينية صار يشتري به علكة من دكان بطرس، أنا ساكت، ولكن كيف أسكت عن القمار؟ من يسرق فسطان ~~أمه ويبيعه؟ ابن رشدان باع فسطان أمه المخمل في البترون ولعب بحقه، يا خزيتنا ويا ~~هتيكتنا! # قومي هاتي الدوا. # فترددت الخورية وأخذت تتفرس في وجه الخوري، فصاح بها: ما عرفتيني بعد؟! أنا خوري ~~يوسف. ~~- ايش بك الليلة. ~~- قومي قلت لك. # وقدمت له الدواة ولفيفة الورق الطويل العريض، فنشر واحدة منها وانكب يكتب لصاحب ~~الغبطة. # وتحلحلت الخورية فصاح الخوري: ms83 إلى أين؟ إلى الدكان إن شاء الله. # فقالت الخورية: حس عياط. فقال الخوري: وماذا نسمع بعد اليوم غير العياط، القلة تورث ~~النقار يا خورية، قولي لي ما لك وما لهم. # حرق أنيابه فأسمع صريف القعو بالمسد، وأخذ يقرأ ما يكتب: فيا سيدنا الكلي الطوبى، إن هذا ~~الدكان جهنم أرضية، فإذا لم ترشقوا صاحبه بالحرم الكبير راحت الفضيلة وطار الدين، نصير مثل ~~البهائم، لا بل البهائم خير منا، البهيمة لا تقامر على غداها وعشاها، أما أولاد ضيعتنا ~~فصاروا يقامرون على كل شيء، ولا يستبعد أن يسرقوا أواني الكنيسة الفضية والذهبية ~~ليقامروا. # وكانت الخورية تسمع وتتمرمر، وخبرت أخاها القادم من الدكان عما نوى عليه زوجها فقال لها: ~~اتركيه يعمل مثلما يريد، الحالة لا تطاق يا أختي، سمعت العياط طبعا، سكر خليل وجرمانوس ~~وكان ختام السكرة ضربة سكين. # فصاحت الخورية: ضربة سكين! # فقال أخوها: نعم، نعم، وقريبا يلعب الرصاص، اتركي الخوري. # فقالت الخورية: وماذا عمل بطرس؟ # فأجاب أخوها: بطرس مشغول باله، خبرته امرأته أن ابن غاريوس أخذ ثلاثة رجال يعرفهم من ~~الدكان وغداهم في بيته، فقامت قيامته عليه؛ لأنه خسره بضعة قروش. # فرقصت لحية الخوري غضبا وأخذ يشد على مغلف العريضة البطريركية وهو يلصقه، كأنه يشد على ~~رقبة بطرس الغليظة ويقول: هذا النوري يريد أن يمحو صيت الضيعة وكرمها، يريد أن يحرم الضيافة ~~ابن الكلب حتى يربح قرشين ثلاثة، ومتى رحنا إلى القرى والضياع من يطعمنا إذا عرفوا أننا ~~نبيع الغرباء الخبز والبيض والزيتون؟ الله يقصف عمره ما أرداه! # ثم التفت بالخورية وقال متهزئا: قولي لي بعد: لا تطلب «الحرم». # هذا لا يكف شره عن الضيعة غير «الحرم». عندما ينقطع الناس عن المعاطاة معه وتقف حركة ~~دكانه يتربى. # فقالت الخورية: ومن يسأل عن «الحرم» اليوم؟ الذين كان يخوفهم «الحرم» ما بقي منهم ~~أحد. # فمد الخوري يده إلى حذائه القريب منه، فحنت الخورية رأسها لتتقي الضربة، ولكن المحترم ~~لم يفعل توقيرا لأخيها، فقال الأخ للخورية: لا تقولي مثل هذا الكلام يا أختي، نسيت أنك ms84 ~~أنت خورية؟ # فصاح الخوري: تغيرت أختك يا سلوم، دائما تعارض وأنا صابر. # وبينا هم في هذا الحديث جاء أحد الآباء يشكو ولده الذي يسرق كل ما تصل يده إليه، ويقايض ~~عليه في الدكان إذا لم يكن معه دراهم. # فصاح الخوري: هه، قولوا لي بعد: لا تحرمه. # وما سمع الشيخ كلمة «الحرم» حتى وقع على يدي الخوري يقبلهما، ثم أخذ يبحث عن رجله ~~المتحصنة تحت ذيل جبته ليقبلها أيضا، فنبح الكلب وهجم، فزجره الخوري، فعاد إلى مقعده، ~~ولم تنقطع موسيقى هريره. # وقال الخوري للرجل: قل لهذه المجنونة بنت عمك، خبرها أن الحرم هو لعنة الله، ومن تحل عليه ~~مصيره الخراب والهلاك إذا لم يصلح سيرته الفاسدة. # وبينا هم يتحدثون عن ويلات الدكان علا الصياح، وهرع بعضهم إلى بيت الخوري يسألونه الإسراع ~~للحجز بين العائلتين الملتحمتين بسبب ضربة السكين. # فقال الخوري لفتى من ذوي قرباه كان عنده: البس ثيابك، واغد علي لتأخذ مكتوبا إلى ~~بكركي. # قال هذا وهو يشد حذاءه، ثم توجه إلى حيث المتشاجرون، وبعدما حسم الخلاف قال لبطرس وهو ~~عائد إلى بيته: ما قلت لك يا بطرس لا تسق أحدا في دكانك؟ ما قلت لك لعب القمار يخرب ~~الضيعة؟ # ولما جاء الأحد كان الحرم في عب الخوري، فتلاه على مسامع رعيته بعد قراءة الإنجيل، فهدر ~~الشباب وهمهم الشيوخ، وأراد بطرس أن يحتج فأسكته عتل من جماعة الخوري، فانسحب من القداس ~~وقعد قدام دكانه يبتهر، فقال له أحد العقلاء: لا تهد ولا تقد، «الحرم» على القمار والسكر ~~يا بطرس، فلا تقع ولا توقع الناس. # وهدأت الرجل أياما، وانكف الكثيرون عن ارتياد الدكان حتى أفاق الناس ليلا على صياح ~~بطرس واستغاثته: احترق الدكان! # وكثر القيل والقال، قال فريق: هذا الحرم. وقال آخرون: الحرم لا يحرق البيوت ولكنه يضر ~~بالشخص. أما الخوري فاحتار في حل هذه المشكلة، وهو يعرف قصصا كثيرة عن مفاعيل الحرم، إما ~~أن يحرق دكانا وكل ما فيه من بضاعة فهذا كثير. # وبعد كد ذهن واجتهاد عنيفين وصل أخيرا إلى ms85 هذا الحل الوسط: إن لم يكن هذا الحادث من ~~مفاعيل الحرم فهو دون شك من تأثيره؛ فالله لا يترك دينه، إنه ينجده من وقت إلى آخر ليعتبر ~~البشر. # ونام مطمئنا إلى هذا الظفر، وقبل أن يغطي رأسه بلحافه قال للخورية: كيف رأيت «الحرم» يا ~~خورية؟ # فقالت: يحرق بيوت الناس ... وبصوت لا يسمع: ويروي غليل الخوري ... # وظل الخوري والناس مشغولين بتعليل هذه الأعجوبة، حتى كان بعد ظهر السبت، فقرع الخوري ~~الجرس وأقبلت الرعية على الاعتراف، وفي طليعتهم حنينة زوجة بطرس صاحب الدكان. # وبعد أخذ ورد اعترفت حنينة للخوري بأنها هي التي أشعلت النار في الدكان، فعجب الخوري ~~وصاح: أوه! أنت حرقت دكانك يا بنتي؟ هذي من يعملها غير المجانين. # فأجابت حنينة: أحسن من أن يحترق قلبي وقلبك ... حلني يا بونا. # | الناطور # حنا ديب من بيت حط عليه الدهر، ولد في علية تسامي الكنيسة وتنظر إليها شزرا، أكل جده ~~ديب حصرم الوجاهة فضرس والده، باع توته وزيتونه وكرمه وتينه حتى العلية، ولم يترك لابنه حنا ~~غصنا يقع عليه الطير، فشب حنا واكتهل في قبو جاثم على كتف «الوطا»، تلك البطحاء الواسعة ~~اللابسة من ورق الزيتون ثوبا لا يبلى، إذا سرحت فيها نظرك من قدام قبو حنا تخالها مظلات ~~جيش مرابط في ذلك الغور، ترتفع بينها شجرات عفص وسنديان وبطم ركبها العريش فبدت كأنها عذارى ~~دوار في ملاء مذيل. على حفافي هذا المنخفض المنبسط تنوء الأشجار المثمرة بأعبائها، وفي ~~وسطه طريق عام يربط ثغور لبنان: صيدا وبيروت وجونيه وجبيل؛ بقصباته المشهورة: دوما وبشري ~~وإهدن. كان ذلك يوم كان لبنان منيعا لم تهتك حرمته الوعرة طريق الدواليب، فقلما خلا ليل من ~~قفل مكارين تلطف أجراس بغاله وجلاجلها وحشة الليل. # كثيرا ما كان يسمع الناس عياط المكارين: يا حنا، ما عندك ماء تسقينا؟ وكان حنا يهتز ~~للسقيا، على قلة الماء في القرية وبعد البئر عن قبوه، فكان لا يمسي إلا وجرته ملآنة ~~استعدادا للطوارئ، وهو ابن بيت أطعم بسخاء، فكيف لا يسقي؟ والماء لا يكلفه ms86 إلا قليلا من ~~التعب. فعند كل غروب شمس كان يرى منتصبا كالبرج فوق أرجاء بئر الدرب أو بئر الدكان يملأ ~~جرته «البغالية»، ثم يحملها بيده اليمنى دون أن تنطوي قامته الشامخة. وإذا التقى بأحد، ~~وهو على حاله تلك، ينبسط وجهه تجملا، ولكنه لا يبتسم ولا يضحك. # إن رؤية بيت دب فيه ثم هجره ابن خمس كانت تؤلمه جدا، وكيف يتحامى ذلك، والآبار كلها ~~حول الكنيسة أو قربها، وهو محتاج إلى الماء؟ لا بد إذن من النظر إلى علية بيت الكريدي ~~وتذكر أيام عزه في الطفولة. ومع أن حنا مشته العضة بالرغيف كان يتجمل ويري الناس ~~أنه بألف خير شبعان مكفي مثلهم، بل كان يفوقهم بأنفة يدل عليها شمم طبيعي في هيكله ~~المتناسب بدانة وطولا. كان في خده صعر لا يستقيم، وكبرياء موروثة، إذا دخل بيتا ولم ~~تبسط له طراحة أو مسند على الأقل يظل واقفا، ثم يلوذ بعذر وينصرف. عرف الناس هذه ~~الخصلة فيه، فإذا رغبوا في مسامرته، أو كانوا في حاجة إلى «شريك» في لعب الورق، مدوا له ~~الطراحة والمسند، فيقعد بطل لعبة «الداكا» وتختم السهرة بأكل الجوز والتين اليابس ~~والزبيب. # كان لحنا شاربان معتدلان، لونهما خروبي كجلدة وجهه، يركزهما حين يؤاتيه «الورق»، وإذا ~~خانه الحظ حك نقرة في ذقنه، ومتى غلب يصعد الدم إلى وجهه فيسود، ثم لا يلبث أن ينقلب ~~إلى وكره، فيستقبله كلبه غبار محييا بذنبه، مقبلا بملء شدقيه، حتى إذا سمع حس إنسان ~~أو حيوان وقف على حائط المصطبة قدام باب القبو وطفق ينبح، ولا يزال يهر حتى يبتعد الحس أو ~~ينقطع، فيعود ليقعد حد صاحبه الذي يربت له على ظهره مثنيا على نخوته. # كان حنا يحدث كلبه كأنه بشر، وكثيرا ما كان الكلب يفهم عنه. وهذا الكلب أنوف عفيف، فيه ~~كثير من أخلاق صاحبه، لا يطوف على الأبواب كرعاع الكلاب، رباه حنا على عزة النفس والأنفة، ~~فهو لا يتبذل ويلحق بصاحبه في الضيعة، وإن كان لا يتركه في البرية، يظل مع ابن خاله الحمار ms87 ~~يتداعبان، وإذا غاب حنا وحماره، ينطر غبار القبو ولا يبرحه. # وكان خلاف على الناطور، فانشقت الضيعة حزبين، حزب يؤيد الناطور السابق، وحزب لا يريده، ~~فسعى محبو السلامة في فض الخلاف، فلم يقعوا على شخص يرضى عنه الجميع، فقال الخوري: حنا، ~~يا أولادي، هذا رجل طيب أمين، بيته على كتف «الوطا» ولا يملك عريشة ولا زيتونة، وما قال ~~أحد إنه قطف عنقود عنب، أو حبة زيتون. ضيعتنا تحتاج إلى ناطور أمين، صاحب ذمة مثل ~~حنا. # وفوتح حنا بذلك فأجاب: الدهر يجور على السلاطين، الحاجة لا تصير ابن ديب الكريدي كلب ~~الضيعة، لا لا لا. # قال حنا هذا ورفع يده بإباء، فوقف كلبه على سلاحه، وازداد حنا حدة فهر الكلب، فاضطر ~~حنا أن يبتسم له حتى يسكت. # وبعد مساع عنيفة قبل حنا عصا النطارة وأظهر عبقرية عجيبة. كان بخلاف النواطير صامتا ~~فلا يعرف أحد أين يكون، إن خراج القرية ذو التواءات، والوطا مشتبك الأشجار، ولكن صمت حنا ~~ذلل هذه المصاعب كلها وهابه الذين يعبثون بالأرض. أما كلبه غبار، رفيقه الدائم، فكان يلزم ~~الصمت حين يأمره حنا بذلك، وكثيرا ما كان يستنيبه فيرسله وراء خروف ضال أو عنزة شاردة، ~~فيسوقهما أمامه ويجيء بهما إليه، فيأخذ حنا الضريبة المفروضة له على كل رأس. # وظل حنا في وظيفته هذه عشر سنوات لم يلطخ اسمه بشهادة زور أو سوء أمانة. وفي أيام المواسم ~~حين كان يخشى غزو الثمار، كان لا ينام إلا غرارا، يرابط كل ليلة في مخرم فيصون الكروم ~~والإجاص والسفرجل، ولا يستريح باله حتى يتم قطاف الزيتون. وفي ذلك الحين يتبرع له الفلاح ~~الوسط برطلين ثلاثة حلوان سهره وتعبه، أما الملاك الكبير فلا يعطيه أقل من خمسة، وبعضهم كان ~~يعطيه عشرة. # وفي أحد أيام الشتاء انتصب حنا كالمارد على شرف من صخور شير الكروم ليشمل بنظره خراج ~~مملكته، قلب رأسه صوب كسارة العين، والفتاح والبياضة، فما رأى بهيمة في غير موضعها، ~~فتطاول لسطوته التي أمست تغنيه عن اللف والدوران والوقوف بالمرصاد. نعم، ليس كانون ms88 كشهر ~~أيلول حين تكون المئونة على العود، فاليد في الصيف ممدودة، ولكن متى كانت الحال هكذا؟ لا ~~معازة ولا بقارة، ولا قطع إحراج. أعجبت حنا نفسه كثيرا وشكر ربه على هذه النعمة، ورفع يديه ~~ابتهالا وحمدا، فإذا بالصخر يزحل من تحته، وظلا منحدرين معا حتى استقرا على شفير ~~النهر. # وكان في الجبل المناوح معاز يرعى قطعيه فصاح: راح طعام القرد، الله يسهل ... الله يسهل، ~~استراحت المعازة والبقارة. ولكن حنا نهض وأخذ ينفض ذيل شرواله ويمسح يديه المقلوقتين، ثم ~~طلع في الجبل يفتش عن عصاه وطربوشه المغربي. كان طربوشه عالقا في رأس شجرة زعرور فتسلقها ~~وأخذه، أما عصا الرعاية فلم يجدها، فعاد إلى البيت على أمل أن يعود ويفتش عنها في ~~غد. # وما بلغ الرامية، وهي ساحة عمومية تحت بيته، حتى خف كلبه غبار إلى استقباله، يبصبص ~~بذنبه، ويرتمي على صاحبه كأنه فرح بنجاته. # ونام حنا تلك الليلة، ولكن أفكاره لم تنم، طفق يحاسب نفسه فقال: خطية من برقبتي؟ والله ~~العظيم ما اتهمت أحدا زورا، ما حكمت على أحد بتخريب إلا بعدما رأيته بهذه العين التي ~~يأكلها الدود، فما هو ذنبي إذن حتى وقعت هذه الوقعة؟ # وبعد أخذ ورد طويلين استخلص من الحادث الجلل أن الله راض عنه، والبرهان نجاته، فلو ~~سقط طير سقطته ما سلم. وكان آخر سهم رماه في فضاء التخمين قوله: لو كنت مت كانوا قالوا: ~~مستاهل، رجل ظالم. أنا ما ظلمت، ولكني وقفت الناس عند حدهم، نشكر الله. # وأيقن البقارة أن لن يغدو حنا إلى النطارة كعادته، فسرحت أنعامهم في الأرض المحمية، فإذا ~~به يفاجئهم ويدحرهم إلى الأرض البور. # وجاء أول السنة المارتية التي كانت تؤرخ بها الدولة العثمانية، فاتفقت كلمة الضيعة على ~~تجديد ولاية حنا فظلت عصا النطارة في يده، وفتش الناس عن مشكلة أخرى تغذي حزبيتهم. # وفي صباح يوم من أيام الربيع، استيقظت الضيعة على دقات حزن فهلعوا، ولما علموا أن الميت ~~هو حنا خف الجزع. وقع في حفرة قدام بابه لا يزيد علوها عن ms89 قامة فانتشل منها ميتا، وكان ~~الحزن عليه خفيفا؛ لأنه خاتمة أسرته فكاد أن يكون مأتمه صامتا لولا بناته. أما زوجته ~~فكانت تبكي على مهل، لم يمش أمام جثمانه غير كاهن واحد هو خوري الضيعة، وكان ترتيله نيئا؛ ~~لأن لا مسعف له، فحنا كما عرفناه لا يملك مالا فينعى إلى قرى عديدة. # مشت القرية كلها في جنازته شاعرة أن رجلا من الطيبين مات، لم يتفجعوا عليه ولم يبكوه، ~~ولكنهم قدروا أمانته بصمتهم. # وكان كلبه غبار في عداد المشيعين، يمشي من عن يمين التابوت كئيبا حزينا. أثر منظر هذا ~~الكلب الوفي في المؤاجرين فكانوا ينظرون إليه باعتبار وتقدير حتى قال أحد ظرفائهم: هذا ~~الكلب أحق بالتعزية من زوجة حنا ... # أما الصغار فكانوا يداعبونه، ولكنه يجد، فيتركونه وشأنه. # وعاد الناس عند الظهر نافضين أيديهم من تراب الفقيد، ما عدا الكلب فإنه نام على التراب ~~المهال على باب القبر، كان يشق عينيه إذا ناداه من مر باسمه، ثم يغرق في كآبته ~~العميقة. # وعند الصباح رأى الناس التراب منبوشا، والكلب قد لفظ أنفاسه فيما حفر، فجروه من ~~المنطقة المكرسة. وظلوا عاما يتحدثون عن وفاء غبار ويخلقون لموته أسبابا وعللا. # أما القول الفصل فكان حين فتح باب قبر حنا، بعد سنة ونصف، بوجه ضيف جديد، رأوا أشلاء ~~حنا مبعثرة خارج تابوته، فعلموا أن «غبار» مات حزنا وجزعا على صاحبه إذ لم يستطع ~~إنقاذه. # | الجنون فنون # عرفته يوم كنت في أسكلة جبيل، وإني لأضحك من نفسي كلما تذكرت كيف تهيبت صمته وسمته يوم ~~اجتمعت به. عرفته - أول مرة - في سهرة عند أحد أبناء عمومته فرأيت عجبا: صدرا عريضا ~~نافرا كالترس، ورأسا كالبطيخة كأنه ودع موقتا بين كتفيه الناشزتين، تندلق تحت ذقنه ~~غدة تخفي رقبته القصيرة، عينان تبصان فوق أنف صغير بالقياس إلى ذلك الوجه المفرطح. # راعني صمته فحسبت له حسابا، وأخذت ألملم أطراف حديثي وأزن كلماتي، أحكي وعيني معلقة ~~بوجهه، أنتظر كلمة من فيه لأعرف زيادته أو نقصه كما علمني العم زهير، ولكن إبراهيم لا ~~يتكلم. # وانصرفنا ms90 وصاحبنا ما فرط بشيء من وقاره، فقلت لرفيقي في طريقنا إلى البيت: حقا الصمت ~~زين. # فقال: تعني صمت الشيخ إبراهيم؟ هذا رجل مجنون عاقل. # قلت: مجنون عاقل! هذا فوق علمي، فسر، حفظ الله عقلي وعقلك. # فأجاب: تقول الناس إنه مجنون، ويقول هو: الناس مجانين، لا يفهمون عنه. يتحدث غالبا ~~كالمجانين، وأحيانا كالعقال. # فقلت لرفيقي: شوقتني إلى حديثه. فقال: إن نطق أبو الهول تسمع من القصص والأحاديث ما ~~يمونك شهرا. # ونمت تلك الليلة وخيال إبراهيم يطوف حول سريري، وما أصبحت حتى كنت عنده، فوجدته منهمكا ~~في حساباته، منكبا على دفتر طويل مرقم، كتب في صفحته الأولى: # عند السلطان عبد الحميد مليون ونصف ليرة. # عند الإمبراطور غليوم خمسة ملايين. # عند المسيو لوبه مليونان. # عند قيصر روسيا سبعة ملايين. # عند والي بيروت 300 ألف ليرة. # وهناك أرقام غير هذه لا تعد ولا تحصى، لم يسعها دفتر إبراهيم فاستعان بحيطان بيته، كان ~~كلما سمع باسم ملك أو عظيم نزل اسمه في سجله وحيطانه. # حدثني إبراهيم عن علاقته المالية مع بيت روتشلد حديث واثق جاد، قال: إنها بلغت المائة من ~~الملايين، الجماعة أمناء، ولكن حلاوة المعاملة أخذ وعطاء. # فقلت له: دين أهل بلدك، الغريب يتعبك. # فتنفس كالقنفذ وحملق، فالتفت لأرى أين أنا من الباب، ولكن ضحكة بلهاء أطلت على أثر ~~ذاك الهيجان أمنتني، ولا سيما حين قال: أنا مجنون؟! من يدين مجانين، أنا أدين مائة ~~ليرة ومائتين؟ أنا لا ألعب بهذه المبالغ الصغيرة. البارحة سلمت البنك العسملي عشرين ~~مليونا، كنت أدين مبالغ صغيرة، ولكني صرفت الكتاب واسترحت من بلادتهم، نوم للظهر، طق ~~حنك في المكاتب، شرب قهوة وتدخين. خربوا بيت الشيخ إبراهيم، الله يخرب عمرهم. # ورأى من شباكه المطل على الطريق غناما يسوق قطيعا صوب بيروت فنهض وقال: أستأذن، هذا ~~القطيع لي جمعة منتظر، لا بد من مرافقته إلى نهر إبراهيم. # فقلت: أرافقك إذا أمرت. # فضحك وصاح: هذا كلام من يعرف قيمة البشر، تفضل، أهلا وسهلا، نشكر الله حظينا بواحد ~~عاقل، أهل بلدنا كلهم مجانين، ms91 يضحكون علي؛ لأني أرافق غنمي إلى قرب النهر، بحياتك قل لي ~~من يسيب رزقه؟ # وبعد أن قطعنا ميلا قلت له: رعيانك أمناء، والشمس على الغياب، فما قولك في ~~رجعتنا؟ # فقال: لا بأس، عددت الغنم ثلاثمائة راس، أنا في التجارة أسلم تسليم أعمى. # وبعد أن زود الرعاة بنصائحه الثمينة وودعهم قال لي: معك سيكارة؟ قلت: نعم، لا تؤاخذني ~~يا شيخ، ظننت أنك لا تدخن. # فقال: ظنك في محله، ولكن أحيانا يضيق صدري، أنا مهموم. ~~- أنت مهموم! الملوك والسلاطين مديونة لك ويضيق صدرك؟ ايش خليت للفقراء والمساكين يا شيخ ~~إبراهيم؟ # فهمهم وغمغم، فقلت له: لا بد لك من حرمة، تزوج تنفرج همومك. # فقهقه، وألقى على كتفي يدا كالمهدة، فسمرني على قارعة الطريق، وقال: طفت الدنيا وما ~~لقيت واحدة ملائمة، أنت تعرف بنات البلد، عاشرتنا أربع خمس سنين، اسمع أعد لك، وكدبني إذا ~~قدرت. ~~«أسمى» قامتها طويلة، طلعة مثل البدر، تلميذة الراهبات، تفهم من الإشارة، ولكن يا حينها ~~لولا عينها، شرسة، كلامها نبر مثل رشق الحجارة. # و«مي» بنت أصل، جمال ومال، أنا صاحب ملايين ومهما زاد الخير نفع، ولكنها متكبرة تحتقر ~~البشر، نظرت بعينك كيف سلمت بتواضع على الرعيان وسألتهم عن أحوالهم، إذا أنا ما حاسنتهم ~~وجاملتهم يسرقوني ... وواحدة مثلها لا تطيق الراعي يخش في البيت. # و«سلمى» دينها ومعبودها دفاتر الموض الجديدة، تسأل مأمور البوسطة عنها كل يوم، حديثها ~~وشغلها البيزيك والباصرة، وأنا مشغول مع المديونين وكلهم ملوك وسلاطين. # و«جوزفين» حلوة جدا ولكنها تقامر، بطير التركة إذا استولت عليها بعدي. ~~- العمر الطويل يا شيخ براهين. ~~- وعمرك يطول، تدك بيرا ووسكي حتى تنتفخ، فما رأيك ببيت صاحب ملايين مثلي يصير قهوة ~~للرائح والجائي؟ # وحملق بي وقال: ربما قلت لي خذ «سنية»، آه من «سنية»! كنت فكرت فيها، ولكن نفرت منها ~~بعدما سمعتها تسب إخوتها، وتلعن أمها، وتظل معبسة بوجه أهل بيتها، مع أنها تبتسم لعابر ~~الطريق ، لا شك أنها تعاملني كأهلها متى رفعنا الكلفة. # و«مرتا» كسلانة لا تفيق إلا قرب الظهر، ثم يمضي النهار ms92 بين غسل وجه، وضفر شعر، ونتف ~~حواجب. الشغل عندها عيب، إذا عملت فنجان قهوة تذمرت وقالت: تقبر القهوة ما أثقل دمها. ~~بحياتك خبرني أين تصير الملايين إذا تزوجت واحدة مثلها؟ أكثر المديونين عدوهم الدفع، ومن ~~يقيم دعوى على سلطان وإمبراطور؟! قل لي. ~~- لماذا دينتهم؟ ~~- دينتهم يا سيدي، علقنا. سماع أكف لك، و«بهية» زرناها فقعدنا على كرسي مخمل عليه ~~شبر غبار، بيتها منبوش مثل شعرها، شعر جنية، ثياب موسخة، فما يصير بحال الشيخ براهين إذا ~~أخذها؟ # انظر ترتيب ثيابي ونظافتي ... كيف ... هكذا يكون صاحب الملايين. # و«هيلانة» لسانها مثل المبرد، شغلها الحكي في قفا الناس، رفيقاتها عدواتها، حمارة ~~متفلسفة، قالت: إبراهيم من يأخذه؟! نسيت المجنونة أن إبراهيم تلميذ عينطورة، يحكي الفرنساوي ~~مثل البلبل: ناسبا موسيو؟ بارول دونور جاتيه لابرميه دان ما كلاس. جميلة هيلين لو ما تكون ~~مدعية متعجرفة. # و«سعدى» وقحة، متفرنجة لا تنطق إلا بالسب واللعنات، تصرف فوق طاقة أهلها، تضرب الخادمة ~~كما تضرب الحيوان، هذي من يقاربها يا شيخ؟ # قلت: لا أحد. # فقال: إذن الحق معي. # قلت: معلوم، مؤكد، أما ... # فانتفض وقال: بلا أما، وبلا مما، سماع ما كفيت بعد: و«ليلى» جاهلة ومن يقنعها أنها ~~جاهلة؟ كل دخل إخوتها لا يكفيها ثمن بودرة وحمرة. # و«جميلة» لا تعرف شيئا من أمور البيت، غريبة عن أورشليم، تستعين ببنات الجيران على تفصيل ~~قميص، وترقيع صديرية، وإذا كانت لا تحسن تدبير نفسها فكيف تدير بيت صاحب ملايين؟ # وأخيرا تنهد تنهيدة بقرة وقال: ما بقي إلا «المحروسة»، عرفتها طبعا، آه! هذي كانت ~~موافقة جدا، ولكنها تكبرت علينا، عرفت أني أحبها من كل قلبي فتدللت. قالوا لي إنها ~~جنت، مسكينة! تمر أغلب الأحيان على الطريق فينسلخ لها قلبي، صارت تهرب من الناس، ما صدقت ~~حتى رأيت بعيني. # والتفت فرآها فقال لي: انظر، هذي هي، تأمل كيف مالت عن الدرب، حقيقة إن الإنسان متى ~~فقد عقله صار كلا شيء. # فقلت: والديون يا إبراهيم، متى تحصلها؟ # فقال: أمس طالبت السلطان عبد الحميد مطالبة مرة، خوفوني من حالته المالية، ms93 يفرجها الله ~~يا شيخ، ملايين كثيرة. # وكان في الأسكلة مجنونة اسمها «حلا» يشتد جنونها على الهلة، فقال لي إبراهيم: سماع ~~صريخها، هذي حلا، مسكينة! جننها واحد اسمه مرقص. يا حلا، سدي بوزك، خمنت أنك وحدك ~~مجنونة؟ # وهم بالعود إلى حديث النساء فإذا بأربعين خمسين رأسا من البقر تساق صوب بيروت فقال: ~~هذي البقر لي. # ووقف يحدث أصحابها، ويوصيهم بالصبر على البيع ليحصلوا على أحسن الأسعار: توقوا أولاد ~~الحرام، خذوا، هذي توصية لوالي بيروت خليل بك، كتبت له أن يعطيكم عشرة آلاف ليرة، قيدوها ~~له على الحساب. # ونظرت لأرى كيف يكون كتاب التوصية عنده، فإذا به لم يعطهم شيئا. ~~- اشتروا البضاعة اللازمة لحمص وحماة، برجوعكم نحاسبكم ونكرمكم ... # والتفت إلي وقال: في الحركة بركة. # وارتعد إبراهيم فجأة فروعني، اهتز عضوا عضوا كمن ركبته الحمى النافضة، وكان يصحب ~~تلك الرجفة اهتزازات كالموسيقى الموقعة، ولدها اصطكاك أسنانه وهمهمته، فتركته وفررت ~~خائفا مذعورا، وما ابتعدت عنه قليلا حتى انقطع ذلك الإيقاع، فالتفت فرأيته مهرولا ~~ليلحق بأبقاره. # | على باب الله! # رءوس شهوركم وأعيادكم كرهتها نفسي، وإن أكثرتم من الصلاة فلا أسمع لكم. # أشعيا # رأيتهم ليلة عيد الميلاد. # ثالوث غريب الزي والوجه واللسان: أب صديق يحبو إلى الخمسين، وأم فتية لا ترفع بصرها ~~حياء وخفرا، وصبي فيه من الحسن كل معنى طريف. # تحير البؤس في وجوههم ثلاثتهم، وفاحت رائحة الفقر من أردانهم، يمشون كمن لا عهد له بهذه ~~الأرض، فكأنهم رجال الكهف قد بعثوا. # أبصرتهم عند خمسة أبواب، وتواروا عني في ثلاثة، ثم ما عدت رأيتهم. # نظرت هذه العائلة عند بوابة دير يعد رهبانه فطور الميلاد، فاللحوم تعذب على النار، ~~ورائحة قتارها تفتح لهى المكظوظين. أما عن الخمور المعتقة فلا تسل، فأصغرهن سنا تذكر ~~حكم الأمير بشير، تتلألأ في الأباريق البلورية وقد اشتعل رأسها شيبا، والديوك تنقف أعناقها ~~انتقاما من «جدها» ديك بطرس الجاحد، والفواكه تنقى وتصفف. # هناك بباب ذاك الدير سمعت هذه العائلة البائسة تطلب خبزا باسم من قال: وكنت جوعانا ~~فأطعمتموني. ثم رأيتها تصرف خماص ms94 البطون، اشتهى الصبي ليمونة فمد إليها يده فانتزعت منه ~~وفركت أذنه ... # وعند باب دير آخر سمعت الأم تطلب من الراهبة قميصا عتيقا لولدها المقرور، ولزوجها ~~الحافي حذاء مرقعا، ولها فسطانا كيف كان، فردت الراهبة في وجهها الباب، ولولا لطف الله ~~لهرس أصابع الصبي. # وعلى باب قصر سيدة مترفة لمحت الأم تعرض ولدها خادما باللقمة، ثم لا تستجاب طلبتها. ~~وتؤتى تلك السيدة بجرو كلب فتشبعه ضما وشما وتقبيلا، ولا تستحي. تطعمه أشكالا ~~وألوانا من الطعام والحلواء، «وابن الإنسان» ببابها يأكل بعينيه ما لا يشتهيه ابن الكلب، ~~ثم لا يجاد عليه به. # وعن باب «قيصر» شاهدت صاحب إذنه يطردها ويدفعها إلى الشرطي، ليتهم سجنوها ~~فاستراحت! # ورأيتها أمام بيت «قيافا» تضحك بملء فيها، كأن ما فيه من أصباغ وألوان وتماثيل أنساها ~~بؤسها، ثم خشن الصبي الوديع وجذب ذيل أمه صارخا: أماه، لا نريد قوتا من هنا فخبزهم ~~مر. # وفي نصف الليل مرت «العائلة» أمام باب الكنيسة، وبعد تردد دخلتها ... # ها هي بين المعيدين تحدق إلى المغارة مستغربة ... ولما خطر رئيس الكهنة بطيلسانه وتاجه ~~وصولجانه، دهش الصبي وتزعزع. وتعالى الغناء: المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام. فقطب ~~وعبس كأنما عاودته ذكرى قديمة، ولما خشخشت الفلوس، وتعالى صراخها على «الصينية» الفضية هتف ~~الصبي: بيتي بيت الصلاة يدعى ... وهجم على الطبق، فضربه الشرطي وطرده؛ لأن السوط لم يكن معه ~~فيعرفونه به، كما عرفناه عند كسر الخبز. # وبعد القداس صادفتها تطوف في المدينة، طلبت مأوى وقوتا فأعياها، واستجارت برواق الهيكل ~~من الليل المطير فقلعوها، فتاهت في المدينة، وما انفكت سائرة حتى تجاوزتها نافضة غبارها ~~عن أرجلها. # انتهت إلى قرية ما دخلها الملوك فأفسدوها، كان فقراء الضيعة ساهرين، على عادتهم، يهجسون ~~بملكوت الله، يتذاكرون حكاية الميلاد في الماضي السحيق، فرحبوا بالعائلة البائسة ورثوا ~~لحالها، أدخلوها بيتا قزما وأضرموا النار حتى تلاقت سماء البيت واللهب، ثم مدوا لضيوفهم ~~سفرة من «حواضر» البيت القروي. # أثر منظر الصبي بإحدى النساء فاهتزت للكرم وهرولت إلى بيتها، ثم رجعت ومعها بيضة، هي ms95 ~~البيضة الوحيدة في القرية، خبأتها أم يوسف لمثل هذه الساعة العصيبة. # وعظمت غبطة القرويين بضيوفهم الثلاثة، أما ربحوا أجرا ليلة العيد؟ أما أطعموا فقيرا ~~وقبلوه باسم يسوع؟ # وتعالى الدعاء لأم يوسف من جميع قراني البيت، قد بيضت وجه الضيعة، فمن عنده بيض في ~~كانون غير أم يوسف الدهرية؟ # وعمل الخيال عمله فرأت الضيعة في ضيوفها رمز «العائلة المقدسة» فاقتسموها بينهم: أنامت أم ~~يوسف الصبي مع أولادها، ونامت المرأة عند امرأة أخرى، ونام الأب في بيت ثالث. # ونما إيمانهم بما رأوا فصار يقينا، فأسرع شيخ صديق يخبر القرية بما رأى، فتحامل الكاهن ~~العجوز على نفسه وجاء، ولشد ما دهش الناس إذ لم يروا أحدا، إلا ورقة تحت المخدة حيث كان ~~الصبي نائما، وقد كتب عليها: جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله ... # فلما قرأها الخوري سمعان صك وجهه وقال: ما كان أسعد سمعان الشيخ! وما أتعسك يا خوري ~~سمعان! وأجهش، ثم شرع يبكي كالطفل. # وطار الخبر إلى المدينة مع الصبح، كتب الخوري سمعان إلى رئيسه الروحي بما وقع في قريته، ~~فاستهزأ وغضب، دعا إليه أحد خوارنته وأمره أن يكذب الخبر في قداس الساعة العاشرة، فامتثل ~~الكاهن وقال للشعب بعد تلاوة الإنجيل: # أيها الأبناء الأعزاء # بلغت مسامع راعينا الصالح الكلي الاحترام تلك الإشاعة المضحكة التي جاءتنا اليوم، ~~صباح هذا العيد المبارك، من قرية بطباب، فالصبي الوقح الذي تجاسر ومد يده إلى ~~«الصينية» في قداس نصف الليل ستؤدبه حكومتنا الجليلة، أيدها الله، متى قبضت عليه. ~~هي جادة خلفه، ولكنني على قصر معرفتي، أرجح، بل أؤكد، أن غضب ربنا حل عليه ~~فانشقت الأرض وبلعته مع أبيه وأمه. # يا إخوتي المباركين، إن سيدنا يسوع المسيح، له المجد، لا يظهر بهذا الشكل ~~الزري، بل يأتي ببهاء ومجد عظيمين ليدين الأحياء والأموات، هكذا قالت ~~الرسل. # نحن منتظرون، أيها الإخوة الأحباء، أن نلقى ربنا في السحب، كما يقول مار بولس ~~الرسول، فلا تخافوا من هذه الأخبار والأراجيف ولا تصدقوها. # إن ربنا قال لنا من فمه القدوس: أنا معكم إلى ms96 منتهى الأجيال. # أما «جدنا» الخوري سمعان الذي روج هذا الخبر وصدقه من كل عقله، فهو - كما ~~تعرفون - صار «اختيار» الله يساعده ويساعدنا عليه وعلى أخباره. # فضحك فريق، وتنهد آخر. # ومضى الخوري يتم قداسه، ثم لم الصينية كالعادة، ولم يحدث شيء. ms97