######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.FarisAgha.Hindawi59164131 #META# Tags: novels #META# ID: 59164131 #META# Title: فارس آغا #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - الأونباشي فارس آغا‏ # 2 - داهية غير منتظرة‏ # 3 - مار قبريانوس ومار شليطا‏ # 4 - ملك العسل والدعاوى‏ # 5 - الشيطان لا يخرب وكره‏ # 6 - بين الطبيب والكاهن‏ # 7 - وأخيرا التقى البطلان‏ # 8 - أجمل الشهور‏ # 9 - خوري مسرح‏ # 10 - حفلة استقبال‏ # 11 - الأموال الأميرية‏ # 12 - توزيع الميرة‏ # 13 - تحصيل الميرة‏ # 14 - خوري الضيعة‏ # 15 - النهاية السوداء‏ # 1 - الأونباشي فارس آغا‏ # 2 - داهية غير منتظرة‏ # 3 - مار قبريانوس ومار شليطا‏ # 4 - ملك العسل والدعاوى‏ # 5 - الشيطان لا يخرب وكره‏ # 6 - بين الطبيب والكاهن‏ # 7 - وأخيرا التقى البطلان‏ # 8 - أجمل الشهور‏ # 9 - خوري مسرح‏ # 10 - حفلة استقبال‏ # 11 - الأموال الأميرية‏ # 12 - توزيع الميرة‏ # 13 - تحصيل الميرة‏ # 14 - خوري الضيعة‏ # 15 - النهاية السوداء‏ # | فارس آغا # | فارس آغا # تأليف # مارون عبود # الفصل الأول # | الأونباشي فارس آغا # كان «العسكري» في لبنان البروتوكول # 1 # مفزعة، # 2 # وكان لبنان حصن من تصيبهم القرعة العسكرية في «الولاية» أو تحدثهم النفس ~~بإلقاء نيرها؛ لذلك قال جيراننا سكان الولاية العثمانية: هنيئا لمن له مرقد عنزة في ~~جبل لبنان. # وكان للبنان جنود يعرفون «بالضابطية» أخذوا من الأهالي بمعدل سبعة أنفار من كل ألف ~~متكلف، مهنتهم صون الأمن وإمضاء أوامر الحكومة. وإذا قصر هؤلاء النفر عن ذلك في الخطوب ~~الكبيرة مثلا؛ فلمتصرف الجبل - المنتخب من الدول السبع - أن يستدعي عسكر «الدراغون» بعد ~~استئذان مجلس الإدارة المؤلف من اثني عشر عضوا، ينتخبهم الشعب اللبناني. # كان محظورا على العسكري التركي أن يطأ أرض الجبل، أو يمر به، ما لم يأذن له بذلك هذا ~~المجلس. ورب جندي لبناني - ضابطي - تصدى لطابور من العسكر الشاهاني؛ # 3 # فلم تطأ رجله حدود الجبل. وكان الجاني البيروتي يقعد - على عينك يا تاجر - على ~~ضفة نهر بيروت الشمالية فلا يستطيع عسكري الولاية القبض عليه. وأغرب من هذا عجز «ضابطي» ~~قضاء كسروان من القبض على مجرم في قضاء البترون؛ فكأن كل قضاء من أقضية لبنان السبعة مستقل ~~استقلالا ناجزا عن الآخر. # وكم مثلت هذه المهزلة عندنا - في عين كفاع # 4 ~~- إذ يقطع مجرم ms001 نهرنا، ويجلس على «شير بنور» # 5 # يدخن ناعم البال، قبالة ضابطي قضاء كسروان، ولسان حاله يقول له: «زرك عينك، طق ~~وموت.» فيعود هذا أدراجه ليعرض الأمر لقائده، يوزباشي # 6 # جبيل، فيطلبه من قائد البترون. حتى إذا جد عسكري البترون في طلبه تخطى ~~النهر صوبنا، وهيهات أن تحاصره القوتان، وحوله مغاور يضيع في جوفها الدهر. # هذه صفحة من «تاريخنا العسكري» تكاد تنسى. أحاول اليوم بعثها مع بعض الشئون الأخرى ~~الميتة؛ لعل القارئ يجد فيها شيئا. ~~••• # اخترت لقصتي هذه «بطلا» مات منذ سنين، وفي نيتي أن أنوب عن صاحبي هذا - الأونباشي # 7 # فارس آغا - في كتابة مذكراته، دون أن أتبع خطة المذكرات وأسلوبها. سأكون أمينا ~~جدا، أرويها كما سمعتها وعاينتها. ففارس آغا أول عسكري عرفته، عرفته في بيتنا، وقريتنا، واسكلتنا # 8 ~~- جبيل - وعاصمة لبنان البروتوكول؛ بعبدا. # سأروي لك أحاديثه بأسلوب الضيعة اللبنانية وتعبيرها اللذين لا يقصران عن كلام فصحاء العرب ~~إذا داورناهما. ولك أن تستعدي علي جميع المعاجم من تاج العروس إلى أقرب الموارد، فكل كلمة ~~يقضي لك بها علي أؤدي لك عنها الضريبة التي يفرضها وجدانك الحي، وإن لم أكن من أصحاب ~~أرباح الحرب. # سأصور لك شخصية كانت تحس أن في أعماقها عبقرية مطمورة، لم يتح لجذورها أن تتأصل، ~~ولا لفروعها أن تمتد وترف، فمات الآغا غير شبعان من مجد كانت تتحلب # 9 # شفتاه عند ذكراه، ويسيل رياله كلما حدث الناس عنه. # مسكين صاحبنا فارس، مات آغا، صار أفندي شهرين زمان، ثم جرد من رتبته، وعاد آغا، بينما ~~أناس غيره، لا يفكون الحرف ولا يعرفون الكوع من البوع، # 10 # صاروا بكوات، تزين أكتافهم الرمانات الذهبية، حياة! الدنيا حظ، كله قسمة ونصيب. ~~هذا ما كان يقف عليه الآغا دائما في حديثه مع الناس. ~~••• # كان فارس آغا ككل ضابط لبناني، يلبس بزة من الجوخ الرصاصي السميك. جاء الآغا بعد الزمن ~~الذي كان يعرف به العسكري من نحاسة بيضاوية يحزم بها زنده، وقد كتب عليها: نفر ~~ضابطية. أما تفاصيل البزة فهي: كبران # 11 # مزركش ms002 بشريط أحمر عرض الأصبع، رسمت عليه فوق الثديين زهرة كأنها ثلاث عرى ~~مشتبكة تقوم على ساق يتلوى على الصدر. وتحت الكبران صديرية من جنسه فيها خط استواء عمودي ~~من الشريط عينه. أما السروال فكثيرة طياته، لا هو بنطلون فرنجي ولا سروال إسكندراني، ولو ~~لم يكن رحراحا وسيعا كسراويل زوجة بطل المقامة المضيرية، لقلت لك هو «الغولف»، فكأنهم ~~استشاروا «ستي» حينما اختاروه، فهو أشبه بالسراويل التي يعف المتنبي عما فيها ... زناره ~~من الشال الأحمر، والطربوش عزيزي، تتدلى من قمته شرابة سوداء تنماز من شرابات اليوم ~~أنها تتعلق بخيط طويل، وهي قصيرة ضخمة، خيوطها غليظة. # كان سلاح العسكري اللبناني بندقية - مرتينة - تصلح جسرا في عهد الباطون المسلح، وسيفا - ~~سنكة - يمسكه الصدأ، فيقبع في قرابه كأنه محكوم عليه بالسجن المؤبد. # أونباشينا يقرأ ويكتب، وليس أميا كأكثر الضابطية وبعض ضباط ذلك العهد؛ ولذلك كان دائما ~~يشك في زناره دواة نحاسية من صنع بيت نفاع. في باقول # 12 # تلك الدواة الصفراء ليقة # 13 # تمنع الحبر من الانهراق، وقصبتها تسع عدة أقلام من الغزار، فهي «ستيلو» ذلك ~~العهد، وكان حاملها أزهى من غراب. أما المرملة السعيدة الذكر - سلف الورق النشاف - فكان ~~موضعها في خرج الآغا مع القرطاسية، التي تزوده بها الحكومة لتدوين دفاتر الوقائع التي ~~كانت تعرف بالجرنال المحلي. ~~••• # ممدوحي الآغا: رجل مدور سمين، عرفته حين خيط الشيب في رأسه، أما نفسه فكانت خضراء جدا. يكوكي # 14 # إذا مشى، مع أنه يحمل كرشا كبرميل متوسط الحجم. خوخي اللون، ولا أظلمه إن قلت ~~لك: أسود مثل الزيز. # 15 # شفتاه غليظتان تتدفق الشهوة منهما تدفقا، وأنفه كصخر حطه السيل فتعلق ~~هناك، شارباه كأنهما جناحا شحرور، وعيناه واسعتان، في بياضهما جذور حمراء نافرة، تخيفان ~~الناظر إذا حدق إليه بهما. في جبهته شجة # 16 # يفتخر بها كأسمى وسام. إذا لفتت نظرك، وحدقت إليها بدون قصد؛ فالآغا يقول لك: ~~سأريح بالك. هذا جرح أصبت به في معركة كذا - في كل محلة يذكر اسما؛ لأن ذاكرته لا تسعفه - ~~حين كلفني سعادة الميرالاي ms003 ملحم بك بوشقرا مطاردة الأشقياء العاصين على حكومة أفندينا نعوم ~~باشا فطوعتهم. قتلت منهم اثنين، وسقت البقية مثل المعزى إلى بتدين. # 17 # قتل من رجالي واحد. أخ! يا حسرتي على شبابه! أش شاب! مثل الرمح الرديني. # 18 # في ذقن الآغا نقرة كأنها صرة حبيبة سليمان، ولكنها مسيجة بالشوك لا السوسن. كثيرا ما ~~يولج فيه أصبعه ليعزل ما فيها، ولكنه قلما يظفر بذلك، وفي ساعة رضا طلب منا متماجنا ~~«قشق النارجيلة» لينظفها به. # وفي وجه الآغا نكتتان # 19 # كادتا تختفيان بين تجاعيد وجهه حين عرفته. كان يزعم حين شاخ أنهما طعنة سكين، ~~حين اشتبك بالسلاح الأبيض مع العسكر التركي على الحدود. # إذا دخل الأونباشي قرية يمشي مترصنا كالجواد المقيد، ويتغربل كالديك الحبشي. يسأل ~~الأرض أن تحس بفضله إذا مشى عليها؛ فالرجل يعتقد اعتقادا مكينا أنه عنترة زمانه، ولولاه ~~ضاعت الأموال والأرواح. أما كيف عرفته فإليك الخبر: كنت في صغري ولدا ورشا، للشيطنة عندي ~~مقام جليل جدا. وكانت المرحومة أمي تعجز عن إيقافي عند حد من الرصانة التي تتمناها ~~لغزالها ... فأخذت تخوفني بالعسكري، ككل أم لبنانية بروتوكولية. إذا تجاوزت الحد في ~~لعبي قالت: اهدأ يا مارون، أقول للعسكري يأخذك. وإن طلبت مني حاجة لم أقضها خوفتني ~~بالعسكري، وإن اعتديت على أحد رفاقي أدبتني بقضيب دقيق، وقالت: الحبس قدامك، غدا يجيء ~~العسكري. # كانت - رحمة الله عليها - تصور لي العسكري وحشا ضاريا يفعل بالناس الأفاعيل. هاجر رجل ~~كنت أحبه وأستأنس بحديثه؛ لأنه كان ظريفا ضحوكا يداعب الصغار ويلاعبهم ويضحكهم، ~~فسألت أمي عنه، فقالت بصوت منكسر: مسكين عمك جرجس، أخذه العسكري. اليوم هو بالحبس. # قلت: أيش عمل حتى حبسوه؟ # قالت: أخذه العسكري - وأخرجت كلمة عسكري إخراجا فخما - لأنه ضرب قرياقوس في «كسارة العين». # 20 ~~- ولماذا ضربه؟ ~~- اختلفوا على «الحد» على شبر أرض. # فوجمت ثم قلت: أية ساعة يرجع؟ # فتضاحكت وقالت: قل أية سنة! يعلم الله. إياك ثم إياك أن تضرب أحدا! # كنت ككل صغير أحسب أن لا أحد يقدر على العم جرجس إلا والدي، فقلت ms004 لأمي: كيف غلب العسكري ~~عمي جرجس؟ # فضحكت ضحكة رزينة، وهزت رأسها هزات معناها: أنت صغير يا ابني، ليتك تعرف العسكري. # وخطر لي ذات يوم أن أقيم ورفاقي عرسا، فاجتمعنا جميعا. بدأنا بالحداء # 21 # والزجل. # 22 # صبيان «ترود» # 23 # وبنات تزغرد؛ فارتجت الضيعة، وحاول الشيوخ قمعنا فما قدروا، وفزعونا ~~بالعسكري فلم نرتدع، بل تمادينا في صياحنا، وأخذنا نقيم كل يوم عرسا. # وأخيرا جاء العسكري حقا، فانفض الموكب، وعقب الغناء صراخ مزعج. أما أنا فكنت كمن ~~أبصر في نومه أن ذئبا يعدو وراءه، انبطحت على الأرض، ونزل فارس آغا عن دابته، وعدا نحوي ~~ليقيلني من عثرتي، فاشتد صراخي. وما امتدت يداه إلي حتى أخذت أفحص بيدي ورجلي كالأرنب، ~~ولكنه لم يفلتني، وحملني إلى البيت مدمى. وأفقت بعد حين فرأيتني في الأرجوحة، ورأيت ~~الآغا ووالدي جالسين إلى الطبلية # 24 # يتحدثان ويشربان ويأكلان، فتناومت. سمعت الآغا يقول: أمس كنا في قرية ~~غرفين، فأخذنا جمهورا إلى الحبس، منهم مرأة كانت أصل الشر، فهدأت الضيعة. # فقال الوالد: الحكم ملح الأرض. # فتقنفش # 25 # الآغا، وقال: وأي ملح! # فقالت الوالدة في سرها: ملح جلدك. # وأتم الآغا حديثه فقال: الشدة لازمة يا خواجه حنا، وإلا أكلت الناس بعضها. # وكان في يد أمي غصن ازدرخت تكش به الذبان عن جرحي الطري. كانت منكسرة القلب، لا تتكلم رغم ~~مطايبة الآغا لها، ومخاطبتها بيا ست أم مارون ... هذا التبجيل غير معروف في القرية، فأم مارون ~~كفاية وزيادة. # ظننت أن العسكري ينتظر ليأخذني فتناومت. هزتني أمي فتماوت، فقالت لوالدي: حناه، ما ~~قولتك، الصبي غائب عن الوعي؟ # فهمهم والدي، وقال الآغا: لا تخافي يا ست أم مارون، الولد محروس. أمس، من جمعة تقريبا ~~فزع منا ولد في شامات # 26 # فسقط عن السطح وكسر رأسه، وبعد كم يوم صح ورجع يفز في الضيعة مثل ~~القرد. # فشهقت أمي وصاحت: بعيد الشر! ثم همست إلي بهذه الكلمة: تنكسر رقبته إنشالله. # فشاعت الابتسامة في وجهي، بيد أن كم الزهرة لم يتفتح، فهزتني أمي فقطبت وجهي؛ ~~فاستراح بالها قليلا ms005 وقامت إلى عملها. # وتغدى الآغا وهم بالذهاب، فقال والدي: أيش عندنا اليوم؟ # فأجاب الآغا: بقايا ميره. # 27 # فقال والدي: فإذن المدة طويلة عندنا، نتأمل أن تشرفنا كلما قدرت. # فأجاب فارس: لا غنى عن الفضل، إذا تيسرنا لا نبقى دقيقة. البقاء حسب الدفع، الأوامر ~~تحرق العشب، لا يمكننا ترك الضيعة وعند أحد قرش واحد، أنت دفعت؟ # لم تعجب هذه الكلمة والدي، وسمعت أمي تقول: أما وقاحة! ملحهم على ركابهم. # لكن الوالد قال: هذا سؤال يا آغا؟ طبعا دفعت، أنا أؤخر قرش الحكومي! # فقال الآغا: وجارك طنوس؟ أتقول إنه يدفع على الهينة، أم كالعادة لا بد له من القتلة؟ ~~تحصيل مال الميرة متعب، ولكن فيه لذة. # فقال والدي: تلتذ بالضرب يا آغا؟ # فقال الآغا: إذا لم نضرب لا نحصل، وأنا ابن «حكومي»، وحسب الأوامر أمشي. # وتبسط الآغا في تفصيل أوصاف وظيفة العسكري. وفيما هو يعج كالبحر، حضر نفر من الجند، ~~فشققت عيني لأرى وجه القادم، فإذا بهم يقفون الوقفة المعلومة للتحية؛ فانتفضت وصرخت صرخة ~~مفزعة حين سمعت طقطقة نعالهم، فركضت إلي أمي ولأسنانها صريف ناقة النابغة، وما كان أشد ~~فرحها حين انصرف الآغا وجنوده لينتشروا في القرية الآمنة. # خرجوا من الباب فخار أحدهم كالثور: يا هو، يا أهل الضيعة، اليوم تسديد الميرة، الأونباشي ~~حضر، لاقونا إلى بيت الشيخ. ~~••• ~~- مارون! مارون! قم، راح العسكري. # ففتحت عيني، فرأيت والدتي تهز أرجوحتي ساهمة ساهية. ~~- فزعت يا ابني؟ تقبر أمك. # فأجابها الوالد بلهجة وابتسامة كان يغلبني بهما طول حياته: كله منك. قلت لك يا شاطرة، لا ~~تفزعي الصبي. هربت قلبه، صار يخاف من خياله. لا تخف يا صبي، أيش هو العسكري؟ كن مثل ~~النمر. # فزاد حزنها حزنا، ولم تخرج من صمتها إلا حين سألتها، وكأنني نسيت كل أهوال الحادث: أمي! ~~بحياتك، قولي لي: أيش هي الميري؟ # فانبرى الوالد يشرح لي المعضلة، وأفهمني أن من لا يدفع الميرة يحبس في قبو البقر، ويأكل ~~قتلا ويدفعها. وأنه - أي والدي - دائما أول من يدفعها؛ فيستريح من غلاظة العسكري ~~والزيادة ms006 التي يغرم بها المتأخرون. وختم كلامه بقوله: إذا عشنا، السنة القادمة تتفرج على ~~تحصيل الميري، أما كوماديا ... # ثم أفهمني أن الآغا صاحبه، ومتى قعدوا حول «السكلمة» # 28 # ودارت الكاس عمل «فتوتلو أفندم» # 29 # بأمر جناب الوالد، بل قل بأمر العرق الجيد، والنبيذ العتيق، اللذين يستخرجهما ~~سماحة الوالد من عنب «شحواتا». # 30 ~~- مارون، لا تجبن. الذي يقول لك كلمة تمسك، اضربه ، ادعس رقبته. علي أنا بالعسكري. ~~فهمت؟ قم العب. # الفصل الثاني # | داهية غير منتظرة # كان ذلك سنة 1897 عندما رأيت الأونباشي فارس آغا ثاني مرة. حلت بالقرية نكبة مروعة، ~~وأمسى الناس ليصبحوا وقد قضى أحد عشر نفرا منهم، وصاروا من سكان ديار البلى. وإليك ~~الخبر. # كان الصيف يحتضر، وطرف أيلول بالشتاء مبلول - كما يقول المثل اللبناني - عندما رأيت ~~المعاز إلياس الزغير، وعلى ظهره سل، وسرواله مدبج ببقع حمراء، يقف عند باب كل بيت ~~مناديا على اللحم. وأقبل الناس على لحمه لسببين: السعر الرخيص، والشهوة لبعد العهد به، ~~فقلما كانوا يأكلون اللحم في الصيف. خبرني جدي أنهم كانوا يودعون اللحم في المرفع # 1 # وداعا لا لقاء بعده قبل تشرين الأول، وكثيرا ما كانوا يجعلون جرن الكبة قاعدة ~~يركزون فيها عمود الخيمة. # كان للضيعة مرفعان: مرفع شتوي في شباط، ومرفع يودعون به الصيف ويستقبلون الخريف. يقددون ~~اللحم ويودعونه البراني والقطارميز؛ وهكذا يمسي لكل بيت ملحمة شتوية. ولكن الناس أقبلوا ~~على لحم إلياس «مجابرة»، فكان يخرج من بيوت الجميع مجبور الخاطر، فنفق لحمه، إلا لدى جناب ~~الوالد الذي لم يكن عند ظن إلياس به، فقابله بوجه حامض ولم يشتر منه درهما واحدا؛ ولذلك ~~سبب أبوح به لك على شرط أن يبقى بيني وبينك. # كان والدي ووالدتي فرسي رهان في المشاكسة. # 2 # كانت المرحومة كمعاوية والمسلمين، إن شدوا أرخى وإن أرخوا شد، فما تنقطع ~~الشعرة. أما الوالد فكان يقطع حبال المراكب ولا يبالي ... وكثيرا ما كان يحرد عن الطعام، ~~فينغص عيشنا وعيش تلك المستورة. # وقف إلياس الزغير بالباب فملأه وأظلم البيت. وما حيا العم أبا ms007 مارون بلهجته الرخوة ~~حتى مد القدر إصبعه المدبرة، واستبقت الوالدة الحديث، وأهلت بإلياس ورحبت ضاحكة ~~قائلة: منذ زمان هذا القمر ما بان، أيش حامل على ظهرك يا إلياس؟ ~~- لحم يا أم مارون، رخص مثل الخس، وأرخص من الفجل. الرطل بربع مجيدي يا أم مارون، عنزة ~~مثل الخنزير تهورت # 3 # بالعاصي # 4 # والله العظيم، وحق القربان الطاهر، كانت تحلب الرطل مرتاحة. ~~- يا حينها! يا خسارتها يا إلياس! الله يعوضك عليك، بالرزق ولا بصحابه يا بو ناصيف. خذ ~~لك إقة يا حنا، اجبر عنه، مسكين إلياس، كان يترك عنزاته ترعى ويساعدنا في مشق ورق القز ~~... # أما الوالد فتجبر ولم يجبر عثرة جارنا الماعز، لا بخلا ولا شحا، ولكن ... بما أن ~~الوالدة قالت: نعم، فعليه إذن أن يقول لا. تلك كانت خطته معها. فليس للمرأة أن تسبق الرجل ~~إلى شيء. # وأخذت الوالدة تبربر، # 5 # وزعم الوالد أنه لا يدخل بيته لحم لا يعرف أصله وفصله. فتضاحكت الوالدة، وقالت: ~~أهو من بيت شهاب! حرام اجبر عنه يجبر الله عنا وعن أولادنا. # فتمسك الوالد بنصائح فنديك، ويوحنا ورتبات. # 6 # وراحت الوالدة تسمع به، وتنسب إليه القسوة متسلحة برغبتنا في أكل ~~اللحم. # فصاح الوالد: لا تطوليها ولا تقصريها. وحين حسم الوالد بعناده المشهور ما اشتهينا، ~~انقبضت أنا تأييدا لوالدتي وإجابة لداعي بطني، وبكى إخوتي الصغار عندما سمعوا أوركسترا ~~الكبة تعزف في بيوت الجيران. فقالت الوالدة: ما أهون كسر الخواطر عندك! # فهمر # 7 # الوالد وألقى موعظة في أضرار اللحم المجهول، دونها وعظة عبد الرحمن لولده يوم الرءوس، # 8 # ورأت الوالدة الشر في عينيه، فطبطبت وتوارت من وجه الجبار. وكان سكوت لا يشوبه ~~إلا قرع المدقات من هنا وهناك، فقال الوالد: يا كاترينا، قومي اذبحي دجاجة. # فانتفضت كأنه قال لها: اذبحي ولدا من الأولاد، ثم قالت: كل دجاجاتنا تبيض، ذبحها كفر. ~~فقال هازئا: لا يا مرة، توقي جهنم. # فقالت: في نفسنا شهوة كبة. # قال: اعمليها كبة، الدجاج أطيب. فأجابت: عال! عال! ما سمعنا بكبة الدجاج إلا منك. ~~والتفتت ms008 إلينا قائلة: أبوكم معلم ماهر في الطبخ. # فصرف على أسنانه، وكاد يتناولها بضربة لو لم تتقيها بالابتسام، فاكتفى بقوله: يقصف عمرك، ~~ما أبلدك! # كان موقف الوالد حرجا، فهو بين نارين: نار ينفخ بها حديث الوالدة وتقريعها له، ونار ~~تضرمها ثورة المدقات. كان - رحمه الله - يحب الطيبات جميعها، ويتهافت عليها، ثم يحرم نفسه ~~إذا اعترضت عناده وجبروته، فشك غير قليل، ثم قال: يا أولاد، بنفسكم أكل اللحم؟ وما أمهلنا ~~حتى نجيب، فقال: على رأسي، الحقني يا صبي. وسرت خلفه على طريق القبو، فأخرج الثنية السكا # 9 # وذبحها. وما درت الوالدة بالكارثة حتى ولولت ودعت على أيدي الرجال بالكسر، من ~~آدم حتى حنا. # المناحة قائمة، والوالد كما يقول المثل: يا جبل ما يهزك ريح، يسلخ ضحيته مستضحكا. تارة ~~يصرخ بي: شد يا صبي. وطورا يقول نكاية بها على مسمع: تسلم يمينك يا أم مارون. هذا لحم يشبع ~~ويلذ، لا أكل لحم عنزة مهورة، تقبر ذقن صاحبها. # تعجب الجيران، كيف ذبح أبو مارون السكا، ولكن العجب زال حين تذكروا أنها ثنية مدللة ~~تحبها أم مارون ولا تردها عن شيء. فدى عيني السكا خلية البرغل والطحين ومعجن الخبز، وكل ~~ما في البيت من زبيب وتين، وأبو مارون يرى ورقة التوت تسوي خروف البيعة، ناهيك أنه مشهور ~~بالعناد والمشاكسة. # ولما سئل عن الجناية العظمى، أي ذبح السكاء، أجاب: حلفت بالله ألا أقتني معزى، ليس ~~عند المرأة عقبة. إذا رعت عنزتها شارب زوجها كان ذلك على قلبها أحلى من العسل، ويا ليتها ~~ترعى الشارب الثاني. وقد بر بيمينه، فما معت # 10 # إحدى بنات هذا الجنس عند بابه فيما بعد ... # أما نحن فغطسنا في لحم السكاء إلى الآذان، كأننا عذارى امرئ القيس بعد حمام دارة جلجل. # 11 # وشاركتنا الوالدة ودقت لنا كبة، ولكن على مضض؛ لأن حزنها على السكاء كان ~~كحزن راحيل على بنيها. # وفي أول السهرة تعالى الصريخ المؤلم في الضيعة، هذا يشمر راكضا إلى الطبيب، وذاك إلى بيت ~~الخوري. اللحم مسموم، وفي كل بيت، إلا ms009 من وقى الله، منازع أو مريض يشرف على القبر؛ مات عبود ~~وماتت كنته العروس وابنته وبنت ابنته. وعبود هذا ابن عم والدنا لحا. # وهرول والدي ليرى ما حل بابن عمه، ولكنه عاد فوقف، بعد أن ابتعد عن البيت، ليقول ~~لوالدتنا في تلك الأزمة: أم مارون، اشتري لأولادك لحما من إلياس الزغير إذا جاء صوبنا ... لم ~~تجب تلك المسكينة إلا بالركوع أمام صورة العذراء، وقرع الصدر وذرف الدموع؛ وهكذا جبر ~~الله خاطرها بعد انكساره بذبح السكاء العزيزة. # حقا إنه لمشهد يفزع البطل، فكيف بصبي مثلي. أربع جثث ممددة تحت سقف بيت واحد، كهل ~~وعروس وبنت مراهقة إلى جانب أمها الشابة. أربعة توابيت مصطفة كأنها نواويس المومياءات؛ منظر ~~اقشعر له بدني، وأخافني مع أنني كنت ابن عشر لا أحفل بالموت، ولا أحسب له حسابا. # وتجمع الناس فتشاوروا بالأمر، فقال شيخ القرية: لا بد من إشعار الحكومة بالمصيبة؛ ~~وهكذا كان. # وعصر النهار أقبل فارس آغا ومعه فرقته، فألقى خطبة قصيرة فور وصوله، وتهدد المجرم ~~وتوعده بالعقاب الشديد. وإذا لم يستطع القبض على الجاني، قبض على ضحاياه، وحال دون دفنها ~~قبل أن يأتي المستنطق وطبيب القضاء جرجي مارون ليشرح الجثث، فعلا صراخ لا يوصف؛ لأن ~~الناس في ذلك الزمان لم يتعودوا أن يشقوا بطن ميت. # وقرب المساء أطل موكب مدير الناحية على الضيعة، فتجمع الناس لاستقباله، واصطفت الفرقة ~~وعلى رأسها الآغا؛ فما واجهها المدير - الشيخ طالب حبيش - حتى صرخ فارس آغا: سلام دور. # 12 # فمر المدير والمستنطق والطبيب. وصاح فارس: راحات دور. # 13 # فاختبأت خلف والدي، فأخذني بكتفي وقال: هذا سلام، لا تفزع. فتماسكت وأعجبني هذا ~~السلام بالسلاح وإن أخافني، وأخذت عروقي تضرب، ثم هدأت بعد قليل. # وأقبل الناس على المدير مسلمين، هذا بيد وذاك بالثنتين، وكان الشيخ طالب يلهث ويسلم ~~وعينه شائحة، وما وقف بباب بيت الضحايا حتى علت الصرخة؛ فطيب الخواطر وعزى المصابين، ~~وأكد لهم أن العدل طويل الباع. # فقال له أحدهم، وهو أمير الكلام في المواقف الحرجة: يا سيدنا الشيخ، لا ms010 يضيع حق ووراءه ~~طالب. # فأعجب المدير كلامه واستفزته التورية البديعة، فدعا الأونباشي، وقال له: ماذا عملت يا ~~آغا؟ # فتماسك الآغا وضب بردي كبرانه، وأحكم وقفته، وشرع يلقي خطبة كعادته. فقال المدير: لا ~~تطولها يا آغا، اختصر، قل لي أيش عملت؟ # فأجاب الآغا: الغريم يا افندم في بلاد البترون، والقانون يا افندم لا ... # فصرخ الشيخ كمن فقد صوابه: بلا قانون وبلا أكل حلاوة. توجه الآن إلى صغار، # 14 # ولا ترجع إلا والغريم معك. ~~- أمركم أفندم، ولكن إذا هرب؟ ~~- وأين يهرب الذئب من عين الشمس. اضرب، اذبح البقر، اقتل المعزى، اعمل البيوت مراح خيل، ~~يجب أن تحضره الليلة. # فالتفت الآغا صوب الجنود وعج: سلاح أومزه. # فارتفعت البنادق إلى الأكتاف، فقال لهم: هجمة يا شباب، سمعتم بآذانكم، أوامر عزتلو أفندم ~~تحرق العشب. شدوا ولا تتركوا # 15 # على بعضكم. # وما تحركت الفرقة ومشت بضع خطوات حتى عاد الآغا يقول للمدير: وإذا هرب إلياس إلى ضيعته عبدلي؟ # 16 # فقال المدير: الحقه إلى القبر. # فقال الآغا: وإذا تخبا، من نحضر؟ ~~- الموجود يا آغا؛ إخوته، أولاد عمه، أولاده، كل ما عنده. ~~- نعم، نعم، فهمت. # فتنهد المدير وقال: نشكر الله، فهم الآغا أخيرا! # ولا تسل عن سروري إذ رأيت أن في الدنيا من هو أكبر من فارس آغا، بعدما قام في ذهني أن ~~ليس لأحد عليه سلطان. # وسمعت الناس يقولون: بريال مجيدي # 17 # يبيع الآغا ألف دم. هم يعرفون أن الآغا يتبرطل وخصوصا إذا كان الوسيط امرأة، ~~فإكراما لعينيها يبيع الدولة بزهراوي. # 18 # ثم أمر المدير بتشريح الجثث فاستنكر الناس ذلك، وكانت جلبة وضوضى، وتوسلوا إليه ألا ~~يهين الموتى، فضرب صفحا عن ذلك وأمر بالدفن؛ فكان أفجع مأتم شهدته في حياتي. # وشق الفجر استيقظ الناس على مشهد مضحك، الأونباشي ورجاله يسوقون قطيعا من المعزى يبلغ ~~المائة عدا، ومعه زوجة المعاز وطفل على زندها. فأخذ الشيخ يسب الدين. # وما اقترب منه موكب الآغا حتى استحال غضبه وسخطه هزءا وسخرا، فقال للمستنطق: يا أفندي، ~~بحياتك أصدر مذكرة توقيف غير مؤقت ms011 للكراز # 19 # الأبرش، وخل سبيل الفحل الأبلق؛ فهيئته تدل على أنه رجل طيب، واسأل البلقا ~~والكحلا والملحا # 20 # كيف وقع الحادث. يا فارس آغا، أنا راعي معزى يا حبيبي! أين الغريم؟ # فأجابت امرأة المعاز: الله يطول عمرك سعادتك يا بيك، ابن عمي سلم نفسه اليوم في جبيل. # 21 # فقال المدير: كان جاء إلى هنا، عين كفاع أقرب من جبيل. # فقالت المرأة: خاف من الضيعة تتعدى عليه. # وتقدم الآغا ليلقي خطابا، وما كاد يقول عزتلو # 22 # أفندم، حتى صرخ به المدير: لا عزتلو ولا طظتلو. # ثم خلى سبيل المرأة وقطيعها وركب إلى جبيل، مركز مديريته. ~~••• # وبعد أسبوعين سمع وقع سنابك # 23 # الآغا في عين كفاع، فاختبأ كالعادة من تطلبهم الحكومة بشيء، حتى إذا وضح الأمر ~~ظهروا من المخابئ، وبعد قليل رفع الناطور عقيرته يدعو الناس إلى بيت الشيخ، فجاءوا جرد العصا، # 24 # فقال الشيخ: تفضل يا آغا، خبرهم عن مأموريتك. # فوقف الآغا، وقال: دولتلو أفندم حضرتلري أفندينا نعوم باشا، سمع بمصيبة عين كفاع فرق ~~قلبه ... # فقال أكثر الجمهور: الله يطول عمره. # فقال الآغا: وأعماركم تطول. لا تقاطعونا، خلونا نكمل كلمتنا. # فقال واحد: اسمعوا يا ناس. # وقال ثان: اسكتوا يا بشر. # وقال كثيرون: هس. وقالت واحدة لا تعجب الآغا ولا يعجبها: بس يا هو. # فصرخ بها الآغا: اسكتي أنت، سدي بوزك، العمى في قلبك. # وسكت الناس، فأعاد الآغا كلمته الأولى بحروفها، فقال ابن المرأة: سمعناها يا آغا، هات ~~غيرها إن كان عندك. # فاغتاظ الآغا وسكت الجميع، هم يريدون أن يعرفوا ماذا بعد رقة قلب أفندينا الباشا، وطال ~~سكوت الآغا، كأنه نسي ما أعد من كلمات لهذا الموقف، فقال أخيرا: خبرني سعادة المدير أن ~~الباشا بكى لهذه المصيبة الثخينة. # فقاطعه شيخ الضيعة قائلا: قل الكلام الجوهري يا آغا. # فقال الآغا: دولتلو أفندم حضرتلري الباشا ... يا جماعة، بعث مائة ريال مجيدي إعانة ~~للموتى. # فضحك الناس، وانتهت الخطبة بلا تصفيق، بل بعمل القسمة، وأخذ كل من المنكوبين ما أصابه، ~~ودعوا للباشا بالعمر الطويل. # وكان زعيم ms012 المعارضة في ذلك الزمان رجلا اسمه قرياقوس، هو أمي ولكنه ذكي الفطرة، أما ~~هيكله فابن عم الجاموس؛ صدر كالنورج # 25 # لم يكن يستره قط فتخال أنه يرتدي جلد تيس. أما كفه فمثل المدرى، ورأسه كأنه ~~يقطينة كبيرة، وإذا تكلم تخال عشر ضفادع تنق معا. هو مثال العامل اللبناني النشيط، ~~قضى شبابه في حنوش، # 26 # وهي مزرعة قرب نفق المسيلحة، # 27 # وعاد إلى الضيعة بمعارف اكتسبها من الغربة. # قلنا إنه زعيم المعارضة، ولكن العم قرياقوس لا يتزعم غير نفسه والنحل الذي عنده، فقد ~~كان ملك العسل في زمانه. رأى قرياقوس أن الإعانة لا تذكر فقال: إما أنه باشا خسيس، وإما ~~أنهم «قرطوا» حصتهم من الإعانة. # فوسوست كلمته في صدور الناس، واستطار الشر في الضيعة، وكانت شكوى قرياقوس، وكان تحقيق؛ ~~وتتالت الدعاوى في الضيعة، وإن النار بالعودين تذكى. وكان لنار الشقاق في عين كفاع ~~عيدان، وعلى جانب الموقد قرمان # 28 # عنيدان؛ يدب لها بالحطب الخوري يوسف مسرح من عن يمين، وينفخها قرياقوس ضاهر من ~~عن شمال. ومن لم تحرقهم نارها أعماهم دخانها ورمادها. # وظلت الضيعة تتخبط في الخصام، وتشغل دوائر الحكومة عشرات السنين، ومتى تنافرت القلوب ~~يخطب الدبوس # 29 # في كل موقف، وتقدم العصا براهين ذات حدين ... لم نقل الخناجر؛ لأن أهل ~~القرية غير قساة القلوب. يهرعون إلى الحكومة ولا يأخذون حقوقهم بأيديهم. فركبت الديون ~~الأهالي وخربت بيوت كثيرة. # الفصل الثالث # | مار قبريانوس ومار شليطا # تقع عين كفاع على رابية كأنها عقب البيضة. بيوتها كالمدرج تقوم على جانبي درب، يمتد من الوطا # 1 # إلى القرقفة، # 2 # مسافتها كيلومتر وأكثر. على هذه الطريق كانت تسير فرقتنا العسكرية وسيوفها من ~~خشب، وبنادقها من قصب. بقينا أياما بعد تلك الفاجعة نقلد فارس آغا وفرقته حتى مللنا ~~ومل الناس حركاتنا وأزعجتهم ضوضاؤنا. كنا نجعل منا شقيا تطارده الجنود، حتى إذا ~~قبضنا عليه يأمر المدير بحبسه، فندخله قبوا يقف على بابه أحدنا خفيرا، ولم تسترح القرية ~~من سماجتنا البريئة حتى كان ما يأتي: # سجنا أحدنا بعد محاكمته، ms013 فصرخ الفتى بعد قليل صرخة قهقهنا لها، ثم تعالى صراخه المفزع ~~ونحن لا نفتح له الباب؛ فذعر جارنا طنوس حبقوق وأقبل على استغاثته، فإذا بالولد مغمى عليه ~~حد حية تبتلع جرذا، فقتل الرجل الحية، وحمل الولد إلى بيته، وعاد يتعقبنا واحدا واحدا، ~~فكانت تلك الفاجعة آخر العهد بتجارب الحكم ... # ومر عيد مار روحانا - عيد الضيعة في 29 أيلول - صامتا. لا قرع جرس ولا قيم أجران، # 3 # لا غناء ولا سكر، ولا حلقات قول ولا ولا ... الضيعة محزونة والحداد شامل، وبعد ~~أيام كان الأحد الأول من تشرين، وهو العيد السنوي لأم يسوع - أحد الوردية الكبيرة - يطاف ~~به بأيقونتها حول الكنيسة باحتفال عظيم. اجتمع الناس للصلاة، وهي أطول صلاة عرفتها، خمسة ~~عشر بيتا مقسمة ثلاثة أقسام: خمسة أبيات للفرح، وخمسة للحزن، وخمسة للمجد. ولكل بيت من ~~الخمسة عشر نشيد خاص به، ويلي ذلك ما يليه، ويسبقه من صلوات ودعوات والتماسات، وأخيرا ~~الزياح الاحتفالي. # 4 # لفت نظري في هذا الموسم شكل الحلة البيعية: # 5 # غفارة # 6 # مخملية مزركشة بالقصب الذهبي، ومثلها بهاء ما يتبعها من ثياب التقديس؛ أعجبني ~~المشهد فوجدت فيه مرعى جديدا لصبوتي وأماني المتوثبة. علقت أعمل الفكرة في إخراج ~~هذا المشروع إخراجا لائقا، كما أخرجت من قبل النظام العسكري، فانتهى بفاجعة كادت تكون ~~أليمة. # فما انتهى مشهد الكنيسة البهيج حتى كنت بعد الظهر، وحولي من أعول عليهم في المهمات ~~الكبرى، نبني كنيسة عند بيتنا. ولكنها - ويا للأسف - ما قامت حتى أعيت وسجدت كإمام العصبة النواسية؛ # 7 # فنمنا على كدر، وقمت في الغد أجهد فكرتي، فرأيت قدام بيتنا صخرا مجوفا، ~~ما زال هذا الأثر التذكاري مصونا حتى ابتلعته طريق السيارات كأنه حنية مذبح # 8 # فتحقق أملي المنشود. # فبنيت على مقربة منه دعامتين سميتهما قبة، وجعلت في القبة جرسا على شاكلتها - تنكة كاز - ~~وقرعنا الجرس والناس يضحكون لنا، والوالد يبتسم نصف ابتسامة، قائلا: صبي شيطان، لا يهدأ ~~أبدا. # ونادى أم مارون لترى عبقرية المحروس، فعادت منبسطة الوجه تردد: اسم الله حوله، يقبر أمه ms014 ~~ما أحلاه! والقرد بعين أمه غزال، كما يقول المثل. # الكنيسة تمت والجرس تهيأ، أما الأواني الكنسية فأين نجدها يا ترى؟ المبخرة لا يصلح لها ~~إلا علبة البرشان لجدي الخوري؛ فانتظرت الغد، موعد قطاف الزيتون، فخلا البيت إلا مني، ~~فثقبت علبة البرشان ثلاثة ثقوب، علقت في كل ثقب خيطا من القنب؛ فصارت مبخرة ... وأغرت ~~على الكنيسة فجئت بحفنة بخور، ورأيت المذبح يحتاج إلى تصاوير لم أجدها إلا في التوراة، ~~الكتاب العزيز على قلب جدي، فانتزعت صور المجلد الأول جميعها، وألصقتها بالعجين على صدر تلك ~~الحنية. بقيت الغفارة، فتراءت لي في فسطان أمي المخملي - فسطان عرسها - فانقضضت على ~~صندوقها وانتزعته من بقج ثيابها؛ فصلت منه غفارة # 9 # وبطرشيلا # 10 # ومنصفة # 11 # وكمين، وجعلت تنورتها البيضاء كتونة، # 12 # وأقمت زياحا احتفاليا كان شمامسته رفاقي، والشعب صبيان الضيعة ~~وبناتها. # كان طوافنا حافلا صارخا، بلغ به صياحنا مسامع القرى المجاورة، وعاد جدي من الحقل، فرآني ~~أحتفل احتفالا عظيما بتقوى وخشوع، كأنني ذاك، كما يقول الأخطل. عز عليه جدا أن يقلده ~~حفيده ووارث مجده المنتظر، الأسرار # 13 # والاحتفالات البيعية؛ فتضاحك حتى أركنت إليه، وما أن وقعت بين يديه حتى أهوى ~~علي بعصاه السنديانية، طفق ينفضني تنفيض الشيح، # 14 # وإن شئت تعبيرا جاهليا، فقل: يعصبني عصب السلمة، كما وعد الحجاج أصحابه في الأهواز. # 15 # وعجز أخيرا عن الضرب، وهو يحبو إلى التسعين؛ فجعل يركلني، ثم أخذ يدعس ويعرك. قتلة لا ~~يزال طعمها تحت أضراسي كما نقول. فعل كل هذا، وهو لا يدري أن علبة البرشان قد تغمدها الله ~~برحمته ورضوانه، وأن صورة التوراة وميزان الزمان # 16 # صارت زينة لهيكلي. # وعادت الوالدة إلى البيت، فرأتني ممرغا بالتراب باكيا، ورأت صندوقها مفتوحا ففزعت، ~~وغضبت لما رأت بقايا غفارتي، وعرفت بها قماش فسطانها، وأراد الوالد أن يبل يده بي، فقال ~~جدي: اتركه، أنا شبعته. قلت لكم هذا مجنون، خذوه إلى قصحيا. # 17 # وبعدما استراح من عناء معركته التفت إلي وقال: كلب! ما قدامك غير الحبس، الحبس أحسن دوا ~~لك. إن ms015 رجع فارس آغا ... طيب طيب! شر الصباح ولا خير المساء. # أما أنا فلم أجد مهربا أسلم عاقبة من النوم. تعشوا ولم أتعش، ثم جلسوا ثلاثتهم ~~صامتين، كل يغني على ليلاه: جدي يندب علبة البرشان # 18 # وصور التوراة وميزان الزمان، والوالدة فسطانها وتنورتها المخططة، والوالد يسائل ~~جدي: قولتك صبي أخوت؟ فيجيب جدي، وهو يفكر من أين يأتي بالبرشان ليقدس في الغد: الله ~~يلطف يا حنا، هذا الظاهر، الله يرد غضب السيدة عنه. لو عرف سيدنا البطرك؟ فهوت والدتي على ~~يدي عمها تقبلهما باكية قائلة: بحياتك يا عمي، لا تفزع الصبي. # وقرب الساعة الثامنة بعد الغروب وصل الآغا؛ فاستعاذ جدي بالشيطان - هكا يعبر العوام - حين ~~رآه، وقبل أن يسلم الآغا، بادره جدي قائلا: خير إن شاء الله يا آغا، دعوى من اليوم، دعوى ~~خوري مسرح أم دعوى قرياقوس؟ # فقال الآغا: أمهلنا حتى نقبل أياديك. وبعد الواجب، قال: لا هذا ولا هذاك، شيء جديد يا ~~محترم، دعوى تضحك وتبكي، فقال جدي: ما أكثر فنون الحكومة! قل يا آغا، خبرنا، شغلت ~~بالنا. ~~- الله لا يشغل لك بال، دعوى سخنة وعاقبتها بشعة. # فصلب جدي على وجهه، وتأفف وتأوه، وعيناه عالقتان بوجه الآغا المغلق كأنه لوح ~~نورج؛ فظن والدي وجدي أن هناك دعوى خطيرة جدا، وظننت أنا أن ساعتي قد دنت، وأنه إنما جاء ~~لأجلي، وقد وصل خبري للبطرك. # وأخيرا قال جدي: هات خبرنا القصة. فقال الآغا: زمان فاسد يا خوري حنا، الناس ذئاب ~~كاسرة. تقاتل حنا ديب وبطرس موسى على درب جبيل، وصدر أمر عزلتو مدير الناحية للتحقيق، وأنا ~~جئت وحققت، وهذا هو الأمر. # وتناوله الآغا من جيب «كوبرانه» ونشره، ثم أحكم مقعد نظارتيه فوق سنام أنفه، ومشى إلى ~~القنديل يتغربل، وما أن رفع فتيلته أكثر من المعتاد حتى صرخت الوالدة: توق يا آغا تكسر ~~القزازة، ما عندنا غيرها. أما الآغا فقرأ دون أن يبالي: # إلى فتوتلو الأونباشي فارس آغا ~~... # طقطقت الزجاجة، فقالت أمي: وجه نحس، ما منه غير الخسارة. # أما الآغا فتابع قراءته: # توجهوا ms016 حالا إلى قرية غلبون، وحققوا بدعوى بطرس موسى على غريمه ~~حنا ديب من محله، وأحضروا الغريم مكتوفا لهذا الجانب إذا ثبت عليه الجرم، نؤكد عليكم كل ~~التأكيد. # مدير ناحية جبيل # فقال جدي: يهمنا أمر الاثنين. هذا من أقاربنا، وهذاك عزيز علينا، أبوه صاحبنا. # فقال الآغا: وأنا - إكراما لقدسك - حضرته إلى عين كفاع. وإلا كنا في جبيل قبل الغياب، ~~ونام حنا ديب في بيت خالته - أي السجن - فشكر جدي الآغا، وقال: أنت يا آغا منا وفينا، ~~وغيرتك مشهورة. ~~- مرباك يا محترم، اسمح لي بكلمة. نحن أبناء الحكومة علينا واجب مقدس، وهو المحافظة على ~~أرواح العباد، ولا مانع إذا عاملنا الرعية باللطف وراعينا الأوادم مثل حضرة أبينا ~~الخوري. # فقاطعه جدي، قبل أن يعبئ نفسا، فقال: كلام مثل السكر يا آغا. # فصاح الآغا: اسألني يا محترم، عن سبب المقاتلة. ~~- تفضل، خبرنا. ~~- الخلاف على مار شليطا # 19 # وما قبريانوس # 20 # كلمة منك وكلمة مني؛ وكان جرح طوله فتر وعمقه أكثر من قيراط، مع رابور طبي ~~بخمسة عشر يوما، والرابور مفتوح. # وأبدى جدي إشارة استفهام بيده، فقال الآغا: مفتوح، يعني يقدر الطبيب فيما بعد تطويل ~~المدة، فتصير دعوى جناية. # فاغتم جدي وقال: الله ينجينا، اختلاف على القديسين، هذا فن جديد، صح المثل: تقاتلت ~~الفيران على كشك الجيران. فقال الآغا بصوته العريض: الجنازة حامية والميت ... # فصاح جدي كمن رأى قربه حية: سلام الله على اسمهم، لا تكمل يا آغا. # ودخل حنا ديب فرأيته مشدود الساعدين بمرسة، فتوقعت هذا المصير إذا اتبعت قباحاتي، فقال ~~جدي لحنا ديب: يا حنا، يا ابني، اتركوا السما لأهلها، وعيشوا مع بعضكم بمحبة الله. مار ~~قبريانوس ومار شليطا! ... # فقاطع الآغا جدي، وقال: الحكومة تربي الأرض، والعصا علمت الدب الرقص. أسلم لك ولغيرك يا ~~حنا، الهدوء والسكينة. من يقاوم الحكومة؟ تعرف مدة حبسك؟ على الأقل سنة، ما عدا - ومد ~~أصابع كالمدرى، # 21 # وأخذ يعدد عليها - الجزا النقدي، والعطل والضرر، وأجرة «البوكاتي»، # 22 # ومصاريف الشهود والدرب. وختم بقوله: وبرطيل الآغا. # وتضاحك ثم قال: إذا ms017 حبسوك جمعتين يخرب بيتك، فكيف إذا حبسوك سنة. اشكر ربك، المحترم مهتم ~~بقضيتك، وإكرامه واجب علينا، هذا بركة الجميع. سيدنا البطرك يعد خاطره. وتنحنح وسعل ليصفو ~~صوته، ثم قال: قل نشكر الله، وقعتك سليمة، اسمع من المحترم، وادفع الذي يفرضه عليك مع حبة ~~مسك. # فأطرق جدي قليلا، ولكن الآغا ما انتهى. ظل يحكي ساعة، وكلما أراد جدي أن يقاطعه يقول: ~~«دستور» بإذنك يا معلمي ... وأخيرا كفل جدي حنا، ففك الآغا كتافه على أن يطلبوا في الغد ~~غريمه بطرس، وينظروا في عقد صلح بينهما. # وانصرف جدي إلى مخدعه، وبقي الوالد والآغا يتسامران، فقال والدي: أيش قول الآغا في كاس ~~عرق؟ ~~- كاترينا، لقمة عشا للآغا، من الحواضر. # فحلف الآغا أنه تعشى من خير الوالد، وافتدى العشاء بقنينة العرق التي كان يسميها ~~المرحوم: ستارة العيوب وفضاضة المشاكل ... ودار على الشراب حديث ستظهر نتيجته في مجلس ~~الصلح ... # وجاء بطرس موسى غدوة، فخف الآغا لمقابلة جدي، ثم جاءا معا، فقال جدي لبطرس: أتعرف «الأبانا»؟ # 23 # فاستغرب بطرس أولا هذا السؤال، وقال: والو! يا عمي الخوري، أنت مربينا. # فقال جدي: ما فهمت قصدي يا ابني. ثم أدرك بطرس ما أراده جدي، فقال: ولكن يا عمي، ما قال ~~ربنا اغفر لمن ضربنا وشق رأسنا؟ # فأجابه: بلى يا ابني. كلمة أخطأ إلينا، تحتمل أكثر من الضرب والجرح. ضاعت ولقيناها يا ~~بطرس، المصارين في البطن تتقاتل. من قارب الحكومة، وظل على جلده قميص؟ # وبعد جدال طويل انفرد والدي ببطرس ثم رجعا، وتداول مع غريمه هنيهة وعادا، فإذا بالعقدة ~~انفكت، يدفع حنا ديب لبطرس موسى ثلاث ذهبات عثمانية بدل عطل وضرر. # ووقف جدي ووقف الجميع. أما الخصمان فركعا، فتمتم جدي بعض كلمات واضعا يده على رأسيهما، ~~ثم رفعها ورسم في الهواء شكل صليب، فنهضا عند ذلك يتعانقان، وهتف الحاضرون بصوت واحد: صلح ~~مبارك. # أما الآغا فاقعنسس # 24 # على الصفة، # 25 # وقال: الصلح سيد الأحكام، ونحن - رجال الحكومة - علينا تحصيل حقوق الناس، ~~والتوفير عليهم إذا قدرنا. لم يطول في الكلام؛ لأنه ms018 مشغول البال ينتظر النتيجة ... ولذلك ~~قام إلى الخرج وأخذ منه كف ورق، واستل دواته النحاسية من زناره وشرع يكتب: # لجانب مديرية ناحية جبيل البهية # عزتلو أفندم ~~حضرتلري # يعرض مقدمه بطرس موسى الماروني العثماني من قرية غلبون في مديرتكم التابعة قضاء ~~كسروان، حيث كنت شكوت إلى عزتكم حنا ديب من محلي بدعوى ضرب وجرح، والآن ألتمس قبول ~~رجوعي عن دعواي الفورية، وإسقاط جميع حقوقي عن حنا المذكور. والأمر لمن له الأمر ~~أفندم. # بنده # بطرس موسى # ثم نفض رماد سيكارته على الحبر الطري، ووضع العريضة بجانبه، وملس شاربيه بسبابته ~~وإبهامه، وتمددت أصابعه الأخرى على ذقنه كأنها أصابع الأخطبوط، وطال السكوت، فتحلحل جدي ~~رويدا رويدا، وقام قائلا: كلمة يا آغا. # وخرجا من الباب الشمالي، وهناك فك جدي مصره، # 26 # وأخرج منه ريالين مجيديين دفعهما للآغا، فما لمسا كفه؛ حتى أجفل كمن لدغته ~~عقرب، وصرخ: تعطيني مجيديين يا معلمي، أنا لمام! # 27 # وقطب جدي حاجبيه، فخفف الآغا من رعونته، # 28 # وقال بنعومة: طول الله عمرك يا محترم، هذي دعوى فيها ما فيها، نحن نأخذ على ~~ضربة كف ريالين وثلاثة. بالنادر «يعلم» المدير هذا التعليم ويشدد هذا التشديد؛ المدعي ~~ظهره قوي. اقرأ يا خوري حنا، هذا مكتوب توصية من وكيل البطرك الخوري ب. الدعوى جناية، ضرب ~~على السكة السلطانية، رابور بخمسة عشر يوما قابل الزيادة ... زد له نصف مجيدي يزد لك خمسة ~~أيام، ونحن قطعنا رأس الحية نأخذ مجيديين؟! # بهت جدي، ثم أعاد المجيديين إلى مصره، وأخرج ليرة فرنساوية، فما إن رآها الآغا حتى ~~أشرق وجهه، وصاح: هات «عسملية» يا بونا، الله ينصر السلطان، ليرته حلوة. # فقالت الوالدة، وكانت تتسمع: حكومة نهب وبلص. فأجابها الآغا: نحن نرضى بليرة يا أم مارون، ~~جربوا غيرنا تعرفونا. # وقال بطرس الآغا: وأنا لأي حساب أعطيتك ستة بشالك؟ فلم يرد عليه الآغا، وأخذ يتأهب ~~للرحيل، فأسر والدي في أذن جدي كلمة قال على أثرها: والجرنال يا آغا؟ # فصرخ الآغا: على راسي ثم عيني، هذا الجرنال. # 29 # اقرأ الملحوظات يا بطرس ms019 تعرف أن ستة بشالك ما ضاعت. # ودفع إلى جدي كراسا وجدته بين أوراقه الهرمة، وهو يتضمن الاستنطاق الذي أجراه الآغا، ~~وقد ربط به عريضة الشكوى وتأشير المدير عليها بما سبق ذكره، وإليك شذرة من هذا الكراس ~~الذي يسميه العوام: «الجرنال المحلي»: ~~••• # في اليوم الخامس عشر من شهر تشرين الأول سنة 1897 حضرت أنا فارس الآغا أونباشي مركز ~~مديرية جبيل إلى قرية غ. لإجراء التحقيق بدعوى بطرس موسى على حنا ديب من محله على الوجه ~~الآتي: # استنطاق المدعي # س: # ما اسمك؟ # ج: # اسمي بطرس موسى. # س: # اسم والدك؟ # ج: # مخايل. # س: # اسم أمك؟ # ج: # فروسينا. # س: # قدمت دعوى لعزتلو أفندم حضرتلري؟ # ج: # لا يا سيدي، تشكيت لمدير جبيل. # س: # امهل علي يا ابني؛ نحن لا نقول مدير جبيل، اللقب محفوظ عندنا. هذا ~~إمضاؤك؟ # ج: # أنا لا أقرأ ولا أكتب، رجب أفندي عمل لي المعروض. # س: # إذن صحيح أنك مقيم دعوى على حنا ديب؟ # ج: # معلوم، من كل بد. # س: # ماذا تدعي عليه. # ج: # نطولها أو نقصرها؟ # س: # احك الواقع، قل: والله العظيم لا أقول غير الصحيح. # وحلف الرجل، فسأله الآغا: لماذا ضربك حنا ديب؟ # ج: # كنا على الطريق رائحين إلى جبيل، حنا «يزت عتابا» # 30 # وأنا «أكسر له على الميجانا»، # 31 # ولما صرنا في عقبة حبالين # 32 # تعست # 33 # دابتي، فقال حنا: دابتي لا تتعس. # تعجبت أنا، فقال: لا تتعجب، في رقبتها كتاب مار شليطا؛ مستحيل تصيبها مصيبة. # فقلت: سلام الله على اسم مار شليطا، ولكن أنا متعبد لمار قبريانوس، وهذا كتابه في رقبتي ~~يحرسني ليل نهار. # فهز برأسه، وقال: رح أنت ومارقبريانسك، اسأل يوسف أندراوس يخبرك عن عجائب مار ~~شليطا. # وقع بغله مرة من علو عشر قامات؛ فصرخ: بحياتك يا مار شليطا، فقام البغل، وحمله نصف قنطار، ~~ولاقى صاحبه مثل النمر. # وأخذ يعد عجائب عجائب وأنا ساكت. وأخيرا قال: منو مار قبريانسك يا بطرس؟ ما سمعت السنكسار! # 34 # اسمعه بعد جمعة، يوم عيد مار شليطا. مار شليطا كان ابن عم ms020 الملك قسطنطين، ~~وشليطا معناها المسلط. أيش معنى قبريانوس؟ أظن المقبور. مار شليطا جلدوه بأعصاب البقر وما ~~مات. أدخلوه في الأتون # 35 # وما احترق. جروه بذنب الخيل في أرض مصر وبقي حيا، ثم أخذوه - يا رب تذكرني ~~- نعم تذكرت: إلى أنطاكية، ومزقوا ظهره بأمشاط من حديد، وشقوا جنبه وأعصاب عينه، ووضعوه بين ~~صخرتين عظيمتين؛ فخرجت أمعاؤه وقطعوا رأسه. # مسكين مار قبريانوس! ما كلف قتله أكثر من كلمة. قتلة أم نوح # 36 # أصعب من قتلة شفيعك، سحبوا رقبته مثل الفجلة. # كل هذا وأنا ساكت، فقال: احك، لا تسكت. تأمل صورة مار شليطا، رقبة حصانه مثل العضاضة. # 37 # مار قبريانوس حاف بلا نعل، ينوس # 38 # مثل المسلول. # وبقيت ساكتا، فاقترب مني، وهزني بيده، وقال: احك يا آدمي، الحديث أخذ وعطا. # فقلت: الفرق بعيد يا حنا، الذي ينفع الناس مثل الذي ينفع الدواب؟ كم رجل ما عاش له ~~أولاد حتى علق كتاب مار قبريانوس في السرير؟ فلان وفلان وفلان خنقت «القرينة» # 39 # أولادهم. خذ خليل ضاهر، لبطته تهد الحيط، لولا كتاب مار قبريانوس كان بالقبر، ~~أي هو أفضل: الذي يخلص الناس، أم الذي يخلص البغل والجحش والتيس؟ أنا يا حنا شفيعي مار ~~قبريانوس، وأنت الله يبارك لك في مار شليطا. فهجم علي قائلا: يعني أنا بهيم؟ فقلت له: ~~حاشاك. فخمن أني قلت له وحش؛ فضربني بالعصا وشق رأسي. # س: # هل تدعي بشيء غير الضرب؟ # ج: # لا يا سيدي. # س: # هل بينك وبين حنا ديب عداوة سابقة؟ # ج: # بالعكس، كنا مثل السمن والعسل. # س: # هل عندك شهود على ما تدعي؟ # ج: # نعم، فلان وفلان وفلان. # ويلي هذا استنطاق الشهود والمدعى عليه، لم نطلع القارئ عليها؛ لأن الفحوى واحد، ولكننا لا ~~نحرمه من مطالعات فارس آغا في الدعوى، وهي ما يسميها القرويون «ملحوظات»، ويبذل كل من ~~الخصمين الغالي والرخيص لتكون معه لا عليه، وإليك ملحوظات الآغا على علاتها: # عزتلو أفندم حضرتلري # بناء على أمر عزتكم توجهت حالا لقرية غلبون، وحققت في دعوى بطرس موسى على حنا ms021 ~~ديب، الباين # 40 # من تقرير المدعى عليه وشهادة الشهود إنو وحش، والدعوى صحيحة ما فيا ~~شك. حنا ديب المعروف عنو إنو زلمي # 41 # قاباضاي مناقرجي # 42 # بريمو. مشهدلو بالتعدي بضيعتو وجواريا # 43 # يتعدا عالناس، ولم كان حدا يربيه التربايي اللازمي. # إن شاء الله بيدوق المغرايي # 44 # هلمرة. # وجب عرض الكيفية لعزتكم والأمر لمن له الأمر أفندم. # بنده # فارس ... # أونباشي مركز جبيل # الفصل الرابع # | ملك العسل والدعاوى # في الضياع أحزاب وفيها نضال، وفي القرى تطاحن وفيها اقتتال. القرية دويلة يتنازع ~~زعماؤها نفوذا أقرع، وسيطرة مقعدة، جارين خلفهم من العوام أذنابا أطول وأكثر ~~ألوانا من أذناب طيارات الصبيان، وإذا فتشت عن أسباب تشاحنهم وجدتها أنت تافهة، أما هم ~~فيرونها نقطة استراتيجية جليلة القدر. ومتى حميت حرب القرية وطار غبارها امتدت إليها بد ~~الأحلاف الخارجيين ودبوا لنارها بالحطب. # كانت «المشيخة» قطبا تدور حوله رحى «الأيام» القروية، ينفق الرجل ثروة ضخمة ليخاطبه ~~الناس بيا شيخ، أما اليوم فتقوم قيامتهم على المختارية وولاية الوقف، وعلى الناطور ومعلم ~~المدرسة، وعلى رئاسة البلدية وعضويتها، وعلى المقابر والمشاع ... إلخ. وإذا فرغوا من تلك ~~الشئون الداخلية تألبت أحزابهم حول المديرية والقائمقامية والنيابة. # ولي قائمقامية كسروان شخص، فأطلق أحد القرويين الأسهم النارية إعلانا لابتهاجه و«غرضه»، ~~فسأله أحدهم: أتعرف القائمقام الجديد؟ فقال: لا، ولكني عملت ما عملت نكاية بابن عمي ~~واستفزازا لخصومي. # من تأمل القرية رآها صورة مصغرة للعالم الأكبر؛ طورا يسفر احترابها عن جرحى، ~~وأحيانا عن قتلى، وفي الحالين عن قوى عسكرية تحتل الضيعة؛ فتأكل دجاجها، والمعلوف من ~~غنمها، والعجول المسمنة من بقرها، ويفنى مالها الناطق والصامت. # أما ضيعتي التي أحدثك عنها فأكبر جناياتها جرح بلغ القيراطين طولا في نصف قيراط عمقا، ~~لم يطلق فيها عيار ناري بقصد قتل أو إرهاب. ضيعة وديعة حربها عقلية أكثر منها بدنية وحشية. ~~ضيفها مقرى، # 1 # تلبي صوت الداعي في السراء والضراء. وكلمة «طيبة» بمعناها الأصلي، أصدق ~~نعت لها. # رسمت لك صورة قرياقوس ضاهر، بطل حرب القرية العلماني - وهناك بطل إكليريكي سيأتي دوره - ~~وفي ms022 نيتي الآن أن أعمل على إبرازها. # جلا عم قرياقوس عن «حنوش» المزرعة الساحلية؛ حيث قضى فتوته عريانا يصطاد السرطان ~~والسمك، فإذا جاء أيار نضى # 2 # عنه ثيابه لا للنوم كصاحبة # 3 # امرئ القيس، بل للعمل نهارا أمام عين الشمس، وليلا تحت ضوء القمر، لا يبقى ~~على ذلك الجلد التمساحي المفلس # 4 # غير قميص يستر العورة، نسج على نول القرية، لا في أوروبا. ألا رحم الله نول أمي ~~وأمك! # ورث قرياقوس عن أبيه عقارا مساحته نصف هكتار، في المقياس الأوروبي، وكدنتان ونصف في ~~عرفنا. قلت عقارا، فما هذا العقار؟ صخور مصطفة كأنها جنود الدهر تستعرض لحرب الآباد # 5 # أشكال وأنواع، لو رآها الجاهليون، لعبدوها دون اللات والعزى. # 6 # هاجمها قرياقوس بمتنه الأزل وساعده المفتول، وعدته: مخل ومهدة # 7 # ومعول. # إذا صادف عنادا من صخر ممتد الجذور، كبير الرأس، صرخ: يا مرين - أي يا مريم - هاتي اللغم والبريمة. # 8 # وبعد ساعة يزأر مناديا: بارود، بارود ، ويردد النهر صدى الانفجار، وتنجلي ~~المعركة عن أشلاء الصخور المبعثرة، ويقف قرياقوس شامتا بخصمه، ضاحكا لانتصاره، كأنه سيف ~~الدولة إذ وصفه المتنبي بعد وقعة الحدث: # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة # ووجهك وضاح وثغرك باسم # وقبل أن يكسر تلك الصخور بالمهدة، ويضعها على الرجمة # 9 # يقعد على أحدها كقائد ربح المعركة، يلف سيكارة من الضبوة # 10 ~~- الظبية - المعلقة في زناره، ويقدح فيشتعل الصوفان، ويملأ صدر قرياقوس ~~العريض من رائحته الذكية، لا البرد يثني قرياقوس ولا الحر يخمد همته. سنديانة جبارة سيان ~~عندها الهجير # 11 # والجليد. وجه أسدي وعينان تقدحان شررا، وإن لم يفارق العمص # 12 # موقهما. كان قويا جدا ولكنه - لحسن الحظ - جبان، وإلا كان أكل ~~الناس. # لم تنقض سنوات حتى صار لقرياقوس بيت وقبو وبئر، بناها بما قلع من حجارة، ولم ينزل عن حقه ~~في الآبار القديمة الموروثة؛ ليظل باب الخصام مفتوحا ... أجال قرياقوس يد العمارة في الأرض ~~الموات التي أحياها، فأمست توتا يربي عليه ثلاث علب من بزر القز، ويقبض في كل موسم عشرات ~~الدنانير. # غرس ms023 الأشجار المثمرة حول بيته، ولم يترك شبرا واحدا بورا، فلم تكن تجد عند الضيعة ~~مجتمعة ما تجده عنده من ثمار وفواكه. يبدأ بأكل التين من منتصف آيار، وينتهي في آخر كانون ~~الثاني. من التين القزي، إلى السويدي، فالحميري، فالبقراطي، فالبويضي، فالشتوي. وكذلك ~~العنب المتعدد الأشكال، المختلف الطعوم، ما عدا الجوز واللوز، والمشمش والقراصيا، والخوخ ~~والتفاح والإجاص ... إلخ. إذا سمع قرياقوس بصنف أو نوع شمر # 13 # ساعيا إليه، وجاء به وغرسه حول بيته؛ فأمسى وعنده جنة فيها من كل فاكهة زوجان. ~~كثيرا ما كنا نغزو العم قرياقوس ونعود غانمين، ولكننا قلما كنا نسلم من سباب ~~تقذفنا به تلك الحنجرة، فيصل إلى آذان الناس وكأنه حجارة المقلاع. # ولم تقف همة قرياقوس عند بيته، بل حملته إلى عقار آخر في ضاحية الضيعة، فحرثه ونقبه وغرس ~~فيه الأشجار المثمرة. كان في تلك القطعة نبع مطمور # 14 # اسمه «عين صيوح»، فنبشه وسماه «العين الجديدة»، ثم طمه بعد حين؛ لأن الناس ~~كانوا يردونه خفافا ويصدرون عنه ثقالا، يمدون أيديهم إلى العنب والتين والفواكه، وهذا ~~ما يغيظ البطل. # واشرأب قرياقوس إلى سياسة القرية حين بات في بحبوحة. انغمس في تلك البورصة المدمرة؛ ~~فجاءته النكبات من كل فج عميق، وقضى عمره يدعي ويدعى عليه وهو يستعين بالدين على ~~حل مشاكله ... # ورأى أن النحل دخل بلا أكل، فجعل وكده فيه حتى أربى عدد مدينة النحل عنده على ~~ثلاثمائة جرة؛ فكان العسل عنده قناطير في عام الإقبال، وقد أغنى كنائس البلاد عن شراء ~~الشمع العسلي الأوروبي، وإن كان لم يتبرع لكنيسة بشمعة. وإذا سأله وكيل وقف ذلك، أجابه ~~ساخرا: مساكين أولاد الوقف، ناموا أمس بلا عشا! وقفي أكبر من وقفك. ويشير إلى بطنه. # قلما سلم جار لقرياقوس من تعد وعداوة، فهو لا يعرف حده فيقف عنده، والخصومة مع ~~قرياقوس أدت إلى خير إن كان ما ستعلمه خيرا. التجأ أحد ضاربيه إلى مدرسة إكليريكية هربا ~~من السجن، فحمته المدرسة والثوب الإكليريكي في ذلك الزمان، فصار كاهنا، وهاجر ضارب آخر إلى ~~أمريكا ms024 فأثرى، وعندما عاد من خطرته الأولى أهدى إلى قرياقوس موسى أميركانيا فقبله ... ثم ~~شمر إلى الغد إلى بعبدا يطلب تنفيذ الحكم. ولكن الوقت كان قد فات، فالأحكام كالبارود يمسي ~~بلا مفعول إذا طال عليه الزمن. ~~••• # بيت قرياقوس شمالي الضيعة، في منبسط جعله قرياقوس جنة؛ كدس الحجارة في آخر عقاره، فقامت ~~هناك رجمة عالية مشمخرة # 15 # على كتف النهر، كأنها برج داود، وإن كانت لا تتضرع لأجلنا ... وعلى جبهة تلك ~~الرجمة كانت تقوم خيمة قرياقوس صيفا كأنها إحدى قلاع الدردنيل. فتن قرياقوس بصدى النهر ~~والكهوف، فكان تارة «يهد على الزير» # 16 # بأعلى صوت تقذفه تلك الحنجرة، ثم يصطبر قليلا حتى ينقطع الصدى، فيتهلل ويضحك ~~ضحكة صامتة، وأحيانا يتنخع ويتنخم ليسمع الصدى. وأبهج دقائق حياته حين يقف أمام خيمته ~~منتصبا، حتى إذا عوت الثعالب صرخ بها: وريعو # 17 # فتصمت رهبة وخوفا ويتنعم قرياقوس برجع الصدى. # سواء عند قرياقوس، أغالبا عاد إلى بيته أم مغلوبا، فشعاره: الله يدبر، أنت تريد ربك ما ~~يريد. وكثيرا ما كان يعود محكوما عليه، فينبطح على فراشه في الخيمة، ويهد على الزناتي ~~خليفة، فكان ينكي بذلك خصومه ويمسي هو الغالب وهم المغلوبين. # يا سعدى أنا أكره «دياب» وذكره # كما تكره «الخالة» ولاد رجالها # بهذا البيت كان قرياقوس يمطمط ويعطعط # 18 # ويشد خاصة على لفظتي «دياب والخالة»، فتخرجان من فمه الواسع كالطحير والزحير ~~لافتة السامع. # وعند قرياقوس سلاح نكاية الآخر، سلاح ظرباني، # 19 # جل شأنك، يطلقه عند نهاية كل بيت طلقات مترليوزية، فتضحك من تضحك، وتؤلم من ~~تؤلم من الأعداء العاجزين عن الرد على قلعة قرياقوس بمثل مدافعها الضخمة العيار، ~~المعدة القذائف دائما ... أقر وأعترف أنني عاجز عن تصوير قرياقوس، ولكن الحوادث التي ~~ستقرأ تجلو لك ما غمض من شخصيته الفذة، فانتظرني أو فدعني إن كنت لا تصطبر. # إذا كنت تعلم أن عمرو بن معديكرب كان يأكل جديا، فقرياقوس كان يأكل تيسا ولا يحس أنه ~~أكل. إنه يأكل بلا مقدار، فكان عنده مطحنة لا معدة. خاطروه مرة على وزنتي ms025 بطيخ، عشرة أرطال ~~راجحة، فأكل ذلك. وخاطروه مرة على ثلاث إقات حلاوة، فأكلها وربح ما خاطروه عليه، وأكل مرة ~~رطل حنكليس مع بضعة عشر رغيفا، وتحلى بعد هذه الوجبة بنحو أقة من العسل. # ومع كل ما عند قرياقوس من عسل كان يشتهي الحلو في كانون؛ لأنه لا يعف عن شيء، لم أر ~~فمه غير متحرك، وأي فم فم قرياقوس! أدركته في مطلع شيخوخته، وقد سقطت أضراسه ~~وأنيابه وأسنانه، وتجعد وجهه، فكنت إذا رأيته آكلا، تخالك أمام كير دهري؛ فهو ينهش ~~ويلهث، فلا تسمع إلا فحيحا وغطيطا. وإذا دعاك إلى الطعام يومئ إليك إيماء؛ لأن فمه يظل ~~محشوكا. # واشتهى قرياقوس أكلة حلو في بحر السنة الثانية من الحرب الأولى (سنة 14)، فجاء إلى صاحبه ~~جناديوس يسأله أكلة تين يسند بها قلبه الهابط، كما عبر. أفزعت كلمة «الأكلة» عمي جناديوس؛ ~~لأن قرياقوس يأكل رطل تين على الريق، فأطرق عمي كعادته في الخطوب الجليلة ... أما زوجة عمي ~~وهي أسرع من السنونو إلى قول لا، فأجابت ساخطة: من أين التين يا قرياقوس؟! أمس أكلنا آخر نتفة. # 20 # فصاح قرياقوس، وهو يكاد ينشق من الغيظ: من عينيك، يقبر عيونك تينك ... قال هذا وانصرف ~~مغاضبا. # وتدلى التين القزي كالأكواز الفيروزية، فشرع قرياقوس يصبح التينة ويمسيها، ~~ويناديها متضرعا: عجلي يا مباركة، أنت خير من أوادم الضيعة ... # وانفرجت أزمة الحلو عند قرياقوس حين أقبل الصيف بتينه الأبيض، ومر يوما جناديوس عائدا ~~من «شحواطا» # 21 # وعلى ظهره سل من تينها الذهبي المعسل، فدعاه قرياقوس وألح جدا ليطعمه قرص ~~عسل «خورية»: يا جناديوس، مثل الشمس عند الغياب، الحبيس # 22 # يشتهيها. # عرج جناديوس فإذا به أمام معجن عسل فيه نحو عشرة أرطال، وإلى جانبه صينية - طبق - ~~خبز، فلما صلب # 23 # جناديوس وتناول أول لقمة حتى قال له قرياقوس: كل يا جناديوس، رص يا ديك الحطب! # 24 # كل حتى تنفزر. # 25 # أم القاتل تنسى يا جناديوس ... # فلم جناديوس شباكه وانصرف، وشيعه قرياقوس بضحكة لولبية، وظل يقول له: ارجع كل. ~~وجناديوس منهزم يلعن صباح ms026 قرياقوس، وقرياقوس يهد على الزير: # وما زال الحصان يشيل بسرجو # عرب جساس مني هاربينا # هذه إحدى قصصه مع عمي جناديوس، أما قصته معي فهي من لون آخر. كنت منذ الصغر - كما أنا ~~اليوم - مولعا بالعصي والقضبان، وكنت أتردد على قرياقوس يغريني به شكله الغريب وحركاته، ~~ويلذ لي حديثه. وكان قرياقوس أكولا كما عرفت، يحب كل شيء وخصوصا البيض المقلي مبردا ~~باللبن مع ورق البصل، ولا دجاج عند قرياقوس؛ لأن غارات الثعالب على بيته المنفرد لا ~~تنقطع. # جئته يوما وفي يدي قضيب زعرور محرق، فقال لي: هذا قضيب يا مارون؟ قضبان عمك قرياقوس ~~قضبان ... في كل قضيب ألف نقطة ونقطة، ولا نقطة مثل نقطة. # قال هذا ومعوله يشق صدر الأرض شقا، فهيجني وأغراني، فتعلقت بذيل قميصه الخلفاني ~~أترجاه وأستعطفه. فصرخ بي: ابعد، توق حالك، ثم انطلق عيار خفيف من قلعته المحروسة، ~~فتراجعت مذعورا، فضحك والتفت إلي، وقال: قضيب من هذا الشكل يلزم لتنقيطه عشر بيضات، ~~وقنينة زيت، وسماق ناعم مثل الكحل، وتين مطبوخ، وبصل وتوم، وعب تتن من تتنات بومارون، وكلما ~~كثرت الأشكال، وتبحبحت الكمية، كان القضيب أحلى. فهمت يا عيني؟ ~~- تسلم عينك. نعم فهمت. # وسرت في طريق البيت، وقرياقوس يناديني: خذه يبص مثل قشرة الحية. وجئته بما طلب فتغدى ~~أحسن غداء، ثم مسد على بطنه، وقال لي: اغد علي خذ القضيب. # فعبست وأجهشت بالبكاء، ولكني خفت الفضيحة فتجلدت وحبست دمعتي، وحان موعد العشاء السري ~~فلم تجد أمي بيضا لتعشينا، فاستعارت من عند الجيران وسكتت. # وكانت عينها علي في الصباح، فرأتني غاديا أهملج # 26 # في طريق بيت قرياقوس، فاستنطقني عند رجعتي من عنده فاعترفت، فأشرفت على قرياقوس ~~وهو ينقب أرضه وصاحب به: القرود تاخدك يا قرياقوس! كبير قد الجمل، تضحك على ولد صغير؟ ليتك ~~تشتهي البيض! اطلب حتى نعطيك. ~~- أهلا وسهلا بأم مارون. يشهد علي ربي ما قصدي الضحك على الصبي. ضاعت ولقيناها يا أم ~~مارون، ما صار شيء إلا صار مثله، يفرجها الله، العسل قريب. يا ويل الذي عنده وما ms027 عند ~~جاره. # وعادت أمي تطبطب # 27 # وسترت هذه الهفوة علي، ونجوت من قتلة مشبعة، كما كان يتهددني أبي عند كل زلة، ~~وما كان أكثر زلاتي. # لم يسترح قرياقوس في تلك الجنة التي أبدعها، فلج الخصام بينه وبين جاره فتضاربا، وتلت ~~تلك المضاربة إشاعة قامت لها الضيعة، وقعدت: طرحت # 28 # أم فارس، طرحها قرياقوس. # وجاء الآغا على رأس فصيلته يهز الكرباج، يتهدد ويتوعد، سوف يعمل ويسوي ... وقرياقوس ~~ساكت لا يزيد على قوله: الحق يحق ... الله موجود. # إذا سمعت كلام قرياقوس ظننته رجلا تقيا مفكرا، مع أنه لا يحس إلا الساعة التي هو ~~فيها، كان قليل الاتصال بالناس، لا يؤاسي ولا يسلي ولا يتوجع، كما قال بشار. وعاقبوه على ~~هذه القطيعة، فلم يدفنوا ابنه الذي مات جوعا في زمن الحرب، فاستأجر من دفنه ودفع الأربعة ~~بشالك أجرة نقل ودفن، أما التابوت فلم يعد في الحساب، فتابوت الإنسان ثيابه إن كان بقي عليه ~~ثياب. # وجرى استنطاق قرياقوس في جو مكهرب، فريق يسانده وفريق يضغط عليه، ولكنه كان رابط الجأش، ~~لا يزيد على قوله جوابا على كل سؤال: ما عندي علم ولا خبر. # نصب له الآغا فخاخا فلم يقع فيها، فصاح الآغا محنقا: فلقتنا # 29 # يا قرياقوس، أنت ملاك، أنت قديس، الله يرزقني شفاعتك - وقرع صدره كالمتعبد - ثم ~~قال: هذا تحقيق، هذا طق حنك! # فقال قرياقوس: يدك وما تعطيك يا آغا، هات كل ما عندك. لا تخل من جهدك، إياك تقصر ~~... # فانتفض الآغا، ورمى بالقلم، فكب المرملة وقلب الدواة، واستوى على قدميه صارخا: تتهددني ~~يا قرياقوس! أنا ابن حكومة، تعارضني في مأموريتي؟! ~~- مرحبا بك يا آغا. افتكر مثلما تريد. يا بحر ما يهزك ريح. الحبس للرجال يا فارس. # فصخب الآغا وعربد وكاد يخرج من ثيابه؛ ساءه ترك اللقب، أكثر مما ساءه الازدراء، فصاح: أنت ~~رجل؟ أنت وحش دب! ~~- الكرامة لثوبك يا فارس. # فأرغى الآغا وأزبد، ولوح بكرباجه، فقال قرياقوس: لا تعرض نفسك، إن مددت يدك أكسرها من ~~الكوع. # وظل الآغا يتبختر ويتنمر منتظرا هبوب ms028 الزوبعة من الكيس. # وحاول أرسانيوس مختار القرية استعطاف الآغا، فصاح قرياقوس: اتركه يا أرسانيوس. بتدين # 30 # قريبة، وبعبدا أقرب، وجبيل على ضربة حجر. أنا سابقك لجبيل يا فارس. # فعوى الآغا كالذئب: كلب، كتفوه. # وجد الجد، فلعبت الفلوس دورها، فانفك كتاف قرياقوس لقاء خمسة عشر ريالا مجيديا قبضها ~~الآغا نقدا. # وعاد وجنوده إلى جبيل بعدما وعد أخصام قرياقوس «بملحوظات» محلية، تحرق دين قرياقوس من تسع ~~وتسعين جهة ... وتهتك حريمه، ولو شهد عليه واحد فقط أخذه مكتفا إلى جبيل، وربطه في ذنب ~~الحصان، ولكن ... # كانت مقاومة قرياقوس في كل أزمة كمقاومة زهرة اللوز لعواصف شباط، تأخذ منها كل شيء إلا ~~الجرثومة، لم يكن قرياقوس زهرة بل شوكة، لا يدري متى ترفع رأسها لتدمي. # أرضى الآغا الخصوم، أما قرياقوس فلم يرض. ها هو يبل وجهه ويديه بقليل من الماء، ويلبس ~~ثياب «الشريعة»: # 31 # سكربينة صنع الزوق، وطربوشا مغربيا ذؤابته - شرابته - مائة درهم، مشدودة ~~عليها «وربة» من الحرير الشامي، وصديرية مخمل مزررة يغلف بها ذلك الصدر البعيري، وفوقها ~~كبران مفتك - مطرز - وزنار من الكشمير مقلم، وشروال صوف أسود مطرز على الفخذين والساقين ~~بالبريم الحريري، خاطه قرياقوس يوم عرسه الأول. # 32 # وبينما كان يلبس ثياب «الشريعة» كانت زوجته تغسل السطل، وهو يحثها مناديا: عجلي يا أم ~~يوسف، تحركي يا حرمة، ثم يخاطب نفسه بصوت مسموع: الهدية مفتاح الباب. # ثم يعود إلى مخاطبة زوجته: لا تنهمي يا مرين، أنا قرياقوس أنا! وحق القربان الطاهر، وحق ~~مار روحانا إن بقي الآغا في جبيل أحش شواربي. # ومشى قرياقوس يهدف # 33 # كالجمل الهائج، وفي يمينه سطل العسل، وفي كتفه اليسرى يعلق جرابا فيه زاده. ~~راقبه خصومه ليعرفوا كيف يتوجه، ولما اختفى عند الصليب تأكدوا أنه ذاهب إلى جبيل، وفيما ~~هو يصعد في عقبة شامات # 34 # سأله رجل مجد في سيره: من هنا الطريق إلى عين كفاع؟ ~~- نعم، خط مقوم، انظر، عين كفاع قبالتك، وجهك والدرب. قال له كل هذا وهو يفكر في مصيره، ~~وما تقتضيه الدعوى. # وما ابتعد الرجل ms029 عنه مقدار رمية حجر حتى استوقفه قائلا: يا عم، من تقصد من عين ~~كفاع؟ ~~- الخوري يوسف مسرح. ~~- بالبيت، حظك طيب. # وتوجه كل منهما في سبيله: قرياقوس يزحف ليبلغ جبيل مع الغروب، وتفتح له هديته الباب كما ~~زعم، والرسول ليؤدي الرسالة في حينها. الرسول يغني العتابا والميجانا، وقرياقوس يشكو إلى ~~نفسه خفة كيسه. لم يبق لديه غير ثلاثمائة قرش والموسم بعيد. الدعوى كبيرة، جناية يحتاج ~~النفوذ في مضيقها إلى ألوف، ومن أين له الألوف؟ واشتدت عليه وطأة ذلك الحلم الواعي، فصاح: ~~القرش الأبيض لليوم الأسود، بالمال ولا بالرجال، بيني وبينهم إسطنبول. # وتذكر الرجل الذي التقى به فصرخ: ها، ها. بان الفرج، وعن له في ذلك الوادي - وادي حبالين # 35 ~~- أن يهد علي الزير بما يناسب المقام، فصرخ: # ألا يا خال خليها على الله # ولا مستعجلا يبلغ مناه # اصبر يا قرياقوس، هذا مكتوب المطران بو نجم لخوري مسرح، يحرس دين لحيتك ولحيته يا خوري ~~يوسف. شدوا يا كلاب العرب، أنا قرياقوس أنا! الليلة ننام عند يزبك القويق في جبيل، ثم ~~خفض صوته وقال: وبكره نكون في «المنصف». # 36 # نتدين من الخواجه ملحم المال اللازم، خير كثير. غلة سنة توفي الدين. # ثم هرول لا يلوي على شيء، كأن أحدا يسوقه بسوط. ~~••• # وقصد الآغا قلعة جبيل، مقر المدير؛ ليقص على عزتلو أفندم حضرتلري حكاية جناية عين كفاع. ~~قصها بصيغة خطابية مفخمة، قال فيها «يا افندم» سبعين مرة وأكثر، والمدير صابر عليه. ~~وأخيرا قال له بسخر لاذع: وأين قرياقوس؟! # فقال الآغا: مريض يا افندم، كفله أحد أوادم الضيعة وخلينا سبيله. # فهدر قرياقوس في مطبخ المدير، وهو يفرغ سطل العسل: بين الأيادي قرياقوس، يا سيضنا - يا ~~سيدنا - صحتي مثل العجل. خراط # 37 # كبير الآغا يا بيك، الفلوس تعمل العجائب يا مولانا. برطلناه بخمسة عشر «ريال ~~مجيدي» ... # وانجلت المعركة عن فصل الآغا إلى جونيه، وعودة قرياقوس إلى البيت بشفاعة سيادة المطران، ~~وسعادة سطل العسل؛ وقديما قالوا: لله جنود من العسل. # الفصل الخامس # | الشيطان لا يخرب وكره # - يا ms030 أمي، قرياقوس رجع. ~~- بلا كذب يا بنت، سدي بوزك. ~~- صدقيني، قلت لك. وحياة الله فقعت من الضحك، خوري مسرح يهاهي # 1 # في الحارة، وينط مثل الأولاد الصغار، وقرياقوس يعر # 2 # مثل الوحش، بذمتي ضحكته رطل. ~~- أنت زنتيها يا مضروبة؟! # فزفر الأب زفرة، كأنها خرجت من كير حداد، وتمتم في كلمات فهمتها الأم، وقالت: على من ~~الحق يا طنوس؟ من استهزأ بالرجال، برأس اللفت يقتل. # ليس أقدر من المرأة على إثارة الرجل، فكلمة منها تقيمه وتقعده؛ أطل طنوس من الباب فرأى ~~قرياقوس عند بيته، يفتقد المفتاح في موضعه فلا يجده، فتسلق السلم ونادى زوجته من على ~~السطح، فكان ذاك الخوار # 3 # صفارة إنذار للقرية؛ فجاءه بعضهم مهنئين بالعود الأحمد، أما طنوس فظل ~~واقفا على عتبة بابه كأنه مسمر هناك، ابتسم ابتسامة صفراء ذابلة، وقال كأنه لا يعي ما ~~يقول: يظهر أنه موفق، نبضه قوي. # وكركر قرياقوس من الضحك، وقال لطليعة زواره: أعطوني البشارة، استرحنا من فارس آغا، ظن ~~الآغا قرياقوس لعقة عسل، ما درى أني حية برأسين، ضربتها ما لها دواء؛ مسكين الآغا، ~~دعسنا رقبته. # فتناظر الحاضرون وكبر قرياقوس في عيونهم، صار في تلك الساعة يكنى ولا يسمى. هذا ~~يقول: بو يوسف، وذاك عمي قرياقوس، ولولا الحياء ما بخلوا عليه بلقب الخواجه والشيخ، إن لم ~~نقل بيك. # إن مناجاة قرياقوس مناداة، فكيف به وهو يريد أن يقع كلامه في أذن جاره، فهز طنوس برأسه ~~وقال: أخبار غريبة عجيبة، فارس آغا صار في جونيه، وقرياقوس رجع! الحق مع المرأة، نحن ~~تراخينا وقرياقوس اشتد. # وتمادى قرياقوس في الابتهار، # 4 # وتعالى الضحك، فانزوى طنوس في قرنة بيته، وهو يقول في نفسه: الدنيا مع الواقف، ~~وأحس أن شيئا داخليا يحثه على الخروج، فتعشى وانصرف. # كان في تلك الليلة مجلسان عامران في القرية: مجلس في دار قرياقوس يخبر فيه بطلنا أخبارا ~~أحلى من العسل، ويقص على مريديه كيف تحدث مع المدير بكل حرية، وكيف قلع الآغا مثل ~~الفجلة، والناس يصغون إليه، كأنه يخبرهم عن أرخص الأسعار. ms031 ومجلس في بيت آخر، كان فيه خصوم ~~قرياقوس، يفكرون كيف يرغمون أنف خصمهم بعد هذا الظفر، ظنوا أنه ساق نفسه إلى السجن فإذا ~~به قد غلبهم، وفيما هم يقلبون القضية على جميع وجوهها؛ ليدركوا كنهها إذا بأحد من كانوا ~~في بيت قرياقوس، يشرب نبيذه ويأكل تينه، يدخل عليهم فيضيء ظلمتهم بقوله: كل البلا والشر من ~~خوري مسرح. عزلوا الآغا، ورجع قرياقوس مثل النمر. # فهمهموا جميعا، وكان صمت، وغير رسول الخير جلسته، فاقترب من قيدوم # 5 # الجماعة يوشوشه، فأخذ يومئ برأسه إيماءات متتابعة كالحرذون في يوم قيظ، وأخيرا ~~صاح: مفهوم. وجر واو مفهوم جرا عنيفا، ثم قال محاولا الابتسام: لا يتعنتر قرياقوس إلا ~~إذا كان كيسه ملآن. # فقال طنوس: صرحوا، المطمورة تكسر السكة. # 6 # فأجابه: صاحبك قرياقوس تدين من ملحم المنصف أربعين ليرة إنكليزية، فانتخى طنوس وقال: ~~وأنا أتدين ثمانين، لا أسف على ملكي كله. قرياقوس يغلبني؟ وقام إلى المكاتيب الموجهة ~~إلى مراجع عديدة يتوسطها في قضيته. # كان مع الصبح في «الكرسي» # 7 # ينتظر خروج المطران من قداسه، وعاد من لدنه برسالة إلى المدير ضد الأولى، يطلب ~~فيها بإلحاح قصاص قرياقوس وتأديبه، فزعم المدير أنه رفع «الجرنال» إلى سعادة القائمقام ، ~~فقرعوا بأيد أخرى باب سعادته، فأحالهم على المستنطق الذي مناهم، # 8 # وجعل موعد الجلسة قريبا جدا. لم تفتر همتهم عن استعداء ذوي النفوذ على ~~قرياقوس، وظل قرياقوس يتفرس # 9 # ويبتهر؛ فيحثهم بذلك على طبخ أحمض ما عندهم ليضربوه ضربة تكسر شوكته. # لم يشغل حريق موسكو بال نابليون، ولا معركة ستالينغراد بال هتلر، كما شغلت القرية هذه ~~الحادثة، وظلوا كذلك أياما حتى أطل على القرية وجه جديد، أونباشي غير فارس آغا، يحمل ~~«مذكرات جلب» بالعشرات، فوجم الناس. # المدعوون لزيارة جونيه ثلاثون نفسا، كل من سمع وحضر دعي إلى الشهادة، ومن لم ~~يلب دعوة مذكرات الجلب أجاب غصبا عنه دعوة مذكرات الإحضار ... ينفق مما رزقه الله، إن ~~لم يتكرم عليه من سماه شاهدا بغداء أو أجرة مركوب. كذلك كانت شريعة ذلك الزمان، فصارت ms032 ~~الشهادة وسيلة للتشفي ... وأخفتت هذه الدعوة جدال الأهلين فسبوا # 10 # المتخاصمين، وانتظروا الموعد عازمين على القول: «لا علم ولا خبر.» ليخلصوا من ~~ضر هذه الدعوى بداية واستئنافا. ~~••• # كان قرياقوس مع الفجر ينطق بلسان المهدة والمخل والعتلة، يفلق هام الصخور حاسبا أنه ~~يقتل أعداءه، فكلما ضرب ضربة أتبعها بهذا الصوت: حه. لم تحط الدعوى من همته، فهو يجدد ~~ويحسن ملكه كل ساعة؛ فارقه شيء من ذلك المرح وملاقاة الدهر بلا اكتراث. كان يضحك ولكن ~~ضحكة غير فاقعة، ينقض على الأرض فيجعل عاليها سافلها، ولكن من عرفه قديما يعلم أن هناك ~~شيئا يشغل باله، وإن كان قرياقوس لا يعلم بتغير حاله. # ليس الفلاح كالتاجر؛ الفلاح يخاف من الدين خوفه من الطاعون، والمثل عنده: الدين ~~جرب، ومن تزوج بالدين باع أولاده بالفائدة. ولا عجب إن خاف، فهو أسير الأنواء؛ ولذلك ~~يسمي المطر رحمة وغيثا. إذا جاءه الري في حينه تباشر، وقال: شتوة كلها ذهب. يعتمد على ~~الطبيعة التي يسميها الله، وإذا انحبس المطر أمسى كل بيت كنيسة. صلوات تتصاعد من كل نافذة ~~ذاهبة إلى العلي عملا بالآية: «إذا كان فيكم إيمان قدر حبة خردل ...» علام يعتمد ~~الفلاح اللبناني؟ إذا برد الربيع ازرقت دودة القز الذهبية وقيحت، وضاعت آماله. إن موسم ~~الحرير خليق بأن يسمى عنده «ممزق الدفاتر» يستلف ويقترض والموعد حزيران، فإذا محل موسمه ~~ركبه الدين وبات مكثورا عليه. # كان قرياقوس يشتغل ويفكر بأشياء شتى: يفكر بأول سند أمضاه، أيستطيع أن يمزق الكمبيالة، أم ~~يتبع الدين بالدين؟ تلك أول مرة استدان بها، فهو يحدثك وخوف الدين مستول عليه، ~~يعمل وشبح الفائدة يرعبه. وعلى خلو باله كان هذا السند يزعجه من حيث لا يدري، فخفت أغانيه ~~بعد إمضاء السند، وقل تهديده للثعالب وتلذذه برجع صدى صوته، ولكن ما الحيلة؟ وقع الرجل ~~في شراك لا يخلصه منها إلا إقبال موسم القز والعسل؛ فهو يسهر على التوتة لينمو ورقها، ~~وعلى خلية النحل يكش عنها الزنابير، ينظر إلى السماء ويقول كأنه يحدث رجلا آخر: سنة ~~خير إن ms033 شاء الله، السما زرقا مثل النيل. وكثيرا ما كان يحسب ما عليه فيرى المواسم كفيلة ~~بالتسديد، فيقول بلا وعي: ما أحلى ما يدبر الله! ربك كريم. ثم ينهض آخذا المعول مرددا: ~~اطعمها تطعمك، حتى إذا أعيا تمشى بين خلايا النحل المنتشرة. # إذا طارت نحلة ضحك لها قائلا: روحي، طيري يا مباركة، كل الدنيا لك. وإذا تذكر أنه ~~اقترض من جناديوس بضع ليرات وريالات قطب وجهه؛ لأن موسمه لا يفي الدين كله وينفق عليه. ~~ويتذكر أن دين جناديوس بلا فائدة؛ فتنقشع تلك الغمامة، ويقول بابتسام: دين صاحبنا ~~اجناديوس لا يرعى، صائم مثل النصارى اليوم. ويرى خلية تبشر بخير جزيل، فبيش لها، ويخاطبها ~~بلهجة عذبة ما ظفر بها منه ابنه الوحيد، ولا زوجته ليلة الإكليل. يربت على ظهر الجرة ~~ويناديها: الهمة همتك يا مباركة، خلصيني من ملحم ودينه. ويقف قليلا مرحبا بالعائدات ~~ومتمنيا الرجوع بالسلامة للصادرات، حتى إذا رأى زنبورا سب دينه واستقبله بالمنشة، وما ~~منشته إلا مكنسة عتيقة من سعف النخل، لا يدعها حين يزور النحل زيارة رعائية ... # ساورت قرياقوس فكرة الدين بادي بدء، ثم أخذ يتناساها شيئا فشيئا. كان يزحزحها «موعد ~~الجلسة» ليحل محلها، وقبل ثلاثة أربعة أيام نسي أنه مديون، وجعل وكده كله في اليوم ~~الثاني والعشرين من آذار. # وفي ضحى اليوم العشرين شق قرياقوس صدر صخر عنيد بالسفين، فسره النصر المبين. وراح ~~يتفرج بين خلايا النحل، ويا لهول ما رأى! رأى الخلية التي يسميها «الأميرة» خاوية خالية. ~~لم يبق في قصر الأميرة إلا عشرات لا تدن ولا تتحرك إلا بالجهد الجهيد؛ فاستولت عليه ~~كآبة سوداء. الخسارة محدودة، بضعة أرطال من العسل، ولكن غاظ قرياقوس ذلك المنظر، فانثنى عنه ~~بقلب يشعر بانقباض عظيم ما شعر بمثله قط في حياته. تساءل عن السبب فلم يدركه ... إلا أن ~~رؤية قصر الأميرة خاليا من السكان، هاجت في أعماق نفسه شجونا، فقال: تف! ما أبشع خراب ~~البيوت! # وكان في تلك الدقيقة أمام بيته راهب شيخ ج. ر. يوصوص # 11 # من ثقب الباب، فلا ms034 تقع عينه إلا على ظلمة. هزهز قفله الخشبي فلم ينفتح، والتفت ~~فإذا بابنة مراهقة تراقبه من عل، فسألها: هذا بيت قرياقوس؟ ~~- وصلت. ~~- وأين أصحاب البيت؟ # فأومأت بيدها، فاتجه القس إلى حيث أشارت، وهو يقول في سره: هذي من حزب أفلو ... # 12 # ومشى نحو قرياقوس، وهو يأمل خيرا كبيرا. أليست النوايا حسنة؟ إذن فليجرب. ~~إن إرشاد قرياقوس إلى طرق الحق أمر لازم، وتقويم اعوجاج فلسفته الخاصة شيء ضروري، والمصالحة ~~لا بد منها. # واستيقظ قرياقوس من حلم اليقظة المزعج؛ إذ رأى الراهب واقفا حده، فصاح وقد نسي هول ~~الخراب: بارخ مور آبون. # 13 # أهلا وسهلا. ودق كفا بكف، وصفق براحتيه مرارا على فخذيه، ليزيل الغبار ~~عن شرواله، ثم تقدم فقبل يد الزائر قائلا: كيف حال قدسك # 14 # يا محترم؟ تفضل. # ومشيا، فلم يتمالك الراهب من إظهار إعجابه بكد قرياقوس، فقال: بعرق جبينك تأكل خبزك. الله ~~يهنيك يا قرياقوس، ويكون معك. ~~- أنا مرباكم يا محترم، تعلمت الشغل عندكم، عند الرهبان في حنوش. # فتنهد القس، وقال: يا حسرتي عالرهبان، الذين علموك راحوا يا قرياقوس، راحوا ما بقي منهم ~~أحد. خربت الديورة. الريس العام أبونا مرقص ابن ضيعتكم، كان يفلح ويزرع ويلبس المداس # 15 # هو اقتنى ونحن بعنا يا ابني. الرهبان قعدوا على الطراحة. آه، الله يعافيك يا ~~ابني ويكون معك. ~~- بدعاك يا محترم، بدعاك. ~~- بدعا الصالحين. # وفتح قرياقوس باب بيته وتنحى ليدخل القس، وبسط له طراحة خلفها مسند من قش على بلاس ~~ورثه من أبيه، وقرفص قرياقوس قبالته، فقال الراهب: تزوجت ثاني مرة يا قرياقوس؟! ~~- نعم يا محترم، ترملت شهرين حسبتهم دهرين، البيت بلا مرة مثل جرة نحل بلا ملكة. ~~- النحل فيه ملوك؟ ~~- معلوم يا محترم وفيه بابا ... ملكة النحل لا تعمل شيئا، عندها عمال تشتغل. ~~- يا سبحان الله! ~~- أيوه، النحل غريب عجيب يا معلمي، جرة النحل مثل الدير تماما: فيه ريس وأقنوم، # 16 # ووكيل، وريس حقلة، # 17 # وإخوة تفلح وتزرع. عمال رائحة، وعمال تجي، والملكة قاعدة على سكين ظهرها. # 18 ~~- سبحان الله في ms035 ملكه! ~~- لها سلطة مثل الملكة، إذا تركت الجرأة لحقها النحل كله «بالقايم يا دايم». # 19 # فصاح الراهب: يا سبحان الله، صحيح أنه لا سلطة إلا من الله! # أما قرياقوس فقال: والمرأة في البيت مثل ملكة النحل، الفرق بين الثنتين أن المرة تشتغل ~~ولا تتكل على أحد. والبيت من دون مرة مثل جرة النحل المهجورة، تدخل الزنابير وتخرج ومعها ~~العسل وما من يردها ... # فقال الراهب: قالوا بنت عمك صارت مثل الغنمة القرعاء. # 20 ~~- نعم وأكثر ... قشرت لها العصا من أول يوم، العصا علمت الدب يرقص، لا تتشفع للمرة ~~إلا بمار سنديان. # 21 # فهمت؟ يعني العصا، ودل الراهب عليها، ثم قال: الفرس من ورا خيالها. # فقال القسيس: قالوا لي ... # فقاطعه قرياقوس قائلا: لا قالوا لك ولا قلت لهم. اسمع، يجيئك الخبر، وقعت عيني عليها على ~~«عين فرعيا» # 22 # فأعجبتني. خوفوني منها، فقلت لهم: أنا أدبرها. بعد الإكليل بيومين قعدنا حول ~~الموقدة - وضرب بيده على حرفها - سألتني عن البكرة والمرسة المعلقة بها - وأشار إليها - ~~وبعد قليل كانت معلقة فوق؛ صرخت، فقلت لها: اسمعي يا مرين، أنا قرياقوس. إياك أن تكبري ~~رأسك، هكذا كنت أعمل ببديلتك # 23 ~~... يا محترم الضربة لمن سبق. # وبعد أن أثنى قرياقوس على زوجته الأولى، وامتدح الثانية التي ثقفها بشفاعة البكرة ومار ~~سنديان، قال للراهب متذمرا: ولكني غير موفق بأولادي؛ ابني رخو، رخو. تعلم خمس سنين وما عرف ~~الألف من المئذنة، ولكنه فيلسوف في الحكي يا محترم. # واستراح قرياقوس هنيهة، ثم تطلع واستضحك، وقال: سمعت أن الصعتر # 24 # يفتح الذهن، فقلت له: كل منه وكثر يا يوسف. عرفت كيف كان جوابه؟ اسمع ~~واضحك: # قال: لو كان الصعتر يفتح الذهن كانت دابتنا صارت - ملفانة - أي دكتورة في ~~اللاهوت. # وتفرس قرياقوس بوجه محدثه ليرى تأثير كلامه فرآه يضحك، فقال: نكتة ثانية. لا يقوم من ~~فراشه حتى يحمى النهار، فقلت له: اغد يا ابني تلاق الخير. غدا فلان فلقي صرة فيها أكثر من ~~عشرين ليرة. احزر ماذا كان جوابه؟ # ضحك المنحوس، وتمغط، وقال ms036 من تحت اللحاف: الذي ضيعها بكر أكثر منه. # وهم الراهب بالاستيلاء على «المبادرة»، فإذا بأم يوسف تدخل حاملة جرتها، فقال قرياقوس ~~متابعا حديثه الأول: لا بنتك ولا أختك ولا كنتك، حرمتك وحدها. البيت بلا مرة مثل جرة نحل ~~بلا ملكة، لا عسل ولا شمع ولا بطيخ أصفر. # وقطع الحديث سلام أم يوسف على المحترم، فقال قرياقوس: يه، يه، يه. كيف نسينا؟ لا تؤاخذني ~~يا معلمي، غرقنا في الحديث. تفضل اعمل سيكارة، تتنات عال. يا أم يوسف، هاتي قدح نبيذ، ~~هاتي صحن تين مطبع وزبيب، هاتي الموجود. # فقال الراهب: اليوم صيام يا قرياقوس. ~~- عمرك طويل، أنا ناس، أقول لك الحقيقة ما صمت أبدا في حياتي، أبصر الأكل في نومي. وإذا ~~تأخر علي ربع ساعة أخور # 25 # وأقع. أحبك يا رب قوتي. # وتذكر الراهب قول بعضهم له إن قرياقوس لا يصلي ولا يصوم ولا «يقطع» # 26 # ولا يسمع القداس؛ فانتهز الفرصة وقال: والصلاة يا قرياقوس؟ ~~- وكثرة الصلاة ضد عقلي، تصور أنك تقول لإنسان مائة صباح الخير في اليوم، وتطلب منه كل ~~ساعة غداك وفطورك وعشاك، هذا ثقل دم؛ أعتقد أنه يضيق خلقه مهما كان طويل البال ... ~~- أنت غلطان يا ابني، الإنجيل الطاهر يقول: «صلوا ولا تملوا. وما تطلبوه بالصلاة تنالوه.» ~~الله أصدق مني ومنك. ما قولك في ولد لا يصبح والده ولا يمسيه! هذه حالة من لا يصلي. ~~صل يا ابني صل ... ~~- أنا ما قلت لا أصلي أبدا. # ورفع الراهب بصره، فرأى صورة معلقة في الحائط فسأل: صورة من هذه؟ # فضحك قرياقوس، وقال: صورة الزناتي خليفة! هذه صورة مار جرجس. هذا قديس عظيم. بطل صنديد، ~~ولو ما كان أعظم قديس الإنكليز ما صوروه على ليرتهم. الخضر راعي الحصان ... فليحيى. خلصني من ~~ألف تهلكة. # وكان في ظاهر يد قرياقوس وشم على صورة خيال، يقول إنه مار جرجس، فأراه إياه؛ فتبسم ~~ذلك الشيخ اليابس فبانت أسنانه، كأنها تبدو من خلال فروة بيضاء مشقوقة. ثم تنهد إذ علم أنه ~~يحدث رجلا يتحدث عن قديس الله ms037 كما يتحدث عن النمر والأسد، ويحترم سيف مار جرجس وحصانه ~~ورمحه وسيفه وخوذته، لا فضائله. # قال قرياقوس: يا ويل الإنسان إذا خلا عبه من عشرين مار جرجس ... # وغالت يوسفية - بنت قرياقوس - في الضجيج والخشخشة فزجرها أبوها، وهش لها الراهب وبش، ~~ولكن بشاشته ضاعت في غابة لحيته الغبياء، # 27 # فاستغربته الصغيرة؛ لأنها لم تر من قبل لحية في كثافة تلك اللحية. ودعاها ~~أبوها لتقبيل يده، فمشت القهقرى وبكت، فنادى أمها لتسترضيها، وأمرها بإعداد الغداء، بقوله: ~~المحترم يفطر عندنا. ~~- متشكر يا ابني، ما جئت لعين كفاع حتى آكل وأشرب، المهم فض المشكلة، وحفظ البيوت من ~~الخراب. فأجاب قرياقوس بكل بساطة: تفض المشكلة وتأكل وتشرب، فاعل النحس يستحق مؤنته، وأنت ~~يا محترم نسمة خير. ~~- أستغفر الله يا ابني. نحن لا يهون علينا خراب بيوت أقاربنا وجيراننا. أتأمل ... # فقاطعه قرياقوس قائلا: يا محترم، أنا في يدك مثل الخاتم في الخنصر، ولكن لا تعذب نفسك؛ ~~التفاحة البالغة تسقط من تلقاء نفسها، وإن كانت فجة لا تسقط ولو ضربتها بالجسر. هز المشمشة ~~الفجة تعب بلا فائدة. ~~- لا تخيبني يا قرياقوس. ~~- هيهي يا معلمي! ما فهمت قصدي، أنت مفوض مطلق، اعمل مثلما تريد. ~~- الحادثة بسيطة يا قرياقوس، لا دم ولا قتلى ولا مجاريح، حلها هين. ~~- في نظرك أنت حادثة طفيفة، وفي نظرهم انكسر مخ الباشا. دعوى زور بزور يا محترم، خف ربك. ~~لنفرض أنها أرنبة، الأرنبة لا تحبل وتطرح وعمر ابنها أربعة أشهر. قلة دين يا محترم، ما ~~لها حد ولا طرف، وحياة قدسك، وحق نور الشمس - ثم انفتل ومد يده صوب صورة مار جرجس - وقال: ~~وحياة رأس حصانك يا مار جرجس، إن كنت أنا طرحتها يبسني واحرق دين جدي. # وامتعض الراهب، فقال قرياقوس بعد أن جلس: لا تؤاخذني يا معلمي، زلق # 28 # لساني قدامك، كفرت يا محترم، كفرت. والله، ثم والله، ثم والله، ما نظرتها عيني ~~أبدا، لا أولا ولا آخرا. كان قرياقوس نزيل في عين كفاع، وبعد هذا كله، إذا قلت لي: اطلع ~~من بيتك، ms038 أقول لك: تفضل هذا المفتاح. # ودخل رجل يستعير حبل قرياقوس ومنجله فدله عليهما، وقال الراهب: ما هو مطلوبك يا ~~قرياقوس؟ فقهقه قرياقوس، وقال: أنا؟ مطلوبي مطلوب البقر! قالوا للبقر: متى متم نكفنكم ~~بحرير. قالوا: خلوا جلودنا علينا. اعمل الموافق وأنا طوع إرادتك. لا يحاولوا كعم # 29 # قرياقوس. ما دام في عرق ينبض، لا أرجع إلى الوراء. أكون خارجا عن دين المسيح ~~إن كنت أكذب عليك. أخذوا خنزيرة البير، # 30 # فتشنا الدنيا وطفنا الأرض، وأخيرا لقيناها مرمية بالبير. ما قولك؟ هذا عمل يا ~~محترم؟ لو خبرتك كل فصولهم معي، شاب شعر رأسك. # فضحك الراهب وفطن قرياقوس، فقال: كلمة تقال. يا أم يوسف أين صرت؟ # فأجابت: حط الطبلية، # 31 # فنهض قرياقوس يعاون زوجته على إعداد الغداء، ودق جرس الظهر فركع الراهب يبشر، # 32 # وقد يكون أول رجل ركع للصلاة في ذاك البيت. ~~••• # وبعد الغداء قال الراهب لقرياقوس وهو يتحلحل: إذن أنت راض؟ ~~- وفوق الرضا رضا. # وقبل أن يخرج الراهب جاءت أم يوسف بالإبريق فصلى الراهب عليه، ثم نفخ فيه وصب منه على ~~كفه ورش في البيت يمينا وشمالا، وشيعه قرياقوس حتى الطريق العام مستمدا بركته ~~داعيا له بالتوفيق. # وعاد قرياقوس إلى مصارعة الصخور، وعند الغروب فك كمره، وعد الذهبات التي فيه؛ فتمتع ~~برؤية مار جرجس أكثر من ثلاثين مرة، فاطمأن. # استيقظ في الغد مزعجا. أبصر في نومه أنه رجع شرخا، # 33 # يتصيد السراطين في حنوش، وبينما كان ينتقل على الصخور البحرية المنخربة # 34 # إذا بالبحر قد كبر وعلت أمامه موجة، ثم ارتفعت وارتفعت حتى وازت صدر جبل المسيلحة. # 35 # جرف تيارها قرياقوس فضاع في مطاويه، وهاجمه في ثناياها حوت هم بابتلاعه فجذبه ~~المد عنه، وجرف الجزر قرياقوس فتعلق بالصخرة التي كان عليها أولا ونجا، ولكنه ضيع ~~ثيابه ولم يجدها. # قص هذا الحلم على القس إلياس في دير معاد، فسأله هذا عن ساعة الحلم وعن عشائه تلك ~~الليلة، وعن معدته وبماذا كان يهجس في اليوم السابق، وإذا كان نام بلا صلاة ولا صليب ms039 ... إلخ، ~~ولما رأى أن الحلم جدير بالتعبير قال له: تقع في مصيبة كبيرة، وتخلص منها بإذن الله. # فخال قرياقوس أنه يقصد جلسة الغد، فضرب بيده على الكمر، وقال: بشفاعة مار جرجس، نخلص. أمش ~~على ما قدر الله. # قال هذا وودع ومشى إلى جونيه # 36 # في ذلك الجو المتعكر، فما أن اقترب من كنيسة «الأربعين شهيدا» # 37 # حتى انصبت شآبيب # 38 # آذار تارة بردا، وطورا مطرا، ورأى معازا يعرفه كان يتذرى # 39 # بصخرة، فحياه مسرعا إلى الكنيسة المهجورة ولطا فيها. وبعد قليل أبرقت السماء ~~وأرعدت، ثم تتالت البروق والرعود، واشتد غضب السماء؛ فهرع المعاز إلى الكنيسة، وقبل أن ~~يبلغها خطف البرق بصره وانقضت الصاعقة، وما انتهى المعاز من رسم الصليب والتلفظ بالدعاء ~~المألوف: قدوس، قدوس، قدوس، # 40 # حتى رأى قرياقوس مبطوحا في صحن الكنيسة لا حراك فيه، فهرع إلى رأس الجبل المطل ~~على عين كفاع، يدعو أهاليها إلى أخذ ميتهم المأسوف عليه ... فجاءوا جميعا وتلك عادتهم في ~~الملمات. المصيبة تمحو الأحقاد والضغائن مهما كانت جسيمة، وكان خصمه في طليعة السائرين به. ~~مشوا وهيبة تلك الفاجعة تعقد ألسنتهم، لا ينطق إلا ذووه الأقربون ببعض عبارات مألوفة، ~~وزوجته تناديه بكلام العاجز الذي فقد سنده ... وما من مجيب. # ولما بلغوا سنديانة كنيسة مار روحانا # 41 # وضعوا المحمل تحتها ليستريحوا هنيهة، فإذا بقرياقوس يتحرك ويقعد؛ فبهت من ~~بهت، وارفض # 42 # عنه من ارفض، وهرب من هرب. # وكان كاهن شيخ قادما للمشاركة في العزاء والدعاء للفقيد برحلة ميمونة وسفر سعيد ... فقال ~~له أحد القافلين # 43 # من الموكب: قرياقوس عاش. # فأجاب الخوري بملء فيه: الشيطان لا يخرب وكره. وقفل راجعا. # الفصل السادس # | بين الطبيب والكاهن # هو ذا قرياقوس المصعوق # 1 # منبطحا على فراشه، في زاوية بيته الشمالية، كأنه الجاموس، والقرية بأمها ~~وأبيها، محشورة # 2 # في ذلك الوكر؛ جاءت لترى الجبار، وقد أصابه رشاش من الصاعقة، فاستدار كقرد جرير. # 3 # سمى العرب أحدهم مضرط # 4 # الحجارة، فماذا ترانا نسمي نحن بطل «الصيران» # 5 # وقد شقق الصخور تلك البقيعة ms040 وفتتها، وقال لها: كوني جنة، فإذا هي كالتي ~~وعد بها المتقون، فيها من كل فاكهة أزواج. # شرارة سماوية تكاد لا تدرك فتت في عضده، وفككت سلسلة عزيمته الفولاذية، وألقته كومة في ~~فراشه؛ تارة يرتجف كوريقة صفراء يداعبها نسيم الخريف ولا تدري متى تطيح، وأحيانا يهمد، ~~فيقال: فارق. يغمض عينيه فتخاله أسلم الروح، ثم يحملق فتحسبه بالعا شيئا، وقد وقف في مجرى ~~تلك الأسطوانة. صبغته النازلة فزكت لونه وأسكتت حنجرته الصاخبة، فما تبين بحرف. ~~الناس واجمون حوله، من وقوف خلف الزحام وخنس، # 6 # أعينهم جميعا عالقة بمشهد مفزع. مشهد تمثل له الأتقياء بقول النبي داود: ~~«تأديبا أدبني الرب وإلى الموت لم يسلمني.» # أما الشامتون، فكانوا يقولون فيما بينهم: الله طويل الروح، شديد العقاب. أما الكلمة ~~المشهورة التي تدور على كل لسان في مثل هذه الحال: «الله يجرب خائفيه.» فما خطرت على بال ~~أحد ... # إذا احتدمت نوبة الألم، تعالى صراخ ذلك الجسم الممسوس # 7 # بقضيب غضب الطبيعة، وأجفل الناس وانداحت الدائرة حوله، ثم يسكت، فيعلو لغط # 8 # الناس، وتختلط الأصوات، فتخال ذلك البيت سوق الخضر في مطلع النهار. هنا عجوز ~~تقرع صدرها قرعا دقيقا معجلا، وتسر إلى أقرب النساء إليها: يا عضرا نجينا، ما ~~أبشعها آخرة! وهناك كاعب # 9 # ترتجف، وتغطي وجهها إذ يعج # 10 # قرياقوس ويخور. # وكان مؤتمر طبي فأشار فريق بالكي، وأثنى آخرون على العلق، # 11 # ورأى بعضهم أن يدعى الطبيب، وألح بعضهم الآخر في طلب الخوري ليصلي على ~~ذلك البيت «المسكون»، # 12 # فيطرد الأبالسة التي جمعها «المغاربة»، # 13 # وعجزوا عن طردها، فاستوطنت ذلك البيت وعششت فيه وفرخت. # أما زوجة الرجل، فكانت بينهم وكأنها ليست منهم، سادرة كأنه لا يعنيها شيء من ذلك المشهد. ~~ترى زوجها يتقلص ويتمدد كأم أربع وأربعين متى أدنيت منها النار، وهي لا تدري مع أية ~~صرخة تذهب روحه. إنها أول ساعة ترى فيها الناس ببيتها، وكأنه وكر نمل. هذا يدق رأسه ~~بالغربال المعلق في الوتد، وتلك بالمنخل، وهذه ببرنية الدهن، وتلك تعثر بالمعجن، وهاتيك ~~يصطدم ms041 رأسها بقطرميز العسل فيترجح ... حتى إن أحدهم أسقط الرف؛ فتكسرت بضعة صحون ودورق # 14 # قرياقوس المشهور. # كل ما في بيت الفلاح اللباني من ماعون # 15 # يقع تحت نظرك؛ ففي الجدران أوتاد وطاقات وخزائن تعي أشياءه ومعداته، من المعول ~~والفأس، إلى القدوم والإزميل، والمنجل والمنشار. وفي بيوت كثيرة تجد التبان وأطباق القز # 16 # والنول ودولاب السدى # 17 # والمسلكة # 18 # والمغازل. # 19 # أما قرياقوس فليس في بيته شيء من هذه الأشياء الأخيرة، فما تقوم به البقر يعمله ~~هو، والنحل يحوك له ويغزل، ورب ساع لقاعد. كانت تسوء حالته كلما تقدم الليل فتشتد ~~أوجاعه، ويتعالى شخيره ونخيره؛ فتخاله ينازع ثم تزول تلك الحالة، فتحل محلها أخرى أشد ~~وأكرب، وأخيرا أعيت زوجته، فهبطت وتكومت عند قدميه، حائرة كأنها في دنيا غير الدنيا، ~~تسمع ولا تعي. تخالها مصغية إلى المتحدثين، وهي لا تدرك شخوصهم. حتى إذا تصورت زوجها ~~يموت، انتفضت انتفاضة العصفور بلله القطر، وتنبهت لحظة لتعود إلى بحرانها. # وانتظرت مدة كما قالوا لها، وإذ لم ينطفئ السراج عادت وولدها راجية أن تبلغ البيت وترى ~~زوجها أحسن حالا، فإذا بآلامه وأوجاعه تزداد وتشتد. # ودعي الخوري فلبى. صلى بحرارة، وبارك بشدة، ونضح المريض وزوايا بيته الأربع بالماء ~~المبارك، لم يدع مكانا حتى أمطره وابلا، وانتظر حلول البركة على البيت وساكنيه، فما ~~ازدادت الحالة إلا سوءا، فعاد من حيث جاء وهو يقول لشماسه: وأيش تعمل صلاتك يا خوري في ~~عش المغاربة # 20 # ووكر الشياطين؟ إن بخور مغارة دانيال # 21 # غلب بخور الكنيسة. # فصاح الشماس: آمين. فضحك الخوري وقال: أيش قلت يا سمعان؟ # قلت : آمين. حسبتك تصلي يا معلمي. ~~••• # ليلة سوداء ما مر مثلها على رأس أم يوسف، رأتها أطول من الصوم كله، بل من العمر. النذر ~~لم يقبل وصلاة الخوري ما نفعت. لا شبه أمل إلا بالسراج ... وخفت إلى الهيكل لترى إذا ~~كان انطفأ، فرأت لسان لهبه يلعب ويتراقص على حيطان الكنيسة، فعادت مستبشرة؛ لأن الله قبل ~~نذرها. # وأخيرا نعس الناس وملوا المشهد؛ فانسلوا واحدا خلف واحد، ms042 إلا ابن أخي زوجها. وهومت # 22 # أم يوسف فحنت رأسها ضاربة صدرها بذقنها. أبصرت في نومها أن زوجها يعود إلى ~~حنوش، وهي وولداه يوسف ويوسفية يسيرون وراءه في طريق قلق المجاز. طريق كأنها فوق «شير العاصي» # 23 # ولكنها ليست هي، وإذا بها تهوي من ذلك العلو الشاهق، فتتذكر مصرع سليمان كنعان، ~~والعهد به قريب. # واستيقظت مذعورة فإذا بامرأة نصف # 24 # جالسة حدها، تهزها لتوقظها، وتقول لها: تصبري واعتبري يا مرينة، الله ~~يطول لنا الحبل، ولكنه أخيرا يضرب بقساوة. من قال لك يا أختي إن الله راعي بقر؟ لا ~~تصدقي. ربنا يحاسب على كل شيء. متى صلى زوجت ومتى صام؟ قولي لي متى انقطع يوما واحدا عن ~~الزفر في الصوم كله؟ لا فرق عنده بين الجمعة والخميس. أحلف وضميري مرتاح - ومدت صوتها ~~بالألف مدا طويلا - أني ما نظرتك عيني راكعا يا قرياقوس، يقعد في الكنيسة مثلما يقعد في «الصيران». # 25 # هل بشر # 26 # مرة في حياته؟ يدق جرس الكنيسة، وكأنه جرس المعزى، لا يحس قرياقوس ولا يطس! كل ~~الناس تكشف رأسها وتركع وتبشر في الحقول، وابن عمك يتمالغ # 27 # ويضحك. حديثه كله أكل هوا. أكل وشرب وض... وهد على الزير. هذي ضربة من الله يا ~~أم يوسف. انذري لمار روحانا يتحنن عليك. الدورة عليك وحدك يا مستورة. خذي حذرك يا بنت ~~الحلال. # فنهضت أم يوسف وأيقظت ابنها الأشل، فقعد يتمطى بدون وعي، ثم ارتمى على مخدته. فأسرعت إليه ~~تلك الهركولة # 28 # الواعظة، وجذبت اللحاف عنه بعنف وصاحت به: قم يا كلب. قم اسهر مع أمك. أبوك ~~مضروب على قلبه، وأنت منبطح على فراشك مثل عدل التبن # 29 ~~... قم يا كديش، ما أبشع قرياقوس وخلائفه! تقبر ذقن والدك. # فانخنس # 30 # يوسف هنيهة، ثم تحامل على نفسه متأففا، وتناول القنديل المضاء وقارورة الزيت، ~~وسراجا خزفيا، بينما كانت أمه تشيل فسطانها المخملي الأحمر من صندوقها، هو فسطان العرس ~~نذرته لشفيع القرية. # وركعت في صحن الكنيسة تصلي سائلة مار روحانا شفاء زوجها، وبعد صلاة قصيرة ms043 أضاءت السراج ~~الخزفي، ووضعت قربة قارورة الزيت. # وأخيرا دعي الطبيب ... # مع الشمس دخل لطف الله بيت قرياقوس، من الباب الشرقي. لا حيا الله ولا سلم، أخرج ~~ساعته «الليبية» # 31 # من زناره، وقال مشيرا إلى ساعته المفتوحة: تصوري يا مرين، بعشر دقائق وصلت من معاد إلى عين كفاع، # 32 # ثم فتح طبقتها الثانية، وأخذ يدورها بمفتاحها وهو يلهث. # حكيمنا البلدي أشقر البشرة، أنمش. # 33 # طويل القامة، صغير الرأس، متهدل # 34 # الشاربين الأشقرين، يلبس غنبازا من الحرير المصبوغ، ويؤثر دائما اللون ~~الأسود ليشهد به عند الاضطرار مأتم من يطببهم، ويمشي خلفهم مشية ثعلب لافونتين # 35 ~~... إذا حل ببيت فهو لا يفارقه ما لم يفارقه المريض. لا يلتجئ إلى صيدلي، فهو ~~الطبيب والصيدلي، وقد ذكر لي أنه قام مقام الخوري أكثر من مرة ... # وفي ثنايا زناره الكشميري أسبيرين وكينا ومسهلات، من أي نوع شئت، ونباتات يلمها من هنا ~~وهناك، «ويعمدها» مسميا إياها أسماء طبية، كما وردت في «الأقرابذين»، # 36 # وحفظها عن ظهر قلبه، وكثيرا ما يحدثك عنها ببراعة؛ فتخال أنك بحضرة أبقراط ~~وجالينوس والشيخ ابن سينا. # الدكتور لطف الله حاضر البديهة، يسمي لك ورقة قراص وخبيزة # 37 # باسم طويل ينتهي غالبا بالسين أو النون تكبيرا لفهمه، وتعظيما لعلمه، أما ~~جيوب قبائه # 38 ~~- وهو يلبس قباء حقا - المهدلة، ففيها كتب خطية ورثها عن جده ... وفي ~~أكياسه الداخلية آلات الجراحة: كسكين رقيق الشفرتين، يفصد به ويشطب، وميزان حرارة عتيق ~~زئبقه مقطع، ومسمار صنعه عند الحداد يكوي به، وملقط شعر، ومحقنة وسط يستعملها لحقن الأذن، ~~ويولجها في باب البدن، إذا اقتضت الحال ... # وسأل عن مكان يفرغ فيه حمولته، فدلته أم يوسف على «يوك» # 39 # وضع فيها أشياءه. # وتوافد المفتقدون والمسلمون على الأفندي، وطال التسليم والزوجة تنتظر التسلم. تنتظر ~~الساعة التي يمد فيها لطف الله يده المباركة إلى زوجها فيشفى، ولطف الله متشاغل بالسؤال عن ~~صحة الجميع. يطمئنهم فردا فردا على صحته الغالية، وإلى المرضى الذين تركهم تحت رحمة ~~الله. # تعجبت مريم من إبطاء الحكيم، واستغرب الحكيم ms044 عمى قلب مريم وقلة ذوقها ... كيف لم تفهم أنه ~~تعب جدا، ويجب أن يرطب بلعومه # 40 # الجاف! فهو أصحل # 41 # مستريحا، فكيف به وقد تدحرج في نزلة معاد، وتعلق بأذيال عقبة عين كفاع؟ أما ~~أفهمها بالقلم العريض، فور وصوله، أنه قطع بعشر دقائق مسافة ما بين معاد وعين كفاع؟! وهذا ~~ما تعجز عنه البغال، وحضر خبير بأحوال لطف الله، فما كاد يقول للمرأة: اسقيه ... حتى ابتدرها ~~لطف الله قائلا: عندك سبيرتو لنطهر يدنا؟ هاتي قنينة العرق، العرقي يغني عن ~~السبيرتو. # فقال الرجل: والنبيذ مليح. فقال لطف الله: أيوه، الكحول كلها مطهرة. # طبيبنا دوار قلما تجده في بيته، وقلما تراه صاحيا. يفرض نفسه ضيفا على من شاء ~~ومتى شاء، ومن يتبرم به، فلأمه الويل؛ هو زجال مقل، # 42 # ولكنه يقول قولا محكما يسير به من لا يسير مشمرا # 43 ~~... هو يجيد قول «الجفا» - أي الهجو - كل الإجادة، وله فيه «ردات» مشهورة، أي ~~«أبيات عائرة» # 44 # كأبيات جرير. # ضيف خفيف الروح غير ثقيل. تكاليفك عليه لا تعادل نوادره ومضحكاته. اسقه ودعه، فيتكلم وحده ~~كالفونغراف. ويزيد عليه أنه يرفع الأسطوانة ويضع غيرها كما تروم ... # وجاء العرق فصب قليلا في راحته وفرك يديه، ثم شرب ما استطاع زاعما أنه يقتل بذلك ~~الميكروبات التي تتهدده، وأخيرا اقترب من قرياقوس مستعينا بالحاضرين على تقليبه ذات ~~اليمين وذات الشمال. جس نبضه، وتسمع على دقات قلبه، ووزن حرارته، ثم وضع نظارتيه فوق أرنبة # 45 # أنفه، وقلب شفته السفلى قليلا إذ اطلع على الميزان، ثم عبس ونفخ فهبط قلب ~~الزوجة. وسئل عن حالة المريض فهز كتفيه، وأجاب: العلم عند الله. الحالة صعبة جدا، ~~ولكن ... ليس عند الله أمر عسير. # وأخذ الناس ينفردون به واحدا واحدا، وهو يظهر اليأس من مريضه لهذا ويؤكد سلامته لذاك، ~~وهكذا كان يفعل دائما. يقول للناس أقوالا متناقضة حتى إذا شفي المريض أو مات كان بينهم ~~من يقول: قال لطف الله كذا. # وحانت ساعة تركيب الدواء، فذوب قليلا من الأسبيرين وأشياء سماها بأحسن الأسماء، ~~وأغربها ms045 وأضخمها، وأفاض في الثناء على نفعها وخصوصا إذا مازجها العرق، فوضع في العلاج بعض ~~نقاط وفي بطنه ربع القنينة ... # ولمح أم يوسف تنقي العدس، فأدرك أنه سيتغدى مجدرة، # 46 # فلجأ إلى سلطانه الطبي، وأمر مريم بذبح دجاجة حالا. ~~- اسلقيها جيدا لنعطي قرياقوس منها ما يعرقه، عجلي يا أم يوسف، الضربة لمن سبق. ~~والتفت إلى من حوله، وقال: رطل أسبيرين لا يعرق قرياقوس. # وعند الظهر سقى المريض من مرقة الدجاجة، وأكل هو لحمها ... وسأله أحدهم: كيف يأكل لحما يوم ~~خميس الأسرار؟ # 47 # فأجاب: اليوم أكل سيدنا يسوع المسيح خروف الفصح مع تلاميذه ... سبحان مقسم ~~الأرزاق. لصهرنا قرياقوس أربعا أيوب، # 48 # ولي أنا دجاجة خميس الأسرار، وخروف الفصح إن عشنا ... الحياة ساعات. متى جاءت ~~ساعتي أروح فيها ... للقرد. # وعند العصر صحا لطف الله من سكرته، فاقترب من قرياقوس يتحسس رأسه وصدره ويديه، فإذا بجلده ~~لا يزال يابسا، لم يرطبه الأسبيرين ومرقة الدجاجة، فشطبه ... # ودعا عديل المريض الدكتور لطف الله إلى العشاء فتعشى عنده وسكر. ثم جاء قرب نصف الليل ~~للكشف على المريض فإذا به كما تركه. قل شيء من تململه وتقلبه ولكنه لم ينطق. فانتصب لطف ~~الله عند رأسه، ثم انثنى فوقه قليلا واضعا راحتيه على ركبتيه، وصاح صياحا راعبا بينا هو ~~ينتصب رويدا رويدا: يا قرياقوس، قل لي أيش بك يا عمي؟ # فكان الجواب: اعه. # فالتفت لطف الله إلى الحاضرين، وقال: بان الفرج، قرياقوس يسمع ولكن لسانه مربوط وتهيأ ~~لصرخة أعظم من الأولى وصاح: رأسك بيوجعك؟ # فكان الجواب: ام ام. # فأسرع لطف الله إلى مستودع عقاقيره وآلاته الطبية، فتعثر بذيل غنبازه الطويل ووقع، ~~فأقالوه من عثرته، وعاد إلى مريضه يعذبه. أطلق على رأسه العلق فتعلقت تلك الدويبات ~~بصدغيه، وأذنيه، وأنفه، وذقنه؛ فكان مشهد مؤثر يضحك الثكلى. # فقال أحدهم: كثرت العلق يا أفندي، فأجابه: قرياقوس يتحمل. كل ما في عين ماريحنا وبركة اليمونة # 49 # من علق لا يكفي هذا الضبع، لا يمتص قيراطا من أربعة وعشرين من دم ~~قرياقوس. ~~••• # نام لطف الله ms046 وشعاره: لا تهتموا بما للغد، وإذا به يرى عند قرياقوس شاة سمينة اسمها ~~«حمامة» تحلب رطلا كل يوم، كان قرياقوس يدللها ويشاطرها زاده، تتبعه إلى الحقل وتعرف ~~مواعيد أكله فتحضر بلا دعوة، وإذا لم تجئ يناديها باسمها فتهرول. كان قرم # 50 # لطف الله إلى اللحم شديدا، فمنذ خمسين يوما لم يذقه. # وقف الحكيم سحرة قبالة مريضه مظهرا الحيرة والارتباك والأسف، وأخيرا قال: يا أم يوسف، ~~ما تركنا واسطة إلا عملناها وكلها ما نفعت، عجزنا يا أختي مرين عن تعريق زوجك، والعرق ضروري ~~في مثل حالة قرياقوس. الحرارة هابطة جدا يا مرين. شطبناه، وعلقنا له العلق واللزقات من ~~جميع الأنواع: بزر كتان، بزر خردل، نخالة ... ما بقي قدامنا إلا واسطة واحدة. أمس قبل النوم ~~راجعت الكتب كلها، ما غمضت لي عين. وحق مار شربل يا بنت عمي، إن كنت نصرانية تصدقي، والله ~~ثم والله، ما نمت أبدا. اسألي أختك دورتيا. # وحنت دورتيا رأسها مصدقة، وهمت أن تتكلم، فقال لطف الله: لا بد من لف زوجك بجلد غنم ~~سخن مدة ثمان وأربعين ساعة. # فقالت مريم: يوسف، البس ثيابك. # فصاح الحكيم، وقد أدرك ما تريد: قلت لك جلد غنم سخن. # فقال يوسف، الكامل الرجولة، التام المروءة: اذبحوا الغنمة. # فصرخ لطف الله: عشت يا نخي. # 51 # لم تعجب المرأة هذه النخوة الحمارية ... ولكن أخيرا قضي الأمر، ولف قرياقوس بجلد ~~حمامة، وارتمى لطف الله بشحم ولحم كهداب الدمقس المفتل # 52 ~~... وكانت السكرة الكبرى ليلة عيد الفصح، # 53 # وكان قرياقوس خروفه. # واستيقظت أم يوسف تبحث عن الطبيب، فلم تقف له على أثر ... أما الصيدلية فموجودة. # وكان في القرية المناوحة لمعاد دجال بلدي آخر ولكنه لا يشرب، متين الأخلاق، رصين، حر ~~الضمير. دعي فجاء وعلم ما فعله زميله بقرياقوس، فأبى أن يمد إليه يده، وعاد إلى بيته غير ~~مأجور ولا مشكور. # وكان صباح العيد مشئوما، ساءت حالة قرياقوس، فدعي الخوري ليهيئه لتلك الرحلة الطويلة، ~~ممهدا أمامه الطريق، فرش ماء مباركا وابتدأ البروتوكول. # قال الخوري: السلام لهذا البيت. ms047 # فأجاب الشماس: ولجميع ساكنيه، ثم قال بصوت خافت: ما عدا قرياقوس. ~~- الرب معكم. ~~- ومع روحك أيضا. ~~- نسألك يا ربنا يسوع أن تدخل في هذا البيت السعادة الأبدية عند دخول حقارتنا، وأن تدنو ~~منه النعمة الإلهية والفرح النقي، والمحبة المثمرة والشفاء الدائم، ونطلب منك أن تهرب منه ~~الشياطين وتحضره ملائكة السلام، وأن تبعد عنه كل خصومة خبيثة، آمين. # فضحك سمعان، وغمز بعضهم، فقال له الخوري: قل آمين يا شماس. # فانتبه سمعان، وقال: آمين آمين آمين. # فأضحك الحاضرين رغم تخشعهم لكلام الله. # ووضع الكاهن يده على قرياقوس، وقال: بسم الأب والابن والروح والقدس، الإله الواحد، ~~آمين. # فحدق سمعان إلى ابن عمه قرياقوس، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: باق مطرحه. ما ~~«انطرد». # وقال الكاهن: لتنطف عنك قوة الشيطان كلها بوضع يدنا، وبدعاء جميع القديسين والملائكة ~~ورؤساء الملائكة والآباء والأنبياء والرسل والشهداء والمعترفين وكافة القديسين، ~~آمين. # فقال سمعان بصوت لا يسمعه الكاهن الشيخ: ولو جاء الله بذاته قرياقوس يظل قرياقوس. # وأخذ الكاهن يغمس إبهامه بزيت المسحة المقدس، # 54 # ويدهن بشكل صليب الأعضاء المعينة، أي: العينين والأذنين والأنف والفم واليدين ~~والرجلين، ويستغفر لقرياقوس، عند دهن كل عضو من هذه الأعضاء، عما أخطأ به بهذه الحواس ~~إلى أن قال أخيرا: بهذه المسحة المقدسة وبرحمة الله الغزيرة الرأفة يغفر لك الرب كل ما ~~أخطأت به بالمشي، وبباقي الحواس الأخرى، آمين. # ورأى سمعان أن الخوري يقل من الزيت، فما تمالك أن قال جهارا: حط يا معلمي حط، كتر، ~~كب. زنجار دهري من أيام المعمودية، صدي لو نقعته بخابية «ميرون» # 55 # لا يتحلحل ولا ينظف. # فعبس الكاهن، وأتم صلاته قائلا: فاهتم إذن يا مخلصنا بنعمة روحك القدوس، واشف أوجاع ~~هذا المريض، وضمد جراحاته، واغفر له خطاياه، وأنقذه من أوجاع العقل والجسم، ورد إليه ~~برحمتك صحته وعافيته ظاهرا وباطنا، حتى إذا ارتد بمعونتك إلى صحته يعود إلى خدمتك ~~الروحية. # وبينما كانت الزوجة والولدان يبكون كان سمعان واقفا للنكتة بالمرصاد، وهو واثق أن ابن ~~عمه لا يموت ولا يرتد ... # واستراح الكاهن ms048 بعد المرحلة الأولى، وقال للزوجة: لا تحزني ولا تقطعي الرجا، المسحة تنفع ~~جسديا وروحيا. كثيرون مسحناهم وصحوا. # فقبلت مريم يد الكاهن الصالح شاكرة طالبة دعاءه وصلاته، وخرج على أن يعود بعد الفطور، ~~فيعين قرياقوس على الرحيل بسلام. ولكن السلامة بانت في قرياقوس عند الظهر فنطق بعد ذلك ~~الصمت. أفاق كمن استيقظ من حلم مزعج لا يذكر شيئا مما وقع له. يفكر فيخال المدى خمسة ~~أعوام لا بضعة أيام. # وهوت يده اتفاقا إلى وسطه، فانتفض جزعا وصرخ: وأين الكمر! # 56 # فجاءته به زوجته، فجس الدنانير وتزنر شاكيا آلام الجراح التي شغله فيها ~~لطف الله، أكثر من شهر. # وظل أهل القرية يتناقشون في شفاء قرياقوس. عزاه فريق إلى طب لطف الله العجيب الغريب، ~~أما الأكثرون فعزوه إلى سر المسحة المقدس ... والله أعلم! # الفصل السابع # | وأخيرا التقى البطلان # عدل عزرائيل عن قبض روح قرياقوس لأسباب ظلت مجهولة، فقل عواده وزواره. انقطع ~~الناس عن زيارته حتى الكاهن الذي يئس من موته وضاع تعبه سدى ... # انصرف الناس إلى أعمالهم الحيوية إذ اربد # 1 # بزر القز، ودبت الحياة فيه، فسرت منه إلى كل بيت في القرية. المرأة تنظف ~~الأطباق، وتطليها بزبل البقر المروب، # 2 # وتمسح المهارم والسلال الخصيصة، وتستأصل ما نسجته العناكب عن حيطان بيتها، ~~غائصة في أحلام يقظة دونها أحلام العروس، وهي تعد القمط والثياب لولي عهدها العتيد. والرجل ~~يشحذ السياخ ويسن المناجل. ويبرد الأظفار # 3 # لقطاف ورق التوت الرخص، ويهيئ السدة لتجلس عليها ملكة أحلام اللبناني في ~~ذلك العهد. # وأخيرا تغلق الأبواب الدهرية شهرين، فلا تفتح إلا ليخرج منها ملك المواسم. تسد ~~سدا هرمسيا # 4 # فتخال كل بيت زجاجة إيتر أو قنينة صبغة اليود. لا يبقى إلا شباك يدخلون البيت ~~منه، فيسدلون عليه حجابا كثيفا، كبلاس # 5 # أو كيس خيش سميك. يسدون حتى الثقب الذي تدخل منه الهرة؛ لأن معظمهم يكافحون ~~الفئران والجرذان التي تسطو على دودة القز بماء يصلي عليه كاهن مشهود له بهذه الكرامة ~~والقدرة. يرش هذا الماء في زوايا البيت الأربع؛ ms049 فتختفي تلك الحشرات. والمغالون يقولون إنها ~~تلجم، فترى سارحة مارحة على الأطباق والشيح، ولكنها لا تؤذي الدود ولا الشرانق. # وتخلو البيوت في نيسان إلا من النساء والعواجز. تعد النساء الطعام ويحملنه إلى ~~الحقول، ساعة الظهر، حيث يفلح الرجال التوت والزيتون والكرم والتين وكل شجر ذي منفعة، ~~والفتيان ينكشون التراب حيث لا تصل إصبع السكة، أما الغلمان فيحشون الأعشاب من هنا وهناك ~~ليعدوا مأدبة أنيقة للثيران المكدونة، فهي تنتظر دائما هذه السلفة؛ الهوردفر. # لا قرار للفلاح اللبناني؛ فللقز وقت، ولزراعة التبغ إبان، وللحصاد زمن، وللدراس حين، ~~وللقطاف أزمنة، ولتحويش التين مواقيت، وهناك واجب لا ينتهي وهو العناية بمعاونيه: فدانه ~~وحماره. # أما نيسان، فزمن الفلاحة، ولسان الشجرة يخاطب الفلاح دائما: كما تراني يا جميل أراك. وهو ~~يخاطب نفسه كل ساعة: أطعمها تطعمك. فتراهم في نيسان كخيل الطراد؛ # 6 # لأن مثلهم يقول: «الطري» خيال. # 7 # في ضحى هذا النهار من نيسان، الحافل بالحياة والعمل، وقفت أم يوسف على سطح القبو - فيرندا ~~بيوت القرويين - فانكمش صدرها، وعرتها هزة لم تطل، فهزت برأسها وقالت: العشب أكل التوت ... ~~وجه واحد كانوني؟ يه، يه، يه! لولا الدعاوى كنا بألف خير، كان توتنا يضحك وقضبانه مثل ~~الرماح. # لقد صدقت فيما ناجت به نفسها، فلولا الدعاوى كان قرياقوس فرغ من حراثته ونكاشه معا، فهو ~~لا يعتمد على الفلاح؛ لأنه لا يلبيه ساعة الطلب، فللفلاحة يد - أي وقت مناسب - وساعة لا ~~تعادل غيرها، وفيها يقولون: متى باتت فاتت. # رأت التأخر باديا على كل شيء حول بيتها، فتنهدت وقالت وهي لا تعي ما تقول: صحيح، الرجل ~~عمود البيت. وتذكرت علبة البزر، وقد كادت بيوضها تنفقص، فتجهم وجهها، وتدحرجت دمعتان من ~~عينيها. وسمعت صياح الناس في الحقول؛ هذا يصرخ: أوهوه. زاجرا # 8 # فدانه لتجاوزه الحد المعلوم والخط المرسوم، وذاك يطايب بقرة عزيزة، فلا يريد أن ~~يغلظ لها القول فيجرح عاطفتها الرقيقة فيناديها باسمها الحلو، كأنه يناجي خطيبته أو يحدث ~~عروسا في شهر العسل، وذلك ينده # 9 # ابنه ليعجل عليه بالدورق أو ينادي ms050 زوجته، ويسب الدين لأن فطوره قد ~~تأخر. # وقع في أذن مريم صوت زوج أختها، وهو يفلح كرمه في «ضهر المعصرة»، # 10 # فامتعضت وانقلبت إلى بيتها وهي تقول والألم يحز قلبها: كل الجمال تعارك ونحن ~~جملنا بارك. # لم يطل همها، فما تسربلته # 11 # ساعة حتى جاءها الفرج؛ فالقرويون لا يحالفون الدهر على المنكوب منهم. هذه أختها ~~وغير أختها يملآن البيت، كل واحدة منهن تتقدم لتربي لأم يوسف علبة البزر، وها هن قد ~~أفرغنها في خريطة يكتب عليها اسم قرياقوس بالقلم الثخين، وها هن ذاهبات بها إلى المدخن؛ حيث ~~يحتضن بزر القرية كله، وحديثهن يحوم حول موضوع النخوة والمروءة والمعروف، وصوت قرياقوس ~~العريض يرن في آذانهن: الله يقدرنا على مكافأتكم. # تذكر في تلك الساعة سند ملحم، فشكرهن من صميم قلبه، واستراحت أم يوسف من همها النابغي؛ # 12 # فمصيبتها في علبتها أكبر من مصيبتها بزوجها. # إن ولع القرويات بتربية دود القز كولع المدنيات بكلابهن وقططهن، والمباراة الشيقة تقع ~~عند فطام القز؛ فكل واحدة تباهي بإقبال موسمها، وتعتد بخبرتها واقتدارها. وتحتدم هذه ~~المباراة في أوائل حزيران؛ إذ تشرع أبواب البيوت، وتنزع الطباق عن السدة؛ فلا يبقى ~~عليها غير الشيح # 13 # المثقل بالشرانق - الفيالج - وإذا بلغ الموسع أقصى حدود الإقبال رأيت السقف ~~مرصعا بالفيالج من فضية وذهبية، وتبدو الحيطان للناظرين كأنها مغطاة بستائر حريرية ~~زركشتها يد فنان حاذق. # منظر فتان تخلعه تلك الدودة الضعيفة على تلك البيوت الحقيرة؛ فهو أوقع في نفوس الناظرين ~~من منظر الثمر على الشجر، ومن مشهد السهل الخصيب، الحانية سنابله رءوسها، كأنها آلاف ~~المؤمنين في الحقل، وقد دق جرس الظهر للتبشير. # أما نحن الصغار فكنا ننتظر ذلك الوقت لشراء الحلاوة والخواتم والصفارات التي نزعج بها ~~القرية أياما. إذا أقبل الموسم شبعنا حلاوة وكثرت اللعبات بين أيدينا، أما إذا محل ~~فتنقبض وجوه ذوينا، ولا نرى في القرية بياعا ينادي على الحلاوة وأخواتها من طرف ~~الموسم. ~~••• # وقرب الظهر عاد الكاهن من حقله، فعرج على ابنه الروحي، فتناوم قرياقوس لأن زيارة الكاهن ~~للمريض غير ms051 مرغوب فيها؛ إنها تفزعه وخصوصا إذا كان كقرياقوس لا يرتاح إلى حديث خوري ~~يحضه على تحسين صلاته بالله والقريب. فهو يعتقد أن الله أكبر من أن يبالي بالصغائر التي ~~يذكرها الكهنة، أما القريب فليس الحق على قرياقوس ... # وتغدي قرياقوس، ونام ملء جفونه يحلم بالعشاء، وبينما كان يشخر رأت أم يوسف عتمة تخيم عند ~~بابها الغربي. ظنت أن غيمة تغطي عين الشمس، فهمت بإدخال الفرشة المعروضة للشمس ~~والهواء، وفكرت بدق شقوق السطح لتتقي «الدلف». # 14 # ولكن غمرتها انجلت إذ رأت الهركولة # 15 # تسد الباب، ثم تجتاز ذلك المضيق بانزعاج فتنقشع الظلمة، وبعد أن توقفت قليلا ~~ولهثت مرات قالت: كيف حال قرياقوس؟ ~~- أحسن، الحمد لله. ~~- سلامة قلبه، الله يتحنن عليك يا أختي، وأشارت بيدها نحو قرياقوس، كأنها تربت # 16 # له، فيطول نومه، وتفرغ ما جرابها من أخبار ومواعظ. وظلت هنيهة تحاول القعود ~~كأنها جمل يبرك، ولكنها لم تتوقف عن الحديث في أثناء تلك المحاولة، بل قالت وهي تطوي ~~ركبتيها: كيف حالك أنت يا حبيبتي؟ ~~- نشكر الله. # وما بلغت الأرض حتى أجابت: كل ساعة. ولما استقرت قالت: يا ويل من يتخلى عنه ~~ربه! ~~«الهركولة» أخت هريرة # 17 # الأعشى في بدانتها وترهلها، ينتشر اللحم حولها على الطراحة، كعائشة بنت ~~طلحة، فتخال كومة من اللحم مرصوفة على شكل امرأة، ولو كان للعرب ملكات جمال؛ لكانت هي تلك ~~الملكة لا عائشة ولا الثريا. # 18 # وكان سكوت دام بضع دقائق. تنظر الهركولة إلى أم يوسف نظرة من في وجهه خبر ولكنها تنتظر أن ~~تسأل، وأم يوسف لا تهش ولا تنش؛ # 19 # فكل بالها في مصيبتها، جملها بارك في زاوية البيت كأنه ليل امرئ القيس. # 20 # ولم تطق الهركولة صبرا، فقالت لأم يوسف: ما أبرد قلبك، اسأليني عن أخبار اليوم؟ ~~- ما بالي بالأخبار، بالي في همي، زوجي مرمي مثل القتيل، بزرنا بيد الناس، ورزقنا بور، # 21 # كيفما التفت ينسلخ قلبي. ~~- خبر يهمك يا أم يوسف. قالت هذا واندفعت في الحديث ، كأنها نهر محقون وقد رفع السد: ~~صدقت، يا ms052 أختي، إن زوجك نزلت عليه صاعقة، وصدقت أن الصاعقة تقع على إنسان ويقوم من ~~تحتها؟ # وأطرقت قليلا ثم قالت: وصدقت أن الحشاش لطف الله صحح زوجك؟ لا يا أختي لا. قدرة ~~الله وحدها صححت زوجك. لولا النذر لمار روحانا كان زوجك في ديار البلى. اشكري ربك يا ~~حبيبتي، ربنا ألهمني حتى قلت لك انذري وأنت سمعت الكلمة وآمنت. كل الضيعة تقول هذه ضربة من ~~الله. صحيح كنيسة الأربعين مهجورة ولكنها عجائبية. الواوي عمي - ابن آوى - لما دخلها وأكل ~~فتيلة السراج مات على عتبة الباب. عجائب الله في قديسيه يا مرين! يعلم الله أيش عمل في ~~كنيسة الأربعين حتى ضربوه هذه الضربة. قديس واحد يرد ضيعة عن مقامه، فكيف إذا كانوا أربعين، ~~وكلهم شهداء؟! # أيش عمل لطف الله الحمار لزوجك؟ قالت هذا وبسطت يدها الضخمة لتعد على أصابعها: قطع عنك ~~العرق والنبيذ، وأكل الدجاجة - فاسود وجه مريم قليلا - وذبح غنمة تسوى # 22 # ألف حكيم مثله - فبان في وجه أم يوسف ألم عنيف وامتعضت - وغرق القليل الدين في ~~اللحم يوم جمعة الآلام # 23 # وسبت النور، # 24 # وهرب ابن الكلب في الليل، وترك زوجك تحت رحمة الله. # انتبهي يا مرين، زوجك «مسكون» # 25 # يا أختي، قضى حياته مع المغاربة # 26 ~~... مندل، وسحر، وقرود تسحب روحه. قلت لك زوجك مسكون وبيتكم مسكون ... المغاربة ~~جمعوا الشياطين كلها وتركوهم في بيتكم. توقي، يا أختي، كلما غبت عن البيت ورجعت صلبي ~~يدك على وجهك حتى تطرديهم ... ناس كثير قالوا زوجك فرماسوني. # 27 # أما أنا ما صدقت؛ الفرق بعيد. مؤكد أن ضربة زوجك من الأربعين، وأكثر من مؤكد أن ~~زوجك مسكون، والبرهان أنه صح بعد المسحة. ما سمعت كم مرة قسم الخوري على عدو البشر - ~~الشيطان - حتى خرج من زوجك ومن بيتكم. # تسمعي يا أختي في الليل. إذا سمعت حسهم اطلبي الخوري حتى يقسم عليهم. ثم قرعت صدرها ~~مرات، وقالت: يا رب نجينا، كيف تعيش الناس مع الشياطين، أنا متأكدة أن الأربعين والشياطين ~~ضربوا زوجك ... من يدري؟ ربما ms053 يعتبر ويتوب. آمين يا رب. ولكنه ثور مثلما قال «البولص» - رسائل ~~القديس بولس - يوم الأحد: آلهتهم بطونهم. بري # 28 # زوجك يا حرمة، خارج عن الضيعة لا يشارك الناس لا بالفرح ولا بالترح. وأنت مثل ~~الفقمة؛ ساهية، قلبك أصغر من حبة الدخن. # 29 # شدي حيلك، كوني قوية مثل فلانة، قرصي له عجينه. ما نظرت عيني واحدة مثلك ~~ولا رجلا مثل زوجك، لا هو للضيف ولا للسيف ولا لغدرات الزمان، قولي لي من أكل عنده في نعوة ~~أو يوم عيد، وأي ضيف نزل عندكم؟ الكلب لا يعرف بيته! بيوت الضيعة تمتلي وتفرغ، وبيتك لا ~~يدخله إلا المغاربة والنوريات والبدويات حتى يبصروا لقرياقوس، ويعلموه كيف يفك الرصد # 30 # وتغنم لحيته. تذكري كلامي: يموت زوجك وما على جلده قميص. # وظلت تثرثر حتى قالت: وإذا قدس الخوري في بيتكم مثلما قدس في بيت بوحيص - جرجس طنوس ~~- استرحت طول العمر. # وتحرك قرياقوس في فراشه، فالتفتت الهركولة صوبه ولكنها لم تسكت، بل قلبت الأسطوانة، ~~وقالت: انتبهي لزوجك يا مستورة، كثري له الأكل، زوجك ضعيف لا يقويه إلا الأكل ... الرجل ~~عمود البيت. وشخر قرياقوس فعادت إلى حديثها الأول، وما انفكت حتى أتت على آخر حبة من ~~المسبحة. وتحلحلت لتذهب فإذا بقرياقوس يقعد في فراشه، فسألته عن صحته العزيزة سؤال مغرم ~~ولهان، ثم غادرته منقضا على العشاء انقضاض النسور القشاعم. # 31 # وجاء الليل فجاء الويل؛ لم تنم أم يوسف، تسمعت فسمعت أصواتا غريبة، وغناء نابيا # 32 # لم تسمع مثله قط، رأت أشباحا مذنبة وغير مذنبة، ذات قرون وجماء، # 33 # وعيونا تقدح شررا. تخيلت معزى تتناطح في البيت، وشاهدت كل ما صور حول ~~مار أنطونيوس من ضروب الحيوانات، ثم رأت أحد هذه الأشباح بصورة رجل قاعد حد رأسها، فصلبت ~~يدها على وجهها مرات، واستنجدت بالقديس أنطونيوس فاختفى، قامت إلى القنديل فرفعت فتيلته، ~~فإذا بها لا تجد شيئا. صلبت يدها على وجهها، وألقت رأسها على المخدة قائلة: يا مار مخايل ~~سلمتك روحي، فنامت ولم تستيقظ حتى دخلت الشمس البيت من شقوق ms054 خشب الشباك الشرقي ~~الخاوي . # طال انتظار قرياقوس للفطور، وقد تعجب من استغراق زوجته في النوم، والعهد بها تنهض قبله، ~~فصبحها بانكسار الضعيف بعد أن كانت تنقض أوامره كالصواعق، وبالكد ردت الصباح. عاتبها ~~على إبطائها، فأجابته بلهجة لا تخلو من تمرد وعنف: شياطينك حرمتني النوم. ~~- شياطيني أنا! مرين، أنا عندي شياطين؟ ~~- وحياة جراحات المسيح ما غمضت عيني، نمت ربع نوم. # فاستغرب قرياقوس حديثها كل الاستغراب، ولا سيما حين روت له أحاديث الناس، وأكدت له ~~أن الأربعين والشياطين لا الصاعقة ضربوه هذه الضربة، وأن «المشحة» # 34 # هي التي طردت الأبالسة وأخرجتها منه، وأنها لو لم تنذر فسطانها كان مات وشبع ~~موتا. # تلقى قرياقوس هذه الأنباء وفمه منفتح نصف فتحة، كل أخبار زوجته لم تشغل باله، ولكنه أسف ~~على الفسطان الذي أصبح ملكا لقديس الضيعة، ونوى أن يسترجعه متى غادر الفراش واستراح من تلك ~~الوعكة؛ هكذا عبر بطلنا عن مرضه. # وانقضى النهار في الجدال بين الرجل وزوجته، وقد وقفت منه موقف المرشد، فكان قرياقوس يذعن ~~تارة، ثم يعاوده الشك فلا يصدق ما قصته عليه زوجته من أخبار ورؤى الليل الفائت. وتخطت ~~الزوجة من الإرشاد إلى الوعظ فالتهديد؛ أنذرته إذا لم يتدارك الأمر فهي عائدة إلى بيت ~~أبيها؛ لأنها لا تعيش في عش المغاربة والسحرة ... وأخيرا اتفقا على أن يجتمعا معا ~~وينظرا، وفي الغد يقرران ما يجب عمله. # وجاء الليل فرأت أم يوسف وسمعت، أما أبو يوسف فما رأى ولا سمع ولكنه كاد ... # وجاءت الهركولة فحدثها قرياقوس عن أوهام زوجته وتخيلاتها فكانت إمعة، # 35 # تصدق على كلام قرياقوس وتغمز زوجته، وعصاري ذلك النهار ألحوا على الكاهن، ~~فأقام الذبيحة الإلهية في ذلك البيت المسكون، بعد استئذان رئيسه الروحي، فحضرت الهركولة ذلك ~~القداس، وصلت بإيمان وخشوع حارين. # وخلا بيت مريم من ضيوف الليل، ذوي الأنياب والقرون؛ فعاشت مطمئنة حاكمة بأمرها زهاء ثلاثة ~~أسابيع، أي حتى تعافى الطاغوت واستراح من تلك الوعكة ... ~~••• # وانتقل المرسح بعد ذلك إلى جونيه. # 36 # كان الخامس والعشرون من أيار موعد استنطاق قرياقوس. ms055 # على باب غرفة المستنطق، يقف الأونباشي فارس آغا خفيرا، ثم يتمشى في صحن السراي يزهى # 37 # ويصيح كالديك على مزبلته؛ يأمر هذا، وينهى ذاك، وينفخ بسبب وبلا سبب، وتدور على ~~لسانه كلمة «أمر سعادته» بداع وبلا داع. # وجاءت نوبة # 38 # دعوى عين كفاع، فصرخ الآغا: فاكيه طنوس فارس، فدخلت واستجوبت. ثم نادى على ~~الشهود واحدا واحدا، وأخيرا صرخ بصوت عنيف كأنه ضربات طبل متقطعة: قرياقوس ضاهر حنا عين ~~كفاع. فرج السراي، وتقدم قرياقوس، فأخذه الآغا بطوقه ورده أعنف رد قائلا: وحش، هات ~~العصا، كأنه داخل على قبو بقر، تهيب، أنت أمام ابن حكومة! # فتأمله قرياقوس طويلا، ولم يقل كلمة، ثم سلم عصاه إلى ابن أخيه، ودخل على ~~المستنطق. # رأى كل منهما عجبا، رأى المستنطق في قرياقوس رجلا طويلا عريضا خشن السمت، ورأى ~~قرياقوس في المستنطق رجلا دميما، فقال في نفسه: هذا مستنطق؟ إذا نفخته يطير، الفرق بعيد ~~بينه وبين سعادة المدير. # المستنطق ملتح ولكنه كوسج، # 39 # أزرق العينين، أشقر الشعر، نحاسي البشرة. ابتسامته مقيتة، تكشف عن أسنان ~~مصفرة ولثة دهماء، واعتقد المستنطق الإجرام في قرياقوس فور رؤيته محياه النطاح، # 40 # فقال له: ما اسمك؟ ~~- اسمي قرياقوس. ~~- اسم الوالد؟ ~~- ضاهر حنا، إن صدقت الوالدة. # فانتفض المستنطق عند هذا الجواب وقطب حاجبيه، وقال له زاجرا: توقر يا هذا، أنت بإزاء ~~قاض جهبذ # 41 # يمثل الذات الشاهانية، # 42 # فلا تتنادر ولا تتماجن، # 43 # حذار سوء المغبة. # 44 # فتعجب قرياقوس من كلام غاب عنه فهم معظمه؛ لم يسمع قط بالنحو، ولا عهد له بالكلمات ~~طالعة نازلة، كما رآها تتدحرج من فم المستنطق. # وكان بينه وبين كاتب الاستنطاق معرفة، فقال له: بحياتك ترج مولانا «المصتنطق»، قل له ~~يحاكيني بلساننا، لغته صعبة علي. # فكاد المستنطق يضحك وأقل من عنجهيته # 45 # وقال: ما اسم أمك؟ ~~- أم جبرايل. # فهز المستنطق رأسه، وقال: هذه كنية يا ذكي. # فتبحر قرياقوس وقال: ضاهرية. # فامتعض المستنطق وتمطى كالممغوص، وقال: وهذا لقب يا فيلسوف. # فضحك قرياقوس، وقال: القرود تأخذني، كيف نسيت اسم أمي؟! ms056 # فقال المستنطق: يبدو لي أنك لا تميز بين الاسم واللقب والكنية، أين قضيت عمرك؟ # فاستضحك الآغا وقال: في عين ورقه، # 46 # رفيق مطران الدبس والشدياق. # واحتار أخيرا كلاهما، فقال المستنطق لكاتبه: ضع اسمها مريم. # فاعترض قرياقوس قائلا: هذا اسم بنت عمي، ولكن المستنطق لم يبال فقال: كم عمرك؟ ~~- عمري، عمري ... خلقت في آخر حركة إبرهين باشا. # 47 # فتأفف المستنطق وقال: ما صنعتك؟ ~~- فلاح زراع. ~~- أتقرأ وتكتب؟ # فابتسم قرياقوس، وقبل أن يجيب، قال المستنطق لكاتبه: اكتب أمي. ~~- ألك زوج؟ ~~- زوج أيش؟ بقر، معزى؟ # فاستدرك المستنطق، وقال: يعني أمتزوج أنت؟ ~~- نعم، مرتين يا سيدي، أول مرة ... ~~- اسكت، وكأنه نسي أين بلغ من الأسئلة المعلومة، فتفكر قليلا، ثم قال: تدعي عليك ... ~~ثم نظر إلى سجل التحقيق مفتشا عن الاسم، ومط صوته، وقال: فاكيه، أنك طرحتها. # 48 ~~- من قال إنها حبلى حتى تطرح. ابنها عمره ثلاثة شهور يا سيدنا. # وانتبه قرياقوس كل الانتباه؛ لئلا يفوته شيء من كلام المستنطق، الذي قال: هي ادعت عليك ~~بذلك، وفي حوزتها تقرير معزز بالأيمان المغلظة. ~~- بحياتك يا مولانا، تفهمني. ما فهمت معناة تقرير وأيمان؟ ~~- بغل، بليد. التقرير هو الرابور، وأيمان يعني حلف اليمين. # فضحك قرياقوس ضحكة مديدة وقال: أتريد أن أحلف لك ألف يمين أني أنا وأنت غير موجودين في ~~سراي جونيه، وإذا أمرت أقدم لك خمس رابورات ... يا سيدنا، أنت أخبر الناس بالرابورات ~~والحلفانات. # فقال المستنطق: طيب، بضميرك وذمتك، هذه المرأة حبلى؟ ~~- أنا قاعد في بطنها! ~~- لكن حديث الضيعة. # فقال قرياقوس: عيب يا سيدي، اسأل النسوان. هذا شغل الرجال، الله يطول عمرك! ~~- طيب، جرحت الرابورات والأطباء مع أن أكثرهم من أصحاب الضمير، والشهود يا هذا؟ فالتفت ~~قرياقوس ظانا أنه يخاطب غيره، وتناول المستنطق «المحضر» من أمام الكاتب، وذكر لقرياقوس ~~أسماء الذين شهدوا عليه. فصاح قرياقوس صيحة ارتجف لها المستنطق، وما شرع في الدفاع عن نفسه ~~حتى نهض المستنطق عن كرسيه، وقال للآغا بلا اكتراث: خذه إلى الحبس. ثم قال للكاتب: أصدر ~~بحقه مذكرة توقيف. # وعاد الشهود والأنصار ms057 إلى الضيعة ما عدا قرياقوس؛ فإنه حل ضيفا كريما على فارس ~~آغا. # كان الآغا يحرس قرياقوس، فلم يسمح لأحد أن يقابله فيحمل وصيته إلى أهله، وكثيرا ما كانا ~~يتبادلان كلاما مضمنا يشف عن ضغينة الآغا واستهزاء قرياقوس؛ فبطلنا كما عرفه القارئ ~~الكريم لا يبالي، سيان عنده أقاهرا أم مقهورا فهو ليس ممن يكسر شوكتهم ~~الحبس. # كان الآغا يتعنفص # 49 # وقرياقوس يتملقه فيزداد الآغا عتوا، وجاء دور خروج المحبوسين لقضاء ~~حاجتهم. # فكلف الآغا قرياقوس حمل تنكة الحاجات فحملها مطيعا. # وخرج مع المحبوسين إلى الرمل مخفورا، فشفى الآغا نفسه، وتلذذ بمرأى خصمه ذاهبا تحت ~~خفارة الجند. # وفي اليوم الثاني حمله إياها فحملها مطيعا، والعادة أن يتناوب المسجونون حملها، وفي ~~اليوم الثالث حملها أيضا وهو يضحك. وانتظر الآغا عودة المسجونين؛ ليرى قرياقوس ذليلا ~~مهانا على عيون الناس، ولكن قرياقوس راح ضاحكا، وعاد باشا، منبسط الوجه كأنه عائد من ~~عرس. # وقف الآغا على سفرة درج السراي متقنشفا كالديك الحبشي، يصب نظراته من عل على المسجونين ~~العائدين، وكان في ساحة السراي أناس يعرفون قرياقوس، فسأله أحدهم عن حاله، وهل من خدمة ~~يقضيها له، أو ماذا يبلغ أهله في عين كفاع. فضرب قرياقوس على «تنكة الحاجات»، وقال بصوت ~~جهوري لذلك الرجل على مسمع الآغا والناس: قل لهم قرياقوس مرتاح، وظيفته «كرارجي» # 50 # عند فارس آغا. # فطار عقل الآغا وهجم على قرياقوس، ولكنه لم يمد إليه يده، نوى أن يضيق عليه أكثر فلم ~~يعفه في الغد من القيام بمهمته تلك، بل تبعه إلى حيث يقضي المسجونون حاجتهم الكبرى. أطال ~~قرياقوس القعود فشكاه الجندي إلى الآغا فتقدم لزجره، وأمره بالنهوض، فقال له قرياقوس قبل ~~أن يلفظ كلمة: عزيز من غير وقوف يا آغا، ثم قام بعد أن قضى غرضه ... # فهدأت ثورة الآغا بغتة، وبدلا من أن يرفسه أو يلكمه أجابه: الكبار لا تقوم عن المائدة. ~~صحتين وعافية. # وفي اليوم الرابع أقيل بطلنا من وظيفة التنك. رأى الآغا الخير في التخلص منه، فخفف من ~~وطأته عليه. طلب قرياقوس محاميا ms058 فجاءه الآغا به. ونزلت خيالة مار جرجس على ساحة السراي، ~~فارتبط الآغا منها رأسين في إصطبله، وحل عشرة منها في مربط المستنطق، واقتنى المحامي منها ~~ثلاثة رءوس. # وفي اليوم الخامس عند العصر خرج قرياقوس من السجن خفيف الظهر، لا مال في كمره إلا القليل، ~~فدب الهم في مفاصله. # الفصل الثامن # | أجمل الشهور # خرج قرياقوس من السجن ووقف في ساحة السراي وقفة من لم يصدق أنه حر، وشبك عشره # 1 # فوق حاجبيه ليرى ماذا من النهار بعد، ثم استضحك وحيا الشمس قائلا: اشتقنا ~~إليك يا مباركة. قال هذا وأخذ يتهيأ للسير، فأدخل ذيل شرواله تحت زناره من وراء، ولما ~~اطمأن إلى تمكنه، هملج # 2 # كأنه بغلة الدير. وما كاد يبلغ جسر المعاملتين. # 3 # حتى أدركته عربة فيها مقعد فارغ. المقعد حذاء السائق، وقرياقوس ليس ممن يحملون ~~الهم، فما انتصب على تلك الدكة # 4 # العالية ووقعت عينه على البحر الساجي # 5 # في تلك الأمسية البراقة، كأنه بساط من كرمسوت، # 6 # حتى تحركت الموسيقى المهلهلية في صدره العريض، فعج: # وإن لان الحديد ما لان قلبي # وقلبي من حديد ~~القاسيينا # فتعالى ضحك رفقائه من ورائه، فتمادى في غنائه المزعج، ولكنهم أسكتوه ... لا نعجب أن هيج ~~منظر البحر أبا يوسف؛ فهو ربيب شط حنوش. # 7 # نشأ فتى في ظل جبل النورية، # 8 # وعاش شابا وكهلا يعاين كل حين جبل القطين، # 9 # وكلاهما رائع رهيب، والإنسان ابن المربى. # دخل قرياقوس جبيل على صوت المؤذن، وهو يترنم بأذان المغرب، فنزل ضيفا ضخما في خانها ~~الأكبر، كان مغتبطا جدا وهو يحيي زخيا القرموط، صاحب الخان، وازداد اغتباطا إذ رأى ~~فيه صديقه الحميم الخوري يوسف مسرح، فهجم عليه بلهفة المشتاق وهو يهتف: صدفة خير من ميعاد ~~يا خوري يوسف! فأشرق وجه المحترم وابتسم ابتسامة مقطومة # 10 # وقال: هذا أنت يا قرياقوس؟ ما طالت الغيبة. كيف كنت في بيت خالتك ... # فقهقه قرياقوس وأجاب: كنا نشتهيك يا محترم. ~~- تشتهيك العافية، يا مقصوف العمر. # كانت قهقهة قرياقوس غير مكتنزة ولا سمينة، لم ms059 تكن تلك القهقهة الشائكة التي تشبه صياح ~~ديك الحبش؛ فأدرك ذلك الخوري، مع أنه قليل الملاحظة، فقال له: تغيرت يا قرياقوس، قل عرض ~~ضحكتك. رباك الحبس! ~~- كان خلفي ثلاثون خيالا تحمي ظهري، فما بقي معي غير ثلاثة، ومن ليس له ظهر مقطوع ~~الظهر. # لم يفهم الخوري مراد أبي يوسف، فأجابه: أنا قدامك في المركزين: المتصرفية والبطركية. قل، ~~أنا مستعد. ~~- ما نفعني غير الخيالة يا معلمي. ~~- طيب، خذ فرسي وبنتها وابنها. أحسن رسن في المسكونة، ثم قهقه قهقهته الطائرة الصيت، ~~وقال: تريد تحارب نعوم باشا يا يوسف بك كرم؟ طنوس فارس حط أربعك # 11 # بالمد! # فامتعض قرياقوس، وبان الاشمئزاز في وجهه، وقال لصاحبه متمثلا بقول الزير: # والله ثم والله ثم والله # ثلاث أيمان في رب السماه # أنا محتار يا محترم فيك، كيف تعلمت اللاهوت # 12 # والشريعة؟ الذي لا يرى من المنخل، الأعمى خير منه. الخيالة ليرات الإنكليز. ~~أنا لا أطلب فرسك وعيلتها الكريمة، فهمت أم لا! # فأطرق الخوري كمن أدرك شيئا فاته، وقال: هم. ومط الميم مطا طويلا جدا، ثم التفت ~~إلى قرياقوس، وقال: فهمت، نعم! ما معي غير ستة، خذ ثلاثة وأنا تكفيني ثلاثة، وأدخل يده في ~~جيبه، وأخرج من عبه مصرا مخمليا. # وأخذها قرياقوس بعدما قبل اليد الطاهرة قائلا: كفا لا تعدم. # وانتفض الخوري انتفاضة من وجد مفقودا غاليا. هم بإسراج فرسه، فتولى ذلك أبو يوسف ~~عنه، ولكنه روع الفرس ووضع السرج # 13 # بالمقلوب، فشبت # 14 # الفرس وحمحمت، # 15 # فلذت للخوري حركتها تلك، فصاح بها يغازلها: اسكتي، سدي بوزك. # 16 # ثم نحى قرياقوس بظاهر يده، وابتسم ابتسامة فاترة، وقال: بعاد # 17 # يا قرياقوس، أنت تفزع الغول. # ولما صار الخوري في السرج انحنى قليلا، ورقصت لحيته من الغضب، وقال لقرياقوس: كلاب، ~~أولاد كلاب، أما إنهم يرحلوني عن عين كفاع أو أني أرحلهم. قبل الظهر، إن شاء الله، أكون ~~في المتصرفية، عند «الباشا». # فأرهبت كلمة الباشا والمتصرفية قرياقوس، ولم يفه بكلمة، بل اكتفى بفتح فمه نصف فتحة، ~~وظل ينظر إلى الخوري ms060 حتى غاب عن عينيه. بات الخوري ليلته في نهر إبراهيم، # 18 # أما قرياقوس فتعشى وتمشى إلى جسر الدجاج، # 19 # ومنها صعد إلى إده # 20 # ليبيت ليلته عند نسيبة له. # كان أبو يوسف مفكرا على خلاف عادته. فستة خيالة لا تحمي بطنه ، فكيف بظهره. لا موسم ~~حرير يرتجى، والنحل يعلم الله كيف يكون ... فاتح نسيبته حنة لعلها ترشده إلى من يدينه مبلغ ~~ثلاثين ليرة، فأجابته بكل سذاجة: شر الصباح ولا خير المسا. # انبسط وجه قرياقوس في الحال، وشرع يعرض عليها فصول روايته مشهدا مشهدا، أخذت المرأة تهوم # 21 # وقرياقوس يثرثر؛ حتى أطارت نعاسها إحدى نبراته الصاعقة، فنهضت فجأة متمنية له ~~ليلة سعيدة. # وانبطح قرياقوس على فراشه ولكنه لم يغف، طفق يفكر في أولئك الذين سيشكوهم الخوري إلى ~~«الباشا»، فلم يشك قط في أن خصمه أولهم، فاستراح باله ونعس. وبعد هنيهة شخر ونخر، وغط ~~غطيط البكر # 22 # شد خناقه، فحرم أهل البيت النوم، لا يستغرب هذا ممن تعشى قدرا محشوة ~~ورق عنب، ونصف إقة سمك ومثلها أو أكثر حلاوة، أما الخبز فلا يعد. # وعند الفجر الكاذب # 23 # كان الخوري يوسف يرقص فرسه وراء العقيبة # 24 # على مقربة من مار ضومط البوار. # 25 # أجفلت الفرس فتماسك الخوري في السرج، وحدق النظر فإذا بفارس آغا يصلب يده ~~على وجهه كعادة أكثر النصارى متى قابلوا كنيسة، فصاح به الخوري وقد ظن أنه صلب تشاؤما ~~به: الله يخزيك أنت! # فصاح فارس آغا: لا أنا ولا أنت، صباح الخير يا محترم. # فعرف الخوري صوت الآغا فهتف: هذا أنت يا ملعون! إلى أين؟ # فقال الآغا بصوته الفخم الأجش: راجع إلى بلادي، طالت الغيبة يا خوري يوسف. # لم تسر الخوري هذه البشرى؛ لأنه يمقت الآغا مقتا شديدا، فأنحى على رقبة فرسه بالقضيب ~~وأرخى لها العنان، ولكنها لا تسبق الأتان مهما حثها، لم يتيمن # 26 # أحد من هذين القطبين. قال الخوري في قلبه: ما أبشع هذا الصباح! هذا يوم نحس. ~~وقال الآغا: ما أبشع صباح الفرد - أي: من الغربان - صباح ms061 النوري ولا صباح الخوري. أما ~~القرية فهتفت دائما في كل صباح ومساء: الله ينجينا منهم ثلاثتهم. ~~••• # القرية - عين كفاع - هادئة مطمئنة، فدودة القز تشغل الضيعة، بل لبنان بأسره. الناس جميعا ~~على المصاطب قدام البيوت، فلا ترى إلا عرم # 27 # ورق التوت وحزم القضبان المقشرة، كل من فيه حياة وقدرة على العمل يشتغل. ~~يتعاونون كلهم على إطعام القز؛ فهي نهمة ولا تشبع وخصوصا إذا كان الطقس حارا، وكانت ~~مقبلة سليمة. لا يتعشون قبل أن يعشوها، وبعد الفراغ من العشاءين يستحيل كل بيت معبدا. شهر ~~نوار هو شهر العذراء مريم، أم المخلص ومعونة النصارى، ومعزية الحزانى وسلطانة السماوات ~~والأرض. حسبك أن تسمع الترتيل في كل فم يوم يطل عليهم هذا الشهر السعيد: # يا أولاد مريم وافوا للسرور # في شهر تكرم من بين الشهور # إنه شهر مكرم حقا في لبنان. فيه - وحده - تقام الصلوات لمريم في كل بيت، وفي هذا دليل ~~على وحدة الحال ورفع الكلفة. هي سيدة كل بيت، كبيرا كان أو صغيرا، بل سيدة كل قرية، ~~فقلما تخلو مزرعة لبنانية من كنيسة على اسم السيدة. هي في عين كفاع سيدة القرقفة، وسيدة ~~القطين التي تعرف أيضا بسيدة البزاز. وفي بجه سيدة المزرعة، وفي غلبون سيدة الحوش، وفي ~~غرزوز سيدة الغارة، وفي جبيل سيدة البوابة. حتى الخوري يوسف مسرح له سيدة خاصة تعرف بسيدة ~~البياض، ولها عجائب غريبة يؤمن بها الخوري وسيأتيك حديث بعضها. لا تنس أن عجائب السيدة، ~~عليها السلام، تختلف في كل قرية. وبعض هذه الكنائس السيدية عجائبي وبعضها غير عجائبي، ~~وأشهرهن سيدة البوابة التي لا يجرؤ أحد على الحلف بها كذبا غير الآغا ... # كانت القز مفطرة الرابع، وهو الطور الأخير من حياتها. هي في هذا الطور أخت قرياقوس لا ~~تعرف الشبع. وكان الناس مستبشرين بإقبالها فكانت صلواتهم حارة جدا. شموع مضاءة في كل ~~بيت، وبخور يفوح من هنا وهناك وهنالك، فكأنما الضيعة أمست هيكلا. الترانيم والصلوات ~~والطلبات تتصاعد من كل ناحية وصوب، كل إنسان يصلي في بيته وحوله عيلته، ms062 وحيث توجد غرفة ~~يستغنى عنها، تجتمع الجيرة بأسرها، فيصلون صلاة كاملة؛ أي يقرءون تأملا - فصلا - ~~خاصا بكل يوم. # لكل إنسان مكان خاص به يصلي فيه إلا الهركولة، فإنها كابن الإنسان ليس لها مكان تسند ~~إليه رأسها. تراها تكرج دائما على الطريق رائحة جائية، في يدها سبحة وردية، # 28 # تجرها على الأرض؛ لأنها هي قصيرة ضخمة، فصارت كأنها مربعة. مسلف # 29 # ترهل جسمها، فبدت عجوزا درداء # 30 # مع أنه لم تسقط لها سن. تبشر سعلتها الناس بقدومها، فهي وحدها من بين نساء ~~ذلك الزمان، كانت تدخن. تملك من حطام الدنيا غرفة اختصها بها أبوها، وموقعها قبالة ~~الكنيسة والمقبرة؛ ولذلك كانت تحدثنا عن الكواكب التي رأتها تسقط على قبر فلان وقبر ~~فلانة. # تعيش حنة من مهنتها، فهي قابلة # 31 # مشهورة تدعى كالأطباء إلى القرى المجاورة. تحدثك عن الحبالى كلما اجتمعت بها ~~كما يحدثك الفلاح عما يرقب من غلال، والخوري عن مرضى، ينتظر رقادهم بالرب ليصلي عليهم ~~ويقبض المعلوم. تصف لك بخل فلان وكرم فلان. وأخيرا تختم حديثها بكلمة لا تنفك ترددها: ~~العبد لا يغني العبد، الغنى من عند الفوقاني، وتشير إلى السماء. # كان صباغ وجهها زاكيا، وكانت فينانة # 32 # الذقن والشوارب؛ فسموها «عنابة»، وكثيرا ما كانت تغتاظ إذا ناديناها بهذا ~~اللقب المطاط. لا نصرخ يا عنابة حتى تلحسنا ما تحت ذنب الدابة. سجعة هيأتها لتدافع ~~بها عن نفسها، فالذي لا يكفيه لحس الذنب فما عليه إلا أن يعيد الكرة فيفوز بكل ما ~~تحته من مستودعات. # كان للهركولة خطة سير معلومة لا تحيد عنها. تكنكن # 33 # أكثر النهار في غرفتها، ولا تتحرك ركابها إلا عند الغروب، ولكن ببطء ~~السلحفاة. تخالها تفكر وتتأمل وهي لا تفعل شيئا من هذا. حتى إذا قابلت زاوية الكنيسة ~~الشرقية ترامت عليها بشوق ولذة، «تقبل ذا الجدار وذا الجدارا» كما قال الشاعر، ثم تتلو ~~الأبانا والسلام مرتين، ولكن هذه الصلاة التقليدية لا تروي غليلها، فتلجأ إلى بلاغتها هي، ~~وتخاطب مار روحانا بلغتها، قائلة: يا حبيب قلبي يا مار روحانا، ms063 أنا متكلة عليك يا قديس ~~الله، احرسني، سهل أموري، بحياتك تغنيني عن الناس. رزقي عليك وحدك، أنا بنت مقطوعة ما لي ~~غير الله وغيرك. # إن حنة تعتقد اعتقادا لا يتزعزع أن مار روحانا يسهل أمورها؛ ولهذا لم تفجع بعد ~~بامرأة نفساء. وعرفانا لجميل القديس تفرض النذر على الحبالى فرضا، وقبل أن تضع يدها على ~~حبلى تقول لها: اسمعي يا أختي، شرط في الحقلة ولا قتال على البيدر. أيش عندك للجار؟ لا تقول ~~لمار روحانا؛ لأنه أصبح معروفا. فموقفها منه كموقف أبي العلاء من أبي الطيب إذ قال ~~«الشاعر»؛ عرفنا من يعني، يستحيل أن تخلص الهركولة ولدا ما لم تأخذ من أمه شيئا ~~لجارها. # وبعد تلك النجوى الحارة تخرج سبحتها الوردية من جيبها، وتنطلق فارهة # 34 # نشيطة متأكدة أنها ضمنت معاشها، وكلما قاربت بيتا عرفوها من زحفها وسعلتها ~~وتمتمتها؛ فتتعالى الأصوات من البيوت: تفضلي يا حنة، خشي، # 35 # ومنهم من يدللها ويغنجها فيقول: يا حنينة، وإذا دخلت وكانوا على الأكل، وقيل ~~لها: انطحي الزاد، # 36 # تنطحه بعشرة قرون ... ولكن نطحات قرونها العشرة لا تعادل نطحة واحدة من نطحات ~~الوحيد القرن قرياقوس. # كلهم يعزمون عليها لأنها جريدة الضيعة الناطقة. تحمل في كل ساعة خبرا جديدا. وهب أنهم ~~نسوا وأعجبها الطعام؛ فهي لا تعدم خطة تهاجمه بها. تتوسل كل يوم بوسيلة، منها تعليم ~~الصغار كيف يأكلون بالمثل، فتأكل ما شاءت والناس يضحكون، وتوبخهم لأنهم لا يعلمون أولادهم ~~الأكل الحسن. وبعد أن تشبع تلتفت وتقول للصغار: هكذا كلوا المجدرة يا عمتي. # ما بلغت حنة بيت الخوري مسرح حتى طبطبت: إخيه، الدار خالية والضيعة مستريحة. ثم قرعت ~~صدرها، وقالت: ليتها روحة بلا رجعة. الله يسعده ويبعده. والتفتت صوب الكنيسة، وقالت: بجاهك ~~يا حبيب قلبي. وبينا هي مستغرقة في هذه الصلاة العقلية ... سمعت صوت المصلين، فصاحت: يحرز ~~دينك يا عين كفاع، ما أحلاك! ضيعة مثل السما في غيبة خوري مسرح وقرياقوس. # وتقدمت قليلا حتى تجاوزت مار صوما - برصوما؛ كنيسة متهدمة قديمة جدا - لم تصل لها ~~كالعادة؛ ms064 لأن خوري الضيعة أفهمها أنها كنيسة يعاقبة - هراطقة يقولون: إن في المسيح طبيعة ~~واحدة - ولكنها تذكرت صلواتها وتأسفت على ضياعها. وتقدمت قليلا فاشتمت رائحة البخور، ~~ففتحت منخريها وشهقت كأنها تتغذى من تلك الرائحة الذكية، ثم صرخت من أعماق قلبها تناجي ~~المصلين: الله يقبل منكم، ويبارك في مواسمكم. ثم اندفعت في طريقها تصلي بحرارة وإيمان ~~دونهما الوقيد. # 37 # وارتفع من أحد البيوت صوت آنسة تنشد: يا أم الله. فرددت حنة: يا حنونة، ومن أحن منها! ~~لا يعرفها إلا من التجأ إليها. أنا أعرفها، خلصت بشفاعتها مئات من الأمات. هي أم، ولا يعرف ~~ما عند الأم إلا الأم. # وما بلغت المرتلة # 38 # المقطع الأخير الذي ينشدونه بأقصى ما في الصوت من مدى: تشفعي فينا يا عذرا، ~~حتى قرعت حنة صدرها قرع مهدة لصخر أصم، وهي تقول للمرتلة من بعيد: شدي شدي، الله ~~معك. يسلم لي صوتك الحلو. # وعندما بلغت رأس الضيعة دخلت بيتا تعودت أن تدخله كل مساء لتسمع التأمل. كان في تأمل ~~ذاك اليوم حكاية غريبة، فأصغت حنة جيدا؛ لأنها ميالة طبعا إلى الأخبار الغريبة. ولا ~~بدع، فهي نفسها عجيبة، ذات شاربين طارين وفم ينفتح نحوا من فتر، وساق ليست أكثر من شبر، ~~وكان لها أخ أمسخ منها يمشي على العكاكيز. # دخلت حنة فاستفزتها كثرة المصلين، فقالت: شيء يفرح القلب، بيت محشوك مثل الرمانة. ثم ~~قعدت على عتبة الباب تسمع. # قال القارئ: خبر. فقالت حنة لجارتها: اسمعي اسمعي، أخبار أورياما حلوة. ~~«إنه في سنة 1714 كان شابان يدرسان العلوم في فياندرا، # 39 # كانا ثاقبي العقل غير أنهما كانا سائرين سيرة رديئة جدا. صرفا نهارهما في ~~اللعب والنهم والشراهة، وعند المساء ذهبا إلى بيت لإهانة الله. وبعد مضي قسم من الليل ~~رجع أحدهما إلى مسكنه وبقي الثاني ليشبع شهواته ويشرب كأس بابل # 40 # حتى آخرها. # انتبه الذي عاد إلى البيت، وتلا كعادته، ولكن بضجر كلي بعض مرات السلام ~~الملائكي، ثم استغرق بالنوم، فسمع باب غرفته يقرع بشدة، وقبل أن ينهض ليفتح الباب ms065 رأى ~~رفيقه داخلا الغرفة بصورة مرعبة، فانذهل وسأله كيف دخل والباب مقفل، فأجابت تلك النفس ~~التعيسة: كان يجب أن نرسل كلانا إلى جهنم في هذه الليلة بحكم الله العادل، أما أنت فقد ~~خلصتك البتول؛ لأنك صليت لها. أما أنا فقد قتل جسدي من الشيطان، وهو مطروح في السوق ~~الفلاني.» # فصاحت الهركولة إهيك، يا ديك الحطب، كنت صليت مثله يا جحش. # فضحك الجميع ، ودروا أن حنة معهم، واستبشروا بخبر جديد. # وتابع القارئ قائلا: «ولتحقق ذلك كشف له رداءه، وأراه النار وكثرة الأفاعي، التي كانت ~~تعذبه. قال هذا وغاب عنه.» # فقرعت الهركولة صدرها وقالت: يا عضرا نجينا. # وفي نهاية الفصل عبارة وجيزة يسمونها نافذة، يكررها العباد ثلاث مرات. أما نافذة ~~هذا اليوم فكانت: الشكر لك أيتها البتول لأني لا أحترق. # فرددوها ثلاثا، وكان أبرز الأصوات صوت الهركولة، ولكنها قالت في النهاية بدون وعي: ~~قرياقوس جا. فضحك فريق وتوقر آخرون، وطار الخبر في الضيعة، فظن الخصوم أن الخوري يوسف ~~مسرح هو الذي سعى لإخلاء سبيله، فأعدوا العدة لاستقبال الخوري عند عودته استقبالا ~~لائقا. # الفصل التاسع # | خوري مسرح # في القرى مآس ومهازل تمثل كل حين، ولا تنصب لها أخشاب ولا ترخى ستائر. إنها تمثل ~~في كل مكان: في البيت، في الكنيسة، وفي الحقل، أبطالها كأبطال الروايات والروائع وإن ظلت ~~شهرتها محلية. إن حياة الخوري يوسف بطرس أبي إبراهيم، المشهور بالخوري مسرح، نسبة إلى ~~قريته، مأساة ومهزلة في وقت معا. تراه فتحس أنك أمام مهرج وممثل جدي في وقت ~~واحد. # المعروف عنه أنه خوري بتول، عفيف طاهر الذيل، ومنهم من زعم أنه لم ينظر إلى امرأة قط، حتى ~~امرأة أخيه التي كانت تقيم وإياه تحت سقف واحد. ولما أنس من نفسه ضعفا بشريا، كما يسمي ~~الغريزة رجال الدين، وخاف من نفسه الأمارة بالسوء، قعد الخوري وحده في بيته الذي ورثه ~~عن أبيه؛ ابتعد عن أهله الأدنين خوفا من أن يجربه إبليس الملعون، ويعمل بشريعة موسى ~~فيقيم سهوا زرعا لأخيه ... انفرد خشية أن يتهمه الناس بما ms066 كان يتهم هو غيره من الكهنة ~~المتبتلين، وكان إذا سئل عن سبب عزلته عن الناس سالت الآية الإنجيلية على لسانه: «الويل ~~للعالم من الشكوك ...» عرف المحترم - كما قلنا - بنسبته إلى «مسرح» وهي قرية منعزلة هادئة ~~مطمئنة، ولكن الهدوء فارقها حين حلت نعمة الروح القدس على هامة الخوري يوسف، تلك الهامة ~~المستطيلة كالكوساية الهرمة التي غفل البستاني عن قطافها. # يسمون الكهنوت عندنا «دعوة » من الله، ولكن المرجح أن الله بريء من كهنوت هذا الخوري ~~وغيره من الكهنة، فكهنوته كهنوت خبز كجميع الكهنة إلا نفرا قليلا، وما كذب من قال عن ~~أحد هؤلاء حين سيم كاهنا: فتح دكان خوري. وقد صدق في الأكثرين؛ لأن للابس هذا الثوب، ~~بضاعة لا تبور، يرافق الإنسان قبل الولادة ويلحقه إلى القبر. # أراد الخوري يوسف أن يخلف عمه في الولاية على وقف العائلة، فتعلم العلوم الضرورية ~~للكاهن، وزاد عليها ما استطاع تحصيله من علوم الصرف والنحو. أتقن العربية والسريانية، وكان ~~ذا قريحة لا بأس بها ولسان طلق دفعه لتعلم «الشريعة» راجيا أن يتولى يوما كرسي القضاء ~~اللبناني، كالخوري العقيقي، والفاخوري، ويوحنا حبيب، والخوري يوسف الشاعر. ولكن ما كان به ~~من خفة عقل وغفلة حال دون ذلك، فقضى حياته متنقلا بين عين كفاع ومسرح على فرس لا أصل لها. ~~هي كديشة لا فرس، والخوري يؤكد أن فرسه التي سماها سعدى تيمنا ببنت بيت كريم، ذات حسب ~~ونسب. حجة المرحومة أمها معه، وهي مسلسلة حتى جدتها العليا النعامة، فرس ابن عباد، معارض ~~المهلهل في قصيدته اللامية المشهورة، وهي صقلاوية نجمة الصبح. # 1 # يرد أصلها إلى كحيلة العجوز. # 2 # وحين ظهر كتاب نجيب بك الخوري في الخيل وفرسانها اشترى الخوري يوسف منه ثلاث نسخ، جلدها ~~ثلاثتها ووضع واحدة في الخرج، وواحدة في العلية # 3 ~~- بيت الوقف - بعين كفاع، والثالثة في بيته الذي هو ملك خاص له بمسرح، وكان إذا ~~حدثه أحد عن فرسه وأصلها وفصلها قرأ له الأفشين # 4 ~~... أطلعه على تلك الحجة المحفوظة بأنبوب نحاسي معلق في رقبة «سعده»، ms067 وإلا ~~فلماذا قالوا: حجتها برقبتها. وإذا دار حديث السعد النحس في عيال الخيل الكريمة، قام ~~الخوري يوسف، وأخذ بيدك ليدلك على النياشين ويقول لك: سبحان الخالق! ما خص الله حيوانا ~~بما خص به الخيل الأصيلة؛ فكل مخلوقات الله ليس فيها هذا الدليل. فهذا نيشان السلطان وهو ~~على شكل ريشة يدل على السعادة. # ويهرول الخوري حتى يشرف على قبو الفرس وبناتها، ويصيح بصوت جهوري، واقفا على كل كلمة: ~~رفول ... يا رفول ... هات سعده ... # فيرد عليه رفول بصوت لا يفسر: الله لا يسعدك. # وتمشي سعده تنظر إلى الخوري نظرة فيها دلال وشوق، فما تكاد تصل حتى يتعلق بقربتها ~~الطويلة ويضحك لها ضحكة أبوية. وتحمحم سعده فيصيح بها صيحة فيها غنج كثير: اسكتي ~~«وليه». # ثم يدع العنق وينحدر ليريك نيشان الصدر، وهو عنوان الكسب والنعم. ثم يمعن في الانحناء حتى ~~ينطوي كالخيزران، ويكاد يزحف تحت بطنها ليريك نيشان الحزام: وهو يزيد الخير في البيت. ~~وينتصب أخيرا بعض الشيء ليريك على الخواصر نيشان الشابور، # 5 # ويقال له: المهماز، وهو يدل على انتصار إذا اتجه إلى أعلى، ويدل على زيادة ~~الغنى إذا اتجه نازلا. # أما نياشين النحس فلم تمنح العزة الإلهية فرسه شيئا منها ليدلك عليها، ويختصر الكلام ~~عنها بقوله: هل ترى على الفخذ شيئا؟ تأمل جيدا، فأسوأ النياشين نيشان الفخذ. ~~- الحمد لله. وألف شكر. # واطلع في إحدى ليلاته السود على حكاية «البراق» حصان النبي، الذي عرج وهو راكبه على ~~السماء، فزعم أنه جد سعده الأعلى، وأن خضرة دياب بن غانم، بنت عم ستها. # هذه حكاية فرس الخوري يوسف. أما وقفية مسرح فعقارات مغلال في قرية عين كفاع، وولاية ~~الخوري يوسف عليها خربت ضيعتين: عين كفاع ومسرح، كما قرأ وتقرأ خبر أحداث عين كفاع. أما ~~أخبار مسرح فلا محل لها في قصتنا. # أذكر ولا أنسى يوم قال لي والدي: رح تعلم عند خوري مسرح، هذا من أقاربنا، وهو من ~~الملافنة. ورحت إلى علية العلامة الملفان في عرف والدي؛ فأعطاني كتاب مغني المتعلم عن ~~المعلم، لعلامة ms068 عصره المطران يوسف الدبس، صاحب تاريخ سوريا. وطاب لي التعلم عند خوري ~~مسرح لخفة روحه وحرية فكره، فبضاعته غير بضاعة جدي الخوري حنا، المتزمت ~~المتشدد. # وقرأنا معا - أي أنا والخوري يوسف - مسألة عودة الضمير إلى متأخر لفظا ورتبة، وكان ~~المثل على ذلك: وكلم موسى ربه؛ فإذا بالخوري يفاجئني بقهقهة قرد عتيق، ويقول: صدقت يا ~~ابن عمي؟ إياك أن تصدق. الله لا يكلم أحدا. هذي خلطة من خلطات التوراة، ولو كان لي ~~سلطان على الكتبة والفريسيين لمنعت قراءتها. فإن التوراة تدخل الشباب في التجارب ... وتعلمهم ~~ما لا يعرفون من قصص الزنا والسادومية. # قلت: وما هي السادومية؟ # فقفز الخوري فوق سؤالي كما تقفز السيارة فوق خط الترام، وقال: أتعرف كيف فسر ذلك علماء ~~الكنيسة؟ قالوا: كان الملاك يكلم موسى لا الله، وهذي خرطة أيضا، ولكنها أصغر من ~~هاتيك. # فقلت: لتصير مقبولة. # فصاح: لا مقبولة ولا شيء. لا تصدق يا مارون. # وفي المساء سألت جدي عن معنى كلمة «السادومية»، فاضطرب وقال: وممن سمعتها؟ # فقلت: من خوري مسرح، ورويت له ما سمعت منه حرفا حرفا. # لم يقل لي جدي أين قرأتها؛ لأنها لفظة لا يقع عليها إلا الراسخون في علم اللاهوت، وأنى ~~لمراهق مثلي أن تصل يده إلى خبايا كتاب اللاهوت الأدبي وما فيه من أخبار نظيفة ... ثم اختصر ~~جدي الحديث، ولم يزد على قوله: إياك تروح صوبه بعد، أنا أعلمك وأبعتك بعد حين إلى أكبر ~~مدرسة. وقام وهو يقول: زعزع الخوري إيمان الصبي، وعلمه ما لا يعلمه من أخبار الفسق ~~والفجور والكفر. ماذا تنفع خوري مسرح بتوليته ومعرفته علم الشريعة إذا كان بلا إيمان ولا ~~يقدر العواقب ويشكك الناس. # أما الخوري فهو لم يتعلم الحقوق ليتعيش بعلمه، بل ليدافع عن وقفيته التي أضاف إليها ~~جميع أملاكه الخاصة، وجعل الجميع تحت سلطة البابا ليتخلص من البطرك الماروني وتسلطه ~~عليه. # وعلى ذكر الحقوق نروي هنا عنه نادرة تدل على قلة كياسته. قيل إنه كان مرة عند البطرك ~~بولس مسعد المؤرخ اللبناني، مؤصل الأسر اللبنانية، فسأل ms069 البطرك الخوري يوسف عن حاله، وكيف ~~هو وعلم الشريعة؟ فأجاب الخوري البطريرك: علم الشريعة هين جدا. لا يصعب على غبطتك، إذا ~~قصدت أن تتعلمه. فزأره البطريرك ثم صرفه من حضرته بلباقة وكياسة. # وظل خوري مسرح صديقا للبطرك حنا الحاج طوال أيام رئاسته، وصادق بعده المطران يوسف بو ~~نجم، داهية الموارنة الإكليريكيين. كان يعلق الخوري يوسف على تلك الصداقة آمالا كبارا ... ~~إلا أن أمله خاب إذ مات البطرك يوحنا، وفاز المطران إلياس الحويك بالبطركية، وبايعه أبو ~~نحم وإن لم يحز ثلثي الأصوات؛ خوفا من تدخل رومية الذي يجيزه لها المجمع اللبناني عند ~~وقوع الخلاف على انتخاب البطريرك، وتعيين من تريد هي بطريركا، وتلك مشكلة الموارنة ~~الأبدية. نزاع دائم على الحقوق بين البابا أسقف رومية وبين البطريرك الماروني أسقف ~~أنطاكية. # وظل أبو نجم يعطف على الخوري يوسف، ولا يدخن إلا التبغ الجبيلي المشهور بالكوراني، وهو ~~مما تنتج أجوده أرض عين كفاع، وهذا بالطبع مفروض على الخوري لسيده المطران؛ ليحمي ظهره من ~~الدسائس، ويكون في عونه على من يشاكسونه # 6 # وينصره ظالما أو مظلوما. # كان إذا قصد بكركي يدخل من باب سري يؤدي إلى غرفة المطران بو نجم، لم يكن يعرج على البطرك ~~إلياس إلا إذا وقعت العين على العين واضطر إلى ذلك. ففي كرسي بكركي مراقبون للوجوه ~~والأعيان، ولكل وجيه أو إكليريكي متنفذ، مرجع في ذاك المقام، قد يزوره ولا يزور سواه من ~~سادات الكرسي، والخوري يوسف كان من حزب المطران أبي نجم ولا يزور غيره. # لم يكن البطرك إلياس يستمرئ حديث الخوري مسرح، ويعتقد أنه خفيف العقل، وهو كذلك. كان ~~يعرفه لأنه ابن حلتا، وحلتا ليست بعيدة عن مسرح. كان يعرف عقله وميوله، فقلما كان يسمع ~~للخوري يوسف كلمة، والخوري يوسف كان غير هين، يحب المعاكسة، فكان يقف دائما في صف ~~المعارضة. فعندما حمي الشر بين رستم باشا والإكليروس الماروني كان الخوري يوسف مع رستم ~~ضد أحبار الطائفة، والخوري إلياس الحويك - البطرك إلياس - كان حامل العلم في تلك المعركة، ~~يناصب رستم ms070 العداء بالنيابة عن سيده البطرك مسعد. # وأخيرا راح رستم وبقيت بكركي ... حزم الباشا حقائبه، وتوجه ليركب البحر فسبقه الخوري ~~يوسف مسرح إلى ميناء بيروت، وبدون مبالاة بالموارنة نزل على عيني وعينك يا تاجر إلى ~~الباخرة، التي تقل رستم باشا إلى الآستانة ليودعه، وأنشده قصيدة حامية عرض فيها ~~بخصوم الباشا من الإكليروس، ولم يسلم من لسانه أحد، لا بطرك ولا مطران. وجاء دور ~~الانصراف، فرافق الباشا شاعره خوري مسرح إلى سلم الباخرة، وظل يشيعه بالفرنسية على الطريقة ~~التركية: أوريفوار بار # 7 # مسرح. حتى ركب القارب. # وكتمها له المطران إلياس، الذي صار فيما بعد أظهر بطاركة الموارنة جسارة وعنادا، ونسيت ~~أم القاتل فجاء الخوري يهنئ البطرك إلياس، فغفر له وقبل توبته على شرط أن يقل من دعاويه ~~على أهالي عين كفاع وأهالي مسرح، ويحب السلام ... وأن يدع الامتياز الذي منحه إياه رستم باشا، ~~أما هذا الامتياز فهو أن الخوري ادعى أمام الباشا أن وقف «سيدته» مهدد دائما بالاعتداء، ~~وهو لا يستطيع دفع الرسوم المفروضة على من يدعي عليهم، فأعفاه وصار الخوري يقيم الدعوى ~~على من يصبحه ويمسيه بنبرة ... وأخيرا صار يقيم الدعوى على نصف أهالي عين كفاع وثلاثة ~~أرباع أهالي مسرح، فتراهم على طرقات محكمتي جونيه والبترون كعصافير العابور # 8 # في الربيع. # صعبت محبة السلام على الخوري، وطلب مهلة ليفكر بعاقبة ترك هذا الامتياز، وبعد مدة عاد ~~إلى الكرسي ليقص على البطريرك حكايات الاعتداءات على وقف سيدته حين عمل بأمر صاحب الغبطة. ~~فاستكثرها البطرك، ولكنه يعرف أن الخورين قط شر، # 9 # كما يقولون عندنا، فوسع صدره. # كانت في الخوري يوسف غفلة، # 10 # وهو من الذين يضحك عليهم ولا يشعرون، وقد عرف البطرك إلياس تلك الخلة فيه. ~~وكانت ساعة رضا، فقعد غبطته للخوري مسرح يسمع حديثه. وكان البطرك من محبي النكتة ومجيديها، ~~وهو يريدها إذا كانت لا تمس الوقار البطريركي إلا قليلا جدا. ففتح غبطته باب ~~الحديث على مصراعيه، وقال للخوري يوسف وسأله بتهكم ناعم: كيف حال سيدتك اليوم يا خوري يوسف، ~~إن ms071 شاء الله تكون راضية، وتعمل عجائب بالجملة ... # فابتسم الحاضرون، وقال الخوري يوسف: يظهر يا سيدنا أنها صارت تأخذ ثأرها بيدها، ولم تبق ~~لنا حاجة إلى الحكومة. # فقال البطرك: عال عال. إذن أراحتك من النط # 11 # على شط البحر وارتاحت سعده، وخلصت من لسانات الناس. # وأراد الخوري يوسف أن يستلم حديث الحمراء الأصيلة ونياشينها، فقال له البطرك: هات أخبار ~~سيدتك أولا. ماذا عملت عجائب طازة؟ # فقال الخوري بلا مقدمة: هجم علي ساسين روحانا، وأمسك بلحيتي عندما قلت له: رد عنزاتك عن ~~توت السيدة يا ملعون. وأخذ يسب دين ذقني، ثم راح يقص قضبان التوت ويرميها على الأرض للعنزة، ~~فافتكرت أن أشتكيه للباشا. وعشيت الحمرا على نية السفر إلى بعبدا، ولكن ما صبح إلا فتح. ~~جاء الخبر أن عنزة ساسين تشركلت # 12 # في الليل وماتت وأكل لحمها مع جيرانه. # فضحك البطرك، وقال: بالرزق ولا بصحابه. # فقال الخوري: وأخيرا يا سيدنا وصل موسى عجائبها إلى ذقون الناس: سركيس الكريدي، الذي كان يربط # 13 # لي عادة بالمسروب - أظن أن غبطتك ما نسيت المسروب، ذلك المحل القفر الوعر ~~والمغاور المرعبة، فقد كنت تقطعه ماشيا إذا كنت لم تنس - هناك ربط لي الكريدي، وأخذ ~~الخرج عن ضهر الفرس وضربني كم عصا، هذا ما وقع بالحرم يا سيدنا. ~~- وأين ضربك؟ ~~- على كعب ظهري ... # فقال جناد أحد شمامسة غبطته: الذي يضربك يربح غفران سنة كاملة. # وضحك الخوري اسطفان الدويهي، وقال: رأسك مكرس لا قفاك يا خوري يوسف. # فكتم البطرك ضحكته تحت رفرافي حاجبيه، وقال: رفول أخوك، ما كان معك لما ضربك ~~الكريدي؟ # فقال الخوري: رفول الهبيل! اسمع ما قال للكريدي: اضربه يا سركيس، ولكن لا توجعه كثيرا ~~حتى يتربى ويتعلم كيف يجوعني. # فقال البطرك: يا ويلاه يا حالاه! وآخر عجيبة يا خوري يوسف. ~~- طلع ابن حنا يعقوب على توتة السيدة في الحليوية، # 14 # وما أخذ منها ورقتين حتى سقط ميتا على كعبها. # فعقد البطرك جفونه، واستفزته كلمة الخوري، فقال له: المسيح، يا خوري يوسف، افتدى الناس ~~بدمه، وأمه ms072 التي تسميها سيدتك تقتل زلمي بورقة توت في أيام تشرين؟ هذه ضبعة لا سيدة، يقلع ~~لك ولسيدتك، قم بره. أي اخرج. # وترك البطرك قاعة السهرة، وقال للخوري وهو ذاهب: صل يا خوري يوسف حتى يهديك الله، ~~ويستريح أهالي عين كفاع ومسرح من شرك، أقلقتهم وأنت وحدك، واليوم صارت معك سيدتك تسند لها ~~حتى تحمل لك. أنت لو شبعت أخاك رفول لرد عنك الناس، وما كلفت السيدة. أنا أعرف ~~رفول، رفول عملاق، يقاوم طابور عسكر. # وذهب البطرك إلى جناحه في بكركي، وبقي الكهنة والشمامسة يتنادرون على الخوري. يمجدون فرسه ~~الحمراء الأصيلة ويبجلون تتنه الطيب، وظلوا يلفون السكاير ويعبئون الغلايين؛ حتى كادت ~~ضبوته تفرغ، فأمسك. # وكان الخوري يعتقد من كل عقله أن عجائب سيدته شملت حتى التراب الذي حول بيته وكنا نطري له ~~البطاطا والبندورة والمقتي - القثاء - التي تنتجها حاكورته. # 15 # كان يتخيل رأس البطاطا نصف إقة، ورأس البندورة إقة، والمقتاية أربعة أشبار، ~~فأخذنا رأس بندورة من مكار ميفوقي، # 16 # وغافلنا الخوري بعدما وضعناه في عب غرسة البندورة، وصحنا به: وهذي عجيبة يا ~~خوري يوسف، تعال تفرج. # وهرع الخوري وهو يصفق بيديه على ركبتيه، ويقول: من لا يؤمن بعد اليوم بقدرة ~~سيدتي! # ومن أضاحيكه التي لا يسعها مجلد ضخم أنه كان يقدس يوما ... وقطعت فرسه رسنها، وخاف أن ~~ترعى الخضار الذي حول الحارة، فخرج من الكابلا تاركا الكأس والقربان على المذبح، وشرع يركض ~~خلف الحمرا وعليه ثياب التقديس ... # تصور كاهنا عليه حلة القداس وهو يركض خلف بهيمة، ولا يتذكر أنه ترك الذبيحة الإلهية؛ ~~ليخلص عشبة من فم فرسه، وما حسب أن الهر قد يدخل ويأكل جسد الرب ... # فالخوري يوسف على ما فيه من هنات غير هينات، كان يظن نفسه نابغة عصره لا يعجبه أحد، ولا ~~شك أن القارئ يتوق إلى صورة له كاملة، تامة الخطوط والألوان، وها نحن نرسم له بعض نواح من ~~تلك الصورة، كما كنا نراه في مباذله. ~~••• # الخوري طويل طويل، مديد القامة، منتصبها كعمود التلغراف. إذا وقف أمام بيته ms073 في عين كفاع ~~خلته جذع سروة حد مقبرة. أبيض الوجه، قصير اللحية، عيناه مستديرتان كأنهما ثقبتا ~~بالخربر، ابتسامته فيها حلاوة البلاهة. يداه تتدليان كأنهما معلقتان، فإذا مشى تنوسان ~~كالمراوح. قاووقه # 17 # طربوش مغربي، ملفوفة عليه شملة سوداء ذهب لونها من طول ما نصبت على ذلك ~~الشراع. كانت تهتز الحارة إذا تثاءب ويسمع صوته في الوطا، وإذا سعل يملأ وجهك رشاشا، وإذا ~~تمخط في منديله القذر فهناك سيمفونية عجيبة. # على غنبازه بقع متعددة الأشكال والألوان، وعلى صدره يتدلى بند حريري لمعته الأوساخ، يربط ~~في آخر آخره ساعة ليبية يتدلى مفتاحها بخيط غليظ على زناره. # وذاك الغنباز الدهري غير مزرر، وهو ذو بردين # 18 # ينطبقان على قد كغصن البان، وحين يشد زناره يبدو خصره زنبوريا. # كان الكهنة الموارنة القدماء يحذفون شرابة الطربوش، أما الخوري يوسف الشاذ فأبقاها، حتى ~~أنه لم يكن يعرف وهو على ظهر فرسه، أخوري هو أم أنه من المغاربة الدجالين الذين ينادون على ~~ما في خرجهم من أدوية: دوا للعين، دوا لوجع الضهر، دوا لوجع البطن. معنا لكل شيء ~~دوا. # أما حفافي ذلك الطربوش المغربي فتصلح للزراعة لكثرة الوسخ الذي عقد عليه، فلو زرعت ~~الفجل في ذلك الهلال الخصيب لغرز فيه ونما، ومع كل هذه القذارة كان الخوري مترفضا، ما ~~رأيناه يأكل أو يشرب عند أحد. # أما بيته فأقذر من طربوشه وأذنيه، ترتيبه غريب عجيب، الشروال الوسخ ملقى فوق الغفارة ~~وبدلة التقديس، # 19 # والصرماية حد الطابية، # 20 # وزناره فوق البطرشيل، # 21 # وكأس التقديس # 22 # في قرطل الملاعق، وعلبة البرشان فوق جديلة التوم. العفن والعنكبوت والصراصير ~~والزبالة تؤلف في ذلك البيت كوكتيلا عجيبا، صوف فراشه منكوت، وقطن لحافه يجن جنونه ~~ويتطاير من ذلك الكيس كلما هب الهواء. ما رآه أحد يغسل رأسه أو وجهه، بل كان ما هنالك أنه ~~كان يبل أصابع يديه بجرن الصفوة # 23 # وهو مار إلى الكنيسة ليقدس. كان يقدس في كنيسة مار روحانا، ولكن وعظة ~~الخوري حنا صادق حملته على تكريس # 24 # القبو والتقديس فيه ... والخبر ms074 سيأتيك. # ما غسل وجهه ورأسه غسلا كاملا إلا يوم سافر بالسلامة إلى رومية ومعه صكوكه الملوثة ~~بالزيت وأقذار أصابعه. ذهب ليشكو البطرك إلياس، وهناك في المجمع الشرقي # 25 # نشر تلك الصكوك القذرة على مكتب نيافة الكردينال، وراح يقص عليه فصول رواية ~~عجائب سيدته؛ حتى قال له الكردينال مري دلفال: لماذا تتعب قلبك بسرد هذه الأخبار؟ فالسيدة ~~مثبتة، وكل عام يخلع عليها الفاتيكان لقب قداسة جديد ... فوق لقب الحبل بلا دنس. # فأجاب الخوري وهو واثق بكل كلمة يقولها: سيدتي غير سيدات العالم. # وعندما طالت إقامته في الفاتيكان رأى حلما، فحمله على كفه، وهرع إلى كردينال المجمع ~~الشرقي يقصه عليه: يا سيدنا في هذه الليلة زارتني سيدتي وأمرتني بالرجوع إلى لبنان. # فقاطعه الكردينال قائلا: هذا عجيب! سيدة تجيء إلى الفاتيكان بالليل. كيف دخلت؟! # فقال الخوري مسرح بالعربية: هذا أضرب من البطرك إلياس! # ثم حدق إلى الكردينال ليقول له: دخلت مثلما دخل الملاك عليها ليبشرها. # فأدرك الكاردينال ما يعني الخوري، وقال له: الأمور تطول مدتها في الفاتيكان. # فنبر الخوري بالكردينال، وقال: لا أقدر أن أبقى أكثر مما بقيت. هي أمرتني بالرجوع ولا ~~مرد لأمرها، سأعود غدا. # فقال له الكردينال: إذن خذ أوراقك معك، وقدمها للقاصد # 26 # في بلادك، وهو يفحص دعواك ويكتب إلينا. # فقهقه الخوري قائلا: قدمتها من زمان، ولو كان عمل لي شيئا ما كنت تعذبت ولا ~~جيت. ~~- كان الأحسن ألا تتعذب يا أبت المحترم؛ فالدعاوى في رومية لا تنتهي ... # فقال الخوري للكردينال بوقاحة: يظهر أنك شرقي. # فضحك الكردينال، وقال: ولو لم أكن من الشرق لم أحسن تأجيل الأمور وتطويل مدتها. ~~••• # وعاد الخوري يوسف من رومية، وكم ضحكنا عندما رأيناه «يلولح بين التوت» # 27 # ببرنيطته المخملية ... عاد إلى وكره ليعيش على خبز القمح السلموني، الذي كان ~~يشكره جدا ويحمده، ويقول عنه إنه مثل اللحم، وعلى الجبن واللبن والكشك المجبول مع البصل، ~~فهو يكتفي بما ذكرت ويسميه طبخا جاهزا؛ ولذلك لم ير أحد الدخان صاعدا من بيته. قلت بيته ~~ولم أقل مطبخه؛ لأن ms075 ليس للقدر في ذلك البيت مكان تسند إليه كعبها. # ليس في بيته قدح أو كباية، فهناك إبريق بلا رقبة، بلبلته مقرومة. فإذا ما زرته شتاء، وهو ~~يقتني أجود أنواع الخمور، فك طاسة كأس التقديس من شمعدانها، وأغرقها في الخابية بإصبعيه ~~المسمدين وسقاك على ذكر المسيح مدامة ... وفي الصيف يسقيك من ماء بئره البارد بطاسته الفضية ~~المزرقة. # قد تظن أن هذا الخوري قليل الإيمان غير تقي، ولكن لا؛ فإيمانه قوي ولكن على ذوقه. لا ~~يعتقد بالتهاويل ولا بما ينصبه رجال الدين من مفازع # 28 # حول قدسياتهم. # عند النصارى لا يجوز إلا لمن يأذنه الأسقف أو الخوري أن يمس كأس التقديس، فقصد يوما ~~واحد من عندنا الخوري يوسف، والتمس منه الإذن بإمساك الكأس، فأجابه الخوري على الفور: ~~أمسكه. # فقال ذلك الرجل: أعطني الإذن أولا. # فقهقه الخوري وقال: أعطيتك، أمسكه، هذا هو ... # وجاءته مرة امرأة واضعة جديدا، وسألته أن يدخلها إلى الكنيسة. ولدخول الواضعة حديثا إلى ~~الكنيسة، رتبة # 29 # صلوات غير قصيرة، تبتدئ عند خد باب الهيكل الخارجي، وتنتهي في صحنه أمام ~~المذبح، فقال لها: روحي ادخلي. # فاستغربت المرأة ذلك، ولم يعجبها هذا الدخول، فقال لها الخوري: يا أم إلياس، إذا كنت نجسة ~~لأنك وضعت ونزفت فالخوري لا يقدر أن يطهرك بما يثرثره لك؛ طهري قلبك أولا وما تطلبينه من ~~طهارة فوق ذلك يأتيك من عند الله لا من عندنا. # هذي غرائب وعجائب خوري مسرح، وإذا فاتني منها شيء في هذا الفصل فستأتيك بعدئذ أشياء من ~~أشيائه في سياق الكلام. # أما أشهر مزاياه فهي أنه بري غير داجن، لا يزور ولا يزار، ما خالل وصادق غير ~~قرياقوس، ولعل ذلك ناتج عن تطير. كان الخوري يتشاءم، وكان يقول عن صبي كريه الطلعة: ~~هذا شيطان أزرعه يفرخ. # وبيت الخوري على درب عام، والناس تمر من قدامه أفواجا، فكان يصرخ كلما استبشع ~~واحدا، ويصفق على فخذيه ويصيح: يا الله! أشكال وألوان خلائقك يا آدم! # الفصل العاشر # | حفلة استقبال # صباح النوري ولا صباح الخوري، هكذا قال فارس ms076 آغا حين التقى بخوري مسرح وهو راجع من جونيه ~~إلى مركز جبيل. أما الخوري فقال ما قال، كما جاء في الفصل الأسبق. # كانت فرسه قد رالت # 1 # ورآها أخوه رفول، رفيق المحترم الأزلي، فصاح: خيي خوري يوسف! الفرس راح تقرط ~~لجامها؛ فصاح الخوري بذاك المعتوه: امش يا مهبول. ضربة تقرط رقبتك، وطي صوتك. # فمشى رفول بالورب منتظرا وقوع الشكيمة # 2 # من شدق الفرس، ورأى ريالها يشت # 3 # فصاح: يا خيي خوري يوسف، الفرس ريالها نازل، راح تستفرغ. # فلم يفهم مما قاله الخوري، وقد رأى ثلاثة رجال جالسين على مصطبة دكان قبل «بلاطة الغرباء»، # 4 # إلا قوله لأخيه: سد بوزك يا حمار. لا تجرسنا أمام الناس. # فنهض الرجال الثلاثة، ووقفوا في وجه الفرس فمالت عنهم، وقبل أن يسألهم الخوري عما يبغون ~~أحاطوا ثلاثتهم بالفرس يتأملونها، فقال واحد منهم: صقلاوية. # وقال الثاني: معنقية. # وقال الثالث: الحق مع الذين قالوا إنها أصيلة من سلالة كحيلة العجوز. قد وجدنا غرضنا، ~~ولكن الأوفق أن نتابع طريقنا حتى لا يطمع فينا. # والتفت قيدومهم إلى الخوري وقال له: لا تؤاخذنا، ألهتنا كحيلتك يا شيخ، فتحدثنا معك بلا ~~سلام ولا كلام. كيف حال جنابك يا شيخ؟ ومن أين أنت قادم من غير شر؟ # فقال خوري مسرح: من جبيل، غدوت من جبيل على أمل أن أقدس في بكركي. # فهز أحدهم برأسه، وقال: لا تؤاخذنا يا محترم، خمناك من مشايخ اللقوق. هل تعرف الخوري ~~... الخوري ... الخوري؟ # فقال الثاني: يوسف، وغاب عنه ما بقي، فأدخل الثالث يده في عبه، وأخرج دفترا صغيرا ~~قرأ فيه: الخوري يوسف مسرح في عين كفاع بيته في نصف الضيعة حد الكنيسة. # فبش لهم الخوري، وحاول أن ينزل عن سرج الفرس، ولكنهم تعلقوا ثلاثتهم به: هذا بيده ~~وذاك برجله، وأقسموا ألا ينزل. # قال الأول: لا تكلف نفسك، نحن نريد منك سؤالا وجوابه. هل تعرف الخوري مسرح. # فضحك الخوري وقال: وصلتم، أنا هو خوري مسرح. # فالتفت واحد إلى رفيقيه وقال: يا سبحان الله! قلبي دلني، وقال لي إنه ms077 خوري مسرح. ~~- نعم يا أولادي، أنا هو الخوري مسرح بعينه. ماذا تريدون؟ ومن أين أنتم؟ عرفونا ~~بحضرتكم. # فقال الثاني: وأنا أبصرت في نومي أنني التقيت به اليوم، ونسيت أقول لكم. # فقال الخوري: ما عرفت بعد ماذا تريدون منه. # فقال الثالث: نريد منك ... إذا كنت تريد بيع فرسك؛ فهذه الكحيلة الأصيلة مطلوبنا. # فقال الخوري: عرفتم أصلها وفصلها! فهذي حجتها برقبتها، والخيل الأصيلة لا تباع «قلط» # 5 # بكاملها. يجب أن يبقى لي ربعها، وأول مهرة تلدها عندكم تكون لي. # فقال الأول: هذا مفهوم في شريعة الخيل الأصيلة، بقي أن نعرف الثمن. # فابتسم الخوري وهش وقال: ادفعوا لي مبلغ ثمانمائة ليرة عسملية ثمن ثلاثة ~~أرباعها. # فقال الثاني: هذا كثير، ما معنا إلا أربعمائة. # فكخ الخوري، وقال بهزء: خيطوا بغير هذي المسلة، ما معكم إلا أربعمائة! الذي يريد أن ~~يقتني فرسا ستها كحيلة العجوز، يجب أن يكون معه ألوف. # فقال الثالث: وأنا معي مائة ليرة فما قولتك؟ # فضحك الخوري ضحكته الاحتفالية الصارخة، وقال للرجل: اثقبها واعمل منها رشمة لسعده إذا ~~اشتريتها، أما الثمن فلا ينقص بارة. # فقال الرجل: بلا طول سيرة، هل تبيعها يابونا بسبعمائة؟ ~~- لا. لا. ادفعوا لي سبعمائة وخمسين وما بعتها. ~~- وإذا دفعت لك سبعمائة وخمسة وسبعين ألا تعوضنا البركة؟ ~~- لا يا ابني لا. # فقال رفول: بيعها يا خيي خوري يوسف. بيعها قبلما تموت مثل أمها. أولادها ثلاثة خلفها ~~وهي حامل. # فصاح به أخوه الخوري: اسكت يا بهلول؛ أمي خلفتك قبل الوقت فطلعت نصف مجذوب. # فابتعد رفول عن مرمى الكرباج الذي بيد أخيه، ووقف ليقول للثلاثة: روحوا يا عمي روحوا، هذي ~~فرس تكدش وتلبط وتنام تحت خيالها. # وأشار الخوري بكرباجه صوب أخيه، فسقط الكرباج على صدر الفرس، فأرنت # 6 # واشرأبت، ورمت الخوري فتهاوى الثلاثة عليه. هذا يمسح ما علق بثيابه من غبار، ~~وذلك يعيد إلى الخرج ما سقط منه. وأخيرا نهض المحترم من كبوته ممرغا كأنه قاروط ~~مطحنة، وبعدما تمكن من جلسته في قربوس # 7 # فرسه، شمع أخوه رفول الخيط، وهو يتلفت. ms078 # هذا فصل من فصول مهازله؛ فهو لم يبع من خيله لا فرسا ولا مهرة ولا مهرا. كان يثمنها ~~كما يبدو له أنها تساوي، ولا يبيع قط، حتى قال فيه شاعر عامي: # صاحبنا عندو كديشة # وما عندو تا يعشيها # إن جاعت تاكل دقنو # وإن شبعت ... فيها # وعرف الناس فيه هذا الضعف فكانوا يهزءون به كلما مر بخيله على سيف البحر. # وواصل الخوري مسرح سيره إلى حريصا، # 8 # حيث يصطاف القاصد الرسولي، وعاد منها ومعه عشر ذهبات فرنسية حسنة ستين قداسا، ~~فبدلا من أن ينفقها في سبيل خير الناس كان يبذلها في خدمة الشرير، ويساعد على إدخالهم في ~~التجارب. ~~••• # ها هو ذا الخوري مسرح يحث «الحمراء» عائدا إلى عين كفاع، ويناجيها ويتحدث إليها حديث ~~العاقلين وهو نشوان بخمرة الظفر. يفديها بأبيه وأمه، ويثني على همتها القعساء، هازئا ~~بأخيه رفول الذي كان يبربر وهو يتبعه. والتفت الخوري فكاد لا يصدق أنه أطل على عين كفاع # 9 # من قرقفة شامات. # 10 # وأخذ يردد كلمته المشهورة في تمجيد تلك القرية الصغيرة: هاي هاي يا عين كفاع، ~~يا قرقورة ربنا! # كان يحلم الخوري في يقظته المسافرة باحتفال شعانيني # 11 # يلاقيه به أنصار قرياقوس، أما أخرج قرياقوس من الحبس وخلصه من تهمة جناية؟ ~~فلماذا لا ينتظر مهرجانا! غير أن ذلك المهرجان لم تظهر تباشيره. # قد تقول: وما قيمة خروج قرياقوس من الحبس؟ وهل قرياقوس نابليون العائد من جزيرة ألبا؟ ~~ولكن العجب يزول حين تعرف نفسية القرويين في ذلك الزمان، أما اليوم فيدخل أحدهم السجن، ~~وكأنه مدعو إلى حفلة تكريم ... صاروا يقولون: الحبس للرجال، وقتلة الرجل عندهم كشربة الماء. ~~كان البطل يقتل واحدا بعد ألف جهد، أما اليوم فصار النذل الجبان يقتل الناس بالجملة، ولا ~~يكلفه ذلك من العناء أكثر من هز يده ورمي قنبلة خفيفة لطيفة. # واجتاز الخوري بين دكاني الصليب # 12 # القائمين من عن يمين ومن عن شمال، وما رأى أحدا من الملاقين المحتفين ~~بمقدمه، ولما هبط الوطا واندس بين الزيتون طلع عليه ثلاثة شباب ملثمون ms079 عرف منهم ~~«الكريدي» فطار قلبه، إلا أنهم لم يمسوه بأذى خوفا من صراخه، ولا سيما أنهم سمعوا حس ~~ناس في الحقول، فخافوا أن يجيئوا على الصوت ويشهدوا عليهم فيما بعد. # وتحسب الخوري لأمر يأتي، فأرخى لفرسه العنان، فتمسك بعرفها كأنه من خيالة العرب، ~~أو شيخ من فرسان اللقلوق، كما أراد أن يوهمه أولئك الثلاثة، فطلعت الفرس في ميدان دل بعض ~~الدلالة على أصلها الذي كان قد تبجح به الخوري، محاولا أن يدل على الأوسمة التي يتخيلها ~~في جلدها. # لا تستغرب كلمة نياشين؛ فالخيل الأصيلة تعلق لها الأوسمة وهي في البطن، وليست تتوسل ~~للحصول عليها بإرضاء الوزراء والرؤساء كما يتوسل الناس. وسامات البشر عارية تشك بدبوس، ~~ونياشين الخيل المعقود بنواصيها الخير، تدل عليه هذه النياشين وهي ثابتة في جلدها لا ~~تزول. # لم تقف الفرس إلا على معلفها قدام باب حارة الخوري الذي وصل مكشوف الرأس؛ لأن طربوشه علق ~~بذيل زيتونة، ولم ينزل يلمه خوفا من أن يحيق به المتربصون. # نده جاره يوسف زغنا: ولاه، يا يوسف، رح فتش لي على طربوشي. وقع عن راسي قرب بيدر كفر. # 13 # وبعد غيبة قصيرة رجع يوسف بذاك الطربوش الطويل العمر سالما. لقد أعطينا هذا الطربوش ~~بطاقة هوية تظهر شكله، وأصله وفصله، في الفصل السابق. ومن أهم ميزاته: أنك تحسب دائرته ~~مطينة بتربة رصاصية اللون، كالأوحال التي تخرج من بئر الخوري في تشرين قبل استقبال مياه ~~الشتاء الجديدة التي تستقر في الصهريج ممزوجة بالحوارى. # وأقبول الموالون للمحترم والتفوا حوله يدعون له بالنصر وطول العمر؛ لأنه رفع رأسهم، وشال ~~الزيز من البير، ودعس رقبة الآغا نصير خصومهم. # وأخيرا طل القمير، وصل قرياقوس وهو يهدج كالقنفذ، وأطلق صوته العريض وكركر في قهقهته ~~القردية، فتطايرت شظاياها من زوايا البيت الأربع، فاستفز الآخرين الذين كانوا يسرقون الحديث ~~ونووا على الشر. # وبعد التحيات الحارة وبث الأشواق في سهرة طويلة الذيول، شجونية الأحاديث، انصرف الناس ~~من عند الخوري الزعيم، القليل الاحترام، فاندس في فراشه. وما هدأت الرجل وغفا حتى ~~استيقظ على ms080 طقطقة حجارة، تسقط على القرميد كأنها تكركر في الضحك. # قعد في فراشه يتنصت ويرعد كالمقرور، # 14 # ولحيته ترقص بهدوء، ويداه ترتجفان بوقار، ثم وقف استعدادا للطوارئ منتصبا في ~~منتصف الغرفة يتوقع نزول الكارثة. وانقطع الحس هنيهة، ثم توالى رشق الحجارة من الأربع جهات؛ ~~فجمد الخوري في مكانه يفكر من أين المهرب، ولكن لا مفر من ذاك المضيق. الخروج خطر جدا لأن ~~سلم الحارة ليس إلا خشبات مشكوكة بالحيط؛ فلينتظر إذن حتى يهاجموه في البيت، فيسلم من ~~السقوط وتكبر الدعوى وتصير جناية ... أما قلنا إنه تعلم الشريعة! فهذا أوان العلم والشد، ~~وليس لقضاء الله رد. # بيت قرياقوس بعيد، وهو في منحنى، يشرف عليه من موقع استراتيجي بيت طنوس فارس خصم الخوري ~~مسرح وقرياقوس. كان جيران الخوري أعداء له، وهو غريب غير أديب، وليس له بينهم نصير، فإلى ~~أين المفزع؟ إذن فليصبر حتى تحل الأمور بعضها. إلا أن الحل لم يكن في جانب الخوري، فهاهم ~~يحاولون فتح الباب. # قال الخوري في نفسه: إذا صرخت هاجموني وأطبقوا علي، ومن يعلم ما تكون النهاية؟ فأقر ~~أن يتركهم يفعلون ما يشاءون. # ها هم قد دخلوا البيت فرأوا الخوري جامدا منتصبا في وسط غرفته كالشبح، فقال له أحدهم: ~~يا لحية الكلب من الذي دعاك لمساعدة قرياقوس علينا. خذ هذي تنفعك، وهذي تضرك ... والخوري ككل ~~ضعيف كان يودع الضربة الرائحة بكلمة آخ، ويستقبل الآتية بصبر وجلد، وهو صامت كالسمكة، ~~وكأنه يعمل بقول سيده يسوع المسيح: من ضربك على خدك الأيمن فحول له الأيسر. # وأخيرا سال الدم من أنفه، فظن أنهم أصابوا منه مقتلا. وهاله مشهد الدم، فصرخ، ~~فانهالت عليه العصي كندف القطن، واحدة طالعة وواحدة نازلة؛ وهكذا دواليك. # وما انفكوا عنه حتى سمع الجيران خوار الخوري، وأقبلوا على الصوت؛ ففر المعتدون كل ~~واحد إلى بيته، ومنهم من لم يفر، بل خرج من الشباك ليعود من الباب مع القادمين يسأل ما ~~الخبر؟ ... ~~- سلامتك يا خوري يوسف. بسيطة إن شاء الله. # وجاء جار الرضا جرجس طنوس، ولما رأى الخوري ms081 مدمى أسرع وجاء بالإبريق ليغسل جرحه وينظف ~~لحيته التي صارت قرمزية، فقال له الخوري: ابعد، خل الدم، هذه شهادة لا ترد، والله ~~لأجرهم كلبا خلف كلب إلى بعبدا بخيط قطن. # وحاول بعضهم أن يردوا الباب إلى ما كان، فصاح الخوري: لا، لا، اتركوه على ما هو. ثم ~~صرخ: رفول أسرج الفرس والجمها حالا. # فقال رفول بلهجته الرخوة: إلى أين من غير شر؟ ما طلع علينا الضو بعد! # فقال الخوري لأخيه المعتوه: ما سمعت الخبيط والضرب والقرقعة! ~~- لو كنت سمعت كنت قمت. ~~- بلى سمعت، ولكنك فزعت وربما قضيتها في الفراش ... أسرج الفرس والجمها حالا. # فصاح رفول: الفرس هلكت من التعب. ريحها يا خوري يوسف. ~~- الفرس أعز مني يا جحش! قلت لك شد على الفرس. # وأخذ الخوري يلبس ثيابه، وهو يوصي جاره يوسف زغنا أن يجعل عينه على البيت دون أن يدخل ولا ~~يغير شيئا من الأواني، بل يتركها مبعثرة كما هي. # وأخيرا خرج من الباب، ووقف على سطح البير، وصاح: خذوا حذركم يا أرذال. ما قدامكم إلى رودس. # 15 # وكانت كلمة رودس محط كلام الخوري، وكلما غاظه أحد تهدده بالسركلة - النفي - إلى رودس، ~~وأبى سركيس الكريدي الذي كان مارا على الطريق، إلا أن يرد على التحدي فقال للخوري: هذي ~~كلمة سمعناها كثيرا من بوزك الطاهر يا ذقن التيتي. # فأجابه الخوري وهو يتراجع ليتوارى خلف الباب: هذي المرة من جد يا سركيس. # فأجابه سركيس: يا هم أنفه من هدير البحر. هات ما عندك. أنت تشتكي للحكومة وأنا أحكم ~~العصا في رقبتك في ساحة مار صوما. خوري يوسف إذا كان جلدك يرعاك رح تشكي. # واستيقظ من بقي نائما من أهالي عين كفاع، وتجمع هناك أعداء الخوري قبل أنصاره، وكان ~~مجيء بعض هؤلاء لنفي الشبهة عنهم. # وركب الخوري الحمراء، وقعدت الضيعة تنتظر ما سيكون. وبعد يومين جاءت الخيالة: شرذمة عسكر ~~من المتصرفية في يد قائدهم أمر متصرفي، يحرق العشب، ويأمر بسوق المعتدين «محفوظين مكتوفين ~~إلى هذا الجانب» إلى غزير، # 16 # مركز الحكومة، فأخذوا الجيران، ms082 جرد عصا؛ # 17 # فضاق عنهم القبو وابتدأ التحقيق. # الجنازة حامية والميت كلب، فكل ما هناك من جريمة هو تمثيل هزلية ألفت الضيعة مشاهدة ~~فصولها. لا جديد مهم إلا كبس البيت ودخوله ليلا. لا حاجة إلى الخلع؛ لأن باب العلية بلا ~~قفل. مزلاج # 18 # خشبي من عهد روحانا الكريدي، الذي غصب الخوري بيته من ورثته، أما الدم فمن ~~أنف الخوري وهو غير مجروح. # كان التحقيق في علية الخوري، ومستودع الموقوفين في قبو معصرة الزيت الذي تحتها. وأخيرا ~~انتقلت المحكمة إلى الكنيسة، واستحال القبو الذي تجاهها حبسا للموقوفين على ذمة التحقيق، ~~فأوقف أكثر الذين حقق معهم الضابط، رئيس الكتيبة ... # وبعدئذ انتبه الأهالي إلى حرج # 19 # موقفهم من التحقيق، فصار الجواب: لا علم ولا خبر، كنا نائمين «لا سمعنا ولا ~~قشعنا»؛ وهكذا نجا الباقون من زيارة القبو. # وكان الخوري ينفق على ذلك الجيش من كل قلبه. عبأ خرج الحمراء من المقددات # 20 # والحلاوة وذبح خروفا، وفض بكارة زجاجات خمر عتيقة كان أعدها هدية العيد ~~للمطران أبي نجم، فأحال العسكر ذلك اليوم مهرجانا، فشربوا جميعا على صحة أبينا الخوري ~~الذي قيض لهم زيارة قرية نائية فيها مثل هذه الخمرة الجيدة، والكرم الحاتمي، ولكنهم ما ~~سمعوا باسمها من قبل، فصعبت على المحقق تهجئته. وكان بين العسكر واحد دارس الآجرومية ~~فهجاها لهم. # وكان الكريدي أول الموقوفين: فوصلت إلى أنفه رائحة الخمرة، فهتف بالضابط: دخيلك يا خليل ~~بك كباية واحدة واحبسني شهرين ... # وبعد تلك السكرة كانت التطبيقات دائرة، فجمع أخصام الخوري للقوة خمسين ريالا مجيديا ~~عدا البشالك والزهراويات، وأخذوها على شرط أن يكون التحقيق كما كنا نتهجى صغارا: ألف لا ~~شيء عليه، والباء نقطة من تحت. أي إن كان ولا بد من سوق أحد إلى حبس غزير؛ فليكن الكريدي ~~الذي ألف ذاك المكان، وهم يقدمون له مصروفه حتى العرق والنبيذ. فالكريدي رجل عزب لا خلفه ~~ولا قدامه. # وقبل الانصراف اجتمع قائد الفرقة بالخوري يوسف، وقال له: أنت رجل دارس الشريعة، وتعرف ~~قانون الجزاء بالتمرين، لا شاهد يمكننا ms083 الاعتماد على كلامه حتى نسوق هذا الجمهور إلى سجن ~~بعبدا، كما أوصى أفندينا، نصره الله. ومع ذلك حتى لا نذهب بلا أحد نأخذ الكريدي؛ لأنه مشهود ~~عليه أنه حكى كم كلمة. # فقال الخوري: الكريدي هذي المرة بريء، والمجرم طنوس فارس. # فأجابه الضابط: ربما كان طنوس فارس مجرما، ولكن لا شهود عليه، فلا يمكن تكتيفه وأخذه إلى ~~ذلك الجانب حسب أمر سعادة القائمقام. # ولما يئس الخوري من الضابط ركب الفرس كعادته، وسبق العسكر إلى المركز المتصرفي يشكوهم ~~ويجرح تحقيقهم. # وما خرج الكريدي من القبو وشد كتافه حتى سمع يقول: هنيئا للمتهم وهو بريء، ثم صر ~~أصابعه، وأومأ إلى الخوري يوسف متهددا. # فقال له واحد من أهالي الضيعة: فلنفرض أنك بريء هذه المرة ، ولكن صوفتك حمرا في المسروب # 21 # يا سركيس! # فأجاب: أحسن من أن تكون بيضا ولا تحمل الوسخ. # وفيما هم يتناقشون أطلت دابة الآغا من رأس العقبة، وقد انتصب ميزان أذنيها حتى صار ~~القب على العاتق، فقال الخوري حنا صادق: يخطر ببالي أن أطلب نقل عين كفاع إلى غزير، ونقل ~~مركز القائمقامية إلى عين كفاع. كل يوم عسكرية، كل يوم مذكرات جلب ومذكرات إحضار، لا يروح ~~غاو حتى يجيء مشتاق. # ووصل الآغا وأحكم وقفته ليؤدي التحية للضباط بإجلال ووقار، وردت الأنفار التحية، فتقنفش ~~الآغا في الساحة كالديك الرومي يلقي نظراته على الأهالي إذا كانوا لحظوا ذلك المجد، وتلك ~~الأبهة، وإن تلك التحية هي للآغا لا لغيره ... وعلى الأثر مشت الفرقة تسوق الكريدي؛ فابتسم ~~فارس الآغا ابتسامة صفراء داكنة، وهز برأسه. # وقال له أحد أصدقائه: ما رأيك؟ # فأجاب الآغا: أيش هو رأيي؟ ثم عرض صوته وفخم ألفاظه، وقال: المشترع ما اعتمد على ~~ملحوظات الأونباشي، المأمور المحلي، إلا لسبب وجيه لا يعرفه إلا الراسخون في العلم، فعسكر ~~المتصرفية أو خيالة القائمقامية اسم يفزع، أما الحقيقة فهو لا شيء. نحن نعرف الناس في ~~بلدتنا حلة ونسبا ولا يضيع ظننا أبدا، أما هؤلاء فمن يعرفون! يه، يه، يه. فرقة عسكر تأخذ ~~سركيس الكريدي! ثم ms084 راح يخبط على فخذيه بيديه الثنتين، ويقول: كل عمري أكربله وأمشيه قدام ~~الدابة مثل التوتو ... ولكن خوري مسرح أراد أن يكبرها فصغرها. # فقال له الخوري: وأنت يا آغا، الله يعطينا خيرك اليوم. # فأجاب: ابن حكومي ومعه خير للناس! صدرت الأوامر بتحصيل مال الميري وجينا نبلغكم. # وقام إلى أنبوبة صنعها من تنك ليلف فيها الأوامر الحكومية، وأخرجها من الخرج، وأخرج ~~منها أمر المدير، وبلغه لشيخ الصلح، ثم علق على ذلك بقوله: عليك يا شيخ أن تبدأ بتحصيل ~~الميري وتسددها في ظرف شهر. # وهذا الاستعجال بقصد منه أن تقبض الضرائب قبل أن تنظف جيوب الأهالي، مما قبضوا من ثمن ~~شرانقهم! وغب مرور نصف شهر يستحق سند الحكومة على الأهالي، فيأتي فارس آغا وفصيلته للتحصيل ~~الإجباري. أما كيف؟ فللبنان شريعة خاصة لا ندركها ما لم نعرف الضرائب المفروضة على المواطن، ~~والتي لأجلها ولأجل شيء آخر، قيلت الكلمة المأثورة: هنيئا للذي له مرقد عنزة في ~~لبنان. # وفيما كان الآغا يحدث بعض الأهالي ويجاوب على سؤالات البعض الآخر بلطف وإيناس قال واحد: ~~يا ألف صلاة وسلام على فارس آغا، فارس آغا ما مد يده لأحد. العسكر الغريب ضربة، وخصوصا إذا ~~كان من الدراغون ... # وتنحنح الآغا وسعل، ثم تعالى على كرسيه وتمثل: زوان بلدك ولا القمح الصليبي. نحن منكم ~~وفيكم؛ وإذا تشددنا مرة فلأننا مثل الوتد: قال الحيط للوتد لماذا تشقني، فجاوبه: اسأل ~~الذي يدقني. # ابن الحكومي مثلي عليه أن ينفذ أوامر أفندينا، كما علينا أن نترفق برعايانا ما قدرنا. ~~فهمت يا طنوس؟ إذا ذكرتني ثاني مرة مع هؤلاء الأغراب، فقل: بعيد الشبه. أنا معروف ابن من ~~ومن أي ضيعة، أما هؤلاء فمن يعرف قرعة جدهم من أين؟! ومع كل تصرفنا الطيب لا نعجب ~~قرياقوس. # فضحك قرياقوس ضحكة، لا هي كبيرة ولا هي صغيرة، وقال: لنا دالة عليك يا سيضنا (يا سيدنا) ~~الآغا. # فأجابه الآغا: عسى ألا يكونوا ضايقوكم. # فقال قرياقوس ممازحا الآغا: طبعا أنت أرحم منهم، وإن كان فيك البركة. # فنهض الآغا، وقال وهو يفك ms085 رسن دابته: الملتقى يا قرياقوس في أوائل تموز، يوم تحصيل ~~الميرة. استعد، هيئ حالك. ثم مشى وهو يودع قرياقوس بجميع أصابعه، ويده على قفاه. # أما قرياقوس فلوح بكف كالمدرى، وعرض صوته وصاح: يا مرحبا بك كل ساعة. أي وقت تريد ~~أنا بين الأيادي. # فأجاب الآغا، وقد أدرك التحدي: نحن رجال الحكومة يجب أن نكون واسعي الصدر لنمثل الراعي ~~الصالح، ولا تنس يا قرياقوس أني أهجم على طابور، وأني أنا وحدي وقفت بوجه عسكر مولانا ~~السلطان، ومنعتهم من تخطي حدود الولاية، ودخول فرن الشباك، والمرور في أرض لبنان بدون ~~إذن. لا تنس أني أنا فارس آغا طوعت الفارين من وجه الحكومة وسلمتهم لأفندينا، خاضعة ~~رقابهم، وعيونهم في الأرض. # ثم استراح قليلا، وعاد يقول : ضحكنا لك يا قرياقوس فصدقت، وجررت سلاحك علينا. يفرجها ~~الله يا قرياقوس. الآن «محضورة» والملتقى كما قلت لك، وفي هاتيك الساعة تعرف القرعا من أم ~~قرون. # وانصرف الحاضرون، وهم يرددون بينهم: قرياقوس رجال، جاوب الآغا. # الفصل الحادي عشر # | الأموال الأميرية # اللبنانيون الأصليون، أي سلالة الفينيقيين والسريان، شعب شمالي الأصل، وهو أقرب إلى ~~الآرية منه إلى السامية. هجرته الأولى ونشأته الصناعية التجارية هي التي فصلته عن أخيه ~~العربي. فاللبناني كان يعيش على ما تصنعه يده، والعربي كان ينتظر ما تنتجه له الطبيعة من ~~أنعام ونبات؛ ولذلك عير جرير الفرزدق بصناعته. من هنا جاء الفرق بين الفرعين، ورب ~~أخ إذا شط مزاره # 1 # صار غريبا أو كالغريب. # عاش اللبناني أولا، والبحر أمامه والجبال الشامخة وراءه. رأى الأرض الأولى التي وطئها ~~خالية إلا من الشجر، ففكر باستعمار البحر ذي الخير الكثير، وساعده أرزه وسنديانه على الخلق؛ ~~فكان سفر تكوين جديد عجيب. أبدع السفينة التي مكنته من تسكين البحر المعربد فدان # 2 # له، وصار مسرحا لعبقريته؛ وهكذا صار هذا الميليمتر الجغرافي مالكا للدنيا ~~بأسرها، واستغل مطاميرها ومناجمها البرمائية. لقد أدت هجرته السندبادية الحقيقية إلى ~~احتلاله أقطار المسكونة واستعمارها اقتصاديا. ونما فيه هذا الحب التجاري، فولد في قلبه ~~حبا للهجرة لا يوصف. # ونامت ms086 تلك المحبة في عروقه دهورا، حتى عادت فاستيقظت في القرن التاسع عشر، فأثمرت مالا ~~وعلما وأدبا وثقافة، فكان من اللبنانيين في كل ميدان فرسان عمران وحضارة. فتح اللبناني ~~أمريكا مرتن: الأولى يوم كانت مصنوعاته من ذهب وفضة وبرونز، وزجاج ولؤلؤ ومرجان، وبرفير ~~وأرجوان. والمرة الثانية يوم هاجر اللبناني في القرن التاسع عشر، واستحال من بغال وحمار ~~ينام في العراء، إلى «خواجه» يشرف على مصانعه وينمي ثروته، حتى بلغ اليوم أبعد الأشواط في ~~ميادين الأعمال. اتقدت في صدره شرارة عرق الأصل، فكان الفاتح الشرقي الأول، ثم بارى ~~رجال الأمريكتين وأوروبا وأفريقيا في هذا الوقت. مشت من بنيه موجة جارفة، فاكتسح المسكونة ~~معتمدا على عبقرية صناعية تجارية أصيلة، والعبقرية قلما احتاجت إلى العلم، بل هي تخلقه ~~متى احتاجت إليه. # فلا يعجب ساسة العالم، ولا يدهشوا حين ينظرون إلى لبنان الصغير الحجم، الذي أخرج إلى ~~الدنيا شعبا يعد واحده بألوف مؤلفة، ثم لا نعجب نحن اليوم إذا رأينا هذا «الكوكتيل» ~~الغريب العجيب من الملل والشعوب في بقعة ضيقة، وهي مؤلفة من جميع العناصر البشرية. فكأن ~~هذا الجبل رمز أسطورة سفينة نوح التي كان فيها من كل جنس زوجان كما يزعمون. لا عجب إذا ~~رأينا هذا الخليط الغريب في هذه البقعة الصغيرة اللبنانية، فالمطبوع على الهجرة يحب ابن ~~جنسه الشريد الطريد، ويرحب به ويعطف عليه، وهذا ما مهد لتعدد طوائف لبنان واختلاف ~~أنظمته وتبدلها في كل دور وطور. # وهنالك سبب آخر، وهو أنه في القرن الثامن عشر وما قبله كان الأثرياء اللبنانيون يتنافسون ~~في إنشاء الأوقاف. كان إقطاعيوهم يبلصون أخاهم وابن عمهم ولا يرأفون بمن لهم، وتكفيرا عن ~~مظالمهم وجورهم، كانوا يهبون عقاراتهم إلى رهبانيات غريبة طامعين بخلاص نفوسهم بهذه ~~الوسائل، فتوجوا قمم لبنان بتيجان العمران من ديورة ومعابد ومعاهد؛ ولذلك قلما تجد ~~طائفة - مهما قل عدد نسماتها - إلا ولها وكر في هذا الجبل الأشم المضياف. # كانوا - كما قلنا - يتنافسون على استقدام رهبانيات من هنا أو هناك، والسعيد من حظي بما ~~لم يحظ به ms087 غيره منهم، فعششوا في هذا الجبل، وسابقوا الفلاح اللبناني الأصيل على ~~اللقمة، أكلوا رزقه وصلوا لأجله ... فكان المسكين يشقى ويجوع وهم يتخمون، وهو يرجو خلاص ~~نفسه عن طريق هذا الإحسان الزيف. # وضاق باب العيش على المزارع والفاعل، وثقلت عليه الضرائب، واستعبد الفلاح؛ فكان لا يحق ~~له أن يلبس الحرير لأن هذا ملبوس الأمراء والمشايخ، ولا يحذى نعال السبت، # 3 # كما قال عنترة؛ لأنها ليست لطبقته. فهذا البلد، الذي كان المال حشو السهل ~~والجبل فيه، صارت هذه البقعة منه، وهي مسرح روايتنا، أفقر بقاع الدنيا. فبعدما كان اللبناني ~~الأول أوسع الناس ثروة صار في القرن التاسع عشر أفقر العالمين، أو صارت تنشب فيه الثورة تلو ~~الثورة بسبب الضرائب والفقر؛ فالقلة تورث النقار. # كانت سجادة الفلاح اللبناني بلاسا، وبوطه مداسا، وصوف فراشه قشا وتبنا، ومخدته رويشة. # 4 # وإن غالى في تجويد الحذاء لبس السكربينة، ذات النعل اليابس، التي إذا لبسها ~~جديدة، رقص الشارلستون ووقع على الأرض بعد كل خطوتين. أما معجنه فكان لا يثق بأن رغيفه - ~~التي هي فيه - تبقى له إلا متى أكلها؛ ولذلك ترى أبواب الهياكل والبيوت اللبنانية العتيقة ~~كأنها شبابيك، وذلك اتقاء للكبس ودخول جباة الحكام إليها بخيولهم وبغالهم وحميرهم. فالبلص ~~كان مستمرا، والميرة والضرائب والنهب باسم العرف لا القانون، كانت دائما هي موقظة الفتنة ~~النائمة، إلى أن أطاحت أخيرا بأمراء لبنان الإقطاعيين واحدا إثر واحد. # إن موقع لبنان الاستراتيجي هو الذي جنى على أمنه وسلامة كيانه، فمنذ البدء وهو يودع ~~الغازي الرائح ويستقبل الفاتح الجائي، يصح فيه قول مثله: ما راح جحا واسترحنا منه، حتى عاد ~~يقول صبحك بالخير يا خالتي. # كان يستقبل الضرائب بصدر واسع ولكن إلى حين، ثم يهب الخلاف، فالشجار، فالاقتتال، ~~فالثورة التي تلتهم الأخضر واليابس، وما أظنني تعديت الحقيقة حين سميت مضيق نهر الكلب، ~~وما نقش على صخوره من أسماء فاتحين مروا من هنا بسجل التشريفات، ولكن هذا التشريف كان ~~للتكليف وضب ثروة البلاد في أعدال الفاتحين، على الماشي، واستعباد الشعب اللبناني وأخذ ~~رغيفه، ms088 بل دمه إذا قاوم وأبى. وحسبك أن تقرأ فاتحة هذا الكتاب أو عرض الحال، كما نسميه ~~اليوم، لتستدل على المقدار الذي بلغته العبودية، قد كتبه أحد الحاكمين من المواطنين إلى أحد ~~المستعمرين: # إلى الملك سيدي وإلهي ونوري وشمس السماء فلان ... # أنا عبدك وتراب قدميك. إني أخر على أقدام سيدي سبع مرات، وأنطرح سبعا على صدري ~~وظهري ... إلخ. # الإمضاء: كلب الملك فلان # ولماذا نقطع مسافة ألفي سنة وأكثر لنقع على مثل هذا النص، أما كانوا منذ نصف قرن أو أكثر ~~قليلا يكتبون للبطرك وللبابا: غب لثم ثرى مواطئ أقدامكم؟! # وبعدما أطاح الظلم والاستبداد بأمراء لبنان كان له أخيرا سنة 1860 نظام جديد عرف ~~ببروتوكول لبنان، أوقفت الضرائب فيه عند حد فلم تعد تتجاوزها، واطمأن الفلاح إلى رغيفه. ~~وكان السهر على حياة أموال الخزينة شديدا بعد سنة الستين. فعشر بارات أو خمس بارات، يأخذها ~~شيخ الصلح - وهو ينتخب من أهالي القرية البالغين الراشدين - الذي كان يجبي مال الخزينة من ~~كل قرية كانت تكفي لعزله وحبسه. وقد ضرب المثل بقولهم عند استعظام الأمر: حل عني، لك عندي ~~تسعة إلا ربع! # سئلت مرة عن هذا التعبير وحكايته فلم أهتد إلى فك لغزه، ولكني عرفت أصله وفصله ~~بعد حين. وذاك أن الذين وضعوا برتوكول لبنان بعد سنة الستين، فرضوا على الرأس اللبناني تسعة ~~قروش إلا ربعا يؤديها جزية كل سنة، ومنها ومن مال الخراج تتكون ميزانية لبنان التي تنفق ~~على إدارته. كانت هذه الأموال معاشا لموظفيه، وستعلم تفصيل ذلك من تلقاء نفسك في الفصل ~~القادم - توزيع الميرة - وقبل حكي الحكاية فلنعرفك بالذين تقلبوا علينا من حكام سواء ~~كانوا زوارا عابرين أو ضيوفا مقيمين. # لا يعنيني أن أحدثك عن تزاوج الآلهة والآلهات في هذا البلد الطيب، فهذا ما تجد الكتب ~~مشحونة به، وتسمع بأذنيك رنين الشعراء الذين تغنوا بأساطير الآلهة وأعراسهم، وشهور العسل ~~التي كانوا يقضونها تارة في السموات العلى، وطورا على الأرض. # لسنا نكتب تاريخا، وإنما ندون فصلا لا بد منه لفهم عقلية هذا الكوكتيل ms089 العجيب من ~~الأمم والشعوب، فالمرحوم جدنا آدم هو من مواليد لبنان في نظر المتزمتين منا. وقد ~~أضاع العلماء وقتهم ليثبتوا لنا ذلك، وكان تعاون آدم وتسليه في وحدته ستنا حواء حين ~~رق له قلب الله، وأخذها ضلعا من أضلاعه بعدما بنجه، وكانت كل معدات هذه العملية ~~الجراحية كلمة كن فكان ثم كوني فكانت ... أما أدونيس والزهرة، فكان عشهما في جبالنا ~~وأوديتنا حقا؛ لأن الآثار لا تكذب، وهي ناطقة في كل مكان تدلنا على جمال أدونيس وشبقه # 5 # المتقد، فقد قسم السنة بين حبيبتيه، فكان يقضي ستة أشهر مع واحدة على الأرض ~~وستة أشهر مع الأخرى في السماء. # ولما خرج الإنسان من الكهوف، وقعد في البيوت، ولبس الجلود المدبوغة بعد الفراء الضبعية، ~~كان ذلك في لبنان. ثم تحلى بالخرز والزجاج والطرف المنوعة وكان ذلك عندنا. فأي طاغية لم ~~يمر علينا! وأي جبار عنيد لم يجئ صوبنا! فالأشوريون والكلدانيون وفراعنة مصر والفرس ~~واليونان والرومان والروم والعرب، والخلفاء الأمويون والعباسيون، والصليبيون، هذه الدول ~~الكبرى كلها، جاءتنا يلي بعضها بعضا، بعد أن تنفذ في أرضنا نيران حروب تأكل الأخضر ~~واليابس من زرعنا وضرعنا. تلك هي الجذوع أما الفروع والفسائل فلا تحصى، كالمعنيون ~~والعسافيون والتركمان والأكراد ومماليك مصر والجراكسة حتى آل الأمر أخيرا إلى آل معن، ~~والشهابيين الذين ورثوا لبنان عن المعني الكبير. ثم توارثوه واحدا بعد واحد إلى ان ~~انقرضت إمارتهم بعد سنة الستين، وصار لبنان دويلة ذات نظام جمهوري، وهي الأولى في التاريخ ~~الحديث، يلجأ فيه إلى انتخاب حاكم تتفق على اختياره الدول السبع الكبرى. # كان ذلك بعد ثورة تزعمها طانيوس شاهين، وهو بيطار من ريفون، فقتل وذبح وأحرق بيوتا، ~~وشرد مشايخ وأمراء. وتدخلت الدول الكبرى فوضعت حدا لتلك المجزرة، وسنت للكوكتيل ~~الطائفي العجيب نظاما عرف ببروتوكول لبنان. # ولما كانت المالية هي العرق الحساس في الدولة، وكانت دويلة لبنان التي خلقها نظامهم ~~خليطا عجيبا، فقد جعلت لها ميزانية لا تزيد ولا تنقص، كانت الضرائب في جميع أطوار ~~الحكومة اللبنانية التي عرفت باسم المتصرفية ms090 ذات رقم واحد لا يتجاوزه، على الأهالي فيه ~~الغرم وليس لهم منه غنم؛ لأنه موزع على طوائفه. # إن البند الخامس عشر من نظام جبل لبنان جزم بأن يكون ما تتكلفه أهاليه لإدارة حكومته هو ~~3500 كيس، ويجوز إبلاغه إلى السبعة آلاف عندما يفيض الخير، ولما تولى أول متصرف - ~~داود باشا - أصدر أوامره بدون انتظار الفيضان بتحصيل 7000 سبعة آلاف كيس، فامتعض الأهالي ~~واعترضوا واحتجوا، وزعموا عليهم يوسف كرم، فاعترض هذا لدى داود باشا، فراح الباشا ~~يداوره ويمنيه بالوظائف العالية. # واستدعاه إلى دير القمر وعينه قائمقاما على جزين، ولكنه لم يلن ولم يقنع بل رفض كل ~~وظيفة، وترك دير القمر مغاضبا مصرا على الشكوى للباب العالي والدول الكبرى السبع ضامنة ~~نظام لبنان وحامية حقوقه. # ولما رأى الباشا داود هذا الإصرار طلب من المطران بطرس البستاني أن يقنع يوسف كرم، فحاول ~~ولكنه لم ينجح، فهرع داود إلى قنصل فرنسا المسيو دي سيزار طالبا منه أن يتدخل مع البطريرك ~~الماروني ويحل هذه المعضلة، وبعد توسط القنصل والبطريرك عينوا مكان الاجتماع في دير ~~اللويزة. # وفي أول مقابلة افتتح داود باشا الحديث بقوله: إن الشقي يوسف كرم لم يقبل بتولي حكومة ~~جزين، بل يريد أن يكون حاكما على المتصرفية بكاملها ... # فقاطعه البطريرك، وكان يومئذ بولس مسعد، قائلا: إن من يسترحم رفع التكاليف المتجاوزة ~~حدود النظام المسنون لا يدعى شقيا بل يسمى محاميا غيورا. وأما عدم قبوله حكم ~~جزين، فلم يكن إلا برهانا على وطنيته المخلصة، التي حملته على تضحية مصلحته الشخصية في ~~سبيل النظام والوطن. ثم - يا دولة المتصرف - نحن لم نتفق على المقابلة إلا لتكون الجلسة ~~حبية لخير البلاد المنكوبة بأهلها وما يملكون، وليس من داع للسخط والتقريع؛ لأننا لسنا ~~بموقف الاستهزاء والطعن، ولا بموقف كشف عيوب، بل من واجباتنا أن ننظر بطلب كرم، وهل هو ~~منطبق على الحقيقة أم لا؟ # فتكدر داود وغضب معلنا مناوأة كرم والبطريرك والشعب الماروني الشمالي. ثم نزع من رجال ~~الدين حق انتخاب وكلاء الطوائف، زاعما للدولة في شكواه ms091 أن مصلحة الوطن اللبناني تستدعي عدم ~~مداخلة الرؤساء الروحيين فأجيب طلبه. # وهكذا أخذ داود - ومن جاء بعده من متصرفي لبنان - ينتزعون حقوق هذا الجبل، حقوق لبنان، ~~بموجب بروتوكوله واحدا إثر واحد وصار الكيس عدلا # 6 ~~... وكانت آخر حركة ثورة المطران بطرس البستاني على رستم باشا، ثالث متصرفي لبنان، ~~من أجل رسم وضعه على صكوك البيع وقدره خمسة قروش. # وهنا لا بد لنا من تعريف عابر بالمطران البستاني. كان المطران عدو كل من يمس استقلال ~~لبنان، فكأنه رصد على باب كهف بروتوكوله، ومن يسمع بأخباره يظنه رجلا فظا غليظا مع أنه ~~كان لطيفا ناعما، حلو النكتة. جاءته مرة امرأة تسأله الصلاة على ماء يطرد الفيران ~~والجرذان، فقال لها بعد أن صلى على إبريق الماء ونفخ فيه، كما يفعل رجال الدين غالبا: لا ~~تنسي أن تدبري لجرذان بيتك بسا أكبر مني. # وهذا كثير من كبير أساقفه عصره. # أما الكيس فهو عبارة عن مبلغ قدره خمسمائة قرش عملة ذهبية، أي خمس ليرات عثمانية ذهبية، ~~وهذه الأكياس وزعت على أهالي المدن والقرى وسكانها، وهي تعرف بالتركية بمال الويركو؛ أي ~~الجزى المفروضة على الأرزاق والأعناق. ولكيلا يكون فرضها وتحصيلها اعتباطيا وكما يشاء ~~«الحوالية»؛ أي الجباة بلغة هذا العصر، جرت مساحة أملاك لبنان، وأحصيت ذكوره فبلغت مساحة ~~أراضيه مائة وخمسة وعشرين ألف وتسعة وستين درهما وأربعة قراريط - الدرهم 24 قيراطا، ~~والقيراط 24 حبة - وقد ترتب على كل درهم مساحة واحد وعشرون قرشا صاغا، باعتبار الليرة ~~العثمانية مائة قرش بينما هي في المعاملة الدارجة في الأسواق # 124 قرشا ونصف القرش، فيكون إجمال مال الأرزاق 629453 ونصف ~~القرش. # وقد جرى إحصاء النفوس، فبلغ عدد الذكور الذين هم فوق الخامسة عشرة ودون الستين تسعة ~~وتسعين ألفا وثمانمائة وأربعة وثلاثين ذكرا، فجعل على عنق كل ذكر ثمانية قروش وثلاثة ~~أرباع القرش تسعة إلا ربعا؛ وهكذا يكون مجموع ميزانية لبنان الأصلية من مال ويركو الأعناق ~~والأملاك سبعة آلاف كيس أي 3500000 قرش. # قلنا إن الكيس صار عدلا؛ لأنهم أحدثوا بعد ذلك ms092 موجبات شتى، مما سموه مال طرقات وغيرها من ~~الضرائب السخنة، التي لا تتسع هذه الرواية لسرد أخبارها مفصلة، ولكننا نشير إليها في ~~مجالها. # لم يكن في استطاعة أحد أن يزيد أو ينقص في أرقام الميزانية الأصلية، وهي موزعة على ~~موظفي حكومة لبنان بالسوية النسبية بحسب طوائفه، وعندما شاء رستم باشا - متصرف لبنان الثالث ~~- أن يؤدي خدمة لمولاه السلطان بمناسبة الحرب الروسية وضيق ميزانية الدولة أسقط معاشه ~~ومعاش جميع الموظفين حتى وفر مبلغ 5000 كيس، ولم يفرض ضريبة جديدة خوفا من ~~عواقبها. # ولكي تعرف كيف كانت تتفق هذه الميزانية إليك جدول مرتبات المأمورين في كل قضاء: # 18050 # قضاء الشوف # 12925 # قضاء المتن # 15125 # قضاء كسروان # 14575 # قضاء البترون # 9325 # قضاء الكورة # 8225 # قضاء جزين # 6600 # قضاء زحلة # 4525 # قضاء دير القمر # ليكون شهريا 89350 قرشا، وسنويا 10722000. # أما التقسيم الطائفي للموظفين في أقضية لبنان ورواتبهم فهي هكذا: # شهريا # عدد # ملة # 2750 # 4 # مسلمون # 48950 # 81 # موارنة # 13450 # 20 # دروز # 11700 # 19 # أرثوذكس # 8100 # 15 # كاثوليك # 3650 # متاولة # وعلى هؤلاء الموظفين الذين هم من كل ملة وزعت مالية لبنان الضئيلة، ومع تفاهة الرواتب ~~كانت الرشوة مع ذلك بالريال المجيدي، بينما صارت في عهد الرخاء بألوف ومئات الألوف. # أما عدد المأمورين في المركز المتصرفي فكان 102. # لا يأخذك العجب، فالكيس الذي كان مصرا لا يحتوي إلا على 500 قرش، فقد صار اليوم عدلا ~~أكبر من عدل بنيامين، يسع من ورق البنكنوط ما يسلق قنطار قمح إذا أوقدته. وميزانية لبنان ~~التي كانت تحصى أدق إحصاء على البارة أمست كرما على درب. عبئ وخذ وليس من يطالبك. # والآن بعد هذا التمهيد فلنعد إلى أبطالنا لنرى براعتهم في توزيع الميرة المحلي. # الفصل الثاني عشر # | توزيع الميرة # واستعد الأهالي لمعركة توزيع الميرة استعدادا حاميا متواصلا منذ تنبيه الآغا، فكان ~~كلما اجتمع اثنان منهم أو ثلاثة لا يتحدثون إلا عن توزيع الميرة، ويغلون المصاريف خوفا ~~من أن يجنف # 1 # عليهم، ويدفع الواحد منهم بارة زيادة على الدرهم أو على الرأس. ms093 فالميرة ~~توزع عليهم في مؤتمر بلدي بمعرفة الجميع وموافقتهم، وتكتب بذلك مضبطة توقع منهم، ~~وتسلم نسخة للضابطية ونسخة تبقى مع شيخ الصلح، ويحق لكل متكلف أن ينسخها ليوم الحساب ~~... # أما الضجة الكبرى فكانت تقوم حول راتب الناطور؛ لأنه من النادر جدا أن يعين ناطور ~~باتفاق عام، فكأن عصا الناطور في القرية صولجان احشوروش. # إن ميرة لبنان في عهد المتصرفية كانت ذات رقم معين لا يزيد ولا ينقص، وفي مراكز ~~القائمقاميات سجلات مدونة فيها أرقام مال الميرة مفصلة، فمال الأرزاق لا مجال للبحث ~~فيه؛ لأن العقار يظل حيث هو. أما مال الأعناق فيوزع على الرءوس التي عدت سنة الستين، ~~فالمال المفروض يظل هو إياه؛ ولهذا تختلف الفريضة بحسب السنين، فإذا كثرت الوفيات في قرية ~~ما، فعلى الأحياء الباقين أن يدفعوا الميرة عن الذين ماتوا، وإذا ما زاد عدد الأحياء نقصت ~~الفريضة. وهناك مال الربع المجيدي، فهذا يجبى مع التسعة قروش صاغ إلا ربعا، ومال الميرة ~~يجبى على حساب أن الليرة العثمانية الذهبية تقوم بمائة قرش صاغ، بينما هي في البندر بمائة ~~وأربعة وعشرين قرشا وخمسة وعشرين بارة (القرش 40 بارة). والليرة يختلف سعرها في كل قضاء من ~~أقضية لبنان السبعة المستقل كل منها استقلالا داخليا، وإذا سألت ما هذا الربع المجيدي؟ ~~أجبناك أنه مال فرض على الأهالي، وهو مخصص لإصلاح الطرق العامة وترميمها. وهناك أيضا ~~مصارفات عسكرية تضاف إلى حساب الميرة؛ لأن الشيخ يطعم هؤلاء الجباة، ويسقيهم أثناء ~~مأمورياتهم العامة، ويقيد ما ينفق على حساب الضيعة. فإذا كان من أصحاب الضمير الحي سلمت ~~الجرة، وإلا فإنه يعلق الشر وتخطب العصي، وهناك أيضا اشتراك الجريدة الرسمية، وغير ذلك ~~من النفقات، كالإعانات في سني النكبات. # كل هذه الأموال والنفقات تدخل في حساب الميرة؛ ولذلك كان يوم توزيعها يوما مشهودا في كل ~~ضيعة، وترى كل واحد من القارئين والكاتبين يحمل لائحة؛ ليدقق مع المدققين في هذا الحساب ~~العظيم ... وكثيرا ما تقوم قيامة الضيعة بسبب زيادة بارتين على الرأس أو على الدرهم. # إن أول ما ms094 تفتتح به الجلسة هو إحصاء الأحياء من ذكور الضيعة، الذين يتراوح عمرهم بين ~~الخمس عشرة سنة والستين، ثم ينظر في رقم المال المقنن، ويقسم على الحاصل من عدد ~~الرءوس. # ورب قرية نمت وتكاثر سكانها بعد إحصاء سنة الستين لا يدفع الرأس من أهلها إلا ربع ~~التسعة إلا ربعا أو أقل، ورب ضيعة أخرى قلت مواليدها، أو أصابها وباء كالجدري وغيره؛ ~~فكثرت على أثره الوفيات، تضاعفت فيها الفريضة. وأعرف مزرعة دفع ثلاثة من الأحياء فيها عن ~~جميع موتاها. # إن من قرأ رواية النفوس الميتة لغوغول القصصي الروسي يكون فكرة عن خطة الجباية في لبنان ~~المتصرفية. # وكانت الحكومة تجمع الميرة في أول الصيف، أي: بعد موسم الحرير؛ لأنه الزمن المناسب للدفع، ~~وإذا كانت المواسم غير مقبلة أو ماحلة لاقت الحكومة مصاعب جمة حالت دون التحصيل، واضطر ~~الضابطية إلى القسوة والضرب الموجع والحبس موقتا في أقبية البقر وحجز الفرشات، وبيع ~~الطناجر بالمزاد لتحصيل المال الذي يسدد معاشات المأمورين كما سترى. # وتذكر قرياقوس أن الأحد هو موعد توزيع الميرة، فذهب إلى الكنيسة مع الصبح قبل قرع جرس ~~القداس، وقعد في لحف سنديانة الكنيسة ومعه أوراق اعتماده ... كان يقلب تلك الأوراق التي ~~يعرفها من شكلها الخارجي ويحدث نفسه: هذا كوشان عام أول، وهذا وصل السنة التي قبله، وهذا ~~علم وخبر بالأموال الزائدة عن المال الأصلي. # قد تقول: وما هو المال الزائد عن المال الأصلي؟ هو مال المصارفات والإعانات الذي لا يذكره ~~شيخ الصلح في الكوشان؛ الوصل. # وبينما كان قرياقوس يهيئ خطبة العرش ويلم براهينه المتكدسة في زوايا ذاكرته سمع دعس دابة ~~ونحنحة رجل يعرفها من رنتها وخشخشتها، فاشرأب والتفت يمينا وشمالا، فإذا عينه تقع على ~~فارس آغا وهو يحث زاملته: # 2 # حا. امش. يقصف عمرك. تأخرنا على الجماعة. # قال قرياقوس حين رآه: هذا هو، وظني في محله. وبعدما قذف ألف مسبة في بطنه صاح: يسعد صباحك ~~من الله يا آغا. # فهتف الآغا: احك الصحيح يا قرياقوس، ماذا قلت في قلبك؟ ما قلت يا صباح الشوم ms095 صبحتنا ~~اليوم! # فتضاحك قرياقوس وفتح حنجرة كحوت يونان، وقال بعدما عرك شفتيه وصار خده يعلو ويسفل ويتجعد ~~كالكور: القلوب شواهد يا آغا، خير إن شاء الله يا آغا، أية بلصة جديدة معك اليوم؟ معك دفاتر ~~توزعها إعانة لاحتراق كهربا سوق الشفقة # 3 # في باريز. إنكم بلا شفقة! # فغمز الآغا بطرف شفته العليا، وأخذت عروقه تضرب، وزوى عينه اليسرى وقال: وأنت يا قرياقوس ~~أي خازوق دبرته لميرة هذه السنة؟ ففي كل عرس لك قرص. ~~- العلم عند الله يا آغا، الظلم ما حبه الله، والضحك على الذقون مبغوض، والفلاح مثلنا ~~فقير، والحاكم مثل حضرتك عليه لا معه. كل يوم بلصة، ناس تأكل الدجاج، وناس تقع في السياج. ~~نحن صرنا مأكلة للحكام. # فتقنفش الآغا حين سمع كلمة حاكم وحكام وتواضع لقرياقوس، وقال له: احك، خذ حريتك. # فقال قرياقوس: يا آغا، أنا لا اعرف لماذا لا تحب قرياقوس؟ مع أن ضيفي مقرى، وعسلي أحسن ~~عسل في هذه البلاد، ما عدا العاقورة، وكيسي فيه ما أحتاج إليه لتنفيذ مشاريعي ... # فابتسم الآغا حين سمع كلمة الكيس، وترجى الخير، وفكر بهذه المناسبة أن يراود قرياقوس ~~عن سطل عسل، وحجته أن العسل الأسمر موصوف له، وهو صحي أكثر من عسل الجرد الأبيض. # وأتم قرياقوس: وأنا رجل مشاغب في ضيعة تنساق مثل المعزى، وهي مقسومة قسمين، وكل قسم أقسام ~~وإن حشرتني قلت لك: كلهم دجاج مناقيرها بولاد ... سألتني ماذا هيأت لحفلة ميرة هذه السنة؟ ~~تفضل حط عويناتك واقرأ. # قال هذا وأخرج من ضبوته مجموعة أوراق، وانتقى من بينها واحدة قرأ فيها الآغا ما يأتي: ~~حضرة ... # فصاح قرياقوس: جلس عويناتك مليح، نسيت الأجل الأمجد. # فأعاد الآغا القراءة وذكر: الأجل الأمجد، كريم الشيم قرياقوس ضاهر الأكرم، وتلا: # تناولت بيد الأكرام خطابك اللطيف، الذي طلبت به منا علما بالأموال التي وضعت ~~في الأصل على قريتكم عين كفاع، ومساحة أرزاقها وعدد مكلفيها، ومقدار الأموال ~~الموضوعة على الأرزاق والأعناق ... إلخ، فأجيب حضرتكم: # إني بحثت في قيود خصوصية للمرحوم والدي أيام كان موظفا في بلوك ms096 - هيئة - مساحل ~~جبل لبنان؛ فتبين أن مقدار مساحة أرزاق عين كفاع قيراط 4 ودرهم 103، وعدد المكلفين ~~64 مكلفا. وضع على الدرهم 21 قرشا، وعلى المكلف ثمانية قروش وثلاثة أرباع القرش ~~صاغ المجيدي؛ فعلى هذا الترتيب يكون مال أرزاق وأعناق قرية عين كفاع 2726 ونصف ~~القرش عملة صاغ. مع العلم بأن درهم المساحة 24 قيراط، والقيراط 24 حبة. # 2166,5 # مال أرزاق عن قيراط 4 درهم 103 # 560 # مال الأعناق 64 مكلفا # 2726,5 # يكون # أما مال الطرق فيطلب من المكلف سنويا ربع مجيدي، وأحيانا نصف مجيدي حسبما يقرر ~~مجلس إدارة جبلبنان. # ودمتم محترمين. # الداعي # عباس يوسف اصاف # مدير مال كسروان # عن عرامون كسروان # وكان الآغا يقرأ هذه الورقة ويهز رأسه إعجابا، وأخيرا صاح: يا مزرق # 4 # يا قرياقوس، كيف حصلت على هذا الكشف؟ # فانتفض قرياقوس وقال: هذا كشف! هذا مكتوب. الكشف يبتدئ بحضرة الأجل الأمجد، يا آغا! ~~فقال الآغا: وكيف حصلت عليه؟ # فأجاب قرياقوس: الله لا يخلي الدنيا من الصلاح والذين يساعدون الفقير. عباس أفندي ابن ~~أصل، والفضل للحق. # فضحك الآغا وقال: والعسل يا قرياقوس، فكاك المشاكل . # فقال قرياقوس: لا يا آغا، عباس أفندي لا يتبرطل، وإن كان العسل يطري جميع القلوب ~~... # وبينما كان الآغا مرتاحا إلى مراودة قرياقوس عن العسل وملحقاته، أطل المختار أرسانيوس ~~المكلف بتوزيع الميرة وجمعها. # وفيما كان الآغا والمختار يتبادلان التحيات ويبثان الأشواق مر بعض صبيان القرية، ~~فرأوهما في تلك الحماسة، فانتشروا ينشرون الخبر: جا، جا الآغا، ومعه عسكرية ... فتوارى عن ~~العيان كل مطلوب من الحكومة، ولو لأمر تافه. # إن أهل القرى متى وقع الخصام يكونون على حذر، وهما فريقان دائما: فريق يحذر، وفريق ~~يدل بحسب الهوى والمآرب، ولما علموا أن الغاية من قدوم العسكرية هي توزيع الميرة قبل ~~القداس، لبس الناس ثياب الأحد من البابوج إلى الطربوش، وأخذوا يتوافدون وفي رأس كل منهم ~~كلمة يريد أن يقولها في المجمع، شأنهم شأن النواب في الجلسات الحامية. # ودخل قرياقوس إلى الكنيسة بخفة الغزال، وإن كان هيكله هيكل دب، ثم ms097 عاد يحمل كرسيا هو من ~~أتراب كنيسة عين كفاع الدهرية. # وجلس الآغا على كرسي مجده يلوح بكرباجه تارة، وحينا ينقر به على جزمته، وأقبل الناس ~~عليه مسلمين واحدا إثر واحد، فكان يسلم على هذا غير مكترث، وعلى هذا بنصف بسمة، وعلى ~~الآخر بربع أو ثلث. كان يوزع تحياته على كل واحد بمقدار أهميته: بو يوسف أهلا وسهلا! بو ~~أنطوان كيف حالك؟ ... كان إذا أقبل للسلام عليه مواطن ضعيف، صافحه بسرعة سحرية وسحب أصابعه من ~~يده بخفة عجيبة؛ ليوهم الجمهور أنه لا يعطي يده أحدا حتى يقبلها، مع أن تقبيل يد الآغا ~~لا يجيء على بال. # إن عند الآغا أساليب أرستوقراطية؛ لأنه ابن عائلة متوسطة الشرف، وهو يعطي الوظيفة حقها من ~~المهابة، فهو متى حلت ركابه قرية ما، كان فيها ممثل أفندينا الباشا، بل جلالة السلطان. ~~ومن أساليبه السلامية أنه قد لا يسمح بيده لمن يكون زري المظهر، وإذا أقبل عليه بشوق، ~~حرمه من تقبيلها ولم يعطه منها إلا رأس أصبع من أصابعه العشر. كان لا يصافح إلا أكابر ~~الضيعة ووجوهها الذين يذبحون له الدجاج متى زارهم، وقبل أن يتناول ويتغدى أو يتعشى ~~عندهم، ويقدمون له ما عندهم من العرق والنبيذ الفاخرين. # وجاء المختار أرسانيوس، كما قلنا، يتغربل مثل الديك المسرول، # 5 # فبش له الآغا، وبعد أن تبادل التحيات العاطرة كما سبق قال: جينا يا أرسانيوس، ~~أظن أن الشيخ كلفك أن توزع الميرة وتجمعها هذا الموسم. # فأجاب المختار: نعم، هكذا اتفقنا. # فتناظر المستعدون للمشاكسة، ووجموا آسفين لغياب الشيخ، وقال قرياقوس بصوت أجش: ولماظا ~~(لماذا)؟ # فضحك بعضهم، وقال آخرون: قرياقوس مستعد. درس الشريعة بغيبته إلى حامات. # 6 # أما الآغا فقال: الشيخ أراد أن يرتاح من لسانك يا قرياقوس، ومن مؤامراتك مع خوري مسرح، ~~فكلف المختار أرسانيوس بلم الميرة، فهل لك اعتراض؟ # فقال قرياقوس: لا اعتراض على المختار إلا إذا زل. # فقال الآغا: وعلى من؟ قل. # فأجاب قرياقوس: عليك أنت يا سيدنا، فأي دخل لك في توزيع الميرة؟ هذا شغل الأهالي لا ~~العسكرية. ms098 يظهر أنه لا بد لك من الانحياز وما جئت إلا لهذه الغاية. دار حالك. أيام الحواليه # 7 # والبلص راحت من زمان طويل، ولبنان صار له نظام وقانون ... # فكشر الآغا، وقال: يظهر أن نبضك قوي اليوم. القانون يطبق على الأوادم بلا صغره، أما ~~الذي لا يدفع الميرة إلا بعد قتله، أو دك في قبو البقر، فماذا نعمل فيه يا قرياقوس؟ هل نطلب ~~فرقة دراغون؟ الدراغون لا يحق له أن يتخطى حدود لبنان. وقد حاولت فرقة في فرن الشباك أن ~~تمر إلى الشام بدون إجازة مجلس الإدارة، فأوقفتها أنا العبد الحقير عند حدها. # فضحك قرياقوس، وقال: فيك البركة يا آغا، واسمك فارس ... هناك كان معك حق، والقانون الذي ~~مكنك من الوقوف بوجه عسكر الدولة، فيه مادة تقف بوجهك ... أيام الحواليه ألغاها نظام ~~لبنان. # فهز الآغا كرباجه، ورفع يديه، واشرأب وعر: عسكرية! سلاح باشينا. فتكتكت ديوك ~~بواريدهم، فقال الآغا: كتفوا قرياقوس. # فهر قرياقوس: اصح يا آغا، اوع هاه. وقال إلى العسكرية: لا تمدوا أيديكم. لا تعرفون ماذا ~~يصير؟ # فقال الآغا: نحن أبناء الحكومة أحرار في تحصيل الميرة، ومعنا أوامر من سعادة القائمقام ~~تحرق العشب. # فقال قرياقوس: يمكن أن تحرق الشياطين، ولكنها لا تحرق قرياقوس. # فنط الآغا عن كرسيه، وهجم به على قرياقوس، فوقف المختار وغيره بينهما، ووقف كل فريق مع ~~قطيعه، واستعدوا للمعركة ووقف الشباب على سلاحهم، وهو لا يكون من الآلات الجارحة إلا ~~نادرا جدا. # وعلى العياط خرج الخوري من كرسي الاعتراف، وأصلح ما بين قرياقوس والآغا، ثم جلس بين ~~الأهالي استعدادا للطوارئ وكسر الشر. # وبعد هنيهة قال الخوري: رخص لي بكلمة يا آغا، لا تؤاخذني إذا قلت لك: نحن نقطع ~~مشاكلنا، وحضرتك حافظ على الأمن. # والتفت صوب قرياقوس وقال له: يا قرياقوس، لا تكبرها؛ الحكم ملح الأرض. # فسكت قرياقوس وخضع، وقعد الآغا قعدته البروتوكولية ينتظر واجما الساعة التي تمكنه من ~~بل يده بقرياقوس. # قال الخوري: يا مختار، عد المكلفين. ومد يده إلى عبه، وأخرج سبحته ليعد عليها، وأخذ كل ~~واحد، إلا ms099 القليل، مسبحته وراح المختار يعد. # وبلغ عدد المكلفين الاثنين والأربعين، فقال الخوري: الضيعة غير نامية، مات عندنا كثير هذه ~~السنة، صار نقص في الأنفس. عدوا البالغين. # وراحوا يعدون الذين بلغوا الخامسة عشرة، ووقع خلاف على بعض المعدودين فجاء الخوري بدفتر ~~العماد، ولما حققوا عدد البالغين، عادوا إلى إحصاء الذين جازوا الستين وأسقطوهم من الحساب، ~~فبقي على الضيعة اثنا عشر متكلفا، فضموهم إلى رقم المكلفين الأحياء؛ فزادت الفريضة عن ~~التسعة إلا ربعا، فقال واحد: ما سمعنا بعد أن الموتى يدفعون ميرة! # فأجابه آخر من طرف الحلقة: ندفع عن الموتى لأننا موتى! # وأجاب قرياقوس: هذي نعمة من الدولة العلية ... الله ينصر السلطان. # فانتصب الآغا حد كرسيه، وصاح بأعلى صوته: تسب الدولة يا كلب، وصل موسك للحية مولانا ~~السلطان، ولي نعمتنا بلا امتنان، وظل الله على الأرض ... # فقاطعه قرياقوس: على مهلك يا آغا، احتشم! نسيت كلمة الله ينصر مولانا السلطان، خليني أكمل ~~كلامي: المتكلف في الولايات يدفع أضعاف الأضعاف، ونحن بموجب نظام لبنان تدفع الدولة المكسور ~~علينا. # فتعجب الجمهور من حيلة قرياقوس، وبرد الآغا واستكان غصبا عنه وهو آسف؛ لأنه عجز عن ~~تصيد قرياقوس. # وبعدما رصدوا المال الأصلي للمتكلفين عادوا إلى مال الأعناق والأرزاق، فأضافوا بعض ~~الإعانات وأجرة الناطور وبعض البلصات، كما أضافوا أيضا إلى مال الأعناق بعض المصاريف، مثل: ~~اشتراك الجريدة الرسمية، ومصاريف العسكرية الذين يحملون تبليغات الحكومة، وغير ذلك. # وأخيرا ذكر المختار رقما زهيدا، وهو بخشيش لنور قصدوا الضيعة، وطبلوا وزمروا ~~وأرقصوا دبهم وسعدانهم، فقال أحدهم: هذا حق. # فقال قرياقوس: ما سمعناهم يقولون على شان أهالي عين كفاع، بل كانوا يصرخون على شان ~~الشيخ. # فقال واحد من الماجنين: قرياقوس، ترى لو سألوا سعدانهم أين قيمة قرياقوس أين كان يحط يده ~~سعدانهم؟ # فأجابه قرياقوس على الفور: على رأسك. # وأخيرا قال الخوري بحزم: بلا جدال انتهينا. طالت القعدة، اكتب المضبطة يا آغا، فقام ~~الآغا إلى الخرج، وأخرج ماسورة من تنك أخذ منها طلحية ورق أبيض (أثر جديد) وشال الدواة من ~~زناره، وكتب فذلكة ms100 # 8 # الميرة من: مال أعناق، وأرزاق، ونطارة، ومصارفات عسكرية، وبعد توقيعها من ~~الجميع وترميلها # 9 # آخر مرة سلمها إلى المختار، ثم استعادها منها، وقال: اندهوا # 10 # خوري مسرح، هذا أخو قرياقوس، كثير الاعتراض. # فضحك قرياقوس، وقال: هذا خوري لا تقدر تمد يدك إليه. # فأجاب الآغا بنكتته المعهودة: أنا أعرف شغلي، إذا كان رأسه مكرسا فقفاه غير مكرس. # فقال أحد الذين لهم دالة على الآغا: المقرود جناب الآغا دارس اللاهوت. # 11 # فأعجبت الآغا كلمة جناب، وإن آلمته كلمة المقرود، ولكنه قال: أنا تلميذ عين ورقه، ولولا ~~القليل كنت خوري، ثم تحلحل عن كرسيه، وقال بابتسامة صفراء: خلصونا، حميت علي الشمس، صار ~~الظهر وعندي تحصيل ديون أكثر من ألف عسملية، علينا أن نلحق الناس في بيوتها. # ولو عرفت أن الآغا كان يحصل ديون الدفاتر والقرضة والسندات بموجب قائمة من القائمقام، ~~يزيد عليها «المحصول» الباهظ، ولو عرفت كيف كان الآغا يحمد هذا العمل ويعده توفيرا على ~~الناس وتخميرا لما في جيوبهم من فلوس؛ لصدقت أنه يقول الحق. فالآغا يزعم أنه يحصل الألوف ~~في ظرف جمعة، ويريح المديونين من المحاكم وجلساتها ومصاريف المحاماة ونفقات الانتقال لقاء ~~محصول زهيد يقتسمه هو والقائمقام، قرشان ونصف بالمائة، وكان الله يحب المحسنين. # ولما هدأت المعركة، واستقر كل شيء، قال الآغا: بعد أسبوع يا مختار نحظى بلقياكم لقبض ما ~~تحصل من مال الميرة، وجمع الباقي من الأهالي، فالأحسن يا صحابي الذين بيني وبينكم خبز ~~وملح أن تدفعوا قبل حضوري؛ فتوفروا الدجاج والشعير الذي نعلقه لدوابنا، عدا الضرب ~~والإهانة وتحصيل الجزاء. # ثم أح أحته الشهيرة، وقال: سمعنا بحدوث قتال في قرية بجه، فالذهاب واجب قبل أن يتفاقم ~~الشر. # فقال له المختار: هل تقدمت لك شكوى؟ # فقال: نحن نحقق بشكوى وبلا شكوى، فالحق العام لا يعني أحدا غيرنا. # فقال قرياقوس: وإذا تصالحوا؟ # فأجاب الآغا: نخلفهم، ونأخذ مجعولنا لنصالحهم. ثم أطرق قليلا، وقال: على فوقه وأين ~~الخوري مسرح؟ # فأجابه الرسول الذي أمر باستدعاء الخوري: قال إنه لا يرد على البطرك، وليس لك ms101 معه ~~شغل. # فهجم الآغا متظاهرا بالذهاب إلى بيت الخوري، فحال بعضهم دون ذهابه بالرجاء، فهدأ وقال: ~~نؤجلها ليوم التحصيل، وإن هونها الله ووقع خوري مسرح في يدنا عرفناه قيمة نفسه، ~~وخليناه يعرف أن فارس آغا ابن حكومة لا يعصى عليه أحد، وأن البطرك سلطته روحانية، أما ~~فارس آغا فسلطته شاهانية. # ثم أمر أحد أنفاره أن يتل # 12 # دابته، ومشى وهو يتغربل ويتفرعن مثل الديك على مزبلته. وبعد أن مشى خطوتين ~~التفت نصف التفاتة نحو الأهالي، وقال بلا اكتراث: خاطركم أودعناكم، لا تواخذونا. # فتقدم منه صديق له وقال: لا تذهب بلا فطور! ~~- أشكرك، مشغول جدا ... # فقال الرجل: ذبحنا الديك، وهو يغلي على النار. # فصاح الآغا: لأيش كلفت نفسك؟ # فرد الرجل: تغيير العادة صعب. ~~- وأنا كذلك، وتوقف كأنه نسي ما يريد أن يقوله، ثم مشى الآغا مع الذي دعاه وهو يقول: لا ~~تحابيني. طيب ناكل لقمة على الماشي. # قال هذا، ولما رفع الصدر على السكملة # 13 # مد يده، وأخذ يغرف ... وشرع فكاه يعلوان ويسفلان، وكان يتلمظ # 14 # فيسمع شخيره من في الوطا، فصح فيه قول المثل: شفة غطا وشفة وطا. # وبعدما عرق عظام الفروج ومصمصها، حتى لم يبق عليها أثر لحم نهض كالمتعجل، وأشار ~~إلى الطست والإبريق إشارة تعني إبعاده، ثم شم ريحه يديه، وقال وهو يودع: خيركم لا ~~يتغسل. # الفصل الثالث عشر # | تحصيل الميرة # وتحير المعسورون في أمرهم، فتأدية الميرة مثل أمر الموت لا مهرب منه ولا مناص. «الحوالي» # 1 # لا يرحم، فإما الدفع وإما الحبس في قبو البقر، وإما احتلال البيت إذا كان عند ~~صاحبه عرق ونبيذ وألبان وأجبان وجوز ولوز ودخان كوراني وديوك ودجاج وشعير لعليق الدواب. ~~لا يحل المشكلة إلا الدفع، ومن أين المال وموسم الحرير ماحل؛ فهو يكاد لا يسدد ما استدانه ~~الفلاح في بحر السنة. وأصحاب دكاكين جبيل والتبرون يتأبطون دفاترهم، ويخرجون من باب بيت ~~ليدخلوا بابا آخر، فلا يذهب غاو حتى يجيء مشتاق. # أكل المزارعون مواسمهم قبلما نضجت، فماذا يقولون للذين سلفوهم على حاصلاتهم؟ فما ms102 قبضوه ~~ثمن شرانق قد طار، فكيف يسددون ما يصيبهم من مال الأرزاق ومال الأعناق عن الأحياء والموتى ... ~~كان موسم الموت مقبلا هذا العام، فقد زار الجدري الضيعة، وكان أثقل عليهم من فارس آغا، ~~ودابته التي لا يعلق لها إلا الشعير المغربل. وهناك مالت الطرقات والضرائب والمحصول ~~والمصارفات، فهو فوق الطاقة. # صحيح أنها نتف، ولكن القلم جماع، والشيوخ الذين يعفيهم الشرع من التكاليف كثار؛ ولهذا ~~قال الشاعر: # وقد رفع الله أقلامه # عن ابن الثمانين دون البشر # الآغا غاب ... ولكنه راح وسوف يعود بعد أسبوع، فمن أين يجد المعسور مالا ليؤدي ما عليه ~~للحكومة، وممن يقترض وكلهم في الهوا سوا؟ ضيق وعسر. ولذلك ترى الذين يدهم قصيرة في وجوم، ~~يخافون الأحد القادم خوفهم من عزرائيل قباض الأرواح. # صمم بعضهم على العصيان، وعرضوا الفكرة على عقالهم فصاحوا بهم: يا ويلكم! من يقاوم ~~الحكومة؟! والآغا كافر بلا دين. اصحوا تتحرشوا به إذا كان معه حق؛ فإنه يخرب بيوتكم. الرجل ~~الذي قتل زوجته، بعدما باع كل ما تملك، وقد ابتاع لزينة ذاك البيت الموروث الآية المكتوبة ~~بالفارسية: هذا من فضل ربي، وكان يتجاهى حين يقرأ على هواه بلا حياء؛ لأن نقطة باء ربي وقعت ~~فوق الراء ... لا ترتجوا الرحمة عند هذا القليل الدين، فقاطعه أحد الشباب بقوله: آخرتها موته، ~~والآغا شبعنا بهوره، # 2 # لا يأكل إلا الدجاج الفتية. يريدها فراريج. # وقال آخر: ولا يتروق إلا قهوة بحليب. # وقال ثان: ولا بد من فنجان شاي وبسكوتة قبل النوم. # وأتم الشاب الأول حديثه: ولا يعلق لدابته إلا الشعير المغربل، ولا ينام إلى على فراشين ~~خوفا من أن ينقعر ظهره. # فقال شيخ: ماذا تعملون؟ وإلى أين تصل يدكم؟ رجل كافر! ابن حكومي ضابطي، إذا قلتم له كلمة ~~يخزق ثيابه ويقيم الدعوى على من شاء، يتعلق عليكم بكلمة ليتهمكم بسب دين السلطان. # فقال واحد: علقوه بقرياقوس والخوري مسرح، ولا تنسوا أم فارس ياقوت، واقعدوا تفرجوا، ~~فالمثل يقول: إذا أردت إهانة رجل فحرش به مرأة. وبدلا من أن تكونوا ضباعا ms103 كونوا ثعالب ... ~~هذا إذا سمعتم مني وعملتم برأيي. # فهدأت فورة الشباب وبدأوا يفكرون - فهز أحدهم برأسه، وكان يدعي العلم والمعرفة؛ لأنه ~~مر في مطلع شبابه من قدام المدرسة - وقال: الرأي قبل شجاعة الشجعان. # فقالوا: هات، ولكنه بلط # 3 # ولم يزد على ما قال. # وما انقضى الأسبوع وجاء الأحد حتى عاد الآغا، نعم عاد الآغا ومعه موكب بطبله وزمره، ونادى ~~«الشوباصي» الذي يمشي دائما في ركاب الآغا في موسم تحصيل الميرة، فصاح في القرية: يا ~~سامعين الصوت، جاء الآغا. الذي عليه بقوة # 4 # ليرة فليدفعها اليوم، ومن يتأخر يدفع القرش قرشين. خذوا حذركم، الحبس في ~~انتظار المتأخر، والكرباج مهيأ لمن يتنفس منكم أو يتهرب. # وزاد عليه الآغا قوله: إذا حولنا عليكم فلا نخرج من عندكم إلا قابضين، نظل نحن في ~~ضيافتكم، وتظل دوابنا على معالفكم حتى تدفعوا وترتاحوا منا. نطعمها القمح إذا لم يكن عندكم ~~شعير، وندبح البقر والغنم متى نفدت الدجاج والأرانب. # فقال واحد: نعرف أنك واوي عتيق. # ولم يفهم الآغا ما قال فتابع خطبته: نحاسا نأخذ، وثيابا نبيع بالمزاد. نعري الذي لا ~~يدفع حتى لا يبقى على جلده قميص، هذا عدا الضرب والحبس. # ومضت الأربع والعشرون ساعة وتفرق عسكر الآغا في الضيعة، وعلا الصياح والصراخ من هنا ~~وهناك، فمنهم من دفع بعد قتلة، ومنهم ما اقتضى له أكثر من كف حتى بق الميرة. كانوا ~~يعترضون على الزوائد والآغا يريد الزوائد قبل الميرة المقننة؛ لأن جعله من هذه الزوائد، ~~فالميرة الأصلية يحبس جباتها إذا غلطوا بالجمع، ولو كان الغلط قرشا واحدا، والشيخ يعزل من ~~وظيفته الأبدية إذا ارتكب ذلك. # وهكذا جمعت الميرة في خلال يوم واحد، وما بقي إلا الذين تعودوا ألا يدفعوا على ~~الهينة أو الذين لهم اعتراض على بعض أرقام. # وعمل الآغا حسابه عند المساء، وقال بصوته العريض: الحاضر يخبر الغائب: نتحاسب غدا. ما ~~صبح إلا فتح! # وطلع الصبح وفتح باب التحصيل على مصراعيه، فقصد درويش بو شلحة بيت قرياقوس، وتهدده أنه ~~إذا صار الظهر ولم يدفع، فسيحتل ms104 حصانه بيت ملك العسل. سوف يربط الأبجر # 5 # بعمود قنطرة البيت، فالأوامر مشددة ولا يقبل للضابطية عذر. # فقال قرياقوس: من هلق للظهر يفرجها بو عيسى يا درويش. # فقال درويش: الحكومة لا تعرف أحدا، لا بو عيسى ولا بو موسى. وإذا هربت واختفيت عن ~~العيان، فنحن لا ننتظرك على الهينة، نذبح العنزة ونأكل معلاقها. # فقال قرياقوس: إذا فعلت ذلك أكون أنا مت. أنا لا أهرب، أنا أقابل الرجال ولا أتخبأ، تعال ~~الظهر أنت والفرقة كلها، أهلا وسهلا بكم. # فأجاب درويش: تتهددنا يا قرياقوس؟ # فشخر قرياقوس ونخر وصاح: الذي يقول أهلا وسهلا لا يتهدد، العين لا تقاوم المخرز يا ~~درويش! الحكومة مخرز والأهالي عين ضعيفة. # فقال درويش: فإذن نرجع حوالي الظهر. # فأجاب قرياقوس: قلنا من هلق للظهر يفرجها ربك. # وكان الآغا وبعض عسكره ينتظرون على الرجمة # 6 # التي فوق بيت قرياقوس، وكان قرياقوس يوصوص # 7 # بعينيه، ولما انتهت المباحثة مشوا في طريقهم إلى بيت الخوري مسرح، فقال ~~قرياقوس: راح الشر، وعند الظهر فرج ورحمة. # وكان اللامحترم يغربل معلف الفرس، فهو يخشى على سعده أن تقرط لسانها إذا لم ينق الشعير ~~من الحصى، وكان الغبار على غنبازه، المجهول اللون، سمك الأصبع، وهو عالق بأهدابه وجفونه ~~ولحيته، ويهر منها على صدره كلما تحرك. # وسمع الخوري صوتا يناديه، فالتفت وردد: بسم الأب والابن، الله يخزي الشيطان، ثم عاد ~~ينقي المعلف ولم يجب. # فصاح الآغا: يا خوري يوسف، اكسر الشر ورد علينا، ادفع ما عليك من الميرة أشرف ~~لك. # فكز الخوري، فبانت أسنانه من وراء لحيته، وقال للآغا: أنا معفي من الميرة. # فقال الآغا: هذا حكي يا خوري يوسف، أفندينا ومولانا السلطان والبطرك والبابا برومية يدفع ~~الميرة. # وضحك يوسف بن قرياقوس، وهو أكتع، # 8 # ولا يبين بعض الحروف، فزجره الآغا: أكتع وأخرس ويضحك على الناس، الذبابة تأكل ~~غداه ويتبهور! # فنبر الخوري وقال: حاكيني أنا. منو أفنديك ولاه! # فأجاب الآغا بتفخيم وتعظيم: دولتلو، أفندم، حضرتلري، يوسف باشا فرنقو. ~~- بلا فرنكو باشا ولا برنكو، ولا بلوط محمس، # 9 ms105 # أنا معفي من الميرة بموجب مضبطة إدارية صادرة عن ديوان رستم باشا. # فانتهره الآغا صائحا: وآخرتها معك! تريد أن تدفع الميري يا خوري مسرح؟ # فنادى أحد الأهالي خوري مسرح قائلا له: الميرة لا مهرب منها يا معلمي، ادفعها واكسر ~~الشر. رد على الآغا بكلمة مليحة على الأقل. # فأجاب الخوري: منو الآغا حتى يتنازل الخوري يوسف بطرس ويرد عليه؟! # فقال الرجل: الحق مع جناديوس، أهل الجرد كحتوا # 10 # الوحوش وقعدوا مطرحها ... # فقال الآغا من عل: تندم يا خوري مسرح! # فأجابه الخوري: تحتي تسبح. # فقهقه الآغا وقال بلهجته البلدية: أنا وثلاثة من ضيعتنا. (أي: أربعتهم يحملون ~~نعشه.) ~~- لعنة الله عليك ما أرذلك! # فاحتدم عندئذ غيظ الآغا من هذه الإهانة، وغاظته اللعنة التي مست أبهته وشرف السلطان ~~الذي يمثله. # فهز الآغا كرباجه وتقدم. نزل عن الرجمة المواجهة لحارة الخوري مسرح، فصاح به الخوري: ~~وراك. إياك تقدم فشخة، # 11 # لا تهول علي بكرباجك. ~~- وإذا هولت ما يصير؟ ~~- تقع في الحرم بمجرد الفعل. ~~- طز. ثم تضاحك إذ تذكر أن عليه التظاهر بالتقوى، وقال: إذا ضربتك على رأسك أقع في ~~الحرم؛ لأن رأسك مكرس، ولكننا لا نضرب إلا على قفاك. # فصرخ الخوري وهرول إلى بيته وأغلق الباب، فلبطه الآغا فانفتح عن الخوري الذي كان يرتجف ~~كالقصبة. فرق الآغا لشيخوخته على خلاف عادته وراح يطايبه، ولكن الخوري كالهر كلما حككت ~~ظهره كلما عقد ذنبه كقوس قزح. # فتناوله الآغا من طوقه، وهزه قائلا: قلت لك اكسر الشر وادفع الميرة. # فقال الخوري: وأنا قلت لك إني معفي من الميرة، وهذا أمر رستم باشا. # ونهض الخوري إلى خزانة دهرية مطلية بالدهن؛ حتى اختفت ألواحها وصارت لماعة براقة، ومن ~~جوفها استل أوراقه وراح يبحث بينها عن الأمر، فأخذ الآغا الخوري من ساعده الأيمن وربزه # 12 # قائلا: ادفع قلت لك. رستم باشا مات من ثلاثين سنة، ثم أوقفه لصق الجدار، وقال: ~~اقعد حد الحيط حتى نأخذ بخاطرك. # واشتد صراخ الخوري وشرع يستفز الآغا بكلامه المر، فأهوى بكرباجه على إليته وهو يقول: ~~رأسك ms106 مكرس، قفاك مكرس. # وبعد أن أشبعه الآغا كرابيج سخنة، وأسمع الخوري كلاما هراء وفشارا، تحول الآغا ~~وفصيلته إلى بيت آخر، فوقف الخوري قدام بابه وصاح: يا سامعين الصوت، يا هو. اشهدوا، فارس ~~آغا ضربني في بيتي، دخل بيتي بالقوة، خلع الباب كسر السكرة. # وأسرع الخوري وألجم فرسه وأسرجها، وانطلق كالريح في طريق بعبدا ليشكو الآغا الذي دخل بيته ~~عنوة وخربه، وادعى عليه أنه انتشل مصره المحتوي على واحد وعشرين ليرة ذهبية، وبعض ~~ريالات مجيدية وبشالك وزهراويات، قال إنه يجهل مقدارها ولا يحمل ذمته. # ومر موكب الخوري المؤلف منه ومن فرسه وفلوها وسائر أسرتها وأخيه رفول، فأمر الآغا النفر ~~درويش بوشلحة أن يؤدي التحية للخوري، فهرول صوبه بكرباجه فلم يصب الغرض، فثنى وثلث فلم ~~يدركه؛ لأن الخوري شمع الخيط وأطلق لفرسه العنان، فصاح به أخوه رفول: على مهلك يا خيي ~~خوري يوسف، الفرس معشرة - أي حبلى في شهرها الأخير - على مهلك حتى أقدر ألحقك. # ومر عسكر الآغا ببيوت، سكانها أدوا ما عليهم من الميرة خوفا من الإهانة والضرب وذبح ~~الدجاج، فحياهم شاكرا نخوتهم ومروتهم بخطبة قصيرة من خطبه المشهورة. # وظل الموكب سائرا حتى بلغ بيت إلياس يعقوب، فلاقته زوجته هاشة باشة، فقال لها الآغا: ~~ادفعي الميرة أولا، وبعدئذ اصرفينا بالطريقة التي تريدين. # فقالت: إلياس غائب، وأنا من أين لي حتى أدفع؟ # فقال الآغا بتفخيمه الألفاظ: هذي حجة لا تقلي عجة، الميرة يا ست. # فقالت ياقوت: لا تجملني # 13 # وحق من خلقك ما معي شيء حتى أدفع، ما معي إلا الذي ورثني إياه ~~المرحوم. # فتضاحك الآغا وغمز، وهو يقول: إذن معك كنز لا يفنى! # وغمرها، فبطحته وأخذت تصفعه: هذي تنفعك وهذه تضرك، وظلت وإياه على تلك الحال حتى أقبل ~~الجيران وأقاموها عنه. # وعلا الصراخ في الحارة؛ فتكاثرت الناس واستحى الآغا، فقعد على الديوان ينفض ثيابه، ويفتل ~~شاربيه طالبا السترة، ولكن جار ياقوت النبيه أنقذ الموقف، فقال للآغا: يا آغا هذه مره، ~~وحامل السيف، والذي عليه شرف الدولة مثل جنابك يا آغا لا ms107 يمد يده إلى أنثى؛ أهكذا تشبعها ~~قتلا؟ # ورأى الآغا المنفذ موافقا ففتل شاربيه ورفعهما؛ حتى صارا في خط الاستواء، ثم وقف يلقي ~~خطبة بجل فيها أهالي عين كفاع، وانتهى إلى القول: أنا ابن حكومي، ومن يأكل خبز السلطان ~~يضرب بسيفه. والذي يأكل مال أفندينا آكل رقبته؛ لا فرق إذا كان رجلا أو امرأة. # قال هذا، ونفض الغبار عن ثوبه الجوخ الرصاصي، بعدما لفت نظره إلى ذلك أحد ~~الحاضرين. # وفهمت ياقوت ماذا يقصد جارها، فتقدمت من الآغا وفي يدها برشيمة عتيقة، وأخذت تزيل ~~الغبار العالق بثوب الآغا، والآغا مسترخ لها حتى انتهت المهمة التي كان مسك ختامها قول ~~ياقوت: ضربتني يا آغا، الله يغفر لك! تفضل لف سيكارة، دخاناتنا على ذوقك. # فأجاب الآغا وهو ويأخذ وعاء التبغ المفروم: وأنا أسامحك بالميرة، أدفعها عنك. أنت بطل يا ~~ياقوت، ما وقفت بوجهي أحد قبلك. # وقامت ياقوت إلى الخزانة فأخرجت قنينة العرق والأقداح، وشرب الناس سر الآغا الذي تنمرد؛ ~~فكسرت شوكته ياقوت وأقلت من عنجهيته. # 14 # وخرج قائد العسكر المكسور من وكر ياقوت قاصدا بيت ملك العسل قرياقوس، كان ذلك في ساعة ~~الظهر، والنحل فائع # 15 # في عز هيجانه، والزنابير تحاصره في جراره، وقرياقوس يدافع عن نحله بالمكنسة؛ ~~فقلما يسلم منها واحد تقع عينه عليه. # وفي تلك الساعة اللاهبة أقبل درويش ليقبض الميرة في الموعد المعين، فأرشدوه إلى قرياقوس ~~حيث كان يكافح الزنابير، فذهب درويش، وفي وجهه الشر، فصرخ: يا قرياقوس هات الميرة. # فصاح به قرياقوس: إياك تقرب؛ النحل هائج، كبس البيوت عمل واطي. # فقال درويش: قرياقوس حذرك! مستعد أدعس رقبتك. # فنادى فارس آغا درويش قائلا: درويش! أنت من بيت بوشلحة، تهجم على طابور، وتخاف من نحلات ~~قرياقوس؟ اكسر رأس الضبع، وتعالى تمسح بكبراني. # فأجاب قرياقوس موجها الحديث إلى الآغا: فشرت يا فارس، شم ريحة كفك، لا تفزع قرياقوس. ~~يا هم أنفة # 16 # من هدير البحر، من له مدة لا تقتله شدة، الذي ياكل القتلة من مره يروح يطم مخه. # 17 # وتماسك قرياقوس ودرويش، ms108 وسقطا كلاهما في جرة النحل؛ فانكسرت وفاع النحل، ولم ينفع الآغا، ~~الواقف على الرجمة هربه، فوقع على رأسه فرخ النحل وأخذ يلذعه؛ حتى اختفت عيناه من الورم بعد ~~قليل. # وأكثر من ذلك: جاء كلب قرياقوس على صوت صاحبه، فأقبل يعاونه فعض العسكري ومزق ثيابه ~~الرسمية. # وهكذا انكشف المعركة في ذلك اليوم عن دعويين: واحدة أقامها الخوري مسرح على فارس آغا، ~~وثانية أقامها فارس آغا على قرياقوس. # ودخلت قوة الحكومة عين كفاع يوم الأحد مع الفجر قبل خروج الناس من بيوتها إلى ~~القداس. # الفصل الرابع عشر # | خوري الضيعة # قامته فوق الربعة ولكنها ممشوقة، كان فوق السبعين ولا يزال مستويا لا عوج في هيكله ولا أمت. # 1 # عليه جلال الكهنوت القديم ورصانته، يبسمل كلما دق الكوز بالجرة، تخلع عليه ~~لحيته أبهة لا غلو ولا تطرف فيها، فلا هي بالطويلة ولا بالقصيرة، وكأن المثل «خير ~~الأمور الوسط» قد فصل على قدها. أرسلها الخوري على هينتها فلم يعلها موسى منذ ~~تكريسه، فكان شعرها شعر شمشون، إذا كشف رأسه يبدو في قلة # 2 # رأسه أكليل كأنه معمول على البيكار، لم يأخذ المقصان من لحيته شعرة، فإذا سقطت ~~واحدة، فبقضاء وقدر. يحزن الخوري لسقوط تلك الشعرة حزنا كبيرا على مقدار خسارته من ~~مهابته، أما ثيابه فبسيطة نظيفة؛ لأن الخوري مرآة الشعب النقية، والخورية كانت في زمانها ~~أنيقة، وظلت تحافظ على الأناقة في فسطانها وجبة زوجها الخوري، لم ير أحد هذا الخوري ~~متخففا بشرواله الأبيض ولا في مباذله، # 3 # فهو يعلم أن التخفف من غنبازه الأسود يقلل كثيرا من مهابة كهنوته في عيون ~~أبناء رعيته، وقد يفقده الكثير من اعتبار صغر كرشه؛ ولذلك كان يأكل حتى يمتلئ. # لم يتوكأ خوري الرعية في ذلك العمر على العصا السنديانية كأمثاله من الكهنة القدامى، ولم ~~يتخذها مقمصة بالفضة للفخامة والفخفخة، ومع أنه كاهن تقي مشهور بالإيمان والطاعة ~~الأعميين، كان ينتقد السادة الأساقفة وعصيهم ذات القبضات الفضية أو الذهبية على آذان الناس ~~بلا تحفظ، كان يؤاخذ الكهنة الفتيان على ظهورهم في ms109 بيوتهم بقمصان النوم، قبل أن استعيض ~~عنها بالبيجامات ... فكانت الضلالة الأخيرة شرا من الأولى. كانوا إذا ظهرت سراويلهم المقصور ~~فهناك المصيبة الكبرى، وقد قام على عهده أحد الأساقفة المتربين في رومية بزيارة الضيعة ~~زيارة رعائية وتمشى فيها، ثم ظهر في السهرة بالبيجاما، فتعالى نقد الخوري له ولومه إياه، ~~وقال كلمته المشهورة: قريبا لا يجد الموارنة كاهنا منهم إلا نادرا، وسيكون كل شهر ~~عندهم اثنين الراهب # 4 ~~... # وتذكر الخوري انتهاك العسكر حرمة قريته بدعوى الخوري مسرح على فارس آغا، ودعوى فارس آغا ~~على قرياقوس، فقال يحدث نفسه: ثلاثتهم أشرار كاذبون، منافقون معتدون، ولكن قرياقوس كما ~~قيل، ما كان معتديا هذه المرة، أما خوري مسرح فهو قط شر، يخلق الدعوى من غيمة، وإذا لم ~~يجدها فتش عنها بالفتيلة والسراج. الآغا حباب فلوس لا يعنيه إلا أن يقبض، سواء كان ذلك ~~بحق أو بغير حق. يتعلق بالناس مثل العليقة، ويفتح جيوبهم مرة باسم الحق العام، ومرات ~~بالتهويل والتخويف باسم السلطان. # ثم رفع عينيه إلى فوق، وقال: ما العمل يا ربي؟ ألا تطالبني غدا، يا الله، يوم الدين؟ ~~ساعدني إذن الآن على هؤلاء الشياطين الثلاثة، حتى أطردهم فيكف شرهم عن رعيتي؛ فهذا الثالوث ~~الشيطاني: الخوري مسرح، وفارس آغا، وقرياقوس ضاهر، كل واحد منهم، لا يستريح ولا يدع الضيعة ~~تستريح. # كان الخوري القديم يظن أنه مسئول عن نفوس الرعية، وأن ربه سيطالبه بها يوم الدين، وهلاك ~~نفس واحدة من خرافه يؤدي حتما إلى هلاكه وتعذيبه المؤبد في نار جهنم التي لا تطفأ ... ~~وإذا لم يقاوم الشر بيده وفكره ولسانه يكون مقصرا ويدان دينونة عسيرة، فهو مسئول حتى عن ~~الجنين الذي سقط طرحا ومات بدون نعمة العماد، # 5 # حينما كان العسكر يحقق في دعوى الخوري مسرح. # ثم عاد الخوري إلى نجواه، فقال: لم يكتف ذاك الخوري بضابطية جبيل، بل شكا إلى الباشا، ~~فأرسل الباشا فرقة عسكرية إلى ضيعة صغيرة مثل عين كفاع. # أوف، نعم إنها صغيرة ولكن شيطانها كبير، والرؤساء والرعاة أصل كل هذه الشرور. نحن ms110 نستطيع ~~أن نصالح المتقاتلين إذا لم يكن وراء أحدهم صاحب نفوذ ديني أو دنيوي: بطرك، أو مطران، أو ~~وكيل بطريركي، أو مدير، أو قائمقام، أو عضو مجلس إدارة. واستراح هنيهة ليفكر بالمصير، وعاد ~~يقول: حاولت جهدي أن أفض هذه المشكلة ولكنني لم أقدر، والسبب أن الخوري مسرح حمل توصية من ~~المطران بو نجم والآغا أخذ وساطة من ابن عمه الآخر المقرب من البطريرك؛ وهكذا ضاعت الحكومة ~~ولم تدر من تصدق، وراح الخوري والآغا زق حصير. # 6 # أما قرياقوس فسلاحه لسانه، وواسطته نحله وعسله ... والنكتة فيه أنه لا يصلي ولا يقدس ولا ~~يعترف ولا يتناول، ومحط كلامه عند أدنى حادثة: اتكلنا على الله. يا عضرا ساعديني. هذا الرجل ~~لو تعلم لكان أقدر أفاكاتو! # 7 # يكذب ويحلف. يقول لي دائما: وحياة دم المسيح، وحق جسد الرب، أكون محروما ~~من يمينك إذا كنت أقول غير الحق. # وفيما كان الخوري متكئا على جذع السنديانة الدهرية التي سبق ميلادها الكنيسة القديمة، ~~إذا بقرياقوس يطل من خلف حائطها مصبحا الخوري بخشوع وإجلال، وبيده منجل، فقال له ~~الخوري بعد رد الصباح: خير إن شاء الله! حرش من أنت قاصد، قبل قداس أحد الوردية الكبيرة؟ # 8 # وانفتح لقرياقوس باب المجون، فضحك ضحكته المأنوسة، وأجاب بلطف: من أين عرفت يا معلمي إني ~~قاصد حرش الناس؟! # فقال الخوري: لأن المنجل في يدك وأنت غاد. # فقال قرياقوس: وهل أن حمل الآلة دليل على أن نية حاملها سوداء. # فقال الخوري: في الغالب هكذا. # فقال قرياقوس: أنا وأنت نحمل آلة الزنا، من ساعة خرجنا من بطن أمنا، فهل معنى ذلك أني ~~زان، وأنك زان؟ # وضاقت حجة الخوري فتسلح باسم الأب والابن، وأجاب قرياقوس: انقبر، سد بوزك بلا طق حنك. ~~اقعد حدي يا بشع اللسان، الآن انتهت دعوى الآغا عليك وتصالحت وإياه، فقل لي كيف كسرت جرة ~~النحل وتركته يعقص الآغا؟ # فقال قرياقوس: أنت تعرف قرياقوس، فهو يفضل حبس شهر في قبو البقر وأكل قتلة مشبعة على كسر ~~جرة نحل وخسارتها. القصة أن درويش ms111 آغا أمسكني بعباءتي، وحاول أن يضربني بدبوس صغير يحمله، ~~فسقطت الضربة على الجرة فانكسرت وفاع # 9 # النحل، والنحل متى هاج وماج لا يحط إلا على أعلى شيء يجده في دربه، وكان ~~الآغا واقفا على رجمة طنوس فارس كالعمود، فعلق على طربوشه الأحمر وأخذ يلذعه. # فقال الخوري: يظهر أن عندك حيلة لتطييره وتهجيجه. # فأجاب قرياقوس: النحل في الشوب لا يحتاج إلى تهجيج، ولا تنس يا معلمي أن الله موجود، وهو ~~مع الضعيف حتى يعتبر القوي، أنا متكل عليه وهو لا يخيبني ... ثم سكت وقال بعد هنيهة استراحة: ~~قل لي معك وقت حتى أكمل حديثي وأخبرك عن خواص النحل؟ ~~- كمل يا قرياقوس واختصر، جاء وقت القداس. # فقال قرياقوس: النحل كافاني على قتل أعدائه الزنابير، ولا رأس إلا وفيه حكمة. إذا كانت ~~النحلة تروح إلى جبل جاج وترجع إلى وادي عين كفاع ولا تضيع دربها، ألا تكون تعرف ~~الحق؟! # فقال الخوري: يا سبحان الله! أين تعلمت الفلسفة يا بو يوسف؟ # فقال قرياقوس: لا تتعجب. الله خلق فيها هذه الخاصة، والذي أرشدني إلى هذه الحقيقة شيخ ~~جامع القلمون، # 10 # وأنت تعرف أني ربيت في حنوش وكنت أتصيد السمك. ~~- وصرت تتصيد الدعاوى. ~~- لا تقاطعني: أكون محروما من شركة أمنا الكنيسة البطرسية إذا كنت أقول غير ما أعتقد. ~~بحياة قدسك لا تقاطعني. # وأطرق قرياقوس، وحك رأسه قليلا، ومسح شاربيه من الريلة المنهالة عليهما، وعاد من حيث ~~كان: سمعت شيخ الجامع يقول: وأوحى ربك إلى النحل، ألا يكون معنى هذا أن النحل نبي، وهو يعلم ~~خبث نية البشر؛ ولهذا عمل ما عمل بالآغا. # فقال الخوري: وكلبك غبار هو صاحب إلهام أيضا. # فضحك قرياقوس بملء فمه حتى بدا ناباه، وقال: هذا كلب ربي على معجني وهو صغير، كنت ~~ولا أزال أعزه وأحبه، أقاسمه اللقمة لينجدني متى كبسوا بيتي. وهو يرافقني دائما، وإذا ~~تماسكت ولو مع ابني يوسف يركض غبار مثل هبوب الريح ليساعدني عليه، فعضة الكلب شهادة لي لا ~~علي. هه هه هه. أنا قلت للنحل اعقص، وللكلب ms112 عض! والله ثم والله ثم والله، لو لم أعرف أن ~~الآغا يخزق ثيابه، ويدعي علي بالزور أني أهنت شرف الحكومة، وتتخ عظامي في الحبس، كنت ~~خلعت رقبته وقبرته حد بيتي. # اسأل عن ماضيه يا محترم، أما علم امرأة فلان حتى اتهمت سلفها أنه سب دين السلطان، ولا ~~يزال في الحبس إلى اليوم. خافوا ربكم! صحيح أنني قضيت عمري على درب الشريعة، ولكني ما ~~ادعيت على أحد بالزور ولا شهدت بالزور. # فقال الخوري: ولماذا شهد عليك جرجس طنوس أنك كنت تراشق بالحجارة؟ # فصفع قرياقوس جبهته العريضة، فرنت كالصنج المشعوث، # 11 # وصاح: هذا الدعموص # 12 # متى صار يقشع؟ قدسك تعرف أنا نعلق النحل الهاج، إما بقبضات التراب التي نرشقه ~~بها وإما برش الماء، وما كان قدامي غير التراب، فسبقت على النحل، وكان من عدل الله أن يغط ~~فرخ النحل على طربوش الآغا وشرابته، ويعطيه من حلاوته ما فيه نصيب. # أظن يا معلمي خوري بطرس أن النحل يعاقب ناكري الجميل، فكم مرة ومرات قعد الآغا على ~~صينيتي وأكل عشرة أرغفة، وتحلى بإقة عسل، وحطيت له مطربان في الخرج. العسكري يا معلمي ~~ملحه على ركابه، وليس في بلادنا عدل ولمن نشتكي؟ عوجا من إسطنبول يا بونا، وأيش العمل؟ ~~الآغا نقال حكي، أراد أن يسود وجهي مع الرهبان، وأنا ربيت عندهم في حنوش. # فقال الخوري: أيش الحكاية، هاتها باختصار . ~~- الحكاية يا سيضنا الأكرم - سيدنا - لا تؤاخذني قلت يا سيضنا الأكرم، والواجب أن أقول: ~~قدس أبينا المحترم. # فقال: كمل، لا بأس. ~~- قال لي الآغا في سياق الحديث عن دابته المرخمة الأذنين أنها من رءوس الدواب: أمها ~~فلانة، وأبوها جحش الدير؛ فلا تتعجب إن دفعوا لي حقها خمسين عسملية. # فقلت له على سبيل النكتة المضاحكة: لو كان والدها المحترم هو رئيس دير معاد، لا أدفع ~~ثمنها أكثر من عشر ليرات. دابة بخمسين ليرة! أيش خلينا للفرس؟ # فحملها الآغا باردة سخنة إلى رئيس الدير، وباع صداقتي بعشا من مخلوطة الرهبان. # فنهض الخوري وهو يقول: ارحمني يا الله أنت ms113 حجتك قوية يا ابن عمي. بلا طول سيرة رح دق ~~الجرس، وإياك أن لا تحضر القداس، فاليوم مهيئ لكم وعظة حلوة. # ودق قرياقوس الجرس وذهب، وعندما قرع الجرس آخر مرة كان قرياقوس داخلا الكنيسة، وكان ~~الخوري مسرح قاعدا من عن يمين المذبح، فقال خوري الضيعة في قلبه: توفيقة، عصفوران على فرد ~~قضيب. # وأقبلت الضيعة على القداس جرد العصا، # 13 # فذاك النهار كان أحد الوردية. ومضى الخوري في قداسه الاحتفالي، وانقسم الشمامسة ~~جوقين، يترنمون ماطين أصواتهم، والصنوج والنواقيس تسبح الله. ودار القداس. وبعد أن ~~تلا الخوري الفصل المعين في الإنجيل لذلك اليوم، التفت إلى الشعب وعلى وجهه بشاشة عميقة، ~~وقال: يا إخوتي المباركين، أبنائي بالرب. # ببساطة كلية أحكي لكم. فالله، آمنت باسمه، يفهم البسيط والمركب. قال داود النبي: قلبا ~~نقيا اخلق في يا الله، وروحا مستقيما جدد في حشاي، فالله تعالى لا يطلب منا ~~أجسادنا وما علينا من ثياب مزركشة ومبرقشة، بل كل ما طلبه داود من ربه أن ينقي قلبه من ~~الأقذار. فإذا لم تنظفوا قلوبكم من أوساخ الحقد والبغض، فلا سلام ولا أمان لهذه القرية التي ~~كانت مباركة، حين كانت خالية من الشقاق والخصام، كانت ضيعة حلوة فصارت شنيعة؛ لأنها صارت ~~ضيعة شريعة ودعاوى. # أين راحت المسابح الطويلة؟ كيف اختفت الشبية # 14 # وحلت محلها كتب الشريعة وجورنالات الضابطية ومذكرات الجلب والإحضار! كنتم ~~تصلون خمسة عشر بيتا صباح مساء، وصرتم ليس معكم مسبحة خمسة بيوت. # فقاطعه واحد فيه لوثة # 15 # وعرض عليه مسبحته، وهو يقول: لا تتهمنا كلنا بقلة الدين، حرام عليك! # فبانت سن الخوري، ورد عليه بقوله: واحدة من عشرين، ثم قال: الله الله كيف تبدلت الأيام ~~وتغيرت البشر! # وبينما كان الناس في سكوت عميق، إذا بمعاز الضيعة في ذلك الزمان يدخل، وهو يعرج على ~~الجانبية، فهاله منظر الجماعة في ذلك اليوم العرمرم، # 16 # يوم أحد الوردية الكبيرة. رأى نسيبه خوري الضيعة في ثيابه الكهنوتية، وخصوصا ~~الغفارة التي لم يرها من قبل، وهو منتصب على المذبح، فتهيب المعاز الموقف ms114 وصاح: صبحك ~~بالخير يا جوز خالتي خوري بطرس، الله معكم يا جماعة. # فتعالى الضحك، وحاول الخوري ألا تبرز ابتسامته كل البروز، فقال للرجل بنكتة بسيطة: ~~أهلا وسهلا. تفضل اقعد، واسمح لزوج خالتك أن يكمل كلامه. # ثم استطرد قائلا: فمن أين جاء الشر، وماذا غير الضيعة هذا التغير؟ لا المعاز يرد ~~طرشه عن الزيتون، ولا البقار يعف عن الزروع، ولا الحطاب يرحم الشجرة المسكينة ... حتى ولا ~~الذي جلبنا له الحرم؛ # 17 # لأنه يلفي على زوجة فلان، ارتدع وتاب، فحش وفجور وسكر، وقطع أشجار وخلاف على ~~القبور، ودق الجرس وعصا النطارة. # يا بحر الله خذ عبد الله. # أولادي الأعزاء. # رعيتي كانت آباء قديسين فصارت قرودا وشياطين. يا ربي أستغفر الله، نزل إلى رعيتي وحش ~~من الجرد، وطلع إليها تنين من البحر، وصار كل واحد منهم يحر في الضيعة حتى صيروها مثل ~~جهنم الحمرا ... # واستراح هنيهة واتكأ على المذبح، ثم ابتسم وقال: لا تتلفتوا صوب أحد ولا ينشغل بالكم، أنا ~~أدلكم على المقصودين من كلامي. فالوحش الجردي أخونا بالله خوري مسرح، والتنين البحري هو ابن ~~عمنا قرياقوس ضاهر، والذبان يعرف دقن اللبان. # فقال الآغا، وكان في الكنيسة يحمل إلى الناس بشرى بلصة جديدة، هي دفع إعانة لضيعة زحلت # 18 # على أثر زلزلة: وأنا نسيتني يا محترم؟ # فقال الخوري: لا، أنت هذي مهنتك، ولا أطلب منك إلا أن تعمل الحق وتحضر القداس والصلاة حتى ~~يلهمك الله عمل الخير، ولا يخطر ببالك أن تقيم علي دعوى بإهانة الحكومة. # فأومأ الآغا إلى الخوري بمسبحته الوردية الطويلة، فقال الخوري: لا أتعجب من طولها؛ فابن ~~عمك مطران ... # ثم تنهد وقال: يا فارس، الملبوس لا يعمل القسوس، وليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ~~ملكوت السماوات، ولكن لا بد من هذه لتذكرنا بواجبنا نحو الله والقريب. # وهنا زحل الخوري مسرح عن مقعده على الخورس، وخرج وهو يبربر، # 19 # ثم لم يدخل كنيسة عين كفاع أبدا. # أما خوري الضيعة فشيعه بنبرة: روحة بلا رجعة، ثم أطرق وهو يقول: ms115 أين كنا وأين صرنا؟ ثم ~~تذكر موضوعه فعاد إليه قائلا: # يا أحبائي! # لو قاموا جدودنا القدماء من القبور وزاروا عين كفاع، لما عرفوا أحدا منا. فعودوا إلى ~~سيرة الجدود يتجدد فيكم الإيمان ويفيض عليكم الخير. # ما سمعتم أن الدول تغلي مثل الخلقين، # 20 # وأن ألمانيا وفرنسا وانكلترا وإيطاليا تتحارب، وبعد قليل تدخل دولتنا العلية - ~~نصرها الله - هذا الآتون، والويل للشعوب والأمم المسكينة. # الحرب يا أولادي على أبوابنا، فأصلحوا سيرتكم ليرد الله عنكم هذه الشرور، الويل للشعب ~~المخطئ؛ فهذا آخر زمان، أما سمعنا الإنجيل يقول: تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة، ويصير ~~جوع وطاعون وأوبئة، وهو هذا آخر الأزمنة. نعم هذا هو الوقت الذي قيل عنه: تتعلق فيه ~~امرأتان برجل، وتقولان له: ارفع عنا عارنا. # ربما قال بعضكم ما هذا التفزيع، فالحق يا أولادي أقول لكم كما قال سيدي يسوع المسيح: ~~ملعون كل كلب لا ينبح. فقد نبحنا، ولكن صوتنا ذهب مع الدوي، كما قال النبي داود. # وأخيرا أسألكم المغفرة إذا كنت أسأت إليكم أو جرحت بكلمة كرامتكم؛ فهذا واجبي المقدس، ~~وكما أن الآغا لا يأكل خبزه حلالا إذا لم يعدل ويرحم الأجساد، كذلك نحن لا نكون مستحقين ~~نعمة درجة الكهنوت إذا لم نسهر على خلاص نفوسكم. # فابتسم الآغا وتجعس # 21 # وأراد أن يتكلم، فنهاه الخوري، وقال له: محضوره. # وانتهى القداس والزياح ولم يحصل لا شجار ولا نقار على دق الجرس، كما يحدث غالبا في نهاية ~~القداس والزياح وعقب كل اجتماع عند الكنيسة. # ومشت الأمور على هينتها أسابيع، ولكنها لم تستمر لأن القرية لا تهدأ كل الهدوء، فشرارتها ~~لا تنطفي، بل تظل نارها متقدة تحت الرماد. # الفصل الخامس عشر # | النهاية السوداء # وتحير خوري مسرح أين يقدس، بعدما خرج من كنيسة عين كفاع مغاضبا، فلم يجد أنسب من ~~القبو القائمة عليه حارته الجديدة، فسعى لدى مطرانه كي يحصل على الإذن بالقداس في بيته. ~~ضن الخوري على سيده يسوع المسيح بغرفة من تلك الحارة، فأنزله في القبو الذي كان زريبة ~~لسعدى وسلالتها؛ ms116 فصح في السيد ما قاله في إنجيله عن نفسه: ليس لابن الإنسان مكان يسند ~~إليه رأسه. وأعاد التاريخ نفسه؛ لأنه ولد في مكان مثله. # وتشكى أهالي عين كفاع متألمين من هذا الاحتقار، الذي ألحقه خوري مسرح بسر الفداء، # 1 # وفيما هم يتباحثون إذا كان القداس في هذا المراح مقبولا، قال كاهن عتيق: لا ~~تشغلوا فكركم يا أولادي، لو قدس الخوري مسرح في كنيسة مار بطرس برومية، يظل قداسه غير ~~مقبول؛ لأن قلبه غير نقي، والضيعة لا ترتاح إلا إذا أخرجناه منها. # وبعد قداس الأحد تشاور وجوه القرية على عادتهم، وفكروا بالخلاص من خوري مسرح بعد أن كبر ~~شيطانه جدا وأمسى لا يطاق، وثاني يوم اجتمعوا في بيت خوري الضيعة وتداولوا في الأمر، ~~واستعانوا برأيه الصائب؛ فقر الرأي على أن يلتمسوا من غبطة البطريرك إلياس الحويك عزل ~~الخوري من وكالة الوقفية وإخراجه من عين كفاع. # وجاء دور كتابة العريضة، فتداعوا إلى كتابتها، وتعازموا مجاملة على طريقتهم عند أخذ ~~القهوة، أو عند دخول البيت. # وضاق صدر الخوري المريض المزنوق، # 2 # فقال بنبرة: يا طنوس، خطك أحسن. وأنت معلم أكثر، القصد أن يفهم غبطته ما ~~نريد، وأن يقرأ ما نكتب. اكتب يا طنوس. # ورضخ طنوس لأمر المحترم، وانقطع سيل تفضل، وتفضل حضرتك، ولا نتقدم عليك. فقال الخوري: ~~ينص تلك العريضة: # لمقام صاحب السدة الرسولية، راعي الرعاة، المغبوط سيدنا وأبينا مار إلياس بطرس ~~الحويك، بطرك أنطاكية وسائر المشرق الكلي القداسة والطوبى أيده الله. # قدس الأب الأقدس. # غب لثم ثرى مواطئ أقدامكم الطاهرة والتماس بركتكم الرسولية نعرض نحن أولادكم أهالي عين ~~كفاع: # تعددت شكاوينا من الخوري يوسف بطرس مسرح، وكيل وقفية سيدة البياض، في قريتنا عين كفاع. ~~فلما ضاقت قرية مسرح عليه، ولم يحتمله أقاربه فيها، رحل عنها وأقام عندنا لسوء حظنا. وها قد ~~مضى عليه أكثر من ستين سنة، ولا شغل له إلا كتابة العرائض وتقديمها للحكومة، ثم تمييز ~~الدعاوى إلى إسطنبول لتتعقبا الحكومة وتطاردنا بدعاوى كاذبة لا نهاية لها. فإذا لم يصبحه ~~الناس ms117 شكاهم، وإن رفعوا صوتهم بالسلام عليه اتهمهم بالهجوم عليه، وأحيانا بضربه. وها قد ~~مضت أعوام وأعوام، وهذه الحية الرقطاء لا تخرج من هذا الوكر، إلا لتنفخ وتبخ سمها، ثم تعود ~~إليه وتتلذذ برؤية ضحاياها. # يقول المثل: من أدرى بأخبارك غير ربك وجارك، فابن حلتا مثل غبطتكم أخبر منا بجاره ابن ~~مسرح. ولما كان ليس للأولاد إلا والدهم؛ لهذا لجأنا إليكم اليوم بعدما عجزنا عن تحمل جور ~~وظلم هذا الخوري الشرير. فنلتمس الآن من غبطتكم، إذا لم تكفوا يده وتعزلوه، فعلى الأقل نرجو ~~أن تحتموا عليه بالإقامة في بيته، بقريته مسرح. # شبعت عين كفاع مصائب ودعاوى من هذا الخوري المتمرد، الذي يدعي أنه لا يخضع إلا لرومية ~~فقط، وإن وقفيته تحت سلطة البابا، ونحن لا نعرف أن لرومية سلطة التدخل في أوقافنا مباشرة، ~~وإذا كان لها شبه الحق، فلا نظن أن رومية تحمي الفرد وتترك المئات والألوف. # لا نريد أن نسرد ما يقوله كل يوم هذا الخوري؛ لئلا نعكر صفو خاطركم، ولعلمنا من ~~المثل: إن الذي ينقل السب كأنه يسب ثاني مرة، فارحمونا وأبعدوا هذا الشقي عنا. # لا نطلب أن تنزعوا عنه شرف الكهنوت، ولا أن تأمروا بجز لحيته؛ لأن هذا لا يعنينا، كما ~~أنه لا يفيدنا أبدا. المهم أن تكفونا شره، ولكم الأجر عند الله والدعاء من أبنائكم ~~المؤمنين. # وختاما نسأل الله أن يديمكم فخرا للطائفة، وتكرارا نطلب بخشوع منحنون على أقدامكم، ~~البركة الرسولية من فمكم الطاهر أيها الأب الأقدس. # وصرف للرسول الذي حمل العريضة ريال مجيدي من مال الوقف، فأدى الرسالة في حينها. وبعد ~~أيام أجرى البطريرك تحقيقا قانونيا، وإن كانت لا تخفى عليه سيرة الخوري مسرح، وهو يعرف ~~قصصه عن ظهر قلب. # كان يقف إلى جانب الخوري مسرح أحد أساقفة بكركي، وهذا الأسقف كان قد مات. وكان يدعمه ~~أيضا القاصد الرسولي، خصم البطريرك التقليدي، والقاصد قد نقل. فلم يبق من ثم ما ~~يحول دون عزله وتعيين وكيل آخر من الأسرة الواقفة. وهكذا طلب رئيس الديوان البطريركي من ~~قائمقام ms118 كسروان أن ينفذ قرار البطرك إلياس الحويك، فكتب القائمقام إلى مدير جبيل، الشيخ بان ~~الخازن. وهذا أمر فارس آغا ومعه أحد رجاله، درويش بوشلحة، بالتوجه إلى عين كفاع، ونزع يد ~~الخوري مسرح، وطرده طردا إذا رفض الامتثال لأمر الحكومة والبطرك. # ولما تناول فارس آغا هذا الأمر جاءته شحمة على فطيرة، فركب دابته الشهيرة، ومضى في طريق ~~عين كفاع، ولما بلغها ولم يعثر على الخوري في بيته؛ لأنه كان لائذا ببيت أحد أقاربه، صاح ~~بصوته الجهوري من بعيد: اليوم يوم الدينونة يا خوري يوسف! والله العظيم وبالغ كل يمين؛ ~~لأنزع لحمك عن عظمك. # وثنى درويش على كلام الآغا بقوله: معنا أوامر أن نحش لحيتك إذا اقتضى الأمر، فسلم ~~تسلم. # وقام الخوري إلى الفراش ليتوارى عن نظر الآغا، ولكنه لم يملك قواه الطبيعية فارتجل حاجته، ~~قبل أن يصل إلى فراشه، فزعا. وما أن طلع الصبح حتى كان الخوري يسير في طريق جبيل. # واستدعى الآغا شيخ الصلح والولي الجديد فسلمهما البيت، وذهب الخوري مسرح شريدا طريدا ~~كاليهودي التائه. # أما عقارات الوقف كلها فأجرها الولي الجديد، الخوري لويس إبراهيم، إلى اثنين من أهالي ~~عين كفاع هما: يعقوب أرسانيوس، وطنوس فارس عبد الله. ثم تفرغ أحد الاثنين إلى الآخر، ~~فأصبح طنوس فارس عبد الله - سيد حارة خوري مسرح - نصير قرياقوس على طنوس فارس. # وكانت الوقفية سبب شقاء هذا الأخير، فمات قطيعه المائة رأس عن آخره، ولم يبق منه رأس ~~واحد ، ثم دعي هو إلى المجلس العرفي ظلما وبهتانا؛ حيث سجن مع بعض أولاده. # ولم يطل الحين على دخول تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا في حرب سنة 14، حتى عزل أوهانس باشا ~~آخر حاكم دستوري على لبنان، ودخل العسكر التركي الجبل، وقضي على استقلال لبنان ~~الصغير. # وطارت البشائر إلى إسطنبول بأن جيش جمال باشا، قائد الأوردي # 3 # الرابع، قد دخل لبنان بلا مقاومة، في حين أنه لم يكن للبنان جيش، ليقاوم ... وما ~~كان لبنان يوما إلا قوة معنوية يدعمها الحق والدول الكبرى السبع. # أما ما حصل بعد ms119 هذا الفتح العظيم - فتح لبنان - فأخذ البطرك الحويك من مقره في الديمان ~~كالأسير؛ ليقابل جمال باشا في صوفر. وفي آخر ساعة عدل جمال عن تسييره مع قافلة الشهداء، ~~واكتفى بنفيه المعنوي إلى قرنة شهوان. وأعطى جمال البطرك، غصبا عنه، فرمانا سلطانيا كان ~~قد امتنع عن أخذه جميع بطاركة الموارنة منذ وجد الحكم العثماني. # وعندما حاول موارنة الشمال أن يحولوا دون ذهاب غبطته إلى صوفر قال لهم البطرك: كل مكان ~~يأخذوني إليه فيه الله. # أكبر الموارنة خرق امتيازهم المدني، وأكبروا أكثر خرق امتيازاتهم الطائفية؛ لأنهم كانوا ~~دولة في قلب الدولة. فماذا يعملون وقد جاء من الطبل ما أسكت الزمر! فالحصار البحري مضروب ~~عليهم، والحصار البري يحول دون وصول القوت إليهم؛ فمات نصفهم جوعا. # لا أريد ان أتحدث عن ويلات الحرب الأولى إلا بمقدار ما تتصل بحكاية أبطالنا الثلاثة: ~~الخوري، والآغا، وملك العسل. # عم الجوع الإقليم المسيحي في لبنان فأكل الناس ما لا يؤكل، ولا أسمي ما أكلوه لئلا ~~يتقزز القارئ. ما عفوا عن شيء حتى الجيف، وما في الفرث # 4 # من حبات شعير غير مهضومة. لم تعطهم الدولة العلية قوتا، بل صادرت كل شيء ~~عندهم إلا الحبوب؛ لأنها ليست عندهم ... صادرت البقر وصادرت الخيل والبغال والحمير، والزيت ~~والدبس، وبكلمة عامة: أخذت ما أبقاه الجراد في تلك الحرب. # كانت تتهم المسيحيين باتصالهم السري بالحلفاء، فتسوق إلى سجونها من تأخذهم بالظنة، ~~ومنعت الأنوار أن تطل من الشبابيك؛ لأنها ظنت أن المسيحيين يتصلون بدوارع الحلفاء بلغة ~~الأضواء. وأخيرا انتهت إلى منع قرع الأجراس، ثم أمرت بإنزالها عن قبابها وتكسيرها ولكنها ~~لم تكسر. # ولما نفي البطريرك وماتت امتيازات جبل لبنان صارت شئون الأوقاف في لبنان مثلها في ~~الولايات المحيطة به؛ فاستيقظ ضمير خوري مسرح المنتقم، فشكا إلى الديوان العرفي في عاليه ~~طنوس فارس، متهما إياه أنه أخذ له 40 زير زيت. الزير يسع 80 رطلا شاميا من الزيت. وأنه ~~وأنه ... إلخ. # ثم استيقظت فيه شهوة الولاية على الوقف التي فقدها، فالتجأ إلى بعض وجوه بيروت ms120 النافذين ~~عند رئيس الديوان العرفي رضا باشا، وكذب على أصحابنا، الطيبي القلب، فظنوه مظلوما فأنجدوه ~~ببعض المال، وانتهى الأمر عند الاستيفاء بالالتجاء إلى قاضي الشرع، بعد سقوط ولاية البطرك، ~~فباع الخوري مسرح الوقف إلى الحاج حسين خريرو، وسجل البيع عند قاضي الشرع في برج ~~البراجنة. # وما تنعم الخوري بضعة أسابيع بمال الأيتام؛ حتى أصيب بالزنطاري وقضي عليه في بيته ~~بضيعته مسرح، ودفن في ذلك البيت دفنة غير مكرمة ... لم يحضرها غير أخيه، الذي طمره طمرا في ~~قرنة بيته، ولم يعاونه أحد من أهل القرية على مواراة جثته، وما سبب قلة هذه المروءة إلا ~~لأن أحدا منهم لم يسلم من شظايا دعاويه الزورية في الديوان العرفي. # أما قرياقوس، فبعد أن خربت مملكته وباع كل ما يملك في عين كفاع، نقل إلى البترون حيث عاله ~~الذي اشترى عقاراته كلها حتى بيت السكن، ثم مات محترقا في غرفة أسكنه فيها دائنه. # وأما فارس آغا، أحد فرسان حكايتنا الثلاثة، فوشى به أيضا الخوري مسرح مستندا من منعه من ~~المرور بلبنان، فأخذه عسكر الدراغون مكبلا إلى القشلي في بيروت. # وانتظر الناس عودته كغيره من الذين شردتهم ويلات الحرب العظمى الأولى، ولكنه حتى الآن ~~لم يعد ... # عين كفاع، 14 آب سنة 1959 ms121