######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.HibrCalaWaraq.Hindawi53526174 #META# Tags: literature #META# ID: 53526174 #META# Title: حبر على ورق #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حبر على ورق‏ # صندويش‏ # الأونسكو وإنتاجنا الأدبي‏ # بقرة وعنزة‏ # شبابنا الحائر‏ # شهوة الحكم‏ # الدنيا واسطة‏ # لا يحولون ولا يزولون‏ # سوس وقراد‏ # إقطاعية برلمانية‏ # كالعيس في البيداء‏ # حساب الحمص‏ # على هامش جلسة الثقة‏ # من أين لك هذا؟‏ # دجاجة الاستقلال‏ # بق البحصة يا شماس‏ # إميل لحود‏ # فوضى النياشين‏ # حامل وسام‏ # الجنود سياج الدولة‏ # سيكي الكلب البوليصي‏ # ديك يصلي ليلة عيد الميلاد‏ # صاحبنا الصيف‏ # ارفس الحواجز وامرق‏ # الشجر تتهم البشر‏ # كوافيرنا‏ # عثمان ومعاوية وأبو ذر‏ # أوانسنا وعوانسنا‏ # بمناسبة العام الجديد‏ # موسم المقامرة‏ # رسالة إلى السماء‏ # كنوز مرصودة‏ # حبر على ورق‏ # صندويش‏ # الأونسكو وإنتاجنا الأدبي‏ # بقرة وعنزة‏ # شبابنا الحائر‏ # شهوة الحكم‏ # الدنيا واسطة‏ # لا يحولون ولا يزولون‏ # سوس وقراد‏ # إقطاعية برلمانية‏ # كالعيس في البيداء‏ # حساب الحمص‏ # على هامش جلسة الثقة‏ # من أين لك هذا؟‏ # دجاجة الاستقلال‏ # بق البحصة يا شماس‏ # إميل لحود‏ # فوضى النياشين‏ # حامل وسام‏ # الجنود سياج الدولة‏ # سيكي الكلب البوليصي‏ # ديك يصلي ليلة عيد الميلاد‏ # صاحبنا الصيف‏ # ارفس الحواجز وامرق‏ # الشجر تتهم البشر‏ # كوافيرنا‏ # عثمان ومعاوية وأبو ذر‏ # أوانسنا وعوانسنا‏ # بمناسبة العام الجديد‏ # موسم المقامرة‏ # رسالة إلى السماء‏ # كنوز مرصودة‏ # | حبر على ورق # | حبر على ورق # تأليف # مارون عبود # | حبر على ورق # يقولون لك: اكتب. وماذا تريدون أن نكتب؟ ومن يقيم وزنا لما نكتب؟ # تعود الناس أن يقرءوا ما يكتب بالقلم العريض، فماذا يؤثر بهم الهمز والغمز؟ الجلود ~~متمسحة، وهيهات أن تغرز الإبر فيها، فلا بد لها من المسلات. # كان والدي يوصي الفلاح حين يسلمه الفدان في أول الري ألا يكثر من النكز بالمساس ويقول له: ~~اسمه مساس يا نعمه، ومن اسمه تعرف كيف تستعمله. الفدان الذي تنكزه دائما يتعود، وهناك ~~البلاء. # أنا أعتقد أن كثرة الكتابة وخصوصا تلك التي تكتب بالنبوت لا تؤثر بأحد، وخصوصا في هذا ~~الزمن الذي انهارت فيه المثل العليا وقل الحياء، ألا يسمون الكذاب داهية، والدجال سياسيا، ~~والوصولي ألمعيا، والانتهازي عبقريا، والأنوف الأبي، حمارا لا يعرف يعيش! # ماذا تريدون أن نكتب لمن يطمسون ما نسطر بكلمة عابرة ms01 ؟ حكي جرائد؟ إن الذي كان يتوارى حياء ~~إذا لاكت اسمه ألسنة الناس قلما تجده في هذه الأيام. # غفر الله ذنب ابن الوردي الذي جنى على العدالة حين قال: # إن نصف الناس أعداء لمن # ولي الأحكام هذا إن عدل # فأمسى يتمثل ببيته هذا كل مسيء ممن يلون الأحكام. أعرف واحدا كان متهما في نزاهته، وقد ~~رأيته في مساء يوم لهجت فيه الصحف بسوء، فقال يعتذر عن ذلك: إرضاء الناس صعب. المسيح لم يرض ~~كل البشر، وما سلم من لسانهم، فكيف تطلب ذلك من هذا العبد الحقير. # فقلت له: ضميرك مرتاح؟ # فقال: جدا. # فسكت. # فقال: ما بالك، يظهر أنك مصدق ما كتبوه عني. # فقلبت شفتي وهززت كتفي. # وفي صباح اليوم الثاني رأيته متصدرا إحدى الحفلات وقد أقيمت تحت رعايته، فكالوا له ~~المديح بالمد. كان مطمئنا جدا في تلك الجلسة ينظر وكأنه يتمثل بقول النواسي: # خير هذا بشر ذا # وإذا الله قد عفا # رحم الله ذلك الزمان، يوم كانوا يشهرون الساقطين من أعين الناس فيركب المفلس حمارا، ~~ويطاف به في شوارع المدينة في محفل مهيب. تمشي وراءه صبيان الأزقة ويحييه أصحاب الدكاكين ~~بالبيض المذر، والبندورة المهترئة، والصرامي العتيقة. في تلك الأيام كان الرجل إذا مس اسمه ~~هرول إلى المحاكم ليقيم دعوى الافتراء ليسلم شرفه الرفيع من الأذى. أما في هذه الأيام، فمن ~~يطعن به يضحك ويهزأ، والذي تمدحه لا يبالي، فكأن الكلام أمسى لعبة أطفال ليس غير. # ومع ذلك يقولون لك: اكتب. وماذا تريدون أن أكتب؟ ولماذا أكتب؟ ألأعيش؟ # إن صاحب النبوت أرفه مني حالا. إنهم يحتاجون إليه حيث لا يغني عنه غيره، فيعلفونه ويظل ~~معلوفا موقوفا ذلك اليوم. # والمقاس أحرى مني بالحظوة والالتفات لأنه يجالسهم ويهدر مالا كما يهدرون، والماجن أقرب ~~إليهم؛ لأنهم يرون فيه الجليس الأنيس. # الأديب، وما هو الأديب؟! أما قالوا قديما: أدركته حرفة الأدب. إننا في بلد، آخر الناس ~~فيه رتبة، حامل القلم. # كنت عزمت على ألا أخوض هذه الغمرات لأنني لا أحسن السب والشتم ونحن في زمن لا ms02 يفهم ناسه ~~إلا هذه اللغة، وأنا لا أحسنها. شعاري: # العبد يقرع بالعصا # والحر تكفيه الملامة # ولكن أحرار هذا الزمان تعودوا التقريع، فأية فائدة ترتجى من الكتابة. ولهذا جعلت عنواني ~~الدائم (حبر على ورق). إحياء لذكر ذلك المجهول الذي قال هذا المثل، مثل: شهاب الدين وأخيه، ~~ولا عجب فالحبر والورق أخوان. # إن الكلمة لا تصير جسدا ما لم يتقمصها القارئ وتحل فيه، وإلا فإنها تظل حبرا على ورق. ~~وأين هذا القارئ من قارئ أمي يعتقد أنه فوق الأمة وعلى القمة. # | صندويش # صندويش على وزن سلسبيل. وكما جمعوا سلسبيل، سلاسب وسلاسيب، أريد أن أجمع صندويش، صنادش ~~وصناديش. الصندويش طعام المستعجل وزاده، يأكله كيفما يشاء، قاعدا، أو واقفا ماشيا، ولا ~~حرج عليه. # إن المأكولات المعدة في العلب، أغنت الكثيرين عن موقد يدب له بالحطب وقدر تراقب مراقبة ~~الرجل الغيران لزوجة فارك شاردة العين. إن زمن طبخ الهريسة مضى وراح، فالناس أمسوا على دين ~~امرئ القيس، بعد تلك القعدة على ثياب العذارى وإخراجهن من بركة دارة جلجل بالثوب الذي فصله ~~لهن ربهن. ثم كافأهن الشاعر على فضيلتهن تلك بذبحه ناقته لهن. # وظل طهاة اللحم ما بين منضج # صفيف شواء أو قدير معجل # إن الناس اليوم في حاجة إلى ما هو أسرح من ذاك القدير المعجل إلى صندويش يسندون به قلبهم، ~~لا إلى طعام يد ويدين يقعدون له. وكذلك قارئ هذا العصر، فإنه محتاج إلى ما يرفه عنه ولا ~~يتعب دماغه وأعصابه. إن أدمغة الناس أصبحت في أصابعهم، وستصبح العقول آلية متى رخص الدماغ ~~الإلكتروني، وصار في استطاعة كل واحد أن يقتني دماغا كما يقتني قلم الحبر - الستيلو أو ~~المداد - كما شاء بعضهم أن يسميه. # إن التفكير العميق مهدد بالاندثار كما كادت أن تندثر النياق والخيال والبغال، ولذلك رأيت ~~أن أفتح دكان صندويش أزود بها عابري السبيل، ويا لهف قلب الأدب من القراء المستعجلين. فلا ~~يستغربن القارئ، إذن، هذا العنوان الجديد. فهو مستعجل لا ينتظر حتى نطبخ، فلا يكاد يقول: ~~هات. حتى نجيب: خذ، فينتش ms03 ويكدم. # أظن أن المرحومة ستي كانت أبرع من علماء اللغة في انتقاء الأسماء الجميلة. أما سمت ~~الصندويش عروسا. أليس بين الصندويش والعروس شبه رائع. كلاهما ممشوق القامة، لذ المقبل. ~~ناهيك أن اسم العروس حلو الوقع في جميع النفوس ولا أحاشي نفوس الشيوخ مثلي. # وبعد، فأي صندويش نقدمه اليوم؟ إن السياسة طاغية على تفكيرنا في هذه الأيام، وإصلاح الوطن ~~وجهة الجميع، وكل يدعي وصلا بليلى. فالمثاليون منا ملتهبون غيرة على إصلاح الوطن حتى تعجز ~~الإطفائية عن إخماد نار حميتهم ... لست أنكر أن فينا من هم من هذا الطراز العالي، أما ~~الأكثرون فتنطبق عليهم هذه الحكاية. # ضاقت الدنيا بأحدهم فالتجأ إلى الدير لينخرط في سلك الرهبانية. # وبعد ألف يا ويلاه، اجتاز أزمنة التجربة الحادة التي يمر بها المبتدئ. وأخيرا هونها الله ~~وجاءت ساعة التكريس. ركع الطالب على درجة الهيكل أمام قدس الأب العام، فطرح عليه هذا السؤال ~~التقليدي: ما غايتك من لبس هذا الأسكيم - قلنسوة الراهب - يا أخي؟ # فأجابه الأخ بعين بلقاء: راحة جسمي وكبر بطني. # فمات الرهبان الحاضرون من الضحك، ولكن الأب عبس في وجوههم، فعادت الضحكات أدراجها، وقال ~~المحترم للأخ: ما هكذا يجاوبون يا أخي. قل: حبا بمريم العذراء وخلاص نفسي. # ونحن إذا عرضنا هذا السؤال على موظفي الدولة، فكم واحدا يجيبنا بغير ما يشبه جواب ذاك ~~الراهب الهارب من الفقر الذي لم يتعرف عليه الروح القدس، ولا مر بباب صومعته؟ # كنا نقول فيما مضى عند التعجيز: إن فعلت كذا أعطيك طربوشي، أو إن صار كذا أحلق شواربي، ~~ولكنني اليوم صرت بلا طربوش ولا شوارب، فما عساني أقول له، وعلى ماذا أخاطره؟ ليس له عندي ~~إلا صندويش لا يحلم بمثله، وهدية المقرف ليمونة حامضة. # | الأونسكو وإنتاجنا الأدبي # الكتاب يتيم مسكين في لبنان، وأين يبيت الفقير المعدم!! فالأوادم (الطازة) يبنون قصورا ~~مقببة لا يجد الكتاب فيها مكانا يسند إليه رأسه. والموظفون، كبارا وصغارا، بينهم وبين ~~المطالعة عداوة بيت الأعور، إذا أهديت إلى واحد منهم كتابا فلا يفض بكارته لأنه عنين لا ms04 ~~يأتي الكتب. # الأغنياء الطازة لا يطربون إلا لرنة الذهب، وخشخشة الورق النقدي. فاهد إليهم كتابا ~~يعلم الجمع، فما يجديهم كتاب أدب يلهيهم عن الطرح والضرب. # ماذا تقول في موظف كبير يحشر في زمرة الأدباء، تهدي إليه كتابا فتراه بعد حين عند غيره. ~~فوالله لو استطعت استعادة كتابي ذاك لزففته إليه ثانية بطبل وزمر. # يقولون: لبنان بلد الإشعاع، وأين هو الإشعاع؟! وأنت إذا دخلت بيتا من بيوت زعمائه فلا ~~تجد فيه إلا سلاحا عتيقا وحديثا، خناجر وطبنجات، بندقيات ومسدسات، قلما تجد إلى جانبها ~~كتابا أو كراسا. إني أرجو وآمل بعد أن سألتنا منظمة الأونسكو عن محصولنا الأدبي أن نخلص ~~من هزئهم واستخفافهم بالأدب. إذا قيل لهم: فلان عائد من أميركا وهو ملك الأحذية في دار ~~هجرته، حملوه وماركته المسجلة على الرءوس، وإذا قلت لهم: هذا الأديب رفع رأس المغتربين، ~~أشاحوا عنك وعنه بوجوههم مستخفين. # التقيت عند أحد صيارفة بيروت بتاجر لا يملأ العين سمته، فقلت للصيرفي: من هذا الذي تجله ~~كل هذا الإجلال؟! # فقال لي باستغراب وإعجاب: أرأيت (الكمر) الذي على وسطه، إنه محشو بالليرات الذهبية. فقلت: ~~المجد لك أيها الكمر. المجد لك. ورأسه كيف؟ فأجاب: أنا يعنيني خصره. # أبمثل هذا الرأس البور تنمو الكتب الأدبية؟! قالت الصحف: إن الجداول التي أرسلت إلى منظمة ~~الأونسكو تدل على أن الإنتاج الأدبي ضئيل في لبنان. قلت: ولماذا لا يكون ضئيلا، وأحد ~~الأدباء المتظرفين قد أعد خاتما يسم به وجه كتابه: هذا كتاب أهديه لأني لا أجد من ~~يشتريه. # يا لها من دعاية مرة، ويا ذل الكتاب في لبنان. حلو أنت ومر يا سعيد، ولكنك تغمز حمارا، ~~كما قال ابن العميد للصاحب. # الكتب يا منظمة الأونسكو موجودة إذا كنت تطبعين، فدور النشر طبعت وتطبع ما تستطيع، ولكن ~~الكتب الأدبية لا يقرؤها غير الأدباء والمتأدبين، وقلما يستطيع أديب شراء كتاب. وإذا بيع ~~كتاب استعاره العشرات من الناس. وهكذا تنام الكتب في مستودعاتها لا تحلم بغير مداعبة ~~الفئران ومغازلة الجرذان. # أرأيت كيف استحال بلد الأبجدية بلد ms05 موزو وتوميغان؟!! النافذون من الأمة لا ينشدون غير ~~جذعانها أصحاب الزنانير العريضة، والسراويل القرقية. أولئك هم الذين يكتبون المدائح ~~بالنبوت، ويخطبون بالبندقية، ويحيون بالمسدس، فتظهر (الشعبية) ويبلغ الأرب الرخيص. # | بقرة وعنزة # تأدبوا يا قضاة الأرض. هكذا صاح النبي داود في المزمور الثاني. والحكم ملح الأرض، هكذا ~~جاء في المثل. فمتى كانت لنا ضمائر حية عدلنا واطمأنت قلوبنا واستراحت نفوسنا القلقة، ~~ولهذا خلقت الموازين والسجلات. # إن في أعماق شخصيتنا يستقر ذلك الشيء الذي تواضع الناس على تسميته ضميرا أو وجدانا، ~~وهذا الضمير يقوى ويشتد إذا ظل الإنسان يدفع نفسه في طريقه إلى التسامي. الضمير تخلقه فينا ~~تربيتنا الأولى، ولكننا إذا أهملناه وتركنا محاسبة أنفسنا وتصاممنا عن سماع صوته، مات ~~رويدا رويدا وقضينا حياتنا في سكرة لا نستفيق منها إلا في السكرة الكبرى، سكرة ~~الموت. # إذا أراد واحد منا أن يمتدح رجلا ويثني على استقامته قال: فلان صاحب ضمير، وفلان ~~ضميره حي، كأنهم يعتبرون الطماع غير العادل ميت الضمير. # قد راقبت الحيوانات الداجنة فوجدت في تصرفات بعضها، أثرا للضمير أو الوجدان. فالكلب أو ~~الهر إذا أخذ خلسة ما لا يحق له أخذه، بدا عليه القلق والاضطراب حين يراه صاحبه متلبسا ~~بالجريمة. # وما الإقرار بالجنايات الكبرى إلا من عمل الضمير، ولولا ذلك لا يعترف مجرم بما جنت يداه. ~~وما العدالة البشرية إلا بنت الضمير، تلك الجرثومة التي تجعل من الإنسان ملاكا بشريا، ~~ومتى نمت فيه جعلته فوق البشر. # كان مكتوبا على تاج كسرى أنوشروان أربع آيات عرفت بآيات التاج، والآية الأمامية هي هذه: ~~العدل يدوم وإن دام عمر، والآية الورائية: الظلم لا يدوم وإن دام دمر. فحسب الملك ~~العادل أنه لا يحتاج إلى جنود تحميه وينام ملء عينيه. # ومن حكايات الفرس أن ملكهم أنوشروان ذهب ذات يوم في رحلة يصطاد، ولما حان وقت غدائه ~~افتقدوا الملح فلم يجدوه، فأمر أحد غلمانه أن يذهب إلى قرية قريبة ويجيء بالملح، ثم أوصاه ~~أن يشتريه بحقه، ولا يأخذه مجانا؛ لئلا يحيق الخراب بالقرية. # فقال الوزير: أبحفنة ms06 ملح تؤخذ بلا ثمن تخرب القرية؟ # فقال كسرى: هكذا بدأ الظلم في الدنيا، بدأ قليلا جدا، ثم تمادى الحاكم فيه حتى بلغ ~~الحد الذي نراه. # وحكي عن مار أفرام السرياني أنه كان سميك الذهن يقرأ ليل نهار ولا يعلق بذاكرته شيء. فيئس ~~من نفسه وقنط. وفي ذات يوم مر ببئر فرأى أثر الحبل في (خرزة) البئر، وقد حزها حزا عميقا ~~حتى كاد يبريها، فسأل امرأة كانت تملأ جرتها عما فعل بالخرزة هكذا، فأجابته: الحبل يا ~~أفرام. # فعاد أفرام أدراجه وحمل كتابه إلى البرية حيث اتخذ له مقعدا على صخرة قائمة على كتف واد. ~~وهناك ظل يدرس سنوات، ولكن بقرة لجاره كان يسرحها فتأتي وتعكر عليه وحدته بخوارها، وبينا هي ~~على شفير إذا بأفرام يصيح بها صيحة ردد الوادي صداها فاضطربت البقرة واختل التوازن فتدهورت ~~إلى الوادي وفكت رقبتها. # وجاء صاحبها يندب حظه وبقرته التي كانت كل رزقه. وراح أفرام يساعده على سلخها وتقصيبها ~~محاولا بذلك طمس معالم جريمته. # وخلا لأفرام الجو زمنا وكان له الهدوء الذي أراد بعدما قضى على البقرة. وتفتقت براعم ~~مواهبه فصار ذلك الشاعر المسكوني. ولكن جناية ارتكبت وكان أفرام واحدا من المتهمين فزج في ~~السجن. وطال الحبس فأخذ أفرام يناجي ربه متذمرا من الظلم؛ لأنه بريء مما اتهم به. # وطالت الصلاة والنجوى، والسجن لم تنفتح أبوابه، وأفرام يتألم ويصرخ إلى ربه يسأله الفرج. ~~وفي هدأة الليل بينما كان المسجونون يغطون في نومهم ركع أفرام يتضرع إلى ربه بحرارة ويبكي ~~وينتحب ويقول: أنت تعلم يا رب أنني بريء، فكيف تتركني في ضيقي. أنا مظلوم يا رب، أنا لم ~~أسفك دما كما اتهموني، فمد يدك يا الله وافتح باب حبسي. انتشلني من جب العذاب كما انتشلت ~~يوسف، وأنقذني كما أنقذت دانيال. # أنت وحدك تعلم أني بريء من هذه التهمة فنجني إذن. أين قدرتك يا الله؟ أيقتل الناس بعضهم ~~بعضا ويجازى عبدك. # وبينا كان أفرام في معمعة هذه الابتهالات إذا به يسمع هاتفا يقول له: والبقرة يا أفرام!! ~~فأصغى ms07 أفرام إلى الهاتف وهو متعجب كأنه يتساءل، فإذا به يسمع من يقول ثانية: نعم، البقرة ~~التي قتلتها يا أفرام، وشاركت صاحبها في سلخها كأنك لم تقترف إثما. # فتذكر أفرام جريمته وخر إلى ذقنه يبكي. استيقظ ضميره وعرف أنه يكفر عن ذنب قديم كان نسيه، ~~ولكن الله لا ينسى. # واستحال سجن أفرام إلى هيكل توبة فنظم في استرضاء ربه من شعر الكفارة شيئا كثيرا. قبل ~~سجنه بريئا، وأخيرا تطهرت نفسه، واعترف المجرم بجنايته وخرج أفرام من سجنه خروج الذهب من ~~النار. # وفي حكاياتهم أمثلة كثيرة على العدل ومحاسبة الله ملوك أرضه عما فعلوا في عباده. حكي عن ~~عبد الله بن عمر أنه حينما اقتربت المنية من والده سأله متى يراه بعد موته؟ فقال عمر: أراك ~~يوم القيامة إن شاء الله. # فقال عبد الله: وددت لو أراك قبل ذلك. # فقال عمر: إذن تراني في المنام بعد يومين أو ثلاثة. # ومات الإمام العادل ومضت الليالي الثلاث ولم ير عبد الله أباه، وبعد اثني عشر عاما جاءه ~~في المنام فسأله ابنه عبد الله: أما قلت لي يا أبت، إنني أراك بعد ثلاث ليال من ~~موتك؟ # فقال عمر: لم يكن لي الوقت يا بني، كان ربك يحاسبني عن جسر تهدم أثناء فتح العراق ولم ~~يصلحه العمال وقد عثرت به عنزة فكسرت ساقها. # الله الله ... فكم من رقاب تفك في هذا الزمان، وكم من نفوس تزهق بسبب إهمال العمال، وليس من ~~أحد يحاسب نفسه حتى كاد العدل أن يتوارى. # وقد قرأت في أيام الصبا، حكاية يونانية كتبت لحث الناس على العدالة. قيل: إن العدل ساد في ~~إحدى المناطق الرومانية حتى كان القاضي يحضر إلى مجلسه ويتربع فيه، ثم لا يمثل أحد بين يديه ~~فيرجع إلى بيته. وأخيرا أذاع أنه مقيم في بيته، فإذا شاء أحد أن يرفع إليه ظلامة فما عليه ~~إلا أن يشد حبل الجرس، فيخف القاضي إلى استقباله وسماع شكواه. # وانقضى الشتاء ولم يدع القاضي أحد. وجاء الربيع فنبت العشب حول حبل الجرس فغطاه ms08 . وفي ذات ~~يوم سمع القاضي صوت الجرس، فخرج ليرى من الطارق، فإذا هو بغل خلي سبيله ليرعى. البغل مهزول ~~ما عليه غير جلد منشور على عظم. عمل حتى أدركته الشيخوخة، ولما لم تبق منه بقية ألقى صاحبه ~~حبله على غاربه وصرفه من الخدمة، وظل القاضي يفتش عن صاحب البغل حتى وجده، ولما مثل بين ~~يديه حكم عليه وأجبره على إطعام بغله. # إنها حكايات، وقد تكون أساطير، ولكنها كيفما دارت بها الحال، تعلمنا درسا ساميا. # كلنا نطلب العدل، وقلما نجدنا عادلين في أعمالنا. فالعدل يجب أن يسود في كل مكان. في ~~البيت، في الشارع، في الهيكل، في المحكمة. لا يطلب العدل من الحكام - وحدهم - بل علينا نحن ~~جميعا، أن نكون عادلين، وقديما قالوا: لو أنصف الناس استراح القاضي. # | شبابنا الحائر # انقضى موسم الشهادات وانتهى كما ينتهي كل موسم في إبانه، فإلى الذين خرجوا من معارك ~~الامتحان سالمين غانمين نقدم تهانينا. وإلى الذين خانهم الحظ - كما يزعمون - تعازينا بأسف ~~غير عميق. أما قال الحكيم العامي: إن فاتك عام فاستبشر بغيره. فإلى العمل الجدي أيها ~~الإخوان، فالرجل المنتظر هو من يقع ويظل ثابتا حيث هو. # ستظفر يا أخي بشهادة إذا انصرفت إلى الكتاب، ولم تتلفت إلى هنا وهناك، ولم يكن وكدك في ~~الصيد منذ اليوم، دع أخبار ابن أبي ربيعة التي يفرضها عليك المنهاج، واقرأها عملا بالواجب ~~ولا تعمل بها. ولكن ما لنا وللمنهاج فأنتم شباب اليوم ترمون إلى أبعد من عمر، تراسلون ~~الفتيات الأوروبيات وتنتظرون الجواب قبل موعد الدرس. وإذا أبطأ عليكم فتشتم عن عنوان ثان ~~وكتبتم إلى التي تعرض بضاعتها على كل قارئ، وقعدتم تنتظرون ساعي البريد لعله يفتح لكم باب ~~الفرج، ومن أين تدخل الشهادة التي تنتظرون. # من ينكر حب هذه البقعة اللبنانية للعلوم والآداب. فمنذ عصور ودهور، وبيوت العلم تشاد فيه. ~~واليوم ألسنا نرى على كل قمة مدرسة تطاول قممه الشاهقة، وفي كل بطحاء دور علم مفترشة كلكلها ~~كما قال الأخطل في عبد الملك، وفي كل مدينة عددا عديدا ms09 من المدارس تكاد تضاهي الحوانيت ~~والمخازن عدا. أما العاصمة فلا تسل عن معاهدها فقد أصبحت أكثرها كليات ولم يعد يرضى ~~أصحابها باسم مدرسة، وكل هذه الدور محشوكة بالطلاب حشكا تزاحم بعضها بعضا لتحصل على أكبر ~~عدد ممكن من الطلاب والطالبات. # لا يدرج الطفل عندنا حتى يحبسه والده بين جدران مدرسة، وهناك يطوي الأيام وينشر الأعوام. ~~يظل يخرج من المدرسة ثم يعود إليها إلى أن تقبل السنة الأخيرة، وينال شهادته النهائية التي ~~يحسبها ثروته العظيمة. تتمثل له آلاف الدنانير كارجة بين سطورها، ويرى كل حرف من حروفها ~~يضارع أشهق قصور إسبانيا، وعلى هذه الآمال يخرج من المدرسة إلى مدرسة الدهر. # في موسم الشهادات تفعل المدارس كما يفعل المزارع تماما. هذاك يكوم حنطته المدروسة على ~~بيدره، والمدارس تغربل محصولها أولا. تغربله وتصدره إلى العالم أكياسا. وذوو الشباب تملأ ~~صدورهم الآمال بالغد، فقد أنفقوا الكثير مما يحبون حتى رأوا في يد ابنهم هذا السلاح الثقافي ~~الذي يقاتل به في حرب المعاش. يتخيل الأب كل حرف من شهادة ابنه مبلغا ضخما من المال، وأنه ~~متى تخرج الصبي يقبر الفقر. # ها قد طارت الطيور بأرزاقها ولكن إلى أين؟ أفلت الصبي من القفص فانزاح برقع الوهم عن ~~عينيه فنظر إلى العالم مدهوشا وتمثل لعينه حرج موقفه، فبهت ووقف وقفة المتحير إذ لاح له ~~نور مستقبله الضئيل. الآن درى أن الشهادات كالأوراق المالية. فبقدر ما وراءها من الذهب ~~المرصوف في خزائن الدولة، تكون قيمتها الحقيقية، وها هو يعرض ما في يده في الأسواق والله ~~أعلم بالمصير. # فماذا يصنع يا ترى؟ أيتعلم فن الطب؟ ربما أنه لا ينجح وأمه لا ترضى، لأن الطب يقتضي ~~تحصيله الزمن الطويل، وهي مستعجلة حتى تفي الديون وإلا راح البيت وبستان الليمون وكرم ~~الزيتون. # هل يدرس علم الحقوق؟ فعمه وأبوه لا يرضيان. عرفا أن البعض قد دنسوا هذه المهنة الشريفة ~~حين اتخذها وسيلة لابتزاز أموال الأيتام وتحميل الناس أحمالا ثقيلة. # أيكون مدرسا وهو يعرف ما كان يكابده أستاذه من الأتعاب وإعمال الفكرة ليبين ms10 له غوامض ~~دروسه ناهيك أن الراتب طفيف، ولربما أنه لا يجد مدرسة يدرس بها؛ لأن التدريس صار حرفة من ~~ليس له حرفة، والرواتب كمشاريع الحكومة توضع في المناقصة. وجنابه لا يقنع بالقليل، وأهم من ~~كل ذلك أن بضاعته قليلة وهو غير واثق من نفسه. # أيرضى بعمل عند أحد التجار مدة ليختبره؟ لا. لأن والده أنفق عليه ثروته حتى تعلم هذه ~~العلوم وهو أيضا لا يطيق أن يكون مرءوسا. وإن رضي بتأسيس محل تجاري يعارضه والده وعمه ~~وابن عم أمه زاعمين أن بعض التجار يبيعون الذمة والضمير ويلجئون أخيرا إلى الإفلاس ليأكلوا ~~مال الناس. وقبل وبعد فمن أين له رأس المال؟ # أما الوظيفة فقد حاول إدراكها فما أدرك إلا غبارها، إنها كالنعامة ومن أين له خفة الرجل؟ ~~وجد خلف كل كرسي ألفا من أمثاله، وكيف يصل وهو مقطوع الظهر؟ فالخلاصة إذا عزم الشاب على ~~عمل ما يصادف أمامه من المصاعب جبالا فيطرق مدة طويلة دون أن يفتح الله عليه. # أما إذا غضب الله عليه ومال من صغره إلى الشعر والكتابة فهناك النجاح العظيم، وكيل المال ~~المد بالمد. إنه يقضي حياته سابحا في البحر (الطويل) مسترسلا إلى (المجاز المرسل) طامعا ~~بالدر من بحر (الوافر) (هازجا) في أودية النجاح، وإذا أعياه الوزن ففي (الشعر المنثور) ~~نثار الدر والعسجد. وهكذا يعود خائبا؛ لأن مدرسته لا يعنيها النظر إلى شئون الحياة، فما ~~علمته غير النظريات والعصر عصر العمل. ما تعلم غير أدب وبحوث اجتماعية تنأى به عن المهن ~~التي تطعم خبزا. لقد غرست المدرسة في نفسه ما غره منها، فأصبح يرى العمل مهانة تحط من قدر ~~شهادته التي لا يليق بها غير كرسي واسع يترهل عليه. # يدخل الفتيان المدارس وفي نيتهم الهرب من كل حركة يدوية. يرون في الصنائع عارا عظيما ~~إذا لم يكتب لهم النجاح في العلوم، وتطمح أنظارهم إلى المراكز التي ألقيت عهدتها إلى رفاقهم ~~الناجحين، فيقفون عن العمل ويأخذون يقيسون الشوارع عرضا وطولا، يمسون على أمل ويصبحون على ~~فشل، وربك أعلم بالنهاية ms11 . # فيا أيها الشاب الغيور إذا كنت تطمع بمركز رفيقك، فلماذا لم تتشبه به أيام كان يسهر ~~ليحصل، وأنت منبطح على (طبقتك) لا تبالي بالدرس خوفا على صحتك الغالية، وعملا بقول المثل ~~(حمار طيب خير من فيلسوف ميت). ألم تتمخض بك أمك المدرسة بضع عشرة سنة نظيره، وإذا بك أنت ~~تولد مسخا ويا للأسف. أما سمعتما شروح معلم واحد فما هذا التفاوت بينكما؟ لقد صدق المثل ~~الإنجيلي بك، فأنت كالعذارى الجاهلات تذهب اليوم إلى العرس ومصباحك لا زيت فيه! # وإن قلت: كان رفيقي ذكيا مجتهدا فنحن نعذرك على هذا، ولكنا نلومك على البطالة، فدونك ~~الصنائع إذ لا بد من أن تجد حرفة توافق ذوقك. ليست الصنائع تحط من شأنك (زادك الله علاء) ~~فكل عمل محلل هو شريف، أما العار (يا صاحبي) ففي البطالة. أما سمعت المثل الذي يردده أبوك ~~وجدك على مسمعك. اشتغل بنحاسة وحاسب البطال. # فلماذا نطمح حيث لا يحمد الطمع، ونقنع حيث تضر القناعة. أتقنع من العلوم بالقشور وتطمع ~~بلباب الرواتب الضخمة، هذا هو الجهل الفاضح ورابع المستحيلات. إنك ترى العمل الصغير محطا ~~من قدرك السامي؛ لأنك تعودت الترف وهذا هو النقص في تربيتنا البيتية. تخلع كل يوم بذلتين، ~~ولكل حصة من النهار عندك ملبوس، وقد صح فيك قول الحريري: ألبس لكل حالة لبوسها. خبرني عن ~~عدد قمصانك وربطات رقبتك، ومناديلك وجواربك، وبوطاتك اللماعة وغير اللماعة. # وهنا فليسمح لي الآباء أن أعنفهم. فهم الذين أوصلوا أولادهم إلى ضيق اليد، أرادوا أن ~~يكبروا نفوسهم بالملبوس، فأضاعوا الفلوس ورموا بهم في هذه الهوة. # لقد عاشوا صغارا مدللين ثم درجوا (مدلوعين مهروقين) وشبوا اتكاليين وعاشوا في ظلنا ~~منعمين. # خبرني لبناني هاجر وعاد إلى الوطن غانما قال: كنت أتاجر بالثياب الجاهزة متنقلا من ~~مزرعة إلى مزرعة في أرياف البرازيل، أبيع العمال فيها بالدين، وأقبض في نهاية الشهر من صاحب ~~المزرعة، والمزرعة هناك مقاطعة كبيرة. فقلت: لا بد من تقديم هدية لابن هذا السيد، فاشتريت ~~طقما من الجوخ الممتاز وحملته إليه في آخر الشهر ms12 . فما رآه الخواجه حتى صاح: ما هذا؟ قلت: ~~طقم للمحروس خورخي، اشتريته له خصيصا لأنني لا أبيع إلا ثيابا عمالية من الكتان ~~الأسمر. # فقال: يا صاحبي، هذا ليس ملبوس ابني، لا أريد أن يتعود ابني لبس الجوخ فتيا؛ لئلا يعرى ~~شيخا. ضب الطقم وبعه ممن تشاء. ثم نده ابنه فجاء، وقال له: نق طقما من هذه الثياب. فانتقى ~~واحدا. وهكذا جبر خاطري ولم يرد أن يعود ابنه (الجخ) صغيرا، فعاد الفتى إلى مراقبة ~~الألوف من عمال مزرعة أبيه والعمل معهم، ولم يضع فرصة الصيف. # أما نحن فنرى القعود هو الحرفة الشريفة، وأن الفلاح والخادم والعامل ليسوا بشرفاء. وهذا ~~الداء فاش بين طلاب المدارس، ولهذا إذا رفع الله مرءا بماله أو وظيفته لا يرجع إلى عمله ~~القديم إذا عانده الدهر. يا حبذا لو كان التلامذة عندنا يشتغلون كابن هذا المزارع ~~المليونير أو كالتلامذة الأميركيين. وهنا أذكر حكاية قرأتها في إحدى الصحف منذ نصف قرن: ~~أقبلت المواسم في بعض جهات الولايات المتحدة، فاضطر الفلاحون إلى ازدياد الفعلة لحصاد ~~المزروعات فنشروا إعلانا يقولون فيه: إنهم يدفعون أجرة الحاصد في النهار خمسة دولارات - ~~هذا قبل الحرب الأولى - فما طرق هذا الخبر مسامع طلبة الكليات، وكلهم أبناء بيوت غنية حتى ~~تسابقوا إلى العمل وحصل كل منهم نصيبه. # أما نحن فقد قتلتنا القنفشة، ديوك حبش، إذا علونا فترا تسامينا كيلومترا. فنحن نزوج ~~أولادنا وننفق عليهم ولا ينفصلون عنا. وهم يفصلونهم عنهم متى رشدوا، ويكون البيت مثابة لهم ~~إذا شاءوا ولكن ببدل. إن ابن تيودور روزفلت ترك ثروة أبيه ولم يتكل عليها، وأراد هو أن ~~يكون مستقبله كما كون أبوه مستقبله. أما نحن فلا يفارقنا هم أولادنا، يرافقنا حتى ~~نغمض أعيننا آخر إغماضة. قد سمعت واحدا بلغ السبعين يبكي أباه الميت الذي جاوز التسعين ~~قائلا: يا أبي. وص أصحابك في. # وقال لي أحد أصدقائي وهو أديب كبير عندما زار مكتبي، سمعته يتأوه فقلت: ما لك؟! فأجاب: ~~بعت من مكتبتي كتبا نفيسة بألف ليرة ذهبية حتى زوجت الصبي ms13 . # فقلت له: لو كنت أميركيا لما عناك أمره، ولما أخرجت كتبا كانت هي أساس شهرتك ومنها أتت ~~ثروتك الفكرية. # فقال: وليتك تعلم ماذا صار فيما بعد! # فأجبته: دعني يا سيدي من ماذا صار! صار أن الأب يحب ابنه، والابن يحب زوجته، والزوجة هي ~~وذمتها، وحسبك الله يا محمد! # فبفتيان العالم الجديد فليتشبه طلابنا، وبآبائهم فليقتد آباؤنا. ولعله من هنا قد جاء ~~إخفاق المتعلمين المهاجرين حتى سمعنا أن فلانا الذي تخرج في الكلية الفلانية هو في حالة من ~~الفقر يرثى لها، والمعاز الأمي الذي لا يعرف الألف من العصا، صار في غربته صاحب دور وقصور، ~~ومزارع ومعامل، وشركات ضخمة. هذا الجاهل يطأ الشوك بأخمصيه غير مبال بالصعاب، وذاك - وهو ~~صاحب الشهادة المتنعم في نشأته - تنفخه العظمة الكاذبة ولا يبالي إلا بتركيز القبة وربطة ~~الرقبة والنظر في المرآة ليرى إذا كانت منسجمة مع ثوبه وبوطه وكلساته. # إن النجاح موقوف على العمل، أي عمل كان، ونحن لا عمل ولا ثبات. دأبنا الشكوى من ضيق ~~البلاد، وبطء الحركة، غير عارفين الحقيقة كطفل أصيب بوجع في جسمه، فأخذ يشير طورا إلى ~~رأسه، وحينا إلى معدته، فلم هذا الكسل؟! أليس من الواجب على كل شاب، إن غنيا أو فقيرا، ~~أن يجتهد في هذا العصر الذي لا يعيش به الإنسان إلا لنفسه؟ فمجد الأجداد (رحمة الله عليهم) ~~قد دفن معهم، والمستقبل أسد هصور يزأر في غاب الحياة، وهل يقنص الأسد غير الأسد. # فيا عزيزي الشاب الحائر، اسأل الله أن يهبك عملا تؤديه لا ملكا تقتنيه. المدارس ~~تعلم القراءة والكتابة، والكليات تدلنا على ما سنفتش عنه مما نحتاج إلى معرفته، وأنت ~~تتعلم لتحسن تأدية عملك على حقه، وهنا سر النجاح. # | شهوة الحكم # مقالي - كما تراه أيها القارئ العزيز - مثل مخازن السمانة، لا أعرف أنظمه على طريقة ال # ABC # لأن جدي علمني، أول ما علمني، الأبجد. فكما يقف ~~المحارب القديم مستعرضا الساحات التي خاض غبارها، كذلك أقف أنا اليوم. في مثل هذا اليوم - ~~9 شباط - ولدت أنا وازداد عدد ms14 النفوس في لبنان واحدا. وقفت أتذكر من عرفت فما بلغت آخر حسي ~~حتى رأيتهم يدرجون أمام عيني فرعبوني. هذا شيخ يدب على العصا، وذاك فتى عجل عليه الموت ~~فطواه الردى، وتلك عجوز صرت الشيخوخة ثنايا وجهها، وهاتيك فتاة ذبلت قبل إبانها. مئات بل ~~ألوف لم يضق عنهم بطن الأرض فصح فيهم قول شوقي: # فيا لك هرة أكلت بنيها # وما ولدوا وتنتظر الجنينا # في هذه المحطة التي أقف فيها كل عام لأودع عاما وأستقبل آخر، وقفت اليوم لا لأقيم حفلة ~~كوكتيل كما يفعل غيري بهذه المناسبة، بل وقفت فنظرت إلى أشباح الماضين، ثم استطردت إلى ~~المقابلة بين الأمس واليوم. # أنظر إلى ناس اليوم فأراهم غير الذين عرفتهم في شبابي. فالموظفون، مثلا، كانوا غير بطرين ~~ولا أشرين، ظلوا متواضعين لأنهم كانوا أغنياء فأفقرتهم الوظيفة، وليس لهم مورد غير معاشهم، ~~ولأن ميزانية ذلك العهد كانت كبركة اليمونة لا تزيد ولا تنقص كما يقولون. وزيادة ربع قرش ~~على مال الأعناق أو الأرزاق كانت تقيم البلاد وتقعدها. أما ميزانية هذه الأيام فكالعجين ~~المخمر يطف على حفافي المعجن فتزداد ملايين بعد الملايين. والمعاشات والدرجات تقفز قفز ~~القبابيط في اليوم القائظ. # وهذا الموظف الحديث النعمة الذي يظن أنه رب ثان على الأرض، يخر على أقدام من هم فوقه ~~ليحظى بالتحية ممن هم دونه. فلولا حبه الظهور لاكتفى بما يقبض ولم يلوث يده، وهذا الجيش ~~العرمرم من الموظفين ماذا يكفيه؟ فلولا وظيفته التي يستغني عن خدماتها لكنا نأكل ويأكل، ~~وننتقل وينتقل بربع التكاليف التي نرزح تحتها الآن. # إن هذا الثوب الفضفاض الذي فصلوه في ساعة طمع وكلب هو الذي سبب هذا العسر والغلاء. كان ~~معاش النائب خمسين ليرة فصار خمسماية، ثم جمز جمزة واحدة إلى الألف، وقس على هذا الوظائف ~~الأخرى عالية وواطية. أما العدد فيزيد وينقص حسبما تقضي الأهواء والأغراض. # والولائم لا أول لها ولا آخر، حكومية وشعبية. الحكومة تنفق من كيس الشعب والشعب بطران لا ~~يقتصد، يتشبه بعضه ببعض والتشريفات الشرقية هي طاعون الميزانية. علينا أن ms15 نزور ونزار ، ~~وعلينا أن نودع ونستقبل، وفي الحالتين لا بد لنا من إنفاق الملايين لنكون قمنا بواجب ضيوفنا ~~الأعزاء. كل هذا لم تقع عليه عيني في فجر عمري المديد. # إن هذه التقاليد الشرقية، وهذا التقنفش هو الذي أورثنا هذا الضيق. فماذا يضير الضيف لو ~~زارنا وزرناه برفع الكلفة دون أن تهتز الأرض للقائه؟ ترى ألا يصل بالسلامة إلى المكان ~~المقصود إذا لاقته مفرزة من الجنود وأخذت سلامه فصيلة ولم تحشد القوى كلها؟! # ثم ألا يشبع إذا أكل ثلاثة ألوان، عدا الحلوى والفواكه! والمشروب الوطني؟! ألا يصلح لشرب ~~الأنخاب ويساعد على افترار عن الثغر كما تساعد الويسكي والشمبانيا؟! إن كأس خمرة لبنانية ~~معتقة تعبئ الرأس أكثر من الشمبانيا الفرنسية وبنت عمها الويسكي والسكوتشية، ومع ذلك يقول ~~المغني: # ويسكي ما في # في عرق # لحم ما في # في مرق # رحم الله المصلح بنجامين فرنكلن الذي قال: كم من ضيعة ضاعت حين تركت النساء المغزل في ~~سبيل الشاي، وحين ترك الرجال المحراث في سبيل الكأس، أجل إن القرية اللبنانية خلت من سكانها ~~تقريبا، فالخوف والجهل والمرض متآمرون على سلامتها، يتصلون بالمكسيك تليفونيا، والقرية ~~التي تبعد ربع ساعة عن شط البحر لا تتصل بالطبيب ولا تعرف إلا وجه الجابي والمباشر. # فعلى الرءوس أن يكونوا قدوة للشعب ويقللوا من إسرافهم الذي يتشبه به صغار الموظفين، وما ~~أكثر الموظفين في لبنان. تقطع سرة المولود اللبناني على اسم الوظيفة، وقد ينذر لها في البطن ~~كما نذر شمشون الجبار لله. هكذا تحلم الأم اللبنانية بمستقبل ابنها، فليت موسى بدل بعض ~~وصاياه العشر لتصلح للتطبيق في لبنان. لا تشته وظيفة غيرك. لا تشته مال الشعب الذي وكلتك به ~~الحكومة. # عفوا إذا شبهنا الموظف بشمشون الجبار. وأي جبار يبلغ السماء طولا مثل الموظف، فهو يرى ~~نفسه فوق الناس، يزار ولا يزور ويعاد ولا يعود، ومن المخطئ يا ترى؟! هو أم نحن الذي نفتقده ~~في كل مناسبة؟ إذا حزن عزيناه، وإذا استوحى طرنا إليه وحشدنا قوانا لتأييده. كان بالأمس ~~أديبا كيسا فما ms16 عدا مما بدا حتى نرى منه هذا التزنبر! لقد أصابنا معه ما أصاب ذلك ~~اللبناني مع مشايخ ضيعته. كان في ضيعة من لبنان فلاح مكفي، تعشق مسايرة (المشايخ) حتى ~~الوله، واستطيب مذاكرتهم التي تثير الضحك على ما فيها من العبر. فأخذ يتعشى قبل الغروب ~~ليأتي بيوتهم ملس الظلام، ثم لا يعود منها حتى يتدهور الليل. # وكثيرا ما كان المشايخ يزأرونه ولا يحس، ويقابلونه بفجاجة ولا يشعر. يستحلي حديثهم، ولو ~~تماجنوا به وتنادروا عليه، وما كان يهتم في حضرتهم إلا بأن يقول كلمة جرت العادة في قولها ~~عندنا للشاربين: هنيئا يا سيدي، أو هنيئا لمن شرب، أو صحة وعافية، بحسب مراتب ~~الناس. # وأخيرا تعود المشايخ رؤية هذا الضيف، فألفوه، وتغير نظرهم فيه حتى صار في عين نفسه كأنه ~~واحد منهم، فطيف بالشراب عليهم جملة، ذات ليلة، فأدى صاحبنا مهمة: هنيئا يا سيدي، لكل واحد ~~منهم. ثم جاءت نوبته فشرب وأجال نظره فيهم فإذا هم في شغل عنه. ورأى أن يتنحنح ففعل، ثم ~~أح، ثم سعل. وما من يلتفت، فانشق صدره من الغيظ حتى عدا طوره وقال لهم: محسوبكم شرب يا ~~مشايخ! فأجابه أحضرهم نكتة وألذعهم نادرة: (كل عمره يشرب). فكركروا جميعا في الضحك، ولم ~~يفز صاحبنا منهم بكلمة (صحة) حتى بعد استجدائها. # فمن الملوم يا ترى؟ ألسنا نحن الملومين لأننا أعطينا هؤلاء الناس أكثر مما لهم. ألم يكن ~~سامي بك الصلح على حق حين قال: (إنه سيقترح على الحكومة تغيير اسم الموظف باسم خادم الشعب ~~حتى تسير قضايا الدولة والشعب في الطريق المستقيم). # فما معنى كلمة الوظيفة التي اشتق منها اسم الموظف؟ هي طعام ورزق محددان يتناولهما ~~المستعمل ممن استعمله، ومن يأكل طعامك وجبت عليه خدمتك. إذن الموظف خادم أمين شريف يأخذ ~~الجراية في حينها فيأكل رغيفه بعرق جبينه، وعليه أن يتم الأعمال في مواقيتها. أما الموظف ~~الذي يريد أن يسميه سامي بك خادما فقد سماه المعري، منذ ألف سنة، أجيرا. # الملبوس لا يعمل القسوس. فالبابا كان يوقع فيما مضى عبد ms17 عبيد الله ، والبطاركة والأحبار ~~وغيرهم يوقعون الحقير والفقير، والكردينال مري دلفال، وزير الفاتيكان على عهد بيوس العاشر، ~~وقع لي: خادمكم المطيع. # كأن سامي بك، وهو أستاذ الشرق اللبناني الأعظم، يريد أن يحد من أرستقراطية الموظف ~~وغطرسته حين فكر بهذا الاسم، ولكن أي موظف؟ ذاك الذي يتغطرس ويتفرعن، ويتسلطن كديك ~~الحبش؟! # أليس هذاك الذي قذفته سخرية القدر إلى دور الحكومة فجلس على طنافسها، بعدما كانت قوائم ~~كرسيه من خشب الحور الخام، ومقعدها حبال قش فتلت فتل شزر! # ومن ينتفخ كضفدع لافونتين؟ أليس ذاك الذي جاء السراي ببنطلون كأن قفاه خريطة جغرافية ~~للخطوط الحديدية، ثم صار حين امتدت يده إلى المال السائب يبدل كل يوم حلة؟!! # أليس ذاك الذي جاء منتعلا بوطا مفلطحا كأنه خف جمل، مرقعا كمداس أبي القاسم الطنبوري، ~~ثم صار اليوم من زبائن النجار وباتا، وأشهر الماركات المسجلة؟!! # أليس ذاك الذي كان يفترش أرض غرفته، وإن استراح نام على سرير ثرثار، كان يفر من تلك ~~الزريبة مع الفجر لئلا يفاجئه أحد فيها، ولكنه صار بنعمة (الأمانة) من زبائن أشهر مصانع ~~الموبيليا، ومخازن السجاد العجمي، وكل ذلك بفضل الغفلة وسوء التربية؟ # أليس ذاك الذي كان كابن الإنسان ليس له مكان يسند إليه رأسه، فصار صاحب دار وعقار وسيارة ~~وخدم، وهو إذا شبع من راتبه الشهري عري، وإن اكتسى جاع؟ # لا بأس بتسمية الموظف سيدا، إذا كان أمينا، أما أن نسميه خادما، ويده طويلة، فهذا ~~والله، كثير عليه يا بيك! # فمن المسئول عن هذه الكبرياء العارمة عند الموظفين، أليست النظم الحكومية التي جعلت درجة ~~رؤساء الجامعات رابعة عشرة حين زارنا عظيم من عظماء الشرق؟ ألم يأتوا بعد آخر موظف؟ # وفي أي مناسبة دعي واحد من رجال الفكر إلى تلك المآدب التي هي من مال المكلف اللبناني، ~~فكأن لبنان كان موظفا في مطاوي تاريخه ولم يكن فكرا. فساعة يريدون يتحدثون عن الإشعاع ~~وكأنهم هم راديوم المعرفة الذي لا ينقطع إشعاعه، وساعة يريدون يطفئون القناديل إلى حين كما ~~تفعل عجائز القرية في تساعية ms18 الميلاد، أو جمعة الآلام، حين يحضرن الصلاة في الكنيسة. # قلت: فوق أنهم لم يدعوا أحدا إلى مأدبة حكومية على وجه التعميم، مع أنني عرفت أنهم دعوا ~~مرة شاعرنا العظيم بشارة الخوري - الأخطل الصغير - إلى مأدبة ما، ولكنهم حددوا له ثوبا ~~بعينه. فكأن بشارة لا يكون بشارة الخوري إلا إذا لبس الفراك أو الردينكوت. نسوا أنه كسا ~~لبنان من قريضه حلة لا تبلى ولا تخلع. # نحن غرباء في وطننا يتمتع غيرنا بما نغذي به الصندوق من ضرائب ظاهرة ومستورة، ولا نحصل ~~على رغيف نفك به ريقنا. # ستر الله علينا وعلى حكومتنا التي أصابنا معها ما أصاب يوسف ساسين العاقوري مع رئيس دير ~~ميفوق في ذلك الزمان. زار الشيخ يوسف ذاك الرئيس فوجده مهموكا باستقبال سيدة جليلة اسمها ~~أم حنا، فلم يبال بالشاعر العامي، فنام الشاعر تلك الليلة على مضض. وفي الغد صعد إلى الخورس ~~وخدم القداس لرئيس الدير فأعجب بصوته وحسن ترنيمه. ولما بلغ (فلنقف حسنا بأجمعنا) صرخ ~~الشيخ يوسف ببيت نظمه هو على ذلك الوزن فقال: # جينا لدير ميفوق نتكنى # قدرنا الريس بيسأل عنا # وأنا عتبي على ربي # اللي ما خلقني مثل أم حنا # فهل نعجب بعد هذا إذا رأينا حركة سير الدولة لا تتعرقل إلا عند التعيينات والمناقلات. ~~فالتوظيف قوام الدولة عندنا. أقول الدولة وأعني ما أقول، فلم يقر لنا وطن بعد. وهل نعجب إذا ~~رأينا هذا التهافت على الوظائف؟ تصور أن واحدا خفيف العقل قعد مرة قدامي في إحدى الحفلات، ~~وشاء أن يعتذر عن تصدره فقال: لا تؤاخذني. بحكم الوظيفة. # ويا ليتك تعرف ما هو، كاتب صغير، قضى في المدرسة سنوات وظل يكتب أيضا أيظا. ولكن وراءه ~~لحية كالتي وصفها ابن الرومي، استطاعت أن تجلسه على كرسي سيقانها من قصب، فصار (ابن حكومي) ~~كما تقول والدته. # هذه نتفة من ذكرياتي يوم مولدي، وعش رجبا ترى عجبا. # | الدنيا واسطة # إنها كلمة تدور على رأس ألسنتنا وهي التي حطمت شخصيتنا وأفقدتنا الاعتماد على أنفسنا، ~~فأفراد العائلة يتوسط بعضهم لبعض. الابن ms19 يتوسط لأخته عند أبيه وبالعكس. والأم تلجأ إلى ~~بنيها والأب كذلك، وهكذا دواليك حتى إنه لا يطلب شيء في البيت من مرجعه مباشرة، ولا يذهب ~~أحد إلى الهدف توا. # فكرت في ذلك كثيرا لعلي أهتدي إلى موضع الداء فما وجدت لهذه العلة تعليلا إلا نشأتنا ~~التوكلية. فالوساطة والشفاعة طبيعية في الإنسان، وجدت فيه منذ البدء، منذ خلق الإنسان ~~الآلهة وجعلها من ذوات الاختصاص. فللزرع إله. وللخمر آخر. ولكل غرض من أغراض الحياة قديس ~~وولي حتى الحبل والولادة. ولما صار الله الواحد الأحد فوق الجميع تحول ذاك الاختصاص إلى ~~القديسين والأولياء فصاروا كالأطباء اليوم. هذا للأذن، وذاك للعين، وهذاك للرأس، وغيره ~~للصدر ... إلخ. # لم أجد تعليلا أقرب إلى الحقيقة من هذا. وإلا فلماذا نرانا نلجأ في حل أبسط قضايانا إلى ~~الواسطة؟! فإذا قلت لأحدنا: أنت يا صاحبي صاحب حق، فما حاجتك إلى الواسطة؟ أجابك وهو يأكلك ~~بعينيه: الدنيا واسطة، وإلا فلماذا نصلي إلى الله؟! ولماذا ننذر للقديسين؟ ولماذا نبتهل ~~ونتضرع ونقرع صدورنا؟! ولماذا نوقف أملاكنا في سبيل الله؟! ألسنا نفعل ذلك ابتغاء رضا الله ~~عنا وإدخالنا جنته ونعيمه؟ وإذا قلت لآخر: ولماذا تقف على الأبواب ما زلت تعرف أنك صاحب ~~جدارة وكفاءة؟ أجابك. إن لمزاحمي يدا قوية. هو ظهره قوي وأنا مقطوع الظهر. فما عساي أنال ~~إذا لم يكن لي شفيع عند أصحاب الحل والعقد؟ # أما سمعت بحكاية تلك المرأة؟ أراد أهل الحي الذي تقيم فيه أن يخرجوها منه؛ لأن مقامها رجس ~~عليهم لسوء سيرتها، فطلب القاضي من أهل الحي عريضة موقعة من عشرين أو ثلاثين رجلا ففعلوا. ~~وقبل الجلسة التي كانت في أيام نضج التين هيأت تلك المرأة سلة وعبأتها جاعلة في كل تينة ~~دينارا وحملتها إلى القاضي، ولما لم تقدر على الوصول إليه سلمت السلة إلى الحاجب، فأعجبه ~~تينها فأكل واحدة منها، فإذا بدينار يقع تحت أضراسه فأخذه. وجرب تينة ثانية وثالثة فإذا ~~الأمر كذلك، فتوقف عن الامتحان. أدرك أن تلك المرأة داهية من الدواهي، وراح يحمل الهدية إلى ms20 ~~القاضي وأنبأه بسرها الغريب، سر التين المحشو ذهبا. # ورفعت العريضة الموقعة من أهل الحي إلى مقام القاضي العادل وعليها توقيع ثلاثين رجلا ~~فقال القاضي: ولكن جاءني وفد يقارب الخمسين وجميعهم شهدوا بحسن سيرة المرأة فلا ~~تظلموها. # فقال الحاجب: وبقي ثلاثة أربعة عندي فلم يؤدوا شهادتهم. # تلك هي حالتنا. ننشأ على الاعتقاد بأن الدنيا واسطة فنلجأ إليها في كل موقف، وشعارنا ~~دائما: الغاية تبرر الواسطة. كانت الأستانة تعين متصرفا للبنان كل خمس سنوات، فتحمي سوق ~~الوسائط في لبنان. تهبط الوجوه والأعيان من طلاب الوظائف إلى بيروت فتراهم مصطفين على أبواب ~~القنصليات كعصفور العابور على قضيب الدبق، ونبدأ الاتصالات بالسفراء لعزل فلان وتنصيب فلان، ~~فالبطرك الفلاني يوصي بفلان وهذا المطران يريد غيره، ويجيء المتصرف فتعفر الجباه على أعتابه ~~والقلوب تدق، ثم يبدأ العزل والتعيين وهو في البحر إذ لم يكن في ذلك العهد رفع حصانة، ~~فالقانون في فم المتصرف. # وإذا كان حاكم لبنان غير أهوج مثل مظفر باشا تأنى قليلا، وطمع في غلاء الأسعار وكثرة ~~الهدايا، فالوظيفة في ذلك الزمان كانت أقصى ما يطمح إليه أبناء البيوتات في لبنان. يتنازعون ~~عليها وينفقون بغير حساب، ومن فاز بها كان صاحب المقام الرفيع. وهكذا طارت العقارات عقارا ~~إثر عقار، وصار الأولون آخرين والآخرون أولين. كانت الوظيفة في ذلك الزمان تأخذ ولا تعطي، ~~ولا تفجر الثروة أنهارا. # حكي أن الشيخ رشيد الخازن أوصت به السفارة الفرنسية في إسطمبول ليعود إلى قائمقاميته فخف ~~إلى البحر ليرحب بقدوم المتصرف الجديد، وكان ذاك المتصرف خفيف الرأس ابن حلال، فحين عرفوه ~~بالشيخ دق على قفاه، أي على جيبة بنطلونه الورائية وقال له: طمن بالك يا شيخ رشيد، أنت ~~هنا. # فانصرف الشيخ مطمئنا مرتاح البال. وانتظر حينا، ثم عاد ليسمع المعزوفة الأولى أي الدق ~~على القفا، وظل يروح ويجيء. وأخيرا عاد ليقدم الدولة المتصرف إصبعا ظنه إصبعا ذهبيا ~~لأنه ألف رؤية مثله، فانتفض المتصرف وقال: ما هذا يا شيخ رشيد؟! فقال الشيخ: هذا إصبع شربة ~~ملح إنكليزي يا أفندينا حتى ms21 تخرجني من ذلك الموضع. # وإذا كنا هكذا نشأنا منذ قرون فهل ينتظر منا العدول عن الواسطة في جميع أعمالنا؟ فنحن ~~متكلون على الواسطة والشفاعة منذ وجدنا، وقد كان القدماء يفرقون بين شفيع وشفيع، فهناك الذي ~~لا ترد شفاعته، بينما شفاعة غيره لا تقبل ولذلك قالوا: # ليس الشفيع الذي يأتيك متزرا # مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا # فإذا سألت واحدا عزل لارتكاب أو اختلاس، ثم عاد مكرما وارتقى درجات: كيف عدت يا هذا؟! ~~الحمد لله على السلامة. أجابك بكل رباطة جأش ووقاحة: كانت الواسطة قوية جدا. # وإذا سألت آخر: كيف وصلت إلى هنا، وليس فيك الشروط المطلوبة؟ أجابك بعين مفتوحة: كله خلط! ~~الدنيا واسطة. # ويجيئك واحد ويسألك: أتعرف فلانا؟ فتجيبه نعم أعرفه، فيفتح أمامك كيس بضاعته مستجيرا ~~بقوله: خلصنا. ما بقي إلا نتفة واسطة وبس. فبحياتك ساعدنا، أنت صاحبه، وينام على ~~يدك. # وإذا سألت غيره: كيف خلصت من تلك الورطة؟ أجابك: واسطتي قوية جدا جدا، والواسطة كما ~~تعلم غير منكورة. وكما في السما كذلك على الأرض! # وإذا سألت الحقوق المقبورة في الأدراج: أي سليمان حبسك في هذه القماقم حتى نمت هنا على ~~فرد جنب؟!! أجابتك: إنها كلمة قادر يقول للأمر: كن فيكون، بل قل: هي وحي يوحى، وهذه هي ~~الواسطة الكبرى. # هذا إذا كنت توفق إلى وسيط صادق، أما إذا كان من يشفع بك من الذين يأكلون الطعم ~~ويقضونها على الصنارة فالويل لك. إنه يحملك خازوقك على كنفك ولا تدري. تقتل الأيام بين ذهاب ~~وإياب وروح وتعال، تارة يستقبلك وطورا ينهزم ويتخبأ، وقد لا يحدث بشأنك أحدا ويزعم ~~لك أنه أقام الدنيا وأقعدها من أجلك. # لست مجنونا حتى أنكر فعل الواسطة وألوم من يتوسطون الناس في قضاء حاجاتهم، ولا أقول لهم ~~دعوها لأني أعلم أن الناس مطبوعون عليها، والغريق يتعلق بحبال الهواء. أما رأيت من يلجئون ~~إلى رسائل التوصيات ويزورون الوسطاء؟ أما يتوسل الناس بالسحرة ويعتقدون أنهم يمهدون ~~العقبات؟ # وأخيرا نقول: ما أكبر مصيبة من يئول إليهم أمر الحل والربط والتوظيف والعزل، ms22 فإن الناس ~~يقلقون راحتهم وراحة من عندهم من أهل حتى الخدم والحشم، حتى تتعذر عليهم الاستراحة في ~~بيوتهم. إن أولياء الأمور لا ينكرون ما قلت عن الواسطة، فكثيرا ما يصرحون أنهم يتكتمون ~~في إجراءاتهم خوفا من المتوسطين متزرين وعريانين. # مساكين نحن البشر! قرأت أنه صنع في الريو دي جانيرو كأس علوها متران ونصف، وهي معمولة من ~~مائة وخمسين كيلو من الذهب، ومرصعة بالجواهر حتى بلغ ثمنها المليون. ترى ألم يصنع هذا كله ~~واسطة للتقرب لله؟ مع أن حمل الله قال: أريد رحمة لا ذبيحة. # إذا قلنا: إن آغا خان ينتفع بالذهب الذي يوزن به فما حاجة القربان إلى كأس وزنها مائة ~~وخمسون كيلو، وعلوها متران ونصف المتر؟! وبعد ألسنا في حاجة إلى سلم يمكن الكاهن من ~~المباركة عليه؟ # أليس يحتاج إلى جرة نبيذ وصينية خبز؟ إنه منسف! # وأخيرا أقول: كل هذه وسائط مختلفة عرضا متفقة في الجوهر، والله الهادي إلى الصواب. ثم ~~كيف لنا أن ننكر الواسطة ما زالوا يزعمون أن الوسيط يخاطب الأرواح، وأنه إذا كان ملكة جمال ~~كان مستطيعا أكثر. وكان أقوى وأفعل لأن الله جميل ويحب الجمال. # ولولا الوسائط لم تكن عيال بأسرها، بل قرى ومدن وقصبات تستأثر بوظائف الدولة ومرافقها! ~~أما من ليس لهم يد وواسطة، فلينتظروا. # | لا يحولون ولا يزولون # قيل لي: أما أنا فما زرت أوروبا ولا غيرها. إنهم هناك يعينون في المخازن الكبرى مستخدما ~~(برسم البهدلة) فكل تقصير مع الزبائن ينسب إليه ويصب عليه الخواجه جام غضبه حين يشكو إليه ~~أحد إبطاء أو تأخيرا. وكذلك فعل بنو إسرائيل حين صبوا تمثالا سموه (تيس الخطية) فكانوا ~~يتمسحون به ليحمل خطاياهم عنهم، ثم يذبحونه ليبرءوا من ذنوبهم. وهكذا نحن نعيب زماننا ~~والعيب فينا، فلو تطهرنا من عنعناتنا عمليا لا قوليا، اختفت أعراض الطائفية التي هي ~~كالعر - الجرب - يكمن حينا ثم ينتشر. إن وباء الطائفية منتشر اليوم أكثر منه في كل زمان، ~~والطائفية عندنا. # كأهل النار إن نضجت جلود # أعيدت للشقاء لهم جلود # ندعي نحن أننا ms23 من أبناء عصر النور، وأن المرحومين جدودنا عاشوا في الظلمات، ولكننا إذا ~~قسنا أنفسنا بهم رأينا أنهم كانوا أكثر تساهلا منا. كان جدي يتمون ويتبضع كل عام من ~~طرابلس، ولم يكن يطيب له شراء مئونته وحوايج بيته إلا من عند الحاج مصطفى. فلا ينتصف شهر آب ~~ويأتي عيد السيدة وهو ميزان الأسعار عند القدماء حتى يتحرك موكب الدواب ويركب الخوري بغلته ~~ويسير في الطليعة، حتى إذا ما بلغ أبواب المدينة مشط لحيته ونفض عنه غبار الطريق، ثم يتوغل ~~فيها حتى يحط الرحال بباب مخزن الحاج مصطفى، فتتشابك اللحى وتتهادى كالمراوح، ويموج القاووق ~~والعمامة كهرمين صغيرين، ويرى من في السوق حاجا طرابلسيا وكاهنا مارونيا جبليا ~~يتعانقان ويتصافحان بشوق. ولا يأتي المساء حتى يحل الخوري ضيفا مكرما في بيت الحاج. يصلي ~~كلاهما صلاته في حينها، وصلوات الخوري الماروني خمس كصلاة المسلم. الصبح والظهر، والعصر ~~والمساء، والليل. حتى إذا ما انتهت صلاتهما استأنفا الحديث. وبعد يومين ثلاثة يفرغ جدي من ~~تعبئة المئونة وتمشي القافلة على خيرة الله طلوع النجمة، وتمسي في عبرين لتكون في الغد، عند ~~انتشار النهار، في عين كفاع. # وفي إحدى السنوات افتقد جدي كيسه عند عودته من طرابلس فلم يجده، فضفقت الخورية كفا على ~~كف، وصاحت يا خراب البيوت. اقطع الشك يا خوري حنا. فقلب الخوري جيوبه لها ونفض كمره فلم ~~يعثر على شيء، فقعد كئيبا يفحص ضميره ويتذكر. المبلغ غير قليل، وهو الحيلة والفتيلة كما ~~تقول العوام. وظلت الخورية واقفة واجمة، وأخيرا انفجرت فزجرها الخوري قائلا: المال الحلال ~~لا يضيع. # ومر شهران والمال الحلال لم يرجع والليرات الذهبية ظلت في غربتها. وجاء موسم الزيتون فغدا ~~الخوري ليقدس ويذهب إلى القطاف. وبينا كان يدور في الكأس رأى رأسا عليه لفة امتد من الباب ~~وارتد، فخال أنه شبه له. وانتهى القداس وما خرج الخوري من الباب حتى رأى نفسه أمام مسلم ~~يسلم عليه بوقار ودالة. وتعارفا أخيرا وقال الرسول لجدي: صاحبك الحاج مصطفى يسلم عليك، ~~أرسلني حتى أسلمك هذه الأمانة. # وعاد ms24 الكيس والليرات واغتبطت الخورية: يسلم دين لحيتك يا حاج مصطفى! وأراد الخوري أن يكرم ~~الرسول الذي يمشي ثلاثة أيام ذهابا وإيابا فأبى الرسول قائلا: أجرتي واصلة لي من الحاج، ~~حرم علي أخذ بارة واحدة منك وهو يسلم عليك ويقول لك: ما وجد طريقة أمينة حتى يرسل إليك ~~حلالك قبل الآن. # وامتنع الرسول حتى عن الزاد، لأنه مزود من الحاج فصح قول الشاعر: ويأتيك بالأخبار من لم ~~تزود. وكان جدي - رحمه الله - والحاج مصطفى، كلما روى لنا تلك القصة، يقول: العلة في البشر ~~لا في الدين. # لقد سبقنا الأجانب في كل شيء حتى الصلاة، فإنك تقرأ صلاتهم فتراها عمومية ولا تشعر بأثر ~~طائفي فيها، وكذلك لباسهم فهو لا يشير إلى لون من ألوان الملل والنحل، أما نحن فالثياب ~~تفرقنا، والأسماء تميزنا، والصلوات وألحانها تدل على كل ملة وطائفة، وخصوصا في لبنان هذا ~~الكوكتيل الغريب العجيب. # يخترع العلماء اليوم آلات ليدرسوا بها الشمس عن قرب، فهلا حاول أحد هؤلاء الجهابذة اختراع ~~آلة تدرس لبنان وطوائفه. # الفلكيون يكتشفون نجوما جديدة وكواكب جديدة إلا أقمار لبنان وكواكبه ونجومه، فهم في كل ~~فلك يسبحون. ففي فلكنا السياسي الطائفي كوم ثريات، وموازين، ومجرات، ودبب كبار وصغار، كما ~~في الفلك تماما. ترى إذا أجلنا فكرتنا وفتشنا أبعاد نظام فلكنا السياسي الطائفي، ألا نعثر ~~على نجم أو نجوم جديدة تضيء لنا في الليلة الظلماء؟ # ترى أي فرق بين لبنان العصر العشرين وبين لبنان القرن التاسع عشر والثامن عشر. كانوا ~~يسمون ذلك العصر إقطاعيا لأن كل مقاطعة كانت لواحد، واليوم يقتطع النواب البلاد باسم ~~النيابة والنظام البرلماني، فتطلق أيديهم في مناطقهم ويتصرفون كأنهم في عهد الإقطاع. ناهيك ~~أن رجال السياسة هم هم، كأنهم حجارة الداما. ترى أليس في البلاد سواهم!؟ وإذا قلت هذا قالوا ~~لك الطائفية. # أمنا يا سيدي. إنها الطائفية، ولكن في الطوائف غير هؤلاء. هل ورثوا الحكم والوظائف مع ما ~~ورثوا من عقارات؟ استند الشارع إلى الطائفية ليحد من طغيان ملة إلى ملة، ولم يقل بالطائفية ~~لتظل ms25 مقدرات الدولة في يد بيوت معلومة لأنهم توارثوا الوظائف كابرا عن كابر. # إنها، والله، إقطاعية لا طائفية، ففي كل طائفة رجال كثيرون فلم لا نجربهم؟ والشباب لماذا ~~لا نمرنهم؟ على الأقل الطائفية تقول بالمساواة بين الطوائف في الوظائف ولا تقول بالحصر ~~والاحتكار. لقد جربنا من جربنا من الناس فلماذا لا نجرب غيرهم؟ # وإذا كان لبنان دولة ديمقراطية علمانية حقا، فأين الوجوه الشعبية الجديدة التي تطل ~~علينا؟ # تتغير رجالات دول الأرض في استمرار، فأسماء تغيب وأسماء تبدو ثم تختفي إلى ما لا نهاية ~~له، إلا عندنا في هذه البقعة من الأرض، فإن رجالها في متاريسهم ثابتون، والثابت وجههم ووجه ~~الله. # | سوس وقراد # تنكر نابليون وركب جواده لنزهة، فأقبل بعد مسير بضعة عشر ميلا، على فلاح عملاق مكب على ~~مجرفته يسوي بها الأرض، فحياه الإمبراطور وسأله: أتغل لك هذه الأرض ما يكفي عيالك؟ # فأجابه الرجل: الأرض كريمة وفية يا سيدي، تدفع الدين أضعافا. ~~- ولكنها مزرعة صغيرة جدا يا شيخي!! # فابتسم الفلاح وقال: والأرض كالرجال لا تقاس بالطول والعرض. صدقني، إذا قلت لك، أوفر كل ~~عام نحو ألف فرنك، مع أن عائلتي أحد عشر. # فتعجب نابليون وصاح: كيف؟!! # فقال الفلاح: حياتي يا سيدي، قلع وزرع. لا أستريح ولا أدع الأرض تستريح. من الزرع إلى ~~الضرع، ومن الدجاج إلى الأرانب، ومن الغنم إلى الخنازير. ثم لا تنس التدبير، فحكمة المرأة ~~نصف المحصول. عندي فرس، إن لم يكن كريم الأصل كحصانك، فهو أنفع منه. يفلح ويطحن، ويجر ~~المركبة، ويسرج للركوب. وعندي - أجل الله شأنك - كلب صيد يملأ البيت لحما. ولي أيضا جار ~~رضا أعاونه ويعاونني، يوما بيوم وأسبوعا بأسبوع. الأولاد الكبار يعملون معي، والصغار ~~يتعلمون مجانا، ومجانا أيضا نطبب ونداوي. ~~- يظهر أنك راض عن الكورسكي. # فصوب الفلاح إصبعه صوب السماء وصاح: لا تقل الكورسكي. قل يعيش الإمبراطور. # فابتسم نابليون وهتف: يعيش الإمبراطور. # فقال الفلاح: الآن شرحت صدري. ثم التفت صوب بيته وصاح: هيلين، يا هيلين، هاتي لنا قنينة ~~نبيذ لنكرم الزائر الكريم. ثم كانت منادمة ms26 لطيفة شربا فيها نخب الإمبراطور. وأخيرا عرف ~~نابليون الفلاح بنفسه، وسأله - بعد أن أجازه - ألا يبوح بسره لأحد قبل أن يرى الإمبراطور ~~مرة ثانية. # وبعد العشاء، عمر مجلس الإمبراطور بأركان حربه كالعادة، فقال لهم: عندي جائزة قدرها ~~خمسمائة ليرة لمن يرسم خطة لاستغلال مزرعة لا تزيد مساحتها عن ثلاثة هكتارات، وتكفي غلتها ~~عيلة عددها أحد عشر شخصا، ويوفر صاحبها ألف فرنك كل سنة. فقعد الأركان يحكون رءوسهم طول ~~السهرة، فلم يخرج منها شيء. # لم يفت المارشال ناي - رئيس الأركان - أن مولاه الإمبراطور رأى تلك المزرعة في نزهته أمس ~~فبكر إليها. أمطر صاحبها وابلا من الأسئلة فما ظفر منه بغير الابتسامة الحائرة وهز ~~الأكتاف. ولما لجأ إلى المال تمت له الصفقة بخمسين دينارا انتقاها الفلاح من بين مائة، ثم ~~باح بسره، ورسم المارشال الخطة وأحرز الجائزة. # وجاء نابليون المزرعة بعد الغد، وعنف الفلاح لأنه لم يف بالعهد، وأفشى السر قبل أن يراه ~~مرة ثانية، فضحك الفلاح وقال: خمسين مرة رأيتك يا مولاي. ثم أخذ يريه الدنانير المرسومة ~~عليها صورة نابليون واحدا بعد واحد، فأعجب نابليون بذكاء هذا المواطن الساذج. # تذكرت هذه الحكاية لما قرأت في جريدة (الفكر) الأردنية، موازنة مثالية وضعتها لموظف عنده ~~أربعة أولاد، وراتبه ثلاثون دينارا أردنيا، أي 265 ليرة لبنانية. عصرت الجريدة تلك ~~الموازنة أشد عصر، وقترت على الموظف ما استطاعت، وظل العجز الشهري ثمانية دنانير وثلثي ~~الدينار، فاقترحت على قرائها مشاركتها في بحث المعضلة لعلهم يرفهون عن الموظف ~~المسكين. # حقا، إن الأرض تفرق على شبر!! فكم من موظف حقير عندنا، راتبه أقل من راتب الموظف ~~الأردني، وعيلته كعائلة الفلاح النابليوني عددا، ومع ذلك يشكو الكظة والبشم، كان ومن عنده ~~ينامون على الحصير، فصاروا بعد أن تعلق هذا القراد بجسم الدولة، على سرر مصفوفة متكئين ~~عليها متقابلين، وإذا سألت من أين؟! ذكروا لك سمكات المسيح وخبزاته. # ليتهم يعلمون أن العث مهما رتع في الصوف، ومهما انتفخ وتفلطح يظل دودة حقيرة، والسحق ~~أمامه ولو بعد حين. # | إقطاعية برلمانية # ما ms27 سمع سماسرة الانتخابات بزيادة عدد النواب، وإن معركة نيابية حامية ستقع، حتى انتشروا ~~في العاصمة. خرجوا جميعا من أنفاقهم كما يخرج البزاق في أول الري، وذرت أنوفهم كما تذر ~~قرون تلك. إنهم أدق شما من النمل وأكثر جولانا من النحل. ~~- جاءت الرزقة. هكذا قال لي أحدهم حين نكبت بلقياه في ساحة البرج. # فقلت له: بكرت يا صاحب. # فأجاب وهو يسن أضراسه: أما قالوا الضربة لمن سبق؟ # فقلت له: وكيف السوق؟ # فقال: مع السوق نسوق. # وما ودعته حتى التقيت بآخر، وبدون حيا الله، وسلم الله قال: ما أكثر المرشحين! # قلت: وكيف جيوبهم؟ # فقال: لا ينزل إلى هذا الميدان إلا كل محجل الثلاثة (مطلوق) اليمين. # فقلت: وأنت لمن في هذه النقلة؟ # فقال: أنا للجميع في أول الميدان، وللزائد الأخير أخيرا. ألا تعرفني؟؟ داعيك لا يقع على ~~جمرة حزة. # قلت: بلى، ولكن هم أيصدقون دائما من يضحك عليهم؟ # فقهقه وقال: الغريق يتعلق بحبال الهواء. وهل النيابة لعبة؟ النيابة هي المتجر الرابح. ~~تفضل اقعد معي نشرب فنجان قهوة. # ومشينا وهو يردد ما قاله أبو نواس حين استطاب الحج مع جنان: # ليت ذا الحج كان فرضا علينا # كل شهرين حجة واعتمارا # تعرف يا معلمي تلميذك. فأنا لا شغل لي غير هذه الحركة. عجزت عن الوقوع على شغل فاشتغلت ~~بالناس، وكل مرة نلاقي عميان قلب. ربك خلق دودة في صخر وخلق لها معاشها. نشكر الله. # فقلت: ألف مرة. ~~- يا صبي، هات كراسي. قهوة شغل يديك الحلوين. # ثم حملق بي وقال: نعم يا سيدي، سألتني عن المرشحين. إنهم أكثر من الهم على القلب، فكل من ~~معه مبلغ محترم يريد أن يرشح نفسه، ونحن على استعداد تام لخدمته، الوعود كثيرة، ولكني ~~أتغداهم قبل أن يتعشوني. # سألتني عن إقبال الموسم. ولماذا لا يكون الموسم مقبلا؟ ما دام المعاش الشهري ألف ليرة، ~~والخدمة حرة. إن حضرت الجلسة كان به وإلا فليس من يطالبك، ولا من يجبرك على الحضور. أي موظف ~~في الدنيا حر مثل النائب؟ # وإذا كنت صاحب مهنة كمحام ms28 أو طبيب، أو أو ... تربح زبائن لأنك مرهوب الجانب، وشعارك قول ~~الشاعر: # إذا أنت لم تنفع فضر فإنما # يرجى الفتى كيما يضر وينفع # وما هو النائب في لبنان؟ قل. # قلت: أنت أخبر. # فقال: أستغفر الله. هذا تواضع منك. # وسعل سعلة رنانة لفتت إلينا الأنظار ولكنه لم يبال وقال: النائب حاكم إقطاعي، يده ~~مطلقة في المنطقة، وإذا مد نائب آخر، أو موظف - مهما كبر - يده إليها يقطعها من الكوع، وإذا ~~الحكومة فكرت بذلك هددها بسحب ثقته الغالية، الحكومة معرضة للهزات كل يوم. أما النائب ~~فيفعل ما يريد في ظل الحصانة. فيد القضاء قصيرة عنه، وبعد انقضاء المدة يربح مدة جديدة. ~~ينصر حزبه فيكون لهم الغنم ولغيرهم الغرم. وإذا كان داهية يربح قسما من خصومه ~~ومعارضيه. وكما نحرك نحن اليوم يحرك هو بعد حين، ولا حركة بلا بركة. ~~- تفضل اشرب. بردت قهوتك. # قال هذا وأخذ يحتسي فنجانه على مهل، وعيناه شائحتان في المدى الأبعد كأنه يجمع ما عنده ~~بعد، وكأنه أفاق فانتفض وقال: إيه. عظيمة النيابة عندنا. كلها منافع مثل زيت الغار. # فضحكت وقلت له: يا مضروب، تعرف كل الأمثال. # فقال: لا تقاطعني. ماذا قلنا. إيه. عظيمة النيابة؟؟ تقف الناس على أبوابك وينتظرون في ~~الدار ساعات حتى يصبحوا جنابك ويمشوا في ركابك. وإن وفق الله وصرت صاحب معال فهناك العلا ~~والعز، تكون مطلق اليد في مقدرات البلاد. الضيعة التي كانت عليك تحرمها من كل المنافع، ~~وتعطي زلمك أين كانوا، لأن الذي له يعطي ويزاد ومن ليس له يؤخذ منه الذي له، وهكذا تدحش ~~مؤيديك، وتكحش معارضيك. وإذا لم تقدر على العزل تستطيع النقل والنفي والإبعاد. # تزود أنصارك ببطاقات التوصية إلى كل مكان، أما الذين لا تثق بهم فلهم البكاء وصريف ~~الأسنان. ترقي من تشاء وتحمي من تريد. أنت والحكومة (خوش بوش) حك لي أحك لك. تمنع من تشاء ~~وتعطي من مال الدولة ومنافعها من تشاء. # وإذا مشيت بين أعوانك فأي ديك حبش يضاهيك، تسلح الجذعان ليمشوا خلفك وقدامك، وإذا شئت أن ~~تركب ms29 فما عليك إلا أن تزور أقرب قرية من مقاطعتك فتركب حميرا بلا براذع. # والتفت إلي ليقول لي: وتسألني بعد هذا عن وجود المرشحين، وعن طلائع موسم الانتخابات. ~~مقبلة جدا إن شاء الله. # ونهض فجأة كالمجنون وركض فاجتاح الكراسي في طريقه، والتفت فرأيته يسلم على أحد الزعماء. ~~ومشى معه فدفعت أنا ثمن القهوة، ومشيت. # وما خطوت خطوات حتى التقيت بقرين له فقال لي: رأيتك قاعدا مع فلان. أتصدق هذا الكذاب؟! ~~لم يترك بابا إلا شقه في هذين اليومين. نحن نحكي الصحيح وهو يكذب. ومع ذلك أسهمه مرتفعة ~~أكثر من أسهمنا. الناس لا يصدقون إلا من يكذب عليهم. # وعاد الرجل بعدما ماشى الزعيم مسافة، ودعاني أيضا إلى الجلوس ليتم ما بدأ به من دراسة ~~النيابة وتحليلها فقلت له: مشغول يا صاحبي. # وهكذا ودعت الاثنين معا، وتركتهما فدخلا القهوة وقعدا يرسمان الخطط العتيدة، كمساهمين في ~~شركة. # | كالعيس في البيداء # تمرون الديار ولم تعوجوا # كلامكم علي إذن حرام # بالقرية يتغزل الشعراء عاميهم وفصيحهم، والأدباء قصصيهم وكاتب المقالة منهم، حتى تحسب ~~القرية ذلك الفردوس الذي ركبت المخيلة البشرية عناصره. والقرية حسناء رائعة ولكنها منتوفة. ~~ما عليها ثياب غير أطمار كما قال الأخطل التغلبي في ذلك العلج وخابيته التي لها رداءان. ~~واحد نسيج العنكبوت، وآخر من ليف ومن قار. نسيت وأهملت حتى تضاءلت: كتضاؤل الحسناء في ~~الأطمار. # يتغنى الشعراء عن شوقهم إلى القرى ويحنون إلى رؤية وجهها الجهم، والقرى ليس فيها من القرى ~~غير الخبزات والبرغلات. فأهلوها يتسكعون في ظلمات البؤس والحكومة غافلة عنها وعنهم لا يهمها ~~غير تزيين المدن. يجودون على هاتيك بالكماليات، ويبخلون على الضيعة بالضروريات، فهي ليست ~~غنية إلا بما وهبتها الطبيعة من هواء ونور شمس. # كأن الدولة بائع خضرة يوجه سحارته بالجيد من المحصول، إنها لا يعنيها إلا المدن فتملؤها ~~نورا وماء وأدوية وملاجئ ومدارس. أما القرية فلها جحيمها المقيم. فلا مواصلات ولا أطباء. ~~يمرض الواحد منهم ويموت ولا يعلم به أحد. # هذه أعمدة كهرباء نهر البارد منتصبة على القمم المحدقة بقريتي ms30 كالجبابرة العماليق، تحمل ~~النور من نهر البارد إلى المدينة، ونحن نعيش في الظلام. إن الجوعان يكفر بربه حين يرى ~~القدور ملأى بالطعام، وقد ملأت رائحته خياشيمه. أفلا نكفر نحن حين نرانا في منتصف القرن ~~العشرين وكأننا في منتصف القرن التاسع عشر؟ الكهرباء تجري على رمية حجر منا وأعمدتها ~~الجبارة كأنها تقول لنا (زرك عينك). # أعطي امتياز الكهرباء حتى قرية معاد. فإذا به يصغر ويصغر حتى اقتصر على جبيل وعمشيت. فهل ~~يجوز أن تبقى تلك القرى المنكودة في ظلام مراعاة لمصلحة أصحاب الامتياز. # يقول المثل: حط المكسورة على المجبورة وخل القصة مستورة. أما هم فلا يريدون إلا المجبورة ~~ولتبق القرية في ظلماتها. # والمثل يقول أيضا: الماء لا يمر على عطشان، أفلا يطبق هذا على البلاد التي تمر فيها خطوط ~~كهرباء نهر البارد؟ أتمر بأرضنا ولا نقضي غرضنا؟ حقا إنها حالة بعيدة عن العدالة ~~الاجتماعية. إن حالة القرية والحكومة كحالة رجل كثرت بناته فهو لا يكسو ويجهز منهن إلا التي ~~هي على أبواب الزواج. رضينا يا سادة أن نلبس ثياب أختنا الكبيرة ولكن أين هي؟! # ففي سنة 1951 صدر قرار بمد خطوط التلفون إلى قرانا، وتقرر مدها حتى كلفت بتقديم طلب تلفون ~~خاص لبيتي بتاريخ 9 حزيران، فقدمته وسجل في المديرية تحت رقم 2062 ثم كان المطل، فراحت ~~وزارات وجاءت وزارات ولم يشد أزرنا أحد. وأخيرا قالوا: لا نجد المعدات قبل مد التلفون ~~الآلي في العاصمة والمدن الكبرى، فقلنا: رضينا أن نلبس ثياب أختنا العتاق، ولكن أين هي يا ~~جماعة؟ # أيظل كل شيء حبرا على ورق، أنظل نسقيك بالوعد يا كمون؟ # أليس على الرعاة أن يعنوا بالقطيع، إن لم يكن عدلا أو رحمة فعلى الأقل حرصا على ~~المنفعة. فمن يغذي المدن غير القرى، ومن يغذي الميزانية غير هذا الشعب المسكين المحروم، ومن ~~ينتخب الذين يحكمون سعيدا، غير أبي اللبادة والسروال؟ # إنهم يتغنون بالقرية ويقول شاعرنا العامي: مشتاق أرجع عالضيعة مشتاق كتير. # خفف قليلا من غرامك يا شاعري الحبيب، فالضيعة لم يبق فيها ms31 أحد غير العاجزين والعاجزات، ~~أما شبابها وبناتها فصاروا في المدن خدما وخادمات، وموظفين وموظفات. إنهم معذورون فما ~~تركوها إلا غصبا عن رقابهم، لأن رزقهم فيها مقطوع. # إن مشهد هذه الأعمدة الجبارة المنتصبة قبالة وجهي قد زاد بلائي بلاء، فهي كأنها أصابع ~~تنتصب أمام عيني قائلة: إني أمر بأرضك غصبا عن رقبتك ولا أجود عليك بضوء شمعة. # إننا لا نتعزى في هذه الحالة إلا بقول يسوع: من له يعطى ويزاد ومن ليس له يؤخذ منه الذي ~~له. ولكن ابن القرية هو العامل والكادح ليلا نهارا، وليس بالعبد البطال ليخرج إلى الظلمة ~~البرانية. # قالوا: الجوع كافر، عندما كان يكتفي الإنسان بالقوت. أما اليوم فقد صارت هذه الضروريات ~~أشد كفرا من الجوع. أنعجز عن استدعاء الطبيب إذا أصاب أحدنا عارض، والتلفون مقرر منذ ~~سنوات؟ لقد شبعنا وعودا من أناس أرخص شيء عندهم النفوس. اسمعوا يا سادة. على أرجلنا نمشي. ~~ومثلما عاش جدودنا مستضيئين بالفانوس نعيش، أما التلفون فلا غنى لنا عنه. إن عزرائيل متى ~~طرق الباب لا ينتظر الجواب، ولا يمكن أن يؤخر أو يستمهل، فإما أن تضعوا في كل قريتين طبيبا ~~ندعوه عند الحاجة، وإما أن تعدوا لنا التلفون، ونحن لا نكلفكم مئونة تطبيبنا. # كثيرا ما سمعنا بالنقطة الرابعة، أفلا تنعمون علينا بنقطة من هذه النقطة لنرى وجه ربنا ~~ونموت على ضوء؟! # | حساب الحمص # بينما كانت الخورية تنفض جبة زوجها وتنظفها سمعت خشخشة حب في جيبها فزجت فيه يدها فوجدت ~~عشرين ثلاثين حبة حمص، فقالت تخاطب نفسها: مسكين خورينا! يأكل كل يوم حبة! تقبر الشح ~~والبخل. الحمص ملء البيت. # قالت هذا وأسرعت إلى خزانة المئونة، وأخذت منها كف حمص رمتها في جيبة زوجها الخوري، ثم ~~راحت إلى شغلها بعد أن اطمأنت إلى نظافة الجبة. # أما حكاية هذه الحمصات فهاكم تفصيلها. هذا الكاهن كان يعرف الصلاة عن ظهر قلب ويقرأ ~~الإنجيل قراءة مفككة الأوصال، وإذا صعبت عليه كلمة تهجاها. ولكن القرية احتاجت إلى خوري، ~~ولم يكن في الميدان غير حديدان فسامه الأسقف، وهكذا ms32 صار عليه أن يعرف مواقيت الأعياد قمرية ~~شمسية. # ولما انتهى المرفع حسب للعيد والصيام حسابهما. ففي تلك الأيام لم تكن ظهرت روزنامات، ~~وذاكرة المحترم كانت أشد عتمة من كنيسته، فتدبر أمر العيد بأن وضع في جيبه خمسين حبة حمص، ~~وكان كل يوم يأكل واحدة ليعلن عيد الفصح المجيد ليلة يأكل الحبة الخمسين. # وظل حساب الحمص مضبوطا، حتى أوحى إلى الخورية كرمها الحاتمي فوضعت ما وضعت من الحمص في ~~جيبة زوجها الجليل. # وكان الناس يسألون الكاهن متى العيد فيعد الحمصات ويجيبهم: العيد قريب يا أولادي. ولكن ~~الجيرة عيدت وعيدهم لم يجئ، ولما سألوه آخر مرة أجابهم وهو يضحك من نفسه وعينه في الأرض: ~~على حساب الحمص العيد بعيد. # ونحن نقول والأسف ملء الصدر: ما دامت عقلية الناخبين كما هي فهيهات أن يكون لنا برلمان ~~أمثل. ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. # قال غوستاف له بون: لا يستطيع المرء أن يعيش بلا مذهب. وقال ابن المقفع حين زمزم على ~~العشاء وهو قادم في الغد على اعتناق الإسلام: كرهت أن أبيت على غير دين. # وهذا الشعب اللبناني لا يكون له برلمان غير هذا إلا عندما يتكتل غير هذا التكتل. إن ~~المسئول الأول هو الناخب، فمتى اكتمل وعي الناخبين انعتقوا من سلاسلهم العتيقة. فعبثا ~~نتحدث عن الضغط وحرية الانتخاب، وعبثا تهيب الحكومة بالناخبين النائمين في أقبية تقاليدهم، ~~فإنهم لا يستيقظون. مصيبتنا كبيرة في هذا الوطن، وشر مصايبنا أننا ما زلنا نقدس القديم ولا ~~نرى في الجديد خيرا، وإن كان ليس كل عتيق غير صالح، ولا كل جديد فيه الكفاءة. # أما المرشحون فلماذا لا يقتتلون على النيابة ما دام لهم منها رغيف مقرص، يتناولونه على ~~الهينة. فالطبيب يظل طبيبا، والمحامي يبقى محاميا، والتاجر تاجرا. ناهيك أن النائب يحضر ~~ساعة يريد، ويخرج من الجلسة حين يشاء. وقد يعطلها عن سابق تصور وتصميم إذا لم تكن على هواه، ~~فيقبر مصالح ناخبيه في أدراج اللجان. # مرت علي انتخابات مشايخ، وانتخابات مندوبين، وانتخابات أفراد، وغدا انتخابات ms33 نساء. ~~وشهدت انتخابات اللوائح، وغدا انتخابات دائرة، وما أظن الحال إلا على فرد منوال. # كان المعاش خمسين ليرة للنائب البيروتي ومائة للجبلي، ثم صار خمسماية ثم ألفا، ولا نزال ~~حين كنا وكما كنا. # وكان النواب 25 ثم 55 ثم 77 وبقيت النيابة، نيابة مآرب ومصالح. # أحسن الله الحال حتى لا نقول مثل هذاك الخوري: على حساب الحمص (ما فيش) عيد. # | على هامش جلسة الثقة # يقول المثل: البكاء على رأس الميت، أما نحن وضيعتنا أصعب اتصالا بالعاصمة منها بالصين، ~~فهل نلام إذا عزينا بعد حين وجددنا الأحزان؟! # حكي أن صيادا كان يرمي ولا يصيب، فتعقب ذات يوم طائرا كبيرا، وكان كلما اقترب من ~~المجال فر الطائر ووقع على غصن وثبت كأنه ينتظر. ويجيء الصياد ويفر الطير، وهكذا دواليك. ~~وأخيرا هون الله وخال الصياد أنه يصيب إذا أطلق جفته، ولكن الطير خلص بريشه. وشاء الصياد ~~أن يعزي نفسه فصرخ به: رح مع السلامة. تكفيك هذه الرعبة. # لعل هذا كان لسان حال المعارضة. ولكن الحكومة نجت مثل ذاك الطائر، وإذا غربلنا ونخلنا ~~رأينا أن كل ما قيل ويقال في معارضتنا يدور حول نقطة واحدة هي الوظيفة قاتلها الله، فقد ~~كانت منذ كانت حكومات لبنان من عهد فخر الدين إلى اليوم نقطة الدائرة والقطب الذي يدور عليه ~~الفكر اللبناني. تحدثوا عن الفساد وما يعنون إلا فساد المأمورين، فرد عليهم رئيس الحكومة ~~قائلا: الفساد أنا عملته؟ الفساد موجود من ماية سنة بالبلاد. # قللتها يا سامي بك. فلو قلت أكثر لما استطاع أحد أن يكذبك فلندع التاريخ القديم، ولنراجع ~~صفحات تاريخ الحكم في لبنان منذ قرن ونصف. أفلا نرى أن أمير لبنان كان يشتري إمارته على ~~البلاد شراء؟ أما كان يؤدي للجزار وغير الجزار ثمن الخلعة كل عام؟ والشعب المنقسم على نفسه ~~يرحب بقدومها بالتهاليل والزغاريد. # وما معنى الخلعة؟ إنها ثوب ملبوس من ثياب ضاهر العمر أو الجزار أو عبد الله باشا يؤمر بها ~~على البلاد من يلبسه إياها، ثم يخلعها عنه ليجلل بها أميرا آخر ms34 إذا زاد في ثمنها. والله ~~يزيد في عمر من يزيد. ألم تكن الوظيفة على اختلاف درجاتها مفرقة الأحباب ومشتتة شمل ~~الأصحاب؟ أليست هي التي فرقت بين البشيرين بشير شهاب وبشير جنبلاط؟ أما قال الجنبلاطي ~~للشهابي: البلاد لا تسع بشيرين. فأجابه الشهابي: المكعوم يرحل. # ثم كانت بينهما معارك أدت إلى رحيل الجنبلاطي إلى الأبد. وبعد سنين دارت الدوائر فرحل ~~أيضا الشهابي، وصار يعرف ببشير المالطي. # ثم كانت الفتنة الكبرى التي أطاحت بإمارة لبنان، وصار لبنان أول قطر شرقي محكوم دستوريا ~~يلعب اللعبة البرلمانية على نطاق ضيق، ولكنها لعبة في كل حال. كان له مجلس إدارة كالمجالس ~~النيابية اليوم، له رئيس يحاكي رئيس المجلس النيابي اليوم، أما الكلمة العليا فللمتصرف الذي ~~تنتخبه الدول الكبرى السبع. # وتوالى على كرسي لبنان البروتوكول ثمانية متصرفين. سمعت بأخبار داود وفرنكو ورستم، وكنت ~~وليدا في عهد واصا الذي قال فيه تامر الملاط: # رنوا الفلوس على بلاط ضريحه # وأنا الكفيل لكم برد حياته # وكنت يافعا في عهد نعوم، وعرفت السياسة وشاركت فيها في زمن مظفر. كانت الوظيفة كقطعة ~~الشوكولا أو البسكوتة التي يرضى بها الصبي فلا يزعج البيت، ولكن ثمنها كان كاويا ~~موجعا. # فلت الملق في عهد مظفر فأخذ يعين في الوظائف الدقيقة أصحاب السوابق المحكومين بالجرائم ~~شرط أن يؤدوا له ولزوجته وابنه المبلغ المرقوم. وصار لكل وظيفة سعر محدود لا يحسم منه شيء ~~لأن الإقبال على الشراء كان كبيرا جدا. جعل ثمن المديرية مائتين وثلاثمائة ليرة ذهبية ~~عسملية، وثمن القائمقامية خمسمائة، إذا كانت صغرى كزحلة وجزين، وستمائة وسبعمائة إذا كانت ~~كبرى كقائمقامية المتن وكسروان والبترون، وكان مهر رئاسة المحكمة 200 و300 عثمانية. وكان ~~يؤخذ من عضو مجلس الإدارة 400 ليرة ذهبية ليوصلوه إلى الكرسي، كما جعل ثمن مديرية مال ~~المتصرفية 300 ليرة. # كانوا يعينون وظائف الجندية تعيينا، ولهذا جعلوا لكل رتبة تعريفة إذا لم يتقدم راغب. إن ~~الثمن لا يكون إلا بالمئات الرنانة الطنانة. البكباشي بمائتين واليوزباشي ب 150، ثم ارتفعت ~~الأسعار بسبب رواج السوق فصارت بثلاثمائة وأكثر، ms35 والقائمقامية الكبرى بألف، ورئاسة مجلس ~~الإدارة بألفين. # وانتحل المتصرف مظفر سلطة منح لقب بك، فأنعم به على كل من يدفع، ولما درت إسطمبول بهذه ~~الحركة كدرت المتصرف، فأصدر أمره بأن هذه الألقاب أطلقت سهوا وأنه ألغاها، فعاد البك باش ~~بزق. # وكذلك كان يصيب الموظفين فإنه كان يوظف الوجيه ثم يعزله، وهو في طريقه إلى مركز وظيفته. ~~ولما تفاقم هذا الأمر طلب مواجهته أحد الأعيان وسأله إذا كان ينقل عفشه أم يذهب وحده؟ وعين ~~أحدهم مديرا مساء ثم عزله صباحا، فقال فيه - أي في المدير - أحد شعراء لبنان: # خلعوه ساعة وظفوه فكان في # رجل الحكومة كالحذاء الضيق # قد يكون هذا الوباء، داء حب الوظيفة، منتشرا في كل بلدان الله، ولكن أظن أن حالتهم غير ~~حالنا. فهناك يؤمنون أن لهم وطنا يؤمنون به، وإن أكلوه فكما يؤكل القربان، أما نحن فنأكله ~~بلا إيمان. إنهم يبنون وطنا، أما نحن فنبني بيوتا في بلد اسمه لبنان، فحالنا وحال الغرباء ~~فيه سواء بسواء. نبيعه رأسا برأس ولا نطمع بزيادة. # فيا أيها الناس، إن وجود الفساد لا يبرر بقاءه، كلكم اعترفتم بوجوده، وكل مناقشة جلسة ~~الثقة دارت وستظل تدور حول الوظيفة والموظفين والملاكات. فهذه الملاكات إن شئت أن تسميها ~~خراجات اصطناعية فلا بأس، وإذا شئت أن تسميها ثقوبا يخرج منها ناس وتدخل ناس فلا حرج، ولكن ~~لا تنسوا أن ثقب سد مأرب كان سبب خراب ذاك المكان. يقولون إن جرذا أحدث ذلك الثقب فكان ~~السيل العرم الذي قتل الناس، ترى ما عسانا نقول نحن؟! # ذكرني قول سامي بك: ما معنا وقت حتى نصرفهم - هكذا قرأت - بهذه النادرة أن سامي بك سيد ~~النكات بين الحاكمين، فليسمح لنا بواحدة من فضله. تزوج رجل امرأة وكان ذاك الرجل أجيرا ~~نهاريا، فقالت له امرأته: يا رجال ابن عمي صاحب دكان حمص، فما عليك لو ساعدته وقبضت كم ~~قرش؟! # فاستصوب رأيها وذهب يشتغل مع ابن عمها حتى نصف الليل. # ثم مضت أيام فقالت له: ابن خالي صاحب دكان فول وسحلب، فما ms36 يضر لو غدوت إليه وساعدته حتى ~~شروق الشمس؟ وكان ما أرادت. # وبان الهزال في الرجل فرآه صاحب له وقال له: على مهلك لا تجهد نفسك. ثم دار بينهما الحديث ~~ففهم الرجل مصيبة صاحبه بامرأته فقال له: طلقها. # فأجابه الرجل: أهو معنا وقت حتى نطلقها؟! # حقيقة إن وقت دولة الرئيس ضيق جدا وشغله فوق رأسه. نحن نعرف جيدا أن الحمل ثقيل ولكن ~~المثل يقول: دير الحملة لحمالها. # أما حان للبيت اللبناني أن يستقر، أن ينظف، أن يكنس. فليكن شعارنا بعد اليوم المكنسة. ترى ~~أأغلق الباب ومن ضرب ضرب ومن هرب هرب؟ أنضيع النظافة والبلد طيب وهواؤه نقي؟ لا تسمح يا بيك ~~أن تكون وزارتك كغيرها، مراسيم تظهير لا مراسيم تطهير. # جاءوا ليقتلوا المحسوبية فجعلوا المحسوبية عصبية، وهكذا صح فيهم قول المثل: جمل موضع جمل ~~يبرك. # مليحة سياسة اللين في غير ضعف والشدة في غير عنف، كما قال زياد. أما أن يستحيل الرفق ~~ميوعة، والعدل محاباة، فهذا بشع، وما هكذا يكون الإنصاف ولا الإصلاح. # وأسيادنا النواب الذين لا يحضرون جميعا حتى في جلسة الثقة لماذا زادوا راتبهم خمسمائة ~~ليرة فصار ألفا؟! # ألف صحة يا سيدي ولكن فليحضروا. أيظنون إذا أسمعونا صوتهم مذاعا أنها شالوا الزير من ~~البير؟ فهم يشكون ببعضهم في المعارضة ونحن نشك بهم أيضا. إن ما يقبضونه هو مالنا، فليكن ~~لنا من عملهم مقابل. # إن ما عملوه منذ أسبوعين كان يعمل مثله وأكثر المير فؤاد أرسلان والشيخ يوسف الخازن، كانا ~~يتخاصمان تحت قبة البرلمان ويتصافحان على بابه ويخرجان متأبطا كل منهم ذراع صاحبه. # وإذا عنفت فإني أعذر أيضا. يريد كل نائب وكل وزير، والوزير نائب، أن يرضي ناخبيه فكيف ~~نطلب ألا يرفع صوته. إن مطاليب الناخب لا تعد ولا تحصى، فكل ناخب رمى ورقة في صندوقة ~~الاقتراع يظن أن له حقا عند النائب الذي انتخبه، وهو لا يطلب إلا وظيفة لابنه أو لابن ~~عمه، حتى بلغني أن أحد هؤلاء طلب من أحد النواب أن يعين له ابنه خادما في أوتيل ms37 سان ~~جورج. # حقيقة إن رمح مار جرجس صار قصبة، وسيفه حديدة، وحصانه حمارا . وإذا كانت الضوضاء تؤدي إلى ~~الفوضى فالسكوت علامة الموت. أما أن تذاع جلسة كالتي سمعنا فهذه أكثر من فوضى، لقد كانت ~~نكبة على البيوتات. # قلت لخادمي، ولا فخر: وط صوتك حين تتكلم. # فأجابني: ولو! احسبني واحدا من النواب. # لقد صحت في الانقلاب، الذي نتمجد كلما ذكرناه، الكلمة المأثورة: كل شيء يخلق صغيرا ثم ~~يكبر إلا المصيبة فهي تخلق كبيرة وتصغر. # حقا إنه مصيبة. فما وضعت يد على قذر حتى انبرى المكيسون والمليفون والمصوبنون والمعطرون ~~فأخرجوه نظيفا شريفا. # حكي أن قائمقاما أخذ دجاجة محشوة إلى بيته بعد المأدبة التي أقيمت على شرفه، فما قولكم ~~دام فضلكم بقولة البرجاوي: إن زلمة فلان بلع طنبر، وبلع بغل. # رحم الله فؤاد باشا - الدالي فؤاد - الذي قال للسلطان عبد الحميد: إذا كان أبو الهدى يبلع ~~السيف، فوزير الحربية بلع الدارعة. # قرأت أن نائبا قال: إن الشعب لم تعد له ثقة بنوابه، فإذا كان حقا ما يقولون، فلماذا ~~يبقون؟ أليهشم بعضهم بعضا وينشروا الأعراض على صنوبر بيروت؟! # إن صنوبر بيروت لم يعد شيئا يذكر بالنسبة للإذاعة، فغطوا (التنكة) قليلا إذا شئتم أن ~~تنشروا على المسامع مثل هذه الروائح الطيبة. # وعلى من يحترم نفسه من أصحاب الحصانة والمناعة أي النواب المحترمين أن يحضر كل جلسة لأنه ~~يقبض ثمنها. ولا يفلح على الكتفين، فكتف واحدة تكفيه. عليه أن لا يغيب أبدا إلا بعذر، وإلا ~~فليس له أن يطالب سواه من موظفين والنقص فيه. النائب مرآة الشعب والموظفين، فلتكن هذه ~~المرآة نقية. النائب هو الرقيب فعلى عينه ألا تغفل. # ويؤلمني جدا أن أذكر كلمة نطق بها قروي في مجلسي: الإخلاص اللبناني الله يرحمه. # | من أين لك هذا؟ # خبرني والدي عن جدي، عن جده، قال: رزق أحدهم ولدا على رأس سبع بنات فاجتمع الأهل ~~والأصحاب ليباركوا له فيه. وبينا هم يأكلون حلاوة الطفل ويتمنون له طول العمر إذا بشيخ رعشن ~~يقول وهو يتمطق: ماذا سميت المحروس؟ # فأجاب ms38 والده المعتز بهذا الفتح المبين: الرأي رأيكم. نقوا له الاسم الموافق. # وكان استعراض طويل لدواجن الأسماء وأوابدها، عربيها وعجميها، ولما كادوا أن ينصرفوا غير ~~متفقين على اسم لهذا الذكر الذي شرف الدار بعد طول الانتظار، تطاول لهم شيخ قابع في الزاوية ~~وقال: لا تختلفوا على الاسم يا جماعة، سموه قريدان، فإذا طلع على أبيه وجده شال اسمه، وإلا ~~كان هذا الاسم في محله. # ذكرني بهذه الحكاية ما فعلته اللجنة الاستشارية التشريعية إذ سمت قانون (من أين لك هذا؟) ~~قانون الإثراء غير المشروع. # إن من استأمنوه فخان وغدر لا يستحق المجاملة في اسم قانون يدينه. ولهذا نقول للأستاذ شفيق ~~حاتم - مدير العدلية: إن جدك الشيخ عيد حاتم لم يستح من ذلك الكاهن حين قال له بجفاء: يا ~~محترم: احك مثل ثوبك أو البس مثل حكيك. # سموا القانون ما شئتم فالمهم التنفيذ. نريد أن ينفذ كيما تزول شكوك الناس والتهم. وتعرف ~~القرعة من أم القرون. ففي العاصمة والمدن ترتسم أمام أعين الناس همزات استفهام كبيرة، وفي ~~كل قرية ودسكرة تنتصب همزات التعجب. # دمامل ممدة في جسمنا الاجتماعي تصيح أين المبضع؟ أيشقها هذا القانون أم تجد الأيام حبرها ~~فتقرأ من عبر ميل عيانا لا بمقياس؟ # إن الثروات غير المشروعة تحتاج إلى من يشرع أبوابها لترتفع معنويات أخلاقنا. أما سمعنا ~~الناس يعدون الموظف العالم النظيف حمارا، ويحسبون الأمي المختلس الوقح جبارا؟ # قرأت أن اللجنة قد فرغت من دراسة هذا القانون، وبعد عصر اليافوخ، انتقوا له هذا الاسم ~~اللطيف: الإثراء غير المشروع. # عاش باسمه. ولكن هل من يقول لهذا المخلع: احمل سريرك وامش؟! # | دجاجة الاستقلال # هذه واحدة من قصص بخلاء الجاحظ الطريفة. قال قدس الله سره: كان أبو الهذيل أهدى إلى مويس ~~دجاجة. وكانت دجاجته التي أهداها دون ما كان يتخذ لمويس. ولكنه بكرمه، وبحسن خلقه، أظهر ~~التعجب من سمنها، وطيب لحمها، وكان يعرفه بالإمساك الشديد. فقال أبو الهذيل: وكيف رأيت يا ~~أبا عمران تلك الدجاجة؟ # قال: كانت عجبا من العجب!! # فيقول: وتدري ما جنسها، ms39 وتدري ما سنها، فإن الدجاجة إنما تطيب بالجنس والسن. وتدري بأي ~~شيء كنا نسمنها؟ # فلا يزال في هذا، ومويس يضحك ضحكا نعرفه نحن، ولا يعرفه أبو الهذيل. وكان أبو الهذيل ~~أسلم الناس صدرا، وأوسعهم خلقا، وأسهلهم سهولة، فإن ذكروا دجاجة قال: أين كانت يا أبا ~~عمران من تلك الدجاجة؟ # وإن ذكروا بطة أو عناقا أو جزورا، أو بقرة، قال: فأين كانت هذه الجزور في الجزر من تلك ~~الدجاجة في الدجاج؟ وإن استسمن أبو الهذيل شيئا من الطير والبهائم، قال: لا والله!! ولا ~~تلك الدجاجة. # وإن ذكروا عذوبة الشحم قال: عذوبة الشحم في البقر والبط، وبطون السمك والدجاج، ولا سيما ~~ذلك الجنس من الدجاج. # وإن ذكروا ميلاد شيء، أو قدوم إنسان، قال: كان ذلك بعد أن أهديتها إليك بسنة، وما كان بين ~~قدوم فلان، وبين البعثة بتلك الدجاجة إلا يوم، وهكذا كانت مثلا في كل شيء، وتاريخا في كل ~~شيء. انتهى. # ذكرني بحكاية هذه الدجاجة موسم الحكي الذي خلقته الميزانية. لا عجب في هذا فاللهى تفتح ~~اللها، وحيثما تكن الجثة تجتمع النسور. ما قرأت مناقشة، رسمية كانت أو غير رسمية، إلا قاقت ~~فيها دجاجة أبي الهذيل الهزيلة. فهو يذكرها في كل مناسبة. يصدق هو ما يقول، ويريد أن نصدق ~~نحن أيضا أن دجاجته التي أهداها إلى الوطن هي فوق الكباش المعلوفة، والعجول المسمنة. ~~ولولاها لم تكن للأمة مأدبة الاستقلال الفاخرة. # إنه يمن بها، دائما على (مويس) ومويس بكرمه وبحسن خلقه يظهر التعجب من سمنها وطيب ~~لحمها. # لا يعني مويس إلا أن تبيض مضيفته الوجه وتقوم بالواجب، وليتبجح الهذيليون ما شاءوا، وإذا ~~هذروا وصخبوا رثى لهم وما زاد على القول: يا أبتاه اغفر لهم. # اللهم أبعد عنا الليلة الظلماء. ولا تدخلنا في التجارب. # | بق البحصة يا شماس # كان لأحد المطارنة شماس رخيم الصوت. وكان المطران يطرب حتى يترنح حين يخدم له القداس هذا ~~الشماس، ويرجع في التسابيح والميامر كأنه الحسون. رأى المطران في شماسه شركا ينصبه ~~للمؤمنين فيقبلون على سماع القداس جماهير ms40 تعج بهم الكنيسة. لذلك صبر صاحب السيادة على ما في ~~شماسه من عيب ، وحاول إصلاحه جهده. # كان عيب الشماس أنه يسب الدين، وسب الدين خطيئة مميتة. الوعظ والإرشاد لا يقومان ما اعوج ~~من أخلاق الناس وخصوصا متى رسخت فيهم عادة، والشماس عسي وكبر، فما الحيلة فيه إذن؟ كان ~~المطران يرشد شماسه كل يوم ولكن السباب لا ينقص، حتى قال الشماس: يا سيدنا. لا أراني إلا ~~نسيت، ودارت تلك الكلمة على لساني. فإذا كان عندك دواء فأنا مستعد أن أقبله مهما كان صعبا ~~ومرا. # فقال المطران: حط يا ابني في بوزك بحصة، وكلما دعتك حالة لقول تلك الكلمة تذكرك البحصة ~~فلا تقولها. ~~- طيب يا سيدنا، البحصة تظل في بوزي من الآن وطالعا. # ووضع الشماس في فمه حصاة ناعمة، ونجحت التجربة وأقلع الشماس عن السب، فشكر المطران المعجب ~~بشماسه ربه على هذه النعمة التي صيرت شماسه لا عيب فيه. # ودعي سيادته إلى مأتم فركب البغلة، ومشى الشماس يحدوها بترانيمه الروحية التي لم تكن ~~تنقطع إلا عندما يمرون بقرية، حتى إذا ما خرجوا منها استأنف الشماس ترتيله الذي كان يطرب ~~المطران والبغلة معا. # وأقيمت صلاة الجناز وتألبت الجماهير لتسمع الشماس يرتل (الحساية) ترتيلا ملائكيا. ~~وبعد الدفن عاد المطران أدراجه، وفي الطريق انهل المطر ثم استحال بردا فتضايق مقدم صاحب ~~السيادة. وفيما كان الشماس يحث البغلة لينجو وسيده من الشئوب ذي البرد، إذا بامرأة لاطية ~~تحت شجرة على مقربة من الطريق، تصيح بكل ما في حنجرتها من قوة: دخيلك يا سيدنا، يا ~~سيدنا. ~~- سيدنا دخيلك. وقف عندك. # فهال المطران ذاك الصراخ الفاجع ووقف، والبرد يتساقط عليه. # وأقبلت المرأة ومعها دجاجة تقوق ولكنها قامت عن البيض، وعجزت المرأة عن ردها إلى حضنها. ~~فرأت أن يصلي لها المطران عليها لعلها تلزم بيضها. # فهز المطران برأسه والبرد يتساقط كالملبس، وجاءت سحابة ثانية أسخى من الأولى فصارت المهمة ~~صعبة الإنجاز. فهمز المطران البغلة وصاح: بق البحصة يا شماس. # فبقها الشماس وجاد على أم تلك الدجاجة بما تيسر من ms41 سبابه. وبعد أن شبع، عدا وراء صاحب ~~السيادة وهو يقول: ما قلت لك يا سيدنا إن مسبة الدين في وقتها تسابيح. # وكان المطر قد خرق ثياب المطران حتى بلغ الجلد فلجأ إلى أول بيت أدركه على طريقه، وهناك ~~نشف قليلا ذاك البلل. # من هنا جاء قول المثل عندنا: بق البحصة، ومعناه بح بسرك المكتوم ولا تبق شيئا مما أنت ~~تكتمه طويلا. # ترى لو بق أحدنا البحصة، أفلا يقول لأصحابنا من نواب وحكومة: لقد صيرتم ما تسمونه اللعبة ~~البرلمانية لعبة حقا؟ إن الشعب الذي تخطبون وده قد هاله أن يصير مجلسه ندوة ابتهارات، ~~وسباب وشتائم. وكيف يحق لكم فيما بعد أن تقاضوه حين يخل بالأمن. # إذا كان رب البيت بالدف مولعا # فشيمة أهل البيت كلهم الرقص # إن السكرستاني يسجد للقربان كل ما مر أمامه على أعين الناس، وإن كان يرفع الكلفة متى خلت ~~الكنيسة من البشر. فعلى الأقل اجعلوا جلساتكم سرية متى أعددتم لها بضاعة مكتوبا عليها ~~(سريعة الانفجار) وإلا فلا يبقى لكم وللندوة حرمة. # إنني أتعجب كيف تجعلون قبة البرلمان كقبة العهد ساعة تشاؤون. وكيف تخترقون حرمتها ساعة ~~تريدون؟ فأي صاحب بيت يرضى أن يفعل الناس في داره مثلما يفعل في المجلس النيابي. أليست ~~الندوة بيت الأمة التي عنها تنوبون وباسمها تحكمون. # قد تقولون: في أوربا يفعل النواب كما نفعل، ولكن تقاليد أوربا غير تقاليدنا، ونحن لم ~~نتعود بعد تلك الحرية. # وبالقلم العريض نقول: إن الشعب، وخصوصا الذين يرون في النائب والحاكم شخصا عظيما، لا ~~يرضيهم هذا الجدل الرخيص ... قد يعجب هذه القبضايات، أما من يحبون السكينة فلا يرضون عنه وقد ~~أعلنوا اشمئزازهم وقالوا: إن النيابة عنهم والحكم عليهم لا يكونان في (ساحة بو علي). # إن جلستكم تلك كانت فوق التمني ولم تكن بالجلسة الكيسة. # وقد تكونون أصلحتم ما أفسدتم بعد صدور هذه الكلمة، ولكنني أقول لكم: وهل يصلح العطار ما ~~أفسد الدهر؟ # وسؤالا واحدا أوجهه إليكم جميعا: ماذا أقول للتلاميذ بعد، إذا أحدثوا ما تحدثون في كل ~~جلسة من ms42 فوضى؟ # إنني عند ذاك أعجز عن تعليمهم كما ستعجزون أنتم عن القيام بمهمتكم التي تقدسونها متراضين، ~~وتنتهكون حرمتها ساخطين غاضبين. # هذا ما نقوله لكم عند بق البحصة وسنبقها دائما إن شاء الله. أما إذا بقيت في الفم فلا ~~نقول شيئا، وننتظر أوامر سيادته حتى تطل عليه (قرقة) جديدة ... # | إميل لحود # أذكر هذه الأسطورة، ولا أذكر أين قرأت حكايتها، وهي أن رجلا كان مدبوقا بامرأته، وإذا ~~فارقها ظل فكره عندها. فهو يخاف على حمامته الجميلة من الصقور والغربان، وعلى قرقورته من ~~الذئاب الخاطفة. كانت عين تلك اليمامة شاردة، تبحث دائما وأبدا عن غصن نضير لتقع عليه ~~وتسجع، فتحوم حولها الطيور، ويقضي الزوج المفتون وقته بالمطاردة والكش. # وقعد الرجل وزوجته ذات ليلة يتسامران فتذكر الرجل ساعة الفراق الأخير فقال لامرأته: وإذا ~~مت فكم تبقين بعدي مفردة؟ # فصاحت والدمعة تجول بين هدبيها: الله يبعد الموت. أي رجل يحلو لي بعدك؟! لا تذكر هذا ~~فالتفكير به يزعجني. # فضحك الرجل وقال: ومن يلومك إذا تزوجت بعدي؟! أنت ما زلت فتية. # فصاحت: قلت لك اقطع هذا الحديث، فإذا كان الزواج للشبع شبعنا. والتوت عليه تدفن في ~~صدره جهشة المتباكي وهي تردد هذه الكلمات متقطعة: تحرم علي الرجال بعدك. # فقال الرجل: هذا كلام فارغ ... فكل ما أرجوه منك يا عزيزتي هو أن لا تعقدي حبلك من جديد قبل ~~أن ينشف تراب قبري. # وما طال الوقت حتى كانت نفس ذاك الرجل في يد باريها، وكان الدفن. ومشت المرأة خلف زوجها ~~إلى حفرته مذرية أغزر الدمع وهم يهيلون التراب عليه، وازداد تفجعها حين عام تراب القبر في ~~الماء. # وراحت تزور قبره يوميا، صباح مساء، وفي يدها مروحة تروح بها على ذاك القبر فتناقلت ~~الناس خبر وفائها لزوجها، وأعجبهم منها أنها تروح دائما فوق قبره كأنها تعتقد أن الحر ~~يؤذي الرفات. # أما المرأة فثابرت على ذلك أياما لتعجل بمروحتها جفاف تراب القبر، ولما تبخر الماء وتفرق ~~شمل تلك الرمال أيقنت أنها وفت نذرها، ثم حققت ما تمناه عليها المرحوم فكانت ms43 عروسا جديدة ~~لعريس جديد. # هذه حالة تلك المرأة أما أصحابنا (المستنوبون) فلم يمهلوا الفقيد العظيم إميل لحود حتى ~~يدخل باب القبر ويستريح، بل كانوا يسيرون خلفه متحدثين عمن يرشحون. # حقا إن عشقنا الأعمى للمناصب يعمي ويصم، ويعدمنا الذوق. أما استحى هؤلاء الماشون في ~~جنازة رجل كان ملء العيون والآذان، أن يتحدثوا في مأتمه عمن يرشحون خلفا له؟ # ما أجرأ هؤلاء الأماثل! وما أرخص الموت عندهم! وماذا ترجو البلاد من رجال فقدوا كل ~~كياسة؟ # إن النيابة في نظر هؤلاء هي كل شيء، وإذا ماتت البشرية فبحفظ القرد. # قال المتنبي في رثاء أم سيف الدولة: # ولا من في جنازتها تجار # يكون وداعها نفض النعال # أما وداع إميل فكان أحلاما وأماني عند هؤلاء. إنهم يشبهون بهلولا عبقريا في منطقتنا ~~اسمه ملحم. ذهب ملحم هذا إلى مناحة كبيرة في ضيعة من بلاد جبيل، وكان الأكل بعد الدفن ~~شهيا وكثيرا، فأكل حتى انبشم وقال لأهل الضيعة بعد الحمدلة: دائما الموت عندكم، كل يوم ~~موتة إن شاء الله. # لا أخال هؤلاء (المستنوبين المستوزرين) إلا قائلين مثل ملحم. بل يقول أكثر من هذا، ذاك ~~الذي يتحدث عن الخلف، في مأتم السلف وهو لم يتوار بعد ... أما خافوا أن يقوم من نعشه وكم من ~~ميت قام، وخصوصا من الذين تأخذهم نوبات كهذه. ترى لو تمهلوا قليلا أكان فات ~~الفوت؟! # فيا عزيزي إميل، كن واثقا أن قول أبي فراس: سيذكرني قومي ... سوف يصح فيك. قد نجد لك ندا ~~في علمك وبلاغتك ونكتتك، ولكننا لا نجد رجلا له نكهتك وطعمك. فالرجل كالأثمار وأنت كنت ~~ثمرة شهية في بستان لبنان. # لقد استعادتك أمك إلى أحضانها فخلا الجو بعدك لمن يبيضون ويصفرون ... ولكن الفراغ الذي ~~تركته لا تملأه النفوس الفارغة، فمن لا يستطيع أن يسد فراغا لا ينفعه فراغ يتركه سواه. لست ~~أعزي أهلك فكلنا لك أهل، وأنت ملك الجميع، ملك لبنان. # إن حلم من كانوا يفكرون بخلفك وهم يسيرون خلف نعشك، سيستحيل كابوسا مزعجا عندما يصير ~~واقعا. فعسى أن تخيب الأيام ms44 ظني وأرى على مقعدك من يحقق قول السموأل: إذا مات منا سيد قام ~~سيد ... # إن لبنان غير عقيم، ولكن الشعب الناخب أعمى تقوده عميان، وأعمى يقود أعمى وكلاهما يسقطان ~~في حفرة. فمتى ترتفع الغشاوة عن الأبصار والبصائر، لنرى الشخوص كما هي، ونأخذ بيد كل منها ~~إلى المكان المعد له؟ # إن لبنان محتاج إلى المخلصين له، وما أقلهم! # مسكين لبنان، فأقصى أمانينا، أن نبني لنا بيتا في لبنان، لا أن نبني من لبنان بيتا في ~~العالم. وإذا ظل اللبناني يفكر ببناء بيت سكنه قبل كيان وطنه، وفي توطيد أسرته قبل أمته، ~~فسوف يبقى لبنان حيث هو وكما هو، نأكل خبزه ولا نضرب بسيفه. # | فوضى النياشين # إذا رجعنا إلى الوراء حوالي قرن، إلى سنة 1861 قرأنا فرمانا سلطانيا أذيع على الشعب ~~اللبناني، وفيه يمتن السلطان على اللبنانيين بأنه عين لهم متصرفا، وزيره الخطير، داود باشا ~~حامل وسام (مجيدتي الرابع) المجيدي الرابع. ومنذ نصف قرن لا أكثر كان الموسومون في لبنان ~~يعدون على أصابع اليدين. # ففي ذلك الزمان كانوا يقيمون الولائم والأفراح عندما يمنح أحدهم وساما، وفي التقليد ~~العامي الزجلي: إن وجيها منح وساما، طبعا من آخر درجة، فأقيمت له الحفلات الصارخة، فغناه ~~قوال مشهور بهذين البيتين: # بيلبقلك يا خواجا يو # طراحة فوق الفرا # من سطمبول جابولك هو # وببعدا حطولك ياه # وقد رخم الشاعر كلمتي يوسف والفراش لتصاقب القافية. # وأذكر أنه عندما جاء الوزير فيليب ملحمه حاملا وساما سلطانيا إلى البطرك إلياس مر على ~~طريق البترون - مار يوحنا مارون - بين حائطين من الجماهير، من شط البحر إلى رأس الجرد. وقد ~~أنشد الشعراء البطريرك قصائد غراء عصماء، وظل قاعدا للمنشدين مع الوزير ملحمه ساعات حتى ~~فات وقت الغداء وجاعت الناس. # وعرفت بعد ذلك وجوها وأعيانا أنفقوا ثروة محترمة ليحصلوا على وسام ورتبة ولقب. ثم أخذت ~~قيمة النياشين تتدهور حتى سامها أخيرا كل مفلس أدبيا واجتماعيا. # عش كثيرا تر كثيرا. وقد عشنا حتى رأينا ما رآه غي دي موبسان حين كتب قصته (حامل وسام). ~~وقد ms45 ترجمتها ليرى القارئ اللبيب كيف يكون السخر. # إن هذا الطوفان العرمرم من الأوسمة التي تذري هنا وهناك تدلنا على أن لبناننا العزيز غني ~~بأربعة أشياء: النور والهواء، والماء والأوسمة التي تمنح بسخاء حاتمي للرائح والجائي، ~~والمغترب والمقيم. وقد تأتي ساعة ترسل فيها الأوسمة طردا بريديا كالحشيش والهيرويين ... ~~وربما جاء يوم لا نرى فيه صدرا عامرا غير مفضض أو مذهب. فإذا كانوا اليوم يقنعون بالوسام ~~من رتبة ضابط فسوف لا يرتضون بأقل من رتبة كومندور أو ضابط أكبر فتمتلئ الدنيا وشاحات ~~... # كل يريد أن يكون شيئا مذكورا، وحب الامتياز طبيعة الإنسان، فكان من يفوته اللحم قديما ~~يشبع من المرق، أي يسكج على أوسمة بطاركة أورشليم من غربيين وشرقيين. # كانت الدولة العثمانية تعطينا العصفور وخيطه، أي الفرمان والنيشان معا. أما دول أوربا ~~فقلما تعطي غير البراءة، واشتر أنت النيشان - على ذوقك - من فبركة سنت إتيان. وبطرك القدس ~~اللاتيني يمنحك وسام القبر المقدس باسم الحبر الأعظم، ولكل درجة سعر لكن بشرطين: الأول أن ~~تكون مستحقا، أي مجملا بالفضائل، والثاني أن تؤدي الثمن، والسعر محدود ... # أما اليوم فيا بلاش! يكفي أن يكون وسيطك وجيها ولو من الدرجة الثالثة حتى تنال وساما ~~وكبيرا بلا ثمن. فأنت ترقص والشعب اللبناني يحط النقود كما يقول المثل. # لا أقول ذلك حسدا أو ضيق عين، ولكن أسفا على شارات امتياز امتهنت. فقلما نسمع عند ~~جيراننا خبر منح وسام، وقل من زار ديارهم وظفر بنيشان. أما عندنا، فأول ما نفكر به لإكرام ~~زائرينا، هو أن نمنحهم من أوسمتنا. فكأن الوسام صار كالجبن، شيخ السفرة ... # وأخيرا إني أرجو من القارئ أن يطالع بإمعان هذه الحكاية التي وضعها موبسان، وفيها يصف ~~رجلا مقصرا في كل ميدان يشتهي أن يكون صاحب وسام. # | حامل وسام # بعض الناس يولدون وتولد فيهم غريزة مستولية عليهم، أو رغبة تطاردهم منذ نعومة أظفارهم ~~وقدرتهم على التفكير. والسيد سكرمان كانت تراود مخيلته فكرة ثابتة وهي أن يكون حامل وسام. ~~فمنذ صغره كان يحمل كأمثاله الصغار أوسمة من النحاس، وكان ms46 إذا ما سار في الشارع تمشى ويده ~~في يد والدته، نافخا صدره المرصع بشارات الأوسمة الحمراء. # فبعد أن أخفق في نيل البكالوريا إثر دراسات عقيمة، فضل الزواج من امرأة جميلة لأنه كان ~~غنيا. فعاشا في باريس كما يعيش البورجوازيون وهما فخوران بمعرفة نائب قد يصير وزيرا ... ~~بيد أن الفكرة المبكرة التي راودت مخيلة السيد سكرمان لم تكن لتفارقه، وكان يتألم دائما ~~لأنه لا يحق له أن يعرض في عروة ريد نكوته نسيلة ملونة. كانت تدمي قلبه رؤية حملة الأوسمة ~~الذين يصادفهم في الجادة فيختلس النظر إليهم محنقا مغيظا من الحسد. # وفي بعض أوقات فراغه ونزهاته، بعد الظهر، كان يحاول إحصاء عددهم قائلا في نفسه: فلأحاول ~~إحصاء عدد هؤلاء الذين أجدهم في طريقي في شارع ف، ثم يسير على مهل وعينه شاخصة تحاول اكتشاف ~~هذه الشارة الصغيرة الحمراء. وكم كان يذهله العدد الذي يصل إليه في خاتمة مطافه. ثمانية من ~~حاملي وسام جوقة الشرف برتبة ضابط، وسبعة عشر من حامليه برتبة فارس. ويقول في قلبه: إن ~~توزيع الأوسمة بهذه الطريقة إسراف أحمق. والآن فلأحاول برجوعي أن أعد أيضا حملة هذه ~~النياشين. فمن أجل ذلك كان يسير بخطى بطيئة، وكما كان يزعجه ازدحام المارة الذين يحولون بعض ~~الأحيان دون دقة الإحصاء فيفوته واحد من هؤلاء. # كان المسيو سكرمان يعرف معرفة تامة الشوارع التي تحتوي على أكثر من غيرها من حملة ~~الأوسمة. فعدد هؤلاء كان يكثر في شارع ش ويتضاءل في شارع الأوبرا مثلا. كما أن الجهة ~~اليمنى كانت ملأى بهؤلاء أكثر من الجهة اليسرى، لأنهم كانوا يفضلون ارتياد بعض المقاهي ~~والمسارح دون الأخرى. وفي كل مرة كان يرى السيد سكرمان جماعة من السادة المسنين، ذوي الشعر ~~الأبيض يقفون في منتصف الطريق ويعرقلون السير فكان يقول في نفسه: هؤلاء هم من حاملي أوسمة ~~جوقة الشرف من رتبة ضابط، وكم كان يود في قرارة نفسه أن يلقي عليهم تحيته. # إن مظهر أصحاب رتبة ضابط - وهذا ما لاحظه مرارا - هو غير مظهر أصحاب رتبة فارس. ms47 فكل منا ~~يشعر عندما يراهم أنهم حازوا، بصورة رسمية، احتراما وتقديرا، وأهمية لم يحزها ~~هؤلاء. # وفي بعض الأحيان كانت تنتاب السيد سكرمان سورة غضب شديد وحقد على جميع من منحوا هذه ~~الأوسمة. وكان يشعر بالتالي نحوهم ببغض رجل اشتراكي. # وهكذا كان يعود إلى بيته عودة رجل جوعان مر بباب المطاعم ... فيصرخ بصوت عال: متى يخلصنا ~~الله من هذه الحكومة الوسخة؟! فتسأله زوجته متعجبة: ما بك اليوم؟! فيجيب: إني ثائر على هذه ~~المظالم التي تجري كل يوم. آه. كم هؤلاء الاشتراكيون على حق! # ومع ذلك فقد كان يخرج ثانية من بيته بعد الظهر ليتأمل الحوانيت التي تعرض فيها الأوسمة. ~~كان يفحص جميع هذه الرموز ذات الألوان والأحجام المختلفة. كان يود لو يستطيع أن يمتلكها ~~كلها، ومن ثم يظهر في قاعة كبيرة، حشدت فيها الجماهير، ماشيا على رأس موكب وصدره مشعشع ~~تتخلله الأشرطة بين وشوشة المعجبين. ولكن ويا للأسف، لم يكن لديه أي لقب يخوله حق منحه ~~وساما. كان يقول في نفسه: إنه لمن الصعب أن يحصل رجل لا يشغل وظيفة عامة على وسام جوقة ~~الشرف. آه لو كنت أحاول أن أنال لقب أوفيسيه دا كاديمي. # لكنه لم يكن يعلم كيف السبيل. وأخيرا فاتح زوجته بالأمر فدهشت وقالت: ماذا أديت من خدمات ~~لتحوز هذا اللقب؟! فاجتاحته ثورة من الغضب وقال: إنك بليدة حقا بعض الأحيان. # إني أتساءل: ماذا يجب أن أفعل ليكون لي ذلك. # فابتسمت قائلة: إنك على صواب، ولكني لست أعلم أنا أيضا كيف العمل. # وأخيرا حضرته الفكرة فقال لها: النائب روسلين يقدر أن يسدي إلينا النصح إذا حدثته ~~بشأني. فأنا يستحيل علي شخصيا أن أخوض معه موضوعا مثل هذا بصورة مباشرة. فالقضية دقيقة ~~للغاية وصعبة أيضا، أما إذا كانت المبادرة منك فإنها تصبح طبيعية للغاية. # وقامت السيدة سكرمان بمهمتها. ووعد النائب بأنه يباحث الوزير بهذا الشأن. وبناء على طلبات ~~السيد سكرمان الملحة أشار عليه النائب أخيرا بأن يقدم طلبا يذكر فيه ألقابه العلمية. ولكن ~~كيف يمكنه أن يعدد ألقابه العلمية ms48 وهو لم يحصل على البكالوريا! # ومع ذلك فقد بدأ العمل، وبدأ الكتابة باحثا موضوع (حق الشعب في الثقافة) ولكنه لم يستطع ~~إكمال البحث لعدم توفر الأفكار. فعدل عن هذا وراح يفتش عن موضوعات أكثر سهولة وبدأ يبحثها ~~على التوالي. كان موضوعه الأول: (تثقيف الأولاد بالنظر) فهو يريد أن ينشأ في الأحياء ~~الفقيرة نوع من المسارح المجانية للأولاد الصغار فيقودهم إليها أولياؤهم منذ طفولتهم. وهناك ~~يكتشفون بواسطة فانوس سحري معلومات تتناول جميع المعارف الإنسانية. إن النظر ينير ويثقف ~~العقل. والصور تظل مطبوعة في الذاكرة فتصبح المعرفة بهذه الواسطة، منظورة ملموسة، وهل أسهل ~~من أن نعلم بهذه الطريقة التاريخ العام، والجغرافية والزراعة و... إلخ. # وطبع السيد سكرمان هذا المقال وبعث بنسخة عنه إلى كل نائب، عشر نسخ إلى كل وزير، خمسين ~~نسخة إلى رئيس الجمهورية، عشر نسخ إلى كل من جرائد باريس، خمس نسخ إلى جرائد ~~الضواحي. # ثم بحث بعد ذاك قضية المكتبات في الشوارع. فهو يطلب من الدولة أن تسير في الطرقات عربات ~~صغيرة، كعربات بائعي الليمون؛ ملأى بالكتب والمؤلفات، ويكون لكل مواطن حق استئجار عشرة ~~مؤلفات كل شهر مقابل غرش واحد. فالسيد سكرمان يقول: إن الشعب لا ينتقل إلى مكان ما إلا ~~طلبا لملذاته. وما زال لا يسعى وراء طلب الثقافة والعلم فإن الثقافة والعلم يجب أن يسعيا ~~إليه إذن. # ولكن هذه المحاولات لم تلاق أي صدى، ومع ذلك فقد تقدم بطلبه. فأجيب بأن المسؤولين أخذوا ~~علما بالأمر وأنهم سيجاوبونه، قريبا، فوثق إذ ذاك من نجاحه وانتظر. ولما أبطأ عليه الجواب ~~قرر أن يقوم بمساعيه الشخصية، فطلب مقابلة وزير المعارف، فاستقبله ملحق الغرفة وهو شاب ~~ولكنه على ما يبدو خطير للغاية ويحتل مركزا مرموقا. كان يبدو كأنه لاعب بيانو عندما كان ~~يشد على أزرار الجرس البيضاء المتعددة ليدعو إليه مرؤوسيه. وقد أكد الملحق للمسيو سكرمان أن ~~قضيته في طريقها إلى النجاح وطلب إليه أن يكمل ويتابع أبحاثه المرموقة. # وعاد السيد سكرمان إلى العمل. ويظهر أن النائب روسلين بدأ يهتم كثيرا ms49 لنجاح المسيو ~~سكرمان، فقد جمع له المعلومات العملية القيمة. فروسلين كان هو أيضا قد منح وساما دون أن ~~يعلم أحد الأسباب التي جعلته جديرا بهذا الامتياز. لقد أشار على سكرمان أن يتناول بحث ~~دراسات جديدة، وقدمه إلى جمعيات علمية كانت تهتم بدراسة نقاط من العلم غامضة نوعا ما قصد ~~الحصول على هذه الإنعامات. حتى إنه كان يهتم أن يوصي به في الوزارة أيضا. # وبينما كان النائب ذات يوم يتغدى عند صديقه (وكثيرا ما كان يتغدى في هذا البيت منذ عدة ~~أشهر ...). قال بصوت منخفض وهو يشد يده: لقد توصلت أن أستحصل لك على إنعام كبير. فلجنة ~~المباحث التاريخية شاءت أن تسند إليك مهمة التنقيب عن بعض المعلومات في مختلف مكتبات ~~فرنسا. # عند ذاك خارت قوى سكرمان حتى لم يعد بإمكانه مواصلة الأكل والشرب. ولكنه سافر بعد مضي ~~ثمانية أيام. كان ينتقل من بلد إلى آخر باحثا منقبا في الكتب الصفراء ينهشه الحقد على ~~أصحاب المكتبات. # ولما كان ذات مساء في روان، مرت في خاطره فكرة (تقيل) زوجته التي لم يرها منذ أسبوع، ~~فاستقل القاطرة التي تسير في الساعة التاسعة لتوصله نصف الليل إلى بيته. # كان يحمل مفتاح الباب. فدخل بدون أن يحدث أية حركة. دخل، تدغدغه النشوة، ويسعده أن يطلع ~~على زوجته بغتة بهذه المفاجأة الحلوة. ~~- إنها مزعجة. لقد أغلقت على نفسها الباب كأنها سجينة. عند ذاك صرخ: جانيت، هذا ~~أنا. # ويظهر أنه انتابها ذعر شديد، لأنه سمع صوت قفزتها عن سريرها وهي تحدث نفسها كأنها في حلم. ~~وبعد ذاك ركضت إلى غرفة الزينة ففتحتها وأغلقتها، ثم دخلت غرفتها وخرجت منها عدة مرات ~~راكضة، حافية القدمين، مصطدمة بالأثاث الذي كان يسمع له قرقعة. # وأخيرا قالت له: هذا أنت يا ألكسندر؟!! # فأجابها: نعم. نعم. هذا أنا افتحي الباب. # وفتح الباب. فارتمت زوجته على صدره وهي تتمتم: يا الله. يا لفرحي وسروري. ما هذه ~~المفاجأة؟! # وبعد ذاك أخذ ينزع ملابسه بانتظام تماما كما كان يفعل سابقا. وعندما حاول أخذ معطفه عن ~~الكرسي ms50 الذي كان يعلقه عادة في مدخل البيت، اعترته دهشة كبيرة: إن العروة كانت مزينة بشارة ~~حمراء. عند ذاك تمتم: هذا المعطف يحمل وساما! # وبقفزة واحدة ارتمت عليه زوجته وانتزعت منه المعطف قائلة: لا تنخدع. أعطني إياه. # ولكنه ظل ممسكا بأحد كمي المعطف وهو يردد مضطربا: ولكن كيف تفسرين ذلك. لمن هذا المعطف؟ ~~إنه ليس لي لأن معطفي ليس فيه شارة وسام جوقة الشرف. # وحاولت جاهدة انتزاعه منه وقالت وهي ذاهلة: اسمع. اسمع. أعطني إياه. إنه سر لا يمكن البوح ~~به الآن. اسمع. # ولكنه غضب حتى شحب لونه وقال: أود أن أعرف من أين جاء هذا المعطف. فهو ليس لي. # عند ذاك صرخت بوجهه قائلة: نعم إنه لك. أستحلفك أن تسكت. اسمع. لقد منحت وساما ... # وكان من تأثير العجب الذي تولاه أن ترك المعطف وتراخى على الكرسي وقال: تقولين ... إني ... ~~أصبحت صاحب وسام. ~~- نعم!! إنه سر ... سر كبير ... # وأخيرا وضعت المعطف الأعز الأمجد في خزانة، ثم عادت إلى زوجها صفراء اللون وهي ترتجف. ~~قالت له: نعم إنه معطف أوصيت لك عليه. ولكني استحلفت أن لا أبوح لك بشيء. ولن ترتدي قضيتك ~~الطابع الرسمي قبل مرور شهر أو ستة أسابيع عندما تنتهي مهمتك. كان من الواجب أن لا تعرف ~~شيئا قبل عودتك. إن السيد روسلين هو الذي حصل لك على هذا الإنعام. # قال السيد سكرمان وقد خارت قواه: روسلين ... صاحب وسام ... هو الذي أسدى إلي هذه الخدمة ~~فمنحت وساما ... أنا ... هو ... آه. # وكان مضطرا إلى تناول جرعة من كوب ماء. وصادف أن ورقة صغيرة أفلتت من المعطف على الأرض ~~عندما نازعته إياه زوجته فالتقطها السيد سكرمان. إنها بطاقة زيارة كتب عليها: روسلين ~~نائب. # قالت له زوجته: هل لمست الشيء لمس اليد؟ # فبكى من شدة الفرح ... # وبعد مضي ثمانية أيام نشرت الجريدة الرسمية خبر منح السيد سكرمان وسام جوقة الشرف من رتبة ~~فارس، لتأديته خدمات استثنائية ... # | الجنود سياج الدولة # من جملة الأحداث الجلى التي مرت وأنا مشغول في جسدي، كما قال الحجاج لأهل ms51 العراق، هذه ~~الأحلاف العسكرية هنا وهناك، غرب وشرق، وشمال وجنوب، وفوق وتحت، حتى تتم حدود الجهات الست. ~~وهل تتعجب إذا قلنا فوق؟ ففي هذه الأيام صار هذا الفضاء الواسع ساحة النضال. وهل هناك أعظم ~~وأسهل من هذه الساحة العلوية التي لا تحتاج إلى طرق واسعة - أوتستراد - ولا إلى تعبيد، وما ~~هذه هي المرة الأولى التي تدور فيها رحى الحرب في القطاع الفوقاني من هذه الأكوان. # أما كانت السماء ساحة أول عملية عسكرية بل معركة حربية كانت الأرواح السماوية عساكرها؟ ~~فثورة الملائكة أول ثورة عرفها التاريخ البشري. وعرف الوحي الإنسان أن لا بد لكل وطن من ~~عسكر يحميه، سماويا كان أم أرضيا. إن النزاع ملاك كل حياة. ففي كل مجتمع، وفي كل أسرة، ~~بل في كل جسم مشادة بل تطاحن دائم يقوم فيه الجديد على أنقاض القديم. # كان إبليس يرتع في ملكوت الله ونعيمه، فتطاول ببصره إلى العرش الإسني فحدثته نفسه به. ~~وشايعه فريق من إخوانه، خدام العرش، فانشق الملائكة حزبين: حزب الله، وعلى رأسه ميخائيل، ~~وبزات رهطه أجنحة خضراء فتانة، ووجوه فتية طرية ذات ثغور تفيض سحرا علويا، وحزب ~~لوسيفوروس وشاراتهم قرون، ثم أذناب لا بد منها لذوات القرون. وهكذا ثم لكل عسكر ما ينماز ~~بها. أما أعتدة تلك الحروب الأولى، فكانت سيوفا كما زعم لنا المصورون. # كانت حربا صاعقة حقا فاندحر إبليس وجنوده، وكانت الهدنة فأجلوهم عن حدود الملأ الأعلى، ~~وأصبحت الأرض مستعمرة لهم. فإذا جارينا العلماء وقلنا معهم: إن الفردوس الأرضي في الشرق، ~~كان الشرق مهد العسكرية الأولى. # فالعسكرية بذرة وجدت في أول خلية من خلايا الكائنات. تنشق فتصير شجرة، فغابة أشبة كلما ~~مست الأحداث أنانية البشر التي يعبرون عنها بالشرف والكرامة. وما الكرامة والشرف إلا الدفاع ~~عن النفس وتنازع البقاء. فلولا الكرامة والشرف اندحر الإنسان في جبهة الحياة وظل كابن عمه ~~القرد يراشق بالحجارة. بيته الكهف وسراجه القمر، ومصابيحه المعلقة هذه النجوم ~~الحائرة. # لسنا ننكر أن الحرب ويل، ولكنه ويل لا بد منه للتطهير والتنقية. لا بد ms52 من نفي الزؤان ~~ليسلم القمح، ولا بد من اختيار الأصلح بذارا لنحصل على الغذاء الأنسب، والغلة المثلى. ولا ~~يظل حصادنا خليطا لا تستلذ النفس رغيفه، ولا تستطيب طعامه. # الحياة الإنسانية منذ نشأتها حتى الساعة التي نحن فيها سلسلة أعمال عسكرية، قصرت وطالت ~~بحسب الأحوال والظروف. وما تقهقرت أمة وقصرت عن تأدية رسالتها إلا عندما ضعفت روحها ~~العسكرية: إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب. (أعلى الممالك ما يبنى على الأسل). # ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه # يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم # لا أحاول سرد أخبار الحروب والأعمال العسكرية، فتاريخ كل أمة هو تاريخ أمجادها العسكرية. ~~كان الناس ولا يزالون يتعسكرون ليدافعوا عن قضية يرون فيها سر بقائهم الأنسب، فسموها تارة ~~الله، وطورا الوطن، وحينا التمدين. وهم في الحقيقة لا يدافعون إلا عن (الأنا)، وفي الأنا ~~كل أسرار البقاء. سخرتنا قوة نجهلها لمشيئتها، فنحن نعمل ما نشاء ولا ندري لماذا نعمل. ~~وتتغير مظاهر أعمالنا في مجرى الزمن فنستقبح اليوم ما استحسنه أسلافنا، ثم لا نلبث أن نأتي ~~شرا منه متوهمين أننا نصنع خيرا. # وإذا فكرنا في التاريخ العسكري رأينا عباقرته يسيرون الإنسانية في سبل جديدة فيخلق مرعى ~~للقلم يدر اللبن. # فهذا أبو تمام تخلده بائيته العسكرية، وهذا المتنبي سيفياته الخالدة فيخلد ويخلد ~~أميره. # لا تبنى (القومية) ولا تقوم (التربية الوطنية) على الأدب وحده، فللسيف قصائد رنانة ~~ومقالات طنانة كما حدثنا أبو تمام. وإذا طلبنا المواد الأولية التي نؤلف منها تربية وطنية ~~في أمتنا المتضاربة الآراء فلا نجدها في شعر الشعراء، ولا في علم العلماء، ولا في القضايا ~~الحسابية والهندسية، فتلك (العقدة) لم يفكها إلا سيف الإسكندر عندما وقف المفكرون تلقاءها ~~حائرين. # قد كنت زعمت أن تربيتنا الوطنية لا تستقيم إلا تحت سماء الثكنة العسكرية، وها قد أعارت ~~حكومتنا هذه القضية انتباها، فأوجبت التدريب العسكري على صفوف المدارس العليا، فسمعنا صدى ~~خطوات الفتيان المتزنة، وشاهدنا صفوفهم ونفوسهم التي تكاد تقفز من صدورهم. ولكن فليسمح لي ~~أن أقول: إن التدريب المدرسي والنظام الكشافي ms53 والترتيب الحزبي لا يشفي نفس الوطن المهدد، ~~فلا ينهضنا من هذه الكبوة إلا التجنيد الإجباري. # إن الميل العسكري ضعيف فينا. فشبابنا، ولا أقول كلهم، يهربون من الجندية حيلة. فكأنهم ~~درسوا علم الحيل على أبي دلامة بل فكأن هذا الشاعر قد نفخ فيهم من روحه، وإليك ما روى لنا ~~عن نفسه كما جاء في الأغاني: # قال أبو دلامة: أتى بي المهدي وأنا سكران، فحلف ليخرجني في بعث حرب، فأخرجني مع ~~روح بن حاتم المهلبي لقتال الشراة. فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أن ~~تحتي فرسك ومعي سلاحك، لأثرت في عدوك اليوم أثرا ترتضيه. فضحك وقال: والله العظيم ~~لأدفعن إليك ذلك، ولآخذك بالوفاء بشرطك. ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إلي ~~ودعا بغيرهما فاستبدل به. فلما حصل ذلك في يدي وزالت عني حلاوة الطمع قلت له: أيها ~~الأمير، هذا مقام العائد بك، وقد قلت بيتين فاسمعهما. قال هات. فأنشدته: # إني استجرتك أن أقدم للوغى # لتطاعن وتنازل وضراب # فهب السيوف رايتها مشهورة # فتركتها ومضيت في الهراب # ماذا تقول لما يجيء وما يرى # من واردات الموت والنشاب # فقال: دع عنك هذا وستعلم. # وبرز رجل من الخوارج يدعو للمبارزة فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة. # فقلت: أنشدك الله أيها الأمير في دمي! ~~- والله لتخرجن. # فقلت: أيها الأمير، فإنه أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، وأنا والله جائع ~~ما شبعت مني جارحة من الجوع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج. # فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصف. فلما رآني الشاري - مفرد ~~الشراة - أقبل نحوي وعليه فرو قد أصابه المطر فابتل، وأصابته الشمس فانفعل. وعيناه ~~تقدان، فأسرع إلي فقلت له: على رسلك يا هذا كما أنت. # فوقف. فقلت: أتقتل من لا يقاتلك؟ # قال: لا. ~~- أتقتل رجلا على دينك؟ ~~- لا. # قلت: أفتستحل ذلك قبل أن تدعو من تقاتله إلى دينك؟ ~~- كلا. فاذهب عني إلى لعنة الله. # قلت: لا أفعل أو تسمع مني. ~~- قل. # قلت: هل كانت بيننا عداوة أو ترة، أو تعرفني ms54 بحال تحفظك علي، أو تعلم أن بين أهلي ~~وأهلك وترا؟ # قال: لا والله. ~~- ولا أنا والله لك إلا جميل الرأي، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك، وأريد ~~السوء لمن أراده لك. # قال: يا هذا، جزاك الله خيرا فانصرف. # فقلت: إن معي زادا أحب أن آكله معك وأحب مؤاكلتك لتتأكد المودة بيننا ويرى أهل ~~العسكر هوانهم علينا. # قال: فافعل. # فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا، وجمعنا أرجلنا على معارفها، والناس قد ~~غلبوا ضحكا. فلما استوفينا ودعني ثم قلت له: إن هذا الجاهل إن أقمت على طلب ~~المبارزة ندبني إليك فتتعبني وتتعب، فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل. # قال: قد فعلت. ثم انصرف وانصرفت. # فقلت لروح: أما أنا فقد كفيتك قرني، فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك. ~~فأمسك. # وخرج آخر يدعو إلى البراز فقال لي: اخرج إليه، فقلت: # إني أعوذ بروح أن يقدمني # إلى البراز فتخزى بي بنو أسد # إن البراز إلى الأقران أعلمه # مما يفرق بين الروح والجسد # إن المهلب حب الموت أورثكم # وما ورثت اختيار الموت عن أحد # فضحك وأعفاني. # وبعد، فعلى من نعتمد في حماية حدودنا، إذا كنا على دين أبي دلامة. إن رب إسرائيل رب جنود، ~~فبماذا نواجه من كانت هذه عقيدته، وعلى من نعول في صيانة أرضنا!! أعلى الدول الأخرى وقد ~~عرفناها في أكثر المواقف أنها تخضع للأمر الواقع ما دامت الضربة بعيدة عن جلدها. # ليست هذه أول مرة نعالج هذا الموضوع. فلنا فيه جولات قديمة وحديثة. فقد تنبهنا للخطر ~~الصهيوني يوم كنا شبابا من جنود السلطة الرابعة، فحاربناه، تحت عنوان (الخطر الأصفر) نسبة ~~إلى السيد أصفر الذي كان يشتري أراضي فلسطين للصهيونيين. وكانت الحرب الكبرى الأولى فكان ~~الذي خفنا أن يكون. ومنذ خمس سنوات علقنا على خطاب ألقاه مناحيم بيغان زعيم منظمة الأرغون ~~اليهودية الإرهابية قال فيه: إن عيد اليهود سيأتي عندما يرقص شبابنا في شوارع العواصم ~~العربية. # قلنا: إن هذا حلم توراتي عتيق جدا، ولعله جال في خاطر لوط ليلة أسكرته ابنتاه ... ~~فالتوراة تهب ms55 أرضنا لبني إسرائيل كما جاء في سفر تثنية الاشتراع، الفصل الأول، عدد 6 و7: # الرب إلهنا ، كلمنا من حوريب قائلا: كفاكم قعودا في هذا الجبل. تحولوا وارتحلوا ~~وادخلوا جبل الأموريين وكل ما يليه من (العربة) والجبل والسهل والجنوب وساحل البحر، ~~أرض الكنعاني ولبنان إلى النهر الكبير، نهر الفرات. انظروا قد جعلت أمامكم الأرض، ~~ادخلوا وتملكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب أن يعطيها لهم ~~ولنسلهم من بعدهم. # وأخيرا جاء في الفصل الأربعين من إشعيا: # هو ذا الأمم كنقطة من دلو وكغبار الميزان تحسب. هو ذا الجزائر يرفعها كدفة، ~~ولبنان ليس كافيا للإيقاد، وحيوانه ليس كافيا لمحرقة، كل الأمم كلا شيء قدامه ~~... # إشعيا ف40 ع15-17 # فهل من يقول لي ماذا أعددنا لإحباط أماني وأحلام إسرائيل؟؟ ماذا أعددنا لمنازلة شعب وعده ~~إلهه، منذ آلاف السنين، بامتلاك أوطاننا؟ # أأعددنا شيئا غير مناقشات وتنابذ وانقسام إلى محورين. # أأعددنا غير حفر الملاجئ، فإلى أين نلتجئ إذا أتت الساعة؟ # فلنستيقظ من غفلتنا، فما في الحرب مكرمة كما يقولون. # | سيكي الكلب البوليصي # منذ سبعين ثمانين سنة سمع أو شهد أديب بك إسحق سباق كلاب في باريس، فكتب مقالا رصعه ~~ببيتين قالهما في ذلك المشهد أذكر منها هذا الشطر: حتى الكلاب لها هناك جوائز. # ترى ماذا كان يقول اليوم لو كان له عين ترى؟! ماذا تراه كان يقول، لو سمع، مثلما سمعت، ~~بأخبار هذا الكلب العجيب سالكي أو سيكي، كما قرأت اسمه في الصحب اليومية والأسبوعية التي ~~صورته؟ إذا كانت جوائز سباق كلابي قولت أديب زمانه وصحافي عصره شعرا، فماذا كان يقول لو ~~رأى هذا الكلب البوليصي، وقرأ وصف العناية التي يقتضيها أسلوب حياته حتى يفلح ويقوم بمهمته ~~على أتم وجه. فلا بد له - كما طالعت - من تدليك وتمسيد وتمشيط يوميا إلى آخر ما هنالك عدا ~~السهو والغلط لأنهم لم يذكروا إذا كان لا بد من التعطير أيضا. وقالوا: إنه لا بد من تأمين ~~الوقاية والأسباب الصحية للأماكن والأوعية التي يتناول فيها غذاءه، وقالوا: إن وجبة ms56 طعامه ~~تتألف من اللحم والخضار المسلوقة، ونوع من الخبز خاص. # ألا ترى أنها نوع من الرجيم؟ تماما كأسلوب الأكل في المستشفيات، فإذا كنت لم تزرها بعد، ~~فلسوف تذكرني إذا دخلتها بعد حين، لا سمح الله. # وأي مقال كان يكتب أديب إسحق لو درى أن هذا الكلب يتعلم كالطلاب الآدميين، وله سجل مدرسي ~~فينتقل بناء عليه، من صف إلى صف حسب نبوغه الذي يدل عليه هذا الدفتر الخاص المبينة فيه ~~أخلاقه، وعاداته، وعلاماته، ودرجاته. حتى إذا ما بلغ الشوط الأخير من السباقات المدرسية ~~يحوز الشهادة. لا أدري إذا كانت هناك أيضا شهادات ثانوية وجامعية، وألقاب علمية لهؤلاء ~~الكلاب. # وعلى كل حال قد فسح وجودهم عندنا مجالا لوظائف جديدة. فلا بد لكل كلب من ماشطات، ~~وطابخات، وغاسلات تسهر على تسريح شعره وتنظيفه، ولا بد من ممرضات تكون أعينهن عشرة عشرة ~~لتأمين وجبات أكله، ولا بد من ساهرات على نظافة المنزل وتمهيد الفراش والحيلولة دون زعيق ~~الراديوات وتزمير السيارات، كما لا بد من مرافقين له في أوقات فراغه. إذن فليستعد الجنسان ~~لتقديم الامتحان. والشرط الأول في من يتقدمن ويتقدمون إلى هذه الوظائف أن يكونوا يحسنون ~~اللغة الإنكليزية ويخرجون الحروف إخراجا على حقه، لا بلديا كما نتكلم نحن، فأصحابنا ~~هؤلاء لا يفهمون إلا لغة وطنهم. وسيكي ورفاقه السبعة ينبشون المجرمين ولو كانوا في قاع ~~الأرض بشرط أن تحسن رعايتهم وسياستهم. # وقد قرأت أن الطالب النجيب من هؤلاء الكلاب تراعى في تعليمه قاعدة جدودنا القدماء: العلم ~~في الصغر كالنقش على الحجر. فلا يقبل أحدهم في المدرسة إذا تجاوز عمره السنة مهما كان لديه ~~من الوسائط. فهو ليس مثلنا، نحن البشر، يقبل في المدارس ولو كان طول عمود خلده. # إن هذا التعريف بضيوفنا الأعزاء - عفوا، بل بالذين صاروا، بعد اليوم، منا وفينا - واجب ~~جدا ليعرف القارئ مع من نتكلم اليوم. والآن ننتقل إلى الكتاب المفتوح الموجه إلى زعيم ~~هؤلاء الكلاب. # عزيزي سيكي # عم صباحا يا أخا الكلاب. لا تغضب إذا حييتك بتحية الجاهلية، فأنت وإن تفوقت ms57 على ~~الكثيرين منا بالغريزة، فما زلت تعد غير عاقل ولا يحل عليك سلامنا. لقد شرفت جنسك أيها ~~الكلب الذكي، وانتزعت الاحترام انتزاعا حين اهتديت إلى المجرمين من البشر، إني لأرجو ~~أن يخجل الإنسان المجرم حين يدل عليه كلب، ويقوده صاغرا حين يطبق فكيه على ~~ساعده. # يا زعيم الثمانية، حقا لقد ذكرتنا بمجد كلب أهل الكهف، بل تعاليت عليه علوا ~~كبيرا. قال بولس الرسول: على فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة، وأنت بلا كلمة ودون أن ~~تلفظ مقطعا من كلمة، تقوم شهادتك. فماذا ينفع الإنسان نطقه إذا كانت لا تقبل شهادته ~~مفردا وتقبل شهادتك أنت وحدك! لقد رفعت اسم الكلاب عاليا يا عزيزي. وهل يحق لنا، نحن ~~البشر، بعد هذا، أن نعير ونحقر بعضنا بكلمة يا كلب! أما صار بعضنا تحت رحمتكم! ترى هل ~~لنا أن نطعن بشهادتكم؟ وإلا فأين ذهب اجتهاد المحامين وهل له دور في شرع الكلاب؟ أنت ~~كلب بشهادة، فصارت شهادتك لا ترد، والمليح فيك أنت لا تحابي ولا تمالئ. تشم وتحكم حكما ~~مبرما فلا اعتراض ولا استئناف ولا تمييز. وأحسن ما في الأحسن فيك أنك لا تراعي في ~~المنام خليلا. تفعل بوحي من منخريك، وأذناك لا تقبلان واسطة أحد لا من رجال دين ولا من ~~رجال دنيا ... الحاكم منخرك، والمنفذ فكك. قيل قديما: مقتل الرجل بين فكيه، أما اليوم ~~فصار مقتله بين فكيك. ولكن بحياة والدك خبرني: هل أنت معصوم؟! وإذا أخطأت يا كلب، ~~فخطيئتنا برقبة من تكون؟! # وبعد يا عزيزي سيكي، ترى أتعرف حلال العملة من حرامها؟ وهل إذا شممتها في المصارف حيث ~~تودع أمانة في صناديق حديدية يرسم أصحابها، أتقدر أن ترشد إليها؟! # وأيضا يا عزيزي سيكي، أصحيح أنك لا تأكل زادك ولو جائعا إلا إذا أمرك ولي أمرك؟ فما ~~قولتك غدا حين ترى البعض عندنا يأكلون غير الخبز، يأكلون الصناديق الحديدية فوق ~~الشبع. # ثم يا عزيزي، هل تظن أننا لا ننتزع المجرمين من أشداقك، ما دمنا نكذب السجلات ~~وقيودها!! # وهل يعقل أننا لا ms58 نكذب كلبا مثلك؟ فإذا سمعت مني يا سيكي فلا تتعب نفسك كثيرا. فأنت ~~تمسكهم والوسائط تفلتهم. أظنك تشم ولا تسمع، وإلا لكان بلغك ما يقال تحت قبة البرلمان. ~~فحديث (الواسطة) وغيره ليس من عندي، بل من عند نواب الأمة، وصاحب البيت أدرى بالذي ~~فيه. # إن بوليصنا وشرطتنا وأمننا العام قلما أفلت منهم جان، ولكن المهم أن نقبض على من ~~يفلتونهم، أن نمسك بالذين يتداخلون لمصلحتهم، فلو وفرنا للمسؤولين عن الأمن عندنا ما ~~سيوفر لك من الوسائل الصحية، واعتني بهم، كما سيعتنى بك، لعملوا العجائب. فإذا كانوا - ~~وهم على ما هم - لا يخفى عليهم شيء. إذا كانوا هم يعدون كل شيء بأنفسهم ويفعلون ما ~~يفعلون، فكيف يكونون لو تهيأ لهم ما سيهيأ لك أنت. أما قلنا أن سيكون لك نظام أكل صحي ~~دائم، تماما كالذي روعي لي في المستشفى غصبا عني، أما الآن فصرت لا أقدر على ذلك لأن ~~نفسي رخوة أولا، وثانيا لأني لا أستطيع. # كنا فيما مضى نفتخر بالحمام الزاجل الذي كان ينقل رسائلنا بأمانة في الملمات ~~وساعة الضيق، أما الآن فأنت موضوع إعجابنا يا سيكي. # وبعد، فأهلا وسهلا يا سيكي، أرأيت كيف احتفينا بك وكيف خففنا إلى استقبالك؟ فقد ~~احتللت الصفحة الأولى من صحفنا كأنك ضيف كبير أو عبقري عظيم. لا يدهشك هذا الاستقبال ~~الرائع، فتلك عادتنا ولو مع الكلب إذا كان يستحق الإكرام. وعندنا مثل يقول: من وقر ~~الكلب وقر صاحبه، وكلب المير مير. إذن كان للكلب عندنا وقار قبل تشريفك. وإذا كنت كلبا ~~ذئبيا فقبلك دعا الفرزدق المرحوم جدك بقوله: # وأطلس عسال وما كان صاحبا # دعوت بناري موهنا فأتاني # فلما دنا قلت: ادن دونك، إنني # وإياك في زادي لمشتركان # فبت أسوي الزاد بيني وبينه # على ضوء نار مرة ودخان # فقلت له، لما تكشر ضاحكا # وقائم سيفي من يدي بكمان # تعش، فإن واثقتني لا تخونني # نكن مثل من، يا ذئب، يصطحبان # ذكرني هذا وصفهم لك بأنك أطلس عسال، ولا عجب في هذا فنحن نقول: إن الأصول عليها ms59 تنبت ~~الشجر. والابن سر أبيه، فبورك فيك من ابن أصل. # المصيبة يا سيكي، إني وإياك لمختلفان. أنت تفهم الإنكليزية وأنا أفهم الفرنسية، ومع ~~ذلك ألخص لك ما أريد أن أقول في هذا المقام الكلي الجد ... # أظن أن قصيدة ذئب دافيني الشاعر الفرنسي مترجمة إلى اللغة التي تفهمها أنت، فإذا ~~قابلت بين وصف شاعرنا وشاعركم لاستقبال الذئب عرفت أننا نكرم الضيوف ولو كانوا ذئابا ... ~~ولسنا مثل غيرنا، وفي هذا يقول الفرزدق أيضا: # ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى # أتاك بسهم أو شباة سنان # وإذا كان ذلك كذلك، فكم ترانا نكرمك أنت الآتي لتعاوننا على المجرمين منا وتدلنا ~~عليهم. # اعذرني إذا خاطبتك برفع الكلفة، فما لقبتك لأنني لا أعرف لقبك، وما كنيتك لأني لا ~~أعرف الكبير من أنجالك المحروسين، حفظهم الله. الألقاب عندنا محفوظة للغرباء وأنت، كما ~~قلنا، صرت منا وفينا، ومع ذلك فنحن نقدر الناس، فعلى قدر موهبتك سوف يكون تعظيمنا لك. ~~أما أسلوب معيشتك أو الراجيم المحدد فسيكون كاملا غير منقوص. فالميزانية عندنا مرحرحة، ~~ونحن كرماء وأنت تستاهل. # يقولون: إن الكلب ينبح على الفقراء فعسى أن لا تكون منهم، أي من الكلاب غير المثقفين، ~~فتنبح على أكثرنا وخصوصا أبناء القرى مثلي لأننا جميعا فقراء مساكين، مربى الجبال لا ~~مربى سكوتلاند. كان ينقصنا الخوف والآن قد وجدناه بتشريفك يا عزيزي. أما إذا تعودت أن ~~تقيسنا بغير اللباس فيزول فزعنا، وإلا قاطعنا العاصمة وما أشبهها، وتركناك غارقا بين ~~زبونات الماتينه والسواره وحفلات الكوكتيل. # إن الخطر الكبير هو علي يا عزيزي سيكي، ولكن سوف أتنكر فلا تهاجمني بريئا إذا ~~رأيتني في الشارع. سوف آخذ ما يلزم من هذا الرفرف القائم فوق عيني، فأتقي شرك. الآن أظن ~~أن القارئ قد أدرك سبب توجيه هذا الكتاب المفتوح إليك وأنت كلب ابن كلب. # وجهت إليك هذا المكتوب الناعم لأتقي شرك، وإني لواثق أن الثناء يغرك كما يغرني فتكف ~~عني شرك. نحن يا أخا الكلاب بشر، والناس تؤثر بهم الكلمة أكثر من العضة، فبحياتك لا ~~تكشر كثيرا عن ms60 أنيابك إلا حيث يلزم. # حاشية - بيني وبينك - يا سيكي، أنا لا أؤمن كثيرا بما يقال. لا أصدق حتى أجرب، فمن ~~يكفل لي أنك لا تشهد بالزور ولو خطأ. وتأخذ أحيانا البريء بجريرة المجرم، ولكن لا خوف ~~من ذلك، فالجنابة قد تصير جنحة، والجنحة قد تطمر ولا يستطيع نبشها أحد، لا أنت ولا جد ~~جدك. # وعلى كل حال أرنا بتعك، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان. ولا تؤاخذني إذا ذكرت على ~~مسامعك الامتحان وأنت صاحب شهادة، كما يقول مدربوك، فعندنا يمتحنون أصحاب الألقاب ~~العلمية الكبرى. وختاما تفضل بقبول فائق احترامي وتقديري، ولو على غير معرفة، فشاعرنا ~~يقول: والأذن تعشق قبل العين أحيانا. # وإلى اللقاء القريب عن غير طريق الجريمة، إن شاء الله وإذا شئت أن تتفضل بالجواب، ~~وأظنك ستفعل، فهذا عنواني: عاليه مارون عبود، مع حفظ الألقاب. # | ديك يصلي ليلة عيد الميلاد # ولما دنا العيد استشعرت الدجاج أن الكارثة تحيق بهم. لم ينسوا مذابح السنين الماضيات ~~وأهوالها فرأوا أن يرفعوا أبصارهم نحو العلاء ويسألوا من بيده الأعمار أن يرد عنهم الضربة ~~التي تنزل بهم كل عام في مثل ليلة عيد الميلاد. فعلا صياحهم ورفت أجنحتهم، فقال زعيمهم ~~الديك المرقش: تشددوا يا إخوتي، فالفزع في مثل هذه الساعة لا يجدي، فهبوا بنا نصلي. # فقالت دجاجة أكسبتها الشيخوخة خبرة: ومتى عرفنا الصلاة حتى تدعونا إليها أيها الناسك؟! ~~فلنقاوم ما استطعنا. # فاستضحك ديك الحبش بلهجته المعهودة، فظن سرب الدجاج أن هناك بطلا يربح المعركة إذا ~~خاضها. صوت عريض يرسله متقطعا، فيخيف السامع الذي لا يعرف شجاعة الديك الرومي. ثم سكت ~~ليعود إلى مثل تلك النغمة المزعجة فقال له الديك: وبعد هذا ماذا؟! # قل، فنحن مصغون إليك. فلم يزد على شهقاته المعهودة. ولما لم يقل شيئا قال له الديك ~~البلدي: تفضل صل بنا فنحن خاشعون. # فقالت دجاجة في عز شبابها: هذا تنبل. لا يعرف إلا أن يتنفش ويزهى، ويخضر ويحمر، والله لا ~~يحب المتكبرين، المتلونين. فإن كان ولا بد فأنت تصلي لأن صلاة هذا لا ms61 يفهمها الله ولا ~~عبيده، فصوته الكريه يجلب علينا غضب الله لا رحمته. # فشقشق الديك الرومي من الغيظ وخرج من بين جماعة الدجاج، فضحكت إحداهن وقالت: إنه هو ~~المطلوب أولا، فليذهب حيث شاء، وفي هذا المساء تقبض روحه إن شاء الله. # ووقف الديك خاشعا، وطفق يناجي ربه، راجيا أن ينجى معشر الدجاج من المجزرة: يا رب ~~الجميع، لا تسد أذنيك عن تضرعات عبيدك الدجاج، فأنت خلقتهم ضعافا ومن حقهم أن تحميهم، ومن ~~للضعيف غيرك يا الله؟! # إن الإنسان الذي خلقته على صورتك ومثالك، يحلل ما يشاء ويحرم ما يشاء. فأية بدعة هذه ~~خلقها ابن البشر ليأكلنا ليلة عيد ميلادك يا رسول الرحمة. أيقول بلسانه: وعلى الأرض السلام ~~وفي الناس المسرة ثم يهاجمنا ليخطف أرواحنا! أما أنت قلت: أريد رحمة لا ذبيحة؟ فما لهم في ~~هذا اليوم يذبحوننا بمئات الألوف. # أصدقوا قول واحد منهم، زعموا أنه نبي، قال في مزاميره عن الإنسان: على أعمال يديك سلطته، ~~جعلت كل شيء تحت قدميه، الغنم والبقر جميعا، وبهائم البر وطيور السماء، وسمك البحر السالك ~~في سبيل المياه. # فإذا كانت تلك مشئيتك حقا، فأين عدالتك ورحمتك يا رب؟ هل في مخلوقاتك من يستيقظ مثلي في ~~نصف الليل، وعند بزوغ الفجر، وفي الصباح ليسبحك ويتهلل ممجدا عظمتك وجبروتك؟ # أما أنا الذي نبهت بطرس كبير تلاميذك وأعدته إلى حظيرتك بعدما جحدك، فصار رأس تلاميذك، ~~وعليه بنيت بيعتك؟ # يدعي الإنسان أنه يحب الجمال وهل هناك أجمل مني؟ تاجي عقيقي، ومنقاري زمردي، وثوبي مخطط ~~مقلم لم تلبس عروس أجمل منه فكيف يستحلون ذبحي؟ # يقولون: إنهم يحبون الموسيقى، وهل هناك أروع من صوتي في ظلمة الليل. أما أنا الذي أبشرهم ~~بالصباح، والصباح أمل ورجاء؟ # أراض أنت أيها الحمل الوديع، عن هذه المجازر التي يستقبلون بها ميلادك كل عام؟ # أهكذا يصيب من لا ينسى مواقيت صلاته مرة، فكأنه ناسك. قلت: ناسك، عفوا، فهؤلاء النساك ~~أيضا لا يعفون عن دمي، كأنما عيدك عيد ديوك ودجاج ليس أكثر، وإذا لم يتمتعوا بلحومنا فلا ~~يكون ms62 العيد على حقه. # وزاد في طين بلايانا بلة هذا البابا نويل. إنه حيث يمشي تدب الرعبة في قلوبنا فما هذه ~~المساخر يا رب؟! أليس الأفضل والأجدى أن يعملوا عملا واحدا صالحا بدلا من هذه المظاهر ~~التي ليست من العيد في شيء؟ # عجيبة هذه البدع، الديوك لعيد ميلادك والبيض لعيد قيامتك، وأنت حمل الله الحامل خطايا ~~العالم، أفلا تلهم هذا العالم أن يكف يده عنا وترتاح أنت من حمل خطايانا؟ # يا رب، ما لنا غيرك في ضيقتنا، فاسمع صياحنا واستجب طلباتنا، أفلسنا نحن صنع يديك؟ ~~يقولون: الابن سر أبيه، فكيف خرج هذا الإنسان، المخلوق الذي صنعته على صورتك ومثالك وليس ~~فيه ذرة من حنانك ورحمتك؟! # إنه أناني يستمد أفراحه وملذاته من آلام غيره، فإذا أنت لم تنجدنا ظللنا ضحاياه إلى ~~الأبد. فإليك نتضرع فارحمنا يا رب. # غدا تمتلئ بطون الناس من لحومنا، وتنقطع ترانيمنا التي نسبحك بها كل حين، أفلا ترحم من ~~يمجدك ليلا نهارا؟ وعلى كل حال إن رحمتنا أم لم ترحمنا فنحن لسنا كالبشر الذين يجحدونك في ~~بلاياهم، ولا يذكرونك إلا حين تنعم عليهم. # كانوا فيما مضى يأكلوننا بعد قداس نصف الليل، واليوم غيروا الشريعة فصاروا يقدسون ساعة ~~يريدون: في العصر وفي المساء وفي السهرة، فلماذا لا يغيرون عادة أكل الديوك ~~ويريحوننا؟! # كأنهم لا يصبرون على الأكل لشراهتهم، فحللوا ما حرموه تسعة عشر قرنا، عدلوا طقوسهم على ~~هواهم وبقينا نحن قرابينهم. # مساكين نحن الدجاج، إننا لا نؤذي أحدا حتى الذين يقبضون علينا ليقطعوا رقابنا. أهكذا ~~تكون الأعياد على الضعاف الذين لا حول لهم ولا طول؟ فلين يا رب قلب ابنك المدلل. # ارحم يا رب عبيدك الدجاج. # فقوقت الدجاجات إعجابا بفصاحة الزعيم، ووثقن بدنو الفرج القريب وسلامة الديوك من الذبح، ~~لأنه يعز عليهن فراقهم. بيد أن تلك الآمال قد خابت، وما جاء المساء حتى كان في كل قن مجزرة، ~~وأصبحت الدجاجات أرامل وإن لم يلبسن الحداد. # كنا في ذلك الزمان نصوم اثني عشر يوما منتظرين هذا الديك الشهي، أما في ms63 زمننا الحاضر ~~فنأكل ديوكا ولا نصوم. كانوا يسمون الأيام الاثني عشر الصوم الصغير، ولذلك كانت ضحيته ~~ديكا، أما اليوم فيأكلون ولا يصومون. وإني لأعجب من هذا الديك الذي صلى يسأل ربه أن يرفع ~~يد الإنسان عنه وعن بني جنسه، ترى أفاته أن هذا الإنسان يذبح إخوانه ولا يرحم أحدا. # إن رسالة البشر رسالة بطون، وعبثا يتعب إخوان المعري أن يردعوهم. أما الحيوانات الداجنة ~~فقد ظلمتها الحضارة، فلو بقيت آبدة لنجا أكثرها بجلده وريشه، ولكنها جاورت البشر فصارت في ~~متناول أيديهم فقصرت أعمارها، وما أشبهنا بها نحن البشر في خنوعنا! # إن تضرعك أيها الديك لا ينفعك شيئا لأن الإنسان لا يفهم إلا شريعة القوة، وما زلت ضعيفا ~~فهيهات أن تسمع صلاتك. # | صاحبنا الصيف # إذا كان الربيع عطرا وزهرا وجمالا، فالصيف جمال وعطر وثمر. هو أرحب الفصول صدرا ~~ودارا، وأوسعهم بساطا، وأغزرهم مادة تهب الحياة، ولذلك جاء في المثل: الذي لا يصيف لا ~~يشتي. فكأن هذا الفصل طبيب يمنحك مع علمه الدواء والشفاء. # أجل، إن الصيف مأدبة الطبيعة الكبرى، وحسبك أنه حاز أكبر شهادة من أكبر من يهمه بطنه، وهو ~~ابن الرومي، القائل: # لولا فواكه أيلول إذا اجتمعت # من كل نوع ورق الجو والماء # إذا لما حفلت نفسي متى اشتملت # علي هائلة الجالين غبراء # قل فيها ما شئت من شهر تعهده # في كل يوم يد لله بيضاء # مع أننا نحن نقول: أيلول طرفه بالماء مبلول. لقد صدق المعري حين قال في إحدى ~~قصائده: # تشتاق أيار نفوس الورى # وإنما الشوق إلى ورده # وإذا اشتاق ابن الرومي ليحلي أضراسه، فأبو الطيب المتنبي لم يحن إلا إلى الشميم، فبعدما ~~وصف صيف لبنان الصارم في شتائه الكافر: # وجبال لبنان وكيف بقطعها # وهو الشتاء وصيفهن شتاء # عاد يقول في مجال الغزل: # حيث التقى خدها وتفاح لبنان # وثغري على محياها # وإذا هجس أبو الطيب بالجمال الأنثوي، فأبو نواس لا عروسة لشعره غير الخمرة، فقال ~~فيها: # سلاف دن إذا ما الماء خالطها # فاحت كما فاح تفاح بلبنان # يقول المغني: ms64 كلنا يحب القمر. ونحن نقول: كلنا نحب الصيف، فأولادنا يترقبون قدومه لتطلق ~~المدارس سراحهم، فيسرحوا ويمرحوا. يحتالون للعصافير بالدبق، وللحجال بالمطاردة، ويتمتعون ~~بما في الرحلات من جمال وأنس. يطوون الكتب ليفتحوا كتاب الطبيعة الأسمى يقرءون فيه سطور ~~الجمال الرائع والحسن البديع. فالصيف يعتق الناشئين من عبودية النظام، وهم ينتظرون مقدمه ~~انتظار العاشق الولهان. أما المدني فيطلق عمران مدينته وما فيها من ترفيه اصطناعي ليتمتع ~~بمحاسن الصيف في الجبال العالية، حيث تبدو له المناظر التي كان يراها على الشاشة البيضاء ~~ولا يهفو قلبه لها إلا بمقدار ما تهيجه الذكرى. # هؤلاء هم التلاميذ. أما أهل الدساكر والدارات فينتظرون الصيف لتدر لهم بيوتهم المال ~~ويدفعون ما عليهم في الآجال، والفلاح ينتظره ليبيع بعض غلته ويوسع بثمنها على أهله ~~وبنيه. # أما العذارى فلهن في الصيف أمان وآمال. ومن يدري، فالدنيا قسمة ونصيب، وكما تفيض خيرات ~~الصيف في كل مجال فقد توفق هؤلاء إلى طلاب أيدي فيظفرون بشريكة حياة تنتظر ابن الحلال. ~~حقا إن الصيف فكاك المشاكل. # السائح في لبنان يصادف الناس في الصيف فرادى وجماعات حول الجداول والينابيع، وتحت الأشجار ~~حيث يقيلون ويبيتون. وإذا سرح النظر تبدو له العرازيل والخيام، فالناس يهجرون البيوت ~~لينعموا بنسمات الهواء الطلق. وإذا لم يستظلوا الأشجار الوارفة خرجوا إلى مصاطبهم ونصبوا ~~أسرتهم فوق سطوحهم، ولعله من هنا جاء قولهم المأثور: بساط الصيف واسع. # وأي بساط أوسع من أن يكون العنقود مدلى فوقك، وأوراق الكرمة تظللك، والتينة حدك، والتفاحة ~~والإجاصة على مقربة منك وفي متناول يدك، فما تكلف نفسك عناء كبيرا. ما عليك إلا أن تمد يدك ~~ولا بأس عليها إذا كانت غير طويلة، فالتينة هين غمز جانبها، وليست كما قال الحجاج عن نفسه. ~~فإذا كان أبو نواس رأى صورة العريشة في كنيسة ما وجن بها حتى قال في وصفها ما قال، فما ~~تكون حالك أنت؟ لا شك في أنه يمر ببالك، حيث تمر في هذا الجبل، وتشاهد العرائش مجلوة ~~كالعرائس، قول ابن الرومي في وصف العنب الرازقي: # ورازقي مخطف ms65 الخصور # كأنه مخازن البلور # لم يبق منه وهج الحرور # إلا ضياء في ظروف نور # فلا بدع أن رأينا اللبنانيين أشد العالمين هياما بفصل الصيف؛ لأنهم تجار بلا رأسمال. رأس ~~مالهم نور وماء وهواء، وثمار يقدمها الصيف بسخاء. فيا لله ما أعجب كرم الطبيعة الخيرة! ~~يقولون عندنا: في الصيف المئونة على العود، وأنا أعرف الكثيرين من القرويين الذين يعيشون ~~على الثمار صيفا، ومنهم من لا يذوق طبخا ولا خبزا. إن الصيف حبيبهم المفضل ومثلهم، يبين ~~لي ولك، مبلغ حسرتهم على انقضاء الصيف إذ يقولون: لو كان للصيف أم بكت عليه. # ولولا كرم الصيف وتوسيعه على الناس لما سمعنا المثل العربي القديم: في الصيف ضيعت اللبن. ~~أما حكاية هذا المثل فهي: كانت دختنوس بنت لقيط تحت عمرو بن عدس فكرهته لأنه شيخ. والغواني ~~كما قال الأخطل التغلبي: فما لهن إلى ذي شيبة وطر. فطلقها وتزوجها فتى، جميل الوجه، وكان ~~ذلك في عز الصيف. ولسوء حظها أجدبت تلك السنة فبعثت في الشتاء إلى زوجها الأول تطلب منه ~~حلوبة حين زمجر الشتاء، فقال يوبخها ويلومها: في الصيف ضيعت اللبن: كما قال النابغة يلوم ~~عروسة شعره: # ولا تعدي مواعد كاذبات # تمر بها رياح الصيف دوني # قد يخال القارئ أن لا عمل للقروي في الصيف غير الأكل والشرب والنوم. يظن ذلك حين يسمع ~~المطرب الأشهر عبد الوهاب يغني بصوته الحلو: يا محلى عيشة الفلاح. أما الحقيقة فلا. إن فصل ~~الصيف عمل دائم لا انقطاع له، فهو فصل الجمع والادخار، يبدأ بالحصاد وينتهي بقطف الأعناب ~~وعصرها، وإعداد التين للخزن مع الزبيب والجوز واللوز وما أشبه من نقل الشتاء في الليالي ~~الثرثارة. # ينتهي جهاد حبة الحنطة في أول الصيف، ولكنها تنتظر جبهة ثانية. الطحن والخبز وآلام النار ~~وأوجاعها، ثم العودة إلى بطن الأرض لتحيا من جديد وتحفظ نوعها الذي هو قوت الإنسان. # كانت دودة القز تنشر الحياة في القرية في أيام الربيع، أما اليوم فلم يبق للبنان فصل تدب ~~فيه الحياة غير الصيف. إن كل المواسم فيه، ما ms66 عدا موسم التزحلق الذي ولد جديدا، فكان طفلا ~~ميمون الطالع على أهل الجرود حتى استأنسوا بإخوانهم الوافدين على أرضهم من كل فج عميق. ~~أما الصيف فأرحب وأسهل، فلا هواء يقرصك، ولا برد ينقض عليك، وإذا لم تجد السرير نمت على ~~الحصير وأنت ناعم البال تغني يا ليل. # هذي هي نعم الصيف علينا نحن أهل القرى، ففي الصيف الشمس، كانون الله الذي يدفئنا. ومن ~~حسنات الطبيعة أن المريض المأيوس يعلل نفسه بآمال الشفاء في هذا الفصل الخير، فالوجوه ~~تضحك فيه بملء أفواهها، حتى إذا ما انقضى وبدأت أوراق الشجر تتناثر عبست تلك الوجوه الضاحكة ~~ودب الذعر بالنفوس. # يظهر أن الإنسان يحب بطنه كثيرا؛ ولذلك لا يثني إلا على من يطعمه من جوع. فما مدح ~~الشعراء إلا الكرماء، وما تغنى بوصف الربيع غير شباب الشعراء، وما كان للخريف حظ إلا من ~~شعر المتشائمين. # أما الذي يعيش على الأرض فكل آماله معقودة على فصل الصيف ليعبئ مئونته حين تندر المئونة ~~في الحقول والبراري. # وإذا لاحظنا النملة رأيناها لا تهدأ صيفا، بينا لا نرى لها صورة وجه في الفصول الأخرى، ~~فكأنها والحب على ميعاد، تدخر بلا توان ولا تبالي بالمشقة لتستريح بعدئذ. والقروي اللبناني ~~مثلها يجمع في الصيف كل شيء حتى الحطب، وتنتهي رسالته حين يبيت الزيتون والزيت في الخوابي. ~~وإذا كان من سكان المنطقة العالية، يقبع في بيته طول فصل الشتاء كما تقبع البزاقة في ~~حلزونها، ويسكر بابه كما تسد هي باب قمعها. إن الجبلي والبزاقة على طرفي نقيض، فهي لا تظهر ~~حين تسمع حس المطر، وهو ينتظر سقوط الثلج ليتوارى ويقعد حد موقدته يحلم بمواسمه العتيدة. ~~لقد دفن الحبوب على رجاء القيامة، ومن كلامه المأثور: التعب علينا والطعمة على الله، والذي ~~كتبه ربك يصير. # الذي لا يصيف لا يشتي هي من أقوالهم كما مر في بدء هذا المقال، ولكنهم يعنون أيضا غير ~~المعنى السابق، أي إن الذي لا يكد صيفا لا يستريح شتاء. فالشتاء ولادة، والربيع فتوة، ~~والصيف عزم وحزم وقوة، والخريف ms67 شيخوخة وهرم، وقد أدرك أبو تمام سر البقاء من نظره إلى ~~الربيع الذي قال في وصفه: # إن الربيع أثر الزمان # لو كان ذا روح وذا جثمان # مصور في صورة الإنسان # لكان بساما من الفتيان # عجبت من ذي فكرة يقظان # رأى جفون زهر الألوان # فشك أن كل شيء فان # إن الربيع هو ابن الصيف، فما ينضجه الصيف من ثمار يعيد الحياة سيرتها الأولى، فكأنها بعث ~~موقت يحيي في نفوسنا الأمل بالبقاء. فبورك الصيف عبدا أمينا مؤتمنا على حفظ النوع، يعيد ~~إلى الأرض ما أخذ منها لتدور الحياة دورتها الدائمة. # | ارفس الحواجز وامرق # كثيرا ما تخدعنا نفسنا فنحسب أننا جبال راسخة لا تأخذ منها العواصف والزوابع مقدار ذرة. ~~وكثيرا ما نتوهم أننا على الأعمال الجلى قادرون، حتى إذا ما دقت ساعة العمل تدعونا ووقفنا ~~أمامها وجها لوجه، رأينا أننا قد تضعضنا، وإذا بالذي كنا نخاله في حيز طاقتنا قد ابتعد ~~عنا. إن مجابهة العظائم تتطلب أعصابا لا ترتجف ولا ترتخي، وكل من لم يتسلح برباطة الجأش لا ~~يستطيع أن يخاطب نفسه، حين يقف على شفير الهاوية، يقول شاعرنا المشهور: # أقول لها وقد جشأت وجاشت # مكانك تحمدي أو تستريحي # ركبت مرة عربة سائقها مكتهل. وكانت الطريق، كأكثر طرق لبنان، معلقة في صدر الجبل. تحتنا ~~واد عميق لا تخترق أحشاءه الشمس، حتى يكاد يكون مظلما صلاة الظهر. مشهد رهيب يقف فيه الرجل ~~على أبواب الأبد ولا يدري متى تبتلعه الهاوية. # خشيت حلول النكبة، فتنهدت ثم صعدت زفرة صارخة وتأففت، فإذا بالسائق الكهل يرفع سوطه في ~~الفضاء مفرقعا به فتنحط الخيل وتنساب فأرتجف. وكأنه أدرك ما بي من خوف فانطوى نحوي وهو ~~يقول: اصبر يا عم، لا تخف. الأرض تنهز ولا تقع. الرجل يجب أن يكون سندانا لا يلين ولا يهتز ~~تحت ضربات المطارق مهما ثقلت وضخمت. قالها ثم عاد يناجي حصانيه، وهو يخال أنهما يفهمان عنه ~~ما يقول. # كبرت كلمة خرجت من فم ذلك الأمي. الرجل يجب أن يكون سندانا. فانتصبت أمامي في تلك ms68 ~~الهنيهة، صور جميع ما رأيت في حياتي من سنادين، فتشددت حتى حسبتني واحدا منها. قد تكون ~~مواجهتنا لإحدى النكبات التي تنزل بنا أكبر امتحان لذاتنا، فالخوف وحده نكبة كبرى، وقد تكون ~~كالمعركة الفاصلة في ميادين النضال، فإما أن ننهزم أو نفوز. إن كل ذلك يتوقف على شجاعتنا ~~وسيطرتنا على أعصابنا فلا تضعضعنا أقل نسمة تهب علينا. وكأن كبلنغ شاعر الإمبراطورية ~~البريطانية قد شاء أن يضع ابنه أمام المصاعب الخطيرة، فنظم له هذه القصيدة عارضا عليه فيها ~~ما يواجهه من عظائم مصاعب الحياة فقال: # إذا كنت تقدر أن تنتظر ولا تتعجب من ذلك، وأن تبغض ولا تستأثر بالبغض، وبهذه ~~الحالة لا تفرح بمزاياك، ولا يتملكك العجب فتتكلم بغلو في المعرفة. # وإذا كنت تقبل الظفر والانكسار مع ما بين هذين الاثنين من التباين. # وإذا كنت تقدر أن تسمع الحقيقة التي قلتها مشوهة بالقصد السيئ لخدع البلهاء، وأن ~~تنظر إلى الأشياء التي خصصت لها حياتك تندثر، فتجمعها وتنظمها من جديد بذات الوسائل ~~المعروفة. # وإذا كنت تقدر أن تجمع كل ما ربحته، ثم تخاطر بهذا الكل في قحمة مغامرة، فتخسر، ~~ثم تبدأ من جديد دون أن تتذمر أو تشكو خسارتك ومصيبتك. # وإذا كنت تقدر أن تحرك عضلات وأعصاب قلبك بعد وهيهما ليخدماك ويؤديا بك إلى ~~هدفك. # وإذا كنت تثبت في حين لا يبقى لك شيء سوى الإرادة التي تهتف بك: اثبت. # وإذا كنت تقدر أن تخاطب الجماهير، وأن تحافظ على فضائلك، وأن تتردد على الملوك ~~بدون أن تخسر بساطتك، ثم لا يقدر أحد سواء أكان عدوا أم صديقا أن يحرج ~~موقفك. # وإذا كنت تقدر أن تثق بكل الرجال، ثم لا تثق بأحد منهم ثقة مطلقة عمياء. # وإذا كنت تقدر أن تملأ الدقيقة المارة من حياتك. # فإن العالم، وكل ما فيه الآن، وما هو آت بعد، سيكون لك. وستكون رجلا يا ~~ابني. # كثيرون منا يخالون أن ما يتحدث عنه الشاعر هو فوق طاقة البشر، ولكننا إذا نظرنا إلى ما ~~حولنا، وجدنا هذه النماذج من المثل ms69 العليا التي رسمها الشاعر لابنه قائمة حولنا، وإن لم ~~تجتمع كلها في واحد، كما يريد الشاعر لابنه، فهي موجودة في كثيرين. إنها كلها تتجه نحو هدف ~~واحد هو الثبات. وقد قال نابليون: إن النصر حليف الأشد ثباتا. كما قال مونتسكيو: النجاح في ~~الحياة حليف من يعرف أن يصبر. وهذا ما يعنيه كبلنغ في مطلع قصيدته لابنه: إذا كنت تقدر أن ~~(تنتظر) فكثيرون من شبابنا لا يقدرون على الانتظار، فهم يريدون أن يجمعوا المال فور نزولهم ~~إلى السوق إذا كانوا تجارا، وإلا أقفلوا أبواب مخازنهم ثاني يوم وباعوا أثاثها وراحوا ~~يفتشون عن عمل آخر. وإذا كانوا علماء يريدون أن يظفروا بالاكتشافات والحلول فور تفكيرهم ~~بها، وإذا كانوا أدباء يريدون أن يطيروا إلى القمة طيرانا. # كثيرة هي الشواهد على الثبات الذي عبر عنه كبلنغ بالانتظار. كتب أحد أصحاب المكاتب إلى ~~شاب عهد إليه بإدارة فرع جديد: إذا بذلت كل جهدك وصبرت مدة نصف شهر لم تبع فيها كتابا ~~واحدا فإنك ناجح في المستقبل. # ويقول الشاعر لابنه: إذا رأيت الأشياء التي خصصت لها حياتك تندثر، لا تيأس بل استأنف ~~عملها من جديد. وهذه أيضا نجد لها أمثلة في التاريخ، فكارليل صاحب تاريخ الثورة الفرنسية ~~أعار جارا له مسودة المجلد الأول منه فتركها ذلك الجار على أرض غرفته، فلمتها خادمته على ~~أنها من المهملات وأشعلت بها النار. فانقضت هذه النكبة كالصاعقة على رأس كارليل؛ ولكنه ~~بدلا من أن ينثني عزمه أكب على مراجعة المئات من المؤلفات الخطيرة وكثيرا من مخطوطاته ~~وأعاد في شهور ما أحرق في بضع دقائق. # وإديسون العالم الطبيعي قضى سنتين طائفا في غابات أميركا يصور الطيور التي فيها، ولما ~~عاد وضع تلك الرسوم في صندوق ثم غاب عنه مدة، ولما فتحه وجد الجرذان قد أتلفت تلك الرسوم، ~~فتشدد بدلا من أن يقنط وييأس وراح يطوف ثانية في تلك الغابات مستأنفا عمل رسومه فجاءت ~~خيرا من الأولى. # أما الذين جمعوا كل ما ربحوه وخاطروا به فخسروه، ثم بدءوا من جديد بلا تذمر ms70 ولا شكوى، ~~فهؤلاء نجدهم في أسواق العالم الكبرى، وإنهم ليستحقون التمجيد. # والكتاب الذين لم تصادف تآليفهم الأولى نجاحا بل أعادها لهم الناشرون مع الشكر، أو ~~استقبل النظارة تمثيلياتهم بالصفير، ولكنهم ثبتوا بعناد وإصرار حتى بلغوا ما يشتهون، فحسبنا ~~أن نذكر منهم برنارد شو الذي ظل ثابتا حتى بلغ أخيرا ما تمنى وأحله اجتهاده المكان ~~الأسمى. # فالثبات هو الذي حض كبلنغ ابنه عليه ليكون ذاك الرجل، والخصال التي ذكرها في قصيدته، وإن ~~اختلفت تعبيرا، فهي تقريبا واحدة، ولا شك في أنها درجات سلم النجاح في الحياة. # إن الحياة ميدان كفاح أو حقل تجارب، والعمر ساحتها فلا تقل ماذا بقي من العمر، فالشاعر ~~يحث ابنه على ملء الدقيقة الحاضرة من حياته. # فإذا كنت يا أخي قد اكتهلت أو شخت فلا تقل: فلنسترح قليلا. فمن يدري أنك لا تعمل في ~~العام أو الشهر أو اليوم الباقي ما لم تعمله في حياتك كلها؟ إن الحزم يقتضينا المحافظة على ~~الباقي من حياتنا. فعام حافل بالجد والكد قد يكون أجدى من حياة صرفناها بين الإحجام ~~والإقدام. # إن البطل الأمين يقبض على العلم بفكيه إذا فقد يديه، فلنكن ذلك الرجل الذي تمنى شاعر ~~الإمبراطورية العظيم أن يراه في ابنه. # | الشجر تتهم البشر # ما أثقلك يا ظلام! وما أقساك يا ليل! فقد زدت الغابة وحشة وأخفيت تحت جناحيك وحوشها ~~المفترسة وناديت الضواري خلا لك الجو. # الغابة في الليل كالمدينة في النهار. في الاثنين ذئاب تخشى أنيابها وبراثنها، ولكن لكواسر ~~المدينة أنيابا من حديد وأظافر من نار، وهي أجرأ وأفتك وأحد نابا من وحوش الغابة. # دخلت الغابة تحت لواء الظلام فهمس الضمير في أذني: امش في النور ما دام لك النور. نعم ~~سمعت صوتك أيها الضمير، ولكن أتجهل أن من أحشاء الغيوم السوداء تنبثق الكهرباء الساطعة؟ ما ~~هذا الصراخ والعويل؟! ما هذا البكاء الجارح؟! أرى أشباح الموت تلوح في الفضاء، وزفرات ~~المنية قد ملأت الغابة. ليست الأشجار ببشر لتزاحم بعضها وتقتتل وتشن عليها الغارة. إذن ما ~~الذي أقلق خاطر ms71 الليل، وأزعج بال الهدوء والسكينة؟! لا بد من أن تكون لابن الإنسان يد في ~~هذه الضوضاء وفضل على نشأتها. فلنتقدم وننظر. أما قال الشاعر في ذلك الزمان: # عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذا عوى # وصوت إنسان فكدت أطير # وكان الخوف ينمو كلما اخترقت قلب الغابة فتثقل علي وطأة الرعب، والصوت يزداد قوة ويحمله ~~الهواء على منكبيه طائفا به في أقطار الغابة الموحشة. ذعرت الضواري وتركت الطيور وكناتها ~~وفر الذئب هاربا خوفا من ريحة الإنس. أما أنا فتقدمت مستقبلا ما يكون بصدري، فقد ~~علمتني الحوادث ألا أدير ظهري لطاعن فأمكنه من مقاتلي. # وكان الصوت ينبعث من كهف ضفرت له يد الطبيعة إكليلا من العليق والعوسج. واهتديت إلى بابه ~~فدخلته قائلا: إن التاريخ يعيد نفسه، وهذا نظير جريح أريحا فما ضرني لو كنت ذلك السامري. ~~وما وقعت عيني على ذلك المتوجع حتى سمعته ينادي: ويلهم قتلوني. # تفرست بالصارخ فإذا هو فتاة غضة الشباب جميلة غطى شعرها الأسود الطويل وجهها البديع ~~الناصع البياض. ناديتها فأعرضت عني مغطية وجهها بيديها الناعمتين وصاحت: إلى هذه البرية لا ~~تزالون تقتفون أثري! دعوني أعيش في هذه الغابة كالنساك فقد سئمت أعمالكم يا بني البشر. لقد ~~جرتم علي وسحقتم قلبي وحطمتم مجدي. اضطهدتموني واحتملت كل ما لحق بي من ظلمكم أيها القساة، ~~فدعوني الآن أستريح في هذه البرية بنفس راضية إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. ثم أعولت ~~فملأ صراخها الفضاء فتفطر قلبي لوعة عليها، وسألتها: من أنت أيتها الفتاة؟! وأية جناية ~~ارتكبت فأبعدت إلى هذه الغابة حيث لا يؤنسك غير نعيق البوم والغراب، وفحيح الأفاعي وخوار ~~الضباع؟ أأنت تموتين وتودعين الوجود؟! ومن يرضى عن موت غادة مثلك؟ فقومي تنقلي بين الأزاهر ~~فإنك لا تزالين زهرة ناضرة لم تنفتح العين على أجمل منها، وحدثيني عما نزل بك من مصائب ~~الدهر فلعل لدائك عندي دواء. # فأجابت: قضي الأمر ولم يعد لي من الحياة نصيب، فأنصاري قد ماتوا، وأنى توجهت لا أرى إلا ~~وجوها كالحة وجباها مقطبة وحناجر مفتحة كالقبور ms72 وسم الأفاعي تحت الشفاه. ينظرن إلي نظرة ~~القضاة إلى لص مجرم ولا يريدون غير رجمي، ولهذا تركت معترك المدن حيث تتطاحن البشر وجئت إلى ~~هذه الغابة أنشد السلامة والاطمئنان. هجرت الهيئة الاجتماعية وطويت عنها كشحا. # فقلت لها: ضاق صدري ولم يبق في قوس الصبر منزع فهل أنت ساردة لي تاريخ حياتك؟! يظهر أنك ~~غريبة الأطوار وأسرارك عميقة! # فأجابت بطرف منكسر: أنا هي العذراء التي افتخر بها الإنسان القديم، وتغزل بها كبار النفوس ~~وتعشقها الفلاسفة والمطلعون على أسرار البشرية. أنا هي المحور الذي تدور عليه رحى الحياة، ~~والشمس التي تلقي أنوارها على المجتمع الإنساني فتنعش ما ذبل من رياضه، وتبدد ظلمات لياليه ~~الحالكة. أنا هي الروح لجسم المدنية الحاضرة، وما نفع الجسم إذا فارقته الروح! # أنا هي نعيم هذه الحياة. فمن لجأ إلي أمن الويل والنوازل، ومن أعرض عني عاش معذبا في ~~جهنم الضمير، فالويل للذين جاروا علي وتركوني، فعاقبة حياتهم وخيمة وأيامهم سوداء مظلمة. ~~أنا هي عروس الشعراء، بل عروس كل ذي نفس تشعر، فكم من رجل أراد الصعود إلى سماء المجد، ولكن ~~كرهه لي أدى إلى هبوطه من أعلى إلى أسفل! وكم من فتى أحب أن يسود بدوني فلم يوفق! # فصحت بها: يا أختاه! دعي قول أنا وأنا. فما قلته تغني عنه كلمة، فقوليها بالله ~~عليك. # فنظرت إلي شزرا وقالت: أنا هي (الأمانة) والويل للبشر إذا فقدوني. فالقائد إن لم يكن ~~حائزا على جانب عظيم من الأمانة يخون دولته، ويقوض دعائم مجدها، والخادم إذا لم يكن صادقا ~~مخلصا يدس لسيده السم فيميته شر ميتة، والصديق إذا لم يكن أمينا كان ويلا ويوقع من ~~اصطفاه في شراك البلايا، والتاجر إذا لم يكن صادقا أمينا يبيع ذمته وينهب أموال البشر ولا ~~يبالي إلا بجمع الثروة سواء أعن طريق الشهامة كانت أو عن طريق اللؤم والدناءة. وقصارى ~~الكلام أن كل ذي شأن في الهيئة الاجتماعية إذا لم يكن صادقا فهو مكروه وممقوت من ~~البشر. # فأجبتها: خففي عنك ولينعم بالك؛ فإن أنصارك كثيرون. ms73 كثيرون هم الأمناء الصادقون والذين ~~يرون الخيانة جبنا وعارا. فعندنا التاجر والخادم والمخدوم والصديق يحمون ذمارك ويفدونك ~~بدمائهم ، فقد ورثوا هذه الخلة الكريمة عن أجدادهم الذين اشتهروا بها ورفعوا لواءها. # أما هي فأجابتني: لقد عم الطمع والرياء وأصيبت الناس بداء حب الثراء، وانتشرت المداجاة ~~حتى سموها سياسة عصرية، وهذا الذي رغب إلي الاعتزال. # فقلت: وكيف تعتزلين هنا: فالأشجار وحدها تقضي عليك؟ # فحدقت إلي شجرة كهلة وقالت: فتح عينك، نحن شجر لا بشر. انظر ترى أننا لا نقتتل على شيء، ~~كل واحدة منا تقف حيث هي فلا تتنازع لا على الماء ولا على الهواء، ولا على النور. إن صفوفنا ~~لا تتحرك ولا تعلن حربا، فهذه الغابة تعيش أشجارها بسلام، تتعانق أغصانها ولا منافسة بينها ~~على شيء، فعند السماء والأرض خير كثير. أصغ، أصغ، ما لك مبهوتا؟! ~~- كلي آذان يا سيدتي، فقولي ما عندك. # فقالت الشجرة: هل سمعت صوتا غير حفيف الأوراق؟! اعلم وخبر جماعتك الناس أن شريعتنا شريعة ~~السلام والاطمئنان، وإذا كان عندنا جور وبغي فهو يأتينا من القرى والمدن. إن الذنب هو ذنب ~~الدم، أما الماء الذي يجري في عروقنا فلا يحملنا على الجريمة، إن ذوي وذوات الدم هم الذين ~~يزعجون الغابة، وإذا قلتم ذامين قادحين: شريعة الغاب، فالذنب ذنبكم أنتم وذنب الحيوانات، ~~وكأنكم أدركتم ذلك فقلتم عن أنفسكم: فلان دمه حار، وفلان دمه بارد، وفلان دموي أي ~~سفاح. # قال أحد مجانينكم: من خلق علق، وكلمته هذه تصدق فينا لأننا لا نسعى، نعطي ولا نأخذ، ويغار ~~علينا ولا نغير على أحد. # تأتوننا بفؤوسكم ومناجلكم فنقابل شركم بالخير ونعطيكم كل ما نملك حتى أنفسنا. # جبلتم على الشر والأذى ولذلك تقولون: الدم لا يصير ماء. لا أقول لك اخرج من غابتنا لأننا ~~خلقنا لا نرد أحدا، أما أنتم فقد يقتل بعضكم بعضا من أجل عود من عيداننا. # أما هذه الفتاة فقد جاءت إلى حمانا ونحن نضمها إلى صدورنا، وإذا اعتدى عليها أحد فلا ~~يكون إلا من ذوي الدم. فاذهب من حيث جئت ms74 ودع عندنا هذه اللاجئة وشأنها. لقد جاءت إلينا ونحن ~~لها. # | كوافيرنا # يطالبنا نفر غير قليل بالعودة إلى معالجة الشئون الاجتماعية الأخلاقية التي هجرناها مدة، ~~مع أنها أولى بعنايتنا لأنها حجر الزاوية في صرح المجتمع، فالإصلاح الجذري الذي ننشده ~~ونتغنى به دربه من هنا. فإذا استصرخنا الضمير الإنساني وأيقظناه أمسى الإصلاح ممكنا، وإلا ~~فلا أمل ولا رجاء. # إن ضميرنا السياسي مخدر لا يحس ولو ثقبناه بمسمار ... وقلمنا كل وجف فلم يعد يؤثر بهذه ~~الجلود المتمسحة. قالوا: الحياء بالنظر، وأصحابنا يرون الشذوذ العنيف كأنهم يرون القاعدة ~~المثلى التي ما ضل صاحبها ولا غوى. لا يتورعون عن وضع القوانين طبقا لأشخاص معينين حتى ~~إذا ما أجلسوهم في حضن إبراهيم، أو هووا بهم إلى أسفل سافلين، عادت تلك القوانين إلى ~~قواعدها بعد أن قوضت ما قوضت ودكت ما دكت. # اجتهادات وحيل على القانون تجعل الأسود أبيض، والصيف شتاء على سطح واحد. إن صاحب الحق ~~عندنا مقهور، ومن منا يجهل من يقهره! تقهره الوسائط والشفاعات التي لا يترفع عنها أحد من ~~أصحاب النفوذ، فالتجئ إلى من يشد أزرك من رؤساء دين ودنيا واحمل منهم كتبا ووصايا تشهد ~~ببراءتك تفز غصبا عن رقبة القانون، ولإرضاء هؤلاء المتاجرين باسمه تعالى تكون الدولة كبش ~~المحرقة، كما يكونون هم تيس الخطية ومن يتمسح بهم يبرأ من ذنوبه وخطاياه. شهادات زور ~~يؤدونها وهم لا يعرفون شيئا من أسرار القضايا التي يتدخلون بها، غير مبالين بالشكوك التي ~~أتت وتأتي على يدهم. # كانوا يقولون ألسنة الخلق أقلام الحق، والأصح اليوم أن نقول: أفلام الحق، لأن التمثيليات ~~التي تعرض على مسرح العدالة خداعة كذابة. ولعل هذا هو الذي حمل شبلي الشميل، الفيلسوف ~~الاجتماعي اللبناني على القول: رأيت الغني الشبعان يبلع الجمل ولا يتستر، والفقير الجوعان ~~يتلصص لسرقة الرغيف الأسمر، والقانون يكافئ ذاك برفع القبعات، ويعاقب هذا بالسجن سنوات ~~... # كما قال جبران في مواكبه: # فالسجن والموت للجانين إن صغروا # والمجد والفخر والإثراء إن كبروا # أجل هذا هو واقع الحال. فسارق مئات ألوف الليرات يتنقل ms75 كالطاووس من بنك إلى بنك يتفقد ~~ودائعه، ويمشي في الأرض مرحا، وسارق الاثني عشر ألف ليرة نزعج أنفسنا لنقبض عليه في مصر ~~والسودان ونعيده مكبلا بالحديد. # وماذا تريد منا أن نقول بعد هذه الصراحة كلها، ولكن هل من يسمع؟! هل من يستحي؟! # إن السارق الصغير أقل من حمار لأنه لا يستطيع أن يطير برزقه، ولا أن ينقذ نفسه. فميزانيته ~~ضعيفة لا يستطيع أن ينفق منها ما تشترى به الضمائر. أما أبطال الصناديق والخزنات ففي مكنتهم ~~أن يرضوا ويسترضوا، فتخرج (الدعوى) من باب شرقي، والعدالة لا تزال قاعدة في قاعة الانتظار، ~~تندب حظها وسوء مصيرها. # لقد خاب الأمل بمن رجونا عدالة على يدهم. لقد استعجلنا الحكم عليهم، فهللنا وكبرنا ولم ~~نتعلم من الدرس الذي ألقته علينا الأيام. لم نتمهل حتى نرى ما يكون من صدق الآية: أعداء ~~الرجل أهل بيته. # عفوا لقد شط القلم ورحنا نشكو من الألم، مع أننا قلنا فيما مضى: إننا سئمنا تحديث من لهم ~~آذان ولا يسمعون، ولهم أعين ولا يبصرون، ومن أصلك عوجا يا عوجا. كنا نقول فيما مضى: عوجا من ~~سطمبول، أما اليوم فسطمبول صارت عندنا. # أرأيتني كيف أحاول الخروج من ذاك الموضوع، من كلام لا فائدة منه، فلنعالج إذن آفة من ~~آفاتنا الاجتماعية، ونصب عليها سخطنا. # إن هذا الكذب الذي نسميه وعدا لهو شر آفاتنا الشرقية، فالشرقي أسرع ما يكون إلى (نعم) ~~وأبعد ما يكون عن الوفاء بوعده. # إن كلمة (تكرم) على رأس لساننا، ولكنها كلمة مقولة لا خير يرجى منها. قال الله في كتابه ~~العزيز: # متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قال ~~ليحثنا على الصدق والوفاء بالوعد ولكن الإنسان كان كنودا. والمثل العربي كما ورد في مقامات ~~الحريري: أنجز حر ما وعد، وسح خال إن رعد، يرينا ما للوعد من شأن عظيم في مسير الحياة. ~~فالوعد هو تلك القطرة الدرية التي تتعهد زهور الأماني فتفتر ثغورها، وهو روح محيية تبعث ميت ~~الأمل الثاوي في الصدور، فكم أحيت من نفوس خنقها اليأس أو كاد ms76 يدفنها في غيابات قبور ~~القنوط! وكم لمت من أشتات أماني لعبت بها رياح الخيبة والفشل، فبددتها كما تتبدد أوراق ~~الخريف في يوم عاصف! إن الوعد هو ذلك الوثاق المحكم الفتل الذي يربط السواعد بالموعود، ~~والحجة التي يخطها لسان الكريم ويسجلها بمحكمة الشرف والشهامة، فيصبح الوفاء بها واجبا ~~عليه. # وما الوعد غير كلمة بسيطة يلفظها الإنسان فتكون قبل النطق بها نافلة، ثم تصبح بعد ذلك ~~فرضا، من فاته قضاؤه فاته من الشهامة والكرامة شيء كثير. وقد كانت العرب تعد الرجل ساقطا ~~دنيئا إذا خلف بوعده. وإنه لكذلك، وذاك لأنه يكون مخيرا في تقييد نفسه بهذا القيد الذي لا ~~تفكه غير يد الوفاء والصدق وقد قال شاعر العرب: # إذا قلت في شيء نعم فأتمه # لأن نعم دين على الحر واجب # وإلا فقل لا تسترح وترح بها # لئلا يقول الناس إنك كاذب # والمثل يقول أيضا: وعد الحر دين. نعم إنه أكبر الديون، ومن قضى هذا الدين سما وارتفع ~~لأنه يقضي بذلك واجبات الإنسانية ويصون مقامه وكرامته. والرجل الرجل هو من نظر وافتكر فيما ~~وراء قوله: سأصنع كذا. حتى إذا تأكد أنه مستطيع وعد على نية الوفاء، وإلا فلم يضع هذا الغل ~~في عنقه ويحمل نفسه أثقال المطالبة فيتوارى خجلا وحياء عند مرأى الموعود؟ إن الوعد الكموني ~~شين للكرام، وقد وبخ بشار بن برد ممدوحه بقوله: # وعدت فلم تصدق وقلت: غدا غدا # كما وعد الكمون شربا مؤخرا # وهذا المثل العباسي لا يزال على ألسنتنا فنقول: أسقيك بالوعد يا كمون. # وأولى الناس بوفاء الوعد هم الرجال لأنهم إذا تقاعسوا عن وفاء وعودهم حطوا من كرامتهم ~~وجنوا على نفوسهم واستمطروا عليها دعاء الخائب الذي قيدوه بخيط الرجاء الواهي، وتركوه مدلى ~~فوق جب من اليأس تقلبه رياح المطل كيفما مالت، حتى إذا ما قطعته، سقط ذاك المسكين في هوة ~~الخيبة لاعنا من زين له الأماني. # من لا يذكر منا كافورا الإخشيدي والمتنبي الشاعر العظيم؟ فإنه بعد ما مدح صاحب مصر ببيت، ~~لو تمثلنا الشعر العربي، لكان هو ms77 بيتها: # فجاءت به إنسان عين زمانه # وخلت بياضا خلفها ومآقيا # ولما توارى شيخ الرجاء وتقلص، ولم يرجع الشاعر الهائم بحب الولاية ملكا للعراقيين، عاد ~~فهجا كافورا هجاء مرا، وذلك بعد ما يئس من نيل تلك الوعود الطويلة العريضة التي أسكرته ~~سورتها وجعلته يحلم بالأماني فيطيعه الشعر. وانقضت تلك الهجعة الطويلة وتبددت أحلام الشاعر ~~الذهبية فراح يعير الرجل بسواده الذي تخيله مسكا حين مناه، ولما ذهبت غشاوة الأماني عن ~~عين الشاعر لم ير في كافور إلا ماضيه القاتم فقال فيه: # لا تشتر العبد إلا والعصا معه # إن العبيد لأنجاس مناكيد # صدقت يا أيها الشاعر! وهذا جزاء من يخلف الوعد. يا ليت لنا لسانك لنهجو (كوافيرنا) الذين ~~يشيدون لنا قصورا شاهقة من الوعد، ولكنها مبنية على رمال الغايات ودون الوصول إليها عقبات ~~من المطل والإخلاف لا تمهد. # فما أكثر وعود ناسنا وأقل إنجازها! يعدون ولا يضربون للوفاء أجلا مسمى، ولكنهم يأخذون ~~يتقاذفون الموعود من حين إلى حين. ويكثر عندهم في هذا المجال استعمال السين وسوف، وينورون ~~ظلمة وعودهم بكهرباء الآمال فيأتي الموعود عند كل أجل يقذفه تيار الرجاء بنيل المرام، ولكنه ~~يعود من حيث أتى ظافرا بالتسويف. وهكذا يظل يجيء ويروح معللا نفسه بالفوز وهيهات أن ينال ~~مراما. يجرعونه من المطل كئوسا أمر من العلقم، يفوز منهم بحلو الكلام وينام على فراش من ~~ريش النعام، ولكن يقظته تذهب بحلاوة الأحلام. ولطالما ذابت روح بهاء الدين زهير اللطيفة ~~وتشكي فؤاده الرقيق آلام المطل حتى أنشد هذه الأبيات التي ترسم لنا صورة كل موعود وما ~~يقاسيه من أوجاع الخلف. قال: # قد طال في الوعد الأمد # والحر ينجز ما وعد # فوعدتني يوم الخميس # ولا الخميس ولا الأحد # وإذا اقتضيتك لم تزد # عن قول: إي والله غد # فأعد أياما تمر # وقد ضجرت من العدد # وقد سمعنا أبا فراس يناجي ليلاه، بعد ما أعياه الصبر، قائلا: # معللتي بالوصل والموت دونه # إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر # نعم أيها الشعراء قد أصبتم، ولكن قل من يعير أقوالكم آذانا ms78 صاغية، بل قل من يسمع لواجب ~~الوفاء نداءه، وللموعود أنينا يتصاعد من وراء جدران الحسرات الغليظة. لقد أصبح قومنا ~~يتركون من يعدونه مطروحا على حضيض الاصطبار متقلبا على شوك الانتظار، يقاسي مضض الوعد ~~ويتنازعه عاملا اليأس والرجاء. فما أحراكم أيها الرجال لو دققتم في وعودكم ووضعتم لها ~~حدا! ألا تعلمون أن العار عليكم إذا سوفتم وما وفيتم، وليس إذا قلتم: صنعنا ما قدرنا عليه ~~ولم نقدر. فيعود الرجل شاكرا ملتجئا إلى سواكم ويتدبر أمره، والله لا يترك أحدا. # وما أحرى ذلك الرجل الذي يملأ الدنيا وعودا عرقوبية أن يصنع ما يريد صنعه من دون أن يمني ~~الناس بوعوده التي أرادها دليلا على مروءته فإذا بها تنقلب شهودا على انحطاطه إذ يخلف ~~وعده! # فكم من الذين عادوا أصحابهم لأجل كلمة نعم التي كانت تنوب عنها كلمة لا، ولكنهم قصدوا بها ~~توثيق عرى الصداقة والمحبة فخاب ظنهم! لا شك في أنها توطد أركان الألفة إذا وفى الواعد ~~ولكنه إذا أخلف فلا يرى غير صدور تنقد فيها نار البغض والحقد عليه، وقد قال المثل: وعد بلا ~~وفاء عداوة بلا سبب. وما أجمل الكريم الذي إذا قال فعل! # ومن يحاول صنع جميل مع رجل فلا يليق به أن يحمله من أثقال الصبر جبالا، بل عليه أن يقضي ~~له حاجته فورا، أو يضرب أجلا يفي به بوعده، ولا يعلله بكلمة رح وتعال، ويظل يمنيه هكذا ~~حتى يوم القيامة. # ويا ليت قومنا يفكرون بما تجره عليهم كلمة نعم قبل أن يطلقوا سراحها، لأنها وإن تكن في ~~أول عهدها أسيرة سجن الفم، فلا تعتم أن تصير حاكمة على الكريم، إن رقد في الظلام تخيلها ~~مسطرة بأحرف نارية على حيطان غرفته، وتزداد كبرا متهددة تلك الغرفة بالاحتراق إذا لم يطفها ~~بماء الوفاء. وخير الناس من أنجز وعده ولم يترك لأحد مجالا ليردد على مسامعه: أنا الغني ~~وأموالي المواعيد. # كان القدماء يقولون: وعدناه فلا بد من الوفاء. أما اليوم فيقال: قذفناه. # نعم يا سيدي قذفته، أحسن الله حاله، ولقاك ms79 المخلفين الكذابين ليأخذوا بثأره منك. ألا تعلم ~~ما قيل: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعليل، فكيف رضيت أن تكون لئيما؟! ألم ~~تسمع أيضا: العذر الجميل خير من المطل الطويل؟ فلماذا لم تعتذر؟ # التقيت برجل من أبطال المعارك الانتخابية، وزعماء السياسة القروية، فسألته عن ابنه تلميذي ~~ماذا يعمل، فابتسم وقال: (موعودين) وتكرر لقاؤنا وكررنا السؤال فظل الجواب كما كان، وقد شب ~~الفتى وشاب، ولم يدخل الكتاب ليجلس على كرسي موسى. # | عثمان ومعاوية وأبو ذر # وفي الماضي لمن بقي اعتبار. هكذا قال أبو الطيب، وما أجمل ما رواه المخزومي عن الأفغاني، ~~عن السلف الصالح، هدانا الله إلى سواء سبيله، قال: # أتت عمر بن الخطاب الأنباء ممن أقامه (رقيبا) على سير وسيرة عماله بأن عامل مصر ~~- عمرو بن العاص - وعامل دمشق - معاوية بن أبي سفيان - قد بدا عليهما البذخ ~~والثراء، وهما الخادمان للجموع، وأنهما يصرفان سلطان الحكم ونفوذه بغير وجوه الحق. ~~فخاف الفاروق أن ينفر المسلمون من حكامهم، فأسرع لسد ذلك الخلل فكتب إلى ابن العاص ~~غاضبا: # إلى العاصي ابن العاصي. ما أقطعتك مصر طعمة لك ولقومك، ومتى كان ابن العاص في مثل ~~ما بلغني عنه من ثراء ودور وقصور؟! # وبمثل هذا الكلام الخشن خاطب معاوية مهددا. ثم لم يكتف بما كتب، ولم يسأل: من أين لكما ~~هذا، لأن هذه العبارة لم تكن رائجة في تلك الأيام، بل أرسل معتمدا من قبله، وأمره أن يشاطر ~~كل عامل مقتناه من ثروة ومتاع. ففعل المعتمد ما أمره به سيده. حتى إنه أخذ فردة نعل ابن ~~العاص وترك له الأخرى. # وآلت الخلافة إلى عثمان بن عفان، فتغيرت الحالة الروحية في الأمة تغييرا محسوسا، فبطر ~~العمال والأمراء، وأثرى ذوو القربى من الخليفة. وقصر (المجاهدون)، مع جريهم وسعيهم وراء ~~تدارك معاشهم عن اللحاق بالمنتمين إلى رجال الدولة القابضين على مفاتيح بيت المال، فتكونت ~~من جراء ذلك طبقة أخذت تتحسس بشيء من الظلم، وتتحفز للمطالبة بالحق المأكول. # وكان الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري أول من تنبه لهذا ms80 الخطر الذي يتهدد الخلافة، فجاء إلى ~~معاوية بن أبي سفيان، وخاطبه بتقليل دواعي السرف والترف، وبوجوب الرجوع إلى سيرة السلف، ~~وعدم التمادي في مسببات الحسد. # فأجابه معاوية: يا أبا ذر، إن ما تقوله هو الحق، ولكن ليس في استطاعتي الرجوع إلى سيرة ~~الصديق والفاروق وسيرهما، وغاية ما في إمكاني الحث على بذل الصدقات، والقول اللين إرشادا، ~~وعن طريق الوعظ لتخفيف دواعي الحسد. # فقال أبو ذر: يا معاوية، قد نصحتك والدين النصيحة. فاحذر أنت والخليفة عثمان مغبة ما ~~أنتما عليه. وذهب من مجلس معاوية مغاضبا. # ولكي يسترضيه معاوية بعث إليه ليلا، بألف دينار فقبلها أبو ذر، وفرقها في الحال على ~~المعوزين. # وفي ثاني يوم أرجع معاوية الرسول إلى أبي ذر ليقول له: إن الألف دينار لم ترسل إليك، ~~وإنما غلطت أنا، وإني أخشى عذاب معاوية. # فقال له أبو ذر: والله لم يبق معي من دنانير معاوية ولا دينار. # وضاق معاوية ذرعا بأبي ذر فاستجار بالخليفة عثمان، فأمره هذا بإرسال أبي ذر إليه فأرسله. ~~ولما تقابل أبو ذر مع عثمان لم يسمع منه أكثر مما سمع من معاوية، فقال أبو ذر: يا عثمان، ~~أما تذكر حديث رسول الله؟ ومعناه: إذا وصل البناء إلى سلع، واستعلى في المدينة، وجبت ~~الهجرة. فها قد استعلى بناؤك، وبناء قريبك معاوية وأعوانكما - فأستودعك الله - تاركا لك ~~ولمن استعملت من العمال (أعمالكم)، والله من ورائكم محيط. # فألح عثمان على أبي ذر أن لا يفعل، فقال أبو ذر: إن رسول الله أولى أن يتبع. # وبالفعل قد هاجر هذا الصحابي الجليل من المدينة، حتى لا يرى المال الحرام يرتفع قبابا ~~وقصورا، ويستحيل جنائن غلباء، ودارات مربعة وقوراء، وخيولا عليها البراذغ المفضضة، ~~وسيوفا تنام في أغماد ذهبية استرقت لونها الأصفر من وجوه الرعية اليائسة. # | أوانسنا وعوانسنا # دعيت فلبيت، فإذا أنا في بيت ينطح الجو، تضيع في بهوه الضيوف مهما كثرت، وغرف رحيبة يضاحك ~~بعضها بعضا عن بعد، وقبل أن نبلغ المقام استقبلنا السيد والسيدة وعرفانا بأولادهم، فإذا هم ~~خمس بنات لهن ms81 أخ واحد، فقلت في قلبي: صبر الله قلب هذا الرجل، فمن أين يفبرك لهؤلاء ~~الشابات عرسانا؟! ومن يجرؤ أن يتقدم، إذا لم يكن قادرا على هذا الحمل الذي يقطع الظهر، ~~فهن لا يرضيهن إلا السري الأمثل، والمثري كأبيهن، وهؤلاء قلائل. # وجلسنا وجلس معي في زاوية قصية من الدار واحد عرفني وما عرفته، فشق الحديث بدون كلفة ~~وقال: كيف رأيت هؤلاء العرائس؟ # فقلت: وهل حسبتني أفتش عن عروس؟! أنا أرمل دهر لا شهر، كما قال العوام. # فأجاب: إن لم تكن لك فعندك أولاد، تفرح منهم إن شاء الله. # فقلت: الذي هو مثلنا يصلي لربه صباح ومساء: أعطنا خبزنا كفاف يومنا، ويعيش على رجاء قيامة ~~عرق جبينه الذي يقبره في تراب الأرض، لا يخاطر بحياته وحياة بنات الناس ... # فقال: وأية مخاطرة؟! كل واحدة منهن معها مليون. # فقلت: لا توجع قلبي بحديث الملايين، فذات المليون تنفق بلا حساب، ومن ينفق بلا حساب لا ~~يعلم مصيره إلا الله. فليتزوجها من يريد أن يكون خادما لها، ولمليونها. # وجاءنا ثالث فقطعنا الحديث، وقضينا السهرة في أحاديث تناسب المقام. لا حاجة إلى وصف كرم ~~المضيف ولطفه وبشاشة عقيلته، وتكلف بناته الظهور بمظهر النبل المبجل، وإن دلت حركاتهن على ~~أن إياهما من الأوادم الطازة، ثم انصرفنا وكلنا ألسنة شكر على كرم البيت، وتحدثنا عن ~~الثروات المفاجئة التي تنبت كالكمأة في السنين الملائمة، فبينما الذي كان يشتهي العضة ~~بالرغيف إذا به يعوم في المحيط الأطلسي. # وبعد سنين التقيت بجليسي في تلك السهرة فذكرني بها، فقلت له: والبنات؟ # فأجاب: هن في البيت. # فقلت: بيتهن أستر لهن. ومن يجرؤ على اقتحام هذا الحصن المنيع؟! فالبيت الذي يستقبل هاتيك ~~التصاوير الزيتية الناصعة الدهان يجب أن يكون كاتدرائية. # قال الأخطل في خمرته القديمة العهد: # عذراء قد كلفت من طول ما حبست # حتى اشتراها عبادي بدينار # أما العانس فلا نجد من يشتريها بفلسين. لقد أغلوا السعر في أيام العز ورواج السوق، فبقيت ~~البضاعة في واجهاتها وعلى رفوفها تنتظر من يسومها. وهكذا تحفل البيوت بالعوانس، ms82 ولا أمر من ~~عيشة بنت تعنس وتبقى في بيت أبيها، فمن المسئول يا ترى عن هذه النكبة الاجتماعية ؟ # إنها تربيتنا، فالبنت التي هي من هذه الطبقة لا تعرف من البيت غير غرفتها والصالون، ولا ~~تدخل المطبخ لئلا تؤذي رائحة الطعام عطرها المختار، ويعلق شيء منه بذيولها. ثم من أين لها ~~الوقت، وهي لا تستيقظ إلا في الضحى، ولا تخرج من غرفة زينتها إلا صلاة الظهر، ثم تتغدى ~~وتنام لتعود إلى التزين مساء، ثم تنتظر لأنها على موعد مع أترابها للتسلي بدق بريدج العشاء ~~والسهرة الراقصة، أو الذهاب إلى السينماء. # وبعد السينماء يدور لعب البوكر حتى مطلع الفجر، فكل لياليهن ليالي قدر (بعيد ~~الشبه). # ومن يرى هذه المشاهد كيف تحمله رجله أو يتجرأ على دخول هذه البروج الحصينة؟! وإذا رأيت في ~~يد البنت كتابا فلا يكون إلا رواية غرامية من العيار الثقيل، فكأنها خريج كلية حقوق يعمل ~~(الستاج). # وهب أنه تقدم لخطبتها شاب أعمى القلب لا يقدر العواقب، فهناك البلاء وشروط المسكوب على ~~السلطان. # سيارة كاديلاك موديل السنة الحالية، وشوفير مثل ياور سلاطين بني عثمان، وماشطات، وطاهيات، ~~وغاسلات، وألف ضربة سخنة، في قصر من قصور ألف ليلة وليلة. # وقبل أن تكرر الزيارة لا بد من الإقدام على الخطبة، إذا ملأت عينها، وما هي ~~الخطبة؟ # خاتم برلنتي، سوليتر لا تقل حبته عن عشرة قراريط، وقرط مشلشل بالألماس، وعلبة تواليت ~~تستحضر من باريس، وغير ذلك من التحف وليس على الكريم شرط. # وإذا تم النصيب فلحفلة الإكليل شروط، فبنت فلان ليست أحسن منها. كان في عرسها الحكام ~~والصحفيون ومعهم المصورون، وكللها صاحب الغبطة وعلى رأسه التاج المرصع، وفي يده العكاز ~~الذهبي، وكان شهود عقد الزواج فلان وزوجة فلان، فهي لا ترضى أقل من ذلك. # أما العرس فلا تكون حفلته إلا منقطعة النظير تذكر بحفلة زواج المأمون من بنت بوران. يجب ~~أن تكون الهدية لكل مدعو في علبة من الفضة الخالصة، والشرط الأول ألا يذهب أحد من المدعوين ~~بلا علبة لئلا تحكي الناس بحقنا. # بقيت ms83 ثياب العرس فهذه يجب أن تصنع في باريس، وتكون من أنفس قماش وأحدث موديل، ويجب أن ترى ~~هي تصميم الزي وإذا اقتضى أن تسافر إلى باريس فلا مانع. # عفوا نسينا فرش البيت. فالسجاد العجمي تحصيل حاصل، ولكن القياس، كل غرفة وسجادتها على ~~قدها، وكذلك الدار والمائدة، أما الموبيليا فعلى العريس أن لا يبقي شيئا عتيقا في بيته بل ~~يجب أن يكون كله (مودرن) وينظمه مهندس مختص. ثم لا يشتري إلا أغلى ما في السوق، وإن كان من ~~طبقة عليا فعليه أن يوصي عليها في أوروبا حتى لا يكون لها نظير في البلد. # هذا ما تطلبه البنت. وإذا كانت مفتحة العينين، أو من اللواتي من الله عليهن بشيء من ~~الرحمة والحياء، فهناك أمها. إذا رضيت البنت فأمها لا ترضى، تعلمها الدرس اللازم يوميا: ~~خذي حذرك، لا تقبلي بإنقاص شيء مما ذكرته لك. تلقي عليها المحاضرات ليل نهار خوفا من أن ~~تنسى شيئا. وإذا قبلت البنت بعرس مختصر مفيد، ولم تسخ نفسها عن مال يذهب هدرا في يوم عرس، ~~فالأقارب والجيران والأصحاب والمعارف لا يرضون عن الاختصار. وهكذا يصح قول المثل: لا عرس ~~بدون قرص. وإذا لم يسمعوا الكلمة وبخوهم قائلين: عيب عليكم! بنت فلان ما هي أحسن من بنتكم ~~وأبوها ليس أغنى منكم، وعريسها دون عريسكم، ومع ذلك عملوا لها عرسا غنى له الحادي ~~بالوادي. # أما شهر العسل فحسابه في رأس القائمة، وقد يليه شهر دبس. # حقا إن مشكلة الزواج من أعقد مشاكل هذا العصر، فالشاب يراه قيدا ثقيلا، فيتهرب منه ما ~~استطاع، ويظل يماطل فيه، ويؤجل حتى يلم برأسه الشيب ذاك الضيف غير المحتشم. وإذ ذاك يفتش عن ~~أنثى تلمه، بل فلنقل عن ممرضة. # والفتاة في تشددها وفحصها العريس بالمكروسكوب: هذا طويل وهذا قصير، وهذا أسود وهذا أبيض، ~~وهذا غني ولكنه غير متعلم، وهذا متعلم ولكنه فقير، فإذا مرض فماذا يحل بنا؟ تحل بها قاصمة ~~الظهر وتبقى عالة على بيت أبيها. # إن هذا التشدد وتلك المطاليب تعرقل السير. فاتكلوا على ms84 الله لا على ثروة العريس ولا على ~~مال العروس، تأملوا بالطيور كما قال المسيح: فهي لا تزرع ولا تحصد وأبوكم السماوي ~~يقيتها. # ما رأيت في حياتي حيوانا مهما ولا رأيت بهيمة ماتت من الجوع. إن الاتكال على الثروات ~~يهدم اللذات، والهم مرض من ليس به مرض. إن تربيتنا الناعمة لبناتنا هي سبب بقائهن في البيت. ~~نخاف على أيديهن الرخصة أن يخشن ملمسها فلا ندعهن يعملن عملا، فيدخلن بيوت الناس وكأنهن ~~غريبات لم يسمعن قط بشئون البيت، فلا طبخ ولا نفخ. ولا نذكر التنظيف بأيديهن لأن هذا يسقطهن ~~من عين من يراهن يكنسن أو يغسلن أو يشطفن أو يطبخن. # قيل لي: إن أغنياء الألمان كانوا يتبادلون بناتهم ليعودوهم على العمل البيتي كله. فبنتك ~~تخدم في بيتي، وبنتي تخدم في بيتك، ومتى أتقنت كل منهما العمل تعود إلى بيت أبيها، حتى ~~إذا تزوجت تصلح أن تكون ربة بيت، ولا يصح فيها قول الشاعر الشعبي، عمر لزعني: # بيضه ما بتعرف تقلي # شاطره بتركيب المقلي # إن تربيتنا من هذه الناحية ناقصة، فالرجل عندنا يكون عنده دزينة بنات ويستعين بالخادمات ~~لأن الشغل في نظرنا عيب، ولا يليق ببنات البيت الشبعان. قلما تجد في أميركا خادمات ملازمات ~~البيوت كما هي الحالة عندنا. فالخادمة تأتيك ساعة زمان، وفي وقت معين، فكأنها أستاذ في ~~جامعة يوزع ساعاته هنا وهناك. # حدثني صديقي الأستاذ محيي الدين النصولي أنه ضاف بروفوسورا فرآه يعاون زوجته في غسل ~~الصحون ولا خادم عنده. # زرت يافا منذ ثلاثين سنة 1927 فدعاني تلاميذي لرؤية تل أبيب، ودخلنا أكبر مقاهيها فإذا ~~سعر فنجان الشاي عشرة غروش فلسطينية، ولكن المقهى خال من البشر ليس فيه أحد غيرنا، فسألت ~~لماذا؟ فأخذ بيدي تلميذي سهيل النابلسي وأراني جموعا لا تحصى قاعدين على الرمل، وبعضهم ~~معهم كراسي، وكلهم يصنعون شايهم بأيديهم، وبناتهم ونساؤهم قائمات على خدمتهن حتى إذا انتهى ~~التجهيز قعدوا جميعا يشربون ويأكلون. # قال سهيل: العائلة الكاملة منهم تدفع نصف قرش رسم بلدية وفي عمرهم كله ما دخلوا هذا ~~المكان ms85 لأنه غال. # وفي سنة 1908 دعينا إلى حفلة تدشين مدرسة في وادي شحرور كان يترأسها قنصل إيطاليا في ذلك ~~الزمان ، فرأيت الحاضرات من نسائنا يلبسن أغلى الثياب وأثمن الحلي، والأحذية اللماعة التي ~~كعبها محط كف، بينما زوجة القنصل الآتية لزيارة رسمية في بلد غريب كانت تلبس فسطانا من ~~الساتين وسكربينة لا كعب لها إلا قليلا، وليس في معصمها ولا أذنها شيء من الحلي. # أجل نحن نتنافس في كل شيء، ثم نشكو الضائقة المالية. فلو ربينا بناتنا كما يربي القوم ~~بناتهم لكانت لنا عائلة مقدسة لا تحملنا أحمالا ثقيلة، ولما بقي في بيوتنا بنات يكن حملا ~~ثقيلا على إخوتهم. # مسكينات هن العوانس. إن تفكيرهن بآخرتهن يرعبهن، ولو كن ممن يعملن ويأكلن خبزهن بعرق ~~جبينهن، لأن هذا العرق لا بد من أن ينضب وهناك يكون البكاء وصريف الأسنان. # فلا تغتري أيتها الآنسة بعلمك ولا بمالك، فلا يخفف من أهوال الشيخوخة وفزعها إلا الزوج ~~والبنون. من التي لا تذكر منكن ميتة الكاتبة الشهيرة مي؟ أما ماتت من الكمد ولم يعلم بها ~~أحد. # تعلمي أيتها الآنسة لتحسني عملك البيتي، لا لتستلقي على الصفة أو تضعي رجلا على رجل. ~~فهذا الكسل والفتور لا يحسن ببنات اليوم، وإن رآه الأعشى من مغريات صاحبته هريرة حتى قال ~~فيها: # يكاد يقعدها لولا تشددها # إذا تقوم إلى جاراتها الكسل # فهذا الكسل غير مرغوب فيه في عصر السرعة، بل في عصر الذرة. فنحن أحوج إلى ذرة نشاط منك ~~لنماشي أمم الأرض. إن جسما اجتماعيا نصفه لا يعمل، فهذا جسم مشلول. الحمد لله على أننا ~~استيقظنا من نومة أهل الكهف ولم نعد نقول: # كتب الحرب والقتال علينا # وعلى الغانيات جر الذيول # وأخيرا شكرا للآنسة مادلين. ن. التي أوحت إلي رسالتها هذا الموضوع. أما قولها: إن ~~خطبة شباب اليوم لتقطيع الوقت والتسلية فجوابه: خذي حذرك. لا تدعيه يتسلى، فتطويل الخطبة ~~مثل تطويل الحبل، فقصريه ما استطعت وإلا فلومك على نفسك. # حاشية: وإذا جاءك خاطب فلا تتعنتي، اطلبي السترة يا بنتي، اطلبي الحب ms86 أولا، وتشبهي، أنت ~~الآنسة المثقفة، حاملة الليسانس بتلك البدوية التي قالت: # ولبس عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # اطلبي قرة العين يا نور العين. والسلام عليك ورحمة الله. # | بمناسبة العام الجديد # كل عام وأنتم بخير. وبعد، فقد تعودنا أن نودع كل رائح ونستقبل كل آت حتى من الأعوام، ~~ولكتابنا وشعرائنا بدائع وطرائف في هذا الموضوع. فالفائت - وخصوصا من السنين - حبيب قلب ~~ابن آدم. إنه يرى الخير كله في القديم على إطلاقه، وإن لم يكن شيئا مذكورا. على ألسنتنا ~~يدور الترحم على ما فات، وفي أعيننا تحلو الذكريات، وما نحن في شيخوختنا إلا إلى قوة ~~فارقتنا في منتصف طريق العمر، وآمال أضعناها على درب الأبد. فكأنما استقبالنا لعامنا الجديد ~~بهذه اللهفة دليل على أننا ما كنا نصدق أننا نبلغ هذه المحطة. # سوف لا أنشر شراع الخيال، ولا أقرع طبول الفصاحة في موكب استقبال العام الجديد. فلا تهليل ~~ولا ترحيب، ولا تمنيات ولا آمال. إن عجلة الزمن لا تنتظر زجري لتسير، ولا إيماءتي لتقف. إن ~~تهليلي لها لا يقدم ولا يؤخر. فما فات فات، وما هو آت آت، كما قال ابن ساعدة. إن تمنياتي لا ~~توازي ثقل حبة خردل في ميزان القدر، فلماذا أتعب نفسي بتعابير فارغة لا تنفعني ولا تنفعكم. ~~إن عبارة كل عام وأنتم بخير، على صغرها وبساطتها، لهي أحب وأغنى دعاء في هذا المقام، على ~~شرط أن يكون للبؤساء والمساكين شيء من الخير الذي نتمناه لكم يا سادة. # من عادة التجار أن يرصدوا حسابهم في آخر كل عام، ويعدوا للعام الجديد دفاتر بيضاء، تحمل ~~في أولها رصيد العام الماضي من مكسب وخسارة، فينظر التاجر إلى (اليكون) إما بعين مفتوحة ~~وإما بقلب مكسور. إننا في زمن انحصرت فيه كل القيم بالصناديق الحديدية. فإذا كان الصندوق ~~متخما من كثر ما بلع وزلع فصاحبه هو ذاك الرجل، وإذا كان الصندوق غير مبشوم أحس صاحبه أنه ~~دون جاره العائم في بحر من الثروة، بعيد القار. وفي أميركا يعرفون الرجال بما يملكون ms87 من ~~المال، فإذا سألت عن واحد أجابوك: فلان يسوي كذا من مئات ألوف الدولارات، وهكذا صارت الثروة ~~ميزان القيم فاقتتلنا لننال منها حصة الأسد. # حنانيك يا أخي، لا تنم على وجهك لأن مبلغا من ميزانيتك مفقود. إن الله سيخلف عليك إن كنت ~~أحسنت بهذا المبلغ إلى المساكين ونسيت أن تقيده. لا تدقق في دفتر الصندوق بهذه الشدة ~~والصرامة، لتعرف أين ذهب ذلك القرش، أرجوك يا سيدي. عفوا أرجوك يا سيد الصندوق، وأتضرع ~~إليك لكي تعيد النظر في دفتر حساباتك لترى فيه مقدار أرقام الإحسان، وعمل الخير، وخدمة ~~الإنسانية، أنسيت يا أخي أنك إنسان؟!! # مهلا لا تزرع الدنيا أملا، ورفقا لا تعد الخطط الجهنمية لاقتناص القرش، فأنت في ~~التقدير والله في التدبير. فبدلا من أن تستقبل عامك الجديد بالدف والعود والمزمار وتنفق ~~على السهرات الصارخة ألوفا، اخل بنفسك هنيهة، وارفع وجهك إلى فوق، ولو في السنة مرة. نسيت ~~أن لك نفسا؟! أتظل عينك في الأرض دائما تفتش فيها عن حطامها؟ بربك قل لي متى ~~تشبع؟! # عند النصارى شيء يقال له: (فحص الضمير) وهذا ما يعمله المسيحي الممارس كل ليلة، فيستعرض ~~حسنات النهار وسيئاته. وبعد أن (يقصد) إصلاح نفسه في الغد، ينام مستريحا. وقد سمعنا ~~الحجاج، على قساوة قلبه، يقول في إحدى خطبه: امرؤ حاسب نفسه، امرؤ راقب ربه، فهل فعلت شيئا ~~من هذا؟! هل ودعت عامك الذي انسلخ بفحص الضمير إن كنت مسيحيا؟ وهل حاسبت نفسك إن كنت ~~مسلما، لترى إذا كنت زكيت مالك؟ معاذ الله أن أسيء الظن بك، وأقول: إنه لا يعنيك إلا أن ~~تعرف مقدار ما جمعت؟ ومعاذ الله أن أقول: إن دفترك ليس فيه للفقير باب (إلى). # قل لي: ماذا أنفقت أمس على الطاولة الخضراء، بل ماذا خسرت زوجتك؟! ألا تستحي يا أخي من أن ~~تلعب وأولادك على طاولة واحدة بحجة كشف البخت؟! أتصدق الورق الكذاب؟! ألا تدري أن صغار ~~الأمور تؤدي إلى كبارها، فكيف تدفع ولدك إلى هاوية اللعب؟! قل لي: كم كانت تكاليف مأدبتك ~~يوم ms88 العيد؟! بحياتك لا تكذب. # هل خرج من كيسك ثمن رغيف لفقير؟! هل فكرت بإعطاء شيء من ثيابك وأحذيتك العتيقة إلى العراة ~~والحفاة من إخوانك الآدميين، يا آدمي؟! # كم دفعت بمناسبة هذا العام ثمن لعب وهدايا، وكم قطعت من الثياب الأنيقة لزوجتك وبناتك ~~وبنيك في هذا العيد؟ ترى من هو أحوج إليها، أأولادك وأحفادك وخزائنهم ملأى بها، أم ابن جارك ~~الحافي العريان الجوعان؟ إنه محتاج إلى رغيف ليفك ريقه ويسند قلبه، وإلى قطعة من القماش ~~الرخيص يستر بها عورته. وكلب زوجتك المدلل - جل شأنك وشأنها - ما ضره لو عودته أكل الخبز ~~بدلا من البسكوت، وأكل فضلات المطبخ بدلا من لحم الضأن وعلب السمك والدجاج، ثم أعطيت فضل ~~ما بينهما فقيرا ملهوفا يأكل الخبز بعينيه ولا يمسه بيديه. # الناس - اليوم - يلجئون إلى التقنين الصارم. فلماذا لا تعود - ولو كلابك - على هذا وتحسن ~~بما توفره إلى أخيك الإنسان. أنت غني من فضل القدر الأعمى لا كدك واجتهادك، فلماذا لا تزكي ~~مالك وتزين غناك بالإحسان؟ # إن من طالت يده بالمواهب تمتد إليه ألسنة المطالب، وأنت تعترف ولا شك بنعمة الله عليك، ~~فلماذا لا تقضي حقوق المروءة وتفي ديونها عليك؟ إن البيت الذي لا يخرج منه شيء في سبيل الله ~~لا بد من تسكير أبوابه إما عاجلا وإما آجلا. # الثمر يستحلى في أوانه، والشيء يحسن في إبانه. وهذا موسم الإحسان يا صديق الدينار، لا تقس ~~قلبك فيقسو قلب الله عليك، فهو حين أنعم عليك كأنه اختارك دون غيرك قيما على البؤساء ~~والمساكين، فإن كنت لم تقم بهذا الواجب أمس فعجل، وقم به غدا، وخير البر ~~عاجله. # إذا كانت محاسبة النفس واجبة علينا كل ليلة؛ فكيف بها حين يموت عام ويولد عام! أفما يجب ~~أن نولد نحن معه؟ وكما نعمل ميزانية تجاراتنا يجب أن نعمل ميزانية حسناتنا، لنرى ما علينا ~~وما لنا عند الإنسانية. # أرأيت في عمرك ودهرك حيوانا يشاركه أحد في طعامه؟! فكيف أكون حيوانا بعدما شرفني الله ~~فخلقني إنسانا؟! # وهناك محاسبات كثيرة غير هذه، ms89 ولا بد من هذه المحاسبات لجميع طبقات البشر من السيد الرفيع ~~إلى الخادم الوضيع، وما بينهما من خلق الله. فكل منهم مسئول عن عمله. الحاكم يجب أن يحاسب ~~نفسه ليرى كيف ساس رعيته لكي يحسن إن كان ظلم وأساء، ولكي يحسن أكثر إن كان أحسن، فمجال ~~الإحسان رحب واسع. # على الحاكم أن يحاسب نفسه عن الأيام التي ضيعها في ملاهيه وملذاته وهو يقبض ثمن تلك ~~الأيام من الرعية، فرب يوم يضيعه (الراعي) تهلك فيه نفوس الألوف من القطيع. # إن يوم رأس السنة هو يوم الحساب الشديد لتقويم كل اعوجاج فينا، وليس هو يوم قمار وشرب ~~وسكر، ولا يوم أكل مما رزقنا الله من الطيبات دون أن نفكر بالآخرين. أمرنا الله أن نأكل من ~~طيبات ما رزقنا، وأمرنا أيضا بالزكاة والإحسان، فهل تعمل يا صاحبي بواحدة من وصاياه ونترك ~~الثانية. # فلو خففنا من هذا البطر ولو قليلا، لننفق تكاليفه على المحرومين لأمنا شر العواقب. إن ~~أعوام الحياة مراحل، وإذا حمدنا الله على قطعنا إحداها، فلنقدم مع الحمد قربانا من الإحسان ~~ليأخذ الله بيدنا ونصل آمنين إلى الواحة الكبرى، إلى بيت الجميع. # هناك ينعدم الفقر الذي هو صوت صارخ يطلب الانتقام من ثروتك. أخمد هذا الصوت بإحسانك، ~~وترقب عاما جديدا يكون لك فيه إحسان جديد. # ليتك تتعود العطاء! جربه تنس لذة الأخذ. إنه لأسمى وأرفع. واليد العليا خير من اليد ~~السفلى، والسلام عليك إن كنت محسنا، وإلا فسلامي يرجع إلي لأنك لا تستحقه. # | موسم المقامرة # لا بد من خص القمار بحديث، وقد تقول إذا كنت من المقامرين: ما لهذا الرجل وهذا الموضوع ~~الشائك؟! إنه يفتح أبوابا مغلقة في مطلع هذا العام. لا يا أخي، إن هذا اليوم هو يوم ~~المقامرة العارم. وكأني أرى زوجتك تضع هذا المقال حد رأسك، إذا كنت ممن تركوا المائدة ~~الخضراء في ساعة متأخرة من الليل لتصبحك به. وإذا كنت امرأتك من السيدات العصريات ~~المقامرات، وأنت لست منهم، فإنني أتخيلك تقرأ هذه الكلمة بصوت جهوري لتسمعها ما كتبت ms90 لأنك ~~لا تجسر أن تؤنبها، فهي حرة بمالها الذي جاءت به من بيت أبيها حين جاءت بيتك لتستتر تحت ~~جناحيك . # اللهم صفحا عن زلاتنا وقوم اعوجاجنا. فقد صار القمار سمة للناس الراقين، وصار من لا ~~يقامر - في نظر الطبقة العليا - رجلا غير متمدن. وقد يعذر من ينفق ماله على لذة من الملذات ~~الدنيا، أما من يقامر فأية لذة يجد في تبديد ماله وثروته، فيمسي غنيا ويصبح فقيرا بين ~~ليلة وضحاها، إذا شاكسه الحظ. فكم من بيوت عامرة دك أساساتها القمار! أعرف رجلا كان يملك ~~ربع عكار، وكان له ولد وحيد أصيب بهذا الطاعون، فقال واحد لوالده: انتبه لابنك فإذا بقي على ~~هذه الخطة (طير الدكة). فأجاب الأب: عصفور على بيدر، ماذا يأكل؟! # وبعد سنين التقيت بذاك العصفور في (سير) فإذا به منتوف الريش مكسور الجناح. # أعرف أناسا كثيرين قامروا على ثيابهم، وأعرف آخرين عجزوا عن إيجاد المال، فباعوا عفش ~~بيوتهم، وأخيرا نزعوا الأبواب وباعوها. وأعرف غيرهم اقتلعوا شجر الزيتون وباعوه ليلعبوا في ~~هذا اليوم السعيد. لا يثنيهم عن فعلتهم الشنعاء شرف، ولا يؤثر بهم لوم ولا تعنيف تاركين ~~أولادهم عراة حفاة جياعا. # ورأيت والدا، وابنه كان من طلاب مدرستنا، جالسين على الطاولة الملعونة ليلة يوم (رأس ~~السنة) فقلت: يا رجل، ماذا تفعل؟ أتقامر أنت وابنك؟! # فأجابني: ليلة وتمضي، إننا نكشف بختنا في العام القادم. # فقلت له: أتعود ابنك وتخرب بيتك لتتعلق بخرافة؟ الجد يا صاحبي لا يعرف المستقبل فكيف ~~باللعب؟ # ودارت بضع سنوات دورتها وصار الشاب في بيروت وأمسى مقامرا من الطراز الأول. وفي الأمس - ~~كما سمعت - باع البيت بعد موت الوالد، حين فرغ من العقارات الأخرى والمنقولات، وهكذا استعجل ~~الفقر قبل أوانه. إذا احتال على أحد ونصب، أكل واكتسى وقامر، وإلا فيقامر بعينيه لأنه عاجز ~~عن ذلك بيديه. # إن آفة هذا العصر تشجبها الأديان والتقاليد، ولكن الناس أعداء أنفسهم، فلا يردعهم وعد ولا ~~وعيد، ولا سيما من تملكته عادة من العادات فإنه يصير عبدا لها. # إنني ألفت نظر القارئ ms91 إلى مقالة للمنفلوطي، عنوانها (الكأس الأولى) ففيها العظة لمن يسمح ~~لولده أن يلعب في (رأس السنة) ليستطلع أنباء عامه قبل أوانه. # وخير ما قرأت في ذم القمار قصيدة نجيب الحداد. فليت المبتلى بهذا الداء يقرؤها، فأنا لا ~~أعرف القمار لأحسن وصفه، كما وصفه الشاعر. # إن القمار لخطر على العزة والكرامة، فكم رجل عبث بالأمانة ليقامر! وكم من امرأة عبثت ~~بأقدس الأخلاق حين أفلست، فتداوت من الداء بالتي كانت شرا من الداء. # أضحكني أحد أصحابي حين لمته على المقامرة فقال لي: وماذا تريد؟ أنا موظف، والقمار وسيلتي ~~للاتصال بمن هم فوقي لأوطد مركزي. # وبعد شهرين عرفت أنه زج في السجن لأنه سرق الصندوق المؤتمن عليه، وهكذا وطد مركزه فصار ~~أمنع من الأهرام. # ويا ليت شعري كيف يؤدي واجبه على حقه من يسهر إلى الصبح؟ وبأي وجه يستقبل صاحب الأعمال من ~~لم ينم؟ ألا يقاتل خياله كما يقولون؟! # وإذا كان المبذرون إخوان الشياطين، فالمقامرون إخوان من؟ وقد حددهم نجيب الحداد تحديدا ~~قاطعا مانعا بقوله: # قد اختصروا التجارة من قريب # فعدم في الدقيقة أو يسار # اللهم كن في العون. # | رسالة إلى السماء # يا سيدي يسوع المسيح # أنت قلت: اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم، وها أنا ذا قد أتيتك، وعيني في الأرض، ويدي على ~~صدري. # ما جئت لأطلب منك شيئا، فأنا من خيرك مكفي. أتذكر تلك المناجاة عام أول؟ فقد أقدمت بعدها ~~متكلا عليك فنجوت من الموت الذي كان فاتحا فمه ليبتلعني، وها قد انقضى عام على نجاتي ~~وجددت مثل النسر شبابي. # لقد تحدثت كثيرا عن ميلادك، وسوف نفتش اليوم عما يعنينا قوله لك، فهل أنت مستعد أن تسمع؟ ~~إنني لا أطلب منك غير الإصغاء فهل تنشط لذلك؟ # إني أصارحك القول: لقد تعبت ألسنتنا وآذاننا وحناجرنا من الترتيل: المجد لله في العلا، ~~وعلى الأرض السلام. # لست أدري ما في العلاء من مجد، أما السلام على الأرض فلا أرى أي دليل عليه سوى دول تغلي ~~كالقدر الفائر. كل منهما يعد شبكته ليصطاد الحيتان والدلافين، وباسم ms92 السلام يقتتلون هنا ~~وهناك وهنالك، وباسم السلام نؤيد مضطهدي السلام. # حاشاك يا سيدي أن تطلب مني أن أقول غير الحق ، وأنت الذي علمتنا منذ أجيال: تعرفون الحق ~~والحق يحرركم، فهل أكذب وأرتل معهم، وعلى الأرض السلام، وليس على الأرض إلا قنابل تزعزع ~~أساسات المسكونة وتجعل عاليها سافلها؟ # أما (الرجاء الصالح والمسرة) فما زلنا ننتظر قدومهما، وأظنهما لا يأتيان إلا معك، أما ~~وعدتنا بالرجعة، فما لك تأخرت؟! عد يا سيد، وقوم ما اعوج من القيمين على تعاليمك. # يا سيد، يا أمير السلام. ألهم تابعيك أن يسيروا على ضوء تعاليمك لئلا يدركهم ~~الظلام. # إنهم يقرءون وصاياك بألسنتهم وقلوبهم بعيدة عنك. # أنت قلت: يا بني أعطني قلبك. أما هم فزنادقة وذئاب يلبسون جلود الحملان. فإذا كنت حين ~~تجلس عن يمين أبيك تقيم الخراف عن يمينك، والجداء عن شمالك، فأي مكان تعد لهؤلاء؟ أليست ~~الجداء خيرا منهم؟! فلا لحمهم يؤكل ولا جلدهم يسكف. # يتحدثون عن فقرك ويرفلون بالحرير والديباج كالغواني، ونتحلى مثلهن بالذهب، ونعصب رءوسنا ~~بالطراطير ونسميها تيجانا. # لقد صار صليبك حلية، وإكليل شوكك رمزا يزهى به، فإذا كنت عظيما بميلادك فأنت أعظم منك ~~بحياتك وموتك، وإذا لجأت إلى الخيال بحديث ميلادك، فإني لا أتجاوز تخوم الواقع إذا عظمت ~~حياتك وموتك. # أنغني (على الأرض السلام.) ولا نخجل؟! أنترنم بالمجد لله في العلاء ونحن نزحف على بطوننا ~~كالأفاعي، أنفرح ونتهلل في ذكرى ميلادك وأمس أجرينا الدماء أنهارا؟ # أنسيت أن فلسطين أنبتتك وقلت أسمى الشعر الإنساني في سهولها ووهادها وعلى شواطئ بحيراتها. ~~لقد كانت حياتك فيها أروع قصيدة، أفلا ترثي لها وتشفق عليها؟ # إن الذين صلبوك هم الذين يضطهدون اليوم أتباعك ويقتلونهم غدرا وظلما ويناصرهم مؤمنون ~~بتعاليمك ينتسبون إليك، فتعال يا سيد. # ومصر ما ذنبها؟ إذا كان يهود فلسطين أساءوا إليك، فمصر آوتك حين هرب بك أبوك وأمك من وجه ~~هيرودوس. لقد ذقت يا سيد قسوة المستعمر، فلو لم يهربوك من وجه هيرودوس لكان قضي عليك، ومع ~~ذلك لم تنج من بيلاطس، الذي قضى بصلبك وغسل ms93 يديه ليقول: إني بريء من دم هذا الصديق. # إنهم المستعمرون يا سيد. فهم هم في كل زمان ومكان، جئت لتنقذ شعبك ظلمهم وتعديهم، فتآمرت ~~عليك السلطتان وكانت النكبة الفاجعة. # إن وطنك لا يزال تحت نير الاستعمار رازحا، فهل من مجير؟ # قال فيك شاعر من مصر: # عيسى سبيلك رحمة ومحبة # للعالمين وعصمة وسلام # ما كنت سفاك الدماء ولا امرأ # هان الضعاف عليه والأيتام # لقد أعدت عليك ما قال لعلي أستنهض همتك فتقول لأتباعك في الغرب: قفوا يا جماعة ما هكذا ~~علمتكم! وإلا فاطووا إنجيلي ولا تقرءوه، فما نفع علم لا يعمل به. # أجل يا سيد، إن تعاليمك هنا وفي جارتنا القارة الأوربية قد شاخت، وقد تكون في أميركا لا ~~تزال شابة، ولكن المصلحة تشوبها. # أما علمت: لا تفعلوا بالناس إلا ما تريدون أن يفعله الناس بكم؟ أما قلت: من ضربك على خدك ~~الأيمن فحول له الأيسر، ومن سخرك ميلا امش معه ميلين، ومن طلب رداءك فأعطه ثوبك؟ فما بال ~~هؤلاء يضربون الآمنين ويقتلونهم بالآلاف؟ # اليوم لم تعد القضية قضية ضرب كفوف، بل قضية إبادة واستئصال. فانظر ماذا تفعل، فالاتكال ~~عليك، وعلى ممثلك على الأرض، ولكنه لا يزال كالذي بنيت بيعتك عليه لا يملك إلا سيفا أو ~~سيفين، وهو يعمل بعدما جرد من سلاحه بقولك لذلك التلميذ: اردد سيفك إلى قرابه، فمن أخذ ~~بالسيف فبالسيف يؤخذ. # فما الحيلة إذن في الذين يأخذون البريء بذي الذنب ويدعون أنهم مسيحيون. # أراهم لا يحفظون من إنجيلك إلا قولك: ما جئت لألقي سلاما بل حربا. ولكن على الباغي دارت ~~الدوائر، فقد نجونا بفضل ولسن، وأيزنهاور من الاستعمار السياسي، وببركة دمك وصليبك سننجو من ~~الاستعمار الاقتصادي. أما (أصحابنا) فقل لهم كي يعملوا بما يعلمون ولا يحملوا الناس أحمالا ~~ثقيلة لا يحركونها بإحدى أصابعهم. # قل لهم: دعوا السلام في الأسواق والجلوس في صدور المجالس، واذهبوا بشروا برسالتي جميع ~~الأمم. # ليذكروا قولك: كنت جوعانا فأطعمتموني، وليطعموا الناس من أموال حبست عليهم. قل لهم: ليس ~~عيد الميلاد عيد أكل الديوك ms94 وشرب الخمور المعتقة، ولكنه جعل لكي يتذكروا أخا الرب. أتعرف ~~لماذا نأكل الديوك في ذكرى ميلادك؟ لكي لا يذكرنا صياحها بمن أنكرك. بطرس تاب، أما هؤلاء ~~فلا يريدون. إنهم يأكلونها فراريج قبل أن تصيح، والويل لهم متى صاحت الديوك. لا بد من ~~الصياح لأن الفجر قريب جدا. وقد لاح مفتوق من الشرق أشقر. # قل لوكلائك عندنا يكفونا شرهم، فأنت في غنى عن نصرتهم. إذا كنت في معركة المحاكمة لم ~~تدافع عن نفسك بكلمة، فقل لهؤلاء من جميع الطبقات: لا تكلفوا خاطركم، فأنا في غنى عن ~~محاماتكم ودفاعكم، فليكن فيكم محبة قدر حبة خردل لتعيشوا سعداء آمنين. # يتعزون بخطبتك على الجبل، ولكن اقرأ تفرح جرب تحزن. فأسيادهم يعطون ما لقيصر ليأخذوا ما ~~لله ... على طول، فلا حاجب ولا بواب ولا محاسب، الدفتر في أيديهم وهم الخصم والحكم، فقل لي ~~متى نرى وجهك ليحدث الانقلاب الرائع. لقد عتقت البشرية فتعال جددها. أما قلت لتلاميذك كما ~~روى إنجيل متى: أنتم الذين اتبعتموني في (التجديد) تجلسون على اثني عشر كرسيا متى جلس ابن ~~الإنسان على كرسي مجده. # تعال اجلس يا سيد ونحن نقعد على الأرض ولا شرط لنا إلا التجديد. # أما قال شاوول الذي اضطهدك ثم صار بولس الرسول حين اتبعك، أما قال في رسالته لأهل رومية: ~~لا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم. # إننا نريد تجديد الملح، وتجديد الخمير، وإلا فمن يستحقك منا أيها المجدد العظيم؟! # أنا حامل صليبي وتابعك منذ خلقت، وإني أتعذب لأجل تطهير تعليمك، فإذا دعوتك للعودة إلينا ~~فبحياتك لا تحسب كلامي تطفلا وتنتهرني كما انتهرت بطرس قائلا لي: اذهب عني يا شيطان. أنت ~~معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس. # وهنا أضم صوتي إلى صوت بولس القائل في رسالته إلى العبرانيين: وسقطوا لا يمكن تجديدهم ~~أيضا للتوبة، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه. # أما قياصرة اليوم فلا يرتضون بما يعطون، بل هم يعطون أنفسهم من مال المساكين ويأكلون ~~البيضة والتقشيرة، وإخوتك ms95 ينامون في العراء على ريق بطونهم. كانت الضرائب في أيامك محسوسة ~~ملموسة، أما اليوم فسحر القياصرة عجيب غريب. # إذا شئت أن أزودك بكل ما عندنا من أخبار، فلو بقيت عامين لا أعمل غير كتابة هذه الرسالة ~~فهيهات أن أنتهي. وقد حدث عندنا شيء جديد هو المراقبة، فالأفواه مكمومة والأفواه ملجومة ~~وفطانتك كفاية، أنا لا أدري في المراقبة شيئا غريبا، فقد تعودتها منذ صباي وتعلمت كيف ~~أنفذ من المضيق، ثم من يراقبني ويحول بيني وبين مخاطبة سيدي يسوع المسيح، ألا يحق لنا أن ~~نتحدث مع ربنا؟! # تساءلت يا سيد: من يقول الناس إني أنا، وهذا دلني على أنك تهتم لما يقال. أما لو عدت ~~اليوم ورأيت أن (الرعاة) لم يعد يهمهم حكي الناس لتعجبت وأعطيت جيلنا آية أخرى عن حوت يونان ~~لأن جلودهم صارت أسمك من جلده. # تذكر جيدا رسائل بولس، أول صحافي عالمي في التاريخ القديم، وعندنا اليوم ما يشبهها ~~ويسمونها جرائد ومجلات وقد منحوها لقب السلطة الرابعة، ولكن المسيطرين ينتقصون من قدرها ~~ليخففوا من وطأة كلامها عليهم، ولو فكر هؤلاء لما حاولوا. إنهم يجهلون أنك أنت السيد ~~المسيح، ابن الله الوحيد، سألت تلاميذك عما يقوله الناس عنك؟ ولكن (حكي) الناس لا يؤثر إلا ~~بالناس ولهم خلق، أما أولئك فلهم النبوت والمساس. # قلت لنا: لا تدينوا لئلا تدانوا. وهم لا تهمهم الدينونة، ولو كانت في وادي يوشافاط كما ~~وعدت، ووعدك صادق بلا ريب. # قلت: أخرجوا العبد البطال إلى الظلمة البرانية، فيا ترى ماذا أعددت لعبيد غير بطالين ~~ولكنهم يعملون دائما في السر، وإذا عجزوا عن قطع الأعناق يقطعون الأرزاق؟ # قلت: أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى مبغضيكم. وهم يبغضون من أحسن إليهم. وقلت: ليس من يقول: ~~يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل إرادة أبي الذي في السماوات، وها هم قد تركوا ~~الثنتين في هذا الجيل الشرير الفاسق. # حذرتنا من الباب الواسع وهم لا يدخلون إلا منه، أما الباب الضيق فقد ضربت عليه العنكبوت ~~بنسجها. وحتى الآن لم يرث ms96 الودعاء الأرض والحزانى لم يتعزوا. أما ملكوت السماوات ~~الذي وعدت به المساكين فعلمه عندك يا ساكن الأعالي، فهل دخل عليك أحد منهم؟ # وحذرت من صنع الصدقة قدام الناس لئلا يضيع الأجر. أما في هذا الزمن فلا توص حريصا، ~~فما أقل من يتصدق سرا أو علانية. # اعذرني يا سيد على طول لساني، فهكذا خلقني أبوك السماوي، وقد خسرت أكثر أصدقائي. إنني ~~أعمل مشيئتك لأن خاصتك لا يصلحون ما بأنفسهم من اعوجاج إلا إذا قومناهم بسيف النقد. # وإلى اللقاء في ملكوتك، أقبل جراحك الخمسة، أنا الذي أكلت جسدك المقدس صغيرا، فلا تأكلني ~~النار. # هكذا كنت أرتل مع جدي في ختام قداسه، جعل الله النهاية خيرا. # | كنوز مرصودة # كثيرة هي الفرص التي تفلت من أيدينا ولا نكترث لها. حكي أن زائرا دخل متحفا رأى فيه بين ~~تماثيل الآلهة تمثال إله وجهه مغطى بالشعر وأجنحته على قدميه، فسأل: ما اسم هذا الإله؟ ~~فأجابه النقاش: هو الفرصة. فقال: ولماذا هو مخبئ وجهه؟ فأجابه: لأن الناس قلما يعرفونه حين ~~يجيء إليهم. فقال: ولم أجنحته على قدميه؟ فأجابه: لأنه يذهب حالا، وإن ذهب فلا أمل لأحد ~~باللحاق به. # ويقول مثل لاتيني: إن الفرصة لها شعر في مقدمة رأسها. وأما في مؤخرته فهي صلعاء، فإذا ~~أمسكت بناصيتها قبضت عليها. أما إذا أفلتت منك، فإن جوبيتر نفسه لا يقدر أن يقبض عليها ~~ثانية. # قال شاعر إنكليزي: # إن في حياة الناس مدا وجزرا # فمن استفاد من المد وصل إلى الثروة # أما من أهمله فإنه يظل حياته بأسرها في شقاء. # فأول ثروة يجب أن نغتنمها هي الفرصة، وكثيرا ما نتأسف على فواتها لأنها لا تسنح مرتين، ~~فعلينا ألا نحجم ولا نتردد. ليكن شعارك دائما: فلنبدأ بالعمل من هذه الدقيقة، ومن يباشر ~~حالا ينجح دائما. نحن عرضة للتجربة كل ساعة، فلنثبت في أعمالنا ولا نتنقل من موضوع إلى ~~موضوع، وإن فعلنا فإننا لا نظفر بشيء. # قال نابليون: النصر لمن هو أشد ثباتا. تأمل الشجرة فإنها تعمل عاما كاملا لتعطيك زهرة ~~عطرة جميلة، ms97 أو ثمرة شهية. اعلم يا صديقي، أن الأعصاب التي لا ترتخي، والعين التي لا تكل، ~~والفكر الذي لا يتشتت هي التي تنجح دائما. # فاعمل بثبات، فالثبات هو الذي عمل عجائب الدنيا السبع. إنك ستكون رجلا عظيما إذا ثبت ~~ولم تغير عزمك لأول عقبة تقف في سبيلك. كان الأقدمون يمثلون الإله هرقل ملفعا رأسه بجلد ~~أسد، ومخالبه مجموعة تحت ذقنه، ليدلوا بذلك على أننا إذا تغلبنا على مصائبنا فإن تلك ~~المصائب تصير أعوانا لنا. # أنت والحمد لله، بألف خير، لا ينقصك إلا الرغبة والإرادة القوية. تشبه بإبرهيم لنكلن: ولد ~~في كوخ خشبي، ولم يتح له الدخول إلى المدارس ولا الحصول على كتب، ولا الدرس على معلم ولا ~~غير ذلك من الوسائل العادية، تمثله وهو شاب طويل، نحيف غريب الشكل يقطع الأشجار ويبني كوخه ~~الخشبي. يتعلم الحساب واللغة على نفسه في المساء، وعلى نور الموقدة. ثم صار بعد ما علم نفسه ~~بالمشقة رئيسا للولايات المتحدة، وأعتق أربعة ملايين نفس من قيد العبودية. # قد تقول لي: مشاغلي كثيرة، وأنا أقول لك: الوقت كثير إذا أحسنا التصرف به، وسأخبرك عن بعض ~~أعظم الأعمال التي أنشئت في أوقات الفراغ. إن الوقت قليل إذا أنفقناه في الثرثرة واللهو، ~~وقال وقلت. أما إذا تدبرناه برغبة وإرادة فإنه يزيد كثيرا عن حاجتنا. # كثيرا ما نقول في البيت: ما بقي إلى وقت الأكل إلا خمس أو عشر دقائق، فلا وقت لعمل شيء ~~الآن. أما الحقيقة فهي أن أعمالا كثيرة عظيمة أتمها فتيان فقراء في فضلات زهيدة من ~~الوقت. # إن ملتن صاحب (الفردوس المفقود) كان معلما ومستخدما في بعض أعمال الحكومة ككاتب سر، ~~فكان ينظم أناشيده الخالدة في بضع دقائق يختلسها من خلال أعماله المتراكمة. # وبقي غلادستون طول حياته يحمل في جيبه كتيبا يطالع فيه كلما سنحت له دقيقة فراغ. إن ساعة ~~تنتزع كل يوم من ساعات اللهو، وتستعمل في ما يفيد تمكن كل امرئ ذي مقدرة عقلية أن يتضلع من ~~علم بتمامه. وساعة واحدة تمكنك من مطالعة عشرين صفحة ms98 مطالعة تمعن وفهم، وإذا ثبت على هذا ~~العمل عاما تطالع سبعة آلاف صفحة أي ثمانية عشر مجلدا كبيرا في السنة . إن هذه الساعة ~~التي تحصل عليها بسهولة فائقة تصير من هو غير معروف، شهيرا، ومن هو غير نافع مفيدا. إن ~~هذه الساعة تحول الحياة الفارغة إلى حياة حافلة بالأعمال المفيدة، فنابليون لم يكن يسمح ~~لنفسه بالنوم أكثر من أربع ساعات. وحياة رافائيل القصيرة التي لم تتجاوز السبعة والثلاثين ~~عاما عبرة لمن يعتذرون عن تضييعهم حياتهم عبثا، وحجتهم أنهم ليس لديهم وقت. # قال شيشرون: إن ما يخصصه غيري من الوقت للولائم واللهو أخصصه أنا لدرس الفلسفة. # إن أشد ما في إضاعة الوقت من الضرر هو خسارة القوة، فالأعصاب تصدأ بالبطالة. إن للعمل ~~نظاما، أما الكسل فليس له نظام. # قال فرنكلين: إذا كنت تحب الحياة فلا تضع الوقت سدى، لأن الوقت هو المادة المصنوعة منها ~~الحياة. # قد تقول يا عزيزي، إنه لم يذكر الأخلاق في كلامه! بلى، إن كل ما حثثتك على عمله لا يدرك ~~إلا بالأخلاق المتينة، وقلما وجدت رجلا يمشي على الخطة التي رسمتها لك إلا وهو صاحب أخلاق ~~رفيعة. فالأخلاق قوة ونفوذ، وهي تقف خلفنا لتحمي ظهرنا في كل معترك. # وأخيرا أوصيك بالتدقيق وإتقان العمل، ففيهما تبلغ ما تصبو إليه من شهرة وثروة. فالتدقيق ~~هو أخو الاستقامة التوءم. قال إمرسون: إذا كان امرؤ يجيد تأليف كتاب، أو إنشاء خطبة، أو صنع ~~مصيدة للفأر إجادة يمتاز بها على جاره، فإن الناس يشقون طريقا نافذا إلى بيته، ولو بنى ~~منزله في الغابات. # فأتقن إذن كل عمل تقوم به، ففي هذا فلاحك ونجاحك، ولا تضع الدقيقة التي قيل من أجلها: ~~الوقت من ذهب. إن كل ما ترويه الأساطير عن الكنوز المرصودة، ما هو إلا رمز يعرض لنا من فرص ~~لا نغتنمها، فتذهب ولا تعود. ms99