######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.JudadWaQudama.Hindawi82857304 #META# Tags: literature #META# ID: 82857304 #META# Title: جدد وقدماء: دراسات ونقد ومناقشات #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الأدب الساخر‏ # أدب الظل‏ # فرح أنطون‏ # حول جبران ومي‏ # الشدياق والجاحظ والمتنبي‏ # قادة ذهبوا‏ # في المضمار‏ # يقظة ونهضة‏ # الأدب الساخر‏ # أدب الظل‏ # فرح أنطون‏ # حول جبران ومي‏ # الشدياق والجاحظ والمتنبي‏ # قادة ذهبوا‏ # في المضمار‏ # يقظة ونهضة‏ # | جدد وقدماء # | جدد وقدماء # | دراسات ونقد ومناقشات # تأليف # مارون عبود # لم نكن في أيامنا ننتقد بنزاهة كما يجب، كانت تأخذنا في بعضهم هوادة أحيانا، فكم ~~غضضنا النظر، وكم غمرنا العالم والمتعالم بفيض من التقريظ والثناء. # إن واجب الناقد هو أن يعرف كيف يجد الخطأ، وأن ينتقد حيث يجب الانتقاد. # أناتول فرانس # | الأدب الساخر # كما تقتضينا بعض الحفلات والسهرات طرازا معلوما من الثياب كالسموكن وغيره، أو لونا ~~خاصا على الأقل كالأسود أو الكحلي، هكذا قضى نقادنا على أحفاد امرئ القيس، فأمسى الشاعر ~~كالقطار الحديدي، إن تنكب عن سكته وخطوطه بضع سنتمترات، تدهور وتحطم. # وكما أن في أوروبا ثيابا معدة تستأجر لتلبس في الحفلات، هكذا استعار شعراؤنا بزاتهم ~~من عند امرئ القيس ليمثلوا بها في ديوان العرب. # بقي مخزن الملك الضليل مشرع الأبواب مئات السنين، ينتقي منه الغادي والرائح ثوبا على ~~قده، فتنفتح له أبواب القصور، ويهتك دونه الحجاب الصعب، وظلت صفة الطلول قيد التجويد ~~والتنقيح أدهارا، كأنها أحد اكتشافات باستور التي نجت البشر من أعدائهم غير ~~المنظورين. # وكان عنترة - ذلك الغراب الغريد - أول من شك في هذا المذهب الشعري، وما علينا لو ~~سميناه: الطقس الأدبي، فللشعراء طقوس يمارسونها بورع وخشوع، شك عنترة وآمن في مطلع مطولته ~~المشهور: # هل غادر الشعراء من متردم # أم هل عرفت الدار بعد توهم # وكأنه لم يطمئن، ففتش عن مرعى لقريحته، فرآه في جلده فاستغله، والأرض السوداء ~~مغلال. # واستيقظ العصر العباسي الأول، وهو عصر الثورة في الأدب العربي، فتفتحت عيون شعرائه ~~الخلعاء على حضارة مجنونة بالترف والجمال، ففطموا أنفسهم عن الحليب واللبن، وعبدوا ~~الأحمرين: الخمر واللحم، وكان شك وكان مجون، وكانت حرية بعيدة المدى، ولكن إلى أجل مسمى، ~~فتقديس القديم من سجايا الناس الرئيسية، وهو منبع العبودية. # ثم همدت تلك الثورة ms001 بانطواء سجل هذه العصابة، وعاد الشعر بعدها إلى تزمته، فخلع ثياب ~~المرافع ليلبس البجاد المفروض، فعاد الشعر إلى سمته، لا يتعداه إلا بمقدار محدود، فدار ~~شعراؤنا على أنفسهم في حلقة ضيقة اختطها لهم القدماء، كأنهم أجرام النظام الشمسي، كل في ~~فلك يسبحون. # وإذا كان النثر كالمشي، والشعر كالرقص، فجل شعرنا رقص الدراويش؛ أغراض موجزة كحياة ~~البدوي، في ناقته تتجمع كل مرافق حياته، من وبرها يكتسي، ومن درها يغتذي، وبفحمها يصطلي، ~~وهي مركبه إذا أسرى، وخيمته إذا لذعه الهجير، فمن يلومه إن وصفها جملة وتفصيلا، ومن ذا ~~يعنفه إن استبدت صورتها بخياله، فتجلت لنا في تعابيره؟ فلو لم تخصه الطبيعة بذوق سليم ~~لأضاف: لله وبرها وبعرها، إلى الله درها، وأورثناها. # ليس هذا عجيبا، ولكن العجيب الغريب هو أن يفرض أناس أوليون أساليبهم على من سكنوا الدور ~~والقصور من ذريتهم، فانحلت الشخصية العربية، وذابت في خطة امرئ القيس، فلم يخرج عليه غير ~~نفر قليل. # وقف هذا النفر في باب الصيرة وتنشقوا الهواء النقي قليلا، فلا يستسلمون إلى سجيتهم حتى ~~يتذكروا الوقار والترصن المفروضين، فيخلعوا مباذلهم ليندسوا في بزة الشعر الرسمية، وهذا ~~«مالوش» الأدب العربي و«فيلوكسيرا» الشعر. # تتراءى الشخصية في خلفاء امرئ القيس كوميض الحباحب في عتمة الغسق، فيسخر طرفة طرفة عين، ويتهكم ~~زهير بآل حصن عابرا، ويهزأ ابن حلزة بإخوانه الأراقم مقتصدا، ويرشد الحطيئة إيثاره ~~العافية إلى ذاته، من حيث لا يدري، فيقول لمهجوه التاريخي: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # وانتشر نهار الإسلام، فاضمحلت ظلمات الجاهلية، وتراجعت لتقعد القرفصاء في دياميس الشعراء، ~~لم ينسخ الدين الجديد روح الشعر الجاهلي، فظل الأخطل وجرير والفرزدق جاهليين قلبا وقالبا، ~~أكبر همهم من الفن مضارعة الأقدمين، فعبروا عن الحياة الجديدة بالقوالب المعهودة، اللهم إلا ~~ومضات تقل عند الأخطل، وتكثر عند جرير، أما الفرزدق فما انفك يقرع مروة الجاهلية ~~وصفاتها. # أرسل الأخطل نفسه على سجيتها في هذه الأبيات: # ونجى ابن بدر ركضه من رماحنا # ونضاحة الأعطاف ملهبة الخصر # كأنهما والآل ينجاب عنهما ms002 # إذا انغمسا فيه يجوبان في غمر # يسر إليها والرماح تنوشه # فدى لك أمي إن دأبت إلى العصر # عقاب يفديها وظلت كأنها # عقاب دعاها جنح ليل إلى وكر # تنق بلا شيء شيوخ محارب # وما خلتها كانت تريش ولا تبري # ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت # فدل عليها صوتها حية البحر # وهو لو نحا في شعره هذا النحو لترك في صحراء الشعر الجاهلي قطعا من الرياض. أما جرير ~~صاحب الهجاء الحلو المر، كما نعته القدماء، فكان أوقح من الأخطل وأفتح عينا، فلم يحفل ~~بجبروت السلطان وأبهة سريره، فضحك في حضرته مادحا فقال: # هذي الأرامل قد قضيت حاجتها # فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر # وهزئ متغزلا: # وتقول «بوزع» قد دببت على العصا # هلا هزئت بغيرنا يا بوزع # وامتاح البحور مازحا: # ماذا ترى في عيال قد برمت بهم # لم تحص عدتهم إلا بعداد # كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية # لولا رجاؤك قد قتلت أولادي # وهجا ساخرا: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا # أبشر بطول سلامة يا مربع # وقال في خصمه الآخر: # قال الأخيطل إذ رأى راياتهم # يا مار سرجس لا أريد قتالا # وما زال ينحو هذا النحو، كلما انفتح له مجال، حتى نام عن السخر وتولى رعيه الأسد الأعمى، ~~فأطلق لذاته العنان واستولى على الأمد. # سخر بشار من كل شيء، وفي كل شيء، سخر في المدح، وسخر في الرثاء، وسخر في الهجو، وسخر في ~~الحديث وفي ... وفي ... فلم ينج من وخزاته المؤلمة وجراحاته الدامية إلا من لا يعرفه. # تهكم مر، وسخر مؤلم، لا الصداقة تقي، ولا الإحسان يعصم. غريب أمر هذا الضرير؛ فقد بذ ~~البصراء في كل ميدان، اتخذ مما حوله مادة لصوره، ولم تتوار شخصيته في مجالات القريض ~~جميعها، فهو في جده شخصي، وفي هزله شخصي، وفي مدحه ووقوفه على الأطلال شخصي، نفس عاتية ~~متمردة، نفضت عنها رماد الماضي، وأضرمت نارا جديدة في هيكل الأدب. # ثم نام الجبار على أشواك تمرده نومة الأبد، راسما صورته للذرية في ثلاثة خطوط ~~خالدة: # عميت جنينا والذكاء من العمى # فجئت عجيب ms003 الظن للعلم موئلا # وغاض ضياء العين للعلم رافدا # لقلب إذا ما ضيع الناس حصلا # وشعر كنور الروض لاءمت بينه # بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا # وآلت زعامة السخر بعده إلى المستهتر أبي نواس، فضحك الأدب العربي حتى بدت نواجذه. وكانت ~~ثورة أدبية قوضت الخيام، وكبت اللبن، وأحلت الخوابي والدوارق على دست الحكم. وما أغنانا عن ~~سرد شيء من شعر أبي نواس، فكل عربي يلم بطرف منه. # ويطوي الدهر مدرسة الخلعاء فيخلع الشعر طيلسانه، ويستعيد عباءته، فتتجهم الوجوه حتى يطلع ~~ابن الرومي بسخره الذي يكشر له القارئ ولا يبتسم، ثم ينطوي العلم مع المتنبي، ولو أسرف أبو ~~الطيب في سخره لفاز بسهمي فاطمة امرئ القيس، ولكن كبرياءه أبت عليه إلا التزمت والتوقر، ~~وقديما جنت الكبرياء على الملائكة فبدلت الأجنحة الخضراء بأذناب سوداء وآذان ~~وطواطية. # ولزم الشعر وقاره، حتى الساعة، فما بانت له سن، وانتهت به هذه العبوسة إلى الجفاف ~~فاليبوسة. # أما النثر فما نبه له شأن قبل الجاحظ، أنزله هذا الزعيم العبقري منزلة الشعر، فانفتحت ~~بوجهه القصور. كانت عناكب الأقلام لا تنسج خيوطها إلا حول رجال الحول والطول والأبهة ~~والوقار، فإذا بها في يد الجاحظ تدور حول عبد الرحمن وأضرابه، فخلق الأدب الشعبي. جد الجاحظ ~~ضاحكا، وتفلسف ساخرا، وحل أخطر المعضلات وأدقها هازئا، فكان كل من جاء بعده عيالا عليه ~~حقا، فهو أستاذ الأصبهاني في أغانيه، وهادي أبي العلاء إلى سلاح العميان وعتادهم. # قرأت في ملحق لكتاب اليتيمة قال فيه مؤلفه إنه عرف في المعرة شاعرا ظريفا، يعني أبا ~~العلاء. لم أستغرب نعت أبي العلاء بالظرف، فالرجل ظريف أي ظريف، ولئن لبس الثوب المفروض ~~ليدخل ديوان العرب، فقد خلعه في رسالة الغفران ووقف بين الخالدين. # ونام السخر نومة آل الكهف حتى أيقظه الشدياق في منتصف القرن التاسع عشر، فكتب «الفارياق» ~~و«الواسطة» و«كشف المخبأ»، فأخرج العقل العربي من دياميس الحريري وكهوف القاضي الفاضل، ~~فابتسم الأدب حينا، ثم عاد إلى تجهمه، لا يتجه زعماؤه إلى هذا الصواب كأنهم مسمرون على ~~صلبانهم، ما خلا ms004 كاتبا واحدا طواه الموت منذ أعوام هو فيلسوف الفريكة، فدبت روح المرح، ~~وفاضت الابتسامة على حفافي كتب رحلاته، من «ملوك العرب» إلى «قلب لبنان». # ثم كانت الضحكات الغامضة النادرة في كلام الكاتب العبقري عمر فاخوري، رحمهما الله وخلف ~~علينا. # | أدب الظل # كان أقصى أماني الأديب أن يشارف قصر ملك أو أمير، والسعيد من ينفتح له الباب ويدنو من ~~السدة والسرير؛ حيث ينعم بعيش أخضر فيوهب ويهب حتى الغلمان والجواري والضياع إن صار وزيرا؛ ~~فحسن التحرير والتحبير كان سلما للوزارة، كما قال المأمون لأحدهم حين جود كتابا عرضه ~~عليه. # وكذلك قل في الشعراء من أبي سلمى حتى شوقي؛ فالأدب، وخصوصا الشعر منه، ما نبت وجن إلا في ~~ظلال القصور، وعنه نشأ هذا الأدب الذي نقرأ - أدب الظل - فما أشبهه إلا بتلك النباتات التي ~~تغرس في الأصص زينة للدار، تصعر خدها إذا هش لها نور النافذة الحليم، وتستقيم أخادعها إذا ~~ضربتها الشمس ضربة فرزدقية، فتعود إلى البوق كالحلزون. # فلا يلومن أدباء اليوم زملاءهم أدباء الأمس، فلا يكون القماش إلا على هوى العصر. فصل ~~أسلافنا نسيج الكلام وفقا للطراز المرغوب فيه، فكان منهم الخياط الماهر، وكان منهم كالذي ~~خاط قباء لبشار فوقع في لسانه، فلا تظنن أنهم كانوا أقل عقلا منا، يقلدون ولا يطمحون إلى ~~التجديد، فكم تبرم زعماؤهم بشهوة أمرائهم للمدح، فغرفوا لهم الثناء من بحور الشعر حتى صار ~~المديح كالعبث والسخرية. # إنك تلمح الجديد في آثار هؤلاء الأدباء بين العتيق المعفن، فكأنك في دكان «سمانة» فيه كل ~~ما يحتاج إليه البيت. ولا غرابة فيما أقول، فالشاعر أيضا كان من حوائج القصر، كالهراج ~~والنديم والسمير، فالناس ألهية الناس. # فلو قرأت عمر بن أبي ربيعة، وبشارا، وأبا نواس، وابن الرومي، والبحتري، لرأيت أن كلا ~~منهم قال شعرين: شعرا أرضى به نفسه، وشعرا رضي عنه كيسه، أنفق ما أجداه شعر الكيس على ~~إنماء شعر النفس، والمضي في الطريق الحديث الذي هداه إليه وجدانه الحكيم. # مساكين الشعراء، فلا يغرك ما تقرأ في كتب الأدب عن ms005 الحفاوة بهم وإعظامهم، فقد كان يقف ~~الشاعر بباب الأمير الشهر والشهرين، والعام والعامين، ولا تطأ رجله البساط ليقبل بين يدي ~~سيد السرير، وينشده قصيدة سداها الكذب ولحمتها التمليق، وكم كان هؤلاء الأسياد يعبثون ~~بالشعراء، بل كم كانوا يئدون بناتهم، فهذا صراخ ابن الرومي يجرح القلب على بعد العهد به، ~~فيقول: # رددت إلي مدحي بعد مطل # وقد دنست ملبسه الجديدا # وقلت امدح به من شئت غيري # ومن ذا يقبل المدح الرديدا # ولا سيما وقد أعقبت فيه # مخازيك اللواتي لن تبيدا # وما للحي في أكفان ميت # لبوس بعد ما امتلأت صديدا # أرأيت ماذا تعقب خيبة الشاعر؟! وإن تسمع بالأخطل المدلل فهذا واحد لا غير، وقد مات ذلك ~~الدلال بموت ممدوحه عبد الملك، وعفى عليه عمر بن عبد العزيز، فطرد الشاعر، فانزوى في صحرائه ~~القاحلة حتى مات، وهو يذكر بطن الغوطة و«الخبر» الذي أتى. # مساكين الشعراء! مات المتنبي وفي قلبه جرح أليم من ضربة الدواة التي خلد مدادها سيف ~~الدولة، وإن قال: «فما لجرح إذا أرضاكم ألم»، فلا تصدقه، فقد رافقه ذلك الألم إلى القبر. ~~وخيبة أبي نواس بالخصيب، والمتنبي بكافور، تنبئك كم كان يكدح قوالو الشعر في إدراك الرغيف، ~~فتركض ويركضون، ويعلم الله من يسبق. وإن شبعوا حمدوا الله على تلك النعمة وقالوا في الأمير ~~ما يزهى به كالغراب، والجسور منهم كان يهجو إذا استبطأ العطاء؛ فطورا يأتيه، وتارة يقضي ~~عليه. # وما كانت حال الشعراء في غير أمتنا إلا كحالهم عندنا، فهذا كورنيل يسترحم القصر ليجري على ~~بوالو قليلا من المال يتقوت به، كما أوصى قبله أبو تمام أمراء المعرة بابن البحتري، ~~فأكرموه على بذاذته، وأخيرا نهض الغرب، فأبى أن يكون كالدجاج، يزرب في الحوش، وينثر له ~~الحب، ويشرب الماء الآسن من الجرن، فطار في الأفق الفسيح، يفتش عن هواء طليق، وشمس حرة، ~~وماء طهور، وألف الجنان، فألهمته غناء أطرب القصور والأكواخ، وزأر - والشعراء أسد وطير - ~~فأرعد فرائص العروش، وشعر أنه ملك دولة الرأي العام فبسط عليها سلطانه ، وأوغل في طلب حريته، ms006 ~~وذاقت الأمم حلاوتها، فتهافتت على ما يطبخ وينضج، فكان للنابغ الثروة والسعادة والمجد. ألم ~~يتوجوا فولتير قبل موته بأشهر؟ ألم تمش فرنسا في مناحة هيغو؟ ... إلخ. # أما المتطفل على موائد الأدب، في كل جيل وأمة، فظل قلبه يتعصر مشتهيا عضة كسرة، ~~كاليعازار، ولا يجدها، وإن يئس علل نفسه بالجلوس في حضن إبراهيم، ولكن ليس في الأدب لهؤلاء ~~المعاتيه جنة يخلدون بها. # أما عندنا، فظل الأدب يتسكع في الظلال حتى كانت الحرب الكبرى التي نفخت في العالمين روحا ~~جديدة، وخلقت أدبا جديدا، فأدرك أدباؤنا أنهم خلقوا لغير التسول والشحاذة، فأبت عليهم ~~أنفسهم أن يظلوا راسفين في تلك القيود - إلا الذين ما برحوا مداحين نواحين - فنحوا منحى ~~جديدا في كل ألوان الأدب، وإن لم يعرفوا بعد بصنف خاص، فإنهم سيظفرون بالطابع إن فكروا ~~بعقولهم لا بعقول جيرانهم كأكثر الناس، وإن عبروا بلغة جيلهم وزمانهم تعبيرا صحيحا، ولم ~~يروا مثلهم الأعلى في تلك الرواسم، التي يجدحون من سويقها ولا يتأبون، ولم يخالوا الأدب كله ~~في عبارة مقفعية، وجملة جاحظية، وسجعة همذانية، فالجاحظ الأديب الساخر لم تقر له الأجيال ~~بالإمامة إلا لأنه فكر بعقله، ونطق بلسان جيله، وأبى أن يتكلم كالمتقدمين، فقال للناس: أنا ~~أبو عثمان، أنا الجاحظ، ولست قسا ولا سحبان، ولا أكثم بن صيفي. # لسنا نبحث الآن تطور الأدب ونهضته الحديثة - هذا بحث طويل كشهر الصوم، وأنا صائم دائما ~~ولا أرتجي أجرا - ولكنها كلمة عرضت، ساقنا إليها فرحنا ب «بنك مصر» الواهب الألف الجنيه، ~~ولمن يأخذونها المنة والشكر، فلا عذر بعد اليوم، ولا شكوى لأدباء القطر الشقيق. فإلى ~~الميدان أيها الجياد، وأرونا فتحا لا غزوا، أرونا تأليفا لا ترجمة ونقلا. # قلنا فيما مضى للأستاذين الرافعي والعقاد إن المستقبل للقصة، فليتركا الشباب وشأنهم فيها، ~~فجادلا وماحكا لأن ليس لهما قصة، فما يقولان اليوم وقد رددت أجواء مصر صدى النفير العام، ~~عفوا بل النفير الخاص، ينفخ فيه بنك مصر داعيا الكتاب إلى الجهاد القلمي، وما علينا نحن ~~إلا أن نردد : نصر من الله وفتح ms007 قريب. # أية كلمة تفي بالثناء الواجب لبنك مصر، فتشت فما وجدت إلا كلاما مبتذلا، فلو كلنا ~~المدح بالمد لمن حقق آمالنا لقصرنا، فخير من المدح تمنيات قلبية لهذه المؤسسة، وحث كل عربي ~~ليجعلها بيت ماله فيستثمره ويفيد أمته، فهي رافعة رأس العرب، إن شاء الله. # كنا نحس ألما حين نقرأ في صحف الغرب عن الجوائز الأدبية التي جلت صدأ العقول، وفتحت ~~للإنتاج الفكري أبوابا، فعقد القوم لكل لون من الأدب جوائز، أما نحن فكنا نلهو بالتفاهة، ~~كأن الأدب سباق أطيفال يجريهم فكه في المضمار، وللمجلي كرة أو ليمونة. # فكرنا منذ أشهر بخلق جائزة ولو زهيدة، وطرقنا باب كثيرين فعدنا من عندهم نردد قول ~~الحطيئة: # لقد مريتكم لو أن درتكم # يوما يجيء بها مسحي وإبساسي # لم يخطر على بالنا أن نقرع باب «بنك»، لعلمنا أن صناديق البنوك حديدية، وليقيننا أنها لا ~~تعنى إلا ب «من وإلى»، حتى طلع علينا بنك مصر بهذه الأريحية، ويأتيك بالأخبار من لم ~~تزود. # نعم إن الجائزة للكتاب المصريين، كما يدل ما قرأت، والموضوعات أيضا قصص مصرية محضة، فنحن ~~لا يعنينا من يأخذ المال، فسواء أعندنا مصريا كان أم عراقيا أم مراكشيا، ما دام اللسان ~~عربيا، فكل ما نحلم به ونصبو إليه أن تربو ثروة الأدب العربي ويرزق مولودا جديدا ولو ~~أنثى. # وإن كان لي ما أقول في هذا الصدد، فرجاء إلى طلعت حرب باشا ألا تكون لغة «الحوار»؛ لأن ~~القصص تفقد طرافتها متى عرضت في الأقطار العربية التي لا تفهم اللسان المصري العامي، على ~~ظرافته وحسن جرسه، فكم كنت أتألم - لا لشيء إلا لأني لم أفهم - حين أسمع حديثا تنطق به ~~أشباح السينما المصرية. # أما الذين هززناهم للجائزة الصغيرة وظلوا جامدين كالصنم فليعذرونا، ظننا بهم خيرا ~~فأزعجناهم، وما علمنا أنهم لا ينفقون مالهم إلا على جاه باطل، وصيت زيف، على موائد خضر، ~~ودفاتر غير دفاترنا السوداء. # نحن لم نكلفهم أريحية بنك مصر، فليتهم أرونا عذرهم ولم يرونا بخلهم، ما طلبنا منهم إلا ~~فلس الأرملة لأدبنا اليتيم، ms008 فكنا من المفلسين، والسادة معذورون؛ لأنهم لم يتعودوا الإنفاق ~~على الأدب. # 1 # | فرح أنطون # (1) سيرته وآثاره وأثره # في صيف عام 1937 أذيعت في القاهرة هذه الكلمة: # في الشهر القادم يكون قد مضى على وفاة فرح أنطون خمسة عشر عاما، ويحسن برجال ~~الأدب الذين يعرفون فضل هذا الأديب العظيم في النهضة الحاضرة أن يحتفلوا به، ~~فإن في الاحتفال تنويها بألوان التجديد التي قام بها في توجيه الأدب الحديث ~~نحو الثورة، واعترافا بفضله على التفكير المصري. ونحن لا نعرف أديبا ممن يؤبه ~~بهم في مصر لم يتأثر بأحسن التأثيرات من فرح أنطون، وكثير من النزعات الحسنة ~~في أدبنا يعود إليه. وقد كان دأبنا في كل فرصة أن نعترف بفضله؛ ولذلك نحن ننتهز ~~الفرصة الحاضرة لتنبيه الوجدان الأدبي في مصر إلى ضرورة الاحتفال بمرور خمسة ~~عشر عاما على وفاته. # سلامة موسى # هذه كلمة سلامة موسى في عدد حزيران من مجلته «الجديدة» عام 1937، وسلامة هذا من رءوس ~~كتاب مصر، أديب ثائر من الطراز الأول، يبغض كل قديم حتى نفسه إذا عمر طويلا، ويرى ~~الخير كله في الغرب الذي يبدل كل يوم ثوبا، ويؤلمه الشرق المنكمش القابع في قميصه ~~وسراويله كأنه السلحفاة. يحذو سلامة في العادات والآداب واللغة حذو مصطفى كمال في ~~الدولة، يريد أن يلحقنا بالغرب في كل شيء، حتى دعا إلى استعمال الحروف اللاتينية بدلا ~~من العربية، وقلع الطربوش ولبس القبعة، وحجته أن لبس البرنيطة يصير تفكيرنا غربيا، ~~كأنما عقل الإنسان في رأس طربوشه، كما يقول المثل اللبناني. # إن سلامة يسير إلى التجديد طافرا، ونحن نعجب بالكثير من آرائه الطريفة، وإن شجبنا ~~دعوته إلى الحروف اللاتينية وما أشبهها، أما الطربوش فحسبه أحمد حسن الزيات ~~نصيرا. # ليست هذه ساعة تحليل سلامة موسى وتصويره بالألوان، ولكنها خطوط نرسمها، لعلها تطبع ~~شيئا من صورته في أذهان قرائنا، فهذا الأديب الذي يريد أن يخلق مصر خلقا جديدا يتم ~~بحماسة رسالتين اثنتين: رسالة الشميل وصروف، ورسالة فرح أنطون في الجامعة. وهو ينقل لنا ~~في كل ساعة ما يبتدعه ms009 الغرب، وبحسبنا «العقل الباطن» الذي فتن سلامة موسى، ففتن به عقل ~~العالم العربي. # لست أضع الأستاذ سلامة على محك الشدياق، وابن خالويه، بل أقول فيه كلمة قبل الانتقال ~~إلى فرح أنطون: إن سلامة موسى كاتب يجري إلى غاية، وهدفه تجديد الشرق اجتماعيا ~~وأدبيا، ومجلته التي يدل اسمها عليها نشرة ثمينة لا يسد مسدها غيرها، وإذا انطوت - ~~وقد انطوت - كان في الشرق فراغ كالفراغ الذي أحدثه انطواء جامعة فرح أنطون ومقتطف ~~صروف. # إن سلامة مجدد من مزراب برنيطته إلى شريط بوطه، والأيام كفيلة بتحقيق الكثير من ~~أمانيه، قد أحسن هذا الأديب بتذكير مصر بأديب أفضل عليها، وهو - بعد الشدياق - من رسل ~~هذه اليقظة الفكرية في الشرق، كما قلنا عنه مرة في «عكاظ مدرسة الحكمة»، وهذه كلمتنا بحروفها: # وإذا نظرنا إلى المدارس الفكرية رأيناها أيضا بنت هذا البلد الطيب - لبنان - ~~فقبل الشميل وصروف لم يتحرك لسان في الشرق العربي بحديث النشوء والارتقاء، وقبل ~~فرح أنطون لم يعالج أحد المشاكل الاجتماعية العويصة، ففرح فتح باب التفكير الحر ~~وشرعه للناس، ولكنه جاء قبل أوانه، فحولته الحاجة عن مجراه، إلى مسرحي سطحي يكتب ~~ليعيش ... إلخ. # وكتبنا أيضا بتاريخ 29 تشرين الثاني سنة 1934 في جريدة «صوت الأحرار» ما يلي: # وهذا فرح أنطون، ماذا لقي في هذا الوطن؟ وا خجلة التاريخ منك يا أبا المدرسة ~~الحرة! فمن نشر آراء رنان، وروسو، وتولستوي، وروسكين، ونيتشه، وغيرهم قبل فرح؟ ~~وماذا فعلنا نحن له غير الإغارة على آثاره التي اتخذ سويداء قلبه مدادا ~~لتحبيرها؟ فهذا المنفلوطي - غفر الله له - صديق فرح، قد قرظ قصة بولس وفرجيني ~~التي ترجمها فرح، وعملها قصيدة يوم كان ينظم الشعر، حتى إذا ما مات فرح، شن ~~الغارة على بيت صاحبه، فسبى بناته وكساها ثوبا عربيا من طرازه، فأفسد خطوطها ~~ورسومها، فصارت لا عربية ملحفة ولا فرنجية مشمرة. # وفي ذاك المقال عتبت عتبا عنيفا على خليل مطران؛ لأنه كتب مقالا في هلال حزيران ~~سنة 1934 عنوانه «رواد النهضة الحديثة»، لم يذكر فيه فرح أنطون وجبران ms010 وولي الدين، ثم ~~لمت فيه مؤلفي «المفصل»؛ لأنهم أغفلوا ذلك، فقلت في فرح: «وفرح يحيا بآثاره الخالدة يوم ~~يؤرخ الأدب تأريخا نزيها لا عوج فيه.» # فليراجع المقال من يحب التفصيل، أما نحن فقد طابت الآن نفسنا، واليوم الذي ظنناه ~~بعيدا كان قريبا جدا؛ إذ قام أديب خطير كسلامة موسى، بارك الله في عمره، ودعا ~~الغافلين إلى إحياء ذكرى فرح، ليس أبلغ في مجال شكرنا للأستاذ سلامة من الكلمة العربية ~~المأثورة: الفضل يعرفه ذووه. # والآن فإننا نتساءل: إذا لبت مصر نداء أديبها الحر، وشاءت أن تزور ضريح فرح أنطون، ~~فهل تعرف أين هو؟ هل لفرح ضريح خاص، أليس فرح في ضيافة أحد أنسبائه كبودلير قبل أن نهض ~~أدباء الأمة الفرنسية وبنوا له ضريحا؟ فهل من يعمل هذا لفرح في مصر العزيزة، منبع ~~الخير والبركة؟ # ولكي نعرف فرح أنطون إلى شبابنا الذين يجهلونه - كما جهلوا الشدياق من قبل - لا بد ~~من كلمة موجزة في سيرة حياته، نكتبها ونسأل صديقنا الأستاذ جرجي نقولا باز أن يتفضل ~~علينا بترجمة للرجل، فهو يستحقها كالذين يؤرخهم صاحبنا. ومن الرب نطلب أن يوفق إلى ~~إلحاق نسبه بغسان أو قريش، كما يفعل في كتابة «السير» غالبا. # ولد فرح في طرابلس سنة 1874 وتخرج في مدرسة كفتين يوم كان جبر ضومط وأنطون شحيبر ~~أستاذين فيها. كان أبوه من تجار الخشب في طرابلس، فأراد أن يجعله مثله تاجرا، فجرب فرح ~~ثم أبى، وعكف على مطالعة روسو، وتولستوي، ورنان، وسيمون، وكارل ماركس، وبرناردشو وغيرهم ~~... ودعي لرئاسة مدرسة للروم الأرثوذكس بطرابلس فتولى إدارتها بضع سنين، وشرع يكتب في تلك ~~الأثناء فأعجب الناس، ورأى مجال القول ضيقا في طرابلس، فنزح إلى مصر سنة 1897، وهناك ~~أنشأ مجلة الجامعة التي ملأ صيتها الشرق وديار هجرة العرب، وكانت بوق الحرية الصارخ في ~~أذن الراقدين، ثم ضاقت عليه مصر، فنزح إلى نيويورك سنة 1907، فقال أحمد محرم أحد شعراء ~~مصر قصيدة في هجرته، هذا مطلعها: # إن كنت لا تبغي لنفسك راحة # فأرح مطيك والدنى وبنيها # وفي نيويورك وسع ms011 البيكار، فأصدر الجامعة: يومية بثماني صفحات، وأسبوعية، وشهرية، ولكن ~~إقامته لم تطل هناك فعاد إلى مصر، وأصدر الجامعة - المجلة - سنة أو أقل، ثم حجبها عن ~~الناس. وانصرف فرح الأديب إلى تحرير الصحف الوطنية السياسية، وأخذ يؤلف الروايات ~~ويترجمها، ووضع الروايات التمثيلية الغنائية، وألف جوقة منيرة المهدية فقامت بتمثيلها، ~~وأخيرا انضم إلى صفوف الوفديين المجاهدين، فعاون الأستاذ عبد القادر حمزة في تحرير ~~جريدة الأهالي إلى أن مات بغتة قبل صياح ديك ثالث تموز سنة 1922. # آثاره الأدبية # الجامعة: # مجلة شهرية أصدرها سبع سنوات. # فلسفة ابن رشد: # جدال بين فرح والإمام محمد عبده. # أورشليم الجديدة: # قصة فلسفية اجتماعية. # مريم قبل التوبة: # قصة اجتماعية مات ولم يتمها. # الوحش الوحش الوحش: # قصة خلقية لبنانية. # الدين والعلم والمال: # قصة. # بولس وفرجيني، الكوخ الهندي: # لبرنردين ده سانبيار. # أتالا: # لشاتو بريان. # نهضة الأسد: # رواية ديماس عن الثورة الفرنسية. # تاريخ المسيح: # لرنان لخصه تلخيصا. # أما رواياته التمثيلية فعديدة: «البرج الهائل»، «ابن الشعب»، «الساحرة»، «أوديب الملك»، ~~«المتصرف في العباد»، «صلاح الدين»؛ مثلها جميعها الأستاذ جورج أبيض. ~~«كرمن»، «كرمنينا»، «روزينا»، «تاييس»؛ هذه الروايات الأربع مقتبسة، مثلها جوق منيرة ~~المهدية. ~~«مصر الجديدة»، «بنات الشوارع وبنات الخدور»؛ روايتان غنائيتان، مثلهما جوق ~~آخر. ~~«أبو الهول يتحرك»، رواية غنائية وهي أبدع ما ألف في التمثيل، ورواية «ذات الورد» ~~لديماس. # أما ما أودعه فرح في «جامعته» فكنز ثمين، بل ذخيرة للذين يرغبون في مرافقة الفكر ~~الإنساني واتباع تطور الخلق والدين. وفرح أول كاتب عرف العرب بالفيلسوف الألماني ~~نيتشه والمعلم كارل ماركس. # عندما قرأت في رسالة الزيات أن صديقي ورفيقي الأستاذ فيلكس فارس عزم على ترجمة ~~كتاب فردريك نيتشه «هكذا تكلم زاراتوسترا»، فرحت كثيرا لعلمي أن فيلكس يحذق ~~اللغتين، وهذا أول شرط الترجمة، ثم توقعت أن أقرأ لفيلكس كلمة يترحم بها على فرح ~~وينوه به، فإذا به يقول: «لم يفكر أحد بترجمة هذا الكتاب العظيم ... إلخ.» مع أني كنت ~~أقرأ وفيلكس ما ترجمه فرح من زاراتوسترا، وما كتبه من الفصول عن نيتشه ~~وفلسفته. # إن في صدور أدبائنا ms012 حبا شديدا للاحتكار ورغبة في الاستبداد بالأصناف، ففي كل ~~بلاد ألوف من الشعراء والقصصيين والمؤرخين والكتاب، ولكنهم لا يتزاحمون هذا الزحام ~~المزعج، ولا ينسى المتأخر المتقدم، وأول ضحايا هذه الأنانية الجائعة كان فرح أنطون، ~~فقد أكلناه ميتا، ونسيناه نسيانا مشينا. ~~(2) في مجلته الجامعة # كلما رأيت دير كفتين الناظر إلى طرابلس، تذكرت فرح أنطون، وكلما مررت في الشمال، ~~تذكرت قصته «الوحش الوحش الوحش»، وتأملت الأمكنة التي وصفها هذا الأديب الثائر، من دير ~~حماطورة إلى الحدث والأرز. # فرح ابن الشمال، ولد في طرابلس، وتعلم بدير كفتين، رأى التعصب الديني في طرابلس ~~والكورة والجبة، فثار على محيطه - ومحيطه محيط الشرق كله - ثم أغرق في مطالعة كتب ~~المحررين، فخلع النير. # قال بول بورجه: «كل من يصفيه التفكير والمطالعة يتعرض لعدم الامتزاج بجماعته، فإما أن ~~يثور على بيئته التي يتألم منها، أو يحاول الدخول في غيرها، فهو كالنبتة التي تشق ~~جذورها الإناء الذي نشأت فيه، فيجب أن تنقل منه.» # وهكذا فعل فرح، نزح إلى مصر وأنشأ الجامعة، كانت في عامها الأول عثمانية تدعو الشرق ~~إلى الالتفاف حول عرش الأستانة وتكرهه بأوروبا، فكان فيها فرح شرقيا يحب الكثير من ~~عقائد الغرب الاجتماعية، كان كالبستاني الخبير يؤصل ويطعم، أذاع مبادئ جول سيمون، بل ~~أعلن في مقدمة مجلته أنها لسان حال هذا الفيلسوف، ورأى معه أن تربية المرأة والنشء تمنع ~~كل فساد، فانصرف إلى بحث التربية فرآها في ثلاثة أقانيم: بدنية، وعقلية، وروحية، وحيث لا ~~تتجمع ثلاثتها يظل الإنسان ناقصا. # ونظر فرح إلى التعليم فرأى المدارس كافية، فكان أول الداعين إلى إصلاح تربيتها ~~وتعليمها، لا إلى زيادة عددها، والإكثار منها. وأنشأ في السنة الأولى بابين يدلان على ~~ذوقه السليم؛ الأول: غذاء المعد القوية، وفيه نشر حكم مفكري الشرق والغرب (وخصوصا ~~لابروير)، والثاني: غذاء المعد الضعيفة، وهو للفكاهات والنوادر. # وما أطلت الجامعة حتى قالت فيها مجلة الهلال: «إن الجامعة جاءت الشرق في إبان حاجته ~~إليها.» ورأى فرح في القصة معلما ومهذبا للناس، فدعا إلى إنشائها، وألف قصة «الحب حتى ms013 ~~الموت»، أقامها دليلا على أمانة المرأة المحصنة، وعرب رواية البرج الهائل، لتكون ~~برهانا على خيانة الفاجرة وقتلها النفوس إشباعا لشهوتها. # ففرح أنطون أديب اجتماعي قبل كل شيء، وفي كل شيء؛ في مجلته، ومقالاته، وقصصه، ~~ومسرحياته، وهو رسول الديمقراطية في الشرق العربي، نشر تراجم الرجال، شرقيين وغربيين، ~~ليجعلها أمثولة للشرق الغافي، وكثيرا ما كان يذكر مزايا الحيوان ليبكت أخاه الإنسان، ~~وإن ذكر خبرا علميا فليعجب بالعقل البشري ويتفاءل. # شكا في أول عدد من الجامعة قلة الإيمان بالله وضعف الثقة به، ولكنه نسي ذلك أخيرا ~~حين اعتنق مبادئ نيتشه كما سيأتي، ولم يهمل فرح الشعر والشعراء، فهو أول من أطرى أحمد ~~شوقي، لا لأنه شاعر الأمير، بل لأنه رأى أنه سيكون عظيما إذا كد واجتهد، ونشر كثيرا ~~من سير الشعراء المتقدمين والمعاصرين حتى حشر الأمير عبد القادر الجزائري في هذا المضيق ~~وأورد شيئا من نظمه. # فرح كاتب ثوري وعملي بروح رومنتيكية، فالتربية والمدرسة حديثه الدائم منذ مولد ~~الجامعة حتى موتها، يشبهه من كتابنا اليوم الذين لهم عقيدة لا ينفكون عنها، الكاتبان ~~الشهيران أمين الريحاني ويوسف يزبك، وكلاهما يتفقان معه في التأليف عن الثورة الفرنسية، ~~الريحاني في نبذته، وهي أول آثاره الأدبية، ويزبك في «14 تموز»، كما لا يختلفان عنه في ~~المثابرة على خطة لا يحيدان عنها. # كل ما خطه قلم فرح أنطون يتفق وروحه، بل قل لم يكتب كلمة تخالف عقيدته، وروحه الحية ~~ظاهرة في جامعته، فكأنها كتاب خاص لا مجلة جامعة. # طبع على نصرة الضعفاء، فما نشبت حرب البوير حتى كتب تحت عنوان «الترانسفال ظالمة أم ~~مظلومة»؛ سلسلة مقالات طار فيها على أجنحة الخيال، وعنف الإنكليز تعنيفا معقولا، وتكلم ~~بلغة أشعيا وأرميا ينذر الدنيا بالويل. ثم رأى حاجة الشرق إلى معرفة سير أصحاب الأديان؛ ~~فنشر المقالات الضافية عن بوذا وفلسفة الصينيين ... إلخ، فأثار الأذهان وفتح ~~العيون. # وكان حرم السينودوس - المجمع المقدس - للفيلسوف تولستوي، فقام فرح يكتب عن هذا المعلم ~~العظيم، نشر سيرة حياته، وحلل فلسفته ومحيطه، ولخص رواية «البعث» رأس كتبه، ms014 ثم أذاع ما ~~دار حول «حرمه» من مناقشات، ورده على المجمع ودفاع زوجته عنه، وبعض رسائل تبادلها ~~الفيلسوف ومعاصريه. # ففي الجامعة يتعرف القارئ رجال الفكر العظام، ولا أظلم صاحبي فرح أنطون إن قلت - ~~معرفة وجه - أو كما يلم ناظر السينما بما يعرض عليه من مشاهد، لخص فرح كتبا كثيرة في ~~فصول، وهو إن أساء إلى أصحابها والفن، فقد أحسن إلى الجمهور؛ إذ كان كمن يعطي المريض ~~درهم كينا بدلا من حزمة قنطاريون. # أرانا فرح برنردين دي سان بيار في الكوخ الهندي، وبولس وفرجيني، وشاتوبريان في أتالا، ~~وحدثنا طويلا عن الإسكندر، وبحث نظرية داروين، وتكلم عن الحلقة المفقودة، ولم يهمل ~~شيئا حتى سكان الكواكب، ولكن ليس بتعمق المقتطف؛ فهدفه تنوير العقول وتعريفنا بأحبابه ~~من الكتاب الغربيين مثل جون روسكن، رسول الفنون الجميلة، والمبشر بحب الطبيعة، ~~والمنادي ببدعة ملكة أيار - الاحتفال بعيد الربيع الذي نعظمه اليوم. # يرى روسكن أن الفن ضرب من العبادة؛ لأن الإنسان لا يبلغه إلا بعد فهم الطبيعة وحبها ~~(ص567، سنة ثانية)، أما رأيه الاجتماعي فينحصر في أن سبب الفساد والشقاء هو استبداد ~~أرباب الأموال بالشعب، وحفظهم هذا الاستبداد بواسطة المعامل والآلات. # وينشر قاسم أمين كتابه «المرأة الجديدة»، فينصره فرح ويلخص الكتاب لقراء الجامعة كما ~~يلخص أشهر الكتب العالمية، ويعير هذا الكتاب اهتماما عظيما، فيقابل بين آراء قاسم ~~وجول سيمون. ويموت الحمولي، موسيقي زمانه، فيكتب عنه فرح ويعتبره عظيما، ويتكلم بهذه ~~المناسبة عن الطفل «أريولا» الذي صار موسيقيا في عامه الثاني. # هذا شأن فرح في كل مناسبة تعرض. أما حبه للتمثيل فشديد، وقد كتب عنه كثيرا في ~~الجامعة مناصرا هذا الفن الرفيع، وإن عده الزيات من الأدب الخفيف في مجلة ~~«الرسالة». # وتدخل الجامعة في الحول الثالث، فيصدرها فرح بمقال «تاريخ الأندلس من أوله إلى آخره»، ~~فيستبكي الرافعي، فينظم قصيدة ندية القافية. وكأنما كان أقصى هم فرح تعريف الشرق بالغرب، ~~فيلخص كتيبا لريدر كبلنغ، وينشر مقالات علمية ترمي كلها إلى غرضه، حتى إذا عرف أرنست ~~رنان الشهير، ترجم له ونوه ms015 به تنويها عظيما، ونقل كتابه «حياة يسوع» مع مراعاة مقتضى ~~الحال، متصرفا حتى في عنوان الكتاب، فجاء أشبه بالشبية: «كتاب صلوات وتأملات ~~روحية». # ولم يلهه كل هذا عن شئون مصر وسورية خاصة، والشرق عامة، كما لم يغفل عن نشر سير ~~العصاميين، فكتب سيرة فليكس فور بعنوان: «من معمل الدباغة إلى رئاسة الجمهورية»، ولا ~~ينسى برتلو الكيماوي فيترجم له ويهتف: المجد للعلماء. # ولا يهاب النظر في الشعر، على قلة بضاعته منه، فيحدد حافظ إبراهيم وأحمد شوقي تحديدا ~~جديدا جيدا، ويتكلم عن باكون وشكسبير بإسهاب مبتدئا هكذا: «مشاهير الناس آلهة للناس ~~في هذه الحياة، ولكنهم آلهة لا تعبد إلا بعد الممات.» # وتحتفل فرنسا بذكرى ميلاد هيغو المئوية، فيكتب درسا مطولا يفتتحه بكلمة كاتب دنمركي ~~شهير: «إن ظهور أعاظم الرجال في الأرض منحة إلهية من السماء.» كذا كان ظهورك يا فرح، ~~يرحمك الله. # ويجول في الموضوع جولة صادقة كأنه من كبار النقاد - أقول هذا ولا أشك في أنه ممن ~~طالعوا كثيرا النقد الفرنسي في أهم مصادره - ولا يترك فرح مقالته هذه بلا استنتاج، ~~فيقول لكتاب الشرق وشعرائه: «إن رجلا كهيغو لا ينبت من الأرض، ولا يهبط من السماء، بل ~~هو ينشئ نفسه بنفسه، وذلك بالصبر والعمل والسهر» (ص452، سنة 3). # قلت: هلا يسمع شعراؤنا الذين يريدون أن يكونوا كبارا غصبا عنا! # وقبل أن يختم فرح مقاله عن هيغو يتذكر مهمته التربوية، فيدير وجهه صوب النساء ويقول ~~لهن بلسان روستان: «أيتها النساء، لا تهملن ولدا؛ إذ من يعلم متى يمر في الأرض ذلك ~~الولد الذي سيكون إلها. ومتى أخذتن رأس ولدكن لتقبيله، فلا تضغطن عليه كثيرا، فإنه ~~ربما كان هذا الرأس وحده يضم عالما عظيما.» # ويعطف على رنان فيعرب «حرمه» لحارميه، ويذيع صلاته المشهورة عند الأكروبول، ثم جواب ~~أناتول فرانس عليها بلسان آلهة الحكمة يوم الاحتفال بتمثال رنان. وهنا ينتقل فرح إلى ~~دارة جديدة فيلخص فلسفة ابن رشد ويذكر محنته، فتتجه الجامعة اتجاها جديدا تتجلى فيه ~~أبهى خدماتها للفكر العربي، وهي إذاعة أعقد المسائل والقضايا ms016 بلغة يفهمها كل قارئ، فكان ~~فيها فرح من أولئك الذين ينشرون العلوم بلغة القراءة المصورة، فما انتشر عدد ابن رشد ~~حتى نشبت معركة جدلية حوله، فينصرف فرح إلى الرد على الإمام محمد عبده. # خبرنا فرح بهذه المناسبة قال: ««وعصبت رأسي» كما يقال، وانصرفت ثلاثة شهور إلى درس ~~هذا الموضوع وحده حتى فقدت النوم والقابلية.» إن الأشهر الثلاثة التي صرفها فرح في الرد ~~على الإمام لا شبيه لها في التاريخ إلا مناظرة الخوارزمي والهمذاني، بيد أن فرح أنطون ~~الشاب أظهر أسمى الاحترام للشيخ الذي يستحقه، وهكذا ذاعت شهرة فرح، الذي نسيناه، في ~~العالم العربي وتجاوزته إلى الغرب؛ فطلب المتمشرقون تآليفه. # قال حافظ إبراهيم شاعر الإمام في هذه المناقشة: # وأنت لها إن قام في الغرب مرجف # وأنت لها إن قام في الشرق مرجف # يعني حافظ بالمرجفين: هانوتو وفرح أنطون، أما فرح فعلق على هذا البيت بقوله: حافظ، ~~حافظ، إنك لم تحاسب نفسك لما نظمت هذا البيت. # وتدخل الجامعة في السنة الرابعة (1903)، فيبدؤها فرح بإذاعة الفلسفة الحسية، ناشرا ~~ترجمة «أوغست كنت» واضع ديانة الإنسانية والعلم، ثم يلخص تاريخ الرسل لرنان، ويقترح على ~~حكومة مصر إحداث مدارس زراعية، كما دعا السوريين في أميركا إلى الزراعة فيما بعد. ونظر ~~فرح إلى السماء فلخص لقرائه شيئا من كتاب فلامريون الفلكي الشهير، وظهرت اكتشافات ~~بابلية فنشر سيرة حمورابي وشريعته، وما أحدثه اكتشاف ألواحها من قلق فكري وشك في ~~التوراة، وترجم رسالة الإمبراطور غليوم لأحد أصحابه العلماء، فكأنما كان فرح مذياعا ~~ينقل خطة الفكر في العالم. # كان يعلن أحيانا ولا ينجز، لكثرة أشغاله واضطرابه العصبي، بدأ أشياء كثيرة ولم ~~يتمها؛ ككتاب فلامريون، ورواية مريم قبل التوبة، وقصة إسبانية تحب عربيا، وعد بها ولم ~~ينشر شيئا منها. # وفي هذه السنة - الرابعة - ألف فرح ثلاث قصص أهداها إلى قرائه، ونامت الجامعة على ~~إثرها سنة كاملة حتى استيقظت في نيويورك سنة 1905، وهناك أرخى فرح لقلمه العنان، فحيا ~~تمثال الحرية تحية حارة ضمنها أصدق عواطفه الاجتماعية، وكتب بعدها عن عظمة أميركا ~~فصولا ms017 ضافية، ودرس مدنيتها، ولكنه لم ينس الشرق بل ظل يحن إليه، واستماله روسو فكتب ~~عنه ونشر رسوما عدة له ولمدام دي وارين التي أحبته، وعرب رواية ابن الشعب ونشرها ~~متقطعة، وفتح بابا جديدا نشر فيه روائع الفن التصويري، وكتب عن القصة فصلا جميلا ~~(306، سنة خامسة)، وتحدث عن مشاهير أميركيين مثل تافت وهارست، ونشر ترجمة مار بولس؛ حبيب ~~الأميركيين. # وفيها عرف فرح الفيلسوف نيتشه ونقل شذرات من فلسفته الهوجاء، وجاءت السنة السادسة ~~فنشر فصولا من رائعته «مريم قبل التوبة»، وأثرت أميركا المادية به فرأى في نيتشه كل ~~شيء، وتهوس حتى قال شعرا هو الأول والآخر من نظمه، فجاء كالأراجيز، وألقى خطابا أمام ~~شلال نياغرا أشبه بخطبة رنان أمام الأكروبول فيه روح نيتشه أو نازيته إن شئت، وإليك بعض ~~أبياته الشعرية التي بناها على فلسفة نيتشه: # عج بالجبال ولا تعج بالوادي # إن شئت رؤية هذه الأمجاد # واركب لها قطر البخار فقد مضى # عصر النياق وصوت ذاك الحادي # واطلب إليها أن تطير ولا تقل: ~~«مهلا فإنك سائر بفؤادي» # فالوقت وقت إرادة صماء تص # رع كل معترض سبيل جهاد # مات القديم فكفنوه فما له # ما بيننا من رجعة ومعاد # الأرض تحتاج «الإرادة والعزيمة # والنشاط» وليس وحي الدين والإرشاد # فيها ارتقت هذي البلاد وإنها # مرقاة كل تمدن وبلاد # هذا كلام نيتش إن نيتش كا # ن مقوم المعوج والمنآد # في زعم بعض الناس أما مذهبي # فيه فأبقيه إلى ميعاد # ولكن هذا الميعاد لم يأت. # رأى فرح صراع المادة في أميركا وعاد إلى القاهرة مقهورا غير ظافر، فصرف العام السابع ~~دارسا نيتشه؛ ترجم كتابه الفريد «هكذا قال زاراتوسترا» ولم يتمه، ولخص رأي فاكه ~~وهاليفي فيه، ونقل أيضا قول نيتشه نفسه في كتابه، وإليك فقرة منه: «ليس دانتي بالقياس ~~على زاراتوسترا إلا مؤمنا، وما شعراء الفيدا إلا كهانا لا يستحقون أن يحلوا سيور ~~حذاء زاراتوسترا ... إلخ.» # وبينما فرح غارق في لجة مبادئ نيتشه الهائجة، إذا به يقف نشر رواية مريم، واعدا ~~بطبع تتمتها على حدة، لينشر رواية ملفا ms018 للروائي مكسيم غوركي، وهكذا التقى الصيف والشتاء ~~على سطح واحد، فكأن صاحب الجامعة أراد أن يوفق بين اسمها ومسماها، وفي هذا العام لفظت ~~الجامعة آخر نفس، فماتت مبكية من أحرار العالم العربي، أو الكتاب الديمقراطيين كما ~~يسميهم أخي الأستاذ يوسف يزبك. ~~(3) فرح أنطون القصصي # لماذا لا تكتب عن أديب إسحاق، عن نجيب الحداد، عن ناصيف اليازجي وابنه إبراهيم، ~~عن بطرس البستاني وابنه سليم، عن الأحدب والأسير، عن كرامة ومراش وزيدان، عن ~~البارودي وشوقي وصبري وحافظ وولي الدين ... إلخ. # من كتاب أديب # الجواب يا سيدي: هذا لا يعنيك، وكتابك يذكرني بلوائح المطاعم، فإذا كنت جائعا حتى ~~ترى الحجارة خبزا كما سيحدث يوم يجيء المسيح الدجال، أتستطيع أن تزور جميع القدور ~~المذكورة في اللائحة، أم تختار ما تشتهي نفسك أكثر، وتؤجل ما تحب إلى علفة ثانية؟ ~~فبحياتك تدعني ومعلفي، أنا أحب الهريسة فلا تكرهني على الملوخية، الأدب كالطعام يا ~~سيدي، فكل أنت ما تشتهي، ودعني وشأني، أما لك معدة وأضراس مثلي؟ ~~••• # مات فرح أنطون فكتبت مجلة الهلال: إن الجامعة خير آثاره، ونتاجه بعدها دونها قيمة، ~~فساءت كلمتها هذه شقيقته الكريمة السيدة روزا، فردت على الهلال، ثم ضرب جورج دوماني في ~~مجلته «الريفو اجبسيان» على هذا الوتر، فرد عليه الأستاذ محمد لطفي جمعة. # ليس لدي من تآليف فرح الأخيرة إلا مسرحية واحدة: «صلاح الدين ومملكة أورشليم»، وهذه ~~إذا وضعت في الميزان قبالة الجامعة رجحت الجامعة، وشالت هذه كأبي جرير في ميزان الأخطل، ~~وإذا قلنا الجامعة عنينا سبعة مجلدات ضخمة كلها جديد طريف، وعنينا أيضا تلك الكتب ~~النفيسة التي ألفها فرح: ابن رشد وفلسفته، الحب هو الموت، الدين والعلم والمال، الوحش ~~الوحش الوحش، أورشليم الجديدة، مريم قبل التوبة، والتي ترجمها: الكوخ الهندي، بولس ~~وفرجيني، أتالا، ابن الشعب، نهضة الأسد، تاريخ المسيح، تاريخ الرسل، زارتوسترا، ملفا، ~~وكلها من كنوز الأدب العالمي، ولن نذكر ما لخص من كتب، فقد مر ذلك في المقال ~~السابق. # وعندي أن قول الهلال هذا لا يضير فرح أنطون، كما لا يبخس ms019 الجاحظ أشياءه قول القائل: ~~كتاب الحيوان خير آثار الجاحظ عمرانا، فأدباء مصر أقروا لفرح بالسبق في ميدان الأدب ~~العالي، ثم بالنضال السياسي والدفاع عن أسمى قضاياهم فقال فيه محمد لطفي جمعة يؤبنه: ~~«عندما ذهب الآخرون يلعبون بذهب المعز كنت أنت أيها الغريب لا ترهب سيفه، فما ~~أعظم هذا الفضل لك علينا! ها نحن فئة قليلة من الأقارب والأحباب حول قبرك؛ لأنك ~~لم تكن من هؤلاء الذين تتحرك في ركاب نعشهم المركبات الضخمة ويسير في جنازتهم ~~ذوو النفاق والخديعة.» # وقال سلامة موسى، زعيم المجددين في مصر، يوم مات فرح: إن الفراغ الذي أحدثته وفاة فرح ~~أنطون في الأدب العربي لن يملأه أحد في أيامنا الهوجاء هذه، كان ميدانه الأدب، لا ~~يتعداه إلى غيره؛ ولذا بزغ فيه وألم بأطرافه وابتدع فيه واخترع، فهو أول من تطاول إلى ~~نجمين من نجوم الأدب الإفرنجي تولستوي ونيتشه، وحاول أن يستضيء بضوئهما ولكن الظلام ~~الذي كان يكتنفه كان أشد مما يحسب. # وقال صاحب جريدة الإكسبرس: لم يتزوج فرح؛ لأنه لم يجد متسعا في وقته لأداء واجب ~~العائلة، وكان مع ذلك مستقيما عفيفا، ولم نره يوما في كنيسة، ولا سمعنا أنه حضر ~~قداسا، على أن ذلك لا يمنع من أن يكون مسيحيا مخلصا كما يفهم من كتاباته. # وكتب الشيخ إبراهيم الدباغ: كتبت عنه - عن فرح - الصحف بأقلام فاترة عن نفوس جامدة ~~غير جازعة كأنها تكتب عن بعض الأفراد، فأوجد تقصير الصحف تجاه فقيدنا الجليل عندنا ~~موجدة عليها، ثم قال: فرح أنطون الكاتب السوري تقوم قيامة تأبينه في جامعة أميركية، ~~أترى الجامعة المصرية تضيق جوانبها بإحياء ذكرى رجل لو كان من الحاضرين فيها لشاد ~~للعالم بنيانا، وللآداب والأخلاق مكانا، لم أدر لماذا ضاقت هذه الحظيرة بتلك النفس ~~الكبيرة، ألأنه كان من أحرار الفكر؟ إن الدكاترة طه حسين وهيكل ومنصور من أحرار الفكر ~~أيضا، بل من أشد أحرار الفكر وطأة على العقائد! أم لأنه سوري مسيحي، مع أن مصر ليس ~~فيها اليوم مسلم ولا مسيحي ولا يهودي بل فيها ms020 مصري، فمتى ينصف الشرق أبناء الشرق ومتى ~~يقف الشرق في صفه ويأخذ محله؟ # ويقول عباس محمود العقاد: فقلت له مواسيا: إنك يا فرح طليعة مبكرة من طلائع هذه ~~النهضة، وسيعرف لك المستقبل من عملك ما لم يعرفه الحاضر، وستكون حين تفترق الطريقان ~~خيرا مما كنت في هذا الملقى المضطرب. # فأومأ برأسه إيماءة شاكرة وحرك يده حركة فاترة وقال: ماذا يحفل المستقبل بالحاضر، ~~وماذا يبالي السائر للغد بمن كان قبله في مفترق الطريق (مطالعات، 61 و62). # تلك سنة الطبيعة يا فرح، فكما تذكر الشمس بالاحمرار الذي تتركه بعد غروبها، كذلك ~~يذكرنا أبناؤنا ثم يوارينا الليل، أراك أحسنت إذ أسأت الظن بأناس طويلي الأيدي ينقبون ~~البيوت وينبشون القبور ليسرقوا الخبايا والأكفان. ~~••• # قال فرنسوا مورياك أحد مشاهير كتاب فرنسة الحاليين: «أنا من الذين يؤمنون بالناس لا ~~بالأجناس، وأؤمن بالشعر خصوصا، وأؤمن أنه ليس غير الشعر، وأنه من العناصر الشعرية ~~وحدها يؤلف الفن في كتب الأدباء، وهي التي تهبها البقاء والخلود، فالروائي هو شاعر قبل ~~كل شيء، وهكذا كان تولستوي وبروست؛ لأن قوة إلهامهم واستيحائهم كانت واسعة.» # إذا صح هذا القول وسمحنا للقصصي أن يحدثنا كما يشاء؛ إذ لم نفرض عليه نوعا من القصة ~~نحبه حتى نرى كل فن القصة فيه وما عداه خرافة ورقاعة، كان فرح أنطون قصصيا من الطراز ~~الأول، قلت «إذا» ولا بد من إذا لئلا تقوم القيامة، وأزيد على ما تقدم لو لم يولع فرح ~~أنطون بالترجمة وإذاعة المبادئ الجديدة، ولو لم يترك بعض آثاره الرائعة ناقصة، ليترجم ~~للشرق روائع الغرب، بل لو كمل هذا الأديب المخلوق قصصيا روايته «مريم قبل التوبة» ~~لكانت رائعة من الروائع العالمية ككتاب الفارياق، إن في الاثنتين والتسعين صفحة يقوم ~~الدليل على ما أزعم، فليقرأها المخلصون لهذا الفن إذا لم يصدقوا ما قلت وسأقول فيها، ~~أما الآن فأبتدئ بأولى قصصه. ~~(4) الحب حتى الموت # هذه أول قصة ألفها فرح أنطون وهي سلسلة نصف سنة الجامعة الأولى، قطع فرح هذه السلسلة ~~ليترجم قصة ديماس عن الثورة الفرنسية، ms021 وملخصها: شابان لبنانيان من «الكورة» هاجرا إلى ~~أميركا، فاجتمعا قبل سفرهما بخوري الضيعة، وهو راهب فزودهما مع دعاه وبركته بعض آرائه ~~الاجتماعية، واستقل الشابان باخرة واحدة وحلا في أميركا ببيت واحد تقريبا، المعلم ~~إميل عند الخواجا بولس، وبطرس عند الخواجا حنا عديل بولس، وكان الزحام على الآنسة ماري ~~بنت الخواجا بولس، بنت وحيدة وأبوها غني، ولأجلها سافر الشابان من حامات، ففضلت ماري ~~المعلم إميل - هذه أول مرة يفوز بها المعلم ولكن على من - على بطرس الذي أرادها له زوج ~~خالتها الخواجا حنا، وكانت الدعوة لوليمة في بيت أبي ماري أقامها للمعلم، ودعا إليها ~~وجوه الجالية فجاءوا جميعا، أما الخواجا حنا فتجاوز حدود اللياقة، وأخذ يضحك على ~~المعلم المحتفى به ويتهكم تهكما لاذعا، حاول الخواجا بولس إسكات عديله ووقف حملته على ~~ضيفه فما نجح، وساء ذلك ماري فأغمي عليها. # وكان لماري صديقة اسمها فدوكي تعمل ككاتب في محل تجاري، فرأى بها الخواجا حنا قوة ~~عظمى من القوات المتجمعة على مرشحه بطرس، فكاد للمعلم إميل وعطل سمعته فقتله تجاريا ~~وسد بوجهه أبواب الرزق، وسعى في فدوكي فعزلها من وظيفتها لظنه أنها تدبر الأمر لماري ~~وإميل، فتمرض فدوكي ويشير الطبيب بإرسالها إلى كاليفورنيا، فيؤثر الجميع العود إلى ~~لبنان ويعودون كلهم: ماري وأبوها وأمها، وفدوكي وأمها، والمعلم إميل، ويتوجهون إلى ~~الأرز بطريق حامات فيرى إميل أمه والراهب «ظلانور»، ويسير الموكب إلى الأرز ولكن الأرز ~~لا يحيي الموتى، فتسوء حالة فدوكي وتوصي ماري بإميل. # وبعد أيام يلحق بهم الراهب وأم أميل فتنحل عقدة الرواية حين وصولهما فتكون فدوكي ~~أختا لإميل، وتفصيل الخبر أنه كان لأم فدوكي بنت غرقت في الباخرة مع أبي إميل، وسلمت ~~أخت إميل الصغيرة - فدوكي - فأخذتها هذه المرأة على أنها بنتها؛ لأنها لا تستطيع أن ~~تعيش بلا ولد كما اعترفت، وإبراء لذمتها أشعرت أم أميل بالأمر، وكأن هذا التعارف أثر ~~بفدوكي فشعرت بدنو أجلها فقالت للراهب: باركني يا أبتاه! فمد الكاهن يده ليباركها ~~والجميع يبكون بكاء مرا حولها، فعلا نعيب الغربان في ms022 أعالي الشجرة: قاق قاق، واجتمعت ~~بكثرة على المجتمعين تحتها، فنظرت فدوكي إلى أعالي الشجرة وقالت بهدوء: «أتيت، ~~أتيت.» # وبعد شهرين يقترن إميل بماري لابسين ملابس الحداد على فدوكي. ~~••• # تسير القصة سيرا لينا وخطتها واسعة، فكان الكلام فيها كالثوب المفصل على القد، ولكن ~~هذا الراهب الذي افتتحها واختتمها فكأنه لم يكن في أولها إلا ليشهد آخرها، ويبارك ~~الصبية على فراش الموت، مع أن الحل من الخطايا - في الكنيسة الأرثوذكسية - يجوز بعد ~~الموت، وليس وجود الخوري ضروريا كعندنا، وإلا هلك الميت إلى أبد الآبدين ودهر ~~الداهرين، أما نعيق الغربان فوق الرءوس فما استطعت تحليله إلا هكذا: كأن الغربان رأت في ~~ثوب الراهب ما يغريها على التجمع فتجمعت، قد يكون أوحى إلى فرح هذا السرب من الأغربة ~~التشاؤم اللبناني بحضور الخوري إلى بيت المريض، كما أنهم يسمون الموت غراب البين، وهي ~~عقيدة موروثة مع ما ورثنا من خرافات، أما قول فدوكي للأغربة: أتيت أتيت، فيشبه أسطورة ~~أمية بن أبي الصلت الذي علل نفسه بالنبوة، ومات بحسرتها حانقا على النبي، ولا شك أن ~~فرح أنطون قرأها. # قلت إنه جاء بالراهب في آخر الرواية ليحضر الدفن ويجنز ويأخذ «الجزو»، أما في أول ~~القصة فسخره فرح ليشجب الحياة الرهبانية بلسان أحد أفرادها، ولا يفل الحديد إلا الحديد ~~ولا يقطع الشجرة إلا فرع منها كما يقول المثل اللبناني. # ذم فرح بلسان الراهب حياة الكسل التي يعيشها الرهبان، ودفع الشابين إلى المهاجرة ~~والكسب، أما هذا الاسم الغريب الثقيل ظلانور فيلوح لي أن المؤلف نحته من ظل ونور، وعندي ~~أن وجود هذا المحترم فضولي في القصة كما هو في غيرها. # في الرواية شخصيتان بارزتان؛ فريد مدبر العرائس: فهو طيب الحديث لولا فصاحته وبلاغته، ~~ولولا أنه أفلت من شق قلم فرح نحويا يلوك لسانه، والخواجة حنا: الذي يمثل اللبناني ~~المهاجر أصدق تمثيل، فهو جبلي كما كان قبل الهجرة، لم يتظرف ولم يتكلف مضغ الكلام، ~~فحواره وتفكيره وحركته ومشيته لبنانية محض، لم ينس شيئا من آثار محيطه الذي عاش فيه ~~ونشأ، ms023 فدخوله على المدعوين في بيت عديله، وسلامه عليهم وسؤاله حالا: أين مريمنا؟ ثم ~~صراحته الصارخة، كل هذا يدلك على أن الرجل لبناني عتيق، لا يروقه حتى التلفظ باسم ماري، ~~فلولا الخواجة حنا وفريد لكانت رواية فرح هذه تصلح لكل محيط، لا يدلك شيء على أن ~~أشخاصها من اللبنانيين المهاجرين إلى أميركا، فماري وأمها وأبوها متأمركون، وكذلك فدوكي ~~وأمها. # يفهم فرح الفن القصصي فهما صحيحا، والدليل على ذلك لباقته في المأزق الحرج فإنه ~~يحسن الفرار، أراد أن تتمثل فتاة ببيت للمتنبي فقال: «ولو كانت تعلم الفتاة هذا ~~البيت: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # لرددته.» # يشبه عمل فرح هذا ما فعله الشدياق في مقدمة فارياقه العجيب؛ إذ قال معتذرا عن حديث ~~امرأته فيه: «فإن قيل إنه - أي الشدياق - قد نقل عنها ألفاظا غريبة غير مشهورة، لا في ~~التخاطب ولا في الكتب، فلا يمكن أن تكون نطقت بها - أي الفارياقية - قلت: إن النقل لا ~~يلزم هنا أن يكون بحروفه وإنما المدار على المعنى.» ~~(5) الدين والعلم والمال # فرح أنطون كاتب اشتراكي محموم، حرارته دائما فوق الأربعين، والميكروب إذا افتتح ~~بلدا كان أقوى وأفتك، كان فرح من هذه المبادئ التي تشغل الدنيا في هم مقيم، وتلك مزية ~~المصلحين الذين يحملون البشرية على ظهورهم، عرف هذه المبادئ في الكتب فصح فيه قول ~~الشاعر: والأذن تعشق قبل العين أحيانا، جاشت نفسه وفارت كالقدر، ولو لم ينفس عنه القلم ~~لانشق، كان جو الشرق كالقطب الشمالي فصيرته أنفاس فرح صالحا للاستيطان، وأشرقت شمس ~~المعرفة فأوت الوطاويط إلى خرائبها تنتظر الغروب كالأجير، ولكنه لن يأتي، وما هذه ~~الغيوم المعترضة إلا سحب صيف ستكنسها ريح الشمال. # رأى فرح أن تكون القصة معرضا لآرائه الهدامة، فنحا نحو قصصيي أوروبا الاجتماعيين ~~الذين أحبهم، أما «الدين والعلم والمال» فليست قصة مبنية على الطراز الفني، ولكنها قضية ~~عظمى ألبسها فرح ثوب القصة، فتنكرت فيه كما يتنكرون في السهرات، يدور موضوعها حول ~~الربين: الله والمال، وليس فرح ممن ms024 يعبدون الأخير، ولا ممن يتكلون على الأول اتكالا ~~مشينا للعقل، شالا للفكر. # يتناول الكتاب الدين والسياسة بالبحث العميق، والناس في الدين والسياسة قسمان: واحد ~~يهذر ويخرف في منطقه، وآخر يأبى أن يتعقل، فالذي نسميه مبادئ ليس أكثر من ميول قوية ~~عنيفة لبست براقع نظريات كذابة خداعة؛ لأن الحياة كالله واحدة فقط، أما نحن فنصفها بما ~~يبدو لنا، أقول: الحياة حلوة، بدلا من أن أقول: وجدت الحياة حلوة، وبالعكس، فبين «فكر» ~~و«شعر» هوة أعظم من التي قال عنها يسوع في مثل «الغني والفقير». # إن ذواتنا كفلك فيه نجوم منظورة ونجوم غير منظورة، وهناك نجوم سديمية لم تدر بعد على ~~ذواتها دورانا وافيا لتكتمل، وفي هذا الفلك أيضا شموس قريبة وشموس بعيدة، وفي أعمق ~~ذات الإنسان أسرار قد تبديها «الانقلابات» كما تكتشف الزلازل أرضا جديدة. # كان فرح كهذا الفلك، ولكن نجومه لم تكمل، وشموسه احتجبت صلاة الظهر. # كان من محبي الحقيقة، ومحبة الحقيقة واجبة قبل أية محبة أخرى، ولكن البحث عنها بإلحاح ~~يحول دون الحصول عليها، وكثيرا ما يسبب إنكارها، ناهيك أن طلبها بعنف قد يؤدي إلى ~~السفسطة والعناد، فاستنطاقنا الحياة وفحص معاني الأشياء السرية يعرضها للإبادة، إن ما ~~نسميه اليوم فضائل سيكون الكثير منه بلا جدوى، والمبادئ الأدبية الرئيسية التي تدعم ~~الحياة الحاضرة ستهدم وتقضي الحياة تحت الردم كأولاد أيوب. # إن مرض المعرفة آكلة تلتهم السعادة البشرية وتشل أجساما كثيرة، قال آراسم # Erasme ~~: «يأكل البدوي لحمته النتنة كأنها عنبر، بينا أنت ~~لا تطيق رؤيتها، فمن هو على حق؟» # الحقيقة إذن أن تكون سعيدا، وما المعرفة التي ذاق غبها فرح إلا غذاء يقدم للنفس ليس ~~أكثر، وبكلمة أوضح هي غذاء تقدمه النفوس الكبيرة للنفوس الصغيرة بلا ثمن، وفي العقول ~~أوهام تولد وأوهام تموت؛ لأن الأوهام الضرورية للحياة تتبدل وتتغير إذ يكبر العقل، ~~فليست أوهام الفيلسوف كأوهام الرجل العادي، ولا أحلام الشاعر كأحلام القروي، فالأوهام ~~والأحلام لا تفارق الإنسان. # وليست هي التي تتغير بل مادتها، فتبنى على أسس جديدة، نحن لا نشك أبدا ms025 أن العلم سيضع ~~- إن لم يكن وضع - التخوم الفاصلة بين الأرض والسماء؛ أي بين الله والدنيا، ولكن ماذا ~~يحدث؟ يصح فينا إذ ذاك قول الشاعر: # نرقع دنيانا بتمزيق ديننا # فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع # إن الدنيا كلها تختفي تحت برقع الرياء والطمع، وأحسن عمل فيها يسبب الخجل، وليس فيما ~~حولنا ما يستحق احترامنا الكامل، وليس في أنفسنا ما يحب، فلجة شهواتنا عميقة، ثائرة ~~أبدا، ومدها وجزرها يعملان كالقلب، ليل نهار. # كيف رأيتني؟ أما تفلسفت كثيرا اليوم؟ فالمعذرة يا أخي، من حضر السوق باع واشترى، إن ~~هذه القضايا التي لا تحل، هذه المعضلة التي مات لأجلها يسوع، واضطهد محمد، وشقي موسى ~~وبوذا، هي التي شغلت بال أديبنا فرح أنطون فتشنجت أعصابه حتى التوتر، وتهور قلبه ~~الكبير، ففي كتابه «الدين والعلم والمال» أراد إصلاح المدينة التي بناها «الشيخ سليمان» ~~فلم يقدر، فعمل بها عمل الله في سدوم وعمورة، كما زعموا وبنى على أنقاضها مدينة «الرفق ~~والإخاء». # إن مكان مدينة «الدين والعلم والمال» غير معروف؛ لأنها من استنباط فرح، أما تخطيطها ~~فهكذا كان، كما روى شيخ قرية «الدخول» لحليم النازل عليه: «اشترى الشيخ سليمان - سيظهر ~~أيضا هذا الشيخ في أورشليم الجديدة - هذا السهل الواسع الذي أمامنا، ومساحته 5000 ~~فدان، وأسكن فيه فتيانا وفتيات من طبقة الرعاع، وأحضر لهم زراعا وصناعا يدربونهم على ~~الزراعة والصناعة، # 1 # وأقام لهم حكومة، وسن لهذه الحكومة قوانين ... إلخ (ص3) فغدا حليم - هو فرح ~~بعينه تظهر لك صفاته في صفحة 4 و5 و6 - إلى المدينة ومعه رفيقه، فرأى مدينة المال ~~كبيروت، أو أعظم مدينة رأيتها أنت، وفتش فيها عن فتاته ذات الحلة البيضاء التي رآها في ~~الطريق، فما وجدها في مدينة المال، وتقدم فرأى مدينة العلم كمصح بحنس: هدوء شامل وصمت ~~رهيب، أما مدينة الدين فهي كما قال أعمى المعرة: # قس يعالج دلبة # والشيخ من حنق يصيح # ويجول حليم في المدن الثلاث، فيلتقي في الحديقة العامة بمن يعرفونه، فيدعونه لجلسة ~~المساء العامة بين رجال الدين والعلم والمال، فيحضر ms026 ويحمى الجدال والخصام بين العمال ~~والرأسماليين، وبين رجال الدين والعلم، ثم يستتب النظام فتدرس مشكلة العمال وأرباب ~~الأموال، فيعرفنا فرح بكارل ماركس - أرأيت كيف سبق فرح زمانه؟ فأين بلاشفة البلد يكرمون ~~واحدا اعتنق القضية يوم كانوا في أحضان أمهاتهم - وينادي بمذهبه في ذلك الزمان، فيقول ~~زعيم العمال ما قاله ماركس: إن معامل الأمة ومصانعها ومتاجرها وأرضها هي من مرافقها ~~ومنافعها كالأنهر والأبحر والهواء، فعلى الأمة أن تتولى إدارتها بنفسها وتوزع أرباحها ~~بين أبنائها - أي إن تجعل الحكومة نفسها التاجر الكبير» (ص19). # ثم ينذر فرح بثورة العمال (سنة 1903)، وقد تحقق حلمه الذي رآه، ولكنه لم يخل من مرارة ~~الخيبة الممزوجة بالرجاء. # وينتصر رجل العلم للعمال، فيناهضه رجل الدين، ويتناطحان حول تنازع البقاء وبقاء ~~الأنسب، فيستشهد فرح بنيوتن الضعيف ضد مذهب القوة الذي أذاعه حين عرف نيتشه، أو حين ~~تغيرت أحلامه وتبدلت أوهامه كما قلنا. وفي الحوار بين رجال العلم والدين يندد فرح ~~بزنمات في الدين يجب قطعها، كما يرى فيه أشياء نخرة يجب ترميمها، وأخيرا يتراءى له أن ~~الكمال البشري ممكن دون الدين. # ويشتد الخصام والجدال فتخضب الجلسة بالدم، ثم تعقد ثانية وتختم بتسعة بنود نصها شيخ ~~العلماء إنصافا للعمال، وفي أحدها وضع الضرائب على الدخل (ص42)، فقامت قيامة ~~الرأسماليين، وبدسيسة منهم علق إعلان يحرض الشعب؛ فيثور وتحترق المدينة، فنجا حليم ~~ورفيقه بسلم صنعاه من ستائر الفندق وسجاده، وتشارك الطبيعة البشر فتثور الزوابع وتنقض ~~الصواعق، ويلجأ حليم ورفيقه إلى شجرة يتذريان بها من المطر والبرد، وينظران إلى خراب ~~المدينة العظمى. # وهنا تظهر الفتيات الخمس راكبات، وفي وسطهن حسناء حليم ذات الحلة البيضاء كئيبة حزينة ~~باكية، فيلاطفها حليم وبالاختصار يتزوجها، ورفيقه يتزوج أختها، وأخواتها الباقيات ~~يجعلهن فرح أوفر حظا من بنتي لوط؛ فيستقدم ثلاثة من أصدقائه ليكونوا أزواجا لهن، ~~ويعيد بنيان المدينة على أسس الرفق والإخاء. # لأمر ما جعل فرح الفتيات خمسا، أما أنا فما وفقت إلى فك هذا اللغز، وإلا فلماذا سلمن ~~خمستهن وهو يعلم أن هذا غريب، أيعارض بهذا قصة ms027 لوط وبنتيه وولديهما من - أبيهما - موآب ~~وعمون؟ # ومهما اجتهدنا تظل حسناء حليم أختا للمحترم «ظلانور »، ملزقة تلزيقا كالشوارب التي ~~كنا نصنعها صغارا تشبها بالرجال، يوم كانوا يحلفون بشواربهم. # لا نعرض لهذا الكتاب بالنقد القصصي، فهو ليس قصة كما قلنا وكما يعترف فرح، ولكن ~~خاتمته - إن كان قصة أو لم يكن - غريبة عجيبة لا تصدق، وإن رأينا لها شبيها في التوراة ~~فما عند الله ليس عند الناس، والذي صنف قصة التوراة أخرج لوط وعائلته الكريمة قبل أن ~~أحرق المدينتين بالنار والكبريت. # وبمناسبة الكلام عن هذا الكتاب نقول: لو عاد فرح ورأى ما نحن فيه اليوم لعقدنا وإياه ~~مناحة يبلغ الجو خبرها، بل لم يجر مثلها اليهود على أسوار أورشليم. # ليت عينك ترى يا فرح، فالوطن عندنا هو الدين كما جاء في أورشليمك (ص147)، إن سياستنا ~~في أيدي رجاله، صاروا ولاة أجسادنا كما هم أولياء النفوس، فعلينا العمل بقول بولس ~~الرسول: أطيعوا مدبريكم واخضعوا لهم كأناس يؤدون حسابكم. # كان الدين صنم العالم أمس، أما اليوم فصنمه العلم، فباسم العلم والتمدن تستعمر الشعوب ~~الضعيفة، أما في لبنان فباسم الدين غرقت البلاد في «الطائفية»، وأقرب الناس إلينا ~~وأدراهم بنا يحسبوننا همجا يقضي عنا «رعاتنا» بالأمر، يمجدونهم لأجلنا وعلى حسابنا، إن ~~مجد الله يكفيهم، فنحن نطلب العمل النافع لا هذه السخرية المبهمة والضحك الصامت. # طلبت كثيرا للشعب يا فرح، أما الشعب فشعاره: القناعة كنز لا يفنى، إنه لا يطلب إلا ~~البركة والدعاء وملكوت الله وبره. # انتظروا هذا الملكوت، فلعله يأتيكم. ~~(6) الوحش الوحش الوحش # أو سياحة في أرز لبنان بقالب رواية فلسفية اجتماعية أدبية، هكذا عنونها فرح ودفعها ~~إلى القراء، وملخصها: # تاجر من صيدا اسمه متى حاروم جاء بيروت وعظم شأن تجارته فيها، فتزلف إليه تاجر صغير ~~اسمه لوقا طمعون، فأطلعه على أسراره التجارية، فانقلب الصديق مزاحما لئيما فكسدت ~~تجارة متى وأفلس، ويئست بنت متى لأن أباها افتقر، ولوقا جفاها بعدما عللها بالزواج، ~~فألقت نفسها في البحر، فأنقذها شاب من تلامذة بيروت الجامعيين صوري المنشأ. # وأحبها ms028 الشاب وأحبته ولكنها رأته فقيرا مثلها، فهاجرت تاركة له كتابا تسأله فيه أن ~~ينساها، فساء يعقوب نكرانها الجميل واشتد به العشق فجن. # أما متى أبو إميليا، فقنط إذ لم يبق له بيت يستره، فاختفى عن الأبصار، وهام عاشق ~~إميليا - يعقوب درمان - في البلاد على وجهه، وعرفه الناس باسم مخلوف. # أما إميليا فتزوجها في أميركا غني عظيم - المستر كلدن - فعاشت سعيدة لولا ذكرى أبيها ~~التي لم تكن تفارقها، وجعل زوجها جائزة سنية لمن يأتيه بخبره فخاب الرجاء. # وحنت إميليا إلى وطنها لبنان، فجاءت وزوجها إليه، وأبت أن تمر ببيروت هربا من ~~الذكريات المؤلمة فكانت خطة الموكب: طرابلس - الحدث - الأرز. # وعرف لوقا طمعون بقدوم المستر كلدن المثري الأميركي الشهير فحدثته نفسه بأن يكون ~~معتمده في الشرق، فكتب إليه يسأله ذلك، فاستشار زوجته فما وقعت عينها على رسالة لوقا ~~طمعون حتى اقشعر بدنها وبكت أمر البكاء، وجاء لوقا طمعون ليقابل كلدن في الأرز فكان ~~مشهد غريب، عرفه مخلوف المجنون - يعقوب درمان - فانقض عليه فهشمه تهشيما، وحضر أيضا ~~متى حاروم - ملك رأس القضيب - وفي يده بندقيته، فعرفه مخلوف، وصاح بصوت كالرعد: «متى ~~حاروم، حنا جاروم، جئت في وقتك، وفي يدك بندقيتك، انظر صاحبك لوقا طمعون.» # فأطلق متى بندقيته فخانته، فألقاها واتكل على باعه وذراعه يعاونه مخلوف. # وكان في الأرز جماهير وفدت لتحضر يوم كلدن - يوم في العام يوزع فيه هذا الغني آلاف ~~الدولارات، أراد عمله في الأرز حبا بزوجته اللبنانية - فقبضوا بعد جهد على المجنونين ~~وحبسوهما في كنيسة الرب. # أما لوقا طمعون فتجلد وأصلح من هندامه ما استطاع ودخل على المستر كلدن، وبعد جدال ~~عنيف بين إميليا ولوقا وكلدن حول الشهادات التي جاء بها لوقا إلى المستر، اختصر كلدن ~~الحديث بقوله: «هل تريد أن أجعل أحد خدامي يجلب مثلها - بينها شهادة رئيس ديني كبير - ~~بعشرة ريالات فقط يا مستر لوقا؟ جئنا بشهادة شرف واستقامة من الخواجة متى حاروم في ~~صيدا.» # فاغتم لوقا وقال: «إن متى حاروم مخفي وزوجته ماتت، وابنته الطائشة فرت ~~وتركته.» # فانتفضت ms029 مسز كلدن لهذا الكلام، وحاول لوقا أن يخرج فأخذه كلدن بعنف وقال له: مستر ~~لوقا! اجث ، اطلب العفو من مسز كلدن ابنة الخواجة متى حاروم. # فانتصب لوقا المقهور مدافعا عن نفسه زاعما إن لم يتعد المنافسة التجارية، التي بها ~~نفسها تغلب كلدن على الأسواق، وختم كلامه بقول غوت: إلى الأمام ولو فوق الجثث. # فلم تبال إميليا بحججه وبراهينه وأمعنت في إهانته، ثم ترقرق دمعها لذكرى أبيها فقال ~~لوقا: أنا أعرف مكان أبيك، وسأجيئك منه بالشهادة المطلوبة، فدهشت وصاحت: قل أين؟ فأملأ ~~فاك درا، فقال: الآن في الأرز. # فخرج الجميع تتقدمهم إميليا، فرأت أباها المجنون مقيدا في الكنيسة، فشفي حالا حين ~~رآها، ووزع هو عطايا «يوم كلدن»، وعفا عن لوقا طمعون الذي سار مع موكب كلدن، وترك مخلوف ~~الشقي تهيجه الذكرى، ثم سيق إلى دير «قزحيا» المستشفى البلدي للمجانين. # أما بسط فرح لخطة قصته ففيه شيء كثير من فن القصصي المطبوع ولباقته، وللقدرة على غرس ~~المبادئ جعل فرح الكلام على لسان شابين متعلمين كليم وسليم، سفرهما من قلحات قبل الفجر ~~بكثير فتحدثا عن الجداجد التي سمعا صوتها في الليل - لا أدري إذا كانت تغني قصائدها في ~~الدجى - وجعلا يخطئان لافونتين، فسئم المكاري وغضب على جواده غضب سليمان حين فاتته ~~الصلاة، فأدرك الشابان خطأهما وسألا المكاري لماذا اختار هذه الطريق، فحدثهما عن خصام ~~أهل قلحات وفيع بسبب تشاتم الأولاد. # وينعس الشابان فيغني المكاري الحنيانا والميجانا ويا دوم حالي يا دوم، فينشط الراكبان ~~ويعجبان بهذا الأدب الساذج الرفيع الذي يمثل الأمة وحبها العنيف، وتطلع نجمة الصبح ~~فيناجيها الرفيقان متفلسفين. # ولاح لهما دير حماطورة مع الشمس، فكان حديث طويل عن الحياة الرهبانية، يخطئها كليم ~~ويصوبها سليم، ودخل المكاري في القضية شخصا ثالثا خائفا على جواده إذا ظل كليم يجدف ~~على الرهبان، فيتراخى كليم ليغلب سليم، فيسر المكاري ويأمن عثار الخيل. # وبلغوا عين السنديانة فأخذ رجل معتوه مجلة إنكليزية من الخرج بلا استئذان، وقرأ فيها ~~حادثة غرامية، فطوى المجلة وأعادها قائلا: كلهن سواء، وردد: # جننا ms030 بليلى وهي جنت بغيرنا # وأخرى بنا مجنونة لا نريدها # وأغمي عليه فأسعفوه فأفاق، ولم يعرفوا من أمره إلا أنه مجنون اسمه مخلوف، وتركاه على ~~أن يلاقيهما إلى الأرز، وسارا إلى الحدث، فدخلاها والأهالي في جلبة وضوضى، يريد واحد أن ~~يكري بيته من بروتستانيين قدموا إليه، والضيعة لا تريد، وينتهي الأمر بقبولهم؛ لأن أبا ~~مرعب وهو من الذين حاربوا مع يوسف بك كرم قد أراد ذلك، ويتعرف كليم وسليم بالأميركيين، ~~فإذا هم طلائع حاشية المستر كلدن لا مرسلون بروتستان كما توهم موارنة الحدث. # ويبيت كليم وسليم عند صديق لهما مسلول، وهذا أيضا من ضحايا لوقا طمعون، وفي الغد ~~يذهبان إلى الأرز فينامان في العراء، ويعوي الذئب فيطير النوم، ويصبحان فيطلبان الصيد ~~في ذلك الوعر، فيضلان في الجبل ويسقطان في واد صغير، وتنطلق بندقيتهما فتجيبهما أخرى ~~ويصرخ صوت: الوحش الوحش الوحش. # ثم يقبل شبح كالوحش رافعا بندقيته في الفضاء إنذارا لهما فسلما، وتعارفوا فسألاه عن ~~تاريخ وجوده في القفر فأجاب: منذ تكوين العالم. # واستغرب كيف لم يصدقاه، وحاولا كشف سره فاستحلفاه بأولاده، فغضب أشد الغضب، وذكرا له ~~الله فخر إلى ذقنه، ثم انتصب وأخبرهما أنه في هذا القفر «يكون العالم الحقيقي، الذي ~~يسود فيه الخير والصلاح، وأن أصل الشر الوحش الذي في الإنسان.» # وتم له ذلك بمعونة الله، وأنه سمع صائحا يقول: «لقد انتهى»، ويلوح ذئبان يقتتلان على ~~رابية، فيعدو إليهما ويصرعهما ويجرهما إلى كوخه، ويقول لضيفي مملكته: «كلاهما معتد ~~فأرحنا المملكة منهما.» # فأدرك كليم وسليم سره وسألاه لماذا لا يذهب إلى المدن؟ # فغضب وقال: إني لا أقدر على جميع الوحوش التي فيها؛ إذ ليس لي غير يدين ولا أقدر أن ~~أمسك بهما أكثر من بندقية واحدة، لا تصدقوا أنني ولدت هنا بل إنني ولدت في المدن وعشت ~~في المدن، ولكن الوحوش فيها أكلتني وطحنتني ففررت منها، ولكن لا بأس ستأتي نوبة المدن، ~~وحينئذ أدخل إليها بإذن الله دخول المنتقم لله من وحوشها الضارية (ص50). # أظنك عرفت الرجل، هو متى حاروم، ملك ms031 رأس القضيب، أبو إميليا الذي أنقض مع مخلوف على ~~لوقا طمعون في يوم كلدن. ~~••• # على القصة مآخذ شتى، لا يعنيني إذا كان حشاها فرح فلسفة اجتماعية ممكنة ومستحيلة، ~~فهذا هدفه الأدبي، والمرء لا يساق إلى الهدف. # ولكن فرح أنطون أغرب جدا في الاستنباط، وكان أعظم من الله في «الخلق»، فرجل مثل متى ~~حاروم - ابن ثغر نشأ على سيف البحر وفي صيدا الحامية كالتنور - لا يستطيع أن يحيا في ~~رأس القضيب شهرا واحدا فكيف بالسنين! فهذا ما يعجز عنه ابن بقعكفرا وهي أعلى ضيعة في ~~لبنان، الوحوش ترحل عن تلك الأرض في الشتاء لتشتي بالأقاليم المعتدلة، فهل يستطيع تاجر ~~مرفه كمتى هذا أن يعيش هناك كما وصفه لنا فرح: «فعلما - أي سليم وكليم - أنه رجل أضاع ~~صوابه لظلم أصابه؛ فبرح بلدته وأقام في تلك الجهات المقفرة، وهو يعتقد أن الله ولاه ~~عليها لمحو الظلم والشر، ثم يملكه المدن لاستئصالهما منها أيضا، وقد افتقد كليم وسليم ~~كوخه ومعيشته فوجدا أنه يعيش في أسوأ الحالات، ورب يوم لا يتناول فيه غير كسرة خبز أسود ~~يصنعه من دقيق يعجنه ويشويه على النار، أو قطعة من لحم الوحوش المعتدية التي يصطادها، ~~وكان يمر عليه في زمن الثلج والشتاء عدة أيام يظل فيها مخبوءا في كوخه الحقير، لتراكم ~~الثلج عليه في ذلك الجبل، وكان قد تعود احتمال البرد كالحيوانات، فإذا ذاب الثلج زحف من ~~كوخه وخرج على الثلوج يسير زلقا لا مشيا كأنه سائح فوق ثلوج القطبين» (51). # قرأنا عن سليم وكليم أنهما لم يطيقا برد جبل الأرز صيفا، أفلا تكون الحياة في الشتاء ~~معجزة المعجزات؟! وقول فرح «وكان قد تعود احتمال البرد كالحيوانات» لا يجعل الأمر ~~ممكنا، ولكن الأستاذ أراد أن يتبع خطة ديماس، فأغرب كبونسون دي ترايل. # أما شخصية مخلوف المجنون الثاني فأجاد في خلقها كل الإجادة، كمخلوف أبرز أشخاص القصة، ~~طبيعي في كل شيء، في حواره وتفكيره، وحركاته وسكناته، ونفسيته وحكماته، ومشهده مع ~~حبيبته، حين رآها في الأرز من أروع المواقف. # وقد لحظت في ms032 هذه القصة وفي أورشليم الجديدة إجادة فرح في تصوير المعتوهين وإنطاقهم، ~~وتركه هذا المجنون يطوف في البلاد واقعي جدا في أرضنا، وهذا ما عرفناه عن المجانين، ~~وليس في حديث مخلوف وأطواره أدنى غرابة، فقد رأينا بأعيننا وسمعنا بأذننا معتوه حمانا، ~~فيلسوف الشاغور، يكتب آياته على الصخور بالقلم العريض، بل بالفحمة الغليظة، وأبرزها ~~قوله: من خلق علق، إنها لحكمة جموح يتمنى الفلاسفة الكبار أن تكون لهم. # كان اجتماع إميليا بأبيها قريبا من التصديق لولا هذا الجو الذي وضع فيه متى حاروم، ~~يتراءى لي أن فرح أنطون أحب الأرز حتى العبادة، فأراد أن يجترح فيه عجيبة تصديقا ~~للتسمية، أفليس هو أرز الرب؟ # أما بقية الأشخاص فطوع قلم فرح، وإن تعقد الحوار أحيانا، ففرح ابن مدينة أراد أن يصف ~~أطوارا قروية رآها مرة أو مرتين - وهذا لا يكفي - فجاء عمله أحيانا مطابقا للواقع ~~وأحيانا لا، ففي الحوار ما هو جيد كقول كلدن للوقا طمعون: أنا لا أحب كثرة الكلام يا ~~مستر لوقا، فإذا شئت أن تكون وكيلا لأشغالنا فجئنا بشهادة شرف واستقامة من الخواجة متى ~~حاروم. # فعندي أن استعمال «مستر» للوقا وخواجة لمتى فيه تدقيق وفن، وكذلك قول إميليا للوقا: ~~يا ظالم، تخرب بيته، وتميت زوجته، وتهرب ابنته، وتبيع منزله وتمحو آثاره ... إلخ. # ثم بالعكس قولها له بعدئذ: «قل فأملأ فاك درا» فهذه نابية، وكان على الأستاذ أن ~~يقول: «فمك» بدلا من «فاك» على الأقل، فهي أقرب إلى حديثنا من تلك. # وأشنع من هذه سؤال كليم للمكاري: هل ظهر نجم الصباح يا جرجس؟ فأجابه المكاري بأبشع: ~~سيظهر بعد نصف ساعة على الكثير، والأرجح أن الشمس تشرق لنا عند بطرام، فيقول كليم: ~~فلنعجل إذن، فإننا نروم الوصول إلى الجبل قبل اضطرام وطيسها فرارا من الحر. فوطيسها ~~تركية في أذن المكاري اللبناني، ومثل هذا قول كليم أيضا لرفيقه سليم: هل نركب يا سليم، ~~فإن مطيتينا حاضرتان، ولنلبس ملابسنا أولا. # فكيف غفل فرح عن هذا وهو يعلم أن في الحوار كل جمال القصة، وهناك طفيليات علقها ms033 فرح ~~كالقراد في جسم قصته، كبعض حكايات من العقد الفريد، لا يتسع المجال لسردها كلها، وفي ~~الحدث يقلد فرح الشدياق ولكنه لا يوفق، يقول المستر كلدن: يس يس سنأمل يوم كلدن في ~~الهرز، يعني: سنعمل يوم كلدن في الأرز (ص53)، ثم في اليوم الثاني يرينا المستر كلدن ~~فصيحا كأنه بدوي لا لكنة ولا رطانة. # وكذلك تمثل لوقا طمعون بقول غوت: إلى الأمام ولو فوق الجثث. فتعريف فرح له لا يؤهله ~~للتفوه بهذا الكلام السامي، فنفسية دنيئة قذرة كنفسية لوقا لا تتعالى إلى هذا الأفق، ~~فالخائن دساس جبان يطعن في الظهور لا في الصدور، فلو قوله كلمة عربية لأفصح العرب كان ~~الخطب أهون، وجاء الكلام أقرب إلى الفن، وأرى كما رأيت في اسم ظلانور أن لفرح ولعا ~~باشتقاق خاص لأسماء أبطاله مثل حاروم وطمعون ودرمان، فإنها تأتي كريهة وإن دلت على ~~شيء. # أما تخلص فرح في «المأزق الحرج» فإليك في هذه القصة شيئا منه، يشفى متى حاروم حين ~~يرى بنته، فيعلم فرح أن ذلك مستحيل لا يصدق فيقول: «ولم يدون علم الطب شفاء كهذا» ~~(64). # أما سير القصة فسريع نحو النهاية سرعة المسافرين إلى الأرز، وهذه حسنة من حسنات ~~القصص، أما غاية فرح الاجتماعية فتحققت إذ سرد آراء كثيرة في كل فن ومطلب، حتى كتب ~~صفحتين عن السل (32 و33)، وقد وطأ لهذه الآراء كلها أحسن توطئة، فلا تشعر أن المؤلف ~~يقصدها إلا حين يعلم المكاري الديمقراطية، فيأبى بعد قليل أن يسقيه، ولو لم يبرطله ~~بقنينة عرق لما فعل. # إن جعل فرح محيط قصته في وطنه يدلك على معرفته أن القصصي لا يخلق قصته في مكان لم ~~يعرفه، ولكن كلامه عن غوغاء الحدث وتخاطبهم بيا ابن طنوس ويا ابن مرقص ويا ابن ... ~~بدلا من الاسم، فهذا لا يكون إلا نادرا وللتحقير. # في القصة مبادئ كثيرة عرضها فرح بلسان أشخاصه وأحسن عرضها كما قلنا، وقلما تخلو صفحة ~~من حكمة، وفي القصة فصول رائعة كالفصل السابع، وموقف إميليا وكلدن ولوقا، ومخلوف في ~~ساعة الرحيل ms034 كما قلنا، أما العفو عن لوقا طمعون فتولستوي، وأظن أن غرابة «العقدة» نست ~~القراء هذه القصة الطيبة، وجعلتهم لا يذكرون لفرح إلا «أورشليم الجديدة» رائعته ~~الكاملة، فإلى اللقاء في القدس والمجدل. ~~(7) أورشليم الجديدة # تلخيص القصص قتل للفن، ولكن الناقد كالجراح، فلا غنى عن البضع أحيانا، وفتح البطن ~~حينا، فعلى من يعنيهم الأمر أن يقرءوا النص المنقود ليدركوا الجمال الذي يسقط تحت ~~الردم، ويروا الأعضاء مركبة متناسقة، لا أشلاء على وضم. # إن أورشليم الجديدة أبعد آثار فرح شهرة، وأكثر القراء يذكرونه بها، ولو طول الله عمر ~~«مريم قبل التوبة» لفاقتها، ولكنها ماتت ولم تبلغ الرشد. # علم فرح أن سقوط مملكة الروم وتقلص ظلها عن سورية كان أول أسبابه تلهي القوم بالقشور ~~الدينية، فبنى قصته «أورشليم الجديدة» على هذا الأساس. # ورأى أيضا أن القصة بلا حب وغرام كالطعام المسلوق، وهو إن غذى فلا يكون شهيا، ~~فوضع من هذه التوابل ما قدر عليه، فدارت قصته حول فتاة يهودية أسماها إستير تيمنا ~~بإستير أحشوروش، ولكنها ماتت مقهورة، وجدت هذه الفتاة مع أبيها في بيت لحم ليلة عيد ~~الميلاد سنة 636، وانطفأ مصباح كنيسة المهد، فترك النصارى المعيدون مباحثهم الدينية ~~وثاروا يطلبون اليهودي؛ لأن وجود يهودي في بيت لحم يمنع المصباح أن يشتعل، فيهزأ ~~بخرافتهم شاب مسيحي اسمه إيليا، فيقبضون عليه ويشبعونه ضربا ولطما زاعمين أنه يهودي، ~~فتهرع سيدة نبيلة اسمها تيوفانا إلى معتوه يلقبونه النبي أرميا، فيخلص إيليا من ~~الغوغاء، فيشكره إيليا ويمضي مفتشا عن الذي حرض عليه، فيلتقي بإستير وأبيها اليهوديين ~~خارجين من بيت لحم، فيضحك لصدق وهم العوام ويتبعهما ليخلصهما من الاعتداء، فيلتقي ~~بجماهير قادمة إلى بيت لحم؛ إذ بلغهم انطفاء القنديل، فيعترضون البنت وأباها على أنهما ~~يهوديان، فينتصر لهما إيليا مدعيا أنهما نصرانيان ويرسم إشارة الصليب، ويفعل مثله أبو ~~إستير، أما البنت فتأبى ذلك فيتمسك الجمهور بها، فيقول لهم إيليا إنها وثنية من بصرى؛ ~~لأن الوثنيين أحب إلى قلب النصارى من اليهود؛ إذ ليس بينهما دم وثأر، فتصر الجماهير على ~~تعميدها ويفرحون ms035 بهداية نفس بشرية يوم العيد المبارك، وحينئذ يطل موكب البطريرك تتقدمه ~~المشاعل والمصابيح، فينتظر الجميع الموكب، فيأمر البطريرك بسوق البنت وأبيها إلى بيت ~~لحم رغم مساعي إيليا لديه. # وأعاد إيليا الكرة في بيت لحم فلم يفلح أيضا؛ إذ قطع البطريرك الكلام بقوله: قد ~~يكونان جاسوسين للعرب، ولكنه أمر بعزل الفتاة في دير الراهبات ولم يعمدها. # وبينا القوم لاهون بهذه الترهات والسفاسف، بلغ البطريرك اقتراب العرب من المدينة، ~~فقدس مستعجلا ليعود إلى أورشليم قبل أن يدهمها العرب. # وبينما كان البطريرك وحاشيته مشغولين بالعرب، كان كيريه إيليا يزحف على الدير متسلقا ~~جبل الزيتون ليرى ما حل بإستير. # أما سبب حب إيليا الفجائي لإستير فهو أنه رأى منذ سنوات واحدة مثلها مع أبيها في يافا ~~فأحبها، ولكن حبه مات جنينا فبعث اليوم حيا، وهناك سبب آخر قوي وهو تأثير التوراة ~~وتاريخ يوسيفوس، فقد أرت قراءتهما إيليا أن اليهود معاصريه بقايا أمة عظيمة، حلت قوة ~~نفوس نسائها وجمالهن مشاكل كثيرة في التاريخ. # وفي جبل الزيتون اجتمع إيليا بالملقب بالنبي أرميا في كوخه قرب أرزة صهيون، فشكر له ~~صنيعه؛ إذ أنقذه من الغوغاء، وكان أرميا حانقا في تلك الساعة على الإمبراطور لتركه ~~المدينة المقدسة بلا حامية، وسماه المسيح الدجال، فكاشف إيليا بفكرته العظيمة وهي تحرير ~~السوريين من نير اليونان الذين يحكمونهم دينيا، فهو يرى أن يقف السوريون من العرب ~~ويقيموا بطريركا سوريا، فيخطئه إيليا ويحدثه عن إستير، فيظهر له أنه عارف بدخولها ~~الدير، فيحتال إيليا ليوجه أرميا في سبيل مآربه ثم يتركه قاصدا دير الراهبات، فلا يرى ~~إستير بل السيدة تيوفانا، فتخبره أن إستير فتاة عنيدة بكت وأغمي عليها حين رأت صليبا ~~في غرفتها، فسألها أن تسهل له مقابلتها ليقنعها فرفضت، وهل يخفى أمر بسيط كهذا على عانس ~~كتيوفانا؟ # وفيما هما مشغولان بالحديث إذ بأرميا يهرول ويصيح: وصل العرب. # هذا ما كان يجري حول الدير، أما في أورشليم فالبطريرك والوالي في خلوة يتشاوران، فدخل ~~عليهما بدوي غساني يحمل أنباء العرب، وفي تلك الساعة المشئومة جاءت ms036 أم تيوفانا وأبو ~~إستير خائفين على ولديهما، فتأفف البطريرك وقال: العذراء تحمي ديرها. # وعاد أرميا إلى كوخه وذهب إيليا إلى المزرعة (مزرعة الشيخ سليمان)، وهنا يقص فرح سيرة ~~بطله إيليا، فأمه نذرته لله وأخذت تخبز له كل يوم أرغفا يوزعها على الفقراء، فيدعو له ~~أولئك أن يصير بطركا، ثم جاء أحد علماء القسطنطينية ورآه يفعل ذلك فقال له: ستكون ~~بطريرك أورشليم الجديدة، ودخل إيليا الدير حين شب، ورأى يوما أسقفا يلطم راهبا في ~~القداس فاستعظم فعله، واجتمع بالراهب ميخائيل على الجبل حيث واعده، فأفرغ هذا الراهب ~~الآبق جعبة آرائه الدينية والاجتماعية في نفس إيليا فنفره، والحديث طويل سماه فرح ~~«الخطبة على الجبل»، أول الخطبة مبهم ككلام الأنبياء («يا بني ... إلخ.» ص41)، وموضوعها ~~البحث عن أعمال رجال الدين ومخالفتها للإنجيل؛ إذ عاد رجال الدين إلى الحالة التي ~~حاربها المسيح، ولو ظهر اليوم لاضطر أن يصلب ثانية. # وأطرى الراهب ميخائيل النسطوري النبي والعرب، ثم رأى أن يصيب الإسلام ما أصاب ~~المسيحية بسبب المئولين والمجتهدين، وأن إصلاح الهيئة الاجتماعية بواسطة الدين لا يمكن ~~أن يتم إلا إذا عادت الإنسانية إلى طفولتها، وعندئذ يلزم نبي جديد للإنسانية الجديدة ~~(ص45). # أما ميخائيل هذا فراهب كان يجمع الصدقات للفقراء، فأشاع الناس أنه يخبئ المال في ~~الغابات، فعاف عن هذا العمل وانصرف إلى الحقول يشتغل مع البائسين، فخطط قرى عديدة فاتهم ~~بأنه يسعى لرفع نير الكنيسة، فحبس في الدير للوعظ فقط، ووعظ يوما فكفر وطرد، وأخذه ~~قائد في جيشه، وبعد الحرب والظفر أسس مزرعة - كما في «الدين والعلم والمال» - وأخيرا ~~يبشر ميخائيل تلميذه الجديد بديانة «الرفق والمحبة والصفح»، وتطلع الشمس فيذهل ميخائيل ~~ويتعجب ويخر ساجدا لها - مشهد فولتيري - وتنتهي الخطبة فيتمشى ميخائيل وإيليا، حتى إذا ~~بلغا المزرعة رحب الشيخ سليمان بإيليا بعد ما عرفه، وبشره أنه سيرث ميخائيل في أورشليم ~~الجديدة أي المزرعة. # وبعد حين مات ميخائيل فعزم الشيخ سليمان ألا يكون إكليريكي في مزرعته، وقال للشعب: ~~اقرءوا التوراة والإنجيل ونظفوا قلوبكم وهذا يكفيكم، فقالوا: ومن يعمد ms037 ويكلل ويجنز؟ ~~فأراد سيامة إيليا كاهنا فأبى ا.ه. # هذه حكاية إيليا قبل أن عرف الشيخ سليمان، وخبر إيليا سليمان عن بلوغ العرب القدس، ~~وقص عليه خبر بيت لحم، فغضب سليمان وقال: كان على البطريرك ألا يساير الشعب، فإن كان ~~الرجل جاسوسا حبسه وأطلق البنت. # ولم يستطع إيليا الرقاد في المزرعة، فعاد إلى جوار الدير وجلس على أكمة في الظلام ~~يقرسه البرد الشديد، وقرب نصف الليل انسل إلى الدير فسمع زفيرا وبكاء، الراهبة تحدث ~~إستير لتقنعها ببقاء الصليب في غرفتها، والبنت تصر على إخراجه فتخرج الراهبة غضبى، ~~ويدخل إيليا فترتاع البنت، وتعلم أنه موفد من قبل أبيها فتهدأ، وتخرج معه من الدير وإذ ~~تراها وإيليا وحدهما تفزع. # ولكنها تمشي وتهب العاصفة، فيحاول إيليا حمل إستير - كما في بولس وفرجيني - فتأبى، ~~ولكنها تسمح له بأخذ ذراعها فيأخذ اليسرى، وهنا يشرح لنا فرح أنها جهة القلب. # ويحضر أرميا في تلك الساعة فيحملانها برداء إلى كوخ النبي أرميا، وبللهم المطر فذهب ~~أرميا إلى المدينة ليجيء بملابس ناشفة وفرس، فتخبر الفتاة إيليا أنها من مصر وأنه شاعت ~~نبوءة أن السلطنة ستصير إلى أناس مختونين، فجاءت مع أبيها وأمها المقعدة التي تريد أن ~~تموت بجانب هيكل سليمان. # وسار بالفتاة راكبة إلى المزرعة، فسلمها الشيخ سليمان إلى بناته، وفي الغد ذهبت ~~وإيليا إلى الحقل فخبرها أن المدينة في حصار، ولقاء أبيها صعب، فحزنت وأقبل عليهما ~~أرميا يخبرهما عن التفتيش عن إستير. # وفي جلسة أخرى في الحقل أيضا، ثار جدال عنيف بين إيليا وإستير حول المسيح والدينين ~~الموسوي والعيسوي، انتهى بتقبيل إستير للصليب - بعد ذاك الفزع - وكاشفها إيليا بحبه قرب ~~قبر الراهب ميخائيل معلمه. # وساء أرميا استئثار إيليا بإستير دونه، فأخذ يحوم كالغراب حول المزرعة حتى جاء يوما ~~يناقش إيليا الحساب، واقترح أخيرا الاقتراع عليها فضا للمشكل، وترى إستير في تلك ~~الليلة حلما فتبكي بكاء مرا: رأت أنها جاثية أمام المصلوب، فدخلت أمها وراءها ~~الكنيسة وقالت لها: أهكذا تتركيننا يا إستير؟ # ولم ينم أرميا على الضيم فغر إستير، ms038 ففرت تاركة رسالة إلى إيليا تسأله أن ينساها، ~~ويتبعهما إيليا باحثا عنهما فيأسره العرب، وكذلك أسرت إستير ولكنها تركت طليقة حرة ، ~~وسعت لفك إسار أرميا الهائج في محبسه فأفلح سعيها، ودرى أرميا بأسر إيليا فقال للعرب: ~~شددوا عليه، هذا أخو الإمبراطور، ولكن أبا إستير أنقذه. # وتدل الشئون على أن أبا إستير جاسوس للعرب، فيتذكر إيليا كلمة البطريرك فيتنازع قلبه: ~~الحب والوطن، فيذهب لمقابلة البطريرك ويشير عليه بالتسليم لعمر بن الخطاب كما نصح ~~عمرو بن معد يكرب، فيأتي عمر - كما نص التاريخ - ويتسلم المدينة من البطريرك صفرونيوس، ~~ويرى فرح أن فتح القدس كان بلاء على الشرق كله («فيا أورشليم استعدي ... إلخ.» ~~ص128). # وتنتظر إستير عودة إيليا فلا يعود، ويتخاصم عليها ابن معد يكرب وضرار، فيبدو عليها ~~نحول وهزال يحملان أباها على ترك معسكر العرب. # ودخل عمر القدس فكان أبو إستير دليله، فجاء إيليا رسولا من لدن البطريرك إلى عمر، ~~فمر أمام إستير فصاحت وامتقع لونها، ثم يجتمع إيليا بها فيتصارع الحب والدين في قلب ~~إستير، والحب والوطن في قلب إيليا، ويتساءلان عن صحتهما، فإذا هما كالجاحظ عليلان في ~~مكانين، وتعتب إستير على إيليا لذهابه بلا وداع فيتنصل، ولكن أرميا يصيح من الخيمة: هذا ~~كذب. # ويتغافر إيليا وأرميا فتعلم إستير أن إيليا تركها؛ لأن أباها جاسوس دنيء فيغمى عليها، ~~ويطلب إيليا معاقبة أرميا على فعلته هذه فيصيح أرميا بجنون: أنا لست منكم، أنا عرب عرب ~~... لقد صرت مسلما ... إلخ. # واستدعى عمر إيليا فجاءه كاسف البال، ودله على قبر المسيح ليدخله ويسلم على روح الله، ~~ثم على مكان الصعود ففعل، وطلب منه أن يحدثه عن أسباب سقوط المملكة فاعتذر إيليا تاركا ~~هذا للشيخ سليمان، فجيء به وقص عليهم تاريخ هرقل وحروبه مع الفرس، وبين لهم أسباب ضعف ~~السلطنة. # وعرضت في هذا الحديث مسألة خطيرة وهي حال الإكليروس، ومداخلة الدين بالدنيا، ومداخلة ~~الدنيا بالدين والانشغال بالقضايا الدينية عن تدبير الملك، وصرف الشعب إلى ظاهر الدين، ~~وإنه كلما شغف الشعب بهذه المظاهر زادت سلطة الإكليروس ms039 عليه، فدلنا تحرج فرح على ~~عصره. # وبلسان سليمان تنبأ فرح عن مصير الإسلام وملك العرب، فاضطرب عمر والسامعون من القواد ~~والأمراء، وانتهى الحديث فمشى عمر وأخذ يسأل إيليا: هل يعلمكم إنجيلكم كذا، وهل يعلمكم ~~كذا ... إلخ، فيجيب إيليا: لا، ويقول خالد: يا سبحان الله. # وبعد هذا الكلام يبكي عمر فيصيح أبو عبيدة: ما أبكى أمير المؤمنين؟ فيزداد عمر بكاء ~~ويقول له: «يا عامر قد سمعت من إيليا الشاب ما هي شريعة الروم، وسمعت من الشيخ سليمان ~~كيف خرجوا عنها، فأنا أخشى أن نخرج عن شريعتنا في مستقبل الزمان كما خرج الروم فيصيبنا ~~ما أصابهم»، وينتهي قول فرح بيا ... ويا ... كعادته. # ويقبل أرميا رسول الخير، مخبرا إيليا أن إستير في خطر، وأنه يتنازل له عنها بشرط أن ~~يخلصها؛ لأنها تحبه، وأن البطريرك يطلب إيليا لهذا الأمر، فذهب إيليا وقابل البطريرك ~~فكلفه ذلك، فذهب إلى بيت لحم حيث ابتدأت القصة، فرأى أبا إستير ينتظره، وكان حديث، فحلل ~~هذا عداءه للنصارى؛ إذ لم ير أي عار في تجسسه لأعداء من خربوا مملكة أورشليم. # ودخل إيليا على إستير فرآها منهوكة ضعيفة، فتشددت وتعزت، ولكن وطأة الحمى التيفوئيدية ~~كانت أشد فقضت بعد أن دفعت إلى إيليا شيئا، وأوصت أن تدفن في مزرعة الشيخ سليمان قرب ~~قبر الراهب ميخائيل، ولم يصف لنا - كعادته في المأزق الحرج - لوعة أبطاله في تلك الساعة ~~بل ترك لنا ذلك. # واختلى إيليا بعد الدفن، وتذكر الهدية فإذا هي دفتر مذكرات إستير، فقبله وقرأه ~~بالبكاء والنحيب، ثم ذهب لزيارة قبر إستير فرأى أرميا منبطحا عليه ... # وانتقل المرض إلى إيليا فأخذ يهذي باسم إستير، وفي الساعة التي كان يتهيأ فيها عمر ~~للرجوع إلى الجزيرة، كان أرميا الجديد يتلو مراثي أورشليم لسميه القديم، وينقل فرح ~~أكثرها؛ إذ يراها منطبقة على حالة الفتح. # وبعد أيام يموت إيليا ويدفن بين قبر إستير ومعلمه ميخائيل وتختم الرواية: بيا أيتها ~~القبور الثلاثة ... إلخ. # هذا ملخص القصة، بل هذا هيكلها العظمي، فالمتروك منها كالبشرة التي فيها الرواء ~~والأبهة، فليطلب ms040 الفن محبوه في القصة كاملة، أما نحن فسنشير إلى الحسن والقبح في فرح ~~القصصي. # عندما ظهرت هذه الرواية الخطيرة انتقدها الشيخ سليم خطار الدحداح من الجهة الدينية ~~فقال: إن فرح فيها يعتنق الاشتراكية التي دعا إليها أفلاطون، وانتقد أيضا كلام إيليا ~~لإستير اليهودية: «لا تتركي الحواجز الصناعية التي يضعها البشر تحول بيني وبينك»، ~~وانتقدت جريدة الظاهر كلمة «الميكانيكية»، فقالت: إنها لم تكن في ذلك الزمان، وانتقدت ~~جريدة «المنارة» المؤلف؛ لأنه لم يعرف أرميا والشيخ سليمان إلى قرائه، وانتقدت ~~«المقتطف» اعتماد فرح على الواقدي - تاريخيا - مع أن الواقدي أقرب إلى القصة منه إلى ~~التاريخ، وانتقدت أيضا أن في الرواية «نصائح وحكم تشف عن لوم صاحبها الدنيا»، فدافع ~~فرح عن نفسه فكان ذا حق، وإن كانت لهجته شديدة في رده على شيخ المجلات المحترم. # ولئن أطلنا البحث فالعذر بين، إن فرح أنطون عميق، وأورشليم بعيدة القعر تغذي الفكر ~~وتروح المخيلة، وهي مؤسسة على صخور الوجدان في قاع البناء الإنساني والحياة الحقيقية، ~~وإذا لم تكن فيها عجائب وغرائب ألف ليلة وليلة ففيها المسألة العظمى التي تشغل بال ~~الشرق كله. # قال فرح في مقدمة أورشليم الجديدة إنه عني «بجمال التأليف»، وإن نهضة أوروبا قامت على ~~حب الجمال في الصنائع والفنون؛ لأن الجمال الحقيقي لا ينفصل عن الخير والحق، ثم أدرك ~~عباس محمود العقاد هذا - طبعا بعد فرح - فراح يبشر في مقدمة «فصوله» بألوهية هذا ~~الثالوث الأقدس في عالم الفن. # افتتح فرح أورشليم بخطبة المدخل التي وجهها إلى «بنت صهيون»، فدل على الموضوع وجمال ~~التأليف معا حيث قال: # إن حمامة الروح السماوية قد طارت من بين جدرانك، فهلا استعدت روحك لتحيا بها ~~نفسك ويؤهل منزلك، هلا نظرت بإخلاص ونزاهة إلى مرضك؟ إنك لم تريدي يا ابنة ~~صهيون، فهو ذا جراح وخصم شديد قادم نحوك، ولكن وا أسفاه، إن سكينه ليست نحيفة ~~بل هي عبارة عن سيف قوي، ومع السيف رمح ونبلة وترس وجواد عربي. # إن الدنيا تتمخض الآن بدين جديد وسلطنة جديدة، إن رمال قفار ms041 العرب قد تحركت ~~يا ابنة صهيون، وزحفت نحوك قاصدة الدنيا كلها. # إن أبناء إسماعيل الأقوياء خرجوا لملاقاة بني إسحاق الظرفاء، ولكن ملاقاتهم ~~كانت للاقتتال على سلطنة الأرض، كأن هذه الدنيا الواسعة تضيق عن أخوين كريمين، ~~سدوا آذانكم أيها البشر، فإن أرضكم ستصير ميدانا للحروب والمجازر. # فيا أيتها الأمم المختلفة التي تقوم وتسقط وتتطاحن كحبوب الحنطة تحت الرحى، ~~عليك أن تقولي: «المجد لله في العلى»؛ لأن الله خالقنا عظيم، ولكن لا تقولي: ~~«وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة»، فإن الأرض ليس فيها اليوم غير السيف ~~والنار، وليس بين البشر شيء يسر، بل السائد بينهم الفساد والاضطراب والبغض ~~والشقاء والدمار. # فالشعر الذي هو «جمال التأليف» بعينه منتشر في أورشليم فرح انتشار الشرايين في الجسد، ~~والخيال الذي هو أبو الفن وواهب الوحي والقياس للفنان كما قال بودلير، والخيال الذي ~~يصور لنا الحياة بأبهى الألوان حتى يجعل المداس «شعريا»، الخيال الذي يحفظ للحب الذي ~~فسد عطره الإلهي - كما في مريم فرح، وسلمى ومرتا ووردة جبران - يعزي عن يأس القلب ~~والجسد ويحقق ظفر الروح. # الخيال الذي لا يضل؛ لأنه منبثق من الحقيقة انبثاق الروح القدس من الآب والابن، هو ~~ملاك أورشليم هذه، ففرح القوي الخيال، المغذى بالقراءة الدسمة، خلق إستير أورشليمه ~~مزيجا من أتالا وفرجيني، فكما حال «النذر» دون أتالا، كذلك حال الدين دون حب إستير، ~~وماجريات القصة وما حدث في الطريق - من الدير إلى كوخ أرميا - أشبه بما جرى لفرجيني ~~وبولس، ولكن فرجيني فطرية وإستير بنت تقاليد ضيقة وعقيدة صارمة أقلقت الدنيا ولا تزال، ~~أما حمل إستير في ثوب كما يحمل النعش فغريب مضحك، يشبه تنبؤ الشيخ سليمان عن مصير ملك ~~العرب، الذي يشبه «نبوءة التبعي الملك اليماني» في قصة الزير، ولو كان فرح حيا لقلت ~~أكثر من هذا. # إن فرح أنطون مبتلى بحمى رومنتيكية أوقدت نارها القروح الاجتماعية، فعالج موضوعا ~~واحدا - ككثير من كبار قصصي العالم - لذلك تشابهت أبطاله في ملامحها ومشاكلها، فأرميا ~~ومخلوف توأمان، والمزرعة في «أورشليم» وفي «الدين والعلم» واحدة، ومؤسسها ms042 واحد هو الشيخ ~~سليمان الذي هو فرح أنطون بعينه. # أما خطة القصة فيديرها فرح كقائد محنك يعرف كيف يربح المعركة الفاصلة، يسير جيوشه ~~زحفا، أما إذا عثر بحجارة القضايا الاجتماعية فيقف ويطيل الشروح، ويثير أبحاثا عنيفة ~~بين أبطاله تكاد تملها لولا أسلوبه الحي واندفاع قلمه المحموم، وعاطفته المتقدة الصادرة ~~عن قلب مقروح، فإذا كنت تقرأ لتتسلى فعليك بغير فرح، تأخذ المؤلف نوبة الوعظ ولكنه وعظ ~~حار غير مملول، ولا عجب ففرح قصصي عالج المسائل العظمى كتولستوي وغيره في «أورشليم» ~~روايته هذه، وفي رواية «الدين والعلم والمال» و«مريم قبل التوبة»، والمسائل الصغرى في ~~«الحب والوحوش»، وإذا جاءت عقدة الوحش كعقدة الإسكندر، فعقدة أورشليم أنشوطة - شالوطة - ~~أما الخيط فيمسكه فرح ولا يفلته حتى النهاية، وقد يتركه معلقا - كما في الحب - ثم لا ~~يغفل عن صغيرة مهما دقت فيعود بك إليها. # إن قصصه جميعها وخصوصا رائعته «أورشليم» غنية جدا بالأفكار، ولكنها أفكار كردستها ~~المطالعة، وإعجابه بكل جديد. # رأى فقر الأدب العربي في زمانه فكان كمن دخل مخزنا كثيرة أصنافه وأنواعه فتحير؛ ~~ولذلك جاءت قصصه معرضا «أمميا»، فكل المسائل التي دوخت رأسه - كانحطاط الشعوب في ~~الدين والأخلاق والسياسة - آثارها في أورشليم - وأورشليم سبب كل علة - ولهذا جاءت بعض ~~شخوصه حية كأنك تحدثها وتراها - إيليا، أرميا، البطرك، إستير، خالد، عمر - وبعضها تشعر ~~بنقلها وأنها ليست بشرا بل خيالات وأشباح كأبي عبيدة، فشخصيته «باهتة» أما الباقون ~~فبين بين، فأرميا وإن حضر كل ساعة كذاك «الذي يبقى وحده» في سفر أيوب ليحمل بشائر النحس ~~إلى ذاك الصديق المبتلى، فحركاته طبيعية، وهو أهبل حلو يذكرني بكثيرين من ~~الموسوسين. # يصور فرح لواعج أبطاله تصويرا بارعا، فهو خبير إلى حد بعيد بالتفاعل الداخلي، كما ~~يظهر من وصفه انقلاب إيليا، ولكن الوصف المشهدي قليل عنده ولا سيما في أورشليم التي ~~جاءت كصورة جميلة بلا إطار، فقارئ لم يزر القدس يجهل ساحة حرب أبطاله، أظن فرح أن ~~كل مسيحي يعرف القدس وبيت لحم، وكل مسلم يعرف المسجد الأقصى والصخرة؟ أم ترك للمسيحي ms043 أن ~~يتخيلها كما يتخيل المسيح؟ أم توهم أن بعض رسوم طبعها في أول الكتاب تقوم بحاجة القارئ ~~الملحة، وتستر عورة الفن ؟ # هب أن هذا ممكن فأين تقع المزرعة وهي من مشاهد القصة الكبرى؟ فوصفها الوجيز المبهم ~~يطابق لبنان لا فلسطين، «يظهر لكل من تأمل الأرض الجبلية القحلة الجافة في النواحي، أن ~~صاحب المزرعة أتى ضروب المعجزات ليجعل تلك الأرض صالحة للزراعة» (ص68). # إن أورشليم الجديدة رواية غنائية في أسلوبها الذي يرتفع وينحط، عملية واقعية في ~~تفكيرها، أما مأساتها فمبتذلة، ولكن البشرة التي نشرها فرح على هيكلها جعلتها زينة بين ~~عرائس الأدب، عالج فيها مسألة خطيرة جدا، مسألة الرهبان، فجاءت كأنها كتبت عنا، ولا ~~يشين فرح أن آراءه فيهم مستعارة من منتسكيو، فالجماعة هم هم قديما وحديثا وفي كل زمان ~~ومكان، عشق فرح المثل الأعلى عشقا جنونيا وحاول إصلاح الإنسانية بعنف، فصار نصحه ~~تحاملا وتوبيخه صراعا، وكما حمل يسوع خطايا العالم - كما قالوا لنا - حمل فرح آلام ~~المساكين ونصب نفسه وكيلا مسخرا، وإذا لم يجد من يصلبه صلب نفسه. # ففرح كاتب يمثل عصرا بل شعور شعب أثقل ظهره الكتبة والفرينسيون بالأحمال الثقيلة ولم ~~يحركوها بإحدى أصابعهم، فبينما يكون أشخاصه منهمكين في الحب، إذا به يحولهم إلى شئونه ~~وشجونه؛ ولهذا تراه لا يمتزج بهم ولا يتحد الاتحاد الكلي المطلوب من القصصي الكامل، إنه ~~يحب التغلغل في أحشاء الماضي مفتشا عن «الكمال» الضائع بين الأمس واليوم، فالذي يطلب ~~من رجال الدين ألا يتحولوا كالذي يطلب من الفضة ألا تتسخ وتزرق، فالنخالة نخالة ~~دائما. # إن كتاب أورشليم عراك بين فرح الخارجي وفرح الداخلي، تردد نفسه أصداء محيطه الموبوء، ~~أحسن فيه فرح تقسيم شخصيته بين كثيرين، فهو إن لم ينطق العرب كما ينطقون فالسبب معلوم، ~~وحسبه أنه وضع في أفواههم آيات وكلمات جامعة تدلك على أنه يعرف نفسيتهم؛ ولهذا تحرك ~~أكثرهم تحت قلمه، أما حديث البطريرك مع إيليا فجميل جدا، وكأنما فرح إكليريكي عتيق ~~يحسن كلام هؤلاء ويفهم روحهم وحركاتهم وإيماءاتهم، وكذلك حوار إيليا وأرميا ms044 في مواقفهما ~~جميعها. # إذا نظرنا إلى آراء فرح على ضوء اليوم، بدت قليلة الطرافة، فهو فيها كخوري ماروني درس ~~في روما وباريس ، ثم عاد إلى لبنان فرأوه جديدا، فما مبادئه إلا انعكاس أضواء، ولكن ~~النور حاد لحدة طبع المؤلف وإبائه العبودية، ففي تعنيفه نغمة الإنجيل وتهديد ~~التوراة. # يعلم فرح - والدليل مقاله في القصة - أن على القصصي أن يفتش عن موضوعه في محيطه، ولكن ~~ميله إلى القضايا الاجتماعية واعتقاده أن الإنسانية هي هي في كل مكان وزمان أرجعاه إلى ~~الوراء عشرين قرنا، فنصب مسرحه في محيط لا يعرفه تماما، كما فعل شاتوبريان وغيره من ~~كتاب الغرب؛ ولهذا خسرت أورشليم فرح كثيرا من الجمال الفني، فالمسرح لا يتصل اتصالا ~~وثيقا بالأشخاص، وقياس فلسطين على لبنان إن صح إجمالا فهو لا يصح تفصيلا. # وقد رأيت أن فرح أنطون يتعب في آخر الشوط أسلوبا، ولكنه لا يني خطة، فيسوق جماعته ~~إلى الكمين سوقا رويدا. # أما الأسلوب فتارة يكون فيه رسميا - من المجترين - فيقول: والشمس أنقى من مرآة ~~الغريبة، وذر قرن الغزالة، وشنشنة نعرفها من أخزم، وهلم جرا، وطورا - وهذا قليل - يأتيك ~~بتعابير شخصية تدل على لبنانيته، وأحيانا - وهو الأكثر - يدل على تأثره بالفرنسية، أما ~~بعض الألفاظ الدينية فمستعارة من «البعث» التي لخصها، مثلا: كيرياليسون، يا رب ارحم، ~~وحياة العذراء، وكذلك رسم الصليب والحلف باسمه. # وقد يستعير مشهدا قرأه فيجعله لآخر قوله (ص63) ومن غرائب الاتفاق أن الشمس أطلعت ~~قرنها في هذه اللحظة حين سكت الراهب - إن حادثا بسيطا كهذا، والشمس كل يوم تطلع، لا ~~يستأهل «ومن غرائب الاتفاق» - فوثب الراهب وقال: «هلم هلم نشهد مطلع الشمس، تبارك ~~الخالق»، فهذا الاندهاش لا يكون من مقدسي كميخائيل يشهد الشروق كل يوم، فهو إن صح ~~لفولتير لا يصح لهذا الشرقي المحترم، كما أن «هلم هلم» ليست من كلامه، ولكن «تبارك ~~الخالق» تستر بشاعتها. # يعجبني هذا الراهب الفالت ويعجبني حديثه في «خطبة الجبل»، وإن أصدر علينا حكما ~~قاسيا فقال بلسان الإمبراطور: «هذا شأن السوريين، فإنهم متى حكموا أنفسهم ms045 كانوا أقرب ~~إلى الجور منهم إلى العدل، لكثرة تحاسدهم وتنافسهم، ولعدم وجود جامعة قوية عادلة تساعد ~~الجيد فيهم وتخذل الرديء» (ص60). # وأعجبني أيضا كلام الشيخ سليمان عن الرهبان، وإن رأيت آراءه أكبر منه: «لا تنس أن ~~الرهبان في مملكتنا، كانوا في أكثر الأحيان أقوى من رؤسائهم، لتحريكهم الشعب عليهم، وكم ~~حالوا دون إصلاحات مهمة بهذا السبب الصغير؛ ولذلك كانوا قادة الشعب ضد الأساقفة ~~والبطاركة والموظفين حتى ضد الإمبراطور.» # قلت: فمن يشك بهذا فليسأل تاريخ لبنان، وبطريرك الموارنة وأساقفتهم. # وكذلك رأى سليمان في الوطن فقد قال: «إن الدين عندنا هو الوطن، بل الدين عندنا فوق ~~الوطن وفوق كل شيء»، فقوله هذا يصح فينا أمس واليوم. # وأبرز عيوب قصص فرح ظهور شخصيته فيها، فهو ملقن عريض الصوت لا يسكت ولو أعطيته ما ~~أعطى الله عبيده؛ ولذلك أتت قصصه قريبة من الدروس والمحاضرات في بعض المواضيع، فهو يترك ~~القصص حين يستطيع ويمشي في الاستنتاج هاتفا: «يا ويا ويا حتى لم يدع مكروب الحمى ~~التيفوئيدية بلا «يا»، وكذلك ملاك الموت الذي خطف روح إستير.» # أما «الخطبة على الجبل» فهي مجموعة آراء فرح الاجتماعية وإعجابه بالعلم، ولكنه عاد في ~~آخرها إلى المعلم الجليل، وحب مبادئ يسوع خلق أكثر أبطال فرح من الخيرين يكررون نظرياته ~~في كل قصة، وقد يكررونها في القصة الوحيدة، غير أن مؤلف أورشليم أمين لا يسرق ولا يشتهي ~~مقتنى غيره، ولا يفعل بالناس ما لا يريد أن يفعلوه به؛ ولهذا نسب كل رأي إلى صاحبه، ~~ولكنه وا أسفاه لو عاد اليوم لقال مع الإمام علي: أرى تراثي نهبا. ~~(8) مريم قبل التوبة # لا ألخصها لأنها غير كاملة، فيها أدق وصف للعراك الداخلي في نفس المومس، وأحوالها ~~الخارجية مع الذين يزورون دكانها ليشتروا من بضاعتها الهاربة، وفيها رأي السذج بهذه ~~المرأة وخوفهم من الدنو من بيتها؛ لأن فيها سبعة شياطين نقدا وعدا، كما خبرنا الرسل ~~الأطهار، أنطق فرح الراعي بذلك فجعله من الخالدين، وفيها الحديث الراقي بين مريم ~~وزوارها المثقفين، وإن قل حظ سنيكا ms046 الفيلسوف الروماني منها؛ فلأنه جاءها وقت نوبة ~~سوداء، أما أسلوب القصة وإنشاؤها فأروع ما أنتجته قريحة فرح. # يظهر أن ذات الجمال الفتان مثقفة، والبرهان تلك الرسوم الرائعة التي صورها بها ~~الفنان، فهي تهيج الخصي كافور الإخشيدي وتصير الخلي شجيا، فإن وضع فرح في فمها آيات ~~بينات فلسان المجدلية يحملها بسهولة، فالتي تعطي وتأخذ كأم سيبويه لا يصعب عليها ما ~~قالت دفاعا عن قضيتها، أما جاءها الشاب يوسف وبكى متأسفا على جمالها الممتهن، واعتذر ~~لبكائه بذكرى أمه، فأدرك كنهه عقل مريم الحصيف فراودته، ولما صرح كانت أخف من النسيم ~~ودعته إلى الزواج فتلعثم ونكل، وما هذا في نظري إلا توطئة لعذر المسيح لها غدا، ولكن ~~الرواية لم تتم. # إن مسرح رواية مريم هذه ومسرح رواية أورشليم واحد، أما المبادئ فمتناقضة، والمرجح أن ~~المؤلف كتب أورشليم قبل قراءة نيتشه، ولولا ذلك لما حشر مبادئه في قصة مريم، إن نيتشه ~~تيه فرح أنطون فأذاع مبدأه العنيف، وهدمه في ساعة بحث بين مريم وشاب روماني، ولم تتم ~~القصة لنرى رأي فرح الأخير الذي «أبقاه إلى ميعاده» كما مر، ولكنني أعتقد أن المعلم ~~صفى الحساب في خطبته عند شلال نياغرا التي تسوى كتابا خالدا. # وبعد، فإننا نشعر بأن الكثيرين من أبطال فرح هم أخوة الكثيرين منا، نشترك معهم ~~الاشتراك الكامل، ومتى رأيت في البطل عدوا أو صاحبا كان مخلوقا خلقا سويا، كملاك ~~الرب حين تمثل لمريم العذراء، إن هذا «الاشتراك» جوهر القصة الفرد، والقصصي المطبوع ~~يلبس لكل حالة لبوسها كابن همام الحريري، وهذا ما فعله فرح، فرأيناه بطريركا جليلا ~~وفيلسوفا كبيرا، وبهلولا لامعا وعاشقا حاميا، وهو في كل هذه المواقف يجيد إجادة ~~متفاوتة. # تخلق الطبيعة عوالم تموت، أما عالم القصة فلا يموت ما دمنا نقرأ، ومثلما ينبغ أفراد ~~في العالم كذلك يكون في عالم القصة، وهذا ما وفق إليه فرح الذي لم يغفل عن حل أكثر ~~قضاياه كما يفعل القصصي الأصيل، وإذا شئت أن تعرف لون فرح فخذ حفنة من تولستوي ونيتشه ~~وسيمون وروسكن ورنان ms047 وامزجها يبد لك لون فرح أنطون. # أما لغته فسهلة سلسة لم تخل من الغلط النحوي واللغوي، قد يكون سببه ذهول فرح وسرعته، ~~أما رأيه في الكتابة فهو ينبئك به عني، وهذا ما كتب: # وعلى ذلك فحقيقة البلاغة ليست في قواميس اللغة وكتب الأدب ليذهب الطلاب ~~ويفتشوا فيها عنها، فمن لا يملكها في نفسه فعبثا يطلبها في الكتب، فإنها حسناء ~~ذات دلال، لا تسبى إلا مرة واحدة وذلك حين نزول الإنسان من جوف أمه، فالبلاغة ~~إذن حسن فطري باطني أي نفسي، كما أن جمال الوجه حسن خارجي. # إلى أن يقول: # ويعلم حينئذ الذين ينسبون إلى اللغة العربية القصور عن مجاراة لغة الإفرنج ~~أنهم ظلموها بذلك؛ لأن القصور هو في أسلوبها البدوي القديم الذي لا ينطبق على ~~حاجات العصر لا فيها نفسها؛ لأنها لا تخرج عن كونها لغة سامية رقيقة يعبر بها ~~عن كل العواطف الجميلة، متى هجر ذلك الأسلوب وحل محله الأسلوب الذي يسمونه ~~إفرنجيا، وهو في الحقيقة طبيعي أزلي؛ لأنه سبق الإفرنج واليونان والرومان ~~ووجد الإنسان في أول بلاغته (الجامعة، ج4، ص314 و315). # وأخيرا إننا نشكر فرح أنطون كثيرا، فقد أمضينا وإياه أكبر حصة من الصيف، فأرحنا ~~الكثيرين من شرنا فصيفوا مستريحين. # لقد كانت سياحتنا عجيبة، إذ رأينا في تلافيف ذلك الدماغ الكبير عجائب غرائب، وها نحن ~~نودعه راجين أن نلتقي مرة أخرى، وهيهات. # | حول جبران ومي # (1) بين عين كفاع وعاليه: «الأندلس الجديدة - العصبة - أبو الهول - كراتشوكوفسكي - جبران ~~الخالد» # عدنا فهل من يقول العود أحمد؟ # كتب علي كل عام خطوتان، بل رحلتان: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وإن لم أعبد رب البيت ~~الذي أطعمني من جوع وأمنني من خوف؛ فلأنني أراه يمنيني بما لا يعنيني، فهو لي كابن ~~يقطين بشار، أريده للدنيا وراحتها، ويريدني يوم الدين للدين، ومن لج كفر، فلو زوجني ~~بنته هذه لمهرتها من الغلف والقلف أكثر مما مهر شاول بنت داود الملك والنبي ~~التائب! # ويلي إن شكوت وويلي إن سكت، أنا بين ويلين كهريرة الأعشى، لقد صمت مكرها ms048 خمس ~~جمع، ولو ذات سوار لطمتني للذ لي اللطم، وكانت المصيبة هينة، ولكنها - أجلك الله - ~~تعسة دابة، حطمت الآلة الكاتبة، ورضت لي أضلاعا، فدوختني أياما، وإليك الخبر : # بتنا على سفر فالتأم مجلسنا - مجلس القرية - للوداع، وكان الحديث، ذاك يقول ~~للمكاري: هذه آخر مرة يا بطرس يركب دابتك الأستاذ، ~~وذاك: غدا؛ أي بعد أشهر، تزمر سيارته في الوطا وتشق الضيعة فينزل قدام الباب، غدا ... ~~غدا ... وكلنا: # نرجو غدا وغدا كحاملة # في الحي لا يدرون ما تضع # ثم كان الوداع الحار: بوس، وشد أيدي حتى حسبتنا نتصارع، وأخيرا هونها الله فمرت تلك ~~الساعة بسلام. # ثم أصبحنا والأتان مربوطة أمام البيت تامة الكسوة، حلس فبردعة، ومفرشة تحتها خرج في ~~إحدى عينيه الآلة الكاتبة، وفي الأخرى ما يعادلها من متاع، فالأثقال كالطائفية تتطلب ~~التوازن. # مشت غزالة - اسم الحمارة - وكان العهد بها فارهة؛ لأنها غير عانس، فإذا بها تتلكأ، إن ~~جذبت رسنها وقفت، وإن أرخيته اصطكت ركبتاها، فقلت لبطرس: أيش مصيبة دابتك ~~اليوم؟! # فأجاب: خيسها سقوط الليرة أكثر من خمسين بالمائة، خذ حذرك، ظننته يهزل كعادته فقال: ~~ما لك؟ ما نسينا أيام الحرب. # فسكت وسرت وأنا على يقين من أن الحمارة ساجدة شكرا لله على حملها الخفيف، ولما ~~أسهلنا أخذت تنتق بي، ثم طفقت تنطق من خلف كحمارة الجاحظ، فضحكت وقلت لرفيقي: إنها تكذب ~~بطرس. # فسمعها بطرس وضحك قائلا: يا ليت ... # وبعد سير قليل شرعت تحيد عن الطريق وتمشي في الحقل - والحقل عندنا كما علمت خير من ~~السكة - فتذكرت أتان بلعام الفصيحة، حين قام صباحا وشد عليها وانطلق مع رؤساء موآب، ~~فحمي غضب الله ووقف له ملاك الرب في الطريق، وسيفه مسلول في يده، فمالت الدابة عن الدرب ~~مرارا حتى وقف ملاك الرب في مضيق، فربضت الدابة تحت بلعام، فحمي غضب بلعام كربه من ~~قبل، وضربها بالقضيب، ففتح الرب فمها، وكان حديث بين الأتان وبلعام يدل على أن الحمارة ~~كانت من كبار علماء المنطق وأصحاب البحث العلمي، اقرأ هذا الحوار في سفر العدد (الفصل ~~22)، وإياك ms049 أن تنسى أن الملاك قال لبلعام: لو لم تمل حمارتك من قدامي لكنت قتلتك ~~واستبقيتها. # أما أنا فلم يقع لي شيء من هذا، ولا أذكر من هول تلك الساعة إلا أنني سمعت هاتفا ~~يقول: فلتحي المساواة، ولتعش وزارة النافعة! ~~••• # سبحان من عرى صيفي وجعل خريفي مورقا، كيف أطلعني «أحد المعجبين» على مجلة «البرازيل ~~المصورة»، فزادني قرفا للأدب العربي ما خلا اليسير منه، كانت سياحتي فيها كوجود أحمد ~~فارس الشدياق في مالطة؛ حيث قال: «ومن يكن من العرب ذا غيرة على لغته فلا يطيق أن يسمع ~~الكلام المالطي على فساده.» # ومع كل ما تحلت به البرازيل المصورة من ركاكة، أقول إنني قرأت تقريظا لها في الأندلس ~~الجديدة والعصبة وأبي الهول. # صار الكلام في شعرنا البلدي - شعر المناسبات - ضربا من العبث، كان في نيتي أن أحدثك ~~باختصار عما قيل في مأتم المتنبي بدمشق، فوجدت القصائد متقاربة، فقس على ما قيل وما لم ~~يقل، واعذرنا فقد تناولنا المتنبي وحفلاته العديدة أكثر من مرة، فالحمد لله على سلامة ~~لحيته من النتف مرة ثانية، ولكننا لن نعفي أحدهم حين تصل إلينا قصيدته الثانية، التي ~~هجا بها أمة علمته «مدرستها الجديدة» أدبه الذي يعتز به ويحمد عليه، أما الآن فإني ~~محدثك عن «أندلسنا الجديدة» عن أدبنا في البرازيل. # فليلة سفرتي البلعامية حمل إلي صاحب البريد مجلة «الأندلس الجديدة»، وما بلغت عاليه ~~مطحطحا حتى وردت علي مجلة «العصبة» وجريدة «أبو الهول» فتعزيت، وهكذا أورق خريفي ~~كما قلت لك، ثم بعد أيام فرحني كتاب «عابرة سبيل» الصادر عن بروكلين، فأنساني بعض ~~أوجاعي. # الأندلس الجديدة مجلة مجلوة كالعروس ليلة زفافها، حسن نفسي في جمال جسدي، فلو رأتها ~~ولادة لضاحكت بين جداولها حبيبها «المسدس» وتذاكرا معا شعرها الرائق مبنى ومعنى، شعر ~~تنزه أكثره عن البضاعة الرائجة في «بندرنا»، ذاك الشعر الذي يصبحني كل يوم صباح أحلت ~~أي أحلت. # إن أثواب هذه العرائس «الأندلس الجديدة، العصبة، أبو الهول» تعبق بعطر لبنان، أما ~~قلبها فينبض بحب العرب، ولا غرابة في هذا الأمر ms050 فاللغة العربية ربيبة لبنان في هذا ~~الدهر، رافقتهم في رحلاتهم البعيدة فأروها محاسن الدنيا أجمع، وأروا العالم جمالها ~~الفتان، كانت ربابهم فأسمعوا الدنيا أعذب الألحان وأشجى الترانيم ، لا ينخفض لهم صوت حتى ~~تليه نبرات، فما كادت تهمد مدرسة جبران الخالدة حتى طار قبس منها إلى البرازيل فاضطرم ~~واتقد، والعدد الذي أحدثك عنه من الأندلس الجديدة هو عدد تموز الممتاز، مهدى «إلى روح ~~جبران الخالد» سيد أدباء جيله - الجيل بمعناها الأصلي - وإمام المجددين في هذا العصر، ~~وإليك عبارة صاحب الأندلس الجديدة الشاعر شكر الله الجر، وهي مكتوبة تحت صورة جبران: # أجل - إلى روح جبران الحبيب - نقدم هذا العدد، وهو كل ما نستطيعه من تكريم ~~ذكراه بمناسبة الحفلات التي يقيمها أدباء الأميركان؛ لمرور أربع سنوات على ~~انتقاله إلى دار الخلود. # فإليك يا جبران الحبيب هذه الأضمومة العاطرة من أزاهر حبنا، تقديرا لآلامك ~~المريرة وجهودك القاصمة في سبيل تحريرنا من قيود الجهل والتقاليد، والنهوض بنا ~~من مهاوي الظلمة إلى مشارف النور، إليك أيتها المسرجة التي ستتحول مع تحولنا - ~~قلت ولا شك - إلى منارة وهاجة تنير شواطئ أفكارنا وأحلامنا، فنهتدي إلى حقيقة ~~كياننا الضائع في كياننا. # سلم فمك يا شكر الله، امض في سبيلك فالحق معك، لا أقول شيئا في «غمائك» المطرزة ~~بألوان المغيب الذي أتمتع به في عاليه كل مساء، بل أرجئ كلمتي إلى يوم تظهر في أفق ~~الأدب، وإذ ذاك نقابل طلتها بما يستحق، لا تتوقع مني ثناء صرفا، فبوس الأيادي ضحك على ~~اللحى. # صدر الشاعر شكر الله الجر مجلته المومأ إليها بمقاطع من مواكب جبران عنونها «معجزات ~~جبران»، كما فعل من قبل الصديق الأعز الشيخ فؤاد حبيش في المكشوف يوم نشر ردا علي، ~~قلت هذا استطرادا إلى محو ما علق بالأذهان من زعم السيد عباس محمود العقاد يوم نقد ~~«المواكب» حين ظهر، قال في «الفصول» (ص46): ~~«وقد فتحنا الكتاب - أي المواكب - فوجدنا في أول شطرة من أول بيت خطأ من هذا القبيل ~~في قوله: # الخير في الناس مصنوع إذا جبروا ~~... ... ... ... # يريد ms051 أجبروا.» # قلت: نعم وهي كذلك، كان على الأستاذ العقاد أن يتثبت فيما يقول قبل أن يكتب مهولا: ~~«في أول شطرة من أول بيت»، كأنما أنزل على الأرض كسف من السماء فخربت، راجع ~~الفيروزآبادي وغيره حتى أصغر المعاجم لتعلم تعنت العقاد، إننا نسأل العقاد وأضرابه: من ~~أين جاءت الجبرية؟ - الطائفة التي تقول إن الإنسان مجبور لا اختيار له ولا قدرة، وإن ~~الله قدر عليه أعمالا لا بد أن تصدر منه - أنغلط كل من قالوا الجبر الجبرية، لنخطئ ~~جبران؟ فما رأيت المجبرة إلا لابن النديم. # نعم إن جبر لغة تميم، ولكن الذين تكلموا بهذا الحرف وجاروا بني تميم فيه كلهم عرب ~~صحاح اللسان، أيظل هؤلاء الذين يحلو لهم أن يكونوا جبران يسقطون على هذه السفاسف التي ~~لا تعلي ولا تسقط! لست أنكر أن جبران في نثره أشعر منه في نظمه، ولكنه كيفما دارت به ~~الحال، لا يقل عن العقاد نغمة شعرية على قلة ممارسته النظم، بل يفوقه كثيرا. # ثم قال العقاد: «لم ننته من الصفحة إلا على خطأ ثان في قوله: # فأفضل الناس قطعان يسير بها # صوت الرعاة، ومن لم يمش يندثر # والواجب جزم يندثر.» # قلت: لا يا أستاذنا العلامة! الجزم غير واجب، فمن هنا اسم موصول، ومثل هذا كثير في ~~كلامهم، فليراجع الأستاذ العقاد كتب النحو، وإن شاء فأنا أدله «مغني اللبيب»، ولا أشك ~~في أنه ذاك، فليفتح صفحة 19 من الجزء الثاني طبعة سنة 1302 هجرية، على صاحبه وآله أفضل ~~الصلوات وأذكى التحية. # ثم قال العقاد: «هذا وليس في الصفحة إلا أربعة أبيات»، ليوهمنا أن «مواكب جبران» ~~الراقصة من سقط المتاع، ولكن العقاد كان أسود البخت فأخطأ الغرض ونقد الحبة بمنقار أعوج ~~فأفلتت منه سالمة. # ثم انتقل العقاد من نقد المبنى إلى نقد المعنى فقال: # فإذا ما اللوز ألقى # زهره فوق الهشيم # لم يقل هذا حقير # وأنا الملك العظيم ~~«قلنا - أي العقاد - إنه لا يقول ولكنه يفعل»، قلت أنا: ليس هذا ما عناه الشاعر، وكان ~~على الناقد أن يكون أرحب ms052 صدرا وأبعد نظرا ليفهم ما يقصد. # إن أكثر من ينتقدون جبران كهذا الفاضل، وجلهم من تبابيع أدبه، يتمنون أن يشبهوا به ~~وإن أعجبوا بمثل هذا النقد الزيف، ولكن عارفي قدره يرون أن عناصره في الأدب الحديث حية ~~لا تموت، ولا يرون من يدانيه أو يقاربه من هؤلاء المقلدين، وأنه سيظل نسيج وحده، وكأنما ~~هذه العبارة كتبت لتقال فيه وفي أشباهه من نوابغ العالم الأفذاذ. # وبعد، فإن كان لي كلمة أقولها في مجلة أخي شكر الله، فهي أنه يغالي كثيرا في تقديم ~~كتابنا إلى قرائه، وينتقي لهم أضخم الألقاب وأفخمها، لا أنكر أن بعضهم جنوا بها وقد ~~يضربون ولا يلبون إن لم يبرزها لهم، ولكن ما علينا لو عودناهم، فالأديب الكبير حقا لا ~~يغر بمثل هذه المضحكات، فليته يكتفي بأسمائهم فقط، وليت أدباءنا الكبار يتشبهون بسيدات ~~البيوت الخطيرة، أما تركن التزين بأساور الذهب لخادماتهن ووصيفاتهن! # وأخيرا لا أكتمه أن تقريظه البرازيل المصورة بقوله: «تشمل على أروع المقالات وأبدع ~~الشعر، وألطف المستظرفات» يثير ظنوني، ويشككني فيما يغدق من ألقاب. # لا تصدق يا أستاذ مسرة، فزملاؤك يمزحون، والحق هو ما قلته أنا فيها، فإن كنت قرأت، ~~فاعمل على تهذيبها وتجميلها إن كنت تطلب لها خاطبين. # أما مجلة العصبة التي رأيت وجهها الصبيح ولم أضرب لها كف موعد، فهي لسان حال «العصبة ~~الأندلسية» أخت رابطة جبران الأدبية، بل بنت تلك المدرسة الدارسة التي يصح فيها قول ~~دعبل في آل البيت: # مدارس آيات خلت من تلاوة # ومهبط وحي مقفر العرصات # متع الله عصبة الخير والأدب الصحيح بعمر طويل لنحيي ثقافتنا بين الأمم. # تطالعك مجلة العصبة بأروع مشاهد لبنان، جبار القطر الشامي، وتريك أمجد آثار العرب ~~وتسري إليك بعطر الأندلس ممزوجا بأريج لبني لبنان، فإلى الأمام يا شباب العرب، ولا ~~أقول شباب لبنان فلبنان أصبح مرادفا للعروبة، وإن نفره ما تهربه أقلام بعضهم على ~~الطروس، لست أعني إلا بعض أدباء وشعراء، فما أنا بسياسي لأناقش كتابها. # إن صح أن اللسان يوحد الأمم والشعوب، فجماعاتنا المنتشرة في ms053 كل الأقطار المسكونة هم ~~دعاة القومية العربية لا غيرهم، فهم الذين حثوا أمس ويحثون اليوم وغدا كل عربي من ~~مهاجر ومقيم على تقديس لغته وقوميته، وهم الذين احتلوا مقاما ساميا بين أمم الأرض، ~~والذين خالطوا شعوبها مخالطة الأشباه والأنداد، وأفهموا بعضهم أنهم أحفاد الأمة ~~العربية، فحنوا على جدتهم المرحومة وذكروها بالخير. # قد تظنني مبالغا إن قلت لك إن مجلاتهم الراقية تحبب إلينا لغتنا، ولكنك ذاهب مذهبي ~~- إن شاء الله - متى طالعت «العصبة» الحافلة بكل طريف مفيد من شعر عال وأدب صحيح، إلى ~~تاريخ مجيد يهز النفوس ويرفع الرءوس. # وحياتك يا أخي، إن آثارا كهذه تجمد شبابنا المائعين فلا يذوبون في الأمم الطارئة ~~علينا، أو الشعوب التي طرأنا عليها، فشكري الخوري في «أبي هوله» لبناني فوق كل لبناني، ~~وهو ممن عيدوا للبنان في زمن عبوديته «6 أيلول»، حتى حاول الرجل أن ينشئ أدبا ~~لبنانيا لغة وتفكيرا، فأخرج لنا منذ عشرات السنين روايته الرائعة «فنيانوس» نعم ~~فنيانوس وشقفه. # لم ينس المتمشرق غناطيوس كراتشوفسكي فضل صاحب أبي الهول في بحثه «أدبنا الحديث» فقال ~~كما ترجموا لنا: وقد شرع شكري الخوري في محاولة طريفة، وهي استعمال اللهجة السورية - ~~قلت اللبنانية - الدارجة في الكتابة ولكن أحدا لم ينسج على منواله. # واعجبا للمتمشرق أغناطيوس، أينسى المكرزل صاحب جريدة الدبور الطريفة الحلوة النكتة، ~~وحنا الفغالي صاحب «شموني» القصة البديعة، فهي أخت فنيانوس شكري وعلى طرازها وإن تفاوت ~~سنهما، بل أعجب له سبع مرات، وهو يؤرخ أدبنا المعاصر كيف لا ينسى حليم دموس وينسى هذين ~~المنشئين، فيقول عن شكري الخوري: ولكن أحدا لم ينسج على منواله. # ولكنك لا تلوم غناطيوس مثلي متى علمت أنه «مكبر فوتوغرافي»، لما كتبه العلامة المدقق ~~الأستاذ جب عن أدبنا الحديث، كما ضخم العقاد مقالات صديقه المازني في ابن الرومي فجاءت ~~كتابا غليظا، فالذي يقول - إن صحت الترجمة فليس الأصل عندي - أن القصة العربية ~~التاريخية شاعت أولا في محيط البستاني فعذره بين كالعنزة البلقاء. # يا لله من بعض هؤلاء المتمشرقين كيف يتصدرون للحكم وما ms054 عندهم من آلته شيء، إنهم ~~ككتابهم الذين يكتبون عنا ما لا يعلمون، لقد ذكرني هذا بشكسبير حين أرسى المراكب في ~~حلب، وبشاعر فرنسي - أظنه دي هيريديا - قال: إن لبنان يدخن، ظانا أنه جبل ~~بركاني. # فأي طالب علم لا يعلم أن المحيط كتاب لغة وضعه العلامة البستاني فأحل فيه رأس الكلمة ~~محل ذنبها، أظن «غنطوسنا» هذا أراد «الجنان» فأخطأ في النسخ، وجاءت غلطته ثخينة غريبة ~~مثل آرائه العمشاء. # ما رأيت كراتشكوفسكي إلا ناسخا سالخا ماسخا، كما عبر ابن الأثير في «أدب الكاتب»، ~~فهو لم يبرح الدائرة التي رسمها الأستاذ جب، وإن خرج من تلك الصيرة رقص رقصة الجدي ~~هنيهة، ثم عاد إليها يفتش عن ضرع أمه ... فما كتبه الأستاذ جب عن أدبنا يدل على درس من ~~يتفهم الكلام ويمحصه، لا على نقل ومسخ كما رأيت في فصول كراتشكوفسكي الثلاثة التي ~~قرأتها مترجمة في رسالة الزيات. # رحم الله الشدياق ما كان أنبهه، حين خص أمثال كراتشكوفسكي بالذكر في «ذنب الفارياق» ~~التعبير للشدياق، فاقرأ هذا الذنب العاقل وقل إن هذا الشدياق الذي يقول عنه كراتشكوفسكي ~~«وفي البلاد غير العربية امتاز العصر بظهور بعض الكتاب النوابغ كأحمد فارس الشدياق»، ~~كان بابا اللغة لا شدياقها. # لقد حفظها عن ظهر قلبه كالماء الجاري فألف الطرائف المعدومة النظير، وصف لك ما مر على ~~رأسه من المحن، وما رك وما التك، آلمه غرور متمشرق وادعاؤه على قلة بضاعته، فقال في ~~ذنب فارياقه: «وإنما الغرض من هذا الكلام هو أن أبين لهذا الرملي الهارف المتملق، ~~مناضلة عن شيوخي الذين أخذت عنهم من العلم ما أخذت، أن شيوخه لا يحسبون في عداد ~~العلماء، نعم إن لهم باعا طويلا في التاريخ فيعرفون مثلا أن أبا تمام والبحتري كانا ~~متعاصرين، وأن الثاني أخذ عن الأول، وأن المتنبي كان متأخرا عنهما، وأن الحريري ألف ~~خمسين مقامة حذا بها حذو البديع وما أشبه ذلك، إلا أنهم لا يفهمون كتبهم، ولا يدرون جزل ~~الكلام من ركيكه، وثبته من مصنوعه، ولا المحسنات اللفظية والمعنوية ولا الدقائق ms055 ~~اللغوية، ولا النكات الأدبية ولا النحوية، ولا الاصطلاحات الشعرية، فغاية ما يقال أنهم ~~نتفوا نتفة من علوم بواسطة كتب ألفت بالفرنسوية.» # وإن شئت أكثر فخذ «كشف المخبأ»، واقرأ ما يحدثك به عن الدكتور لي حين كان يصحح له ~~ترجمة التوراة، ثم ما كتبه عن بعض أساتذة اللغة العربية في جامعتي كمبردج ~~وأكسفورد. # أجل لقد بذر الشدياق لغتنا الفصحى في كل الأقطار كمصر ومالطة، وإنكلترة وفرنسا وتونس ~~حتى بين أتراك الأستانة، ثم في العالم كله «بجوائبه»، وكأنما عناه ابن زريق البغدادي ~~بقوله: موكل بفضاء الله «يزرعه». # أقدرت الآن هيام لبنان بلغة العرب وسبقه الدائم، أمس واليوم، إلى التجديد؟ فهو باني ~~النهضة الحديثة ولا أقول «الانبعاث»، فاللغة العربية لم تمت لتبعث، بل لاذت إبان محنتها ~~بكهفين: لبنان والأزهر، فاللبناني مشاء دائما إلى التجديد والإبداع، ما وقف ولا يقف ~~ولن يقف، ولديه في كل زمان شاهد عدل، حاول ويحاول التجديد في كل دهر، وحسبك شاهدا هذا ~~التطور الذي تلمسه في مدارسنا الحديثة، وإن لم تتكامل بعد فرؤية الهلال تبشر ~~بنموه. # لا أشك في أنك قليل الإيمان بما أقوله لك، ولكنك ستؤمن مثل العم توما حين يمسها ~~أصبعك، والآتي قريب فادع لي بطول العمر، والله يحفظك ويبقيك. # ولنعد إلى مساق الحديث عن هذه الصحائف التي تذاع في جنوبي أميركا، أليس من الحيف على ~~شباب العرب ألا تكون في متداولهم ومتناولهم، وفيها ما فيها من أدب سني ودروس قومية؟! ~~فليت غرف المطالعة - على الأقل - تطلبها، وهل يكثر بدل الاشتراك الزهيد على من يعلم ~~شبابنا المتهافت على قصاع الأجانب كيف يحب لغته ويعبدها؟ # ففي مجلة العصبة نصرة للمغلوب على حقه كقصيدة الشاعر شفيق معلوف الرصينة، وقد نقلتها ~~صحفنا، وفيها رسائل يتيمة لزعيم الأدب الجديد جبران تبين بعض مشاعره الدالة على أنه بشر ~~مثلنا، وليس من الجن والعفاريت كما فهم بعضهم، وفيها قصيدة متينة للشاعر القروي ورسوم ~~رائعة لبعض مشاهد لبنان، وصورة سيد المرسلين محمد - كما تخيله جبران، نابغة الفنين: ~~الرسم والأدب - تليها قصيدتان غراوان في مدح ms056 هذا النبي المفرد للشاعرين حسني غراب ونصر ~~سمعان، ثم رسم عربي محض - موت عبد الرحمن الثاني - كله فن وروعة، وهناك بحوث شتى ~~ومقالات وقصص موضوعة ومترجمة تملي على المتفرنجين منا دروسا عالية، أخص منها بالذكر ~~«ذكاء بدوي» مترجمة عن الإنكليزية لإثبات ما يدل عليه عنوانها، وفيها نبأ ترجمة كتاب ~~نبي جبران آية الشرق للغرب، بقلم الكاتب يوسف مرعب، ترجمه إلى البرتوغالية كما ترجم من ~~قبل دمعة وابتسامة، والأجنحة المتكسرة، والأرواح المتمردة وغيرها من مقالات جبران، ~~فاستقبلت بما يستحقه خيالها السامي وإبداعها الطريف، فهل تسمح مديرية المعارف الجليلة ~~فتتعرف بأديبها المنفي؟ # وفيها أخيرا: أصدر الكاتب المدقق واللغوي المعروف جورج مسرة مجلة شهرية في الحاضرة، ~~دعاها «البرازيل السورية» وقد مر ذكرها، قد يكون الأستاذ جورج كاتبا مدققا ولغويا ~~محققا، أما الكعك فما دل على العجين. # ولا أنسى قصيدة الشاعر إلياس قنصل «كيف خلق الله الأزهار»، ففيها شعر أكثر مما في ~~ديوانه «السهام» كله، وهذا دليل جديد - لي - على أن الشعر الوطني أمسى علكة يتعذر ~~الإبداع فيه إلا على القروم، لكثرة ما لاكته الشعراء منذ ابن كلثوم حتى بشارة الخوري ~~وعمر أبي ريشة، فليس كل ما يقوله الشعراء شعرا وطنيا. # وما وقعت عيني على فهرست العدد السادس من العصبة حتى رأيت توفيق ضعون، فتذكرت ما كان ~~يذيعه في «النصير»، رحم الله ذاك العهد، فهل أنت هو يا توفيق؟ فإن كنت ذاك فابعث إلي ~~بعنوانك فلي كلمة أسر بها إليك. # والعدد السادس حافل كأخويه بالشعر الطلي والمباحث المفيدة التي تنم عن مجاهدة مستمرة، ~~أمد الله الأستاذ حبيب مسعود مدير العصبة بصحة وعافية، وأخذ بيده ليثابر على عمله ~~النبيل، وحيا الله إخوتنا في وطنهم الثاني، ولا أقول غربتهم فمن كان هذا شأنهم فكل بلاد ~~الله أرضهم، والعربي مطبوع على الفتح. # أما شكر الله الجر ذاك الكناري الفصيح، فما قرأت له شيئا في «العصبة»، أتراه اكتفى ~~وترك سربه ليغني وحده كأنه نسي أن الطيور على أشكالها تقع؟ # وأخيرا لا بد لي من رأي أبديه بإخلاص للشاعر ms057 القروي صاحب «شرر الفكر» في هذا العدد، ~~فقوله: # رباه إني قد عصيتك عامدا # لأراك أجمل ما تكون غفورا # ولقد جنيت من الذنوب كبارها # ضنا بعفوك أن يكون صغيرا # رصين بليغ لا يمكن سبكه في قالب أبدع وأجمل، ولكن الفكرة طريدة أجيال ودهور، فمن عهد ~~الخيام وأبي نواس حتى زمن إسماعيل صبري أمس، وهي تتدهور في حناجر الشعراء، الأخيار ~~والأشرار منهم، أما قائلها الأول الذي لاكها ومسها أي مس ولم يترك إلا المجاجة، فهو ~~إفرام السرياني الشاعر الصوفي العظيم في عرفي، والقديس الطاهر وملفان البيعة في عرف ~~الكنيسة، ليت المقام يسمح لي فأترجم لك كثيرا من أقواله، لترى كيف كان يتغنج ويخاطب ~~ربه بلا كلفة؛ أي # SANS FASONS # كما يقول الشيخ فولتير، ~~ولكني لن أحرمك واحدة منها وهذه هي: «إن كان العبد بلا خطيئة فمن أين تعرف رحمة السيد، ~~ارحمني يا الله ... إلخ.» # أرأيت الغنج والدلال، أأيقنت أن الله جل جلاله سبحانه وتعالى، طويل البال واسع الصدر، ~~ما انتحر ولن ينتحر أحد من عشاقه الكثيرين، وسيعفو عنك عفوا كبيرا يليق بعظمته ~~وجبروته، وبينما أنا أحاول ختم حديثي بالتي هي أحسن عن رواد أدبنا الحديث ودعاته في ~~العالمين، وقد أدهشني إخلاصهم للغتهم، إذا بأحد تلاميذي - عراقي - وقد بلغه أني لزمت ~~غرفتي لعارض فأتاني عائدا، فتجملت في محادثته هنيهة ثم عدت إلى شغلي، وأخذ هو الأندلس ~~الجديدة والعصبة وأبا الهول وقلب أوراقها، وما كاد ينتهي من استقرائها جميعها استقراء ~~عجلان حتى أعجب بعروبة أصحابها وكتابها، وقال لي بلهجته العراقية: هلقد عرب؛ أي أهم ~~عرب بهذا المقدار؟ # قلت: نعم وزيادة. # وهكذا أيد التلميذ معلمه، وأحسن ختام مقالة من حيث لا يدري. # وعندما قرأ الأستاذ جب هذه المقالة بعث إلي بهذه الرسالة، وهي ليست أولى رسائله، وقد ~~آثرت نشر صورة لها ليقدر القارئ العربي همة هذا العلامة الكبير واهتمامه بأدبنا العربي ~~الحديث. ~~(2) جبران خليل تقي الدين # قرأت في جريدة «المكشوف» الغراء مقالة «جبران خليل جبران كما أفهمه» للشيخ خليل تقي ~~الدين، فخلته يحدثنا عن طهرا ms058 بك الفقير الهندي الذي جاء بيروت منذ أعوام وعمل العجائب، ~~أو عن «مغربي» جاز الدكتوراة من «مغارة دانيال» التي ينفتح بابها كل عام مرة كما يقول ~~الناس. # أجل، إن جبران خليل تقي الدين أحجية لا تفك، فكأنه في مولده عمرو بن كلثوم، وفي موته ~~أمية بن أبي الصلت. # ولماذا لا؟ ألم يقل الصديق خليل في جبران: فإذا مولده مطلع عهد جديد، وإذ وفاته ~~تاريخ! # ما هذه الحيرة يا أستاذ؟ جبران بشر مثلنا، ولد في بشري من ذكر وأنثى (سنة 1883)، أمه ~~«كاملة» بنت الخوري إسطفان رحمة، وهي أرملة لا عذراء، اسم زوجها الأول حنا عبد السلام ~~رحمة، واسم الثاني خليل جبران «سميك»، لا أدري من أوحى إلى الشيخ يوسف توما ~~البستاني تلك الكلمة، التي كتبها في مقدمة «البدائع والطرائف» عن مولد جبران «ويقال بل ~~في بومباي الهند» حتى جعلها ميخائيل نعيمة مفتاحا لقبر صديقه جبران، لست أعني أن نعيمة ~~أساء إلى جبران بقوله عنه: إنه حب وأحب، ولا فيما خبرنا من قصص، فليس جبران ذا ~~طبيعتين. # أما كلام جبران وهو موضوع بحثنا فعربي مفهوم، أما كيف يخفى على الشيخ خليل ذي العقل ~~الراجح، والنظر الثاقب، فهذا ما يحيرني، لقد حيرني تحويم الشيخ ودورانه، وهذا التجاهل ~~وتلك الألفاظ الضخمة الطنانة التي أنعم بها على جبران بلا كيل ولا ميزان «سر من ~~الأسرار، نبوغ، عبقرية، رسالة، خلود، نبي، رسول، فيلسوف، ألغاز، رموز» وهلم جرا، فكأن ~~جبران هندي حقا ومن مواليد بومباي، والشيخ أيده الله، يريد أن يقلده عقدا من أزهار ~~بستان اللغة. # أنا قلت: إن لجبران أسلوبا عربيا معروفا كالعنزة البلقاء، ولجبران تلاميذ في كل ~~قطر يقرأ: أبجد هوز حطي، وبسم الله الرحمن الرحيم، وطوبى للرجل، اقرأ ما كتبه «حجازي» ~~في رسالة أحمد حسن الزيات (عدد 149، ص784) عن النهضة الأدبية في شبه جزيرة العرب، ~~فصاحبها يعترف بأنهم كانوا تلاميذ المدرسة الجبرانية قبل أن «يرتدوا»، ويتتلمذوا ~~للمدرسة المصرية التي ناهضت مدرسة جبران باسم الثقافة الإسلامية، كما قال المتمشرق «جب» ~~وقد نشرت السياسة الأسبوعية هذا ms059 الزعم بكل فخر (عدد 201، ص2)، فلماذا نتجاهل هذا ~~ونحاول تحديد جبران من الجهات الأربع، كأننا نكتب فيه صك بيع؟ إن بحثنا لم يتعد الأسلوب ~~الجبراني، ولم نسأل مجلس المعارف الأعلى إلا وضع صاحبه بين أصحاب الأساليب، فكان ما كان ~~مما لست أذكره. # أما زعم الشيخ أنه قال في ذلك اليوم وتلك الساعة: إن جبران خليق بأن يدرس في كلية من ~~كليات الآداب، فذكرني قصة رجل عزل عن وظيفته فحار في أمره حين سقطت سلطته، وقد تعود ~~الأمر والنهي، فاشترى بضعة أباريق صفها أمام داره لعابري السبيل، فكان إن تناول أحد ~~منهم الإبريق العتيق أمره بأخذ الجديد وبالعكس. # أين كلية الآداب هذه يا شيخ؟! أكلية «عليكرة» ببومباي حيث ولد جبران؟ ثم رأيتك ترجح ~~وضعه في منهاج الفلسفة لئلا يغضب إذا لم ير أعمى المعرة، فحنانيك يا شيخ، إننا نشرب ~~بالإبريق الذي تنقيه لنا فاسقنا، إنما بغير الوعد يا كمون، ألا تذكر وعد عام ~~أول؟ # لا إخالك تنسى كم ناقشناك، وكم سألناك، حتى ناشدناك ملتمسين «صفو الخاطر» على الفقيد ~~الكريم فما رحمته، ولا تركت أحدا يرحمه، وهكذا اصطلحت الأضداد في تلك الساعة على روح ~~جبران، كما اصطلحت من قبل على جسد الجاحظ. # والآن فلأمر مرا خفيفا بنقط لا بد من إيضاحها تفنيدا لما كتبته إثباتا لغموض ~~جبران. # قلت: إن ميخائيل نعيمة الذي عرف جبران وآكله وشاربه أرانا - وتراب جبران لا يزال ~~مبللا بدموع الباكين - أنه رجل مادي يبيع بالمال كل شيء حتى جسده، ويشتري بالمال كل ~~شيء حتى الحب. # اسمح لي أن أسألك: ما علاقة هذه الحكاية بأدب جبران وأسلوبه؟ هل خبرك أحد أنني أريد ~~«تطويبه» قديسا؟ ثم من يدري، فقد تكون توهمت ذلك حتى قلت بعد أربعة أسطر: فإذا مات - ~~أي جبران - أرقده رجال الدين في ظلال الأرز الخالد، وجعلوا قبره حجة ومزارا، وأضاءوا ~~من حوله الشموع، وقدسوا التراب الذي ضم رفاته، ثم دعوا المؤمنين لزيارته على أنه قديس ~~... # على مهل يا شيخ، لقد استعرت قلم غبريال شارم وبيار بنوا، فكأنك ms060 من أولئك الكتاب ~~الغربيين الذين يزورون ديارنا ويقولون علينا مثل هذا، فوا عجبا لك وأنت اللبناني ~~الصميم، ورئيس ديوان المعارف اللبنانية، كيف لا تعرف أن رجال الدين لا يقدسون حتى ~~البابوات والبطاركة! إن الشيوخ الأجلاء عندكم - الجويدين - لا يرحمون من في حياته أقل ~~شبهة - والمسألة في أيديهم - فكيف برجال الدين عندنا ويديهم قصيرة عن هذا، إن مسألة ~~تطويب القديسين مسألة شرحها طويل، وإليك مثلا يجلو لك الكثير من غوامضها: # حكي - والله أعلم - أن المجمع الروماني حال دون تطويب أحد الرجال الصالحين، حين ثبت ~~له بعد بحث مائة سنة أنه كان يتنشق العاطوس مثلي، أرأيت ما أصعبها خطة وما أبعدني ~~عنها؟ # أما قصة جبران فهاك حديثها: في صيف سنة 1930 زرت بشري وحدثت الخوري فرنسيس رحمة، وشبل ~~بك عيسى الخوري، والشيخ خليل صادق بأمر شراء ديار مار سركيس؛ ليكون مأوى لجبران في آخر ~~العمر، فأبى الرهبان الكرمليون بيعه، وبعد شهور مات جبران عن تلك الوصية التي خاب أمل ~~ميخائيل نعيمة فيها، فغر المال الرهبان، والمال غرار، فباعوا الدير - بل الكهف المهجور ~~- ونام فيه جبران إلى يوم يوقظه بوق ميخائيل، أو حين تلده امرأة أخرى كما توهم في ~~نبيه. # إن كل ما يتمتع به جبران من احترام وتكريم لا يد لرجال الدين فيه، فلو مات جبران ~~فقيرا لما عرف أحد أين قبره ولا الذبان الأزرق، أنحن في أمة تعرف أقدار ~~النوابغ؟ # ولزيادة الإيضاح راجع، غير مأمور، رسالة البطريرك إلياس الحويك تعزية لبشري بفقيدها ~~جبران، فهي لا تتضمن العبارة «التقليدية»، كل هذا يثبت لك أن لا يد لرجال الدين في كل ~~ما صنع ويصنع لجبران. # كتب واحد - من غير رجال الدين - فوق ضريح جبران بنور الكهرباء «هنا يرقد نبينا ~~جبران»، فأمر بإصلاحها فأطاع وصارت نبينا «بيننا»، وأراني مضطرا أيضا إلى تفنيد زعم ~~آخر، وهو قول الأرشمندريت بشير في مقدمة «النبي»: إن جبران مرشوق بالحرم الثقيل، فلا ~~ثقيل ولا خفيف، ولا كبير ولا صغير، فلو كان جبران محروما لما صلوا عليه. # ما هذه المصيبة؟! ms061 ما انتهينا من إصلاح «سنكسار» جبران المخرفش حتى اصطدمنا بفنه ~~التصويري، ليقل الشيخ في هذا ما شاء، فماذا يعني مثلي من «الفنون الجميلة»؟ # هذا وقد وصلنا إلى عبارة تمس موضوعنا، قال الشيخ: «ونقرأ كتبه - أي جبران - فإذا ~~العربية منها خليط من مقالات كتبت لمناسبات معلومة وروايات أملتها عاطفة الشباب، بعضها ~~يمت إلى الأدب بصلة، وبعضها يمت إلى الفلسفة بصلات.» # كيف تكون الرواية والمقالات يا ترى؟ ومن يكتب غير متأثر بحال من الأحوال، بل من يطلب ~~من الكاتب أن يصير جنيا حين يكتب، فلا يحس ولا يشعر؟ # ثم قال: «ولكن أكثرها لا يجعل من جبران الأديب الخالد والفيلسوف صاحب المذهب ~~المعروف.» # إذن بقي اسم صالح من أدب جبران، وحيث إنه لا منهاج في الدنيا يدرس الكاتب جملة، ~~فلينتق لنا جناب الشيخ هذا «البعض»، وبهذا يكون حل جزءا من مسألة جبران ~~الهندسية. # أما زعمه أن جبران هدم بعض الأسس التي قامت عليها اللغة، فوالله لم أدر بعد ما هي، ~~فهل من يدلنا عليها وله أجر وحلوان؟ # فإن كانت الأخطاء النحوية والصرفية واللغوية، فلجرير والفرزدق وعمر وبشار وأبي تمام ~~والمتنبي وغيرهم خطيئات، ما زال بنونا يتحملون عقابها كالخطيئة الأصلية، وإن كان يعني ~~الأسلوب أو التعبير، فكتاب الله - القرآن الكريم - نبذ أساليب الناس وتعابيرهم العتيقة ~~الخشنة، حتى قالوا عن الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: إنه ساحر مجنون، وشاعر مفتون، فهل فينا اليوم من ~~يشك في ذوق الله تقدس اسمه؟ كما فعل أبو جهل وأبو لهب؟ أيضير جبران خروجه من صيرة ~~القدماء؟ أما فعل ذلك غيره من مجددي الكتاب في الأمم، هذا هيغو الذي ندرسه في المنهاج، ~~ألم يقل: # J’ai mis un bonnet rouge au vieux dictionnaire. Plus de mot Senateur! Plus de mot roturier! ... Le mot propre ce rustre ~~N’etant que caporal, je L’ai fait colonel. # أما كفانا هذا الجمود أحقابا؟ فقد أساء الناس الظن بالعقلية العربية. # أما قولك إن جبران قد يكون فكر أن يكون نبيا، وما عليه لو فكر؟ ألم يفعل ذلك ms062 ~~المتنبي؟ ثم من يقاص الناس بخطيئة الفكر غير الله؟! هذا نيتشه الذي نحا نحوه جبران في ~~نبيه، لم يقل إنه صار إلها إلا ساعة خرف، فأخذ يصافح كل من يعرفه قائلا له: فلنغتبط، ~~إني إله. # أما جبران فلم يخرف ولم يقل شيئا من هذا، وكأني بالدكتور فيليب حتى وقد رأى الناس في ~~حفلة تكريم جبران يسمعون كلمته واقفين، خاف عليه من هذا التعظيم الفائق فقال له ما قال ~~في تلك الساعة، فمثل دور «اليوناني» الذي كان يهمس في أذن البطل ساعة تأليهه قائلا له: ~~لا تنس أنك إنسان. # أما الكنيسة التي تليت فيها كتب جبران كالكتب المقدسة، فهاتيك مرسح لا كنيسة، أيصدق ~~الشيخ، جزاه الله صالحة، قول نعيمة عن بيع جبران جسده بالمال، ولا يصدقه حين تكلم عن ~~هذه الكنيسة المجنونة؟ # ثم قال: «وبعد ذلك يقوم صديقنا مارون عبود - أذكر جيدا أني قمت ولم أتكلم قاعدا - ~~فيعجب كيف لم يدخل اسم جبران في منهاج الأدب العربي في البكالوريا اللبنانية، وأدخل فيه ~~اسم المنفلوطي، وحقنا نحن أن نعجب من هذا»، وبعد أن يبين أن لا شبه بين المنفلوطي ~~وجبران قال: «ألا يعلم الصديق أن مناهج الأدب توضع لبيان تطور الآداب في سيرها نحو ~~الكمال؟» # قلت: بلى، علمت شيئا، وبناء عليه طلبت تدريس جبران؛ لأنه أخطر حدث أدبي في تاريخ ~~نهضتنا الحاضرة، فلا يشق عليك أيها الصديق، ولا على شيخنا المنذر إن قلت لكم ولكل من ~~يقرأ: إن عمل المنفلوطي لم يفق عمل من يجلو الصدأ عن حوائج البيت المعدنية، وأن كل ما ~~كتبه هامد همود القبور ما خلا بضع مقالات تجول فيها الروح جولان الهر المنازع في جراب، ~~أما التجديد فلا أشرك المنفلوطي فيه ولا بسهم؛ لأنه مقلد للأقدمين يفتش عن خرثيهم، ~~ويحسب الفن كله في العبارة المصقولة، وفي فقه اللغة، والألفاظ الكتابية، ونجعة الرائد، ~~ومعين الشرتوني، غنى للتلميذ عن المنفلوطي، وبرهاني على ما قلت أخذه ترجمة فرح أنطون ~~لبولس وفرجيني، فرمى برنردين وفرحا بحجر واحد، وكذلك فعل بقصة جبران «صراخ ms063 القبور»، ~~فخنق فن جبران ولم يفهم خطا واحدا من خطوطه، فكان كصانع أحمق ينقض على التمثال ~~بمهدته ليجعل منه زاوية للمدماك. # ثم قلت إن المنفلوطي «قدم للأدباء الحقيقيين قوالب مصنوعة بيد صانع ماهر.» # أما أنا فأقول: وهل يستعير الأدب الحقيقي قالبا من عند أحد؟! ومتى كانت الروح تخلق ~~قبل الجسد أو بعده؟! # أليس الكاتب الحقيقي من يخلق الأجساد ولا يستعيرها؟ فهو كالإسكاف وغيره ممن لا غنى ~~لهم عن القالب. # إن الخياط الأستاذ لا يتقيد بالهنداز، وإن فعل فما يخيط ثوبا مهندما، بل قباء كالذي ~~خاطه عمرو لبشار. # ثم قلت إن المنفلوطي كصانع الأقداح يصب الزجاج ويلونه، وعلينا نحن أن نملأه بالراح، ~~أليس الأولى بالأديب والحالة هذه، أن يتشبه بالراعي الذي يكرع من النهر والعين ويترك ~~طاسة الزنخ؟ # وبعد، فلا تسم هذه الأباريق والأكواز والدوارق والصحون أقداحا ملونة، فيتسرب الشك ~~إلى نفسي فيك، فلا تزعزع إيماني، أما ولغ في هذه القصاع مليون لسان؟ أما مستها مليون ~~شفة؟ ليس هذا ما ندعو إليه أبناءنا، أما إذا كنت تريد أن يلهو أبناء هذا الجيل بالقشور ~~فأوصهم بقراءة «افتتاحية» أحمد حسن الزيات في رسالته، فيشبعوا من هذا الخروب حتى ~~البشم. # ولما عرضت لما وقع سنة 1933 في مجلس المعارف الأعلى قلت: وضعنا موضع البحث اسم جبران، ~~فقال هذا العاجز: ألا ترى أن هذا «العاجز» منفلوطية بل أقدم عهدا؟ إنها تستأهل الجواب ~~المألوف: كلك خير وبركة، فلماذا هذا التواضع العميق يا شيخ شباب الأدب؟ # أما قولك أخيرا: «وليس من مخرج لنا من هذا المأزق إلا أن يتقدم صديقنا مارون عبود ~~باقتراح يرمي إلى إدخال الأرشمندريت أنطونيوس بشير في منهاج البكالوريا وعند ذلك تنحل ~~العقدة.» # الله كريم يا شيخ، ولعل من عقد الأمور يحلها، فليتك تصير جبران، ويترجمك ~~الأرشمندريت. # وبعد فأراك تتغنى كثيرا بالقصة، ألم يعجبك شيء من قصص جبران؟ أليس بين قصصه العربية ~~قصة تستحق الدرس؟ فلماذا تتذرى خلف جبة المطران أنطونيوس بشير، وتتلطى وراء «لاطيته»؟! ~~ما لنا ولأدب جبران الإنكليزي، فنحن نبحث أدبه العربي ms064 وأسلوبه وما فيه من فن، فلماذا ~~المغالطة؟ هات الحديث فإما أن تشايعني فيه أو أنني أشايعك عليه. # أما جبران فهاك رأيي الصريح فيه: هو فليسوف يلبس مطرف الشاعر وطيلسان الأديب، وبكلمة ~~أوضح: جبران فيلسوف في أدبه، وأدب جبران فلسفة، والعنصران متحدان في كلامه اتحاد اللون ~~والعطر في الزهرة المنمنمة. # حاشية: أيها القارئ الكريم، لا تتوهمن بعد قراءة هذه الكلمة أن جبران لا عيب فيه، ففي ~~جبران من العيوب ما في كل أديب خطير، ولكن لا تنس أن جبران من أفراد الجيل «العالميين» ~~الجديرين بالنقد والتقدير، وإن ضاق عنه منهاج البكالوريا اللبنانية فحسبه رفوف مكاتب ~~الأدباء في العالمين. # لقد عاد جبران إلى خاصته وخاصته لم تقبله، وكذلك النابغة يزعج معاصريه؛ لأنه لا يساير ~~الجماعة كما قال جورج سوريل. ~~(3) حول عكاظ الحكمة # كتاب إبراهيم المنذر # الجمهورية اللبنانية: مجلس النواب # أخي مارون # أجدت أمس كما أجدت في بعض ما كتبته قبل أمس، شأن كل كاتب وناقد يصيب أحيانا ~~ويخطئ أحيانا، وقد خرج الخطباء على الإثر من الحفلة فحييناهم ولم تخرج معهم ~~فنحييك. # أما جبران فقد أصبت في ما ذكرت عنه، ولكنك أطلت وطلبت ما أرجح أن المدرسة لا ~~تجيبك إليه، ولا شك أنك تذكر أني كنت وإياك في جانب جبران وزيدان في لجنة ~~المعارف فلم نفلح، ولا يعني انتصارنا لجبران انتقاصا من قدر المنفلوطي، فإن ~~أسلوبه في الإنشاء (العربي) يفوق أسلوب جبران، ويجب أن نضم الرجل إلى ناشري ~~لواء البلاغة والتهذيب في الشرق، فقولك: «إن اللجنة أبدلت المنفلوطي من جبران» ~~فيه تحقير للمنفلوطي، ولا أظنك تعني هذا بل تعني وجوب وضع جبران في مصف الكتاب ~~المصلحين في منهاج البكالوريا. # وأما حملتك على شعراء العصر في التهاني والترحاب والاستقبالات فحملة مردودة؛ ~~لأن كل شاعر مهما علت منزلته في مثل هذه المناسبات مضطر أن يقول كلمة شكر، ولا ~~تكون كلمة الشكر آية من آيات الفن والخيال والتصور والابتكار. # وهناك أبيات كثيرة من غير هذا الباب فسرتها، يا أبا محمد، بغير ما يريد ~~صاحبها، أو شرحتها ms065 باستهزاء والمعنى فيها مقبول مأنوس، وليس بالصعب على كل ناقد ~~أن يزدري قول أعظم شاعر متهكما، ويجعل ألفاظه مبتذلة ومعانيه مسروقة. # بقيت المحاسن يا مارون، أين هي؟ فقد يكون للشاعر بيت في قصيدة يعادل ~~قصائد - ويظهر أنك تريد أن تهدم البيوت على ~~أربابها فتقتل جميع ما فيها، وكم هنالك من كنوز تضيع تحت الأنقاض، وليس هذا عمل ~~النقاد المنصفين. # أحييك وأدعو لك. # أخوك المنذر # بيروت ، ~~4 / 5 / 1936 # الجواب # الجامعة الوطنية # أخي وشيخي إبراهيم # لا أنسى يوم كنت تشجعني فتى - عفوا ما عنيت أنك أسن مني كثيرا - ولكني أذكر ~~بلذة أياما كنت أمر بها على «مكتبك»، فتبسم لي وأعدها نعمة، وإني لا أزال أحرص ~~على رضاك الغالي جد الحرص. # قلت في كتابك الكريم المفتتح بهذا التعبير، فلا حيا الله ولا سلم الله: «أجدت ~~أمس كما أجدت في بعض ما كتبته قبل أمس شأن كل كاتب وكل ناقد يصيب أحيانا ويخطئ ~~أحيانا، وقد خرج الخطباء على الإثر من الحفلة فحييناهم ولم تخرج معهم ~~فنحييك.» # لم أخرج مع الخطباء؛ لأن همتي قليلة فسبقوني، واكتفيت بتسليمي عليك، سلام ~~الأحباب بعد الغياب، قبل أن صعدت المنبر ولم يدر في خلدي قط أني غير حاصل على ~~رضاك، أما الإصابة والإجادة فحسبنا منهما الإفادة وإنهاض أدبنا المقعد ما ~~نستطيع، أما الخطأ - والعصمة لا أدري لمن - فليتك تدل عليه ولك من الأدب أجر ~~غير ممنون. # يا شيخنا: # حمل إلي استياءك وبلغني رسالتك الشفهية بل نصيحتك الأخوية، من حملته إياها، ~~فشكرا وعذرا وإن كنت تأمر فتطاع، فأنا ماض في سبيلي، فادع لي بالتسهيل، فإن ~~تقدمت بهذا الأدب خطوة صغيرة بلغت أقصى الأماني فأنا رجل قنعان. # أما قولك أني أصبت فيما ذكرت عن جبران، فلك الشكر على ذلك منى ومن نزيل وادي ~~قاديشا ومجاور الأرز، وأما أني أطلت الكلام عنه وطلبت ما ترجح أن المدرسة لا ~~تجيبني إليه فجوابه: إننا في زمن «مطالبات» أولستم كذلك في المجلس؟ فإن فعلت ~~المدرسة أحسنت، وإلا فلا حرج عليها، الزاد زادها تأكل منه ms066 ما تشاء وتطعم ما ~~تشاء، كما قال معن بن زائدة للأعرابي. # ثم قلت لي: «تذكر أني كنت وإياك في جانب جبران وزيدان في لجنة المعارف فلم ~~نفلح»، إني أذكر ذلك ولا أنساه، وقد أشرت بقولي: ولم يبق في جانب جبران إلا ~~المتهمون في دينهم مثله؛ أي أنت وأنا ومن لف لفنا. # أما أني قلت: «إن اللجنة أبدلت المنفلوطي من جبران»، فما هكذا قلت، بل: وهكذا ~~أقر المنفلوطي في المنهاج ونفي جبران من وطنه الذي يردد كل يوم: # ملء عين الزمن # سيفنا والقلم # أرزه عزه # رمزه للخلود # أما أن أسلوب المنفلوطي يفوق أسلوب جبران، فإننا لا نتفق في هذا يا شيخ، ~~إننا نريد غير هذا الكعك، إنما من العجين، وبكلمة أوضح قد قرفنا خبز ~~الملة. # ثم تقول لي: «وأما حملتك على شعراء العصر في التهاني والترحاب والاستقبالات ~~فحملة مردودة؛ لأن كل شاعر مهما علت منزلته مضطر في مثل هذه المناسبات أن يقول ~~كلمة شكر، ولا تكون كلمة الشكر آية من آيات الفن والخيال والتصوير ~~والابتكار.» # أظن - وبعض الظن إثم - أن هنا «التخلص» يا أستاذ، فإن شئت رأيي في شعر الفرح ~~والترح فإليكه: ليقل الناس الترحيب والتهانئ والتعازي نثرا فهو خير من هذا ~~الشعر الدميم المقرف، وإن وفق الشاعر إلى إبداء عاطفته بفن وإبداع فليقل ~~شعرا، أما متى قال شعرا مثل هذا الذي نقرأ فليطمره، ولا يدع الهرة أفطن منه ~~كما قال البديع للخوارزمي. # ثم قلت - وأراك تقول كثيرا اليوم - «وهنالك أبيات كثيرة من غير هذا الباب ~~فسرتها يا أبا محمد، بغير ما يريد صاحبها، أو شرحتها باستهزاء والمعنى فيها ~~مقبول مأنوس، وليس بالصعب على كل ناقد أن يزدري قول أعظم شاعر متهكما، ويحمل ~~ألفاظه مبتذلة مسروقة.» # أما أني فسرتها بغير ما يريد صاحبها فلا أظن، أما شرحها باستهزاء فهذا لا شك ~~فيه، ولكن هل يتيسر لي هذا الاستهزاء إذا لم تكن الألفاظ والمعاني مبتذلة؟ أما ~~السرقة فأظنني قبضت على مرتكبيها متلبسين بالجريمة، أما المعاني فأعترف لك أنني ~~ما عدت أقنع منها ms067 «بالمقبول» ولا أغصب نفسي عليه. # اسمح لي أن أصارحك بما في نفسي يا سيدي الشيخ، يظهر أنها قصة الباذنجان، لا ~~قصة منفلوطي وجبران، وإنك لمروان كما قال علي لعثمان: ليتك تفقأ هذه الدملة ~~فتستريح. # ثم قلت: بقيت المحاسن يا مارون، أين هي؟ فقد يكون للشاعر بيت في قصيدة يعادل ~~قصائد. # أظن أنني أشرت إلى بعض المحاسن يا أستاذنا، ولكن يظهر أن ما يسرك منها أكثر ~~مما يسرني، وأنا لا أستطيع أن أرى إلا بعيني، وهي ضيقة كما يقول الناس، ولا ~~تكبر الأشياء. # وأخيرا قلت: ويظهر أنك تريد أن تهدم البيوت على أربابها فتقتل جميع ما فيها، ~~وكم هناك من كنوز تضيع بين الأنقاض، وليس هذا عمل النقاد المنصفين. # لا يا شيخ - يقطع السم - ترو قليلا، هل النقد في عرفك هدم؟ وهل هدمنا حتى ~~الآن غير أكواخ عششت فيها البراغيث والبق والخنافس؟! ما هدمنا بعد يا شيخ غير ~~أكواخ خشبية جريا على قوانين «البلديات» الحديثة، ليتك تسمي من تعني لنجول ~~جولة حول هذه «الرمم» فتوافقني على هدها، رحمة بأولادنا، ولا يؤثر بقلبك الرقيق ~~عويل أصحابها. # سيدي الشيخ: # حييت ودعوت في ختامك، ولم تقبل وتصافح كعادتك، أما أنا فحالي معك لا تتغير، ~~وهي دائما على حد قول شاعرنا العامي القديم: # لمن بشوفك بنفعطلك من بعيد # وبستحي سلم عليك بفرد إيد # وأخيرا وكأني بالغضب قد ضيق صدرك الواسع، فطويت كتابك على البطاقة التي سطرت ~~عليها ما يأتي: «إذا شئت يا أخي أن تنشر هذا الكتاب وتجيب عما فيه فلك ~~ذلك.» # لبيك يا شيخ والأمر لك، ها قد فعلت، وشرطي في الأمر ألا نقف، وأن تصرح في ~~الآتي ولا تلمح، والسلام عليك من أخيك. # مارون عبود # عاليه، ~~7 / 5 / 1936 ~~(4) لذكرى جبران الخالد # إلى حضرة الأستاذ حبيب أبو شهلا وزير التربية الوطنية # أما وقد نسخ الاستقلال شعار منصبكم الخطير، فراح وزير المعارف وجاء وزير التربية ~~الوطنية، أفنرجو تنسيقا جديدا في منهاج البكالوريا اللبنانية؟ أم نظل ندرس فتياننا ما ~~ينعسهم، فيرون وجهنا كوجه الناعي؟ # إن ms068 الجديد في هذا المنهاج فلتة، فأكثر شعرائه وكتابه من طراز واحد، نفتتحه بامرئ ~~القيس - أول من بكى واستبكى، وقيد الأوابد - فنبحث معلقته بيتا بيتا لندل طلابنا على ~~ما أبدع ونفهمهم خطة الشعر العربي. # ونتغلغل في الأنجاد والصحاري والبطاح فيقبل علينا زهير، أبو من ومن ومن، وربيب أوس ~~المقعد، فتكبح «سئمت تكاليف الحياة ...» طموح الشباب وتكرههم العيشة قبل العشرين، ونتركه ~~يتبجح بحكمة مبتذلة يضحك بعضها الأطفال، فيلاقينا طرفة الشاب على ناقته فيصفها لنا من ~~رأسها إلى ذنبها حتى يقتلنا الضجر قبل أن يدعونا إلى «كأس روية»، وتنبري لنا قينته ونرى ~~نداماه البيض كالنجوم، فنقول شيئا غير ما قلناه في زهير وامرئ القيس. # ولا نخلص من هؤلاء حتى يطل علينا عنترة على ناقته «أولا»، ويبادينا كالثلاثة ~~السابقين في استنطاق دار عبلة بالجواء، وينزل ذلك الحر الطازج عن ناقته ليركب جواده ~~ويكر، فيشكو الحصان بعبرة وتحمحم، وتلين نفس عبلة العتية أمام البطل الطب بأخذ الفارس ~~المستلئم. # وعلى حدود العصر الجاهلي يلاقينا النابغة الهربان من وجه أبي قابوس فينشد في البلقاء ~~وقلبه في الحيرة، فهؤلاء خمسة في واحد لولا فرق زهيد لا يساوي تعب الأستاذ وتلاميذه، ~~فهلا نكتفي بتدريس اثنين ثلاثة منهم، وإن قلنا الحق، فاثنان يبشمان. # ونبلغ صدر الإسلام وهو أعظم عصور تطور الأدب فنتمسك بالفروع ونترك الأصل، ندرس الحجاج ~~بن يوسف وعبد الحميد، وحجتنا «بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد» وعلى الدنيا ~~السلام. # ثم نتشرف بزيارة البلاط الأموي فنرى هناك ثلاثة فحول يتناطحون، وملوكا وأمراء يتلهون ~~في نقارهم، نرى الأخطل والفرزدق وجريرا ينبشون قبور القبائل ويمزقون الأكفان ويصلبون ~~الموتى على مصلبات الطرق، فننظر كارهين إلى تلك المقابر المفتحة ونطمها آسفين، موصين ~~طلابنا باحترام كل دين، لافتين نظرهم إلى شعرهم الإنساني فقط ... # ولا نتنفس الصعداء حتى يطلع ابن أبي ربيعة «يعدو به الأغر» في ميدان الشعر الحي، ~~فتطيب نفوسنا إذ نرى الشعر يقلع ثوبه العتيق ويلبس جديدا. # ويمتد ظل الزمان فنبلغ العباسيين ونرى ابن برد الأعمى بصيرا بالفن، يقعد القرفصاء ~~بالبصرة ويرسل ms069 شعره طيرا أبابيل وحجارة من سجيل، ونشهد أبا نواس مقبلا في ظل كرمه ~~يستعرض القدماء البائسين الباكين ويكركر في الضحك، فنمجد الفن في شاعرين ظريفين: خفيف ~~وثقيل، أحسا الحياة وأحباها فجعلاها شعرا نسانا شهورا سوداء الجبين. # ولا نفارق هذين الشاعرين حتى نعيد سيرتنا الأولى، فنرى أبا تمام والبحتري وابن ~~الرومي، إن في الطائي غنى عن الكبير، أما ابن الرومي فيشفع تصويره في تعبيره. # ونطوف مع المتنبي في الأمصار فيسمع المعلم والتلميذ ما يرضيهما، فنهيم - كل يغني على ~~ليلاه - حتى نستيقظ على صراخ النواحة الأسير في «رومياته» فتمتلئ الغرفة بكاء ~~بليدا، ولولا «رائيته» لفطسنا، فما دعا هذا البكاء الحردان إلى محضرنا إلا قول حسود: ~~«بدئ الشعر بملك وختم بملك»، وينقضي نواح أبي فراس فيتلوه غناء الأندلسيين فتشجينا ~~أنغام موشحاتهم، ونرى صورة حياتهم تتحرك أمامنا. # ويجيء النثر فنرى ابن المقفع في كليلة ودمنة يعلو ويسفل كالمكاء، فنقول ما يحضرنا في ~~أسلوبه، وحسبنا منه أنه عدل عن سجع الكهان وفصل الكلام ثيابا للأفكار، وتنسى التعب إذ ~~يواجهنا الجاحظ أبو الطرف الكحيل، يحمل على لسانه أدبا نابضا في كلام راقص، فنمرح في ~~مقاصيره وجناته التي تجري من تحتها الأنهار، فيهزنا الفكر يزهو بثوب النكتة ~~الشفاف. # وننتقل إلى مقلده بديع الزمان فنرتاح إلى أدبه الشخصي ونعذره على تقليد بارى فيه ~~معاصريه، ثم ننتقل إلى الحريري - شيخ لنا من ربيعة الفرس - فينعس الصف وليس على الأستاذ ~~إلا أن «ينتف عثنونه من الهوس» ويرفع الصوت جهرة، ولا بأس عليه من آية أنكر الأصوات، ~~فهو إن لم يفعل يرقد تلاميذه رقدة أهل الكهف، ونختم درس الكتاب بالترحم على الجاحظ الذي ~~خلق أسلوبه الأصفهاني وكتابه الأغاني خزانة الأدب العربي. # أما ابن الأثير وحظه قليل من المدرسين والدارسين، فما أحوجنا إلى درسه، فهو مهذب ~~الذوق اللفظي وأستاذ نقد بصير بمواضيع الكلام، وإن نفخنا ادعاؤه فالصبر جميل، ولا سيما ~~أزمة البكالوريا كانت تقتل الإنشاء، فأمسى الطالب وليس يهمه إلا «المنهاج» ليحمل ~~شهادة. # ونشرف على النهضة الحديثة فنرى على قمتها أحمد شوقي، ms070 وفي يده كتابه مرآة العصور ~~السالفة كلها، فنرد الكثير من شعره إلى أصحابه، وندل على إبداعه ونلهو وأولادنا ~~بمسرحياته أياما، ثم نتركه لنزور بضعة نفر من أضياف المنهاج: اليازجي والبستاني ~~والمنفلوطي وولي الدين، فنرى الثلاثة يقلدون القدماء ولا يزيدون إلا صقلا وتمليسا، ~~ونرى عند الرابع تجديدا استمده من نفسه الحانقة لا من جملته. # وهكذا تمسح أيدينا من تراب المنهاج اللبناني الذي يستغني عن نصفه ويظل حملا ثقيلا، ~~لا نسمع ذكر لبنان إلا مرتين عند المتنبي، حين رأى جبلنا من خلف، وعند شوقي في قصائد ~~أنطقته بها المآدب والأوسمة، هذا في القسم الأول، أما في القسم الثاني فلا شيء من هذا، ~~فلبنان شاعر لا فيلسوف، فكيف تكون البكالوريا لبنانية ونوابغ لبنان مطرودون ~~خارجا. # أين زعيم النهضة جبران خليل جبران، جبران الشاعر الناثر الأديب الفيلسوف، جبران أبو ~~القصة اللبنانية الحديثة، جبران الخالق أدبا لبنانيا شرقيا، فموسيقاه من عيوننا ~~وجداولنا، ورهبته من أوديتنا وكهوفنا، وأبهته من ربانا وقممنا، وسفينته من أخشاب ~~غاباتنا، ومداد ألوانه من قوس قزح لبنان. # جبران الذي عاش لبنانيا بين ولولة المعامل وعجيجها، فما التهى بجسر بروكلين عن ~~قنطرة المدفون، ولم ينس نواح المعصرة وهزج البيادر، فنظم لبنان نشيدا سليمانيا، ~~استوحى هذا الجبل فكان له برقه ورعده، وصواعقه وعواصفه، وصفاؤه وهدوءه، لم يبال بناطحات ~~السحاب فمات وهو يحن إلى شماريخ لبنان، رأى الخلود كله على القرنة السوداء فنام نومة ~~الأبد مغطى بأذيال برقعها الناصع البياض. # يا حضرة الوزير # إن منهاج البكالوريا اللبنانية ناقص جدا جدا، ولا يتمه إلا اثنان: الشدياق ~~وجبران، فهذان كاتبان مبدعان حقا، ونواحيهما شتى ككبار كتاب العالم وأدبائه، وما أبعد ~~النوم والضجر من الدارس والمدارس في ناديهما العامر، فمر بصف كرسيين للأميرين تغنم ثناء ~~الأدب الحي، وأرحنا من بعض أوثان الأدب، وأجرك على الله. # أما أنت يا جبران، يا عريس نيسان الذي غنيته في موكبك، فلا تقنط من رحمة تاريخ الأدب، ~~إنك لحي في الكثيرين وإن لم تتجمع عناصرها كلها في واحد. # نم يا فتى الليل، ولا ms071 تترج القيامة ثانية يا ابن الفجر، فهيهات - كما قلت لك مرة - ~~أن تلدك امرأة أخرى، هذا حلم رأيته عند صياح الديك ولا تعبير له. # إن العاشر من نيسان ليوم تاريخ نهضتنا الحديثة، ففيه انطفأ كوكب طلع من لبنان، ودار ~~دورته في الأبراج وعاد إلينا رمادا مطهرا. ~~(5) جبران اللبناني # أذاعت هذه المحطة # 1 # بمناسبة ذكرى آلام السيد وعيد الفصح المجيد قطعتين من الأدب الجبراني ~~الخالد، فتذكرت جبران الذي مات في الحادي عشر من نيسان وقلت لقلمي: امش على خيرة الله ~~ولنكتب شيئا عن جبران الذي لا يموت في ذكراه السابعة عشرة. # إن عناصر جبران الفنية لا تعد ولا يستطاع درسها إلا في مجلد ضخم، هذا إذا اعتصمنا ~~بالإيجاز؛ ولهذا أحببت أن أتحدث الليلة عن جبران اللبناني. # ترعرع جبران ونشأ في لبنان فانطبع بطابعه، ثم طوى سجل شبابه واكتهل في أميركا، ولكنه ~~لم يحدثنا عن غير الشرق، فكأن معامل أميركا وعمليتها لم تؤثر شيئا بروحية جبران، فعاش ~~بين ناطحات السحاب يحلم بظهر القضيب والقرنة السوداء شاعرا ومصورا وكاتبا. # فكر أولا بإنشاء مدرسة أدبية عربية فكان مؤسس مدرستين في لغة الضاد: الرومنتيكية ~~والرمزية، ففي جبران - وهو سليل الشدياق وإسحاق الحداد، وسبط أيوب وأشعيا وأرميا ~~وسليمان، وإفرام ويعقوب، والمعري والمتنبي والفارض - عناصر تفاعلت فكونت الأسلوب ~~الجبراني. # والرابطة القلمية التي خلقها جبران هي أول مدرسة منظمة في أدبنا العربي، كان غرضها ~~خلق مدرسة أدبية جديدة، فأشبهت من جميع مناحيها المدرسة الرومنتيكية الأوروبية، حتى في ~~التصوير، والأسباب التي كونت هذه المدرسة الأدبية عندنا هي التي كونت تلك هناك، فهناك ~~الثورة الفرنسية وهنا الحرب العظمى الأولى. # وكما زعم رجال النهضة الرومنتيكية أن الشاعر يقوم بأهم عمل اجتماعي، وأنه فوق الناس، ~~كذلك اعتقد جبران وتلاميذه - تصوروا كما تصور هيغو - أن الكتاب هم قادة الإنسانية، ~~والكاتب أكبر من المزربان، وعليه أن يحمل مشعله حتى الموت في يده، وكذلك اعتقد جبران ~~حتى كتب النبي ويسوع ابن الإنسان وآلهة الأرض، وظل يكافح حتى النفس الأخير. # وكأني بالدكتور فيليب حتى، حين رأى ms072 الناس يسمعون كلمة جبران في حفلة تكريمية وقوفا، ~~ويقدمون للناس كتبه مجلدة مفضضة كالإنجيل والكتب السماوية، أعلن على الملأ في كلمته ~~التي ألقاها في تلك الحفلة: # إننا نرجو أن يظل جبران بيننا. # وبعد موت هذا المعلم العربي العظيم قال الدكتور حتى أيضا: ~~«والحقيقة هي أن اسم جبران وحده - لسمعتنا ونفوذنا في هذه البلاد - يساوي كل ~~ملايين الدولارات التي ادخرناها.» # هذا هو جبران اللبناني في نظر المنزهين، وقلما نرى كاتبا تعصب لجنسه وعرقه ولغته ~~كجبران، فإذا فتشنا عن الألوان المحلية المستمدة من المحيط اللبناني وجدناها صارخة في ~~ما كتب جبران بالعربية والإنكليزية، استمد الشاعر هذه الألوان الزاهية في إنشائه من ~~سماء بلاده وأرضها، ففي التعابير الجبرانية بياض الثلوج، وخضرة المروج، واصفرار ~~البيادر، وأنين المعاصر، وشقشقة العواصف، وشموخ الجبال، وحزم الأرز، ونواح الهاوية، ~~وزمجرة الأودية، وثرثرة الينابيع، وعربدة الأنهار، وهلهلة الضباب. # استمد هذه الألوان واللدونة والمرونة والنعومة من أجواء لبنان، فاشتعلت حافات عبارته، ~~وأرسلت نورا ونارا وموسيقى، إن تمسك جبران بشرقيته حمله على المحافظة على قوميته، ~~فوقف كل ثروته على بلدته، ووعده هذا وذاك بشيء من ماله، إن صحت الرواية يذكرني بالثوري ~~أحد بخلاء الجاحظ الذي كان يقول عند الإشهاد: «قد علمتم أنه لا وارث لي، فإذا مت فهذا ~~المال لفلان»، فعلل الكثيرين بالآمال، وورث واحدا لا غير. # إن جبران لفي غنى عن الانتساب إلى قومية جديدة فهو وحده قومية، وحرصه على قوميته حمله ~~على أن ينفخ روحا جديدة في لساننا العربي المبين، فقال في ذلك: «يكتب بعضنا لمن ماتوا ~~ولا يدري أن قراءه في المقابر، ويكتب بعضنا لإرضاء معاصريه حاسبا أن في ذلك العظمة ~~والخلود فيخطئ المرمى، ويكتب بعضنا؛ لأنه إن لم يكتب يمت وهذا من الخالدين.» # والذي عندي هو أن من يغالي في المحافظة على القديم بحذافيره يكون كمن يحفظ جميع أفراد ~~أسرته ويبقيها في بيته، فأي رعب يحدث له، فلنكلف أنفسنا عناء الخلق، فالحياة إنما تجدد ~~نفسها بمواليدها، ولا نخف آلام المخاض وأخطار الولادة، فهذه من لوازم الحياة. # يظن ms073 بعضهم أن ليس جبران إلا كاتبا خياليا، وقد ضل من ظن ذلك، فلجبران غرض أبعد ~~جدا من هذا يلبسه ثيابا محاكة على نول حديث ومفصلة طرازا جديدا. # إنني لا أسمع حين أقرأ جبران في جميع أطواره إلا صوتا عاما يغني على نايه لجميع ~~النفوس، بنشيدته المحزنة فتصبح صلاة الأطفال عند يقظتهم في الليل، إنه ينشد أروع شعره ~~المحزن لتذكاراته القوية التي لا تموت، فيحس بتساقط أوراق الخريف موسيقى الأبدية، وهكذا ~~يريك خطوات الموت واحدة إثر واحدة، فإذا شئت أن تحس وطنك وتشم أرض بلادك أيها اللبناني ~~فاقرأ جبران، واشكر للعناية هذه الهبة، فقد أعطتك أديبا عالميا خالدا. # لا تنس أيها اللبناني من لم ينس لبنان حين رأى الدولارات تفد إلى صندوقه، فجمعها ~~ليتركها من آثاره حيث نشأ وحيث يرقد الآن جثمانه، لا تبال بما يقال، فالذين يحولون ~~الوجوه عنه لن يظفروا بشيء إلا الأسف واللوعة، اسمع الآن صوت جبرانك اللبناني فتعلم أن ~~في الأدب الرفيع نفحة من النبوة، قال جبران منذ عشرات السنين: # لكم لبنانكم ولي لبناني، لكم لبنانكم ومعضلاته، ولي لبناني وجماله. # لكم لبنانكم بكل ما فيه من الأغراض والمنازع، ولي لبناني بما فيه من الأحلام ~~والأماني. # لبنانكم عقدة سياسية تحاول حلها الأيام، أما لبناني فتلول تتعالى بهيبة وجلال ~~نحو ازرقاق السماء. # لبنانكم مشكلة دولية تتقاذفها الليالي، أما لبناني فأودية هادئة سحرية تتموج ~~في جنباتها رنات الأجراس وأغاني السواقي. # لبنانكم صراع بين رجل جاء من المغرب ورجل جاء من الجنوب، أما لبناني فصلاة ~~مجنحة ترفرف صباحا عندما يقود الرعاة قطعانهم إلى المروج، وتتصاعد مساء عندما ~~يعود الفلاحون من الحقول والكروم. # لبنانكم مرافئ وبريد وتجارة، أما لبناني ففكرة بعيدة وعاطفة مشتعلة، وكلمة ~~علوية تهمسها الأرض في أذن الفضاء. # لبنانكم موظفون وعمال ومديرون، أما لبناني فتأهب الشباب وعزم الكهولة وحكمة ~~الشيخوخة. # لبنانكم وفود ولجان، أما لبناني فمجالس حول المواقد في ليال تغمرها هيبة ~~العواصف ويجللها طهر الثلوج. # لبنانكم طوائف وأحزاب وخطب ومحاضرات ومناقشات، أما لبناني فتغريد الشحارير، ~~وحفيف أغصان الحور والسنديان، ms074 ورجع صدى الغابات في المغاور والكهوف. # لبنانكم شرائع وبنود على أوراق، وعقود وعهود في دفاتر، أما لبناني فمعطرة في ~~أسرار الحياة وهي لا تعلم أنها تعلم، وشوق يلامس في اليقظة أذيال الغيب ويظن ~~نفسه في منام. # لبنانكم، شيخ قابض على لحيته، قاطب ما بين عينيه، ولا يفكر إلا بذاته، أما ~~لبناني ففتى ينتصب كالبرج، ويبتسم كالصباح، ويشعر بسواه شعوره بنفسه. # لكم لبنانكم وأبناؤه، ولي لبناني وأبناؤه. # فأبناء لبنانكم هم الذين ولدت أرواحهم في مستشفيات الغربيين، واستيقظت عقولهم ~~في حضن طامع يمثل دور أريحي. # أما أبناء لبناني فهم الفلاحون الذين يحولون الوعر إلى حدائق وبساتين، هم ~~الرعاة الذين يقودون قطعانهم من واد إلى واد، فتنمو وتتكاثر وتعطيكم لحومها ~~غذاء وصوفها رداء. # هم الآباء الذين يربون التوت والأمهات اللواتي يغزلن الحرير، هم البناءون ~~والفخارون والحائكون وصانعوا الأجراس والنواقيس، وهم الشعراء الذين يسكبون ~~أرواحهم في كئوس جديدة، وهم شعراء الفطرة الذين ينشدون العتابا والمعنى ~~والزجل. # هم الذين يغادرون لبنان وليس لهم سوى حماسة في قلوبهم وعزم في سواعدهم، ~~ويعودون إليه وخيرات الأرض في أكفهم، وأكاليل الغار على رءوسهم. # هم الذين يولدون في الأكواخ ويموتون في قصور العلم، هؤلاء هم أبناء لبنان، ~~هؤلاء هم السرج التي لا تطفئها الأرياح والملح الذي لا تفسده الدهور، هؤلاء هم ~~السائرون بأقدام ثابتة نحو الحقيقة والجمال والكمال. # لكم لبنانكم ولي لبناني، هذا ما يقوله جبران أما أنا فأقول لروحه في ذكراه السابعة ~~عشرة: لقد تحقق الكثير مما تمنيت وحسب لبنان أنه له جبران. ~~(6) في مدينة جبران # ما هذه أول مرة أزور فيها بشري عاصمة مقدمي المردة يوم كان لبنان مهابا، عرفتها سنة ~~1912، ونمت تحت أرز لبنان الراكب على كتفها، تنظره من الحدث والديمان فتخاله زهرة ناضرة ~~شكها الزمن في عروة لبنان. # مررت بها في ذلك الحين بعدما زرت شيخ الجبل البطرك إلياس الحويك، بت عنده ليلتين أحلى ~~وأقصر من ليل عمر، كانت نكاته ونوادره الوجيزة تنعش حضرته، وإذا احتشمنا تحكك بنا ~~لنقول، ويأبى إلا التبسط فنفعل، متذكرين قول ms075 الفرزدق في زين العابدين: # يغضي حياء ويغضى من مهابته # فما يكلم إلا حين يبتسم # ودرى غبطته أنني زائر الأرز غدا فضحك ضحكة خرساء، ولكنه خبأ النادرة لساعتها، وجئته ~~في الصباح مودعا فقال: وأين مكاريك؟ # وجاء المكاري فإذا هو من بطانة الذيل البطريركي، والبغلة بغلة الكرسي فقال له: توق ~~صاحبك، إصح هه، الطريق عكشة. # وأخذت يده فوضع يسراه على كتفي وقال: زر قصحيا بدربك، فقلت: زرته وما انتفعت. # فضحك وقال: لأن شيطانك كبير . مع السلامة. # وبت بالأرز، وكلفني نفس الأركيلة ثلاثة بشالك - أجرة رسول إلى بشري - وتعشيت كبة نية، ~~ونمت في خيمة نصبها الشيخ نسيم حنا ضاهر لزوار الأرز، وفي الغد اجتزت بشري فرأيتها ~~بيوتا متراكمة، أوسع طرقاتها أقل من باع، وأكثرها أزقة بالكد يسلكها شاب ضخم ~~مثلي. # وزرت بشري بعد الحرب الكبرى مرات فإذا هي هي، بيوت ملزوزة كخلايا النحل وقرايا النمل، ~~فقلت في نفسي: يا ضياع الماء والهواء في هذا البلد، هيهات أن تظفر بشري بصيف ~~واحد. # وزرتها أمس فأنكرتها، الشوارع مفتوحة كذراعي يسوع حين قال: «تعالوا إلي أيها المتعبون ~~والثقيلو الأحمال وأنا أريحكم» والسبل منفرجة كيدي أم تستقبل وحيدا حديث الكرج ~~والدبدبة، وساحات فسيحة كصدور أهلها الكرام، وأقنية حديثة تجيش فيها المياه جيشان ~~النخوة في صدور أبناء بنت الأرز، وبكلمة تغني عن ألف: آمنت بفورونوف ورجوع الشيخ إلى ~~صباه بعدما رأيت بشري تبرجت بعد حياء وخفر. # فمن أبرز هذه العروس وجلاها؟ إنه جبران، هذا أول أديب عربي أثرى من القلم، عفوا، من ~~الريشة، ولست أعني ريشة التصوير بل تلك التي كتبت المجنون، والسابق، ويسوع ابن الإنسان، ~~وآلهة الأرض، وحديقة النبي، ورمل وزبد. # وصى جبران بهذه الثروة الطائلة لمدينة بشري، وحرم منها أخته وأهله جميعا حتى صديقه ~~ميخائيل نعيمة، الذي لم يصح حلمه كما قال في كتابه جبران خليل جبران. # أما القائمون بهذا العمل فلجنة جبران الوطنية، يرأسها شاب ناهض وفي هو السيد سليم ~~رحمة، ومن أعضائها الذين اجتمعت بهم - وكلهم ذو همة كرئيسها - الشيخ القاضي طنوس جعجع، ~~والخوري ms076 طانيوس جعجع، والشيخ مجيد حنا ضاهر رئيس البلدية، وشابان ناهضان من أسرتي ~~الفخري وسكر، وأمين صندوق اللجنة السيد منصور حبيب لدوس. # أما أمين الصندوق فشيخ يطل على السبعين ولكنه نشيط حريص على المال، ككل خازن وقيم ~~يؤلمه إنفاق فرنك على رخصه، إذا لم يكن طبقا لنية جبران، هذا الشيخ لم يعقب وقد جمع ~~مالا كثيرا أنفقه على البر والإحسان، وهما في عرفه محصوران ببشري كما حصر جبران ثروته ~~بها. # بشري نائمة في حضن الجبل تغني لها الجداول ويهدهدها الهواء، ويمر نهر قاديشا تحت ~~أقدامها فهي أبدا في حمام بارد، ينتصب فيها الحور كالعمالقة بين أقزام الأشجار ~~المثمرة، فلولا البيوت لخلتها غوطة، ولولا الأجراس التي تقرع دائما للصلاة، وخصوصا ~~جرس الآباء الكرمليين لحسبت أنك في خلوة، لا صراخ ولا عياط في بشري، تمر بقهواتها كأنك ~~مار بغرفة قراءة، وإن لم تر كتبا أو جرائد. # تحيط بها الجبال من الجهات الأربع، وكيف التفت ترى شماريخ منتصبة كأنها التماثيل ~~والقباب، ومن الشرق يتدلى الشلال فتخاله سلسلة فضية في عنق «الجبة» الحسناء، وترى ~~أنابيب كهرباء قاديشا كأنها الحية التي خدعت أمنا حواء، هذا إذا كانت سوداء، فكل لاهوتي ~~يكسوها لونا من مخيلته، أما الماء فمثلوج أبدا، وهو مريء هدام لما تبنيه ~~المطابخ. # وصلت بشري عصر الاثنين 12 آب، وقرب الغروب زرت جبران في بيته الموحش، في دير مار ~~سركيس المخبأ في عب غابة تجري من تحتها الأنهار كأنها الفردوس المحكي عنه، يذكرنا هذا ~~الدير بالآية القائلة: # ينحتون من الجبال ~~بيوتا ~~، وهذا شأن سكان لبنان القدماء وخصوصا النساك والحبساء، الدير ~~رهيب لا جميل، كان ملعبا لجبران في صباه فأخذ عنه أشباح الليل ومواكب النهار، تحيد من ~~السكة وتمشي في لحف الجبل قليلا فتبلغ الكنيسة، وهي خارج سور الدير كعادة رهبان لبنان ~~في ديورتهم، فالنساء لا يدخلنها أبدا، تلج الكنيسة - وهي كهف غائر في صدر الجبل - ~~فيواجهك تابوت جبران المسطح في مغارة، كأنها حنية كنيسة مارونية، شرقية لا غربية، مزينة ~~برفرف من متحجرات مغارة قديشا التي ms077 اكتشفها الخوري الناهض طانيوس جعجع، ومرتبة التابوت ~~مفروشة بخشب زيتون عتيق كأنه مأخوذ من البستان الذي صلى فيه يسوع، حبيب جبران. # كتب بول بورجه يوم زار بيت غوته شاعر الألمان مقالا جاء فيه: إن صورة الأشياء التي ~~يعيش بينها كاتب عظيم تتحد بآثاره لتكملها وتوضحها، إن هذا ما شعرت به ثلاث مرات: ~~الأولى في أورشليم والجليل، والثانية في المعرة، والثالثة في بشري. # نمت الليلة متأثرا وأصبحت ناسيا، فزرت صديقي الأستاذ خليل صادق ثم اجتمعنا برئيس ~~لجنة جبران المنصرف إلى تكميل فندق جميل أحدثه في قلب بشري، وطوفت في بشري يرافقني أمين ~~صندوق اللجنة السيد لدوس، فأراني أعمال لجنة جبران التي أنفقت في هذا العام على ترميم ~~بشري نحو عشرة آلاف ليرة فحمدت المسعى. # وبلغنا بيت جبران حيث تمت رواية وع وع وع، التي أتحفنا بها ميخائيل نعيمة، فأجفلت كمن ~~رأى أفعى، إنه أشبه بمزرب حمير، لا سقف له ولا جدران، وأدرك ذلك مرافقي الأمين فأنبأني ~~بالمشروع الخطير الذي سيتم في العام القادم، وقد وافق عليها غبطة البطريرك أنطون، وهو ~~هدم كنيسة مار سابا التي يعاد بنيانها على حافة الجبل. # يرى البشراويون جبران غير ما نراه نحن الأدباء، يرون فيه مسيحيا مخلصا حتى ~~للطقسيات؛ ولذلك يقدسون لراحة نفسه كل أحد على مذبح مار سركيس، أما الترحم عليه فلا ~~ينقطع. # وانتقلنا من بيت جبران إلى متحفه فمررنا على ساحة جديدة في وسطها ينبوع يتدفق من ~~أشداق الأسود، ولا عجب أن أوحى إليهم هذا المشهد فهم أسود تلك الغابة. # استقبلنا محافظ المتحف الشجاع وعرفنا فرحب بنا ترحيبا «شوقيا» ينم عن وفاء ورحابة ~~صدر ينسيان الضيف وحشته، وما اكتفى الرجل بالترحيب بنا حتى رحب أكثر من مرة بالسيارة ~~التي حملتنا إلى بشري، وأخذنا توا إلى غرفة جبران فرأينا تخته البسيط وعليه فراش ~~ذكرني بالفراش الذي للأب أغناطيوس التنوري، منتثرة فوقه وسائد ومخدات، والصليب معلق فوق ~~رأسه، وفي الناحية الأخرى شماعدين دهرية أظنها عمل بيت شباب، فخلت أنني في مار روحانا ~~عين كفاع، وهناك أيضا ms078 شماعدين ذات سبعة أنوار وجبران مولع بهذا العدد، وتحت الرف ~~القائمة عليه الشماعدين مطبخ جبران الزاهد، من المقلي إلى القصعة والملعقة الخشبية، وقد ~~مدت في أرض الغرفة صورة جبران التي أهداها ميشال العبد إلى بشري، وهي من بلاط صيني ~~كالتي في بكركي تمثل البطريرك عريضة بتاجه وصولجانه وبرفيره، وضعت هذه الصور هناك ~~مؤقتا وستنقل إلى بيت جبران مع متحفه. # ومضينا إلى قاعة ثانية فإذا هناك أيضا أشياء جبران الكثيرة، منها عصاه التي رفعها ~~مرة كما أخبرنا الأستاذ نعيمة في رده على الريحاني، وفيها ساعات جبران وكلها عادية، ~~وأقلام وتحف وطرف، وتماثيل صغيرة بينها صورة ماري هسكل وكل عدة مصنع جبران التصويري، ~~وخرجنا إلى الدار نطوف على الصور المعلقة على جدرانه، وأكثرها رمزية توحي حيرة وخشوعا ~~وعجبا، ذكرني متحف جبران بقول نشيد الإنشاد: «هو ذا سرير سليمان حوله ستون جبارا ... ~~كبرج داود المبني للسلاح علق فيه ألف مجن.» وفي الدار مكتبة جبران أكثرها إنكليزية، أما ~~كتبها العربية فالأغاني وبعض كتب نحو وبيان، وكتب عديدة مهداة إليه. # فتشتها فلفت نظري رواية ميخائيل نعيمة «الآباء والبنون»، التي يقول في إهدائها إلى ~~جبران إنها أول آثاره يهديها إلى عزيزه جبران وهو ذاهب إلى الحرب، وقد تكون الأخيرة، ~~الحمد لله أنها لم تكن الأخيرة، ولو كانت لخسر الأدب العربي كثيرا. # واستوقفني أكثر كتاب للآنسة مي، قدمته لجبران بهذه العبارة: إلى «النبي» مع الرعب، ~~وهناك كتاب آخر منها نسيت عبارة إهدائه. # وأخذت أتأمل الصور المجموعة في جلود من الكرتون وكلها بالقلم الرصاصي، فعثرت بينها ~~على واحدة مقدمة لميشلين سنة 1908 وهي صورة جبران الشاب بقلمه، وفي المتحف صورتان كبيرة ~~وصغيرة عليهما مخايل القدم لم أفهم سرهما، ولكني متكل على الصديق الفنان الشيخ قيصر ~~الجميل الذي سيدرس متحف جبران بدعوة من اللجنة. # وخرجنا من المتحف مشيعين بنظرات محافظه الباسل السيد حنا مارون، الذي ينام على مسدس ~~كاد يذهب ضحيته ليلة لولا لطف الله به وبعائلته. # وعدت إلى الفندق أتمتع بلطف صاحبه بربر بك الضاهر وإيناسه، وقبل الغروب ms079 جاءني السيد ~~لدوس لنذهب إلى اجتماع لجنة جبران في هذه السنة الضيقة، وفي النادي تعرفنا بوجوه بشري ~~أعضاء اللجنة، وبحثنا شئونا تتعلق بجبران الخالد لو كانت وافقت اللجنة لانتعش الأدب ~~العربي كما أراد جبران وفعل، وسرنا خطوة ثابتة إلى الأمام، والكحل خير من العمى. # لا تتعجب إن قلت لك كنا نخال جبران معنا، فصورته بريشه الجميل في صدر القاعة التي ~~اجتمعنا بها، إن جبران أول أديب عربي له متحف آثار وبيت يزار ومدفن فخم ، وسيكون له ~~أشياء غير هذه وهو يستحق، وعلى ذكر يستحق أخبرك أنه استحق شكر لبنان، بعد الموت - من ~~الدرجة الثانية - والبراءة معلقة على جدار متحفه. # إن جبران في تآليفه العربية لبناني محض بل إقليمي حتى في سماء بعض أبطال قصصه ~~وأماكنها، ولا بد للراغب في فهم جبران فهما تاما من زيارة الإقليم الذي نشأ فيه ~~ودرسه؛ إذ يلمحه في كل مقال كتبه جبران في هذه الكتب العربية من أعظم مفاخر لبنان ~~الأدبية، أما في كتبه الإنكليزية فإنساني شامل وهو فيها مفخرة الشرق كله، حمل إلى ~~العالم عطر الشرق وبخوره وأنوار شموعه. # هرب جبران من ظل الإكليروس ووقف بعين الشمس، ولكنه اليوم ينام بينهم، فهم الذين يصلون ~~عليه كل أحد كما قلت لك، ثابت عندي أن الذين كرههم جبران من رجال الدين هم غير كهنة ~~بشري الودعاء النقية قلوبهم، فكهنة بشري كما رأيت ديمقراطيون لا يعرفون أرستقراطية ~~الإكليروس، ولا يرون لأنفسهم سيادة إلا تحت القبة وجناح الهيكل. # في بشري نحو ثلاثين كاهنا! لا تتعجب، فأنا أذكر أنه كان في عين كفاع تسعة خوارنة، ~~وعين كفاع أربعون بيتا، كلهم من طراز: الكبير فيكم فليكن لكم خادما. # وأخيرا لا تتعجب من صوفية جبران، فموقع بشري مدرسة يعلم الصوفية بلا أستاذ، فحيا ~~الله بشري وأهلها، وحيا لجنتها الجبرانية العاملة بلا ملل، ووفقها إلى إحياء ذكراه وإن ~~كان في غنى عني وعنها وعن منهاج البكالوريا. ~~(7) من أجل الأدب # إلى الرئيس إده: مجمع جبران وجائزته # سيدي ~~الرئيس # أذاعت الصحف إنذارا يمنع رعيتك ms080 القلمية أن تذكرك، فهل يمنعنا هذا أن نتذكرك ~~ونذكرك؟ # إننا نباهي بثقافتك العميقة الواسعة، ونعلم أنك حفيد شاعر لبناني جريء، # 2 # كان قذى في عين الجزار وقد أرخ وفاته التأريخ الرائع. # ولا نزال نذكر بالفخر موقفك النبيل عبر البحر المتوسط، غير ناسين أنك باهيت ~~بثقافة هذا البحر، الحق معك يا سيدي، أترى دول أوروبا العظمى تحوم حول هذا الحوض ~~تدعيه، وتنسى أنت أيامنا الغر على شاطئيه الشرقي والغربي؟ ألا تذود عن حوضنا ولو ~~بالكلام؟ # أراني فهمت كلمتك الشهيرة على غير الوجه الذي فهمه بعضنا، أدركت أنك تقول للغرب: ~~ولئن كنا اليوم أمة صغيرة نحضر هذا المعرض بتواضع عميق، فلا تنسوا أننا كنا ~~السابقين في هذا الميدان، فاستعمرنا الدنيا وعمرناها، كنا معرضا جوالا فتنت ~~العالم محصولاته، وكسا ملوك الشرق الغرب برفيرا وأرجوانا. # نعلم وتعلم أنك قلت لأوروبا: لئن فاتنا الغاز الخانق ولم يكن لنا طائرات ومدرعات ~~وغواصات فما فاتتنا الثقافة، ولم ينقصنا الاختراع، فصيرنا البحر طرقا معبدة فذل ~~لنا وخضع. # ما وجدت مجالا للفخر بالسلاح المدمر فطاولت بنبوغ أمتك، الذي عجز الدهر عن طمسه ~~بعد ألوف السنين، وكيف لا تطاول بهؤلاء النوابغ وأنت واحد منهم إن شاء الله. # فكرت بهذا يا سيدي ورجعت لنفسي في الخلاء ألومها! لقد أفلست يا نفسي، أما سفهك ~~قومك بأفراد وجماعات، فلا غني فتح كيسه ولا جماعة اهتزت لما دعوت إليه، وبعد ألف ~~جهد ظفرت بمائة ليرة ورقا، جائزة لأحفاد أولئك الذين افتخر بهم فخامة الرئيس في ~~باريز فلماذا لا تقرعين بابه؟ # أتفتح لنا يا سيد؟ أنت تعلم أنه ليس في مكنتنا بنيان دولة عظمى كبريطانيا مثلا، ~~ولكنه في اليد إنشاء دولة أدبية تمتد حدودها إلى حيث تشاء تخومها كما تروم، فقل ~~كلمتك وهات يدك. # تذكر جيدا كلمة بطرس ليسوع: «يا سيد قد تعبنا الليل كله ولم نصطد شيئا، ولكننا ~~لأجل كلمتك نلقي الشبكة»، أتقول هذه الكلمة لأطرح الصوت فيأتي الناس ويعينوني على ~~إخراج شبكتي من بحرك الطامي؟ # أتكون الفقيه المثقف ويشقى في عهدك الأدباء؟ إن ms081 أشقى الجمهورية اللبنانية ~~أدباؤها، وهم الذين يبنون مجدها الخالد مسخرين غير مأجورين، لست أطمع من فخامتك ~~بشيء، فعندي من خير الله وخيرك خبز وكسوة، ولكني أسألك العون على هذا الأدب، ~~ذخيرتنا الباقية وسلاحنا الفرد، فالأدباء أيتام في مأدبة الجمهورية، لا يذكرهم أحد ~~بكسرة يسندون بها قلبهم، فما يمنع أن تكون لهم «جائزة إده» يتسابقون إلى نيلها ~~واحدا إثر واحد، تشحذ العقول وينبه بين أمم الأرض ذكر الجمهورية التي ~~أحببتها. # قلت لك - عفوا إذا تركت الميم - إنني لا أتمنى شيئا غير هذا، فوالله وبالله ~~وتالله (بكسر الهاء) بل لا أتمنى الحياة إلا للعمل الدائم في بنيان هذه الدولة التي ~~نحن بها مستهزئون. # إننا في أنفسنا قوة ولكننا - ويا للأسف - عن إظهارها عاجزون، ما نفع «الاستحقاق ~~اللبناني» يعلق على التوابيت؟ وهل تروق دفينا جودة الكفن؟ إذا استعرضنا التواريخ ~~تخبرنا أن الأدب لا يعيش إلا في ظل دولة، فابسط عليه ظلك، ورفه عن رجاله تسمع ~~الأناشيد الخالدة، إننا نريحك من الأنغام السمجة، ونسمعك ما ترتاح إليه نفسك، خذنا ~~حصتك وأنت الرابح. # جعلت في الربيع الفائت جائزة ضخمة للخيول الأصيلة، فجرب أجعلها العام القادم ~~للبشر، لهؤلاء الذين يصاولون بأيديهم وأرجلهم ليخلقوا اللون اللبناني الذي لا يحققه ~~لك غيرهم، لهؤلاء الذين يجرون كل يوم شوطا وعليقهم غير مضمون في المساء. # ضع لنا هذه الجائزة وخطيئتك في رقبتي إن ندمت، إنك سترى كل مهر وقارح يجري في هذا ~~الميدان الخالد، سترى بينهم ألف عبدو، # 3 # وبهذا تبني دولة ثابتة لا يغزوها فاتح ولا تؤخذ عنوة، ولا ينتدب عليها ~~يوما من الأيام، وإن صح زعمي فهي مفرق طريق الاستقلال التي شققتها لنا، ولا شك أن ~~التاريخ سيقدر جهادك، ويذكر البطل الأعزل المظفر في أنصع صفحاته بياضا، وللتاريخ ~~يحيا الرجال وهو جنتهم التي يخلدون فيها. ~~••• # أما الآن فلنؤد الحساب لإخواننا الأدباء، إن سعينا المستمر لم يذهب سدى، ولم تعد ~~يدنا فارغة، فلجنة جبران الوطنية ما خاست بعهدها، وإن نفرح الآن فبالنواة التي ~~نسوسها لتمسي دوحة إذا أنعشها الهواء ms082 وواتاها الماء والغذاء، وهذه قطعة من رسالة ~~رئيس لجنة جبران توضح ما نقول: # قياما بما قطعناه من العهد أمامكم بجعل جائزة أدبية لجبران عقدت جلسة خصوصية ~~للبحث بهذا الموضوع، فعلقت اللجنة النتيجة على استشارة رئيسها الفخري غبطة ~~البطريرك عريضة، وفي موعد آخر تقرر أن تكون الجائزة مائة ليرة لبنانية تدفع ~~للفائز نقدا، وأرصد ستمائة ليرة أخرى لنفقات مجمع جبران الأدبي، فتكون الجائزة ~~بظاهرها مائتين، ولم نتوفق إلى أكثر. # وإن شاء الله تعلمنا التجربة الأولى وتفهمنا نتائجها وفوائدها فنجعل الجائزة ~~التالية أضعافا، وقد اتخذ قرار يعهد إليكم بتأليف مجمع جبران من خيار أدبائنا ~~بنظام رسمي معترف به، وتعطى النتيجة - الحكم بالجائزة - في بشري خلال حفلات ~~ذكرى رجوع جبران إلى بلدته كما اقترحتم في الاجتماع. # سليم رحمة # رئيس لجنة جبران الوطنية # يقول المثل العربي: أول الغيث قطر، ويقول المثل اللبناني: مص القصب عقدة عقدة، ~~وطلوع السلم درجة درجة، أما المجمع فنحن ساعون إلى تأليفه ووضع قانونه، أما عدد ~~أعضائه فسبعة، ينضم إليهم عند الحكم رئيس لجنة جبران وعضو آخر تنتخبه اللجنة، أما ~~جائزة جبران لعام 1938 فستكون للقصة الطويلة يحكم بها المجمع في بشري، وفقا للشروط ~~التي تذاع قريبا مع أسماء الأعضاء ليبعث إليهم الأدباء بقصصهم. # إننا نثني أطيب الثناء على لجنة جبران الوطنية، فلعملها تتهلل روح جبران، وهو ~~عندي أقرب أعمالها إلى نية الواهب كل ما يملك لبلدته، فجبران سعى جهده في حياته، بل ~~وقفها كلها على هذه الفكرة، فأنشأ الرابطة القلمية التي مرضت بمرضه وماتت بموته، ~~فعسى أن يكون هذا المجمع الجديد من أبناء الحياة فتفرح به روح جبران فرح الجد ~~بحفيده، وعسى أن نبشر الأدباء بجائزة الرئيس إده التي ستكون سنية إن شاء ~~الله. # حاشية: إذا متع الله هذا الأدب اليتيم بجائزة إده فلتكن محرمة علي منذ الآن ما ~~عاشت وعشت، وكذلك جائزة جبران التي تحققت، أقول هذا دفعا لسوء الظن، رب يسر ولا ~~تعسر. # عاليه # أخي الشيخ فؤاد حبيش # قرأت كلمتك الآن عن مجمع جبران وجائزته، ورأيتك «تود» ms083 - وودك في محله - أن يكون ~~للشعراء والمصورين نصيب من جائزة جبران. # سيكون ذلك يا شيخ، فالجائزة القادمة عام 1938 للقصة الطويلة، وجائزة 1939 للشعر، ~~وجائزة 1940 للتصوير، هذا إذا بقيت الجائزة قزمة ولم تكبر، أما إذا نمت فسنجعلها ~~للفنون الثلاثة في كل عام، صل معي للقديسة تيريز من كل قلبك. # شكرت لك ثناءك علي، وتقنفشت ثم اقعنسست، لا تتعجب يا فؤاد فالشاعر صادق: # يهوى الثناء مبرز ومقصر # حب الثناء طبيعة الإنسان # ساعدونا يا أخي، طوفوا معنا حول الصناديق وانفخوا في الأبواق، فلعلها تسقط أمامنا ~~كما سقطت أسوار أريحا عند أقدام البطل يشوع بن نون عدونا الألد. # ليس فينا من يستطيع أن يحدق إلى الشمس دقيقة، إنما نحن أبناء الليل تطربنا موسيقى ~~الزوابع وترجفنا الصواعق ولا تخيفنا، إننا نرقب وجه الصباح لننام في الضحى كصاحبة ~~امرئ القيس رحمها الله. # اليوم قرعت باب رئيس الجمهورية، كما قرأت أو تقرأ في صوت الأحرار، أتقول إنه ~~يصرفني؟ لا تنس يا فؤاد أن مارون لا ينصرف، والرئيس غير شاعر، عفوا الرئيس شاعر ~~أعمال، والصرف وعدمه بضاعة كلام، فسترى أن رجائي لن يخيب، وقد رفعت إليه الآن ~~كتابا خاصا، أحسن الله الجواب والمآب. # أصافحك مشتاقا إلى أحماضك الحبيشية التي تغني عن «معكرونكم»، فأسأل الستار أن ~~يكشف عني هذه الكربة، وينبت المرعى فلا تبقى حزازات النفوس كما هي. # أخوكم مارون # ولبراءة الذمة أقول للقارئ الكريم إنه لم يتحقق شيء من آمالي. ~~(8) خطبة بشري # جئت وفي نيتي ألا أتكلم، ولكنني فعلت إذ بلغني، والعهد على المخبرين أنكم سيدات ~~وسادات، مشتاقون جدا إلى طلعتي البهية، أشكركم جدا، فقد جبرتم خاطري المكسور، ~~وفهمتموني أن الله لا يبلو حتى يعين، فهو إن تكرم علي ببطن كافوري يتقدمني بلا حياء إلى ~~كل محضر، فقد رزقني من يقبلني على علاتي. # سيداتي وساداتي # لست اليوم خطيبا، ولكنني محش، أعلق على الهوامش، وبكلمة أبرع: رجل يقطع من كل واد ~~عصا، فانعتوه ما شئتم. # جئنا لتعظيم جبران ولا بد لكل زعيم في الدنيا والدين من ناس ms084 تؤيده، فحاكم لا تشد ظهره ~~رعية لا يهابه الناس وأمره يكون رخوا، وقديس لا يطلب شفاعته أحد ولا تقرع له صدور ~~العجائز يعيش بلا شأن في عالم الإيمان، فالقديس برلام مثلا، زبائنه قلائل جدا، ولا ~~يعرف أحد باب بيته مع أنه اختصاصي بحب الصبا والنمش، وله رأي مفيد يشفي من المغص، وإن ~~قلتم: من أين جئت بهذا القديس الذي لم يسمع به حتى الخوارنة العتاق منا؟ أقول لكم: ~~راجعوا السنكسار فاسمه مدرج فيه كبقية الآباء القديسين. # إذن لا بد من تعظيم جبران، وتمجيد أورفليس مدينة المصطفى، فهنا أروع أودية الدنيا، ~~كان وادي الحبساء والقديسين، وصار اليوم وادي النوابغ وأبطال الدنيا والدين. # يقولون إن الله موجود في كل مكان، وفي ملتي واعتقادي أنه - لاسمه السجود - يمضي أغلب ~~أوقاته في الجبة، فجبة بشري جبة الله، والله في الجبة كما قال الحلاج المتصوف المتهوس، ~~فلا عجب أن يصيف سبحانه وتعالى بين الأرز والديمان، فهذا الماء يطول العمر، وهذا الهواء ~~يصفي الأرواح وينقي الأبدان. # وإذا كانت السماء يا أخي عمر فاخوري، جنات تجري من تحتها الأنهار كما وصفها الله في ~~كتابه العزيز، فهي - علم الله - هنا أو هنا ملحق لها كما هي الحال في لوكندات المصايف، ~~وكأني بالجبة من الحدث إلى إهدن قد خلقها الله مقرا لعباده الصالحين، الذين يصابون ~~بالضغط العالي وتصلب الشرايين ولا يستطيعون الإقامة عنده في أعلى عليين. # وإذا كان في بيت أبي يسوع منازل كثيرة، كما حدثنا إنجيله الطاهر عن مساحة السماء، ~~فهنا أحد هذه الأمكنة، اجعل اللهم نصيبي من جنتك في بقعة خيرة كهذه، وما يضرك لو تخلدني ~~بشحمي ولحمي فألاقيك في السحب مع الجدين الجليلين: إيليا وأخنوخ، وإن لم تعد كما وعدت، ~~فخير وبركة، فالإقامة هنا لا بأس بها. # سامحوني إن تفلسفت اليوم قليلا، فقد فعلت دفعا لتوهم الناس أنني مع هذه الشيبة ~~الطاهرة لا أعرف أتفلسف، الخير فضلتي يا جماعة، وأنا كالمتفلسفين من معاصري، والفرق ~~بيننا أنهم يتفلسفون «رسميا» وبكثرة تقطع الرزق، وأنا أتفلسف ضاحكا ومضحكا، تلبس ms085 ~~فلسفتي - غصبا عن رقبتي - ثوب المرافع القليل الحشمة، وما حيلتي فيها؟ إنها تحب الرقص، ~~فاعذروها إذا لم تترصن. # هنيئا لبشري أرزها الخالد، وبطركها الشيخ الفتي، وواديها الرهيب، وجبرانها العبقري، ~~ومغارتها العجيبة، كاتدرائية الله - لا تنسوا أنه يصيف هنا - ما أعظم حظ بشري! أعطاها ~~الله وكثر، وهي تستاهل. # وإذا ذكرنا مغارة قاديشا تمثل لنا الخوري طانيوس جعجع: كولومب الجبة أو القائد ~~المتنكر بثوب خوري، كما سماه الجنرال غورو، فعسى أن تشمله الحكومة الكريمة بنظرة ~~فابتسامة، فكلام تأويله استحقاق شكر لبنان. # في لبنان أعياد صيفية أكثر من أعياد الطائفة المارونية، فعيد كبير للشجرة نتمنى أن ~~تثمر طحينا وبرغلا، وعيد أزهار نتمنى أن تضفر إكليل حمد لحكومتنا الساهرة، وفيه ~~محاضرات في عواصم الاصطياف أحدثها وزير التربية والاقتصاد الوطنيين، فشكرا لما يبذل ~~معاليه من جهود جبارة في سبيل الإنعاش، أخذ الله بيده. # أف! لعنة الله على الشيطان، نسيت أعياد ملكات الجمال، ليتهم يجعلون جائزة للجمال ~~المعتدل، ولو مرة، فأريحها وأستريح قليلا، فلا راحة لي ما دامت غلة الأدب: سلم ~~بوزك. # إذن لا عيد أدبي في الصيف الذي يضيع اللبن، إلا عيد جبران نبي لبنان، لست أريد النبي ~~بمعناه الديني، فالأنبياء قد ختموا، ولكن عنيت جبران النبي بأسلوبه وتفكيره وخياله، إن ~~جبران وسام رفيع، لا كالأوسمة، علقه الدهر أبو العجائب، على صدر لبنان، مصدر البرفير ~~والأرجوان. # واليوم يحدثكم عنه أديبان خطيران يفهمان سر الأدب، ولا شك أن حبيبنا جبران سيغتبط ~~جدا؛ إذ يسمع ما يقال فيه من الأستاذين عمر فاخوري وخليل تقي الدين، ولما سيكتبه ~~الحبيشي غدا في «مكشوفه» ساتر عورات الكرام. # فلحفلة هذه السنة معان كثيرة يستنتجها اللبيب، ففيها المراعاة للمادة 6 و6 مكررة، ~~ومنها يعلم أن في لبنان كنيسة أدبية جامعة من أمرائها جبران وفرح أنطون والشدياق، ودفتر ~~العماد في دار المكشوف، كثر الله هذا النسل المبارك، فبه لا بغيره تمتاز الجمهورية ~~اللبنانية. # إن في لبنان اليوم بنائين جددا يزيدون على هذا الهيكل قببا شامخة تسر العيون، ~~وأجراسا عبودية تشرح وترعد، فكاتب «الباب ms086 المرصود» أديب بكل حواسه، بل هو الرصد الذي ~~ينشر أمامك ذهبه، ثم يحوله حجارة إن جهلت قيمته، فحذار فكل ما يحققه العقل يخلقه خيال ~~الأديب أولا. # هلم أيها الأستاذ واركب المنبر في هذا الزمن العصيب، فمهما يكن شموسا فإن ظهره سيلين ~~لك. ~~••• # قد سمعتم عمر فاسألوا الله أن يقلل من كسله، وألا يشغله السجل العقاري عن تسجيل قطع ~~أدبية واسعة الأطراف مغلال يملكها أبناؤنا وينعمون بخيراتها. # أما السيد حليم كنعان الذي أقدمه لكم الآن فهو كاتب فتي جديد يتأهب بإخلاص ~~واجتهاد للمعامع الأدبية، وإنني أتوسم فيه خيرا، وإن زججناه اليوم بين الفحول فليتعود ~~أن يسد المكان الذي سدوا، والآتي قريب. ~~••• # والآن جاءت نوبة الأستاذ تقي الدين، والشيخ خليل من رجال الحكومة كصاحبه عمر أفندي، ~~عمر يقيد صكوك البيع وخليل يراقب تدوين الحكي؛ أي ما يقال في مجلس النواب، ولكن هناك ~~إلى جانب الحكي كتاب «عشر قصص»، وهي حكايات بلدية طيبة كعرائس المروج والأرواح ~~المتمردة، إنما بصورة أخرى ولو كان خليل أصغر سنا لقلت جبران قد تقمص «القضية ثابتة» ~~يا شيخ، وجبران يؤمن أن امرأة أخرى ستلده. # إننا ننتظر من خليل تصوير «الخلوة» وما فيها، كما صور جبران الصوامع والديورة، فأدبنا ~~مفتقر جدا إلى تصوير الخبايا والزوايا والتكايا، وبدون هذا لا يصير عالميا. # المنبر يدعوك يا شيخ، فانس ثرثرة مارون، فللعمر حق، وللسن حصة كبيرة، أسمع جبران ~~صوتك، فبيته قريب منا، وإن شككت مرة فبطرس شك ثلاث مرات، وبولس أكل كفا سخنا على طريق ~~الشام. # لو كنت على رأس الدولة لعزلت خليل تقي الدين - لا تخافي يا ست، مع المعاش وحبة مسك - ~~وما فعلت إلا لأصرفه إلى الأدب الخالص، فيخلق أبطاله قصصه وأحاديثهم كما يشاء، لا كما ~~تقتضي الجريدة الرسمية. ~~••• # يظهر أن الحال اقتضت أن يتكلم الأستاذ الشهير فؤاد إفرام البستاني، فأكثركم إن لم أقل ~~كلكم، يعرف صاحب الروائع، ومن جهله فستعرفه به محاضراته المتتابعة كقافلة ابن العاص إلى ~~ابن الخطاب، إن كلمته استغاثة كما سماها لي، فعسى ألا تكون من ms087 «الأعماق». ~~••• # أما كلمة الختام فلا ترعبكم، فليس هناك خطيب آخر، إنها كلمة: شكرا، شرفتم، قوموا إلى ~~المأدبة. ~~(9) الحداد وجبران # الخوري يوسف الحداد هو ابن عمتي، وابن ضيعتي ذات الطريق المشهورة، وهو أيضا أحد ~~شيوخي الذين أخذت عنهم، وكثيرا ما حاولت أن أظهر عبوديتي لهذا الذي علمني حروفا ~~وأمسكت قلمي، خفت أن تتهم حكومتي فيه وأن يقرئني «مادح نفسه» سلاما أنا مستغن ~~عنه. # ظهرت «النجوى» كتاب ابن عمتي الحي بتفكيره وتعبيره، فقرأت أقوال المنصفين ولم أحرك ~~ساكنا كما يقولون، وما لهذا الخوري ذنب إلا أن أباه منذ مائة سنة اختار عمتي من بين ~~الصبايا. # وعام أول، أو هذا العام - لا أذكر - أذاع معهد الحكمة الخطير أسماء الذين حرثوا كرمه، ~~ونسي الحداد مع أنه ذكر الجميع حتى فاعل الساعة الحادية عشرة، فعتبت وجاء العذر ~~مقبولا، فكان العتاب صابون القلوب. # واليوم وقعت عيني على كلمة الأستاذ إلياس أبي شبكة، مقدرا الأستاذ الكبير منوها به ~~بعد ما تناساه كثير ممن أحبهم حبا جما، شاركه فيه الكير والمطرقة والسندان، عدة ~~الحداد. # أرى أن عقل الأستاذ أبي شبكة وقلبه قد اشتركا في المقادرة بين الخوري يوسف الحداد ~~ورجال زمانه، عده الأسبق في الطبقة الأولى من أدباء الجيل السابق، وهذا حق ننفق في سبيل ~~تأييده عن سعة، أما العاطفة ففي قول الأستاذ: «ولا أذكر أنني هففت إلى رجل قطع هذه ~~المرحلة من العمر كما أهف إلى الخوري يوسف الحداد.» # لقد صدق الأستاذ، فكل من عرف شيخنا الجليل يهفو إليه، فتحت جبته السوداء قلب كالذي ~~تمنى داود أن يخلقه الله فيه، ونفس ذكية لا تحتاج إلى الغسل بالثلج، ذهبي الفم على ~~المذبح، كناري الفم في المجالس، وهبه الله إحدى خصال أمه بلغه الله عمرها، فهو يحبو إلى ~~الثمانين ولا يزال كإيوان كسرى الذي يقول فيه البحتري: # وكأن اللقاء أول من أمس # ووشك الفراق أول أمس # فشكرا لأبي شبكة عن سيدي الرائح الجائي كل مساء بين ساعدي شط جونيه اللازوردي كأنه ~~الرمح دارجا، مشغولا في جسده عن متاعب القلم، ms088 ولكنه - كما وصفه أبو شبكة - «ما برح ~~أخضر الذوق، طري التفكير، طلي الحديث.» # كتبت إليه عام 1936 أسأله عما ترك جبران في ذهنه من أثر، فأجاب غير عابئ بتقطع النبض ~~وأدرجت مكتوبه في ظرف «وثائق جبران» فنام مع النائمين فيه ينتظرون الساعة، ولكن كلمة ~~الأستاذ أبي شبكة أيقظت كتاب ابن العمة في تلميذه جبران، وهذا رأيه فيه مكتوبا يؤيد ~~الحديث المردي: # ابن الخال الحبيب # السلام عليك، وعلى شق الطريق إلى عجوز ابن الخطاب. # كتبت إلي تستفسرني عن جبران، وهل كان من تلاميذي في مدرسة الحكمة، ثم تشعرني ~~بتوفيقك إلى شق الطريق. # أما جبران فهاك عنه ما يعلق بذاكرة أستاذه، درس علي جبران سنة واحدة فيها كنت ~~له لسانا وقلما، وكان أذنا تعي ما عناها، وقلبا تابعا لهوى متبوع، ونفسا ~~وثابة، وعقلا متمردا، وعينا هازئة بكل ما تقع عليه، مقلا من الإخوان، يزرع ~~حقله في عقله وفي يوسف سعد الله الحويك، مجتزئا به بين سائر الرفاق، كثير ~~الانتقاد، شديد التمسك برأيه، مفكرا قلما ترتسم الابتسامة على ثغره، طموحا ~~تحت مهماز لا رفق معه، يجد ليجد ناظرا في أفق بعيد. # وفي قص خبر اتصاله بي ما يفتح لدرسه منفذا يطل عليه، وكثيرا ما يقاس الحاضر ~~على الماضي (والطبخة الطيبة تعرف من العصر)، اسمع: في أواخر تشرين أول سنة قرع ~~علي باب غرفتي، وعلى كلمة «تفضل» دخل شاب ربعة ذو وجه حنطي مشرب حمرة، وعينين ~~ناعستين ما بين أجفان ذابلة كزهرة تطل من أكمامها، ترسلان نظرات طويلة مثبتة، ~~وله شعر مرسل يلامس أذنيه. ~~- الاسم الكريم، وهل أصلح لخدمتك في شيء؟ ~~- أنا جبران خليل جبران من بشري، أنهيت دروسي في الإنكليزية، نائل شهادة ~~الفلسفة، أتيت لبنان لأدرس آداب لغة وطني وأبدي فيها أفكاري، فكان نصيبي الصف ~~الابتدائي. ~~- ماذا تعرف من مبادئ العربية؟ ~~- أحسن القراءة فقط. ~~- أفلا تعلم أن السلم يرقى درجة درجة! ~~- وهل يجهل الأستاذ أن الطائر لا ينتظر السلم في طيرانه؟ ~~- إنني لم أرك قبل الساعة فمن دلك علي؟ ~~- عيني رأتك وقلبي دلني. ms089 # اقشعر بدني من الجوابين وشعرت أن أمامي عقلية بارزة في فتى له حكمة الشيوخ، ~~وذكرت للمتنبي: «ليس الحداثة من حلم بمانعة.» ~~- والآن ماذا تريد مني؟ ~~- رأيتك مرارا فسألت تلميذك يوسف الحويك من يكون هذا الخوري؟ فقال: هذا ~~أستاذنا الحداد وله رفق بتلاميذه وعطف، وكلمته مسموعة عند الرئيس، فجئتك في ~~أمري، دعني أحضر عندك لا أسأل ولا أسأل، وإني دافع مرتب المدرسة كله حالا، ~~وأنا المسئول عن نفسي، لا أمي ولا أبي، وإن لم أنل مطلوبي فتشت عن غير هذه ~~المدرسة التي تتعلق بحرفية القانون ولا تفهم تلاميذها. ~~- مهلا وأعود، وما زلت بالرئيس حتى قال كلمته «التاريخية»: النتيجة يا حبيبي ~~أنت المسئول، وأين راتب المدرسة؟ ~~- حاضر. # وعدت إلى جبران، وما رآني حتى أقمر ليله وابتدرني قائلا: انقضى غرضي يا ~~أستاذي. ~~- ومن أين عرفت؟ ~~- من وجهك الضاحك وعينيك. # وثاني يوم كان جبران بين تلاميذي على مقعد التدريس، وقدامي على المكتب كتابة ~~منه: قبل مرور ثلاثة أشهر لا تسألني عن شيء وبعد ذلك سل ما تشاء. # لم يكن جبران وقت اللقاء الأمثولة يفتح كتابه بل كان آذنا وعينا، وتلك ~~الأذن العطشى لا ترتوي وتلك العين لا تشبع، وكان يختلف إلي حينا إثر حين، يلقي ~~علي أسئلة ويستشيرني في انتقاء كتب المطالعة فحولته على كليلة ودمنة والأغاني، ~~ومقدمة ابن خلدون، ونهج البلاغة، ورسائل بديع الزمان، والدرر لأديب إسحاق، ~~والمتنبي والبهاء زهير، والتوراة، ودرس الطبيعة وطبائع البشر وأخلاقهم وعاداتهم ~~والتواريخ. # وكان يأتيني بمقالات من عندياته يستقل بها، فأرى منها جسما متناسق الأعضاء ~~عليه مسحة من الجمال تحت ثوب من اللفظ لا يشاكل المعنى، فأمشي معه في ثقافته ~~مشية من يرى تلميذه أكبر من تلميذ، وضعت له هذه القاعدة: «فكر طويلا واكتب ~~قليلا، تكتسب كثيرا إلى أن تفيض القريحة فيضا.» # ومن أول مقال له أدركت ما هو جبران وقلت له: إنك صائر شاعرا مطبوعا، ~~وكاتبا خياليا فاتق الله، إلى الأمام. # وكان جبران ينمو في أسلوبه نمو الحورة وينبثق انبثاق الحوض، ومعه تقوى الروح ~~الوثابة العابثة المتمردة. ms090 # وفي آخر السنة تركت المدرسة ولم أعد أذكر إلى أين أتجه، إلى أن أهدى إليه ~~كتابه وعليه العبارة: «أنت أولى بأولى بواكيري»، فكتبت إليه في بعض نقط فقطع ~~الحبل، وكل ما أقوله: لا تتعجل بنشر نقد جبران قبل أن تلم به من كل ناحية، ~~وجبران كان يحذق فن التصوير وهو في المدرسة. # لا أقدر أن أبدي رأيي في جبران؛ لأني لم أطالع تآليفه كناقد، ~~ولا جلد لي اليوم، بل أعتقد أنك بدرسك له ~~الدقيق تجد الغث والسمين، وعسى نقدك أن يكون نظير عصا موسى وراء عصي سحرة مصر، ~~إن شاء الله الذي لا توفيق إلا منه. # ابن عمتك الخوري # 9 آذار سنة 1936 ~~(10) شيء عن مي # يا حبذاه! # هكذا أجابتني مي إذ دعوتها إلى الكلام في حفلة جبران التذكارية، كانت يومئذ مجاورة ~~بالفريكة بعد محنتها، وقد صحبنا إلى زيارتها صديقنا وصديقها الريحاني. # تلك أول مرة رأيت فيها وجه مي الذي أطراه الناس نعتا، رأيتها فخلتني أمام كنيسة ~~مهجورة، في عتمتها روعة وجلال، وفي شقوق جدرانها رائحة الفن والدهر، من أين جاءت إلى ~~ذهني في تلك الساعة، صورة ابن الفارض كما رسمها جبران؟ لست أدري، رأيت في محياها ظل ~~الشباب مسفوحا على الهرم، قعدت على «طراحة» كعادتنا اللبنانية، وجلست هي على كرسي ~~بالقرب مني، فاعتراني اضطراب القاعد قرب جدار متداع، أدركت فورا أنني أمام امرأة ~~لبنانية لم تمح مصر ولا مدنية الغرب خطا واحدا من خطوطها الجميلة. # يا حبذاه! تلك عبارتنا الإقليمية عند الحسرة الممزوجة بالألم، فهي بنت قرية من قرانا ~~المتواضعة، وهي ما برحت تحتفظ بلحن عذب تحدث به لبنانيا عتيقا لا يتمطق ولا يلوك ~~لسانه، قابلته ماري زيادة بالمثل، وهي بنت الجبل مثله، لا تعرف مضغ الكلام ولا صبغ ~~الأحاجيب كبدويات المتنبي. # كم كنت غليظ القلب في إلحاحي عليها، فوا عجباه ثم وا عجبا! كيف لم أفهم أن هذه الهاء ~~هي هاء السكت والندبة، كيف لم أدرك ما احتوت عليه «يا حبذاه» من تفجع يعتلج في صدر تلك ~~المسكينة، ms091 فرحت أزيد الطين بلة ولا أحس، كانت مي تلك الساعة: # كعصفورة في كف طفل يهينها # تقاسي عذاب الموت والطفل يلعب # قد - والله - كنت أقل من طفل، وإني لأذكر ذلك وضميري يؤنبني، فمغفرة يا روح بنتنا ~~العزيزة. # كنت أتأمل مي وأنا في حضرتها، كأنني غيلان أطوف بربعها الخرب، كانت تحدثنا بصوت في ~~قرارته حسرة تحاول إخفاءها فلا تختفي، رأيتها تأبى الجلوس بين الصديق الشيخ فؤاد حبيش ~~والسيدة عقيلته، عملا بتقليدنا اللبناني الذي تلقته في مدرسة البيت، لم تبدر منها ~~بادرة لا عهد لي بها، فباتت في عيني مثال المرأة اللبنانية، لا تجود بأكثر من ابتسامة ~~لما كان نقهقه من نكات شاردة حضرتنا في تلك الساعة، أسمعت بقولهم: بنت مقهورة، لقد ~~رأيتها تلك الليلة بشخص مي فاستغنيت عن البحث والتفتيش. # قرأت أن الدكتور فهمي ختم خطبته، وموضوعها «نزعات مي في حياتها»، بهذه الكلمات التي ~~يقال أنها كتبتها قبل موتها: «هذا قبر فتاة لم ير الناس منها غير اللطف والبسمات، وفي ~~قلبها الآلام والغصات، لقد عاشت وأحبت، وتعذبت وجاهدت ثم قضت.» # من نكد الحظ أن تبتدئ حياة مي بالمقلوب، فبعد ما أمست الكاتبة الأولى أحبت الكاتب ~~الأول فمضى لسبيله، وكان الكبت وكان الانفجار، ولم تفز مي بالتصعيد الفرويدي المزعوم ~~لتتسامى بفنها وتستولي على الأمد، فلو أحبت في فجر طلعتها الأدبية لظلت أمامها رقعة ~~الأمل واسعة، ولكنها ابتدأت حيث ينتهي الناس فلم تتحول غريزتها الجنسية إلى أسمى من ~~الهوى، إلى حب الجمال والموسيقى فذهبت ضحية «الفكرة الثابتة». ~~«الفكرة الثابتة» شر من التنين الذي رآه يوحنا، فإذا احتلت ساحة الشعور سيطرت عليها ~~واستعمرتها، وكيف لا تفترس حملا وديعا لا حاجب على حظيرته ولا بواب، مات الأب ولحقت ~~به الأم، وأمست البنت وحدها، وجهها والحيط كما يقولون، وجبرانها أمسى عريس ~~البلى. # قد يقال ما هذا الحب وبينهما بحور أقل أمواجها جبل؟ فنجيب أن بشار بن برد قد انبرى ~~لحل هذه العقدة فاستفتوا شعره، وإذا كان علم النفس يعلل الحب العياني زاعما أن المرء ~~لا يحب شخصا ms092 حقيقيا، بل يعشق شخصا خياليا فينتزع من نفسه أشياء يسبغها على ~~معشوقه، حتى يخال أنه اكتشف بذلك أسرار النهاية وحقيقة الوجود، فكيف بمي المفتونة بسحر ~~جبران حتى ترى فيه شخصا أسمى من البشر؟ # إن التقاليد التي شن عليها جبران ألف غارة، هي التي ختمت مأساة من أحبته حبا جما ~~هذا الختام الفاجع، أبت الفتاة أن تخفف رأسها وتذهب إلى لقاء الشاب، فعلى الشاب أن ~~يسعى، وقبل أن يلهما حلا ملائما مات جبران وعاشت مي بعده كراحيل لا تريد أن تتعزى، ~~استبدت بها «الفكرة الثابتة» فأبغضت الناس وتحامتهم؛ لأنهم سعدوا دونها، حتى أبت أن ~~تستقبل الدكتور طه حسين الذي سعى إليها، بل أنبأته - كما روي - بأن ليس بينها وبين ~~غيرها من الناس اتصال، ولا خطاب ولا حديث إلا من طريق الكتابة، فإن كانت لك كتب لم ~~أقرأها فأرسلها إلي، وأما شخصك فلا أراه ولا يراني. # أقيمت لمي في العالم العربي أعراس تليق بالعروسة الخالدة، ولا بدع أن كان خيرها عرس ~~مصر، فقد أسدت إلى الكنانة خير الأيادي، وجددت عهد الأندلس في ذلك الوادي البهيج، فهذا ~~إسماعيل صبري باشا يتلهف بشعره الرصين إلى يوم الثلاثاء - يوم صالون مي - ليرى مي وإلا ~~فلا كان يوم الثلاثاء، وهذا أمير المنبر الدكتور نقولا فياض يهتف من على منبر الجامعة ~~الأميركية: # يا مي هذي ساعة الميعاد # فسلي فؤادك عن خفوق فؤادي # وهذا الدكتور طه حسين يقول في ناديها: «وحسبكم أنني استطعت أن أصل إليه حين لم أكن ~~أكثر من طالب بالجامعة القديمة.» # وهذا الدكتور شميل يخاطبها بقصيدة لتلين ويفرخ روعها بعد ما دخل خدرها محتشما ~~فأفزعها: # إذا ما قمت أطري الحب يوما # ألا تدرين أنك في خيالي # ومي ترصد هذا الحساب الضخم بما أوتيت من فصاحة ولسن وشدة عارضة، كانت في ذلك المعترك ~~- معترك العقول الكبيرة لا الأحداق والمهج - كما يقول المثل اللبناني: يا بحر ما يهزك ~~ريح، وظلت شامخة كأنها سنديانة الكنيسة حتى اقتلعتها العاصفة الشمالية. # ليس بين يدي من كتب مي إلا كتاب واحد ms093 عنوانه بين «المد والجزر» كأني به عنوان حياتها، ~~ولكنه لا يكفيني لرسم صورتها كاملة، بيد أنني أستعين بذاكرتي فأتخيلها وأرسمها ببضعة ~~خطوط قد تبدي للأذهان صورتها المصغرة. # مي غربية شرقية في تفكيرها، تفاعلت في قلمها الثقافتان فكان من نتاجها تعبير رصين لم ~~تظفر بمثله أنثى قبلها، فمي الكاتبة خير أنثى عرفها الشرق العربي، وهي في أسلوبها ~~المتين تبز الكثيرين من الفحول كما قيل في بنت عمها الخنساء. # نفست الخنساء كربتها بما قالته في رثاء أخيها صخر، واعتصمت مي بالحياء فماتت بدائها، ~~ولها عذرها فالأم غير البنت، والشقيقة غير الحبيبة. # في منثورها رائحة شعر ذكية، وفي تعبيرها موسيقى بعيدة الأثر، كان أدب المقالة مسيطرا ~~في عهد صباها، فتأثرت كغيرها بأسلوب الشدياق والحداد وإسحاق وغيرهم من كتاب القرن ~~التاسع عشر، ثم ضمت إلى قسماتها الفنية بعض ملامح جبرانية ريحانية. # الكثير من أدب مي يؤثر بقارئه؛ لأنه ابن الانفعال، والانفعال كما يقول ريبو خميرة ~~الإبداع الفني. # يحس قارئ مي أنها قرأت كثيرا، وتمثلت ما قرأته فأخرجته متسما بطابعها الشخصي، وإن ~~لم يكن في هذا الطابع نتوء يدلك عليه فتعرفه أنى وجدته، والذي عندي أن مي ليست ممن ~~يرسلون المقال عفو الخاطر بل تنقح وتحكك، فإذا كان الحطيئة عبد الشعر، فمي أمة النثر، ~~أما أثرها في بنات جنسها فبعيد جدا، إنها ربة البند والعلم، وبحق يعقد لها اللواء في ~~أدبنا النسائي الحاضر والغابر، وحسبها هذا. # رحم الله فتاة نابغة هي إحدى حلقات سلسلتنا الذهبية، وفي ذمة الله حياة ضاعت «بين ~~الجزر والمد»، «إن المطرة ظلت وحدها تشيع السفينة - سفينة نبي جبران - بنظرها حتى توارت ~~بالضباب». # أشارت إليها المحبة فاتبعتها، فدرستها على بيدرها، وغربلتها لتحررها من قشورها، ~~وطحنتها لتجعلها نقية كالثلج، وعجنتها بدموعها حتى تلين، وأعدتها لنارها المقدسة، فكانت ~~خبزا طاهرا ومحرقة نقية. # أمد الله في حياة أخواتها الكاتبات وأبقى لهن رداء الشباب. ~~(11) ما بين مي وجبران: رسالة تكشف الغطاء وتزيل الستر، نعيمة وكتابه «جبران خليل ~~جبران» # يا صديقي # لا تتعجب أن أخاطبك بيا صديقي، ms094 فقد كنا وما زلنا أصدقاء وإن ضرب الدهر بيننا، ~~وفرقنا أيدي سبأ. # تذكر أيام المدرسة، وقد شبت وشبنا، وحينما - تمرون الديار ولم تعوجوا - أنظر إلى ~~حركاتك وسكناتك فأتذكر مارون المرح كالبرذون الفارة، لا تسعه الأرض التي يحلها أو ~~يحتلها، وعندما أسمع حديثك أو أقرأك أتذكر لواذع نكاتك التي كنت ترمينا بها فنفرنقع ~~عنك بعد تكأكئنا عليك نتحرش بك، أتذكر «عاصي» و«الناكوزي» وغيرهما؟! # تلك أيام «وهيدي بدالها» يا مارون. # سمعت حديثك في راديو الشرق فعرفتك، أرشدني إليك ما في صوتك من بحة وصحل لا أزال ~~أذكرهما - ماركة مسجلة - فبقيت أسمع حتى انتهت كلمتك عن مي - الله يساعدها - وأعلن ~~المذيع أنك أنت هو، ذلك المارون الذي كنا نحب قوارص كلامه كالنساء اللواتي يستطيبن ~~اللطم والضرب، أسمعت بهن؟ يظهر مما أقرأ لك أنك بكل شيء عليم، الحمد لله على هذه ~~النعمة. # قد طال الحديث وأتصورك كعادتك سئمت، وقلت: أيش بدك يا خيي! قل وحل عني. # ألومك يا مارون؛ لأنك نبشت قبر مي، وشرحت تلك المستورة على قارعة الطريق، أليس ~~الراديو مثل قارعة الطريق وأكثر؟ ما كنت ألومك لو لم تأت ما نهيت عنه، أما لمت ~~الكاتب الكبير ميخائيل نعيمة حين تحدث عن حب جبران لميشلين، وما كان بينهما من ~~علاقات؟ أليست هذه كتلك؟ ماذا تهم الأدب هذه النواحي، أليست عيوبا يجب أن تغطى، ~~فالإنسان ضعيف، وما خلق إلها كاملا منزها عن كل عيب وضعف. # الإمضاء «ب. ع» ~~«ب. ع» نصف بعبع، من هذا؟ لست أدري، جمعت قوى ذاكرتي واستعنت بدفاتري، وانتظرت الفرصة ~~انتظار القارم اللحم والصائم بيضة العيد، فقرأت كتابي الجوائز لسنتي 905 و906 من الجلد ~~إلى الجلد، فلم أوفق إلى شخص عرفته وعرفني في مدرسة الحكمة يبتدئ اسمه واسم أسرته بهذين ~~الحرفين. # ذكرني هذا الرفيق بأيام «البنوتية» التي لا أنساها، وأحس أنني أحياها وأنا أزاحم ~~الستين، فلم أبلغ بعد الساعة التي أقول فيها مع أبي نواس: «وأراني أموت عضوا فعضوا»، ~~وأظنني لا أبلغها. # اسمع أيها الصديق «الحشري»، أتألم ألم الأستاذ ميخائيل نعيمة؛ ms095 لأنه قال: إن جبران ~~بشري أحب كما يحب الناس، ويشرب كما يشرب عبيد الله، وجمع من حطام الدنيا مثلما يجمع ~~معظم الخلق. وهل أنا مجنون لأعتقد أن جبران لا يعيش باللحم والدم كسائر الناس؟ # لا أشك أبدا في أن دم جبران حار جدا، وإن زعمت غير ذلك فرسومه تكذبني، إن تياراته ~~الفكرية في أدبه وفنه تتجه دائما صوب الحب الذي يراه الحياة كلها، ومن قرأ أول حرف ~~وآخر حرف مما كتبه جبران - حتى يسوع ابن الإنسان - رأى «الحب» كنجمة القطب وإليها تتجه ~~سفينة جبران. # ولست أشك أيضا في أن حياة الأديب الفيلسوف ميخائيل نعيمة أقرب إلى الصالحين ~~المتعففين، وإن حياة جبران أقرب إلى الوثنية اللبنانية العريقة منها إلى المسيحية ~~الطارئة، ولكن هذا لا يدعو إلى تلك «الزحمة» الكبيرة التي صرف إليها نعيمة همه، بدلا ~~من أن يدرس أدب جبران درسا جامدا وعلى ضوء لا يترجرج ولا يتذبذب. # أنا لم أكتب حرفا بعد عن كتاب نعيمة في جبران، وإن كان في نظري على علاته خير ما كتب ~~عن جبران، ما أبطأت عن ذلك إلا لأنني سأتكلم عن مدرسة جبران وأثرها في أدبنا الحديث حين ~~تتجمع لدي الوثائق الكافية فلا باس علينا من قول كلمة عابرة. # بين كلامي وكلام نعيمة فرق واضح. إن الأستاذ نعيمة تحدث عن «فضائح»، وأنا لم أتحدث ~~إلا عن حب طاهر، أين منه الحب العذري؟ قد رأى جميل بثينة، والمجنون ليلى، أما مي فوا ~~لهف قلبي عليها، إن نعيمة يروي حديثا يعجز عن إثباته بالوثائق التي هي مقطع الحق ~~الأول، أما أنا فسأريك - أمهلني قليلا - ما يزيل كل شك يخامرك ولا يمس مي وجبران بضر، ~~إن حبهما كحب أبي وأمي، وأبيك وأمك يا صديقي «ب. ع»، أما ما ذكره الأستاذ ميخائيل - ولا ~~أستبعد وقوعه؛ إذ ليس جبران أعظم من داود - ففيه جموح وتعد يؤاخذ عليه من قال فيه ~~نابغتنا الدكتور فيليب حتى: إن ملايين الدولارات التي كسبناها في هجرتنا لا تساوي جبران ~~خليل جبران. # ليست «ميشلين» شخصا وهميا ms096 في حياة جبران، فهناك صورة لها بريشة جبران محفوظة في ~~متحفه، وأذكر أن تاريخها سنة 1908 إن ميشيلين شخص من لحم ودم مر في طريق جبران، ولكنه ~~أصبح - كما أظن - تحت قلم الأستاذ نعيمة شخصا روائيا. # فكتاب نعيمة في جبران وإن كان ذا قيمة فنية رفيعة، فهو كروايات ديماس يختلط فيها حابل ~~التاريخ بنابله، أخرجه الأديب الكبير بشكل رواية بدأها بوع وع، وختمها بغر غر، أي من ~~المهد إلى اللحد، وهدف نعيمة في كتابه إعلامنا أن جبران بشر مثلنا - آمنا ~~وصدقنا. # وما رأيت نعيمة يملك وثيقة تؤيد ما زعم، ولا هو شاهد عيان، بل لا يملك آخر مقطع من ~~مقاطع الحق وهو «التواتر»، فأكثر الذين خالطوا جبران ولابسوه ردوا على نعيمة بعنف ~~وقسوة. # خاف نعيمة كما ظهر من مقدمة كتابه، أن يصير صديقه جبران أسطورة أو نبيا، فأرانا أن ~~جبران إنسان لا غير، وإلا فما هذه الحكايات عن فلانة وفلانة، والأوروبيون يذكرون المرأة ~~التي أحبها الأديب ليبينوا أثرها في فنه وأدبه، ولم نر شيئا من هذا في كتاب نعيمة، ~~فميشيلين وفلانة أشباح لا علاقة لها قط في الأدب الجبراني، وقد يكون لهن علاقة ولكن ~~شيئا من هذا لم يذكر، فكأن الغاية القصوى من سرد الحوادث بيان أن جبران أحب حبا ~~خسيسا وإعلان أن جبران «نبأ كاذب». # يقول ذلك نعيمة في (ص179) ويروي أن جبران قال ذلك عن نفسه، أراد أن يعترف لصديقه في ~~البرية، ولكن تواضع ميخائيل حال دون سماع ذلك الاعتراف القاسي «هالني أن يمضي في ~~اعترافه أمامي فيجلد نفسه العاتية المتمردة أمام عيني، وينزع عنها دروعها العديدة، ~~ويتركها عريانة وبلا سلاح، ومن ثم فمن أنا لأتقبل اعتراف نفس وإن تكن أختا ~~لنفسي؟! وقد تكون نفسي أحوج إلى الاعتراف منها» ص190. # ليته سمع ذلك الاعتراف وحل جبران من خطاياه بعد التثبت من توبته وندامته، وجاءنا ~~بالتفاصيل ولم يتركنا فيما تركنا من حيرة، فأنا أجل الأستاذ ميخائيل وأحترم أخلاقه ~~النبيلة، وأصدقه إذا قال سمعت بأذني، وبعد فهذا الاعتراف يذكرني باعتراف ms097 دوستويفسكي ~~لتورغنيف، ولكن نعيمة كان أرحب صدرا. # لقد وفق الأستاذ نعيمة كل التوفيق في إخراج قصة جبران، فهي خير ما كتب، وخير ما أذاع ~~وما أذيع له، شاء الدكتور طه حسين والأستاذ توفيق الحكيم أن يكونا بطلي قصة، فكتبا في ~~سالنش قصة «القصر المسحور»، ولكنهما قصرا جدا عن الأستاذ نعيمة في كتابه جبران خليل ~~جبران، الذي هو ابن عم المثل السائر لحا، فكثيرا ما يلتقي نعيمة بابن الأثير فيدعي ~~أبو الفتح ويتواضع ميخائيل والمطلوب واحد. # ولنعد الآن إلى حب مي المسكينة، فقد كان له أعظم أثر في توجيه حياتها ، فختمت تلك ~~المأساة، كما علمنا وعلمت أيها القارئ العزيز، فمي بين المحبين كداود بين التائبين، ~~توبة داود متقدة صارمة ومحبة مي مؤلمة عارمة، وفي كلتيهما لذة كالقشعريرة التي تأخذنا ~~عند فجر أيلول في الخيمة، وإذا صح ما زعم علماء النفس في تولد الهوى كان الجاني على مي ~~خيالها القوي. # يعلمنا مبحث اللاشعور أن ميول الناس واعتقاداتهم تتبدل، من حيث لا يدرون، إذا خابت ~~آمالهم وكبت خيول أمانيهم في ميادين الحب، والخبر عن مي كما روى أدباء مصر الذين ~~خالطوها بعد محنتها وقبل أن يلفها الغسق، أن عاطفتها الدينية نمت وتضخمت في طورها ~~الأخير، إن طور اليأس والغم والقنوط - ومنبعه الكبت - يوجه الضعاف إلى هذا الملجأ ~~المنيع، فكل عمود من أعمدة قصر العواطف الدينية يرتكز على قمة هرم قطعت حجارته من مقلع ~~ميول وأهواء مكبوتة. # تلك حالة المغلوب إذا كان رجلا فكيف به وهو امرأة بل بنت «مقطوعة» منبتة، فكم أدى ~~الفشل الحبي إلى ظلمة الديورة، وما الفرق بين فتاة تدفن حبها المقهور في قرنة، وبين مي ~~التي جعلت من بيتها ديرا قبرت حبها في زاويته، وصلت عليه صباح مساء، إن عزلة مي ~~لمفزعة، فقد عادت طفلة في دنيا الحب والهوى إذا اعتبرنا الحب كما سماه برغسون «طفولة ~~جديدة»، وقد انتهت مي في طفولتها الجديدة إلى نسيان «الأنا» فصارت ميولها «غيرية» ~~وعالية، كأنها أدركت أن سفينة آمالها الأنانية قد تحطمت على صخور ms098 جزيرة الحب، فكتمت ~~داءها واستعلت على حبها بينها وبين الناس، أما بينها وبين نفسها فظلت متمسكة بذلك الخيط ~~الواهي تجد لذتها في ألمها، وفي الألم لذة لا تخفى على الخبراء. # ولا بدع في أن تلجأ مي إلى دينها في تلك العزلة الموحشة، فالحياة الدينية ينبوع ~~العواطف العذبة والأحلام اللذيذة: طوبى للحزانى فإنهم يعزون. # والعاطفة الدينية تنمو غالبا في تربة الحرمان، وتمتد جذورها حتى الطبقة التي يعيش ~~فيها الكبت، وهي الطبقة القريبة من النار في قلب العالم الأكبر الأصغر ~~«الإنسان». # وكأني أسمعك يا صاحبي «ب. ع» تقول: قتلتنا يا هو ! هات البرهان ودعنا من اللت والمط، ~~فاقرأ إذا يا صاحبي المجهول هذا الكتاب من مي إلى جبران. # 15 يناير سنة 1924 # مصطفى # ماذا جرى للبريد، لقد كان يصل سابقا في ثلاثة أسابيع أو أقل أحيانا، وها مكتوبك ~~يصل بعد أربعين يوما، ومعه تذكرتا بريد في غلاف خاص تمثلان الوجهين اليونانيين ~~البديعين تناسقا ومعنى، ما أبطأ الرسائل في انتقالها! أتراها تجيء من أقاصي ~~الدنيا، من أميركا، لتصرف كل هذه الأيام في الطريق؟ # عيد ميلاد يسوع - يوم رأس السنة - عيد معمودية يسوع وميلاد جبران في يوم واحد، ~~أتتصور كم في هذه المواسم من فراغ ووحشة؟ لا سيما عندما تمر أمامنا وجوه، ثم وجوه ~~إلا ذاك الوجه الذي نشوق إليه، ونسمع أصواتا ثم أصواتا إلا ذلك الصوت الذي نطلبه ~~ونناديه فيلبي منه الصدى «المفترض»، حتى نسيت أن تعايدني يا كثير النسيان! في حين ~~أن بعض أصحابنا يغتنمون هذه «الفرصة» ليهنئوني «كثيرا» أو على الأقل ليتحفوني ~~بزركشة كهذه: يا مي عيدك يوم وأنت عيد الزمان ... إلخ. # لقد كنت يوم 6 يناير بطوله موضوع تفكيري، وكنت ماثلا أمامي بصورة طفل، نونو ~~نونو، تتحرك يداه الصغيرتان في الهواء بإشارة الباحث عن أدوات قدر له أن يحملها ~~ويعالجها، وتيسر لي أن أتفرغ للتفكر والتأمل في المولود النونو؛ لأني كنت مصابة ~~بنزلة طفيفة علمت من رسالتك أنها جاءتني منك «كيف ذلك؟» تستفهم أنت؟ ذلك أنك اجتزت ~~كما تقول، مسافة ms099 طويلة ليلا وفي سيارة مكشوفة فكنت معرضا نفسك للبرد، فظهرت نتيجة ~~ذلك البرد في، مفهوم؟ فلتوفر علي في المستقبل جميع صنوف النزلات والوافدات وما ~~شاكلهن، لا تعرض نفسك للبرد واتق كل ما يؤذيك، مفهوم؟ وهل يوافق مصطفى على هذا ~~الاقتراح؟ # كأنك تلومني لأني أسألك عن صحتك! وهل يمكن ألا أسأل؟ إنك مدين لي بأن تقول عنها ~~ما قلته في هذه الرسالة، فتسعدني بعد أن كنت تطعنني في الرسائل السابقة كلما قلت ~~إنك مريض، وبدلا من أن أشكرك على هذه البشرى أراني مسوقة إلى العتاب؛ لأن في نفسي ~~لك قسطا وافرا من العتاب على ما يلوح. # لماذا لم تخبرني بشفائك قبل اليوم، قبل أن أسالك؟ قبل أن نعود إلى التراسل؟ لماذا ~~لم تقل لي أنك شفيت منذ أن شفيت؟ لست مغرمة بحكاية أبريق الزيت إلا إلى حد محدود، ~~ولكن كيف استطعت أن تهمل تطميني وأنت تعلم أن ليس من يطمني غيرك؟ كيف استطعت ألا ~~تفكر في كل هذه الشهور ولا مرة واحدة؟ ~~«علامة الاستقلال هذه» قد تقول أنت «النسيان بعض أشكال الحرية» قد يدل كذلك على ~~شيء آخر في بعض الظروف. ~~«إذا تخاصمنا في المستقبل فيجب ألا نفترق مثلما كنا نفعل في الماضي، بل أن نبقى ~~تحت سقف بيت واحد حتى نمل الخصام ... إلخ.» # سمعا وطاعة ... يجيب أهل إهدن، ولكن الرجاء إلى سيدي الأستاذ أن يذكر أنه لا بد من ~~اثنين للخصومة، فيجعل لأهل بشري نصيبا من النصيحة الحكيمة التي نفح بها جيرانهم ~~ومناوئيهم، وأن يذكرهم - هم يعني أهل بشري - بأن نصائحه ومشوراته أثمن من أن يفرط ~~فيها، كم فعلوا - هم أهل بشري الذين فعلوا - يوم أن نسوا - هم أهل بشري الذين نسوا ~~- صندوق الذهب الحلو المليح الذي كان يصلح الأمور ويحل المشاكل، أفدني - أجارك الله ~~من غضبات أهل بشري - أيجوز لجيراننا هؤلاء أن ينسوا ذلك الصندوق الواجب ~~الوجود؟ # أما من جهتي فلدي من خطير المشاغل ما يبعدني حينا عن كل تنازع وضوضاء، إني عاكفة ~~على تفهم هذه الأعجوبة: أعجوبة ابيضاض ms100 الشعر بفودي تلك الجبهة التي أعرفها، يا ~~للتفصيل الحلو الحلو الفتان! إنه يستحق لفرط لطافته أن يدمج في صف واحد هو والذقن ~~المطبوعة. # وعلى ذكر نقرة الذقن لا تحسب أني سأخاصمك لأجل اللحية التي تهددني بها، بل بكل ~~حصافة وهدوء أتشرف بأن أحيط مولانا علما بأن من الشئون ما لا شأن فيه لمولانا، وإن ~~ذقن مولانا من الشئون التي لا شأن فيها لمولانا، فليتفضل إذن - بلا مؤاخذة - فيقف ~~عند حده. # انتهيت من الكلام الرسمي الحصيف، وإذا شئت أن أترجمه لك بلغتي العامية قلت: إنني ~~لا أريدك بلحية، وإذا أبيت إلا أن يكون لك لحية توليت أنا أمر حرقها ... ها! ~~«هذه الابنة - يحتد مولانا - هذه الابنة تصل منها الجرأة بل الوقاحة إلى إخطاري ~~بأنها ستحرق لحيتي المنوي إرسالها!» # الأمر كما تفضلت يا مولانا، سأحرق لحيتك ضاحكة كما أضحك الآن، ولا أحتاج للقيام ~~بذلك خير قيام إلى أكثر من سيجارة أقدمها لك، وعود كبريت «أتلطف» بإشعاله، وهناك ~~يكون ما أريد، فتظل الذقن على ما أرادتها الطبيعة تحمل بين هضاب «الجمود والنقمة» ~~صورة مصغرة للوادي المشحون بشتى المعاني، وصورة من عطف الزهرة التي وضعت عليها ~~علامتها ... # أما «الشروط» التي تتعهد بتتميمها بعد الاطلاع عليها، فحسبي أن أقول إن هذا كلام ~~يليق بقائله، فاعلم إذن أن البند الأول من هذه الشروط هو أن يهتدي إليها «المغلوب» ~~من تلقاء نفسه، أما البنود الأخرى فتأتي بالتبع، فهات أرنا مثالا جديدا من ذكائك ~~الفريد! واحذر خصوصا أن تخطئ في معرفة ذلك البند لئلا تزعج حسن ظني بفراستك وصدق ~~نظرك! # ما أحلى رسالتك في قلبي يا مصطفى، ما أحلى كلامك بين تافه الكلام وركيكه! إن ~~ألفاظك وسطورك جدول نور وندى وتشعع وحرارة ولطافة وإنشاد، ومع ذلك فقل ما أخبرتني ~~به عنك، لم تقل شيئا عن كتاب «نحو الله» وعن تلك الرسوم الزيتية، وعما يشغلك الآن ~~من كتابة أو تصوير أو هجس، ولا نصف خبر عن الوادي! أيصدق أني أشعر بأسف كلما فكرت ~~في الرسوم التي تنقشها ولا أراها؟ ms101 فأستعيض عنها بالنظر إلى الرسوم المنشورة في كتبك ~~وأكتشف فيها كل مرة شيئا جديدا، هي خاصة فنك الأولى أن يكون زاخرا بالأسرار ~~والمعاني، متفلتا من كل تعريف، هازئا بكل حصر وتقييد. # جبران، كتبت كل هذه الصفحات ضاحكة لأتحايد قول أنك محبوبي، لأتحايد كلمة الحب، إن ~~الذين لا يتاجرون بمظاهر الحب ودعواه في السهرات والمراقص والاجتماعات ينمو الحب في ~~أعماقهم قوة ديناميتية رهيبة، قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللألاء السطحي؛ ~~لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر، ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون ~~أن يتمنوها لنفوسهم، ويفضلون وحدتهم ويفضلون السكوت، ويفضلون تضليل قلوبهم عن ~~ودائعها والتلهي بما لا علاقة له بالقلب والعاطفة، يفضلون أي غربة وأي شقاء (وهل من ~~شقاء وغربة في غير وحدة القلب؟) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة. # ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي وأني ~~أخاف الحب، إني أنتظر من الحب كثيرا فأخاف أن لا يأتيني بكل ما أنتظر، أقول هذا مع ~~علمي بأن القليل من الحب كثير، ولكن القليل في الحب لا يرضيني، الجفاف والقحط ~~واللاشيء خير من النزر اليسير. # كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا وكيف أفرط فيه! لا أدري، الحمد لله أني أكتبه على ~~الورق ولا أتلفظ به؛ لأنك لو كنت الآن حاضرا بالجسد لهربت خجلا بعد هذا الكلام، ~~ولاختفيت زمنا طويلا، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى، حتى الكتابة ألوم نفسي ~~عليها أحيانا؛ لأني بها حرة كل هذه الحرية، أتذكر قول القدماء من الشرقيين: إنه ~~خير للبنت أن لا تقرأ ولا تكتب؟ ها قد صح علي ارتيابهم وصدق في سوء ظنهم، لا تقل إن ~~القديس توما يظهر هنا، وليس ما أبدي هنا أثر الوراثة فحسب، بل هي شيء أبعد من ~~الوراثة، ما هو؟ # قل لي أنت ما هو هذا؟ وقل لي ما إذا كنت على ضلال أو على هدى، فإني أثق بك وأصدق ~~بالبداهة كل ما تقول، وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة، فإن ms102 قلبي يسير إليك وخير ما ~~في يظل جاثما حواليك يحرسك ويحنو عليك. # غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال السحب العجيبة الأشكال والألوان حصحصت نجمة ~~لامعة، نجمة واحدة هي الزهرة، إلاهة الحب، أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويشوقون؟ ~~ربما وجد فيها من هي مثلي، لها واحد جبران، حلو بعيد بعيد، هو القريب القريب، تكتب ~~إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف الشفق، وأن النور يتبع الظلام، ~~وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة، قبل أن ترى الذي تحبه، ~~فتتسرب إليها كل وحشة الشفق وكل وحشة الليل، فتلقي بالقلم جانبا لتحتمي من الوحشة ~~في اسم واحد: جبران! # ماري # لم أتناول بحث حب مي لجبران إشفاقا من أن تصير مي نبية مثل صفورة، وجبران كموسى أو ~~أحد الأنبياء، ولكنها نواة درس نبدأ به على أن يتمه غيرنا إن لم نتمه نحن. # عد بنا إلى الوراء، إلى أول كتاب مي ففيه كلمة جبران النونو، إن الطفل يا صديقي يشغل ~~حيزا كبيرا من دماغ مي، وجبرانها النونو يذكرني بأحلام الصبا، فكم عرس كاذب أقمناه، ~~وكم بنية رأيناها تحتضن دميتها وتحنو عليها حنو المرضعات على الفطيم، اقرأ لمي في ~~«ظلمات وأشعة» «أنا والطفل» تعرف حب مي للأطفال، طالع أولا قراءتها ما خطته يد الأقدار ~~في كف روبرت من خطوط الحياة والعقل والقلب، وكيف رأت تل المريخ يرتفع في تلك الكف ~~الصغيرة متهددا متوعدا (ص7). # إن مي انقلبت مع روبرت - اسم هذاك الطفل - «بصارة براجة»، وهذا ما يثبت ما يؤكده علم ~~النفس من أن صاحب الميل والهوى يتعلق بحبال الهوا ويصدق السفاسف، وإذا بلغت «ص34» وقعت ~~على مقالة «بكاء الطفل» فتقرأ فيها: «فدنوت منه متوسلة وضممته إلي بذراعي التي لم تضم ~~يوما أخا أو أختا صغيرة، وأجلسته على ركبتي حيث لا يجلس سوى أطفال الغرباء.» ~~«صمت الطفل حائرا؛ لأنه شعر بأن روحا تناجي روحه، صمت هنيهة ثم حدق في سائلا عن ~~أعز عزيز لديه، وقال بصوت هادئ كأصوات الحكماء: ماما، ماما.» ~~«صغيرك يناديك ms103 فلماذا لا تجيبين، يا أم الصغير! لست بالعليلة؛ لأني رأيتك منذ حين ~~تميسين بقدك تحت برنيطتك، والجواهر تطوق العنق منك، أنت صحيحة الجسم فلماذا لا ~~تسرعين؟» ~~«عودي من نزهاتك الطويلة، وزياراتك العديدة، وأحاديثك السخيفة، عودي واركعي أمام ~~الصغير واستميحه عفوا، لقد خلقت امرأة قبل أن تكوني حسناء، وكيفتك الطبيعة أما قبل ~~أن يجعلك الاجتماع زائرة.» ~~«تعالي اسجدي أمام السرير، سرير الصغير، اسجدي أمام هذا المهد الذي لعبت بين ستائره ~~طفلة، وحلمت به فتاة، وانتظرته زوجة، فما خجلت أن تهمليه أما.» # هذه هي أحلام مي، هذا هو الشوق الكمين في سجاياها، والحنين الدفين في لا شعورها، هذه ~~أحلام الفتاة الكامنة في كتلتها كمون الحياة في البرعم تحت برد كانون، وعواصف شباط ~~وصواعق آذار، تنتظر نيسان لتبرز، ولكن نيسان مزق سجوف أحلام مي ومات جبران فيه، ولاح ~~لها غدها الأشمط. # إن أدب مي نوعان: أدب منبري، وأدب شعري، وفي أدبيها كليهما تسود عاطفة الشفقة والحنان ~~والرحمة، وهذه كلها وليدة الألم، فمي تألمت جدا وأنكى آلامها الحرمان، حرمت الزوج ~~والأمومة وهي ترى أن المرأة ما خلقت إلا لتكون أما. # يلوح من مكتوب مي أنها البادئة في إعلان حبها، وأن جبران كان كعادته يطوف حول الموضوع ~~ولا يلجه، إن بين سطور «مكتوبها» مشاهد وآلاما وشجونا فيه حب مي وأطواره كلها، وفيه ~~ارتياع من مستقبل هذا الحب، وفيه شروط وبنود لا يوضحها لنا إلا المفقود من رسائلهما، ~~فرسائل مي لجبران ورسائل جبران لمي - الموجودة مسودتها - لم تسعفني على البت في حل عقدة ~~مصير هذا الحب. # قرأت في كتاب «حياة مي» للأستاذ محمد عبد الغني حسن أن مي أعادت رسائل الأدباء إلى ~~أصحابها، فإلى من أعادت رسائل جبران يا ترى؟ فهل من يرشدنا إليها وله الشكر. # لسنا نسأل عنها لنتثبت أمر هذا الحب، فهو لا يحتاج إلى إثبات، وقد حالت تقاليدنا ~~الشرقية دون تحقيق هذه الأمنية، فجبران لم يستطع المجيء أو لم يجئ، والبنت لا تذهب، ~~وهذه هي البنود والشروط المومأ إليها في رسالة مي. # وإن ms104 زالت مي من دنيا الحب والهوى فهي باقية في دنيا الأدب بقرب حبيبها جبران، وقد ~~تكون صارت إليه أقرب، إذا اعتقدنا كما يعتقد أصحابنا تلاميذ جبران. # ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، بل ما أقل عقل الإنسان، إن العقل في المعنويات ~~كالبطنة في الذاتيات أصل كل بلاء، فيا ويل الإنسان من عقله. ~~(12) إلى شكر الله الجر # أخي شكر الله # يخلق الشعر كل يوم عروسا # مثلما تخلق الخمور الحبابا # تتجلى لنا العذارى فنكسو # عريها من بياننا جلبابا # لا تقولوا شبنا فما الشيب عيب # إن في الشيب من يبز الشبابا # رب شيخ قضى الحياة فتيا # وغلام في موعة العمر شابا # رب شيخ يظل عارض رمح # يتصابى لو استحال ترابا # لو أتتنا الحياة تسترزق العزم # خلعنا على الحياة شبابا # هكذا أنا يا عزيزي شكر الله، فما زلت كما فارقتني على مقعد التدريس في جبيل، ~~أراني كما كنت تسمع مني من على ذلك المنبر: # يفنى الزمان وصبوتي تتجدد # فكأنني في كل يوم أولد # لقد صدق الحوراني، فما يأخذ الدهر مني مثقال ذرة عزما، ولم ينل الزمان من همتي ~~قدر «حبة الخردل»، وفي من الإيمان بالحياة أكثر من مقدارها؛ ولهذا أحس أنني أستطيع ~~أن أقول للجبل انتقل من ها هنا إلى هنالك فينتقل. # تطلب صورة «معلمك» لترى تلك الكهولة الصالحة، ولا تقول الشيخوخة لئلا ... فإليك ~~أحدث صورة في مكتبه بعاليه، وإليك أيضا صورة أخرى وهي صورة تلك «الدابة» التي ~~تتصورني أركبها منتصبا من فوقها كالرمح، وهي من تحتي تغني الميجانا والعتابا وتدق ~~موسيقى. # لا تسلني أين ذهبت شوارب الزناتي خليفة! فقد سددت بهما منذ زمان فم الدهر ليراني ~~الناس جديدا أو أقل سنين، فأطلب أن يطول الله عمري لأؤدي رسالة ندبت نفسي، أو لا ~~أدري من ندبني إليها، وإنني لأتخيل أنني استأجرت الدنيا من الذي نفسي بيده، ~~فآجرنيها عشرين سنة، وعسى أن نجدد العقد بعد انقضاء مدته، ومن الشروط بيننا وبينه ~~أن يظل «الطابق العالي» عامرا، أبشر بطول سلامة يا مربع، إن لم يجد ما ms105 يفسخ ~~الإيجار، وإلا فأقول أنا: # وما مات من عاشت بقاياه مثلنا # شباب تسامى للعلى و«فحول» # لا إخالك ناسيا أيام جبيل، مسقط رأس جدك وجدتك لأمك، وملعب صباك، ولا يوم كنت ~~تجلس قبالتي على مقعد التلمذة، كأنك «الحركة الدائمة» التي اخترعها أبوك وحده، ~~تدندن كالنحلة في القفير، وتحاول نظم الشعر الذي أفلحت فيه، فكنت تلميذا طاهرا ~~كبطرس، وحبيبا كيوحنا. # أي يا بني في الأمس، وأخي اليوم، نق الكلمة التي تريدها، لا تهب الشيخوخة فتشيخ ~~قبل الأوان، هات أصبعك من وراء البحار والمس فؤادي إن كنت لم تصدقني، وكن مؤمنا لا ~~غير مؤمن، أسمعت يا توما؟ # أقرأ السلام عني جميع أخوتك، رسل الأدب العربي المبشرين بعهده الجديد، وليكن ~~شعاركم - وهو كذلك - ما قاله سيد الشعراء: ما جئت لأحل الناموس بل لأكمل. # كملوا رسالة القدماء ولا تنقضوها كلها، ففي ذلك القديم جديد رائع، إن شعر الحياة ~~يبقى جديدا إلى الأبد، وهذا ما يجب أن يعلمه الأدباء وأخص الناشئين منهم، إن أدبنا ~~كبيت قديم راسخ بنيانه، ولكن أبوابه شبابيك، وشبابيكه نوافذ، فعلينا أن نوسعها ~~لتدخله الشمس، ويصح البدن. # الحياة عندنا - عنيت الأدبية ولا يعنيني غيرها - في نشاط، والشباب المثقف يسعى ~~إلى مقعده وسيجلس عليه أو كاد، ويا ويل من لا يماشي الزمان ويظل قاعدا أمام دكانه ~~يكش الذبان عن «الحلاوي» المحمضة. # إن مملكة لبنان الأدبية، كمملكة إنكلترة، لا تغرب الشمس عن أرضها، والفضل لكم ~~أيها المجاهدون، وللغزاة الفاتحين وزعيمهم جبران وأركان حربه الذين شيدوا وأسسوا ~~قبلكم فلا تنسوهم، لا نكن كأولئك الملوك الذين كان يمحو الخلف منهم اسم السلف ويكتب ~~اسمه موضعه، فليضع كل منا مدماكا في هذا الهيكل العظيم كما يفعل القرويون حين ~~يبنون كنيسة لتمجيد ربهم، واكتساب رضى قديسهم. # إن من يفعل هكذا فقد وفى نذره، أما من يفعل كذلك الملك فهو ديوث منافق. # كتبت إليك اليوم من مكتب عاليه، وأوراق تلاميذي أمامي تنظر إلي بألف عين، وسأكتب ~~إليك غدا من «أبرشيتي» الصغيرة - عين كفاع - صفحة من ذكريات الماضي، وما أكثرها ~~وما ms106 أحلاها، أما الآن فأعانقك، وأعانق كل أخ لنا بالأدب، وراء البحار في ~~إمبراطوريتنا الواسعة. # عاليه، الجامعة الوطنية # 17 / 5 / 1937 # | الشدياق والجاحظ والمتنبي # (1) ضريح الشدياق # يظهر هذا الكتاب ويكون قد مر على ميلاد أحمد فارس الشدياق مائة وخمسون سنة، فهل يفوز ~~الشدياق اليوم بما لم يفز به في ذكرى مرور خمسين سنة على وفاته؟ # أيكون لبنان المستقل برا بنوابغه العرب أكثر من لبنان الانتداب؟ # أتقوم «جمعية أهل القلم» بهذا القسط وتحيي ذكرى أبي النهضة اللبنانية، وطليعة ~~أدبائها؟ # قد يقال: أتظل تتحدث عن شدياقك؟ أما كتبت كتابا عنه وسميته صقر لبنان؟ # بلى يا أخي، ولكن لا يزال عندي شيء لا بد منه؛ لقد أحبطوا مساعينا هناك، فنرجو أن ~~نقوم هنا ببعض ما يجب نحو الرجل، فكثيرون لم يفهموه بعد. # أما عده الأستاذ محمود تيمور في محاضرة «القصة العربية»، التي ألقاها في مؤتمر ~~الدراسات العربية في الجامعة الأميركية، بين كتاب المقامات، وهو لم يكتب الأربع مقامات ~~في «الفارياق» إلا ليستهزئ بكاتبيها ويضحك منهم. # وذاك الضريح الذي ثرنا على مكانه الشائن، حتى قضت هندسة طريق الشام بنقله، ها هو يغرق ~~اليوم بين البيوت التي أحدثت حوله، حتى خشينا على الشدياق أن يفطس. # لقد أمست قبور حكام لبنان في غمرة لا تنجلي، ولكن جبار القرن التاسع عشر يظل في قبره ~~الحالي أرفه منه في قبره القديم، الذي قلنا في وصفه منذ بضعة عشر عاما ما يلي: # قبر أحمد فارس الشدياق مثل عين كفاع، بلا درب، يعترضك الشريط الشائك إن حاولت الدنو ~~منه، فعليك أن تنط نطا، أو تحلق - إن تقدر - كما حلق شعراؤنا الكبار في «مناسبات» ~~شتى! أما إذا كنت أكرش مثلي، فعليك أن تترقى الشريط لئلا يعلق بشيء منك، فيغضب لك الشيخ ~~في قبره. # القبر في الحازمية عبر طريق الشام، يمر به الناس غير دارين أنه مرقد الذي ملأ مشارق ~~الأرض ومغاربها، وانفتحت لنبوغه أبواب ملوك عصره وسلاطين زمانه، شكل الضريخ الخارجي ~~مثمن مقبب كأنه فانوس هرقلي، أو قفص شك في رأس قبته ms107 هلال، باهت كالدرويش في مفرق ~~الطرق، داخله أفخم من ظاهره وأبدع، كالكتب التي أبدعها الراقد فيه. # زرته أول مرة منذ سنوات، فرأيت درابزين صفته ساجدا، وبابه مفتوحا للزائرين من ذوي ~~الحاجات، والوسخ للزنار، فتألمت وغضبت للنبوغ الممتهن. لم أدر من أسب، فالتقطت «الدهر» ~~سبة الضعفاء، وأشبعته سبا وشتما فانفشت كربتي، ومضيت في طريقي، ثم عدت بعد أشهر ~~فرأيت الحال قد تحسنت؛ القبر مكنوس، والباب مقفل، أما الدرابزين فمقلوع، كأنهم استصعبوا ~~إعادته كما كان فحذفوه، وفي الحذف بلاغة. سلمت يد من فعل، ففي تسكير الباب إحسان وأي ~~إحسان، وحسبنا استراحة الفقيد من زيارة الأوباش، وآثارهم الظربانية. ~~••• # ثم انقضت سنوات ولم أعرج عليه حتى جئته منذ ثلاث جمع، فكدت أتفسخ قبل أن أتخطى ~~الشريط، وما بلغت القبر حتى طفت حوله أطلع على ما فيه من شبابيكه، فرأيته قد أمن غزوات ~~الفاتحين القليلي الحياء. وبينا أنا واقف إذا بعجوز صعلاء، شمطاء، هركولة، تقبل علي ~~متخصرة، فسبقتها إلى التحية بقولي: الله معك يا ستي. # فأجابت: الله يجيرك يا عمي. # ظننتها تقول: يا ابني، فقالت: يا عمي، رأتني أعجز منها، فتألمت جدا، وترحمت على ~~الأخطل الأصيل، وأين من مصيبتي؟ فالتي دعتني «عمها» عجوز محطمة. وفيما أنا أفكر ببقية ~~شباب نعتها إلي هذا العجوز الدردبيس، إذا بها تشق الحديث قائلة: الميت من ~~قرايبك؟ # قلت: رجل هو أم مرأة؟ # قالت: يقولون رجل تركي. # قالت: وماذا رأيت في يا خالتي من ملامح الترك، أوجهي الأبيض الحلو؟! # فابتسمت وقالت: هكذا حسبتك، ما تعودنا نرى أحدا يزوره، لا تؤاخذني. # قلت: حاشاك يا ... وابتلعت المنادى لئلا تبالغ في توقيري فتجعلني جدها، وتذكرت في تلك ~~اللمحة يوم حبسني تخرب دواليب سيارتي في خان بمعرة النعمان، ما عرفوا أني أتيت خصيصى ~~لزيارة قبر أبي العلاء حتى أخذوا يتساءلون: منو أبو العلاء؟ فقال واحد منهم: هذا رجل من ~~عندنا كان مثل الزير وعنتر وأكثر. # وقال آخر: وله شعر كالزناتي، ومعارك تشيب الأطفال. فتجلى لي حينئذ سبب تبرم أبي ~~العلاء، وتركت الخان كئيبا، أوثر عليه ms108 قارعة الطريق وعين شمس المعرة التي تشوي ~~العصفور. # وأمس أصابني هكذا في الحازمية، فالمرأة القاعدة ببيت على كتف قبر الشدياق، لا تعرف ~~جارها وتحسبه تركيا. وما انتبهت من غفلتي حتى رأيتها توليني ظهرها، فقلت لها: كلمة ~~واحدة يا عمتي، أمس كانت هذه الأرض بورا! فكيف زرعتم وغرستم حول القبر؟ # فقالت: فلانة الحاج اشترت الأرض من المير، الأرض ملكها، أما القبر فلا. # فضحكت وقلت: كنتم اشتريتم القبر أيضا! أين المفتاح؟ # فأجابت: مع الحكومة. وكأنها شعرت باستيائي وظنتني شيئا، فقالت بتلطف: ماذا ضروا ~~القبر يا شيخ، كان العليق آكله عندما اشتروا. # قلت: بارك الله فيك. فتمتمت: وفيك يا أخي. فسري عني قليلا؛ لأنها صغرتني، وشعرت أنها ~~ردت إلي شبابي مثلما كان، وطابت نفسي وأردت العبث فقلت: إياكم وزراعة البطاطة، ~~فالمرحوم كان يبغضها لكثرة ما أكل منها في بلاد الإنكليز. # فنظرت إلي مشدوهة ثم قالت: مليح، لا نزرع بطاطة. قلت: ولا الفجل ولا الرشاد، فهو ~~يعير الإنكليز أنهم أرادوا أن يسقوه القهوة، ويطعموه معها الفجل والرشاد. # فقهقهت وقالت: يا تقبرها أكلة، الحق معه، من يشرب القهوة ويأكل معها الفجل ~~والرشاد! # قلت: الإنكليز، كما يقول هذا المقبور هنا. # فاقتربت صوبي وقالت لي: بحياتك يا ابني تقول لي أيش كان دينه، وأيش كان يحب. # وحملقت بي تتوقع الجواب، فقلت لها: النساء فقط، هن دينه ومعبوده. # فصفقت بكفيها وعلى فخذيها وقالت: يه، يه، يه، يا صباح الشوم. # قلت: نحن عند المساء يا ست، لا تقولي يا صباح الشوم. # فأجابت بتواضع: ستك العضرا يا عيوني، هذه كلمة تقال. # قلت: لا تخافي منه، هو يحب الفتيات لا العجائز مثلي ومثلك، ولا أدري إذا كان فعل ~~كداود في مرضه الأخير. # فقالت: وماذا فعل داود؟ فقلت لها: اسألي معلم ذمتك (الخوري في لغة العتاق). # فتأوهت وقالت: يا حسرتي، راح ساقنا وسماقنا، أيش بقي منا؟! ثم تأملتني وقالت: أراك تحب ~~الضحك. # فأجبتها: وجارك هذا كان يضحك أكثر مني. # فقالت: الحق معك، اضحك، كل حياتنا مضحكة، ولكن بشبابك تقول لي اسمه. # فتعنفصت ms109 وقلت: أحمد فارس الشدياق. # فصكت وجهها وقالت: أقبر عمري! أنا خرفت، عرفته، عرفته، هذا فارس ابن الشيخ يوسف، هذا ~~ابن ضيعتنا. # قلت: نعم، من الحدث أنت؟ # قالت: نعم نعم، كثر الله خيرك يا عم - فأعادتنا إلى أنحس من ذي قبل - ولكنني كتمتها ~~وقلت: وخيرك، وخير هذه الأمة التي لا تكلف نفسها إرشاد الناس إلى صاحب القبر. # وتركتني ومشت صوب الشمس، وهناك قرفصت تسند الحائط كأنها تخصر في العشي كعمر بن أبي ~~ربيعة، فقلت في قلبي: لو أفاق أحمد فارس ورأى هذه الجارة الفرفورة ماذا كان يعمل؟ وأية ~~نكتة يكتب؟ وحضرت النكتة ولكنني أرجعتها بسلام كأبي تمام ، فالحقوق محفوظة للشدياق، ~~ومعاذ الله أن نكون من المقلدين والمفترين. # وفيما أنا أفكر إذا بأنثى أخرى تطل من فوق سائلة: من الذي عندك؟ فقالت عجوز الخير ~~همسا: رجل غريب مطحول، كثير الحكي. # فقالت تلك: من هو؟ فأجابت العجوز بنبرة: تعالي اسأليه، أنا ما سألته، وما ~~عرفته. # فلاوصت لأرى أهي كالتي حدثتها، فإذا العصا من العصية، والفرق بينهما زهيد جدا، ~~فأسرعت إلى السيارة، وقلت للسائق: إلى عالية. ~~••• ~~- جان تذهب بكرة إلى الحازمية ومعك آلة التصوير. ~~- شو بيروخ يامل (يعمل). ~~- تصور لي قبرا. ~~- كبر مين هادا؟ (قبر من هذا؟) ~~- قبر أحمد فارس الشدياق. # فردد: كبر أهماد فاريس الشد... وظل يشد نصف ساعة وما استطاع أن يخرج ال «ياق» من ~~فمه. # فأخذت أدله عليه فلم يفهم، وأخيرا قلت له: يا جان، أتعرف قبر الباشا؟ # فقال: كبر والي. قلت: أي نعم، اسمع، تحت قبور الباشاوات قبر وحيد لا سرو حوله ولا ~~شربين، حوله شريط شائك يصون المغروسات الجديدة من الحمير والبقر والمعزى. # قال: ما بيعرف. فقلت: يا جان، تعرف الهلال؟ # قال: وف، كيف ما بيهرف الهلال. # قلت: تصور القبر الذي عليه هلال. # قال: كبر موسلم؟ قلت: نعم مسلم. # فقال: شو بيريد أنتي من كبر موسلم هتيك (عتيق). # قلت: هذا لا يعنيك، صوره وخذ أجرتك! # قال: والمسروف (المصروف)؟! قلت: أنا أدفع المصروف، وثمن الصور، ولك مني علاوة إعلان عن ms110 ~~فصاحتك. # وبعد يومين عاد جان يحمل إلي صورة الضريح، وخبرني أحاديث شتى جرت بينه وبين جيرة ~~القبر، فقد تركناهم حيارى ولا سيما أنهم رأوا زوارا عديدين في هذه الأيام - من أساتذة ~~الجامعة الوطنية وطلابها - حتى ظنوا أن انقلابا عظيما يحدث في الجمهورية، أو أن ~~قديسا ظهر هناك عندهم ولم يعرفوه. # فهل لي أن أقترح على بلدية بعبدا أو الحدث، أو على الحكومة اللبنانية الجليلة وضع ~~بلاطة فوق باب ذلك القبر الفخم، أو على دكة أمامه للدلالة عليه، فيعلم المتمشرقون ~~والعلماء والمشايخ والأدباء والشعراء والصحافيون أنهم مارون بضريح الشدياق، العالم ~~والأديب، والشاعر والكاتب، وأول صحافي شرقي عربي من الطراز الأول؟ أيكون أنبغ رجالنا ~~ومؤسس نهضتنا الحديثة نكرة بيننا، فنمر بمثواه كأننا نقطع واديا كجوف العير؟ # وهل تفكر الحكومة الجليلة بل الدولة الفتية بعمل هامش لهذا الكتاب الخالد المطروح في ~~الحازمية، فتعلق عليه الحواشي والشروح الدالة على يقظتنا الروحية، لتعظيم أخلص أبنائنا ~~للغة الفصحى، وأعظم العرب إدراكا لأسرارها؟ # قد يكون الناس مشغولين بأحاديث المعاهدة والاستقلال والتظاهرات، ولا تلذ لهم قراءة ~~هذه السخافات - الأدبية - أما أنا فأقول لهم، وسواء عندي أسمعوا أم لم يسمعوا، إن لبنان ~~دولة أدبية يعز بنيان مثلها على أضخم الدول، فعلينا أن نخلد زعماءها، الدولة السياسية ~~تضيق وتتسع، وقد تكتسح، أما دولتنا الأدبية فخالدة أبدية، لا يكتسحها فاتح، ولا يدخلها ~~غاز عنوة، فأبوابها مشرعة لعابري السبيل، والفضل لمن يدخل، ولا يزيدها هذا إلا مناعة ~~وقوة، فهبوا إلى إحياء رجالها، فهم ميراثنا الخالد. # سئل أمير الجبل الأسود مرة: ما هي حاصلات بلادك؟ فأجاب بأبهة الملوك وغطرستهم: ~~الأميرات؛ لأن أكثر الملوك - قبل الحرب الكبرى - كانوا أصهارا له. # أما لبنان فلو سئل مثل هذا السؤال لأجاب: الأدمغة الكبيرة، والتاريخ يشهد له. ~~(2) الشدياق بين مصر ولبنان # استولت مصر العزيزة على مبادرتين كان من واجب لبنان أن يستولي عليهما: الأولى يوم ~~مجدت ذكرى مارون النقاش، أبي المسرح العربي، والثانية حين خصص مجمع فؤاد الأول جائزة ~~لأدباء مصر، قدرها ألفا ليرة لبنانية يعطاها من يكتب ms111 أحسن بحث موضوعه: أحمد فارس ~~الشدياق وأثره في اللغة والأدب، ووضع المصطلحات الحديثة. # هذا نبأ أذاعته أول من أمس وزارة التربية والتعليم عندنا، ترى هل فكر من يعنيهم الأمر ~~فيها أن يدرجوا في منهاج البكالوريا العتيد اسم من أقرت له مصر بالفضل! حييت يا مصر، ~~لكأنك تقولين لنا، هذا رجل النهضة لا غيره، لقد ظن المتعمدون طمس ذكره أنهم أحيوا غيره ~~وأماتوه، فما حاق المكر إلا بأهله، لا بد لإحياء الموتى من مسيح جديد، ومن أين! # ما كنت لأعرف من عدل ذاك المنهاج لو لم أر «في كل واد أثرا من ثعلبه»، كنت أسائل ~~دائما: أما نزلت طبخة عجوز ابن الخطاب؟ فيجيبني الصديق جوزف شمعون رئيس الديوان في ذلك ~~الزمان: منهاج يرضيك ويعجبك، ولما فرض علينا ما أنكرت منه، ما كنت أعرف أنها شنشنة ~~أعرفها من «أخزم». # عجيب غريب! ألا يكون لرب البيت مكان يسند إليه رأسه، ألا يذكر الشدياق في منهاج وطنه ~~وهو امرؤ القيس، وجاحظه، وخليله؟ أيمكن أن تبنى نهضتنا على أساس إن لم يكن الشدياق حجر ~~الزاوية؟ ترى، بماذا كنا نباهي لو لم تك آثاره؟ حقا، لا يكرم نبي في وطنه! # هل من يقول لي - وأجره على الله - أي عمل للخلاصة اللاهوتية في منهاج البكالوريا؟ ~~أنحن نعد إكليريكيين، وبعد فهل يعرف ذلك «الذكي» من الخلاصة اللاهوتية غير اسمها، أما ~~ألهمه شيطانه حين جعل فلانا وفلانا «فرضا»، يجعل الشدياق «نافلة» مثل جبران! أتقر ~~سوريا جبران في «متن» منهاجها ونضعه نحن على «الهامش». # لماذا طرد الشدياق خارجا؟ ألأنه انتصر لأخيه الذي قتل صبرا؟ أما حمل فولتير قبله ~~حملات غواشم، وهو يدرس في مدارسنا ومدارس من لم يهادنهم قط؟ قد يقولون: في كتب الشدياق ~~أحماض، فهل في كتب أبي نواس والجاحظ وعمر وروسو ولافونتين كنافة بجبن وعسل ~~بشهده؟! # ماذا يريد «رتيلاء» وزارة التربية أن ندرس أبناءنا من آثار من أقروهم في عصر النهضة! ~~فواحد - أجزل الله ثوابه - جمع ولم كثيرا، ولكنه لم ينشئ شيئا، وآخران ما كانا إلا ~~مقلدين للقدماء، ms112 ومقدمة سليمان ليست مقدمة ابن خلدون ولا سفر الجامعة كان لها شأن قبل ~~أن وجدت كتب الأدب المختصة، أما اليوم؟ # إننا نفهم منهج البكالوريا معرضا لإنتاج نوابغ الأمة، لا مأوى عجز، إن لبنان موطن ~~الحرية الأممية، فلنعمل له منهاجا بريئا من كل ميل، فكم هي مضحكة تلك الخلاصة ~~اللاهوتية في منهاج أدبي، فمتى كان المنهاج نوفيسيا # Noviciat # يا جماعة الخير! ومتى كان يأوي المنهاج غير بلغاء الكتاب ~~والمبدعين؟! # تعد وزارة التربية الوطنية بمنهج سوي فأين غربالها؟ عفوا، أين الددت. # إن الغرض الأعمى ونعراتنا القومية والطائفية تحول دون التطهير، فلا بد لنا من مكنسة ~~لا شعور لها لتقذف الأقذار، مكنسة كهربائية لا تحس بما تعمل فلا تشفق على أحد. # إن لهذا المنهاج التربوي قصصا أطول من قصص الحيات، ففي عام 1932 التأم ما كانوا ~~يسمونه مجلس المعارف الأعلى، فكان كسفينة نوح، دار البحث فيه حول الفطاحل فرفعت ~~الطائفية أذنيها وكان الشدياق كبش المحرقة، أما كتب أحمد فارس «الفارياق» فكيف تطلب من ~~رجال الدين وربيبتهم أن يؤيدوه؟! لا أعيد عليك قصة جبران فقد سبق ذكرها بالتفصيل، ولكنني ~~أريد هنا أن أريك ما حصل بعد حين لتعرف مقدار التعصب البشع. # في عام 1948 ائتمرت دول منظمة الأونسكو في لبنان، فكانوا أربعا وأربعين دولة، وشاء ~~لبنان أن يريهم وجهه الأدبي فاختاروا منتقيات لأعلام أدباء النهضة وشعرائها، فكانت ~~المقدمة وتراجم أدباء هذه المجموعة من نصيب الأستاذ فؤاد إفرام البستاني، المقيم العام ~~«الدائم» في وزارة التربية، فهو الضيف الخفيف الظل الذي لا يحول ولا يزول من تلك ~~الوزارة، كتب تلك المقدمة - أعزه الله - ببلاغته المعهودة، فقال في المقطع الأخير منها: ~~«فأتت المجموعة إنسانية المرمى، وافرة التنوع فكرا وتعبيرا، جامعة بين ~~الرصانة التقليدية والجرأة الظافرة، تتدرج شعرا من تامر الملاط وداود عمون إلى ~~فوزي المعلوف وإلياس أبو شبكة، ونثرا من إبراهيم اليازجي إلى عمر الفاخوري، ~~ومن بطرس البستاني إلى شبلي الشميل، وهي على أي حال، تحمل ذلك الطابع من العمق ~~والشمول الذي ماز الأدب اللبناني على مختلف ms113 العصور.» # انتهى «الفرمان الشاهاني» ولكن أين أبو النهضة الحديثة أحمد فارس الشدياق؟ إنك تجده ~~في طليعة المنتقيات في الصفحة الخامسة والسبعين من كتابهم «أعلام اللبنانيين في نهضة ~~الآداب العربية» أما كيف أبعده الأستاذ فؤاد إفرام في مقدمته السابقة الذكر، فهذا دهاء ~~اقتبسه الأستاذ وتدرب عليه. # إنه أراد - إذ لم يستطع حذفه بالمرة - ألا يذكره في مقدمته، وإلا فكيف يستطيع أن ~~يذكره قبل المعلم بطرس البستاني كما جاء في ترتيب الكتاب. # وأبى قلم فؤاد إفرام إلا أن يغمز من قناة أحمد فارس، فقال حين ترجم له في الصفحة ~~السادسة والسبعين: # ولم يبد أن ضاق به دينه لينتقل إلى آخر فآخر ، ذلك أنه ليس في الكثير الذي ~~يقرأ للشدياق ما يدل على أزمة ضمير. # وانتقلت إلى ترجمة المعلم بطرس لأقرأ ما قيل في دينه، فما وجدت أقل إشارة إلى ذلك، مع ~~أن الرجلين رحمهما الله عافا مارونيتهما. # أظنك أدركت الآن أين هو حجر العثرة في طريق المنهاج التربوي اللبناني. # تعصب قومي طائفي، ورجال هم هم يولجون أصبعهم في المنهاج. ويأبون إلا أن يكون حسب ~~ميولهم وأهوائهم، تلصق تصرفاتهم التعصب بالمارونية، والمارونية قومية قبل أن تكون ~~طائفية، والبرهان على ذلك صراعها المستمر مع رومية محافظة على «المجمع اللبناني» دستور ~~استقلالها، كانت ولا تزال في نضال دائم لتحفظ هذا الدستور، وكان الغربيون يحاولون ~~دائما هدمه، وأخيرا تم لهم النصر «ليتنوا» الكثيرين من كهنة الموارنة، فتبرنطوا ~~وعافوا «الإكليل والقاووق»، ومات «المجمع اللبناني» ولم يدفن دفنة مكرمة، فأصبحت ~~الأساقفة تعين كما يعين «الضابط» وينقلون كما ينقل. # رحم الله البطرك إلياس الذي قال لي حين كتبت محتجا على أنه ليس منا كردينال: # اسكت يا صبي، تريد أن تجعل بطرك الموارنة موظفا عند الفاتيكان، ينقله حين يريد إلى ~~حيث يريد. # بطركك مستقل أكثر من البابا، والأول في لبنان أفضل كثيرا من الثاني في رومية، ألا ~~تعرف هذا المثل؟ # فقلت: وكيف؟! # فقال: فإذن اسكت، سد بوزك. # الحاذق يفهم. ~~(3) يوبيل مئوي لكلمة تحققت بعد قرن # غدا تبتلع هاوية الزمان هذه ms114 الضجة الصاخبة حول مرة البطرك الماروني على بيروت، ~~بطريقه إلى رومة المدينة الأزلية. # وبعد غد تفتح اللجة حنجرتها، وتزدرد الشئون والشجون هذا القيل والقال، فتنام الألسنة ~~في مضاجعها وتسكت المحاضر سكوت الأرض بعد العاصفة، وترمح السنونو في الأفق مباشرة بربيع ~~جديد. # وبعد سنوات معدودات ينسى المؤرخ ما أصيبت به الجسوم من حكاك. # ولا يسجل التاريخ إلا ثلاث كلمات ستكون فاتحة عيد جديد، وكما يحمل الفجر بين أنامله ~~الوردية قرصة برد، هكذا يبتدئ هذا العهد، فليطمئن المخلصون المصلحون، فما بعد الفجر إلا ~~النهار، والنهار لا يكون ليلا مهما تلبدت في سمائه الغيوم. # سينسى التاريخ طقطقة خيول الحرس الجمهوري، وزفيف الدراجات ، وتحيات العسكر، وارتعاشات ~~الموسيقى، ورنين الكئوس، وكياسة المرحبين، وبلاغة الخطباء، إنه سينسى كل هذه ولا يحفظ ~~في ذاكرته إلا ثلاث كلمات فقط. # إن المؤرخ كالناقد، لا يبالي إلا بالروائع، وروائع زيارة صاحب الغبطة في بيروت ثلاثة ~~أسطر، فلا تلك المآدب ولا الحفلات، ولا السيارة ولا العلم، ولا الألوف المؤلفة من ~~جماهير النظارة ما يصفه المؤرخ الذي يماشي الدهور، إنه سيسجل هذه السطور الثلاثة: # زار البطرك أنطون مفتي المسلمين. # زار البطرك أنطون حاخام اليهود. # زار البطرك أنطون المرسلين الأميركان. # وإن لم تأت الزيارة الأولى بالحب المروم فمتى ثنيناها وثلثناها يكفل الزمان عقد ~~الخطبة، ستثمر هذه الزيارات في الزمان الآتي، وتبنج الأعصاب المتوترة، وتنسى عناصر ~~البلاد - وما أكثرها - (رقم 6 و6 مكرر) كما محت أنامل الدهر البطيئة غيرها من ~~مواد. # الله كريم. # كثيرا ما تخرب الصحف ما يعمره الأدباء، الصحف تنظر إلى حوادث اليوم، أما الأديب ~~الملهم فيرى ما وراء القرون، يحلم الأديب فيضحك قومه من أحلامه، أما الأيام فتحققها بعد ~~حين، قد يضطهد الأديب المصلح حتى يموت لأجل اطمئنان الخلق، فيضحك الناس خلف جنازته - إن ~~مشوا خلفها - وتمتزج قهقهتهم بقضقضة عظامه، ولكن دمه يسقي نواة الحق وينميها حتى تصير ~~دوحة يتفيأ ظلالها الهازئون، ولا يذكرون الفارس والساقي. # قد يكون أعداء المرء أهل بيته كما فعل طنوس الشدياق - صاحب تاريخ أعيان لبنان - شقيق ms115 ~~أسعد الشدياق حين تنصل من تبعة ضلاله، والتمس له المغفرة من البطريرك، أما أخوه فارس - ~~أحمد فارس الشدياق - فتمرد، وهاجر متمردا، وعاش متمردا، ومات متمردا، وإليك الخبر: ~~في مطلع القرن التاسع عشر قدم مرسلون بيبليشيون؛ أي إنجيليون # 1 # قصد الإنذار في لبنان في شيعتهم ومعتقدهم، فتصدى البطريرك يوسف حبيش ~~لمقاومتهم بأشد غيرة، وأبرز ضدهم «منشورين» بهما ينبه ويحرض ويحتم على أبناء طائفته ~~ليكونوا محترصين من خداعهم (كذا). # ففي المنشور الأول يحظر البطرك الحبيشي على الإكليروس والعلمانيين الموارنة ألا ~~يقننوا كتب البروتستان، وألا يبيعوها أو يشتروها، أو يأخذوها هبة، وألا يطالعوها لأي ~~سبب كان، أما هذه الكتب فهي التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب صلوات ومواعظ وجدل ديني، ~~وعلى كل من عنده شيء منها أن يحرقها أو يرسلها إلى الكرسي البطريركي، وألا يتعلموا في ~~مدارسهم، وألا يطالعوا مؤلفاتهم، وإن خالف ذلك إكليركي كان «مربوطا» أو علماني كان ~~«محروما». # وجاء المنشور الثاني في 4 كانون الثاني سنة 1826 فكان أشد لهجة، أمر فيه البطرك ~~الحبيشي أبناء ملته أن يتجنبوا البروتستان التجنب التام دينيا ومدنيا، فلا بيع ولا ~~شراء، ولا قرض ولا استقراض، ولا مؤاكلة ولا محادثة، وبالاختصار لا سلام ولا كلام، ومن ~~يخالف ذلك يسقط في «الحرم الكبير» المحفوظ حله للسلطان البطريركي. # هكذا أمر البطريرك، وهكذا كان، فأصبح الماروني يهرب من البروتستاني هربه من الجدري ~~والطاعون، وإن يخالف فالويل له، فالبطرك الحبيشي بطرك تقي صارم لا يحابي ولا يهاود، كان ~~يحكم لبنان دينيا حكم الأمير بشير مدنيا، وهما معاصران شهيران يعرفهما تاريخ ~~لبنان. # في ذلك الزمن العصيب نهض شاب ماروني يحبو إلى الثلاثين، هو أسعد الشدياق فعصى أوامر ~~البطرك الخطيرة، ولم يبال بظهيرة أمير الجبل الرهيب، وناصر البروتستان علانية، فاستدعاه ~~البطرك إليه ووبخه، ويئس من ردعه فسلمه إلى الحاشية ليرشدوه فتناوبوا الأمر ولم يفلحوا، ~~فصدر أمر البطرك بسجنه في قنوبين - الكرسي البطريركي - وهناك مات سنة 1830. # أحفظت الأرقام جيدا؟ إني أراجع: أصدر الحبيشي منشوريه ضد البروتستان سنة 1826، ومات ~~أسعد الشدياق في سبيلهم سنة 1830. # ووقف ms116 فارس الشدياق - أحمد - في جانب أخيه أسعد، ولكنه لم يسجن في قنوبين بل هرب إلى ~~مصر ينادي بحق أخيه أسعد في الحرية، وينتصر له ويشكو إلى الدنيا ظلامته، ويخطئ في ~~«فارياقه» مضطهدي أخيه، ونادى منذ قرن بما نكبر من يتفوه به اليوم: الدين لله والوطن ~~للجميع. # وفي سنة 1837 جاء أحمد فارس الشدياق إلى لبنان سرا ومما قاله لجماعته: إن رأس ~~الفقير ليس بأضيق ولا أصغر من رأس الأمير، وإن يكن أكبر عمامة منه وأغلظ قذالا، ارفعوا ~~فرق المذاهب من بينكم فذلك أدعى لكم إلى الحظ والسرور، واعلموا - هداكم الله - أن فرق ~~الآراء في الأديان لا يمنع من الألفة والمخالة. # 2 # هذا ما قاله في ذلك الزمن الأسود أحمد فارس أخو أسعد الذي نام في كهوف قنوبين نومة ~~الأبد. # لم أنشر هذه الصفحة المطوية من تاريخ الحبيشي البطرك الماروني (1823-1845) لأقبح عمل ~~ذلك الراعي الصالح، فنحن نعلم أنه لم يفعل في زمانه إلا واجبا دينيا نام بعده ~~مستريحا على رجاء القيامة بالرب، والفوز بالأجر الجزيل، ولكن لنفهم إخواننا «اليائسين» ~~مما يحدث غالبا فيؤخر التقدم المنشود، فلا تقنطوا يا أخوتي من رحمة ربكم، واصبروا ~~فالزمان بطيء السير، وأقدامه تمحو حتى النقش في الحجر، إن تطلبوا مني برهانا، فزيارة ~~البطرك أنطون للمرسلين الأميركان بشخص زعيمهم الدكتور بيار ضودج رئيس الجامعة الأميركية ~~برهاني. # ففي سنة 1826 حرمهم الحبيشي مرتين كما قرأتم، وفي سنة 1830 ذاق أسعد الشدياق غب ~~انضمامه إليهم فمات فتيا، وفي سنة 1837 قال أخوه أحمد فارس: ارفعوا من بينكم فرق ~~المذاهب فذلك أدعى إلى الحظ والسرور ... إلخ، فلم يصدقه أحد. # وفي سنة 1937 أي بعد قرن، زار البطرك أنطون المرسلين الأميركان وشرب الشاي مريئا، لم ~~تنقل الصحف ما قيل هناك، ولكنها نقلت ما قاله الجالس اليوم على الكرسي الذي جلس عليه ~~الحبيشي ربع قرن، وهذا هو كما سمع في بيت سماحة المفتي الجليل الشيخ توفيق أفندي خالد: # الخادم منا السيد، والكبير الصغير، والصغير كبير، وكلنا أخوة، يجب أن يحب ~~بعضنا ms117 بعضا حبا صادقا، نحن البشر جميعا انحدرنا من أب واحد، إذن نحن ~~جميعنا إخوان مهما اختلفت مشاربنا ووجهاتنا في الحياة، فكل فرد منا يسعى لتمجيد ~~الله، والله ينظر إلى نفوسنا، علينا أن نحسن أعمالنا وتكون رابطتنا ~~أخوية. # وعدت في مساء ذلك النهار (21 نيسان) إلى عاليه فنظرت إلى قبر أحمد فارس المعزول ~~فرشقته بوردة، أما ضريح أخيه أسعد فلا وصول إليه؛ لأنه في وادي قنوبين. ~~••• # سألني ويسألني كثيرون ماذا عند أحمد فارس حتى تطنب في الثناء عليه هذا الإطناب وتنادي ~~به أبا وزعيما للنهضة، فجوابي إلى هؤلاء كلهم: طالعوا كتب أحمد فارس فهي لا تقرأ من ~~عنوانها، إن في كتب الشدياق لأدبا وعلما وسياسة، ويقولون: والأحماض؟ فأهز برأسي وأعجب ~~من هؤلاء، وفيهم من يدعي سعة الاطلاع، فكأنهم لم يقرءوا من كتب أدباء العرب غير ~~مختاراتها، فلو قرءوها كلها لعلموا أن أحماض أحمد فارس أقل من التي عند «المؤلفين» ~~العرب الذين اتفقت جميع المناهج العربية على تدريسهم. # ما كان أحمد فارس منشئا مقلدا، بل كان كاتبا عمليا مجددا، جريئا إلى أقصى حد، ~~يخطئ الدول العظمى ويعنفها، ويلوم الملوك والسلاطين، ويعالج المجتمع معالجة ~~النطاسي. # إن في كتبه لخيرات كثيرة، وعلى مائدته طعام مختلفة ألوانه يوافق كل ذوق ومزاج حتى ~~أصحاب الحمية منكم. # لا تسألوا المغامر من أية الطرق وصل إلى القمة فهذا لا يعنيكم، كبروا الجرأة والجسارة ~~والجهاد، فليس الفنان من يحمل البركار والزاوية، والذراع والهندازة، الفنان لا يبالي ~~بالمقاييس؛ لأنه هو يخلقها ويتركها بعده للذرية، ليت شعري من علم أيوب وداود وسليمان ~~وأشعيا وأرميا ويوحنا مقاييس الفن. # اقرءوا كتب نابغتكم تعلموا عظمته، ففيه كل سمات الأديب الذي يستحق الدرس والتعظيم، ~~يرحم الله بودلير الشاعر الفرنسي القائل: لا يكون للأمم رجال عظام إلا على كره ~~منها. ~~(4) الشدياق وهيغو # إذا وضعت الكتبة الإنكليز، سكيث، وإمرسون، وداوردروث، وبلوز، في شخصية واحدة، ~~أمكنك أن تتصور جيدا عظمة الشدياق، ولو ولد هذا الرجل في أوروبا لدفن مع نخبة ~~العظماء، ولنصبت له التماثيل في أكثر مدن بلاده. ms118 # الإجبشيان غازت # خففوا من عتبكم أيها الإخوان فما مت وما أفلست كما ظن أحدكم، وما أنا خصم أحد من ~~الناس فأصالحه وتكون الغرامة سكوتي، لا أسكت حتى تقوم ناقة صالح، ولكني أخشى أن أفضح ~~شبابي الغض إن بحت بما عاقني، فعذرا أيها المراسلون، ولتكن كلمتي هذه جوابا لكل ~~منكم. # ثم أليس من الصقاعة والبلاهة أن نبحث الأدب، والحبلى على الكرسي تتمخض وتملأ البلاد ~~طحيرا وزحيرا؟ # أليس من الخفة والسخف أن نغني النهاوند والرصد للغوغاء والضوضاء؟ # فوالله لو فعلت وحدثتكم عن الأدب في موسم الانتخابات لقلتم ما أبلده وما أبرده، ~~الدولة تعلم الحياة الدستورية وهو غارق إلى أذنيه في الكتب الصفراء، صدقتم يا بشر، ولكن ~~دستوركم المسخ يكلفنا كثيرا، وما لنا منه إلا الاسم، فهو - وحياتكم - مخلوق غريب عجيب، ~~كثير الرءوس كتنين يوحنا الحبيب، وعديد الأيدي والأصابع كالأخطبوط، يأكل ولا يعمل، فلا ~~أبوه فرح بميلاده ولا عين أمه قرت به، بل جفلت منه تنظر إليه كناقة عمر ~~المجنونة. # عفوا، ما لنا وللسياسة، قد اشتط القلم والشدياق في الحازمية ينتظرنا، مرت على رأسه ~~ثلاث وزارات: أبو شهلا، وبللمع، وثابت، فلعل الثالثة ثابتة كما يقول المثل اللبناني، ~~فيعمل صاحب المعالي الجديد جورج بك ثابت شيئا يبيض وجوه الأدب، أبو شهلا نوى واستعد، ~~وبللمع قامت قيامة الانتخابات في عهده وغطست الوزارة على دررها، ففزنا بعد تلك الزوبعة ~~بعقد أطول من «العقد الفريد» فيه ثلاث وستون خرزة من خيرة المعادن؟ # لعن الله هذا القلم فهو شموس جموح لا يخاف الملوي المحصد من القد كناقة ابن العبد، ~~إن أخذت من لجامه قنطر كأنما سرت إليه العدوى من أحاديث الناس، فماذا أفعل به؟ # أما الوزير الثالث في عهد ذكرى الشدياق، فالله نسأل أن يبسط السكينة فوق كرسيه في عهد ~~الائتلاف؛ ليعيرنا أذنا صاغية، وينجز ما وعد به زميله الأسبق. # واخجلتنا من جريدة «البورس إجبسيان» الإفرنسية، التي كتبت ما يلي تحت عنوان: فارس ~~الشدياق شاعر الشرق الأدنى الكبير. # ما بين سنة 1802 و1887 نشأ رجلان إن اختلفا موطنا ms119 ولغة فقد اتفقا في الاتجاه والمثل ~~الأعلى، من المفيد جدا أن نعلم أن هذين الرجلين اللذين لم يتعارفا أبدا قد جريا ~~لغاية واحدة طول حياتهما، فهذان الرجلان المعلمان المطلقان للغتهما قد تصرفا بها كما ~~شاءا بسهولة عجيبة، أسخطهما محيطهما فعاشا يهجوان، شعرا ونثرا، المتسلطين في عصرهما، ~~مقبحين الإساءة والجور. # هاجم فكتور هيغو الهيئة الاجتماعية من الجهة المدنية، فهجا العظماء ونابليون فأرسله ~~إلى المنفى، أما الشدياق فانتقد في معظم كتبه رجال الدين الذين تتألم منهم بلاده وهم ~~الذين سببوا موت أخيه أسعد الشاعر المعروف في الثانية والثلاثين؛ لأنه بشر بالمذهب ~~البروتستاني، ثم انتهى أمر الشدياق باعتناق الدين الإسلامي. # أما هيغو فأقامت له فرنسا التماثيل وتغنت بذكراه، وأما الشدياق فلم تذكره شعوب الشرق ~~الأدنى إلا هذه السنة؛ أي بعد مرور خمسين عاما على وفاته؛ إذ شعروا أنهم لم يفعلوا ~~شيئا حتى الآن لنقادتهم الأكبر، وسيد فقهاء لغتهم في القرن التاسع عشر، أدركوا أن منشئ ~~أول وأشهر جريدة عربية الجوانب أمسى نسيا منسيا، وأن مؤسس الصحافة العربية لم يعرفه ~~الشعب في احتفال وطني. # ففي تشرين أول ستقام ببيروت أعظم حفلة عرفتها تلك البلاد، يترأسها فخامة رئيس ~~الجمهورية اللبنانية وتمثل فيها أمم الشرق الأدنى لتكريم ذكر لبناني كان أجرأ وأعظم ~~نقادة، بل أعظم علماء القرن الثامن والتاسع عشر. # فنتمنى للنابغة العظيم الذي دافع طويلا عن مصر وخديويها في جريدته الشهيرة أن تكون ~~حفلة ذكراه لائقة بمقامه السامي. # قلت: يا ليت ... # إن حكومتنا تقدر لو شاءت، أن تناصرنا على إحياء ذكرى مفخرة من أسمى مفاخرنا، ودرة ~~نفيسة من درر تاريخنا الخالد. # هذا غوبلز وزير الدعاية الألمانية أعلن أمس، في «أسبوع الكتاب» فقال: إن السياسة ~~القومية التي تمثل الأمة تتجلى في الكتاب، والثورات قامت على أكتاف الخطباء والمفكرين، ~~والانقلابات تقوم على المبادئ لا السلاح. # ثم أعلن في آخر خطابه الذي نقله إلينا البرق أن حكومته خصصت مائتي ألف مارك لمساعدة ~~الأدباء والشعراء والفقراء. # قلنا: أما والميزانية اليوم تحت الدرس فهل تفكر حكومتنا بتخصيص شيء لنابغتها الأكبر؟ ms120 ~~إنها تفكر ببث الدعوة للاصطياف، فلماذا لا تكون ذكرى الشدياق إحدى هذه الدعوات؟ # يا ليت شعري أية ذخيرة تفاخر بها هذه الجمهورية؟ أهناك غير الأدمغة الكبيرة، وإذا ~~كانت حكومة ألمانيا، وهي من أعظم الدول سلاحا، ترى الكتاب مبعث قومية، فلماذا لا نعنى ~~نحن بكتب الشدياق الفريدة؟ # عسى أن يحقق وزير معارفنا الجديد هذه الآمال، فقد طال الانتظار ويبس الكمون. ~~(5) أبو الأدب العربي # أبو عثمان، عمرو بن بحر الكناني، عصامي الأدباء، كان بياع خبز وسمك بسيحان ثم استحال ~~زعيما أدبيا، بل أبا الكتاب العربي فجعل النثر يقف تجاه الشعر وقفة الند أمام الند، ~~أراد أولا كما فعل المتنبي بعده، أن يقيد اسمه في التاريخ «إماما دينيا» فوضع ~~«الجاحظية» وكان نصيبه السجن، ولكنه ارعوى فصار إمام الأدب العربي، قضى التسعين عاما ~~كاتبا باحثا فأمست كتبه مستودع المعرفة، يرجع إليها الناطقون بالضاد حتى عصرنا هذا، ~~وهكذا خلد ذكره في تآليفه التي صورت الحياة في عصره أصدق تصوير، وكانت لنا ذخيرة لا ~~تنفد مادتها مهما استطالت المدة. # وظل ذلك الرجل يعالج الكتب ويحشدها حتى تحينت منه غرة، فانقضت عليه وفطس تحتها كما ~~زعموا، عجز الفالج عن وقف قلمه السيال، وحار عزرائيل في قبض روحه فحاربه أخيرا بسلاحه، ~~فحق للجاحظ أن يقول: اتق شر من أحسنت إليه، مات الجاحظ بياع الخبز والسمك، فاضرب قصر ~~الخلافة وقال المعتز بالله لوزيره: «يا يزيد، ورد الخبر بموت الجاحظ!» فأجاب يزيد ~~معزيا الخليفة الكئيب: «لأمير المؤمنين البقاء ودوام النعماء.» # يقولون: لا يصدر عن القبح شيء مليح، وأنا لم أر أحلى وأظرف وأجمل مما كتبه هذا الرجل، ~~هجاه الشاعر بقوله: # لو يخلق الخنزير خلقا ثانيا # ما كان إلا دون قبح الجاحظ # فإذا عدت الأمم كتابها وقيل للعرب بمن تعتدون، فهل نستطيع أن نقدم أحدا على ابن بحر؟ ~~لقد كان بحرا حقا، وما زلنا على بعد عهدنا به نغرف من خضمه، إذا جلسنا إليه خلنا ~~أننا نعيش معه في ذلك الزمان؛ إذ يعرض علينا رجال عصره - من ملوك وأمراء وسوقة - عرضا ms121 ~~غريبا عجيبا، فمن منا لا يعرف باب بيته، ومضيفته وسفرته الممدودة التي «لا تنقشع ~~سماؤها لكثافة غيمها»، لقد شق للعرب طريق الثقافة وعبدها، ومهد عقاب العلوم فسارت ~~الذرية في شعابها باسمة ضاحكة، لا تلهث ولا تكل، وعى صدره علوم ومعارف البشر أجمع في ~~زمانه، فكان وحده جامعة تلقى المباحث عن منبره، فتتلقاها الأمصار معجبة ومكبرة. # فمن يقاس بأبي عثمان الذي ناقش أرسطو كالأعرابي وجعل عقله حكما يرشده إلى نجمة ~~القطب، فكم فك من عقد، وكم حل من طلاسم أكبرها غش النظر، فزخرت الحياة حيث مر قلمه، ~~أرانا عوالم جديدة منها المكتشف ومنها المبتدع، ومن رأى قبل ابن بحر أن في غير القصور ~~حياة، بل من راز أدب عوام الناس قبله فصف الأمراء والسوقة في معسكره، فكانوا جميعا ~~أبطاله الخالدين، إن أدب الدهماء الذي يعارض به أدباء العالم اليوم أدب الطبقات ~~العالمية، أنشأه منذ اثني عشر قرنا، مولانا أبو الكريمتين البيضاويتين، فلئن فخر ~~الفرنج بموليرهم فهذا موليرنا في بخلائه. # هنيئا لمن تهكم به الجاحظ فقد أبقاه، فما الأصبهاني والهمذاني والمعري وابن العميد ~~القائل: كل من جاءوا بعد الجاحظ عيال عليه، إلا مقلدون له وآكلون عن طبقه حتى ~~البشم. # قد يعجب من لم يقرأ كتب الجاحظ إن قلنا له: الجاحظ عالم يدرس طبائع الحيوان والنبات ~~والمعادن، ولاهوتي يقضي عن الله في الأرض فيجعل بعضنا لجهنم وقودا، ويجلس البعض على ~~سرر متقابلين، حكم عقله في القضايا السماوية، وعينه في المشاكل الأرضية، فبنى بيته على ~~البصيرة والبصر، يوم كان الناس لا يفكرون، رحل في سبيل تمحيص العلم إلى الأقطار حتى ~~شرفنا بزورة يوم كان يقال: السفر قطعة من العذاب. # لم يعرف العرب قبل هذا الرجل المظلم الملامح أدبا نيرا ضاحكا، أدبا يترقرق فيه ~~طيب الحياة فتقرأه كأنك في مجلسه الراقص، كان معلما صادقا فأفاد الأدباء، أما ~~المقلدون فرجعوا من عنده رجعة الحمار من العرس. # ما رأيت لعظيمنا شبيها إلا فولتير، أديب أوروبا الأعظم، فكأنهما جبلان من طينة واحدة ~~حتى اتفقا في ابن الأخت، صبهما ms122 الباري في قالب واحد ثم كسره وهيهات أن يبدع ثالثا، من ~~يجعل من الحبة قبة غير الجاحظ، فلله بشاعته ما أحلاها، وما أكثر خير دمامة خلعت على ~~أدبنا العربي جمالا وظرفا، فهل لنا ببشع آخر يملأ عالمنا الأدبي حقا ونورا بعد ما ~~ملئ مواء وهريرا. # لقد كبر عقل الجاحظ عن السفاسف، فما هال امتداد الظل ذلك الذي يحدق إلى الشمس ~~ويراعيها، لقد حطم النطار الذي يفزع ثعالب الحقول ومشى بحرية الفكر خطوات، ما عاق ~~رجله القيد الذي كسره جد الإنسانية الطالع ولا خنق عنقه الغل، فلم يكن والحمد لله ~~«ثاني اثنين إذ هما في التنور»، بل عاش للعلم والحق والحياة والأدب الحي، فلولا بقية ~~وجدان في صدر القاضي ابن أبي دؤاد لانحدر النور، وطمر كنز الثقافة في القبور إلى يوم ~~يبعثون، وكان العرب بلا جاحظ، قيل إن إنكلترة قد تتنازل عن أحد مستعمراتها ولا تتنازل ~~عن شكسبير، أفلا يصح هذا في الجاحظ؟ # ليس الجاحظ إلا تلك النبعة التي تخيلها الأخطل في مدح أصحابه الأمويين، بل تفوقها ~~الشجرة الجاحظية سموا، ففي كل فرع منها جمال، وفي كل ثمرة طعم خلقه فيها كوثر ~~الجاحظ. # إن إكسير «الحدقي» حقق أحلام العرب وحول أتفه المعادن ذهبا إبريزا، ونفخ من روحه ~~فيما كتب فأرانا في كل كلمة عرقا ينبض، وفي كل جملة دما حارا يحترق ويحرق، إن ذاك ~~المركب الشنيع مستودع جمال لا ينضب، ظل حتى مضى لسبيله في موعة الشباب، ولا تزال جدته ~~القديمة تهزأ حتى الساعة بظرف هذه الأيام، أليس بيننا وبينه ألف ومائة عام؟ اجلس إليه ~~لترى كيف أنك تحدث ابن اليوم لسانا ومعرفة، وتعلم أن لغة العرب تصلح لكل عصر لو أحسن ~~التفكير ولكنهم قليلو المروءة. # أبى الجاحظ أن يكون تعبير العربي كعباءته، تصلح لكل شخص ولا تلائم أحدا، فعبر بلسان ~~فصيح يتصل بالحياة والأحياء، فحرك القلوب وأنعص النفوس، وأبى إلا العمل ب # كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~، فأكل أكل غير ~~محتشم، ممتع بالحياة استمتاعا عريضا، وشاء بخته فكان طويلا، وعاش ms123 للأدب قرنا كاملا ~~كتب في أخرياته بشق واحد، فحقق أسطورة العرب في كاهنيهما سطيح وشق أنمار. # ليت شعري، هل عندنا رجل يحد من الجهات الأربع غير الجاحظ! والغريب أننا نرى - كيف ~~التفتنا - رجلا كاملا متين العضلات، هو البحر من أي النواحي أتيته. # يعجز القلم عن تصوير الجاحظ في كتاب ضخم، وأشهد أني ما رسمت لأعظم شخصية أدبية إلا ~~صورة شمطاء كلحية الأشيب المحناة. # هذا الغرب الذي نقلده في الملبوس والمأكول وكل أساليب العيش، يكرم كبار أدبائه ويحيي ~~ذكراهم من السنة إلى آخر الأرقام، إنه يحتفل بميلادهم وبذكرى تصانيفهم الخطيرة، فهل خطر ~~لنا أن نذكر أديبنا الأعظم ولو بعد مرور ألف ومائة عام! # يسمع الناس أن للجاحظ كتاب الحيوان، أما من قرأه فيعلم أنه كتاب الإنسان، فهو مستودع ~~كل ما عرفه الإنسان في ذلك الزمان، يسرد الجاحظ كل ذلك بأسلوب قصصي واقعي، وهو لا يلقي ~~سلاح الجدل والمنطق في جميع جولاته، ميزانه منصوب دائما على منصة العقل، وهو لا يقبل ~~إلا ما يسلم به تفكيره الصحيح. # كان الزمان أكبر مثقف لذلك الرجل، فحياته تاريخ قرن كامل، بل تاريخ زهرة العصور ~~العباسية، فقد شهدت عيناه الكبيرتان أعظم صراع سياسي وفكري، وخرج هو من ذلك المعترك ~~بنتائج باهرة، لم يظفر بمثلها أولئك الذين نعدهم فلاسفة وعلماء. # كان مولانا أقدر الناس حجة، تبرز لك شخصيته من وراء كل عبارة خطها قلمه، لا ترتيب ولا ~~نظام عنده، ولا تبويب لما يكتب، مزج العلم بالأدب، والشعر بالفلسفة والحديث، فهو كرخ ~~ألف ليلة وليلة، ينقلك من واد إلى جبل، ومن جبل إلى بطحاء، ثم يعيدك إلى حيث كنت، ولا ~~تدري إلا أنك تقرأ الجاحظ، يتخير أجمل الألفاظ وأحسن التعابير ويفر سريعا من الأسلوب ~~العلمي إلى مناحي الأدب حيث يتنفس بملء رئتيه. # وإذا سألتني تحديدا للأسلوب الجاحظي قلت لك ما قاله ديكارت لخادمه: لا «تخربط» عدم ~~نظام مكتبي. # إن أسلوب الجاحظ هو عدم الأسلوب، فلا تحاول تقليده إلا إذا كنت ذا شخصية ~~كشخصيته. ~~(6) ليلة جاحظية # كنت أفكر في ms124 إحدى أمسيات تشرين بموضوع أكتبه بمناسبة انعقاد الأونسكو في لبنان فنمت ~~مهموما، وكأنما الأحلام بائتة تحت مخدتي، فما أسندت رأسي إليها حتى سحت في دنيا الله ~~الواسعة، وبعد طواف أضناني رأيتني في بيتي في عين كفاع، أنشر على مكتبي كتابا دهريا ~~فيه نخاريب وأنفاق، وبينما كنت أتبين كلمة أكل أكثرها سمك المكاتب، إذا ببابي يدق دقا ~~غريبا فقلت: من؟ فلم يجبني غير قلقلة المفتاح في القفل، كأن فاعلها لا عهد له بالأقفال ~~الحديثة. # وطال الدق والقرع، فنهضت أرجف غضبا ورعبا وفهت بما يدور على لسان كل غضبان، وفتحت ~~الباب بنزق فانشق عن رجل ما رأيت قط أبشع منه وجها بعينين مثل الكلوتين وشفة كقطعة من ~~طحال، مربوع بدين، كل ما فيه راعب حتى الابتسامة ، فصحت من هلعي: اسم الصليب وذكر ~~الصلبان. # فما راعني إلا زائري الجميل يرد علي بقوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله ~~الرحمن الرحيم. # فصرخت به لما انكشف عن أنسي: وأنت تبسمل أيضا يا حلو! # فضحك وقال لي: لأمك الهبل، أوحسبتني شيطانا، أين الذنب والقرون يا ذكي! # ولم يمهل حتى أدعوه للجلوس بل استوى على الكرسي ثم قال: اجلس، جئناك، قل ما تريد منا، ~~فسكت، ثم حاولت الأخذ بالحديث فما قدرت، وفيما أنا أتفرس فيه رفع يده وحركها في وجهي ~~قائلا: لماذا تعوذت بأقانيمك الثلاثة؟ # قلت: لأخزيك، هكذا علمتني أمي، رعبني جمالك الفتان يا شيخ، وأنت لماذا بسملت؟ # فمجمح في حديثه ثم أفصح قائلا: أتراك أجمل مني؟ أحقا خلتني شيطانا؟ # قلت: نعم، ومن يدريني. # قال: لعن الله تلك اليهودية. # قلت: من الشيخ، ومن أين مقدمه السعيد؟ # قال: لولا عرفتني لانفرج شدقاك، وامتلأ فمك فرحا. # فقلت: هلا تقول وتريحني؟ # فأجاب بعد قليل: إنا نبلوك ليكشفك الامتحان، كيف لا تعرف من تمنيت زورته، وقلت ليته ~~يعود إلينا ساعة فنراه، قد أدرك مالك شهوتك هذه فأشر لي إذنا بالمجيء إليك. # فاستغربت حديثه وقلت له: منو مالك؟ # فأجاب بلا اكتراث: خازن النار. # قلت: إذن لا بد من جواز سفر حتى ms125 في مملكة جهنم. # قال: لا يكون شيء إلا من بعد إذنه. # ورأى ارتباكي وتعسر معرفته علي فأشار بمدراه وقال: إنك لا تفلح، وما في الناس عبقري ~~كشيخ النار. # فعرفته بها وعلمت أنه الجاحظ لا شك فيه، فقمت إليه أصافحه قائلا: أهلا برجل ينوب عن ~~الجحيم بنفسه، ليتك أسقطت عن نفسك هذه المئونة، كنت أمرت فذهبت إليك. # فكركر في الضحك قائلا: كل آت قريب، طرقتك زائرا الليلة وستردها لي، إن بي لشوقا ~~إلى رؤية جهنمكم، وتقبيل وجنتيك. # قلت: أبهاتين الشفتين القرمزيتين الرقيقتين؟ # فقال مشيرا إلي: ليس أليق منهما بهذا الجمال الساحر، والشباب الغض، والجسم البض، ~~وكان يعض على الضاد فتخرج من فمه عريضة ضخمة كأنه لم يبرأ من الفالج كل البرء. # وامتد بنا السخر والتهكم والمزاح حتى تجرأت عليه، وقمت أعلق في جيبه منديلا يقي صدره ~~من اللعاب السائل، فضحك وقال: ذاك كان في دنياكم، أو ما تراني غير ما سمعت بي؟ فضحكنا ~~وقعدت استعط، فما رأى علبتي حتى انقض عليها بمخالبه الخمس كأنه يأخذ ملحا لقدر هريسة، ~~ثم غيب العاطوس في أنفه ولم يعطس ولكنه تجلى وفرح، ثم فرك أنفه وقال إن عاطوسنا أفعل من ~~هذا، وستفرح كثيرا يوم تصير إلى جنتنا ذات اللهب، فنظراؤك كثر هناك، إن حققهم الذهبية ~~ملأى من العطوس الروماني، إنه أطيب من هذا. # قلت: ويحك ما أمر نكتتك، ألا تتركها حتى في النار، فكيف حال من فارقت؟ # قال: بخير يسلمون عليك. # قلت: بحياتك تقول لي أين موقع جهنم؟ # فأجاب: في الدرجة الثالثة والثلاثين من عقلك، وما يهمك هذا الأمر، إن طريقها معلمة، ~~والمجاز غير قلق. # قلت: والزبانية أهم على كيدهم لنا؟ وكيف حال لوسيفورس؟ # قال: نعم، ولكنهم سيحتفلون بمقدمك احتفالا لا تنساه. # قلت: ما بال هؤلاء الشياطين حاقدين علينا؟ أنحن من وسدهم تلك المهاد، ونحن وقفناهم ~~على النار؟ عليهم بميخائيل وجنوده من كل ذي جناح في الجنة. # قال: هو كذلك في دين النصارى، أما في ديننا فلولا سجدوا لآدم دخلوها، وسكت بغتة ثم ~~قال: قريتني ms126 كلاما يا هذا. # قلت: عفوا يا عمرو، الفرح ينسي، ناهيك بأني تائق لأخباركم. # فاستبشر لما دعوته بأحب الأسماء عليه، وقال: إني لم أطعم منذ يوم وليلة، فقد الزاد في ~~الطريق، ونفضت الجراب على رصافة هشام قدام كنيسة مار جرجس. # قلت: وهل رأيت الأخطل هناك؟ # قال: لا أخطل ولا مخطل، أين العشاء؟ # قلت: ليتك نفضت جرابك على هذا المكتب فكنت أرى طعامكم. # قال: سوف تراه وتشبع منه إن شاء الله. # وسكت وسرت لأقول على عادتنا: أهلا وسهلا بالضيف، شرفتني بأن جعلت راحتك عندي ~~الليلة. # فصاح: أف، أف، حقا إنك بليد، حط الطبق ثم ثرثر ما شئت. # قلت: حقا إنك جوعان و... # فقال: هفوان، أين العشاء وما هو؟ # قلت: هو مضيرة وسمك، ورز بارد. # فضحك وقال : يمسخك الله مثل رزك، هات السمك والمضيرة ومرحبا بالفالج. # فقلت: وكيف حال ابن ماسويه، فقال: رفعه الله إلى أسفل، فصار طبيب خازن النار الذي ~~سميته أنت، ماذا سميته يا ربي. # قلت: لوسيفوروس. # قال: أي نعم، ورأى الطبق مقبلا فتحرك ليحكم قعدته، فسقط بضعة مجلدات عن الرف فأجفل ~~وانتصب. # فقلت: لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين، فأجاب وعيناه في الطبق: ولا كافر مثلك. # قلت: لولا تموت بها يا شيخ مرة ثانية فترتاح من عذاب النار، فتبسم وقال بعد أن بلغ ~~اللقمة: أصدقت هذه الرواية، فلو أهوى على جبل عبود، وأطبق فوقي أحد لما فطست. # وانقض على الطعام بالسكين والشوكة فقلت: كأنك ابن زماننا يا أبا عثمان! # قال: نعم ولا فخر، قد علمني فولتير آداب سفرتكم. # وتذاكرنا الشعراء على الطعام فأثنيت على جديد بشار، فغص الجاحظ ومصمص لسانه، فغمزت ~~الخادمة فصبت له الخمر في كأس نواسية وتمثلت: # تدار علينا الراح في عسجدية # حبتها بأنواع التصاوير فارس # فأنسته حلاوة أبي نواس مرارة بشار، فاستزاد من الخمرة المعتقة حتى كرع ثلاثا أخطليات ~~وقال: إن شرابك المفلفل لخليق بذاك الظريف الديوث. # فقلت له: لقد أجدت يا أستاذ العرب وسيد الأدباء. # قال: وبماذا؟ # قلت: بقولك في أبياته هذه بلسان أحدهم وهو جزار: ms127 هذا شعر لو نقر لطن. # قال: حزرت، وماذا يهجس في صدر الزجاجة. # وجاءت الجارية لترفع الطبق، فصوب الجاحظ نظره فيها وصعده فقلت له: لا تخف إن عدت ~~إلينا مرة أخرى، فهي ليست سندية فتقول «الجاحد» أو «الحلقي» بالباب، فبدهني بقوله: ~~ولكنها تقول المسيو جاهز، أو المستر هدكي. # وأدركت حقارتي إزاءه فتوقيته، ورفعت الحديث وقلت: ما أدري كيف أغفلك أبو الفرج ~~الأصفهاني ولم يترجم لك. # قال: لأنه مثلكم يعنى بالشعراء، ويبخس الكتاب أشياءهم. # قلت: الحق معك يا أستاذنا الأعظم، إن العرب ليباهون بك، وما هذا الإنسان، وإن أنا ~~ذكرتك دونهم فلأنني أتدارسك مع تلاميذي فأنت أحد الثلاثين «الخالدين» في منهاج ~~البكالوريا اللبنانية. # وردد كلمة بكالوريا حتى استقام له لفظها وسألني: ما البكالوريا؟ فخبرته فاستضحك وأثنى ~~ثم قال: وهل سألوهم عني؟ قلت: نعم، وكنت ميمون الطالع عليهم يا أبا عثمان. # أما الاحتفال بذكراك فهذا مجد للعرب، بل هو قسط من دين لك عندهم مستحق منذ ألف ومائة ~~عام، أما هززت «العصا» في بيانك وتبيينك دفاعا عنهم، فلله أنت من ابن بار. # فتناول الكلام وقال: ولله أنت، ولله أبوك، ولله جدك، يا أديب الأدباء وسيد البلغاء، ~~وإمام الفصاحة واللسن، ونبراس الزمن و... # فصحت: وي وي وي وي، أيش هذا، حقا إنك ابن بحر، أخرفت يا شيخ؟ # فقال: لا والله، عشت مائة وخمس سنين بعقل كامل، ولكنني سررتني بكلام ففرحتك بمثله، ~~أتريدني على الصمت وقد أطربتني حتى فلقتني. # قلت: أنا لم أعد القيام بالواجب لك. # قال: ومن قال لك إني لئيم؟ فأنا رجل لي بصر بالكلام، وإنشاؤه صناعتي. # قلت: لقد صدق ابن أبي دؤاد؛ إذ وثق بظرفك ولم يثق بدينك. # قال: عليه لعنة الله، فهو كسفود النابغة في سقر. # قلت: أتتشفى، وأنت كيف؟ # قال: في نعيم، في نعيم مقيم، ثم مسح فمه بكمه وقال: قم بنا فنزور الأونسكو ونرى ما ~~عندكم من علم وأدب. # فقلت: أما وقعت على غيري. # فأجاب: إن الطيور على أشكالها تقع، إن سيري معك أستر لي، مجنون أنا حتى أنتقي ms128 غيرك ~~خريتا. # فصحت: يا ويلاه، أما وجدت غير كلمة خريت يا أبا عثمان؟! # فضحك وقال: لكل مقام مقال. # وبلغنا بوابة مدينة الأونسكو فرأى الأعلام منصوبة على الركائز فعدها، وقال وهو يقهقه: ~~أم أربع وأربعين، وما دخلنا قاعة المحاضرات حتى سمعته يقول: كأنها دارة جلجل. # فقلت: أتراها صالحة لإحدى اللذات الأربع المنقوصة، فأجاب: لو كان فيها ماء. # وشاع الاستغراب والرعب في وجوه النظارة والهيئات حين دخولنا ظنونا من عالم آخر، أما ~~المحاضر فكان يتحدث بحرارة عن السلام والمحبة، وأفاض في الكلام فمال علي الجاحظ، وقال: ~~دعنا من سحر الكلام، فهو ألهية لا غير. # ودق جرس التلفون فانقطع الحلم، كان المتكلم الأستاذ بهيج عثمان يطلب مقالا للأونسكو، ~~فقلت له: الليلة يكون عندك، ولكنني كتبت موضوعا آخر يطابق مقتضى الحال. ~~(7) أبو عثمان وأبو علي # هذا رغيف عتيق جدا، من كعب الجراب، بالغ من العمر سبعة عشر ربيعا، العمر كله ~~إن شاء الله، وهذا غير بعيد ما دام الأدب عندنا عنوان بؤس، وحسبك برهانا على هذا ~~كلمتنا المرددة من أيام ابن المعتز: أدركته حرفة الأدب. # سبحان مقسم الحظوظ! فبينما نرى العراق يدعو رجال الفكر في أقطار المسكونة ليحتفل ~~بذكرى أبي علي ابن سينا إذا بإيران تدعيه، وكذلك تركيا. # أما الجاحظ الأديب، العالم العربي الأصيل، فرجونا بشأن ذكراه الألفية وزيرين ~~عراقيين السيدين صادق البصام ويوسف عز الدين وما عملا له شيئا. # كان ذلك عام 1936 فجاء جواب البصام كما نقرأ: نشكركم جدا على ما أبديتم من ~~عواطف سامية في كتابكم المؤرخ 21 / 6 / 1936، راجين لكم اضطراد التقدم والنجاح في ~~خدمة العلم والأدب، وفقكم الله لما فيه خير البلاد وصلاح الأمة، ودمتم بخير. # صادق البصام # وزير المعارف # وراح البصام بعد أشهر وجاء عز الدين، فكتبت إليه فكان أكثر اهتماما من سلفه، وذهب ~~الجاحظ بلا ذكرى وإن كان الخالد بدونها. # إن ما حدث اليوم بين دولتي العراق وفارس، هو وفق لما يحدث في كل بلد، يختلف «ملاكان» ~~على شبر أرض ويهملان أملاكهما الواسعة، ويتركانها بورا بلا حرث ms129 ولا غرس. # قرأت في جريدة تلغراف: «إن الإيرانيين يعتبرون ابن سينا مواطنا لهم، بسبب ولادته في ~~إحدى مناطق بلاد العجم» هذا ما ظهر اليوم، أما الحقيقة فهي أن الإيرانيين لا يعتبرون ~~ابن سينا وحده عجيبا، بل يحصون في تاريخ الأدب الفارسي الكثيرين من كبار رجالات الأدب ~~العربي كابن المقفع، وبشار بن برد، وبديع الزمان، وغيرهم، لقد طالعت هذا المؤلف منذ ~~أعوام فقلت في نفسي: لم يبق لنا غير أبي عثمان، ولما وقع حول أبي علي هذا التنافس تذكرت ~~هذه الصفحة مطوية، فبعثتها من مرقدها. # إن الشيخ الرئيس ابن سينا عظيم حقا، ولكن هذا لا ينسي العراق ابنها الأصيل، إن ~~الرجل الذي دق إسفينا في كل صخرة من صخور الفلسفات والمذاهب، ولم يسلم من غمزاته أحد ~~حتى أرسطو ، ليستحق أن يحتفل وطنه ولسانه بذكراه. # ليت شعري، أيفاخر العرب الموالي، فخرا لا غبار عليه، بغير الجاحظ والمتنبي والمعري؟ ~~لقد قضت الشام واجب الاثنين وما بقي غير هذا، فهل تهتم العراق بابنها العبقري، ولو بعد ~~فوات الأوان؟ # التقى الجاحظ وابن سينا في حرم العقل، وأحب كلاهما الحياة وملاذها، وإذا كان الشيخ ~~الرئيس ابن سينا قد عالج الجسد، فالجاحظ هو أول من طبب العقل وفك عقاله، وإني لا أستطيع ~~القول، ولا ينكر علي أحد ما أقول: إن الجاحظ هو أول عربي دق باب الإيمان المصفح بيد ~~الفكر الحر، ففتح أمام الفارابي وابن سينا والمتنبي والمعري وغيرهم باب الشك في ~~«جاحظيته» ثم في كتبه، فجرأ ابن سينا على القول فيما بعد: # دخولي باليقين كما تراه # وكل الشك في أمر الخروج # كانت حياة ابن سينا «عريضة قصيرة» كما كان يقول إنه يريدها، وكانت حياة الجاحظ طويلة ~~عريضة، وكلاهما خلف لنا تراثا ضاديا خالدا، فمن الإنصاف أن يسوي العراق بينهما في ~~التكريم والإجلال. # أليس الأقربون أولى بالمعروف! ~~(8) زيارة شاعر # صافحته مرحبا ونفسي تقول لي إنه المتنبي، فصعدت نظري فيه وصوبته، وقلت له: كن أبا ~~محسد، فأجاب: أنا ذاك، وأجال نظره في مكتبي ثم استوى على أمثل كرسي. ms130 # قلت: منذ شهر وأنا أتلفن إلى الجنة ثلاثا كل يوم، فلم يجبني أحد لا رضوان ولا بطرس، ~~وتلفنت إلى الجحيم فأجاب مالك ليس عندنا من اسمه أبو الطيب ولا المتنبي، ولا أحمد بن ~~الحسين، فضربت لك الكائنات كلها ولم يأتني نبأك، فمن أين هببت؟ بحياتك تقول لي! # فأجاب بصوت يكاد لا يسمع: # وهذه الأرواح من جوه # وهذه الأجسام من تربه # قلت: إذن لا جحيم ولا نعيم، وأنت بين بين. # فبسم كالساخر وقال: أما فرغتم بعد من هذه المعضلة؟ عد عن ذا. # فقلت بعد صمت يسير: كيف نجدك بعد ألف عام؟ # قال: لا أحمد الله على شيء. # قلت: ولا تقول إن شاء الله. # ففطن لها واستضحك قائلا: وكيف أنتم؟ # قلت: كما وصفتنا منذ عشرة أجيال بقصيدتك، «أحق عاف بدمعك الهمم ...» وجعلت أنشدها حتى ~~أتيت على خامس بيت، فزفر وأمسكت، وخفت أن يبرح بغتة فقلت له: من غرائب الاتفاق أن تحتفل ~~بيروت وباريس بيوم واحد في ذكرى شاعرين كلاهما شغل الناس. # فكشر عن أسنانه وأجاب: ولا فرق بين الذكريين، ذاك تحت قبة المجد، وأنا تحت المصابيح ~~الحمراء. # فظننته يهزل فقلت: وأين تريد أن يضعوك وأنت القائل: # كم قتيل كما قتلت شهيد # لبياض الطلى وورد الخدود # يترشفن من فمي رشفات # هن فيه أحلى من التوحيد # كل خمصانة أرق من الخمر # بقلب أقسى من الجلمود # أوتطمع بعد هذا أن تكون بين الكنيسة والجامع! # فنظر إلي نظرة كادت تقتلني، وكان سكوت. # وحضرت القهوة فحساها بعد امتناع فاستعطاف، ورأيت الأجمل أن نكب عن هذا الحديث فقلت: ~~أترى أعمى المعرة في جوكم؟ # فأجاب: نحن الشعراء لا نعرف إلا من تقدم، أما من تأخر فيعرفنا ولا نعرفه. # قلت: تعني أن المعري استضاء بنورك، وفصل ما أجملت. # قال: وأقول إني لا أزال نهبا مقسما للشاعر والشويعر والشعرور منكم. # قلت: إن في لسانك أثرا من كل مصر. # قال: ألا تذكر قولي: أبدا أقطع البلاد ... # قلت: واليوم، أين بيتك أزرك في ديوانك؟ # قال: أما منزلي فكما علمت، وأما ديواني ففي دواوين ms131 شعرائكم. # قلت: ما عنيت هذا يا أحمد. # فامتعض؛ لأنني لم أكنه، إلا أنه ابتلعها وقال: بلى وأكثر من هذا تعني. # فأنجز الحديث وقلت له: حقا يا أبا الطيب لقد نهجت نهجا جديدا في الشعر العربي، ~~وقلت كلمات لا تفنى أبصرها العميان وأسمعت الصم. # فانتفش وطابت نفسه، فقلت: ولكن - وحدقت إليه فإذا الغمامة تنشر مطارفها - ولكن لو ... ~~لو نظمت لنا ملحمة عربية كشاهنامة الفردوسي لتم أدبنا كما يزعمون. # فحك صلعته واتسعت حدقته، وانتظرت الجواب فقال بعد إطراق: ما عرفت شاعرا اسمه ~~الفردوسي. # قلت: ولا أبا القاسم؟ # قال: أعرف كثيرين ولكن بلا شاهنامة، ثم زحزح كرسيه وأقبل علي وتوكأ على الطاولة حتى ~~واجهني وقال: الشعر يا أخا العرب، عسجد يضرب نقودا على السكة الرائجة، فلو قامت لكم ~~سوقنا فعلتم فعلنا. # قلت: ولكنها دنانير تفر من البنان. # فتعالى وقال: أقرأتها جيدا؟ # قلت: مرات. # قال: إذن أنت تدرك أننا نبز الشعراء لو قلنا مثلهم. # قلت: نعم يا سيد المتقدمين والمتأخرين، ويا عظيم شعراء الأرض قاطبة. # قال: كنت تحدثنا بهذه اللهجة من قبل، فتطيب نفسنا، فومن نفسي بيده كنت ظننتك الصاحب ~~بن عباد. # قلت: لا أحكم فيه شططا، فوالله العظيم لولا أنك تستحقها لما سمعتها مني وأنت ~~المتنبي. # قال: إنك تغيظ الناس وتحفظهم عليك، يريدون الثناء من فم قربة وأنت تقطره ~~تقطيرا. # فقطعت عليه الكلام وقلت: أما سمعت حسين هيكل يغفر لك بلسان مصر هجوك اللاذع؟ # فانتفض وقال: وما ذنب الأمة فأهجوها، فوالله ما كنت إلا محرضا لها على ذاك العبد المخصي. # قلت: فلندع ذا، أعرفت لبنان قبل العام؟ # قال: عهدي به بعيد، وكان ذلك في الشتاء. # قلت: إذن أنت تستحق شكر لبنان. # قال: وعلى ماذا؟ # قلت: على هذا، أما ذكرته؟ وحقك لو دروا بوجودك لمنحوك وسام الاستحقاق اللبناني ~~الأسمى. # قال: وما الوسام؟ # قلت: سبيكة صغيرة من النحاس أو الفضة أو الذهب. # فهش - يا سبحان الله - عندما ذكر الذهب. # وكركر في الضحك إذ درى أن الوسام يشك في الصدر. # وخرج التلاميذ للتنفس ربع ساعة، وكان ms132 من دروس يومهم: «لا افتخار إلا لمن لا يضام» ~~إحدى فاتنات المتنبي، معشوقة الملك فيصل رحمه الله، فأخذوا ينشدونها أجواقا، بصوت ~~جهوري لتعلق في أذهانهم، فانتهض المتنبي فجأة وبرز لهم من الشرفة. # فما أبصرنا التلاميذ حتى صاحوا بملء أفواههم: يعيش الشاعر العربي، يعيش يعيش يعيش، ~~وهم يظنونه معروفا الرصافي، كما صورته الصحف في عباءته وكوفيته وعقاله. # أما المتنبي فأخذ يختفي - كظل صموئيل من وجه شاول بعدما أحضرته عرافة عين دور - ~~وسمعناه يردد في الفضاء: # وتركك في الدنيا دويا كأنما # تداول سمع المرء أنمله العشر # | قادة ذهبوا # (1) الأب هنري لامنس: المستشرق البلجيكي اليسوعي # لا حاجة إلى أن نبين لقرائنا ما ينجم من الفوائد الجمة من تشكيل جمعية تاريخية في ~~سورية كما وصفها الأب لامنس، بل يأخذنا العجب من عدم إنشائها حتى الآن، لا سيما أن ~~بلاد الشام من الأقطار التي توفرت فيها الآثار التاريخية، ونحن الأوروبيون نبني ~~آمالا طيبة على جمعية تاريخية يكون أعضاؤها شرقيين؛ لأن أبناء البلاد ينالون بزمن ~~قليل ما لم ينله الغرباء بعد الجهد الجهيد، وإذا تشكلت هذه الجمعية بادرت الجمعيات ~~الأوروبية إلى مكاتبتها، فتقوى بذلك على إتمام مشروعات علمية ذات شأن خطير. # الدكتور ج. كمبفماير # متمشرق ألماني # توارى وجه الأب هنري لامنس في ظلمة القبر، فانطوت صفحة مجيدة من محققي تاريخنا ~~المجيد، وآثارنا الدالة على من سلكوا هذه الطرق قبلنا. # كان لامنس لا يصيح ولا يماحك ولا يطفي سراجا مشعلا، حياة كلها عمل لا تعرف الملل، ~~وعزم لا يفله الكلل، لقد ترك فيما كتبه هذا العلامة المفكر منارة للتائهين في مجاهل ~~التاريخ، يقرءون على ضوئها الوهاج سطور المعضلات المبهمة، ويفكون أختام الأمس، عاش ~~الرجل مجردا عن الأهواء، وكتب منزها عن الغرض لا يتعثر علمه بدينه، فمات بريء ~~الذمة. # حرث كرم ربه من الصبح إلى المساء، واشتغل من الفجر إلى العتمة، فاستحق دينار ربه ~~حلالا زلالا، لقد ترك آثارا تدل عليه فلننظر إليها باحترام وإجلال. # لقد أحيا الأب لامنس آثار لبنان، فعلى لبنان أن يمجده. # لقد أحيا لامنس ms133 صفحات مجيدة من تاريخنا العربي، فلنكتب اسمه في أمثل صفحة من هذا ~~التاريخ. # كان لامنس ضيفنا، ولكنه ضيف فعل ما عجز عنه رب البيت، فلنتعاون على تكريم ذكرى هذا ~~الضيف الذي لم يحسب قط أنه غريب، فمنذ أربعين عاما كتب «هيا بنا على درس تاريخنا»، ثم ~~درسه فأحياه. # أرأيت هذه «النا» في تاريخنا ما أعذبها وأحلاها في ذلك الفم الطاهر، لقد أنطق لامنس ~~خرائب لبنان المبعثرة، وخلق من صخورنا الأرملة لسانا فصيحا يخبر بأعمال السلف، وجعل ~~من قلمه دعامة تقيها الانهيار، ولكن يد الجهل محت كثيرا مما أبقت يد الدهر منها؛ إذ لم ~~تتحقق فكرة الأب لامنس بتأسيس جمعية وطنية تصونها (راجع كلمة الدكتور كمبفماير). # إن لبنان يا لامنس، بقلاعه وحصونه، ومعاقله وكهوفه، بكنائسه المسيحية، وهياكله ~~الوثنية ، من قرن رأسه إلى كعب رجليه، من الشمال إلى الجنوب، يذكر وجهك الصابر على ~~معارجه وأوديته، وجباله وقممه، وهو يقف اليوم حيال قبرك يرثي ذلك الجهاد الصامت والثبات ~~الباش. # حدثتنا في ما كتبت عن آثارنا كأنك ابن عمنا، وواحد منا، وقمت تحثنا على حفظ آثارنا، ~~وتقرئنا سطور أمجادنا بالمدل، فليشاركنا اليوم في تمجيد ذكرك من أرخت معابدهم، ~~وانتزعت ذكراهم من فم العوادي. # إن ابني بلدي، أدونيس والزهرة، يمشيان معي في موكب مجدك، فهل تقبل تمجيدهما لك؟ لست ~~أشك في ذلك، فأنت عشت للتاريخ، والتاريخ لا دين له، وهما من أبطاله الخالدين، هما بطلا ~~الأساطير اللبنانية العالمية، أنعشت سيرتهما الحياة العقلية زمنا في هذا الجبل الذي ~~سرحت بصرك في آثاره، ثم شاء ربك أن تنام على ساحله الضحوك تناجيك نجومه الساهرة وشمسه ~~المتجردة، فنم بأمان الله يا لامنس. # لو مات لامنس في غير لبنان لتولت الحكومة دفنه ولو كان راهبا، ما كان لامنس للآباء ~~اليسوعيين وحدهم، بل كان للبنان وللعرب أجمعين، فمن لنا بأمة تعيده تمثالا يذكرنا ~~بأياديه البيضاء على تاريخها المجيد، إن لامنس أحيا الأمة وآثارها، فلتحتفل الأمة على ~~الأقل بذكراه. # أين أنتم يا هواة الأدب! ألم تعينوا بعد تلك الساعة التي نجتمع ms134 فيها لتعظيم رجل خلق ~~العظمة من صخورنا، والمجد ما نمر به ولا نشعر بفخامته! ففي مفرق كل قمة من قممكم تاريخ ~~شعب هداكم إليه لامنس. # لست أدرس الآن ما تركه هذا الكاهن من آثار، ولست أنقد وأحلل، فأنا لم أقرأ من آثاره ~~إلا ما نشر في بيروت، ولكن هذا يكفيني لأكتب مقرا بفضل رجل على أمة منثورة تحت سماء ~~الله الواسعة، فهل يضيع فضل رجل في أمة شيمتها عرفان الجميل؟ اللهم لا. # إننا لا ننصف الأب لامنس إذا لم نعرف عن شعورنا نحوه بأثر فخم يذكرنا بفضله علينا، ~~وهذا أقل ما يجب نحو هذا الراحل الجبار، فهلموا يا أصحابنا إلى إحياء ذكرى علامة جليل، ~~أيموت رخيصا من أنفق أغلى ما يملك على درس بلادنا دراسة عميقة هي ذخيرة لنا؟ فهذا ~~الفقيد العظيم متمشرق فاهم، وليجز الله عنا العلماء الفهماء، فهم سرج الأزمنة. # عرفت لامنس في وادي عين كفاع الرهيب، عرفته يوم كان نشيطا يفر مثل الطوير، ويتسلق ~~جبلنا «العاصي» ليصعد إلى الكهف الأشدق، ليكتب عن «دير القطين» ويصف «سيدة البزاز» ~~(تسريح الأبصار، ج1، ص92). # كنت يومذاك فتى لا أعرف عن لامنس إلا أنه «بادري» كما قال لي معاز الضيعة، ولامنس لم ~~يلتفت إلي إلا مرة ليأخذ عني اسم الدير والكنيسة كما يعرفان، وأنا ما كنت أطمع منه إلا ~~«بصليب وأيقونة ومسبحة»، ولكنني لم أظفر بشيء غير تخزق ثيابي، فعدت إلى الضيعة ليضحك ~~مني رفاقي، وأنعت أنا هذا البادري بالبخل، ومنذ تلك الساعة لم أر وجهه قط، ولم أعرفه ~~فيما بعد إلا من صورته المطبوعة لا أذكر أين. # وجاء بعده بادري يحمل مطرقة يكسر بها الصخور، فلم أذهب إليه بعد خيبتي الأولى، وأظنه ~~زموفن الجيولوجي. # فهل حمل لامنس على صعود جبالنا ودخول كهوفنا المخيفة غير خدمة العلم؟ فلننهض إذا ~~جميعنا لتكريم العلم والعلماء المخلصين بشخص هذا الفقيد الغالي. # إنني أوجه كلمتي إلى الذين عرفوا لامنس، ومن منا لم يعرفه! من منا لم يقرأ شيئا من ~~فصوله الرصينة، وكتبه الثمينة التي تلقي ms135 الأشعة الثاقبة على ظلمات تاريخنا، إنني أوجه ~~كلمتي خصوصا إلى أدباء الشباب الذين سيرون معينا أصفى من عين الديك في آثار لامنس، ~~فقد عبد لنا الطرق القلقة المجاز، فلنتذكر جميعا هذا الغريب الذي أحب بلادنا حبا ~~جما، ومات تحت سمائها، فلنجعل ذكره ممجدا. # أنا عالم أن شعار لامنس كشعار رهبانيته «المجد لله الأعظم»، فالله نسأل أولا أن يجزي ~~من عمل لمجده، ثم نسأل الناس أن يحملوا قسطهم من الجزاء «الفاني» تشجيعا للأحياء ~~واعترافا بفضل المحسنين. ~~(2) عمر في يومه الأسود # لا أظنني أمنح عمر فاخوري وساما بعد الموت؛ إذ أكتب عنه هذه الكلمة المغمومة، لقد ~~تناولت عمر في ما مضى جملة وتفاريق، والعهد بآخر كلمة غير بعيد، كنت فيها مصورا ~~ومقارنا وباحثا جهد الطاقة. # لست آسف على سنوات عجاف يعيشها عمر ويمشي فيه أدبه مشية السرطان في بدنه، لقد أحسن ~~القضاء صنعا إذ جذب ثنيي الطوال المرخى، وأراح عمر من بقاء هو فيه: # عليل في مكانين # من الأسقام والدين # كما قال الجاحظ عن نفسه في آخر العمر. # عدت عمر أول مرة فخلتني أمام مومياء تحدثني، فارتعت ثم تجلدت لئلا أريعه، ولعله قد ~~رأى ذلك في وجهي حتى قال لي: وجهك أصفر! # فأجبته: الدرب طويل، والسلم عال، وأنا ابن ستين، فاصبر علي قليلا يعد جمالي ~~الهارب! # فابتسم ابتسامة دميمة جدا وقال: تتهكم عليك إذا لم تجد واحدا غيرك. # فقلت: ما وجدت ترياقا لسم الحياة أشفى من الهزء بها وبناسها. ~~••• # رأيت اليرقان قد خلع على عمر كل ما عنده من زعفران، فسألته عما به، فأجاب بعد سكوت لا ~~أجد له نعتا: قلة العافية، وعناء الحمية، الغمرة انجلت، ولكن ... # قلت: دعنا من لكن، السلامة غنيمة يا أخي. # فأطرق ولم يجب، وأطرقت مثله ألوم نفسي، وطال السكوت فقلت له: متى تعود إلى ~~عشك؟ # فأجاب بهز شفتيه، فعلمت أن لليرقان أحلافا تشد أزره في حرب عمر، ثم مشى بيننا حديث ~~متقطع موجع، انصرفت على أثره بأمل قصير الخطى. # وبلغني أن عمر عاد من عند أمه، فهرعت ms136 لأهنئه بالسلامة فقالت لي الخادمة: معلمي في ~~السبيتال. # فقلت: والست؟ # فأجابت: معه، فكملت طريقي إلى المستشفى الأميركي فلم أستطع مقابلته، وتلفنت مرارا ~~أسأل عن صحته، فكان الجواب بردا وسلاما. # ثم فصل بيني وبينه الصيف، فما ضيعت اللبن فيه، وعاد عمر إلى بيته فجئته مستكشفا، ~~فرأيته لا حيا يرجى ولا ميتا فيسلى، وتسقطت رأيه في نفسه فوجدته عريض الأمل، كبير ~~الرجاء، وقعدنا حيث اعتدنا أن نجلس فلم يشك عمر الداء بل شكا سوء الحال وقلة ~~الوفاء. # رجونا أن يكون سفيرا أحمر فإذا به يمسي شهيدا أخضر، وتباحثنا الغد، فإذا بصاحبي ~~متبرم ساخط، تعاون عسره ومرضه على هيكله الواهي، عاف عمله في الإذاعة انتصارا لوطنه ~~فذاعت القلة في كيسه، وخسر موردين: الإذاعة وكلية الآداب، وأثقل دينه ظهره، لم يبق له ~~غير جراية وظيفته الحكومية وهي لا تسد ثغرة العقاقير، فاضطر إلى بيع أعز المقتنى، وكانت ~~مكتبته كبش المحرقة. # قال لي: غدا - وغدا بمعناها اللبناني الواسع - أدع كل هذا وانصرف إلى العمل ~~حرا. # فقلت: وما نويت أن تعمل؟ # قال: أعود إلى المحاماة، وأعلم معك إذا اقتضت الحال. # وحدقت إليه لعلي أدرك عمق يأسه ومدى ألمه، فرأيت بريق زجاجتيه قد تضاءل، وزيت قنديله ~~قد شح، فقلت له: يا قليل العقل، تعود إلى المحاماة والتعليم بعدما خيمت في الشاطئ يا ~~أبا منذر؟ # فانفرجت شفتاه زهاء ميليمتر ولم يجب، فقلت له: كفاك الله شرهما يا عزيزي، فالذي لم ~~يسهل عليك عمله شابا يعتاص عليك كهلا، أما سمعت قول المثل اللبناني: بعد ما كبر وشاب ~~حطوه في الكتاب؟ # قال: ولم لا تقول شيخا؟ # قلت: لكيلا أصير أنا هرما. # فضحك ضحكة فزعتني، ليس بينها وبين ضحكة الهيكل العظمي فرق كبير. # كان عمر قليل الكلام معافى، فكيف به وقد هد حيله اليرقان، وله كبد مقروحة، لا يبيعه ~~أحد بها كبدا ليست بذات قروح، كان يعاني مرضا كالنعاس يهد ولا يؤلم. # وثنيت عنان الحديث صوب النوادر والفكاهة فوجدته لا ينشط لها، فعدت إلى دار المكشوف ~~أحدث صديقنا الشيخ فؤاد حبيش ms137 عن الخطر العتيد. ~~••• # وفي خطرة ثانية سألت الشيخ الحبيشي عن حال عمر فقال لي: بخير، كان هنا، فقلت في قلبي: ~~إذن ما أبعد الموت عنك يا مارون، إن صح عمر وسلم. # وذهبت إليه لأهنئه بالسلامة فوجدتني أقول: عفوا، لا تخدع نفسك، توق ما استطعت، ما ~~أراك كما أشتهي. # فأجاب، ما كنت يوما في حياتي كما تروم أنت، أحس أنني أتحسن، ولا أدري إذا كنت أبلغ ~~المرتبة التي أجلس فيها أمام قدح من عرقك المثلث، وخمرتك الدهرية. # فقلت: الله كريم. # ونظرت إليه فخلتني أرى ملامح رجل من وراء برقع، وأنني أمام شبح يمثل عمر، وقرأت أن ~~أحدهم حمل إلى عمر وسام الاستحقاق اللبناني فقلت: ولم هذه العجلة؟ خامرني ريب فيها ~~فسألت أصحابنا فقالوا: لا، ولكنني رجعت إلى نفسي وقلت: إنه فأل غير مليح. # وعدت من «فرصة الربيع» ومعي لأخي عمر شيء من تلك التي شبه بها سليمان حب الشولمية في ~~نشيد إنشاده، وما وضعت الأثقال لأفعل كما قال الأخطل عن قطار فلسطين، حتى حمل إلي ~~الأثير صوت الأستاذ رئيف خوري يؤبن صديقنا عمر، فضربت المكتب بجمع يدي وهجم الدمع إلى ~~الخدود، ولكنه لم يتجاوزها، كعادته في المصائب الجلى. # إن حصة عمر محفوظة وستبقى مختومة على «السدة»، ولا ترى النور إلا حين نشربها في عين ~~كفاع مع إخوان عمر وأصدقائه، صانعين هذا لذكر كاتب عظيم مات. # سنصنع هذا الذكر ركن من أركان هذه النهضة، لذكر موظف عاش نظيف اليد والجيب، ما مد يده ~~قط، ولا اشتهى مقتنى غيره، عاش لا يفصل بينه وبين الناس ذاك التعنقص الذي يتنكر به بعض ~~الأدباء والمتأدبين لأصحابهم متى وظفوا. # كان لا طائفيا، ولكنه لم يتشدق يوما بذم الطائفية كأصحابنا الأشد تعصبا من ~~الكهان، ثم يتفانون غيرة على الأوطان، كان عمر لا يصيح ولا يماحك ولا يداهن ولا يصانع، ~~فظل حيث هو لأنه لا يحسن المداجاة والمصانعة والمداهنة؛ لأنه أبي ثابت يزدري ~~المنافقين والزنادقة الذين يكرون مع كل خيل مغيرة. # ترك ما ترك من موارد رزق تعصبا ms138 لبلاده وانتصارا لها، ولم يشعر أحد بما صنع، ولو فعل ~~ذلك غيره لأقام الدنيا وأقعدها. # عاف موارد رزقه وعاش مكثورا عليه ليتضامن مع بلاده، فعل كل ذلك صامتا؛ لأنه ليس من ~~الذين يجعلون من الحبة قبة ومن القبة جبة؛ لأنه من غير الذين يجمزون كالقبابيط في حقل ~~المراتب، ويدعسون على جثث أصدقائهم ليرتقوا درجة ويكسبوا ليرة ورقا. # إن هذا الاستطراد يجرني إلى الكلام عن شخصيته، لم يكن عمر حسودا ولا حقودا، كان على ~~ما فيه من شمم وإباء لا يزهى ولا يتكبر، كان محبا وإذا أبغض أعرض وازدرى، وخرج بالصمت ~~عن لا ونعم كصاحبه بشار. # كان فمه نظيفا لا يتبذل حتى في المجالس الخاصة التي كنا نعطي فيها المرح حقه، فكان ~~يقابل تلك النكات الصارخة بربع ابتسامة، ويشارك بكلمات كان يستعد لتأديتها استعداد طالب ~~غير واثق من ذاكرته. # ولم يكن عمر عدوا في ثياب صديق، ولم يكن من الذين يقتلون الرجل ويمشون في جنازته ~~شاقين الجيوب حزنا على الفقيد الغالي، أما في الأدب فكان مؤمنا ولكنه غير ممارس ~~الطقوس المنظمة، يصلي لآلهة الفن بما يدور على لسانه، لم يكن أديبا محترفا بل كان ~~أديبا هاويا، كان كسميه الشاعر عمر - غفر الله لهما - موكلا بالجمال يتبعه، كان لعمر ~~بن أبي ربيعة لذة النظر كما زعم، وكانت لعمر فاخوري لذة العمل الفني، وما معشوقاته غير ~~الكلمات اللواتي يؤلف بينهن ولا يجعلهن ضرائر، أولع بالجديد ولم يتنكر للقديم فكان من ~~خير من كتبوا بلسان العرب من المحدثين. # وأخيرا مات هذا النسر وعينه إلى القمة، لم ينظر قط إلى الأوحال التي يتمرغ بها بعض ~~زرازير الأدب. # لا أقول أن خسارة الأدب العربي لا تقدر أو لا تعوض، فحسب الذرية ما تركه لها عمر من ~~نماذج، وقد لا يصنع أجمل منها لو عمر كمتوشالح. ~~(3) في ذكرى عمر # 1 # لقد أشبعت عمر درسا في حياته وبعد مماته، أما الآن فسأتحدث إليكم كما يطيب لي أن ~~أتحدث، ولعله يطيب لكم. # أفلا يعنينا من الأديب غير تعبيره وتفكيره؟ ms139 فأين نحن من أخلاقه؟ ألسنا أحوج إلى هذا ~~منا إلى غيره من الخصال؟! # مساكين أهل «الفن» حتى قبورهم # عليها تراب الذل دون الخلائق # أسرجوا الخيول، واقرعوا الطبول، أي خيول يا سادة؟ خيول الفكر لتجلي في ميادين الورق، ~~وطبول الخطب لتقرع في حفلات التكريم والذكرى، مسكين الأديب يعيش على الكلام ويموت على ~~الكلام، فكل ما يعمل للأدباء عندنا هو من بضاعتهم تلك: «حكي بحكي»، والذي مات بداء ~~الحكي غما نحاول أن نحييه بالحكي، ثم نعد هذا خلودا. # خلود، نعم، قال جبران: يقولون لن تعرف قدرك حتى تموت، لقد أصابوا، فمن يا ترى يعرف ~~طبيعة البذور التي تطرح في الأرض قبل أن تنبت؟ # هذي غير تلك يا جبران، وأنا لست على رأيك في هذا القول، لا أريد أن أموت ليعرف الناس ~~قدري ، فيوم حلو جميل، وأمسية أو عشية نتمتع بها بمثل هذا الاجتماع بكم يا سادة، يسوى ~~ألف خلود أدبي بعد الموت، وما هذه الآمال والأماني إلا تعلة البائسين، وجلهم من ~~الأدباء. # هذه علكة كالتي يلهون بها الأولاد عن أكل لباب اللوز حين يستأجرونهم لتكسيره، ما لنا ~~ولهذا الخلود الكاذب، أنعيش فقراء منكوبين بجيوبنا؟ أينعم بخيرات الأرض لننعم نحن فيما ~~بعد بحفلة تكريم؟ أليس كل راحل عظيما؟ أليس كل ميت عبقريا؟ # أنا لا أقول ما قاله الحجاج: والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، يظهر ~~أن عمامته تلك كانت أرث وأعتق من عمامة نقولا الترك التي سأل الأمير بشيرا أن يعتقها ~~مع ذلك الشروال. # وبعد فلنفرض أن أديبا عظيما مات، فمن يشعر بموت هذا الأديب غير المصابين مثله بداء ~~الكلام؟ يموت رجل وارم الكيس، منتفخ الصندوق، فتهتز الأرض بالطول والعرض، حكومة وشعبا، ~~ويموت الأديب الألمعي فلا يشيعه غير جيرانه وإخوانه. # وبعد هذا، ماذا؟ اسمعوا، علينا أن نقيم لنوابغنا آثارا مشهودة لنحث شبابنا على ~~اقتفاء آثارهم، فقد كادت لحية لبنان أن تنصل، علينا أن نعزز الأديب حيا ليقتدي به ~~النشء ويكون للوطن غيره، وإلا انقطع النسل الأدبي، فهذا الأديب ms140 العظيم الذي اجتمعنا ~~لإحياء ذكراه الليلة، أتعرفون ماذا حل به قبل لفظ روحه؟ لقد مات معوزا وكفى، وما يوم ~~حليمة بسر، فلننتقل إلى أدبه. # قرأت بعد موته صفحة من إنشائه فكدت أنكرها لو لم يثبت لي ذلك خطه، تسمعون، ولا شك ~~بالعملية القيصرية، هكذا كان عمر يضع مواليده، اثنان كانا مقلين مجيدين: جبران وعمر، ~~وكلاهما كان صائغا متأنقا، وقد عرفت ذلك أثناء اطلاعي على مخلفاتهما التي لم تبع ~~كمخلفات الجيش. # كان عمر صريحا لا يواري ولا يوارب، وحسبك منه قوله: «فإذا بما يفيض من عبقرية جبران ~~يروي بطاح المستقبل، بينما عبقرية شوقي مسفوحة على هضاب الماضي، وشوقي من الشرق وجبران ~~من الغرب، فلا يلتقيان إلى يوم القيامة، ويغلب على الظن أن الشرق سيظل كامرأة لوط، في ~~موكب الزمان، ناظرا إلى ورائه فيمسخه الله صنما من ملح؛ أي من دموع جوامد، على حد قول ~~أندره جيد الذي يزعم أن لوط ضاجع ابنتيه في إحدى منعطفات التاريخ، وهو ناظر إلى ~~المستقبل.» # أجل، كان لعمر فصول ولكنها روائع حقا؛ لأنها ملك صاحبها وعليها ماركته ~~المسجلة. # أما وقد انتهيت من عمر، فلا بد من كلمة دعت إليها الحال، أما حان للأدباء أن يدعوا ~~الشكوى؟ فأصحاب أرميا كفوا البكاء. # الأدباء من المواطنين، ولهم على الدولة ما يطالب به كل مواطن منكوب بزلزال، ولهم أسوة ~~بمن ذهبت الثلوج والعواصف بموزه وليمونه. # الأدباء دعاة الأمة ولهم على الدولة ما له عليها كل رجل من رجالها، فأناشد الله من ~~يعنيهم الأمر أن لا يتركوا الأديب حتى يموت ليتبرعوا بتجهيزه. # إن يوما هانئا على وجه الأرض لخير من كل ما يعمل له وهو في بطنها، إذا ذهبت النفس ~~فلا أسف على الجيفة. # وأنتم أيها المحتفون بذكرى عمر، هلموا بنا نعمل أثرا يحيي ذكرى عمر في غير هذه ~~القاعة أيضا، أخرجوا «الأديب إلى السوق» فينعم بمشاهدة أبطاله، لقد كثرت ضيوف المكتبة ~~الوطنية، وإنني لأخاف أن تضيق صدورهم يوما فتعلو صيحتهم، ويتكلم كل منهم على هواه، فما ~~يفهم الحداث إلا التراجم، ms141 فهبوا بنا نخرج الخالدين إلى الهواء الطلق. # رحم الله من سمع ووعى، والسلام عليكم. ~~(4) المونسينيور فغالي # في مدرسة أكثر من متواضعة نشأ المونسينيور ميخائيل الفغالي؛ حيث نشأ قبله أخوه ~~المطران بطرس، تلك المدرسة الصغيرة الجاثمة على كتف جسر المدفون، في مزرعة اسمها كفر ~~شخي كانت ملعب صبانا، كان نخلة يوسف - أي المونسينيور فغالي - أكبر مني قليلا، فكنا ~~صديقين صغيرين، وعشنا كذلك كبيرين، والرأي مختلف. # لا تبارح مخيلتي صورة صديريته الديما - من حياكة فغال - ذات صفين من الأزرار الزجاجية ~~الرخيصة، ولست أنسى شراويلنا البيض المصنوعة من المقصور، وكانت بذلة الأحد والعيد ~~غنبازا من الجوخ الرصاصي شتاء، ومن الحرير المحاك في بيت شباب أو الستي كروزا صيفا، ~~أما اللباس الفرنجي فلم يكن له أثر. # كان يرعانا ويعلمنا كاهن جليل اسمه الخوري مارون شكور، وهو ابن كفر عبيدا ضيعة نخلة ~~يوسف، كان معلمنا رحمه الله عارفا بأصول العربية معرفة دقيقة، وبارعا في «الليشيات» ~~أي لماذا رفعوا اسم كان، ونصبوا اسم إن مثلا، فكان يحملنا من تلك الأثقال ما استطاع لا ~~ما نستطيع. # وكان نخلة يوسف في الصف الأعلى، فكنت أستفتيه فيما يشكل علي من مسائل، وما يفوتني من ~~«درر» الليشيات، وكان صديقي كريم الأخلاق لا يستثقل أن يجيب على أسئلة طالب في الثالثة ~~عشرة، لم أكن في ذلك العهد أحسن درس الأخلاق ومع ذلك كنت أعجب بهدوء نخلة يوسف ورزانته، ~~وأحاول أن أترصن مثله ولا أقدر. # كانت ابتسامته حائرة ولكنها صافية خالية من كل معنى إلا معنى المحبة، وكان قدوتنا في ~~اجتهاده، فلا يخلو من كتاب، إن لم يكن في يده، فهو تحت إبطه أو في جيبه. # ومات في تلك السنة - 1899 - البطرك يوحنا الحاج، فهب شعراء المدرسة يرثونه ويتفجعون ~~عليه، خائفين على الطائفة بعده، وانتخب المطران إلياس الحويك بطركا، وكان هوى رئيس ~~المدرسة - الخوري بطرس بوصعب - مع المطران أبي نجم، فغمرت المدرسة موجة يأس وخسرنا ~~«الفادوس»، ثم كان الرضى والتسليم فاقترح معلمنا وراعينا على الشعراء من كبار التلامذة، ~~أن يهنئوا صاحب الغبطة ms142 الجديد، فقال الكثيرون منهم شعرا، قال معلمي الأول طنوس حنا ~~إلياس من عين كفاع: # قد سدت يا بدر السعادة والهدى # وبدا ضياك لكل مغو فاهتدى # وقال الخوري مارون شكور، مدرس البيان في مدرسة مار ساسين فغال: # أحن إلى النظم الرقيق توددا # وقلبي بحب الغيد لن يتقيدا # وقال نخلة يوسف كفر عبيدا: # ألا أيها النشوان من خمرة الذعر # أفق لا تخف أمنت من نوب الدهر # 2 # هذا هو المونسينيور فغالي في مار ساسين فغال، وافترقنا سنة ثم اجتمعنا في مدرسة مار ~~يوحنا مارون الإكليريكية، وهناك في الغابة التي تلف دير كفر حي التاريخي، جددت مع صديقي ~~نخلة يوسف ذكرى سنديانات مدرسة مار ساسين فغال، كنت كبرت قليلا وأصبحت أقدر على إدراك ~~معاني الحياة فصارت عشرتي ألذ، كانت لنا حركات تستفز الأساتذة وتضحك التلامذة ، فكان ~~المرحوم نخلة يفوز من حركاتي بالغنم وأفوز أنا بالغرم. # لم أكن أبالي بما عند جبابرة الأساتذة من بطش في سبيل توطيد عرشهم، خاطروني مرة في ~~مدرسة مار ساسين على التدخين في قاعة الدرس فدخنت، وكان الجالس سعيدا على عرش ~~«المناظرة» حنا الخور حاقل - الخوري ميخائيل الخوري، كاهن رعية مار مارون، في بيروت ~~سابقا - فأنزلوا بي عقابا شديدا، أطعمت الخبز اليابس راكعا في المائدة مدة أسبوعين ~~فقط، ومع ذلك لم أثب فتركت في مار يوحنا مارون قصصا خالدة. # وأخيرا صح الصحيح ولبى صديقي نخلة دعوة نعمة روح القدس التي لم تحل علي، فبعثوه إلى ~~فرنسا حيث أتم دروسه الإكليريكية، وهكذا حدت عن ذلك الدرب وافترقنا، ثم اجتمعت به بعد ~~الكهنوت أكثر من مرة، وتبادلنا «النظريات» في حياتنا، وكان آخر اجتماع في مكتبي بعاليه، ~~جلسنا ساعات نتذاكر الماضي ونستعرض شريط حياتنا الماضية، فعشنا بها هنيهة. # كان صديقي غير مغرور، فرأيته بحلاه الذهبية من سلسلة وصليب وخاتم وأزرار حمراء، أكثر ~~منه تواضعا في صديرية الديما، وشروال المقصور، لم يتغير فيه شيء غير علمه العميق ~~وثقافته الواسعة، قد زودت طلابا كثيرين أموا فرنسا ببطاقات توصية فكان يحسن استقبالهم ~~في باريس، ويمد ms143 لهم يد المعونة غير مدخر شيئا من وسعه، فيمهد العقبات التي تقف في ~~وجوههم، كان يقابل كل لبناني وسوري، على اختلاف الملل والنحل، ببشاشة وعناية، فكان كما ~~قال مار بولس: صرت للكل حتى أربح الكل. # لندع الآن نخلة يوسف ولنقل كلمتنا في المونسينيور فغالي، كان هذا الكاهن الفاضل نموذج ~~البساطة اللبنانية في حركاته وسكناته وفي أساليب حياته، لم ينصل لونه اللبناني في ~~الغرب، فرغما عن تزييه بالسمت الأوروبي كنت ترى سيماء كهنة لبنان في القرن التاسع عشر ~~بادية على وجهه النقي، وهو أحد الذين شرفوا لبنان في الغرب، وبنوا مدماكا بارزا في ~~صرحنا العلمي العالمي، فالمونسينيور فغالي ظل لبنانيا حتى في لهجته وحديثه، رأى منه ~~الغرب لونا لبنانيا لم يعرفه من قبل، عرفهم بلغتنا اللبنانية العامية الفصيحة، ~~المنفوخة فيها الروح اللبنانية، وحسبك كتابه المعنون لهجة كفر عبيدا. # كان رحمه الله عالما بالآداب المشرقية والمغربية، عارفا لها كل المعرفة، علم لغة ~~العرب وآدابها في كلية الآداب ببوردو، وفي مدرسة باريز الوطنية للغات الشرقية الحية، ~~فأحيا ذكر نوابغنا الذين كانوا أساتذة لغة الضاد ينشرونها في أربعة أقطار ~~المسكونة. # قد أريتك في مطلع كلمتي أنه قال الشعر عربيا، لتعلم أنه رجل خدم وطنه ولغته، فإذا ~~ذكر القروم منا كان كالسمعاني والتولاوي والحاقلاني وغانم وغيرهم، حق لنا أن نضيف ~~الخوري ميخائيل إلى ذلك الفهرست الطويل، وإلى عمله في حقل العلم يمكننا أن نضيف عمله ~~الخصيب في القضية اللبنانية، فقد عهد إليه بأمور جسام فحل معضلاتها. # قلت له في عاليه: أعرفك يا خوري ميخائيل رجل علم وأخلاق وفضيلة، فأريتنا أنك تصلح ~~أيضا للسياسة، فأجاب بالتفاتة إلى فوق، وكثيرا ما كان يعبر بهذه الالتفاتة البليغة، ~~ويستغني عن الكلام الفارغ. # لست أعدد ما كتبه المونسينيور فغالي من تآليف فهذا لا يعنيني الآن، فالذي يهمني أن ~~أتحدث عنه هو ما قلته، وإني أختمه بقولي: كان صديقي رحمه الله، على علمه الواسع، كما ~~قال الإنجيل عن يوحنا: قصبة مرضوضة، لا يصيح ولا يماحك ولا يطفي سراجا مشعلا. ~~(5) فؤاد سليمان ms144 الأديب والشاعر # فؤاد سليمان في نظري وحدة شعرية لا تتجزأ، هو شاعر في كل ما خطه قلمه من منظور ~~ومنثور، قد يكون شعره كشعر غيره، أما نثره فذو طابع خاص، وكتابه «درب القمر» ديوان شعر ~~له مقوماته وخواصه التي لا تجدها عند غيره، وربما كان هذا الكتاب على صغره، خير ما ~~أنتجه شبابنا في الفترة التي عاش فيها فؤاد سليمان، كأني بهذا الأديب الشاعر نظام مستقل ~~في كون الأدب، له شمسه وكواكبه ونجومه، وكل في فلك يسبحون، فحيثما تصادفه تنبئك عنه ~~خصلتان: عاطفة من نار آكلة، وكلمة من حديد محمى. # هو شاعر الألم وكاتبه، فكل ما نراه على موائد الآلام يتجسد في جمل كتبها قلمه الناري، ~~ما رأيته مرة إلا تخيلت الزئبق الرجراج، لا يستقر على حال من القلق، هو دائما متحفز ~~للقفز، فكأن في داخله لولبا يدور أفقيا، نصف ابتسامة بل ابتسامة كالجهشة، وضحكة لا ~~تفتح لك بابا للانطلاق، ما نسيت يوم عرفته في دار المكشوف فقلت له: كيف يكون سوط النار ~~الذي يسوق أبو شبكة به الشعراء كما قلت؟ # فأطرق إطراقة من يتهيأ للوثوب ثم قال: مثل السوط الذي تستعمله أنت في نقدك ~~لهم. # ما أسرع ما أمسى فؤاد سليمان، وا أسفاه، كلمات نرددها، وأكبر هم الأديب هو أن يستحيل ~~في الغد كلمات تجد لها رواة ومرددين، أجل هذا هو ملكوت الأدب الذي يموت العباقرة على ~~رجائه ويعدون به أنفسهم، كان فؤاد من المؤمنين بألوهة الحرف، وكان يقول الصحيح ولو حرقت ~~الكلمة فمه كما يقول المثل اللبناني، والكلمة دعامة الحياة وركيزة صرح الإنسانية، بل هي ~~قوة غير منظورة تلقنها الحياة من يستطيعون تأدية رسالة الحق. # إن تلك الكتلة البشرية التي كان اسمها فؤاد سليمان قد كانت ثورة قائمة برأسها، كانت ~~عاصفة تخبئ تحت جناحيها ابتسامة البرق وقهقهة الرعد، فهو وصاحبه أبو شبكة توأمان، وإن ~~ابتعدا نسبا يجمع بينهما الشكل والمزاج والعاطفة، كلاهما غنيا قلبيهما أولا، وهذه ~~المنعطفات والقمم ثانيا، كلاهما ربيبا القرية اللبنانية، فكان لها من شعرهما ونثرهما ms145 ~~نصيب، انفتحت أذنا فؤاد سليمان على رنين الجرس المتأرجح في القبة، وكان ملعب صباه تلك ~~البيادر المنبسطة حد بيته في فيع، تلك البلدة الجاثمة على صلعة الجبل، لعب الشاعر ومرح ~~في تلك المطارح الحلوة فانطبعت صورها في نفسه لتستحيل فيما بعد شعرا طليا، كما ~~تستحيل قبلات النحلة لثغور الزهر شهدا. # لفؤاد سليمان ثلاثة آثار: ديوان شعر، ودرب القمر، وما كتبه بتوقيع تموز، وهذه الآثار ~~وإن اختلفت موضوعا، هي واحدة من حيث الروح والمحبة والبغض، لقد بكر فؤاد في الحنين إلى ~~أيام الطفولة ومراتع الصبا، فكأنه كان شاعرا بقرب وفود ذلك الضيف الثقيل عليه. # كان هذا الأديب مناضلا في درب القمر وفي تموزياته، كان يغضبه كل شذوذ حتى شذوذه هو، ~~فيحتدم غيظه وتخرج الكلمة من تحت قلمه كأنها حديدة خارجة من الكير تقطر دما وتشع ~~نورا ونارا، فإذا تصفحنا ديوانه رأيناه يبكر في التوبة، ففي عام واحد، عام 1934، نشر ~~أولى قصائده «إلى أين» وختمها بهذا البيت: # يصفق الوادي لأعراسنا # إذ يسمع الوادي صدى القبلتين # وفي العام نفسه نظم «مزمور الخلاص» الذي يقول فيه: # أتوب عن الماضي المجمر باللظى # وأغسل أدراني بقارورة العطر # فكأنه ما شب حتى شاب، ولكنه رغم توبته في شعره ظل حاد الشهوات فتخيل الزنبق، وهو رمز ~~الطهر عند البشر، كأنه يحس ما نحس من شهوات لحمية، فقال في ابتسامة الزنابق ~~البريئة: # ما للزنابق فوق النبع خالعة # عذارها وشباب النبع يغويها # أظنها صورة لم تمر في خاطر شاعر، وما أكثر مواليد قرائح الشعراء. # أما ألفاظ فؤاد وصوره الشعرية فأرى الكثير منها منتزعا من محيطه، وهذا أثر المربى ~~فينا، فاسمع كيف يخاطب واحدة في قصيدة «عابرة طريق»: # ليس من عجنتي ولا من خميري # فاتركيني أسر وحيدا وسيري # أما الموت أبعده الله، فكنت أراه في شعره أني اتجهت في ديوانه، كقوله: # إذا تلقين في عيني هما # وفي وجهي اصفرارات المغيب # وكما يقول في قصيدة عنوانها «مقبرة»: # أنا وجه القبر تلقين على # جبهتي الصفراء أشباح المنايا # غلغلت في كل ضلع غصة # وجنازات ms146 تهادت في الحنايا # أرأيت هذا الشعر الزوالي؟ حقا إن خاطر الإنسان دليله. # وبعد فلنطو صفحة الفناء لنرى بعض نماذج من ألوان الحب الجارف، ففي قصيدة «الهوى ~~المكتوم» يخاطب حبيبة بشأن ثغر لها، خاف أن تجعله وقف ذرية فقال لها: # خليه لي وحدي على طهره # أنا اللظى، والناس ماء وطين # وفي قصيدة «عذراء» يقول: # إن في صوتك الحنون جراحا # ألف آه تموج فيه وآه # أنا أهوى على شفاهك شيئا # غل في فتحة الشفاه وناه # أنظرت إلى ألفاظه؟ فلفظة غل، وفتحة، وعجيني، وخميري قروية لبنانية مائة بالمائة، وما ~~أكثر الفصيح في لهجتنا، فليته لم يستعمل إلا الفصيح الخالص. # ليس شعر فؤاد سليمان ألفاظا منمقة مرصوفة، ولكنه كلام يحيا بما في قلب قائله من ~~حرارة محييه، ليس هو من أصحاب الرموز وإن قال في قصيدة «العرس الأسود»: # يا حلمي الأشقر يا رفة # طافت بقلب أخرس معتم # وإذا ما تصفحنا درب القمر رأينا أن نثره فيه كديوانه شاعرية؛ ولذلك عددته ديوان شعر، ~~فإذا واجهت «مرايا لم تعد تضيء» اقشعر بدنك لتلك التعابير التي تصف البيت في غياب ربه، ~~لقد أظلم كل شيء في عيني الابن البر، ثم ما لبث ذلك الظلام أن انقشع حين عاد الولد إلى ~~عشه وملأت الخيرات البيت. # أما مقال «طفولتي» فأقول ولا أحسب أني أغالي، إنه أروع مقال قرأته في هذا الموضوع، ~~فهذا التجريد الذي وفق إليه فؤاد جعل الطفولة كائنا حيا وكأنه من لحم ودم. # قلت إن فؤاد سليمان ابن بر بوالديه، وهل يعبر كما عبر إلا من كانت له محبته؟ اسمع ما ~~يقول في وصف وجه أمه: «أمي ... من ألوان عود الصليب وجه أمي، وكأن الذي حاكه مرة، حاكه ~~وقطع يده لئلا يحوك مثله.» # وفي «مطارف من أرجوان» منتهى حرية الفكر، وقد استحال فيها فؤاد الأديب، عالما ~~نفسيا حين حلل نفسية الشاعر وحاجاتها. # أما مقال «درب القمر» فنشيد أناشيد شولميته القرية اللبنانية، وفي «مرايا لم تعد ~~تضيء» نفحة طاغورية. # اقرأ تصويره فيها للبيت والأم المهجورين، هناك تجد صورة ms147 البيت اللبناني العتيق تامة ~~الخطوط، فكأنك ترى بعينيك ما يحدثك عنه هذا الأديب الشاعر. # واقرأ «حبة رمل» وقابل بين ما قاله في النبي محمد الرسول الأعظم، وبين ما كتبه غوت ~~شاعر ألمانيا العظيم، لترى أن الموت يقطع الأوتار ولا يرحم، إنها «حبة رمل» ولكنها جبل ~~من شعر. # وفي مقال «في موكب التائهين»: تسمع شاعرا بوهيميا يقول: «أنا هنا في سكرة معربدة ~~محمومة طائشة، حيوان يمشي مع حيوانات، بهيمة تعيش مع بهائم، ملعون من ملاعين الدنيا، ~~أجر جناحي المنتف ورائي على الدروب وفي الشوارع، أنا هنا لم أطلق بعد، متى أتمكن يا ~~صديقي من أن أنفلت من قيود المرأة والتراب، وأوهام اللحم والدم ومقاييس الزمن، فأصبح ~~إنسانا كاملا؟» # لقد أخطأت يا فؤاد، فلو صار كما تمنيت لكنت لا شيء، فلولا اللحم والدم، وما على ~~المائدة من مغريات ومقبلات، ما كان لنا فؤاد سليمان. # وبكلمة عابرة أقول: إن درب القمر أنشودة لبنانية أصيلة، كتب الله لها الخلود، وشاعرها ~~يجلي حين يصوب قلمه نحو الينابيع والكروم، وكل ما يمت إلى القرية بصلة. # أما ما كتبه هذا الأديب بتوقيع تموز فقد تصفحته من أوله إلى آخره، حتى وصلت إلى أوراق ~~بيضاء لم يمهل الموت تموز ليسودها ويبيض وجه الأدب، لا أدري لماذا عرتني رعشة عندما ~~وقعت عيني على تلك الوريقات البيضاء، أحسست أن دمعة رقصت بين أهدابي مع أن دمعي في ~~الحوادث غال. # أجل، لم يبق لنا من فؤاد سليمان غير هذه الجزازات من تلك الصحيفة وهاتيك المجلة، ~~ولكنها جزازات تتضمن روحا كانت تتردد في لحم فؤاد ودمه، فأبقت للذرية هذا التراث ~~الحي. # ففي «التموزيات» يثور فؤاد على كل اعوجاج وقع تحت عينيه، يثور للإنسانية المعذبة كما ~~في الكلمة التي عنوانها «إنسان مدود»، وهو في كل ما كتب في الواقع ما تخلى عن بيانه ولا ~~تجرد من خياله، يخاطب الناس من عل مهما علوا، ويقذفهم بكلام كأنه القنابل، ويزدريهم ~~ولا يبالي، وقد يتفق له تهكم مر يأتيه عفوا، فيبدو جميلا كقوله: «صرنا نخشى على ms148 البيت اللبناني أن ينهار، فالمرأة مشغولة بقضيتها، أعطوها حقها ~~وخلصونا، جربوها فقد تصلح ما أفسدناه نحن.» # وما أبلغ كلمته، بل ما أصدق قائلها حين تحدث عن لص سرق الشاعر ميشال طراد صاحب جلنار، ~~قال: «ما كنا نعلم أن الشاعر الجميل الذي لم يبق شاعر في لبنان إلا وسرق منه لفظا ~~وطيبا ولونا.» # إنها كلمة لها ما بعدها، ذكرتها قصدا، وموعدنا في التفصيل حين ندرس الشعر العامي ~~اللبناني. # وأخيرا هذه صورة الشاعر والأديب الذي كانت النار تندلع من عينيه، والكهرباء ترعد ~~أعصابه، هذه صورة ذاك الذي كنا ندعوه فؤاد سليمان يوم كان بيننا، أما اليوم فلا أجد له ~~لقبا؛ لأن الأسماء والألقاب مبتذلة كلها، فعلى بنات الشعر اللبنانيات أن يجددن عهد ~~النواح على «تموز». ~~(6) خمسة في عام واحد: الحداد، المطران، المازني، محمود طه ، البعيني # لم يفجع الأدب العربي في تاريخه المديد - كما فجع في عام واحد - بجمهرة خيرة من ~~أدبائه وشعرائه وكتابه، فبعد موت جرير والفرزدق ثم شوقي وحافظ في عام واحد، لم يصب ~~الأدب العربي بما أصيب به هذا العام - 1950 - قد توارت خمسة وجوه من دنيا الأدب: خليل ~~مطران، عبد القادر المازني، محمود علي طه، يوسف البعيني، والخوري يوسف الحداد، عمل كل ~~من هؤلاء الخمسة جهده بل فوق مجهوده، فازدادت اللغة العربية ثروة ضمت إلى تراثها ~~القديم. # الخوري يوسف الحداد # مشى الخوري يوسف الحداد في طليعة موكب الأبد، كما عاش أربعة وثمانين عاما معلما ~~ومربيا، لم يسأم الحياة كزهير، فظل يكتب وينظم رغم ما كف الدهر من بصره، ترك مئات ~~من رجال هذا الزمان الذين علمهم وهذبهم، وترك مسرحيات منها المترجم ومنها الموضوع، ~~وكتب قصة طويلة - المروءة - وحبر مقالات رائعة في كتابيه: اللبنانية، ~~والنجوى. # كان هذا الكاهن وقفا على أمرين: ثوبه وعلمه، كان ثوبه يزجيه دائما نحو الكمال، ~~وكان علمه يحثه دائما على بلوغ المدى الأبعد، والعلم من توابع وزوابع الإكليريكي ~~الحق، لا يعني هذا أن الخور أسقف يوسف الحداد تبتل فعاف كل مسئولية عيلية، فكان ~~كراهب امرئ القيس ms149 لا شغل له إلا إمالة السليط بالذبال المفتل، كان الرجل معلما ~~وأبا ومربيا، حملته الأقدار عبء وصاية بني أخيه، فربى وعلم كما يفعل الأب ~~المستطيع، فهذا الكاتب الذي نراه في كتاب النجوى يحث على الادخار كان عدو كيسه، وعظ ~~الآخرين وما اتعظ هو، لم يجعل مخزنه عبه بل جعله في العقول والقلوب، كان في القول ~~معلم اقتصاد من الطراز الأول، أما في العمل فاتكل على قول معلمه: لا تهتموا بما ~~للغد ... وكان ربه عند ظنه فمات مكفيا كما عاش عزيزا. # لا يعرف الخوري يوسف الحداد الأب إلا أقرب الناس إليه، ضحى بكل ما يملك ولم يترك ~~خلفه غير فضله وتلاميذه، كان مربيا حقا، كان للمعارف والتربية يوم لم تكن لهما ~~وزارة في لبنان. # قالوا عن الأخطل ضيق عليه دينه، وابن عمتي هذا ضيق عليه ثوبه في دنياه وأدبه، ~~فعسى أن يوسع عليه في آخرته، وعلى ذكر الآخرة أقول: كنت أجده لما بلغ الثمانين ~~خائفا من الرحلة العتيدة، على قلة الزاد لها، كما كان يقول تواضعا، قلت له مرة: ~~شد حيلك يا بيه ... أنت قادم على كريم، ولسانك طيب، وقلبك تقي، والله لا يحب غير ~~هذين. # كثيرا ما كنا نتفلسف ضاحكين لنخفي الذعر، وكنت أشجعه كلما التقينا حتى قلت له ~~مرة: تتذكر هذا البيت؟ # كلما قلت متى ميعادنا # ضحكت هند وقالت: بعد غد # فأجاب: وكيف! أتظنني خرفت؟ هذا لعمر. # فقلت له: هذا لسان حال الدنيا معك، لا تخف. # فضحك ضحكته المعهودة، وكنا كلما التقينا بعد ذلك يقول لي: كيف حال هند من ~~صوبك؟ # وأجيبه: ما زالت تضحك وتقول بعد غد. # وتطيب نفسه ويقول: سبحان مقسم الأرزاق! الذي لم يوافق عمر وافقنا نحن. # خليل مطران # هذا هو الكاهن الأديب الذي سبق القافلة المجيدة إلى واحة الموت، وتلاه في هذا ~~المضمار غير المرغوب فيه الشاعر العظيم خليل مطران، الذي أعده - كما عد القدماء ~~بشار بن برد - جسرا يصل القديم بالحديث، فمطران مجدد في تصوره وتفكيره وخطته ~~الشعرية، قلد مخيلته الصور الرائعة الطريفة التي ms150 قلما خلت منها قصيدة من روائعه ~~المشهورة، إنه أحد أقانيم الثالوث الشعري في القرن العشرين، كان هؤلاء الثلاثة شوقي ~~وحافظ ومطران يتبارون عند كل حدث خطير يحدث في الشرق، وإن توسعنا قلنا عند كل نكبة ~~عالمية، فكان حافظ يأتي ثالثا، إلا في عهد شبابه فقد جلى مرات، أما مطران فأستطيع ~~أن أعده مجليا - عند الحاجة - في شبابه وكهولته، وقد سكت في شيخوخته، بينما ظل ~~أخوه شوقي يرسل الصرخة أثر الصرخة حتى قضى، وقضي له بالزعامة ولم ينازعه فيها ~~منازع. # ولمطران أيد بيضاء ليس على الشعر وتجديده، بل على النثر أيضا وخصوصا المترجم ~~منه، فقد عمل الرجل كثيرا وأفاد كثيرا، وصلى خلفه في هيكل الشعر خلق كثير، فهو ~~حقا فجر مدرسة جديدة، إنه الشاعر الإبداعي كما عده الدكتور إسماعيل أدهم، ولئن ~~قصر عن شوقي في التعبير فقد فاته في التصوير والتفكير. # عبد القادر المازني # ثم كانت الخسارة الجلى بالمازني الأديب الكبير المحبوب، البعيد عن العنجهية ~~والادعاء، كان هذا الأديب الظريف يعمل ساكنا ويكتب صامتا. # حاول في فجر شبابه أن يكون شاعرا فما أعجبه شعره، فانصرف أولا إلى دراسات في ~~الشعراء القدماء، فكان أول من اهتدى إلى ابن الرومي، فكتب عنه فصولا رائعة شائقة ~~دلت على ذوق فني رفيع، ثم تناول بشارا فكان الأسبق إلى دراسة هذين الشاعرين دراسة ~~أصولية. # وأخيرا اهتدى المازني إلى نفسه، وعثر حين طوف في دنيا الثقافة على أسلوبه الذي ~~عرف به فكان أسلوبا خاصا نقرؤه مسرورين مغتبطين، قلما مر أسبوع لم يكتب فيه ~~المازني فصولا مختلفة، ولكن بدون ضجة وقعقعة، فهو بمقدار كاتب نضال؛ لأنه كتب ~~ليعيش، فكان يجلي في الميدان ولا يترك خلفه غبارا يؤذي العيون، ولا صهيلا وصليلا ~~يصم الآذان، بل كانت طعناته صامتة، لا أجد أصدق وصفا لها من قول عنترة: # برحيبة الفرغين يهدي جرسها # بالليل معتس الذئاب الضرم # مسكين المازني إذا صدق الخبر الذي قرأت، وأن أولاده في حاجة بعد أن ألقي كاسبهم ~~في قعر مظلمة، كما قال الحطيئة مسترحما عمر بن الخطاب، ms151 ولكن أين ظلمة البئر من ~~ظلمة القبر! إن هذا حيف، فعلى الأمم أن تراعي أدباءها كما تراعي جنودها الذين ~~يموتون في ساحة الجهاد، أليس هذا جهادا؟ أليس حامل القلم أخا حامل السيف في ساحة ~~النضال عن الأمم؟ # أذكر أنني قرأت بعد موت ولي الدين، أن ابنه كان يلم أعقاب السكاير في شوارع ~~العاصمة وسككها وليس من يأبه له ويذكر فضل أبيه، رحم الله عبد القادر المازني وجبر ~~خاطر الأمة المكسورة وأعاضها مازنيا آخر، ولعل مازنينا لو بعث ساعة لقال لنا: لو ~~كنت من مازن. # محمود علي طه # أما الفقيد الرابع، وهو المهندس محمود علي طه، فشاعر مجدد ينحو نحو شعراء الوقت ~~في لبنان، وله قصائد غراء، يحق لنا أن نقول في هذا الشاعر ما قيل في أبي تمام: إنه ~~مات ولم يستمتع بخاطره . # كان له شعر رائق طريف يطبع على غرار الشعر الحديث، وإن لم تنقطع الصلة كل ~~الانقطاع بينه وبين القديم، وإن نهج شعراء الفرنجة في أساليب الكلام، لقد انطفأ خبر ~~هذا الشاعر كأنه لم ينظم دواوينه «الملاح التائه» و«أشباح وأرواح» و«ليالي الملاح» ~~فما أرخص موت الأدباء والشعراء. # يوسف البعيني # أما الخامس فهو الأديب يوسف البعيني أحد أعضاء العصبة الأندلسية في البرازيل، شاء ~~هذا الكاتب الأديب أخيرا أن يكون ناقد العصبة فكتب في النقد فصولا، ولكن الموت ~~عجل عليه قبل أن نستطيع الحكم على ما كان يرجى منه من خير أدبي، بيد أن ناقد العصبة ~~كفي ووفي على قلة ما كتب. # إنني أنظر إلى الغد نظرة خشية، فعسى أن يحل أدباء الشباب محل هؤلاء الجهابذة ~~الذين تواروا في عام واحد، والحبل على الجرار، أرجو أن يقدر الشباب المسئولية ~~الملقاة على عاتقهم، فهم خلفاء هؤلاء الأدباء الذين ذهبوا، فليعدوا العدة. # على الجيل الطالع أن يتعمق في دراسة الأصول، وأن يتبحر في متون اللغة وهوامشها، ~~وأن يعب من ينابيع الثقافة الحديثة، وإذا لم يجد دلوا فليعب بيديه من نهر العلوم ~~والآداب العالية، وإلا فإني أخشى أن يصح فينا قول الحجاج في ms152 إحدى خطبه: ما لي أرى ~~علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون؟ إن العلم أوشك أن يرفع، ورفعه ذهاب العلماء، ~~أما أنا فلا أزعم زعم الحجاج المتشائم، بل أتجلد وأقول مع السموأل: # وما قل من كانت بقاياه مثلنا # شباب تسامى للعلى وكهول ~~(7) إبراهيم عبد القادر المازني # المازني كاتب متفرد، هام حينا في أودية الشعر، ثم اهتدى إلى شخصيته فعرف ذاته، أدرك ~~أنه لن يصير شاعرا محلقا فمال عن القول المنظوم إلى الكلام المنثور فخلد بنثره في ~~دنيا الأدب، انفصل المازني عن أقرانه - حسين والعقاد والرافعي والزيات وهيكل - بأسلوبه ~~الشخصي المستملح، فكان نسيج وحده كما عبر أسلافنا القدماء، تعرفه حين تقرأ مقالا له، ~~وإن كان غير ممهور، وتلك سمة الكاتب الفذ. # ليست معرفتي به على قدر إعجابي بما تفرد به من حلو الكلام ومره ، فأنا لم أره غير مرة ~~في الحياة، التقينا عند المصور الشهير أسعد دقوني، وكان مرافقه الخاص يوم جاء لبنان ~~الصحافي العصامي المرحوم جبران التويني، فتعارفنا على يده، وكان تسليمنا وداعا كما قال ~~الشاعر. # رأيت فيه يومئذ رجلا أعرج قليل الظل، ذا عينين كأنهما محاجر مسك ركبت فوق زئبق، ثم ~~كنت أقرأه بإمعان وأستقري أخلاق من خلال ما يكتب، فإذا بي أراه جبارا ولا ذا عنجهية ~~وإن كان ذا عاهة، فهو في نظري إن صدقت تلك اللحظة العابرة، حمل كتاب عصره الوديع، لا ~~يتنفش ولا يتفرعن، لم يغرق في السياسة لأذنيه، لم يكن أهوج الحزبية، فظل حيث هو لم يته ~~في مجاهل السياسة، فعاش أديبا ومات أديبا. # كان «أمن» عبد القادر كما كان يسميه ذاك الناظر الأخن، مثال الأديب العربي المثقف، ~~وإن زعم لنا أنه لم يعرف من النحو غير اسمه، لم يقطع المازني الصرة بينه وبين القديم، ~~ولم يتنكر للجديد، فجاءت عبارته حلوة ذات ألوان طريفة حديثة، ليست بالقديمة الغريبة ولا ~~هي بالجديدة المبتذلة، تلمع شخصيته في خلال سطوره، حتى في المواضيع الجافة التي لا تجد ~~فيها الشخصية منفدا تبرز منه. # لم يرفض المازني الألفاظ العامية الفصيحة، ثم استكفى ms153 بروحه الفنية عن الالتجاء إلى ~~الفصاحة والبلاغة؟ فكان له من ظرفه وخفة روحه أكبر عون على نفخ الحياة في كتابته التي ~~تستحلى وتستملح، ناهيك بأنه الكاتب اللبق الذي لا يتعالى ولا يطرق المواضيع التي تظهره ~~بمظهر العلماء الكبار، بل يعالج - وخصوصا حين شيخ - المواضيع المتصلة بالحياة اليومية، ~~قلما عناه أن يناقش فيلسوفا كبيرا عالميا ليريك أنه من ~~أقرانه أو أعظم منه، كما يهم من يخطئ بالأقلام ~~الحسابية الأربعة أن يناقش أينشتين، وقد يخطئه ولا يستحي، إن المازني يفعل غير ذلك ~~فاسمع كيف يحدثنا عن نفسه في مقال عنوانه «في الكتب»: # وتمنيت وأنا أدير عيني في كتبي على رفوفها، لو أن هؤلاء الألمان الذين ~~يتفلسفون علينا بما لا نفهم، بينوا لنا أو لي أنا على الأقل، ماذا يريدون أن ~~يقولوا: عجيب أمرهم والله! قرأت مرة لأحدهم وأظنه «هجل» كتابا في فلسفة ~~التاريخ فخرجت منه كما دخلت، وقلت لنفسي: إما أني حمار، وإما أن هذا الرجل لا ~~يحسن العبارة عما في رأسه، ولكنني أفهم عن غيره، فلماذا أراني لا أفهم ~~عنه! # ودارت الأيام ووقع في يدي كتاب لرجل أميركي اسمه دريبر، يكتب كما يكتب خلق ~~الله، لا الألمان، فإذا فيه فصل طويل عن العرب يعد تطبيقا لنظرية هجل التي لم ~~أفهمها، فسألت نفسي: لماذا لم يكتب «هجل» كما يكتب هذا الرجل؟ ثم عدت أسألها ~~وأتعجب: لماذا فهم «دريبر» عن «هجل» ولم أفهم أنا عنه؟ # وأسأت الظن بنفسي، واعتقدت أن بي نقصا في التدريب العقلي، وراجعت هجل وكررت ~~إلى هؤلاء الألمان المعوصين كرة المصمم المستميت، ولكن مضغ الجلاميد أعياني، ~~فنفضت يدي منهم ومن نفسي يائسا، وقلت: يا هذا، لقد صدق القائل: كل ميسر لما ~~خلق له، وأنت لم تخلق لتقرأ فلاسفة الألمان، فارجع عنهم وانج بنفسك ~~منهم. # ألا ترى معي أن أستاذا غير المازني لا يعترف هذا الاعتراف، بل يعد ألف هجل ~~حمارا. # والمازني قرض الشعر أولا كما سبق القول، ولكنه لم يصر على النظم مغالطا نفسه، بل ~~أدرك ما في شعره من ms154 سماجة، فعدى عن النظم الذي كان يجيء فيه بالغث، ويحسب أنه صنع ~~شيئا، ولم يكتف المازني بإرشاد نفسه، بل كثيرا ما نصح غيره ليعدي عما لا يجيد فيه، ~~تراه مثلا في آخر عبارة من كتابه «قبض الريح» ينصح أحد رفاقه في الشوط الأدبي الأول، ~~قائلا له: إن «الأستاذ» - أي الدكتور طه حسين - ليحسن جدا إلى نفسه إذا تحاشى الخروج ~~من النقد العام الذي يسهل مع التحصيل، إلى النقد التطبيقي أو الدراسات الفردية. # أجل لم تطب نفس المازني بشعره فارعوى حين ضل، وانصرف إلى النثر فأحسن صنعا؛ لأنه لم ~~يبل الأدب العربي بمنظومه بل أسكره بمنثوره، فكان نثره هذا مرقاة له فعرج إلى سماوات ~~الفن، فهو ولا شك واحد من أعاظم كتابنا الفكهين الساخرين. # لست أحدثك عن كتبه المشهورة؛ لأنك تعرفها، «فحصاد الهشيم» وهو أشهر ما يقرأ من كتبه، ~~يقبل عليه النشء لما فيه من دراسات أدبية دقيقة لابن الرومي وبشار، فالمازني كان أسبق ~~أدباء جيله إلى التعرف إلى هذين الشاعرين الكبيرين، فكتب عنهما فصولا تغني من شاء ~~التعرف إليهما عن المجلدات الضخمة، وقد يكون حبه العبث باللحى الكبيرة صغيرا هو الذي ~~هداه إلى شاعرية ابن الرومي الفذة فكتب عنها دراسته القيمة. # فإبراهيم المازني كما يعترف في مذكراته «قصة حياة» يقول: «لا أعرف ما سر حبي للحى في ~~وجوه الناس، ولكني أعترف أني ما رأيت قط لحية طويلة تتدلى كالمخلاة، إلا نازعتني نفسي ~~أن أجعل لها من أصابعي مشطا، وقلما أرى الآن لحية تستحق أن أعبث بها، فإن الناس في ~~زمننا يحلقونها أو يقصرونها ولا يرسلونها، اكتفاء بالمظهر واستغناء به عن الحقيقة ~~الخشنة أو الشائكة.» # ولا أحدثك عن كتابه «صندوق الدنيا» - فهذا أيضا في متناول الناس، وقد أقبلوا عليه ~~أيما إقبال - ولا عن كتابه «قبض الريح» الذي مر ذكره سابقا، فهذه الكتب اشتهر بها ~~المازني، وهي معروفة من دنيا القلم، ولم يسود وجهه من كتبه الأولى غير قصته «إبراهيم ~~الكاتب»، شاء أديبنا الكبير أن يكتب قصة فكتبها، فكانت قصتها قصة تطول، ms155 كما عبر قبلنا ~~صاحبه ابن الرومي. # إخالك أدركت ما في عناوين كتب المازني من طرافة وغرابة، وهذه سجية الناقد الأصيل، ~~فالمازني ناقد في جميع ما يكتب، وقصصي في كل فصل حبره، وأكثر قصصه طرافة وأحلاها هي تلك ~~الأقاصيص التي تتصل بذاته اتصالا وثيقا، وخصوصا في الفصول التي كتبها في مجلة ~~«الرسالة» وغيرها بعد ظهور تلك الكتب، ففي مقالة: «عجوة ببيض» وغيرها يذكرني بقصص ~~الجاحظ وأخباره، وإن كانت هذه من نوع آخر. # لقد حلت بالأستاذ نكبة البرامكة حين صبحه أولاده وزوجه بطلب الفلوس، ولكن «العجوة ~~بالبيض» هونت عليه الكارثة التي حلت به، وتعزى الكاتب الفارغ الجيب بالكلمة المأثورة ~~التي خاطب بها زوجه مسليا نفسه: «أنفقي ما في الجيب يأت ما في الغيب، لا بأس، لا بأس، ~~سيرزقنا الله.» # بيد أن الكاتب لم يرزق، فعاش غير ميسور، ومات مكثورا عليه، ولولا صرخة رفيق الرحلة ~~الأولى لتاه بنوه في الأزقة، كما تاه من قبل ابن ولي الدين لاما أعقاب السكاير عن ~~أرصفة شوارع القاهرة. # قلت لك فيما مر إن المازني «كاتب جامع»، ولكنه متئد السير في كل ما يكتب، يهز هزا لا ~~يلوي، ولا يفرض آراءه وأفكاره على الناس فرضا، أسمعه يحدثنا في عام 1935 عما أسميناه ~~منذ أعوام «الجامعة العربية»، وقد سماه هو في ذلك الوقت «القومية العربية»، ومما قال ~~فيها: «لقد أحطنا قوميتنا بمثل سور الصين، ولو أن هذه القومية العربية لم تكن إلا وهما ~~لا سند له من حقائق الحياة والتاريخ لوجب أن نخلقها خلقا، فما للأمم الصغيرة أمل في ~~حياة مأمونة، وما خير مليون من الناس، مثلا؟ إن أية دولة تتاح لها الفرصة، تستطيع أن ~~تثب عليهم وتأكلهم أكلا بلحمهم وعظمهم، ولكن مليون فلسطين إذا أضيف إليه مليونا الشام، ~~وملايين مصر والعراق، مثلا يصبحون شيئا له بأس يتقى.» # قد يقال: ولكن هذا ليس إلا حلما، فنقول: نعم إنه الآن حلم لا أكثر، ولعله لا يتراءى ~~إلا لآحاد يعدون على الأصابع في كل بلد، ولكنه على كونه حلما، ليس أعز ms156 ولا أبعد منالا ~~مما تحلم به أمم أخرى في هذا العصر، وبالأمم حاجة إلى أحلام، والأحلام ضرورة من ضرورات ~~الحياة للأفراد والجماعات، ومن لا حلم له لا أمل له ولا مستقبل، فلماذا يعيش ~~إذن؟! # هذه بعض خطوط من صورة أديبنا المازني، وإذا أردنا أن نرسم لكاتب عظيم مثله صورة تامة ~~الخطوط، فمثل هذا الإطار لا يتسع لمثل هذه المادة الغريرة، فكتاب بكامله يكاد لا يفي ~~بالمازني، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، فشكرا لمحطة الشرق الأدنى التي تذكرنا في ~~كل مناسبة بإخواننا الذين طواهم الموت، وكم في التذكر من منافع وعبر. # رحم الله المازني، وما أحوج الأدب العربي إلى بضعة كتاب من طرازه، فينتعش لسان الضاد ~~وتدب الحياة في كتبه، فالرجل كان غني النفس على بؤسه، كريما معطاء على خصاصته ، وربما ~~كان البؤس مصدر هذه الثروة الأدبية. من يدري! ~~(8) المنفلوطي ورسالة الغفران # ليتك تترك الأموات يرقدون في قبورهم مطمئنين فمالك ولهم ... إلخ. # من رسالة كاهن # أبت وأستاذي. # لا إخالك ناسيا ما كنت تقوله لنا، ونحن صغار لم تطرر شواربنا بعد، عن وقفتنا أمام ~~ربنا حفاة عراة، حين لا يشفع بنا غير أعمالنا الصالحة، وسيدتنا مريم العذراء، ولست أنسى ~~تغنيك بهذا النشيد: إن قلبي في هوى مريم ... من كان للعذراء عبدا فلن يدركه الهلاك أبدا ~~... # أما الأديب فيدان مرتين؛ مرة: بحسب ناموس دينه، وأخرى: بحسب ناموس الأدب، فلا تجزع ~~ولا تخف، فقبور الأدباء معرضة للنبش كل ساعة، ولا يقام على نابشها حد زياد في ~~«البتراء»، فهنيئا لمن ينبش النقاد قبره وينقل آثاره الثمينة إلى متحف الفن، ويا ويله ~~إذا لم يكن فيه غير عظام نخرة. # وبعد، فإن معضلة الأسلوب أو القالب أو المنوال قد شغلت العقل العربي أجيالا، فاحتال ~~لها جماعة في كل عصر بأخذ الحبل من طرفيه، لم يعافوا القديم جملة اتقاء ثورة غوغاء ~~الأدب وهم أكثر من السوقة وأشد خطرا، وأخذوا من الجديد بمقدار إرضاء لنفوسهم الظامئة ~~إلى ورد غير الحياض المطحلبة، أما المجددون الذين تمردوا وخاطبوا ms157 الناس بلسانهم فأنكرهم ~~جيلهم وكان كأورشليم، قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، فعاشوا في أمتهم كالدجاجة ~~الغريبة لا تصادف إلا مناقير من فولاذ تغرز في رقبتها. # أمامي الآن مقدمة ابن خلدون فاسمع ما يقول في هذا الشأن: # فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الأساليب - أي أساليب القدماء - فلا ~~يكون شعرا، وبهذا الاعتبار كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة ~~الأدبية يرون أن نظم المتنبي والمعري ليس هو من الشعر في شيء؛ لأنهما لم يجريا ~~على أسلوب العرب. # فهل من حرج علي إن وقفت من هذه الشهادة التي ينقلها إلينا ابن خلدون موقف المرتاب ~~الشاك! فإما أنه يشهد بالزور، أو أن شيوخه هؤلاء شيوخ حقا لم تبق منهم الأيام قوة ~~تميز بين شعراء المتنبي والمعري، ومهما يكن من أمر هذه الشهادة فهي دليل على تمسك العرب ~~بالقالب حتى صيروا التعابير العربية كحصى «الدومنو» وحجارة النرد يسوقها الزهر، وينزلها ~~منازل لا يشتهيها اللاعب، أما الفنان فينظر إلى ألفاظه ككائن حي يستمد الحياة مما حوله، ~~وإن كان للصينيين قوالب حديدية يحصرون فيها أرجل بناتهم فلا تنمو ولا تكبر، فالقالب ~~العربي فعل أكثر من هذا بعقولنا، فما أفقر أديبا لا أداة له من الكلام إلا ما قاله ~~آباؤه وجدوده، وإن لم يعبر كما عبروا فقد كفر. # إننا نعجز عن خلق تعبير جديد فنحتج لضعفنا بتقديس الأسلوب، ومن استعرض آثار العرب رأى ~~ثورات الزعماء في كل جيل، ونحاة وبلغاء يقمعونها، أما الجبار الذي خرج على أساليب ~~القدماء وأغراضهم وتعابيرهم فهو المتنبي وقد سمعت ما يقوله فيه ابن خلدون ويسنده إلى ~~شيوخه. # ولكن ما نعاه فيلسوف المؤرخين على أبي الطيب أصبح اليوم دعامة خلوده، فكأن هذا الشاعر ~~الأعظم قد نظم شعره لهذا الجيل الكفاحي، ففيه مرعى لكل نفس غير بلهاء كأشياخ ابن خلدون ~~الذين يجاريهم طه حسين، فقد سمعته يختتم كلمته في حفلة الجامعة المصرية للمتنبي بقوله: ~~إن فن المتنبي لا يعجبه، وهذا ما توقعته من طه بك فلا بد للدكتور من مخالفة ms158 ليقال: قال، ~~وطه كما أراه يعتق شيئا فشيئا، ولا يبعد أن تستهويه الماوية والسجنجل، فهو يمشي ~~الوراب كالسرطان ولا نعلم أي وكر يملأ. # مسكين أدبنا المريض بسل الأسلوب وسرطان القالب، إنه لا يؤمن إلا بتعازيم الكهان ورقى ~~الحواة ولا يعرف من الطب إلا الكي، وهو خير دواء لكثيرين من هواته، يخدعك طلاء هذا ~~الأدب حتى إذا رزته عرفت أنه دنانير ولكنها من «شوكلاته»! # سقنا هذه الكلمة لحديثنا عن المنفلوطي، والمنفلوطي جدول يخرخر ونهر ثرثار تقطعه غير ~~خالع نعليك ولا تشمر بكرم فضاح كالتي حدثنا عنها الريحاني في ملوك العرب، المنفلوطي من ~~مناجذ الأدب الذين لا يهنأ لهم عيش إلا في قرض الجذور، ونحن إلى من يغرس جديدا أحوج ~~منا إلى من يقرض، فالقارضون عندنا لا يحصون، وقلما ينامون قبل أن يكسبوا بيتا . # لا أدري لماذا صرت أرى المنفلوطي رخوا مترهلا كالمرأة الهركولة التي تعتمد على ~~يديها ورجليها لتنهض، وتكاد تقعد لولا التشدد كهريرة الأعشى، فأدب المنفلوطي أدب مفلطح ~~منتفش اغترت الصحف بخرزاته وودعاته، فلقبته «أمير البيان» فتطوح في حقول الأقدمين ~~كلاقطي السنابل «العفارين» وتاه في الجادات كجامعي لفافات التبغ، ولن أعدل عن رأيي ~~هذا فيه حتى تستبدل مقاييس الأدب وعباراته بغيرها فيصير الرطل كيلو والذراع ~~مترا. # ما خدع المنفلوطي عن نفسه حتى جاء بهذه المفرقعات، إلا كذب بعضنا على بعض، وإننا ما ~~فتئنا نفعل هكذا بالأحياء الذين يبعطون في جهلهم ولا يتأدبون حاسبين النبوغ في اجترار ~~التعابير كالعنزة القائلة. # لقد فتشت آثار المنفلوطي كلها فما عثرت بتعبير شخصي لهذا النابغة، فهل بين الناطقين ~~بالضاد من يدلني على واحد، ثم لا يثنيه هذا الضعف أن يجترئ على المعري ويلخص رسالة ~~الغفران بأسلوب منفلوطي، فتنكرت لنا كالذين يتلبسون بقبع المرفع والبربارة، ولو لم يقل ~~المنفلوطي إنها رسالة الغفران لجهلناها، فقد استحال فيها أدب المعري معرة، واستناب ~~المنفلوطي نفسه عن علي بن منصور. # رحم الله «ع. م» أحد رسامينا القدماء، فقد خبرونا أنه كان يصور الغزال ويكتب اسمه تحته ~~ليعرف الناظر أنه يرى ms159 صورة غزال لا صورة ضبع، إن «ع. م» في الرسامين كالمنفلوطي في ~~المنشئين، ولم تعدم البلاد ممن يعدون «ع. م» مصورا بارعا، وكأني بمنفلوطينا قد استضعف ~~خيال المعري فبدأ رسالة الغفران - غفر الله له - حيث أراد، وأخذ يروح فيها ويجيء كسيارة ~~يدورها سائق عكش في كوع ضيق. # قد بدأها كما شاء هو فرأى نفسه في صحراء مد البصر، وما أكثر ما يرى المنفلوطي نفسه في ~~الصحارى؛ حيث لا حارس ولا ناطور، بل ما أكثر أحلام هذا الرجل وأقرب إعفاءاته، وما أطول ~~نومه فكأنه اليربوع أو الغرير، عفوا أين الغرير منه وقد نام ألف سنة في رسالة الغفران، ~~تحرش المنفلوطي بالمعري، ثم بجبران في قصة «صراخ القبور» فكان كولد يخربش على الحيطان ~~قبالة فنانين حاذقين، وجاء عمله في رسالة الغفران كعمل صيقل أبله يذهب بجوهر السيف ~~ليجعله لماعا أبيض، وإن شئت فقل ليعيده حديدة، أو كحراث عثر وهو ينقب أرضه على قطعة ~~أثرية فجلاها بسحوق كسر الجرار ليزيل زنجارها، فخمشها وعراها من هيبة الدهور وجلال ~~الأجيال، وهكذا فات البصير - أمير البيان - ما أدركه الأعمى الذي لم يعجب شعره ابن ~~خلدون وأشياخه. # لقد مسخ المنفلوطي رسالة الغفران مسخا لا يغتفر لصبية الكتاب، فكان كالقصاص، بل من ~~أين للمنفلوطي براعة ذاك، فالقصاص لا يهمل الخطوط التي تريك ملامح أبطاله، أما ~~المنفلوطي ففاته هذا، اقرأ تر كيف غاب عنه ما فيها من جمال فبدل التعابير الأثرية بكلام ~~مزيف مصقول، ولم يعجبه، يا سبحان الله، من كلام المعري إلا «فبعلت بالأمر» التي لا تدل ~~إلا على ذوق المنفلوطي، فأبقاها. # هل من معترض إذا سمينا المنفلوطي محيي الموءودات، فقد أحيا لنا الكثيرات منهن مثل: ~~فثأته عنه، والفينة بعد الفينة، وعين ثرة، ثجاجة، وقليب أي بئر ... عدا عن الصحراء التي ~~حل فيها محل ابن القارح، ثم خلق أيضا في الجنة دهليزا - كالذي كان يأكل فيه المعري - ~~وهذا شيء غريب عجيب لا يلهمني إلا أن المنفلوطي كان يسكن بيتا ذا دهليز، فالمعري الذي ~~عاش في دهليز أبدي ما ms160 خطر بباله قط أن يجعل في جنة الله حتى ولا في الجحيم دهليزا كهذا ~~الذي خلقه المنفلوطي. # قال المتمشرق جيب في مجلة الدروس الشرقية الإنكليزية (ص316، سطر 22، مجلد 5): إن ~~المنفلوطي كان متأثرا بالأدباء السوريين، وأيد كلامه بتلخيصه رسالة الغفران التي لخصها ~~زيدان قبله، ولم يتعرض الأستاذ جيب لهذا التلخيص المشوه بكلمة. نعم إن المنفلوطي حذا ~~حذو زيدان كما قال جيب، ولكن زيدان لخص هذه الرسالة تلخيصا أمينا، ولم يستضعف المعري، ~~فقدم لنا خلاصة ترينا هيكل رسالة الغفران فقرة فقرة وعظما عظما، أما تلخيص المنفلوطي ~~فلا يظفر منه إلا بفقاعات منفلوطية، كالتي يعجب بها بعضنا ويخالها الأدب كله، أما ~~صاحبهم ففشل فشلا مخزيا في تلخيص رسالة الغفران، وفي قصة العقاب التي كتبها على نسق ~~قصة «صراخ القبور» كما سترى، فكان فيهما - كما هو في كل ما كتب - رصاف ألفاظ يلهو بها ~~لهو الوليد بالقطع الخشبية، يبني منها قصرا أو قبة، حتى إذا وفق إلى رصف تلك القطع في ~~مواقعها صفق له أبوه، وقبلته أمه بين عينيه إعجابا بذكائه وإكبارا لنبوغه. # إن تعابير المنفلوطي في كل ما يكتب هي هي بعينها، شاحبة صفراء كقوس الشنفرى، أو كبني ~~يربوع الأخطل، أما سياق تفكيره فواحد، كل ليلة غدافية الإهاب، وكل حقل مد البصر، وكل ~~وقت تمضى إلا أقله، وكل رؤيا يبدؤها بقوله: رأيت فيما يرى النائم ... وقد يكتب صفحات ~~فلا تدري ماذا يريد، فتأتي معانيه كحبة قمح في عدل تبن، ولا أتخيله إلا كأولئك الواعظين ~~الذين يعيدون مواعظهم على الناس بشحمها ولحمها وعجرها وبجرها. # فكرت كثيرا بما أشبه به آثار المنفلوطي وأسلوبه وتعابيره، وطلبت فلم أجد له مثلا ~~إلا الروبل الروسي والمارك الألماني، وإن أردت مثلا تراه بعينيك فانظر إلى الظرف ~~والزكرة المنفوخين وترحم على نحاة العرب، فلحكمة سامية خلقوا حرف التنفيس، واذكر بالخير ~~صاحبنا بشارا وقل لعشيقته عبدة: عجلي فقد كاد صاحبك ينفزر ... # لقد ضاق التفكير بالمنفلوطي فلجأ إلى قوالبه المعلومة وأخذ يرجعها، كساعة «الكوكو» ~~التي تقلقك زمنا قبل أن تعد الثانية عشرة، ms161 أليس عجيبا أن نسعى إلى التجديد بكل ما ~~فينا من قوة ورغبة، ثم ننصر هذا العتيق ونسميه جسرا وهو قنطرة نافرة الغلق. # وأخيرا إن شئت إدراك فهم المنفلوطي لرسالة الغفران، فاقرأ كلام إبليس وبشار في ~~الرسالة وقابله بتلخيص المنفلوطي، ثم قل سبحان من يخلق لكل جمل عبقريا ~~كالمنفلوطي. # إني أفرح كثيرا بما أقرأ من محاولات شبابنا في التجديد، وسأجعل همي الإخلاص لهم ~~وللفن فأعرض عليهم ما أفهم وأدرك، ولا غرض لي إلا تحسين نسل الأدب، وأسعد أيامي يوم ~~أزيل فيه من أدمغتهم عقيدة الأسلوب والقالب، لينظروا إلى التعبير ككائن حي ينفخ فيه ~~الأديب الفنان من روحه، ففي قوالب العرب ما بطل، وفيها الصالح لهذا الزمان، فلنميز بين ~~الاثنين، إذا كان الناس يحسنون نسل القطط، والسكاف يجدد قوالبه كل عام، فكيف بالأديب ~~وهو الخالق المبدع! # إني لا أحترم ولا أقدس إلا الأدب الصحيح، وسيان عندي قديمه وجديده، وسواء عندي أجاء ~~من غلام مغرور أم صدر عن شيخ وقور. # إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، فإن استمرأتم زادنا زدناكم منه، ~~وإلا فارفعوا أيديكم عن قدورنا، فلا بد لهذا الفول من كيال. ~~(9) أبو الفضل الوليد # كان اسمه إلياس طعمة حين كنا في مدرسة الحكمة رفيقين في الصف العربي، يعلمنا بيانها ~~وقواعدها الخوري يوسف بو صعب، ثم انقضى ذلك العام الدراسي عام 1905، فترك إلياس المدرسة ~~إلى غير رجعة وكان آخر عهدي به. # قضى في بيته ثلاثة أعوام كانت من أطيب العمر كما قال، ألف خلالها مسرحيات عديدة: ~~شعرية ونثرية، منها: ما وضعها ومنها ما عربها، حتى إنه نظم نشيد الأناشيد وصدره بمقدمة، ~~ويزعم إلياس أنه لما هاجر عام 1908 أضاع تلك الدفاتر في إحدى رحلاته؛ ولذلك لم نضع نحن ~~الوقت في سرد أسمائها، وفي 15 نيسان سنة 1913 أصدر في المهجر جريدته «الحمراء» تيمنا ~~باسم حمراء الأندلس وقريته اللبنانية «قرنة الحمراء»، فعاشت تلك الجريدة أربع سنوات ~~خلقت في أثنائها روحا قومية عربية قلما تجدها، وإذا وجدتها فلا تجد تلك الحماسة ms162 ~~والعصبية حتى الهوس. # قلت: كان اسمه إلياس طعمة، ولكنه «في تشرين الأول من عام 1916 اتخذ كنية أبي الفضل ~~واسم الوليد، وقيدهما في سجل الحكومة البرازيلية فأصبحا رسميين شرعيين يعرف ويعامل ~~بهما.» # يقول أبو الفضل الوليد «إنه لم يغير اسمه؛ لأنه غير عربي، بل لأنه ابتذال وقصد به علم ~~النبي اليهودي، فهذا الاسم حمله أحد أجداد العرب وهو إلياس بن مضر بن نزار». # إن جنون إلياس بحب العروبة وكرهه اليهودية أنساه أن الكتاب المنزل تدين به العروبة ~~التي يقدسها قد جاء فيه: # وزكريا ويحيى وعيسى ~~وإلياس كل من الصالحين ~~(سورة الأنعام: 85)، # وإن إلياس لمن المرسلين ~~(سورة الصافات: ~~123). # ومن الصدف الغريبة أن يهاجر إلياس في نيسان، وأن ينشئ جريدته «الحمراء» في نيسان، وأن ~~يعود إلى وطنه في نيسان، وأن تبارحنا نفسه الكبيرة في 29 نيسان يوم الثلاثاء سنة ~~1941. # أما هدف الأديب الشاعر في الحياة فقد عبر عنه بما يلي: «لولا بياض أمله لما شهد الملأ ~~سواد ورقه، ولولا حبه لقومه ووطنه لما أضاع في الكتابة أحسن العمر، فليس هو إلا صاحب ~~دعوة له عقيدة ملية وطريقة سياسية، حمل القلم لإظفارهما ولإظهارهما فكتب للعزم والعمل ~~لا للعب والكسل، فكان نثره ونظمه مبديين لشعوره وإيمانه ورجائه.» # إنه مجاهد قديم، حارب حتى تكسر سلاحه، وبعد ما قام بالفرض ووفى بالعهد هجر الدواة ~~وسائر الأدوات، ولم يعتزل إلا لتيقنه أنه لم يبق للقدم مفزع وللسهم منزع، فحكى قائدا ~~رومانيا كان يعود من بقاع الحرب إلى بقاع الحرث، وما كان ناثرا وناظما ليعد كاتبا ~~وشاعرا، وما اتخذ الأدب حرفة ليدارمه لكن بلاغا ورسالة، فلا يصح إلا به وبأمثاله قول ~~الرسول في حديثه الشريف: «يوزن مداد العلماء ودم الشهداء يوم القيامة فلا يفضل أحدهما ~~الآخر.» # وينتقل أبو الفضل الوليد إلى وصف خلقه ليعرفه الآتون بعده، فكأنه رحمه الله قد أدرك ~~أنه سيهمل وينسى، فدون بقلمه تذكرة نفوسه فقال: «إنه طويل القامة، قوي البنية، متناسب ~~الأعضاء حنطي اللون، كبير الرأس، كثيف الشعر، واسع الجبهة، أزج الحاجبين، أنجل العينين، ms163 ~~عسلي الحدقتين، ضخم الأنف، غليظ الفم، عريض الذقن والصدر، طلق المحيا، حسن المقابلة، ~~لين الجانب، حلو الحديث، لطيف الحس، شديد الطرب، صبور جليد، محب للحلم والرحمة ~~والإحسان، ذو أنفة وعفة، ونزاهة وشهامة، مترفع في العزلة، متواضع في العشرة، حافظ ~~للعهد، وفي بالوعد، غضوب للحق، ولوع بالعدل.» # أما في وصف أدبه فيقول: «ما كان التهاب فكري إلا من اضطراب نفسي واضطرام قلبي، فالفضل ~~في إلهامي لروح العروبة التي لاحت لي من ورائها روح عليين. # إني أموت كما عشت عربيا آملا مشوقا، وأود أن تضم جسماني تربة دمشق الطيبة. هناك ~~تهيم روحي في البادية، وتنشق نفحاتها الطاهرة، وتطرب لهدير الوادي. تلك رقدة أشتهيها ~~وأعلل نفسي بها، وأراها خير مكافأة لي إذا كنت مستحقا.» # ومشى إلياس الخطى التي كتبت عليه حتى استولى على أمد العروبة فقال: «وإذا لم تكن ~~عروبة إلا بالإسلام فإنني عربي مسلم مؤمن، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله.» # هذا ما كتبه أبو الفضل الوليد معرفا الذرية بشخصيته ونفسيته، أما ما ذيل به أكثر ~~كتبه فهاك بعضه، آملا أن تصدق ما تقرأ، فرفيقي وصديقي إلياس كان غريب الأطوار كما ~~ستعلم حين أتحدث أنا عنه كما أعرفه، أما الآن فلنر رأيه هو في نفسه، قال تحت عنوان ~~«شهادة عدل وكلمة حق»: # أبو الفضل الوليد عبقري نابغة متفرد مندر، أشهر من أن يعرف وأكبر من أن ينعت ~~ويوصف، إن هو إلا الحكيم الأعظم والشاعر الأنظم، وكل ما كتبه يعد من نفائس ~~الأدب العال، وعليه طابع ممتاز من الإجادة والابتكار، ألف في اللغة والتاريخ ~~والأدب والشعر والتمثيل والغناء والنقد والاجتماع والرواية والسياسة والفلسفة، ~~فكان عقله من العقول المحيطة التي لا يخفى عنها شيء ولا يفوتها أمر، فأصبح رب ~~الصناعتين وحامل الرايتين، الحكيم الأخير والفيلسوف الأكبر، وشاعر العرب الأمثل ~~ونجي الملأ الأعلى. # إنه الشاعر الملي، والفيلسوف ذو البصيرة النيرة والسياسي المطلع الخبير، كل ~~بيت من شعره قصيدة، وكل جملة من نثره مقالة، وله في الإنشاء ميزة يفطن لها ~~الأريب فيقر ms164 بأنها معجزة. # لقد برز بما ابتكره واحتكره على المتقدمين والمتأخرين، ما كان التهاب فكره ~~وقلبه ونفسه إلا من شعلة سماوية، وليس لهذا الجيل بل للأجيال الآتية أن تفيه ~~حقه وتعرف فضله وقدره، فقد كان ظهوره قبل أوانه، وعلى غير استعداد من أهل ~~زمانه. # إن هذه الشهادة تقرأها في آخر كتبه جميعها، ما عدا «رياحين الأرواح» و«أحاديث المجد ~~والوجد»، وعندما طبع أول ديوان كتب على جلده ما يلي: # رياحين الأرواح الرقين الأول من قصائد الملهم الذي نظم الشعر عقودا، والحكيم ~~الذي ضرب النثر نقودا، صاحب الطرب الأعلى والوطر الأمدي، أشعر من شعر وأكتب من ~~كتب، ملك النثر والنظم، المبداع المجواد السيد أبي الفضل الوليد. # أما جلود دواوين شعره الأخرى فاكتفى لها بوشم شاعر العرب فقط. # لقد انتهى بعض ما قاله أبو الفضل الوليد، وجاء دوري الآن لأقول أنا فيه ما أعرفه، ~~رافقته في مدرسة الحكماء فتصادقنا، ولكني كنت أرى فيه صديقا تخشى بوادره، كان ذا ~~عنجهية، أرستقراطي الطلعة في غنبازه الحريري الذي كان يتفرد بلبسه دوننا، فكأن العروبية ~~فيه طبع لا تطبع، كان أستاذنا الخوري يوسف بو صعب يداوره ولا يجابهه، حتى قال مرة على ~~إثر خروج إلياس من الصف غاضبا: أبوه من بيت طعمة، وأمه من بيت طوبيا، وجدها الشنتيري ~~وكيف تريده لينا مطيعا. # كان يجلس وحيدا لا يأخذ ولا يعطي، فكأنه صف مستقل عن الصف، وكذلك كان في الخارج، ~~فكأنه لا يعنيه من المدرسة شيء كما يريد أن يعنيها منه شيء؛ ولهذا تركها دون أن يتم ~~دروسه. # كان مستبدا برأيه حتى في التعليم، فإذا سيره الأستاذ على غير هواه تنفس كالهر وتأهب ~~للنزال، لم يكن يهمه من الدروس إلا نظم الشعر، ينظمه في الصف وفي قاعة الدرس، وفي ~~الكنيسة حتى، ورآه المناظر الخوري يوسف الخوري يخربش على ورقة في الكنيسة وقت القداس ~~فقال له: هذا بيت الله! # فأجابه إلياس: وأنا أنظم له ترنيمة ليس فيها ركاكة ترانيم حنا بو صعب. # وبلغت الكلمة أستاذنا الصعبي، وكان يحب إلياس ويراعيه كثيرا ms165 فسأله: أية قصيدة تعني ~~من قصائد حنا بك بو صعب؟ # فأجابه إلياس: أعني يا خالق الأكوان يا باري الورى. # فقال الخوري: وما الذي لا يعجبك فيها؟ # فقال إلياس: إنه يخاطب الله بلغة النحاة فيقول فيها: يا عالما، هل إن حنا ~~ينصرف. # فقال الخوري: هذا حلو، كيف لم يعجبك! # فقال إلياس: لم يعجبني لأن الله وعبيده لا يستعملون مثل هذه اللغة في ~~الابتهال. # وأخيرا سكت الخوري، وكانت دائما الكلمة الأخيرة لتلميذه الطاهر إلياس. # كانت ذاكرة إلياس قوية جدا، وكان شديد الميل إلى الغريب من المفردات فيحفظ منها ~~الكثير، وكان يترنح طربا حين يسمع الوحشي منها في الشعر الجاهلي وغيره، فتلتقطه ذاكرته ~~فلا يفلت منها فيما بعد. # وكان إلياس يعيش على هواه، يركب رأسه ساعة يشاء فيجمح ثم يثوب ويسلس قياده لمعلميه ~~ورفاقه، تراه وديعا كالحمل، وفي جلسة واحدة يلبس جلد النمر وينقلب شموسا لا يؤتى من ~~قبل ولا من دبر، بدوي في ثوب حضري، غريب الأطوار، ولعل هذه الغرابة كانت من أول أسباب ~~هجرته التي كان في غنى عنها، أما حبه السياسة فكان فيه ككل ابن بيت لبناني عتيق، إن ~~الفريكة التي شهرها الريحاني لا تخوم بينها وبين قرنة الحمرا، وبين الريحاني وأبي الفضل ~~الوليد قرابة لعل للنسب والمكان يدا فيها، فأم أمين من بنات عم إلياس طعمة، وهكذا كانت ~~العروبة عندهما فوق الجميع، ولأجلها فاه إلياس بكلمة الشهادتين وهذا ما لم يفعله ~~أمين. # هذه هي الفكرة الجارفة فيما خطته يد أبي الفضل، ولا أعد ما نقلته عنه في مدح نفسه إلا ~~من غرور العبقرية ولا بدع، فالعبقرية والجنون يمشيان في صعيد واحد. # لم يمدح إلياس كما يشتهي فتولى هو بنفسه مدح نفسه، فأطنب وغالى وأغرق، كان أبيا لا ~~يستجدي التقريظ من أحد، ورأى أنه مغموط الحق فحك جلده بظفره، وإلى هذا أشار في كتابه ~~«التسريح والتصريح» فقال: «أعرف كثيرين من الشعراء والكتاب يكتبون بأيديهم تراجمهم ~~وتقاريظهم فينشرها لهم أصحاب الجرائد على علاتها لصداقة أو قرابة أو شفاعة أو طماعة، ~~وبعض ms166 صحافتنا اتخذها محترفوها مهنة للخداع والكذب، فقد تحيي بالريحان من يرجمه الناس، ~~وتجعل الجاهل عالما والسارق محسنا، فرب صحافي برشوة أو أكلة أو سكرة صير الفدم فريد ~~عصره والفسل وحيد مصره، وبورقة عملة يملأ ورقة جريدة من صورة الراشي وشماريخ الألقاب ~~والنعوت، فالذي يشاء يصبح أمير البلاد وزعيم العباد، وعميد الكتاب وسيد ~~الشعراء.» # وكأني بإلياس قد أخذ حقه بيده بعد ما رأى ما لحق به من حيف، فما كان كغيره - كما قال ~~- شاعر نهر ولا بحر، ولا شعب ولا قطر، ولا فيلسوف شرق ولا علامة غرب، ولا أمير شعراء ~~ولا رئيس كتاب، بل نصب نفسه ملك الشعر والنثر وكفى. # أبو الفضل الشاعر # شاعر مطبوع، خلق ليقول شعرا، كان يحكي شعرا إذا شاء، وظل يقول الشعر حكيا ~~معربا، فهو في هذا ضريب عبد المحسن الكاظمي وإن لم تكن له الديباجة الكاظمية، يعني ~~أبو الفضل الوليد أن يؤدي فكرة لا أن يبدع فنا، وإن ادعى الخلق والإبداع، فقلما ~~تقع في دواوينه الأربعة على صورة بيانية، ولكن نفسه تحن كثيرا إلى الخلق الذي يزعم ~~أنه سبق إليه المتقدمين والمتأخرين، فهو في ديوانه الأول «رياحين الأرواح» يناجي ~~«العصفور» سائلا إياه أن يجود عليه بشيء من إبداعه: # أيها العصفور قل لي # أتغني أم تصلي # هذه تغريدة قد # طيرت قلبي وعقلي # أبت بالإنشاد فوقي # أن تكن بالنظم مثلي # زادك الله جمالا # في التغني والتفلي # أعطني وزنا جديدا # لم يكن للشعر قبلي # أرأيت هذا التوق وهذا الوجد! فهو يتمنى أن تكون له لغة العصافير وأناشيدها، أدرك ~~أبو الفضل المدرسة الجديدة ولم يتأثر بها، بل نستطيع القول إنه ازدراها، كان يزرع ~~حقله بعقله كما يقولون؛ ولهذا يقول لنا: «في شعري هذا لهجة صادقة، وطريقة جديدة، ~~وقد فتحت فيه أبوابا لم تطرق، ومهدت للشعراء سبلا، فما نظمت قط مسترزقا أو ~~متملقا، وما طمعت بنظم ذليل في مال قليل، فما أسقطه متاعا إذا طرح في الإعدام على ~~الأقدام، وشر البلية من ذي رأس خفيف وكيس ثقيل.» # إن صدق اللهجة والإباء ms167 وعزة النفس ملء دواوينه الأربعة، أما الطريقة الجديدة ~~والأبواب التي فتحها فما هبت علي منها نسمة، إلا إذا كان التجديد فيما قال: «وأحببت ~~الشعر مصفى منقى لا جوازات فيه، ولا قواف مكررة، ولم أستعمل كلمة أعجمية ولو راسخة ~~في التعريب غيرة على الأصيل من الدخيل.» # أشهد أنه في هذا صادق، وصادق أيضا حين يقول: «كثيرا ما لا يكون الشعر لصاحبه، ~~أما أنا فصاحب شعري، تناثر من قلبي زهرا عن غصن وريشا من جناح، فعلى طريق الحياة ~~نثرت شعوري ثم نظمته في شعري، فما شعري إلا تذكار لمروري في هذه الدنيا، وكنت أود ~~أن لا أترك أثرا ولا أبقي خبرا، فأكون كعصفور يلقي غردة ويمر وهو غير مكترث لما ~~تردد في الفضاء.» # إن في هذا المنثور شعرا كثيرا لا نجد مثله في منظوم الوليد، الذي يرى الشعر ~~سليقة وفطرة لا صناعة وفكرة، فأبو الفضل سليقي يقول فيعرب كما قال ذاك الشاعر عن ~~نفسه، طويل النفس كابن الرومي وإن لم تكن له معانيه الغريبة، قد يتفقان في وحدة ~~القصيدة ويختلفان في أن الوليد لا حشو عنده ولا ركاكة، تمنى أبو الفضل لو وضع ~~أوزانا جديدة ليكون ذا بدعة وإبداع كما قال، ولكنه لم يفعل شيئا من هذا، وما عبر ~~في قريضه إلا عن آماله وأمانيه بعريان الكلام، البعيد عن الخيال الشعري المنمق ~~العبارة. # والشعر في نظر رفيقي إلياس نبوءة حقا؛ ولهذا قال في مقدمة الرياحين: «كان ~~اليهود يقولون تنبأ؛ أي قال الشعر، فالنبي في عرفهم هو الشاعر، وقد كانوا - وأيم ~~الحق - مصيبين، فما الزبور والأسفار والنبوءات إلا قصائد، وما داود وسليمان وسائر ~~الأنبياء إلا شعراء، وكفى بنشيد الأناشيد شعرا غزليا يخلب القلوب ويسلب الألباب، ~~إن التوراة رقن - دواوين - شعر مجموعة، وهي كتاب اليهود، ولكل أمة كتاب هو كتاب ~~شعرها، تذكر به ما كان وتأمل أن يكون.» # ويعرفنا أبو الفضل الوليد بديوان «رياحين الأرواح» فيقول إنه مظهر الروح ~~المتأثرة، وكذا يكون شعر الصبا والفتوة، فهذا كتاب الوليد حقا ولا أسميه عبثا ~~كما سمى ms168 المعري ديوان البحتري؛ إذ لا يحق لي ولا لغيري أن نعبث بالشاعر الصادق الذي ~~يكشف لنا خبايا نفسه. # هذا الديوان غزل كأكثر الغزل، ولكن فيه وثبات كما في قصيدة مداعبة عذراء: # مجلسها صمت وإيجاز # ولحظها للقلب مهماز # ما لي على عفتها طاقة # تلك على المجروح إجهاز # من لي بها والدين دون الهوى # وفي يد القسيس عكاز # وصورة العذراء في خدرها # والسبحة البيضاء إيعاز # قسيسها ينهى ولا ينتهي # وهي عجين وهو خباز # إن قلت مولاتي عديني وفي # فالقلب من عينيك قفاز # قالت وقد عضت على كفها # لم أدر ما وعد وإنجاز # أرشده يا يسوع واغفر له # من أجلنا جرحك نزاز # أظن أنها قصيدة فريدة، وهي في نظري ريحانة دواوين إلياس الأربعة، لا ديوان رياحين ~~الأرواح وحده. # وفي قصيدة «إلى فتاة ترهبت» رأيت هذا البيت في المحل الأرفع من سماوات الشعر، قال ~~يذكر تلك الفتاة التي عاذت بالدير من شياطين العاشقين: # ولم أنس يوما فيه جئتك زائرا # فقلت «ألا هبي» فقلت «قفا نبك» # أجل هذه لقطات ترميها الآلهة في طرق أبنائها الشعراء، وهنيئا لمن يقع على مثل ~~هذه الكنوز. # أما ديوانه الثاني أو الرقين الثاني في لغته هو، فمصدر بصفحة كتبها الشاعر بخط ~~يمينه، ليثبت إيمانه ويقينه بسمو العرب وحق العرب بسلطان لا يزول، إن قصائد هذا ~~الديوان يدل عليها عنوان «أغاريد في عواصف» وهي قصائد أنين وحنين، وغزل ونسيب، ~~وذكريات أوحتها إلى الشاعر هجرته، فكان من أمه قعيدة بيته في الحمراء، كأبي فراس من ~~عجوز منبج، في هذا الديوان تتفجر عواطف إلياس بسبب ما أدرك من خيبة في هجرته، أصابه ~~ما أصاب النعامة كما قالت العرب: ذهبت تطلب قرنين فرجعت بلا أذنين، وذهب هو في طلب ~~الطريف فأضاع التليد، وذاك حظ كل من تدركه حرفة الأدب، فكم من معاز أو عتال هاجر ~~فاغتنى، وكم من أديب لبيب لم يعط خبزه كفاف يومه، فاسمع كيف يخاطب نفسه: # أنطمع كالضليل بالوطر العالي # وأنت قليل الحظ والصبر والمال # أطرفة في العشرين فاجأك الردى # ويا ms169 ابن زريق مت من طول إهمال # وفي قصيدة خاصة بابن زريق يخاطبه فيها: # شفينا كلانا فمت وكدت # أموت، فجسمي براه السقام # فمثلك خضت بحارا وجبت # قفارا وشبت لفرط اهتمام # ويقول في قصيدة أخرى: # والحظ لما طلبت المجد أرجعني # صفر اليدين إذا فتشت لم أجد # ثم يختم هذه القصيدة موجها كلامه إلى والدته: # ماذا تقولين أو ماذا أقول إذا # عاد البنون إلى المأوى ولم أعد # لهفي على ولد يقضي الحياة بلا # أم، ولهفي على أم بلا ولد # وإذا شئت أن تتذكر أبا فراس فاسمع: # هناك وراء البحر أم حزينة # تكابد آلام الشهيدات من أجلي # أبيت أناجي طيفها قائلا لها # رويدك إني كالألى فعلوا فعلي # لقد مات «دنتي» يائسا في جهاده # وقد مات في المنفى «امرؤ القيس» من قبلي # وإني لأدعو كل ذي محنة أخي # فللشبل حنات إلى زأرة الشبل # وييأس إلياس فيرى الكون من وراء نظارة سوداء فيقول: # من يعط لا يوهب ومن يمنع ينل # كن مؤمنا بالله واشبع دينا # ثم يرى سبب شقاء هذا البلد في طوائفه، وإلى رجال الدين يعزو فقر البلاد فيقول ~~فيهم: # متى ينتهي كهاننا وشيوخنا # فنخلص من حياتهم والعقارب # شقينا لنعماهم وراحتهم فهم # يسوقوننا كالعيس نحو المعاطب # يقولون صلوا واصبروا وتقشفوا # وتوبوا وصوموا واثبتوا في التجارب # وهم بين عواد وزق وقينة # لها عبثات باللحى والشوارب # يجوع ويعرى في الكهوف فقيرنا # ويشقى ويبكي صابرا غير عاتب # وقد أكثروا ديباجهم ودجاجهم # وقالوا لشعب الله عش بالعجائب # فكم أكلوا القربان بعد فظيعة # وكم جحدوا الإيمان عند المكاسب # خلاصي، وما أغلاه لست أريده # إذا كان من خوري وقس وراهب # متى يهزم الغربان نسر محلق # وتبطش آساد الشرى بالثعالب # هذه هي «أغاريد في عواصف»، وسترى إلى أين سار هذا المتمرد مع العاصفة. # والديوان الثالث «الأنفاس الملتهبة» نظم في الحرب الكبرى الأولى، فجاء صورة للزمن ~~الذي نظم فيه، طافحا بحب الاستقلال الذي حنت إليه الأمة العربية وحاربت من أجله، ~~فالشاعر في هجرته يحلم بالمجد العتيد ويتألم ويحن إلى أرض هجرها: # ذكرت بلادي ms170 والكواكب تسطع # ونفسي بما فوق الكواكب تطمع # وجدت لكي أرعى نجوما كثيرة # ولكن نجمي بينها ليس يطلع # فهو في هذا ينظر إلى قول المتنبي: # فلا تقنع بما دون النجوم # أبدا أقطع البلاد ونجمي # ويرى الشاعر أن البلاد لا تنهض إلا بالسيف والقلم متعاضدين فيهتف: # صليل الظبى وصرير القلم # لفك القيود وشق الظلم # بدونهما لا حياة لنا # فهذا وذاك حياة الأمم # وشمرت الحرب عن ساقها فشمر إلياس معها، وأطربه زئير الحديد فصاح: # السيف يخطب فاسكت أيها القلم # لا خير في الحبر حيث الدمع ينسجم # السيف منه صلاح فاضربن به # إن النبي لنصر الله قد ضربا # إن أخفق الحق والإيمان في أحد # فيوم بدر أزال الكفر والشغبا # أما تراجع محروسا ومحترسا # فالليث يرتد أحيانا لكي يثبا # ويذكر مسقط رأسه في لبنان في تلك الأيام السوداء فيهتف: # لي أمة شطرت شطرين شطر نوى # وشطر موت فكيف الشمل يلتئم # قد مات أبناؤها حتف الأنوف على # مرأى الألوف فلم تنهض بها الهمم # وتوقهم بوعود العجم ضيعهم # فذمة العجم ألا تحفظ الذمم # يا ليت أعلامهم أكفانهم فلهم # منها حياة وللأبناء معتصم # لكنهم تحت رايات العدى سقطوا # صرعى، وفي أرضهم من قوتهم حرموا # حقا إنها صفحة طواها الشعراء وما أتوا على ذكرها إلا قليلا، إني أضحك حين أقرأ ~~اليوم هذه العبارة: الحرب الباردة، فأين برودة حرب اليوم من صقيع تلك؟! فما مرت حرب ~~باردة في دنيا الله كتلك التي مرت على لبنان في حرب سنة 1914، ماتت الناس بعد ما ~~أكلت الفئران والجرذان والحمير، والشعير من روث خيول العربات، أجل لقد أكلت الناس ~~هذا وماتت ولم تطلق بارودة ولم تهز عصا. # وكأن إلياس حين سمى ديوانه الأخير «نفخات الصور» قد تخيل أمته راقدة، وهو رافائيل ~~ينفخ في الصور ليبعث من في القبور، لا تستغرب هذا القول، فها هو الشاعر يصدر ديوانه ~~هذا بما يلي: # لقد كان هذا الكتاب من الشعر وحيا وتنزيلا للعرفان والهدى، فالعواطف ~~والأفكار التي تجيش في أبياته لا تكون إلا من نفحات علوية تنعش السماء ms171 بها ~~الأرض، كيف لا وناظمها أبو الفضل الوليد قد نشأ مارونيا لبنانيا، وتخرج ~~من مدارس نصرانية كهنوتية فكان معلموه قسيسين ورهبانا، وتغرب في بلاد ~~إفرنجية وأميركية أهلوها لاتين بحورهم تغرق الشرقيين، فمن يصدق أن من هذه ~~تربيته يشعر ويفكر بما لا يدور في خلد عربي مسلم في مكة، إن هذا إلا دليل ~~على أن شعره موحى به إليه ومنزل عليه، فليس هو مسئولا عنه، إنما الله ~~وليه فيما كتبت يده لخير العرب والمسلمين، وقد تدرج حسه حتى حببت العروبة ~~إليه الإسلام وهو روحها وجوهرها. # ثم يختم هذه الصفحة من تاريخ حياته بهذه الكلمة: «فإذا لم يكن نبيا - أي أبو الفضل الشاعر - لا شك بأنه ملهم من خاتم النبيين.» # أما النبوءة فلا، أما الإلهام فهذا فيض من النفس، ونفس إلياس تهدر في أعماقها ~~العروبة ثم تجري أنهارا جارفة في «نفخات الصور»، وليس أصدق من عناوين قصائد هذا ~~الديوان في الدلالة عليه، وهذه هي أولا: «الرؤيا النبوية» وفيها يقول أبو ~~الفضل: # تشوقت حتى زارني الطيف مؤنسا # وأشرق نور الطلعة النبوية # ويبلغ الوليد الجنة فيرى على بابها رضوان لابسا من الإضريج أفخر حلة، ويدخل ~~الجنة ويشرب من رحيق الحور والولدان بأكواب من در وقوارير من فضة، حتى إذا ما توغل ~~في الجنة بلغ حضرة من على العرش استوى، فرأى: # غمامة عليين تستر نوره # ترفع رب العرش عن كل هيئة # ويتحير إلياس في ذلك الموقف ويعجز عن الوصف كما عجز مار بولس من قبل، فيسمع صوتا ~~يناديه: دعوتك فاسمع أنت صاحب دعوة. # وكن منذرا بين الورى ومبشرا # وبلغ جميع المسلمين وصيتي # فشعرك وحي منزل في جهالة # كما نزل القرآن في الجاهلية # تشجع وآمن يا وليد فأنت لي # رسول وفي الإبلاغ فضل الرسالة # أنا المصطفى المبعوث للحق والهدى # وقد صحفوا في مصحفي كل آية # وقل لجميع المسلمين تجمعوا # وصونوا وقار الأمة العربية # ويمضي إلياس في البلاغ المبين الذي تجلى له في تلك الرؤيا، فيسدي إلى العرب نصحا ~~جزيلا صادقا لقنه إياه الرسول - عليه الصلاة والسلام ms172 - كما زعم. # وينقطع الهاتف فيجفل مرتاعا من الصمت، ويأسف لانقطاع الرؤيا وما أشمه من حسنات ~~عدن من نفحات طيبة، ويختم هذه الكلمة بقوله: # وفي الشعر ريحان وراح وكوثر # فما في من ري وريا لأمتي # أما المطولات الآخر فهذا بعض عناوينها: «المشرقية، المغربية، المقدسية، الشامية، ~~العراقية، المصرية، الأموية، الأندلسية»، وكأنها معارضة لنونية ابن زيدون، وفيها ~~ينحي على جماعة الغرب باللوم والشجب فيقول: # المريمات مذلات فواطمنا # كما تذل الأناجيل الفراقينا # وللقلانس هزء من عمائمنا # وهي التي صغرت في عين قاضينا # فما لنا قوة إلا بسيدنا # محمد، فهو يرعانا ويحمينا # ثم تلى هذه القصيدة «الدمشقية والصحابية والجندية»، وفيها يحيي الراية العربية ~~بقوله: # بروحي وأهلي راية عربية # لها النصر في سود المعارك باسم # حماها النبي المصطفى واستحبها # وناسجها جبريل والله راسم # ثم يذهب في حسن تعليل ألوانها الأربعة مذهبا موفقا، وبعد رفع هذا العلم لا بد ~~من أن يأتي الجهاد، ففي القصيدة الجهادية يتغنى ما شاء، ثم تليها قصيدة «الشهادية» ~~وهي من مطولات الديوان وقد ختمها بقوله: # تمنيت مع فتيان قومي شهادتي # ولكنني أهوى الحياة لأثأرا # ويختم الشاعر رقينه الرابع برباعيات وسباعيات بنى قوافيها على حروف ~~الهجاء. # أما رأي الشاعر في ديوانه هذا فهو: «إنها من نوع الأيبوبة - الملاحم - عند ~~الإفرنج، فهي ملحمة العرب الكبرى، وتفوق الملاحم التي نظمها اليونان واللاتين ~~والإفرنج بعظمة المعاني، ومتانة المباني.» # ولأبي الفضل الوليد غير هذه الدواوين الشعرية الأربعة «منغمة غافر ولبانة» التي ~~لم تقع في يدي، ولكني تعرفت إليها وعرفت مكانتها في الشعر مما كتبه أبو الفضل ~~الوليد في آخر دواوينه، قال كعادته في تعريفها: # هي منغمة شعرية نظمها أبو الفضل الوليد من أجل مصر، وضعت على أسلوب جديد ~~وطريقة مبتكرة جمعا محاسن الأدب الرفيع، ولا بدع فناظمها قد تفرد بإبداعه ~~وإنذاره في النظم والنثر، وجاء بالعجب العجاب. # قال خبير مطلع على المناغم عند الإفرنج إن «منغمة غافر ولبانة» أجمل المناغم التي ~~تلوتها وشهدتها، فهي تحفة هذا الفن وكان نظمها على نسق مبتكر، فشبهها أحد قارئيها ~~بواجهة جوهري ms173 معروضة فيها الجواهر على اختلاف أنواعها وألوانها، والخبير يظنها ~~تأليف موسيقي لا تأليف شاعر لما حوته من الصناعة الموسيقية، ولما تلاها أحد ~~الموسيقيين قال: «هذا تنزيل لا تلحين.» # قلت: وعنا لأمر الأستاذ سعيد تقي الدين. # أبو الفضل الثائر # لأبي الفضل الوليد أربعة كتب نثرا: «أحاديث المجد والوجد»، وهو حكايات مستوحاة ~~من التاريخ العربي في الشرق والغرب، وهذا الكتاب ككل كتبه ودواوينه لحمته وسداه ~~العروبة والقومية، وفي نهاية ستة فصول سماها رسائل بها ينتهي إلى كتابة ما سماه ~~«الفاتحة الوطنية»، وفيها يقول: «يا مالك السماوات والأرض وقابض الدول والسلاطين، ~~خلص الشرق من الغربيين، ونجنا من مكايد الأجنبيين، واجعلنا متدينين غير مغالين، ~~أحرارا مستقلين، غير مسيطر عليهم ولا متفرنجين، فنعيش ونموت عربا سوريين.» # ولا يكتفي بهذا بل يكتب «تعليما» جديدا على نسق التعليم المسيحي الذي يتلقنه ~~الناشئون على هذا الدين فيقول: # س: # أعربي أنت؟ # ج: # نعم أنا عربي بنعمة الله وذمة العرب. # س: # من هو العربي؟ # ج: # هو المنحدر من السلالة العربية أو المولود في الأرض ~~العربية. # س: # ما هي الأرض العربية؟ # ج: # هي كل أرض أهلها عرب ومستعربون. # س: # هل سورية منها؟ # ج: # نعم وهي من صميمها، فأنا عربي سوري. # إلى أن يسأل: # س: # ماذا يريد العربي المخلص للعرب؟ # ج: # يريد لهم دولة عامة، وراية جامعة، ولغة واسعة. # وأخيرا: # س: # أتحافظ على هذا المذهب؟ # ج: # نعم، به أعيش وعليه أموت. # أما كتاب «القضيتين» فموضوعه يدور حول السياستين الشرقية والغربية، ومما يسديه ~~فيه لقومه من النصح قوله: «ليعمل للتوفيق أهل العصبية من المسلمين والنصارى فيكونوا ~~خير العاملين، فمن الكبائر أن يخجل العرب والنصارى أمام العرب المسلمين، فما أجمل ~~تعاون المسلمين والنصارى على الأجانب والخوارج.» # إن كرام العرب والنصارى مخلصون لأمتهم، متعلقون بعروبتهم، يفضلون حكم بدوي على ~~حكم أجنبي، ويرون المنقصة أن ينوب عنهم ويكون كهان لهم منهم زعماء، إلى أن يقول: ~~«لا أوطان في الوطن ولا طوائف في الأمة.» # وفي كتاب «المآلك» أي الرسائل يكتب في العلم والفن والاجتماع والفلسفة، فلا يدع ms174 ~~شيئا من الشئون والشجون إلا ألم به، وكأن المعاملة وخصوصا المالية منها قد نغصت ~~عيشه، فقال: «ثلاثة لا تفتحها إلا عند اللزوم بابك وكيسك وفمك، وأشد الخطر في فتح ~~الكيس الذي يغلق القلب، فتحصيل الدين أشبه شيء بقلع الأضراس ونتف الشعر، ومجاولة ~~الدائنين للمديونين كمجاولة السباع ومزاولة الأفاعي.» # ويختم هذا الكتاب برأي في الأدب فيقول: «الأدب حتى الرفيع منه كان منه إضرار ~~وإضلال وليس إلا نوعا من الملاهي، ولم ينفع الناس في كل أطوارهم إلا العلم الثابت ~~الصحيح.» # وفي كتابه «التسريح والتصريح» ولعله آخر ما ألف يتعرض للغة، فينظر فيها نظرة ~~فاهم، ويتشدد كثيرا حتى يصفي اللغة من كل عجمة، فينصح لمن يريد أن يتخلص منها ~~بتاتا أن يقول في الجلنجين ورسل؛ لأنه مصنوع من الورد والعسل، وفي الفالوذج دمعسل ~~لأنه معمول من دقيق وماء وعسل! # وهذه أيضا تذكرنا بما نحته سعيد تقي الدين من مفردات خالدة. # ويتعرض أبو الفضل للكتابة فيثني على الخط العربي، ويقرع دعاة العامية تقريعا ~~عنيفا، ويدعو إلى التكلم بالفصحى. # ثم يتعرض للركالة في الكتب الدينية، كما فعل الشدياق من قبل، ويدعو العلماء من ~~الكهان إلى تهذيب لغتها، ويرى «في قصص التوراة ما يخجل من تلاوته الخليع، ناهيك أنه ~~يعلم الفاسق ما يجهل، فحول وجهك عما فيها من دعارة بني إسرائيل بل بني ~~عزرائيل». # أما الآن وقد انتهينا من هذه الدارسة، فهل كنت تحلم يا أخي إلياس، أن رفيقك مارون ~~الذي كانت نكتته توجعك سوف يكتب عنك هذا الفصل؟ لقد كنت بك رفيقا كما كنت لك ~~صديقا، وأنا قبل وبعد مولع بإحياء الموءودين من أعلامنا. # | في المضمار # (1) ديوان الملاط # يعذرني أصحاب الدواوين والكتب إذا ما قدمت ديوان أستاذي شبلي الملاط، ولم أراع النوبة ~~التي يراعيها جميع الناس حتى أصحاب المطاحن، أما هكذا أدبنا الشاعر القديم حين فضل ~~الأستاذ على الوالد. # إننا أمام حقبة لا بد من تدوين كلمة شاهد رأى معاركها وخاض غبارها؛ فشبلي زعيم من ~~المحاربين القدماء عركه النضال عرك الرحى بثفالها، هو سيف غساني ms175 لا عيب فيه غير أن به ~~فلولا من قراع الكتائب، ناطح وساور في مجال الأدب والسياسة، وأظنه لم يلق سيفه ~~وترسه بعد، ما زال على شيخوخته في عرنينه شمم منتصب كبرج لبنان الناظر إلى دمشق، لا يحبو ~~إلى الثمانين كما عبر القدماء، بل يقفز ويجمز نحوها غير منحن تحت أثقالها، سبقت ساعته ~~ساعة سواه خمس دقائق فأحرز في زمانه لقب الشاعر العصري، فكان في ديوان العرب - فترة من ~~الزمن - كثبير امرئ القيس: «كبير أناس في بجاد مزمل». # إذا عتق شبلي اليوم في نظر الجيل الطالع، فهذه سنة الوجود، ولنحمد الله على أمرين، ~~على أن لنا جديدا وعتيقا، والمثل يقول: احفظ عتيقك فجديدك لا يبقى لك. # لست تأمن غضب شبلي، فرب كلمة تخرج من فمك، وأنت لا تقيم لها وزنا، ترجح كفة ميزان ~~غضبه وتقوم القيامة، يقعنسس ويشمخر ، ولكنها عاصفة تمر، وقيد شوك وبلان ترتفع ألسنة لهيبه ~~حتى تلاقي السقف، ثم تهمد النار وتخمد، فإذا خفت غضبه فلا تيأس من رضاه القريب ~~جدا. # شبلي تاريخ حقبة لبنانية، وليس يستطاع تأريخ حقبة في مثل هذا المقام، ولكن لا بد مما ~~يقال، أو لا بد مما له علاقة بشعر الرجل وأدبه، فالمعركة الأدبية التي نشبت حوله في فجر ~~هذا القرن أشبه بمعركة قروم القرن التاسع عشر: الشدياق وأعوانه، واليازجي وأنصاره. وإذا ~~كانت هذه المعركة محلية ودون هاتيك ديمومة وحدة، فقد انجلت عن غنائم أدبية وكانت لنا ~~مدرسة ثانية. # كنت يومئذ في مدرسة الحكمة، وكان يوم أحد، فدعانا أستاذنا الملاط ليمرننا على تمثيل ~~روايته «الذخيرة»، فغادرنا قاعة الدرس مبتهجين؛ لأننا استرحنا من رؤية وجه الراعي ~~الحامض، وما توسطنا «الليوان» حتى رأينا النمر غضبان، ورأينا الأستاذ بشارة عبد الله ~~الخوري يصفر ويخضر، والشيخ إبراهيم المنذر يشير بيديه وعلى فمه ابتسامة حائرة، وهتف ~~الملاط بنا: امشوا. ومشى ومشينا، وراح المنذر وبشارة الخوري، وكانت دقيقة لها ما بعدها ~~في تاريخ نهضتنا. # تجمع ثلاثة على شبلي: المنذر، وبولس زين، ويوسف مراد، وكل واحد من هؤلاء عارف بأسرار ~~اللغة، ms176 وإن لم تكن له شاعرية شبلي وترسله، فراحوا ينتقدونه لغويا، على طريقة الشيخ ~~إبراهيم اليازجي في لغة الجرائد؛ ابتدءوا بمسرحيته «الفرد الكبير»، فوقعوا فيها على ~~أخطاء كثيرة، فكان لنا من مطالعة نقدهم فوائد جمة. # قد تقول وما علاقة بولس زين؟ وكيف دخل في القضية «شخص ثالث»؟ # كان بولس زين محاميا، وكان تامر الملاط شقيق شبلي قاضيا في كسروان، فكان إذا جاء ~~زين ليرافع، ومن عادته التطويل الممل، ضاق به صدر الملاط، وكان ضيقا بلا سبب، وأسكته ~~بهذه العبارة: صه يا رجل. # ودارت الأيام دورتها، فعزل مظفر باشا تامر الملاط، وعين بولس زين قاضيا لمحاكمته، ~~فكان إذا حاول تامر أن يتكلم أسكته زين بقوله: صه يا رجل ... أي اسكت أبدا. # هذا ما حمل بولس زين على المساهمة في نقد أستاذنا، وانفتح لهم صدر جريدة لبنان ~~لإبراهيم الأسود عدو بيت الملاط، كان الأسود مقربا من مظفر باشا متصرف لبنان، وإليه ~~يعزى تعيين بولس زين قاضيا، وهكذا اتفقت الأغراض وكانت تلك المعركة، ولكن النقد ينفع ~~ولا يضر، ولو كان من العدو، أما قال الشاعر: # عداتي لهم فضل علي ومنة # فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا # هم كشفوا عن زلتي فاجتنبتها # وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا # فكما تتعلم كيف يكون الدينار الزيف حين يعيده إليك الصيرفي، كذلك يفيدك نقد الكلام، ~~فلا تلعن أبا الناقد ولا تحرق دينه، فليس للناقد دين ولا مركع. # قد يقال: نراك استعجلت هذه المرة، فمن عادتك أن تبقي الكتب عندك شهورا وأحيانا سنة ~~وأكثر. قلت: وهناك سبب آخر غير الذي تقدم ذكره، وهو أنني أعرف أكثر شعر الملاط على ~~غزارته وكثرته، فاللهم زد وبارك. هذا هو الجزء الثاني منه المتضمن الألوف من الأبيات، ~~وهو لو جعله دواوين لكان له بضعة عشر ديوانا من طراز دواوين هذا الزمان. إن هذا ~~الديوان الضخم الفخم لأشبه بفساطين وسراويل السيدات القديمة، التي لو فصلت قصيرة مزمكة ~~لكسا الفسطان الواحد منها بضع نساء، ولكن أستاذنا أراد تعبئة أكبر كمية ممكنة في عدل ~~واحد. # لقد أساء أستاذنا إلى ms177 نفسه العتيدة في تاريخ الأدب، فسوف يقال - بعد العمر الطويل - ~~له ثلاث مسرحيات، ورواية مترجمة، وديوان شعر ضخم. # فلو فصلنا ديوانه - فسطان الملكة فكتوريا - على الطراز الدارج اليوم لكان لنا منه على ~~الأقل عشرة دواوين، كل واحد منها قائم برأسه وفيه وحدة، فالقصائد التي عنوانها وقفاتي ~~في بلاد العرب، ديوان كبير لو صفف على طريقة علب الشوكولاطا، أي في كل صفحة بيتان ~~ثلاثة، وقصائده القصصية ديوان آخر لا يقل عنه حجما، ويهوديت مسرحية شعرية تعبئ كتابا، ~~وغزله ديوان، واجتماعياته ديوان. # لقد ظلم الأستاذ نفسه؛ لأنه لم يرتب مخزنه الكبير على طريقة ال «أ، ب، ت»، بل كوم هذا ~~الشعر فكان لنا منه بيدر كثير الغلة، فإذا سقط منه تحت الغربال مقدار تبقى مقادير تملأ ~~بهوا لا ديوانا. # فيا معلمي العزيز، إذا عجزنا عن إقامة يوبيلك الذهبي، فديوانك هذا يقيم لك الآن، وفي ~~كل أوان، يوبيلا ألماسيا، إن فيه منه ما يقاس بالدرهم لا بالقيراط. # ولا يتوهمن أحد أن ما قلته يعفيك من النقد، فالناس لا ينقدون إلا الذهب، أما النحاس ~~فمن يقيم له وزنا. أنت تراثنا الغالي والموعد الغد، ومعاذ الله أن يلقيك العقوق من ~~البنين، فعلى كبر سني - «وشيبي بحمد الله غير وقار»، كما قال أبو نواس - ما زلت أسعد ~~وأعتز يوم أراك، وأبوس يدك الطاهرة كلما التقينا. # ولكن كل هذا الحب والإجلال لا يغل قلمي ولا يشل فكري أمام مهابتك. # ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها # كفى المرء نبلا أن تعد معايبه # جاء في رسائل رسول الأمم: على فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كلمة. وفي عنق هذا الديوان ~~الأغر تميمتان نفث في عقدهما شاعران قارحان: شكيب أرسلان وخليل مطران، فديوان الملاط ~~إذن أصيل مطهم، حجته برقبته كما يقول الفرسان. # ولكن هل تحول هذه التعويذة دون قول كلمتنا فيه؟ لا، وما دمنا لم نقف بعد على حقيقة ~~الجمال ولم نعلم إذا كان موجودا في نفس الناظر أم في نفس المنظور، فالمجال أمامنا ~~واسع؛ ولذلك قال الأولون: لولا اختلاف النظر ms178 ما نفقت السلعات. # ما هذه أول مرة أتجاسر فيها وأدخل قبة العهد وقدس الأقداس، ففي «على المحك» و«مجددون ~~ومجترون» و«دمقس وأرجوان» كلام عن شاعر الأرز، وإني لأخشى أن أكرر ما قلت حين أتحدث عن ~~هذا الجزء من ديوان شاعرنا الكبير شبلي بك ملاط، فالملاط مثل لبنان في الأقطار ~~الشقيقة أمثل تمثيل، فكان كما قال الفرزدق في المرحومين جدوده: «برزوا كأنهم الجبال ~~المثل»، إن شبلي نموذج لبناني قح، ففي عتوه وشموخه مثال صادق للجبل الأشم، وكأنه قد أحس ~~ذلك في أعماق نفسه فقال: # أنا فلذة صخرية مقطوعة # من ذلك الجبل الأشم الراقي # أنا جذع لبنان القديم فما ذوى # ورقي ولا لوت الشدائد ساقي # أشهد أنك لست تقول معي - إن رأيته والنفس خضرا - إنه في الثمانين ربيعا. # وفي مكان آخر، بعدما حمد فخامة الرئيس وأثنى عليه، راح يطرح الصوت ويعرض رمحه ~~هاتفا: # قل للألى شادوا المطار بخلدة # أنا قبلهم بالأرز كان مطاري # لا قمة لا أيكة إلا على # شجراتها غنى وطار هزاري # ولئن شملت ولاية شوقي الشرق كله حين قال: «كان شعري الغناء في فرح الشرق» ... إلخ، فشبلي ~~أراد أن يحصر إمارته في هذا الجبل مع مراعاة العلاقات الطيبة وحسن الجوار، لم يشأ أن ~~تتسع رقعة ملكه، فما خسر ولا ضعف قريضه؛ لأنه ما تكلف ولا طمع، والطمع قلما نفع. # والآن فلنقل كلمة عامة في شعر أستاذنا الجليل: في شاعرنا كثير من ملامح البحتري، فهو ~~مثله لا يفصل الكلام على قد المعنى، بل يدع معانيه تخرج من نظامه؛ بحتري في ألفاظه ~~السهلة المنتقاة، بحتري في تقطيع أبياته أجزاء متساوية، فكأن كل قافية من قوافيه «قرار» ~~العواد، حين ينطح برأسه اللاشيء وتجهز ريشته على النغم، فتصعد روحه وتتعالى ~~الآهات. # في شعر شبلي سرعة النهر المنحدر، أما على المنبر فهو مكر مفر، ينصب وينقض كجلمود صخره ~~حطه السيل من عل، لا يترك لك شبلي مجالا متى أنشد، فأنت مسير لا مخير، تجرفك «حامولة» ~~النهر فقد تصفق للاشيء، ومع ذلك تصفق بشدة تشبه الهوس. # وإذا ms179 عدت إلى ذلك الشعر الذي أرقصك وأسكرك إنشاد قائله، شككت في بعضه، وعجبت لضعيف ~~شعر شبلي الذي يغلب قوي غيره في الميدان، إن هذا هو الذي يدلك على أن الشعر موسيقى، ~~ويجلو لك سر قول العرب: أنشد فلان قصيدة. # وشعر شبلي قليل الظلال كثير الأنوار، ترتاح العين حين تقع على صوره، ولكنها قلما ~~تكتشف فيه شيئا فيما بعد، وهذا ما يجعل صوره على قلتها باهتة، فإذا أردت مثلا للشعر ~~المطبوع في هذا الزمان، فاقرأ شعر شبلي. ليس شبلي من الشعراء المحككين المتصنعين، فبنات ~~أفكاره لا يعرفن البودرة والحمرة والمانيكير، هن أشبه بظباء فلاة المتنبي، أما خاصته ~~المثلى فهي تلك السهولة النادرة الوجود، ولكني لا أحمدها كثيرا متى جمعت كل ~~موزون. # إن هذه السهولة محمودة جدا في شعره القصصي، فهو لو فكر في نظم ملحمة لما سبقه شاعر ~~من الناطقين بالضاد. إنه ومعروف الرصافي خير من قص، فشبلي هين لين، ضرب برأسه ورفس ~~برجليه عمود الشعر منذ خمسين عاما، أما الرصافي فشديد الأسر وما تنكب عن طريق السلف ~~المعبدة. # إن عبد الله البستاني معلم شكيب أرسلان والملاط ووديع عقل وأمين تقي الدين وغيرهم من ~~شعراء الطراز الأول - المخضرمين - كان أول من نقد الحبة أمام تلاميذه، وعلمهم ذلك كما ~~تعلم الدجاجة فراخها. نظم المعلم عبد الله حكاية شعرية عنوانها «الفرصاد» ~~ومطلعها: # وذات صيانة عقدت يمينا # على حب امرئ عقدا متينا # فاقتدى به تلميذه شبلي ونظم أقاصيصه الشعرية التي أولها: # طفلة فوق سرير من خشب # في زوايا بيت صياد قديم # وهنا أريد أن أسأل معلمي: كيف راح ذاك الشطر الذي حفظته منذ نصف قرن هتفوا طوبى لثدي ~~أرضعك؟! أخفت يا أستاذي من الخليل وسيبويه؟ أم نهاك «معلم ذمتك» فحذفته، وهو تلك الماسة ~~الرائعة! # لقد جليت في أغراض الشاعر الكثيرة ولكنك كنت الشاعر الأوحد في القصص، فقريحتك السيالة - ~~وهي أقوى من خيالك - هي التي سيرتك في هذه الطريق. # وإذا قرأنا مقدمة هذا الديوان الضخم، رأينا الشاعر العظيم يتأسف في «الصفحة 24» على ~~ضياع ترجمته لقصيدة ms180 بحيرة لامرتين، حتى إذا بلغ «الصفحة 497» نشرها برمتها ونسي ما قال. ~~فعلى كل، الحمد لله على السلامة، ضاعت ولقيناها. إنها قصيدة موفقة يؤسف عليها، وكم كنت ~~أتمنى أن يضيع غيرها من ديوان أستاذي، ما أعني إلا بعض شعر المناسبات الذي هو أشبه ~~بالحكي منه بالشعر، رحم الله أبا تمام الذي قال: «موقف الشاعر من شعره موقف الأب من ~~بنيه، فهو لا يتمنى هلاك أحد منهم.» # وبعد، فقلما خلا ديوان شاعر من الشعر المتخلف عن رفاقه، أما قال فيكتور هيغو - الترجمة ~~لحافظ إبراهيم: # أنا كالمنجم تبر وحصى # فاطرحوا تربي وصونوا ذهبي # فلنصن ذهب الأستاذ، وأما التراب فإلى التراب يعود. # إن لشاعرنا أسوة بالشعراء الكبار، أما قالوا قبلنا: إن رذل المتنبي ليس تحته تحت. ومع ~~ذلك سمعناه يقول: # وما الدهر إلا من رواة قصائدي # إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا # ومثله قال الملاط: # من كل قافية ترن كأنها # أوتار عود في بنان الموصلي # يغضي جرير والفرزدق دونها # ويذوب من حسد فؤاد الأخطل # طبعا يريد أستاذنا أخطل الأمس لا غيره. # وقد عجبت لأستاذي وقد كان مديرا في إهدن، كيف يقول دير مار قزحيا، وقزحيا اسم المكان ~~لا القديس، إن هذا القديس اختصاصي بإخراج الشياطين وطردها، وأظنه طرد شيطان شبلي فقال ~~فيه تلك الأبيات الباردة. أظن أن موقف الشاعر من الدير ورئيسه قد كان كموقف بشار من ~~«ربابة ربة البيت» ... احتفى قدس رئيس دير قزحيا بالقايمقام شبلي فقال فيه ما قال ... «فظن ~~خيرا ولا تسأل عن الخبر». # وقف شاعر الأرز أمام أروع منظر لبناني؛ النهر تحت قدميه، والجبال تحدق به وتحدق إليه ~~بأعين كهوفها، والقمم منتصبة كالجبابرة لتحمي ذلك المعقل الحصين، ومع ذلك لم يقل شاعرنا ~~شيئا، ما شغل باله إلا معجزات «مار قزحيا»، وترميم - المحترم - السر علي للدير ~~... # وهنا جاءتني كلمة أكره رجعتها خائبة، ألا وهي أن معلمي شاعر بشر أكثر منه شاعر طبيعة، ~~فما ألهمته هذه إلا كلاما عاديا، وإني أعزو ذلك إلى نشأته الأولى، قد درج وشب في زمن ~~كان الشعر ms181 فيه يقال في الناس فقط، وما شعره القصصي الذي فاق فيه معاصريه إلا من ذاك، ~~وإن لم يكن هو هو، ولكنه يجيد حين يعرض لوصف مشهد اقتضته القصة أن يصفه، مثل وصف البحر ~~مثلا، في الجمال والكبرياء، والعجيب فيه أنه إذا شرع يقص يخلص شعره من تلك الزنمات ~~التي تتعلق به في أغراضه الأخرى فتشوه محاسنه. # وبكلمة مختصرة وأخيرة أراني مضطرا إلى أن أقول، وآمل أن لا أغضب الملاط كما أغضبت ~~الفياض من قبل: إن شعره أشبه بحقل من الزهور المختلفة، الوردة حد القويسة، والأقحوان حد ~~بخور مريم، وشقائق النعمان بين الأعشاب المختلفة، واللزان بجوار القندول، ولكليهما زهر ~~وعطر وجمال. # إنك لتظفر من كل قصيدة من قصائده الطوال - وهي كثيرة - بما يظفر به المؤمن من الحقل ~~يوم الجمعة العظيمة، فيعود حاملا إلى يسوع، عريس الأحلام والآلام، بإضمامة زهر طريفة، ~~وإكليل شوك إذا شاء. # بارك الله في عمر معلمي، وحسبي رضاه. ~~(2) جعبة الصياد # في جعبة سعيد فريحة سهام ولكنها أخف من ريش النعام، وصاحبها صياد أي صياد، ولست أرى ~~من صوره على جلدة كتابه في تلك الانحناءة العميقة إلا ظالما له، فهو لا يحتاج إلى ~~مثلها إلا في صيد الفيلة والتماسيح، أما ضرباته الأخرى فيرسلها على الهينة ومن تحت ~~إبطه. # لقد سئمنا المقلدين ومومياءاتهم، بل تلك الأحذية الجاهزة، كانوا يقولون فيما مضى: ~~فلان شاعر مطبوع، وهم يريدون أنه يقول الشعر عفو طبعه، إن هذه الكلمة تصح في سعيد الذي ~~يعترف أن الأستاذ كنيدر، صاحب جريدة التقدم الحلبية، هو من علمه كتابة التاء وغيرها، ~~فغير قليل أن تؤدي تلك البداية إلى هذه النهاية، ويصير سعيد فريحة كاتبا نسيج وحده؛ أي ~~صاحب أسلوب هين لين، يفهمه العامي ويرضى عنه الفصيح المتنطع، قد يكون سعيد كشمشون الذي ~~لم يمر على رأسه موسى؛ أي لم يعل رأسه سقف مدرسة ولا غصن سنديانة، ومع ذلك فاق الكثيرين ~~ممن تتلمذوا للأئمة، وقتلوا الكتب الصفراء درسا حتى اصفرت وجوههم فوجوه قرائهم. # أقول هذا بعد مطالعتي لكتابه «جعبة الصياد»، ms182 التي أخرجتها دار المعارف المصرية مطرزة ~~مدبجة، كتلك الجعاب التي كانت تنسجها عذارى لبنان لمن تيمهن من الشباب السمر وفتنهن كما ~~فتن قلم سعيد قراءه، إن قلم سعيد لا يؤلم ولو نفذ إلى الصميم، وضربته الخاطفة لا توجع ~~لأنه لا يثني، وكل من يذوقون طعمها لا يستثقلون تلك اليد التي تسددها. # أطلت جعبة الصياد على ديوان الأدب وعليها تعويذتان، وفي تعبيرنا اللبناني خرزتا ~~عين. # المقدمة للشيخ خليل تقي الدين، والختام للدكتور سهيل إدريس، أما الذي عندي فهو أن ~~سعيد فريحة «حاف» غني عن التعريف؛ لأن قراءه لا يعدون ولا يحصون، ما أظن أن هذا الجواد ~~الأصيل كان يحتاج إلى هذه الناصية وذلك الذيل، لولا دخوله جديدا إلى كاتدرائية الأدب ~~الأرستقراطي، بينما هو ما اعتاد الجلوس إلا في قرنة كنيسة قروية. # لا أرانا محتاجين إلى ذاكرة سيبويه والفراء والخليل وابن منظور حين نقرظ أو ننتقد ~~جعبة سعيد فريحة، فما فيها غير ألفاظ لبنانية فصيحة عامية، ولو لم يقل الدكتور إدريس في ~~هداب الجعبة ما يلي: «لست أرى في جعبة الصياد سيئات لسببين: أولهما أن صاحبه وكل إلي ~~أن أزيل منه السيئات قبل دفعه للطبع، فلا يعقل أن أبقي على شيء منها» لما خطر لي أن ~~أقول فيها شيئا. # أجل إن الاختيار جيد، والغربال غير واسع العينات، وكل ما يقصه الأستاذ فريحة - خالعا ~~عليه طيلسان ظرفه وبرنس أنسه - جميل، وطيب، وحلو يؤكل بالعيون، ولكن إلى الصديق الأديب ~~المرتجى الدكتور إدريس أقول: كنت تقيد ألفاظا فصيحة عامية بين خطين، وكنت تترك ألفاظا ~~عامية تسرح وتمرح، فحرت في الأمر ولم أفهم السر، وهناك شيء آخر كثيرا ما وجدته مثل: ~~قلت: لم لا، ثم بعد أسطر في آخر الصفحة تأتي هذه العبارة: بتسلم عليك خالتي، ~~وبتترجاك، فإذا كانت هذه من كلام الولد، فليست «لم» من كلام سعيد. # وقال سعيد في مقدمته: «أما إذا وجدت فيه ما يستحق الهجاء فأرجو أن تخص به الدكتور ~~إدريس وحده؛ لأنه هو صاحب الغربال»، وأنا بناء على هذا التوجيه أسأل ms183 الدكتور عن كلمة ~~واحدة فقط، وهي «أهل» في هذه العبارة: لا أدري أهل كانت لي وحدي، أم كانت موزعة ... إلخ، ~~ترى ألا يرى معي الدكتور سهيل أن كلمة أهل لا هي من كلام سعيد ولا من كلام الجدود رحمهم ~~الله؛ لأن أداة الاستفهام لا تدخل على أداة استفهام، ومن يأكل خبزا بكعك! # وبعد فما لنا ولهذه التوافه، فليس سعيد نحويا يلوك لسانه ولا من علماء البلاغة ~~واللغة، فما أيسر وجود هؤلاء، فأينما أجلت يدك تقبض على نواصي من يعرفون هذا على حقه، ~~ولكن ليس من السهل أن تجد سعيد فريحة آخر يسد ما سد من فراغ. # عبثا نتعب في تكوين رأي جديد في هذا الجني، فالرأي مكون، فلا النقد يجدي ولا التقريظ ~~يزيده، فكل صورة من تلك التي يوحي بها ذهنه وتخرجها مجلته تغني عن أبلغ الأقوال ~~وأثقبها. # فكلنا معجبون بظرفه في فني الكتابة وإيحاء الصور والتزاويق البليغة، فالرجل كذا خلق ~~ولا حيلة لنا فيما خلق الله، حقا إن الله كريم. # قرأت الجعبة كلها ولم أخرم منها حرفا، بل كببتها كما كب عبد الملك بن مروان كنانته، ~~ووجد الحجاج أصلبها عودا وأشدها مكسرا، وقد أعجبتني جدا غمزاته ولمزاته في سياحة ~~إنكلترا، ذكرني بكشف المخبأ، فأخونا سعيد وشيخنا الشدياق تشغل رأسهما المرأة دائما، ~~وكما تذكر الشدياق الطبيخ في لندن كذلك فعل أخونا سعيد، ومن يقول بعد هذا، أن ليس في ~~الدنيا توارد خواطر! فكلاهما مشغولان بالبطن وما يليه. # التهكم والالتفاتات العابرة، والاستطرادات والقرصات الموجعة، هي زينة كتابة صاحب ~~الصياد، فهنيئا له ولقرائه بها، رأيت سعيدا أو سهيلا يسمي مقال «آخر العنقود» قصة. ~~إنها قصة ولكن أروع قصة فنية في الجعبة هي «ليلة الميلاد»، فمتى حذفنا من ختامها بضعة ~~أسطر صارت في طليعة أقاصيصنا الحديثة، فسعيد قصصي طبعا ويتفوق في الحوار، أما سلاح هذا ~~القنفذ الفني فهو تلك التعابير الخاصة التي يلقنه إياها شيطانه المريد. # كل شيء في الجعبة لذ لي إلا فصل القمار، والمرء عدو ما جهل، إني لا أفهم الألفاظ ms184 ~~التكتيكية، ولا أعرف المحيط لأتصوره، بل ما رأيت اللعب قط، والحمد لله. كنت أسر حين ~~أفهم، أما حين أصطدم باللون المحلي، فكان يقصر حماري في العقبة، قد كنت أحدث نفسي ~~بالصعود إلى السماء كإيليا، ولكني بعد ما قرأت وصف سعيد لأهوال الطيران ورعباته طلقت ~~الفكرة ثلاثا، وترحمت على بديع الزمان الذي قال بلسان بشر عوانة يخاطب حصانه: # أنل قدمي ظهر الأرض إني # رأيت الأرض أثبت منك ظهرا # ما حسدت سعيدا على شيء مما ظفر به من صيد غزالات وحمام ويمام ... ولكني حسدته على ~~رفقته لتلميذي الطاهر الأستاذ إميل البستاني الذي شهدت فجر نهاره، ولم أمتع قط بضحاه ~~وظهره الرائعين، كنت أسمي إميل الزئبق؛ لأنه لم يكن يستقر قط، وإميل من نوابغ تلاميذي ~~ويزيد عليهم أنه كان حركة دائمة، وهذه الحركة كانت تبشرني بالنجاح والفلاح، كما كانت ~~تتعبني أحيانا، كان - وفقه الله - عرق «الجمعيات» النابض كما هو اليوم وريد المعارضة، ~~وسبحان من يغير ولا يتغير. # وبعد فلنعد إلى سعيد، إن سعيد فريحة سيبقى بين كتاب الظرف والنكتة الخاصة بصاحبها دون ~~غيره، وهذا يكفيه، ولو وزعنا ظرفه على عشرات من ثقلاء الأقلام لأنعشتها روحه، وما ضره ~~أن يكون حظه من الفصحى كحظه من «محاسن» بطلة «آخر العنقود». ~~(3) معجم العلايلي # أعرني طرف زرقاء اليمامة # لأبصر ما ورا تلك العمامة # حقا إن وراء عمامة الشيخ عبد الله العلايلي لعلما جما وتفكيرا فذا يوغل صاحبه ~~في الغابات البكر، ليكتشف الكنوز المرصودة في المجاهل، لقد حطم الشيخ عبد الله العلايلي ~~ذرة الكلمة وأرانا القوى الكامنة في الحروف، وأي شيء في الكون أقوى من الكلمة التي قالت ~~العوام فيها: من وطا كلمة وطا جبلا. # وقد قال أحد الإنجيليين أيضا: في البدء كان الكلمة، إذ لم يجدوا له نعتا أقوى من ~~هذا النعت. # فبعد أن كانت كلماتنا مبعثرة لا تدل على شيء، وتدل على كل شيء، جاء هذا العلامة وخص ~~كل لفظة بما تدل عليه، وهكذا صار عندنا معجم، كمعاجم أمم الأرض منظما منسقا، كان ~~معجمنا كدكاكين السمانة ms185 والعطارين، الأكياس مكدسة: السكر حد الكبريت، والرز إلى جانب ~~الشعير وو ... أما اليوم فقد أصبح لكل مادة عندنا مكان، كنا نقرأ مثلا في المعاجم: شقي ~~ضد سعد، حتى إذا ما رحنا نفتش عن معنى سعد رأيناه هكذا: سعد ضد شقي، وفسر الماء بعد ~~الجهد بالماء. # أجل فجر العلايلي الذرة اللغوية ولم يكلفنا معمله قرشا واحدا، حمل على عاتقه أثقل ~~الأعباء حين هدم صروح المعاجم ليشيدها من جديد بحجارة فيها النحت والقلب والإبدال، ~~فجاءت خدمته من أجل الخدمات وأسناها؛ لأن اللغة هي العروة الوثقى. # عشرين عاما قضاها هذا العلامة الأكبر معتكفا في بيته: سميره كتابه، ونديمه قلمه، ~~يفكر ويدون ويستنبط وأجرته أجره، لم يطلب معونة أحد غير ربه وعقله - عفوا نسينا سعيد ~~عقل المنوه به في مقدمة المعجم - حتى إذا ما فرغ من التفتيش عاد إلى الوضع، والعلماء ~~يترقبون انبثاق هذا المعين، فأطلت علينا هذه الدفقة من ذلك الينبوع الغزير فمحت وصمة ~~دمغنا بها ابن منظور، حين كتب معجمه لسان العرب وقال لنا: خذوا لغتكم من أعجمي. # والآن يحق لعلامتنا الشيخ عبد الله العلايلي أن يخاطب أمته قائلا: خذي لغتك وأرقى ~~لغات المسكونة في كتاب واحد. # وليس على الله بمستكبر # أن يجمع العالم في واحد # منذ قرن بالضبط ظهر «سر الليال» لأحمد فارس الشدياق فأحدث انقلابا كبيرا في مفهوم ~~لغة الضاد، فهلل الناطقون بها لعلمه الجبار، وكأن الله جلت حكمته وقدرته، لا ينسانا ~~فيجود علينا في كل قرن برجل وها هو ذاك الرجل. # فحين يتحدث الدارسون غدا عن الاكتشافات اللغوية في القرن العشرين، سوف لا يذكرون ~~المجامع وجهودها و«اجتهاداتها» التي نجلها ونقدرها، بل يذكرون عبد الله العلايلي الذي ~~عمل منفردا ما لم يعمله العلماء مجتمعين. # وإن عدت رجال العلم يوما # فهذا واحد بمقام ألف # قلت يا إمام اللغة المعاصر، إنك أشبهت الشدياق، وكيف لا تشبهه وأنت من طرازه جسما ~~وعقلا وبادرة! فأنت تريد أن تطلق لفظة الأراضة على علم الجيولوجيا، وتقول إن الإبزيم ~~عربية من بزم، والشدياق قال: إن الكنيسة عربية ms186 مأخوذة من الكناس حيث تختبئ الغزالة، ~~وكذلك كان النصارى في أول عهدهم يختبئون في الكهوف من وجه مضطهديهم. # إنه ليسر لغة العرب أن يخلق لها في كل عصر أحمد فارس جديد، وكما أوضح العلايلي الوحدة ~~المعنوية في كل جذر، كذلك حاول الشدياق أن يخص كل حرف من حروف الألفباء بمعنى عام لا ~~يحيد عنه إلا نادرا، والثنائية التي كثر الكلام عليها اليوم، واتجهت الأبصار نحوها قد ~~نشأت في ظل ذاك الدماغ الجبار. # والآن يقوم عندنا رجل يعمل موسوعة يحتاج إليها كل ناطق بالضاد من أصيل ومستعرب، ففي ~~هذه الموسوعة موسوعة العلايلي: اللغة وفقهها، والعلم وتحديداته ومسمياته، والفلسفة ~~والتاريخ، وإذا قال العلايلي إنه يفضل شرح غوامض تاريخ الأمة بكلامها فهو على حق، ~~فالكلمة لم تخلق إلا لموجود يعرف بها، كما يخلق الاسم للطفل الجديد. # الكلمة كائن حي خالد؛ لأنها تبقى حية بعد الحي لتدل على أنه وجد، وما وجدت إلا لتصور ~~كائنا حقيقيا أو ترهيا، كما عبر الشيخ عن الميثولوجيا. # كنا نشكو من معاجمنا خلطها الحقيقة بالمجاز، فجاء من نظم ورتب وكلف الكلمة جهدها، ~~وبعد ما كانت اللفظة «مشاعا» حددت ملكيتها، فجاء معجمه موسوعة حقا لا ينقصها إلا ~~الأعلام، ولعله يخصها بجزء فيكون كتابه معجم القرن العشرين. # فحسبك منه أنه ذكر الإبركسيس أو الإبركساس، وسيذكر - إن شاء الله - في الأجزاء ~~الآتية: النافور، والشحيمة، والجليان، والسنكسار، والريش قريان، والزياح والجناز، ~~وغيرها وغيرها، فيسهل فهمي أنا، خاصة على القارئ العربي في كل قطر، ويعرف كل جار منا ما ~~عند جاره. # قلت إن هذه الموسوعة رحيبة الجوانب ضمت القديم والحديث وشبهتها بالمخزن، ولعلي ظلمتها ~~في ذلك التشبيه الضيق، فهي أصبح تشبيها بالفبارك العظمى مثل معمل سانت إتيان مثلا ~~الذي تجد فيه كل حوائجك. # ليس المجال الآن مجال مناقشة ولكنه لا بد من الإشارة إلى شيء، وهو أن الشيخ - متع ~~الله العربية بطول بقائه - قد تمادى في الخلق حتى شاء أن يضع ألفاظا عربية موضع ألفاظ ~~صقلتها الألسنة واستعملتها الأقلام، فمن يستعمل مثلا كلمة الأجيلة ms187 بدلا من الكمبيالة ~~أو السند؟ والأبادية للسريالية، والمصفق للبورصة، والترهية للأساطير - الميثولوجيا - ~~والنهجية الكلاسيكية، والأجد للباتون، والأبير للجراح الماهر جدا، ثم ما حاجتنا إلى ~~اشتقاق فعل من أبريل - نيسان - لتقول أبرل أبرلة وأبرولة؛ أي كذبة نيسانية! أظنك اهتممت ~~بها يا شيخنا الكبير؛ لأن كل الأيام عند أكثرنا أول نيسان. # و«الأبريغونية» التي نشكر لك تعريفنا بها وبغيرها من الشئون والشجون الممتعة، ما ~~حاجتنا إلى اشتقاق فعل من لفظتها لنقول: أبرغ؛ أي أخذ بتقاليد أبريغون، إن رهبانياتنا - ~~وأبناؤها من قومنا عرب أقحاح - يعتبون علينا إذا لم نشتق لهم فعلا. # وأقول بلا محاباة: إني أؤثر أن نعرب كما عرب العباسيون، أي أن نفعل كما يفعل المهندس ~~حسين يخطط طريق ضيعة، فهو أول ما يتعرف إلى طريق القدم والحافر، ثم يماشيها ويحورها ~~طبقا لفنه. # إني أؤثر التعريب والنحت، وإن قال علامتنا الشيخ عبد الله إن اللغة العربية لا تبيح ~~النحت «جنوحا وراء ما في طبيعتها من رغبة في التجسيد الكامل». # أليس عند الفرنسيين كلمات بمعنى مسكين ودرويش وبرنس! فلماذا فرنسوها هكذا؟ فلنفعل ~~مثلهم. # كنت أتوقع من الشيخ الذي أجل علمه أكبر إجلال أن ينحو نحوهم في المسميات، وهو قد فعل، ~~ولكنه في أماكن قد أبعد اللفظة عن مدلولها المعاصر، وفتش لها عن اسم في مخلفات جيش ~~المحاربين القدماء. # فأنا أوافقه على «تأصيل» أبرل وأبرغ لو كنا في حاجة إليها، إني أحب جدا أن يقال: ~~تلفن يتلفن تلفنة، بدلا من هتف المتلبسة. # ولكن كيفما دارت بهذه الموسوعة الحال، وكيفما كان حظ بعض ألفاظها من الاستعمال، فقد ~~دلت على فهم لسر اللغة منقطع النظير، وستكون موسوعة الشيخ العلايلي كتاب القرن العشرين ~~في إحياء اللغة العربية ومعرفة أسرارها، إنه عمل تعجز عنه الجبابرة والعمالقة، ولكن ~~الأمثال تصدق دائما: الرجال لا تقاس بالذراع. # فهنيئا لنا وللعلايلي كتابه الذي هو نسيج وحده، وعسى أن يتحرك أحد من رجال هذا ~~العصر، حكومة وشعبا، كما تحرك ذاك الأمير الهندي - لست في مكتبتي لأذكر اسمه - وطبع ~~كتاب سر الليال. ~~(4) حول حديث القصة ms188 # أي لون من ألوان القصة كان أوفى نصيبا من النجاح في البلاد العربية؟ # 1 ~~- إذا كانت تعني بالنجاح الرواج، فروايات زيدان كانت تقرأ منذ عشرات السنين وما زالت ~~تقرأ، أما إذا كنت تقصد الفن فعندنا قصص أنجح منها، وهنا لا بد من القول: إن القصة ~~أنواع، وإن القصة المتمسكة بأذيال الفن لا تروج كثيرا عندنا؛ لأن جمهورنا لا يدرك ذلك ~~المجهود كل الإدراك، تهمه الحكاية والعقدة الغريبة. ~~- في أي البلاد العربية كانت القصة أكثر رواجا؟ ~~- وهل هنالك سوق غير مصر؟ هناك البندر يا أخي محمدا، اكتب على كتابك طبع في مصر تكفل ~~له قراء، وإذا كنت تقصد بأين راجت، أين نشأت، أو أين أقبل على تأليفها، فجوابه: إن ~~القصص الأولى من عمل سليم البستاني وزيدان وصروف وأنطون وغيرهم وغيرهم، أما الأقصوصة ~~فمن عمل جبران ثم أحمد تيمور، وهؤلاء هم رواد القصة والأقصوصة، ثم جاء غيرهم يحذو حذوهم ~~فصار عندنا قصصيون، أنا متفائل لا متشائم، نعم عندنا قصص وأقاصيص وجل من لا عيب فيه ~~وعلا. ~~- هل استكملت القصة العربية كامل شروط القصة الحديثة؟ ~~- هنالك قصصيون كفوا ووفوا، وقبل وبعد فأنا لا أؤمن بالهندازة ليصير القص عليها، دون ~~أن نحيد عنها قيد شعرة، فعلى الفنان أن يخلق هندازته، بشرط أن لا يتعدى المبادئ العامة ~~المتفق عليها، وهذه المبادئ لم تكن لتوضع، لولا أنها نسخة عن الطبيعة، فالشرع - كما ~~تقول المعتزلة - لم يجعل الشيء حسنا بأمره به، فالقصة إذن يجب أن تكون طبيعية، وعندنا ~~قصص كثيرة مستوفاة هذه الشروط، لا أسمي لئلا أنسى أحدا منهم، والأدباء كما تعلم وأعلم ~~يغضبون، فما لنا وسخطهم، أما اعتقاد بعضنا أننا متأخرون جدا فهذا تطرف، نعم لم نبلغ ~~القمة بعد، ولكننا على الأقل صرنا على أكتاف الجبل، وهذا كاف، فالقصة عندنا صغيرة السن، ~~ومع ذلك صارت تشتهى. ~~- هل ترى أن يكون للقصة هدف اجتماعي؟ ~~- وأي عمل فني بلا هدف يا أستاذي، إن القصة الرائعة لا تكون بلا هدف اجتماعي، فهي ~~صورة عن المجتمع، أما الذي لا يصح ms189 فهو أن يكون القصصي واعظا، يجب أن يختفي القصصي وراء ~~شخوصهم ويسيرهم دون أن يرى، لا تنس دون أن يرى، فموقف القصاص من أبطاله كموقف الملقن ~~من الممثل، عليه أن يلقن وعليه أن لا يسمع صوته الناس، وكذلك على القصصي أن يوجه بطله ~~إلى الهدف دون أن يدرك قصده، لئلا يعرقل سير القصة، فعيب مسرحيات شوقي، وروايات فرح ~~أنطون هو أن المؤلفين لا يختفيان وراء أبطالهم، كثيرا ما يقف فرح أنطون ليطرح الصوت ~~ويوبخ الإنسانية، وهذا عيب قصص فرح الأكبر بالنظر للفن، وعيب مسرحيات شوقي هو أنه فكر ~~بالشعر أكثر من تفكيره بالمسرح، كان ينظم ويفكر بعبد الوهاب لا بالمسرح ~~والنظارة. ~~- ما هي الأسباب التي يمكن أن نرجع إليها إهمال الأدب العربي القديم للقصة؟ ~~- الأدب العربي أهمل القصة، ومن قال ذلك؟ الأدب العربي أبو القصة في العالم، فهذا ~~كتاب الأدب المقارن للدكتور بول فان تياجم لا يذكر أدب العرب إلا بسبب ألف ليلة ~~وليلة، ففي ألف ليلة وليلة دخل الأدب العربي في الآداب العالمية واحتل الصدر. # وهذا المتمشرق الإنكليزي جب، عضو المجمع الملكي العربي المصري، هذا الأستاذ المختص ~~بدراسة القصة يقول: إن الغرب لم يعرف القصة قبل اطلاعه على ألف ليلة وليلة، وهذا ~~الأديب العظيم أندره حيد يرى ألف وليلة بمقام التوراة. # الآن ألف ليلة وليلة ليست على نسق القصة اليوم، نقول إن العرب أهملوا القصة؟ هل لي أن ~~أطلب من جد جدي أن يلبس مثلي! وهل إذا لم يلبس مثلي أعده عاريا أو أهمل اللبس، جدي لم ~~يكن من العراة، ولكنه ماشى زمانه ولكل زمان زي. ~~- هل عرف العرب المسرحية، وما هو أثر أحمد شوقي في هذا الميدان؟ ~~- المسرحية، لا، لم يؤلفوا في المسرح، ولو كان لهم مسرح لكان الجاحظ موليرنا في ~~بخلائه، أما شوقي فجزاه الله خيرا، وقد وفى قسطه للمسرح ونام، وعلى الذرية أن تسير ~~بالعمل إلى التمام، شاء أن يكون شاعرا جامعا فكان. ~~- من هو القصاص الأول في أدبنا الحديث؟ وهل يستحق أن يجلس في صف ms190 القصاص ~~العالميين؟ ~~- هو، هو، زدتها يا شيخ، أنا رجل ميسور أمري أعسر، كما قالت نعم لصاحبها عمر، ولكن ~~بما أن أسهم الدكتور طه حسين في صعود وهو مرشح لجائزة نوبل كما يقولون، وهذا فخر لنا ~~نحن العرب، فلا بأس أن يجلس مع القصصين العالميين، يجب أن نثق بأنفسنا يا أستاذ. ~~- أية قصة عربية تختار لتكون من القصص العالمية؟ ~~- أية قصة عربية اختار لتكون من القصص العالمية، لا جواب على هذا السؤال، بلى كان ~~بوسعي أن أختار واحدة من قصص طه حسين لولا خروجه على قوانين القصة وإعلانه العصيان ~~المدني في «المعذبون في الأرض». # وكما حرم هو المتنبي من الشعر الملحمي لأنه فكر بذاته، فأنا أحتج على قصص طه للسبب ~~عينه. ~~- هل يعتبر طه حسين قصاصا، وما منزلة كتابه الأيام في عالم القصة؟ ~~- معلوم! ألم تسمع ما قلنا، معلوم، معلوم، طه حسين قصاص، وعنصر القص سائد في جميع ما ~~كتب ويكتب معالي الوزير طه حسين، فهو يقص دائما حين يكتب، وإذا لم يكن موضوعه يحتمل ~~القص جرد طه منه ومني ومنك شخصا يقص عليه، لطه حسين دعاء الكروان وشجرة البؤس، قصتان ~~جيدتان، أما كتابه «الأيام» فسيرة حياة أو مذكرات، ولكن عنصر القص سائد فيه وإن لم يكن ~~قصة. ~~- أنت أين تضع نفسك في عالم القصة، وأي قصة تفضل قصصك؟ ~~- آه يا لاللي ... هذا سؤال، أين أضع نفسي؟ من يكون الدفتر بيده ويجعل نفسه من ~~الأشقياء، أسال الناس أين يضعوني، الناس تقرر لا أنا، المسيح سأل حواريه بطرس: من يقول ~~الناس أني أنا. # إن مقدرات صاحب القلم في أحناك الناس يا أستاذ، هم الذين يقررون، اليوم وغدا وفي ~~الدهر العتيد، وسألتني أية قصة أفضل، وهذه العصا من تلك العصية، اسأل نفسك، فكل فتاة ~~بأبيها معجبة. ~~- هل تتوقع مستقبلا زاهرا للقصة العربية؟ ~~- وكيف! القصة عندنا راكضة نحو الكمال الفني، بارك الله في الشباب وفي المطالعة، فلو ~~تجلدوا وقرءوا وتأملوا لعملوا قصصا تعيش، أنا لست متشائما، يزعم غيري أنهم يقلدون ~~قصصي الغرب وهذا لا ms191 يضيرهم، فتولستوي استمد من موباسان وفلوبير، وأنا كارنين بنت عم ~~مدام بوفاري، ولكنها ليست هي، فمستقبل القصة يكون باهرا إذا عمل شبابنا قصصا تستمد ~~عناصرها من محيطهم، فالغرب إذا اطلع على قصة يصح أن تحدث في كل مكان، أو تشبه محيط ~~بلاده، يقول كما قال الصاحب بن عباد: هذه بضاعتنا ردت إلينا. # يخيل للبعض منا أن القصة لا تكون عالمية إذا كانت ذات لون إقليمي، أما أنا فأرى ~~العكس، فالناس هم هم في كل مكان، وهل جرت قصص دوستوفسكي في اليمن! وهل صور بها غير ~~روسيين. ~~- ما هي نصيحتك لكل من يعالج القصة؟ ~~- طلبك نصيحتي لكل من يعالج القصة، معناه نصيحتي للشباب؛ لأن الكبار أكبر من النصيحة، ~~أو بالأحرى الحصان القارح يصعب تطبيعه وترويضه، وعلى كل فنصيحتي لمعالجي القصة: أن ~~يعنوا أولا بالمحيط، فللقصة مسرح يجب أن ينقل القارئ إليه، والقصة الرائعة هي تلك التي ~~تنقلك إلى الساحة التي تحدث فيها. # هذه واحدة، وواحدة ثانية أن يعنوا بأبطالهم ليعرفهم القارئ، بطل الرواية مثلي ومثلك ~~يا أخي محمدا، وقد يحيا عمرا أطول من أعمار أبطال حقيقيين إذا كان خالقه قادرا، لا ~~بد لبطل القصة من بطاقة هوية، والعلامة الفارقة مهمة جدا في الهوية. # وواحدة ثالثة أن ينطق أشخاص القصة بما يمكن أن يحكوه أو يصدر عن مثلهم، وهذا رأي ~~شيخنا الجاحظ. # فالحوار عنصر أساسي في القصة. # وهناك أمر يجب الانتباه إليه وهو أن تكون الحوادث ممكنة الوقوع. # وأخيرا العنصر الشعري في إنشاء القصة، فالقصة محتاجة إليه جدا. # القصة قطعة فنية، ومعظم قصصي العالم شعراء. # إن إقدام المتأدبين على القصة قبل أن تكتمل لهم آلاتها يضيعهم، ليست القصة بالأمر ~~الهين، لا أذكر أين قرأت أن الثلاثين وما دون هو سن الشعر، وما فوق الثلاثين هو زمن ~~القصة، أما وقت المذكرات أو الذكريات فمن الخمسين فصاعدا، ما عدا مذكراتك الطريفة، ~~فأنت مثلي لا تزال تحت الثلاثين طبعا، وإن كتبت مذكرات طريفة. # أكثر منها يا أستاذ ولا تسلني أكثر، فقد عييت وأعييت. ~~(5) سعيد تقي ms192 الدين الدرامائي # افتتح سعيد مقدمة «نخب العدو» بما يلي: إنني أدفع إلى المسرح العربي برائعة يفتخر بها ~~أي درامائي كان، في أي لغة وأي زمان، ولئن دار في خلدك أنه قد تدحرجت من فمي كلمة ادعاء ~~ضخمة، فأنا أدعوك إلى المقابلة، فأت بأية رائعة إفرنجية وقابلها «بنخب العدو» حادثة ~~ومواقف ونكات، وأشخاصا ومفاجآت، وحركة وتضادا، وشبكة فنية وسلاسة، تجد نخب العدو تضاهي ~~أجملهن في كل شيء، وقد تكون دون بعضهن في روعة المأزق، ولكني واثق من أن نهايتها هي ~~أجمل نهاية رواية تعرفها بدون استثناء وعلى الإطلاق. «انتهى التبجح.» # ربما تصدق ما تقرأ، بلى صدق، فما نقلته لك ليس من مخطوطات وعاديات رأس شمرا وحجر ~~رشيد، إنه من كتاب تستطيع أن تتناوله بسهولة، قد يكون سعيد مبالغا فيما كتب، ولكنه ~~قادر على عمل كوكتيل عجيب من الجد والهزل حتى لا تدري إن كان يهزل أو يجد، ولكنه كما ~~قال موليير الذي تبنى سعيد مواقف من مسرحياته: لا هزل بدون حقيقة، فسعيد في أسلوبه ~~وسرده كلاعب السيف والترس - الحكم - رشاقة وخفة يد، وحركة دائمة، فما عليك إلا أن تشد ~~حذاءك جيدا وتشمر وتلحقه. # قد يكون سعيد مبالغا ولكنه خير من ألف مسرحيات ناجحة، بل هو الدرامائي الأول عندنا ~~في هذه الفترة، وإن شئت فكما كتب على قفا غابة الكافور، والكلام للشاعر نزار قباني: # هو إله صغير سقط من شبابيك نجمة متلألئة فشربته أرض لبنان. # لم تدلنا كلمة «صغير» على حجم هذا الإله، وعلى كل فأقل جرم إلهي يكون عظيما جدا ~~بالنسبة إلينا نحن الترابيين، إذن فلأقل «النومن» قبل أن أبدأ عملي. # أؤمن بسعيد تقي الدين، الخالق الضابط الكل ما يرى وما لا يرى ... إلخ، أجل أنا أؤمن ~~بعبقرية سعيد وبمخيلته الوثابة، وبعبارته المصنوعة حديثا، وأؤيد رأيه في نفسه، فهو ~~درامائينا في هذه الفترة، ولو كان عندنا مسرح لكان يجلس سعيد في لوج الشرف وينظر إلى ~~الجماهير من عل ويقول للنظارة: فكروا يا ذبان، افهموا الفن! # وحق ربنا يا سعيد أنا في ms193 هذا جاد لا أمزح، أما إله صغير فهذا كلام هراء، إن «لولا ~~المحامي» التي تزدريها أنت و«نخب العدو» و«حفنة ريح» تحف نادرة، ومع هذا لا بد من ~~النقد، فلنفرض أن هذا العبقري إله لا نصف إله فلا بد له من نقد، فالله جل جلاله انتقد، ~~ولا يزال ينقد، وأول ثورة كانت عليه: # خلقتني من نار ~~وخلقته من طين ~~. # قد يقول القارئ أنت لم تعودنا هذا اللف والدوران، فما بالك اليوم تغير عادتك ولا تقول ~~كلمتك وتمشي؟! فإلى هذا القارئ أقول: يجب قبل كل حساب أن نصفي الحساب، حساب الناقد، ~~فسعيد ليس له عدو على الأرض إلا الناقد، أما في العالم الذي سقط منه إلينا فهذا علمه ~~عند نزار قباني. # نرى سعيد تقي الدين يزدري الناقد ويحتقر ما يقول «فالنقد فن زائف ومهنة طفيلية، النقد ~~يوهم صاحبه - ولو ضمنا - بالتفوق على المنقود، أنا أنقدك، إذا أنا أفضل منك، زد على ~~ذلك أن النقد يضع بين يدي الأديب أو المتأدب موضوعا جاهزا، فلا حاجة إلى حك الرأس ~~والتنقيب عن موضوع، كذلك ليس من إنتاج مهما عظم إلا وفيه نواح ضعيفة يسهل اكتشافها، ~~فتسري نشوة الظفر في عروق الناقد مكتشفها، كذلك التطرف يولد التطرف، والمديح بلا وزن ~~سبب النقد الأعمى.» # ترى من أي وزن هو قول نزار قباني الذي زينت به قفا غابة الكافور؟ # ذاك رأي سعيد في الناقد، كما أثبته في الصفحة الثامنة من نخب العدو، وأما ما في ذيل ~~«حفنة ريح»، فيقول سعيد حين قرأ نقد الدكتور سهيل إدريس لنخب العدو: «شعرت بقربى تربطني ~~بك بعد قراءة نقدك الرائع في جريدة بيروت لنخب العدو، ولو أنه أعطي لي قبل اليوم أن ~~أطلع على مثل هذا النقد لترددت في قول: النقد فن زائف ومهنة طفيلية.» # اسمح لي يا سعيد أن أعود بك إلى البدء، إلى ما قبل الخليقة عندما بدأ الله في تأليف ~~كتابه الأعظم؛ أي تكوين الكون، أما قال: ليكن نور، فكان النور، ورأى أن النور حسن، ومضى ~~في الخلق والتساؤل، ms194 فيرى أن ما خلقه حسن حتى اليوم الأخير، أظن أن هذا التساؤل يدلك كما ~~يدلني على أنه - تعالى - كان ينظر إلى عمله كناقد، حتى إذا ما رآه حسنا راح يتم تأليف ~~كتاب الخلق المؤلف من ستة أقسام، وفي القسم الأخير خلق الإنسان، ولو لم يكن الله جل ~~جلاله ناقدا لما وجه إلى أعماله هذه النظرة. # فالناقد الأول كان الله، وهو في الوقت نفسه المؤلف الأعظم - وإن لم يؤلف مثل نخب ~~العدو! وإنه أطرى عمله كما أطريت أنت مسرحيتك، ولو لم يكن الله ناقدا ملهما لما عرف ~~ولا قال إن ما خلقه حسن. # قلت: إن الناقد يجد موضوعا جاهزا، وأنا أقول لك: نعم، ولكن المواضيع جاهزة كلها، ~~والذكي مثلك من يفصلها ويضعها في واجهة دكانه، ثم يبيعها كأنها «استعمال». # النقد فن يا سعيد ، أما أنت فكبطل صديقك موليير تسب الناقد وأنت ذاك، ففي جميع ~~مسرحياتك: لولا المحامي، ونخب العدو، وحفنة ريح، أنت ناقد وسأريك، أما الفرق ما بيننا ~~فهو أنك تفتش عن بطلك بين الناس، وأنأ أفتش عنه بين الكتب، أظنك قرأت مسرحية موليير ~~«البورجوازي»، استغرب ذاك البورجوازي جدا حين قال له معلم الفلسفة: إن النثر هو ما ~~يحكيه، فقال لمعلمه: إذن أنا أتكلم النثر منذ أربعين عاما دون أن أعرف ذلك، كثر الله ~~خيرك؛ لأنك خبرتني ذلك. # فهل تستغرب أنت أيضا إذا قلت لك: إنك ناقد أدبي، ثم لا تخرج من الجو الأدبي إلا ~~لتكون ناقدا من نوع آخر؟ فأنت إذن ناقد مهما أغرتك أنانيتك وحملتك على ازدراء ~~النقد. # إن الناقد هو الذي يدل الناس على مواهب المؤلف كما سأدل على مواهبك، وأنت ناقد يا بطل ~~موليير، وناقد لا يرحم يتكلم من الأعالي وعلينا أن نضع على وجوهنا برقعا، كما كان يفعل ~~موسى حين يتحدث إلى ربه، وإذا لم تصدقني فراجع نقدك لقصص صديقك الذي اكتشفته، الدكتور ~~سهيل إدريس. لقد تشكيت في مقدمة «نخب العدو» كثرة المديح المتفشي عندنا، وكذلك تألمت من ~~النقد، فحيرتني والله، وأخيرا اهتديت إلى حل لهذه ms195 المعضلة، وهو أن نمدح حيث يجب المدح ~~ونقدح حيث نجد مدخلا ل «الخربر». فلنبدأ عملنا. # المسرح عندنا صغير السن حديث الميلاد، نشأت مسرحياتنا الأولى لا هي عامية ولا هي ~~فصيحة، ثم صارت فصيحة حتى التقعر في أواخر القرن التاسع عشر، شعرية مع عبد الله ~~البستاني، وشعرية نثرية مع أديب إسحاق، وأخيرا مع نجيب الحداد كانت مواضيعها مختلفة ~~ولكنها كلها تمثل الطبقات العليا أو ما أشبهها من حوادث قديمة، إلى أن جاء شوقي ونظمها ~~شعرا رائعا في مواضيع تاريخية أدبية، ونهض فرح أنطون بالمسرحية فجعلها شعبية استقى ~~مواضيعها من الحياة العامة، وقفز سعيد تقي الدين من مقعد المدرسة إلى المسرح وهو ~~العتليت بلغته، والعتعيت بلغتنا العامية، فكانت قفزة موفقة جدا، وحسبك الدليل على هذا ~~التوفيق أن يسمع مؤلفها سعيد، في مخزن أمين أبي ياغي كلمة: أهلا بالنابغة، من أمين ~~الريحاني، فنام سعيد على إكليل الغار منذ عام 1924 ولم يستيقظ من تلك النومة الذهيبة ~~الأحلام إلا في جزائر الفيليبين الشرق الأقصى عام 1937، وليسمح لي أن أحرف ما قال: ناخ ~~نوخة جمل، وقام قومة سبع، فمسرحيتنا طليانية فرنسية مع أبي المرسح اللبناني مارون ~~النقاش، وفرنسية إنكليزية مع الذين جاءوا بعده. # كانت تعتمد أولا على البيان الاصطناعي؛ لأن الذين ترجموا أو ألفوا في هذا الفن كانوا ~~يكتبونها للقارئ ولا يفكرون بالمسرح؛ ولذلك جاءت شخوصهم جامدة لا تدل على أنها بشر تحيا ~~وتتكلم كما تحيا وتتكلم، وتروح وتجيء وتجيء وتروح، كان مؤلفوها متزمتين حتى لا ترى على ~~المسرح وجها ضاحكا هازلا، وإذ كان لا بد من الضحك أو الإضحاك ألفوا فصولا مضحكة ~~تمثل بين الفصول. # أما الهزل والدعاية والنقد والهجاء والاجتماعي، فلا نكون مبالغين إذا قلنا إن سعيد ~~تقي الدين هو الذي أشاعها في المسرحية، فالهزل يسيطر حتى على درامته، فكأن ليس بين ~~أبطاله واحد يحبه، أو كأنه لم يخلق بطلا، أو لم يستعر من المجتمع بطلا إلا ليضحك من ~~الناس، أو يضحك الناس منه، وإذا كانت أبطال مهازله قومية بلدية فلا يعني هذا ms196 أنه خلقها، ~~ولا أنه استعارها من روائي آخر «كمسطرة» يعمل مثلها، بل أنها نماذج عايشها ورآها بعيني ~~رأسه، كما عبروا، فهو في «لولا المحامي» مثله في نخب العدو وحفنة ريح، يمثل أشخاصها ~~عايشها وآكلها وشاربها وتأمل حركاتها وسكناتها، وراح يخلق منها قصة بعد ما أنطقها بما ~~يلائمها من ألفاظ وتعابير تضحك المفلس، وتعابير يتعمدها ويعتمد عليها في إخراج روايته، ~~وهو لم يبدعها كلها ولكنه جلاها وصقلها جميعا حتى لاءمت مذهبه الفني، وهذه العبارات هي ~~من صميم حياة أبطاله فكأنهم هم قالوا حقا، ليست عبارة مسرحيات سعيد من المصنوعات ~~البيانية، وهذا سر نجاحها، ففي فم كل شخص كلمات وعبارات لا تصدر إلا عنه، وإذا لم ترض ~~أحيانا هذه العبارات البيانية فلسعيد بيان خاص به، وليدق البيانيون رأسهم ~~بالحيط. # تدل مسرحيات سعيد تقي الدين على عين لاقطة كعدسة المصور، ولا عجب إذا ظهرت أبطاله ~~بهذا الوضوح فهو قد تأملهم كثيرا، وربما أن بينهم من حمله مرضعا وماشاه صبيا، وهو ~~لم ينقطع عنهم إلا حين شعر بأرستقراطيته. # إنه يعول كثيرا على استحسان الجماهير وضحكهم وتصفيقهم، ومن كان كذلك عليه أن يفتش عن ~~مثل ما يفتش عليه سعيد، ومن هنا جاءت حملات سعيد الغواشم على الناقد حتى عده طفيليا ~~يعيش على الهامش، يجد موضوعه جاهزا فيتهالك عليه كجوعان لم ير الخبز منذ أسبوع لخمس ~~وعطشان. # إن ضحك الجماهير وتصفيق النظارة هو عند سعيد الفوز الأعظم، أما الخاصة ففي فمهم ~~التراب وليقولوا ما شاءوا، أما صفق الجمهور وضحك، ولهذا يتعمد العبارة الطريفة ~~والنكتة البارعة. # أما قال سعيد للمخرج: ازرع بين النظارة من يصفقون، وهل في الدنيا كاتب غير سعيد يصرح ~~بهذا، وإن كان الفن الدرامي هو في إثارة الضحك وإشاعة الاستحسان، فالخراج الاصطناعي لا ~~يعمله إلا نطس الأطباء. # أما إنشاء سعيد فهو معمول في مسرحياته ليحكى لا ليقرأ، وسنعود إلى هذا في الكلام ~~التفصيلي على مسرحياته وقصصه. # يحاول سعيد أن يقول الحقيقة دائما، ولو كانت تمس أقرب الناس إليه بل ذاته، وهو ~~دائما يخرج من ms197 هزله حقيقة عملا بقول موليير أيضا: لا حقيقة بدون هزل، ولا هزل بدون ~~حقيقة، إنه كالصيدلي الذي يعطيك ملبسة فيها الدواء المر، وسيموه سماجة الطعم بالحلاوة، ~~السر في أن تقبلها وتزدردها، والله الشافي فيما بعد. # يريد أن يضحك الجمهور ويهذب أخلاقهم، وهذا ما يعمله كل من كانت له طباع سعيد وقريحة ~~سعيد، ومواهب سعيد واطلاعه الواسع على الروائع العالمية، التي يريد من كل قلبه أن يعمل ~~مثلها وقد عمل، أما هذا الهزل في الادعاء فمن بضاعة سعيد، إنه مؤمن بما يقول هازلا ~~فيورده لك بهذا القالب المضحك، حتى إذا لم تصدقه عده هزلا وكفى الله المؤمنين ~~القتال. # وسعيد يخرج مقاله أحيانا بشكل تمثيلي، وهذا يدلك على أنه خلق كاتبا مسرحيا، اقرأ ~~حديثه مع المخرج، بل سيرة حياته تر كيف مثلها تمثيلا لا ينقصه إلا المسرح ~~والمخرج. # أما المرسح فيعنيه أن يكون سهل الوجود، فبدلا من الموبيليا لا بأس بالسحارة؛ لأنه ~~يهدف إلى أن يكون كل شيء طبيعيا. # ليس سعيد من ذوي الانبساط والمرح وليس من ذوي الضحكة الداوية، ومواضيع مسرحياته ليست ~~كذلك، فمن أين ينبثق إذا هذا الضحك؟ في الغالب يكون التعبير مصدر ذلك، أو التكوين الذي ~~خلقه لأشخاصه، أو الموقف الذي يراه صاحبه جديا كل الجد، بينما الآخرون يهزءون به ~~ويضحكون من عقل صاحبه، إن تكبير الأشياء الهزيلة الحقيرة هو عنصر هام عنده، بل هو ~~وسيلته إلى إبراز هؤلاء الأشخاص الذين عرفهم صغيرا وابتعد عنهم كبيرا، إنه شيخ وإنهم ~~عوام، فصار يسلم عليهم برءوس أصابعه، ولكن صورتهم كانت قد انطبعت في مخيلته، وهو ~~يستعيدها بتفاصيلها ساعة يشاء، ويؤلف منها مشهده متى أراد فيأتي كل شيء طبق ~~الأصل. # إن مشيخته جعلته يستهزئ بهم، فيجعلهم يقتتلون على لا شيء تقريبا، على «عصا النوطرة» ~~صحيح أن هذا أمر واقعي، ولكن المؤلف يحتقر تلك الحفنة من البشر، وحسبك استهزاء بهم، عند ~~عقد الصلح، تقديم تلك العصا إلى بيت الحمصي كأنها صولجان ملك، لا عصا ناطور. # أما الرواية الثانية فاسمها يدل على تقدير المؤلف ms198 لأبطالها «حفنة ريح» ازدراء وأيما ~~ازدراء، جل هذه المسرحيات نقدية فلا يفلت من قلم المؤلف شيء ولا يسلم من لسانه أحد، فهو ~~ينتقد حتى أقرب الناس إليه ويجعله مثلا لبطل من أبطاله. # ينتحل سعيد كلام ومشاهد غيره كما في ختام رواية لولا المحامي؛ حيث يشن الغارة على ~~موليير، فوحدة الحال بينه وبين موليير تبرئ الموقف، فدستور سعيد الفني دستور موليري، ~~قاعدة القواعد هي أن ترضي وتعجب. # كل حياة سعيد قفز وجمز، فمن مدرسة مارونية إكليريكية أرستقراطية محافظة، إلى جامعة ~~أميركية ديمقراطية لا تعبأ بالتقاليد الموروثة. ومن لبنان - بل من الشوف الدرزي المحافظ ~~- إلى المهجر من لبنان أرض الثرثرة والانطواء على الذات إلى أرض العمل حيث لا ذات إلا ~~للدرهم والدينار، ولا حديث غير حديث الجمع والقسمة والطرح والضرب. # شاب نشأ في بيت عتيق ، زرع في رأسه أبوه محبة هذا البيت ودعمه بكل ما له من قوى، فراح ~~يفتش عن الدعامة المثلى - المال - وهناك رأى هموم الناس الكبرى فراح يضحك في مسرحياته ~~من هموم القرية الصغرى، وانتزع من اختباراته العالمية فوائد شتى، وصور أبطال لمها إلى ~~الساعة التي استيقظت فيها قريحته الهاجعة على إكليل الغار، فكانت مواد مسرحياته ~~وأقاصيصه. # تنظر إليه فتحسبه جبارا عنيدا، ولكنه يبدو لي مما قرأت أنه رجل طيب العنصر، وفي ~~إذا أحب، دمث الأخلاق على تمام ألواحه وعرض كتفيه، فذلك الهيكل الضخم الذي يبديه كمصارع ~~أو ملاكم من الطراز الأول، فيه نفس طيبة تنم عنها تلك التعابير التي يخلقها، وإن لم يكن ~~من العدم، فله فيها فضل التطبيق، الرجل ملهم بدون شك. # سعيد في نظر بعضهم يعتمد النكتة تعمدا، أما أنا فأرى أن التعمد هو عمل إرادي، لا بد ~~منه لكل من يريد أن لا يكون مقلدا، يقول هؤلاء إنه متطرف في هذا، وأنا لا أقول لهم ~~أكثر من هذا، أي إن سعيد تقي الدين إذا لم يوفق إلى مثل هذه العبارات في مسرحياته ~~وأقاصيصه ومقالاته يمزق أوراقه، فغايته الأولى هي أن يستولي على الجماهير ويجرفهم في ms199 ~~التيار الذي يصطنعه لجرفهم إلى حيث يشاء. # مسرحيات سعيد تصوير للحقائق بشكل مضحك، أما عقدة «نخب العدو» التي كلفته اجتراح ~~العجائب كالمسيح، فهذه في نظري ليست بالعنصر الهام في مسرحياته؛ لأن دراماته ومهازله ~~تقوم على نماذجه وشخوصه المعمولة على قالب «استعمال» لا جاهز، بل على ذلك الحوار ~~الرائع. # أما عيب هذا الحوار فهو أن عبارته تكون أحيانا عامية حتى يسقط الخليل وسيبويه وابن ~~عقيل تحت الردم، وفي لحظة يستحيل التعبير فصيحا حتى التقعر، بينما يكون المتكلم واحدا ~~بل في حوار واحد. # فهذه أم وسيم تخاطب خادمتها زليخة قائلة لها: أدجاجة أنت فتنامين قبل المغيب؟ أخطأ ~~هنا سعيد من جهتين أولا؛ لأنه قال: فتنامين، وهي فتنامي، وهو لو قالها على حقها لدنت ~~جملته قليلا من واقع الحوار. # وفي حوار واحد أيضا، تقول زليخة: دخلك يا معلمتي، لا أريد الذهاب إلى العين، إني ~~كلما التقيت على العين بنساء عائلة الحمصي يهزأن بي، والبارحة قالت لي وردة الحمصي ~~ساخرة: إننا نوصد الأبواب في النهار. # فبعد دخلك يا معلمتي تجيء كلمة: إني، ونوصد. # وبعد قول أم وسيم أيضا: يا تقبر أمك، تأتي كلمة: لماذا تأخرتم؟ # قد يقول سعيد: وكيف تقول؟ وأنا أجيبه: نقول: ليتك تقبر أمك، بدلا من «يا تقبر أمك»، ~~والخادمة تقول: نغلق الأبواب، بدلا من «إننا نوصد» التي لا ينطق بها لبناني. # وهنا يلذ لي أن أذكر عبارة لأفهم كل مسرحي وقصصي كيف يدني حواره من طبيعة الحكي، جاءت ~~هذه العبارة على لسان أحد شخوص مسرحيات سعيد قال: يكفي خمسون، بينما العوام لا يقولون ~~إلا خمسين، فكيف نعمل حتى نقربها من الواقع؟ أنا في مثل هذه المواقف أفتش عن تعبير عامي ~~فصيح، فأقول مثلا: نكتفي بخمسين. # ولا يكتفي سعيد بحشر «أن، وقد» في كل مكان، بل يدخل لام المزحلقة على خبر إن فيقول ~~راجي: إن ابنك يا خالتي أم وسيم لولد عجيب. # وتقول أم وسيم لراجي: سأتركك ووسيم في دعابتكم، لا نطالب بنصب وسيم بعد واو المعية، ~~فما لنا وللنصب، إن أم ms200 وسيم ككل لبنانية تستعمل «مع» في مثل هذا الحديث، فيقول: أتركك ~~مع وسيم، أو أنت ووسيم. # وبينا نراه يتشدد في استعمال هل والهمزة إذا به ينزل إلى حضيض العامية، يقول وجيه في ~~حفنة ريح: ما هذا بعذر، ثم يتبعها بقوله: القهوة سعرها بالجو، وبينما يقول: تشكرات، إذا ~~به يتبعها بالقول: هل أعددت اللحن، هل اقتضبته، وفي موضع آخر: هل عايدة بخير. # أما سين الاستقبال فترد كثيرا على لسان قلم سعيد، وهي ليست من بضاعة الحوار الواقعي، ~~ومثلها لقد: لقد هرم وطالت لحيته وابيضت، فآه من لقد في الحوار يا سعيد، إنها تستاهل ~~مسبة دين فخمة. # وإذا اعترضنا على حوار شخوص سعيد، فإننا لا نعترض على شخصياته الذين نجدهم في كل ~~ضيعة، بل في كل مزرعة مكونة من بيتين وتنور. # لم يخرج سعيد من قمعه حين وضع شخوص مسرحياته، ففي نخب العدو، ولولا المحامي، ~~والمنبوذ، قد لا يكون تجاوز خراج بعقلين كما لم يتجاوز محيط بيروت في حفنة ريح. # أما خواص سعيد العامة فهي أنه غير كلاسيكي، مبدع في التعابير الخاصة، خلق قصصا، ~~يتعمد النكتة ويحبها موجعة مرة، وتعمده إياها أحيانا يفقدها الخفة المطلوبة، لا تعرف ~~هزله من جده، فهو في الأدب عتليت، كما عبر هو، وعتعيت كما نعبر نحن في منطقتنا. ~~(6) وحي الحرمان: ديوان الأمير عبد الله الفيصل ~~«يا صاحب السمو الملكي، ويا معالي الوزير الخطير # أيها البطل ابن البطل، يا حفيد أسد الجزيرة # يا طويل العمر» # أما وقد دعتك آلهة الفن إلى دخول هيكلها المقدس، فاسمح لنا أن نضع جانبا ألقابك ~~الزمنية، وثيابك القصبية المزركشة، وخنجرك الذهبي المرصع، وسيفك العدناني الموروث من ~~أيام حليمة، ونلبسك الثوب الذي زركشته أصابع الآلهة العلوية لتخلعه عليك في هيكل ~~قدسها. # اسمح لي أن أخاطبك، بعد الآن - في هذا المقام فقط - باسمك «حاف»، غير محوط بجيوش ~~جرارة من الألقاب الأميرية الملوكية، أنت آثرت أن تكون أمير بيان فكنت، لقد شرفت الشعر ~~بعد ما تأبى عليه الأشراف القدماء، وقالوا في خليفة يوم وليلة: أدركته حرفة ms201 الأدب، وبهم ~~تشبه العلماء والفقهاء، حتى قال أبو حنيفة: # ولولا الشعر بالعلماء يزري # لكنت اليوم أشعر من لبيد # لقد استحققت بتشريفك ساحتنا أجمل الترحيب منا، فاسمح لي إذن أن أخاطبك بشاعر الأمراء، ~~وأسلم عليك بهذه الإمارة الأدبية. # كانوا فيما مضى يقولون ذو الوزارتين، فأي بأس علينا إذا ما قلنا: ذو الإمارتين؟ إن ~~إمارتك الجديدة هبة من الله كإمارتك القديمة، والله يعطي من يشاء بغير حساب. # زعمت يا شاعر الأمراء، أنك محروم، تحس بالحرمان «لأن المركز الخطير والنفوذ الكبير، ~~والمال الوفير مدعاة لتغيير أسلوب الناس في معاملتك»، ثم تقول: «إنك لا تدري هل ما تحس ~~به من معاملة خاصة أو عامة هو لأنك إنسان يستحق هذا عن جدارة، أو لأنك تتمتع بهذه ~~الميزات الثلاث؟» # إنني أتعهد لك أن أكون صريحا معك إلى أبعد مدى الصراحة، وإن كنت لا أحب أن أشفيك من ~~شعورك بالحرمان الذي هو في الفن خير وبركة، بل ربما كان سبب تساميك في حبك وفنك، أو لست ~~أنت القائل لذاك الحبيب المتمرد: # ولولا الحب في الأعناق رق # ملكتك باليمين وباليماني # ليت كل قارئ يفهم ما هو ملك اليمين، فأين قول عنترة: # إن تغدفي دوني القناع فإنني # طب بأخذ الفارس المستلئم # من هذا القول؟ إن عنترة محروم حقا يا عبد الله؛ ولذلك لم يلطف القول ولم يعلله ~~مثلك، صعب عليه ككل ذي عاهة، أن يذكر عاهته - العبودية - ولو في الحب؛ لأنه معتوق من ~~رقه حديثا. # نعم سأكون صريحا جدا فلا تبهر عيني هالة المجد التي تحيط بك، فأنا وإن كنت أحبو ~~إلى السبعين فلي عين لا تطرف، عين لا تزال حادة جدا حتى إنها تنظر إلى عين الشمس صلاة ~~الظهر، ولا بأس عليها. # أجل هذا ما ستراه مني ولو كنت أميرا ووزيرا وحفيد أعظم ملوك هذا العصر، وابن أخي ~~ملك هو قبلة أبصار العرب. # إن للملوك والأمراء قلوبا يا عبد الله؛ ولهذا كان ويكون وسوف يكون منهم شعراء، فأي ~~بأس عليك إذا لم ترد أن تدفن موهبتك الخالدة فأقدمت ms202 على ما لم يقدم عليه سواك من أبناء ~~القصور، نشرت على الملأ ديوانا رفعت به مقام الشعر فطار بجناحين عظيمين، بعد ما كان ~~يحجل بخطى قصيرة عند بابك، لم تحل عظمتك دون البوح بأسرار قلبك البشري، فلم تنتحل ~~الأعذار لحبك كأبي فراس الذي قال وكأنه يستحي بالحب: «إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى ~~...» إن الحب يخاطبنا بلسان المسيح: الذي يستحي بي قدام الناس أستحي به قدام أبي الذي في ~~السماء. # لقد بسطت يدك «العليا» الأبية على قارعة طريق الفن، والفن نار آكلة تطهر ~~وتنقي. # ثق أن الصراحة التي وعدتك بها لا تباع ولا تشرى، فأنا لا أبيع مدحا ولا قدحا، وإنما ~~أقول ما عندي غير راج شيئا مما عندك، وإن كان «بلوطك» ينفعني، كما قال الجاحظ لذلك ~~الأموي حينما زاره وهو مفلوج يتداوى ببرادة الحديد. # إن لهيكل الفن حرمة هيكل الدين، ولذلك أتورع وأخشى حين تطأ رجلي عتبة بابه. قد كان ~~المتوجون - ولا يزالون - يخلعون تيجانهم عندما يدخلون بيت الله، ليعلموا أمام المعبود ~~أنهم بشر، «فأكسية الإضريج فوق المشاجب»، كما قال نابغة بني ذبيان في بني غسان الملوك ~~والإخوان. # سوف نحييك مثلهم بالريحان لا لأنك صاحب سمو ملكي فقط، بل لأنك شاعر مخلص كبير باح ~~واستراح، إن الاعتراف في كل مقام يزيح الكابوس الرابض على باب الوجدان، والاعتراف هو أن ~~أقول إني أحببت وأحب، وأي ضير على الأمير إذا صاغ اعترافه شعرا؟ # وهنا يلذ لي أن أروي قصة صديق لي، وربما كان من أترابي أو يكبرني بالسن أربع خمس ~~سنين، أعجبته أنثى من نساء «شركائه»، كان يدخن في بيتها النارجيلة فانطفأت الجمرة فهبت ~~بمجمرتها - لا بصحنها كما قال ابن كلثوم - وأحلت محلها واحدة متقدة، فاضطرمت الناران، ~~وباس «البيك» شاكرا يد شريكته بوسة كقصائد ابن الرومي طول نفس. # أخجل الشريكة تواضع «معلمها» فاستحت، وقالت له بكل بساطة: حاشا قدرك يا ~~معلمي! # فتنهد البيك وقال لها: الحب ما فيه معلم ولا شريكة، الحب رب لا شريك له، هاتي خدك ~~... # إنها فلسفة ارتجالية ms203 نطق بها صاحبنا بأسلوبه الخاص، فلا أمير ولا سوقة في دنيا ~~المحبة، وما دام الله محبة هو - كما علمونا - فما قولتك بنا نحن المخلوقين على صورته ~~ومثاله؟! وإذا قال زهير: # وإن أصدق بيت أنت قائله # بيت يقال إذا أنشدته صدقا # فشعرك يا عبد الله الفيصل «هو الشعر» كما قلت في ختام مقدمة ديوانك «وحي الحرمان»، إن ~~شعرك قوامه الصدق، وملاكه الاعتراف الواضح الذي يريح وينقي ويطهر، وسمو شعرك هو في تلك ~~اللمعات الخاطفة والوثبات العالية، التي تدل على الشاعرية كما تدل الخضرة على الينبوع ~~المكبوت في قلب الأرض. # فلا تحسن بالحرمان لأنك خامس الأسماء الخمسة - ذو مال - فليس لأجل هذا المال تمدح ~~وتوقر، فكم من ذي مال يبخل عليه باللعنة، أنسيت أن الخلفاء مدحوا، والأمراء مدحوا؟ إن ~~المتنبي مدح سيف الدولة وكان يأخذ من ماله، ومع ذلك ما رأينا أحدا من هؤلاء أحس بما ~~أحسست أنت به من حرمان، ربما أنك كنت تحس بالحرمان قبل أن نفحت الأدب بهذا الديوان، أما ~~الآن فما بالك؟! # نحن نعجب بالرجل إذا كان ذا موهبة، ولكنه إذا كان محروما من المواهب وعنده مال ~~قارون، وملك هامان، وسلطان فرعون، فهذا هو المحروم حقا، وماذا نعمل له؟ هب أننا ~~استطعنا أن نعمل الأبيض أسود أفنستطيع أن نصير الأسود أبيض؟ # لقد حاولت أن أنتقدك نقدا مرا ولكني لم أستطع؛ لأني لم أجد المرعى الذي يدر عليه ~~قلمي، إنك شاعر مطبوع، ومن لا يتعمل ويخالف الطبع فليس لنقدي في جلده نصيب. # إن حبك الشعب الذي ينضح به ديوانك جرأني على مخاطبتك بيا عبد الله، وكيف لا أسميك ~~وأنت قد خاطبت الشعب، شباب بلادك، بمثل هذا القول: # مرحى، فقد وضح الصواب # وهفا إلى المجد الشباب # عجلان ينتهب الخطى # هيمان يستدني السحاب # في روحه أمل يضيء # وفي شبيبته غلاب # وأي نور أهدى من نور الأمل وأوضح، وأي عزم أمضى وأغلب من الشباب، بل أي صرخة ~~ديمقراطية أروع من ختام قصيدتك هذه: «فلكم حياتي يا شباب.» # إن كلمة «دائما» في صدر ms204 هذا البيت، بيت الختام لم تعجبني؛ ولذلك اكتفيت بالعجز، ورب ~~عجز كان خيرا من ألف صدر، يظهر أنكم يا آل سعود، تحرصون على الديمقراطية في كل مقام، ~~وحسبكم أنكم رفعتم السجف التي كادت تفصل بين العبد والمعبود، فقضيتم على «الواسطة» في ~~دينكم ودنياكم. # فيا طويل العمر، دع الفكرة التي حدثتنا عنها في مقدمة ديوانك، انس المركز والنفوذ ~~والمال، ولا تظنن أننا نحابيك ونمالئك لأجل ذلك، ثق أنك قد عملت في ديوانك بقول فرلين ~~الشاعر الفرنسي الخالد: خذ الفصاحة وفك رقبتها، فديوانك إذا لم يعج بزخرف الفصاحة ~~وبهرجتها وزبرجها، فهو حافل بالشعر الصحيح الفصيح، ولا غبار على بيانه. # قال كاتب عظيم أحدث عهدا من فرلين: عندما تعوزنا الأفكار نلجأ إلى الفصاحة، وأنت ~~والحمد لله، قد أغناك تفكيرك عن تزويق تعبيرك. # قال شاعرنا الأستاذ صلاح لبكي في تقديمه ديوانك: فمحروم بعيد جد البعد عن شعراء ~~الصحراء الأقدمين والمحدثين معا، وهو أقرب ما يكون إلى شعراء لبنان، وإلى الشعراء ~~الوجدانيين منهم. # أما أنا فأزعم أنه ليس في الدنيا شاعر صحراء ولا شاعر غوطة ولا قديم ولا جديد، إنما ~~هناك نفوس وطباع، ونجد مهد الشعر العربي وسريره، والليونة - اللهم في الشعر - من سمات ~~قولهم، ولعل طبيعة المحيط التي تشبه لبنان هي التي قربت بين محروم وبيننا، وها هو محروم ~~شاعر الأمراء، يدلنا على عمل المحيط حيث يقول في أولى قصائد ديوانه: # هل تذكرين بوادي «وج» وقفتنا # وقد أفاضت علينا الطهر عيناك # أرأيت هذه السلاسة والسهولة، أما فك عبد الله الفيصل رقبة الفصاحة، كما أوصى فرلين! ~~أما قال شعرا يصح أن يقال فيه ما قيل في شعر ابن أبي ربيعة: كأنه الفستق المقشر؟ إن عبد ~~الله ربيب وادي وج الذي قال فيه عروة بن حزام: # أحقا يا حمامة بطن وج # بهذا النوح أنك تصدقينا # غلبتك بالبكاء لأن ليلي # أواصله وأنك تهجعينا # وإني إن بكيت بكيت حقا # وإنك في بكائك تكذبينا # ترى أنقول في هذا الشعر إنه لبناني لأنه سهل؟ إنه نجدي، وعرق الأصل نزاز، أما ms205 قال ~~جرير النجدي في أول شعر سمعه لعمر بن أبي ربيعة: شعر حجازي تحس فيه البرد في ~~تموز. # أما كلمة «وداعينا» في مطلع هذه القصيدة فما أراها طبيعية، وكيف تكون ونحن في حديثنا ~~نقول: وداعنا، لا نثني ولا نجمع، إنها أخت قول شوقي: «واحمر من خفريهما خداك»، وأما وقد ~~وعدنا شاعر الأمراء بالصراحة كلها فلنقل أيضا: إن كلمة رؤياك، وهي إحدى قوافي هذه ~~القصيدة، يجب أن تحل محلها كلمة مرآك، ولكننا ننسى هذه الهنات الهينات حين نبلغ مثل هذا ~~الشعر الصافي من القصيدة: # ففيك للقلب أهواء مجمعة # وفي لقائك دنيا الشاعر الشاكي # دنياي نار من الهجران محرقة # إذا نأيت وروض حين ألقاك # أما البداوة في ديوان «وحي والحرمان»، فلا يدل عليها شيء غير تلك الصور الفنية ~~الرائعة التي زين بها الكتاب، وهذا البيت مثلا: # أزمعوا بينا وشدوا رحلهم # فتوارى طيف أحلامي الجميل # ولعل هذا هو الذي عناه «محروم» في ختام مقدمته، أريد أن يكون شعري «صورة طبق الأصل» ~~لحياتي، وصدى حقيقا لشعوري وعواطفي وآمالي وخيالاتي وانفعالاتي النفسية. # نعم لقد طبق الشاعر على نفسه ما اشترع، وها هو بدلا من أن يتهيأ على عادة الشعراء، ~~ليبرز لنا فكرته في إيجاد الفصاحة، نراه يقول واصفا جموح عيون العاشقين: # نحن صرعى لفتات ورؤى # وأمان ما إليهن سبيل # وفي قصيدة «ثورة وخيال» نحس شوقا كاويا في قلب تغلي مراجله فتقطر شعرا يذوب قائله ~~وجدا، فيذوب شعره رقة: # قلت أهواك وعن دنياك بالحب شغلت # وبودي لو تحدثت إلى الدنيا بحبي وأطلت # وتأملت الذي يوحي إلى قلبي وقلت ~~••• # هل سمعت اللحن من قلبي ينساب لتلبي # ثم يرتد فيروي لك ما قصة حبي # ويناديك إلى عش هوانا المستحب # وفي قصيدة «توأم الروح» تفوز عاطفة الشاعر العربي الأصيل ويطغى عليها اللون المحلي، ~~فيسبق إلى قلم الشاعر وينطقه بكناية لا يفكر بها إلا عبد الله الفيصل سليل الذين قالوا: ~~السفر قطعة من العذاب: # يا توأم الروح ونور البصر # ضاقت مني الروح بهذا السفر # وغشت الوحدة عيني فما # يؤنس عيني ms206 كل هذا البشر # فهنا تبدو للمتأمل صورة العربي أخي الحب النبيل، لست أدري لماذا أعجبت العجب كله ~~بقوله: ضاقت مني الروح بهذا السفر، حقا إن سفرة المحب طويلة كليلة النابغة، وإذا كان ~~محروما حقا فهي أطول وأطول، كان الله في عونه. # وإذا مضينا قدما حتى نبلغ آخر هذه القصيدة سمعنا الشاعر يتغنى بهذا الحبيب ويشبه ~~صباه الغض بالبرعم، فلندع التحليل الذي يسقط موضع التعجب من الشعر، كما قال الجاحظ ~~أستاذ الدهر، اسمع النص بحروفه: # لا أوحش الله خيالي من الحب # ولا تلك الليالي الأخر # حيث صباك البرعم الغض في # أوراقه يشتاقه من نظر # إنه يخاف عليه حتى من النظر، خطيئة الفكر، ثم يمضي الشاعر إلى أبعد مدى الظن، وهناك ~~تهبط عليه هذه الصورة الرائعة: # يوحي إلى الدنيا أهازيجه # مبتدعا من كل قلب وتر # إنك تخال شعر عبد الله الفيصل بسيطا جدا، إذا قرأته قراءة عابرة فلا كاف، ولا كأن، ~~ولا مثل وشبه، وهذه هي البساطة التي تضرع فرلين إلى ربه طالبا منه أن يهبها له. # وفي قصيدة «منى غدي» يتغنى الشاعر بآلامه، ويشبه كما شبه السلف بعيني المهاة وبالعقد ~~المنضود، ولا بدع إذا رأيناه لم يقطع السرة بينه وبين القديم، فهذه سمة الشاعر الذي ~~يمثل عرقه، فعبد الله الفيصل يصح فيه قول الثعالبي في البحتري: أعاد الشعر سيرته ~~الأولى، ولنا نحن أن نزيد على هذا فنقول: أعاد عبد الله الفيصل الشعر إلى مهده الأول، ~~إلى مرقص الأحلام امرئ القيس، إلى حلاوة كلام جرير في الغزل. # لقد عبر الشاعر عن آلامه وآماله ولم يلجأ إلى التخيل؛ لأنه يصف بكل صدق خلجات نفسه، ~~أفلا يكون صادقا كل الصدق من مخاطب نفسه الكبيرة، يعللها بالآمال من حبيب عرف مقامه ~~فتدلل: # وكلما رمت وعدا # بهجره يتوعد # وإن خلوت بنفسي # وجدتها تتمرد # أقول يا نفس صبرا # فبابه غير موصد # هكذا يصور لنا الصراع النفساني متى سيطر الحب على الأمير، وأبت نفسه الأمارة بالمجد ~~والعزة، إنه يصبح بين ويلين، كما قالت هريرة الأعشى: # ويلي عليك وويلي ms207 منك يا رجل # كل هذا حسن، ولكن الشاعر إرضاء لنفسه الأمارة بإمارتها قال: # إني وحيد القوافي # وأنت بالحسن أوحد # إنها كلمة مقولة يا مولاي، ولا وحيد قط إلا في دنيا الأساطير. # والشاعر يتخلص من قيود القافية في الكثير من قصائد ديوانه، ويترك نفسه على سجيتها في ~~القول، وها هو في قصيدة «عواصف حائرة» يفاجئنا بمطلع ينطح السماء بروقيه، والمفاجأة من ~~العناصر الجوهرية للصورة الشعرية، كما يقول جورج ديهامل: # أكاد أشك في نفسي لأني # أكاد أشك فيك وأنت مني # أرأيت ما أعمق هذا الحب وأخلصه؟ إن الحب يلقي برقعا كثيفا على وجه المحب فيرى ولا ~~يصدق، إن الروعة في هذه القصيدة شاملة، وهي من الشعر الجدير بأن يغنى في أسمى المقامات، ~~ويا ليت مواطن امرئ القيس ضرب صفحا عن هذا البيت: # على أني أغالط فيك سمعي # وتبصر فيك غير الشك عيني # إن معناه جميل جدا، ولكن هذه «العلى أني» من بضاعة النثر، وفي «القافية» سناد كنا ~~في غنى عنه. # وفي قصيدة «كنا وكان» صرخة عبقرية قلما نسمع بمثلها في شعرنا المعاصر، وهي درس عميق ~~في الهوى: # يا حبيبي كيف ذاك الحب مات # عندما دبت به روح الحياة # إذا كان هذا قد حير علماء النفس، فكيف لا يحير شاعرا لا يضاهيه شاعر في مثل هذا الحب ~~العنيف، وهذه الحاسة التي تنفذ إلى الأعماق. # وفي قصيدة «حلم الهوى العذري» نقع على كلام رائع في وصف الحبيبة: # وبالوجنات فيها الضوء # يلهب لونها الخمري # فتحسب أنها شفق # تلفع هالة البدر # حتى الآن أكاد أقول إن شاعرنا كجميع شعراء العرب قديمهم وحديثهم، ليس للجمال المعنوي ~~أي وزن في ميزانهم، إن هذه خاصة أصيلة فالحسن متى ملأ القلب كان الفيض، اسمع ما ختم به ~~قصيدته «على ضفاف النيل» مناجيا الحبيب: # ارع حبي ذاكرا أيامنا # فعلى ذكراك للعهد اتكالي # وكأني بذاك الحبيب يجيب كما نجيب نحن: التكلة على الله. # أما في قصيدة «أطيلي الوقوف» فيقشعر البدن لما توحيه هذه القصيدة: # هو الداء يعبث في أضلعي # إذا ما نعيت ms208 فلا تفزعي # ولا تبعثي صرخة في الفضاء # ولا ترسلي مدمع الموجع # ولكن عليك بحفظ الوداد # وصوني عهود الفتى الألمعي # وعيشي مدى العمر بالذكريات # وطوفي بمغنى الهوى واخشعي # وزوري ثراي إذا ما السكون # أطل وعند الثرى فاركعي # لئن ضم جسمي ذاك الثرى # لقد ضم عهدي وحبي معي # أطال الله بقاءك يا طويل العمر، ولا خلا قلبك من هذا الحب العنيف لتسمعنا الكثير من ~~هذه الروائع التي تقطر دما. # وإني هنا أوافق شاعرنا الأستاذ صلاح لبكي القائل في مقدمة الديوان: «ومحروم في أول ~~الطريق لم يعط بعد كل عطائه، على سخاء ما أعطى، ولم يفرغ غير الحرف الأول من الكلمة ~~التي تختلج في صدره وتضج بين ضلوعه.» # وفي قصيدة «هل تناسيت» هذا المطلع الصارخ: # ليته يعرف الملل # دائم الخفق لم يزل # هده الهجر فانبرى # يقتل اليأس بالأمل # هل تناسيت ليلنا # إذ دفناه في القبل # ما على قلبنا شر، ما دام يخفق، وإذا عرف العلل يا أمير، فعلى الدنيا مليون سلام، ألا ~~تذكر قول أبي الطيب: # آلة العيش صحة وشباب # وإذا وليا عن المرء ولى # وإذا الشيخ قال أف فما مل # حياة ولكن الضعف ملا # فلا زال قلبك خافقا إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين، آمين. # أما دفن الليل في القبل فصورة جميلة جدا، ولعلي لم أقع على أروع منها، وإن كان ~~الخبراء الصحيون يزعمون أن كل قبلة تذهب بدقيقة من العمر، فأنا أشتريها بساعة بل بيوم، ~~وربما بشهر إذا وافقت الهوى وحمي الوطيس، وحسبي صديقي الشاعر بشارة الخوري الذي حرق ~~نفسه ونفس حبيبه في جحيم من القبل، ومع ذلك لا يزال بألف خير يهجم على طابور. # إذن فليخفق هذا القلب، وليقرع هذا الجرس فرحا حتى يقلق أربعة أقطار المسكونة، إن ~~دقات الحزن - أبعدها الله - آتية ولا ريب، واليوم خمر وغدا أمر. # إن قصائد «وحي الحرمان» كلها مطبوعة على غرار واحد، شعر نقي الديباجة، حديث قلب بطل ~~يتجلد، تأبى عليه عزته أن يتذلل، فهو يخبر بجلاء ووضوح عما فعل به الحب، وعن لوعته ~~المحرقة ms209 في قصيدة «لوعة» حين يسر إلى حبيبه: # فلو زعم العواذل بي سلوا # فكل حديثهم محض اختلاق # وما أبدي لهم غير التأسي # وإن كانت ضلوعي في احتراق # وأخشى أن يقال صريع شوق # يلاقي في المحبة ما يلاقي # وأغرق في ظلام الليل يأسي # فأغرق في اصطباحي واغتباقي # المثل عندنا يقول: جاء الليل وجاء الويل، ولا أدري كيف استطاع شاعرنا أن يغرق في ظلمة ~~الليل ما اعتاد أن يطفو. # وفي قصيدة «ردوا سهام الجفون» يذكرني الشاعر بعهد مضى يوم كان شعراء القرن التاسع عشر ~~يردون العجز على الصدر، فهو يختم هذه القصيدة بالشطر الذي افتتحها به، فيقول: # ردوا سهام الجفون # عن قلبي المسكين # لا توقظوها جراحا # أغفى عليها حنيني # ألا تذكرك هذه الغفوة بغفوة الأطفال الملائكية ولكن بدون هذا الألم! حقا إن المحب ~~ولو أميرا لطفل كبير: # فقد بذلت شبابي # ضحية للعيون # أما رحمتم حطاما # ناداكم بالأنين # أظن أن القارئ يشاركني في الزعم بأن في كلمة حطام - هنا - حلاوة شعرية، وأخيرا يختم ~~كما ابتدأ: # فإن أردتم بقائي # ردوا سهام الجفون # الله الله، كيف يستغيث البطل في الحب! ألا تسلم يا طويل العمر، بقول صاحبي: ليس في ~~الحب معلم ولا شريكة، هاتي خدك. # أما ذكر المدام والراح والكأس فلم يرد إلا في قصيدة «إلى ذات الوشاح» ذات هذا ~~المطلع: # تسائلني العواذل ما اقتراحي # وأنت على الزمان مدى اقتراحي # بيد أن هذه المدام والكأس هنا مجازية كالتي عند ابن الفارض، ولكنها من نوع آخر. # وفي قصيدة «أمل المحروم» وإن كانت قوية العاطفة حادة الشعور، صور غير جديدة كالبان ~~والعناب، إلا أن الشاعر أخرجها بأسلوب مستملح جدا فقال: # وقوام يتهادى في الربى # فيقول البان ما أهيفه # وفم لو قال من ينعته # هو كالعناب ما عرفه # أما بيت الردف، وإن كان قد مضى يوم كانت فيه الأرداف تستحلى مقنطرة، فقد أخرجه الشاعر ~~إلى معرض الفن جميلا طريفا، حافلا بلون محلي صارخ، حين قال: # وبأردافك حاد صلف # مثقل خطوك ما أصلفه # فجميل منك بعد الظلم يا # أمل المحروم ms210 أن تنصفه # أما نونية «يا ناعس الطرف» فلا تقل عاطفة وجمالا فنيا عن نونية ابن زيدون، ففيها ~~تلك السهولة الرائعة وذاك السياق المستعجل، فكأنها نهر لبناني ينصب متراكضا نحو البحر، ~~حتى تختتم بهذه الأبيات: # إنا وإياكم نجمان في فلك # يديره الحب في آفاق ماضينا # مهما اختصمنا فإن الشوق يجمعنا # أو افترقنا فإن الحب يدنينا # فما ترى اليوم من صبر ومن جلد # فللكرامة فضل من تأسينا # إنه في أحرج المآزق لا ينسى من هو، بيد أنه يغلب على أمره ويعود إلى تواضعه، والحب ~~إله قدير لا يزهى أمامه أحد ولا يتكبر، فيقول في مطلع قصيدة «عتاب»: # لما نظرت إلي أمس مشيحة # بين الجموع بلحظك المرتاب # وجرت على شفتيك بسمة حائر # ما بين شبه رضا وشبه عتاب # أبصرت في عينيك عمري كله # وعرفت أني قد أضعت شبابي # حقا إنها أبيات من أمثل الشعر وأرقاه، وهكذا يختم هذا الديوان كما ابتدأ: تحرق ~~دائم، وشكوى مستمرة، وظمأ إلى الجمال شديد، وثلاثة في الدنيا لا يشبع منها: الجمال ~~والعلم والمجد، وإن قال الشاعر: «ولا مجد في الدنيا لمن قل ماله.» # وبعد فاثنان في ديوان «الحرمان» يتصارعان: قلب الشاعر ونفسه، فقلبه يهوى الجمال ونفسه ~~يشوقها العز والمجد، وهو بينهما كما يقول المثل: ساعة لك وساعة لربك. # هو شاعر غنائي رومنتيكي يقول الشعر في حاجات قلبه ونفسه، عربي جلود، محافظ لا يريد ~~الخروج بالشعر العربي عن طريقه المثلى: الصراحة، الوضوح، الموسيقى، لا يتغنى بوصف ~~الطبيعة، ولكنه يهيم بسيدها الذي خلقه الله في أحسن تقويم، على صورته ومثاله. # والحرمان عند الأمير موجود حقا، فهو إذا لم يجد من يحرمه حرم هو نفسه، والمحروم ~~وحارم نفسه سيان في الحرمان، لا يضحي بالعزة والكرامة في سبيل حب أي كان، وقد تكون ~~مصيبته أنه يبتلى بمن لا يرخص لنفسه الانحدار إليه؛ ولذلك يصح فيه قول الشاعر: # أرى ماء وبي عطش شديد # ولكن لا سبيل إلى الورود # الحبل والدلو موجودان، ولكن الشمم العربي وإباء الإمارة يصيحان به: لا. # ولهذا لا نسمع إلا ms211 ترانيم عذبة هي صدى طبيعي لأغوار نفس يسدها حب الجمال، أو تنهدة ~~نفس متألمة لا أدري من ماذا. # إن ما سماه شاعر الأمراء حرمانا هو ما يسميه علماء اليوم كبتا، وهذا الحرمان أو ~~الكبت يرهف حساسية الشعراء، فلا حرم الله الأمير هذا الحرمان. # أما ثقافة شاعرنا فعربية صرف، وما أحسبه استلهم غير الشعر العربي، فهو في قوله الذي ~~أعجب الشاعر الأستاذ صلاح لبكي: # أرى الصبر أوشك أن ينفدا # وأوشكت في القرب أن أبعدا # يدنو ويبتعد في وقت معا من قول الشاعر القديم وقد عدوه مخالفا لفصاحة المركب ~~لغموضه: # سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا # وتسكب عيناي الدموع لتجمدا # إن الوطن الذي كان لنا منه أمير الشعراء امرؤ القيس وجرير وغيرهما، ها هو القرن ~~العشرين يستعيد مجده الأدبي بإنجابه عبد الله الفيصل، وإذا لم يكن للروح والجمال ~~المعنوي إلا أثر يكاد يلمس في ديوانه، فاعلم أن هذا هو الدليل القاطع على النفسية ~~العربية التي لا تعجبها الصوفية، وإذا رأينا شاعرنا لم يتخيل كثيرا فلأن شعره وصف ~~خوالج نفسية، والبوح لا يتطلب إمعانا في الخيال، ناهيك أن الإغراب في الشعر ليس من ~~طباع العرب. # فشاعرنا أوتي البساطة التي سأل فرلين السماء أن يعطاها، قد أعطيها عبد الله الفيصل ~~فرأى الحبيبة إنسانة من لحم ودم، لا من نور وألحان، وورق ورد، وضياء ونور، وأغاني حمراء ~~وصفراء، وأحلام بيضاء وخضراء، وأشعة قوس قزح، كما يراها أصحابنا - بعض شعراء اليوم - ~~ويخاطبونها بلغة لا تفهمها هي، ولا الإنس والجن أيضا. # فهذا الشاعر، وهو نموذج للرأس العربي، وقد اجتمعت فيه جميع خواصه وخصائصه، لا ترى في ~~ديوانه رمزية ولا سريالية، ولكنك ترى شعرا عربيا صافيا تفكيرا وتعبيرا، شعرا لا ~~تحمل الكلمة فيه فوق طاقتها ولا تكلف إلا وسعها. # فكأني بديوان محروم قد جاء ردا، في الوقت المناسب، على البدعة الجديدة التي ~~يحاولونها في العراق، كما نرى في قصيدة «النهر العاشق» للآنسة الشاعرة نازك الملائكة، ~~عدت نازك تلك القصيدة «أنشودة عزاء لبغداد التي تغرق» وما هي في نظري إلا ms212 «جناز» لشعر ~~نازك الذي غرق في بركة التجديد ومحاولة الإبداع. # بعد ظهور ديوان نازك «شظايا ورماد» نصحت لها أن تعود إلى حبيبها الأول، إلى عشق ~~الليل، وإذا بي أقرأ في هذه الأيام عشق النهر، وأتبعها نفر من شعراء أحببناهم كبلند ~~الحيدري وفلان وفلان. # فيا إخواني، إنكم بهذا تعتقون ولا تصيرون جددا، فليست آفة شعرنا في وزنه وقوافيه، ~~وإنما آفة بيت الشعر العربي في تعبئة وزنه، وإحكام بنيان زواياه، أعني قوافيه، إنكم ~~بهذا تقلدون الغرب، ولو استطاع شعراء الغرب أن يجدوا لهم أوزانا كأوزاننا، وقوافي ~~كقوافينا لما تخلوا عنها كما تتخلون، ولما فعلوا غير ما فعل قدامى العرب، أحكموا بنيان ~~البيت الشعري ولا تهربوا من الساحة. # لقد استطردنا ولكننا لم نبتعد عن الموضوع كثيرا، وحسبنا من محروم ابتعاده عن تلك ~~التعابير الموروثة مع أنه ابن المحيط الذي أبصرت النور فيه، فأنت لا تجد في وحي الحرمان ~~تعبيرا كلاسيكيا، والتعبير الكلاسيكي المنقول هو أخطر سلاح يحمله الشاعر والناثر في ~~معركة أدبية. # أسمعت ما قالوا عن السلاح المصري الذي كان في حرب فلسطين يقتل صاحبه لا العدو؟ كذلك ~~هو التعبير القديم، إنه يقتل صاحبه. # فالشعر قبل كل شيء هو صدى النفس، ولا يمكن أن يعبر عن هذا الصدى إلا بلسان صاحبه، إن ~~هذه لحسنة كبرى لعبد الله الفيصل الذي خاطب الأحباب، وهم من ناس هذا العصر، بلغة هذا ~~الزمان والعصر، ناسيا أو متناسيا ما ترك مواطنوه من ميراث تعبيري باق، فعبر هو كما ~~شاء، ولم يبال بعمود الشعر بل حطمه تحطيما. # بقي علينا أن نقول كلمة في وحدة هذا الديوان، فكأنه ملحمة حب وهيام، وغير قليل أن ~~يكون لشاعر ديوان كامل في موضوع واحد، ويجيد قائله كما أجاد محروم. # فلا حرم الله شاعر الأمراء ذاك الحرمان ليطيل الغناء، ومتى كانت لك نفس تحب، وقريحة ~~تسعد وتسعف على القول فأنت شاعر، وتظل شاعرا في التسعين، فسر ولا تبال «بحد الأربعين» ~~فليس للعبقرية نهاية ولا حد. # يا صاحب السمو الملكي # أما الآن وقد خرجنا من ms213 الهيكل فاسمح لي أن أعود إلى «البروتوكول»، وأرجو من سمو شاعر ~~الأمراء، ذي الوزارتين الأمير عبد الله الفيصل، أن يقبل مني الهدية الأدبية، أما قال ~~شاعرنا: # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # ويأتيك بالأخبار من لم تبع له # بتاتا ... ... ... # فأنت أيها الأمير النبيل، لك في تأييد الأدب يدان: يد بذلت بسخاء، ويد عملت بكد وجد، ~~فكان من ثمرها اليانع هذا الأثر الفني. # ألا بارك الله في يديك الثنتين. # | يقظة ونهضة # (1) الخيال اللبناني # ليس للبنان اليوم أساطيل ماء وهواء، ولكن له في دولة الفكر فضلا يعرفه ذوو ~~الألباب. # وبعد، فعندما نظم الله قصيدته الفريدة في ستة أيام، كان أشد إعجابا بالبيت السادس؛ ~~الإنسان، لأنه نفخ فيه شيئا من روحه، وبعد أيام - واليوم في عين الله كألف جيل في ~~عيوننا اللوزية - بدا لذي الجلال أن يجود البيت الذي رآه حسنا جدا، فاستودع فكرته ~~سفينة نوح حرصا عليها، ومحا بطوفان عرمرم قصيدته العصماء ليعيدها أحسن سبكا. # وبعد لحظة من تقويم الخلود، استنشق الأب القديم الأجيال قتار ذبائح نوح ومحرقاته، ~~فطاب نفسا وقر عينا، وقال: «لا أعود إلى لعنة الأرض من أجل الإنسان؛ لأن تصور قلبه ~~شرير منذ حداثته.» # وحانت منه التفاتة فرأى جبل أرارط ينظر بغطرسة إلى سهول الشرق، والكبرياء عدوة الله ~~الغيور، فغمز بعينه ابنته المجنونة فأخرجت أثقالها، فاصطفت جبال لبنان كمعسكر من ~~العماليق في جبهة الوجود. # وشفى الرب نفسه من ركاكة ثانية، فالمثول والنتوء ملاك الفن الرفيع: # لبنان والخلد اختراع الله لم # يوسم بأزين منهما ملكوته # هكذا زعم شوقي، ولكن أيهما نسخ عن الآخر يا ترى؟ لبنان أم جنة الخلد؟! هذه مسألة تشغل ~~حيزا من دماغي ولا أقول كبيرا لئلا أتهم بالمبالغة. # وتمرد الخيال اللبناني فحقق ظن الله بالإنسان، خلق الآلهة وسرحهم قطعانا تتصارع ~~وتتناطح في بطاحه وعلى روابيه، وكانت بينهم حروب كالتي نشبت بين الملائكة في البدء، ~~وكان من شروط هدنتها استعمار الشياطين للأرض. # الخيال خلعة الله السنية على من خلقه على صورته ومثاله، وهودج تنسينا زركشة سجوفه هول ~~الطريق والمركب ms214 الوعر. إذا جردنا الإنسان من خياله أنكر ما يحيط به وأمسى كالمنبت، لا ~~يذكر الأمس ولا يحلم بالغد. # والخيال ينمو في بقعة كلبنان، فولولة رياحه وعربدة شلالاته، وهمس ينابيعه وأنهاره، ~~وهدير بحره، ووشوشة أشجاره، وقصف رعوده، وومض بروقه، وعواء سباعه، وصرصرة بئزانه، وصفير ~~نسوره، وتغريد طيوره؛ تنصب وفودا وفودا في حناجر أوديته وأشداق كهوفه، فتؤلف موسيقى ~~داخلية لا تجدها في غيره. # فمن لا يرتعش متى استيقظ مع الفجر ورأى بقية نور القرص الفضي تنسكب على ربى لبنان ~~الحالمة، فتخلق ظلالا كئيبة وأشباحا حائرة، سينماء الله الأزلية تتزين بألف لون وتنطق ~~بألف لسان قبل بزوغ القرص الذهبي وعند غروبه. # وما ظنك بجبار نسجت عمامته عوانس كانون، وحاك آذار عباءته المفوقة، وطرز نيسان قميصه، ~~ونمنمت طيلسانه عرائس نوار، والبحر يغني عند قدميه، والضباب يؤزره ليحلم ، أفلا يلد ~~خياله أساطير كانت أم الثقافة العالمية؟! # لبنان هو الأولمب الأول، وقد فاق جوفانس لما جعله الصوفيون مقرا لأبدالهم، إنه آدم ~~الخيال الإنساني وحواؤه، فمن قممه المتمردة رفع بنوه عرشا لهركيل، ومسرحا لأدونيس، ~~وخدرا للزهرة، ومن طيوبه صنعوا عشا لفينيق رمز القيامة والحياة المتجددة؛ رموز ~~عبقرية أفرغها الخيال اللبناني على الحقيقة فنعم بها الإنسان زمنا. # منى إن تكن حقا فتلك هي المنى # وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # للثقافة منبعان: دين حافل بالرموز والأسرار، وخيال يحلم بالجمال فيخلقه، وكلاهما ~~انبثقا من لبنان فعما البحار وما وراءها، أبصر اللبناني جبلا قلق المجاز وبحرا مكارا ~~لا يؤخذ بالعنف، فشرع يحتال للنفوذ في ذلك المضيق. # وتحرك الخيال اللبناني الأول فكانت فتنة بين أبناء الهواء وبنات الماء، صرعت فأس ~~اللبناني عمالقة الأرز وجعلها مراكب فدان له البحر، ورأى المستقبل مظلما فتحرك خياله ~~أيضا فخلق الأبطال والآلهة، وتحرك أيضا وأيضا فكان البناء والأرجوان والزجاج والطرف ~~والتحف. # وتحرك أخيرا خيال الطموح فمشى البحارة أبناء الشمس فاستعمروا الشرق والغرب، وفتحوا ~~الدنيا سوقا لحضارتهم وفنونهم، فحق لهم أن يرددوا قول ابن عمهم عمرو بن كلثوم ولا ~~ابتهار: # كأنا والجواري منشآت # ولدنا الناس طرا أجمعينا ms215 # ملأنا البحر حتى ضاق عنا # وظهر البحر نملؤه سفينا # وأبى الخيال اللبناني أن يستريح فأنشأ سفر التكوين الأول، وعلم أفلاطون حقيقة «الوجود ~~الفاهم» وافترض «الجواهر الفردة» لحل عقدة الهيولى، ووضع «أبجديته» مستودع الثقافة ~~الحاضرة، ولا يزال بعضها كما رتبوه هم منذ خمسة آلاف سنة أبجد # ABCD # كلمن # KLMN # قرشت # QRST ~~. # فليست الثقافة اللبنانية وهما من الأوهام، ولكنها حقيقة تقدم كل الكائنات حديثها، ولا ~~قبلها قبل كخمرة ابن الفارض. # تقدمت موسى وحمورابي، وألهمت هومير وماريني وشكسبير، ولا يزال بعضها حيا في أقدس ~~أمانينا، فمن هذه المزرعة المنتشرة على سيف بحرنا، من هذا المليمتر من مصور الدنيا ~~الضخم، خرج خيال جبار كسا العراة برفيرا وأرجوانا، وبدل بالكهوف القصور والهياكل ~~الرفيعة العماد، وصار معلم القرون الأولى. # فمن يصدق أن شعبا عبقريا كشف أسرار الكون لا يدرك سر احمرار مياه نهر إبراهيم؟ إن ~~منطق المعتقدات يجتاح دنيا العقول ويكتسحها، هنيئا لهم مجدهم الفذ، فلا يشوب فخرنا بهم ~~شيء إلا أنهم لم يعشوا إلى ضوء نار الهدى مثلنا، فضلوا وتاهوا، وأنهم يعذبون اليوم في ~~جنهم، وا أسفاه! # أتقولون إن إحسانهم إلى الإنسانية لم يشفع لهم عند ربهم؟ فلولا أبجديتهم ما قرأنا ~~كتبه المنزلة، ناهيك أن جهنم عرفت بعدهم، والقانون لا يشمل ما قبله مدنيا ولاهوتيا، ~~الجاهل معذور، وأخيرا أقول: ما لنا وللجدل العقيم! فلنسلم مشاطرين الأب مرتين اليسوعي - ~~صاحب تاريخ لبنان - أسفه العميق لهلاك نفوس أوائل اللبنانيين، ممدني البشرية. # كلما بلغت نهر إبراهيم أتخيل نساء بلادي باكيات على تموز، وكلما دخلت جبيل أتمثل ~~الكهنة يندبونه في الشوارع، حتى إذا بلغت عين كفاع ومررت بكنيستها البعلبكية الأساس ~~أقول في نفسي: من هنا طرد زين الآلهة أدونيس ليحل محله ابن أراراط؛ أي مار روحانا، ~~الجالس سعيدا فوق مذبح كنيستنا. # وتتداعى الأفكار فتنبري كلمة الأخطل: هو الدين يا أخا العرب، فاصمت. # غريب إيحاء بلادي، كل حجر من حجارتها سفر جليل، وإن قيل: أبهذه الخرافات تفتخر؟! ~~أجبت: من منا بلا خطيئة فليرجمها بحجر. # خلقت العين البشرية جمالا قيل له ms216 كن فكان، أما العين واليد اللبنانيتان فاستلهمتا ~~خيالا لا يضل كالحك الذي اخترعوه، فأبدعتا كونا جديدا حافلا بطرف الفن وروائع ~~الفكر. # وأراهم خيالهم السامي أن التطور سنة الحياة وأقدس نواميسها، فداروا مع الزمن محتفظين ~~بخواصهم الاكتسابية والغريزية، فعدوا عن لغتهم الهرمة، وخطبوا لغة بني عمهم الجميلة، ~~نصروها عزيزة وأحبوها مقهورة، فبينا كانت كتبها تتدهور في دجلة والفرات وتحمى بها ~~الأفران والحمامات، كانوا يخبئونها في أحشاء كهوفهم - وهل كانت الديورة إلا كهوفا! - ~~وتنكر لها الناس حتى بنوها الخلصاء، فآووها هم ونصروها، وأفرغوها حلة قشيبة على كتابهم ~~المقدس، فاحتبت ناعمة البال عن يمين المذبح، وأمست لغة خيالهم وأحلامهم. # تصوروا راهبا لبنانيا - المطران جرمانوس فرحات - ينتقل في أواخر القرن السادس عشر، ~~بين أعمدة جامع قرطبة ومحرابه، يتأمل بإعجاب وإجلال آثار ذلك الفردوس المفقود. أما مات ~~ذلك الراهب عشر موتات قبل بلوغ الأندلس؟ # وتحرك الخيال اللبناني بعد حين، فرأينا كاهنا آخر يركب البحر بينما كان شاعرنا ~~العربي يقول: # لا أركب البحر أخشى # علي منه المعاطب # طين أنا وهو ماء # والطين في الماء ذائب # إلى رومة أبحر السمعاني حاملا على سفن أجداده حاصلاتنا الثقافية، وفي مكتبة ~~الفاتيكان هدأ روع العربية الملهوفة، وهناك خلدت ذكر السمعاني كما خلد السمعاني ذكر ~~العرب بما ترجم للبابا إكليمنضوس الحادي عشر. هذا حديث البحر، وقد أحتاج إلى معجم ~~كلاروس إذا عمدت إلى ذكر الأعلام، فلنختصر. # اللبناني قديما وحديثا، مطبوع على الأخذ والعطاء، وفلسفة النفس الحديثة تثبت أن ~~للوراثة والجنس تأثيرا في العبقرية، فإذا ورث الرجل عن أبويه تخيلا شديدا، هيأه هذا ~~الاستعداد للشعر أو للتجارة أو المالية. وصورة العبقرية تختلف بحسب المحيط، وهذا ما ~~عملته العبقرية اللبنانية، تعلم اللبناني لغات الغرب، وعلم الغرب لغات الشرق فكان تبادل ~~الثقافات - كتبادل البضائع - ينعش الأسواق، وهكذا انتعشت اللغة العربية ووجد ~~المتمشرقون. # ثابت علميا أن التطعيم خير الوسائل وأجداها لترقية الأنواع، وهذا ما عمله الخيال ~~اللبناني المعاصر في الأدب العربي، طعمه بالثقافات الأخرى فأتم ما بدأ به العباسيون ~~الأوائل. والثقافة كالمتجر تنمو وتزداد بالتبادل ms217 والعمل المنتج، واللبناني تاجر عبقري، ~~وصورة الثقافة كما قالوا تختلف باختلاف المحيط والزمان. # اعترى لغتنا الجميلة شلل كاد يذهب بحياتها وجمالها، فتحرك الخيال اللبناني فإذا ~~باليازجي يقف بإزاء الحريري. # ثم تحرك الخيال اللبناني وانتفض ذلك العرق الأصيل في أحمد فارس الشدياق، فخلق الأدب ~~الجديد في الفارياق وكشف المخبأ، وأخرج لسان العرب من سراديب الحريري ودهاليز القاضي ~~الفاضل. # وتحرك الخيال أيضا فكان الكشف والإشراق على عقل الشدياق النير فأبدع سر الليال، ثم ~~نفخ في الصحافة نفخة أحيتها وكان من ذريته النبيلة إسحاق والحداد وعبده وصروف وزيدان ~~وتقلا وغيرهم ممن أعجز عن عدهم. # وأبى اللبناني أن يستقر فعاد مارون النقاش من أوروبا يحمل إلينا المسرح، وكان بيته ~~أول مسرح عربي. # وهب المعلم بطرس البستاني يطعم ويلقح، فأخرج من «جنانه» ثمارا جديدة شهية، وجاءنا ~~بالمحيط «الهادئ» و«الدائرة» التي جعلت منه جماعة في رجل. # ثم ضاقت بالخيال اللبناني أرضه، كما ضاقت من قبل، فكانت الهجرة الثانية إلى الأقطار ~~التي اكتشفها اللبناني الأول، فحمل لغته في قلبه ولسانه، وهب ينشرها في قارات الدنيا ~~الخمس. # للأديان رسل ومبشرون، واللبناني رسول لغته لا دينه، ينقل منها وإليها، وكما نشر ~~اللبناني الأول أبجديته واختراعاته في دنيا الأمس، فها هو ذا لبناني اليوم ينشر لسانه ~~العربي مبشرا برسالته الخالدة. # وأبى الخيال اللبناني أن يهدأ فكانت المدرسة الرومنطيكية الرمزية، فخلقت القصة والشعر ~~والنثر الجديدين. # إنه لدم جديد لقحت به مدرسة جبران والريحاني أدبنا العربي الحديث فوهبته مناعة ~~ووقاية. # وأبى الخيال اللبناني أن يستقر فكانت في لبنان مدرسة شعر جديدة، فيها ازرقاق البحر، ~~واخضرار الأرز، وابيضاض الثلج، واحمرار الشفق، ووحي الغسق، والموسيقى البعيدة ~~القرار. # ولا يزال الخيال اللبناني عاملا لا يستقر ولن يستقر، فالسديم يصير نجما، والنجم ~~يمسي كوكبا، ثم ينطفئ ليشع غيره. لا يتوارى نظام شمسي حتى يظهر وراءه نظام آخر، إن ~~الأرض لا تظلم ما دام الخيال ساطعا. # وكأني بالقارئ ينتفض قائلا: هات لنا مثالا لخيال لا وجود له إلا في خيالك. وأنا ~~أجيب: على رأسي ثم عيني. # إن ms218 جبران خير مثال للعرق والبيئة اللبنانيين، قديما وحديثا، فالشوق والضباب ~~الجبرانيان من عمل الخيال اللبناني الأول؛ فسفر التكوين اللبناني، وهو أقدم الأسفار ~~عهدا، افترض الشوق فاعلا والضباب منفعلا، فجبران في خلقه وخلقه لبناني أصيل، يدين ~~بالروح والحب، ولكنهما ماديان كما تخيلهما اللبنانيون الأول، فما المطرة نبي جبران غير ~~ميترا روح النور الإلهي، وكأني بالعرق اللبناني قد تجمع كله في هذا الرجل ليجعله مثالا ~~لثقافته وخياله في عهديهما، ويرى الناس تطورهما في مسالك العصور. # عندما خطر لي هذا الموضوع خفت جماح العاطفة، فاقترضت عدة ديكارت هنيهة وقلت: ماذا ~~يحدث لو امحى لبنان من سفر الوجود؟ # فرأيت السهول أقفرت، والجنان صارت هشيما، والقرى والمدن والمدارس أمست خرابا، فقلت: ~~حقا إن لبنان خزان الله العظيم. # ثم وثب الخيال وثبة أخرى فافترضت أن نسور هذا الجبل الملهم لم تطر أفواجا أفواجا ~~إلى آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا، فرأيت ظل العربية يتقلص بعد انتشاره، وخلت الدهر ~~يمشي القهقرى، فارتعت كمن دهمه الغروب صلاة الظهر، فقلت: إذن والله نحن موجودون وليس ما ~~أزعم تبجحا وابتهارا. # فإلى التفكير والتأمل أدعو الشباب المثقف والكهول العاملين، والشيوخ الذين لم يعدموا ~~طراوة النفس، إن الخلق يقتضيكم تأملا عميقا، ونقاشا صارما وانتقادا مرا، وسعيا ~~متصلا. العبقرية هبة اجتهاد وثقافة، والإشراق لا يدركه إلا المتأملون. # قال ريبو: المصادفات السعيدة لا تعرض إلا لمستحقيها. ففكروا لكي تستحقوها وتنتجوا ~~ثمارا شهية تضعونها بكل فخر على مائدة أدبنا العربي الخالد، وإلا فإنكم تقطعون الجاه ~~الطويل العريض الذي خلعه الخيال اللبناني على لساننا العربي المبين. ms219