######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.Macarri.Hindawi42414252 #META# Tags: philosophy :: biographies #META# ID: 42414252 #META# Title: أبو العلاء المعري زوبعة الدهور #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المعضلة العلائية‏ # كيف كنت أفهم المعري؟‏ # عصر الأسرار والخفاء‏ # عصر أبي العلاء‏ # دعوة أبي العلاء‏ # رسالة أبي العلاء إلى المعريين‏ # حبيس المعرة‏ # مدرسة أبي العلاء‏ # معتقده‏ # أبو العلاء والحاكم‏ # الليلة الأولى‏ # الليلة الثانية‏ # الليلة الأخيرة‏ # بعد العاصفة‏ # الحصن الذي لم يسكت‏ # مذهب أبي العلاء‏ # خلال ألف سنة‏ # أراجيف وأساطير‏ # شاعر العقل الفاطمي‏ # بعد أربعمائة سنة‏ # بين شيخين‏ # عنزة ولو طارت‏ # المعضلة العلائية‏ # كيف كنت أفهم المعري؟‏ # عصر الأسرار والخفاء‏ # عصر أبي العلاء‏ # دعوة أبي العلاء‏ # رسالة أبي العلاء إلى المعريين‏ # حبيس المعرة‏ # مدرسة أبي العلاء‏ # معتقده‏ # أبو العلاء والحاكم‏ # الليلة الأولى‏ # الليلة الثانية‏ # الليلة الأخيرة‏ # بعد العاصفة‏ # الحصن الذي لم يسكت‏ # مذهب أبي العلاء‏ # خلال ألف سنة‏ # أراجيف وأساطير‏ # شاعر العقل الفاطمي‏ # بعد أربعمائة سنة‏ # بين شيخين‏ # عنزة ولو طارت‏ # | أبو العلاء المعري زوبعة الدهور # | أبو العلاء المعري زوبعة الدهور # تأليف # مارون عبود # ولو طار جبريل بقية عمره # من الدهر ما اسطاع الخروج من الدهر # المعري # | المعضلة العلائية # | كيف كنت أفهم المعري؟ # يفتتح داعي دعاة التوحيد، شيخ المعرة، «ألفية» فلسفته، بل كتاب المذهب: «لزوم ~~ما لا يلزم» بقوله: # تكرم أوصال الفتى بعد موته # وهن إذا طال الزمان هباء # فخفت أن يزعجه هذا الإكرام بعد ألف سنة، وكأني به قد نظر إليه بعين الغيب، ~~فقال: # وأكرمني على عيبي رجال # كما روي القريض على الزحاف # وقفت حيران لا أدري ماذا أقول في هذا العرس؛ فمن عادة البشر تعظيم العريس، مهما ~~يكن شأنه، فكيف بنا وعريسنا اليوم أعزب الدهر كشيخنا أبي العلاء، الذي يكال له ~~الثناء بالمد، ويقاس بالأميال وبالفراسخ؟ # إن شيخنا المعظم يحب الهجو، ويسيء الظن، وينهى عن المدح، حتى قال لنا: # فلا تمدحاني، يمين الثناء # فأحسن من ذاك أن تهجواني # والعجيب الغريب أن يكذب الناس جميعهم: نبيهم ورسولهم، أديبهم وشاعرهم، خواصهم ~~وعوامهم. أبغضهم وجافاهم فتهافتوا على سراج ينوس في مهب عواصف الدهر، فجزاهم على ~~ابتسام بابتسام، حتى إذا ما انصرفوا من تلك الحضرة المتألهة، تقمص ربها روح ~~ذاك الصعلوك القائل: «ولي ms001 دونكم أهلون سيد عملس.» فقال فيهم مثله: # والوحش في الفلوات أجمل عشرة # للمرء من أهليه في الأمصار # وأوغل في مفاوز إساءة الظن فقال أيضا: # أعدى عدو لابن آدم خلته # ولد يكون خروجه من ظهره # ثم رماهم بالجهل المطبق وأقصى الغباوة فقال: # لو قال سيد غضا بعثت بملة # من عند ربي، قال بعضهم: نعم # إذا نظرنا إلى «الظاهر» أيقنا أن الشيخ الإمام غضبان، حردان على الدنيا ~~وبنيها، فألقى قنابل محشوة غازات وسموما على مدينة المثل العليا فأصابت ~~الجميع: # قد ترامت إلى الفساد البرايا # واستوت في الضلالة الأديان # أنا أعمى، فكيف أهدى إلى المن # هج والناس كلهم عميان # قرأت في هذه الأشهر كل ما أملاه الإمام وأخرجته المطابع، وتتبعت آثاره في هوي ~~«لزومياته»، وتسلقت قمم «رسائله» متلمسا النور من «سقط زنده» و«ضوء سقطه» لعلي ~~أدرك بعض «غاياته»، وأشهد تمثيل «فصوله»، فكنت كمن يستنير بالحباحب. رأيتني في ~~يهماء تكذب فيها العين والأذن. # رأيت، بادئ ذي بدء، رجلا يقودني إلى حيث لا يدري ولا أدري، فلم أجد أكفأ من كلمة ~~ذلك الوزير الذي زاره فقال له: ما هذا الذي يرويه الناس عنك؟ فأجابه: قوم حسدوني ~~فكذبوا علي. فسأله الوزير: وعلام حسدوك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة؟ فأجاب ~~المعري: والآخرة ... # وأطرق منطويا على نفسه، بل على سره الذي كان من كتمانه في جهد جهيد. # أجل، رأيتني باتباعي شيخ المعرة أصبحت لا دنيا ولا دين ولا آخرة، وهذا ~~عجيب. # يدعو الرجل إلى تطليق الدنيا ولا يرتجي غيرها، فكيف يكون هذا؟ ما رأيت فلسفة بلا ~~غاية إلا فلسفة المعري، فقام في ذهني إذ ذاك، أن الرجل ساخط، متبرم، متشائم، يهجو ~~الأنام، لا أكثر ولا أقل، لا يرى الجمال فيفتنه سحره، ويلطف مرارة عيشه، فاتبع ~~«العقل»، والعقل يهدي ولكنه هاد زميت، جاف العشرة. # ظننت أن الإكسير الذي يحلي مرارة العيش ليس في متناول يد المعري، أخفق في طلب ~~الدنيا لأنه غير مستطيع، فانطوى على نفسه في عقر بيته واستدار يفح فحيحا ~~راعبا. # انزوى كالخلد يقرض جذور التعاليم لييبس ms002 ما غرسه السلف، وصب على الدنيا وبنيها زيت ~~سخطه المغلي، فشواها بناره وكبريته. كنت أظن أن نسك أبي العلاء لا يراد منه الثواب، ~~ولكنه فعل ما فعله ديوجين حين داس كبرياء أرسطو بكبرياء أكبر منها ... # يخيب بعضنا في الحياة، فيهرع إلى الدير. فإن كان رجلا خطب ود مريم وحل هذا ~~الزواج الصوفي محل الزواج الآخر، وتسامى صاحبه إلى المثل الأعلى، فخدم البشرية ~~خدمات جلى. وإن كان أنثى، كان عريسها يسوع القائل: «من لا يترك من أجلي أبا أو ~~أخا أو أما فهو لا يستحقني.» فحبا بالعريس المرجى تقف حول سرير المريض، وتحنو ~~على اللقيط، وتعطف على اليتيم. # أما نسك شيخنا - رحمات الله عليه - فيسفر في ظاهره عن سخط أشبه بالقذف؛ فهو يذم ~~الأمهات والأخوات بأردأ النعوت والألقاب، يخاف عليهن حتى من أقرب الناس. ما قصر ~~عن الحطيئة في شيء، بل ما خلته إلا مثله حين قرأت قوله: # بدء السعادة أن لم تخلق امرأة # فهل تود جمادى أنها رجب؟ # ولم تتب لاختيار كان منتجبا # لكنك العود إذ يلحى وينتجب # وما احتجبت عن الأقوام من نسك # وإنما أنت للنكراء محتجب # فهل تدل هذه الأبيات على شيء؟ أستغفر الله، إنني، علم الله، حسن الظن بالشيخ، ~~ولكن ألا يحق لي أن أشك فيه كما شك هو لعلمي أنه بعض الأنام؟ # ولكن لا، إنني أثق به، إنه لصادق السريرة والعلانية، غير أني أسمح لوجداني أن ~~يعتقد أن أبا العلاء فجع بالأنثى التي تعلقها قلبه، وما هجا الدنيا ذاك الهجو المر ~~إلا لأجل تلك التي لم ترع لهذا الضرير عهدا، وقد تكون هي التي حملته على الهجرة ~~إلى العراق على قلة استطاعته. # يشير الشيخ على الناس بشيء، ولكن إشارته تبعث على اليأس، ويا ليته يأس مريح، إنه ~~يأس يستوي فيه الأعمى والبصير كقوله: # والخير أفضل ما اعتقدت فلا تكن # هملا، وصل بقبلة أو زمزم # 1 # كنت أحسب هذا تظرفا من الشيخ - والشيخ كان ظريفا في شبابه ولكن ظرفه تحول ~~فيما بعد - فقلت إذ ذاك: «كم من ms003 متدين هو أسمى عقلا منا، فكيف يغرب هذا عن بصير ~~كالمعري؟» فإذا بي أرى الشيخ مدركا هذا يقر به ويقول في رسالة الغفران: «وقد تجد ~~الرجل حاذقا في الصناعة، بليغا في النظر والحجة، فإذا رجع إلى الديانة ألفي كأنه ~~غير مقتاد، وإنما يتبع ما اعتاد» (ص255). # لست بالمبشر في هذا المقال، ولكني قرأت اللزوميات لأرى ما يدعو إليه أبو ~~العلاء، فلم أقع - أولا - على شيء، فعدت من قراءتها وقراءة كل آثاره، كما عاد ~~صاحبنا من العراق راضيا من الغنيمة بالإياب. # رأيت رجلا يهجو الدنيا ويزدريها كالمسيح، ولكنه لا يترجى ملكوتا ولا نعيما، ~~فماذا نعمل نحن الذين لا نصلي ولا نشكر إلا طمعا بالثواب؟ وأين هي الغاية نسعى ~~لها؟ بل أين هي الفلسفة التي يجب أن نقر له بها ونضعه لأجلها بين حكماء ~~الأجيال؟ # فنفضت يدي من صاحبي وقلت: لا هذا ولا ذاك. ما هناك إلا أعزب الدهر مقيم في غرفة ~~سوداء، يناجي الأشباح والأرواح، شفتان ترتجفان وتتمتمان، يستعرض جبهة الأزل وساحات ~~الأبد، يفكر دائما بالمعضلة السرمدية، ويصوب نحوها نبراس عقله، فيهرب الظلام ولا ~~يكشف له النور عن شيء، فيلتجئ إلى ما طبع عليه؛ أي السخر والهزء، فيضحك من موكب ~~الحياة الصاخب؛ لأنه لا يقدر أن يماشيه، فيرى جميع الناس صما عميا ~~بكما: # أفضل من أفضلهم صخرة # لا تخدع الناس ولا تكذب # فقلت: تلك نتيجة مركب النقص، كما يزعم علماء هذا الزمان. عجز أبو العلاء، فرأى ~~جميع الناس أشرارا قساة القلوب، يفتكون بالضعيف ويصفون له «الفروج» لأنهم ~~استضعفوه، فلماذا لم يصفوا شبل الأسد؟ # غضب المعري على المستطيعين؛ لأنه غير مستطيع مثلهم، فعد النسل جناية. # تحدث كثيرا عن المرأة لأنه يحبها، وأساء الظن بها لأنه يريدها ويغار عليها، وهو ~~عاجز من جهتين، فقعد يكره الناس بالحياة، وفي الحياة ناموس يجذبنا إليها؛ فكيف ~~يقوى على صده ضرير، ولا سيما أنه يقول: «أم دفر لقد هويتك جدا ...» كما سترى. ~~إذن، غضب أبو العلاء على الدنيا لأنها لم تحسن استقباله، فهجاها انتقاما منها، ~~ولكنها أجابته ms004 بقوله : # رب لحد قد صار لحدا مرارا # ضاحك من تزاحم الأضداد # أقول هذا وأشهد أني ظلمت الشيخ - قبل أن أدرك سره - والله وحده يعلم إن كنت ~~أدركت شيئا ... # لم أستغرب قول صاحب يتيمة الدهر إنه عرف في معرة النعمان شاعرا ظريفا اسمه ~~أحمد بن سليمان؛ فصاحبنا أبو العلاء ظريف حقا. لا بد هنا من تصفية حساب إحدى مشاكل ~~الرجل؛ فقد توهم الناس حتى الخواص من الأدباء - هدانا الله وإياهم - أن أبا العلاء خلق منزها عن الشهوات، بريئا مما يسميه غيرنا الضعف البشري، لا ينقصه ~~شيء من الكمال في نظرهم، حتى كادوا يجعلونه بمعزل من الغرائز، كأنه غير مركب من ~~لحم ودم. # إن أبا العلاء، أيها الفضلاء - وهذا لا يضير عصمته التي تزعمونها له - قد تغزل ~~كالشعراء؛ لأنه أحب مثلهم - الحب لا يضر يا سادة - وأحس بما أحس به كل مركب ~~من نفس وجسد وله دماغ وقلب، إنه لم يقل عبثا: # أيا دارها بالخيف إن مزارها # قريب ولكن دون ذلك أهوال # وقال أيضا: # أيا جارة البيت الممنع جاره # غدوت ومن لي عندكم بمقيل # لغيري زكاة من جمال فإن تكن # زكاة جمال فاذكري ابن سبيل # وأبو العلاء مدح كالشعراء، وهنأ بالزفاف وغيره مثلهم، ولم يقصر عن أبي الطيب في ~~غلوه وإيغاله، حتى قال لأحد زعماء الشيع يهنئه في عرس: # كأنها سر الإله الذي # عندك دون الناس يستكتم # وليس يبالغ هذه المبالغة إلا من يطمع في حطام الدنيا؛ فأبو العلاء قد جنى مثل ~~غيره غلة الشعر، وذاق بواكير محصوله - قبل نسكه - وأبو العلاء رثى كالشعراء، وهجا ~~مثلهم، ولكن هجوه لا هجر فيه، وافتخر وادعى مثل الشعراء بل أكثر منهم. فلنثق ~~جيدا أن المعري إنسان مثلنا، أكل وشرب وتلذذ مثل الناس، وهو لم يكذب علينا حين ~~قال: # تنسكت بعد الأربعين ضرورة # ولم يبق إلا أن تقوم الصوارخ # فكيف ترجي أن تثاب وإنما # يرى الناس فضل النسك والمرء شارخ # ويقول أيضا معبرا عن اختباره الواسع الدائرة: # إن الشبيبة نار إن أردت بها # أمرا فبادره إن ms005 الدهر مطفئها # أصاب جمري قر فانتبهت له # والنار تدفئ ضيفي حين أدفئها # وهو يعترف بأخذه قسطا وافرا من نعيم الحياة حين يقول: # خبرت البرايا والتصعلك والغنى # وخفض الحشايا والوجيف مع السفر # ويقول عن الدنيا ورياء البشر وإظهارهم الصدوف عنها: # من لم ينلها أراك زهدا # ومن لعير بصليانه # ثم لا يكتفي بإخبارنا عن هذا الترك، بل يقول لماذا فعل ذلك: # ولم أعرض عن اللذات إلا # لأن خيارها عني خنسنه # ويقول أيضا في آخر الشوط: # غنى وتصعلك وكرى وسهد # فقضينا الحياة بكل فن # زمان لا ينال بنوه خيرا # إذا لم يلحظوه من التمني # عرفت صروفه فأزمت منها # على سن ابن تجربة مسن # لم ينزه أبو العلاء نفسه عن كل هذا، ومع ذلك يقوم فينا، بعد عشرة قرون، من يغار ~~عليه، ويأبى أن يقر له بذاك، ليرينا إياه رجلا حلت عليه النعمة في البطن ... ثم ~~يتساءل: «من أين له الغنى وخفض الحشايا؟» «ما نشك في أنه قد مر بهما مرور الطيف في ~~يوم من أيامه التي قضاها عند أخواله بحلب، أو عند أصحابه بمدينة السلام. ولعله ظن ~~جلوسه على الفراش الوثير وتمتعه بالطعام الشهي ساعة من نهار في دار سابور بن ~~أزدشير، أو عبد السلام بن الحسين، ابتلاء للغنى.» # عجيب وألف عجيب أمر صاحبنا هذا. ترجح دائما كفة الغرض حيث ينصب ميزانه؛ فهو ~~إن وزن المعري تقصر جميع أثقال الدنيا عن أن تزنه وتعادله، وإن وضع فيه المتنبي ~~شال ولم تواز شخصيته حبة خردل. # فإما أن أبا العلاء صادق، وإما أنه غير صادق، فإن كان صادقا فقد أقر وأظهرنا ~~على ضعفه هذا - إن سميناه ضعفا. وإن كان غير صادق، فلماذا نصدق ما زعمه ورواه ~~عن زهده؟ بل لماذا لا نشك بقوله على الأقل، إن لم نكذبه؟ فالذي عندي هو أن أبا ~~العلاء بلا الدنيا، وذاق حلاوتها، وتكلم عن اختبار واعتبار، فلا ننزهه عما لم ينزه ~~هو نفسه عنه، ولنصدق معاصره الذي وصفه بالظرف. هبوه أبا حنيفة الإمام المتبوع؛ ~~فقد كان في أول عهده ms006 من عشراء حماد عجرد وجماعته. وهبوه القديس أوغسطينوس يعترف؛ ~~فما ضر اعترافه علمه ولا قداسته. # فلنسمع اعتراف أبي العلاء. قد نسك شيخنا وتزمت بعدما أخفق، أو قل «تحول» ظرفه ~~حين مشى في جادة أخرى، وأمسى حبيسا. إنه لم يولد في البصرة، بل في معرة ~~النعمان، والمعرة بلد منعزل ضيق ما فيه إلا قيود وتقاليد. # تذكر الشيخ قول أبي نواس: «نعم إذا فنيت لذات بغداد.» فقصدها، ولكنه عاد ~~خائبا من باريس العالم القديم؛ لأنه غير مستطيع، فكان من أمره ما كان. انزوى في ~~بيته يعلم الناس كبارا وصغارا ويهزأ بالناس أجمعين، ويضحك من مطامعهم العجيبة، ~~وغلواهم فيه. قال شيخنا الجليل: # والذي حارت البرية فيه # حيوان مستخلص من جماد # قال قوم، ولا أدين بما قا # لوه، إن ابن آدم كابن عرس # فقام منا من يزعم أنه سبق داروين إلى علم النشوء والارتقاء. # إنه لا يعني فيما يقول أكثر مما نعتقده؛ أي إن الإنسان مخلوق من تراب ولا يعني ~~بقوله: «إن ابن آدم كابن عرس.» أكثر مما يظن الفلاسفة الماديون. # وغضب أبو العلاء على البشر حين اعتقد «الخير» مذهبا فقال: # أقلقتم السابح في لجة # ورعتم في الجو ذات الجناح # هذا وأنتم عرضة للفنا # فكيف لو خلدتم يا وقاح؟ # فقام أيضا من يظن أنه ممن كشفت لهم حجب الغيب، وقد نظر إلى ما سيكون، ~~فحدثنا عن الطائرات والغواصات، وأبو العلاء المسكين لا يعني إلا قنص الطير وصيد ~~السمك ... # ألزم شيخنا نفسه ما ليس يلزمها فسخط على المتساقطين على مائدة الدنيا كالذباب. ولو ~~كان عنده علم هذا الزمان لحرم علينا شم الهواء وشرب الماء؛ لأن فيهما حياة، ~~ولامتنع عن أكل العدس لأنه يلد الطويرات، ورفع يده عن سلة التين لأن التين، إذا ~~خم، يولد بنات عم البرغش. # ضلالة هندية اعتقدها أبو العلاء، وأراد أن يجعل نفسه حقل اختبار لفلسفته ~~كما فعل تولستوي حين خرف. # هكذا ظننت قبلما عرفت رأيه في «النفس»، وقبلما بان لي أنه يرجو ثوابا. # اعتكف أبو العلاء على درس أبي الطيب فكانت ms007 أولى صرخاته: «نقمت الرضا حتى على ~~ضاحك المزن.» وأبغض الدنيا وأهلها مثله فاختار لها أبشع الألقاب وأوخمها، وهذه ~~الكنية النتنة التي أطلقها عليها مأخوذة من قول معلمه أبي الطيب: # وقتلن دفرا والدهيم فما ترى # أم الدهيم وأم دفر ثاكل # ثم ذهب في ذمها مذاهب أبعد يعرفها كل من له إلمامة بالأدب. # أعجب شيخ المعرة بالمتنبي فتناول كلياته الفلسفية وطفق يبسطها ويمططها، ~~فكان في نظري مكبرا فوتوغرافيا لصور المتنبي، فترك لنا هذا الميراث الفلسفي ~~المنظوم؛ فما لزوميات أبي العلاء إلا كألفية ابن مالك؛ هذه تتضمن صرفا ونحوا، ~~وتلك تتضمن فلسفة لمها صاحبها من هنا وهناك، فهو لمام فلسفة لا فيلسوف. وأعرف ~~كثيرا من معازة وبقارة وبغالة عندنا يقولون عن الطقوس وغيرها ما قاله أبو ~~العلاء، وقد يعبر بعضهم أحيانا بسخر مثل سخره، ولكنه لا يحسن النظم مثله. # وضع أبو العلاء الرجاز في آخر الجنة تحقيرا لفنهم، فأين كان يضع نفسه فيها ~~لو سألناه ذلك؟ لا شك أنه لا يجيب ببيته المشهور: # وإني وإن كنت الأخير زمانه # لآت بما لم تستطعه الأوائل # فقد أفحمه ذلك الصبي، إن صحت الرواية ... أما أنا فأراه صادقا في هذا البيت ~~بالنظر إلى رسالة الغفران؛ فهو أروع أثر عربي ينم عن ظرفه ويبرئ تلك التسمية. ~~فمن شاء أن يتعرف به فليطلبه هناك. # أما لزومياته فقلما تجد فيها شعرا. ولنعظمه لأجل ذلك الأثر الخالد. # قد أخفق فيما كتبه بعدها من رسائل وفصول، ولم يدرك غاية من الغايات؛ لأن فكرة ~~صاحبنا واحدة؛ فهو منها كطائر في قفص، أو كجواد طول له ليرعى، فخط دائرة بمقدار ~~ذلك الحبل. # إن رائحة أعزب الدهر لا تعجبني؛ فالشعر ابن الحياة، وكل شعر يبتعد عنها ينفر منه ~~القلب وتشمئز النفوس؛ ففي شعر أبي العلاء رائحة يأس قتال، ومن يتبعه كان مغفلا ~~يقع وإياه في حفرة. # قد تدخل عقلي أفكار أبي العلاء الزهدية حين أشبع ميولي، أما حين أنشط فأراه أخا البوم ينعب ولا يتعب. # إني لأكره النوح والنعيب، وأحب الفن راقصا في كل زمان ms008 ومكان حتى على القبور؛ ~~فليتني أودع بطبل وزمر، فأدخل ذاك الباب بين أجواق الزامرين والراقصين، ولا ~~أودع وداع يأس كما زعم هو ... # لست ألوم الشيخ إن قال: # ضجعة الموت رقدة يستريح ال # جسم فيها والعيش مثل السهاد # ربما كان صادقا، ولكن لا؛ فشعره غير مصداق لقوله، ورحم الله أستاذه أبا الطيب إذ ~~أجابه عنا: # وإذا الشيخ قال أف فما مل # حياة ولكن الضعف ملا # لقد كان أبو الطيب يلم من كل فن بطرف؛ فللغيد عنده ساعة ثم تنقضي، أما أبو العلاء فيريد أن يجذبنا صوبه فما مثله إلا كمن ينادي: «ترمس أحلى من ~~اللوز!» # هيه! يا أبا النزول، فليصدقك غيري، أما أنا فلست أذوق ترمسك ما استطعت أكل ~~اللوز والجوز ... # إني لأعجب ممن يقول: # تحطمنا الأيام حتى كأننا # زجاج ولكن لا يعاد له سبك # ثم يدعو الناس إلى ترك أطايب الدنيا. # إن الفلسفة العلائية ترى كل ما على الأرض ضلالا وباطلا، ثم لا ترجو معادا، ~~أليس هذا منتهى العجب؟ # أنطقته بمزاعمه غريزته الموءودة؛ فجسمه مقبرة عواطف ترجو الحياة، فولد تساميه ~~تشاؤما ويأسا، بل صاحت هامته: «اسقوني»، فقدم لها زاده الفلسفي المعفن. # شبع سليمان من لذائذ دنياه وأطايبها فقال لنا بعد أن مسح فمه: «باطل الأباطيل وكل ~~شيء باطل.» ولكن هذا قالها ولم يذق من حلاوة دنياه غير التين، كما زعموا. # لا تصدق ذلك؛ فأبو العلاء عرف جميع ملاذ الدنيا، وذاق ضروب حلاوتها كلها إلا ~~الخمرة. # إن أعجب فأعجب من أعميين هما الضدان اللذان لا يجتمعان: أبو معاذ، أكمه البصرة، ~~الشره، القرم إلى الأحمرين، الخمر واللحم، وأبو العلاء، ضرير المعرة وهو بحق ~~صائم الدهر: # أنا صائم طول الحياة وإنما # فطري الحمام ويومذاك أعيد # أنا واثق أن شيخنا، قدس الله سره، ما عيد قط، لا على لحم ولا على بيض ... اللهم ~~بعدما نسك. أما كيف يفطر وكيف يعيد أبو العلاء إذ يموت، فهذا يأتيك خبره في حينه، ~~فلا تستعجل الأمور قبل أوانها فتعاقب بحرمانها. # إن أبا العلاء ربيب المتنبي في خطوط فلسفته ms009 الكبرى ، وهو أخو الجاحظ في هزئه ~~المتلبس بالجد، وسخريته المتعالية حتى على الخواص. ليس أبو العلاء شاعر ~~الفلاسفة ولا فيلسوف الشعراء؛ فقد أبعدته فلسفته عن الشعر، ولا يصح أن نعده، في ~~لزومياته، شاعرا، إلا إذا جاز لنا أن نحصي ابن مالك في الشعراء. ليست لزوميات ~~شيخنا ديوان شعر، ولكنها كتاب جمع فيه مؤلفه أصول «مذهبه» وبسطها بسطا معمى ~~تقية وإيثارا للعافية. أما نبهنا إلى ذلك بقوله: # أوجز الدهر في المقال إلى أن # جعل الصمت غاية الإيجاز # لا تقيد علي لفظي؛ فإني # مثل غيري تكلمي بالمجاز # فمن هو هذا «الغير» يا ترى؟ # هذا ما يعنيني ويعنيك أيها القارئ اللبيب، ففكر معي إلى حين يفتح الله ~~علينا. # كان في نفس المعري حاجة ما اجترأ على مفاتحة الناس بها؛ فلم يمن بما مني به ~~المتنبي من قصاص وخيبة ... # أما المتنبي فأخفق في دعواه ولم يخفق في فنه الشعري، والمعري عكس الآية، أخفق ~~في الشعر وفاز بالتوحيد؛ أعني التوحيد الذي يفهمه هو و«الجماعة» القائلون: «الإسلام ~~باب الإيمان، والإيمان باب التوحيد.» # المعري رجل كلام وجدل، مفكر حر حطم سلاسل الوراثة وأغلالها، فلم يشل عقله ~~إذ واجه المعضلات الأبدية التي لم تحل. ألقى مشكلات عصره في قفص الاتهام وقعد ~~يستنطق الأجيال ويقلب ما تركت من الآثار بطنا لظهر، ثم حبس أحكامه عليها في سجون ~~الأوزان والقوافي. ناقش كل معضلة فمضى وكأنه لم يحل واحدة منها. أما عارفو سره ~~فيدركون بوضوح ما يعنيه صاحبهم إذ يقول: # غدوت مريض العقل والدين فالقني # لتعلم أنباء الأمور الصحائح # بني زمني، هل تعلمون سرائرا # علمت ولكني بها غير بائح؟ # إن المعلم من «سره» هذا في جهد جهيد، مثله مثل امرأة أدركها المخاض، فهي تتوجع ~~وتتألم، والوضع منها بعيد. # أشعرنا أبو العلاء في مقدمة لزومياته أنه يكتب كتابا، لا ينظم ديوانا، ولولا ~~الاجترار والتكرار لقلت إنه أعد لكل فكرة زندانا؛ أي فصلا. شك القدماء في كتبه ~~النثرية فاتهموه بمحاكاة القرآن الكريم في كتابه الفصول والغايات. وها أنا ألحظ ~~أيضا - وبعض الظن إثم ms010 - أن كتابه الشعري، لزوم ما لا يلزم، مؤلف من مائة وثلاثة ~~عشر فصلا، وسور القرآن العزيز مائة وثلاث عشرة سورة، فهل قصد ذلك يا ترى؟ # إن الشيخ، رحمه الله، متهم، وهو ماكر على فضله وتقاه. لقد قال: «وإني وإن كنت ~~الأخير زمانه ...» فمن ينفي عنه حسبان نفسه «صاحب الزمان الأخير» المنتظر في دهره ~~بفارغ الصبر؟ وإني لأرى رسالته «ملقى السبيل» أعلى ذرى التقليد المزعوم. # كل هذه المزاعم جائزة، بل هي عندي تشبه اليقين، أما ظن الفرنسيون مريدو «لامنه» ~~شيئا من هذا بكاتبهم العظيم، فالتفوا حوله؟ # إن تلك الثورة العقلية الصاخبة في زمن أبي العلاء تظن بها الظنون، فلا تستغرب ~~يا قارئي ما زعمت لك، وإني لأعتقد أن المعري نظم كتابه طبقا لترتيبه، ولم يزج ~~هنا وهناك إلا القليل. ومن تأمل رأى الضعف ملموسا في آخره؛ لأن الشيخ كان فيه ~~بين جهدين: جهد العمل الجاهد، وجهد الثمانين. # أدرك الشيخ، عفا الله عنه، ما في شعره من جفاف، فقال فيما قدمه بين يدي ~~لزومياته: «وأضيف إلى ما سلف من الاعتذار أن من سلك هذا الأسلوب ضعف ما ينطق به من ~~النظام؛ لأنه يتوخى الصادقة، ويطلب من الكلام البرة، والشعر باب من أبواب ~~الباطل، فإذا أريد به غير وجهه ضعف.» # لسنا نعفي شيخنا من جريرة هذا الزعم، ونرد عليه قوله وبرهاننا من شعره وفيه؛ ~~فقصيدته «غير مجد في ملتي» من أجود الشعر، وفيها الصادقة والبرة من الكلام، بل ~~هي نواة فلسفته التي انبثقت منها تلك النبعة التي لا يوازى بأعلى نبتها الشجر، كما ~~قال الأخطل، ومع ذلك لم تضعف تلك القصيدة؛ فالشعر يضعف ويأتيه الباطل من الجهات ~~الست حين يصبح جدلا كما فعل شيخنا الموقر، أو حين يصبح ألفاظا تردد وتجتر ~~كما يفعل أكثر شعراء الجيل الطالع ... إن من يشغل باله النحو والصرف في الشعر كأبي العلاء فيقول: # ستتبعه كعطف الفاء ليست # بمهل أو كثم على التراخي # لا يكون حظه من الشعر النقي إلا قليلا؛ فثقافة أبي العلاء الفنية مستمدة من جميع ~~ما ms011 عرفه العرب، وهو أعظم راوية عرفه أدبنا. وغايته الأولى علم الكلام والجدل ~~ومقارعة أئمة الأديان أجمع، وفنه في اللغة والنحو والصرف والعروض وكل ما أنشئ لصون ~~اللغة من علوم كما يرى المفكر حين يقرأ آثاره كلها. # في شعره اللزومي ثورة تنفخ فيه حياة مبعثها روح الشاعر الثائرة المتمردة الساخرة، ~~فملح بعضه وطاب. سير الشاعر قريحته في غير اتجاهها كما سير نفسه فقضى على ~~الثنتين. # قد تسأل عن مشاكل النحو والصرف وغيرها التي أفسدت فن شيخ المعرة حتى في أروع ~~آثاره، «رسالة الغفران»، فاسمع كيف يقول واحكم أنت: # إذا غدوت عن الأوطان مرتحلا # فضاه في البين حذف الواو من يعد # ومع هذا عاد شيخنا من بغداد إلى معرته ولم يفارقها مفارقة الواو مضارع وعد، بل ~~لزمها لزوما أبديا. وشاء النهي عن الزواج فالتجأ إلى النحو والبديع فقال: # لا تدنون من النسا # ء فإن غب الأري مر # والباء مثل الباه تخفض # للدناءة أو تجر # وأدرك أنه يخالف وصية زعيم المذهب القائل: «واحدة تكفيكم.» فرجع عن غلطه. فتش ~~فوجد في النحو معينا فقال: # تزوج إن أردت فتاة صدق # كمضمر نعم دام على الضمير # والتفت نحو الدنيا ليخاطبها كعادته فوجد في إحدى القراءات معينا يمهد له ~~الطريق فقال: # أم دفر لقد هويتك جدا # أي ضب تركت من غير حرش # خففي الهمز في النوائب عني # واحمليني على قراءة ورش # ثم ورد منهل العروض فقال: # وإنك مقتضب الشعر لا # يزيد بحال ولا ينقص # الدهر كالشاعر المقوي ونحن به # مثل الفواصل مخفوض ومرفوع # وحدثنا عن محبسه فاستجار بنعم وقال: # وما زال نعم الرأي لي أن منزلي # كأني فيه مضمر كن في نعما # واسمح لي أن أختم بهذا البيت من تلك البضاعة المزجاة: # وترفع أجساد، وتنصب مرة، # وتخفض في هذا التراب، وتجزم # لم يبق إلا الشد والمد والقطع والوصل، وفيها مجال فسيح للناظم. إني لأعذره فيما ~~أعنفه، ولا أزعم أني ذكرت كل شيء، ولست بمحدثك عما تعمد من ضروب البديع الشنيع؛ ~~فالحط من قدر هذا النابغة لا يخطر ms012 لي ببال. وأنا والله أحترم أدبه جدا. وقد زرت ~~قبره الحقير قبل أن دعا الريحاني إلى الاحتفال بعرسه الألفي، وكتبت ما كتبت عن تلك ~~الزيارة التي تركت في نفسي أسوأ الأثر ... # إن الشيخ الإمام يدعونا إلى اتباعه في ترك الدنيا بقوله لنا: # وإن شئتما أن تخلصا من أذاتها # فحطا بها الأثقال واتبعاني # يذكرني قوله بالكلمة الإنجيلية: «احمل صليبك واتبعني.» ولكني أجيب الشيخ: «ضرب ~~الحبيب زبيب.» ثم أصارحه بأنني لن أتبعه ولو عمرت مثل متوشالح. إن ناموس الحياة ~~يريدنا ثقالا لا خفافا، فكيف نلقي العتاد ونهرب من المعركة؟ لو شئنا أن نعيش ~~بعقلنا - كما يريد هو - لوقفت حركة الكون وصح فينا قول أبي الطيب: «ذو العقل يشقى ~~في النعيم بعقله.» فليتبع أبو العلاء شيخه العقل. أما أنا فمن الجهال لا ~~العقال. إن بعض العقل عقال كما قال أبو الطيب، فلننطلق. # وبالاختصار أقول: إن في أدب العميان جميعا رائحة عفن لا تعجبني ولا أستطيبها، ~~ولم يخل منها حتى شعر بشار، ذلك القطب الجنوبي المتقد، إن صحت تسمية المعري ~~قطبا شماليا لصقيعه وجليده. # وأخيرا، أسأل أبا العلاء أن يغتفر لي وقاحتي وتطاولي على سدته السنية؛ لأنه ~~أمرني أن أبتعد ما استطعت عن التقليد حتى في الصلاة: # في كل أمرك تقليد رضيت به # حتى مقالك: ربي واحد أحد # إني أثق برحابة صدر الشيخ، ولكني أخشى غضب من يؤمنون به إيمانا أعمى ويريدون أن ~~ينزهوه ... # إن من يقرأ أبا العلاء ويفكر بما يدعو إليه يظنه دهريا عدميا. ورجل حكيم واع ~~كأبي العلاء لا يصح أن يكون بلا مذهب، ناهيك بأن هذا مستحيل؛ فعلم النفس الحديث ~~يثبت أن لا بد للإنسان من معتقد، بل لا بد له من التفكير في فرض لحل المشكلة العظمى ~~التي تواجهه كل لحظة، فما هو مذهب المعري الذي يبرر ذلك الزهد العنيف؟ # لولا هذا الفرض كان صاحبنا مجنونا. # ولماذا يتنسك هذا النسك الأهوج من لا ينتظر حالة خيرا من التي هو فيها؟ # لم يعجب أبا العلاء سماع قوله تعالى حين تلاه ms013 في حضرته ذلك المقري: # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا ~~، إذن فما عساه يرجو وهو ذلك اللبيب اللبيب، وعلى أي ~~رجاء يموت؟ # إن نقل لا رجاء له كما يبدو لبعضهم من تردده وشكه، فلماذا هذا التقشف؟ # ألا يستطيع أن يعمل خيرا ويعيش مثل الناس؟ فماذا يبرر هذا الشذوذ ويعفي الرجل من ~~البهلة فلا يكون هملا، كما حذرنا هو، ولا يترك سدى؟ # عبثا نحاول حل مشكلة المعري على مذاهبنا المعلومة المكشوفة؛ فهو لا يدين بها، ~~وقد حمل عليها حملات عنيفة؛ فلا نحاول تبرئته فنتمسك بما هو أوهى من خيط العنكبوت؛ ~~وإني لأجل صدقه، فهو أجل وأسمى من أن يكون ملحدا معطلا، كما سماه ابن الجوزي في ~~«تلبيس إبليس». إنه لم يصرح بدينه لا سرا ولا جهرا لا تلميحا ولا تلويحا، حتى ~~في أحرج الساعات وأرذل العمر، حين يمسي الرجل إمعة، ساعة هاجم حصنه داعي الدعاة ~~وأراد أن يريح العالم من دينه ... ~~(لا تنس أنني أحدثك هنا عن فهمي الأول للمعري) كان في استطاعته أن يقول كلمة ~~واحدة تريحه وتغنيه عن ذاك اللف والدوران، ولكنه أبى أن يكون منافقا، ومذهبه يقوم ~~على «الصدق» وإن جوز الكذب عند الضرورة القصوى، كما سترى. # إن لم يكن المعري يريد إشادة مذهب جديد، فهو على الأقل ذو مذهب، فما هو ذاك ~~المذهب؟ هذا ما سيضطرب له الأستاذ رئيف خوري. # روي أن أبا العلاء، حين كتب «معجز أحمد»، قال: «كأن المتنبي نظر إلي بعين الغيب ~~فقال: # أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي # وأسمعت كلماتي من به صمم.» # وأنا أقول: كأني بصديقي الأديب الكبير رئيف خوري قد دخل مخدعي منذ شهور، وفتش ~~أوراقي - وفيها المحظورة قراءته والمباحة - كأني به قد حضر إحدى الجلسات التي كنت ~~أستنطق فيها أبا العلاء القائل: # لا تخبرن بكنه دينك معشرا # شطرا وإن تفعل فأنت مغرر # واصمت فإن الصمت يكفي أهله # والنطق يظهر كامنا ويقرر # كأنه درى بكل هذا، فقال ما عزته إليه مجلة الأديب الغراء في عدد أبي ms014 العلاء: إننا ~~في لبنان لن نترك أبا العلاء حتى نعطيه تذكرة هوية طائفية. # هو ما تقول، يا أخي، ولا أشك في أنك تسلم بضرورة «الفرض» لحل المشاكل العظمى، ~~وهل حل أعظم المشاكل الكونية غير الفرض؟ ولهذا رأيت أن المعضلة العلائية لا تحل ~~إلا بهذه التذكرة؛ فهي المفتاح لهذا الباب الدهري المغلق. # إن للهوية، يا رئيف، شأنا جليلا في علم النفس، فاسمح لي أن أمنح المعري هذه ~~التذكرة. واستسفره إلى دولة الأدب، فإن كان مرغوبا فيه فاحفظها لديك، وإلا فأعدها ~~إليه وأقصه إلى الحدود، فيعود من حيث جاء. # حاشية: خاطبتك بيا أخي، فلا يعز عليك ذلك. ما في ذلك غض من فتوتك؛ فالناس ~~يعلمون أنك فتى، لا أعني ابن عشر، بل أعني شابا مندفعا كالتيار في بحر الإنتاج، ~~وأرى في نتاجه أشياء يكتب لها البقاء، وأترجى أن يجتمع أشدك في الدهر العتيد ~~كما يترجى المؤمن قيامته بالنفس والجسد. # اللهم، حقق لنا الأمنيتين، واهد شبابنا الحائر إلى ذاته حيث يجد الأدب الذي لا ~~يموت، فأكثر ما تنتجه قرائحهم كالزهرة المعروفة «شب الليل». # | عصر الأسرار والخفاء # | عصر أبي العلاء # العصر الذي كان فيه أبو العلاء عصر ثائر فائر؛ فبعد أن أشعلت «الفاطمية» القيروان ~~والمغرب، وافق دخول إمامها - المعز لدين الله - مصر عام مولد المعري، وفي العقد الذي ~~ولد فيه شيخ المعرة ودرج كانت جمعية إخوان الصفاء تزدهر وتنمو نمو الصبي ~~(970-980). # تأمل أي ثورات دينية واجتماعية وسياسية سبقت مولد هذا الغلام، ورافقت حياته التي ~~افتتحت بمحنة العمى. هبت عليها أعاصير النكبات فأطفأتها، ولكن نورها لم ينطفئ، وإنما ~~تغلغل في أعماق تلك النفس البائسة فاستحالت منارة عالمية تشع أنوارا خالدة ولا ينفد ~~زيت حكمتها الأزلية. # ها نحن اليوم نمشط - كما قال أحد أدبائنا المعروفين في دفاعه عن أدبه - رأسا ~~شمشونيا، ونحمد الله على أننا لا نمشط رءوسا قرعاء تعيي المقص والموسى، ولا تجد أسنان ~~المشط فيها مجالا ... # إن الفترة العلائية كانت زبدة الحقبة العربية، وتركت في تاريخنا عصارة الفكر العربي، ~~فما وثبت تلك الموجة ms015 البشرية من شط جزيرة العرب حتى غدت تيارا جارفا ألقى إلى ~~اليابسة حيتانا روعت العالم. # انفتحت عين العربي على نور الحضارة فأفلت عقله من غلال الصحراء وقيودها، فتفتق عن ~~أكمام سرية. استنارت بصيرته ففكر في المسألة الخالدة المستعصية. # كان العربي ساذجا يصدق كل ما يسمع. لم يكن يؤمن إلا بملكوت الرغيف، فلا يحسب لما ~~وراء القبر حسابا، يعيش طبقا للآية التي وصفته: # ما هي إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر ~~، أو كما قال الشاعر الجاهلي: # فدعني أروي هامتي في حياتها # ستعلم إن متنا غدا أينا الصدي # كانت القبيلة فوق الجميع، وكان العربي وهابا، فلما شعت أنوار الدين الجديد آمن ~~سكان المدر إيمانا لا يعتوره شك، فاندفعوا إلى الفتوحات باسم الله العظيم، فعضدهم ~~سبحانه وتعالى، وشد أزرهم بملائكة غضاب، كما قال شوقي، فحاربوا معهم حتى غلب وزهق ~~الباطل. # ما انفصل العربي عن صحرائه واستقر في العمران حتى علق يفكر، والحياة المستقرة مدعاة ~~التفكر والتفلسف. # رأى عالما لم يكن يتخيل له وجودا. كان في جاهليته كالطفل الذي يحسب ما تقع عليه ~~عينه، حول ضيعته، كل الدنيا. عرف أديانا غير دينه الجديد المستحوذ على شعوره، فأخذ ~~يقابل ويقايس ويحلل ويعارض هذا الدين بتلك المذاهب، واستوى منه علماء فتح أذهانهم كتاب ~~الله العزيز الذي أنزله على رسوله قرآنا عربيا. # نظروا إلى أشياء غيرهم فتذكروا قوله تعالى: # لكم دينكم ~~ولي دين ~~، ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد، فانبروا يجادلون أهل الكتاب، ~~ثم رأوا أن ذلك لا يكفي؛ ففي الميدان أهداف وأغراض لا بد من بلوغها والسعي لإدراك بعضها؛ ~~فهناك كتب الأقوام والجماعات الدينية فيها ما يوافق الكتاب العزيز وفيها ما يعارضه. ~~ووقعوا على كتب أنتجها العقل الإنساني في عصوره المتقادمة؛ كتب تدرس مسائل عويصة لا بد ~~للمفكر من التأمل في معضلاتها ليهتدي إلى فك أختامها، فعكفوا عليها يتدارسونها. ورأوا ~~علوما لا عهد لهم بها يذهب المتبحر فيها مذاهب شتى؛ فهي تمس يقينه حينا وتشككه ~~أحيانا؛ فهناك الطب والصيدلة والكيمياء والحساب والهندسة والهيئة ms016 والحيل والتنجيم ~~وغيرها؛ علوم كلها تنخس العقل البشري المطمئن بمهماز الشك، فيشرئب ويثب. # رأوا حولهم علماء يفلسفون في أديانهم، ولا يقبلون الأمور على علاتها كما تعلمهم إياها ~~أديانهم في كتبها المنزلة؛ لأن العقل يرفض الكثير منها ولا يصدقها، فنهجوا نهج أولئك ~~العلماء. # حاول فريق منهم - كما في كل ملة - أن يوفق بين الحكمة والدين، وفريق آخر خلع نير ~~الإيمان وفكر تفكيرا حرا أدى به إلى الكفر والإلحاد، فطاح سيف الإمام برءوس كثيرة ~~ليرد الأمة إلى حظيرة الاستسلام، ولكن الدم لا يوقف تيار العقائد ولا يصده، فهو ~~كالفصاد يخفف الضغط ولكنه يعود. # كانت الثقافات المختلفة في تفاعل مستمر، تخلق كل يوم جسدا جديدا؛ فهناك ثقافة ~~نصرانية سلاحها المنطق، ورجالها معروفون؛ فلسنا هنا نؤرخهم ولا نترجم لهم، وثقافة ~~يهودية ولأحبارها يد طولى في الشرح والتفسير والتأويل والاستنباط، ولهم تلمودهم، فغذوا ~~الأذهان بأساطيرهم وحكاياتهم، فكان للمسلمين مثلها فيما بعد، وكما انتظر اليهود مجيء ~~المسيح ولا يزالون، وكما يترقب النصارى المؤمنون المسيح الدجال، ثم المسيح الفادي ~~ليقتله عند أبواب أورشليم المقدسة، تولدت في أذهان الخاصة والكافة من المسلمين حكاية ~~المهدي المنتظر، الذي وصفه ابن عربي، فيما بعد، بقوله: ~~«إن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا، لو لم يبق ~~في الدنيا إلا يوم واحد طول الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة الرسول يواطئ ~~اسمه اسم رسول الله ... وهو أجلى الجبهة، أقنى الأنف.» إلى آخر الأسطورة، كما وردت في كتاب ~~الفتوحات المكية. # وهناك الثقافة الفارسية وفيها، كما في التوراة، حكاية الخلق وما يليها من مبادئ ~~وجدانية؛ مبادئ يواجه بعضها بعضا، ويشبه بعضها بعضا، فتنبري الشكوك، وتدلهم ظلمات ~~الظنون. وهناك المجوسية، والزرادشتية والمانوية والمزدكية. وهناك ثقافة هندية قديمة ~~الأجيال استمدت منها الأديان الجديدة بعض العناصر الغذائية. وهناك آراء ومذاهب لا ~~نستطيع تفصيلها حتى ولا عدها؛ فنحن لا نعد لقارئنا سماطا بل ما يقرب من ~~السندويش. # ونظر العرب إلى الكتاب العزيز فرأوا غمائم الشك تنتشر في الأجواء حتى بلغت القحة ms017 ~~بزعيم المعتزلة - النظام - أن ينكر الإعجاز ويقول: إن القرآن معجز بالنسبة إلى عصره، ~~ولكن من الممكن أن يتوصل البشر إلى تأليف مثله، فهال هذا القول العلماء المؤمنين، ~~فانبروا للدفاع والتأويل والتفسير، وظهرت المذاهب الأربعة والسنة والشيعة، ثم تناسلت ~~البدع والطرق فملأت الأرض، فكانت المعتزلة والرافضية والقدرية والجبرية والخوارج ~~والمرجئة والمعطلة. # ومن الشيعة، التي هي أعظم ثورة فكرية في الإسلام، ظهرت الزيدية والكيسانية والإمامية ~~والموسوية والإسماعيلية والفاطمية والسبيئية والباطنية والمشبهة والحلولية والقرمطية ~~والصوفية، ومن كل فرقة اشتقت عشرات الفرق، وهكذا دواليك، إلى ما لا آخر له. # وظل تفاعل هذه المبادئ مستمرا حتى قام الأشعري يحللها، فكون منها مذهبا عرف ~~باسمه وأحبه كثيرون واتبعوه. # أما الصوفية فظهر فيهم أئمة لا يحصيهم العد، وكلهم يحاولون التوفيق بين الدين والقلب. ~~وذهبوا مذاهب غريبة، فتعددت عندهم الطرق التي يزعم أصحابها أنها تؤدي بهم إلى الله ذاته ~~لا إلى ملكوته. كل واحد يزعم أنه يقول الحق. و«الله أعلم» كانت تفض أخيرا مشاكل ~~الجميع. # في هذه الحقبة الثائرة المضطرمة وبعدها وجد أبو العلاء. جاء وجميع هذه الآراء في طور ~~النضج، ولكنها لم تؤت ثمرا يؤكل ولا يرتكز عليه عقل ذلك الفتى، فحاول أن يخلق منها ~~جميعا شيئا واحدا بعينه. # وكانت ثورات اجتماعية تغذيها فكر دينية؛ فهناك القرامطة يغزون الشعوب المسلمة ~~الآمنة، ويهتكون المحارم باسم دعوتهم، وهناك الفاطميون يدعون هؤلاء القرامطة إلى ~~الثوبان إلى الحق والإخلاد إلى السكينة مبينين لهم صدق الفاطمية، وبطلان قرمطيتهم، كما ~~يتضح مما كتبه المعز إلى زعيم القرامطة الحسن الأعصم يقول: # فما من ناطق نطق، ولا نبي بعث، ولا وصي ظهر إلا وقد أشار إلينا ولوح ~~بنا ودل علينا في كتابه وخطابه، ومنار إعلامه ومرموز كلامه فيما هو موجود غير ~~معدوم، وظاهر وباطن يعلمه من سمع النداء، وشاهد ورأى من الملأ الأعلى. فمن أغفل ~~منكم ونسي، أو ضل أو غوى، فلينظر في الكتب الأولى والصحف المنزلة، وليتأمل في ~~القرآن وما فيه من البيان، وليسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم؛ فقد أمر الله عز ms018 ~~وجل بالسؤال فقال: # فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون ~~. # ومع هذا فما من جزيرة في الأرض ولا إقليم إلا ولنا فيه حجج و«دعاة» يدعون ~~إلينا، ويدلون علينا، ويأخذون تبعتنا، ويذكرون «رجعتنا» وينشرون علمنا، وينذرون ~~بأسنا، ويبشرون بأيامنا بتصاريف اللغات واختلاف الألسن ... فيا أيها الناكث ~~الحانث، ما الذي أرداك وصدك؟ أشيء شككت فيه أم استربت به، أم كنت خليا من ~~«الحكمة» وخارجا عن «الكلمة»؟ ... حتى انقلبت على الأدبار، وتحملت الأوزار، لتقيم «دعوة» قد درست ~~ودولة قد طمست. إنك لمن الغاوين، وإنك لفي ضلال مبين. # وكانت الأقاليم والأمصار تتذبذب بين تلك الدعوات تتحدث عنها - كما نتحدث نحن اليوم عن ~~شئوننا العظمى وحوادث دهرنا الجلى، عن البلشفية والنازية والفاشية، وعن ظهور المسحاء؛ ~~فقلما خلت برهة من معتوهين يدعون أنهم ذاك المنتظر بالمرصاد - وكان الناس عامتهم ~~وخاصتهم للفاطمي المنتظر بالمرصاد، ينتظرونه ويروون عنه الغرائب، كما يرقب الفلكيون ~~مذنب هالي الذي تحدث عنه أبو تمام، فيخافونه ويخافون منه على كرتهم الأرضية ويخوفون ~~الناس به، والأرض ما زالت أرضا، وعقول بنيها هي هي. # وفي ليلة من ليالي الدهر العابس المضطرب كان فريق من أهل المعرة في دار قاضيهم عبد ~~الله بن سليمان - والد أبي العلاء - يتذاكرون أخبار الحوادث وماجرياتها في دولة القاهرة ~~الجديدة، يتحدثون عن عظمة الملك الفاطمي في عهد المعز بالله، وكيف حور الفاطميون وبدلوا ~~حتى في الأذان، فقالوا: «حي على خير العمل» بدلا من «حي على الفلاح»، ثم جرى حديث ~~المهدي، ذلك الإمام المنتظر: «فلا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد ~~الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ~~ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ينزل ~~من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته» (مقدمة ~~ابن خلدون: ص311). # فتذكروا عند هذا الحديث فقرة من كتاب المعز لدين الله الفاطمي الفاتح إلى الزعيم ~~القرمطي الثائر عليه الآنف الذكر، فانحرف مولانا القاضي ms019 إلى صندوقة كانت إلى يمينه ~~فأخرج منها كراسا ودفعه إلى أحدهم فقرأ ما فيه على الجماعة، وها نحن نورد منه أيضا ~~هنا ما يعني بحثنا هذا: ~~«فإن اعتبر معتبر، وقام وتدبر ما في الأرض وما في الأقطار والآثار وما في النفس من الصور ~~المختلفات، والأعضاء المؤتلفات، والآيات والعلامات والاتفاقات، والاختراعات والأجناس ~~والأنواع، وما في كون الإبداع من الصور البشرية، والآثار العلوية، وما يشهد به حروف ~~المعجم، والحساب المقوم، وما جمعته الفرائض والسنن، وما جمعته السنون من فصل وشهر ويوم، ~~وتصنيف القرآن من تحزيبه، وأسباعه، ومعانيه، وأرباعه، ومواضع الشرائع المتقدمة، والسنن ~~المحكمة، وما جمعته كلمة الإخلاص في تقاطيعها وحروفها وفصولها، وما في الأرض من إقليم ~~وجزيرة وبر وبحر وسهل وحقل وطول وعرض وفوق وتحت، إلى ما اتفق في جميع الحروف من أسماء ~~المدبرات السبعة والأيام السبعة النطقاء، والأوصياء والخلفاء، وما صدرت به الشرائع من ~~فرض وسنة وحدود. وما في الحساب من آحاد وأفراد وأزواج وأعداد، تثاليثه وترابيعه، واثنا ~~عشرينه وتسابيعه، وأبواب العشرات والمئين والألوف، وكيف تجتمع وتشمل على ما اجتمع عليه، ~~وما تقدم من شاهد عدل، وقول صدق، وحكمة حكيم، وترتيب عليم ... وليعلم من الناس من كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أنا كلمات الله الأزليات، وأسماؤه التامات، وأنواره ~~الشعشعانيات، وأعلامه النيرات، ومصابيحه البينات، وبدايعه المنشآت، وآياته الباهرات، ~~وأقداره النافذات، لا يخرج منا أمر، ولا يخلو منا عصر، وإنا لكما يقول سبحانه وتعالى: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ~~إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا ~~يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ~~. # فاستشعروا النظر؛ فقد نقر في الناقور، وفار التنور، وأتى النذير بين يدي عذاب شديد، ~~فمن شاء فلينظر، ومن شاء فليتدبر، وما على الرسول إلا البلاغ المبين ... وكتبنا هذا من ~~فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور، ووقت مذكور، فلا نرفع قدما ولا نضع قدما إل ~~بعلم موضوع، وحكم مجموع، وأجل ms020 معلوم، وأمر قد سبق، وقضاء قد تحقق.» # فلما بلغ القارئ هذا الكلام كبر السامعون وقال قاضيهم الجليل: حقا إن أمر سادتنا ~~الفاطميين يدعو إلى التفكير والتأمل والتذكر؛ فما نصرهم إلا من الله، فأمن الشيوخ ~~الآخرون على كلامه. # وكان الفتى - أبو العلاء - يسمع هذه الأحاديث وما يجول فيها من مناقشات ومذاكرات. ~~ومذاكرات الرجال لقاح الألباب. # كان الفتى يفكر أكثر من أولئك الشيوخ. كان يقبع في زاوية من مجلس أبيه يسمع ويعي، ~~ويظل في بحران مستمر، وينتظر تلك الساعات التي يعمر فيها المجلس، ويكثر فيها الجدل حول ~~المذاهب المنتشرة انتشارا ذريعا، فتشعل عقله في وحدته، وتستبد بذهنه حتى تصبح منه ~~كالفكرة الثابتة. إنه وجد في زمن سداه ولحمته الجدل، وخير كلمة تصف لنا ذلك العصر ~~الحافل بالآراء المتضاربة هي التي كتبها الذهبي في حوادث سنة 982؛ أي حين كان أبو ~~العلاء ابن تسع أو عشر، قال: «في هذا الزمان كانت الأهواء والبدع فاشية بمثل بغداد ومصر ~~من الرفض والاعتزال، فإنا لله وإنا إليه راجعون.» # وقال غيره: «سمعت أبا محمد بن أبي زيد الفقيه يسأل أبا عمر بن سعدى عند وصوله من بلاد ~~المشرق إلى القيروان، فقال: هل حضرت مجالس أهل الكلام؟ قال: نعم، مرتين ولم أعد إليها. ~~قال: ولماذا؟ فقال: أما أول مجلس حضرته فرأيت مجلسا قد جمع الفرق من السنة والشيعة ~~والكفار واليهود والنصارى والدهرية والمجوس، ولكل فرقة رئيس يتكلم ويجادل عن مذهبه. ~~فإذا جاء رئيس قاموا كلهم على أقدامهم حتى يجلس. فإذا تكاملوا قال قائل من الكفار: قد ~~اجتمعتم للمناظرة، فلا يحتج أحد بكتابه ولا بنبيه؛ فإننا لا نصدق ذلك ولا ~~نعتد به، وإننا نتناظر بالعقل والقياس، فيقولون: نعم. ولما سمعت ذلك لم أعد. # ثم قيل لي: هذا مجلس آخر للكلام، فذهبت إليه، فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم، فقطعت ~~مجالس أهل الكلام.» # في هذا العصر وجد الفتى أبو العلاء، وكان بيت أبيه صورة مصغرة عن تلك المجالس، وإن ~~لم تبلغ ما بلغته تلك المجالس التي حدثناك عنها، فكان الفتى يسمع تلك ms021 المشاحنات صغيرا، ~~وكان يلفت سمعه شيخ من شيوخ مجلس أبيه حر التفكير أكثر من نظرائه، يدس كلامه دسا، ثم ~~يتعوذ بالله متبرئا من ذلك الكلام وقائليه، فكان أبو العلاء يرتاح إلى كلامه ويتمنى لو ~~يتاح له أن ينفرد به ساعة عندما يكون والده جالسا للمظالم، ليسأله عن قضايا تملأ ~~دماغه، ولكن الأعمى غير مستطيع، فليصبر إذن حتى يأذن الله بذلك ... # وسأل الفتى أحدهم عن ذلك الشيخ فأجابه أنه عابر في البلد يختلف إليه بين آونة وأخرى، ~~فتأوه وسكت. # وسمع الفتى الحديث الذي رووه عن «الإمام المنتظر» وفكر في ذاته لعله يكون هو ذاك ~~الإمام، فأخذ يقلب كلامهم على جميع وجوهه، فوجد أن اسمه يواطئ تماما اسم رسول الله؛ ~~فهو أحمد بن عبد الله، وضرب يده إلى أرنبة أنفه فما رأى أنفه أقنى، وأمر يده على ~~جبهته فما وجدها كما وصفوا جبهة الإمام، فقال في نفسه: قاتل الله الجدري؛ فلو كان ~~مستطيعا للبس قناعا كما فعل المتمهدي الكذاب ... وهناك عائق أعظم خطرا من كل هذا؛ فهو ~~تنوخي من قضاعة، وقضاعة من قحطان. إذن فلينبذ الفكرة وإن كان لا بد من شيء فليكن غير ~~هذا، فعدى عن هذه الفكرة وإن قال: «وإني وإن كنت الأخير زمانه ...» # بيد أن هذا الإمام المنظر قد أعجبه جدا، وترجى أن يظهر ويطهر الأرض التي يرى ما ~~فيها من فساد، فمال إلى حيث يرتجي أن يبزغ الإمام المهدي، وأخذ يغذي شعره الصبياني بتلك ~~الفكرة، ففات المتنبي في الغلو والإيغال، وارتحل بعدما فجع بموت أبيه إلى أنطاكية ~~واللاذقية يطلب علم ما وراء الطبيعة، فعاد له منها عنصر جديد، فقال: # في اللاذقية ضجة # ما بين أحمد والمسيح # قس يعالج دلبة # والشيخ من حنق يصيح # كل يصحح دينه # يا ليت شعري ما الصحيح؟ # ثم استحال هذا الجسم الكيماوي الجديد جسما آخر ما زلنا حائرين في تحليله ورده إلى ~~مواده الأولى. # إنه يعصي علينا وإن استجاب لنا من جهة، حيرنا من جهات أخرى كما تحير هو قبلنا، ~~فقال: # والذي حارت البرية ms022 فيه # حيوان مستحدث من جماد # أجل، إن أبا العلاء هو ذلك الرأس المحير الذي نمشطه اليوم، فيخرج النور من تحت ~~أسنان المشط، فنوقد بين الشعر نار الحباحب. # كان أبو العلاء ينصرف إلى الشطرنج واللهو في خانات المعرة ليريح باله من شكوكه، ~~ولكن فكرته لا تفارقه؛ فهو حائر بين هذه المذاهب جميعها، فهل من حل لهذه ~~المعضلة؟ # وفيما كان يفكر، ذات يوم، في الأحداث السياسية، وما يروى من الأخبار والآراء العجيبة ~~الغريبة المتضادة عن «الفاطمي» - الحاكم بأمر الله - الذي ولي الحكم صبيا تحت كنف ~~الأوصياء، ثم اشتد ساعده فاستبد بهم وبه، ودانت لهيبته أعاظم الرجال في دولته، وخرت ~~لها جبابرتها ساجدة. كان يفكر عصر النهار في تلك المعضلات المستعصية على الحل، فذهل عن ~~العشاء، ولكن خادمه نبهه إلى ذلك، فتعشى وعاد إلى تفكيره. # وفيما هو كذلك إذا ببابه يقرع، ففتح ودخل شيخ ومعه شيخ آخر يسأل أبا العلاء خلوة ~~به، فعرفه أبو العلاء من صوته بعد سنين، وذكر أنه الشيخ الذي كان يلفت سمعه في مجلس ~~أبيه، فصرف الضرير خادمه ليخلو له المكان بزائريه الكريمين. # وبدت على وجه أبي العلاء المتجهم أمارات الاستئناس، وكانت جلسة طويلة تلتها جلسات ~~أطول. وإليك خبرها ... # | دعوة أبي العلاء # كانت تشغل بال أبي العلاء أخبار المعز لدين الله الفاطمي الذي دانت له مصر على ~~يد قائده جوهر. وكان دوي تلك الكلمة التي سمعها المعري من أبيه عن هؤلاء الفاطميين ~~لا يزال في أذنيه؛ فهو دائم التفكر بها. وزاده هياما بهم ما رواه أحد المحدثين عن ~~المعز، أنه دعا عدة من شيوخ كتامة في يوم بارد فرأوه في مجلس مفروش باللبود وحوله ~~كساء وعليه جبة، وحوله أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتب، وبين يديه دواة وأوراق، ~~فقال: «يا إخواننا، أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء، وإنها ~~الآن بحيث تسمع كلامي: أترى إخواننا يظنون أننا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ~~ونتقلب في المثقل والديباج والحرير والفنك والسمور والمسك والخمر والقباء كما ~~يفعل أرباب ms023 الدنيا؟ ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضركم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم، ~~واحتجبت عنكم. وإني لا أفضلكم في أحوالكم إلا بما لا بد لي منه من دنياكم وبما ~~خصني الله به من إمامتكم. وإني مشغول بكتب ترد علي من المشرق والمغرب، أجيب عنها ~~بخطي. وإني لا أشتغل بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما يصون أرواحكم، ويعمر بلادكم ~~ويذل أعداءكم ويقمع أضدادكم، فافعلوا، يا شيوخ، مثل ما أفعله، ولا تظهروا التكبر ~~فينزع الله النعمة عنكم، وينقلها إلى غيركم. وتحننوا على من وراءكم ممن لا يصل ~~إلي كتحنني عليكم ليتصل في الناس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل. وأقبلوا ~~بعدها على نسائكم والزموا «الواحدة» التي تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثر منهن ~~والرغبة فيهن، فينغص عيشكم، وتعود المضرة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوتكم، ~~وتضعف نحائزكم؛ فحسب الرجل الواحد الواحدة. ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم ~~وعقولكم. واعلموا أنكم إذا لزمتم ما أمرتكم به، رجوت أن يقرب الله بكم علينا أمر ~~المشرق كما قرب أمر المغرب بكم. انهضوا رحمكم الله ونصركم.» # كان أبو العلاء في ذلك المساء يفكر بهذا الكلام الذي رأى فيه دستورا جديدا لم ~~يسمع بمثله عن حياة الملوك في كل عصر، فتمنى الاتصال بمثل هؤلاء الأئمة والقادة ~~الذين ينهجون للناس نهجا جديدا قويما، فهاجت قريحته فقال: # مل المقام فكم أعاشر أمة # أمرت بغير صلاحها أمراؤها # ظلموا الرعية واستباحوا كيدها # وعدوا مصالحها وهم أجراؤها # وسمع من الكثيرين عن الحاكم بأمر الله وتعففه عن مال الرعية، والزهد في المال ~~عموما. وقابل في نفسه بين الحاكم وبين الذين حكموا ويحكمون «العواصم»، فازداد ~~تعلقا بهذه الدولة الفتية التي أسستها هذه السلالة العريقة. # وبلغه خبر مرسوم الحاكم الذي يمنع فيه النساء من مغادرة دورهن والخروج إلى ~~الطرقات بالليل والنهار، ولم يستثن من ذلك سوى النساء المتظلمات والخارجات إلى ~~الحج، أو المسافرات اللواتي تضطرهن ظروف قاهرة إلى السفر والإماء اللاتي برسم ~~البيع، والقابلات، وغاسلات الموتى، والأرامل اللاتي يبعن الغزل، وأن يكون خروج ~~هؤلاء لمزاولة شئونهن برقاع خاصة ترفع ms024 إلى القصر، وتصدر بها «تصاريح» يقوم بتنفيذها ~~مدير الشرطة. ومنع النساء من دخول الحمامات العامة، ومنع الأساكفة من عمل أخفافهن. ~~وأمر الباعة أن يحملوا السلع والأطعمة وكل ما يباع في الأسواق إلى الدروب ويبيعوه ~~من النساء في منازلهن، وأن يحمل الباعة أداة كالمغرفة لها ساعد طويل يمد إلى المرأة ~~وهي وراء الباب، وفيه ما تشتريه، فتتناوله وتضع مكانه الثمن، ولا يسمح لها أن تبدو ~~من وراء الباب. # وبلغ المعري أيضا خبر تحريم الحاكم النبيذ وغيره من الخمور، حتى منع بيع ~~الزبيب والعنب والعسل إلا ثلاثة أرطال فما دونها، أو لمن لا تتجه إليه مظنة ~~اتخاذه مسكرا. وكانت عقوبات المخالفين تختلف بين التشهير والجلد وأحيانا ~~الإعدام. # وازداد إعجابه به؛ إذ سمع عنه أنه عندما حرم النبيذ وأمر بإتلاف الكروم والزبيب ~~والعسل، تقدم إلى قاضي القضاة شخص أتلفت بضاعته من الزبيب والعسل، وادعى على ~~الحاكم بأنه أتلف ماله الحلال بغير حق، وأنه لم يحرز الزبيب والعسل لصنع الخمر ~~وإنما لصنع الحلاوة فقط، وطالب الحاكم بأن يعوض له ما أتلف من ماله وقيمته ألف ~~دينار، فقبل الحاكم الخصومة، وطلب أن يحلف على صدق دعواه، وأنه إنما أحرز هذه ~~البضاعة لصنع الحلاوة فقط، فحلف التاجر وحكم له بماله، وأدى له الحاكم ما ~~طلب. # فتهلل وجه أبي العلاء لهذا النبأ، وعرف أن في الدنيا نورا جديدا، كما قال ~~والده منذ أعوام، ولا بد لذوي الصلاح في هذه الأرض من مناصرته ليظل يهدي ~~الناس. # ثم تذكر ما يتحدث الناس به عن زهد الحاكم وتقشفه وتواضعه، واحتقاره الرسوم ~~والألقاب الضخمة، وكيف استعاض عن الثياب البيضاء بثياب سود، فكان يرتدي جبة من ~~الصوف الأسود العادي، وقد يرتدي جبة مرقعة من جميع الألوان، وكيف كان يرتفع عن ~~مفاسد هذا المجتمع، وعن غرائزه هو وشهواته النفسية الوضيعة، حتى أضرب عن جميع ~~الملاذ الحسية والنفسية، فأطلق نساءه وجواريه، ومنهن من غرقهن، واقتصر في طعامه ~~على أبسط ما تقتضيه الحياة من القوت المتواضع. وبالاختصار جذبته شخصية الحاكم بأمر ~~الله الفذة، ورأى فيه ms025 رجلا نقيا، فآثره وبايعه في ضميره، ولا سيما إذ علم أنه ~~ينظر إلى الأديان كلها نظرة واحدة. # كل هذه الشئون كانت تشغل عقل المعري حين دخل عليه الشيخان، كما تقدم. وبعد التحية ~~والسلام قال له الشيخ الذي لا عهد له بصوته: بلغني أن الشيخ، أيده الله، من رجال الكلام، وليس يقبل الأمور على علاتها، ~~وأن عينه الثاقبة تخترق حجب «الظاهر» لتبلغ «الباطن» وتستجلي غوامضه، وتقف على ~~أسراره. # فأجابه المعري: ليت لي عينا تبصر فأرى من يحدثني، فأقرأ على الوجوه ما قد تخفيه ~~الصدور، ولا ينم عنه اللسان. العمى مصيبة، يا شيخي الأجل. ولو أقلعت عن ذكره عندي ~~لرحمتني. إن ذكره يؤذيني ويؤلمني. # فقال الداعي: عفوا أيها المختار، لا يعز عليك ذلك؛ فإنها محنة تذهب وحالة ~~تتبدل. # فردد المعري في نفسه: محنة تذهب، حالة تتبدد! كلام غريب. # قال هذا وسكت، ولم يستفسر عن شيء، ولكنه ظل يلوكها في فكره ولا يستسيغها، فقال ~~الداعية: سمعنا لك شعرا قلته في أبي إبرهيم موسى بن إسحاق: # وعلى الدهر من دماء الشهيدي # ن علي ونجله شاهدان # يا ابن مستعرض الصفوف ببدر # ومبيد الجموع من غطفان # أحد «الخمسة» الذين هم الأغ # راض في كل منطق والمعاني # والشخوص التي خلقن ضياء # قبل خلق المريخ والميزان # قبل أن تخلق السموات أو تؤ # مر أفلاكهن بالدوران # يا أبا إبراهيم قصر عنك الش # عر لما وصفت بالقرآن # أشرب العالمون حبك طبعا # فهو فرض في سائر الأديان # بان للمسلمين منك اعتقاد # ظفروا منه بالهدى والبيان # وقد سمعنا بيتا آخر قلته لأحد رجال هذه العترة الطاهرة فزادنا لك استحسانا، زادك ~~الله عرفانا. قلت: # كأنها سر الإله الذي # عندك، دون الناس، يستكتم # فجئناك لا لنزيد اتصالا بنا؛ فأنت منا جئناك، بل أمرنا «مولانا» أن نأتيك ونلقي ~~إليك بأسرار دعوتنا التي رأيناك، بالطبع، مدعوا إليها. قد جرت عادة الله وسنته في ~~عباده عند شرع من نصبه أن يأخذ العهد على من يرشده؛ ولذلك قال: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى ms026 وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا ~~، ومن أمثال هذا؛ فقد أخبر الله تعالى أنه لم يملك ~~حقه إلا لمن أخذ عهده، فأعطنا صفقة يمينك، وعاهدنا بالمؤكد من إيمانك وعقودك على ~~ألا تفشي لنا سرا، ولا تظاهر علينا أحدا، ولا تطلب لنا غيلة، ولا تكتمنا ~~نصحا، ولا توالي لنا عدوا. # وكان المعري يسمع وفمه مفتوح نصف فتحة، يريد أن يكشف له هذا السر، ولا يريد أن ~~يحلف قبلما يعلم. ورأى الداعية تردده فقال له: أعطنا جعلا من مالك نجعله مقدمة ~~أمام كشفنا لك الأمور وتعريفك إياها. # فأدخل أبو العلاء، وهو لا يدري ما يفعل، يده في جيبه، فوضع يده عليها ذلك الشيخ ~~الذي سمع صوته منذ سنين، وقال له: قد عرفتك صبيا، عندما دعوت أباك، فلا تخرج ~~شيئا، مثلك لا تؤخذ منه «النجوى». # فانتفض المعري وقال: وما النجوى؟ # فأجابه شيخه: رسم اختياري يؤديه المؤمنون. # فصاح المعري: أما كفانا إيماننا العتيق حتى نزيد حملنا أثقالا عنيفة؟ # فقال الداعي: يراد بكلمة المؤمنين هنا من يعتقدون معتقدنا ويناصرون دعوتنا، فلندع ~~هذه المجادلات العرضية، وتهيأ لأخطر منها وأجل شأنا. # وتنحنح الشيخ الداعي، وأحكم جلسته، وقال بصوت فخم: اعلم، يا أحمد بن عبد الله، يا ~~أخانا الذي انتدبنا «مولانا» للاتصال به، والبوح له بجميع أسرار دعوتنا معتمدين على ~~نبله وشرفه؛ اعلم، أيها المستجيب، أن الناس قلدوا سفلتهم، وأطاعوا سادتهم وكبراءهم، ~~اتباعا للملوك، وطلبا للدنيا التي هي في أيدي متبعي الإثم وأجناد الظلمة، وأعوان ~~الفسقة الذين يحبون العاجلة، ويجتهدون في طلب الرئاسة على الضعفاء، ومكايدة رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # في أمته، وتغيير كتاب الله، عز وجل، وتبديل سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ومخالفة دعوته وإفساد شريعته، وسلوك غير طريقته، ومعاندة الخلفاء ~~والأئمة من بعده. اعلم أن دين محمد # صلى الله عليه وسلم # ما جاء بالتحلي ولا بأماني الرجال ~~ولا شهوات الناس، ولا بما حف على الألسنة وعرفته دهماء العامة، ولكنه صعب مستصعب، ~~وأمر مستقبل وعلم خفي، ستره الله في حجبه، وعظم شأنه ms027 عن ابتذال أسراره؛ فهو سر الله ~~المكتوم، وأمره المستور الذي لا يطيق حمله، ولا ينهض بأعبائه وثقله إلا ملك مقرب، ~~أو مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه بالتقوى. # فهز أبو العلاء كتفيه كأنه لم يسمع من داعيه شيئا جديدا، ثم قال له ضاحكا: ~~أعلى هذا جئت تحلفني يا شيخ؟ # فأجابه الداعية: لا، يا أحمد بن عبد الله، اسمع الآن. لا تستعجل. فكر معنا: ما ~~معنى رمي الجمار، والعدو بين الصفا والمروة، ولم كانت الحائض تقضي الصوم ولا تقضي ~~الصلاة، وما بال الجنب يغتسل من ماء دافق يسير، ولا يغتسل من البول النجس الكثير؟ ~~وما بال الله خلق الدنيا في ستة أيام، أعجز عن خلقها في ساعة واحدة؟ وما معنى ~~الصراط المضروب في القرآن مثلا والكاتبين الحافظين؟ وما لنا لا نراهما؟ أخاف أن ~~نكابره ونجاهده حتى أدلى العيون، وأقام علينا الشهود، وقيد ذلك في القرطاس ~~بالكتابة؟ وما تبديل الأرض غير الأرض، وما عذاب جهنم؟ وكيف يصح تبديل جلد مذنب بجلد ~~لم يذنب حتى يعذب؟ وما معنى: # ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية ~~؟ وما إبليس، وما الشياطين ~~وما وصفوا به، وأين مستقرهم، وما مقدار قدرهم؟ وما يأجوج ومأجوج وهاروت وماروت، ~~وأين مستقرهم؟ وما سبعة أبواب النار، وما ثمانية أبواب الجنة، وما شجرة الزقوم ~~النابتة في الجحيم، وما دابة الأرض ورءوس الشياطين والشجرة الملعونة في القرآن، ~~والتين والزيتون، وما الخنس الكنس، وما معنى ألم، وكهيعص، وحم عسق، ولم جعلت ~~السموات سبعا والأرضون سبعا، والمثاني في القرآن سبع آيات، ولم فجرت العيون ~~اثنتي عشرة، ولم جعلت الشهور اثني عشر شهرا، وما يعمل معكم عمل الكتاب والسنة ~~ومعاني الفرائض اللازمة؟ # فكروا أولا في أنفسكم، أين أرواحكم، وكيف صورها، وأين مستقرها، وما أول أمرها، ~~والإنسان ما هو، وما حقيقته، وما الفرق بين حياته وحياة البهائم، وفضل ما بين حياة ~~البهائم وحياة الحشرات، وما الذي بانت به حياة الحشرات من حياة النبات، وما معنى ~~قول رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «خلقت حواء من ضلع آدم ms028 .» وما معنى قول ~~الفلاسفة: «الإنسان عالم صغير، والعالم إنسان كبير.» ولم كانت قامة الإنسان منتصبة ~~دون غيره من الحيوانات؟ ولم كان في يديه من الأصابع عشر وفي رجليه عشر، وفي كل ~~إصبع من أصابع يديه ثلاثة شقوق إلا الإبهام فإن فيه شقين فقط؟ ولم كان في وجهه سبعة ~~أثقب وفي سائر بدنه ثقبان؟ ولم كان في ظهره اثنتا عشرة عقدة، وفي عنقه سبع عقد؟ ~~ولم جعل عنقه صورة ميم، ويداه حاء، وبطنه ميما، ورجلاه دالا، حتى صار كتابا ~~مرسوما يترجم عن محمد؟ ولم جعل إذا انتصبت قامته صورة ألف، وإذا ركع صارت صورة ~~لام، وإذا سجد صارت صورة هاء، فكان كتابا يدل على الله؟ ولم جعلت عظام الإنسان ~~كذا، وأعداد أسنانه كذا، والأعضاء الرئيسية كذا، إلى آخر ما هنالك من عروق وأعضاء، ~~ووجوه ومنافع الحيوان؟ ثم قال: فلنفكر في حالنا ونعتبر ونعلم أن الذي خلقنا حكيم ~~غير مجازف، وأنه فعل ذلك لحكمة وله فيها أسرار خفية حتى جمع ما جمع وفرق ما ~~فرق، كيف يسعنا الإعراض عن هذه الأمور والله تعالى يقول: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين ~~لهم أنه الحق ~~، فأي شيء رآه الكفار في أنفسهم وفي الآفاق حتى ~~عرفوا أنه الحق؟ وأي حق عرفه من جحد الديانة؟ # ألا نرى أنا جهلنا أنفسنا التي من جهلها كان حريا ألا يعلم ~~غيرها؟ # فتنهد أبو العلاء وقال: هذا ما يشغل بالي، لا بل حرمني النوم. أين كنتما فلم ~~تأتيا لتفريج كربتي وتبديد حيرتي؟ لا نوم الليلة ... # وطال الجدال بينهم، وطلب أبو العلاء الاستزادة، فلم يزده الداعي، وضرب له موعدا ~~الليلة القادمة، وانصرف الشيخان من عنده بعدما أكلا التين والفستق. # وقال أبو العلاء للشيخين: لا نوم الليلة، ولكن الشيخين ناما نوما هادئا ~~مطمئنا؛ لأن فوزهما كان عظيما، أما نظما في سلك الدعوة أثمن درة كانت واسطة العقد ~~الخالدة؟ # أما شيخ المعرة فبات وباتت له ليلة دونها ليلة الذبياني. إنه لا يعنيه راعي ~~النجوم كالنابغة؛ فسيان عنده غاب أو آب. الظلم ms029 مسارح الأفكار، والليل أخفى ~~للويل. # لقد طار نوم أبي العلاء، فاستيقظت قريحته. ألقى رأسه على مخدته فتواردت عليه ~~الخواطر، فطفق يهمهم ويدمدم، يردد ألفاظا معلومة يقلبها على جميع وجوهها. ظل ~~يفعل ذلك حتى غفا قبيل الصبح بقليل. ولم يستيقظ «المدعو» العظيم إلا على أذان ~~العصر، وهو يحسبه أذان الفجر، فتغدى وعاد إلى أبيات شعره ينقحها ~~ويهذبها. # وكان بين آونة وأخرى يصيح بخادمه: ماذا من النهار يا غياث، أين صارت ~~الشمس؟ # وكان الخادم يتعجب من حال سيده؛ فما تعود منه هذه الأسئلة. # ولما أذن المغرب أمر غياثا أن يهيئ شيئا يتنقل به. وجاء الشيخان في ميعادهما، ~~فرحب أبو العلاء بهما أجمل ترحيب وأحره، وكانت مقدمة قصيرة ناقش فيها شيخيه، ~~وأخيرا عرض عليهما أبياته التي نظمها أمس بعد ذهابهما: # عجبت لكسرى وأشياعه # وغسل الوجوه ببول البقر # وقول اليهود إله محب # رشاش الدماء وريح القتر # وقول النصارى إله يضام # ويظلم حقا ولا ينتصر # وقوم أتوا من أقاصي البلاد # لرمي الجمار ولثم الحجر # فيا عجبا من مقالاتهم # أيعمى عن «الحق» كل البشر؟ # فكبر الشيخان تكبيرا خطيرا أقل من وقارهما، وحار في تعليله جيران الضرير. ~~إن كلمة «الحق» كان لها في أذنيهما دوي دونه دوي قنابل اليوم. # أما أبو العلاء فابتسم، على غير عادته، ابتسامة فارهة، وأعجبه جدا استحسانهما، ~~وأطربه ثناؤهما، فتمادى في حريته الفكرية، ولم يحد من مداها كعادته، فهو واثق ~~ممن يخاطب. # فتح لهما صدره المحشو شكوكا ووساوس، فقال لهما: اسمعا ماذا قلت في رثاء المغفور ~~له أخيكم والدي: # فيا ليت شعري هل يخف وقاره # إذا صار أحد في القيامة كالعهن # وهل يرد الحوض الروي مبادرا # مع الناس أم يخشى الزحام فيستأني # فتناظر الشيخان واهتزت لحيتاهما كما تهتز صفصافة مرت بها ريح غير مهتاجة. أما ~~أبو العلاء فقال: # طلبت يقينا من جهينة عنهم # ولن تخبريني يا جهين سوى الظن # فإن تعهديني لا أزال مسائلا # فإني لم أعط الصحيح فأستغني # فصاح الشيخان: مرحى لك يا أحمد. # وقال له الداعي: لقد خلقت منا، ولا نظن ms030 أننا نزيدك علما، ومع هذا سيأتيك ~~يقيننا. # فقال أبو العلاء: أستغفر الله، أستغفر الله. وأطرق قليلا ثم قال: عندي ثلاثة ~~أبيت أخر أظن أنها تعجبكما، وأنشد: # ريب الزمان مفرق الإلفين # فاحكم إلهي بين ذاك وبيني # أنهيت عن قتل النفوس تعمدا # وبعثت أنت لقتلها ملكين؟ # وزعمت أن لها معادا ثانيا # ما كان أغناها عن الحالين! # فصفق الشيخان حتى كادا أن يخرجا من جلدهما، كما عبر الجاحظ. أدركا أن ~~مدعوهما سباق قد لا يبلغ داعي الدعاة غايته، فقال له الداعي: يا أخانا أبا ~~العلاء، كان في نيتنا أن نلقي إليك بالدعوة أقساطا لأنها تسع مراتب، ولكننا ~~وجدناك في المرتبة العليا فطرة وغريزة، فرأينا أن تضييع الوقت إثم، فوجب علينا، ~~والحالة هذه أن نراعي استجابتك لنا، ونلقي دعوتنا عليك تباعا الليلة؛ فلعلك تدعو ~~غيرك إلى الحظيرة، فيشد أزرنا بك، أعطنا الآن صفقة يمينك. # فمد أبو العلاء يمينه معاهدا على كتم السر الذي أتعبه حمله طوال الحياة، ومات ~~ولم يبح به لأحد، حتى ولا لداعي الدعاة المؤيد في الدين - أبي نصر هبة الله بن ~~موسى - الذي تصدى له في آخر العمر، كما يعلم كل من له إلمام بأدب المعري، ولكن ~~الداعي عرف صاحبه فكان سكوت، وكفى الله المؤمنين القتال. # ووجم أبو العلاء بعد إعطاء صفقة يمينه، وأطبق شفتيه إطباقة صارمة تنم عن ~~تصور وتصميم، ثم التفت إلى الناحية التي يأتيه منها الصوت، فقال الداعي: «اعلم، ~~يا أحمد، أن لكل عصر إماما، ولا بد للناس من إمام يأخذون عنه.» ثم أفاض في شرح ~~جميع الرموز التي سأله عنها البارحة، فإذا هي - في عرفهم - دلالة صارخة على «قائم ~~الزمان الأخير»، ثم انتقل به إلى شرح شعائر الإسلام من الصلاة والزكاة والطهارة ~~وغير ذلك من الفرائض، ففسرها بأمور مخالفة للظاهر. # وتنحنح الداعية وسعل سعالا اهتز له أبو العلاء، وسكت الشيخ قليلا ثم قال: ~~اعلم، يا أحمد بن عبد الله، أن هذه الأشياء وضعت على جهة الرموز لمصلحة العامة ~~وسياستهم، حتى يشتغلوا بها عن بغي بعضهم على بعض ms031 ، وتصدهم عن الفساد في الأرض. هي ~~حكمة من الناصبين للشرائع، وقوة في حسن سياستهم لأتباعهم، وإتقان منهم لما رتبوه من ~~النواميس ونحو ذلك. # ونظر الداعي إلى أبي العلاء التفاتة مستنطق يقرأ أسرار الصدور على صفحات الوجوه، ~~فأدرك أن أبا العلاء يعتقد كل الاعتقاد أن أحكام الشريعة كلها موضوعة على سبيل ~~الرمز لسياسة العامة، وأن لها - أو ليس لها - معاني أخر غير ما يدل عليه الظاهر، ~~فأسرع الداعي به ونقله إلى الكلام في الفلسفة، وحثه على النظر في كلام أفلاطون، ~~وأرسطو، وفيثاغوروس، ومن في معناهم، ونهاه عن قبول الأخبار بالسمعيات، وزين له ~~الاقتداء بالأدلة العقلية والتعويل عليها. # فرد عليه أبو العلاء بابتسامة نصف ساخرة حين سمعه يحضه على التبصر بكلام ~~الفلاسفة، وكأنه يقول له ما قاله ذلك الرجل السائل المسيح عما يعمل ليرث ملكوت ~~السموات. # فتوقف الداعي وأخذ ينظر إلى رفيقه، وأبو العلاء لا يدري لماذا سكت، ولكنه عرف أن ~~هناك سببا فقال لداعيه: ما خطبك؟ # فأجابه الداعي: إن الانتقال إلى الدعوة السابعة يقتضي زمنا طويلا. # فصاح به أبو العلاء: إن عقل من تدعوه أكبر بكثير من الزمن الطويل الذي تريد، ~~هلم بنا، عجل علي فلست أصبر. # فقال الشيخ الذي عرفه أبو العلاء منذ سنين، في حضرة أبيه، موجها كلمته إلى شيخه: ~~يا مولانا، إن الرجل كما سبق وقلت، يفوتنا في اعتقاده، ولولا يقيني هذا ما دعوتك من ~~مصر لتقوم بدعوته وتسمع بأذنك وترى بعينك. لا بأس علينا إن فعلنا. سر به إلى ~~المرتبة السابعة ولننجز عملنا الليلة. لا شك في أن «دار الحكمة» ستكون راضية عنا، ~~ومولانا # صلى الله عليه وسلم # يكون مغبوطا ويبارك عملنا. نحن ندعو الآن «حجة» لا مستجيبا ~~وسيكون لهذا الحجة أعظم شأن في تاريخ الدعوة. # فتوكل الداعي الأكبر على ربه وقال: اسمع، أيها الأخ، إن صاحب الدلالة والناصب ~~للشريعة لا يستغني بنفسه. ولا بد له من صاحب معه يعبر عنه ليكون أحدهما الأصل، ~~والآخر عنه كان وصدر، وهذا إنما هو إشارة العالم السفلي لما يحويه العالم ms032 العلوي؛ ~~فإن مدبر العالم، في أصل الترتيب وقوام النظام، صدر عنه أول موجود بغير واسطة ولا ~~سبب نشأ عنه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: # إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ~~، إشارة الى ~~الأول في الرتبة. والآخر هو القدر الذي قال فيه: # إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر ~~، وهذا معنى ما نسمعه من أن الله أول ما خلق ~~القلم فقال للقلم اكتب، فكتب في اللوح ما هو كائن. # فافتكر أبو العلاء هنيهة، وأخذ الداعي يحدق نظره إليه ليرى ما يكون من شأنه، فإذا ~~بأبي العلاء يقول: وهذا أعرفه أيضا يا شيخي الجليل؛ فقد قال الفلاسفة: الواحد لا ~~يصدر عنه إلا واحد. # فصاح به الداعي: مد يدك لنتصافح، ونتابع؛ فأنت شيخي أيضا كما أنا شيخك، وهلم ~~بنا إلى المرتبة الثامنة. # أما الشيخ الذي عرفه أبو العلاء منذ سنين فدمعت عيناه، وقال الداعي: إن تقدم ~~مدبر الوجود على الصادر عنه إنما هو تقدم السابق على اللاحق، والعلة على ~~المعلول، فكانت الأعيان كلها ناشئة وكائنة عن الصادر الثاني بترتيب معروف. ومع ذلك ~~يا أحمد، فالسابق لا اسم له ولا صفة، ولا يعبر عنه ولا يقيد. لا يقال هو موجود ~~ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، وكذلك سائر الصفات، فالإثبات ~~يقتضي الشركة بينه وبين المحدثات، والنفي يقتضي التعطيل. إنه ليس بقديم ولا محدث، ~~بل القديم أمره وكلمته، والمحدث خلقه وفطرته. # واستطرد الداعي قائلا: إن «التالي» يدأب في أعماله حتى يلحق بمنزلة «الصامت» وإن ~~«الصامت» في الأرض يدأب في أعماله حتى يصير بمنزلة الناطق وحاله سواء، # 1 # وإن الداعي يدأب في أعماله حتى يبلغ منزلة «السوس» وحاله سواء. وهكذا ~~تجري أمور العالم في «أكواره» و«أدواره». # وبان في وجه أبي العلاء اطمئنان كثير عندما انتهى به الداعي إلى هنا، ثم جمز ~~الداعي جمزة كبرى فقال: إن معجزة النبي الصادق الناطق ليست غير أشياء تنتظم بها ~~سياسة الجمهور، وتشمل الكافة مصلحتها بترتيب من الحكمة يحوي معاني فلسفية تنبئ عن ~~حقيقة آنية السماء ms033 والأرض وما يشتمل عليه العالم بأسره من الجواهر والأعراض، فتارة ~~برموز يعقلها العالمون وتارة بإفصاح يعرفه كل أحد، فينتظم بذلك للنبي شريعة يتبعها ~~الناس. # اسمع أيها الأخ الأكبر المستجيب. # فأصغى أبو العلاء كل الإصغاء حتى حبس أنفاسه، فقال داعي الدعاة: إن القيامة ~~والقرآن والثواب والعقاب معناها سوى ما يفهمه العامة، وغير ما يتبادر الذهن إليه، ~~وليس هو إلا حدوث «أدوار» عند انقضاء أدوار من أدوار الكواكب وعوالم اجتماعاتها من ~~كون وفساد جاء على ترتيب الطبائع. # ولما رأى الداعي أن تلميذه يقبل قبولا لا شك فيه ما دعاه إليه، طار به إلى ~~القمة؛ أي إلى الدعوة التاسعة، فقال له: قد صرت أهلا لكشف السر والإفصاح عن ~~الرموز، فاعلم أن ما ذكر من الحوادث والأصول رموز إلى المبادئ وتقلب الجواهر، ~~وإنما الوحي هو صفاء النفس، يا ابن عبد الله، فيجد النبي في فهمه ما يلقى إليه ~~ويتنزل عليه، فيبرزه إلى الناس، ويعبر عنه بكلام الله الذي ينظم به النبي شريعته ~~بحسب ما يراه من المصلحة في سياسة الكافة، ولا يجب حينئذ العمل بشريعته تلك إلا ~~بحسب الحاجة من رعاية مصالح الدهماء. أما «العارف» مثلك الآن، يا أحمد، فإنه لا ~~يلزمه العمل بها، وتكفيه معرفته؛ فإنها اليقين الذي يجب المصير إليه، وما عدا ~~المعرفة من سائر المشروعات فإنما هي أثقال وآصار حملها الكفار أهل الجهالة ~~لمعرفة الأعراض والأسباب. # واعلم أيضا، أيها المستنير، أن الأنبياء النطقاء أصحاب الشرائع إنما هم لسياسة ~~العامة. واعلم أخيرا: أن الفلاسفة هم أنبياء حكمة الخاصة، وأن الإمام إنما وجوده ~~في العالم الروحاني إذا صرنا بالرياضة في المعارف إليه، وظهوره الآن إنما هو ظهور ~~أمره ونهيه على لسان أوليائه. # وتنهد الثلاثة تنهيدة قارعة، وقال الداعي لأبي العلاء: «هات يدك الآن، وكن لنا ~~ناصرا؛ فإنما نحن نقوى بأمثالك وأشباهك. إن في معرة النعمان كثيرا من إخواننا ~~حتى المغفور له والدك، ولكن السابق منهم لم يبلغ الدرجة الخامسة من درجات سلم ~~الحكمة، فتهيأ لنصرتنا بما أوتيت من ذكاء وفهم وجرأة، واعلم أن ms034 حولك أناسا ~~يفهمونك إذا حدثتهم، فاهدهم وقدهم وكن لهم في الملمات. # وأخيرا أقول لك إننا فضلناك على جميع الإخوان؛ فلم نأخذ منك ميثاقا. إنني ~~أتلو عليك خاتمة الميثاق الذي نأخذه على من ندعوهم لتعلم حقيقة أننا أجللناك ~~وعظمناك، فاسمع بعض ما نقوله للمدعو: # وليس لك أن تتأول في هذه الأيمان تأويلا، ولا تعتقد ما يحلها، وإنك إن فعلت ~~شيئا من ذلك فأنت بريء من الله ورسله وملائكته، وجميع ما أنزل الله في كتبه، وأنت ~~خارج من حزب الله وحزب أوليائه، وبريء من حول الله وقوته، وعليك لعنة الله، ولله ~~عليك أن تحج إلى بيته الحرام ثلاثين حجة ماشيا حافيا، نذرا واجبا، وكل ما تملك ~~في الوقت الذي تخالف يمينك فيه فهو صدقة على الفقراء والمساكين، وكل مملوك لك من ~~ذكر وأنثى فهو حر لوجه الله، وكل امرأة لك أو تتزوجها إلى وقت وفاتك فهي طالق ~~ثلاثا، طلاق الحرج، لا مثوبة لك ولا رجعة، وكل ما كان لك من أهل ومال وغيرهما فهو ~~حرام عليك. والله تعالى الشاهد على نيتك وعقد ضميرك فيما حلفت، وكفى بالله شهيدا ~~بيننا وبينك.» # فلم يدر أبو العلاء ماذا يجيب، فصمت، ولكنه تنكر، فيما بعد، لحياته السابقة بعض ~~التنكر، وأمسى ينكمش في بيته رويدا رويدا حتى صارت داره مجلسا للمستجيبين ~~المخلصين. ومر في خاطره أن يرحل إلى العراق، فاستشار الوالدة والإخوان، ثم رحل ~~إليه. # | رسالة أبي العلاء إلى المعريين # لا يعنيني إن كان أبو العلاء ذهب إلى بغداد مرة أو مرتين أو عشر مرات. ولا يعنيني ~~أرحل إلى عاصمة العالم القديم يريد التزيد من جاه الدنيا ومجدها وملاذها، أم ذهب ~~ينتجع علوم بغداد وأدبها وفلسفتها، فيشهد عن كثب تلك المجامع العلنية والسرية التي كانت ~~تلتئم فيها كل أسبوع. # ولا يعنيني إن كانت أمه قبلت منه وأعانته، ولا إن كان خاله أبو طاهر أعد له سفينة ~~اغتصبها منه عمال السلطان، فسلك طريقا مخوفة إلى موطن الفلسفة ومقر أهل الجدل ... # ولا يعنيني ألبتة، إن أخفق أبو حامد الإسفراييني ms035 في إعادة سفينة أبي العلاء ~~المغتصبة، أو المصادرة، ونجح رجل من آل حكار فمدح أبو العلاء لأجله هذه الأسرة واعترف ~~بجميلها. ليست سفينة أبي العلاء تلك التي أوعز الله بصنعها إلى أبينا الثاني فعلم فن ~~الملاحة، وأبقى على جنس أبدعه على صورته ومثاله. # ولا يعنيني إن كان أبو العلاء جلس في بغداد مجلس التلميذ أو مجلس ~~المناظر؛ فالإنسان دائما تلميذ ومعلم. # ولا يعنيني أيضا أن يكون عبد السلام بن الحسين البصري عرض على أبي العلاء مكتبة كانت ~~في يده، فلم ير شيخ المعرة فيها شيئا غريبا؛ إذ كان قد قرأ كتبها كلها في طرابلس، إلا ~~ديوان تيم اللات فاستعاره منه، ثم اختلف المؤرخون في إعادته إلى صاحبه. وسواء عندي ~~أممحصة كانت رواية القفطي والذهبي أم غير ممحصة. ولا يعنيني أن أبحث وأجتر ما كتبه ~~غيري عن حضور أبي العلاء المجمع السري المسمى «إخوان الصفاء» بدار عبد السلام البصري، ~~كل يوم جمعة، كما لا يعنيني حضوره مجمع الشريف المرتضى. ولا يعنيني أبدا صحة كلام ~~سلامون ومرغليوث. # ولا يعنيني أن يكون حب المعري للمتنبي جر عليه الإهانة العظمى، فسحب برجله من مجلس ~~الشريف المرتضى وأخرج. ولا يعنيني سبب عودته من بغداد ولا ماذا لقي من عناء وتعب، ولا ~~حزنه على بغداد، وعلى موت أمه في غيابه. # كل هذا أدعه للمؤرخين وممحصي سير حياة الأدباء، والمدققين في النصوص، وهذا قد ~~كفانيه البحاثة المدقق الأستاذ طه حسين بك في كتابه «ذكرى أبي العلاء»؛ إذ جمع فيه كل ~~ما هب ودب عن المعري وعصره، فليراجعه من يتوخى التحقيق ويتطلب التوسع. # أما الذي يعنيني، وقد يكون سئم القارئ وسبني مرات قبل أن أبوح له به، فهو تلك الرسالة ~~التي وجهها أبو العلاء إلى المعريين حين ترك بغداد. # إن ما سماه الناقد الفرنسي تين «مرض العصر» يصح أن يطلق على عصر أبي العلاء؛ فمرض عصر ~~المعري هو الجدل والشك، وعليهما بنت الدعوة الفاطمية أساسها، ووجدت في شخصية أبي العلاء ~~تربة صالحة فألقت فيها نواتها، فانبثقت وانبسطت فروعها ms036 ، وامتصت جذورها كل ما في الماء ~~والشمس والهواء من حياة؛ فأبو العلاء هو الفاطمي العظيم الذي لم يرتد ساعة، وإن رأى ~~فاطميو اليوم في كتابه، بل في كتبه شيئا يستوقفهم لحظة فليذكروا أن شاعر الدعوة الأعظم ~~كان قبل ما وصل إليهم من رسائل، وأن عقلا كعقل أبي العلاء يحق له أن يفسر ويؤول ~~كما فسر وأول غيره من رجال الدعوات والديانات الذين جاءوا على آثار المؤسسين، ~~وليذكروا أن في صلب الدعوة ما يبرر هذا النشوء والارتقاء الفكري ... وإلا فكيف يدأب ~~«التالي» في أعماله حتى يلحق بمنزلة «الصامت»، وكذلك «الصامت» حتى يلحق بمنزلة ~~«الناطق». # وليس كتاب «لزوم ما لا يلزم» غير كتاب الإخوان، فلينعم إخواننا الدروز بالا، ~~وليطمئنوا في خلواتهم؛ فإن إمام الدعوة الفاطمية الخالد لم يشك لحظة «بالمذهب»، وما ~~ارتد قط. # لست أقول إن أبا العلاء درزي اسما؛ فقد سموهم هكذا بعده، ولكني أقول إن مذهبهم ~~مذهبه، وإن ما نراه اليوم عند الطبقة «المتنزهة» من تقشف وزهد في الدنيا مأخوذ عن ~~اثنين: الحاكم بأمر الله، وحواريه أبي العلاء المعري، وهذا ما ستثبته بحوثنا الآتية ~~فليصبر علينا القارئ. # قلت إن أبا العلاء فاطمي المذهب، وقد ذهب إلى بغداد للكشف عن أحوال الدعوة هناك، ~~واتصل بجماعة إخوان الصفاء، وجماعة الإخوان هؤلاء جمعية سرية كالفاطمية، ومبادئهما ~~متفقة تقريبا؛ فاعتقاد إخوان الصفاء كمعتقد الفاطميين في الله والعقل، وهذا أيضا لا ~~يعنيني بحثه، فأكثر من أكتب لهم يعرفونه، وإن كانوا نسوه فليراجعوه، فلست أعدهم هنا ~~لفحص البكالوريا أو الليسانس في الفلسفة والآداب؛ فالذي يعنيني هو رسالة أبي العلاء ~~التي كتبها إلى أهل المعرة؛ فقد دلتني - ولا يعنيني ما يزعم غيري - على فاطمية أبي ~~العلاء، وأنه يعتنق عقيدة بعينها فناصرها علنا، واتقى السلطان بما بث بين أقواله مما ~~يبعد عنه تهمة الإلحاد لتبقى له حياته. # وسننظر، أنا وأنت، يا قارئي العزيز، في هذه الرسالة، فإن وافقتني مقتنعا فلا بأس، ~~وإلا فأنا لست براجع عن فكرتي هذه ما لم تطردها من رأسي فكرة أخرى أقرب منها إلى ms037 ~~الصواب. فهلم بنا الآن إلى تلك الرسالة، وإليكها بنصها وفصها، كما عبر السلف ~~الصالح: # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب إلى السكن المقيم بالمعرة، شملهم الله ~~بالسعادة، من أحمد بن عبد الله بن سليمان، خص به من «عرفه وداناه»، سلم الله ~~«الجماعة» ولا أسلمها، ولم شعثها ولا آلمها. # إذا كانت الكلمة كائنا حيا كما أتصور وأعتقد فلي في بعض ألفاظ هذه الرسالة أدلة ~~تنصر زعمي وتؤيده؛ فأبو العلاء لا يعني الصورة الظاهرة؛ ففي قوله «خص به من عرفه ~~وداناه» معنى أبعد من المعنى الظاهر السطحي. ويزداد قصده وضوحا بقوله: سلم الله ~~الجماعة ولا أسلمها؛ فلكلمة «الجماعة» معنى خاص تدلنا عليه دلالة صارخة العبارة التي ~~تليها: «ولم شعثها ولا آلمها.» فلست أشك أن هناك جماعة بعينها يقصدها شيخنا إذ يقول: ~~«أما الآن فهذه «مناجاتي» إياهم منصرفي عن العراق مجتمع أهل الجدل، وموطن بقية ~~السلف.» # فمما لا أشك فيه هو أن كلمة مناجاة ذات علاقة وثيقة ب «النجوى»، وهي ما أطلقه ~~الفاطميون اصطلاحا على ما يؤخذ من «المستجيب» كالرسم الذي تستوفيه الماسونية من ~~المنخرطين في سلكها. وتدل العبارة كلها، كما سيدلنا غيرها، على أن أبا العلاء إنما رحل ~~مصابا «بمرض العصر» يطلب دواء له في بغداد مجتمع أهل الجدل. # ثم يقول: «بعد أن قضيت الحداثة فانقضت، وودعت الشبيبة فمضت، وحلبت الدهر أشطره، ~~وجربت خيره وشره.» وفي هذه الفقرة أيضا ما يؤيد زعمي أن أبا العلاء لم يطهر منذ ~~حبل به في البطن، ولكنه رجل طهر هو نفسه كما سترى. # ثم يقول: «فوجدت أوفق ما أصنعه في أيام الحياة عزلة تجعلني من الناس كبارح الأروى من ~~سانح النعام، وما ألوت نصيحة لنفسي، ولا قصرت في اجتذاب المنفعة إلى حيزي، فأجمعت ~~على ذلك واستخرت الله فيه، بعد جلائه على نفر يوثق بخصائلهم؛ فكلهم رآه حزما وعده، ~~إذا تم، رشدا.» # هب أن أبا العلاء استشار في أمره نفرا يوثق بخصائلهم وفقا للعادة المعروفة عندنا، ~~فما الذي يدعوه إلى «الاعتراف» إلى أهل المعرة؟ وهل يمكن أن ms038 تكون هذه الرسالة موجهة ~~إليهم جميعا؟ وما يعني أهل بلدته منه لو لم تكن تجمعه وأكثرهم خطة متفق عليها؟ # ثم يقول: «وهو أمر أسري عليه بليل قضى برقه، وخبت به النعامة، ليس بنتيج الساعة ولا ~~ربيب الشهر والسنة، ولكنه غذي الحقب القادمة، وسليل الفكر الطويل.» أليس في قوله: ~~«ولكنه غذي الحقب القادمة.» ما يوقف المفكر، ويدلنا على أن الرجل يخاطب جماعة يفهمون ما ~~يعني، وتربطه بهم علاقة أعظم من علاقة كل رجل بأهل بلدته؟ # ثم يقول: «وبادرت إلى إعلامهم ذلك مخافة أن يتفضل منهم متفضل بالنهوض إلى المنزل ~~الجارية عادتي بسكناه، ليلقاني فيه فيتعذر ذلك عليه، فأكون قد جمعت بين سمجين: سوء ~~الأدب وسوء القطيعة. ورب ملوم لا ذنب له. والمثل السائر يقول: خل امرءا وما ~~اختار.» # إن أبا العلاء يوضح للإخوان خطة لم يكونوا ألفوها بعد، ثم يوصيهم بها في لزومياته ~~كما سترى، ويريد منهم الآن أن يوافقوه عليها ولا يشجبوه. وعلى خطة أبي العلاء هذه يجري ~~اليوم كبار عقال الدروز، فإذا أرادوا أن ينفردوا ويلزموا بيوتهم يستشيرون المجلس. وقد ~~يترك الرجل منهم زوجته - بعد الحصول على رضاها - وينفرد في مكان ما يغسل فيه أدران ~~ماضيه، ويطهر فيه نفسه طول حياته، وأشهر أمكنة التوحيد والانفراد عندهم «خلوات ~~البياضة» وقل من لم يسمع باسمها؛ فهي أشبه بصوامع الحبساء عند النصارى. # وماذا يخشى أبو العلاء حتى يستميح أهل المعرة عذرا لو لم تكن هناك رابطة تربطه بهم ~~وقد أعطى لأجلها صفقة يمينه؟ # ويقول: «وما سمحت القرون بالإياب حتى وعدتها أشياء ثلاثة: نبذة كنبذة فتيق النجوم، ~~وانقضابا من العالم كانقضاب القائبة من القوب، وثباتا في البلد إن جال أهله من خوف ~~الروم. فإن أبى من يشفق علي، أو يظهر الشفقة إلا النفرة مع السواد كانت نفرة الأغفر أو ~~الأدماء.» # إن عبارة «وما سمحت القرون بالإياب» التي مرت بنا هي أخت «غذي الحقب القادمة» التي ~~مرت قبلها، وكلتاهما فاطميتان لا يدرك معناهما الحصري إلا الراسخون في علم العقيدة. ~~وأرجو أن تحفظ هذه «الأشياء ms039 الثلاثة» التي وعد بها أبو العلاء القرون حتى سمحت؛ فهي ستثبت ~~لك فاطمية أبي العلاء حين يأتي الكلام على خروجه من محبسه لاشترائه المعرة خطة غبن بعد ~~بيعه وحدته بيعة وكس ... أما الآن فسر بنا إلى تتميم نص الرسالة: # وأحلف ما سافرت أستكثر من النشب، ولا أتكثر بلقاء الرجال، ولكن آثرت الإقامة ~~بدار العلم، فشاهدت أنفس مكان لم يسعف الزمن بإقامتي فيه. والجاهل مغالب ~~القدر. # ولماذا يحلف أبو العلاء لقوم هو سيدهم، وأذكاهم، وأفهمهم، وأعلمهم، ولماذا ينفي عنه ~~السفر في طلب المال لولا أن الزهد في الدنيا أساس العقيدة الفاطمية كما سترى؟ # ويختم رسالته بقوله: # فلهيت عما استأثر به الزمان، والله يجعلهم أحلاس الأوطان، لا أحلاس الخيل ~~والركاب، ويسبغ عليهم النعمة سبوغ القمراء الطلقة على الظبي الغرير، ويحسن جزاء ~~البغداديين فقد وصفوني بما لا أستحقه، وشهدوا لي بالفضيلة على غير علم، وعرضوا ~~علي أموالهم عرض الجد، فصادفوني غير جذل بالصنيعات، ولا هش إلى معروف ~~الأقوام، ورحلت وهم لرحيلي كارهون، وحسبي الله وعليه يتوكل المتوكلون. # كلنا نعلم أن أبا العلاء رفض الهبات والعطايا في هذا الطور؛ أي بعد استجابته للدعوة ~~الفاطمية، وخصوصا، عندما نسك وزهد ليكون مثلا أعلى لجماعته كما سترى. # فلا يصح أن نسمي أبا العلاء درزيا لأن هذا الاسم لم يكن في زمنه، ولا أن نسمي ~~أصحابنا الدروز دروزا لأن هذا الاسم لصق بهم بعد حين، وهو في الحقيقة اسم لا يرضيهم، ~~وقد يرضى الإنسان بما يكره إذا غلب واشتهر به. # إن سيرة المعري هي الدستور الأسمى لطبقة «الأجاويد» العليا المعروفة عند الدروز ب ~~«المتنزهة». وهؤلاء المتنزهة بل من هم دونهم في طبقة «الجودة» لا يقبلون مالا من أحد ~~مشكوكا في أنه غير حلال؛ ولهذا قال أبو العلاء لإخوانه (الجماعة) في المعرة: «عرضوا ~~علي أموالهم عرض الجد، فصادفوني غير جذل بالصنيعات.» # إن هذه الخصلة مقتبسة من إمام الدعوة وسيدها الأسمى الحاكم بأمر الله؛ فقد كان راغبا ~~عن العطايا والهبات، وقد رد مال متوفى أوصى له به، وكان يهب بلا ms040 حساب. أما كتب إلى ~~أمين الأمناء حين توقف عن الدفع: «ما عندكم ينفد وما عند الله باق، والمال مال الله عز ~~وجل، والخلق عيال الله، ونحن أمناؤه في الأرض، أطلق أرزاق الناس ولا تقطعها ~~والسلام»؟ # ومن يقرأ لزوميات المعري يرى أنه كان يصور للناس شخصية الحاكم وخصاله من حيث لا ~~يدرون. أذكر لك واحدة الآن. إن كره الحاكم للمال حمله على إلغاء المكوس، وقد أيده شاعر ~~دعوته في المعرة؛ إذ رأى من الحكام غير ذلك فقال: # وأرى ملوكا لا تصون رعية # فعلام تؤخذ جزية ومكوس؟ # كلنا نعلم أن أبا العلاء غاضب على الحكام، ويراهم أجراء الأمة الذين عدوا مصالحها. ~~ويتحدث عن ظلمهم وينتقدهم انتقادا مؤلما، ويعترض على إجراءاتهم. والتاريخ ينبئنا أن ~~الحاكم بأمر الله كان جبارا، وقد أهدر دم الكثيرين، وقتل كبار رجال دولته، فلماذا يرضى ~~عنه أبو العلاء الذي لم يرض عن أحد؟ فهو يحدثنا عنه مرة في لزومياته بكل أناة ورفق، بل ~~يتحدث عنه كما نتحدث نحن عن الأنبياء والرسل، فيقول كلاما لا لبس فيه ولا إبهام، ولا ~~مجاز ولا رموز، كلاما جليا واضحا لا يحتمل أقل تأويل، فيمتدح الحاكم ويذم ابنه ~~الظاهر بأمر الله الذي تبرأ من رسالة أبيه، واضطهد المستجيبين للدعوة اضطهادا فظيعا ~~حتى علق رءوسهم على صدور نسائهم، فقال أبو العلاء مدافعا عن «مولاه»: # مضى قيل مصر إلى ربه # وخلى الحكومة للخائل # وهو لا يعني غير الظاهر بأمر الله حين قال - وهذا البيت قد أوردته في فصل ~~سابق: # أعدى عدو لابن آدم خلته # ولد يكون خروجه من ظهره # وإن تتبعني، أيها القارئ الكريم، بعد أن تتجرد من ذاتك التقليدية فسنعود من رحلتنا هذه ~~وأنت واثق مثلي أن شيخ المعرة هو إمام المذهب الفاطمي، وكتاب لزومياته هو كتاب المذهب. ~~إنما عليك أن تقرأ ما أكتبه وما كتبته بإمعان، وتتبحر في عبارات «الدعوات التسع» فتدرك ~~مثلي وتبصر. # | حبيس المعرة # | مدرسة أبي العلاء # تكاثرت الظباء على خراش # فلا يدري خراش ما يصيد # ولكنك ستعلم أن شيخنا، حياه الله ms041 ، صياد جبار متى سمعته يملي على تلاميذه الذين ~~ضاق بهم المكان، فتخالك في أثينا لا في قرية من قرى «العواصم». وكان بين طلاب الشيخ ~~واحد تجاوز سن الشباب ما عرف شيخنا من أمره إلا أنه من القاهرة واسمه إسماعيل ~~التميمي. راب الشيخ أمر هذا الطالب؛ فكيف يضرب إليه أكباد الإبل وهو من مصر، وفي ~~مصر «دار الحكمة»؟ نظمه الشيخ في إحدى حلقاته بعدما اعتذر له بضيق المقام وما نفع ~~الاعتذار. احتج التميمي ببعد الشقة وأنه قصد ليغرف من بحر علمه ويقتبس من حكمته، ~~فتأفف أبو العلاء لأنه ضاق ذرعا بمريديه؛ فبيوت المعرة تغص بهم وبيته لا يسعهم، ~~فاضطر إلى جعلهم حلقات مختلفة، فريق يجيء، وفريق ينصرف، والشيخ متربع لا تحل له ~~حبوة، ولا يتزحزح إلا حين تدعوه حاجة كالأكل والشرب وما يليهما. # وإذا ما انصرف طلابه وخلت الدار قعد يعد أمالي الغد، أمالي ممزوجة بكل ما يلابس ~~الحياة ويلامسها من قريب وبعيد، وشأنه مع المسائل الخطيرة والخطرة شأن العصفور ~~الدوري ينقد ويطير، ثم يكر ثانية، وهكذا دواليك حتى يشبع ويشبع تلاميذه ... يعالج ~~جميع الموضوعات التي تنشئ رجالا وتمتن أخلاقهم؛ فهو ينشد الكمال الإنساني ~~دائما، كما ينشد الكمال الإنشائي فيما ينظم ليملي معنيا باللغة التي كانت ركن ~~العلوم في ذلك الزمان، بل كانت كل شيء؛ فيكثر من الغريب، ويرمز ويلمح، ويطابق ~~ويجانس، ويطوي وينشر ويوري، ثم يعود إلى إيضاح ما أملى وشرحه، ويفذلك أخيرا آراءه ~~لترسخ في الأذهان، أذهان مريديه الذين اعتقدوا أن عند الشيخ علم كل شيء لأنه ذاع ~~عنه: # غدوت مريض العقل والدين فالقني # لتعلم أنباء العلوم الصحائح # وقوله: # ما كان في الدنيا بنو زمن # إلا وعندي من أخبارهم طرف # ولذلك تعج أماليه بالتلميح، وتضطرم فيها نيران الثورة على الأديان جميعها؛ فكأنه ~~جامعة دولية لا تخوم لها ولا حدود. # كان الإقبال عليه عظيما فاستحالت وحدته إلى مجتمع حي نابض بقوة الشباب وتفكيره ~~الصاخب. وقد أشار أبو العلاء إلى مدرسته هذه بقوله: # يزورني الناس هذا أرضه يمن # من البلاد وهذا ms042 أرضه الطبس # قالوا سمعنا حديثا عنك، قلت لهم # لا يبعد الله إلا معشرا لبسوا # يبغون مني معنى لست أحسنه # فإن صدقت عرتهم أوجه عبس # أعاننا الله، كل في معيشته # يلقى العناء، فدري فوقنا دبس # وحانت ساعة الإملاء فتحركت شفتا الشيخ فقال العريف: أقلامكم وأوراقكم. فأملى ~~الشيخ: # ملائك تحتها إنس وسائمة # فالأغبياء سوام، والتقي ملك # فلا تعلم صغير القوم معصية # فذاك وزر إلى أمثاله عدلك # فالسلك ما اسطاع يوما ثقب لؤلؤة # لكن أصاب طريقا نافذا فسلك # فكتب التميمي، وهو يصر شفتيه، متعجبا لهذه العظة الضخمة كيف برزت في هذا الثو ~~الدقيق، وراح يفكر فيما كتب وإذا برفاقه قد سبقوه ولم يلتقط هو إلا هذا ~~البيت: # يا رضو لا أرجو لقا # ءك، بل أخاف لقاء مالك # فضحك التميمي إذ درى ما عنى شيخه وعلم أنهما على صعيد واحد، وانتقل الشيخ إلى ~~موضوع آخر بعد تفكير قليل، وقال اكتبوا: # تقضى الناس جيلا بعد جيل # وخلفت النجوم كما تراها # إذا رجع الحصيف إلى حجاه # تهاون بالمذاهب وازدراها # وهت أديانهم من كل وجه # فهل «عقل» يشد به عراها # تقدم صاحب التوراة موسى # وأوقع في الخسار من اقتراها # وقال رجاله وحي أتاه # وقال الظالمون بل افتراها # أرى أم القرى خصت بهجر # وسارت نمل مكة عن قراها # وكم سرت الرفاق إلى صلاح # فمارست الشدائد في سراها # يوافون البنية كل عام # ليلقوا المخزيات على قراها # ضيوف ما قراها الله عفوا # ولكن من نوائبه قراها # وما سيري إلى أحجار بيت # كئوس الخمر تشرب في ذراها # فإن الله غير ملوم فعل # إذا أورى الوقود على وراها # فازداد التميمي تعجبا؛ إذ سمع المعلم يتحدث عن الله، في البيت الأخير، كأنه يتحدث ~~عن زميل له أو نظير فيحاول تبرئته إن فعل ما تمناه عليه. # وشرح الشيخ بعض كلمات مما أملاه، ودل على أنواع البديع، ثم عاد يملي ~~فكتبوا: # أتت خنساء مكة كالثريا # وخلت في المواطن فرقديها # وتوقف هنيهة ليشرح ما يعني بقوله خنساء، وكيف ورى، ثم أتم: # ولو حلت بمنزلها وصامت # لألفت ms043 ما تحاوله لديها # ولكن جاءت الجمرات ترمي # وأبصار الغواة إلى يديها # وليس محمد فيما أتته # ولا الله القدير بمحمديها # وكان الطلاب يكتبون ويتغامزون متعجبين، أما التميمي فما صدق أنه يكتب ما كتب حتى ~~نقلهم الشيخ إلى قضية من قضاياه الكبرى فقال: # اكتبوا يا أولادي: # لو كان جسمك مطروحا بهيئته # بعد التلاف طمعنا في تلافيه # كالدن عطل من راح تكون به # ولم يحطم فعادت مرة فيه # لكنه صار أجزاء مقسمة # ثم استمر هباء في سوافيه # وانتقل إلى موضوع آخر أقل خطرا فأملى: # ألا تفكر قبل النسل في زمن # به حللت فتدري أين تلقيه # ترجو له من نعيم الدهر ممتنعا # وما علمت بأن العيش يشقيه # شكا الأذى فسهرت الليل وابتكرت # به الفتاة إلى شمطاء ترقيه # وأمه تسأل العراف قاضية # عنه النذور لعل الله يبقيه # وأنت أرشد منها حين تحمله # إلى الطبيب يداويه ويشفيه # ولو رقى الطفل عيسى أو أعيد له # بقراط ما كان من موت يوقيه # دنست عرضك حتى ما ترى دنسا # لكن قميصك للأبصار تنقيه # ثم أملى أيضا: # وينشأ ناشئ الفتيان منا # على ما كان عوده أبوه # وما دان الفتى بحجى ولكن # يعلمه التدين أقربوه # وجاءتنا شرائع كل قوم # على آثار شيء رتبوه # وغير بعضهم أقوال بعض # وأبطلت النهى ما أوجبوه # وأراد التميمي أن يطرح سؤالا، فقال المعري: اكتبوا، ثم اسألوا ما شئتم: # أسهب الناس في المقال وما يظ # فر إلا بزلة مسهبوه # عجبا للمسيح عند النصارى # وإلى الله والد نسبوه # أسلمته إلى اليهود النصارى # وأقروا بأنهم صلبوه # يشفق الحازم اللبيب على الطف # ل إذا ما لداته ضربوه # وإذا كان ما يقولون في عي # سى صحيحا فأين كان أبوه؟ # كيف خلى وليده للأعادي # أم يظنون أنهم غلبوه؟ # وإذا ما سألت أصحاب دين # غيروا بالقياس ما رتبوه # لا يدينون «بالعقول» ولكن # بأباطيل زخرف كذبوه # ووجه الشيخ وجهه شطر صوت التميمي وقال: سل الآن ما بدا لك، فأجاب التميمي: ~~أدركت يا شيخنا ما عنيت. # فقال أبو العلاء: اكتبوا إذن. وطفق يفسر كلمات الدرس ms044 ويشرح الأبيات ويعرب ~~لتلاميذه ما أشكل عليهم، ويحل الرموز، وأذن العصر فانصرفوا. # وكان للشيخ تلميذ يؤثره، وكان هذا الشاب يعين شيخه، يقدم له حذاءه ويأخذ بيده ~~ليقوم إلى حاجته. ومن عمله أيضا أن يكتب ما يمليه عليه ويحفظه في صندوقة موضوعة ~~دائما بقرب الشيخ. وسأل الشيخ تلميذه عن الطالب الجديد؛ أي التميمي، ما سنه؟ ~~وماذا أبدى في أثناء الدرس، استحسانا أم استهجانا؟ وهل استغرب شيئا مما أملي ~~عليه، وأين يقيم، وهل اكترى بيتا؟ إلخ ... # فأجاب الطالب: فوق الثلاثين، فقال الشيخ: أف! وأتم الفتى: أما الدرس فقد دهشه. ~~وظل الشيخ ساكتا فقال الشاب: ما عودتني مثل هذه السؤالات، أتخشى منه بأسا؟ فأومأ ~~الشيخ أن لا، ثم قال: إنه آت من مصر، وسوء الظن من حسن الفطن. وتنهد أبو العلاء ~~تنهدة يعرفها تلميذه أنها علامة الانصراف، فقبل يده وخرج. # وشرع أبو العلاء، على عادته، يعد الأمالي للدرس الآتي. ومع الشمس جاء تلاميذه ~~فجلسوا حوله في السماطين حتى إذا وفد المتأخرون صاروا حلقة. وكان التميمي قد بكر ~~وقعد من الشيخ مقعد الطالب المدلل لا يفصل بينهما أحد. وتحركت شفتا الشيخ للإملاء ~~حركات بطيئة فسريعة، وقد رفع رأسه كأنه ينظر إلى أعلى الجدار، فتهيأ الطلاب ~~لاقتبال البذور التي يلقيها الزارع الخالد، فأملى ولكن من «سقط الزند»: # أرى العنقاء تكبر أن تصادا # فعاند من تطيق له عنادا # وظن بسائر الإخوان شرا # ولا تأمن على سر فؤادا # وعض على كلمة سر كأنما هو يعني شيئا، ثم قال: # ولو خبرتهم الجوزاء خبري # لما طلعت مخافة أن تكادا # فأي الناس أجعله صديقا # وأي الأرض أسلكه ارتيادا # ولو أن النجوم لدي مال # نفت كفاي أكثرها اتقادا # كأني في لسان الدهر لفظ # تضمن منه أغراضا بعادا # يكررني ليفهمني رجال # كما كررت معنى مستعادا # ولو أني حبيت الخلد فردا # لما أحببت بالدنيا انفرادا # فلا هطلت علي ولا بأرضي # سحائب ليس تنتظم البلادا # وكان التميمي يكتب وعليه أمارات التعجب، منكب على دفتره وقلمه بيده، راصد كأنه ~~الهر على باب الجحر. أما الطالب ms045 الأثير فكان له بالمرصاد يحصي عليه أنفاسه. وهم ~~الشيخ بالكلام فسمعت تكتكة الأقلام في البواقيل وحفيف الدفاتر فقال: # أصبحت منحوسا كأني ابن مس # عود وما أطغى بأن أهزلا # لي أمل فرقانه محكم # أقراه غضا كما أنزلا # شيخا أراني كطفيل غدا # يركض في غاراته قرزلا # لا يكذب الناس على ربهم # ما حرك العرش ولا زلزلا # فليت من يفري أحاديثه # مات فصيلا قبل أن يبزلا # يا جدثي حسبك من رتبة # أنك من أجداثهم معزلا # أملني الدهر بأحداثه # فاشتقت في بطن الثرى منزلا # إن نشأت بنتك في نعمة # فألزمنها البيت والمغزلا # ذلك خير من شوار لها # ومن عطايا والد أجزلا # وتوقف الشيخ هنيهة عن الإملاء كعادته عند كل نهاية، فأخذ التميمي يفكر في العلاقة ~~بين الأبيات الأولى والأخيرة، ولكنه ألف أسلوب الشيخ فيما بعد، فأدرك أنها طريقته ~~الخاصة، وخطته أن يكر ويفر إلى حصن آخر بعد كل حجر يرميه من منجنيقه. يفعل ذلك ~~تقية ليشغل قارئه بالجديد عما سبق. وتنحنح الشيخ، فاستعدوا، فأملى: # دعاكم إلى خير الأمور محمد # وليس العوالي في القنا كالسوافل # حداكم إلى تعظيم من خلق الضحى # وشهب الدجى من طالعات وآفل # وألزمكم ما ليس يعجز حمله # أخا الضعف من فرض له ونوافل # وحث على تطهير جسم وملبس # وعاقب في قذف النساء القوافل # وحرم خمرا خلت ألباب شربها # من الطيش ألباب النعام الجوافل # يجرون ذيل الملك جر أوانس # لدى البدو أذيال الغواني الروافل # فصلى عليه الله ما ذر شارق # وما فت مسكا ذكره في المحافل # فصلوا جميعا وسلموا، وزفر الشيخ زفرة حرى وأملى: # لعل أناسا في المحاريب خوفوا # بآي، كناس في المشارب أطربوا # إذا رام كيدا بالصلاة مقيمها # فتاركها عمدا إلى الله أقرب # فلا يمس فخارا إلى الفخر عائد # إلى عنصر الفخار للنفع يضرب # لعل إناء منه يصنع مرة # فيأكل فيه من أراد ويشرب # ويحمل من أرض لأخرى وما درى # فواها له بعد البلى يتغرب # وما الأرض إلا مثلنا الرزق تبتغي # فتأكل من هذا الأنام وتشرب # لقد كذبوا حتى على الشمس ms046 أنها # تهان إذا حان الشروق وتضرب # فكان استحسان من سواد الطلبة، فمضى الشيخ في الإملاء: # ألا فانعموا واحذروا في الحياة # ملما يسمى مزيل النعم # أرى قدرا بث أحداثه # فخص بهن أناسا وعم # وأن القنا حملتها الأكف # لطعن الكماة وشل النعم # فلا تأمنوا الشر من صاحب # وإن كان خالا لكم وابن عم # أتوكم بأقيالهم والحسا # م فشد بهم زاعم ما زعم # تلوا باطلا وجلوا صارما # وقالوا صدقنا فقلتم نعم # أفيقوا فإن أحاديثهم # ضعاف القواعد والمدعم # زخارف ما ثبتت في العقو # ل عمى عليكم بهن المعم # يدول الزمان لغير الكرام # وتضحي ممالك قوم طعم # وما تشعر الإبل أن الركاب # أعمت إلى الرمل أم لم تعم # وأدرك التميمي الآن كيف يطمر الشيخ أغراضه، وينصب فخاخه ويسويها بالأرض ويذري ~~عليها ما يغطيها، فلا يدرى أين هي. وانتقل الشيخ دونما استراحة إلى لزومية أخرى ~~فأملى: # إذا مدحوا آدميا مدحت # مولي الموالي ورب الأمم # وذاك الغني عن المادحين # ولكن لنفسي عقدت الذمم # ومغفرة الله مرجوة # إذا حبست أعظمي في الرمم # فيا ليتني هامدا لا أقوم # إذا نهضوا ينفضون اللمم # ونادى المنادي على غفلة # فلم يبق في أذن من صمم # وجاءت صحائف قد ضمنت # كبائر آثامهم واللمم # رأيت بني الدهر في غفلة # وليست جهالتهم بالأمم # فنسك أناس لضعف العقول # ونسك أناس لبعد الهمم # وكان شرح فاستراحة قليلة، ثم عاد الشيخ إلى الإملاء: # قد ندمنا على القبيح فأمسي # نا على غير قهوة نتنادم # خالق، لا يشك فيه، قديم # وزمان على الأنام تقادم # جائز أن يكون آدم هذا # قبله آدم على إثر آدم # خدم الله غيرنا وأرانا # أهل غي لربنا نتخادم # لست أنفي عن قدرة الله أشبا # ح ضياء بغير لحم ولا دم # وبصير الأقوام مثلي أعمى # فهلموا في حندس نتصادم # وأبدى التميمي حركة أشعرت الشيخ أن تلميذه أعرف من رفاقه، ولم يعز ذلك إلى سنه، ~~بل ظن أنه من «المستجيبين» فابتسم وأملى: # أصحاب ليكة أهلكوا بظهيرة # حميت، وعاد أهلكت بالصرصر # كسرى أصاب الكسر جابر ملكه # والقصر كر على ms047 تطاول قيصر # فأبدى التلاميذ استحسانا عظيما لهذا الجناس البارع ولكن الشيخ لم يبال ~~وأتم: # لا تحمدن ولا تذمن امرءا # فينا؛ فغير مقصر كمقصر # آليت لا ينفك جسمي في أذى # حتى يعود إلى كريم العنصر # وإذا رجعت إليه صارت أعظمي # تربا تهافت في طوال الأعصر # والله خالقنا اللطيف مكون # ما لا يبين لسامع أو مبصر # أيام لم تك في المواطن كوفة # لمكوف أو بصرة لمبصر # وبدت حركة استحسان فلم يعرها الشيخ اهتماما وظل يملي: # والعقل يعجب للشروع تمجس # وتحنف وتهود وتنصر # فاحذر ولا تدع الأمور مضاعة # وانظر بقلب مفكر متبصر # فالنفس إن هي أطلقت من سجنها # فكأنها في شخصها لم تحصر # والطول في وسط البنان لعلة # كالنقص في إبهامها والخنصر # فضحك التميمي ضحكة بلغ رنينها أذن الشيخ، واستغرب الآخرون ما بدا منه. أما ~~الشيخ فعرف صاحبه كل المعرفة وأملى قصيدة أخرى من وزنها وقافيتها ختمها بهذا ~~البيت: # وإذا أردتم للبنين كرامة # فالحزم أجمع تركهم في الأظهر # وسئل الشيخ لماذا، فقال اكتبوا: # جنى ابن ستين على نفسه # بالولد الحادث ما لا يحب # تقول عرس الشيخ في نفسها # لا كنت يا شر خليل صحب # أنفع منه عندها برجد # أذهب قرا أو سقاء سحب # وقال: # تفرقوا كي يقل شركم # فإنما الناس كلهم وسخ # قد نسخ الشرع في عصورهم # فليتهم مثل شرعهم نسخوا # ثم قال: # من وسخ صاغ الفتى ربه # فلا يقولن توسخت # وقال: # لو أن كل نفوس القوم رائية # كرأي نفسي تناءت عن خزاياها # وعطلوا هذه الدنيا فما ولدوا # ولا اقتنوا واستراحوا من رزاياها # ثم وقف والتفت نحوهم وقال: اسألوا الآن لماذا؟ لنستأنف حياة جديدة خيرا من هذه ~~الحياة، وكأنه أدرك أنه تورط فقال اكتبوا: # ما أقدر الله أن يدعو بريته # من تربهم فيعودوا كالذي كانوا! # إن كان رضوى وقدس غير دائمة # فهل تدوم لهذا الشخص أركان؟ # ما أحسن الأرض لو كانت بغير أذى # ونحن فيها لذكر الله سكان! # فتهلل التميمي حتى أبدى نواجذه وقال بصوت مسموع: القضية ثابتة. وعبس الشيخ فقط ~~التميمي ضحكته ms048 قطا، وأملى الشيخ: # ولو طار جبريل بقية عمره # من الدهر ما اسطاع الخروج من الدهر # وقد زعموا الأفلاك يدركها البلى # فإن كان حقا فالنجاسة كالطهر # وأما الذي لا ريب فيه لعاقل # فغدر الليالي بالظلامية الزهر # وإن صح أن النيرات محسة # فماذا نكرتم من وداد ومن صهر؟ # لعل سهيلا وهو فحل كواكب # تزوج بنتا للسماك على مهر # وعم الضحك حلقة الشيخ، وارتاح هو إلى ارتياح تلاميذه وفهمهم منطقه وما يريد وما ~~يعني، وصرفهم لاستراحة قليلة، واستدنى التميمي قائلا له: اكشف لي عن صفحتك؛ فما ~~خطبك؟ عرفت أنك منا، فماذا تبتغي في حلقتي؟ # فصرح له التميمي بأنه موفد من لدن الحاكم بأمر الله، ومهمته أن يتلقى بعض ~~الدروس، ثم يتوجه بالشيخ إلى القاهرة ليلقي الدروس على «الدعاة» في «دار ~~الحكمة». # فابتسم أبو العلاء وقال له: كان ذلك قبل النذر، خذ عني ما تشاء، واكتب ما تشاء، ~~وخبر «الإمام» بما رأيت وسمعت، أما ذهابي إلى القاهرة فهيهات. هيهات أن يحمل عني ~~مولانا الحاكم وزر يميني. نحن قوم، وأنت من العارفين، ندين بالصدق، ومن يكذب على ~~نفسه يكذب على الإمام والإخوان، والعياذ بالله. # وكان أخذ ورد، وتمادى التميمي حتى استولى على أمد الحديث. ودخل التلاميذ ~~وقعدوا فأملى الشيخ: # عمى العين يتلوه عمى الدين والهدى # فليلتي القصوى ثلاث ليال # لحى الله غارات السنين فإنها # مبدلة ظلماتها بزيال # وهون أرزاء الحوادث أنني # وحيدا أعانيها بغير عيال # فدعني وأهوالا أمارس ضنكها # وإياك عني لا تقف بحيالي # فظن التميمي أنه يعنيه ولكنه كتب ما أملى: # جاء القران وأمر الله أرسله # وكان ستر على الأديان فانخرقا # ما أبرم الملك إلا عاد منتقضا # ولا تآلف إلا شت وافترقا # مذاهب جعلوها من معايشهم # من أعمل الفكر فيها تعطه الأرقا # احذر سليلك فالنار التي خرجت # من زندها إن أصابت عوده احترقا # فردد تلميذ مرح بيتا آخر أخذوه عن الشيخ منذ مدة: # عروسك أفعى فهب قربها # وخف من سليلك فهو الحنش # فضحك بعض وتضاحك بعض، أما الشيخ فأتم: # وكلنا قوم سوء لا أخص ms049 به # بعض الأنام ولكن أجمع الفرقا # إذا كشفت عن الرهبان حالهم # فكلهم يتوخى التبر والورقا # واستراح قليلا ليوضح ما خفي على تلاميذه، وينشر ما طوي، ثم أنشد: # مساجدكم ومواخيركم # سواء فبعدا لكم من بشر # وما أنتم بالنبات الحميد # ولا بالنخيل ولا بالعشر # ولكن قتاد عديم الجناة # كثير الأذاة أبى غير شر # فيا ليتني في الثرى لا أقوم # إن الله ناداكم أو حشر # وما سرني أنني في الحياة # وإن بان لي شرف وانتشر # أرى أربعا آزرت سبعة # وتلك نوازل في اثني عشر # وختم درس ذلك اليوم بما يلي: # يقول لك العقل الذي بين الهدى # إذا أنت لم تدرأ عدوا فداره # وقبل يد الجاني التي لست واصلا # إلى قطعها، وارقب سقوط جداره # وهكذا انقضت شهور والتميمي يدور حول الشيخ ويداوره ويأخذ عنه، ويزين له الإقامة ~~في القصر ودار الحكمة، والشيخ ثابت لا يتحول ولا يتزعزع. وأدرك التميمي أن ما يأخذه ~~من علم الشيخ وما ينقله عنه إلى مولاه خير وأبقى، فكتب دفاتر كثيرة أملاها عليه ~~الشيخ. وأكب على الدفاتر التي لم تمل فأخذ منها ما شاء ولسان حاله يقول: أنا ~~على سفر فلا بد من زاد ... # واتصلت حلقة الشيخ في غرة رمضان سنة 411 هجرية فأملى على تلاميذه: # أنا صائم طول الحياة وإنما # فطري الحمام ويوم ذاك أعيد # لونان من ليل وصبح لونا # شعري وأضعفني الزمان الأيد # والناس كالأشعار ينطق دهرهم # بهم فمطلق معشر ومقيد # قالوا فلان جيد لصديقه # لا يكذبوا. ما في البرية جيد # فأميرهم نال الإمارة بالخنا # وتقيهم بصلاته متصيد # كن ما تشاء مهجنا أو خالصا # وإذا رزقت غنى فأنت السيد # واصمت فما كثر الكلام على امرئ # إلا وظن بأنه متزيد # ثم رجع إلى موضوعه الذي لا يبرح من فكره فكأنه الفكرة الثابتة: # دين وكفر وأنباء تقص، وقر # آن ينص، وتوراة وإنجيل # في كل جيل أباطيل يدان بها # فهل تفرد يوما بالنهى جيل؟ # ومن أتاه سجل السعد عن قدر # عال فليس له بالخلد تسجيل # وما تزال لأهل الفضل منقصة # وللأصاغر ms050 تعظيم وتبجيل # وانتقل إلى الكلام عن قدرة الله فأملى: # إني ونفسي أبدا في جذاب # أكذبها وهي تحب الكذاب # إن أدخل النار فلي خالق # يحمل عني مثقلات العذاب # يقدر أن يسكنني روضة # فيها ترامي بالمياه العذاب # لا أطعم الغسلين في قعرها # ولا أغادى بالحميم المذاب # وقال: # بإذن الله ينفذ كل أمر # فنهنه فيض أدمعك السجوم # يجوز بحكمه موت البرايا # وأن تبقى السماء بلا نجوم # وجاء حديث الخير، فأحكم الشيخ قعدته وأملى: # إن إناء الخير من عسجد # لو خر هضب فوقه ما انثلم # إن زجر الله حديدا نبا # أو أمر الله حريرا كلم # وأملى أيضا: # أأخشى عذاب الله والله عادل # وقد عشت عيش المستضام المعذب # وانتقل إلى عروض أخرى فأملى: # لك الملك إن تنعم فذاك تفضل # علي وإن عاقبتني فبواجب # يقوم الفتى من قبره إن دعوته # وما جر مخطوط له في الرواجب # عصا النسك أحمى، ثم، من رمح عامر # وأشرف عند الفجر من قوس حاجب # ومد يده نحو السماء وأنشد: # وما عذري وعند الله علمي # إذا كذبت قوائل مسندات # فهل علمت بغيب من أمور # نجوم للمغيب معردات # وليست بالقدائم في ضميري # لعمرك بل حوادث موجدات # ولو أمر الذي خلق البرايا # تهاوت للدجى متسردات # وقد زعموا بأن لها عقولا # وأقضية المليك مؤكدات # وأن لبعضها لفظا، وفيها # حواسد مثلنا ومحسدات # ثم أملى هذين البيتين: # يكر موتانا إلى الحشر إن # قال لهم بارئهم كروا # يخلف منا آخر أولا # كأننا السنبل والبر # وشاء شيخنا أن يرمي آخر سهم في جعبته ويعظم الله أعظم تعظيم فقال اكتبوا نثرا: ~~«يقدر ربنا أن يجعل الإنسان ينظر بقدمه، ويسمع الأصوات بيده، وتكون بنانه مجاري ~~دمعه، ويجد الطعم بأذنه، ويشم الروائح بمنكبه، ويمشي إلى الغرض على هامته، وأن يقرن ~~النير وسنير حتى يريا كفرسي رهان، وينزل الوعل من النيق، ومجاوره السودنيق، حتى يشد ~~فيه الغرض، وتكرب عليه الأرض، وذلك من القدرة يسير، سبحانك ملك الملوك وعظيم ~~العظماء.» # واعتقد الشيخ أنه أدى أكبر تسبحة لله فدمعت عينه ورجف صوته. # من يدري ماذا ms051 كان يجول في خاطر الشيخ في تلك الساعة الخطيرة من عمره؟ # قد يكون هذا - ولست أجزم فيما أزعم - وما زالت هذه قدرة الله فلماذا لا ينظر إلى ~~عبده الناسك فيقول له أبصر، فيبصر؟ # وتجلد الشيخ وأملى: # دموعي لا تجيب على الرزايا # ولولا ذاك ما فتئت سجوما # رضا بقضاء ربك فهو حتم # ولا تظهر لحادثة وجوما # ولم زحلا أو المريخ فيها # ولا تلم الذي خلق النجوما # ولست أقول إن الشهب يوما # لبعث محمد جعلت رجوما # فأمسك غرب فيك ولا تعود # على القول الجراءة والهجوما # وشاء أن يأتي على آخر الفكرة ويجلوها فقال: # زعم الناس أن قوما من الأب # رار عولوا بالجو في الطيران # ومشوا فوق صفحة الماء، هذا # الإفك ما جرى العصران # وقال الشيخ: رمضان ضيق يا أولادي، فلنختم درس هذا النهار، اكتبوا: # قلدتني الفتيا فتوجني غدا # تاجا بإعفائي من التقليد # ومن الرزية أن يكون فؤادك ال # وقاد في جسد عليه بليد # وحوادث الأيام تولد جلة # وتعود تصغر ضد كل وليد # امضوا، سلمكم الله. # وبعد إفطار غرة رمضان سنة 411، دخل الداعي إسماعيل التميمي على أبي العلاء فقال: ~~قد تكون بلغت سيدي وشيخي أخبار مصر. إنها سوداء تستوكف العبرات، تحريق وقتل، ونهب ~~وسلب، واضطراب وفزع، ثار العوام «بالدعاة» فقتلوا بعضهم وعقب ذلك حرق مصر. وقد ~~يكون مولانا الحاكم استطال بقائي في المعرة ولكن عذري معي؛ فما أحمله إلى الحضرة من ~~علم الشيخ يشفع بي عنده، ويعزيه في كربته. لست أشك في أنه سيعنفني أشد التعنيف، وإن ~~أدركته في ساعة شؤم فالويل لي. ~~- علام يعنفك؟ ~~- لأني لم أقم بمهمتي. استسفرني إليك، وها أنا أعود وحدي. والله، يا سيدي، أحلف ~~لك أنني أخشى لقاءه. ~~- تخاف مقابلته؟ ~~- لست وحدي أخاف ذلك. صوت قوي مرعب كصوت الرعد القاصف يحمل الروع إلى سامعيه، ~~بنية قوية متينة كأنه من الجبابرة والعمالقة، مبسوط الجسم، مهيب الطلعة، عينان ~~كبيرتان سوداوان تمازجهما زرقة، نظرات حادة مروعة كنظرات الأسد، لا يستطيع ~~الإنسان صبرا عليها. كثيرون سقطوا على الأرض وجلا منه وأخرسهم خطابه. ms052 # كان أبو العلاء يسمع كلام إسماعيل وكأنه في غيبوبة. # وسكت التميمي هنيهة فقال أبو العلاء: خلق عجيب. ~~- نعم يا مولاي، وخلقه أعجب من خلقه، يشمئز من الدنايا، عفيف طاهر، صادق جواد، ~~تارة يتسع صدره فيحمل الأهرام والمقطم، وأحيانا يخف حلمه فيقبل عزرائيل بخيله ~~ورجله، وهو في الحالين لا يحيد قيد أنملة عن طريق الصدق والخير. ~~- رغبتني فيه يا إسماعيل، وزينت لي لقاءه، لولا أني في قيدين، وقيد واحد ~~منهما كاف: العمى واليمين. العمى يا تميمي مصيبة إذا رافقه طبع سوداوي كطبعي. ما ~~أنا أول أعمى، ولكني أول رجل من العميان في هذه الغريزة. آنف أن أقاد كالكبش، ولا ~~أغتفر لنفسي زلة أو تقصيرا، ولا أحمل منة. الله الله في. العلم يريد أن يظهر، ~~ولكن العمى يهيب بي: الزم مكانك فخير دواء لدائك هذه الخلوة فلا تبرحها. # ليته يستوي لي جناحان فأطير بهما إلى القاهرة، ولكن الله لا يريد، ولتكن إرادته ~~يا أخي. # العمى محنة، ولست أحمد الله عليه، كما ادعى بشار؛ فمن لي أن أبصر ساعة واحدة لأرى ~~عجائب خالقي التي أتخيلها ولا أدركها تمام الإدراك. # تتوهم أني أدرك الأشياء، ولكني أقول لك إنني أدرك المرئيات إدراكا ناقصا. ~~أتخيلها من كلام العارفين بها، ولكن الكلمة، يا إسماعيل، لا تؤدي المعنى تاما غير ~~منقوص. # أعانني الله على محنتي، وجعل خاتمة طريقي خيرا؛ فهل بعد الشقاء بقاء؟ الله أعلم، ~~ولكنني مؤمن بالخير، ولا يكون المصير إلا خيرا، إن شاء الله. # وبعد يا تميمي، أفما تقول لي ما حاجة مولانا الإمام، حرسه الله، بهذا الجسد ~~النحيل؟ إن هواي معه وفكري عنده، والهدف واحد ... أما علمي فما حجبته عنك؛ فأنت حامله ~~إليه وهذا كل ما في جعبة الشيخ، ما لي وللحواضر يا إسماعيل، سيان عندي الليل ~~والنهار، والقصر والكوخ. أتظن أن رحلتي إلى الحاكم تزيدني معرفة به؟ لقد وصفته لي ~~فتخيلته جسمانيا، وما يبلغني عنه من النزاهة والزهد ومقاومة الشر يربطني ~~به. # أنا معجب بأبيه من قبله وبه أيضا، وكلنا نسعى لنطهر أنفسنا وننقيها، ms053 ناهيك ~~بأنني أعلم ما علمت، فارو له خبر ما رأيت وسمعت. اقرأ عليه ما نسخت من ~~دفاتري. # لقد سئمت الأسفار التي يعجز عنها المستطيع بنفسه، فكيف المستطيع بغيره مثلي؟ أما ~~قال الشاعر: # وماذا تبتغي الشعراء مني # وقد جاوزت حد الأربعين # فأنا، يا أخي، أحبو إلى الخمسين، فالأجدر بي أن أتأهب للرحلة الكبرى. # وأطرق أبو العلاء وسكت. # وكان التميمي ينظر إلى شيخه والحزن يكسو وجهه ذبولا وفتورا، ثم نهض إسماعيل ~~وأخذ يد الشيخ وصافحه مودعا، فأمسك المعري بيده طويلا وقال: وفقك الله يا ~~إسماعيل، ولا رأيت مشقة رحلتك. حقا إن السفر قطعة من العذاب. وإذا ما بلغت الحضرة ~~فسلم على المولى الإمام وقل له: إن خادمه شيخ وشاب، وكبر على السفر، وإذ كان ~~العذر من شيم الكرام، فأجدر به أن يكون إحدى خصال الإمام؛ فبصلاح الأيمة صلاح ~~الأمة، لا زال مولانا منار الملة ومستودع علوم الأيمة. # وانحنى إسماعيل ليقبل يد الشيخ، فانتفض أبو العلاء وهو يردد: معاذ الله. # وخرج إسماعيل متعثرا بأذيال الخيبة، وعاد أبو العلاء يدمدم ويهمهم ... # ودخل الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي هاشم وشرع يكتب، والشيخ ~~يملي. # | معتقده # خالط أبو العلاء الناس، فلقي بينهم عناء وكدا. وارتحل من المعرة إلى اللاذقية ~~وأنطاكية وطرابلس طالبا «علم الأوائل»، فانفتح له كهف المعرفة، فمنى النفس برحلة ~~إلى العراق، ولم يثنه عن ذلك عماه ولا عجزه ولا بكاء أمه، فلقي في تلك الهجرة ما ~~لقي. لم تشف نفسه، ولا أبرأت سقمها تلك المجامع العلمية ولا الجمعيات السرية، كما ~~كان يترجى، فانقلب راجعا إلى المعرة بعد سنة وبضعة أشهر، و«مرض العصر» قد تمكن منه ~~كل التمكن، فحاول الاستشفاء منه في وحدة قاسية فرضها على نفسه ولم يحد عن صراطها ~~المستقيم قيد شعرة إلا مرة واحدة، حين خرج إلى «صالح» يشفع بالمعرة بلده، فأسمعه ~~«سجع الحمام» وسمع منه «زئير الأسد» ... # كان شيخنا نحيل الجسم غريب الأطوار، حاد الذكاء والطبع. كان عجيب الذاكرة، قفلة، ~~فجنى عليه ذكاؤه، وحصرته ذاكرته في «نقطة البيكار ms054 » فعاش في بؤرة فكرة ثابتة. ~~والفكرة الثابتة تكون في الحب كما تكون في الحرب، وتكون في العفة كما تكون في ~~الغلمة والشبق، وتكون في العلم كما تكون في الجهالة، وتكون في الغزل كما تكون في ~~الفلسفة؛ فعمر بن أبي ربيعة وبشار كالمتنبي والمعري. لكل من هؤلاء فكرة ثابتة لا ~~محيص عنها وإن يختلف الاتجاه والهدف. # رأى أبو العلاء عطف الناس عليه صدقة وإحسانا ومنا فآثر العزلة في بيته القاتم ~~الأعماق الخاوي المخترق، ورفع عقيرته متغزلا بتفرده المبدع فقال: # وما للفتى إلا انفراد ووحدة # إذا هو لم يرزق بلوغ المآرب # ثم طفق ينعى على الناس مساوئ أخلاقهم ويعيرهم مكرهم ورياءهم؛ فهم طغاة يعدو ~~بعضهم على بعض، كالذئب يأكل عند الغرة الذيبا، وهم: # كلاب تغاوت أو تعاوت لجيفة # وأحسبني قد صرت ألأمها كلبا # إننا نجل قدر الشيخ إن يكون كما تواضع وقال، ولكنه، رحمه الله، يجود بما جاد عن ~~طبع، وقد يكون مصيبا إذ يقول: # إن مازت الناس أخلاق يعاش بها # فإنهم عند سوء الطبع أسواء # أو كان كل بني حواء يشبهني # فبئس ما ولدت للناس حواء # بعدي عن الناس برء من سقامهم # وقربهم للحجى والدين أدواء # ثم تفور قدر سويدائه فيشتمنا كصاحبنا الآخر - المتنبي - بلا حساب فيقول: # وجوهكم كلف وأفواهكم عدى # وأكبادكم سود وأعينكم زرق # وما بي طرق للمسير ولا السرى # لأني ضرير لا تضيء لي الطرق # وتوغل في إساءة الظن بالإنسانية ففضل على بنيها الحطب اليابس، وهو فيما يقول كما ~~قال النابغة في مدح صاحبه: ولا أحاشي من الأقوام من أحد. # النابغة استثنى واحدا، وهو سليمان، أما ابن سليمان هذا فقال: # عصا في يد الأعمى يروم بها الهدى # أبر به من كل خدن وصاحب # خير لعمري وأهدى من «إمامهم» # عكاز أعمى هدته إذ غدا السبلا # وتذكر الأعمى «الحبيس» أن ليس كل ضرير يستطيع أن يحكم على نفسه بالحبس المؤبد ~~فتذكر الرحمة، وهي من طبعه وطبع كل عاجز غير مستطيع مثله، فألان جانبه وقال ~~يخاطبهم: # إذا مر أعمى فارحموه، وأيقنوا، # وإن ms055 لم تكفوا، أن كلكم أعمى # ثم ذكر أن الناس يقولون: «اطرد الأعمى واكسر عصاه، ما أنت أدرى من ربه الذي ~~أعماه.» فكيف يطلب منهم الحسنة بالدبوس فيقول لهم: «أنتم عميان مثلي، فلا تغركم ~~عيونكم المفتحة!» ففتش عن تؤدة ورفق فقال: # تصدق على الأعمى بأخذ يمينه # لتهديه، وامنن بإفهامك الصما # حسب المعري أنه يستريح من تكاليف الحياة إذا اعتزل الناس؛ فما انقضت سنة على تلك ~~الرسالة التي وجهها إلى «الجماعة» في المعرة معلنا خطته الجديدة، حتى طار له صيت ~~في الأقطار، والناس يعجبهم كل غريب، فتهافتوا عليه يطلبون عنده العلم في عصر الخفاء ~~والأسرار، يحدوهم إليه قوله الذي ملأ الآفاق: # بني زمني، هل تعلمون سرائرا # علمت ولكني بها غير بائح # والشيخ، كما نبأنا، عنده ما عند جميع الناس من شعور وإحساس، فما ضاق ذرعا بهؤلاء ~~الذئاب، نزلوا عنده أو جاوروه، وشرع يملي عليهم فلسفته وآراءه، ثم ما تمالك أن ~~قال: # وماذا يبتغي الجلساء عندي؟ # أرادوا منطقي وأردت صمتي # وبما أن الكثيرين يفلسفون حول أقوال هذا الضرير فما علينا لو ألقينا دلونا بين ~~الدلاء وتحذلقنا هنيهة، فنتساءل مثلهم: هل يريد أبو العلاء من كلمة نطق وصمت شيئا ~~أبعد؟ هل خطر على باله شيء مما سمعوه في عصره الباطني «ناطقا وصامتا»؟ # إنني لأرى الشيخ يمد جذوره في القلوب، وينشر فروعه في العقول، وهو يجري لغاية في ~~كل ما يكتب. إنه يقف بيكاره عند نقطة ويبسط ساعده الآخر ليجعل كل شيء وسط ~~الدائرة. # الأشبه عندي أن شيخنا يهدم ويبني، يسرد كل ما عنده من أفكار في أحوال مختلفة، ~~وينظمها شعرا لتحفظ وترسخ في أذهان تلاميذه، فجاء ما نسميه «اللزوميات» صورة ~~حقيقية للتفكير الإنساني الذي يختلف بين ليلة وضحاها، ولكن هذا الاختلاف الذي نرى ~~لا يواري عنا وجه الرجل؛ فله أساليب خاصة يصطنعها في بث ما يعتقد. فإذا رأيته يهاجم ~~بعنف وعتو وطغيان فاعلم أنه ينفي ويهدم ويقوض وينسف ويدك دكا. وإذا رأيته ~~يواري ويوارب، ويلقي تبعة الكلام على غيره، فاعلم أنه كالرجال السياسيين الذين ms056 ~~يشيعون الشائعات عما ينوون عمله وينتظرون بوادر تأثيره. فإذا قال الشيخ: «قال قوم، ~~أو زعموا، أو يقال.» فاعلم أنه يرائيك ويداورك ليرى ما تبدي، وكن واثقا أن هذه ال ~~«يقال» وقال قوم ستصبح في مقام آخر عقيدة يدافع عنها الشيخ بسيف برهانه وترس ~~منطقه. # أسمعت بالمخلوطة، تلك الأكلة المعمولة من جميع الحبوب التي تؤكل؟ # إن هذه الحبوب متى اعتلجت في القدر تؤلف طعاما خاصا. وأبو العلاء هو تلك ~~المخلوطة الفاطمية الطعم. # وإذا قلنا فاطمي، فكأننا نقول فيثاغوري أفلاطوني فيه من الأرسططالية بمقدار ~~البهارات والأبازير. # يضحكني ذاك الذي يتساءل: أين عرف أبو العلاء أبيقور؟ # وما شأن أبيقور هذا مع أبي العلاء، وعند أبي العلاء الدعوة الفاطمية وعلومها ~~السرية المستقاة من رأس نبع الفلسفة؟ ما حاجة شيخنا إلى الجداول، إلى ترجمة جالينوس ~~لأبيقور؟ ففلسفة اليونان، في عهده، قد تغلغلت في العقائد المشرقية وهضمها علماء ~~المسلمين والشباب المفكر، وكانت تغلي بها الصدور والضمائر، في عصر أبي العلاء، ~~غليان القدر على النار الدائمة، لا فوق نار الحباحب، كما عبر أبو العلاء في الفصول ~~والغايات عن حياته. # العنزة مقتولة والذئب حدها، فما لنا نفتش عن الغريم. # تلك شنشنة نعرفها من أخزم ... يريد أن يزعم أنه اخترع البارود ... # إن فلسفة أبي العلاء، لا بل آراءه كلها نوعان: نوع مستمد، كما قلت سابقا، من ~~الاختبار الإنساني، وهو ما يطلق عليه اسم الفلسفة العامة، وبالاختبار يهتدي كل من ~~في رأسه عقل. ونوع يتجه اتجاها معلوما، ويعبر أو يترجم عن مذهب بعينه هو مذهب ~~الفاطميين؛ فمن نوع الفلسفة العامة قوله: # وأعط أباك النصف حيا وميتا # وفضل عليه في كرامتها الأما # أقلك خفا إذ أقلتك مثقلا # وأرضعت الحولين واحتملت تما # وألقتك عن جهد، وألقاك لذة # وضمت وشمت مثلما ضم أو شما # يذكرني قول المعري هذا خلفا وقع بين خالي وجدي لأمي. من جدي على خالي بتخليفه ~~إياه بما يشبه فلسفة الحبيس، وهنا أقول كما قال صاحبنا هذاك، عن المعري وأبيقور ~~ولوكريس: لا أدري أهذا توارد خواطر بين المرحوم الخال طنوس ms057 والمعري، ترى أين قرأ ~~الخال لزوميات المعري حتى سرق فلسفته هذه؟ إنه لم يكن يقرأ ويكتب. أتظن أن خالي أخذ ~~هذه الفلسفة العلائية عن الأطباء الدجالين، عن جالينوس، عن أبيقور؟ ... # ألا يشبه قول المعري هذا قول صاحب «الميجانا»: أمي وبيي كيفوا تا جيت ~~أنا؟ # فهل نعد هذا فلسفة؟ لا ورحمة خالي الفيلسوف، إن شيخنا أبا العلاء داعي طريقة ~~وشاعر مذهب معروف لا صاحب فلسفة، وهذا واضح في أقوال عديدة تنطق بما يعني نطقا ~~صريحا. # وأعجب من هذا زعم صاحبنا أن «الفصول والغايات» هي أصل اللزوميات مع أن رائحة ~~الهرم تنبعث من الفصول والغايات، وهي تدل دلالة صارخة على أنها أعدت زادا للرحلة ~~الكبرى ... ففيها رائحة الزبور الداودية، رائحة التوبة النصوح. # إن جميع رسائل المعري وفصوله مضمونها واحد ونواتها اللزوميات، وكأنما كتبها كلها ~~ليقرر طريقته ويؤيد مذهبه. # ويتعجب بعضهم مما يرون عند الشيخ من متناقضات ويفتشون عن «سره» تحت الألفاظ، ~~وأسخفهم تفتيشا ذاك الذي قال بالتشابه بين المعري ولوكريس الشاعر اللاتيني؛ إذ قرأ ~~هذين البيتين: # تشابهت الخلائق والبرايا # وإن مازتهم صور ركسنه # وجرم في الحقيقة مثل جرم # ولكن الحروف به عكسنه # إني أراهم يتقعرون جدا حتى يبعدوا بأبي العلاء إلى آفاق وأجواء غريبة ~~عجيبة. # لا أدري إذا كان المعري يعني هؤلاء بقوله في «سقط الزند»: # يكررني ليفهمني أناس # كما كررت معنى مستعادا # ولا عجب؛ فلهؤلاء أضراب؛ أعني أولئك الملوفكين الذين يغربون في استيحاء نبوءة ~~دانيال ورؤيا يوحنا وأخبار نوستراداميس ... # والأعجب من هذا وذاك أن يقول هذا الرجل: «إن تكلف أبي العلاء قافيتين في ~~اللزوميات والفصول نتيجة عبث وتسلية ونتيجة فراغ ولعب.» كأنه يجهل أن المعري عاش في ~~عصر الصنعة، وأنه معلم مدرسة لو كانت في زماننا لسميت جامعة، وكان عميدها سبعة ~~دكاترة مثل تنين الرؤيا ... فهو في تآليفه نثرا وشعرا يمد يده إلى كل دوحة، وخصوصا ~~إلى تلك التي أورفت في أعلى عليين، وإلى تلك التي نجمت في قعر الجحيم. # فكر جبار يعنيه كل ما يعني طلابه الآتين إليه من كل ms058 فج عميق يطلبون العلم عنده، ~~وهو يخاطبهم: # وكم شاهدت من عجب وخطب # ومر الدهر بالإنسان يسلي # تغير دولة وظهور أخرى # ونسخ شرائع وقيام رسل # كان شيخهم يعالج جميع قضاياهم ويهذب نفوسهم وأجسادهم وأخلاقهم؛ فهو يعلمهم عمليا ~~ونظريا، ومصدر نظرياته عقله الجبار، ومختبر عملياته جسده النحيل الذي قسا عليه إذ ~~صيره حقل اختبار، فكان لمريديه وقاصدي فضله واعظا باللسان والمثل، يطبق علمه على ~~عمله. # وأي حرج على الشيخ إن ترك قضايا معلقة؟ فكم ترك الفلاسفة قبله من قضايا وقفوا ~~حيالها حيارى. وإن ناقض نفسه فليس هو بأعظم من أرسطو وأفلاطون، فكم من تناقض ~~عندهما. # ولكن أبا العلاء لم يناقض نفسه قط؛ فما يعده بعضهم تناقضا ليس إلا تقية في عصر ~~كانت فيه كلمة «علم الأوائل» تقضي على الرجل. وكم قضت على رجال جاءوا بعد المعري ~~بقرن وقرنين. # إن ما يعدونه تناقضا ليس إلا سخرية، فاقرأ بتأمل وتجرد تتبين صحة زعمي. # يظن بعضهم أن أبا العلاء يبتعد عن الفاطمية حين يقول نافيا ظهور الإمام: # يرتجي الناس أن يقوم «إمام # ناطق» في الكتيبة الخرساء # كذب الظن لا إمام سوى العق # ل مشيرا في صبحه والمساء # فإذا ما أطعته جلب الرح # مة عند المسير والإرساء # فانفرد ما استطعت فالقائل الصا # دق يضحي ثقلا على الجلساء # وهذا الظن منتهى الشطط لأن «الإمام» يتوارى في قمة الدعوة الفاطمية - الدعوة ~~التاسعة - ويحل محله العقل. يصير الإمام رمزا لمعنى ليس أكثر، وإليك النص: ~~«الفلاسفة أنبياء حكمة الخاصة. وإن الإمام إنما وجوده في العالم الروحاني إذا صرنا ~~إليه بالرياضة في المعارف، وظهوره الآن إنما هو ظهور أمره ونهيه على لسان ~~أوليائه.» # وفي هذا المعتقد أن الإنسان ينتقل من حال إلى حال إذا صفى نفسه ونقاها، وهذه ~~هي غايتهم من الزهد والتقشف، أي بلوغ التسامي إلى أعلى حد يستطيع بشري ~~بلوغه. # أما «العقل» العلائي فهو العقل اليوناني الفيثاغوري بعينه، وكذلك العقل الفاطمي، ~~والنفس والجسد العلائيان فيثاغوريان أيضا؛ فهو يرى، كما يرى الفيثاغوريون، أن ~~الطهارة في خلاص النفس من البدن؛ لأن ms059 الجسد قبر للنفس وهو عدوها اللدود، وفي هذا ~~قال المعري: # أراني في الثلاثة من سجوني # فلا تسأل عن الخبر النبيث # لفقدي ناظري، ولزوم بيتي # وكون النفس في الجسم الخبيث # ومذهب الفيثاغوريين أن وسيلة النجاة هي التطهير والزهد وتغليب العقل على الحواس؛ ~~فإن الحواس كثرة وشقاق تخدعنا بأمور زائلة، والعقل وحدة ومحبة، والغاية القصوى ~~العودة إلى المحبة والوحدة، وإلى هذا ذهب أفلاطون بعدهم فقال: «إن حياة النفس لا ~~تتحقق تماما إلا بخلاصها من المادة في عالم روحي مثلها.» و«العقيدة الثابتة» يدافع ~~عنها بشدة. # والفيثاغورية كالمنظمات الدينية اليوم، عاش أعضاؤها في عفة وبساطة لبس ومأكل، وقد ~~حرمت أكل لحم الحيوان وبعض النبات - كما حرم الحاكم أكل الملوخية مثلا. # لسنا نقول إن أبا العلاء حذا حذو هؤلاء، كما أننا لا نتساءل إن كان المعري عرف ~~ذلك ومن أين عرفه؛ فهو من لدات «إخوان الصفاء» وقد حضر مجلسهم، وقد يكون ناقشهم ~~وجادلهم، حين استشارهم قبل أن يختط خطته التي سار عليها طول حياته. # أليس يقول كما مر بك في رسالته إلى «الجماعة» في المعرة: «فأجمعت على ذلك واستخرت ~~الله فيه، بعد جلائه على نفر يوثق بخصالهم؛ فكلهم رآه حزما وعده، إذا تم، ~~رشدا»؟ # لا يليق باللبيب أن يتساءل عن كل هذا لأن عصر المعري أنضج عصور الفلسفة العربية، ~~وأبناؤه عرفوا مثلنا فلسفة اليونان وتأثروا به، كانوا عصبا عصبا وجماعات جماعات ~~يطعمون الأديان بهذه البراعم الجديدة القديمة، والحكومة تطاردهم وتقتلهم فرادى ~~وثنى، صبرا ونقدا، تصلب وتغرق وتشرد وتنفي، والفلسفة تزداد نموا ~~وانتشارا. # كانوا يسمون هؤلاء زنادقة، وأبو العلاء يحددهم لابن القارح بقوله: «أما غيظه - أي ~~ابن القارح - على الزنادقة فآجره الله عليه كما آجره على الظمأ في طريق مكة، ~~واصطلاء الشمس بعرفة، ومبيته بالمزدلفة.» ~~«ولا ريب أنه ابتهل إلى الله، سبحانه، في الأيام المعدودات والمعلومات أن يثبت ~~هضاب الإسلام، ولكن الزندقة داء قديم ... وقد كانت ملوك الفرس تقتل على الزندقة. ~~والزنادقة هم الذين يسمون «الدهرية» ولا يقولون بنبوة ولا كتاب.» ويقول له في ~~مقام آخر ms060 إذ يحدثه عن الحلوليين: «ولم تكن العرب الجاهلية تقدم على هذه العظائم، بل ~~كانت عقولهم تجنح إلى رأي الحكماء، وما سلف من كتب القدماء؛ إذ كان أكثر الفلاسفة ~~لا يقولون بنبي.» # وبعد، فما هو الدين عند المعري؟ أليس كالذي عند سقراط؟ تكريم الضمير النقي ~~للعدالة الإلهية؟ لا تقديم القرابين وتلاوة الصلوات من أيد وأفواه ملطخة بالإثم. ~~وإن النفس متمايزة من البدن؛ فلا تفسد بفساده، بل تخلص بالموت من سجنها وتعود إلى ~~الصفاء طبيعتها؟ # القوانين العادلة صادرة عن العقل ومطابقة للطبيعة الحق؛ فمن يحترم القوانين ~~العادلة يحترم العقل والنظام الإلهي. والإنسان يريد الخير دائما ويهرب من الشر، ~~فمتى تبين ماهيته وعرف خيره بما هو إنسان، أراده حتما، أما الشهواني فرجل جهل نفسه ~~وخيره، ولا يعقل أن يرتكب الشر عمدا؛ وعلى ذلك فالفضيلة علم والرذيلة جهل. وقد ~~جاء في كتب الفاطميين (الدروز): «الناس مولودون جهالا.» # هذا إيمان سقراط بالعقل وحبه للخير، وما رأيت أبا العلاء يدعي أكثر من هذا، ولا ~~يدعو إلى أبعد من ذلك. # وأبو العلاء لم يخف على معاصريه، فعرفوه واكتشفوه قبل أن نكتشفه نحن كما ادعى ~~بعضنا. لقد عرفوه كما عرف ابن الزيات الجاحظ فقال: «أثق بظرفه ولا أثق ~~بدينه.» # وبعد، أليس كل ما تحدثنا عنه مدموجا في الدعوات والعلوم الفاطمية؟ فلا حاجة إذن ~~أن يفتش عنه أبو العلاء هنا وهناك، كما أنه ليس لنا أن نتساءل إن كان قرأ سقراط ~~وأفلاطون وأبيقور ولوكريس وموكريس ... فكل هذا كان معروفا من القوم، ناهيك بأن العقل ~~في كل زمان ومكان يدل على هذا، وأبو العلاء لم يؤمن بغير العقل الذي قدسه فلاسفة ~~اليونان جميعا وبه استعانت الدعوة الفاطمية وعليه بنت أسسها، حتى اليوم. # أما «الخير» فهو عندهم بمثابة الله، بل هو الله، وهذا ما دعا إليه الفاطميون، ~~وأذنوا به، وذكروه مع الله، «حي على خير العمل.» وفي الخير يقول أفلاطون: «الخير ~~شيء أسمى من الماهية بما لا يقاس كرامة وقدرا، وهو رباط كل شيء وأساسه، والخير ~~غاية العقل القصوى.» والمحرك الأول ms061 يصير عند أرسطو «هو الخير بالذات؛ فهو مبدأ ~~الحركة، هو المبدأ المتعلقة به السماء والطبيعة.» # ويقول أرسطو أيضا: «كل فن وكل فحص عقلي، وكل فعل وكل اختيار مروى فهو ~~يرمي إلى خير ما؛ لذلك رسم الخير بحق إنه ما إليه يقصد البشر وعلى معرفة الخير ~~يتوقف توجيه الحياة.» # أما اللذة التي عافها المعري فهي عند المعلم الإلهي «غاية العبيد والبهائم، وهي ~~حياة العوام الأجلاف»، والسعادة تتحقق «بتأمل الخير الأعظم والاتحاد به»، والميول ~~تصير خيرة باتباع العقل، وشريرة بعصيانه. ~~«ومن يتوهم أن المثابرة غير لازمة للحصول على الكمال مثله مثل المريض الذي يريد ~~الشفاء ولا يستعمل وسائله.» # ويقول أرسطو: «الخير يسمى بأسماء كثيرة فيقال له الله، أو العناية أو ~~العقل.» # أما أبو العلاء فدعا إلى الخير، وفهمه كما فهم النصارى «الندامة الكاملة»؛ أي لا ~~خوفا من الجحيم ولا طمعا بالنعيم، وهي عندهم توصل إلى ملكوت الله توا وبلا ~~واسطة. أما الكهنة فيقولون إنها صعبة جدا فلا يخاطر المؤمن بنفسه ما زال الكاهن ~~موجودا. وشاعرنا يقول في هذا: # ولتفعل النفس الجميل لأنه # خير وأحسن لا لأجل ثوابها ~~••• # حالي حال اليائس الراجي # وإنما أرجع أدراجي # إذا رأيت الخير في رقدتي # عددتها ليلة معراجي ~~••• # فإن قدرت فلا تفعل سوى حسن # بين الأنام وجانب كل ما قبحا ~~••• # ما الخير صوم يذوب الصائمون به # ولا صلاة ولا صوف على الجسد # وإنما هو ترك الشر مطرحا # ونفضك الصدر من غل ومن حسد ~~••• # عش مجبرا أو غير مجبر # فالخلق مربوب مدبر # الخير يهمس بينهم # ويقام للسوآت منبر ~~••• # سأفعل خيرا ما استطعت فلا تقم # علي صلاة يوم أصبح هالكا # وينفر عقلي مغضبا إن تركته # سدى واتبعت الشافعي ومالكا ~~••• # كن صاحب الخير تنويه وتفعله # مع الأنام على ألا يدينوكا ~~••• # ولا تكن لسبيل الشر مبتكرا # اصرف إلى الخير من نهج الهدى سبلك ~~••• # والخير محبوب ولكنه # يعجز عنه الحي أو يكسل # والأرض للطوفان مشتاقة # لعلها من درن تغسل # قد كثر الشر على ظهرها # واتهم المرسل والمرسل ~~••• # سأتبع من يدعو إلى الخير جاهدا ms062 # وأرحل عنها ما إمامي سوى عقلي ~~••• # إذا ما فعلت الخير فاجعله خالصا # لربك وازجر عن مديحك ألسنا # فكونك في هذي الحياة مصيبة # يعزيك عنها أن تبر وتحسنا # وأخيرا يصرح: # والخير أفضل ما اعتقدت، فلا تكن # هملا، وصل بقبلة، أو زمزم # لقد مرت بك كلمة «طوفان» فاعلم أن أبا العلاء لا يعني الطوفان المعلوم، وإنما ~~يعني معنى فاطميا أبعد وهو قوة الخير التي تطغى على كل شيء في المنتهى فتغسل أدران ~~الكون، ويسود «أهل الخير». # أخالنا شبعنا كلاما عن «العقل» والخير العلائيين، فلننتقل إلى حياة شاعر العقل ~~العملية. # بعد وفاة سقراط أسرف تلميذه انتسانتس في محاكاته معيشة وحرية قول، وكذلك فعل ~~تلامذة انتستانس؛ فأوجبوا على «المريد» أن يعدل عن خيرات الدنيا وملاذها، وأن يتنزل ~~عن مكانته الاجتماعية، ويرسل شعر الرأس واللحية، وسمي هؤلاء «بالكلبية» لاجتماعهم ~~في مكان اسمه «الكلب السريع» فكانوا يجابهون الحضور بنقائصهم في قول جريء، مدعين ~~أنهم يؤدون مهمة كلفهم بها الإله «تزوس»، وما مهمتهم تلك غير ملاحظة عيوب الناس ~~والتشهير بها، متخذين من اسمهم - الكلبية - تشبيها، فيقولون إنهم حراس الفضيلة ~~ينبحون على الرذيلة. # وفي الإنجيل الطاهر شيء من هذا: «ملعون كل كلب لا ينبح.» فهل نقدر أن نقول كغيرنا ~~إن شيخنا تشبه بهؤلاء وأولئك بالقول والعمل والزهد وشظف العيش؟ # وإذا التفتنا إلى «مولانا» الحاكم؛ الإمام الفاطمي، رأينا أنه نزع في آخر حياته، ~~قبل «الغيبة»، إلى مثل هذا الزهد، كما سترى. ناهيك بأننا لا نطلب شيئا عند فلاسفة ~~اليونان إلا وجدناه عند «الفاطمية» وتعاليمها السرية والعلنية، قولا ~~وعملا. # وفي استقصائي الأخير عن فلاسفة اليونان عامة، والكلبيين خاصة، رأيت أنهم أقل أهل ~~بلادهم شعورا بالوطنية الضيقة؛ فهم لا يحرصون عليها، أولا يبالون بها، بل يميلون ~~إلى الإنسانية الجامعة: الدولية. وهذا ما وجدته عند شيخنا أبي العلاء؛ فهو تنوخي ~~عربي قح، ولا يذكر القومية ولا العروبة، إن لم يقل بالعكس، كأنه ليس يعنيه من ~~الدنيا إلا المعرة والذين يسميهم «الجماعة». وفيما خلا فهو يخاطب الناس ~~أجمعين. # فهل هذا اتفاق أو تشبه ms063 بالفلاسفة؟ لست أدري، والذي أدريه أن هذا هو الواقع، ولكن ~~الذي يبدو لي هو أن الفاطمية لا تقوم على العروبة وإن كان أيمتها أحفاد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # لم أر للعرب والعروبة ذكرا عند الشيخ، بل رأيته يتعدى ذلك إلى التبرؤ من شعار ~~قومه فيقول: # فشعاري «قاطع» وكان شعارا # لتنوخ في سالف الدهر «واصل» # وإذا فتشنا عن سبب ترك المعري الزواج، فإننا نجده عند فلاسفة اليونان أيضا؛ ~~فأبيقور يقول: «الصداقة نافعة لذيذة، والحكيم يتعهدها كوسيلة للسعادة، ولكنه يتجنب ~~الحب لأنه مصدر اضطراب للنفس، كذلك لا يتزوج الحكيم في الأكثر لما يجره الزواج من ~~شواغل متعددة. وللسبب عينه ينبذ الحكيم المناصب الحكومية وينفض يده من الشئون ~~العامية.» # ولا أخالك نسيت ما مر بنا من قول المعز الفاطمي - جد الحاكم - لجماعته: «واحدة ~~تكفيكم.» # أما الجسم في رأي أبي العلاء ورأيهم فثوب يخلق وبيت يتهدم، وما أجساد الصبيان ~~الذين قضوا صغارا إلا ثياب غير محكمة النسج: # وأعمار الذين قضوا صغارا # كأثواب بلين وما لبسنه # وفي المذهب الفاطمي أن النفس لا تستطيع حياة بلا جسم؛ ولذلك عبر عنها المعري ~~بالقرون في رسالته إلى الجماعة. أما كيف نسج هذا القميص - ومنها جاء التقمص عندهم - ~~فإليك رأي الشيخ: # الخلق من أربع مجمعة # نار وماء وتربة وهوا # إن السهى والسماك ما غفلا # عن ذكر مولاهما ولا سهوا # والنيران المواصلان سنا # إن نله في أرضنا فما لهوا # والشمس والغيث طاهيان له # يطعم أهل البلاد ما طهوا # رحم الله الشيخ! الجسم طبخة طيبة يدب إليها الفساد متى بردت، فبالله نعوذ من ~~البرد، ومن النومة الطويلة في عب الأرض. # أما «الرجعة» أو «العودة»، يراد بها عودة الإنسان إلى الحياة بنفسه وجسده، فأبو ~~العلاء يجحدها. وهذا أيضا مذهب يوناني فيثاغوري، وفيه يقول أوديموس تلميذ أرسطو ~~لتلاميذه: «إذا صدقنا الفيثاغوريين فسيجيء يوم نجتمع به ثانية في هذا المكان، ~~فتجلسون كما أنتم لتسمعوا إلي وأتحدث أنا إليكم كما أفعل الآن.» # وهذا ما يعبر عنه إخوان الصفاء بالكور والدور، ويسمونه «السنة الكبرى »، ومقدارها ms064 ~~ست وثلاثون ألف سنة. # إن أبا العلاء لا يؤمن بها، ولكن لا تنس أن العودة والتناسخ غير التقمص الذي ~~يؤمن به أبو العلاء كما سترى؛ ولهذا يهاجم البعث بكل ما فيه من قوى وسخر وهزء ~~فيقول: # زعموا أنني سأرجع شرخا # كيف لي كيف لي وذاك التماسي؟ # وأزور الجنان أحبر فيها # بعد طول المقام في الأرماس # وتزول العيون عني إذا ح # م بعين الحياة ثم انغماسي # أيما طارق أصابك يا طا # رق حتى مساك للغي ماسي؟ # ضاع دين «الداعي» فرحت تروم الد # ين عند القسيس والشماس # وقد كتب في هذا كتابا - «رسالة الغفران» - سخر به أيما سخر، كما أنه نفى ~~«العودة» نفيا باتا لا لبس فيه فقال: # أترجون أن «أعود» إليكم # لا ترجوا فإنني لا أعود # وقال في موضع آخر: # أسير وما أعود، وما رجوعي # وقد كان الرحيل رحيل قال # أمور يلتبسن على البرايا # كأن العقل منها في عقال # أما التناسخ فالشيخ ينفيه نفيا ويشجبه شجبا، وذلك ظاهر خصوصا في رسالة الغفران ~~حيث يسخر بالنصيرية - جيرانه - أصحاب هذا المعتقد - كما يقال - فيقول بلسان ~~أحدهم: # وا عجبي آمنا لصرف الليالي # جعلت أختنا سكينة فاره # فاطردي هذه السنانير عنها # واتركيها وما تضم الغراره # وكقوله في اللزوميات: # يا آكل التفاح لا تبعدن # ولا يقم يوم ردى ثاكلك # قال النصيري، وما قلته # فاسمع وشجع في الوغى ناكلك # قد كنت في دهرك تفاحة # وكان تفاحك ذا آكلك # فهل لي أن أظن كما ظن ذاك أنه أخذها من قول أكسانوفان حين مر ذات يوم برجل يضرب ~~كلبا، فأخذته الشفقة فصاح وهو ينتحب: لا تضربه يا هذا. إنها نفس صديق لي قد عرفته ~~من صوته. # وللشيخ المعري خبران يشبهان ما حكي عن أكسانوفان؛ فقال في رسالة الغفران: «وحدثت ~~عن رجل من رؤساء المنجمين من أهل حران، أقام في بلدنا - المعرة - زمانا، فخرج مع ~~قوم يتنزهون فمر والثور يكرب، فقال لأصحابه: لا شك في أن هذا الثور رجل كان يعرف ~~بخلف ب «حران»، وجعل يصيح به: يا خلف ، فيتفق ms065 أن يخور ذلك الثور فيقول لأصحابه: ألا ~~ترون صحة ما خبرتكم به؟» ~~«وحكي لي عن رجل ممن يقول بالتناسخ أنه قال: رأيت في النوم أبي، وهو يقول: ابني، ~~إن روحي قد نقلت إلى جمل أعور في قطار فلان، وإني قد اشتهيت بطيخة، فأخذت بطيخة ~~وسألت عن ذلك القطار، فوجدت فيه جملا أعور، فدنوت منه بالبطيخة فأخذها أخذ مريد ~~مشته.» # أرأيت كيف يسخر؟ إن أبا العلاء يساور ما يجحده مساورة؛ فهو يعتقد نوعا من ~~التناسخ، وهو ما يعبر عنه بالمذهب الفاطمي - الدرزي - بالتقمص، فاسمع كيف يحدثنا ~~الشيخ عن التناسخ. # وجدنا اتباع الشرع حزما لذي النهى # ومن جرب الأيام لم ينكر النسخا # فما بال هذا العصر ما فيه آية # من المسخ إن كانت يهود رأت مسخا # وقال بإحكام التناسخ معشر # غلوا فأجازوا الفسخ في ذاك والرسخا # أليس تدلك كلمة «غلوا» على أن الشيخ يرى النسخ؟ وإن كابرت وقلت لا، فسأدلك دلالة ~~قاطعة مانعة ... أما الآن فاسمع ما هذا النسخ والمسخ والفسخ والرسخ: فالنسخ هو نقل ~~الروح من جسم إلى جسم أرفع منه وهذا ما يعتقده الشيخ ويترجاه، ولا إكراه في الدين. ~~أما المسخ فنقل الأرواح إلى أجسام البهائم ذوات الأربع، والفسخ نقلها إلى الحشرات، ~~والرسخ هو أن تنقل إلى النبات والجماد كالحجارة والحديد، وهذه الثلاثة الأخيرة ~~ينكرها شيخنا كل الإنكار. أما النسخ، وهو ما يسمونه التقمص، فسنحدثك عنه قريبا ~~جدا. # وقد علمنا مما قرأنا في أحد كتب المذهب الفاطمي، أن إخواننا بني معروف يشجبون ~~التناسخ ويلعنون النصيري الذي يقول بذلك؛ إذ لا يعقل أن الله يعاقب رجلا عاقلا ~~يدرك بمسخه خنزيرا أو بتحويله حديدا؛ فالحكمة أن يكون عاقلا ليعرف العذاب ~~ويتوب. # وعند أفلاطون يكون التناسخ بتحول بعض الأحياء إلى بعض بحسب ما يكسبون أو يخسرون ~~من العقل، وفي هذا يقول أبو العلاء: # يقولون إن الجسم ينقل روحه # إلى غيره حتى يهذبها النقل # فلا تقبلن ما يخبرونك ضلة # إذا لم يؤيد ما أتوك به العقل # فعش وادعا وارفق بنفسك طالبا # فإن حسام الهند ms066 ينهكه الصقل # أما التقمص الذي قلت لك إن الشيخ يعتقده فنحن لا نفتري ذلك افتراء. # ويعتقد أبو العلاء أن هذا الجسم غير مسئول عما جنى لأنه لباس يبلى، أو بيت ~~يتداعى؛ فيقول في هذا أبياتا عديدة أذكر لك منها: # وجسمي شمعة والنفس نار # إذا حان الردى خمدت بأف ~~••• # تعود إلى الأرض أجسادنا # ونلحق بالعنصر الطاهر # ويقضي بنا فرضه ناسك # يمر اليدين على الظاهر ~~••• # ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة # وحق لسكان البرية أن يبكوا # تحطمنا الأيام حتى كأننا # زجاج ولكن لا يعاد له سبك # مضى الأنام ولولا علم حالهم # لقلت قول زهير: أية سلكوا؟ # في الملك لم يخرجوا عنه ولا انتقلوا # منه فكيف اعتقادي أنهم هلكوا ~~••• # وردت إلى دار المصائب مجبرا # وأصبحت فيها ليس يعجبني النقل ~~••• # والجسم للروح دار طالما لقيت # هدما وحق لرب الدار تحويل ~~••• # رأيتك في لج من البحر سابحا # تلوم بني الدنيا وأنت سليم # يقول الحجى هل لي إذا مت راحة # فإن عذابي في الحياة أليم # وأجسامنا مثل الديار لأنفس # جوائر منها «جاهل» وحليم # فإما انهدام قبل رحلة ظاعن # وإما رحيل والمحل سليم ~~••• # وقد زعموا هذي النفوس بواقيا # تشكل في أجسامها وتهذب # وتنقل منها فالسعيد مكرم # بما هو لاق والشقي مشذب ~~••• # حرق الهند من يموت فما زا # روه في روحة ولا تبكير # واستراحوا من ضغطة القبر ميتا # وسؤال لمنكر ونكير ~~••• # ويبكم إن رأيتموني يوما # حبة في الثرى فلا تلقطوني # وإليك الآن، بعدما رأيت ما رأيت، موافقته للمذهب الفاطمي القائم اليوم بكل ~~وضوح: # تقادم شخص مضى # فأحدث منه البدل ~~••• # وتقدم الأرض نفوس أتت # مخلوقة من أنفس ثاويه # وإذا رأيت ما يناقض هذا عند الشيخ فاعلم أنه تقية، ولا تحاول أن تفتش عن سره الذي ~~يلهيك به. # وقبل أن نقفل باب هذا البحث، لا بد من كلمة: خلط بعضهم في فهم أبي العلاء إذ رأوا ~~في اللزوميات وغيرها حملة على الشيعة؛ فهو لا يعني بذلك الشيعة المعروفة، بل يعني جيرانه النصيريين الذين - يقال - ~~إنهم يحللون أخذ بناتهم وأخواتهم، فيقول فيهم: ms067 # أقروا بالإله وأثبتوه # وقالوا لا نبي ولا كتاب # ووطء بناتنا حل مباح # رويدكم فقد بطل العتاب # تمادوا في العتاب فلم يتوبوا # ولو سمعوا صليل السيف تابوا # وظن بعضهم أن أبا العلاء يسخر ويهزأ في البيت الأخير، فليس هنا شيء من هذا، إنه ~~يعني النصيري الذي استجاب للدعوة الفاطمية ثم ارتد عنها وقال بمذهب خاص أجاز به نكح ~~البنات والأخوات. ولا أتعجب أنا إن رأيت أبا العلاء وكتاب المذهب الدرزي يشجبان هذا ~~الرجل ويلعنانه؛ فكلاهما يصدر عن نبع واحد هو «الفاطمية». # وإذا أردت أن أطابق بين أقوال الشيخ والمذهب الفاطمي فالأدلة صارخة، وهذا هو سر ~~أبي العلاء المكتوم الذي يقول فيه: # آه لأسرار الفؤاد غواليا # في الصدر أكتم دونها وأجمجم # ولكنك سترى، إن شاء الله، أن سره لم يدفن معه، بل باح به حين اطمأن إلى رأسه ~~ودمه. # | أبو العلاء والحاكم # | الليلة الأولى # كانوا يصلون على أمير المؤمنين الفاطمي كما يصلى على النبي، فأبطلها الإمام أبو ~~علي؛ أي الحاكم بأمر الله، وحرم تقبيل الأرض بين يديه ولثم يده وركابه إذ لا يجوز ~~الانحناء إلى الأرض لمخلوق. ومنع ضرب الطبول والأبواق حول القصر، وركب يوم عيد الفطر ~~إلى المصلى بلا زينة ولا موكب فخم، ثم أخذ يرتدي ثيابا بسيطة، أو دراعة صوف بيضاء، ~~ويتعمم بفوطة، وينتعل حذاء عربيا ساذجا - مداسا - وغدا يطوف في القاهرة دون موكب ~~ولا ضجة. # وبعد مرضه، سنة 407 هجرية، جنح إلى تصوف غريب، فلم يقلم أظافره، وأطلق شعره حتى ~~تدلى على كتفيه، وبدل الثياب البيضاء الساذجة بثياب سود، فكان يلبس جبة من الصوف الأسود ~~العادي ربما لا يخلعها حتى يعلوها العرق والرثاثة، وكثيرا ما تكون مرقعة من سائر ~~الألوان. # وفي الليلة الخامسة والعشرين من شهر شوال 411 كان الحاكم مختليا فخطرت على باله ~~عبارة الزعيم الباطني: «وإذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به ... فعلى الفلاسفة معولنا» فطفق ~~يكررها. # وبينا هو نائم في جو تفكيره المعكر، ينتظر ساعة الطواف ليرقب النجم الذي يخشى ظهوره، ~~إذا بالحاجب يستأذن للداعي إسماعيل التميمي، فدخل ms068 منكس الطرف، وابتدر الحاكم الكلام ~~بلهجة العاتب المؤنب: عدت يا إسماعيل! حال الحول على غيبتك. وأين الرجل؟ # فخر إسماعيل على ذقنه ليقبل الأرض، فانتهره الحاكم: اتق الله، أنسيت أننا نسخناها؟ ~~قل، أين الشيخ؟ # فرفع إسماعيل طرفه إلى مولانا، فرآه منسدل الشعر طويل الأظافر، وعليه مرقعة تتحدث كل ~~رقعة منها بلسان غريب عن أفكار الفيلسوف الهائم. # ارتاع الداعي وانحنى، وهو يقول بصوت كأنه يصدر من خلف الزجاج: رخص لي الكلام يا ~~مولانا. # فأجاب الحاكم: تكلم، ومتى كنا نحظر القول على دعاتنا؟ # فقال الداعي: رأيتني، يا مولاي، أمامك كالواقف أمام أسد الله، فتذكرت قول الشاعر: لدى ~~أسد ... فجرى لسان الحاكم غير مختار فأتم هو والداعي بيت زهير: ~~... شاك السلاح مقذف # له لبد أظفاره لم تقلم # ولم ندر ما جال في خاطر مولانا حتى تبسم، وكأنه أدرك أنه زهي وتكبر، فوبخ نفسه ~~أمام الداعي بقوله لها: «رويدك لا تغتري، ما صفوت ولا نقيت بعد.» ثم تغير وجهه فالتفت ~~إلى إسماعيل التفاتة أرعبته، وقال له: قل، أين الرجل؟ # فحنى إسماعيل رأسه وقال: لم يجئ يا مولانا. ~~- عجيب؟ أيؤثر المعرة على القاهرة؟ وبيته على دار الحكمة؟ ~~- نعم يا مولانا، قال لي لن أبرح محبسي، على هذا عاهدت القرون. # فصاح الحاكم: القرون؟ أهكذا عبر عن النفس؟ ~~- نعم يا مولانا، إنه لفاهم، وقد أوضح هذا شعرا فقال: # والجسم كالثوب على روحه # ينزع إن يخلق أو يتسخ # فأطرق الحاكم وقال: كأنه يسمع كل ما يقال في «دار الحكمة». ثم حدق إلى الداعي ~~وقال: كيف لا يأتي إلينا والمجد ينتظره؟ # إنه يزدري كل مجد يا مولانا، يرى جلوسه على اللبد شتاء وعلى الحصير صيفا خيرا من ~~ألف عرش. ~~- عجيب! أدعوته باسم؟ أدرى أني أريده سميرا ورفيقا وجليسا ومناظرا؟ ~~- نعم درى واحتج بيمينه، فما لنا وله؟ # وهاج الحاكم تطاول إسماعيل فقال له: لولا حرمة الدعوة لأخمدت أنفاسك. # فصاح إسماعيل مرعوبا: عفوك مولانا، وغفرانك. ~~- تكلم. ~~- قد أطلعني الرجل على جميع ما يكتب وينظم ويملي على تلاميذه، قد تتلمذت له كل مدة ms069 ~~غيبتي عن الحضرة. إنه يعمل «للدعوة» ما لا يعمله جميع الدعاة؛ فبيته يعج بالوفود، وفيه ~~تلقى دروس لا تلقيها «دار الحكمة». نحن ندعو سرا وهو يعلم جهرا. وكتابه الذي يمليه ~~على طلابه مرتب على نسق الدعوات، إنه يرقيهم فيها درجة درجة. # فأطرق الحاكم قليلا وسكت الداعي، وكان صمت وجيز قال الحاكم على أثره: وماذا قال ~~حين ذكرتني؟ ~~- قال إنك سراج مستنير، وهو يقتفي أثرك وآثار آبائك، صلوات الله عليهم، ليدرك، عن ~~طريق النسك والزهد، صفاء النفس ونقاءها ... # فسكت الحاكم هنيهة وأطرق، ثم رفع رأسه وقال: لا بد من مجيئه. ~~- ماذا تريد منه يا مولانا وهو القائل: # توحد فإن الله ربك واحد # ولا ترغبن في عشرة الرؤساء # فمط الحاكم شفتيه حتى برز شارباه بروزا عنيفا، فقال الداعي: وهو يعلم اللاجئين ~~إليه: # أفيقوا أفيقوا يا غواة، فإنما # ديانتكم مكر من القدماء # أرادوا بها جمع الحطام فأدركوا # وبادوا، وماتت سنة اللؤماء # يقولون هذا الدهر قد حان موته # ولم يبق في الأيام غير ذماء # وقد كذبوا ما يعرفون انقضاءه # فلا تسمعوا من كاذب الزعماء # فكاد الحاكم لا يصدق ما يسمع، فقال الداعي: واسمع، مولانا، غير مأمور، ما يقول ~~أيضا: # هفت الحنيفة، والنصارى ما اهتدت # ويهود حارت، والمجوس مضلله # اثنان أهل الأرض ذو «عقل» بلا # دين، وآخر دين لا عقل له # ورأى إسماعيل الحاكم مقبلا عليه بوجهه فأفرغ ما جعبته حول هذا الموضوع: # وإخوان الفطانة في اختيال # كأنهم لقوم أنبياء # فأما هؤلاء فأهل مكر # وأما الأولون فأغبياء # إذا كان التقى بلها وعيا # فأعيار المذلة أتقياء ~~••• # لو كنت يعقوب طير كنت أرشد في # مسعاك من أمم تنمى ليعقوبا # ضلوا بعجل مصوغ من شنوفهم # فاستنكروا مسمعا للشنف مثقوبا # ولن يقوم مسيح يجمعون له # وخلت واعدهم م الخلف عرقوبا # ويقول: # وموه الناس حتى ظن جاهلهم # أن النبوة تمويه وتدليس # جاءت من الفلك العلوي حادثة # فيها استوى جبناء القوم والليس # ويقول: # و«العقل» يعجب والشرائع كلها # خبر يقلد لم يقسه قائس # متمجسون ومسلمون ومعشر # متنصرون وهائدون رسائس # وبيوت نيران تزار ms070 تعبدا # ومساجد معمورة وكنائس # والصابئون ينظمون كواكبا # وطباع كل في الشرور حبائس # أنى ينال أخو الديانة سؤددا # ومآرب الرجل الشريف خسائس # وإذا الرئاسة لم تصن بسياسة ~~«عقلية» خطئ الصواب السائس # فهز الحاكم رأسه استحسانا للبيت الأخير فقال الداعي: # قالت معاشر لم يبعث إلهكم # إلى البرية عيساها ولا موسى # وإنما جعلوا للقوم مأكلة # وصيروا لجميع الناس ناموسا # ولو قدرت لعاقبت الذين طغوا # حتى يعود حليف الغي مرموسا # فتمتم الحاكم: ونحن لم نقدر، فقال الداعي: # بنت النصارى للمسيح كنائسا # كانت تعيب الفعل من منتابها # ومتى ذكرت محمدا وكتابه # جاءت يهود بجحدها وكتابها # أفعلة الإسلام ينكر منكر # والله ربك صاغها وأتى بها # أين الهدى فنرومه بمشقة # في البيد ساطية على منتابها؟ # فقال الحاكم: ما هذا اللسان يا إسماعيل؟! فقال الداعي: لم أفرغ بعد، وأنشد: # إن الشرائع ألقت بيننا إحنا # وأورثتنا أفانين العداوات # وهل أبيحت نساء الروم عن عرض # للعرب إلا بأحكام النبوات # فقال الحاكم: ما أضعفنا غيرهن. # فقال إسماعيل: # مسيحية من قبلها موسوية # حكت لك أخبارا بعيدا ثبوتها # وفارس قد شبت لها النار وادعت # لنيرانها أن لا يجوز خبوتها # فما هذه الأيام غير نظائر # تساوت بها آحادها وسبوتها # وقال في التقليد: # ضلت يهود وإنما توراتها # كذب من العلماء والأحبار # قد أسندوا عن مثلهم ثم اعتلوا # فنموا بإسناد إلى الجبار # وإذا غلبت مناضلا عن دينه # ألقى مقالده إلى الأخبار # ثم يقول: # وكم من فقيه خابط في ضلالة # وحجته فيها الكتاب المنزل # وقارئكم يرجو بتطريبه الغنى # فآض كما غنى ليكسب زلزل # فما لعذاب فوقكم لا يعمكم # وما بال أرض تحتكم لا تزلزل؟ # وقال: # توافقت اليهود مع النصارى # على قتل المسيح بلا خلاف # وما اصطلحوا على ترك الدنايا # بل اصطلحوا على شرب السلاف # وقال: # أمور تستخف بها حلوم # وما يدري الفتى لمن الثبور # كتاب محمد وكتاب موسى # وإنجيل ابن مريم والزبور # نهت أمما فما قبلت وبارت # نصيحتها فكل القوم بور # ويقول في هذا أخيرا، وله أقوال كثيرة في هذا الباب غير هذه لا متسع لذكرها: # ناديت ms071 حتى بدا في المنطق الصحل # تخالف الناس والأغراض والملل # رجوا إماما بحق أن يقوم لهم # هيهات لا بل حلول ثم مرتحل # وأجرؤ، يا مولانا، وقد رأيت الرضا في وجهك الرباني، أن أسمعك قوله في الحكام: # مل المقام فكم أعاشر أمة # أمرت بغير صلاحها أمراؤها # ظلموا الرعية واستباحوا كيدها # وعدوا مصالحها وهم أجراؤها # فهتف الحاكم: لقد صدق؛ ولهذا نقتل بعضهم ونحبس بعضا. # فقال الداعي: ويقول فينا، نحن الدعاة، ويزعم أنه لا يخفى عليك ذلك، وسجد وقال: ومعاذ ~~الله أن يخفى على نوركم شيء: # علم «الإمام» ولا أقول بظنة # أن «الدعاة» بسعيها تتكسب # فقال الحاكم: لا فض فوه. # فقال الداعي: وسوف تقول يا مولانا، هذا نفيرنا في الشام يؤلب الناس تحت لواء دعوتنا ~~متى سمعت قوله: # أرى عالما يرجون عفو مليكهم # بتقبيل ركن واتخاذ صليب # فغفرانك اللهم، هل أنا طارح # بمكة في وفد ثياب سليبي؟ # ويقول: # ما الركن في قول ناس لست أذكرهم # إلا بقية أوثان وأنصاب # أما الصلاة فاسمع قوله فيها: # يقولون هلا تشهد «الجمع» التي # رجونا بها عفوا من الله أو قربا # وهل لي خير في الحضور وإنما # أزاحم من أخيارهم إبلا جربا # فاضطرب الحاكم إذ تذكر أنه ألغى الصلاة ومنع الحج. # ونفخ في البوق إيذانا بالطواف، فخرج الحاكم وهو يقول للداعي إسماعيل: تعود إلي في ~~مثل هذه الساعة غدا، وأما شيخك فيزور القاهرة إما راغبا وإما راهبا. # | الليلة الثانية # وجاء الداعي إسماعيل في الموعد المضروب فألفى الحاكم متهيئا للسماع فقال: # ويقول في الدين والنفس: # يا ظالما عقد اليدين مصليا # من دون ظلمك يعقد الزنار # أتظن أنك للمحاسن كاسب # وخبيء أمرك شرة وشنار # ومع الفتى من نفسه نمية # ما زال يحلف أنها دينار ~~••• # توهمت يا مغرور، أنك دين # علي يمين الله ما لك دين # تسير إلى البيت الحرام تنسكا # ويشكوك جار بائس وخدين # ويقول: # سبح وصل وطف بمكة زائرا # سبعين لا سبعا فلست بناسك # جهل الديانة من إذا عرضت له # أطماعه لم يلف بالمتماسك # ويقول: # الدين إنصافك الأقوام كلهم # وأي ms072 دين لآبي الحق إن وجبا؟ # والمرء يعييه قود النفس مصحبة # للخير، وهو يقود العسكر اللجبا # ففارق الحاكم شيء من أبهته ووقاره وهتف: ويلي عليك، وويلي منك، نفسي! وماذا يقول في ~~الجسم؟ # وإنما الجسم ترب خير حالته # سقيا الغنائم فاستسقوا له السحبا ~~••• # جسمي أودى مر السنين به # فلتطلب النفس منزلا بدله ~~••• # قلمت ظفري تارات وما جسدي # إلا كذاك متى ما فارق الروحا ~~••• # ويصبح الجسم بعد الروح منتبذا # صفرا كنبذك مكسور البواقيل ~~••• # يا نفس جسمك سربال له خطر # وما يبدل في حال بسربال # قد أخلقته الليالي فاتركيه لقى # فما يزينك لبس المخلق البالي # فإن خرجت إلى بؤسي فوا حرجي # وإن نقلت إلى نعمى فطوبى لي # وكان الحاكم يسمع وهو محتار، فقال إسماعيل: # وسيسمع مولانا أوضح: # وإن صدئت أرواحنا في جسومنا # فيوشك يوما أن يعاودها الصقل ~~••• # والله ينقل من شا # ء رتبة بعد رتبه # وقد أملى عليه قصيدة طويلة على التاء في المرأة كأنه استمدها من «السجل المكرم» ~~فألتمس من مولانا أن يشرفها بالمطالعة في خلوته، وقد قال لي: مولانا الحاكم، سلمه الله، ~~عرف جرثومة الشر فسد على الحية باب الجحر، أطال الله مدته. # وأخذ الحاكم القصيدة وكأنه غير منتبه، وتحركت شفتاه ولم يعلم أحد ماذا قال ... ثم التفت ~~إلى الداعي وقال: ~~- ألم يقل غير هذه القصيدة؟ ~~- بلى يا مولانا، هو عدو المرأة الألد. # فطابت نفس الحاكم للحديث فقال: أسمعنا. # فقال إسماعيل: # لا تتبعن الغانيات مماشيا # إن الغواني جمة تبعاتها # واحذر مقال الناس إنك بينها # سرحان ضأن حين غاب رعاتها # ودع القراءة إن ظننت جهيرها # ذكرت به الحاجات مستمعاتها # فالصوت هدر الفحل تؤنس ركزه # آلافه فتجيب ممتنعاتها ~~••• # إذا بلغ الوليد لديك عشرا # فلا يدخل على الحرم الوليد # فإن خالفتني وعصيت أمري # فأنت وإن رزقت حجى بليد # ومن جمع الضرات يطلب لذة # فقد بات في الأضرار غير سديد # وإن يلتمس أخرى جديدا لحاجة # فلا يأمنن منها ابتغاء جديد # ويقول، يا مولانا، في المرأة والحمام: # نصحتك أجسام البرية أجناس # وخير من الأعراس برس وعرناس # ولا ms073 تلجي الحمام قد جاء ناصح # بتحريمه من قبل أن يفسد الناس # فكيف به لما اغتدى في طريقه # رجيب وحواش وتنج وأشناش # تخافين شيطانا من الجن ماردا # وعندك شيطان من الأنس خناس # ووافقت الأبيات هوى الحاكم لأنه منع كل هذا، ولحظ ذلك إسماعيل فقال: # تزوج بعد واحدة ثلاثا # وقال لزوجه يكفيك ربعي # فيرضيها إذا قنعت بقوت # ويرجمها إذا مالت لتبع # ومن جمع اثنتين فما توخى # سبيل الحق في خمس وربع # وعقلك يا أخا السبعين واه # كأنك في ملاعبك ابن سبع # ظلمت وكلنا جان ظلوم # وطبعك في الخيانة مثل طبعي # فتذكر الحاكم كلمة جده «واحدة تكفيكم» وقال: يا سبحان الله! فقال إسماعيل: # لا تجلسن حرة موفقة # مع ابن زوج لها ولا ختن # فذاك خير لها وأسلم لل # إنسان إن الفتى مع الفتن # ويقول: # هل قبلت من ناصح أمة # تغدو إلى الفصح بصلبانها # كنائس يجمعها وصلة # بين غوانيها وشبانها # ما بالها عذراء أو ثيبا # كوردة الجاني بأبانها # راحت إلى القس بتقريبها # وبيتها أولى بقربانها # قد جربت من فعله سيئا # والطيب جار بجربانها # وربها تسخط بل زوجها ال # سائس في طاعة ربانها # وزارت الدير وأثوابها # ضامنة فتنة رهبانها # وقال الداعي: أما الخمرة يا مولانا، فهو ألد أعدائها وعلى دين مولانا في كرهها ~~وتحريمها، هو على دينك في كل مذاهبه، هو حواريك. # فابتسم مولانا هذه المرة ولم يمتعض بل قال للداعي: كذا تقول؟ # فأجابه الداعي: نعم يا مولانا، نعم، وإذا شئت فأسمعك ما يقول فيها: # البابلية باب كل بلية # فتوقين هجوم ذاك الباب # وإذا تأملت الحوادث ألفيت # صهب الدنان أعادي الألباب ~~••• # قل للمدامة وهي ضد للنهى # تنضو لها أبدا سيوف محارب # لو كان لم يحظرك غير أذية # شيء لبت مباحة للشارب # لكن حماك العقل وهو مؤمر # فانأي وراءك في التراب التارب # ويقول: # هي الراح أهل لطول الهجاء # وإن خصها معشر بالمدح # قبيح بمن عد بعض البحار # تغريقه نفسه في قدح # ويقول: # أيأتي نبي يجعل الخمر طلقة # فتحمل ثقلا من همومي وأحزاني؟ # فقطب الحاكم عند سماعه ms074 هذا البيت، أما إسماعيل فأتم: # وهيهات لو حلت لما كنت شاربا # مخففة في الحلم كفة ميزاني # ونفخ في البوق إيذانا بالطواف، فانصرف الحاكم مسرورا جدا، وقال لإسماعيل: تعود ~~غدا أيضا، فانصرف إسماعيل من الحضرة وهو ظان أنه صرف الحاكم عن استدعاء أبي العلاء. # | الليلة الأخيرة # وفي الليلة السابعة والعشرين من شوال سنة 411 كان الداعي إسماعيل منتصبا لدن الحاكم ~~بأمر الله، ومولانا الحاكم مضطرب كئيب. وكان سكوت وكان كلام فقال الداعي: ويقول في ~~البعث والحساب: # قالوا جهنم قلت إن شرارها # ولهيبها يصلاهما المتشرر # لا تخبرن بكنه دينك معشرا # شطرا وإن تفعل فأنت مغرر # ويقول في البعث أقوالا ذات باطن وظاهر وهذا أسلوبه في بث أفكاره: # لو هب هجاد قوم في الثرى سكنوا # لضاقت المدن والبيد الأماليس # ويقول: # لو صح ما قال رسطاليس من قدم # وهب من مات لم يجمعهم الفلك # ويقول: # لو قام أموات «العواصم» وحدها # أعيا المحل على المقيم الساكن # لغدوا وقد ملأ البسيطة بعضهم # ورأيت أكثرهم بغير أماكن # ويقول: # وأعجب ما تخشاه دعوة هاتف # أتيتم فهبوا يا نيام إلى الحشر # فيا ليتنا عشنا حياة بلا ردى # يد الدهر أو متنا مماتا بلا نشر # ويقول: # وقيل لا بعث يرجى للثواب وما # سمعت من ذاك دعوى مبطل هزلا # وكيف للجسم أن يدعى إلى رغد # من بعد ما رم في الغبراء أو أزلا؟ # وهل يقوم لحمل العبء من جدث # ظهر وأيسر ما لاقاه أن جزلا؟ # ويقول: # إذا حان يومي فلأوسد بموضع # من الأرض لم يحفر به أحد قبرا # فيا ليتني لا أشهد الحشر فيهم # إذا بعثوا شعثا رءوسهم غبرا # ويقول: # قال المنجم والطبيب كلاهما # لا تبعث الأموات قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # ويقول في هذا أخيرا، وألفت نظر مولانا إلى ما فيه: # إن كنت صاحب جنة في ربوة # فتوق أن ينتابها إعصار # لم أسمعك يا مولانا، إلا نتفا من قصائد، ولو أردت أن أتلو على مسامعك العلوية كل ما ~~نقلت عن الشيخ لانقضى الليل، ms075 ولكن لا بد من إطلاعك على بعض ما يقول في التحول: # أتيت لي خالقا حكيما # ولست من معشر نفاة # خبطت في حندس مقيم # وأعجزت علتي شفاتي # فمن تراب إلى تراب # ومن سفاة إلى سفاة # ويقول: # الغيب مجهول يحار دليله # واللب يأمر أهله أن يتقوا # لا تظلموا الموتى وإن طال المدى # إني أخاف عليكم أن تلتقوا # أما مذهبنا فاسمع ماذا يقول فيه، وكيف يدعو إليه: # و«الخير» أفضل ما اعتقدت فلا تكن # هملا، وصل بقبلة أو زمزم # فصاح الحاكم: حي على خير العمل، بارك الله فيه. هو منا، هو من «أهل الخير». # فقال الداعي: ويقول أيضا ملمحا إلى دعوتنا: # بني زمني هل تعلمون سرائرا # علمت ولكني بها غير بائح # متى ما كشفتم عن حقائق دينكم # تكشفتم عن مخزيات الفضائح # فهتف الحاكم: صانه الله، ولا كشف له سترا. # فقال إسماعيل: وإليك قولا لا التباس فيه: # دعا موسى فزال، وقام عيسى # وجاء محمد بصلاة خمس # وقيل يجيء دين غير هذا # وأودى الناس بين غد وأمس # فمن لي أن يعود الدين غضا # فينقع من تنسك بعد خمس؟ # فأبرقت عينا الحاكم حين سمع البيت الأخير. وأدرك إسماعيل في تلك اللحظة شيئا لم ~~يدركه من قبل، فصاح الحاكم: هيه يا إسماعيل! فتماسك الداعي بعد تزعزع وقال: # ومهما كان في دنياك هذي # فما تخليك من قمر وشمس # إذا قلت المحال رفعت صوتي # وإن قلت الصحيح أطلت همسي # فهتف الحاكم: لا بد من مجيئه إلينا رضي أم أبى. # فانحنى إسماعيل متضرعا: رحماك مولانا، دعه في وحدته ينشر تعاليمكم؛ فهو هناك أنفع ~~لنا منه هنا، ماذا يستفيد شيخ مثله من «دار الحكمة» وهو الذي يقول في العقل: # فشاور العقل واترك غيره هدرا # فالعقل خير مشير ضمه النادي ~~••• # عليك العقل وافعل ما رآه # فإن العقل مشتار الشوار # ولا تقبل من التوراة حكما # فإن الحق عنها في توار ~~••• # الناس مختلفون، قيل المرء لا # يجزى على عمل وقيل يجازى # والله حق في تدبر أمره # عرف اليقين وآنس الإعجازا # فاسأل حجاك إذا أردت هداية ms076 # واحبس لسانك أن يقول مجازا ~~••• # سأتبع من يدعو إلى الخير جاهدا # وأرحل عنها ما أمامي سوى عقلي # وأشعر أن العقل يصحب تارة # وينفر أخرى وهو غير مليم # وقال أناس ليس عيسى مقربا # فقيل ولا موساكم بكليم # ويقول: # تستروا بأمور في ديانتهم # وإنما دينهم دين الزناديق # نكذب العقل في تصديق كاذبهم # والعقل أولى بإكرام وتصديق # وأخيرا ينضو كل لبس ويقف على قمة «الدعوة» ويهتف بالناس: # أيها الغر إن خصصت بعقل # فاسألنه فكل عقل نبي # وظن إسماعيل أنه أوتي فصل الخطاب فالتفت إلى الحاكم ولسان حاله كأنه يقول: وبعد هذا ~~ماذا؟ فإذا بالحاكم يقول: لا بد من حضوره، ارجع إليه يا إسماعيل، وقل له: الحاكم بأمر ~~الله يريد أن يفضي إليك بسر الأسرار، فبدار بدار ... «المهلة» تكاد تنتهي. آه من ~~«النجم المشئوم» إذا طلع! # لم يدرك إسماعيل ماذا عنى الحاكم ب «النجم المشئوم» فقال: تسمح لي يا مولانا أن أتلو ~~عليك ثلاثة أبيات تثبت لك أن الرجل منا وفينا، وأنه يعرف أسرار «دار الحكمة» جميعها؟ ~~اسمع كيف يخاطبنا وبأي رفق، بينا هو ينازل غيرنا بحججه وبراهينه. # فوضع الحاكم يده خلف أذنه، فقال إسماعيل: # نبذتم الأديان من خلفكم # وليس في «الحكمة» أن تنبذا # لا قاضي المصر أطعتم ولا ال # حبر ولا القس ولا الموبذا # إن ذكرت ملتكم عندهم # قال جميع القوم لا حبذا # فقال الحاكم: قد أمرت بإعداد بريد خاص يحملك غدا إلى معرة النعمان، فاستعد. # فمشى الداعي إسماعيل التميمي القهقرى حتى خرج من الحضرة، نوى في تلك اللحظة أن يتوارى ~~في بلاد الشام إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. # ونفخ في البوق فركب الحاكم حماره «القمر» وخرج كعادته، وانتهى به الطواف إلى خلوته في ~~المقطم فطلع «النجم المشئوم» ولم يعد الحاكم. # | بعد العاصفة # | الحصن الذي لم يسكت # «غاب» الحاكم ولم يعد فكثر الإرجاف، وكل ما عرف من أمر «غيبته» حتى الساعة: أنه قام ~~بطوافه الليلي ليلة الاثنين في 27 شوال سنة 411 هجرية، بعد أن ذكر لوالدته أنه يتوقع في ~~الغد ms077 قطعا في طالعه ينذر به ظهور نجم معين وأنه يتوجس خيفة من ظهوره، ويخشى أن يصيبها ~~شر ولا سيما من أخته - ست الملك، وأعطى أمه مفاتيح خزانة مليئة بالمال لتحولها إلى ~~قصرها، فجزعت أمه، وتضرعت إليه ألا يخرج، فوعدها بذلك، ولبث أرقا والضجر يكاد يقتله ~~حتى مضى من الليل ثلثاه، وعندئذ قال لأمه: لا بد من ركوبي الليلة وإلا خرجت روحي، ثم ~~ركب وخرج. # وخرج القضاة والأشراف والقواد في اليوم التالي إلى الجبل فبحثوا عنه حتى آخر النهار ~~ولم يعثروا له على أثر، وظلوا يخرجون كل يوم حتى كان يوم «الخميس» آخر شوال فعثروا على ~~حمار الحاكم الأشهب، المسمى القمر، وقد قطعت ساقاه الأماميتان، وعليه سرجه ولجامه، وإذا ~~أثر رجل خلف الحمار وأثر رجل أمامه، فاقتفوا الأثر فعثروا على ثياب الحاكم وهي سبع جبب ~~لم تحل أزرارها. # وكثر اللغو إذ طالت الغيبة، فجلس الظاهر لإعزاز دين الله على كرسي الخلافة يوم عيد ~~الأضحى سنة 411؛ أي بعد غياب أبيه بستة أسابيع. # وشاعت شائعات تترى عن ظهور الحاكم هنا وهناك، وعاش الناس حقبة يرجفون ويلغون ~~منتظرين الرجعة حتى ظهر رجل يشبهه في عهد المستنصر سنة 434 فادعى أنه هو الحاكم وأنه ~~بعث بعد موته، فأوقع الجند بالمدعي وشتتوا أنصاره، وفي هذا قال أبو العلاء: # مضى قيل مصر إلى ربه # وخلى السياسة للخائل # وقالوا «يعود» فقلنا يجوز # بقدرة خالقنا الآئل # إذا هب زيد إلى طيئ # وقام كليب إلى وائل # واضطهد الظاهر لإعزاز دين الله دعاة أبيه أشد الاضطهاد، فقتل منهم وصلب وسجن حتى رووا ~~أنهم كانوا يقطعون رأس أحد هؤلاء الدعاة ويعلقونه على صدر أخته أو زوجته، فتفرق الدعاة ~~تحت كل كوكب ولم يرتد منهم إلا القليل، ظلوا يناضلون سرا ولجأ أكثرهم إلى لبنان ~~وسوريا الشمالية، فتواروا عن العيون، وبثوا دعوتهم ثم أقفل الباب. # وفي سنة 414 أذاع الظاهر لإعزاز دين الله وثيقة رسمية هاك ما جاء فيها نقلا عن كتاب ~~الحاكم بأمر الله لعنان: # وذهبت طائفة من النصيرية إلى الغلو في أبينا ms078 أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ~~رضوان الله عليه، غلت وادعت فيه ما ادعت النصارى في المسيح، ونجمت عن هؤلاء ~~الكفرة فرقة سخيفة العقول، ضالة بجهلها عن سواء السبيل، فغلوا فينا غلوا ~~كبيرا، وقالوا في آبائنا وأجدادنا منكرا من القول وزورا، ونسبونا بغلوهم ~~الأشنع، وجهلهم المستفظع، إلى ما لا يليق بنا ذكره. وإنا لنبرأ إلى الله تعالى ~~من هؤلاء الجهلة الكفرة الضلال، ونسأل الله أن يحسن معونتنا على إعزاز دينه، ~~وتوطيد قواعده وتمكينه، والعمل بما أمرنا به جدنا المصطفى وأبونا علي المرتضى، ~~وأسلافنا البررة أعلام الهدى. وقد علمتم يا معاشر أوليائنا ودعاتنا ما حكمنا به ~~من قطع دابر هؤلاء الكفرة الفساق والفجرة المراق وتفريقنا لهم في البلاد كل ~~مفرق، فظعنوا في الآفاق هاربين، وشردوا مطرودين خائفين. # ثم اعترف الظاهر إلى الله «بأنه وأسلافه الماضين وأخلافه الباقين مخلوقون اقتدارا، ~~ومربوبون اقتسارا لا يملكون لأنفسهم موتا ولا حياة، ولا يخرجون عن قبضة الله تعالى، ~~وأن جميع من خرج منهم عن حد العبودية والأمانة لله عز وجل، فعليهم لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين، وأنه قد قدم إنذاره لهم بالتوبة إلى الله تعالى من كفرهم، فمن أصر ~~فسيف الحق يستأصله.» # أسكتت قلعة الظاهر لإعزاز دين الله جميع حصون الدعوة لأبيه الحاكم بأمر الله، ~~فاستحالت الصيحة الصاخبة همسا ونجوى فأصبح حديثها وشوشة في الخلوات. # إن القوة لا تعجز عن شيء مثل عجزها عن خنق العقائد؛ فإنها تكمن كمون النار تحت ~~الرماد. وهذا الذي كان؛ فقد هرب جميع الدعاة من القاهرة وانتشروا في الأقطار يسرون ~~النجوى، يكتمون سرهم حتى عن الآذان المشنفة كما يقول أبو العلاء: # ولا حل سري قط في أذن سامع # وشنفاه أو قرطاه يستمعان # كل الحصون سكنت إلا حصن المعرة الجبار فإنه ظل يعمل ويعلم، ويهاجم النصيرية متابعا ~~الظاهر لإعزاز دين الله، يؤيد الدعوة الفاطمية الأصيلة ولا يؤمن إلا بنبيه «العقل» ~~ولا يعتقد إلا بالخير، ولا يحرص إلا على النفس. # هذا هو الثالوث الذي يعني أبا العلاء؛ فهو يترك كل ما عداه هدرا. ms079 وظل أبو العلاء ~~يملي ، بل تطور إملاؤه فأمسى كأنه يقرر مذهبا بعينه، بعدما كان يعلم طلابه آراء ~~عامة. # كان فيما مضى هداما، وها هو يمسي بناء، يشيد صرح مذهبه علنا، ولا سيما بعدما سمعت ~~كلمته ووهبه صالح بن مرداس المعرة، وأدى إلى «إخوانه» الذين يسميهم تارة المعاشر وحينا ~~الجماعة وطورا القوم كما يقتضي الوزن، أصدق خدمة وأجلها، فأنقذهم من براثن أسد الدولة ~~صالح بن مرداس، فعاشوا في ظل شيخهم المعري آمنين، وله عليهم إمرة مطاعة، إمرة لا يؤيدها ~~سيف ولا يدعمها رمح، ولا تحوطها قوة، إمرة قائمة على أسس الدعوة القائمة على العقل ~~والخير والصدق. # كانت إمرة أبي العلاء على المعرة كالإمارات المثالية التي صبا إليها الفلاسفة فنعم ~~بال الإمام وقال في ذلك: # نجى المعاشر من براثن صالح # رب يفرج كل أمر معضل # ما كان لي فيه جناح بعوضة # الله ألبسهم جناح تفضل # ولكن الصيت الذي انتشر، وهذا الجاه الطويل العريض، وهذا الخير الذي نتج عن خروج أبي ~~العلاء إلى صالح لم يرض أبا العلاء. # لقي الإمام من صالح احتفاء عظيما؛ فالتاريخ يروي أنه قيل لصالح وهو محاصر المعرة: ~~إن باب المدينة قد فتح، وخرج منه أعمى يقوده إنسان. # فقال صالح: هو أبو العلاء، فدعوا القتال لننظر ماذا يريد. # وكان لأبي العلاء ما أراد، سلام واطمئنان للمعرة، وسيادة للإمام، ولكنه لم يزه ولم ~~يبطر. # الرجل الذي افتدت كلمته نفوسا بريئة وحمى وطنه من القتل والدمار لم يرض عن نفسه ~~فيما بعد. لم يغفر لنفسه خطيئة عرضية لا يتحرج منها الصالحون الأبرار، وهي كذبة المديح، ~~فقال مكفرا موبخا نفسه التي آلى أن يطهرها وينقيها بنسكه: # تغيبت في منزلي برهة # ستير العيوب فقيد الحسد # فلما مضى العمر إلا الأقل # وحم لروحي فراق الجسد # بعثت شفيعا إلى صالح # وذاك من القوم رأي فسد # فيسمع مني سجع الحمام # وأسمع منه زئير الأسد # فلا يعجبني هذا النفاق # فكم نفقت محنة ما كسد! # وكأن الشيخ وبخه ضميره لأنه دان صالحا، ولأنه لم ير الصلاح الذي ينشده ms080 فيمن وهبه ~~إياهم صالح فقال: # ما لمت في أفعاله صالحا # بل خلته أحسن مني ضمير # يا قوم لو كنت أميرا لكم # ذممتم في الغيب ذاك الأمير # وإنما سائسكم دائب # يرعى المطايا ويسوق الحمير # وردتم «الآجن» من دينكم # وما ظفرتم بالصريح النمير # عالمكم يضرب في غمرة # كالعلج بالقفر يلس الغمير # فعرفوني بفتى منكم # لا يمتري الناس ولكن يمير # إن صاحبنا صالح بن مرداس يسميه إخواننا الفاطميون - الدروز - حتى اليوم: «لا صالح»؛ ~~لأنه اضطهد الإخوان وجنف عليهم. # ثم انقضى عهد الظاهر لإعزاز دين الله العصيب، وفي هذا العهد لم يسكت حصن المعرة كما ~~قلنا، وجاء عهد المستنصر فرأى هذا الخليفة أن الدعوة الفاطمية في تقهقر، فحول وجهه شطر ~~المعرة، صوب أبي العلاء، فوهب له ما في خزائن المعرة من مال حلال، فرفضه الإمام، ونزل ~~له عن خراجها فلم يقبل مال الظلم، ثم التفت المستنصر ناحية أخرى فوجه أبياتا مروية ~~إلى داعي الدعاة الملقب بالمؤيد في الدين يستنصره: # يا حجة مشهورة في الورى # وطود علم أعجز المرتقي # شيعتنا قد عدموا رشدهم # في الغرب يا صاح، وفي المشرق # فانشر لهم ما شئت من علمنا # وكن لهم كالوالد المشفق # إن كنت في «دعوتنا» آخرا # فقد تجاوزت مدى السبق # مثلك لا يوجد فيمن مضى # من سائر الناس ولا من بقي # وإن تعجب الناس كيف لم يقتل أبو العلاء على الزندقة فلأنهم لا يعلمون، أو لا يريدون ~~أن يعلموا، أنه فاطمي المذهب، وأن للفاطمية النفوذ والسيطرة على وطنه - سياسيا ~~ودينيا - وإن ضعفت أحيانا سيطرة الفاطميين السياسية فلم يضعف نفوذهم الديني؛ فقد كان ~~إقليم حلب على مذهب «الإمامية». # أما داعي الدعاة الذي مررنا به مرور الكرام فسنعرج عليه، والموعد قريب. # | مذهب أبي العلاء # الفاطمية مذهب فلسفي، كما علمت، وقد أصبح أبو العلاء فيما أثبت وقرر في «اللزوميات» ~~شيخها الأعظم وإمامها الباقي؛ فهو لم يدع شيئا يعني «المستجيب» إلى هذه الدعوة إلا ~~ذكره له وفنده، وهو لا يقرر القضية مرة ومرتين بل يعالجها في كل أبواب كتابه الذي ~~سميناه، ms081 فيما سبق، كتاب المذهب . # ولما كانت الغريزة الجنسية أقوى ما في الإنسان، بل المخلوقات، من غرائز؛ لأنها مستودع ~~بقاء النوع، فقد أكثر أبو العلاء الكلام على المرأة والنسل. # ومن طالع سيرة المعز والعزيز والحاكم الفاطميين رأى أبا العلاء لا يخرج، في حدود ~~تعاليمه، عن تخوم آراء هؤلاء الأيمة الثلاثة. ومن أسعده الحظ وقرأ رسالة النساء الكبيرة ~~في كتب الدروز يرى أن النبع واحد. كلهم يريد أن يقصي المرأة وينحيها خوفا من الفتنة، ~~وغيرة على العرض. # ظن بعضهم، وأنا كنت من هذا البعض، أن المعري لم يرد أن يتزوج لأنه لا يريد أن يجني ~~على أحد كما جنى أبوه عليه، ولكن ليس السبب هناك، إنما هناك سبب آخر وهو مذهب يؤثر ~~العفة، ويحدد النسل عند الاضطرار، ولا يسمح بتعدد الزوجات، يثور للعرض المهصور ثورته ~~للدم المهدور، ناهيك بأن تقليل النسل تقريب للساعة التي يسود فيها الخير هذه ~~الدنيا. # قال أبو العلاء يتذكر شبابه: # سقيا لأيام الشبا # ب وما حسرت مطيتيا # أيام آمل أن أمس ال # فرقدين براحتيا # وأفيض إحساني على # جاري ثم وجارتيا # والآن تعجز همتي # عما ينال بخطوتيا # أما تركه الزواج فيقول فيه: # أنا للضرورة في الحياة مقارن # ما زلت أسبح في البحار الموج # وضرورة من شيمتين لأنني # مذ كنت لم أحجج ولم أتزوج # من مذهبي ألا أشد بفضة # قدحي ولا أصغي لشرب معوج # لكن أقضي «مدتي» بتقنع # يغني وأفرح باليسير الأروج # وعلى المرأة، في مذهبه، أن تلزم بيتها. وقد أشرنا إلى كثير من أقواله في ذلك، وتائيته ~~الطويلة توضح منهجه؛ فكأنه في تلك القصيدة يكتب سورة النساء ويحدد مواقفها من الحياة، ~~وهو في مواضع كثيرة من كتابه يوضح أشياء يرى أن يراعيها الإخوان كقوله في زواج ابن الأربعين ~~مثلا: # إذا ما تقضى الأربعون فلا ترد # سوى امرأة في الأربعين لها قسم # فإن الذي وفى الثلاثين وارتقى # عليهن عشرا للفناء به وسم # زمان الغواني، عصر جسمك، زائد # وهن عناء بعد أن يقف الجسم # أما تعدد الزوجات فيعارضه ولا يراه صوابا: ms082 # إذا كنت ذا ثنتين فاعدل أو اتحد # بنفسك فالتوحيد أولى من العدل # وعند إخواننا الدروز كلمة مذهبية هذا نصها: إن المتعفف يحسب في عداد الملائكة ~~الأطهار. وسيأتي التفصيل. # ويرى أن تصان المرأة وتقصى، وإن تفعل غير ذلك فأنت المجرم لا هي: # إذا أمنت على مال أخا ثقة # فاحذر أخاك ولا تأمن على الحرم # فالطبع في كل جيل طبع ملأمة # وليس في الطبع مجبول على الكرم # ويقول أيضا فيصيب عصفورين بحجر واحد: # شر على المرأة في حمامها # إرسالك الفاضل في زمامها # ومشيها تضرب في أكمامها # يفوح ريا الطيب من أمامها # زائرة المسجد في إلمامها # تأتم والخيبة في ائتمامها # ويتعجب أبو العلاء من رجل يكون عيالا على زوجته، فيقول: # عجبت لكهل قاعد بين نسوة # يقات بما ردت عليه المرادن # يعال على ذم ويزجر عن قلى # كما زجرت بين الجياد الكوادن # ويقول في المنجمين والمرأة: # أما لأمير هذا العصر عقل # يقيم عن الطريق ذوي النجوم؟ # فكم قطعوا الطريق على ضعيف # ولم يعفوا النساء من الهجوم # وحيث عرض ذكر المنجمين فلا بأس من جلاء رأيه فيهم: # سألت منجمها عن الطفل الذي # في المهد كم هو عائش من دهره # فأجابها مئة ليربح درهما # وأتى الحمام وليدها في شهره # يعني: يأكل حلاوته وأمه تقبره، كما قال المثل العامي. # ويوصي الرجل الرشيد بالاحتفاظ بزوجته حتى آخر العمر، وهذا ما أراه عند إخواننا ~~الدروز: # إذا كان لك امرأة عجوز # فلا تأخذ بها أبدا كعابا # وإن كانت أقل بهاء وجه # فأجدر أن تكون أقل عابا # وأعرف منهم من لم يرزق عقبا ولم يطلق، وإن كان ذلك جائزا له. # وأبو العلاء قليل الثقة بالمرأة، كثير الشك بحصانتها حتى يمنع دخول الوليد عليها كما ~~مر، وإن كان لا بد من تعليمها فليكن معلمها شيخا فانيا. ويغالي فيحذر من القراءة ~~المجودة بحضرتها؛ فالصوت هدر الفحل كما سبق. أما ميله إلى ترك الزواج وتحديد النسل فهذا ~~يعرفه جميع الناس حتى العوام ويتمثلون به عند الغضب والحرد على المرأة والولد، وإليك ~~ما زعم: # إذا ms083 شئت يوما وصلة بقرينة # فخير نساء العالمين عقيمها # ويقول: # قد بكرت لا يعوقها سبل # كمهرة الروض في بنات سبل # إلى طبيب على الطريق لكي # تأخذ من عنده دواء حبل # كم قذفت عرس بانس بحصى # كل حصاة منها نظير جبل # وأكره ما يكره زواج الشيخ العاجز المتصابي: # وعرسه في تعب دائم # لا تخضب الكف ولا تكتحل # ملت وإن أحسن أيامه # تقول في النفس متى يرتحل # أما النسل فينصح بالإقلال إن كان لا بد منه: # إذا كنت تهدي لي وأجزيك مثله # فإن الهدايا بيننا تعب الرسل # فدونك شغلا غير هذا لعله # يعود بنفع لا كشغلك بالنسل # ولا أخالك نسيت رأي الفيلسوف اليوناني في زواج الحكيم. أما رأيه الأخير في النسل فهو ~~هذا: # دنياك جار كل ساكنها # متوقع سببا من النقل # والنسل أفضل ما فعلت بها # وإذا سعيت له فعن عقل # أما إباحة النساء فلا يوافق أفلاطون عليها بل يسفهها ويشجبها: # شر النساء مشاعات غدون سدى # كالأرض يحملن أولادا مشاعينا ~~••• # برئت إلى الخلاق من أهل مذهب # يرون من الحق الإباحة للنسل # وقد تكون جرائم أولياء العهد في التاريخ، وجعل الحاكم ولي عهده عبد الحمن بن إلياس ~~بدلا من ابنه، كرهت الشيخ بالنسل، ولا سيما بعدما رأى الظاهر يفعل ما فعل، ~~فقال: # أعدى عدو لابن آدم نفسه # ثم ابنه وافاه يهدم ما بنى # ويلتفت إلى المرأة فيقول لها: # أحاضنة الغلام ذممت منه # أذاك فأرضعي حنشا وضمي # أما النفس والجسم فقد أقرأتك ما قال فيهما، وقد أعجبني هذان البيتان فأحب أن تشاركني ~~فيها: # النفس عند فراقها جسمانها # محزونة لدروس ربع عامر # كحمامة صيدت فثنت جيدها # أسفا لتنظر حال وكر دامر # أما الخير فهو أساس المذهب الفاطمي، وقد أشرنا إليه كثيرا، وأبو العلاء يدفعه حب ~~الخير حتى يتناول به الحيوان، فاسمع كيف يحث على الخير: # قبيح مقال الناس جئناه مرة # فكان قليلا خيره لم يعاون # إذا أنت لم تعط الفقير فلا يبن # له منك وجه المعرض المتهاون # وكأن يعرف ما يقوله المثل عندنا: قللها ولا تقطعها، ms084 الحسنة القليلة تدفع بلايا كثيرة، ~~فيقول: # إذا طرق المسكين بابك فاحبه # قليلا ولو مقدار حبة خردل # ولا تحتقر شيئا تساعفه به # فكم من حصاة أيدت ظهر مجدل # ومثلنا يقول أيضا «بحصة تسند خابية.» # ويوصي الإمام بعيادة المرضى والإحسان إلى الفقراء منهم: # إذا عدت في مرض مكثرا # فخفف وخف أن تمل العليلا # وإن كان ذا فاقة مقترا # فأسعف وإن كان نيلا قليلا # ويتناول الإنسان والحيوان معا، فيقول: # أسأت بعبدك في عسفه # وحملت غيرك ما لم يطق # ولا يفوتنك أن تقسيم الثروة في موطن أبي العلاء لا يرضى عنه حتى الساعة، ويقول في ~~الحيوان: # تسريح كفي برغوثا ظفرت به # أبر من درهم تعطيه محتاجا # لا فرق بين الأسك الجون أطلقه # وجون كندة أمسى يعقد التاجا # كلاهما يتوقى والحياة له # حبيبة ويروم العيش مهتاجا # ويوغل فيقول: # فاجعل حذائي خشبا إنني # أريد إبقاء على الدارش # وقصيدته الحائية مشهورة وفيها يحرم كل ما الحياة فيه حاضرة أو كائنة. ويسخط على أمير ~~يبيع جواريه وله في بطونهن ودائع، فيقول: # أزال الله خيرا عن أمير # له ولد على علم يباع # جوار كالنياق يسقن عنه # وفي أحشائهن له رباع # أما الصلاة والزكاة فشأنهما عظيم عنده، وكذلك هما عند إخواننا الدروز؛ فالصلاة هي ~~صلة المخلوق بالخالق، والزكاة عمل الخير فعلا، ثم إعطاء المال، وهاك قول ~~الإمام: # إذا صلوا فصل وعف وابذل # زكاتك واجتنب قالا وقيلا # ولا ترهف مدى لعبيط نحض # ولا تشهر على قرن صقيلا # ثم يوصي بالصمت لأن الكلمة كثيرا ما تكون شعلة شر فيقول: # أوجز الدهر بالمقال إلى أن # جعل الصمت غاية الإيجاز ~~••• # أصمت الشهور فهلا صمت # ولا صوم حتى تطيل الصموتا # وما أجمل قوله هذا: # بالصمت يدرك طامر ما ناله # وتخيب منه بعوضة مهذار # أما السلوك في الحياة فقوامه ترك الشر والاعتداء، ولكنه يوصي بالدفاع الشريف ~~فيقول: # ادفع الشر إذا جاء بشر # وتواضع فإنما أنت بشر # هذه الأجسام ترب هامد # فمن الجهل افتخار وأشر # ويقول في الكذب، ودعامة المذهب الصدق: # إن عذب المين بأفواهكم # فإن صدقي ms085 بفمي أعذب ~~••• # أهوى الحياة وحسبي من معايبها # أني أعيش بتمويه وتدليس # فاكتم حديثك لا يشعر به أحد # من رهط جبريل أو من حزب إبليس # وأخيرا يقول: # اصدق إلى أن تظن الصدق مهلكة # وعند ذلك فاقعد كاذبا وقم # وما أخاله إلا يعني قولهم: «الضرورات تبيح المحظورات.» وإذا جاز للإنسان أن يدافع عن ~~نفسه، إذا تعرضت للهلاك، بالنار والحديد أفلا يصونها بكذبة؟ ... # ولكن الشيخ ما كذب قط حتى في أعصب الساعات، وما أكثرها في تاريخ حياة الأحرار! وكأنه ~~قد أعيته مداواة البشر فآيس منهم، وقال مع أشعيا: # أيكون رفع للشرور فينتهي # غاو ويقنع بالنبات الضيغم؟ # أما الحلال والحرام فللشيخ فيهما رأي لا يحيد عنه متنزهة الدروز أبدا، ولو جر إلى ~~الهلاك، قال الشيخ: # لا تأنفن من احترافك طالبا # حلا وعد مكاسب الفجار # ويقول في مال الظالمين، وهذا سنقول فيه كلاما: # متى ما تصب يوما طعاما لظالم # فقم عنه، وافغر بعده فم قالس # ويرى أن كل ما في الكون يسبح لله ولا يمن، أو لا يطلب أجرا، إلا الإنسان فيخاطبه ~~قائلا: # كل يسبح فافهم التقديس في # صوت الغراب وفي صياح الجدجد # ثم يقول في الإنسان، هذا المخلوق المتغطرس المتكبر الذي يظن أن الكون خلق لخدمته، ~~كما قال النبي داود في المزمور الثامن: «بالمجد والكرامة كللته، وعلى أعمال يديك ~~سلطته.» أما أبو العلاء فيرى غير ذلك ويقول: # فلك يدور بحكمة # وله، بلا ريب، مدير # إن من مالكنا بما # نهوى فمالكنا قدير # أو لا فعالم آدم # بإهانة المولى جدير # ثم يشتد غضب الشيخ في مكان آخر فينكر «الغائية» التي يزعمها البشر فيقول: # تورعوا يا بني حواء عن كذب # فما لكم عند رب صاغكم خطر # لم تجدبوا لقبيح من فعالكم # ولم يجئكم لحسن التوبة المطر # ويقول في الخمرة التي يناهضها «عقال» الدروز في زماننا، بل ذهبوا أبعد مما ذهب إليه ~~المعري فتورعوا عن التدخين وما يشبهه: # لو كانت الخمر حلا ما سمحت بها # يوما لنفسي لا سرا ولا علنا # فليغفر الله كم تطغى مآربنا # وربنا قد ms086 أحل الطيبات لنا # ومن مذهبه طرد كل خرافة من أذهان الإخوان، فيقول في الجن وأشباه الجن: # قد عشت عمرا طويلا ما علمت به # حسا يحس لجني ولا ملك # ويقول: # فاخش المليك ولا توجد على رهب # إن أنت بالجن في الظلماء خشيتا # فإنما تلك أخبار ملفقة # لخدعة الغافل الحوشي حوشيتا # أما اليمين فينهى عنها في كل حال: # لا تحلفن على صدق ولا كذب # فما يفيدك إلا المأثم الحلف # وهو يرى أن الناس لا يتدينون إلا خوفا، فيقول: # والناس يطغون في دنياهم أشرا # لولا المخافة ما زكوا وما سجدوا # حتى يخاطب السيف بسخره المعهود، فيقول: # خير وشر وليل بعده وضحى # والناس في الدهر مثل الدهر قسمان # واللب حارب تركيبا يجاهده # فالعقل والطبع حتى الموت خصمان # هل ألحد السيف أو قلت ديانته # أو كان صاحب توحيد وإيمان؟ # ورابني منه ترك الجاحدين سدى # لم يفجعوا برءوس منذ أزمان # أما نحن فنشكر إلحاد السيف في زمن الشيخ فسلم لنا ... أما الدين عنده وقد سبق الكلام ~~عنه فهو: # الدين هجر الفتى اللذات عن يسر # في صحة واقتدار منه ما عمرا # ورحم الله عمي الذي كان يقول: توبة المرض مريضة. # أما أخلاق الإمام الخاصة فيعرفنا بها بقوله: # وتؤثر حالة الزميت نفسي # وأكره شيمة الرجل المفن # ثم يرد على الذين يزعمون أن النجوم عاقلة، وقد سبقت كلمة حول هذه الفكرة، فيتهكم ~~ويتساءل إن كانت أديانهم مختلفة مثل أدياننا، حتى ينتهي إلى رأيه في النسل ~~فيقول: # إن شئت أن تكفى الحمام فلا تعش # هذي الحياة إلى المنية سلم # أما كرهه الدنيا فمعروف مشهور، ومع كل ذلك يصدق فيعلن أنه راحل عنها كارها، استطاب ~~البقاء على علاته، وحسبه أنه يتزود منها ما يلي: # خاب الذي سار عن دنياه مرتحلا # وليس في كفه من دينه طرف # لا خير للمرء إلا خير آخرة # يبقى عليه فذاك العز والشرف # ثم يرى كما رأى ابن سينا: «وكل الشك في أمر الخروج.» ولكنه يجعل هذا الشك حقيقة ~~ملموسة فيقول: # أما الحقيقة فهي أني ذاهب # والله ms087 يعلم بالذي أنا باق # وأظنني من بعد لست بذاكر # ما كان من يسر ومن إملاق # يا مرحبا بالموت من متنظر # إن كان ثم تعارف وتلاق # ولذلك فخير ما يعمل الإنسان هو تطهير نفسه ليكون أحسن حالا، فيقول: # ومن يطهر بخوف الله مهجته # فذاك إنسان قوم يشبه الملكا # ويضحك ممن يوصي عند الموت فيقول بلهجته المعهودة: # يوصي الفتى عند الحمام كأنه # يمر فيقضي حاجة ويعود # ومادامت الحياة شقاء، فالشيخ يتمنى قصر العمر: # وددت أن إلهي كان غادرني # و«مدتي» في يديه أقصر المدد # وهذه «المدة» من كلام الإخوان اليوم، وكذلك المهلة وقد سمعت قولهم، إن كنت ممن ~~عاشرهم: «دامت مهلتك.» أما الملوك فشعاره أخيرا فيهم كما قال السيد المسيح: «أعطوا ما ~~لقيصر لقيصر»: # واخش الملوك وياسرها بطاعتها # فالملك للأرض مثل الماطر الثاني # إن يظلموا فلهم نفع يعاش به # وكم حموك برجل أو بفرسان # أما الصلاة فليس لها عنده مكان خاص، بل يقول فيها: # متى يقوم إمام يستفيد لنا # فتعرف العدل أجبال وغيطان؟ # صلوا بحيث أردتم فالبلاد إذن # كأنما كلها للإبل أعطان # ويقول: # القدس لم يفرض عليك مزاره # فاسجد لربك في الحياة مقدسا ~~••• # متى يخلص التقوى إلى الله لا تغض # عطاياه من صلى وقبلته الشرق # والاتكال على الله هو كل شيء في نظر الشيخ؛ فالله كريم يعطي بلا حساب: # لا تخبأن لغد رزقا وبعد غد # فكل يوم يوافي رزقه معه # واذخر جميلا لأدنى القوت تدركه # وللقيامة تعرف ذاك أجمعه # فرق تلادك فيما شئت محتقرا # فليس يذرف، خلف النعش، أدمعه # وافعل بغيرك ما تهواه يفعله # وأسمع الناس ما تختار مسمعه # ويقول أيضا قولا جميلا، وقد أحسن الأداء: # واطلب الرزق بالمرور من الشج # راء لا من أسنة ومناصل # وتشبه بالطير تغدو خماصا # وتعد اليسار ملء الحواصل # وأراني لست في حاجة إلى لفت نظرك إن كنت ممن قرءوا الإنجيل. # ويقول في أساليب الحياة: # ويعجبني دأب الذين ترهبوا # سوى أكلهم كد النفوس الشحائح # وأطيب منهم مطمعا في حياتهم # سعاة حلال بين غاد ورائح # فما حبس النفس المسيح ms088 تعبدا # ولكن مشى في الأرض مشية سائح # ويقول في صلاة المعيول: # صلاة الأمير الكاسمي بمسجد # أبر وأوفى من صلاة البطارق # أما النواميس التي تعقد القضايا وتخلق المشاكل، فيقول فيها: # تنمس منا للديانة معشر # وقد بطلت عند اللبيب النوامس # ويقول في الفقهاء شراح النوامس: # أجاز الشافعي فعال شيء # وقال أبو حنيفة لا يجوز # فضل الشيب والشبان منا # وما اهتدت الفتاة ولا العجوز # ولم آمن على الفقهاء حبسا # إذا ما قيل للفقهاء جوزوا # ثم ينسب هذا التفريق إلى طباع البشر فيقول: # لولا عداوة أصل في طباعهم # كانت مساجد مقرونا بها البيع # وأخيرا يعدي عن كل هذا فيقول: # إذا الإنسان كف الشر عني # فسقيا في البلاد له ورعيا # ويدرس إن أراد كتاب موسى # ويضمر إن أحب ولاء شعيا # والشيخ لا يترك شيئا إلا ويحدث الإخوان عنه؛ فها هو يحرم البكاء على الميت؛ لأن ~~الموت انتقال وراحة وتغير منزل و«القضية ثابتة» كما يقول أفلاطون، فيقول، وسترى أيضا ~~قولا مثل هذا قبل أن يفارق: # بكى جزعا لميته كفور # فجاء بمنتهى الرأي الأفين # مصيبة دينه لو كان يدري # أجل من المصيبة بالدفين # وهو يزعم أنه لا يخشى الموت، مع أني رأيته خائفا جدا مع إيمانه بعقيدته ~~الثابتة: # ولست كموسى أهاب الحمام # ولكن أود لقاء الملك # ويعرض له الشك في الله، ولكن شكه هذا ابن عم الإيمان، فيقول: # أما الإله فأمر لست مدركه # فاحذر لجيلك فوق الأرض إسخاطا # هبه أغوسطينوس أو توما الأكويني، فقد اعتورهما مثل هذا كما يعتور أكبر النساك ~~والحبساء. # ها هو الشيخ يقترب من هوة الأبدية، فاسمع ما يقول وكيف يعلن إمامته، ويبوح بالسر الذي ~~أتعبه وأتعب الناس به، وحمل داعي الدعاة على تحبير تلك الرسائل: # لو اتبعوني ويحهم لهديتهم # إلى الحق أو نهج لذاك مقارب # فما للفتى إلا انفراد ووحدة # إذا هو لم يرزق بلوغ المآرب # وكأن الإمام قد شعر بدنو الرحيل فقال: # أنافق في الحياة كفعل غيري # وكل الناس شأنهم النفاق # أعلل مهجتي ويصيح دهري # ألا تغدو فقد ذهب الرفاق؟ # ثم يوصينا ms089 بقراءة كتابه هذا، وقد فعلنا ذلك مرات: # اقرأ كتابي إذا ضم الثرى جسدي # فإنه لك ممن قاله خلف # صدقت أيها الإمام. # ويوصي الإخوان باتباع خطته، وقد فعلوا أيضا: # إن مات صاحبكم فجدوا بعده # في النسك واتخذوا الخشوع جليسا # وأشهد، وشهادتي حق هي، لأني أعيش وعشت بينهم قرابة ربع قرن، إن «أجاويدهم» لا ~~يقصرون عن شيخهم أبي العلاء، إن لم يكن بعض «المتنزهة» منهم قد تجاوزه. وها هو الشيخ ~~يعلن مذهبه الذي كتمه عنا طول العمر فيقول أولا: # وإن تسألوا عن مذهبي فهو خشية # من الله لا طوعا أبث ولا جبرا # ويقول أيضا: # إذا قومنا لم يعبدوا الله وحده # بنصح فإنا منهم لبراء # وهو لم يخف هذا التوحيد المجرد عن كل شيء في منتصف العمر فقال: # بوحدانية العلام «دنا» # فدعني أقطع الأيام وحدي # وها هو يعلن ذلك السر المكتوم فيقول: # طوى عنك سرا صاحب قبل شيبه # فلما انجلى عنه المشيب جلاه # ولا ملك إلا للذي عز وجهه # ودامت على مر الزمان علاه # ويقول أيضا: # إذا سألوا عن مذهبي فهو بين # فهل أنا إلا مثل غيري أبله # خلقت من الدنيا وعشت كأهلها # أجد كما جدوا وألهو كما لهوا # وأشهد أني بالقضاء حللتها # وأرحل عنها خائفا أتأله # ويدنو الموت منه فيحس به الشيخ فيصف لنا حاله: # قد خف جرمي وصار جرمي # أثقل من هضبة عليا # نفسي أولى بمن عناها # من هؤلاء وهؤليا # ويخشى أن يناح عليه، ومن له لينوح عليه، فيقول معلما الإخوان: # قبيح أن يحس نحيب باك # إذا حان الردى فقضيت نحبي # فأوصيكم بدنيانا هوانا # فإني تابع آثار صحبي # ثم يختم كتاب حياته ومذهبه بهذين البيتين: # أزول وليس في الخلاق شك # فلا تبكوا علي ولا تبكوا # خذوا سيري فهن لكم صلاح # وصلوا في حياتكم وزكوا # لا أدري أيها القارئ، وقد فرغت من الكلام على رأيي في مذهب أبي العلاء، إن كنت صرت لي ~~حزبا. فإن كنت لا توافقني فأنا مستعد أن أتبعك إن جئت برأي يستظهر على زعمي، وسوف ~~أنتقل إلى المواطن ms090 التي يتفق فيها أبو العلاء مع فاطميي اليوم وسيكون سبيلنا إلى ذلك ~~إثبات وقائع لا استشهاد في الشعر؛ فقد فرغنا من هذا. وما ذكرنا ما ذكرناه لك إلا لنطبق ~~أعمال الجماعة على أقوال الإمام، فترى أنهم إخوان يتبعون منهجا واحدا، لا يختلف إلا ~~في قضية واحدة لا مجال لذكرها. وإن كان هناك بعض اختلاف، وأعتقد أنه غير موجود، فعند ~~الدروز كلمة تشير إلى التطور الذي لا بد منه، وليس يجري عصرنا كسائر الأعصار. # | خلال ألف سنة # | أراجيف وأساطير # أما منافسة الشيخين أبي العلاء وداعي الدعاة فإن دلتني على شيء فتدلني على أن الرجلين ~~فرسا رهان، يجريان لغاية واحدة. كلاهما باطني ينتهي إلى قمة الدعوة، ويعتصم بالعقل ~~وحده، ولم يكتب داعي الدعاة إلى أبي العلاء إلا رغبة منه في إدراك سره؛ لأن الباطنيين ~~مولعون بالأسرار ... وليس فيما كتب داعي الدعاة إلى أبي العلاء ما يدل على أنه يناهضه، ~~ولا على أنه يبحث عن حقيقة دينه؛ فالمقصود هو إدراك السر الذي ذاع أمره وأوهم أبو ~~العلاء أنه عنده ولا يبوح به. # وما رأيت أبا نصر بن أبي عمران - داعي الدعاة - إلا مبجلا ومعظما لأبي العلاء، ~~عارفا سره كما يجب؛ فهو يقول: «والدليل على كونه - أي أبي العلاء - ناظرا لمعاده، ~~بدقيق النظر الذي لا يكاد يجري معه جار في ميدانه، سلوكه في المسلك الذي سلكه في ~~الزهد، وقصده شظف العيش وتعوضه عن لذيذ الطعام بالكريه، وعن لين اللباس بالخشن، وتعففه ~~عن أن يجعل جوفه للحيوان مدفنا، أو أن يتذوق من درها لبنا، وأن يستطعم من طعام استكدت ~~عليه في حرثه وإنشائه. وليست هذه الطريقة إلا طريقة من يعتقد أنه إذا آلمها، ونال نيلا ~~منها، استوفى جزاء فعله بها. ومن كانت هذه نصبته في سلامة البهيمة العجماء منه، فكيف في إيثار سلامة الإنسان الناطق العاقل من يده ~~ولسانه؟» # ثم تجري الرسالة الأولى جري الند في مخاطبة الند، بل سؤال «من يتوكأ على عصا ~~العقل». # هذا ما ورد في رسالة داعي الدعاة الأولى. أما رسالته ms091 الثانية، وهي الأخيرة، فلم يجب ~~عليها أبو العلاء؛ لأنه كما ذكر لداعي الدعاة في رسالته الأخيرة: «وإني لأعجز إذا اضطجعت ~~عن القعود، فربما استعنت بإنسان فإذا هم بإعانتي وبسط يديه لينهضني، اضطربت عظامي؛ ~~لأنهن عاريات من كسوة كانت عليهن، فعرتهن منها الأوقات المتمادية، وإنما عنيت ما كان ~~عليهن من لحم.» # لم يجب عنها أبو العلاء لأنه مات، وإليك ما يعنينا مما جاء فيها: «ما فاتحت الشيخ، ~~أحسن الله توفيقه، بالقول إلا مفاتحة متناكر، مؤثر لأن يخفي من أين جاءه السؤال، فيكون ~~الجواب باسترسال ورفض حشمة، وحذف تكلف الخطاب بسيدنا، والرئيس وما يجري هذا المجرى؛ إذ ~~كان حكم ما نتجارى فيه موجبا ألا يتخلله شيء من زخارف الدنيا، ولأنني أعتقد أن سيدي، ~~بالحقيقة، من تستقل دون يده يدي أخذا منه للدنيا، أو تمتار نفسي من نفسه استفادة من ~~معالم الأخرى. # فلا أدري كيف انعكست الحال، حتى صار الشيخ، أدام الله تأييده، يخاطبني بسيدنا، ~~والرئيس، ولست مفضلا عنه في دنيا ولا دين، بل شاد إليه راحلتي لاستفادة، إن وردت ~~موردها، أو صادفت نهلا أو علا منها، قابلتها بالشكر لنعمته، والإسجال على نفسي ~~بسيادته. # وبعد فإني أعلمه، أدام الله سلامته، أنني شققت الأرض بطنها وظهرها من أقصى دياري إلى ~~مصر، وشاهدت الناس بين رجلين: إما منتحلا لشريعة صبا إليها، ولهج بها إلى الحد الذي إن ~~قيل له من أخبار شرعه، أن فيلا طار، أو جملا باض، لما قابله إلا بالقبول والتصديق، ~~ولكان يكفر من يرى غير رأيه فيه، ويسفهه ويلعنه. # فالعقل عند من هذه سبيله في مهواة ومضيعة؛ فليس يكاد ينبعث لأن يعلم أن هذه ~~الشريعة التي ينتحلها لم يطوق طوقها، ولم يسور أسوارها إلا بعد لموع نور العقل ~~منه. # أو منتحلا للعقل يقول: «إنه حجة الله تعالى على عباده.» مبطلا لجميع ما الناس فيه، ~~مستخفا بأوضاع الشرائع معترفا مع ذلك بوجوب المساعدة عليها، وعظم المنفعة بمكانها؛ ~~لكونها مقمعة للجاهلين، ولجاما على رءوس المجرمين المجازفين، لا على أنها ذخيرة العقبى، ~~أو منجاة في ms092 الديار الأخرى . # فلما رمت بي المرامي إلى ديار الشام بمصر، سمعت عن الشيخ، وفقه الله، بفضل في الأدب ~~والعلم، قد اتفقت عليه الأقاويل، ووضح به البرهان والدليل، ورأيت الناس فيما يتعلق ~~بدينه مختلفين، وفي أمره متبلبلين؛ فكل يذهب فيه مذهبا، ويتبعه في تقاسيم الظنون ~~سببا. # وحضرت مجلسا جليلا أجري فيه ذكره، فقال الحاضرون فيه غثا وسمينا، فحفظته بالغيب ~~وقلت: إن المعلوم من صلابته في زهده يحميه من الظنة والريب. وقام في نفسي أن عنده من ~~حقائق دين الله سرا، قد أسبل عليه من التقية سترا، وأمرا تميز به من قوم يكفر بعضهم ~~بعضا. ولما سمعت البيت: # غدوت مريض العقل والدين فالقني # لتعلم أنباء الأمور الصحائح # وثقت من خلدي فيما حدست عهوده وقلت: إن لسانا يستطيع بمثل هذه الدعوى نطقا ... للسان ~~«صامت» عنده كل «ناطق» ... فقصدته قصد موسى للطور اقتبس نارا ... فأدليت دلوي بالمسألة ~~«الخفية» التي سألت ...» # ثم يعتذر الداعي عن كل ما سلف في رسائله ويختم هذه الرسالة بقوله: «وقبل وبعد، فأنا ~~أعتذر عن سر له أدام الله سلامته، أديته، وزمان منه بالقراءة والإجابة شغلته، لأنني، ~~من حيث ما نفعته، ضررته، والله تعالى يعلم أني ما قصدت به غير الاستفادة من علمه ~~والاغتراف من بحره والسلام.» # ولست أدري كيف يحسب مثل هذا الكلام تهجما على قدس الشيخ، وأن يقال إن داعي الدعاة ~~أمر بإحضاره إلى حلب، ولما علم أبو العلاء أنه يحمل للقتل أو الإسلام، سم نفسه ~~فمات؟ # هذه أولى الأراجيف؛ فداعي الدعاة كما تلمح من مخاطبته أبا العلاء يعلم أنه يخاطب ~~أستاذا أو زميلا على الأقل، وقد خاطبه بالمصطلحات والتعابير الفاطمية، واعتذر له عن ~~إزعاجه إياه بالرد عليه. أما قول داعي الدعاة إن الناس مختلفون في دين أبي العلاء فهو ~~يقول حقا ولهذا كتب إليه، ولما علم أنه من «الجماعة» تركه وبالغ في تعظيمه والاعتذار ~~إليه. أما الآخرون فاسمع كيف يخاطبونه: # كلب عوى بمعرة النعمان # لما خلا من ربقة الإيمان # أمعرة النعمان ما أنجبت إذ # أخرجت منك معرة العميان ms093 # ومن إرجافهم حول ذكائه حكوا أن اثنين تكلما أمامه شيئا كثيرا بلسان أذربيجان، فأعاد ~~أبو العلاء على اللفظ بعينه من غير أن يخرم منه حرفا، ولم ينقص ولم يزد. وروى بعض طلبة ~~أبي العلاء أن جارا له أعجميا غاب عن المعرة، وحضر رجل من بلده يبحث عنه، فوجده غائبا، ولم يمكنه المقام فأشار ~~عليه أبو العلاء أن يذكر حاجته، فجعل الرجل يتكلم بالفارسية وأبو العلاء مصغ إليه، ولم ~~يكن يعرفها، إلى أن فرغ من كلامه ومضى الرجل. وقدم جاره الفارسي الغائب فجعل يردد عليه ~~ما سمعه بلفظه، والرجل يستغيث ويلطم، إلى أن فرغ من الحديث. وسئل عن حاله، فأخبر بموت ~~أبيه وإخوته، وجماعة من أهله. # قلت: ولو كان مات جميع من في بلده لكان الخبر أضخم وأروع. وقد رووا أخبارا كثيرة مثل ~~هذه لا حاجة إلى إثباتها. # ومن الأساطير المعزوة إليه واحدة رويت عن الغزالي عن يوسف بن علي بأرض الهركار أنه ~~قال: «دخلت معرة النعمان، وقد وشى وزير محمود بن صالح إليه بأن المعري زنديق لا يرى ~~إفساد الصور، ويزعم أن الرسالة - أي النبوة - تحصل بصفاء العقل، فأمر محمود بحمله إليه ~~من المعرة، وبعث خمسين فارسا ليحملوه، فأنزلهم أبو العلاء دار الضيافة، فدخل عليه عمه ~~مسلم بن سليمان وقال: يا ابن أخي، قد نزلت بنا هذه الحادثة، والملك محمود يطلبك، فإن ~~منعناك عجزنا، وإن أسلمناك كان عارا علينا عند ذوي الذمام، ويركب تنوخ الذل ~~والعار. # فقال أبو العلاء: هون عليك يا عم، ولا بأس عليك؛ فلي سلطان يذب عني، ثم قام فاغتسل، ~~وصلى إلى نصف الليل ثم قال لغلامه: انظر إلى المريخ: أين هو؟ # فقال الغلام: في منزلة كذا، فقال: زنه، واضرب تحته وتدا، وشد في رجلي خيطا واربطه ~~إلى الوتد، ففعل غلامه ذلك، فسمعناه وهو يقول: يا قديم الأزل، يا علة العلل، يا صانع ~~المخلوقات، وموجد الموجودات، أنا في عزك الذي لا يرام، وكنفك الذي لا يضام، الضيوف ~~الضيوف، الوزير الوزير، ثم ذكر كلمات لا تفهم، وإذا بهدة ms094 عظيمة، فسأل عنها فقيل: وقعت ~~الدار على الضيوف الذين كانوا بها فقتلت الخمسين، وعند طلوع الشمس وقعت بطاقة من حلب ~~على جناح طائر: لا تزعجوا الشيخ؛ فقد وقع الحمام على الوزير. # قال يوسف بن علي: فلما شاهدت ذلك دخلت على المعري فقال: زعموا أنني زنديق، ثم قال: ~~اكتب. وأملى علي أبياتا من قصيدة أولها: # أستغفر الله في أمني وأوجالي # من غفلتي وتوالي سوء أعمالي # ومن عناكب الأساطير المنسوجة أيضا حول الشيخ هذان الحلمان: # الأول: # روى القفطي عن القاضي أبي عمرو بن عبد الله الكرجي، أنه كان وهو طالب ~~يقع في دين أبي العلاء، فرأى فيما يرى النائم كأنه في مسجد، وكأن على ~~صفة فيه رجلا شيخا ضريرا بادنا، وإلى جانبه غلام يشبه أن يكون ~~قائده. قال القاضي: وكنت واقفا تحت الصفة في نفر من الناس، وهذا الشيخ ~~يتكلم كلاما لم أفهمه، ثم التفت إلي وقال: ما حملك على الوقيعة في ~~ديني، وما يدريك لعل الله غفر لي؟ قال: فاستحييت منه وسألت عنه فقيل: ~~هو أبو العلاء. فلما أصبحت أقلعت عن النيل منه، واستغفرت الله لي ~~وله. # الثاني: # رواه غرس النعمة عن غلام سماه أباه غالب، قال: وهو من أهل الخير ~~والصلاح، وله فقه ودين، فلما ورد إلينا الخبر بموت أبي العلاء تذاكرنا ~~ما كان له من كفر وإلحاد، فأتينا من ذلك على شيء كثير، والغلام يسمع، ~~فلما كان الغد أقبل إلينا يحدثنا: أنه رأى فيما رأى النائم شيخا ~~مكفوفا على عاتقيه حيتان، رأساهما إلى فخذيه، فهما ترفعان رأسيهما ~~إلى وجهه، فتقطعان منه قطعا تزدردانها، والشيخ يصيح ويستغيث، فسأل عنه، ~~فقيل: هو أبو العلاء المعري الملحد. # وحكاية أخرى سمعناها ونحن صبيان لا أدري إلى من تسند، قال الراوي: صعد أبو العلاء إلى ~~جبل قرب المعرة يعرف اليوم بجبل «الزاوية»، وأخذ يصيح: هو ذا جبل أعلى من الطور، ورجل ~~أعظم من موسى، فكلمني يا من كلمت موسى، وفعل ذلك ثلاثا، ولما يجبه أحد، فانحدر عن ~~الجبل وهو يردد: # لقد أسمعت لو ناديت ms095 حيا # ولكن لا حياة لمن تنادي # وحكاية أخرى رواها المرحوم أحمد تيمور باشا في كتابه «أبو العلاء المعري» ص13 ~~قال: # وقبره معروف إلى اليوم؛ أي سنة 1327، بالمعرة ولأهلها اعتقاد كبير فيه، ويزعمون أن ~~الماء إذا بيت في قارورة عند قبره، وشربه في الغد صبي به حبسة في اللسان، أو بلادة ~~في الذهن، زال ذلك عنه ببركة أبي العلاء. # أقول: أما أنا فحين زرت المعرة وسئلت عن سبب مجيئي إليها فأجبت: زيارة قبر أبي ~~العلاء، سأل أحد المعريين رجلا آخر منها وكلاهما من عوامها: منو أبو العلاء؟ فأجابه: ~~واحد كان مثل عنتر والزناتي خليفة ... # رحم الله الشيخ الإمام؛ فما يرجف الناس ولا يحوكون الأساطير إلا حول شخوص ~~النوابغ. # | شاعر العقل الفاطمي # طلق أبو العلاء الدنيا الثلاث فكان عمله بدعة في الإسلام، مسح يده من جميع ملذاتها ~~فعاش عيشة الحبساء المنفردين في الصوامع، معديا عما استثناه منها حين أطراها ~~بقوله: # ويعجبني عيش الذين ترهبوا # سوى أكلهم كد النفوس الشحائح # وعلى هذا نساك الفاطميين اليوم؛ فمال الوقف لا يأكله فاطمي زميت؛ فهو في نظرهم مثل ~~مال الحكام، وعندهم: حلالك تعبك، بعرق جبينك تأكل خبزك. هم يحصرون الحلال في ثلاثة: أجر ~~الفاعل والزارع والفلاح؛ فأحد مشايخهم الأتقياء - الشيخ محمد صالح، من جرمانا، غوطة ~~الشام - كان يوزع غلة أراضيه على فقراء الملة، ويعيش من ثمن السلال والخوص التي كان ~~يصنعها هو ويبيعها في دمشق، فلم يمد يده إلى حاصلاته لأنه لم يتعب في استثمارها. # وقد رأيت في الفصل المعقود تحت عنوان: «مذهب أبي العلاء»، أن الشيخ ينصح «الأخ» أن ~~يتقيأ ما أكل إذا عرف أنه مال ظالم. وهذا ما يفعلونه اليوم، فيتجنبون الحكام ويبتعدون ~~عنهم، ويرفضون عطاياهم - كما فعل أبو العلاء قبلهم. إن «الأجاويد» منهم يستنكرون ~~استئجار أوقاف الحكومات، ولا يأكلون عند حاكم، أو من اعتقدوا أنه مغتصب مال الآخرين، ~~وامتناعهم عن أكل حاصلات الأراضي المغتصبة يعرفه أقل الناس اختبارا لهم؛ فهم لا يأكلون ~~من غلة تلك الأراضي ولو بالثمن. # وما لنا نبعد إلى الغوطة ms096 لنحدثك عن الشيخ محمد صالح، ولندع ذكر «المتنزهة» إخوان ~~المعري في خلوات البياضة، فضالتنا التي ننشدها قريبة من عاليه في ضيعة «معصريته» رجال ~~يلقبونهم في الشوف بالجويدين الزرق؛ فهؤلاء الرجال لا يأخذون إعاشة من الحكومة في ~~وقتنا الحاضر # 1 # ولا يشربون ماء من إحدى القرى المجاورة لهم لأن أهلها لا جويدين ~~منهم. # وفي عاصمة الشوف - بعقلين - سيدة فاضلة لم تكن تستحل الأكل من مال ولدها لأنه موظف؛ ~~فكانت تستبدل المال بمال آخر من عند رجل تثق بدينه لتستحل الأكل. ولم تأكل من ثمار أرض ~~شراها ولدها، بل تختار ذلك من ثمار العقارات الموروثة لأنها حلال. وكانت تعيش مع بنيها ~~وأحفادها وهي منقطعة عنهم فيما يمس المذهب. # وهذا أبو العلاء يقول لابن القارح في رسالة الغفران عن دنانيره التي سرقت: «وهذه، ولا ~~ريب، من دنانير مصر، لم تجئ من عند السوقة، ولكن من عند الملوك.» # لسنا نقول هذا لنزعم لك أن أبا العلاء درزي، أو لنقول إنه كالطبقة السامية من عقلاء ~~هذه الطائفة الذين بلغوا ما يسمونه ختام الدين؛ فمن قال إن أبا العلاء مثل هؤلاء هو ~~كالقائل مثلا: نابليون بونابرت والبابا لاون الثالث كانا يستعطان مثل مارون ~~عبود. # إن طلائع هذا الزهد العلائي قد بدت مع المعز جد الحاكم فتخلى عن الكرسي مدة سنة لابنه ~~العزيز بالله، ثم نما هذا الزهد واستفحل أمره مع الحاكم قبل «الغيبة» بقليل. أما أبو ~~العلاء فتنسك وسأل الإخوان أن يكونوا له شيعة في طريقة، فوضع لهم في اللزوميات الأصول ~~والمبادئ الزهدية، ولما قربت ساعته خاطبهم بقوله: # أزول وليس في الخلاق شك # فلا تبكوا علي ولا تبكوا # خذوا سيري فهن لكم صلاح # وصلوا في حياتكم وزكوا # إذا قابلنا بين قول أبي العلاء هذا وبين ما يفعله أجاويد الدروز اليوم رأينا أنهم ~~يجملون جزعا ولا ينتحبون على فقيد مهما عز وغلا، كما فعل الأمير السيد حين فقد ابنه، ~~وسيأتيك خبر هذا. # ومن كلام الدروز في هذا الصدد «إذا أصبتم بعزيز فعليكم أن تصبروا لئلا تفقدوا الأجر؛ ms097 ~~فمن جزع من قضاء الله عبر به القضاء ولزم الإثم. ومن صبر على القضاء فالأولى أن نصبر، ~~ابتغاء للثواب وحذر غضب الله». # ومن كلماتهم المأثورة: «من يبك على رأس ميت فكأنه يحارب الله.» # وإني لأرى أبا العلاء يلمح بقوله: «فلا تبكوا علي ولا تبكوا»، إلى النبي الكريم ~~لأنه بكى واستبكى، ومن قرأ رسالتي المعري إلى داعي الدعاة يرى ترجيحا لظننا ~~هذا. # إن أبا العلاء يحث على الزهد ويحرص على كتمان «السر» وعلى كل ما أراه بارزا في ~~المذهب الفاطمي اليوم. وأراه يتكلم كمن له سلطان، فلا يستند إلى تقليد ولا إلى إسناد ~~لأنه لا يتجاوز تخوم منطقة العقل. والعقل في المذهب هو «الإمام» المعصوم. والعقل ~~الفاطمي هو العلة الأولى وضابط الكون. ولئن كان لا بد للعقل من شيخ فأبو العلاء هو شيخ ~~مشايخ العقل، وأول من جهر معلنا إمامته المطلقة وأمر باتباع وحيه وهداه. # من عادة المؤمنين أن يكونوا عمل فبركة؛ أي نمطا واحدا. وأبو العلاء مؤمن ولكنه ليس ~~من نمط إخوانه تماما؛ ففي كتبه زاد للإخوان والذرية، ووصيته لهم تنحصر باتقاء الله ~~وعمل الخير، وتطهير النفس من المعاصي، والابتعاد عن اللذات التي ينبذها طلاب ~~الكمال. # ليست الفضيلة عند أرسطو طبيعة؛ فالطبيعة قوى واستعدادات، والفضيلة تكتسب بمعاونة ~~الطبيعة؛ أي أن تطبع النفس على حالات معينة. الفضيلة عنده تتعلم كما يتعلم كل فن، ~~بإتيان أفعال مطابقة لكمال ذلك الفن. ومن توهم أن المثابرة غير لازمة للحصول على الكمال ~~فمثله كمثل المريض الذي يريد الشفاء ولا يستعمل وسائله. وهذا ما قصده أبو العلاء من ~~سيرته ونسكه. # لا استغراب أن يظهر الجزع والخوف إذا تصور نفسه ذاهبة بذهاب جسده. وحقه أن يهتف «وا ~~شجبا» وأن يحزنه قول ذلك الزائر له: وعلام حسدوك وقد تركت لهم الدنيا ~~والآخرة؟ # كان أبو العلاء خائفا على نفسه، حريصا على تنقيتها، ويحزنه وجودها في الجسم الذي هو ~~ألد أعدائها. كان يظن دائما أنه مقصر فيذم نفسه ويقول إنه أبو النزول لا أبو العلاء. ~~وفاطميو اليوم يقولون: من يظن ms098 بنفسه الخير فهو معدوم الخير. ويحكون عن «الشيخ الفاضل» ~~أحد كبار عقال وادي التيم، وهو من ذوي العمامة المكورة، أنه ظل خائفا على نفسه، ولم ~~يثق بخلاصها ونجاتها من أحابيل الجسد، إلا قبل موته ببضع دقائق فقال يخاطبها: «روحي يا ~~مباركة، الآن أمنت عليك.» # ويقول الفاطميون بضرورة التوبة قبل العجز، ويسمون توبة الشيخ توبة فزع، وكذلك قال أبو ~~العلاء: «فليتني أبهت لشأني قبل شيب المسائح.» # طرق أبو العلاء هذا الموضوع كثيرا وحث على طاعة الله وترك المعاصي والانصراف عن ~~الدنيا قبل أن تنصرف هي عنا. أما «الرحمة» عندهم فلا تعطى إلا مستحقيها، وليست دينونة ~~كما يتوهم بعضنا ولكنها شهادة تؤدى ومعاذ الله أن تكون زورا. والقصد منها حث الأحياء ~~على طلب الكمال والتجمل بمكارم الأخلاق. والسكوت عنها رفض لها. وقد لا يرحم الأخ أخاه ~~إن شك بفضله. # إنهم لا يؤمنون بالاستسقاء وغير ذلك من طلبات البشر، وعندهم كلمة مأثورة: «لا تنقص من ~~ملكه تعالى معصية عاص، ولا تزيد في ملكه طاعة مطيع، وإنما هي أعمالكم ترد إليكم.» ~~وأبو العلاء، كما مر بنا، يهزأ ممن يتصورون أن المطر لم ينزل لأنهم عصوا الله ~~فيستسقونه بتضرعاتهم وصلواتهم. # يقول أبو العلاء، كما مر بك: «لا طوعا أبث ولا جبرا.» والإنسان عند الفاطميين ~~مسير ومخير: مخير فيما يحده العقل، ومسير في الأمور التي لا قبل له بها. وهذا ~~كله محصور بكلمتهم المأثورة: «أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر ~~أشكل عليكم قال الله ردوه.» # ومرتكب الكبائر عندهم، كالقاتل والزاني، لا يسلم «الحكمة»، وإن تاب توبة نصوحا يسلم ~~شرحها فقط. # إذا رأيت عند أبي العلاء تناقضا فاعلم أن ذلك تقية واستتار؛ فهو لا يريد، كما ~~قال، أن يسخط جيله كل الإسخاط، فترك لهم ما يتلهون به عنه، ولكنه في كل حال لا يجحد ~~مذهبه ولا يعترف بغيره صراحة. ومن الجنون المطبق أن نخال أبا العلاء معتقدا بالفناء، ~~ثم يتنسك هذا النسك الصارم. # أجهل أن عقله لا يسلم بما صارت إليه حمدونة ورفيقتها توفيق ms099 السوداء ولكنه يعتقد بخلود ~~غير خلودنا؛ ولهذا روى لنا ما خلقته مخيلته من خبر هاتين المرأتين، وإليكه كما ورد في ~~رسالة الغفران: # ويخلو - أي ابن القارح - بحوريتين من الحور العين، فإذا بهره ما يراه من ~~الجمال قال: اعزز علي بهلاك الكندي، إني لأذكر بكما قوله: # كدأبك من أم الحويرث نبلها # وجارتها أم الرباب بمأسل # إذا قامتا تضوع المسك منهما # نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل # وأين صاحبتاه منكما؟ لا كرامة لهما ولا نعمة، لجلسة معكما بمقدار دقيقة من دقائق ~~الدنيا خير من ملك بني آكل المرار وبني النضر بالحيرة وآل جفنة ملوك الشام. # ويقبل على كل واحدة منهما يترشف رضابها، ويقول: إن امرأ القيس لمسكين مسكين، تحترق ~~عظامه في السعير، وأنا أتمثل بقوله: # كأن المدام وصوب الغمام # وريح الخزامى ونشر القطر # يعل به برد أنيابها # إذا غرد الطائر المستحر # فتستغرب إحداهما ضحكا فيقول: مم تضحكين؟ فتقول: فرحا بتفضل الله. أتدري من أنا يا ~~علي بن منصور؟ فيقول: أنت من حور الجنان اللواتي خلقهن الله جزاء للمتقين، وقال فيكن ~~كأنهن الياقوت والمرجان، فتقول: أنا كذلك بإنعام الله العظيم، على أني كنت في الدار ~~العاجلة أعرف بحمدونة، وأسكن في باب العراق بحلب، وأبي صاحب رحى، وتزوجني رجل يبيع ~~السقط فطلقني لرائحة كرهها من في. وكنت من أقبح نساء حلب، فلما عرفت ذلك زهدت في ~~الدنيا، وتوفرت على العبادة، وأكلت من مغزلي ومردني فصيرني ذلك إلى ما ترى. # وتقول الأخرى: أتدري من أنا يا علي بن منصور؟ أنا توفيق السوداء التي كانت تخدم في ~~دار العلم ببغداد، على زمان أبي منصور محمد بن علي الخازن، وكنت أخرج الكتب إلى ~~النساخ، فيقول: لا إله إلا الله! لقد كنت سوداء فصرت أنصع من الكافور، فتقول: أتعجب ~~من هذا، والشاعر يقول لبعض المخلوقين: # لو أن من نوره مثقال خردلة # في السود كلهم لابيضت السود! # أيتوحد ويتنسك هذا النسك الصارم من لا يرجو حسن العقبى؟ # يقول أرسطو: «المنفرد إما بهيمة وإما إله.» ويأبى أدبنا وأدب كل ذي عقل ms100 حتى من ألد ~~أعداء أبي العلاء أن نعده بهيمة. ويأبى توحيد المعري المنزه أن نسميه إلها ولو ~~بالمعنى اليوناني؛ فشيخنا يرى تطهير النفس بالنسك ويعتقد بخلودها. # كان الشيخ مهتاجا قبل أن يبلغ ذروة الحلم و«الجودة» فعنف الناس فظن دارسوه أنه ~~متشائم، لا تشاؤم لا تفاؤل، ما هناك إلا توبيخ وتبكيت التماسا للصلاح، أراد الإصلاح ~~فصك الإنسانية صكة أعمى ... # تعرض أبو العلاء لجميع الشئون الاجتماعية حتى تقسيم الثروة فسخط على أهل عصره. وقد ~~كان توزيع الثروة ولا يزال، حيث عاش أبو العلاء، غير عادل. أما الخمرة، مشكلة المشاكل، ~~فهو أبغض الناس لها، والفاطميون اليوم من مذهبه هذا. إنهم يتحوبون من عصرها وبيعها وقبض ~~أثمانها، وقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك فحرموا التدخين والتسعط، ولكنهم أباحوا القهوة ~~ويؤثرون التعفف عنها. # أما العقل الفاطمي فهو: «الله هو معل العلة الأولى التي هي العقل، والعقل هو مبدع ~~الكون ومدبره، فالخالق منزه مستريح.» # والعقل الإنساني عندهم نوعان: جسماني وروحاني؛ فالجسماني هو العقل المعلوم، والروحاني ~~هو عقل أرسطو. الجسماني فعال ومنفعل، يتأثر ويؤثر، وهو يمثل العقل الروحاني في فضائله ~~وأعماله الحسنى. # و«الصدق» رأس الإيمان، وهو يمثل العقل، أما الشيطان فيمثل الكذب. # ويغلو الفاطميون في الصدق غلوا كبيرا، فإذا قال «جويد» منهم كلمة فعليه أن يقوم ~~بها، وإذا نوى فلا بد من التنفيذ، وكلمة «طلع قول» مشهورة عنهم. # حكي أن أحدهم قال لأهله إنه ذاهب لزيارة أحد الإخوان في إحدى القرى المجاورة - بيصور ~~- فما خرج من باب بيته حتى رآه أخاه الذي يقصد زيارته قدام الباب. دعاه إلى بيته وذهب ~~هو إلى زيارته كما زعم، ثم رجع إليه وقص عليه الخبر. ومثل هذه حكايات كثيرة تروى ينفذ ~~بها «القول» تنفيذا لا هوادة فيه ولا رفق. # أما الصوم عندهم فصومان: جسدي، ويكون في التعفف عن المآكل والمشارب، ونفسي، وهو ترك ~~المعاصي والمآثم، والصوم الأخير أجل وأسمى عند أبي العلاء وعندهم. # إن الجسد قميص يبلى. ينزع ثم يؤخذ غيره. والنفوس هي هي لا تزيد ولا تنقص. أما ~~«الحساب» فيدان ms101 الشخص باعتباره كائنا خالدا، ويحاسب على جميع ما مر به من أطوار. أما ~~الثواب فيكون بالملذات الروحية لا الجسدية؛ ففي الملكوت الفاطمي تتنقى النفوس وتتطهر ~~بدورانها. وفي تنقلها من قميص - أي من جسد إلى جسد - قد تلاقي عناء وجهدا، وفي هذا ~~يقول أبو العلاء، ولا بأس من إعادته هنا: # يقولون إن الجسم تنقل روحه # إلى غيره حتى يهذبها النقل # فعش وادعا وارفق بنفسك طالبا # فإن حسام الهند ينهكه الصقل # وتمر النفس في دورانها بحالات مختلفة، وتظل كذلك حتى تتطهر - إن كانت صالحة - وبعد ~~هذا التطهير يكون «الدهر» وهو عالم لا قوي فيه ولا ضعيف، يسود فيه العدل، ونظمه كلها ~~واحدة وحكومته كذلك، ولا عذاب ولا شقاء. وقد أشار أبو العلاء إلى هذا بقوله: # ما أحسن الأرض لو كانت بغير أذى # ونحن فيها لذكر الله سكان # أما النفوس الشريرة فتظل معذبة بجميع أنواع العذابات المعروفة، والعذاب الأكبر هو ~~عذاب الضمير، وعذاب الندم على ما فات؛ لأنها لم تنتفع من أدوارها الماضية. أما النفوس ~~الصالحة فتكتسب الجمال، والعمر التام وراحة الضمير، والابتعاد عن الأمراض والمصائب؛ فما ~~هنالك إلا غبطة روحية في «دهر» لا نهاية له، يتغير النظام الأرضي ويحل محله نظام إلهي ~~ويحكمه «الإمام» الممثل بالعقل. # فمن أقوالهم: «الفكرة الإلهية ابتدأت مع إبراهيم كالحبة، وفي عهد المسيح أزهرت، وفي ~~عهد محمد نضجت، ونحن قطفناها.» # ليس للخلود عندهم محل معين، البقاء هنا كما قلنا، وما الجسد إلا وسيلة لإظهار القوى ~~الروحية. الخير يمثل العقل، وبعمل الخير تنفذ إرادة العقل الذي هو «الإمام» وبهذا يكتسب ~~الأجر. وقد قال في هذا أبو العلاء قولا لا التباس فيه: # سأتبع من يدعو إلى «الخير» جاهدا # وأرحل عنها ما «إمامي» سوى عقلي # والشجاعة عندهم رأس الفضائل؛ فالعاقل يكون شجاعا صادقا متعففا لا يهاب أحدا ولا ~~يخاف غير الخالق. وليس بعاقل من لم يتصف بالحلم وسعة الصدر والترفع عن بذيء الكلام. وهم ~~يتحوبون من ذكر القرد ولا يعتقدون بالجن والشياطين، وقد أشار إلى هذا شاعر العقل كما ~~رأيت. أما ms102 الزواج فهم في سنته كما وصى أبو العلاء. ليس للفقير أن يتزوج، وإن تزوج فليقلل من المحروسين ما استطاع، والزواج للنسل فقط. ولا يجمع الفاطمي ~~بين ثنتين، وإذا طلقها فلا تعود. والطلاق من حقوق الاثنين، ولا يكون إلا لعلة عظيمة، ~~وإن طلقها ظالما فلها نصف ما يملك حتى الذي على جلده. ومن يتعفف يكن من الملائكة ~~المقربين. أما ملائكتهم فغير مجنحة، وثالوثهم مؤلف من العقل والنفس والكلمة. # إن للعقال الفاطميين خطة ضيقة جدا، وما خطة هؤلاء إلا خطة المعري نفسها: انزواء ~~وانفراد وترويض للنفس، وتذليل لها بالتقشف والحرمان من الملذات، حتى روى لي منهم شيخ ~~موقر أن أحدهم عاش مع زوجته أربعين سنة كان يعاملها في أثنائها كأخت، ولا يكون هذا إلا ~~بعد التراضي؛ فالنساء في المذهب الفاطمي كالرجال سواء بسواء، وتعففهم ونسكهم وزهدهم ~~عملا بالآية: «ادخلوا من الباب الضيق.» # إن المذهب يجيز هذا الزهد للإخوان؛ فللعاقل أن يختار أسلوبا معينا لحياته، بشرط ألا ~~يتنافى مع المبدأ العام، وهو ألا يقاطع حيث يقتضي أن يواصل؛ فحفظ الإخوان واجب، وللأخ ~~على أخيه حق بكل ما هو حلال. وتنحصر صفات العاقل عندهم في عفة اليد والقلب ~~واللسان. # وللعلم عندهم أجل شأن؛ فهم يتبرءون من الجهال؛ فكأنهم يعملون بالكلمة اليونانية: ~~«اطلب المعرفة لأجل المعرفة وهي تجلب لك السعادة.» # إن كل «أسرار» أبي العلاء التي قال إنه «يستر دونها ويجمجم» هي هنا. و«السر» محتوم به ~~على الإخوان الفاطميين الموحدين؛ فهم كما قال الشاعر في العشاق، وأظنه ~~السهروردي: ~~«بالسر» إن باحوا تباح دماؤهم # وكذا دماء البائحين تباح # ما شبهت بعض دارسي أبي العلاء إلا بالجرذان التي في قبو الخمر عندي. يقرطون الفلين ~~والشمع الأحمر، ومتى هرقت الخمرة المعتقة هربوا مولين الأدبار ... # | بعد أربعمائة سنة # وما أعود إلى الدنيا وقد زعموا # أن الزمان بمثلي سوف يحكيني # وا رحمتا لشبيهي في حوادثه # ينكيه ما كان في الأيام ينكيني # المعري # إذا شبهنا المذهب الفاطمي بالكرة كان المعري قطبها الشمالي والسيد عبد الله قطبها ~~الجنوبي. وإذا تكلمنا بلغة الباطنيين ms103 كان المعري جناحها الأيمن والسيد عبد الله جناحها ~~الأيسر. والأمير السيد صاحب المقام الشهير - في عبيه، لبنان - هو ابن عم المعري الحكيم ~~الخالد. # جاء التنوخيون لبنان من معرة النعمان، والدروز يسمونها معرة الإخوان، جاءوا الشوف ~~يحملون معهم المذهب فحلوا بين إخوان لهم، وساهموا في محاربة الحملة الصليبية وصدها عن ~~الثغور، فنالوا حظوة عند السلاطين وحكموا إقليما خطيرا من لبنان. كانوا باطنيين نحلة ~~فصاروا فاطميين مذهبا. وقد عززوا هذا المذهب في الشوف حيث لا تزال لهم آثار خالدة ~~وذكريات طيبة. # والأمير السيد عبد الله هو أكبر أيمة الطائفة الدرزية، ومصلح «المذهب»، ومنظم أصوله ~~وقواعده. # أنجبت الأسرة التنوخية رجالا عظاما في عصرهم، وكان لها في كل ميدان أبطال؛ فكان هذا ~~البيت العريق بيت علم وأدب وشعر وسياسة وفضيلة وزهد وتقوى وإحسان وحلم ورحمة وفروسية. ~~واشتهر منه رجال في الفنون كالموسيقى والصياغة والخط وعلم النجوم والطب والشرع والفقه ~~والحديث والفرائض. أما واسطة هذا العقد الثمين فالأمير السيد عبد الله الدالة عليه ~~آثاره القائمة في عبيه؛ فهي مزار للناس من فاطميين مؤمنين بفضل السيد، ومن معجبين بتلك ~~الشخصية التي لعبت أسمى الأدوار في العصور الاستبدادية المظلمة، كما يتضح من ترجمته هذه ~~المكتوبة بقلم فاطمي أديب، من «مستلمي الحكمة»: # الأمير جمال الدين عبد الله بن سليمان ... بن تنوخ بن قحطان بن عوف بن النعمان ~~بن المنذر المعروف بابن ماء السماء. ولد في عبيه لبنان، ونشأ كما نشأ أترابه ~~الأمراء في ذلك الزمن محبا للفروسية والصيد والقنص. ولما بلغ أشده مال إلى ~~الدين، ولم يتصل بأسراره حتى هجر سلوكه السابق وتحلى بحلية المتقين واتسم بسمة ~~أهل الدين، من تمسك بالتقوى والصدق والوفاء وترفع عن الشهوات والشبهات وهجر ~~الخمرة وسائر المنكرات. # وعكف على علومه فدرسها وتبحر في علمي الشرع واللسان وتضلع من مذهب «التوحيد» ~~تضلعا بذ فيه السابق واللاحق، وشرحه شرحا وافيا محللا مشكلاته وغوامضه، ثم ~~عن له إصلاح النظام الاجتماعي الإقطاعي المخالف للمذهب فنادى بالمساواة ~~المطلقة بين الناس وأن لا ميزة إلا بالعلم والعمل، فثار به ms104 العامة ونقم عليه ~~الخاصة، فهاجر إلى دمشق كعبة العلم ومحج العلماء في عصره. وهنالك تفرغ بكليته ~~للعلم والتعليم، وناظر الأيمة والعلماء فغلبهم وبهرهم بسعة علمه وتقواه وفضله ~~حتى لقب بالسيد وعرف بذلك. مكث في دمشق بضع سنوات نبه فيها ذكره، وأصبحت داره ~~محجة للعلماء والكبراء، وتجاوزت شهرته دمشق إلى لبنان، فعقد أمراء البلاد ~~وكبراؤها وشيوخها اجتماعا أقروا فيه إيفاد نخبة منهم إلى دمشق ليتوسلوا إلى ~~أميرهم المصلح بالعودة إليهم خاضعين لما يفرضه عليهم من إصلاح، فعاد الأمير ~~السيد إلى بلاده المحتاجة إلى علمه وفضله فاحتفل بمقدمه السكان أيما احتفال، ~~وتقاطرت الوفود من سائر الطبقات إلى داره في عبيه، ولازمه الكثيرون طلبا للعلم، فزهد في الدنيا على بسطة عيشه وسعة يده وتقشف تقشفا عظيما. ~~كان يقضي نهاره صائما معلما وليله مصليا مجتهدا. كان جوادا كريما على ~~زائريه ومريديه، تحفل موائده بطيبات المآكل ولكنه حرمها على نفسه ~~الطاهرة. # وأوجب على أتباعه معاملة الناس حسب أعمالهم الخيرية؛ فأهل التقوى والعلم ~~مقدمون على سواهم، ضاربا عرض الحائط بالأنساب والميزات الاجتماعية. # فرض العلم على الجنسين الذكور والإناث، وحدد النسل، وأباح الزواج للنسل ~~المحدد فقط. وما خرج عنه يحسب ضربا من الزنى. وحرم على الفقير المعدم الزواج ~~رحمة بالأولاد ورفعا للمستوى. وأوجب على الآباء حين يوصون بتراثهم لأبنائهم أن ~~يفضلوا الخيرين من الأبناء على سواهم وأن يحرموا الأشرار منها. وأجاز للأب ~~الوصية لمن شاء من إخوانه الأتقياء إذا لم يسعد بأبناء خيرين، ثم فرض الصدقات ~~وكان كل عام يملأ خرجا من المال يطوف به القرى موزعا على المحتاجين والمعدمين ~~آخذا من الأغنياء مبالغ معينة لأجل الصدقة فيعود إلى عبيه وخرجه مملوء كما ~~كان. # كان يقول للناس: «من كان محتاجا فليأخذ، ومن كان مستطيعا فليضع.» ويدير ~~ظهره لكيلا يرى من أخذ ومن أعطى. ومن كلامه المأثور في هذا الصدد: «لو أن الغني ~~بذل، والفقير قنع، لم يكن في البلاد فقير.» # فجع الأمير السيد بولده الوحيد الأمير عبد الخالق ليلة عرسه؛ رفسته فرسه ~~فقضت عليه. ولما استبطأ الوالد ms105 عودة ولده نزل إلى الإسطبل فرأى وحيده ميتا ~~فعاد وأمر بنصب الموائد للمدعوين، فبسطت وأكلوا وقاموا بواجب التهنئة والتبريك ~~بالزفاف، فأجابهم السيد قائلا: «آجركم الله بالعريس.» وحظر عليهم الندب ~~والبكاء والنواح لأنه مخالف للدين؛ فما الأبناء إلا ودائع عند الآباء وكمستودع ~~أمين؛ فمتى شاء الله استرد وديعته، وعلينا تسليمها بطيبة نفس وسرور. إن أرواحنا ~~مودعة في هذه الأجساد المنحلة، يأخذها الله متى شاء. # أيها الناس، لا فوت من الموت فلكم عند الله من الخير ما تكسبون ومن الشر ما ~~تفعلون، ونحن وإياكم في قبضة ملك الممالك، فطوبى لمن قبل أوامر الله وأطاعه، ~~وجعل مدته من الدهر ساعة. # أيها الناظرون إلي، أتظنون أن صبري على فقد ولدي جهالة، أو ترك تعرضي ~~للقضاء ضلالة، أو أني نسيت علمه وفضله، وطاعته وصبره؟، # 1 # ودفن وحيده ولم يذرف عليه عبرة واحدة. # كان الأمير السيد غنيا واسع الإقطاعات يملك قرى عديدة وقفها جميعها على ~~أعمال البر. وعم إحسانه جميع مواطنيه من سائر الطوائف فجعل لعائلة سركيس ~~المسيحية في عبيه غلالا معينة كل عام، لهم ولذريتهم من بعدهم ما دامت أوقافه. ~~ووصيته المشهورة تنص على ذلك نصا صريحا. # ولهذا قال فيه المؤرخ ابن سباط: إنه كان محبوبا من جميع الأسباط، كما ورد في ~~تاريخ أعيان لبنان للشدياق. # أوجب السيد على إخوانه الترفع عن أكل الحرام والشبهات والرياء ومال الظلمة ~~وأوقافهم وغلالهم، وحرم أكل غلال الأراضي المغتصبة ونهى عن قبول أموال الحكام ~~ومن يتصل بهم. # تآليفه: شرح الأمير المذهبي، وكتاب لغوي مسمى سفينة اللغة العربية. ~~انتهى. # أما وفاة الأمير السيد فكانت - كما روى الأمير حيدر في تاريخه المشهور - في اليوم ~~السابع عشر من شهر جمادى الآخرة سنة 884 هجرية، فأقام تلاميذه رئيسا يرشدهم بعده ويشير ~~عليهم ابن عمه الأمير سيف الدين زنكي. وكان لفقد الأمير رجة عظيمة في البلاد، واجتمع ~~يوم مأتمه أمم لا تحصى من جميع البلدان. # | بين شيخين # كان شيخي الأول الذي نشأت في حجره كالذي ذكره داعي الدعاة في رسالته الثالثة إلى أبي ~~العلاء: ms106 «إن قيل له في أخبار شرعه إن فيلا طار أو جملا باض، لما قابله إلا بالقبول ~~والتصديق.» # كان، رحمه الله، كثيرا ما يقرئني في كتاب «ميزان الزمان» تأليف الأنبا نيرامبرك ~~اليسوعي، وخصوصا في الفصول التي تتحدث عن جهنم، والأيام التي تسبق القيامة فالدينونة ~~العامة، فأقلق وأضطرب ويركبني في الليل كابوس يتمطى بصلبه ويردف أعجازا، وينوء بكلكلي ~~... فأستيقظ مرتجفا كالورقة، وأحيانا باكيا. # كثيرا ما كانت تتوسل المرحومة والدتي إلى عمها شيخي ليكف عن إقرائي في هذا الكتاب ~~الذي تفزع لقراءته الكبار، كما سمعتها تقول. أما جدي فلم يكن يرعوي، وكان يجيبها: العلم ~~في الصغر كالنقش في الحجر؛ فهو يريد أن يوطد بنيان الدين ومخافة الله في صدر خليفته ~~العتيد ... # قرأنا مرة: أنه في سنة ألف وخمسمائة وسبع وثلاثين أمطر الله على مدينة بولونيا حجارة ~~ثقل كل واحد منها ينيف على أربعة أرطال ونصف، ويؤيد صاحب ميزان الزمان هذا الزعم بقوله: ~~فلم يأت حزقيال النبي بأخبار واهية بقوله: إنه في انتهاء العالم تقع حجارة ثقيلة جدا. ~~ويقول صاحب الجليان إن ثقل كل حجر يوازي قناطير كثيرة، ثم يقول: خبرونا أنه في بلاد ~~سيتيا سمعت رعود مفزعة مات من صوتها خلق كثير، فماذا يكون ضجيج العواصف الأخيرة وشدة ~~إرهابها حينما يريد الله أن يلاشي هذا العالم؟ # فسألته وعيناي مغرورقتان: متى تكون نهاية العالم؟ فأجابني: تؤلف ولا تؤلفان، ومعنى ~~ذلك لا تبلغ الألفين بعد المسيح حتى يكون الكتاب قد تم. # فقلت: إذن تكون النهاية على أيامنا؟ فنظر إلي بعينين تفيضان حنانا وحبا وقال: لا ~~تخف. إن تلك الساعة لا يعلمها أحد ولا الابن إلا الآب. هكذا يقول الرب يسوع في إنجيله ~~الطاهر. # وانصرفت إلى اللعب ولكن تصور تلك الحجارة لم يبرح مخيلتي، كنت أنتظر تساقطها بين ~~ساعة وأخرى، وأخاف أن أنهض في الصباح على خبر القيامة ... # وكنا نقرأ مرة عن عذاب الهالكين فبلغنا هذه العبارة: ولهذا قال القديس نيقولاوس نيصص: ~~إنه لو لم يضطرم كل الحطب الذي في العالم، ويصير جميعه نارا واحدة متقدة ms107 لم تكن قوتها ~~توازي شرارة واحدة من نار جهنم. # فقلت له بسذاجة الأطفال: الاذاوا خلص اتلحطب تنطفي نار جهنم. # فأجابني: قال المخلص: إن دودهم لا يموت ونارهم لا تطفأ. # وبلغنا مرة خبرا مزعجا جدا إليك نصه: ذكر الأنبا كانتبراني أنه كان في نواحي ~~مملكة النمسا جندي باسل، كان محبا ركوب الخيل وسباقها، ومتمرغا في حياة اللذات ~~الدنسة، فمات موتا شقيا، وكانت له امرأة تقية عابدة سالكة في طريق القداسة فاختطفت ~~بالروح، فرأت زوجها كأنه عائش بعد في جسده. وبهذه الرؤيا عرفت شقاء حاله؛ لأنها أبصرت ~~حوله جما غفيرا من الشياطين، وقد أمرهم أركونهم بأن يلبسوا ضيفهم الجديد ثوبا من ~~حديد داخله أشواك حديدية مسنونة وحسك حاد، ثم أمرهم بعد ذلك أن يضعوا على رأسه خوذة ~~حديدية، وأن يسمروها بمسمار طويل ينفذ من رأسه إلى رجليه. # فقلت: أوف! # فقال: اقرأ قدامك، فأذعنت وقرأت خوفا من العصا: «ثم يعلقوا على عنقه ترسا حديديا ~~ثقيلا يرضض عظامه، فتمم الشياطين أوامر أركونهم بتدقيق وإسراع، فحينئذ قال لهم الأركون ~~هكذا: # إن هذا الرجل كان يحب لهو الركض على الخيل، والحمام، واستنشاق الروايح الزكية، ~~والرقاد على الفرش الناعمة، والتنعم في اللذات اللحمية، فقدموا له قليلا مما يناسب ذلك ~~من اللذات المستعملة ها هنا، فأمسكته حينئذ الشياطين وأدخلوه في وسط لهيب متقد، ثم ~~بعدما احترق هناك مدة أضجعوه على فراش من حديد محمى، عليه ضفدعة طول الفراش، بأعين ~~مرعبة جدا، فامتدت عليه تلك الضفدعة واعتنقته اعتناقا شديدا. # فهذا ما رأته امرأته الفاضلة، فلنرهبن إذن العدل الإلهي ولنتحققن غاية التحقيق أن ~~الذي أخطأنا به هنا بأعظم استلذاذ نعاقب عليه هناك بأشد تعذيب.» # وكنت أتنهد بعد كل قراءة وأصعد الزفرات كمن تسلق عقبة عمودية دون أقل استراحة. كان ~~جدي يتلذذ بهذه الأخبار ثم ينصرف بعدها إلى صلاته، فيصلي صلاة حارة، وكثيرا ما كانت ~~تدمع عيناه، وتارة يسمع المارة بكاءه. # وقرأنا مرة عن أنواع العذاب الجهنمي: إن العقل يتعذب بأفكار مؤلمة محزنة جدا، فلا ~~يجد حينئذ أرسطو لذة في حكمته، ms108 ولا سنيكا في فلسفته، ولا جالينوس في طبه، ولا غيرهم ~~من العلماء في علومهم ومعارفهم. # وقد جاء في الأخبار أنه ظهر، لأسقف من أساقفة باريس، معلم ما، كان قد هلك في جهنم، ~~فسأله الأسقف: هل بقي لك شيء من العلوم في جهنم؟ # فأجابه المعلم الشقي: إني لست أعرف الآن سوى ثلاثة أشياء: أولها أنه قد حتم علي ~~بالهلاك الأبدي، ثانيها أنه لا رجوع بهذا الحكم، ثالثها أني خسرت مشاهدة الله إلى الأبد ~~لأجل ملذات الجسد. # وقرأنا مرة عن الدينونة العامة وهو رأي للقديس توما اللاهوتي: ما أكثر ما كان مجد ~~إسكندر الكبير ويوليوس قيصر في هذه الحياة! ولكن كيف حصلا على هذا الشرف؟ أليس بالجور ~~والظلم، وسفك دماء أناس أبرياء؟ فهذه الأفعال التي مدحت في دهور كثيرة سوف تهان وتشنع ~~في اليوم الأخير، قصاصا من امتداحها الماضي. وهكذا يصير بالآباء الذين يولدون ثانية ~~ويحيون بأشخاص أولادهم، فيدانون ويشجبون ثانية بمقدار أمثالهم الرديئة التي قدموها ~~لأولادهم. # وقد قال أيضا القديس المتقدم ذكره: «إنه من أجل أن الجسد يبقى في الأرض بعد الموت ~~فيجب أن يدان كل إنسان ثانية في الدينونة العامة؛ لأن أجسادا كثيرة من أجساد الأبرار ~~دفنت في بطون الوحوش الضارية، وقد حرم الدفن كثير منها. وبخلاف ذلك أجساد كثيرة من ~~أجساد الأشرار دفنت بإكرام جزيل في قبور مفخمة؛ فهذا الانعكاس يصلحه الله في ذلك اليوم ~~- يوم الدينونة العامة؛ فالخاطئ الذي وضع جسده في قبر مزخرف يشاهده حينئذ في حال ~~الإهانة والشقاء والعذاب. أما البار الذي لم يدفن بعد موته لكن قبر في جوف الغربان ~~أو بطون الوحوش فإنه يشاهد جسده مكللا بالنور.» # 1 # فقلت لجدي: وكيف يرجع الجسد بعدما أكلته الغربان والوحوش، فأجابني بكل ما فيه من قوى ~~الإيمان والرجاء والمحبة: الذي قال لها كوني فكانت قادر على كل شيء. # قال هذا وفتح شحيمته يصلي، وأخذت أنا شحيمتي. كنا نصلي معا جوقين: بيت مني وبيت منه، ~~وكل ذلك باللغة السريانية، ولا فرق بيننا إلا أن صوته رخيم جهوري كأنه ms109 الأرغن. وكان بعد ~~كل صلاة يعرب لي ما اعتقد أنني لم أفهمه من شعر مار أفرام ومار يعقوب، ثم نختم النهار ~~بالتسبيح والتهليل والتلبية وكل ذلك باللغة السريانية: # شوبحو وهودرو وقولوسو # لابوهه إيتيوا غنيزو # وتدور الأيام، وما أسرع دورانها! فإذا بي وأنا أحبو إلى الستين، يستوقفني في طريق ~~الحياة شيخ آخر غير شيخ عين كفاع، هو شيخ المعرة المناوح لشيخ عين كفاع. الشيخان ~~توءمان، والتوءمان لا يلتقيان، كما قال شاعر الإنكليز كبلنغ. # إن شيخي هذا بضد ذاك، لا يصدق شيئا مما يصدقه جدي، «ينتحل العقل، كما قال داعي ~~الدعاة أيضا، ويزعم أنه حجة الله تعالى على عباده، مبطلا لجميع ما الناس فيه، مستخفا ~~بأوضاع الشرائع.» وهو القائل: # اثنان أهل الأرض، ذو عقل بلا # دين، وآخر دين لا «عقل» له # إنه لا يعني أن الدين لا عقل له، ولكنه يريد أن يقول، وهذا الذي يفهم من كلامه في ~~رسالة الغفران: إن الدين يهمل عقله ولا يحكمه في دينه ومعتقده فيمضي على آثار ~~السلف. # لست أحدثك عن آراء شيخي الجديد فقد مرت بك كلها، ولا يجوز أن نقلل من قدرك فندلك على ~~الفرق ما بين شيخي. إنه لواضح، ولكني أريد أن تفهم عني أن شيخي مختلفان متفقان؛ ~~متفقان سيرة وسريرة ونسكا، ومختلفان كل الاختلاف في الطريق التي تؤدي إلى الطاحون؛ ~~فجدي لا يعرف إلا أن المسيح قال: أنا هو الطريق والحق والحياة. وأبو العلاء يعتقد ما ~~عرفت. # كلا الشيخين ناسك متقشف يخاف ربه، وكلاهما علمني أن أسمى ما يسعى إليه المرء هو أن ~~يتقي الله ويعمل الخير، لا طمعا بالنعيم ولا خوفا من الجحيم. # أحسن الله جزاء شيخي، وعسى أن يجمعني بهما - إن صح للأموات وشك التقاء - كما قال ~~شيخي اليوم، وأن يجملني في آخر العمر بما جملها به من خير وصدق ومحبة. # كان شيخي الأول لاهوتيا قديرا في عصره، لا يحيد قيد شعرة عن الأنطوين وألفونس ~~ليكوري، وتوما الأكويني، وعما أقرته وأثبتته وتقره وتثبته روما العظمى من تعاليم، ولا ~~يصغي إلا ms110 إلى دعوة القلب. # وكان شيخي الثاني لاحقا بأبناء الأكروبول لا يسمع إلا صوت عقله. أما أنا فواقف على ~~مفرق الطرق أنتظر ساعة النعمة، وأرقب فكاك المشاكل ... # | عنزة ولو طارت # هذا ما سيقوله أولو العناد الذين تأبى عليهم غطرستهم أن يذعنوا للحجج والبراهين ~~والأدلة. سوف يتمسكون، كما تمسكوا بالأمس، بأبيات قالها المعري تقية - والتقية موصى ~~بها في المذهب الفاطمي. # فيا أصدقائي! # إذا لم تشاءوا أن يكون المعري فاطميا قلنا لكم إن الفاطميين علائيون؛ فشيخ المعرة لم ~~يقل الشعر حبا بالنظم، كما ظننتم، ولكنه يؤيد مذهبا، ويضع أصول طريقة في شعره، وهو ~~أبعد أثرا في الحكمة والدين منه في الشعر والأدب. # وقبل وبعد فلست أزعم، أيها القارئ، إلا أنني سلمتك مصباحا يضيء سبيلك إلى دهاليز هذا ~~الأعمى البصير. # غفر الله لنا وله. # عاليه، عين كفاع، 1944م ms111