######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.MinJirab.Hindawi48475359 #META# Tags: literature #META# ID: 48475359 #META# Title: من الجراب #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # هذا الجراب‏ # 1948‏ # تنسيقات‏ # آروم جاك مديري‏ # أنا أعمدك سمكة‏ # إقطاعية دستورية‏ # هم هم!‏ # جبة وقميص‏ # في ذلك الزمان‏ # دب سان جيمس‏ # ذنب وأذناب‏ # 1950‏ # أوراق خريف‏ # ضمائر جديدة‏ # ديش باره سي‏ # بارازيت‏ # لله درها‏ # دبان‏ # فطور ميلادي‏ # صباحية الناخب‏ # 1951‏ # لعينيك يا أختي‏ # ألقاب‏ # عصافير التين‏ # على أونا‏ # دنيا يا غرامي‏ # امسح‏ # في اللاذقية ضجة‏ # بياع موتى‏ # أمضي وتبقى صورتي‏ # آخر حجر‏ # إلى النائب‏ # يساق‏ # حول البكالوريا‏ # نامت نواطير مصر‏ # امسك بذنب الحمار‏ # الشيطان والبيضة‏ # راهبات بونا حنا‏ # أدواء بلا دواء‏ # سلوها لماذا‏ # في المطار‏ # حكاية بيضة‏ # 1952‏ # لكم دينكم ولي ديني‏ # أوتوماتيك‏ # عيد الشعانين‏ # الوجدان العام‏ # لا أب ولا أم ولا عم‏ # أخوت يحكي‏ # الدماغ الإلكتروني والعقل الكرتوني‏ # ويسألونك عن الساعة‏ # المسيح حقا قام‏ # ويسألونك عن القرية‏ # أطرش‏ # طناجر دير مار سمعان‏ # عيبه في حواشيه‏ # مركز حيفا أخذوه‏ # أم 44‏ # بعد عاصفة الشوف‏ # شراويل عتيقة‏ # كنت جئت إلى رومية‏ # تلاميذ كبار‏ # إلا وإذا‏ # قص لحية عضو‏ # عصر ورق!‏ # 1953‏ # رستم يحكم على كيسه‏ # قضاتك فتيان‏ # الطاهي الأعظم‏ # الحرباء والسنونو‏ # مرض الكرسي‏ # ونصف مليون!‏ # تذكر ولا تعاد‏ # اضرب ... علق الشر‏ # من أمين الريحاني إلى كميل شمعون‏ # تين القشارين‏ # إميل البستاني‏ # هذا الجراب‏ # 1948‏ # تنسيقات‏ # آروم جاك مديري‏ # أنا أعمدك سمكة‏ # إقطاعية دستورية‏ # هم هم!‏ # جبة وقميص‏ # في ذلك الزمان‏ # دب سان جيمس‏ # ذنب وأذناب‏ # 1950‏ # أوراق خريف‏ # ضمائر جديدة‏ # ديش باره سي‏ # بارازيت‏ # لله درها‏ # دبان‏ # فطور ميلادي‏ # صباحية الناخب‏ # 1951‏ # لعينيك يا أختي‏ # ألقاب‏ # عصافير التين‏ # على أونا‏ # دنيا يا غرامي‏ # امسح‏ # في اللاذقية ضجة‏ # بياع موتى‏ # أمضي وتبقى صورتي‏ # آخر حجر‏ # إلى النائب‏ # يساق‏ # حول البكالوريا‏ # نامت نواطير مصر‏ # امسك بذنب الحمار‏ # الشيطان والبيضة‏ # راهبات بونا حنا‏ # أدواء بلا دواء‏ # سلوها لماذا‏ # في المطار‏ # حكاية بيضة‏ # 1952‏ # لكم دينكم ولي ديني‏ # أوتوماتيك‏ # عيد الشعانين‏ # الوجدان العام‏ # لا أب ولا أم ولا عم‏ # أخوت يحكي‏ # الدماغ الإلكتروني والعقل الكرتوني‏ # ويسألونك عن الساعة‏ # المسيح حقا قام‏ # ويسألونك عن القرية‏ # أطرش‏ # طناجر دير مار سمعان‏ # عيبه في حواشيه‏ # مركز حيفا ms01 أخذوه‏ # أم 44‏ # بعد عاصفة الشوف‏ # شراويل عتيقة‏ # كنت جئت إلى رومية‏ # تلاميذ كبار‏ # إلا وإذا‏ # قص لحية عضو‏ # عصر ورق!‏ # 1953‏ # رستم يحكم على كيسه‏ # قضاتك فتيان‏ # الطاهي الأعظم‏ # الحرباء والسنونو‏ # مرض الكرسي‏ # ونصف مليون!‏ # تذكر ولا تعاد‏ # اضرب ... علق الشر‏ # من أمين الريحاني إلى كميل شمعون‏ # تين القشارين‏ # إميل البستاني‏ # | من الجراب # | من الجراب # تأليف # مارون عبود # | هذا الجراب # «من الجراب» عنوان لا أغرك منه، فهو كمسماه فيه خبز كثير، منه المخمر ومنه ~~الفطير. # كأني أراك تهز برأسك وتمط شفتيك! فإذا كنت من المتنطعين - في اللغة - فافتح لسان ~~العرب، أو تاج العروس، وإن لم تصل يدك إلى هذين فلا بأس عليك إن تناولت «المنجد»، ألسنا في ~~عصر السندويش؟! # يذكر المنجد أربعة معان للجراب: قراب السيف، وعاء من جلد، جوف البئر، أما المعنى الرابع ~~الذي قدره المتنبي أسمى التقدير، حين نظر إلى كافور المخصي ... فنقر عنه أنت. # إذن الجراب كاسمه، ولهذا اختصه العوام عندنا بكنايات واستعارات شتى، فقالوا: جراب الكردي. ~~ثم كنوا عن الرجل السليط اللسان بقولهم: فتح جرابه. وإذا ثرثر حتى شبع يقولون: فرغ جرابه. ~~وكنوا عن الكلام المر بقولهم: من كعب الجراب. كما قالوا عن الكذاب: من يعوم على ~~جرابه؟! # وإذا كنت رأيت الجمل، في شباط، وقد اندلق من بين فكيه ذلك الكيس الأحمر، المرصع بالحبب، ~~تعرف لماذا قالوا: أرخى فلان جرابه. وأخيرا، لا تنس جواب أبي الفتح الإسكندري لصاحب ~~المضيرة حين قال له: أتريد كنيفا يزري بربيعي الأمير، وخريفي الوزير ... يتمنى الضيف أن يأكل ~~فيه؟! # أجابه: كل أنت من ذاك الجراب، لم يكن الكنيف في الحساب! لا ترع يا صاحبي، إن جرابي ~~نظيف، ولو لم أكن مربي قرية أكلها القديد، كنت جعلت عنواني: من الكنانة، أو من الخريطة، أو ~~من الحقيبة تيمنا بالوزارة ... لا تتعجب، وإذا كان غير صحيح، ففأل مليح ... فبعد ما رأيت، ممن ~~رأيت من المستوزرين، أظنك تراني جديرا بها! # إن جراب الأمس - أعزك الله - هو حقيبة اليوم. رحم الله جراب جدي وجدك! كم كان أقل ms02 كلفة، ~~وأخف مئونة، وأسلم عاقبة ... # إن صاحب الجراب مسكين يشمر راكضا خلف المدورات الثلاث التي تدور عليها الدنيا: الدينار، ~~والدرهم، والرغيف. # ليس الجراب يا أخي صندوقا من صناديق «أصحاب الجمع والمنع»، إن هو إلا ملجأ للزاد، والزاد ~~محدود كمعاش «المعلم» مثلا ... # أعطنا يا رب رزق يوم بيوم، لا تكثر لنا، ولا تدع جرابنا فارغا ... # 15 / 5 / 53 # | 1948 # | تنسيقات # قال القديس إيرونيموس عن قانون الإيمان: ينبغي لنا أن نحرر قانون إيماننا لا في قرطاس ~~بل في صفحات قلوبنا. ولهذا أراني مضطرا إلى تجديد النذر، فأقر وأعترف بأنني كنت أول من ~~ترجى عهد الاستقلال وأول من آمن به، وسأكون آخر من يموت ولا يرتد، ولكن هذا لا يحول ~~دون الشكوى، وطلب الإصلاح. فعلى «الربان» أن يكون متيقظا. # إن الربان هو أول من يحس بالخطر فلا تذوق عينه النوم، أما «الركاب» فقد ينامون على ~~سكين ظهورهم، ولا يسهرون ساعة واحدة، فاللهم قو رباننا وشدده. # إن بناء بيت عظيم أمر ممكن هين، أما تأثيثه ففيه مشقة. قد يستحسن «الخواجا» هذا ~~الطراز أو ذاك القماش، وأما «الست» فقد تعارض فيبقى البيت غير مكسو ... نقول هذا بمناسبة ~~التنسيقات التي يلغو بها الناس. وأغرب ما قرأت - حول هذا الموضوع - هو أنه طلب من ~~موظفي بعض الدوائر أن يكونوا جميعا في مراكزهم، وعلى كراسيهم - إن كان لهم كراسي - ~~ليتعرف عليهم المنسقون، وينظرون فيمن يستغنى عنه منهم. # عجبا! المعاز يعرف قطيعه مهما كثر، إنه يعرف الملحاء والسكاء والبرشاء والبلقاء ~~حتى التي لا علامة فارقة في تذكرة هويتها ... إنه يعرف أخلاق ذاك الفحل وهذاك التني، ولا ~~يخفى عليه أمر تيس ما، فكيف لا يعرف الرؤساء مرءوسيهم؟! اللهم وطد إيماننا، وكن في ~~عون الرئيس، فهو من هذا في بلاء وجهد عظيمين. # وهب أننا عرفنا من يستغنى عنه وعن خدماته الجليلة! أبسهولة يستطاع قلع هذه الأضراس ~~المسوسة التي سمت جسم الدولة؟ # إن كثيرا من الموظفين كالتوتياء البحرية شوك كثير ومح قليل ... ما أشبه موظفي ~~الدوائر المراد تنسيقها - بكبكاب الشوك - في الفصحى: ms03 شيهم، درام، حسيكة، مدجج ، دلدل؛ ~~نق ما يعجبك، وترحم على الشدياق. # كلما حاولت لمس كبكاب الشوك انطوى على ذاته وصار كبكبة الغزل، مخفيا عنك مقاتله، ~~إن مسسته شوكك، وإن تركته سعى ورعى ... فكلما مس موظف - ولو صغيرا - نعص من ورائه ~~عشرون نائبا، وخمسون متزعما من رجال دين ودنيا، وهنا جهنم البكاء وصريف الأسنان لا ~~جهنم الإنجيل. # إن شفاعة هؤلاء «القديسين» ترد غضب الله عن المبتهلين المصلين، فلا ينسق إلا ~~«الفاترون» الذين هم عن صلاتهم ساهون ... والمثل يقول: من ليس له ظهر فهو مقطوع الظهر، ~~فإذا بقي «العهد» على هذا العهد؛ يكون كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. # بلى، سيبقى الأميون وأنصاف المتعلمين على الكراسي الرفيعة، أما أصحاب الكفاءات وذوو ~~الشهادات المثقفون فعليهم أن ينتظروا، عليهم أن يظلوا «مهندسي شوارع» إلى أن يبلغ وارثو ~~كل «العهود» الخمسة والستين ... وبعد الستين تصحح تذاكر وتصح أبدان وجيوب، هكذا يتم فينا ~~قول دعبل: # بنات «زياد» في القصور مصونة # وآل رسول الله في الفلوات # 16 / 7 / 48 # | آروم جاك مديري # أصغيت ليلة إلى إذاعة لندن، فسمعت بيانا صادرا عن مديرية الأسماك ... فقلت في نفسي: ~~عجيب! كيف غفلنا عن إنشاء هذه المديرية وفي بحرنا ألف دلفين ومليون حوت ...! # وبعد فليست مديرية الأسماك الإنكليزية شيئا بالقياس إلى مديرية قص علي قصتها أحد ~~«بكوات» لبنان في العهد الحميدي، عاد سعادته من الآستانة فائزا بالرتبة الأولى ~~المتمايزة، فالتحى تشبها برجال الدولة، إلا أنه لم يدع لحيته تركب رأسها، فكان يلملم ~~أذيالها ويهذبها على طراز لحى الصدور العظام، فيبدو أحرى برتبة «أبهتلو» من رتبة ~~«سعادتلو». # كان - رحمه الله - مولعا بأخبار رحلته السطمبولية فلا يحتل صدر المجلس حتى يتحين ~~الفرصة فيقص علينا قصصا طريفة تنبعث العبر من خلال مضحكاتها. # قال: عرفت رجال الدولة: أبا الهدى، عزت باشا العابد، تحسين بك، باشكاتب المابين ~~الهمايوني، وصادقتهم فتغلبت بهم على أولاد الملحمة: حبيب ونجيب وفيليب، ويئست يوما ~~فرحت أتسلى عن تعقد الأمور برؤية جامع آجيا صوفيا، فكنت كيفما التفت تقع عيني على رجل ms04 ~~متأنق جدا في ملبسه، ضحوك السن، أراد الله خلقه ذكرا فجاء كالأنثى، كان يتنفش في صحن ~~الجامع كالطاووس، ويتبختر في بذلة مقصبة، متقلدا سيفا مذهب القراب يمشي على طقطقته، ~~فتهيبته، ثم «بكلت» أزراري، وأخذت أقترب منه بحذر، ونفسي تقول لي: تعرف عليه تتسهل ~~أمورك. قل تعارفنا وارتفعت الكلفة فقلت له ذات يوم: باي أفندي، عندي عرضحال سري ~~أتكتبه لي؟ # فاستضحك وقال: صدقني إذا قلت لك إني لا أعرف من التركية أكثر من أربعين خمسين ~~جملة. # فأشرت إلى بدلة رتبته متعجبا! فألقى يده على كتفي، وهز برأسه مستهزئا وهو يقول: ~~إذا كنت تهجي تهجية وعندك من يدعمك صرت وزيرا، وإن كنت حائزا جميع المكارم وكنت ~~فيلسوف دهرك وما لك ظهر تقضي عمرك باش بزق. # أنا صرت مديرا لأني شامي، وأخص عزت باشا، عرفته؟ خلق لي مديرية كما خلقه ربه. # فقلت: اسم مديرية سعادتكم؟ # فاستيقظت عنجهية المديرية فيه، وتذكر في تلك الدقيقة أنه مدير تركي، وإن كان ~~دمشقيا، فتفرعن وتلفظ باسمها الضخم مقطعا مقطعا: آروم جاك مديري. # فقلت: ترجمتها من فضل سعادتك؟ # فقال: بالعربية: مدير العنكبوت في جامع آجيا صوفيا. # فقلت: مدير عنكبوت؟! # فأجاب وهو يكز: أي نعم. # وبعد هنيهة فتح فمه وقال وهو يشبر: معاش كبير ... ولقب سعادتلو أفندم حضرتلري، ~~آتقبر القراءة والكتابة سيدي. # وكان البيك ينهي «السالفة» بضحكة عريضة ما زال ~~وقعها في أذني. وها أنا أتذكرها اليوم وأقول بمناسبة تفصيل ثوب الدولة على القد: هذا ~~كان في دولة تركيا يوم شيخت وجازت مدى الهرم، فما عذر دولتنا وهي بنت أمس، ولبنان ~~علم الناس القراءة والكتابة ... # ما عذر لبنان بلد الإشعاع ليكون فيه مدراء عنكبوت، وأشباه مدير العنكبوت؟! # أليس من الاحتقار للثقافة والعلم؟! أليس من الاستهانة بالشعب أن يتربع في مناصب ~~الدولة من لا يحملون على الأقل شهادة «سرتيفيكا»؟! أو يعون في صدورهم من العلم ما يعادل ~~دروسها؟! # 30 / 7 / 48 # | أنا أعمدك سمكة # دعي كاهن إلى تعميد طفل، وحفلة «العماد» لها ما بعدها من المآدب، وخصوصا إذا كان ~~المولود ms05 جاء بعد جهد ... فيطبخ الأبوان أصنافا شهية خفيفة على المعدة ولا شيء أخف من ~~الطير. فكانت شيخة سفرة المعمودية دجاجة سمينة، لو اشتم ابن الرومي رائحة أبزارها ~~وسمنها؛ شت رياله وخلع الكفن. # بمثل هذه التجربة السخنة ابتلي المحترم حين قعد على المائدة قعدة فهد رأى دجاجة عظمت ~~فكادت أن تكون أوزة ... تذكر أن «علم اللاهوت» يعد «الشراهة»، في مثل هذه الحالة، ~~خطيئة مميتة، فتأسف، وتحالف عليه النظر والشم فاندحر هذا القوي أمام الضعيفين فاستسلم ~~ولم يصادم، ونوى على الاعتراف في غد ... وما هم باقتحام الدجاجة حتى قالت أم الطفل ~~المعمود: لا تؤاخذنا يا محترم، الخضرة نادرة في أيام الصوم، والطقس ما هو طقس ~~سمك. # فرفع يده عن الدجاجة ونفسه تشتهيها وقال: كنا نسينا الصوم، ونهار الجمعة يا بنتي، ~~والمثل يقول: عند البطون ضاعت العقول. # ورفع بصره إلى السماء نصف رفعة كمن يفتش عن حيلة يقهر بها اللاهوتيين وتنطسهم، فكفت ~~الأيدي ووجم المدعوون وجوم مأمور استغني عن خدماته العزيزة، بينا كان ينتظر أن ينط ~~درجات فيبلغ رأس السلم، فقال «العراب» وهو في المرتبة الثانية بعد الخوري في حفلة ~~العماد: تفضل يا معلمي، فأجاب الشماس: اتركه يفكر، فالإنجيل قال: إنهم يحلون السبت ولا ~~لوم عليهم ... # لقد خسرت حفلة العماد شيئا من رونق فرحتها تجاه هذه المعضلة التي لا يحلها إلا مجلس ~~الأمن الدولي، فتقدمت الست، وأخذت يد الخوري بعنف اصطناعي، واللقمة فيها كمخلب النسر، ~~وأخذت توجهها صوب الدجاجة، وقالت برخاوة حنك: بارك ... صرفنا. # فابتسم المحترم وقال: على مهل يا بنتي ... وفي تلك اللحظة حلت النعمة وهبط الوحي، فصب ~~أبونا نقطة ماء في يده اليمنى، ثم نضح بها الدجاجة قائلا: أنا أعمدك سمكة. # هذا ما حصل حين نقل الأستاذ إدوار أبو جودة من ~~مديرية الأمن العام إلى مديرية التربية الوطنية. قلت الأستاذ لأن السيد إدوار أستاذ في ~~الحقوق، أبو جودة غير غريب عن أورشليم في الأدب، إلا أنه أصبح كالمختص بالأمن ومعضلاته، ~~ومن عاش «ديكا» يطارد من يقتحم «الخراج» ويحرق ديكه ... لا يصح ms06 أن يعمد سمكة لنرضي ~~شراهتنا ... # وبعد، فلعل لهم عذرا ونحن نلوم، ولعل وجود أبو جودة في التربية الوطنية يذلل - بعد ~~نصف قرن - مصاعب كثيرة أمام الأمن العام، فمن يفتح مدرسة يغلق سجنا. # وبكلمة جدية واضحة نقول: إن «عهدنا» الجديد محتاج إلى الإخصاء، فإذا عجزنا عن إيجاد ~~المختصين، فلندع المتمرنين حيث هم. إن هذا «التعميد» غير جائز لا دينيا ولا ~~مدنيا. # 2 / 8 / 48 # | إقطاعية دستورية # غريب أمرنا! تسأل أيا كان من موظفي جمهوريتنا، من الوزير والنائب إلى الكاتب ~~والحاجب، فيجيبك: الحالة زفت ... الطاسة ضائعة ... وكل من هؤلاء يظن أنه مستثنى بإلا، فمن ~~المسئول عن هذا يا ترى؟ # والنائب المحترم - المير رئيف بللمع - الذي نجله إجلالا كبيرا، ونقدر أخلاقه وعلمه ~~وأدبه يقول - والعهدة على الراوي: ليس في لبنان ديمقراطية سياسية بالمعنى المعروف عند ~~الأمم والشعوب، بل هنالك إقطاعية سياسية مفروضة تتلبس بلباس ديمقراطي زائف هو المجلس ~~النيابي، فالشعب اللبناني المؤلف من مليون وربع لا يأتي بأكثر من 15 نائبا إلى ~~المجلس. # ويقول الراوي: إن الأمير قال: إنه منهمك الآن في تأليف كتاب عنوانه: كيف دخلت المجلس ~~وكيف خرجت منه. # لست أشك بأن سيدنا المير غير ولهان بالنيابة، وقد قرأت له تصريحات عديدة فأعجبتني ~~جدا كقروي جبلي، يريد أن يصل إلى بيته بالسلامة، ويريد أن يبل طرف لسانه بنقطة ماء ~~صالحة في طرف أيلول المبلول ... ويريد أن يمشي على ضوء، ويريد أن يتصل بالعالم تليفونيا. ~~فنحن القرويين الجبليين نرى سعادة المير نائب بيروت يفهم حاجاتنا كأنه يعيش بيننا، ~~ولذلك نشكر له الآن ما صدر منه من أقوال وننتظر الأعمال. # أما كيف دخل المجلس فتلك قصة أظن أننا نعرفها ... أما كيف خرج فقصة لا تكون حتى تكتب، ~~ولو استقال كل من يقول من النواب بتزوير الانتخاب لانحل المجلس من تلقاء نفسه؛ ~~فليعلموا إن كانوا أولئك الرجال ... ولكن كل الخلاف على «اللحاف». وشعار المعارضة عندنا - ~~الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين - قم حتى أقعد مطرحك، المعارضة سلاح الحردان ~~منا. # ولو كلفتني يا دكتوري العزيز ms07 أن أضع مقدمة لكتاب «الدخول والخروج» الذي تؤلفه لاكتفيت ~~ببيت زميلك في الطب «ابن سينا»: # دخولي باليقين كما تراه # وكل الشك في أمر الخروج # تقول: إن الشعب اللبناني يأتي بخمسة عشر نائبا من 55، وهذا أيضا فيه شك ... فلندعه ~~الآن، لقد أقمت البرهان على الإقطاعية في مجلس النواب فما رأيك بالتوظيف كله؟ # قرأت لأحمد فارس كلمة في كشف المخبأ «طبع الآستانة ص150» قال، والضمير يعود إلى ~~إنكلترا: نعم إن المراتب هنا إنما تعطى غالبا بالمحاباة أو الاستحباب لا بالاستحقاق ~~والاستيجاب، فإن الأمير إذا نوه بشخص من أقاربه ومعارفه عند ذي مرتبة وسعادة نفذت ~~كلمته عنده، ولو أن شخصا متصفا بأحسن الأخلاق ومتحليا بالعلم والفضل حاول «بنفسه» أن ~~ينال تلك الرتبة لم يلتفت إليه، إلا أن هذا الداء عام في جميع الممالك. # قلت: إلا عندنا، فلا حاجة إلى التنويه بأحد من الناس؛ لأن الوظائف تحتكرها بعض ~~القبائل والبطون، والأفخاذ. فمن بيت واحد تجد خمسة وستة من الموظفين، فأين هذه ~~الديمقراطية التي تفتش عنها في مجلس النواب يا سعادة المير؟! # كنا نسمع ونحن صبيان كلاما عن طول العمر، فيقولون أمامنا: في العيلة الفلانية من ~~يقول: يا جدي رح كلم جدك. # وفي «عهدنا» الحاضر - زاده الله صلاحا - من تستطيع أن تسأله عن نصف دزينة من ~~الموظفين فيجيبك: أخي، أخي، أخي، أخي، أخي. # أي أميري العزيز، ثق إننا ما زلنا في مثل الزمن الذي كان فيه جدودك يحكمون المتن ... ~~فلنؤخر عقرب الساعة ... بل فلنحسم مائة من تاريخنا الميلادي. # 15 / 8 / 48 # | هم هم! # وجه إلي الأستاذ حسن شقير بمناسبة يوبيلي هذه الكلمة: # يا صاحب اليوبيل: # جهاد ربع قرن في خدمة هذه الأمة وهذه اللغة وهذه الناشئة، ثائرا على ~~الاستعمار، ثائرا على التقاليد، ثائرا على التفرقة، تصنع هذا الجيل، وتطبعه ~~بالطابع الاستقلالي الاجتماعي، متحرر التفكير، رفيع الأهداف. # بالأمس كنت حربا على الاستعمار، وكان بين من يركبون كراسي اليوم ويتمتعون ~~بخبرات هذا الاستقلال، وهذه السيادة من يساير الدخيل. # ما ذنب الشعب فيمن فرض وجودهم عليه بقوة الغريب؟ ms08 # الشرق عدد 3027 # يا عزيزي ويا تلميذي، تذكر ما كنت أردده على مسمعك في الصف من آيات التاج ~~الأربع . # العدل يدوم وإن دام عمر، والظلم لا يدوم وإن دام دمر، السائل ذليل ولو أين ~~السبيل، الدين ثقيل ولو درهما. # لا تأسف على أنه كان علينا طبع الاستقلال ولغيرنا الاستغلال، فالمهم إصلاح الحال، ولا ~~تصلح الحال في الحال، فعمر الدول لا يقاس بالسنين. ~~«العروبة»، بضاعة اليوم الدارجة، كنا لها يوم كان التلفظ بها جناية، وكذلك هذا ~~الاستقلال الذي يدعي كل واحد أنه خلقه من العدم ... ليقولوا ما شاءوا، فأنتم تعلمون، ~~وعلى علمكم المعول لا على ادعاء أكثر هؤلاء الفارغ، إنكم تعلمون أننا نحن كنا نصدر ~~بضاعة العروبة في صناديق مكتوب عليها: سريعة الالتهاب. إن تلك الصناديق من لحم ودم، لا ~~حديدية ولا فولاذية كالتي يحشوها أصحابنا بالذهب والورق ولا فرق عندهم، ثم لا يحسبون ~~حسابنا بفضلة عشاهم ... # أما عرفت - يا عزيزي - تلك الصناديق؟ إنها صدور الشباب وأنت واحد منهم. # يقول المثل: إذا كذبت بعد شهودك، فالحمد لله أنكم أنتم تشهدون من تلقاء أنفسكم، وما ~~تشهدون إلا بالحق. # قال السيد المسيح عندما سئل عمن يشهد له حين ادعى أنه ابن البشر: أنا أشهد لنفسي، ~~وأبي الذي في السماء يشهد لي، وأنا أقول: أنا، علم الله، شهيد لنفسي، وتلاميذي يشهدون، ~~وما عودتهم غير قول الحق، ووقوفهم أمامي بجسارة، على رغم ما في روح الأستاذ - وخصوصا ~~إذا كان مديرا - من دكتاتورية. # لا تحزن على شيء مما تراه، ولا تحسد من يتمتعون بخيرات هذا الاستقلال، ولا تفرح ~~لخيرات كهذه ... ولا تحترم من يدير «لفته» كل ساعة مع الهوى ... # وأنا - إن حزنت على شيء - فعلى هذا الاستئثار الذي يضر «بالعهد» فالعهد لا توطد ~~أركانه بضع عشرة أسرة. العهد محتاج إلى أن يكون له في كل بيت نصير، وأن يكون له من كل ~~شاب شهيد. # تذكر يا حسن، كيف دك عرش الأمير بشير الكبير، حين أصبح أعوانه بضعة عشر نفرا. ما ~~عتم أن عرف بالمالطي بعد أن ms09 كان أبا سعدي المرهوب الحمية. # الناس يا عزيزي مع الواقف، ومتى تسنى لهم دفشه لا يقصرون. # أما أنا يا عزيزي، فعلي أن أعظ، وما وقفتي من الحوادث التي مرت على رأسي إلا كما ~~قال المتنبي في ممدوحه العظيم: # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة # ووجهك وضاح وثغرك باسم # وليس لي أن أخاطب بهذا البيت إلا شخصا أو شخصين: # إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا # من كان يألفهم في المنزل الخشن # سأظل وحدي، وما أنا وحدي إن كنتم معي. # 29 / 8 / 48 # | جبة وقميص # أصحابنا قصدوا الصبوح بسحرة # وأتى رسولهم إلي خصيصا # قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه # قلت اطبخوا لي جبة وقميصا # هذا لسان حال الأدباء عندنا، إلا إذا كان الأستاذ المنذر وقع على كنز ونحن لم ندر ~~بعد ... حكي عن أحد القسيسين أنه مر بفلاح يزرع، فرفع الفلاح يده عن محراثه ووقف فدانه، ~~وهرع إلى دورقه المعلق بإحدى الأشجار، ثم أقبل به على المحترم وركع أمامه سائلا إياه ~~بحرارة إيمان أن يصلي له لأن أرضه أجدبت. # وكان القس خبيثا خفيف الروح، فصلى بخشوع، ثم نفخ في الماء ورفع رأسه وقال، بعد ختام ~~الصلاة: رش هذا الماء يا ابني، ولكن لا تنس أن ترش قبله أو بعده سمادا ... # جميل هو هذا التكريم المتعارف، ولكنه ليس بالنقد الرائج في السوق ... فهو لا يطبخ جبة ~~وقميصا ولا يشتري رغيفا، «يوبيلات» أكثر من الهم على القلب، وما كان يوبيلي بأولها ~~ولا آخرها، فالذي أقوله يشملني ويشمل غيري. # هذا ما نقوله عن «اليوبيلات» جميعها، أما ما نقوله عن يوبيل الشيخ المنذر فهو أن ~~اللجنة تستحق أطيب الشكر، فبرئيسها الشيخ هنري الجميل، أطيب الثناء أجاد فيها الشعراء ~~والخطباء، وكان أرصنهم شعرا، شاعر الفيحاء سابا زريق لولا القافية التي بنى عليها ~~قصيدته، فهي غير مرنان. أما الخطباء فكان الشيخ سعيد تقي الدين أطرفهم وأظرفهم فتدفق ~~كالسيل من عل غير ناس كارثة فلسطين، ثم ودع المنبر بنكتة لاذعة ... وكانت قصيدة الشاعر ~~ميشال بشير رصينة، ولكنها أطول من يوم ms10 الجوع، بله إنها منشورة في ديوانه، فليته نظم ~~لمعلمه قصيدة جديدة. أما الأستاذ أبو شرف فكان أخطبهم لهجة ولو اكتفى بما رواه عن الشيخ ~~إبراهيم لكان خيرا وأبقى. # وكانت جولة الأستاذ النصولي موفقة، فكان في نثره شاعرا، بينا كان شاعر الكوخ الأخضر ~~- رياض المعلوف - ناثرا، فما وفق لا في أصالته عن نفسه ولا في نيابته عن والده ... كأنه ~~أراد أن يبز والده الجليل في مدح «العم» فمشى معه مشيا وئيدا. أما الخطباء الذين لم ~~يحضروا، فكانوا أبلغ من حكى في هذا المهرجان ... # بقي صاحب الشعر الذي غنت به دنيا العروبة، أراد أن يتظرف فكان ثقيلا حين ذكر الشيخ ~~إبراهيم قائلا: # هلا رجعت بنا إلى # زمن الشباب، إلى هناك ... # ثقيلة هذه الذكرى، وأثقل منها ابتسامة شاعرنا المصفرة التي عقبتها. # إن هذا الشاعر لا ينسانا أبدا، لا هو ولا غلمانه فقال بلسان أحدهم: # أوفى علي معاتبا: # ماذا جنيت على عداك # نشطوا ولم تحفل فلم # تبلغ سماؤهم ثراك # ومن أين لنا بلوغ ثرى مولانا وهو في سماء ما طاولتها سماء؟! أما وفاء بشارة لمن ~~أحسنوا ويحسنون إليه فهو لا يحتاج إلى بيان، وقد عبر عنه هذه المرة ببيت واحد فقط حين ~~أطرى نزاهة الشيخ إبراهيم: # وسواك ينعم بالقصور # وكان تحتك أو وراك # وبعد، فإنني أرى أكثر خطباء هذه الحفلات الأدبية ينهجون نهج النوائح في المآتم، يندبن ~~من لهن، ويتفجعن عليه وهن فوق رأس غيره. إن هذا «العهد» لا يتأخر عن دعوة، ويجود بما ~~يملك من تقدير للأدباء، فليس من التهذيب ولا اللياقة أن تغمز قناة رجاله في محفل تحت ~~رئاستهم، فمثل هذه المقامات يجب أن تتنزه عن الغمز واللمز. # أما المحتفي به فما أعد - كعادته - كلمة طيبة، بل كان كعادته كريما جدا بالألقاب ~~الأدبية. كان «يشقلب» وريقات على المنبر، وكان كالخوري حين يعدد - يذكر - الذين قدم ~~ذبيحته من أجلهم، فما نسي أحدا حتى ذكر أن آل تقي الدين الذين كانوا يساعدونه في ~~الانتخابات بدون «بدل» ... ومتى كانت الانتخابات ببدل يا شيخ ...؟! # نتمنى لصديقنا ms11 الشيخ أن يعيش ما لبقت الحياة به فهو أحد أولئك اللبنانيين ~~الطيبين. # 5 / 9 / 48 # | في ذلك الزمان # كان جورج بك زوين ابن الحرية الحديثة البكر، فقاتلنا حوله وربحنا المعركة. إن الرجل ~~ما انفك شديد المراس، ما عرف أنفه الخزامة في جميع أطواره، ولا يزال قويا. انتخب ~~عضوا عن قضاء كسروان في مجلس الإدارة على عهد مظفر باشا، رغم معارضة البطركية وتأييدها ~~للشيخ يوسف حبيش، ففرض زوين إرادته على المنطقة واعشوشبت طريق بكركي، ثم كانت مشادة بين ~~زوين وبين قائمقام كسروان أعرف أنا ويعرف زوين أسبابها، فانتهت بنقل القائمقام واستقرار ~~جورج بك على كرسي القائمقامية مدة بالنيابة، فكان نائبا وقائمقاما في وقت ~~واحد. # ألا ترى - كما أرى - أن اليوم صورة الأمس؟ وأن الشاعر صادق فيما قال: # إن اختفى ما في الزمان الآتي # فقس على الماضي من الأوقات # وفي غضون قائمقامية جورج بك بالنيابة جاءه خوري رعية من بلاد جبيل يشكو تأخر رعيته عن ~~تأدية «المعلوم» المفروض منهم عليهم، فتحير القائمقام، بل قل - كما يعبر الفصحاء ~~والبلغاء - أسقط في يده، ولكن جورج بك كان وما زال ممن ينفذون في المضيق، فراح يفكر بحل ~~معضلة لا نظير لها فيقيس عليه، هو لا يريد أن يرد الخوري ولا أن يغيظ الشعب، والشعب ~~عضده ونصيره. فشك غير طويل، فهبط الوحي والإلهام فأخذ «المعروض» ووقع في جبهته: مجانا ~~أخذتم مجانا أعطوا. # قرأ الخوري وفهم، وهمهم ثم طوى العريضة وأولجها في جيب يسع ميناء جونيه بسفنها ~~وقواربها، وودع وانصرف باسما شاكرا. تعجب سعادة القائمقام من رباطة جأش الخوري ~~وصموده لضربة كان يظن أنها ستنقض عليه كالصاعقة، وشكر المولى على الاستراحة ... # وبعد أيام علت الصرخة وجاء أبناء رعية الخوري يتشكون ... أخذ الخوري بعض أوان مقدسة ~~فضية وذهبية من الكنيسة وباعها وأنفق ثمنها على قضاء حوائجه، من ألبسة للعيال وخبز ~~وملح. # فجد البيك في طلب المحترم، فقدم حضرته السراي كأنه مدعو إلى حفلة كوكتيل من كيس ~~الدولة ... ما أعجب البيك اطمئنانه وخاله مكبرا رأسه متحديا سلطة صاحب السعادة، ms12 فقال ~~له فور دخوله عليه: يا محترم، أيش تركت للعوام؟! تقش كل ما في الكنيسة من أوان مقدسة ~~وتجيئني كأنك ما عملت شيئا؟! # فتضاحك الخوري وقال: يا سيدنا، كتبت لي عندما شكوتهم إليك: مجانا أخذتم مجانا ~~أعطوا، فرحت أشكو أمري إلى ربي بعد أن ظلمني العبد، فألهمني: أن أقلب الورقة ينفك ~~المشكل، فقلبتها فقرأت فيها: ابن المذبح من المذبح يعيش، وأنا ما تجاوزت المذبح. ~~- صحتين يا محترم، وماذا ينفعنا القول: من أين لك هذا؟ # 15 / 9 / 48 # | دب سان جيمس # وما سان جيمس غير مقهى في عاليه مرقص فيه جوقة أنبغ أفرادها دب عبقري، دفعتني شهرة ~~هذا الدب الطائر في دنيا الطرائف إلى تلبية دعوة زملاء وإخوان فانسقت إلى ذلك النادي، ~~ما كان وكدي غير الدب ولكني أصبت عصفورين بحجر واحد وشهدت رقص حوريات، فاستحالت ليلتي ~~النابغية إلى ليلة وليدية هارونية، فتذكرت طيش الشباب حين شممت روائح الجنة في ~~الشباب. # طال انتظاري خطيب الحفلة - الدب - فإذا به آخر من يبرز كما هو المعتاد في حفلاتنا ~~... # قد أكون وحدي ممن ينتظر الدب ويمر بالرقص والراقصات مر الكرام، لا يعنيني ما يكشفن من ~~عورات وأرداف وإليات، ولا تستهويني رشاقة وليونة كانت تبديها إحداهن فتؤكد صحة قول ~~الشاعر: # كأن عظامها من خيزران # وأخيرا جاء الدب - دب عظيم - بل دب وكفى. قيل لي: إنه دب غربي، ولكنني ما رأيت فيه ~~غير سحنة أدبابنا، لم أر منه أعجب مما أراه منهم إلا أنه يحسن ركوب الزفزافة - ~~الموتوسيكل - ويدور عليها في المرقص دورات، ويعمل أعمالا تدل على أنه ربيب حضارة، ~~والحيوان كالإنسان ابن المربي ... # لا فرق بينه وبين أدبابنا إلا أنه مسرح الشعر، مهفهف نظيف، يأكل الدربس والشوكولاتا ~~... أما الذكاء فواحد، لا يتفوق صاحبنا إلا بثقافة غربية، ويقعد على الكرسي ... بينما ثقافة ~~مواطنينا بلدية ... ويقعون على الثرى. # كان هذا الدب - كلما لعب دورا - يسرع إلى الكرسي المنصوب له في صدر القاعة فيهرع ~~إليه بعظمة، ويقعد بأبهة الموظف الحديث العهد. إن أبهة هذا الدب تجعل الرجل يحترم ms13 ~~الذكاء والمقدرة، وتذكره ما جاء في المثل لا يخلو رأس من حكمة. فهذا الدب الجليل يحب ~~«الكرسي» ويؤثر الجلوس عليها فيدفع نفسه دفعا ليصل إليها، أما إذا دعي إلى النهوض عنها ~~وتركها فكأنه يقتلع اقتلاعا. # الله الله! الكرسي محبوب حتى من الدب. # وخير ما في هذا الدب أنه كما قال شاعرنا أيضا: # على جنبات الدست منه مهابة # أي إنه يملأ كرسيه أيما إملاء، بينا الكثيرون من البشر يغرقون في «كراسيهم» فلا يبين ~~لأعين الناظرين إليهم غير آذانهم ... ومع ذلك فإنهم لا ينقلعون منها إلا كما يقلع الضرس ~~المسوس ... # 29 / 9 / 48 # | ذنب وأذناب # كتبت جريدة «كل شيء» في عددها الأسبق ما يلي: لا تفتأ الطبيعة تحاول أن تهين كبرياء ~~الإنسان، فتأتي إلى هذا العالم، بعد الحين والحين بأطفال ذوي أذناب. # ذكرتني هذه الكلمة بحكاية السلطان عبد الحميد مع فؤاد باشا المعروف «بالدالي فؤاد» أي ~~فؤاد المجنون. # كان السلطان يعجب بشعوذات يعملها أمامه أقرب أخصائه إليه. ففي ليلة سمر سلطانية أتى ~~هذا المقرب بشعوذة غريبة إذ بلع السيف أمام السلطان، فاستغرب جلالته ذلك جدا، وما ~~أصبح حتى قص الخبر على وزيره فؤاد باشا فقال له: فلان أفندي بلع السيف. # فضحك فؤاد باشا وقال لمولاه السلطان: لا تتعجب يا مولاي فوزير الحربية بلع الدارعة ~~... # فغضب السلطان؛ لأن الوزير الذي بلع الدارعة كان أطول أذناب جلالته ... وضرب وزيره على ~~رأسه كفا بعج طربوشه. وثاني يوم كان فؤاد في درب المنفى إلى دمشق، وظل هناك حتى خلع ~~السلطان ... ولما احتفلنا بفك أسره سنة 1908 كان يلبس ذلك الطربوش الأثري مبعوجا ~~... # استغربت «كل شيء» من ولادة طفل في لندن له ذنب طوله بوصتان، فيا ليت شعري ألا ترى ~~صديقتنا «كل شيء» أن الأذناب عندنا لا تحصى؟! إنها تحتل الساحات والمنتديات والسرايات ~~وكل مكان. # ألا ترى أن في دنيانا رجالا لهم ألف ذنب وذنب ... يزاحمون الرءوس في كل مكان حتى لا ~~تجد هذه فسحة تلطي بها متقية تلك الأذناب؟ # تعودنا في العهود التركية أن نرى للرجل ms14 ذنبا واحدا، أما اليوم فأصبحنا نرى مئات ~~الأذناب، وهي سنة تخالف حتى النواميس الطبيعية والوهمية، يقولون: حية برأسين، وما ~~قالوا حية بذنبين ... # وقالت «كل شيء»: إن مثل ذنب هذا الطفل يقطع قبل أن يبلغ الشهر السادس من عمره، وعندنا ~~بدلا من أن تقطع الأذناب فإنها كالجرادة تفقص ألفا ومية وتقول: يا قلة الذرية ... ~~حتى صارت الأذناب حولنا وحوالينا، وما يضايقنا غير هذه الأذناب. # كان العهد بالناس في الماضي أنهم يفتخرون بالرءوس، أما اليوم فصار الفخر الأعظم ~~بالأذناب، فكلما كثرت أذناب الزعيم جل شأنه وزادت قيمته، وهكذا ضاعت القيم. # والأغرب من هذا: أن ترى للأذناب أذنابا طويلة، أطول من ذنب ذئب البحتري ... تسد عليك ~~منافذ الطاقات ومنفرجات السبل، فلا تدري كيف تهرب من دربها حتى أصبحت خطرا على كل عابر ~~سبيل، وكل هذه الأذناب تردد مع الجرادة قول الشاعر: # إنا على سفر لا بد من زاد # مع أن زادهم من معجن الدولة، وأجربة المتزعمين الذين يغترون بخبطهم وخلطهم. # ألهم اللهم، كل مسئول منا أن يعمل كما يعملون في مستشفى لندن، ويقطع أذنابه، وما ~~عليه لو بقي بذنب واحد، ففي الحيوانات وحيد القرن ... # 10 / 10 / 48 # | 1950 # | أوراق خريف # - لماذا سميت كلماتك أوراق خريف؟ ~~- احزر. # هذا ما سألنيه أحد أصحابي بعدما قرأ كلمتي الأولى في «المكشوف» اليومي، ولما أجبته: ~~احزر، صاح كأنه اكتشف القنبلة الهيدروجينية: أظن أنك أخذته عن فيكتور هيغو. # فقلت: ما حزرت يا صاحب، فهز كتفيه ودلى شفته السفلى حتى خفت أن تقع ... وحاولت أن ~~أستثير فضوله بسكوتي، ولكنه كان أصبر مني على الصمت، فتراجعت عن حصن صبره المنيع، ثم ~~تضاحكت وقلت: احزر، فرد بامتعاض اليائس وهزة كتف. # فقلت: ما لك تتأله لتتحدث عن أتفه الأمور؟! سميت كلماتي أوراق خريف لأنها كورق ~~الخريف تذهب. ويا ليت فيها ما في تلك من خير، تلك ربما سدت فراغا في بطن حيوان، أما ~~هذه فلا تغذي من كانوا موتى الوجدان. هاتيك تستحيل سمادا يغذي التربة أما هذه فما تقع ~~إلا على صخور ... صارت ms15 القلوب حجارة يا أخي مات الزمن الذي كانوا يقولون فيه: # جراحات السنان لها التئام # ولا يلتام ما جرح اللسان # قال زياد: كذبة المنبر بلقاء، فما قولك فيما نسمع اليوم من إخوان ابن أبيه؟! يكذبون ~~على الله وعبيده ولا يبالون. صار الكلام شر السلاح، وجلود التماسيح لم يعد يؤثر بها ~~غير المسلات ... فلولا يستعيض بها الكاتب عن قلمه لكان أوفر احتراما. # شغل كلام الناس بال يسوع الجليلي فسأل تلميذه: من يقول الناس إني أنا؟ ولما أنبأه ~~تلميذه المتحمس أنه هو المسيح ابن الله الحي، مشى السيد إلى الجلجلة بقدم ثابتة. # ألا ترى أن الذي تعتقد مئات الملايين من البشر أنه الله متجسدا كان يحسب حسابا ~~لكلام الناس؟ وأما نحن فصرنا لا يعنينا ما يقوله الناس فينا. ~~«ماشي الحال ... لا جمل ولا جمال» هذا شعارنا، إذا امتلأ الصندوق والجيب فلا عار ولا ~~عيب. # أأدركت الآن لماذا أكتب تحت عنوان «أوراق خريف»؟ # فانتفض محدثي وقال: ما زلت تعرف أنك تنفخ في رماد، فلماذا تكلف نفسك؟! # فقلت: ما قولك في اتباع نهج أبي تمام؟ # فقال: وكيف؟ # قلت: قال أبو تمام: والحرب مشتقة المعنى من الحرب، فلتكن أوراق خريف مشتقة من ~~الخرف ... # فقهقه وقال: عال، عال، عال. # فقلت: على الله شأنك، أنا ضمنت لك «مجنونا يحكي»، فهل تضمن لي أنت «عاقلا يفهم» ~~ليصح في وفي أصحابك هذا المثل؟ # 7 / 4 / 50 # | ضمائر جديدة # خلق كشافي، وروح رياضي، ومبدأ أونسكي، وأخيرا ضمير روتاري، أثواب مختلفة الأسماء ~~والطراز، ولكنها مقطوعة من قماش واحد. # جميلة جدا هذه المبادئ، ولكني أنا متشائم جدا جدا ... فلا أؤمن بنتائجها؛ لأنها ~~في نظري من باب اقرأ تفرح، جرب تحزن. # إنها تذكرني بدون كيشوت ورفيقه سانشا بانشا المؤمنين برفعة الفروسية ونبلها ... هذا إذا ~~لم أقل إنها تذكرني بحكاية الأعرابي وهره. مس أعرابيا الضر فلم ير عنده شيئا ~~يبيعه غير الهر فحمله إلى السوق. # فقال له أول راغب: أتبيع هذا الهر بدرهم؟ فضحك الأعرابي ومشى. فقال له ثان: يا ~~أعرابي، بكم هذا السنور؟ أتبيعه ms16 بنصف درهم؟ وما تزحزح من مكانه خطوات حتى قال له ~~ثالث: أتعطي هذا القط بقيراط؟ # فغضب الأعرابي، وضرب ببسه الأرض قائلا له: ما أكثر أسماءك، وأقل ثمنك! # لا أدري إذا كان يصح هذا في ما يطلع علينا من مبادئ جديدة لتهذيب البشرية. جميلة ~~جدا هذه المبادئ ولكن تطبيقها أجمل منها. # أشهد أني لم أفهم ما هو «الروتاري» لولا قراءة بعض الخطب. فهمت من إحداها أن الروتاري ~~يخاف «أن يطغى على عالم الأعمال نزعة إلى الربح دون التقيد بالقواعد الفاضلة، وتوخي ~~السرعة والسهولة في الإثراء على حساب الأخلاق» ولذلك أنشئوا ما عبر عنه السيد جان فتال ~~بالضمير الروتاري لمقاومة ذلك. # ثم قرأت كلمة أخرى مآلها أن الروتاري يرمي إلى «محو عدم الثقة الذي يباعد بين المخدوم ~~والموظف، وإلى أن يوحي إلى «العمال» شعورا عميقا بأنهم ليسوا غرباء عن المهمة التي ~~يقومون بها، وأن لهم في كل مشروع دورهم وفائدتهم.» # قرأت هذا ورحت أسائل نفسي: ألا يطبق هذا عندنا؟ وبعد ما استعرضت صور كثيرين وجدت أن ~~هذه المساواة عندنا فاضلة على الكفاية. # رأيت الكثيرين من «صغار العمال» - بله الكبار - غارقين إلى آذانهم في أموال الدولة، ~~وهم يشعرون شعورا ليس عميقا فقط، بل من أعمق الأعماق، إنهم ليسوا غرباء عن المهمة ~~التي يقومون بها، وإن لهم في كل مشروع دورهم وفائدتهم ... فقلت في نفسي: وما حاجتنا إذن ~~إلى هذه المبادئ الروتارية ما زالت تطبق عندنا «رسميا» ... إننا أحوج إلى روتاري من نوع ~~آخر. إلى روتاري يفهم هؤلاء أن يقللوا من «الخوش بوش» بينهم وبين صناديق الدولة. # ألا يوجد إثراء عاجل على حساب الأخلاق إلا في التجارة! # مساكين التجار، قد يخسرون كل شيء حتى رأس المال، أما من كانت «أيديهم» رأس مالهم فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون. # 4 / 5 / 50 # | ديش باره سي # إذا كنت من الذين يعومون على وجه «الجراب» فإني لست منك ولست مني، تعمق ولا تكن ~~سطحيا فليس على الوجه غير الخبز اليابس. # من جراب اليوم حديث جرى - في ذلك ms17 الزمان - مع بيك سطمبولي أصيل، كتب على صلعته ~~الواسعة «ضرب في القسطنطينية» كلفه اللقب والنيشان والرتبة الأولى المتمايزة نصف ~~ثروته الضخمة، فرحل في سبيل ذلك، الرحلتين، رحلة الشتاء ورحلة الصيف. # كان يلذ لي حديث سعادته لما شيخ، فكنت أسهر عنده كلما استطعت ، وكان يعجبني منه رد ~~التحية فيقع في قلبي بردا وسلاما، والتفت بمن لم يكن دار على لسانهم - بعد - لقبي ~~الطازه لفتة معناها: سمعتم! تعلموا الذوق من صاحب الرتبة المتمايزة، فهو لا ينسى اللقب ~~مثلكم. # تلك أيام يرحمها الله، كنت فيها حديث النعمة وكان البيك بروتوكوليا من الطراز ~~الأول، كان - رحم الله عظامه - جميل الوجه، طلق المحيا واللسان، عرك السياسة وعركته، ~~يهندم لحيته التي أطلق سبيلها بعد اللقب والرتبة على النسق التركي فتخاله صدرا أعظم أو ~~وزيرا على الأقل. تخلع هامته الضخمة على محضره الأبهة والوقار فتندلق المهابة حوله ~~وحواليه. أما حنجرته فعريضة وصوته جهوري لا بحة فيه مثل صوتي، فإذا ما سمعته قبل أن ~~تراه تحسبه لصفاء صوته ببغاء تتكلم. # واجتمعنا مرة في أجر - مأتم في اللغة الفصحى - فهرعت إلى حضرة البيك حيث كان يشرب ~~القهوة بعد الغداء والدفن، تلك عادة مقاطعتنا ولا تزال، فرحب بي ترحيبا جميلا - أي لم ~~ينس اللقب - وبعد التأهيل ابتسم وقال: اشتقت إلى حكايات سطمبول؟ سماع، عندي اليوم واحدة ~~تعجبك، تذكرتها عندما رأيت «المغلفات» توزع على المحترمين بعد الغداء. # قلت: أفندم! فكركر في الضحك، وقال: هذي كل بضاعتك من التركية. كان من تقاليد الصدور ~~العظام والنظار - الوزراء - أن يدعوا مشايخ الآستانة العلية إلى إفطار في رمضان، ~~فيركضوا إليها ركضا، ويقوموا بالواجب بهمة ونشاط، وعند الانصراف كان يدس الوزير في كف ~~كل شيخ منهم إصبعا من الليرات الذهبية قائلا له: ديش باره سي، فيخرج من عنده شاكرا ~~حامدا، ويبيت ليلته يبصر في نومه وزير الغد، موسم ينتظرونه من الحول إلى الحول. # ولما رآني لم أتحرك قال: ما فهمت معنى الديش باره سي، هذا تعبير تركي معناه: أجرة ~~الأسنان، أرأيت «نزاكة» الأتراك؟ ولكن قل لي ms18 بحياتك: كم الذين قبضوا أجرة أسنانهم اليوم ~~من تركة المرحوم؟ # وكان حدي في المجلس واحد من رفقاء المدرسة وهو ممن حلت عليهم النعمة ولم تبارحهم ~~مثلي، فكان ممن قبضوا أجرة الأسنان، فقال له البيك: لا تؤاخذنا يا محترم، هذي نكتة ~~... # ومات البيك ومرت سنون وإذا بي - منذ أيام - التقي بالرفيق فأنكرته لجلال الشيب ~~والهرم، أما هو فعرفني وأخذنا نتذاكر أيام الصبا والشباب، وتذكرنا البيك والديش باره ~~سي، فقال لي رفيقي الكاهن الجليل - وهو ينظر إلي نظرة المريض إلى وجوه العود: ترى ~~لو قام البيك اليوم من قبره ورأى كيف تؤكل صناديق الدولة ماذا كان يقول؟ # قلت: كان يقول: أنياب: أنياب باره سي ... # 25 / 11 / 50 # | بارازيت # في مأتم - ببلاد جبيل - تجمع أكابر «القوالين» ليعددوا ميتا وجيها في قومه، ~~ولسوء حظ أهل الفقيد جاءوهم برز بينه وبين السمن ما بين القيسي واليمني ... فكفوا ~~أيديهم عنه ونسوا الفقيد الكريم وقاموا يندبون «الغدا» فكانت الردة - اللازمة: # والسمنات باللقلوق # والرزات عالمينا # وبين اللقلوق ومينا جبيل مسافة كان لا يقطعها «أوتو جدي» بأقل من تسع ساعات. # أليس هذا ما ينطبق على حالتنا اليوم؟ فالقدر تغلي على النار، الماء يفور حتى يكاد ~~يطير الغطاء، أما الطابخون فما أعدوا - بعد - لا لحما، ولا رزا، ولا سمنا، ولا ~~توابل، كلما أعد: مجلس مزور، مجلس 25 آيار. # هذي هي البرامج، وهذي هي المناهج! طبخة «بحص» لها على النار أربع سنوات إلا. # شيء مضى وراح، أفلا يحق لنا أن نتساءل اليوم: ترى أكل هذا المجلس هو كما قال النبي ~~داود عن نفسه: بالآثام حبل بي، وبالخطايا ولدتني أمي! أليس فيه رجال ذوو كفاءات وجدارة، ~~فلماذا نصوب على الجميع مدافعنا الرشاشة؟ لماذا وجدت أدوات الاستثناء؟ وفي أي بلد من ~~بلاد الله ينزل المجلس كله من السماء بقفة! # وأغرب ما في أمر هذا المجلس أنك تسمع مثل هذا الطعن فيه من أفواه النواب أنفسهم، ~~ويكون ذاك الطاعن مطعونا وهو يحسب أنه «خلاه ذم» كما قال المهلهل لأخيه كليب. فإذا كنا ~~ننتظر أن ms19 يذهب هؤلاء جميعهم أو نصفهم نكون قصيري النظر، إنا للمجلس وإنا إليه راجعون. ~~هذا لسان أكثرهم، وأخاله الواقع، فعلى من نووا خدمة الوطن خدمة نصوحا، لوجه الله ~~الكريم، أن يأتوا الأمور من أبوابها، أي أن يرونا وجهوهم على ضوء البرامج، فكلمة 25 ~~آيار باخت، صارت سلاحا صدئا لا يصلح للنضال في المعركة العتيدة الطاحنة. # يا ليت شعري! ماذا ننتظر من مجلس عاش عمره الكامل وما سمع قط كلمة تشجيع، حتى ولا حين ~~رد مشروع «احتكار البحر»، ما سمع غير ذلك النعت محسنا ومسيئا، وهكذا سلق ~~القمح. # نحن قوم آفتنا التعميم، إذا أساء إلينا رجل من قرية سببنا القرية كلها، وقلنا: ضيعة ~~ما فيها آدمي. وما أظن أن ضيعة تخلو من الأوادم. عندما شهدت أول عرس عدت أقول لوالدي: ~~الضيعة كلها عند العريس، والبيت محشوك ... فأجابني من فوره: أنت صبي خراط؛ كيف تكون ~~الضيعة كلها عند العريس، وهذا جدك - وهو الذي يكلله - ما زال يصلي على المصطبة؟! ~~وعمومتك وأولادهم وحريمهم، وأخوالك وجيراننا من نسوان ورجال كلهم في بيوتهم! # ودخل الناطور في تلك اللحظة فقال: أبو فارس، أهلا وسهلا، والتفت صوبي وقال لي ~~مشيرا إليه: وهذا عمك طنوس والعصا والجفت والكلب قدام عينك، فكيف تكون الضيعة كلها عند ~~العريس؟! # قلت: طيب، نصفها. # فغاظته مماحكتي فقال بنزق: تقلع، قلت لك، وأشار بمدراه، فتراجعت وناب عني المسند في ~~استقبال كفه المفلطحة. # هذا نموذج من المبالغات التي نشأنا عليها فتعودناها حتى صارت سلاحنا في كل جبهة، ~~وإنني أخاطر - منذ الآن - من يخاطرني على أن مجلس نيسان القادم - إن كان الانتخاب في ~~نيسان - سيقال فيه ما قيل في هذا. فالذي يندحر سوف يقول: مجلس مزور ... والذي يفوز سيقول ~~كذلك إذا فاز معه من لا يريد له الفوز، وهكذا يعاد «الموال» التقليدي ... # إن أكثر المرشحين الخاسرين أشبه بالمقصرين في دروسهم، فالتلاميذ الراسبون في الامتحان ~~يلقون التبعة على المصححين والأسئلة، والمرشحون الخائبون يلقونها على الصندوقة الحبلى ~~بلا دنس! # ما هذا عراكا، إن هذا إلا «بارازيت» يشوش ~~ويعكر ويزعج، ms20 ولكنه لا يعوق الإذاعة ... # 1 / 12 / 50 # | لله درها # تلك بقرتنا «عبيدة»، فابنها «الأزهر» أخي الرضعي، فلا تتعجب إذا ما قلت لك إن بيني ~~وبين البقر قرابة ... والأستاذ - إن صح قول الشاعر - هو الأب المفضل لتلميذه؛ لأنه مربي ~~الروح، والروح جوهر! وإذا صح قول من قال: إن محبة الآباء تتصل مع البنين، عرفت لماذا ~~صار ابني الروحي «علي سعد» طبيبا للبقر، بعد أن أجيز ليكون «محاميا» عن البشر. سوف ~~تأتيك قصة هذا التلميذ الطاهر، فاسمع قبل قصة معلمه. # إن حكاية هذه القرابة البقرية عريقة في القدم، يبتدئ تاريخها بعد ميلادي السعيد ~~بثلاثة أيام. انقطع رزقي من يوم ولدت، فالمرحومة والدتي كانت غير حلوبة، ولو لم أكن ~~طويل العمر رحت ضحية عناد والدي، لم يكن في الضيعة كلها غير مرضعة واحدة، والوالد لا ~~يرضعني حليبها لأسباب مات ولم يصرح بها ... وبعد ائتمار يومين فضت المشكلة بقرتنا ~~«عبيدة» فكانت مرضعي لله در درها ... وهكذا صرت وابنها الأزهر رضيعي لبان، كما كان الندى ~~والمحلق عند الحطيئة. # وتوثقت عرى القرابة بيني وبين البقر، ولكن مصيبة جديدة مدت أذنيها في صبيحة حياتي ~~فبعدت الشقة بيني وبين المثلث الرحمات جدي الخوري، كان يتلني صغيرا، ولما كبرت وعسيت ~~صرت أركب رأسي ولا أبالي به، فيحمى علي ويقعد، يؤصلني ويفصلني قائلا: راضع حليب البقر ~~كيف يكون! مخ فج، رأس يابس لا يتكسر بالقدوم، متى عرد رح من الدرب ثم لا يسكت حتى ~~يفرغ ما في جرابه من تلك «الألفاظ الكتابية». # ويشاء القدر ومشيئته كائنة لا محالة، فأصير حجر شحذ، ويكون من تلاميذي الدكتور علي ~~سعد. واغتظت مرة من الصف فقلت: اكتبوا موضوع إنشاء: قال الغزالي: رعاية البقر خير من ~~سياسة البشر. # تمرمر الصف، وكان علي سعد من أقرب التلاميذ مني مقعدا فطفق يبربر ويكتب ... كان قزما ~~يوم ذلك، جسديا، ولكنه كان جبارا، عقليا، فبيض وجهي عام جاءونا بلجنة فاحصة شامية ~~لامتحان البكالوريا فكانت الأولية له، كنت أرجو أن يكون الأديب الأول، وكثيرا ما كنت ~~أردد، عندما يذكر: هذا ms21 تلميذ يرفع الرأس. ولما زارني مودعا وأخبرني بعدوله عن المحاماة ~~واعتزامه درس الطب البيطري قلت له: هيء يا علي، بدلت الرءوس بالأذناب ... هذا عمل ~~«الموجه الأعظم» الذي حكى عنه الأستاذ نعيمة، لا حول ولا قوة إلا بالله. # ومنذ مدة التقيت بذاك القزم فإذا به قد اخشوشن واستطال، فحوطته باسم الله من الجهات ~~الأربع، وقلت يخزي العين! وأين أنت اليوم؟ # فأجاب بابتسامته التقليدية: في الزريبة، أحقق كلمة الغزالي، فأجبته بالمثل العامي: ~~وإن كان هلغزلي غزلتك حرير بدك تلبسي، فأجابني: حسب التلميذ أن يكون مثل معلمه. # ومنذ أسبوعين أو أكثر قرأت أن الدكتور علي مسافر إلى هولندة لجلب رأسين ثلاثة من ~~البقر لتكون نواة لتحسين نسل القرايب. # فيا تلميذي عليا، ما أظن أنك نسيت - كالبعض - كم كنت أرعاك وأراعيك، وكأني بك ~~مسخر من «الموجه الأعظم» لتسدد ما على معلمك من دين لذات القرنين، أفلا تكافيني أيضا ~~بتحقيق أمنية؟ # إننا - يا عزيزي - في حاجة إلى تحسين نسل آخر، فبحياتك، مر بالرجعة على قبرص ... فأكثر ~~حميرنا صارت بلدية ... # 8 / 12 / 50 # | دبان # وخلا الذباب بها فليس ببارح ... رحم الله عنترة العبسي. أما بدأنا نسمع ذبان ~~الانتخابات يدندن في الأجواء؟ ألا تراه كيف يتحلق أكاليل غار حول أبواب الزعماء؟ جاء ~~موسمهم، فانظر إليهم متنقلين من باب إلى باب، إن العز في النقل ... إنهم يفتشون عن قصعات ~~يقعون عليها، وقديما قالوا: الذبان يعرف ذقن اللبان ... يخادعون المرشح وهو خادعهم، ~~يسومون الناس كما تسام الغنم والبقر، وكل ذبانة من هذا الذبان الأزرق تزعم أنها تقود ~~عسكرا جرارا. # أما الناخب فغدا أو بعد غد ميلاده، يحبل به خمسة وأربعين شهرا، ثم لا يعيش إلا ~~ثلاثة أشهر، يلفظ الفقيد الغالي أنفاسه الطاهرة في الساعة الرابعة بعد ظهر يوم ~~الاقتراع. ينتهي عمره ساعة يولج أصبعه في ذاك الشق ... شق الصندوقة، وعندها يلفظ الروح، ~~كأنه النحلة تلسع وتموت. # يجاء به راكبا، ويرجع راجلا، إنه الخاسر في الحالين، أما هؤلاء الذبان فمضمون ~~ربحهم، يأكلون حلاوته وأمه تقبره ... # غدا تتفتح الأبواب الدهرية، وترتفع ms22 القيم الإنسانية ويغلي سعر بني آدم إلى حين، يوم ~~يستوي فيه الجبار وسائق الحمار. # الصوت، صوت، فلتحي الديمقراطية! # زارني مرشح أديب على عهد «المندوبين» - والمندوب كانت تنتخبه القرى ليبيعها في مركز ~~المحافظة - فأقبل الأهالي مسلمين، فكان يصافحهم وعينه تائهة، يريد أن يعرف أيهم هو ~~المندوب، فلما تصافحا يدا بيد قلت مازحا: # إذا عدت رجال العصر يوما ~~«فهذا» واحد بمقام ألف # فصاح بلهفة: رحم الله اليازجي، ثم شد على يد المندوب بكلابتيه، ثم كانت أحاديث ~~احترام، فغرام، فهيام، كذبها شهر الدبس ... # غدا تفتح أبواب المرشحين أشداقها، وتسيب المطابخ والمعاجن ... فلا يجاب الطارق: البيك ~~ضهر ولا في الجبل، أهلا وسهلا، تفضل ... ما عليك حاجب ولا بواب ... # وتدوم هذه الحال إلى يوم الاحتضار والحشرجة، والموعد الساعة الرابعة، فينعى الناخب، ~~ويغيب البيك، ويختفي وجه الأفندي ويضيق صدر الزعيم، فلا يعود يظفر «بالمواجهة» إلا من ~~صلت له أمه ليلة القدر ... # يا أخي، يا صاحب الصوت، انتبه، انتق نائبك على عقلك، إن كان لك عقل. # كش الذبان ... إذا شئت أن تنام نوما هنيئا. # 15 / 12 / 50 # | فطور ميلادي # كان الميلاد عيد صلاة وخشوع يوم كانت القناديل السود تضيء عتمة الكنيسة بمقدار، فترسم ~~على جدرانها الشهباء أشباحا يستيقظ الوجدان حين يراها. كان الميلاد يوم تجديد النفوس ~~للأجداد، فصار عيد لعب للأحفاد ... ومذبحة دجاج عالمية. # وكنا في المدرسة ننتظر ذاك الفطور من الحول إلى الحول، فنصلي بحرارة إيمان تكاد تصور ~~لنا الديوك تكرج في صحن الهيكل، نرتل جميعا بصوت واحد: المجد لله في العلا، وعلى الأرض ~~السلام. وكان صوت رفيقي عبد الله يقدح السقف، فما انتهينا من تنغيم «وعلى الأرض السلام» ~~بكل ما فيها من تعويج، حتى ملت عليه وألقيت في أذنه: وعلى المائدة ديوك ومدام ... # فصرخ بي: سد بوزك، قالها وصوب رأسه نحوي كأنه يريد أن ينطحني، فاستكنت وأنا منه على ~~مضض، وقلت أسترضيه خوف الفضيحة: كانت تعجبك النكتة! فنب وكاد يأكلني بعينيه وقاطعني ~~قائلا: في الكنيسة يا كذا وكذا! # وخرجنا بعد الظهر للتنزه، فتحرشت به، وقلت ms23 له: الظاهر إنك عزمت على الكهنوت. # فأجاب: ومن أين عرفت؟ قلت: من غيرتك وهجمتك، نسيت؟ # قال: هذا واجب، يا ويلك من الله! # قلت: ربما أهتدي - في المستقبل - إذا ذكرتني في قداسك. ظنها الجد فتنفش وقال: ~~بيفرجها الله ... # وما قلت: ولكن ... حتى انتصبت أذناه، وأخذ حذره وقال: ولكن إيش؟ # قلت: ولكن لا يصح القداس بدون حضور المسيح . # فقال بنزق: ومن قال لك إنه لا يحضر؟! # فقلت: وجهك الحلو ... وهربت. وقعد هو يسبني ويشتمني. # ومرت سنون وكانت الحرب الأولى، فصادف أن بت ليلة العيد في ضيعة رفيقي الذي صار الخوري ~~عبد الله، فعزم علي حتى أفطر عنده، فقبلت وقلت في قلبي: ما أسرع ما تمحي إساءات ~~المدرسة، فيلتقي الرفيقان وكأن لم يكن شيء مما كان. وما دخلنا البيت حتى قال كالعاتب ~~المؤنب: ما سمعت القداس. # فسكت، فهز برأسه وقال: الطبخة الطيبة تعرف من العصر. ما تظن أني نسيتك، قلت: ولا ~~أنا. # جئتني داعيا أو واعظا؟ فقال: وصيادا أيضا، أخاطر بالطعم حتى أصطاد السمكة، فقلت: ~~أبشر، لقيت من يأكل الطعم و... فصاح: أوف! وأبدى إشارة من يسد أذنيه، ولكن الضربة لمن سبق ~~... # كانت شيخة السفرة - الدجاجة - محشوة بالبرغل، وكذلك الشوربا، وليس الذنب ذنب رفيقي ~~الخوري عبد الله، فالرز اختفت آثاره في تلك الحرب، والسعيد من كان عنده برغل، ولكن خبز ~~الخوري كان من الشعير، فوقف يصلي ويسارقني النظر، ولما رآني لم أحرك ساكنا قعد مغيظا ~~محنقا، وقال كالهازل: صلب على الأقل، اذكر اسم الله حتى نعرف أنك بشري ... # فأجبته: الله أجل من أن يذكر على هذا الخبز، هات ملاعق ... # فصرخ كمن لدغته أفعى: ملاعق يا صبي ... أكل الطعم ... ألف صحة وعافية. # 24 / 12 / 50 # | صباحية الناخب # من حقك أن تقول لي: وأين صباحيتي! ففي غرة العام الجديد يتهادى المحبون، ومن أحب ~~إلى الكاتب من قرائه - إذا كان له قراء أذكياء مثلك - أما أنا يا صاحبي فكما قال ~~المتنبي: # لا خيل عندك تهديها ولا مال # فليسعد النطق إن لم تسعد الحال # فإذا كنت ترضاها ms24 صباحية حكي فيا مرحبا بك، وخصوصا في سنة هي سنة حكي، أليست سنة ~~انتخابات! فكم من حكي ستسمع. ستدخر في شهرين مئونة أربع سنوات، إذن أنت قادم على خير ~~وافر من الكلام الأفيوني، وها أنا أهنئك منذ الآن: سنة مباركة ورزق جديد ... ~~- إن شاء الله ... # قلت لك: إن هديتي حكي، وقد يستحيل الحكي مالا، كما يستحيل الناس نوابا، والنواب ~~وزراء، ولا عجب فللكيمياء فعل عجيب ... فاسمع إذن: # غدا تمس الحاجة إلى «الزلم» فلا تخفف رأسك، تذكر أنك «زلمي ملء الحبل» وإلا رحت ~~رخيصا. كثيرون سيدفعون، وكثيرون سيقبضون حق «الزلم» فلا تبع نفسك ولا تدع أحدا من ~~الناس يبيعك، فالحرة تموت ولا تأكل بثدييها. لا تنس أن اليد العليا خير من اليد السفلى ~~فإياك ثم إياك، ثم إياك ... # لا تنس أنه لا يزال في الأرض بقوة أوادم تعرفهم أنت وأنا وكل إنسان فاختر نائبك منهم، ~~ولا تسمع كلمة «السماسرة» الذين عرفتهم بلا سراويل، حتى إذا غطوا العيب وسافرت أيديهم ~~ورجعت غانمة، جاءوا يغرونك ويخدعونك. # إذا خيرت بين مرشحين يدفعان فخذ من الأفضل ولو أقل كما فعل ذاك الأميركي، أخذ من ~~الأفضل عشرة دولارات، ولم يأخذ العشرين من المرشح غير الصالح. أراك قد سقط ريالك حين ~~سمعت بالريال! صحيح أن القطع النادر عزيز، ولكن الوطن أعز يا عزيز قلبي. # إياك أن ترحم من لم يرحمك حين وصل، أرى من الخير أن تغلق بوجهه بابك، وتقول له أنت من ~~الداخل؛ لأنك لا تزال بلا خادمة، كما كان هو قبل أن صعد إلى العلية على أكتافك، قل له ~~من الداخل، ولكن غير صوتك: أنا غير موجود الآن. وإذا سألك: هل ترجع بعد؟ قل له: نعم ~~بنعمة الانتخاب تعال ارجع، تحجب مرة في حياتك لترى كيف هو طعم الحجاب، فهذه ~~ساعتك. # سيقص عليك السماسرة قصة الوالي العثماني الذي قال للأهالي: أنا شبعت، وسيأتيكم واحد ~~غيري جوعان فخير لكم أن أظل. لا تصدق من أكل مرة وشبع إلى الأبد إذا تغديت حتى انبشمت، ~~أتنام بلا عشا؟ ms25 وإذا لم تتعش ألا تفطر؟ إذا كانت اللقمة مفتاح فم الشبعان، فكيف يكون فم ~~الحوت! # لا تنتخب إلا النظيف الذي لا يبيع حقوقك ليشتري حقلا ويعمر بيتا، سيقولون لك: انتخب ~~الشبعان، لا تصدق، ففي الدنيا نفوس شبعانة وعيون جوعانة. فرب فقير شبعان، ومليونير مصاب ~~بداء الكلب، ومن يشفى من داء الكلب! # قف على سيقانك مرة أيها الناخب العزيز تتعود وتحترم، جربها مرة وخطيئتك في رقبتي، ~~كسر «عكاكيز» المرشحين على ظهر من تريد، قل لهم: أنا موجود، أنا لا أبايع إلا مخلصين ~~فلا حاجة إلى العكاكيز التي تتوكئون عليها لتصلوا إلى بيتي تعكزوا على صيتكم ~~الطيب. # كأنني أسمعك تقول: نعم أنا الناخب، أنا أقود نفسي إلى صندوقة الانتخاب، حيدوا من ~~الدرب. # هات، إذن، يدك لأهنئك، لأنك أريتني أنك رجل، ومشيت وحدك إلى الصندوقة. # هذه صباحيتك - مؤقتا - وسوف تأتيك مني صباحيات، فأنا كريم وأنت تستاهل، ولا عاش كل ~~بخيل. # 31 / 12 / 50 # | 1951 # | لعينيك يا أختي # هل تعرفين يا سيدتي، من هو نصيرك الأول في الشرق كله؟ أما بلغك خبر ذلك الوكيل ~~المسخر الذي طالب بحريتك منذ ثمانين عاما وأكثر؟ ومن أين يأتيك علم ذلك إذا كان ~~المنهاج الذي درسته لا يذكره؟ ومنهاج عام 1954 أغفله أيضا لأن «جرذون المكاتب» طبخ هذا ~~المنهاج في نافقائه، وتبله ببهار تعصبه الذميم فكانت لنا منه «أم الفلافل» ... # اقرئي، أرشدنا الله وذاك الجرذ الملفان، ما كتبه العلامة المنصف جورج زيدان عن قاسم ~~أمين، تعلمي أن أحمد فارس الشدياق العشقوتي هو أول من دق الباب الذي تقرعينه اليوم ~~بيدك الناعمة. # لا أشك في أنك تريدين كرما ومروءة، أن تحملي معنا أثقال ومسئولية الانتخاب، فيا هلا، ~~وألف هلا! آجرك الرب من فوق، فما أعظم غيرتك وأكبر مروءتك! إني لواثق بأنك ستبرزين في ~~هذا المضمار، وتسبقين سبعين بالمائة من الرجال في ذلك اليوم الحامي أتونه، اليوم الوحيد ~~الذي تكون فيه الناس سواسية كأسنان المشط ... وتسقط أسوار أريحا الأرستقراطية، من الساعة ~~الثامنة إلى الساعة الرابعة، ثم لا تغيب شمس ذلك ms26 النهار حتى تعود المياه إلى مجاريها، ~~فيرجع امتياز الأمير إلى الأمير ويعود سائق الحمير سائق حمير. # عفوا، كلا الاثنين سائق حمير، الزعيم يسوق حميرا تنطق، وهذاك يسوق حميرا ~~تنهق! # تراءت لي - يا أختي - تلك الساعة التي ترتفع فيها أسعار بني آدم دون بناته، فتخيلت ~~زعيمة نهضتكن الآنسة ابتهاج قدورة جالسة على مكتبها في ذلك اليوم تتصفح نظم الجمعيات ~~النسائية العالمية لتقتطف لكن أشهى ثمارها ، بينما يذهب جارها الفران وتلميذه ليتوليا ~~عنها اختيار عبقريين يشاركون غدا في البحث عن أقرب الطرق إلى تعزيز استقلال ~~الوطن. # وكأني أرى بعيني الواعية السيدة سلمى صائغ قابعة في بيتها تقلب أوراقها قديمة وجديدة، ~~وجارها الأمي يركض لينتخب لنا بضعة رجال يركبون على ظهر الأمة ولا يتحلحلون، أربع سنوات ~~فقط ... # وتمثلت السيدة إميلي فارس إبراهيم منزوية واجمة؛ همها في ذلك اليوم أن تعد محاضرة ~~بليغة، موضوعها النساء اللواتي سسن العالم، بينما غلمان اللحام والبقال والسمان الذين ~~ينقلون إليها كل صباح حوائج بيتها يتسابقون، وفي أيديهم الشهادات بالأمية، لينتخبوا ~~للوطن نائبا لا يباع ولا يشرى. # وفي تلك الساعة المرة تكون الآنسة عفيفة صعب قعيدة غرفتها، وفلان يهرول إلى الصندوقة ~~ليلقي فيها لائحة - عفوا، قائمة لحم - لم يقرأها لأنه لا يعرف الكوع من البوع. # أليس من المضحك المؤلم أن ينتخب المكاري والمعاز والبقار والحمار، والبغال، ~~والعتال، وتحرم الدكتورات، والمحاميات، والكاتبات، والشاعرات، والمعلمات، والراهبات، ~~حق الانتخاب! والسبب كما قال شيخنا الشدياق في ذلك الزمان - حين نادى مطالبا بحقك - ~~لأنه الذكر وهي الأنثى، وهو أفضل منها قنسا، وأكرم جنسا. # فإذا كانوا في بعض دول العالم - إذا لم تخني الذاكرة - ينظرون إلى الرأس قبل غيره، ~~فيميزون بين الرجال، فيكون رأس نابغتهم بعشرة رءوس، أفلا نساوي نحن في هذا - حق ~~الانتخاب - بين الأنثى المثقفة والذكر الأبله! لأنه الذكر وهي الأنثى ... # تطلب المرأة أن تنتخب - بالكسر - وأنا أطلب أن تعطى هذا الحق بالفتح أيضا. # لقد جربنا رجالا كثيرين وما أفلحوا فما علينا لو جربنا النساء! # 17 / 1 / 51 # | ألقاب # صرنا نخاف أن نخاطب ms27 الناس بيا سيد لئلا يغضبوا. فكل مرقعان يريد أن يكون أستاذا، وكل ~~من قعد على كرسي يصبح بيكا، وإذا علت مرتبته وكثر ماله ركبوا له طرطورا، وجلاجل من ~~الألقاب لا حد لها ولا طرف. # كان الشعب يقول لأميره «سعادتك» لأنه كان سعيدا ومسعدا، يأكل ويطعم. كان رغيفه في ~~متناول الجميع، البيت مفتوح والمعجن مشاع للأتباع يستبيحونه متى شاءوا، أما سعادة هذه ~~الأيام فتحيرني، فكيف تكون سعادة والموائد حصون لا تؤخذ، ودون الرغيف قلع ~~الضرس؟ # من طريف حكايات عشق الألقاب عندنا ما روي عن أحد المشايخ، صار «جناب» أحدهم معلما ~~فخلع عنه حلاقه لقب الشيخ وصار يخاطبه بيا معلم؛ إما تقديرا لعلمه، وإما ظنا منه ~~أن يرضيه أكثر. ولكن شيخنا العزيز كان يسمع كلمة يا معلم ويسب في قلبه ديك التعليم ~~الذي أسقط عنه المشيخة. ~~- أهلا بالمعلم حنا، قالها الحلاق وهو منكب على حلق ذقن كبير المشايخ «الشيخ رشيد ~~الخازن»، فاقترب المعلم الشيخ من الحلاق وقال له: تهذب، تاني مرة قل يا شيخ حنا. فضحك ~~الشيخ رشيد، وقال له: لا تؤاخذه يا عمي، حنا، مسكين، حسبك المعلم عبد الله ~~البستاني. # إن كلمة المعلم التي أطلقت على أرسطو وسواه سقطت اليوم من عين الناس، فكل من يقرأ ~~ويكتب هو أستاذ، وكل موظف، وكل آخر الأسماء الخمسة بيك وصاحب سعادة، وهكذا طما الخطب ~~حتى نابت كلمة أستاذ وبيك عن كلمة «حبوب» التي راجت مدة ... # قعدت مرة أمسح بوطي - الحذاء - في الدكان المختص، فانغمست في مطالعة صحيفة، ولم أفق ~~من سهوتي إلا على كلمة: يا أستاذ. فأجبت فورا: نعم، فقال لي ماسح الحذاء: لا غنى عنك، ~~أقصد شريكي. # أخجلني، وحق من لا شريك له، ولعنت كل نكرة مقصودة بياء النداء، وأخذت حذري من تلك ~~الساعة فصرت لا أرد على من لا يسميني قبل أن أتثبت. # لست أدري من أين غمرنا هذا الطوفان من الألقاب حتى أغرق جميع طبقاتنا، فإذا لم ~~«تبيك» و«تسعد» من لك عنده مصلحة قطب وعبس وأجلك إلى أن يحسن الله تأديبك، ms28 وكيف ~~نعمل ونحن لا نعرف البيك من السكيك! # عندما عين جلالة السلطان داود باشا أول متصرفي جبل لبنان عرف الشعب في الفرمان ~~الشاهاني أن مراحمه السلطانية اختصت لبنان بالرجل الجدير «الحائز والحامل نيشان مجيدتي ~~الهمايوني الرابع» كذا. # ولما شاخت السلطنة والمتصرفية صار المجيدي الرابع مبتذلا مثل «جناب الأجل الأمجد» بل ~~قل مثل كلمة «الكبير» اليوم. أما شاركنا جميعنا ذا القرنين وقسطنطين وغيرهما في هذا ~~اللقب: الأستاذ الكبير، والشاعر الكبير، والأديب الكبير، والمثري الكبير، إلخ، فكلنا: ~~كبير في كبير في كبير. # قال واحد للسيد المسيح: أيها المعلم الصالح، فأجابه يسوع: لماذا تدعوني الصالح وليس ~~الصالح إلا الله؟ أما نحن فنقبل كل ما يكال لنا بالمد من نعوت وألقاب، حتى إن بعضنا ~~يستجديها ويفرضها علينا فرضا. فإذا قرعت بابا وسألت الخادمة قائلا: الأفندي أو ~~السيد، أو الخواجا بالبيت؟ تجيبك حضرتها كما علموها: لا، البيك بالسوق ... # الله الله! كيف بطل عندنا الميزان، حتى صارت الألقاب من مال القبان ... # 2 / 2 / 51 # | عصافير التين # رحم الله الصديق راشد طبارة، فقد عاش راشدا، ومضى لسبيله راشدا. كانت طلعته توحي ~~إلي الوفاء، وها هي غيبته تلهمني موضوعا فيه العبرة والموعظة، امض بسلام يا أخي، فأنت ~~اليوم أوعظ منك حيا! # قالت إحدى الصحف يوم مات هذا الفقيد العزيز: ومات ولم تدنسه الوظيفة، الله! الله! كيف ~~تفسد ذبابة لونا من الطعام يكاد يؤكل بالعين، أما صارت الوظيفة دنسا لأن فينا من يسيء ~~استخدامها؟ فإذا كان بعض الموظفين سمنوا فالأكثرون منهم مساكين لا يظفرون ~~بالكفاف. # ما كانت الوظيفة قط في لبنان مورد ثراء، بل كانت واسطة لدك أساس البيوتات، وكنا إذا ~~دخلت الوظيفة بيتك نقول: أخ، خرب البيت. زحل ... فما جرد الأسر اللبنانية من ممتلكاتها ~~غير تهافتها على الوظائف وتصارعها حولها، كانت الوظيفة طمعا بالجاه والوجاهة، وما كانت ~~قط نبعا يخر وضرعا يدر، واليوم أيضا لا يصح أن تسمى دنسا؛ لأن النظاف الأيدي ~~كثيرون، وما القذرون إلا قلة والحمد لله، فيجب أن تقطع هذه الأصابع المتآكلة من أرجل ~~الهيئة ms29 ليسلم الهيكل. # جميل وأكثر من جميل أن نقدر الرجل الطيب بعد موته، كما قدرت الحكومة هذا الموظف ~~الأمين، ولكن المكافأة على الأمانة لا تؤدب أصحاب الجلود المتمسحة، والعيون الوقحة التي ~~لا تستحي. فهؤلاء «الأمناء» يضحكون في سرهم من مثل هذه المكافأة، فليست العشرة آلاف ~~ليرة تحسب شيئا مما يعدون ويحسبون ... فهم يكافئون أنفسهم كل يوم، بل كل ساعة، والذي ~~يقبض المعجل لا يكترث بالمؤجل، فمن بعده الطوفان ... # إن مثل هذي المكافأة تحث نبلاء الموظفين - وحدهم - على المضي في شوطهم شوط العفة ~~والنزاهة والأمانة، أما البق والدود العلق فلا يؤدبه غير قصاص بلا شفقة، ولكم في القصاص حياة. # إن الوزير مؤازر فعليه أن يسهر على من هم تحته إذا كان يريد تأييد من هم فوقه، عليه ~~أن يكسح الجعل والخنافس التي يفسد منظرها القذر ورائحتها النتنة جو الثقة ~~والإيمان. # على من يعنيهم الأمر أن ينظروا إلى «عصافير التين» ويسألوا: كيف جاءت أمس عجافا ~~خفافا ... وصارت سمانا ثقالا؟ # جاءت أول من أمس، وما فيها غير الروح والعظم والجلد؛ فكيف سمنت أولا بأول؟ يا بارك ~~الله! # انثروا - سادتي - المطاعم حول الوكور، واصلوا الدبق تعلق الوراور وعصافير التين. أما ~~يكفيها ما تأكله على الهينة حتى تطير على أعين الناس، وتغرد آمنة نكاية فيهم ...! # 9 / 2 / 51 # | على أونا # إذا كنت لم تسمع - بعد - بوكيل يدفع لمن يوكله فاصبر قليلا، غدا - وما أقرب اليوم ~~من غد - ستتعرف بكثيرين من الذوات الذين يدفعون لي ولك وله لينوبوا عنا ويمثلونا تحت ~~قبة البرلمان تمثيلا كلي العفة والطهارة ... تلك خدمة نصوح يؤدونها لوجه الله تعالى ولا ~~يبتغون منا أجرا ولا شكورا. # ضمائر من ورق في جسوم من كرتون، وكيف ترجو بقية حياء في وجوه بلا ماء؟ إذا كان الجفاف ~~يستبشع في أديم الأرض فكيف تكون الوجوه متى قحلت ويبست فيها العيون؟ ولكن الناس يستغبي ~~بعضهم بعضا متى التقوا، أما متى افترقوا فترفع القدور على المناصب ... وإلا فأي رأس فارغ ~~يصدق أن ذلك المرشح الكريم يستهلك رأس المال جملة ms30 ليقبض فائدته تفاريق منجمة في أربع ~~سنين - عدا السب والاتهام. # إذا قيل لك: إن ثمن «الصوت» بلغ الألف ليرة في انتخاب مختار فظن خيرا، وإذا سمعت أن ~~واحدا طار من إفريقيا إلى لبنان ليرجح كفة الانتخاب، ليس إلا، فصدق أيضا ولا تظن ~~شرا لأن المختار لا معاش له، وهب أن عينه بصيرة فيد المسكين قصيرة. أما إذا قالوا لك: ~~إن فلانا يدفع عشرات الألوف من الليرات ليفوز بالنيابة ويخدم الشعب فلا تصدق أبدا. ~~وخير الناس أن يستنيبوا شيطانا ولا يستنيبوا واحدا كهذا، والشعب الذي ينتخب رجلا ~~لأنه أنفق وبذل لهو شعب يفهم الوطنية كما يفهم الكوسا والباذنجان في سوق النورية. أحر ~~به أن لا يكون له نواب لأنه أحقر من أن يشهد عالي الأمر. # عجيب غريب! أذهب الحياء مرة واحدة حتى صرنا نتحدث عن ثروة المرشح كما نتحدث عن رأس ~~مال شركة مغفلة. متى كانت النيابة صفقة تجارية؟ أتدفع لي حتى تنوب عني وتطالب بحقوقي، ~~يا لها من شهامة ليس فوقها شهامة! # حقا إن الحب العذري ليس أسطورة كما كنا نظن، ولكن أي حمار يصدقك؟ إنك لتكونن تاجرا ~~بل دلالا، ومن يدري إذا كنت لا تهتف في الجلسة بلا وعي: على أونا، على دوي ... # ربما اغتفر لحزب أو جماعة أو رجل أن يضحوا بشيء من المال ليفوز مرشحهم، أما إن شخصا ~~يدفع هو، ليفوز هو، ثم يخدم الأمة بصدق ونزاهة فهذا ما أشك فيه ... # فإذا كان يعتقد أن الصيت الجيد خير من المال المجموع فها أنا أدله على صيت لا يموت. ~~فليحبس هذه المائة ألف ليرة أو المائتين ويجعل ريعها لمشروع إنساني يحمل اسمه إلى ~~الأبد، وله أن يكون إما نوبل الشرق وإما روكفلره، فدنيا البر والإحسان واسعة. # أما إذا زعم أنه يؤثر خدمة الأمة ثم أصر على هذا الهيام والغرام فقولوا له: أنت تاجر ~~تدفع التسعة لتقبض العشرة ... وكل مشتر بياع. # 16 / 2 / 51 # | دنيا يا غرامي # زعموا أن الضب يعيش بالنسيم، وأنا أزعم أن اللبناني يعيش بالسياسة وأن ms31 الحزبية عنده ~~بنت عم الطعام والشراب والكساء، إن لم تكن ست الإخوة ... ففلان على «الغرض» هي الكلمة ~~التي تدور على لساننا، الدالة على انقسامنا، إذ لا بد لنا - في كل شأن - من انقسام ~~العرب عربين. ففي المدينة حيث الطوائف المختلفة تقوم الفتنة الكبرى بين الحيين، وفي ~~القرية تكشر الحزبية عن أنيابها بين الحارتين، حتى تراهم في الكنائس حزب يسار وحزب ~~يمين، وكل منهما يردد آمين ... وإذا كانت الضيعة عائلة واحدة فالمخاصمة واقعة - لا محالة ~~- بين أبناء العم والإخوة. # يتلهون بالمختار ورئيس البلدية والناطور، ومتى حانت «زفة» النيابة تقف الحية على ~~ذنبها، تلتف الأحزاب حول تلك العروس المكحولة العين، رجال تهدر كالجمال، وقرود تزمجر ~~كالأسود، ولا تخلو المعمعة من أبطال يستحيلون حميرا يركب عليها بلا جلال ... # لا أتعجب من هذا، فكذلك كنا أيام «مجلس الإدارة»، كانوا يخطفون «مشايخ الصلح» كما ~~يخطف الشباب العرائس، ويأخذون منهم «الأختام» عربون الخطبة، ثم يخفونهم في مكان ما حتى ~~يوم الاقتراع، ومهما نسيت من ذيول حزبيتنا الهوجاء فلا أنسى معركة انتخابية انجلت عن ~~مصرع ضابطين كبيرين فأطلقت الصحف على المنتخب اسم «العضو الأحمر». # كل هذا مر وحدث، أما الشيء الذي ما مر مثله على رأسي، فهو الاتهام بجريمة قبل وقوعها، ~~فعلى هذا القياس لو استوزر وزير حربية الرب، الملاك ميخائيل، ونصب ذاك الميزان على عيني ~~وعينك يا مرشح لا نعدم من يتهمه التزوير. # كان دعبل الخزاعي يتهم أبا تمام بسرقة شعره، فروى له محمد بن صابر الأزدي شعرا وقال ~~له: كيف ترى هذا الشعر يا دعبل؟ فصاح دعبل: أحسن من عافية بعد يأس، فقال له الأزدي: هذا ~~لأبي تمام، فأجاب دعبل: ولعله سرقه. # ما أصح قول الإنجيل في الوزارتين: # جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب فقالوا فيه شيطان. وجاء يسوع يأكل ويشرب فقالوا: ~~هو ذا إنسان أكول، شريب خمر، محب للخطأة والعشارين. # يقول المثل: امسك الجمل وخذ باجه، أما أن نشرب على ذكر «الحبيب» مدامة ونسكر بها من ~~قبل أن تخلق الكرم، فهذا كثير ... # كثيرون هم ms32 المتعطشون لخدمة الشعب، ولكن بعضهم يخشون فوت هذا الأجر، فما عساه يعمل ~~لتطمئن قلوب المغرمين الصابين إلى خلق جمهورية أفلاطونية؟! # أنا أقول: إن هذه الغيوم المسودة المتلبدة في آفاق الانتخابات هي من صنع الناخبين ~~الذين يقولون لكل فريق: نحن معكم. فلو قطعت الطريق على هؤلاء الذين يلعبون على الحبلين، ~~ثم لا يعلم أحد لأي «قديس» يصوتون، لعرفت كل عنزة قطيعها، وعرفنا القرعاء من أم ~~القرون ... # 22 / 2 / 51 # | امسح # أيها الناخب: # خذ حذرك فالتجارب كثيرة في هذه الأيام . # كانت تخبرني ستي أن «المسيح الدجال» - متى جاء - يحول الحجارة خبزا للجوعانين، ~~ويصيرها ذهبا ليستميل البخلاء من الأغنياء، ويجعل منها نساء للذين لا يريدون خبزا أو ~~ذهبا ... ~~- وبعد ذلك يا ستي؟ ~~- بعد ذلك ... كل شيء يرجع كما كان. # وهكذا يعمل كثير من المرشحين، فاحذر المسحاء الكذبة ... امسح أسماءهم. # كن شجاعا فما يكذب غير الجبان، انتخب القرود والعفاريت، شرط أن لا تقول لواحد: أنا ~~معك، ثم تنتخب غيره، إنك تصير كالكثيرين من النواب إذا وعدت وكذبت. # يقول لك الرب في أولى وصاياه: أنا هو الرب إلهك لا يكن لك إله غيري، وهذا لسان حال ~~وطنك فاعرف كيف تحبه وتعبده وتخدمه. # ويوصيك الله في إكرام أبيك وأمك ليطول عمرك على الأرض، فجير هذا المبلغ للوطن ~~العزيز لتسعد فيه أنت وأولادك وأولاد أولادك. # يقول لك الله: لا تشته مقتنى غيرك، وأنا أقول لك: لا تشته فلوس المرشحين، فمن اشتراك ~~أوقعك في الشراك. # يقول المثل: أطعم الفم تستح العين، فإياك أن ترتخي نفسك وتمد يدك ... # لا تغرك الألقاب على اختلاف أنواعها، ولا تخدعك الثرثرة الخطابية، فتش عن الشخصية ~~المنيعة. الباطون يسلح بالحديد، أما الإنسان فيسلح بالوجدان، الضمير الحي إس هيكل ~~الشخصية، توق أن توكل من يبيع «بيتك» بيعا باتا، بما فيه وله ويعزى إليه شرعا حتى ~~العفش، فتصير يا مسكين أجيرا. قد يفتي العلم بالبيع، أما الوجدان فلا يئول ولا يجتهد ~~... # شلالات أماني ووعود ستصب فوق رأسك فلا تصدق، أنت تعرف حكاية من قال لصاحبه: قنطار ms33 مسك ~~في ذقنك، فما ظن خيرا بهاتيك الكثرة ... رد قناطير مسك المرشحين إلى لحاهم ... فالزائد أخو ~~الناقص. # الحذر الحذر. لا تقل لي: أصلحهم بالكلام، فالكلام والعواء صارا من وزن واحد عند أصحاب ~~الجلود الغليظة. # النواب يا عزيزي، ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء، لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء يحتاج ~~إليه، وطبقة كالداء، نجانا الله منه، فإذا لم تستطع أن تجعل قائمتك كلها غذاء، فعلى ~~الأقل أبعد الداء ... # 10 / 3 / 51 # | في اللاذقية ضجة # لا نسمع ولا نقرأ في معمعة الانتخابات إلا هذه الكلمات : إقطاعية وديمقراطية، أقزام ~~وجبابرة، موالون ومعارضون، شيوخ وشباب، وجوه عتيقة ووجوه جديدة، دم جديد ودم عتيق، ~~جامعيون وأميون، إلخ ... # عرف هذا البلد الإقطاعية منذ كان، واحتلت أسماء بعينها أسماع بنيه وأفواههم، رسخها ~~التكرار في الأذهان حتى اعتقد أصحابها أن «المناصب» جاءتهم مع «ستهم» في الجهاز، وهي لم ~~تخلق إلا لهم. # لست أجحد فضل البيوتات العتيقة؛ فاللبنانيون - وهم أعرق الشرقيين في الديمقراطية - ~~كانوا ينتخبون أمراءهم منذ مئات السنين، ولما انقضى عهد هؤلاء أصبحوا ينتخبون مجلس ~~الاثني عشر، ثاروا على الإقطاعية منذ قرن فأبادوها، ولكنها لم تقطع حتى فرخت، فكانت ~~كالعليق الذي يصعب على البستاني استئصاله. # وبعد فليست الآفة في العروق القديمة، فما أكثر المخلصين الصالحين في كل طبقة، وليست ~~مكارم الأخلاق وقفا على ناس دون آخرين بل الأصل عون متى صلحت النفوس، والمرء من حيث ~~يوجد لا من حيث يولد. # قلت: إن العقلية اللبنانية مطبوعة على توقير الإقطاعية، وإليك البرهان: كان مشايخ صلح ~~القرى ينتخبون أعضاء مجلس الإدارة الاثني عشر من الأقضية السبعة ليمثل كل عضو مقاطعته، ~~وكان أحدهم الشيخ أسعد بو صعب، عضو بلاد البترون، شديد المعارضة للمتصرف فرنكو باشا، ~~ويروى أنه أحوجه مرة إلى إبراز «فرمانه» في المجلس، وتساؤله في إحدى الجلسات إذا كان هو ~~المتصرف أم أسعد بو صعب ... # ومرت الأعوام وراح فرنكو وجاء متصرفون آخرون غيره، وكانت دورة انتخابية فانتخب شيخ ~~قرية تحوم الشيخ أسعد بو صعب. # وبعد الاقتراع سأله أحد زملائه شيوخ الصلح: من انتخبت؟ ms34 # فاستغرب شيخ تحوم ذلك السؤال وأجاب كالهازئ: من انتخبت! من أنتخب غير الشيخ أسعد بو ~~صعب؟! # فضحك هذاك وقال له: تبقى حياتك، ما عرفت بعد أنه مات! # فأجابه بكل بساطة: وكيف يكون المجلس وما فيه واحد من بيت بو صعب! # لعل الكثيرين منا يعملون اليوم ما عمله شيخ تحوم في الأمس، إذا لم ينتخبوا أمواتا، ~~انتخبوا أشباه الأموات. كنا نسمع في ذلك الزمان أن فلانا مرشح المنطقة الفلانية، أما ~~اليوم فالقوائم قائمة قاعدة، اللوائح لعبة شطرنج تفرزن فيها البيادق، وتفرش للمرشحين ، ~~حيث شاءوا، النمارق. # يقول المرشحون المعارضون عن المرشحين الآخرين: إنهم هم هم، وكأنهم لا يرون أنفسهم ~~أيضا هم هم. # فلنفتش عن الصادقين، فالبلاد ما عقمت، إن حبل الانتخابات ملقى على الغارب، فهل يخرج ~~الناخبون من الصيرة؟ هل عرفوا أن أسعد بو صعب مات! # 24 / 3 / 51 # | بياع موتى # في ذلك الزمان كانت الجثث أشياء مكرسة لا تمس، يموت الرجل ويلحق به آخرون وأخريات ~~ثم لا يعرف ما بهم ولا ما بهن. وكان الطب كالسياسة تدجيلا، فما يقوله «الحكيم» هو ~~الصحيح وإن كان رأسه خاليا من الحكمة ... # وأنشئت في لبنان كليات طبية ذات مختبرات، ولكن المادة تعوزها. فالأرانب لا تسد مسد ~~الجثث البشرية التي يتعلم عليها الطلاب، واللبناني يؤثر أن يرعى دود القبر جيفة فقيده ~~على أن يجود بها لخدمة الإنسانية، هذا حرام وعيب! # وظل رئيس الكلية متحيرا في الأمر سنين، حتى جاءه قبضاي، أخو أخته فتمت بينهما الصفقة ~~الدائمة، وجعل ثمن كل رأس - كبيرا كان أو صغيرا، ذكرا أو أنثى - خمس ليرات إنكليزية ~~رنانة، وانصرف القبضاي إلى تجارته الرابحة فاستحال رجل «أجر» لا يتخلف عن دفن ميت في ~~جيرته، كأنه أحد أعضاء جمعية طوبيا البار ... يؤاجر في حمله ليكسب الأجر مزدوجا ... حتى ~~إذا جن الظلام واختلط عاد إليه ليحمله في عدل إلى بيروت حيث يسلم جيفة ويستلم ~~ذهبا. # وبعد سنة فتحت خشخاشة لاستقبال ضيف جديد، فإذا بالجثة الأخيرة قد طارت، فزعم بعض ~~المؤمنين أن المرحوم كان رجلا تقيا فانتقل ms35 بالروح والجسد إلى السماء ... ولكن وقوع مثل ~~هذه الحادثة في القرى المجاورة زعزع الإيمان، فأقاموا نواطير لحراسة القبور الجديدة، ~~فعزت الجثث وقل الرزق ففكر صاحبنا كثيرا ولكنه لم يهتد إلى حل، وأخيرا هم باستشارة ~~صديق على شاكلته فدعاه إلى سكرة. # وبعد: هذا كأس محبتك، وكأس شواربك، وصحة وهنا، تمشت الخمرة في مفاصل هذا الصديق، ثم ~~دبت في عظامه فأمسى كما قال الأخطل: # صريع مدام يرفع الشرب رأسه # ليحيا وقد ماتت عظام ومفصل # فهبط الإلهام على القبضاي فجأة، وللقبضايات آلهة وحي كالشعراء، فصاح بالساقي: عجل ~~يا صبي، هات لنا عربة قبل أن يموت الرجل، ثم ألقى صديقه السكران في حضنها، وطار به إلى ~~الكلية. # وعرف البواب عزرائيل المختبر حين أطل فهتف أهلا، أهلا، أهلا، من زمان هذا القمر ما ~~بان! # فكشر القبضاي وهمس: عجل افتح بلا أكل ... الناس واعون. # وتمت البيعة بالتسلم والتسليم، كالعادة، فبشر رئيس الكلية تلاميذه بقدوم جثة «طازه» ~~بعد الغيبة الطويلة، ونام الجميع على سرور. ولكنهم عند الصباح لم يحمدوا السرى، فما ~~فتحوا الباب حتى رأوا الفقيد قاعدا يدخن. وبعد أن حلت عقدة الرواية أطلق الرئيس سراح ~~الجثة ... # هذي هي حال بعض سماسرة الانتخابات اليوم، يبيعون البشر صحاة وسكارى، يقبعون في بيوتهم ~~أربع سنوات ولا شغل لهم ولا عمل، يستدينون ويقترضون من هذا وهذاك على أمل الوفاء عند ~~طلوع هذا الموسم ... فها هم ينتقلون من باب إلى باب، لا فرق عندهم بين دستوري ووطني، من ~~أخذ أمي صار عمي ... وكل مكان ينبت «المال» طيب ... # يوم الأحد القادم ينبش الأخ وأخته قبور البيوت، ويحمل الأموات على ظهره إلى قاعة ~~المختبر، عفوا بل يسوقهم أمواتا كالأحياء، وأنعاما إلا أنهم بشر. # إذا كنت قرويا مثلي ورأيت حركة سماسرة الانتخابات تذكرت جلابة البقر في أول الري ~~... # 7 / 4 / 51 # | أمضي وتبقى صورتي # هذا البيت الذي كتبه الشيخ ناصيف اليازجي تحت رسمه سيكون غدا لسان حال من يتعثرون ~~بأذيال الخيبة، ستبقى صورهم مصلوبة هنا وهناك لتجدد الأحزان وسوف تبقى حتى يأكل النور ~~والهواء ms36 آخر خط من خطوطها، وهكذا تتلاشى نفسا في نفس، ستصير مجلبة للمرارة والآلام ~~بعدما كانت للاعتداد والاعتزاز، سينظر إليها الأنصار والأصحاب نظرة الأم المفجوعة إلى ~~ثياب ابنها الوحيد. # نزعت الحكومة اللافتات بعدما تردت ثياب الدعوة حمرا، أما الصورة فأبقتها عملا بقول ~~ابن الرومي لصاحب تلك اللحية المبروكة: # أو فقصر منها، فحسبك منها # نصف شبر علامة التذكير # الانتخابات حرة، وهذا أمر لم يخامرني فيه ريب منذ قيام الساعة، ولكن هل عندنا الناخب ~~الحر؟ وأين يكون هذا؟! هل أنا حر؟! أشك حتى في نفسي. # رحم الله الدكتور فانديك، أما أكل خمس كبات في صيدا بعد الشبع، وكل واحدة شبر! أكل ~~واحدة إكراما للبنت التي شفاها طبه وأقيمت المأدبة على شرفه وسلامتها، وأكل كبة ثانية ~~لعيون أمها الناعستين، وثالثة إكراما لشوارب أبيها، ورابعة إكراما لأخيها، وخامسة ~~إكراما للمدعوين. # ولما بدأ بطن الدكتور يتقدم عليه في المجلس خف إلى حيث حماره القبرصي، وركبه قبل أن ~~يصير في الشهر التاسع ... ولكنه ما قطع بعض الطريق حتى أدركه المخاض فاستلقى تحت زيتونة، ~~ولما أفاق وهم بالمسير عرض المكاري حماره على الماء فشرب حتى اكتفى، فتقدم منه الدكتور ~~وهز رأسه قائلا له: «كرمال» البنت اشرب، «كرمال» أمها اشرب، فأبى الحمار، وكان في كل ~~مرة يومئ برأسه أن لا، فصاح به فانديك عندئذ: أنت أذكى مني يا حمار! # هذي حالنا يا سادة، والوعي الذي تمجدون حديث خرافة ... عبثا نترجى انتخاب يبيض ~~الوجه ما دام فينا أناس تشترى وتباع، وما دام هنالك أناس رءوسهم خفيفة يدورون مع أقل ~~نسمة كدواليب الهواء. # أجل ما دام في لبنان أناس يبيعون نفوسهم، ونفوس غيرهم بجراية فلا ننتظر نتائج باهرة! ~~بلى فلننتظر، فلننتظر أن يقال غدا: انتخابات مزورة. # الناخبون يكذبون مرة كل أربع سنوات على من يكذبون عليهم كل يوم مرة في أربع سنين ... ~~ولكنها كذبة واحدة بألف. # وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ ~~بهم ~~، تلك هي حال الناخبين مع المرشحين، صدق الله العظيم. # 14 / 4 / 51 ms37 # | آخر حجر # فرغ جراب الانتخابات، والحمد لله، فهذا آخر حجر نرمي به الجوزة. # يقولون: دم جديد، وجوه جديدة، وعي ولا وعي، وما أرى الواعين والغافين إلا متساوين ~~بالعظمة والكرامة ... لقد أرتني الانتخابات أن ما يتغنون به من مبادئ وعقائد ليس إلا ~~ألفاظا جوفاء. # وما مثله إلا كفارغ حمص # خلي من المعنى ولكن يفرقع # أراني شطرنج اللوائح الانتخابية أن المنصب هو الغاية، أما الواسطة فيبررها الوصول، ~~حتى صح بالكثيرين قول الشاعر: # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما # يظنان كل الظن أن لا تلاقيا # وأما الوعي فعنعنات محلية تدركها اليقظة الكبرى في هذا اليوم العربيد، فتقذف النفوس ~~الحقيرة حمم الضغن والحسد يخالها المرشح حماسة تقدمية لم تكن لولا سواد عينيه. # ليته يدري أن شعبا يطير شقاقا لأجل بطلين كدياب بن غانم والزناتي خليفة، ويتناقر ~~حول ديكين، لا يتورع عن أن يتصارع حول رجلين يتنازعان ملاءة النيابة، إنه ليس أقل ~~إيمانا بأعاجيب النواب منه بعجائب أبونا شربل! # أجل، ليس لرقي البلاد فارت قدور الناخبين بل لحزازات ملأت القلوب قيحا، وساعة ~~الانتخابات أنسب فرصة لفقء الدمل وحك الجرب. # هكذا كانوا وما زالوا، وهكذا يظلون ما دامت العوامل والبواعث هي هي، طائفية عمياء، ~~وحزبية صماء ومآرب خرساء. # كان الأمير مصطفى أرسلان ونسيب بك جنبلاط يتنازعان قائمقامية الشوف، وكان الناس ~~حولهما حزبين، فتقوم الأرض وتقعد حين يولى أحدهما ويعزل الآخر. وبلغ الأمير مصطفى ~~مرة أن أحد الناس في القرية الفلانية عمل ما لا يعمل يوم منح الأمير رتبة «عطوفتلو ~~بالا»، فهزته أريحية ذلك الرجل فدعاه وقال له: يا فلان، بارك الله فيك، أفضلت وكثرت، ~~أنا لا أذكر أنك قصدتني وقضيت لك غرضا. # فأجاب الرجل: لا تستح مني يا سيدنا المير، قل لي ما رأيت لك صورة وجه قبل الساعة، ~~يشهد علي الله وعطوفتك إني ما قوصت ولا زينت إلا نكاية بابن عمي لأنه من حزب غيرك. ~~القصة بيني وبين ابن عمي، وعطوفتك صاحب الفضل لا أنا؛ لأنك خلقت لي فرصة مواتية أفرك ~~فيها أنفه ... # على هذا الناموس ms38 سار اللبنانيون أمس وسيسيرون إلى حين. إن أكثر ما أقيم من حفلات ~~تأييد صارخة كان للنكاية والظهور لا لشد الظهور. # ما بيض وجه لبنان واستحق شكره إلا «الحكومة»، ليتنا نفكر بما يخلد ذكرى هذا ~~الجميل. # 28 / 4 / 51 # | إلى النائب # جاء دورك يا سيدي الكريم. القبة معدة لتجلس تحتها سعيدا، والعز لله، فلا تنس أنك ~~خادم الشعب، هلل أنصارك وما زالوا يهللون، ولا أخالك تجهل ما تخبئ لك الأيام تحت ~~التهاني الحارة والهتاف الحاد بحياتك وحياة المرحومين آبائك وجدودك! # غدا أو بعد غد تعود إلى أعتابك هذه الجماعات فرادى وثني، ولكل واحد مطلب ومأرب فلا ~~تغلق بابك بوجوههم، ولا تكن حاتمي الوعود. احذر لفظة «تكرم» وعلى رأسي قبل عيني، سلم ~~رأسك وعينك، ووقاك الله مصيبة كافور الذي جعله شاعره سخرية الأجيال. # أنت لبناني فلا تنس ما جاء في المثل: وعد بلا وفا عداوة بلا سبب، فما لك والوعود؟ ~~احذرها لئلا تسمع الآية: # متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين ~~. # في الكلام المأثور: وعد الحر دين، فكن ذلك الرجل لئلا يشطب اسمك من جدولهم، وأنت ~~أدرى بعواقب «الشطب» لأن طعمه ما زال تحت أضراسك ... قال الشاعر: # إذا قلت في شيء «نعم» فأتمه # لأن نعم دين على الحر واجب # وإلا فقل «لا» تسترح وترح بها # لئلا يقول الناس إنك كاذب # لا تحسبن الشعب مغفلا، أما امتدحت «وعيه» حين انتخبك فكيف تنسى! كثيرا ما سمعته ~~يحدث بعضه بعضا: إذا كان فلان وعدك نم على صوف، أما إذا كان وعدك فلان انتظر يا كديش ... ~~فلا تجعل الناخب ألعوبة تتلهى بها، لا تخرب بيته بوعودك الكمونية فخير من الأمل الكاذب ~~يأس مريح. دعه يفتش عن رغيفه في غير معجنك. # ليتك تسمع مني وتعين موعدا لاستقبال الملتجئين إليك، ولا تقتلهم صبرا في قاعة ~~الانتظار. إن صاحب الحاجة أرعن فافتح له بابك الآن ليفتح لك قلبه غدا، واصرفه بالتي هي ~~أحسن إذا كنت غير مستطيع. # إياك والقول له: غدا، ارجع بعد جمعة. لا تقل له: القضية انتهت وهي ms39 لم تبتدئ بعد، ~~فحبل الكذب قصير. # إني لأعذرك فيما أعنفك، بل أرثي لبلواك، فكل من ألقى ورقة في صندوقة يحسب أنه هو ~~الذي أوصلك، فنصيحتي لك، وخصوصا متى صرت «صاحب معالي» أن تجعل همك المصلحة العامة؛ ~~لأنك لا تستطيع إرضاء كل فرد، الظلم بالسوية عدل في الرعية. # كثيرون منا لا ترضيهم كلمة لا، يريدون أن تقول لهم: نعم، ولو كنت كاذبا، فعلمهم - ~~وهذا خير ما تعمل - أن الكلام يكون إما نعم نعم، أو لا لا. # الوصول يا حضرة النائب هين، أما الإرضاء فمشكلة المشاكل. # أسأل الله لك العون على الأعوان وعدم «الحل» قبل الأوان! # 4 / 5 / 51 # | يساق # إذا كان الانتظار يضيق الصدر في العراء فكيف به متى كان في غرفة لا تتجاوز خمسة أذرع ~~طولا في أربعة عرضا، حركة بلا بركة، ياور يروح ويجيء تطربه خشخشة مهمازيه، وصلصلة ~~سيفه؟! # كان يطل علي كل ربع ساعة ليرى كيف أنا ومفتاح الفرج، فأبتسم حين يظهر، فتموج ~~البشاشة تحت جلدة وجهه السمراء ولا تجرؤ على الظهور، أما فمه فما كان يمثل لي أكثر من ~~شق التينة، وغاب ثم آب فما شعرت إلا أني قلت له: من عند أفندينا؟ فحملق أولا ثم ثاب ~~إلى حاله وأجاب: عنده ... عنده ... ثم عبس وتولى. # فأثبت في مستنقع الصبر أرجلي # وقلت لها من تحت أخمصك الحشر # وبينا أنا في حيرة الواقف عند مفرق الطرق لا يعرف أيتها يسلك، إذا بصوت عريض يملأ ~~الرواق. واقترب فسمعت تلك الشخرة والنخرة، فقلت: هذا صوت البيك، إن صدق الظن، نعم هذا ~~هو، أهلا بسعادة البيك! # وقعد سعادته وقال وهو يلهث: الدرج حرق ديك أنفاسي، فقلت: يا بارك الله عظامك حاملة ~~فوق قدرتها. # وجاء القولاغاسي مسلما، فأشار البيك بيده نحو قاعة المتصرف مستفهما، فأجاب سعيد ~~بك: يساق. وضحكا حتى انفلقا، أما أنا فضحكت على الريحة. # ولملمت موجة المرح أذيالها فقال لي البيك: رأيتك ضحكت معنا كأنك تعرف الحكاية. ~~فأجبته: لا. قال: إذن سماع. ثم انشق فمه كعادته ساعة يقبل على القص، قال: ms40 يظهر أن عند ~~الباشا واحدة حلوة فاسمع حكاية يساق كما سمعتها أنا في سطمبول. # دخلت على وزير الحربية في ديوانه أرملة أحد قواد الترك في حرب اليونان، ومعها صبي ~~يدرج، فقال الوزير للحاجب: يساق، وأغلق الباب. # وأخذ أصحاب المصالح يتوافدون فما فازوا بغير كلمة يساق. وخلا للوزير الجو فراح يبيض ~~ويصفر، كقبرة كليب، وراح الصبي يسرح ويمرح في الديوان. أعجبته أزرار النواقيس فراح ~~يكبس عليها متنقلا من هذا إلى ذاك، وما درى الغر أنه يدعو الناس إلى حضور الرواية ~~... # جاء مدير ديوان الوزارة، ثم جاء الوكيل، ثم جاء وجاء الرؤساء وتكاثروا على الحاجب ~~ولكنه ظل يقول : يساق. # وأخيرا أقبل أركان الحرب، وهم يحسبون أن ساعة النفير العام قد دنت، ولكنهم صعقوا حين ~~رفس الباب ورأوا أنفسهم أمام صبي يلاعب الأزرار، ووزير يداعب ذات الإزار ... أما أصحاب ~~المصالح ففي الانتظار! وقد قال الشاعر: # ليس الشفيع الذي يأتيك متزرا # مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا # 8 / 6 / 51 # | حول البكالوريا # إذا كنت لا تعرف كيف تحشى «المقانق» فاسأل من يعرفون يقولوا لك: إن لها قمعا تدك به، ~~فتكون كقطائف ابن الرومي المحشوة حشو الموز ... وإذا كنت لم تفهم جيدا فما عليك إلا أن ~~تدخل صف بكالوريا وتتسمع إلى ما يلقيه أستاذ الأدب العربي، أو يمليه ... # أسعدني الحظ منذ أيام، فقرأت بضع عشرة ورقة من موضوعات البكالوريا، فكانت ساعات ضحك ~~قد لا يتيسر مثلها في رواية كشكشية. تلاميذ يهرفون بما سمعوا من معلميهم، فسودوا ~~صفحات يزعمون أنها تبحث في «خصائص الشعر الجاهلي»، وما هي غير حكايات ملمومة من هنا ~~وهناك وهنالك، اكتشفها أستاذهم الأثري في مجاهل الكتب وفيافيها وهكذا قالوا لنا كل شيء ~~ما عدا خصائص الشعر الجاهلي. # استنتج أحد هؤلاء الطلاب النجباء أن البصل كان معروفا في الجاهلية؛ لأن امرأ القيس ~~قال: # بأرجائه القصوى أنابيش عنصل # واستدل ثان على أنهم كانوا يعرفون الزيت والفتيل والسراج بدليل قوله أيضا: # أمال السليط بالذبال المفتل # وقال ثالث: يظهر أنه كان عندهم «سياخ شك» لأن النابغة قال: ms41 # سفود شرب نسوه عند مفتأد ... # وقال آخر: يظهر أنهم كانوا يأكلون اللحم بلا خبز، ولهذا لم يأت امرؤ القيس على ذكره ~~في «علفة» دارة جلجل ... ~~- اسأل معلمك يا بني، يظهر لي أنه من غير أكالي الخبز ... # وأخيرا قال طالب: فلنكمل استشارتنا، فضحكت وقلت لرفاقي المميزين: يظهر أنه ابن نائب ~~مستوزر. # أما في موضوع أبي فراس فراح تلميذ يدافع عن «أيضا» في قول الشاعر: # الشعر عنوان الأدب # أيضا وديوان العرب # فزعم أنها دليل على عدم التكلف، لا كما زعمت أنا مرة، ثم قال: فهو لو أراد التنقيح ~~لما فاته أن يقول: أبدا وديوان العرب، فتأمل ذوق معلمه الذي جاء بأبشع منها ... # أما من حيث سلامة التركيب فاحلف يمينا أنني ما قرأت صفحة خلت من أغلاط نحوية وصرفية ~~ولغوية، أما البلاغة فما أخال أنهم سمعوا بها. # فمن الملوم يا ترى؟ أوزارة التربية أم المنهاج؟ لا هذا ولا تلك، المدارس وحدها، هي ~~المسئولة، فعليها أن تختار معلمين عارفين بالأصول، وذوي حاسة شم وذوق ليشموا الأدب ~~ويذوقوا طعمه. # أما المواضيع التي تطرح عليهم فأكثرها عام شامل لا يحوج الطالب إلى التفكير؛ ولهذا ~~نراه يقذف إلى الميدان بجميع ما حشد في ذاكرته من جيوش معلومات دربه معلمه على ~~قيادتها ليفتحا بها قلعة البكالوريا ... # ما أشبه طلاب اليوم بكباش «القورما»، وما أشبه المعلمين بالنساء اللواتي يعلفنها ~~النخالة والكرسنة المجروشة لقما لقما، وكما تنتظر المرأة يوم الذبح لتنافس جاراتها ~~بما أحرزت من شحم ولحم، كذلك ينتظر أرباب المعاهد يوم البكالوريا ليتنافسوا بالكم لا ~~بالكيف ... # إن ثقافتنا لفي خطر، فلا حول ولا ... # كذب الله ظننا حتى لا نقول: إنا إلى الله. # 25 / 6 / 51 # | نامت نواطير مصر # جاء في المثل: الذي لا يصيف لا يشتي، أما الحكومة فبعكس ما قيل، قد أعطيت الفرصة للعمل ~~فوضعت يدها على المحراث، وما دامت همة رئيسها في صعود فنجمها في سعود. # إن فرصة الصيف مؤاتية يا دولة الرئيس، فالنواب يرفضون عنك، فيخلو لك الجو وتتغداهم ~~قبل أن يتعشوك ... # غدا - على أبواب الخريف ms42 - يأتونك مساومين، وكأني أسمعك تقول لهم: السعر محدود، عمل ~~بثقة، وكأن جوابهم يرن في أذني: إن تمض نمض، فتجيبهم: نمضي ولا نمضي! # إلى الأمام ولا تكن إلا عبد الله، استلهم ماضيك يشتد ساعد آتيك. # لقد بدأت بحصد الحشيش قبل إبانه، فمتى تأتي نوبة الطفيليات المعرشة على ~~الجذوع؟ # سألت الوزارات عن السيارات لتعرف من هم الذين يركبون على حساب الدولة، فليتك تقف ساعة ~~من زمان في المحارم لترى المئات منها، إن زعانف كثيرين من المأمورين يركبون ونحن ندفع ~~أجرة الخان ... # يقول المثل: المال السايب يعلم الناس الحرام، فكيف بمن خرجوا معلمين من بطون ~~أمهاتهم؟! أمثل هؤلاء يؤتمنون على الأموال؟ أيوكل الهر بالجبن؟! اقطع دابر هؤلاء، لقد ~~مشيت فلا تقف، العتبة نصف الدرب. # إن آفة الدولة هذا الدود العلق، فالبراغيث تتخبأ في جيوب الأردان وتمتص، أما هؤلاء ~~فوقاح ... يكرعون على عيني وعينك يا تاجر. # ويلمها خطة! صرنا في زمن يقول فيه الناس عن المأمور النظيف: مسكين! هذا إذا رحموه، ~~وإلا فإنهم يقولون: أذنه شبر ونصف ... أما الذي يسرق الكحل من العين فيقال عنه: شاطر، ابن ~~حرام، مقطع وموصل، ينزع الدبس عن الطحينة، فإذا شئت أن تسلم الخزينة فابعد أمثال ~~هؤلاء عن وكورهم تسلم الدولة. # وأما وقد سألت عن الشرطة الذين يستخدمون في بيوت أكابر الموظفين، فليتك تسأل عن ~~موظفين صغار يخدمون موظفين صغارا مثلهم. إن الصيد كثير! وكيفما اتجهت وتوجهت تفر من ~~أمامك الطرائد، فارم ولا ترحم. # اسهر أيها الناطور، لا تنم فالثعالب والضباع كامنة تجس النبض ... # لقد عممت فخصص، قلت فافعل، فكل وجعنا من الحبر والورق. # 9 / 7 / 51 # | امسك بذنب الحمار # لا أذكر أين قرأت هذه الحكاية التي تحث على مكافحة الجهل والأمية: # قعد صياد يستريح على مفرق طرق فإذا بمكار يسوق حمارا كهلا، ولما بلغ المفرق وقف ~~متحيرا لا يدري كيف يتجه، فقال للصياد بذلة السائل: أية هي طريق البلدة الفلانية؟ فدله ~~على الحجارة المنصوبة - الصوى - لتهدي الناس سواء السبيل. # فازداد المكاري حيرة وابتسم ابتسامة صفراء وقال للصياد: ولكنني ms43 أمي يا سيدي لا أقرأ ~~ولا أكتب. # فأجابه الصياد ساخرا: امسك بذنب حمارك ولا تفلته، وهو يقودك. # نحن في لبنان لا نشكو هذه الأمية ولكننا صرنا نشكو «أمية الشهادات»، فهي لا تعبر عند ~~الكثيرين من حامليها إلا عن أمية مركبة كحمار موسى الذي قال: لو أنصفوني كنت أركب، فأنا ~~حمار بسيط وصاحبي جحش مركب. # إن هذه الشهادات لحمل ثقيل على أكتاف حامليها، فلا هي تطعمهم خبزا، ولا هي عتاد ~~للكفاح؛ لأنهم يتعلمون لاجتياز الامتحان لا ما ينفعهم بنافعة، فإذا حملوا تلك الورقة ~~بيمينهم رأوا أن في يدهم ورقة ليس غير، وإنهم كذلك الأمير الذي قال فيه الشاعر: # من آلة الدست ما عند الأمير سوى # تحريك لحيته في حال إيماء # وإذا سألت طالب عمل من هؤلاء الشباب: لماذا لا تبتغي غير الوظيفة، أجابك أنه حامل ~~بكالوريا! وهل يليق بحامل البكالوريا غير الكرسي؟! # فآه وألف آه من الكراسي! فأي أفضل يا صاحبي، أأن تكون بائسا وعبئا ثقيلا على أبيك ~~الذي أنفق كل ما يملك مترجيا أن تكون له عكازا لشيخوخته، أم أن تعمل عملا شريفا ~~تستغني به عن إرغام أنفك. # حكي أن «شيخا» افتقر وباع ما ورث من عقارات حتى أثاث بيته والفرش، ولم يبق له غير ~~بلاس ينام عليه هو والشيخة الجليلة، وأما اللحاف فمهلهل. # وفي ليلة باردة جدا قال الشيخ للشيخة وهو يوحوح ويقضقض كمن نفضته الحمى: إذا كانت ~~هذه حال المشايخ؛ فكيف تكون حالة الفلاحين المساكين؟ # هذه هي عقلية حامل البكالوريا في لبنان وغير لبنان، فليت الحكومات تشدد - بعد أن ~~تعدل مناهجها وتجعلها مسايرة للحياة - لكيلا يجتاز الامتحان الصارم إلا الطويل ~~العمر. # 6 / 8 / 51 # | الشيطان والبيضة # حكي أن راهبا نفسه رخوة وبطنه عزيز عليه، فما استطاع أن يعيش سبعة أسابيع على الطعام ~~القفار، كان يحب «الزفرة» حبا جنونيا، وكانت وظيفته «رئيس حقلة» في أملاك الديورة، ~~ومن بروتوكول رئاسته تلك الإشراف على «قن» الدجاج وجمع البيض وادخاره ليوم الفصح ~~المبارك. # وفي ذات ليلة من ليالي جمعة الآلام المقدسة هاجت ms44 قابليته وماجت، فكان نضال عنيف بين ~~الأخ جراسيموس وشيطانه الذي يجر به، قالت له نفسه: كل ولا تخف، فأكل بيضة، أي خطية ~~هو؟ # فارتمى الأخ المكرم على فراشه وأجاب نفسه الأمارة بالسوء: اسكتي يا منافقة! أتشبعك ~~بيضة؟! بعد غد كلي حتى تنبشمي. # ولكن الأخ لم يثبت في وجه عاصفة التجربة، فراح يفكر كيف يأكل البيض، فهو لا يعجبه ~~نيئا. أيقليه؟ فالريحة تفضحه، أيسلقه؟ فلا إناء عنده ولا نار، وبينا هو يتبحر في حل ~~هذه المعضلة الدولية إذا بها تنحل بغتة كالأنشوطة، فقام إلى البيض وانتقى إحدى العتاق ~~الكبار لأن تقشير العتيقة أسهل، ثم راح يشويها على لهب الشمعة، وفيما كان يقلبها بعناية ~~فائقة إذا برئيس الدير العائد من قضاء حاجته يشم قتار قشر بيض، فوضع عينيه على ثقب في ~~الباب غفل الأخ جراسيموس عن سده فرآه على تلك الحال فقرع الباب وصاح: يا أخي جراسيموس، ~~بأمر الطاعة افتح. # ففتح الباب وخر الراهب إلى ذقنه وقال بانكسار: اغفر لي يا محترم، من أجل ~~المسيح. # فقال له الريس: كنت صبرت يومين يا خي جراسيموس، وربحت أجر صيامك. # فتمتم الراهب وقال: اغفر لي يا محترم، من شأن المسيح، الشيطان جر بني. # فصاح الشيطان القابع في الزاوية: لا تصدق يا محترم، أنا تعلمتها منه. # حقا إن ما نقرأ اليوم من مختلقات عشاق الكراسي من مستوزرين وغيرهم ليذكرنا بكلمة ~~الشيطان لريس الدير فإخوة الأخ جراسيموس لا يمهلون حتى يجيء الفصح فيأكلوا حتى تنتفخ ~~بطونهم، وإن كانوا لا يعرفون الشبع. # مصيبتنا كبيرة جدا في هذا البلد كلنا نشتهي أكل البيض يوم الجمعة الحزينة، فنلجأ ~~إلى أخس وسائل الطهي ... ونأكل البيضة مشوية ولو حرقنا أصابعنا ... # إن ألسنة هؤلاء أشد إحراقا من لسان شمعة ريس الحقلة، ومع ذلك لا يعترفون مثله ~~قائلين: جربنا الشيطان. # 19 / 8 / 51 # | راهبات بونا حنا # كان الأب يوحنا مرشدا وقيما لراهبات دير في مكان قفر، يوم كان الرسول ينقل الأخبار ~~والحوائج. كان المحترم يركب بغلة الدير مرتين كل جمعة ليتحوج من المدينة، ثم ms45 يعود مساء ~~وقد أعيا ككل من اكتهل وشاخ، فتلتف حوله الراهبات ليتسقطن أخباره الطرية، فلا يكاد يجيب ~~حضرته على سؤال حتى ترشقه الأخرى بآخر، فيرزح تحت أثقال ألسنتهن وتظل حرب الكلام قائمة ~~على ساقها حتى تفرغ جعبهن، وهيهات ... # اختلى الأب بصومعته وشرع يقلع ثيابه فسمع نفسه يقول بدون تفكير: صحيح أن لسان النسوان ~~طويل! إذا كانت هذي حالة الراهبات فكيف تكون حال اللواتي لم يكن لي حظ مخالطتهن! ثم ~~أرسلها زفرات حرى في إثر الشباب الذي راح! # وراح يفكر في حيلة تكفيه شر هؤلاء، فكان كلما خلع قطعة من ثيابه تقفز من تحتها فكرة، ~~فيظهر الاستهجان بقول: هء، لأ. وأخيرا استلقى على فراشه، وتذكر صلاة المساء والليل ~~فجثا يتلو فرضه على ضوء ذبال المصباح المفتل. وكانت تتخلل الصلاة أفكار وخيالات ~~فيكشها بيده كما يكش الذبان، وانقضت الصلاة ونام الأب نوما قلقا، ولكنه ما عط ~~هنيهة حتى استيقظ ضاحكا لما اهتدى إليه من حيلة يقطع بها ألسنة الراهبات. # فقالت له نفسه: ما لهؤلاء الزاهدات وأخبار العالم! فلولا قصد إبعادهن عن شئون العالم ~~وشجونه ما بني لهن الدير على رأس هذا الجبل الأقرع. # وغل المحترم في فراشه وهو يقول: هي هاي يا بونا حنا ... وصلت ... هذه نكتة لو سمعها ~~«سيدنا» لعملك مطران أبرشية ... وهناك تستريح وتغرق في نعيم وتخلص من هذا الأسكيم ~~... # وبعد مرور أسبوع من تاريخه عاد الأب يوحنا من المدينة كعادته، فما وقفت به البغلة على ~~بوابة الدير حتى كانت الراهبات في الانتظار ... ولما رأين على وجهه ابتسامة مفلطحة ~~استبشرن وهزجن كالصبيان: أهلا وسهلا، معك خبر مليح يا بونا حنا، هات ... عجل ... وانشق ~~قمر بونا حنا ولاحت أسنانه الصفراء، وقال: يا قرود السود! أمهلوا حتى نتنفس. فصاحت ~~إحداهن: عجل يا بونا حنا، ورددن جميعا هلق، هلق، هلق هلق ... # فصاح الأب يوحنا بعدما صلب على وجهه والتفت إلى السماء: طيب، اسمعوا: صدر أمر من ~~سيدنا البابا أن كل راهبة بوزها صغير تحل من النذر وتتزوج. # فصرت الراهبات شفاههن وهتفن بصوت واحد: ms46 صحيح يا بونا حنو ... ثم سكتن كأن على ~~رءوسهن الطير ... # وكانت الرحلة الثانية إلى المدينة والعودة، وكان الاستقبال والاستعلام عن الأخبار ~~كالسابق فقال الأب حنا لأخواته بالرب: الخبر الماضي غلط، أما الصحيح فهو أن كل راهبة ~~بوزها كبير تحل من النذر وتتزوج، فانفتحت أشداقهن كمغارة نهر الكلب، وصحن جميعا: صحيح ~~يا بونا حناه. # تلك حالة أصحابنا الطامعين بالزواج من الدولة فهم يغلقون أفواههم ويفتحونها على ~~مصراعيها كما توحي إليهم شياطينهم ... ولكنهم سيبقون في الدير؛ لأنه ليس من يطلب ~~أيديهم. # فما أكثر المدعوين وأقل المنتخبين! وكم يؤدي حب الرئاسة إلى التنكر للكياسة ... # 2 / 9 / 51 # | أدواء بلا دواء # في كل يوم نسمع نشيش مقلي الوزارة، فلا تسخن الكراسي حتى يحلم بها آخرون، ويحاولوا أن ~~يزحزحوا الجالسين عليها، سواء أحسنوا أم أساءوا، فكأنما الوزارة في لبنان أشبه بلعبة: ~~وسع وسع. # ولماذا لا يحلم كل واحد بالوزارة عندنا ما دامت النيابة آلة الدست. # حكي أن أحد كتاب ديوان المأمون قد جود خطه ونمق إنشاءه، ثم عرض الرسالة على ~~الخليفة ليوقعها، فأعجبته صيغتها وصياغتها، فقال له: إنك تطمع بوزارة ... أما عندنا فما ~~أكثر الذين يطمعون بها دون تجويد خط وتنميق إنشاء ... # أما الميزانية فحبل يمسك النواب بطرفيه، وكل فريق يشد صوب صدره، والنائب البطل، من ~~أية جبهة كان - وكل الجبهات في هذا سواء - هو من يغنم الحصة الكبيرة، ويرضي بها من ~~انتخبوه. # عندنا طريق، تخلع على زوارنا البرانس البيضاء، بلا ثمن، فلو كنت نائبا لما زفتها ~~فقط بل كنت أخذت ثمن تيني وعنبي وثماري أضعاف ما هو، ولكني لست بنائب، ولهذا يصح بي قول ~~الشاعر مع بعض تحريف: # المرء في زمن «التصويت» كالشجرة # والناس من حولها ما دامت الثمره # حتى إذا راح «يوم الانتخاب» مضوا # وخلفوها تقاسي الحر والغبره # أما مياه الشرب فشعار أصحاب الأمر والنهي: نسقيك بالوعد يا كمون. # فلتحي البئر، ولتحي السماء. # ما أحراني أن أقول مع بشار: أصبحت مولى ذي الجلال ... ولكنني أخاف ألا يكون لربنا في ~~هذا البلد إلا ما ms47 كان له في حكايات مصرية. # حكي أن أربعة مختلفي الألوان كانوا يعربدون في الشوارع ليلا، فأدركهم العسس وعلقوا ~~يسبونهم جملة. ثم عاد آمر الفصيلة إلى التفاريق فكز وكشر وسأل أحدهم: من رعايا من ~~أنت؟ # فتطاول هذا وأجاب: أنا إنكليزي. # فتوارت التكشيرة حالا، واقترب منه بلين، وبعد أن زوده بنصائح كأنها الاستعطاء أخلى ~~سبيله. # وأقبل على الثاني يستجوبه فقال: فرنساوي، فوبخه بعنف ثم خلى سبيله. ومال على الثالث ~~مستفهما، فقال الرجل: أخص القنصل الفلاني، فشتمه أعنف شتم حتى ذكر أمه، ولكنه أخيرا ~~أخلى سبيله، فلحق برفاقه. # أما رابع الثلاثة - وهو مصري من أولاد البلد - فأعجبه أن يجيب: أنا من رعية ~~ربنا. # فانهال عليه بالكرباج وقال سوقوه إلى الحبس، فصاح الرجل بينما كان السوط يلحس قفاه : ~~دا زمان زفت، صار ربنا فيه أقل من قنصل. # أما أنا فسأظل مولى ذي الجلال - أي من رعية «ربنا» - ولا أطلب غير ملكوته وبره ~~... # 29 / 9 / 51 # | سلوها لماذا # سلوها لماذا غير السقم حالها ... # مطلع قصيدة قالها الشاعر العربي الكبير عبد الحميد الرافعي، رنت هذه القصيدة وطنت ~~حين أنشدها الفونوغراف، وما كان أعظم غبطتي حين تعرفت بقائلها في «سير»، مصيف الضنية ~~المشهور. # لم أكن احترفت النقد بعد، يوم تلاقينا، فسألني - رحمه الله - إذا كنت قرأت أرق ~~منها. فقلت: أما أرق منها فلا، أما في ميوعتها فنعم. # فأجاب بامتعاض كالغضب: تقول ميوعة؟! قلت: نعم، وأكثر ... فما قولك في من يقول: «لقبلت ~~حتى بالعيون نعالها»؟ # فوجم الشيخ وأغضى، ثم قال: إذن عدها من هفوات الشباب، فقلت عاطفا: وأرق شعر عربي ~~لم يقل البحتري أصفى منه ديباجة. # فتبسط إهاب وجه الرافعي بعدما تغضن، وراح ينشدنا من روائعه. # أقسم لك يا قارئي العزيز، وليس لك علي يمين: إن بيت الرافعي المائع قد أصبح اليوم ~~عسلا وسكرا ... إن قائله ذكر، والذكر عادة يكون أقل حياء وأكثر وقاحة من الأنثى، فما ~~نسمعه - في أيامنا - من مثل هذه الأقوال التي تبث وتذاع، ليلا ونهارا، ليندى له ~~وجه الفحول العتاق، فكيف بوجوه العوانس والنساء، ms48 والعذارى المراهقات. ~~- أنا بحبك، أنا دايبة، متى تجي يا حبيب قلبي، رايحة أموت. ~~- موتي، للقرد العمى في قلبك وفي قلب مين يصغي إليك، لا أقول في قلب من يرخصون لك ~~بإنشاد مثل هذا الكلام؛ لأنه ليس لهؤلاء قلوب. # إن بلدا لا يعنيه إلا حديث البطن وما دون ... فليس بالبلد الذي سيكون بألف خير ... ~~فارفقوا بصغارنا أيها الكبار العقول، وقبل أن تراقبوا السينما راقبوا ما يذاع ويسمع في ~~قدس أقداس البيوت. # ستقولون: هذا ما يطلبه المستمعون، الحق معكم، فكم يسمعنا السواقون - غصبا عن رقبتنا ~~- أمثال هذه الأغاني، وكم من مرة سمعت السائق حين يجيء دور حديث يصرخ: طق حنك، ويرد ~~الباب على المحدث فلا يحدث إلا نفسه. # فما علينا - إذن - أن نفعل؟ وأما علينا رفع الجمهور - بوسائل عديدة - إلى مستوى حديث ~~العقل والقلب معا؟ أما على الإذاعة اللبنانية أن تؤلف لجنة لتنتقي للمستمعين أحاديث ~~طلية جذابة فتحولهم عن إيثار الكلام الرخيص، وعن سماع نساء وبنات يصرخن من أعماق ~~الأعماق: أنا بحبك، تعال يا حبيبي، تعال يا روحي ... ~~- تسلم روحك يا بنت خالتي! خلا لك الجو فبيضي واصفري. # الحياء في النظر ... # 25 / 10 / 51 # | في المطار # من يحزر ماذا اشتهيت لما دخلت المطار، ورأيت لبنان يحدث دول الأرض كأنه وإياهم في ~~سهرة عائلية؟ # قلت يا ليتني أجلت مجيئي إلى الدنيا نصف قرن، أنا واثق أن أحفادي الذين لا يزالون ~~في ظهر الليالي سوف يضحكون من تعجبي الآن، كما أضحك أنا من جدي الذي هبط إلى بيروت ~~راكبا جحشا ابن أتان ليتفرج على القطار، ويرى بابور النار الذي لم يدر في خلده - ~~تعالى - أن يوحي إلى نوح صنع فلك مثله. # كم كان يتضاحك المرحوم حين كان يقص علي حكاية أول قنديل كاز جاء الضيعة، ويصف لي ~~كيف سهروا على ضوئه أول مرة ناظرين فيه آية العصر الكبرى! ثم يروح يقابل بينه وبين ~~مصابيح الغاز التي رآها تضوي شوارع بيروت، ويقول: الفرق شتان ... وأخيرا ينتهي به ~~التعجب إلى القول: ما عصي على ابن آدم ms49 غير الموت! # ليته يبعث اليوم ليعلم أن ابن آدم سلوقي عبقري الريح ... خبأت له الطبيعة المطامير ~~وهاهت به، فراح ينبشها واحدة بعد واحدة. # لقد جرني هذا الفكر إلى التساؤل: ترى أيهما أقدر؟ أمن خلق المادة أم هذا الذي اكتشف ~~خباياها؟! # ما أعظمك أيها العقل؟ لقد جعلت من صاحبك رب أرباب. # ما دخلت مطارنا الدولي وجلت فيه حتى سمعتني أقول لنفسي: بنى الأمير بشير دارا فاعتد ~~بها لبنان، ترى ما عساه يقول بعد حين فيمن بنى هذا الأثر العالمي؟ هذا الأثر الذي يقف ~~فيه لبنان الصغير في الأمم أمام دول الأرض جمعاء وقفة النظير أمام النظير. # أسفت جدا لأني بكرت في المجيء إلى الدنيا، ولكن هذا أمر وقع ... فما بقي إلا أن أتمنى ~~أن ينساني الموت حينا لأسمع ما يقال، وأبصر ما ينبشه السلوقي من جديد ... # كنا منذ بضع سنوات نتعب جدا لندل القارات الأرضية على مقامنا في المسكونة، أما ~~اليوم فقد صار هذا «الملليمتر» من خريطة الكرة الأرضية دنيا واسعة الشهرة. # سوف يذهب مع الدوي كل ما قيل، وكل ما يقال وسيقال في المطار، فلا كتاب أبيض ولا أخضر، ~~ما هناك إلا أثر باق ما دام عليها وفوقها من يطير ... # سوف يبقى مخبرا بأعمال يدي من أنشأه، ويلقي في آذان الشانئين: # وللدجاجة ريش # لكنها لا تطير # 4 / 11 / 51 # | حكاية بيضة # أربعة نساك شعث غبر ضافوا أرملة، فحسبتهم أشباحا من غير هذا العالم، وما صدقت أنهم ~~بشر حتى حيوها قائلين: السلام عليك يا أختنا بالرب. # فقالت في قلبها: أختنا بالرب! هذي لغة جديدة، ثم علمت أنها أبطأت في رد السلام، فوهلت ~~وصاحت: أهلا وسهلا، وانحنت واضعة يدها على صدرها. ~~- أعند أختنا مكان نسند إليه رأسنا؟ ~~- حلت البركة. # وتلبدت الغيوم على قلة رأسها فقال كبير النساك: لا تقلقي، ولا تهتمي، ثم أشار إلى ~~الصينية قائلا: هاتيك الكسرات من الخبز مع قبضة ملح في صحن ماء تكفينا عشاء. # فأجابت الأرملة بقلب منسحق وعين مكسورة: وفي البيت يا محترمين زيت وبصل وتوم، وفجل ms50 ~~وتين ودبس، تفضلوا استريحوا. # ولما قعدوا على العشاء تذكرت المرأة أنها سلقت بيضة مع بضعة رءوس بطاطا لابنها الذي ~~لم يعد بعد، فوضعتها أمامهم على الصينية، وقالت: أبد عذرك ولا ترم بخلك. # فصاحوا جميعا: هذا كثير كثير! وطفقوا يأكلون ويتهامسون، وراحت هي تحملق في أفواههم ~~آملة أن تدرك بعينها ما فات أذنها، وأخيرا: صرحوا من بعد تهدار، فقال أحدهم: هي بيضة، ~~ونحن أربعة، فلنقترع عليها. # فأجاب كبيرهم: الاقتراع نوع من القمار، فأليق بنا نحن الدراويش أن نأكلها على ذكر ~~الله ... فالذي يقول منا أحسن آية تناسب المقام فهي له. # فما قال ذلك حتى استولى أحدهم على المبادرة، ففقس البيضة وقال وهو يقشرها: إني ~~أعريك كما عري المسيح من ثيابه. # فمد إليها ثان يدا كالمدرى وقال: وهو يملحها: اقبلي ملح الحكمة. # فابتسمت المرأة وقالت : يه! كأنهم يعمدون البيضة قبل أكلها! # فأخذها الثالث، وهو يحسب أنه ربح المعركة، فقال وهو يهم بها: عريانا خرجت من بطن ~~أمي، وعريانا أعود. # فكان الرابع أخف من النسيم، فنتشها من يده وقال: ادخلي فرح سيدك ... # فدخلت بأمان، بينا كانت المرأة تنظر إلى ضيوفها الأجلاء بعين الرضى والإعجاب. # إن أكل بيضة مسلوقة اقتضى - كما نرى - حك رأس وكد فكر، أما مضاعفة معاش نواب الأمة، ~~فقيل لها بالإجماع: كوني فكانت ... # لقد صح في نوابنا - وفيهم من نحب، ومن نجل، ومن نحترم - ما جاء في المثل: من كان ~~الدفتر في يده لا يكتب اسمه من الأشقياء. # صحة وعافية يا ذوات، صار معاشكم يكفيكم، فلا عذر لكم إن لم تفكروا بمعاش من ~~انتخبوكم. # أطعموا البقرة لتدر ... # 30 / 11 / 51 # | 1952 # | لكم دينكم ولي ديني # قال سليمان بن داود: باطل الأباطيل وكل شيء باطل! ومع ذلك تقول لي الرسائل التي ~~تكاثرت علي في مطلع هذا العام: تعال ... قف معنا، اكتب كذا وكذا لنصلح المجتمع. # أما قال هذا الحكيم: ما كان فهو ما يكون، والذي صنع فهو الذي يصنع، فليس تحت الشمس ~~جديد. # قال الله - ومن أصدق من الله قولا: # لكم دينكم ms51 ولي ~~دين # فدعوني - إذن - وشأني. # أشهد أني أسفت جدا لأني وقعت بعد فوات الوقت على نصيحة الجامعة القائلة: افرح أيها ~~الشاب في حداثتك، ولذلك أراني أخالفه، وأنا شيخ، في قوله الآخر: الحزن خير من ~~الضحك. # لا يا سليمان، يا مكلم الحيوان، وقاهر المردة والجان. لقد فاتني يا سيدي ضحك كثير ~~في حداثتي لأني كنت مضيعا ذاتي، وما اهتديت إليها إلا منذ أعوام، ومنكم أرجو يا أصحابي ~~أن تسمحوا لي بالمناضلة ضاحكا. إن الضحك من المتكبرين المتجبرين كماء يصب في قدر تفور، ~~فلا تحاولوا فثء غليها بالجد والترصن. # وقبل وبعد فما أظن أنكم قادرون على ما أقدر، كما أنني غير قادر على ما تقدرون، ولهذا ~~أجيبكم: لكم طريقكم ولي طريقي. # وقال الحكيم أيضا: العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئ من السمع، وإني أزيد ~~عليه: والقلب قابل دائما للطمع. رأيت الناس لا يذكرون بالخير إلا من مضى وراح، يقولون: ~~إن فاتك عام استبشر بغيره، أما عملا فهم لا يترحمون إلا على الماضي ... # إني لراض من الحياة أن تتهدد، فهي كريمة خيرة وإن توالت علي نكباتها وصواعقها، يكفيني ~~منها أنها وهبتني روحا تضحك من ذاتها إذا لم تجد من تضحك منه وله وعليه ... إنها لنعمة ~~عظيمة أن تضحك في المناحة، وتهزأ وأنت سائر في المواكب ... فكلتاهما مهزلتان فيهما العبر ~~... لا دواء أدوأ لهذه «النكبات» من أن تدوسها كما داس ديوجانوس كبرياء أرسطو. # أما كان ساكن البرميل فيلسوفا كساكن قصر الإسكندر! فاسمحوا لي أن أكون ديوجينيا، ~~وكونوا أنتم أرسطاطاليين، وإذا لم نلتق الآن على صعيد واحد فسوف تجمعنا الأيام في دور ~~آخر ... # دور يمضي، ودور يجيء، والأرض قائمة إلى الأبد. هكذا يقول سليمان، لكم طريقكم ولي ~~طريقي، وكل الطرق تؤدي إلى الطاحون ... # 10 / 1 / 52 # | أوتوماتيك # كيف نوجه بعثة إلى السويد لتتعلم الأوتوماتيك؟ والأوتوماتيك عندنا في كل مكان! ~~أليست أكثر الأمور عندنا تسير أوتوماتيكيا؟ # قالوا لي في حزيران الماضي: في آخر تموز تتصل بالعالم تليفونيا، فشكرت وخرجت. # وما انقضى تموز حتى راجعت ms52 فأجبت في آخر آب، وذكرت في أوائل أيلول فما نفعت الذكرى ~~أيضا، وصح بتلك المواعد قول النابغة: # تمر بها رياح الصيف دوني # ولكن الغريق يتعلق بحبال الهوا، فبقيت أراجع أوتوماتيكيا - بدلا من دواليك - فقيل ~~لي في آخر شباط: ينتهي كل شيء، ولكن شباط شبط ولبط، وشخر آذار وهدر، وما تفتح في أرضنا ~~برعم من براعم التليفون. # أرأيت كيف تجري الأمور أوتوماتيكيا؟ # قرأنا أننا تحدثنا مع باريس هاتفيا، فقلنا: عال. وقرأنا تصريحات معالي الوزير أمس ~~بأن باريس سوف تصبح مدينة ترانزيت، فنتمكن من الاتصال بجميع عواصم أوروبا ومدنها، ~~فقلنا: شيء عظيم، وقرأنا أن العاصمة ستتكلم أوتوماتيكيا عام 1953 فقلنا: عظيم جدا، ~~كل هذا دليل على الرقي. # ولكن ألسنا كلنا أبناء دولة واحدة؟ أما لنا نحن بعض ما للعاصمة؟ نرضى أن يكون لنا من ~~الجمل بعض شعرات من ذنبه لا أذنه كما يقولون ، ترضى القرية أن نلبس ثياب أختها العتاق ... ~~لا نطلب إلا السترة ... # أنشكو نزوح القرى إلى المدن ثم لا نعمل للقرية شيئا؟! # ما أرى مثلهم إلا كمثل أب يلبس زوجته وبنته الكبرى أحدث الثياب وأغلاها، وأنفس الحلي ~~وأبدعها؛ للصباح حلي وثياب، وللمساء حلي وثياب، أما أولاده وبناته الآخرون فليس لهم ~~فستان شيت ولا طقم كاكي ... عوراتهم مكشوفة يمشون بالزلط يا واو ... # أمن العدل ألا يكلم ابن القرية طبيبه فيدركه قبل أن يفطس؟! أمن العدل أن نشقى ساعات ~~مشيا على الأقدام لندعو طبيبا ونجلب دواء؟ # يقولون: إننا في عصر السرعة ثم لا نشعر بها إلا في الوعود، فقبل أن تسأل تجاب: نعم ~~نعم، بكرة، من كل بد. # أنعم الله عليكم يا سادة. لا نسألكم إلا أن تعملوا بقول الشاعر: # وإلا فقل «لا» تسترح وترح بها ... # أربعة وزراء توالوا، واحد قرر، وثلاثة وعدوا، ولكن تنفيذ «يوق» كل وزير يشد صوب ~~صدره. # الوعد يمشي أوتوماتيكيا، أما العمل فمقعد، يعجز إنسان حتى «السيد» أن يقول له: احمل ~~سريرك وامش ... # فليتهم وزعوا بعثة الأوتوماتيك على أكثر بعض الدوائر لتتعلم من وعودها كيف يكون ~~الأوتوماتيك ... # 2 ms53 / 3 / 52 # | عيد الشعانين # دخل الناصري أورشليم راكبا جحشا فصاحت الجماهير والتلاميذ: مبارك الملك الآتي باسم ~~الرب، فما تراهم فعلوا لو دخلها راكبا حصانا؟! # فرشوا ثيابهم في الطريق لتطأها حوافر مطيته الذليلة، وعدوا أمامه صارخين: انفتحي ~~أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد ... وكروا خلفه والتهاليل ملء الأفواه، والابتهاج ~~يطفر من العيون والرجاء يقفز من الصدور، ملئوا فضاء القدس: «أوصانا» لابن داود، فظن ~~السيد أن وراءه رجالا. # ثم كان الخميس فتعشى مع «خاصته» وشرب نخب الجلجلة. # وكان صباح الجمعة فنسي «التلاميذ» الخبز، والملح، والخمر ... # نام السيد في الحبس، فإذا بالذين صاحوا أمس أوصانا يصرخون اليوم: دمه علينا وعلى ~~أولادنا. # وإذا ببطرس الذي ابتهر «وتمرجل» كان أول الجاحدين. # ولكنه ما خرج من الباب إلا ليدخل من الطاقة، فلله باب التوبة ما أرحبه، وما ~~أوسعه! # ما الفرق بين «أوصانا» وبين «يعيش»؟ أما هما شيء واحد؟ # ركب المسيح جحشا ومشى على الثياب، واليوم يركبون على رقاب عليها ثياب ... حتى إذا ما ~~مالت الشمس وتقلص الظل راحوا يفتشون عن «راكب» جديد ... # الجماهير هم هم، يخلعون مبادئهم كما يقلعون ثيابهم، يستبدلون بأوصانا يعيش، وبسعف ~~النخل والزيتون المسدس والتوميغان. # ثياب للإعارة والتأجير، يكرون بها مع كل خيل مغيرة، يحملون الشموع الثخينة في موكب ~~التدجيل والتبجيل، ويرشون العطور على موكب «الماشي»، ويحرقون البخور أمام المتكئين في ~~صدور المجالس، ويكسرون الجرة خلف المولي. # حقا إن المولي ما له صاحب! # فيا عيد الشعانين، يا عيد التهليل والتعظيم، يا عيد الضعفاء والمستعبدين، والبؤساء ~~والمجانين. # يا عيد المطبلين والمزمرين، ابصق في وجه اللابسين ثياب المرافع، المقنعين بوجوه ~~«البرباره». # يا عيد الفيران، المتقاتلين على «كشك» الجيران، من لي بحذفك من التقويم، لتستقيم ~~أخلاق أطفالنا! أما نحن فعسينا. # أرادت الغوغاء خبزا من القائل: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، ولما رأوا معجنه ~~فاضيا هتفوا: اصلبوه، اصلبوه. # ما أشبه الليلة بالبارحة! فيا ذوي الأنوف التي لم تفقد الشمم والشم، إذا فرحتم بيوم ~~الأحد فلا تنسوا يوم الجمعة ... # 6 / 4 / 52 # | الوجدان العام # لا أحب الخوض وسط ms54 المعمعة، ولا أحب الأديب، كما ~~يريد الجيل الطالع: هباط أودية، حمال ألوية، كصخر الخنساء، نحن ولدنا في الساحة وما ~~زلنا فيها، ولكن كل فريق يريد أن نخوض ساحة بعينها، وهذه الساحات قد أمست لا تصلح لنا، ~~وأمسينا لا نصلح لها ... # ما ينقصنا في هذا البلد إلا الوجدان العام، إننا لا نشعر كمجموع بل نحس كأفراد ~~وأسراب، ولهذا ترانا بعداء عن لبنان، ولبنان بعيدا عنا، كل منا ينتسب إلى ضيعته، ~~فمنطقته، وإلى ملته، فطائفته، أما البوتقة الكبرى فلا تصهر هذه المعادن المختلفة لتجعل ~~منها مثالا واحدا؛ لأن النار المصوبة من الأنبوب لا تستطيع الصهر والتذويب، وبتشبيه ~~آخر ليس لنا إلا بطارية غير مشحونة لا تضيء الطريق ولا تحرك السيارة. # فالنائب والوزير تهمهما منطقتهما بل لا يهمهما منها إلا تلك الشخوص التي توصلهما إلى ~~كرسي النيابة فالوزارة ... ولهؤلاء دون سواهم يعملان ... وهذا أصدق دليل على ضعف الوجدان ~~العام. # إن المؤسسة التي ليس لها وجدان عام لا تفلح، والإدارة التي ليس لها وجدان عام ~~يسيرها لا تنجح، والشركة التي ليس لها وجدان عام تفلس وتصفي حسابها، والبيت الذي ليس ~~له وجدان عام يخرب. # إن هذه الضوضاء التي تعلو وتخفت تحت قبة البرلمان لتذكرني بحكاية رواها لي صديقي ~~المرحوم المنسنيور غناطيوس ضومط، قال: سافرنا في القطار من باريس وكان معنا الزعيم ~~جوريس، فتجمهر العمال لوداعه. كان يلبس ثوب العمال في ساعة الوداع، وما توارى القطار عن ~~الملوحين بقبعاتهم ومناديلهم حتى بدل المسيو ثوبه الكاكي، ولبس الفراك وبرنيطة كبرج ~~إيفل ... # أجل يا سادة، إننا نريد ثوبا لا يخلع، نريد صخورا لا فقاقيع صابون تتلاشى فور ~~خروجها من الباب. نريد وجدانا عاما لا وجدانا خاصا. الوجدان الخاص هو وجدان ~~«الأنا»، أما الوجدان العام فهو وجدان «الغير» وهذا ما نحتاج إليه. # وبكلمة صريحة واضحة أقول: نريد أن نبني وطنا يكون لنا فيه بيت، لا أن نبني بيتا ~~يكون لنا وطنا. # ومن له أذنان للسمع فليسمع. # 17 / 4 / 52 # | لا أب ولا أم ولا عم # ما أظنني تجاوزت ms55 الحد في الجرابين الأخيرين: ما أرخص النفوس، والوجدان العام! ولست ~~أحسبني قلت غير الحقيقة التي يزعمون أنها تجرح، قلت: لن نسمع صوت الهاتف حتى ينفخ في ~~الصور، ويقوم من في القبور ... لأنني لن أمسي وزيرا أو نائبا لأعمل لقريتي. # فهل من يستغرب قولي بعدما قرأنا في جريدتي بيروت وتلغراف تصريحا لرئيس المجلس ~~النيابي السابق يقول فيه: أنا شخصيا لن أرشح نفسي؛ لأن حقوقي مؤمنة بوجود عمي أحمد ~~بك في هذا «المنصب»؟ # ومن أين لعين كفاع رجل عظيم مثل أحمد بك ليؤمن لها بعض حقوقها، ويشتري النفوس ~~المعرضة لخطر الموت؟ # قلت للوزير: أنا رايح إلى عين كفاع، وخائف على نفسي، فكان ما خفت أن يكون. نفذ السهم ~~في نسيب عزيز، فتى في الحادية عشرة، هو حكمت البر حداد، سقط على رأسه من عل، فأغمي ~~عليه وبق الدم ولو لم تسق إلينا رحمة الله سيارة خاصة في تلك الهنيهة لرأينا بأعيننا ~~ما يفتت القلوب. نعم كان نقله إلى جبيل خطرا وأي خطر! ولكننا اخترنا أهون الشرين، ~~والحمد لله على أنه لا يزال في المستشفى حيا يرزق. # فإلى من نشتكي يا جماعة الخير؟! تعلل مدير التليفون السيد جلخ بقلة الأعمدة والفناجين، ~~ولما أراد هو، وأراد غيرنا، وجدت الفناجين ومد خط إلى حيث يريدون! # أذكر أن الأمم المتحدة تريد أن تقضي على «الخوف» فهل من يبدد مخاوفنا لنسكن بيوتنا؟ ~~أجل نحن خائفون على نفوسنا يا سادة، فأمنونا ... أمنونا لنحيا إلى الانتخاب العتيد ~~... # وبعد، فالحياة عزيزة يا معالي الوزير، ويا سعادة المدير، فنفذوا ما تقرر ولا ~~تجعلونا مطية لغيرنا ... # رحم الله حافظ إبراهيم الذي قال: # إلى من نشتكي عنت الليالي # إلى العباس أم عبد الحميد # فهل يسمع «الراعي» صوت القرية ويرثي لحالها؟ # لا نطلب الكهرباء لأن عندنا قناديل وفوانيس، ولا نطلب المياه لأن عندنا الآبار، ولا ~~نطلب الطريق لأنها أصبحت صالحة بفضل «العهد»، ولسنا نطلب التليفون للتفكهة والتسلية ~~والزنترة، بل لندق جرسه حين تدق النكبة جرسها ... # إن حقوقنا غير مؤمنة لأنه ليس لنا أب ولا ms56 أم، ولا أخ ولا عم ... كما تغني أسمهان، ~~وأخيرا أقول لنفسي: فلنصبر، أليس الصبر مفتاح؟! فلو كانت المصيبة طويلة البال - تعد ~~ولا تفي كمدير التليفون - لهان الأمر، ولكن المصائب تفعل ولا تقول، ليتها تتعلم من ~~مديرية التليفون فنأخذ حذرنا - إذ ذاك - ونأمن شرها، ونستغني عن الاستغاثة ~~بالتليفون. # 25 / 4 / 52 # | أخوت يحكي # رآني أمشي في الرواق مشية المدل، أدخل وأخرج وعلى وجهي سيماء الواثق من نفسه، فأخذ ~~يقترب مني بعين مكسورة، يد على الصدر، وأخرى على العكازة كأنه يخشى أن تفلت منه. ظننته ~~أحد أولئك الذين يهاجمونك لينتحوا بك ويشحذوا بشرف فتهيأت لاستقبال النكبة، ما فتح فمه ~~حتى حاولت أن أسده بقولي: لا تغرك مني عينك يا عم، الذي في الصندوق على الظهر ملزوق، ~~لست عند ظنك ففتش عن غيري. # فتنهد المسكين وقال: أنا لست منهم يا سيدي، أنا رجل لي شغل هنا، أجيء كل يوم أطلب ~~إنهاء قضيتي ولا أحد يرد علي ، حتى ولا السلام. أسمعت في زمانك أن أحدا لا يرد الصباح. ~~لا أسمع منهم إلا كلمة: مشغول يا عم، تعال غدا، وأعود غدا، فلا أفوز بغير: تعال بعد ~~يومين ثلاثة. # فقلت: وماذا تريد مني؟ # قال: تتوسط لي عندهم ليفكوا أسري، والله العظيم ركبني الدين، صرت أستحي من العيال، ~~الحالة ضيقة جدا. ~~- قل ماذا تريد؟ ~~- بارك الله فيك، تتوسط لي ليدفعوا ما يستحق لي عندهم. ~~- والدفع يتطلب واسطة! هذي عادة قديمة فينا، إذا أراد الواحد منا أن ينصح ولده يتوسط ~~ولده الآخر ... ادخل واطلب حقك يا عم، بعين مفتوحة. # فقال: وماذا ينفعني تفتيح عيني متى أغلقوا الباب بوجهي، فلنفرض أنهم كانوا مشغولين ~~مثلما ادعوا، ألا ينتهي شغلهم؟! أراهم يوشوش بعضهم بعضا، ويشربون القهوة ويتحدثون، ~~وحين ينظروني يصيحون: اتركنا في شغلنا ... ولا أراهم في شغل غير المسايرة. # ومر بنا في تلك الهنيهة السعيدة صديق من الموظفين، فأخذ بيدي وسرنا وهو يقول: تظن أنك ~~تحكي مع رجل له عقل، هذا مجنون، يجئنا من وقت إلى آخر ليمثل هذه الكوميديا. # فقلت ms57 لصديقي: إذن صح فينا وفيه قول المثل: أخوت يحكي وعاقل يفهم. # فأجابني صديقي: لا أقول لك لا، ولكن أخاطبك كما خاطبتني بقول المثل: ليست أصابع يدك ~~كلها سواء. # فقلت: ما أكثر الصالحين فينا، ولكن ذبانة تفسد خابية، في بلاد الناس صارت المكانس ~~كهربائية، فهل أقل من أن يكون عندنا مكانس قش ... نكنس بها من يقتلون الناس صبرا ~~... # 3 / 5 / 52 # | الدماغ الإلكتروني والعقل الكرتوني # قرأت منذ ثلاثين أربعين سنة خبر «الحصان الحاسب»؛ فتعجبت كيف أن بهيما يحسب! مع أن ~~المثل يقول: لا يوجد رأس بلا حكمة. # واليوم قرأت خبر الدماغ الإلكتروني، الدماغ الذي يقولون: إنه يحسب أحسن من البشر، ~~ويلعب الشطرنج ... ترى هل يصير هذا المخ في متناول الناس جميعا فيصيروا كلهم حملة ليسانس ~~ودكتوراه! # ونحن في هذا البلد الذي يسمونه لبنان؛ أترانا محتاجين إلى أدمغة تحسب بلا إحساس؟ أم ~~إلى أدمغة تحس ما تحسب؟! أي نفع لنا بأدمغة الإلكترون إذا كانت قلوبنا من ~~الكرتون؟! # ما نفع دماغ يحسب ما عند غيره ولا يحس بشيء مما عنده؟! بل ما نفع دماغ - مهما حسب - ~~إذا لم يكن وراءه قلب يحاسب. # أينفعنا أن يكون لنا دماغ حسابه دقيق، وليس لنا قلب رقيق؟ # أظن أن الإنسانية محتاجة إلى قلوب أكثر منها إلى أدمغة وجيوب. # وإذا كان عصر المادة يحتاج إلى دماغ يحسن الحساب؛ فالإنسانية التي تنشد الراحة ~~والطمأنينة محتاجة إلى قلب يحس ويبكت كل مليم، لا إلى دماغ لا يفرط بسانتيم ولا ~~مليم. # عجيب تمادي هذه البشرية وسعيها وراء كل ما يرفه عن الجسد، أما الروح فقلما يفكر بها ~~أحد. # تخترع قنابر تفرق الذرات، وأدمغة أشد حسابا من يوم العرض، ولا تفكر بخلق قلوب نستبدل ~~بها القلب الذي تنفش في الصدور، وتضخم من كثرة ما مر به من دماء استحالت قيحا ~~وصديدا. # ليت جامعة كورنتو الكندية توصي المعامل البريطانية على صنع قلب يصدق في محبته صدق هذا ~~الدماغ في حسابه. # وليت العلماء البريطانيين الذين يفكرون بتصغير الأدمغة الإلكترونية ليتسع نطاق ~~استخدامها ويسهل الحصول ms58 عليها، ليتهم يفكرون بخلق قلوب تنوب عن قلوب الناس الكرتونية ~~التي لا تهش ولا تنش. # ليتهم يفكرون بهذا فيقتني كل إنسان منا قلبا بدلا من أن يقتني خنجرا ~~ومسدسا. # إننا لا نحتاج في لبنان إلى أدمغة بل إلى قلوب ... لنترنم مع داود: قلبا نقيا أخلق ~~في يا الله، وروحا مستقيما جدد في أحشاي. # الدماغ كثير الالتواءات ولهذا يعقد الأمور، أما القلب فأملس يحل المشاكل. # فلنتفاهم بقلوبنا المتحابة لا بأدمغتنا الحاسبة، لسنا محتاجين إلى أدمغة تلعب ~~الشطرنج، بل إلى قلوب لا نطمع أن تفرزن لتلهم البيادق ... # فيا خالقي الأدمغة، لا تنسوا الضمير. # 15 / 5 / 52 # | ويسألونك عن الساعة # كان الشيخ سليم ناصر البيروتي إماما ظريفا، النكتة على طرف لسانه فلا تواتيه فرصة ~~حتى يرسل أفاعيه ولا يبالي، وبلغ خبره والي بيروت فجعله إماما له. # وسقطت بينهما الكلفة فأخذا الوالي يمازح شيخه ويمالحه ليرى ما يخرج من رأسه، فيتبسط ~~الشيخ ما استطاع. # ووعده الوالي يوما بساعة ذهبية، ولكنه ماطل ولم يبر بالوعد، وكان إذا ذكره الشيخ ~~بها قال الوالي: الله مع الصابرين. وهكذا حال الحول، وظل الشيخ ناصر بلا ساعة، وأطل ~~رمضان شهر الصلاة والصوم، فلزم الشيخ بيت الوالي، وابتدأت التراويح، وخيال الساعة يروح ~~ويجيء أمام عيني الشيخ، فعزم على أن يقذف إلى الساحة بجميع ما عنده من قوى ~~وعتاد. # ولكي تطيب لك النكتة يجب أن تعلم أن التروايح مفردها ترويحة، والترويحة اسم للجلسة ~~التي تلي الأربع ركعات، والتراويح خمس جلسات، فيكون مجموعها عشرين ركعة، وعلى الشيخ أن ~~يتلو آية من آيات كتاب الله العزيز في كل ترويحة. # قال الشيخ في الترويحة الأولى: # يسألونك عن الساعة ~~أيان مرساها * فيم أنت من ذكراها * ~~إلى ربك منتهاها ~~. # وتلا في الترويحة الثانية: # إن الله عنده علم ~~الساعة ~~، # ولا يزال الذين كفروا في ~~مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة ~~. # ولما قال في الترويحة الثالثة: # فهل ينظرون إلا ~~الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها ~~، تنبه ~~الوالي وأدرك أن شيخه يعني ما يقول. # ثم قال في الترويحة ms59 الرابعة: # بل كذبوا بالساعة ~~وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ~~. # فعبس الوالي عند سماعه كذبوا وسعيرا. # وكانت الترويحة الخامسة والأخيرة فقال الشيخ: # يسألك ~~الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك ~~لعل الساعة تكون قريبا ~~. # وانفتل الشيخ سليم من صلاته لتقع عينه على الوالي يفك ساعته الثمينة من سلسلتها، ~~فالتقفها الشيخ وهو يقول: أفندم، العصفور وخيطه. # فانتزع الوالي السلسلة الذهبية من عروة صديريته وهو يقول: عفارم خوجه ... # بلا تعليق. # 25 / 5 / 52 # | المسيح حقا قام # ومن محطة إذاعة إسرائيل # الله، الله! ما أكثر غرائب هذا الزمان! إذا كان المثل يقول: عش رجبا تر عجبا، فكيف ~~تكون حال من عاش ستين سبعين رجبا. # لم أصدق أذني أني أسمع إذاعة دينية مسيحية تنقلها محطة إذاعة إسرائيل، وزادت عجبي ~~عجبا تلك الخطبة عن قيامة المخلص. # اعتاد اليهود أن يحاكموا يسوع كل بضع سنوات ويثبتوا الحكم الذي صدر منذ ألف وتسعمائة ~~وتسعة عشر عاما، أما بعد أن سمعت بعد ظهر الأحد الواقع فيه 4 نوار هذه الإذاعة، فتبادر ~~إلى ذهني أنهم نقضوا أحكام بيلاطس وقيافا ويوحانان ... وبالاختصار: آمنو أنه ~~«أتى». # كان لنا رفيق يهودي في المدرسة كنا نمازحه، وحينا نوجعه ونؤلمه لنحمله على أن يقول ~~«أتى» ولكنه كان لا يقولها مهما آلمناه، وهنا يحلو لي - كما يحلو لكل من تتقدم به السن ~~- أن يرجع إلى ذكرياته يجترها. # ففي سنة 1907 ذهبت من بيروت إلى عين كفاع في فرصة عيد الفصح، ومعي ذاك الرفيق ~~اليهودي، كنت أغشى بيتهم في المدينة فأحب أن يزورني في الجبل، وفي الربيع. فوصلنا عين ~~كفاع، ليلة خميس جمعة الآلام، وأوغل صاحبي في التسامح، كما علمتنا مدرستنا في ذلك ~~الزمان، فأحب أن يحضر الاحتفال بدفن المسيح فثنيته عن ذلك لئلا يسمع ما لا يحب من شتم ~~لملته، وسب لجماعته. # قل قطعنا خط نار يوم الجمعة، ولكن صاحبي أراد أن يعمل بقول المثل: إن فاتك يوم استبشر ~~بغيره، فأبى إلا أن يحضر قداس أحد القيامة، الشتم يوم الجمعة بالسريانية، أما السب ms60 يوم ~~العيد فبالعربي المفلطح والقلم العريض، فصار علي أن أتدارك الأمر مع عمي جناديوس. ~~ذهبت إليه بعد السهرة ليلة السبت فاستغرب قدومي في تلك الساعة بعد أن كان سهرانا عندي، ~~فقلت له: جئتك في حاجة ولا أظن أنك ترجع ابن أخيك خائبا. # فأجاب مستغربا: قل، خير إن شاء الله. # قلت: الشاب الذي عندي يهودي، ويريد أن يحضر القداس فأرجو منك أن تحذف السب. # فصفق كفا على كف وصاح: أحذف السب! مارون، تطلب من عمك أن يحذف من خدمة القداس ~~كلمات إكراما لسواد عيون يهوديك! حط عقلك برأسك ... # ورحت أداوره ولكن من يزحزح جبلا، كان - رحمه الله - تقيا يخاف الله، ولما تضايق ~~هتف: مارون، تريد أن تخسرني ملكوت الله؟! نسيت يا صبي إيش قال يسوع: من يستحي بي قدام ~~الناس أستحي به قدام أبي الذي في السما؟ فالج لا تعالج، وأومأ برأسه وهو يقول: لا لا ~~لا. # قلت: طيب، مغمغها. # فتضاحك وقال: لا تقلل عقلك، أحسن لك أن تبقيه في البيت. # وبعد أخذ ورد خرجت من عنده ظانا أنه يدبرها بحكمته، ولكن الغد خيب ظني فراح العم ~~يفخم ويضخم ويمطط ويترنم، ولما بلغ المحطة رجح رأسه كعادته وهتف ملتفتا صوبنا: ~~وتنكس رأس قيافا واليهود الملاعين إلخ ... # فقلت لصاحبي اليهودي اقبض ... عرضت نفسك للبلا فاستهدف، وخرجنا أخيرا من الكنيسة بعد ~~امتلاء أذني رفيقي سبا وشتما ولعنا باللغتين العربية والسريانية. # كم تمنيت أمس أن يكون المرحوم عمي جناديوس جالسا حدي ليسمع بأذني رأسه صلوات وعظة ~~القيامة وتراتيلها تذاع من محطة يهودية هي محطة إسرائيل. # الله، الله، كم في السياسة من ضحك على اللحى والذقون، ولكن أكثر الناس ~~ينخدعون. # لا أدري، والله، من هم أكثر بلاهة، المسيحيون الذين يذيعون صلوات القيامة من محطة ~~إذاعة يهودية؟ أم اليهود الذين يذيعون ما يطعن معتقدهم في صميم قلبه؟! # حقا إن السياسة نفاق ورياء ودجل. # 31 / 5 / 52 # | ويسألونك عن القرية # قل عليها الغرم وللزعماء الغنم. # قل منشقة شطرين يقتتلان ولا يعلمان لماذا. # غنم كلها صفروا لها هرولت، ms61 حتى إذا ما رغت وثغت زربت إلى حين الحاجة ... # القرية بضاعة معدة تعرض في الساحات والشوارع، ومتى قضوا منها وطرا أعادوها إلى ~~زرائبها. # أنعام طيعة مروضة، لا تعض ولا تلبط ولا تحزن. # ميتة حية من قلة الموت، لا زرع ولا ضرع، ولا ضياء ولا ماء، ولا طبيب ولا ~~دواء. # عاجزة حتى عن الاستغاثة حين يزورها عزرائيل. # بلهاء يتناحرون من أجل من لا يقيم لهم وزنا إلا ساعة تخف موازينه. # القرية عروس يتغزل بها المتزعمون ليتزوجوا سواها. # لا تنال القرية حقها إلا يوم يصير الموظفون العاملون من أبنائها، فيحسون بآلامها ~~وبلاياها. # أما الموظف الذي عنده كل شيء: الماء جار في غرفته، والضوء تحت أصبعه، وسماعة التليفون ~~حد مخدته، والسيارة قدام بابه، فكيف يحس بشقاء القرية؟! # لو قعد هؤلاء المنعمون محلنا يوما واحدا لأحسوا ما نحس من ضيق وضنك. # إنهم غرباء عن أورشليم، لا هم لهم غير حك جلدهم. # يقول هؤلاء: تخمت العاصمة وبشمت، وكادت القرى أن تمسي خاوية خالية. # ولماذا لا تخلو! فلولا ما فيها من هدوء وسكون ، وطيب هواء من كان يسكنها ساعة؟ # إن أقصى الرعب أن يكون لك في القرية بيت ولا تستطيع سكناه خوفا من عارض ~~مفاجئ. # الخوف والجهل والعوز ضيوف القرية الثقلاء، فهل بقي أمامنا غير الرحيل؟ # 2 / 6 / 52 # | أطرش # ما عرفته - رحمة الله عليه - إلا قبيل غروب شمسه بقليل، شيخ عليه مهابة، ذو أبهة ~~ووقار، يتدافع كالحجل المدل متى مشى، كريم جواد، وهاب نهاب، بيته ويده ~~مفتوحان. # ظل شيخ صلح الأسكلة أكثر من نصف قرن وما تحلحل عن منصبه إلا لينزل في حفرته. # طرش شيخ البلد فقال الناس: ارتاح من سماع السب والشتم، وقال آخرون: لو عمي كنا ~~استرحنا منه وانتخبنا غيره. # وكان إذا ما مر في السوق بعد الطرش وسبه أحد، أجابه: يسعد صباحك، وإذا شتمه آخر رد ~~عليه: الحمد لله، وكيف حالك أنت. # وهكذا دواليك. # وعاد مهاجر غني وأراد أن يشتري عقارا في المدينة، فاعتل عليه الشيخ، ولم يعطه ~~«الكشف» وبقي الرجل شهورا ms62 يروح ويجيء بلا جدوى، ولما أعيا قال لي: فلان صاحبك، خذ لنا ~~منه «النمرة» وهذه عشرون ليرة إنكليزية تدفعها له. # كنت أعرف جيدا أنه يعيش من ختم المشيخة، فأخذت العشرين ذهبا ورحت، وما قابلته حتى ~~صحت بأعلى صوتي: يا شيخ، من بعد أمرك واجهني كلمة. # فالتفت بابنه مستفهما، فأشار إليه، ففهم ومشى أمامي إلى «الخلوة»، ولما خلونا أشار ~~بيده وقال: خير إن شاء الله. # فصحت بأعلى صوتي: فلان بعث لك معي عشرين ليرة إنكليزية. # فهرع الشيخ إلي وسد بوزي بيده، وقال: احك بالسر، سمعي مليح، فتعجبت وقلت: سمعك ~~مليح! ~~- نعم نعم، أسمع مثل الخلد، ولما رآني غير مصدق قال: خفف صوتك قدر ما تريد تعرف إني ~~أسمعك. # وقبل أن أنقده العشرين ليرة أحببت أن أعرف سر طرشه، فقال الكلمة التي تعجبني أسمعها، ~~وهكذا استرحت عشرين سنة. # أليس الأجمل بنا في زمن المهاترة والذم بالحق وبالباطل أن نعمل كذاك الرجل، أظن إننا ~~الآن في الزمن الذي قال فيه المتنبي: # قد أفسد القول حتى أحمد الصمم # 27 / 6 / 52 # | طناجر دير مار سمعان # كانت هذه الممالك وهذه الجمهوريات والإمارات - في هذه البقعة المقدسة - تحت إمرة ~~سلطان واحد لا غير، ثم صارت دولا كما نرى. # والذي عندنا هو عند جارنا، جيوش جرارة من الموظفين وميزانيات ضخمة يستهلكون معظمها، ~~قد تكون إدارة الشئون في حاجة إلى كثيرين منهم، ولكنها ليست في حاجة إلى كثيرين أيضا، ~~لقد صدق من سمى الراتب «معاشا». # كان يسوس لبنان شخص واثنا عشر نائبا، وإذا قيل «لبنان كبر» والشئون كثرت، قلنا: لا ~~بأس في مضاعفة العدد، أما كثرة الطباخين فتشيط الطعام. # ضرب قدماؤنا المثل في ثلاثة أشياء وجودها وعدمها سواء، فقالوا: ركوات المطران جرجس، ~~ومكتبة الخوري سركيس، وطناجر دير مار سمعان. # فركوات سيادته الاثنتا عشرة كانت مصفوفة فوق الموقد بالترتيب كما كنا نصطف يوم كنا ~~تلاميذ، ولكنها ما مشت قط لاستقبال ضيف، ولم تر في حياتها وجه البن الأسود، لا سود ~~الله لكم وجها، أما تلك الطناجر فقد كانت أسوأ ms63 حالا من قدر الرقاشي التي قال فيها ~~النواسي: # تشكو إلى قدر جارات إذا التقيا # اليوم لي سنة ما مسني بلل # أما المكتبة - وهي برمتها طليانية - فظلت طول حياتها تدير قفاها للناس، ولم ير ~~لكتبها أحد وجها، لأن صاحبها يجهل ذلك اللسان ... # ولماذا نبعد أفلا يزال عند الموارنة وغيرهم أساقفة يسامون على أبرشيات أمحت من ~~الوجود؟! # فعلى هذا النسق يعينون اليوم في بعض الوزارات أشخاصا يسمونهم مستشارين، فيأكلون ~~«الجراية» ولا يجرون مع الغاية، فيصح فيهم المثل المقول في العهد العثماني: معلوف موقوف ~~مثل خيل الدولة. # كانت النصيحة بجمل، وصارت اليوم تعطى «بلاش»، فما حاجتنا إلى الطبيب ونحن أناس لا ~~نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع؟! # 15 / 9 / 52 # | عيبه في حواشيه # تعود أهل هذا البلد أن يشحذوا حقهم شحاذة، فمتى ولي واحد خطة من خطط الحكم، تضرب ~~عليه عنكبوت الوسائط بنسجها، وتكثر السماسرة حوله، فكل من له دعوى عنده يسألك هذا ~~السؤال: على يد من ينام؟ ومن يخص؟ منو مفتاحو؟ # ويظلون يفتشون على المفتاح حتى يجدوا ولو مفتاحا صدئا لا يدخل الثقب ... وهكذا تجد ~~حول كل ذي سلطة أقزاما يسمونهم «الزلم». # قال الشاعر: # وما آفة الأخبار إلا رواتها # وقال يسوع: أعداء الرجل أهل بيته، ونقول نحن: ما آفة الحكام إلا المقربون، فهم الذين ~~يسودون صحائفهم ليبيضوا وجوههم، ويملئوا بطونهم وجيوبهم. # حكي أن نساجا عجميا أنفق معظم عمره في عمل بساط رائع، رسم عليه صورا عديدة منها ~~الواقعي ومنها الرمزي، فجاء البساط آية لم تر مثلها بلاد فارس. # وفكر الرجل فيمن يهديه إليه فلم ير رجلا أحق به من جلالة الشاه فحمله إليه، وحلت ~~الهدية في عيني ملك الزمان ولكنه رأى أن يستشير حاشيته، فأجل الرجل إلى الغد. # وكذب الغد ظن المسكين، ترجى جائزة تقبر الفقر فإذا بالشاه يقول له: بساطك معيوب، ~~لا يليق بقصور الملوك. # زفر المسكين زفرة كادت تطير البساط، وانحنى يقلبه على جميع وجوهه وهو يقول: يعيش رأسك ~~يا ملك الزمان، أين العيب! # فصمت الملك وأفاض الرجل في ms64 حديثه، ولكنه لم يسمع جوابا، فدار حول بساطه دورة من فجع ~~بعزيز، ولما أعياه الأمر عليه قال للملك بمرارة: إذا أمرتني يا مولاي أدلك أنا على ~~العيب. # فأومأ الشاه برأسه أن نعم. # فابتسم الرجل ابتسامة مرة وقال: بساطي فيه فرد عيب يا مولاي، حواشيه رديئة ... آه من ~~حواشيه! # فابتسم الملك لتلك الغمزة وقال له: رح مع الخازن خذ الجائزة، وسننظر في إصلاح ~~الحواشي. # لا خوف على المسئول صغيرا كان أو كبيرا إلا من هؤلاء، إنهم يبعدون المخلصين، ~~ويقربون المنافقين، وهكذا يخلق لنا الحكم أصدقاء مؤقتين وأعداء دائمين ... # 2 / 11 / 52 # | مركز حيفا أخذوه # حب الوظيفة داء متأصل فينا ولا يبرئنا منه علاج. أذكر - وما أكثر ما أذكر! إنه كان ~~إذا ما فرغ كرسي في زمن الدولة العثمانية تقدمت المئات لكي تملأه. وكان للتوظيف سماسرة، ~~وكان لكل وظيفة ثمن ذهبا رنانا، نقدا وعدا، وبالمئات ... # وفرغ مركز قاض في حيفا، فلجأ أحدهم إلى السيد حسن شقيق أبي الهدى، سمير السلطان عبد ~~الحميد ونجيه، فوعده به لقاء مائتين من الذهبات العثمانية. # واشتد الصراع حول هذا المنصب الشاغر، وشاع أنه أخذ، فطار عقل الرجل وهرع إلى بيت ~~الشيخ حسن فقيل له تجده الساعة الثالثة في «الزاوية» الفلانية يعقد مع المشايخ حلقة ~~الذكر، فهرول إلى ذلك المكان وزج نفسه في الحلقة. # رأى الشيخ حسن الصيادي يطوف على المتحلقين واحدا واحدا، ينتصب أمام كل واحد منهم ~~ويصفق كفا على كف ويهتف: الله هو، الله هو، الله الله الله هو. # فيردد الشيخ والمشايخ معا: الله، الله، الله هو. # وحميت الحديدة واشتد الصخب والتبست الأصوات. وكانت دهشة الشيخ حسن الصيادي شديدة إذ ~~وجد نفسه بغتة أمام رجله الموعود بالمنصب، ولكنه ما تضعضع بل صاح به: الله الله الله ~~هو. # فمد الرجل رقبته نحو الشيخ وأجاب: مركز حيفا أخذوه! فصفق الشيخ حسن صفقة ارتجت لها ~~الزاوية وأجاب على الفور: فشروا، فشروا، الله الله الله هو. # فصرخ الرجل من فرحته: الله، الله، الله هو. # وكان أن فشروا حقا وعين الرجل ms65 قاضيا بعد أيام، ولا عجب فكل من كان له «صيادي» في ~~ذلك الزمان، كان يصطاد حتى الدلافين والحيتان ... # كانت وسيلة الأمس ذهبية أما وسائط اليوم فعملتها طائفية، نفوذية برلمانية. كان ~~الوسطاء اثنين ثلاثة، أما اليوم فعشرات ومئات، وكان الله في عون الحكومة. # فالنواب والزعماء والمتزعمون يريدون أن تبقى «زلمهم» حيث هم، والشعب قد كره الوجوه ~~العتيقة التي لا تحول ولا تزول، حجارة داما نتلهى بنقلها من هنا إلى هناك بعد تفكير ~~عميق وألف حساب، والشعب يطلب من الحكومة التطهير، أن تطلع داما وتقش الحجارة قشا ~~... # وتصفها صفا جديدا لا يبقي ولا يذر إلا الصالح والنظيف، فهل تلعب الحكومة هذه ~~اللعبة الخطرة. # فلنقدم قد يفيد تغيير المناخ مسلولا في الدرجة الأولى، أما أصحاب الدرجة الثالثة فما ~~يريحهم، ولا يريح الناس منهم إلا القبر، فاقبروا هؤلاء الأحياء الأموات ... # 9 / 11 / 52 # | أم 44 # الكيان اللبناني - في نظر محترفي السياسة اللبنانية - وظائف توزع كالجرايات على ~~بيوتات ورجالات بعينهم. كذلك كانوا في عهود الأمراء، وعلى ذلك ظلوا في زمن المتصرفين ~~وما زالوا هكذا حتى اليوم، ومتى عرفنا هذا فهل نستغرب هذه الصيحة الكبرى حول إنقاص عدد ~~النواب ! # ما حاجتنا إلى أكثر من أربعة وأربعين، ومجلس لبنان - قبلما شب وكبر - كان مؤلفا من ~~اثني عشر. # ولكن كيف تكفي الأربعة والأربعون مقعدا بلدا يحلم كباره وصغاره بالكراسي؟ # فكل من يرمي ورقة في صندوقه إنما يرميها على أمل الفوز بوظيفة. # وكل من يهتف فليسقط زيد وليحي عمرو إنما يسقط ويحيي على هذا الرجاء. # ومن يكتب حرفا ويطير برقية، ويوقع عريضة فإنما يفعل ذلك وهو يتخيل الوظيفة ~~فاتحه ذراعيها لتضمه إلى صدرها. # كانوا منذ نصف قرن يقفون على أبواب القناصل عند تعيين كل متصرف جديد، مترقبين دوران ~~رحى العزل والتعيين، أما الشيخ رشيد - وكان من الأقطاب في ذلك العصر - فكان يعتمد على ~~السفير الفرنسي في إستنبول ويلزم بيته. # ووصل المتصرف وتحركت ركاب الشيخ للسلام على «الباشا» وجس النبض، ولما عرفه المتصرف ~~قال له: طمن بالك يا شيخ، أنت ms66 هنا. # قال المتصرف هذا ودق على قفاه دقات فهم منها الشيخ أن توصية السفير في جيب المتصرف ~~الخلفاني، فرجع إلى بيته ونام على صوف ... # وبعد شهر قابل الشيخ المتصرف فإذا به يرى نفسه حيث كان، وكانت الدقات الثانية أزخم من ~~الأولى ... فضحك وانصرف لينتظر أسابيع أخر. # وجاء عيد الجلوس الهمايوني فانتهز الشيخ الفرصة، وأعد لها عدة خازنية، فبعد تقديم ~~التهاني ورفع الأدعية الحارة بطول بقاء الذات الشاهانية دق المتصرف للشيخ تلك الدقة ~~عند الانصراف، فأخرج الشيخ من جيبه ورقة ملفوفة بشكل أصبع وقدمها له، فعبس دولته إذ ~~رآها ظانا أنها من أصابع الرشوة الصفراء ... ولكنه تناولها منه وهو يقول: ما هذي يا شيخ ~~رشيد؟! # فأجاب الشيخ: شربة ملح إنكليزي تساعدنا على الخروج من هذاك المطرح ... # وترجم للباشا ما قال فضحك وأمر بكتابة «البيلوردي». # ترى إلى كم قنطار ملح إنكليزي نحتاج اليوم إذا أردنا تحقيق جميع المآرب! # 15 / 11 / 52 # | بعد عاصفة الشوف # إذا رأى غريب عاصفة الانتخاب في الشوف ظن أنها الأولى من نوعها في لبنان، أما المخضرم ~~مثلي فيراها صورة لما كان يجري، وعما يجري عند كل انتخاب، حتى انتخابات المختارين ~~والبلديات وانتقاء النواطير. # إنها بضاعة لبنانية ذات ماركة مسجلة، أما هذه الحركة فتمتاز بشيء واحد وهو تحقيقها ~~لقول السيد المسيح: ما جئت لألقي سلاما بل حربا، جئت لأفصل الأخ عن أخيه، والابن عن ~~أبيه، والمرأة عن زوجها ... # قد رأينا - لأننا شهدناها عن كثب - أن الأخ يعارض أخاه والابن أباه والكثير من البيوت ~~انقسمت على بعضها، إن مثل هذا أيضا كان يحدث في لبنان في أيام طغيان الإقطاعية ~~السوداء، ولكن ذلك كان يحدث تقية أما اليوم فأظنه عقيدة، وإذا لم تكن قد تبلورت بعد ~~فسوف تتبلور. # حدثني عمي - حين كان يبرر موقفه من البطرك إلياس الذي كان غاضبا علي لإلحادي وكفري - ~~قال: مثلك ومثلي يشبه حكاية ذاك العم وابن أخيه في عهد الأميرين يوسف وبشير، انقسما ~~فكان العم من حزب المير يوسف، وكان ابن أخيه من حزب المير بشير، ms67 فكان إذا حكم الأمير ~~بشير وأراد الانتقام من العم صاح ابن أخيه: والو يا سيدنا المير! أيش تقول عني الناس؟ ~~ألا يقولون شب طويل عريض ما قدر يحمي شيبة عمه، وهو شيخ جليل؟! # فضحك الأمير بشير على خلاف عادته، وقال للشاب: وهبتك هذا الشيخ ولكن بدون «جليل» ... ~~لأنه قليل الهيبة. # ثم دارت الأيام وحكم المير يوسف وعزم على قتل الشاب، فتقدم منه العم وقال: ماذا تقول ~~عني الناس، لحية طويلة عريضة لا تحمي ابن أخيها؟! # فالتفت إليه المير يوسف وقال: قالوا إن اللحية سياج ترد عن صاحبها مسبات كثيرة ... ~~ولكنهم لم يقولوا إنها ترد القتل عن غيره، ومع ذلك إكراما لخاطر جنابك يا شيخ لا ~~نمسه. # أتمنى أن يكون هذا الانقسام الذي رأيته في الشوف انقسام مبادئ وعقائد لا انقساما ~~طائفيا، أو حفظ خط الرجعة، ومسك الحبل على الطرفين ... # لقد حان أن نترك عنعناتنا تلك ونتمسك بالمبادئ التي رسخناها على صخرة ميثاقنا الوطني! ~~... # 21 / 11 / 52 # | شراويل عتيقة # قال لي أحد شيوخ القرية: كان لرجل بقرة وليس عنده من يرعاها، فكان يفك خناقها عند كل ~~شروق شمس ويحوطها باسم قديس ذلك النهار - ولكل يوم قديس عند النصارى - فكانت تروح ترعى ~~وتجيء. ولما جاء يوم عيد جميع القديسين كبر قلب الرجل واطمأن حين أطلقها بحراستهم ~~جميعا، ولكن البقرة راحت وما رجعت. # إن هذه الحكاية تؤيد - في نظري وحدي على الأقل - حكمة تقليل النواب؛ لأن كثرتهم - وما ~~أستثني إلا بعضهم - ضرت الكثيرين وما نفعت إلا القليلين من المحاسيب والأنصار، أما ~~قال المثل: كثرة الطباخين تشيط الطعام، وبيت الثنتين خرب من سنتين. # أظن أن الإقلال من النواب سيؤدي حتما إلى الإقلال من غيرهم. إذا قلت لك: إن بيوتا ~~برمتها تعمل في مأوى الدولة أخشى أن لا تصدق، بلى صدق، كما صدقت أنا من روى لي هذه ~~الحكاية، قال: دخلت مرة إحدى الدوائر فرأيت الأب فيها رئيس ديوان، وابنه الأكبر رئيس ~~قلم وزوجته ضاربة على الآلة الكاتبة، وابنه الآخر حاجبا، فقلت له: جحا وأهل ms68 بيته عرس! ~~من بقي في البيت من غير شر؟ فهز رأسه وقال: نفقنا والجبر على الله. # فلو شاءت الدولة - اليوم - ففي استطاعتها أن توزع الميزانية توزيعا عادلا على جميع ~~اللبنانيين فلا يخلو بيت من نعمة الوظيفة ... # أذكر أنه صدر في زمن الانتداب مرسوم يمنع أن يكون في الجمهورية اللبنانية موظفان درجة ~~قرابتهما ثالثة، وإذا وجد فللحكومة الحق أن تصرف من تشاء منهما، فيا ليت شعري! ماذا ~~يصير لو شئنا تنفيذ هذا المرسوم! # ما أظرف انتقاد الشيخ سعيد تقي الدين لهذه الحالة في رائعته التمثيلية «حفنة ريح». ~~اقرأ أول الصفحة 31 واذكر هذا المسرحي الموهوب بالخير. لقد ندد باحتكار البيوت ~~اللبنانية للوظائف بأسلوبه التهكمي الساخر، فخلق في مسرحيته تلك أمتع الأجواء الفنية ~~الانتقادية. # أنا لا أدعو إلى التدقيق الذي ذكرت، ولكني أرى أن تبدأ الحكومة بالأميين وأشباه ~~الأميين، والذين لا عمل لهم إلا قبض المرتب، وغير المرتب ... وخصوصا الطوال الأيدي الذين ~~التهموا البراني والجواني ... وهكذا يختصر جهاز الموظفين كما اختصر جهاز النواب ويصير ~~توب الدولة مفصلا على القد. # كانت المرأة اللبنانية، حين تعتق شراويل زوجها، تعمل الاثنين أو الثلاثة واحدا، وفي ~~إمكان الحكومة أن تعمل اليوم مثلها وأكثر، فتجعل الأربعة والخمسة واحدا، أما عندها ~~شراويل كثيرة بالية ... وقذرة ريحتها طالعة؟! # 28 / 11 / 52 # | كنت جئت إلى رومية # كثيرا ما تمسي خزائن دوائر الدولة قبورا لمصالح العباد، فلا بعث ولا نشور ولا نفخت ~~فوق رءوس «الأمناء» في بوق رافائيل ... # أعرف «قضايا» عمرت أكثر من زهير وما سئم أصحابها تكاليف الحكومة ... ولكن ما لنا ولهذه ~~فأتفه قضية تقتضي صاحبها عاما وعامين، فينفق ما في كيسه حتى يحصل على لا شيء، ويأسف ~~على حق دفع ثمنه غاليا، نقدا وعدا، وإضاعة شهور وأعوام، وهكذا يترك حقه كل من يؤثر ~~الراحة ويأبى أن يهون، وكيف يطلب ذاك الحق عند من يحجبه ساعات ثم يقول له: ارجع بعد ~~جمعة، ثم عد بعد شهر، ثم وثم ... # إن هذا المسلك ليس من خصائصنا وحدنا، ولكنه وباء انتشر في جميع ms69 العصور وما وقي الناس ~~منه إلا قوانين صارمة تسهر على تنفيذها حكومات لا تراعي في المنام خليلا. # روي أن أحد مشاهير أحبار الكنيسة الرومانية استدعي إلى الفاتيكان، فطار إلى رومة ~~تاركا على الله شئون الأبرشية، ظن سيادته أنه مدعو للترقية، فقيل له حين وصل: عليك ~~دعوى وسينظر بأمرك. # وقعد سيادته ينتظر، وبعد عام سئل وأجاب، وقعد ينتظر ... ومرت شهور ولم يسأل، ثم عينت ~~جلسة لمحاكمته بعد أشهر، وأقبلت جمعة الآلام فتعطلت أعمال المجمع، وأجلت جلسة محاكمته ~~فنفذ صبره. # كان سيادته من خطباء الكنيسة المشاهير فكلفوه بخطبة يوم «الجمعة الحزينة» فما أحجم، ~~وقام خطيبا في الأب الأقدس وكرادلة وأساقفة الفاتيكان جميعا، ولما بلغ مناجاة المصلوب ~~مد ذراعيه نحوه وهتف: يا سيدنا يسوع المسيح، لحسن حظ أبينا آدم ومن معه في الجحيم كانت ~~محاكمتك في أورشليم، فحوكمت وصلبت ومت وقمت في ثلاثة أيام ... فلو كنت جئت إلى رومة لكنت ~~حتى اليوم قيد المحاكمة. # فتماوجت رءوس الأحبار في كنيسة القديس بطرس، وسأل البابا عن قضية المطران فأخبر ~~فأمر، وقضي الأمر وعاد الأسقف إلى كرسيه مكرما. # ذكرني بهذه الحكاية ما قرأته في مرسومين جمهوريين، أولهما مرسوم ديوان المحاسبة، وقد ~~جعلت فيه مدة التدقيق اثني عشر يوما لا غير، ومرسوم قانون المعلمين وجعلت فيه مدة ~~النظر شهرين. # جميلة جدا جدا هذه السرعة، وأجمل منها أن لا تظل حبرا على ورق ... فالموظف الذي ~~يترك ومروءته قد يسترخي ولا يقوم بحمله، فلا بد له - مهما كان نشيطا - من تحذير وتقدير ~~... أما الذي لا يستنهضه ثناء ولا يؤثر به تقريع، فما دواؤه إلا القلع لأنه ضرس ~~مسوس. # وكيفما دارت الحال فلا بد من أن يظل «البابا» متيقظا ... # 5 / 12 / 52 # | تلاميذ كبار # - تفضل اقرأ يا أستاذ! # قلت: خير إن شاء الله! وتناولت الصحيفة من يد أحد تلاميذي لأقرأ فيها ما معناه: ووقف ~~النائب فلان ليدافع عن اقتراحه فأغرق النواب المعارضون صوته في عاصفة من الصفير ~~والطقطقة والتصفيق باليدين والرجلين، إلخ. # وفيما أنا ماض في قراءتي إذا بالطالب يقول: ms70 ما لك تهز برأسك؟ ليس لهؤلاء من يعطيهم ~~الإنذار الأول، أو الثاني لأنهم نواب ... أما نحن؛ لأننا تلاميذ، فكنت وما زلت تستبد بنا ~~وتوبخنا إذا ضججنا قليلا في الجمعية. # قلت: لا يا ابني، إذا أخطأ أحد من الناس، ولو كان البابا المعصوم فلا يصبح الخطأ ~~جائزا، الخطأ خطأ، نحن كلنا تلاميذ، أنتم تلاميذ صغار، ونحن تلاميذ كبار. # إن للندوة النيابية نظما وآدابا، ومن يفعل مثل ما فعل النواب يتجاوز حدود الكياسة. ~~ولو كان لرئيسهم ما لي عليكم من سلطان؛ لأنزل بهم ما كنت أنزله بكم من قصاص ... طبعا لا ~~يمنعهم من الخروج يوم الأحد كما أفعل، ولكن الشارع وضع لهم قانونا يبعدهم عن الشارع ~~... # قيل: من يعجز عن البرهان يستعمل يده، وبعض نوابنا الكرام لم يستعملوا أيديهم فقط بل ~~استعملوا أيديهم وأرجلهم وجميع جوارحهم، ولم يتذكروا أن للندوة النيابية قدسية الهيكل ~~وأبهته، ولكن متى كانت الغاية التهشيم فالأنظمة قش وهشيم ... ~~- إذا كان التصفيق محرما على النظارة في الندوة؛ فهل يجوز للنواب أن يفعلوا ما ~~فعلوا؟! ~~- لا يا بني، يجب أن يعاقبوا، أهكذا تريد؟ ولكن إذا غض النظر فأنت تعلم كم كنت أتغاضى ~~عن زلاتكم ... الحق أقول لك: إني ما كنت أعاقبكم انتقاما، بل لأروضكم وأرسلكم إلى ~~«الندوة» حيث لي من رفاقكم سبعة اليوم، ولا أحسب أن أحدا منهم شارك في هذه الهيصة ~~«الكشكشية»، أؤكد لك أنك متى صرت نائبا سوف تعرف واجباتك وتحقق الكلمة المأثورة: لولا ~~المربي ما عرفت ربي. # النواب رمز الشعب، وكثيرا ما تسمعهم يتكلمون باسمه، ويظهرون غيرة عليه، فمن الخير ~~لهم ولنا أن يحترموا الندوة كما يحترم الوافه - السكرستاني - القربان، فهو لا يمر ~~أمامه مرة ما لم يركع نصف ركعة على الأقل ... # لقد ضجوا يا ولدي - كما كنتم تضجون - فسامحهم هذه المرة، ولست أشك في أنهم ندموا وسوف ~~لا يعودون إلى مثلها، وحياة رأسك، ورأس النظام البرلماني والديمقراطية ... # 15 / 12 / 52 # | إلا وإذا # ميزانية المنافع العامة وما أشبهها، حبل يشد به كل نائب صوب صدره، وما أهلك ms71 الناس إلا ~~تلك الإقطاعية النيابية، أطلقوا يد النائب في مخصصات منطقته فكان يبذرها حيث تنبت له ~~زلما وأذنابا ... أما الإنشاءات الحيوية الهامة فلا يعنيه أمرها، يهمه أن يبيض وجهه لدى ~~أناس دون غيرهم، لدى من ينامون عند عتبة بابه، ليصبحوا جنابه متى أفاق وتمطى، ويقبلوا ~~يده النظيفة على الريق ... # هكذا كانت تقايض الحكومات النواب بمخصصات المناطق وتأخذ منهم الثقة الغالية رأسا ~~برأس ... أما ثقة الشعب فأي قليل عقل يسأل عنها؟! من يسأل عن «ثقة» لا تشيل ولا تحط ولا ~~تقدم ولا تؤخر. كان النائب حاكما بأمره يأمر بنقل الأموال من بند إلى بند، ويأخذ مال ~~قرية لينفقه في أخرى، وما على صاحب المعالي إلا أن يبتسم ويقول: طيب! فليكن. # منذ سنوات خصصوا لجر مياه نبع قطرة - بلاد جبيل - مبلغ 300 ألف ليرة، ثم رسموا ~~الخرائط ودفعوا ثمن المياه وخططوا «السبل» في كل قرية، وقعدنا ننتظر الورود لنكسر ~~عطشنا، ولكن الأيام مرت وظل النبع يسقي الصخور والأرض البور، والثلثماية ألف ليرة لم ~~نعلم كيف طارت ولا في أي بطن هي؟ # دفعت في هذا الصيف زهاء مائتي ليرة ثمن مياه نقلتها من الضبية ونبع القطين إلى عين ~~كفاع، أما من لم يستطع فكان يشرب من مياه الآبار الآسنة، ما جرني إلى تفريغ هذا الجراب ~~إلا ما قرأته في الصحف عن المشروع الإنشائي، وقد أعجبتني من قانونه المادة الثالثة، ~~وهي: لا يجوز نقل أي مبلغ من مشروع إلى آخر في الجدول الملحق بهذا القانون، إلا بقانون ~~خاص. # إن هذا البند جعل أملنا بالشرب كبيرا، ولكن كلمة «إلا بقانون خاص» تخوفني، فليت ~~الحكومة تستغني في قوانينها عن «إلا وإذا» ليطمئن قلبنا إلى مواعيدها ... يجب أن تكتب ~~الميزانية بأصبع الرب، ويجب أن ينفق كل رقم منها في المكان المعين له، ويجب أن يبقى ~~لأصحابه وإن أقوى وطال عليه سالف الأمد. # في ذلك الزمان قدموا للجنرال ويغان ميزانية جديدة ليمضيها، وبعد التدقيق رأى فيها ~~مبلغ مائتي ألف ليرة باقيا من عام أول. ولما سأل لماذا بقي ms72 أجابوه: وفرناه، فانتفض، ~~وقال: ليست ميزانية الحكومة دكان أبازير # Epicerie ~~، ~~أنفقوه على ما خصص له حتى أصدق لكم. # فليت الحكومة تقطع ذنب المادة الثالثة - إلا بقانون خاص - فيبقى لكل ذي حق حقه، وهكذا ~~نتقي شر من لا يهمهم من النيابة غير أخذ مال هؤلاء وإعطائه أولئك. # 17 / 12 / 52 # | قص لحية عضو # البقية الباقية من ألسنة النواب تحاول إلغاء الطائفية، والطائفية مرجة خضراء فيها كل ~~طيب مري لمن يحبون أن يؤتوا أكلهم على الهينة. # كان لي صديق صيرته طائفيته محافظا، وكانت تعجبه هذه الوظيفة ويحمدها كثيرا لأنها ~~سيمفونية تطرب لها آذان إقطاعيته المعتقة، قال لي مرة: تريد مني يا مارون أن أتعرى من ~~طائفيتي، وأنا لولاها ما صرت محافظا! أما على المحافظ أن يكون محافظا؟ هب الطائفية ~~ألغيت اليوم فبعد غد أقعد في بيتي للعزاء ... قالوا: من قلة الرجال سموا الديك أبا قاسم، ~~ولك أنت أن تقول: لولا الطائفية ما صار «أخوك» ما صار. # صدق صاحبي، إذا نظرنا إلى الطائفية بمنظاره هذا فهيهات أن نقبرها ولو أنتنت وأفسدت جو ~~البلاد، فوظائف الدولة في لبنان شركة كولكتيف معقودة بين أهله منذ القدم، احتاجوا في ~~زمن المتصرفية إلى عضو محكمة من طائفة ما، فما وجدوا إلا رجلا أميا ولكنه صاحب ضمير، ~~فعملوه عضوا - مستشارا - في محكمة بداية كسروان. وتطبيقا لما جاء في المثل: أرسل ~~نبيها ولا توصه، جعل مولانا القاضي علامة بينه وبين الباشكاتب، فإذا أشار هذا إلى ظفر ~~إبهامه كان على العضو أن يختم بختمه الصغير، وإذا ثني الباشكاتب سبابته ودورها لتتصل ~~برأس إبهامه ختم بختم المحكمة الكبير، وهكذا كانت حياة قاضينا الفاضل طوع إبهام ~~الباشكاتب وسبابته ... # وحكاية ك.ع. مشهورة يعرفها بعض اللبنانيين المخضرمين انتخب هذا الشيخ المعظم عضوا عن ~~طائفته لمجلس الإدارة اللبناني، وما كان عنده من آلة الوظيفة سوى لحية طويلة يحركها، ~~وشاء أعضاء مجلس الإدارة الاثنا عشر أن يتسلوا فكتبوا مضبطة وقدموها له فمهرها كعادته ~~بختمه الشريف، وشد ما كان غضبه حين عرف أنها تتضمن «التوصية» بقص لحيته، ms73 كما أوصى ~~النواب أمس بإلغاء الطائفية ... # وبلغ الخبر داود باشا فمات من الضحك وقال: هكذا يصير متى وزعت الوظائف على الطوائف ~~كالجرايات. # وأعرف قائمقام كان داهية في تصريف الشئون وتدبير الأمور عن ظهر قلب، أما الحبر والورق ~~فلا خبز له فيهما. اضطر سعادته مرة أن «يحول» بخط يده عريضة قدمتها له في بيته فكتب ~~رحمه الله: للفص عن هذه المسألة، أي للفحص عن هذه المسألة. # وأخذت هذه العريضة لضابط كسروان وهو يوزباشي، فإذا شهاب الدين ... من أخيه: لا يفك ~~الحرف، فقرأتها له فلبى الأوامر وأرسل «ضابطيته» للفص عن هذه المسألة ... التي تحتاج ~~إليها جلودهم ... # هذا بعض ثمرات الطائفية الزكية، فحرام علينا أن نجهز على هذه الفأرة العمياء التي ~~تعيش في النافقاء ... يؤذيها النور، ولا تقرض غير الجذور ... # 25 / 12 / 52 # | عصر ورق! # كل شيء في هذه الدنيا صار حبرا على ورق: النقد حبر على ورق، والقوانين حبر على ورق، ~~والشهادات حبر على ورق، وأقدس المبادئ أمست حبرا على ورق. # فلله أمك وأبوك أيها الورق! ما أوسع دولتك، وما أقوى شوكتك! # التراب في فم من يقول: ما أض... من الحبر إلا الورق. # كانوا فيما غبر يكتفون بكلمة: قلنا، خلص، أما اليوم فأشداق سجلاتنا تسمع الدنيا وما ~~فيها، ثم لا يخلص شيء. # نظل حيث كنا لأن الورق لا يقابله شيء من ذهب القيم، فكيف تطلب أن يكون ذا ~~قيمة! # سألوا كليمنصو عن رأيه في المعاهدات، فأجاب المعاهدات حبر على ورق، يجب أن يكون قبالة ~~كل كلمة دارعة، وقبالة كل بند من بنود المعاهدة أسطول لكي تنفذ. # تعنى معاهد لبنان اليوم بمعادلة بعض شهاداتها. الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية ~~فريق أول والعلم والحكومة فريق ثان. أما الذي يتأمل ويقيس الأشياء على أشباهها ونظائرها ~~فيرى شبها عظيما بين الشهادات الجامعية والنيابية، يزيدون في معادلاتهما كما زاد ~~النواب المحترمون راتبهم، وأما «النصاب» فيظل مفقودا ... إن أكثر شهادات هذا العصر مثل ~~دنانيره، كل أربعين بواحد ...! # كان في قريتنا «فلاح» يلقبونه الحداد، وكان الحداد مشهورا بحراثته السطحية، فلا ms74 يلجأ ~~إلى سكته وفدانه إلا المضطر. استأجره مرة رجل اسمه بركات رزق، فما كان الصباح حتى ~~التقيا في بستان الزيتون. وقف الحداد قبل الشروع بالحرث ينفخ في يديه الثنتين ويلقي ~~خطاب العرش: عمي بركات، الكبة بالصينية لها فلاحة، والفاصوليا مع الرز لها فلاحة، ~~والمجدرة لها فلاحة، والبطا... # فصاح بركات: بس، بس، وحق مار شليطا مزرعتنا، لو غديتك سمكة مقلية، وعشيتك دجاجة ~~محمرة فلاحتك هي هي، فلاحة حدادية ... سق يا عمي سق ... # أفلا تظن مثلي أن معظم شهادات اليوم مثل فلاحة الحداد؟ أوليست إذا عدلت أو لم تعدل، ~~تظل هي إياها؟ # أليس علينا، أولا أن نسلح الشباب فلا نحملهم بندقيات فارغة! # عجيب أمرنا! كيف صرنا من حبر وورق، بعدما كنا من لحم ودم. # أو كلما انفتح باب في الدولة نسده بلوح كرتون! # فتشوا يا جماعة الخير عن الحديد والفولاذ، وأقل شيء عن خشب ... وإلا تركتم بيوتكم عورة ~~... # للشهادات حسنات وسيئات، ولكنها - وأنا خبير بذلك - قد نزلت المعرفة ثمانين ~~بالمائة. # إنهم يكتبون اليوم على تذكرة الهوية: يقرأ ويكتب، أما بعد حين فأخشى أن يكتب حامل ~~شهادة ... # 31 / 12 / 52 # | 1953 # | رستم يحكم على كيسه # على ذكر التشكيلات القضائية، أو استقلال القضاء أو تطهيره - كما تعنون الصحف أخبارها ~~المحلية - قال لي أحد الأصحاب: أما في جرابك شيء من أخبار قضاة أيامكم؟ # فضحكت وقلت له: أتظن أني من مواليد طسم وجديس! ألا تعلم أني ابن اليوم! ومع ذلك قل ~~لي: أي زمان تعني؟ # قال: أعني أيام المتصرفية. # قلت: إذن اسمع هذه الحكاية: كان رستم باشا، متصرف لبنان الثالث، يحب النسوان حبا ~~جما، وجسر الباشا وجنينته المشهورة باسمه أحدثها هذا المتصرف إكراما لعيني صاحبته ... ~~وهناك في ذلك المنخفض الذي يذكر من يراه بالعهود الرومانية كان يسرح ويمرح معها. # وعرف الناس في رستم باشا هذا الميل فكانوا يدعون السيدات الأنيقات لتناول الطعام معه ~~في المآدب التي تقام على شرفه، وفي إحدى زياراته للجنوب أعجبته سيدة كيسة كان يجلسها ~~قبالته على كل مائدة، حتى ظن الناس أن ms75 أم شهدان استولت عليه، وصارت صاحبة الكلمة ~~النافذة عنده وكذلك ظنت السيدة. # وحدث بعض مضي شهرين ثلاثة على زيارة أفندينا، أن طعن أخو الست أم شهدان شابا من ~~أقرانه طعنة نجلاء، فاستاقوه إلى بتدين ودك في الحبس، فتزوقت أخته وتطوست وركبت ~~الزرقاء قاصدة بتدين، فاستقبلها صاحب الدولة استقبالا حارا وأنزلها عنده ضيفة، وغالى ~~الباشا في الاحتفاء بها، فطمعت به وسألته أن يعفو عن أخيها ويخرجه من الحبس. # فهز رستم باشا رأسه وقال لها: يا أم شهدان، على «الشالوف» كيف وبسط، أما في سراي ~~بتدين فعدل وإنصاف، هذي مائتا ليرة عثمانية مصروف أخيك، ليأكل ما يشاء، ويشرب ما طاب ~~له، ومتى نفدت تقدم له غيرها، أما العفو عنه فهذا فوق قدرتي يا أم شهدان. ~~- يه، يه، يه، تقبر العملة يا أفندينا، القصة قصة نفوذ ونفوس لا قصة فلوس. ~~- لا نفوذ ولا نفوس على حساب القانون يا أم شهدان، اعذريني، والله لا أقدر. # فقالت الست بغنج ودلال: أما أنت الذي عينت القاضي؟! ~~- نعم يا ست، ولكني عينته ليحكم باسم مولانا السلطان لا باسم رستم متصرف لبنان، أرجوك ~~يا سيدتي، أن تساعديني على قتل «الخاطرشن» في بلدكم، بلدكم جميل، وأجمل البلدان ما ~~زينها عدل الإنسان. # وأبت أم شهدان إلا المساومة، فأخذها الباشا بذراعها، وقال: قومي، السفرة ممدودة، ~~الأكل غير العدل يا أم شهدان ، وفيما كان يدق كأسه بكأسها قال لها: رستم يحكم على كيسه ~~لا على القاضي ... # والتفت إلى صاحبي فرأيت شفتيه مندلقتين، وأخيرا نطق قائلا: رزق الله على ~~أيامهم! # فقلت: وفي أيامنا أيضا يوجد قضاة نظاف، مستقلون، مثل قضاة رستم باشا، فلا تيأس من ~~رحمة الله. # 7 / 1 / 53 # | قضاتك فتيان # عندما جاءنا مظفر باشا متصرفا فكر بأشياء كثيرة لا عهد للبنان بها من قبل، منها أن ~~يلبس القضاة ثيابا خاصة، ومنها أن يكون «روب» رئيس وأعضاء محكمة الجنايات أحمر، وأن ~~يتقعنوا بلحى مستعارة ... فاستغرب الناس اقتراح الباشا لأن القضاة في ذلك الزمان كانوا ~~يقعدون للمظالم بشراويلهم وغنابيزهم، وعلى رءوسهم عمائمهم وطرابيشهم. ms76 # ذكرتني باقتراح مظفر باشا المادة 32 من قانون القضاة الجديد التي جاء فيها: يعين ~~بمرسوم شكل ثوب القضاة. # أما المادة الخامسة التي تقول: يعين رئيس محكمة التمييز، ونائبها العام، ومفتش ~~العدلية العام، من ... ومن ... أو من المحامين الذين مارسوا المهنة عشرين سنة على ~~الأقل. # فاستنتجت منها أن يكون من حق القاضي المميز أن يقول: # أخو خمسين مجتمع اشدي # وتنجدني مداورة الشئون # وقد ذكرتني هذه المادة أيضا بما وقع للجنرال غورو مع المارشال ديزسبيره، جاء ذاك ~~المارشال زائرا الشرق الأوسط، ونزل ضيفا على الجنرال غورو في قصر الصنوبر، فأحب ~~الجنرال أن يزيره قصر العدل، ولما دخلا رأى المارشال أن كبار القضاة ما زالوا في ريعان ~~العمر فالتفت إلى الجنرال وقال له: قضاتك صغار العمر جدا # Vos juges sont trop jeunes ~~. # فكم كنت أتمنى على من وضعوا قانون القضاة الجديد أن يجعلوا الحد الأدنى لعمر القاضي ~~ثلاثين سنة بدلا من خمس وعشرين، وإن كنت لا أقيم للعمر وزنا كبيرا، وأرى المتنبي ~~صادقا في قوله: # قد يوجد الحلم في الشبان والشيب # ومع ذلك أظن أن لجلال العمر وقعا في نفوس المتقاضين. # والعوام يقدرون سمت القاضي وأبهته وجلاله أكثر مما يقدرون ما يعرفه من اجتهادت ~~دللوزية وغير دللوزية ... # مر كاهن على فلاح يحرث أرضا لم تعد تعطي، فاستوقفه الفلاح قائلا له: أرجوك يا أبانا ~~أن تصلي لي على الماء، فأرضي عقيم، فأبدى المحترم اهتماما وصلى طويلا، ولكنه قال له ~~بعد الصلاة: يستحسن أيضا أن ترش مع الماء شيئا من السماد ... # وأنا أرى أن يضاف إلى النجاح في الامتحان أكبر كمية ممكنة من العمر، ليتهم جعلوه ~~ثلاثين، حتى إذا ما تمرن القاضي المحدث واستقل بالكرسي حق له أن يقول: # وماذا تبتغي «الشعراء» مني # وقد جاوزت حد الأربعين # 14 / 1 / 53 # | الطاهي الأعظم # قال كليمنصو: المعاهدات حبر على ورق، وإذا أردنا تنفيذ بنودها فليكن لنا قبالة كل كلمة ~~دارعة. # وعلى هذا القياس يمكننا القول: عمل الملاكات للدولة مليح جدا، وأملح منه أن نضع ~~فيها رجالا صحاح ms77 النفوس والضمائر، ثم نسهر على تطبيقها، فالسهر والتفتيش خير من عمل ~~الملاكات والتطنيش. فتأديب موظف واحد ينفع في الملاك روحيا محييا، وإلا فإنه يظل جثة ~~بل جيفة. # إذا لم تفتح الدولة عينيها الثنتين فعبثا تتنوق في رصف العبارات وتنشد المثل الأعلى ~~من الألفاظ، فالخريطة غير البناء. # لا ينقص الإسلام والمسيحية دستور ليعودا سيرتهما الأولى، لا ينقصها إلا رجال مؤمنون ~~يعملون بيقين ورجاء وسماحة. الدساتير كلها جيدة، ولهذا قال المثل العامي: اقرأ تفرح ~~جرب تحزن. # في ساعة غضب فار رستم باشا متصرف لبنان وضرب سائق عجلته كرباجين ثلاثة، ولما هدأ أدرك ~~أنه توحش فأمر السائق أن يشكوه إلى المحكمة، وتحير القاضي كيف يسمع دعوى عربجي على ~~سيد البلاد وأراد لفلفتها ... واستبطأ الباشا مذكرة الجلب فدعا القاضي وقال له: إن لم ~~تمش الدعوى تمش أنت إلى بيتك. # وبعد أسبوع صدر الحكم بحبس المتصرف أربعا وعشرين ساعة، واستبدل القصاص بدينار جزاء ~~نقديا؛ لأن ماضي «أفندينا» نظيف فدفع دولته لسائقه الدينار مع الاعتذار، وطار الخبر ~~في الجبل فهاب الناس رستم باشا وأجلوا حكومته. # إن عملا كهذا يقر العدالة أكثر من ألف ملاك. نحن لسنا في حاجة إلى طباخ ماهر، ولكننا ~~محتاجون إلى مواد تصدير متى طبخت طعاما شهيا. # منذ ثمانين سنة تقريبا زار رئيس مدرسة عينطورة تلاميذه - في عمشيت - فحل ضيفا في ~~بيوت كبيرة كريمة، وأعدت له مآدب غنية بكل طيب شهي، وشاء كبير القوم أن يتواضع ويعتذر، ~~فقال لابنه الذي يحسن الفرنسية: قل للبادري رئيسك إنه شرفنا على غير ميعاد، فما أحضرنا ~~«عشي» يعمل له الأكل، نرجو منه عدم المؤاخذة. # فضحك الأب الرئيس وأجابه: خواجه جبرائيل، الرز الجنوي، واللحم الضاني، والسمن الحموي، ~~والسمك والدجاج كل واحد منها عشي كبير! ألف ممنون. # ونحن نقول: رجال نفوسهم شبعانة، وأيديهم نظيفة، وأخلاقهم شريفة يغنون عن دستور مؤلف ~~من ألف مادة ومادة، فالرجال هم الحصانة لا الملاكات، الحبر ينصل ويمحي والورق يرث ~~ويتمزق، أما أخلاق الرجال الفاضلة فكالساعة التي في يدي لا يخترقها الماء ... ولا تؤثر ~~بها ms78 الصدمات ... ولا يعرقل سيرها مغنطيس ... # Anti-magnetic, Waterproof, ~~Anti-shock ~~. # 22 / 1 / 53 # | الحرباء والسنونو # كان لأمير قصر منيف تطوقه حدائق وجنات، للزحافات في نخاريبها أحجار وللطير في ~~شجرها أوكار. وكانت هذه المخلوقات الدنيا تعيش في جيرة الأمير آمنة لا تمتد إليها يد ~~أحد بسوء؛ لأن رب القصر كان ممن عرفوا بالبديهة شرع الرفق بالحيوان. # ورأى الأمير في إحدى نزهاته الصباحية حرباء تتشمس، والغلمان من حولها يعبثون بها، ~~فأومأ الأمير إليهم وقال: هذا حيوان لا يضر فلا تؤذوه، فتركوا الحرباء تنعم بالدفء ~~وتتلون كما تشاء. # وتوغل الأمير في حدائقه الواسعة فرأى أفواج السنونو تعلو وتسفل صائحة متهللة كأنها ~~ترحب بمقدم الربيع، ورأى صغار عبيده وجواريه يحصبونها فقال لهم: إنها طيور مظهرها خير ~~من مخبرها فما لكم ولها! # وفهم خدم القصر وحشمه أن مولاهم لا يطيق أن يؤذي حيوانا تحرم بجواره، فتركوا السنونو ~~تحلق وتسف، ومشت الحرباء الهوينى آمنة تتسلق الأشجار وتتعلق بالجدار، تحمر ~~وتخضر وتصفر، وتنفخ في وجوه العابرين فيمرون بها مر الكرام امتثالا لأوامر سيد ~~القصر. # وكانت غارة شنها إقطاعي آخر على سيد القصر فقهره، وبعدما سلب ذخائره، أضرم النار في ~~قصره، وهبت الحاشية لمكافحة النار ولكنهم لم يقدروا عليها. # وكان شيخ من رجال الأمير يشاهد الكارثة العظمى بحسرة وتفجع، إلا أن مشهدا آخر لفت ~~نظره فأنساه هو النكبة، رأى السنونو تطير إلى بحيرة قريبة من القصر، ثم تصدر عنها وفي ~~مناقيرها نقطة ماء تصبها فوق اللهيب، ثم تعود أدراجها جادة في عملها كالواثق من نجاح ~~مجهوده، وظلت تلك الطيور تروح وتجيء حتى شلت أجنحتها وسقطت في النار فالتهمتها. # فأسف الشيخ لمصرعها ورفع يديه نحو السماء وصاح: أين أنت يا رب؟ من غيرك يا الله ~~لمساعدة فاعل الخير؟ # ولكن مشهدا آخر أنساه مصيبته، رأى الحرباء، وقد جرت وراءها أسرتها الكريمة، تجد في ~~النفخ محاولة من كل عقلها إضرام النار. # فقال الشيخ في نفسه؟ الله الله، أما أحسن الأمير إليها مثلما أحسن إلى ~~السنونو؟ # قال هذا وتناول حجرا، وما هم برميها حتى ms79 رأى يدا تمسكه وسمع صوتا يقول له: أما ~~نهانا الأمير عن الإضرار بها. # فأجابه الشيخ: أما رأيت هذه الملعونة يا ابني! تأمل كيف تنفخ بالنار. # فصاح الفتى: اسأل ربك الستر يا جداه، فلا الحرباء تضرمها، ولا السنونو تخمدها، ~~ولكنها الطباع ... # 28 / 1 / 53 # | مرض الكرسي # أكبر هم الوجيه اللبناني أن يقعد ولو على آخر كرسي في دوائر الحكومة، لقد استبطننا ~~هذا الداء فعشش وباض وفرخ في رءوسنا، فبتنا لا نؤثر على الوظيفة عملا وأصبح الكرسي ~~أقصى أمانينا. فهذا ناشئنا في المدارس يدرس بإحدى مقلتيه ويتطلع بالثانية إلى الكرسي ~~العتيد الذي يحلم به. وهؤلاء أعياننا ووجوهنا، فجل ما يتمنون، أن يقعدوا ولو على كرسي ~~مخلع، وأن يجلس عليه أولادهم وأحفادهم. # تعجب الناس عندنا حين قرءوا أن جمعية أصحاب المطاعم الليلية في نيويورك عرضت على ~~المستر ترومن إدارتها بمرتب قدره خمسة وسبعون ألف دولار. ~~- يه! يه! يه! من رئاسة جمهورية أميركا! من القصر الأبيض إلى مكتب جمعية أصحاب مطاعم! ~~يا عيب الشوم. # هكذا سمعتهم يقولون: ترى لماذا استغرب هؤلاء ما رآه ترومن والأميركان شيئا عاديا؟! ~~إنهم لبنانيون، ولا عز ولا مجد عند اللبنانيين إلا على الكراسي، لا تنسوا يا سادة: أن ~~أخلاق الأميركان ليست بنت الساعة، لهم عقليتهم ولكم عقليتكم، الوظيفة عندهم خدمة، وهي ~~عندكم تأمر وسيادة ولو على الرعاع، لم ير ترومن في كرسي أكبر رئاسة في العالم غير ~~كرسي عمل من الأعمال، جلس عدة سنوات على كرسي جورج واشنطن، وما كان جورج واشنطن غير ~~خادم لأمته، كان يهمه أن يكون شعبا لا أن يجلس على كرسي. # كلنا يعلم سيرة الخلفاء الراشدين وماذا عملوا، فكانوا قدوة للشعب، وخلقوا أمة مثلى. ~~أما جورج واشنطن فهاكم ما فعل: # كان في الشارع فرأى شابا طويلا عريضا يفتش عن عتال يحمل له بقجة صغيرة، فاقترب ~~منه جورج واشنطن على أنه عتال، وأخذها من يده ومشى بها إلى البيت. قال لأم الشاب حين ~~سلمها إياها مع ما قبضه منه أجرة: قولي لولدك عتالك جورج واشنطن يرجو ms80 منه أن لا تعود ~~لمثلها. # إن أمة يفعل رئيسها هكذا لا يستغرب أن تتقدم فيها جمعية مطاعم ليلية بعرض إدارتها على ~~الذي كانت كلمته أمس تقيم الدنيا وتقعدها. # لا رقي لنا نحن الشرقيين عموما - واللبنانيين خصوصا - ما لم نخلع ثيابنا القديمة ~~المزركشة، ونلبس الطقم الكاكي. ولا حياة لنا بين أمم الأرض ما لم نقبل بالعمل الشريف ~~مهما كان نوعه. # في ساعة جدال قال أحد لوردات الإنكليز لأحد النواب: أتعلم أن والدك كان يمسح بوط أبي؟ ~~فأجابه النائب بالبرودة المشهورة: نعم، ولكنه كان يمسحه جيدا. # إن المدارس مسئولة عن غرس هذه الأخلاق في نفوس رجال الغد، والموظفون أنفسهم هم خير ~~المعلمين، متى تواضعوا واستقاموا، وفهموا أنهم أجراء الأمة لا أمراؤها. # 14 / 2 / 53 # | ونصف مليون! # تعب نابليون من النظر والتفكير في خرائطه وخططه الحربية، فتحول إلى جناح الحبيبة ~~الأولى، إلى مقصورة جوزفين. كان الإمبراطور يرى في فلك ذلك الوجه الذي أحبه حبا جما ~~طوالع سعده، ولكنه غاب عنها غيبة غير قصيرة فمشت الألسن في عرضها كما مشت الغيرة في قلب ~~الكابورال الصغير الذي كان اسمه يرعب الدنيا. # وراح الإمبراطور يداعب الزوجة الحبيبة، مستعملا دهاءه الحربي في فتح قلب جوزفين على ~~مصراعيه ليعلم إن كان احتله أحد غيره. ثم استطرد ودار الحديث حول الأمانة الزوجية فقال ~~الإمبراطور: الرجل والمرأة في هذا الأمر سيان فقلما يكتفي الواحد منهما بفرد حبيب، فلم ~~يفت ذكاء المرأة ما يعنيه زوجها الإمبراطور، فقالت: المرأة متى أحبت تقف نفسها على من ~~تهوى . # فقال نابليون: ولكن في الدنيا يا سيدتي مغريات يجب أن تحسبي لها حسابا. # فانتفضت جوزفين وقالت هازئة: أية مغريات؟! ماذا تفعل المغريات إذا كان هنالك حب ~~صحيح؟ # فتضاحك نابليون وقال: فلننظر يا جوزفين إذا اعترض طريقها الجمال الفتان فماذا يصير ~~بأمانتها؟ # فقالت: إذا كانت تحب حقا فلا ترى جمالا إلا فيمن تحب. # فقال: طيب، وإذا لمعت الحلي والجواهر، وبرقت الليرات، ألا ترتخي النفس؟ # فأجابت: المال زبالة في نظر المحبين، فصاح بونابرت: لا تبالغي يا سيدتي، المال ms81 فكاك ~~المشاكل. # فاشمأزت وقالت: لا، لا يا سيدي الإمبراطور، ربما كان ذلك في الحرب أما في الحب ~~... # فقال بونابرت إذ ذاك: إذا قال واحد: هذه ألف نابليون! فابتسمت جوزفين ساخرة، وأومأت ~~برأسها أن لا. # فقال: ولو قال عشرة آلاف! قالت: لا يصير شيء. # وجمع إذ ذاك نابليون كل ما في ذلك الوجه العبقري من قوى تستولي على المبادرة وقال: ~~ونص مليون! فصاحت جوزفين: بلا خلط من يدفع نصف مليون؟! فقهقه نابليون، ونكست جوزفين ~~رأسها كحمامة سقطت في الشرك ... # ذكرتني بهذه الحكاية كلمة كتبها الكاتب الطيب إسكندر الرياشي خاتما بها مقاله الصريح ~~حول «قانون الإثراء غير المشروع»، فبعد أن قال ما يشبه: من منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ~~... رمى الإنسانية جمعاء بهذه الكلمة: أي رجل لا يكون سارقا إذا عرف أنه إذا سرق لا ~~ينفضح؟ # أظن أن هذا كثير، هذا سهم مراش يا رياشي. أما فينا من لا يسرق لأن السرقة عيب ~~وبس؟ # 8 / 3 / 53 # | تذكر ولا تعاد # دخلت على رياض طه فرأيته ملفف الرأس كأنه مهراجا أو مطعوم نجاص ... دخلت، فإذا به - رغم ~~ما به - لا يتخلى عن ابتسامته التقليدية. وبعد السلام والاطمئنان، قال لي مدير مال ~~الأحد وأنباء الشرق: هل في جرابك شيء يشبه حالنا اليوم؟ # قلت: ما صار شيء إلا صار مثله، وسيأتيك الخبر. # وبعد استراحة وجيزة عدت إلى قواعدي في عاليه سالما، ورحت أتذكر ماضي السعيد فتراقصت ~~أمام عيني أشباح من حاولوا الاعتداء علي، وكان كل بطل منهم يقول: خبر عني ~~أنا. # أخيرا وقع اختياري على معركتين لا غير، الأولى كانت في صيف 1908، والثانية كانت في ~~ربيع عام 1912. # أعلن الدستور وقطعت الأقلام أرسانها فابتدأنا بمولانا السلطان وانتهينا بآخر باشكاتب ~~في دواوين المتصرفية، وقعدت أتعشى ذات ليلة في مطعم المسكوبي على البرج وأنثر أحاديثي ~~على الملتفين حولي، ممن أعجبهم مقالي: بين حانا ومانا ضاعت لحانا، في جريدة النصير التي ~~كنت أحررها يومئذ، فشغل بالي جلف قبع في الزاوية وكان يزأرني كأنه يريد أن يأكلني ~~بعينيه. فقلت في ms82 قلبي: هذا رجل في وجهه شر، يفتل شاربين كقرني التيس ولكنه لا يكاد ~~يقيمهما حتى يناما، يحط دبوسه ويشيله بلا شعور، يتحلحل ثم يجمد، ولما قمت قام، ومشينا ~~فكان يقف إذا وقفت، ويمشي إذا مشيت كأنه ينتظر الخلوة حتى يبوح لي بعواطفه ... فقلت في ~~نفسي: الأوفق أن نفقأ الدمل على عيون الناس، فلا أقل من أن يتقدم واحد من أصحاب المروءة ~~فيرده عني، وأعجبني رأيي فعدت إليه فجأة وقلت لأستولي على المبادرة: ماذا تريد مني؟ ~~قل. # وحرك يده فهبط قلبي في بطني، ولكنه ما حركها إلا ليقول لي: «بدي» فك رقبتك، إذا كتبت ~~بعد كلمة واحدة عن سيدنا الشيخ. # فقلت: وإذا لم أكتب. # قال: يسلم جلدك عليك. # فقلت في نفسي إذا كان فك الرقبة بعد حين فالقضية محلولة وعلى هذا تفارقنا، وهكذا كان. ~~وبعد أسبوعين توجهنا إلى بتدين، وهتفنا بسقوط الكثيرين فأسقطهم المتصرف موقتا ... # هذه واحدة، أما الثانية فكانت في جبيل، كتبت مقالا عن كاهن عنونته: عوافي يا عم - ~~عمبزرع عدس، تاكل وجع - أنا وخيي سليمان. # فغاظ المقال أهل بلدته فنزل إلى عمشيت منها سبعون رجلا بالسلاح الكامل، أما أنا فكنت ~~في جبيل بمدرسة الفرير، فحماني العلم المثلث الألوان، واليوزباشي جرجس غسطين الذي جعلني ~~أنتقل في الإسكلة كالمتصرف، جنديان خلفي، وجنديان قدامي، فأعجبتني هذه الأبهة ولكنها لم ~~تدم، ما دام إلا رسائل الوعيد التي كانت تنهال علي فتحرمني النوم، وصار محسوبكم: إذا ~~رأى غير شيء ظنه رجلا ... # وهون الله أخيرا، والتقيت في سراي جونيه بالقبضاي الذي كان يتهددني، فجاء صوبي ~~وعرفني بذاته الكريمة، وأخذ يهد ويقد، فناجاه ابن عم لي على طرازه، وكان «المحترم» ~~في السراي فجاء على الصوت، ودخل - رحمه الله - في الدعوى شخصا رابعا، وتصالحنا باسم ~~من قال: من ضربك على خدك الأيمن ... # قد يقول القارئ: جرت كل هذه الحوادث يا عنترة، وما أكلت كفا! ~~- لا يا مولاي، خليها مستورة، الماضي مضى ... لم يكن القتل دارجا في زماننا ... ومن يقتل ~~رجلا بمقالة! # إن ضرب الصحفي وسام كبير وإعلان ms83 ثمين شهير يعطاهما مجانا ... # 19 / 3 / 53 # | اضرب ... علق الشر # الطائفية نار ونور، نار في الشارع ونور في الكنيسة والجامع، فإذا صلى كل منا على نبيه ~~ولم يضمر لأحد بغضا كانت الخطام والزمام والعهد والذمام، فهي تعلم المسلم: # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ~~، ~~والمسيحي: أحبوا أعداءكم، وأي نور يضيء سبل هذا الشرق أكثر من هاتين المنارتين. # عجيب أمرنا والله، نعيش في جحيم الضغن والشحناء لنحتكر فيما بعد السماء ولا نعطي ~~أحدا فيها مكانا يسند إليه رأسه، ومسيحنا يقول في بيت أبي منازل كثيرة، والرسول قال: ~~«لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى». إني أكره الطائفية والتحدث عنها، وقصتي معها أطول ~~من مصيبتنا فيها، فها قد كاد العمر ينصرم وأنا أعالج سرطانها حتى وجدتها أخيرا كما قال ~~الأخطل: ~~«والطائفية» تلقاها وإن قدمت # كالعر يكمن حينا ثم ينتشر # نعم إنها جرب روحاني، ولو كان جسدانيا لهان الأمر، وقلنا مع المتنبي: # يهون علينا أن تصاب جسومنا # إن شر الأمراض ما كان داء دفينا ينتشر كل ما وافقه المناخ، وهذا ما يصيب هذه الديار ~~من موجات الطائفية العارمة، ومتى ظهرت أعراضها في الجماعات قلب كل منهم الترانشكوت ~~وأربدت الأجواء وأنذرت بالصواعق وأجفل القوم كقطعان الغنم، حتى إذا ما نودي بالأمان ~~عادت إلى مرابضها ترعى وتجتر. # إنها ضوضاء نعارة قد ألفناها، ومتى رفعت صوتها أجبناها، وإذا سكتت نسيناها أو ~~تناسيناها، فمتى تفطس ونقيم لها المآتم والنياحات؟ # يظهر أنه لا بد للبشر من التخاصم، فإذا لم نتخاصم دولا تخاصمنا مللا، وإذا لم ~~نتشاحن أقطارا تضاغنا أمصارا، وإذا لم يكن لنا هذا ولا ذاك، تعادينا قرى وضياعا، ~~ألسنا من القوم الذين قال فيهم شاعرهم: # وأحيانا على بكر أخينا # إذا ما لم نجد إلا أخانا # كان في لبنان بلدتان متعاديتان؛ فلا يلتقي شبابهما في مجمع حتى تسكت الألسن وتتكلم ~~العصي، وتزغرد المسدسات، وتتبسم الخناجر، وفي أحد الأعياد - والعيد في لبنان، وخصوصا ~~صيفا، ملتقى الثنيان والجذعان - التقى الجمعان فكان طرب وغناء وشرب، وفي هذه الحومة ~~تذكر شاب ms84 صديقا له من أهل القرية فراح يبحث عنه ظانا أن الجلسة سلام واطمئنان حتى ~~مطلع الفجر. وأخيرا هون الله ولقي ذاك الصديق فراح يقبل وجنتيه وشاربيه وصلعته بقرم ~~ونهم ... وبينما كان يعانقه عناقا جنونيا وقعت عيناه على جماعته فرآهم يقتتلون مع ~~جماعة صديقه، فراح هو يخبط صاحبه بدبوسه ويصيح به: اضرب ولاه ... علق الشر. # تلك هي حالتنا الطائفية، يتنكر بعضنا لبعض دون ما سبب غير هذه النعرة الملعونة، ~~وعلينا أن نضرب من نقبل، ونقول له: اضرب ولاه ... علقوا. # قال القديس إفرام: كنا وعائلة يهودية نسكن بيتا واحدا، فولدت أنا مسيحيا وولد ~~صديقي يهوديا، ولم يكن لنا أن نختار. # لقد تعودنا في هذا الشرق أن لا نتكلم إلا بلغة الدين، فإذا ساومنا بائع مانيفاتورة ~~على قماش نريده سألناه عن دين الخام الذي عنده ... وإذا تكلمنا عن رجل قاس قلنا: ما له ~~دين. وإذا أعجبنا برجل قلنا له: يحرز دين البطن الذي حملك! أما سب الدين فملء أفواه ~~الكبار والصغار. # فما قولك في امرأة أكل الثعلب دجاجتها فسبت دين نوح الذي وضع جده في السفينة؟! # كل هذا يعمل عمله في عقولنا فلنقلع عنه.وإذا شئنا أن نميت الطائفية فلنحذفها من ~~أقوالنا. # 26 / 3 / 53 # | من أمين الريحاني إلى كميل شمعون # يا كميل، مر «أعوانك» أن يروحوا في كسب المكارم، ويدلجوا في حاجة من هو نائم، ~~فوالذي وسع سمعه الأصوات، ما من أحد أودع قلبا سرورا وخلق الله له من ذلك السرور ~~لطفا، فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما تطرد ~~غريبة الإبل. # علي بن أبي طالب # حضرة الرئيس: # لا تؤاخذنا على رفع الكلفة؛ فنحن في هذه الدنيا الثانية غيرنا في الأولى، فلا ~~«بروتوكول» ولا تشريفات، ولا مواعيد مقابلة، نطل عليه تعالى بلا استئذان، ونجتمع ~~بحاشيته من ملائكة وقديسين ساعة نشاء. الحالة هنا كما تحاول أن تجعلها أنت: «خوش ~~بوش». # وقبل وبعد؛ فأنا ربيب الأميركان وعشير ملوك العرب كهلا، ومن كان هكذا لا تعنيه ~~الألقاب، وهل يلجأ إليها ms85 إلا المدجلون؟! # دع العرض وخذ مني الجوهر، إنني أباركك من هذه الأعالي، وإذا لم تكن بركتي «رسولية» ~~فهي إنسانية يستحقها من كان إنسانا مثلك، لا تتعجب إن كتب إليك من لم يتعود مراسلة ~~الرؤساء والحكام، فما خاطبتك إلا لأنك ذو رسالة، ولأن رسالتك هي رسالتي. # كمل يا كميل، والله معك، لا تؤمن بقول العاجزين: الكمال لله، لا يا أخي، والكمال ~~أيضا للإنسان، وهو لهذا خلق. أما سمعت المسيح يقول: كونوا كاملين لأن أباكم السماوي ~~كامل. # الإنسان الطيب نصف إله بل هو الإله، والقلب النقي الطيب يعاين الله، وهذه هي الصوفية ~~المسيحية، فليكن «صليبك» على كتفك، «والهلال» ينير طريقك، وإلى الأمام. # أنت تطير يا كميل، أما أخوك أمين فكان ينزل عن ظهر فرس ليقتعد غارب بعير، أما قرأت ~~ملوك العرب؟! # أرجو منك أن تعيد قراءته، وتقرأ أيضا تاريخ نجد الحديث، وفيصل، وقلب العراق، ولا ~~تنس «المغرب الأقصى» فالدعوى من أخينا فرانكو آتية ولا بد. # والآن قل لي: كيف رأيت «الطويل العمر» أما هو كما قلت عنه؟ يقولون: إن من الكلام ~~لسحرا، والحق إن من الكلام لنبوة، فهذا الرجل حقق كل أمالي، وقد انجلى لي مستقبله حين ~~رأيته فكأنه كان طليعة عيني. # لا تسأل عن فرحنا هنا حين رأينا فيصلا الثاني يقلدك وشاح الرافدين وتقلده وشاح ~~الجبل، لقد تهللنا جميعا، أنا وجده فيصل كنا نضحك ونصفق، وقد قال لي فيصل: كنت تسعى ~~يا أمين لتوحد ملوك العرب وتجمع شملهم، فانظر بعينك ما تمناه قلبك وزرعته يدك. # يا أخي كميل، كم سعيت لأحطم تلك «الأخشاب » التي تفصل القلوب والنفوس، فالحمد لله على ~~أنها تتهاوى أمامك واحدة إثر واحدة. # كمل يا كميل. # إخواننا العرب جماعة طيبون، كرماء أجاويد، والكريم الجواد تستطيع أن تتفق معه. من لا ~~يهمه «الجمع» لا يختلف معه على «القسمة»، أظنك آمنت مثلي بالكرم العربي وطيب قلب ~~العربي، بعدما شهدت ما شهدت عند «الطويل العمر» وعند حفيد صاحبي فيصل، في بلاد ألف ليلة ~~وليلة. # ساعة كنت تخترق دجلة كنا نحن: الشميل ms86 والشدياق وأنا نخترق نهرا عظيما يسمونه بلغة ~~دنيانا نهر التوهو بوهو، فرأيناكم مغتبطين وندهناكم مرارا ولكنكم لم تسمعونا، فقال ~~الشميل: إنهم سامعون بقلوبهم فلنبارك عملهم ليثبتوا. # أما الشيخ أحمد فارس فزفر زفرة حرى كاد أن ينشق لها صدره، فصحنا به يا مالك يا شيخ! ~~فقال: وصلني مكتوب من صديق لا أعرفه يقول فيه: إن قنافذ الطائفية تهدج حول البيوت ~~اللبنانية. # فقلنا له لا تخف يا شيخ، ألا ترى ما نرى؟! # فقال: ولولا هذا كنت فطست ... لقد ذقت «المغراية» وخربت بيتنا التعصبات الطائفية ومع ~~ذلك يا جماعة الخير، أرى أننا كنا في ذلك الزمان خيرا من جماعتنا اليوم، المسلم ~~والمسيحي كانا صريحين، أما اليوم فلا أدري ما أقول عنهم. # فقلت له: ما دام الرؤساء متفقين وما دام كميل يؤدي الرسالة على حقها، بصفاء قلب وخلوص ~~نية، فلم يبق من عمر الطائفية والتعصب الديني إلا القليل. # وهنا تنهد الشميل وقال: ما بقي من العمر أكثر ما مضى. # وسمعنا حس قادم فتطلعنا وإذا «أبو علي» مقبل علينا، ومعه الكبش والضب، فقلت له: أما ~~زلت تؤمن أن السياسة أعقد من ذنبه كما كنت تقول؟ # فأومأ برأسه أن نعم، ثم همس: اللهم وحد العرب واحفظهم، ولا تجعلهم أضحية كهذا ~~الكبش. # ولما ركبت الطائرة لترجع إلى لبنان حاولت أنا أن أركب عربة مارالياس وألحق بك، ولكن ~~خفت أن ألدغ من الجحر مرتين ... كانت الأولى لدغة الدراجة فحرمتني المكوث عندكم بضع ~~عشرة سنة، ولا أدري ما يصيبني إذا مت ثاني مرة، ولذلك عدلت. # لقد توجت كتابي بكلمة من كلام الإمام علي، إلى سميك كميل بن زياد النخعي، وأحب أن ~~أختمه بكلمة ثانية له، وهي إلى كميل أيضا: # يا كميل: إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك. # أستودعك الله الآن، ولا أقول لك «إلى اللقاء» لأني أرجو لك عمرا طويلا، لتحقق ما ~~تنويه من خير للأمة ووطنك. # حاشية: السر بيني وبينك: الجنة هنا مشاع للجميع. قل لهم لا تختلفوا عليها، الله أب ~~عام، لا ms87 فرق عنده بين أولاده، طمنهم جميعا، الميراث بيننا بالسوية، وإياك أن تراعي ~~في المنام خليلا ... # ضع الفأس على أصول الأشجار، إلخ ... الآن هذا كاف، وسأكتب إليك عند الحاجة، امش على ما ~~قدر الله. # 4 / 4 / 53 # | تين القشارين # أبو عساف قروي متقدم في العمر، طلي الحديث، حلو الكلام، يصلح أن يكون مضحكا ~~لملك. تستبشعه جدا إذا رأيته أول مرة، ولكنك تنسى كل ما في وجهه من أغلاط إملائية متى ~~قعد يحدثك وابتدأ يقص عليك أخبارا وحكايات منها المنقول والمسموع، ومنها المروي ~~والمصنوع. # كان الشيخ أبو عساف في أول عهده بالنوادر راوية ينقل ما يسمع، ثم وفق إلى الوضع فصار ~~مؤلفا بارعا يصعب على سامعه أن يميز ما ينقله مما تبتدعه مخيلته. # تعود أن يزورني صيفا في وقت قيلولة بقراته، وكنت أجيئه عند الدغيشة بعد فراغه من ~~أشغاله، فنقعد أمام عرزاله على البيدر، فراشنا القش المدروس، ومسندنا تلك الحجارة ~~المنصوبة لصيانة الحصاد، قهوتنا النوادر ونقلنا حكايات الفلاحين والأكارين ومن أشبههم ~~من هذه السلالة المباركة. # كانت علامة ابتداء القص أن أقول: نعم يا عمي بو عساف، فيترك عمله ويقرفص أمامي، ثم ~~يزحف الكلام بخيله ورجله. ~~- هات ما عندك اليوم. ~~- اليوم عندي حكاية تعجبك، إذا رتبتها حسب ذوقك يطلع منها شيء يسر خاطرك. ~~- عجيب، ما تعودت أن تعمل مقدمات، فما جد عندك حتى غيرت خطتك. # فضحك وقال لي: الحكي يحسن البضاعة، ولو كان الشاري فهيما مثلك. # فقلت: هذا من لطفك، شوقتني إلى حكايتك. ~~- إذن سلمت أن الكلام يقدم ويؤخر. # فأجبته: سلمت، وألقيت سلاحي فلا تشوقني أكثر. # فتنحنح وقال : كانوا في هذاك الزمان يمونون الفعلة من حصادين وحراثين وفلاحين، وفي ~~عز الصيف - كما تعرف - يقل الشغل، ولكنهم في أيلول كانوا يقشرون الأرض البور من الشوك ~~وغيره ليزرعوها في أول الري، كانوا يأخذون للقشارين مع الغداء سلة تين أخضر، فيأكلون ~~الجيد الجيد، ويبقون الرديء إلى العصر ليأكلوه متى جاعوا. وفي ذات يوم كان أكثر تين ~~السلة رديئا، فنقوا الجيد وأكلوه، وكبوا الرديء على الأرض، ومرغوه ms88 بالتراب، نكاية ~~بصاحب الأرض. # وبعد هرج ومرج قاموا إلى التقشير فصالوا وجالوا في الأرض، وظلوا كذلك حتى دنت استراحة ~~العصر فقعدوا يلفون سيكارة. المساكين جاعوا ولكنهم ما وجدوا قدامهم شيئا غير التينات، ~~فراحوا ينظرون إليهم بعيون جوعانة، وبدءوا يقلبونهم ويقولون: هذا نظيف، هذا ما عليه شي. ~~وظلوا يقولون هذا عليه، وهذا ما عليه حتى أكلوا الكل إلا أربع خمس تينات ... # فقلت: أهم عميان وإلا كيف؟! # قال: لا، ولكن الجوع الكافر، ما له دين. # قلت: وعلى أي شيء تنطبق هذه الحكاية اليوم. # فقال: احفظها إلى وقت العوز. # فحفظتها كما أوصاني، وأظن أن اليوم وقتها. # إنها كأس مرة شربناها على ذكر «التطهيرات» الحكومية. # 16 / 4 / 53 # | إميل البستاني # اليوم أعبي جرابي من عند تلميذي، فهو ومحاضرته «لبنان والعالم العربي» موضوع هذا ~~الأسبوع. # إميل البستاني طاقة لا تنفد، أبدا تتوالد فيها عناصر الإرادة والجرأة والإقدام، أراد ~~مذ كان صبيا أن يكون رجلا فكان إنسانا جامعا، أطلق القدماء على أبي الفتح محمود بن ~~الحسين أحد أدباء العصور العباسية لقب «كشاجم»، وقد نحتوا هذا اللقب من أوائل حروف هذه ~~الكلمات التي كان يوصف بها: كاتب، شاعر، أديب، جميل، مغن، وهذا الاسم ينطبق على العصامي ~~العبقري إميل البستاني إذا بدلنا الكلمة الأخيرة وقلنا: كاتب، شاعر، أديب، جميل، ~~مليونير. # أظن أن كلمة مثر أو مليونير لا تقل شأنا عن كلمة مغن ...! # ما أقل عقل المعلم! كنت أرى إميل فأقول: ترى كيف يتجه هذا الشاب؟ إلى الأدب، إلى ~~الشعر، إلى الكتابة، ما خطر ببالي قط أنه سيولي وجهه صوب الحساب، وأن من الأفراد ~~القليلين الذين اعتدلت كفتا الأدب والرياضيات في ميزان مواهبهم. # أعطيتهم كعادتي كل أسبوع موضوعا لينظموه شعرا، ورددت الباب خلفي ورحت لأعود في ~~نهاية الوقت أجمع تلك الخرابيش، فوقع نظري على ورقة إميل، وكان الموضوع وصف جرو كلب على ~~وزن قصيدة المهلهل وقافيتها؛ فإذا بإميل يبدأ كليب يزعج الدنيا ومن فيها ... إلخ. # فقلت له: مكسور يا ابني. # قال: لا يا معلمي ألا ترى الشدة؟! # فضحكت وقلت: ms89 أما هو جرو كلب! أتصغر المصغر؟ أتطحن الطحين! # فأجابني الفتى بإصرار وعناد: نطحنه إذا كان خشنا يحتمل الطحن ... # كان هذا الفتى فلتة، إرادة حديدية، وعبقرية فذة، وطلعة ميمونة، علقت عليه آمالا ~~كبارا، ولكن صح في وفيه قول الشاعر: # أريها السهى وتريني القمر # لا تسل عن غبطتي حين سمعته في الندوة اللبنانية يدعو الكلمات فتلبي مطيعة، لم تنسه ~~الثروة العارمة بيانه، ولم تطغ السياسة الحادة على أدبه، وما أخذت لغة التجارة شيئا من ~~أسلوبه المطبوع الناصع. # قال أحد من علق على محاضرته: إنه كان خطيبا لا محاضرا، وهذا حق. الخطابة هي إحدى ~~صفات إميل البارزة، فوقفته العادية وقفة خطيب، ونظراته النافذة نظرات خطيب، وحركته ~~المألوفة حركة خطيب، فهو حركة دائمة، هكذا كان منذ كان، أبقى له الله رداء ~~الشباب. # وإميل ناري الشعور، ولكنه في أقصى انفعالاته لا يتخلى عن تلك الابتسامة، والخبير بها ~~مثلي، يعرفها من لونها ... يأبى الركود والاستقرار، ولو تخلى كمال بك جنبلاط عن حملاته ~~لاستولى إميل على المبادرة ... غضب إميل فاستأذن وغاب عن الجلسات الأخيرة، وتلك عادته ~~عندما كان يفور في «جمعية الثمرة» عندنا. وكان يغضب جنبلاط فيضب على أوراقه ويخرج، وهذا ~~هو الفرق بينه وبين زميله في الجبهة الاشتراكية، فكلاهما صلب العود لا يغمز. # إميل اليوم - ملء سمع دنيا العرب وبصرها - متصل برجالات الغرب، سياسيين واقتصاديين، ~~ولكن هذا النفوذ لم يمح خطا واحدا من طلاقة المحيا التي عرفتها منذ ربع قرن، ويوم ~~كان إميل البستاني تلميذا في الجامعة الوطنية قد لا يملك ما يقوته ويكسوه. المرح ~~الدائم، والعمل المستمر هما قوام هذا الرجل. # ما وقف يتكلم أمس حتى قلت: إنه هو. وما توغل في موضوعه حتى بدت لي الروح التي نشأ ~~عليها، كذلك كان لبنانيا عربيا قحا يقدس اللسان ويؤمن بحيوية الجنس، وضرورة ~~الاتحاد، ويقدس المثل اللبناني القائل: جارك القريب خير من أخيك البعيد. # عرفنا إميل في محاضرته بنار الحضارة التي علقت بأذيال الصحراء حيث حلت الطائرات ~~والسيارات محل قوافل النياق. # مساكين الجمال! ولت أيامهم، ولكل عصر ms90 رجال. # نحن المعلمين تعجبنا القراءة البريئة من اللحن، والعبارة الصحيحة السليمة، وهذا ما ~~سرني من تلميذي. تكلم ساعة وما وقف إلا ريثما جاءت الشمعة، فعاد الشلال إلى تهداره، ~~أعصاب حديدية تشهد لها بالمتانة والليونة وقفاته المشهورة تحت قبة البرلمان. # وضع إميل في محاضراته خطوطا رئيسية لاتصال لبنان بالعالم العربي؛ خطوطا ثقافية ~~وصناعية وتجارية، ثم راح يعللها تعليل أستاذ خبير، وقد أصاب جدا حين أوصى من يعنيهم ~~الأمر أن يهتموا بالطلاب العرب المنتشرين في مدارس لبنان وجامعاته. # حقا إن هذا الإهمال غريب! لي ثلاثون سنة في مدرسة هي أحفل المدارس بالطلاب العرب من ~~جميع الأقطار، وفي هذا العمر من الحياة المدرسية ما جاء واحد قط من قبل الحكومة يسألنا ~~عن هؤلاء الشباب كيف حالهم؟ ولا قال لهم أحد: كيف حالكم عن معرفة؟ اللهم إلا ورقات كنا ~~نملؤها في زمن الانتداب لندل على عددهم وطوائفهم، وما زالت هذه الأوراق الموروثة تأتينا ~~فنعبئها، وهذا كل شيء. ms91