######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.Munawashat.Hindawi30979407 #META# Tags: literature #META# ID: 30979407 #META# Title: مناوشات #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # اذهبوا وبشروا‏ # امتحانات تربوية!‏ # بعنا واشترى‏ # إلى عميد الكتلة الوطنية‏ # أهل القلم والقلم المستقل‏ # الأدباء البرجعاجيون‏ # شعراء المناسبات والشدياق‏ # إلى دولة اليافي‏ # إشعاع بلا زيت‏ # شهادات زور‏ # أمين وأبو أمين‏ # هؤلاء رهبانك يا مار مارون‏ # مادحو أنفسهم‏ # جيشنا‏ # قصر السعديات‏ # ثلاث أزمات تنتظرنا‏ # وزارة أوقاف‏ # زواج مدني‏ # ضريح «أبو أمين»‏ # التربية الوطنية‏ # المعضلة المارونية الرومانية‏ # ذكريات جميزية كوبليانية‏ # سؤال وجواب (1)‏ # إلى الأستاذ قلعجي مع تحياتي الحارة‏ # إلى السيد منير مراد، بيروت - الصنائع‏ # إدارة البريد - الأدب والسياسة‏ # حقوق المرأة‏ # سؤال وجواب (2)‏ # بريدي‏ # مارون عبود‏ # اذهبوا وبشروا‏ # امتحانات تربوية!‏ # بعنا واشترى‏ # إلى عميد الكتلة الوطنية‏ # أهل القلم والقلم المستقل‏ # الأدباء البرجعاجيون‏ # شعراء المناسبات والشدياق‏ # إلى دولة اليافي‏ # إشعاع بلا زيت‏ # شهادات زور‏ # أمين وأبو أمين‏ # هؤلاء رهبانك يا مار مارون‏ # مادحو أنفسهم‏ # جيشنا‏ # قصر السعديات‏ # ثلاث أزمات تنتظرنا‏ # وزارة أوقاف‏ # زواج مدني‏ # ضريح «أبو أمين»‏ # التربية الوطنية‏ # المعضلة المارونية الرومانية‏ # ذكريات جميزية كوبليانية‏ # سؤال وجواب (1)‏ # إلى الأستاذ قلعجي مع تحياتي الحارة‏ # إلى السيد منير مراد، بيروت - الصنائع‏ # إدارة البريد - الأدب والسياسة‏ # حقوق المرأة‏ # سؤال وجواب (2)‏ # بريدي‏ # مارون عبود‏ # | مناوشات # | مناوشات # تأليف # مارون عبود # المؤلف (1886-1962). # | اذهبوا وبشروا # إلى الصديق الوزير محيي الدين النصولي # يا سيد، قد تعبنا الليل كله ولم نصطد شيئا، ولكن لأجل ~~كلمتك نلقي الشبكة. # هذا ما قاله الحواري الأول بطرس لمعلمه، بعدما ألقى شبكته في ~~بحيرة طبريا، وقعد ينتظر طول الليل، وعالج الصيد بالصنارة أيضا، ~~فأكل السمك الطعم و... # أشهد أنني عندما ساهمت في تحرير جريدة «كل شيء» جعلت العنوان: ~~«مناوشات»، فناوشت ما استطعت، وفزت بإبقاء مياه «نبع قطرة» ~~لبلادي. # ثم اتخذت عنوانا آخر: «أوراق خريف»، فذهبت تلك هباء منثورا، ~~وكانت كاسمها حقا. ثم كتبت طويلا في جريدة «الأحد» تحت عنوان: ~~«من الجراب»، فكنت أمد يدي إلى ذاك الجراب في كل مناسبة، فيأتي ~~الكلام تارة مناسبا، وطورا غير مناسب، أي حينا يسخط، وآونة ~~يغضب، ولكني مضيت في طريقي ساعيا إلى غايتي ولا يعنيني ما يقول ~~الناس. # وفي «المجالس المصورة» ms01 كان العنوان: «حبر على ورق»، وأنا أحارب فيه ~~على كل الجبهات. ومن يخشى المعارك وشعارها: حبر على ورق؟! # عندما كان الانتداب في أول عهده جاء أحد المفتشين لزيارة مستودعات ~~أوراق سراي «بعبدا» القديمة، فدخلها وفي صحبته رئيس القلم العتيق في ~~خدمة الحكومة. كان هذا يطمع بالترقية الكبرى؛ لأنه شقيق مطران، فقال ~~للمفتش حين أراه المستودع وما فيه من ذخائر فعلت فيها الجرذان ~~والفيران فعلها: أتعرف يا مسيو ... كم قضيت من العمر في هذا ~~المركز؟ # فقال الفرنجي: لا، قل إذا شئت. # فأجاب رئيس القلم: ثلاثين سنة وأكثر. ~~- هوه، هوه، الحمد لله على السلامة، اشكر ربك على أن الجرذان لم ~~تأكلك. # وأنا أشكر ربي على العافية، ولا أرجو سواها، وسأظل أكتب إلى أن ~~يطل القدر المكتوب، فلا أقل من أن أخدم بلادي بهذا الحبر والورق، ~~ولا سلاح لي سواه. ولن أقول لمن يعنيهم الأمر ما قاله الحطيئة ~~للزبرقان: # أدركت يأسا مريحا من نوالكم # ولا ترى طاردا للحر كالياس # العوام وغيرهم يطردون الشيطان باسم الصليب، أما شيطاني فلا يطرده ~~شيء؛ رأسه يابس، وعينه جامدة؛ فهو لا يتوارى أبدا. # قال الأستاذ محيي الدين النصولي في جريدته «بيروت» في حديثه عن «مال الاحتياط»: # المال المتكدس يجوز أن يكدسه الأفراد لا الحكومات، ~~فالفرد نتسامح معه إذا درج على سياسة الادخار، أما الحكومة ~~فلا نتسامح معها قط، ومن واجبها، بل من واجبها الأول أن تنفق ~~دائما؛ ليطمئن الشعب إلى أن أمواله لا تنام في صناديق ~~الخزينة، بل تدور بين المواطنين؛ لترفع مستوى معيشتهم، وتشيع ~~الرفاء بين صفوفهم، ويجدوا فيها منافع لهم. # ذكرتني كلمته هذه بما فعله نابليون، جبار الأقزام والعمالقة، ~~بعدما توج إمبراطورا. # دخل كاتدرائية «نوتردام» في باريس فرأى فيها ثلاثة عشر تمثالا ~~مسبوكة من الذهب الخالص، وكانت الدولة في حاجة إلى المال، فحضرته ~~النكتة - والنكتة في اعتقادي وحي ما - فقال نابليون: «أبقوا السيد ~~المسيح وحده هنا، أما تلاميذه فلا محل لهم معه؛ لأنه هو أمرهم ~~بقوله: «اذهبوا وبشروا باسمي جميع الأمم».» # وفي الحال أنزلت تماثيل الرسل ms02 الاثني عشر، وأرسلت إلى دار الضرب، ~~فصارت دنانير نابليونية تداولها الشعب الفرنسي الذي أحب نابليون، ~~فنفست عنه بعض الشيء. # إني أتمنى، يا أخي محيي الدين، أن يقال لمال الاحتياط ما قيل ~~لتماثيل الرسل: «اذهب وحوط لبنان باليسر.» فيزول كابوس الضائقة عن ~~النفوس. ~~«الشبعان يفت للجوعان فتا بطيئا.» هكذا قال المثل العربي ~~القديم، ونحن يا سيدي بطوننا خاوية، وإذا كان لا بد من موتة فقبل ~~رمضان ... # إنني أكتب رغم اعتقادي أن كلامي حبر على ورق، أو صرخة في واد، ~~لا تزعزع جبلا، ولا تخيف أسدا. # إن صياح الديك لا يطلع الفجر، ولكن لا بد للديك من أن ~~يصيح. # قرب الله الصبح الذي نسمع بتباشيره. # فمتى تحقق الأعمال الأقوال، ولا نظل نسقي الكمون بالوعد؟ # عالية، 5 / 5 / 1954م # | امتحانات تربوية! # نحن في قرن يصح أن يسمى عصر الشهادات، فقد كثر عشاقها الذين ~~يجمعونها كما تجمع طوابع البريد. # كان يعني الناس فيما مضى أن يتعلموا، أما اليوم - ويا للأسف - ~~فصار يهمهم أن ينالوا الشهادات ... فهن مفتاح باب المعقل الأشب. # 1 # ولى الزمان الذي كان يقال فيه: جربوني، عند الامتحان يكرم ~~المرء أو يهان. # أما اليوم فكأن موقف العرض قد أصبح على الأرض، فعليك أن تحمل ~~شهادتك بيمينك ... وأما ما تعلمت وما اغترفت من غدران العلم؛ فله بحث ~~آخر. # إذن، فلا بد من الشهادة كيفما دارت بها وبنا الحال، وإذا كان الأمر ~~كذلك فلتؤخذ بحقها. # يقول علماء التربية الحديثة: «العلم وسيلة للتربية.» وبناء على هذا ~~القول سموا وزارة المعارف: وزارة التربية الوطنية. فعلينا إذن إما ~~أن نربي تربية وطنية، وإما أن نقول وزارة التربية «حاف». # أقول هذا بعد مطالعتي ما طرح أمس من مواضيع على طلاب الشهادة ~~المتوسطة في سوريا. وهذا هو: # الموضوع الأول: ~~«قال الشاعر العربي: # وغلى الدم العربي في ~~فواجبي # تضميخ مجدي بالدم ~~المهراق # هب أن رحمة آسري ~~ستفكني # أولست أحمل منة ~~الإطلاق # وأشد من أسري علي بأن ~~أرى # يد آسري يوما تفك ~~وثاقي # حلل هذا اللون من العاطفة الوطنية، وبين أثره ms03 في ~~حياة الشعوب الحرة.» # والموضوع الثاني: ~~«لو خيرت بين الانتساب إلى الكلية العسكرية لتصبح ~~جنديا يذود عن الوطن شر الأعداء، وبين الانتساب ~~إلى دار المعلمين لتغدو معلما يكافح الجهل والمرض؛ ~~فأي الأمرين تختار؟ # بين أسباب اختيارك.» # والثالث: ~~«اكتب كتابا إلى صديق لك تعزيه بأخ له ~~استشهد في ميدان الشرف دفاعا عن الوطن، وتبين ~~فيه واجب المواطن الحربي وفضيلة الجهاد.» # أما عندنا فطرح على طلاب الشهادة عينها - البريفة - هذان الموضوعان: # الأول: ~~«نحن في هذه الحياة أشبه بالزورق الصغير السابح فوق ~~أمواج البحر، إذا لم تكن هناك شواخص وأعلام تهديه ~~طريقه؛ ضل السبيل وابتلعه البحر.» # ما هي هذه الشواخص والأعلام؟ وما المراد بهذا ~~القول؟ # والثاني: # قال جبران: «الأم هي كل شيء في هذه الحياة؛ هي ~~التعزية في الحزن، والرجاء في اليأس، والقوة في ~~الضعف، فالذي يفقد أمه يفقد صدرا يسند إليه رأسه، ~~ويدا تباركه، وعينا تحرسه.» اشرح هذا القول. # إن الخيال والعواطف والنظريات لا تنشئ وحدها وطنا، ولا توطد ~~استقلالا. # كانوا - يوم كنا طلابا - يعطون الأول والثاني الجوائز في كل ~~موضوع، ثم يقولون: واستحق الذكر فلان وفلان حتى الرابع. ترى ألا ~~يستحق لبنان الذكر في هذه الامتحانات التربوية؟ # فلنعمل - على الأقل - بقول ابن الرومي لصاحب تلك اللحية التي شبهها ~~بالمخلاة: # أو فقصر منها، فحسبك منها # نصف شبر علامة التذكير # إننا لا نطلب نصف شبر؛ فهذا كثير ~~على لحيتنا ... نطلب نتفة وبر حتى لا يقال: أحلت # 2 ~~...! # عالية، 16 / 6 / 1951م # | بعنا واشترى # قال المؤرخ: «لما قصد صليبيو الحملة الثانية مدينة دمشق كان فيها ~~فقيهان من أكبر فقهاء الشام؛ وهما: الإمام يوسف الفندلاوي المالكي، ~~والشيخ الزاهد عبد الرحمن الحلحول، فما كادا يعلمان بقدوم الصليبيين ~~في جموعهم حتى تقدما إلى صاحب الأمر فيها - وهو رجل من مماليك ~~طغتكين، واسمه معين الدين أنر - فسلما عليه واستأذناه في الجهاد، ~~فقال لهما: أنتما معذوران ونحن نكفيكما، وليس بكما على القتال ~~قوة.» # فقالا له: بعنا واشترى، إشارة إلى قوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن ms04 لهم الجنة ~~. # ثم قاتلا حتى قتلا في مكان واحد ، فكان استشهادهما باب ~~النصر. # ما انتهيت من قراءة هذه النادرة حتى رحت أسائل نفسي: «أعندنا ~~اليوم من يقول هذا القول في الأزم؟ أم عندنا من يريد أن يشتري دائما ~~ولا يبيع أبدا؟ أتظل قوتنا في حناجرنا كضفادع الليل؟ أم ترانا نبيع ~~كما باع هذان الشيخان فربحت تجارتهما؟ # أجل! إننا لنفعل ما فعلا لو كان في صدورنا ما كتب الله في قلوبهم ~~من إيمان، ولكن أنى لنا ذلك. # الإيمان وحده يقول للجبل: انتقل فينتقل، كما قال ابن البشر، ولكن ~~أين حبة الخردل؟ هل عندنا مقدار ربعها؟ # إن أوطان هذا الزمان أمست تباع هي، فكيف لها أن تشترى؟» # لست أشك في أننا ضعفاء، عزل، ولكنا متى «بعنا واشترى» تم ~~البيع، والعقد لا يحل، وإذا نقضه عدوان الغد أبرمه الدهر ~~العتيد. # فإلى البيع أيها الإخوان، بيعوا ولا تندموا، ففي كل حركة ~~بركة. # عالية، 13 / 11 / 1951م # | إلى عميد الكتلة الوطنية # الأستاذ ريمون أده # قرأت تصريحك في المؤتمر الصحفي الذي عقدته، ووقفت عند آخر عبارة ~~منه. وهذه هي كما وردت في جريدة بيروت الغراء: # أكد الأستاذ أده بأن فشل المعارضة في كسروان على الأخص - ~~حيث لمس هو وكل من رأى المهرجانات العظيمة التي أقيمت له ~~ولكتلته - دليل صريح على التزوير. # لا يا حضرة الأستاذ. # لا، لا تجزم. # إذا رمت أن تحكم على جودة الأرض؛ فسل الفلاح عنها «قاتل الأرض ~~خابرها.» كما يقول المثل اللبناني. # فتلك المهرجات ليست دائما دليلا صادقا على الشعبية؛ ما أكثر الذين ~~يمسكون الحبل من الطرفين! # لا يكاد المرشح يدير ظهره حتى يركض هؤلاء إلى منافسه معتذرين له ~~بقولهم: «ألا نستقبل ضيفا زارنا؟» # إن مثل هذا الجبن والنفاق هو الذي يضيع الطاسة ... # فنصيحتي لك يا أستاذ، ألا تركن إلى وعود هؤلاء، ولا تقم أقل وزن ~~لمن يودع غيرك بالتطبيل والتزمير، ثم يهتف لك: أوصانا ... مبارك ~~الآتي باسم الرب. # اسمح لي أن أخاطبك بهذا الأسلوب الديني بعدما رسمك الأستاذ محسن سليم ~~بطركا في ms05 مهرجان ما. # وبعد، أفنسيت ليلتنا في عين كفاع عام 1943م؟ # ليتها تعود؛ ففي الإعادة إفادة. # لا أظن أنك نسيت ما جرى فيها بالتفصيل، ولا شك أنك تتذكر موقف ~~«داعي الدعاة» الذي كان عن شمالك ... تذكر جيدا، وإن نسيت أنت فكثيرون ~~من الناس لا يزالون يذكرون، كما صارحتك في ذلك الزمان، ها أنا ذا ~~أصارحك الآن في هذه الساعة العصيبة، والتاريخ يعيد نفسه كما ~~يقولون. # لا تستعجل الشيء قبل أوانه. استوثق من الناخبين أولا، وإذا استعصى ~~عليك شيء من أسرارهم، فتذكر قول الشاعر: # إذا اختفى ما في الزمان الآتي # فقس على الماضي من الأوقات # فالناخبون ما زالوا هم هم، وعلى يد هؤلاء تأتي الشكوك، فالويل ~~لهم كما قال السيد. # لقد قرفت يا سيدي حديث الانتخابات، ولولا أنها من مقومات المواطن ~~لما أقبلت عليها، فما أكثر المدعوين وأقل المنتخبين! # نحن أدرى من المرشحين بنيات زملائنا الناخبين، فاسمع مني ~~وصدقني: المهرجانات فقاقيع صابون ... # ستذكر صراحتي هذه وتحمدها عندما تنجلي غمرة المعركة، أما الآن، ~~فثق يا حضرة الأستاذ أني أتمنى لك النجاح، إنما على غير يدي؛ ~~لأنني ما زلت كما كنت. # عين كفاع، 14 / 4 / 1951م # | أهل القلم والقلم المستقل # يا أعز أصدقائي. # هكذا وقعت مسألتك اللطيفة ~~التي كلفت نفسك عناء إرسالها إلى عين كفاع. قد تعجبت مثلك من ظهور ~~اسمي بين أسماء إخوان القلم المستقل وأنا في عين كفاع، حتى ظننت ~~أنني صرت قديسا من حيث لا أدري، أفعل العجائب عفوا؛ فأكون في عين ~~كفاع وبيروت في وقت معا، كما ظهر القديس أنطونيوس البادواني في بادو ~~وباريس في وقت واحد. # لقد صح في مع أهل القلم والقلم المستقل قول أبي تمام: # يقضون بالأمر عنها وهي غافلة # فأنا يا «أعز أصدقائي» ما أنتسب - ولا أنتسب أبدا - إلى جمعية ~~أدبية. قد أكون من المجندين، ولكني ما كنت قط من المنتسبين، ولا ~~أكون. # ولكي أريك ضعف إيماني بالأدباء واتحادهم؛ أنشر لك كلمة كتبتها ~~جوابا عن نداء أذاعه الأستاذ ميشال أسمر، صاحب الندوة اللبنانية. ~~ويعود تاريخ هذه ms06 الكلمة إلى ثلاث سنوات 7 / 2 / 1952م؛ أي قبل تأسيس ~~جمعية أهل القلم، وهاك أكثرها: # سمعتك تنادي رجال القلم ، فتذكرت رسالة عبد الحميد بن يحيي ~~إلى الكتاب، ولعل تلك الرسالة قد كانت أول دعوة إلى ما ~~نسميه اليوم «نقابة». # لم تقصر يا أخي عن عبد الحميد في تقويم الكاتب وتقديره، فعبد ~~الحميد قال لهم في ذلك الزمان: «فموقعكم من الملوك موقع ~~أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، وأيديهم ~~التي بها يبطشون.» # وأنت يا أخي استعرت كلمة الإنجيل، وما أحلاها! فقلت لهم مرة ~~واحدة: أنتم ملح الأرض. # كبرت كلمة خرجت من فمك. # أجل، إنهم ملح الأرض، ولكن خبزهم - ويا للأسف - بلا ملح ~~يأكله الناس، ثم ينسون مطعمه بعد القيام عن السفرة. # سمعتك تدعوهم إلى التضامن والاتحاد، ولكن أخلاق الأدباء - ~~وبنفسي أبدأ - تضيق بذلك، قد عرفوا بذلك منذ كانوا؛ ولهذا ~~يقول لهم عبد الحميد في موضع آخر من تلك الرسالة: وتحابوا في ~~صناعتكم. فلولا تباغضهم ما أوصاهم بذلك. # ما أفلحت يا أسمر في ندوتك إلا لأنك وحدك، ولو كان لك فيها ~~شريك لفسدت. لا أنسى أبدا قول طانيوس عبدو حين فصم عرى ~~شركته مع أحدهم: # الحمد لله لا شريك له # وأحمد الله ليس لي شركا # وأتمنى من كل قلبي أن يقع نداؤك في آذان ليس فيها وقر؛ ~~حتى لا يقال فينا: لقد أسمعت ... فنحن معشر يصح فينا قول ~~المتنبي مع بعض التحريف: ~~«يهدم» بعضنا بعضا ويمشي # أواخرنا على هام الأوالي # وقبل وبعد، فليتك تجمعهم، فلعل أحدا يحس بوجودهم، وإذا لم ~~يتجمعوا فلا تيأس: إن لبنان بلد النسور، والنسور لا تكون ~~قط أسرابا ... وكما في السماء كذلك على الأرض. # عالية، 7 / 5 / 1951م # | الأدباء البرجعاجيون # كتب إلي ناشئ من إحدى مدارس بيروت يسألني: # من هم البرجعاجيون؟ # إلى هذا الطالب أقول: الأديب البرجعاجي غير واقعي ولا عملي، إنما ~~هو كلاعب الشطرنج يحرك الجيش على الرقعة لا في الساحة. # أما في هذه الفترة، فقد بردت الهمم، فالجيل الطالع قليل الجلد ~~لا يعمل، والأدباء ms07 الذين يشار إليهم مستخفون بقرائهم وسامعيهم، ~~فلو كنت يا بني في مؤتمر بيت مري، لأدباء العرب، ورأيت الشعراء فيما ~~يسمونه أمسية شعرية ، ورأيت كتبا تنشر ودفاتر تقلب، لقلت: إنه لم ~~يبق لنا لا أدباء برجعاجيون ولا أدباء برجخشبيون. # وإذا لم ينهض الشباب؛ فإلى الله المآب ... # عالية، 12 / 5 / 1951م # | شعراء المناسبات والشدياق # وبعد، فلي صديق في بيروت لا يثمن، لا أتنزل عن حقي به ولو ~~أعطوني ثقله ذهبا، فقد تكون أنت لا تقتنيه ولو جاءك هدية، أما أنا ~~فيكفيني منه إخلاصه للفن والأدب، فهو تارة يضحي بماله - أربعة غروش ~~- ليرسل إلي غذاء، أو محصول شهر، كما فعل منذ أيام؛ فقد أرسل إلي ~~ملحق العدد السادس من مجلة الرياض - وهو مجموعة «تواريخ» لرجال ~~الجمهورية السورية غب استقلالها - وكتب إلي عليه بالقلم العريض ~~والحبر الأحمر: «محصول الشهر»، # 1 # فأدركت ما يريد صاحبي. # ثم وصلني منه أمس رقيم خاص على كف ورق من القطع الكبير. أما ~~صنف الورق فمن نوع أكياس الصر. # نحن لا نغتر بالظهارة؛ فالكتاب قيم، كله إرشادات نفيسة وعظات ~~مرصعة بألقاب شريفة ... لا يحسن إهداءها إلا صاحبي ومن كان ~~مثله. # إني أعجب لهذا الرجل البطال كيف يضحي بماله ووقته ليتشفى من ~~غيظه! # أفلا يعلم - هداه الله - أن ما كان يغضبني منه أصبح يضحكني ~~وإخواني، ويسلينا في شتاء عالية؟ فها أنا أسأله أن يزيدني من هذه الوريقات، # 2 # فلي فيها منافع أخرى ... لم يحلم بها الجاحظ في وصف بخيله ~~أكال الرءوس. # ولقد أكثرنا الكلام في شعر المناسبات، وتناولناه مرارا، فقبل النظر ~~في محصول هذه الأيام - وهو قليل كالحنطة في البلاد، وإن لم يغل سعره ~~مثلها - فإنني أترك الكلام لنابغة الجيل الغابر؛ أحمد فارس، الذي نظر ~~إليه منذ قرن كما ننظر نحن إليه اليوم، ولكن الآذان كانت - ولا تزال ~~- مسدودة. # رحم الله الشدياق؛ فقد سبق عصره سبق جواد النابغة، المستولي على ~~الأمد، فحمل على شعراء المناسبات، وإن يكن قاله مثلهم، فبينه وبينهم ~~فرق بعيد. # كان الشدياق شاعر السلاطين والملوك والأباطرة والأمراء، وبالشعر ms08 ~~تبوأ عرشا من الشهرة والنفوذ، حسده عليه أعاظم رجال عصره، وهاك ~~نكتة من نكاته التي لا تحصى: # حدثني الأستاذ واصف البارودي، مفتش التربية الوطنية في الجمهورية ~~اللبنانية - وهو جدير بهذا الاسم؛ لأنه أول من كتب في التربية عندنا ~~- حدثني عن عمه المحدث الشيخ الجليل محمد الحسيني، قال: كنا نجتمع ~~في حلقة من شباب العرب حول أحمد فارس أفندي في قصره بالآستانة نسمع ~~حديثه، فدخل علينا يوما ولده سليم يحمل حقة مذهبة، وقال: يا أبي، ~~مولانا السلطان عبد الحميد منحك الوسام العثماني الأول. # فنهضنا - نحن الشباب - نرى الوسام، وهو قطع لا قطعة، فأدهشنا ~~بريقه ولمعانه، فانتظرنا الشيخ حتى عدنا إلى مجالسنا ومضى في ~~حديثه. # ولما انتهى من كلامه قال: طول الله عمر مولانا السلطان؛ يظننا ~~أولاد مدارس فيبرطلنا بالنياشين. # أجل، لقد توكأ أحمد فارس على شعر المناسبات، فقاله في سلاطين بني ~~عثمان، ونابليون، ومحمد علي، وباي تونس، وتهادى بين قصائد المديح حتى ~~بلغ أسمى المنازل، كما قال فيه أحد شعراء زمانه: # روضة أصبح عند الوزرا # ونديما لأمير المؤمنين # ومع ذلك ما اطمأن أديبنا الخالد إلى هذا الأدب المقيت، ورأى فيه ~~حطة للأديب الصحيح، فقال لنا عن نفسه: # رأوا دخان قميني # 3 # صاعدا فجرى # بالماء قوم ليطفوا سورة اللهب # فقال بعض: أقين أنت؟ قلت: نعم # أقين شعرا، وعندي معمل الكذب # فهل يتعظ أصحابنا في هذا الزمان، ~~الذي ضاع فيه النصح، بما قرءوا ويقرءون لزعيم أدباء العرب؟ # إنهم لن يفوزوا بشيء مما فاز به، وما جائزتهم غير ابتسامة تنضح ~~استهزاء وسخرا، وإن لم يصبهم في الحضرة ما أصاب البحتري حين أنشد ~~الميمية، ففي غيبتهم يحرمون ذلك، فليستحوا من الناس. # كان لي أستاذ كنت أعد نفسي سعيدا يوم أقبل يده. # لم يكن في أستاذي من عيب إلا أنه يريد أن يقول شعرا، فسيم ~~المطران بصبوص أسقفا، وعرج على مدرسة الحكمة في طريقه إلى بتدين كرسي ~~أبرشيته، فأنشده أستاذي الكبير سعيد الشرتوني قصيدة من روائعه، فلاطفه ~~صاحب السيادة وأعطاه ليمونة، فقال في ذلك قرنه الأدبي ms09 المعلم عبد ~~الله البستاني: # عهدي بشعرك للألباب تفكهة # به اللذاذة لا تنفك مقرونة # فكيف قد بعته غبنا بفاكهة # هل باع غيرك أشعارا بليمونة؟ # إن أصحابنا اليوم يبيعونه «بصفقات »، ولكنها خاسرة، وقليلا ما ~~يذوقون الليمون في هذا الغلاء. # كأني أسمع بأذني - بعد هذا الاستطراد - شيخنا الشدياق يقول لي: ~~اسكت يا ولد؛ أما جاءت نوبتي؟ # قلت: عفوا يا شيخ، إن الحديث شجون؛ فلنتعاون عليه. # اسمعوا ما يقول الشدياق في شعر المناسبات «كشف المخبأ، صفحة 166»: # ومن كان قد قرأ بعض أشعار وسمع من أهل العلم - مثلا - ~~أن الشعر منقبة سنية؛ تصدى إلى أي نظم كان؛ فإذا ~~رأى طائرا في الجو نظم فيه قصيدة، وإذا تزوج أحد في بلده ~~نظم فيه «تواريخ»، وإذا توفي أحد قال: قد غاض بحر الكرم، ~~ودكت أركان المعالي، وذوت رياض الفضائل، وأفل نجم الهدى، ~~وخسف بدر المجد، وكسفت شمس الفضل، ثم لا يزال يطلع في عاجلة ~~النبي إلياس حتى يصل إلى الفلك الأثير، ويعدد جميع ما هنالك ~~من النجوم، وينتزع منها كفنا لمرثيه. # أما الغريب المضحك فتقرؤه في «الفارياق» حين يصف لك كيف يمدح شاعر ~~«السري» كل حركة من حركاته، وكيف كان ينظم الشعر عند قدوم كل بشير، وما ~~أكثر مبشريه! # لا أستطيع أن أنقل لك كل ما كتبه الشيخ في هذا الموضوع؛ فعد إلى ~~كتابه واقرأ. لا شك أنك تقول معي: الله أكبر يا أحمد. # أما الآن فاسمع ما قاله في مدح السري - إني أترك لك التعليق ~~على كل بيتين لتقرأه في الفارياق - قال: # قام السري مبكرا لصبوحه # فارتجت الأرضون من تبكيره # أوما ترى ذي الشمس من شباكه # مدت إليه شعاعها لسروره # ثم قال في خروج السري إلى الحمام مع السرية: # خرج السري مع السرية ماشيا # غلسا إلى الحمام كي يتنعما # من كان يدعك مرة جسميهما # خلقت يداه على المدى أن تلثما # ثم قال في خلعة خلعها السري على شاعره المكرم: # خلع السري اليوم نعليه على # متن عليه مبالغ في مدحه # فاستبشروا يا عصبة الشعراء من # هذا السخاء ms10 بيمنه وبسنحه # وبلغه أن السري حك جسمه؛ فقال في ذلك: # حك السري اليوم أسفل جسمه # بأظافر ظفرت بكل مؤمل # فالناس بين مصفر ومرتل # ومدفق ومزمر ومطبل # وحلق السري يوما، فقال: # طوبى لمن في الناس أصبح حالقا # رأس السري الأحلس الملحوسا # لا زال محفوفا بلطف الله ما # حلقت له شعرا شريفا موسى # وتنحنح السري وسعل، فقال فيه شعرا، ثم عطس عطسة أشبه بعطسة ~~المرحوم عمنا الذي في الضيعة. ولا أظنك - أيها القارئ - نسيت حكاية ~~عطسته المشئومة التي كان يعقبها: «يقطع ضهرك»، فقال الشاعر في ~~السري: # عطس السري فكلنا يبكي دما # وارتاعت الأرضون والأفلاك # حرس الإله دماغه من عطسة # أخرى تموت برعبها الأملاك # وأخيرا مشى بطن السري، فقال شاعره فيه: # قد أسهل اليوم السري فكلنا # فرح ففي إسهاله التسهيل # فاستبضعوا خزا إليه مطرزا # وتسابقوا إن البطيء قتيل # وقبل أن أسهل السري حدثت طبعا عواصف وزوابع فيها رعود وصواعق، ~~وصفها الفارياق؛ فاطلبها في مكانها. # قد تركت كثيرا مما قاله، فارجع إلى الفارياق تقرأ شعرا ونقدا ~~طريفا يضحكك ويفيدك، وإن كنت شاعر مناسبات؛ فوالله تتوب. # قد يفعل الشدياق في هؤلاء ما لا يفعله مارون عبود الذي بح صوته ~~- وهو أبح خلقة - من كثرة ما نادى شعراء الظل ليخرجوا إلى النور، ~~ويروا وجه الشمس التي تلوح وجوههم، وتقوي دماءهم التي أمست مصلا ~~وقيحا. # لقد تبحبحنا كثيرا في شعر المناسبات؛ فأعفونا منه وكفوا ~~عنا. # إنني أسألك أيها القارئ، بل أسترحم - كما كنا نقول في العهد ~~العثماني - أن تمسك كل شاعر مناسبات بأذنه، ولا تتركه حتى ينتهي من ~~قراءة هذا الفصل في الفارياق، فهو في «الصفحة 225»، طبعة باريس، وفي ~~«الصفحة 216 من طبعة مصر»، قل له: اقرأ يا أعمى ما كتبه نقادة عصره ~~منذ قرن، ولا تخرج من معملك هذه البضاعة، فالناس يسدون أنوفهم - ~~ولو كانت أطول من أنف ابن حرب - عندما تهف ريحها في الأسواق. # وإذا قلتم شعر مناسبات، فبثوا فيه روحا فيحيا، وانبذوا التملق ~~والتدليس؛ فالناس لا يحترمون الإمعة. # 21 / 1 / 1937م # | إلى دولة اليافي ms11 # كثيرا ما كان الخلفاء والولاة يقولون لمن يفد عليهم من رجال الفضل ~~والتقى: عظنا، فيعظهم على مقدار صفاء نفسه وضميره، وجرأته ~~عليهم. # فبمناسبة توليكم الحكم رأيت أن أرفع إلى دولتكم «باقة» اقتطفتها من ~~جنات أولئك الصالحين المصلحين؛ لأن فيها منافع لذوي الإرادة ~~الحسنة - وأنتم منهم - قالوا: # من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه، ومن أكثر التعدي لم ~~يأمن أبدا، ومن حسنت سيرته لم يخف أحدا. # من خادع ضميره خدع، ومن صارع الحق صرع. # أقبح الأشياء في الدنيا سخف الولاة، وجور القضاة، وأخسر ~~الناس من أخذ بغير حق، وأنفق على غير مستحق، وشر الأقوال ما ~~أوجب الملام، وشر الأفعال ما حلل الحرام. # اعتبر بمن مضى من قبلك، ولا تكن عبرة لمن يأتي بعدك. # من لبس ثياب الكبر تمنى الناس ذلته، ومن ركب الظلم تمنى ~~الناس زلته؛ فاذكر من مضى، واعتبر بمن خلا. # آفة السلاطين سوء السيرة، وآفة الوزراء خبث السريرة، وآفة ~~الرعايا ضعف السياسة، وآفة العلم حب الرئاسة، وآفة القضاة ~~شدة الطمع، وآفة الفقهاء قلة الورع، وآفة الملك اختلاف ~~الآراء فيه. # من ضعفت آراؤه قويت أعداؤه، ومن أساء تدبيره وقل ملاكه ~~كان في ذلك هلاكه. # علة المعاداة قلة المبالاة. # من استناب غير كاف خاطر بملكه، ومن استشار غير أمين أعانه ~~على هلكه. # لا تأنف من الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستعداد، ولا تستح ~~من الازدياد، فإنك إن تسأل وتسلم خير من أن تأنف ~~وتندم. # تاج السلطان عفافه، وحسنه إنصافه، وسلاحه كفاته، وماله ~~رعيته، فاستعمل في الضعفاء حسن الحراسة، وفي الأقوياء حكم ~~السياسة. # إذا عقدت فاحكم، وإذا دبرت فأبرم. # من أسلم لغير الكفاة أعماله؛ ضيع ولايته وأمواله. # أربعة أشياء لا يبقى معها ملك: غش الوزير، وسوء التدبير، ~~وخبث النية، وظلم الرعية، وأربعة لا تستغني عن أربعة: الرعية ~~عن السياسة، والجيش عن القيادة، والرأي عن الاستشارة، والعزم ~~عن الاستخارة. # وختاما، تفضلوا سيدي بقبول تهنئتي، ولو على غير معرفة عيانية، ~~وإني أتمنى لكم أن تنالوا ثقة الأمة كاملة بالعمل، كما نلتم بالقول ~~ثقة معظم نوابها، ms12 والسلام عليكم. # عالية، 23 / 6 / 1951م # | إشعاع بلا زيت # ليس بدعة في «الاقتصاد الوطني» ما زعمته في تلك الحفلة. # تذكرت بؤس عمر فاخوري قبل أن يلفه ليل الأبد، فلمت سادات «وطن ~~الإشعاع» لتركهم سراجا نيرا ينطفئ في قرنة بيته، وهو لم يعف ~~وظيفته إلا لتأييد حق بلاده. # فما الداعي لغضبة مضرية هتكت حجاب الشمس؟ # لماذا احرنجم الصديق الشاعر يوسف غصوب؟ # ألأننا سألنا من يعنيهم الأمر أن يرحموا الأديب حيا، لا أن ~~يترحموا عليه ميتا، فرحمتهم تلك لا تفك الريق؟ ... # لماذا أغضب الأستاذ؟ # ألأننا رأينا شمع الدولة يوقد للعميان، وقلنا لهم أنيروا أولي ~~الألباب والبصائر؟ # نرى في الميزانية عشرات الألوف ترصد لتنشيط كذا وكذا ... أفلا يصح ~~أن يكون للأدب الرفيع «مثل أدب غصوب مثلا» حصة من ذلك الجزور الذي ~~يضرب فيه كف مغامر بسهامه، فيأخذ أعشاره كفاطمة امرئ القيس. # عندما كانت ميزانية لبنان تحسب بالأكياس - أي على عهد المتصرفية - ~~لم يخطر ببال أحد منا - نحن المخضرمين - أن يغنم غرشا واحدا من ~~ميزانية لكل قرش فيها فراغ يسده ... أما اليوم، يا سيدي الأستاذ، ~~فالمال مثل الكشك، والراكضون وراءه أكثر من النمل، فلماذا لا يكون ~~للأديب نصيب؟ ألأنه أديب؟ # عفوا يا عزيزي، نسيت أن أقول: لم يكن لبنان ... صار بلد إشعاع. لنطالب ~~بزيت للقناديل. # سر بنا إلى أوروبا، وأنت سيد العارفين بالأدب الفرنسي، لماذا يحق ~~لبوالو ما لا يحق لمارون عبود؟ # ألم يلفت بوالو نظر كولبير إلى أعطية كورني الفقير المتروك؟ # هل كان الملك الشمس # 1 # أميل إلى الأدب من فخامة الشيخ؟ # لا وربي. # أليست ميزانية لبنان اليوم - نسبيا - كميزانية فرنسا في ذلك ~~الزمان؟ # نعم يا أستاذ. # أما طالب الدكتور طه حسين، قبل أن استوزر، بحق أولاد المازني على ~~الدولة؛ فانفتحت بوجههم المدارس؟ # أجل يا صديقي. # وبعد، فبماذا طالبت أنا وماذا شكوت حتى لعب البرغوث في ~~عبك؟ # كان من الحق أن أشكو شيئا واحدا؛ ألا وهو تنابز الأدباء وتحاسدهم ~~وطول ألسنتهم ... # أنا ماذا قلت: قلت يموت رجل غني أو ذو نفوذ أو موظف، ms13 فتهتز الأرض ~~بالطول والعرض (كذا)، وغدا، وبعد العمر الطويل، يا يوسف، أموت أنا؛ ~~فلا يشعر بموتي أحد، ثم تموت أنت يا طويل العمر، فلا يشعر بموتك إلا ~~أم «العيون الخضر»، إن لم يكن وجهها ازرورق واخضوضر . اسمحوا لي ~~باستعارة هذا العيار منكم ولو لمرة. # عجيب أمرك يا صاحبي، كيف لم تفهم من كلامي إلا المال، مع أنك من ~~طغمة الأدباء لا من طغمة «مرحبا يا خال»؟ # ثم رحت توصل وتفصل حتى قلت: على الأديب أن يكون كالكاهن. أحقا ~~ما تقول؟ # أمجانا أخذ الكهنة ومجانا أعطوا؟ # ما لنا ولهؤلاء، فلنبق معك. # رأيتك تقسم الأدباء فئات، فخلت أن لديك مليونا تريد أن ~~توزعه عليهم بحسب استحقاقهم، ثم رأيتك بعد أن أبقيت منهم ربعا ~~عدت فأخرجت ذلك الربع من باب شرقي، فكان أليكون: لا شيء! # رويدك يا صاحبي، فإذا أردت أن تجعل فنك وأدبك الرفيعين مقياسا، ~~فلن تجد في الشرق أديبا من عيارك الثقيل وعلى عقلك ... # إني أودعك الآن على رجاء أن أسمعك «في قابل» حكاية ~~تسرك. # لا ترع، فالحكاية لا تمسك بسوء. # لا عاش من يرشقك بوردة، يا مكحول العينين. # عالية، 21 / 6 / 1950م # | شهادات زور # إن لبنان معود على هذه النكسة الثقافية، ولكنه كان يتعافى ~~فيما بعد. # فبعد الكهنة والأساقفة الذين كانوا منارة ثقافة وعلم - كالأسقفين: ~~فرحات والسمعاني، والكاهنين: التولاوي والحاقلاني - أخذت الثقافة ~~القديمة تنهار شيئا فشيئا. # وبعد أن كان لا يبلغ درجة الكهنوت إلا صاحب العقل والعلم والمعرفة، ~~أمسى الكهنوت كهنوت خبز، وطمع فيه كل جاهل. # وإليك هذه الحكاية التي وقعت في أواخر القرن التاسع عشر: # أرسل أحد الكهنة ولده إلى رئيس أساقفة بعد قطاف الزيتون، ~~وزوده برسالة يسأل فيها سيادة المطران أن يعلم ولده اللاهوت ~~والسريانية والعربية، ويعيده إليه كاهنا قبل موسم القز؛ لأنه ~~يحتاج إليه في ذلك الوقت. # وكان سكرتير الأسقف - الخوري مخايل غبريل - من أصحاب النكتة، فأراد ~~أن يمتحن ذلك الشاب الذي يريد أن يتعلم اللاهوت، ويصير كاهنا في ~~أربعة أشهر ... ففتح أحد الكتب وقال له: اقرأ ms14 يا حبيبي. # وراح الشاب يعلك، فكان تارة يكرج، وطورا يتهجى، حتى بلغ هذه ~~العبارة: «هذا من جهة، وأما من جهة أخرى.» وأخذ يتمخض بها ويقول: ~~وأما من جهة أخ... من جهة أخ... ناظرا إلى الأسقف وكاتب سره نظر ~~مستح ، ففقع السكرتير من الضحك وقال له: انطق يا ابني انطق، لا تستح ~~من سيدنا؛ هذي غير هاتيك ... # نعم، لقد وصلت البكالوريا التي حملها بعضهم إلى مثل هذه ~~الحالة. # أذكر أنني كنت أمتحن تلميذا «موصى به»، وهو يعرف أن ظهره قوي، ~~فسألته مسألة، فقال لي كالساخر: أنت احزر يا أستاذ. # فقلت له: أنا حازر أنك لو كنت تعرف العربية ما فررت من الشام ~~وشرفتنا ... وسوف تفوز بالبكالوريا اللبنانية غصبا عن رقبتي. # وهكذا كان! # جميل جدا جدا رفع مستوى البكالوريا اللبنانية، شرط ألا تقفل ~~الأبواب بوجه الظامئين إلى العلم، فبين مواليد ابن البشر من لا تفتح ~~مواهبه إلا ببطء وفي سن معلومة. # إن رفع المستوى الثقافي لا يكون بأن نضع على الممتحنين شروط ~~المسكوب على السلطان ... بل في التدقيق والعدل، وليرسب من شاء. # وعلى المعاهد والطلاب أن يضطلعوا بمسئولياتهم. # إن إحراز علامة كذا في المادة الفلانية شيء كنا نقرره عند هبوط ~~المستوى يوم كنا نمتحن طلاب البكالوريا ولم يعترض عليه أحد. # ليس للطلاب حق في معارضة من لا يحرز 20 / 5 في لغة أجنبية، ~~و20 / 7 في اللغة الأم؛ فالبكالوريا إذ ذاك لا تنفع حاملها. إنها ~~كحوالة بدون مئونة أو بندقية فاضية. # أما علامة الرياضيات فيجب ألا نضع لها حدا أدنى في الفرع ~~الأدبي؛ لئلا يكون عملنا تعجيزا، ومثل هذا، بل أشر، منع الطالب من ~~التقدم إلى الامتحان بعد الرسوب رابع مرة. # كان يقول لي جدي: «الحبل مع الأيام يقطع خرزة البير.» ويخبرني ~~حكاية مار إفرام الذي كان في مطلع عمره طلطميسا، وما حمله على الدرس ~~بعناء إلا رؤيته خرزة البير. # إن تقنين العلم لا يجوز؛ فلندع الناس وشأنهم. # قرأت مؤخرا أن امرأة أميركية في الثمانين أنهت دراستها ~~الثانوية ودخلت الجامعة. ترى ماذا ms15 يقال لها لو طلبت الالتحاق ~~بجامعتنا؟ # وبعد، فأنا لا أثق أن بيد من يقومون مسابقات التلاميذ ميزان ~~الدينونة ... إن الامتحان محنة، ويكون محنة على محنة إذا كان المميز ~~غير خبير؛ فليس الصحفي ولا الشاعر ولا الأديب صالحا لهذه المهمة، ~~ناهيك أن الامتحانات لا يصح أن تكون مقياسا للقدرة والكفاءة، كما ~~أن المميز الحاكم بأمره لو قدم امتحانا في المادة التي يحققها ~~ربما لا يحرز علامة أعلى من علامة الطالب الذي امتحنه، وخصوصا إذا ~~كان الامتحان كامتحان البكالوريا يعتمد على الذاكرة. # وأخيرا لقد بدأت وزارتنا في رفع مستوى الثقافة من فوق، مع أن المخل ~~يوضع من تحت، والأساس يبنى قبل السقف، فهل فكرت الوزارة في هدم هذا ~~المنهاج الذي ما زلنا ندور في حلقته المفرغة منذ وضعت ~~البكالوريا؟ # هل أدركت الوزارة أنه معمول طبقا لكتاب معلوم لتظل دفاتره ~~رائجة؟ # وإلا فما هذه النتف المطلوبة في المنهاج العتيد؟ # إن العنكبوت المعششة في زوايا وزارة التربية يجب أن تكنس، ثم ~~ينظر في المنهاج بعد هذا التنظيف، وإلا فتعديل المنهاج لا يخرج عن ~~النطاق الذي ضرب حوله. # والامتحانات يجب أن تجري بمعزل عن كل العوامل الخارجية، أقول هذا ~~لأنني مارست ذلك، وعرفت ماذا كان يطلب. # قال أحد الكهنة يعظ أبناء رعيته: يا أولادي المباركين، لا تخلوا ~~الصبيان والبنات يسرحوا سوا، نحن كنا وليدات مثلهم «ومنعرف» ... # نعم، أنا كنت من الممتحنين، وأعرف جميع المداخلات، عليا وسفلى؛ ~~فلتحارب الوزارة الجليلة على هذه الجبهة إذا شاءت أن تربح ~~المعركة. # وقبل وبعد، فجميع هذه الشهادات حتى الليسانس والدكتوراه، لا تقوم ~~دليلا قاطعا على الثقافة المثلى. # ورب شهادة ما شهدت لصاحبها في ميادين الأعمال ... # 24 / 2 / 1954م # | أمين وأبو أمين # حضرت دفن السيدة سعدى فارس الريحاني، فكدت أؤمن بشفاعة القديسين ~~... # ضحك القبر من تزاحم الإخوان، فقام أمين الريحاني من القبر ~~ليوسع لأخته. # إن من عاش في حل ومرتحل يحلم بدنيا العرب متحدة، ويدعو ~~الشرق ليقايض على فلسفاته وصوفياته بدبابات وطيارات، لم يجد مكانا ~~يسند إليه رأسه ... # كان هذا الرجل ms16 يرى حلم يقظته كأنه أمر واقع، فما ضاع «أمله المنشود» ~~إلا حين مات ... # أزعجت أمس عظامه وتكدست أمام عيني في «سحارة»، وأحيلت على ~~الاستيداع ... بلا معاش طبعا. # لا ألوم الأخ ألبرت، شقيق أمين، فهو عاجز عن تشييد ضريح يخشع أمامه ~~أكابر الناس من عشاق أدب أخيه وآرائه الإنسانية. # فأخونا أمين ما ترك غير الصيت الحسن. # لطالما كان يقول لأخته التي زاحمته اليوم في ضريح البيت: الكفن ما له ~~جيوب يا سعدى؛ فلنعط ما قدرنا. # وها هو يجود لها بمكانه، وترصف عظامه في صندوق كتب عليه اسمه. # سيفتح هذا الصندوق يوم تذكر الأمة نوابغها، وتكون للمفكرين في ~~لبنان نقابة، ولو كأصحاب الأفران ... # وجمت أمام هذا المشهد. # وتذكرت قرار مجلس النواب بصرف مبلغ خمسة وعشرين ألف ليرة؛ لتشييد ~~ضريح للمرحوم رشيد نخلة. # قد كنت من مشيعي الفقيد الغالي المرحوم رشيد. # رافقته إلى ضريحه الفخم، فذكرني مثال قلعة بعلبك المصغر الذي صنعه ~~نجيب الدبس، فقبر أبي أمين في الباروك، أولمب مصغر. # أما أمين الريحاني الذي كان يردد حين تشتد أزمة النضال: # أنا إن عشت لست أحرم قوتا # وإذا مت لست أعدم قبرا # فقد أعدم قبرا وما دفنت الموتى موتاها ... # ولهذا قلت: إنني أصبحت أؤمن بشفاعة القديسين ... # فلو لم يكن صديقنا أمين نخلة عضوا في مجلس النواب، ما فكر نائب ~~بتشييد قبر لوالده من مال الأمة، وما خطر على بال أحد أنه يستحق ~~شيئا، وما تألفت لجنة «برلمانية» ... لتكريمه. # إنه يستحق وكيف لا؟ # أما نظم: «كلنا للوطن»؟ # أما هو مؤلف «محسن الهزان» والأزجال الأخرى؟ # فليت المهتمين بتكريم أبي أمين وتمجيده يفكرون بأمين صاحب ملوك ~~العرب، وقلب لبنان، وخالد، ورباعيات أبي العلاء، و... و... و... # ليست القضية قضية استحقاق، ولكنها شفاعة ابنه أمين. رزق الله ~~الريحاني، ورزقنا شفاعة آخر قديس من هؤلاء الخمسة وخمسين ... # كان على نواب لبنان منارة الفكر التي تشع حقا وجمالا، كما ~~يقال في كل مناسبة، أن يفكروا بمأوى لفسفور عظام أمين؛ ليظل يشع ~~أمام زواره من رجال العرب والعجم. # ولكنها سياسة: ms17 حك لي أحك لك. # وبعد، فليس لبنان وحده مسئولا عن أمين، فالريحاني للعرب أجمعين، ~~فلنتكاتف جميعا مستمدين شفاعة قديسي المجلس النيابي ... فنشيد ~~ضريحا للمجاهد العظيم، فنكبر في عيون زواره الأجانب. # بنى مغتربونا قصرا للمكرزل في الفريكة، أفلا يبني المقيمون من ملوك ~~ورؤساء وزعماء وشعب بيتا يستريح فيه أبو الجامعة العربية؟ # 7 / 7 / 1948م # | هؤلاء رهبانك يا مار مارون # لا تخف، أيها القطيع الصغير، فالراعي الأعظم رءوف بخرافه، ومتى ~~سمع صوتها فلا يقسي قلبه. # إن النبأ الذي أذعتموه لمراسلكم الباريسي تحت عنوان: «انتداب فوق ~~الانتداب»، وفيه نعي استقلال الطائفة المارونية الذي قضت عليه رهبانها ~~وعرائضهم، قد جرح كل ماروني في شغاف قلبه. # ليست هذه أول مرة في التاريخ يفعل الرهبان ما فعلوا - إننا نظلم ~~الرهبان فلنقل رؤساءهم - ليس الذنب ذنبهم، بل ذنبنا نحن الذين نتركهم ~~يرعون ويبطرون، ولو راعوا حرمة أمتهم قلنا: «فليأكلوا هنيئا مريئا.» ~~ولكنهم أناخوا بكلكلهم على أوقافنا، لا لشيء إلا عبادة الله ونذر ~~الطاعة والعفة والفقر. # أما العفة فليس لي فيها ما أقول، فكلهم - والحمد لله - عفيف ~~القلب. # أما الجيوب فكثيرا ما رأيناها وارمة حتى الانفزار. # وأما الطاعة فقد برهنوا عنها في كل زمان كانوا يتمردون فيه ~~على أبي الطائفة وسيدها، وقلما خلا زمن من تمرد. # فمن عهد مرتينوس الأمس إلى مرتينوس اليوم، والمؤامرات على سلامة ~~دستور الطائفة - المجمع اللبناني - يدبرها هذا اللفيف المنقطع ~~لعبادة الله، ولكن الملة اليوم غير أمس، فستحاسبهم حسابا صارما إذا ~~داموا على هذا الكيد لها ولأبيها الأعظم الذي لا تعترف بسلطان لغيره ~~عليها. # فإن صح النبأ؛ فسيكون دويه عظيما حتى تسمعه رومة ~~بأذنيها. # ولكنني لا أصدق، فرومة جربت مرارا أن تدغم هذه الكنيسة ~~الشرقية، ولكنها لم تنزل يوما عن شرقيتها، ولم ترض بها بديلا، ~~فللموارنة ولع وفخر بهذا الاستقلال الطقسي، وهم لا يرتاحون إلى ~~غيره، إنهم يشاركون رومة في الجوهر، وأما العرض فستتركه لهم إن ~~شاء الله. # إن الطائفة اعتمدت منذ نشأتها معمودية الدم، ومعمودية الدم تفتح ~~باب الملكوت بلا إذن ولا حساب. ms18 # ومعاذ الله أن تسلب رومة - وهي أم المؤمنين - ما وهبناه إياه ~~التقليد والتاريخ، وأقرنا عليه جهادنا. # وإن زين لها أحد - وخصومنا كثر، وهم ممن أحسنا إليهم ~~وأجرناهم - أن دفن مجمعنا سهل، فإننا نقول للناس أجمعين: «هذا ~~فقيد عظيم، لا بد من القيام ليالي يعلم الله ما تلد.» فليس في يد ~~أحد، حتى ولا صاحب الغبطة أيضا، أن يقول لنا: «تنازلوا عن ~~استقلالكم واخضعوا.» لأننا لا نتنازل ولا نخضع إلا كارهين، ولا إكراه ~~في الدين. # أكتب بهذا الوضوح، بل بالقلم العريض؛ ليعلم من يعنيهم الأمر ما ~~عندنا، ويتأكدوا أن بلع هذه الحسكة غير هين، وإن هونه بعضهم ~~فسيرى أنه ليس كما ظن، والآتي قريب. # فإذا كان هؤلاء الرؤساء يريدون أن يخرجوا من حظيرة الطائفة؛ فلهم ~~ذلك، أما الأوقاف فهي لنا. # إننا لم نقفها لتكون سلاحا في أيديهم يحاربون به استقلال ملتهم ~~بعد أربعة عشر قرنا ... ولا زعيم طائفتهم؛ لأنه رجل يخاف الله ويسهر ~~عليهم كأناس يؤدون حسابهم، ولا ليمحو دماء ثلاثمائة وخمسين شهيدا ~~لبسوا قبلهم الإسكيم، وماتوا على رجاء القيامة. # وما أظن جمهور الرهبان - وما أكثر الصالحين فيهم! - يرضون عن أعمال ~~الذين يقومون بهذا الشغب الذي يسخط ويشكك القريب. # إن الطائفة غير الأشخاص، الأشخاص يزولون، أما العقيدة المارونية ~~فخالدة خلود الكنيسة الجامعة، وستماشيها أبد الدهر. # ليست التقاليد المارونية بنت يومين ليدفنوها وينفضوا أيديهم من ~~ترابها غير آسفين، إنها كنيسة مجاهدة حاربت الملوك في سبيل عقيدتها ~~الرومانية، فلا تكافئها رومة بهذا الاعتداء. # إن طائفة تحفظ بالفخر مدائح الباباوات القديسين لها، لا تترك بين ~~ليلة وضحاها ميراثا اشترته بدماء شهدائها. # لا ننكر أن دود الجبن منه وفيه؛ فليستيقظ الغافلون ويجابهوا الخطر ~~المداهم، فهو يأتيهم كاللص ليلا؛ فليسهروا حتى صياح الديك. # فلتنصب الطائفة المصالي للجرذان التي ترقص في أقبيتها؛ فقد حان أن ~~نشاركهم في كل شيء، ونشرف على ما يعملون إن كان هذا ما يدبرونه ~~لنا. # وإنني لأتمثل رومة تطل علينا من العاصفة ويصرخ بنا سيدها: «أنا ~~هو لا تخافوا.» # لقد خفنا يا سيد ms19 فقل كلمتك. فليترك لنا المجمع ندبره كما نشاء، ~~ودعونا نهتف في تلك الساعة الرهيبة كما هتف آباؤنا وأجدادنا: «إيمان ~~بطرس إيماني.» # 7 / 1 / 1938م # | مادحو أنفسهم # يهوى الثناء مبرز ومقصر # حب الثناء طبيعة الإنسان # من الناس من يفاجئك بمدحه وتقريظه لك؛ طمعا في أن ترد له الكيل ~~كيلين، ويستوفي ما له منك بالفائدة الموجعة، فكأنه ذلك الزارع يطرح في ~~الأرض حبة لتعيدها إليه مائة، وإذا لم تقع في الفخ الذي نصبه في ~~طريقك، راح يذم كل ما تذكره له، تارة بالقلم العريض، وحينا ~~بالإيماء والرمز، وطورا بالتغاضي والاستهزاء، وكأن لسان حاله يقول ~~لك: «أين جميع هؤلاء مني؟» إن الدهر ظالم، كافر، وناسه أكفر منه ~~وأظلم، ولو عدل الدهر وأنصفت الناس لكان هو سيد القلم وإمام الساسة، ~~وأغدق عليه الزمان من خيراته ما تستحقه خصاله العبقرية، وشخصيته ~~الفذة. # وإذا قلت له: «يا هذا، إن أردت أن تكون لك قيمة ووزن فلا تبخس الناس ~~أشياءهم.» اقعنسس واحرنجم، وقطب وجهه كأنك طلبت إليه ما طلب ~~المتنبي من كافور. # وكيف يقول في واحد من البشر كلمة وهو يعتقد أنه متى اعترف بفضل ~~سواه ضاع من فضله شيء لا يعوض؟ # وقد صور لنا صاحب الجوائب مثل هذا الرجل في جمله الأدبية، فقال: ~~«من الناس من يبالغ في مدح وطنه، فيصف مروجه ورياضه، ووهاده وجباله، ~~وربوعه ودياره، وهواءه وماءه، فيزعم أن شهرا فيه خير من ألف عام في ~~غيره، ثم يزفر زفير الهائم الولهان: ألا إن حب الوطن من ~~الإيمان. # بلادي هي البلاد التي تغزلت بها الشعراء قديما وحديثا، فاسمع ما ~~قيل في جداولها ونواعيرها، وبلابلها وعصافيرها، وفي أريج آفاقها ونضرة ~~حدائقها، ويأخذ في رواية ما حفظ حتى إذا قلت له: كيف جارك ~~الأدنى؟ # قال: ويلي! إنه شر جار، وهو على البلاد عار. # وإذا سألته: فكيف جاره الذي يليه، عسى أن يكون ممن توالفه ~~وتصافيه؟ # صاح: ويلي! إنه شر من أخيه. # وإذا قلت: فكيف أهل الحي طرا؟ صرخ: إنهم كانوا كلهم علي ~~شرا. ~~- وكيف أهل البلد ms20 أجمعين؟ أجاب: ويلي! ما منهم أمين ولا معين، فما ~~كأنهم خلقوا من ماء وطين. ~~- وكيف حال التجار؟ أجابك: إنهم عبيد الدرهم والدينار. ~~- وكيف أهل المدن والأمصار؟ هتف: ويلي! إنهم ذوو غبن وغش، ما ~~تعامل أحدا منهم إلا ويمنيك بالكرب والخسار. ~~- وكيف أهل الجبال، عسى أن يكونوا خيرا من أولئك؟ # صرخ: ومن أين لهم الخير والصفاء، وقد فطروا على الشراسة والجفاء، ~~فابتعدوا عن الآداب حتى كادوا أن يحصوا مع الذئاب، يقتل أحدهم ~~أخاه برغيف ليسد بها جوعه. هذه حالة سكان البلاد؛ فلا تكثرن ~~السؤال.» # فقلت في نفسي: إن امرأ يحسب جميع أهل بلاده دونه لجدير بأن ~~يذيعوا فنونه وجنونه. ويا للعجب ممن يمدح وطنه ليرجع المدح إلى نفسه! ~~وممن لا يعجبه شيء مما يقال إلا إذا كانت ذاته وصفاته هي ذلك الموضوع ~~الذي يدور حوله الحديث! # ألا ترى يا صاح أنك تكون ثقيلا على المحضر إذا كان لا يعنيك إلا ~~أن تروي لنا طرائف ما فعلت في زمانك، وأن قولك كنت وكنت لا يرفع من ~~مقامك، بل يضحك الناس منك، ولا تدل إلا على خفة عقل لو كانت في ~~رجلك لسبقت الغزال والأرنب. # كثيرون من إذا التقيتهم يسدون عليك الطريق بالصدر والباع، ويحاولون ~~جرك إلى الحديث عن أعمالهم وآثارهم، وخصوصا إذا كان صدر عنهم ما ~~يعدونه حسنة، فإنهم يستدرجونك إلى الكلام عنها. # وإذا رأوك تجهلها أو تتجاهلها تولوا هم بالنيابة عنك الثناء على ~~أنفسهم، فيمثلون معك دور بطل بديع الزمان في المقامة المضيرية، ~~حتى إذا حاولت أن تهرب كما هرب ~~أبو الفتح من تلك الدار، تشبثوا بأذيالك كأن لهم عليك دينا، ثم ~~لا يخلون سبيلك إلا بعد أن يشبعوا أنفسهم مدحا. # أنا لا أرجو استئصال دابر هؤلاء؛ فهم أكثر من الجراد، ولكنني أصفهم ~~لقارئي حتى إذا كان من طرازهم ارتدع وأراح الناس من غفلته ... # 12 / 5 / 1954م # | جيشنا # كان عيد الجلاء الأخير جلاء لجيشنا الفتي، فأدهش تنظيمه النظارة - ~~وأكثرهم من كبار الدبلوماسيين والملحقين العسكريين - فنوهت الصحف به ~~وبأمير لوائه الشهابي، فقلت ms21 في نفسي يومذاك: هذا سياج الحمى قد شب ~~عن الطوق، ألا بارك الله بالعهد وبسيده البناء. # ثم طالعت ما قاله الكولونيل ديلالند - مخترع قنبلة الدفاع ضد ~~الدبابات، بعدما شهد عرض عيد الجلاء: «إن قوة النيران في القطع التي ~~مرت أمامي تلفت النظر وتستأثر به. إنها لقوة عظيمة لم يجهز جيش ~~جنوده بمثلها، وهي تضاعف عدده إن لم تثلثه وتربعه.» # وقرأت ما أذاعه المستر والتر كولنز - مدير وكالة برقيات يونايتد ~~بريس: الجيش اللبناني صغير، ولكن معنوياته كبيرة. # فتذكرت ما قاله نابليون: «أعطني جيشا قوي المعنويات؛ أكتسح به ~~الدنيا.» # وإذا شك الأستاذ شمعون النائب بقول الصحفي الأمريكي، والقائد ~~العظيم الفرنسي، فما إخاله يشك بقول أكبر كاتب عسكري بريطاني معاصر؛ ~~الكابتن ليدل هارت. # لا شك في أن الأستاذ قد عرفه حين مكث بلندن ثلاث سنوات ممثلا ~~لبنان. # قال هذا الكاتب - بعدما استعرض جيوش الشرق الأوسط بمناسبة ما تتمخض ~~به الأيام من الأحداث الخطيرة: «إن على الجيش اللبناني المؤلف من ~~خمسة آلاف جندي أن يحمي حدودا طولها مئتا كيلو متر ونيف، إلا أنه ~~ربما لا يمكن الاعتماد عليه في مقاومة طويلة النفس.» # أفلا يكفي خمسة آلاف نفر فخرا أن يقاوموا قوات كالجراد الزحاف ~~مقاومة قصيرة النفس؟ # إننا لم ننس بعد قول الجنود الأستراليين عام 1941م: كنا نظن ~~أن المقاومين جنود ألمان، ولم نحسب قط أنهم جنود لبنانيون. # أما كان الأجدر بالنائب الأستاذ شمعون أن يشجع ولا يفزع؟ # ولماذا لا يستحق الجيش ثناءه بعد الانتخابات كما استحقه ~~قبلها؟ # أينسى وننسى من شوه منه وعوه، ومن طرش وعمي، ومن أقعد وقتل ~~دفاعا عن الحدود حتى شهد له العدو بمضاء العزيمة، وعناد الدفاع؟ ~~والفضل ما شهدت به الأعداء. # أليس عجيبا غريبا أن يتكلم ابن الشوف، ذاك العرين اللبناني الذي ~~نما فخر الدين فيه، وعرف بسالة البشير وجنوده، فيضعف معنويات جيش ~~مترعرع لأجل معارضة ذاهبة؟ # إذا جاز أن تتناول الحملات بعض الشئون الأخرى؛ فلا يصح أبدا أن ~~تتناول معنويات الجيش المقدسة، وهي أقوى العتاد. # أنظل ماسكين ب «الناضور» ms22 بالمقلوب؟ # قوموه على الأقل حين تنظرون إلى جيش يحميكم؟ # أكلما دق الكوز بالجرة نصرخ: فلسطين، ثم نتأوه وننوح؟ # إن عملا واحدا مثمرا لخير من ألف مأتم. # وإذا كان هذا تشجيعنا لجيشنا، أفتحمي حدودنا أنانيتنا الضيقة ~~العين؟ # إن الناضور المقلوب يرينا كل شيء ضئيلا، حتى الجيش الذي قال ~~فيه الكولونيل زنبل أحد أركان حرب إسرائيل: إن جيش لبنان صغير بعدده، ~~ولكن ضباطه أذكياء جدا، وثقافتهم العسكرية واسعة جدا. # ألا بارك الله بالعهد، وبسيد هذا العهد، وبقائد جيش العهد، وبكل سيف ~~من سيوف العهد. # وبورك بالأستاذ شمعون مجاهدا، وسدد خطاه نائبا، وجمله بالإنصاف ~~معارضا، كيلا يرى كل شيء لا شيء ... حتى الجيش. # عالية، 2 / 7 / 1951م # | قصر السعديات # كتبت جريدة الحياة البيروتية في عددها 3188 ما يلي: # تشاهد الرئيسة زلفاء شمعون هذه الأيام، بكثرة في محلة ~~السعديات بعد خلده، حيث تتفقد دارتها الخاصة التي أنجزت منها ~~الطبقة الأولى. # وهذا الركن الهادئ الذي يدغدغه موج البحر انتقته زلفاء شمعون ~~بنفسها، فهو خير مكان للابتعاد عن متاعب السياسة. وتجمع هذه ~~الدارة بين الطرازين: الإنكليزي والدمشقي بالحدائق التي ~~ستتوسطها في الداخل، وهي تبنى بالحجر والخشب. # مساحة البناء عشرون ألف متر، وسيزرع حول الدارة بستان ليمون ~~وغابة صنوبر، ولكن أجمل ما سيكون في الدارة الحدائق الداخلية ~~والغرفة الخاصة بأسلحة الصيد. # أما مهندس الدارة، فيعرف من دخان «المشحرة» الذي يملأ ~~آفاق السعديات اليوم. والمقصود بالمشحرة غليون المهندس المبدع، ~~عاصم سلام، الذي يلازم الورشة لتكون الدارة جاهزة في الربيع ~~المقبل. # على هذا يتوازن شاطئ بيروت بدارتين: دارة السعديات في ~~الجنوب، ودارة الكسليك في الشمال. # مثل هذه العجائب والغرائب المعمارية قرأنا أخبارها الطريفة في تاريخ ~~الدولة العباسية حين اكتهلت، وما قصر «بتدين» إلا نمط من تلك ~~الأنماط. # كتبت جريدة الحياة عن دارة الرئيسة زلفاء كميل شمعون في السعديات، ~~ولعل اختيار هذا الموقع كان للتيمن بالتجديد العتيد؛ فالسعديات من ~~السعد، ومن أسعد من رئيس جمهورية بلد أمين كلبنان. # أما مساحة بناء هذا القصر فقد حددتها الجريدة الرصينة بعشرين ألف ~~متر ms23 مربع، يحيط بها بستان ليمون، وغابة صنوبر ستجدد ذكر صنوبر ~~بيروت. # وقد خصت الجريدة بالذكر الغرفة الخاصة بأسلحة الصيد في هذا القصر ~~العامر. # يسألنا الشحاذ: هل عندكم شيء لله؟ # ونحن بدورنا نسأل الرئيس اللبناني: هل في قصرك الميمون مكان للكتاب ~~يسند إليه رأسه؟ # هل فكرت يا فخامة رئيس جمهورية بلد الحرف والإشعاع بمكتبة ~~خاصة؟ # فمن يدريك أن القصر السعدي لا يصبح في الدهر العتيد من الآثار ~~اللبنانية، كما أصبح غيره من بيوت دير القمر؟ # فاعمل على الأقل مكتبة تاريخية؛ لأن اسمك الكريم سيكتب بأحرف من ~~نور. # وإذا كنت لم تفتتح مؤتمر أدباء العرب كما فعل القوتلي، فلا أقل من أن ~~تذكر المكتبة كما تذكرت غرفة سلاح الصيد، والحدائق الداخلية ~~والخارجية، فالكتاب أعظم وأخلد حديقة، وإذا لم نتعرف عليه في قصورنا ~~حسبتنا أميين. # أنا مؤمن بنظافة يد كميل شمعون، ولكن هذا القصر العظيم لا يشجع ~~الناس على تجديد الرئاسة، وكان أحرى بالسيدة شمعون أن تتريث إلى ما ~~بعده. # وقد بدأت النكرزة منذ الآن، فالجريدة التي روت هذه البشرى ختمت ~~كلمتها بقولها: # على هذا يتوازن شاطئ بيروت بدارتين: دارة السعديات في ~~الجنوب، ودارة الكسليك في الشمال (كذا). # 14 / 9 / 1956م # | ثلاث أزمات تنتظرنا # أزمة المعلمين، وأزمة المنهاج، وأزمة أصحاب المدارس؛ ولذلك نحن ~~قادمون على عام دراسي أهوج، وسنة سوداء، والكتاب يقرأ من ~~عنوانه. # أما بدأ أصحاب المدارس يرغون ويزبدون، والمعلمون يزمجرون ~~ويتوعدون، والتلاميذ ينتظرون إضرابات واسعة النطاق تبشرهم بالراحة، ~~ثم لا يفيقون من غمرتهم إلا في نوار، ولا ينصرم حزيران حتى نسمع ~~البكاء وصريف الأسنان؟ # التلاميذ متبرمون بمناهجهم، وخصوصا منهاج البكالوريا، وسنعالج هذا ~~الموضوع عجالى، ألا تسمع كل يوم من يبشرك بانقضاء زيارته لك بقوله: ~~حديثك لا يمل. # حقا إن حديث المدرسة لا يمل؛ لأنه حديث الذرية، ~~والذرية هي الخلود الملموس، وإن يكن بلزاك قال بلسان بطل روايته «الأب ~~غوريو»: «أنا لست أريد الخلود بالمزلوم ...» والمزلوم في لغة الزراعة هو ~~قطعة من قضيب تلقح به الأشجار، أو يغرس لتخرج منه غرسة جديدة ms24 من ~~نوعه. # لست أعالج الآن غير أزمة المنهاج، أما أزمة المدارس المستحكمة ~~المستعصية التي لا مثيل لها في القاهرة ودمشق وبغداد، فالجواب الصريح ~~على تساؤل الأستاذ أسعد عقل هو أن في تلك العواصم لا تعادل بين ~~الفرقاء، هناك أكثرية ساحقة وأقلية، طبعا، مسحوقة، والكلمة للحكام ~~وليست لرؤساء الأديان. # فالميزانية في تلك الدول التي ذكرها الأستاذ ليست للاقتسام، وليست ~~لتنازع البقاء؛ فهل سمعنا أن أحدا هناك يقول: حصتنا في الميزانية ~~أقل مما يحق لنا؟ # إن هذا لا يوجد إلا في لبنان؛ ولكي ينجح لبنان دوليا عليه أن ~~يجعل الدولة علمانية، ويكف أيدي رجال الدين من كل ملة، ويراقب ~~أعمالهم حتى إذا أبدوا نشاطا غير مشروع أوقفهم عند حدهم؛ ليعطوا ~~ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، فلا يتوسلوا بمنابرهم ومناسكهم التي ~~أعدت لكلام الله ليتطرقوا إلى السياسة. # كانت الكلمة لهم يوم كان الشعب قاصرا، أما اليوم فصار بالغا ~~رشيدا. # إن هذه الطائفية من الطرفين هي عقبة في كل سبيل، وما أشبه دولتنا ~~اللبنانية بأب له أبناء عيونهم عشرة عشرة على الحصص التي يوزعها ~~عليهم أبوهم، وكل واحد يرى أن أباه أجنف عليه، وأن أخاه أو إخوته ~~نالوا أكثر منه. # أما مسألة سقوط ألوف الشبان عندنا؛ فذات شقين: # الشق الأول: # وهو المنهاج الذي نعدله نحن من سيئ إلى أسوأ، ~~فنعسر حين نزعم أننا نيسر ... وحكايتنا في تعديله ~~مثل حكاية ذلك الذي حملوه عنزة وهبط ... فقالوا: ~~حملوه ثنتين. # وأما الشق الثاني: # فسببه عدم تدقيق المدارس في تعيين الصفوف، ومزاحمة ~~بعضها بعضا لكي تعبئ ما في بناياتها من فراغ، بل ~~فلنقل: إن التعبئة عندنا حتى البشم والكظة، فهم لا ~~يأكلون بثلث بطنهم، بل يتمنون أن يكون لهم ثلاثة بطون ~~ليأكلوا بها كلها، ويقشوا كل ما على ~~المائدة. # نحن قوم عقلنا متحجر، وهو لا يتشكل ولا يتبلور مهما تصهره ~~العناصر. # أرأيت إلى البزاقة في كوخها الذي تحمله وتسير؟ إنها لا تخرج منه ~~قط، وأكبر همها أن تمط وجهها قليلا، وإذا اشرأبت فوق ذاك البوق ~~فربع قيراط؛ ms25 لكي تعلن تلك المسكينة أن لها قرونا، ولكنها قرون ~~هلامية لا تصلح للمساورة والنطاح ... اسمها قرون، أما مادتها ~~فمخاطية. # من شروط العقل الفعال أن يكون قويا، يهدم ليبني. ونحن لا نجسر ~~على فتح طاقة تدخل منها الشمس إلى بيتنا العتيق؛ ولهذا مصل دمنا ~~وأصبح دما قنفذيا كأنه الصديد. # إن المنهاج في نظر القوامين عليه والذين طبخوه في الخفاء شيء ~~تافه لا يؤبه له ، فكل غايتنا من تعديله أن تنفق كتبنا، وكلما ازداد ~~عدد البيع زعمنا أن ثقافتنا توطدت، ورحنا نتحدث عن الإشعاع، ويا ~~له إشعاعا بلا زيت! # وفوق ذلك نريد أن نكون أمة، ومن سمع ببيت بلا أساس وشجرة بلا ~~جذور؟! # لا أدري كيف يشع سراج، بل كيف يشعل وهو مخنوق في غرفة لا يدخلها ~~الأوكسجين من خلف ولا من قدام، ولا من فوق ولا من تحت؟ تلك حال ~~طلابنا ومنهاجنا. # في سنة 1933م، دعينا لتعديل منهاج عام 1929م، وكان ذلك المنهاج ~~يحتوي على دراسة العصور وتاريخ العرب وثقافتهم، وأطوار الأدب، وأكثر من ~~مائة كاتب وشاعر، فجعلنا عدد الكتاب والشعراء تسعة وعشرين، ومع ذلك ~~رأت الهيئات التعليمية والتلاميذ أن الحمل ثقيل، ويزيد في ثقله أنه ~~مضجر ممل، فكنا إذا فرغنا من دراسة امرئ القيس تحيرنا ماذا نقول ~~في شعراء الجاهلية الآخرين؛ فنقص على تلاميذنا أخبار هؤلاء المفارد، ~~نوهمهم بذلك أننا ندرسهم الأدب، وما نكون وإياهم إلا كمن يتعلل ~~بالعلك عن الطعام. # وإذا عثرنا عند أحد هؤلاء على صورة أو تعبير أو فكرة لم يقلها ذو ~~القروح، هاجمناها بأساطيلنا وغواصاتنا ودباباتنا وطائراتنا، وشننا ~~عليها غارات حرب صاعقة، زاعمين أننا استولينا على المبادرة باكتشافنا ~~كلمة جديدة عند شاعر. # إذا كان التعليم بناء تربويا اجتماعيا، فماذا نحن نبني من هؤلاء ~~الأطفال في القرن العشرين؟ وأي صرح ممرد نرفع في عصر ناطحات ~~السحاب؟ # فلولا طرفة، وهو ليس أبعد رأيا من معاز معاصر، لاحمر وجهنا حين ~~ندخل الصف. # وإذا بلغنا العصر الأموي رأينا ثلاثة شعراء سبابين شتامين نبشوا ~~قبور جدودهم، وفضحوا النساء، وسبوا المشايخ، وأقلقت ms26 الجزيرة ~~بذاءتهم، وما زادوا في نقائضهم على ما ينظمه اليوم قوالو العامة. ~~بلاغتهم: سبني وأسبك، والشاعر الفحل من سب أحسن. # ولكي نخفف قلنا: فلنحذف اثنين من هؤلاء الثلاثة، فانتصر النصارى ~~للأخطل، والمسلمون للفرزدق وجرير، وكان برهان أحدهم: الفرزدق شاعر ~~الفخر، وجرير له حلو الهجاء ومره. # فأجبت: على رأسي وعيني، ولكن ماذا يفيد أولادنا فخر الفرزدق بجده ~~مجاشع ذي البول الكثير، وإن كنت أتمنى أن يكون في كل مزرعة واحد مثله، ~~فيغنينا عن السماد ... وإذا قلنا فلنلحق ابن النصرانية بصاحبيه، انتفضت ~~لحى البعض كما كانت لحيته تنفض خمرا حين يدخل على عبد الملك بن ~~مروان! ذكرني جدلهم بسهرات الزناتي خليفة ودياب بن غانم. # هاشوا علينا فخضعنا للأكثرية، وهكذا بقي هؤلاء ثلاثتهم عملا بالمادة ~~6 و6 المكررة. # ويطل علينا أبو جوان، دنجوان العرب، ابن أبي ربيعة؛ فتنبسط أسرة ~~طلابنا، ولكن المعلم مكعوم لا يدري ما يقول، وإذا كان في صفه بنات ~~يمشي تلغراف العيون اللاسلكي ... واصبر يا أيوب ... # ولا تفرغ جعبة آرائنا حتى يطل بشار ابن قريش العجم، فيقول ما ~~يشاء ولا يستحي، والحياء في النظر يستلهم محيطا خصبا وحضارة لا بأس ~~بها، تمده نفس ذات فن أصيل على قذارتها، ثم يقبل الشاعر الماجن ~~أبو نواس، فنصطدم بشذوذه الصريح، وإن كان يحل العقد المحكمة الربط ~~بلباقة المشعوذ وخفة البهلوان. # إن الشوارع تغني أولادنا عن تعلم آمالي أبي نواس. # ويعاودنا الضجر حين نبلغ أبا تمام والبحتري. # سألني تلميذ - ولعله خبيث: لماذا كان البحتري يبيع غلامه ثم ~~يحاول استرداده؟ # فقلت له تهربا: لم أكن قاعدا في فكره. # فضحك التلاميذ ونجوت أنا. # ولا نتنفس قليلا إلا في واحة ابن الرومي؛ حيث نرى نفسا معقدة؛ ~~فنشغل بحلها وننسى فصاحتنا المعهودة. # ويتزحزح عن صدرنا الكابوس حين يقبل أبو الطيب، فنقرأ شعرا يتصل ~~بالحياة وتتصل به، شعرا يحدثنا عن القومية ومقوماتها، والإنسانية ~~ومعضلاتها، ويمد يده بحذر إلى ما وراء الطبيعة، فيحدث ثقوبا ينبعث ~~منها نور وإن ضئيلا، ثم تنتهي المعركة الحاسمة عند دير العاقول، ~~فنتركه ونمضي مسوقين، والمنهاج ms27 يهش علينا بعصا ليس فيها مآرب أخرى، ~~فنسمع عويل أبي فراس في خرشنة، ونواح العجوز بمنبج، ثم يعلو هزج ~~الشعر الأندلسي فنصغي إلى رناته هنيهة، حتى نبلغ أحمد شوقي فنرى ~~شاعرا نفهم عنه، ويعنيه ما يعنينا، يحدثنا عما يتصل بحياتنا أو ~~اتصل بها، بعد أن سئمنا شعراء بيننا وبينهم فدافد ومهامه لا تبلغها ~~القلاع الطائرة إلا مهيضة الأجنحة. # وفي النثر نلهو حينا بوعيد الحجاج وتهديده، وترصن عبد الحميد ~~وتبليده. وما كنا لنقف عند هذا لولا تلك الكلمة الفخارية: بدئت ~~الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد، كما قيل في الشعر: بدئ ~~الشعر بملك وختم بملك. # أما ابن المقفع والجاحظ فمؤلفان اختبرا الحياة، يجد الطالب ~~عندهما لذة وفائدة، ولكننا لا نسلم عليهما حتى نودعهما لضيق ~~الوقت. # ونبلغ مقامات البديع، فتحلو لنا الإقامة، فيتراءى لنا الحريري على ~~جمر الانتظار ينتف عثنونه من الهوس، والأصبهاني يرقبنا ليمعن في إسناده ~~وتمحيصه، ويروي لنا الخبر مرات. أما ابن الأثير الذي ينمي ~~«مثله» الذوق الفني، فحظه أقل من سواه. # وإذا بلغنا القرن التاسع عشر، فإننا لا نرى أديبا لبنانيا له ~~رأي اجتماعي في منهاج بكالوريا يسمونها لبنانية. # إذا كان التعليم، كما يقال، وسيلة للتربية؛ فبماذا نتوسل نحن ~~لنربي أبناءنا التربية القومية المطلوبة؟ أببعر الآرام في عرصات دار ~~عنيزة، أم بحب الخمخم وسط ديار عبلة؟ # ما شبهت «منهاجنا» إلا بحمولة قش على ظهر جمل، فلو سمعت وزارة ~~المعارف - عفوا وزارة التربية الوطنية - صيحاتنا العديدة وأعادت النظر ~~في هذا المنهاج الثقيل لأراحت وأفادت. # هذا منهاج القسم الأول، أما منهاج القسم الثاني فغريب عجيب: يدرس ~~الطالب الأدب في سنين، ويتعلم الفلسفة في سنة واحدة، وكيف يصبح ~~فيلسوفا بسبعة أشهر؟ فهذا ما يحيرني، كيف يتعلم بسبعة أشهر علم ~~النفس والمنطق والأخلاق، وما وراء الطبيعة، والفلسفة العربية وتاريخها، ~~والتاريخ الطبيعي - وهنا البلية الكبرى - من حيوان ونبات، والكيمياء ~~والفيزياء والفلك والتاريخ والجغرافيا، وكل ذلك عن ظهر قلب؟ # هب هذا المنهاج جنينا، فهو لا يتصور في بطن أمه ويتم في ~~أقل من تسعة أشهر ms28 ... # إن التلميذ اللبناني - عظم الله أجره وشكر سعيه بعد دفن الفلسفة ~~في ذاكرته - أشقى طلاب المسكونة، وأعظمها جهادا واجتهادا؛ فهو وحده ~~من ذوات المعدتين، يتعلم الآداب والفلسفة بلغتين، ونعنفه إن لم ~~يخرج أديبا عالما، فيلسوفا، نحويا، صرفيا، لغويا، نباتيا، ~~ميكانيكيا، تاريخيا، جغرافيا ... # كان رجال لبنان القدماء رجال جد وعمل، كانوا حتى في القرن ~~الثامن عشر يحسنون اللغة العربية والسريانية والعبرانية واللاتينية ~~والطليانية والفرنسية، ومع ذلك ترجموا اللاهوت الأدبي والنظري والحق ~~القانوني، وما يحتاجون إليه، وعلموه أبناءهم، ترجموا الأنطوين ~~والليكوري والغوري، فكتب القديس توما الأكويني، ولم يكلفوا كهنتهم ~~تعلم اللاهوت باللغات الأجنبية كما نفعل نحن اليوم. # إننا نحمل أبناءنا خرجا فلسفيا، وخرجا أدبيا، وخرجا ~~جغرافيا وتاريخيا، إحدى عينيه عربية، والأخرى فرنجية، ثم نقول ~~لهم: أسرعوا عجلوا، أتقضون العمر في المدرسة؟ وبعدئذ نلومهم إذا ~~قصروا وخرجوا من دروسهم خروج الشعرة من العجين ... وكيف لا يقصر ~~في العقبة من حملوا مثل هذا الخرج؟ بل هذه الأخراج؟ # وبعد تلك الاحتجاجات والصيحات قالوا لنا: إنهم يعدلون المنهاج، ~~فانتظرنا وانتظرنا ... وأخيرا ظهر، ولكن كيف؟ # أعيد المنهاج سيرته الأولى. # كنا نشكو من تدريس تسعة وعشرين كاتبا وشاعرا، فعدنا ندرس مائة ~~وأكثر؛ لأن المسيطرين على وزارة التربية هم هم، وأكبر همهم أن ~~يعيدوا المنهاج إلى كيانه الأول الذي وضع عام 1929م. # وكان الله في عون الطلاب، وكيف لا يسقطون ألوفا في ساحة الامتحان يا ~~أخي؟ # إذا شئت أن تطاع؛ فسل ما يستطاع. # لقد ذهب الأستاذ صدقة وفي قلبه شيء من حتى، فعسى أن يوفق الأستاذ ~~صوايا إلى تعديل المنهاج كما يجب. # إن هذا المنهاج الذي حاول صدقة أن ييسره، ولم يفسح له في المجال؛ ~~فعسى أن يقدر عليه صوايا. # إن ذلك ممكن إذا لم يصطدم بالانتفاعيين الانتهازيين الذين يحسبون ~~وزارة التربية حقل تجربة واختبار، أو مزرعة يطبقون عليها قول المثل ~~اللبناني: «كل يزرع حقله بعقله.» أما التربية وعقول أبنائنا فليست ~~في حسابهم. # الحساب يتطلب من يفكر برأسه، أما هؤلاء فيفكرون ~~بجيوبهم. # 5 / 2 / 1954م # | وزارة أوقاف # إذا كنا ms29 نعدل قوانيننا وشرائعنا حتى العتيقة جدا جدا، ~~ثم لا نجعل تلك القوانين عامة شاملة، فجذور الطائفية تمتد ~~طلوعا ونزولا. # وإذا عدلنا تقسيم المواريث لملة دون غيرها، صار عندنا ثلاث شرائع ~~في مادة واحدة. # فالوصية عند إخواننا الدروز لا قيد لها ولا شرط فيها، فيهب الرجل ~~جميع ما يملك لمن يشاء من الناس، وليس لبنيه وبناته ما يقولون. # أما النصراني فلا تنفذ وصيته إلا بجزء من تركته. هذا إذا نفذت ~~ولم يجد الورثة مغرز إبرة يطل منه المحامي المجتهد لينقض ما أبرمه ~~المورث، ناهيك أن الأب المسيحي لم يعد يستطيع أن يحرم أحدا من ~~بنيه ولو كان عاقا كابيشالوم ... # وإذا تحقق ما يقولون عن تعديل حقوق الإناث ومساواتهن بالذكور، ~~فستصبح شريعتنا مدنية غربية. # ولكن يعز علينا أن نفارق إخواننا المسلمين الذين اتبعناهم منذ ~~أنزلت سورة البقرة حتى الآن. # إني لأعجب لهؤلاء النواب الذين لا يفكرون إلا بما يخصهم، ~~فكيف هم غافلون حتى اليوم عن وزارة أوقاف؟ # ألا يربحون حقيبة وزارية جديدة؟ # ووزارة الأوقاف سمينة، دسمة، يتولى صاحب حقيبتها الإشراف على ثلث ~~أملاك لبنان. # للروم الأرثوذكس مجالس ملية يطلع فيها الشعب على «من وإلى» في ~~دفاتر أوقافهم، وللمسلمين مجلس أوقاف أعلى ينتخبون أعضاءه هم، ولا ~~يفرض عليهم فرضا، عملا بالقول المأثور: «كلكم راع وكلكم ~~مسئول.» # أما الطوائف الكاثوليكية فيقضون بالأمر عنها وهي غافلة ... ولو ظل ~~قيدنا في يدنا لسكتنا ولم نطلب شيئا، ولكن راحت إسطمبول العتيقة، ~~وحلت محلها إسطمبول جديدة، فصرنا لا ندري ماذا يصنعون؟ ولا ماذا ~~ينفقون؟ ولا ما يقبضون؟ ولا كيف يتصرفون؟ # إن هذا لا يعنينا، فعلينا أن نسلم ونطيع، وإلا عدونا هراطقة ~~متمردين. # اتهم أحد رؤساء الرهبانيات المارونية، منذ سنوات، باختلاس ثمانين ~~ألف ليرة؛ ولكي يبرئ نفسه ويرد لها اعتبارها، أذاع نشرة قدم فيها ~~حسابا للرأي العام، فلم تطالبه رومية، المرجع الأعلى، بالحساب، ~~ولكنها لامته لأنه أدى الحساب للشعب، ثم أسقط عن كرسي الرئاسة ~~العامة لهذا السبب، وإن ظل يحتفظ بالتاج والصليب والخاتم. # فالشعب في الكثلكة لا يعنيه أن ms30 يعرف شيئا، ولا يؤدي له الحساب، ~~فذاك سر يظل مكتوما مثل سرية المصارف. # قد يكون لسرية المصارف منفذ ينفس عنها، أما الأوقاف ~~الإكليريكية عندنا فلا منفس لها، ولتمت بدائها إذا لم يمن الله ~~عليها بالشفاء. # فنحن الآن نطلب أحد أمرين: إما أن يكون لنا مجالس محاسبة كغيرنا من ~~الطوائف الشرقية، وإما أن نخلق وزارة أوقاف تسهر على البقية الباقية ~~من تركة هذه الأرملة ... وكما أن تعديل المواريث يسري على المسيحيين ~~وحدهم ، كذلك فلتشرف هذه الوزارة على أوقافهم كلها بدون استثناء، من ~~بكركي إلى آخر أنطوش. # في عام 1908م، عملنا مجلسا مليا، ولم يضيق وجود العلمانيين ~~على أحد من الإكليريكيين، وظل الإكليروس بألف خير يأتيه رزقه رغدا ... ~~فلماذا لا نفعل اليوم كما فعلنا أمس؛ كيما تزول شكوك الناس والتهم، ~~ويخف هذا البطر ولو قليلا؟ # يقولون: هذه شريعة رومية، فهي لا تؤدي حسابا لأحد، ونحن تابعون ~~لها. # ونحن نجيب: أيكون لنا ألف مرجع وليس لنا مرجع؟ إن ثلث عقارات لبنان ~~أرض موات ليس من يستعمرها، يكتفي المشرفون عليها باستغلال ما تيسر ~~استغلاله، وليس من يضرب فيها معولا! لقد ذهب زمن العباءة والمداس، ~~وجاء عصر النيلون، فليت الشعب يسهر ولا يترك ما أوقف عليه يذهب ضياعا. ~~إن الأوقاف عندنا مثل الذي يسمونه دوليا بالمال الاحتياطي، فلولا ~~بقية من السلف الصالح لكان أكبر هذه المراجع أفلس. # كان الأمر علينا هينا لو ظل قيدنا في يدنا، ولكننا صرنا لا نقطع ~~خيط قطن بدون إذن نستمده من وراء البحر، فهل لدولتنا أن تنبري ~~لمحاسبة أولئك الذين يأكلون من كيسنا، ويتأمرون علينا، ويقضون بالأمر ~~عنا ونحن غافلون؟ # وإذا كانت امتيازاتنا الشرقية قد ابتلعت، وتبتلع واحدا خلف ~~واحد، فلماذا لا تمد دولتنا يدها إلى الصحن قبل أن يمعطوه ~~ويلكحوه؟ # فإما وزارة أوقاف تبدأ من الأعلى فنازلا، وإما مجلس ملي ~~يحافظ على ثروة الأرملة المسكينة. # وكيل وقف القرية يحاسب تحت سنديانة الكنيسة على مسمع الكبار والصغار ~~نساء ورجالا، فلماذا لا يطبق «السادة الأجلاء» هذا التقليد ~~عليهم؟ # لماذا لا يحاسب ms31 الشعب أولياء الوقف الكبار على ما ينفقونه، وعلى كل ~~عمل يقومون به؟ # 5 / 3 / 1951م # | زواج مدني # إن تعديل الميراث يستدعي البحث بالزواج؛ فلولا الزواج لما كان ~~الميراث. # وبالقلم العريض: إذا لم نتزوج فمن أين يأتي الوارث؟ ومن أي شباك ~~تدخل المادة الجديدة التي يريدون تعديلها في شرعة مواريثنا؟ # وهذه المادة حق، وهي مأخوذة من عند غيرنا، فهل يصح أن نأخذ نصف ~~الشريعة ونترك النصف الآخر؟! # أنعمل مثل ذاك الذي اقتسم التركة مع أخيه، فشقا الصك ~~مناصفة؟ # كنا لا نبالي بنصيب البنت؛ لأنه كان نصف مصيبة، أما الآن فصارت أو ~~ستصير البنت كأخيها، فأصبح لا بد لنا من زواج مدني مصدق ومسجل في ~~المحكمة. # أليس الزواج صكا فيه التسلم والتسليم؟ إذن فلا بد لهذا البيع ~~من معاملة قانونية مضبوطة حتى لا تذهب التركات في سبيلها. والتي ~~ستصبح مالكة كالرجل يجب أن نحررها من قولنا: «الرجل رأس المرأة.» أما ~~صارا سواء بسواء؟ # وإن صعب الأمر على بعضهم، وكان لا بد لهم من شمع وبخور، فليفعلوا ~~كما يفعل الآخرون في أقطار العالم؛ أي فليذهبوا إلى الكنائس حيث ~~يبارك زواجهم رجل دين، إنما بعد أن يسجل زواجهم عند الكاتب ~~العدل أو في المحاكم، وهكذا لا تضيع عليهم بركة «ما أزوجه الله لا ~~يفرقه الإنسان.» # لم أنس ولن أنسى كيف قامت القيامة بين المحامين ورجال الدين حول ~~«الأحوال الشخصية»، ولكن المحامين غلبوا على أمرهم، وفازوا أولئك؛ ~~لأن الله والأوقاف دائما معهم ... # وما دمنا ننادي بترك الطائفية، فهذا باب تنطلق منه العاصفة التي ~~تقتلع تلك الشجرة النخرة من جذورها. # إني أرى العاصفة تولول راكضة من بعيد، فنصيحتي للناس أن يحيدوا من ~~دربها ... # وإلى الذي قال لي: كيف يكون هذا؟ أنا عندي خمس بنات على صبي؛ فكيف ~~يذهب ميراثي؟ وأي قرد يضرب تركتي؟ # إلى هذا أقول: إن القانون لا يشغل نفسه بالتوافه. اسمع يا أخي، ~~متى عملنا بهذا القانون نظل كما كنا ولا يجنف على أحد، بنت غيرك تجيء ~~إلى بيتك، ومعها مثل الذي أخذته بنتك. ms32 أما إذا كنت تشكو كثرة بناتك، ~~فلماذا لم توص على صبيان؟ ... الشرع لا ينظر إلى حال فلان وفلان. اسكت ~~أفضل لك؛ لئلا تنعت بالتأخر عن ركب المدنية. # إني أنظر إلى عالم الغيب وأرى لبنان، هذا البلد الصغير، قد حطم ~~قيوده العتيقة، وقد خلت أرضه من جميع الطفيليات التي تعيش على جذع ~~الطائفية. أتخيل كيف يصير الأولون آخرين، والآخرون أولين، كما قال ~~يسوع المسيح، وإذ ذاك يأكلون خبزهم بعرق جبينهم، ولا يعود يأتيهم ~~الرغيف المقرص من ذقن ... # فإلى المشرف على إدارة هذه الدولة أقول: ليست الشرائع مثل قصب ~~المص؛ لتؤكل عقدة عقدة، والمسيح قال: «ما جئت لأحل الناموس، بل ~~لأكمل، فكمل يا سيدي ولك الأجر عند الله والمدنية.» # لا يجوز أن نعدل الميراث ونترك غيره، فكل هذه الشئون يتبع بعضها ~~بعضا. # إن سجلات كنائسنا مثل دفاتر اللحامين، لا تعرف منها من مات ومن ~~عاش، ومن ترهب ومن ومن ... # يا بحر الله، خذ عبد الله. وبما أن رجال الدين أصبحوا سياسيين، ~~ولهم في كل عرس قرص؛ فلنجعل كل شيء مدنيا. # أتؤخذ ضريبة من جميع الناس إلا هم، بينما دخل المتقدم في الأخوة ~~منهم يفوق دخل الكثيرين من المواطنين، أليسوا يرافقون البشر من المهد ~~إلى اللحد وإلى ما بعد القبر؟ # فإلى المسئولين في لبنان أقول: بدأتم فكملوا والله معكم. # وإلى ذلك القروي المسكين الخائف على ملكوت السماء أقول: يصيبك ما ~~يصيب أيزنهاور، فهكذا تزوج وما خاف على شيء، وأيزنهاور رجل مؤمن أكثر ~~منك ومن غيرك، فعندما طار إلى إنكلترا ليتولى قيادة جيوش الحلفاء في ~~الحرب الأخيرة كان الشيء الوحيد الذي اصطحبه الكتاب المقدس، وسوف ~~يموت متكلا على الرحمن الرحيم بعد عمر طويل؛ لأنه مدني مؤمن، # 1 # فهل تظن أن عقل الله مثل عقلي وعقلك ليسأله على أي ~~ناموس تزوجت؟ # وأنتم يا أحبائي، اصغوا إلي واسمعوا وعوا، إن ما أحدثكم عنه ~~الآن صائر بعد حين، فلا تتبرموا وامشوا مع الركب؛ فلن يبقى أمامكم ~~شيء خارج المحاكم غير الموت، فموتوا كما تشاءون، واجعلوا دليلكم إلى ms33 ~~تلك الدنيا من تشاءون؛ لأن موتكم لا يتعلق به حق أحد، وعلاقتكم إذ ~~ذاك تمسي مع ربكم رأسا، ويومئذ حسبكم الله. # 5 / 5 / ؟195م # | ضريح «أبو أمين» # كتب إلي واحد اسمه جميل نوفل، وعلى ظرف مكتوبه طابع بريد بيروت، ~~ومما قاله في رسالته اللطيفة: # عرفناك محبا للأموات، تبعثهم من قبور الإهمال والنسيان؛ ~~فلماذا أغاظك تشييد ضريح للشاعر القومي أمير الزجل ~~اللبناني؟ # وأخيرا يسألني: هل كان بينك وبين المرحوم شيء؟ ... # يا مصيبتاه! في هذا الشرق الأدنى، ويا عجبا لناسنا، كبارهم ~~وصغارهم! ... فهم لا يقيسون الأشياء إلا بالعداوة والبغض ... فالحقيقة لا ~~حساب لها في دفاترهم. # وقد طوى السيد جميل نوفل كتابه على نص قرار أجيز فيه لرئيس مصلحة ~~الخزينة أن يدفع بصورة سلفة مبلغ عشرة آلاف ليرة إلى المهندس هنري ~~مشعلاني، رئيس منطقة لبنان الجنوبية، لنفقات أشغال إقامة ضريح لرشيد بك ~~نخلة في مسقط رأسه. # قلت: وهذه أعاجيب بعض الخمسة والخمسين، فلو كانت طريق ضبعة، أو جر ~~مياه لعطاش، أو فتح مدرسة؛ لاعتصموا بالأعذار وأرجئوا تلك المشاريع إلى ~~أن يبعث المرحوم رشيد من قبره ... # أما مشروع كهذا يقف وراءه ابن الفقيد العزيز؛ فيجب تنفيذه حالا ~~لئلا يقال: يا معزي بعد حين يا مجدد الأحزان ... # بقي ضريح الشدياق فراجا لكرب المكارين وعابري السبيل المزحومين ~~نحو نصف قرن، ولولا الخط الهندسي الذي قضى بنقل ضريحه من مكانه لما ~~استراح ذاك العظيم من زواره الثقلاء ... # أقول هذا لأدل على أن المرحوم رشيد نخلة صاحب «كلنا للوطن» ليس ~~أعظم من هذاك، ومع هذا لم يسمع صوتنا أحد من حكومة ذلك الزمان، وبقي ~~«صقر لبنان» في تلك الوحلة البشرية التي نكبه بها موقع قبره. # وأحلى ما سمعناه حول ضريح أبي أمين، شكر ابنه اللبق الأستاذ أمين ~~نخلة لمجلس النواب، بعد أن أقر تشييد ضريح لأبيه. # لباقة جميلة من لباقات أمين المعهودة، فهي من نوع مشي القاتل في ~~جنازة المقتول. # فيا ليت شعر أمين، أكان شيء مما كان لو لم يكن نائبا؟! # وإن زعم السيد نوفل غير ما ms34 أزعم، فليقل لي لماذا لم يشيدوا ضريحا ~~للمعلم بطرس البستاني، مؤلف دائرة المعارف، ومحيط المحيط، ومجلة ~~الجنان، ومنشئ أول مدرسة وطنية علمانية؟ # لماذا لم يقرر المجلس تشييد ضريح لعظام ناصيف اليازجي؟ فهل أن محسن ~~الهزان أعظم من مجمع البحرين وثالث القمرين؟ # بل لماذا لم يبحثوا عن عظام أديب إسحاق؟ # ما ذكرت الأسير ولا الأحدب - للتوازن الطائفي - لأن لهما ~~قبرين. # ولا أذكر الريحاني؛ فقد قررت أن أستغيث بالإنكليز والأميركان بشأن ~~ضريحه، ولا تستطيع حكومتي أن تقول ما قاله سيف الدولة لابن عمه: ومن ~~يعرفك بخراسان؟ # جميل تشييد ضريح لأمير الزجل، وهو جدير بهذا، ولكنني أقسم ألف ~~يمين، أنه ما كان يفوز بثمن بلاطة توضع على قبره باسم لبنان لو لم ~~يكن ابنه نائبا. # سنظل خاضعين للاستهتار حتى ينقرض حصر النيابة والوظائف في بيوت ~~معلومة. # إن نفس سجعان عارج طلبت الرحمة حين تذكرنا كلمته الشهيرة، فقد ~~قال - رحمه الله: طلبنا انتداب فرنسا على لبنان؛ فانتدبت فرنسا علينا ~~بيت الخازن. # ونحن نقول: انتخبنا هؤلاء النواب لينوبوا عنا، فما ناب أكثرهم إلا عن ~~أنفسهم ... # أستغفر عظامك يا صديقي أبا أمين، ويشهد علي ربي، وتشهد أنت - لو ~~نطقت - أني أحبك. # ولو كنت حيا لوقفت بجانبي؛ فقد عرفتك حرا جسورا لا ~~تحابي. # عين كفاع، 9 / 8 / 1948م # | التربية الوطنية # إلى وزير التربية الوطنية # شغل الأستاذ فيليب بولس - معالي وزير العدلية الآن - منصب وزارة ~~التربية الوطنية والشباب، فكان كما كان في أمسه - وسيكون في غده - ~~مخلصا غيورا. # وهكذا يتحول وكيل الأمة عن دسته منوها به. # استحق الأستاذ بولس شكر الثقافة، وما شكر الثقافة بقليل. ليس ~~لرجالها وسام فيمنحونه باسمها لمن يستحق شكرها، ولكن لهم كل الحق في أن ~~يثنوا على رجل كان من ذوي الإرادة الحسنة، سعى جهده ليجعل مستوى ~~التعليم رفيعا. # قلت التعليم، ولم أقل التربية؛ إذ لا تربية وطنية عندنا، فلقب وزارة ~~التربية الوطنية - بله الشباب التي لم تعمر غير شهور - حمل ثقيل ~~يستنيخ تحته هذا المنصب الجليل. # وجهت كلمة إلى هذه الوزارة حين استهل ms35 امتحان حزيران، فذهبت ~~مع دوي المدافع وأزيز الطائرات، فلم تكن أسعد حظا من كلمات قبلها ~~حول المنهاج، وجهناها إلى الأستاذ بو شهلا ومن ملكوا بعده ~~سعيدا. # والآن كما بدأنا هذا الأمر نعيده مع الأستاذ رامز أفندي سركيس - ~~معالي وزير التربية الوطنية. # كم كنت أتمنى أن ينتهي حديثي عن المدارس والتعليم عندنا فلا أضطر إلى ~~استئنافه، ولكن يظهر أنه موال فرنجي: «ترلم ترلم» كأناشيد جدجد ~~لافونتين، الذي غنى القصائد ففاته الحصائد، وراح يشحذ من النملة ما ~~يسد به جوع بطنه. # لست أرجو حل هذه العقدة، فهي لم تحل بعد كما يرجو أحرار الفكر في ~~الدول العوانس، فكيف يرجى تحقيقها في دولة لم تشب بعد عن ~~الطوق؟ # ولكن الدواء - إذا وجد - فمصدره غرفة هذه الوزارة، ولا يحقق ~~فكرة الدولة - بعد سنين طبعا - غير هذا الكرسي، والدولة لا تعمل ~~بمرسوم، بل تتكون في الرءوس والنفوس، ولا يقال لها: كوني ~~فتكون. # أساس الدولة البيت والمدرسة، فهل لبيوتنا يد في هذا العمل الخطير ~~الذي لا يكون إلا موحدا؟ وهل لمدارسنا - رسمية وخصوصية - هدف غير ~~التعليم؟ # فلنقل - وبعض هذا صحيح - إن للمدارس هدفا هو خلق الرجال، ولكن أي ~~الرجال يخلقون؟ ولمن يخلقونها؟ # الجواب مر مؤلم، كل يغني على ليلاه وليس للوزارة يد في ذلك، ~~إنها لا تستطيع وقف الدف والطبل. العرس قائم، ولكننا في ~~مناحة. # إذا كبر الرجل أفرط في الصراحة؛ فاسمحوا لي أن أسأل من يعنيهم ~~الأمر: ما الذي دعاهم إلى انتحال التربية الوطنية؟ ألم يكن الاسم ~~«وزارة المعارف» أكثر مطابقة؟ # إن لبنان لا يعنى بغير التعليم، ويا ليته تعليم كامل ~~فنتعزى! # إن تكويننا الاجتماعي - إن كان لنا تكوين - لا يد لمدارسنا فيه، ~~فنحن (النزوعيين) قد كونا أنفسنا، ولم تستطع مدارسنا أن تخمد ~~نزعاتنا؛ إذن فلنقل وزارة القراءة والكتابة، في اللغة القومية واللغات ~~الأخرى، وإن تشبثوا بهذا اللقب المنسوخ، فإني أسألهم: إذن ما هو ~~هدفنا التربوي؟ # قد يجيبون عن سؤالي هذا: هدفنا خلق رجال ذوي أخلاق فاضلة، ~~إنسانيين. # ولكنني أرد على هؤلاء: هذا هدف عام ms36 من عهد «كنت» و«بستالوزي» ~~وغيرهما، لا يتفق بحال مع التربية الوطنية، فللتربية الوطنية هدف خاص - ~~أي خلق رجال مختصين ببقعة من الأرض دون غيرها - فهل نعمل لهذا؟ أفي ~~وسع وزارتنا التي سموها وزارة التربية الوطنية أن تقول لمدارس ~~الجمهورية اللبنانية جمعاء: افعلي ولا تفعلي؟ # يقول علماء التربية: إن التربية الصالحة لأمة أو فرد، قد تضر ~~بأفراد آخرين أو بأمة أخرى، فالتربية الحق توحد عواطف الأمة ~~وأفكارها، فتصير شعورها واحدا، وبدون ذلك لا تكون دولة، فالإنسان ~~الذي تتطلبه تربية اليوم ليس الإنسان الآدمي، ولا الذي أوجدته ~~الطبيعة، بل الإنسان الذي تحتاج إليه الأمة، فهي تريده كما تقتضي ~~ظروفها أن يكون، وبوسعنا أن نستعير هنا ذلك التحديد البياني للبلاغة ~~العربية: مطابقة مقتضى الحال. # هذا رأي دركايم وغيره، فهل لعلماء التربية عندنا رأي يناهضه؟ وماذا ~~تخلق مدارسنا يا ترى؟ ماذا تغرس من المشاعر والأفكار العامة التي هي ~~سر قوة الشعب، ولا وطن ولا حول ولا قوة إلا بها؟ # وتعلم الوزارة أن التربية تطورت في أمم العالم، ومثلنا على هذا ~~دولة فرنسا. # أما حاولت هذه الدولة التي شدنا منهاج دراستنا على طراز منهاجها أن ~~تخلق لكل عصر رجالا؟ فشتان بين فرنسي العصور الوسطى، وفرنسي عصر ~~الانبعاث، وفرنسي عصر الثورة، وفرنسي القرن التاسع عشر، وفرنسي الحربين ~~وما بعدهما، فماذا نفعل نحن الذين نسخنا منهاجهم واسم وزارتنا عنهم؟ ~~وما هي التربية الوطنية التي نريدها؟ # ألا تربي كل دولة رجالا ينتسبون إليها؟ فماذا نربي ~~نحن؟ # ألا ترى الوزارة أن من نربيهم يصلحون لكل مكان، ولا يصلحون لمكان ~~بعينه؟ # فإذا كان هدفنا تربية رجال «دوليين»، فلماذا لا نسميها وزارة ~~التربية الدولية؟ ألا تراه اسما أعم وأفخم وأرخم؟ # للطيور التي تعيش مجتمعة نظام اجتماعي موحد، أما نحن، فكما يعلم ~~كل واحد، كل يغني على ليلاه، وما من يسأله: ما هذا النشاز؟ ولكن ~~فلنبعد اليأس، فالأمة لا تتكون إلا بمئات من السنين، وبما أن ~~عناصر تكويننا وثقافتنا وأدياننا متشابهة؛ فلا بد من أن يصير مزاجنا ~~القومي واحدا، إذا صح رأي ms37 غوستاف لوبون. # يقول دركايم: إن جسدا يعلم بدون عقيدة هو جسم بلا روح. فما هي ~~عقيدتنا يا ترى؟ # ما هو هدفك أيتها المدرسة؟ # الجواب عند الجنسية والطائفية. # إذن فلكل مدرسة هدف، ولا يرتقي إنسان إلا إذا استهدف غرضا ~~ساميا. # وأنت يا أخي الأستاذ - وأنا زميلك في معامل الرجال - ما هو هدفك ~~التربوي إذا كنت معلما في مدرسة أجنبية؟ # الجواب: لاتيني إن كنت عند اللاتين، وأميركي عند الأميركان، وإنكليزي ~~إذا كنت في مدرسة إنكليزية كمدرسة برمانا - مثلا - تصلي غير صلاتك ~~غصبا عن رقبتك. # وأنت أيتها المدرسة الرسمية، هل عندك للوطن غير كلنا للوطن، ~~للعلا، للعلم؟ # الجواب: الاستيطان يمنح الحجل لون تربة البقعة وحجارتها، فإن كان ~~المحيط مارونيا فهي مارونية، وإن كان أرثوذكسيا فأرثوذكسية، وإن ~~كان إسلاميا فهي سنية أو شيعية، وإن كان درزيا فهي درزية، وهكذا ~~قل عن الأرمنية والسريانية والعبرانية، ومع ذلك تطلب المدارس من ~~الدولة أن تفتح خزائنها، وتقذف لها المساعدات بالرفش. # أقول ولا أهاب أحدا: قد يكون للمدارس هدف معين، أما الوزارة ~~فترمي التل ولا تصيبه. # ومع ذلك تتشبث بلقب التربية الوطنية لا لشيء سوى أنها هكذا سميت ~~في فرنسا، كما لم أسم إلا مارون لأنني ولدت في ذلك اليوم؛ يوم ~~عيد مار مارون. # إن مهمة التوحيد عندنا شاقة جدا، ونحن لسنا نطلب التوحيد ~~كاملا؛ لأن دولا كثيرة لم تحققه بعد، فكيف به في دولة لم تبلغ ~~وزارتها التربوية ذروة الاختصاص؟ وإذا وجدنا اختصاصيا فمن يكفل لنا ~~وضعه في محله إذا لم يصادف هوى الطائفيين، وميل المالكين سعيدا، وهل ~~يجرؤ على الإصلاح من كان هذا موقفه، ومن يكفل له أن قوائم كرسيه لا ~~تصطك وتنهار تحته، ويصبح على الأرض يا ... حكم، كما يقولون؟ # فخير لنا أن نسمي هذه الوزارات جمعيات خيرية، والمدارس أخويات ~~متحدة تصلي لله جميعا لأجل الوطن، بألسنة مختلفة كتلاميذ المسيح في ~~علية صهيون. # لقد أصبحت الوظيفة كالسيامة، فمن مسحناه بالزيت المقدس أمسى ~~مكرسا. # كانت غاية مدارسنا القديمة أن تخلق منا أناسا تقرأ وتكتب، واللغة ~~- كما ms38 يقرر علماء النفس - أخطر عناصر التربية القومية، فخرجنا - ~~والحمد لله - أناسا قارئين كاتبين، أما اليوم فقلما يخرج من يقرأ ~~ويكتب صحيحا بلغتنا الأم؛ وذلك لأن حمل التعليم بل المنهاج ثقيل ~~جدا، كما أوضحنا منذ أيام، فهذا المنهاج لا يحول ولا يزول، كأنما ~~هو لوح الوصايا العشر. # كل شيء يتغير في هذه الدنيا إلا شيئين: منهاج البكالوريا ~~اللبنانية، ووجه ربك ذو الجلال. # فكما تعلمت أنا امرأ القيس وعنترة والنابغة إلخ ... كذلك تعلم ابني ~~وسيتعلم الآخر، والفرق بيننا أنني كنت أتعلم للعلم، وكلاهما ~~تعلم ويتعلم لينالا البكالوريا. # شعر العرب أن لكل إقليم خاصة فقالوا: شعر حجازي، تحس فيه البرد في ~~تموز. # أما لبنان فيدرس أبناءه أدب كل إقليم عربي وغربي إلا أدب ~~بلاده! ومع ذلك نقول: وزارة التربية الوطنية! # أفي هذا البرنامج لبناني؟ نعم، هناك إبراهيم اليازجي، ولكننا لا ~~نقرئهم له حرفا يوحي إليهم شيئا. # وهناك مقدمة الإلياذة، لسليمان البستاني، ومقدمة الإلياذة لا يستغني ~~عنها من يتعلم تاريخ الآداب العربية. # عندما اجتمعنا لترميم منهاج البكالوريا سنة 1932م، رأيت مستشار ~~المعارف يوم ذاك المسيو كوانته، يتجه دائما في اختياره إلى أدباء ~~الفرنجة الذين كتبوا عنا شيئا، فيخص أبناءنا بهم، وبالضد رأيت ~~رفاقنا في ذلك المجمع - مجلس المعارف الأعلى - يقصون كل كاتب لبناني ~~عن منهاج البكالوريا اللبنانية؛ لأنه لا يمثل هواهم الطائفي. # لست أتوقع اجتراح العجائب إذا عدل هذا المنهاج، فمثل هذا النهج ~~يقتل قوة الاستنباط، ويخمد جذوة الهمم والاستقلال العقلي، فأكبر هم ~~بنينا اجتياز المحنة بسلام. # ومع كل ما تقدم، فليس كل الشر في المنهاج، فأساتذتنا وأولادنا ~~وأكثر موظفي التربية الوطنية في «البداغوجي» سواء بسواء، حتى إننا ~~لا ندري من هو المربي ومن هو المربى. # هذا مخجل. وإذا قلنا الصحيح ولم نحاب أحدا قلنا: إن المدارس ~~الأجنبية هي التي تؤدي مهمتها؛ لأنها جاءت لتخدم دولها، وها هي ~~تخدمها على أرض لبنانية، وتحت سماء لبنانية، وهي في مأمن وعصمة من ~~التفتيش. # إن التفكير يصير التقليد والممارسة صالحين للزمان والمكان، فمن ~~فكر منا في إبداع ms39 أمر يتفق وميول أبنائنا وطموحهم؟ # الدنيا في مادتيها الأدبية والمادية تتغير وتتحول، أما نحن ~~فثابتون كالشمس، صامتون كالأرض، مع أن هدف التربية خلق إنسان جديد ~~لحياة جديدة. # من يتمسك بالقديم تمسكا أعمى يضرب على نفسه ذلة التأخر ~~الأبدي. # أجل إن الطفرة محال، وليس المستقبل قصيدة فيرتجل ارتجالا، ~~ولكنه الماضي يرمم ترميما، تصلح حجارته وتنقح لتلائم الطراز ~~الحديث. # وقد قال هانيكين: ما من حادثة في الطبيعة كلها إلا تتولد من ~~الماضي، فمتى نفتح مسودة ماضينا ليكون لنا حاضر؟ # 6 / 6 / 1953م # | المعضلة المارونية الرومانية # بين بطركين : إلياس وأنطون # منذ مئات السنين وحرب هذه المعضلة قائمة على ساقها، بطاركة ~~الموارنة لا يتقيدون بما تحدثه رومية إلا بعد أن يجيزه ~~بطريركهم الأنطاكي. # يدعون في قداسهم لبابا رومية ولبطريركهم معا، ويمارسون ~~طقوسهم التي رسمها بطاركتهم الأولون، فهم طائفة شرقية يتمسكون ~~بقانون الإيمان الكاثوليكي، ويموتون مكررين هذه العبارة: «إيمان ~~بطرس إيماني.» # لم يحد الموارنة في تاريخهم العريق في القدم عن هذا الإيمان قيد ~~شعرة. # فكلمة ماروني غير محتاجة ~~إلى تعريف، وهي تعني ما تعنيه - أي كاثوليكي - غير محتاجة إلى هذا ~~النعت كغيرها من الطوائف الشرقية الأخرى، ولعل هذا هو الذي حمل ~~الكاتب العظيم فرح أنطون أن يقول في جريدته «الجامعة» - التي ~~أصدرها في نيويورك: # الطائفة المارونية دولة في قلب دولة؛ فهي لا تخضع لبابا ~~رومية إلا بالإيمان الكاثوليكي، ولا للدولة العثمانية في ~~إدارتها الداخلية. # وهو كذلك، ولكن الغرباء عن أورشليم يحسبون الموارنة الذين ~~اشتهروا بالطاعة العمياء لرؤسائهم يقادون لرومية بخيط قطن، وما ~~دروا أن صراع البطاركة من أجل استقلال طائفتهم الديني كان ~~مستمرا منذ كان كرسيهم في يانوح وميفوق وغيرها من قرى بلاد ~~جبيل. فهذا البطرك يوسف حليب العاقوري يعقد سنة 1644م مجمع حراش - ~~نسبة إلى دير حراش في كسروان - ويرشق بالحرم الكنائسي الكهنة ~~اللاتين، الذين يقدمون على سماع اعترافات الموارنة، ومناولتهم ~~القربان المقدس من غير تفويض من البطريرك، وحرم أيضا ~~الموارنة الذين يقتبلون هذين السرين المقدسين من أيدي أولئك ~~الكهنة. # ورفعت رومية صوتها محتجة ms40 على عمل البطريرك الماروني، وأرسل ~~مجمع نشر الإيمان المقدس رسالة إلى القاصد الرسولي أمره فيها أن ~~ينذر بطرك الموارنة، أنه ما كان له ولا عليه أن يتعدى حق ~~الكرسي الرسولي، ويرشق بالحرم الموارنة عند أخذهم الأسرار من مرسلي ~~الكرسي الرسولي «المشرق سنة 29، ص838 و839». # أرأيت أنه منذ القديم ورومية تمد يدها إلى شئون الموارنة ~~الداخلية، وبطاركة الطائفة يقولون لها: «لميها. نحن في هذا ~~مستقلون، ولا سلطان لك علينا فيه.» # ورأت رومية أن تقيد استقلال الموارنة، فأرسلت إليهم واحدا ~~منهم هو السيد يوسف سمعان السمعاني الحصروني، العلامة الماروني ~~الأشهر ، فجاء مستنابا عن البابا؛ ليضع دستورا دينيا للطائفة ~~المارونية، فكان ذلك، وعرف هذا الدستور بالمجمع اللبناني، وهو ~~يعترف باستقلال الموارنة في انتخاب بطريركهم، وسيامة أساقفتهم ~~وكهنتهم، وإدارة كنائسهم وأوقافهم، وأبقوا لقداسة البابا حق منح ~~البطريرك - بعد ثبوت صحة انتخابه - درع التثبيت «الباليون»، ~~وللبطريرك السلطة المطلقة في إدارة طائفته لا يرجع إلى رومية إلا ~~بما أعطاها المجمع من حقوق دينية كبرى. # وظلت رومية تمد يدها عند سنوح الفرص، وكان كل بطرك واقفا ~~لها بالمرصاد. # وفي عهد البطرك إلياس الحويك، سام قداسة البابا، الخوري نعمة ~~الله بو كرم مطرانا، وهذا من حقه؛ لأن المجمع اللبناني أجاز له ~~سيامة مطران ماروني على بلدة طليانية، ومع ذلك سخط البطرك إلياس ~~وقعدت جفونه، واستقبل المطران في جبيل بغضب، ولم يعطه يده ~~ليقبلها، بل سحبها من يد المطران بعدما استلمها، وتركه جاثيا مع ~~المطران دريان الذي جاء معه للحصول على رضا البطريرك. # كان ذلك في بيت الشيخ بان الخازن، مدير جبيل، حيث كنا مدعوين ~~للغداء مع صاحب الغبطة. # غضب البطرك إلياس لأن رومية سامت أسقفا ولم تنبئه، فلم يشأ ~~الاعتراف به، وظل ذاك المطران العلامة الفاضل كالغريب في طائفته؛ ~~لأن الموارنة عدوا سيامته اعتداء على استقلالهم. # ولجأت رومية إلى وسيلة أخرى، فكانت في كل فترة تحاول أن تجعل ~~البطرك الماروني كردينالا، وكان البطرك الماروني يأبى، فتلجأ ~~نكاية به إلى بطرك أصغر طوائف لبنان الكاثوليكية وتسميه ~~كردينالا، ويظل البطرك ms41 الماروني رافلا بأرجوانه وصولجانه. # وجاء الأسطول الفرنسي إلى الشرق قبل الحرب الأولى، ورست دارعاته ~~وغواصاته في ميناء جونيه، وأدت التحية لسيد بكركي، ثم استقبل ~~البطرك إلياس عندما رد الزيارة للأميرال استقبال الملوك، حتى ~~سأل البابا بيوس العاشر المطران بطرس الفغالي عندما أوفده ~~البطرك إلياس إلى رومية في أحد الاحتفالات الدينية: كيف حال ~~البطرك الملك؟ # في ذلك الزمان كتبت مقالا في الجريدة التي كنت أحررها في ~~جبيل فحواها: «لماذا لا يكون بطركنا كردينالا؟ وهل البابوية إرث ~~للطليان؟» فاستدعاني - رحمه الله - إلى بكركي وقال لي: بدك ~~تعملني كردينال يا مارون ؟ # فقلت: يا سيدنا هذا حق. # فأجاب: هذا حق يا ابني، ولكنه حق يضيع الحقوق، تريد أن ~~يصير بطرك الموارنة ميرالاي مثل الشيخ بربر؟ اليوم عيناه وبكرة ~~نقلناه من لبنان إلى البندقية مثلا، وأخيرا أحلناه على ~~التقاعد؟ بطرك الموارنة يا مارون مثل البابا: يموت في كرسيه بطريرك ~~طائفته. الكردينال في الفاتيكان مثل مطارين الكرسي، بل الخوري فلان ~~- وسماه - له أبهة أكثر من كردينال. # وحاولت رومية - والبطرك في آخر العمر - أن تعين له معاونا ~~معه، فأبى ذلك عليها محتجا بأن البابا لاون مات في الثالثة ~~والتسعين ولم يعاونه أحد. # وأخيرا قال للقاصد جيانيني: «افحصوني إذا كنتم تظنون أني ~~خرفت.» # وهكذا انتهى البطرك إلياس والمجمع اللبناني لم يمس. # وخلفه البطرك أنطون. # انتخبوه لأنه «درويش»، كما قال له المطران مبارك في الخطبة ~~التي ألقاها بين يديه إثر سيامته. # ولكن هذا الدرويش أراد أن يكون بطركا كما يكون البطرك الماروني، ~~فوضع الأمور في نصابها: أعطى كل ذي حق حقه، وضبط الكرسي أيما ~~ضبط، وفى ديونا باهظة ركبت الكرسي، وظل يبني ويشيد ويفي ~~ديون الأوقاف الأخرى حتى مات، واقفا ما بقي من ماله على عمل ~~البر والإحسان. # قد يقول القارئ: ومن أين لهذا البطريرك هذه الملايين؟ وعن هذا ~~القول نجيب: كان البطرك أنطون مواطنا عاملا، فأسس شركة شكا ~~المشهورة. وعندما زار رومية أسقفا قال له البابا: إنك ~~تتاجر. # فأجابه على الفور: عملا بقول الإنجيل: وأسأل الله أن أكون ms42 كصاحب ~~الوزنات الخمس. # عاش البطرك أنطون مريضا طول عمره، ومع ذلك جاز التسعين. # يقولون: إن المعدة بيت الداء، ومرضه كان في معدته، ومع ذلك ~~ظل قبل مرضه لا يجاريه شاب رياضي: إذا مشى يفر فرا، ويصعد ~~الدرج ثلاثا ثلاثا. # كان إذا فرغ من عمله الإداري يحمل المنجل والمجز، ويعصب رأسه ~~بفوطة كفلاح لبناني، ويمضي في تشحيل حرش بكركي حتى إذا عاد وقعد ~~يسن الفأس والمنجل كأنه أجير لا بطرك. # رآه رجل على هذه الحال والزي فسأله - وهو يحسبه الراهب الذي ~~يسميه الإكليروس «ريس الحقلة»: يا «خي»، البطرك في ~~الكرسي؟ # فضحك البطرك ضحكته البريئة: أنا البطرك. # فبهت الرجل ثم هوى على يده يقبلها، فقال له: ضروري أن يظل ~~البطرك على الكرسي حتى يكون بطركا، ماذا تريد؟ # فقال الرجل: أنا من الشيعة الفلانية، احترق بيتي، وما معي مال ~~حتى أسقفه. # فقال البطرك: لا تطولها ولا تقصرها؛ هات لي شهادة من خوري ~~الرعية بواقع حالك، وتعال خذ أسقف بيتك. # فأجاب الرجل: الشهادة معي، قالوا لي: إذا اعتقد البطرك أنطون ~~أنك محتاج يمدك بما يقدر عليه. # فضحك البطرك أنطون وقال: ما أقدر عليه! أنا أقدر على الكثير، ~~ولكن كل يوم يجيئني عشرة مثلك، كم يكلف سقف بيتك؟ # فوجم الرجل، فقال البطرك: قل الصحيح، وإذا كذبت راحت ~~عليك. # فقال الرجل: ثلاثمائة ليرة. # فقال البطرك: «بس!» اسبقني إلى الكرسي. # وهناك دفع له المبلغ. # كان - رحمه الله - لا يضيع فرصة يكسب فيها المال الحلال، ~~ولكنه كان يعطي كل يوم. # وكان ألد أعداء المجد العالمي، فلما حان موعد يوبيله الذهبي، ~~كتبت إليه لأقف على رأيه، فأجاب بالرفض، ومما قال في رسالته: # يحتفل بيوبيل والحرب قائمة؟ فإذا أرادوا أن يكرموني ~~فليصلوا من أجلي لأقدر على عمل الخير والإحسان. # كان عالما حر الضمير والفكر، صارما جدا في أحكامه. # ولما كان كاهنا عهد إليه بامتحان المرشحين للكهنوت، فجاءه ~~وجيه بابنه ليمتحنه؛ فكانت نتيجة الامتحان: رح ارع المعزى، أنت ~~لا تصلح لرعاية البشر. # وكان من طبعه الإصرار على عمل ما يعتقده أنه ms43 حق، ولكنه كان ~~يرجع حالا عن غلطه عندما تتضح له الحقيقة. # كان - رحمه الله - وطنيا مجاهدا قوي الذاكرة، أنعم الله ~~عليه بما لم ينعم به على سلفه إلياس. # فإلياس لم يكن يعرف إلا من يحتكون به كثيرا، ويترك تصريف ~~الشئون للأساقفة، أما أنطون فكان لا ينسى من رآه مرة، ويسميه ~~باسمه؛ ولهذا كان - قبل أن أقعده المرض - يصرف الشئون، ويدير ~~الأمور غير معتمد على أحد، حتى أصبحت مطارنة الكرسي بلا عمل ~~تقريبا. # اجتمع الإيمان والعقل والعلم في شخصية البطرك أنطون، فكنت ترى ~~في غرفته كتب العلم إلى جانب الكتب الدينية، فكتاب اللاهوت إلى ~~جانب كتاب «لاروس ماديكال». # وإيمانه القوي لم يحل دون تحكيم عقله في القضايا الدينية، ~~فعندما كان أسقفا احتج على عبارة في كتاب رتبة العماد: ينفخ ~~الكاهن في وجه الطفل ويقول: «اخرج منها أيها الروح النجس.» ~~فكبرت هذه الكلمة عنده وقال: «من أين جاء الروح النجس إلى هذا ~~الملاك؟» # فاستغرب الناس أن يحتج أسقف على ما أقرته الكنيسة، ولكن ~~أنطون الصريح لم يتنازل عن رأيه. # وفي عهد بطركيته رأى أن أخبار كتاب الشهر المريمي التي تقرأ ~~في الكنائس المارونية أشبه بالأساطير، فألف كتابا أخذ أخباره من ~~عجائب سيدة لورد الثابتة علميا وتاريخيا. # كان قصده أن يريح الآذان من أخبار أورياما الغريبة العجيبة التي ~~صنفها الأب موزارللي اليسوعي. # أما الصراع بينه وبين رومة فابتدأ منذ صار بطريركا. # كانوا يطلعون عليه كل يوم بجديد، وهو يقول: لا، ويمضي ~~بطريقه. # ودعته رومة لحضور حفل ذكرى مرور مائتي سنة على المجمع اللبناني، ~~فأجاب: ادفنوه بغيابي؛ لا أريد أن أحضر احتفال هضم حقوق ~~طائفتي. # صمد إلياس بوجه رومة فحال دون مس المجمع اللبناني؛ لأن ~~مطارينه مصنوعات وطنية، والبطرك أنطون صمد، ولكنه لم يحل؛ ~~لأن أكثر مطارينه شغل البلاد ... # ومع ذلك لم يعترف البطرك أنطون باللجنة الرسولية ولم يذعن لها، ~~بل ظل يقضي ويمضي حتى أقعده المرض. # أما كيف بدأت رومة ترسم مطارنة موارنة، وتنقلهم من أبرشية إلى ~~أبرشية؛ فكان هكذا: # المطران بولس عواد ms44 الذي صرخ بجيانيني، القاصد الرسولي، حين جاء ~~بكركي يوم انتخاب البطرك أنطون: «ما لك شغل معنا.» ولم تفتح له ~~بوابة بكركي، فعاد على أعقابه، هو الذي شق الطريق للفاتيكان ~~حين رفع استقالته من أبرشية قبرص إلى قداسة البابا، بدلا من أن ~~يرفعها إلى نسيبه البطرك أنطون، فصار من حق رومية أن تسيم هي ~~أسقفا محله، فكان المطران فرنسيس أيوب. واليد متى امتدت يصعب ~~ردها، ومع ذلك مات البطرك أنطون مؤمنا بحق طائفته، مات ولم ~~يلن. # فضل أن يموت والبابوية غير راضية على أن تقول الأجيال الآتية: ~~البطرك أنطون هدم استقلال طائفته. # ومن يقرأ وصيته ير في البند الأول إعلان إيمانه وخضوعه لشرائع ~~الكنيسة ولرئيسها البابا المعصوم. # وفي البند الثاني - وهو بيت القصيد - يغفر لكل من أساء إليه ~~عملا في هذه الحياة. # لا شك في أنه يعني - رحمه الله - من انتزعوا سلطانه البطريركي ~~- والله أعلم - ويوصي أن يدفن في مقبرة البطاركة بالديمان، وأن ~~تؤخذ النفقة من ماله الخاص. # هذا أول بطريرك ذي مال. # أغنى البطركية المارونية في حياته، ومولها بعد مماته لتصنع ~~خيرا. # كان - رحمه الله - عدو التقاليد البالية، ديمقراطيا إلى أبعد ~~الحدود، لا يبالي بما رسمه له السلف، فكان يروح ويجيء غير مبال ~~بالتقاليد البطريركية، لا يعنيه إلا أن يكون ربه راضيا عنه، ولو ~~كان أنطون يعتقد أنه يرتكب إثما بعصيانه؛ دفاعا عن استقلال ~~طائفته؛ لكان خضع وانتهى كل شيء. # ترى من يعد المطران طوبيا عون، سلف المطران يوسف الدبس، ~~عاصيا؛ لأنه لم يرفع تمثال القديس يوسف في الكنيسة، وظل في ~~أحد الأقبية حتى أيقظه المطران الدبس؟ # وهل نعد جدي عاصيا لأنه احتج على عيد قلب يسوع وقال: ~~«اليوم نعيد لقلبه، وبعد حين نعيد ليده ورأسه؟» ثم مات ولم ~~يعيد إلا ليسوع كله. # لعل رومية تريد أن تحقق قول الإنجيل، فنكون رعية لراع ~~واحد، ولكن الرعية لا تعرف غير صوت راعيها، نرعى أنفسنا في حقل ~~قانون الإيمان. # الموارنة حجر من حجار الكنيسة البطرسية، وإذا كانوا يريدون أن ~~ينحتوا هذا الحجر ms45 نحتا لاتينيا، فقد فات الأوان، والموارنة ~~أبناء الجيل العشرين لا يرضون أن يكونوا أقل استقلالا من أبناء ~~القرون الأولى. # واعجباه! يقول المسلمون: «كلكم راع وكلكم مسئول.» والدول الكبرى ~~أعطت الشعوب الصغيرة حق تقرير مصيرها، فما بال رومية تحاول أن ~~تنتزع استقلال الموارنة؟ # لقد صارع الآباء البطاركة القدماء في كل حين حتى يصونوا ~~دستورهم، ولا تنعدم شخصيتهم الشرقية في بحر الكنيسة ~~اللاتينية. # إنهم يأبون أن تنصل صبغتهم الشرقية العتيقة، فالماروني الأصيل ~~ينظر إلى الخوري الماروني المتبرنط وكأنه دخل في التجرية، ~~ولكن الذين يربون ناشئتنا الإكليريكية، يحاولون أن يجعلوا منهم ~~إكليروسا أوروبيا، ولا يبعد أن تأتي ساعة يستحيل فيها قاووق ~~الخوري الماروني إلى «كاسكات» مثلثة القرون ... # فيا أيها البطرك العظيم، لقد أبيت أن تحضر دفن المجمع ~~اللبناني، فعسى ألا يكون أجل دفنه إلى ما بعد دفنك. # نم مستريحا، فالغاب ما خلا من أسده، والمردة الموارنة صلاب ~~العود، وقناتهم لا تلين، وما أحلى القول في هذا المقام: # لا تزأروا حولها فالله حاميها # ولا تقولوا خراف مات راعيها # وعسى ألا يرضى أي مطران كان أن يصعد إلى السدة على جثة المجمع ~~اللبناني ... # 23 / 5 / 1955م # قيامة الميت: «رومية والمجمع اللبناني» # لم أكن أعلم عندما تحدثت عن المعضلة المارونية أن المجمع ~~اللبناني مات وتخت عظامه، ولو عرفت، كنت - على الأقل - قمت بواجب ~~تعزية الطائفة التي أنا منها، وأين أهرب واسمي مارون؟! # أما موتة المجمع اللبناني فحكاية غريبة عجيبة، تدل على ما ~~أعجز عن نعته، وأعيذ المجمع المقدس للكنيسة الشرقية وأمين سر ~~نيافة الكردينال تيسران ألا تكون لهما الجرأة الكافية لإعلان موت ~~مجمعنا اللبناني في حينه. # هذا ميت عزيز على أهله، ولهم الحق في أن يبكوه، والبكاء على رأس ~~الميت حلو - كما يقولون - فكيف أضاعوا هذه الفرصة علينا؟ # ليس فقيدنا كبعض المهاجرين الذين يموتون في ديار الغربة، ويكتم ~~موتهم عن ذويهم برهة، إنه أكبر من ذلك، ونحن لا يروعنا الموت ~~بقدر ما يهمنا القيام بالواجب. # مات المجمع اللبناني في العاشر من أيار سنة 1952م، وكتمت وفاته ms46 ~~ثلاث سنوات وعشرة أيام، لم تعلن إلا بعد أربع ساعات مرت على ~~وفاة الجبار المتمرد بالحق البطرك أنطون. # أما الدفن فكان في الثامن والعشرين من أيار، حين عين الكرسي ~~الرسولي بطريركا للطائفة المارونية، وهكذا أتبعوا الحبل ~~بالدلو. # أعاضنا الله بطول بقاء الموارنة. # استشهدوا بالمئات وصبغوا أرض لبنان بدمائهم من أجل العقيدة ~~البطرسية. حافظوا على لونهم الجبلي المحلي خمسة عشر قرنا أو أكثر. ~~وها هو ذاك الصباغ الأرجواني ينصل اليوم بجرة قلم؛ لأن المجمع ~~الشرقي في رومية هكذا شاء. # نرجو أن يبلغ مسامع قداسة الحبر الأعظم ما نقول، وأن يترجم له ~~ما نكتب : # ومن أخذ البلاد بغير حرب # يهون عليه تسليم البلاد # فإذا سلم غيرنا من الطوائف بأن يندمج اندماجا كليا ~~بالإكليروس اللاتيني، فنحن يصعب علينا ذلك، أولئك لم يتركوا مثلنا ~~مئات الشهداء في ساحة الدفاع عن إيمان بطرس وكنيسته ~~الرومانية. # فيا أيها الموارنة، امحوا بعد اليوم الكلمة المكتوبة على شعار ~~بطركيتكم، امحوا كلمة: «مجد لبنان أعطي له.» واكتبوا بدلا منها: ~~«خجل لبنان وذوى!» أليس كلتا الآيتين من أشعيا؟ # وعلى ذكر شعار الطائفة المارونية: «مجد لبنان أعطي له.» أذكر ~~الآن - وما أكثر ما أذكر! - ما دار بيني وبين البطرك أنطون عندما ~~زرته في مكتبه بالجانح الذي بناه في الديمان من مال أخيه ~~المتبرع. # رأيته قد رسم الشعار البطريركي على الحائط، فقرأت بصوت عال ~~العبارة السريانية المكتوبة فيه: «أيوقورو دلبنان نتياهاب ~~ليه.» # فصاح بي وكأني قد كفرت إذ كسرت حركة وقال: «ناتيهب ليه. مارون، ~~نسيت السرياني؟!» # فقلت له: لا يا سيدنا، أنا فتحت حرفا واحدا، ولكن أخاف أن يكسر ~~ساداتنا الحروف كلها ويصلوا باللاتيني. # فرسم على وجهه إشارة الصليب وقال: «أوف. دائما نكرزة يا مارون! ~~إذا مات البطرك أنطون وانقطع الموارنة يصير ذلك، وما دمنا نقول: ~~لا نرضى فلا يصير شيء.» # فقلت له: من أيام قصاد هندية إلى زمن لوديفيكوس وجيانيني والحركة ~~قائمة قاعدة بيننا وبين رومية، والنهاية متى تكون؟ # فأجابني بآية الإنجيل المشهورة: «من يصبر إلى المنتهى يخلص.» ~~ثم استطرد قائلا: ms47 الماروني يطيع ولكن بالحق. # وها نحن الآن نعمل بكلمة بطركنا المطوب أنطون عريضة؛ لأن رأس ~~الكنيسة المنظور قد أثبت ببراءة رسولية جديدة حق الموارنة في ~~إدارة شئونهم بقوله: # ولسنا في حاجة، أيها الإخوان الأجلاء، لنؤكد لكم أن ~~ليس في نيتنا أن ندخل - بهذه الطريقة الاستثنائية في ~~تولية الكرسي البطريركي - أي تعديل على حقكم في انتخاب ~~البطريرك، وهو حق أقره الكرسي الرسولي. # ليست هذه البراءة البابوية بضاعة دبلوماسية ليخامرني الشك في بعض ~~عباراتها، وأقول: المجمع اللبناني لا يكرس حق انتخاب البطريرك ~~فقط، بل هناك أشياء كثيرة من الحقوق التي يجب أن يظل البطرك ~~الماروني متمتعا بها كأسلافه العظام. وهذا ما تكله الطائفة إلى ~~عميدها، وهو الأمين الأكبر عليه. # فالبطرك بولس المعوشي حبر أحبه وأقدره؛ لأنه شعبي غير ~~أرستقراطي، وهو الذي تمنيت له البطركية. أعترف بها علنا على ~~مسامع لداتي وأصحابي من الأساقفة. # فلم تك تصلح إلا له # ولم يك يصلح إلا لها # فالرجل عالم فاضل، وأديب كفء؛ لأنه يمثلنا، وإذا شاءت ~~الظروف الاستثنائية وكان بطركا معينا لا منتخبا، فأمامه ~~المجال الواسع ليعيد إلى طائفته حقوقها المنتزعة، إن لم تكن ~~أعادتها كلها البراءة الرسولية الجديدة. # إن هذا الاستعمار لا ينقص من إيمان الموارنة مقدار ذرة، ~~ولكنه يشعرهم بذلة المستعمر «بفتح الميم»، ويحملهم على مخاطبة ~~رومية، وخصوصا نيافة الكردينال تيسران السامي الاحترام، بقول ~~شاعرنا العربي: # إن كان منزلتي في الحب عندكم # ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي # فيا صاحب الغبطة، البطرك بولس المعوشي: ثق أن لا غبطة لكم ~~ولطائفتكم إلا بإعادة الحقوق إلى أصحابها كاملة غير ~~منقوصة. # إن الباب مفتوح أمامك، فقداسته قال منذ ثلاثة أعوام: إنه ~~قد أوقف - لهذه المرة - مراسيم المجمع اللبناني، ثم في البراءة ~~الرسولية التي نحن في صددها. قد قال ما مر ذكره؛ فهلم إذن إلى ~~العمل المثمر. # الطاعة العمياء، أيها السيد المغبوط، تكون في العقائد لا في ~~الحقوق التي أقر لنا بها الأحبار؛ فلا تحملنا على الصراخ مع ~~زكريا: افتح أبوابك يا لبنان فتأكل النار أرزك، ولول يا ms48 سرو لأن ~~الأرز قد سقط، ولا مع النبي أرميا: أيتها الساكنة في لبنان، ~~المعششة في الأرز، كم يشفق عليك عند المخاض! # هكذا قال أرميا، فما عساكم تقولون أنتم؟ # أما الخوري منصور عواد، المحامي الكنسي، فقد دافع عن طائفته ~~غير مأجور، وإذا لم يربح الدعوى فما خسر الأجر، وكأني بلسان حاله ~~يقول: «حاكمك ربك.» أو قول المتنبي: # فيك الخصام وأنت الخصم والحكم # إن كاهنا له هذه الجرأة والعلم ليستحق الاحترام؛ لقد فقأ ~~الدمل وكفى الناس الانتظار، فلا تطيلوا أمد قصاصه؛ لئلا يقطع ~~رباطه ويلقي نيره، كما قال داود. # إنه لم يكن إلا معبرا عن فكرة الطائفة. # حاشية: # أبت الخوري منصور، تذكر ~~حكاية «بقرة مار إفرام» التي قصصتها علينا مرة، وتشبه به ... # البابا وبطريركية الموارنة الأنطاكية (شتان ما بين ~~التعيينين: مطرانان يرسمان مطرانين ~~- انتخاب بطركين) # بينما أنا في مكتبي بعالية مساء الخميس دخل علي رجل يلهث، ~~ودفع إلي رسالة هذا نص ما يليق نشره منها: # أيها الملحد! # هل صدقت أنك صرت بطريركا، إذا أسميت نفسك بطرك عين ~~كفاع؟ # فبأية حق تناقش براءة رسولية كأنك تنتقد أحد ~~الشعراء؟ # وهل أنت ماروني حقا حتى تدافع عن حقوق ~~الموارنة؟ # ثم من كنت تريد بطريركا، يا أبا محمد، حتى حملت ~~السلم بالعرض؟ # أما قرأت أن البابا بناديكتوس الرابع عشر رسم البطرك ~~سمعان؟ # لم نرد عليك وقلنا غدا يسكت، لكنك تماديت. # ظننا أنك نسيت مارونيتك حتى سمعنا صوتك. # كثيرون قبلك هاجموا الصخرة البطرسية فتكسرت عليها ~~قرونهم. # وأخيرا لست أسلم عليك؛ لأنك لست من أهل ~~السلام. # الخوري ي. ن. # لعينيك يا هذا، فإذا كنا لم نمحص حياء ومهابة، فها نحن نلقي ~~الشبكة ونضع النقاط على الحروف. لست أخاطبك بيا محترم؛ لأنك غير ~~محترم - على ما يظهر - ولو كنت كاهنا حقا كما وقعت لي؛ لما ~~قلت في ختام رسالتك الظربانية: «لست أسلم عليك.» أما أمرك ~~سيدك أن تسلم على الجميع، وسلامك يرجع إليك إذا ألقيته على من ~~ليس أهل السلام؟ # يقطع السم يا خوري ي. ن. # عجيب! كيف يدفع ms49 خوري أجرة رسول إلى عالية، فور صدور «الصياد»؛ ~~ليحمله رسالة لا يجرؤ أن يذنبها باسمه الصريح! # لا أعجب أن تكون خوريا وتلميذ «البروباغندا»؛ فكل وجعنا من ~~القويسة، كل مصيبة الموارنة أن كهنتهم لا يتربون في ~~مدارسهم. # وبعد، فماذا تعلمت في رومية؟ # طبعا الفلسفة واللاهوت الأدبي والنظري والحق القانوني. # قد تعلمت كل شيء إلا تاريخ طائفتك، وأنك ماروني ~~شرقي. # فيا ضياع الخبز الذي أكلته في المدينة الأزلية. إنه مال وقف ~~طبعا، ومال الوقف لا يمري. # اسمع يا بني، وإن كنت أنت الأب وأنا الابن، بالعرف الماروني، ~~أما قال المثل: «أكبر منك بيوم أخبر منك بسنة؟» # تقول لي: «أما قرأت البراءة؟ فبناديكتوس الرابع عشر رسم البطرك ~~سمعان.» وأقول لك الآن: من قولك «رسم» عرفت أنك خوري وتلميذ ~~رومية! # الأسقف، يا ملفان، لا يرسم مرتين، والبطرك أسقف مرسوم، وما ~~رتبته هذه في السلك الديني إلا وظيفة. راجع براءة بناديكتوس التي ~~كتبها بمناسبة اختياره المطران سمعان عواد. # إن براءتي بناديكتوس وبيوس متشابهتان نصا وموفدا، ~~ولكنهما ما تشابهتا في الأساس، وأي حادث خطير دعا إلى مداخلة ~~بيوس ليبرر به عمله؟ # فلو تشابهت الأحداث التي دعت البابا بناديكتوس إلى اختيار ~~المطران سمعان عواد بطريركا لقلنا: إن التاريخ يعيد نفسه، ولكن ~~تعيين البطرك سمعان له مبرر - وهو قانوني - فليس لقداسة البابا ~~بيوس الثاني عشر أن يبرر به موقفه اليوم منا؛ فالبطرك سمعان ~~عواد انتخبه المطارين، فأبى هو قبول انتخابه زهدا وتعففا، ~~فانتخبوا بقرعة ثانية المطران إلياس محاسب الغسطاوي. # وكان المطران طوبيا الخازن وقت الانتخاب غائبا، ولما عاد رفض ~~انتخاب المطران إلياس محاسب ابن مقاطعته، واتفق مع المطران جبرائيل ~~من طائفة السريان، ورسما مطرانين من الرهبان؛ هما: القس عبد ~~الله حبقوق، والقس جرمانوس صقر الحلبي. وهذان المطرانان انتخبا ~~المطران طوبيا الخازن الذي سامهما ليربح بهما الأكثرية. # ولأول مرة في تاريخ الموارنة ينتخب بطركان في آن واحد؛ ~~أعني: إلياس محاسب وطوبيا الخازن، ثم عرض أمر انتخابهما على ~~الكرسي الرسولي، فنظر فيه وألغى الانتخابين، وأقام البابا ~~بناديكتوس الرابع عشر بأمره ms50 المطران سمعان عواد بطريركا؛ لأنه ~~انتخب أولا ورفض، ولما أمره البابا أطاع، وطاعة الموارنة ~~مشهورة. # وأرسل بناديكتوس قاصدا رسوليا من قبله هو البادري يعقوب دي ~~لوكا الفرنسيسكاني، المحافظ على جبل صهيون في القدس، ومثله فعل أمس ~~البابا بيوس الثاني عشر، فأرسل سفيره في القدس جريا على خطوات ~~سلفه بناديكتوس. # والبابا بناديكتوس الرابع عشر قال في براءته: «أما في هذه ~~البراءة فقد أوضحنا مصرحا أن انتخابنا هذا البطريرك لم يصدر ~~منا لتبطيل حقوق الأساقفة الموارنة على انتخاب بطاركتهم فيما ~~سيأتي من الأزمنة المستقبلة.» # كما قال في هذه الرسالة الحبرية: # لقد اعتمدنا على اقتفاء آثار سلفائنا في مثل هذا الأمر، ~~فإنهم حددوا أولا أنه لا يتلف حق أحد، ولا يعدمون ~~حق الانتخاب القانوني الحاصلين عليه. # 13 تموز 1744م # أما البابا بيوس المالك سعيدا فيقول: «إن حق تولية ~~البطريركية في الحالة الحاضرة نقل استنادا إلى التدبير ~~الاستثنائي بكليته إلى الكرسي الرسولي.» # أما هذا التدبير الاستثنائي فقد أجراه البابا الحالي بكلمة منه ~~لتيسران، وحجته أن كنيستنا «كانت تمتحن بصعوبات خاصة لأسباب ~~متعددة.» ولذلك هدموا بيتها على رأسها وقالوا لها: نامي. # وبناء على ما أقول: إن تدخل قداسته وانتخابه لنا بطركا لا ~~يشبه قط ظروف البطرك سمعان، وإذا قالوا - كما قرأت في صحف شتى: ~~«إن للحبر الأعظم أن يسترد ما وهبه أسلافه.» فأنا أجيب هؤلاء ~~القائلين: «لا تنسوا كلمة: القديم على قدمه، والحق المكتسب لا يؤخذ ~~من صاحبه.» فالبابا بناديكتوس هو الذي أثبت المجمع اللبناني، ثم ~~أمر بأن حقنا لا يؤخذ منا كما تقدم. # وأخيرا، فلنحسبه دينا مر عليه الزمن ومات، فالرسائل ~~المتبادلة تحييه، ثم لا ننس أن البطركية زعامة، وما كان ~~الموارنة إلا قبيلة يربطها برومية الدين، وزعيمها بطريركها. وهذا ~~هو معنى بطريق. # ألا يعني البابا في قوله: «كنيستنا المهددة بالأخطار.» أن ~~بطركنا أنطون لم يتنازل عن حقوقه، وأن المطارنة حزبيون. # ومتى كانوا في حياتهم ودهرهم غير حزبيين؟ # ومع ذلك ما خرجوا يوما إلا منتخبين، وإذا شعر وجوه الطائفة أن ~~الخلاف يهدد الانتخاب طوقوهم ms51 حيث هم مجتمعون، وأجبروهم على ~~الاتفاق كيلا تلتجئ رومية إلى حقها في التعيين. # كان في إمكان صاحب القداسة أن يدعهم وشأنهم إلى الوقت الذي ~~يحدده المجمع اللبناني، وإذا لم يتفقوا آل الحق إلى ~~قداسته. # كان بإمكان قداسته أن ينتظر مدة اثني عشر يوما تسفر نهايتها ~~إما عن بطرك منتخب، وإما عن بطرك مختار طبقا لنصوص المجمع ~~اللبناني. # وأخيرا نعود إلى بطرك عين كفاع، فبصفتي المزيفة هذه إني ~~أباركك كما بارك البطرك إلياس صحيفة كانت تهاجمه بلا هوادة. مر ~~من أمام مركز إدارتها فرفع يده وبارك، فسأله نائبه البطريركي ~~المرافق له في العربة: من باركت يا سيدنا؟ # فأجابه: الجريدة التي مررنا من قدام بابها؛ عملا بقول السيد: ~~باركوا لاعنيكم. # وتقول في رسالتك التي لم تنشر كلها: أليس لقداسة البابا أن يأخذ ~~ما أعطى؟ # وأنا أجيبك: لا، للبابا الحق في أن يحط البطرك الماروني عن ~~رتبته، ويعيده أسقفا إذا أذنب، وقد جرى ذلك مرة في تاريخنا، ولكن ~~ليس له أن يحرم الموارنة حق انتخاب رئيسهم، فملكات الجمال تنتخب ~~اليوم ... # أما بطريركنا الجديد فقد أعربت عن رأيي فيه، ولا حاجة إلى ~~التكرار، وليتني أعرفك لأبدي رأيي فيك، لقد تم الآن كل شيء، وما ~~حملت السلم بالعرض إلا لأنوب عن الطائفة الساكتة؛ لئلا يقال غدا: ~~لم يرتفع صوت في لبنان ممن يدعون أنهم أحفاد المردة. # المعضلة المارونية الرومانية: «حديث الرهبانية» # المعضلة المارونية الرومانية يظهر لها كل يوم ذنب جديد، ولعل ~~الفاتيكان - وهو الباب العالي في هذا الزمان - يعمل بمثلنا ~~القائل: «مص القصب عقدة وعقدة.» فما إن فرغ من دفن المجمع ~~اللبناني بواسطة اللجنة الرسولية حتى عاد اليوم إلى الرهبانية - ~~وهي علة علل استقلال الطائفة المارونية - فوضعوا في رجليها ~~القيد. وهذا أقل ما تستحق جزاء عقوقها لأبي الطائفة وحبرها ~~الأعظم. # في 17 / 1 / 1938م كتبت مقالا عنوانه: «هؤلاء رهبانك يا مار ~~مارون»، حين أذاع مراسل البيرق الباريسي نبأ موت المجمع اللبناني؛ ~~دستور الطائفة المارونية. # كان عنوان مقال البيرق: «انتداب فوق انتداب». أما اليوم فقد ~~مضينا ms52 من الانتداب إلى الاحتلال فزوال الاستقلال، والعوض ~~بالله. # لم يبق لهذه الملة المناضلة أقل سمة تعرف بها، ولا علامة ~~فارقة في بطاقة هويتها، فقد امحت شرقيتها، وطمست معالم ~~استقلالها. # تبرنط إكليروسها، وستأتي ساعة يلبسون فيها الشورت، ولا يبقى لهم ~~علامة تميزهم غير «سكسوكة». لعلها علامة التذكير التي أشار بها ~~ابن الرومي على البحتري. # إن الأولين من الرهبان # 1 # الذين اشتروا استقلال طائفتهم بدمائهم قد انقرضوا، وما ~~بقي لنا إلا الذين باعوا تقاليد أمتهم بأكلة عدس ... مع أن الخير ~~فائض، فثلث لبنان إن لم يكن نصفه في أيديهم. أما معرفة أملاك ~~الديورة والأوقاف فلا تغيب على أحد، فمتى رأيت أرضا بورا غير ~~مستعمرة فقل: إنها وقف ... # ليس الذنب ذنب هذا النفر، ولكنه ذنب الطائفة التي تركتهم ~~يرعون ويبطرون، فلو رعوا وسكتوا لقلنا لهم: «كلوا صحتين وعوافي.» ~~ولكنهم أناخوا على أوقافنا باسم عبادة الله وخلاص نفوسهم، ونذر ~~العفة والطاعة والفقر. أما العفة فليس لي ما أقول فيها، أما ~~الفقر فهو أبعد ما يكون عنهم، وكيف يكون فقر والدير الذي يملك ~~الضياع الخصبة التي تسقيها الينابيع الغريزة ليس فيه إلا بضعة ~~رهبان؟ # وأما الطاعة فقد برهنوا في كل عصر من عهد لوديفيكوس إلى زمان ~~جيانيني إلى هذا الزمان على أنهم كانوا سوسا ينخر جذع الطائفة ~~المارونية: يكيدون لبطريركهم، ويتآمرون على أحبار الطائفة ~~ورؤسائهم، وقد ظلوا ينخرون خشبة صليب الطائفة حتى سقطت أعمدة ~~البيت عليهم وعلى أعدائهم يا رب. # أجل، لقد وصل الموس إلى لحاهم، فبينما كانوا يمشطونها للانتخاب ~~إذا برومية تقول لهم: «صطوب!» وعلى الباغي تدور الدوائر. # لقد كانوا لرومية مثل «سكيكة» جحا. # قيل: إن جحا باع بيته، ولكنه أبقى له فيه وتدا لم يتنازل عن ~~ملكيته، فكان كل يوم يدخل على المالك الجديد ليعلق في ذلك الوتد ~~إما جرابا، وإما حذاء، وإما حبلا، ورومية أبقى لها المجمع ~~اللبناني حق الإشراف على الرهبانيات كما هو العرف في جميع أقطار ~~المسكونة، فاستعملته كما استعمل جحا وتده، وكان البطاركة ينازعونها ~~في هذا الحق، فلا يتصرفون ms53 في عقارهم تصرفا هادئا مستمرا ~~حسب تعبير المكتب العقاري. فمن البطرك مسعد إلى يوحنا الحاج، ومن ~~البطرك الحويك الجسور إلى البطرك عريضة القديس العنيد، وهذه الحرب ~~لم تضع أوزارها، فإذا كان البطريرك صلبا وله من أساقفته أنصار ~~كثر تصرف تصرف المالك لعقاره، وإذا كان أعوانه دروعا ~~لرومية عض على جرحه وصبر. # طلب البابا بيوس العاشر، والذي خلفه من البطرك إلياس الاندغام، ~~بل الانعدام الطائفي في بحر الكرسي الرسولي، فأجابه بلباقة: دعوا ~~هذه البحيرة وشأنها، فهي صغيرة هادئة تذكركم ببحيرة طبريا ... وهب ~~أني رضيت أنا، فالطائفة - يا صاحب القداسة - قد تشذ، ولا أريد ~~أن أسود تاريخي بهذه الوصمة. # أما ما أصاب هذا البطرك في آخر عهده؛ فهذه النادرة تصور لك ~~واقع أمره: # خرج من الجانح البطريركي، بعد القيلولة، فرأى مطارين الكرسي ~~وكهنته ملتفين حول رجل، فأومأ إلى المطران عقل، ابنه الوفي، ~~متسائلا؛ فأجابه: صائغ بياع صلبان، إذا كان يلزمك شيء. # فارتفع شاربا غبطته وبانت سنه، وقال مشيرا إلى الأساقفة: لا، ~~صلباني «كتار» ... # أما البطرك أنطون فعندما انبرى مناضلا عن هذا الحق، حاولوا في ~~رومية أن يكفروه ويحطوه عن وظيفته البطريركية، ويخلصوا من ~~عناده وإصراره، ولكن نيافة الكردينال تبوني انتصر له، وقال للحبر ~~الأعظم: هذا بطرك قديس، وإذا أصر كرادلة المجمع على إقرار ذلك ~~كان ظلما وعدوانا. # فقال له البابا الحالي القديس: أنت منهم، فعارض ليعود الحكم ~~لي. # وهكذا نجا البطرك أنطون من وصمة الهرطقة، ولكنهم قلموا أظافر ~~الرجل وتركوه يموت على مهل، ويعلن في تلك الوصية إيمانه: # ولدت مارونيا، وعشت مارونيا، وأموت مارونيا، ~~إيمان بطرس إيماني. # قد يقول القارئ البعيد عن هذا الموضوع: ماذا يعنينا من هذه ~~القضية؟ # وأنا أجيبه: الأخ ملزوم بأخيه، وهذا عدوان على كاثوليك ~~الشرق. # وقد يقول أيضا: قد كتبت أكثر من مرة في هذه القضية، والآن ماذا ~~جد؟ # قلت: طابخ السم آكله، فبعد أن أعطى الكرسي الرسولي ~~الرهبان الموارنة حق انتخاب رئيسهم العام ومدبرهم، وبينا كانوا ~~يمشطون لحاهم للرئاسة؛ أخذ الكرسي الرسولي هذا الحق بدون سابق علم ms54 ~~أو إنذار. # قال لهم القاصد: انتخبوا وهاتوا الأوراق مختومة لنرسلها إلى ~~رومية حيث تفرز وتأتيكم النتيجة ... # تماما كما فعلوا في انتخاب المطارنة؛ انتخبوا أربعة فعادوا ~~ثلاثة، منهم واحد رفض، واثنان لم ينتخبا، بل عينتهما رومية ~~كما عينت البطريرك من قبل، وواحد فقط من الذين اختارهم ~~المجمع. # ورب معترض قال: إذا فرزت الأوراق في رومية، ألا يكون هذا ~~انتخابا؟ # قلت: بلى، ولكن هذا امتهان لكرامتنا الشرقية، فإما أن هؤلاء ~~رهبان صالحون كما يفترض في الراهب أن يكون، وإما أنهم لا ~~يؤتمنون فيجب أن ينصرفوا إلى بيوتهم. # هذا أولا، أما ثانيا فالملدوغ يخاف من جرة الحبل؛ ففي سنة ~~1875م جمعوا الرهبان للانتخاب، وكان المجمع في حريصا - مركز ~~القصادة صيفا - ولما أصابت القرعة الأب نعمة الله القدوم ~~المعروف بالكفري، وقف القاصد لوديفيكوس وقال: الأب مرتينوس ~~الغطساوي رئيسكم، وإننا نسأل الله ألا تتكرر المأساة في ~~المدينة الأزلية. # وإن جرؤ كاهن أو مطران أو بطرك على دحض، أثبت له ذلك بالوثائق ~~الزجلية التاريخية التي قالها الخوري يواكيم القدوم مفصلا ~~فيها الوقائع التاريخية، وسوف تقرأ النصوص كاملة في كتابنا: ~~«الاحتلال الروماني». # قد يقول بعضهم: تريد رومية أن تكون الرعية كلها لراع ~~واحد. # وأنا أقول لهذا البعض: ليست هذه روح الآية، فلكل قطيع لون، كما ~~أن الرعاة يكونون متفقين إيمانا، مختلفين وجوها. # عجيب! أيسلب استقلالنا في زمن تزعجني فيه الطائرات الصارخة فوق ~~بيتي كل صباح، ونكون أحرارا يوم كان يأتينا صاحب الغبطة على بغلة ~~طورا تتعس، # 2 # وحينا تشب وتارة تشرئب؟ # أيكون للماروني في ذلك الزمان حق انتخاب خوري ضيعته، ويكون ~~للأبرشية حق انتخاب مطرانها، ويكون للمطارين حق انتخاب بطركهم، ~~ويكون للرهبانية حق انتخاب رؤسائها، واليوم ينتزع منا هذا الحق ~~من يمثلون الذي قال لتلاميذه: تعرفون الحق والحق ~~يحرركم؟ # كان للموارنة القدامى حق «الفيتو» في انتخاب الكاهن يوم كان ~~الدستور الماروني مرعيا. أما اليوم فتصبغ الكهنة الموارنة ~~صبغا في مصبغة فرنجية، وما من يسأل عن سيرتهم في مساقط رءوسهم ... ~~وكذلك الأساقفة، فقد ألحقوا ببطريركهم، وصاروا «شغل البلاد»، ms55 # 3 # كما قال لي أحد فلاحي الضيعة. # ما أصدق المثل الذي ضربه الإمام علي! وما أطبقه على هذه الحالة! ~~كان ثوران أبيض وأسود يرعيان في حمى أسد، فجاع الغضنفر وشاور ~~سرا الثور الأسود في أكل الثور الأبيض؛ لأن لونه فضاح، فوافق ~~الثور الأسود على ذلك، وذهب الثور الأبيض إلى ملاقاة ربه، وبعد حين ~~جاع الأسد وهم بالثور الأسود، فقال هذا للأسد: اسمح لي أن أرسل ~~كلمتين من على هذه الرابية وكلني بعد ذلك، فرضي الأسد بذلك، ~~وصاح الثور الأسود: يا سامعين الصوت، إني أكلت يوم أكل الثور ~~الأبيض. # وهذا ما صح اليوم بالرؤساء الموارنة الذين تآمروا على استقلال ~~صانه أربعة وستون بطركا من يوحنا مارون إلى أنطون. # كنا نطالب رؤساءنا بما تغاضوا عن تنفيذه من بنود المجمع ~~اللبناني، مثل المجلس الطائفي ومجمع الأبرشية، وكانوا يعللوننا ~~بالآمال محتجين بأن هذا المجلس قد يسبب تفككا في الطائفة، ~~كما قال لي البطرك إلياس، وكنا عزمنا على طبع المجمع التريدنيتي في ~~جبيل، فاستدعاني البطرك ليلا حين قرأ الإعلان في جريدة «الحكمة»، ~~وقال لي: «قل لصاحبك سليم وهبة إنني أحرم المجمع التريدنيتي ~~وإن أقرته الكنيسة؛ فنحن لنا مجمع هو دستورنا، ولا نتعرف على ~~غير المجمع اللبناني.» # هاتيك أيام وهذي قبالها. كان الله في عون الموارنة. # وبعد، فليس في يد أحد - لا بطرك ولا مطران - أن يتنازل عن ~~حقوقنا المسجلة والمعمول بها عرفا منذ أربعة عشر قرنا، ~~فالشرع يقول: المعروف عرفا كالمشروع شرعا. # ليس لأحد أن يقول للموارنة: قد تنازلت عن هذا الحق فاخضعوا؛ ~~لأننا لا نتنازل ولا نخضع، هب أن جميع الموارنة رضوا بالأمر، ~~فأنا لا أرضى، والحق عادة لا يكون نصيره أولا إلا واحد. # فإذا كان هؤلاء الرؤساء الذين تختارهم رومية أرادوا أن يخرجوا ~~من حظيرة تقاليد الطائفة؛ فلهم ذلك. أما الأوقاف فهي مارونية ~~لبنانية، لا إيطالية رومانية. # إن جدودنا لم يقفوها لتكون سلاحا في أيدي هؤلاء ليقتلوا بها ~~طائفتهم وكرامتها. # عندما شاخ البطرك - مع أنه ظل أصلب عودا من الشباب، وأوفر ~~عقلا من ms56 الكهول - شاع أنه لا يقطع خيط قطن بدون استشارة ~~جيانيني، والحقيقة غير ذلك؛ لأن القاصد بلغ مرة المطران ~~يوحنا مراد أمرا رسوليا، فركض ذلك المطران إلى بكركي يخبر ~~البطرك إلياس، فانتفض وقال لمطرانه: في رجعتك إلى كرسيك في عرامون ~~دربك على حريصا، فحول وقل لجيانيني: ليس من حقك أن توجه ~~إلي أمرا؛ فهذا يعني بطركي، فخاطبني بواسطته. # ومع ذلك، فكل هذه الجرأة لم تكن ترضينا حتى روينا عن الشيخ ~~خليل الخازن، ميرالاي الجند اللبناني في زمن الانتداب، أنه كان ~~جالسا في مقهى أبي عفيف، وكرجت من أمامه سيارة القاصد جيانيني، ~~فسأله أحدهم: «منو» هذا المطران؟ # فأجاب الشيخ وهو يشير إلى المستشار الفرنسي «بوافان» الذي كان ~~يقضي ويمضي عن الشيخ خليل: هذا يا عمي «بوافان» البطرك. # إذا دلت هذه النكتة الخازنية على شيء، فهي تدل على أن ~~زعماء الموارنة يرفضون حتى الاستشارة، ولكن أين الزعماء ~~اليوم؟ # وإني لأعجب كيف أذعنوا واستكانوا حتى لم نسمع صوت أحد، ~~فمنذ قرون هذا الصراع قائم على قدم وساق، وما الذي حدث من تدخل ~~إلا غيمة عابرة. # أما الآن، فليعلم أبناء مارون أن دود الجبن منه وفيه. فلتنصب ~~الطائفة المصالي للجرذان التي ترقص في أقبيتها، فتتقاتل الفيران ~~على كشك الجيران كما يقول المثل. # لقد حان، بل حق لنا أن نشارك هؤلاء الرؤساء في كل شيء، ~~ونشرف على ما يعملون، ونحاسبهم على إسرافهم وبطرهم حسابا ~~عسيرا. # ولنقل كلمة أصرح، فهذا وقتها: فلنضع أيدينا على أوقافنا؛ ~~لنسيرها إلى غاياتها. # وأخيرا فلي كلمة أوجهها إلى صديقي وأخي سعيد # 4 # فريحة - المسالم في هذا الموضوع، المهاجم في غيره: هذي ~~قضية لبنانية عربية شرقية، وقد قلنا أكثر من هذا منذ عشرين عاما، ~~ونشر هنا وتناقلته صحف المهجر مؤيدة. # وبعد، فمن الخير للحقيقة وللقارئ ألا يظل فم مارون عبود ~~مكموما. # أما الرهبان، فأسألهم أن يعتبروا بالمثل اللبناني الذي صح ~~فيهم: مثلما تعمل العنزة بالعفصة، العفصة تعمل في جلدها. # | ذكريات جميزية كوبليانية # أخي الأستاذ فريحة. # أتذكر ليلتنا في حلب؟ ففي تلك السهرة الطويلة ms57 العمر فهمت معنى ~~قولنا: «عشرة حلبية.» # كنت وحدي ضيفك. أما شلتنا - وكانت مؤلفة من عشرين خرزة عين - ~~فكل واحد منها كان ضيف كيسه ... # في تلك الليلة كنت تتمايل في برد الشباب غصن بان، وكنت أنا جميزة - ~~حسب تعبيركم الجديد. # جميزة كتلك التي صعد عليها زكا، رئيس العشارين؛ لأنه اشتهى أن ~~يرى يسوع. # كان زكا قصير القامة، كما عبر لوقا في إنجيله، وكان يمشي مع الأرض، ~~كما أعبر أنا، فما وقعت عينه على يسوع لو لم يلتجئ إلى تلك الجميزة؛ ~~لأن الجماهير حالت دون ذلك. # فأنا في ذلك الزمان كنت أصلح رئيسا بالتزكية لحزب الجميز، وقد ~~أعود جميزة إذا شئت، ولكن ريجيم الدكتور حتى الصارم قد أذاب الشحم، ~~وأخشى أن يقرض اللحم. # وفي رجعتي من حلب، طلبت في جبيل فرسا، فقدموا لي بغلا؛ لأنه أثبت ~~من الخيل ظهرا، وكانت المساومة على الأجرة؛ فاشتط المكاري فيها فقلت ~~له: لا تظلمني يا إسماعيل، السعر معروف. # فتضاحك إسماعيل ورسم دائرة واسعة بذراعيه، وقال: يا بارك الله! ادفع ~~يا سيدي على الأقة، وهذا القبان حاضر. # فقلت له: نشكر الله على أنك جعلتني من مال القبان، لا من مال ~~الغراز والكيس ... # وأخيرا اتفقنا ووصلنا إلى عين كفاع المحروسة. # وعادت بي الذكرى إلى حلب، فكرت بذاك الشاب اللبناني المتحفز ~~للوثوب، وأيقنت أن ساحة جريدة «التقدم» لا تسع هذا المصارعجي ~~الذي عنده لكل ساقطة لاقطة، ثم صرت أقرأ له في الصحف اللبنانية ما ~~يبشر بأن يكون من عمالقة الصحافة؛ لأنه لهذا خلق. # ثم كانت «الصياد»، وأخيرا كتاب «الجعبة» الذي استقبلته بترحاب ~~يستحقه أسلوبه الحي الجذاب، وذكرني حومانه حول المرأة وأسلوبه ~~الشخصي الظريف بأحمد فارس الشدياق، وقد قلت في ذلك يوم كان «الصياد» ~~في بناية العسيلي: «وقد أعجبتني جدا غمزاته ولمزاته في سياحة ~~إنكلترا، وذكرني بكشف المخبأ للشدياق، فأخونا سعيد وشيخنا الشدياق ~~تشغل رأسهما المرأة دائما.» # وأخيرا شاء «الموجه الأعظم» أن يتجاورا، فقامت «دار الصياد» في ~~الحازمية تطل على قبر الشدياق، وصح قول الشاعر: # وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ms58 # يظنان كل الظن أن لا تلاقيا # فمن شاب هاجر إلى حلب الشهباء، فحلب أشطر الدهر بجهاده وطموحه ~~وإيمانه برسالته إلى رجل مجاهد أمسى صاحب دار تنطح السماء بقرنها؛ فلا ~~عجب إذن إن رأيناه ينتصر لجاره، ويأبى أن يمتهن قبره بمجاورته لواصا ~~باشا، وابنة كوبليان أفندي، التي صح فيها قول النبي داود: «الآباء ~~يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون!» # ذكرني ما جاء في مقال الأستاذ سعيد عن كوبليان: # أن الباشا واصا لم يكن من أهل اليسر، وكان مرتبه ~~المورد الوحيد له. # فقلت: وهل كانوا يرسلون إلينا متصرفا من أصحاب الملايين؟ فأكثرهم ~~كانوا كما قال الشيخ يوسف الخازن لبني عمه في مرسيليا - هذا غير الشيخ ~~يوسف الخازن الكاتب والنائب - وخلاصة قصته أنه دخل دكان لحام في ~~مرسيليا، وأطال القعود عنده يتحدث إليه ويتودد له، ونسي أن رفاقه ~~ينتظرون في الشارع؛ «فندهوه» وقال له واحد منهم: الوقفة في أسواق ~~مرسيليا غير الوقفة في ساحة جونية يا شيخ يوسف. # فهرول نحوهم والضحكة ملء فمه وقال: الحق علي، أنا تأخرت عنده من ~~أجلك. أنت طالب وظيفة، ومن يدرينا أن هذا اللحام لا يصير عندنا ~~قنصلا، فأغنيكم عن وساطة هذا وهذاك من رجال الدنيا والدين؟ ~~••• ~~«وفي الماضي لمن بقي اعتبار.» هكذا قال المتنبي؛ ولهذا أراني عندما ~~ألقي نظرة على المسافات التي قطعتها من صحراء الأزل، أرى الماضين ~~يمرون أمامي كقافلة يتبع بعضها بعضا، وأشخاصها تكاد تكون مصبوبة في ~~قالب واحد. # كانوا في لبنان، وخصوصا أبناء البيوت العتيقة الذين ذاقوا حلاوة ~~الحكم، لا يتصارعون ولا يتنازعون إلا حول الوظيفة، تتحول إليها ~~أبصارهم كيفما دارت، كما تتحول إبرة الحك نحو نجمة القطب، فلا عواصف ~~ولا زوابع ولا تلبد الغيوم يضللها ... # وما زلنا حتى اليوم كما كنا سابقا، تقف سكة الدولة عندما تصل إلى ~~توزيع الوظائف، كل يريد تعديل الملاكات على هواه، فكل موظف كبير ~~يريد أن يدخل محاسبيه في ملكوت الوظيفة. # فإذا عدنا إلى الوراء، أخبرنا الثقات من جدودنا أن أنصار المير ~~يوسف تنادوا مرة، وفتحوا صناديقهم وتضامنوا؛ ليشتروا الخلعة ms59 لأميرهم ~~من الجزار ... وكذلك كان يفعل «المناصب» أعوان المير بشير، حتى إذا قام ~~قاموا هم معه، وتحكموا في رقاب الشعب، واستحالوا دودا علقا يمتص ~~دمه ميكروب قديم متأصل. # كانت تقطع سرة الإقطاعي على نية الحكم، ولو على ضيعة، كما اشتهى ~~المتنبي أخيرا ... فلا يكاد يخرج ابن البيت من ذاك الوكر حتى تراود ~~أمه الأحلام الوظيفية التي تتمناها له؛ لكي «يتمقطع» بالشعب. وهذا ~~الفعل «تمقطع» اشتقه اللبناني من كلمة «الإقطاعي»، الذي لم يكن يهمه ~~إلا اقتطاع ما يستطيع من أرزاق الشعب. # وزال الحكم الإقطاعي من لبنان ولم يزل معه الصراع حول الوظائف، ~~وجاء المتصرفون الثمانية، ولم يرض عنهم إلا نفر قليل؛ لأن الوظائف ~~محدودة، وميزانية جبل لبنان مثل بركة اليمونة، لا تزيد ولا تنقص ... وكم ~~من متصرف تألبوا عليه؛ لأنه فكر بزيادة ربع أو نصف قرش على مال ~~الأعناق، أو مال الأرزاق، أو إحداث طابع بريد بقرش. # وهكذا ظل اللبنانيون فريقين: فريقا مع المتصرف، وهم الموظفون ~~ومن يجيء على صوتهم، وفريقا - وهو الأكثرية - يتألف من الطامحين إلى ~~الوظيفة والمحرومين. # وكان لا ينتهي صراع حتى يبدأ صراع جديد عند تسمية كل متصرف؛ ~~فتتجاوز الوسائط تخوم لبنان، وتحوم الطيور على أبواب القنصليات ~~والمراجع الدينية، فتطير التوصيات إلى السفارات وفي إسطمبول؛ فيزود ~~السفراء المتصرف الجديد بأسماء أعيان الطوائف التي تؤيد نفوذ دولتهم، ~~وتمكن لها في أرض لبنان، ويدرك المتصرف أن لبنان مرعى يدر ~~عليه اللبن فيتهيأ للتعبئة والضب ... # يجيئنا كعصفور العابور ضعيفا هزيلا، ويغادرنا كعصفور التين ~~... # علمه الاختبار أن اللبنانيين لا يرضيهم أحد، فلماذا لا يرضي هو ~~عبه؟ # الخمس السنوات مضمونة، فإذا أرضى الدولة والدول السبع الضامنة ~~بروتوكول لبنان، يعطى خمس سنوات أخر، وهناك الرزق الحلال الزلال ~~... # الصراع دائم بين أعيان لبنان ووجوهه، وما عليه هو إذا استفاد من هذا ~~البلد، الذي يعبد أهله الوظيفة، ويقدمون القرابين لمن يمكنهم ~~منها؟ ... على هذه النية كان يأتي المتصرف لبنان، بلد التوصية والواسطة؛ ~~ولذلك جاء في كلامنا المأثور: «الدنيا واسطة، والدعوى على قد ~~الواسطة.» # إنهم لا يسألون ms60 عن نزاهة الحاكم وعدله، بل يسألون: «منو» مفتاحه؟ ~~وعلى يد من ينام؟ ... # وهكذا فسد المتصرفون الأخيرون؛ فبلعوا الجمل وحمله ... وطغت الرشوة ~~حتى صار لكل دعوى سعر، ولكل وظيفة ثمن، يوظفون اليوم ويعزلون ~~غدا. # ويذكرون عن متصرف مظفر باشا، أن حرمه النظيفة الشريفة أقفلت ~~عليه باب الحمام وما فتحته له حتى وقع «البيلوردي» وختمها، وهكذا ~~عينت الزائد الأخير قائم مقام على جزين. # وروي أنه كان لأحد الكهنة دعوى في أيام واصا باشا، وخاف هذا ~~الخوري أن يقف دولاب دعواه، أو يدور بالمقلوب إذا لم يزيت ~~البراغي، فسأل كالعادة عن «المفتاح»، فقالوا له: كوبليان صهر الباشا، ~~فسار إليه وفي جيبه أصبع من الذهبات الرنانة . # وكانت المقابلة، فتمسكن الخوري حين عرض ظلامته على كوبليان أفندي، ~~ولما استأنس الخوري التمس انشراح الخاطر العاطر، فأجابه كوبليان: ~~قضيتك تعني القاضي فلانا؟ # فأجابه الخوري: الكل «بصاية» أفندينا، نرجو نظرك. # فهمهم كوبليان وهز رأسه، ثم أطرق كالأفعوان حين أدخل الخوري ~~يده في جيبه. # وقام الخوري مودعا واضعا الأصبع الذهبي في يد كوبليان أفندي؛ ~~فانتقض هذا وقال له بنزق: باباز أفندي - الخوري في التركية - ما كنت ~~أنتظر هذا من كاهن مثلك. # فتزعزعت آساس الخوري، ثم اعتذر وخرج يطري نزاهة كوبليان، ويتغضب ~~على الذين يتهمونه بالرشوة، فقال له أحدهم: كم أعطيته؟ # فقال: خمسين عسملية. # فقهقه ذلك الرجل وقال له: خذ له مائة، حسبت أنك تقدم له حسنة ~~قداس؟ خذ مائة تر ما يكون. # واستعد الخوري للمعركة الفاصلة وذهب. # ولما رأى كوبليان أن ذلك الأصبع محترم يملأ العين واليد أخذه وقال ~~للأب الجليل: حتى لا يزعل باباز أفندي نقبل الهدية. # وخرج الباباز وغرضه مقضي. # وكانت لتاجر غنم حموي دعوى مالية ذات قيمة طال عليها الأمد؛ فقلق ~~الرجل وخاف أن يخسرها، فالتجأ إلى تاجر من عملائه يسأله حلا لقضيته؛ ~~فهداه إلى فلان النافذ عند واصا باشا وصهره كوبليان، فقصده التاجر وعرض ~~عليه مشكلته، فقال الموظف للتاجر: لماذا أنت قلق مهموم؟ ماذا ~~يهمك لو أهديت إلى كوبليان أفندي خمسين رأس غنم مثلا؟ أنت ms61 ميسور، ~~ألا تشتري راحة بالك بمثل هذه القيمة؟ # فقال التاجر: القصة بسيطة إذن، غدا إن شاء الله. # وفي الغد كان راع يسوق قطيعا من الغنم بين دير القمر وبتدين يسأل ~~في طريقه عن بيت فلان ... وظل كذلك حتى بلغ المقر، وأطل عليه ~~الوسيط ابن الحلال فقال الراعي: هذه الأغنام هدية إلى كوبليان أفندي ~~من معلمي ... فانفجر السمسار كقنبلة وقعت على صخر، ولم يترك كلمة من ~~قاموس السباب والشتائم حتى رمى بها ذاك الغنام المسكين، وأخيرا ~~صرخ في وجهه: دينك على دين معلمك، من قال إن كوبليان أفندي يقبل ~~هدية؟ # ووقف الراعي متحيرا، وأقفل الباب، فرجع من حيث أتى، وأخبر التاجر ~~بما وقع . # وأخيرا أشار عليه «الخبراء الفنيون» أن يبيع الغنم ويقدم ثمنها في ~~خلوة لسمسار كوبليان، فهش له وبش وقال وهو يعد الليرات الذهبية: ~~«هذي أغنام لا تمعق.» # إن قصص كوبليان أطول من قصص الحيات، وكلها من الطراز العالي ... وقد ~~شاع مثل هذا الابتزاز بين كل الموظفين، فلم يكن يقضى أمر إلا ~~بالفلوس، فللمختارية سعر، ولمشيخة الصلح سعر، ولعصا النطارة ~~ثمن. # ذاب نفوذ المراجع الدينية عندما اتقدت نار الرشوة في الجبل، ومن ~~هنا كان يهب الخصام بين الإكليروس وأكثر المتصرفين؛ أولئك يريدون أن ~~يشغل أبناؤهم الروحيون مناصب المتصرفية، والمتصرفون يهمهم قبض أكبر ~~مبلغ ممكن من المال للجخ ودعم المركز، فالمعتمدون على النفوذ لا ~~يدفعون، ومن لا يدفع لا يصل ... # عفوا نسينا النعوة، فأنا عرفت مدير ناحية كان يقبض هو وضابطيته ~~إذا حضر دفن وجيه، وكان يتفق مع الناعين على المبلغ قبل أن تتحرك ~~ركابه. # واقتطعوا مرة شيئا من المبلغ المتفق عليه، فصار الدفع ~~سلفا. # قد يقال: أي فائدة كانت لأولئك الناس حتى يدفعوا ثمنا موجعا لموظف ~~يؤاسيهم ويعزيهم في فقيد؟ وأي شأن للمختار حتى يشتري مركزه هذا ~~وذاك؟ # قلنا: ثابت في علم النفس أن الإنسان - مهما كان شأنه - يريد أن ~~يكون شيئا مذكورا، ومن هنا كان تهافت اللبنانيين على مثل هذه الشئون ~~التافهة. # إن جشع كوبليان لا يدانيه إلا جشع ms62 كوبليان. كان إذا عدم الرزق ~~لامتلاء المراكز - وقد كانت محدودة لا يستطاع خلقها مثل هذه الأيام - ~~لجأ إلى خلق دعاوى خطيرة؛ مثل سب دين السلطان وغيرها؛ فيتدفق عليه ~~المال من الأغنياء البسطاء الذين يخوفهم بهذه التهم. # الخلاصة: كان ذلك الرجل نباش ينابيع، فتنبثق من تحت يده فوارة ~~غزيرة. # حلق للبلاد «على الناشف ونظف»، فنبتت اللحى قليلا في عهد نعوم ~~باشا، فخلفه مظفر ونتفها نتفا. # إن لابتزاز المال طرقا جهنمية، كان يجيدها الموظفون الذين ~~عملوا «الستاج» في العاصمة الشاهانية. # ولذلك قال إبراهيم اليازجي في قصيدته التي مطلعها «دع مجلس الغيد ~~الأوانس»: # وعلى الرشى والزور قد # شادوا المحاكم والمجالس # ولكي تسير الرشوة في الطريق الأمين فلا سائل ولا مسئول، ولا جمل ولا ~~جمال؛ وضعوا المادة الشرعية القائلة: الراشي والمرتشي، والرائش ~~بينهما، عقابهم واحد، وهكذا كمموا الأفواه، فصالت الرشوة وجالت في ~~طول البلاد وعرضها. # إن ما نراه اليوم من الاختلاسات الضخمة لهو بقية جذور متأصلة من ~~أبعد العهود، ورءوسها تطل علينا كلما فاحت ريحة المنافع، فكأنها ~~البزاق الذي لا يلوح بقرونه إلا عندما تروى الأرض، فكم عندنا من ~~كوبليان ولكن من أسلوب آخر ...! # أظن أن مثل الزبيبة والعود يصور حالنا أصدق تصوير، وقل من لا ~~يعرفه ... # | سؤال وجواب (1) # كتب الأستاذ رياض حنين يسأل: أترى أن التيار الشعري الذي أطلقه ~~أديب مظهر قد أدرك غايته؟ أم أنه مني بالاجترار؟ ~~• # التقليد آفتنا، والمقلد ~~دائما مقصر عن المقلد، ثم أنا ما قرأت لأديب مظهر غير قصيدة أذكر ~~أنها نونية، وهي لا تستحق أن تسمى تيارا. # هل صحيح أن الأديب عندنا يكاد يكون اسما ضخما لغير مسمى، أم نحن ~~على عتبة نهضة أدبية شاملة؟ ~~• # ما شعرت أن هنالك اسما ~~ضخما لأقايسه على مسماه، أما النهضة الأدبية الشاملة التي تسأل هل ~~نحن على عتبتها، فموقوفة على ما يخلقه الجيل الطالع، وعلى ما ينفقه من ~~طاقة. # أنت ناقد، فهل ترى أن ليس في أدبنا الحديث مادة كافية للنقد؟ أفنحن ~~فعلا بحاجة إلى نقاد؟ ~~• # مادة النقد موجودة ووافرة، ~~ولكنها تتطلب ms63 قارئا يخلق مما يقرأ المادة اللازمة لعمله. # ما هي الأسس التي تعتمدها في نقد الشعر وفي نقد القصة؟ ~~• # لا أسس راسخة عندي لنقد ~~القصة ولا لنقد الشعر، فلكل قطعة أو كتاب مقياس على قده. # أين تلقيت دروسك؟ ومن تخص بالذكر من أساتذة ورفقاء؟ ~~• # قضيت أربع سنوات كل سنة في ~~مدرسة، ورأيت وجوها كثيرة من المعلمين، أذكر منها ابن عمتي الخوري ~~يوسف الحداد في مدرسة مار يوحنا مارون، والشيخ سعيد الشرتوني، وشلبي ~~الملاط، والخوري باخوس الفغالي - المطران بطرس - والخوري يوسف بو صعب، ~~والمير يوسف شهاب في مدرسة الحكمة. أما رفاقي فيها فأتذكر منهم: ~~الدكتوران حبيب إسطفان ومرشد خاطر، وأمين بو رزق، ومراد بو نادر، وأمين ~~عباس الحلو، ونسيب البستاني ابن أخت سليمان، والدكتور سلامة، وجورج ~~عاصي. # من الذي أثر فيك أكثر من سواه من أدباء العرب والفرنجة؟ ~~• # الجاحظ، والشدياق، ودودية، ~~وسرفنتس، وغوغول، وتورغنيف، وفولتير، وأناتول فرانس، وسنت بيف، ~~وبرونتيير. # إلى أية مدرسة شعرية وقصصية تميل؟ ~~• # لم يكن في زماننا هذا الذي ~~تسمونه «مدارس شعرية»، كنا نعرف شعراء نحاول أن نقول الشعر على ~~طريقتهم. أما المدرسة القصصية التي أميل إليها؛ فلك أنت أن ~~تعرفها. # قيل: إن بعض أقاصيصك قد ترجمت إلى الروسية، فهل هذا صحيح؟ وكيف كان ~~وقعها هناك؟ ~~• # أعرف أن أقاصيصي قد ~~ترجمت، أما وقعها فعلمه عند غيري ممن زاروا روسيا. # هل تطلع على ترجمات هذه الأيام؟ وما هو رأيك فيها؟ ~~• # الترجمة عندنا تسير سيرا ~~حثيثا، والحميد فيها هذه الأمانة التي تدنيها من الأصل. # ما هي قراءاتك في الوقت الحاضر؟ ~~• # أقرأ في هذه الأيام كما ~~قرأت في غيرها كل ما يقع في يدي من جيد ورديء، ومن كليهما أخرج ومعي ~~شيء أقوله للناس، أما كتابا المخدة فهما الكتاب المقدس والقرآن ~~الشريف. # ما هو اللون الذي يغلب في مكتبتك؟ ~~• # مكتبتي جامعة، ولا أدري أي ~~لون تقصد حتى أجيبك بالضبط، عندي كتب شعرية، أدبية، تاريخية قصصية، ~~لاهوتية، فلسفية، جدلية، وعندي كتب دينية وكتب أساطير. أما اللغات ~~فمنها: السريانية والعربية والفرنسية والإنكليزية والطليانية والفارسية ms64 ~~والتركية والعبرية ... # ومنها كتب عربية وسريانية مطبوعة في رومية وقزحيا بالحرف الكرشوني ~~والحرف العربي، منها ما بلغ من العمر عتيا 400 سنة وأكثر، وعندي ~~مخطوطات مختلفة المواضيع واللغات. # ما هي الجرائد التي أصدرت أو أشرفت على إصدارها؟ ومتى كان ~~ذلك؟ ~~• # أصدرت جريدة خطية عندما ~~كنت تلميذا وسميتها «الصاعقة»، ثم أصدرتها مطبوعة على الجلاتين، فما ~~أبصرت النور حتى «فطسها» رئيسي المونسنيور بطرس أرسانيوس، الذي ~~أحببته جدا، وحجته أنني انتقدت انتقادا جارحا، ولما خرجت من ~~مدرسة الحكمة عام 1906م توليت رئاسة تحرير جريدة «الروضة»، ثم جريدة ~~«النصير»، ثم جريدة «الحكمة» في جبيل. # ما هو في نظرك أهم مقال سياسي كتبت؟ ~~• # مقال: «ما بين حانا ومانا ~~ضاعت لحانا»؛ فقد أزعجت لبنان القديم، وحاولوا اغتيالي، ولكن عمري ~~طويل، طبعا ليس كما قال الشاعر. # ما هو أحب مؤلفاتك إليك؟ ~~• # أحبها كلها؛ لأن في كل ~~واحد منها شيئا مني. # أصدرت منذ سنين ديوان شعر، فإلي أية مدرسة ينتسب شعرك؟ ~~• # نعم، أصدرت ديوانا، وقد ~~وعدت مارون عبود ذاك أن أنتقده، إلا أني حتى الآن لم أفعل. سأفعل إن ~~شاء الله. أما إلى أية مدرسة ينتسب شعري، فشعري ينتسب إلى مارون ~~عبود العتيق، فأنا لا أقلد أحدا، والغريب أن بعض هذا الشعر قد ~~استحق أن يترجم. # متى تصدر روايتك «فارس آغا»؟ ~~• # سأنجز «فارس آغا» في هذا ~~الصيف إذا لم أصيف في المستشفى كالعام الماضي، ومن «فارس آغا» ~~سأنتقل إلى رواية أخرى «العجول المسمنة» أو «يا رب يا رب». # ماذا تكتب هذه الأيام؟ ~~• # الذي تقرأ؛ فليس لدي وقت ~~أحك فيه رأسي. # هل أصبح الأديب - الخليق بهذا الاسم طبعا - يستطيع أن يعيش من نتاجه ~~القلمي في لبنان؟ ~~• # لا أحتاج إلى الكسوة ~~والرغيف بفضل التعليم والتأليف، أعطنا خبزنا كفاف يومنا. هكذا علمنا ~~يسوع، ولكنه قال أيضا: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. # قل لنا وجهة نظرك في خلافات «أهل القلم»؟ ~~• # اعفني من الجواب ~~يا رياض. # متى تكتب؟ وهل لك ساعات خاصة؟ ~~• # أرأيت الدجاجة البياضة كيف ~~تحوم طويلا على باب القن ولا تدخل؟ ms65 هكذا أظل أفعل حتى أرى نفسي ربخت ~~على الطاولة وكتبت. إني أقاسي تعبا كثيرا قبل البدء بالكتابة، ومتى ~~بدأت مضيت إلى النهاية. # هل تدخن وتشرب القهوة وأنت تكتب؟ ~~• # دخنت الأركيلة والسيكارة ~~والغليون والسيكار، ومنذ سنين أمسيت أتنشق العطوس وأشرب القهوة ~~المرة بلا انقطاع. # ما هو طعامك الأطيب؟ ~~• # الغمة (الله لا يغمك) ~~والكبة النية، والكبة الأرنبية. ما على ضرسي مر، ولكن الدكتور حتي قاس ~~علي في «الراجيم». وعلى كل «فالراجيم» أحلى من الموت. # بعد العمليات التي أجريت لك، أعطنا رأيك في الطب الحديث؟ ~~• # أنا لم أجرب إلا ~~المستشفى الألماني، وإذا كانت جميع المستشفيات مثله، فالطب الحديث لا ~~يعصى عليه مرض، وهاك ما حدث في أثناء وجودي فيه: ما قولتك في مريضين ~~وقف قلبهما أثناء العملية، فمسدهما الجراح الدكتور حسيب بولس بطريقته ~~العلمية، حتى إذا ما تابع القلب سيره أغلق عليه الباب وأرجأ العملية ~~إلى موعد آخر؟ # هل تنظر نظرة تفاؤل إلى فتيان هذا الجيل وفتياته؟ ~~• # أنا متفائل جدا بفتيان ~~هذا الجيل وفتياته، وأرجو للأدب خيرا على أيديهم؛ شرط أن يثابروا على ~~العمل ولا يطلبوا الشهرة على حساب غيرهم ... # هل تحب الطرب؟ ومن هو أحب مطرب إليك؟ ~~• # أنا كالخليفة المنصور أحب ~~الغناء القديم، وأكره المغني الذي يتشبث بكلمة ويروح يرددها ~~ويعلكها حتى يقتل الناس. # سم لنا هواياتك المفضلة؟ ~~• # أن أبني كل عام شيئا ~~جديدا، وأن أدخل البيت صورة زيتية وكتابا له قيمة. # كيف حال بطريركيتك في عين كفاع؟ وهل وصلوها بلبنان؟ أم أنها على ~~شهرتها ما تزال في «لا أدري أين» كماضي حال رشميا؟ ~~• # لا تسلني عن حال بطركيتي في ~~عين كفاع. أنا خائف وقلبي يدق، خائف أن «يعين» بطرك غيري، وهناك ~~المصيبة. أما اتصالها بلبنان فسيأتي ~~دورها بعد أن يتصل لبنان بالإسكيمو. أما إذا بقي عاصمة أوروبية أو ~~أمريكية أو قطب جنوبي وشمالي لم نتصل بها، فلا أمل لنا ولا رجاء ... في ~~أيام عزنا ما غنينا يا ليل ... فلولا همة الشباب الذين يسبقون الطير ~~لما أدركني الطبيب في الصيف الفائت، وأفلت ms66 من يد عزرائيل. # 23 / 3 / 1956م # | إلى الأستاذ قلعجي مع تحياتي الحارة # ما هي النصيحة التي تقدمونها إلى أديب ناشئ؟ ~~• # هي أن ينشئ أولا ويقرأ ~~كثيرا. والمضحك المبكي اليوم هو أنه لا يشب طالب عن الطوق؛ أي يحمل ~~شهادة عالية، دكتوراه في الآداب مثلا، حتى يتطاول إلى نقد المتنبي ~~والجاحظ، فيخربش ما استطاع. إنه في حاجة إلى الإنشاء الرفيع أولا، ثم ~~فليتوجه بالسلامة إلى أي إقليم شاء من أقاليم الأدب؛ كالقصة وغيرها. ~~أما رأس المال ففي المطالعة. # ما هو الكتاب الخاص الذي كان له أثر خاص في اتجاهكم ~~الأدبي؟ ~~• # لطبيعتي أولا، ولمطالعاتي ~~ثانيا، وبعد مكتبتي الخاصة التي فيها 6000 مجلد، فأنا مديون لكل من ~~كتب حرفا، كما أنني غير مديون لأحد، وذلك عائد إلى جهلي ذلك، أنا لا ~~أعف عن شيء مما تأكله الأوادم، فهل لي أن أعترف بفضل التغذية لأكل ~~دون غيره؟ وكما نحب ألوانا من الطعام ونؤثرها؛ كذلك نؤثر مطالعة ~~أدباء وشعراء بعينهم. # ما رأيكم في الشعر العربي الجديد المعروف بالشعر الحر؟ ~~• # الشعر الحر تجربة ~~قديمة، وما السجع إلا شعر حر وإن لم يسموه إلا سجعا، وقد ظل على عرش ~~الأدب أكثر من سلطان بني عثمان، وأخيرا حمله إلينا فيلسوفنا الريحاني، ~~فقبل أن تسألوني رأيي أمهلوا قليلا؛ فأنتم في ربيع العمر، ومتى لمستم ~~بقاء هذا الشعر فابعثوا إلي برسالة إلى دنيا العالم العتيد. إن كل ~~ما يتواضع على استحسانه الجمهور يكون حسنا، فعسى ألا يذهب جهد الشباب ~~باطلا، ولا يصح فيهم المثل: ذهبت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا ~~أذنين. # هل تنصحون بإدخال أساليب جديدة على الطرق المتبعة في تدريس الأدب ~~العربي؟ ~~• # أنصح أولا بتخفيف الحمل، ~~فالطالب لا يستطيع في عامين مدرسيين - والعام الدراسي نصف عام - أن ~~يدرس مائة شاعر وكاتب. # وأنصح ثانيا باختيار أساتذة يدخلون الطالب إلى دهاليز حصون الكاتب ~~والشاعر ومنعرجاتها، أي أن يكونوا فاهمين أسرار ما يقرءون. # إن الذين لا يقرءون ما بين السطور يكرهون الطلاب بأدبنا، وهم لو ~~فهموه وأفهموه لما سمعنا هذه الضجة حول ms67 المناهج. # ما هي مهمة الأديب العربي في بعث القومية العربية؟ ~~• # إنها مهمة شاقة، وهل ~~هناك أشق من إيجاد الإيمان؟ # إن مار بولس لم يستطع نشر الدين المسيحي إلا لأنه كان عظيم الإيمان ~~به. اقرأ فصلا من رسائله فيطالعك لهيب إيمان بولس بما يقول، وهكذا يجب ~~أن يكون الأديب العربي حار الإيمان بالقومية العربية حتى ~~يبعثها. # وهل بعث إليعازار غير إيمان المسيح؟ # إن الذين يستعربون ليرفهوا عن أنفسهم كثيرون، أما المؤمنون ~~الخلص فيؤثرون للشهادة. وقد بدأت أراهم. # كانوا يهزءون بنا يوم كنا نهيب بهم. أما اليوم فيحاولون أن ينسوا ~~موقفنا. # الخلاصة: يطلب إلى الأديب العربي أن يكون مخلصا للعروبة، ولا يكون ~~له فيما يكتب مآرب أخرى. # 2 / 2 / 1957م # | إلى السيد منير مراد، بيروت - الصنائع # سألتني: هل في لبنان والعالم العربي أزمة أدب أم أزمة أدباء؟ ولماذا؟ ~~وما هو رأيك في الإنتاج الأدبي الحاضر بصورة عامة؟ # جوابي: لا هذه ولا تلك، عندنا أدب، وعندنا أدباء، وعندنا إنتاج أدبي، ~~ولكننا نحن نؤله القديم ونعبد الأوثان. # لا ينقصنا أدباء، ولكن ينقصنا العمل، فشبابنا بدلا من أن يعملوا هم، ~~قعدوا يقولون: ماذا عمل زيد؟ وماذا فعل عمرو؟ # فبدلا من أن يضيعوا الوقت في تحبير هذه المقالات، فليكتبوا قصة ~~أو ينظموا قصيدة أو أية كلمة تبقى. # لا يحق لنا أن نعين للأديب موضوعه، فالأديب لا يسأل إلا عما كتب، ~~الجاحظ - مثلا - كتب في الذبان فصولا خالدة، فهل يصح أن يقال له: ~~لماذا لم تكتب في الحسون والكناري؟ # لسنا في حاجة إلى كتاب وأدباء وشعراء، ولكننا في حاجة إلى من ~~يعملون. # اسمح لي أن أسرد لك هذه النادرة القروية: # هاجم ثعلب دجاجات قروي فاصطاد واحدة، فقال الرجل لامرأته: لو كان ~~عندنا رجل يلحقه ويهاهي به فيتركها! # فصاحت به زوجته: وأنت إيش، نسيت أنك «رجال»؟ # فقال: صحيح. # وراح يركض ويعيط خلف الثعلب؛ فترك الدجاجة. # فهل نسي شبابنا أنهم مسئولون؟ فلماذا لا يعملون لتنفرج ~~الأزمة؟! # 12 / 3 / 1953م # | إدارة البريد - الأدب والسياسة # مضاعفة معاش النواب # عزيزي الأديب السيد ms68 خالد سهيان في مدرسة الحلوة بالقامشلي: # لا تتعجب إن أتاك جوابي متأخرا، فإذا كانت إدارة البريد - وهي ~~إدارة مسئولة عن السرعة - قد بقيت لي فيها - في مركز بيروت - مسودة ~~مدة أسبوع، سجلت وأرسلت من مركز عالية يوم الأربعاء، فما وصلت إلى ~~يد وكالة الآباء البولسيين إلا يوم الثلاثاء بعد الظهر. # انظر كيف يعرقل المأمورون الساهون مصالح الناس، فهل تلومني بعد إذا ~~تأخر جوابي ولي عذري؟ # رحم الله عهد «المرسال»؛ فقد كنا فيه أسرع عملا. # وبعد، فسألتني أولا إذا كنت أعتقد أن الأدب شيء والسياسة شيء ~~آخر، وإذا جمعا بشخص هل تكون له بآن واحد عبقرية الأديب وحنكة ~~السياسي؟ # أما جوابي عن هذا، فهو أن الأدب يتناول كل شيء، ومهما حاول ~~الأديب أن يتملص من السياسة في أدبه، فهو لا يقدر أن يطهره ~~منها. # أما إذا هما اجتمعا لواحد، فلا بد من أن ترجح إحدى الكفتين. # وبكلمة أعم: إن الأدب الخالص لا يسلس قياده لرجال السياسة؛ لأن ~~التفكير في أمرين متناقضين غير ممكن. # وتقول في السؤال الثاني: هل تتأسفون في المستقبل على أيام ~~ستضيعونها في ميادين السياسة لو كان قدر لكم الفوز بالنيابة في ~~الانتخابات الماضية؟ # أظنك لم تنتبه إلى أن نبأ ترشيحي الذي قرأته كان تاريخه أول نيسان ~~... فأنا رشحت نفسي هازلا. # أما أكره ما أكرهه أنا فهو خوض غمار السياسة. # أرجو أن تثق بأنني لا أحبها. # وبما أنني انتقدت مضاعفة معاش النواب، رحت تطرح علي هذا السؤال ~~الثالث: فلو كنتم من جملة النواب؛ فهل توافقون على هذه الزيادة أم ~~لا؟ # هاك الجواب يا صاحبي: قال النواب لنا عندما كان يدعون لأنفسهم أنهم ~~رشحوا أنفسهم لخدمة الشعب، لا طمعا بالجراية ... حتى إذا ما ركبوا ~~الكرسي جاءت تصرفاتهم مخالفة تصريحاتهم. # بشع جدا أن يقرر الرجل زيادة معاشه بنفسه. # فلو جاءت هذه الزيادة عن غير طريقهم ما قلت شيئا. # أما قولك لي أخيرا: «لو كنت منهم ألا أفعل ما فعلوا؟» فالجواب عنه: ~~«إن النفس أمارة بالسوء.» وبلغتنا العامية: النفس رخوة ... ولهذا ~~أكره ms69 السياسة؛ لأني أخاف أن تدخلني في التجارب ... والسلام عليك. # | حقوق المرأة # إلى السيد س. م. بيروت # كتب إلي السيد س. م. ما يلي: # سلاما وتحية وبعد، فكنت قد أرسلت إليك فيما مضى من الأيام ~~القريبة رسالة أشرح لك فيها عن رغبتي الصادقة وتشوقي إلى ~~مناقشة الآراء والمسائل الأدبية والاجتماعية؛ إذ لا أحب أن ~~أتقبل مسألة من المسائل أو فكرة من الأفكار إلا بعد الدرس ~~والتمحيص، وبعد أن أتفهمها وأكون على استعداد تام لإقناع ~~من يريد المناقشة. وقد طرحت عدة مسائل وأفكار على بساط البحث ~~ولما أنته منها، ومن هذه المسائل الاجتماعية أخذ المرأة ~~حقوقها العامة والسياسية كاملة. قد حاول الكثير من الأصدقاء ~~أن يقنعوني بأن أخذ المرأة حقوقها واجب - وأنا على عكس هذا ~~الرأي - ولكن حججهم واهية لا تستند إلى العقل، ولا على أساس ~~من المنطق. # ولما كتبت لك راجيا أن تجيبني وتسعفني برأيك بناء على ما ~~أعهده فيك من سعة الاطلاع في اللغة والأدب والاجتماع، كان أسفي ~~شديدا عندما لم أتلق منك جوابا يطفي ظمأ روحي. # أرجو أن تعطف هذه المرة وتحقق الوطر المنشود؛ لأني في أشد ~~الحاجة إلى رأيك ومعونتك وعطفك. والسلام. # من المخلص س. م. # تعذرني يا أخي سامي إذا تأخر جوابي ~~كثيرا، قاتل الله السهو! توارت رسالتك عن وجهي بين أوراقي الكثيرة، ~~وأمس وقعت في يدي بينا كنت أفرز أوراق هذا العام. وقبل وبعد فما أنا ~~بالحكم الذي يفصل في هذه القضية. # كان من النساء ملكات ونبيات فيما مضى، وكم من امرأة بزت الرجال ~~في ميادين الأعمال! إلا أنني أخشى على مملكتها أن تخرب بعد نوالها ~~حقوقها كاملة غير منقوصة، ولكن خوفي يقل لأن ليس كل امرأة تنصرف ~~إلى ميادين الأعمال، فشأنها في هذا شأن الرجال، فهل كل الرجال ~~سياسيون؟ # أما إذا كانت كل امرأة تطلق البيت بتاتا؛ لأنها نالت حقوقها ~~السياسية، فلا يبعد أن تطالبنا المرأة يوما بالحضانة؛ فيصير الذكر من ~~الرجال كالذكر من الأسماك والضفادع الذي يحضن البيض حتى يفقس، أو على ~~الأقل مثل ms70 ذكر النعام «الذاب عن فراخه ينفي عنها المدر، ويباعد عنها ~~الحجر، ويكنها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من ~~الذباب.» # إن السياسة تلهي عن كل شيء حتى الأمومة. وأرى أن تظل التي تتبع ~~السياسة بلا رجل ولا أولاد؛ لئلا يحتاج البيت إلى قاضي صلح يعقد ~~جلساته فيه ولا يرفعها أبدا. # لا أبحث قضية إعطائها حقوقها، فقد أخذتها اسما، أما فعلا فهذا ما ~~ستحققه الأيام. # أما أنت فلا تيأس من رحمه الله، ولا تخف من المستقبل، فالمرأة مرأة ~~ولو ملكة. # إن الطبيعة حريصة على بقاء النوع، وسنتها لا تتغير بتغير الأنظمة ~~الاجتماعية. # | سؤال وجواب (2) # من هو الأديب العربي الذي ترشحه لجائزة نوبل؟ ~~• # كأني بجائزة نوبل تمشي على ~~خطى المعلقات، لاحظ تر أن القبيلة العزيزة والأكثر عددا لها ~~أكثر من معلقة، والقليلة العديد لا تمثل في ديوان العرب. # فالمعلقات مصنفة بحسب العصبية والغرض والميل، فالبصرة قدمت ~~امرأ القيس؛ لأنها يمنية ربعية، والكوفة قدمت الأعشى، وأهل البادية ~~قدموا النابغة وزهير ابن أبي سلمى؛ لأنه مواطن لهما. أما أنا وغيري ~~فماذا ينفع ترشيحنا؟ فجائزة نوبل ليست مسألة أدبية فقط، بل سياسية ~~أيضا. وإننا لفي انتظار القومية العربية حتى يفوز أحد الكاتبين بالضاد ~~بجائزة نوبل، وإذ ذاك يقرره من يقرره. # هل الدولة اللبنانية مقصرة بحق الأدباء؟ وكيف تكون منصفة؟ ~~• # هذا سؤال جوابه عندكم، فكيف ~~ترى؟ جاوب نفسك. # من هو الأديب العربي الذي يعجبك؟ ~~• # أدباء كثيرون يعجبونني، وفي ~~طليعتهم الجاحظ وأحمد فارس الشدياق. # ومن هو العربي؟ ~~• # العربي عندي هو كل من ~~ولد من أبوين ناطقين بالضاد، وعند غيري هو الذي تمتد جذور أصله إلى ما ~~قبل الهجرة. وهذا التأصيل المغالى فيه هو الذي فرقنا. تصير ~~أمريكيا بعد إقامتك في ذلك القطر خمس سنوات، ولا تصير عربيا بعد ~~خمسة قرون، وهكذا كتبنا الفرقة على شعبنا؛ فالناطق بالعربية من عهد جد ~~جد جد جده يظل غير عربي عند بعضهم. # هل تقرأ للأدباء الشباب؟ وما رأيك فيهم؟ ~~• # أقرأ كل ما يتفضلون به ~~علي من كتبهم، وإني لأرجو كل الخير ms71 على أيديهم. إن بينهم ذوي مواهب، ~~والغد للمجتهد منهم، فالعبقرية موهبة. # كيف كان يقضي الأدباء ساعات فراغهم أيام زمان؟ ~~• # إذا قلت لي كيف كان يقضي ~~آدم وحواء أوقات فراغهما في الجنة؟ قلت لك أنا كيف كنا نقضي ساعات ~~فراغنا. إننا لم نترك الفرصة تفوتنا، والحياة تتطور، ولكنها لا ~~تتبدل. # أول موضوع أدبي كتبته، ماذا كان ثمنه؟ ~~• # كان ثمنه تحية حارة بعصا ~~جدي السنديانية، وقد ذكرت ذلك في كتابي «أحاديث القرية». # لماذا لا تنظم قصائد في الوقت الحاضر؟ ~~• # كما تأكل خلايا الجسم ~~بعضها، كذلك أكل مارون عبود الناثر مارون عبود الشاعر. وقبل ~~وبعد، فللشعر سن الشباب، ولغيره من ألوان الكلام بقية العمر، وأنا ~~قد قمت بما أقدر عليه في الصناعتين. # | بريدي # عزيزي أ. خوري. زحله . # لقد أحالك الصياد علي، وها أنا ذا أجيبك: أسفت جدا لنكبتك، ~~ثم عزاني مثلنا اللبناني: بالرزق ولا بصحابه. # وبعد، أظننت - يا أخي - أنني متمسك بأذيال مار مارون طائفيا ~~حتى كتبت ما كتبت حول دستور استقلال الموارنة الديني؟ # أنا - يا عزيزي - لا أرى في مار مارون ومار يوحنا مارون غير زعيمين ~~قوميين ناضلا كغيرهما تحت علم الله؛ لأن الناس كانوا على ذلك في ~~أيامهما. # أما والدي فلم يسمني مارون - مارون ممنوع من الصرف - حتى لا ~~يمكنني الهرب من مارونيتي كما قلت؛ فوالدي أولا: لم يكن نبيا ولا ~~عرافا لكي يدري ما سيكون ابنه ويقوم عليه ويسد الطريق. # وثانيا: كانت التسمية في بيتنا من خصائص جدي، فعلى والدي أن ~~يخلف، وعلى جدي أن يسمي. كانت طريقة جدي في التسمية طائفية ~~بحتة؛ فكلما رزق والدي ابنا أو بنتا كان يطلق علينا حين يعمدنا ~~اسم قديس ذلك اليوم، فسمى مارون وأيوب ودانيال وبرلام وصليبا. ~~ولدت أنا يوم عيد مار مارون الذي يرتل الموارنة فيه: مار مارون فخر ~~سوريا. سماني جدي مارون، فسميت أنا بدوري أحد أولادي محمدا في ~~بلد زادت أسماء الأبناء تعصبا وتفريقا، ناهيك أنني أعتقد - من كل ~~قلبي وفكري - برسالة محمد، وأقدس شخصيته المثلى ومبادئه وأخلاقه ~~الفاضلة. كنت ms72 أظن أن سيشايعني الكثيرون، فكان الأمر بخلاف ما ظننت، ~~وأنا غير آسف على شيء. يسرني أن أرى شبح الطائفية وتقاليدها البالية ~~يتلاشى كما تلاشى شبح صموئيل أمام عيني شاول وعرافة عين دور. # | مارون عبود # منذ سنوات وأنا أحمل على كتفي أثقال هذا الاسم، ومنذ سنوات وأنا ~~ساكت. # اليوم، نعم في هذا اليوم، تناولت رسالة من ظريف لطيف يقول لي: # قرأت في جريدة الحياة، العدد 2597، تاريخ 22 / 10، الصفحة 8، ~~ما يل: # إميل مارون عبود رسام له من العمر 25 عاما، درس ~~أصول الفن في الأرجنتين مدة ثلاث سنوات، وكانت باكورة ~~إنتاجه لوحة زيتية للرئيسة إيفا بيرون في إطار أبرز ~~فيه بعض مناظر لبنان إلخ ... إنني أهنئك بهذا الشاب، كما ~~تعجبت في الوقت نفسه من عدم معرفتي له، وقلت : كيف ~~خبأ عنا صاحبنا مارون هذا الولد؟ أنا أعرف أولادك ~~الصبيان ثلاثتهم، ولا علم لي أن لك ولدا بهذا ~~الاسم، وفي الأرجنتين؛ فهل أنت متزوج أكثر من ~~مرة؟ # وفي المكتوب كثير من المداعبة الخفيفة، ولكنها لا تناسب لأذكرها كلها ~~... # أما الجواب عن السؤال الأخير الذي وجهه إلى صاحبي: فهو أنني ~~تزوجت مرة واحدة غير كاملة، فلي ربع قرن وأنا مخالف المثل القائل: ~~«أعزب دهر ولا أرمل شهر.» وإني أرجو صديقتي جريدة «الحياة» أن تصحح ~~هذا الخطأ، أو تجلو هذا الصواب، فأنا أفتخر بأن يعزى إلي ولد ~~نابغة في الرسم؛ لأني أحب التصوير، والشهود جدران بيتي. # هذا حساب إميل مارون عبود صفيناه الآن، كما صفينا منذ أسبوع ~~واحد حساب السيد مارون نصر من كفر شيما. # كتب إلي بتاريخ 20 / 10 / 1954م ما يلي: # أستاذي # تحية واحتراما وبعد، فإنني أشكر القدر الذي جعلني أكتب ~~إلى أديب كبير نظيركم، أنا مارون نصر شاعر أغنية، أنظم ~~الشعر الغنائي للمطربين والمطربات. وقد سجل لي أحدهم في ~~الإذاعة السورية أخيرا ثلاث مقطوعات من تأليفي، كان نصيبي ~~منها مبلغ إحدى وأربعين ليرة و85 غرشا، ولما حضرت ~~البارحة إلى الإذاعة السورية لاستلام المبلغ قيل لي: إنهم ~~أرسلوه إلى الإذاعة اللبنانية ضمن رسالة ms73 كتب عليها خطأ السيد ~~مارون عبود، وقد رأيت الرسالة اليوم في الإذاعة اللبنانية، ~~فأوعزت إلى ساعي البريد أن يرسلها إليكم إلى عالية، بعد أن ~~حصلت على عنوانكم، وسأحضر في هذين اليومين لاستلامها من حضرتكم ~~... إلخ. # وحضر السيد مارون نصر واستلم الرسالة من سميه مارون «الترانزيت» ~~... # وفي هذين اليومين حضر موزع البريد ومعه مكتوب مسجل ظنه لي، ~~فأرشدته إلى طريق الصواب. # ومنذ سنوات، كتبت إحدى الصحف أنني كنت من المدعوين مع زوجتي إلى ~~العشاء في القصر، فظن أحدهم أنني تزوجت حديثا، فكتب إلي ~~يهنئني، فبعثت إليه ببطاقة كتبت عليها: إذا لم يكن «صحيح» ففأل ~~مليح. # ومرات عديدة تلقيت رسائل معنونة باسمي، منها ما عرفت أصحابها فبعثت ~~بها إليهم، ومنها ما لم أهتد إلى أصحابها فرميتها في ~~السلة. # والخبر الأعظم الأخير هو هذا: منذ سنتين (تقريبا)، ألصق على جدران ~~بيروت نعي مارون عبود، فقرأه الصديق الأستاذ يوسف يزبك، فأسف للخسارة ~~الفادحة، وراح يعزي كل من رآه في طريقه من معارفي إلى أن التقى ~~بعد قليل صديقي الشيخ فؤاد حبيش، وزف إليه الخبر الأسود؛ فتعجب ~~الشيخ كيف أموت ولا يعرف، أو ولا أخبره - كما عبر هو حين وصف لي ~~كيف تلقى نعيي. # وفي مساء يوم دفن مارون عبود، دخل ابن رفيقي في الصف الدكتور يوسف ~~سلامة على أبيه وقال له: صاحبك مارون عبود مات، فوجم الدكتور، وطلب أن ~~يطلع على الجريدة التي قرأ فيها ابنه النبأ المشئوم، ولما عاينها ~~قال له: لا يا بني؛ هذا غيره. # ولكن الرفيق الصديق جاء خصيصا إلى عالية حتى رآني، فاجتمعنا بعد ~~خمسين عاما إلا ... بفضل هذا الاسم الذي لا ينقطع عني سيل ~~مشاكله. # وعلى أثر إذاعة نبأ موتي، كتب إلي أحدهم من العراق يسأل عن صحة ~~الخبر، فأجبته: الخبر صحيح، ولكنه سابق لأوانه! أبعد الله تلك الساعة ~~وأراحني من السهو. ms74