######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.QablaInfijarBurkan.Hindawi83913828 #META# Tags: literature #META# ID: 83913828 #META# Title: قبل انفجار البركان #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة‏ # من تقويم الحياة‏ # لكل حادث حديث‏ # الزبيبة والعود‏ # غرائب وعجائب‏ # كلمة‏ # من تقويم الحياة‏ # لكل حادث حديث‏ # الزبيبة والعود‏ # غرائب وعجائب‏ # | قبل انفجار البركان # | قبل انفجار البركان # تأليف # مارون عبود # المؤلف (1886-1962). # | كلمة # هذه فصول كتبت في عام 1956 وبعض عام 1957، وطبعت اليوم كما نشرت في حينها. فإن أعجبتك ففي ~~وسعك أن تقتنيها، وإلا فدعها لصاحبها وأبق قرشك في عبك. إننا لم نقل هنا غير ما نعتقد، ~~وإننا لم نحاب ولا نحابي ولن نحابي أحدا، لا في نقدنا الأدبي ولا الاجتماعي. قد ~~خسرتنا صراحتنا هذه صداقات كثيرة، ولكن الصداقة تزول، أما الحقيقة فتبقى إلى ~~الأبد. # | من تقويم الحياة # (1) على هامش الواقع # أنا أحب الترفيه عن قارئي العزيز، وقد ألزمت نفسي ما ليس يلزمها حين تجندت لخدمة ~~جنابه، فصرت أشبه بالطاهي الذي يفكر دائما في أن يعد أشهى الطعام وأدسمه، وهو يتوقع ~~أن يسمع الاستحسان ممن يطبخ لهم، فيتشجع ويتمادى، أو الاستهجان، فيفتش عن طبخة غيرها. ~~وأنا حبا بالتغيير على الضرس خطر لي، بعد التفكير، أن أنوع اللائحة، فيختار من ~~يشرفنا من الزبائن ما تشتهي نفسه. فالمثل العامي الفصيح يقول: كل ما تشتهي نفسك، والبس ~~ما يعجب الناس. # سوف أنتظر رأي قارئي العزيز فيما يعده مطبخي، فإن أعجبه الطعام أعددت له مثله مرة ~~في الشهر، وما الغاية إلا فتح القابلية، فالكلام كالطعام، إذا أكلته وأنت تشتهيه صح ~~بدنك عليه، وطابت نفسك، وإلا فإنه يسبب لك تلبك معدة، يضطرك إلى ما أنت في غنى عن ~~طعمه ... # وقد سميت هذا الرستوران «من تقويم الحياة»، فحين تقع عينكم على اللافتة، أيها القراء ~~الأعزاء، ميلوا إلى مطعمنا، واعلموا، منذ الآن، أن الأمر شورى بيننا، فلكم أن تقترحوا ~~وعلينا أن نكون حاضرين غب الطلب. فهذا المطعم شركة مساهمة مغفلة، مركزها الرئيسي في ~~الحازمية على رمية حجر من العصفورية ... وقد جعلنا الحجر مقياسا ليتلاءم مع الساكنين في ~~تلك المنطقة. # أما كلمة «تقويم الحياة» فأظن أنكم فهمتم معناها، ولا ريب أنكم تذكرتم تقويم البلدان ~~وتقويم البشير، ولكن، ms01 لا تنسوا أن لها معنى آخر، وهو تقويم المائل والمعوج، وربما كان ~~هذا المعنى الأخير هو المقصود، فنسأل الله أن لا نحتاج إلى من يقول لنا ما قيل للإمام ~~العادل عمر بن الخطاب: لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناك بحد السيف يا عمر! # إن حياتنا في حاجة إلى التقويم بالمعنيين، وعسى أن لا ندون في تقويم الحياة إلا ما ~~يصلح حياتنا. ~~(2) ابتسامات وأنخاب # إن علفة هذا الشهر معدة من «حواضر البيت»، بينا ترد علينا المؤن، الموصى عليها، ~~والمعلن عنها. كتب إلي واحد يقول: ألا تزعجك هذه الابتسامات التي تذيع صورها الصحف ~~اليومية والأسبوعية، وما معناها عندك؟ ~~- إنها كالأكل فوق الشبع، العدد الأكبر منها متكلف، وكل ما لا يأتي عفو الطبع يكون ~~حلوا حامضا أي مزا. # ولما صار ود الناس خبا # جزيت على ابتسام بابتسام # هكذا قال المتنبي، وهذه الابتسامات التي تسألني عنها، لا هي ضحكة ولا ابتسامة، ~~فلنسمها ابتسامة متنبئية منذ اليوم. إنها فاترة وأردأ الطعام ما كان فاترا. إنها من ~~لون سام أبرص «أبو بريص»، فلو علم أصحابها كم من خنجر تطعن به هذه الصور قلب الشعب ~~البائس، لاستغنوا عنها وعن إذاعة صورتها. إنهم يسلون منها خناجر يطعنون بها قلوب ~~المساكين. ولو علم الذين يحشدون كل قوى بيوتهم وقوى المدينة على طاولاتهم، حتى تبدو ~~كظهر السلحفاة، كما يقول ولي الدين، إنهم يثيرون حقدا كامنا، لخففوا من هذا الظهور ~~الذي يدل على الأوادم الطازة كما قال شاكر الخوري. # الابتسامات تكذب، أما الدموع فصادقة. لا أدري نخب من يشرب هؤلاء السادة! إن أحقر فلاح ~~في أحقر قرية يقول لك على ذكرها: سياسة ... وهم يعنون أن أصحابها كاذبون يضمرون غير ما ~~يظهرون. إن الشعب المحروم يثور حين يرى هذه المشاهد السينمائية، الناطقة بلا قلب ولا ~~عاطفة! ... # عجل # قال لي واحد: إنه يرجو أن يصح له حلم؛ لأن في الحكومة الجديدة من يرجو له ~~الخير. # فأجبته: اسمع يا صاحبي هذه الحكاية: ألحت سيدة على زوجها في شراء قبعة حديثة ~~الطراز، وكان عندها برانيط على ms02 عدد أيام الشهر، فرافقها إلى مخازن الطرائف، وهناك - ~~كعادة كل سيدة - راحت تساوم وتنتقد: هذه برنيطة لونها باهت، وهذه لونها غامق، هذي ~~مقورة وهذي مدورة، وهذه مستطيلة لا تنسجم مع وجهي. # وكان صاحب المخزن يساندها من هنا ومن هناك؛ تسهيلا لمجاري البيع والاستفتاح. وأخيرا ~~قررا استفتاء المرآة، فوقفت الست أمامها وراحت تستعرض مواقف البرنيطة كأنها مصور شمسي ~~يراقب الوضع الأحسن. وبعد الاستفتاء لم يفتح الله عليها بشيء. وأخيرا دخلت سيدة ذاك ~~المخزن فاستشارتها، وظلتا في أخذ ورد حتى ضاق صدر الزوج وتبرم. ولحظت السيدة ذلك، ~~فاستخارت الله واشترت واحدة ومضيا. # وفي الطريق التقت ستنا الجميلة بصديقة لها، ودار بينهما البحث في تاريخ شراء ~~البرنيطة، ووقف الزوج يتعصر، سائلا الله النجاة من هذا المضيق. فالتفتت نحوه زوجته ~~وقالت له: طول بالك! لا تتأفف! # فقال الرجل: عجلي يا مره! حتى نصل إلى البيت قبل أن تبطل الموضة، فاليوم تعبنا وما ~~عادت سيقاننا تحملنا لنرجع نشتري غيرها! # وأنت يا صاحبي، عجل بقضاء حاجتك قبل أن تتغير الوزارة. # فقال: وكم تظن عمرها يطول؟ # فأجبته: عندما استبد الأتراك بالدولة العباسية وصاروا يخلعون خليفة، ويقتلون آخر ~~تساءل الناس: كم يعيش هذا الخليفة؟ # فأجابهم واحد: قدر ما يريد الأتراك! # وأنا أقول لك: لم يسموها لعبة برلمانية عن عبث، فالكشاتبين كثيرة. # صورة ستالين # وسألني أحدهم: ما قولتك بمصير ستالين؟ # قلت: لقد مر علي في تقويم الحياة حوادث جمة من هذا النوع أذكر لك منها حادثة واحدة: ~~سقوط السلطان عبد الحميد؛ وهي أعظم أحداث القرن العشرين. # كنا في أيام دولة البادشاه نقول، قبل أن نذكر اسمه: ولي نعمتنا بلا امتنان، وظل الله ~~على الأرض. ولما هوى العرش العثماني الذي ظل راسخا شامخا زهاء ستماية سنة، قال في ~~سلطانه، الشاعر حافظ إبراهيم: # مشبع الحوت من لحوم البرايا # ومجيع الجنود تحت البنود # أما ستالين؛ فهو مرجف الدول العظمى، وقاهر هتلر. شاء رجل ألمانيا أن يكتب اسمه أدولف ~~هتلر في تاريخنا المعاصر، فكتب القدر اسم يوسف ستالين ... ستالين الذي كان فعالا لا ms03 ~~قوالا، لا تصح محاربته ميتا. كان الأجدر، وهو من نسبت إليه جرائم تقشعر لها ~~الأبدان، أن يخنق في سريره. ترى ألم تنجب روسيا واحدا يضع روحه على كفه ويقتل هذا ~~الطاغية؟! ... # ويلي على الناس، وويلي من الناس ... كنا في مدرسة مار يوحنا مارون نقف مصطفين بعد نهاية ~~درس الليل؛ لنقضي حاجتنا قبل النوم، وكانت الأماكن المعدة لقضاء ذلك الغرض في كعب غابة ~~سنديان قائمة على كتف المدرسة، وبينا نحن آمنون إذا بابن آوى يخترق صفنا، فصرخنا: ديب، ~~ديب! ثم اختلط الحابل بالنابل، وكان أكبرنا طالب اسمه شديد سمعان فاشتدت عزيمته وكان ~~أول الهاربين. # ولما أفرخ روعنا وهدأت أعصابنا إذا بصاحبنا شديد يخرج من مخبئه عارضا عصا غليظة وهو ~~يقول: وأين راح الديب؟! # ماذا تنفع تهيئة القضيب بعد ما راح الديب؟! أناس كثيرون أعيدت محاكمتهم بعد الموت ~~وردت إليهم كرامتهم، فهل حاكموا ستالين ميتا قبل إنزال صورته؟ # لا تحاول # كتب إلي واحد يشتهي أن يكون أديبا لامعا، وبعد السلام والكلام كما يقولون، قال: ~~أسلوب من تشير علي أن أتبع؟ ومن تنصحني أن أطالع حتى يرسخ أسلوبه في رأسي؟ ~~إلخ. ~~- اسمع يا حبيبي، تأمل الناس، فهل رأيت رجلا مثل رجل؟ أنا أجهل عدد سكان الكرة ~~الأرضية لأذكر لك الرقم، وأقول: انظر إذا قدرت إلى كل فرد من هذه البلايين. افتح عينيك ~~جيدا وتأمل وجوههم جميعا، ثم قل لي إذا كنت ترى بينهم واحدا يشبهك تماما حتى لا ~~تعرف إذا كان هو إياك، أو كنت أنت إياه. # لا تظن أن هذا التشابه منقطع في البشر وحدهم، لا؛ فقد سألت المعازة: من أين تعرفون ~~الرأس المتخلف عن القطيع؟ # فأجابني واحد منهم: مما تعرف به أنت تلاميذك. # فقلت: للبشر علامات فارقة. # فقال: وكذلك للمعزى وغيرها من البهائم. # فإذا كان الوجه لا يتشابه، والخط لا يتشابه، وبصمة الإصبع لا تتشابه، فكيف تريد أنت - ~~هداك الله - أن تقلد كاتبا آخر؟! # قرأت في كتاب ديل كارنيجي، نقلا عن كتاب «أنت والوراثة» لعالم شهير: أنه لو كان لك ~~ثلاثماية ms04 بليون أخ وأخت لكانوا جميعا مختلفين عنك، مناقضين لك. فتأمل. # لقد كنت ضائعا مثلك، وبقيت ضائعا ثمانية وأربعين سنة وما وجدت ذاتي إلا حين مشيت ~~على سجيتي. وإذا كنت لا تصدقني فارجع إلى كتبي المطبوعة قبل سنة 1934 تجد أنني كنت ~~أفرفر كالطير العالق بالشبكة. حاولت أن أقلد أديب إسحاق ونجيب الحداد، ثم جبران فما ~~وفقت أبدا. لا يعني هذا أنني استوليت على الأمد اليوم، ولكن أعني أنني وجدت نفسي، فإن ~~كانت بشعة فهي لي وحدي، وإن كانت جميلة فالجمال مشاع. # أنت ناشئ، فاقرأ كل الكتاب والشعراء، ثم انطلق على سجيتك، فإن كان لك شخصية تظهر ~~لك، أما إذا ظللت تحاول أن تكون مثل فلان الذي قلت إنه يعجبك، فأنت لا تنجح في ~~حياتك. # قال أصحابنا القدماء: إن أسلوب ابن المقفع هو السهل الممتنع، وأنا أقول لك: إن كل ~~أسلوب ممتنع، سواء أسهلا كان أم صعبا. ولم يخطئ القائل: الإنشاء هو الرجل، فكن ذاتك ~~ولا تقلد أحدا. لا تحاول فإنك مخفق دون ريب. # تأمل مقلدي الأوراق النقدية، هل التبس الزائف منها على الناس! كذلك محاولتك أنت، فإنك ~~تظل زائفا حتى تقع على ذاتك. # | لكل حادث حديث # (1) الحيوان الباكي # عندما كنت فتى، سمعت حكاية الحيوان الباكي. سردها كاهن من على منبر كنيسته، وفحواها ~~أن بين الوحوش حيوانا مفترسا، يبكي حين يفرغ من التهام فريسته. يفترش الأرض ويأخذ ~~جمجمة الضحية ويقعد يبكي عليها. # قال الكاهن: أعرفتم لماذا بكى يا إخوتي؟ لم يبك رحمة ولا توبة؛ بكى لأنه لم يبق له ~~منها شيء يأكله! وهذا هو معنى قولكم: دموع التمساح. # إن منا - نحن البشر - تماسيح كثيرة، تماسيح أعوذ بالله من شرها. الحيوانات الضارية ~~تأخذ الأرواح «بالمفرق» وأخونا الإنسان، بعدما تمدن وتثقف، صار تاجر جملة. الحيوان يعمل ~~بقول المسيح لنا: أعطنا خبزنا كفاف يومنا، أما الإنسان الذي يدعي أنه مؤمن بتعاليمه ~~فيحسب حساب الدهور والأجيال ولا يرضى أن يهتم بما للغير فقط. الإنسان يدخر أما الحيوان ~~فلا يهتم، وهو عائش ونحن عائشون! ... # سمعت هذه ms05 الكلمات من كاهن ساذج عندما نشبت الحرب العالمية الأولى، ولما انقضى دور ~~التدمير وجاء دور التعمير تذكرت حكاية ذاك الخوري، وقلت: ها هو التمساح يبكي. إنه ~~يعمر ليجد في الغد ما يدمر. # ولما وقع الاعتداء على مصر قلت في نفسي: اليوم خمر وغدا أمر. اليوم يهدمون وغدا ~~يبنون. غدا يتسابقون إلى التعمير؛ حبا بالإنسانية، فيصح فيهم القول: ليتك لم تزني ~~ولم تتصدقي. # إن الطبيعة الحمقاء تدمر ولا تعمر؛ لأنها لا تعرف الرياء، أما الإنسان، الإنسان ~~الكافر؛ فقد وضع لاعتداءاته شرعة ضحك منها الشاعر، حين صور ما نحن فيه بالذات ~~فقال: # قتل امرئ في غابة # جريمة لا تغتفر # وقتل شعب آمن # مسألة فيها نظر # الحمد لله أن التعاليم السامية لم تفلس، وبقي في العالم أناس لهم ضمير فشجبوا ~~الاعتداء المجرم على مصر. قد يقولون هم: هذا التخريب والتدمير بسيط أمره. وأنا أجيب: ~~نعم، ولكن إذا أعدنا بناء البلدان فهل في الإمكان إعادة بنيان الإنسان الذي هدمناه! ~~فماذا ينفعه أن ننصب له تذكارا في ساحاتنا نمجده به؟! # إن جرح المجاهد فم يصيح: لا خوف على الضعيف صاحب الحق. وكم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله. # مصر وإنكلترة وفرنسا # يقول المثل: غلطة الشاطر بألف غلطة. إذا كان الفرنسي يهب مثل البارود ولا يعد ~~العشرة، فعهدنا بالإنكليزي يعد الألوف قبل أن يقدم على عمل، فما باله اليوم يزج بنفسه ~~في هذا المضيق؟ # إذا كانت البوير قد قضي عليها وعلى ذهبها منذ نصف قرن، ولم ينصرها أحد، فالعالم كله ~~يقف إلى جانب مصر؛ ليدافع عن مياه النيل. نعم عن الماء لا عن الذهب، ومن الماء خلقنا كل ~~شيء حي. # إن العالم اليوم مرتبط ارتباطا وثيقا، والمرء كثير بأخيه. أفما كان على المستر إيدن ~~أن يدخل هذا في حسابه؟ إن من يقاتل اليوم لا يقاتل دولة واحدة، أفما على من يقاتل أن ~~يكون أهل بيته معه على الأقل ولا يكونوا عليه؛ إنها غلطة كبيرة يا سر إيدن. # إن غارتك المشئومة التي شننتها على شعب ms06 آمن كانت شؤما على الدولة التي كان الناس ~~يحسبون حسابا لدهائها. # نعم خربت يا سيدي، ولكن المفروض فيمن يمثل دولة عريقة مثلك أن يكون يقصد البناء لا ~~الهدم، فيا حيف! وعلى كل لم يخل الأمر من بناء فنشكركم يا سادة؛ لأنكم حققتم حلمنا ~~ووحدتمونا وهذا كاف. إنها خدمة لا تثمن. # الشعب المصري قاوم منذ قرن ونصف جيوش نابليون بالعصي والنبابيت، ثم خرجت فرنسا من ~~وادي النيل. ساعد على إخراجها إنكلترة ولكن لتحل محلها، وها هو التاريخ يعيد نفسه. وها ~~هو الحق اليوم يخرج الاثنين معا وإلى غير رجعة. # ذهب الكل ولم يبق في الكنانة إلا سهمها المراش جمال عبد الناصر، الجندي العصامي الذي ~~وحد أمة كانت من الأمس البعيد إمبراطورية لا تغرب الشمس على ملكها، ناهيك أن الضمير ~~مستيقظ فلا يترك القوي يسبح في بحر طغيانه. # عفوك يا جمال، فأنت القوي بإيمانك، بقومك وبحق وطنك، بالسيادة والاستقلال. أنت عبد ~~الناصر والله لا يخذل عبده، والنصر من عنده يؤتيه من يشاء، ومن أحرى به من ~~عبده؟ # أيتها القناة السمراء، لقد زدت عن القناة فكنت قناة لا تلين. # عندما لا أكيل لخصومك الشتائم ولا أحتقرهم أكون قد عظمتك، فأنت لم تحارب أنذالا بل ~~جبابرة عالميين، فقهرتهم وأعدتهم على أعقابهم خاسرين. أما القنافذ الذين يهدجون حول ~~البيت فلهم ساعتهم إن شاء الله. # يا سيدي عبد الناصر لقد كنا معا في الأمس، وكان لنا في مالطة أسد لبناني. مات في ~~غربته ولم يجد ناصرا، ولكن بلاده لم تمت، ولن يموت بلد يشتري استقلاله بدماء بنيه، أما ~~هكذا فعلت مصر اليوم؟ # إن الأمة بقائدها، فبورك فيك يا جمال. # إن الذي قضى على استقلالنا حقبة قضى على بلادكم ولم يخرج منها إلا أمس، ولما حاول ~~العودة وجد القوة العالمية بالمرصاد، وقالت له: ارجع؛ فاليوم غير الأمس. # هيئة الأمم المتحدة # يظهر أن العدالة الاجتماعية لا يحققها إلا القوة، والإنسان لا يخاف إلا على جلده، ~~فمهما تمدنا وتثقفنا فلا بد لنا من قوة تخيفنا. إننا نظل في هذه ms07 الدنيا أطفالا لا ~~يخيفنا إلا القضيب، فلا بد من هزة لنا دائما، حتى لا تمتد أيدينا إلى أكثر من حقنا. ~~فلو لم يستيقظ الضمير العالمي، ويهدد الباغي، لكنا ذقنا طعم حرب لم ننس بعد طعم أختيها ~~المرتين. أجل لم يحل دونها النصح والإرشاد والمناشدة بالمثل العليا. إنها القوة الروسية ~~الأميركية التي حالت دون الكارثة العظمى، والحمد لله على كل حال. # ما دام القب على العاتق في الميزان الدولي فلا بد من أن يستقر السلام، والتسلح من ~~جانبين يوقف الحروب أو يطيل أمد وقوعها؛ حتى تتنفس البشرية الصعداء. # قال كليمنصو عندما سئل عن تنفيذ المعاهدات: لأجل تنفيذ كل مادة من مواد المعاهدات لا ~~بد من قوة، يجب أن يكون لدى الدولة، صاحبة الحق، قبالة كل كلمة دارعة، وقبالة كل مادة ~~أسطول. # أما اليوم، فالأحرى أن يقال: يجب أن يكون عندنا قنابل ذرية وهيدروجينية. # وهيئة الأمم المتحدة كانت هيئة قبل أن تحركت القوتان العالميتان، ولو ظلت هاتان ~~القوتان تهزان قضيب العز ولا تضربان به، فنحن بألف خير. فالقتل أنفى للقتل ... # لا يعرف مثلي طعم الحرب العالمية إلا من ذاق مثلي طعم الحرب العالمية الأولى؛ فقد أكل ~~الناس جيف الحمير والجراذين. كنت أراهم حول روث خيل العساكر يفتشون عن حبوب شعير غير ~~مهضومة، ولماذا لا أقول إن الناس أكلوا بعضهم، فهناك جدة ذبحت حفيدها وقددته؛ لتأكل ~~لحمه حين الحاجة. أما الخبز، الذي يحيا به الإنسان، فقل من ظفروا به، ولذلك كنا ندفن ~~الموتى يوميا، وأخيرا رخص الموت فصار لا يذهب إلا كل ذي مروءة. فإذا رأينا الناس ~~كقطيع غنم مذعور، يفتشون عن ضرورياتهم، فهم معذورون؛ لأنهم إن لم يكونوا؛ فقد ~~سمعوا. # فتلك الحرب المشئومة لم يقصر عمرها إلا أميركا. اعتزلتها سنتين، ولما نزلت إلى الساحة ~~قصرت عمرها، فبقيت منا بقية. # أيزنهاور وستيفنسون # فاز أيزنهاور بالرئاسة التي لا تضاهيها رئاسة عالمية، بعد معركة حامية الوطيس كما ~~نعبر، فتوجه إلى ناخبيه، بقوله: # إن الأكثرية التي حصلت عليها لا يمكن أن تكون للشخص بحد ذاته، بل ms08 هي للمبادئ ~~والمثل العليا التي يمثلها هذا الشخص وأعوانه. إن الشيء الوحيد الذي يمكنني ~~قوله لجميع الأميركيين الذين أرجعونا إلى مراكزنا ومسئوليتنا: إننا نتعهد بأننا ~~لا نقوم بأي عمل يخيب آمالهم فينا. # يا أصدقائي: # أعدكم أنني بكل ما أعطاني الله العظيم من مقدرة وبكل ما خلع علي من قوة، ~~سأستمر في عمل شيء واحد، وهو العمل من أجل المائة والستين مليون أميركي هنا في ~~أميركا، ومن أجل السلام في العالم. # صدق أيزنهاور فيما قال، وسيحقق ما وعد به؛ لأن لديه قوة تصون السلام وتحفظه؛ فهذا ~~الرجل يستحق لقب حامي السلام. فهو الذي أنعش الضمير الإنساني العالمي بعدما يئسنا من ~~حياته. والذي أعتقده أن محبة أيزنهاور للسلام كانت أقوى حزب صوت له. ومن ينظر إلى ~~رسمه يرى السلامة مطبوعة على جبينه، أطال الله عمره ذخرا للإنسانية؛ فهو أثمن الكنوز ~~الإنسانية. # لم ننته بعد؛ فقد قرظنا الفائز ومجدناه، فلا بد لنا من الثناء الصادق على الفاشل، ~~وعلى ستيفنسون الذي وجه كلمة حق إلى الرئيس أيزنهاور جاء فيها: # لقد فزت لا في المعركة الانتخابية وحدها ولكن بثقة الرأي العام الأميركي، ~~وإنني أهنئك من كل قلبي، وإننا اعتبارا من اليوم لم نعد جمهوريين ولا ~~ديمقراطيين ولكننا جميعا، رعايا الولايات المتحدة. إننا ندرك تماما الصعوبات ~~التي تواجهها حكومتك ولهذا فإننا وراءك؛ لكي نعمل جميعا على خدمة ~~البلاد. # أجل، كما قال ستيفنسون وزيادة، فأيزنهاور كان مرشح كل محب للسلم في المسكونة؛ فهو لم ~~يفز بثقة الرأي العام الأميركي وحده بل بثقة كل بشري منزه عن المطامع التافهة، ~~ولهذا فاز فوزا مبينا، ولم يبق إلا أن نتمنى أن يكذب الطبيب ويعيش هذا الرجل الصالح. ~~فحياته حياة السلم العالمي. # هذا هو تعليقنا على الشق الأول، أما الشق الثاني فلا بد من إطالة التعليق عليه؛ ~~ليكون درسا لخدام الأمة الكبار. # في أميركا تعطى النيابة من الشعوب هدية للعاملين المخلصين، وهم لا يعمدونها معمودية ~~الدم مثلنا. إن معمودية الماء والروح كثيرة عليها، ولذلك ينتهي كل شيء بنهاية تصويت ~~مائة وستين ms09 مليونا، وتعرف كل عنزة قطيعها. # ما أحلاها كلمة قالها ستيفنسون: «إننا ندرك تماما الصعوبات التي تواجهها حكومتك، ~~ولهذا فإننا وراءك لكي نعمل جميعا على خدمة البلاد.» # حالا وسريعا أعلن ستيفنسون أنه يؤيد الرئيس الذي فاز، وأنه لم يعد هناك لا ~~ديمقراطي، ولا جمهوري؛ بل رعايا الولايات المتحدة. # وأحلى من كل هذا قول ستيفنسون لناخبيه: تعزوا يا أصدقائي، فهناك أشياء أكثر أهمية من ~~النصر السياسي؛ إذ لدينا حق الاختلاف السياسي والمعارضة، وحق التنافس. # أما عندنا فترى في الفوز الانتخابي انتقاما من خصومنا وخراب بيوتهم إذا قدرنا. وإذا ~~قام واحد ليعمل بالروح الأميركية فأنصاره لا يرضون، فيضطر أن يسايرهم؛ خوفا من أن ~~يرفضوا عنه. # وإذا قلت لرئيس عندنا: «نحن وراءك» كما قال ستيفنسون لأيزنهاور، وقد قلت هذا فعلا قبل ~~الأوان بثلاثة أشهر، فإنه لا يرضى بل يريد أن تبقى حيث كنت كأنك قاتل أبيه. # والمتزاحمون على الرئاسات أو على النيابات يصبحون بعد الفوز أعداء وإن كانوا قبل ذلك ~~صحابا. # والمناصرون يظلون يقتتلون إلى ما شاء الله، ولا تضع حربهم أوزارها، فيقسمون العرب ~~عربين ولا نهاية لحرب البسوس ... فيسفكون الدماء ويسلبون راحة المغلوبين. # تلك صورة كل حي، وكل قرية، وكل بلدة، فانتخابات النواب نوائب، وفوز الرئيس يجعل ~~الأذناب رؤساء، وهناك الويل. فقبل أن نرمي ورقة في صندوقة نفكر بحاجة تقضى لنا، ويا ويل ~~من لا يلبي؛ فإننا نقلب الإسطوانة! ... «إننا وراءك» ما أحلاها كلمة متى كانت صادقة، ~~فهناك يطلبون الرئاسة لخدمة الشعب، ونحن نطلبها لخدمة أنفسنا، والأقربون أولى ~~بالمنفعة! # موظف قديم مات # بالكد تحرك بعض الناس وخرجوا من بيوتهم؛ ليصلوا عليه ويدفنوه. مسكين! كان أمينا، ~~نزيها، نظيف اليد والجيب. هذا ربيب العهد القديم، يوم لم تكن الوظائف في لبنان مورد ~~ثروة اللبناني بل تخرب بيته في حياته، وتورث أولاده الفقر، ولذلك لم يدفن مكرما وإن ظل ~~ذكره ممجدا. # مسكين فرنسوا خوري! لم يبن قصورا ولا دورا ولا رصيدا ولا ... لم يترك مزارع ~~وبساتين، لم يبق له في آخرته إلا عصاه التاريخية، وقامته الردينية ms10 التي أبى الإباء أن ~~تلين أو تلتوي. # مسكين ذاك الرجل العتيق؛ فهو لا يشبه زبائن اليوم، كان عميق الثقافة واسعها، كان ~~كاتبا من الطراز الأول، وهم أي زبائن الخزانة اللبنانية، على أميتهم وقصورهم، ينعمون ~~في شواهق قصورهم. # كنت على ما يعاني من حرمان، تخاله مكفيا أحيانا، وقد يكون، فالنفوس الكبار تقنع ~~بالكفاف والفراش، واللحاف والخبز الحاف، والثوب اللائق. # اجتمعنا في مطعم حد القصر الجمهوري فرأيته كما كان، لم تنقص الأيام منه شيئا. ضحكة ~~صاروخية مكركرة، وابتسامة بائسة، ورأس مطرق؛ لأنه ينوء بأعباء الذكريات المؤلمة، ~~والخيبة. خاب في جميع أصحابه وكلهم من أكابر رجال هذا الدهر فلم يواسه إلا واحد منهم. ~~وهو الوحيد الذي حضر دفنه وشيعه. ولولا حضور ذاك الصديق الوفي لكان ذهب فرنسوا إلى ~~القبر وحده. # استحت الناس من الشيخ ولأجله مشى بعضهم في مأتم السنديانة التي لم تحن رأسها للعواصف ~~والزوابع، سنديانة الساحل التي لم يلتو جذعها وإن شذبت الفئوس أغصانها. # عاش فرنسوا خادما أمينا مخلصا للبنان، ولكن لبنان لم يشعر بموته، وهذا منتهى ~~العقوق ونكران الجميل. تحمل آلام النفي والتشريد، ولكنه عاد ليشرده واحد من الذين شرد ~~لأجل صداقته لهم. # بأمان الله يا فرنسوا ولا أقول يا صديقي؛ لأني لم أشرف بذلك، ولكن الوفاء ~~للأوفياء أملى علي ما كتبت، وأنا، قبل وبعد، أخو من لا أخا له. ~~(2) شئون وشجون # 1 # تحية العروبة الخالصة إلى السيدين: محمود الملاح، ومحمد جعفر مال الله؛ ~~العراقيين. للأستاذ الملاح على تآليفه الأربعة التي تمتعت بها في عزلتي القروية، ~~وللسيد مال الله على تفضله بإرسالها. # نحن إلى مثل هذه الكتب أحوج منا إلى سواها؛ لأن عروبتنا الثقافية في انهيار ~~وركود. صرنا كصرح مطمور أكثره بالتراب، وخير ما عندنا تحت الأرض، فبدلا من أن نكشف ~~الردم؛ ليظهر الأثر الرائع المطمور، نحاول أن نقضي على الظاهر منه للعيان ونهم ~~بتشييد غيره على غراره، وما يخرج من تحت أيدينا إلا بيوت تتداعى عند هبوب أول ~~نسمة. ~~«نتوقع من قلمكم كبح الشعوبية المترعرعة في الجبل الأشم» بهذه ms11 العبارة ذيل ~~الأستاذ الملاح إهداء كتبه الأربعة وعنوانه: المجيز على الوجيز. # أما العروبة، ونقيضها الشعوبية؛ فقد كنت لها منذ نشأت وليست دعواي كدعوى آل حرب ~~في زياد، وآثاري تدل علي. # عندما كنا ننادي بالعروبة كان الكثيرون ناسين أو متناسين أن في الدنيا عروبة، ~~وعندما استعرب الجميع استعرابا سياسيا سكت أنا، ولكن ظللت عربي اليد والوجه ~~واللسان. قلت: اليد، مع أني لست طعانا ولا ضرابا؛ لأني - كابن ثابت الأنصاري - ~~أجزع لرؤية الدم، ولكني إذا حرمت السيف والرمح فما حرمت القلم، فأنا ممن يدافعون ~~باليدين كما دافع البحتري عن سيده المتوكل، وباللسان كحسان، والله حسبي. # فالشعوبية التي سألني الأستاذ الملاح كبحها فسأكون عند ظنه بل قد كنت، وإنني أرجو ~~منه ومن جميع إخواننا العرب الخلص أن يكافحوها في جميع الأقطار، وإذا كان الملاح ~~يحسب الدعوة إلى اللغة العامية والحرف اللاتيني شعوبية - وهي شعوبية حقا - فهذه ~~أضعف ما تكون عندنا، وهي عرض زائل، وقد هب مثل هذا الزعزع عبر العصور ولكنه يذهب ~~كما تذهب ريح صرصر. إن العواطف زائلة، أما الرياح التي يرسلها الله بشرا بين يدي ~~رحمته فباقية. # ولو لم يكن الأستاذ مطلعا على ما كتبته في أوان مختلفة حول هذين الموضوعين لما ~~خصني بهذه الكلمة وأنا ممتثل لها وسأظل للفصحى نصيرا، وللحرف العربي ظهيرا، حتى ~~لا نفقد لوننا وكل ما يفقد لونه حتى الزيت والخمر يخسر كثيرا ... # إن اللسان والحرف هما الجامع قبل الدين والجنس، وإذا لم نبق موحدين؛ كتابا ~~وكلاما، خسرنا قيمتنا الاجتماعية وضعنا بين الشعوب كما تضيع مياه النهر في البحر ~~العجاج. # والفرق بيننا وبين من تظنهم أنت - يا سيد محمود - شعوبيين؛ فهو أن هؤلاء يحاولون ~~التجديد الذي لم يحسنه بعضهم. وإلى هؤلاء، وهم من عندنا وعندكم، أقول: جددوا في ~~اللغة ما شئتم، ولكن لا تفرنجوها. وليكن تجديدكم تطعيما، فالتطعيم ضروري جدا، ~~ولا تتحسن الأجناس إلا به، أما قلع الشجرة وغرس سواها فنكبة. اصقلوا الخشب ولا ~~تدهنوه. ابقوا على العرق؛ لنظل معروفين بسماتنا بين الأمم. # وبعد يا أستاذ فلنتصارح: ms12 المطمورة تكسر السكة - المحراث - فأول من يتهم بالشعوبية ~~هم الموارنة، وأحسب أنكم تعنون ذلك، أما أنا فعلى هذا أجيب: إن نصرتنا للفصحى قديمة ~~العهد، أي منذ كانت وكنا، وقد أغنيناها حين كان أكثرنا سريانا، ثم زدنا ثروتها ~~أضعاف الأضعاف حين استعربنا؛ فالكتب النفيسة التي ترجمناها عن اليونانية، عدنا ~~فعربناها وتنكرنا للسريانية. أظنك تجهل تافيليوس الرهاوي، الماروني رئيس ديوان ~~المنجمين، قد ترجم الإلياذة قبل سليمان البستاني. كان هذا العالم أقرب المقربين إلى ~~الخليفة المهدي، وهو أول من عني بوضع الحركات السريانية الخمس طبقا للحركات ~~اليونانية، فاستقامت له ترجمة أسماء الأعلام. # فلا توص حريصا على مقاومة الشعوبية، فأسلافنا الجهابذة الأعلام قد بيضوا وجهنا، ~~ولا يزال فينا من يبيض الوجه، ولكنهم قليلون. إن تأثر الجبل بالغرب لا يضير بشرط ~~ألا يكون متطرفا. فشعراء المهجر قد جددوا وظلوا محافظين، وشعراء لبنان المقيمين ~~نحوا نحوا آخر في تجديدهم، ولكنهم جددوا ولم يهدموا كما يفعل غيرهم من شعراء ~~الأقطار الأخرى، فكافح أنت من عندك وعلي بمن عندي فاليد الواحدة لا تصفق. # يقولون: لغتنا صعبة وألفاظها عويصة، وأنا أقول لهم: دعوا العويص واكتبوا السهل ~~صحيحا تخلصوا من هذا التبرم باللغة وقواعدها. من لا يفهم ما يكتبه سعيد فريحة؟! ~~وإني لواثق أنه لا يفتح معجما ولا يفتش عن عبارة، فلماذا لا يكتبون مثله؟! ولماذا ~~يلجئون إلى طلاسمهم؟! # لقد حدثتك عن هذا؛ لأنك تقصد هذا، فلبنان السياسي لا شعوبية فيه، وإن وجدت فهي ~~عندنا، كما هي عندكم، وكما كانت في كل عصر، فقل معي: قاتل الله ثلاثة أشياء: شهوة ~~الحكم، والمال، وتناحر الرجال. # 2 # وإلى صديقي ن. ف. أقول: وصلني مكتوبك وعليه طابع بريد بيروت، وقد استعرضت أسماء ~~جميع أصدقائي فلم أهتد إلى اسمك. ولكني أجاوبك وأشكرك؛ لأنك شققت لي طريقا إلى ~~حديث كان يشغل بالي. # تسألني: لماذا لا أساهم في السياسة الكبرى؟ وعلى ذلك أجيب: لقد كفاني صديقي ~~ورفيقي القديم، الأستاذ إميل الخوري، المفكر الكبير، شر السياسة، منذ كنا معا، ~~ومنذ ذلك الحين لم أبحث شأنا خارجيا. # إن ms13 المبدأ الأول يقول: ابدأ بنفسك ، ثم ببيتك وموطنك، وأظنني أفعل ذلك. غيري يصب ~~طسته المغلي على رءوس المسئولين، وإني أشاركهم أحيانا، ومع ذلك فقد يئست منهم؛ لأن ~~الكلام لا قيمة له عندهم، وأنا، حامل قلم لا صاحب نبوت ... مهنتي أن أعد شبابا ~~يحلون محل هؤلاء مؤهبين لحمل أعباء الحكم بنزاهة وحزم، وبدون محاباة. # ما لك وما لي يا صديقي ن. ف. فالذين يعالجون شئون الساعة لا يحصون، والطامحون إلى ~~الكراسي من الأدباء لا يعدون، حتى إنني خفت على أدبهم أن يغرق في هذا البحر الطامي. ~~فكل حامل قلم تقريبا لا يهمه إلا أن يلقي مغرفته في قدور السياسة ويشيل منها ما ~~يطيب له. # ثم ألا ترى معي أن على كل منا أن يدور في دائرة معينة. فلو كان تطاول أحمد فارس ~~الشدياق والبستاني واليازجي وصروف والجميل إلى الوظائف، فمن أين كان لنا شرف نصرة ~~الفصحى في القرن التاسع عشر! ولو كان فلان وفلان، من علمائنا وفلاسفتنا وشعرائنا في ~~مختلف العصور، وقد انصرفوا إلى سياسة الجماهير، فمن كان ساس العلم والأدب؟! ولو كان ~~وسوس الخناس في صدر الريحاني وجبران، فمن أين كان لنا أديبان عالميان؟! من يذكر منا ~~أمجاد الشدياق السياسية؟! ومن ينسى منا الفارياق وكشف المخبأ وسر الليال؟ إن مرض ~~الأدباء اللبنانيين هو تلفتهم صوب الكراسي، والكراسي التي خلقت لهم هي غير كراسي ~~الحكم، ولهذا نراهم يدرسون السياسة على ضوء شخصياتهم ويقدمونها مثلا عليا من حيث ~~يدرون أو لا يدرون. # كان الأمير اللبناني يعرض السيف، ويشك الخنجر، وقد عمل لبنان السياسي الذي نراه. ~~أما الفريق الذي عمل لبنان الثقافي الباقي؛ فهو الذي كان قلمه سيفه، ودواته خنجره، ~~ودرعه جبته، وتاجه عمامته. نعم عمامته؛ لأنهم كانوا جميعا يتعممون. # فأي بأس علي إذا ظللت في دائرتي، ولم أتخط حدود منطقتي، فلا أكتب إلا في ~~الشئون التي انتدبت لها. إن بنيان الوطن يقتضينا ترسيخ الأساس وتوطيد البنيان حتى ~~يثبت في وجه الزلازل العتيدة، وهذا الأساس هو النشء. إن ثقافتنا مهددة بالانهيار، ~~فعلينا تدعيمها ms14 وسندها بكل قوانا، وإلا صرنا بلد التعتيم بدلا من بلد ~~الإشعاع. # إن اللبناني شبعان سياسة، وقد تسربت السياسة اليوم إلى المدارس فأغرقتها، ولكنها ~~سياسة عرجاء تخمع وتظلع خلف أناس يريدون الوصول على ظهور غيرهم. # والآن أستأذنك يا عزيزي ن. ف. لأعود إلى أغنامي، كما قال رابليه، وما أغنامي غير ~~التلاميذ. لقد صار الخريف قريبا وأخذت أوراق العريش والتين تصفر، فلأعد إلى طلابي، ~~تاركا لغيري معالجة الطلاب الذين هم أكبر منهم سنا ... # يقول التلاميذ: ما بال هذا الرجل يلحقنا إلى بيوتنا! أما شبعنا من نصائحه! أليس ~~الصيف للاستراحة؟ # نعم يا عزيزي، ولكن في الصيف تحصيلا من نوع آخر. فالتحصيل المدرسي دواء لا بد من ~~تجرعه، أما التحصيل الذي أدعوك إليه؛ فهو مغذ ولذيذ الطعم لا نجده في المدرسة، ~~فالمناهج الموضوعة لك، وسنعالجها في قابل، تضيق عليك ولا تترك لك وقتا للمطالعة مع ~~أن القراءة النافعة هي الغذاء العقلي والدم الجديد. # تعلم مما تقرأ. إن الطب الحديث يدخل في عروق الضعفاء دما جديدا، وليتر الدم ~~يسوي ثلاثماية ليرة. لا تخف، فما أنا جراح أريد إدخال دم جديد، فالدم الذي أعنيه هو ~~القراءة، وسأكون معك خفيفا لطيفا فلا أحملك في العطلة التي انتظرتها ما يثقل ~~عليك. إنني أدعوك إلى مجالسة صديقك الكتاب ولو ساعة، أسألك ألا تجافيه وتعرض عنه، ~~فهذا الصديق هو أبقى لك من كل الناس. # إن وصيتي لك ليست بدعة جديدة، فأنت طالب معرفة وعلم، وأول آية أوحى الله بها إلى ~~الإنسان هي: # اقرأ باسم ربك # فأنا إذن لم ~~أتجاوز معك حدود الله، فاقرأ وتوكل عليه، وكما أوصى القرآن الكريم بالقراءة، كذلك ~~قال الإنجيل: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. # فالإنسان يحتاج إذن إلى خبز آخر، هو خبز المعرفة. وهذا الخبز لا تجده إلا في ~~معاجنه الخاصة، أي الكتب. فالدول اليوم تحشد كل قواها؛ لتنور عقول شعوبها، ولا حيلة ~~إلى ذلك غير حمل الرعية على القراءة، فتوصلوا أخيرا إلى توجيه مكتبات نقالة تطوف ~~القرى في الضواحي، وأعالي الجبال. وتدعو الناس إلى المطالعة ms15 بالمجان. # أعرفت أن أول من حض الناس على مؤاخاة الكتب والدفاتر، هو ناطق بالضاد مثلك، ~~وهو أبو الكتاب العربي؟! إنك تدرس شخصية هذا العبقري وأدبه؛ فهو الذي انبرى إلى ~~الدفاع عن الكتاب منذ ألف ومائتي سنة. # ذاك هو الجاحظ الذي اجتمع في شخصه الضدان: الحلاوة والبشاعة. رووا عنه أنه كان ~~يستأجر دكاكين الوراقين ليلا؛ ليقرأ ما فيها من كتب، وقالوا: إنه لم يعثر بورقة ~~إلا لمها وقرأها ولو كانت على مزبلة ... أعرفت إذن إلى ماذا أدعوك؟ إلى المطالعة ~~صيفا، فاجعل لكل شيء وقتا، ولا تنس الكتاب من وقت يومي، ثم لا تخرم الميعاد. إن ~~الكتاب حبيب لا يطرح نفسه عليك ولكنه دائما في انتظارك. ينتظر منك غمزة ليجيئك. ~~عبدك بين يديك، كما كانت تقول المرحومة ستك في حكاية «خاتم لبيك». # وبعد، يا عزيزي، فالكتاب هو الذي عمل العظماء وخلق العبقريين. أليست الدنيا كلها ~~هي كتاب الله الأعظم! وقد قالوا: لكل أجل كتاب، ولكل إنسان كتاب يحمله بيمينه حين ~~يقف بين يدي ربه! فتمرن أنت منذ اليوم لتحمله جيدا وتكون من العارفين. فالكتب هي ~~سجلات المعرفة الماثلة دائما بين يديك، أما السينما التي لا تخلف مواعيدها فهي ~~معرفة أيضا، ولكنها معرفة عابرة ضائعة بعد حين، كما قال الشاعر: # كل علم خارج القرطاس ضاع # كل سر جاوز الاثنين شاع # إن مواهبك المختبئة وراء ستر كثيف لا تتفتق إلا بالقراءة. أنسيت ما قلته لك: ~~المدرسة تعلمك القراءة، والجامعة تدلك على الدروب. ولكن المدرسة لا تقرأ عنك، ومتى ~~علمت أن نوابغنا ونوابغ الدنيا جمعاء لم يتعلموا مثلك ليأخذوا شهادة، ولكنهم قرءوا، ~~فاقرأ أنت مثلهم بإمعان لا لتتسلى فقط. إذا كانت أجسادنا تحتاج إلى بعض حبوب ~~الفيتامين، أفلا نحتاج يوميا إلى القراءة لنداوي في عقولنا فقر دم؟! # وإذا سألتني قانونا للقراء قلت لك ما قاله برنارد شو: القانون الذهبي في هذه ~~الحال هو أنه لا قانون هنا. قس القراءة على الأكل، أما قال أبوك وجدك: كل ما تشتهي ~~نفسك. فكل غذاء تشتهيه النفس ولا يستطيبه ms16 الآكل يكون كالدخيل على الجسم ، فاقرأ إذن ~~ما تحب. كن واثقا بنفسك واعلم أنك ستكون رجلا إذا طالعت، ومن يدري أنك لا تصير من ~~أصحاب الكتب التي تقرأ وتنير إذا اجتهدت. يسرني أن أشجعك، ولهذا أقول لك جملة، لا ~~أذكر أين وقعت عليها: إن الكتب العظيمة تطبع في المدن والعواصم الكبرى، ولكنها كتبت ~~وتكتب في القرى، أو في الأحياء الحقيرة. وهذا لا يكون إلا إذا قرأت كل يوم بانتظام، ~~فقراءة ساعة كل يوم تمكن كل ذي مقدرة عقلية عادية أن يصير مثقفا عارفا في غضون ~~بضع سنوات. أنت تلازم المدرسة بضعة عشر عاما ولكنك قلما تقرأ غير الدروس المفروضة ~~عليك، فليتك تنتزع من الأوقات التي تضيعها ساعة للقراءة والكتابة. # فمؤلفة كوخ العم توما قد ألفت هذه الرواية الشهيرة بما انتزعته من وقت كان يضيع ~~لولا حزمها. ولونغفلو ترجم جحيم دانتي في الدقائق العشر التي كان ينتظر فيها غليان ~~قهوته كل صباح. والفردوس المفقود لملتون نظم في اختلاس بضع دقائق يوميا. # لا تيأس مهما كان عقلك سميكا، ولا ننس أن شاعر الكنيسة، ملفان البيعة، مار إفرام ~~السرياني، كان قد قنط من عقله السميك لو لم يسأل تلك المرأة عن خرزة البير التي ~~براها الحبل على طول الأيام. # لا شك في أنك - ككل ناشئ - تطمح إلى أن تكون شيئا مذكورا، وها قد دللتك على ~~طريق العظمة، فنظم وقتك. بحياتك قل لي: مهما تكن مجنونا وأبله هل ترمي بليرة على ~~قارعة الطريق كما ترمي بعض النفايات؟! الجواب: لا. فما قولتك إذن بالذي يرمي على ~~طريق الحياة ساعة زمان كل يوم. إننا نرمي الساعات ولا نبالي. # قد انتهت معركة امتحانات حزيران، وأيلول صار على الباب، فإن كنت لم تفز، فرجائي ~~ألا تكون قد أضعت فرصتك في صيد «الحجلات» ورمي الشباك «للحمامات» التي تفرفر حول ~~بيتك وتهاجمك من الشباك ... سد النوافذ سدا محكما وضع كل وكدك في منهاجك، ولا ~~تسمعنا تهديدك بالانتحار. لقد ولدنا للحياة، فلماذا نستعجل الموت. فدرس متواصل ~~يغنينا عن تمثيل هذه المأساة. ms17 الشهادة كالحرية تؤخذ ولا تعطى ، فحصلها بدرسك. ومع ~~ذلك فإني أرى كل شهادات الأرض لا تساوي حياة واحد من الناس مهما كان تافها. # سألني الكثيرون: من أين لك الوقت لتكتب كل ما تكتب؟! وهم لو عرفوا أنني صرفت ~~حياتي كلها في هذا الميدان، ولو كنت حرصت - كما يجب - على عدم ضياعها، لكان لي ~~أضعاف ما لي. ويسألني غيرهم إذا كان عملي التعليمي يحول دون عملي الأدبي، فإلى ~~هؤلاء أقول: إن رجال الأدب في عصر دانتي كانوا كلهم إما تجارا، وإما أطباء، أو ~~قضاة، أو جنودا. # وأنا أعرف كثيرين قد انتزعوا شهرتهم من بين أشداق الفاقة. إذن إلى ماذا ندعوك بعد ~~طول هذه السيرة؟ ندعوك إلى الدرس، إلى القراءة ساعتين يوميا في فرصة الصيف، فيسمن ~~ضلعك، وتعود إلى المدرسة قويا نشيطا. # كثيرا ما يعود الطالب إلى مدرسته في تشرين وقد نسي كل شيء تقريبا؛ لأنه طلق ~~كتبه وأشاح عنها إلى غيرها ... إن هذا الطالب لن ينجح. وكثيرا ما أعرف من أولياء ~~طلاب، يعلمون أبناءهم صيفا؛ ليقفزوا في صفوفهم. إن العلم لا يدرك بالقفز والجمز ~~والنط، فالثمرة التي لا تمر في جميع أطوارها لن تكون شهية لذيذة، فلينضج أبناؤنا ~~على مهل، فهم ثمار الإنسانية. # فلنمتن حيطان ثقافة أبنائنا ولا ننح باللوم على مدير التربية وأعوانه إذا قصر ~~أبناؤنا، ولنسهر على أولادنا، فهم في حاجة إلى ذلك. وإذا سهرنا على تصرفهاتهم ~~المسلكية، في الفرص المدرسية - وما أكثرها - أمنا وقوع الكارثة. # فيا أيها الآباء المحترمون، فلتكن أعينكم على بنيكم عشرة عشرة، كما يقولون: ففي ~~هذه السن يتقرر مصيرهم. لا أريد بهذا أن تضايقوهم فيتمنوا زوالكم - كما قال معاوية ~~- بل خذوهم بالحسنى، ولا تجعلوا نصحكم لهم مصارعة؛ لئلا تصرعوا معا. وإذا رأيتم ~~أقل فتور بين ابنكم والكتاب، فحاولوا أولا أن تؤلفوا بينهما، وإلا فتداركوا ذلك ~~بالمفارقة، فنصف الدرب ولا كلها. # | الزبيبة والعود # (1) قوانين وتشريفات # نحن في لبنان نغطي السماوات بالقباوات، نفصل القوانين على قد الأفراد، من ~~محاسيبنا وأنصارنا، وفي الوقت عينه نتوسل بها ونضعها لنطرد ms18 إلى الظلمة البرانية من ~~ليسوا على غرضنا، أو من مسوا في محنتنا قدس أقداس ذاتنا بكلمة حق، بينما كان ينتظر ~~منهم أن يداجونا ويحابونا؛ ليحوزوا على رضانا الشاهاني. لكأني بهؤلاء يجهلون أن للسيادة ~~أطوارا مثل غيرها: شبابا، وكهولة، وشيخوخة. لم تعظهم حكايات تابوت العهد، ولكل عهد ~~تابوت، فبعد ما كان من يمسه يصعق جره ثوران جرا ... # إن كل دولة من دولاتنا تنفق أكثر مما كانت تنفقه دولة سلطان بني عثمان، فذاك السلطان ~~لم يكن يزور أحدا، كان كرئيس أميركا اليوم، لا يخرج من دياره. أما رؤساء دولنا اليوم، ~~فشمامون هوا، قطافون ورد ... كأن لا عمل لهم في بلادهم ودواوينهم، فهناك من يعمل عنهم ~~فيكفيهم مئونة مداورة الشئون ومعالجة الشجون ... لا نسمع إلا بمؤتمرات تعقد هنا وهناك ~~يذهب إليها هذا الوزير أو ذاك المدير والسفير ويعود منها مظفرا ... وتتناول الصحافة ~~الموالية له الحديث فتجعل من الحبة قبة، ونحن نكون قد دفعنا ثمن هذه الحبة ما لو أنفق ~~على أحقر قرية، لرفه عنها وجعل جحيمها نعيما. # تبنيج # ومنذ وجدت هذه الدولة اللبنانية وحديث المشاريع الإنشائية يملأ آذاننا وقلوبنا. ~~والحياة، لولا الأمل، لا تطاق. كلما تبدل حكم وضع الشعب على المشرحة وجاءوا بالإبر ~~والكمامة؛ ليبنج؛ ليبنجوه بالمشاريع الإنشائية ... وكلما دنت الانتخابات قالوا لنا: في ~~الميزانية القادمة نفعل كذا وكذا، والجالسون على كرسي موسى يبحبحون حصة النائب الراضين ~~عنه؛ تمهيدا لفوزه، وسيان عندهم أعمل أم لم يعمل للشعب، فالغاية تبرر الواسطة. # الغاية أن يفوز فلان بالنيابة؛ لينتخب فلانا للرئاسة، أو يؤيد آخر للوزارة الأولى. ~~وهكذا نمشي إلى النهاية على ضوء: حك لي أحك لك. # حدثني الدكتور أبو حيدر، وأنا في المستشفى، عن طريقته الحديثة عندما جاء يبنجني، فقلت ~~له: أما في طبكم مشاريع إنشائية، إنها أقوى بنج وأحدث طريقة! ففي وزارة الثالوث سنة ~~1951 بنجوني بالتليفون، ولو كانوا صدقوا لما جئتكم على آخر نفس. وفي عهد تلميذي الوزير ~~الشاعر الدكتور سليم حيدر نمت على صوف، ثم راح، واستيقظت من البنج، وأنا لا أزال على ms19 ~~شوك. # وفي ذلك الزمان أيضا، وضعوا مشروعا تليفونيا فبنجونا به، واليوم، ونحن على أبواب ~~انتخابين: رئاسي، ونيابي، بنجونا بنجا ثقيلا جدا قد لا نفيق منه: مشروع تليفون يشمل ~~لبنان كله، ومشروع مياه، ومشروع كهرباء، ومشروع طرقات، ومشروع أوتسترادات، ولم ينقصنا ~~إلا سلالم تصل الأرض بالسماء كسلم يعقوب. وهل عندك يا دكتور بنج أفعل من هذا؟! نحن ~~قوم كل أعمالنا تبنيج، والخشخاش نبات شرقي، فكلما احتاجت حكومة إلى صوتنا خشخشت لنا ... ~~بالمواعيد. رحم الله المتنبي. # قيل لواحد: قنطار مسك بذقنك! فصاح: هذه الكثرة لا تبشر بالخير! أما نحن فلا نقول ~~شيئا. # ودخل الدكتور حتي، في تلك الساعة فقال: كلما جئت أعودك أسمعك تحاضر، فما الموضوع ~~الآن؟ # فأجبته: قلت للدكتور حيدر الذي جاء يتعرف إلى جسدي؛ ليكون على بصيرة في تبنيجي: أنا ~~معود على البنج! ففي جميع العهود، منذ الدباس إلى شمعون، والمشاريع الإنشائية تبنجنا. ~~ولولا زنود المساكين، أهل الضيعة، لما كان لنا طريق، ولولا ثورتي على الحكومة والرهبان ~~لطار نبع قطره وغط في دير كفيفان، ولم يبق لنائبنا النشيط الأستاذ ريمون إده ما ~~يعمله ويربح ثقتنا أجمعين. # حقا؛ إن هذا أضحوكة، فلو سألت معازا أو بقارا عن المشاريع التي توضع، على ~~سنوات، لضحك، وقال لك: ومتى راحوا من يشمر ويلحقهم؟ وقبل وبعد فما كان أغناهم عن هذه ~~الوعود، فما دام لاعبو الكشاتبين موجودين والشعب غافلا، تدخل الفوطة وتخرج من زلاعيمهم ~~حمامات وعصافير، وعقبانا وأغربة، إذا لزم الأمر ... # وإذا كان أبو الهدى، نجي السلطان عبد الحميد، بلع السيف، فوزير حربيته بلع الدارعة، ~~كما أجاب الدالي فؤاد. والعهد بانتخاب السنة 47 غير بعيد. وأخيرا؛ إن كل هذه المواعيد ~~بالمشاريع الملايينية، على سنوات، تغني عنها ساعة عدل في الرعية، أو ظلم بالسوية ~~... # تيتي تيتي # ما زلنا على هذه الحصيرة، فلا هي طويلة ولا قصيرة. فلماذا يتهيأ الذوات للمعركة ~~الانتخابية، فليدخلوا من «الباب الضيق» كما قال المسيح إذا شاءوا دخول ملكوت البرلمان ... ~~فالشعب يقاد بخيط قطن. # جاء مبشر بروتستاني ليهدي حائكا، من بلدة الزوق، سبيل ms20 الرشاد. وبعد السلام والكلام، ~~قال له الزوقي : حضرتكم بروستنت؟ # فأجاب القسيس: نعم، ومن أين عرفتني؟! ~~- عرفتك من كتبك، ولكي نختصر الحديث: وأنا ماروني. لا شك أنك تعرف ذلك، ولكنك لا تعرف ~~ما يتهمنا به مناظرونا، يقول فينا القوال: # وحق الرب المتعلى # واللي ع الطور تجلى # بحيثو موجود مار مارون # ما في حاجة ل الله # أنت تريد أن ترشدني وتجادلني، وأنا حياك، لا أحدث غير النول، ومهما قدمت لي وأخرت ~~لا خبز لك عندي. # قال هذا وتحلحل ليخرج من جورة النول، ففزع القسيس، حين أخذه الحائك بيده، وقال له: قم ~~معي. فقاما، ومن قدام باب دكانه دله على بكركي، وقال له: رح جادل البطرك، فإذا اتبعك ~~فكلنا نتبعك على الهينة، فلماذا تضيع وقتي ووقتك؟ # وأنا أقول للسادة المرشحين - جددا وقدماء: ما لكم وما لنا، اذهبوا إلى المختص بفبركة ~~النواب، وهو يغنيكم عن تدلل الناخبين ولو ساعة من زمان. # إنها نيابة لا تهش ولا تنش، فكما يقود الضيعة واحد أو اثنان، كذلك يقود النواب واحد ~~أو اثنان، والفاخوري مسلط على طينه، كما قال مار بولس، يصنع منه إناء للكرامة، وإناء ~~للهوان، فهذا يصير وزيرا، وذاك يبقى حتى يخرج كما دخل: تيتي تيتي مثلما رحت ~~جيتي. # التجديد الرئاسي # الجريانات الدموية تكون عادة في شباط وآذار، أما جريانات ماء المستوظفين عندنا في ~~لبنان، فموعدها أيلول، مع أن مثلنا يقول: أيلول طرفه بالشتا مبلول. في كل مرة يأتي ~~المعارضة المخاض في شهرها هذا، وهي تارة تلد وطورا تتوجع لا غير. # فالثورة على المير بشير كانت في هذا الشهر، وثورتنا على يوسف باشا فرنكو كانت فيه، ~~والثورة على الشيخ بشارة كانت فيه أيضا، واليوم نسمع دندنة ولا ندري إذا كان يفوع ~~القفير ... ومن غرائب الصدف أن جميع انقلاباتنا كانت بيضاء ... # ما أشبه الليلة بالبارحة، أشاع أخصام الشيخ بشارة أنه لم يكتف بالتجديد، بل يريد أن ~~يجعل ولايته الثانية أبدية، لا إلى الجيل الثالث، كما يمنح الباباوات الغفرانات ~~الكاملة. فحميت حديدة المعارضة. وعبثا حاولنا إقناع أكثرهم حدة ms21 بأن الإشاعة كاذبة. وقد ~~جرى بيني وبين أبرز شخصياتهم حوار حول هذا الموضوع، ولست أذكر التفاصيل وأقدم الشهود ~~إلا إذا رخص لي بذلك. # إني أقول هذا ليفهم الناس أن فكرة التجديد أبعد ما تكون عن بال الرئيس الحالي؛ فقد ~~عودنا أن يكون منسجما مع نفسه وهو لا يؤيد اليوم ما شجبه بالأمس. أقول هذا بعدما ~~قرأت في مجلة كل شيء: أن المرشحين لرئاسة الجمهورية بلغوا العشرة عددا، وأن التجديد ~~للرئيس شمعون أصبح أمرا واقعا. أما أنا فأقول: لا. فالخلاف كله واقع على اللحاف، فهل ~~نتغطى به دائما! وكيف ننام والبردانون يوحوحون حولنا ... # أنا حضرت بنفسي ثورة أيلول على رئاسة المير قبلان بللمع وناصيف الريس وغيرهما، وقد ~~ذكرني الأستاذ إميل خوري بكلمة يوسف باشا لنا: «فين وكالاه» يعني أين وكالتكم عن الشعب؟ ~~فأراه الشيخ كنعان الضاهر تلك الوكالة الناطقة، حين فتح باب شرفة الباشا، وأراه ساحة ~~ميدان بتدين تموج باللفات والطرابيش. فنام دولته على «عدم الثقة» وعزل لنا من طلبنا ~~عزلهم، وعين من طلبنا تعيينهم، وهكذا كانت ثورتنا - كما هي في كل حين - ثورة وظائف. ولا ~~أكون مبالغا إذا قلت: إن كل من يقرأ أو يكتب في لبنان يحلم بوظيفة ما. أذكر أني قلت ~~لمستوزر: وأنت أيضا يا ... # فأجابني بنبرة: مستصغرني! ما زال فلان صار وزيرا، فأنا يحق لي أن أحلم ~~بالرئاسة. # غريب شأن هذا البلد! لقد هزل الحكم فيه حتى سامه كل مفلس. وعلى كل، فإني أرجو أن نكون ~~دائما خيرا مما نحن، ولا أحسب أن التجديد يضيرنا، نحن المساكين، ولكن يضير المنتظرين ~~على أحر الجمر فكل يحلم بدوره: أما قال الأستاذ الظريف أبو شهلا: ولماذا لا أرشح نفسي، ~~أما كان الدباس رئيسا؟! # قالوا للبطرك إلياس: عندما كنت كاهنا كنت فظا تضرب بالعصا، ولما صرت مطرانا ~~اكتفيت بالعياط، ولما صرت بطركا بردت؟! # فأجاب: لما كنت كاهنا كنت متكلا على المطارين، ولما صرت مطرانا بقيت متكلا على ~~البطرك؛ ليرقع ما أخزق. أما وقد صرت بطركا، فما أمزقه لا يخيطه أحد. # وأستاذنا ms22 الذي تسميه الصحافة، برنادوت لبنان، إذا صار رئيسا، فهل عند برنادوت آخر! ~~كما يقول أبو نواس للأمين: # من ذا يكون أبا نوا # سك إن قتلت أبا ~~نواسك # لا حاجة إلى التغيير، وإني أقترح أن يظل شمعون رئيسا فلا نجيء برئيس غيره. هذا تمرن ~~ويكون أكثر خبرة ودهاء من رئيس جديد. رحم الله رياض الصلح الذي قال: قد بنينا دولة ولم ~~نؤسس وطنا. فبناة الأوطان لا يغضون النظر عن مسيء، فكيف بالمجرمين والسراقين الجناة ~~... # كاد أن يكون أكثر لبنان موظفا، وهناك عائلات لم يبق منها أحد بلا كرسي ... نضع ~~القوانين طبقا لهؤلاء، والأقربون أولى بالمعروف. ولو أننا سهرنا على ما يبلغ الكثيرون، ~~وعلى ما نرصده للمشاريع، لكان لبنان زينة الدنيا. # ولو لم نتراخ مع الذين أخصبوا وسمنوا، وصاروا كعصافير التين ولم يعلقوا؛ لأن دبق ~~صيادينا شائبة ... لكانوا عبرة لغيرهم ولم يحلم الآتون بعدهم بما كسبوا من صناديق ~~الحكومة. # كنا ننتظر من السيد شمعون أن يضرب بعصا من حديد على تلك الأيدي، ولا يدعها تمتد إلى ~~أبعد من أنوفها، فهل إذا جدد، يكون أقسى قلبا، ولا يدع أحدا يقضي بالأمر ~~دونه؟ # أنا أتمنى أن يجدد، كما أتمنى أن يكون قاضيا على الفساد؛ فقد عم الفساد وقل ~~الحياء، حتى إن البسطاء يريدون أن يثروا كما أثرى غيرهم. # السيد السنوسي # قرأت في صحفنا أن الملك الجليل: إدريس السنوسي، الذي زار لبنان منذ أسبوعين، قد ألغى ~~ألقاب الأمراء وأسقط عن نفسه لقب الجلالة؛ لتظل لله وحده. وأمر بإلغاء جميع الألقاب ~~والاكتفاء بلقب واحد هو السيد. # فهل يرضي هذا من ينتحلون الألقاب ولا لقب لهم؟ ثم ما يقول أصحاب الألقاب الضخمة، من ~~معالي ودولة، ولا أقول فخامة؛ لأن صاحبها كما أعهده، لا يهمه إن سلمت عليه بها، أو ~~باسمه حاف. # كانت هذه الألقاب الضخمة تسبق اسم من كان يسوس هذه الولايات والمتصرفيات التي أصبح ~~على رأسها أصحاب جلالة وفخامة. إن لقب السيد الذي ارتضته مصر، ثم ملك ليبيا، فيه كل ما ~~نطلب من عظمة. وهل من ms23 كلمة أعظم من السيد! كنا لا نكتفي بالجلالة لمولانا السلطان، وكان ~~لا يكون المراقب راضيا إذا لم نقل سيد البلاد، فأين من هذه كلمة معالي ودولة وغيرهما. ~~فليتنا نكتفي بكلمة سيادة. وإذا غضب رجال الدين قلنا لهم: تكفيكم ثيابكم وعصيكم ~~المذهبة، وإلا خذوا لقب نيافة؛ لتميزوا به، كما تميزكم منا أثوابكم الأرجوانية. # وأخرى أتت من سيادة ملك ليبيا - إدريس السنوسي - وهي أنه قبل الجلوس على العرش، قد ~~عدل بل ألغى كل ما أعطاه إياه الدستور من سلطات واسعة، واختصاصات كبيرة. وهذا ما وعد ~~به السيد كميل شمعون - رئيس جمهوريتنا - وسوف يفي متى جدد ... # وثالثة جاءت من هذا الرجل الذي يذكرنا الخلفاء الراشدين والبطاركة الأولين. قد أمر ~~بأن يرفع اسمه من الشوارع والميادين والمؤسسات، وكذلك أسماء أفراد عائلته. # وذكرني إلغاؤه الاحتفال بعيد مولده، وحذفه من أيام التعطيل، بما قرأت عن الإخوان ~~الوهابيين حين رأوا بدعا في عيد جلوس الملك عبد العزيز آل سعود، فكتبوا إليه معنفين ~~وأجابهم مسترضيا إياهم. ومن قانون البيت المالك، ألغى السنوسي جميع الحصانات ~~والامتيازات، وأمر أن لا تقبل هدية ودية فردية أو جماعية تقدم له بمناسبة عيد ميلاده أو ~~عقد قران ملكي ... # إن هذه الديمقراطية والمساواة طبع عربي أصيل، أما غضب الإمام علي - كرم الله وجهه ~~- حين سمى عمر الفاروق خصمه اليهودي، وكناه هو؟ # وخاتمة المطاف، أمر السنوسي أن تدفع الرسوم الجمركية عن مستورداته الخاصة. # مرحى وألف مرحى لهذا الحاكم الصالح، وإذا لم تل الأحكام رجال على شاكلته، فلا تتم ~~نهضتنا السياسية والقومية الإنسانية. لقد أغوانا التكالب على جمع المال بالحرام ~~والحلال، وصارت المناصب مناصب ترفع عليها قدور المنفعة والإثراء ... فبينا يكون الرجل - ~~عندنا - لا يظفر بعشاه إلا بالكد، إذا به يقيم المآدب ويحيي السهرات؛ أسوة بالذوات. لقد ~~وقع على صندوق سائب، فقبر الفقر إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين. ولا أقول آمين، لئلا ~~أدعو على الشعب البائس المسكين. # المعركة الانتخابية # ما كان يصلي أحد لولا ما يرجوه عند ربه من ثواب، فهل نلوم رجلا يسعى لإدراك النيابة ms24 ~~وهي أكلة شهية غير ثقيلة على المعدة ؟! # في كل الدنيا تشتد الحملات الانتخابية وينفق المرشحون عن سعة، وإذا لم يكن عندهم مال ~~اقترضوا أو استدانوا؛ ليضمنوا الفوز. فلا نظنن أن لا أحد يبذل في هذا السبيل إلا المرشح ~~اللبناني، فغيرنا يعد العدة لهذا الأمر، ثم لا ينام لئلا تفوته الفرصة الذهبية؛ فرصة ~~خدمة الأمة، ولذاك تراه بعد الفوز أشد منه حماسة قبله، ولا يتنكر للناخبين قط، وقد يكون ~~هذا هو الفرق بيننا وبين الآخرين. أما البذل والإنفاق فلا بد منهما، وليس على الإنفاق ~~حرج إذا كان بلا نفاق. فواشنطون ولنكولن - الرئيسان العظيمان - أقلقتهما ديون الحملة ~~الانتخابية. # إننا نطلب وجوها جديدة ودما جديدا لمجلسنا العتيد، ولكن الوجوه الجديدة لا دم في ~~جيوبها ... أما عندهم، فالأحزاب هي التي تعطي الدم ... أما الناخب اللبناني، فقلما يباع ~~ويشترى، ولا يساق كالنعاج كما يخيل إلينا، وأكثر الناس لوما وتقريعا للناخبين هم ~~الذين كانوا سماسرة، ثم انقلبوا مصلحين يحدثون الناس عن المثل العليا والبطولة المثلى ~~... # ما أبعد أفواهنا عن آذاننا! إن فمنا في قطب، وآذاننا في قطب. # رحم الله التوت # قرأت خبر إنشاء مكتب للحرير، جديد، فامتلأ قلبي فرحا، عندما علمت، أنه استهل نشاطه ~~بطرح الصوت على منتجي الشرانق في لبنان، يبشرهم أنه سيوزع عليهم قريبا بزر دود القز. ~~رجوت أن يعود للبنان عزه وثروته وتضج الحياة في قراه بعدما انقرضت فيه هذه الشجرة أو ~~كادت. # إن جيلنا الجديد لا يعرف شيئا عن هذه الشجرة، ففرسان أحلامه، الوظائف والاستخدام، ~~فهؤلاء يطلقون عليهم في أمريكا لقب أصحاب «الياقة البيضاء» استهزاء؛ لأنهم يهربون من ~~ميادين الكفاح إلى ملاجئ المكاتب، مآوي العجزة. # كل هذا حسن، وكل مشروع هو فكرة أولا، ولكن قضية توزيع البزر، على المزارعين، تذكرني ~~بحكاية ذلك الشاعر الذي دعا صديقا له، إلى الصبوح، أي تناول الطعام في العراء، وكان ~~الاقتراح، على اقتسام الخطة، على الطريقة المعروفة عندنا بالعشرة الحلبية، فقال ذاك ~~الداعي لصاحبه: # منك السميذ، ومني النار أضرمها # والماء مني، ومنك السمن والعسل # البزر موجود يا ms25 وزارة الزراعة، ولكن أين التوت؟ على ماذا يربى دود القز؟! لو كان يأكل ~~ورق التفاح، فالأمر هين؛ لأن التفاحة حلت محل التوتة. ولكن دودة الحرير، لا أدري إذا ~~كانت تأكل ورق تفاح، وهب أنها تأكل، فالتفاحة تحتاج إلى ورقها، لتتغذى بنياتها ~~التفاحات. # ليس بزر دود القز مثل بذار الحنطة، فالأرض البيضاء - هذي لغة الفلاح - مستعدة ~~لاستقبال كل بذرة على الفور، أما التوتة فلا بد لها من سنوات حتى تطعم. # مسكينة التوتة! لقد كافأناها، على فضلها، بقصف عمرها. كان ذلك قبل أن يضع أصدقاء ~~الشجرة، مادة دستورهم الأساسية: ازرع ولا تقطع. فخلا الجبل من الأشجار التي كانت تكسو ~~قممه وسهوله وأوديته جمالا، بفروعها المشرئبة كالرماح، وخضرة أوراقها الزمردية. لقد ~~كانت التوتة للبنان ثروة، أيما ثروة، وعمرانا لولاها لم يكن. أحزن حين يقع نظري على ~~البنايات القائمة حيطانا بلا سقوف، أي معامل الحرير، فأتذكر المثل اللبناني الذي كان ~~يقول: بدنا قز عالدولاب تغني. # أجل، لقد انقطعت السمفونية اللبنانية بانقطاع خيط تلك الدودة، وحرمنا لبس الحرير، بعد ~~موت التوت في جبالنا. ماذا بقي يا حضرة الوزارة، شرفي زورينا في العمر - لا في السنة - ~~مرة، فهذي قريتي التي كان التوت يزنرها ويكللها. ففي بطاحها توت، وفي أوديتها توت، وعلى ~~جبينها توت، وعلى عبري نهرها الشتوي توت، وحول بيوتها توت، أما اليوم فلم يبق فيها إلا ~~بضع عشرات. كانت تصدر ثلاثة آلاف أقة شرانق، واليوم لا يمكنها أن تصدر إلا أقات ~~معدودات، هذا إذا كان عندنا بعد، من يربي هذه الدودة الذهبية. # أقول هذا لأن الفلاح صار مثل الراهب، ولولا الراهب ما عمرت جبال لبنان، ولكن الزمان ~~تغير، وتغير معه الفلاح، والراهب صار يؤثر سكنى القرى والدساكر والمدن بعدما كان ناسكا ~~يعتصم برءوس الجبال، ولا يخرج من ديره إلا متلثما بأسكيمه كالمرأة الزميتة المحافظة. ~~وكذلك شباب الضيعة اليوم، فإنهم يؤثرون المدن، ويفضلون رشق وردة، في عروات بالطاتهم، ~~على شك المنجل والمجز في زنارهم، وعلى سوق بقرهم وحميرهم إلى ميادين العمل الحر. إنهم ~~يفضلون الاستخدام ولو ms26 أكلوا من كيسهم، ولهذا انبشمت المدن وضاقت العاصمة، وخوت القرى من ~~كل شيء إلا العاجزين. # وعلى كل فالكحل خير من العمى، سلمت يد وزارة الزراعة، ولعلي أعيش حتى أسمع الفلاح ~~اللبناني يغني موالنا القديم: بغال محملي، وجراس بتعن. # ولكن الحمولة اليوم غيرها بالأمس. كانت على ظهور البغال ذات الأجراس التي جعلت من ~~اللبناني العامي شاعرا ملهما، وصارت اليوم في سيارات الشحن التي لا تمهل أحد ~~ليستلهمها شعرا؛ لأنها: # تمشي وعزرائيل من خلفها # مشمر الأردان للقبض # إن القلة لم تدرك بلادنا إلا عندما ذهب التوت، وخلت الديار من تلك الدودة، يا للعجب! ~~اللبناني فلاح، والتفاحة «مدام صالون» لا بد من معاملتها حسب الإتيكيت، ومع ذلك أجلت ~~التوتة عن ديارها وتربعت هي فيها. # فالتوتة لا تطلب أدوية وعقاقير تستعمل في إبانها، والتفاحة، إذا فات الفوت، نخرت ~~الديدان جذعها وأفسدت ثمارها. التوتة لبنانية جبلية حقا لا تحتاج إلا الفلاحة، وعند ~~الضرورة تستغني عن السماد. قضبانها للوقود تغني عن الكاز لإشعال المدفأة، وقشرها يسد ~~مسد خيوط القنب، ولعله أفضل منها في مواضع. وهذا القشر يصلح علفا للبقر. # وورق التوت موسمان: موسم الربيع؛ لتربية دود الحرير، وموسم الخريف «التشارين» علف ~~أيضا للبقر والخرفان وغيرها. وما يسمونه «الجزة» يغني عن الكرسنة، فيخلط بها التبن ~~فتقبل على أكله البقر كما يقبل بعضنا على الملوخيا ... وقد نسيت نصيب الناس من هذه الشجرة ~~المباركة، فثمرها أشهى من ثمر الفريز وأكثر سكرا وأطيب نكهة. # الخلاصة: هذا الموسم لا يضايق المواسم الأخرى ... وهذه الشجرة المباركة خشبها أصلب ~~وأجمل من الجوز الذي نباهي بقشره. الخلاصة: كل ما فيها ينفع ولا يذهب شيء منها ~~هباء. # كان البيت اللبناني القبوي أكثر إيجارا من أحسن بيوت المدينة، ففي خلال شهرين، بل ~~من خلال خمسين يوما فقط، يقبض صاحبه المبلغ المرقوم إذا صح الموسم، فيفي ما استلفه وما ~~استدانه، ولذلك أطلقوا على موسم القز هذا الاسم: مخزق الكمبيالات، وما باع اللبناني ~~عقاره وحرم قبض الليرات الذهبية إلا عندما انقرض موسم الحرير. # فلكي تنجح دعوة الوزارة أرى ms27 أن تبدأ هي بمزرعة نموذجية، تدعو إليها الراغبين في زراعة ~~التوت، وتريهم النتيجة التي تدركها. أما توزيع النشرات وتقديم البزر، فهذا لا يكفي. إن ~~لدودة القز محبة في قلبي وجميلا في عنقي فلولاها لما تعلمت، فأنا لم أتعلم على حساب ~~أحد، كان عرق جبين جدي ووالدي يغنيني عن طلب معونة الأوقاف والقنصليات وكل ذلك بفضل ~~دودة الحرير. # لا أنسى عندما كنت أقطع توتة تضايق زاوية البيت، فجاء إلي والدي وقال: مارون! هذا ~~جزاء الفضل عندك ... هذي علمتك! صار من الحق أن تغيروا القول القديم، فتقولوا: من علمني ~~حرفا صرت له قصابا. # قصب يا ابني قصب ... الذي لا تتعب فيه الأيادي لا تحزن عليه القلوب. # قال هذا وانفتل ولعله راح يخفي دمعة. فألقيت الفأس من يدي وتبعته أسترضيه بالقبلات ~~والنكات وبقيت أعالجه حتى ابتسم. # فيا وزارة الزراعة، يجب أن يكون لك إيمان بحجم جبل صنين حتى تقيمي هذا الميت من ~~قبره. # لقد ذهب الزمان الذي كان يلبس فيه اللبناني حريرا؛ حياكة أمه، كما لبست أنا ولبس ~~غيري من أترابي. لقد ذهب الحرير الحقيقي مع التوتة «السعيدة الذكر»، وحل محله الحرير ~~النباتي المزيف، ولماذا لا يكون ذلك، فكل الأشياء تلحق بعضها ... ~~(2) عهد الدبابيس # إلى ح. م: # تلفنت لي لتلفت نظري إلى السرقة الأخطبوطية في قصر العدل، وهل من جديد تحت ~~الشمس؟ ~~«الناس» في غفلاتهم # ورحى «الأصابع» تطحن # ولكن الغريب العجيب هو أن نراعي الطائفية حتى في الاختلاس والتزوير، فقلما شنت غارة ~~إلا كان أبطالها من الملتين ... لم نعد نحتاج إلا إلى التعمق في علم الفرائض لنتقاسم ~~المواريث ولا يجنف أحد على أحد في توزيع تركة لبنان ... # كنا نضحك من عهد الانتداب ونتهكم عليه؛ لأن دفع حوالة بخمس ليرات، بل حوالة بليرة ~~واحدة، كان يمر على عشرة مكاتب على الأقل، وكل مدير أو رئيس مصلحة، كان يشك تصديقه في ~~ظهر العريضة بدبوس إذا ضاقت الورقة عن توقيعه. لا أنسى قهقهة صديقي المرحوم الشيخ ~~إبراهيم المنذر، حين سمينا ذلك الزمان، عهد الدبابيس. # أما الآن ms28 فنعترف أننا كنا مخطئين، فالحكومة الساهرة على مال المكلف، المجبول بعرق ~~الجبين، يجب أن تشك في معاملاتها المالية، مسلات لا دبابيس. فأكثر جماعتنا، لا كلهم، ~~يجب أن يكون موقف المسئولين منهم، كموقف مصارعي الثيران في إسبانيا ... المنديل الأحمر في ~~يد، والدبوس في يد، وإلا فإنهم ينصبون شراك حيلهم الجهنمية، وينطحون الصناديق بقرونهم ~~الإبليسية، ويبقرون بطنها بنيوبهم الغولية. # أما رأيي في الفضائح التي لا نهاية لها؛ فهو أن ~~جذورها لا تستأصل؛ ما زالت كلمة «بتتدبر» على ألسنة السماسرة، وما زالت الطائفية تدفع بل ~~تستفز الرؤساء من دينيين ومدنيين ليدافعوا عن سفهائهم وينتصروا لهم ... فاليد الطويلة لا ~~يقصرها إلا الضرب عليها، بعصا من حديد، حتى تتقفع. كانت تقطع يد السارق؛ تشهيرا له؛ ~~ليعتبر به سواه، فما كثر عدد السارقين عندنا إلا «اجتهادنا» لاختزال العقوبة، ~~وتهاملنا في التفتيش. # هل صفينا ثروة أحد من هؤلاء اللصوص؟ فما الحكم بلا قصاص، ولا تصفية، فلننتظر كل يوم ~~فضيحة. فعلى الدولة أن تبث المفتشين الصادقين الأمناء في كل دائرة كبيرة وصغيرة، ومتى ~~فعلت ستجد تحت كل تلعة يدا تندس وما من يحس بها. وإذا لم يكن عندنا مفتشون صارمون، ~~وبالتأكيد عندنا، فلنستأجر. فباب الإعارة والتأجير كان مفتوحا ولا يزال ... # إذا كانت الطبيعة عاقبت الهر على جريمته، فأخرجته من «المرطبان» خاوي البطن طاوي ~~المصير، فلماذا لا نفعل نحن مثلها مع القطط، المغيرة على صناديق الدولة. # يروون أن هرا احتال حتى دخل خابية الدهن، وراح يأكل ما طاب له الأكل حتى كاد ينفزر، ~~ثم حاول الخروج فلم يقدر؛ لأن عرضه ساوى طوله، واستمر الصراع زمنا، ولم ينفعه صراعه ~~إلا انحطاط قواه، فاستسلم وظل هناك حتى ضمر وعاد أضعف مما كان، وإذ ذاك قدر على ~~الخروج. # أما هكذا يجب أن يعود كل سارق إلى ما كان عليه؟ وإلا فنكون سراقا؛ لأننا نساعد ~~السارقين، وهكذا يظل حبل هؤلاء المحظيين على الجرار، فلا يمر يوم لا نسمع فيه باختلاس! ~~والذي عندي، هو أن تنفض الدولة عنها هذا الإهمال، وتصفي جميع حسابات دوائرها، ms29 ومهما ~~أنفقت في هذا السبيل تظل رابحة ؛ لأن في الزوايا خبايا. # يكفينا عمل حسابات جمع وضرب وطرح وقسمة. استريحوا من تقسيم المواريث الطائفية، ولا ~~تشغلكم زيادة عدد النواب، فليس فينا أحد منزه عن الغرض. المهم أن تسيجوا كروم ~~الدولة، فلا تغير عليها الثعالب من كل صوب. إن الحذر الكلي ينقصنا، فهؤلاء اللصوص، كل ~~واحد منهم داهية. كلما سددنا بابا فتح دهاؤهم أبوابا، فعلى «صاحب البيت» أن يسهر ولا ~~يدع بيته ينقب. # لقد صرنا في أمس الحاجة إلى أمثال شرلوك هولمز حتى يقف على كل مخرم من مخارم ~~الدوائر؛ لكي يتمكنوا من القبض على هؤلاء اللصوص العبقريين، ونسوقهم إلى «بيت خالتهم» ~~ملتبسين بالجريمة، ولا يكفي هذا، إذا لم نصم آذاننا عن سماع صوت الوسطاء، مهما علا ~~مقامهم. # كان لرجل امرأة سراقة، وقد أعياه أمرها، حتى صار يعد أرغفة العجين، ولكن المرأة، ~~المفكرة الكبيرة، لم ترم سلاحها، فصارت تقتطع، بعد العد، من كل رغيف نتفة. ولما قيل ~~لها: زوجك صار يعد العجين! قالت كلمتها التي تدور على ألسنتنا اليوم: زوجي لعين، وأنا ~~ألعن منو، هو يعد العجين، وأنا أشيل منو. فنصيحتي للمسئولين ألا يكتفوا بعد العجين ~~... ~~(3) الانتقاد يقوم الاعوجاج # إلى ط. ك: # لا يا صاحبي، لم أشبع من الانتقاد، ولن أشبع؛ فهو لي كالغذاء. وكما قال توماس جفرسن، ~~أقول: لقد عاهدت الله أن أكون إلى آخر العمر عدوا للطغيان في صوره العديدة، الطغيان ~~الذي سيطر على عقول البشر. # إن الانتقاد هو أنجع علاج لأمراض المجتمع، حكومة وشعبا، وحيث كنت على دين هذا المصلح ~~العظيم جفرسون، فإني أجري معه إلى آخر الشوط فأقول مثله: اللهم لا تقدر لنا أن نظل ~~عشرين عاما بلا ثورة. # أنا كحسان بن ثابت، ترعبني رؤية نقطة دم. ولكني أعتقد أن الانتقاد يقوم الاعوجاج، ~~ويصون الحريات، ويشيع المساواة؛ فقد كفانا احتكار المنافع. إن السكوت علامة الرضا، وما ~~دمنا غير راضين، فلماذا لا نحكي؟! # وزعت إعانة في ذلك الزمان على أهل قرية منكوبة، فجنف الموزع على أحد أخوين، فاستأثر ~~أخوه ms30 دونه بالحصة، فحمل المحروم حاله وذهب إلى جبيل؛ ليعرض ظلامته على مدير الناحية في ~~ذلك الزمان، وكانت كلمة قالها للمدير: يا سيدنا جئت أسألك إذا كان بطن أمي ~~بقطعين. # فحمي غضب المدير وصاح به: ... أمك. أنا قاعد في بطنها حتى أعرف بطنها بكم قطع؟! # فضحك الرجل الساذج، وقال لصاحب الرفعة: أعطوا أخي الإعانة وأنا ما أعطوني، ولهذا جئت ~~أسألك؛ لأنك أنت ملجأ المظلوم. # فانتبه المدير، وخاف عاقبة النقل أو العزل، وأمر ضابطيته، بإحضار شيخ الصلح، تحت ~~الحفظ، وأخذ نصيب الرجل منه. # أما لبنان فبطنه بألف قطع. وإن شئت فبقطع واحد لا غير. لا يحبل إلا بأبناء الست، أما ~~أبناء الجارية، فعليهم الغرم ولغيرهم الغنم، فكأنهم غنم يساق إلى المرعى ولغيرهم ~~المعالف. # ما زلنا كالعشائر، فلا يستشار إلا الزعيم، ولا نحاول إرضاء أحد غيره، مع أن عصر ~~الزعامة ولى وراح، ورئيس الطائفة لم يعد ينطق باسم الطائفة ... وكيف ينطق باسمها، وهو ~~لا يعرفها، وهي لا تعرفه؟! ثم ماذا يشعر من لا يخالط رعيته ليعرف بؤسها وشقاءها. هو ~~سعيد لأنه في نعيم مقيم، الخير فائض وعلى هذا يقيس غيره. # لقد مضى زمان الطاعة العمياء، وصار آخر فلاح، في آخر مزرعة، يشعر أن له كيانا ~~مستقلا كفرد، فلا يقضي عنه بالأمر إلا المفوض منه. ولأجل تحرير الفرد، من عبودية ~~المسيطرين عليه، قد حارب زعماء الثورات الأحرار. فهل يرجع بنا إلى الوراء؛ حيث تركنا ~~قيودنا محطمة؟ قل لي بعد هذا: لماذا أنتقد؟! # قال والت ويتمان: أتظن أنك تتعلم دروس الحياة من أولئك الذين امتدحوك، وعاضدوك وحنوا ~~عليك، إنك تتعلمها من أولئك الذين هاجموك وقسوا عليك؟ # إن الناقد عامل لا يتقاضى أجرا غير السب والشتم، وحسبه الله، ونعم الوكيل ... # معك الحق # إلى السيد عبد الوهاب صهيون: # سامحني إذا حذفت ما خصصتني به من ثناء، فهذه عادتي كي لا يصح بي القول السائر: ومادح ~~نفسه يقريك السلام. # أما سؤالك: «هل أنا متعصب إن كرهت فرنسا بعد الذي كان منها، أم أنني أقول الواقع ... ~~وهل من الشروط ms31 أن يحب المسيحي فرنسا، مهما فعلت بنا ، وإلا فليس مسيحيا ... إنني لا أجد ~~لتركيا من إسلامها شافعا بعد مقاتلتها لنا قديما وحديثا ... أليس الأجدر بنا أن نحب ~~أنفسنا ووطننا، مسلمنا ومسيحينا، ونفقأ عيون الطامعين بنا ... إلخ؟» # الآن جاء دوري يا عبد الوهاب، فهاك الجواب: إنك من القلمون، ولو عرفت ما فعل البطرك ~~بولس مسعد، منذ قرن، وهو مواطن لبناني، ومن كسروان، المقاطعة المارونية الصرف، لرأيت أن ~~ليس كل المسيحيين سواء. فهذا البطرك، حين سأله السلطان عبد المجيد أن يتمنى، كما كانوا ~~يعبرون، فلم يطلب من جلالته إلا إعفاء أهل القلمون من سوقهم إلى «السفر برلك» أي الحرب. ~~وهكذا نجا أهل القلمون من السوق إلى ساحة القتال ليقاتلوا دون أرض لا ناقة لهم فيها ولا ~~جمل. # والمطران البستاني، حين سركله رستم باشا، ونفاه إلى القدس، قال كلمته المشهورة: نحن ~~وفرنسا والدول المسيحية الأجنبية كالنار في زمن البرد. إن تقترب منها تحرقك، وابعد عنها ~~تدفئك. # وحين انتدبت فرنسا على لبنان، وصارت عندنا، تذكروا كلمة البستاني، حتى قال المطران ~~مبارك: كان الأحرى أن نظل مع فرنسا في عهد الخطبة، أما هذا الزواج فلم يكن سعيدا ~~ومباركا. # فلا يضايقك جهالنا، فهؤلاء لا يعرفون السرائر. لقد ولت أيام الغيرة الدينية ~~وحلت محلها المصلحة. كانت المصلحة فيما مضى سرية، وصارت اليوم علنية، فاللسان يجمع ~~الناس على الأرض ويوحدهم، ومتى زرنا السماء، ووجدنا يسوع لا يعرف العربية، نفتش في ~~الفردوس عن قس بن ساعدة، فيكون ترجمانا لنا! # أنا أقول كذلك المفكر المصلح الأميركي، وقد سبق ذكره: إذا قلت: إن في الكون عشرين ~~إلها، أو قلت: إن ليس هنالك إله، هل ينزل هذا القول الإضرار بجاري، أو يسلبه حقا، أو ~~يكسر له ساقا؟ وهذا الفيلسوف يجعل للأجيال المتعاقبة حقا في تغيير ما قررته الأجيال ~~السابقة، بأفعالها وبأقوالها، فلنتشبث بهذا، أنت وأنا وغيرنا، ونمشي على خيرة ~~الله. # كن المكاري واضرب كل حمار، وإياك أن تجادل أحدا، فالعمل مثقال ذرة، خير من قناطير ~~كلام مقنطرة. إن الزمان لا ينتظرنا حتى ms32 نمشي، فلنسرع معه إذا شئنا أن نلحق ركب الشعوب. ~~والسلام عليك من المعجب بروحك الوثابة. ~~••• # حاشية: # على ظرف مكتوبك ختم بريد صيدا، وهو صادر عن القلمون، فهل هناك قلمون غير التي ~~عند طرابلس؟ إنني أخاف وأحسب ألف حساب؛ خوفا من أن أكون كمن يتحدث إلى ذاته، وأن تكون ~~حكاية البطرك مسعد جاءت في غير محلها. ~~(4) الانتخاب الرئاسي # بدءوا يعبئون جيوشهم لمعركة النيابة، وهذه المعركة لها ما بعدها، فالنواب العتيدون ~~ينتخبون رئيس البلاد. ومن يرشحون أنفسهم لهذا المنصب الأعلى لا بد لهم من البذل، وإلا ~~فلا أمل لهم ولا رجاء. وإذا كان المرشح للرئاسة الأولى لا يكون إلا نائبا فلا بد له من ~~المرور بهذا المطهر - مطهر النيابة - حتى يدخل النعيم، ويملك سعيدا، وتعطيه الطوبى ~~جميع الأجيال. # ولا أدري لماذا نجري هذه الانتخابات، بل لماذا نزيد عدد النواب ما دامت شعور رءوس ~~الوزراء محصاة، ولا تسقط واحدة منها بدون إرادة أبيكم، كما قال المسيح لتلاميذه ~~... # للدستور في لبنان بطانة وظهارة؛ فهو ملبس على لوز، ولكنه لوز مر. ظاهر الحكم دستوري، ~~أما باطنه فأرستقراطي استبدادي، وكأنه يقول للحاكم: قل كلمتك وامش، ولا ترد على أحد. ~~من ذا يعارض سيدا في عبده ... # ترى من يفكر بلبنان لذاته من الأحزاب؟ إنهم يقصدون الوصول إلى الحكم، أما الشعب الذي ~~يحكمون باسمه، فيبقى حيث هو، وعلى ما هو. وإن قالت الأحزاب: هذا هدف الأحزاب في كل ~~الدنيا، قلنا لهم: ولكن هناك فرق، هناك يهمهم الوصول لينهضوا بالوطن وتثري الأمة، ونحن ~~نفكر كيف نثري نحن. غيرنا يفكر كيف يشيد دولة، عزيزة الجانب، ونحن نفكر كيف نشيد، في ~~أرض الدولة، بيتا رفيع العماد ... كقصور ألف ليلة وليلة. # عقلية قديمة هي عقلية اللبناني، إنه يفكر بأسرته ثم بضيعته وعقاراته، ثم بمنطقته ~~وملته، وقد بقينا قرونا نكتب في أوراقنا الرسمية: ماروني من عين كفاع، بلاد جبيل، ~~قضاء كسروان. وفي هذه الأيام ما زلنا نلمح تلك الآثار العتيقة فنقول مثلا: بيروتي ~~وجبلي. وراهبنا القديم كان ينتسب إلى ضيعته، ثم إلى رهبانيته، ms33 فيقال مثلا: القس مرقص ~~الكفاعي. # يقولون: انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية، ولا يد لشعب لبنان في انتخابه، الأمر موكول ~~إلى بضع عشرات من النواب، وهم الذين ينتخبون الرئيس في جو من المساومات والتطبيقات. ~~عندي أنه ما دام الحاكم اسمه رئيس جمهورية، فليتقدم الشعب كله إلى انتخابه. إن بلدا ~~تنتخب فيه المرأة، المختار وعضو البلدية والنائب لا يجوز أن ينتخب فيه رئيس البلاد ~~الأعلى أربعة وأربعون شخصا. إن لبنان ليس حديث عهد بالانتخابات وقد مر بها في جميع ~~أطواره. # كانت المناصب تنتخب الأمير حتى سنة الستين، ثم صارت القرية تنتخب شيخ الصلح، وشيخ ~~الصلح كان ينتخب عضو الإدارة، ممثل الشعب. ثم أضيف إلى شيوخ الصلح مندوبون ينتخبهم ~~الشعب لينتخبوا النواب. وبعدئذ، منذ عهد غير بعيد، أمسى الانتخاب على درجة واحدة، أي ~~جمهوريا، ثم انتهى الأمر إلى ما نحن عليه الآن، فصارت المرأة تنتخب، وما حرم من حق ~~الانتخاب إلا مطارين الموارنة بعد أن مارسوه خمسة عشر قرنا وأكثر. فآخر امرأة لبنانية، ~~حتى المعتوهة، يحق لها أن تنتخب، وأحبار هذه الطائفة مكفوفو الألسنة والأيدي، يحنون ~~رقابهم للنير، ولم يقل أحد منهم، كما قال داود: فلنلق عنا نيرهم. # فهذه مصر انتخبت رئيسها، وهذه سوريا كذلك، أما نحن فنرجع إلى الوراء، ينتخب عنا نواب ~~نعرف كيف صاروا، ولمن خضعوا حتى سادوا ... # ومع هذه الحالة السوداء نسمي لبناننا، بلد الإشعاع، ونقول: نحن، ونحن، «وما في الكون ~~غير نحنا»، نحن أبدعنا الحرف، ونحن وزعنا المدنية جرايات على العالمين ... وجدنا قدموس، ~~قتل التنين، وزرع أنيابه، ففرخت علما ومعرفة وحضارة ... نحن بلد الكلمة، نؤمن بقوتها، ~~فهي فاعلة ومنفعلة، ولا ينقصنا إلا أن نقول: إنها تجسدت وحلت فينا! # رويدا رويدا يا أصحابي، إنكم ترجعون إلى الوراء. فأنتم أول من وزع الأرزاق في ~~الشرق، حين ثرتم على الإقطاعية، منذ قرن، والآن تعود الإقطاعية إليكم من باب آخر. يأتون ~~من المغرب والمشرق، ويتكئون في مجالسكم، وأنتم تطردون خارجا، ومع ذلك تغنون صباح ~~مساء: كلنا للوطن. ووطنكم مسكين لا يشعر أحد بوجوده ... ولو ms34 كان لهذا الشعب وطن لسأل عنه ~~وغار عليه، ولم يدعه للمغيرين نهبا مقسما. # إننا أشبه حالة بما أشار به معاوية على ابنه يزيد كي يستتب له أمر الخلافة. قال له: ~~خذ أهل الشام بطانتك، وأكرم أهل الحجاز، وإذا سألك أهل العراق عزل وال، كل يوم، فاعزله ~~لهم. # ونحن نقول للحكام عندنا: اعتنوا بموسم التفاح ولو بالحكي، وانعشوا الاصطياف، وعدوا ~~الأمة بمشاريع إنشائية، تنفذ بعد نصف قرن ... أو كقانون من أين لك هذا؟ النافذ إلى ~~الأبد، يجدد انتخابكم جميعا، ولا حاجة إلى دم جديد، ووجوه جديدة، وإن كنا نحبها كما ~~قال معاوية لابنه. # والآن ما زال قدامنا سنتان، وما دمنا قادمين على نواب أكثر عددا، وإني لأرجو أن ~~يكون واحدهم بمليون لا ألف، فلنعدل الدستور، ونفتح باب الرئاسة على طول العمر، فيحق، ~~لكل من يشاء، أن يرشح نفسه، ولكن على شرط أن يكون الانتخاب الرئاسي على درجة واحدة، أي ~~أن ينتخب كل لبناني ولبنانية، الرئيس الأعلى. # طيارة بلا مطار # ما أجمل هذا الاختراع، وما أنفعه لنا في لبنان! فنحن قوم، ننتظر الاستقبالات، ~~والاصطفاف لها على جوانب الطرقات، انتظار الصائم، هلال العيد. ما نسيت أهل ضيعتي، حين ~~كانوا يحملون بواريدهم، ويهبطون إلى الساحل؛ ليلاقوا الباشا ... # قرأت أن فخامة الرئيس قد اعتزم أن يجعل سفره إلى الحفلات، التي تجعل تحت رعايته، ~~ويشرفها بحضوره، في مثل تلك الطائرة، حتى يرتاح من أزيز الزفزافات - الموتوسيكلات - ~~وأزيد أنا على ذلك: ومن تلك الزحمات، ومن هز اليد الذي يخلع أمتن الزنود ... # لم يقل، لطفا منه، من سماجة الذين يستقبلون وهم ليسوا في العير ولا في ~~النفير. # وإذا كان ذلك، كذلك، فما أهون إلغاء تلك المزعجات. إنها أهون من رد خاتم ثمين، أهدي ~~إليه، بمناسبة قران ابنه دوري؛ لأن الهدية لا ترد ... فيا صديقنا قبل الرئاسة: كش هؤلاء ~~من دربك، فإنهم يتفرجون على موكبك الضخم، ولا تعلم ما يقولون في قلوبهم، إنهم يكسرون ~~الجرة خلفك. أما هم الذين استقبلوا غيرك، وسيستقبلونك ما دمت واقفا، أما إذا قعدت ~~فلا ms35 ترجو شيئا من ذلك. # قدسية القضاء # هذه الهالة الطوباوية، التي تحف برأس القاضي اليوم، لم تكن موجودة في ذلك الزمان. ~~السلطان وحده كان مقدسا، وغير مسئول. أما اليوم، فالعصمة لم تبق للبابا وحده، فهي، لكل ~~قاض أيضا. عليه أن يحكم، وعليك أن تسد بوزك، وكان الله في عونك. # ليس لك أن تناقش بعد لفظ الحكم النافذ، فما كتب قد كتب. فما الحيلة، إذن، حتى نقول ~~للقاضي: لقد ضللك الشهود، وقد تهت في منطقة النفوذ؟ # لا أدري لماذا أفلس الحكم عندنا! أنا مؤمن حتى اليقين، بنزاهة قضاتنا، وإذا عجزوا عن ~~لفظ حكم عادل، راحوا يؤجلون، وينتظرون الوقت، وهو فكاك المشاكل. يوصونهم ويلحون ~~عليهم بإصدار أحكامهم، والضمير يناديهم: لا تحكموا على المساكين؛ لئلا يحكم عليكم قاضي ~~القضاة الجبار، حكما أبديا. لا تقبلوا الشفاعات؛ لأنكم قادمون على من لا يشفع عنده ~~إلا العمل الصالح. # إن من طبع الحاكمين عندنا أن يمطوا ما استطاعوا المط، ولذلك وضعوا قانونا: من ~~أين لك هذا؟ ساري المفعول، حتى آخر الدهر ... بينما بين أيدي القضاة دعاوى من هذا النوع ~~واضحة كالصبح، ومع ذلك يضعون مثل هذا القانون ليلطوا خلفه، ويؤجلون دعاوى محاسيبهم ~~وأنصارهم. # أما كان أحرى، بعد هذه المحاباة والمطامير، أن يقال لمستغلي نفوذهم: من أين لكم هذا ~~الإقدام! القاضي ممثل الله على الأرض، فلا تمدوا أيديكم إلى قوسه. إنه أسمى من قوس قزح، ~~والشعب غير غافل عما تفعلون، فاغمدوا سيف ديموكليس، سيف تحريم مناقشة الأحكام؛ لئلا ~~تظهر المخازي وتنبعث الروائح النتنة. # ليس في هذه الدنيا من هو معصوم من الخطأ، فإذا كان عندكم حب لإصلاح الخطأ، فنحن ~~مستعدون أن ندلكم عليه. ~~(5) تظهير لا تطهير # هذا هو عملنا في لبنان. إذا لم يكن لك إلمام بفن التصوير الشمسي، فاسأل أحد المصورين: ~~ماذا يفعل برسم، غير واضح الخطوط؟ إنه يلجأ إلى عقاقير خاصة، تجعل الرسم الغامض ~~بينا، وهكذا ينقذ الموقف بصورة باهتة. # كذلك هو عملنا في التطهير، فإننا نلجأ إلى الحيل القانونية لرد القذرين إلى سراديبهم ~~التي طارت شهرة ms36 لصوصيتهم فيها. # إن سياستنا العليا في لبنان موضوعها: تفاح، دورة استثنائية، اصطياف، تبرئة مجرمين، ~~مؤامرات حول كراسي الحكم، توظيف من ينعمون بصفو خاطرنا. # سألت واحدا: كيف وصلت إلى هذا الكرسي، ومنو ~~ضهرك!؟ فابتسم وسكت، وكأنه لا يريد أن يبوح بالسر. أما أنا فما سكت ورحت أستدرجه، ~~فقلت: ضهرك محافظ أو مدير. # فقال: كبر. # فقلت: نائب. بطرك. مفتي. # فقال: كبر ولا تخف. # فكبرت وقلت: وزير، رئيس وزارة. # فناس رأسه وقال: كبر، وفخم، كبر كثيرا. # فقلت: لم يبق إلا رئيس الجمهورية، والعهد بصاحب الفخامة، أنه لا يفكر بهذه ~~الصغائر. # فقال: ضهري علمي واستحقاقي. # فقلت: هذه أعجوبة يا أخي، وأنا لا أؤمن بالعجائب! # فقال: سماع يا سيدي، لقد نضحت بزوفى الواسطة المزدوجة، فطهرت وابيضيت، أكثر من الثلج، ~~كما قال داود. ثم أين يجدون مثلي غنمة قرعاء، لا تنطح، ورجلا، يربط الحمار، حيث يريد ~~صاحبه! # عدد النواب # ترى، هل تكون زيادة عدد النواب غير زيادة عدد: 44 - 55 - 88 - 120. # هكذا يقولون. كل واحد يقطع حلاوة على قد أضراسه، فالطامحون أكثر من الهم على القلب. ~~أما العلم؛ فهو عند اثنين: واحد لا نراه، وثان كنا نراه، قبل أن استوت السفينة على ~~الجودي، وتوارت الشمس بالحجاب ... # وبعد، فماذا تنفع الزيادة بل ما نفع الانتخاب؟ ما زال أجرأ ناخب يجيب من يزوره: ~~أمهلنا حتى نرى اتجاه المالكين سعيدا ... وما زال ذلك، كذلك، فما حاجتنا إلى الانتخاب، ~~وإنفاق أموال المكلف اللبناني، وسفك الدماء؟! # لقد ماتت إقطاعية الأمراء والمشايخ وفرخت على كعبها إقطاعية دستورية. أليس لكل نائب ~~حصة في الميزانية!؟ ألا يتداخل النائب في الكبائر والصغائر في منطقته؟ وإذا لم يستجب ~~طلبه، هدد الحاكمين بنزع الثقة. # أما أراد تلميذي الطيب، الجريء، إميل البستاني، أن يخفف من حدة هذه السيطرة، ويجعل ~~الحكم على مستوى عال، فكان أن تدهور كجلمود صخر حطه السيل من عل. # لم يكن غير مصيب ذاك الذي سمى هذا الأسلوب في الحكم، لعبة دستورية. فهي لعبة وأي ~~لعبة، ومن الخير أن نجعل عددهم ألفا؛ ليصير عندنا أولمبياد. ms37 # نسمع أن النواب اختلفوا، فنقول: جاءت وجاء بها الله. ولا يمر سواد الليل حتى نسمع ~~أنهم كانوا يصطبحون في أحد المرابع، أو أنهم يغتبقون في أحد البارات، على نغم المثالث ~~والمثاني، وانثناءات الغواني، التي هي أخت رقصة البطن، وتنتهي تلك الجلسة بالقبلات، ~~ويبقى الشعب بلا ظهر ولا بطن. وهل هو في الميزان لتكون له من الميزانية جصة ~~الأسد! # وأخيرا، نقول بصراحة: إن زيادة عدد النواب تكثير لعدد السماسرة، وهذا موسم، عسى أن ~~يعوض اللبنانيين، عن سقوط سعر التفاح، وانسداد باب التصدير ... ~~(6) الطائفية نسر لقمان # إلى بديع صابر: # في أساطير الأولين، أن لقمان الحكيم، عمر ~~كثيرا، وهناك من يزيد ويؤكد، أن إيليا ما زال حيا حتى اليوم، ينتظر مجيء ابن الإنسان ~~... وما اكتفوا لمار إلياس بذلك، فأعدوا له مركبة نارية، ذات حصانين، لم يصفوا لونهما، ~~فطار عليها واختفى خلف الغيوم، تاركا على الأرض تلميذه إليشاع؛ لينظر إليه كئيبا ~~وكأنه يقول له: خذني معك في هذه الشحطة ... # أما المقتصدون من الرواة فاكتفوا للقمان بطول العمر، وأعدوا لذلك أسطورة طريفة، ~~فقالوا: إنه قيل له: إنه سيعمر عمر سبعة أنسر. وقد لمح إلى ذلك أبو تمام، في معاتبته ~~عياش بن لهيعة، الذي شق طريق المطل لكافور: # قصر ببذلك عمر مطلعك تحو لي # حمدا يعمر عمر سبعة أنسر # أما لقمان، فحتى يحصل على أطول مدة من العمر؛ فقد جاء بسبعة فروخ من النسور وأحاطها ~~بعناية لا حد لها. وكيف لا يفعل، طالما أن حياته مربوطة بحياتها! # وبعد دهور، ماتت الستة، وبقي للقمان واحد، اسمه لبد، عمر حتى ضج، من طول عمره، ~~الأبد، كما قال الشاعر. # أما لقمان، وهو الحكيم، فلم يسأم ولم يضج، بل تمنى لو أن نسره الدهري يخلد، كما خلد ~~النبي إلياس، فالحياة لا تمل. ولكن لبد، له نفس، فلفظها وأراح لقمان أخيرا، من ~~تكاليف الحياة، ولن يسأمها كما سئمها زهير ... # وقبل أن ندع لبد أحب أن أقول لك، يا عزيزي بديع صابر: إن لقمان هو واحد أربعة من ~~المشاهير، الذين قال فيهم ms38 شاعرنا العربي: # فصاحة سحبان، وعفة يوسف # وحكمة لقمان، وزهد ابن مريم # إذا اجتمعت بالمرء والمرء مفلس # ونادوا عليه لا يباع بدرهم # فهل تلوم الناس بعد على جمع المال وتتغضب عليهم؛ لأن شعارهم: تعال يا حرام، ورح ~~يا حلال! # قد تقول: وما علاقة نسر لقمان بموضوعي الذي كتبت لك عنه؟! فاسمع قليلا تعلم أن بينها ~~كل العلاقة، ولكني أنا فيما كتبت ألبد من لبد، وإنني أتضرع إليك وأسألك أن ~~تسايرني هذه المرة، فأنت الذي جئت بالدب إلى كرمك ... # إن نسر لقمان مات بعد أطول الأعمار، أما الطائفية فإنها على وشك ... وإذا لم نحضر، أنا ~~وأنت، دفنها، فأحفادنا سيقومون بهذا الواجب ويكسبون الأجر العظيم الذي لا يفوتنا ~~بعضه. # لقد أجملت لك وهاك التفصيل. إن الطائفيين، وخصوصا الذين يعيشون عليها، يتمنون للعهد ~~حياة أبدية؛ لأن حياة لبد هي الإكسير الذي يطول عمر عزتهم وجبروتهم. وإلا فأي طريق ~~يسلكون حتى يحتلوا قصور العزة والمجد والكرامة. إن الطائفية هي الأوتستراد الذي شققناه ~~نحن قبل أن تفكر به الدول العظمى. من تراه يسأل عن أصحابنا بعد موت لبد؟ وباسم من ~~يتكلمون؟ وأين يجدون الأيدي المكسورة حتى يشحذوا عليها! # فلولا الطائفية، من ينحني أمامهم، ويقبل أياديهم الطاهرة، ويلتمس بركتهم وصلواتهم! ~~ثم إذا ذهبت الطائفية إلى حيث ألقت ... أفلا تلغى مناصبهم الإلهية ولا يبقى مدع عام ~~يطالب الناس بحق الله سبحانه وتعالي. # من كتابك يلوح لي أنك مثقف، فلا بد إذن من أن تكون قد قرأت حكاية الشيطان والكاهن، ~~التي كتبها جبران بقلمه، وهي من أساطيرنا، وهذه هي: # أنهك الشيطان مرض عضال حتى ذبل قرناه وذنبه وجناحاه فارتمى على الطريق وهو ~~يئن، فمر به كاهن ولم يهمه أمره، وأراد أن يتركه يموت على مهله، فصاح به ~~الشيطان: إلى أين أنت ذاهب؟! تعال اعتن بي وداوني، فإذا مت أنا، استغنى ~~الناس عن خدماتك. # أخال أنك لبيب، يا بديع، وقد فهمت المعنى. فالطائفية شيطان منظور فوق الأرض، نراه أنت ~~وأنا، يستعين به عدو البشر الذي لم يره أحد، ولعله متهم ms39 بريء. # لا تحاول أن تقنعني بلزومها وضرورتها، وكيف أقنع وأنا قد رأيت وأرى كل الشر فيها، فهي ~~أم الفتن ومنبع البؤس. قد يكون لا غنى للناس عن التطاحن والتناحر؛ لأن ذلك من ~~طبعهم. # فليفعلوا ما شاءوا، فنحن لا نحاول استئصال الشر من جميع القلوب، فما دام في الدنيا ~~منافع فلا بد من التخاصم والتذابح. # لا تخبرني عن حرائق مصر وحلب والشام بل لا تذكرني بها، فأنا أقرأ الجرائد. إن ما ~~حدث هنا وهنالك يحدث مثله كل حين، وهذا كله يزول متى قضي على جذور الطائفية في نفوسنا. ~~عند إخواننا، الجهاد. وعندنا، الاستشهاد. ومن من الفريقين قتل لأجل قداسة ~~السماء! # وبعد، فأنا لا أتوجه في ما أكتب إلى إقليم دون آخر، فكلنا في الهوى سوا. وهذه الدعوة ~~موجهة إلى الجميع، ومن له أذنان للسمع، فليسمع. # يا غيرة الدين! كانوا يستوحون الناس بها يوم كانت الأوطان ضيقة النطاق، أما اليوم، ~~أو بعد وقت قريب جدا؛ فقد تصبح المسكونة كلها وطنا واحدا، ولا يهم البشر إلا ~~الحياة بهدوء وطمأنينة في ظل الكفاف. # هل تظن أن رئيس الولايات المتحدة وملك الجزيرة العربية قد دارت بينهما أحاديث السماء ~~ومن يرثها؟ # إن رائحة النفط التي تملأ خياشيم الكون، قد كانت بخورهم في هيكل البيت الأبيض. # أتظن ابن الرومي قد تحدث عن الإمبراطورية العباسية حين قال: # ولي وطن آليت ألا أبيعه # وألا أرى غيري له الدهر مالكا # إنه يتحدث عن بيته الذي اغتصبته امرأة، لا عن ~~الوطن. لقد كبر الوطن مع الأيام، ولكن عقول الطائفيين لم تكبر ولن تكبر، وخصوصا الذين ~~إذا مات «لبد» يقطع رزقهم ... # قال لي صاحب كان - رحمه الله - شاعرا كبيرا: تطلب مني أن أتنكر للطائفية وأنا ~~ربيبها! أما على أكتافها صعدت حتى بلغت كرسي العالي؟ ربما كان شغل هذا المنصب غيري ~~لولاها. # أرأيت إذن يا بديع، أن الطائفية مطية من لا مركوب له؟ ويؤلمني أن تظل الوظائف عندنا ~~تعطى كما كانت تعطى الجرايات في أيام الحرب الأولى. إن كلمة «يا غيرة الدين» يجب ms40 أن ~~تفطس وتحل محلها كلمة «يا غيرة الوطن». وإذا لم تصف النيات فليس لهذه البقعة ~~حياة. # أخبرني أحد أنسبائي العتاق، وهو من رواد المهاجرين، كيف هفا قلبه حين سمع واحدا ~~يتكلم العربية عند وصوله إلى البرازيل، فارتمى عليه يقلبه ذات اليمين وذات الشمال، ~~ويقبله ويهتف: حبيبي! عيوني! وهو لا حبيبه ولا عيونه ولكنه يتكلم لغته. لم يسأله عن ~~دينه ولا عن طائفته، فكل ما عناه، تلك الكلمات التي نطق بها. عرف الغريب أن له مواطنا ~~ينصره في الشدائد، ويركن إليه إذا خطب عرا. # أنشقى على الأرض وندفع الضرائب لمن يزعم أنه يرشدنا إلى السماء؟ فلنسعد الآن، وحدنا ~~ستين جهنم. ولكن لن يكون لنا من جهنم نصيب إذا تحاببنا، فالمحبة تغفر جميع الذنوب مهما ~~كبرت وعظمت وكثرت. # لقد أطلت معك الكلام، فاعذرني لأن هذا الموضوع يملأ تلافيف دماغي كلها، ولا أدري إذا ~~كنت أعيش حتى أرى اسم الطائفية محذوفا من تذاكر هويتنا. # أليس من المؤسف المخجل أننا لا نزال في لبنان نعبئ أوراقا تقسم تلاميذنا طوائف، ~~كما كنا في عهد الانتداب ... إن تفريقنا طوائف لهو علة العلل، ويكفي أنه لا يرينا إلا ~~وجوها لا تتغير. كأن الوظائف لعبة دومنو، الحجارة هي هي، ولا يتغير إلا صفها. أو ~~أنها «الزهر» في لعبة الطاولة إذا كانت الدائرة أضيق، ومن طاف زهره ربح الدق، وباعنا ~~بالدشش ... ~~(7) الشعوب لا تفنى # إلى ك. صليبا، بيروت: # أشكرك على ثنائك العاطر ... ولا أنشر كل رسالتك ولا بعضها، ولكني أجاوبك، أما قال ~~جميل بن معمر: لكل خطاب يا بثين جواب. # لا تتعجب من وثبة مصر الجبارة، فتاريخ الأمة خميرة نهضتها، ورجاء وثبتها، والأصل ~~عون، كما يقول أبوك وجدك يا كامل. # أرأيت كيف تمشي الكهرباء في الأسلاك؟ كذلك تمشي روح العبقري المفرد في أمته ~~الأصيلة، وهذا هو جمال عبد الناصر. إن تاريخ الشعوب هو تاريخ فرد، فالمجموع لا ~~يفكر، ولكنه يمشي كما تعود، متى دعي. أما الفرد فهو الذي يشغل عقله، والعقل ~~خلاق، فلو لم يكن على رأس مصر هذا ms41 الدماغ الكبير، ذو الإرادة الفولاذية، لنامت ~~مصر تحت الضربة. # إن الشعب المصري، على بذاذة سواده الأعظم، شعب عريق أصيل، وضع عباقرته الأوائل ~~أول حجر في بنيان صرح المدنية. ومن يدريك أنه ليس في عروق من يسمونه ابن البلد ~~ملكا فرعونيا عربيا. إن الشعوب لا تفنى ولا تموت أبدا، ولكنها تضحي بنفسها؛ ~~لتحيا هي أو ليحيا غيرها، وهذه مهمة الحياة التي تجدد نفسها بإفناء جنس ما؛ ليقوم ~~جنس أصلح. # فيا عزيزي صليبا: # على الأمم ألا تأسف على أمجادها التي ذهبت. إنها لم تذهب، بل هي باقية الجوهر، ~~فانية العرض، وهذا ما يوضحه لنا المثل العامي القائل: عرق الأصل نزاز. # أما الفناء والاندثار، فأشبه بتقطير الزهور والكحول. العماشيش تذهب، والخلاصة ~~تبقى. والحضارات ليست من عمل جنس واحد، أو أمة واحدة. فالوحدة الحقيقية هي خلاصة ~~الأجيال والدهور، ولكل جيل فيها عمل حتى عاد وثمود وطسم وجديس. وقد جاء في الآيات ~~الكريمة: # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم ~~قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~. # قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في ~~الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~. # إن حبل الكذب قصير، وإن طال، والطمع ما نفع يوما. فلا تقل: «من كان يظن أن مصر ~~تتلقى هذه الضربات؟» أنسيت يا صاحبي، أن مصر تلقت ضربات التوراة السبع وظلت ~~مصر؟ والذي أوجد فيها هذه الفتوة العنيدة هو واحد، والأمة يرفعها واحد ويحطمها ~~واحد، فلا حرمنا من واحد، ولو في كل قرن. # كثيرا ما يسمى هذا الواحد خياليا حين يطلع، ولكن الشعلة الإلهية، بل العقل ~~الخلاق، يتقد فيه فيخلق مدنية جديدة، أو يرفع شعبا إلى المستوى الأعلى. # أما الذي يهمل عقله ويمشي على الهينة، فهذا لا يصل؛ لأن لا غاية له ولا هدف. ~~فكلما توارى بطل نقول: هل يقوم مثله بعد؟ # نعم يا سيدي. لا بد من أن يقوم، فالطبيعة الخصبة لا تهمل نفسها، ولا تريد أن ~~تفنى. وما نحن، في قبضتها الجبارة، إلا سهام ترمي بنا الأهداف، فنصيب؛ لأنه لا بد ~~من البقاء. # دلني مكتوبك ms42 على أنك أديب مطالع، فهل تذكر «الجرثومة» التي ذكرها أبو تمام في ~~بائيته المشهورة؟ ففي هذه الجرثومة - يا عزيزي - تكمن الشرارة في الأمم العريقة، ~~وقد استيقظت في مصر بشخص عبد الناصر. فاعجب لجندي فاق دهاؤه دهاء الإنكليز، وطغت ~~حماسة شعبه على حماسة الفرنسيين. # فمن لنا بمتنبي جديد يمجد أعمال هذا البطل، ويمحو ما قال المتنبي الخالد في هجو ~~مصر؛ فقد كتبت صفحة جديدة في تاريخ العالم، وكان قلمها سيف عبد الناصر. # ليت المتنبي يقوم من قبره فيرى أن مصر ليست نائمة عن ثعالبها، وناطور مصر الأكبر ~~لم يدعها تعود إلى كرومها ثانية. # فأين شعراؤنا الذين يقولون الشعر كلما لاح لهم وجه جميل؟! ألا يعجبهم وجه البطولة ~~التي أطلت من نوافذ كل وجه مصري؟! لقد حان لنا أن نسمع شعر شاعر. فأين فلان وفلان ~~وفلان؟ ترى ألا يعجبنا الموضوع؟! أنظل حائمين على الخدود والسيقان نشتم بإلحاح ~~العطور المصطنعة؟! إن الموضوع أجل مما نتصور، وهذا الحصار لا يقل عن حصار ~~طروادة شأنا. # لا تخافوا يا أصحابي. فالموضوع يحرك الجماد، فشرعوا أقلامكم، وتذكروا ~~شاعرا قال أحسن قصائده في مثل هذا الموضوع. إنه ابن هاني، الذي سموه متنبي ~~الغرب، وكلكم تذكرون مطلع تلك القصيدة الرائعة: # فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر # وأمدكم فلق الصباح المسفر # وجنيتم ثمر الوقائع يانعا # بالنصر من ورق الحديد الأخضر # وعنا لأمر ماريشال الشرق جمال عبد الناصر، أما حان أن يكون للشرق ماريشال؟ فهذا ~~هو، ومن يمنح هذا اللقب غير الشعب؟! # ترى، ألا نقول الشعر إلا لنعطى؟ فهذا قد أعطى الشرق مجدا يمكننا من القول: ~~عندنا جمال عبد الناصر. لقد استحقت بطولته لقب المنقذ، فامنحوه إياه، ولكم ~~الحق. # دافع المعتصم عن عمورية، فقال له أبو تمام ما قال، وقاتل سيف الدولة عن قلعة ~~الحدث، فقال له المتنبي: وتفتخر الدنيا بكم لا العواصم. # ففكروا أنتم ماذا تقولون لهذا الفتى الأسمر، شاعر مجدنا وعزتنا ~~وكرامتنا. # إلى السيد إميل فؤاد الخوري: # افتتحت رسالتك بهذه العبارة: «من مزارع عامل في حقله، قابع في بيته، ناعم ms43 في ~~بؤسه، إلى ... السيد مارون عبود.» # لله درك من مزارع فصيح، بليغ، لا يلف ولا يدور ولا يثرثر. ففي كل عبارة من ~~عباراتك معنى تكمن تحته أشياء. # قلت: إنك مزارع، ومن أنبل من المزارع؟! ألسنا جميعا مزارعين يا صاحبي، ألسنا ~~كلنا ننتظر إقبال الموسم لنفرح ونتهلل! # أتذكر عنوان فيلسوف الفريكة أمين الريحاني: بزور للمزارعين؟ لقد زرع كثيرا ~~وقدم للناس بذارا، ولكنهم أكلوه فماتت الحبة في بطونهم ولم تتغذ بها عقولهم ~~... # تسألني بعد الثناء، الذي أشكرك عليه، ولا أتواضع تواضعا كاذبا فأقول: إني لا ~~أستحقه. إني أستحقه، وحسبي أنه جاء من مزارع يعرف قيمة البذار، فلا يأكل حبة يرجى ~~أن تغل له مائة. # تقول لي: ولكنني لا أدري لمن تكتب، وعلى من تقرأ زبورك؟ ألمثلي؛ ليلهو عن مصابه ~~بحديث طري يخشخش آلامه؟ # أم لضرير يبصر بعينيه ويعثر بعقله؟ # أم لحكومة تبقي المشاريع العمرانية عرضة للنزعات الحزبية والأهواء السياسية! ~~تستغل المنافع الخاصة في الأمور العامة، وتضع موازنة الدولة تحت تصرف النواب ~~يتصرفون بها كما يشاءون ويحرمون منها من يكرهون، ويخدمون بها من يحبون ~~ويريدون؟ # أم لفئة تحول بين الحق وأهله، دأبها جمع المال والإثراء، ولم يعد عندها للفضيلة ~~من وزن، ولا للعدل من حرمة؟ # أم لتلميذك سليم حيدر الذي يقول: كنت أنعم على فراش من حرير يوم كنت تلميذا، ~~فأصبحت أتقلب على فراش من قتاد يوم صرت أسير السياسة؟ # أم تكتب لتلفت مقاما عاليا رفيعا إلى أخطاء ترتكب ويحجب وجهه عنها؟ # أنت تكتب لكل هؤلاء ولكنك تكتب لا لتلهو، ولكنهم يقرءون؛ ليتسلوا لا ليدركوا أنك ~~تكتب ناصحا متألما. # أما أنا فأكتب إليك شاكرا، على رجاء أن يهدي الله من تكتب إليهم لصلاح نفوسهم ~~ولما فيه من صلاح الأمة. # هذا بعض ما تحتوي رسالة مزارع جارة الوادي، وكم أتمنى أن أراه لأقبل جبهته ~~وأهز يدا خلقت للمحراث والقلم. # إننا نكتب يا سيد إميل، لكل هؤلاء، وكما تنتظر أنت انقضاء الشتاء وعواصفه، أنتظر ~~أنا الساعة التي تلبس ثوبا غزلناه لها، ونسجناه من خيوط قلوبنا ms44 ... أنا لا أقنط كما ~~لا تقنط أنت، وأنتظر بصبر كما تنتظر والآتي قريب. # لا أقول لأمتي ما قاله فيلسوفنا الغزالي: # غزلت لهم غزلا دقيقا ولم أجد # لغزلي نساجا فكسرت مغزلي # لا والله، فلن أكسر المغزل، ولا يضرني استخفاف من نكتب لهم، فهؤلاء مثقفون ~~ولكنهم يصيرون أميين لا يقرءون ما نكتب عندما يجلسون على كراسيهم الرفيعة ~~العماد. إنهم في غمرة الوظيفة وحولهم حملة المباخر والفراشي. إنهم في سبات أعمق ~~من سبات أبينا آدم حين أجرى له الله في مستشفى عدن عملية سحب الضلع ... أرأيت أن الله ~~كان أول المبنجين؟! # هل ألوم الزمان فأكون كما قال الإمام الشافعي: # نعيب زماننا والعيب فينا # وما لزماننا عيب سوانا # فما دام لبنان كله منافع. مثل زيت الغار، فهيهات أن يطمئن شعبه الكادح. وما دمنا ~~نقول ولا نفعل، ونداجي ونصانع ونكذب، ونتنكر لماضينا، فحري بنا، لو أنصفنا، أن ~~نصف زماننا بقول الطغرائي: # غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت # مسافة الخلف بين القول والعمل # تأمل يا أخي إميل، أقوالنا وقس عليها أفعالنا، ثم لا تنس أن الطغرائي قال ~~لأمته بعدما غادر كرسي الوزارتين. أما قبل أن يصل، وحين وصل، فلم يفكر بشيء من ~~هذا. # إلى الأستاذ بشير الأعور «رئيس لجنة الإدارة والعدلية البرلمانية»: # منذ عشرات السنين، وهذا البلد حقل تجارب كأنه مزرعة ... تارة يزداد عدد النواب، ~~وطورا ينقص، وفي حالتي الزيادة والنقصان، نحن نحن، لا زيادة ولا نقصان في ثروتنا ~~الاجتماعية. فما زال الكثير من النواب لا يجيئون إلى الجلسات إلا إذا كان لهم مأرب، ~~وكثيرا ما يظل النصاب مفقودا، فماذا تجدينا الكثرة؟ ألندفع النقوط وهم يرقصون؟! ~~أيتنزه النائب على حساب المكلف ويعدو مصالحنا وهو وكيلنا المأجور؟! لا أقول: ~~أجيرنا، كما قال أبو العلاء في أمراء عصره. # إن الإخلاص ليس في الكثرة، وما زال الانتخاب يدور في حلقة مفرغة، والأشخاص هم هم، ~~فماذا نرجو من مجلس ننتخبه! فما زلنا نقول حزب فلان وحزب فلان، نظل بعيدين عن ~~الأهداف الإصلاحية وتظل وجهتنا غاياتنا ومصالحنا. # إن إصلاح الجهاز الحكومي لا ms45 ينفع، فلو تبنينا أرقى أشكال حكومات العالم، وليس ~~عندنا أشخاص يصلحون لهذا الشكل، فالأمل قليل بفلاحنا. في أي دولة غير دولتنا يصغر ~~الموظف عمره حتى يظل قابعا على كرسيه؟ هل الوظيفة زوجة لا يوافقنا أن نظهر أمامها ~~أننا كبرنا، وأننا نحبو إلى الشيخوخة؟! # في الدنيا يتنحى الموظف من عمله من تلقاء ذاته، ويقول: مللت، وأريد أن أستريح ~~من هذه المتاعب. أما نحن فلا نتعب؛ وذاك لأننا لا نعمل، ونحضر ساعة نريد، ونفتح ~~بابنا في وجه أصحاب المصالح ساعة نشاء. فكأننا في بيتنا غير مسئولين. يكونون ~~مزدحمين على بابنا المغلق ونحن نراعي القوانين الصحية في تناول فطورنا ... نطحن ~~طعامنا طحنا. # إن إصلاح الحكومة وصلاحها لا يصلح أحدا، فالوطن الصالح لا يكون إلا إذا كان هناك ~~شعب صالح. والشعب الصالح الواعي هو الذي يصلح الفاسدين ويقصي المفسدين ويحطم كل ما ~~هو غير صالح. فمحاولتنا إصلاح الحكم والحكام تكون عقيمة إذا لم نهيئ للوطن شعبا ~~صالحا وأفرادا عارفين. إن الشعب الجاهل أبله، وهو دائما مداح وممالق ومصانع، ~~وهو أبدا مع الواقف. # فمن منا يهمه لبنان أكثر من بيته؟ وأي فرق بين حالنا اليوم وبين الحالة في زمن ~~الإقطاع؟! ألا يفكر نوابنا بمن ينوبون عنهم فقط، أي بمن ينتخبونهم، وينظرون إلى ~~المواطن اللبناني الآخر نظرة من لا يعنيه أمره؟ وكم سمعت من يقول له: نائبك فلان لا ~~أنا. # حسن جدا أن يعنى النائب بمصلحة منطقته ولكن لا يجوز أن يتنكر لغيرها. وإذا جاءه ~~واحد لبناني فلا يصح أن يقول له: رح إلى نائبك. إن هذا الواحد يدفع لك معاشك مثل ~~الذي تظن أنك تمثله، ومتى أوجدنا هذه التفرقة، صار علينا أن نجعل لكل دائرة ~~ميزانية، لها ضرائبها، ولها منافعها كما أن لكل دار منافع ومرافق ... # كانوا فيما مضى يفرضون على كل قضاء مالا سموه مال الربع المجيدي، وهو مخصص ~~للمنافع العامة. أما اليوم فالشعب كله يدفع بالسواء ضرائب غير مباشرة، وأصحاب ~~النفوذ يتناتشون ما يجمع، يعملون لأنفسهم ويخصون أخصاءهم ولا يفكرون بالمحرومين. ~~وإذا كان ms46 هناك نائب، ليس على الغرض، قعد مكتوف اليدين ووضعنا العصي في دواليب ~~سيارته، فنضر الجماعة حين نضر هذا الفرد. # ناس الأوطان الأخرى يفكرون برءوسهم وقلوبهم ويعملون مخلصين، أما نحن فنفكر ~~بأعيننا وجيوبنا، وعلى قدر عدد أحبابنا نجعل عدد نوابنا. فما زالت «النار المقدسة» ~~تتلاعب ألسنتها، في موقد الانتخاب، فهذه الطبخة لا يتغير لها لون وطعم. فتأمين حرية ~~الانتخاب وحرمة الناخب وصحة الانتخابات لا يكون إلا إذا تنحى «الزنابر» عن الضغط ~~والصر، والكر والفر؛ لأن الشعب لا يفهم بالصالح غير «غرضه»، وهو لا يفكر إلا ~~بعقل فلان، ويحشد له كل قواه، وهكذا يصل إلى النيابة من يريده فلان وفلان لا من ~~يؤهله صلاحه. # إن الفرد عندنا ما زال مقصرا في هذا الميدان ولا يعرف قيمة نفسه. إنه غير مثقف ~~لا يعرف أنه لا يعيش حرا إلا إذا أبرز من نفسه فرديته المتميزة التي لا يشاركه ~~فيها إنسان ما، وأنه يعيش عبدا إذا أهمل أمر إبراز شخصيته. # ما زلنا نجر قيود تربيتنا الاجتماعية الأولى، وهي تربطنا بالأسرة والحزبية ~~العمياء الضيقة، فنمشي عميانا متكلين على من يقودنا. لا يعنينا أن نفكر، فالأب أو ~~الزعيم يفكر عنا. وكيف تصلح الانتخابات ما دمنا بهذه العقلية القاصرة عن إدراك كنه ~~الشئون. يقولون - مثلا - في أميركا: حزب كذا. ونقول نحن: حزب فلان، وحزب فلان. وأي ~~خير يرجى من فلان إذا كان فلان. قال المسيح: إن من لا ينكر أباه وأمه لا يستحقني. ~~هذا هو لسان حال الوطن. # هناك، في أميركا يتولى الدعاة شرح صفات المرشح ومزاياه، وعلمه وفلسفته السياسية، ~~ورأيه الخاص ونزاهته وتفكيره، أما عندنا فننظر إما إلى غرضنا وغايتنا الشخصية، وإما ~~إلى زول المرشح وباعه وذراعه أو إلى ثرثرته وعياطه ... إن أولئك واثقون من أنفسهم، ~~وبممارستهم هذه الحقوق تعودوا ألا يحيدوا عن الخطة المرسومة. لا يقنعهم إلا ~~البرهان، أما نحن فنمشي ولا نسأل إلى أين. # عندهم ينتخب الغائب في أقاصي الأرض، وعندنا لا ينفع ألف شاهد عدل إذا كان في ~~التذكرة خطأ بنقطة حزف. وقد حصل ms47 هذا فعلا، وكنا جمهورا نشهد أن هذا الشخص، حامل ~~التذكرة ، هو الخوري بولس الحسيني، ومع ذلك لم يسمح له بالاقتراع. # منذ دهور ولبنان يتقلب من يد هالك إلى يد مالك، إلى قباض الأرواح. ومنذ أكثر من ~~قرن ولبنان في قبضة بعض أسر معدودة يتوارثه أحفادهم وأحفاد أحفادهم. تتراوح السيادة ~~بين أفراد كأنها كرة لعبة القدم، والصراع قائم حولها. حقا إنها لعبة كرة قدم، ~~فكما لا يحق لغير الفريق المعين أن يتداولها، كذلك لا يحق لغير هؤلاء أن يحلموا ~~بالرئاسات المرموقة، وهكذا أفلسنا؛ لأننا لا نحاول أن نخرج من هذه الحلقة المفرغة ... ~~فكأن الذين يلون الأحكام حجارة داما يتلهى بها هذا الوطن في انتخابه. # والغريب أن بعضنا يتحدثون عن سماسرة الانتخاب، وقد كانوا هم سماسرة ... يتحدثون عن ~~الضغط على الناخبين، وهم مكبس من الطراز الحديث، يعتصر الماوية حتى من الخشب. ~~يضحكني أن ننسى أنفسنا حين نتكلم أو نكتب. # يقول المثل: المطمورة تكسر السكة: فلماذا نجعل حياتنا مطامير أو طوامير! ولماذا ~~لا نقول لفلان ما يقوله الناس عنه حتى يستحي ولا يتصدر المجالس ويملأ النوادي كذبا ~~ونفاقا. فلننشر ولا نطمر كالهررة، إن ما تطمره القطط ضرره ضيق النطاق، أما ما ~~نطمره نحن فيضر بنا كمجموع. # عندما صلب ابن الزبير وظل على عوده ثلاثة أيام معروضا للنظارة مرت أمه وقالت ~~كلمتها المشهورة: أما حان لهذا الفارس أن يترجل! وبلغت الكلمة من صلبه فأمر ~~بإنزاله. والآن، بعدما كثر المط واللت، أما حان لهذا البلد أن يعرف على أي ~~خازوق يجب أن يركب. ولكن شعبنا لن يركب بل يظل مركوبا ... فإلى متى تظل الوظيفة ~~عندنا للاستثمار لا لخدمة الوطن. فكلما ركب كبير جحشا كبيرا من جحاش الوظائف ~~اشترى العقارات ورفع أعمدة البنايات. فحكاية الوظائف عندنا كحكاية المرحومة ستي عن ~~الرصد، فإذا ألهمت كلمة السر أخذت كنوزه. # أما رأيي في موضوع الانتخاب؛ فقد قلت الكثير منه والآن فلنلخص: لو جعلنا العدد ~~مائتين، والنار هي هي، فلا رجاء لنا بالحصول على أكلة طيبة. إذا كان العدد قليلا ms48 ~~قد تستطاع محاولة جمع العدد اللازم لاكتمال النصاب، أما متى كثروا فمن يجمعهم؟ فخير ~~لنا أن نكون صارمين مع نواب الشعب؛ ليأكلوا رزقهم حلالا زلالا. فالذي يغيب لا ~~يدفع له عن غيابه، وإذا تغيب كذا جلسات تلغى نيابته. # إن النيابة أسهل رزقة عندنا؛ فهي لا تحول دون عمل آخر، ومع ذلك كثيرون من نوابنا ~~يغيبون بلا مسوغ ويطالبون المأمور الصغير إذا غاب لمرض ولم يكن يخصهم. وعندي أن ~~أول شرط في المرشح يجب أن يكون قد أدى الضرائب والموجبات التي عليه للحكومة، وأن ~~يكون قد دفع أقساط القروض في حينها، وأن يكون يحسن الدفاع عن حقوق الأمة جمعاء، وأن ~~يكون على الأقل متوسط الثقافة، فنحن جمهورية مسقط رأس الجرف! وبلد الإشعاع ... وأن ~~ينظر في ثروته الطريفة من أين أتت ... وألا يكون ممن حملوا الشعب أحمالا ثقيلة؛ ~~ليحطها عن كاهله. وألا يكون مشجوبا ولو بريء. وألا يكون ممن استغلوا النفوذ ~~صندوقيا، ومحليا، ومشاريعيا، أي أن يكون نظيفا شريفا. # أما تحديد العدد والدائرة، واتخاذ الضمانات لتأمين حرية الانتخاب، فهذه ثانوية. ~~فدزينة منتخبة صالحة تغني عن ألف. # مجلس الشيوخ # قد دعونا وندعو إلى الانتخاب الرئاسي على درجة واحدة، أي أن ينتخب الشعب بأجمعه - ~~رجالا ونساء - رئيس الجمهورية. وبهذا يخف الضغط الانتخابي النيابي؛ لأن المعركة الكبرى ~~سيساهم فيها الشعب بجميع طبقاته. # أما مجلس الأعيان، ولا أقول مجلس شيوخ، ولا مأوى عجزة؛ احتراما لأناس يحلمون بعضويته ~~بعدما نضجوا، وعلمتهم مدرسة الحياة دروسا عميقة. فإذا كان ولا بد من زيادة عدد أعضاء ~~مجلس النواب فلا بأس بأن يكون ثلث العدد مجلس أعيان؛ ليسهر على مصالح الأمة ويساهم في ~~خدمتها على مستوى عال. # يقولون: إن وجود هذا المجلس يؤخر سير الأعمال، ونحن نقول: وهل مجلس النواب إكسبرس! ~~فأدراجه مدافن لقضايا كثيرة. # إن مجلس الأعيان لا غبار عليه، ولكن الغبار كله يكون عليه إذا كان معينا، فمن يخاف ~~المعركة الانتخابية فليبق بين جدران بيته؛ لأن من لا ينتخب من الشعب لا يمثل الشعب، ولا ~~يحق له أن يتكلم ms49 إلا باسم الذي يعينه. # والكنيسة، في فجر وجودها، لم تر أصلح من الانتخاب فانتخبوا سبعة رجال؛ لإدارة الشئون ~~وصلوا ووضعوا عليهم الأيدي. وعلى خطة الرسل جرت البيعة في انتخاب المتقدمين في ~~الأخوة. سنة كنسية لم تحد عنها الكنيسة إلا مرة في الزمن القديم؛ إذ أقام البابا قونون ~~قسطنطين، شماس كنيسة سيراكوز على كرسي أنطاكية، دون أن ينتخبه أكليروس هذه الكنيسة. ثم ~~عرف أنه رجل سيئ السيرة، محب للخصام، فقبض عليه بأمر البابا والملك وأودع السجن، ولهذا ~~لم يحصه المؤرخون بين بطاركة أنطاكية. # 1 # وعلى المبايعة - أي الانتخاب - جرت الخلافة الإسلامية وظلت بخير هي والملة حتى كانت ~~بدعة ولاية العهد. فالتعيين في كل حقل من الحقول البرلمانية مخالفة لروح الشارع؛ وهي ~~معرضة دائما للخطأ والخطل. # إن الانتخاب - على علاته - لم تتوصل الشعوب إلى أفضل منه. فعلينا أن ننتخب «أعياننا» ~~من الرجال الكاملين، وأن نبعد عن هذا المجلس كل من في تاريخه نقطة سوداء فلا يكون بينهم ~~إلا الفاضل. # إن لبنان مشهور بأكلة يسمونها «كبة الحيلة» وما التعيين إلا كبة حيلة. المعاش حيلة، ~~ومن احتال عاش، هكذا تقول العوام. أما أن نلجأ إلى التعيين، فهذا افتئات على إرادة ~~الشعب وحيلة لمن يريد أن يأتيه رزقه رغدا، فيتمتع بالسلطان على الهينة. الانتخاب هو ~~أصح ما يعمل ولا يكون بعده لا قيل ولا قال. # ثم إن مجلس الأعيان هو الفرامل في سيارة المجلس فلا تزلق ولا تتهور ولا تتحطم. ~~فلننتخبه مع النواب؛ لأن السياسة لا تسلم ولا تنجو بدونه. # نحن في بلد الكلمة، وعسى أن يعير المسئولون كلامنا أذنا صاغية، وإننا نشكر للأستاذ ~~بشير الأعور؛ لأنه أقام وزنا للشعب الذي استنابه، فعرض قضية الانتخاب وزيادة عدد ~~النواب على الرأي العام، وعسى أن تكون لجنة الإدارة والعدلية التي يرأسها مخيرة لا ~~مسيرة فلا يذهب التعب باطلا. # إذا لم نجدد بناء إنسانيتنا، فعبثا نبني القصور لإقامة العدل؛ فقد كانوا يعدلون في ~~الخيام، ولم تحل دون ذلك تفاهة البنيان. إن الدولة برجالها الصالحين، لا بمعاقلها ~~الحصينة وسجونها ms50 المؤشبة بالحديد المفولذ. ~~(8) تعديل الدستور العشائري # إلى السيد إلياس فرح: # وصلني مكتوبك الكريم ... وعليه طابع بيروت، فأنا في جوابي لك كمن يخاطب الجو؛ فقد تكون ~~إلياس فرح، وقد لا تكون، وعلى كل الفرح خير من الحزن. # إن مكتوبك فيه ما فيه من نقاط على الحروف، ولكن الجرأة الأدبية تعوزك كأكثر ناس هذا ~~البلد، يرون الشر ويسكتون عنه ما دام رأسه سالما. وما هكذا يا أخي إلياس تصلح ~~الأوطان. # قلت: أخي، وأنا أعني ما بيني وبينك في الأخوة. إنني أنا لا أتنكر بقناع «البربارة» ~~لأشهد المهزلة التي تمثل على مراسحنا، وأنت تريد أن تكون ممثلا حقا لا شخصا ~~حقيقيا. لقد تعبنا من هذا التمثيل، ومن التصفيق لأبطال الرواية ... ومن أين يستقيم لنا ~~الأمر إذا لم نصفر عند الاستهجان! # وبعد، فرسالتك أطول من ليل امرئ القيس، ولولا أن صفحات الصياد تضيق عنها لنشرتها ~~بحروفها، ومع ذلك فقد استعنت بأيوب ... وقرأتها كلمة كلمة، ولم أخرم منها حرفا، حتى إنني ~~حاولت أن أستوضح الكلمات التي حاولت أنت طمر آثارها. إنك تعلم من جوابي أنني قرأت هذا ~~المجلد ... # تلومني لأنني لم أبد رأيا بمجلس الشيوخ، وقد خيل إلي من خلال أسطر دفاعك عن هذا ~~المجلس، أنك من الطامعين بكرسي فيه، بل إنك من الموعودين بذلك العرش؛ لتكون في العب ~~في الدهر العتيد ... # نعم لا بد للبلاد من حكمة الشيوخ إلى جانب حماسة الشباب، فحكمة الشيوخ هي المقود الذي ~~يخفف من شطط السيارة، ولكن أليس أكثر من في الندوة شيوخا حكماء يدينون بقولنا: حاكمك ~~وربك. هؤلاء ينتخبون ومع ذلك يقادون بخيط قطن، وينتظرون غمزة. # عندما أعيد الدستور العثماني في أول عهد عبد الحميد، كان لبيروت مبعوث فيه - نائب - ~~يصوت دائما على أساس هذه الكلمة: أنا من رأي مولانا السلطان. أما خليل غانم، مبعوث ~~بيروت الثاني، فلم يكن يؤمن بغير سلطان فكره ورأيه. ثم كان الحل ففر خليل إلى ~~باريس، وفر مدحت باشا إلى الحجاز؛ حيث مات ولم يمت ذكره. # إنني أخشى أن يكون جميع أعضاء مجلس ms51 شيوخنا العتيدين من رأي «مولانا السلطان»، ويظل ~~الشعب في المعصرة حتى يستقطر كل ما في زيتونه من زيت ... أنا - راجع مقالي - قلت: إنه إذا ~~كان ولا بد من هذا فليكن المجلس منتخبا لا معينا، فالتعيين مؤامرة على إرادة الشعب ~~وحيلة على الوصول من أقرب السبل وأهونها. # لا بأس من إيجاد مجلس شيوخ، ومجلس شباب، ومجلس عجائز، وندوة أوانس وعوانس، إذا كنا ~~قادرين على الدفع، ونحن قادرون إذا قللنا من مطامعنا، ومطامع محاسيبنا وأنصارنا، ووضعنا ~~على الصناديق حراسا أمناء ساهرين، فلا تشن عليها كل يوم غارة ... # أما سمعت بسرقة أمانات قصر العدلية؟ ليتك تعرف ما قال القرآن الكريم في الأمانة، ~~فترتعد فرائصك. # إنا عرضنا الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها ~~. وهل جرأ الناس على سرقة الأمانة وغيرها إلا رخاوة الحكم؟! # ولكن قبل أن نخلق مجالس جديدة ونكثر العدد يجب أن نؤمن النصاب! فلنضع قانونا يوجب ~~على النائب حضور الجلسات - كما يفرضون على الطالب في بعض معاهد الحقوق في السنة ~~الدراسية كذا وكذا ساعات - فإذا كان لا يحضر إلا الجلسة التي فيها مآرب أخرى ... يسقط حقه ~~من المعاش الذي يقبضه في آخر الشهر. وأما أن نجرهم جرا ونسحبهم من الغرف التي ~~يقيلون فيها؛ ليكتمل النصاب، ولا تتعطل لغة الكلام فهذا امتهان لحقوق النيابة وسمو ~~مقامها. # قد تقول: هذا هو نمط المجالس النيابية، وأنا أعجل لك الجواب: مع أننا عريقون في ~~التمثيل النيابي ترانا مقصرين عن سوانا، بل عن أسلافنا الذين كانوا في أواخر القرن ~~التاسع عشر. # اقرأ مجلة «أوراق لبنانية» لصاحبها البحاثة، المدقق اللبناني الكبير يوسف إبراهيم ~~يزبك؛ لترى كيف كان الاثنا عشر عضوا يقفون في وجه ممثل السلطان، وكلمة السلطان كانت ~~تفزع، ثم لا يسألون عما يكون. # لقد ضاق فرنكو باشا المتصرف الثاني بمعارضة الشيخ أسعد بو صعب حتى صار يحمل الفرمان ~~الشاهاني في جيبه، ويخرجه من كيسه المقصب، ويأمر بقراءته في الندوة، وحتى إذا بلغ ~~القارئ اسم فرنكو، صاح المتصرف: أسعد صعبي، فهمت أني أنا متصرف ms52 جبل لبنان لا أنت! فيجيب ~~الشيخ أسعد بو صعب: ولكنني يا أفندينا أعرف أيضا نظام جبل لبنان وحقوق شعبه. # ها قد وصلنا إلى تعديل الدستور الذي تسألني رأيي فيه، وكأني أراك تغمز بعينك ظانا ~~أنك أحرجتني. # لا يا جندي المجهول! اسمح لي أن أقول لك، قبل الجواب بنعم: في النحو توجد علة، مقام ~~علتين، فتمنع الاسم من الصرف. ومرض القلب، علة تقوم مقام ألف علة. فدستورنا مريض ~~بالقلب، فلنعالجه بالتعديل. أنكون في عهد فخر الدين وغيره لبنانيين لا طائفيين ونعود ~~إلى صميم قلب الطائفية في هذا الزمان! فأين حملة «التطعيم» للاطائفية؟ لقحوا الدستور، ~~وإلا فلا شفاء لمريضكم. لقد استحقت الحكومة شكر لبنان على إنقاذها إياه من الجدري، فهل ~~تتضافر السلطات الثلاث وتنقذه من طاعون الطائفية؟ # نعم نريد تعديل الدستور، وخنق الطائفية التي تفرض علينا جميع الموظفين حتى المياومين ~~منهم ... فمهما عملنا لتصحيح الانتخاب، والطائفية والمادة ستة وستة مكررة موجودتان، فلا ~~رجاء ولا أمل. # يجب أن يعدل الدستور، فما هو كالوصايا العشر مكتوب بإصبع الرب، وليس إنجيلا أو ~~قرآنا. إنه من عمل يد غريبة غربية تعرف حاجاتنا ولكن هدفها كان مصلحتها. كانوا يهددون ~~رئيس الجمهورية، إذا لم يخضع لمشيئتهم، بأنه رئيس جمهورية يملك ولا يحكم. فهو رمز ~~البلاد لا أكثر، يذيل ما يقرر بتوقيعه، ويلزم قصره منتظرا المقررات التي تأتيه. أما ~~إذا انقاد مستخزيا، فيكون صاحب الحول والطول. # إن هذه الأدران في دستورنا لهي وصمة في جبين لبنان الحر، ولا خلاص لنا من هذه القيود ~~إلا إذا عدلناه، وحذفنا الطائفية، وجعلنا الانتخاب الرئاسي شعبيا. إذ ذاك يكون لنا ~~دستور ديمقراطي. ونفهم أننا لسنا في قبضة يد تقول لنا: شعور رءوسكم محصاة، ولا تسقط ~~واحدة منها بدون إرادة أبيكم ... أما إذا ظلت الحالة على ما هي، وشعور رءوسنا محصاة، ~~فلا يصح أبدا أن ينتخب الرئيس غير الشعب؛ نسوانا ورجالا، فتكون إذ ذاك خطيئتنا في ~~رقبتنا. وكما سبقنا الشرق كله إلى إعطاء المرأة حق الانتخاب وترشيح نفسها، يجب أن نجعل ~~الترشيح للرئاسة من ms53 حقوق الجميع! # يظهر لي، يا أخي إلياس، أنك ماروني وتخاف على حقوق الطائفة من الملل والشعوب، فمم ~~تخاف بعد؟! ألم تقرأ في الصحف كلمة بطريرككم؟ فهو يصرح: أنه بعد درس عميق اتضح لي أن ~~الدينين واحد، وقد قال من قبل: إذا رأيتم متعصبا لطائفته فاصفعوه ... # قال لي مرة البطرك إلياس: إذا لم أذهب أنا إلى الجامع ويأتي صاحبك مصطفى نجا إلى ~~الكنيسة فلا يصير شيء مما تدعو إليه. فتسميتك ابنك محمد لا تقدم ولا تؤخر ولا تحل ~~القضية. # فتشجع إذن يا أخي إلياس؛ فقد قضي الأمر الذي به تستفتيان، فكم من دول توالت علينا ~~وعشنا في عهودها موفوري العيش، وما كانت تلك الدول إلا إسلامية. المسلمون طيبون يا ~~إلياس، إن دولة لبنان علمانية، والشارع لا ينص على وجوب كينونة الرئيس الأعلى مسيحيا، ~~فلماذا لا نتحرر! فلنفرض أنها قناة السويس؛ فقد أممت وما وقعت السماء على ~~الأرض. # الدستور لم يكتب بإصبع الرب، وهب أنه من شرايع الكنيسة، أما عدلوها بعد مرور بضعة ~~عشر قرنا عليها؟ أما كان جدي الخوري لا يقدس إلا على ريق بطنه، ومنذ سنتين حلوا ~~الناموس فصار الكاهن يفطر ويقدس، ويتغدى ويقدس، ويتعشى ويقدس، ويسهر ويحضر حفلة ~~كوكتيل ويقدس، فهل دستورنا المكرم بهذه القداسة؟! أم هل الطائفية التي ترفع أناسا على ~~ظهر ناس هي أعظم قدسية! # يا الله ما أغفلنا! أنتمسك ساعة نشاء بالعرف، ونترك الشرع ساعة يلايمنا الترك؟ وما ~~زالت الدويلات - مهما صغرت - بمأمن من الاعتداء على كيانها، فلماذا لا ننتزع القيود ~~الصدئة من دستورنا؟! # أتكلم وكأن في دستورنا مادة تفرض طائفية الرئاسة علينا، مع أنه لا شيء فيه من هذا. ~~فلنتحرر. فلنكب الزيت كبا على دولاب الدولة؛ ليدور، فالصلاحيات التي انتهت إلى ~~رئاستنا لم تعد تتفق مع واقعنا، وهي والطائفية أصل البلاء. # أقول لك هذا ولا أبالي، وأقول: إننا في حاجة إلى الدقة العظيمة، في جميع شئوننا، من ~~الميزانية إلى الأوقاف المتروكة تحت رحمة أفراد يعجز أذكى شيطان عن إدراك ما يفعلون. ~~والأمر كان أهون لو ms54 كان الاتفاق سائدا بينهم، إنهم كجميع البشر في خصام دائم، يبغض ~~بعضهم بعضا، ويكيد بعضهم للبعض الآخر. # مرتا مرتا! أنت مهتمة بأمور كثيرة والمطلوب هو واحد، وذلك المطلوب هو أن نرضي أهلنا، ~~ومحاسيبنا، وأنصارنا ليلتفوا حولنا في الانتخابين: الصغير الكبير ... ومتى كانت هذي هي ~~الغاية من النيابة فحضورنا - عند اللزوم - أكثر من كاف. # خمسون عاما وأكثر قضيتها أنا، يا إلياس، أشهد معاركنا السياسية. فلا خلاص لنا، ولا ~~نماشي الأمم والشعوب، إلا إذا جعلنا دولتنا علمانية فعلا، لا اسما كما نحن اليوم. ~~أعلمانية وطائفية على صعيد واحد! # شهدت دولة بني عثمان وسقوطها، وانتداب الفرنسيين وزواله، والحرب الأولى ومجاعة لبنان ~~فيها، والحرب الثانية، والثالثة لولا قليل، وفي كل هذه السنين، لم يسكت قلمي ولا لساني، ~~ولم أر في زمان ما، مثلما رأيت في هذا الزمان، من إثراء لا حد له. ألا نخجل حين نقرأ ~~أن السر أنطوني إيدن يعود بعد اعتزاله الحكم إلى التفتيش عن عمل في مجالس إدارة ~~الشركات؛ ليؤمن مصير حياته! بينا نراهم عندنا يبنون قصورا، ويمتلكون المزارع! حقا؛ ~~إن جماعتنا حكماء يحسبون حساب آخرتهم، ثم فليكن بعد ذلك ما يكون، فمن بعد حمارهم لا ~~ينبت العشب. ولكي نكون منصفين، فمن حق الحكام علينا، أن نقر لهم بازدهار البلاد وتقدمها ~~في أكثر الميادين. # إن كل هذا حسن، والأحسن منه عدل ساعة قبل قيام الساعة ... وما سبب هذا التعسف ~~واللامبالاة إلا أولئك الخداعون الكذابون الذين يلتفون حول أولياء الأمور فيغشونهم ~~ولا يخلصون لهم النصح. فلنعدل دستورنا، فمن يفكر بطائفته في هذا الزمان فهو قبلي ~~جاهلي. ولكن ما الحيلة بمن لا يقرءون، ولا يسمعون ما يقال؛ لأن ليس لهم آذان، وما النفع ~~من الأذنين إذا كان الرجل بعيدا عن مرمى الكلمة، أو هو يعرف ولا يريد أن يصلح ~~نفسه. # إن كنت لا تدري فتلك مصيبة # أو كنت تدري فالمصيبة أعظم # فحنانيكم أيها السادة، فما كنتم تشكون منه أنتم في الأمس ها نحن نشكو منه اليوم. إن ~~شعب لبنان واع ولكنه غير مغامر ms55 في السياسة. هو يعرف الصالح، ولكنه لا يجرؤ على التصريح ~~بما عنده. يعرف النائب الأمثل؛ لأنه عايش الانتخاب دهورا. # فالمسيحي كل شئونه انتخابية، وإذا جرى غير ذلك، وعين البطرك تعيينا، فذلك جور وشذوذ، ~~ولا قاعدة بدون شواذ. والمسلم شعاره: والأمر شورى بينكم. أما قال بشار، الشاعر الثائر، ~~للخليفة العباسي، يوم كانت الرءوس أرخص من اللفت والفجل: # ولا تجعل الشورى عليك غضاضة # فإن الخوافي قوة للقوادم # لقد انتخب لبناني ما أسعد بو صعب بعد عشرين سنة مرت على وفاته، ولما قالوا له: ~~تنتخبه وهو ميت؟! فأجاب: ومن يقاوم المتصرف في مجلس الإدارة غيره؟! # ألا يدلك هذا - يا عزيزي إلياس فرح - على أن اللبناني يفكر تفكيرا صحيحا إذا ترك ~~على دينه. هذا من حيث سلامة الانتخاب، ولكننا متى رأينا الذين كانوا سماسرة انتخاب آخر ~~مرة يتناسون ماضيهم، ويهيبون بالمنتخب أن يتحرر من القبض، من تأثير الزعماء، ومن ومن، ~~ويقيمون من أنفسهم مرشدين، فكيف نرجو يقظة هذا الشعب! # في الانتخاب الأخير جاء أحد السماسرة يعرض على واحد من ضيعتنا مبلغا وهو محتاج إليه ~~للأكل والكسوة؛ لقاء تصويته وتصويت أولاده، فأجابه ذاك القروي بكل إباء: لا تغرك ثيابي، ~~فأنا أبيع كل ما أملك إلا نفسي، فتح عينك، وقل للذي تريد أن تشترينا له: إنه كان مثلنا، ~~وسنصير مثله إذا بقي الصيت الطيب. # إذن لا تخف على اللبناني من شيء إلا الغرض، ومثله يقول: صاحب الغرض أعمى. إننا نقول ~~للذين يضعون قوانين تقطع الطريق على من يحولون دون حرية الناخب: الخوف منكم أنتم أيها ~~الوصوليون، ارفعوا أيديكم عنا وما عليكم منا. # وماذا بعد يا عزيزي إلياس؟ نعم، أما السؤال الأخير: وماذا ينفعك هذا الكلام، وماذا ~~ترجو؟ فلو كنت ممن يرجون شيئا غير الكرامة اللبنانية لطرت إليك على جناح صاروخ سوفياتي ~~لا على جناح الطير، ووافيتك في الموعد المضروب إلى المكان الذي عينته لي في رسالتك. ~~ولكنني في عمري كله ما ساومت أحدا، ولن أساوم عزرائيل إذا كان لي مناص من قبض روحي ... ~~فبلغ الذي استسفرك ms56 إلي، وقل له ما قاله السيد للكتبة والفريسيين: إذا أسكتم هؤلاء ~~الصبيان الصغار نطقت الحجارة. # والسلام عليك، ويا ليتني أعرفك؛ لأحييك يدا بيد، وأصافحك وجها لوجه، وأقول لك ~~كلاما «تحطه أذنك خرص» كما يقول الموال البغدادي، فنحن في زمن صح فيه ما جاء في هذا ~~الموال أيضا: البوم طير الفصاحة والبلابل خرس ... # ولكن «الردة» الأخيرة من هذا الموال أيضا فيها كل التعزية للمتخلفين: الدهر دولاب ~~والأيام قلابا. فلننتظر والله مع الصابرين. ~~(9) على طريق الحياة # قلما نرضى بحقيقتنا فنحاول دائما أن نلبس ذواتنا ثيابا فضفاضة يشعر كل من وقعت عينه ~~علينا أنها ليست لنا. نجرر أذيالها لنمجد بها في حين أنها لا تكسبنا غير الهزء ~~والسخرية. يعجبنا رجل فنستعير منه مكرمة، ولكن كل من يراها يعلم أنها عارية. # ما نحن إلا موكب يتدافع بالمناكب على طريق الحياة، يقلد بعضنا بعضا. مشهد طريف، ~~والذي يتأمله يرى أطرف شريط سينمائي متحرك، والطرافة فيه أنك قلما ترى واحدا غير ~~متكلف، فلو فكر كل منا لعلم أن له حقيقة واحدة ليست لأحد سواه، فعبثا يتقمص ~~غيرها. # فالأخلاق كالنار، والصدور براكين تكظم ما فيها، وإنما إلى حين، فكما تكمن النار في ~~الحجر الصلد، وفي العود الأخضر واليابس على حد سواء، ولا يبديها إلا الاحتكاك، كذلك ~~أخلاق الرجال، فلا بد من أن تكشف لنا عن وجهها في الوقت المناسب. # قد تكمن النار في قلب الأرض مئات السنين، ولكن لا بد أخيرا من الانفجار والانقلاب. ~~فتدك الجبال الراسيات دكا، وتتهدم القلاع والحصون والقصور والدور. وكذلك الماء، فإنه ~~إذا كان يجري مستترا في شرايين بعض البقع، فلا بد من أن يدلنا عليه ما ينبت من أعشاب ~~على وجه التربة، فتنبئنا أن هناك خزانا سينبثق إذا نفس عنه ويجرف الأرض. # إن سجايا الإنسان شبيهة بهذين العنصرين الأولين: الماء والنار، فكل حركة من حركاته ~~تنم عليها أفعاله في غفلة منه وتشهد على طويته، وإذا حاول سترها، أو كتمانها، فعقله ~~الكامن ما وراء الحدود يلوح لنا بها من بعيد. رب كلمة أفلتت ms57 من عقالها، فأبدت لنا ما ~~خفي واستتر من أخلاقنا، فظهر للناس جليا كالصور على الشاشة البيضاء. إن العوام ~~يعرفون هذا ويمثلون له بقولهم: إذا قلت للجوعان أربعة وثلاثة، جاوبك سبعة ~~أرغفة. # ومما يروى من هذا القبيل أن رئيس مجلس نيابي دخل الندوة، وفيه رغبة ملحة للقاء ~~صاحبة كان معها على موعد كاد أن يحين، فبدلا من أن يعطي الإشارة ويقول: ابتدأت الجلسة، ~~قرع الجرس بحدة وقال: انتهت الجلسة. # هكذا تفضحنا حركاتنا اللاشعورية، فتنزلق كلمات تفضحنا ونحن لا نحس ولا نشعر. فكما لا ~~يحجب القفص عيوب الطائر الصغير ومحاسنه، كذلك الصدر فإنه قفص القلب. أما النوافذ فهي في ~~الرأس، عقل يرى ولا يرى، وعين تتمثل، وفم يتكلم، وكل حركة وكل كلمة تصدر منا تبوح ~~بما عندنا من أسرار. فسجايانا - على اختلاف ضروبها - تبدو جلية، ولو أرخينا عليها ~~سدولا أكثف من سدول ليل امرئ القيس. # فالمرائي إذا ركع وسجد وصلى في صحن المعبد ليله ونهاره، قارعا صدره كالعجائز، وفي ~~يده مسبحة أطول من حبل الجمال، فلا بد من أن تبوح حركاته بما طبع عليه. # والمداجي الخبيث المكار، مهما رمى على الناس من كلمات معسولة وابتسامات مزورة، ومهما ~~فتش عن عبارات حلوة؛ ليعرب لك عن محبته وصدقه ووفائه وإخلاصه، ومهما نثر من درر ~~الكلام السحري، فإن تلك الغمامة التي تجلبب وجهه وتسربل جميع جوارحه، لا بد من أن ~~تكتسحها رياح الحق، فتكذبه وتفشي أسراره وتفضح بنات صدره. # وذاك المتعجرف المتظاهر بالتواضع الرصين، وإن سبقك إلى التحية، وأبدع في أساليب ~~الاحتفاء والاعتبار فاتحا فمه شبرين، راسما من ذراعيه حلقة تطوق جبل صنين وهو ينحني ~~احتراما لك حتى يكاد يقبل الأرض بين يديك، فإن حقيقته لا بد أن تظهر. # وذاك المطرق الرأس خشوعا وتقوى، والمدعي الاعتصام بحبل العفة وطهارة الذيل، لا بد ~~من أن يفشي اختلاسه النظر كل ما عمل على إخفائه وأجهد نفسه في كتمانه. # أما حضرت دعوة حاول صاحبها أن يجمع بها كل ما في سوق بيروت من أطايب المأكولات وأشهى ~~الحلوى، وألذ ms58 المشروب! كل ما في البيت مرتب نظيف، مقاعد كأنها السرر التي يجلس عليها ~~أهل الجنة متقابلين، فتأكل عنده، وتشرب ما يحلو لك، حتى إنك لا تستطيع أن تشتهي شيئا، ~~ومع ذلك تقول لأحد رفاقك وأنتما خارجان: أتعرف ماذا كان ينقصنا؟ كانت تنقصنا حقيقة ~~الرجل؛ فقد كان متكلفا، وكل ما حاول إبداءه من طلاقة محيا كانت تغشاه غمامة غير ~~منظورة. # لقد صدقت يا صاحبي كما صدق المتنبي الذي قال: # وللنفس أخلاق تدل على الفتى # أكان سخاء، ما أتى أو تساخيا # فكل هذا الرياء لا يجدي صاحبه غير تعب ومشقة. وكما تحمل الرياح العطر ناشرة له، هكذا ~~تنشر طوية الإنسان حركاته، فهي تظهر مكنوناته، وتبدي ما استتر من طباعه، وكأنها لسان ~~ناطق يذيع على رءوس الملأ ما دق واختفى من أسراره. # فعبثا يسعى المحب الذات ليراه الناس مخلصا للجماعة، وأن يروا فيه رجل تضحية وإحسان، ~~فالوعاء بما فيه ينضح، ومن ادعى بما ليس فيه تجيء ساعة تكذبه فيها أفعاله. وأقلنا عقلا ~~من يظن أنه يكذب علينا وهو لا يكذب إلا على نفسه. # كان الأجدر به أن يهذبها ويروضها على مكارم الأخلاق، فذاك خير له من إفناء الزمان ~~عاملا على التحلي بأخلاق أفاضل الناس، والفضل منه براء. # إن جهود الإنسان، مهما بذل منها، لا تقوى على إخفاء الحقيقة، ولا تستطيع قوى البشرية ~~جمعاء على إطفاء نورها مهما كان ضئيلا. فأولى لنا ثم أولى أن نعتصم بكل ما هو حق؛ لأنه ~~أنفع لنا وأجدى من القناطير المقنطرة من الرياء والكذب والنفاق، وقد قال شاعرنا وما ~~أصدق ما قال: # ثوب الرياء يشف عما تحته # فإذا اكتسيت به فإنك عار # فإذا ادعيت الشجاعة، وأنت جبان، يطير قلبك هلعا وفزعا عند أول تلويح وإيماء، فلا بد ~~من أن تأتي ساعة يبين فيها جبنك، والذي تحاول إخفاءه عن الناس. # كان لنا - في ذلك الزمان - رفيق مدرسي يطيب له أن يحدثنا دائما عن فعاله الجبارة في ~~لقاء الحيات، قلما نجت منه حية - كما ادعى - حتى خلنا أنه يقبض على ms59 حية موسى كما ~~يقبض على فراشة. من يتمنى أن يلقى حية ؟! نحن ... كنا نتمنى أن نراها وصاحبنا معنا؛ لنرى ~~ما يكون منه. ظل رفيقنا ذاك لا يدع فرصة تمكنه من الابتهار إلا انقض عليها وصفع آذاننا ~~بقصصه. وكنا ذات يوم نتلقى درسا، فمررنا على بيت جرير: # لقد زعموا أن الفرزدق حية # وما قتل الحيات من أحد قبلي # فقال: فشر، ماذا عمل جرير؟! # فقلت له: جرير يتكلم عن عصره، فربما كان مثلك قتال حيات. # فشاع الرضا في وجهه وانبسطت أساريره بعدما تجعدت. # وكان يوم الخميس فرحنا إلى التنزه وتوغلنا في غابة، وكان راعينا يصيح بنا في ذلك ~~اليوم الحار: توقوا الحيات يا شباب. # وكان رفيقنا البطل يضحك، وأخيرا قال للراعي: ما عليك يا معلمي، أنا معهم فلا خوف ~~عليهم ولو كانت حية بديع الزمان ... # وأعجبت الأستاذ الراعي بديهته وإن لم يصدق قوله. # وشاءت الحقيقة أن تظهر، فانسابت حية بين رجلي صاحبنا، فتزعزعت أركانه وقفز كالغزال ~~المذعور. وكأنه تذكر ما كان يدعيه فتماسك ووقف قبالة الحية وتركها تمر بسلام، فانسلت. ~~فقلنا: ما بالك واقفا؟! دونك إياها. # فقال: كنت أفكر من أين أجيئها، وكيف أقبض عليها. # فقلنا: أهي لعبة شطرنج، وهل يكون تقتيل الحيات خططا حربية؟! # فقال: أنسيتم أننا حفظنا أمس قول المتنبي: الرأي قبل شجاعة الشجعان. # كثيرون هم المدعون فلو تأملتهم مثلي لرأيت صورا مضحكة قلما تفوز بمثلها على الشاشة ~~وفي الحكايات التي ترويها لنا الكتب. # وآخر ما قرأته - منذ حين - أنه أجري في أميركا امتحان لوظائف بوليسية، فتقدم لها ~~كثيرون من الشبان والشجعان، المفتولي السواعد، وكأن لسان حال كل واحد يقول للممتحن: ~~أنا، أنا. فنظر المشرف على ذاك الامتحان إلى شاب منهم وسأله: وكيف شجاعتك أنت؟ ~~- القلب حاضر والزند حديد. ~~- وأنت مستعد للامتحان؟ ~~- لهذا جئت، فافعل ما تريد. # فقال له: تهيأ. كن مستعدا. # ثم غافله وأطلق على برنيطته رصاصة، كما هي العادة المتبعة في مثل ذلك الامتحان، ~~فاخترقتها ولم تمس رأسه بسوء. فتزعزعت أركان ذاك الشاب، ولم يثبت لهذه التجربة، فسقط ms60 ~~على الأرض وعينه على حاله ليرى أين استقر. # فضحك الممتحن، واقترب منه يربت على كتفه قائلا له: قم، لا تخف، إنك سالم. هذي ~~طريقتنا في امتحان الشجاعة. اختبرناك فوجدناك لا تصلح. خذ هذي خمسة دولارات ثمن ~~البرنيطة. # فنهض الشاب ومد يده ليقبض وهو يقول للممتحن: كمل معروفك، أعطني دولارا آخر لأنظف ~~بنطلوني وأكويه ... # ولو شئت أن أعرض على القارئ النماذج التي شاهدتها وقرأت أخبارها لما فرغت من قص ~~حكاياتها، فلكل ميدان رجال يخدعون أنفسهم ويحاولون أن يجعلوا من ذاتهم أبطالا حقيقيين ~~وليس هذا بمستطاع. # إن الافتضاح ينتظرهم ولذلك يقولون عندنا: حبل الكذب قصير. وما أكثر الرجال الذين يصح ~~فينا وفيهم قول الشاعر: # سبكناه ونحسبه لجينا # فأبدى الكير عن خبث الحديد # | غرائب وعجائب # (1) نساء إسرائيل والجندية # وقعت عيني على رسم نسوة يتهيأن لإطلاق النار وتحت الصورة مكتوب ما يلي: إن إسرائيل هي ~~البلد الوحيد في العالم الذي تؤدي فيه المرأة الخدمة العسكرية سنتين على قدم المساواة ~~مع الرجل، ثم تؤدي خدمة الرديف في كل سنة شهرا حتى سن 34. # فقال لي واحد، كان يشاركني في مطالعة جريدة الحياة: أرأيت! إن نساءنا يؤدين هذه ~~الخدمة في غرفة التواليت؟ # قلت: نعم يا سيدي، وهناك يقفن وقفة استراتيجية أمام المرآة، وخرطوشهن أصابع متعددة ~~الألوان، ولكن الأمل بالله أن تتجند نساؤنا حين يتجند رجالنا ... يتجندن للحق لا للحيل ~~والغدر، كما يروي لنا كتاب اليهود المقدس. فتلك سارة، يدفعها زوجها، أبونا إبراهيم، إلى ~~فراش فرعون، فأنبأ الله فرعون أن سارة هي زوجة إبراهيم لا أخته، فردها له، وجرى حوار ~~طريف بينه وبين إبراهيم الذي خلص بريشه ... # وكأن إبراهيم استطيب تلك الصفقة فمثل المأساة ثانية عند أبيمالك، ملك جرار، فتداخل ~~الله في القضية حالا، وأعيدت سارة إلى إبراهيم، ومعها دوطة ضخمة، من غنم وبقر وعبيد ~~وإماء. # ثم دليلة، وقصتها مشهورة. فهي التي غدرت بزوجها شمشون ونجت قومها من بطشه وسلمتهم ~~إياه ذليلا ... # وأستين نجت قومها في سبي بابل، وقصتها مشهورة. # وهنالك واحدة أخرى يجهل الكثيرون قصتها وهي يهوديث، ms61 احتالت هذه المرأة، البارعة ~~الجمال، على إليفانا، قائد جيش نبوخذنصر، وجعلت نفسها طعما؛ لتفوز بنصرة إسرائيل، ~~فدخلت عليه وقطعت رأسه. # ولو عددت لك الأدوار التي مثلتها المرأة اليهودية في تاريخ إسرائيل لضاق المجال عنها. ~~ولكنني أتعجب من هؤلاء اليهود كيف يطلبون من المرأة خدمة سنتين، مع أن شريعتهم في ~~التوراة تعفي العريس الجديد من الخدمة العسكرية سنتين؛ لينصرف إلى إمتاع زوجته ... # وعلى كل نحن نشكر ربنا على أن نساءنا لا يخضن إلا الجبهات المكشوفة، أما الصيد ~~بالداموس فليس من شيم العرب. # فعلى نسائنا أن يحاربن معنا، ولكن بغير سلاح البارود الأخرس ... فإذا جاز للرجل أن ~~يقول: الحرب خدعة فلا يسوغ للمرأة أن تخدع نفسها، ولا أن تأكل بثدييها ... ومع احترامي ~~للتوراة - ككتاب مقدس - أقول: إن فيها مزالق خطرة جدا، كما أني أرى أنه لا يحسن ~~بالمرأة أن تسفك دما ولو دم عدو يهودي، ففي هذا خطر على عاطفة الأمومة وحنانها. أليس ~~مجال الخدمة الوطنية واسعا! فلنوجه المرأة إلى ما يلائمها. فهناك خدمات كثيرة تستطيع ~~أن تؤديها للوطن. # أما نساؤنا فليتهن يقتصدن في زينتهن وهذا كاف، فرجالنا عشرات الملايين. # عندما أرادوا في مصر الفاطمية أن يعترف الخليفة بولاية شجرة الدر، أجابهم ذاك ~~الخليفة: إذا لم يكن عندكم رجل فاكتبوا إلينا حتى نبعث إليكم. # أغنانا الله عن تجنيد نسائنا وألهمنا أن نوحد قلوب رجالنا، وذلك أكثر من ~~كاف. # كل يهود العالم لا يبلغ عددهم قدر إقليم عربي، فلا نطمع بالزيادة؛ لئلا نقع في ~~النقصان. # تطويل عمر النيابة # إن زيادة سنة لا تحرز، ومن عادة نوابنا الأجاويد أن يضاعفوا المبلغ، فلماذا قصروا ~~هذه المدة؟! ألا يعرفون المثل: من يغير عادته تقل سعادته، وأنا أخشى عليهم أن يحرموا ~~هذه النعمة. # حقا إنها مهزلة أن يزيد الواحد لنفسه من كيس غيره، ومتى كانت قضية موظف، لا يطلب ~~إلا أن يشبع من الخبز والزيتون، وأن يكتسي من أرخص القماش، يضيق صدر الميزانية، ويصبح ~~القانون مثل شريعة مادي وفارس. # الناس يعدون الأيام ويطلبون وجوها جديدة، وأنتم تريدون ms62 أن تبقوا في متاريسكم! ألا ~~تبالون بالضوضاء القائمة حولكم؟! ولكن إذا كان الحل والربط في أيديكم فلماذا تحرمون ~~أنفسكم؟ # زيدوا في عمركم الآن، وبعد قليل يأتي دور غيركم، فلا تحرمونا أنسكم، فزيارتكم لا تمل. ~~وما دامت الميزانية لا حدود لها، فلا تتركوا هذه النعمة تفلت من أيديكم. الدفتر في ~~أيديكم، فاجعلوا ولايتكم أبدية كمشيخة الصلح في أيام المتصرفية. أما لبنان فليس له أن ~~يقول إلا ما قاله شهيد الجلجلة: اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي اقترعوا. # حقا إن النيابة قرص عسل بشهده، فهي كما يقول مثلنا: أكل ومرعى وقلة صنعه. ومن ~~يستغرب بعد هذا أن تعد العدة للمعركة العتيدة؟! ولماذا لا يستدين المرشح ليدفع النفقات ~~ويبرطل؛ فهو قادر على الوفاء إن وصل. ثم أليس هو قادما على معركة أكبر، تتطاحن فيها ~~الدول؛ شرقية وغربية؟ فشدوا حيلكم يا أصحابي وعلى الله الاتكال. وإذا كان ما أذيع ~~عنكم أنها مزحة، فالجواب عليها عند أبي نواس: # تضحكين لاهية # والمحب ينتحب # أما إذا كانت جدا فالجواب عند هذا الشاعر أيضا: # صار جدا ما مزحت به # رب جد جره اللعب # يظهر أنها جس نبض، إذا قدرتم فلا تقصروا، زيدوا معاشكم ثاني مرة، فالشعب بقرة حلوب ~~لا تلبط ولا تنطح، الشعب عاقل لا يهش ولا ينش ... رحم الله رجال عهد الإمارة، يوم كانت ~~زيادة ربع قرش تهز الأرض بالطول والعرض. # كثرة الرءوس # تعجب الجاحظ حين قرأ في كتاب أرسطو أنه قد ظهرت حية لها رأسان، فراح يقلب الخبر على ~~جميع وجوهه، ولم يصدق الحكاية، فسأل أعرابيا في سوق البصرة، فقال له: إن ذلك صحيح. ~~فقال له: من أي الرأسين تأكل، فأجابه الأعرابي: إنها تتغدى بفم وتتعشى بفم. # فقال الجاحظ: ومن أي جهة الرأسين تمشي؟ فلم يعجز البدوي عن الجواب فقال: إنها تتقلب ~~كما يتقلب الصبيان على الرمل! فتركه الجاحظ وهو يقول: إنه أكذب البرية. # أجل إن كثرة الرءوس على جسم واحد غير ممكنة، وهي لا تؤدي إلى عمل حاسم، وهذه هي حالنا ~~اليوم، في بيوتنا وفي مجتمعنا، ms63 فليس لنا رأس واحد يديرنا، ولذلك نمشي كما قال ذلك ~~الأعرابي للجاحظ متقلبين على الرمل ... يقول مثلنا: كثرة الطباخين تشيط الطعام. فلماذا لا ~~نختار طباخا واحدا؟! # كان لرجل مسيحي بقرة يسرحها كل يوم ويقول لها: روحي أنت اليوم برعاية القديس ~~الفلاني، وفي المسيحية، لكل يوم، عيد قديس، فكانت البقرة تروح وترجع إلى معلفها. إلى أن ~~كان يوم عيد جميع القديسين، فنزل صاحب البقرة إلى القبو وقلبه ملآن فرحا، ففك رسن ~~البقرة، وقال لها: أنت اليوم بحراسة جميع القديسين. مع السلامة. # ولكن البقرة راحت وما رجعت. # فهمتم أم نشرح لكم؟ إذا كانوا يقولون: بيت التنتين خرب من سنتين، فما عسانا نقول نحن ~~في البيت الذي فيه عشرة. # نقول: إن الأجنبي مزقنا، فلماذا نتركه يمد يده ويغمس لقمته في صحننا؟! # في أيام الصبا كانت لنا لعبة، كنا ننقسم فيها فوجين، ونغير على بعضنا، وكل فريق يطلب ~~الفوز طبعا، حتى إذا تفرقنا وانتهت الجولة الأولى صاح زعيم الفوج بصوته الجهوري: يا ~~شباب لموا ريش، فنتسابق جميعا إلى حيث هو ونوحد جبهتنا، فهل من يصيح بدولنا العربية ~~لموا ريش؟! # هذا أوان الشد فاشتدي زيم، فلنتكاتف، وإذا تكاتفنا بلغنا المحجة واستلمنا ~~الحجر. # ستنا السيدة # قال لي واحد: أرأيت كيف يفعلون؟ لا يفرغ مركز حتى يملئوه بمن لهم من بنين وأقارب ~~ومحاسيب وأنصار، فكأن لبنان لهم وحدهم. # فقلت له: ولماذا لا تترحم على الحطيئة وتقول مثله: # أطعنا رسول الله مذ كان بيننا # فيا ويلتي ما بال دين أبي بكر # أيورثها بكرا إذا مات بعده # وتلك لعمر الله قاصمة الظهر # اسمع يا أخي، ونحن النصارى نقول الثلاثة واحد، وفي لبنان الألف واحد. لا تغرك الأسماء ~~والألقاب، فالمديريات وغير المديريات عندنا هي مثل قولنا: سيدة صيدنايا، وسيدة العطايا، ~~وسيدة البوابة، وسيدة حريصا، وسيدة وسيدة، إلخ. أليست كل هذه السيدات سيدة ~~واحدة؟! # وهكذا في لبنان فكل هذه الأسماء؛ كبيرة وصغيرة، مفعولها واحد فما لك ولكل هذه؟! انذر ~~لله إذا كان لك وصول إليه، وإلا فعض على جرحك وانتظر الشفاء. ms64 # قصد شيخ طبيبا يسأله دواء يستطب به فقال له: أشكو قصورا يا دكتور إذا طلعت ~~درجا. # فقال له الحكيم: كم بلغت من العمر يا عم؟ # فأجاب: خمسة وثمانين. # فقال الطبيب: العمر كله؟! هذا من الخمسة وثمانين. # فقال: وأشكو ضعفا في نظري. # فأجابه: وهذي من الثمانين. # فقال: والوجع في ظهري، ما سببه؟ # فقال الطبيب: من الثمانين يا شيخ. # فقال الشيخ: يظهر أنك حمار في الطب. # فقهقه الطبيب وقال: وهذي أيضا من الخمسة والثمانين. # فكل بلايانا يا عزيزي من الطائفية. فضحك صاحبي وقال: وأنا لي طائفة. # فقلت له: ولكنك لست ابن الضيعة ولا ابن المنطقة ولا يحتاجون إليك في الانتخابات، ففتش ~~عمن يحتاج إليك، واركب كتفيه، أو تصبر حتى يهونها الله علينا وعليك. ~~(2) أساليب بالية # لقد ارتقينا، في سلم الحضارة، درجات، ولكن أساليبنا السياسية ما زالت كما كانت. ما ~~زال مجتمعنا يساس بأسلوب المير بشير، أولاده يلون الأحكام أولا، وثانيا ذووه الأدنون ~~ثم الأبعدون، ثم المريدون الذين يشدون ظهره، في أوان الشد، إما بمالهم وإما برجالهم. ~~وهكذا ظل السلطان ينتقل من يد إلى يد، من يد بشير المالطي إلى بشير بو طحين. واليوم ~~تغيرت الأسماء فقط. # كان الأمير بشير وأولاده مستولين على مقدرات الشعب اللبناني، يتصرفون في الجبل تصرف ~~المالك في عقاره، ورجال الدين يرفعون أيديهم مباركين الآتي باسم الرب؛ لأن شعارهم: لا ~~سلطة إلا من الله. ويا ويل الشعب متى اتفقت السلطتان؛ المدنية والدينية، فلا ترى في تلك ~~الساعة أثرا للكفاءات. # كان عدد الموظفين في تلك الأيام مقننا، أما اليوم فيخشى أن تأتي ساعة نصبح جميعنا ~~موظفين. فكم من بلدة وقرية صار معظم أهلها على الكراسي، وقد نستطيع أن نسمي هذا الزمان ~~زمان الأخوة، والأسر، والمخاتير، وسماسرة الانتخابات. ومن يلوم الشباب إذا قاموا وقعدوا ~~وثاروا حين يرون من هم فوقهم دونهم كفاءة وأقل منهم جدارة؟! # ما أوجه هذه الكلمة التي قالها رئيس جمهورية إندونيسيا: إذا كنت أعيش عيشة الفاقة، ~~وإذا كنت قد نبذت كل أسباب الراحة، وأبعدت عني أصدقائي وأنسبائي؛ فذلك ms65 لاعتقادي أن ~~رئاسة الشعوب ما هي منصب ولا تجارة، بل هي خدمة وتضحية. # فهل يذكر المسئولون هذا الكلام؟ هل يفكرون بالشعب ويحسنون توزيع المنافع فلا يكون لهم ~~ولأنصارهم وللائذين بهم كل الجزور، فيأكلون لحمه ويمصمصون عظمه. # ظلت قضية زيادة معاشات الموظفين الصغار، رهن البحث، ولا تزال قيد الدرس؛ لأن ~~الميزانية لا تتسع لهم مع أنهم صغار ... لا يسمعون من الجالسين على الكراسي إلا «تكرم ~~عيونكم» سنرى الميزانية ... وكيف تتسع الميزانية لهؤلاء إذا كان موظف كبير يتقاضى شهريا ~~كما يلي: # 1400 # ليرة من إحدى الوزارات. # 1200 # من إحدى اللجان التخمينية. # 2400 # من مصرف سوريا ولبنان. # 1800 # إكراميات عن تنظيم الموازنة وتحضيرها. # 2400 # من إدارة الهاتف. # 9200 # ليرة المجموع شهريا. # يا بارك الله! هذه هي العدالة الاجتماعية، وعيشوا يا أهل لبنان. والله لا أعرف من هو ~~هذا الرجل ولا يهمني أن أعرف. قرأت هذا في الصحف، وما زلت أنتظر ما سيكون، بعد النظر في ~~أمر هذه التعويضات الجبارة. وهل يكون التعويض في غير لبناننا أضعاف أضعاف المعاش ~~الأساسي. # هذا هو الوجدان السياسي الذي تدار به الشعوب، أيشتهي موظف لبيب لقمة الخبز ولا يجدها ~~إلا بالكد، بينما يغرق غيره لأذنيه ويعوم في بحر من الجرايات. # كلما داويت جرحا سال جرح. النواطير مشغولون بسياسة المنطقة، بوضع مخطط الانتخابات ~~وتأمين الغد لمن يرتعون بظلهم. # إن زيادة ضئيلة لموظفين مظلومين تقتضي الدرس أكثر من عام، وكل نائب يقطع حلاوة على ~~قد أضراسه، والمساكين المحرومون ينامون على الريق ... # منذ أعوام، في جلسة واحدة، قرر أعضاء المجلس النيابي بالإجماع زيادة معاشهم مائة ~~بالمائة، وقد قلنا لأحد المعارضين المنادين بالإصلاح: أبهذه السرعة توافق وأنت ~~المرجى؟! فأجاب: أتريد أن أعيش عيش المقل، وغيري ينعم بميزانية الدولة؟! ~~(3) ثلاثة أيتام # في لبنان ثلاثة أيتام بؤساء مساكين: الحق العام، والميزانية، والأوقاف. # أوجد المشترع الحق العام، محافظة على طمأنينة المجتمع وسلامته من الفوضى. ومن اسمه ~~نعرف أنه حق عام لا يجوز أن يمس. أما عندنا، فأهون مصيبة، هي أن تقع بين أنياب الحق ~~العام، ms66 إذا كان لك منقذ. # فالحق العام أوجده المشترع، في الدول ليصون السلم ويحسم النزاع، ولذلك أقاموا له ~~وكيلا، حتى إذا ما ضاع الحق، ولم يكن وراءه طالب، قام ذلك الوكيل بالتفتيش عنه بلا ~~هوادة، أما عندنا فنعمل بالمثل القائل: الفاخوري يدير أذن الجرة كما يشاء، ولا يقول له ~~أحد ما أحلى الكحل في عينيك، ولهذا كثرت جرائم السرقات والاختلاسات والتزويرات ~~والجنايات، وسبب ذلك أن الذي له واسطة، وظهره قوي، لا يفوز منه الحق العام ~~بطائل. # هذه كلمة مجملة نقولها وإننا إلى التفصيل عائدون بعد انقضاء المشهد الأخير من هذه ~~المأساة الفاجعة، وسنسمي وسطاء الخير بأسمائهم، وإن كان الكلام لا ينفع؛ لأننا نخاطب ~~طرشان، ولكن السكوت عن هضم الحقوق جريمة. # إننا نستصرخ ضمائر مصقعة، وقلوبا مجلدة؛ لأن شعارنا بعد هذا الانحطاط الوجداني: ~~الحكي لا يرخص بضاعة. ولكن الحقوق تصرخ نحو أصحابها وإن لم تجد من يسمع. فلو كان ~~«للجوارير» وجدان لثارت وتظاهرت في الشوارع؛ فقد ضاقت بالفضائح القذرة، وانبعثت منها ~~روائح، دونها قاذورات البواليع الغاصة بالنتانة. # أجل لو عقلت «الجوارير» لملأت الدنيا صياحا وأزعجت لبنان؛ لأننا لا نعطي الحق العام ~~ربع شعرة من ذنب الجمل، والمثل يتحدث عن أذن الجمل في المآزق الخطيرة. # إن الجوارير ستثور وتكون ثورتها عظيمة، فلا خفي إلا سيظهر ولا مكتوم إلا سيعلم ويعلن، ~~والآتي قريب. ولا يكون ذلك إلا عندما يطفح الكيل، فلنحسب حساب ثورة الجوارير ويقظة ~~الشعب. # فلو حصلت السرقات الملايينية التي تميتها أحكام الحق العام لكانت الناس في نعيم، ~~وما احتاجت الدولة إلى تسويف المأمورين المظلومين. ترى ألا تقول لهم هذه الأحكام ~~الغريبة، العجيبة: زيدوا لأنفسكم، أي اسرقوا، وانتظروا البراءة بعد حين إذا افتضحتم أو ~~اعتزمتم، فعند البهلوان دواء لكل داء ... # أما اليتيم الثاني؛ فهو الميزانية، التي يصح فيها قول المسيح: اقتسموا ثيابي بينهم ~~وعلى لباسي اقترعوا. كنا نقول: هنيئا لمن له مرقد عنزة في لبنان، واليوم يصح لبعض أسر، ~~ولكل لبناني منظور أن يقول: هنيئا لمن له مغرز إبرة في الميزانية. إننا لا ms67 ننكر أن في ~~البلاد مشاريع عمرانية، وأن الجبال تزنرت بالطرقات، والأرض العطشى شرب بعضها، وسيشرب ~~البعض الباقي ، وأن المعاول تغني في كواهل القمم، وتشق أكباد السهول، ولكننا لو سهرنا ~~على كل ما ينفق، ووضعنا القرش موضعه لكان لبنان جنة الله في أرضه. لقد انفتح عندنا ~~بابان في الشهر الماضي دونهما باب جهنم: الحكم على سارق مزور، وإعلامنا كيف يحتالون ~~عندنا على التهام الميزانية باسم التعويضات والإعانات، وكلاهما وصمة عار في جبين دولتنا ~~الناشئة. # كانوا في العهد التركي يعزلون شيخ الصلح المنتخب إذا ثبت أنه طمع بعشرين بارة، أي نصف ~~قرش، من مال المكلف الذي يجبى من الفلاح، ويطرد ذاك الشيخ مؤبدا، أما في هذه الأيام ~~فإنهم يبتلعون الصناديق الحديدية ويهضمونها ثم يعودون ليفتشوا عن غيرها ... # ذكر المرحوم محمد كرد علي في مذكراته أن لبنانيا محكوما بجريمة سرقة وصل إلى ~~الوزارة في لبنان، فلو دققنا لرأينا نماذج شتى من هؤلاء يتربعون على الكراسي. # قرأت مرة أن أحد المرشحين للنيابة جعل شعاره المكنسة، فكان ذلك أكبر دعاية له عند ~~الناخبين وفاز. فهل من مرشح عندنا يتخذ هذا الشعار؟! إن مكانس هذه الأيام لا تتعب ولا ~~تتعب؛ لأن الكهرباء تديرها ... فهل من يسلطها على مال الميزانية السائب فنرى أن نصفه ينفق ~~في غير محله؟! # إن الميزانية عندنا يصح فيها قول المثل: بقر الدير ورزق الدير ... فكأنها ملك يمين من ~~يولى عليها لأجل صيانتها فيكون راعيها حراميها. # أما اليتيم الثالث، وهو أشقى الثلاثة، فهي الأوقاف التي ذابت بين أيدي القيمين ~~عليها، وإذا كانت الميزانية تطير من باب شرقي فالأوقاف طارت من الجهات الست. فكل مولى ~~عليها، إلا نفرا قليلا من البقية الباقية من أصحاب الضمائر الحية، يبيع، يرهن، وينفق ~~بلا حساب. وسرية حساب الأوقاف عندنا، نحن أتباع رومية، مثل سرية المصارف، فالولي مقدس ~~غير مسئول، وقلما يخرج رئيس أبرشية ورئيس كرسي أو رئيس دير دون أن يبيع أحسن عقار، ~~ويستدين المبالغ الطائلة، أو ينفق ما ادخره الولي السابق؛ ليتفرعن ويتبغدد. # كان الوقف للفقراء فصار ms68 للأغنياء، وكان لعمل البر والإحسان فصار للأهل والجيران ... ~~وكان للتقشف فصار للبذخ والتنعم، وأصحاب هذا الحق لا يصرخون. # أعرف ديورة وكراسي باعت الكثير مما تملك، ولماذا؟ لا أدري ولا المنجم يدري. يكون في ~~الدير بضعة أفراد، وهو يملك قرية، أو قرى يعيش في غلتها مئات الشركاء وعيالهم، بينما ~~الأفراد، وهم جمع قلة، لا تكفيهم حصتهم من تلك الغلال وهي النصف. وهكذا نظل نرى الدير ~~رازحا تحت أثقال الديون ولا بد في النهاية من البيع. # في ذلك الزمان جاء ديورتنا موفد روماني؛ ليدرس عن قرب الحياة الرهبانية عندنا، فرحب ~~به الرئيس العام وجمهوره، وبعد نصف ساعة قرع جرس صلاة المساء، فقال الرئيس العام للزائر ~~الرسولي: تفضل. فنهض ومشى وهو يظن أنه مدعو إلى العشاء. فإذا به يدخل الكنيسة، ودامت ~~الصلاة ساعة زمان. ثم هونها الله وانتهت فذهبوا إلى المائدة، فجلس، وقدمت له طبخة ~~الديورة التقليدية في ذلك الزمان «المخلوطة» ومعها الخبز اليابس، فانتظر المسكين كيف ~~يأكل الرهبان أرغفتهم التي تصلح دفوفا، فطحنوها وفتتوها، واستلوا الملاعق، فاضطر أن ~~يجاريهم ولكنه قصر عنهم في ذلك الميدان، فقام غير شبعان. انتظر الفرج. فعادوا به إلى ~~الصلاة، ولكنها كانت نقرة، ثم صعدوا إلى القاعة، وما استراحوا قليلا حتى قرع ناقوس ~~صلاة الستار، فدعي حضرته إلى النهوض ومشى إلى الصلاة يجر نفسه جرا. وانتهت المعركة ~~الصارخة فقرع جرس النوم ونام، وبعد ثلاث ساعات قرع بابه فأفاق، وبشره الرئيس بالقيام ~~إلى صلاة الليل فلبى مكرها. وصلاة الليل طويلة أربع «قومات» فانتهت بعد جهد طويل وما ~~نام ساعتين ثلاثة حتى قرع جرس صلاة الصبح، فطار عقله عندما قرع بابه، ثم جاء دور القداس ~~ثم الزياح، فصلاة النهار، فلم يستطع الصبر على الصلاة وخشونة الأكل، فقال للرئيس العام: ~~أهذا هو أسلوب عيشتكم؟! # فأجابه: نحن لا نأكل اللحم ولا نلبس القماش الناعم، نحن، يا صاحب النيافة، زهاد لا ~~عمل لنا إلا تأدية واجبنا والسهر على أبناء رعيتنا، فحيث توجد قرية بلا كاهن نذهب إليها ~~ونعود إلى مقرنا لننام في ديرنا. ms69 ~~- وأنا ماذا جئت أفحص؟ إن طرقكم لا تفحص، وهنيئا لمن يقدر أن يعيش عيشتكم. # فقال الرئيس: قد يكون ضايقك أكلنا الخشن. غدا نذبح لك ديكا. ونقلي لك البيض، ونسقيك ~~الخمر المعتقة. # فقال الزائر: لا يصح أن آكل على مائدتكم غير ما تأكلون، ولكني سأقصر أيامي عندكم. قل ~~لي دخلكم من أين؟ ~~- من الأرض يا صاحب النيافة، فنحن نساك عمال، نغرس ونفلح، ونزرع ونحصد. الراهب ~~اللبناني فلاح قانوني، والشعب فلاح علماني، الدير، بدعاك بألف خير. ~~- وهل يفيض عنكم شيء؟ ~~- الكثير، والعقارات في ازدياد مستمر. ~~- إذن ماذا أقول لرومية؟ ~~- خبر عما رأيت، فهذه حقيقتنا. ولكني أحس أن عدوى الترف تتسرب إلينا شيئا فشيئا، ~~فصلوا لأجلنا؛ حتى نحافظ على عاداتنا وتقاليدنا وأموال الفقراء التي نسميها وقفا. ~~فالدير بيت الجميع وخصوصا المحتاجين. # فأجاب الزائر: نحن محتاجون إلى صلواتكم. ومتى كانت الصلاة مقرونة بالعمل الصالح ففيها ~~كل خير وبركة. # تلك كانت حالة الديورة وأوقافها، أما اليوم، فحالة الكراسي والديورة كما يعرفها كل ~~قارئ، ولا نزيد على هذا شيئا. ولعل هذي هي حالتنا روحيا ومدنيا، وقد قال فيها منذ ~~قرنين االشاعر الخوري نيقولاوس الصائغ: # كثر العثار بعثرة الرؤساء # وغوى الصغار بغرة الكبراء # فإذا رأيت الرأس وهو مهشم # أيقنت منه تهشم الأعضاء ~~(4) من أفواه الصبيان # أعمدة وزجاج # لقد بحثت عن الله في جميع الكنائس فلم أجد غير أعمدة ضخمة وزجاج ملون. # هذا ما قالته البنية الصغيرة، مينو دوريه، قبل أن تسلم على قداسة البابا. ومينو ~~دوريه، فتاة حيرت عبقريتها المبكرة عقول أدباء الغرب ونقاده ومفكريه. ففي العام ~~الثامن كان لهذه البنية ديوان مطبوع وشعره جيد كما يقولون. # إن كلمة هذه البنت الصغيرة لهي أكبر جدا من ديوانها، وإذا أعجب غيري بشعرها ~~فأنا أشد إعجابا بكلمتها في حضرة الحبر الأعظم المعصوم. فيا لجرأة الطفولة ويا ~~لعظمتها! فلو صرت راهبة، يا مينو، لطوبوك في الحياة، لا بعد الموت كما هي العادة، ~~وأحيط رأسك بهالة الطوباويين النورانية. # ما أكبرها كلمة خرجت من فمك البريء! ولعل المسيح كان قاعدا على لسانك ms70 أو هو الذي ~~أرسلك إلى نائبه على الأرض لتصارحيه بهذه الحقيقة. # من سيماء وجهك الذي رأيت رسمه في الصحف صدقت أنك قلت كلمتك للأب الأقدس. يظهر أن ~~قداسته لم يسمعها؛ لأنه في الثمانين، والثمانون قد تحوج الأذن إلى ترجمان. # وإذا كنت لا تزالين تفتشين عن الله ولا تجدينه فأنا أدلك عليه. فتشي عنه يا فتاتي ~~في العراء. فتشي عنه بين الأشجار المنتصبة دائما في هيكله الأعظم، هيكل الطبيعة. ~~اسألي الشجرة صديقتك، وليكن الإنجيل دليلك؛ فهو يرشدك إلى مكانه. أما هذه الهياكل ~~الجبارة التي مررت بها فقد شيدت باسمه وهي ليست له. # في الأكواخ تجدينه يا ذكية؛ فهو الذي قال، وحاشاه أن لا يصدق: ليس لابن الإنسان ~~مكان يسند إليه رأسه. # والله، يا بنتي، لو عاد بعد غيبته الطويلة لاستغرب هذه الصروح أكثر منك. إنها ~~بنيت للإنسان، لا لابن الإنسان الزاهد. # أما الزجاج الملون فهو رمز لبشرية اليوم المتعددة الألوان. كل شيء صار من زجاج، ~~ويا ليت هذا الزجاج يضيء. # إننا نرجو منك خيرا جزيلا متى كبرت، فلا تغيري فكرك بالأعمدة الضخمة والزجاج ~~الملون ... # المرفع # قال لي واحد من أصحابي: صرنا نسمع بالمرفع ولا نراه، فكيف راح؟ هات خبرنا عن ~~المرافع في أيامكم. # فأجبته: نحن كان لنا مرفع في السنة، أما أنتم فكل أيامكم مرافع. قل لي أية ليلة ~~تمر ولا يكون لك فيها مرفع كبير ... فتشرب وتأكل وترفع كل شيء، ثم تحتاج إلى من يأخذ ~~بيدك؛ لتعود إلى بيتك سالما. # كان المرفع في عهدنا عيدا قرويا أسبوعيا، فتخلع القرية ثوب وقارها وسكونها، ~~فلا تسمع إلا أغاني، وقرع طبول، ونقر دفوف. كان المرفع هو الوقت الأنسب للزواج، ويا ~~ويل من يتزوج في المرفع، فالقرية كلها تحتل بيته، ولا ينتهي أجل الاحتلال إلا مساء ~~الأحد عند نصف الليل. # وكانوا يحتاطون للديوك يوم كانوا يصومون، ليحولوا دون صياحها؛ لأن نصف ليل الأحد ~~هو بدء الصوم. وإذا عجزوا عن تزويج شاب ليفرحوا بعرسه ويتهللوا كانوا ينتقون واحدا ~~ليجعلوا منه «عريس كديب» ويطوفون به في ms71 القرية كأنه عريس حقا ... وعند منتصف ~~الليل يعودون به بزفة مجنونة إلى بيته. # أسبوع المرفع هو عند النصارى تذكار الموتى، ولكن تقبر الموتى، فمن يتذكرهم بعد، ~~ولهذا قال جدي لأمي، وكان يحب السجع: كانت جمعة الموتى، فصارت جمعة الخوتا؛ لأنهم ~~كانوا يتشاجرون فيها ويتقاتلون، وخصوصا يوم الخميس الذي يسمونه خميس ~~السكارى. # ولكن جرح الضيعة سليم، والصلح عند أهلها سيد الأحكام. # أما حسنة جمعة المرفع التي لا أنساها فهي هذه: كنا يوم أحد المرفع نخرج من القداس ~~وتمشي الضيعة كلها معنا، فنزور البيوت جميعا، وكلنا معا، ونظل طول النهار ننتقل ~~من بيت إلى بيت، وفي كل بيت نملأ قليلا من الفراغ؛ لأن من لم نأكل عنده شيئا لا ~~يغتفرها لنا. # ونختم هذه الزيارة الرعائية في آخر بيت، وهكذا نزيل الأحقاد والضغائن ويعود ~~السلام إلى القرية. # هذا هو التقليد المحلي الذي ذهب مع تقاليدنا الحسنة الجميلة، وبهذه الوسيلة لا ~~يعصي علينا مصالحة خصمين مهما كانت خصومتهما شديدة. # أذكر أن امرأة، مخها يابس، لم ترد أن تستقبل خصمها في ذلك اليوم، فقال لها شيخ ~~السن الذي كان معنا: يا مره، أنت رايحة عاجهنم بثيابك، تعالي صالحي خصمك، وإلا فما ~~نفع صومك وصلاتك! فلم تحتج إلى أكثر من هاتيك الكلمة، فتقدمت منه ترحب به وزغردت ~~لنا وتم فرحنا. # إن القرية خصوصا فقدت كثيرا من لونها، فاليوم كل واحد يقعد ببيته، وحسبه أنه ~~عنده ما يأكله وليمت جاره ... بينما كان المقل يحصل على كل شيء في جمعة المرفع، كنا ~~نقاسمه حتى اللقمة. # الروك أند رول # قرأت أن الجيش الأميركي رفض أن يدعى هذا العفريت راقص الروك أند رول - ألفيس ~~بريسلي - للخدمة العسكرية؛ لأنه لا يصلح إلا لإهاجة المراهقين والمراهقات. # إنهم حرموه شرف خدمة العلم، ولو حصل هذا عندنا لأغنى الكثيرين منا عن التماس ~~الشهادات الكاذبة التي تعفيهم من هذه الخدمة. # أجل إننا نضحك في عبنا إذا تملصنا منها، أما هم فهذا الحرمان عندهم، يشين من ~~يحرم منه وهو اعتراف صريح بانهيار أخلاقه. # غريبة هي أحكام ms72 هؤلاء الناس، وإن كانت بسيطة في ظاهرها، فهي عميقة الغور. قرأت أن ~~لصا أعيا الحكومة عندهم، فلا تنقضي مدة حبسه حتى يسرق سرقة أكبر، ويستأنف ~~المحبوسية، وأخيرا نقب مصرفا يوم أحد وذهب بكل ما في الصندوق، فقبض عليه واقتيد ~~إلى المحكمة، وانتظر الناس الحكم المؤبد، ولكن القاضي حكم عليه بيوم حبس، وقد علل ~~الحكم هكذا: بما أنه تعاطى «عمله» يوم الأحد، وهذا ممنوع؛ لأن قانون البلاد يحظر ~~العمل في هذا النهار، ويعاقب عليه بحبس يوم. # يقال: إن هذا الحكم كان أفعل من الحبس سنين، وتاب الرجل، فهل يتوب مثله صاحب ~~الروك أند رول. # لبنان فكرة # كثيرا ما أقرأ هذه العبارة وغالبا ما يتبعونها بقولهم: ولولا ذلك لا مبرر ~~لوجوده - أصحيح هذا؟ وإن كان ذلك كذلك فمن دافع عنه، عبر العصور، حتى بقي إلى ~~اليوم! أظن ظنا يشبه اليقين أن هذه الفكرة هي التي تقعدنا وتحول دون الجندية ~~الإجبارية عندنا. ففخر الدين لم يحارب بالفكر ولا بالإشعاع، وكذلك أمراء المردة، ~~وبشير الشهابي. إنها حجة الرعاديد، فخطيئة الفكر هي أخف الخطايا ثقلا، ومبدأ الفكر ~~ورسالته لا تحمي الحدود، فلنعد عن هذا إذا شئنا أن نحميها، ولنعمل بقول مثلنا: حط ~~رأسك بين الرءوس وناد يا قطاع الرءوس. # أما أن تكون قنبلتنا «لبنان فكرة» وصاروخنا لبنان إشعاع، فسوف تأتي ساعة نفتش ~~فيها عن لبنان ولا نجده. # دعونا أيها الأدباء من هذا الغرور والخداع؛ فقد أحبطتم عزم الرجال حتى كره شبابنا ~~الدفاع. لا أحد في هذه الدنيا يحمي أحدا إلا لمآرب، ومتى قضى غرضه ترك الدار تنعي ~~من بناها، فإذا شئتم أن يكون لكم وطن تعيشون فيه، فدعوا الفكر جانبا، وإلى العمل ~~الملموس. # الرملة السوداء # إذا كانت سوداء، وهذا بتعهم، فكيف لو كانت بيضاء؟! إن هذه الحيل الجهنمية قد ~~تعلمناها جديدا، والمادة تعمي عيوننا؛ كبارا وصغارا. # في ذلك الزمان كانت جريدة المقطم، لسان حال الإنكليز في مصر، وأرادوا مكافأتها ~~دون أن يمدوا أيديهم إلى كيسهم، فقالوا لشاهين مكاريوس: رح اشتر أرضا في المكان ~~الفلاني، أنفق ms73 كل ما تملك في شراء هاتيك الأرض اليباب. ففعل شاهين، وبعد حين كان ~~مشروع سد أسوان، واغتنى مكاريوس. # أما عندنا فلم أفهم سر طبخة الرملة السوداء، ومن هو ذاك الإنكليزي الفحل الذي ~~أوحى بعقد نكاح تلك العبدة، ولكنني أظن أنها أشبه بهاتيك. السر ربح الفلوس. # ومن لم يمت بالسيف مات بغيره # تنوعت الأسباب والموت واحد # كنا نقول: الله لا يسود لك قلبا، أما اليوم فيا مرحبا بالسواد، فالسواد ~~مغلال. كان ولا يزال، فكلوا واشربوا حين يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~ولكنكم لا تشبعون ... # الحوت الذي جاءنا # عجبت للذين تزاحموا على رؤية حوت، بزقه البحر على شطنا. ترى، أفات هؤلاء الذين ~~يلتقون كل ساعة بحيتان اليابسة؟ ولكن ريحة حوت البحر قد فاحت، أما «النقود» التي ~~يتغذى بها حيتاننا، فلا رائحة لها. وقد أدرك ذلك أبو العتاهية فقال: # أحسن الله بنا # أن الخطايا لا تفوح ~~(5) القرود تصور # حقا إن أميركا هي بلاد العجائب والغرائب، فلم تنته مشكلة الأميركان مع العبيد ~~السود حتى نبتت لهم مشكلة مع القرود، فهذه القردة «بيتسي» التي رسمت لوحات زيتية ~~تجريدية تثير الأوساط الفنية الأميركية، فيبرق الفنان الكبير شارلي موديكي ويهدد بسحب ~~لوحاته من المعرض الذي تقيمه جامعه كاليفورنيا في 29 حزيران القادم، إذا أصرت إدارة ~~المعرض على عرض لوحات القردة بيتسي. وهذا نص برقيته، نقلا عن جريدة الحياة، التي جاءها ~~النبأ من بييركلي في الولايات المتحدة: # إننا لا نسمح لقردة بأن تجعلنا قرودا. فإما موديكي أو بيتسي وعليكم أن ~~تختاروا حالا. # كان الإنسان يزدهي على ذوات الأربع ويفتخر أنه يمشي على رجلين ثنتين. كان يميز نفسه، ~~أولا، بأنه حيوان ناطق، ثم رأى الببغاء تنطق فعدل عن هذا التعبير. الحمد لله على أنه ~~لم يقل الإنسان حيوان مصور، وهو لو فعل لاضطر إلى تحديد جديد يميز نفسه به من أخيه ~~الحيوان، ولكن هيهات ... لأنه حيوان أرقى من إخوته المتخلفين ليس أكثر. # عندما كنت صبيا قرأت في مجلة المقتطف خبر الحصان الذي يحسب، فأسرعت أبشر جدي، ~~فكان ms74 الجواب: رح من وجهي، وهز العصا، فهربت. # أما حان للناس أن يفكروا ويتركوا العنصرية واللون؟ فكل إنسان يحكي وليس كل إنسان ~~يصور. فهذه القردة سبقت عموم البشر أشواطا. الإنسان تكلم قبل أن يصور، أما هي ~~فصورت، وبالألوان الزيتية، ولعلها فضلت العمل بقول شاعرنا العربي: # الصمت زين والسكوت سلامة # ما أكثر المشاكل التي تنتظر من أيزنهاور حلا! فليفكر بمشروع جديد ... # عندما أفكر بما رأيت من أعاجيب يقف شعر رأسي، كنت كثيرا ما أتمنى لو كان أجل ~~مجيئي إلى العام الألفين. # عندما كان حساب نهاية الخلق عندي بالألفين، كما كان يقول جدي الآخر، كنت أشكر ربي ~~وأسأله ألا تقوم القيامة قبل حلول ذاك الموعد، وكنت كلما قامت أمة على أمة، ومملكة على ~~مملكة، أنتظر قيام الساعة، أما حين صار حساب الخلق بمئات ألوف السنين بل بالملايين فصرت ~~أتأسف على مجيئي في الموعد الذي جئت فيه. # فأين من كانوا يكذبون داروين ويهزءون بأقواله؟! فخير للإنسانية أن توصي القرود ~~بأحفادها، وتقول لأبنائها أن يوحدوا صفوفهم، فتقابل الإنسانية أختها القردية، بمثل عليا ~~تعجز عن تحقيقها القرود، وينقوا حضارتهم من شوائبها الوحشية. # كنت أضحك عندما كان الجاحظ يحاول في كتاب الحيوان أن يبرهن لنا أن الهرة لها مواء ~~متنوع الأشكال وبه تعبر عن حاجاتها، وها نحن قد وصلنا إلى ما هو أعظم. إلى قردة ~~تصور، ويحاولون في أميركا أن يدخلوا رسومها التجريدية في معرض كبار الفنانين! # كنا نقول في فجر هذا العصر: فلان اخترع البارود. فأين هو البارود، وأين وأين؟ فهذا ~~زمن شارك فيه الجماد دماغ الإنسان العجيب، فأخذ قسطا كبيرا من مهامه، ولعله يأتي وقت ~~نستغني به عنه ولا يعود لنا شغل عقلي، نأكل ونشرب وننام ليس إلا، بينما القرود تصور ~~وتحل القضايا. # الألقاب # لا تزال بقايا العهد التركي، عهد التمجيدات والتشريفات، والألقاب والكنيات، عالقة ~~بأذهاننا ورءوس أقلامنا. ذكرني بهذا ما سمعته منذ أيام من الراديو حين قال مندوب ~~أيزنهاور: كلفني الرئيس أيزنهاور، فلم أعجب بالبساطة. وسمعت على الأثر واحدا منا يتحدث ~~عن السفير الأميركي ms75 الذي يرافق مندوب أيزنهاور فيقول: سعادة السفير الأميركي. # ثم يأتي دور أصحابنا فتفيض السعادة والمعالي وغيرها من الألقاب التي لم يخلصنا منها ~~أحد. على عهد أيوب ثابت اكتفينا مدة بكلمة حضرة لجميع المقامات الرسمية، ثم لم تنقض ~~مدة قصيرة حتى عدنا بشوق لا مزيد عليه إلى مثل هذه الطنطنات الفارغة. الحمد لله على ~~أننا استرحنا من الألقاب التركية، ولكننا ابتلينا بلقب جديد؛ هو لقب دكتور، ولكل جديد ~~رهجة وبهجة: يكون الشيء مرغوبا فيه متى كان نادرا، كما كانت كلمة «الملفان» في ~~«أيامنا». ولكن ما دامت مصابغ أوروبا تعيد إلينا شبابنا مصبوغا بهذا اللقب العلمي بلا ~~علم - إلا نادرا - فإني أقترح أن نكتفي باسم الرجل ونترك عمله يعبر عن كفاءته. # كنت مرة أحدث صديقا لا أعرف أنه دكتور، فكان يحدثني بجفاء وتقطيب حواجب، ولما دخل ~~واحد خاطبه بيا دكتور، قلت له في مجال الحديث: اسمع يا دكتور، فتطلق وجهه وأقبل علي ~~بعدما كان مشيحا. # إنني أقترح على ألسنتنا وعلى صحفنا وأقلامنا أن نكتفي بكلمة حضرة أو سيادة، وتجلي عن ~~حضرتنا تلك الجيوش الجرارة التي نستعرضها على ظروف رسائلنا، فنكفي موزع البريد مئونة ~~التفتيش عن الاسم الضائع بين تلك الجحافل. # قال لي واحد أوروبي: أنتم - الشرقيين - تفخمون كثيرا فتتعبون السامع والقارئ. نحن ~~نقول # Le bon Dieu # وأنتم تقولون: الله - سبحانه وتعالى - ~~آلله في حاجة إلى تعظيمنا؟! # فقلت له: لا يحول الله وجهه عنا إذا لم نفخمه، ولكن مخلوقاته قد يتنكرون لنا؛ إذ لم ~~نعظم ونفخم. # الكرم المزعج # أقترح لهذه المآدب التي لها أول وليس لها آخر، أن يكون لها ملكة أناقة وكرم، فلا نعود ~~نقول، مثلا، كانت هذه الحفلة سيدة الحفلات. فليكن هناك محكمون، وإذ ذاك يكون المجد ~~للخواجه والست بحق ولا يكون الحكم اعتباطيا. فالديمقراطية لا بد لها من الشورى. ومن ~~تأمل اللياقات التي لا حد لها، والإلحاح الذي لا ينتهي، عجب من هذا الكرم الحاتمي، حتى ~~إذا ما انتهت المأدبة التي لا يقصد منها إلا الظهور وتعريف الناس بآدمي طازه، ms76 وما عنده ~~من أثاث وأواني وسجاد، عاد البخل سيد الموقف. وقد لا يكون في ذلك القصر العظيم، مأوى ~~للكتاب، ولهذا ترى غنى بلا معرفة، فكل ما عنده من سوق الفرنج ومن سوق الخضرة. # عندما ترى الواحد منهم يقبل عليك ليطعمك فوق الشبع تقول في نفسك: ما أكرم هذا الرجل! ~~فهو يطعمنا غصبا عنا، وأي كرم فوق هذا؟! قد دعا عشرين نفسا وأعد ما يكفي مائة، ~~فهنيئا للفقراء سيشبعون بعد ذهابنا، ولكنك لو عرفت أن البراد هو فكاك المشاكل في ~~هذه الأيام؛ لثبت لك أن المسكين لا يفك ريقه من هذه المأدبة العامرة. # فليت أصحابنا الذين أكلنا خبزهم، وصار بيننا وبينهم خبز وملح، فكروا بالفقراء ~~وأطعموهم ما أكلناه فوق الحاجة. لا أقول أن يكون للفقراء رصيد عندهم، وإنما أقول: لا ~~تطعموا البراد، فأخوكم الفقير أبرد منه، فأطعموه فضلاتكم ليدفأ. # وعلى ذكر الإلحاح على الضيوف؛ إظهارا لكرمنا الحاتمي، يطيب لي - كما يعبر كبار رجال ~~السياسة - أن أروي للقارئ هذه الحكاية: كان لأحد أعيان صيدا بنت عزيزة على قلبه جدا، ~~فأصيبت بالتيفوئيد، وكانت حمى التيفوئيد مرضا خطرا مزعجا، فدعي لمعالجتها الدكتور ~~كارنيليوس فان ديك، سيد الموقف الطبي في ذلك الزمان، فركب سيارة لم تكن غير حمار قبرصي، ~~وظل يروح ويجيء يوميا، وكل وكده أن ينتصر على الداء العضال. وبعد شهرين وأكثر برئت ~~البنت من مرضها، واحتفل الأهل بنجاتها. وكانت المأدبة على شرف الدكتور، فجاء راكبا ~~حماره الفاره. كان الحمار يرقص رقصا تحت معلمه كأنه يشعر بما يخامره من غبطة وحبور ~~لإنقاذه البنت العزيزة. # وحان وقت الغداء، ومدت السفرة الحافلة بأطيب الألوان، وقعد الدكتور في محله المرموق، ~~وشرع يأكل. خاض المعركة ببسالة، ولما اكتفى رفع يديه وانصرف إلى المجاملة بلسانه. ولكن ~~أم البنت أخذت كبيبة، محشوة باللحم والشحم، والسمنة الحموية تقطر منها، وقدمتها ~~للدكتور فأكلها مجاملة، مع أنها وحدها كافية لإشباع رجل أكول. وما انتهى من مصارعتها ~~حتى عرض عليه أبو البنت كبيبة لا تقل عن الشبر طولا، وهو يقول: كرمالي يا دكتور، أي ms77 ~~إكراما لي. فأخذها الدكتور تأدبا وراح يقضمها. ولما انتهى من الإجهاز عليها ونفض يده ~~من سمنها صاحت البنت: وكرمالي أنا واحدة ثالثة، فاعتذر الدكتور ولكن عذره لم يقبل، فقال ~~في نفسه: أكلة وموتة فاستعد لملاقاة ربك يا دكتور. # وأخيرا انتهت المعركة الفاصلة، وغسل الدكتور يديه، وهم بالرجوع قبل أن يفتضح أمره، ~~فجيء بالحمار وأعين الدكتور على ركوبه. # وكرج الحمار غير مبال بكرش صاحبه الذي يكاد ينشق، ولكن فان ديك رأى أن ينقذ الموقف ~~بعد مسافة فنزل عن حماره ونام حد نبع على الطريق، ثم قام هاضما الكباب المقلية إلا ~~قليلا، ففك رسن حماره وأدناه من العين فشرب حتى ارتوى. # وخطرت النكتة، وفان ديك كان من أربابها، فهز رسن الحمار ودعاه إلى الشرب فأبى، فقال ~~الدكتور: كرمال أم البنت اشرب. فرفع الجحش رأسه كأنه يقول: ارتويت. # فهز الرسن ثانية وصاح: كرمال أبي البنت اشرب. # فلم ينثن الحمار عن عزمه. ولم يمتثل لأمر صاحبه، فدعاه إلى الشرب ثالثة بلطف وإيناس ~~وقال له: كرمال العروس التي أنقذناها من الموت اشرب ولو غبة. # فتعنفص الحمار وكاد يعلن العصيان المدني، فتضاحك الدكتور وقال له: اسمع يا صاحبي، أنت ~~الحكيم لا فان ديك، فلولا القليل كنت مت من أجل مكارمة الناس، عافاك. لا تتنازل قيد ~~شعرة عن فلسفتك الغريزية. # وهكذا عاد الطبيب إلى قواعده سالما، وبقي يومين عاشهما على اللبن والحليب فأنقذ ~~الموقف ونجا بجلده. # لا أعلق على هذه الحكاية، فشرحها منها وفيها. فلنقل من هذا الإلحاح على المدعوين. ~~فهم غير مجبرين على استهلاك طعامنا، فرب أكلة حرمت أكلات، هذا إذا لم تؤد إلى العالم ~~الآخر! ولكننا نحمد الله على تبني بعضنا عادة الأوروبيين أو الأميركان، وصار الأكل على ~~الواقف، أما نحن فقضينا أكثر عمرنا نربط على المعلف ولا بد من الإتيان على آخر حبة من ~~العليق. وإذا بقي حتاتة انبرت الست تصيح: يه. الأكل بقي كما هو، يظهر أن عيشنا لم ~~يعجبكم. # وهذه ضربة معلم فعلتها؛ لتسمع ثناءنا على ما أعدته لنا، فقلت لها بعدما ms78 مدحت ~~وأطنبت: الفقراء واقفون على الباب، ومن لهم غير هذا البيت العامر المضياف. # وإلى الذين ينفقون ألوف الليرات على علفة أقول : زكوا آدابكم بكيس طحين يوزع على ~~الفقراء، فما عليكم لو اختصيتموهم بثمن قنينة وسكي تشرب بعد الامتلاء. ~~(6) لمن تربي مدارسنا؟ # كم كنت أتمنى أن ينتهي حديثي عن المدارس والتعليم عندنا فلا أضطر إلى استئنافه. ولكن ~~يظهر أنه موال فرنجي «ترلم ترلم»، كأناشيد جدجد لافونتين الذي غنى القصائد، ففاتته ~~الحصائد، وراح يشحذ من النملة ما يسكت جوع بطنه. # لست أرجو حل هذه العقدة؛ فهي لم تحل بعد، كما يرجو أحرار الفكر، في الدول العوانس، ~~فكيف يرجى تحقيقها في دولة لم تشب عن الطوق! أما الدواء إذا وجد، فمصدره وزارة التربية ~~ولا يحقق فكرة الدولة - بعد حين طبعا - غير هذا الكرسي، فالدولة لا تعمل بمرسوم بل ~~تتكون في الرءوس والنفوس ولا يقال لها: كوني فتكون. أساس الدولة البيت والمدرسة، فهل ~~لبيوتنا يد في هذا العمل الخطير الذي لا يكون إلا موحدا؟ وهل لمدارسنا هدف غير ~~التعليم؟ # إن هدف المدارس هو خلق الرجال، ولكن أي الرجال تخلق مدارسنا؟ ولمن يخلقونها؟ ... # الجواب مر مؤلم: المدارس الأجنبية تهزج وترتل والوزارة بل الدولة لا تستطيع وقف الدف ~~والطبل، العرس قائم ولكننا في مناحة. # إذا كبر الرجل أفرط في الصراحة، فاسمحوا أن أسأل: ما الذي دعانا إلى انتحال اسم ~~التربية الوطنية؟ ألم يكن الاسم الأول، وزارة المعارف أكثر مطابقة! إن لبنان لا يعنى ~~بغير التعليم، ويا ليته تعليم كامل فنتعزى. # إن تكويننا الاجتماعي، إن كان لنا تكوين، لا يد لمدارسنا فيه، فنحن النزوعيين قد ~~كوننا أنفسنا، ولم تستطع مدارسنا أن تخمد نزعاتنا. إذن فلنقل وزارة القراءة والكتابة، ~~في اللغة القومية واللغات الأخرى، وإن تشبثوا بهذا اللقب المنسوخ فإني أسألهم: إذن ما ~~هو هدفكم التربوي؟ # قد يجيبون على سؤالي هذا: هدفنا خلق رجال ذوي أخلاق فاضلة، إنسانيين. ولكنني أرد على ~~هؤلاء: هذا هدف عام من عهد «كانت» و«بستالوزي» وغيره، وهو لا يتفق بحال مع التربية ~~الوطنية. فللتربية ms79 الوطنية هدف خاص، أي خلق رجال مختصين ببقعة من الأرض دون غيرها، فهل ~~نعمل لهذا؟ أفي وسع وزارتنا التي سموها وزارة التربية الوطنية أن تقول لمدارس الجمهورية ~~اللبنانية جمعاء: افعلي ولا تفعلي. # يقول علماء التربية: إن التربية الصالحة لأمة أو فرد قد تضر بأفراد آخرين أو بأمة ~~أخرى؛ فالتربية الحق تصهر عواطف وأفكار الأمة فتصير شعورها واحدا. وبدون ذلك لا تكون ~~الدولة. فالإنسان الذي تتطلبه تربية اليوم ليس هو ذاك الإنسان الآدمي، ولا الذي أوجدته ~~الطبيعة بل هو ذاك الإنسان الذي تحتاج إليه الأمة وتريده كما تقتضي ظروفها أن يكون، ~~وبوسعنا أن نستعير هنا ذلك التحديد البياني للبلاغة العربية: مطابقة مقتضى ~~الحال. # هذا رأي دركايم وغيره، فهل لعلماء التربية عندنا رأي يناهضه؟ وماذا تخلق مدارسنا يا ~~ترى؟! ماذا تغرس من المشاعر والأفكار التي هي سر قوة الشعب، ولا وطن ولا حول ولا قوة ~~إلا بها. # والوزارة لا تجهل أن التربية تطورت في أمم العالم، ومثلنا على هذا دولة فرنسا. أما ~~حاولت هذه الدولة التي شدنا منهاج دراستنا على طراز منهاجها أن تخلق لكل عصر رجالا؟ ~~فشتان بين فرنسي العصور الوسطى، وفرنسي عصر الانبعاث، وفرنسي عصر الثورة، وفرنسي القرن ~~التاسع عشر، وفرنسي الحربين وما بعدهما. فماذا نفعل نحن الذي نسخنا مناهجنا واسم ~~وزارتنا عنهم، وما هي التربية الوطنية التي نريدها؟! ألا تربي كل دولة رجالا ينتسبون ~~إليها، فماذا نربي نحن؟ ألا ترى الوزارة أن من نربيهم يصلحون لكل مكان، ولا يصلحون ~~لمكان بعينه. فإذا كان هدفنا تربية رجال «دوليين» فلماذا لا نسميها وزارة التربية ~~الدولية، وهذا اسم أعم وأفخم وأرخم ... # للطيور التي تعيش مجتمعة نظام اجتماعي موحد، أما نحن فكما يعلم كل واحد: كل يغني على ~~ليلاه وما من يسأله هذا النشاز؟! ولكن فلنبعد اليأس؛ فالأمة لا تتكون إلا بعشرات ~~السنين، وبما أن عناصر تكويننا وثقافتنا وأدياننا متشابهة، فلا بد من أن يصير مزاجنا ~~القومي واحدا، إذا صح رأي غوستاف لوبون. # يقول دركايم: إن جسدا يعمل بدون عقيدة تربوية هو جسم ms80 بلا روح. فما هي عقيدتنا ~~التربوية يا ترى؟ ما هو هدفك أيتها المدرسة؟ الجواب: عند الجنسية والطائفية. إذن لكل ~~مدرسة هدف، وهيهات أن ترتقي بلاد لا تستهدف غرضا ساميا. # وأنت يا أخي الأستاذ، وأنا زميلك في معامل الرجال، ما هو هدفك التربوي إذا كنت معلما ~~في مدرسة أجنبية؟ الجواب: لاتيني عند اللاتين، وأميركي عند الأميركان، وإنكليزي في ~~مدرسة غايتها التبشير ... تصلي اليوم غير صلاتك، غصبا عن رقبتك، وإلا فالبوابة ~~مفتوحة. # كانوا فيما مضى - في أيامنا - يكرهون التلاميذ على دخول الكنائس وحضور الزياحات ~~والقداسات والمواعظ الدينية، وقبل الحرب الكبرى، احتج الطلاب المسلمون في مدرسة جبيل ~~على ذلك فأطلقت حريتهم على عهدتي. وبعد الحرب العظمى الأولى مشت أكثر المدارس على هذا ~~النهج الجديد. ما لنا وللصلاة، فهي مفيدة في كل معبد، ولكن هل في هذه المدارس الأجنبية ~~احترام لعواطف البلاد ولقرارات حكومتها، هل يعيدون أعيادها القومية ويشاركونها في ~~أفراحها؟ الجواب على هذا: لا. ثم ماذا يعلمون؟ وإذا وجهنا هذا السؤال إلى الوزارة ترى ~~ماذا تجيب. هل دخل مفتش ما معهدا أجنبيا وقال لأصحابه: افعلوا هذا أو لا تفعلوا ذلك. ~~إنهم يعلمون ويربون وفكرهم في بث مآرب الدول التي هم منها، أما لبنان فليس على البال ~~ولا في الخاطر. # إذا كنا في حاجة إلى الجامعات، فهل نحن محتاجون إلى مدارس ثانوية وعندنا ما عندنا من ~~المدارس، وهي تطلب مساعدة الدولة ... أرى أننا إذا لم نقفل المدارس التبشيرية فلا أقل من ~~أن نفرض عليها سلطاننا؛ لتعرف أنها في بلاد عربية، وفي ظل علم لبناني يحترم الحريات ~~جمعاء، وليس لها أن تنفث في نفوس أبنائنا مبادئها التي لا تساعدنا على تكوين الوطن ~~الحر الذي ننشده. # ومدارسنا هدفها الطائفة قبل الوطن، فإذا كان المحيط مارونيا فهي مارونية، وإن كان ~~أرثوذكسيا فأرثوذكسية، وإن كان إسلاميا فهي سنية أو شيعية، وإن كان درزيا فهي ~~درزية، وهكذا قل عن الأرمنية والسريانية، والعبرانية، ومع ذلك فهي تطلب من الدولة أن ~~تفتح خزائنها وتقذف لهم المساعدات بالرفش. # أقول هذا ولا أهاب ms81 أحدا: لمدارس الأجانب هدف معين هو التمكين لدولها في أرضنا، أما ~~الوزارة فترمي التل ولا تصيبه، ثم تتشبث بلقب التربية الوطنية لا شيء سوى أنها هكذا ~~سميت في فرنسا، كما لم أسم مارون إلا لأنني ولدت في ذلك اليوم؛ يوم عيد مار مارون ~~... # إن مهمة التوحيد عندنا شاقة جدا، ونحن لسنا نطلب التوحيد كاملا؛ لأن دولا كثيرة ~~لم تحققه بعد، فكيف به في دولة ناشئة لا اختصاصيين فيها؟! وإذا وجد الاختصاصي فمن يكفل ~~لنا وضعه في محله إذا لم يصادف هوى الطائفيين؟! وميل المالكيين سعيدا ... وهل يجرؤ على ~~الإصلاح من كان موقفه مهددا! من يكفل له أن قوائم كرسيه لا تصطك وتنهار ويصبح على ~~الأرض يا ... حكم، كما يقولون. فخير لنا أن نسمي هذه الوزارات جمعيات خيرية، والمدارس ~~أخويات متحدة تصلي جميعا لأجل الوطن بألسنة مختلفة كتلاميذ المسيح في علية صهيون ... لقد ~~أصبحت الوظيفة كالسيامة، فمن مسحناه بالزيت المقدس أمسى مكرسا. # كانت غاية مدارسنا القديمة أن تخلق منا جمهرة تقرأ وتكتب، واللغة كما يقرر علماء ~~النفس أخطر عناصر التربية القومية، فخرجنا والحمد لله، أناسا قارئين كاتبين، أما اليوم ~~فقلما يخرج من يقرأ ويكتب صحيحا بلغتنا الأم؛ وذلك لأن حمل التعليم، بل المنهاج، ثقيل ~~جدا - كما تقدم - فهذا المنهاج لا يحول ولا يزول كأنما هو لوح الوصايا العشر. كل شيء ~~يتغير في هذه الدنيا إلا شيئين: منهاج البكالوريا اللبنانية، ووجه ربك ذي ~~الجلال. # لست أتوقع اجتراح العجائب إذا عدل هذا المنهاج، فمثل هذا النهج يقتل قوة الاستنباط، ~~ويخمد جذوة الهمم، والاستقلال العقلي، فأكبر هم بنينا اجتياز المحنة بسلام ... ومع كل ~~ما تقدم فليس الشر كله في المنهاج، فأساتذتنا وتلاميذنا في البيداغوجي سواء بسواء، حتى ~~إننا لا ندري من هو المربي، ومن هو المربى. وإذا قلنا الصحيح ولم نحاب أحدا قلنا: ~~إن المدارس الأجنبية هي التي تؤدي مهمتها على حقها ... لأنها جاءت لتخدم دولها، وها هي ~~تخدمها على أرض لبنانية وتحت سماء لبنانية، وهي في مأمن وعصمة من التفتيش ... # يقولون: إن من ms82 خاف شيئا وهو صغير، يظل يخاف منه وهو كبير، وهذه حالنا مع المدارس ~~الأجنبية. كانت في عهد «الامتيازات» الأجنبية حصنا سموأليا وما زالت كذلك. # إن التفكير يصير التقليد والممارسة صالحين للزمان والمكان، فمن فكر منا في إبداع ~~أمر يتفق وميول أبنائنا وطموحهم. الدنيا في ماديتها الأدبية والمادية تتغير وتتحول، أما ~~نحن فثابتون كالشمس، صامتون كالأرض، مع أن هدف التربية خلق إنسان جديد لحياة ~~جديدة. # نعم؛ إن الطفرة محال، وليس المستقبل قصيدة فيرتجل ارتجالا، ولكنه الماضي يرمم ~~ترميما تصلح حجارته وتنقح لتلائم الطراز الحديث. وقد قال هانيكين: ما من حادثة في ~~الطبيعة كلها إلا تتولد من الماضي. فمتى ننقح مسودة ماضينا؛ ليكون لنا حاضر؟! # إن التطور الاجتماعي سريع جدا، ولا حقبة تشبه ما قبلها. الناس يفكرون بالصعود إلى ~~المريخ والقمر، أفلا تفكر وزارة التربية - على الأقل - في الصعود والنزول إلى هذه ~~المدارس الأجنبية لترى ماذا تعلم وكيف تربي؟! قد يقولون: إننا نربي شبابا إنسانيين ~~تربية عامة! وأنا أجيب أنه لا يوجد أبدا تربية عامة توافق الجنس البشري كله؛ فلكل ~~طبقة تربية، ولكل قطر تربية، حتى إن لكل قبيلة تربية، وإذا غالينا قلنا مع بعض علماء ~~التربية: لكل إنسان تربية، فكل فرد هو تاريخ قائم برأسه ولا يشبه غيره بحال. أما ~~التربية الوطنية العامة فسروال فضفاض مثل شروال المرحوم والدي في عزوبيته، ستة وعشرون ~~ذراعا من الستكروزا ... بينما نحن اليوم في عهد البنطلونات المزمكة. # مسكين لبنان ليس له أحد من الناس حتى حكامه. موظفوه يرقصون وهو يحط النقوط، كأنما كل ~~معنى لبنان في ميزانية توزع على طوائفه بالسوية كما تقسم تركة الميت بين بنيه. المحبون ~~يذكرون المرحوم وفي العين دمعة، وذووه الأقربون لاهون بالقسمة والضرب وليس فيهم من يقرأ ~~الفاتحة على قبره، ولا من يصلي الأبانا والسلام لراحة نفسه ... إن أكثرنا كابن المقفع ~~يهتف كلما استوضح نارا: يا دار عاتكة التي أتعزل. # ما رأيت دولة تمثل تمثيلا أشبه بالملهاة كما هي الحال في لبناننا العزيز. نحس ~~بالانقلابات والتطورات إحساسا لا يفوق إحساس ms83 النظارة في المرسح. يفرحنا مرسوم ويحزننا ~~مرسوم، وهل يفرح حقا من يؤمر بالفرح. # إن الحياة المدرسية هي نواة الحياة الاجتماعية الوطنية، فهل من يقول: ماذا تزرع ~~المدارس الأجنبية في النفوس؟ إذا كان الكاهن رسول ربه، فالمعلم هو الرسول المبشر بأسمى ~~عقائد وطنه، فيقضي على مستقبله وليس لحكومة أمته أن ترفع صوتها، أو تحقق في ~~قضيته. # المعتقد هو سر قوة الشعب، وقد قال بلزاك في روايته «خوري الضيعة» عن الدين: إنه هو ~~الإرادة البشرية البالغة أقصى قوتها. وأنا أقول: الدين لا يستأصل من الإنسان؛ فهو ~~كالوكيل الدوري كلما عزل فهو وكيل. فلا يزعمن أحد أنني ثائر على المدارس الغربية؛ لأنها ~~تصلي، فأنا أقول مع ديركهيم: إذا أفرغنا المبادئ الأدبية من عناصر الدين فإننا نبترها، ~~وهل إذا حاولنا إصلاح رجال الدين نكون كافرين أو ملحدين؟! # مسكين هذا الوطن اللبناني، فما فيه حد وسط. فهناك إما لبناني يحسبه جزءا أوروبيا، ~~وإما لبناني يريد أن يضيق عليه فلا يسمح له بالالتفات صوب البحر، كأنه نسي أن العرب ~~أولعوا بوطن ثان كلبنان هو الأندلس. نسي أن لبنان، العربي الوجه واللسان، الشرقي ~~الجنان، قد طعمت شرقيته بالحضارة الغربية فكونته هذا التكوين الخاص. فيه العربي ~~والمستعرب، فما حيلتنا في المولييريين الذين يحاولون جعله طبيبا غصبا عنه ... # فإذا كان الإنسان ابن بيئته فلا يكون لبنان إلا كما هو اليوم، فلا تحاول المدارس ~~الأجنبية أن تزيد في طيننا بلة. لقد شبعنا ثقافة يا جماعة، وأطعمنا سوانا، فدعونا ~~وشأننا ولتذهب مدارسكم إلى بلاد هي أحوج منا إلى التعليم. أما إذا أحببتم أن تظلوا ~~عندنا فنحن نكرم الضيف، إننا نركبكم خلفنا لا أمامنا ولا على ظهرنا، والشرط أن لا تمدوا ~~أيديكم إلى الخرج ... الشرط أن تفتحوا أبوابكم للمفتشين فلا يكون التفتيش في المدارس ~~الوطنية وحدها. # إن من يأكل خبز السلطان يضرب بسيفه، فأنتم تنعمون بنسيم لبنان ومياه لبنان فكونوا عند ~~ظن هذا البلد المضياف، واعلموا أن القاصر قد بلغ ورشد، وعهد بالوصاية عليه قد انقضى فلا ~~«تتمقطعوا» في أولاده. كونوا أذكياء ms84 ولا تدعوا لبنان يهتف: اقتسموا ثيابي بينهم وعلى ~~لباسي اقترعوا. # ترى ألا يوضع في لبنان شيء موضع الحزم، إلا توزيع النياشين، واقتسام الوظائف، وبلص ~~الفقراء بالضرائب المباشرة وغير المباشرة. فإما أنه هناك دولة لبنانية نعلم لها وإما ~~لا، ومن يدفع الأجر يطالب بالعمل. فكما تسهر دولتنا على راحة الأجنبي وخلق جو من ~~الاطمئنان حوله، عليه هو أن يخدم هذا الوطن بكل قواه. # فلندخل المتن ولماذا الحوم على الهامش؟! التعليم نظام يدرك به المتعلم أنه يسير إلى ~~هدف معين ويسعى لغاية مقصودة، فهل تعمل المدارس الغربية بهذا المبدأ التربوي. الغرض من ~~التربية هو الحصول على أكثر مقدار من تكييف الفرد الصالح لوطنه ونموه فيه، فهل تفعل هذا ~~مدارسنا الأجنبية؟! # إن لمسنا جسدنا يختلف عن لمسنا للأجساد الأخرى. فلمسنا جسدنا يحدث إحساسا مزدوجا؛ ~~لأن اليد اللامسة تكون لامسة وملموسة أو فاعلة ومنفعلة، فالمربي الوطني يكون إحساسه ~~مزدوجا إذا كان صادق العقيدة غير زنديق، أما الأجنبي فهو كالمفلوج يفقد هذا الإحساس ~~المزدوج حتى يظن أن عضوه المشلول ليس أحد أعضائه، فإذا شئنا أن نربي للوطن رجالا ~~صالحين فلنقص المفلوجين ... ms85