######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.RuwwadNahdaHaditha.Hindawi37520352 #META# Tags: literature #META# ID: 37520352 #META# Title: رواد النهضة الحديثة #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ما هذه مقدمة‏ # قبل المعركة‏ # الرواد العتاق‏ # شعراء الأمير‏ # الشعراء العلماء‏ # فجر التجديد‏ # شعراء متفلسفون‏ # الرائدات‏ # الرواد الكتاب‏ # رواد الصحافة‏ # كتاب النضال‏ # ما هذه مقدمة‏ # قبل المعركة‏ # الرواد العتاق‏ # شعراء الأمير‏ # الشعراء العلماء‏ # فجر التجديد‏ # شعراء متفلسفون‏ # الرائدات‏ # الرواد الكتاب‏ # رواد الصحافة‏ # كتاب النضال‏ # | رواد النهضة الحديثة # | رواد النهضة الحديثة # تأليف # مارون عبود # | ما هذه مقدمة # يا سبحان الله! قلما خلت عادة من فائدة، فالمرحوم والدي - رحم الله موتاكم جميعا - كان ~~يجبرنا على الصلاة الجمهورية كل مساء، فلا ينساها ليلة، ولا يخرم منها حرفا. أذكر أنه ~~ساقنا كلنا مرة، وركعنا بجانب فراش أمي الممغوصة، وقال لها: «يا أم مارون، صلي معنا ~~تصحي.» حاولت المسكينة أن تضحك فكشرت، وقالت: «أهي فنجان بابونج أم كأس عرق؟» فضحك، ~~وقال: «صلي، بعد الصلاة يكون ألذ وأطيب.» # كانت أمي - نيح الله نفسها - من القانتات؛ تحب الصلاة كثيرا، كيف لا وهي بنت الخوري ~~موسى الذي كان يتوسل إلى ربه بصلاة أطول من يوم الجوع، ليرفض عنه الشباب الذين يسهرون ~~عند بناته الكثيرات ... وقد سماهن كلهن على وزن واحد، وإليك اسم المرحومة الوالدة ~~«كاترينا»؛ لتعلمه، وتقيس عليه ... ولكنها - أي أمي - كانت تهوم متى قامت الصلاة، فتأخذ ~~بالسجود اللاشعوري، ثم لا تنفك تفعل ذلك حتى يرفع الوالد عقيرته مرتلا «طلبة السيدة». ~~وكثيرا ما كان ينكعها إذا لم توقظها أول كيرياليسون ... ثم يمضي غردا كفعل الشارب المترنم ~~على ما في صوته من بحة وصحل. وإذا استعجلنا نحن أخذ يتمطط هو على هواه، فنسير الهوينا ~~اتقاء لشره، ثم لا نتنفس إلا حين يناجي العذراء، ويضعنا «تحت ذيل حمايتها» ... ولكنه يعود ~~فيستأنف الصلاة من جديد، فتكون كذنب الطاووس في الكبر لا في الجمال، فيقول خمس مرات: أبانا ~~وسلام لأجل راحة نفس جدكم؛ ليعامله الله بالرحمة. ويفرض مثلها لجدنا الآخر، ولجدتنا ~~الأخرى، ومثلها لأقاربنا أجمعين، ومثلها لجميع الموتى المؤمنين، ومثلها لأجل ارتفاع شأن ~~الكنيسة المقدسة، ومثلها لكل من آجر في بناء كنيسة الضيعة، ثم لأجل من له علينا فضل وتعب، ~~وأخيرا لأجل ms001 «المنقطعين». # قد لا تكون جنابك من «شعب الله الخاص» فلا تفهم ما يراد «بالمنقطعين»، وقد لا تستطيع ~~الوصول إلى الصديق الأستاذ الغلبوني؛ ليشرح لك من هم، فقد ورث الاهتمام بأمرهم عن المرحوم ~~أبيه الفاضل. والأستاذ الغلبوني مفضل على أبي؛ لأنه قام مقامي، وقدس لأجل خلاص نفسه أربعين ~~قداسا ... كان الأستاذ قد ظن أن والدي من «المنقطعين»، وعد وجودي كالعدم ... فهنيئا لوالدي. ~~أما كافأه الله حالا، على ذكره المنقطعين بصلاته طول العمر! # إخالك فهمت من حديثي من هم «المنقطعون»، إنهم أولئك الذين ليس لهم عقب يصلي لأجلهم ~~ويقدس، أظنني أفهمتك، ولكن بعد ما فلقتك، فقل: صبر جميل، واسمع أيضا. # ولما كبرنا أخذنا نتشاغل عن الصلاة، وأمسى والدنا يصلي ووالدتنا، ولما صار أرمل مثلي - ~~ومن يشابه أبه فما ظلم إلا في الصلاة - أخذ يصلي وحده، وظل على ذلك حتى آخر ساعة. # ففي ليلة من ليالي صيف سنة 1930 سهر معنا كعادته، وأطربنا بنكاته البريئة، وأخباره ~~الطريفة، وقبل أن يتدهور الليل قال: يا الله، علينا صلاة، فشق علينا ذهابه؛ لأنه برغم ~~الخمسة والسبعين كان فتي الروح، فركع على تخته قبالتنا، في بيتنا المناوح بيتي، وشرع في ~~صلاته ينبر نبرا، ويرسل الجمل متقطعة كأنه الحجاج يخطب في الكوفة، وظل يفعل هذا أكثر من ~~ساعة، وضيفي الأستاذ جبرايل كان يسمع ويطرب؛ لأنه مصل كوالدي. # وأخيرا صلى الوالد صلاة «المنقطعين»، وتمدد في فراشه وهو يقول: «حطيت راسي عافراشي، ~~سبع صلبان فوق راسي ... مار مخايل يا ملاك، تعينني وقت الهلاك ... إلخ»، ثم تلحف، وهو يقول: ~~يا رضا الوالدين، يا رضا الرب. # فقلت لجبرايل: انتهت المعركة بسلام، وتصالح الوالد مع الله، ونال رضاه ورضاهما، وسينام ~~على سكين ظهره حتى الصبح. # ولما أصبحنا جاء والدنا يسأل جبرايل عن نومته، وكيف وجد مناخ عين كفاع، أهو مثل مناخ «مار ~~ماما» أم أحسن؟ فأحسن جبرايل الرد، ولم يزد على الواقع، أما أنا فقلت: النومة هنيئة، لا ~~برغش، ولا بق، ولا ناموس، فقال: لا تقل ولا ناموس ... فضحكت لاستدراكه، وأعجب به صديقي ms002 ~~الأستاذ . # ثم عدت وقلت: ولكن صلاتك كانت عياطا، كأنك تقاتل ربك، طولتها يا شيخ بومارون! فأجاب ~~بغلظة: اسكت يا معتوه، أصلي عني وعنك، وتقول طولتها؟! يا ويلك متى مات بو مارون. # أجل، لقد بعد العهد بيننا وبين تلك الصلوات، ولكنني فطنت في هذه الأيام إلى أن الصلاة ~~«للمنقطعين» نفعتني جدا، إن لم يكن في الدين ففي الأدب، وكم للدين عند العلم والأدب من ~~يد. إني ميال جدا إلى «منقطعي» الأدب، وكثيرا ما أفكر بهم، ولهذا دعوت الأمة العربية منذ ~~خمسة عشر عاما إلى الاحتفال بذكرى الخمسين لأحمد فارس الشدياق أعظم نوابغنا في القرن ~~التاسع عشر، ولكن كلامي ذهب كصرخة في واد. # وها أنا ذا أعود اليوم إلى هؤلاء «المنقطعين» جميعا، وإذا ذكرت معهم من لم يحرموا من ~~يذكر الناس بهم، ويطري آثارهم، فلأن سياق الكتاب يقضي بذلك، ثم لأنهم جاهدوا جهادا حسنا ~~في بناء النهضة التي نفاخر بها، وإذا طالت المدة ولم تقتلنا شدة، فسوف نكتب كتاب «رجال ~~النهضة» أحياء وأمواتا. # والآن ألتمس منك أيها القارئ أن تقرأ جيدا، أو أن لا تقرأ، اترك كتابي في ذقني إذا ~~رأيتني أقول فيه ما لا توافقني أنت عليه، فالناس تناضل اليوم لأجل حرية القول، وها أنا أهبك ~~حرية القراءة، فهب لي من لدنك ما التمست منك. # نصيحة لا حاشية: إذا كنت لم تقرأني بعد، فنصيحتي لك ألا تفتش عن شيء، بل اقرأ كل شيء لتجد ~~ذلك الشيء ... وقد أعذر من أنذر. # | قبل المعركة # (1) سنديانة الضيعة # إذا جاز لنا أن نصنف الأشجار أوابد ودواجن، فالأرزة آبدة، والسنديانة داجنة. # الأرزة بادية، والسنديانة حاضرة. السنديانة أم لبنان. في ظلها تعقد الضيعة مجلس ~~الشورى، وتحت جناحيها يستريح الفلاح المنهوك. # هناك في فيئها ينفض الغبار عن حذائه، وهناك يستريح ريثما يجف العرق على جبينه ~~كالرب. # في ظلها الظليل يلعب الصبية ويمرحون، فلا دنانير تفر من البنان، كما تراءى للمتنبي ~~في شعب بوان. # في ظلها كنا نحصب الدوري عندما يغيب عنا الخوري، ومتى طلعت علينا لحيته البحترية من ms003 ~~خلف الجدار انكببنا على الكتاب، وأمنا بهذه الحيلة هول الحساب. ~~••• # أيتها الحبيبة، هل تذكرين تلك القلوب الصغيرة؟! فكم تكومت في حشاك الأجوف متوارية عن ~~نظر المعلم، وكم نبضت فيه ودقت، فكانت لك فؤادا يحب ويحب. # في أحشائك الصابرة توارينا صبايا وشبابا، فما ردت عنك حرارة قلوبنا برودة ~~الشيخوخة، وصقيع الهرم. # كم شاهدت من آباء وأجداد يتجادلون ويعبثون، وأنت معبسة لا تفارقك المهابة. ~~تمدين فوق رءوسهم أغصانا كأنها أصابع تداعبهم محسنين، وتنكزهم مسيئين. # يا أم الضيعة، أي سر من أسرارها تجهلين؟ أخفي عليك شيء من نزواتهم ساعة يجهلون؟! ~~أما كنت لهم دائما أما حنونا تستر على بنيها؟! # السلام عليك أيتها الأم، الممتلئة نعمة، مباركة أنت بين الشجر، ومبارك ثمرة بطنك ~~العقل اللبناني. # كأني بالرئيس اللبناني # 1 # حين قال: «اللبناني والشجرة رفيقا جهاد»، قد فكر ببنتك المعرفة، ثم بابنك ~~المجذاف. أما كنت حياة لهذا البلد منذ كان، ولما عري منك فقد الرجولة والطاقة. # يا أم أعمدة خيامنا مصيفين، ويا أم جذوع بيوتنا مشتين، إليك نرفع أبصارنا خاشعين ~~مبتهلين. # إن مسنا القر دفأتنا جذوعك وأروماتك، وإن لفحنا الحر بردتنا غصونك، وإن شخنا فمنك ~~لنا السند والعضد، منك العصي التي توكأ عليها الجدود، ومنك الخشب الذي يحنو علينا ~~في اللحود. # أيتها الأم الحنون. # كما كنا نرشقك بالحجارة الطائشة فيتساقط بلوطك رطبا جنيا. يا كستناء القدامى، ~~ونقلهم الشهي في ليالي كانون المعربدة، ما أسماك مرتفعة عن الأحقاد! # أيتها الشجرة المقدسة، قدوسة أنت! # لأخينا العربي جمر الغضا، ولنا فحم السنديان، وأكرم بناره من نار خالدة! منك تعلمنا ~~الحزم والعزم والثبات؛ فصبرنا على الزوابع العابرة، مقتدين بك يا أمنا الصابرة. # يا بنت لبنان، يا جامعة الفطرة والزمان، كم هبط الوحي من أعالي سمواتك على الرءوس ~~الحانية على الكتاب. # أتخصين الدفاتر التي حبرتها أيدي من كان جذعك المنخور لهم مسندا؟! كم نظرت بألف ~~عين إلى من سودوا الأوراق فبيضوا وجه لبنان. # ألست قابلة الحرف يوم وضعته أمه؟ ألست مرضعة الكتاب التي لا تعق؟ مرحى يا سنديانة ~~الضيعة الحبيبة، ms004 يا جارة الهيكل ما أنت جارة! # أنت أم، أنت أخت، أنت عروس يتجدد كالنسر شبابها. كلك جميلة يا حبيبتنا ~~السمراء! # يقولون مدرسة تحت السنديانة، وما أحلى هذا الاسم الخالد، لقد أنصفك من سماك هكذا؛ ففي ~~ظلك ترعرع العبقريون، ومن عودك استمدت يدهم الصلابة. # ما أحسب كنانة عبد الملك بن مروان، حين كبها، ورأى الحجاج أصلبها عودا، إلا من ~~خشبك، وكيف يكون ذلك الرجل غير سنديان؟! أما كان معلم صبية ... إذا ضاق عنا صدر الهيكل ~~ضممتنا كما تضم الدجاجة فراخها. # وإذا أطلت أمنا الأخرى القاسية، تلذعنا أسواط أشعتها، تخبأنا تحت أذيالك. ما أحلى ~~القمر يغمزنا من بين ثناياك كالأخ الأصغر! # يا جبارة بلا مجن، يا فارسا جواده الجبل، وسرجه الجلاميد، ما أصبرك على الحر ~~والقر! إن من أبدعك لا يضيع أجر الصابرين. # يا طويلة العمر، هاتي قصي علينا حديث جهابذتنا، لقد طال صمتك يا حبيبة القلب! ~~أجولييت ما هذا السكوت ... # دمع جرى فقضى في الربع ما وجبا، أقسم بك لا بغيرك إن دمعتي تفر كلما تذكرتك. لعلي ~~أبكي على الصبا المولي، وإن كان المولي ما له صاحب ... ~~••• # إن جذورك تقتات من رفاتنا، فأي الأعماق تبلغ يا أم المعرفة. # تعدين الأجيال كما نعد السنين، وورقك النخاس يثير همة الأيدي المخشوشنة، وجذعك المشقق ~~القشور كوجوه مشايخنا المجعدة، كلاكما صابر يضحك من الظواهر الجوية، فكلما ازدادت ~~اهتياجا ازداد استهزاء، متسمدا من رجائه حياة. # إن عند العواصف علم ما لا يعرفه النسيم. في صوتها الجهوري رعب دونه حلاوة صوت النسيم ~~الرخيم. شاهدك «رنان» فقال لجدي: عندكم سنديانة شاعرنا لامرتين. فهز كتفيه؛ لأنه لم يكن ~~يعدل بمار أفرام وأبي العتاهية أحدا من شعراء العالم. # لقد أدرك ذاك الجد شيئا من عزك، وترنم بشعر «الملافنة» حول جذعك، وعلم بني ضيعتك ~~الشعر السرياني، وما ينبغي لإقامة صلاة البيعة، والنثر العربي لعمل الدنيار ~~حوائجها. # أما شبعت صلاة يا ستي! كم جيلا طويت من رجال الهيكل المترنمين، الذاكرين الله ~~هازجين. # استظلوا بظلك أحياء، وناموا تحت جناحك على رجاء القيامة. # ترى ms005 بماذا كنت تفكرين؟ حين كانوا يتمتمون صلاتهم متمشين تحت ظلك: قاديشات الوهو إلخ، ~~أي قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الذي لا يموت. # هل كنت تحسبين أنك قوية فغرتك عينك، وحلمت بالألوهية كبعض الناس! هل ظننت يوما أنك ~~لا تشيخين؟! # رأت أوائلنا شبابك الغض، وأبصرت جدودنا اكتهالك المجتمع الأشد، ورأى الآباء ورأيت أنا ~~طلائع شيخوختك، وسترى أحفاد الأحفاد هرمك، والله يعلم من الذي يشهد احتضارك. # إنه لبعيد، أيتها الجبارة التي لا تريد أن تموت. # أيها البرج المعلقة على جدرانه مجنات جبابرة الذكريات. ما أجل شيخوختك، وأروع ~~وقارك! # هاتي الحديث، أعندك خبر هذا الهيكل الذي دكه الزلزال؟ لم يبق منه غير بضع حجارة ضخمة، ~~فبقيتما كلاكما تتناظران ضاحكين من خفة عقل الطبيعة. # أيرن في آذان جذوعك ما يرن في أذني من ذكريات الماضي؟ ترى ماذا تقولين لها إذا خطرت ~~على بالك ... # هل تذكرين فتوة أوائلنا؟ أما كركرت في الضحك حين رأيت بنيك يشيخون في التسعين وأنت يا ~~أم التسعينات لم ينحن رأسك ولم تحدودبي ... # كم تسار وتناجى أبناء القرية وبناتها في ظلك، فلم تفشي لهم سرا! كم استعادوا بظلك ~~من ضوء القمر الفضاح، فكنت أبر من أم تستر على بنيها، وإن آلمها سلوكهم! # أيتها الناسكة الأزلية، يا بنت الغابة، كيف عشت وحيدة كل هذا العمر؟ # يا طويلة العمر، السلام عليك. # يا ناسكة الدهر، أحسن الله جزاءك والأجر! ~~(2) مدرسة «تحت السنديانة» # مديرسة ضاهت الجامعات بمن خرجت. لم أقل بمن أخرجت لأنها قائمة في العراء، ولا باب ~~لها فيخرج منه. فحد الهيكل، في ظل السنديانة، كنا نقعد نتعلم. وإذا ما انهل المطر ~~هرولنا إلى صحن الكنيسة، نقيم الدروس فيها إذا خلا «بيت الجسد» من القربان. أما إذا كان ~~القربان «مصمودا»، وكم كنا نتمنى ذلك، فنكر إلى بيوتنا راكضين، كما تكر إلى أوطانها ~~البقر ... وتسقط عنا كلفة المشي على الدرب مكتفين. كان يأمرنا المعلم ألا نلتفت يمينا ~~وشمالا، فنسير وكأن كل واحد منا حصان عربة مكدون. علينا أن نمسي ونصبح كل من نراه ~~على رمية ms006 حجر، ليقال إنا «تلاميذ مدرسة». أما تحية الظهر فكانت: المجد لله. وجوابها: ~~دائما لله. وكثيرون كانوا يختزلون الرد فيكون «دائما» فقط ... ليستطيعوا رد سهامنا ~~المتلاحقة، أما بوس يد الأب والأم والخال والعم، وكل نسيب حتى الدرجة الخامسة فكان من ~~أقدس الواجبات ... # وأما مقاعدنا فكانت فروة شتاء، وعلى الأرض أو الحجارة صيفا، وللمعلم كرسي الكنيسة ~~الدهري، وهو من خشب التوت المعمر، كان المعلم يجعل تلاميذه خطا مستقيما، حسب مرتبتهم ~~العلمية، لكيما يصحح المتقدم خطأ المتأخر، ولا يعود إلى المعلم إلا كبش الكتيبة ~~... # وقبل أن نصف المدرسة وطلابها علينا أن نعرفك بالمعلم سيدها الجبار المسيطر، السحنة ~~معروفة، فلا نستطيع تحديد الشخصية وتصويرها لأننا لا نتكلم عن واحد بعينه. فالمعلم يكون ~~غالبا من أصحاب السمت، لباسه غنباز قاتم اللون، يشد وسطه بزنار يختلف عن الغنباز ~~لونا، ولكنه يظل أميل إلى السواد محافظة على الأبهة والوقار. وإذا لم يكن المعلم ~~ملتحيا فهو لا يحلق ذقنه إلا نادرا. عليه أن يظل معبسا ليدب الرعب في قلوب ~~تلاميذه، فيحول تجهمه دون شيطنتهم. وكان يزيد في أبهته تلك، ذلك الطربوش المدور ~~الأحمر - المغربي - الملفوفة عليه شملة سوداء من الحرير الخالص، ذات خطوط متواضعة ~~اللون. أما «شرابة» طربوشه فحريرية زرقاء، خيطانها أنعم من صوف الهررة، وكثيرا ما كان ~~يقترض منها الليقة لدواته النحاسية المشكوكة في زناره، تلك كانت سمة «المعلم» ولعل ~~شرابة قبعة الجامعيين اليوم مأخوذة من هاتيك «الشرابة» ... ولا فرق بينهما إلا أن ~~شرابة هؤلاء من قدام، وشرابة جامعة تحت السنديانة كانت من خلف. # كان بعض المعلمين يختنون تلك الشرابة، ومنهم من كان يجور عليها فيستأصل دابرها ... ولا ~~يبقى إلا تلك الهناة التي تعلق بها، فتنتصب فوق قلة رأسه كأنها أصبع يشير إلى السماء ~~موحدا المعلم ... الله أكبر. # يجلس على عرش غضبه، ومن حوله قضبان رمان، إذا مات منها سيد قام سيد ... فالرمانة حد ~~الكنيسة، والسعيد منا من كان يكلفه المعلم قطع القضبان منها، متى استهلك ما عنده. أما ~~«الفلق»، وهو شر ما خلق، فلا يلجأ إليه ms007 إلا في الجنايات الكبرى. أما الخيانة العظمى ~~فتكون حين نضحك من المعلم إذا كان معوها، وكثيرا ما يكون ذا عاهة. كنا نصطف خطا ~~مستقيما حد حيط الكنيسة، كما مر: في اليمين المدل، وفي اليسرى ورقة الألفباء، أو ~~الأبجد، أو القدوس، مكتوبة بخط يد المعلم الطاهرة، مشكوكة بعود مفروض، له مسند تنكئ ~~الورقة عليه. أما حملة الكتب، أي المتقدمون في الإخوة، فهؤلاء يقرأون بلا مدل؛ لأنهم ~~«لقطوا» الحرف، ويقرءون كرجا. # يبدأ الدرس دائما بالصلاة، وإن كنا خرجنا إليه من القداس توا، ثم علينا أن نقرأ ~~جميعا بحرارة، ومن كان صوته جهوريا أكثر كان أشدنا اجتهادا. ما على المعلم إلا أن ~~يراقب أفواهنا ليرى إذا كان فينا من لا يقرأ، بينما نحن نرميه بطرفنا مزورين، وإذا ~~ضحك أحدنا، ولو في عبه، جاءه قضيب الرمان يخط في بدنه الرخص أثلاما ... # ذاك كان أول واجبات معلمنا، فهو يعرف الكلمة المأثورة: من ضحكك بكاك، ومن بكاك ~~ضحكك. فكثيرا ما كان يحدثنا بنعمة قضيب العز، مرصعا خطبته التربوية بقول ابن سيراخ - ~~كما يزعم: من أحب ابنه فليهيئ له القضبان حزما حزما، وإذا تجاسر ولد وأفلت من براثنه ~~ساعة التأديب؛ أرسلنا جميعا خلفه لنعود به إليه محمولا على الأكتاف والأعناق، كأنه ~~أحد زعماء هذا الزمان ... وهذا ما كان يطلق عليه اسم «الزياح». # أما القصاص فكان يختلف باختلاف الجرائم، فمن ضرب بالقضيب أو المخفقة - الطبشة - ~~على بطن الراحة، أو على رءوس الأنامل مجموعة ... إلى الركوع على الحصى. وكما أن آخر ~~الدواء الكي كذلك كان آخر القصاص «الفلق». # وهناك قصاص أمر، وهو تزيين صدر المقصر بورقة مكتوب عليها «حمار الصف». وإذا قصر ~~أحد، عند الامتحان، في قراءة كلمة أمر المعلم من فوقه أن يضربه كفا، أو يفرك أذنه ~~إلخ. # أما ما كان يتقاضاه المعلم - عدا المرتب الذي يتناوله من الوقف - فهو «سمحة نفس»: ~~بضعة أرغفة من الخبز، وبضع بيضات ... إلى آخر ما هنالك، مما تجود به عليه الأم الحنون ~~ليرأف بابنها العزيز، ويشمله بالنظر السامي، فكأن كل الأمهات كن ms008 يعرفن قول ~~الشاعر: # إن المعلم والطبيب كليهما # لا يخلصان النصح ما لم يكرما # وكانوا يعزمون عليه متى كان عند ذوي الطالب أكلة طيبة فيأكل هنيئا مريئا ... كثيرا ~~ما كانت تلبينا «أوركسترا» العصافير الدورية حين تعزف، فيكشها المعلم إما مصفقا وأما ~~مطبطبا، ثم يعدو إذا لم تطر، فنضحك حين ينفجر ثغر غنبازه، ويبدو سرواله الأزرق ~~المفتوق، فيظن ذلك استحسانا، ثم يتهالك على كرسيه بعد أن أدى واجبه، وعند الفطور كان ~~يهيب بنا: يا الله، «هوشة الترويقة». فيعلو صياحنا ويشتد، فيقصر لنا الوقت بقدر عياطنا ~~... وكذلك كان يفعل عند بعثة الغذاء. أما «الهوشة الكبرى» فتكون عند إخلاء السبيل قرب ~~الدغيشة. # بقي أمر خطير لم أخبرك عنه، إلا وهو الخروج لقضاء الحاجة ... كان علينا أن نستأذن ~~قائلين: دستور يا معلمي. فيتناول جلالته - قبل إعلان الدستور - صولجان الرمان، ثم يقول: ~~افتح يدك. ويضرب السائل إما قضيبا أو قضيبين قائلا: إن تعوقت «تأكلها» ... قهقهنا مرة ~~جميعا، فطار إلينا بجناحي غنبازه المهيضين، فعثر بهما ووقع، فكركرنا في الضحك، فانشق ~~من الغيظ وسقانا كأس قضيبه دورين. # وكان بعض الكسالى يطيلون الإقامة في ذلك الموضع ... عندما يمنحون «الدستور»؛ فلكي ~~يستعجلهم كان يبزق على حجر، والموعد قبل أن تجف تلك البصقة، والويل لمن لا يسبقها. أما ~~الجبناء من التلاميذ، فكانوا «يقضونها» في ثيابهم، ولا يجرءون على طلب «الدستور» فيمسي ~~شغل أمهم الشاغل إعداد الثياب وشراء الصابون. # يا ليتك رأيت التلميذ ماثلا أمام المعلم، فاتحا يده ليسلم عليه القضيب سلام ~~الأحباب. التلميذ يقدمها ويؤخرها، وجوارحه تنضح خوفا وذعرا، والمعلم يتهيأ؛ كيلا يخطئ ~~الهدف. التلميذ يتوجع ويبكي سلفا، مادا يده نصف مد، والمعلم يكز ويصرخ: افتح ~~يدك! # أما الرفاق فيتفرجون، حتى إذا ما انتهت تلك المعركة عادت مياه المدرسة إلى مجاريها، ~~وقال المعلم بعد النصر المبين: العصا علمت الدب يرقص، ادرسوا يا أولادي. # هذا حديث عام، أما حديث عبدك الحقير فهو هذا: أرسلت إلى مدرسة تحت السنديانة ابن خمس، ~~فكنت ذنب الصف طبعا. قعدت أول يوم ولا شغل لي إلا كش ms009 الذبان، وتأمل رفاقي، وسؤال الله ~~أن يفك أسري. ومر اليوم الثاني كالأول، وكذلك راح الثالث ... رآني ابن عمي على تلك ~~الحال فضحك، أما أنا فأجهشت، وقلت بانكسار: يا فارس ابن عمي. قل لأمي، مارون «بدو» ~~ياكل. # وبلغ الخبر الوالدة فصاحت: تقبر المدارس ... يا جرستنا، يه، يه، يه! # وصبر جدي الخوري علي أياما، ولما رآني مصرا بعناد على البقاء حيث أنا؛ أي ~~ذنب الصف، لم يرض بها حالة؛ أيكون حفيده في هذا التأخر المخزي! جرب أولاده، ولم ~~يوفق إلى من يخلفه، وها إن بوارق إخفاق تلوح في جو الخيبة من جديد فما عساه ~~يعمل؟ ~~- قم يا مارون احمل ورقتك والحقني. # فقال المعلم: لأ يا جدي الخوري، اصبر علينا. # فأجاب جدي، وهو ممتعض: آخذه جمعة وأرده. اتركني. # وقعد جدي على المصطبة، وقرفصت أنا أمامه، فشرع يعلمني الألف باء، فضحك والدي وقال ~~لأبيه: الصبي راضع حليب بقر ... لا تتعب قلبك. # وقرصت تلك الكلمة والدتي - لأنها لم تكن التي يقال لها: لله درها - فاستعبرت. أما جدي ~~فهز لوالدي العوجا - اسم عصاه الموسوية - وقال له: أنتم ما تعلم أحد منكم، اترك الصبي ~~يتعلم! # وما أصبحنا وأمسينا حتى كنت تعلمت: الألف والأبجد والقدوس. فتهلل جدي للفتح الجليل ... ~~فجاء بالمزامير، وشرع يعلمني «الطوبى» و«لماذا». وبعد جمعة صرت في المزمور الثامن: ~~«أيها الرب، ربنا ما أعجب اسمك في كل الأرض»، فشكر جدي الله، وأخذ بيدي كما يأخذ الراعي ~~بأذن شاته، وما بلغنا سنديانة الكنيسة حتى دفعني دفعا فوقعت في حضن المعلم، فقال له ~~جدي: افحصه. ولما رآني جدي، عند الامتحان، كما يعهد قال للأولاد: وسعوا له. # فأجاب المعلم طنوس: لا توسيع يا جدي، محله فوق ... # وشاء الوالد أن يختبرني في إحدى الأمسيات فقعد على عتبة «برطاش» الباب، وأقعدني ~~أمامه، وقال: أين صرت؟ ففتحت مزاميري، وقلت: هنا، في المزمور التاسع عشر. فقال: اقرأ. ~~فقرأت: يا رب بقوتك. قرأت «بقوتك» كأنها كلمتان، فاستضحك الوالد، وقال: قم عني. ~~المزامير ما فيه تكوك # 2 # فخجلت، ونمت تلك الليلة حزينا، وأظنني لم أتعش. ms010 # وانتهت القراءة العربية وجاء دور السريانية، فكان التنافس بين الآباء. كان جدي يعلمني ~~السريانية في الليل، ويعاونه علي والدي وعماي، حتى حسبتني «خروف مور» يعلف للمرافع ~~... وهكذا ظللت محافظا على الأولية الضارية، وطابت نفس جدي. # وكنا نلحن ذات مساء أحد ميامر مار أفرام، فقال جدي: ستكون أنا على «الخورس» ولا ينقصك ~~إلا صوتي. غير أن ذلك الحلم لم يصح ... # ثم انتقلنا إلى الفرنسية، وكان المرحوم لا يعرفها، فخاف علي، ولكنه اطمأن حين درى ~~أنها ليست في حساب الأولية. كنت أنا أكرهها؛ لأني كنت أتعلمها وحدي دون أولاد القرية، ~~ولكن الله - سبحانه وتعالى - فك تلك العقدة، وقع خلاف في الضيعة، فأخذ أحدهم كتبنا خلسة ~~ورماها في بئر الكنيسة، ولم يدع منها غير كتبي الإفرنسية: الغراماطيق وديالوغ حرفوش. ~~فأخفيتهما أنا خلف المذبح الصغير، واسترحت منهما حينا ... # وصرت الاختصاصي في خدمة القداس، فكنت أزهو حين تعجب الناس قراءتي «الرسائل» ~~و«السنكسار»، وترتيل «الفراميات»، ثم صرت أنافس الكهنة على «القراية» حتى في صلاة ~~الحاش - جمعة الآلام - وأخيرا صرت أجاحش في كل ميدان ... # وهاجر المعلم طنوس، فحل محله غيره، ثم مات هذا فكان موته عيدا كبيرا عندنا. وفتشوا ~~عن آخر، فما اتفقت كلمتهم على واحد؛ لأنهم كانوا حزبين، فكان ذلك عيدا أكبر. # وظلت الضيعة بلا معلم، فقال جدي لوالدي: رح دبر مدرسة للصبي. وانتقلت من مدرسة تحت ~~السنديانة إلى مدرسة حولها سنديانات، ومنها إلى مدرسة في غابة من هذا الشجر المبارك - ~~مار يوحنا مارون، ثم كانت خاتمة المطاف في مدرسة الحكمة. # ما صعب علي شيء في مدرسة غير بري القلم، ومع ذلك قلت في وصفه حين نظمت الشعر: تعلم ~~بطش الأسد في ضفة النهر. # هذه الصورة من صور مدرسة تحت السنديانة، التي يتحدثون عنها في لبنان، وغير لبنان، حتى ~~أن آنسة في باريس كتبت إلى صديقي الأستاذ جبور عبد النور تسأله أن أصفها لها؛ لأنها ~~تحتاج إليها في أطروحة الدكتوراه، فما فعلت إلا الآن، وإن كنت لم أتعد جهد المقل ~~ولقطة العجلان. # أليس كلامنا في كتابنا ms011 هذا عن «رواد النهضة»؟ وهل هؤلاء الرواد غير تلاميذ مثل هذه ~~المدرسة؟ إذن لا بأس علينا إن تكلمنا عن السنديانة ومدرستها، قبل أن نتكلم عن ~~خريجيها، وخريجي أمثالها من ذوي الآثار الجليلة. ~~(3) بين الكهف والدار «نسخ وطبع، ترجمة وتأليف» # في أعماق الديورة، وجوار الجوامع بقي للعلم قبس كنار المجوس الدائمة. أجل، في ثنايا ~~كهوف الجبل كانت تذكى تلك النار بالقلمين: العربي والكرشوني، فظل الكهف، في زمن الرعب، ~~مستودعا للمعرفة، ومعجنا لخميرة العلم، فتخت وفاضت على حفافيه. ففي غرفة ذات ثلاثة ~~أذرع عرضا، في أربعة طولا، كان يحتبي راهب يابس من الصوم أو يقرفص، أمامه مصباح من ~~الزيت، بلا زجاجة، يرسم نوره المترجرج خيالات وأشباحا كأنه الفانوس السحري، يحنو على ~~كتابه حنو المرضعات على الفطيم، يقرأ بإمعان ريثما تستريح أنامله، ويزول خدر رجله، ثم ~~يعود إلى عمله بعدما يتبسط جلده وتمحي الأثلام التي شقها فيه قش الحصير. # أما الدواة النحاسية ذات الأنبوب الطويل فهي أمامه على «سكملة» والمرملة حدها، يتكئ ~~قلم «الغزار» على صدرها كما ينام الطفل على عنق أمه. إن له في أحشاء الدواة إخوة ~~يحلون محله متى كل، والسكين مشحوذة دائما لقط رأسه، أو بري سواه. وعن يمين الناسخ ~~- كاهنا كان أو شدياقا - لوحة مشبوحة بالخيوط شبحا متناسقا مستقيما، يصلب الناسخ ~~عليها الورق لتستقيم له السطور. # ذاك كان عمل رجال الدين من كل ملة، وخصوصا رهبان لبنان المنزوين المنقطعين في أشداق ~~الجبال وحناجرها، لا عمل للقارئ الكاتب منهم غير التعليم ونسخ الكتب، أو ترميم ما رث ~~منها، كما قال جرير في وصف قبر أم حزرة: # وكأن منزلة لها بجلاجل # وحي الزبور تجده الأحبار # أو كقول ابن أبي ربيعة: # لمن دمن بخيف منى قفور # كأن عراص مغناها الزبور # أجل إن الزبور كان أكبر حظا من غيره عند النساخ، ثم كان أول ما طبع، وسبب ذلك تلك ~~الشاعرية والصوفية التي كانت تستأثر بهوى نفوس الناس يوم لم يكن للمادة هذا الطغيان، ~~ويوم كان الناس يؤمنون، ويخشون الخطيئة فيتشبهون بصاحب الزبور خاطئا، ms012 ويستغيثون ~~بمزاميره تائبا، إن الله لتواب رحيم. # أما الأميون من هؤلاء النساك فكانوا للحراثة، والحياكة، والسكافة، والنجارة، وكل ما ~~يقتضيه أسلوب حياتهم، وهكذا حفظوا العلم من الضياع قبل أن انبرت له المطبعة. فمن قلم ~~الغزار، إلى المطبعة الخشبية، فالحجرية، فالرصاصية الحديثة السريعة الخطى، كل هذه ~~المواكب الثقافية أزجاها - أولا - الدين ورجاله. فجل هؤلاء بل كلهم قد نشروا العلم ~~إحياء للدين، ولكن العلم كان عقوقا فصح فيه القول: اتق شر من أحسنت إليه. # أما تاريخ المطبعة فقديم العهد عندنا. استهلت أول مطبعة في المشرق سنة 1610 أهدتها ~~رومة إلى الرهبانية اللبنانية في دير قزحيا. وما دير قزحيا غير ذلك الكهف الذي أسمع ~~جبال لبنان أول شعر عربي فصيح، بعدما كان يقال زجلا. وما ذاك الشاعر اللبناني الأول، ~~غير الراهب جبريل، الذي صار، فيما بعد، المطران جرمانوس فرحات أول رواد الفصحى، ثم ~~أنشأت هذه الرهبانية مطبعة أخرى في دير طاميش. # وفي حلب الشهباء أنشئت أول مطبعة عربية عام 1698، ثم كانت مطبعة الشوير سنة 1732، ثم ~~مطبعة القديس جاورجيوس سنة 1753، ثم مطبعة بولاق عام 1821. # وعمت المطبعة هذه الربوع وكان أكبرها وأعمها فائدة مطبعة الأمير كان ومطبعة ~~اليسوعيين، والمطبعة الأدبية لخليل سركيس، فطبعت كتب كثيرة ساعدت على نمو النهضة ~~واشتداد ساعدها. وأنشأ الرواد المهاجرون - الشدياق وغيره - المطابع العربية في الأستانة ~~وباريس وغيرهما من عواصم الدنيا؛ فانتشرت لغة الضاد، وذاعت حيث حلت ركاب ~~أبنائها. # وعرف الشرق الصحافة فكانت «حديقة الأخبار» أول جريدة أهلية لا تشوب لغتها تلك الركاكة ~~التي كانت تشوب لغة الجرائد الحكومية «الرسمية»، وولدت بعدها جريدة مرآة الأحوال لرزق ~~الله حسون، ثم جريدة «الجوائب» لأحمد فارس التي استقام معها لسان العرب. # أما المدارس، فأقدمها عين ورقة، التي أنشئت في القرن الثامن عشر، وفيها نشأ كبار ~~الرواد كالشدياق والبستاني والدحداح إلخ. أما أوفرها فضلا على هذه النهضة المباركة - ~~وإن كان الفضل للمتقدم - فالكليتان اليسوعية والأميركية، إنهما منبع التجديد والتطعيم، ~~بعد أولئك المهاجرين الذين سبقوا مولد هذه الكليات في الشرق. # وقد أدى نشوء مثل هذه المدارس ms013 الكبرى إلى إنشاء جمعيات أدبية كثيرة، فتعاضدت عناصر ~~عديدة كالتمشرق والتمغرب، فخلقت هذه النهضة الميمونة فكان لنا أدب جديد. ولسنا نعدو ~~الحق إذا قلنا إن كتب الأب لويس شيخو اليسوعي نحلة، والسرياني نبعة، والعربي لسانا، ~~قد كان لها أبيض يد على هذا التوجيه، فهو واضع أول دفتر من روائع الأستاذ فؤاد أفرام ~~البستاني، وعلى أثره تمشى، وشيخو - أيضا - هو واضع مجاني الأدب، أول مجموعة من ~~المختارات الأدبية، على النسق الغربي، مع المحافظة على التبويب العربي. وسيأتي الكلام ~~عن هذا الرجل وآثاره الجليلة النفيسة. # لقد كان التنافس الديني الأجنبي في لبنان من أهم بواعث هذه النهضة الحديثة، وحسبك ~~دليلا عليها تلك الكلمة المأثورة عن فنديك: «رايح أفتح مدرستين.» يعني أنه متى أنشأ ~~مدرسة بروتستانتية ينشئ اليسوعيون مدرسة كاثوليكية، كما أنشئوا البشير قبالة النشرة ~~الأسبوعية، والمطبعة الكاثوليكية بإزاء المطبعة الأميركية. كل هذا كان يجري والمسلمون ~~جامدون، ينظرون إلى هذه المدارس الأجنبية بحذر، وإلى هذا التجديد في التفكير والتعبير ~~بتحفظ، ولكنهم لم يلبثوا أن جروا - أخيرا - في الميدان، مقتدين بالغزالي حين بل يده ~~بقائم سيف المنطق، وانبرى للمعتزلة. # ولا ننسى معرفة اللغات الأجنبية فهي النبع الأغزر الذي روى تربة النهضة فنمت فروعها، ~~ونضرت غصونها. عرف قدماء «الرواد» الطليانية التي خلقت النهضة الأدبية الفرنسية، ولكنهم ~~كانوا منصرفين عن الأدب إلى ما هو ديني، فعربوا ما يتصل بالدين دون غيره، ثم ترجموا إلى ~~اللغات الأجنبية بعض الآثار العربية. # إن معرفة اللغات الأجنبية والتضلع من السريانية كان لهما هذا الأثر الأبعد في تعبير ~~هؤلاء، فجاء مميزا من تعبير أصحاب اللغة الواحدة. كان هؤلاء كما قال النابغة في مدح ~~الغساسنة: عصائب طير تهتدي بعصائب، فما وقفوا عند حد، بل تنافسوا في كل فن ومطلب، ولم ~~يتركوا بابا من أبواب العلم إلا طرقوه. لقد فعلوا كما فعل مشايخنا الخوازنة في زمن ~~الإقطاع، فملئوا كسروان ديورة لمختلف الأمم والنحل. كان إذا وقف شيخ منهم عقارا على ~~رهبان طائفة، وقف شيخ آخر شطرا مما يملك على رهبان طائفة أخرى، وهكذا ms014 صارت المقاطعة ~~الكسروانية كعلية صهيون، حين فاجأ البارقليط التلاميذ فيها، فنطقوا بألسن عديدة ~~... # أما النسخ، وقد كان مدرسة ثانية للناسخين، فلم ينقطع؛ إذ لا يزال عندنا كتب لم تطبع، ~~كالسنكسار - سير القديسين - ففي نسخ هذا الكتاب كان يتبارى النساخ في إضافة عجائب ~~ومعجزات إلى قديسين يحبونهم. خذ مثلا، مار روحانا - شفيع قريتنا - فهذا القديس لا يعرف ~~بهذا الاسم في السنكسار العام، ولكنه لم يعدم من كتب له سنكسارا خاصا، فضمنه من ~~العجائب أبعدها مدى، ومن المعجزات أغربها؛ زعم الناسخ أن قديسنا المكرم أنقذ غلامين من ~~أسد كاد يفترسهما، وجاء المصور - فيما بعد - فرسم نهرا كبيرا بين الغلامين، وصور ~~الأسد مقعيا عبر النهر، ينظر إلى فريستيه بعين محمرة ... فعل المصور ذلك؛ لتستسيغ معد ~~المؤمنين العجيبة، ولكن تعليله لها زاد في الطين بلة. أما كان في مكنة القديس المعظم - ~~وهو صاحب القدرة - أن يكم فم الأسد، مثلا، ولا يصدع خاطره في إجراء نهر لا بد أن ~~يكون كنهر العاصي؛ كيلا يقطعه ذاك الأسد. إذا كان في استطاعة أولياء الله أن يشفوا ~~المريض بوضع اليد، فأية حاجة إلى الدمل الاصطناعي ... ثم شاءت العاصفة، بعد سنين، فحطت ~~الصورة من عل، فصورت ثانية مستعيدة بساطتها. # هذه بعض آفات النسخ، ولا ننس الأخطاء والتحريف والتصحيف. لقد انبرى اليوم للتصحيح ~~والتمحيص علماء مختصون فأصلحوا ما أفسدته يد النساخ، ولكن النسخ - في كل حال - قد ~~كان من عناصر النهضة الحاضرة، شارك في إنمائها مشاركة مثلى؛ فحفظ آثارا كثيرة من ~~الضياع، كما طبع الكثيرين من الرواد على غرار البلغاء الذين كانوا ينسخون ~~كتبهم. # وقصارى القول أن الضعيف المقهور يلجأ إما إلى بيت مهجور، أو إلى كهف، وهذا ما أصاب ~~اللغة العربية في بدء نهضتنا، هربت من وجه طغيان التركية، فآووها في الديورة، فصح فيها ~~مثل جريح أريحا ... # ونحن في الشرق مطبوعون على التشبه وتوارث المهن، ولهذا ترى أن العلم يكاد ينحصر في ~~بيوت وأسر دون سواها. وفي كلمة قالها صروف عن منافسته للشميل: «وكان كل واحد منا يتشبه ~~بابن ms015 بلده؛ أي الشدياق واليازجي»؛ أصدق برهان على ما قلت، أما الآن فقد حان أن نعرفك ~~بالرواد «المنقطعين» واحدا فواحدا. # | الرواد العتاق # شعراء نساك ومتصوفون # بلا عنوان # لقد احترت في تبويب هذا الكتاب؛ لم أستطع فصل الشعراء عن الكتاب، لأن كل من حمل قلما قال ~~شعرا ... فمن يدريني، بعدما قرأت قصيدة لفرح أنطون قال إنها «بيضة الديك»، أن ليس لكتابنا ~~الآخرين بيوض ديكة، ولكنهم آثروا أن يكنوها، كما كن الحجاج أهل الشام ... # وإني لأخرج من هذا - بعد هذا - مصدقا قول من زعم: أن الأندلسيين جميعا، نساء ورجالا، ~~قالوا الشعر، ومؤيدا قول الآخر: أن الشعر أسبق من النثر في آداب الشعوب. وأخيرا خرجت من ~~ظلمات هذه الحيرة، فأحصيت كل «رائد» حيث وجدته أبعد أثرا، وأخطر شأنا ... # وإني أنذرك - منذ الآن - بألا تنتظر مني ذاك النقد المر الصارم؛ لأن عيوب الأوائل منهم ~~كثيرة. # وإقرارا بفضل هؤلاء أزيد: أن الأدباء كمنارة الشاطئ، فهي تضيء أبدا، ولا يقر جيرانها ~~بفضلها الذي يعرفه القادم من بعيد ... ~~(1) القافلة الأولى ~~(1-1) المطران والخوري # المطران جرمانوس فرحات # هو أول رائد أعجبته خضرة الدمن، وإذا ما ~~تحدثنا عن فجر النهضة الأدبية فلسنا نعني البلاغة العربية، فالعالم العربي لم ~~يخل قط من الفصحاء، بل ممن هم أفصح وأبلغ من أكثر هؤلاء الذين نسميهم الرواد ~~العتاق، فعندما يتكلمون في الأدب عن أثر النصارى في نهضتنا الأدبية فما يعنون ~~ولا نعني نحن إلا هذا العنصر الجديد، الذي أحدثه فيها نصارى الأمس، كما أحدثه ~~من قبل نصارى العصر العباسي، وبخاصة السريان منهم، فأوضح آثار أولئك كان بما ~~نقلوه إلى اللغة العربية، وها إن هؤلاء ينحون نحوهم؛ فأول من ترجم كتابي ~~هوميروس كان من أولئك، وهو تاوفيل بن توما الرهاوي الماروني رأس منجمي الخليفة ~~المهدي، وقد كتب عنه صديقي البحاثة الأديب نور الدين بيهم. # فأولية جرمانوس فرحات - إذن - ليست في ~~شعره؛ فقد كان في زمنه شعراء مسلمون أبلغ منه قولا، وأصح كلاما. ولكن كونه ~~أول شاعر من مستعربي لبنان، قال الشعر معربا بعدما كان زجلا ms016 سرياني الوزن ~~أحله هذا المحل. فالشعر ابتدأ في لبنان من حيث انتهى في الأندلس، نشأ في ~~الأندلس شعرا رصينا بليغا؛ ثم صار موشحات، وصارت الموشحات مهلهلات؛ ثم أخذت ~~تنحط رويدا رويدا حتى أمست أزجالا، بل كلاما باردا. # إن لهذا الأسقف المولود في القرن السابع ~~عشر؛ فضل التأليف في النحو؛ فهو أول نصراني ألف فيه، بعدما أخذ هذا العلم عن ~~الشيخ سليمان النحوي المسلم في حلب. # 1 # وله أيضا فضل أكبر وأعم؛ إذ صحح الترجمة العربية للمزامير ~~والأناجيل، وسائر كتب الموارنة الكنائسية، فعرفت الكنيسة فصاحة العرب، وحب ~~المطران العربية حمله على تعريب الإنجيل مسجوعا، وهذا التعريب محفوظ حتى الآن ~~بمكتبة حلب المارونية. # ولم يقف المطران عند حد التأليف في ~~النحو بل تصدى - قبل كل رجال النهضة الحاضرة - إلى وضع معجم صغير، ولكنه ~~صحيح، سماه: «الإعراب عن لسان الأعراب». # الترجمة: # إن دور النصارى في الأدب العربي كان ينحصر في الترجمة، قبل ~~أن استقام لسانهم العربي، ففي النهضة العباسية كانوا تراجمة ~~الخلفاء، فنقلوا لهم كتب القوم، وها إن التاريخ يعيد نفسه في ~~فجر هذه النهضة. فها هو هذا المطران يؤلف في حلب «مجمعا ~~علميا» يعنى أعضاؤه بالترجمة، ومن هنا جاء التجديد. فهم لم ~~يتفوقوا بالكلام العربي الذي لا غبار عليه، بل بما ترجموه من ~~كتب وغيرها. كانت هذه الترجمة أولا دينية، ولما صدرت كتب ~~الشدياق و«جوائبه» أصبحت أدبية وسياسية، ثم أضحت في «جنان» ~~و«دائرة معارف» المعلم بطرس البستاني تاريخية وقصصية وعلمية، ~~ولما أنشأ صروف المقتطف صارت علمية صرفا؛ فكانت مجلته ولا ~~تزال سجلا للاكتشافات الحديثة والمذاهب العلمية، وهكذا مشت ~~الترجمة في مدارج زمن النهضة الأدبية، حتى بلغت اليوم ما بلغت ~~مع أدباء وقتنا الحاضر. # إن سير الأمور قلما يختلف، فلو لم نترجم فلسفة اليونان إلى ~~العربية لم يكن للعرب فلاسفة كالفارابي، وابن سينا، والغزالي، ~~وابن رشد، الذين استعان علماء الغرب بكتبهم على تفسير كتب ~~أرسطو، وتفهم معانيها. # 2 # إن هذا الأسقف كان المترجم والمصحح لما يترجم. شغفته اللغة ~~العربية وكل ما يتصل بها؛ ms017 فخاطر بنفسه وأم الأندلس، راكبا ~~البحر، يوم كان المركب لا يزال لبنانيا؛ ليمتع نظره بآثار ~~العرب الخالدة فيها، ويقرأ في مكتباتها ما لا تقع عينه عليه في ~~الأقطار العربية. # كتبه: # له - عظم الله أجره - مائة وأربعة كتب، بين مؤلف ومعرب ~~ومصحح ومختصر. بعضها أدبي ولغوي وشعري؛ وأكثرها ديني على هوى ~~ذلك الزمان. فهو واضع أول حجر في صرح النهضة في لبنان. # نعم قد سبقه مترجمون ~~آخرون في القرون الوسطى، ولكن تعبيرهم كان ركيكا جدا، وهذا ~~ما حمل أحمد فارس الشدياق، حين آلت إليه زعامة النهضة، على ~~التهكم بلغة رجال الدين، والتنادر عليهم في فارياقه، ولم يحترم ~~منهم أحدا غير هذا الحبر فقط. # الشاعر: # كان هذا العلامة يعرف أربع لغات على حقها: العربية، ~~والسريانية، والطليانية، واللاتينية، فهو في تفكيره متأثر بما ~~عرف، وقد استغل هذا في شعره حين قال: # أحاول في عمري من الدهر راحة # وهل تطلبن العقل والظرف من ~~زنجي # فأصبح دهري عاجزا عن سعادتي # كأني حرف الحلق والدهر إفرنجي # وتضلعه من العربية حمله على نظم «المثلثات الدرية»، فقال ~~قصيدة طويلة من طراز مثلثات قطرب ... وهاك هذين البيتين ~~منها: # طوباك يا رامي السلام # وقيت من رمي السلام # احفظ يمينك والسلام # من حر نار الغضب # وجد يوم السبت # وشد نعل السبت # وكل حشيش السبت # تقشفا للذهب # أما أغراض شعره الأخرى، ففي مدحه تعالى، والسيد المسيح، وأمه، والرسل، ~~والرهبانية، وغير ذلك، فكأنه صوفي من طراز آخر حين يقول: # الله الله أنت الفوز والوطر # في العاشقين وأنت الفوز والوطر # هويتكم والهوى مني على صغر # يا حبذا واله قد زانه الصغر # الذكر صورتكم، والقلب مركزه # والحب دائرة شعاعها الفكر # كان وجهك مغناطيس أنفسنا # فحيثما درت دارت نحوه الصور # خسرت في عشقكم دمعي وأسعدني # يا ربح قوم بكم بالربح قد خسروا # أروم رؤيتكم، والدمع يمنعني # إذا تزاحم عندي الدمع والنظر # أما في مريم، حبيبة الموارنة التي لا تخلو قرية من قراهم من كنيسة على اسمها، ~~فيقول قصيدة غراء هذا مطلعها: # لو كان للأفلاك نطق أو ms018 فم # لترنمت بمديحك يا مريم # ويقول في مكان آخر: # سموت يا بتولة في العذارى # على كل الأنام على وفقت # خلقت درة لا عيب فيها # كأنك مثلما شئت خلقت # وعندما انتدب رئيسا عاما على الرهبان ~~وصف أعباء الرئاسة في قصيدة قال منها: # أرى أحدا بل طور سينا ويذبلا # أدق وأخفى بل أخف ثبيرها # إن أثر التقليد باد في شعر الرائد الأول، وإلا فما شأن ثبير، بل ما شأن طور ~~سينا وأحد في جنب الجبل القاعد في أحشائه هذا الشاعر؟ والتقليد أيضا هو الذي ~~حمل المطران على شن غارات عديدة على الأولين، ففي قصيدته «اللبنانية» وقد مرت ~~أبيات متقطعة منها، يقول في الله: # إن تهجروني أجد في وصلكم طمعا # كالشمس ترجى وجنح الليل معتكر # فهذا المعنى أخذه أبو تمام عن مخنث، وها هو «سيدنا» يأخذه عن آخذه، ثم لا ~~يتورع سيادته عن أن يقول مثل الصوفيين المتطرفين فيخاطب الله بلهجتهم: # كن في حيا، وإني فيك أنت أنا # كالشمس ليس لها في برجها كدر # أما توبيخ الرهبان ووعظهم وإرشادهم فشائع ~~في ديوانه الضخم، وهو لا يحرم اليهود من التقريع فيقول: # دع اليهود فلا ينفك مكرهم # يبدي لدينا دخان الكفر والكذب # ولا عجب في هذا فسب هؤلاء لا يزال قائما عند الموارنة على المذابح منذ ~~خمسة عشر جيلا، وخصوصا في سبة الآلام. # وللشاعر هذان البيتان الطريفان، وقد حاول فيهما القول بالموجب: # قال الحبيب: رغبت، قلت: عن السوى # وعشقت، قلت: جمال وجهك في الورى # وسلوت، قلت: رغيد عيشي والهنا # وهجرت، قلت: لذيذ غمضي والكرى # وله إلى جانبهما بيتان رائعان يصور فيهما حرب «التجربة»: # إني بليت بأربع لم يخلقوا # إلا لشدة بلوتي وعنائي # إبليس، والدنيا، ونفسي، والهوى # كيف الخلاص وكلهم أعدائي! # أما ما لي على ديوانه من مآخذ فكثير، فالمطران يسكن، ويحرك، ويخفف، ~~ويشدد، ويقصر ويمد، على هواه، ويشبع ويختلس ولا يبالي، ولكن شارح ديوانه، ~~معلمنا الشيخ سعيد الشرتوني، مستعد دائما لتبرئة ذمة الشاعر كما فعل عند بيته ~~هذا: # إن كنت تجهل مربعي فاعشو إلى # نار ms019 تشب بزفرة الصعداء # قال شيخي رحمة الله: وأثبت الواو في «اعشو» للوزن على حد قول الشاعر: # وتضحك مني شيخة عبشمية # كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا # أما الأخطاء اللغوية والجوازات فكثيرة لا تعد، وما إعجابنا به - في شعره فقط ~~- إلا كإعجابنا بالأطفال الحديثي العهد بالنطق، أما ميله القوي إلى التسكين ~~فأظن أنه جاءه من السريانية. وإذا ما غفرنا له كل هذه الهفوات فما هذا بكثير ~~منا؛ فهو أول شاعر من ملة قيلت لأجلها هذه الكلمة: أبت العربية أن تتنصر. ولكن ~~شاعرنا الأول نصرها، وجعلها سيدة في الكنيسة، أجلسها عن يمين مذبح البخور، ~~فحلت محل السريانية التي أجهز عليها سيادته، كما قلت في «صقر لبنان». # الخوري نيقولاوس الصائغ # عندما كنا طلابا في المدارس، وكلها إكليريكية، أو يرأسها إكليريكي، كنا ~~نقول: ديوان المطران، وديوان الخوري. أما الخوري؛ فهو نيقولاوس الصائغ تلميذ ~~المطران جرمانوس، ومن قافلة رواد النهضة الأولى. فذاك المطران وهذا الخوري، هما ~~شنفرى نهضتنا ومهلهلها. ولا بأس علينا إذا عرفنا القارئ بالرواد الذين قادهم ~~فرحات، وهم: الفيلسوف التولاوي، وميخائيل حكيم، وعبد الله زاخر، أبو الحرف ~~المطبعي العربي، وعبد الله قرألي، ونعمة بن الخوري توما، ومكرديج الكسيح، ~~وأصغرهم وآخرهم في مقياس الزمن الخوري نيقولاوس الصائغ. وكل هؤلاء كهنة وشمامسة ~~وأساقفة وبطاركة، وهذا ما دفع أستاذي خير الله خير الله إلى الإشادة بفضل ~~الإكليروس الأدبي، في كتابه «سوريا». # ليس للخوري نيقولاوس الصائغ ما لفرحات من آثار، فأشهر ما ترك ديوانه. أصلح ~~الشيخ إبراهيم اليازجي كثيرا من عيوبه، حين وقف عليه، ومع ذلك لا يزال لنا فيه ~~مرتع خصب، ولكننا لا نعنى بهذا، فما قيل في «ديوان المطران» يصح أن يقال في ~~«ديوان الخوري»، وحسب التلميذ أن يكون مثل معلمه الذي قال في رثائه: # إمامي وذخري، بل غنائي ومغنمي # غنمت به غنما تجل غنائمه # وإن يكفر الإحسان من ليس شاكرا # فأشبه بالكفران من هو كاتمه # حلبت به وسع الإناء معارفا # يلازمني جنح الدجى وألازمه # تغلب في ديوان الخوري قصائد المديح والرثاء والتهاني والتواريخ، فهو ms020 أكثر ~~تقليدا في أغراضه من معلمه المطران. نظم بديعية على طراز بديعية الحموي، ومن ~~وزنها وقافيتها، أما الموضوع فمتقارب؛ بديعية الحموي في مدح النبي الكريم # صلى الله عليه وسلم # وبديعية الخوري في مدح السيد المسيح - له المجد - وحوارييه سلام الله ~~على اسمهم، ولعله نحا في بديعيته نحو أستاذه حين ألف بحث المطالب. هذاك جعل ~~الكثير من أمثلة كتابه آيات إنجيلية مضارعا في ذلك ألفية ابن مالك، وشارحها ~~ابن عقيل. وهذا عارض الحموي جاعلا موضوعه مدح سيده ورسله. # أما ما أعجبني من مواضيع المطران والخوري فهو وضعهم النقاط على الحروف، ~~وتأنيبهم وتوبيخهم الإكليريكيين؛ علمانيين وقانونيين، وهاك شيئا من قصيدة هي ~~أولى قصائد ديوان الخوري قالها في بعض هؤلاء: # كثر العثار بعثرة الرؤساء # وغوى الصغار بغرة الكبراء # لما رأيت الرأس وهو مهشم # أيقنت منه تهشم الأعضاء # وإذا الطبيب تضاعفت أسقامه # أنى ينال أولو الضنا بشفاء # أما الروح الدينية فشائعة في ديوانه كما تشيع في ديوان فرحات، ولا بدع ~~فكلاهما راهب يترجى أن يكون له مكان يسند إليه رأسه في ملكوت الله، ولهذا نراه ~~يعمل بقول القديس بولس: عظ ووبخ بكل سلطان ولا يستهن بك أحد. # وللخوري في آخر ديوانه رسالة تأنق فيها، كتبها نثرا وشعرا مجيبا بها ~~الشماس مكرديج الكسيح أحد أفراد هذه القافلة، ونحا في أسلوبها نحو المتصنعين ~~فملأها تشابيه واستعارات وكنايات وأفكارا تدل على معارف ذاك الزمان وثقافته؛ ~~فمن أمثلة الصنعة فيها قوله: «وصار عقلي تابعا لمعناها «كالأربع التوابع»، ~~والعقل غدا «مرتفعا» نحو «عامل معنوي» حسنها «رفع المبتدأ»، وليس عجبا أن ~~يرفع التجرد والابتداء.» ثم يقول: «ومع ذلك فالفكر أبدته «بالاشتغال»، والجسم ~~أذبته بالاشتعال.» ولعل الخوري نهج في هذا نهج معلمه المطران الذي قال ~~قبله: # خذ حبهم «يا ضمير الرفع» ملتزما ~~«فعلا ووصلا» فلا يخلو ولو هجروا # كأنني «الفعل» والمحبوب «فاعله» # سيان «متصل» فيه «ومستتر» # وفي آخر هذا الديوان أحجيات كثيرة، أنقل لك واحدة منها، قال محاجيا في لفظة ~~«رحبعام»: # يا راقدا في علمه # نبه سناك من السنه # ماذا اسم ms021 ملك مثله ~~«سعة » تضاف إلى «سنه» # فسعة بمعنى رحب، وسنة بمعنى عام، فتفهم إن كنت لبيبا، وكفى الله الناس مئونة ~~الكلام ... # والخوري أشد ميلا إلى صناعة البديع من معلمه الذي كان يقول الشعر عفو الطبع. ~~وها هو قرن «التاريخ» الشعري يذر في ديوان الخوري، فنقرأ فيه تواريخ للموت ~~والولادة، والكنائس والدور، والخانات والسبل «الينابيع»، ثم يتعاظم شأن ~~«التاريخ» في القرن التاسع عشر حتى يمسي معجزا ومضحكا في وقت معا، كما سترى. ~~إنا نسأل لهذين الرائدين الجزاء بالمد، فقد غفرت لهما، كالمجدلية، خطاياهما ~~الكثيرة؛ لأنهما أحبا لغة الضاد كثيرا. ~~(1-2) النابلسي والحر والنحلاوي # قلنا إنه كان في لبنان والأقطار العربية شعراء، قبل فرحات وفي عهده، فإقطاعيو ~~لبنان - وقد كانوا عربا خلصا - قالوا الشعر، كما قاله الخاضعون لسلطتهم مديحا ~~فيهم، ولكنه كان من طراز شعر القافلة الأولى، وبعضه ضعيف التركيب جدا. # أما أصح معاصري فرحات كلاما فكان القطب الصوفي الشيخ عبد الغني النابلسي، وهاك ~~شيئا من شعره الصوفي المتطرف الذي قاله في ذاته: # وعلمي ليس يدركه # سوى من لم يزل مثلي # وعلم الجفر من علمي # وموسى رشحة البل # وإني هدهد الأخبار # للقوم الأولى قبلي # وإني لست مخلوقا # ولا شربي ولا أكلي # ولا إني أنا الخلاق # ذو صنع وذو فعل # ولا من أبناء الله # إني، أو من الرسل # وإني ما أنا عيسى # ولا المهدي إلى السبل # أنا بي حارت الأفهام # ما يدرون من أصلي # أنا الشامي، أنا الهندي # أنا الرومي، أنا الصقلي # أنا المعروف في الدنيا # وفي الأخرى بذي الفضل # وإني لست إنسانا # ولا من ذلك النسل # وما عبد الغني اسمي # وهذا مقتضى شكلي # فيا من رام في الدنيا # يراني طالبا وصلي # تجرد وانتزح واخرج # عن الأكوان بالعقل # وكن خمرا بلا كأس # وكن شمسا بلا ظل # وسد الباب عن غيري # وعالج وافتتح قفلي # فرد عليه معاصره الشيخ إبراهيم الحر الصوري فقال: # رويدا يا أخا الفضل # مزجت الشهد بالخل # أذعت السر يا هذا # شريت الجور بالعدل # فتحت القفل يا شامي # فقدت العلم بالجهل # أيا ms022 عبد الغني مهلا # فليس القول كالفعل # لقد أكثرت من هذر # يضاهي صبوة الطفل # فما المشكاة يا رومي! # وما المصباح يا صقلي! # وما الزيتون يا هندي! # فقل يا فاتح القفل # ألا يا هدهد الأخبا # ر خبر بالورى واجل # فكم من هدهد أضحى # كفرخ اليوم يا خلي # وكان للشيخ عبد الغني النابلسي تلاميذ أشهرهم السيد عبد الرحمن النحلاوي، وقد ~~ردد في مدحه ما قيل فيه: # لله در همام جهبذ وطئت # أقدامه شرفا هام السموات # وسيأتي ذكر هذا التلميذ الطاهر وشعره في مولاه عبد الغني، صاحب المقام الأقدس ~~السني، حين نتكلم عن «التاريخ الشعري»، وهو إحدى الظواهر الفنية في جو هذه النهضة، ~~كان التأريخ الشعري نجمة سديمية قبل الرواد فصيروه نجمة قطب تأتم به سفينتهم ~~الأدبية. # وكما عني المطران فرحات المتصوف المسيحي بتحليل أسرار البيعة شعرا، ونثرا، ~~انصرف الشيخ النابلسي، قدس الله سره، إلى تحليل رموز الصوفية، شعرا ونثرا، ولكثرة ~~ما لعبد الغني من تآليف وتصانيف شعرية ونثرية قد سماه المطران يوسف الدبس في ~~تاريخه جهبذ الجهابذة، وأستاذ الأساتذة. # ويضارع هذا الشيخ المطران في الرحلات؛ رحل المطران إلى رومة، وزار الأندلس، ~~وارتحل الشيخ إلى دار الخلافة، وزار القدس ومصر والحجاز ولبنان، وكتب كتابا في كل ~~رحلة. ~~(2) القافلة الثانية ~~(2-1) أحمد البربير # القرن الثامن عشر في الآداب المشرقية هو «قرن السماعلة» الذين حفظوا آثار العرب ~~القلمية. فهم الذين أذاعوا الآداب المشرقية في أوروبا، وصانوا كنوز الفلسفة في ~~مكتبة الفاتيكان وغيرها. أما في الشرق فكان أدب هذا العصر أدب رسائل ديوانية، كما ~~ابتدأ الأدب العربي في جميع عصوره. كان كتاب الدواوين هؤلاء يقولون الشعر متملقين ~~به أسيادهم كالجزار وسواه، فمن هؤلاء الكتاب الأولين أبناء الصباغ، وأبناء ~~البحري، وإلياس إده. # وقام إلى جانب هؤلاء متمشرقون كثيرون، عنوا بالآداب العربية وغيرها من المشرقيات، ~~حتى أنشئوا جمعيات سموها الأسيوية، فأفضلوا على لغة الضاد بإذاعة الكثير من كتبنا ~~مصححة. # ثم طلع في صباح القرن التاسع عشر الشهاب الثاقب محمد علي الكبير، فمشت النهضة ~~قدما بخطى ثابتة وسريعة، أنشأ مطبعة ms023 بولاق، ومدرستها، وجريدة الوقائع. وظل الإنشاء ~~في ذلك العهد ثرثرة عامية ممزوجة بالتركية تضحك من يقرؤها، حتى جاء شيخنا ~~الشدياق، فصحح لغة «الوقائع»، وهذب عبارتها العربية، أما من يعنينا أن نقف عندهم ~~هنيهة فشاعران: أحمد عبد اللطيف البربير، وابن الإفرنجية. # ولد الشيخ البربير سنة 1747، ومات سنة 1811، ولهذا الأديب مقامات طريفة، وبديعية ~~نحا فيها كغيره نحو الحموي، وله أيضا كتاب «الشرح الجلي على بيتي الموصلي»، وهو ~~شرح استوعب كثيرا من فنون الآداب والعلوم، وتناول تحليل الكثير من الرموز والأحوال ~~الصوفية. # والبربير هذا شاعر بليغ إذا قسناه بشعراء عصره والذين سبقوه، وقد قال فيه مخائيل ~~البحري - أحد رواد هذه القافلة - من قصيدة طويلة نشرتها مجلة المشرق: # أحمد البربير من أنشأ الأدب # وعلوما بين عجم وعرب # وحوى فخرا سما أسمى الرتب # قدره، ثم السماكين ارتقى # فرد البربير له التحية بأحسن منها، قائلا: # كم بيان من معانيه بديع # قد رفعناه على نظم البديع # في مبان مثل أزهار الربيع # ناظرا تسبيك أو منتشقا # فطن من بعده «العاصي» بكى # وبأصوات النواعير شكا # ودجت حمص وكانت فلكا # لمحياه فعادت غسقا # لم يبتدئ تقارض الشعراء المدح والثناء بالبحري والبربير، بل ولد مع شعراء القافلة ~~الأولى، وبلغ أقصى مداه مع الذين أتوا بعد هؤلاء حتى صار شغل الشعراء الشاغل. ولم ~~ينطفئ نور هذا الغرض من الشعر إلا في هذا الوقت، ولكنه أمسى يقال في حفلات التكريم ~~- وما أكثرها عندنا - بدلا من الرسائل. # أما شعر البربير فلم نقف إلا على نتف منه في مجلة المشرق، ولكنها تدل على مخيلة ~~شاعر أصيل، قال - رحمه الله - يصف العنب الشامي: # دمشق حازت عنبا # يضرب فيه المثل # كأنه لآلئ # يصان فيها العسل # وقال في الشيب: # نذير شيب منذر بالذهاب # فجدد التوبة قبل الحساب # واحذر سطى جارح باز هوى # من هوله طار غراب الشباب # وقال في الليل: # ليلة كالغراب قص جناحا # ليس يرجو الكئيب فيه صباحا # خافها أعزل السماكين حتى # صار ذا رعدة وألقى السلاحا # وقال في الدينار، وهو من باب حسن التعليل: # لما رأى ms024 الدينار أن مقره # في ملكه مقدار طرفة عين # لاحت على خديه صفرة وجهه # جزعا وأصبح وهو ذو وجهين # وقال، وهو من التلاعب بأسماء أبواب النحو، كما فعل المطران والخوري قبله، فأجاد ~~أكثر منهما: # وعجبت من راياته الحمر التي # شربت مرارا من دم الأعداء ~~«رفعت» «فجرت» بحر جيش خلفها # وتولعت «بالنصب للإغراء» # وقال ناصحا حاضا على الكرم: # إن رمت نيل المعالي # فأكرم الأخيارا # فليس يكبر إلا # من صغر الدينارا # وقال متزهدا: # تبا لصورة دنيا # شبيهة بالخمره # من ذاق منها رآها # مع اللذاذة مره # إياك والسكر منها # وحسبك الموت سكره # وقال هاجيا: # كم سبكنا الذهبان فيه مديحا # فاستحالت كمطرق الحداد # والذي يغرس الثنا في سباخ # فكثير عليه شوك القتاد # وقال يصف مجلس أنس: # نحن والله في نعيم مقيم # بين سجع وبين صوت رخيم # لم نجد عندنا إليك رسولا # غير ما هب من لطيف النسيم # قد قضى غمنا فناح عليه # كل صوت من الحمام نظيم # إننا نرى ديباجة البربير متماسكة وعبارته لم تشنها تلك الركاكة، وشعره يدل على ~~شاعر يعمل فكرته ورويته؛ ليقول ما لم يقل. فالبربير خير أبناء جيله شعرا، صحيح ~~التركيب، فلا أثر للرطانة التي رأيناها في شعر من سبقوه، ولا بدع في هذا فهو بلا شك ~~من حملة القرآن الكريم. ~~(2-2) ابن إفرنجية # شاعر متأثر بالقافلة الأولى، نقب عنه الأب شيخو فأحيا ذكره، وقد ذكر لنا في ~~«مشرقه» إن لهذا الشاعر كتابا خطيا في لندره عنوانه: «المجموع المنتظم من فرائد ~~الكلم». في هذا الكتاب كثير من النوادر والنكت، وبعض قصائد وأبيات من نظمه، ونظم ~~والده وبعض شعراء عصره. قال - على عادة ذلك الزمان - بيتين في وصف مجموعته ~~هذه: # مجموعنا هذا له رونق # كرونق اللؤلؤ في عقده # كادت مجاميع الورى دونه # تنسى لديه من سنا مجده # أما الخطأ فقد كفانا الشاعر مئونة الإشارة إليه حين قال في كتابه هذا: # كتبته مجتهدا # وليس يخلو من غلط # فقل لمن يلومني # من ذا الذي ما ساء قط # وقد بدأ هؤلاء الرواد يصنعون المعجزات الأدبية ms025 في شعرهم، وها إن ابن الإفرنجية ~~ينظم دائرتين في المديح. أما أقواله الطريفة، فمنها أبيات قالها بلسان قهوة الخمرة ~~تهجو قهوة البن: # سمعت لسان الحال في قهوة الطلا # تقول هلموا واسمعوا نص أخباري # فباسمي تسمت قهوة البن في الملا # ولكنها لم تحك بالفضل أخماري # فمن كذبها قد سود الله وجهها # وعذبها بعد الإهانة بالنار # ومن «معجزاته» الشعرية أيضا هذان البيتان اللذان يقرآن طردا فيكونان مدحا، ~~وإذا قرئا عكسا استحالا هجاء. قال: # عدلوا فما ظلمت بهم دول # سعدوا فما زلت بهم قدم # بذلوا فما شحت لهم شيم # رشدوا فلا زالت لهم نعم # ما عكسها فهذا هو: # قدم بهم زلت فما سعدوا # دول بهم ظلمت فما عدلوا # نعم لهم زالت فلا رشدوا # شيم لهم شحت فما بذلوا # وإذا قالوا في أبي تمام: إنه كان في انتقاء شعر حماسته أشعر منه في ديوانه، ~~ليدلوا على سلامة ذوقه، فمثل هذا القول يصح - أيضا - في مجموعة ابن إفرنجية ~~الحافلة بالطرائف، وها نحن ننقل منها شيئا. قال شاعر في وصف ليل: # وليل بته رهن اكتئاب # ألاقي فيه أنواع العذاب # إذا شرب البعوض دمي وغنى # فللبرغوث رقص في ثيابي # وقال آخر: # ثلاث باءات بلينا بها # البق والبرغوث والبرغش # ثلاثة أوحش ما في الورى # ولست أدري أيها أوحش # وقال غيره في صابغ لحيته: # قل للذي يطمع في صبغته # برد ما قد فات من صبوته # هب أنه أنكر ما لم يكن # يكفيه أن يكذب في لحيته # | شعراء الأمير # (1) اختراع الرواد ~~(1-1) التأريخ الشعري # يصح أن نسمي القرن التاسع عشر قرن التأريخ شعرا، فكما اخترع الحريري معجزاته ~~البهلوانية في نظم قصائد رقطاء وغير رقطاء، كذلك كان لرواد النهضة معجزة التأريخ في ~~الشعر، فما هو هذا التاريخ إذن؟ # إنه مجموعة كلمات منظومة يأتي رصيد حروفها الأبجدية دليلا على السنة التي يقصدها ~~الناظم، وهكذا صار الحساب حساب في دفاتر شعرائنا. # أما الحروف «الأبجدية» لا الألفباء، فحسابها معروف. سماه القدماء حساب «الجمل»، ~~ولكن ابن دريد يقول: وما أحسبه عربيا. أما الزمخشري فاعترف به ms026 في «أساس بلاغته» ~~وقال: وأجمل الحساب والكلام تعلم الجمل. فحروف كلمات «أبجد هوز حطي» يعتبر بها في ~~عرفهم عن الآحاد، من الواحد حتى العشرة. ولفظتا «كلمن سعفص» تعبر عن العقود، من ~~العشرين إلى التسعين. وحروف «قرشت ثخذ ضظغ» تعبر عن المئات فالألف. # أخذ السريان هذا الحساب عن العبرانيين، وهم لا يزالون عليه حتى اليوم. ولعله أبو ~~الرقم الروماني الذي لا يزال يستعمله الفرنجة في بعض الأماكن؛ ولهذا أزعم أن نواة ~~«التأريخ الشعري» سريانية، لا كما زعم المير حيدر في تاريخه: إن السيد عبد الرحمن ~~شاكر النحلاوي - تلميذ الشيخ عبد الغني النابلسي - هو الذي اخترع التاريخ على حساب الجمل # 1 # أما الذي يحملني على هذا الزعم فهو أن السريان لم يستعملوا قط في ~~حسابهم غير الحروف، ولا يزالون على هذا حتى اليوم. وقد لامهم المطران يوسف دريان ~~مؤلف كتاب نحوهم وصرفهم؛ لأنهم لم يستعملوا الرقم العربي الذي عده يدا من أيادي ~~العرب البيضاء على العلوم الرياضية، ونعى على قدمائنا تسميته بالرقم الهندي، ونفى ~~معرفته عن الهنود. # 2 # وإذا قيل: ولكن أبجدية السريان لا تفي بهذا الغرض؛ لأن أرقامها لا تتجاوز ~~الأربعمائة. فالجواب على ذلك عند القس نعمة الله الكفري أحد علماء النهضة في ~~السريانية، قال في غراماطيقه: # لما كان السريان لا يستطيعون أن يعدوا بهذه الحروف - الأبجدية - إلا ~~الأربعمائة، أوجد الأولون نوعا يعدون به المئات، والألوف والربوات، ~~فيضعون علامة المائة نقطة من فوق أحرف العشرات - كلمن سعفص - وإذا أرادوا ~~أن يبينوا الآلاف يضعون خطا منحرفا من تحت أحرف الآحاد، أما الربوات ~~فيوضع لها خط مستقيم تحت الحرف. # 3 # وهناك شيء غير هذا سأذكره لك، يجعلنا نشك بزعم المير حيدر في القصيدة التي قال ~~إنها أدهشت أهل عصر النحلاوي حتى قال بعضهم: إن الجن لقنه إياها. والمشهور عند ~~الجمهور أن روح الشيخ عبد الغني حلت عليه؛ فاستفاد بها ذلك. # 4 # ورحت أبحث هنا وهناك في الكتب السريانية على غير جدوى، وأخيرا استعنت ببطريركية ~~السريان فأفادتني أن ابن العبري استعمل شكلا من التأريخ ms027 الشعري، فذكر السنة ~~بحروف الجمل في سياق الشعر، وتفضلت علي بنص البيتين، ثم رأيت ابن الشبيب من شعراء ~~القرن السادس للهجرة ينحو نحو ابن العبري - ~~تقريبا - فيقول في الخليفة المستنجد بالله، وهو الثاني والثلاثون من العباسيين، ~~دالا على ذلك بلفظة «لب» فاستقامت له تورية لطيفة: # أصبحت «لب» بني العباس كلهم # إن عددت بحروف الجمل الخلفا # وعلى هذا المنوال نسج شاعر آخر، فقال في كهل مزواج: # من كان «آدم» جملا في سنه # هجرته «حواء» السنين من الدمى # أي أن ابن «45» سنة، وهي جمل آدم، تهجره ابنة خمسة عشر، وهي جمل ~~حواء. # وقرأت لصلاح الدين الصفدي، وهو من شعراء القرن الثامن الهجري بيتين في وصف قلم ~~ممدوحه بدر الدين نفاع ألم فيهما بشيء من حساب الجمل، فقال: # لصفات بدر الدين فضل شائع # تصبو له الأفكار والأسماع # انظر إلى «القلم» الذي يحوي فقد # صح الحساب بأنه «نفاع» # 5 # أي أن كلمتي القلم ونفاع تتفقان في حساب الجمل، فتكون كل منهما 201، ثم رحت ~~استقصي تاريخ حساب الجمل، فاهتديت إلى بلاطة عمرها 386 سنة - العمر كله - لا تزال ~~حتى الساعة في عاليه، فوق عين، تعرف بعين الضيعة، وهي تقع جنوبي الجامعة الوطنية ~~على مسافة مائتي متر، كتبت عليها هذه الكلمات: # بسم الله الرحمن الرحيم، أنشأ هذا السبيل المبارك العبد الفقير صالح بن ~~محمد الحلبي الشهير نسبته، ثبت الله حسنته، وجزاه جزاء الآخرة، وبخلود ~~دولة مولانا السلطان مراد حفظه الله كل حفظ. وكتب في شهر شعبان المبارك سنة ~~«هفظ»، أي سنة 985 بحساب الجمل. # ويأتي بعد ذلك ما يحسبه الناظم شعرا: # يا واردا للعين قصدك لا يخيب # اشرب وطهر جسمك من ماء صبيب # اشرب وقول الحمد للمولى على # أنعامه هنيئا يا من قد شرب # حتى هنا لم نصل إلى التاريخ الشعري بالصورة المعروفة اليوم، أي بوضع كلمة «تاريخ» ~~وما يشتق منها من لفظ، قبل الألفاظ التي تنظم لتجمع فتدل على العام الذي يقصده ~~الشاعر، ولعل أقدم هذا الطراز هو قول أحدهم في وفاة الشيخ تاج الدين ms028 بن بخشي ~~المتوفى عام 872ه: # انتقل الشيخ وتاريخه # قدسك الله بسر رفيع # ثم يليه قول ابن المبلط مؤرخا جلوس السلطان سليم العثماني: # تولى مليك العصر، وابن مليكه # بعز وتأييد ونصر وسلطان # ودولة ملك قلت فيها مؤرخا # سليم تولى الملك بعد سليمان # وقال شاعر، وهو لا شك إمام عالم، يؤرخ ظهور التبغ في البلاد، وما أحسب هذا الشاعر ~~إلا حديث العهد، وإن كان الزمن الذي يؤرخه يرجع إلى سنة 999ه، وهذا هو تاريخه كما ~~ورد في كتاب علم النبات للدكتور بوست الأميركي: # سألوني عن «الدخان» وقالوا # هل له في كتابنا إيماء # قلت ما فرط الكتاب بشيء # ثم أرخت يوم تأتي السماء # فهذا التاريخ مجتمعة فيه جميع شروط التاريخ الشعري الفنية، فهو يشير إلى الآية ~~الكريمة: # يوم تأتي السماء بدخان ~~، ~~فالتاريخ متى كان رصف ألفاظ يجيء بشعا، ومن أصوله أن يحتوي إما على نكتة طريفة، ~~كتورية جميلة، أو على آية كريمة، أو كلمة مأثورة توافق المقام، كما فعل شاعر حين ~~أرخ موت شاب قتل خطأ، فأخذ شطر الفارض القائل: أنا القتيل بلا إثم ولا حرج، وعمل ~~منه تاريخه. # ثم يجيء بعد هذا تاريخ آخر لمقتل السلطان عثمان بن أحمد سنة 1031ه: # مات سلطان البرايا # فهو في الأخرى سعيد # قال لي الهاتف أرخ # إن عثمان شهيد # فالتورية هنا هي في قوله: إن عثمان شهيد، حيث يشير إلى ابن عفان. # وأذكر تاريخا قيل قبل هذا، جاء فيه: # بنى سلطاننا برقوق جسرا # ومن تغدو الأنام له مطيعة # مجاز بالحقيقة أرخوه # وأمر بالسلوك على «الشريعة» # أي نهر الأردن الذي يسمى نهر الشريعة. وقال الشيخ عبد الرحمان التاجي مؤرخا بناء ~~قصر الأمير عمر الحرفوش سنة 1077ه: # أبديت فيه للعيون بدائعا # في الحسن تصدر عن علاك وتورد # ولذاك ثغر السعد قال مؤرخا # قصر زهي للأمير مشيد # ويحبو التاريخ الشعري نحو التطور، فنرى الشيخ أحمد بن ناصر الدين الحنفي يؤرخ فتح ~~الموره على يد علي باشا المعروف بابن الحكيم في بيتين؛ كل منهما برمته تاريخ لذاك ~~الفتح الذي كان ms029 عام 1127: # قد صاغ بيتين في كل يؤرخه # من بعد هذا كعقد زان ذا عطل # في كل حرب دهي الإسلام من نوب # قد أيد الله فيها أحمدا بعلي # لا زال بين الورى إعلاء عدلهما # ما دام عزهما في السهل والجبل # والآن يأتي دور الشيخ عبد الغني النابلسي الذي استعمل التواريخ في البديعيات، # 6 # وعنه أخذ تلميذه النحلاوي صاحب الأعجوبة التي أدهشت الناس. # وبعد هؤلاء أرخ الخوري نيقولاوس الصائغ شعرا، ثم كان أحمد البربير أول ~~المتفننين في التاريخ؛ فجعل الحروف المهملة في البيت كله تاريخا، وكذلك الحروف ~~المعجمة. # أما أول من أرخ في السريانية على الطريقة الحديثة فهو المطران يوسف اسطفان ~~الغسطاوي المتوفى عام 1822 نظم قصيدة سريانية بليغة في رثاء عمه البطرك يوسف ~~اسطفان، افتتحها واختتمها ببيت فيه تاريخ وفاته عام 1793، وهو منشور في كتاب بصائر ~~الزمان للأب بولس عبود. # والآن فلنعد إلى ذاك الذي أملاه الجن على النحلاوي، كما روى لنا المير حيدر في ~~تاريخه - كما مر، فهما بيتان تضمن كل بيت منهما أربعة تواريخ، وهذان ~~هما: # أهديك مدحا بليغا. يا سني غدا # بحر الفتوحات. باهي الفضل والمنن # ألفاظه كنجوم، فهي تشرق ما # بدا سنا بدرها. أرخه عبد غني ~~[أهديك مدحا بليغا = 1136، يا سني غدا = 1136، بحر الفتوحات = 1136، باهي الفضل ~~والمنن = 1136]، [ألفاظه كنجوم = 1136، فهي تشرق ما = 1136، بدا سنا بدرها = 1136، ~~أرخه عبد غني = 1136] # ثم بنى على حروفهما قصيدة يتضمن كل شطر منها تاريخا. فأدهش الناس كما قال ~~المير. # ثم كان ناصيف اليازجي - بعد النحلاوي - أول من حاول محاولة «تاريخية» أخرى جديدة، ~~فنظم تلبية لاقتراح مولاه الأمير بشير الشهابي تاريخا لفتح عكاء في بيتين ضمنهما ~~ثمانية وعشرين تاريخا، وذلك يحصل من كل شطر منهما متى جمع، ثم من مهمل كل بيت ~~منهما ومن معجمه، ومن مهمل كل شطر مع معجم كل شطر فيهما، وبالعكس صدرا لصدر، ~~وعجزا لعجز، وبالخلاف سوى التاريخ الناطق لفظا، أما البيتان فهذان هما: # في فتح عكا برد نار معاطب # دار الخليل، وللديار به البكا # رأس الثمان وأربعين بطيه # مئتان ms030 مع ألف، فبارك ربكا ~~[مئتان مع ألف، فبارك ربكا = 1248] # ولما قرأ إبراهيم باشا البيتين أرسل يطلب قصيدة على نسق قصيدة النحلاوي، فنظم ~~ناصيف القصيدة وجعل كل شطر منها تاريخا، وصدرها ببيتين ضمن كل شطر منهما ~~تاريخين، ووزع - مثل النحلاوي - حروف البيت الأول على أوائل بيوت الغزل من القصيدة، ~~وحروف البيت الثاني على أبيات المديح منها، أما البيتان فهذان هما: # 7 # أنت الخليل وفي. الأطلال برد لظى # أطلال عكا ورفض. الرعب والحذر # كن بالغا أوج سعد. ما به ضرر # أو غالبا لم يزل في. أول الظفر ~~[أنت الخليل وفي = 1248، الأطلال برد لظى = 1248، أطلال عكا ورفض = ~~1248، الرعب والحذر = 1248]، [كن بالغا أوج سعد ~~= 1248، ما به ضرر = 1248، أو غالبا لم يزل في = 1248، أول الظفر = 1248] # ثم نظم ناصيف لجاوس السلطان عبد العزيز بيتين كبيتي فتح عكا، ضمنهما ثمانية ~~وعشرين تاريخا، ونظم قصيدة أخرى في مدح هذا السلطان على نسق القصيدة ~~النحلاوية. # ولليازجي تواريخ مفردة عديدة جدا، جمعت في آخر النبذة الثالثة من ديوانه ~~المسماة «ثالث القمرين». # وحذا اليازجي الابن حذو والده فنظم تواريخ جمة، ولكنها ذات طلق واحد، وليست ذات ~~طلقات من نوع التومغان، ولا من نوع المترليوزات كما سترى ... # وظل اليازجي بعد النحلاوي سيد الموقف حتى نظم أستاذنا المعلم عبد الله البستاني ~~عند غياب شمس القرن التاسع عشر؛ قصيدة في مدح المطران إلياس الحويك عند انتخابه ~~بطريركا. # عنوان هذه القصيدة «فتاة الأناة». وقد أتم السجعة جامع كتاب «لهجة الحق»، فقال: ~~وهي آية في المعجزات، ثم راح يعرفنا عليها بقوله: وهي قصيدة «تاريخية» تتضمن 6216 ~~تاريخا، وذلك أن كل مصراع من مصاريعها يتضمن تاريخا للسنة 1899، ثم إن مهمل كل ~~مصراع إذا ضم إليه معجم أي مصراع أردته، كان تاريخا للسنة المومأ إليها، ومعجم كل ~~مصراع إذا ضم إليه مهمل أي مصراع أردته كان تاريخا أيضا للسنة نفسها، فتكون ~~التواريخ بمقتضى ذلك 6216 تاريخا. # 8 # إني أنقل لك - أيها القارئ العزيز، بعض أبيات منها لتجرب وتتسلى، افترضها سؤالا ~~من تلك المسائل التي تطلب بعض الصحف حلها، ms031 وامتحنها في ساعة فراغك، فالعلم بالشيء ~~خير من الجهل به. قال الشيخ عبد الله: # يا بطريرك الشرق رفتك النهى # رتبا وقفت لها السرور مع اللها # مرحت بك الأقمار مسفرة ولم # تؤثر سواك فسر أو سر بالسها # ومنها: # وسهرت للفقراء تعكل كربهم # ترفوا وأمرك قد أبار الترها # وافخر ومر، وابشر وسد، واسلم ودم # ترع المكارم فاحرسن متنبها # أما هذه القصيدة، وهي معجزة حقا، فهي ثمانية وعشرون بيتا، فاعمل حسابك ... ثم ~~احمد الله على أننا لسنا في عصر المير حيدر لننسبها لإبليس وجنوده ... # وهكذا «كسر» المعلم عبد الله البستاني «ركورد» اليازجي والنحلاوي، واستولى على ~~الأمد ولا يزال. # تذكرني هذه «الآيات» بذاك الأمير الذي وقف بحضرته بهلواني وفي يده مائة إبرة، ~~فجعل يرميها من فمه جاعلا رأس كل إبرة بخرم الأخرى، ثم لم يخطئ أبدا؛ فأجازه ~~الأمير بمائة «كرباج» لأنه أضاع مهارته فيما لا فائدة فيه، وأعطاه مائة دينار جزاء ~~تعبه ونصبه. # عفوك أستاذنا، تحت التراب. لقد كنت نافعا، بل كنت الجسر الذي عبر عليه رجال ~~النهضة من ضفة الركاكة والرطانة إلى ضفة الفصحى وواحتها. # ولعل قارئي العزيز يقول في قلبه: ما دام هذا لا ينفع فما لك تحدثنا عنه؟! # إن الأمانة الأدبية تقضي بهذا؛ لقد تعب الجماعة فلنذكرهم بما عملوا، وقد تكلمت عن ~~هذا قبل التحدث عن شعراء الأمير؛ لأنهم ومن جاءوا بعدهم - حتى الشدياق وهو عدو ~~التقليد - قد نظموا جميعا تواريخ، ولا يزال في عهدنا من ينظم منها حتى ~~الداعي. # أما التراسل بالشعر # 9 # أو التراشق به، فهو أيضا من ابتداع هؤلاء الرواد. فكأن سوق الشعر قد ~~بارت فأمسى لا ينفق عند أحد، فأخذ شعراء هذا القرن يمدح بعضهم فيما سموه رسائل، فصح ~~فيهم قول المثل: حك لي أحك لك. # ولا يزال أدباء اليوم على هذا، فيتقارضون الثناء على كتبهم وغير ذلك، وقد صدق من ~~قال: حب الثناء طبيعة الإنسان. فالطفل إذا ما امتدحته تبدو على وجهه غبطة دونها ~~الغبطة التي تعروه ساعة أكله قطعة حلوى يحبها. # صحتين، كلوا حتى تشبعوا ms032 ... ولأم الناقد الهبل ... ~~(1-2) نقولا الترك # كان الشاعر اللبناني الأول، الأسقف جبرائيل بن القلاعي، زجالا فنظم حوادث ~~بلاده زجلا، منذ خمسمائة سنة، ثم استحال ذلك الزجل شعرا فصيحا - بمقدار - لما ~~تضلع اللبناني من لغته. وكما كان الزجال الأول أسقفا كذلك كان الشاعر الأول ~~أسقفا أيضا. # كانت قيثارة المطران جرمانوس فرحات تملأ حنايا كهوف لبنان وتلافيف أوديته ترانيم ~~وتهاليل روحية. يرتفع الضباب بخورا قدسيا نحو الأعالي، فترتفع معه روح الشاعر ~~الزاهد، ويحدو نهر قديشا موكب عرسه الخالد، فيتبعه قلب الشاعر المتصوف منفسا عن ~~عاطفته المكبوتة بذلك الغزل الإلهي ... وكأن حرب ميوله لم تضع أوزارها حتى هتف؛ ~~معترفا لنا: إني بليت بأربع لم يخلقوا. # وبعد قرن كان للبنان أمير كالملوك؛ له بلاط، وله شعراء يكدون قرائحهم ليعملوا ~~شعرا يليق بسعادته، فيهزونه هز الكماة عوالي المران، فتتدفق الصلات في قصر ~~بتدين العامر. # يدور كثيرا على الألسنة في هذه الأيام ذكر البشير الشهابي أمير لبنان، وتذكر ~~كثيرا بيت الدين حيث عاش الأمير العظيم سيدا تراوده الدول العظمى، فيستقبل في ~~«قاعة العمود» السفراء والوزراء، والقواد والقصاد، وعليه أبهة الملوك، وسيماء ~~الأسود. # كثيرا ما يذكرون هذا الأسد اللبناني وعرينه الذي جدد «عهد» الشيخ بشاره خليل ~~الخوري شبابه، وأعاد صاحبه إليه رفاتا لا عليه ولا له، بعد مائة عام ونيف يذكر ~~الناس أعمال الأمير ونضاله وبطشه، وينسون أنه كان له شعراء، وأنه كان سيف دولة ~~زمانه، لم يجتمع بباب ملك من ملوك عصره أكثر مما التف حوله من أمراء الكلام في ~~زمانهم، ولكل دولة رجال. # أجل لكل دولة رجال فلا يطلب من نقولا الترك، وبطرس كرامة، وناصيف اليازجي، وأمين ~~الجندي؛ أكثر مما عملوا في خدمة الأدب، فهم والشدياق والبستاني والأحدب والأسير ~~وخليل الحوري وغيرهم قد بنوا هذه النهضة فأعلوها، والقلم يقرع القلم ... # أنعش الأمير العظيم الأدب العربي في عهده؛ مدفوعا إلى ذلك من نفسه المطبوعة على ~~الأريحية، ومن طموحه إلى تأييد إمارته وإذاعة صيتها. رأى أن لا بد لها من شعراء ~~يؤيدونها بأقلامهم، ويدعون لها بألسنتهم الفصيحة، ms033 كما كانت الحال في جميع الأدوار ~~العربية، فقربهم وأدناهم من السرير فسمعنا شاعره الأول نقولا الترك يمدح مولاه بعد ~~وقعة غلب فيها: # سواك إلى المعالي ليس يدعى # لأن الله أحسن فيك بدعا # أمير، لا أمير سواه يرجى # مليك كامل خلقا وطبعا # بشير خول الدنياء بشرا # به طاب الورى قلبا وسمعا # شهاب أوعب الآفاق نورا # على نور الثريا فاق سطعا # إذا أعددته يوما بفرد # من الأفراد كنت تراه «سبعا» # ندى كفيه جل عن انكفاف # كأن الله أجرى فيه نبعا # فما الفضل بن يحيى، وابن طي # وهل معنى «لمعن» بعد يدعى # بصارم عدله كم بت جورا # وأحيا لانتصار الحق شرعا # ولست أشك في أن سعادة الأمير استطاب هذا الثناء، وأجزل لقائله العطاء، فحركت ~~مواهبه قريحة شاعره، فراح يفتش عن نول آخر ينتج عليه فتطاول إلى الحريري وبديع ~~الزمان؛ فدبج لسيده المقامات، كما نظم القصائد، ليريه أن في دولته على صغرها من ~~يعنو لهم النثر كما يطيعهم الشعر. كتب مقامات، بلغة ضعيفة طبعا، ولكن فيها جدا ~~وهزلا هما من طبع هذا الشاعر، وأشهر مقاماته تلك التي سماها «المقامة الديرية» ~~كتبها طالبا من الأمير دارا يسكنها؛ فراح يتخيل فيها ما استطاع حتى أخرجها بصورة ~~حلم أبصره في نومه، ثم عبره في ختام تلك المقامة الطويلة كما يأتي: فقال المعبر: # أما حدوث الزلزال، وقلقلة الجبال، وهياج الرياح، وقيام الصياح، فهذا دليل ~~على ما بك من البلوى، لعدم المأوى، وأما ارتفاعك في اللجج، وقطع الآمال من ~~الفرج، فهذا دليل نهاية النحوس، واضمحلال البئوس، ورؤياك لذلك النير ~~الساطع، ذي السيف القاطع، هو عبارة عن ذلك الملاذ المفخم، والأمير المعظم، ~~بشير السلام، وشهاب الأنام، أما ما أصبت منه من المنزلة، والهبة الجليلة ~~المكملة، فدليل على حلولك في قطره الزاهر، وحماه الباهر، المعروف بدير ~~القمر، المنظوم في سلك عدله الذي اشتهر. وستعطى أرضا خلية، تبني لك بها ~~دارا سنية، وبالقرب من قبة الشربين، فهذا ما رأيته باليقين. # بهذه البراعة الفنية تملك الشاعر دارا كما اشتهى، وكان كلما ازداد من ms034 مولاه ~~قربا ازداد براعة طلب، فاسمع كيف يطلب منه شروالا وعمامة: # وشروال شكا عتقا وأمسى # يراودني العتاق فما عتقت # وكم قد قال لي: بالله قلني # وهبني كنت عبدا وانطلقت # أما تدري بأني صرت هرما # وزاد علي أني قد فتقت # فدعني حيث قل النفع مني # وعاد من المحال ولو رتقت # ولا تعبأ بتقليبي، لأني # بعمر أبيك نوح قد لحقت # ولم يبرح يجدد كل يوم # علي النعي حتى قد قلقت # فقلت له عتقت اليوم مني # لأني في سواك قد اعتقلت # فأشعرت العمامة في مقالي # له فاستحسنت ما قد نطقت # فراحت، وهي تشدو فوق رأسي # لي البشرى إذن وأنا عتقت # أشهد أني أستنشق من شروال الشاعر العتيق رائحة الأمير وشعراء بلاطه، فعبقرية ~~شاعره الظريف فواحة العبير، فهو، وإن لم يؤزر بالبلاغة، طافح بالشخصية الظريفة ~~والخيال الفاره. # كان الترك عند أميره شاعرا ونديما وكاتبا. يقول له ما يرضيه، ويجيب على كل ~~اقتراح يصدر عن سعادته، ومن يطلع على ديوان نقولا - هكذا قالوا حين «لزموه» - ~~يقرأ صفحة من تاريخ لبنان الحديث. وقيل لي - أيضا - إنه طبع ولكني لم أحصل على ~~نسخة رغم السعي وراء ذلك. # رووا لنا من شعر الترك، يوم كنا على مقاعد المدرسة، هذا المطلع: # عجب عجب عجب عجب # قطط سود ولها ذنب # تصطاد الفار من الأوكار # وتطيح الحيط فتنقلب # وكان لنا رفيق في مدرسة الحكمة اسمه سعيد جوهر من «وادي الست»، فكان معلمنا ~~الخوري يوسف أبي صعب يمازحه بهذا البيت الذي ينسب إلى شاعرنا: # ورحت تحط بوادي الست # وغرك فيها الشيطان # ونقل الأب شيخو مناظرة شعرية أجراها الشاعر بين الزيت واللحم، ولعلها اقتراح من ~~سعادة المير، وهاك بعض ما نظمه الشاعر في هذا الموضوع: # أنا الزيت الذي كل إليه # بمحتاج ووصفي قد تنوع # فنوري شاهد في عظم فضلي # إذا ما في ظلام الليل لعلع # وكم قومت من عرج وكم قد # أقمت مكشحا وشفيت أكتع # ومني يكسب الصابون عرفا # زكيا يشبه المسك المضوع # به قد نغسل الأدران طرا # عن الأبدان والملبوس أجمع # وكم ms035 لي من مزيات تناهت # فضاق بوصفها الشرح الموسع # فقال اللحم مفتخرا عليه # لقد وسعت ذا الشدق المخلع # فشحمي في الليالي عنك يغني # ضياه، بل وفي الأشراق يسطع # فريحك كيفما حاولت تردي # ودهنك أينما قد حل بقع # وأكلك منكر عند الأطبا # لأنك محرق للكبد تلذع # وإما أن تسل عني فإني # أنا اللحم الذي قدري ترفع # ومطبوخي لذيذ مستطاب # شهي الأكل طاب لكل مبلغ # كذلك طعم أمراقي شفاء # يقوي كل من منه تجرع # وأنواع البقول وكل بنت # نما للأكل لي خدم وتبع # ولي دسم يذكي كل نوع # من الطبخ الذي لي فيه إصبع # لذاك ترى ملوك الأرض طرا # لهم في مأكلي ولع ومطمع # فعد يا زيت عما أنت فيه # ومن هذا الجدال الشاذ دع دع # وإلى جانب هذا الهزل نرى للشاعر شعرا آخر رصينا يقوله حسب مقتضى الحال. فمن ~~يدخل قاعة الأمير في بتدين ير قصيدة، من عمل شاعره هذا مكتوبة على عالي جدرانها ~~وهذه هي: # الله الله أنت الواحد الأحد # والسرمد الأزلي الدائم الصمد # حي، عزيز، قدير، خالق، وله # من في السماء ومن في أرضنا سجدوا # لا رب غيرك يا مولاي نعبده # ولا سواك إلها فيه نعتقد # أنت الغنى والمنى والفوز أجمعه # والعون والغوث والإنجاء والمدد # ما لي سواك غياث لي أطالبه # كلا وغيرك ما لي في الورى سند # خولتني يا إلهي خير تسمية # فكنت فيك بشيرا، أنت لي عضد # فاللب والروح كل فيك مشهده # والفكر والقلب والأحشاء والكبد # بل كل جارحة مني وعاطفة # تصبو إليك، ونار الحب تتقد # إذ أنت علة نفسي، أنت مركزها # يا رب كل ومنه الخلق قد وجدوا # يا ربي امنن بعفو منك لي كرما # واغفر جنايات عبد منك يرتعد # وجد بخاتمة يا رب يعقبها # ذاك النعيم السعيد الثابت الوطد # ولكن الخاتمة، وا أسفاه، لم تكن في هذه الدنيا كما اشتهى الشاعر لأميره، أما ~~الآخرة فلا أعلم عنها شيئا. # هذا هو شاعر الأمير الأول، وهو الذي قرب المعلم بطرس كرامة من مولاه، فصار ~~شاعره الأكبر، ونجيه، ومستشاره. ms036 # كان نقولا طيب القلب، دمث الأخلاق، مرحا طروبا حسن البديهة، وهو أبرز معاصريه ~~شخصية في شعره، وإن قاله ركيكا كما ترى. فنان طمح إلى التجديد والأدب الرفيع، ~~فأدرك ما قدر عليه، ولهذا ترى الطرافة عنده في كل مقام ومقال، وإذا قصر في ميدان ~~الفصاحة والبلاغة فهو معذور؛ لأنه ابن نفسه. ~~(2) الشاعر والمدبر ~~(2-1) بطرس كرامة # إمارتي من سيفي هذا. # هكذا أجاب الأمير بشير حين سأله شريف باشا: إمارتك من أين؟ لم يبال بطل «المزة» ~~بما أحدثته كلمته في نفس محدثه ساعتئذ، إلا أنه - بلا شك - قد تذكرها في إحدى ليلات ~~مالطة، كما تذكر نابليون في جزيرة القديسة هيلانة كلمات كهذه. # صدق الأمير، أعلى الممالك ما يبنى على الأسل، كما قال المتنبي منذ ألف وأكثر، ~~الأسد يمنع عرينه الصغير، أما سطوته فتحمي الغاب كله، ولهذا تطاول الأمير بشير إلى ~~جميع آلات الملك فاصطنعها كلها؛ فللبلاط بروتوكول، وللديوان مراسيم، يجري عليها في ~~مخاطبة العظماء، ومناصب البلاد، وللدخول على المير، والجلوس بحضرته أصول تطبق ~~وتراعى، أما السيطرة وما يتبعها من بطش فسعادته أمها وأبوها. كانت مهابته كما قال ~~المتنبي في سيف الدولة: # قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت # لك المهابة ما لا تصنع البهم # كان الأمير عادلا بلا رحمة، يدعم عرشه بهدم كل ما يراه خطرا عليه سيان عنده في ~~ذلك ما بناه الله، وما بناه الإنسان. إذا رجع من «شر»، وقعد يستجم في بلاطه، بين ~~ندمائه وشعرائه، فكأنه يضرب أخماسا لأسداس؛ لأن «الثغر» دائما خلف الباب. يجلس ~~سعادته في قاعة العمود جاثيا، فتخاله القمة الماثلة. ينسيه ثناء شعرائه تعب أمسه ~~ومشاكل السياسة وعقدها حينا، فيستأنس بالشعر والأدب. كان سعادته يضرب في الشعر ~~بسهم ككل أمير عربي فيساجل شعراءه، ويأمر بالقول ارتجالا، تخميسا وتشطيرا، وقد ~~رويت له هذه الأبيات التي قالها متغزلا في عاصمة دولته بيت الدين: # سرى النسيم بيت الدين ذكرني # حديث من كنت أهوى، والزمان صبا # وقد شفى كبدي الحرى بروضتها # جري «الصفاء» الذي في سفحها انسكبا # أهدى لنا نسمات من ms037 نوافحه # مبسامها، فأزال الهم والكربا # وبث عرف الأقاحي والخزام ضحى # وادي الجنان فأحيا قلبي الوصبا # وفي سنة 1813 دخل نقولا الترك على أميره مقدما له المعلم بطرس كرامة ، فعهد إليه ~~الأمير في تعليم ولده أمين، وبعد فترة قصيرة أضحى هذا المعلم شاعر الأمير، ثم صار ~~كاتبا للشئون الخارجية؛ لإجادته التركية، ثم أمسى مدبر الأمير وقهرمانه يستسفره ~~إلى الأبواب العالية في الخطوب الجسام، ويدير مالية الإمارة، وهكذا أمست شئون لبنان ~~كلها في يده، وظل كذلك حتى مغيب الشهاب عن سماء لبنان، فرافقه شاعره ومدبره إلى ~~منفاه، ثم كان في الأستانة العلية شأن آخر. # لست ممن تعنيهم السياسة إلا بمقدار ما تلابس الأدب، فهمي هنا أن أصف عهدا ~~نتغنى به؛ لنفهمه على حقه. # كان هم بطرس كرامة أن يظل خاطر المير صافيا، والأمير ككل البشر يرضيه الثناء ~~ويعجبه، فلم يدع شاعره فرصة تمر حتى قال فيها شعرا، فكل ما يحدث في البلاط، وفي ~~ساحة الوغى، وفي الصيد، وفي ساعات الفراغ، يستحق عنده التسجيل شعرا، فكأن قريحة ~~شاعرنا عداد «تكسي» لا يقف أبدا، لو سعل سعادة المير سعلة رنانة، أو تجشأ بعد عشاء ~~ثقيل شمته شاعره بالمنظوم، فيطيب الخاطر العاطر. # وكان «سعادته» ماهرا في حلب القرائح يستفزها بطرق شتى، كإهداء «باقة زهر» إلى ~~الشاعر، فيقول هذا في وصفها: # وباقة زهر من مليك منحتها # معطرة الأرواح مثل ثنائه # فأبيضها يحكي جميع خصاله # وأصفرها يحكي نضار عطائه # وأزرقها عين تشاهد فضله # وأحمرها يحكي دماء عدائه # فيخمسها ويعارضها نقولا الترك، فتعجب أبياته الأمير، فيأمر بتخميس التخميس، ~~وتشطير المعارضة، فتخمس وتشطر في حضرته، وتنال كلها إعجابه العالي، ويعلم الله ماذا ~~كانت جوائز صاحب السعادة، وعطاياه في تلك الساعة. # أما قصائد بطرس الضخمة، فكانت تقال في «الخلع السنية» التي تهدى إلى الأمير كل ~~عام، وفي الحوادث الجسام، وكل ذلك منشور في ديوانه المطبوع عام 1898، أما المناسبات ~~الصغرى فحدث عنها ولا حرج: يرخي الأمير عذاره، فيقول شاعره «مؤرخا» هذا الحادث ~~الجلل! # إن البشير الذي جاد الزمان به # قد ساد ms038 بالمجد والأفضال واللطف # بدا عذار إليها في سعد طلعته # يحكي أساطير بسم الله والطرف # الله عظمه قدرا وجمله # أرخ وزينه في حلية الشرف # ويهدى الأمير أشجار سرور فلا يحجم شاعره عن القول فيها: # جاء سرو فقلت هذا سرور # يتجلى في روض مجد البشير # حيث يروي النسيم عنه، فحيوا # يا وجوه الأنام فضل الأمير # ويصطاد الأمير فيخص شاعره بحجل من صيد يمينه ~~المباركة، فيقول في هذا شعرا، ويزيده الأمير فيزيد الشاعر، وهكذا دواليك. وإذا ~~انقطع الوارد الملهم الموحي، ورأى الشاعر مولاه جالسا في الإيوان في إحدى الدكتين ~~المختصتين بجنابه العالي، أنشد الشاعر: # وإيوان مجد برج ليث تخاله # به كوكب الإقبال أصبح مشرقا # حوى منزلي عز كأنهما به ~~«السماكين» والبدر البشير به ارتقى # وإذا سكت الطائر هيجه مولاه، فأهدى إليه «بز كهرباء»، فألهمه المناظرة بين «البز ~~والماسورة والأركيلة»، فيبذل في هذا الموضوع جهده، ويقول: # ورب خرساء أضحت بعد لكنتها ~~«فصحاء» ذات فم للضد رداد # قامت بمبسمها الزاهي ترد على # نرجيلة، فجرت في قولها البادي: # تنددين بأني غير ناطقة # ألم تري منطقي يروي ظما الصادي؟! # ألم ترى ماجدا نعم الأمير ومن # أحيا وجود الندى في كفه النادي # فهو الذي قد غدا لي منجدا وبه # ثغري يغرد في مدح وإنشاد # وإذا غفل الأمير عن أعطية التبغ نطق الشاعر ملتمسا «الدخان» من سعادته، كما طلب ~~نقولا من قبل دارا وشروالا وعمامة. # وإذا كان الشاعر قال حين رمم مولاه بناء سبيل، فما تراه يفعل ومولاه قد جر نبع ~~الصفا وبنى الجسور؟! إن رمم الأمير بابا، أو فتح طاقة تنفتح للشاعر أبواب وأبواب ~~على دنيا عبقر ... ما أحلاها حياة! لا أدري كيف أصفها، فليته كان لها شعراء أكبر ... ~~فقصيدة «نهر الصفا» طويلة كالقناة التي هندسها للمير «أخوت» شانيه، ولكن الركاكة ~~تشينها. # وللصيد ورثاء البزاة مقام جليل في ديوان كرامة، وكذلك وصف البرك وكل مكان تشرفه ~~ركاب صاحب السعادة؛ دخل الأمير بستانا، فقال الشاعر: # وبستان زها شرفا وحسنا # بزورة كوكب الشرق المنير # حللناه فماس الغصن قدا # ومال مقبلا ms039 ذيل الأمير # وتظهر الحصبة في جسم «سعادته» الشريف، فيقول شاعره في ذلك: # قالوا حبيبك محصوب فقلت لهم # لا. لا. فقولكم زور وبهتان # وإنما جسمه مذ راق جوهره الص # صافي، فنقطه بالحسن مرجان # ويصف الشاعر ما في قصر بتدين، فتخالك في الحمراء؛ إذ يقول: # ما ترى البركة العذيبة أضحت # تتثنى كصفحة الهندواني # جاد فوارها العجيب برقص # حين غنت سباعها كالقيان # ويمد سعادته يمينه المباركة فوق البركة، فتهرع الأسماك إليه، وتأكل من يده فتات ~~الخبز، فيصرخ شاعره: # حيا الإله بشيرنا المولى الذي # ضاءت بنور شهابه الأفلاك # خضع السماك للثم راحته التي # نهضت للثم بنانها الأسماك # ويتعمم «سعادته» بعمامة سوداء، فيقول شاعره فيها: # بعمامة سودا أتى رب السنا # فغدا الرجا يسمو على النبراس # ما ذاك حبا بالسواد وإنما # يروى ثناء عن بني العباس # ويبني سعادته إيوانا في مقام النبي يونس، فيستلهم الشاعر الكتاب، ويقول: # فانزل بحضرة يونس # تأمن به حوت الطريق # واقرأ بفاتحة الثنا # حمدا لمنشئه العريق # أعني الشهابي البشير # بكل سعد للصديق # وانشق نسيمات الصبا # من عرف لبنان العريق # وقضت الأيام فابتعدوا عن بتدين، ثم عادوا إليها فقال الشاعر في ذلك قصيدة ~~طويلة: # هذي الديار ديار بيت الدين # فتمتعي يا مهجتي وعيوني # دار بها طاف الصفاء فأصبحت # تهدي السرور لقلب كل حزين # إن دنست عيني بروية غيرها # طهرتها بصبيب ماء جفوني # ولا نستغرب هذا بعد ما قرأنا للأمير نفسه شعرا في بتدين كما مر. # ويوفد الأمير شاعره إلى مصر، فيسمع هناك غناء قينة تدعي أم رضوان، فيقول ~~فيها: # رعى الله مصرا إن مصرا لجنة # يزول بها عن صاحب الهم همه # ففي جنة الفردوس رضوان وحده # وفي مصر رضوان كذاك وأمه # ودارك الفلك، لما أتت الساعة، فإذا الأمير في مالطه، وجاءت نوبة المدبر السياسية ~~فلعب دوره على المسرح العالمي؛ أرسله مولاه - الأمير بشير المالطي - إلى إسطمبول ~~رائدا فكتب إليه كلمته المشهورة: «الصندوق في إسطمبول والمفتاح في لندره ...» ثم ~~رغبه في الإقامة بها، فجاءها الأمير، وقضى فيها أعواما سكت في خلالها طبل المديح ~~ومزماره، ms040 تحول عنه شاعره إلى مدح وزراء الدولة العلية وصدورها العظام، ولم نسمع ~~صوته إلا حين أرخ ضريح مولاه المتوفى سنة 1850: # قد كان صاحب هذا اللحد ذا شرف # مدى الزمان رفيع غير منخفض # لاقى المنية في التسعين متشحا # برد الفضائل في عمد وفي عرض # أولت ولايته لبنان طيب ثنا # وشاد بالعدل فيه كل منتقض # فهو الأمير الشهابي البشير ومن # غير العلى لم يكن يرتاد عن غرض # قضى فأظلمت الدنيا مؤرخة # أما البشير شهاب في الجنان يضي # ثم يقول قصيدة طويلة في رثاء الشهاب الذي انطفأ، ويمضي الشاعر لسبيله لاحقا ~~بمولاه بعد عام، فقال شاعر الأمير الثالث - الشيخ ناصيف اليازجي - مؤرخا ~~وفاته: # مضى من كان أذكى من إياس # بحكمته وأفصح من زهير # فقل يا ابن الكرامة قر عينا # لبطرس أرخوه ختام خير ~~(2-2) ضوضاء الخالية # كان المعلم بطرس كرامة أرصن وأصح قولا من شاعر الأمير الأول، ولكن هذاك كان، ~~كما قلنا، أخف روحا. كان القدماء يرون الهزل والضحك في الأدب قلة هيبة، ولهذا طارت ~~لكرامة شهرة لم يكن لنقولا شيء منها، وقف نقولا نفسه على أميره فما تطاول إلى ولاة ~~الأقطار حتى يذيع له صيت، أما بطرس فما أحجم عن ذلك، فأحدثت قصيدته «الخالية» ضوضاء ~~أدبية اشتركت فيها الأقطار العربية. # قال بطرس هذه القصيدة جاعلا قافيتها لفظة واحدة، ولكنها مختلفة المعاني، قال في ~~مطلعها: # أمن خدها الوردي أفتنك الخال # فسح من الأجفان مدمعك الخال # ثم ختمها بقوله: # لكل جماح إن تمادى شكيمة # ولكن جماح الدهر ليس له خال # ولما وقف عليها الشيخ عبد القادر الموصلي، وكان يومئذ ببغداد، عارضها ممتدحا ~~واليها المشير داود باشا فقال: # إلى الروم أصبو كلما أومض الخال # فسح من الأجفان مدمعك الخال # وعن مدح داود وطيب ثنائه # فلا القد يثنيني ولا الخد والخال # مشير إلى العليا أشار فطأطأت # وأصبح مندكا لهيبته الخال # ثم ختمها بهذا البيت: # فذي معجزاتي ما أرى ابن كرامة # يعارضها حتى يصاحبه الخال # 10 # وخمس «خالية» بطرس الشيخ إبراهيم ابن الشيخ صادق آل يحيى العاملي ms041 الشامي، ~~وخمسها أيضا الشيخ موسى المشهدي، ثم عارض وامتدح هذه القصيدة كثيرون من شعراء ذلك ~~العصر، ولكن الشيخ صالح التميمي شاعر المشير داود باشا قال قصيدة يعتذر فيها إلى ~~مولاه حين كلفه معارضتها، فابتدأها مخاطبا إياه قائلا: # عهدناك تعفو عن مسيء تعذرا # ألا فاعفنا عن رد شعر تنصرا # وهل من مسيحي فصيح نعده # إذا أينع الشعر الفصيح وأثمرا # عداه «شبيب والأحص» وفاته # من الرند والقيصوم ما كان أزهرا # دع الشانئ المخصوص بالنصر إننا # نراه بميدان البلاغة أبترا # به سمة من صبغة الخال سودت # بصيرته، لو كان ممن تبصرا # ثم يقول بعد استحلاف المشير بصفاته المثلى: # لجم غفير صير الخال قبلة # مكان القوافي بالقوافي مكررا # لعمرك ما «كعب» وما الشيخ قبله ~~«زهير» بتكرار الروي تصدرا # وما الشعر إلا ما أبانت صدوره # قوافيه، لا ما السمع فيه تحيرا # فرد عليه بطرس بقصيدة طويلة هذا مطلعها: # لكل امرئ شأن تبارك من برا # وخص بما قد شاء كلا من الورى # ولو شاء كان الناس أمة واحد # ولم تلق يوما بينهم قط منكرا # إذا انحط قدر الدر من أجل بائع # فذلك جهل باللآلي بلا امترا # كما عاب شعري قائل في قريضه: # ألا فاعفنا عن رد شعر تنصرا # وبلغت هذا الضوضاء مسامع الأدباء في كل قطر فكتب الشيخ رشيد الدحداح في كتابه ~~«قمطرة طوامير» انتقادا مطولا حمل فيه على التميمي، وأخيرا كان الكلام الفصل في ~~هذه المعركة الأدبية للسيد عبد الجليل البصري الذي قال: # حكمت وحكمي الحق ناء عن المرا # بأن التميمي الأديب تعثرا # بذم قواف في بديع جناسها # وذلك نوع في البديع تقررا # ثم يمدح شعراء نصارى رادا على قول صالح: # فمن كابن عباد يجاري مهلهلا # وكان مسيحيا تقدم يشكرا # وكالأخطل المعروف شاعر تغلب # يسوق به القسيس في الدير كالفرا # ثم يتطرق إلى مدح بطرس فيقول: # فصيح رقى أوج البلاغة يافعا # فأشعاره حلى بها ربع قيصرا # أتى منه نظم هد حجة صالح # وإن كان في المنظوم قدما تصدرا # وقد كان لي من صالح خير صحبة ms042 # وعند اتباع الحق ما زلت أجدرا # لكل تراني قد قضيت بحقه # وأسأل بارينا الهدى والتبصرا # وهكذا ألقت الحرب أوزارها، واستراحت أقلام شعراء ذلك الزمان. # ولما كان بطرس «كاخية» الأمير ورئيس ديوانه وجب علينا أن نعرف القارئ بنثره ~~الديواني، ولكن ذلك النثر كان يكتب للبشر على مقدار إفهامهم، ولهذا لا يعول إلا على ~~بعض رسائل إخوانية، وقد رأيته في هذه ينحو نحو الخوري الصائغ؛ كتب كرامة يجيب ~~الشاعر الناثر فتح الله الطرابلسي: # غير أنه لما عاندني الدهر «برؤياكم»، واعدني وانتحل مذهب عرقوب بلقياكم. ~~ونأت «أفعال مقاربة» وتدانت «المعمولات» بعوامل «عطف» الفؤاد عليه «عطف ~~نسق» المحتاج إليه ... # إلى أن يقول: وانتصب القلب «بالاختصاص لحبكم»، «وجزم» أن لا يحله غيركم. # ولم يقف عند هذا الحد بل شاء أن يزيد على من تقدموه، فهرع إلى علم العروض فقال: ~~وتحقق أن «طويل» البعاد «بالسريع متقارب»، ولم يزل يعري «الأسباب مقتضبا متدارك». ~~ثم لا يكفي الصرف شره فيقول: ففؤادي «الأجوف بلفيف» حبكم «مقرون»، وشوقي «المتضاعف ~~مزيد غير مهموز» ولا «معلول» إلخ. # ولم يهمل هؤلاء الرواد الموشحات، فلبطرس والأنسي وغيرهما موشحات، وتشطيرات ~~وتخميسات وبديعيات، وهكذا خاضوا غبار كل ما سبقهم إليه «إمامهم» صفي الدين الحلي، ~~ومن جاء بعده من شعراء عصر الانحطاط. # ولست أقول لك، كما قال القدماء: وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، فليس في شعر ~~هؤلاء لآلئ، وإن كانوا جهابذة زمانهم، وشعراء عصرهم. ~~(2-3) ناصيف اليازجي # الشيخ ناصيف اليازجي هو شاعر الأمير الثالث أو آخر شاعر «رسمي» دخل القصر، ولا شك ~~أنه أفيضهم قريحة وأنقاهم ديباجة. دخل قصر بتدين حين اعتدل ميزان نهار العهد ~~البشيري، فقرب الأمير شاعره الجديد وأدناه. جعله كاتب سره، فاتبع في رسائله ~~بروتوكول القصر، يكتب إلى هذا «محبنا» فيظل كما هو ... وإلى ذاك «أخونا» فيصير شيخا ~~مكرما يتوارث بنوه هذا اللقب. وعلى هذا النسق جرت عادة الوزراء في الكتابة إلى ~~سعادة المير؛ تفتتح مراسيمهم بهذه التوطئة: «افتخار الأمراء الكرام، مرجع الكبراء ~~الفخام، ولدنا الأمير بشير الشهابي الجزيل الإكرام، دام مجده على ms043 الدوام، بحفظ ~~الملك العلام.» # لا بد من أن يكون القارئ، بعدما قرأ ما قرأ عن شعراء الأمير؛ مشتاقا إلى التعرف ~~بسعادته خلقا وخلقا. اسمه يملأ الأذهان حتى الساعة، وهناك قصص تروى وحكايات ~~تسرد، فتقوم إلى جانبها صور عنه فيها الخطأ وفيها الصواب، أما معاصروه فرسموه في ~~التاريخ هكذا: أشقر اللون، معتدل القامة، طويل اللحية كثها، نحيف، أقنى الأنف ~~طويله، أشهل العينين. أما صفاته فقالوا فيها: جامع كامل الصفات الحميدة، عاقل، ~~عادل، حليم، شجاع، فاضل، كريم، دين، عفيف، مهاب، شهم، يقظ، فطن، صادق، رزين، ~~حزوم، جبار، فتاك، صبور، غيور. # أما سلسلة نسبه فيرويها صاحب كتاب أعيان لبنان - كما ذكر صفاته - مبتدئا ~~بإبراهيم وسام بن نوح فآدم حتى يمر المؤرخ، أو صائغ تلك السلسلة، بموسى وعيسى ~~ومحمد - عليهم السلام ... # أما «أيام» الأمير فكانت شغل شعرائه الشاغل، تفتق وقعاته قرائحهم، وتخلق لهم كل ~~يوم موضوعا جديد. «وسعادته» يسمع ما يقال مغتبطا، يهب مما نهب، وكذلك هي الحرب ~~خيرها لناس وشرها لآخرين. ينظر الشعراء إلى حصة الأسد فيسيل لعابهم، وأميرهم جواد ~~لا يبخل عليهم بما يسند قلبهم، فلا يبقون على الريق. # وهذا شاعره وكاتب ديوانه ناصيف اليازجي يرفع عقيرته ضاما صوته إلى صوت شاعر ~~الأمير الكبير وغيره، فتتألف من هؤلاء جميعا «جوقة» لم يشهد مثلها بلاط من بلاطات ~~ملوك ذلك العصر؛ لأن أكثر من وظف لهم الأمير كانوا يقولون الشعر، بل خير أهل زمانهم ~~علما وأدبا، فيكونون كتابا في الديوان أيام العمل، ومداحين وصافين لأيامه ~~المشهورة في أعدائه. # على هذا كان أبو سعدى البعيد الأماني، ~~الذهبي الأحلام، ولكن النعم تأبى التأبيد، والكلمة المأثورة: «توقع زوالا إذا ~~قيل تم» صادقة دائما، فهؤلاء مناظرو الأمير وخصومه ينصبون للأسد الشباك في ~~الخفاء، ويحفرون دائما في أساس ولايته ليدكوها، فما مرت سنوات حتى قام قائمهم؛ ~~كانت الثورات تلي الثورات «والعاميات» تلي العاميات، فمن عامية أنطلياس إلى عامية ~~لحفد، حيث لا تزال «قلاعي لحفد»، التي حن إليها ابن القلاعي في شعره، تخبر عن بطش ~~الأمير، وأشهر تلك القلع لا ms044 يزال يطلق عليه اسم «شير العمية». # أسكت الأمير تلك العاميات؛ فسكنت الأرض بين يديه زمنا إلى أن كان آخر العهد، ~~ولكل أجل كتاب، فظهرت عامية حرش بيروت، وتلتها عامية سن الفيل ، فأوفد الأمير ~~من استخلصهم لينصحوا الثوار، فإذا بهم يشددونهم، فوجه إليهم بعض بني عمه فعادوا ~~إليه حاملين خمسة شروط، فلم يقبل بها الأمير، وأرسل إليهم البطرك يوحنا الحاج الذي ~~كان يومئذ كاهنا يدرس الفقه في بيت الدين على فقيه عصره الشيخ بشاره الخوري، ~~فوجدهم قد أجمعوا أمرهم في أنطلياس، فلم يصغوا له وأظهروا العصيان. # وازدادت الثورة اشتعالا، فلجأ الأمير إلى البطرك الحبيشي فانتدب للمداولة معهم ~~أحد مطارينه - بطرس كرم مطران بيروت - فسلمه الأمير بشير أحمد اللمعي شروط الثوار ~~وهي: ~~(1) # عزل بطرس كرامة من ديوانه، وتعيين كاتبين من كل طائفة. ~~(2) # رفع السخرة بنقل الفحم الحجري من قرنايل إلى بيروت. ~~(3) # إبقاء السلاح الكامل للبنانيين. ~~(4) # تخفيف الإعانة. ~~(5) # رفع الاحتكار عن الصابون؛ لأنه كان للأمير «مصبنة» في دير القمر، ~~وكان عماله في البلاد يعاقبون ويغرمون من يشتري الصابون من ~~غيرها. # وأرسلت هذه الشروط إلى بحري بك - معتمد الدولة المصرية - فشكر ووعد، وكان على أثر ~~ذلك مد وجزر في خضم السياسة؛ إبراهيم باشا من جهة والدول من جهة، فجرف التيار أمير ~~لبنان فترك عرينه في العاشر من تشرين الأول سنة 1840 وغادره معه أولاده الثلاثة، ~~وزوجته، ومدبره، ومعه ماله وكنوزه. قال المؤرخون إن خزنة الأمير كانت 18000 كيس من ~~النقود الذهبية القديمة. # وبعد خروج الأسد من عرينه نهبت سراي بتدين، ونزل الشيخ ناصيف بعياله إلى بيروت، ~~وهناك انقطع إلى المطالعة والتأليف والتدريس ومراسلة الشعراء؛ يمدحهم ويمدحونه. شاع ~~هذا الصنف من بضاعة الأدب لأن الشعراء لم يجدوا من يمدحونه، كما قلنا في غير هذا ~~المقام، ومن شاء نموذجا من هذا النوع فليفتش عن الجزء الثالث والرابع من منتخبات ~~الجوائب، إذا تعذرت عليه مطالعة دواوين شعراء القرن التاسع عشر كلها. # وكان لانقضاء عهد الأمير - كما كان لوجوده - فضل على الأدب العربي في لبنان؛ إذ ~~استراح الشيخ ms045 ناصيف من مشاكل الديوان ومشاغله، فانصرف إلى التأليف طابعا على غرار ~~القدماء، فدنا من الحريري في مقاماته، وضارع ابن مالك في أرجوزته «نار القرى»، ولم ~~يعف من نظمه الطب والبيان والمنطق ... فكان لنا منه شاعر يخوض وسط المعمعة ... ولا ~~يقصر في جميع الميادين. # أجل كان شيخنا دلال القريض؛ فخاض سوقه وشرى وباع ... فها هو قابع في بيروت يرسل ~~عرائس الشعراء بشرا بين يدي رحمته ... تهمي ديمته على هذا الباشا، ويسح وابله على ~~ذاك الوالي، ثم لا يبخل بهذه الدرر على قائمقام أو شاعر أو أديب أو وجيه ففي مخزنه ~~بضاعة لكل بندر ترضي أنانية محبي الثناء. وهو في كل هذا المنظوم راض عن نفسه، يرسل ~~الشعر سهلا هينا لينا فيدخل الآذان بلا استئذان. # ولم ينس ناصيف أميره المالطي؛ # 11 # فأرسل إليه قصيدة ننقل بعضها؛ لنري القارئ نموذجا من شعر الشاعر ~~المدحي: # طال شوقي لطول هذا البعاد # فترى هل لذاك من ميعاد # كلما أقبل الرجاء ثناه الد # دهر عنا، فكلنا في الطراد # خمدت نار ذلك الحي، ويلا # ه، ومن لي من جمرها برماد # واستقرت تلك الأباطح من رك # ض المطايا، ومن صهيل الجياد # لم تصبنا أيدي العداة بسهم # فرمانا بأعين الحساد # أيها الراحل الذي ضرب الأط # ناب بين القلوب والأكباد # ما سمعنا براحل أوحش الأح # باب عند ارتحاله والأعادي # ربما أنكر العدى منك أمرا # يتمنون هل له من معاد # علموا أن ذاك قد كان تأدي # ب أب فانثنوا عن الأحقاد # ضاق ذرع البلاد بعدك حتى # لا مناخ لناقة في البلاد # فكأن البلاد جسم بدون الر # روح، أو مقلة بدون السواد # أوقدت يا كليب بعدك نار # سال منها في الحي قلب الجماد # وانقضى القرم بعدكم كل سيف # كان في عهد سيفكم كالنجاد # كنت دهرا فبنت لم تغننا من # ك ولا عنك كثرة الأعداد # لك خوف لو صادف العين في الحل # م لصارت تخاف طيب الرقاد # تفخر الناس بالجدود ولكن # أنت فخر الآباء والأجداد # وبك المنتمي يباهي ولو باب # ن أبيه يدعى كمثل ms046 زياد # إن في هذه الأبيات أصدق وصف للحال بعد نفي الأمير، ولو كان للأمير تشاؤم ابن ~~مروان؛ لتطير من شعرها الناعي إليه نفسه، ولاشمأز ذلك الأسد فراسه عند ذكر كليب، ~~ولكن شيخنا - رحمه الله - كان يستوحي الكتب القديمة ولا يستلهم غيرها، فهو في كل ما ~~نظم وما كتب زعيم المقلدين في عصره، لا ينازعه هذه الزعامة أحد. فكأنه ذات مجردة عن ~~المكان والزمان، فما علق بشعره ونثره شيء منهما. فمن لا يعرف أنه نشأ في كفر شيما ~~وشب واكتهل في بتدين، وشاخ في بيروت؛ خاله من مواليد نجد واليمن، وحسبك برهانا على ~~هذا الزعم أنه كتب في «مجمع البحرين» مقامة سماها «المقامة اللبنانية» وليس فيها ~~شيء من ريحة لبنان، إلا وصفا فضفاضا يصلح لكل أرض جبلية؛ فالمتنبي الذي مر عرضا ~~من وراء لبنان، فشاهد قفاه، أو رأى قممه من حمص، قد تأثر به أكثر من شيخنا ~~اليازجي. # أما ما يعجبني من شيخنا فهو أن معجزاته اللفظية أربت على شيخ ربيعة الفرس. ما ترك ~~في «مجمع البحرين» شيئا لم ينظمه شعرا، فمن أسماء الرياح حتى جراء الكلاب وخنانيص ~~الخنازير، وهاك من هذا نموذجا بلا قيمة؛ قال - عظم الله أجره وشكر سعيه: # للخيل مهر، وحوار للجمل # والجدي للمعزى، وللشاء الحمل # والعجل للثور، وللحمير # عفو، كذا الخنوص للخنزير # وشبل ليث، ولضبع فرعل # وجرو كلب، ولفيل دغفل # وخرنق لأرنب، وتتفل # لثعلب، ولابن آوى نوفل # وكل ذلك بالسهولة التي اتسم بها شيخنا، وخصوصا في غزله الذي عليه دل الحاضر ~~المتنعم كما ترى: # أتظن هذا الخال فوق المبسم # إلا عبيدا حارسا در الفم ~~••• # أخاف إذا أشار براحتيه # لعلمي أن روحي في يديه # وللشيخ - ككرامة وغيره من أدباء وكتاب هذا العصر - وثبات موفقة على «العلوم» حتى ~~في الشعر الغزلي كما ترى عند شيخنا: # ما بين أعطاف القدود الهيف ~~«سبب ثقيل» قام فوق «خفيف» # من كان كاتب «نون» هذا الحاجب # هيهات ليست من بضاعة كاتب ~~••• # مليح شهدنا أن نارا بخده # لأنا وجدنا بينها فحم خاله # حقا إن غزل ms047 الشيخ ناصيف اليازجي أدق وأحلى من «غزل البنات» وهو رقيق كنسيم ~~لبنان العليل، والشيخ فيه مبدع وإن كان الإبداع في الغزل يكاد يكون مستحيلا. أما ~~في غير هذا فمشى على سنن من كانوا قبله ، واقتفى أثرهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ~~... # كان ناصيف يظلع في سيره خلف القدماء، وصديقه الشدياق يصيح به: وراءك، حنانيك، ~~والشيخ هاجم مشمر الأردان لا يلوي على شيء، يعنيه أن يكون له في كل معركة غبار، ~~وحسبه ذلك. وكان له من يوحيه فيجد، ولا يلهث، ولا يتعب، ولا سيما حين يأتيه ثناء ~~طيب من شاعر كابن الصباغ العراقي، الذي قال فيه: # كبش الكتائب والكتاب وإنه # بالنحو ينطح هامة «ابن خروف» # متوقد الأفكار يوشك في الدجى # يبدو له المستور كالمكشوف # فطن تمنطق بالفصاحة، وارتدى # جلباب علم النحو والتصريف # وكان «التاريخ الشعري» - وهو من معجزات دهر الشيخ - رائج السوق في ذلك الزمان، ~~فملأت «تواريخ» شيخنا المقابر والقصور، واغتبط بها الأزواج والمواليد، حيا بها ~~الباشوات والسلاطين بالمئات في القصيدة الواحدة، فتوالدت في قصائده وتكاثرت ~~«كالآميب» التي يسميها العوام «حبل القر»، ولم يبزه أحد إلا معلمنا عبد الله ~~البستاني كما مر بك. ~~(2-4) الحكم في شعره # إن قريحة الشيخ فوارة، أجاد المدح وتفوق على شعراء عصره بالرثاء المملوء حكمة، ~~وقد يرثي من لا يعرفه، كالمتنبي في اللاذقية، فيتوسل إلى رثائه بوصف زوال الدنيا، ~~والحكمة التي نحبها نحن، فيخرجها إخراجا بطيئا كأنه مشي الشيوخ الأجلاء، إنه لا ~~يقذفها قنابل كالتي كان يرمي بها المتنبي الناس؛ فهو يقول مثلا: # للموت يولد منا كل مولود # يا أيها الأم ربي الطفل للدود # ويقول في مقام آخر، ونعم القول: # متى تر الكلب في أيام دولته # فاجعل لرجليك أطواقا من الزرد # لا ترتج الخير من ذي نعمة حدثت # فهو الحريص على أثوابه الجدد # ألا ترى مثلي أنه شعر طلي، غير أنه محتاج إلى شيء لا أدري ما أسميه ليذهب إلى مدى ~~أبعد من النفس. إني أحس بتكسره على أبواب الحواس فيقف عندها. لست تهابه كما تهاب ~~شعر ms048 المتنبي وغيره ممن أرسلوا الشعر حكمة، فهو وشوقي ينظمان الحكمة نظما، والفكرة ~~إن لم تنبثق من أعماق نفس صاحبها فلا تبلغ الأعماق، اسمع قوله: # وما للميت إلا قيد باع # ولو كانت له أرض العراق # إذا حمل النضار على نياق # فأي الفضل يحسب للنياق # وأقبح ما يكون غنى بخيل # يغص وماؤه ملء الزقاق # إذا أحرزت مال الأرض طرا # فمالك فوق عيشك من تراق # أتأكل كل يوم ألف كبش! # وتلبس ألف طاق فوق طاق # فضول المال ذاهبة جزافا # كماء صب في كأس دهاق ~~••• # إذا هلكت رجال الحي أضحى # صبي القوم يحلف بالطلاق # أسر الناس في الدنيا جهول # يفكر في اصطباح واغتباق # وأتعبهم رئيس كل يوم # يكون لكل ملسوع كراق # ويقول أيضا في الحكمة التي نجد أكثرها في شعره الرثائي: # تكثر الخيل في المرابض إن عد # دت ولكن تقل عند السباق # المعنى شريف - هكذا عبر السلف الصالح - ولكنه يصل إلينا فاترا ينقصه «الزخم» ~~الذي هو من مقومات الشعر. # أما رثاء الشيخ فهو عندي في المحل إلا رفع من شعره، إنه كلام يلطف من حرقة الجرح، ~~وإذا كان لا يرضينا اليوم فقد كان في عصره يستحلى ويستلمح ويحتل صاحبه صدر المحفل، ~~هاك نموذجا من الكلام الذي درج عليه الشاعر في مواقف النوح: # ماذا التعلل في دنياك بالأمل # هل في يمينك ميثاق من الأجل # إن كنت تعلم أن النفس خادعة # فحبذا لو قرنت القول بالعمل # إلى أن يقول في رثاء هذا الشاب الذي اسمه خليل مسدية: # بني مسدية أسدى الإله لكم # صبرا على هول هذا الحادث الجلل # كن يا أباه كإبراهيم حين سخا # لربه بابنه في ذلك الجبل # يا ليت هذا بنفس من أحبته # يفدى، كما قد فدي إسحاق بالحمل # لسنا نعزيك يا من لا عزاء له # وإن سكتنا وقفنا موقف الخجل # إن الحزين إذا هونت فجعته # زادت فكنت كمطفي النار بالشعل # فاعذره فيما تراه منه وادع له # بالصبر فهو له من أنفع الحيل # وشعر الشيخ كله هذا الطراز المهلهل، وما أراه في هذه السهولة ms049 إلا ضريب أبي ~~العتاهية؛ اسمع كيف يعزي صديقا كان تاجرا كبيرا وأفلس: # يا بائع الصبر لا تشفق على الشاري # فدرهم الصبر يسوي ألف دينار # لا شيء كالصبر يشفي جرح صاحبه # ولا حوى مثله حانوت عطار # إن السلامة كنز كل خردلة # منه تقوم من مال بقنطار # والمال يدعى صديقا عند صاحبه # وقد يكون عدوا داخل الدار # يا من حزنت لفقد المال إنك قد # خلقت # 12 # عار وما في ذاك من عار # فيا له شعرا كان فراج الأزمات، وبلسم الجروح، ينتظر شيء منه في الخطوب الجسام ~~ليكسر من حدتها، والشيخ جواد رحيم. # أما في المدح فقد شرق شعر الشيخ وغرب، فأصحابنا شعراء هذه الحقبة، وبخاصة ~~الشدياق والشيخ ناصيف قد زينوا نحور الملوك والسلاطين والأباطرة بعقود شعرهم ~~الضادي. فاز الشدياق بالحظوة والجوائز الضخمة، أما ناصيف فناجاهم من بعيد. إن شعر ~~هذين الشاعرين مختلف جدا، نفسا وتعبيرا وتفكيرا ولغة؛ الشدياق صلب وناصيف رخو ~~ولكنه غير هش. وبعد فليس هنا موضع الكلام على شاعريتهما، فلنقل كلمة في أسلوب ~~الشيخ ناصيف: قد يكون لمزاج ناصيف أكبر عمل في إخراج شعره على هذا النسق، فهو في ~~جميع أغراضه يمشي على مهل، وفي التأني السلامة. # أجزل الله أجره. لقد عمل جهده في زمن كانت روح الشعر فيه تنازع، فحسبه أنه كان ~~خير شعراء زمانه تقليدا، فالتجديد في ذلك الزمان لم يكن في الحساب. # | الشعراء العلماء # (1) الشيخان: الأحدب والأسير # عاشا صديقين، وكأنهما كانا على موعد فلحق الأحدب بصفيه الأسير بعد أشهر. فالشيخ ~~إبراهيم الأحدب طرابلسي المنشأ والمربى، دب ودرج على موسيقى نهر «بو علي» الثرثار، ~~وعلق بنفسه أريج بساتين الفيحاء. أعطته وأعطاها فرد إليها الكيل كيلين، وعرف بها ~~وعرفت به حقبة من الزمن. كان لجمال طبيعتها يد في طبعه على حب الجمال، فاستيقظت فيه ~~قريحة الشاعر العجيبة، فأرسل الشعر عفو الطبع، وهو لو شاء أن يكون حديثه كلاما منظوما ~~لاستطاع؛ كذا قالوا، ولكنه قول يصدق فيمن بلغ مجموع ما نظم ثمانين ألف بيت، وكلها من ~~الكلام الذي لا غبار ms050 عليه. # نشأ الأحدب في وكنات الكتاب، وما كان أكثرها في طرابلس، وأخذ لغة الضاد عن شيوخ ~~زمانه. حفظ كتاب الله فأولى كلامه مسحة رائعة من جمال البيان والبديع، وتبحر في العلوم ~~الدينية واللسانية، فصار حجة جيله في الفقة والتأويل والأحاديث المسندة، وكان له القول ~~الفصل حين تختلف الآراء في الفرائض؛ فيأخذ الميراث من يستحقه. # وكأن طرابلس قد ضاقت على الشيخ، فرحل إلى عاصمة الخلافة فأحله علماؤها صدور مجالسهم، ~~ثم زار مصر فلقي فيها الحفاوة والاحترام، ثم قفل إلى بيروت فكان محله من الأدباء ~~والمتأدبين محل القطب من الرحى، فخدم الوطن والآداب بمن علم وهذب وثقف، وبما ألف وأنشأ ~~وصنف من كتب جليلة كانت زاوية ضخمة في صرح النهضة الحديثة. وإذا كان لا بد لكل قرن من ~~ثالوث، تبعا للتقسيم التقليدي، فالشدياق والأحدب والأسير هم ثالوث الفصحى في القرن ~~التاسع عشر. # أخرج الأحدب ثلاثة دواوين من الشعر، وثمانين مقامة نحا فيها نحو الحريري، فلم يقصر ~~عنه بلاغة وصحة تعبير، وبارى الزمخشري في كتابه «فرائد الأطواق في أجياد محاسن ~~الأخلاق» فبزه أو كاد، وجارى ابن مالك، ولكن في غير نظم النحو والصرف، فنظم ببيان مشرق ~~الديباجة «أمثال الميداني» فجاء كتابه أنيق النظم والطبع، أخرجته المطبعة اليسوعية بحلة ~~قشيبة، فكان آية من آيات الطباعة في ذاك الزمان وهذا العصر. # وكأني بثقافة الشيخ العربية قد دفعته إلى إحياء آثار السلف، فعمد إلى تحقيق وشرح ~~رسائل بديع الزمان في كتاب سماه «كشف المعاني والبيان» فكشفت لنا حواشي الشيخ إبراهيم ~~عن أدب وظرف فيما حشى وعلق، فصار الكتاب كتابين، وكثيرا ما يحدث هذا حين تتقارب ~~الشخصيتان. # لم تكن في ذلك الزمان سوق تنفق فيها بضاعة الشعراء، فحدث ما يحدث عادة في القرى ~~النائية حين تهجم علينا الأثمار هجوم المستميت، فنحتار كيف نصرف وفودها المتدفقة فنعمد ~~إلى تهاديها. وهذا ما أصاب أدباء القرن التاسع عشر، فمدح بعضهم بعضا، وهكذا خلقوا ~~نوعا جديدا سموه «المراسلات»، وما هو إلا مدح شاعر لشاعر، كما مر، فكان لشيخنا الأحدب ~~في هذا ms051 الباب جولات عديدة. راسل شعراء عصره فأطراهم وأطروه، وحك لهم وحكوا له. هاك ما ~~كانوا يسمونه مراسلة، ثم قل لي بعدئذ إذا كان المتنبي وغيره قد بالغوا في المدح أكثر من ~~هؤلاء. قال الأحدب مخاطبا الشيخ ناصيف اليازجي حين أهدي إليه مجمع البحرين، فابتدأ ~~بالغزل كعادة الشعراء في ذلك الزمان، إلى أن قال مقرظا: # أبدى «الحريري» على خده ~~«مقامة» تنسي «بديع الزمان» # أقلامه في الطرس تبدي لنا # أغصان روض، أو فروع القيان # فقل علاه «مبتدأ» في الورى # من غير «أخبار» ودع ذكر «كان» ~~«والفرق دان» إنه في العلى # يقصر عن إدراكه «الفرقدان» # فانتفض ناصيف للإجابة مبتدئا بالغزل أيضا حتى قال: # في خدها نار المجوس التي # قام لديها الخال كالموبذان # أو «نار إبراهيم» مشبوبة # في مهج الحساد ذات الدخان # هذا «خليل الله» والناس في الد # دين وفي الدنيا فنعم القران # الشاعر الواري الزناد الذي # تحكي قوافيه عقود الجمان # ينسي جريرا نظم أبياته # ونثره ينسي بديع الزمان # يا خير من صام وصلى ومن # قام خطيبا وارتدى الطيلسان # وهكذا قعد شعراؤنا يتسلون بالترمس الأحلى من اللوز ... ولكن الشيخ الأحدب لم يكن وكده ~~هذا النوع من الشعر، بل كان يتطلع دائما إلى «الجديد» وإن لم يدركه أهل زمانه، فلأنهم ~~كانوا يدورون على قطب واحد من أنفسهم. # كان مارون النقاش أول من ألف في الفن المسرحي بلغة الضاد - كما سيأتي - فأعجب ذلك ~~أهل عصره فوقف الشعراء يتفرجون. أما إبراهيم الأحدب فأقدم ولم يقف. نظم مسرحية مدرسية ~~مؤلفة من ثلاثة فصول ضمنها الكثير من الفوائد، وقد طبعت عام 1285 وهي تبتدئ هكذا: يقف ~~المؤلف ملخصا موضوع مسرحيته، ثم يرفع الستار فيظهر اثنا عشر ولدا يتحاورون بما يلائم ~~سنهم، وتمشي الرواية. # ولم يقف الشيخ عند هذا الحد الأولي، بل تجاوزه إلى تأليف مسرحية أدبية موضوعها ~~ابن زيدون وصاحبته ولادة، وهي خليط من شعر ونثر مسجع. # أما قريحة الشيخ السيالة، فكانت كنهر بو علي الذي نشأ على ضفتيه كما قلنا. حدث ~~الرواة عنه: أنه كان يملي ما يقترح ms052 عليه القول فيه بلا توقف، وكثيرا ما كان ينظم ~~القصيدة الطويلة، ويرتجل الرسالة أو الخطبة في أي موضوع كان، فيبرز ذلك تاما صحيحا ~~بلا تكلف. # أما كتابه النفيس «فرائد اللآل في مجمع الأمثال»، فرفعه هدية إلى السلطان عبد ~~الحميد، وقد افتتحه كابن مالك في ألفيته؛ قال ابن مالك: # قال محمد هو ابن مالك # أحمد ربي الله خير مالك # وقال شيخنا: # يقول إبراهيم وهو ابن علي # أسير ذنبه طليق الأمل # ثم يتخلص إلى مدح السلطان فيقول: # فالقصد فيه عز كل مصر # عبد الحميد روح هذا العصر # ظل الإله الوارف الظليلا # من لم نجد لعزه مثيلا # أما الكتاب فهذا نموذج منه، والذي أضعه هنا بين هلالين، قد أخرجته المطبعة بالحبر ~~الأحمر، للدلالة على أن الأمثال - حتى في الشعر - لا تتغير عن مواردها: # دع طمعا يوقع في مأثم ~~«إن الشقي وافد البراجم» # وصن أمورا ذو الحجى واراها ~~«إن ورا الأكمة ما وراها» # لا تخل بالمرأة، واحذر التهم ~~«إن النسا لحم يرى على وضم» # على الفتى من نفسه دليل ~~«إن الغني ذيله طويل» ~~«عن مهجتي» هذا الشقي «أجاحش» # فإنه قد جاء وهو فاحش # ثم يختم هذا الكتاب القيم الضخم بنبذ منظومة من حديث النبي الكريم، وكلام الخلفاء ~~الراشدين وغيرهم. # وللشيخ أيضا نظم فتاوى شعرية، وله ديوان مديح لم يغفل فيه عن نظم الموشحات. لقد عرفت ~~شيئا من شعره التعليمي، ولعلك رأيت فيه شيئا لم تألفه؛ لأنك منه كمن يتفرس في متحف ~~فيقع نظره على أزياء يستغربها أو ينفر منها؛ ولهذا أحب أن تسمع شيئا من ديوانه ~~«النفح المسكي في الشعر البيروتي» قال متغزلا: # من لي بعطار أراني شامة # سوداء فوق الوجنة الحمراء # أمسى يبيع ويشتري أهل الهوى # في سوقه بالحبة السوداء # وقال في آخر: # خزنت بمالك لحظه جناته # أيكون مالك خازن الجنات # كلي عيون أن تجلى وجهه # فلذا أراه من جميع جهاتي # وقال أيضا: # عرجت في الحب ولهانا على رشأ # ما شأنه بين أرباب الغرام عرج # نبي عشق لعشاق الجمال أتى # لذاك فوق سماء ms053 الحسن منه عرج # وللشيخ أيضا «تواريخ»، وألغاز شعرية كما كانوا ينظمون في تلك الأيام. # وكأني أسمع من يقول لي: وأين هذا من غزل اليوم؟ فإلى هذا أقول: لكل زمان رجال، ويا ~~ويل الأمة إذا كان الأبناء والأحفاد دون الآباء والأجداد؛ فحسب الشيخ أنه أسمعنا كلاما ~~فصيحا في عهد كانت العجمة فيه تسوق الناس بعصاها، لقد عمل ما عليه، فلنعمل ما ~~علينا. # أما الشيخ يوسف الأسير، فولد في حجر بساتين صيدا، ثم انتقل إلى دمشق حيث أتم دروسه ~~الأولية، ورحل إلى مصر للتفقه في العلوم العقلية والنقلية، وعاد من الأزهر بعد سنين ~~فكان شاعرا وشيخ علم أكثر منه مؤلفا ومصنفا. شارك في بنيان هذه النهضة بتعليم ~~الكثيرين الفقه وغير ذلك من العلوم، أما تآليفه فأكثرها في العلوم، وقد عرفت من تصفحي ~~ديوان الأنسي أن للشيخ مسرحية عنوانها «سيف الأفكار». # كان شيخنا خفيف الروح، يستطرف مجلسه ويستظرف، وكان شاعرا كالأحدب وإن لم تكن له ~~غزارة مادته. شعره رائق فصيح، أكثره مدح حتى يكاد يكون ربع ديوانه في مدح صديقه أحمد ~~فارس. وللشيخ في النقد أشياء طريفة كتبها يوم دارت رحى المعركة الأدبية بين الشدياق ~~واليازجي والبستاني، فجلى الشيخ يوسف في ذلك المضمار منتصرا لحليفه الشدياق، وإن كان ~~الشيخ ناصيف قد امتدح ديوانه «الروض الأريض» قائلا: # أسير الحق في حكم تساوى # فما يدرى الحبيب من البغيض # إمام الشعر يبتدع القوافي # ويأمن دونها حول القريض # أصار ليوسف بيروت مصرا # تدفق بحر علم مستفيض # يقل له الثناء ولو أخذنا # قوافيه من «الروض الأريض» # وكأني بك تقول لي: والشيخ يوسف شاعر أيضا؟ نعم يا سيدي، فقلما تجد واحدا من هؤلاء ~~الجهابذة لم يقل الشعر، ناهيك أن الشيخ يوسف الأسير شاعر مجيد وفي ديوانه القصائد ~~والموشحات والمقطعات الحكمية، وهاك شيئا مما قاله في شعراء عصره: # خليلي كم قد جد في الناس شاعر # وليس له بيت من الشعر عامر # وأحسن شعر ما تراه مهذبا # بليغا به يلتذ باد وحاضر # به تطرب الأسماع من كل منشد # وتجري به الأمثال ms054 وهي سوائر # وللشيخ الأسير أبيات في وصف لبنان ونهضته الحديثة، بعد مذابح سنة 1860 التي عقبها ما ~~كان يعد استقلالا في ذلك الزمان: # ترى لبنان أهلا للتهاني # فقد نال الأمان مع الأماني # وأضحى جنة، من حل فيه # قرير العين مسرور الجنان # وجدت للعلوم به دروس # وكانت في الدروس وفي التواني # وللأخبار قد وجدت سلوك # 1 # كذلك طبع ذي الصحف الحسان # وللشيخ أيضا رسائل نثرية وشعرية، وتلك خطة كان لا بد للأديب من ركوبها في ذلك ~~الزمان. ~~(2) عمر الأنسي # قال شيخو: «ولما كانت مصر تفتخر بطهطاويها، والعرق بأخرسها، كانت بيروت تأنس بأنسيها. ~~قلدته الحكومة السنية عدة مناصب؛ كنظارة النفوس في لبنان، وعضوية مجلس بيروت، ومديرية ~~حيفا، ونيابة صور، فتقلب فيها كلها وأظهر فيها دراية وعفة نفس وعلو همة.» # 2 # ويقول جامع ديوانه - وهو ابنه الدكتور عبد الرحمن - إنه جمع من ديوان أبيه ما عثر ~~عليه، وبعد أن نقحه ما استطاع رتبه على حروف الهجاء تاركا ما كان في الهزل إلا ما نزر ~~من الملح جلبا للأنس وترويحا للنفس. # 3 # فليت الدكتور ترك لنا ديوان أبيه بعفشه ونفشه؛ لتبدو لنا نفس الشاعر المرحة كما خلقت. ~~فلولا الترك والشدياق لم تبن للأدب سن في هذا العصر، حتى خلنا أن الضحك محرم على ~~هؤلاء، إن شعر الأنسي رصين التعبير، بريء من الركاكة. قال الشعر المدحي مثل معاصريه، ~~مهتديا بالصناعة اللفظية التي كانت نجمة قطب الشعراء. قال كرامة قصيدته الخالية، فقال ~~الأنسي قصيدة أطول منها، قافيتها لفظة «العين»، وهي في مدح الأمير أمين أرسلان، وهذا ~~مطلعها: # خذي من ودادي العين يا قرة العين # ومن عبد عين ما رأى منك من عين # ولا تبعديني عمد عين، فتشمتي # وشاتي، وتغري في الملامة بي عيني # ثم يطلع الأنسي علينا بمعجزة لفظية جديدة، فيقول قصيدة من أبحر متعددة، وقواف مختلفة ~~تنقل منها مطلعها: # يا للهوى من لصب لم ينل أربا # عطفا على مستهام رق وانتحبا # ولك أن تقول في الصدر: «أملا» أو «وطرا» بدلا من «أربا»؛ إنك تجد القوافي ms055 مهيأة ~~أمامك طبعة للسانك، فاختر ما تريد. وهكذا تصير هذه القصيدة الطويلة مثلثة القافية ~~متعددة الأوزان، فحكم ذوقك واقرأ ... وإذا أردت حسابا أدق من حسابي هذا فراجع مشاهير ~~القرن التاسع عشر، # 4 # تعلم أن هذه القصيدة تستحيل تسع عشرة قصيدة وأكثر، وتقر معي أن عصر النهضة ~~هو عصر المعجزات. # ليس هذا ما يعنيني من الأنسي فهو في كل ذلك كغيره من الرواد، ولكن شيئا لم يبد له ~~أثر في شعر هؤلاء قد رأينا أثره واضحا جليا في شعر الأنسي، فلو أبقاه لنا ولده ~~لعثرنا على كنز من الهجاء جزيل؛ فالأنسي هجاء رواد هذه الحقبة، ولعله هو الذي أوحى ~~ما قيل في الشاعر إلياس صالح، كما سيرد في حينه. قال الأنسي في قهوجي اسمه هلال: # تعس الهلال القهوجي لأنه # قد قطع الأنفاس من «أنفاسه» # 5 # هذا الهلال هو الهلاك، وإنما # غلطوا ولم يضعوا العصا في رأسه # كان شيخنا يدخن النارجيلة كما يستدل من بيته الأول، والمولع بها يولع طبعا ~~بالقهوة؛ حتى يرى إساءة طبخها والبخل بالبن كفرا لا غفران له؛ ولهذا قال الأنسي يهجو ~~قهوة أحدهم: # سحقا لقهوة من أمسى يجود لنا # بقهوة من سحيق الفحم سوداء # سوداء صفراء، يبدو من فواقعها # ريح يهيج سودائي وصفرائي # ما خلت من باسط كفا ليشربها # إلا كباسط كفيه إلى الماء # وقال في أقرع: # رأيت أقيرعا في الرأس منه # عجيب بات يخفيه ويبدي # يغطيه فيستر سلح هر # ويكشفه فيظهر إست قرد # ومما قاله في هجو بيت وصاحبه، وهي طويلة جدا، مع أن ابنه يقول: حذفت منها جملة ~~أبيات: # حتى وصلت لداره، لا حييت # طللا، ولا رحبت فنا ومعرسا # فنظرت بيتا لا أشك بأنه # بيت الخلاء لمن يريد تنفسا # تتسابق الجرذان في عرصاته # زمرا تنوع جيشها وتجنسا # وبه العناكب طالما قد خيمت # أو طنبت حتى تستر واكتسى # بيت تجاوره القبور وما به # من يستحق إذا قضى أن يرمسا # فيه الذباب تنوعت ألوانه # ملأ الفضا لو رام أن يتشمسا # وبعد أن قلب ذلك الرجل على نار هجائه ms056 حتى صار كسفود النابغة، ختم كلامه بقوله ~~له: # كلفتني نظم الهجاء ولم يكن # دأبي، ولكن الأسى لا ينتسى # ولقد أتتك فريدة لو شابها # إبليس يا ابن الأرذلين تبلسا # قابلت طولك يا بليد بطولها # بل ليس موضوع هناك فيعكسا # وتعجرفت ألفاظها بمعجرف # فهي العملس حيث كنت غملسا # لكن معناها أرق من الصبا # لطفا لدى من بالقريض استأنسا # لقد صدق الشيخ في وصف قصيدته، ففيها الكثير من الألفاظ الغريبة الخشنة، ولهذا قدم ~~أحسن العذر بين يديها، فكأنه ابن الرومي حين اعتذر لصاحب المهرجان عن خفة الأوزان بأشرف ~~المعاني. # ونلحق بهذا الباب من شعره بعض أبيات من قصيدة قالها في رثاء برذون: # كديش كان ذا صبر إذا ما # رماه الجوع بالأمر العسير # وكان إذا ألم به اضطرار # لأجل التبن يقنع باليسير # وكان يود لو في العمر يوما # رأى في نومه طيف الشعير # توفي وهو في ضنك ينادي: # أليس لمستجير من مجير # رمته يد الخطوب فصيرته # طعاما للوحوش وللطيور # فيا أسفي ويا كدري وحزني # على عنق حكى عنق البعير # ويا أسفي على كرش عريض # رمته يد المجاعة بالضمور # فكم سوط له صوت عليه # وندب في الأصائل والبكور # وأقلام العصي لها صرير # بطرس أديمه فوق السطور # لقد نشبت مخالبها المنايا # به فرأى الحياة من الغرور # وقد أوصى لصاحبه برحل # وجل أخلقته يد الدهور # وأوصى بالحزام له ولكن # ليلبس كالوشاح على الخصور # وأوصى بالزمام وكان ممن # يرى حفظ الذمام إلى العشير # قلنا إن شيخنا كان يدخن النارجيلة، وها نحن نقرأ خمسة أبيات قالها بلسانها فنكتفي ~~بثلاثة منها للدلالة على إبداعه: # قالوا تحملت نيرانا فقلت لهم: # النار في حب من أهوى ولا العار # شهرت حتى غدت تعشو السراة إلى # ناري، ولي بمزيد الفضل آثار # فها أنا مثل «صخر» حين قيل به: # كأنه علم في رأسه نار # كان مجلس الشيخ الأنسي - كما أرى في شعره - مجلسا حافلا بالأنس، تستهوي صاحبه ~~الطرافة فيصفها بكل طريف؛ فاقرأ هذين البيتين من قصيدة بين بين في الطول بنى «عروضها» ~~على السين، و«ضربها» ms057 على الثاء؛ لتكون محاورة طريفة بينه وبين ألثغ اسمه سليم. قال ~~الشاعر: # أقول له: يا بدر مالك عابسا! # يقول دلالا: إنني بك عابث # فقلت: وما للطرف أصبح ناعسا! # فقال هو الفتان للعقل ناعث # ثم يمضي في هذه القصيدة بين قلت وقال ويقول ، حتى يقول عشرين بيتا مطبوعة على هذا ~~الغرار، وأظنه مبتدعا في هذا غير متبع أحدا، أما في الغزل فله تفنن قصصي من نوع آخر. ~~قال: # لثمت يد المحبوب يوما فقال لي # على خجل: حوشيت يا علم المجد # مقامك أعلى أن أراك مقبلا # بجسمي غير الجيد، والثغر، والخد # فقلت أرى إحياء نفسي بقبلة # برجلك أولى من هلاك أخي الوجد # وما أنت إلا كعبة الحسن حيثما # لثمتك نلت الأجر يا غاية القصد # فأعجب حتى قال: سبحان من برى # لنا دولة مولاي أضحى بها عبدي # وللشيخ أحاجي كما لشعراء زمانه، وله غير ديوانه الشعري رواية تمثيلية عنوانها «كشف ~~الظنون عما جرى بين الأمين والمأمون» دلنا عليها ذكره لها في ديوانه. # هذا هو الرائد الأنسي الذي ابتسم معه الشعر في القرن التاسع عشر، كما ضحك مع الترك ~~قبله. ~~(3) القاسم الكستي # كل هؤلاء الرواد من الملتين إن لم يكونوا تلاميذ «مدرسة تحت السنديانة» فهم تلاميذ ~~مدرسة تشبهها، فلا حاجة إلى التكرار والمراجعة، والشيخ الكستي، كفطاحل زمانه شاعر له ~~ديوانان: مرآة الغريبة، وترجمان الأفكار، وله أيضا رواية تمثيلية عنوانها: «حكمة ~~الأفكار» يدلنا عليها تقريظ لها في ديوان الأنسي. # وللشيخ الكستي أراجيز طويلة أشهرها مقصورة كأنه يعارض بها المقصورة الدريدية في ~~حكمها، والكستي يجاري صديقه الأنسي في مواضيعه، فيقول أرجوزة فكاهية في وصف الملوخية، ~~منها: # خيوطها بيضاء كاللجين # تظهر كالصبح لذي عينين # لو أنها قد نبتت في اللد # يشمها من في بلاد الهند # إن ملئت بها بطون القصع # تشرقها الأبصار قبل البلع # ترى عليها كثرة الملاعق # تقرع بالأسنان كالصواعق # كانت للقمان الحكيم مأكلا # وجوفه لها استقر منزلا # وكان يوصي سائر الأطبا # بقراط أن يستعملوها شربا # كذا ابن سينا قال في القانون # لا تبخلوا بها على ms058 البطون # وخصها بالذكر أفلاطون # وقال منها يصنع المعجون # وكما بارى الأنسي ابن الرومي في الهجاء، رأينا شيخنا الكستي يباريه في وصف المآكل، ~~ثم يتفق مع الأنسي في رثاء العجماوات، ولكنه لا يرثي كديشا بل كنارا، ولا يهجو صاحبه ~~كالأنسي بل يعزيه، وهاك بعض ما قال: # يا صاحبي عزيت بالكنار # فإنه من أحسن الأطيار # ما مات من جوع ولا من قله # لكن رماه ريشه بعله # عليه لا تحزن وكن صبورا # والتزم الشكر تكن مأجورا # لو كان يفدى بالنفيس الغالي # فديته من طارق الليالي # لكن إذا ما حدث الموت نزل # لا ينفع الحزم، ولا تغني الحيل # عوضك الرحمن عنه طيرا # يكون بالتغريد منه خيرا # ويصف شكل ذلك الكنار، فيقول: # ذو ذنب فاق، ولله العجب # على اللجين وهو بالحسن ذهب # مزين بالتاج كالطاووس # ملون الرداء كالعروس # لله حسن ذلك المنقار # من ذهب قد صيغ لا من قار # قد كان في الدنيا من الزهاد # ملازم الخلود بانفراد # وعاش محبوسا ولم يشك الضجر # حتى أباده القضاء والقدر # فإنني أهدي إليه الفاتحة # وإن يكن من الطيور الصادحه # أشهد أنني شممت رائحة شعراء «يتيمة الدهر» في هذا القريض - رحم الله من قاله. ~~(4) محمود قبادو والدحداح # رشيد الدحداح: رائد هاجر فأفاد الأدب من هجرته، كان كاتبا شاعرا من طراز معاصريه ~~فصار كاتب سر الأمير أمين ابن الأمير بشير، ثم هاجر فاستحال تاجرا في مرسيلية، ~~وأدركته حرفة الأدب كهلا فأنشأ جريدة برجيس باريس، ونشر معجم المطران جرمانوس بعدما ~~أصلح ما أفسدته فيه يد النساخ، ثم نشر أيضا شرحي ديوان ابن الفارض للشيخين الصوفيين ~~البوريني والنابلسي، وهو أول من نشر بالطبع كتاب فقه اللغة، وله كتاب قمطرة طوامير مع ~~كتب أخرى. # ومتى ذكرت «القمطرة» تداعت الأفكار، فذكرنا اسم السيد محمود قبادو التونسي صديق ~~الدحداح الذي نشر له في القمطرة تصديره وتشطيره - ارتجالا - القصيدة المنسوبة لبشر بن ~~عوانة: أفاطم لو شهدت ببطن خبت. # لقد أحسن الكونت رشيد الدحداح تقديم صديقه الشيخ محمود إلى القراء قبل نشر التصدير ~~والتشطير. ليست القمطرة عندي ms059 لأنقل تلك المحاورة الطريفة، ولكني أذكر العبارة التي ~~اعتذر بها قبادو عن ركوب هذا المركب الخشن، قال قبادو: قريحتي صدئت، فأجابه الدحداح: ~~اجلها بالنظم، فقال: اكتب إذن على خيرة الله، ثم كان ذاك التشطير فتكافأ الشاعران ~~قبادو وابن عوانة، وزاد عليه رائد النهضة تصديره الجميل، والناس يذكرون عن قوة ذاكرة ~~قبادو مثل ما ذكروا عن أبي العلاء. # ولهذا الشيخ ديوان كبير جمعه تلميذ له في جزأين، وهو من أصحاب «المعجزات التاريخية»، ~~وقد فاتنا أن نشير إليه مع أصحاب تلك الخوارق، في مقال «التأريخ الشعري». ~~(5) يوسف الشلفون # رائد متسلسل من جد حكم ساحل لبنان تحت ولاية الأمير بشير، وقد أصدر أربع صحف: ~~الزهرة، والنحلة، والنجاح، والتقدم، بالاشتراك مع المطران الدبس، ثم إسحاق، وصابونجي، ~~وأنشأ المطبعة الكلية. # له ديوان عنوانه «أنيس الجليس» قال أكثره في مدح ذوي السلطان، وكبار أولي الأمر في ~~زمانه، وقد «راسل» أدباء وشعراء عصره. أما غزله فأراه يقلد فيه معاصره الشاعر خليل ~~الخوري، فهو يقول مثله، وإن قصر عنه في الإبداع: # هي العيون وإن تسأل هي الأجل # لم تبق صبا وما في قلبه وجل # يا دولة حاجبها ناظران لها # قرت لسطوتك الأيام والدول # ويذكر لبنان مثل خليل، ولكنه لا يبلغ شأوه في وصفه، ولا بدع في تقصيره فقد كان - أولا ~~- عاملا في مطبعة الخليل كمنضد حروف ومصحح مسودات. # وقد حاول كغيره من «الرواد» اجتراح العجائب البيانية فنظم قصيدة تقرأ من الكامل ~~ومجزوئه، وله أيضا موشحات. وقد نظم «تواريخ» من ذوات الطلق الواحد ...! # | فجر التجديد # (1) خليل الخوري # هو أول رواد التجديد، وقد تناساه الناس كما تناسوا سواه من السلف الصالح. ليس الأدباء ~~بأقل بأسا من الملوك الذين اعتادوا هدم آثار من سبقوهم؛ ليبنوا بحجارتها قصورا ~~يحملونها اسمهم زورا. فلو كان للشدياق والخوري أسباط لما أهملهما لبنان هذا الأهمال ~~المخزي، ولما اسودت وجوه عند ذكر الأول منهما. # يقول لك بعضنا اليوم: ماذا عمل عمرو، وأي أثر يؤبه له تركه زيد؟ ماذا عمل هؤلاء الذين ~~تعدهم لنعتد بهم؟! # صه، أيها المغرور ms060 الأحمق، أما ترك لك أبوك وجدك بيتا كان معدودا في زمانه، فماذا ~~تطلب منه أكثر؟ افتح أنت بابا، بل شباكا، بل طاقة في ذلك البيت، ثم عد إلى اللوم ~~والنعي، ضع فيه على الأقل حجرا يبقى إن كنت ذلك الرجل، زد على قامة بيت الأمة الأدبي ~~ولو شعرة ثم قل ما شئت. # يظن من أعمى أعينهم الغرور أنه لم يفكر أحد قبلنا في إنعاش الأدب، ونفخ الروح فيه، ~~فيرون أن كلماتهم الملفقة خلقت الأدب العربي خلقا جديدا، وأن من سبقوهم لا يستحقون ~~أن يحلوا سير حذاء زارتوسترا - كما قال نيتشه - يوم كان مجنونا غير مشهور ... # قالوا «لكل عصر رجال» والقول حق، فالذين مروا على الطريق قبلنا عملوا ما عليهم، فما ~~علينا نحن إلا الاعتراف بذلك تشجيعا لسواهم من العاملين اليوم، أقول هذا بمناسبة ~~الكلام عن الشاعر خليل الخوري أبي الجريدة العربية الأهلية. # ولد خليل في الشويفات عام 1836، وتلقى العلوم في مدارس زمانه، ثم على أساتذة خصوصيين. ~~قال الشعر فكان طريقه إلى أبواب الولاة، فمكنوه من إصدار أول صحيفة عربية أهلية هي ~~حديقة الأخبار، ثم أحدث إلى جانبها مطبعة تطبعها سماها المطبعة السورية. # طرب المعلم بطرس البستاني الأول لصدور هذه الجريدة ومطبعتها، فقال في خطابه «آداب ~~العرب» الذي ألقاه عام 1859 في الخامس عشر من شباط: # ومما لا يشوبه ريب أن الجرنالات من أكبر الوسائط لتمدن الجمهور، وزيادة عدد ~~القراء إذا استعملت على حقها. والأمل أن هذه الفتاة - المطبعة السورية لحديقة ~~الأخبار - التي هي أول مطبعة عربية خصصت بالجرنالات تتقوى، وأن أتعاب ~~مالكها ومديرها العزيز خليل أفندي الخوري تكلل بالنجاح، فيخلد ذكره عند أبناء ~~الوطن كفاتح لهذا الحصن الحصين الذي غفل المتقدمون عن فوائده، وكأني به ~~واقفا على شاطئ البحر الكبير الفاصل بين العالم القديم والعالم الجديد، يستشرف ~~تارة على الجديد ويلحظ أخرى إلى القديم، ولدى انتشار ديوانه الموسوم «بالعصر ~~الجديد» الذي أفرغ فيه الشعر القديم في قالب جديد يتضح المعنى المقصود. # 1 # أشاد البستاني بذكر خليل الخوري، ودل على فضله ms061 الأسبق في حقلي الصحافة والشعر، وترجى ~~له خلود الذكر كفاتح أدبي، ولكن الخليل خلد في شعره لا في نثر جريدته، وقد كان في ~~استطاعته ذلك؛ لأنه لم يكن في الشرق يومئذ إلا الصحف الحكومية، ولكن سياسة إرضاء الدولة ~~العلية كانت أقصى أمانيه، فرتع في النعم الشاهانية، وتقلب في مناصب عديدة محترمة، ونال ~~أوسمة كثيرة من الأستانة، وغيرها من العواصم. # لم يبرز خليل في النثر لأنه لم ينصرف إليه، فهو شاعر أولا، بل لا يعنيه إلا الشعر ~~الذي كان سلمه إلى المناصب. ومن عثر على دواوينه العديدة النادرة الوجود وأجال فيها ~~نظره رأى في: زهر الربى في شعر الصبا، والعصر الجديد، والنشائد الفؤادية، والسمير ~~الأمين، والشاديات، والنفحات؛ مدحا كثيرا لرجال الدولة وغيرهم. # أما ما يعنينا نحن - اليوم - فهو التجديد الذي أشار إليه المعلم الأكبر بطرس ~~البستاني، والذي قال ناصيف اليازجي في مدح قائله: # يا هلالا قد أرانا # في الدجى وجها جميلا # سوف نلقى منك بدرا # كاملا يدعي «خليلا» # وعندما بزغ فجر القرن العشرين كنا لم نزل على مقاعد المدرسة، نسمع الجديد ولا نراه ~~إلا في شعر اثنين: خليل الخوري، وفرنسيس مراش. فالمراش، وهو المقتفي آثار خليل الخوري ~~في ديوانه «العصر الجديد»، سوف نصف آثاره البديعة على ما فيها من ضعف لغوي، أما خليل ~~الخوري فهو أسبق وأطرف وأمتن عبارة، وألطف أسلوبا. إنه - بلا منازع - أول من أفرغ ~~الشعر القديم في قالب جديد. أمده في ذلك خياله الخصب فخلق صورا رائعة، ثم ظل السراج ~~الوهاج يرسل نوره حتى انطفأ عام 1907 في 26 تشرين الأول. # امتدح البستاني ديوان العصر الجديد، فماذا في هذا الديوان الذي أطريناه نعتا؟ كان ~~يقال الشعر قبله إما حكمة، وإما زهدا، وأكثره كان مديحا ورثاء، فلم يترك خليل الخوري ~~المديح، ولكنه فعل ما لم يفعله غيره من قبل، فقال القصائد الطريفة في مواضيع مستقلة، ~~وإذا لم يبلغ فيها شأو الشعراء العظام فصاحة وبلاغة، فحسبه أنه كان رائد الجديد الأول ~~في إبداعه. # في ديوان العصر الجديد قصائد غراء أخرجت ms062 الشعر من الصيرة التي زرب فيها أدهارا ~~وعصورا، وإن كان جله في مدح السلاطين العظام، والوزراء الفخام، والوجهاء الكرام، أعجب ~~هذا الشعر أعلام ذلك الزمان لأنه لم يكن للشعر العربي عهد به من قبل، فأثنوا على قائله، ~~وإذا تصفحنا هذا الديوان برزت لنا قصيدة عنوانها «الغرام » ثم قصيدة «الخداع» التي منها ~~هذا البيت: # إن ابتسام الثغر يذهب باطلا # إن كان قلبك عابسا لم يبسم # ثم «وداع الغرام»، ولكن الشاعر لم يودعه إلا ليعود إليه في قصيدة «الفجر»؛ لأن ~~العاشقين كما قال أبو نواس: # كأهل النار إن نضجت جلود # أعيدت للشقاء لهم جلود # فها هو الشاعر في قصيدة «زيارة الدجى» ينادي حبيبته: # قومي افتحي الباب غيري ليس يقرعه # فإنما خشية الإقدام تمنعه # ويظهر أن بيت هذه الفاتنة الحسناء كان على سيف البحر، فتأمل كيف يغريها شاعرها بتلك ~~الليلة الحلوة؛ إذ يقول لها: # فاصغي به لحنين البحر منتحبا # كأنه يشتكي بينا يروعه # والشط مد ذراعيه على ظمأ # يعانق البحر والأمواج تصفعه # تلقى على صخره الفضي موجته # وتنثني بعدما بالقرب تطعمه # كغادة صادفت محبوبها فغدت # تدنو إليه دلالا ثم تمنعه # ثم ينتقل إلى وصف السفينة، ويشبه شراعها بالإزار، وإلى السماء ونجومها الغمازة ~~البسامة راجبا أن تنشط تلك الحبيبة؛ حين تسمع وصف هذا الجمال. # ولم يحرم الشاعر لبنان من قصيدة رائعة جسدها خياله، وأروع ما فيها هذا البيت ~~المبتكر في وصف الأرز: # يا صفحة بقيت لهذي الأرض من # أصل الكتاب ترى بها الأسفار # ألا ترى مثلي أن بيت شوقي: # هذا الأديم كتاب لا كفاء له # رث الصحائف باق منه عنوان # ينظر إلى بيت الخليل؟ ثم يصف الشاعر عواصف الجبل المجنونة، ويأتي على ذكر سوريا وصور ~~وصيدا وبعلبك التي درس الكثير من معالم مجدها ليستطرد قائلا للبنان: # وبقيت وحدك أنت منتصبا على # هام العظائم تحتك الأدهار # هل حلت عن قدم الثبات مشيعا # إذ أشغل الرومان عنك سفار # وهل ارتعدت مروعا لما سطا # بالروم ذاك الصارم البتار # كأن شاعرنا قد نظر في الأمس إلى ما رأيناه ms063 نحن أول من أمس، وفي هذا قال رئيس لبنان ~~الشيخ بشاره الخوري، في ختام إحدى روائع خطبه: الحكومات تزول، ويبقى لبنان. # ثم ينقلنا الشاعر إلى قصيدة عنوانها «الاشتباك» فندعه وشأنه؛ لأن للمصلح ثلثي ~~القتلة ... ويدهش البخار شاعرنا؛ فيقول قصيدة عنوانها «معجزات العصر» يصف فيها قدرة العقل ~~البشري على الخلق. أما شعراء اليوم فيرون أكثر مما رأى الخليل فما يخف وقارهم كما خف ~~وقاره، ويظلون ساكتين لأن الذهب خير من الفضة ... # قيل إن المنصور عندما مات ابنه طلب من ينشده: أمن المنون وريبها تتوجع، فلم يجد في ~~حاشيته من يعرفها فقال: إن مصيبتي بابني أهون علي من هذه المصيبة؛ فإلى شعراء اليوم ~~نحول هذه الكلمة ليفكروا فيها. # ثم يأسف الشاعر لتأخر الشرق، ولكنه يعود إلى غزله فيقول قصيدة عنوانها «العهد»، وأخرى ~~عنوانها «البعاد»، ثم ينظم قصيدة طيبة عنوانها «الحلم» يهديها إلى الخواجة إسكندر ~~التويني، الذي صار فيما بعد بمقام وزير الخارجية في عهد المتصرفية. ليس في هذه القصيدة ~~شيء من المدح، بل كلها غرام وعبرة، وما للتويني فيها غير الإهداء. وهناك قصائد أخرى من ~~هذا الطراز المعلم لا يتسع المجال للإلمام بها. ويخص الشاعر «البدر» بقصيدة فيها التخيل ~~والخلق الرائعان، ويتبعها بقصيدة عنوانها «المحب المغدور»، وليس هو أول سار غره قمر ~~... وبعد أن تاب توبة نصوحا في هذه القصيدة سمع صوتا، فقال قصيدة عنوانها «اليقظة»، ~~وهذا مطلعها: # أصوتك أم صدى عود يعاد # وأنت أم الملاك له ارتياد # ثم ينثني فيقول قصيدة طويلة النفس كقصائد ابن الرومي يهديها إلى التويني أيضا، ويخصه ~~ببضعة أبيات في ختامها، ثم نظم في مدينة صور قصيدة طويلة أيضا حتى قال بلسانها: # ما كان لي أبدا نظير في العلى # والآن ما لي بالخراب نظير # هذا مؤسف، والثابت وجه الله، كما يقول إخواننا الدروز. ويصف ليلة في لبنان، وما قصده ~~فيها إلا وصف لبنان الذي يذكر كل شيء من شئون الأمس إلا عباقرته. # لقد أفضت فى الكلام عن «العصر الجديد»؛ لأن فيه خيرات كثيرة، فلنترك، ولو قليلا، ~~لأحد ms064 دواوينه الآخر وعنوانه «الشاديات» فنخص بالذكر رائعة خالدة فاقت بخيالها العجيب ~~«حديقة الشعر» لابن الرومي، وأرتنا أن القائل: ما ترك الأول للآخر، قد كان واهما؛ فمتى ~~وجدت الإرادة كان الإبداع، وها هو الخليل يقص علينا أحسن القصص في قصيدة «الرمان ~~والعناب»، فتضج بالحياة التي لم نر لها أثرا في حديقة ابن الرومي. قال: # ما بال صاحب ذا البستان قد علقا # بربة الحسن يبدي الغيظ والحنقا # ما باله انقض من هول الهموم على # تلك الغزالة كالصياد وانطبقا # هيا اسرعوا لنرى ما ثار بينهما # من الخصام الذي قد أوجب القلقا # أراه مشتبكا معها بمعمعة # كطالب الثأر للغارات قد سبقا # معلقا برداها وهو يصرخ يا # أهل الحمية، إن الروض قد سرقا! # يا لصة غافلتني وهي مائسة # بين الغصون تناجي الزهر والورقا # سرقت ويحك رماني ومنه لنا # قوت العيال الذي ألقى به الرمقا # وقد سرقت لي العناب معه وذي # أيديك قد حملت من حبه طبقا # وكانت معركة كلامية حامية الوطيس بينهما، وظل البستاني مصرا على أن الفتاة تخبئ ~~رمانة في عبها، وعبثا حاولت الفتاة إفهام من لا يفهم، بل ظل يصيح: # ردي علي ثماري لست أتركها # أو لا فأرجع مالي كيفما اتفقا # فغضبت الحسناء غضبة مضرية، واحمرت وجنتاها من الغيظ، ثم: # قالت له: ويك. لا تمدد إلي يدا # إذا سرت نحو صدري كسرها سبقا # وبعد كد الذهن اهتدت تلك الحسناء إلى برهان ذي حدين، فقالت للبستاني: # هل عندك الورد في البستان أسرقه # صبحا، وأنشر منه للملا عبقا؟! # فقال لا ورد عندي والربيع مضى # وما تريدين من ورد إذا سرقا! # فدلته على الورد - في خدها - فشده المغرور، وفارقه ذلك العناد: # فقال ويحي لا رمان كان ولا # عناب سبحان بارينا الذي خلقا! # أما الفتاة: # فاستضحكت ثم سارت وهي قائلة # الحسن يدهش في أنواره الحدقا # والله ما سرقت كفاي في زمني # إلا العقول وإلا القلب منسحقا # هذا هو شاعرنا واضع الحجر الأول في صرح تجديد الشعر المعاصر بعدما أقوى، وطال عليه ~~سالف الأمد، قال أطرف شعره في ms065 منتصف القرن التاسع عشر، وظل يقول حتى مات في صبح القرن ~~العشرين، وكيف يموت من تردد له الألسن مثل هذا البيت: # هاتوا المطارق إن قلب حبيبتي # أمسى حديدا فاضربوا ليلين لي ~~(2) فرنسيس مراش # كان فرنسيس المراش على قصر عمره زعيما أدبيا ترك دويا، إن لم يكن في الدنيا، كما ~~أراده أبو الطيب المتنبي، فقد «بلغ الفرات زئيره والنيلا ...» وكيف لا يسوغ لي أن أستعير ~~له وصف المتنبي لأسده، وهو الذي اجترأ على نشد الحرية يوم كانت الأفواه مكمومة، ~~والخزامة في الأنوف والشفاه، وسيأتيك الخبر حين نتكلم عن «غابة الحق». # قلت إنه زعيم أدبي قبل أن أعرفك به، كما هي الخطة عند من يكتبون عن الأدباء، أظن أنك ~~تعرفني فمن طبعي أن أسير في أبحاثي كما يشاء القلم فهو الذي يسيرني ولست أنا الذي ~~يسيره. # أما زعامة المراش الأدبية - على وهن عبارته - فبرهاني الأول على إثباتها هو هذه ~~الذكرى التي مر عليها نحو نصف قرن، وهي تستحق احتفالا بيوبيلها الذهبي. كان ذلك عام ~~ألف وتسعمائة، وكان أستاذ اللغة العربية يلقي علينا آخر درس من دروس ذلك العام، فقال ~~لنا في ختامه: التلميذ كالبيت يحتاج إلى مئونة، ومئونة من كان مثلكم الكتب، فإذا أردتم ~~رسوخ القدم في الإنشاء؛ فاقرأوا نهج البلاغة، والدرر لأديب إسحاق، وكشف المخبا، وكنز ~~الرغائب لأحمد فارس الشدياق، ومشهد الأحوال، وغابة الحق لفرنسيس المراش. المراش يا ~~أولادي، شاعر كاتب مجدد، ولكي يهتدي الواحد منكم إلى ذاته ويكون شخصيته يجب عليه أن ~~يقرأ هذا وهذاك، ومن قراءة الكتاب المختلفين تظهر الذات، وما نفع كاتب أو شاعر بلا ~~ذاتية. # إنني أقف عند هذا الحد من كلام أستاذنا، فقد كان وقت درسه ساعتين، فودعنا بالكثير ~~من الوعظ؛ لأنه كان خائفا أن نضيع في الصيف اللبن، ونعود إليه وقد نسينا ما شقي هو ~~في تلقيننا إياه من فرائد. تركنا المدرسة في العاشر من تموز، وكدت لا أصدق أنني أطللت ~~على الضيعة. تسعة أشهر ونصف مرت، ولم أر لها صورة وجه. قل وصلنا بالسلامة، ms066 ورأيناها ما ~~زالت حيث كانت ... وكما كانت ... فالقرى أشد محافظة من كل الذين يزعمون أنهم ~~محافظون. # وكانت السهرة في بيتنا تلك الليلة، أما في الليلة التالية فكانت في بيت عمي لحا. ~~فعمي هذا ذاهب إلى بيروت، ولم تكن الرحلة إلى بيروت هينة في ذلك الزمان. سوف ينام ~~الليلة القادمة في جونيه إذا عجل، ويتابع في الغد سيره إلى بيروت التي لا يعود منها ~~قبل أسبوع. فالطريق وحدها تقتضيه أربعة أيام، تلطف ذاك العم وسأل ابن أخيه عما ~~يتمنى من «المدينة» فأجبته على الفور: كتابين يا عمي: مشهد الأحوال، وغابة ~~الحق. # وكان الوالد ينتظر أن أطلب من عمي شيئا له قيمة وشأن. فهز برأسه كعادته في تلك ~~المواقف الحرجة، وقال: غابة وحق يا صبي! الحق ضائع في العلالي والقصور فمن يجده في ~~الأحراش! أما العم فرأى أخاه غير مصيب - طبعا لأن الطلب هين، فأنزله حالا في دفتره ~~ذي الغلاف الأسود اللامع، وسكت الوالد، وسكت أنا، أما العم فقال: أين ألاقيه؟ ~~- في المكتبة العمومية لإبراهيم صادر وأولاده. # فأجاب، وهو يزج دفتره في عبه: عرفته. # وبعد العود الميمون من تلك الرحلة السندبادية جاء الكتابان، وغرقت فيهما إلى أذني، ~~وقرأت لونا جديدا وذكرت معلمي الجليل بالخير. # ففرنسيس مراش حلبي؛ وعن حلب الشهباء أخذ لبنان لغة الضاد، وأعطاها ما عرفه في القرن ~~السابع عشر من لغات أجنبية، وهكذا لقحت الثقافة الضادية بدم جديد منذ ذلك العهد. ذكرت ~~هذا لأن له الأثر البارز في ما كتبه المراش. # المراش ابن بيت علم، وللبيت أثره في الأولاد عندنا، فبيت العلم يخرج العلماء، وبيت ~~الصناع يخرج صناعا حاذقين، ففرنسيس هذا من أسرة مثقفة، أبوه تاجر له من العلم نصيب، ~~وأخوه عبد الله عرف بالفضل والأدب، وقد زار مكاتب أوروبا فلندن وباريس ونسخ منها آثارا ~~عربية أعجبته، ورأى فيها فائدة لأبناء جنسه الناطقين بالضاد. وأخته مريانا شاعرة كاتبة. ~~ففرنسيس إذن ابن بيت يذكرنا ببيت زهير وجرير مثلا. # ولد بمدينة حلب، واعتل بصره في الرابعة من عمره، قال الشعر وهو ابن ms067 تسع كما رووا عنه ~~وعن أديب إسحاق وغيرهما، ولما حذق العربية شاء أن يكون طبيبا؛ فتلمذ لطبيب إنكليزي ~~بحلب، ثم طمح في أن يكون طبيبا قانونيا؛ فرحل إلى فرنسا طالبا هذا العلم، وقد حدثنا ~~عن سفرته في رسالة عنوانها «رحلة باريس». وصف في هذا الكتاب الطريق التي قطعها بين حلب ~~والإسكندرونة وصفا دقيقا رائعا؛ أقول هذا لأني قطعتها بعده، في السيارة طبعا، وهاك ~~بعض ما قال لنستدل به على قوة مخيلته وتصوره: # أوعار ملقاة في وسط الطريق كأنها أمواج البحر الجامد معدة لتمزيق سفن البر. ~~صخور منفردة في العراص الخالية كأن الأيام نخرتها والرياح صقلتها لتكون أوتادا ~~لمضارب الخراب والكآبة. جبال صلعاء القمم، معممة بسحب القتام، ولا مزية لها سوى ~~الشمخ إلى السماء، فهي كالجاهل المتكبر أو الأحمق المدعي ... أوهاد فاغرة الأفواه ~~لابتلاع السالكين على شفاهها، وهضمهم في ظلمة وظلال الموت ... قناطر مقطعة ~~الأوصال هابطة تحت ثقل الشيخوخة، ودوس أقدام الزمان. # ثم يقول: # وفي إحدى مراحل هذه الطريق انفردت مساء إلى جهة من تلك البرية الساكنة وجلست ~~على صخرة مضطجعة في حضن الوحدة، وأخذت أتأمل هذه الفلاة الحزينة بينما كانت شمس ~~الغروب تصبغ وجه الطبيعة بصفرة المنون، والأفق يحوك علي سراج الشفق ثوب ~~الظلام. # ثم عاد الرائد من باريس مكفوفا، ولم يستفد منها طبا. أراد هو الطب وأراد القضاء ~~الأدب، فكتب «مشهد الأحوال» و«غابة الحق»، وكلاهما مستوحيان من باريس. وظل فرنسيس يكتب ~~ويؤلف، ولما أصبح غير مستطيع استعان بأصحابه الذين يكتبون ما يملي، وظل على ذلك حتى مات ~~عام 1874 تاركا كتبا عديدة. # شخصيته: # كان الشدياق في ذلك الزمان يملي من وراء ~~بحرنا فرائد يجلوها خرائد، وكان اليازجي والبستاني والأسير والأحدب يؤلفون ويصنفون، أما ~~هذا الشاب فكان يتطاول إلى إنعاش الأدب، ويحاول بث دم جديد في الجسم المترهل. كان هو ~~بلبل الشمال الصداح. أدركته حرفة الأدب فازور لتجارة أبيه وأخيه الواسعة، ووقف فكره ~~وقلبه على النظم والنثر وقفا خالصا لوجه الأدب والفكر، فكان كاهن الحرية الأعظم في ~~هيكلها الذي بناه ms068 لها رفيع العماد في برية الشهباء كما سترى في «غابة الحق». # نظم الجديد من الشعر متعمدا، وكتب الطريف من النثر قاصدا، وقد قال عن نفسه في معرض ~~الرد على أحدهم: # وشيخ مذ رأى نظمي ونثري # فقال وطبعه شر الطباع: # أرى معناك مطروقا كثيرا # فقلت: نعم بمطرقة اختراعي # كان مفكرا يعنيه أن يقول شيئا، وضالته الحكمة في كل ما كتب، فكثيرا ما كان يخلط ~~الغزل بالحكمة تارة، وبالنصائح الاجتماعية حينا، والفلسفة طورا، فبينا نراه يتطوح ~~في الحب حتى يخر إلى ذقنه إذا به ينهض نافضا ما علق بأذياله من غبار التذلل، رافعا ~~عنقه بإباء الجواد الأصيل، ثم يحمحم: # أأذوب لا والله لست أذوب؟ # إن قال: ترك. قلت: ذا المطلوب # رح يا رسول إلى الحبيب وقل له: # مات الغرام، لك البقا فتطيب # إن المحب سلاك فابشر بالمنى # واذهب فأنت لمن تشاء حبيب # إن مخيلة المراش ككأس أبي نواس فأنى اتجهت في شعره ونثره تجدها منتصبة أمامك ~~كالمنارة أمام السفن الضاربة في عرض البحار. # قال أكثر شعره في أغراض جديدة، وعبارته رقيقة سهلة وأحيانا ركيكة. غزير الأفكار ~~وكثيرا ما يعجز عن تأديتها بعبارة صحيحة. متشعب المواضيع، تغلب اللهجة الخطابية على ما ~~يكتب شعرا ونثرا. واضح الصور، واسع الوصف، تشابيهه واستعارته وصوره مؤثرة، ولكنها ~~تفيض عذوبة وحنانا. يغلب عليه التشاؤم حتى في غزله، وفي أشد مواطن الفرح ترى على وجهه ~~جهومة ابتسامة حزينة إلا أنها صادقة. وإني أعزو هذا إلى الحصبة التي أصيب بها صغيرا، ~~فتركت تشققا وتصدعا في بنيان هيكله، فأدى ذلك إلى كف بصره وموته الباكر. # وشعر المراش ونثره يدلان دلالة صارخة على حبه للعلم، فكأن الطب الذي تعلمه أحاله ~~فيلسوفا في «مشهد الأحوال» و«غابة الحق» وكذلك أصاب أصحابنا الأندلسيين إذ استحال ~~طبيبهم فيلسوفا. وللغربة أثرها البين في شعر المراش ونثره، كما نرى في مشهد الأحوال ~~حين يصف لنا مشاهد باريسية. كان الشاعر أميل إلى وصف الحضارة والمدنية منه إلى وصف ~~الطبيعة، وإن سمعناه يحن إلى جبل أبي العلاء المعري - جبل سمعان ms069 - قائلا: # فمتى أرى الأظعان تعدو بي على ~~«سمعان» حيث مطالع الشهباء # ومتى أرى جبل اللكام يمد لي # باعا يطول على حبال النائي ~~(2-1) مرآة الحسناء # عنوان ديوان له يقع في 348 صفحة، وهو لو طبع كما تطبع دواوين اليوم لفصلنا من ذلك ~~القماش دواوين عديدة، واستقل كل من مواضيعه بديوان خاص به، ولكنه طبع في ذلك ~~الزمان، يوم لم يكن هذا التنظيم والترتيب الذي يكثر ورقه، ويقل كلامه ... # يثور المراش في مقدمة ديوانه على القديم فيقول: إن المدح إطراء ورياء، والقدح حسد ~~وعياء، ثم يعلن في قصيدة لامية الثورة على القديم، ولكنه لا يجهل أنه دونهم ~~تعبيرا، فيعلن ذلك في كل مناسبة، وحسبنا أن نذكر هذه الأبيات التي ختم بها ديوانه ~~«مرآة الحسناء»، معيدا الأمر كلما بدأه، قائلا: # هفواتي كثيرة ليس تحصى # ومن الفضل ليس لي من مزيه # غلطي فاضح فإن سترته # فئة الفضل قلت نعم السجيه # وإذا رام كشفه ذو كمال # كان شكري له أقل هديه # وفيها يقول عن نفسه: # تأنف الرفد والجوائز مهما # كن، فالذل كله في العطية # ويحمل المراش على الشعراء الذين يبيعون شعرهم بالجوائز والرتب والألقاب ~~فيقول: # لا أمدحن سوى لبيب فاضل # أو صاحب حامي الذمار مؤاس # ما لي وللألقاب، فهي بأهلها # جاءت كأجراس على أفراس # كم دولة، أو رفعة، أو عزة # شريت بمال، أو برشفة كاس # كلمات تعظيم على مستحقر # لم يسو فلسا في غلاء الناس # إن نفس المراش تحس كل ما حولها، فهو يفتش عن مواضيعه تفتيشا، بل يستلهم المكان ~~والزمان وينتزع منهما مواضيعه، أما رأي المراش في الشعر فقد عبر عنه بيت في إحدى ~~القصائد؛ إذ قال: # والشعر ليس يجله شيء سوى # لفظ جميل فيه معنى مطرب # وأشهد أنه لو أطال الله عمره، وأسلست له العبارة قيادها لكان شاعر عصره، ولم تعدم ~~العروبة حظها من شاعرنا - وهو العائش في ظل الأتراك - فاسمع كيف يخاطب الفرنج، وإن ~~كان من المعجبين بتقدمهم: # حتام تزرون يا إفرنج بالعرب # مهلا فلا خير بابن قد زرى بأب # إن ms070 كان بالعلم جئتم تفخرون فمن # معالم العرب كل العلم والأدب # تذكروا ما غنمتم يوم ندرتكم # في أرض أندلس من تلكم الكتب # وهو يذم الزمان كغيره من شعرائنا، فقد شاع ذم الزمان عندنا حتى حملناه، وما ~~زلنا نحمله، أثقال كل تقصير، ولكن الزمان قادر على حمل الدنيا وما فيها ... # ثم يلوي على شاعر اسمه ابن خياط فيقول متهكما بشعره: # رأينا لابن خياط قريضا # يقرضنا بلا ناب وضرس # إذا ما قال في تموز شعرا # أعاد الثلج قنطارا بفلس # وقد نظم المراش الموشحات حتى كان ينطلق أحيانا من قيود القافية؛ فينظم قصيدته ~~مقاطع ذات قافية يلتزمها هو كما فعل الأندلسيون قبله، وهو لا يحرم العلم ~~والاكتشافات الحديثة من شعره، فيلجأ إليها ليخلق معنى جديدا لم يسبق إليه ~~فيقول: # تكهرب القلب من برق الطلى فغدا # يجاذب العشق لكن قط ما دفعا # وتراه يترسم خطى أبي الطيب، فينحو نحوه، ولكن في معنى غير معناه: # الحسن يمنح والتدلل يمنع # والقلب يعشق، والتدلل يردع # كثرت عيون الراقبين وإنما # عندي قبالة كل عين إصبع # ثم ينحو نحو البهاء زهير في قصيدته: «رفعت رايتي على العشاق» فيقول: # أنا هو سلطان الغرام وربه # وكل فتى يرعى الهوى هو من جندي # بيد أن هذا الطموح إلى الجديد قد اندفع مع التيار العصري؛ فقال كغيره - تواريخ ~~وألغازا - ونظم على طريقة الحلي قصيدة يبتدئ كل بيت منها بالحروف الهجائية من ~~الهمزة إلى الياء، كما قال أبياتا كلها من المهمل. # وفي الديوان أيضا ما يشبه المواليا، ولكنه أفصح لغة وأصح، وقد لاحظت في ~~استقرائي هذا الديوان؛ أن الشاعر لم يدع حرفا إلا قال عليه شعرا حتى حرف الثاء ~~والظاء وغيرهما، وقد راسل أشهر أدباء عصره ومدحهم كالشدياق، واليازجي، وغيرهما، ~~وتلك كانت خطة متبعة في ذلك الزمان كما ذكرنا. # هذا هو ديوان مرآة الحسناء، وسأعرفك بمشهد الأحوال، وغابة الحق؛ ليس لأنهما ~~كتابان نادران، لا تجدهما إلا على رفوف المكاتب الخاصة، بل لأنهما كتابان من نمط ~~جديد. ~~(2-2) مشهد أحوال # على كتاب «مشهد الأحوال» و«غابة الحق» ms071 قامت شهرة المراش، فقد كان لهذين الكتابين ~~شأن حين ظهرا؛ فأحلا مؤلفهما مقاما رفيعا في دنيا الأدب، لم يكن ذلك لبلاغتهما ولكن ~~طرافتهما - في زمن قل فيه الطريف - أنزلتهما تلك المنزلة. بنى المؤلف كتابه «مشهد ~~الأحوال» على أحوال الحياة والمجتمع: حال الكون، حال الجماد، حال النبات، حال ~~الحيوان، حال الإنسان. ومما قاله في هذا المخلوق الأناني العجيب: «فغدا يصارع ~~الحاضر، ويرتعد من المستقبل، ويأسف على الدابر. فما ابتسم إلا وبكى، وما شكر إلا ~~وشكا، إذا فرح بضعة أيام، حزن بعض أعوام، إلى أن يقول شعرا: # إنما المرء لا يرى غير بلوا # ه فلابن الإنسان عين قصيرة # ولا تعجب إن رأيت السجع في هذا الكتاب، فما أرى صحبه إلا ناحيا نحو أصحاب ~~المقامات، ولكن بموضوع غير موضوعهم؛ لأن ثقافته غير ثقافة أولئك. # ثم يمر بحال الرجل وحال المرأة، فيظهر محبته العظيمة لها كالشدياق حتى ~~يقول: # إن كل اللطف والظرف لقد # جمعا في ذلك الجنس العجيب # ويعود فيفصل الإنسان: حال الطفولية، حال الفتوة، حال الشبوبية، حال الشيخوخة ~~فيقول فيها قولا طيبا. وينتقل إلى العمران فيبدأ بحال العيلة، وحال الهيئة ~~الاجتماعية، وحال البلاد، فيتطرق هنا إلى ذكريات باريس التي فتنته أنوارها، وعاد ~~منها بلا عينين. قال في هذا موشحا من طراز «جادك الغيث»، ولما توغل في عاصمة النور ~~ذهل وهتف في قصيدة أخرى: # لست أدري في أي كون مكاني # هل أنا في باريس أم في الجنان # كل ما جاء في السماع عن الجن # نة ألقاه ها هنا بالعيان # ها أنا وسط جنة تحتها الأن # هار تجري لكن بها كوثران # هكذا أنثني وخلفي وقدا # مي مجال للحور والولدان # حينما الحسن والهوى وهما الأك # ثر لعبا في مسرح الإنسان # فهما للحياة أصل كما اللا # ذوت أصل لبنية الإنسان # وكأنه كان مرة على ميعاد مع فاتنة، فأوحى إليه الواقع هذه القصيدة التي أنقل لك ~~منها ما يلي، وعنوانها «في حرش بولونيا»: # من ذا ينبهني! فقالت لي: أنا # قم فالدجى ولي وصبحك قد دنا # فوثبت أمسح أعيني ms072 وأجبتها: # أهلا وسهلا بالصباح وبالسنا # والله قد قضيت ليلي باكيا # وإذا غفلت، فذاك مفعول الضنا # فتمايلت ضحكا وقالت طب فلا # عتب على من يستخير الأحسنا # إن الخناثة للرجال سجية # وهم الذين إلى النسا نسبوا الخنا # ثم يصف ما يسميه «جسر القناطر»، فيقول في وصف حسان باريس: # وقوام كأنه صنم الأس # رار يوحي بعشقه للسرائر # هيكل الحسن واللطافة لم يح # رق عليه سوى بخور الضمائر # ويقول في قصيدة أخرى فيبدع في الوصف: # والصبح ذو مكانس الشعاع # يسعى بكنس الظل في البقاع # يرش ماء الوهج اللماع # فينشر الشعاع كالشراع # وتنطوي غبائر الديجور # من لا يرى باريس في دنياه # لم يدر ما الجنة في أخراه # ذي جنة ليس لها أشباه # ما صاح في جوارها: ويلاه؟ # سوى عديم الذوق والفقير # وينتقل إلى حال الشرق والغرب، وفي هذه الحال الأخيرة يصف لنا ليلة رقص باريسية في ~~قصيدة طويلة، وينتقل إلى حال الزمان، وهنا يشعر الشاعر بما رماه به الدهر في باريس، ~~فينظم موشحا هذا مطلعه: # جئت أرض الغيث كي أطفي الظما ~~«فطفت» عزمي وزادت عطشي # ثم يمضي في موشحه حتى يقول: # لم أجد والله في هذي البلاد # غير داء لي وللغير دوا # وينتقل إلى حال العلم، وحال الجهل، وحال التمدن، وحال المال، فيعقد محاورة بين ~~غني وفقير، وتأتي حال الحرب والسلم، وحال الحب فيفتتح إحدى قصائده في الحب: # ما للمليحة غضبى لا تكلمني # كأنها بي لم تسمع ولم ترني # والمراش شاعر غزل قبل كل شيء، ولهذا كثرت قصائده في «حال الحب». وتأتي حال البغض ~~فلا يجود عليها بشيء من شعره، ولكنه يرى البغض مدمرا كما يرى الحب معمرا، ويختم ~~هذه الحال بهذه العبارة: فلا ريب إن البغض آفة الكل والبعض. # ويظل ينتقل من حال إلى حال إلى أن يختم الكتاب بأحوال تجعل من المراش الأديب ~~عالما وفيلسوفا، ولا عجب أن يلم بكل هذا من رحل إلى باريس في طلب العلم في ذلك ~~الزمان الصعب القاتم. # وإذا كان لم يخطر ببالك خليل الخوري الذي تقدم ذكره، ms073 فعد إليه وقابل بين ~~الشاعرين؛ لترى بينهما أقرب النسب. وإني أظن - وإن قيل بعض الظن إثم - أن المراش لم ~~يقصد إلا زميله خليل الخوري، حين قال ما مر بك في ذم الألقاب والرتب ... ~~(2-3) غابة الحق # كتاب يكاد يكون قصة. طالب فيه مؤلفه بالحرية لجميع البشر حتى العبيد . دعا فيه إلى ~~السلام دعوة صارخة، ولكن هل سمع العالم دعوة غيره ليسمع صوته؟ وكل ما يقال هنا هو ~~أن الأديب قد أدى رسالته، ورفع الصوت جهرة يوم كانت أعاصير الاستبداد تجتاح الكون، ~~وحين كان ذكر الحرية، بله المطالبة بها، جريمة لا تغتفر. ولكن الكاتب اللبق عرف كيف ~~يرفع عقيرته مطالبا بحرية الإنسان في عهد سلاطين بني عثمان. # فالمراش شاعر كاتب خيالي من الطراز الأول، ألف كتابه «غابة الحق» على نسق رؤيا ~~يوحنا؛ جعل القصة حلما ابتدأ في مطلعها، وانتهى في ختامها، وإذا طالعت هذا الكتاب ~~تعرف أن أسلوبه - وإن كانت عبارته كثيرة الخطأ - قد اتبع زهاء نصف قرن حتى تأثر به ~~الكثيرون من أدباء القرن العشرين. # تخيل المراش أنه يستعرض دول الأرض منذ البدء، رآها في فجر التاريخ دولا عمرانية، ~~ثم استحالت دولا غازية فاتحة تتقاتل على حطام الدنيا وتتناحر؛ فيسلب الغالب ~~المغلوب، وبعد هذا العرض قال: «وانفتح لبصيرتي باب رحب مكتوب على قنطرته «العقل ~~يحكم»، ومنه عاينت وراء هذا الباب برية فسيحة جدا، ولاح لي عن بعد بيرق يخفق ~~متقربا، فوضعت نظارة الاختبار، وأمعنت النظر فرأيت مكتوبا به «العلم يغلب»، وظهرت ~~حينئذ من ورائه جيوش التمدن الزاهر ممتطية متون الاختراعات العجيبة، والمعارف ~~الكاملة، وهي تخطر متموجة بأنوار أسلحة الحكمة والعدل، متدرعة بدروع الحرية ~~الإنسانية.» # ثم رأى ممالك الظلام تندحر أمام الحكمة والعدل والحرية، فمدت دولة العدل سلطانها ~~وقوتها على كل بقعة ومكان، وعم السلام أقطار المسكونة. # ثم رأى الشاعر - في نومه طبعا - عرشين منصوبين قرب صخرة ينبثق منها غدير، على ~~العرش الأول يجلس جبار معتقل سيفا ذا شفرتين - كأنه ذو الفقار - وعلى رأسه تاج ~~مكتوب على إكليله: «يعيش ملك الحرية»، ms074 وإلى جانبه على العرش الآخر امرأة على ~~إكليلها الذهبي سطر من أحرف نارية: «تحيا ملكة الحكمة.» # ها هو ذا ملك الحرية غضبان يتوعد مملكة العبودية بالاجتياح والتخريب، وها هي ملكة ~~الحكمة تطايب زوجها وتداوره، وفيما كان الحوار على أشده إذا بقائد «جيش التقدم» ~~ووزير «محبة السلام» يقبلان، وقد أتم كل منهما ما عهد به إليه، قاتل «السلام» ~~البغض حتى استظهر عليه بسلاح التعليم والتربية، وبعد محاورة بين الملكين وقائديهما ~~قر الرأي على هذه الكلمات الحكيمة: «الظالم يرتد وجعه على رأسه، وعلى هامته يهبط ~~ظلمه.» فخير سجايا الإنسان محبته للسلم، ونفوره من الحرب والخصومات؛ فبالسلامة تنمو ~~الهيئة الاجتماعية، وتتسع دائرة تقدمها بالثروة والمعارف والآداب، وبالسلامة تخصب ~~الحقول، وتعطي الأرض غلتها، وتجود الفلاحة ويكثر الحصاد، وبالسلم تعمر البلاد ~~والقرى، وتتسع التجارة التي يقوم عليها مدار الاشتراك مع العالم كافة. وبالحرب ~~تنقطع الشعوب عن مشاركة بعضها بعضا. # ألا ترى مثلي أن كاتبنا قد دعا منذ ثمانين عاما إلى ما تدعو إليه «الأونسكو» ~~اليوم، وأنه قد أدرك ما قاله أشهر علماء الاجتماع اليوم: «ما من أمة بعد، ولا ~~إنسان، يستطيع أن يعيش في جزيرة، فمصير الواحد مرتبط بمصير آخر إنسان في أبعد نقطة ~~من الأرض.» # ويحمى وطيس الجدال بين الملكة والملك، ملك الحرية يريد الشدة والعنف، وملكة ~~الحكمة تنشد الرحمة والرأفة، فيستدعى الفيلسوف الذي جعل المؤلف مقره في مدينة ~~النور، فيأتي ويشرع في بسط آرائه العلمية؛ فتنكسر شوكة غضب الملك، ولكنه يسأل ~~الفيلسوف عن «مملكة الروح» التي سمع بها، وأنه يريد تدويخها وإخضاعها؛ فينبري ~~الفيلسوف للدفاع عنها، ويمنع ملك الحرية من مهاجمتها؛ لأنها تؤدي لعرشه معونة جلى، ~~فهي التي تردع شرائعها الآثام الخفية التي تعجز الحكومة المدنية عن مقاومتها، فيرضخ ~~الملك لبراهين الفيلسوف، ويذعن لحجته القوية. # ثم تتشعب المباحث بين صاحبي الجلالة والفيلسوف، فتدور حول السياسة والمملكة، ~~فيشير الفيلسوف بنشر العلم والمعرفة؛ لتقوى دعائم الملك، وتثبت وتتآخى العناصر ~~المختلفة المتشعبة، ثم يجري الحديث حول التمدن فيبنيه الفيلسوف على خمس ~~دعائم: ~~(1) # تهذيب السياسة. ~~(2) # تثقيف العقل. ms075 ~~(3) # تحسين العادات والأخلاق. ~~(4) # صحة المدينة. ~~(5) # المحبة. # ويفيض المؤلف بلسان الفيلسوف في تبسيط موضوع المحبة فيجسدها، ويجعلها تحتج على ~~الأدمغة الكبيرة التي سمتها أسماء علمية مختلفة. قال: «صاحت المحبة بعد أن صعدت على ~~منبر النظام الكوني: أنا التي أوثقت هذه الأجرام برباط الانضمام؛ فكانت أفلاكا ~~تدور حول بعضها، فلماذا دعيت التصاقا؟! # أنا التي ألفت بين العناصر المختلفة؛ فكانت مملكات تزهو بمجد الارتباط، فلماذا ~~لقبت تماسكا؟! # أنا التي قد فتحت في أجناس الحياة مسالك الميل؛ لتحافظ على أنواعها، فلماذا دعيت ~~تناسلا؟! # أنا التي جمعت أشتات البشر إلى هيئة واحدة؛ فكانوا متعاضدين في حروب الحوادث، ~~فلماذا سميت اغتصابا؟! # أنا التي أقفلت مصارع البحر، وأتخمت كبرياء لججه، فلماذا أدعى جزرا ~~ومدا؟! # أنا التي حيثما نزلت عمرت، وحينما رحلت خربت، أنا التي اتخذني التمدن دعامة ~~قوية، وبدوني لا يثبت له بناء، فهل يهدمني إلا كل متوحش؟» # ثم يتخطى الفيلسوف أخيرا إلى القول: فلا يخطئ من يسمي المحبة آلهة الهيئة ~~الاجتماعية. # وبعد أن يعدد الفيلسوف الفضائل جميعها ويشخصها يجيء دور الرذائل: الجهل، ~~والكبرياء، والحسد، والطمع، والبخل، والحقد، والنميمة والكذب، والنفاق، ثم يحشر ~~هؤلاء الذين جعلهم شخوصا في مكان ما من «غابة الحق»؛ ليحاكمهم ملك الحرية. ويتكلم ~~الفيلسوف مقبحا العبودية بحضرة ملكها الماثل للمحاكمة، وبينما المحاكمة جارية إذا ~~بعبد زنجي قد دخل القاعة، وشرع يقص على محكمة ملك الحرية كيف أسره وأخاه القرصان ~~واسترقهما، وبعد الحكم على الرق والاستعباد بالموت تجري محاكمة الجهل والكبرياء ~~وجميع الرذائل التي مر ذكرها، فتطهر منها «غابة الحق». # وقبل أن يستيقظ المؤلف وينقطع حلمه يرى نفسه في برية الشهباء موطنه، فيراها جنة ~~خضراء، فيتساءل من أين يأتي الخير هذه القفار المجدبة، والساقطة من أعين العناية، ~~منذ ألف عام وأكثر؟ فيسمع صوتا يدوي في الغمام قائلا: «ابتهجي يا شهباء سوريا، ~~فها العناية الملوكانية، مقبلة إليك، والمراحم السلطانية هاجمة عليك. قد وقعت تحت ~~أنظار عناية حضرة ذي الشوكة والاقتدار السلطان عبد المجيد خان، دام ملكه مدى ~~الدوران.» # وهكذا سلم للمؤلف رأسه، وظهر كتابه «غابة ms076 الحق»، ومشى بخطوات ثابتة في سوق الأدب، ~~واستقر على رفوف المكاتب ولا يزال. # إن في «غابة الحق» ملامح من كتب الفلاسفة العظام كأفلاطون، ومن حذوا حذوه، ففيها ~~يحاول المراش خلق دنيا اجتماعية يسودها السلام والاطمئنان، فجعل عمادها «المحبة» ~~القادرة على كل شيء. # والخلاصة: أن عمل الخيال في غابة الحق يبلغ مداه الأبعد، وقد استولى فيها المؤلف ~~على الأمد. فالعرض والسياق جيدان، والقص يمشي على رسله وإن ركت العبارة أحيانا، ~~أما الأبطال فلا سمات لهم؛ لم يستعر المؤلف لشخوصه الأجساد التي تنبثق منها ~~أعمالهم، وآراؤهم وأفكارهم، بل ناب هو عنهم جميعا مكتفيا بأسمائهم، ثم راح يقول ~~بلسانهم ما يقول. # قد يعذر على ذلك لأنهم رموز لا أشخاص، ولكنه في كل حال مسئول عنهم لأنه خلقهم. ~~أما العبارة فخيالية سهلة، ولكنه ينقصها شيء لتخرج ناتئة بارزة؛ إنها كتلك الرسوم ~~التي لم تفز بحظها الكامل من الألوان والخطوط، فإنشاء المراش على ما فيه من خيال ~~وصور قلما نحس فيه تلك الحركة، وذلك الزخم. # ليس للمراش شقشقة تعبير أديب إسحاق ولا هديره، ولا صحة تعبير الشدياق ولا ظرفه ~~ولا تهكمه، ولكنه أقوى مخيلة منهما، وقد ذكرت هذين؛ لأنهما كانا سيدي الموقف في ~~الحقبة التي وجد فيها المراش، فهو ولا شك من قراء الجوائب. # والمراش يختلف عنهما جميعا في تفكيره ومبادئه، فهو متأثر بالعلم والفلسفة أكثر ~~من جميع كتاب عصره، نزاع إلى إصلاح المجتمع، يدعو إلى الأخذ بالحضارة الحديثة. أما ~~ثقافته فمتأثرة بالدين، ولغته تكاد تكون لغة الكنيسة المستعربة حديثا ... ولا تنس أن ~~المحيط الذي نشأ فيه كان محيطا تركي اللسان؛ فحلب التي سرت منها الفصحى إلى لبنان ~~كانت اللغة التركية تجري على ألسن معظم سكانها. # وبعد، فلست أحدثك عن الأخطاء اللغوية في كتب المراش؛ هذه لأنها كثيرة جدا، ولا ~~عن الإسهاب في التعبير؛ لأن عبارته غير مرصوصة ولا متلازة، وهو يزج في شعره ~~ونثره الألفاظ العامية غير الفصيحة، ويتصرف كما يشاء في الاشتقاق والجموع، ولو خلا ~~نظمه ونثره من مثل هذه العيوب لكان أكتب ms077 وأشعر أهل زمانه. ~~(3) شاعرا الكلية # هما إلياس صالح وسليم عازار، وكلاهما ماتا في شرخ الشباب. # كان لهذين يد في التجديد والتوليد، ولم يقولا الشعر مقلدين. نال إلياس صالح شهادة ~~بكلوريوس علوم سنة 1888، ومات عام 1895. قال زيدان فيه: «ومن غريب قريحته أنه جمع بين ~~الشعر والإنشاء، ويندر أن يتفق ذلك لواحد؛ ولذلك استدعته جريدة المقطم، فتولى التحرير ~~فيها حتى مات، ولو فسح في أجله لأتى بمعجزات البيان. كان متضلعا من قواعد اللغة قابضا ~~على أوابدها وشواردها، وعارفا باشتقاقات الألفاظ ومواقعها.» # وينعته زيدان بحلاوة النكتة، ولعل هذه الحلاوة هي التي أمرت عيش أحد معاصريه حتى ~~استولى على بيت الأنسي؛ ليحرفه ويقول فيه: # هو طالح لا صالح لكنهم # غلطوا ولم يضعوا العصا في رأسه # أما أشهر قصائده، ولعلها هي التي أطارت صيته، فهي قصيدته التي عنوانها «الحرية»، ولها ~~حكاية كنا نسمعها في صبانا؛ ولهذا أحب الآن أن أمتع القارئ بها. كان ذكر الحرية يخيف ~~السلطان عبد الحميد ورجاله، وكان خطيب حفلة الكلية - الجامعة الأميركية - تلميذها ~~المتخرج إلياس هذا، وكانت الحفلة تحت رعاية والي بيروت، فقام إلياس ينشد: # خل عنك الوقوف في دار ميه # واعتزل ذكر زينب وأميه # رحم الله كل من قال شعرا # في ربوع الإسلام والجاهلية # إنما دارنا بمن شرفوها # عن سليمى وعن سعاد غنيه # لا تلمني يا عاذلي بهواها # فأنا قيس هذه العامريه # وعلام الملام والقلب قلبي # ومعي فيه «حجة شرعيه» # فإذا كنت تدعيه فقدم ~~«عرض حال» للأعين التركيه # إلى هنا كان دولة الوالي منشرح الصدر، حتى إذا ما أنشد الشاعر هذا البيت: # واتخذنا سلاسل الشعر قيدا # فنسينا المسكينة الحريه # تجهم وجه الوالي واستعد للطوارئ. ومضى الشاعر في إنشاده حتى قال: # أنت حر يا أيها المرء فاعلم # ولك العلم فيه والأسبقيه # يتمنى الإنسان لو كان عبدا # ويقيم الأدلة العلميه # ولكم قد رأيت من حيوان # يقضم الحبل بغية الحريه # يا بني أمنا ذوي الفضل بل يا # معشر الناطقين بالعربيه # لست عبدا أنا، ولا أنت مولى # أيها اللابس الحلى الذهبيه # انتفض الوالي لما ms078 اشتدت الأزمة، ولم يبق في استطاعته السكوت فوقف، وقال للشاعر: باسم ~~جلالة مولانا السلطان أقول لك: قف! فهب - عندها - رئيس الكلية متذكرا الامتيازات ~~الأجنبية، وقال: وأنا أقول لك: باسم حكومة أميركا كمل. # وكان الشاعر أقوى بديهة من الوالي والرئيس؛ فأتم كلامه مادحا جلالة السلطان ~~ارتجالا، دون أن يفلت منه خيط الموضوع، وهكذا أنقذ الموقف. # هذه هي حكاية معلقة «الحرية» في عصارى القرن التاسع عشر، وإن لشاعرها مقدرة على إرسال ~~الكلام حلوا مبتدعا كما قرأت، وكما ترى في هذين البيتين: # ونحوية ساءلتها أعربي لنا: # حبيبي عليه البين قد جار واعتدى # فقالت حبيبي مبتدا في كلامهم # فقلت لها ضميه إن كان مبتدا # أما سليم عازار، فكان شاعرا له حلو الكلام، كما كان له كإلياس صالح قصر العمر، ~~فكلاهما ماتا مسلولين، كان إلياس نحيلا كما وصفه زيدان، أما سليم - وقد عرفته شخصيا - ~~فكان عملاقا ضخما، ولكن الداء لا يهاب طولا ولا عرضا ... # لم تكن شهرة سليم عازار في الكلية دون شهرة إلياس، فكلاهما تقريبا من معدن واحد، ~~وكلاهما طريف ظريف، وأشهر ما قرأنا لسليم هذه الأبيات الرائعة من قصيدة: # جار الزمان وصرت يا نفسي # تتقلبين تقلب الطقس # طورا على أمل وآونة # في اليأس أو أشقى من اليأس # أين السرور، وأين ما عهدت # ه فيك ربات الهوى أمس # أزهدت في دنياك قانعة # بالحزن، بالإنشاد، بالدرس # عودي إلى الماضي فقد عبست # لما عبست معاهد الأنس # عودي فليس بما اهتممت له # زهو الصبا ولطافة الجنس # عودي فقد صيرتني ظمئا # للحب، للأشعار، للكأس # أو لا فكوني كيف شئت، وما # شئت افعليه، فليس من بأس # لا خير في من ليس ذا ثقة # من نفسه، أسمعت يا نفسي؟! # وبما أننا في الحديث عن رائدين مسلولين، لا بأس أن نذكر بعض قصيدة قالها رائد يصف ~~مسلولا، ثم مات هو بعدئذ، بالداء الذي وصفه، وما هذا الشاعر إلا محمد إمام العبد أحد ~~الرواد، قال: # عشق الموت مكرها في شبابه # رب موت يحار في أسبابه # قبل أن يدفنوه في الرمس ميتا # دفنته ms079 الأيام في جلبابه # فإذا رمت أن تراه بعين # لا ترى غير أنه في ثيابه # لو تمنى مكانة الملك وهما # لاكتفى بالنحول عن حجابه # كيف تقوى كفاه في موقف العر # ض إذا كلفوه حمل كتابه # قطرته المنون في الليل قطرا # تكتفي بالنجوم من أصحابه # أيها الموت، لا عدمتك خلا # طالما أنقذ الفتى من عذابه # ولإمام العبد هذا حلاوة النكتة، ولا بدع في هذا لأنه مصري، لامه أحدهم على تركه ~~الزواج، فأجابه ببيتين لا أذكر غير الأخير منهما، ولكنه الزبدة، قال: # أنا ليل وكل حسناء شمس # فاجتماعي بها من المستحيل # أرأيت أنه - بعد عنترة - قد أحسن استغلال سواده، والأرض السوداء مغلال، كما قلت في ~~كتاب «الرءوس». ~~(4) انتعاش الشعر ~~(4-1) البارودي وأرسلان # صدق من قال: الشعر أسبق في آداب الأمم من النثر، أليس هذا ما رأيناه نحن عند ~~روادنا الأولين؟ أما قرزموا الشعر جميعا فجاء عليلا سقيما يسأل الله العافية ~~والستر، وظل ركيكا غير مصقول حتى كان له محمود سامي البارودي؛ فأقال عثرته ونهض ~~على يديه من كبوته. # قال البارودي الشعر عباسي الديباجة، وإذا غلبت عليه الحماسة فلا عجب لأنه أحد ~~الشعراء الفرسان الذين تغنوا بالسيف والرمح، ولم لا يكون كذلك وهو بطل الثورة ~~العرابية. # لا تعنينا هنا مواضيع الشاعر بل ديباجته التي أعاد بها إلى الشعر رونقه ~~القديم. # وإذا سمينا هذا الرائد زعيم مدرسة فلا نقول إلا الحق، فهو الموطئ لإسماعيل ~~صبري، وأرسلان، وشوقي، ومطران، وحافظ، وتامر الملاط، وتقي الدين، ووديع عقل، وغيرهم ~~من شعرائنا الأحياء. # كان البارودي متأثرا بفصاحة القدماء وقد أسعفته قريحته وإرادته؛ فقال شعرا لم ~~يسمع في عصره مثله، فذكر الناس بالبحتري وسواه من شعراء الديباجة الدمقسية، ستقرأ ~~شيئا من شعره بمناسبة الشيء بالشيء يذكر، أما الآن فأرجو منك أن تقرأ له هذه ~~الأبيات الثلاثة: # هل من فتى ينشد قلبي معي # بين خدور العين بالجرع # كان معي ثم دعاه الهوى # فمر بالحي ولم يرجع # فهل إذا ناديته باسمه # يفيق من سكراته أو يعي؟ # وكان الأمير شكيب أرسلان طري العود ms080 يوم تطاول إلى مقام البارودي الرفيع، ~~فساجله، وهو في منفاه بسيلان، ولا بأس علي إذا ما أعادني تداعي الأفكار نصف قرن إلى ~~الوراء، وعدنا معا إلى المعهد الذي نشأ بين جدرانه الأمير شكيب أرسلان. ففي ضحى ~~النهضة كنا في مدرسة الحكمة، وكان لا يعنينا غير الشعر وقائليه. كنا ننظمه بلا ملل، ~~ونتبارى فيه بلا وجل، وكان شكيب أرسلان قدوتنا، كان نجمه قد لمع، ثم طبع ديوان شوقي ~~الأول وفي مقدمته ذكر لشكيب؛ فكبر في أعيننا حين قرأنا قول شوقي فيه: # صحبت شكيبا برهة لم يفز بها # سواي، على أن الصحاب كثير # وضخم أمر الأمير شكيب في أذهاننا حتى كنا نفضله على شوقي لولا قصيدة شوقي ~~«خدعوها» التي حفظناها جميعا، ولم نبال بتعنيف معلمنا الخوري «ص» المحافظ على ~~طهارة أجسادنا لنظل هيكلا للروح القدس. # وأول ما أذكره من شعر شكيب هو رثاؤه للبارودي. استقبلني هذا الرثاء عام دخولي ~~مدرسة الحكمة سنة 1904-1905، وقد كان الشيخ رشيد تقي الدين - إمام حلقتنا العكاظية ~~- يتبجح بهذه القصيدة ويردد مطلعها: # يا ناظري ألأيا تذرفان دما # أهكذا عهدنا أن نحفظ الذمما # ويطغي رشيد إذ يبلغ هذا البيت، حتى تخاله الفرات، وقد زعزعته رياح الصيف: # فانعوا لنا الشعر والآداب قاطبة # معه، وقولوا لشوقي: إنه يتما # ثم ننتقل إلى قصيدة حافظ إبراهيم في رثاء محمود البارودي أيضا فنتمطق ~~بمطلعها: # ردوا علي بياني بعد محمود # إني عييت، وأعيا الشعر مجهودي # فترى في حافظ رشاقة كما رأينا في شكيب متانة، ونرى في «لأيا» بمطلع قصيد الأمير ~~ما يذكرنا بالنابغة، فتعلو كفته على كفة حافظ. تلك كانت عقليتنا ... بل عقلية من ~~علمونا. ويزداد شكيب علوا حين يروي لنا رشيد بصوته العريض قصيدة البارودي ~~لشكيب: # أدي الرسالة يا عصفورة الوادي # وباكري الحي في قولي وإنشادي # لعل نغمة ود منك شائقة # تهز عطف شكيب كوكب النادي # هو الهمام الذي أحيا بمنطقه # لسان قوم أجادوا النطق بالضاد # ثم يهتف بنا: شباب، سمعتم هذه الشهادة! بلا طق حنك يا مارون. سعيد - سعيد عقل ~~الشهيد - اسمع ms081 جواب المير شكيب: # هل تعلم العيس إذ يحدو بها الحادي # أن السرى فوق أضلاع وأكباد # تحملوا ففؤادي منذ بينهم # في إثرهم نضو تأويب وإسآد # إلى أن يقول شكيب للبارودي، رئيس النظار - الوزراء - المعزول: # إن يحجبوك فما ضر النجوم دجى # ولا زرى السيف يوما طي أغماد # وننتقل إلى مساجلة ثانية، وهي قصيدة كتبها محمود سامي من منفاه، في جزيرة سيلان، ~~إلى الأمير شكيب، فنروي جميعنا أبيات البارودي الرائعة في وصف الليل: # أرعى الكواكب في السماء كأن لي # عند النجوم رهينة لم تدفع # زهر تألق في السماء كأنها # حبب تردد في غدير مترع # والليل مرهوب الحمية قائم # في مسحه كالراهب المتلفع # متوشح بالنيرات كباسل # من نسل حام باللجين مدرع # حسب النجوم تخلفت عن أمره # فوحى لهن من الهلال بإصبع # ويجتاح الشيخ رشيد القصيدة، هادرا كنهر الباروك، حتى يبلغ مدح البارودي للأمير ~~فيمشي الهوينى، وعينه علي، عند هذه الآيات: # نبراس داجية، وعقلة شارد # وخطيب أندية، وفارس مجمع # صدق البيان أغص جرول باسمه # وثنى جريرا بالجرير الأطوع # لم يتخذ بدر المقنع آية # بل جاء خاطره بآية يوشع # أحيا رميم الشعر بعد هموده # وأعاد للأيام عصر الأصمعي # وينتقل رشيد إلى إنشاد جواب الأمير، فلا يروي وصفه المجرة والليل، بل يروي لنا ~~فخره: # الترجمة # وطلعت أعثر بالسيوف ولو درى # أهل السيوف مقامتي لم أفزع # أيغول مهجتي الكماة ومالهم # فخر سواي إذا اغتدوا في مجمع # وترى تخون الخيل فارسها وهل # يردى الحسين على يد المتشيع # أو من لهم مثلي إذا عبس الوغى # وتضاحكت أنياب ثغر المصرع # وتشاجرت سمر القنا وتجاذبت # بذوائب، والسيف شبه الأصلع # ولقد بذذت السابقين فمن لهم # بوقوف سير بالمكارم موضع # وبلغت من «سامي» الفخار وجاءني الت # تقريظ من محمود سامي الأرفع # خنذيذ هذا الدهر، واحد أهله # مقدام حلبته الأغر الأبتع # القائل الفصحى التي عن مثلها # يثني المقفع في بنان مقفع # ونظل سكارى بهذه المذاكرة حتى يصيح بنا هادم اللذات: هوب، لا. # Vous parlez l’arabe # فنثرثر بعض ألفاظ فرنجية، ~~ويتفرق العشاق ... # وينقضي عامي الأول في ms082 مدرسة الحكمة فأتتلمذ في عامي الثاني والأخير للشيخ سعيد ~~الشرتوني. ونأتي على ذكر أسلافنا الذين أخرجهم معقل الضاد، حتى إذا جاء ذكر شكيب ~~انفتحت حدقتا شيخنا سعيد وقال: المير شكيب قفلة. # فقلت: وما معنى قفلة؟ فأجاب شيخنا الجليل: أي يحفظ كل ما يسمع ولا ينساه، فكأنما ~~يضعه في صندوق ويقفل عليه، ثم طفق يطري ثروة شكيب اللغوية كل الإطراء، وقال في شعره ~~وشاعريته كلاما كثيرا. # ولما أفلت من قفص المدرسة، وزاولت الصحافة صرت أقرأ للأمير شكيب شعرا في كل ~~مناسبة خطيرة. انقلب شعره مطية سياسته، فلم يمر حدت في الشرق إلا تناولته قريحته ~~بما حضر، فشارك في كل معضلة بقلمه ورأيه ولسانه. لم يمدح غير العظام، وقلما قال ~~شعرا في غير الحوادث الجسام، وكثيرا ما تلاقى مع شوقي ومطران وحافظ وباراهم في ~~خطوب الشرق. وأول مرة سمعته فيها ينشد كانت عام إعلان الدستور العثماني سنة 1908، ~~بيد أنه لم يعنف، ولم يلم ولم يهاجم مثلنا. عد الدستور منة من جلالة السلطان، ~~وأوصى بالتعلق بالعرش، فلم ترق قصيدته للمتطرفين منا. # وظل الأمير - على توالي المحن - صديقا للدولة العلية يشد أزرها، ويرى فيها ~~العروة الوثقى، فبينما كان أفذاذ العرب يمثلون في الأستانة رواية صلاح الدين ~~الأيوبي قبل الحرب العامة بسنة، وكلهم ساخط حانق، وفي مقدمتهم مبعوثوهم - نوابهم - ~~كالزهراوي وفارس الخوري، وغيرهم إذا بالأمير شكيب يقول للحفل من قصيدة: # فمن كصلاح الدين تعنو لذكره # رءوس أعاديه ومن ذا يعادله # إلى أن يقول: # وكيد على الأتراك قيل مصوب # ولكن لصيد الأمتين حبائله # تذكر قديم الأمر تعلم حديثه # فكل أخير قد نمته أوائله # إذا غالت الجلى أخاك فإنه # لقد غالك الأمر الذي هو غائله # فليست بغير الاتحاد وسيلة # لمن عاف أن تغشى عليه منازله # وليس لنا غير الهلال مظلة # ينال لديها العز من هو آمله # ولو لم يفدنا عبرة خطب غيرنا # لهان ولكن عندنا من نسائله # سيعلم قومي أنني لا أغشهم # ومهما استطال الليل فالصبح واصله # وللأمير قصيدة رائعة هي بالملاحم أشبه. قالها في وصف وقعة ms083 حطين، وهي أبلغ قصائده ~~إن لم تكن خير ما قيل في موضوع كهذا. # أما الرأي في شعر الأمير فقد قاله خليل مطران: «حضري المعنى، بدوي اللفظ، يحب ~~الجزالة حتى يستسهل الوعورة. نبغ منذ طفولته وكان أبكر الفتيان في نشر ديوان له. ~~وجاء ديوانه في وقته آية، غير أنه لم يلبث أن ترك الشعر وانصرف إلى الترسل فحبس فيه ~~ما أوتيه من العبقرية، على أنه قد يدعوه داع من النفس فينظم. ينظم كما ينثر، فياض ~~الفكر غير تعب، ولكن نظمه يحمل في عهده الأخير أثرا من نثره.» هذا رأي مطران في ~~شعر شكيب، وقد أثبته الأمير في صدر ديوانه، أما رأي الأمير شكيب في الشعر فهو هذا، ~~كما جاء في كتابه: «شوقي أو صداقة أربعين سنة»: # ولو كانت القدمة مما يهجن الشعر لوجب أن يكون هومير منبوذا؛ فإنه أقدم ~~شاعر، ونحن نقول لهؤلاء الذين لا يفتأون يتكلمون في القديم والجديد من ~~الشعر، ويزعمون أن لكل عصر مدرسة: إن هذه المدرسة تكون في كل شيء إلا في ~~الشعر، فإن مدرسته هي القلب، وإن طريقته هي النفس، وإن النفس البشرية لم ~~تتغير ولن تتغير، فهي هي في أذواقها ومشاربها ومواردها في الحياة ~~ومصادرها. # هذا من جهة الشعر على العموم، أما من جهة الشعر العربي الذي تريدون أن ~~تفرنجوه، فالشعر العربي لا يكون شعرا إلا إذا وافق ذوق العرب ولاءم مشارب ~~أنفسهم، وجانس مذاهب لغتهم، واتصل بمناحي حياتهم، فإذا باين الشعر العربي ~~أساليب العرب في بيانها؛ ربما لم يفهموه أصلا، على حد ما قال الأستاذ محب ~~الدين الخطيب: إن الواحد من هؤلاء يظل يومه يسطو على منظومات الإفرنج يستل ~~منها معانيها الغريبة عن الأذواق العربية، فيصوغها بألفاظ وتراكيب يلعن ~~بعضها بعضا، فلا يفهم منها القارئ العربي إلا بقدر ما أفهم أنا من ~~الصيني. # ثم يعقب الأمير على هذا الكلام بقوله: «وأنا أيضا أعترف بأني لا أفهم هذه اللغة ~~التي يكتبون بها.» # هذه آراء الأمير وغير الأمير في الشعر، أما أنا فأرى أن الأمير متأثر ms084 بأستاذه ~~الشيخ عبد الله البستاني. والشيخ عبد الله كان معجما ناطقا قلما فاتته شاردة أو ~~واردة. يقول الشعر كطرفة وعنترة، وإليك مطلع قصيدته التي هنأ بها الحويك ~~بالبطركية: # حي القطين وناسم عني الدارا # ودر مع اليمن فيها كيفما دارا # وهو متأثر كشاب في أول حياته الأدبية، بأحمد فارس الشدياق، علم اللغة المفرد، ~~فلا تعجب إن رأيت في الأمير نفحة جاهلية، وثروة لغوية، فشعره الأول - وخصوصا ~~نقائضه مع البارودي - هو أصفى شعره وأنقاه، مع أنه لم يكن اجتمع أشده. # أما ترسله، وخصوصا في كتابه «أناتول فرانس في مباذله» ففيه شبه - لفظا وسردا - ~~بأسلوب الشدياق الذي أثنى عليه الأمير حين ذكر رثاء له، فقال عنه: «إمام اللغة ~~وفارس ميدان الإنشاء؛ الذي عرفته بآثاره وقطفت من نواره.» # وبكلمة مجملة أقول: لو لم ينصرف الأمير شكيب أرسلان إلى خوض غمار السياسة التي ~~تتطلب الترسل أكثر من النظم لكان هو أمير الشعراء لا شوقي، وسبحان مقسم ~~الأرزاق. ~~(5) بشار الرواد ~~(5-1) شاكر بك الخوري # قال لي موسى صفير صاحب مكتبة المعارف: كلفني شاكر بك الخوري أن أفتش له عن واحد ~~يقرأ عليه كتابه «مجمع المسرات» فيصحح له الخطأ النحوي والصرفي فخطرت أنت ~~ببالي، فما رأيك؟ # وكنت قد فصلت من الكلية اليسوعية ومدرسة الفرير؛ لأنني محرر جريدة «النصير» ~~المطالبة بتأليف «مجلس ملي» لأبرشية بيروت المارونية، فأجبت: نعم. # فقال موسى: يدفع لك البيك عشر ذهبات عثمانية عند النهاية. # فوجمت ثم أجبت: لا بأس. # وبلغ الخبر أحد أصحابي فقال لي شاكر بك «عملته ردية»، وهو هجاء قلما سلم من ~~لسانه أحد، كبيرا كان أم صغيرا، فلا تعرض نفسك. # فقلت له: وأنا عندي ما عنده. أتخاف علي! # واجتمعنا أول يوم في دار البيك وشرعنا نقرأ، فمرت كلمة «التقنيص» فقلت له: ~~«التقمص»، فتفكر قليلا وقال: التقنيص مفهومة أكثر، وبعد قراءة جملة أو جملتين، ~~مرت كلمة «تقاصصه» فقلت له: تفاصه. فقال: وهذي أضرب من هاتيك. # فقلت له: إذن ماذا تريد مني؟ قال: إبداء الرأي، وأنا أرى الموافق. # ثم جاء دور الشعر، فعرض ms085 علي أبياتا نظمها؛ لتكتب تحت رسمه، كما جرت العادة في ~~ذلك الوقت، قال الدكتور: # لا بد من وبخته # لقباحة يبدي الغضب # أو من مدحت قريبه # بزيادة عنه انورب # فهززت رأسي، فقال: مالك انوربت أنت أيضا؟ فقلت: لو غيرنا هذا الشطر الأخير، ~~فأومأ برأسه أن لا، وأنشد: # مهما فعلت فإنني # ما بين قومي في عتب # لي أسوة بمسيحنا # فأقام ميتا وانصلب # وهنا وقعت الواقعة، فأصررت أنا على القول: أحيا لعازر وانصلب، وأصر هو. وأخيرا ~~صاح بي: # أفضل كسر الشعر مع حسن سمعه # على نظم موزون لسامعه قتل # ثم كانت الكلمة الأخير له، فعلمت أن لا طب مع هذا الطبيب، وإني شاهد زور لا ~~أكثر ولا أقل. وكان البيك مصابا بالسكري، فكان يبول بلا حياء فيذكرني ببشار ... ~~ورآني امتعضت؛ فقال لي: مارون أنت مثل أولادي، لا تؤاخذني، أنا ملازم سريري، وفي ~~روحتي ورجعتي - كل نصف ساعة - تضييع وقت كثير. # وكان الظهر فقمت، فقال: اقعد. خبزي أسود ولكنه صحي أكثر من خبز السوق الأبيض. ~~وأنا جبلي مثلك. تتغدى معي كل يوم، وتأخذ أجرتك وحبة مسك ... # فضحكت والتفت إلى «الكوميدينا» فأدرك حالا وقال: يظهر أنك أخو رأسي ... # ومضينا في عملنا، فأنستني نظافة طعامه كل ما عداها. كان على المائدة يشرح لي ~~أمورا كثيرة، ويحدثني عن كتابه: «صحة المتزوج وزواج العازب»، ويصارحني بما يتعلق ~~بي من موضوع الكتاب، ويقول: هذه دفعة. قيدها. فيدق قلبي وأتذكر قول صديقي «في ~~عملته»، ثم حدثني عما ينفعني من كتابيه الآخرين «نائب الطبيب» و«صحة العين» وأفاض، ~~ولما انتهى قال: هذه دفعة ثانية. قيدها معك. # فقلت له: أنا لا أقبض «عملة حكي» هذي بضاعتي، ولو كانت تجوز كنت أغنى ~~البشر. # فقال: قال لي صاحبنا موسى إنهم خوفوك مني، لا تخف يا ابني، أنت لست ممن أطمع ~~فيهم، كل ملوخيا، كل لا تستح. # فقلت: أخاف أن «تملخ» رقبة حسابي، فضحك وقال: خطيتك في رقبتي. احرق دين «الجاط». ~~كله كله. حسابك رقبته غليظة لا تنملخ ... # وكان شاكر يتنادر حتى على أولاده، فلما دخل ms086 علينا ابن له طويل قال لي: تعرف ماذا ~~انتقيت له وظيفة؟ فبهت. فقال: أن يضوي قناديل البلدية لأنه لا يحتاج إلى سلم. ~~طول بلا غلة ... # وظللنا شهرين ثلاثة نقرأ ونتغدى، وقبضنا أجرتنا علاوة. # هو ذا حق خبزاتك أيها الرائد الذي لم يكذب ~~أهله. فكتاب «مجمع المسرات» فارياق من طراز آخر. كشكول طريف، وصاحبه مطبوع على ~~النكتة القارصة. كان يشتريها بالثمن الموجع كل من يتعرض له؛ ولذلك هابه معاصروه كما ~~هابوا بشار بن برد. كان هجاء محترفا لا هاويا كالحاج عمر الأنسي، وقد أبقى هجاءه ~~السخن لديوان سماه «مجمع الحشرات»، ولكنه لم يظهره في حياته، ولست أدري إذا كان ~~«قبض» ممن هجاهم حين فتح باب الاشتراك بكتابه «مجمع المسرات» فعدل عن ذاك كما حذف ~~الكثير من هذا. لقد كان الاشتراك بكتابه جزية أو ضريبة أداها الأغنياء عن يد، ~~ليسلموا من لسانه ... # فكتاب «مجمع المسرات» ترجمة حياة، ومذكرات مكتوبة بأسلوب طرافته في بساطته. ليس ~~يسأل صاحبه عن الخليل ولا الفراء، فيه صفحات من تاريخ لبنان ووصف للحياة في عصر ~~مؤلفه، وفيه أشياء عن مصر وغيرها من الأمكنة التي حلتها ركابه. فالرجل بشاري ~~فارياقي، ولو كان في عصر الشدياق، وقرأ ركاكته ورطانته ولحنه لشمرت الحرب عن ~~ساقها. فهو من هذه الناحية فقير جدا جدا، وأما من ناحية الشخصية فغني. إلا ~~أنه يظل في الحالين هجاء عصر النهضة، ولونا طريفا من ألوانه، فكل كتابه نكات ~~ونوادر. والذي لابسه كما لابسته، ورآه في مباذله كما رأيته، يقول مثلي: إنه نكتة ~~النكت. # والآن فلنعرض عليك نماذج بضاعته؛ لتحكم أنت بنفسك. وصف شاكر بك حياته من أولها ~~إلى آخرها كما تذكرها، فهو يزعم لنا أنه لم يدون شيئا منها قبل أن فكر ~~بتأليف كتابه هذا الذي يقع في سبعمائه صفحة من القطع الكبير والحرف الوسط. حدثنا ~~شاكر عن «درسه العربي» في «المدرسة الوطنية» للمعلم بطرس قال: كان معلمنا الشيخ ~~ناصيف الشهير، فكان يقول لنا - في الصف - أول موال عمله، ويبتدئ يعمل «مطلع» على ~~المعنى، وكان يقول إنه ms087 هو الذي علم ذاته، وإن المعلم بطرس البستاني يعرض عليه ~~تأليفه القاموس محيط المحيط، وكان يعطيني الكراس المصلح، لأعطيه إلى المعلم بطرس، ~~وكان يقول لي عند ذلك: أنا «القاموس السيار». # وعند غيابه كان يوكل ولده الشيخ إبراهيم بالدرس. وكان لابسا - أي الشيخ ناصيف - ~~عمامة سوداء مع قفطان وجبة وصرماية حمراء، يحلق لحيته وهو بسن الشيخوخة، وكان بيته ~~قريبا من المدرسة وهو من المولعين بشرب القهوة والتدخين، وقد كان يعهد إلى بإشعال ~~سيكارته أو غليونه، فكنت أذهب إلى خارج الدرس وأشعل له الغليون بعد أن أدخن فيه ~~قليلا ... وكثيرا ما كنت أهمل دروسي، ولا أجيب على السؤالات، فكان يلتفت إلي ~~المرحوم أخي خليل ويقول له: # أخوك أخو مكاسلة وجهل # فقل لي يا خليلي كيف أنت # وكان له صوت جرش، ولسانه غير فصيح لا تفهم كلامه إلا بصعوبة، وهو مولع بفن ~~الموسيقى وصوته لا يطابق النغمات، وكان معنا أحد التلامذة له صوت جميل، كان الشيخ ~~يغني أمامه بعض تواشيح يتعلمها. # 2 # ويخبرنا شاكر أيضا أنه أسس مدرسة لما أيس من الوظيفة، ثم تركها عندما وفق إلى ~~عمل، ألا يدلنا هذا على أن مهنة التعليم كانت - كما هي اليوم - عمل من ليس له ~~عمل! # ويحدثنا عن الخوري موسى الذي علمه الهجو، ويقول: «إن الخوري موسى آية في الفصاحة ~~والعلوم والعفة والاستقامة، ولكنه مصاب بداء البخل فكان يجمع كثيرا ولا يصرف ~~شيئا. ما أضاف أحدا بزمانه إلا لغاية أو لخدمة أو لجر مغنم.» # ووقعت العداوة بين الخوري موسى والدكتور بسبب امرأة فقيرة عالجها هو، وكتب إلى ~~الخوري موسى «لإعطائها كم رطل من الطحين، فمزق الخوري الورقة، ولم يعطها شيئا»؛ ~~فاشتد الخصام بينهما فصار الخوري موسى يشيع أن الدكتور: «كافر بلا دين»، فكتب شاكر ~~«قانون إيمان» جديد هذا هو: # أؤمن بخوري واحد ضابط كل وقف الموارنة، ما يرى ولا يرى، وبشماس واحد ابنه ~~الوحيد، لا ينقص ولا يزيد في بيع، ونؤمن بطانيوس بو ناضر المنبثق من الخوري ~~والشماس، وبكنيسة واحدة بسكنتاوية، وبخوري واحد يبقى لدهر ms088 الداهرين، ~~ليكفر الأحياء والأموات آمين. # ثم قال في المحترم شعرا، كان باكورة الهجاء: # لا تعجبوا أن رأيتم بعض طائفة # في البخل قد شهروا سرا وإعلانا # لأنهم قبلوا عند السلام يدا # للأب موسى فأعداهم كما كانا # لو مس حاتم طي كف حضرته # لكان أبخل خلق الله إنسانا # ولو حوت داره ماء الفرات وقد # تملك النيل إكراما وإحسانا # وفي الصليب أتى يسوع سيده # وقال يا ابني موسى، بت عطشانا # ما جاد عن كرم في بل إصبعه # وقال: مت. إن فضل الموت ظمآنا # قد سن موسى عهودا في شريعته # وقبة العهد للإيمان أعطانا # من جسها كان منقادا إلى عدم # يموت في الحال محروما ومنهانا # فقبة الأب موسى بيت مونته # رغيفها بات كالأقداس منصانا # عزريل يحرسها من كل ناحية # إن حضرة الأب عنها بات غفلانا # هكذا شق شاكر طريقه، وراح يهجو الأصدقاء ~~والأعداء، فالنكتة عنده أقوى من المحبة، وإن قيل أن المحبة أقوى من الموت؛ ولهذا ~~قال يهجو لحية صديقه الدكتور سليمان مشاقة، معارضا قول المتنبي: نشرت ثلاثة ~~ذوائب: # ذو لحية دكتور ابن مشاقة # قصد الغدير بعصر يوم الأربعا # خلع الثياب وغاص قصد سباحة # فأراني «الذقنين» في وقت معا # وقال في أمير كان يلزم السكوت، ولكنه نطق حين قابل الدكتور: # أمير حافظ أبدا سكوتا # وقد عدوه من بكم الزمان # وقد أنطقته لما رآني # فظنوا أنني بلعام ثاني # وقال يهجو قسيسا لم يعجبه؛ لسعيه بين الناس: # وقس للفساد غدا إماما # ولم يقض الصلاة ولا الصياما # ولم يحفظ من الإنجيل إلا # سوى: ما جئت كي ألقي سلاما ... # وقال كابن الرومي في صاحب لحية: # لحية أبشع منها # وجه حاويها المؤرخ # بقماط أرخوها # فاستحقت قلب أرخ # وقال في طبيب كبير الشاربين: # في شخص جرجس مارون قد اجتمعت # حاجات طب حوت كل العقاقير # رؤياه مسهلة، أيديه قابضة # وشارباه رباط للبواسير # وقال يهجو قاضيا: # إذا قاضي بلادك صار يبطي # فذاك دليل «أبجد ثم حطي» # وقال في أناس أرادوا لعب الورق راغبين عن سماع شعره: # ولقد حفظت عن المسيح وصية # وهي ms089 التي لا تحقدوا بل اصفحوا # وعصيته في طرح شعري بينكم # يا ليتني قد طعت في لا تطرحوا ... # أي: لا تطرحوا جواهركم أمام الخنازير. # وحضر رواية الوردتين للمعلم عبد الله البستاني، فكثر المقرظون حتى لم يبق وقت ~~لاستماع الرواية، ففض هو المشكل بقوله: # رواية الوردتين اليوم قد ظهرت # فقرظت كل تقريظ كتلبيخ # لا شك في أن ذا التقريظ ينفعها # لا بد للورد من زبل لتسبيخ # قال: وقلت في جريدة استغنم صاحبها فرصة نفوذه، فكان يطرحها للاشتراك حتى اشترك ~~ثلاثمائة شخص لا يعرفون القراءة: # هذي الجريدة في البلاد جرادة # أمسى بها «لبنان» أصلع أجردا # مأكولها من أبيض أو أصفر # وبرازها أبدا تراه أسودا # ومر على دير رهبان لم يعجبهم ولم يعجبوه، فقال مختتما قوله فيهم: # لم يشبهوا يسوع في تاريخهم # إلا بميلاد لهم بين البقر # وامتدت لشاكر الخوري شهرة حتى صار كالحطيئة وأكثر، ويا ويل من لا يكرمه؛ ولهذا ~~تراه يصب جام غضبه على هؤلاء، فقال في كاهنين كانا «يقدسان» معا: # لما رأيت صليبا فوق مذبحه # ما بين حنا وجبرائيل قسين # حسبته واقفا من فوق جلجلة # وأنه لم يزل ما بين لصين # ودخل على رجل مقامر فقال له: ألهيتني. فقال: # ألهيتني يا شاكرا # ما هكذا فعل الصديق # فأجبته أني الذي # يلهي الحمار عن العليق # وقال في دراهم بخيل: # لا لذة لبخيل في دراهمه # إلا برؤيتها في الجيب كالهرم # دراهم البخل كالأسنان في رجل # تأتي وتذهب بالأكدار والألم # وقال في كاهن اعترف له: # من بعد تعداد ذنبي والقرار به # قد «حلني» كاهني من كل تقصير # ناديته: يا أبي، أرجوك مغفرة # نسيت ذنبا. فإني شاكر الخوري # ونظم للبطرك إلياس الشهير أبيات مديح، وقعها هكذا: # قديما شاكر الخوري # جديدا شاكر البطرك # وأحيانا لمطران # إذا قاسمني شكرك # ودخل على هذا البطرك بعد سنة، فسأله إذا كان لا يزال شاكر البطرك، فقال رجل اسمه ~~سليم بك: إن شاكرا يظل شاكرا ما دام ذنبه محفوظا، فقال الدكتور له: صدقت، والذنب ~~ذنبهم إذا لم يبقوا لي ذنبي «سليم». # فالرجل ms090 في أجوبته المسكتة لا يقصر عن بشار: قالت له مرة سيدة تدعي الجمال: يا ~~دكتور، لماذا كل أهل الجبل وجوههم ملخبطة، فأجابها على الفور: لأنهم لا يغيرون ~~البدار ... # وقال في رجل ضخم انكسر «الديوان» تحته: # ثقيل قد علا ديوان داري # وكسر جحشه وبغى اعتذارا # وقال بخور جحشك. قلت كلا # فإن الجحش لم يحمل حمارا # والشاعر مخترع في كل غرض من أغراض الشعر، ولا يعنيه إلا تصيد النكتة، فاسمع كيف ~~يخاطب عباس حلمي خديو مصر: # أتيت لمصر منقادا لأمر # من الله المحيط بكل علم # يقول لخلقه هيا إليها # بأمن وارتعوا بديار سلم # ديار للفراعنة ادخلوها # ولا تخشوا أذى رق وظلم # لئن أرسلت مع فرعون سخطي # فقد أرسلت مع عباس حلمي # وظل في مصر حتى عيد الأضحى، فمر أمام فخامته مع وفود المعيدين، فناداه عباس باسمه ~~واستقدمه، وأعطاه يده، فقال له مرتجلا: # حلمت إن زرت مصرا # أنال جاها لعلمي # فالحلم أضحى يقينا # ما عشت أشكر «حلمي» # وفي الوصف لا يقصر شاعرنا عن الإبداع، قال في مرملة: # ومرملة تمرمرها حشاها # تعزي من بغم قد يراها # إذا سكب اليراع دموع حزن # تنشفها برفق مقلتاها # وقال في «نديا وإيزا» بنتي أخت مظفر باشا متصرف جبل لبنان: # كأن عيون نديا ثم إيزا # أصابت قلب «مركوني» بفتك # تحرك قلبه لحراك عين # فنبه فكره من دون شك # لسير الجاذبية دون وصل # فأنشا التلغراف بدون سلك # وآخر دليل على قوة بديهته تعطيك إياه هذه الحادثة التي رواها. ترك شاكر بك بيروت ~~عام 1907 قبل الميعاد، فسألت عنه المركيزة مدام فريج، فقالوا لها أنه جن لتعطيل ~~شغله ... وعاد شاكر، وراح ليهنيها بأحد الأعياد، فشهقت لما رأته وقالت: خبروني أنك ~~جننت ... فأجابها: لو كنت معرضا لهذا المرض لكنت «جننت» يوم رأيتك أول مرة، فضحكت ~~وضحك المركيز! # هذا هو شاكر الخوري؛ أخاف الناس هجوه ربع قرن وأكثر، وهو اليوم لا يخطر لأحد ~~ببال، إلا عند ذكر بعض ما يؤثر عنه من نوادر. لقد نقلت منها ما يقبل، أما الحامضة ~~كثيرا فظلت في ms091 كتابه. # إن شاكر الخوري يقتبس من الكتب الدينية أكثر نكته، فهو في هذا كأبي نواس، وإن كان ~~في غيره كابن الرومي وبشار. # ورب قائل قال: لم يذكر شاكر الخوري إلا ليخبرنا أنه أصلح كتابه - عفوا سيدي - ~~فالكتاب مشحون كفلك نوح بالغلط، فلا فخر لي في هذا، ولكن الرجل يستحق أن يقف مع ~~كبار هجائي العرب ، لو صحت عبارته، فما أصح قول مثلنا العامي فيه: يا حينه لولا ~~عينه. ~~(5-2) أسعد رستم # أما الشعر الهزلي الانتقادي فكان رائده أسعد رستم، وقصائده مشهورة يدور الكثير ~~منها على الألسن، وهذا الشاعر مثل شاكر بك؛ فقلما يبالي بالفصاحة، عاد من أميركا ~~عام 1908 فكان إذا مشى في بيروت تغوص رجلاه بالوحل، فقال قصيدة هذا مطلعها: # بلدية بيروت انتحست # قد بطرت من كثرة ما لحست # وعلى هذا الغرار طبع أكثر شعره، فلذت للناس مطالعته؛ لأن هزله كهزل أبي نواس ~~يضحك ولا يؤلم، في حين أن نكتة شاكر الخوري توجع، بل تقطع الظهر ألما وضحكا ~~... # وإذا لم أتعرض كثيرا لأسعد رستم فلأنه لا ~~يزال حيا، وليس هو من «المنقطعين» ... # | شعراء متفلسفون # (1) محيي الدين الخياط # شاعر رائق الديباجة متينها، تلمذ للشيخين الأسير والأحدب، فكان رائدا كبيرا من رواد ~~النهضة بما ترك لنا من تآليف في الأصول والتاريخ حتى الفقه، فمهد الطريق للناشئين. كان ~~محررا لجريدتي الإقبال، وثمرات الفنون، وله مقالات شائقة، وقد عرب عن التركية رواية ~~«الوطن» التي وضعها نامق كمال بك، ومن ترجمته لها ندرك أنه كان حر النزعة، وله أيضا ~~تعليق على شرح نهج البلاغة، وتفسير لغريب ديواني أبي تمام وابن المعتز. # أما أشهر ما له من الشعر فقصيدة عنوانها «سوانح وبوارح» بناها «مخمسة» على أحرف ~~الهجاء ملتزما في كل مخمس قافية توحد القصيدة، وهاك مطلعها: # هيولى الكون في صور الهباء # إلام نجول في هذا الفضاء؟ # أتبقى يا فناء بلا فناء؟ # أم الإفناء سلسلة البقاء؟ # أم الإبقاء مجلبة الفناء؟! # إلى أن قال مخاطبا الإنسان، وقد رآه خلاقا مبدعا يريد أن يطاول خالقه: # فسر في الأرض ms092 زهوا أو زميلا # فلن تصل الجبال الشم طولا # وليس لخرقها تبغي سبيلا # نعم حاولت فيها المستحيلا # ولكن ذاك حول الكهرباء # ولم أنقل ما نقلت للرواد إلا لأدل المتأخرين على ما عالجه الأولون من مواضيع؛ وإنهم ~~فكروا - كجميع البشر قبلهم - بما نفكر به نحن اليوم، وليس شكنا بالجديد ولا ~~البدع. ~~(2) سليم عنحوري # هو مؤلف بدائع ماروت، أو شهر في بيروت، والجوهر الفرد أو الشعر العصري. وله كنز ~~الناظم ومصباح الهائم، ورواية الانتقام العادل والجن، وله مقالات شتى في الجنان، وفي ~~المقتطف منذ نشأتهما. الشاعر مطبوع حسن الديباجة، حاول أن يحول الشعر عن مجراه فقاله في ~~مواضيع علمية وأخلاقية وأدبية، وفلسفية اجتماعية، حتى تناول ما وراء القبر أيضا، فكان ~~رائد تجديد في ما نظمه من مواضيع، فمن قصائده المشهورة «غادة العصر» التي يقول ~~فيها: # أنا لا أمدح الغادات إلا # إذا كان العفاف لهن بردا # ولا أدعو النساء ظباء خدر # إذا ما صرن بالتهذيب أسدا # فنفس الحر تأبى حب خود # تريك تهتكا زندا ونهدا # تزيد تغنجا وتتيه عجبا # متى لمحت، ولو بالوهم، مردا # ثم يمضي في وصف حركات، غادة العصر وسكناتها حتى يقول: # تجوز الأربعين وإن تسلها # تقل لك بنت عشرين وإحدى # تسامر في الدجى أوراق لهو # وإن برعت فشطرنجا ونردا # لتستلب النضار بلا حياء # من الضيف الذي تضنيه سهدا # فيا ليت شاعرنا عاش إلى هذه الأيام ليسمعنا قصيدة ~~جديدة ... وللشاعر عنحوري لامية عنوانها «الجامعة» كلها معارضة للامية ابن الوردي، وهو ~~يقول في أولها: # فتلق الآن عني حكما # غير ما أثبته القوم الأول # ولكنني - ويا للخيبة - قد رأيتها نظم آيات وكلام مأثور، فلم يأتنا بجديد إلا حين حث ~~الناس على تعليم المرأة والرفق بها. # وتحت عنوان «أوروبا» قال قصيدة يخاطب فيها ملوك الغرب: # وفغرتم لابتلاع ال # أرض طرا شدق كاسر # وانتزفتم ثروة النا # س مكوسا وخسائر # أملوك يصلحون ال # أرض أنتم أم عناتر # فدعوا العالم يرتا # ح فما السلم بضائر! # وقال تحت عنوان «حقيقة الكون»، والضمير عائد إلى الإنسان، وإن ذكر الحيوان: # بالنبت ms093 يعيش، وبعد المو # ت لعيش النبت هو السبب # فيعود جمادا، ثم نبا # تا ثم حييوينا يثب # ويقول بعد هذه القصيدة بيتين في الموضوع نفسه: # يتغذى النبات من حيوان # بعد موت كلما رواه الثقات # ومن النبت يغتذي حيوان # إذن الموت للحياة حياة # ثم يختتم هذا الديوان بقصيدة مملوءة توبة واستغفارا ورجاء، ولعلي مصيب إذا قلت: ما ~~أرى الشاعر سليم عنحوري في ديوانه «الجوهر الفرد» إلا شاقا الطريق للزهاوي وغيره، ممن ~~عالجوا هذه المواضيع المعرية شعرا. ~~(3) تامر الملاط # شاعر أفسدت شعره السياسة، ثم جنت عليه، فقال في مصيبته أروع ما قال، قال تامر يوم مات ~~واصا باشا رابع متصرفي لبنان: # قالوا قضى واصا وواروه الثرى # فأجبتهم وأنا الخبير بذاته # رنوا الفلوس على بلاط ضريحه # وأنا الكفيل لكم برد حياته # وعزل تامر في عهد مظفر باشا من منصبه القضائي وحبس، فخربت ناحية من دماغه، وقد قال في ~~ذلك: # وإذا الدماغ تناولته علة # خاب الرجاء وضاع جهد الآسي # وقد وصفت نفسه في قصيدة عظيمة أولها: إيه فما تحت السماء جديد، قال فيها: # فلئن تروني نضو خطب باليا # فالقول فخم والكلام جديد # وبرئت ساحة تامر، ولكن بعد خراب البصرة، وبعدما قال في تحليل شخصيته ميميته التي ~~حفظها الكثيرون في لبنان: # دعاني أجرع الغما # فجفني بالأسى نما # وخلاني أصيحابي # وسهم الغدر قد أصمى # فلم أبصر أخا يرجى # ولا خالا ولا عما # رأيت الناس تخشاني # كأني وابئ الحمى # فلا أدري أحيا بت # ت أم ميتا قضى ظلما # أشك اليوم بي حتى # وجودي خلته وهما # مقود غير مختار # كأني آلة صما # ويأتيني البكا عفوا # ويعصيني البكا لما # ولا أسطيع جذب النف # س عن ضحك بي ائتما # وحال كالغني شكلا # بفقر مدقع نما # وقالوا جنة عاثت # بعقلي فالتوى رقما # وقالوا إنما القسي # س فيه نافع حسما # خرافات وأوهام # تعيب العقل والعلما # وللشاعر قصيدة سينية طيبة عنوانها: «وحدة الدين»، قال فيها: # واعمد إلى الوجدان لا تعدل به # شيئا، ولو مطر الغمام طقوسا # فالدين ما سن الضمير محذرا # يوما على المتعطلين ms094 عبوسا # وإذا نظرت إلى الوجود رأيته # بالحب يحيا سائسا ومسوسا # والدين آخر ما يزول إذا اغتدت # هذي العوالم ظلمة حنديسا # وله دالية تاريخية تقدم ذكر مطلعها، وقال قصيدة كالتي قالها البحتري في «الذئب»، أما ~~شاعرنا فتخيل أنه يقاتل نمرا فقال: # وليل تكاد الكف تلمس جلده # ترامت به الظلماء سدلا على سدل # ومضى يطبعها على غرار «لامية العرب » في الغريب، حتى ختمها كما ختم البحتري ~~قصيدته: # وقمت فأعددت المدى، وسلخته # وأقلعت عنه أنفض النعل بالنعل # كان تامر في قصائده الأخرى مجددا، فلا يضيره أن كان في هذه مقلدا. # ولتامر في الفكاهة، يوم كان سليما غير موسوس، تشطير لأبيات قالها محمد باشا المخزومي ~~في «كبوت الشيخ نوفل» الذي يضرب به المثل عندنا، فهذا النسر اللقماني لم يمت حتف أنفه، ~~بل اغتالته المنية في ساحة النضال، سقط تحت دولاب ~~العربة في «نزلة الشحار» على طريق بتدين، فمات ميتة الأبطال بين سنابل الخيل، ولهذا ~~تفضل المخزومي برثائه: # 1 ~~«وكبوت له خمسون عاما» # به مرعى لأنواع الذباب # تراه بين ترقيع ورتق ~~«يقاسي بالعنا مر العذاب» ~~«ولما هم صاحبه بقلب» # على وجه غدا عكس الصواب # وألقاه على متنيه عجبا ~~«يعيد له به زهو الشباب» ~~«ترامى فوق دولاب ونادى» # أنوفل كن جلودا في مصابي # وحسبي أنني عمرت دهرا ~~«فما لي راحة بسوى التراب» ~~(4) الفراغ المسدود: سليمان البستاني # لا بد للبناني من لغة ولغتين مع اللغة التي يتكلمها، أما ذو اللغة الواحدة فيعد ~~نصف قارئ وكاتب. فمنذ أعصر كانت السريانية والعربية مشدودتين في قرن عند أهل لبنان، ثم ~~عرفوا لغات عديدة معهما، أما سليمان البستاني ففاق من تقدموه من الرواد، فعرف خمسة عشر ~~لسانا حتى لغة «النور» إن صدق من ترجموا له ... لأنهم رووا مثل ذلك عن المطران يوسف ~~الدبس. # استهل سليمان كغيره من الرواد فكان معلما، ثم عاف التعليم وطاف أقطار المسكونة، ~~فكانت له من تلك الرحلات ثقافة أخرى هي غير ثقافة الحبر والورق. # أما الإلياذة، وهي أجل أعماله، فليس هو أول ماروني نقلها إلى لغته الأصلية. ms095 ~~فالرهاوي - قبله - قد نقلها إلى السريانية منذ مئات السنين، ثم نقلها غير الرهاوي إلى ~~العربية نثرا. ولكن إلياذة سليمان كان لها شأن لما ظهرت، فاحتفلت مصر بصاحبها يوم لم ~~يكن يحتفى برجل لأجل كتاب ... فأقيمت حفلة تكريم لسليمان بالقاهرة خطب فيها صروف ~~وغيره. # إن لإلياذة سليمان فضلا على غيرها بما علق عليها من شروح تقربها من فهم القارئ . ~~فالإلياذة شعر يوناني تاريخي أفرغت فيه جميع معارف القوم في ذلك الزمن، أما موضوعها ~~فوصف وقعة من وقعات حروب طروادة، توسع فيها هوميروس فكادت أن تكون موسوعة. وصف فيها ~~طباع الناس وعاداتهم وعمرانهم، وطرق عبادتهم، فدلتنا على أن اليونان كانوا أصحاب فلاحة ~~وصناعة وتجارة، وعلم وفلسفة، وعتاد حرب، وإذا بلغت أوروبا اليوم ما بلغته اليونان في كل ~~ما ذكرنا، فهي لا تزال مقصرة عنهم في النقش والحفر، وصنع التماثيل. # قضى سليمان عشرات السنوات في دراسة الإلياذة، وتعلم جميع اللغات التي توطئها له، وظل ~~دائبا يرحل ويقيم حتى رأى بعينه أخيرا مواطن حوادثها، فأفاد منها ما كان قد فاته. ~~وأخيرا انبرى لها، ونظمها، وشرح لنا غوامضها، وكأنه رآها لا تكون تامة بلا مقدمة فقدم ~~لها بمائتي صفحة، فجاءت تلك المقدمة كتابا أشبه بمقدمة ابن خلدون لتعدد أغراضها، ودقة ~~بحثها؛ حلل فيها أولا نسب هوميروس، وخبرنا أنه «ابن النهر» الذي ولد على ضفته، وأن أباه ~~جني، ثم مات ذاك الجني ... فتزوجت أم هوميروس معلما كفل الشاعر، ثم مات المعلم أيضا فحل ~~هوميروس محله، وفي إحدى السفرات فقد هوميروس بصره فأطلق عليه هذا الاسم الذي معناه ~~الكفيف. # ويحاول البستاني إثبات شعر الألياذة لهوميروس، ويقدم آراء وجيهة تؤيد ما زعم، أما ~~ناقد الطان الشهير - ديشان - فيقول: الإلياذة والأوديسة هما شركة أدبية. # وينتقل سليمان إلى الكلام على التعريب فيقول إنه «نقل المعاني ورسمها رسما صحيحا ~~ينطبق على لغة النقل ومشرب قرائها»، وهو يرى أن اللغة العربية خلو من الملاحم، ثم يعد ~~رسالة الغفران من الملاحم، ولكن غموض عبارتها وخلوها من الأسلوب الشعري يخرجانها من هذا ~~النطاق. # ويخبرنا ms096 الأستاذ في مقدمته أنه بدل التشابيه بمثلها؛ لأن اليونان يشبهون بالخنزير ~~البري من نشبهه نحن بالأسد، ثم تحدث عن الأدب العربي وشعره بما لا حاجة إلى ذكره هنا؛ ~~لأن طلاب اليوم يعرفون أكثره، أما يوم ظهرت الإلياذة فلم يكن لنا شيء من هذا ~~الطراز. # ويفيض سليمان في موضوعه هذا حتى يقسم الشعر إلى أنواع، ثم يذكر توارد خواطر لهوميروس ~~وامرئ القيس، وغيره من شعرائنا الأقدمين، ولا عجب في ذلك فمتى تساوت البشر جاهلية ~~تساوت تفكيرا. # ويذكر الأستاذ خاصيات الأوزان العربية فيرى أن بحر الخفيف أكثرها ملاءمة للقص ~~والشعر الملحمي. ويقول في بطل الإلياذة إنه كعنترة في حادثته، ثم يقابل بين شعر هوميروس ~~وشعراء العرب في المواقف المتشابهة. وينبئنا أن هوميروس كان لاهوتيا وقد جعل وكده ~~إنصاف المرأة. ولا ينسى - أخيرا - أن يشير إلى أن للأرز ذكرا في الإلياذة، وقد رسم ~~على وشاح هيلانة! # لقد شارك البستاني هوميروس في الشعر، ثم شاء القدر أن يشاركه أيضا في آخر العمر ~~بالعمى، جزى الله الشاعرين عن الأدب خيرا. # وللبستاني غير ترجمة الإلياذة كتاب «عبرة وذكرى» الذي طبع عام 1908 يوم كنا نبث له ~~الدعوة؛ ليكون نائب بيروت في مجلس المبعوثان، فكان ثم صار في مجلس الأعيان، وأخيرا ~~أمسى وزيرا خطيرا يرجع إلى رأيه في الجلى. ولعل نثر البستاني لا يقل عن شعره ~~جودة. # أما شعره في الإلياذة فهذا رأيي فيه: أنا لا أعرف اليونانية لأحكم، ولكن شعر هوميروس ~~- كما يبدو لي من خلال الترجمة - شعر قليل التخيل، ولست أعلم إلى من أعزو هذا التقصير، ~~فإذا أردنا أن نعذر سليمان قلنا ما قاله الجاحظ: الشعر لا يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ~~وإذا ترجم سقط موضع التعجب منه. # وقد رأيت سليمان في ترجمته الشعرية مقصرا عن سليمان في المواقف الوجدانية، فمن يقرأ ~~شعره السويسراني يجده فيه أقوى شاعرية، قد يكون تراكم الأعلام من أهم أسباب التقصير ~~البشع كقوله معربا: # أو إكسذ أو ثيسس بن أغيس من # قد كان مثل الخالدين رزينا # وكقوله: # كذا ابن هرطاقس ms097 آسيس البطل ~~... ... ... ... ... ... # وآكماس بن أنطينور يصحبه # أخوه أرخليخ كانا بصحبته # إن البستاني في ترويض هذه الأسماء اليونانية لتصير شعرا عربيا لهو أشبه بمن ينفق ~~السنين ليعلم الدب الرقص، ثم لا يفوز أخيرا إلا برقصة دب ... # أما داء «الغريب»، وسنتحدث عنه في بحث رواد المعلمين، فيبدو لنا أيضا في شعر صاحب ~~الإلياذة. فيا ليت سليماننا عربها نثرا. # وإذا سألتني لماذا لم ينظم العرب ملاحم؟ أجبتك مع ابن الأثير: إن الشاعر إذا أراد أن ~~يشرح أمورا متعددة ذوات معان مختلفة في شعره، واحتاج إلى الإطالة بأن ينظم مائتي بيت ~~أو ثلثمائة أو أكثر من ذلك، فإنه لا يجيد في الجميع، ولا في الكثير منه، بل يجيد في جزء ~~قليل، والكثير من ذلك رديء غير مرضي. # وقبل وبعد، فالإلياذة تظل وتبقى عملا جليل القدر من أعمال الرواد، وكم للرائد من ~~فضل على قومه. # | الرائدات # (1) الوردتان # والغريب أيضا أن أوليات الرائدات، كأوائل الرواد، قد كان أدبهن شعرا، فعندما مات ~~فرنسيس المراش نظمت أخته مريانا قصيدة في رثائه، وبعثت بها إلى «الجنان»، فتهلل لذلك ~~المعلم بطرس، ورحب بها في جنانه؛ لأن المعلم كان أول من دعا لتعليم المرأة. # فلمريانا المراش دويوين شعر مطبوع، أما الرائدات الأخريات فهمن وردة الترك، ووردة ~~اليازجي، وعائشة تيمور. # فلوردة اليازجي ديوان سمته «حديقة الورد» افتتحته بأبيات وجهتها إلى سميتها وردة ~~نقولا الترك، وهذا مطلعها: # يا وردة الترك إني وردة العرب # فبيننا قد وجدنا أقرب النسب # أعطاك والدك الفن الذي اشتهرت # ألطافه بين أهل العلم والأدب # أما عائشة تيمور الرائدة فلها شعر طيب، وهي عندي أخطر شأنا من وردتينا، ومن مريانا، ~~كما أنها تفوق ديباجة الكثيرين من طلائع الرواد. لعائشة ديوان «حلية الطراز» أهدت نسخة ~~منه إلى اليازجية فشكرتها هذه بقصيدة. ومن حق النساء أن يتشبهن بالرجال، وخصوصا في ~~تقارض الثناء الذي قال شوقي إنه يغرهن ... قالت وردة: # يا نسمة من أرض وادي النيل # وردت فأطفت بالسلام غليلي # أنت الفريدة في النساء فكيف لا # أهوى حبيبا بات دون مثيل # علمتني قول ms098 النسيب وهجت بي # ما هاج حب بثينة بجميل # ولوردة مشاركة في قول الرثاء، فكأنها فيه بنت أبيها حين تقول راثية مارون ~~النقاش: # الموت للناس كالجزار للغنم # فليس يترك من طفل ولا هرم # وكأن القدر قد أطال عمر وردة؛ لترثي جميع أهلها حتى أخاها إبراهيم فتشبه نفسها ~~بالخنساء، حين تقول، والضمير عائد إلى الخنساء: # بكت وحيدا وأبكي ستة ذهبوا # لكل محمدة بين الورى وجدوا ~~(2) عائشة تيمور # هي بنت إسماعيل باشا تيمور، أخذت العلم من وراء الحجاب، عن جلة المشايخ وكانت تصغي ~~إلى مذاكراتهم كلما اجتمعوا في مجلس أبيها، ومن شعرها قولها في وصف نفسها: # بيد العفاف أصون عز حجابي # وبعصمتي أسمو على أترابي # فجعلت مرآتي جبين دفاتري # وجعلت من نقش المداد خضابي # كم زخرفت وجنات طرسي أنملي # بعذار خط، أو إهاب شباب # ما عاقني خجلي عن العليا، ولا # سدل الخمار بلمتي ونقابي # ما ضرني أدبي وحسن تعلمي # إلا بكوني زهرة الألباب # وقد قالت بعد شفائها من رمد أصابها: # سفينة العين قد فازت من الغرق # وأشرقت تزدهي من ساحل الحدق # ثم عاودها ذاك الرمد، فقالت: # فوا أسفي على إنسان عيني # غدا في سجن سقم واعتقال # تمس المصحف الأسمى يميني # وقد وضعت على قلبي شمالي # وأنشده: لآيك طال شوقي # وما لي غيرها عز ومالي # وهذه الشاعرة الكبيرة - بالنسبة إلى العصر - من فئة المستعربين، فهي تركية أصلا، ~~ومصرية وطنا، ولها شعر قسمته «مي» في درسها لها إلى خمسة أقسام: # الغزلي، والأخلاقي، والديني، والعائلي، وشعر المجاملة. ولعل أروع شعر عائلي قرأته ~~لها، فأحسست بقشعريرة، رغم أن جلدي سميك ... هو قول الشاعرة بلسان ابنتها «توحيدة» التي ~~فقدتها: # أماه قد عز اللقاء وفي غد # سترين نعشي كالعروس يسير # قولي لرب اللحد: رفقا بابنتي # جاءت عروسا ساقها التقدير # أماه، لا تنسي بحق بنوتي # قبري لئلا يحزن المقبور # صوني جهاز العرس تذكارا، فلي # قد كان منه إلى الزفاف سرور # أما الأم فتجيب في القصيدة نفسها: # لا توصي ثكلى قد أذاب وتينها # حزن عليك وحسرة وزفير # قسما بغض نواظر وتلهفي ms099 # مذ غاب إنسان وفارق نور # هذه هي الرائدة الكبيرة التي درستها «مي» في المقتطف درسا مطولا، فهل تنبري كاتبة ~~من كاتباتنا لدراسة باحثة البادية ومي، فتقضي ما وجب علينا من الحقوق نحو هاتين ~~اللتين يصح فيهما ما قاله النابغة في الخنساء. # | الرواد الكتاب # المسرح، والجريدة، والقصة # برز روادنا في النثر أكثر منهم في الشعر، كانوا في ذاك زعماء تجديد ، أما في القريض فظل ~~بينهم وبين كبار زعمائه أشواط، وإن جددوا فيه، وإذا كان قد لقي شعرهم المدحي استحسانا في ~~عصرهم، وأجيزوا عليه بالمال والمراتب السنية، فما ذاك إلا من باب قول المثل: من قلة الرجال ~~سموا الديك أبا قاسم ... # أما أثرهم في النثر، فيسجل لهم في تاريخ الأدب اسم الفاتحين، أعانتهم على ذلك معرفتهم ~~اللغات المتعددة، فطعموا الأدب هذا التطعيم الذي جنى ثماره «رجال النهضة». # وراح هؤلاء يطعمون ويطعمون حتى صارت روضة آدابنا فواحة العبير، دانية القطوف. # اللهم، زد وبارك. # اللهم، اجعل المستقبل أمامنا لا وراءنا. # يا فتاح، يا عليم. ~~(1) روادنا والقصة # أظن - وظني حق هو - أن أدبنا الحاضر كأكثر الآداب العالمية الحديثة، ترعرع وشب في حضن ~~«الجريدة». فالأدب الإنكليزي الحديث، كان أولا أدبا صحفيا، وما ظهر الكتاب عندهم إلا ~~بعد ما اشتد ساعد المنشئين في ساحة النضال الصحفي. # أما الكتاب عندنا، في هذه الحقبة، حقبة النهضة الحديثة، فكان أول ما ظهر منه إما ~~ترجمة كتاب ديني لا بد منه «لخلاص النفوس»، يخرجونه كما تخرج دول اليوم كتاب «الدليل» ~~للسائحين والمصطافين لهدي الناس سواء السبيل ... ودلهم على مفاتن بلادهم ومحاسنها، وأية ~~رحلة أجل وأخطر من الرحلة الأخيرة. وإما أن يكون تصحيح كتاب تعليمي أو تأليفه أو ~~طبعه. # ولما عرفنا الصحف والمجلات كان أدب المقالة أولا، فكتبت لتوجيه القراء في ميادين ~~الحياة العديدة الشئون والشجون، ثم تلاه أدب القصة والأقصوصة والحكاية. وهذه الألوان ~~كلها من «مقبلات» المأدبة الصحفية ليقبل عليها القارئ بنهم ولذة، يوم لم يكن يعني ~~القارئ ما يعنيه اليوم من أنباء، ومشاكل اجتماعية مختلفة. # أما الكتاب العربي الأدبي الأول ms100 فخرج من دهليز الجاحظ البصري العراقي منذ ألف ومائة ~~سنة ونيف، كما خرج الكتاب العربي الأدبي الحديث من كوخ أديب لبناني شردته عوادي الزمن ~~عن وطنه، وهو أحمد فارس الشدياق الذي يربطه بالجاحظ أقرب النسب. أخرج الشدياق أبكار ~~الكتب الطريفة - الواسطة، وكشف المخبا، والفارياق - قبل أن أخرج للناس جريدته «الجوائب» ~~التي صارت فيما بعد، بطرفها النفيسة من مقالات وحكايات ، ونوادر وأخبار، و«جمل» أدبية، ~~وسياسية؛ مدرسة سيارة تثقف القارئ العربي تحت كل كوكب. # وعرف اللبناني، قبل غيره، لأسباب دينية، كثيرا من الألسن الأجنبية، وتعرف إلى ما عند ~~نوابغها من روائع، فترجم واقتبس واقتدى بهم في كل فن ومطلب. # تكلمت فيما مر عن شعر طلائع النهضة ونثرهم، ولا بد لي هنا من الكلام عن القصة، ذلك ~~اللون الأدبي الذي يكاد يطغى اليوم على أدبنا الحديث. كان أكبر هم الأديب، فيما مضى، ~~أن يكون شاعرا، أما أقصى ما يروم، اليوم، فهو أن يحصى في عداد القصصيين. # فأدب القصة الذي أضحى قبلة الشباب حين يقفون في هيكل الفن، قد كاد يطمس كل لون من ~~الألوان الأدبية. إن هذا الضرب من ضروب الأدب يكاد يكون كل شيء في آداب الدنيا جمعاء. ~~فحنيننا إلى رؤية أدب عربي عالمي لا يأتينا إلا من هذه الناحية، ناحية الأدب القصصي. ~~قرأت كتابا أوروبيا يتحدث عن الآداب العالمية مقارنا بينها، ودالا على تراث كل ~~أمة فيها، ولو لم يكن لنا كتاب ألف ليلة وليلة الذي يعده أندره جيد بمنزلة الإلياذة، ~~وغيرها من الكتب المحتلة أعلى قمم الخلود؛ ما كان هذا المؤلف أتى على ذكرنا، فالقصة ~~اليوم على اختلاف أنواعها هي قوام الأدب الحديث وملاكه، رافقت الإنسانية من المهد، وسوف ~~تماشيها إلى اللحد. كانت - في الأمس - أحلاما بشرية حافلة بالجن والعفاريت والمردة، ~~مملوءة حنينا إلى بساط الريح، وخاتم لبيك، والقضيب السحري، والقبع الأخفى وغيرها، ~~فأصبحت الآن حقيقة، بل قل قطعة من الحياة، إذا لم نقل إنها الحياة بعينها. فأعظم ~~بالروائي الحاذق مبدعا يخلق عالما لا يموت! فالخطبة، والمقالة، والقصيدة، لا تستهوي ms101 ~~الأطفال والصبيان والشباب، بل الرجال الذين نسميهم بحق أطفالا كبارا، كما تستهويهم ~~تلك القصص الرائعة التي تلقي على الحياة أشعة ثاقبة تمزق ظلماتها ودياجيرها. # تذكر جدك الشيخ كيف كان يرى كل اللذة في أن يقص عليك وعلى غيرك حكايات حياته، وما ~~فيها من مغامرات، ألم تر إلى غضون جبينه كيف كانت تمتلئ نورا؛ إذا رأى في وجوه ~~السامعين إصغاء إليه وارتياحا لحديثه، وإعجابا بقصصه. # فالقصة حديث البشرية منذ تجمع الناس في الكهوف، بل الإنسانية برمتها حكاية أبدية ~~متشابكة الخطوط، جمة الألوان، أبطالها عباقرتها، ومن تأملها رأى جمالا كثيرا حتى في ~~أشد مشاهدها قبحا، وما هذه القصص الدهرية، ذلك الميراث الخالد، إلا فصول رائعة من هذه ~~القصة الكبرى. # وفي نظري، أن القصة كلما شخصت الواقع، تكون قد قربت من الكمال الفني. فالروائيون ~~مصورون بغير الألوان، وكم أوحى الملهمون منهم إلى نوابغ المصورين رسوما رائعة، ولوحات ~~خالدة في دنيا التصوير، والمصورون كالروائيين أيضا، خيرهم من أحسن تقليد الأشباح ~~والظلال، فحسن التقليد هو قمة الفنون الجميلة، فهنيئا لمن أوتي من الروائيين سلامة ~~الذوق ليختار من ألفاظ اللغة ألوانه، ويبدع من تزاوج ألفاظها قوس قزح. # الروائي خالق مبدع، ومصور مثالي، وشاعر كلي الخيال. يخلق عالما يتحرك، وينطق، ويحيا، ~~ويخلد، وبخلوده يخلد الفنان معه، فالحياة والخلود متبادلان بين الروائي وشخوصه، فما ~~يخلقه الفنان ويهب له جزءا من حياته يحيا إلى الأبد، يتحرك كلما حركته يد مفكرة أو ~~تداوله لسان، فبين دفتي كل كتاب من كتب القصص الخالدة عالم يتحرك كالبحيرة الساهية متى ~~داعبها النسيم. الروائي الفنان يجعل من القصة ساحة لعالمه الذي يخلقه قلمه، فيتمثل لنا ~~كل بطل من شخوصه بشرا سويا. وتنتصب حولك تلك الأبطال فتنسيك العالم الخارجي حتى تصبح ~~في عالم آخر لا يختلف عن العالم إلا أنه وهمي، ينقلك الروائي إلى الساحة التي خلقها ~~فترى البيوت والأسواق، وترى الجبال والأودية، وتسمع خرير الأنهار، وتبصر كل شيء حتى ~~نجوم السماء صلاة الظهر، والشمس في منتصف الليل. # فحين تزج نفسك في عالم الروائي الأصيل ms102 لا تعود تعلم أين أنت. فقد يحملك الرخ بمخلبه، ~~وقد تركب بساط الريح، وتلبس «القبع الأخفى»، فإذا بك تطير وتحط، وتقوم وتقعد، وأنت ما ~~زلت في فراشك، أو مستلقيا على كرسيك. # يخلق الروائي الموهوب أشخاصا لا ينقصها غير الروح، بل قل لا تنقصها الروح لأنها ~~تتقمص نفس قارئها فتحيا بها حينا، كما عاشت زمنا مع من أنشأها وأبدعها . # وبكلمة وجيزة نقول: إن أول آداب الأمم والشعوب هو القصص، والمشترع، ولو وثنيا، يفكر ~~بقصة الخلق قبل عرض رسالته على البشر. فالحياة إذن كلها قصة، ووجودي ووجودك، يا سيدي ~~القارئ، قصة طويلة عريضة، جعل الله خاتمتها خيرا. # هل في الأدب العربي القديم قصة؟ هذا سؤال يرد على ألسنة الناس كثيرا. أما الذين ~~قرءوا منا أعاظم كتاب الغرب، وأغرموا بروائعهم، فلا يرون للعرب قصة، ولا يرون لهم ~~خيالا يحترم، ولا يرون شعرهم شعرا يستحق أن يحيا. # هذا ضلال منا؛ إذ نحكم على أسلافنا هذا الحكم الطائش الجائر. # قال جيمس بريستد المتمشرق العظيم: إن انخذال المسلمين في إسبانيا كان بمثابة انخذال ~~المدنية أمام الهمجية. # وقال السر تشارل باتريس في خاتمة تاريخه لإسبانيا: إن عصر الآداب الإسلامية فيها كان ~~من أزهى عصور امتزاج العناصر في تاريخ الحضارة. # ويقرر المستر جب المتمشرق الإنكليزي الذي لا يزال حيا يرزق، وهو عضو في المجمع ~~العربي الملكي المصري: إن النثر العربي أخرج نثر أوروبا في القرون الوسطى من جموده ~~وصرامته التقليديين، بما منحه إياه من خياله الذي يشبع الحواس. أما نحن فنقرر - ويا ~~للأسف - غير ذلك، مماشين المتمشرق أوليري القائل: العربي جامد العواطف ضعيف ~~الخيال. # هذا من حيث نثرنا وشعرنا القديمان، أما القصة فالعرب هم الذين علموها الغرب، وإن ~~لم يكتبوها كما تكتب اليوم. وبرهاني على ذلك قول الأستاذ جب أيضا، وهو اختصاصي ~~بدراسة القصة. قال: أسمع العرب أوروبا حكايات السندباد البحري، وما إليها، فكانت خميرة ~~للأدب الخيالي الأوروبي الجديد الذي زحزح الأدب التقليدي، وحل محله، فنشأت في أوروبا ~~الروايات الرومنطيقية. # ويقول أيضا: إن قصة ألف ليلة وليلة التي ms103 ترجمت عام 1704 كانت أقوى عضد للأدب ~~الخيالي؛ ففتنت أوروبا، وقلدها كتابها في قصصهم، فأشبعوا نفوس الأمة، وميول العالم، ~~واتلدت منها قصتا روبنصن وجيلفر، وغيرهما. # ونحن كغيرنا من أمم الأرض قد مررنا في أطوار ومآزق، وقد خرجنا منها بقوة الفكر ~~والخيال الذي لا يفتأ يعمل حتى في أدجى الظلمات، فمنذ عرف الشرق الطباعة والصحافة ألم ~~كتابه بمقدار من القصة والأقصوصة والرواية، فترجم أحمد فارس لجريدته «الجوائب» بعض ~~حكايات، ولما ظهرت «الجنان»، بعد عشر سنوات، شرع سليم البستاني ابن المعلم بطرس يعرب ~~ويؤلف لها الروايات والقصص، فما خلا منها عدد منذ مولدها حتى مماتها، ومثله فعل جرجي ~~زيدان في هلاله ناحيا نحو إسكندر ديماس في رواياته التاريخية، ومثل هؤلاء ألف صروف ~~قصصا لمقتطفه، وكذلك فعل شيخو في مشرقه فنشر روايات شرقية مؤلفة ومعربة. # أما فرح أنطون صاحب مجلة الجامعة، فكان ميالا إلى الفلسفة ومشاكلها، فألف لمجلته ~~رواياته الفلسفية الاجتماعية، ثم كان إلى جانب هؤلاء كتاب كثيرون يترجمون القصص على ~~اختلاف أشكالها وألوانها، فراجت الروايات البوليسية؛ لأن فيها مغامرات وعقدا تستثير ~~فضول الناس حين ينتظرون النهاية، ولعل طانيوس عبده كان المترجم المجلي في هذا المضمار ~~الأدبي. # أما الأقصوصة، وهي التي يهاجمها اليوم المبرز والمقصر، فجبران خليل جبران كان أول ~~من حاول تأليفها وفقا لأصولها الحديثة، فأخرج مجموعته الأولى «عرائس المروج»، ثم ~~أتبعها بالأرواح المتمردة وغيرها، فهذه الأقاصيص تمتاز بخيالها الرفيع، وبما يشيع فيها ~~من ألوان يندر وجودها عند الكتاب الآخرين؛ لأن مؤلفها مصور، يفكر بالصور، ويكتب ~~بالألوان لا بالحبر والورق، أما مواضيع أقاصيصه فكانت اجتماعية تحارب تقاليد يقدسها ~~المجتمع. إن أقاصيص جبران كالواقعية في حوادثها، ولكن خيال صاحبها يخرج فكرته ~~الاجتماعية بقالب خيالي يبعدها كثيرا عن الواقع، ولعل هذا هو عيبها الصارخ. # وبعد تلك الآونة بوقت قليل ظهرت في مصر أقاصيص لمحمد تيمور الذي مات ولما ينضج. ~~والقصة اليوم تكاد تكون هدف كل كاتب موهوب، يلجأ إليها في تأدية أغراضه، وبث فكرته، إن ~~كانت له فكرة. وإنني كبير الأمل بالشباب، وأرجو أن ms104 يبدعوا في هذا الفن، فتبلغ القصة ~~والأقصوصة والرواية عندنا المستوى الذي يجب أن تبلغه أمة كان أدبها فيما مضى منارة ~~للشعوب، كما يعترف بذلك رجال الفكر المنصفون. # لو جئت أعدد القصصيين لضاق المقام، ثم إنني أخاف أن أنسى أحدا منهم فتقوم القيامة؛ ~~ولذلك اكتفيت بمن ذكرت من الرواد، أما الأحياء فالقراء يعرفونهم جميعا، وهم يحسنون ~~الحكم عليهم دون أن أكون لهم مستشارا. # وبعد فلي كلمة أوجهها إلى القصصين عندنا، وهي أن اللغة ليست جمادا ساكنا، ولكنها ~~حي نام، فيجب أن يوفق بينها وبين ضرورات التعبير التي تتغير بتغير العصور والبيئات، ~~فالإسراف في التمسك بالأساليب اللغوية العتيقة لا يلائم قصتنا اليوم، وهو يؤدي حتما ~~إلى تغلب الأسلوب المبتذل. فليكن إذن أسلوب القصة صحيحا، أولا، ثم قريبا من التعابير ~~المألوفة في الحياة، والتي تدور على الألسنة. وإني أذكرهم بأن القصة العالية هي قطعة ~~فنية لا بد لها من العنصر الشعري، فليست القصة حكاية تروى كما هي في الحياة والواقع، ~~ولكنها تصور الواقع كما يراه الكاتب الملهم. نعم ليست القصة مقالا ولا فصلا ~~تاريخيا، فعلينا أن نجعلها لابسة أجمل أثواب الأدب الرفيع. # ولا يعني قولنا هذا أن نجعل الحوار شعري التعبير، فللحوار لغته، وللوصف أسلوبه، ~~وبهذين العنصرين تحيا القصة، وبدونهما لا تعيش. إن بث الحياة في أشخاص قصصنا يقتضينا ~~هذا وذاك، فلنكن حكماء. # وقبل أن نطوي سجل هذا البحث الوعر نقول للقارئ العزيز بلسان فلوبير وتورغنيف: «لا ~~تكتب القصة ليتسلى بها، ولكنها قطعة فنية يجب أن تكتب جيدا.» # أجل، على قدر ما في القصة من شاعرية يكون نجاحها، أما شعرها، وما نعني إلا النثر ~~الشعري، فيجب أن يكون منبثقا من أعمق أعماق الكاتب الأصيل، وأن ينفجر من شخوص الرواية ~~ومشاهدها لا من شخصية المؤلف. # وهنا لا بد من لفت النظر إلى أمر مهم وهو أنه على القصصي أن يقطع السرة بينه وبين ~~أبطاله؛ فيجب ألا ننطق بلساننا إلا عما لا يمكن أن ينطق به أشخاص قصتنا، فالحوار كما ~~قلت هو ملاك القصة وروحها ms105 وفيه فنها كله. # طبعا تريد أن تعرف ما هي مقومات القصصي لتعرف نفسك، وعليه أقول لك يا عزيزي: إن ~~الروائي خلاق كما قلت لك سابقا، فإذا كانت الطبيعة لم تهبك قوة الإبداع فلن تستطيع أن ~~تكون قصاصا، كما أنك إذا تجاوزت الحد في الخلق الغريب كنت كمن يخلق مسوخا وعجائب، ثم ~~إذا استطعت أن تخترع ولم تحسن القص تعرقل سير شخوصك ووقفت حركة قصتك، والجمود ~~قتال. # فعلى القصصي أن يمسك سلك قصته ثم لا يفلته، وإذا أقبل وأدبر وكان غير لبق «تشركل» ~~الخيط ... فالقصة محتاجة إلى حسن وتنوع في الموضوع، وإلا قتل القارئ صبرا. # والقصصي محتاج إلى كل علم وخصوصا علم النفس، وعلم الاجتماع، وقوة الملاحظة؛ ليستطيع ~~خلق أبطال لهم مميزاتهم الخاصة، وعلاماتهم الفارقة، وبغير تصوير هؤلاء أتم تصوير لا ~~تحيا القصة مهما أسبغنا عليها من حلل الفصاحة والبلاغة. # وبعد كل هذا، بل قل قبل كل هذا، عليك أن تقرأ روائع القصص العالمية قراءة عميقة، ~~وتطالع كتب النقاد، وما علقوه على هوامشها. # وأخيرا إذا سألتني: كيف أكتب القصة؟ أجبتك: اعمل بباعك وذراعك، فالفن لا يعرف ~~المقاييس، والأم عندما تضع ولدها لا يعنيها أن تبحث عن كيفية تكوينه من بويضة إلى كتلة ~~لحم ذات محرك - موتور - يعمل بلا انقطاع عشرات الأعوام. # إن المقاييس لا تخلق الفنان ولكنها تهذب من خلق فنانا، ونصيحتي لك هي أن تكون ~~قارئا مدمنا لا يفرق بين قديم وحديث، فالفن الصحيح كالخمرة، كلما عتقت جادت. ~~(2) المسرح ~~(2-1) مارون النقاش # أمامي «أرزة لبنان»، وهي مجموعة روايات مارون النقاش أبي المسرح العربي. احتفلت ~~مصر بالذكرى المئوية لروايته الأولى، منذ ثلاثة أعوام - 1948، وكي لا أطيل المقدمة، ~~وأزعجك بشقشقة الكلام عما أحدثته مسرحيات مارون النقاش، أدع الكلام لمعاصره الشيخ ~~يوسف الأسير الذي قال فيها: # هذي رياض أثمرت # فكاهة كالرطب # أم حكم قد ركبت # في قالب من لعب # يكاد أن يرقص من # يسمعها من طرب # أم ذي ثمار فكر من # حاز فنون الأدب # أعني به مارون من # أبدعها بالعربي # شكرا له من ms106 فاضل # فاز بكل الأرب # حق على نقاشها # نقش بماء الذهب # فلو لم يكن الفضل للمتقدم لما عنانا شيء من أمر هذه المسرحيات لضعف أسلوبها، ~~ولكن فهم مؤلفها للفن يشفع لها، فقد تعرف إلى أصوله في كتب القوم، ثم عندما زار ~~أوروبا وخصوصا إيطاليا. تعلم ذلك حين تقرأ مقدمة «أرزة لبنان»، وتصل إلى التعبير ~~عن خشبة المسرح ب «البانكوشينكو». # ثم يقول في تلك المقدمة بعد أن يتحدث عن التمثيل الأمثل: «نحن الآن لا نطلب من ~~أصحابنا الوصول لهذه الدرجة بل نرجوهم الانتباه لذلك قليلا، وأشور عليهم ألا ~~يزيدوا الحد أيضا بتكثير الإشارات والانفعالات، بل الموافق أن يكون كل شيء سائر ~~طبيعيا بالاعتدال كما لو كان الحادث الواقع أكيدا؛ حتى لا يضيع رونق الرواية، ~~وتعب المؤلف؛ لأنه إذا لم تحسن الإشارات فالرواية هي كالعدم.» # هذا ما قاله نقولا أخو مارون طابع روايات أخيه عام 1869، وهو يقول في آخر مقدمته: # أما المرحوم أخي المصنف فقال: أما أنا فلا أستحسن هذه الإشارات بل إنما ~~أنا على رأي موليير «أشهر المؤلفين بهذا الفن» الذي قال: إن من لا يحسن ~~تشخيص روايتي بدون إشارات تدل على ما ينبغي عمله، فالأحسن ألا يشخصها، ~~والقصد بذلك ظاهر. إن المعنى هو ذاته ينبه اللاعب للحركة اللازمة. # 1 # أما كيف مشى التمثيل في ظهور الليالي يرجو التلاقي، كما قال المتنبي لكافور، فهو ~~أن مارون جعل من بيته مسرحا، ثم بنى آخر في جوار بيته، ولكن هذا صار كنيسة، بعد ~~موته. وهنا لا بد لنا من وقفة؛ لنفهم القارئ أن هناك معاصرين لمارون اقتدوا به ~~وألفوا مسرحيات، وهناك أعيان كمارون جعلوا مثله دورهم مسارح. فهذا ديوان عمر ~~الأنسي ينبئنا أن رواية مثلت في دار بني الغندور، وإن رواية ثانية كتبها الأمير ~~محمد أرسلان، ومثلت في دار بني حمادة. وقد مر بنا ذكر الرواد الذين ألفوا مسرحيات، ~~ثم احتضنت المدرسة المسرح، وانصرف إلى تأليفها وترجمتها معلمون كثيرون. # أما المسرحيات الشعرية فتصدى لها خليل اليازجي، ثم المعلم عبد الله البستاني ~~الذي نظم خمس ms107 مسرحيات أشهرها «رواية الوردتين» التي «قرظ» مقرظيها شاكر بك الخوري ~~كما مر بك. # أنشأ مارون مسرحياته؛ ليجذب الناس إلى محبة هذا الفن لأنهم أعداء كل جديد، ثم ~~تنوعت المسرحيات بعده مع أديب إسحاق، والحداد، وفرح أنطون وغيرهم ممن ترجموا ~~وألفوا. # أما في سوريا فأبو خليل أحمد القباني كان أول من أحيا هذا الفن في دمشق عام 1865، ~~فاستمد مواضيع مسرحياته من التاريخ العربي، فأقبلوا عليه في مصر، ولم يخرج منها ~~كما أخرج يوسف الخياط الذي مثل رواية «المظلوم» بحضرة الخديو إسماعيل. # إن هذا الفن - كما كان في أوروبا - نشأ وترعرع في لبنان، وإن آلت زعامته بعد حين ~~إلى مصر، وهي لا تزال في ذلك القطر في رقي بفضل مناصرة الدولة لأربابه ورعايتها ~~لهم. فإذا كان لبنان مثل أول رواية عربية فمصر أنشأت أول «أوبرا» ملكية. أما مسرح ~~سميي مارون - وهو بكر المسارح العربية الشرقية - فاستحال إلى كنيسة # 2 # كما قلنا. ~~(2-2) نجيب الحداد # ولد في بيروت عام 1867، ومضى لسبيله عام 1899 فكان خاتمة كتاب القرن التاسع ~~عشر، دب في حجر خاليه إبراهيم وخليل اليازجي؛ فتلقى منهما أصول اللغة العربية، ثم ~~هاجر إلى مصر وهو صغير السن فأدخله ذووه إحدى مدارس الإسكندرية فأتقن اللغة ~~الفرنسية، ولما نشبت ثورة عرابي باشا عاد إلى بلده، وأتم دروسه في المدرسة ~~البطريركية ببيروت. # ولما هدأت عاصفة تلك الثورة رجع إلى الإسكندرية، وانصرف إلى الكتابة فخاض غمار ~~الصحافة وبرز في ميدانها. كانت المقالة في زمن نجيب بضاعة الوقت الرائجة في سوق ~~الأدب، فأنتجت منها قريحته روائع وطرائف، فطارت شهرته وبعد صيته. وكان المسرح في ~~طور صباه فغذاه نجيب بروايات تمثيلية عديدة كان لها أحسن وقع في النفوس، فطغت على ~~مسارح الشرق العربي. # كان بلبل هذه الروايات الشادي الشيخ سلامة حجازي آية دهره في الإنشاد، فاستيقظنا ~~نحن على أسطواناته ذات الاهتزازات الساحرة تغني لنا من شعر نجيب الحداد. # إن كنت في الجيش أدعى صاحب العلم # فإنني في غرامي صاحب الألم # يا من تملكتم قلبي، فكان لكم # عبدا، وكنت ms108 له من أطوع الخدم # هذه من رواية صلاح الدين الأيوبي التي راع السلطنة التركية تمثيلها، ثم الأنشودة ~~الثانية من رواية روميو وجولييت: # سلام على حسن يد الموت لم تكن # لتمحوه أو تمحو هواه من القلب # وهناك روايات أخرى عديدة شهدت تمثيلها في بيروت لجوقة رحمين بيبس. # أتم نجيب الحداد ما بدأ به مارون وسليم النقاش وأديب إسحاق، فمضى بالمسرحية ~~قدما، كما أحسن إنشاء المقالة ، وإن قصر عن أديب إسحاق فيها. فالفرق بين الأديب ~~والنجيب هو أن أديب إسحاق كفرس سبوح جموح، والنجيب يمشي مشيا وئيدا. في نجيب ~~الحداد شيء من نفس خاله إبراهيم فيسير الهوينى حين يكتب، وقد رأيت ابن الأخت هذا ~~يترسم خطى الخال في مقالاته الأدبية. إن هؤلاء الذين أسميهم أساطين كتاب المقالة - ~~بعد أبيها الشدياق - وهم سليم البستاني، والمراش، وإسحاق، وتقلا، وإبراهيم اليازجي، ~~ونجيب الحداد، وخاتمتهم المنفلوطي قد ساروا بالمقالة إلى أمدها البعيد، أما الذين ~~جاءوا بعدهم، وإن كتبوا المقالة مثلهم، فقد تغيرت عناصرها على يدهم، وبرزت من تحت ~~سن قلمهم فاتنة مغرية كما نلحظ حين نقرأ الريحاني - أبا الشعر المنثور - وجبران ~~وولي الدين يكن وعمر الفاخوري، وغيرهم. # كان للمقالة الشأن الأول في فجر النهضة؛ ولهذا نرى أثر الشدياق وإسحاق ظاهرا في ~~جميع من أتوا بعدهم، فقد كان يوصينا أساتذتنا بقراءة مقالات هؤلاء، وخصوصا درر ~~الأديب ومنتخبات النجيب، فكان هذان الكتابان في قماطرنا - طبقاتنا - إلى جانب نهج ~~البلاغة، نظل ننهل منها، ونعل حتى نخرج من قاعة الدرس جارين الذيل تيها ~~كالتغلبي ... # كان يعجبنا الحداد أولا لسهولته وليونته، حتى إذا تمكنا من ناصية لساننا المبين ~~ملنا إلى أديب، ثم عدلنا عن الاثنين إلى نهج البلاغة، وأمسينا ولا كفء له في ~~نظرنا، لقد أجملنا فلنفصل الكلام عن الحداد الناثر. # لنجيب منتخبات طبعت مرات لتهافت الناشئين عليها. كانت مثالا لنا في ذلك الزمن ~~نطبع على غراره، أما موضوع هذه المقالات فأكثره أدبي اجتماعي؛ لأن معالجة القضايا ~~الأخلاقية كانت أغلب في ذلك العصر. وفيها أيضا مقالات عديدة، سياسية، وفيها حكايات ~~وملح، ms109 وقصائد معربة عن الفرنسية، وكلها ذات مغزى ترمي إلى غرض أدبي اجتماعي، لا ~~يتسع المجال لتحليل أسلوب الحداد في نثره الطريف، فهو كالشعر في التخيل، وصفاء ~~العبارة وموسيقاها، وإني لأكتفي بعرض نموذج يدل دلالة واضحة على طريقته الكتابية، ~~وغرضه الاجتماعي، قال من مقالة عنوانها: «الخادم والمخدوم»: # متى ترى الرجل مطرقا مهموما يفكر في مستقبل أيامه، وحزينا يحسب لغده ~~قبل عامه، ويحرص على صحته كما يحرص على رأس ماله؛ إذ لا مال له سواه، وهو ~~مع ذلك ينفقها عرقا يسيل من ثنايا الجبين العابس، ونورا ينبعث من حدقة ~~تلك العين الكليلة، وفكرا تقسم بين عمله المندوب إليه بدافع العيشة ~~والاحتياج، وبين عيلته المدفوع إليها بداعي الحنو والتسخير، فقل هذا هو ~~الخادم رب البيت والأولاد، يعمل لطعام اليوم من شغل اليوم، ويسأل الله ~~السلامة في الغد ليعمل في الغد، ولا أمل له في هذه الحياة الدنيا سوى مخدوم ~~أوى إليه، وعافية يستعين بها عليه، وصبية صغار يرجو أن يقوى على قوتهم ~~وسد حاجاتهم، قبل أن يرجو لهم بلوغ الشباب، ويأمل منهم النفع ~~والإسعاف. # ومتى رأيت الرجل يمشي في الأرض مرحا، ويختال في مشيته فرحا، ويرفع ~~أبصاره إلى العلاء كبرا، قبل أن يرفعها شكرا، ويدخل إلى حانوته آمرا ~~ناهيا، يسخط على خادم لا يرضيه، أو يتظاهر بالغضب عليه لكي لا يطمع فيه، ~~أو يدعي القلة والخسران لكي لا يزيد في راتبه ما يكفيه، فقل هذا هو ~~المخدوم، أو البعض من أمثاله. # يحاسب على الدرهم ويخزن في الكيس، ويعد مئونة الدهر، ويجمع لآخر الأبد، ~~وقد أنساه الغنى أن في الأرض موتا دائرا، وقضاء محتوما، وأن وراءه ~~خادما عاملا لا أمل له بعد الله إلا به، ولا معول إلا عليه، ولا رجاء ~~إلا عنده، ولا طمع بمستقبل العمر والاستعانة على شدائد الدهر إلا فيه، وفي ~~مكارم أخلاقه، وقد لا يكون من أصحاب تلك الأخلاق كما يكون خادمه من أصحاب ~~تلك الآمال. # أرأيت أي مشكلة يعالج نجيب الحداد في ذلك الزمان، إنها مشكلة اليوم بعينها؛ ~~ولهذا ms110 نقول: إن الأدب الحي لا يموت، بل يصلح للقراءة في كل زمان ومكان، أظنك أدركت ~~معي بعدما سمعت تلك الفقرات أن هذا الجيل من الأدباء متأثر بكتاب القرن الرابع؛ ~~أي مدرسة ابن العميد، وقد دلك على ذلك دلالة واضحة تفننه في استخدام حروف الجر كما ~~كانوا يتفننون. # وهناك أيضا نجيب الحداد الشاعر وهو في نظمه الهين اللين متأثر جدا بجده ~~المرحوم ناصيف اليازجي، وهذا ما يؤيد مزعم النقادة الفرنسي «تين» في العرق، انظر ~~إلى ديباجتيهما فتحسب أنهما نسجتا على نول واحد، ففي شعر نجيب سهولة وبساطة كلام ~~جده، تأمل كيف يفتتح رائعة مسرحياته «صلاح الدين الأيوبي»: # إن لم أصن بمهندي ويميني # ملكي، فلست، إذن، صلاح الدين # تحمي الممالك ربها أما أنا # فأريد أحمي الملك لا يحميني # ونجيب الحداد شاعر مطبوع، وله ديوان كنا نقتله مدارسة، نطوف به من الجلد إلى ~~الجلد مرات، وأشهر قصائده قصيدة في وصف القمر، كأنها نظم لمقالة خاله الشيخ ~~إبراهيم التي هي أروع نثر القرن التاسع عشر الشعري، وسترى منها نموذجا. # أما أسير قصائد نجيب وأروعها، فهي التي قالها في وصف القمار فدارت على كل ~~لسان. # لقد غذى نجيب النهضة بما ألف وترجم من مقالات طريفة ومسرحيات رائعة. عاش زهاء ~~ثلث قرن صرفه في خدمة أمته ووطنه، ومرت ذكرى وفاته الخمسينية، كما مرت ذكرى الشدياق ~~من قبل، فلم يأبه لها أحد، فكأن الرجل لم يكن ذلك الرائد العامل. # | رواد الصحافة # (1) الشدياق # لم نسم أحمد فارس الشدياق «صقر لبنان» عبثا واعتباطا، ولكنه استحق هذا الاسم؛ ~~لأنه فر كما فر صقر قريش. هذاك شيد دولة عربية غربية، وهذا شاد دولة أدبية وبنى ~~النهضة الحديثة على أسس راسخة. أقرت له بذلك مصر، فوضعت جائزة سنية لمن يكتب عنه - من ~~الكتاب المصريين - كتابا موضوعه: «أحمد فارس الشدياق وأثره في اللغة والأدب، ووضع ~~المصطلحات الحديثة». # كيف لي أن أحدثك عن أحمد فارس في فصل صغير، بعد أن كتبت عنه كتابا، ولم أحط فيه ~~بجميع نواحي تلك الشخصية الجامعة التي يصح فيها ms111 قول الشاعر: # وتزعم أنك جرم صغير # وفيك انطوى العالم الأكبر # فهو امرؤ قيس عصره، وجاحظ زمانه، وفولتير جيله، وخليل القرن التاسع عشر. أبو الجريدة ~~العربية المثلى الجامعة للأدب والسياسة والعلم، وأبو الكتاب في هذه النهضة التي نتحدث ~~عن روادها. # ذهب أحمد رائدا فأصبح مستعمرا وباني دولة أدبية شرقية غربية. وإذا ظل المنهاج ~~اللبناني متنكرا له، فعبثا يحاول اللبنانيون البحث عن مجد أدبي صحيح في صبح عصر ~~الانبعاث، إنهم لن يجدوه. # إن أدبنا ككل آداب الأمم المعاصرة نشأ أولا صحفيا، كما قلنا، والشدياق هو أول من ~~كتب المقالة لجوائبه، فهي الجريدة العربية الأدبية السياسية الأولى، وإن كان نشأ قبلها ~~صحيفتان، فمن الظلم أن نحصيه مع الرواد وهو أبو الكتاب الأدبي في الفارياق وكشف المخبا. ~~وهو أول من وضع لنا المصطلحات الحديثة. فإذا شئت أن تعرف شيخ العربية المعاصر، فاقرأ ~~«صقر لبنان» لتلم بكل نواحيه إلماما، أما هنا فسأريك نموذجا من إنشائه لترى ~~الأسلوب الذي مشى فيه على أثره كتاب زمانه، وكتاب العصر الحاضر. # إن الشدياق من كتاب النضال، وهو نصير المرأة قبل أن يهب شرقي لنصرتها، وهو ~~المطالب بحريتها قبل قاسم أمين. # 1 # كان الرجل مغرما بالحرية حتى طالب بها للعبيد في زمن الرق والاستعباد، ~~وإذا كنت لا تصدقني فافتح الصفحة الخامسة والثمانين من الجزء الأول من مختارات الجوائب، ~~فلا بدع إذا أن طالب بحرية المرأة في ذلك العصر، أليس هو القائل في مقدمة فارياقه أنه ~~بناه على أساسين: المرأة، واللغة. # وإذا نشرت لك نموذجا فليس قصدي أن أدلك على نزعته الفكرية فقط، بل لأريك بعض ما ~~ابتكر في المقالة التي كان أبا لكتابها جميعا، تأمل كيف أخرج «جملته الأدبية» - ~~هكذا سمى المقالة أولا - فعلم بذلك معاصريه، ومن جاءوا بعدهم. ليس لهذه المقالة ~~عنوان، ولكني أنا عنونتها «حرية المرأة». قال الشدياق بعد مقدمة لا يتسع كتابنا هذا لذكرها: # أما سن الزوجين وقت الزواج، فليس فيه قول فاصل مبني على الاحتجاج، ففي بلاد ~~أوروبا لا تتزوج المرأة رجلا إلا إذا كان تربا ms112 لها، وإلا فزيادة بضع سنين، ~~وما زاد على ذلك فهو من الشذوذ الذي يشين؛ وذلك كأن يتزوج شيخ فان، وهو شريف ~~النسب، بفتاة لا أصل لها ولا حسب، فهي إنما تتزوجه لكي ترث منه اللقب، لا لكي ~~ترأمه رأم من أحب. وفي بلاد الشرق قد يتزوج الرجل من لم تبلغ نصف عمره، ولا ~~يرى في هذا الفرق سببا يحملها على تركه وهجره، لأنه يعتقد أن الذكر خير من ~~الأنثى، وأفضل منها قنسا، وأكرم جنثا. # وعلى هذا فله أن يغيرها بضرائر شتى، وأن يألت حقها ألتا، ولا يمحضها الوداد ~~محضا، ولا يعنى بشأنها إذا امتحنت، ولا يرثي لها إذا امتهنت، وما ذلك إلا لأن ~~الذكر خير من الأنثى، وأنه أفضل منها قنسا، وأكرم جنثا. # وإن له أن يسهر الليالي مع أحبابه، وهي مقصورة على حجرتها، ولا ترى إلا وجه ~~ضرتها، وأن يغيب عنها دهرا، ويغادرها مقيدة باسمه كرها وجبرا، ويجعل ~~عليها من ترقبها، فتقصوها وتحجبها، فلا تخرج إلى الشارع، ولا تبرز إلى المصانع، ~~ولا تستنشق الهواء إلا من خروق الشباك، ولا تلمح بشرا إلا على وجل من الهلاك، ~~وإيجاس من الانتهاك. وما ذلك إلا لأن الذكر خير من الأنثى، وأنه أفضل منها ~~قنسا، وأكرم جنثا. # وإن له أن يدعي الولاية والكرامات، والمقام الذي يختص بالصالحين ذوي ~~الرياضات، فيختلي بالنساء ويقرأ عليهن، ليحمل أزواجهن على ودادهن، ويصرفهم عن ~~إبعادهن، فيقبلن عليه زمرا، ويصرف أوقاته معهن مستهترا؛ وزوجته إذ ذاك تتململ ~~من الكمد، وتنقلب في النكد، فليس لها من تشكو إليه، ومن تعول عليه، ولا من ~~ينقذها منه، أو يصرفها عنه، وليس لها أن تماري في ولايته، وتتطلع على حبالته. ~~وما ذلك إلا لأن الذكر خير من الأنثى، وأنه أفضل منها قنسا، وأكرم ~~جنثا. # وإن له أن يدعي العلم فيجمع لديه غلمانا يتلمذون له، فيأتي منازلهم ويأتون ~~منزله، ويتلو عليهم الخزعبلات، والنوادر المستميلات، فيلازمون حضرته، ويكرمون ~~طلعته، ويؤثرون مودته، وينوهون بفضائله، ويعجبون بشمائله، حتى تتمكن محبته في ~~قلوب أهلهم، ومن اتصل بهم، فيودوا ms113 أن يصل نسبه إلى نسبهم، ويعرضوا عليه ~~عوانسهم، ويستزيرونه ليوانسهم؛ وزوجته إذ ذاك، تسمع وتتأسف، وتدمع وتتلهف، وما ~~ذلك إلا لأن الذكر خير من الأنثى، وأنه أفضل منها قنسا، وأكرم جنثا. # وإن له أن يصر على ما اكتسبه من المال، ويخفيه عنها كخفائها عن الرجال، فلا ~~ينص لها منه، إلا ما لا محيد عنه، وهو قوت من لا يموت، ولباس من لم يودع بعد ~~في الأرماس، وهو على نفس أكرم الناس. فإن قالت له: إن فلانة ذات حلى، وإني ذات ~~عطل، وما لي غير هذا الثوب من بدل، قام على منبر الوعظ والإنذار، وقال لها: ~~إن المرأة الصالحة تكتفي بالإدام والأطمار، وقد طالما عهدتك من الصالحات، فكيف ~~صرت من المسرفات الطالحات. قال الله تعالى ... قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~... قال زيد ... ~~قال عمرو ... أنبأنا ... حدثنا ... فيسكنها ويخجلها، وعلى كيده يحملها، إذ هي تعلم ~~أن الشرع الشريف لم يحرم على النساء الزينة، وإنما هو سفاهة من الرجل وسوء ~~كينه. وأقبح من ذلك إذا كان الرجل يحرمها على عرسه ويستحلها لنفسه، وما ذلك إلا ~~لأن الذكر خير من الأنثى، وأفضل منها قنسا، وأكرم جنثا. # ثم إذا قالت له: إن جارتي تخرج إلى المنازه، وبين حالتي وحالتها مشابه، فدعني ~~أخرج معها، وأرتع مرتعها، وأجري مجراها، وأسري مسراها، قال لها: إن شأن الحرة ~~أن تكون ملازمة للزوايا، مداومة على الخبايا، لا تتفرج، ولا تتبرج، ولا ~~تتلوج، ولا تتلعج، ولا تفكر في منتديات النساء، ولا تصبو إلى الكساء. وكل ~~أنثى خرجت من دارها، فقد باءت بأوزارها، وترجمت عن شنارها، ثم اندفع يقول: قال ~~الله ... قال الرسول ... وما ذلك إلا لأن الذكر خير من الأنثى، وأفضل منها قنسا، ~~وأكرم جنثا. # وإذا قالت له تلاطفه، إذ ترى الهم يواكفه، والغم يرادفه، وهو ينفخ متضجرا، ~~ويتلهف متوغرا: ما لي أراك اليوم مهتما، فكدت تذوب أسى وغما، فلا تجيد ~~خطابا ولا تحير جوابا، ولا تهتم بما أهمنا من عوز الطعام، وفقد الائتدام، ~~بله اللباس الفاخر، والحلى والجواهر، فقد ms114 أنسانيها عدم القوت، وما بعد ذلك ~~إلا الأجل الموقوت. قال لها: كأنك تنبشين أسراري حتى تبعثريها، وتنبشين أطواري ~~حتى تغوريها، فهل يوم ربقني الاحتياج في ربقة هذا الزواج، اشترطت علي أن ~~أبثك مكتومي، فضلا عن أن أطعمك مأدومي؟ فهلا تنتهين عن هذا اللجاج والخصام ~~المؤدي إلى الثجاج واللكام؛ وما ذلك إلا لأن الذكر خير من الأنثى، وأفضل منها ~~قنسا، وأكرم جنثا. # وهكذا يعيش الرجل والمرأة كالضدين المتعاندين، والقرنين المتناكدين، فيبيت كل ~~منهما والاحتيال شاغله، والاغتيال شاعله، إلى أن يصلح بينهما الطلاق، ونعم ~~المصلح الفراق. # ولكي يبدو لك جليا أثر هذا الأسلوب اقرأ الكثيرين من الكتاب بعده، بل اقرأ بعضا من ~~مقال للدكتور شبلي الشميل نشر في هذا الكتاب. إن مثل هذه الفصول هي التي وجهت كتاب ~~النهضة فيجب أن يذكر صاحبها مع الجاحظ وغيره، وإذا قال واضعو المنهاج اللبناني: إن في ~~كتب أبي النهضة أحماضا، قلنا لهم: وعند الجاحظ وأبي نواس وابن الرومي ما يستحى من ~~ذكره. أفلأجل هذا صار الشدياق لا يستحق الذكر! # قيل: محبة الآباء تتصل مع البنين. ولعل الآية معكوسة عند من يستشارون «سرا» حين ~~تعديل المنهاج، فيطبخونه لنا على نار حسدهم، وبغضهم الموروث، فيجيء مأدوما بما ~~استسمنوه من ذوي الورم. ~~(2) بطرس البستاني وولده # يقول المثل: عاشر القوم أربعين «يوم» فإما أن تصير منهم، أو ترحل عنهم. وأستاذ الجميع ~~المعلم بطرس البستاني عاشر العلماء الأميركان زمنا فصار منهم. وحسب النهضة من هذا ~~المصير أنها غنمت ما غنمت من تآليف علمية ولغوية، ومدرسة وطنية، ومجلات ثقافية، ودائرة ~~معارف، إن لم تكن كالدائرة الإنكليزية فحسبها أنها أول موسوعة عربية، ومحيط المحيط الذي ~~ضم تعريفات حديثة لم تكن في المعاجم القديمة. # يذكرني أسلوب المعلم بطرس بتراجمة العصر العباسي الذين أغنوا النهضة الأولى علما ~~ومعرفة. ليس للمعلم بطرس بلاغة الكتاب الكبار، ولا إبداعهم، ولا صحة عباراتهم ... فهو ~~مترجم وناقل، وقد أصاب فيما فعل، لأن البلاغة، وإن كانت تنقصنا في ذلك العصر، فقد كنا ~~أحوج إلى الفنون الحديثة وعلوم العصر الجديدة؛ فالرواد ms115 الأول لم يترجموا إلى العربية ~~إلا ما احتاجوا إليه من الكتب لخدمة الدين. فمن يقرأ آثار المعلم بطرس، جرائده ومجلاته، ~~وتآليفه يجد أن هذا الرجل العظيم القدر، الفذ الهمة، كان يهمه أن ينقل إلى لسان العرب ~~ما ينفع ويفيد، وأن يجدد طريقة التصنيف. وحبه التسهيل في كل ميدان حمله على الكتابة ~~بالأسلوب الذي اعتمده التراجمة النصارى، في عهد هارون والمأمون وغيرهما، وها أنا أجول ~~وإياك في «جنانه» دون كتبه الأخرى التي يعرفها كل قارئ، فشعار الجنان: حب الوطن من ~~الإيمان، ولعل هذا كان من أسباب تمسك المعلم بزيه اللبناني، فهو وطني صميم، وفرد قام ~~بأعمال تعجز عنها الجماعات، وإن لم نبالغ قلنا كما قالت فيه المقتطف: «وإذا أعملنا ~~النظر في الأعمال التي اصطنعها لوازنت أعماله أو فاقت أعمال ثلاثة رجال من فضلاء الناس ~~بعيدي الهمة، ماضي العزيمة، غزيري العلم والمعارف.» # 2 # يبدأ الجزء الأول من الجنان - كانون الثاني 1870 - بمقال مترجم لم يوقع، ويختم برواية ~~«الهيام في جنان الشام» كتبها ابنه سليم، ونشرت متسلسلة في أجزاء السنة الأولى فانتهت ~~بانتهائها. أما جميع المقالات الأولى بعد العدد الأول فكتبها كلها سليم، وسليم ذو ملكة ~~إنشائية ليس لأبيه بيانها، فتنقل من موضوع إلى موضوع، وفي السنة الثالثة جعل سليم عنوان ~~مقالته الدائم «جملة سياسية» كما سماها الشدياق في جوائبه من قبل. # وظلت البساطة، بل الركاكة، مرافقة قلم الجنان حتى دخلت سنتها الثانية، وعلت صيحة صاحب ~~الجوائب، فأعلن المعلم بطرس: «إنه لما كان الجنان قد تجنب استعمال الألفاظ اللغوية في ~~السنة الأولي من سنوات نشره، وكان من المفيد أن لا يتجنب ذلك بعد أن يكون جمهور القراء ~~راغبا في توسيع دائرة اللغة باستعمال الألفاظ الكثيرة ... كان لا بد لنا من القيام بحق ~~ذلك الأمر المهم. فنسأل الله التوفيق، ونطلب إلى حضرة قرائه أن يعذرونا، إذا أتعبناهم ~~بتكرار مراجعة القواميس.» # 3 # أما ولده سليم فودع قراء الجنان في آخر سنتها الأولى بقوله عن روايته المتسلسلة: ~~«وقد اعتنيت بجمعها من صفات الفضلاء والرذلاء والعقلاء والجهلاء، ms116 ولم أترجمها عن عجمي ~~ولا نقلتها عن عربي» # 4 # ووعد أن يقدم للقراء رواية حبية تاريخية في العام المقبل، وقد بر بوعده ~~فألف رواية «زنوبيا ملكة تدمر» ونشرها متسلسلة، ثم استمر على ذلك فنشر في السنين ~~التالية رواية «بدور»، ثم رواية «أسما» التي لم تكف فأنشأ لآخر عدد أقصوصة عنوانها ~~«غانم وأمينة» فسد بها ذلك الفراغ، ثم نشر عام 1874 قصة «الهيام في فتوح الشام»، وقد ~~أكثر في هذه القصة من الترصيع بالشعر القديم، لأنها عربية تاريخية كما يفهم من عنوانها، ~~ولعل سليما هو أول من كتب رواية تاريخية، ولست أقول إنها أوحت الموضوع إلى زيدان بعده؛ ~~لأن زيدان عارف مثله بما عند القوم من هذه البضاعة. # وبقي سليم يمون الجنان بروايته سنة كاملة، أما في نهاية هذه السنة فأعلن عدوله عن ~~التموين الكلي. وفي سنة 1875 كتب للجنان رواية «بنت العصر» فقام بكفايته نصف سنة، وكأنه ~~مل التأليف فشرع يترجم بدلا من أن يؤلف، فنشر بالتتابع روايات: «كاملة»، و«الغرام ~~والاختراع»، و«الصواعق»، و«الحب الدائم»، و«ماذا رأت مس درانكتون»، و«السعد في النحس»، ~~و«جرجينه» التي ختمت بها السنة 1875. # وترجم لسنة 1876 «حلم المصور» و«سم الأفاعي» و«سر الحب» و«حيلة غرامية» و«حكاية ~~الغرام» و«زوجة جون كارفار». # وفي عام 1877 عاد فألف رواية «فاتنة» وملأ العددين 23 و24 بأقصوصتين مترجمتين «لا ~~تنسني» و«قمرية». # أما في السنة 88 و89 فما عرفت ما ألف وما ترجم؛ لأن هذين المجلدين ليسا عندي. وفي سنة ~~1870 لم يذع روايات له بل لغيره، وكذلك فعل عام 1881 الذي جرى في نهايته «اتحاد الجنان ~~والجنة ولسان الحال»، وبعد هذا انصرف سليم إلى تعريب «تاريخ عام قديم» أحله محل ~~رواياته. # ثم عاد فكتب رواية «سامية» ونشرها في النصف الأخير من مجلد عام 1882 ولكنها لم تنته ~~في هذا المجلد، وفي مجلد 1883 لا أثر للروايات قط، وفي عام 1884 مات سليم لاحقا بأبيه. ~~فأصدر الجنان بستاني آخر اسمه نجيب، ولكن اليتيمة لم تعش بعد أبويها غير عام. # هذا ما كتبه سليم من ms117 قصص، ولعله رائد القصة الأول، وإن لم يجل في مضمارها. والذي ~~يدلك على أن سليما كان صحفيا كما يكون الصحافي، هو أنه كان ينشر رواياته مزينة ~~بالصور، وهو في هذا أيضا من السابقين. # ولنعد الآن إلى أسلوب سليم محرر الجنان التي لم يخل عدد من مجلداتها من مقالة أولى ~~له. فإنشاء سليم أسمى درجة من أبيه، وأسلوبه بياني أكثر، وإليك نماذج من تعابيره ~~المحلاه بالاستعارات والتشابيه: # يا أيها الشرقيون، تسابقكم بنات الدهر في ميادين آداب هذه الحقب، فلا تتركوا ~~مركباتها تسبقكم وتترك مركباتكم مرطومة في حمأة التأخر، فإن نور هذا الجهر قد ~~رفع اللثام عن محيا ليل الظلام فبان لكل ذي بصيرة بدر المبادئ الصحيحة فعرفنا ~~بما وقع علينا من الأشعة التي انحدرت إلينا في أحدور القرن التاسع عشر ما ~~يقودنا إلى أرياف النجاح والتقدم. # 5 # وافتتح مقالا عنوانه الإصلاح بقوله: «هل نقول لقد راهت طوالع سعد الأمة فلا تعود إلى ~~أفقها، وقد لبط بها فلا تنهض؛ لأن صدر الدهر قد وغر عليها وأيادي الزمان قد تخللتها ~~بذوابل النوائب، وقد لشت فلا تقدر أن تأتي بما يمهجها بعد أن خدشت ناعم وجنتيها جيوش ~~الرزايا والآفات.» # 6 # وقال مفتتحا مقالا سياسيا: «أطال الزمان بلايا فرنسا وحلت عليها أيادي الدهور، ~~وأمست تعتل إلى الشر وتقاد بعنان الويل والهوان من ذمائر إلى ذمائر، فكأن الشر قد أناخ ~~ناقته في وسط مركز التمدن والمعارف.» # 7 # وقال في صدر مقال «أعجب العجب»: «علام الغنج والدلال، والهرم قد هدم صفوف تلك ~~الأسنان، وقد بيض الشيب سوادا كان أبيض الخصال؟ فليس أقبح في عيني من عجوز تهتز ~~تيها وغنجا إلا عرجاء ترقص وتميد عجبا ودلالا، وأقبح منهما الذي يعاير الأواقي، ولا ~~يعاير الأرطال.» # 8 # ثم يتكلم بعد هذه المقدمة عن الحسد فالنميمة حتى يقول: «إنه من واجبات الكتاب أن ~~يصلحوا العادات القبيحة، فما أقبحهم إذا سلكوا سبيلها! وأحب إلي أن أخسر ما أقدر أن ~~أخسره من أن أرى بنات أقلامي ترقص في مراسح النميمة والفساد، فإن للقلم ms118 عرضا وناموسا، ~~وحكمه حكم الفتاة.» # ويلي هذا المقال «تذييل» رد به على من انتقد أسلوبه الذي أريتك نماذج منه، وما أظنه ~~إلا الشدياق لأن الحرب القلمية كانت قد أعلنت، ودارت رحاها على الجبهتين الغربية ~~والشرقية - الأستانة وبيروت، ولكن الملاحظة النقدية التي أبداها الكاتب الذي لم يذكر ~~اسمه سليم قد حملته على ترك مواضيعه الأدبية واستعاراته، فعاد إلى الأسلوب الطبيعي وصار ~~يصدر الجنان بجملة سياسية، بدلا من تلك المقالات الأدبية. # تلك كانت موضة الكتابة في ذلك الوقت، كما قال سليم في رده على ناقده، فالمراش وإسحاق، ~~ثم الحداد بعدهم، كانوا جميعا يحوكون على ذلك النول. # لم ينح سليم نحو والده؛ لأن نشأته غير نشأة أبيه، أما أسلوب المعلم بطرس فاتبعه زيدان ~~وغيره ممن كتبوا ليقرروا لا ليتخيلوا، وإذا كان المعلم بطرس قد مات ولما يصقل أسلوبه، ~~فقد تم لغيره بعده ما لم يتم له. # لقد كان أحرى بواضع منهاج البكالوريا الأدبي، أن يكلف المدارس تدريس سليم البستاني لا ~~المعلم بطرس، ولكن حكمه «الواضع» شاءت فحشرت المعلم بطرس مع الجاحظ، وغيره من أصحاب ~~الدروس الأخلاقية والاجتماعية، وليس للرجل في «الإنشاء» غير خطابي تعليم النساء وآداب ~~العرب، فإذا كانت حكمة الواضع تعنيهما فقد ضلت، ولم تصب لنقول: قد أصابا كما شاء ~~جرير. # إن للمعلم بطرس في نهضتنا دورا علميا عظيما، وإننا لظالموه إذا حشرناه مع الأدباء ~~والكتاب، وإذا كان لا بد من ذكر بستاني في كل مجال، فلنذكر الابن المؤلف، لا أباه ~~المترجم والناقل. ~~(3) الشيخ إبراهيم اليازجي # هو أحد جنود تلك الكتيبة المناضلة تحت علم الضاد في عصارى القرن التاسع عشر. خاض ~~المعمعة مع قائدها المغوار فارس ميدان الفصحى المستولي على الأمد - فأكسبه ذلك الشوط - ~~وإن لم يجل فيه، شهرة أحلته المحل الأرفع بعدما مضى أولئك الجهابذة وعاش هو بعدهم ~~ليتوغل في المسلك الوعر الذي شقوه ومهدوه. # فالشدياق والأسير والأحدب واليازجي الأب كانوا أبطال تلك الساحة يصولون ويجولون حتى ~~طلع إبراهيم فكان صنو أبيه في الإنشاء، ولكنه فاقه علما وتدقيقا بأسرار اللغة. نزل ms119 ~~إلى الميدان، بعد موت والده، وهو ثنيان رخص فدافع عنه في تلك الهبوة التي أثارها كبش ~~الكتيبة العاسي والجواد القارح أحمد فارس. # فاليازجي كاتب عالم صنع نفسه يوم لم تكن طرق التعليم معبدة. جاور أباه وأخذ من علمه ~~ما حضر، ثم تعمق فاكتسب برغبته وجده لغات أجنبية وآدابا وعلوما حتى أحصي بين علماء ~~الهيئة - الفلك - وتطاول إلى مناقشة العلامة فلامريون الفرنسي إمام ذلك العلم، فسمع ~~صوته وأهدى إليك ملك أسوج ونروج نوط العلوم والفنون . # إلى هنا أوصل الجد والكد الشيخ إبراهيم اليازجي الذي لم يعل رأسه سقف مدرسة. كان ~~معولا على نفسه معتمدا عليها فخلقت منه تلك الثقة المقرونة بذكاء حاد رجلا وقف ~~حارسا أمينا على باب لغة العرب زهاء ربع قرن. لقد صدق لما أجاب من سأله عن أستاذه حين ~~قال أستاذي الشدياق. فهذا البحر المحيط بجبال اللغة وسهولها وأوديتها وكهوفها جر ~~اليازجي إلى خوض غمارها وعبابها خوفا من الطوفان الذي طغا من لدن صاحب «سر الليال» ~~و«الجاسوس على القاموس». # كان إبراهيم في طلعته الأدبية يقول الشعر كأبيه، فأكثر من نظم «التواريخ» كما مر بنا. ~~ولسنا نعني أن هذا كل شعره، فلإبراهيم شعر حماسي قومي أهاب فيه ببني العرب يوم كانوا ~~يعملون لاسترداد الملك المفقود. نظم قصيدتين شهيرتين نشرتا غفلا في بيروت، فأقضتا ~~مضجع الوالي فبث جلاوزته، ورجال شرطته؛ لينتزعوهما عن الجدران، وهذا مطلع كل ~~منهما: # تنبهوا واستفيقوا أيها العرب # فقد طما الخطب حتى غاصت الركب ~~••• # دع مجلس الغيد الأوانس # وهوى لواحظها النواعس # وله قصائد أخرى منها واحدة في وصف الزهرة التي وصفها في مقال من النثر الفني المنمق ~~كان خيرا من شعره المنظوم. ويقول من ترجموا لإبراهيم إنه عاف الشعر إذ «وجد أن استمرار ~~تلك الحال سيفضي به إلى الانقطاع للشعر وإهمال ما سواه؛ فترك النظم بتة وعكف على ~~الاشتغال باللغة وسائر فنون الأدب والعلوم العقلية.» # فماذا فعل إذن؟ انصرف إلى الكتابة فكانت جريدة «النجاح» عام 1872 ميدانا لقلمه، بعد ~~أن جربه في مجلة «الجنان» مساورا شيخ العصر ms120 صاحب الجوائب، ولكنه لم يحرر جريدة النجاح ~~غير بضعة أشهر؛ لأنها احتجبت «لأن دخلها لم يكف خرجها». فانتدبه الآباء اليسوعيون؛ ~~ليعرب التوراة، فانكب على عمله الجليل تسع سنوات «فجاءت هذه النسخة من أصح ما عرف إلى ~~الآن من نسخ هذا الكتاب، فضلا عما اشتهرت به من فصاحة العبارة وجزالة الأسلوب.» # ثم طلق الآباء اليسوعيين الثلاث وراح يعلم البيان في المدرسة البطريركية بيروت، وله ~~في ذلك الوقت خطاب نفيس عنوانه «آداب الدارس بعد المدارس» أفاض فيه نصحا وتأديبا ~~للنشء وغيرهم من أرباب صناعة القلم ورجال الفكر، فجاء من طراز رسالة عبد الحميد الكاتب ~~إلى زملائه. ولما كان الشيخ من المطبوعين على المناقشة والجدل والمطارحة، ومجال هذا في ~~الصحافة أوسع، أصدر مجلة الطبيب مع الدكتورين زلزل وسعادة، فكتب فيها أبحاثا في اللغة ~~وغيرها، فعادت شهرته إلى الظهور، وطار صيته، ولكن هذه المجلة أيضا كانت قصيرة العمر، ~~فماتت كالنجاح في المهد، وكما انتقلت أخت لها من قبل إلى رحمته تعالى. # ورأى الشيخ ما صادفه الذين نزحوا من الأدباء إلى مصر مثل صروف ونمر وزيدان وغيرهم ~~فتغرب مثلهم، وهناك أنشأ مع زميله زلزل مجلة البيان فلم يطل عمرها أكثر من عام. وأنشأ ~~الشيخ، وحده، مجلة «الضياء» الشهيرة فعاشت ما عاش، وماتت بموته بعد أن أدت للغة أجل ~~خدمة، وفجع اللسان العربي المبين بالاثنين. # وقف الشيخ في الضياء رصدا على الكتاب يتتبع خطواتهم اللغوية في باب «لغة الجرائد»، ~~كان يرشدهم ويسدد خطواتهم، فسلم اللفظ من الأخطاء الفاشية، وصحت عبارة الكتاب، وكان له ~~في ذلك أبيض يد عند حملة الأقلام، كفاهم مئونة التنقير في المعاجم، وأقر الحروف في ~~مواضعها، وهذه التعدية بالحروف قوام الكتابة عند البلغاء، ولهذا كانت قبلة أنظار الشيخ، ~~ومما روي عنه - ولعلها مبالغة - أنه أبرق مرة من الإسكندرية إلى مدير مجلته - الضياء - ~~يطلب منه أن يعيد طبع أحد كراريس عدد المجلة إن لم يستطع إبدال الباء بفي في عبارة ~~ما. # أما شخصية الشيخ فقوامها إباء وعزة نفس، وحرص على الكرامة، وأنفة كأنها الكبرياء، ms121 ~~لذاع النقد قارصه، ولكنه «لا يحتمل الرد برحابة صدر، وهذا ما أدى به أحيانا إلى ~~كتابة مقالات كان في غنى عنها، وليته نزه قلمه عن تحبيرها.» # كان نقد اللغة أحب المواضيع إليه، وقليلا ما كان يعالج النقد من نواحيه الأخرى، ~~ولكنه أجاد في الدراسة التي ذيل بها ديوان المتنبي المنسوب شرحه إلى والده. فإبراهيم لم ~~يصحح من تصانيف أبيه شرح ديوان المتنبي فقط، بل أعاد النظر فيها جميعها؛ لأن اليازجي ~~الكبير لم يكن باللغوي المحقق. أما الفضل في هذا التنقيح والتصحيح فيعود إلى الشدياق ~~الذي اضطر الابن إلى جبر عثرات أبيه، فكان من وراء ذلك خير جزيل. # ليس إنشاء الشيخ إبراهيم بالإنشاء المنمق العالي، إذا استثنينا صدر مقالتي الزهرة ~~والقمر، حيث أظهر لنا الشيخ أنه ناثر فني من الطراز الأول؛ فخياله فيهما طريف، وسجعه ~~أنيق ظريف، كأنه الشعر أو فوق الكثير من الشعر، وسوف نعرض عليك نموذجا منه. # أما في جل نثره الآخر فيكتب بأسلوب العلماء والمؤرخين، والكتاب الاجتماعيين، وهو أكثر ~~ميلا إلى هذه المواضيع، التي تتطلبها المجلة ليكون فيها مرعى لكل مرتاد. فتضلع إبراهيم ~~من اللغة وإدراكه أسرارها أدى به إلى العدول عن المجاز. # فلليازجي فضل على النهضة بتعابيره الصحيحة لا بطلاوة أسلوبه وطرافة شخصيته، فهو على ~~علمه الواسع لم يترك بعده أثرا يخلده، وهذا برهان على أن الشيخ كان لغويا لا يحيد عن ~~الطريق المعبدة مقدار فتر حتى كأنه يمشي على الصراط، فكأنه كان يحب الرفق بالألفاظ فلا ~~يريد أن يحملها أكثر من محمولها؛ ولهذا تأنى وتمنى حتى أصدر كتابه «نجعة الرائد في ~~المترادف والمتوارد»، وما هذا الكتاب غير صورة ثانية عن كتاب «الألفاظ الكتابية» الذي ~~يعلم الناس كيف يعبرون عن أفكارهم وخواطرهم كما نلقن نحن طفلا حديث العهد بالكلام، وما ~~قتل الأدب العربي غير هذه التعابير «الجاهزة» المعدة. # ثم يبدو لنا التقليد أكثر وضوحا وجلاء حين نقرأ رسائله فنراه ينحو فيها نحو ~~الخوارزمي والبديع، وما أعزو ذلك إلا إلى المربى الأدبي والنشأة في ظل الوالد، فهي التي ms122 ~~وجهته هذا التوجيه، فنحن لا نرى في آثار اليازجيين ما يدلنا على أنهما عاشا في زماننا، ~~مع أن الشيخ كان بخلاف والده يضيف إلى إدراكه أسرار اللغة اطلاعا على الآداب ~~الأجنبية. # ولم يكن الشيخ كاتبا وشاعرا وعالما فقط، بل كان يضرب في كل فن بسهم، يحسن الرسم ~~والتصوير والحفر، وهذا الأخير هو الذي دفعه إلى خلق هذه الحروف الجميلة التي تطبع بها ~~كتبنا اليوم، فمن نظر إلى الحرف المطبعي القديم وقابله بحرف اليوم يسأل للشيخ حسن ~~الجزاء والأجر، فهو ذو الفضل الأول «في صنع الحروف لعمل الأمهات التي تسبك عليها الحروف ~~المطابع، ناهيك أنه عني باختصار قاعدة الحروف المعروفة إلى يومنا هذا، فرد عدد الأمهات ~~إلى خمس ما هي عليه، بأن حصرها في نحو ستين أما، حال كون عددها في المألوف لا يقل عن ~~ثلاثمائة.» # هذا ما كتبه زعيم الطباعة الأهلية المرحوم خليل سركيس في جريدته لسان الحال البيروتية ~~يوم مات صاحبه إبراهيم اليازجي؛ لأن هذا العمل كان بإرشاد الخليل ومؤازرته، وهو الذي ~~أبرز هذا المشروع إلى حيز الوجود في مسبكه. # وقد اطلعت على رسالة بخط يد الشيخ إبراهيم بتاريخ سنة 1870 وجهها إلى صديقه خليل ~~سركيس في مطلع هذا العام مهنئا، فإذا به يستعمل «رؤياكم» بدلا من «رؤيتكم»، ويستعير ~~«غرة» من الشهر القمري فاستنوق الجمل ... لقد دلني ذلك ~~على ما أصاب من الخير العميم حين انبرى لمناظرة الشدياق، ونشبت بينهما تلك الحرب ~~القلمية في عام 1871، وها نحن ننشر هنا رسم تلك الرسالة لتقرأها: # إن الوفاء لخدام العلم والأدب يقضي علينا أن نذكر للرجل فضله الجزيل على كل من حمل ~~قلما، فهو وإن لم يترك أثرا بديعا فقد كان له أبعد الأثر في توجيه كتاب النهضة نحو ~~الكلام الصحيح السليم. ولئن كان في إنشائه جفاف أساليب العلماء فلا تنس أن فيه صحة وشدة ~~أسر، وهو قبل كل شيء عربي لا غبار عليه، لم يكن يتعمد المحسنات البديعية، أما إذا جاءته ~~عبارة جميلة على الهينة فأهلا ومرحبا، وإلا فهو لا يشد ms123 بأذيالها لتجيء صوبه غصبا ~~عنها. يؤخذ على الشيخ ترديده بعض عبارات وكلمات بعينها فيزرعها في كل مقال مثل: لا جرم ~~وغيرها، فتجيء غالبا مثل تلك العبارات التي يكثر الناس من ترديدها في حديثهم، كقولهم ~~بعد كل جملة: نعم، أو فهمت، أو سمعت يا سيدي، إلخ. # ويؤخذ عليه أيضا تشدده وتقعره في معاني المفردات وغيرها حتى عد غلطا ما ليس ~~بالغلط ولا بالخطأ، إذا حكمنا عقلنا في اللغة، فكأنه في أحكامه تلك يريد أن يسد على ~~الكتاب باب المجاز، بل يريد أن يطين النوافذ؛ ليمنع تجدد الهواء في حصن اللغة، مع أن ~~فتح الأبواب والشبابيك ضروري خوفا من الاختناق، ~~فالألفاظ كائنات حية تقدر أن تتوالد وتتكاثر إذا نفسنا عنها ... واللغة كالمخلوقات يجب ~~أن يكون فيها وفيات ومواليد، وإلا صارت مومياءات ومتحجرات ... # وأخيرا هاك من نثره الفني ذاك النموذج الذي وعدناك به. قال في وصف الزهرة: # هي ملك جند الدجى بل قائد معسكر الأنوار، بل إلاهة الجمال قد استوت على عرش ~~من النضار. إذا بردت في ثوب بهائها اكفهرت لها الشمس من الحسد، بل غشيتها حمرة ~~الخجل بعد ما علتها صفرة الكمد، فأقبل الهلال وقد انحنى بين يديها وسجد، وأطافت ~~بها حور الكواكب كأنهن أتراب كواعب، فوقفن لخدمتها متضائلات أمام عظمة جلالها، ~~وقد أرخين شعورهن من حولها فشببن من جمالها، فما كادت تتجلى لهن حينا حتى ~~توارت عنهن بالحجاب، وسرن في أثرها متتابعات حتى برقعهن الصبح بأبيض ~~الجلباب. # إلى أن قال خاتما النثر الفني: # تلك إلاهة الجمال التي عبدها الأوائل، وأقاموا لها المساجد والهياكل، ورفعوا ~~إليها الأبصار والقلوب، في أخريات الليل وقبيل الغروب. فكانت مناط الآمال، ~~ومصعد الابتهال. # أماني تخترق الفضاء، وتسافر بين الأرض والسماء، فتنزل مكانها طمأنينة ~~الاتكال، بين حرارة الرغبة وبرد الآمال. # وقال في وصف القمر: # هو بعد الشمس أبهى الأجرام السماوية على العموم، ونكتة الفلك الأرضي بل أقرب ~~ما يرى الناظر في عالم النجوم. إذا استقل في فلكه يسبح فوق الوهاد والآكام، ~~ورأيته يتراجع مع النجم وهو مجد في ms124 وجهه إلى الأمام، فتخطى الأبراج وكأنه ~~واقف لا يحس له الناظرون انتقالا، وظهر بأشكاله من الهلال إلى البدر حتى يعود ~~هلالا، فكان قيد الأبصار تراه أبدا جديدا على تقادم عهده، وتتوهمه على قيد ~~أميال منها وهو الشاسع في بعده، على أنه أدنى العوالم من الأرض مقيلا، وأعقلهن ~~بها حبلا وأقربهن تمثيلا. فهو صورة الأرض في السماء، ورفيق طيتها إلى حيث ~~لا تدري في أجواز الفضاء، وشريك بختها فيما أرصد لها من أحكام القضاء، بل هو ~~وليدها وإن تقضى قبلها شبابه، وشابت دونها أترابه، وقد دفعته عنها منذ فصاله ~~فمر إلى حيث لا مطمع في إيابه، ثم عز عليها إلا أن يكون بحيالها، فأخذت عليه ~~طريق انسيابه. فهو أبدا يدور من حولها مقطع النياط، ويقطع معها أضعاف ما تقطع ~~من الأشواط. # كون جامد، وقفر هامد، وسكوت سائد، وحطام خلق بائد، لا يخلوا هنالك غاد ولا ~~رائح، ولا يسمع صوت باغم ولا صادح، ولا يسبح طائر في السماء، ولا يدب حيوان ~~على العراء، ولا يخضر واد ولا أكمة، ولا تسحب أذيالها نسمة، ولا ينتشر سحاب ~~ولا ضباب، ولا يترقرق ماء ولا سراب، ولكن جملة ما هنالك طلل داثر، وعالم من ~~عوالم الدهر الغابر، بل جنازة يطاف بها حول الأرض، وإن لم تحملها المناكب، وقد ~~صلت عليها السيارات فترحمت عليها الكواكب. # لا بل هو خلف الشمس ومصباح الظلم، ومقياس الأزمان، وموقت الأمم، عنه أخذ ~~حساب الأسابيع والشهور، وبحركته حددت الآجال والتواريخ من أقدم الدهور، فكان ~~السجل الذي يرجع إليه في المعاملات، والإمام الذي ينزل على حكمه في توقيت ~~العبادات، بل طالما عبده المتقدمون؛ لأنهم رأوا في فعله ما يشبه أفعال العاقل، ~~وأنسوا في صورته ما يقرب من هيئة الناطق، وشاهدوا من بقائه ما نزله عندهم ~~منزلة الخالق، فكان له الحكم في السعادة والشقاء، وصلاح الغرس والزرع، وصحة ~~الجنى والقطع. وعلى الجملة فقد كان الحكم في الأحوال والأعمال، والمستشار في ~~العزائم والآمال، بما يبدو عليها من نقص أو تمام، أو يتفق له من اقتران ms125 بغيره ~~من أجرام، مع اعتبار ما يقع ذلك فيه من الأيام، شئون ساق إليها ضعف الأحلام، ~~واستيلاء الأوهام، والله وراء ما يفعلون، وهو العزيز العلام ... # ثم يمضي على رسله في بحثه العلمي بنثر مرسل، فلا يعنيه إذ ذاك شيء من الخيال. ~~(4) صروف وزيدان وتقلا وسركيس # أدرك زيدان البستاني وتأثر بأسلوبه، فكان في هلاله من الرواد الأركان. أراد أن يكون ~~طبيب أجساد وشاء القدر أن يكون طبيب أفكار، فنشر رواياته التاريخية التي صادفت رواجا ~~عظيما فطبعت مرات، وترجمت إلى لغات عديدة. لقد سبق إلى مثلها سليم البستاني، ولكنها لم ~~تكن كروايات زيدان فنا، وإن لم تكن هذه في المستوى القصصي الرفيع. ولزيدان كتاب تاريخ ~~الأدب العربي الحديث، فهو أول من فصله على هنداز الكتب الأوروبية، وقسم عصوره على ~~غرار تاريخ الأدب الإنكليزي. وله أيضا كتب عديدة أخرى في التاريخ وغيره، «كتاريخ ~~التمدن الإسلامي»، و«العرب قبل الإسلام»، و«الفلسفة اللغوية»، و«علم الفراسة»، وغير ~~ذلك. # إن لزيدان فضلا جزيلا على النهضة الحديثة، فهو من أركانها الكبار، قد علم الناس ~~تاريخهم، وسلاهم في وقت معا. # أما الدكتور صروف، فأنشأ مجلته المقتطف، بعد صدور الجنان بثلاثة أعوام، فكانت منذ ~~نشأتها علمية، وهي لا تزال حتى اليوم محافظة على صبغتها تلك وزيها الأول. لا تزال ~~لابسة فسطانها الطويل غير متشبهة برصيفتها الهلال التي قص شعرها وقصر فسطانها ~~لتماشي الزمن. فالمقتطف موسوعة تتضمن تاريخ تطور العلم منذ نشأتها عام 1873 حتى الساعة، ~~ومن اجتمعت له جميع مجلداتها فقد وقع على كنز ثمين. # وأهم ما يلفت النظر في المقتطف أن منشئها الدكتور صروف كتب فيها روايات ذات لون محلي ~~- روايتي أمير لبنان وعروسة النيل - ولعل رواياته هذه، وروايات فرح أنطون، أقرب ما كتب، ~~في تلك الحقبة، إلى أصول الرواية الحديثة وفنها. # وفي بدء الربع الأخير من القرن التاسع عشر أنشأ سليم تقلا جريدته الأهرام. وسليم من ~~تلاميذ المدرسة الوطنية التي أنشأها المعلم بطرس، ثم صار فيها معلما. ولما ضاق عنه ~~لبنان قصد مصر حاملا إلى سمو الخديو إسماعيل قصيدة ms126 رنانة، فمهدت له سبيل الحصول على ~~امتياز جريدة الأهرام عام 1875. # لا حاجة إلى وصف الأهرام، وإنما يحسن بنا أن نقدم نموذجا من إنشاء تقلا؛ لأن ~~أسلوبه أشبه بأسلوب المنشئين في زمنه، إنه يقول الشعر كما عرفت، وليس البستاني وزيدان ~~وصروف بشعراء ليكتبوا بهذا الأسلوب المنمق، قال سليم تقلا من مقال عنوانه: «الجامعة العثمانية»: # جوزيت يا صروف الزمن خيرا عن الشرق، ولئن بلغ سيلك فيه الربى، وفاض منه ~~الوطاب؛ لأنك أمطت لثام الجهل والغرور عن البصر والبصيرة، فشاهد الصور وأدرك ~~مادتها ... أعدت له ذكرى ماضيه أيام كان يجر ذيل العجب والتيه، ويتعثر بالبسط ~~السندسية، ويرفل بمطارف الإجلال، ويزدان بحلى الفضل، ويعتضد بجامعة الكلمة، ~~ويشنف السمع بنغمات الاتفاق، ثم نقلت به إلى أيام أخذ يجر فيها ذيل الفقر ~~ويتعثر بشوك القتاد، ويرفل بعباءة التحقير، ويزدان بحلى الجهل، ويعتضد بتفريق ~~الكلمة، ويشنف السمع بنغمات الاختلاف، فتبين بالمقابلة ما هنالك، وبضدها تتبين ~~الأشياء. # هذا هو الأسلوب الذي عنف الشدياق سليم البستاني لأجله، ولكنه ساد بعد موت الشدياق ~~... # أما خليل سركيس فأنشأ مطبعته، أولا، باسم مطبعة المعارف عام 1868 بشراكة حميه المعلم ~~بطرس البستاني، وظلا شريكين مدة سبعة أعوام، ثم كان الانفصال عام 1875، فأنشأ سركيس ~~المطبعة الأدبية، ثم أصدر بعد عامين جريدته «لسان الحال» فعرض بها سليم البستاني ~~بقوله: صدرت في بيروت جريدة آخر زمانها، فرد سركيس على ابن حميه بلسان الحال ~~قائلا: # وإني وإن كنت الأخير زمانه # لآت بما لا تستطعه الأوائل # وثبت خليل سركيس في الميدان وكانت صحيفته مثال الرصانة والاعتدال، فلم ترو قط خبرا ~~لم تستوثق منه، وأقبل على مناصرتها حملة الأقلام فكانت ميدانا للرواد ومنبتا للكتاب ~~والشعراء الذين كان لهم أجل شأن في تاريخ النهضة. # لم يكن خليل سركيس ذلك الكاتب الأنيق العبارة ولكنه كان رجلا واقعي التعبير يسمي ~~الأشياء بأسمائها. وإذا لم يعد من رءوس الكتاب فهو بدون شك، من رءوس الصحافيين الذي ~~عرفوا بالصدق وقول الحق، فلم يسجلوا في صحيفتهم غير الصحيح من أخبار، ولم يحملوا حملات ~~غواشم، بل ms127 كان تأنيبه نصحا وتوبيخه مشورة. # كانت أول معرفتي به في آخر عام 1906، عرفني به المرحوم خليل طنوس باخوس صاحب جريدة ~~الروضة وزرناه معا في سوق أياس حيث كانت مطبعته وإدارة جريدته، فرأيت في ذلك الوجه ~~سيماء اللبنانيين العتاق. # وكما كان لجريدته لسان الحال فضل على الأدب والسياسة كذلك كانت لمطبعته يد في نشر ~~الكتب وإخراجها بحلل قشيبة. انتشر حرف سركيس الأنيق في كل قطر ينطق بالضاد، وعرف الناس ~~له وللشيخ إبراهيم اليازجي هذا الفضل على العين والرأس. ومني سركيس باحتراق مطبعته ~~فكان طبيعيا أن يكون الشيخ إبراهيم أشد الناس ~~شعورا بهذا الخطب الجسيم فكتب إلى صديقه يؤاسيه، وهذه صورة تلك الرسالة التي تفضل ~~علينا بها خليل سركيس الثاني: # وإنه يسرني جدا أن يظهر كتابي هذا في الوقت الذي بلغت فيه جريدة لسان الحال يوبيلها ~~الألماسي بجهد الابن والحفيد. ~~(5) رواد الثقافة ~~(5-1) المبشران فان ديك وشيخو # كرنيلوس فان ديك # منذ مائة وعشر سنوات ونيف، جاء بيروت شاب أميركي، ثم قضى هذا الشاب حياته ~~كلها في الربوع الشامية طبيبا للأرواح والأجساد، وعونا للفقراء ~~والمساكين. # وبعد خمسين عاما شعرت نخبة من الرجال بفضل الدكتور فان ديك الغامر فاحتفلوا ~~بيوبيل مجيئه الذهبي، وسجلوا الإقرار بفضله على رق غزال مقدرين ما صنف وألف ~~من كتب مفيدة، أدبية وعلمية وطبية، وبما شيد من مدارس وصروح علم ونوادي خير، ~~وتعليم فقراء ومعالجة مرضى، وما أعد للبلاد من رجال. # احتال - رحمه الله - للعلم فاقتنصه من بين مخالب الفقر وأنياب الفاقة، تعلم ~~رغم فقر أبيه فصار الطبيب النطاسي، والعالم الناطق بعشرة ألسن، ومستشرقا ~~كالأصيل. بل فلنقل مستعربا لأنه يعرف أسرار لغتنا كعلمائنا، وأخيرا عادى قومه ~~وارفض عنهم لأجلها، يوم اقترح أن يكون التعليم باللغة العربية لا باللغة ~~الإنكليزية. # جاءنا مبشرا بالفضيلة والعلم ومعلما مؤلفا المفيد النافع، فكان في سيرته ~~النقية سفرا جليلا حيا، قرأ أسلافنا في سريرته سطور الشرق وجوامع النبل ~~ومكارم الأخلاق، ومتى عرفت من عاشر وأحب أدركت سمو أخلاقه. كان عشيره ورفيق ~~صباه المعلم بطرس البستاني، فوضع ms128 وإياه حجارة ضخمة في أساس نهضتنا العلمية، ~~كانا شريكين، كل يعمل لحسابه، أو فرسين كريمين يكران مع الجديدين، بلا كلل ولا ~~ملل. # فأينما تطلب الدكتور فان ديك كنت تجده. إن طلبته في البرية فهو كالسيد مولع ~~بالنبات وزهور الحقل يصنفها وينظمها، فكانت له منبتة شرقية أعجب بها كبار علماء ~~النبات. وإن تطلبه في السماء تجده يسبح بين الكواكب والنجوم في مرصد الكلية ~~الذي أنشأه بماله؛ ليرى ويري الناس محاسن «القبة الزرقاء»، ويعلمهم أصول علم ~~الفلك . وإن طلبته في الجبال كنت تراه بين المسطحات والمثلثات. وإن فتشت عنه بين ~~الناشئة رأيته بينهم أبا ومعلما، يكتب لهم كتابه الشهير «النقش في الحجر»؛ ~~لينور أذهانهم، ويؤسس لهم المدرسة الكبرى ليعلمهم، والمستشفيات ليعالجهم، ~~ويؤدي ثمن الدواء من كيسه. كان جوادا في الإحسان حتى التبذير؛ ولذلك اشترط ~~عليه تلاميذه ألا ينفق هديتهم المالية في سبيل البر كعادته. # وكان حلو الحديث ظريفا، ولكنه لا يتبذل. تمثل بأمثالنا، وعلم أسلافنا الحياة ~~العملية. فكثيرا ما كان يردد: الحلاقة بالفاس ولا جميلة الناس، وكم من نكتة ~~وملحة نادرة وفكاهة تروى عنه، فتملأ المجالس والأفواه طربا ونشاطا. # جاء فان ديك ديارنا لا يملك فلسا، ومات لا يملك إلا المآثر الطيبة، ~~وأروعها تأسيسه الكلية الأميركية، وتأليفه أكثر من عشرين مجلدا كلها نافعة. ~~وفان ديك - بعد البطريركية المارونية - هو أول من اختار الأرزة، فكانت شعارا ~~للجامعة منذ نشأتها، وكان ذلك الفال مليحا، فصارت الجامعة أرزة طارت منها نسور ~~النبوغ. # لست أذكر من قال: الرجل المثقف هو الذي يعرف شيئا عن كل شيء، وكل شيء عن ~~شيء. بيد أني أعرف حقا أن الدكتور فان ديك كان ذلك الرجل، وهو من كبار رواد ~~نهضتنا وأحد بناتها على الطراز الحديث. # الأب لويس شيخو # أذكر أن أول كتاب أقامني وأقعدني سرورا هو الجزء الثالث من مجاني الأدب. ~~استحضره لي والدي من بيروت فعكفت على مطالعته برغبة ولذة، ثم جرت عجلة الأيام ~~مسرعة، فإذا أنا في مدرسة ماريوحنا مارون أتلقى «علم الأدب» في كتاب ألفه الأب ~~شيخو، ms129 مصنف «المجاني» في 6 أجزاء وشارحه في ثلاثة أخر. # لم يعلمنا أستاذنا من كتاب علم الأدب، غير علم المعاني والبيان والبديع ~~المنقولة عن القدماء، أما ما بقي من الكتاب فلم يعنه أمره. وسمعنا بكتاب «شعراء ~~النصرانية» فاستقدمناه فإذا هو لهذا العلامة الجليل، وإذا كل ما عرفناهم من ~~شعراء جاهليين قد خرجوا من تحت سن قلمه نصارى. كان «التعميد» بالماء، فإذا به ~~قد صار بالحبر، ولكن هذا ليس يعنينا الآن؛ فكل ما يهمني من الأب شيخو هو خطواته ~~الواسعة الجبارة في طريق النهضة. # ثم ظهرت مجلة اسمها «المشرق» وإذا هي للأب شيخوا أيضا، فكان هذا الرجل يكبر ~~في عيني يوما بعد يوم حتى عرفته في بيروت، أيام علمت في كلية القديس يوسف أقل ~~من ثلاثة أشهر، وأخرجت منها بأمر نيافة القاصد الرسولي؛ لأنني خطر على الطائفة ~~المارونية والدين الكاثوليكي ... # ها أنا ذا في غرفة الأب لويس نتحدث ونتضاحك ... كانت ضحكته كأنها سوداء، وكأنه ~~إنما كان يضحك غصبا عنه. فهو ذو نفس لا تمل، ويد لا تكل. أرسلت إليه من مدرسة ~~الحكمة، يوم كانت تلميذا، قصيدة عنوانها «المرائي» فلم ينشرها، وكان عذره غير ~~مقبول عندي في حينه؛ لأني لم أكن أبحث عن المفردات في معجم لاروس ... # للأب شيخوا أجل فضل على النهضة الحاضرة، فهو الذي عبد لنا الطريق في كتبه ~~التي يضيق المقام عن عدها؛ فكتابه «علم الأدب» تناول كل حديث من ألوان الأدب، ~~وهو يعلم الطالب الأصول من فن القصة والرواية والتاريخ إلى النقد، وكل ما ~~استحدث من ضروب. وفي مجلته المشرق التي تعد حجة في المشرقيات، عرفنا على ~~الروايات الأصولية والأبحاث الدقيقة، ودلنا على ما في بلادنا من آثار، ثم لم ~~يقف عند هذا الحد بل علمنا أيضا تاريخنا، وطبقات أرضنا، وأحيا ذكر نوابغنا على ~~اختلاف الملل والنحل، وهكذا أحسن الرجل إلى الأدب العربي كل الإحسان بما بعث ~~وحفظ من كتب. وغيرته على الكتب الخطية القديمة التي كانت مبعثرة في هذا الدير ~~وذاك البيت، حيث لا يعرف قيمتها أصحابها، أوحت ms130 إليه إنشاء المكتبة الشرقية، وهي ~~من أشهر مكتبات الشرق به بل هى أغناها في المخطوطات. # ليس الأب شيخو ذلك المنشئ المنمقة عبارته ولكنه الباحث المدقق، والمناضل ~~العنيف عما تجند للدفاع عنه. بحاثة جريء حمل على الماسونية حملات غواشم، يوم ~~كان اسم «الفرمسون» يخيف ويرعب، ولكن «الماسون الكبار» حملوه على أكتافهم إلى ~~القبر تعظيما لعلمه، وإجلالا لحرية الفكر والقول، فكان ذلك أبلغ رد على كل ما ~~ألصقه بهم من تشنيع وتزييف. وها أنا أحد أولئك أنحني الآن احتراما لآثار شيخو، ~~وأقر أنه كان المجلي في الحقبة الأخيرة من القرن التاسع عشر، ومطلع القرن ~~العشرين، ولولا تعصبه لدينه ذلك التعصب العنيف لأجمع الناس عل تقديره، ولم ~~يختلف في تقديمه أحد، على كل من تقدموه من الأحياء في نشر كل جديد وجه النشء ~~أصدق توجيه فني. # ومن مقدمة «المشرق» التي كتبها شيخو في غرة عام 1898 يتضح لنا أنها لم تنشأ ~~إلا لخدمة الشرق أولا «لئلا يقال أن الغريب أدرى بما في البيت من أهله، لا ~~سيما ولا نزال نرى كثيرين من الأجانب يعكفون على تتبع أخبار بلادنا واستبطان ~~أحوالها وكشف مكنون أسرارها فدعوا لذلك بالمستشرقين.» # وبعد أن وعد القراء بأخبار الاكتشافات والاختراعات الحديثة، قال: ولما كانت ~~غايتنا أن نجمع في هذه المجلة بين الأمور المفيدة والمبهجة معا، أحببنا أن ~~نفرد بعض صفحات لروايات خيالية نتخذها وسيلة لتفكيه المخيلة، وطريقة لتمثيل ~~عوائد الأمم المختلفة في أحوالها وتواريخها، ورسم تخومها ووصف آثارها. # 9 # وهكذا فعل خادم الآداب الأمين، فجاءت روايات المشرق مؤلفة وفقا للأصول ~~الفنية لأن كتابها عارفون بذلك، وليسوا حديثي العهد كروادنا. كتب الأب لامنس ~~بالفرنسية رواية خريدة لبنان، ورواية حبيس بحيرة قدس، وعربهما نجيب حبيقة ورشيد ~~الشرتوني. وكتب الأب س. ت. اليسوعي يمين العلي، وعربها شيخو، وكتب الأب ~~ليفنكستون زوار الليل، وعربها الخوري إسطفان البشعلاني. # وهكذا ساهم اليسوعيون في نشأة الرواية عندنا، بهمة الأب شيخو الذي يستحق ~~شكرنا الجزيل في العام القادم، بمناسبة ذكرى وفاته الخامسة والعشرين، فعسى أن ~~لا يفوتنا هذا ms131 الواجب، كما فاتنا غيره من واجبات أخرى. ~~(6) المعلمون الرواد ~~(6-1) البستاني والحوراني والأزهري # إن أكثر الرواد كانوا معلمين وكتابا وشعراء في وقت معا، وقد أطلقت عليهم جميعا ~~كلمة المعلم، قبل أن «تأستذ» جميع الناس حتى الأميون منا ... # فبطرس البستاني وولده، سليم، والمشايخ الأحدب، والأسير، وناصيف اليازجي وابنه ~~إبراهيم، وجبر ضومط وغيرهم كانوا جميعا ممن علموا، ونفعنا الله بعلمهم. # والشرتونيان الشيخ سعيد صاحب أقرب الموارد، وأخوه رشيد صاحب مبادئ اللغة ~~العربية، التي تعرف، حتى الآن بالشرتونية، ونجيب حبيقه وأنطوان الجميل جلسوا على ~~كرسي التعليم زمانا. وهناك كثيرون من المعلمين الرواد كالخوري يوسف الحداد، وغيره ~~من أصحاب الآثار الأدبية الذين لا محل لذكرهم في هذا الكتاب لحداثة عهدهم، فما ~~يعنينا هنا إلا ثلاثة منهم كانوا أبعدهم وأعمقهم أثرا في رجال النهضة. # فالشيخ عبد الله، كما لقب أخيرا، كان معجما حيا يمشي على الأرض. وهو أبصر أهل ~~زمانه بنحو اللغة العربية وصرفها، وألفاظها. كان شاعرا تفوح رائحة القطران من ~~أردان «بنات أفكاره»، فكأنه عاش في الصحاري مع تأبط شرا والشنفرى، ولهذا يبني ~~قصيدته أعرابية ساعة يشاء. # لقد مر ذكر معجزته «التاريخية»، أما الآن فأريد أن أعرفك بمعجزته الأخرى، وهي ~~«تشطيره» معلقة عنترة وتحويلها مدحا للمطران يوسف الدبس، فهاك شيئا مما ~~قال: ~~«هل غادر الشعراء من متردم» # فتسد ثلمته برأس المرقم # أم هل وددت ظباء منعرج اللوى ~~«أم هل عرفت الدار بعد توهم» ~~«حييت من طلل تقادم عهده» # حتى التوت عنه نهى المترسم # يبكي به غدق الرباب لأنه ~~«أقوى وأقفر بعد أم الهيثم» ~~«إن تغدفي دوني القناع فإنني» # أدع القنوع ومدح يوسف مغنمي # حبر إذا هز اليراع فإنه ~~«طب بأخذ الفارس المستلئم» ~~«وإذا ظلمت فإن ظلمي باسل» # في الجاحدين عطاءه للمعدم # فكم اجتداه المملقون ودهرهم ~~«مر مذاقته كطعم العلقم» # أما في وصف الناقة فانظر كيف التقى البطلان كأنهما جبلان: ~~«وكأن ربا أو كحيلا معقدا» # سالا غداة ذميلها كالحنتم # فأديرها مثل المجس ودفها ~~«حش الوقود به جوانب قمقم» ~~«ينباع من ذفرى غضوب جسرة» # تحكي إذا ms132 وخدت زفيف الزهدم # أكرم بها من بازل عيهامة ~~«زيافة مثل الفتيق المكدم» # وأخيرا يقول في التذييل: # وإليكها بدوية عبسية # تسدي إليك ثناء عنترة الكمي # نسجت لها كف الحضارة مطرفا # يزري إذا خطرت بكل مسهم # وأظن أنني أشهد وتشهد أنت معي أن قصيدة شيخنا هذه لم تسمع بالحضارة قط، بل ولم تر ~~لها وجها. كان التشطير والتخميس والتضمين من بضاعة عصر الانحطاط، وقد أكثر ~~«روادنا» من عرض هذه البضاعة في سوق الأدب، وكثيرا ما كان معلمونا حتى الكهنة ~~الأجلاء منهم يقترحون علينا «فروضا» شعرية، وجلها من الغزل الدسم مثل: # لو أن لي في من أحب عواذلا # لسعيت في تشتيتهم وتوصلي # لكن محبوبي تعشق نفسه # وغدا العذول فما يكون تحيلي # ومثل: # وأمر ما لا قيت من ألم الهوى # قرب الحبيب وما إليه وصول # كالعيس في البيداء يقتلها الظما # والماء فوق ظهورها محمول # ولهذا عد الأدباء تشطير معلقة عنترة فتحا مبينا، وتحديا عنيفا للشعر ~~الجاهلي، فطارت شهرة المعلم فيها وإن كان قد نظم التمثيليات كما مر، والحكايات ~~الروائية مثل قصيدته «الفرصاد» التي مطلعها: # وذات صيانة عقدت يمينا # على حب امرئ عقدا متينا # ففتح باب الشعر القصصي لتلامذته وغيرهم، فقال تلميذاه شبلي الملاط وأمين تقي ~~الدين قصيدتيهما: الجمال والكبرياء، والجمال والتواضع. أما المعلم الشاعر الآخر، ~~فهو إبراهيم الحوراني، وقد كان لغويا أيضا، كما كان معلمو ذلك العصر، وهاك ~~شيئا من قصيدة له عنوانها، حال العالم في الشرق: # ذو العلم بين الطرس والمرقم # كالثبت بين العضب واللهذم # كلاهما يبغي علاء ولا # يناله إلا بسفك الدم # والأول الأولى بغنم لما # في سعيه من شامل المغنم # طورا تراه في جوار السهى # وتارة في جيرة المرزم # وكم جرى في صحصحان الفلا # يشكو الوجى في الغاسق الأهيم # يبحث عن آثار عاد وما # وارى تراب الأرض من جرهم # ثم يتطرق إلى وصف شقاء العالم فيقول: # يجلس في أعراس إخوانه # كثاكل تجلس في مأتم # تستلزم الدينار أبحاثه # وليس في الهميان من درهم # وعرسه الثكلي على جلة # ألقى بها التمار للمعدم # ذي ms133 حالة العالم في موطن # يكوى به ذو الفضل بالميسم # يركبه الجاهل من حلمه # والممتطي صنو لذي المحزم # لو أنصف الدهر امتطى كل ذي # علم أخا جهل فلم يظلم # وخير ما تقرأ للحوراني من شعر هو قصيدته التي قالها في رثاء صديقه إبراهيم ~~اليازجي، ولعل الحوراني القوال أشعر منه الحوراني الشاعر الفصيح. # أما الشيخ أحمد عباس الأزهري، فكانت تجلله أبهة الشيوخ المحترمين، ومهابة رجال ~~السمت، فتخال، متى وقعت عينك عليه، أنك أمام رجل من السلف الصالح. نذكره هنا وإن لم ~~نذكر سواه من مؤسسي المدارس الوطنية؛ لأنه كان منشئ مدرسة ومعلما فيها في وقت ~~معا. # وقف بقية عمره على تأدية رسالته فأداها على حقها. كان رجلا فعالا أكثر منه ~~قوالا. لم يترك آثارا أدبية، ولا قصائد كغيره من شيوخ العلم، ولكنه كون وأنشأ ~~رجالا كانوا من أركان النهضتين الأدبية والقومية. # كان الشيخ متمكنا من لغة الضاد عارفا أسرار بلاغتها فأخرج إلى العالم العربي ~~كتابا وشعراء يؤدون أفكارهم بأصح تعبير وأفصح عبارة، ناهيك بما بث فيهم من روح ~~وثابة، وعزة قومية فطارت شهرة كليته العثمانية التي أنشأها وتعهدها بنفسه طول ~~الحياة فأخذ عنها النشء العربي أسمى المبادئ وأنبلها. # | كتاب النضال # (1) أديب إسحاق # شامي المولد والمربى، لبناني المنشأ، مصري الهوى، عربي النزعة، كاتب نضال. تعلم ~~العربية والفرنسية في مدرسة الآباء اللعازاريين، واضطر إلى الكدح والسعي لأجل المعاش ~~فبكر في مغادرة المدرسة؛ ليشتغل وظيفة في إدارة الجمرك براتب مائتي غرش، فدرس التركية ~~في أوقات فراغه. قال الشعر صبيا فنظم وكتب، ثم انضم إلى والده في خدمة بريد بيروت، ~~فأطل على دنيا أدبية جديدة استهوته؛ فهام بها وعاف لأجلها الوظيفة، وبرز في ساحة تلك ~~البيئة عارضا قلمه، وهكذا أدركته حرفة الأدب. # تفتقت براعم موهبته الأدبية قبل الأوان، فبشر بها معلمه أباه والغلام لما يبلغ ~~العاشرة، ثم تحققت تلك النبوءة في بيروت، فعهد إلى الفتى وهو في السابعة عشرة بتحرير ~~جريدة «التقدم» فلاح في سماء الأدب كوكب جديد. # كان مع عمله الصحفي يؤلف ويترجم عن الفرنسية، ms134 وانتمى إلى جمعية «زهرة الآداب» ثم صار ~~رئيسها فعرف الناس الأديب الخطيب، بعدما عرفوا الأديب الشاعر الناثر فشنها غارة شعواء ~~على العبوديتين: «الطائفية والمدنية». وكان بوقا صارخا في بيداء الخمول يدعو النائمين ~~إلى الهبوب والمطالبة بالحرية والاستقلال. وفي التاسعة عشرة شارك في تأليف «آثار ~~الأدهار»، وعرب أندروماك لراسين، ثم آزر صديقه سليم النقاش في تأليف المسرحيات ~~وتمثيلها وسافر إلى الإسكندرية ملتحقا به، فكانت جوقتهما أول جوقة تمثيلية عربية تخطت ~~الحدود، وتجاوزت تخوم بيروت مهد المسرح العربي. فعرب أديب رواية شارلمان، ونقح ~~أندروماك، وألف رواية «غرائب الاتفاق»، وكان في هذا كله مؤلفا ومخرجا وممثلا. # وراودته الصحافة فسار مشمرا، إلى القاهرة، حيث عرف الإمام الثائر السيد جمال الدين ~~الأفغاني، فالتقت النار بالنار والتهمت الأخضر واليابس، فقاسى الرجلان ما قاسيا من نفي ~~وتشريد. أنشأ أديب جريدته «مصر» فرحب بها محبو الإنشاء العالي، واندفع كاتبها هائجا ~~كالبركان يرسل نورا ونارا؛ فحركت الهمم وأعادت عز دولة اليراع، فرأى الناس البلاغة ~~تمشي في أسواقهم كأنها أهل الكهف. كانت لهجتها غريبة الوقع في النفوس، تدفع وتزجر، ~~وتنهى وتأمر. # ثم أصدر مع صديقه النقاش جريدة «التجارة» يومية، وظلت «مصر» تظهر أسبوعية. # وغاص أديب في السياسة من قدميه إلى قرنيه؛ فاضطرته الأحداث السياسية إلى الفرار فهرول ~~إلى باريس، وكأنه أبى أن تقف المعركة، ويضع أوزار النضال فأصدر في عاصمة الفرنسيين - ~~كهف الأحرار ومعقلهم - جريدة «القاهرة» متوجا أولى نشراتها بهذه العبارة: «ما تغيرت ~~الحقيقة بتغير الاسم، بل هي «مصر» خادمة مصر.» # وكتب مقالات بالفرنسية عن أحوال الشرق وما يعتلج في صدر الزمان من طبخات دولية، فأصغى ~~إليه العالم الغربي، وهناك عرف كثيرين من كبار ساسة فرنسا وعلمائها وشعرائها. روي عن ~~فيكتور هيغو أنه قال لمن كانوا في حضرته - على أثر انصراف أديب منها: «هذا نابغة ~~الشرق.» # وحضر جلسات عديدة في مجلس النواب الفرنسي؛ فثقف السياسة وتفاقم هواه للخطابة وازداد ~~إقداما فيها. ولكن برد باريس أثر فيه؛ فتمكنت منه علة الصدر فقفل إلي وطنه يتداوى ~~بهواء بلاده وشمسها. وعاد يحرر جريدة ms135 «التقدم» في بيروت، فكانت بينه وبين الآباء ~~اليسوعيين معركة «التعليم الإلزامي ومجانية التعليم»؛ فبث أفكارا وآراء تشبعت بها ~~نفسه بباريس. # ولما تغيرت الأحوال في مصر دعي إليها، وعين مديرا لقلم الإنشاء والترجمة بوزارة ~~المعارف، ورخص لجريدته «مصر» بالظهور، وقام بأعباء وظيفة أخرى مع وظيفته وهي كتابة سر ~~مجلس النواب، ومنح الرتبة الثالثة، وسلمه عزيز مصر براءتها يدا بيد. # وكانت الثورة العرابية فعاد إلى بيروت، ثم رجع إلى الإسكندرية بعد احتلالها، فأعيدت ~~البضاعة إلى مصدرها، بعد أن زار أديب السجن زيارة قصيرة وقال فيه شعرا. وفي بيروت طبع ~~رواية «الباريسية الحسناء» التي عربها. # وأطبق داء السل كماشته على ذلك الصدر الجياش الواسع؛ فأشار الطب بمناخ مصر، فأذن ~~له بالرجوع إليها، ولكن حلقة العمر كانت قد ضاقت، فانقلب على أعقابه إلى لبنان، ومات في ~~مصيفه بحدث بيروت ولما يكمل تسعة وعشرين عاما. # وانتدب أهله كاهنا؛ ليصلي عليه فامتنع عن مرافقة جثمانه وإدخاله الكنيسة، ما لم يكتب ~~والده، بخطه وتوقيعه: إن ولده عاش كاثوليكيا ومات كاثوليكيا. وتدبر العقلاء القضية ~~بالتي هى أحسن ومشى الدليل أمام أديب إلى بيته الأخير، ورخص له بدخول عالم الأبدية ~~... # هكذا جمع الموت، أخيرا، بين أديب والشدياق في خراج قرية واحدة. عاشا مهاجرين ~~أعرابيين، ثم ناما تحت السماء التي أوحت لهما ما أوحت من أدب وحرية فكر، وطلاقة لسان ~~وطلاوة بيان. فر نسر لبنان الشدياق ينشد حريته في الآفاق، فكان يستقر أعواما حيث ~~يحل، أما أديب فقضى عمره القصير شريدا طريدا. إن قصر عمر أديب لم يمكنه من الاستقرار ~~فهو لم يتجاوز عمر القمر؛ فما اكتمل حتى امحق، ولكن البقية الضئيلة من تغاريد هذا ~~الطائر الفذ تدلنا عليه دلالة لا لبس فيها ولا إشكال، كما قال في رثائه صديقه الأديب ~~إسكندر العازار: # كان رايتنا في علم اللسان، وآيتنا في صناعة البيان، وغايتنا في حب الإنسان، ~~وكان، والله، فتى ولا كالفتيان، كان زهرة الأدب في الشام، وريحانة العرب في ~~مصر، عاش حر الضمير فكرا وقولا وفعلا، ومات حر الضمير فكرا ms136 وقولا وفعلا، ~~فليبكه ضمير الأحرار ولتندبه الحرية. نشأ وطنيا خالصا صحيحا، وعاش ~~جنديا لأشرف الأصول وأسمى الغايات، وأنفق في خدمتها من روحه ما كان ينفخ في ~~القلم من الروح، وجاهد جهادا حسنا فمات شهيدا حميدا. # عصره: # كان أديب في عصر التناحر على المسألة الشرقية، ونشأ في أرض كانت ~~الناس ترزح فيها تحت نير الإقطاعين: الديني والمدني، فكيف تنفست ~~تملأ خياشيمك روائح استبداد تضيق لها الصدور، وتنكمش النفوس. رسالات ~~دينية أجنبية تتناحر على شطنا اللازوردي، يخدمون قيصر معتقدين أنهم ~~يخدمون الله، يقفون أمام مخازنهم كالتجار في أسواق الكساد، كل ينادي ~~على سلعته يجذب هذا ويتمسك بأذيال ذاك، داعيا إياه إلى دكانه زاعما ~~أن عنده البضاعة الصحيحة، وأن بضائع سواه مزجاة، ودرهمه زيف ... وقامت ~~بين هؤلاء وهؤلاء عشيرة الماسونية تشجب الشيعتين وتدعو الناس إلى ~~الإخاء والحرية. # أما المواطنون، فأفادوا من تناحر الفريقين - الكالثوليك والبروتستانت ~~- علما وثقافة، فاستنارت الأفكار واستضاءت الأذهان، وهكذا جنينا من ~~عوسج التعصب تينا، ومن قطربه عنبا ... جنينا ثمار علم يانعة وجهتنا ~~توجيها لم يكن في حسبان من دعونا إلى مآدبهم الجدلية، وكثيرا ما يؤدي ~~بك الجدل إلى حيث لا تريد. # نشأ أديب في زمن بلغ فيه سيل الركاكة الزنار، كان يحاربها «صقر ~~لبنان» في جوائبه، داعيا إلى البلاغة والنسج على نول السلف، فما كاد ~~يسمع - بعد صراعه الطويل في تعليم الجيل - صوت أديب حتى أعجب به وراق ~~له نهجه، فاثنى عليه وترجى خيرا بعد عناء وجهاد طويلين. وكانت تلك ~~الحقبة حقبة إنشاء المعاهد العلمية؛ فمن كلية أميركية إلى كلية يسوعية، ~~إلى مدارس بلدية، كالحكمة والبطركية والمدرسة الوطنية للبستاني، ثم قام ~~إلى جانب هذه جمعيات أدبية تعالج المواضيع العامة، وتهمس ما استطاعت ~~لتحرك الهمم محاربة الاستبداد، ساعية وراء تحرير العقول. كانت هذه ~~الحقبة غنية بالعلماء كالشدياق مالئ الشرق والغرب، والبستانيين ~~واليازجيين، والأسير، والأحدب، والدبس، والشميل، وصروف، وزيدان، كل هذه ~~العناصر كانت تتفاعل في بيروت حين برز أديب للميدان فكان من أمره ما ~~كان. تعرض الشدياق للكثلكة لنكبة أنزلوها بأخيه، أما ms137 أديب فتعرض لكل ~~سلطة مستبدة سيان عنده الدينية منها والمدنية، وانتمى إلى الماسونية ~~فازدادت نار ثورته اتقادا ووقودا. # وقد اجتمع الشدياق وإسحاق على حب مصر والشرق، فعاشا ينافحان ويناضلان ~~وظلا كذلك حتى مد الدهر يده وانتزع من بين أصابعهم العلم، فمات ~~الشدياق بعد ما شبع من السنين، وقصف غصن حياة أديب، ولكن نضاله القصير ~~العمر كان سمينا خطبه، وجليلا شأنه، كما قال أبو تمام في قلم ابن ~~الزيات. # وإليك إحدى كلمات أديب في مقال - دولة العرب - التي تحسب أنها كتبت ~~أمس، فبعد أن عدد أمجاد العرب العلمية والسياسية والأدبية قال: # يندهش من يلقاهم مقتصرين من العلم على ما لا يجلب خيرا، ولا ~~يدفع ضيرا يعقدون مذاهبهم فيه بالأوهام، أو بأضغاث أحلام، أو ~~ينيطون أسبابها بالسماء فيخطئون من حيث يريدون الإصابة، ~~ويصيبون من حيث لا يعلمون. وينذهل إذ يجدهم راضين عن الكسلة ~~المتراهبين، والجهلة المتجاذبين، يقبلون منهم أكفا لا تعرف ~~الطهارة، ويستحلبون منهم أبدانا أنفت منها الستارة، حتى صار ~~الكسل عندهم من المعايش، والخمول من المفاخر، والجهل من ~~الملاجئ، والذهول من الكرامات، كأن لم يبق فيهم من عالم عامل ~~يبدد الأوهام، ويبدي الحقيقة للأفهام. # إلى أن قال: «كلا والله ثم كلا: إنهم لا يعدمون عالما ناصحا، ولا ~~نزيها صادقا، ولا نبيها هماما، وإنما أولئك نفر يمنعهم الخوف من ~~الإقدام، ويردعهم اليأس من الاهتمام.» # ثم يصف الدواء فيقول: «ما ضرر زعماء هذه الأمة لو سارت بينهم ~~الرسائل، بتعيين الوسائل، ثم حشدوا إلى مكان يتذاكرون فيه ويتحاورون، ~~ثم ينادون بأصوات متفقة المقاصد كأنها من فم واحد: قد جاءت الراجفة ~~تتبعها الرادفة، وهبت الحاصبة تليها العاصفة، فذرت حقوقنا فصارت ~~هباء منثورا، وألمت بنا القارعة ووقعت الواقعة، فصرنا كأن لم نغن ~~بالأمس ولم نكن شيئا مذكورا. فهلم ننشد الضالة ونطلب المنهوب، لا ~~تقوم بأمر ذلك فئة دون فئة، ولا نتعصب لمذهب دون مذهب، فنحن في الوطن ~~إخوان، تجمعنا جامعة اللسان، فكلنا وإن تعدد الأفراد إنسان.» ~~«أيحسبون أن ذلك الصوت لا يكون له من صدى، أم ms138 يخافون أن يذهب ذلك ~~الاجتهاد سدى، أم لا يعلمون أن مثل هذا الاجتماع منزها عن المقاصد ~~الدينية، منحصرا في العصبية الجنسية والوطنية، مؤلفا من أكثر النحل ~~العربية، يزلزل الدنيا اضطرابا، ويستميل الدول جذبا وإرهابا، فتعود ~~للعرب الضالة التي ينشدون، والحقوق التي يطلبون، ولا خوف على زعمائهم ~~ولا هم يحزنون.» # أعلمت إلى ماذا كان يدعو أمته أديب إسحاق؟ إلى جامعة عربية! هكذا ~~يكون الرجل السابق لزمانه، والثمر الطيب قبل أوانه. وليقم الشدياق ~~وإسحاق والريحاني فيروا ما تحقق من أمانيهم. # خلقه وخلقه: # كان أديب طويل القامة والعنق مع انحناء قليل، عظيم الأنف، عريض ~~الجبهة بارزها، جهوري الصوت، لطيف الحديث، ذكيا، نبيها، حاد ~~الذهن، اشتهر بالخطابة والإنشاء فكان إذا خطب أفصح وأعرب، وإذا كتب سحر ~~الألباب بحسن البيان مع السلاسة والبلاغة، وهو قدوة المنشئين وعمدة ~~الكتاب. # أما الذي يتراءى لي من مخلفاته الكتابية ومن أسلوبه فهو أنه ناري ~~الشعور متقد الخاطر، ثوري من الطراز الأول، كأنه كان في رفقة الحجاج ~~يوم دخل الكوفة، وقد انتشر النهار ... يرسل عباراته الخرقاء فتئز أزير ~~السهم، وقد فارق الوتر، جمل كأنها مقطوعة على نمط واحد، لا هي ~~بالطويلة ولا هي بالقصيرة، يشد بعضها بعضا، فتؤلف مقالته كتيبة جامحة، ~~إذا أخذتها منفردة لا تحس لها أثرا عظيما، ولكنها تؤلف «كلا» تخرج ~~منه النفس وقد ملأها هذا الكلام اندفاعا واستبسالا، وما أظن إبعاده ~~مرات عن مصر في خلال مدة قصيرة إلا ناتجا عن هذا الكلام الحاد الذي ~~يفعل في النفوس فعله العجيب، لصدوره عن نفس منفعلة، متأثرة بكل ما ~~تقول، مخلصة لما تدعو إليه، تنادي بمصر للمصريين، وكلها إيمان ويقين ~~بما تدعو الناس إليه: «ومصر - ولا حياء في الحب - بلد تركت فيه زهرة ~~أيام الشباب، وخلقت باكورة غرس الآداب، وهززت غصن الأماني رطيبا، ~~ولبست ثوب الأمال قشيبا، فما عدلت بي عن حبها النكبة، ولا أنستني ~~عهدها الغربة، ولست أول محب زاده البعد وجدا، ولم ينكث على الصد ~~عهدا، فحذار أهل مصر إن العدو لكم بالمرصاد، وإنكم لمحفوفون بالعيون ~~والأرصاد.» ms139 # يسير أديب الهويناء قاذفا نظرات كالتفاتات النسر، ولكنه أبدا في ~~انتظار. يتطلع هنا وهناك على فريسة لقلمه، حتى إذا لاحت له كان قيد ~~الأوابد حقا، وأنشب فيها مخالب قلمه. هجاء يذيب الشحم ويقرض اللحم. ~~اسمعه بأي لهجة ينافح عن بلاده كاتبا أجنبيا اسمه شارم غبريل: ~~«أتقول، وأنت أكذب القائلين، إن السوريين أرباب كذب ونفاق، ودناءة ~~أخلاق، لا مروءة لهم ولا حياء، ولا همة فيهم ولا خلاق؟! كذبت ورب ~~المروءة، وما هي أول فرية منك، فقد رميت من قبل نزالة اليونان في مصر ~~بهذا القول، فجاءك النذر من الصديق جوسيو: «رد ما كذبت أو تكون من ~~الخاسرين»، فأبيت فدعاك للنزال، يحسب أن في عروقك دم الرجال، فتسترت ~~بأذيال فواجر الغدر، فعلم أن مثلك لا يعامل معاملة الشرفاء، فصفعك كما ~~يصفع الأنذال. # وتذكر بعض مخدراتنا بالسوء ابتهارا، وتورد في ذلك حكاية حال من ~~سفر بحر وصحبة فتى، وتزلف والد ... فهلا ذكرت يا ابن الطاهرة، مكارم ~~الكرائم حيث دببت، وحيث شببت، وحيث تأدبت، فلا تحرجنا فتخرجنا من الذود ~~إلى الإقدام، ومن الجواب إلى الخطاب. إنا نعرف منكم ما لا تنكرون، ~~ونعلم ما لا تجهلون. # ثم طبعت هذا القول الهراء يا سقيم الطبع، فأين تركت ماء الحياء، ومن ~~أين جلبت لوجهك جلد خنزير؟! # عفوا سادتي، عما ترون بي من سورة الغضب، ولكن هو الوطن، والعرض ~~والقوم، ومن ذا الذي لا يغضب لقومه أن ينالهم لسان مبتذل ساقط لئيم ... ~~قد عرفت هذا الرجل الذي جاءكم ضيفا نزيلا، وأكرمتموه، فجعل أعراضكم ~~مناديل. # ويا مسيو غبريال شرم هذه أولى رسائلي إليك تنوب عن يد يقصرها بعد ~~المسافة عنك، فطب نفسا. إنك التمست الشهرة بين قومك بما افتريت على ~~السوريين والمصريين من قبلهم، وإني لأجعل لك بين قومي ذكرا، يجدده ~~المستقبحون عصرا فعصرا.» # إنشاؤه: # تعرض أديب لوصف أسلوبه الإنشائي، فقال عندما أصدر جريدته في الإسكندرية: # رأيت أن أصرف العناية والاجتهاد إلى تهذيب العبارة، وتقريب ~~الإشارة؛ لتقرير المعنى في الأفهام، من أقرب وأعذب وجوه ~~الكلام، وانتقاء اللفظ الرشيق، للمعنى ms140 الرقيق، متجنبا من ~~الكلام ما كان غريبا وحشيا، أو مبتذلا سوقيا. # ثم قال في تمهيد لمطلب مطول عنوانه «الشرق»: «قد التزمت لهذا ~~المطلب أسلوب التقرير، وعدلت فيه عن منهج الخطابة الشعرية؛ لاعتقادي ~~بأن الأسلوب الخطابي وإن كان أسرع تأثيرا في القلوب، وأحسن وقعا في ~~الأذهان، إلا أنه قد يميل بالكاتب إلى جانب التخيل الوهمي في مكان ~~التقرير العلمي، فيرتفع بيانه عن المدارك التي سبقت إليها الملكات ~~الصناعية الحسية فلم يبق بها من محل لملكة الخيال المسماة شعرا، فيفوت ~~الغرض المقصود من البيان والبلاغة، وهو تقرير المعاني في الأفهام، من ~~أقرب وجوه الكلام؛ ولهذا سأرسل فيه الكلام إرسال مقرر مبين، ولا أتكلفه ~~تكلف منمق مزين، فإن أحكام التقرير منافية لهذا التمويه الذي يسمونه ~~بديعا.» # هذا ما حكاه أديب عما كان يتعمده في إنشائه، وإذا عدنا إلى مطالعة ~~سيرة حياته رأينا أن كل من ترجموا له ذكروا عبارة قالها أستاذه لأبيه: ~~إن ولدك سيكون «قوالا»، أي شاعرا؛ لأن السجع كان يرد في كلامه ~~عفوا. أجل، إن السجع قوام فن أديب، فهو يعتمد على تنميق التعبير ~~وترجيعه وتدبيجه، يحييه بكلمات ترقص بما فيها من جناس وتضاد، وينصب ~~لغرضه شباك الاستعارات والكنايات والتشابيه. نثر كأنه الشعر، يرصعه ~~بأبيات إما من الشعر القديم أو من نظمه هو، فيأتي مقاله عجاجا زاخرا ~~حين يحتد ويشتد كقوله: «هو الظلم حتى تمطر السماء بلاء، فتنبت الأرض ~~عناء، فلا تجد على سطحها إلا جسوما ضاوية، في ديار خاوية، وقلوبا ~~تحترق، في بلاد تحت رق.» # وهو يراعي الموسيقى في نثره أكثر من شعره، فيتعمد ما كانت تتعمده ~~مدرسة ابن العميد من أفعال مختلفة تتحرك لها الجملة فتحرك قارئها ~~توا، وإن ذهب أثرها من عقله بعد حين. # والذي ألاحظه أن الحريري تلا تلو البديع، ونحا ناصيف اليازجي نحو ~~الحريري، أما أديب فأحيا بيان كتاب القرن الرابع. ففي مقالاته حدة ~~البديع، وتنسيق الصاحب، وبلاغة الخوارزمي، وهجوم الحجاج للاستيلاء على ~~المبادرة، عاش أديب مبادرا أبدا؛ ولذلك لم يذق طعم الراحة إلا حين ~~أقعده ms141 الداء ... # كل مقالات الأديب خطب تستثير الهمم، ومنبرها صحيفته التي تقيم ~~وتقعد على حد ما قال، وقد كانت تقع في نفوس أولياء الأمر المصريين ~~في ذلك الزمن العصيب؛ أحسن وقع فأجلوا قدر الأديب، وحفظوا له تلك ~~اليد حتى سلمه الخديو بيده براءة الرتبة الثالثة كما مر. # كان الأديب خفيرا للمسألة المصرية، واقفا على سلاحه أبدا، حتى ~~يهيب بالشرق أجمع: «إذا هبت عواصف الفتنة فذرت رماد المداجاة عن جمر ~~ضغائن الدول، وصار الشرق، من أطراف الروم إلى البحر الأحمر، محشرا ~~للعساكر يتنازلون فيه، ويتجاولون على أرض يملكونها، وغنيمة يصيدونها ~~وسطوة يريدونها، وقوم يستعبدون ... # وإذا انقضت صقالبة الشمال على بقايا الأناضول، واندفعت ألمان الوسط ~~على فضالات البلقان، ووقعت حيتان بريطانيا على سواحل مصر، وجزائر بحر ~~الروم، وترامت نسور الفرنسيس على فينيقية وبلاد السوريين، وتداعى أبناء ~~الرومان على تونس الغرب وما يليها، ورجعت عساكر الإسبانيين إلى الغرب ~~الأقصى، فماذا يحل بالشرقيين وكيف يتقون البلاء؟! وهم على ما نرى من ~~شغف القلوب، وقوة الخلاف، وتفرق الكلمة ... فهم في غفلة الساذج، وخدر ~~السكران، وكسل المهموم، لا ينتفعون بما يعلمون، ولا يسألون عما ~~يجهلون. # وإذا جادت الحكمة بماء السلم فأهمدت ذلك الجمر، وعاد الشرق من جهاته ~~الأربع مجتمعا للتجار والصناع من جالية الغرب يتجرون فيه ... وإذا ~~انتشرت جالية الألمان في شبه جزيرة البلقان، تحيي الموات، وتنتحل ~~الصناعات، وانبث تجار الإنكليز والفرنسيين والإيطاليين وسائر الأمم ~~الغربية يجمعون الثروة بما يتجرون، وما يستخرجون من كنوز الأرض ... فأي ~~مكان يكون للشرقيين في عالم الوجود وهم على ما نشهد؟» # لقد نحا الأديب نحو الشدياق في تنبيه الشرق والانتصار له، والشدياق ~~هو أول من دبج مثل هذه الفصول ببلاغة، ولكن لكل منهما روح. فالشدياق ~~بعد عن تقليد القديم، أما إسحاق فأعاد لنثر القرن الرابع عصره اللامع ~~- كما ترى - من تماسك عبارة، وموسيقى راكضة كأنها النهر في مجراه، يمده ~~خياله الرائع، وتعبيره البارع. ويحيي كلامه بما يتقد في أحشائه من ~~حمية، ليس للشدياق حمية إسحاق، كما أن ليس لإسحاق تهكم الشدياق؛ ~~فكلاهما ms142 عالج قضية مصر والشرق كما أوحت إليه طباعه. # ومن مرك بعباراته أظنك قد أدركت أسلوبه كل الإدراك، وإذا اطلعت ~~على أثره - الدرر - تبين لك أن حذق الرجل لغة الغرب لم يحول إنشاءه عن ~~أسلوب العرب. ولأديب رسائل مجموعة في الدرر، وهي مطبوعة على غرار رسائل ~~أبي بكر ومعاصريه، فهؤلاء كانوا أساتذته في الفن، وحسبه أنه ضارعهم، ~~ليس في رسائله شأن يعنينا كثيرا إلا رسالة كتبها عام 1882 إلى جبرايل ~~مخلع على أثر استظهار الإنكليز على مصر، ومما جاء فيها: # نحن في زمان لا يشبه الأزمنة، وحال لا تماثل الأحوال، فيومنا ~~مشتبه الخبر، وغدنا مجهول الأثر، ورئيسنا ليس بأعلم من المرءوس ~~بما تؤدي إليه الحوادث؛ ولذلك تلجلجت الألسنة وترجرجت الأقلام، ~~وتهدجت الأصوات، فصار الاعتزال كرامة، والخمول سلامة ... فالخمول ~~هو الراحة لأمثالي في مثل هذه الأيام، ولا سيما إذ لم أر ~~معارضة ولم أجد نفورا، ولكني ما رأيت مساعدة ولا إغراء ~~بالظهور، فأنا على حالة الرضى بالرزق الحاصل، والذكر الخامل، ~~حتى تستقر الحال، وينجلي ليل الأشكال. # وأديب كان أعدى عدو للأجنبي، وما انفك يندد ويصيح حتى قضى. # أديب الشاعر: # قلنا إن أديب إسحاق كاتب سياسي مناضل، ومن دعاة حرية الفكر وأحد ~~رسلها المبكرين في الشرق العربي، وهو ممن يؤمنون بالعقل، وقد ظهرت ~~مواهبه الخطابية في جمعيات بيروت مثل: «زهرة الآداب»، و«شمس البر»، ~~و«زهرة الإحسان»، وإنه كان في عصره من أشهر الخطباء حتى ذكره الزعيم ~~الخالد سعد زغلول في مقدمة الذين تأثر بهم خطابيا. أما أديب الشاعر ~~فهو في نثره أشعر منه في شعره، وإن كان فياض القريحة، يرسل القريض عفو ~~الطبع. الرجل خطيب أولا ولهذا أبدع في نثره، أما شعره فسوف نريك منه ~~نماذج، ونتولى الحكم عليه معا. # قال أديب الشعر في أغراضه المعهودة: غزل وتشبيب، ومدح ورثاء، ووصف ~~وقائع حال في ميدان السياسة والهوى، وقد كان للتراسل بين الأدباء شأن - ~~كما عرفت - فخاض أديب هذه الغمرات أيضا. # وجارى أديب عصره في نظم الألغاز وحلها، ولم يحرم التاريخ الشعري من ~~جهود قريحته، ms143 فقال يؤرخ موت شاب من بني الخوري مات بداء الهواء الأصفر ~~«الكوليرا»: # فتلونا فيه بالتاريخ أن # قصف الغصن هواء أصفر ~~[قصف الغصن هواء أصفر = 1875] # وكان يبدأ بعض مقالاته بأبيات من الشعر، وعلى أثره مشى ولي الدين يكن ~~وغيره، وكان يخمس ويشطر على نسق أهل عصره، حقا إن في الأدب أزياء ~~تبطل ثم تعود، وهي كالأنواع فقلما تنقرض انقراضا كليا. # وقد نظم في السجن كأبي نواس ولكن شتان بين السجينين؛ هذا سجين هوى ~~أمة عظيمة كمصر، وذاك سجين جام وغلام. ومما قال في سجنه من قصيدة ~~بعث بها إلى محمد سلطان باشا رئيس مجلس النواب المصري: # أمولاي هذا نظم حر وتلوه # كلام سجين أوثقته المآثر # أتوه بنكر وهو للعرف مرتج # وجازوه بالخذلان وهو مناصر # أيبعد ذو فضل، ويدنى منافق # ويسجن واف، حين يطلق غادر # ويكرم جاسوس عن الصدق حائد # ويظلم همام على الحق سائر # بذا قضت الأيام ما بين أهلها # معايب قوم عند قوم مفاخر # ثم نظم قصيدة تاريخية وصف بها حوادث مصر سنة 1882، وقد نشرت في الجزء ~~الخامس من تاريخ مصر للمصريين، وهي من الطراز الذي سبق. # وللأديب أبيات شعر عائرة منها ما لا يعرف أنه له كقوله: # قتل امرئ في غابة # جريمة لا تغتفر # وقتل شعب آمن # مسألة فيها نظر # والحق للقوة لا # يعطاه إلا من ظفر # ومنها ما يعرف أنه له، وهي أبيات يدور أكثرها على ألسن ~~الأدباء: # إنما المرأة مرآة بها # كل ما تنظره منك ولك # فهي شيطان إذا أفسدتها # وإذا أصلحتها فهي ملك # لقد وعدتك أن سنشترك في الحكم بعد عرض النماذج، أما أنا فقد قلت ~~كلمتي فلك أنت أن تقول ما تشاء. # أثره في الذرية: # إن لأديب إسحاق أثرا بينا في أسلوب إنشائنا الأدبي، فهو وإن لم ~~يبدع أسلوبا سهلا جديدا كالشدياق فقد أعاد للنثر رواءه وفخامته. ~~اقتفى أثر الشدياق واضع أسس أدب المقالة في جمله الأدبية والسياسية، ~~وتوغل في الترصيع والتدبيج حتى سمى هو ما يكتبه بالأسلوب الشعري؛ لعمق ~~التخيل فيه والتعمل. # وقد أثر ms144 هذا الأسلوب في الأجيال المتعاقبة؛ فاقتفي أثر إسحاق ~~زمنا، فبدت ملامح أسلوبه في جميع من كتبوا «المقالة» بعده، وإذا أطلت ~~النظر في أسلوب جبران في أول عهده، ترى فيه هذا العنصر، إنما بشكل ~~آخر. # وإذا أخذت مثلا نجيب الحداد رأيته نسخة طبق الأصل عن إسحاق، وإن كان ~~دونه سجعا وتخيلا، وشدة أسر. وكذلك إبراهيم اليازجي في صدر مقالتيه: ~~الزهرة والقمر. إن هذا الأسلوب الإنشائي لا تزال آثاره بينة ظاهرة في ~~إنشاء الكثيرين من الكتاب. ~~(2) محمد عبده # ولست أبالي أن يقال محمد # أبل أم اكتظت عليه المآتم # ولكن دينا قد أردت صلاحه # أحاذر أن تقضي عليه العمائم # هذا ما روي عن الإمام أنه قاله عند الاحتضار. ولد محمد عبده في الريف من أبوين ~~فقيرين، ولما كلف طلب العلم أدخل الكتاب، ولكنه خرج منه خروج الشعرة من العجين. ثم ~~عاد بعد حين فقرأ القرآن في أحد الجوامع، وتحول إلى الأزهر على كره منه فحصل ~~العلوم الشرعية والعربية، واتصل بالأفغاني وأخذ عنه علم الفلسفة والكلام فكان أنبغ من ~~تلمذوا له. وقد قال الأفغاني ساعة ودع مصر: «قد تركت لكم محمد عبده.» # عين مدرسا للتاريخ والأدب بدار العلوم، ثم شكروا له خدماته فلزم بيته في بلده ... ~~وعين بعد عام كاتبا في جريدة الوقائع المصرية، فنقد فيها الحكومة ووزارة المعارف ... ~~وكانت ثورة عرابي فاتهم أنه أفتى بعزل الخديوي توفيق باشا، ونفي إلى بر الشام، ~~فأقام سنة ببيروت كان فيها مدرسا، ثم ذهب إلى باريس ليلتقي بأستاذه الأفغاني، فأصدرا ~~معا «العروة الوثقى»، فكان السيد الأفغاني مديرا لها، والإمام محررا. # ولم تكن العروة وثقى فانفصمت بعد عدة أشهر، وعاد عبده إلى بيروت فدرس بالمدرسة ~~السلطانية، وأصلح منهاجها. وفي بيروت ألف رسالة التوحيد وشرح مقامات البديع، ونهج ~~البلاغة، وعرب رسالة الأفغاني في الرد على الدهريين، وعفا عنه الخديوي فعاد إلى مصر ~~وتقلب في مناصب عديدة أهمها عضوية مجلس إدارة الأزهر، فجاهد لإصلاحه. وظل يكتب مناضلا ~~حتى مات تاركا تفسيرا لستة أجزاء من القرآن أطلق لنفسه حريتها فيه، ولم ms145 يتقيد بأحد. ~~ورد على هانوتو ورنان، وألف كتاب الإسلام والنصرانية. # وصفه لنا معلمنا الشيخ سعيد الشرتوني الذي اتصل به وصادقه في بيروت. كان ذلك يوم جاء ~~خبره فبكى أستاذنا في الصف، وبعد أن كفكف عبراته قال: «كان الإمام أسمر مربوعا، له ~~عينان يشع منهما نور، وهيبته كالأسد. حليم كريم، محب لبلاده وللناس. كاتب متين، وشاعر ~~رصين، وخطيب. غايته إنقاذ الشرق من الجهل، بتعليمه الدين الصحيح.» # وها نحن ننقل لك شيئا من مقال له عن «الانتقاد»؛ لنعرفك على أسلوبه المرسل لا المسجع: # 1 # الانتقاد لغة: النظر في الدراهم وغيرها؛ لمعرفة صحيحها من فاسدها، وصحيحها من ~~زائفها. ومنه انتقاد الكلام لتمييز فاسده من صحيحه وغثه من سمينه. على أن ~~الانتقاد طريق من أوسع طرق الارتقاء، وإن أربابه قادة الناس إلى المراتب العليا ~~من مراتب الكمال والجمال، فلا عجب أن يعرف العقلاء قدرهم، ويحيوا ذكرهم ويصدعوا ~~بأمرهم. وحيث كان الانتقاد ميتا كان الفن ساكنا لا حراك له نحو التقدم، ولا ~~حياة لأهله. # وبعدما جعل الإمام الانتقاد أصح دليل على رقي الناس قال: «إن النقد ازدهى عند العرب ~~في عصر نهضتهم، ثم توارى حين تأخروا. وكذلك الفرنجة فإنه لم يكن عندهم انتقاد يوم كانوا ~~في تأخر، ولما تقدموا أنشئوا للنقد الجرائد والمجلات ... حتى أنك لا تكاد تجد مؤلفا ~~يؤلف عند الإفرنج إلا استهدف لسهام الانتقاد والمنتقدين من كل صوب وناحية، بل قد ~~صارت عادتهم أن لا يعرض مؤلف للبيع حتى يعرض على الجرائد لانتقاده فيسمع الناس به ~~ويعرفوا قيمته. والمؤلفون منهم أرغب الناس في توطيد دعائم الانتقاد وتقوية ساعد ~~المنتقدين؛ لعلمهم أن جلب الفائدة منه عائد عليهم، فلذلك تراهم يرضخون لحكم المنتقد ~~أخطأ في اعتقادهم أو أصاب، ويعتبرون نقدهم فضلا عليهم وجميلا معهم. وإذا اقتضت ~~الضرورة أن يردوا عليه صدروا الرد بالاعتذار عن ذلك ... كل ذلك حرصا على الانتقاد أن ~~تخبو ناره. # وأبلغ الكتاب قلما، وأقومهم رأيا، وأجزلهم لفظا، وأرقهم نثرا ونظما، هم أشد ~~الناس عرضة للانتقاد. وقد يميل المنتقدون عليهم كل الميل، ويتحاملون ms146 عليهم شديد ~~التحامل، فينتقي الكتاب من انتقاد النقاد ما أصابوا فيه، ويغضون عما أخطئوا، ~~وكثيرا ما ينقلون انتقادهم عليهم إلى كتبهم، إما إقرارا بصحته، أو إظهارا لخطئه، ~~أو لغير ذلك من الأغراض. # والانتقاد بين علماء الإفرنج دليل على رعاية مقام المنتقد عليه والاحتفاء بشأنه. ~~والتدقيق في الانتقاد دليل الاهتمام بما ينتقد. والواسعون في الفهم يعتبرون تشديد ~~المنتقد عليهم مزية لهم، ويفضلون إظهاره لمعايبهم على مجرد مدحه لهم وإطرائه. # وإذا رأوا من المنتقد تساهلا وتسامحا ساءهم ذلك، وحملوه محمل الاستصغار لقيمة ~~تآليفهم، وقوة عقلهم ...» # ثم قال في الناقد: # يلزم أن يكون الناقد بصيرا خبيرا يتحرى الصدق في القول، والإخلاص في النية، ~~منصفا، عادلا، باحثا، منقبا، قاصرا النظر على ما قيل، مغضيا عمن قال. ولا ~~حق للمنتقد عليه أن يحقد على الناقد إذا أبان معايب تأليفه، ولم يسترضه بمدح ~~ذاته وصفاته، أو إذا لم يغض عن نقيصة أتاها سهوا أو عمدا. # هذا وصف وجيز لحال النقد والناقدين عند الأوروبيين. وأما نحن المشارقة فقد ~~خبت عندنا نار النقد، منذ غابت عنا شمس معارف العرب وعلومهم. # وختم الإمام مقاله هذا متمنيا ألا يكون الانتقاد مخاصمة ومشاتمة، ومهاترة ومشاجرة، ~~وتمنى على أصحاب الجرائد إشهار الانتقاد في البلاد. # هذا ما رأينا نقله لك لتعرف أن هذا الرائد المصلح يجول في كل بحث ومطلب، ويناضل على ~~كل جبهة، ثم لنعرفك على هذا الأسلوب الرصين الذي لا غبار صنعة عليه. ~~(3) شبلي الشميل # هو إحدى حلقات تلك السلسلة الذهبية، أدرك الشدياق، وناصيف اليازجي، وإسحاق، ومشى مع ~~صروف وزيدان رفيقي المدرسة، فتوغل زيدان في دياميس التاريخ على ضوء هلاله، وانصرف صروف ~~إلى بساتين العلوم الحديثة يقتطف منها زهورا فواحة وثمارا يانعة، أما الشميل فجعل ~~وكده العلم والفلسفة. جرته دراسته الطبية إلى بحث «الأنواع» فسد ثغرة وملأ فراغا، تحدث ~~عن العلم والفسلفة بأسلوب أدبي رفيع فكان نسيج وحده. # قال صروف: جاء الشميل المدرسة الكلية الإنجليزية - الجامعة الأميركية اليوم - سنة ~~1867 وله من العمر حوالي سبعة عشر عاما فتجاورنا على مقعد المدرسة ms147 سنتين. شاب قصير ~~القامة، أسمر اللون، مرتد الثياب الفرنجية يوم كانت نادرة الاستعمال. هو من كفر شيما ~~ضيعة أستاذنا ناصيف اليازجي، وأنا من ضيعة الشدياق، وكلانا يود أن يحتذي بابن بلده، ~~فكنا نتنافس في اقتفاء أثرهما. # والشميل ابن بيت علم، أخواه ملحم وأمين معلمان، ولهما تآليف في الفلسفة، وأبوهم من ~~أدباء عصره. وفي سنة 1871 ترك شبلي المدرسة إذ صار طبيبا جسمانيا، ثم عالما صريحا، ~~وفيلسوفا جريئا لا يحابي أحدا. كان حاد الذهن، سريع التصور، نابغة في التعليل، ~~ألمعيا في اكتشاف الحقائق. وكان أشهر الأطباء في التشخيص الطبي فكأنما يوحى إليه. ~~وبلغت منه الفراسة أنه علل حوادث كثيرة بالاستهواء الذاتي قبل شيوع هذا العلم في ~~أوروبا. # وهو - فوق ذلك - ذو ذاكرة ماضية، وقوة استحضار فائقة. أنيس المحضر، حسن المحاضرة، فكه ~~الحديث، طلق المحيا، بشوش، مخلص، منصف، ذو شجاعة أدبية تفوق الحد، متغطرس على الظالمين، ~~متواضع للضعفاء البائسين، كريم لم يستفد من علمه، ولو حرص على ماله حرصه على مقالاته، ~~لكان من الأغنياء ولعاش ميسورا موفورا. كان واسع الرواية، قوي الحجة، متحمسا ~~لمعتقده. # وهذا النابغة العظيم هو زعيم فكرة التطور والنشوء والارتقاء في عالم الضاد. حاز شهادة ~~الطب يوم كانت معركة النشوء والارتقاء حامية الوطيس في الغرب، فنقل رحاها إلى الشرق. ~~قرأ عنها في المدرسة سنة 1871 فهزئ بها، ولكنها شغلت باله، فظلت تعمل في عقله الباطن، ~~حتى خطب عند نيله الشهادة في موضوع: «اختلاف الحيوان والإنسان بالنظر إلى الإقليم ~~والغذاء والتربية»، وكل ذلك عن غير قصد منه. ورحل بعد نيل الشهادة إلى أوروبا والأستانة ~~فاطلع على المذهب في كتب أصحابه، وكأنه يعلل تحوله إلى هذا الموضوع فيقول: «إن تربيتي ~~المدرسية لم تسمني بطابعها، فإن اعتلال صحتي في حداثتي لم يسمح لي بأن أكون من متخرجي ~~المدارس، ما خلا الطب.» # أثار الشميل قضية فلسفة النشوء والارتقاء فقامت حولها القيامة، وإن كنا نقرؤها اليوم ~~كما نقرأ فرضا حسابيا. ولست أبعد بك كثيرا، أيها القارئ العزيز، فقد جئت والدي - ~~بعد عودتي من المدرسة ms148 - بخبر أحدث بيني وبينه ما أحدثت فلسفة النشوء والارتقاء بين ~~الشميل ومناظريه. جرني غرور الصبا والعلم فقلت لمن جاءوا للسلام علي وامتحان عبقريتي: ~~الأرض تدور. فزأرني والدي، ولكني لم أعبأ بعارض جفنيه ومضيت في حديثي. فإذا به يعض على ~~شفته السفلى عضة ترعب، فلم أسكت. أما الناس فكانوا يسمعون براهيني على دوران الأرض، ~~وهم يضحكون علي، وأنا أحسبهم يضحكون لي، ولكن المرحوم والدي نزل أخيرا إلى الميدان، ~~فخطأني وخطأ جميع الكتب، وسب ديك العلماء، وحجته الدامغة هو أن بابنا الشمالي يظل على ~~الشمال، والشمس تغيب وراء جبل معاد، وتظل تغيب هناك ... وكان مسك الختام: سد بوزك. ~~فسددناه مؤقتا ... # لسنا ندرس الشميل الدرويني فعلى من يهمه الأمر أن يرجع إلى كتبه التي طبعت سنة 1984 ~~ثم أعيد طبعها في سنة 1909 على حساب الأجاويد والأنصار، وأولهم الأب بولس الكفوري ~~والدكتور أيوب ثابت وغيرهما من أحرار رجال الفكر والقلم، ثم أصحاب الأكياس الوارمة. أما ~~الذي يعنيني هنا فالشميل الأديب النابغة الحر الفكر الذي لا يؤمن بغير العلم، والعلم ~~العملي وحده، وقد قال في ذلك: # إن اليوم الذي ينصرف فيه الإنسان عن تنميق الكلام إلى إتقان العمل هو اليوم ~~الذي تتقوم فيه طباعه، فتقل سخافته، ويكثر جده، ويقل رياؤه، وينشط من الذل، ~~ويرتقي ارتقاء حقيقيا، ويحق له حينئذ أن يعد نفسه إنسانا. # وإذا بحثنا الشميل الأديب فكأنا تناولنا الشميل كله بقضه وقضيضه، فهو لم يفارق عمود ~~فكرته في كل ما كتب، فكأنه استعان ببيانه لإيضاح ما في وجدانه. أسلوب إنشائي؛ تارة ينحو ~~فيه نحو الشدياق معلم الجيل في بساطة العبارة، وخفة الروح، وحينا ينهج نهج أديب إسحاق ~~الخطابي فينقض على الموضوع انقضاضا. # فالشميل كاتب جدلي، مطبوع على الأسلوب الخطابي، ينم أسلوبه على لبنانيته. تقرأ ~~مجموعته من أولها إلى آخرها، فلا تحس أدنى أثر للهجة المصرية، بل بالعكس فإنك ترى لونا ~~صارخا من الأسلوب اللبناني وإليك مثلا هذا التعبير: «كم أنت متمسك بما نشأت عليه؟ ~~فأنا كنت مثلك وأكثر.» ومثل هذه العبارة كثير في ms149 مقالاته. # والشميل عاش وله في كل عرس قرص، يكتب باللغة الفرنسية كما يكتب بالعربية، لم يدع ~~مسألة سياسية أو اجتماعية إلا ومد إليها مبضعه. عالج جميع قضايا عصره الاجتماعية، ورمى ~~جميع الأهداف بأسلوب علمي منطقي. ندد بتنميق الكلام ثم تأنق وسجع، فبحث الحقائق ~~العلمية متذرعا بالخيال وسحر البيان. # أما فلسفة الشميل فمعرية؛ نحا نحو أبي العلاء في تفكيره، وحسبك منه «رسالة المعاطس» ~~برهانا، والشميل وجودي بكل ما في هذه الكلمة من معنى وقوة. # قال الشعر ولكن شعره دون نثره، قاله لإثبات نظريته محاولا تقديمها لك على طبق أنيق ~~من الخيال، محلولة في إكسير أترك لك نعته: # هو الحب إكسير الوجود بلا مرا # ولولاه ما كان الوجود كما ترى # فكل الذي تلقاه في الكون سره # وهاديه في أفعاله كيفما نحا # هو الحي مولودا، هو الميت فانيا # هو النجم قد أسرى، هو الصبح والدجى # هو الكل في كل، معيدا ومبدئا # وما نحن إلا فيه من صور الفنا # وليس فناء ما نراه، وإنما # هو العود للأولى، هو البعث للألى # قضوا فحيينا، وانقضينا بعودنا # إليهم، وغير «الكل» ليس له بقا # أظنك توافقني - بعد ما قرأت - على تسميتي هذا ~~الضرب من الأدب بالصوفية العلمية، وعلى عدي الشميل وجوديا، وإن كان الأدب يغلب على ~~ألوانه جميعا. ~~(4) عبد الرحمن الكواكبي # الرجل سبط أسرة حلبية عريقة ذات شهرة وصيت، ويعود نسبه إلى السيد إبراهيم الصفوي ~~أحد أمراء أردبيل العظماء، وهو سليل بيت علم، درس العلوم الشرعية في المدرسة التي ~~أنشأها جدوده وإليهم نسبت، ثم وقف على العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم ~~الحديثة، وأتقن العربية والفارسية والتركية. أنشأ جريدة الشهباء، ونزع فيها إلى ~~الإصلاح، وحرية القول والفكر؛ فحبس، ففر إلى مصر، وطاف أقطار العالم فزار أقاليم ~~عديدة، ثم عاد إلى المحروسة. # قال زيدان: «كان الكواكبي واسع الصدر، معتدلا في كل شيء، عطوفا على الضعفاء حتى ~~سماه الحلبيون «أبا الضعفاء».» # وجاء في الرائد العصري أنه: «كان له في بلده مكتب للمحاماة يصرف فيه معظم نهاره لرؤية ~~مصالح الناس، ويبعث ms150 إلى المحاكم من يأمنهم من أصحابه؛ ليدافعوا عن المظلومين ~~والمستضعفين، ومع تمسكه بالإسلامية والمطالبة بحقوقها والاستهلاك في سبيل نصرتها، كان ~~بعيدا عن التعصب يستأنس بمجلسه المسلم والمسيحي واليهودي على السواء؛ لأنه كان يرى ~~رابطة الوطن فوق كل رابطة.» # اشتهر هذا الكاتب الخطير بكتابين: أم القرى، وطبائع الاستبداد. فأم القرى كتاب ~~تخيل الكواكبي فيه أن مؤتمرا عقد بمكة المكرمة في موسم الحج عام 1316، فاختار لهذا ~~المؤتمر اثنى عشر عضوا، منتدبين عن جمعية أعضاؤها من كل قارة وقطر. # أما شعار الإخوان في هذه الجمعية فهو: لا نعبد إلا الله، وأما مبايعتهم فعلى عهد الله ~~بالجهاد والأمانة. # كان أساس البحث في مؤتمر «أم القرى»، وهو موضوع الكتاب، على هذا السؤال: ما هو سبب ~~تعمم الفتور وملازمته لجامعة هذا الدين - الإسلامي - كملازمة العلة للمعلول، بحيث أينما ~~وجدت الإسلامية وجد هذا الداء، حتى توهم كثير من الحكماء أن الإسلام والنظام لا ~~يجتمعان. # ونوقش هذا الموضوع نقاشا صريحا واضحا، ولما جاء دور السيد الفراتي - أي الكواكبي - ~~بحث أسباب الفتور دينية ومدنية، فتكلم عن 86 سببا منها الديني والمدني والسياسي ~~والأخلاقي إلخ، أما عصارة الرأي فكانت كما قال المتنبي: # وإنما الناس بالملوك وما # تفلح عرب ملوكها عجم # ثم أشار إلى نظرة الأتراك للعرب، وأيد زعمه بعبارات من لسانهم، وبعد أن عدد كثيرا من ~~أقوالهم فينا، قال: إن العرب لا يقابلونهم إلا بهذا المثل: ثلاث خلقن للجور والفساد؛ ~~القمل، والترك، والجراد. # أما كتابه الثاني؛ طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد فنسب إلى الرحالة «ك» أي ~~الكواكبي، وخير ما يوصف به هذا الكتاب هو تلك العبارة التي جاءت بعد العنوان: «كلمات حق ~~وصيحة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح لقد تذهب غدا بالأوتاد»، ثم يقول في المقدمة: # وبعد فأقول وأنا المضطر للاكتتام حسب الزمان، الراجي اكتفاء المطالعين الكرام ~~بالقول عمن قال: إنني في سنة 1318 وجدت زائرا في مصر على عهد عزيزها ومعزها ~~حضرة سمي عم النبي العباس الثاني، الناشر لواء الحرية على أكناف ملكه، فنشرت في ~~بعض الصحف الغراء ms151 أبحاثا علمية سياسية في طبائع الاستبداد، ومصارع ~~الاستعباد. # ثم ينتقل إلى مقدمة هذه الفصول التي جمعها في كتاب فيتحدث عن كتاب السياسة في الشرق ~~والغرب حتى إذا تناول العرب بالكلام قال: # وأما العرب منهم فقليلون ومقلون، والذين يستحقون الذكر منهم فيما نعلم: ~~رفاعة بك وخير الدين باشا التونسي، وأحمد فارس والمبعوث المدني، ولكن يظهر لنا ~~الآن أن المحررين السياسيين من العرب قد كثروا بدليل ما يظهر من منشوراتهم في ~~الجرائد والمجلات في مواضيع كثيرة. # لم يتبع الكواكبي خطة معاصريه في السجع، ولم يتنطع في اللغة ولم يتحذلق؛ فهو مناضل ضد ~~كل استبداد حتى استبداد المقلدين، وقد حدد الاستبداد بقوله: # الاستبداد لغة هو اقتصار المرء على رأي نفسه فيما تنبغي الاستشارة فيه، ~~ويراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصة لأنها هي أقوى العوامل التي ~~جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة. وأما تحكم رؤساء بعض الأديان وبعض العائلات، ~~وبعض الأصناف فيوصف بالاستبداد مجازا، أو مع الإضافة. # أما في اصطلاح السياسيين فهو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بلا خوف تبعة، وقد ~~تطرق مزيدات على هذا المعنى فيستعملون في مقام كلمة «استبداد» كلمات استعباد، ~~واعتساف، وتسلط، وتحكم. في مقابلتها كلمات: شرع مصون، وحقوق محترمة، وحس ~~مشترك، وحياة طيبة، ويستعملون في مقام صفة «مستبد» كلمات: حاكم بأمره، وحاكم ~~مطلق، وظالم، وجبار. وفي مقابلة حكومة مستبدة كلمات: عادلة، ومسئولة، ومقيدة، ~~ودستورية ... # هذا تعريف الاستبداد بأسلوب ذكر المترادفات والمقابلات، وأما تعريفه بالوصف، ~~فهو أن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان التي تتصرف في شئون الرعية كما ~~تشاء، بلا خشية حساب، ولا عقاب محققين. # إلى أن يقول وهو يريد السلطان عبد الحميد - وإن قال في التمهيد إنه «غير قاصد بها - ~~أي مقالاته - ظالما بعينه، ولا حكومة مخصصة»: # المستبد يتحكم في شئون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا ~~بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين ~~من الناس؛ ليسدها عن النطق بالحق. # ثم يقول: # المستبد إنسان والإنسان أكثر ما يألف الغنم والكلاب، فالمستبد ms152 يود أن تكون ~~رعيته كالغنم درا وطاعة، وكالكلاب تذللا وتملقا. وعلى الرعية أن تكون ~~كالخيل إن خدمت خدمت، وإن ضربت شرست، بل عليها أن تعرف مقامها هل خلقت خادمة ~~للمستبد، أم هي جاءت به ليخدمها فاستخدمها؟ والرعية العاقلة تقيد وحش الاستبداد ~~بزمام تستميت دون بقائه في يدها؛ لتأمن من بطشه. فإن شمخ هزت به الزمام، وإن ~~صال ربطته. وفي هذا المقدار كفاية لمعرفة ما هو الاستبداد بالإجمال والمباحث ~~الآتية كافلة بالتفصيل. # ثم يتكلم عن مرتع الاستبداد، فيقول أجمل قول: «العوام هم قوت المستبد وقوته بهم؛ ~~عليهم يصول، وبهم على غيرهم يطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على ~~إبقاء الحياة، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته. ~~وإذا أسرف بأموالهم يقولون عنه إنه كريم، وإذا قتل ولم يمثل يعتبرونه رحيما، ~~ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التأديب، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلوهم ~~كأنهم بغاة.» # والحاصل أن العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل، فإذا ارتفع ~~الجهل زال الخوف وانقلب الوضع؛ أي انقلب المستبد رغم طبعه إلى وكيل أمين يهاب الحساب، ~~ورئيس يخشى عادل الحساب، وأب حليم يتلذذ بالتحاب. # ثم قال: # وضع الناس الحكومات لأجل خدمتهم، والاستبداد قلب الموضوع؛ فجعل الرعية خادمة ~~للرعاة كأنها خلقت لأجلهم فقبلوا وقنعوا، كما أن الاستبداد استخدم قوتهم ~~المجتمعة وهي هي قوة الحكومة على مصالحهم لا لمصالحهم فارتضوا ورضخوا. # ولما كان ضبط أخلاق الطبقات العليا من الناس من أهم الأمور أطلقت الأمم الحرة ~~حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات مستثنية القذف فقط، ورأت أن تحمل مضرة ~~الفوضى في ذلك خير من التحديد؛ لأنه لا ضامن للحكام أن يجعلوا الشعرة من ~~التقييد سلسلة من حديد، يخنقون بها عدوتهم الطبيعة أي الحرية، وقد حمى القرآن ~~قاعدة الإطلاق بوضعه قاعدة: «لا يضار كاتب ولا شهيد.» # وفي فصل عنوانه: «الاستبداد والترقي» تخطى إلى القول: «وقد يبلغ فعل ~~الاستبداد بالأمة أن يحول ميلها الطبيعي من طلب الترقي إلى طلب التسفل بحيث ~~لو دفعت إلى الرفعة لأبت ms153 وتألمت، كما يتألم الأجهر من النور، وإذا ألزمت ~~بالحرية تشقى، وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أطلق سراحها ... وعندئذ يصير ~~الاستبداد كالعلق يطيب له المقام على امتصاص دم الأمة لا ينفك عنها حتى تموت، ~~ويموت هو بموتها.» # هذه الفكرة قالها أديب إسحاق قبل السيد الكواكبي ولكن هذا لا يضيره. # ثم توغل السيد في هذا البحث، فتصور نفسه يخاطب قومه ليحرك قلوبهم، فنحا في الكلام ~~نحوا جميلا يكاد يكون ابتكارا في أسلوب المقالة فابتدأ هكذا: # يا قوم، ينازعني - والله - الشعور هل موقفي هذا في جمع حي أحييه، أم ~~أنا أخاطب أهل القبور فأحييهم بالرحمة. # يا قوم، لستم أحياء عاملين ولا أمواتا مستريحين، بل أنتم بين بين في برزخ ~~يسمى التنبت ويصح تشبيهه بالنوم. # يا قوم - هداكم الله - ما هذا الشقاء المديد والناس في نعيم مقيم، وعز كريم، ~~أفلا تنظرون إلخ. # يا قوم - وقاكم الله من الشر - أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع، وشرف القدوة، ~~مبتلون بداء التقليد والتبعية في كل فكر وعمل، وبداء الحرص عل كل عتيق، ~~إلخ. # نعم يا قوم، عافاكم الله، ويا قوم، أعيذكم بالله، ويا قوم، شفاكم الله، ويا قوم، ~~رحمكم الله، ويا قوم، حماكم الله، ويا قوم، هون الله مصابكم، ويا قوم، سامحكم الله، وظل ~~يقول يا قوم يا يقوم حتى فرغ جرابه، وهيهات أن يفرغ. # ثم انتقل من يا قوم إلى الشرق فخطابه خطابا يبتدئ كل مقطع منه ب «رعاك الله يا ~~شرق.» # ويختم كتابه بالقول: «إن الله - جلت حكمته - قد جعل الامم مسئولة عن أعمال من حكمته ~~عليها وهذا حق. فإذا لم تحسن أمة سياسة نفسها أذلها الله لأمة أخرى تحكمها، كما تفعل ~~الشرائع بإقامة القيم على القاصر أو السفيه، وهذه حكمة. ومتى بلغت أمة رشدها استرجعت ~~عزها، وهذا مثال. وهكذا لا يظلم الله الناس بل الناس هم أنفسهم يظلمون.» # 2 # هذا هو الكواكبي أحد الرواد المناضلين في العهد الحميدي، ولعله أمرهم لسانا، ~~وأعنفهم هجوما، وربما كان موقد نار اليقظة القومية العربية، فبينما كان حزب تركيا ~~الفتاة ms154 يدعو إلى تجديد دم الحكم التركي كان الكواكبي يهتف: فلنلق عنا نيرهم ... ثم كان ~~الذي كان. ~~(5) مصطفى كامل # تعلم أولا في المدارس المصرية، فحاز جائزة التفوق في الامتحان أمام الخديوي توفيق ~~باشا، ولحق بمدرسة الحقوق المصرية، ثم فصل منها، وسافر إلى فرنسا حيث أتم دروسه، ونال ~~الليسانس من كلية طولوز وهو لم يبلغ العشرين بعد. # وخرج إلى العالم مسلحا بعلومه ليغوص في بحر السياسة ولا يكون له هم إلا المطالبة ~~بالجلاء. فألف لتأييد مطلبه كتاب المسألة الشرقية، وحياة الأمم، والرق عند الرومان، ~~ورواية فتح الأندلس التمثيلية، والشمس المشرقة؛ فحبب الشعب بالحرية والاستقلال، فالتف ~~حوله الشباب، وصار ذلك الزعيم بلا منازع. # كان شعاره السياسي «مصر للمصريين»، فخاطب الدول كتابيا، وكتب فصولا كثيرة في ~~الموضوع، وأصدر أخيرا جريدته اللواء بالعربية أولا، ثم بالفرنسية والإنكليزية؛ ليبلغ ~~صوته دول الأرض. # ورأى الحاجة ماسة إلى تأليف حزب منظم فألف الحزب الوطني الذي انتخب رئيسا له ~~طول الحياة. # وإذا لم يتسع المجال للتحدث عن تطوافه في الشرق والغرب، فلنتحدث ولو قليلا عن صفاته، ~~فقد كان هذا الزعيم المناضل عصبي المزاج، شديد التطرف في آرائه، مخلصا لها، ثابتا ~~عليها. يرجع إليه فضل إيقاظ الشعب المصري، وتمهيد السبيل للزعيم زغلول، ومن جاءوا بعده ~~من الأحياء الذين هم خارج نطاق بحثنا. # كان هذا العظيم من خطباء العالم المعدودين مسلحا بصوت جهوري تستحليه ولا تنفر منه. ~~قوي البديهة متدفق البيان رائعه. يعرف كيف يأسر سامعيه ببراعة استهلاله، وكيف يترك في ~~نفوسهم أثرا بليغا بحسن ختامه، تؤيده في جميع مواقفه محبته العنيفة لوطنه، وإباؤه ~~المملوء كرامة قومية. # كان داعية عنيف الكلام، ولكنه لم يدع إلى استعمال القوة والعنف، بل كان يتذرع ~~دائما بالسلم ليبلغ الغاية والقصد، يشبه في مواقفه الخطابية أديب إسحاق الذي اقتدى كل ~~من جاءوا بعده بأسلوبه ووقفته، كما قال الزعيم الآخر الخالد سعد زغلول. ~~(6) قاسم أمين # جده أمير كردي، تلقى علومه أولا في مدارس وطنه، ثم بعث إلى أوروبا فدرس علم الحقوق، ~~وعاد ليشغل مناصب عديدة في القضاء. ms155 # وأشهر كتبه «تحرير المرأة»، ثم كتاب «المرأة الجديدة»، وهو دفاع عما كتبه «تحرير ~~المرأة» الذي أقام الشرق وأقعده، وكأن هذا الكتاب تعديل لما في كتاب تحرير المرأة من ~~تطرف. لقد رد على قاسم كثيرون، أما أبلغ رد كان فهو هذه الحكاية، إن صدق الرواة: قيل ~~إنه جاءه واحد يوما يطلب مقابلة «مدامته»، فقال قاسم أمين: أنت غلطان يا أخي! زوجتي ~~أنا! # فأجابه الرجل: نعم مدام قاسم بك أمين. ألست أنت المطالب برفع الحجاب وإطلاق حرية ~~المرأة، فابدأ بنفسك، اسمح للست أن تقابلنا لنتبعك! # وبعد، فليس قاسم أمين أول من طالب بحرية المرأة المسلمة، فالكتاب الأتراك وأحمد فارس ~~الشدياق الذي أصدر جوائبه في عاصمتهم، كانوا أول الداعين إلى ذلك لكثرة اختلاطهم ~~بالأجانب. # وقد استدرك قاسم أمين فقال: «سيقول قوم إن ما أنشره اليوم بدعة، فأقول: نعم، ولكنها ~~ليست في الإسلام، بل في العوائد، وطرق المعاملة التي يحمد الكمال فيها.» # وقد نشر لقاسم أمين كتاب ثالث سمي «كلمات لقاسم بك أمين»، ومن هذه الكلمات قوله: «إن ~~الذي مدحك بما ليس فيك إنما هو مخاطب غيرك.» # تعصب أهل الدين، وغرور أهل العلم هما منشأ الخلاف الظاهر بين الدين والعلم، لا تكمل ~~أخلاق المرء إلا إذا استوى عنده مدح الناس وذمهم إياه. # ومن كلماته أيضا، وهو رأي له في اللغة: # لا أدري ما هي غاية الكتاب إذا أرادوا التعبير عن اختراع جديد، إنهم يجهدون ~~أنفسهم في البحث عن كلمة عربية تقابل الكلمة الأجنبية المصطلح عليها، ~~كاستعمالهم - مثلا - كلمة السيارة بدلا من كلمة الأوتوموبيل، فإن كان القصد ~~تقريب المعنى إلى الذهن، فالكلمة الأجنبية التي اعتادها الناس تقوم بالوظيفة ~~المطلوبة. # وإن كان قصدهم إثبات أن اللغة العربية لا تحتاج إلى اللغات الأخرى، فقد كلفوا ~~أنفسهم أمرا مستحيلا؛ إذ لم توجد، ولن توجد لغة مستقلة عن غيرها مكتفية ~~بنفسها. # هذا هو أحد روادنا الذين سعوا للتحرر، وإنا لم نضعه هذا الموضع لبلاغته وفصاحته بل ~~لمنزلته الاجتماعية التي كان لها أثر بعيد في النهضة الحديثة، فالغاية من الكتابة ms156 ~~الإصلاح، وهذا كان قصد قاسم أمين حين يكتب. ~~(7) فرح أنطون # كانوا يقولون في تحديد الكاتب: فلان يطبق المفصل، وصرنا نقول اليوم: يطبق المنهاج ... ~~كانت المعرفة عيارا للعلم، فصارت الشهادة قبلة يصلى عليها، وكيف يجعلها دبر ظهره من ~~يراها مفتاح قفل الغد ... # أما فرح أنطون فهو كغيره من الرواد - تلاميذ ذلك الزمان - لا تعادل درجته العلمية ~~الشهادة التكميلية من مناهج اليوم، ولكنه أخرج إلى عالم الأدب ما تقصر عنه دكاترة الأدب ~~والفلسفة. # بزغ نجم فرح أنطون الأدبي مع هلال القرن العشرين - 1900 - فحمل إلى العالم العربي وحي ~~رسالته الجامعة الشاملة، فطعم الألباب، ونور العقول. حل هذا البلبل الشادي دوح ~~وادي النيل فحنا عليه حنو المرضعات على الفطيم، وما انفك يعمل حتى صار ثالث اثنين: ~~«المقتطف» للعلم، و«الهلال» للتاريخ، و«الجامعة» للأدب والثقافة العامة، فكان رائد ~~النهضة الفكرية الحرة في الشرق العربي. # حمل فرح على منكبيه رسالة الفكر الإنساني فأدتها «جامعته» في سبع سنوات فقط، ثم انفتل ~~من جهاده يسعى وراء الرغيف؛ لأن الثقافة لا تطعم من جوع ولا تؤمن من خوف. # كان الشدياق يهدر كالجمل الأورق، وأديب إسحاق يزأر في عرين المنابر ويطاعن خيلا من ~~فوارسها التعصب، ويحمل على أعداء الحرية حملات حجاجية، فما تواريا حتى أمدت البلاد ~~بعثتها الأولى بغطريف جديد نازل القديم المسيطر بصمصامة الحق، فانجلى الغبار عن نصر ~~من الله وفتح قريب. ففرح أنطون ابن تاجر طرابلسي زوى عينيه عن صندوق أبيه فأدركته حرفة ~~الأدب ... سفح على المهارق ريق شبابه، فما اكتهل حتى شب في صدره الأمل، فحمل «جامعته» ~~إلى أميركا يوسع لها في مجالس تلك الدنيا العريضة، ولكنه رجع من بلاد الدولار على ~~الريق، فاحترف الأدب الرائج يلتمس به قوت من لا يموت، وظل يتحرق على حياة الفن للفن حتى ~~قضى سنة 1922 في الثالث من تموز، وليس له إلا كفاف يومه. # ماذا عمل الرجل في الخمسين إلا عامين، وأية رسالة أدى؟ # الجواب: وأية رسالة لم يؤد؟ فهو الذي عرف سواد الشرق الأدنى ببوذا وكنفوشيوس، ~~وأطلعهم على شرائع ms157 حمورابي، وهو أول من أذاع فلسفة تولستوي، وكان له مع الإمام محمد ~~عبده جولات موفقة حول ابن رشيد وفلسفته شغلت العالم العربي حصة من الزمن. وهو من أرانا ~~وجه جون روسكين النبيل، ونشر تعاليم روسو وبرنردين دي سان بيار، وترجم قسما كبيرا من ~~رائعة نيتشه، زاراتوسترا، وأخيرا اهتدى إلى مكسيم غوركي، فترجم أشهر رواياته «ملفا»، ~~وهو الذي اكتشف تعاليم كارل ماركس قبل أن تحمر روسيا البيضاء. # وفرح هو الذي عرفنا ب «رينان» وإذا كان عرفه جدي شخصيا حين وقف على أطلال الهيكل ~~الروماني القائمة كنيسة عين كفاع على أسسه الضخمة الحجارة، أجل عرفه ولكنه ما عرف منه ~~إلا رجلا فرنجيا حل عمشيت وغزير، وكان يعرف السريانية، ويأخذ بعض الحجارة الأثرية ~~من الكنائس العتيقة. # قام فرح بكل هذا يوم لم يكن يحلم الشرق إلا بقديمه، ويرى كل الخير فيه. فهو القصصي ~~الاجتماعى الأول في قصصه: الدين، والعلم، والمال، والوحش الوحش الوحش، وأورشليم ~~الجديدة، ومريم قبل التوبة وغيرها. وصاحب المسرحيات كابن الشعب، وصلاح الدين وغيرهما، ~~كتبها للمعاش فعاش بها المسرح العربي حينا، وتركت في وفتها دويا اجتماعيا. # عشقت نفس فرح الحرية في كل ميدان، ونظر إلى أهمية التربية، فترجم آراء جول سيمون، ~~وظاهر قاسم بك أمين في معركة «تحرير المرأة»، وهو لم ينس أعاظم رجال الغرب العصاميين، ~~فترجم لهم؛ ليحث الشرق على النهوض، وما أحلى ما ابتدأ به كلامه متحدثا عن باكون ~~وشكسبير: مشاهير الناس آلهة للناس في هذه الحياة، ولكنهم آلهة لا تعبد إلا بعد الممات. ~~وقد ابتدأ حين تكلم عن هيغو، وذكرى ميلاده المئوية بكلمة لكاتب دنمركي شهير: إن ظهور ~~أعاظم الرجال منحة من السماء. # ولا يهمل فرح الفلاسفة؛ فيعرفنا بأوغست كونت وفلسفته الحسية، كما أذاع سيرة فيليكس ~~فور تحت هذا العنوان: «من معمل الدباغة إلى رئاسة الجمهورية»، ثم لم ينس العلم؛ فترجم ~~لبرتلو هاتفا: «المجد للعلماء.» # وعلى قلة بضاعته من الشعر نراه يحدد حافظ إبراهيم وأحمد شوقي تحديد بصير، ويدل على ~~مقامهما العتيد في صرح نهضتنا الحديثة. # هذا هو ms158 تلميذ الصف الثالث. ما كان ثانويا ولا جامعيا، فليتعلم شبابنا ليعرفوا لا ~~ليحوزوا مجموعة شهادات كأنها من طوابع البريد ... فالشهادات لا تشرف إلا من يشرفها بعلم ~~واسع عميق. # شخصيته: # أتخيل فرح أنطون كالموسوسين، وكأني أراه ~~حائرا، هادئا، يفكر أبدا، ويحلل القضايا التي تثقل ظهر أمته، لا يدري بما ينفس عنها، ~~ولا كيف يعالج أدواءها، فلجأ إلى كهوف الدهور ينشر على قومه تعاليم أهلها، فترك لنا هذا ~~الميراث الخالد. لم يكن فرح أنطون من أصحاب العبارات الملساء الجوفاء، ولا الكلمات التي ~~تملأ الماضغين. لم يكن يعنيه من الفصاحة إلا الإبانة والظهور. أسلوبه ساذج، يهمه أن ~~يؤدي ما يعتلج في خاطره؛ ولهذا فاض أسلوبه رقة وحنانا، وعبر عن نفسه التي تجرحها ~~النظرة الثابتة. ومن نظر إلى الأزاهر التي قبلتها هذه النحلة الدائبة يدرك ما في ~~جرتها من عسل. # لم تهمه البلاغة كما أهمت أديب إسحاق، ولا القوالب كما نجدها عند نجيب الحداد. كان ~~للرجل هدف يرمي إليه، فهو كاتب أدبي عملي لم يبرز إلى السياسة كالشدياق وإسحاق. كان فرح ~~يحرث كرم الفكر، وينقيه عن العليق والقندول؛ لينمو ويثمر. وما أرى الثائرين ~~والمتمردين بعده إلا تلاميذ له، فهو الذي شق لهم الطريق، وأضرم في النفوس نار الثورة ~~الوجدانية. # في فرح أنطون شخصيتان: المؤلف والمترجم، ولكن الاثنتين واحدة؛ يترجم رواية الثورة ~~الإفرنسية لديماس، كما يؤلف ثورة العرب في «أورشليم الجديدة» روايته الخالدة. لم يكتب ~~الرواية إلا لغرض، ولم يخط كلمة إلا دفاعا عن مبدأ سام، أو سعيا وراء مثل أعلى. ومن ~~يقرأ تحيته لتمثال الحرية يعلم كيف مزج صوفية الشرق بعملية الغرب، حتى إذا آب بالفشل، ~~ودع العالم الجديد بخطبته الخالدة أمام شلال نياغرا. ففرح هو الفكر المحرر حديثا من ~~عبوديته، فلا يكاد يرى أخا معتوقا مثله حتى يصافحه مهنئا، ويتمنى الفرج للمسجونين ~~الآخرين. # أما آثاره في طور الفن للفن فأربعة وعشرون مجلدا، وتآليفه في طور المعاش خمسة عشر، ~~وهو في كل ما ألف وترجم لم يتحول عن خطته إلا بمقدار. # كان اسم رنان ms159 يفزع المتدينين في الغرب، وكان هذا الاسم في الشرق مرادفا للكفر ~~والإلحاد، ألم يقل حافظ إبراهيم راثيا الإمام محمد عبده، ذاكرا ما له من فضل: # وقفت لهانوتو ورينان وقفة # أمدك فيها الروح بالنفثات # ولكن فرح ترجم أخطر كتبه - يسوع - فحملق الشرق به، ونظر إليه الكثيرون، ولكنه لم ~~ينثن. وعندما احتفلت فرنسا بإزاحة الستار عن تمثال رينان عمد فرح إلى آثاره، وترجم ~~«صلاة رينان عند الأكروبول»، ثم علق عليها، وهاكم نموذجا من ذلك التعليق: # يا أثينا العظيمة، اسمحي لنا بعد صديقك العظيم - رينان - أن نوجه إليك ~~رجاءنا، وسؤالنا نحن الشرقيين، ليس لك أن تتكبري علينا كثيرا فبيننا وبينك ~~قرابة قديمة: أتذكرين أيتها الإلهة أولئك الأسرى الذين كان يخطفهم بحارة جزائرك ~~في لارخبيل، من شواطئ صور وصيدا، ويسوقونهم إلى بلادك؟ # إن هؤلاء الأسرى كانوا من مساعديك على تمدين قومك، وتعليمهم الفنون الجميلة، ~~وهم قواعد نهضتك، ففي عروقك إذن أيتها العذراء الجميلة شيء من دماء شرقية، ~~فبحرمة هذا النسب نناشدك: ابعثي إلى الشرق - جدك القديم - شيئا من سنا نورك ~~العظيم، علمينا أن ننسى أهواءنا ومصالحنا الخصوصية، علمينا أن نجهر بمعتقدنا، ~~ولا نخاف فيه قوات الأرض والسماء، أفهمينا معنى الحق والواجب والعدل والعقل؛ ~~لنتخذها نجوما نهتدي بها في ظلمات الحياة، افتحي عيوننا فنكون مخلصين في طلب ~~الإصلاح، مهتمين بالجميع على السواء، وأن نبدأ بأنفسنا. # بثي فينا روح التساهل المطلق، وبهذا كمال النهضة الشرقية. # وإذا كنا لا نشاهدها في زماننا، فحسبنا أن يشاهدها أحفاد أحفادنا ولو بعد ~~عشرين عقبا. # ولما حمل فرح «جامعته» إلى أميركا طامعا بالرزق قال الشاعر أحمد محرم يخاطبه: # إن كنت لا تبغي لنفسك راحة # فأرح مطيك والدنى وبنيها # وتعب فرح الشرقي في ميدان الدولار؛ لأن صوفيته الشرقية حالت دون ذلك، وهاك مقطعا من ~~خطابه أمام شلال نياغرا، فهو يدلك بعض الدلالة على روحية أديبنا، وسبب إخفاقه: # قد غيروا أرضك ومن عليها أيها الشيخ، وهم يظنون أنهم جملوها، وما جمالهم ~~إلا كجمال المرأة الدميمة؛ زخرف خارجي، وطلاء سطحي، حك هذا الطلاء قليلا ms160 تجد ~~تحته جيفة منتنة. كنت أجمل منك اليوم حين كان شاطئاك ملجأ للمتوحشين، ومعتركا ~~للنمور والأسود، وملعبا للذئاب والتماسيح، ومرقصا للدببة والقردة. # كان يومئذ جمالك وحشيا طبيعيا، يقشعر له جلد التصور، ويرتد عنه طرف ~~الخيال مذعورا. # كان يومئذ جمالك جمالا حقيقيا، أما اليوم فقد أسروك كما تؤسر الأسود في ~~الأقفاص، وتجعل فرجة للناس، قد أصبح شاطئاك مرتعا لذئاب ونمورة ودببة وقردة من ~~جنس جديد، لها طباع تلك، ولكنها تمشي على قائمتين: إن روحا مادية هائلة هبت ~~على العالمين فضعضعت المبادئ، وزعزعت الشرائع، وسحقت الأديان والآداب، وساقت ~~الناس بعصا الحاجة الحديدية إلى مبادئ هائلة، جعلتهم ذئابا هائلة، تتعادى ~~وتتسلح تأهبا لاقتتال أفظع من اقتتال الذئاب، والشعوب يأكل في داخلها كبيرها ~~صغيرها، وقويها ضعيفها، كما تفعل أسماكك، والكمال للدولار وحده. ms161