######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.ShicrCammi.Hindawi63063058 #META# Tags: literature #META# ID: 63063058 #META# Title: الشعر العامي #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # القرية في أمثالها‏ # ليالي القرية ومواسمها‏ # اللهجة العامية اللبنانية‏ # الشعر العامي اللبناني‏ # أطوار الزجل اللبناني‏ # الطور الكلاسيكي‏ # الشعر العامي‏ # الطور الرومانطيقي الرمزي‏ # من قلبي‏ # جلنار‏ # ياجوج وماجوج‏ # القرية في أمثالها‏ # ليالي القرية ومواسمها‏ # اللهجة العامية اللبنانية‏ # الشعر العامي اللبناني‏ # أطوار الزجل اللبناني‏ # الطور الكلاسيكي‏ # الشعر العامي‏ # الطور الرومانطيقي الرمزي‏ # من قلبي‏ # جلنار‏ # ياجوج وماجوج‏ # | الشعر العامي # | الشعر العامي # تأليف # مارون عبود # 1886-1962 # | القرية في أمثالها # القرى أهراء المدن، فمنها تستمد القوت، من حنطة، وخضار، وفواكه وألبان، ولحوم ~~وخمور، فكأنها معمل، دواليبه الرجال. وكما لا تقف المعامل إلا هنيهات، كذلك يظل ~~الفلاح في حركة دائمة، فحياته زرع وقلع، وحلب ضرع، صيفه استغلال، إن جادت عليه ~~الطبيعة بالأمطار في أوانها. وإن جاءت قبل الوقت المناسب أو بعده قعد حسيرا كئيبا، ~~يعلل نفسه بحكمة الأمثال التي علمته إياها التجاريب، وأملتها عليه الأيام ~~فيردد: «إن فاتك عام استبشر بغيره»، فالقروي صبور، جلود، لا يقنط ولا ييأس، ولا ~~يكاد يسقط حتى يقوم. # لا أدري ماذا يحل بسكان المدن من حكام وعلماء، ومن صناعيين وتجار وعمال، إذا وقف ~~هذا البائس عن العمل، أو قنط ويئس، ولم يحرث أرضه ويرب نعاجه؟! # أيأكلون البضائع التي تعج بها مخازنهم وحوانيتهم؟! وهل يطعمهم الدولاب خبزا وخضارا ~~ولحما؟ ثم من يستهلك منتوجاتهم، وينفق بضاعتهم؟! أليس القروي هو المستهلك ~~والمنتج في وقت معا؟! لقد تخيل الشاعر الفرنسي سولي برودوم هذه الحالة، ووصفها في ~~إحدى قصائده، فرأى الموت على مقربة منه. # فلو لم تسخر الطبيعة أبناءها كلا لعمل، وتجعل أسلوب حياته رائقا في عينيه، لما ~~كان ابن القرية يرضى بعزلته وخشونة عيشه، فإذا دخلت القرية نهارا فقلما تجد في ~~بيوتها غير الشيوخ العاجزين، والنساء اللواتي لا يستطعن عملا، أو اللواتي يهيئن ~~الطعام للرجال الكادحين في الحقول، حتى إذا دنت ساعة الغداء، حملن سلال الطعام في يد، ~~وأباريق الماء في يد، وهرولن إلى الحقول حيث تنتظر الرجال الزاد. # إن أيام القروي مملوءة عملا في جميع الفصول، وهو لا يلجأ إلى بيته نهارا إلا إذا ms01 ~~دهمه المطر شتاء، وكواه الحر صيفا، فلكل فصل من فصول السنة عمل لا بد من أن ~~يتمه في حينه؛ لأن المثل يقول له: «الفلاحة يد.» فإذا تقاعس أو تماهل فاته الرزق، ~~والرزق في نظره قسمة ونصيب، ولكن العمل واجب؛ فالله قال: «قم حتى أقوم ~~معك.» فإذا تباطأ أو قصر كان هو المقصر، وصح فيه المثل: «اللي من ايده الله ~~يزيده.» ~~«الحركة فيها البركة»؛ لذا تراهم لا يستقرون، فإذا تركوا الحقل للاستراحة فلا بد ~~من عمل ما حول البيت، فالزمان يخلص، والعمل لا ينتهي، والتعب وسخ.» # ليس كل أهل القرى يحرثون وينكشون، بل هناك فئة تستأجر عمالا، فيكون عملها مراقبتهم ~~لكي يحسنوا العمل ولا يضيعوا الوقت. وكما يتمتع العمال المدنيون بالموسيقى ~~الاصطناعية التي ينطق بها المعدن، كذلك لهؤلاء موسيقى طبيعية ترفه عنهم، فهنا ~~حسون يغني، وشحرور يغرد، وحجل يتكلم، وهناك راع ينفخ في شبابته فيلطف من ~~شقاء الفلاح، ويهون عليه مصيبته، فتصير «نصف مصيبة». # النهار - كما قلنا - للعمل الدائم، وكيفما التفت العابر تقع عينه إما على حطاب ~~يقطع الحطب، ويحمله إلى بيته ليدخره للشتاء، كما يدخر مئونته تماما؛ لأن المثل ~~يقول له: «في كانون كن، ومن المولود للمعمود يقف الماء عامود»، وإما على آخر يلم ~~تينه ليدخره للشتاء، فإذا كانت «المئونة في الصيف على العود، فأيلول طرفه بالماء ~~مبلول.» فليستعد له، «فالشتاء ضيق ولو كان فرجا.» # وقد ترى مكاريا يسوق بغله وحماره، وهو يغني ليخفف من مشاق الطريق، ويبلغ المكان ~~المقصود، فإذا «جاء الليل جاء معه الويل.» # إذا كنت رأيتني - وكما ستراني - أكثر من ذكر الأمثال، فلا تنس أن ثقافة القرية ~~في أمثالها، فالمثل هو أدب الشعب وعنوان ثقافته، والدليل على عقلية الأمة الخام، ~~وأخلاقها الأولية، ونتيجة اختباراتها في الحياة. إن الأمثال القروية أحكام محكمة ~~الوضع في جمل وجيزة يعرفها القروي الأمي، كما يعرف المحامي المتضلع مواد الحقوق ~~الأصلية، فهو يحدثك دائما بالأمثال، ولا بدع في ذلك؛ فالمثل هو الثقافة البشرية ~~الأصيلة. وكما يوجد فلسفة عامة يعرفها المكاري والمعاز والأكار، فيشترك ms02 فيها ~~العقل البشري على اختلاف طبقاته، كذلك يوجد ثقافة شعبية تجمعها هذه الأمثال، فهي - ~~كما قلنا - أشبه بالمواد الكلية في الحقوق المدنية من حيث إيجازها وبلاغتها وما ~~ينطوي تحتها من معان. فكتب حقوق القروي تحت لسانه، وهو لا يحتاج إلى مراجعة المجلات ~~والدساتير ليصدر أحكامه؛ فهذه الأمثال أحكام تتناول جميع الشئون الحياتية، وهي تجمع ~~المحاسن والأضداد، والكفر والإلحاد، وفي الجملة، الشيء وضده في كل باب ومطلب. # المثل - في نظري - هو رفيق الأمية عبر العصور، وستظل هذه الأمثال حية خالدة، إذا ~~مات منها واحد قام عشرات. وهي تتغير وتتبدل بتبدل أساليب العيش، وتتطور بتطور ~~الحياة، ولا تحرم الإنسانية عقولا ثاقبة ترسل الأمثال وتضربها في كل مناسبة. # وبهذا التبدل فهي تحافظ على بقائها؛ لأنها تنبع من جميع طبقات الشعب، ولذلك أراها ~~ملائمة لعقلية الشعوب أكثر من الشعر، بل هي أصدق من الشعر. أما هذا التناقض الذي ~~نراه فيها، فهو عندي طبيعي جدا؛ لأن المثل يماشي الحياة التي لا تسير على نمط ~~واحد، وفي سياق واحد. # وقد حرص الناس على أن يقولوا في كل غرض مثلا. فللزراعة، وهي تهمهم كثيرا، أمثال ~~لا تعد، نذكر منها قولهم: «غير بذارك ولو من عند جارك.» و«بعد أختي عني وخذ ~~غلتها مني.» هذا ما نطق به الزارع والدارس. # ولهم في الطب أمثال أيضا منها قولهم: «البذرة التي لا تعرف فيها، بالنار ~~داويها.» # وكذلك يقولون في الاقتصاد: «على قدر بساطك مد رجليك.» ولهم في السياسة مثل يوهمك أنهم ~~يكرهون السياسة مع أنهم غارقون فيها إلى آذانهم، قالوا: «الداخل بالسياسة مثل الداخل ~~بتنكة الكناسة.» # والأمثال منها ما هو وليد الاختبار، ومنها ما هو وليد الوجدان والعواطف، ومنها ما هو ~~وليد التمرد والحرمان. فهذا القروي الذي وصفته لك كادا جاهدا نفسه، لا تنس أن ~~فيه روحا عاتية، يفكر كما يفكر حكامه، وإذا أكره وأثير، استحالت فأسه ومنجله ~~ومسحاته ورفشه ومنخس ثيرانه عتادا حربية، يضحي ببنيه وثيرانه وكل ما يملك إذا ما ~~استفزه البغي والظلم. # والفلاح - على بساطته - هو الذي يسقط ms03 الحكام، ويقوض العروش حين تستحيل منجل حصاده ~~سيفا، وعباءته درعا وترسا، يهاجم الموت وهو يردد المثل القائل له: «مت ابن ... ولا ~~تعش حزينا.» # فهو يقول لك حين يكون راضيا عن حكامه، أو ساخطا ولا تواتيه فرصة الفتك: «لا سلطة ~~إلا من الله، وحاكمك وربك.» كما يستعين بالدهاء فيقول: «اليد التي لا تقدر أن ~~تعضها بوسها وادع عليها بالكسر.» وعندما تأتي الساعة الملائمة يندفع كالنهر الجارف ~~وعلى لسانه: «عيشة بالذل أنا ما أريدها.» حتى إذا ما ظفر بذاك الطاغية الذي كان يقول ~~فيه: «لا سلطة إلا من الله»، يقول له بعد أن يسقط عن كرسيه أو يقتله: «على الباغي ~~تدور الدوائر، ولا يحصد الإنسان إلا ما زرع.» # ثم يتنفش بعد هذا الفوز على ظالمه ويقول: «قالوا لعنتر: من عنترك؟ قال: ما لقيت حدا ~~ردني.» نحن رددناه؛ لأن «الوعاء الذي لا يمتلي يكون معيوبا.» # أعتقد أن لبنان أغنى من غيره بالأمثال؛ وذاك لتشابك المدنيات فيه، بتواليها عليه، ~~وبقدر ما تتشابك الحياة وتتعقد شئونها، يهب المثل من مكمنه ليعبر عنها، ويبقى رمزا ~~إليها. إن القروي سياسي مطبوع، ولذلك قلما ترى قرية ليست منقسمة حزبين أو ~~أحزابا. ولعل القروي، إذا ترك المحراث وقعد يستريح، يتحدث مع رفيقه عن السياسة ~~العالمية على قدر ما يدرك منها، ثم يتطرق إلى المحلية منها. وهناك يجلي في ذلك ~~المضمار، فهو ينتصر لرجل، وربما كان لا يعرفه، ولعل تحزبه له يكون نكاية بجاره أو ~~بابن عمه أو أخيه، وكما يقول مثله: «من أخذ أمي صار عمي»، يقول أيضا: «أنا وأخي ~~على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب.» ولكن لا، فكثيرا ما نرى القروي ينتصر ~~للغريب ويعادي حتى أخاه ليحقق القول: «البغض بين القرايب، والحسد بين ~~الجيران.» # وهذه الحزبية القروية كثيرا ما سفكت دماء وزهقت أرواح بسببها؛ فالقروي عات ~~جبار، إذا استفز صغر الموت في عينيه وقتل خصمه كما يقتل الحية. وللثأر عندهم ~~مكانة عليا؛ ولهذا تزول الأحقاد بينهم في تلك الساعة وينتصرون لبعضهم ويقولون: «ابن ~~عمك حمال دمك ms04 .» حتى إذا ما مرت تلك الفترة عادوا إلى عنعناتهم وتنافرهم ~~وتباغضهم. # وحب الزعامة والرئاسة متأصل في القرية؛ ولذلك قسم أبناؤها الجماعة درجات: فلان ~~يأخذ القهوة قبل فلان، وزيد يجلس فوق يد خالد، وإذا أخل أحد بهذا الترتيب، كانت ~~العاقبة غير محمودة، وقد تؤدي إلى قتل من تجاوز حده ولم يقف عنده. # أما العيشة في القرية فمشتركة، فمن عنده يهدي إلى الذي ليس عنده، وقد تكون عند فقير ~~فاكهة ليست عند أبناء قريته، فهو لا يحجم عن أن يهديهم شيئا من ثمارها فيأكلون ~~متمثلين: «سنة مباركة ورزق جديد.» # وأبغض شخصية في القرية هي شخصية البخيل الشحيح، وفيها يضربون الأمثال: «البخل ~~كشاف العيوب وقاطع المحبة من القلوب»، و«البخيل بيموت عليل»، «البخيل بياكل من ~~كيسه، والكريم بياكل من كيس غيره.» كما يقولون في الكريم: «الكرم مغطي كل عيب»، ~~و«هين مالك ولا تهين حالك.» # وأحب الناس إليهم من كان جوادا، فالكريم المضياف: «كرم على درب، وبيته مفتوح»؛ ~~وذلك لأن من عاداتهم أن المار يأكل عنبا وتينا من كل كرم يمر عليه، بشرط أن لا ~~يأخذ معه شيئا، وإن أخذ أهين، وإن كبر رأسه ضرب. # إن الضيافة هي شعار القروي، ومن العار عليه ألا يقوم بواجب الضيف. قد تستخف ~~بالقروي حين تراه وعليه ثوب العمل المهلهل، فيكاد يكون: «ما عليه من الخام ريحه.» ~~ولكنه إذا لبس ثوب الاستقبال وأدخلك بيته البسيط النظيف، وقدم لك طعامه المعد ~~أحسن إعداد ظننت أنك عند رجل لا صلة بينه وبين الحقول والمواشي. وإذا كان الضيف ~~كبيرا ذبحوا له خروفا أو جديا، وإلا فدجاجة. وإن كان ممن لا يؤبه له قروه من ~~حواضر البيت: الجبن واللبن والبيض، وكانت حلاوته التين. أما الذي يهرب من وجه الضيف ~~فمثلهم يقول فيه: «الكلب لا يعرف بابه»، وإذا كان غنيا بخيلا قالوا فيه: «كلب ~~محمل قروش.» # ومن أمثالهم: «الضيف له الكرامة»، و«ضيف المسا ما له عشا»؛ أي يقدم له من حيث كان، ~~ويقام بواجبه على حقه في الغد؛ لأن الضيف: «أسير المحل»، فلا يبارح ms05 المضافة إلا ~~مأذونا: # يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا # نحن الضيوف وأنت رب المنزل # كما قالوا: «الضيف المتعشي ثقلته على الأرض.» وإذا كان الضيف ثقيل الدم أو وقحا ~~قالوا فيه: «ضيف وحامل سيف.» # أما الرجل الذي لا يرجى خيره ولا يتقى شره، فهذا عندهم لا منزلة له وفيه يقول ~~مثلهم: «فلان لا يهش ولا ينش، وفشكة كر، لا بينفع ولا بيضر.» ولما كانوا - في ذلك ~~الزمان - لا يعرفون صبغة اليود وغيرها من المضمدات قالوا في البخيل أيضا: «فلان لا ~~يبول على أصبع مجروح.» # ومن قيمهم الأخلاقية المثلى عرفان الجميل؛ ولذلك قالوا في الذي يسيء إلى من أحسن ~~إليه: «كل شيء تزرعه وتقلعه إلا ابن آدم، تزرعه فيقلعك.» # أما المحافظة على العرض فرأس مكارم الأخلاق عندهم، قد يقتل الرجل أمه أو أخته. وقد ~~يتحمس شباب القرية فيقتلون واحدة أساءت السلوك؛ حفظا لكرامة الضيعة، لئلا يقال: في ~~القرية الفلانية بنت أو امرأة عينها شاردة؛ ولهذا لا يسمحون للبنت بالاختلاء بمن يميل ~~إلى تزوجها. وفي ذلك قال مثلهم: «اربط إيدك مليح تستريح.» والبنت ينصحها مثلهم ~~بقوله: «عشيقك لا تأخذيه ومطلقك لا ترديه.» وإذا ماتت لهم بنت قالوا: «ماتت حرة ~~ووفرت صرة.» # أما العلم - في القرية - فمنتشر جدا، وهم قديمو العهد به، فحد كل معبد مدرسة ~~صغيرة تعلم القراءة والكتابة حتى يندر أن ترى أميين في القرية اللبنانية، ~~وقد أضيف إليها حديثا مدارس حكومية، وديورة كثيرة استحالت مدارس عالية نشرت ~~الثقافة منذ مئات السنين. # | ليالي القرية ومواسمها # أشرنا إلى تعب القروي وكده في نهاره، ولا بد لنا من الإشارة إلى لياليه التي ~~يحييها ليرفه عن نفسه. وهي تكون دائما صارخة حافلة بالأغاني؛ لأن كل ما في هذا ~~الجبل يغني، العامل يشتغل ويغني، والحارث يغني خلف فدانه، والمكاري يغني ~~وراء بغله وحماره، والراعي يغني ويترنم وينفخ في مزماره وشبابته، فيفرح قطيعه ~~وسامعيه. ولا عرس ولا عيد ولا مولد بدون غناء وشعر، حتى يصح أن نسمي لبنان: جبل ~~الزجل، فقلما عجز عن قول الشعر العامي أحد. وهذا ms06 الشعر يتناول جميع أغراض الشعر من ~~غزل، ومدح، ورثاء، وحكمة، وحماسة، ومسرحيات، وملاحم، وفكاهة، وهجاء، ولعلهم يمتازون ~~بالارتجال كما سيأتيك الخبر. ~~••• # ليس للقرية مسارح ومقاه، فمسرح القرية ومقهاها بيت وجيه الضيعة، ولذلك قال مثلها: ~~«الذي يعمل جمالا يعلي باب بيته»، ففي ليالي الشتاء السوداء، يلتفون حلقات ~~حول نيران موقده، ويشربون القهوة ويأكلون النقل البلدي، من تين مجفف، وجوز، ~~ولوز، وزبيب، وغير ذلك من الفواكه المحفوظة، ويغنيهم صاحب الصوت الرخيم منهم ~~العتابا والميجانا والمواليا وغيرها، وقد تشارك المرأة في هذه الأغاني رجال ~~الضيعة وشبابها، كما تشاركهم في تلك الأهازيج المحلية اللون. # ويطيب للقرويين أن يسمعوا أغاني الفروسية وأقاصيصها، فيصرفون قسما من السهرة في ~~سماع إنشاد قصة «الزير أبو ليلى المهلهل»، فتعجبهم أخباره وحوادث فروسيته، ويطربون ~~لأفعاله العجيبة، وعندما يترنم المنشد هاتفا بقوله: # وأول قولنا: نستغفر الله # إله العرش لا رب سواه # تطرب النفوس وتخشع لذكر الله حتى في مجال الهزل. # وتمشي القصة حتى تبلغ قتل الزير للسبع: # فرد السبع نحوي يا ابن خيي # فتح تمه ومد لي يداه # فضربته بسكيني قتلته # وقع مطروح من فوق الوطاه # فتتعالى الأصوات، وقد أعجبتها هذه البطولة الرائعة، ثم يمرون بالحكمة المنثورة في ~~ديوان الزير، فيعجبهم قول المهلهل: # جبال الكحل تفنيها المراود # وكثر المال تفنيه العداه # وأما الكذب هو راس المعاصي # والكذاب لا تقعد حداه # وفي بيت وجيه آخر ينشد المغني شيئا من قصة عنترة، وفي ليلة أخرى يسمعون فصلا أو ~~فصولا من تغريبة بني هلال، فيتمثلون الزناتي خليفة، ودياب ابن غانم، وأبو زيد ~~الهلالي، وهكذا دواليك. # وتتعالى الأصوات بالهتاف حين يقول أبو سعدى: # يا سعدى أنا أكره دياب وذكره # كما تكره الخالة ولاد رجالها # وإذا كان هناك من تزوج أبوه غير أمه، كان الرمز والإيماء. وقد تنتهي السهرة إلى ~~شجار، ولكن خارج بيت الوجيه أو الزعيم؛ لأن لبيته حرمة لا تنتهك. # وفي ليال أخر، قد يتسلون بحكايات أحبها إلى نفوسهم ما كانت حافلة بالغريب العجيب، ~~كحكايات ألف ليلة وليلة. والحكواتي يمثل لهم الحكاية وحده، فهو ms07 يتقمص كل شخص ~~ويحاكيه. وقد ينتقلون إلى الحزازير؛ وهي ألغاز وأحاج يعملون أفكارهم في ~~حلها. # وقد يقومون بألعاب مضحكة مثل «زي عروستي»، و«اجعل مخزنك عبك»، وغيرها من المضحكات ~~الساذجة المسلية حقا. # هذا في السهرات العادية، أما سهرات المناسبات الكبرى كالولادة والأعراس، فتعد من ~~ليالي العمر. فإذا ولد لرجل مولود، حملوا إليه الهدايا من سكر، ورز، وبن وصابون، ودجاج. وأبو ~~المولود يقوم بواجبهم، فيقدم لهم الخمور الجيدة، والعرق اللبناني المشهور، ثم ~~يعد المآدب فيأكلون، ويشربون، ويسمرون، ويغنون داعين للمحروس بطول ~~العمر. # أما في الأعراس فتظل الاجتماعات تعقد في بيت العريس أسبوعا بل أكثر، إذا كان الذي ~~تزوج من أصحاب اليسار. # في تلك الساعة يشرب الناس ويغنون العتابا، والميجانا، والمعنى، والقرادي، ~~والأغاني المختلفة. ويرقصون رجالا ونساء رقصة الدبكة على نقر الدفوف، وعزف ~~المزمار، وقد ينتهي بهم السكر إلى المشاجرة، بل إلى سفك الدماء والقتل. # وللأعياد عندهم أهمية كبرى، فهي سوق مفاخر، وخصوصا عيد قديس الضيعة، حيث تستحيل ~~القرية إلى مطعم عام، فكل واحد من القرويين يستعد لذلك اليوم، ويدخر له خير ~~محصولاته ليقدمها إلى ضيوفه. فاللبناني القروي كريم مضياف، والقرية لا مطاعم ولا ~~مقاهي فيها؛ ولذلك ترى القروي مستعدا دائما لاستقبال الضيف الطارق، وخصوصا يوم ~~عيد القرية. ويرى كل واحد أنه من الغبن أن يقصر عن جاره، فتراهم يتنافسون في هذا، ~~ثم يتفاخرون بعد ذلك بكثرة ضيوفهم، فمن كان أكثر ضيوفا يكبر في عين القرية. وعيد ~~قديس الضيعة سوق عكاظ، بل يفوق سوق عكاظ بالشعر المرتجل الذي يتبارى فيه الشعراء ~~المقبلون من كل ناحية لإحياء هذه الليلة، فيبنون شعرهم على وزن واحد وقافية واحدة، ~~ويكون خطاب وجواب، يبدءون عادة بمجادلة بعضهم، وينتهون أخيرا إلى التهاجي الذي ~~يسميه شعراء القرية قول جفا، وفي مثل هذا الموقف كثيرا ما تجري أقوالهم على أفواه ~~الناس مجرى الأمثال، كقول أحدهم لمناظره: # لا البطيخ بيكسر سيخ # ولا الملفوف بيلوي سيوف # وقد تطول الجلسة ويضيق الحرف، أي القافية، فيلجئون إلى قافية جديدة. # والقرية، كما تغني وترقص في مواسم ms08 الأفراح، كذلك تفعل في المآتم والمناحات. وقد ~~يستحيل المأتم إلى عرس صارخ حافل بالغناء المحزن إذا كان الميت شابا أو زعيما ~~كبيرا أو أميرا، فتأتي كل قرية حاملة بيرقا ولكل قرية بيرق خاص، وتسرج الخيول، ~~ويتبارى شعراء القرية في تعداد مآثر الميت وتمجيد أعماله، ولو كان غير مستحق، ~~وتطلق العيارات النارية، فتخالك في فتنة صارخة أو في ساحة حرب. وكثيرا ما يثقل ~~الدين البيت إذا ما مات منه أحد؛ لأن المبالغة في أبهة المناحة كثيرة ~~التكاليف. # إن الغناء هو الهيكل العظمي في جسم القرية، وقلما يخلو مجتمع منه، ففي كل مناسبة ~~يرفع القروي عقيرته مترنما. طبعا إن أغاني الفرح هي غير أغاني الترح، وكي نعرف ~~القارئ بها سننقل نموذجا من هذا الشعر الشجي الباكي. # إن أغاني المآتم نوعان: نوع تقوم به الرجال - وهو ضرب من الحداء بلحن كئيب - ونوع ~~تقوم به النوائح؛ أي النساء النادبات، وله إيقاع غير ندب الرجال. # فمن ندب الرجال قولهم في وجيه، عالم بالشريعة؛ أي محام: # انهزت أقطار العوالي # وانكسف قطب الشمالي ~~••• # يا جبل عالي وراسي # يا مطفطف عالكراسي # كيف حالو بعد منك # رسم قانون الأساسي ~~••• # خزقوا روب المحامي # وسكروا باب الشريعه # أما نواح النساء فمن نوع آخر ولحن آخر، وهذا نموذج منه: # بو شاهين يا بعدي # ويا بو شارب الجعدي # وعدت شاهين بالرجعه # ورحت وطابت القعدي # والقرية لا تخلو من المهازل أيضا، فهم يلجئون إليها في أيام خاصة، نذكر منها مثلا: ~~«إثنين الراهب» وهو أول يوم من الصيام، فتخرج القرية بعد الظهر لاستقبال الراهب. ~~كانوا فيما مضى يخرجون إكبارا له وإجلالا، وصاروا اليوم يمثلونه مهزلة، فيركبون ~~شخصا مرتديا ثوب الرهبان، وله لحية عارمة على الدابة بالمقلوب؛ أي وجهه لجهة ~~ذنبها، فيقودها أحدهم والجماهير تتبعه، فيطوفون به في الأزقة والدروب هازئين ~~ساخرين. # وهناك أيضا يوم البربارة، فهو أشبه سخرية بيوم إثنين الراهب، ولا بد في الحفلتين، ~~بل في كل حفلة قروية من الغناء. وهكذا يغنون في يوم البربارة طائفين على أبواب ~~الأجاويد ، فمن أعطتهم وجادت، غنمت ms09 المدح، ومن بخلت كان حظها الشتم. # هيلجي برباره # والقمح بالكواره # هيلجي هيلجينا # أيش ما كان عندك اعطينا ~~••• # شيحه فوق شيحه # صاحبة البيت مليحه ~~••• # خليه فوق خليه # صاحبة البيت نوريه # وقد لا تنتهي هذه المواسم على خير. # أما المرفع فهو موسم سكر وأكل لحم، وزواج. يعلف القروي كبشا، أو قرقورا، أو ~~جديا، أو تيسا، يسمونه مرفعية، ويأكلونه خلال أسبوع تنتهي مدته ببدء الصوم. ~~وإذا فضل عنهم شيء قددوه وحفظوه ليوم عيد الفصح وما بعده. إن هذه العادة قد ~~أذنت بالزوال، وأراحت القرية من حوادثها الدامية. # أما الأعراس فتكثر في هذه الفترة، لأن الكنائس الشرقية لا ترخص بالزواج زمن ~~الصوم. # وأخيرا، إن عادات القرية وتقاليدها وثقافتها التي تعرب عنها أمثالها وأغانيها، ~~تضيق عنها المجلدات، وما دامت القرية الواحدة تعرف ما لا يقل عن خمسة آلاف مثل، ~~والألوف المؤلفة من الأغاني، فكيف يمكن أن توصف في كتاب واحد؟ # فسبحان من عدد مظاهر الثقافة، وشكرا له! # | اللهجة العامية اللبنانية # كنت - ولا أزال، وسأظل - عدو الاثنين: الداعي إلى إحلال اللهجة العامية محل اللغة ~~الفصحى، والقائل بكتابة اللغة العربية بحروف لاتينية. # كلا الأخوين أضر من أخيه، أيجهل هؤلاء الدعاة أن لكل جيل من الناس لغتين؟ لغة ~~يجري بها القلم، وهي مادة الكتاب، والكتاب سجل المدنية الخالد، ولغة تدور على ~~الألسنة، وبها تتفاهم الأمة المختلفة الأقاليم؟ أذكر ولا أنسى أبدا أن واحدا من ~~بني عمي تزوج أميركية وجاء بها إلينا، فحاول أحد طلاب المدارس أن يحدثها باللسان ~~الإنكليزي، فلم يفهم عنها ولا فهمت عنه، إلا: «يس وأوريت، وغود مورني.» # وزارني، منذ أعوام، مراكشيان فما تفاهمنا إلا بالفصحى، وأذكر مرة أخرى أن أحد ~~المهوسين باللهجة، قرأ لي محاضرة كتبها بلهجتنا العامية، متوقعا مني ثناء طويلا ~~عريضا، فقلت له هذه الكلمة: خطابك جميل، إلا أنه يحتاج إلى ترجمة، فاحمر ~~وجهه. # وبعد، فقد تكون لهجة لبنان العامية أنقى اللهجات، وأقربها إلى الفصحى لانكماش ~~اللبنانيين وتقلصهم في جبالهم الوعرة، غير المرغوب باستيطانها. هذا ما كان، أما ~~ما سيكون فمن يدري؟ إن ms10 سهولة المواصلات، ومطامع الشركات، والمهاجرة من ... وإلى، قد ~~تؤدي إلى إفساد لهجتنا، والله أعلم. # إذا سمعت لبنانيا يقول للخادم خذمتشي، فاحكم حالا أنه غير جبلي، فعلى ألسنة ~~اللبنانيين تدور تعابير قرشية النسب لا تحصى، وإليك بعض ما يحضرني منها: «قطعنا له ~~ثيابا»، «من كل فج عميق»، «أساور من ذهب» ... «لولا كلمة سبقت»، «اسم الله عليه»، ~~«لا تقع السماء على الأرض»، «ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم»، «سبق عليه ~~القول.» # إن هذه التعابير من كلامه تعالى، ولساننا يجري بها حتى الساعة. فاللبناني لا يعرف ~~مضغ الكلام، وقلما رأى في ضيعته الأعاجم، وإن مر بها واحد فكمر السحاب. ~~اجتمعت في أخريات هذا الصيف بمحمد الأمير، أمير بني ربيعة، فقال لي: إن لهجة ~~لبنانكم أقرب اللهجات إلى لهجتنا، وإننا نفهم عنكم أكثر مما نفهم عن سواكم. # نعم، إن ابتعاد اللبناني وانفراده، حملاه على أخذ مسمياته من أفعالها، فقال: ~~فلاح، وفاعل، وأطلق على القد - الذي تشد به الحلقة إلى النير - اسم «الشرع»، ~~تأمل ما أجمل وأدل هذا الاسم على ما يعدل به الفلاح بين ثوريه، فلا يحمل ~~واحدا منهما فوق طاقته! وهو يسمي الأداة التي ينكز بها الفدان «مساس» لأنه ~~يمس بها مسا، ففي رأس المساس نصل كنصل الرمح، والمساس رمح الفلاح، ~~وساحة طعانه حقله. أما الآلة التي يضرب بها ضربا فيسميها «صاموطة»، وكأنه اشتقها ~~من السمت، ومعناه الخط الذي يريد أن يرسمه. # لم يدع قدماؤنا - حتى المتأخرون منهم - هذا النهج في مسمياتهم، فقالوا: «أبو الركب» في حمى الضنك. أما اليوم، فأخذ بعضنا يقول: كورب، ومكورب، من كلمة كريب؛ أي ~~مصاب بالرشح. كان القدماء، إذا تعذرت عليهم التسمية، لجئوا إلى المجاز، طابعين على ~~غرار جدودهم، يسمون الشيء باسم جزء منه، فقالوا: «لستيك» لنوع من الأحذية. # ومن هذا الطراز قولهم لمن رأوه في بحران وسهو: «مسطول»، و«قاعد مثل السطل» «لا يهش ~~ولا ينش.» ويقولون للخفيف الرأس: «مشتول»، وعلى هذا الغرار قالوا للقصبتين ~~المضمومتين: «عنيق»؛ لأن عنقهم ينتفخ عند النفخ للغناء بهما، أو ms11 يسمونهما «قصب» ~~باسم جنسهما، كما يقولون للمريض: «ساخن» من السخونة. ومن تسميتهم الحسنة قولهم: «كف ~~ورق»، لخمس طلاح ويلفظونها «طراحي». ويقولون: «حص توم» وفي الحص لغويا معنى ~~الكثرة. ويسمون أحد أجزائه «سن توم» لما بينه وبين السن من تشابه. ويعجبني منهم نهجهم ~~في الأسماء والألقاب والكنى نهج العرب، فلقبوا واحدا «الصبح» وهو أكمه، وسموا آخر ~~«العيوق» وهو يكاد يكون مسخا، وكنوا رجلا «أعشى» ب «أبو ضو» كما قال العرب: ~~«أبو بصير». وأرى أيضا في تسمياتهم ذوقا مرهفا حين يسمون النونة والفحصة ~~«غمازة»؛ وهي نقرة تبدو في الخدين عند الابتسام وكأنها تغمز. ويعجبني أكثر من ذلك ~~هربهم من الحروف الثقيلة كالذال، مثلا، فإما أن يلفظوها دالا أو يحذفوها بالكلية، ~~فيقولون للماهر في مهنته: «أصطا» بدلا من أستاذ، وللساذج: «سادا» رادين هذين الحرفين ~~إلى أصلهما الفارسي. # قال أحد المتمشرقين: إن أهل لبنان يلفظون الذال دالا، فصدق، ولكنه مثل على ذلك ~~بإذا، فضل كعادة زملائه، فليس هناك لبناني يقول: إدا. # إن العوام، وخصوصا اللبنانيين، أعداء كل حرف ثقيل، فأكثرهم يلفظ القاف همزة، ~~كقولهم: «اسكت بأى» وهم يحذفون الهمزة حذفا كاد أن يكون إجماليا فيقولون: «جا، ~~وجايي، وجينا»، وإذا سمعت لبنانيا يعكس همزة جاء ويقول: «إجا»، فاعلم أنه غير ~~جبلي أصيل. # ومن خصائص اللهجة اللبنانية النحت والقلب والإبدال، ولنقل: الاختزال واللز إن صح ~~التعبير. فيقولون: «أيوه»، في أي والله، و«إسا ولسا»، في الساعة وللساعة، ~~و«هلق» في هذا الوقت، و«بدي»، بدلا من بودي، و«أيشو»، في أي شيء هو. وفي الشوف ~~يقولون: «شو» بدلا من أيش. أما من يقول: «شونو» فمتحذلق. إن اللهجات في لبنان ~~تختلف باختلاف الأقاليم اختلافا جزئيا، ومن اختلاف اللهجات نعرف الأقاليم، ومن ~~اختزالهم قولهم: «تعاتا ناكول»؛ أي تعال حتى نأكل. و«هو» بدلا من هؤلاء، كقول ~~الخادمة: «بدي كنس هو»؛ أي بودي أن أكنس هؤلاء. وكقولهم: «أينو»، في أين هو، ~~و«هيك» في هكذا، و«ليك» في إليك، ويلحقون بها الهاء فيقولون: «ليكو »؛ أي ~~إليكه، و«ليكا»؛ أي إليكها، و«ليكن»؛ أي إليكم وإليكهن، وعلى نسقها تجري ms12 ~~«معليك»؛ أي لا عليك. # أما الضم المشبع في عين المضارع وغيرها فمرده إلى اللغة السريانية التي طلقوها ~~منذ قرنين أو أقل، وهذا الضم أشيع ما يكون في شمالي لبنان. وها نحن نصفي حساب ~~السريانية دفعة واحدة. يقول لك اللبناني الشمالي، وسيان في ذلك المسلم الطرابلسي، ~~والمسيحي الأهدني: طرابلس، صابون، ويقول: نحنا. أي نحن، فكأنهم يردونها ~~إلى أصلها السرياني إحنا، مستبدلين النون بالهمزة عدوتهم، وبعضهم يلفظها على حقها ~~السرياني: إحنو. ويقولون: هيدي؛ أي هذي هي، فكأنها من هودي السريانية، وعندما ~~يقولون: هيد فهي ترخيم هودي السريانية. ويقولون: هاي؛ أي تلك، فكأنها هي ~~السريانية. ويناديك أحدهم: هو، بدلا من ها العربية، فكأنه يردها إلى هو السريانية. ~~وتحويل الذال دالا هو من نوع رد الألفاظ إلى سريانيتها، فيقولون: حدا في حذاء، ~~وحدوة في حذوة، ويحولون أيضا الضاد دالا فيقولون: ركد في ركض، وأحيانا يلطفون ~~فليفظون الصنارة: سنارة. وبعكس ذلك يقولون: قصمة في قسمة. أما الابتداء بالسكون في ~~كسروان والشمال، فأثر سرياني، يقولون: حديد، حليب، سليم. وقولهم: إيدين في ~~يدين، وإيد في يد، سرياني أيضا. وكذلك قالوا: أبهاتنا في آبائنا، وبسببها تندروا ~~على الكهنة فسموهم أب هات. وكذلك يلفظون الكرسي: كورسي بالضم العنيف؛ لأن سريانيها ~~كورسيو. وكثرة النون في اللهجة اللبنانية مصدرها سرياني، فقالوا: هني بدلا من هم. ~~ويقولون: ضربتن قتلتن، وكيفن أهل البيت، بدلا من كيف هم، فميم الجمع العربي نون في ~~السريانية. # يقول لك الشمالي: إلو بدلا من إلا، وهي آلو السريانية، ويقول بعضهم: أيمات، ~~وأيمتان، وأيمتى، وهي بلا شك من آمات السريانية بمعنى متى الاستفهامية. ~~وأظن، لا بل أجزم، مخالفا الباحثين جميعا، أن لفظة «كمان» العامية بمعنى أيضا ~~هي أكمن السريانية، حذفت منها الهمزة، وقول المكاري اللبناني لدابته: هش، هو من ~~هوشو السريانية، وهي بمعنى الآن، وكذلك قولنا: برا وجوا فهما لفظتان ~~سريانيتان. # ولا يزال الشمالي حتى اليوم يلفظ: لا، بالضم كما هي في السريانية. وكذلك يلفظون : ~~يه، بمعنى إيه. ويلفظون: ما بينام بضم النون. ويقول لك: مروق أي مر، ونطمور؛ ms13 أي ~~نطمر، وهما سريانيتان. # أما وقد شبعنا من هؤلاء، فلنعد إلى الهمزة؛ إن عداوتها حملت اللبناني على ~~استعمال الصيغة السريانية فقال: بلاع وزراع في ابلع وازرع، وهما سريانيتان، وقاسوا ~~عليهما الأفعال العربية فقالوا: دفاع وقطاع، في ادفع واقطع. ويقولون: منعطوف عليه، ~~وهو مضارع سرياني بلفظه ومعناه. ومن نوع هذا الضم المشبع قولهم: ضروب، في اضرب، وكذلك ~~يلفظون: ناطور بضم النون؛ لأن أصلها السرياني ناطورو. وتقابل عداوتهم للهمزة صداقتهم ~~للنون فيقولون: مرين في مريم، وانتلا بدلا من امتلا، وعلى قاعدة العرب يلفظون النون ~~ميما إذا تقدمت الباء الساكنة فيقولون: شو هو ذمبي؛ أي ذنبي، وإذا تحركت هذه النون ~~لا تلفظ ميما. # إن هدف العامة هو الخفة، فألين الحروف أحبها إليهم. وقد أدرك العرب ذلك فجعلوا ~~النون الناعمة لجمع الجنس اللطيف، أما احتجاج سيداتنا وطلبهن، أن يخاطبن بالميم، ~~ففي غير محله، فليدعن الميم لأصحابها وحسبهن النون. # وقد أدت عداوة العوام للهمزة إلى استعمال الباء بدلا منها فقالوا: بدرس، بنام، بلعب. ~~أما قولهم: عمبنام فهي اختزال عمال بنام. ويقولون: منضرب عند التقاء الباء والنون. ~~وهم يستعملون الميم أحيانا بدلا من «ال» فيقولون مبارح، ومبارحا في البارح ~~والبارحة. وبعضهم يقول: منيح في مليح. وفي بعض نواحي لبنان يفكون إدغام منا ~~فيقولون: مننا. # وكما يختلف معنى اللفظة الواحدة عند قبيلتين عربيتين كذلك حصل عندنا، فمعنى عيط في ~~فلسطين بكى وانتحب، أما عندنا فمعناها صاح وعربد. وكذلك بسط فإن معناها في العراق ~~يختلف عن معناها عندنا. # والهاء عدوة العوام الثانية فيقولون: عطيتو بدلا من أعطيته. وكذلك الميم في مواضع، ~~فيقولون: أنتو بدلا من أنتم. وقد يقلبون الهمزة ياء ليخزوا عجرفتها وتصدرها الأبجدية ~~فيقولون نكاية لها: خد هدا يما هدا. ويقولون: لمن بتجي، حبا بنونهم الموروثة. ~~وحبا بالضم الموروث أيضا يقولون: هون وهونيك في هنا وهناك. ويقولون: لهو فلان؛ أي ~~لهجة فلان، وأظنهم اشتقوها من اللهاة هربا من ضخامة الجيم. ولفظ الثاء تاء كثير عند ~~عامتنا، يقول لك المعاز: عندي تنيه، وتنيان ويوم التنين، في ثنية وثنيان ms14 ~~والإثنين. ويلفظون الظاء ضادا، فيقولون: ضل على رأيك؛ أي ظل، ولكن هذا لا يطرد كما ~~يطرد في الذال والثاء. ويفضلون مرق على مر فيقولون: دوبو مرق؛ أي دأبه مر. ~~والبعض يقولون: مهنتس بدلا من مهندس. وهم يحذفون ما يستثقلون، فيقولون: زيرة بدلا ~~من جزيرة. وللخفة، يلفظون التاء المربوطة ألفا، فيقولون: صورا، وغندورا. وأحيانا ~~يثقلون فيقولون: ماضام ومضالية، في مدام ومدالية، ويقلبون هذه التاء ياء، فيقولون: ~~شوكي أي شوكة، وحينا يقلبونها ألفا، فيقولون: من أيا جها جيت. # وهناك قلب آخر في مثل قولهم: «جوز، ريلا، إجر» في زوج وليره ورجل. وقد يزيدون حرفا ~~للتكبير فيقولون: رجال، ويصغرون فيقولون: يا خيي ويا خيتي، في يا أخي ويا أخيتيي، ~~ومن تحريفهم قولهم: ضم أو تم أو ضل عندنا؛ أي ابق. ومن اختزالهم للاستفهام عن الثمن ~~قولهم: بقديش؟ أي بقدر أي شيء، ومثلها لاش وماش وبلاش، أي ما شيء ولا شيء وبلا ~~شيء. # وأغرب ما سمعت هذا التحريف: سمس، ظرص زوز؛ أي شمس وجرس وزوج. كما يقولون: يا ريتو ~~بدلا من يا ليته، ويحرفون كلمة فم فتصير تم، ويقولون: سد تمك أو بوزك، وبوز ~~سريانية مستعربة. وكذلك يقولون: مهبول ومبهول وبهله. ومن تليينهم قولهم: بدي يحكي؛ ~~أي بدأ يحكي. ومن إدغامهم ولزهم وصرهم ما يفعلونه باسم الموصول فيقولون: إلي ~~ضرب، ثم تصير ال فيقولون: مين إلضرب، وهذه المين والمان سريانية. وهم يكتفون أحيانا ~~بالهاء فقط عن هذا فيقولون: بتروح تقول لفلان يجي لعندي، ويتركون الباء فتصبح الجملة ~~دعائية كقولنا: الله يحفظك، وتذكر الباء فتصير خبرية كقولنا: الله بيحفظك. # ويستعمل عوامنا كالعرب كلمات لا معنى لها فيقولون: كان بان، أو كان مان، وخبز مبز، ~~كما قال العرب: حسن بسن، وحياك الله وبياك. # وهناك من ينقل حركة الحرف الموقوف عليه إلى ما قبله فيقول: كنت عند بكر، وتختلف ~~حركات بعض الكلمات باختلاف الأقاليم والقرى، فمنهم من يفتح، ومنهم من يكسر، ومنهم من ~~يضم، فيقول بعض البيروتيين: فهمت علاي، ويقول غيرهم: فهمت علي. # وقد دخل مؤخرا بعض ms15 ألفاظ فرنسية وإنكليزية لا داعي إلى ذكرها كما دخل قديما ألفاظ ~~مثل كندره، وبوط، وسكربينه، أما مشايه فاشتقوها من المشي. ومن شاء أن يتعرف جيدا ~~إلى اللهجة اللبنانية، فليقرأ جرائد الزجل التي تكتب باللهجة اللبنانية الأصيلة مثل ~~مرقد العنزة، وليصغ كل يوم إلى ما يذاع من المحطات المختلفة. # | الشعر العامي اللبناني # في هذا الجبل موسيقى داخلية لا تنقطع أبدا، موسيقى بعيدة القرار، عذبة الهينمة. فمن ~~غابة توشوش وتهمهم، إلى واد يترنم، ومن نهر يثرثر، إلى كهوف ناطقة ~~كالببغاء، أنغام أجراس كبيرة وصغيرة، منها ما يتأرجح في القباب، ومنها ما ينوس في ~~الرقاب، رقاب الدواجن على اختلاف أنواعها، رنات تحيا وتموت رويدا رويدا، موسيقى ~~آبدة لها طعمها ولونها، لا تطفر على الذرى حتى تهبط إلى الأودية، فتتغلغل في ثناياها ~~قاطعة طريقها إلى اللانهاية. # اللهم رحماك! لقد استيقظ مارون عبود العتيق، ولكن ما يضر، فلنمض في أسلوب هجرناه ~~وتنكرنا له، إن لكل شيء في لبنان موسيقاه الهائمة في منعطفاته، التائهة في ~~التواءاته، المندسة في الآبار والهوى. # الجماد، والنبات، والحيوان، والإنسان، يتعاونون في لبنان تعاونا لا تشوبه السياسة، ~~فيؤلفون جميعا موسيقى لاهوتية، توقظ الناسوت الكامن وراء اللاشعور. # إذا استيقظت في لجة الليل فلست تظفر بسكوت تام إن كنت ممن يسمعون، لا بد من شيء ~~يناجيك فتشرئب حواسك الهاجعة، وتثور عاطفتك المهومة إذا كنت لشيء آخر في الليل ~~تسهر، أشباح وهمسات تهبط مع الندى، وضبابات تسربل القمم فتعممها، فتهيم وعليها أبهة ~~المحرم وجلاله، ثم ترتفع محتشمة، جارة أذيالها بوقار لتتحول في الأعالي صورا ~~وتماثيل لا عيب فيها غير أنها لا تدوم. # أما الفجر الرمادي فيصب في نفسك ذوب ترانيمه وطيوبه فتسكر ولا تفيق، حتى يقبل ~~القرص الذهبي فتخاله في متناول يدك، لو تطاولت قليلا. # إن الشمس في معظم القرى اللبنانية، وخصوصا في ضيعتنا، قريبة من الناس، فنحن وهي في ~~مناجاة أبدية، لا تبتعد عنا إلا إذا اعتدل ميزان النهار ثم تعود إلى الدنو منا ~~لتودعنا، ولكننا لا نلتقي، فكأننا طفلان يلعبان على رمل الأبدية ms16 ولا يدرك أحدهما ~~الآخر. # أما أعراس لبنان فكثيرة؛ هنا راع ينفخ في شبابته أو يرقص أصابعه على حجرات ~~قصبتيه المضمومتين. وهناك مكار يزمجر بالعتابا، ويترنح بالميجانا والمعنى ~~والمواليا والروزانا واليادي اليادي على إيقاع أجراس بغاله وجلاجل مركوبه. وفي هذا ~~المنحنى امرأة تنتجع لأهلها الهندباء والخبيزة والقرصعني والحماضة والكراث وهي ~~تنوح على فقيد عزيز، وإذا قعدت في بيتها تنقي القمح والبرغل من الزوان والشيلم ~~غنت طروبة ولسان حال سامعيها يقول: «خليها تنقي وتغني، ولا تسلق وتنوح!» حتى إذا ما بكى صغيرها هزت له السرير وغنت مموتة صوتها لينام على سرور: # نم لله يا عيني # وعينك عز من عيني # وعينك عز من حبقه # وحبقه جوات جنيني ~~••• # يا لله ينام ويا لله ينام # تدبحلو طير الحمام # يا حمامات لا تصدقوا # عمبضحك عا ابني تاينام ~~••• # الله الله يا دايم # تحفظ عبدك النايم # الله الله يا الله # ابني يحفظه الله # ابني يحفظه يسوع # والعضرا تحفظه يا الله # وهناك فتاة سمراء ترقص حول أهدابها مردة الأنوثة، وتسبح في بركتي عينيها جنيات ~~الهوى، وقد هاجتها الذكرى فرفعت صوتها العذب بأناشيد جبلية، كأنها أغاني الساروفيم ~~حول عرش الراكب على الكاروبيم، صاحب الحول والطول. # وهناك حطاب يوقع أبيات «القرادي» على ضربات فأسه، فتتعاضد الأصوات، وتتحد فتخلق ~~موسيقى الغاب، ويهب الصدى إلى نجدة الاثنين، فيسبح السامع في عالم الأحلام والخيال، ~~وإذا شعر أن هناك من ينصت إليه، انتخى وعرض صوته بلسان شاعر الضيعة، أميل ~~مبارك: # بتسألني: شو في عندك # بالضيعا حتى مهتم؟ # عندي أحسن ما عندك # عندي بسط وعندك هم # عندي البيت الرباني # والمعبور وكرم الدرب # وعندي قدحة وصواني # والضبوة وتتنات الفرم # في عندي القعدي بكير # تحت صنوبر ضيعتنا # وترويقة قرة وجرجير # بتسوى الغربي وعيشتنا # عندي خلف البيت جبال # بتفيي عا عريشتنا # ويا ما فيها اصطدنا حجال # ويا ما سرحت عنزتنا # ويا ما عبينا السلي # تين أسود من تينتنا # ويا ما لعبنا عا التلي # نحن وبنات جارتنا # وإذا مررت أمام هيكل سمعت ألحان الكاهن التائهة في حنايا الكنيسة وسراديبها، الشماس ms17 ~~يوقع ضربات ناقوسه على ترتيله، والخوري يرن ويعول. وإذا كان القداس يوم أحد أو عيد ~~كبير فهناك صنوج تزعق وتفر أصواتها حتى تملأ الآبار العتيقة فتنتعش وتحيا. # ولا ننس الأصوات الرخيمة التي تنشرها المآذن، إنها تنتقل من سطح إلى سطح، فتجتاز ~~الأبعاد والآماد حتى تلج أعمق أعماق النفوس، فتطرب وتهدي وتحيي عظام النفوس وهي رميم، ~~سبحانك اللهم كم جمعت في لبنان من جمال! لو كان لنفوسنا منه قسم وافر، لكنا خير ~~بقاع الدنيا. # أما قال شوقي في لبنان: # لبنان والخلد اختراع الله لم # يوسم بأبهى منهما ملكوته # أجل إنها موسيقى تصادفها أنى مشيت، فالأوابد من طير وحيوان لا تتوانى قط عن اقتناص ~~الطرب، وهي أيضا، كناس لبنان، فرحة، جذلة، مرحة. فبينا أنت ماش تفكر، إذا برف ~~حجال يتكلم، أو يفر، فترتعد وتبدأ بين حنايا ضلوعك موسيقى قلبك الرعاد، ثم يناجيك ~~حسون معتذرا عن إساءة الحجل وفظاظته. # هذا عالم ما كنت تحلم به لولا إسراع ما في لبنان إلى نجدتك ونقلك إلى دنيا المعاني، ~~لا شيء صامت في الجبل، فمهما حاولت أن تظفر بدقيقة صمت، فإنك لا تجدها أبدا إن كنت ~~من المتأملين والملاحظين، فكل ما في لبنان يوحي الشعر، بل هو كله شعر أزلي، فسبحان ~~الشاعر الأعظم، ناظم هذه القصيدة الخالدة! يكاد أن يكون كل لبناني شاعرا، وما أشبه ~~اللبنانيين بإخوانهم الأندلسيين الذين قالوا الشعر جميعا. إن للمحيط أكبر يد في ~~إيقاظ الشاعرية الكامنة، وإذا كان للأندلسيين الكان ما كان والقوما، والدوبيت، ~~فللبنانيين العتاق: الميجانا «يا ماجانا»، وهلا بالورادا، «أهلا بالواردة»، والعتابا ~~«العتاب»، والمعنى، أي شعر الوجد والهيام، وجميع أنواع الزجل. # لقد حان لنا أن نعير هذا الشعر الطبيعي شيئا من اهتمامنا، فشعراؤه يغنون لنا أبدا، ~~ونحن صامتون لا نقول لهم: عاشت الشباب! إننا معهم ككافور مع أبي الطيب، الشاعر يغني ~~كل حين، وكافور يشرب ولا يدع في الكاس فضلة ... # عشتم يا إخوتي، فأنتم شعراؤنا، إن شعركم منبثق من نفوسنا، من قلوبنا، من أعماق ~~حياتنا، من ظلمات أوديتنا، وثرثرات أنهارنا ms18 وجداولنا، من أضوائنا وظلماتنا، من ~~عرازيلنا وخيامنا، من يقظة عجائزنا، وأحلام صبايانا. إنه منسوج من خيوط شمسنا ~~الذهبية، لحمته من رواء البنفسج، وسداه من خيوط القلوب، وحياته الفنية من هواء هذا ~~الجبل المتصوف ومائه. لقد زال تعجبي من تذوق الرواة للشعر الجاهلي، بعدما رأيت ~~إعجاب الناس بهذا الشعر العامي، فإعجاب الأعراب بالشعر القديم متأت عن شعورهم التام ~~بما سمعوا، الشعر الجاهلي منبثق من حياتهم ومن لغتهم التي تصور محيطهم أصدق تصوير، ~~ومن لهجتهم التي ترسم لهم الصورة ناتئة بارزة، وما الألفاظ إلا ألوان وأصوات وأحياء ~~وحركات، عند من يحسها ويدركها. إن الشعور بالحياة وإدراكها الكامل لا يكونان تامين ~~إذا عبرت عنهما بغير اللغة الدائرة على الألسنة، وبهذا يثير شاعرنا العامي النفوس، ~~إثارة يعجز عنها أكبر شعرائنا «الرسميين». # إذا أنشد الشاعر العامي قصيدة في حفلة تهتز المقاعد والكراسي استحسانا، وتموج الرءوس ~~كالأغصان تحت أذيال النسيم الولهان. # إن ما يوحيه إلينا الزجال لا يأتي بشيء من مثله شاعر اليوم، الذي يستوحي الكتب، ~~ويعبر للناس عن الحياة بألفاظ يدركونها ربع إدراك. # إني أرى صورة حية، نابضة، راقصة، ملونة في هذا الشعر، ولهذا أراني أعيره هذا ~~الاهتمام. قد سبقت مني كلمة منذ أعوام حذرت بها الشعراء الفصحاء، وحثثتهم على الدنو ~~من الحياة خوفا عليهم من هذا الشعر النابض. واليوم أرى أن هذا الشعر قد استقام، ~~واستوى، فأمسى أدبا قائما برأسه، صار فنا له تعابيره، وصوره، واستعاراته، ورجاله، ~~وخياله، وتشابيهه وكناياته، وبديعه، واسمحوا لي أن أقول أيضا: ووزنه، وعروضه، ~~وأساليبه، فكيف نعمى عنه إذن، وكيف نتجاهله؟ # ألأنه غير معرب؟ ألم يكن الشعر الجاهلي مثله في ذلك الزمان؟ يدهشني ما أراه من تطور ~~سريع في هذا الأدب الشعبي حتى كدت ألمس مدارسه من كلاسيكية، ورومنتيكية، ورمزية، وهذا ~~ما سنتحدث عنه في قابل. فمن يفتش عن تاريخ عروبة لبنان، فليطلبها في هذا القول، فهو ~~ابن عم الشعر الفصيح إن لم يكن أخاه. إنه شاهد عدل على حب هذا الوطن للغة الضاد حتى ~~تعاونت جميع طبقاته على إحيائها ms19 والإبداع فيها. # لقد ظفر هذا الشعر بجرائده الخاصة به، بأنديته وعصاباته، وله حفلاته التي تملأ النفوس ~~طربا، وله تناطح شعرائه حول الإمارة، فهو شعر يباري شعرنا الفصيح ويبزه في ~~الإيحاء؛ لأنه منبثق من قلب الحياة والواقع، ويستمد خياله الحلو من محيطنا الذي ~~ألفناه، والمرء على ما يألف، فأشد البنين حبا لوالديه أكثرهم إلفة لهما ... وإلا فلا ~~أبوة ولا أمومة! # إن لهذا الشعر عباراته التي تخرج من أفواهنا لتقع في نفوسنا، وتؤدي لنا المعنى غير ~~منقوص. وقد رأيت آفاقه تتسع، وغايته تذهب إلى المدى الأبعد، تنظم فيه الأقاصيص، ~~ويحاول تصوير الوقائع، حتى قطع أشواطا مديدة في زمن قصير. # قال الجاحظ: «متى سمعت، حفظك الله، بنادرة من كلام الأعراب، فإياك وأن تحكيها إلا مع ~~إعرابها ومخارج ألفاظها، فإنك إن غيرتها بأن تلحن في إعرابها وأخرجتها مخرج كلام ~~المولدين والبلديين، خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير. وكذلك إذا سمعت بنادرة من ~~نوادر العوام، وملحة من ملح الحشوة والطغام، فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب أو أن ~~تتخير لها لفظا حسنا، أو تجعل لها من فيك مخرجا سريا؛ فإن ذلك يفسد الإمتاع بها، ~~ويخرجها من صورتها، ومن الذي أريدت له، وتذهب استطابتهم إياها واستملاحهم ~~لها.» # وأنا، إن خفت على هذا الشعر العامي من شيء، فلست أخاف عليه إلا من تفاصحه. # لا يا أصحابي، إياكم ثم إياكم! اسمعوا نصيحتي وافهموا ما يعنيه أبو الأدب، أبو عثمان ~~المليح الذوق والروح. سوف أتحدث إليكم وعنكم، وسوف أتناولكم بالنقد فلا أبخل عليكم ~~بالإطراء حيث يقتضي الحال، إنكم تقولون شعرا حيا، من وحي مدرسة «تحت السنديانة» ~~ونعمت المدرسة هي! وسيظل أشعر الناس منكم ذاك الذي لا يبرح ظلها ليقعد بين أربعة ~~حيطان. # وبعد، فما أنا ببخيل بالثناء كما تظنون، ما حاولت لذع الأدباء والشعراء إلا بقصد ~~الإصلاح وعن حسن نية. ولكن النقد مكروه كيفما دارت به الحال، والإنسان يحب الثناء، ما ~~جرحت أديبا أو شاعرا تشفيا أو حسدا، كما يتهم المؤلفون نقادهم، فأنا لم أبغ ~~إلا استقامة أدبنا العربي ms20 وتوجيهه توجيها متينا صحيحا، فلبنان كان، ولا يزال، ~~الخادم الأمين لهذا اللسان، وكذلك يجب أن يظل دائما، فهلموا بنا، يا إخواني، إلى درس ~~أدبكم درسا يحله المنزلة التي أوليناها أدبنا الناطق باللغة الفصحى. # تعود الناس، كلما ذكروا أدبا، أن يؤرخوه، وهذا الأدب العامي أرخه كثيرون، وأحدث ~~هؤلاء كان صديقنا أمين نخلة حين قدم لديوان أبيه، أمير الزجل، المرحوم رشيد بك ~~نخلة. إن تلك المقدمة، على قصرها، كافية وافية، وفيها تحقيق كثير. وأخيرا ظهر كتاب ~~نفيس للعالم النفساني الأستاذ منير وهيبة الخازني الغساني. ضم هذا الكتاب تاريخ الزجل ~~وأدبه وأعلامه قديما وحديثا، وقد أعجب الناس حين ظهر عام أول، فتنادوا إلى تكريم ~~صاحبه، ولقد استحق الأستاذ وهيبة هذا التكريم مرتين: الأولى لأنه مؤلف ملحمة «يأجوج ~~ومأجوج»، التي أخرجت الزجل من نطاقه الضيق، والثانية بمناسبة صدور كتابه «تاريخ ~~الزجل». # إنني أهنئ الأستاذ وهيبة بكتابه، وإن كنت لا أشايعه على كل ما جاء كتأييد العامية ~~تأييدا مطلقا، فأنا عدو هذه العامية بعفشها ونفشها، ولا أحب أن أسمع أن فينا من ~~يدعو إليها في الأدب لأنني أخاف على مجد لبنان الأدبي أن يتزعزع أساسه. # كنا مرة نفحص تلامذة البكالوريا في مدرسة حوض الولاية، ومدرسة حوض الولاية كانوا ~~يقولون: إنها عايبة، فشرع سميي الخوري مارون غصن، داعي دعاة اللغة العامية، في ذلك ~~الحين، يحدثني عن كتابه الذي عنوانه «ما في متلو هالكتاب»، فاحتدم الجدل بيني وبينه. ~~كان رحمه الله كبير الهامة، وقد عملوه منسنيورا جديدا، ولكل جديد بهجة. فكبر ~~الأزرار الحمر، وعرض الزنار البنفسجي، وغل عنقه بسلسلة ذهبية ضخمة، وحمل عصا ~~كالنبوت، فكان يخبط بها الأرض عند كل جملة. ولما خفت أن يغلبني بتهاويله، استعنت ~~بالنكتة فلبتني حالا، كعادتها في الأزمات، قلت له: على مهلك يا محترم، يقولون: ~~إن هذه البناية مزعزعة فكيف تحمل مارونين؟ فشمع أبونا الخيط، وقعدنا نضحك. # إن في استطاعتنا أن نستعمل ألفاظا وتعابير كثيرة دون أن تكتب بالعامية، فهي أداة ~~غير صالحة للنثر الفني، فالروعة الفنية التي تجدها في شعر «جلنار» ms21 ميشال طراد لا تجد ~~شيئا منها في مقدمته التي كتبها الشاعر سعيد عقل. # إن لبنان لم يبرز في الشعر ولم تكن له فيه مدرسة إلا في هذا الزمن، أما زجله ~~فتفوق على زجل جميع الأقطار العربية. ولما كان لا بد من كلمة تاريخية، أقول: إنني ~~قرأت في كتاب الزجل للأستاذ وهيبة وغيره أن الناس يسألون: من أين نشأ وكيف؟! فالجواب ~~عندي، بدون قيل وقالوا وزعموا: إنه سرياني اللحن في أول عهده، وعربيه فيما بعد، ~~فالزجل الذي يعرف بالقرادي هو وليد أحد ميامر مار أفرام، الموجود في صلاة ستار ~~الأحد: # شوبحو وهدرو وقولوسو # لا لوهو ايتيو شبيحو # بريخ ابقروخ من اتروخ، # على عطرو هونو ديسمي # نسبعون خفني من طوبيك، # وسنيقه من بوسوميك # وأخيرا نظم السريان البسملة على هذا اللحن فقالوا: «آبو وبرو وروح قودشو.» # وعلى هذا اللحن نظم قدماء اللبنانيين المستعربين قصائد كثيرة، ألهمهم إياها جهلهم ~~الفصحى، وشاعريتهم المتوثبة. أما المعنى فحديث النشأة، وليس معناه - كما زعموا ~~- من الغناء، إنه المعنى؛ أي شعر المحب، بمعنى لفظة المعنى التي عناها الشاعر ~~بقوله: # إن شكوت الهوى فما أنت منا # فاحمل الصد والجفا يا معنى # قلت: إن الزجل كان سرياني الوزن أولا، عربيا ثانيا؛ فالمعنى من البحر الكامل، ~~كقول شاعر مجهول الاسم منا: # بديت عد بيوت في شان الملاح # تشبه غصون النخل بأيام البلح # يا قمر لولاك ما كان الفلك # خالقك مولاك نقمي للرواح # إلى أن يقول: # بدنا تكون مبسوط خلينا نموت # وناكل البلوط من بعد البلح # والنوع الثاني عربي الوزن أيضا، مثل: # نحنا تركنا الجهل وسلينا # يا ضيم قلبي راحت علينا # يا عشير إن طالت الأيام # ترجع تدور ما تلاقينا # يا عشير إن طالت الأيام # عا فراقنا بتصير تتندم # يا مركب اللي لو زمان ما عام # ياو رابطو الريس على المينا # أما صاحبنا القس يوسف الصوراتي، وهو من شعراء بلادي، فراهب خفيف الروح، طبع مرة عند ~~أحدهم علبة «كرت » وأراد دفع الثمن، فتمنع صاحب المطبعة أن يقبض منه، فشكره ارتجالا ~~بقوله له: # ممنونك ms22 كتر خيرك # طابعلي اسمي عاكروت # إن أبناء بلادي لم يدعوا لحنا سريانيا إلا نظموا على وزنه زجلا عربيا. # والزجليات التي نظمها الخوري نعمة الله القدوم على عهد القاصد لوديفيكوس، مشهورة ~~جدا، وفيها من الألحان السريانية الكنسية أشكال وألوان كما سيأتيك. # وقد كنت مرة في دير قزحيا وحضرت صلاة الخورس، لأني أحب السريانية وصوفية شعرها، فسمعت ~~الرهبان الشبان يلحنون صلاة «علمانو ندمخ شنتو» على نغم: «عالزينو زينو زينو، ~~أسمر ومكحل عينو»، فضحكت. وسألني رئيس الدير - بعد الصلاة - عن سبب ضحكي، فأخبرته، ~~فابتسم ابتسامة صفراء. # والعتابا التي يتفرد بها لبنان مأخوذة من العتاب. والميجانا منحوتة من: يا ما جانا، ~~كما قلنا. ولا ننس أنهم نظموا أيضا بالعربية جنازا للعب الورق، وجنازا للمهاجر ~~إلى أميركا. وأنا عندما كنت طالبا عملت جنازا للمطبخ في مدرسة مار يوحنا مارون، ~~فغضب الرئيس، وأكلت قتلة مشبعة؛ بحجة أني استهزأت بالطقوس الدينية، أما الحقيقة ~~فهي أني هجوت المطبخ! # إن حديث ذكرياتي المدرسية أطول من حديث الحيات، فلندعه الآن. ومن الزجل شعر كثير ~~مات بموت الرواة، وأنا أعرف من قديمه ما ذكرت بعضه كما مر. وإني أتمنى على الباحثين ~~أن يجمعوا ما بقي منه محفوظا، فليت الأستاذ وهيبة فتش عنه! فنحن أحوج إليه وإلى شعر ~~ما قبل المعاصرين، كشعر الخوري الخازني الطريف في بنته (نسيم)، البشعة الوجه، حينما ~~خطفها أحد شباب العوام في غيابه. # قيل: عاد الخوري إلى البيت فاستقبلته الخورية بالصراخ والولولة، ولما عرف الخبر راح ~~يفتش عن الدف، ولما لم يجده، تناول صينية الكبة ونقر عليها، وصاح: # بحيث إنا نفقت نسيم # ما بقا يكسد حريم # ما في فول بلا مكيول # ولا في قراية بلا شحيم # ألا لا رد الله أيام الحرب الأولى التي ذهبت بالكثيرين من رواة هذا الشعر البلدي، قبل ~~أن أتمكن من تدوين عتيقه. # وبكلمة مختصرة أقول: إن العامية اللبنانية لغة دف ومزمار ودربكة وناي، ولغة عاطفة ~~وحب، وسندرس أطواره ومدارسه إن شاء الله. # | أطوار الزجل اللبناني # القوال الأول # ما أكثر الشعر في هذا الجبل ms23 الشاعر! كانت أساطيره - والأساطير مراعي الشعراء - خميرة ~~الحضارة الأولى، فطلع عجينها وأمسى خبزا حيا على موائد الآلهة، ثم استحال في دنيا ~~الأحلام عشاء سريا تلذذت الإنسانية الأولى بطعامه المقدس. # أحلام رافخة تراءت للبناني الأول فعبرها بصور شتى، صناعات ونقوش وحروف، دمى ~~وأرجوان وزجاج، أوضح فكرته تارة بالنقش، وطورا بالغناء، وأحيانا بالفتوحات ~~الفنية، فكان خياله العجيب منبع أساطيره الغريبة. ومشى لبنان والزمان في منعرجات ~~التطور، فاستعرب وراح يتذوق آداب لغته الجديدة مذ دارت الضاد على لسانه، وأبى ~~عليه طموحه أن يقعد حسيرا، فضرب فيها بسهم، وطفق يقول الشعر، فلم تنقد له اللغة ~~فكان الزجل. # ليس الزجل الذي نعجب به ونهتز لسماعه ابن أمس، فهو غير صغير السن ولا حديث الميلاد، ~~كما قال الجاحظ حين أرخ الشعر العربي. فالزجل اللبناني عريق، دونه تاريخنا منذ ~~خمسمائة سنة، فمهلهله وامرؤ قيسه أسقف استعرب وتمغرب، نظم زجله أو شعره على ~~عروض خاص، استمد توقيعه من لغته الأولى - السريانية - وخلف للأجيال هذا الوزن، ~~تراثا أو أساسا لشعرنا العامي الذي ارتقى إلى ذروة الفن الأدبي. # المطران جبرايل بن القلاعي اللحفدي، هو القوال الأول، عاش في القرن الخامس عشر وقال ~~أزجاله في مواضيع أكثرها دينية طائفية. # قال فيه الدويهي، في تاريخه الشهير: # ولد جبرائيل بن بطرس اللحفدي في قرية تدعى لحفد من أعمال جبيل، وهي ~~قرية قديمة، طيبة الهواء، كثيرة الديورة والكنائس، ظهر منها كثير من ~~الرجال الفضلاء. وأما جبرائيل فيكنى بابن القلاعي وابن غورية؛ لأنه ~~كان لوالده بيت مبني بين القلاع. ففي مزرعة تدعى غورية من أرض لحفد، ~~ومنذ صباه، سلمه والداه إلى الخوري إبراهيم بن وريع، وهو رجل فاضل؛ ~~ليدرس عليه أصول اللغة السريانية والعربية. فأخذ جبرائيل يجتهد ويجد، ~~وكان رزين العقل مشغوفا بالقول، فنظم الزجليات. ثم خطب له والداه ~~ابنة حسنة من ذوات قرباه، فاعتراه استرخاء في عينيه، فكرهته الخطيبة؛ ~~ولأجل ذلك زهد في العالم وهاجر إلى القدس الشريف. وهناك انخرط في سلك ~~رهبان القدس، وسافر معهم إلى رومية في سنة 1470. ثم عاد منها إلى ms24 بيت ~~المقدس سنة 1493 بعدما تخرج فيها واقتبس العلوم. وبعد جهاد ثلث قرن سيم ~~مطرانا سنة 1507. # 1 # فهذا الشاعر العامي قضى حياته في الغرب بعدما فجع بحبه الأول، وكان من هذا شعر ~~وتصانيف شتى. يقول الدبس في «ملحق تاريخ سوريا»: «ونظم قصائد كثيرة، وإن كانت منحطة ~~لغة، فهي كثيرة الفائدة.» # 2 # لما رأى هذا الأسقف، البدع رافعة رأسها في وطنه، هب مناضلا مقدم بشري عبد المنعم. ~~وقد بلغت رسائله وقصائده النضالية الخمسمائة، وهي مكتوبة ومنظومة في مواضيع شتى. إن ~~الزجل اللبناني المدون يبدأ مع هذا المطران الذي حفظت لنا التواريخ بعض آثاره. ~~ومنها يستدل أن الزجل - كالرجز - بدأ بسيطا ساذجا، كما يبدو لنا من آثار هذا ~~الحبر العالم، المحفوظة بمكتبة الفاتيكان بين كتبه. # طبعا لم يقل ابن القلاعي - وهو الأسقف الراهب - زجله غزلا ومعنى، بل قاله في ~~مواضيع دينية قومية إصلاحية. نظم في «ميمر» كبير أخبار طائفته ونضالها الروحي، ~~فاستهل «ميمره» منددا براهبين، وخارجا على معتقد طائفتهما، فقال: # إبليس أب كل الطغيان # نظر شعب مارون فرحان # حسده ورماه في أحزان # لأجل تنين كانوا رهبان # كان الواحد من يانوح # والآخر من دار نبوح # كرزوا في السر الموضوح # تكلم بهم روح الشيطان # كتر الشر وصار غرضين # وثار الانشقاق من أجل تنين # في هالسبب بنيو برجين # وقسمو الملك بتلك الآن # سمع بذلك سلطان برقوق # وانفتحلو باب كان مغلوق # أرسل عساكر تحت وفوق # حاصر في جبل لبنان # وما اكتفى الزجال اللبناني الأول بإرسال شعره بسيطا على وتر واحد، فازدوجت ~~قيثارته، فقال في ميمر آخر بالموضوع عينه، وهي قصيدة رثى بها معلمه الراهب ~~يوحنا: # أرادوا يقولو عنا، في سر مخفي عظيم # إنا هراطقة قد كنا، منذ الزمان القديم # جاوب الراهب حنا، عاد كل عالم بكيم # العقل منهم تحير، غاب الصواب والبصر # فمن سماع نموذج من هذا الزجل ندرك أمرين: أولا، إن هذا الزجل، أو الشعر العامي - ~~سمه كما تريد - قديم العهد جدا في لبنان . وإنه وإن خلا من الصور الشعرية، فهو ~~يدل على شاعرية ابن ms25 الجبل الملهم، ومن هذا الزجل القديم تولد شعر باللغة الفصحى، ~~أرقى من الزجل قليلا. وظل يتمشى في التاريخ رويدا رويدا، حتى استقامت لغته ~~للمطران فرحات ولكهنة ورهبان آخرين، ثم خطا مع نقولا الترك وبطرس كرامة شاعري المير، ~~وظل يتطور حتى أوشك أن يبلغ قمة الشعر العربي بصوره الرائعة وموسيقاه ~~الساحرة. # أما الزجل فما قصر، ولا توانى في الطريق، ارتقى بعد ثلاثة عصور مع القس حنانيا ~~المنير، فنحا منحى الشعر في خياله وصوره، كما نرى من قصيدة «البرغوث» الرائعة. فهذا ~~الراهب الشاعر قاسى من قرص البراغيث ما قاسى يوم لم يكن «د.د.ت» لمكافحتها، فقال ~~يصف إحدى المعارك الليلية مع البرغوث بحوار طريف ظريف، فخلد زجله ومات شعره، ~~قال: # بعد بيوت مع قصدان # تا خبركم بللي كان # طول الليل وأنا سهران # وصبح جلدي كالجربان # جاني البرغوت وأنا نايم # وصار على صدري حايم # وقلي: من شهرين صايم # بحسابي خلص رمضان # قلتلو: لا تجدبني # علامك إنت مكاربني؟ # بالله عليك لا تتعبني # كل النهار وأنا تعبان # وقلي: ما أنا بهمك # إن سرك أو كان غمك # عشايي الليلي من دمك # وبكرا بيفرجها الرحمان # قلي: ما هو عاكيفك # هلليلي أنا ضيفك # عيب عليك ويا حيفك # بكون عندك وبنام جيعان # ويجر الجدال الشاعر وبرغوته إلى المشاحنة، فيقول الراهب: # قلتلو: ويلك يا عقوق # لاه يا أسود، يا ممحوق # بتخدعني وما عندك ذوق # وعجزك عن قريب يبان # قال: أنا بالعين زغير # وبالليل فعلي فعل كبير # أنا ما بفزع من وزير # ولا من حاكم ولا سلطان # بتعيرني بسوادي # وأنا اليوم لك معادي # لاجيك أنا وولادي # وبعلمك فعل السودان # قلتلو: ماني بهمك # لا ولادك ولا ولاد عمك # لاحرق أبوك مع أمك # وبناتك مع الصبيان # قال: بخليك حتى تنام # بجيك أنا وولادي قوام # لما تلبس ثوب الخام # وعن مسكي تبقى عجزان # وأنت ما فيك تربطني # وأنا ربي مسلطني # ولمن بدك تلقطني # بصير بقفز قفز الغزلان # قلت: الرهبان لا تقربهم # والشرير محاربهم # روح عنهم لا تعدبهم # يكفيهن شر الشيطان # قال: الراهب هو ملزوم # بالسهر ms26 والصلا والصوم # ليلا يتمادى بالنوم # ما هو مليح يكون كسلان # وأنا من يومي بحبو # بحبو وبدخل بعبو # حتى يقوم يعبد ربو # ويطلب للعالم غفران # وبالنهار إن صار فرصة # بقرصلي شي كم قرصة # ولكن خوفي من الجرصة # ببقى مرتاح غير تعبان # أما بأول الليل # بتصيد قوتي مع حيل # وبصير بجمز مثل الخيل # وعاصدرك بعمل ميدان # ولا يفوت القس حنانيا أن يبدع في زجليته هذه، فيدمج في زجله سياسة عصره قائلا بلسان ~~برغوثه: # قلي كلامك كلو فشار # قرايبي وولادي كتار # وتربو عند الجزار # وتسلطوا على البلدان # ويعجز أخيرا القس، فيتهدد خصمه بالشكوى فيجيبه: # حكم القاضي أنا عاصيه # ومن يومي أنا معاديه # وفرمانو ما بعمل فيه # وعليي مالو سلطان # قلت: يا برغوث قلي كارك # واهديني لباب دارك # قصدي أقطع جدارك # واحرق نسلك بالنيران # قلي: لعشيه بقلك # وعلى باب داري بدلك # لما بدخل بظلك # وبرقصك مثل السعدان # وأخيرا يرمي الراهب سلاحه فيقول: # يا برغوث صدقة عنك # عرفني طريقة فنك # وكيف بقدر بخلص منك # صرت في أمري حيران # فيفيض البرغوث في إرشاداته الكفاحية: # كنس بيتك بطيون # ورشو بزوم الزيتون # وخليه أنضف من ماعون # وطينو بتراب ولفان # وثيابك قبل ان تلبسها # برغتها أو شمسها # وأرض بيتك كنسها # وكذلك اعمل بالدكان # هذه صورة عن الزجل الأول، أما مدرسة الزجل الكلاسيكية النابتة فروعها على هذا الجذع ~~فهاك حديثها. # | الطور الكلاسيكي # رافقت هذه المدرسة طفلا، فعلى أنغام هذا الشعر وأصدائه، استيقظت نفسي، فهو نشيدة ~~مهدي وترنيمة سريري؛ ولهذا انطبع في ذهني، وهيهات أن يمحو الزمن ذكريات الصبا. إن ~~هذا الشعر منبثق من أعماق نفوس اللبنانيين وقلوبهم، من ظلمات أوديتهم وثرثرات أنهارهم ~~وجداولهم، من أضوائهم وظلماتهم، من عرازيلهم وخيامهم، من قلق العجائز وأحلام الصبايا. ~~إنه منسوج من خيوط شمسنا الذهبية، لحمته من وراء البنفسج وسداه من خيوط القلوب؛ ~~ولهذا أسموه المعنى والعتابا. أما حياته الفنية فمستمدة من هواء هذا الجبل ~~المتصوف ومائه. # لقد رافقت هذا الشعر رفقة عمر لا رفقة طريق. استهواني فعشقته، ورأيت فيه أصدق صور ~~المحيط الذي أمدني ms27 بما نسميه حياة. قرأت عن هذا الشعر في الكتب، فعرفت كيف نشأ ~~الزجل الأول من ابن القلاعي اللحفدي، فكان حافلا بالمعاني، وكاد يكون خاليا من ~~الصور والألوان. ثم نظرت إليه فرأيت كيف تطور مع القس حنانيا المنير الذوقي، ثم أخرج ~~من دائرة الكتب إلى ألسن الرواة، وما رواته إلا أبي وعمي وخالي وجيراني، فصرت أطير ~~فرحا كلما سمعت بعرس جديد، أنتظره لأسمع المعنى والقرادي من ابن عمتي سركيس، ~~ومن ابن عمي طنوس عبود، ومن طنوس المير، والزغنا، على نقر الدف. ثم نسمع العمين ~~أنطون وأرسانيوس يتباريان بقصيدة زجلية موضوعها مفاخرة بين «البيضا والسمرا» ~~فتتطاول الأعناق وتتلاقى النظرات، وتنقسم العرب عربين. # هؤلاء كانوا رواة الشعر اللبناني في ضيعتنا، ومثلهم كثير في كل قرية، فهم الذين ~~غذوا مخيلتي بهذا الشعر الرائع الذي لا يزال يهز نفسي اليوم كما كان يهزها ~~يوم كنت ابن أربعة عشر؛ ولهذا أراني، بعدما سمعت من هذا الشعر ورويت وحفظت، أستطيع ~~تقسيمه إلى مدارس كالشعر الفصيح. # فالشعراء الأولون هم ابن القلاعي والمنير وغيرهما كثيرون. أما الكلاسيكيون فهم ~~شعراء القرن التاسع عشر، وكان رواتهم عندنا من ذكرتهم لك. إن أكثر أسماء هؤلاء ~~الشعراء مجهولة، وحالهم حال الشاعر العربي الفصيح المجهول، فيقولون عند رواية شعر له: ~~قال الشاعر وكفى. لقد تأسفت أشد الأسف؛ لأني لم أدون قصائد غراء من هذا الشعر، ~~فقد كان يؤلف صورة صادقة عن الحياة والمحيط لو حفظ، ولكن الحرب العظمى الأولى ذهبت ~~بكثير من رواته ولم تترك في نفوسنا إلا اللوعة والحسرة عليه. # إن ذلك الشعر الذي سميته بالكلاسيكي مجهولة نسبته، وقد أريتك نماذج منه كما سمعته ~~من الرواة، وأنت ترى وتعرف أن لشعرائه جولات حسانا في مجالات شتى، أما أكثر ~~أغراض هذا الشعر فحنين وعتاب ومساجلات. # وينقضي دور الرواة، ويجيء دور التدوين بالطبع، فأقرأ أول ديوان للياس الفران، أشهر ~~قوالة زمانه، ويقال: إن الأستاذ إبراهيم الحوراني جاءه مرة، فرآه معتكفا يحوك ~~على النول فقال له: # شفت الدب حرير يكب # عمبيحيك ألاجا # فأجاب الفران فورا: # ديات ms28 بي الدهر الدب # العمل منك خواجا # ثم تعارفا، ولا تعجب أن تسمع الحوراني يقول؛ فأكثر كبار شعرائنا قالوا الزجل. أما ~~ما أذكره من قول الفران فهذه الردة، وقد قالها في سيدة كانت ملكة جمال عصرها طول ~~عمرها: # يا من فيك الحسن التم # وعندك حطت رحالو # إن شاهد حسنك بدر التم # بيروح بيخفي حالو # أرأيت هذا الجناس؟ إن الجناس قوام نوع آخر من هذا الشعر يعرف بالعتابا، وهو يستحق ~~درسا على حدة. ثم يظهر ديوان شاعر اسمه نعمان فارس من إدة البترون، افتخر نعمان هذا ~~في ديوانه فقال موريا في ختام إحدى قصائده: # نعمان فارس والجميع بيشهدوا # فرد عليه شاعر آخر كان يقف له دائما بالمرصاد فقال له: # تسماية بيك فارس كانت صدفة # وخوري اللي عمد بيك فاقع خرفه # وظهرت دواوين أخرى أشهرها ديوان خليل سمعان، وديوان شاهين الغريب، فطفر الشعر العامي ~~طفرة رائعة. ونشرت قصة الدست والكيس لحنا إلياس، فكان القول القصصي. وسمع صوت حلو ~~هو صوت المرحوم رشيد نخلة الذي انصرف عن الشعر الفصيح إلى قول الزجل، فكان أميره ~~بحق، وعلى ألسنة اللبنانيين تدور له أبيات عائرة ومقطعات رائعة. أما أتباع ~~مدرسته الكلاسيكية فمشهورون يعرفهم القارئ، وله أولى الملاحم في القول، وهي محسن ~~الهزان. # وتطور هذا الشعر تطور الشعر الفصيح فظهرت مدرسة جديدة مع ميشال طراد، ثم أسعد سابا. ~~وهكذا نحا شعرنا العامي نحو الشعر الفصيح وظهرت له جرائد ومجلات، وطبعت دواوين، ~~وعنيت به الصحف في الوطن والمهجر. وقد أهدي إلي من هذا الشعر المحبوب ديوان للشاعر ~~أسعد السبعلي واسمه «عطور من لبنان». # أهداه إلي منذ سنوات المرحوم شكري الخوري صاحب جريدة «أبو الهول» البرازيلية، فرأيت ~~فيه صورة أولئك الشعراء الذين سمعت شعرهم من ألسن الرواة؛ رأيت السبعلي طافح القلب ~~بالحنين إلى وطنه، فيصوره لك حتى تكاد تراه، وكل ذلك بزجل كلاسيكي، أما في ديوانه ~~الذي صدر بعدئذ، فرأيته متأثرا بالمدرسة الجديدة، ولكن بمقدار لا يخرجه من المنطقة ~~الكلاسيكية، وإن كثرت فيه الألوان؛ ففي هذا الديوان تصاوير محلية ذات ms29 ألوان ~~كأنها الواقع المغذى بمخيلة الشاعر الملهم، كقوله في مطلع ديوانه يناجي الضيعة في ~~قصيدة عنوانها «عطور من لبنان»: # وضيعة بجبل لبنان قلبي ودها # نيسان عمتضحك زهورو بخدها # من جبالها هالسمر إيدك مدها # بصدر السما بتلعب مثل ما بدها # وما قدرت عنها روح شعري ردها # هي ضيعتي هي عرس نيسان النضير # تموج بالألوان ترهج بالحلا ~~••• # ونغمات حلوة تهز أوتار الحنان # لمين يا طيور الفلا ها لمهرجان؟ # والهدهد تغاوى بتاج وصولجان # وبالقلوب تغل فوحة بوزلان # متل غلات النسيم بالبيلسان # والبلبل مهودس بسفرة هالغدير # وقبل شق الفجر ولف عالصلا ~~••• # فراشات بيض وحمر غنجات ودلال # بترف عالأزهار رفات الخيال # وحقله قطع سجاد تضحك للجمال # وجوازات خضر مكبشي بصدر الجبال # بتبعت هواها عاليمين وعالشمال # وراعي يغني بو الزلف عن كتف شير # والراعية السمرا تقلو: يا هلا ... # لا أستطيع نقل الكثير لضيق المجال، ولكن خيال السبعلي يوقفني أين سرت في ديوانه. لقد ~~أعجبني جدا تصويره حياة الشاعر القروي بقوله: # وشاعر وحيد يشكي تباريح الهوى # كتابو بأول مرحلة حب انطوى # ومن غدير العاطفة قلبو ارتوى # وهيهات بعد الدهر يجمعنا سوى # بعرزال طري عم يحصد غمار الهوى # مضبضب على مراجيح عم تهدر هدير # ومفرعا عا سطيحتو شمس الفلا # حلوة هذه الشمس «المفرعة» التي نضت ثيابها، كفاطمة امرئ القيس. وأجمل من هذا وصفه ~~أودية لبنان الرهيبة، قال: # ووهرة الوديان عجقة عرس جان # ودوار هادي، مفرعة فيه الحسان # وهالحفافي ملوحة بالأرجوان # وشربين عن الأيام عميلقي بيان # ويعطي متيلي عن خلود السنديان # ومن دير«رشتعمود» بتشم العبير # بيرد عنك لمس حيطانو البلا # الشعر جميل وطبيعي جدا، ولكن السبعلي يتجه نحو الألفاظ الفصحى، فأسأله أن ~~يقل منها؛ لأن التفاصح يفسد جو الشعر العامي، فجمال هذا الشعر بغرقه في العامية ~~إلى أذنيه، ويقول السبعلي من الوزن المعروف بالقرادي يصف مغارة: # بتمشى بنهر على شمالك # صفافي تهدي بديها # بتشوف مغارة قبالك # ضوي شمعا وفوت ليها ~~••• # بتدخل ليها بتسمع حس # وصرخة نهر تقلك: هس # وبأشباح الليل تحس # وبتقول بها المغارة # غافي الدهر بعينيها ~~••• # صخرة معقودة ms30 بصخرة # ملتمها الدهر بوهرة # بوجه الحيطان السمرة # قبالك بتشوف الأجيال # ومطرح نقلات جريها ~~••• # وتا تحل رموز الأيام # وتقرا تاريخ الأعوام # قدملك نتفة لقدام # بتشوف صورة جنية # وكتب السحر حواليها ~~••• # وكرسي سودا كبيرة كتير # ورسم سراج وحق صغير # وصخرة مقطوعة من شير # بخمرة سبعل باخوس كان # يسكر فينس عليها # ولا أخالك تجهل صيت خمرة سبعل التي يقول فيها أحد الشعراء: # كل النبيذ محرم # إلا النبيذ السبعلي # أما روح السبعلي الوطنية فظاهرة كالصخور التي يصفها في ديوانه، واسمع هذين ~~البيتين لتقدر تعلقه بوطنه: # دير مار يوسف تحت الشير # عليه الوديان بتومي # مهيوب وأفخم بكتير # من الفاتيكان برومي # ومن مميزات شاعرنا إجادته الحوار، وله في ديوانيه روائع فاقرأهما إذا شئت، ففيهما ~~عطور لبنانية حقا. # هذا هو الزجل الكلاسيكي، منذ نشأته حتى الآن، أما المدرسة الجديدة فحديثها يأتيك ~~حين نتكلم عن «جلنار» طراد، و«من قلبي» لأسعد سابا، وفي هذين الديوانين تتمثل ~~المدرسة الرمزية في الشعر العامي، ولعلها وفقت أكثر من أختها في شعرنا الفصيح، ~~وسنرى. # | الشعر العامي # عود على بدء # يريد الدكتور نقولا زيادة، وهو بحاثة طريف الأسلوب، أن نبحث العلاقة بين الزجل ~~اللبناني والغناء السرياني الديني. فلدكتورنا العلامة أقول: إن الزجالين ~~اللبنانين الأولين موارنة مستعربون، لم يتمكنوا بادئ ذي بدء، من العربية وقريضها. ~~تعود هؤلاء سماع ميامر مار أفرام ومار يعقوب في كنائسهم، فأخذوا ينظمون الشعر ~~عربيا عاميا، على تلك الأوزان السريانية التي عرفوها وفهموها وترنحوا بها صباحا ~~ومساء وليلا في كنائسهم، فانطبعوا عليها، ومن هنا جاءت العلاقة بن الشعرين، من حيث ~~اللحن والنغم، ومن حيث المعاني والأفكار والصور. # وإذا أردنا التعمق أكثر، وعدنا إلى الزجل المروي عن الخوري نعمة الله القدوم ~~الكفري الجبيلي، رأينا في زجلياته التي يتناقلها الرواة عندنا حتى اليوم ثقافة دينية ~~إنجيلية توراتية، عميقة الصورة، حافلة بالرموز والتلميحات. شكا - رحمه الله - في هذه ~~الزجليات، من سياسة الإكليروس في زمانه، وخصوصا الرهبان الموارنة الذين خاضوها ثورة ~~محلية طائفية، فألقوا عنهم نير بطركهم، فانتدبت رومية القاصد الرسولي لوديفيكوس ~~لينظم شئونهم، فانفتح ms31 باب مغلق لشاعرية ذاك الكاهن الماروني العتيق، فنظم زجليته ~~الشهيرة يصف فيها تلك «الحركة». # قال يخاطب القاصد، واللحن سرياني: # لوديفيكوس يا قاصد الفاتيكان # أرسلوك للشرق حتى تدبر الرهبان # ثم مضى يصف زعماء الرهبانية المتآمرين واحدا واحدا، وهذا نموذج قاله يلوم أحدهم ~~ويبكته، والأبيات من وزن ولحن سريانيين أنقلهما كما وردت تماما: # غناطيوس عاكتفك حملت النير # تكلمو بحقك وحكيو فيك ناس كتير # من يمك ما هان عليي # كيف رضيت بيهلعمليه؟ # حيف عليك يا ابن معاد # تقدم فحم للحداد # وإذا رجعنا قرنين إلى الوراء - قبل المطران جرمانوس فرحات - رأينا الصلوات البيعية ~~السريانية من خدمة قداس وصلوات وزياحات وجنازات قد عربت أزجالا ذات ألحان ~~سريانية، فالميامر التي تعرف عندهم حتى الآن بالأفراميات - نسبة إلى القديس أفرام ~~- لا تزال حتى الساعة تحمل أثرا واضحا من تلك الرطانة، رغم تنقيح المطرانين الشمالي ~~والدبس. وها نموذج عتيق جدا من قولهم في وصف الهالكين الذين يعذبون في جهنم، ~~وقاني الله والدكتور العزيز شر نارها الدائمة: # والنار تشغر من الفوقاني للتحتاني # وهم مشقوعين مثل الحجارة علحيطاني # وفي «فرامية» أخرى يصفون وصول قديسهم مار مارون إلى السماء: # والأب مارون، ملا قديس، # وإيش بتقول فيه؟ # حمل عصاتو وقام التتقيس # ما شلله عليه # طلع عالسما، وجات # الملايكي كلا تلاقيه # أرأيت هذه الصور الشعرية الساذجة؟ # هذا ما كان في طور استعراب الموارنة الأولين. وقد يستغرب القارئ إن ذكرت له كل شيء ~~من أناشيدهم - وهذا لا يستطاع - ولهذا أكتفي بالقليل القليل، قالوا في أحد أناشيد ~~خدمة القداس: # فلنقف كلنا بسويه # ونسبح رب البريه # تا يغفر لنا الخطيه # ثم صارت في تعريب المطران فرحات والشمالي هكذا: # فلنقف كلنا أمام الإله # الذي كلمنا من علاه # ونستعطف وجوده ورضاه # بأصوات التسبيح والصلاه # ربنا أشفق على شعبك # وارحم أولاد رعيتك ~~... إلخ # وإذا رجعت إلى مخطوطة كرشونية في مكتبتي كلها أناشيد دينية من «السواغيث»؛ أي ~~الأناشيد، وهي معربة عن السريانية باللحن والوزن، رأيت فيها من هذا الطراز أشياء لا ~~تحصى. وها أنا أنقل للقارئ ما يلي ليقابله بما ms32 سبق ذكره، قالوا في أنشودة «سوغيث» ~~عشية عيد الأنبا مارون: # لنمدح الآن أبانا مارون # المتوشح عزا ونصرا # إلى أن يقول: # أنفق البار حياته كلها # بكوخ يعاني بردا وحرا # أرضى ربه بحسن سيرته # وأتقن كمالا يعلو قدرا # اسمع ربنا ابتهالاتنا # وهبنا معه بفيضك أجرا # نعطى معه ربنا حظا # في عرش ملكك ونوهب فخرا # وأظن أن هذه الزجليات وما فيها من ركاكة هي التي دفعت أحمد فارس الشدياق، الماروني ~~المسلم، إلى تعيير رجال الدين الشرقيين بالركاكة، يقرأ ذلك كل من يحب الطبخ الدسم ... ~~حين يطالع كتابه الفارياق. أما إذا كان من محبي الصندوش، فعليه أن يطالع كتابي «صقر لبنان». # ولا نزال نسمع الموارنة حتى اليوم ينشدون في قداس عيد مار مارون: # لك شرف مفرد كبدر الضيا # ولك اسم يزهو كالثريا # لك اسم في الشرق مسميا # مار مارون فخر سوريا # وبعد، فأظن أن صديقي الدكتور زيادة قد اقتنع بأن هناك علاقة وثيقة بين الزجل ~~والسريانية، ولعل هذا هو أحد الأسباب التي جعلت للزجل هذا الوقع في قلوب اللبنانيين ~~القدامى؛ لأنهم ألفوه جدا في بيعهم، ونشئوا وشبوا وشاخوا عليه، ثم لحق بهم إلى ~~القبر وإلى ما بعد القبر. # ويطيب لي في هذا المجال أن أدون «قرادية»، يظهر فيها الأثر الديني كل الظهور، وهي ~~لشاعر مجهول من بلادي يستدل على ذلك من لهجتها، ومن صورها ومن أفكارها ومعانيها، ~~وأخيرا من التسكين، قال ذاك الشاعر المجهول يعاتب محبوبته: # يا ام الوربي عباسي # تايه عن اسمك ناسي # هواك دب براسي # وعطل شغالي عليي # عطل شغالي وعمالي # وفيكي تاهت أفكاري # حلوي لمن تنداري # تزيدي الجروحات كيي # قامي رفيعا وخصر رقيق # بيطوي طيي عاطيي ~~••• # جرحك بالهوى ما يطيب # دايم ينضح داميه # دايم ينضح ومعذر # يا أم السنجق والزنار # لاعمل في بيتك مزار # وصوم وصلي الفرضية # يا وصوم وصلي صلاتي # وبركع وبفتح باطي # وإن كان المعبد واطي # منوطي الدرجة شويي # منوطيها وبتوطا # يا ام الوربي والفوطا # بس تضلي مبسوطة # منعمل زياح ورديي # منعمل زياح وقداس # وإن كان موجود عندك ناس ms33 # منوقف عالباب حراس # يحرسوا طريق العليي # يحرسوا طريق السرايا # وكلامك كلو مرايا # وبتقري العشر وصايا # يا بنت المغنيي # فكأنني أسمع دق الصنوج وقرع النواقيس في زياح هذا الشاعر، بل أخالني أراه راكعا ~~ساجدا ملبيا كأبي نواس. # ثم جاراهم في هذا المضمار غيرهم فاتجه الزجل اتجاهات لا تحصى حتى بلغ ما وصل إليه ~~الآن، وتسنم مع رشيد نخلة القمة الفنية العليا، فكان ميسترال لبنان حقا، فهو ~~رافع العامية إلى مرتبة الفصحى البليغة، وقد ضاهى الموشحات في تنويع هذا ~~الشعر. # إن رشيد نخلة شاعر فصيح أولا، وقد قال الشعر في تعبير صحيح، ولكنه عمل بقول ~~المثل المشهور: الأول في ضيعتي ولا الثاني في رومية، وهكذا كان. # كثيرا ما أسمع الناس يعزون إلى الرشيد هذين البيتين: # قلبي وعيني ضعاف من غير شي # وبكل يوم بيفتحوا ورشي # العين تهوى كلما شافت # والقلب لاحقها على الطحشي # قد كنت ظننت أن الرشيد أخذهما من قول المرحوم دعبل، وأخرجهما بأسلوبه العامر باللون ~~والتعبير المحليين، فزادهما حبا، كما يظهر للمتأمل حين يعارضهما بقول ~~الخزاعي: # لا تأخذا بظلامتي أحدا # قلبي وطرفي في دمي اشتركا # بيد أنني رجعت إلى كتاب «معنى رشيد نخلة» مفتشا عنهما فلم أجدهما. # إن الرشيد خير من حفل زجله بالصور والمعاني والألوان، وقد تجد كثيرا من هذه ~~الصور في الشعر الفصيح؛ لأن أبا أمين شاعر فصيح واسع الاطلاع، وقف حياته على السياسة ~~والشعر، وإني أكتفي هنا ببيتين أؤيد بهما ما أقول، قال رحمه الله: # لما الشمس عتقت في سماها # شاف ربي الدني بتظلم بلاها # خلق محبوبتي تتنوب عنها # وهبها مثل ما بدا وعطاها # ففي الشطر الأخير يلتقي الرشيد بالمطران جرمانوس فرحات القائل في العذراء ~~مريم: # خلقت درة لا عيب فيها # كأنك مثلما شئت خلقت # ولست أدري أي شاعر زجلي قال هذا الشطر اللذيذ موجها الكلام إلى حبيبته: # طلي قبال القمر # تا نحرنقو شويه # وفي كل حال يظل رشيد نخلة إمام الزجالين المتبوع، فمنهم من اتبعه من بعيد، ومنهم ~~من اتبعه من قريب كخليفته شحرور الوادي ووليم ms34 صعب. وسيبدو للقارئ في فصل آت وهو ~~الأخير. # | الطور الرومانطيقي الرمزي # أحسب أن هذا الشعر العامي قد أصبح محسوبا على تاريخ الأدب، وإذا لم يحتل الصدر ~~في ديوان العرب فهو قد احتل زاوية من زواياه، ولفت إليه الأنظار حتى تمنى شعراء ~~الفصحى أن يكون لهم مثل عاطفته وصوره، وموسيقاه المنسجمة، وألفاظه الناعمة التي ~~صقلها الاستعمال، فالشاعر من هؤلاء هو ابن الزمان والمكان، وهذا ما طلبه ويطلبه ~~النقاد من الشاعر والكاتب. # سأل الفرزدق أحد الرواة، ولعله شيخهم عمرو بن العلاء: من أشعر أنا أم ذلك الكلب ~~جرير؟ # فأجابه: أنت عند العلماء، وهو عند العوام، فارتاح الفرزدق لحكمه، ولما بلغ هذا القول ~~جريرا ضرب فخذيه بكفيه، وصاح: غلبته والله، فليس في الألف من الناس عالم ~~واحد. # وقال الأخطل في هذا المعنى: قلت بيتا لم يقل مثله شاعر قبلي، فما دار على لسان أحد، ~~ونقضه جرير فلم تبق سقاة إلا روت ما قال. # أظن أن هذا السبب هو الذي يقدم اليوم الشعر العامي على الشعر الفصيح عند الجمهور. ~~حضرت مأتم شاعر ليس فينا من هو أشد منه إخلاصا للغتنا العربية، فرثوه بنثر بليغ ~~وشعر يستحق أن نسمعه، فما تحركت الجماهير ولا ماجت الرءوس كالحصاد إلا حين وقف شعراء ~~العوام، وكلموهم بالألفاظ الدائرة على ألسنتهم. ليس هذا فقط هو سبب الاستحسان، بل ~~هناك صور قلما نجدها في شعرنا الفصيح، وإذا وجدت فهي لا تظفر بالكلمات التي تبرزها ~~وتلونها؛ لأن أكثر شعرائنا ليسوا من فقهاء اللغة، وهب أنهم كانوا، فماذا ينفع ~~الفقه من لا يدرك ما تقوله له؟ # وإني لأظن أن هذه الحالة هي التي نشرت بيننا هذه البدع الحديثة: بدعة الحرف ~~اللاتيني، وبدعة الخروج على أصول اللغة، وبدعة اللغة العامية، واللغة العامية التي ~~يدعون إليها أي غرض تؤدي في ميادين الفكر؟ إنها لا تصلح إلا لهذا الزجل، ومتى تخطت ~~تخومه بدت هزيلة ضعيفة. # لا أصدر هذا الحكم عليها بدون فذلكة ولا حيثيات، فحسبك أن تقرأ مقدمتي ديواني: ~~«جلنار» لميشال طراد، و«من قلبي» لأسعد سابا، ms35 لتذعن لحكمي فلا تعترض ولا تستأنف ... ~~كلتا المقدمتين للشاعر سعيد عقل، ومن شاء أن يعرف تفاهتهما فما عليه إلا أن يقرأ ~~مقدمتي قصيدته «المجدلية»، ومسرحيته «قدموس». # إن سعيد عقل شاعر من الطراز الأول، ولكنه يريد أن يكون زجالا وشاعرا ~~فرنسيا، وأنا خائف عليه من هاتين النكبتين. # قال سعيد في ختام مقدمته لديوان أسعد سابا: «هني - أي شعراء الزجل - اليوم شعرا الشرق»، ولعل سعيدا لا يكفيه أن يكون من ~~هو، فحاول أن يكون من شعراء الشرق فانبرى لمجاراتهم في ميدانهم! # إني أنصحه، لوجه الله، ألا يقدم على هذا العمل، فإنه دون شك يقصر عنهم. أما بان هزاله في مقدمتيه؟ إن ميشال طراد وأسعد سابا لا تطل عليهما اللفظة ~~الفصيحة، وسعيد عقل لا تأتيه الكلمة العامية إلا بعد اصطدامها بأختها الفصيحة، وهذا ~~سر الزجل اللبناني الذي هو بضاعة للاستهلاك لا للتصدير. # عجيب أمرنا كيف نتحدث عن «الإشعاع» ولا نعمل له، إن الإشعاع الفكري يتطلب زيتا ~~يصب دائما في السراج، وليس هو راديوم مدام كوري، فإذا ترك الفانوس انطفأ. كنا ~~نمتن على غيرنا يوم كانوا يشكون خنجرا ونشك نحن دواة وقلما، كان ذلك يوم كان ~~تيوفيل الرهاوي وغيره قابضين على ناصية العلم. وبكلمة مختصرة: إن لبنان الفينيقي ~~والسرياني كان لبنان إشعاع، فالفينيقيون كانوا صناعا وتجارا مهاجرين، والمهاجرة ~~مدرسة كبرى، والسريان كانوا يحذقون لغة غير لغتهم الأم فنقلوا وعربوا وألفوا، ~~وظهرت هذه الخاصة في بقاياهم فعملوا مثلهم. أما اليوم، فضوء سراجنا ينوس، كم أتألم ~~حين أسمع كلمة «إشعاع» وألتفت حولي فلا أرى إلا من يحاولون جرنا إلى الوراء، ~~طالبين منا أن نتخلى عن ميراثنا وتركتنا الضخمة في لغة العرب، لتنحصر في لغة ~~عامية لا تفهم على حقها إلا في بلد معين. # ودعاة الحرف اللاتيني ماذا نقول فيهم؟ إنهم يطلبون التسهيل ليقعوا في أشد الصعوبات، ~~فمن منا ومنهم يحسن ضبط الكلمات حتى يكتبها بالحرف اللاتيني، ومخارج الحروف ماذا نفعل ~~بها؟ إن للحروف الساكنة موسيقى يعتد بها، فاللغات الغربية تعتمد في موسيقاها ~~الشعرية على الحروف الصوتية، ms36 أما نحن - لو تنبه شعراؤنا- فعندنا حروف شتى من ~~مخرج واحد، فكأنها وضعت لينتقي منها الشاعر ما يلائم موضوعه ومقامه. # قد يقول قائل: إذا كنت تغار على الفصحى - كما تقول - فلماذا هذا الاهتمام بالشعر ~~اللبناني العامي؟ # الجواب يا سيدي أن في كل فترات تاريخ الأدب كان يظهر مثل هذا الشعر ويستحلى ~~ويستملح، كما أن بين الشعر الأول الفصيح والزجل أقرب النسب، فلم يكن امرؤ القيس ~~أعلم من طراد، ولا النابغة أوسع ثقافة من أسعد سابا. كان يقال ذلك الشعر قبل علم ~~العروض، كما يقال هذا الشعر اليوم، وميزانه الأذن والذوق، كما تطور ذلك تطور هذا ~~حتى صار إلى ما صار إليه اليوم. وإذا أعطينا الزجل حقه فلا يعني أننا نريد أن نجعل ~~من اللهجة اللبنانية لغة قائمة برأسها، يكفينا من الزجل أن يكون لونا محليا نباهي ~~به كما نباهي بالتفاح مثلا، فهو ثمرة فكرية لذيذة جدا. وإذا كنت أنا المتضلع من ~~عامية لبنان تعصى علي بعض كلمات، فما عسى العراقي والحجازي والمصري وال... وال... أن ~~يفهم منه؟ # إننا نحن اللبنانيين، وخصوصا الجبليين، نتذوق هذا الشعر تذوقا كاملا، ونطرب له ~~كما يطرب البدوي - أمس واليوم - للشعر الجاهلي؛ لأنه يحسه أكثر منا؛ ولأنه ~~يصور له أشياء لا تزال تقع عليها عينه. وبعد، فإني أرى شعرنا العامي يمشي عند بعض ~~شعرائنا نحو الفصحى وهذا قتل له، فخير للشاعر العامي أن يلم ألفاظه من الشارع لا ~~من الكتب، عملا بالكلمة المأثورة: لكل مقام مقال. وأنا لم أختر هذين الشاعرين: ميشال ~~طراد وأسعد سابا؛ إلا لأنهما غارقان إلى آذانهما في اللهجة العامية؛ ولأن شعرهما ~~يمثلهما أصدق تمثيل؛ ولأنهما مدرسة جديدة. # | من قلبي # لأسعد سابا # إن زجل أسعد سابا ابن عم الشعر لحا، وقد يكون ما يقوله هو الشعر العالي لا ما ~~ينظمه الوزانون. فزجل أسعد سابا طافح بالألوان، يتأجج عاطفة، وهو في صوره أقرب ~~إلى الشعراء الكبار منه إلى الزجالين. وفي استطاعتنا أن نقول: إن زجل أسعد سابا ~~مدرسة شعرية جديدة، وهو توءم زجلي يناوح توءما ms37 آخر، هو شعر الشباب الحديث الذي ~~يسمونه رمزيا. # إذا قرأت هذا الديوان رأيت أن شعر أسعد ليس من قلبه فقط، بل هو من قلبه وكبده ~~المقروحة، صور ساذجة طريفة، وألوان زاهية، وألفاظ كالشحنات الكهربائية تولد نورا ~~ونارا، فمدرسة طراد وسابا تسير مع مدرسة الشعر الحديث جنبا لجنب، فكأنها تقول لها: ~~شدي حيلك لنرى من يسبق إلى ما يسمونه اليوم رمزا. # ولا أحسبني أسيء إلى شاعرنا سعيد عقل إذا قلت: إن في ديوانه «رندلى» لفتات كريمة ~~إلى ديوان طراد، وإذا اتقينا غضبه قلنا: إن في ديوانيهما ملامح كثيرة من رندلى ~~سعيد، وهذا ما يثبته من يعنيهم التحقيق فيما بعد. # إن زجل هذين الشاعرين ينحت نحتا ويسبك سبكا، وكان العهد بالزجل أن يرتجل ~~ارتجالا، ولهذا أقول: إن «القول» بدأ مع رشيد نخلة أن يكون فنا كالشعر الفصيح، ~~ومن مدرسة أبي أمين اشتقت هذه المدرسة الزاهرة فحفلت بألوان لم يكن للزجل عهد ~~بها. # إن ديوان أسعد سابا مقسم بين لبنان وحلوات لبنان. فأسعد كرج تحت سنديانة غوسطا، ~~وتفتحت عيناه على تلك الظلال والألوان، فانطبعت صورها فيهما، وهناك بين شماريخ تلك ~~الجبال العاصية التي تقول للبحر: إن كنت بطاشا - كما قالوا عنك - تفضل ~~شرف. # وأبو العين الزرقاء يحتد ويشتد، وهكذا ترتسم الصور الشعرية في مخ أسعد سابا، فيقول ~~في قصيدته الأولى «بلادي وأهلي وأنا». # هالصخرة اللي متنحري حد الفضا # ولفتاتها ع مد عينك والنظر # للعواصف والبحور معرضا # بتقول أنا للورد بالو اللي خطر # وإذا قرأت قصيدته التي عنوانها «بيتي» اتضح لك تمسك اللبناني ببيته وضيعته وحنينه ~~إليهما: # بيتي السكران القمر حدو # مشتاق ارجع ليه # ونفض غبار العتم عن عينيه # ولو نهد عمر الدهر ما بهدو # بيتي الدني وحدو # ربي يرد العز تا ردو # وفي قصيدة ثالثة من لبنانياته يصف سماء الضيعة فيقول: # عنا سما نجمات مزروعا # وكل هالي معلقا بهالي # بقلا: تخبي، بتطلع قبالي # بتنزت عا أرزاتنا العالي # وبتغل بضلوعا # ومن قصيدة «أول حرف» يقول: # من هون، من لبنان حاكينا السما # قبل كل الأنبيا ms38 وكل العصور # ندهنا الشمس ردت علينا بالوما # فرشنا الدني من وهجها تريات نور # ويتخطى الشاعر إلى وصف يسوع ومريم العدرا، وإن لم تعجبني كتابتها بالدال بدل الضاد ~~كما نلفظها في كسروان منطقة الشاعر. # ويخص الشاعر بعض كتابنا وشعرائنا بقصائد، ولكنها لا تنزل أبدا إلى دركة المدح ~~المبتذل ... ويجيء دور «الحب» فيذوب أسعد سابا، ويصبح شعره إكسيرا يعل القلوب، ~~ويذكرنا بعهود نسيناها. # شعر أنعم من غزل البنات، فيه من الالتفاتات المدهشة ما يثبت النظرية القائلة: إن ~~الشعر لا يحتاج إلى منطق وفلسفة، كما قال البحتري في ذلك الزمان. # ومن يقرأ قصيدة «طقمي» في هذا الديوان يدرك أن في هذا الشعر العامي خاصة قوية ~~بارزة، هي خاصة التجسيد، فإعجابي بهذه القصيدة لا يقل عن إعجابي بقصيدة ابن الرومي في ~~وصف طيلسان ابن حرب ذلك الوصف البارع. # وأما وصف هؤلاء الشعراء، فعذب طريف، كما تقرأ: # حد البحر شفتك عارملو مشلقحا # بتحلمي أحلام بيضا مفرفحا # والليل عمبيشلحك فسطان نور # ويقول: وين الكون؟ والكون انمحا # وعندما يسأل الشاعر شباك المحبوبة الأخضر، نتذكر قصيدة عمرو عندما جاء يسأل ~~المنزل هل فيه خبر: # لوين يا شباكها الأخضر # راحت لوين بتقدر تقلي؟ # هالتاركي فسطانها الأحمر # منشور وحدو بالهوا مدردر # مدهده وباصر شي بمنامو # لمين عمبيلولحو كمامو # لمين يا شباكها الأخضر؟ # قولك: بترجع بعد؟ # بتطل ع مهلا؟ # وعيني بعينا تغيب، تندهلا # وتفيقا ع العهد # وتاخذ منا شي وعد # شو قولتك بعدا بتتذكر # شي بعد، ياشباكها الأخضر؟ # وبعد، فأرى أن الشاعر العامي يوسع على نفسه ولا يضيق، فهو يقول: شباكها ~~وفسطانها بدلا من شباكا وفسطانا، هو بالسليقة يقول هذا ولا يحس؛ لأن فريقا من ~~العوام يقولون ذلك. # | جلنار # لميشال طراد # عام مات جبران خليل جبران، كان ميشال طراد من تلاميذي في الجامعة الوطنية، وأقام طلاب ~~مدرستنا حفلة تأبينية لجبران، فأجاد ميشال الرثاء، وفي بحر السنة كان قد قرأ على ~~رفاقه قصيدته «ليلة العرزال »، # 1 # فلم يصدقوا أنها من قوله. أما أنا فلم أستغرب ذلك، ودفعته إلى الأمام ~~فقال غيرها، وعندما ms39 طلق ميشال المدرسة أرسل قطعة من شعره إلى «عاصفة» الأستاذ كرم ~~ملحم كرم، فأعجب كرما قول ميشال، فنشره تحت عنوان: ابن عم الشعر. ولمع نجم ميشال، ~~وأعجب به المثقفون، فاحتل هذا المقام المرموق، فكان منه هذا الشاعر الفذ. وأخيرا ~~ظهر ديوانه «جلنار»، وهو «جلنار» حقا، نور يرسله كلاما يخلب الألباب ويبهر العيون، ~~شعر فيه زبرج وبهرج ريش الطواويس، وكرات الكناري، وزقزقة الحساسين، صور ألوان ~~طاغورية، وإن لم تعرف الصوفية، وحكايات عمرية لا تبذل فيها، قصائد يخرجها الشاعر ~~في ثياب القصة، فتأتي مفصلة على القد، تحب قراءتها وسماعها؛ لأنها تكلمنا ~~بلهجتنا. # إن ديوان «جلنار» مطبوع أجمل طبع، ومصدر كديوان أسعد سابا بمقدمة كتبها زعيم ~~الرمزية الشاعر سعيد عقل، فأثبت لنا أن لغتنا العامية، إذا كانت تصلح أداة للشعر ~~العامي، فهي عاجزة كل العجز عن تأدية الفكر، وهي إن أدته فإنما تؤديه بما يضحك ~~الثكلى فوق نعش وحيدها. # اسمع ما يقول: «... كان كل شي بالطبيعا عميوعد بنجمي جديدي، ما بعرف، ما بعرف أنا كنت ~~متأكد انو راح يخلق ميشال طراد، التصوير كان من خمسين سني بلش لعبتو. داوود القرم مش ~~شي عادي، والفلسفي ما كان بقا إلا تطل، ومتل ما اليوم نحنا بلهفي وعينين مجروحا - ~~سلامتها يا حبيبي - ناطرين تبليشة العلم، مأكد واحد مثل فؤاد البستاني عندو لفتي ~~شاملي ع تاريخ الفكر، ولأنو ع قد هالمعرفي بيقدر يحب ما كان مستغرب إنو يحسب للنجوم ~~الطالعا.» # ألا تقول معي حين تقرأ ديوان «جلنار» ومقدمته: إننا حين ننتقل من مقدمة سعيد عقل ~~العامية إلى زجل ميشال طراد نكون كمن ينتقل من قطعة حرش فيها السنديان والبطم ~~والقندول والعليق والطيون، إلى حديقة حديثة أحكم ترتيبها وتنظيمها، وهي حافلة ~~بالخضرة الدائمة والعطر الأبدي؟ # فصاحبنا سعيد، بدلا من أن يقدم ميشال طراد قدم سعيد عقل وحلمه بمارتوما جديد ... ~~وجعل من الأستاذ فؤاد أفرام البستاني، أبا معشر الفلكي الذي «يحسب للنجوم ~~الطالعا .» # إن النجوم متى طلعت لا تحتاج إلى من يحسب لطلوعها، أما قلت لك: إن اللغة ~~العامية ms40 لا تؤدي الفكرة تأدية أنيقة؟ قلت وأكرر القول: أنا خائف جدا على سعيد ~~عقل الشاعر، من سعيد عقل المتفلسف، وسعيد عقل الزجال، وسعيد عقل الشاعر ~~الفرنسي. # إنها ثلاث بطيخات لا بطيختان، اللهم نج سعيد عقل من سعيد عقل! # أما تلميذي ميشال طراد فشاعر فنان، والفن عادة يكون ظاهر التكلف، ولكن طبيعة ~~ميشال طراد، وتأنقه يمحوان آثار تكلفه، فتخال أن ما يقوله قد جاءه عفو الطبع، مع ~~أنه يفتش عن الكلمة شهرا وشهرين، ويظل يركض مشمرا خلفها. # وبعد، فماذا في ديوان «جلنار» من عصارة قلب ميشال طراد وخلاصة شبابه؟ # الجواب: كل شيء! ولا عيب في شعره إلا أنه لا يستطيع قراءته على حقها كل من يحسن ~~القراءة، فهناك أبيات «قولبتها» مرارا في حنكي حتى استقامت، ولكني أعييت عن بعضها ~~فتركتها وما «كسرت كعوبها أو تستقيما»، كما قال الشاعر. # هذا هو الإجمال، أما التفصيل فإليك به: في مطلع الديوان يعتذر الشاعر إلى ربه ~~بأسلوب «أفرامي»؛ لأن اسم «جلنار» يسبق إلى فم ميشال قبل اسم الله، ولا شك في أن ~~الله الغفور الرحيم سيغفر لميشال كما غفر لمار أفرام. # وشاعرنا يعتقد - كبعض أصحابنا - أن بين الزهرة والنحلة والفراشة حبا جما، وفي ~~ذلك قال قصيدة رائعة جدا بعنوان «نغمشي» يزينها هذا الحوار البديع: # قديش هالوردي عمتكتر حكي # وبتضل هيي وهالكنار بوشوشي! # مبارح غمش عنقا بضفرو الليلكي # واليوم بقح صدرها من الغرمشي # شو باك، يعني شو؟ وإنتي شو بكي # حسيت دخلك هيك متلي بنغمشي؟ # وعند ميشال ظرف يكاد لا يدرك، تلمسه في مطلع قصيدة «تشكيلة الفسطان»، حيث يقول ~~بلسان صاحبه: # الله! بعدو الورد عنا زغير # ما بينقطف منو # وأهلي بقولولي: بعد بكير # ورداتنا بيظهر بيتأنو # بلكي بتقطفلي من البستان # الله، كف منكان! # من عندكن من عند هالجيران # أربع خمس وردات # يا سود خمريات # يا حمر جوريات # تشكل الفسطان # وفي قصيدة «بنت جارتنا» وصف حال دقيق جدا، وفي قصيدة «صبيع » تصوير جميل، وميشال ~~كغيره من شعراء الرمزية يحب العيون الخضر. أما أنا فلا أفهم هذه العيون ms41 الحربائية ~~التي يهيم فيها شعراء اليوم، يظهر أن الحسن «موضة»، ولهذا لم نفكر نحن قط بعيون ~~خضر. # وننتقل من غرام النحل والزهر إلى غرام الزنبق، فعشق الورد والبلبل، وهذه ~~مناجاتهما: # إجريك يا بلبل مبللها الندي # ضايقتني ما تغط عا غصوني # بتضلك تفرفر م حلك تهتدي! # فيقتني من الحلم يا عيوني # وعلى ذكر «فيقتني» تذكرت حكاية تروى عندنا عن بنت حلال كسدت بضاعتها، كان اسمها ~~وردية على ذكر الورد. وكان شاب اسمه يوسف يقول لها وهو ماش كلما مر بباب بيتها: ~~بتاخديني يا وردية! # فتشهق وردية وتجيبه: «لا تفيقني يا يوسف!» # حقا إن أحلام هؤلاء الشعراء، فاقت أحلام الرومنطيقيين، وتصوراتهم، فاقت ~~تصورات الأديبة مي في آخر أيامها. # وهكذا يمضي ميشال في قصصه الزجلي البديع، ومناجاته الرائعة وتصوراته المستطابة ~~كقوله في وصف حلوة الحلوين: # بلا سألا بلا سألا # يا تلج صنين # يا زنبق بعرض الفلا # يا فل يا ياسمين # يا حب عنقود نتلا # وتألمز بتشرين # يا سنبلي بسنت الغلا # عليت ويا رياحين # يا عيون يا الكلا صلا # وعياد وشعانين # لمين رح يبقا الحلا # من بعدها لمين؟ # رد ووما الزنبق إلا # وصار يغمز النسرين # قولك صحيح؟ قلو: مبلا # هي حلوة الحلوين # وقصيدة «رح حلفك بالغصن يا عصفور»، تعد في مقدمة الشعر الوجداني المعاصر حكاية ~~وسياقا، وحلاوة تعبير، وإني لأخال ميشال من أقطاب الصوفيين المعتقدين بوحدة الوجود، ~~حين أقرأ قوله يخاطب الحبيبة: # وبنده لنجمة صبح مشلوحا # من طاقة الجني # تنصبلك من النور مرجوحا # طيري فيها وغني # والقمر هادا الخلف صنين # متشاوف بحالو # بدلو عليكي بسألو تخمين # عمتطلعي ببالو # ونسير في دنيا ميشال طراد حتى نقف عند قصيدة «قنديل أحمر»، لم يعجبني هذا العنوان؛ ~~لأن فحوى القصيدة يدلنا على أن صاحبته لا تستأهله ... وزاد استيائي أن اللازمة لم ~~يستقم لي علكها بعد ستة أشهر، وها أنا أعرضها على ميشال: # وحاج تحرنقيني # وحاج تتحرنقي # إن الاختيار من ديوان كهذا صعب جدا؛ لأن هؤلاء الشعراء حريصون على تنقية شعرهم من ~~الزوان والشيلم، وليسوا كشعراء الفصحى الذين يجمعون ms42 دواوينهم بعفشها ونفشها. ومن أجمل ~~روائعه قصيدة «مش فايقا»، ولعل القارئ يخاطر بثمن نسخة فيقرأها وهو رابح، وهناك قصيدة ~~عنوانها «يمكن وقع دملج» لم أقرأ قصيدة مثلها نعومة، وأما نحلات مار عبدا فلا أتعجب ~~إذا هاجموها! # وهكذا يظل القارئ ينتقل في الديوان من حسن إلى أحسن حتى كدت أقول: إن ديوان «جلنار» ~~كعرس قانا الجليل، الذي قدمت في آخره أجود الخمر. ولكن هذا لا يعفي تلميذنا الطاهر من النقد، وإن لم يكن لاذعا مثل نحلات مار عبدا ~~المشمر. # إذا سمح لي تلميذي أن أبدي رأيي في الزجل قلت: إنه حين خاطب العصفور الذي حلفه ~~بالغصن، قال: # وخلا الدني بلادك # وطرز ع منقادك # أليس الأقرب إلى العامية أن يقول: # وخلا الدني دارك # وطرز عا منقارك # العوام يقولون: منقار، لا منقاد. # ثم قوله في قصيدة: # هالقلب ع الشاطئ الأخضر # أنسي ميشال أن اللغة العامية عدوة الهمزة؟ وهناك هنات أخرى مثل نظراته إلى ~~الشعراء الذين تعلم شعرهم فقال في بيت: # ودعت قلبي يوم قلبي ودعك # وقوله في قصيدة أخرى: # متل شي زورق محمل أرجوان # يذكرني بزورق ابن المعتز: # قد أثقلته حمولة من عنبر # ثم لماذا قال: زورق، ولم يقل: قارب؟ وكقوله حين أراد أن يختصر: الدني بعمر ~~السوسني وكاس ومجوز وضحكة مرا ... فكانت أربعته من طراز غير أربعة أبي نواس. # أما تصرفه في بعض اللفظات ليستقيم الوزن كقوله: «سسان» في سوسان، وغيرها مثل: ~~الضيعين والمجنين والدللين وصبيع، فهذا يفقد القول بعض روعته، إن الكلمة تفقد هكذا ~~كثيرا من خواصها، ويجب أن تأخذ راحتها وتمد رجليها. # وأخيرا، ليت شاعرنا ختم ديوانه الضاحك المتهلل بقصيدة «الحب زوادي» لا بقصيدة ~~«حزن»! # حاشية: إني أرى قرابة كبيرة بين «جلنار» و«رندلي»، قرابة لا يحللها بطريرك؛ بل يقتضي ~~لها بابا؛ لأنها أكثر من درجة رابعة ... فالشال والقمر والأشياء الأخرى، وأنت وأنا ~~وحبقه وشي سلة قناني، صوت صارخ يؤيد ما أقول. # لا يعنيني أن أصفي هذا الحساب، ولعل أبا معشر الفلكي الذي قال عنه سعيد في ~~المقدمة: «إنه يحسب للنجوم ms43 الطالعا» يعرف أية نجمة طلعت قبل. # | ياجوج وماجوج # لمنير وهيبة # خطا الزجل خطوات واسعة، فها هي مجموعاته، وصحفه تصدر في كل فترة تقريبا. كانت أغراض ~~الزجل محصورة فيما مضى ببعض مقاطع عاطفية، يدور أكثرها على الحب، وبطلتها أم العيون ~~السود، والخدود الحمر، والشفاه السمر. أما مع «ياجوج وماجوج» فتطاول الزجل كليل ~~النابغة حتى مد يده إلى المواضيع الكبرى، بل أكاد أقول: إلى الملاحم. # فهذه المجموعة التي نظمها الأستاذ منير وهيبة، المجاز في علم النفس تكاد تكون ملحمة، ~~تناول ناظمها بالدرس أشهر حوادث الخليقة، وبعد أن فرغ الشاعر من معظمها، عاد يعالج ~~بعض الأمراض الأخلاقية والاجتماعية، فأجاد وأبدع في كل مواضيعه درسا وتحليلا ووصفا ~~وجمالا فنيا رائعا، فحسب الأستاذ وهيبة إبداعا أنه نقل الزجل من محيط حبسه فيه ~~الزجالون حبسا مؤبدا إلى محيط واسع الآفاق، فليت الشعراء الفصحاء يعالجون ما عالج ~~من مواضيع جليلة، ويتركون ألفاظا وتعابير بعينها لا يخرجون من دائرتها زاعمين أنها ~~كل الشعر. ms44