######OpenITI# #META# URI: 1381MarunCabbud.SubulWaManahij.Hindawi46486938 #META# Tags: literature #META# ID: 46486938 #META# Title: سبل ومناهج #META# AuthorID: 36051407 #META# Author: مارون عبود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # هذا مذهبي‏ # التكوين الوطني‏ # أعيادكم بغضتها نفسي‏ # أذنان ولسان واحد‏ # الابتسامة رأس مال‏ # الفقر سلم المجد‏ # الدين إيمان وعمل‏ # اتكل على نفسك‏ # كمال العلم بالحلم‏ # سير العظام تخلق العظائم‏ # نحو عالم أفضل‏ # الحظ أعمى‏ # العام الجديد‏ # عداوة المهنة‏ # بين الأذن والفم‏ # مشاهدات‏ # نماذج شتى‏ # أكلة لحوم البشر‏ # الصبر مفتاح الفرج‏ # مختصر مفيد‏ # المطالعة غذاء الموهبة‏ # حارب على جبهة واحدة‏ # إلى كل امرأة‏ # طيش الأمهات‏ # أشبعوه على الأقل‏ # مأوى عجزة‏ # محل الامتحانات الرسمية‏ # بواريد فاضية‏ # المستقبل لا يرتجل‏ # الدواء في الثكنة‏ # كنيسة العلم والثقافة‏ # فتش عن ذاتك‏ # الأدب الحق‏ # التدقيق‏ # الأخلاق ضمان جماعي‏ # الرجل ابن البيت والبيئة‏ # بلا عنوان‏ # البكالوريا بين المعلم والطالب‏ # متى تستوي الطبخة؟‏ # إذا هبت رياحك فاغتنمها‏ # موسم الرحمة‏ # كن لطيفا‏ # أتكون آلة تدار؟‏ # إن المجد مبتدر‏ # شعرة من شواربك‏ # أزمة التربية والتعليم‏ # وجوه بلا ماوية‏ # ما أحلى أيام المدرسة!‏ # عمودا البيت‏ # الشباب التائه‏ # ارع الجار ولو جار‏ # العفو حبيب الله‏ # كتم السر فلاح‏ # إلى جندي‏ # الميلاد‏ # إلى رجل الغد‏ # أفقره عقله‏ # ضلال الآباء والأبناء‏ # هذا أوان الشد‏ # هذا مذهبي‏ # التكوين الوطني‏ # أعيادكم بغضتها نفسي‏ # أذنان ولسان واحد‏ # الابتسامة رأس مال‏ # الفقر سلم المجد‏ # الدين إيمان وعمل‏ # اتكل على نفسك‏ # كمال العلم بالحلم‏ # سير العظام تخلق العظائم‏ # نحو عالم أفضل‏ # الحظ أعمى‏ # العام الجديد‏ # عداوة المهنة‏ # بين الأذن والفم‏ # مشاهدات‏ # نماذج شتى‏ # أكلة لحوم البشر‏ # الصبر مفتاح الفرج‏ # مختصر مفيد‏ # المطالعة غذاء الموهبة‏ # حارب على جبهة واحدة‏ # إلى كل امرأة‏ # طيش الأمهات‏ # أشبعوه على الأقل‏ # مأوى عجزة‏ # محل الامتحانات الرسمية‏ # بواريد فاضية‏ # المستقبل لا يرتجل‏ # الدواء في الثكنة‏ # كنيسة العلم والثقافة‏ # فتش عن ذاتك‏ # الأدب الحق‏ # التدقيق‏ # الأخلاق ضمان جماعي‏ # الرجل ابن البيت والبيئة‏ # بلا عنوان‏ # البكالوريا بين المعلم والطالب‏ # متى تستوي الطبخة؟‏ # إذا هبت رياحك فاغتنمها‏ # موسم الرحمة‏ # كن لطيفا‏ # أتكون آلة تدار؟‏ # إن المجد مبتدر‏ # شعرة من شواربك‏ # أزمة التربية والتعليم‏ # وجوه بلا ماوية‏ # ما أحلى أيام المدرسة!‏ # عمودا البيت‏ # الشباب التائه‏ # ارع الجار ولو جار ms001 ‏ # العفو حبيب الله‏ # كتم السر فلاح‏ # إلى جندي‏ # الميلاد‏ # إلى رجل الغد‏ # أفقره عقله‏ # ضلال الآباء والأبناء‏ # هذا أوان الشد‏ # | سبل ومناهج # | سبل ومناهج # تأليف # مارون عبود # | هذا مذهبي # مذهبي في الحياة أن لا مذهب لي فيها؛ فكل أعمالي خبص في خبص، ما أريده لا أفعله، ~~والشيء الذي لا أريده إياه أصنع. أحسبني كرة في يد لاعب جبار يقذفها في الفضاء، فلا هو ~~ولا هي تدري أنى تتوجه، وأين يكون مستقرها! فالحياة في نظري لعبة تتلهى بها قوة ~~سرمدية أزلية تخرج منها أنماطا لا تدرك، ولا يزال في قرارتها غرائب وعجائب لا نهاية ~~لها، كلما تزاوجت أنسلت أقزاما وعماليق، وكلما انفعل الكائن الأزلي تفجرت قواه ~~اللامتناهية، وانبثق إلى الوجود ما يحير كل موجود. # في مذهبي أن الدماغ البشري هو المستودع النائمة فيه - إلى حين - أسرار الطبيعة، وقد ~~عاينته، يبرزها إلى الوجود واحدا واحدا في سبعين عاما، فما كان مستحيلا أمسى ~~ممكنا. # لا أتمثل الحياة إلا مدرسة لا نهاية لدروسها، خريجها يتوارى في الظلمة قبل أن يرى ~~النور الذي ينتظر، ومع ذلك أراني أومن بالحياة إيمانا عميقا لا قرار له، وأحبها محبة ~~كلية ولكنها بدون رجاء. # أومن بالإنسان، ابنها الوحيد، الخالق الأعظم المنبثق من الأرض والسماء، فهو جرم أرضي ~~سماوي في وقت معا. إني أرى الأرض مصدر كل خير وبركة، ومع ذلك يكفر بها الناس، وينكرون ~~فضلها عليهم، ويفتشون عن سعادتهم في غيرها، أما أنا فمذهبي في الحياة هو مذهب طرفة ~~القائل: # فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي # فدعني أبادرها بما ملكت يدي # لا أومن إلا بأني سوف أموت، ولا يعنيني كل ما يقال عني بعد ذلك. # مذهب غيري: القناعة غنى. أما أنا فشعاري الطمع في هذه الحياة، وأرى القناعة من طباع ~~البهائم. أنا في محبة الدنيا على دين معاوية؛ أود لو تكون في يدي بيضة نمبرشت فأحسوها كما ~~هي دفعة واحدة. # مذهبي في الحياة أن أعمل دائما، وهمي أن أسبق من قبلي وأعجز من بعدي، ولكن يا ~~ليت! # أكره القمر ms002 ولا أفرح بولادته؛ لأنه بشير زوال، وأنا لا أريد أن أزول قريبا. وأحب الشمس ~~لأنها رمز الديمومة. # أتعد هذا فلسفة؟ أنا لا فلسفة لي في الحياة ولا أومن بالفلسفة، وأعتقد أنني حجر في ~~مقلاع الجبار العنيد، فتارة يضربني وآونة يضرب بي، فخير ما أعمل هو أن أعمل بلا ~~انقطاع؛ لأجد اللذة فيما أعمل لا فيما أفكر. # لي في حياتي مذاهب تتغير وتتقلب مع الأنوار والظلمات، ومع الحر والبرد، وفي العسر ~~واليسر، ولكن الشيء الذي لا يتغير هو الانصراف إلى العمل الذي ينسيني جميع شئوني ~~وشجوني. # فكل أمنيتي ألا أذيب شخصيتي في مستنقعات الآخرين، وأن أظل منسجما مع ذاتي، وأن ~~أبقى ساذجا لا تكلف ولا تعقيد في حياتي، وألا أتخلى عن شيء من بساطة أورثنيها ~~المربي، فأكره شيء إلي التقليد. # لا تسلني عن مذهبي في حياتي؛ لأني لا أعرف ذلك المذهب لأحدثك عنه؛ فكل ما أعرف أنني ~~بدلت أثوابا كثيرة، ولم يبق لي ثوب لأقول هذا يعجبني، فأمري ليس في يدي. # فكل ما أعرفه هو أنني نشأت نشأة زميتة في كنف رجل يرى الضحك جريمة، فكان يهز لي العصا ~~كلما خف وقاري فأعود إلى الترصن، وكان صباي وشبابي رصانة لا قيمة لها؛ لأنها مصطنعة ~~وضد طبعي، فأضعت ذاتي زمنا طويلا ولم أعثر عليها إلا في ظهر العمر، وصرت أخيرا كما يقول ~~أبو نواس: «وشيبي بحمد الله غير وقار.» # أرأيت أنني كلما قلت لك مسير لا مخير؟ كثيرا ما أحاول أن أعدي عن الهزل، ثم لا أجدني ~~إلا انبريت له، فكأني أو كأن الحياة تريد أن تعوض علي ما حرمته في صباي ~~وفتوتي. # ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها # فمفترق جاران دارهما العمر # يظهر أن هذا الضحك نافعي، يجب أن نضحك كثيرا حتى نقابل جهومة الشيخوخة العتيدة، ونرعبها ~~فترتد على أعقابها وتختفي علاماتها من أمام أعيننا. # ومذهبي الأخير - أقول الأخير الآن، فربما كان لي غدا مذهب غير هذا - هو أن أستهزئ ~~بالموت. وإني لأعجب كيف يخاف الموت من لا يرى أمامه حقيقة ms003 ثابتة غيره! نعلم أننا ميتون، ~~وإذا حصل الموت قمنا وقعدنا وتفجعنا كأنما قد حل بنا أمر غير منتظر ولا مقدر، فمن ~~لي بمن يضحك ويقهقه يوم أتوارى؛ لتقر بذلك عيني وتطيب نفسي، كممثل هزلي يسدل عليه ~~الستار بين تصفيق النظارة وعربدتهم الضاحكة؟ وهل الحياة غير رواية هزلية؟! # لا أتمنى على جسدي إلا أن يظل خادما أمينا لما خلق له، وإلا ينذرني قبل أن ~~يخذلني، وإن كان لا بد من عمر طويل فأرضى أن أعيش ما ظللت قادرا على العمل ... ولو كنت ~~واثقا من أنني أطالع وأكتب في دنياي الجديدة، لما طلبت المزيد من حياتي هذه، ولكنني أخشى ~~أن يصح ما يقولون وأمسي وأصبح في جنة لا عمل فيها، من هذا خوفي لا من الموت. # يشغل بال البشرية تطويل العمر، أما أنا فأرى أن محاولة هذا التطويل تحول دون التمادي في ~~العمل، والذي يستريح ليطيل عمره يكون قد قصره من حيث لا يدري؛ فالعمر الذي لا يملؤه العمل ~~هو عمر أجوف كالقصبة. ولعل لي رأيا يخالف رأي غيري، فأنا لا أشغل نفسي بإصلاح ما بعد ~~عني إلا بعدما أصلح ما قرب مني وأبدأ بنفسي؛ ولذلك أحاول دائما أن أنمي رأسمالي ~~الأدبي لعلمي الأكيد أن ما يبنيه الاتفاق يهدمه الاستحقاق. # وأخيرا لست أدري إذا كنت أعربت عن مذهبي، ولكن من أين لي المذهب وأنا - كما قلت - تلك ~~الكرة التي تتقاذفها يد القدر؟ ما قالت الناس عبثا «نحن في التقدير والله في ~~التدبير.» # فليدبر ما شاء، وإذا حالت مشيئته دون مرامي فما في ذلك كبير شأن، ما زلنا نقول إنه ضابط ~~الكل، ووسع كرسيه السموات والأرض. # | التكوين الوطني # الأوطان كالأديان كلاهما محتاج إلى مؤمنين، ومؤمن واحد يتعالى إيمانه إلى منزلة اليقين ~~لهو في محيطه كالشهاب الثاقب في الليلة اليتيمة، تنداح حوله دائرة إشعاع بسام تتغامز فيها ~~النجوم الصغيرة وترتجف شفاهها من الشوق، إن كوكبا واحدا دريا يدحر ظلمة الليل، وكم في ~~الوطن من ظلمات لا بد من تمزيقها! # العقائد، دينية ووطنية واجتماعية، تحتاج ms004 إلى مناضلين، والحياة تتمشى فيها كتمشيها في ~~الأحياء والأشياء، تارة تسير ببطء وطورا بهجوم مفاجئ تبعا لأطوارها. والمؤمنون بالأوطان ~~كالكريويات في الجسم، لا تدع العراك ولا تهدأ، وكما ينمو الجسم بما يتقد فيه من حرارة ~~متفاعلة، كذلك تنمو الأوطان كلما تعاظمت حرارة الإيمان بها. # إن أول نقطة دم يراق لأجل دين أو عقيدة تستحيل زاوية عظمى في هيكلها الخالد، فنقطة دم ~~من مؤمن بوطنه توطد بنيان ذلك الوطن فتصيره أمنع من الباطون المسلح، وهي أعظم دفاعا ~~عنه من الطائرات والغواصات والدبابات والقنابل من ذرية وغير ذرية، فالحق للإيمان ~~لا للقوة. # فما حيلة الأوطان إذن في خلق المؤمنين؟ إن الإيمان الأسمى لا يعلم كيف يجيء ولا كيف ~~يذهب، أما الإيمان الوطني فطبيعي من البشر، يولد المرء ويولد معه حب الحرية. تأمل الطفل ~~كيف ينازع الأقمطة، ثم كم يقع ويقوم في سبيل الانطلاق، ولا يفتأ يجاهد حتى يدرك غاية ~~مشبوبة في كيانه، لا يطل من باب قفصه على دنياه الصغرى حتى ينشأ العراك بينه وبين أمه، ~~يريد أن يسرح ويمرح في وطنه الأصغر وتأبى الأم عليه ذلك، فيظل يناضل لأجل حريته الأولى ~~حتى يدركها. # ليس الوطن إلا بيت الإنسان الكبير، وكما يأبى الإنسان أن تمس قدسية بيته الصغير كذلك ~~يبذل نفسه بسخاء ليصون بيته الأكبر، وعن حب الرجل مسقط رأسه نشأ حب الاستقلال في وطنه ~~مهما صغر، فلا تقل لوطني مؤمن: وما هو وطنك يا هذا؟ إن استخفافك بوطنه كاستخفافك بذاته، ~~وقد يسكت عن هذا الأمر ولا يسكت عن ذاك. # إن وطننا محتاج إلى مؤمنين، إلى أنصار ومجاهدين. وإن قلت لي: لا تتشاءم، أجبك: صدقت ~~كلنا مؤمنون، ولكن الأوطان كالأديان تحتاج إلى تعاليم، فأين تكون هذه التعاليم يا صاحبي؟ ~~في المساجد والهياكل يناجي المؤمن ربه، ويتذاكر مع إخوانه تعاليم دينه، فما هذا الذي نسميه ~~صلاة إلا صلة بين المؤمن وربه، فأين هي إذن هياكل الوطن؟ # هي المدارس يا صاحبي، سمعت وتسمع بمدرسة تحت السنديانة، هي مثل يضرب للاستخفاف، ولكني ~~أؤكد لك أن ms005 لمدرسة تحت السنديانة أكبر أثر في نفس المواطن اللبناني، وإن أنكر ذلك أحدنا ~~فدمه يصرخ مكذبا إياه، وضميره يبكته لأنه عق هواء نقيا ملأ رئتيه، ووحيا من ~~طورها هبط عليه؛ فالمدرسة إذن مهما صغرت هي هيكل الوطن المقدس، وبخاصة في عهدنا الحاضر، ~~العهد الذي صهرنا جميعا في بوتقة ليجعل من كل واحد منا مواطنا عامرا قلبه ~~بالإيمان. # قال بسمرك: غلبنا فرنسا بمعلم المدرسة. فلننهض إذن، ولنعلم أن المدرسة هي المعمل الذي ~~يصنع فيه المؤمنون بهذا الوطن، المدرسة هي التي تكون لنا رجالا من طراز الشاعر ~~القائل: # إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني # عنيت فلم أكسل ولم أتبلد # لسنا نطالب أولياء الأمر أن يقولوا للمدارس والمعلمين كونوا فيكونوا، فلا بد لهذا من ~~وقت، ولكن تفتح العيون على المدارس لتتطور وتماشي الوطن الناشئ فرض واجب. # إن وزارة التربية دعامة كيان الوطن؛ فمنهج موفق يدرب للبلاد جيشا معنويا ~~يتجسد كلمة حين تدعو الحاجة إليه. ولكن مقدمة «المنهاج اللبناني» العتيد لا تنطبق على ~~ما فيه من ثرثرة ... فرب كلمة في كتاب تفتك في عقول أبنائنا فتك مكروب الأمراض ~~السارية! # إن المناهج حقول اختبار ومغارس، منها تنقل الغرسات السليمة المنيعة إلى حديقة الوطن ~~الكبرى، فلا يليق أن تظل بورا، لا يليق بوطن فتي أن يظل أبناؤه يتيهون في قفار ~~بسابس كالطلول الدوارس. التعليم في كل أمة وسيلة للتربية القومية، وغاية التربية صقل ~~الغرائز الموروثة، لا خلق أخلاق جديدة. ليس التعليم دهانا وطلاء إنما هو تثقيف ثم صقل، ~~كما يفعل النجار بالخشب الشريف، فلننجر إذن غير الشوح لهذا الوطن الجديد. الطلاء ~~يزول أما العرق الأصيل فلا يمحي ولا يعفو كالطلول. # فأي هدف يصيب من يعلم تلميذه باب التمييز قائلا له: عندي رطل زيتا؟! هذا مثل وضعه ~~النحاة الأولون حين كانوا يكتبون على ضوء مصباح راهب امرئ القيس، فلماذا نردده نحن على ~~من في بيوتهم قناطير زيت؟ أنعلم التلميذ التمييز ونكون بلا تمييز؟! # السيارات احتلت مملكة الدواب واستعمرتها فقبعت الجحاش واجمة، والمعلم ما زال يصيح ~~بالمحبوسين ms006 في قفص صفه: قام القوم إلا حمارا! لقد بعد عهد الحمير بالشعير فكيف تقوم يا ~~مولانا؟! لماذا لا تقول: هب الناس إلى الدفاع عن الوطن إلا الجبناء، أو غير الجبناء؟ اختر ~~أنت المستثنى المناسب، فتكون علمت تلميذك وجعلت منه مواطنا شجاعا. # ألم يبلغك بعد قول جون ديوي فيلسوف التربية الأمريكي: «العلم وسيلة لا غاية»؟ فبماذا ~~تتوسل يا زميلي؟ وإلى أية غاية تسعى؟ أنظل نتلهى بعقول بنينا وننقرها ونحشوها ~~كأنها الكوسى والباذنجان؟! # يقول علماء التربية: التلميذ فرن يحمى لا وعاء يملأ. ومع ذلك نرى المعلم يحشو أبدا ~~كأنه يعلف خروفا ... يجلس على منبره مقلص الوجه لا تبين له سن ولو وضعت بين فكيه مخل ~~أرخميدوس، أمجنون هو حتى يبتسم؟! ومن يضمن له هيبته ووقاره إذا ضحك؟! # وجد ليكون رفيقا ومرشدا فصار ناطور ورشة وخفير أسرى حكم عليهم بالأشغال الشاقة ~~وليس لهم أن يقفوا، إن عطس تلميذ عطسة رنانة طار صوابه، وعد ذلك تحديا لهيبته ~~وأبهته، وإن تنحنح أو سعل امتعض على كرسي مجده! فلماذا كل هذا؟ ومن أية الطرق أتته ~~هذه الطباع؟! # مسكين المعلم! حمله ثقيل، عليه أن يبلغ المحج ويؤدي الحساب على البيدر، فالنتائج التي ~~يتوقعها الآباء والمدارس يلحس كرباجها ظهره كلما وقف، فعليه أن يحصل على أكبر عدد ممكن من ~~الشهادات ليربت على ظهره وينام على الثقة مطمئنا. أما التربية والرجولة والتفكير فليست ~~في حساب أحد، قضى الزمن الماضي أن تكون من الأمور التافهة، أما اليوم وقد صرنا بالغين ~~راشدين فعلينا أن نعد للوطن رجالا، وهذا يكون بإعداد المعلمين أولا والمدارس ثانيا ~~والتلاميذ ثالثا. نحن بحاجة إلى فتية يتهيئون منذ اليوم للنهوض بالأعباء الثقيلة التي ~~ستلقى على ظهرهم، إننا نعلم كثيرا ونربي قليلا، فعناية ليس فيها كبير عناء ~~تمكننا من إصابة عصفورين بحجر واحد، إنني لأستطيع القول إن تعليمنا الحاضر ليس بضاعة ~~تنفق في بندر الحياة؛ فهذا الطالب النجيب الحائز علامة جيد جدا في البكالوريا لو ~~كلف عملا آخر غير ما لقن في الصف تأهبا للامتحان، تخاذل وتلعثم. فلو ms007 علمته ~~مدرسته ما ينفعه في حلبة الرغيف لكانت نصف مصيبة، ولكنه لا مواطنا صار ولا خبزا أكل، ~~فأساليبنا المتبعة لا رجالا تخلق ولا علماء توجد، نسلمهم للحرب الحديثة بنادق الفتيل ~~والصوان في عهد القذائف والمتراليوز! # قال غوستاف لوبون: إن انتخاب طرائق التربية أولى باهتمام الأمة من انتخاب شكل الحكومة. ~~فلنسرع إذن، فالاستقلال أمانة بين أيدينا ولا يحافظ عليه إلا بخلق مؤمنين به، وهؤلاء لا ~~توجدهم إلا مدارس مخلصة، مدارس مؤمنة بوطنها، ومعلمون مؤمنون بأنهم معلمون، وبأنهم ~~مواطنون، أساتذة يعلمون أنهم يدربون رجل الوطن العتيد، وأن من عندهم وحدهم يخرج ~~قواد الرأي العام. # إن المدارس هي عرق الوطن الحساس، ومنها تتصاعد الصرخات الأولى: نريد الاستقلال، ~~ليحي الاستقلال. # قد يتهم التلاميذ من لا يوافقه هتافهم أنهم يفعلون ذلك تخلصا من دروسهم، أما أنا ~~الذي عجنتهم وخبزتهم فأقول: لا وألف لا، يهتاج الطلاب فتقول: على العلم السلام، حتى إذا ~~هدأت العاصفة خلت أنه لم يكن شيء مما كان. # ليس الإنسان مكنة ملفوفة بجلد، ولكنه مسرح تتحرك عليه أجمل العواطف وأسماها. إن العاطفة ~~دنيا في فكر، وأشوق الأفكار لاقتبال العواطف هي أفكار الفتيان، هؤلاء هم القوارير التي يجب ~~الرفق بها، وهي مستودع الحرية والاستقلال. # | أعيادكم بغضتها نفسي # أشعيا، 1 : 14 # ترى لو عاد السيد المسيح وتمشى في شوارع مدننا ليلة الاحتفال بعيد ميلاده، ماذا كان ~~يقول؟ # ماذا كان يقول حين يرى الديوك الحبشية والبلدية ترقص رقصة الألم، وتغني في القدور ~~أغاني التهليل للمولود الذي حمل إلى الأرض السلام وإلى الناس المسرة؟ # ما عساه أن يقول حين يرى علب الملبس والشوكولا تحمل أكياسا إلى الدور والقصور، وأما ~~الأكواخ فتودع شقاء لتستقبل بلاء؛ من قبضة الفاقة إلى مخالب المرض إلى براثن ~~الموت؟ # ما عرف يسوع غير بيوت الضعفاء والفقراء، أليس هو القائل: «للثعالب أوجار، ولطيور السماء ~~أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له مكان يسند إليه رأسه»؟ # عاش السيد على الفريك في الحقل، فما عساه يقول حين يملأ خياشيمه القتار ويرى سلال ~~الحلوى تتصادم في الشوارع، وهو ms008 حين اشتهى قلبه الحلو راح يفتش عنه في تلك التينة التي ~~لعنها فيبست حالا ...؟ # ترى لو تنكر السيد وجاء القصور التي تشاد باسمه، فمن يفتح له «الخوخة» ليدخل باحاتها؟ ~~لست أشك أبدا في أنه مهما قرع لا يفتح له، وإذا قال لهم كما قال لتلاميذه في ذلك الزمان: ~~«أنا هو.» صرخوا في وجهه: «لا يا سيد، أما حذرتنا في إنجيلك قائلا: «كثيرون يأتونكم ~~باسمي فلا تصدقوهم»؟ اذهب، اذهب.» # وإذا رد عليهم بقوله: «أنا جوعان فأطعموني، وعطشان فاسقوني.» أجابوه قائلين: «مثلك لا ~~يجوع ولا يعطش، أما صمت أربعين يوما ...؟ لا تحاول خداعنا فما أنت هو.» # أجل، لقد صار عيد الميلاد عيد قصف ولهو، وعيد خمر وزمر وقمر، عيد الخمور المعتقة ~~والديوك المسمنة، بل عيد التخم والبشم. حسبك أن تعلم أننا في يوم هذا العيد كنا نفطر ~~مرتين؛ مرة بعد قداس نصف الليل، ومرة في موعد «الترويقة». ولست أنسى قول أحد أساتذتنا ~~وهو من الآباء الأجلاء: ليت لنا في كل رأس شهر عيد ميلاد! وقد نسي - رحمه الله - ما قاله ~~مار بولس في الذين هم مثله: إلههم بطنهم، ومجدهم في خزيهم. # وإذا وقف يسوع أمام مغارة من تلك المغارات التي تزدان بمئات الشموع والدمى والأكياس، ~~ألا يتأسف حين يرى عناكب التقاليد تغطي ذلك المحيا الإلهي الإنساني الذي ملأ الدنيا ~~رحمة ومحبة؟ # ولو صادف يسوع في هذه الجولة من يسمونه «بابا نويل» فكم كرباجا كان يأكل قفاه؟ وأي نتف ~~تنتف تلك اللحية الطويلة العريضة؟ لا شك في أنه ينتزع ذلك الخرج عن كتفيه ويدوس هداياه ~~بقدميه ... # أجراس ترن، ونواقيس تطن، وأجواق ترنم وتهلل: المجد لله في العلا، وعلى الأرض السلام، ~~والرجاء الصالح لبني البشر. # أي رجاء يا سيد، فالذين يصلون يوم عيد ميلادك هاتفين: هللويا آمين ... يفكرون بقنبلة تهلك ~~إخوتك الفقراء المساكين؛ ليرثوا وحدهم الأرض التي دست كنزها بحذائك؟! # جئت يا سيد مبشرا بملكوت الله كارزا بمملكة الروح، فأين هي تلك الأشياء التي بشرت ~~بها وكرزت؟! آه، ما أفقر الكون إلى درهم من ms009 علاجك الروحي ! إن ذكرى ميلادك لا تعظم إلا ~~باتباع تعاليمك، وإذا لم نولد ثانية كما قلت لنيقوديموس فعبثا نكرم ميلادك ونمجدك أيها ~~الذي قال: «ليس من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات.» # ليس تكريم الميلاد بأن نعمل شجرة اصطناعية، بينا شجرة أعمالنا يابسة تسمع لأوراقها حفيف ~~الحصاد الذي يتوق إلى المنجل. # إنك لم تدع إلا إلى الرحمة: «أريد رحمة لا ذبيحة.» هكذا قلت، أما هم فيريدون ذبيحة ~~يكون لهم منها حصة الأسد لا رحمة تنكبهم بفلس. # إن هذه الاحتفالات الزائفة لا تنقع غلة ولا تشبع كبدا، إنها لا تسقي البؤساء - ~~إخوة يسوع الصغار - كأس ماء باردة. # قال يسوع: «اصنعوا هذا لذكري.» وكأنه يريد أن تتمالح البشرية جمعاء في تذكاره، لا أن يأكل ~~الأغنياء حتى يبشموا والفقراء حفاة عراة ليس لهم أطمار يسترون بها عوراتهم، اللهم سترك ~~وعفوك عمن يعيدون هكذا! # قال صاحب هذا العيد: «حبوا أعداءكم، وإذا أحببتم من يحبكم فأي فضل لكم؟» أما السواد ~~الأعظم من البشر فلا يحبون إلا ذواتهم، وليس للغير أقل حساب في دفترهم اليومي. # كان الإخوة - الرسل - في ذلك الزمان يتقاسمون الرغيف، أما اليوم فيتنازعون عليه ~~ويتناتشونه مع أنهم أتباع ذلك الذي قال: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.» وقد يزهقون ~~روحا في سبيل قرش، ولو من قروش هذا الزمان، ومع ذلك يعيدون بكل عين بلقاء، محتفلين بذكرى ~~من قال: «لا تعبدوا ربين الله والمال.» فإذا شئنا أن نعيد الميلاد كما يجب أن يعيد، ~~فعلينا أولا أن نطهر قلوبنا لنكون أتباع من قال: «يا بني، أعطني قلبك.» وعلينا أن ~~نعمل حسنا لنستحق من قال: «إن من لا يعمل إرادة أبي فهو لا يستحقني.» # فعلى من يلون الأحكام أن يعدلوا؛ لأن من يحتفون بميلاده كان عادلا رحيما. # وعلى الرعية التي تحتفي بميلاد يسوع أن تحب الجار والقريب، بل الأعداء؛ لأنه هكذا ~~علم. # وعلى المعلم منا ألا ينسى أن يسوع خوطب ب «يا معلم»، فلنحاول الاستيلاء على بعض ~~الأمد الأخلاقي الأمثل لنتقرب من زميلنا المعلم الإلهي. ms010 # وإذا كنت يا أخي فلاحا فاحرث الأرض جيدا، وتذكر أن يسوع أحب الزهر والثمر والزرع ~~والشجر، فكن مزهرا مثمرا لئلا تستحق اللعنة التي أنزلها على التينة. # وإذا كنت تاجرا أو عاملا، فانشد الربح الحلال والأجر المكتسب بعرق الجبين. تذكر أن صاحب ~~العيد حث على العمل المنتج فرحب بصاحب الوزنات العشر الذي ربح ضعفها بالمتاجرة، وطرد ~~العبد الكسلان إلى الظلمة البرانية. # عفوا! نسينا السيدات وهن المقدمات في هذا العصر، ليس الاحتفال بالميلاد هو أن ~~تتزيني بالجواهر وتلبسي أثمن الثياب، ولكن الاحتفاء بالميلاد هو أن تقدمي لصاحب العيد ~~ذرية صالحة من البنين والبنات، ولا تنسي أن يسوع الذي تصلين له قارعة صدرك قد قال: «دعوا ~~الأطفال يأتون إلي ولا تمنعوهم.» # وأما قادة العالم اليوم فأحسن احتفال بذكرى السيد الذي يعظمون يكون في أن يضعوا تحت ~~قدميه قنابلهم الذرية قائلين له: قل يا سيد ماذا نصنع؟ # وإذ ذاك يجلجل صوت في الأعالي ويهتف بهم: «ملعون كل من يهدم هيكلا بشريا بغير حق، طوبى ~~للرحماء فإنهم يرحمون! لا تقاوموا الشر بالشر، ومن طلب ثوبك فاترك له رداءك.» # فلو كان في قلوبنا قدر حبة خردل من الرحمة، لفكرنا بمكافحة البؤس المنتشر حولنا قدر ~~ما نستطيع، متذكرين فلس الأرملة الذي عظمه صاحب العيد، فأي منا لا يستطيع أن يبذل فلسا ~~احتفاء بعيد المعلم؟ فخير هدية ميلادية هي تلك التي تبذل في سبيل المشردين. # | أذنان ولسان واحد # منذ بضع عشرات من السنين وأنا صاحب هاتين الأذنين، أما كيف لم يلفتا نظري إلا البارحة ~~فهذا فوق علمي، وأما كيف انسقت إلى هذا التفكير أو انجررت إليه، فهذا من حق القارئ العزيز ~~أن يعرفه؛ لأنه صاحب أذنين مثلي، فإذا أعار قولي انتباها فسوف يشغل باله ما شغل بالي من ~~أمر هاتين الأذنين، إني أؤكد له أن أذني غير طويلتين ولا قصيرتين، بل هما كما يقول ~~المثل: «وخير الأمور الوسط.» # والآن هاكم الحكاية: صرفت نهارا كاملا مفتشا عن موضوع ما، فما وقعت عيني على صورة ~~تسر القارئ وتعجبني، على كثرة ms011 صور الحياة وتعددها، فلا تنقضي دقيقة حتى تطوي وتنشر صورا ~~صالحة للمعرض والمتحف؛ فالحياة لا تكل ولا تمل ولا تصاب بتصلب الشرايين وضعف القلب ~~مثلنا، إنها تجري وتجرينا معها في مضمارها وإلى غايتها. # استعرضت صورا كثيرة من صور البشر فرأيت الكثيرين من أبطالي، ولكنني لم تعجبني صورة أحد ~~منهم، فأفلس نهاري ومسائي وألقيت سلاح التفكير، واندمجت بفراشي أتخبأ فيه من وجه تلك ~~الفكرة فلا تقع علي عينها، ولكنها ركبت كتفي كأن لها عندي دينا، ومن محاسن الصدف أو ~~مساوئها وجعتني أذني وجعا أغراني بحكها، فرحت أفركها وأدلكها وهي تقول: «هات ما عندك» ~~حتى كبرت في يدي. وتناولت مرآة صغيرة أضعها عادة حد رأسي، فرأيت أذني قد احمرت وكادت ~~تفخر على أختها بالكبر، وإن كان الكبر في الأذن غير محمود؛ لأنه يشد القرابة بيننا وبين ~~صاحب أنكر الأصوات ... تأملت بالمحكوكة وأختها فجاءني فكر لا أدري كيف جاء عفوا، وإذا بي ~~أسأل نفسي: «لماذا خلقت ذا أذنين، أما كانت تكفيني واحدة؟!» # ظننت أنني أسمع أكثر فسددت إحداهما بأصبعي، فإذا القصة مع الأذنين غيرها مع العينين، فقلت ~~إذ ذاك: «لأمر ما ركبت هاتان الأذنان في هذا الرأس الذي يتعبني حمله منذ عرفت الخير ~~والشر.» وأردت أن أنام ولكنني ما قدرت كأن في أذني برغوثا. # وأطفأت المصباح فما جاء النوم، فضوأت وأخذت أحد كتب مخدتي فما استطاع تحويل تفكيري عن ~~هاتين الأذنين، طار النوم، وتذكرت ما أصاب صاحب لحية طويلة مع بنت خبيثة أو ساذجة لا أدري؛ ~~هال الفتاة استبداد لحية ضيفهم الجبارة واحتلالها صدره العريض، فسألته سؤالا بسيطا: ~~«أين تضع لحيتك عندما تنام، تحت اللحاف أو فوقه؟» فسببت له قلقا مركبا، لولا يصيب أحد ~~رجال الدول لأذيعت النشرات الطبية عن صحته في كل ساعة. # أطرق الكاهن يفكر، وفتحت الصبية عينيها وأذنيها وفمها، أصغت بكل حواسها لتسمع الجواب ~~فكانت كأنها تحدث غائبا عن الحضرة، وظل صاحب اللحية البحترية مرتبكا محيرا، ~~هزته الفتاة هزة اضطرب لها وقالت: «غفيت؟ ما جاوبتني!» # فتنهد كمن حذف عن ظهره ms012 حملا ثقيلا وقال لها: «أمهليني يا بنتي، غدا أجاوبك.» وظل ~~يفكر، ثم بارح المكان وهو ما زال يفكر. # وجاء الليل وجاء الويل، ما نام صاحبنا تلك الليلة، تحير أين يضع لحيته، وضعها تحت ~~اللحاف فتضايق مقدمه - كما قال عنترة - وما عرف النوم، وجعلها فوق اللحاف فرآها ممتدة ~~مفرشة. # أرق أرق الأعشى وما أغمض عينيه، فصاحت الديوك وحضرته مستيقظ، وغدت البنت عليه تحمل فنجان ~~القهوة ووكدها في الجواب، فما كادت تطل حتى صاح بها: «حرمتني النوم يا بنتي، يا ليتني نمت ~~في الخان وما نمت عندكم!» # إن هذا ما أصابني أنا تماما، إنني أحمل هاتين الأذنين منذ ثمانية وستين عاما وما ~~فكرت بهما إلا ليلة أمس، تصورت أنني بأذن واحدة وكيف يكون منظري، فقلت: «ربما جعلتا ~~للتوازن؛ فالطبيعة مهندس عبقري، تبدع الأشياء طبقا للبركار والزاوية.» ولكنني عدت وقلت: ~~«في الدنيا مشاهد كثيرة أبشع من منظر إنسان بأذن واحدة، ومع ذلك يتعودها الإنسان ~~ويألفها.» # وأعدت الكرة فامتحنت العينين فوجدت الحالة فيهما غير حالة الأذنين؛ فالأعور غير ~~الأصلم. وبعد تفكير غير عميق انقلبت إلى الشفتين فقلت: «لهاتين حاجة لا تنكر، وكذلك ~~الأسنان، ولكن اللسان لماذا جعل واحدا؟ ولماذا لم نخلق بلسانين؟» # وانقضى الليل وأقبل الصبح وجاء هذا الفكر معه، ولولا انشغالي بما علي من واجبات لأصبحت ~~من أصحاب الفكرة الثابتة. # وكان لي جار تعجبني روحه الخفيفة وذكاؤه الطبيعي، رجل أمي علمه الدهر؛ إذ لم ~~يعلمه أبوه، فما رأيته مقبلا يهدج حتى مرحبته من بعيد، فتهلل وجهه كعادته، ثم أخذ ~~يتهيأ للقعود حدي، وبعد جهد وعناء برك تحت أثقال التسعين، ولما تمكن من مجلسه ~~تنهد ثم قال: «خير إن شاء الله؟ ما وراء هذا السلام الذي رشقتني به؟» # فقلت له: «عقدة لا يفكها أحد غيرك، حرمتني النوم وأفسدت علي يومي، وأخيرا قلت: ما ~~لها غير بو حسن.» # فتأوه وقال: «وماذا بقي من بو حسن؟ خرف عمك بو حسن، صرنا بربع عقل.» ~~- عقلك كامل يا شيخ الشباب، ما عندنا عقول مثل عقلك. ~~- هذا لطف منك، ms013 رحنا ... # والتفت لأرى هل ضاعت ثقته بنفسه حقا، فرأيت على وجهه اطمئنانا دلني على أنه لا ~~يصدق ما يقول، وهو يوصوص عينيه كأنه يستجمع قواه ليتلقى الضربة؛ فهو من الذين لا ~~يقولون لا أعرف، فصيح طبعا، وكل فصيح لا يتلكأ عن الجواب أخطأ أم أصاب؛ فقلت: البارحة يا ~~عمي بو حسن فكرت بأذني، وقلت: «لماذا لم تخلقنا الطبيعة بأذن واحدة؟» وقد جربت الأذن ~~فوجدتها بعكس العين. # فقال: «وما سألت نفسك لماذا خلقنا بلسان واحد؟» # قلت: «خطر على البال هذا السؤال، ولكنه كان ضيفا غير ثقيل.» فاستضحك وقال: «مع أن أذنيك ~~غير كبيرتين.» # قلت: «وفهمت من العلم أن الطبيعة خلقت العضو المعرض للخطر مزدوجا، أما اللسان فمحفوظ ~~بين بابين؛ واحد من لحم والثاني من عظم، ومع ذلك خلق واحدا.» # فضحك العم وقال: «بلا علم وبلا بطيخ، خرب بيوتنا العلم، ما خلى العلم ولا بقى، لا ~~وجدان ولا ضمير.» # وسكت قليلا كمن يفتش عن حجة قاطعة مانعة، ثم ضرب بيده فخذي وقال مستهزئا: «يقول ~~العلم الأعضاء المعرضة للصدمات خلقت اثنين اثنين، فما رأي حضرة العلم بالكليتين ~~والرئتين؟ آه من العلم! إذا كان اللسان وراء بابين كما قلت، فالرئتان والكليتان في صندوق. ~~لا يا أستاذ، الله لا غيره خلق لنا أذنين وعينين ولسانا واحدا حتى نسمع كثيرا ونرى ~~كثيرا ونتكلم قليلا، فهمت؟ وضع العينين والأذنين على رأس الجبل - وأشار إلى رأسي - لتنظر ~~وتسمع، ما رأيت أنهما - وأشار إلى أذني - على شكل قمع؟ عملا هكذا حتى يتدهور فيهما ~~الكلام فلا تفلت منه واحدة. # أما اللسان فوضعه خلف بابين، خوفا من أن يفلت هذا اللعين، ففلتة اللسان ما لها دين، في ~~هذا السجن المظلم حبس الله اللسان لأنه أصل كل شر ومنبع كل خير، وعلى صاحبه ألا يريه ~~الهواء والنور إلا بعد ألف حساب. # أفهمت الآن لماذا خلق الله أذنين وعينين ولسانا واحدا لا غير؟ إياك أن تقول الطبيعة ~~فيما بعد! الطبيعة خادم مسخر للسيد يقول له: تعال ورح. تصور أن اللسان حر طليق ~~مثل ms014 الأذنين والعينين فماذا كان يعمل هذا المنحوس؟ إنه كان يقلق الأرض ويزعج الهواء حتى ~~يكل عن نقل ما يحدث من أصوات ...» # ثم زفر بو حسن وتنهد وقال: «ومع كل هذا التحفظ الذي عمله الباري لصون اللسان، فإنك لا ~~تقدر أن تحصي مضار اللسان، أصل الشرور كلها كلمة تفلت من اللسان؛ ولذلك قال المثل: لسانك ~~حصانك إن صنته صانك.» # واستراح شيخي من محاضرته البليغة وقد أعجبه وقع حديثه في نفسي فقال: «هذا علمني إياه ~~الاختبار، أنا لا أعرف الألف من المئذنة ولكن من يفكر يجد، في الدنيا بحر من العقد لا ~~تفك منها عقدة حتى تقع على عقدة أبشع منها.» # ثم قال متمهلا: «أتظننا انتهينا من القضية التي شغلت بالك؟ خذ واحدة ثانية: لماذا ~~قصر الله المسافة بين الأذنين والفم، فهي ليست أكثر من مقدار كف؟ جاوبني على سؤالي.» # ففكرت بالجواب، ولكنه تعجل في الأمر وقال: «لا تتعب نفسك، أنا أجاوبك يا أستاذ، وضع ~~الله الأذنين على مقربة من البوز حتى يسمع الإنسان ما يقول، ومع ذلك فأكثر الناس لا يسمعون ~~ما يقولون. كل هذه الأشياء تستحق التفكير، وهي لم تكن صدفة واتفاقا؛ فهناك حكمة علوية ~~صنعت كل هذا. # وبعد كل هذا لست أقول إنني مصيب، ولكن الله أعطانا عقلا ...» # وسمع صوت الجرس فقال: «قم كلم، هذا لسانه طويل، ولكنه لا يحكي إلا اللازم.» فقلت: «صدق ~~المثل الذي أمر من ليس عنده كبير أن يشتري كبيرا.» # فضحك وقال وهو يمشي معي: «هيهات! الكبار لا تباع ولا تشرى، السوق باردة.» # | الابتسامة رأس مال # قال لي واحد من أصحابي: «لماذا لا تتفلسف؟» فقلت له: ومن قال لك إنني لا أتفلسف كل ~~ساعة؟ غيري يتفلسف عابسا، وأنا أتفلسف ضاحكا من الفلسفة وأصحابها، أرى أن الطبيعة لم ~~تهبنا خاصة أجل من خاصة الضحك، فهل رأيت أحدا غيرنا من المخلوقات يضحك أو يبتسم؟ # ولا ~~يغيظني أحد أكثر ممن يسمي الدنيا وادي البكاء والدموع، وإذا كنت ترتئي ما يرتئيه فأنا ~~أقول لك: ابك حتى تنشق فما تضني ms015 إلا نفسك ، أما أنا وقد وهبت خاصة لأنفس عن ~~«آظاني» أو مرجلي فإني ألجأ إليها في أشد الساعات، فبحياتك جرب اتبع فلسفتي. وإذا كنت غير ~~مطبوع مثلي على الضحك فجرب على الأقل أن تبتسم، لا تخيط بوزك حين تقابل الناس فهم لن ~~يهابوك، إذا بكيت فإنما تبكي وحدك، أما إذا ابتسمت وضحكت فالدنيا كلها تشاركك، فبحياتك ~~اضحك حتى في المصيبة إذا أردت أن تتغلب عليها، أتظن أنك ترد ما فات إذا لبست وجهك ~~بالمقلوب؟ # اسمع ما يقول الناس في العابسين: فلان كشرته تقطع الرزق، وفلان دخل علينا كأنه قابر أمه، ~~وفلان لا يضحك للرغيف السخن. أما الضحك فيعبر به عن كل شيء جميل، وإذا دخل عليك رجل وسألته ~~كيف الطقس، أجابك بكل بساطة: الدنيا تضحك اليوم. # قالت العرب: بشاشة المعطي خير من العطية. فإذا استقبلت ضيوفا فاستعن بالبشاشة، فخير ~~طعام تقدمه لضيوفك هو ابتسامة طبيعية، قلت طبيعية لأن الزهرة الاصطناعية لا تغش أحدا، ~~إن العبير ينقصها، فلتكن ابتسامتك ذات عبير فواح. # وإذا تركت بيتك لتخالط الناس، فحاول أولا أن تزيل الأكواع من وجهك فتأمن الاصطدام ... إن ~~الزوايا الحادة عدوة الجمال فامحها من محياك، دع همومك في بيتك وأغلق الباب عليها، ~~اقفله جيدا كي لا تلحقك إلى ميادين العمل، فالشفتان المصرورتان لا يأتيك منهما رزق، فافتر ~~عن أسنانك على الأقل إذا كنت غير بسام. لأهل الصين حكمة رائعة يجب أن تعرفها وتتذكرها ~~كلما غادرت بيتك إلى محلك إذا كنت تاجرا أو غير تاجر، قالوا: الرجل الذي لا يعرف كيف ~~يبتسم لا يصلح أن يكون تاجرا. # ليس للكلب يد يحيينا بها، ولا فم يسعفه على الضحك، فابتسامته تكشيرة، ومع ذلك لم يحرم ~~وسيلة يكتسب بها الأصدقاء، إنه يعبر بذنبه عن تودده إلينا، فيحيينا به أصدق تحية، إنه ~~يفهم الابتسامة وإن لم يقدر على اصطناعها، فإذا عبسنا أو لم نعره اهتماما لف ذنبه وراح ~~يفتش عن غيرنا، أما إذا لاطفناه فتشترك في تحيتنا جميع جوارحه حتى يكاد يخرج من جلده، ~~أفترضى أن نقصر ms016 عنه ولنا لسان وثغر وأيد نعبر بها؟ فاشكر من خصك بكل ذلك واستعمله على ~~حقه، لا تدع صاحب الذنب المعقوف أبلغ منك في التعبير، وأدهى منك في خوض ميادين ~~العيش. # كلنا نعلم أن بيوتنا ملأى شئونا وشجونا ولكن رفقتها لا تطيب، فيجب علينا أن نتناساها ~~إلى حين إذا كنا لا نقدر أن ننساها، وإذا سألك صديق كيف حال صحتك، فلا يعني ذلك أن تخبره ~~أنك الليلة البارحة كنت ممغوصا وأن الإمساك يضايقك، أو أنك أكلت ما لا يواتيك فانبشمت. ~~وإذا كان صديقك مهذبا وتركك تمشي على الهينة في حديثك، فلا تذهب إلى أبعد من ذلك وتخبره ~~عن آخر فحص طبي عام عملته، فتفسد عليه نهاره بشرح القاذورات. # أنت يا أخي بين أمرين: إما أن تقلع وجهك المقطب وتلبس وجها غير مغضن، أو أن تظل في ~~بيتك وتعيش وحدك. وإذا قبعت في بيتك فهل تظن أن زوجتك وأولادك يحتملون تعبيسك؟ إنهم يداجونك ~~حتى إذا ما خلوا إلى نفوسهم ضاقوا بك ذرعا. # قرأت في كتاب ألفه ديل كارنيجي - مؤسس معهد العلاقات الإنسانية بنيويورك - قطعة ~~عنوانها «ابتسامة عيد الميلاد»، جاء فيها: # إنها لا تكلف شيئا، ولكنها تعود بالخير الكثير. # إنها تغني أولئك الذين يأخذون، ولا تفقر الذين يمنحون. # إنها لا تستغرق أكثر من لمح البصر، لكن ذكراها تبقى إلى آخر العمر. # لن تجد أحدا من الغنى بحيث يستغني عنها، ولا من الفقر في شيء وهو يملك ~~ناصيتها. # إنها تشيع السعادة في البيت، وطيب الذكر في العمل، وهي التوقيع على ميثاق المحبة ~~بين الأصدقاء. # إنها راحة للمتعب، وشعاع الأمل لليائس، وأجمل العزاء للمحزون، وأفضل ما في ~~حقيبة الطبيعة من حلول للمشكلات. # وبرغم ذلك فهي لا تشترى ولا تستجدى ولا تقترض ولا تسرق، إنها شيء ما يكاد ~~يؤتي ثمرته المباركة حتى يتطاير شعاعا. # فإذا أتاك رجالنا ليبيعوك ما تحتاج إليه في عيد الميلاد، ووجدتهم من التعب ~~والإرهاق بحيث عز عليهم الابتسام، فكن أخا كرم وامنحهم ابتسامة من عندك، فوالله ~~إن أحوج الناس إلى الابتسامة هو ms017 الذي لم يبق له شيء من الابتسام ليهبه. # أجل، إن كيفية اختلاطنا بالناس قد يتوقف عليها رفاهنا وسعادتنا في الحياة، فهناك ~~أشياء كثيرة غير الابتسامة تتركنا مغبوطين وهي لا تكلفنا شيئا، فسبقنا إلى التحية ~~يجعلنا محبوبين ومرغوبا فينا، ورد التحية من الكبير تنعش قلب من هم دونه. # لما ارتقى إكليمنصوس الرابع عشر إلى السدة البابوية انحنى له السفراء مهنئين ~~فانحنى هو لهم، فقال له رئيس التشريفات: كان عليك ألا ترد تحيتهم، فأجابه البابا: لم ~~يمض علي بعد الزمن الذي ينسيني واجبات اللياقة. # ولتر ماء ينظفنا، والمظهر الحسن مصيدة للرزق والاحترام، وكلمة «من فضلك» تقولها للناس ~~إذا طلبت منهم شيئا تجعلك مثال التهذيب، وتجيئك المخابرة التليفونية بسرعة، وكلمة «اعذرني» ~~أو «عفوا» تحول دون شجار طويل عريض. # لا تعبس ولا تتعال حين تخاطب أيا كان من الناس، وخصوصا إذا كنت تطلب منه خدمة ~~بالمجان، ولا تنس الحكمة الفارسية القائلة: «السائل ذليل ولو أين السبيل.» # استعمل كل رقة حين تخاطب غيرك، فلا تتكلم نبرا حين ترد على من يخاطبك في التليفون، ~~صغ عبارة جميلة لهذا المقام واحفظها غيبا فهي تعبر عن لطفك وتهذيبك. # احترم قانون السير كي لا تسمع ما لا يرضيك، ولا تأخذ الناس بدربك فتهان. # إن من لا يكرم نفسه لا يكرم، وإكرامك اطلبه من نفسك لا من الناس؛ فأنت تجلبه لها ~~بسلوكك الدقيق ومحافظتك على كرامة الآخرين، وإذا لم تجد في طريقك من تحترمه فاحترم العتال ~~وحمله. # كان نابليون يسير في سانت هيلين مع سيدة في زقاق ضيق، فمر بهما عامل يحمل حملا ~~ثقيلا فتنحى له نابليون، أما السيدة فلم تبال به، فصاح بها نابليون: سيدتي، احترمي ~~الحمل. # أرأيت يا صاحبي كيف أتفلسف أنا؟ فقبل أن نعد الناس للدنيا الثانية ونفلسفهم بنظريات ~~باطلة، علينا أن نتعلم ونعلم الآخرين كيف يجب أن يسلكوا في هذه الدنيا؛ ليعيشوا ~~مطمئنين متفائلين. إن لما وراء هذا الكون فلسفة ينظر إليها في حينها، وإذا كان للشيطان - ~~نعوذ بالله منه - يد في مصيرنا هناك، فأنا أظن ms018 أننا إذا لاطفناه وابتسمنا له نطفئ من ~~حدة ناره التي لا تطفأ، ومن لذع دوده الذي لا يموت. # أعرف موظفا دخل عليه المفتش فأساء آداب السلوك ولم يكترث له وظل يحاكيه قاعدا؛ ~~فأضمرها له، ولما حان الحين أحاله على التقاعد، وهو لو كان أدق سلوكا لما نزلت به تلك ~~النكبة. # أجل، لقد نسينا مسألة القيام للقادم فهي أيضا تبيض الوجه، وقد عبر عنها أحد ~~الأساتذة النحويين ببيتين من الشعر قالهما في تلميذ لم يقف له: # إذا شاركت قوما في وقوف # لقادم مجلس نلت الوقارا # وإلا كنت مستثنى بإلا # كقام القوم إلا ذا الحمارا # وأخيرا كانوا فيما مضى يقولون لنا: ضحك بلا عجب من قلة الأدب، وصاروا يقولون اليوم: ~~اضحك يضحك لك العالم. أما أنا فعملت بآراء الأقدمين صغيرا، وأراني أعمل اليوم بآراء ~~المحدثين، وإذا لم يضحك لي العالم أضحك وحدي، ولا يهنأ لي عيش حتى أضحك جليسي وأستولي على ~~المبادرة، فإذا كانت الابتسامة تفتح في وجهنا الباب فالضحكة تحلنا في صدر البيت على ~~الرحب والسعة. # | الفقر سلم المجد # يقول العوام: «الفقر زنجير الرجال.» وأنا أقول غير ما يقولون، أقول: إن الفقر ~~مهماز يدمي الخواصر، فلو شبع الناس جميعا واكتفوا لم تتقدم الإنسانية خطوة واحدة، ~~ولو لم يشق الإنسان لما بلغ ما بلغ. تصوروا أن أبانا آدم لا يزال في فردوسه الأرضي، ~~وأن الله لم يصدر تلك الفقرة الحكمية: «بعرق جبينك تأكل خبزك»، فماذا كان صار؟ وأين كنا ~~اليوم؟ أما كنا كتلك البهائم التي لا يعنيها من شئون الحياة غير هم البطن؟ «الفقر زنجير ~~الرجال» هكذا قالوا، أما الرجل الطماح فلا يزنجره شيء، لا فقر ولا مصاعب، ولا تقف بوجهه ~~عقبة ما، إن إرادته العظمى استباحت كنوز الأرض فانفتحت له وغرف منها ما شاء، فكل ~~الحصون المنيعة تسقط واحدا بعد واحد أمام المريد الذي يقف على قدميه بعدما يسقط ألف سقطة. ~~وخير عبرة لنا في هذا الموضوع أولئك الرجال المفارد الذين نهضوا من أعمق الأعماق وصعدوا في ~~العقبات، وأخيرا كانت الوثبة ms019 العظمى فبلغوا أعلى الذرى. # لقد ضل من يعد الفقر سببا من أسباب تخلفه عن ركب الحياة، ليته يتذكر قول شاعرنا ~~أبي الطيب: «وربما صحت الأجسام بالعلل.» # الفقر علة ولكنها علة تشفي من علل كثيرة، إنه مهماز حاد ينخسك ليل نهار فلا تستقر ~~ولا تهدأ، لقد خلق عباقرة كثيرين، ومن يدريك أيها الشاب أنك لست منهم؟ # فالأمير بشير ترك مسقط رأسه غزير وكل ثروته حمل جمل. ومحمد علي كان جنديا بسيطا. ~~وضاهر العمر كان خادما. وهتلر كان دهانا. ونابليون كان لا رأس مال له غير الطموح ثم صار ~~كل شيء، فلو وجد هؤلاء في بحبوحة لعاشوا راضين ولم يفكروا بالعظائم. # أريد منك أيها القارئ الكريم أن تسأل والدك إن كان فقيرا واغتنى، كيف بنى لك البيت الذي ~~تسكنه، وامتلك العقار الذي تستغله؟ فلو ولد في حضن النعمة أما كان ظل حيث هو، أو باع ~~ما ورث وصار من المعدمين؟ # نعم الفقر مهماز؛ فأنا وأنت وهو لولا الحاجة ما بلغنا الغاية التي جرينا إليها، الفقر ~~نعمة يا أخي، الفقر سوط يلهب ظهر الطامح، أما المخلع والكسيح فيقضي عليهما لأنهما يثبتان ~~أمامه. # نقرأ كثيرا في الصحف السيارة في هذه الأيام، وخصوصا بعد الحرب الأخيرة، أن الدولة ~~الفلانية تكافح الفقر وتطارده لتقضي عليه، ولو تأملنا بعين الفكر ونظرنا إلى من نبت في ~~حديقة هذه الدنيا من النوابغ والجبابرة وأعاظم الرجال؛ لرأينا أن معظم هؤلاء كانوا من ~~الذين عاشوا في الأكواخ، وأذاقهم الدهر لباس الجوع والخوف. # قال شاعر الإنجليز العظيم: «الفقر سلم الطمع.» والمثل الألماني يقول: «الفقر هو ~~الحاسة السادسة.» وقال أحدهم: «الفقر مخيف وكثيرا ما يخمد عزائمنا.» ولكن ريح الشمال ~~القارسة هي التي تحث الرجال ليندفعوا في ميادين البطولة، وأما النسيم العليل فإنه يجعلنا ~~نستغرق في الأحلام العذبة اللذيذة. # وبعد، فليس الفقر عارا، فلا تخجل إن كنت من الفقراء، بل استح إذا كنت لا تأكل خبزك ~~بعرق جبينك، اخجل إذا كنت لا تأكل لقمتك حلالا، فأطيب لقمة هي تلك التي تؤتدم بالتعب، فما ~~أحلى ms020 طعام الفقير وألذه! # إنه طعام سريع الهضم يستحيل دما نقيا، ونشاطا يدفع صاحبه إلى المزيد من الفلاح، ~~ففقرك يا صاحبي لا يدوم ما دمت تعمل، فكد ولا تيأس. اعلم أن فقراء كثيرين مثلك أصبحوا ~~قادة للأمم كما قرأت في صدر هذا الكلام، فما ضرك لو تشبهت بهم، ولم تنظر إلى الغارقين ~~في الثروة حولك وحواليك. # اسمع ما رواه الرئيس هنري ويلسن عن نفسه، قال: «ولدت فقيرا وذقت طعم سؤال الأم قطعة ~~من الخبز وهي ليست لديها لتعطيني إياها، فكم كنت أبكي وأبكي ولا أحصل على غير الدموع ~~المرة المالحة! وأخيرا فررت من بيتنا «الأسود» في العاشرة من عمري، وفي الحادية عشرة ~~صرت خادما، وكان فرحي عظيما بهذا المنصب الجديد. كنت أتعلم شهرا في كل سنة، وبعد إحدى ~~عشرة سنة من العمل الشاق كان لدي زوج عجول وستة خراف أكسبتني أربعة وثمانين ~~دولارا. لم أنفق في عمري فلسا على ملذاتي، بل كنت أقبض بيدي الثنتين على كل درهم ~~أستحوذ عليه ولا أخلي سبيله، هذا كان شأني من يوم نشأت إلى أن بلغت الحادية ~~والعشرين. # مشيت عشرات الأميال لأسأل إخواني البشر عملا أعيش منه. وفي الحادية والعشرين صرت سائق ~~عربة تجرها العجول لأقطع حطبا للمطحنة، وكنت أبكر في نهوضي كل يوم قبل الفجر وأظل ~~أعمل حتى العتمة لأقبض مرتبا قدره ستة دولارات أسبوعيا، وكان كل دولار منها يلوح لي ~~كأنه البدر في الليلة الظلماء. # وانتهزت الفرص لأكتسب التهذيب وأتقدم، فطالعت ألف كتاب مفيد قبل أن أبلغ الحادية ~~والعشرين، ثم تركت المزرعة قاصدا ناتيك ماشيا مسافة مائة ميل لأتعلم السكافة، وبلغ ~~كل ما أنفقته في رحلتي هذه دولارا واحدا لا غير. وما مرت علي سنة حتى انتخبت ~~رئيسا لأحد نوادي المباحثات في ناتيك. وبعد مرور ثماني سنوات ألقيت خطابي المشهور ضد ~~الاسترقاق والاستعباد في مجلس الولاية الاشتراعي، وبعد اثنتي عشرة سنة صرت أحد أعضاء مجلس ~~الشيوخ الأمريكي.» # هذه قصة رجل عاش نصف عمره بائسا أو كالبائس، وأخيرا صار واحدا من عظماء الأمة، فلو ms021 لم ~~ينخسه مهماز الفاقة لم يقطع هذا الشوط العظيم من مضمار الحياة. # أرأيت إذن أن الفقر قد يكون نعمة لا نقمة؟ فلا تتأفف يا صاحبي ولا تتذمر، بل رز ~~نفسك وقل: ما ينقصني؟ لماذا لا أكون أنا الفتى الذكي النشيط مثل هنري ويلسن؟ ألا تذكر قول ~~المتنبي الفقير: # عجبت لمن له حد وقد # وينبو نبوة القصم الكهام # ولم أر في عيوب الناس شيئا # كنقص القادرين على التمام # والعم بشار بن برد ألم يكن من أبناء الفقراء؟ أليس هو ابن ذاك الطيان؟ والجاحظ ألم ~~يكن ابن جمال؟ ألم يكن بياع خبز وسمك؟ ألا يعجبك هؤلاء الثلاثة؟ # فإذا كنت من محبي الثروة فكم من فقير أثرى! وإذا كنت تحب الشأن الرفيع فحسبك هنري ~~ويلسن، وإذا كنت ممن رزقوا قريحة وذهنا ذكيا فاقتد ببشار والجاحظ ~~والمتنبي. # إن الفقر هو الذي يصيح بنا دائما: إلى العمل، إلى الكد، فأكثر الذين أمسوا أصحاب ~~ملايين، ومشاهير رجال، وكبار محسنين، ورجال دولة، وعلماء، وأدباء، وشعراء إنما هم من ~~الأشخاص الذين كانوا لا يعلون عليك قيراطا واحدا، ولا تفوق أحوالهم حالك بشيء. # إذا كنت مؤمنا بالآية القائلة: # إن الله يرزق من ~~يشاء # فلا تنس أنه - تعالى - قال: # فامشوا في ~~مناكبها ~~. # ما أحلى قول العوام المنسوب إلى ربهم حين يقولون: قال الله للإنسان: قم حتى أقوم ~~معك! # فلا تنتظر إذن أن يهبط عليك الرزق في قفة، لا تتكل على الحظ، فالحظ لا يأتي إلى ~~البيوت فيزورك كما يزورك المرشحون للنيابة. # الحظ كالنائب الذي يغرقك طوفان وعوده، حتى إذا ما انتخبته وركب الكرسي صار عليك أن ~~تفتش عنه ليل نهار لتصادفه مرة ... # الحظ لا يدرك إلا صدفة، أما العمل فهو في انتظارك دائما، فاعمل ولا تخش ~~الفقر. # لا فقير في الدنيا إلا ذلك الذي لا يملك إرادة ولا نشاطا، فلا تكن هذاك الرجل تقبر ~~الفقر. # | الدين إيمان وعمل # نحن في هذه الأزمة التي لا تنفرج أحوج إلى توطيد الفرد منا إلى أي شيء آخر مهما علا وسما، ~~فآفاتنا في شخصيتنا، ms022 لقد انحلت عرى الأخلاق وتفككت حلقات تلك السلسلة المفرغة التي ~~تربط المجتمع. # يقول بعضنا إن اختلاف أدياننا يباعد بيننا، كنت أظن ذلك مثلهم، أما اليوم فصرت ~~أبرئ الأديان من هذا، وإني لأتهم التربية إلى أن تظهر براءتها. # ما رأيت دينا من الأديان إلا ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فالتعاليم الدينية قوانين ~~سامية وضعت لمقاومة الوحش في الإنسان؛ فالرسل والأنبياء - عليهم السلام - يؤيد بعضهم ~~بعضا في الإيمان، وهم متفقون على أن العمل الطيب هو حجر الزاوية في بناية الإيمان العظمى ~~التي تأوي إليها الإنسانية، وهذا حديث شريف عن أبي هريرة: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ~~في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد.» # فما بالنا نحن إذا قيل لنا تقوموا، تحابوا، اتحدوا، اعملوا صالحا رحنا نلقي ~~المسئولية على أدياننا؟ فالإنجيل والقرآن متفقان على أن العمل الصالح صنو الإيمان وهما ~~غاية كل دين، ولم يكتف دين ما بالإيمان وحده. # فإذا تلونا القرآن الكريم وتصفحنا السورة الأولى قرأنا: # وبشر ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات # ثم بعد قليل نقرأ فيها: # من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا # ثم # والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~. # إلى أن نبلغ الآية المائة والسادسة والسبعين فنقرأ التفصيل: # ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين ~~. # ثم نسمع في سورة الرعد: # الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~طوبى لهم وحسن مآب ~~؛ فكلمة الإيمان ما وردت قط وحدها لا في القرآن ~~ولا في الإنجيل، الكتابان متفقان على العمل الطيب الذي يقدمه المؤمن، وفي هذا يقول ~~الإنجيل: «ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت الله، بل الذي يعمل إرادة أبي الذي في ~~السموات.» # وإذا انتقلنا إلى الحواريين والصحابة، سمعنا يعقوب يقول في رسالته مخاطبا الإخوة: «ما ~~المنفعة إذا قال أحد إن له إيمانا؟ فهل يقدر الإيمان وحده أن ينجيه إذا كان ليس له ~~أعمال؟ إن كان لنا أخ أو ms023 أخت عريانين جوعانين، فقال أحدنا لهما: اذهبا بسلام استدفئا ~~واشبعا، فماذا يكون عمل إذا لم يعطهما شيئا؟ إن الإيمان بلا أعمال ميت في ذاته، أنت تؤمن ~~أن الله واحد، حسنا تفعل، والشياطين يؤمنون ويقشعرون؛ فإبراهيم لأجل عمله دعي خليل ~~الله، فبالأعمال يتبرر الإنسان لا بالإيمان وحده، فكما أن الجسد بدون روح ميت هكذا ~~الإيمان بلا عمل، فالعمل الصالح روح الإيمان.» # والإمام علي - كرم الله وجهه - يقول في هذا: «لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا ~~أكثر الناس صلاة ولا صياما ولا حجا ولا اعتمارا، ولكن عقلوا عن الله آخر ~~أمره.» # وفي كلمة أخرى يقول: «إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه عملا يقربني إلى الله، فلا ~~بورك في طلوع شمس ذلك اليوم!» # إن كلمة كاهن خائف ربه خطرت لي في هذا المقام؛ جاء هذا الكاهن رجل يعرفه أنه اغتصب ~~بئرا لجاره وتملكها، فقال للخوري: يا معلمي، شربت سهوا في ساعة الظهر أفسد ~~صيامي؟ # فأجابه ذلك الخوري، وعيناه في الأرض: رد البئر لصاحبها، واشرب ليل نهار وخطيئتك في ~~رقبتي. # إن الذين يظنون أن هذه الفروض تبررهم هم كثيرون، وأكثرنا يحكمون على الناس بناء على ~~هذه المظاهر التي لم يكن السلف الصالح يقيم لها وزنا، اسمع ما روي عن عمر بن الخطاب: ~~«كان عمر - رضي الله عنه - جالسا للقضاء في الناس فشهد رجل عنده في قضية، فقال له عمر: ~~ائتني بمن يعرفك ويزكيك، فأتاه برجل أثنى عليه خيرا، فقال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي ~~يعرف مدخله ومخرجه؟ # فقال: لا. # قال: كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ # قال: لا. # قال: عاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل؟ # قال: لا. # فقال عمر: أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن، يخفض رأسه طورا ويرفعه ~~أخرى؟ # قال: نعم. # قال: اذهب فلست تعرفه.» # فبالعمل الصالح أمرت وتأمر الأديان، وهذا ما كان ينظر إليه دعاتها الأولون الذين تركوا ~~لنا هذا الكلام المأثور الخالد. # وفي الحكايات المأثورة عن الفرس هذه القصة عن ms024 العمل الصالح : ~~«رأى رجل ساعة القيامة في منامه، كان المذنبون يحملون خطاياهم على رءوسهم ليقدموا ~~الحساب عنها، وكان الميزان في الوسط، في كفتيه الموازين والأعمال، والناس جميعا من ~~الملوك إلى الدراويش، من الأقوياء إلى الضعفاء مشغولون بأعمالهم، وكان كل نبي يحدث ~~أمته قائلا: لقد بينت لكم أحكام الله، وحدثتكم عن يوم الحساب، وأمرتكم بالمعروف ~~ونهيتكم عن المنكر، ثم دعوتكم إلى عبادة ربكم وطاعته، فبأي الأحكام عملتم؟ وأي الأوامر ~~أطعتم؟ # وفي أثناء ذلك رأى النائم رجلا قد اتشح بثوب أزرق وعلى رأسه تاج الجنة، وقد جلس في ~~ظل العرش الأعظم، فمر به الرجل وسأله: أي عمل صالح قدمت في دنياك حتى كانت لك هذه ~~الآخرة الصالحة؟ # فأجابه الرجل: حفرت بئرا على حافة الطريق وغرست بجوارها شجرة؛ ليشرب المسافرون ~~والغرباء من البئر وليستريحوا في ظل الشجرة. # فلما استيقظ الرجل الحالم من النوم كان مصفر الوجه من الخوف؛ فحفر بئرا وغرس شجرة ~~وبنى مضيفة للمسافرين من غرباء وفقراء.» # وفي هذه الحكاية ما يذكرنا بالآية الإنجيلية القائلة: «إن من يسقي باسمي كأس ماء ~~بارد فإن أجره لا يضيع، إننا لا نطلب من الناس أن يحفروا آبارا ليشرب الناس منها، ولكننا ~~نرجو ألا يحفروا لهم حفرا يقعون فيها ... وإذا لم يقدروا أن يغرسوا أشجارا فلا يكونوا على ~~الأقل سياجا من العليق والقندول؛ ليقطعوا عليهم الطريق.» # إن الصلاة صلة بين الخالق والمخلوق، وما أشبهها إلا بطبق ذهبي نتقدم به من عرش ~~ذي الجلال وعليه أعمالنا، أما الذي يصلي ولا يعمل خيرا فهو أناني يحسب الصلاة شبكة ~~يتصيد بها نعم الله ليستبد بها. # روي عن الإمام علي أنه مر برجل يقرأ كتاب الله سحابة النهار، فقال له ما معناه: اقرأه ~~في الغداة والعشي، واعمل فيما بينهما. # أما الذين يجعلون الصلاة أحبولة فأستعير لهم بعض ما قاله بديع الزمان في ذلك القاضي: ~~«يسوي طيلسانه ليحرف يده ولسانه، ويقصر سباله ليطيل حباله، ويظهر ورعه ليخفي طمعه، ~~ويغشى محرابه ليملأ جرابه، ويكثر صلاته ودعاءه ليملأ جوفه ووعاءه. وأقسم لو أن ms025 اليتيم ~~وقع في أنياب الأسود بل الحيات السود، لكانت سلامته منها أحسن من سلامته إذا وقع بين ~~غيابات هذا القاضي، فهو ذئب يفترس عباد الله بين الركوع والسجود.» # أجل، إن السائل الثرثار الملحف يرد، فلنصل ولنعمل فنستقيم كما أمرنا ونكون على ~~خلق عظيم. # الدين إيمان وعمل، ولما صار هم الناس متجرهم حرفوا الكلمة وقالوا: الصلاة عادة، ~~والصوم جلادة، والدين معاملة. # رحم الله كل من يعلم ويعمل، وهدى من يكون كالجزار يذكر الله ويذبح! # | اتكل على نفسك # من احترم نفسه اعتمد عليها، أما إذا كان الرجل تكلة فيقضي العمر مغمورا يقنع بالكفاف، ~~والقناعة هنا أحط أخلاق الرجال، وقد قال فيه الطغرائي متهكما: # ملك القناعة لا يخشى عليه ولا # يحتاج فيه إلى الأنصار والخول # ومن لا يكرم نفسه لا يكرم، هكذا علم - منذ فجر العروبة - الشاعر زهير الذي عده ~~الفاروق أشعر العرب بقوله ومن ومن ومن ... ثم قال بعده صاحب لامية العجم: # وإنما رجل الدنيا وواحدها # من لا يعول في الدنيا على رجل # ثم قال بعدهم شاعر مات في ريعان الشباب هذا البيت العاثر: # لا خير فيمن ليس ذا ثقة # من نفسه أسمعت يا نفسي؟ # إن الاتكال على الآخرين آفة من آفات الشرق، وداء من أمراضه القتالة؛ فالابن يظل ~~متكلا على أبيه حتى يوارى في ثرى رمسه، والأب متى شق ابنه طريقه إلى العمل قبع هو ~~في زاوية البيت وإن كان لا يزال قادرا ومستطيعا. # الدجاجة تطلق فراخها متى صاروا مستطيعين بأنفسهم، أما نحن فنظل ننظر إلى بنينا ولو ~~اكتهلوا كأنهم ما زالوا قاصرين، بينا أولادهم يكونون قد رشدوا. # لقد قلدنا الغربيين في كل شيء؛ في عاداتنا وثيابنا، في بنيان بيوتنا ومأكلنا ومشربنا، ~~وفي كل شيء من مقومات الحياة إلا في الانفصال عن أولادنا. # الغربي يفصل ولده عنه حين يبلغ أشده، فيتعاملان كصديقين لكل منهما كيس لا يمد ~~الآخر يده إليه. # روى لي أحد أنسبائي المهاجرين أن الأبناء هناك متى بلغوا الواحدة والعشرين فتشوا عن ~~عمل يستقلون به عن والديهم، وإذا ظلوا ms026 تحت سقف البيت عوملوا كمستأجر غريب يدفع ~~شهريا ما يترتب عليه من أجرة بيت ولو كان البيت ملك أبيه، ثم يدفع ثمن الأكل كأنه في ~~مطعم. وهكذا ينشئون مستقلين معتمدين على أنفسهم، فإن أثروا فثروتهم لهم، وإن افتقروا ~~ذاقوا نخسات مهماز الفقر الذي يزجيهم في سبل العمل، حتى يصلوا إلى واحة البحبوحة بأنفسهم ~~غير متكلين على أحد. # لا أذكر أين قرأت منذ مدة أن ابن روزفلت - لا أدري أهو روزفلت الأول أم الثاني - أبى أن ~~يعمل في كنف والده رئيس جمهورية أمريكا، وقال: «فلأشق طريقي بنفسي كما شق والدي طريقه، ~~وإلا فلست جديرا بالانتساب إليه.» أما نحن فالأسرة تظل في كنف الوالد ويظل هو ~~مسئولا عنها ولو صارت مثل النمل. إننا نسيء بهذا إلى بنينا؛ إذ يظل الولد ولدا ولو شب ~~وشاب، ولا يحترم نفسه ولا يعتد بها ويعتمد عليها، فاحترام النفس هو الذي يؤدي إلى الثقة ~~بها، وهاتان المزيتان هما اللتان تخلقان أعاظم الرجال، وقد قيل: كن صديقا لنفسك يكن ~~الآخرون أصدقاء لك. ناهيك أن احترام الرجل لنفسه هو أول لجام يمنع النفس من التدهور ~~والسقوط في مهاوي العيوب والنقائص والرذائل، وهو الذي يؤدي بنا إلى التعويل عليها. # فالأمير بشير الكبير حين ترك مسقط رأسه غزير لم تكن ثروته غير حمل جمل، ولم يكن له رفيق ~~غير خادمة ورثها عن أبيه وكانت له كالمربية، ولكن همته وعصاميته وثقته بنفسه واعتماده على ~~عبقريته الشخصية بلغته الحكم فكان أميرا كالملك، وفي ظل حاجبيه يتفيأ الموت إلى أن ~~يقول له قم فيقوم. # فإذا ورثت ثروة أو سلطة أو جاها، فقد تضيع جميعها إذا لم تكن لك نفس تعتمد عليها في ~~صيانتها، أما إذا كانت لك نفس تثق بها فثق أن العظائم تصغر في عينيك كما قال المتنبي ~~في مدح أميره. # أما كيف نحصن تلك النفس، فهذا لا يكون إلا إذا كانت موجودة، وإذ ذاك نحوطها بسياج ~~من التقدير والاحترام، ولكن ليس إلى حد الغرور الجنوني؛ فكم كان الشاعر أبو فراس ~~محترما نفسه ms027 ومعتمدا عليها حين قال: # سيذكرني قومي إذا جد جدهم # وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر # وأبو الطيب المتنبي، وإن غالى في احترام نفسه وتبجح في مدحها وتعظيمها، فهو مصيب في ~~ذلك، ولولا هذا الاعتداد العظيم ما بلغ ما بلغ من الشهرة. # قد تخاله مجنونا حين تسمع قوله: # وإني من القوم الذين نفوسهم # بها أنف أن تسكن اللحم والعظما # ولكن الافتخار هو الذي وقف حاجزا حصينا دون المتنبي ودون الرذائل التي تمرغ بها ~~أكثر الشعراء. # وليعلم كل واحد منا أن قيمة نفسه مكتوبة على صفحات وجهه كما تكتب أسعار البضاعة ~~عليها، فإذا رأى الناس أن سعرها رخيص فلا يكلفون نفوسهم بتقويمها أكثر مما قومتها ~~أنت، فكن محترما نفسك واثقا بها ليحترمك الناس ويعتمدوا عليك بمقدار ما تعتمد أنت على ~~نفسك، وثق وتأكد أن عدم الثقة بالنفس هو سبب أكثر ما يصيبنا من فشل؛ فاعتقاد المرء ~~بقوته قوة له، والذين لا ثقة لهم بأنفسهم أو بقواهم هم أضعف الناس وإن كانوا أقوياء. أما ~~ما يظهر لنا من أنانية البعض - وإن كان بشعا منكرا - فهو في الغالب دليل على ما فيهم من ~~المقدرة على تحقيق رغائبهم، بل ربما كانت الأنانية ضرورية للرجال الممتازين، فإن الطبيعة ~~تولد في المرء رجاء شديدا لئلا يتردد قبل أن يدرك الغرض السامي الذي انتدبته له؛ ~~ولهذا تجعل فيه هذه الأنانية المفرطة التي تشمئز منها الناس أحيانا. # إن هذه الثقة بالنفس لهي قوة احتياطية لا بد منها لمجاهد كالذي يقول: «ألا في سبيل ~~المجد ما أنا فاعل.» # إن من يكون مقتنعا كل الاقتناع بمقدرته على إدراك أمجاد معينة لا يلبث أن يدركها ~~فعلا، قال أحدهم: «إن الشجرة يجب أن تمد جذورها في الأرض قبل أن تزهر وتثمر، وعلى ~~الإنسان أن يقف على رجليه مستنكفا من كل صدقة أو مساعدة، إنهما تذلان أكثر مما ~~تعزان.» وقد قال المتنبي في وصف أسده العبقري: # أنف الكريم من الدنية تارك # في نفسه العدد الكثير قليلا # وقد قال أحدهم: «إن الاعتماد على النفس من أعظم ms028 أركان الأخلاق ، وهو يجعلنا أنسباء ~~للرجال الذين أثبتوا حقهم الإلهي بالخلود في ذاكرة البشرية.» # أما الضعفاء المتكلون على سواهم فهم كما قال شكسبير: «لا يعرفون ولا يستطيعون أن يعرفوا ~~مزية الشمم والإباء.» # إن من يخلص لنفسه يستطيع أن يكون مخلصا للآخرين، والعكس بالعكس. قد يسأل واحد: وماذا ~~يجب أن يرافق اعتمادنا على النفس كي ننجح؟ نعم يا سيدي، قال الذين صحبوا الدنيا قبلنا: هيئ ~~الرفيق قبل الطريق، يجب أن تكون الحماسة والنخوة أو الطاقة رفيقة هذا الدرب؛ لأنك إذا كنت ~~رخوا فلا يمكنك أن تعتمد على نفسك لأنك بلا نفس، فالنفس هي دينمو الطاقة، وبقدر ما يكون ~~هذا الدينمو مولدا تكون الاستطاعة وافرة. # علمتني الأيام أن ليس في شرع العزم شيوخ وشبان، وقد يوجد العزم في الشبان والشيب، ~~فإذا كان رافائيل وبيرون وبو ماتوا في السابعة والثلاثين تاركين ميراثا أدبيا فنيا ~~خالدا، فهوميروس نظم الأوديسا في شيخوخته، والجاحظ كتب بخلاءه في التسعين. فإذا كنت آمنت ~~بالاعتماد على النفس، فزن نفسك بميزان حميتك ونخوتك، وإياك أن ترجح فما تخدع إلا نفسك ~~... # | كمال العلم بالحلم # عندما زرت دمشق أول مرة أعجبت بصناعتها النحاسية المزركشة، ولفتت نظري الكلمات ~~الجامعة المحفورة والمنزلة في صدور تلك الأواني الطريفة، فاشتريت منها واحدة ما زلت أحتفظ ~~بها لأجل كلمة رائعة وهي: «كمال العلم بالحلم.» # ومر بمخيلتي حينئذ ما قالت العرب في مدح الحلم وكيف كانوا يعدونه رأس صفات ~~خلفائهم وأمرائهم وأولي السلطان منهم، فهذا الأخطل يقول في أحبابه بني أمية: «وأعظم الناس ~~أحلاما إذا قدروا»، كما قال قبله زهير في الناس أجمعين: # وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده # وإن الفتى بعد السفاهة يحلم # أما المتنبي العنيف فلم يقبل الحلم على علاته، بل راح يقول: # كل حلم أتى بغير اقتدار # حجة لاجئ إليها اللئام # كما قال عن نفسه هو: «ولا أصاحب حلمي وهو بي جبن.» # والعرب ضربت المثل بحلم معاوية حتى رووا عنه الحكايات الكثيرة، منها: أنهم خاطروا رجلا ~~مرة على مال يؤدونه له إذا أضحك معاوية وهو ms029 في موكب الجمعة، فاجترأ ذلك الرجل عليه وسلم ~~من العقاب، ثم مضى معاوية لسبيله وقام ابنه يزيد فخاطروا الرجل على مثل ذلك فلقي حتفه، فقال ~~فيه من شهد المشهدين: «قتله حلم معاوية.» # قال الفرزدق يصف رهطه: # أحلامنا تزن الجبال رزانة # وتخالنا جنا إذا ما نجهل # أما معاوية فكانت أيام ولايته حلما فقلما غضب، وإن كان للغضب وقت فعند معاوية لا مجال ~~لدخول الغضب إلى أعماق نفسه، فكأن بيت عنترة - إذا صحت نسبته إليه - كان دستور ذلك ~~الخليفة الداهية، قال عنترة: # لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب # ولا ينال العلا من طبعه الغضب # وقال معاوية معربا عن حلمه ودهائه: «لو أمسكت العرب بشعرة من طرف وأمسكت بها من ~~طرف لما انقطعت، فإذا أرخوا شددت وإذا شدوا أرخيت.» وهكذا ضرب المثل بشعرة ~~معاوية. # أما الغضب الذي يتمجدون به - إذ لا يعقل أن تكون الحياة كلها حلما لا غضب فيه - ~~فهو الذي يكون عند نصرة الحق المهضوم والثورة للشرف الجريح، ولذلك وصف به الشاعر جماعته ~~فقال: # إذا ما غضبنا غضبة مضرية # هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما # وكأني بالعرب قد فرقوا بين الغاضبين، فلم ينعتوا من لا شأن لهم بالغضاب بل سموهم ~~سفهاء وجهالا، على هذا كانوا في الجاهلية. # أما الكتب السماوية فتشجب الغضب وتحذر الناس منه لأنه منبع الشرور، والحكيم الحكيم هو ~~ذاك الذي يتجنبه ويتقيه إذا شاء أن يحيا سليما من الأذى. # وهؤلاء حكماء التوراة ينهون عنه في كل موقف حتى تجرأ النبي داود على ربه وهتف في ~~ضيقته: «إلى متى يا رب تغضب كل الغضب، وتتقد كالنار غيرتك؟!» أما ابنه سليمان فيوصي ~~الإنسان بالرفق واللين، فيقول في سفر الجامعة: «لا تسرع بروحك إلى الغضب.» واليوم نقول ~~نحن: «عد العشرة.» # أجل إن الحلم يذهب شرور الغضب الكثيرة، وقد جاء في أمثالهم: «الجواب اللين يصرف ~~الغضب»، تصور رب بيت ضيق الصدر فإنه يحول مأواه إلى ساحة صراع وقتال، فزوجه وبنوه ~~يكونون منه في جهد جهيد فينغص عيشهم وتهجر السكينة والطمأنينة ذلك ms030 البيت، إن صاحب ~~الأعصاب المجهدة يجب أن يداوي هذا الداء العضال بالأناة والتروي، وقبل أن يشعل نار غضبه ~~فليفكر، فليطالع سير الرجال الذين اتصفوا بالحلم، ويحاول أن يتجمل بأخلاقهم ما ~~استطاع، فيصبح من بيته في نعيم مقيم، أليس أفضل له من أن يعيش في جحيم؟! # قال المثل العربي: «إذا عز أخوك فهن.» وإذا مرت عاصفة غضب على البيت فعلى أهل ذلك ~~البيت أن يستنيموا لها حتى تمر، وإلا فلا يعرف أحد ماذا تقتلع وماذا تهدم، إن الكلمة ~~اللينة لهي مثل كأس ماء بارد يصب في قدر فائرة، أما إذا قابلنا الغاضب بغضب كغضبه ~~فإننا نزيد النار اتقادا. # قد يغبى عليك من كنت تعرفه إذا ما تملكته سورة الغضب فتنكره كل الإنكار، فالغضب يعمي ~~الأبصار والبصائر فيقضي على المثل العليا، ويخفي معالم الحق ضبابه الكثيف. # وإذا كنا نريد أن يجري كل ما في الحياة على هوانا كيلا نغضب، فهذا أمر لا يتحقق. شاء ~~الفرس أن يجنبوا الناس الغضب فأنشئوا هذه القصة الطريفة وجعلوا بطلها إبراهيم الخليل، ~~قالوا: # اشتهر إبراهيم الخليل بالكرم وحسن الضيافة، وقد حدث أن مضى أسبوع ولم يحضر مآدبه أحد ~~أبناء السبيل، فخرج من بيته وسرح نظره في كل وجهة من أطراف الوادي حتى رأى رجلا في ~~الصحراء طويلا كالسرو وقد اشتعل رأسه شيبا كأن الكبر قد كساه بثلجه. # فنادى إبراهيم عابر السبيل، ولما أقبل عليه حياه ورحب به، وأعد الطعام فعزم على ~~ضيفه فقبل الرجل شاكرا، وكان يعرف كرم إبراهيم ويسمع أخبار مضيفته، وأقبل الخدم فأجلسوا ~~الرجل في مكانه من المائدة بالتجلة والتكريم، فلما اكتمل الجمع وأخذ كل مكانه ~~بدءوا بذكر اسم الله الرحمن الرحيم، ولكن الضيف لم يذكر الاسم الأجل، تعجب إبراهيم ~~من ضيفه الشيخ الكبير واستغرب أن لا يذكر اسم ربه قبل أن يضع الخبز في فمه، فسأله لماذا لم ~~تفعل كما يفعل الشيوخ في إخلاص وإيمان؟ # فقال الرجل: «لا أستطيع أن أفعل شيئا لم أسمع عنه في سدنة بيت النار.» # فأدرك إبراهيم أن ضيفه مجوسي ms031 من عبدة النار، فاستولى عليه الغضب وأمسك بالرجل فرفعه ~~من مكانه وطرده؛ حرصا منه على ألا يشارك الأتقياء أكلهم، فبعث الله جبريل إلى إبراهيم ~~يقول: يا إبراهيم، أنا تحملت هذا الشيخ ومنحته الحياة والقوة مائة سنة، أما أنت فلم ~~تستطع احتماله لحظة واحدة، إذا كان الشيخ يسجد للنار، فما بالك أنت تكف اليد التي بسطها ~~الله لك بالجود؟! # إن الأديب الفارسي كتب هذه القصة ليصيب عصفورين بحجر واحد، فهو يعلمنا ألا نغضب ثم ~~ألا نغضب لما لا يعنينا ولا يمسنا مباشرة. # وفي حكاية النبي يونان - يونس - مع ربه وأهل نينوى عظة كبرى لأهل الغضب؛ حرد يونان ~~لأن ربه لم يضرب مدينة نينوى كما وعده، فانتحى مكانا قصيا، صنع هذا النبي لنفسه ~~مظلة شرقي المدينة، وقعد تحتها يراقب ما يحدث في نينوى، فخلق الله له يقطينة ~~تظلله ففرح بها وبعد حين سلط الرب على اليقطينة دودة فأيبستها، ثم أرسل ريحا شرقية ~~حارة فضربت الشمس رأس يونان فذبل وتمنى الموت. # فناداه الله - حسب قول التوراة - وقال له: «هل اغتظت حقا من أجل اليقطينة؟!» # فأجاب يونان: «اغتظت حتى الموت.» # فقال الرب: «إذا كنت أنت أشفقت على يقطينة، أفلا أشفق أنا على مدينة؟!» # لم تقل التوراة كيف راح غضب يونان، فلا شك في أن حوت هذه الموعظة قد ابتلع ذلك الغضب ... ~~وعلم يونان الحلم. # اللهم نجنا من الشرير، فلا نغضب للا شيء، ثم لا يرضينا شيء! # اللهم لا تكثر بيننا إخوة يونان فنغتاظ حتى الموت لذهاب يقطينة، ولا يطيب لنا عيش حتى ~~نخرب مدينة ...! إن العمر قصير، والغضب الحامي يقصره أكثر، فما علينا إلا أن نداوي هذا ~~الداء بالحلم، وإذا لم نستطع أن نطفئ ناره المتأججة فلا أقل من أن نتجنبها. # كانت امرأة إبراهيم لنكولن حمقاء بل مجنونة، تغضب لأقل بادرة تصدر عن زوجها، وقد عجز ذاك ~~الرئيس العظيم عن الإقلال من غضبها، فبينما كانا يفطران يوما إذا بها ترميه بفنجان القهوة ~~فتحرق وجهه وتبلل ثيابه، واتقى شرها بالصمت طلبا للسترة، ولكنها لم تكف ms032 عن السب ~~واللعن حتى سمعت شتائمها المارة. # أما كيف كان يداوي لنكولن هذه المرأة السبابة الشتامة، فيروي مؤرخوه أنه كان ينام ~~في الفنادق النائية؛ لأنه كان يخاف المجيء إلى بيته حيث لا يسمع غير الشتم والسب واللعن. ~~هذا ما يورثه الغضب أهله، فإنه يؤذي الغاضبين والمغضوب عليهم، ولا دواء لهذا الداء إلا ~~الحلم، فهو الذي يخفف مرارة الحياة وقسوتها، ولو لم يكن الغضب شر الشرور لما جرى ذلك ~~الحوار بين النبي يونان وربه في التوراة، حوار يدل على أن الله ندم على غضبه على ~~نينوى ولم يشأ أن يخربها، فغلب حلمه غضبه ونجت المدينة. # وفي القول الذي نسبه الجاحظ إلى معاوية والحسن بن علي تصديق لقولهم «كمال العلم بالحلم.» ~~قال معاوية: «إذا لم يكن الهاشمي جوادا لم يشبه قومه، وإذا لم يكن المخزومي تياها ~~لم يشبه قومه، وإذا لم يكن الأموي حليما لم يشبه قومه.» فبلغ قوله الحسن بن علي فقال: ~~«ما أحسن ما نظر لقومه! أراد أن تجود بنو هاشم بأموالها فتفتقر إلى ما في يديه، وتزهى بنو ~~مخزوم على الناس فتبغض وتشنأ، وتحلم بنو أمية فتحب.» # | سير العظام تخلق العظائم # نحن قوم خياليون يروعنا مشهد الحقائق عارية فنلجأ إلى الخيال نتذرى به، وإلى ~~الصوفية فتشغلنا عن العمل المثمر، تهنا في دنيا أحلام اليقظة مكتفين بما عندنا من ميراث ~~تاريخي، ثم تمادينا في غرورنا فأمست تلك الأحلام الهرمة الشائخة رسالة، وأصبحنا جميعا ~~رسلا وفلاسفة. # فماذا تنفعنا العزلة يا أخي، بل ماذا يجدينا وقوفنا في عرض الطريق غير مرور القوافل بنا ~~ضاحكة هازئة؟ ما رأيت عظيما واحدا قعد كالدرويش في واحة الأحلام والأماني، ولكنني رأيت ~~مواكب العظماء ضاربة في عرض الصحراء متخبطة في غمار البحار، ولولا المغامرات لما كان ~~في الدنيا عظيم، بل كانت الدنيا سواسية كأسنان المشط ... # فنصيحتي لكل قارئ هي أن يضع سير الرجال العباقرة موضع قصص المغامرات المصنوعة وحكايات ~~الحب، التي لا تزيد على أنها حوادث تتكرر بصور مختلفة. # لقد أصبح التعليم اليوم عمليا، فلماذا لا تكون ms033 قراءتنا مثله عملية؟ فلنقرأ في أوقات ~~فراغنا سير رجال نهضوا بأوطانهم من الحضيض إلى الذرى فصاروا هم قمما إنسانية خالدة، ~~إن قراءة قصة هؤلاء تدفعنا إلى المحاولة، فنصيب ولو بعض الشيء مما أصابوا. # فإذا قرأنا تاريخ رجال البر والإحسان وماشيناهم في طريق حياتهم، فلا شك في أن تلك ~~المرافقة تحرك فينا عاطفة الإحساس إلى البؤساء والمساكين. وإذا تصفحنا سيرة مثالي ~~رفيع الأخلاق، حاولنا أن نقتبس من فضائله شيئا تزدان به شخصيتنا. # لهذه الغاية النبيلة كتبوا السيرة النبوية وكتاب الاقتداء بالمسيح، فعلينا نحن في هذا ~~العصر أن نكثر من قراءة سير الأبطال، ففي السياسة أبطال نبلاء حرروا الأمم والشعوب، ~~وفي الأدب فلاسفة وكتاب وشعراء مروا عجالى في مجاهل التاريخ ولكن خطواتهم الرصينة ~~عبدت الطريق للذرية. فإذا قرأت - مثلا - سيرة فتى نجم من كوخ متداع ثم صار زعيما ~~مطاعا وقائدا أكبر لأمته، أفلا يحرك ذلك همتك مهما كانت ساكنة؟ ألا تتمنى في قعر ~~نفسك لو تستطيع أن تعمل ولو بعض الشيء؟ فاقرأ كثيرا من أخبار هؤلاء فلعلك واجد عند ~~بعضهم ما يلائم ميولك وأهواءك. # لا تحتقر نفسك ولا تقل من أنا، فأعاظم الرجال ليسوا خيرا منك إلا بجدهم وثباتهم ~~وسعيهم الحثيث نحو الغاية. # اسمح لي أن أصارحك القول: إن أجل ما أقرأ فائدة هو ما تنبئني به الكتب عن هؤلاء ~~العباقرة، وخصوصا من كانوا يسقطون في معترك الحياة ثم ينهضون ليدخلوا في معترك ~~جديد. # قد يستولي علي الكسل صباحا، فأتذكر مثلا أن أحد هؤلاء الرجال كان ينهض في الساعة ~~الفلانية ويعمل ساعات، فأنهض حالا إلى عملي متشبها به وإن لم أدرك ما أدرك. إن ~~تاريخ الرجال العظام هو خير مدرسة للناس، فعلى السياسي أن يقرأ سير السياسيين، وعلى ~~التاجر أن يقرأ سير أكابر رجال الأعمال، وعلى الأديب أن يقرأ سير الأدباء، ففي هذه ~~السير دروس عظيمة الفائدة وهي ما تدفعنا دائما إلى الأمام. # إذا كنا نحب كثيرا بطل قصة خيالي ونتشبه به، فكيف بنا إذا قرأنا سيرة رجل عرفنا ~~أنه عاش كما ms034 نعيش نحن وعمل ما نعمل؟ فلو لم يتشبه نابليون بمن تقدموه من أبطال لما كان ~~ذاك القزم من عمالقة التاريخ، وكذلك قل في جميع الرجال على اختلاف أشكالهم ومشاربهم ~~وميولهم. # ليس تاريخ الأمة إلا تاريخ بضعة من رجالها، فهؤلاء الرجال العظام هم الذين يوجدون أمة ~~لم تكن، أو يبعثون أمة شاخت وهرمت حتى دفنت حية في ظلمة تاريخها ... # من يستطيع أن يتخيل النهضة العربية دون أن تمر أمامه صورة أبي بكر وعمر وعلي ومعاوية ~~وهارون والمأمون وعبد الرحمن وغيرهم؟ ومن يتمثل أثينا بدون ديمستين وسقراط وأفلاطون ~~وأرسطو؟ وهل تاريخ رومية غير قيصر وشيشرون وأوريليوس ويوستانيوس؟ وهل كانت قرطاجنة لولا ~~هانيبال؟ # لا تعجب إن رأيتني أخلط لك رجال السيف برجال القلم، إنني أنحو بذلك نحو فولتير، كتب ~~فولتير إلى أحدهم عندما كان يعد كتابه «تاريخ لويس الرابع عشر»: # إنني لما طلبت منك بعض نوادر عن عصر هذا الملك لم أعن الملك بقدر ما عنيت ~~الفنون التي نمت وازدهرت في زمانه، فأنا أوثر التفاصيل التي تتعلق براسين وبوالو ~~وموليير وبوسيه وديكارت وأمثالهم على ما يتعلق منها بمعركة ستنكرك، فإن الذين ~~يقودون الجحافل والأساطيل لا يبقى بعدهم إلا اسمهم، وأية نتيجة حصلت للجيش ~~البشري من الفوز في مائة معركة؟ أما الرجال العظام الذين ذكرتهم فهم من أدخلوا ~~المسرة والبهجة في القلوب، ولا تزال آثارهم تقوم بذلك. # فالرجال العظام لا ينحصرون إذن كما زعم فولتير فيمن ولوا الأحكام وحكموا الشعوب، بل هم في ~~نظر هذا الفيلسوف من وفروا السعادة للبشر، وهدوا الناس سبل الحرية ودعوا إلى كل ما ~~يحقق المثل الإنسانية العليا. وهؤلاء نجدهم بين الملوك أيضا، فقد وجدت على قبر ملك مصري ~~عاش منذ أكثر من أربعين قرنا هذه الكلمات: # إنني لم أوذ ولدا، ولا ظلمت أرملة، ولا أهنت راعيا، ولم يكن في أيامي ~~شحاذون، ولا مات أحد من الجوع، ولما جاءت أعوام المجاعة زرعت أراضي مملكتي ~~كلها حتى أقصى حدودها الشمالية والجنوبية، وأطعمت كل سكانها موجدا لهم القوت ~~فلم يمت أحد فيها ms035 جوعا، وقد جعلت الأرملة تعيش كما لو كان لها بعل. # فمن يقدر في عصرنا أن يقول هذا القول أو يدعي هذا الادعاء؟ أليس في هذه «القبرية» تاريخ ~~حقبة من الزمن، وما هي إلا قطعة من حياة رجل عظيم أخلص لأمته وأدى الأمانة التي في ~~عنقه؟ فلو قرأ هذا من ألقيت إليه مقاليد الشعب ألا يدفعه مثل هذا الكلام إلى العمل ~~المجدي بدلا من طلب الجاه الذي يذهب مع طالبه إلى غير رجعة؟ هذي هي فائدة مطالعة ~~السير، إنها تمزق برقع الغرور عن أعيننا فنرى الحقيقة كما هي. # إن في الكون أناسا طبعوا على الشرف والنبل، فرافق هذا الشرف نفوسهم فكانوا خيرا ~~وبركة لأمتهم، وزانوا تاريخها كما تزين الجوهرة العقد الثمين. وسير هؤلاء يجب أن ~~تطالع، فالرجال العظام الحقيقيون هم من يتجسم الشرف في أعمالهم وتنطق به ألسنتهم ~~فيمسي سنة وشريعة، وهم يحيون مع هذا النبل وفيه وبه، إن التسامي عندهم إله معبود وهو ~~الذي جعلهم عظماء مقدمين مستقيمين. # قال أحد المشاهير العظام: «لم يصل أحد إلى العظمة الحقيقية إلا وقد شعر بأن حياته مختصة ~~بأبناء جنسه، وأن ما أعطاه الله فقد أعطاه إياه ليخدم به البشرية.» # إن مثل هذا الشعور لا يولده فينا إلا اطلاعنا على سير من اتصفوا به، وبهذا ~~نصحنا فيلسوف المعرة قائلا: «خذوا سيري فهن لكم صلاح»، ولم يقل «خذوا علمي» لأنه ~~يعلم أن القول غير العمل. قد يختلف الناس في أقوال المعري، أما سيرته فإنسانية فاضلة، ~~وهؤلاء الأفاضل هم سرج الأزمنة ومنارات الدهور والأجيال؛ فلنتعرفهم لكي نفلح. # | نحو عالم أفضل # 1 # وجد الناس فكانوا ولا يزالون يتخبطون في ظلمات السعي وراء إنشاء عالم جديد، عالم ~~يستريحون فيه، عالم كله سلام وطمأنينة يأتيهم فيه رزقهم رغدا كما كان جدهم في الجنة ~~يعمل بقول الحطيئة: «واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي» ... أما نواميس الحياة فكانت دائما ~~تقطع عليهم الطريق فيظلون مسيرين غير مخيرين. # إن هذا الموضوع «حول عالم أفضل» الذي كثر التحدث عنه في هذه الأيام، يوجه ~~الكاتب إلى ms036 التفكير بخلق عالم مثالي لا شر فيه. وعندي أنا أن الشر ضربة لازب ~~بخلاف ما قال النابغة في ممدوحيه الغساسنة، وإذا عدنا إلى ما وراء التاريخ رأينا أن ~~آلهة البشر الأولى كانت آلهة حرب، وتلك الآلهة هي التي خلقت هانيبال والإسكندر، وبالرغم ~~عن أحلام أشعيا وأفلاطون بعالم فاضل منقى من جميع أدران الشر. # فإذا نظرنا في أساطير الأولين رأينا أن آلهة فينيقية واليونان وجميع الآلهة القدماء ~~آلهة تتطاحن فتزعج السموات والأرض، يقاتل بعضها بعضا قتالا لا هوادة فيه، يخلقون ~~العدد اللازمة ارتجالا؛ لأنهم آلهة يقولون للشيء كن فيكون. # فهذا هركيل - الذي عبدته فينيقية زمنا طويلا - زعمت أساطير الأولين أنه زحف على ~~المغرب بجيوش لا تحصى جمعها من كل جهات المشرق، وكان هو على رأس تلك الجيوش ~~الجرارة، فافتتح قبرس والجزائر المجاورة وجزر الأرخبيل وبلاد اليونان، وكل ما عمر ~~ربنا من بلدان فاستولوا عليها، ثم عاد هركيل بعد تلك الحرب الأولى العظمى ليموت حتف ~~أنفه في قادش. # ولم يكتفوا بفحول الآلهة الذكور فجعلوا مينرفا إلهة حرب، زعموا أنها ولدت من جوبيتر ~~فخرجت من دماغه لتجعل ربة الحكمة والفنون الحربية، حتى زعم فانيلون - وهو يكاد يكون ~~من المعاصرين بالنسبة إلى العصور التي نتحدث عنها - فوصف لنا جمال وجه منيرفا كأنه ~~كان معاصرا لها، فقال إنه لم يكن فتانا يهيج الشهوات في الناظر إليه كجمال فينيس، ~~ولكنه كان جمالا طبيعيا خاليا من التصنع يحرك على الاحتشام، وكل ما فيها كان ~~موقرا شريفا مملوءا من العزة والشهامة. يقول هذا فانيلون متحدثا عن إلهة خرافية ~~كأنه جاد غير هازل، والأساطير تجعل شعار هذه الإلهة مجنا ودرعا مصنوعين من ~~جلد أحد الجبابرة الذي غلبته، وهوميروس شاعر اليونان الأعظم جعلها مدربة ومساعدة ~~لليونان في حرب طروادة. # ثم يأتي مارس إله الحرب العظيم فيكون في عون الطرواديين، وقد قال في وصفه الشاعر ~~أشيل: إنه إله ميال إلى الإتلاف والخراب، ولا شيء مقدسا لدى قساوته وتحت يده ~~الثقيلة، وبالاختصار حميت المعركة، وانتقلت ساحتها من بين بني البشر فصارت بين ms037 آلهتهم ~~ومعبوداتهم، وها هي منيرفا ترمي الإله مارس بحجر فجرحته، فضج ضجة عشرة آلاف رجل ... ~~ولما سقط على الأرض غطى بجسده مساحة سبعة فدادين. # وتنتقل فكرة الحرب في ظلمات تلك العصور حتى تبلغ عصر بني إسرائيل، فإذا إلههم إله ~~حرب أيضا يصفونه بأنه ينتصر لقومه وينتقم لهم، كما جاء في سفر الخروج، يقول الرب: ~~«إني نحو نصف الليل أخرج في وسط مصر، فيموت كل بكر في أرض مصر؛ من بكر فرعون الجالس ~~على كرسيه إلى بكر الجارية التي خلف الرحى، وكل بكر بهيمة. خذوا باقة من زوفا ~~واغمسوها في الدم ومسوا العتبة العليا، حتى إذا اجتاز الرب ورأى الدم على العتبة ~~يعبر عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب.» # وها هو داود يترنم في زبوره، يسبح ويمجد «يهوه» ويسميه دائما رب الجنود ~~فيقول: «في ضيقي دعوت الرب، وإلى إلهي صرخت، فسمع من هيكله صوتي، وصراخي قدامه دخل ~~أذنيه؛ فارتجت الأرض، وارتعشت أسس الجبال، صعد دخان من أنفه ونار من فمه آكلة، برد ~~وجمر نار، أرسل سهامه فشتتهم، وبروقا كثيرة فأزعجهم.» # وفي مزمور آخر يقول في وصفه: «الرب القدير الجبار، الرب الجبار في القتال، ~~ويكسر الرب أرز لبنان، كما يقول داود، إكراما لسواد عيون شعبه إسرائيل.» # ويتطوح داود فيقول لربه: «خاصم يا رب مخاصمي، وقاتل مقاتلي، امسك مجنا ~~وترسا وانهض إلى معونتي، واشرع رمحا وصد تلقاء مطاردي.» # وفي مكان آخر يقول أيضا: «عجت الأرض، زعزعت الممالك، أعطى الرب صوته فذابت ~~الأرض، رب الجنود معنا ...» # أما حين يشيخ داود فيتغير رأيه في إلهه، فيقول في آخر زبوره: «الرب حنان ~~رحيم، طويل الروح وكثير الرحمة، الرب صالح للكل، ومراحمه على كل أعماله.» (مز، ~~145 : 8). # وكأني بأشعيا الذي جاء بعد داود والذي اعترف أخيرا أن الرب للكل، شاء أن يحلم ~~بعصر سلام، ولكن حلمه هذا كان بعيد المنال لا يمكن أن يكون، فقال متنبئا عن عالم ~~جديد: «ينصف فيه لشعوب كثيرين، فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم مناجل، لا ترفع أمة على ~~أمة سيفا، ولا ms038 يتعلمون الحرب فيما بعد . ويخرج قضيب من جذع يسى يقضي بالعدل ~~للمساكين، ويحكم بالإنصاف للبائسين، فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي، ~~والعجل والشبل والمسمن معا وصبي صغير يسوقها، والبقرة والدبة ترعيان تربض ~~أولادهما معا، والأسد كالبقر يأكل تبنا، ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمد ~~الفطيم يده إلى جحر الأفعوان، فلا يسيئون ولا يفسدون؛ لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب ~~كما تغطي المياه البحر.» # وقبل أن يخرج قضيب من جذع يسى سمعنا صوتا في اليونان هو صوت فيلسوفها أفلاطون صاحب ~~المدينة الفاضلة - جمهورية أفلاطون - فتصور عالما مثاليا كما لا يزال الإنسان ~~يتخيل ويتصور ويحاول الابتعاد عن الشر، ولكن تخيلات هذا الفيلسوف العظيم قد ذهبت ~~عبثا، وما زال الناس يتخبطون في ظلمات أطماعهم جارين ذيول الجشع مقتتلين على حطام ~~الدنيا، متعثرين بأذيال الطمع، إلى أن ظهر يسوع وبشر برسالة السلام فسمع العالم ~~صوتا جديدا، صوتا يدعو الناس أجمعين إلى طاعة الله إلهه وإلههم، دعا إلى المحبة ~~دعوة صارخة حتى قال: «من ضربك على خدك الأيمن فحول له الأيسر، ومن طلب رداءك ~~أعطه ثوبك، ومن سخرك ميلا امش معه ميلين.» # ولكن كل هذه التعاليم لم تثمر وظل الإنسان يتدهور في هوة الشر، وينقلب من درك ~~إلى درك، وجاء محمد رسول الله، فعلم أن الله غفور رحيم منزه عما وصف به - سبحانه ~~وتعالى - دعا إلى التسامح والأخوة العالمية مناصبا العبودية العداء. # ثم قام من أتباع عيسى ومحمد رجال كثيرون يدعون إلى نصرة تعاليم المرسلين لهدي الناس، ~~ولكن آذان الناس صمت عن سماع كلام المرسلين، فكانوا كأنهم صم بكم عمي متى لاحت ~~لهم فريسة لذيذة. # فهذه الصوفية تنادي بأن الكون جزء لا يتجزأ، هذا هو أحد فلاسفتها ينحو نحو أفلاطون ~~راسما للبشر عالما جديدا، يشد أزره في دعوته «السلامية» فريق من شعرائنا إلا واحدا ~~منهم فإنه لم يؤمن بالسلام، ما دامت جرثومة النزاع متأصلة في النفس البشرية، فقال في ~~ذلك: # صحب الناس قبلنا ذا الزمانا # وعناهم من أمره ما عنانا # وتولوا بغصة كلهم ms039 منه # وإن سر بعضهم أحيانا # كلما أنبت الزمان قناة # ركب المرء للقناة سنانا # فهو يرى أن الشر طبع فينا، وأن النضال مستمر ما استمرت هذه الميول في النفس ~~البشرية. # وفي الحقبة الأخير من عصرنا الحاضر، الذي يسمونه عصر النور، يفكر الناس بقطع دابر ~~الشر، وخلق عالم جديد يستريح فيه الإنسان من متاعب الحياة ومشقاتها، ومن الحروب ~~وضرباتها وويلاتها، فيخلقون مؤتمر لاهاي ثم جامعة الأمم ومنظمة الأمم المتحدة، ~~وأخيرا الأونسكو. # أما ما يكون فهذا علمه عند الله - عز وجل - ولكن الطبخة الطيبة تبين من العصر، فلا ~~أظن أن العشاء يكون كما نتخيل ونتفهم. # أما العالم الذي أراه أنا فهو هذا العالم الذي نعيش فيه، ولا يمكن أن يكون غير ذلك. ~~وكلما بعد عهد الإنسان بالآلهة المحاربين الذين عبدهم في أظلم العصور، اقترب الإنسان ~~من أخيه الإنسان وفهمه. إن عالم الاختراعات التي قربت شقة السمع والعيان بين ~~البشر هي التي ستقرب بينهم وتؤلفهم، فيتفاهمون ويأتلفون ويطل علينا عالم ~~جديد. # إنني أرجو منك منذ الآن أيها القارئ الكريم ألا تطمع بالنوم على ظهرك ليلا نهارا، ~~وأن يأتيك رزقك إلى البيت مطبوخا وما عليك إلا أن تلتهمه، فلا غصة ولا فواق ولا ولا ~~... يجب أن تعلم أنك لا تلتذ ما لم تتعب، ولا تترقى ما لم تنافس وتناضل، فلا بد لك ~~من عرق جبينك لتأكل خبزك. # 2 # عاش الناس قبلنا حالمين، عاشوا في دنيا أساطيرهم وخيالاتهم مترجين عالما أحسن ~~وأفضل، وقد ضرب صاحب «ألف ليلة وليلة» الرقم القياسي فيما ترجى، فجعل المستحيلات عصا ~~يتوكأ عليها أبطاله ويقضون مآربهم الأخرى. حقا إن الإنسان عمل كثيرا واكتشف ~~أسرارا كثيرة وخطيرة إلا سرا واحدا لم يستطع اكتشافه، ألا وهو سر العدالة ~~والسلام والقناعة والرضا بما قسم له. # فمن عهد تلك القميص التي خاطتها حواء من ورق التين إلى عهد فساطين الدنتلا ~~والبوبلين، لا يزال الإنسان إنسانا لا يهدأ ولا يقر له قرار ينظر إلى جاره بعين ~~محمرة، ويحاول القبض والاستيلاء على ما يملك. # ما لي وما لغيري؟ ms040 فلأحدثك عن نفسي: قد لبست الغنباز والشروال والعباءة والعقال كما ~~ألبس اليوم ما صنع على مثال آخر طراز، ومع ذلك ما وجدت تغيرا في ملاذي وراحتي ~~وعواطفي وإنسانيتي، وسكنت البيوت الرفيعة العماد كما أويت إلى البيوت المتواضعة، ورتعت ~~في قلب المدينة الكبرى كما عشت في القرية النائية، فما رأيتني في تلك خيرا مني في ~~هذه. # وركبت الحمير والخيل والبغال والعجلات والسيارات - ولا أقول الطائرات فما طرت بعد - ~~فما زادتني الأخيرة نشاطا ولا منحتني قوة ولا وفرت لي لذة. # قد تقول: هذا رجل رجعي، لا يا عزيزي فما أنا ذاك، إن أنا إلا رجل يماشي الزمان، ~~وإن شئت فقل يسبقه ولا تخف. # إنني أروي لك ما أشعر به وما أحسسته، فكل ما أحدث في زماني من اختراعات ما رأيته ~~غير شيئا من أخلاق الناس وميولهم، فالبغض ظل بغضا وزاد، والطمع استحال جشعا ~~وكلبا. هذا اعتراف مني أمامك وقد سجلته على نفسي. # إن ما كنا نعده خرافات وأوهاما قد صار على عهدي حقائق ملموسة، كان أستاذنا الذي ~~علمنا الأدب العربي يرتبك في شرح هذا البيت الذي كان يعجبه جدا، إلا أنه لم يكن ~~يرتاح إلى ما فيه من مبالغة: # غنت سليمى بالعراق فأطربت # من كان في أرض الشآم نشيدا # فيحاول أن يخفف من إغراق الشاعر وغلوه، إلى أن جاءنا ذات يوم يقول لنا: «قد تحقق ~~زعم شاعر سليمى التي غنت بالعراق واخترعوا الفونغراف.» فصحنا: «الفونغراف! وما هو ~~الفونغراف؟!» وأخيرا رأيناه وسمعناه، وعندما جاءنا الراديو بعد الحرب الأولى ترحمت ~~على الأستاذ وقلت: «الراديو يحقق الفكرة أكثر، فليت أستاذنا ظل حيا ليراه ~~ويسمعه!» # وكان هذا الأستاذ عينه يهز برأسه حين يشرح لنا «التمني والترجي» ويردد هذا ~~البيت: # أسرب القطا هل من معير جناحه # لعلي إلى من قد هويت أطير! # فيقول: «ما أقل عقل الإنسان وما أطمعه! اسمعوا يتمنى أن يطير، فما عليه لو مشى ~~على مهله؟!» ثم رأيت طائرة فدرين تحلق لأول مرة في سماء الشرق، فقلت: «أين أنت ~~يا معلمي لترى مطامع الإنسان ms041 تتحقق؟» # وإني لأتخيل جدي وقد استيقظ ورأى المخترعات الجديدة، أفلا يصيبه ما أصاب رجال ~~الكهف؟! # قد شهدت بيروت تستضيء شوارعها بالكاز والغاز، وشهدتها مضاءة بالكهرباء، وشهدت أناسا ~~من ماضين وحاضرين فما رأيت هؤلاء أسعد حالا ولا أفضى بالا. # رأيت الناس يلبسون الخام المصبوغ، ويجلسون على مقاعد من الخيش والجنفيص، رأيتهم في ~~القصور الحاضرة المنيفة، حتى إذا سألتهم عن حالهم هذا وحالتهم تلك فما سمعت إلا ~~تأوها. # يقولون إننا مقبلون على عالم تخدمنا فيه الآلة، فتغنينا عن الخدم والحشم. وزعموا ~~أننا سنعيش على «الخلاصات» فلا نضطر إلى مضغ وبلع، وإذ ذاك ندرك السعادة والنعيم ~~المقيم. أما أنا فما أرى أن العالم يصلح أكثر إذا خلا من العمل، ولعمري كيف تدرك ~~لذة بلا تعب؟! أما خبرونا عن أغنياء العالم الذين لم يذوقوا طعم التعب أنهم ~~يتسلقون الجبال العالية ليشعروا بلذة الراحة بعد التعب؟ # الطائر يلتذ بالإسفاف كما يلتذ بالتحليق إلى أبعد مدى يستطيع إدراكه، وكذلك ~~الإنسان فلا يعيش عيشة لذيذة إذا لم تتنوع حياته بين بؤس ونعيم وهناء وشقاء، وقد ~~قال أحد القدماء: «لا تأكل لقمتك إلا مغموسة بعسل» أي لا تأكل إلا بعد تعب وجوع فتستطيب ~~الأكل مهما كان رديئا. # إن الحياة الخالية من كل شر وعناء لهي أغنية على وتيرة واحدة، ومن تروق له مثل ~~هذه الأغنية؟! فالحياة لا تحلو وتطيب ما لم تتنوع. وإنني لا أتصور حياتي الهانئة في ~~الجنة حيث النعيم المقيم إلا وأخشى مللها وإن كان يترجاها غيري ويتفانى في سبيل ~~إدراكها. # إن من يطلب عالما لا شر فيه كمن يطلب لحما بلا عظم، ونارا بلا دخان، ونورا ~~لا يحرق. والذي أراه أن خير ما في هذا العالم هو هذا التقلب الذي فيه، فلا تحلو ~~الطبيعة إلا بهدوها وثوراتها، ونسيمها وعواصفها، وبردها وحرها. ما أصدق قول أبي ~~تمام: # وإني رأيت الشمس زيدت محبة # إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد # أعرف رجلا عاش فقيرا وكان أسعد الناس، يحمل حملة حطب لم تحمل أعظم منها امرأة أبي ~~لهب، ولما ms042 رزق مالا استراح واسترخى وترهل وجاء الموت، وقد سئل أي الحياتين هي ~~أحب إليه، فأجاب: لولا هاتيك ما شعرت بلذة هذه. # فالعالم الأفضل الذي يصبو إليه الإنسان ويحلم به لن يكون إلا هذا العالم، فكل راحة ~~نكسبها نجد متاعبها منها وفيها، وهيهات أن نجد عالما بلا شرور ودواهي، ولا إخالني أكفر ~~إذا قلت: «إنه لا بد من الشر لأنه من مقومات الحياة.» تصور إنسانا لا يطمح ولا ~~ينافس، ويرضى بالحالة التي هو فيها، فأي تقدم يدرك؟ وماذا تجني الإنسانية من ~~وجوده؟! # اخترع الله سفينة لنوح ليحفظ الجنس البشري من الفناء، وها هو الإنسان الذي حفظه ~~الله يخترع المدرعات والنسافات والغواصات والطائرات والحاملات، وأخيرا القنبلة ~~الذرية فالهيدروجينية ليقتل ويدمر، ومع ذلك ما زال الناس يعيشون كما كانوا يعيشون في ~~عهد الكبش والمنجنيق. # وما أرى الشقاء في الحياة إلا كالسموم التي هي في دمائنا، لا بد لنا من كمية منها ~~وإلا فلا تصلح دماؤنا، إن القليل من السم دواء أما كثيره فيقتل، ولا شك في أن عالم ~~اليوم خير من عالم الأمس، كما أن عالم الغد سيكون خيرا من عالمنا شكلا، وأما ~~الجوهر فواحد. لا بد للإنسان من الشقاء ليدرك لذة الحياة، فاللذة تصبح شقاء ~~والإنسان يسأم ويضجر. # وخير ما أختم به مقالي هذا هو حكاية سمعتها أو قرأتها صغيرا: # كان رجل تقي يسكن كوخا تقوم إلى جانبه تفاحة، وكان ذاك الرجل لا يملك ~~من أشجار الدنيا غيرها، ولكنه قلما ظفر منها بثمرة، فلا تكاد أن تنضج واحدة ~~حتى يقطفها أحد الصبيان. وفي إحدى أمسيات الصيف استضافه درويش عليه سيماء رجال ~~الخير والصلاح، فسأله أن يبيت عنده فعشاه على فاقته ومد له فراشا لينام، ~~فركع الدرويش ليصلي ثم انفتل من صلاته وقال لمضيفه: «تمن علي، فأسأل ~~الله أن ينيلك ما تبتغي!» # فضحك الشيخ ولم يصدق ما يسمع، فقال له الرجل: «جرب فأنت لا تخسر شيئا ~~إذا لم يستمع ربي إلى صلاتي.» فاستضحك الرجل وقال لضيفه: «اسأل لي ربك ألا ~~ينزل من يصعد ms043 إلى تفاحتي إلا بإذني.» # فصلى الدرويش لربه بحرارة وإلحاح شديدين، ولما وثق من استجابة الله - ~~تعالى - له نام ملء عينيه، وعند الصباح ودع مضيفه شاكرا سائلا له الثواب من ~~الله - تعالى - لأنه آوى في بيته أحد أبناء السبيل. # وقضى الرجل نهاره يراقب الغزاة الذين يشنون الغارة على تفاحته، وما جاء ~~الليل حتى سمع حركة في التفاحة فأضاء قنديله ليرى فوقعت عيناه على صبي قد ملأ ~~عبه تفاحا، وهو يحاول النزول ولا يستطيع، فتذكر ضيفه تلك الليلة وأدرك أنه ~~نبي وقد استجاب الله لطلبته، فقال للولد: «عاهدني يا بني على ألا تقرب ~~تفاحتي لكي آمرك بالنزول.» # وكان العهد وكان النزول، فطار الخبر وابتعد الناس عن التفاحة المرصودة، ~~ونعم الرجل بأكل التفاح زمنا. وفي ذات ليلة جاء الموت فظنه صاحبه الذي ~~صلى في قديم الزمان، فقال له الزائر: «لا ... أنا عزرائيل جئت لأقبض ~~روحك.» # فتنهد الرجل الشيخ وقال بألم: «نعم، حان الوقت ... طال عمري وكبرت جدا. ~~ولكن لي رغبة يا عزرائيل أسألك إياها، وهي أن تصعد إلى التفاحة وتأتيني ببضع ~~أثمار، فأنا شيخ لا أستطيع التسلق»، فخف عزرائيل إلى التفاحة وقطف بعضا من ~~ثمارها، ولكنه لم يستطع النزول، فضحك الشيخ - الذي هو «الشقاء» - وقال له: ~~«عاهدني يا عزرائيل على أنك لا تجيئني إلا عندما تنتهي من قبض أرواح جميع ~~الناس» فعاهده، وصدر أمر الشيخ بالنزول. # قال الراوي: «وهكذا سيظل الشقاء ما بقي إنسان على وجه الأرض.» # القصة حكاية خرافية، ولكننا كثيرا ما نرى في الخرافات روح الحق، فقد نتصل بالمريخ ~~وقد ... وقد ... ولكننا مهما عملنا فلا نستطيع أن نمحو الشقاء لا من الأرض ولا من العوالم ~~التي نكتشفها، فسعينا وراء عالم أفضل لنستريح من الشقاء والألم لسنا ببالغيه مهما ~~سعينا ومهما رسمنا من الخطط لهذا العالم، وكأن الفرزدق قد عنانا نحن بقوله ~~لجرير: # ولئن رغبت سوى أبيك لترجعن # عبدا إليه كأن أنفك دمل # | الحظ أعمى # يمشي الإنسان من المهد إلى اللحد، ويعيش معه ثلاثة؛ اثنان لا يفارقانه أبدا، وواحد قد ~~يدركه وقد ms044 لا، أما الأول وهو الأمل فمستقر أبدا في هوة الفكر الإنساني التي لا قرار ~~لها، يظل يمنينا ويحثنا ويطول لنا الحبل وينخسنا دائما بمهمازه، ويدفعنا إلى ~~السعي وراء الشخص الثالث المجهول محل الإقامة، ولا يعلم إلا الله متى نلتقي به. # أما الثاني فنراه معنا حيث نكون، وهو ذو أسماء متعددة، يسمى في المصائب الصبر، ويدعى ~~في الأعمال الثبات، ويقال له في الشدائد الحزم، فحيثما مشى الإنسان مشى معه الأمل والصبر ~~لعلهم يلتقون بالحظ الرفيق الشارد، كثيرون زعموا أنهم ماتوا وما التقوا به، وأشهر هؤلاء ~~شاعرنا المتنبي الذي قال في رثاء جدته: «طلبت لها حظا ففاتت وفاتني ...» بعدما قال أيضا في ~~شرخ شبابه: # أقل فعالي بله أكثره مجد # وذا الجد فيه نلت أم لم أنل جد # كما قال أيضا: # هو الجد حتى تفضل العين أختها # وحتى يكون اليوم لليوم سيدا # لا بد أن تتساءل: وكيف تفضل العين أختها؟ وكيف يكون اليوم سيدا في الأيام؟ اسمع ~~أقل لك؛ يسود اليوم إذا وقع فيه حادث خطير وأصبح عيدا، فيصير الأربعاء مثلا سيد الخميس ~~أفلا يوجد سادة إلا في البشر؟ إن لكل شيء سادة حتى النمل كما روى الجاحظ. أما كيف تفضل ~~العين أختها فهذا يقع كثيرا، كأن يكون الرجل مارا فتصيبه ضربة تذهب بإحدى كريمتيه ~~فتفضل السليمة أختها المصابة، وهذا عمل الحظ عند المتنبي. قضى المتنبي حياته القصيرة ~~يطاعن خيلا من فوارسها الدهر، وهو يرى أن الدهر والحظ متحالفان على قهره، وقد بلغ هذا ~~الاعتقاد الأوج حين قصد مصر وتمثل له شخص كافور، فغضب على الدهر تلك الغضبة الكبرى، رأى ~~الحظ يجعل من العبد كافور سيدا صاحب حول وطول يقهر القاهرة، ويضرب من الكنانة بأسهم، ~~فصرخ: # هل من فتى يورد الهندي هامته # كيما تزول شكوك الناس والتهم؟ # لم يشبع المتنبي ما ناله من مجد أدبي فظل يشكو وهذا شأن البشر، فما أقل الذين ~~يرضون بقسمتهم ونصيبهم! كل واحد يرى أنه مظلوم من دنياه، فلا تسمع على الألسنة إلا سب ~~الدهر وابنه الحظ، فكل ms045 من يقصر يجعل خطيئته في رقبة الدهر الذي لم يسلمه رسن الحظ ~~... # إذا قصر أحدنا تأفف وقال: «حظ.» وإذا سعى وراء مطلب وخاب يقول: «حظ.» حتى إذا ضربت له ~~موعدا وفاته لأنه أبطأ وتكاسل يقول: «حظ»! فتأمل يا صاحبي كم في ذمة الدهر والحظ من ~~ضحايا! لقد قل في الناس من رضي بحظه، فالبحتري الذي قطع درب الرزق على ابن الرومي ~~حتى استأثر بجميع الجوائز، لم يقنع بكل ما أصاب من الخلفاء فراح يقول لنا في سينيته ~~المشهورة بعدما شبع مالا واعتبارا: # أتسلى عن الحظوظ وآسى # لمحل من آل ساسان درس # وإذا تركنا البحتري يسقيه ابنه أبو الغوث في أبيض المدائن ليتسلى عن الحظوظ، رأينا ~~خصمه ابن الرومي الشاعر البائس الجوعان العريان يصرخ في كسر بيته إن كان أرجع إليه: # الحظ أعمى ولولا ذاك لم نره # للبحتري بلا عقل ولا أدب # أفلا تحار مثلي في تعليل ما قاله البحتري بعدما سمعت قول معاصره المسكين ...؟ وأعجب من ~~هذا وذاك قول شاعر النيل حافظ إبراهيم في سقوط السلطان عبد الحميد: # لا رعى الله عهدها من جدود # كيف أصبحت يابن عبد المجيد؟ # ماذا تراه يطلب حافظ من الحظوظ أن تعمل ليرعى عهدها؟ أيطلب للسلطان عبد الحميد حكما ~~أطول من ثلث قرن يكمن فيه الموت بين شفتيه؟ # وشاعر العرب الذي قال: # إذا غامرت في شرف مروم # فلا تقنع بما دون النجوم # فطعم الموت في أمر حقير # كطعم الموت في أمر عظيم # كيف استولى عليه اليأس والقنوط في ساعة لم تهضم فيها معدته ما أكل؟ حتى راح يجتر فكرته ~~الكبرى وقال: # وما الجمع بين الماء والنار في يدي # بأصعب من أن أجمع الحظ والفهما # أشهد أن المتنبي على محبتي له قد ضل هنا، وإذا صدقناه أن الحظ والفهم لا ~~يجتمعان احتقرنا النبوغ في جميع ميادين الحياة، كان هدف المتنبي المال والحكم ولأجلهما ~~سب الدهر وغضب على الحظ، وهو لو لم يدرك ما تمنى ولم تجر الرياح بما لا تشتهي السفن ~~كما قال لكان أتعس الناس ms046 حظا وما كان فاز بهذا الخلود، لقد كان الحظ في خدمة المتنبي، ~~والمتنبي لا يدري، وهكذا كان يشقى في النعيم بعقله كما قال. # والذي يتراءى لي من حديث البشر عن الحظ هو أنهم لا يعنون إلا المادة، فما سمعناهم قالوا ~~عن رجل كبير العقل وافر العلم أنه صاحب حظ إذا لم يكن في يده المال، فالإنسان في عرفهم ~~لا يكون محظوظا ما لم يحصل على المال من أية الطرق كانت، فكأن العقل لا قيمة له في ~~نظرهم. إذا أثرى واحد كان عند هؤلاء من الذين خدمهم الحظ، أما كيف أثرى ومن أين، فهذا ~~لا وزن له ولا اعتبار، يقولون لك: «حظ»! فاسرق وانهب ولا ترد يدك عما تصل إليه ليسموك ~~صاحب حظ، فهم لا يفكرون قط بما قاله عاشق الحظ: # ولا أقيم على مال أذل به # ولا ألذ بما عرضي به درن # وبعد، فلماذا كثر ذكر الحظ في أدبنا وخصوصا الشعر منه؟ ما وجدت لذلك سببا غير ~~تواكل شعرائنا وأدبائنا حتى ملئوا شعرهم أنينا وطنينا، والذي يظهر لي أننا نحن جميعا ~~اتكاليون ننتظر أن يأتينا الرغيف إلى البيت ثم لا نكلف أنفسنا غير أكله ... # قلت في نفسي: لعل الشعر الشرقي كله يتحدث عن الحظ تحدث شعرائنا ويعزو إليه الإخفاق ~~في الحياة، فرحت أنظر في كلام شعراء التوراة فما رأيت كلمة الحظ وردت فيها - على ضخامتها ~~- إلا أربع مرات: # واحدة عن أيوب: «وفوق الظهيرة يقوم حظك»، وأخرى في سفر الأمثال: «عندي الغنى والكرامة ~~قنية فاخرة وحظ»، وثالثة في سفر الأمثال أيضا: «التابع للعدل والرحمة يجد حياة، حظا ~~وكرامة»، ورابعة في شعر أشعيا: «هذا نصيب ناهبينا وحظ سالبينا.» # أما كلمة نصيب كما يفهمها الناس اليوم - أي بمعنى الحظ - فلم ترد قط عندهم، وهذا ما ~~جعلني أعتقد أننا نحن وحدنا نؤمن بالحظ هذا الإيمان المطلق فنعزو إليه كل توفيق ~~وكل إخفاق. # ولا تنس تكالبنا على حطام الدنيا فهو الذي يجعلنا نسمي النذل صاحب حظ إذا وقع على ~~المال الحرام ولم يعف عنه، لست ms047 من أصحاب المروءة إذا أكلت مال السحت، وأنت أتعس الناس ~~إذا اؤتمنت وخنت، فنعم الحظ حظك إذا كان ما أصبته حلالا زلالا! وما أتعس جدك إذا فرحت ~~بلقطة وقعت في يدك فالتهمتها وعددت ذلك حظا وحللتها، بينما ضميرك يصرخ: ردها ~~...! # وبعد، فأنا لست ممن يؤمنون بالحظ، لا أومن إلا بكلمة واحدة، أومن بليس للإنسان إلا ما ~~سعى. # أنت تؤمن بالحظ وكأني بك تومئ برأسك: نعم، إذن الدنيا في رأيك قسمة ونصيب، وعلى هذا ~~اتفقنا يا صاحب، فأرجو منك ألا تقوم من فراشك غدا، ابق نائما، ومتى غابت الشمس نتحاسب، ~~أريد أن أعرف أي حظ ساق إليك الرزق إلى البيت، وماذا سقط عليك من السماء من من وسلوى، ~~وماذا أطلعت لك الأرض من خيرات ... طبعا لا شيء، إذن الإيمان بالحظ خرافة كبيرة، وليس ~~الرزق مطرا تجود به السماء. # الرزق يا صاحبي كامن بين مخالب المصاعب، ولا ينتزعه من بين براثنها إلا كل جبار، ~~فإذا كنت تشكو قلة فداو نفسك بالكد والجد، إياك أن تقف! فالوقوف موت، اعمل ولا ~~تيأس. # لا تصدق ذلك الخامل ابن الرومي فلو كان سعى كان رعى، ولكن ابن الرومي يريد العصفور ~~محلوقا منتوفا مشويا ملفوفا برغيف، ولولا القليل لالتمس من يمضغه له، وما هكذا تكون ~~الرجال. # فبحياتك إذا كنت ذا أولاد لا تذكر الحظ على مسامعهم لئلا تربي شبابا فاترين مائعين ~~يقصرون في أول العقبة، خبرهم عن الذين خابوا في الحياة وأبوا أن يتراجعوا، حدثهم عن ~~الذين سقطوا في الميدان مرات ثم نهضوا وجروا وظلوا يقعون ويقومون حتى بلغوا ~~الغاية. # وإذا حاجوك في أناس يطعن في حظهم، فقل لهم: «ليس هؤلاء في الحساب، ولا نريد أن نكون ~~منهم.» # | العام الجديد # تعودنا أن نودع ونستقبل كل رائح وآت حتى من الأعوام، ولكتابنا وشعرائنا بدائع ~~وطرائف في هذا الموضوع، فالذاهب وخصوصا من السنين حبيب قلب ابن آدم، إنه يرى الخير كله في ~~القديم على إطلاقه وإن لم يكن شيئا مذكورا. # على ألسنتنا يدور الترحم على ما فات، وفي أعيننا ms048 تحلو الذكريات، وما أرانا نحن في ~~شيخوختنا إلا في قوة فارقتنا في منتصف طريق العمر، وآمال ضيعناها على درب الأبد، فكأنما ~~استقبالنا لعامنا الجديد بهذه اللهفة دليل على أننا ما كنا نصدق أننا نبلغ هذه ~~المحطة. # سوف لا أنشر شراع الخيال، ولا أقرع طبول الفصاحة في موكب استقبال العام الجديد، فلا تهليل ~~ولا ترحيب، ولا تمنيات ولا آمال. إن عجلة الزمن لا تنتظر زجري لتسير، ولا إيماءتي لتقف، ~~فتهليلي لها لا يقدم ولا يؤخر، فالذي فات فات، وما هو آت آت. # إن تمنياتي لا توازي ثقل حبة خردل في ميزان القدر، فلماذا أتعب نفسي لأحشو أذهانكم ~~بتعابير فارغة لا تنفعني ولا تنفعكم مقدار جناح بعوضة؟ # إن عبارة «كل عام وأنتم بخير» على صغرها وبساطتها لهي أحب وأغنى دعاء في هذا المقام، ~~على شرط أن يكون للبؤساء والمساكين شيء من الخير الذي يتمناه الشبعان لأخيه ~~المكتفي. # من عادة التجار أن يرصدوا حساباتهم في آخر كل عام، ويعدوا للعام الجديد دفاتر بيضاء ~~تحمل في أولها رصيد العام الماضي من مكسب وخسارة، فينظر التاجر إلى ال «يكون» إما بعين ~~مفتوحة وإما بقلب مكسور. # إننا في زمن انحصرت فيه كل القيم بل المثل العليا بالصناديق الحديدية، فإذا كان ~~الصندوق متخما من كثر ما زلع وبلع فصاحبه هو ذاك الرجل، وإذا كان الصندوق غير مبشوم أحس ~~صاحبه أنه دون جاره العائم في بحر من الثروة بعيد القرار. # حنانيك يا أخي! لا تنم على وجهك حنقا وسخطا لأن مبلغا من ميزانيتك مفقود، إن الله ~~سيخلف عليك إن كنت أحسنت به إلى المساكين ونسيت أن تقيده، لا تدقق في دفتر الصندوق ~~بهذه الشدة والصرامة لتعرف أين ذهب ذلك القرش، أرجوك يا سيدي، عفوا أرجوك يا سيد الصندوق ~~وأتضرع إليك لكي تعيد النظر في دفتر حساباتك لترى فيه مقدار أرقام الإحسان وعمل الخير ~~وخدمة الإنسانية، أنسيت يا أخي أنك إنسان؟ # مهلا لا تزرع الدنيا أملا، ورفقا! لا تعد الخطط الجهنمية لاقتناص القرش، فأنت في ~~التقدير والله في التدبير. ms049 # فبدلا من أن تستقبل عامك الجديد بالدف والعود والمزمار، وتنفق على السهرات الصارخة ~~ألوفا، اخل بنفسك هنيهة وارفع وجهك إلى فوق ولو في السنة مرة، نسيت أن لك نفسا؟ ~~أتظل دائما تفتش في الأرض عن حطامها؟ بربك قل لي متى تشبع؟ # عند النصارى شيء يقال له «فحص الضمير»، وهذا ما يعمله المسيحي الممارس كل ليلة؛ يستعرض ~~حسنات النهار وسيئاته، وبعد أن يقصد إصلاح نفسه في الغد ينام مستريحا. وقد سمعنا الحجاج ~~- على قسوة قلبه - يقول في إحدى خطبه: «امرؤ حاسب نفسه، امرؤ راقب ربه.» فهل فعلت هذا؟ ~~هل ودعت عامك الذي ينسلخ اليوم بفحص الضمير إن كنت مسيحيا؟ وهل حاسبت نفسك إن كنت ~~مسلما لترى ما أحسنت؟ معاذ الله أن أسيء الظن بك وأقول إنه لا يعنيك إلا أن تعرف مقدار ~~ما جمعت! ومعاذ الله أن أقول إن دفترك ليس فيه للفقير باب «إلى»! # قل لي ماذا أعددت للإنفاق الليلة على الطاولة الخضراء؟ بل ماذا أرصدت لزوجتك؟ ألا تستحي ~~يا أخي أن تلعب وأولادك على طاولة واحدة بحجة كشف البخت؟ أتصدق الورق الكذاب؟ ألا ~~تدري أن صغار الأمور تؤدي إلى كبارها، فكيف تدفع ولدك إلى هاوية اللعب؟ قل لي: كم ستكون ~~تكاليف مأدبتك اليوم؟ بحياتك لا تكذب. # هل خرج من كيسك ثمن رغيف للفقير؟ هل فكرت بإعطاء شيء من ثيابك وأحذيتك العتيقة إلى ~~الحفاة من إخوانك الآدميين يا آدمي؟ # كم دفعت بمناسبة هذا العام ثمن لعب وهدايا؟ وكم قطعت من الثياب الأنيقة لزوجتك وبناتك ~~وبنيك في هذا العيد؟ ترى من هو أحوج إليها؛ أأولادك وأحفادك وخزائنهم ملأى بها، أم ابن ~~جارك الحافي العريان؟ إنه محتاج إلى رغيف ليفك ريقه ويسند قلبه، وإلى قطعة من القماش ~~الرخيص يستر بها عورته. # وكلب زوجتك - جل شأنك وشأنها - ما ضره لو عودته أكل الخبز بدلا من البسكوت، وأكل ~~فضلات المطبخ بدلا من لحم الضأن، ثم أعطيت فضل ما بينهما فقيرا ملهوفا يأكل الخبز بعينيه ~~ولا يلمسه بأصبعه؟ # الناس اليوم يلجئون إلى التقنين الصارم، فلماذا ms050 لا تعود - ولو كلابك - على هذا وتحسن ~~بما توفره إلى أخيك الإنسان؟ أنت غني من فضل الله وكدك واجتهادك، فلماذا لا تزكي ~~مالك وتزين غناك بالإحسان؟ # إن من طالت يده بالمواهب تمتد إليه ألسنة المطالب، وأنت تعترف ولا شك بنعمة الله عليك ~~فلماذا لا تقضي حقوق المروة وتفي بديونها عليك؟ إن البيت الذي لا يخرج منه شيء في سبيل ~~الله لا بد من أن تقفل أبوابه إما عاجلا وإما آجلا. # الثمر يستحلى في أوانه، والشيء يحسن في إبانه، وهذا وقت الإحسان يا صديق الدينار، لا ~~تقس قلبك فيقسو قلب الله عليك، فهو حين أنعم عليك كأنه اختارك دون غيرك قيما على ~~البؤساء والمساكين، فإن كنت لم تقم بهذا الواجب بعد فعجل وقم به غدا وخير البر ~~عاجله. # إذا كانت محاسبة النفس واجبة علينا كل ليلة فكيف بها حين يموت عام ويولد عام؟ أفما يجب ~~أن نولد نحن معه؟ وكما نعمل ميزانية تجاراتنا يجب أن نعمل ميزانية حسناتنا، لنرى ما علينا ~~وما لنا عند الإنسانية. # أرأيت في عمرك ودهرك حيوانا يشاركه أحد في طعامه؟ فكيف أكون حيوانا بعدما شرفني الله ~~فخلقني إنسانا؟ # وهناك محاسبات كثيرة غير هذه، ولا بد من هذه المحاسبات لجميع طبقات البشر؛ من السيد ~~الرفيع إلى الخادم الوضيع وما بينهما من خلق الله، فكل منهم مسئول عن عمله. # الحاكم يجب أن يحاسب نفسه ليرى كيف ساس رعيته فيحسن إن كان ظلم وأساء، ويحسن أكثر ~~إن كان أحسن، فمجال الإحسان رحب واسع. # إن هذا اليوم لهو يوم الحساب الشديد لتقويم كل اعوجاج فينا، ليس هو يوم قمار وشرب، ~~ولا يوم أكل مما رزقنا الله من الطيبات دون أن نفكر بالآخرين، أمرنا الله أن نأكل من ~~طيبات ما رزقنا، وأمرنا أيضا بالزكاة والإحسان، فهل تعمل يا صاحبي بواحدة وتترك ~~الثانية؟ # فلو خففنا من هذا البطر ولو قليلا لننفق تكاليفه على المحرومين لأمنا شر ~~العواقب، إن الحياة مراحل وإذا حمدنا الله على قطعنا إحداها فلنقدم مع الحمد قربانا ~~من الإحسان، ليأخذ ms051 الله بيدنا ونصل آمنين إلى الواحة الكبرى، إلى بيت الجميع. # هناك ينعدم الفقر الذي هو صوت صارخ يطلب الانتقام من ثروتك، اخمد هذا الصوت بإحسانك ~~وترقب عاما جديدا يكون لك فيه إحسان جديد. # ليتك تتعود العطاء! جربه تنس لذة الأخذ، إنه أسمى وأرفع، واليد العليا خير من ~~اليد السفلى، والسلام عليك إن كنت محسنا، وإلا فسلامي يرجع إلي لأنك لا ~~تستحقه. # | عداوة المهنة # ويسميها العوام عداوة «الكار»، وشعارهم فيها: «على إزميلك أن ينحت دائما في صخرة ~~زميلك»، وإذا لم تفعل ذلك فكنز الثروة المرصود لا يظهر على وجهك. هكذا يتوهم من لا ~~يعتقدون أن النجاح حليف الصادق الأمين، فيظلون دائما يثرثرون ويهذرون، يطرون أنفسهم ~~وينادون على ما عندهم ممتدحين، ويطعنون في زملائهم كلما وجدوا مجال القول واسعا، صور ~~تجدها إذا تأملت في جميع أسواق المدن، بل في كل مكان تطؤه رجلك. # أما الصادقون من الناس الواثقون من أنفسهم العاملون بأمانة وإخلاص، فهؤلاء لا يغشون ~~ولا يغدرون، لا في الأسعار ولا في الموازين والأمتار. # عداوة الكار آفة سرى سمها الزعاف في عروق مجتمعنا فأفسد الدم وقرض اللحم ونخر العظم، ~~وهي العصا التي توضع بين أضلاع الدواليب فتقف لا تكر ولا تفر، قد استفحل شرها بيننا ~~وطغى فثقلت وطأتها على مجتمعنا حتى كادت تخنق الصناعة وتسحق رأس التجارة، وتقعد كل ~~نهضة وتثبط همم رجالها. # فالصانع عندنا مهما سمت أو انحطت مهنته يطعن في رصيفه وزميله، وتقوم بينهما قيامة ~~البغض وتسود الشحناء حتى تتقطع بينهما حبال المواصلة، فإذا دخلت مخزن تاجر تسوم بضاعته ~~قضيت عنده ساعة يسمعك فيها أولا خطبة العرش التي تدور حول خامه وجوخه وشيته وعنبر كيسه. ~~وإذا قلت له في معرض الكلام: عند جارك مثل هذا وبثمن أقل، احمر واصفر وازور وقدحت ~~عيناه شررا وراح يكلمك بفم يندلق فكه التحتاني كأنه باب عتيق مهرهر، ثم يزعم لك ~~أن بضاعته نازلة من السماء، وأنها لا توجد عند غيره، وأن بضاعة جاره مغشوشة مقلدة. ~~وإذا طغاك الشيطان واجترأت على القول له أن ms052 لا فرق بين بضاعته وبضاعة رفيقه سوى أن تلك ~~رخيصة الثمن؛ رمى جاره المنافق بقذائف الطعن والشتم وسب عرضه ودينه، وأخذ يخترع الأكاذيب ~~زاعما أنه غش أمس فلانة، وقبلها خدع السيدة الفلانية، ومنذ ساعة جاءه فلان وهو يحلف ألف ~~يمين أنه لا يدخل محل ذلك الغشاش والخداع الذي لا يقتني إلا أردأ أصناف البضاعة، ثم ~~يقول: أما أنا فلا يدخل مخزني إلا أحسن البضائع وأجودها وخير الناس وأكرمهم. # وأخيرا يرمي قدامك دفتره ويقلبه وشفاهه ترقص حقدا وغيظا، ثم يقول لك: انظر هذا اسم ~~من؟ تفضل اقرأ بعينك ألا تحسن القراءة والكتابة؟ هذا اسم الشيخ الفلاني أو الأمير ~~الفلاني أو الوزير الخطير، وكلهم - والحمد لله على هذه النعمة - من زبائن المحل، ثم يقلب ~~صفحة أخرى قائلا: وهذا تعرف من هو؟ هذا وزير الاقتصاد، وهذا وزير العدلية، أعرفت الآن ~~من هم زبائني؟ ثم يقلب صفحات دفتره بنزق ليقول لك بعد تنقيب وتقليب: وصلنا، هذا اسم ~~«مدام» فلان وهي لا تشتري ذراع قماش إلا من عندي، تقول دائما للناس: ما رأيت مثل فلان ~~بين التجار؛ سعره محدود وبضاعته فاخرة، ليس في المدينة مثله، هذا لو كان في باريس أو ~~لندن لكان صاحب ملايين، ولكن الناس في بلادنا لا يعرفون قيمة الأوادم. # ثم يتنفس الصعداء ويستريح قليلا ليستأنف ما بدأه من جهاد، ويقول: بحياتك لا تذكر ~~جاري إذا شرفتنا ثاني مرة، فهذي إهانة لي وللتجارة، حرام أن تقابل بيننا فما يدخل ~~دكان جاري غير فقراء الحال. # وإذا رأى أنك لم تخدع بتلك الفصاحة والبلاغة لجأ إلى الأيمان المغلظة، فأقسم لك ~~بنبيك إن كان يعرف ملتك، وإلا فهو يقسم بهم ثلاثتهم متكلا على الله داعيا إياك إلى ~~ذلك بقوله: «توكل على الله وغمض عينيك.» # ولا تخرج من باب دكانه حتى ترى جاره واقفا لك بالمرصاد، إنه يأبى إلا أن تشرف ~~محله، يتمسك بأذيالك كأنك غريمه وله عندك دين، حتى إذا ما سايرته ودخلت أقسم لك بالله ~~وملائكته وعرشه وكرسيه أن سيبيعك ما تريد برأس المال ms053 فقط نكاية بجاره الأناني الملعون ~~الذي يريد أن يستأثر بكل الناس ويقطع لقمة جيرانه. # إن الأسطوانة عينها تدار أمامك، وعليك أن تسمعها إما مجاملة وإما غصبا عن ~~رقبتك، فتتحير في أمرك ولا تدري من تصدق. # وأخيرا تعزم على أن تدخل مخزن تاجر يحترم نفسه ويعلم أن من غربل الناس نخلوه، فيبيعك ~~إن شئت، ولا يكذب ولا يذم؛ لأنه يعلم أن هذا الكيل يرد كيلين. # فمن دعا الناس إلى ذمه # ذموه بالحق وبالباطل # هذه خطوط من صور بعض التجار، أما هذا المعرض - معرض عداوة المهنة - فلا حصر لما فيه ~~من تماثيل وصور؛ لأن هذه الآفة لا تنحصر في منطقة واحدة من مناطق الحياة، بل تتعدى ~~الأسواق إلى العلماء والأدباء، فالعالم إن رأى الناس ينظرون إلى زميله نظرة إكبار وتقدير، ~~أو رددوا ذكره مع الثناء أو استحسنوا شيئا من آثاره الأدبية ينقبض صدره ويكفهر وجهه، ~~ولا يخفف من آلامه المبرحة إلا الطعن والتنديد، فيقف للناس بالمرصاد منتظرا الساعة التي ~~ينفسح له فيها المجال ليشبع جوع نفسه الصغيرة. # ومن يجل في شوارع مدننا الكبيرة ير أن هذه العداوة قابضة على القلوب الضعيفة، جاثمة ~~فوق الصدور، والأكثرون منا يخضعون لحكمها وينقادون إليها، حتى ندرت الصداقة بين اثنين ~~يعملان عملا واحدا، فكأن «مكروب» البغض والحسد يختبئ بين ثنايا تلك الأصناف ~~والمهن. # ترى ما يضر أرباب الحرف وأصحاب المتاجر لو دعوا البشر إلى متاجرهم بالتي هي أحسن؟ وما ~~ضرهم لو تنافسوا في إجادة العمل والصدق في المعاملة والتنزه عن الغش والخداع، بدلا من ~~التساب والشتائم؟ ألا يعرفون أن تبادل هذه «العواطف» يسقط الاثنين من عيون ~~الناس؟ # إن الصدق وحده هو الرائد الذي يصدق أهله، أما الغدار وإن أدرك نجاحا فالخيبة ~~أمامه، إنه يستطيع أن يغش الناس مرة ومرتين، أما أن يغشهم كل مرة فهذا لا ~~يكون. # إن الأمانة من صفات الناس الذين يثقون بما يعملون، فالمعمل الذي لا يتقن منتوجاته عمره ~~قصير، وإذا كان خطير الشأن وليس له وجدان فإنه يكون خطرا على الناس ويقضي عليهم ms054 بالجملة، ~~فمعمل السلاح الذي لا يصفي حديده من الخبث يقضي على كثيرين من البشر من حيث لا يدرون ~~ثم لا يطالب بالدية، ومسمار أو برغي غير متين أو غير محكم الوضع قد يهلك المئات من الناس ~~متى غرقت السفينة التي صنعها ذلك المعمل. # والصيدلي الذي لا يتقن عمل العلاج هو أخو عزرائيل، والطبيب الذي لا يهمه غير قبض ~~الفلوس هو حليف ملك الموت على قبض النفوس، فخير له وللناس إن كان لا يحذق مهنته أن ~~يفتش عن غيرها. # هذه صور مختلفة الملامح والألوان والأشكال نراها كل يوم، بل في كل ساعة إذا أعرناها ~~انتباها، فليت هذه الوجوه تتجمل بدلا من أن تسعى لكسب الرزق بالحيلة، فحبل الكذب ~~قصير. # فأنت يا أيها المعلم غيره ما ينقص من قدرك إذا أثنى الناس على زميلك؟ أهذا يحط من ~~كرامتك؟ أم هو حب الذات قد عقد لسانك؟ إن ثناءك على ابن مهنتك يسوق الثناء إليك عملا ~~بقول المثل: «كما تراني يا جميل أراك.» # فحتام يعمي ظلام الحسد بصائر الأنام ويجرهم إلى المهاوي؟ ومتى تتبدد من سماء عقولهم ~~ظلمات الحسد فيروا العظمة الحقيقية؟ # فليت هذه العداوة تستحيل منافسة شريفة فنتسابق ونحن بشر كما تتسابق الخيل! أليس كل ~~منها يسعى إلى الغاية، ولا يهمه أن يعرقل خطى سواه؟ فلنكن جيادا على الأقل إذا لم نشأ أن ~~نكون بشرا. # العالم اليوم يتنافس بالإعلان لا بقذائف اللسان، حكي أن خياطا روسيا شاء أن يعلن ~~عن دكانه فكتب فوق بابه: «أكبر خياط في روسيا.» وقرأ ذلك جار له فشاء أن يفوقه إعلانا ~~فكتب: «أكبر خياط في العالم.» وكان هناك خياط شهير لم يجد ما يقوله ليبز زميليه وهما ~~دونه شهرة، فاستعان بأحد الظرفاء فقال له: «المسألة بسيطة جدا، اكتب: أكبر خياط في هذا ~~السوق.» # هكذا يتنافس الناس عندهم، ولا يتعادون كما نتعادى نحن. # فلا نجاح إلا بالصدق وإتقان العمل، وكما أن لكل إنسان وجدانا كذلك يكون لكل مهنة ~~وعمل ومصلحة ضمير، ومن خان هذا الضمير ولم يستجب له حين ms055 يدعوه يشرف على الخسارة والبوار ~~من حيث لا يدري، فأتقن عملك واصدق تفلح إن شاء الله. # | بين الأذن والفم # شكت إلي أذني ثرثرة فمي فقلت لها: عجيبة شكواك! إنه لا يصلني شيء مما تدعين. # ثم تفكرت مليا في ما قالت فوجدتها مصيبة، وأدركت شر المصيبة المضحكة. # سمعت الناس كثيرا ما يقولون «خداع النظر»، وقلما سمعتهم يقولون «خداع السمع»، إني ~~أحسبهم مخطئين فما أقل الذين تخدعهم أعينهم! أما الذين تخدعهم آذانهم فأكثر عددا من ~~الرمل، إن في وفيك شيئين قريبين بعيدين، أتحزر ما هما؟ # هما أذناي وأذناك وفمي وفمك، ألا ترى كيف نصبت الأذنان كبوقين على جانبي قمة رأسي ~~ورأسك؟ ألا تراهما ككفتي ميزان، وخصوصا إذا كانتا طويلتين، ننتقل بهما من مجلس إلى ~~مجلس، ومن ناد إلى ساحة، لقد خلقتا ميزانا لأنفسنا أولا، ولكننا لم ننتفع بهذا ~~الميزان؟ # وكأنى بك تعترض علي قائلا: أليس للحيوان أذنان وفم؟ فماذا اخترعت بسؤالك هذا؟ ~~- أي نعم يا سيدي، نحن والحيوان وكل من يسعى إلى رزقه في هذا سواء، إنما هناك فرق: ~~الحيوان - أجلك الله - تصدق أذناه جميع ما ينطق به فمه، فلا ينافق متى تكلم بلغته، ~~لا يكذب الحيوان على قانيه إذا كان داجنا، ولا على فريسته متى تهدد وتوعد، إذا كان ~~آبدا. أما أنا وأنت فما أبعد فمنا عن آذاننا! إن أعمالنا تؤكد لمن يسمع أقوالنا أن ~~آذاننا في واد وفمنا في واد، مع أنه ليس بينهما قدر أربع أصابع مسافة. # غريب، عجيب! كيف يصب في هذين القمعين كل ما في الدنيا من كلام؟! كيف تلتقطان ~~كل حرف من حديث النمامين الكذابين والهمازين اللمازين، ثم لا يبلغهما شيء من ~~الفم الذي لا يبعد عنهما إلا قيد كف؟! ... # جعلت الطبيعة الأذنين جارين للفم، بابهما مشرع دائما وأبدا، ومع ذلك تبدو هذه ~~الشقة بعيدة جدا كأنها صحراء مد النهار، نحتاج إلى تليفون لاسلكي لنبلغ أذنينا ما ~~ينطق به فمنا، أليس هذا عجيبا غريبا؟ # لقد حان لي أن أقول لك: كيف تقعد يا صاحبي تعجن الناس ms056 وتخبزهم، ثم تضع المقلي على النار ~~وتدب بالحطب ثم لا تدري أنك ما تطبخ إلا نفسك؟ فأنت الطابخ والمطبوخ ... وتحسب أن الناس ~~لا يعرفون ما عندك. # أنت مغفل يا صاحبي إذا غرك منهم إصغاؤهم إليك، وأنت أبله إذا ظننت أن كلامك جاز ~~عليهم لأنهم أقبلوا عليك بوجوه تحير فيها ماء الهزء والسخرية، ليتك تعرف يا مغرور ماذا ~~قال أحد الحكماء، قال: «لو درى كل الناس بما يقوله كل الناس عن كل الناس لما خاطب ~~أحد أحدا!» # كم رأيتك ورأيتني قاعدين نتحدث كأننا ذوو سلطان نصدر أحكاما صارمة كأننا شركاء ~~العزة في تدبير الكون، ومن كان يعرفنا ورآنا على تلك الحال يتأكد أننا لا نسمع ما ~~نتكلم به، تقول أنت مثلا: لو كنت ممن ولي الأحكام لعملت كيت وكيت، وفعلت كذا وكذا، بينما ~~أنت تعرف أنك عاجز عن إدارة أهلك، وتدبير شئون بيتك، وتعمير عقارك. وإذا غرتك عينك ~~بالسامعين تقذف حنجرتك رعودا إصلاحية تغص بها الأودية المجاورة، ولكن صداها - ويا ~~للمصيبة - ينبو عن وادييك المتفتحين على جانبي فمك الذي ترمي أواذيه العابرين ~~بالزبد. # زرت رجلا عهد إليه قضاء صغار الحاجات، فابتدأ يصف لي عظيم شأنه وأنا أعرف من هو، ثم ~~استرسل في محاضرة غير قصيرة موضوعها إخلاصه وتفانيه في خدمة الأمة، وحرصه الشديد على قضاء ~~حوائج الناس فورا، فهو لا يريد أن يؤجل عملا، فليس الناس عبيد أبيه ليروحوا ويجيئوا. ~~وفيما هو يصارع أمواج موضوعه المتلاطمة دخل علينا صاحب حاجة فقال له: «مشغول الآن، غدا.» ~~فوجم الرجل كأنه يعتب صامتا، فقال له هو: «غدا، انتهينا.» ودق على ظهره يسترضيه، فما ~~كاد يخرج هذا حتى أطل آخر فسد الباب فقال له فورا: «بعد يومين إن شاء الله.» وجاء ثالث ~~فنهض، وفيما هو يقفل الباب بوجهه قال: «تعال بعد الظهر.» # فقلت وأنا أتهيأ للذهاب: «عرقلنا السير ... أزعجناك، أودعناك.» فأمسك صاحبنا بطرف ثوبي ~~وقال: «اقعد، هذا شغل لا نهاية له، ولولا «بكرة وبعد بكرة» البقية بحياتك، كنا فطسنا من ~~عشرين سنة ...» # لا إخالك نسيت ms057 ما كان يقول منذ لحظات ، أفتقول بعد هذا إن أذني صاحبنا قريبتان من فمه؟ ~~أنا لا أصدق ذلك، ولا أصدقك إن خالفتني. # وإذا سمعت أنانيا جشعا يندلع لسانه كالنار، ويتدهور كلامه في أذنيك كما تتدهور مياه ~~الشلال يحدثك عن طهارة النفس واليد، ويتغنى بمحبة القريب والغريب، وأنت تعرف أن ~~قلبه قد من الصوان، يسلخ جلود اليتامى ويهتك ستر الأرامل، ويستحل رغيف المسكين، ~~أفتقول إنه سمع ما قال وإن أذنيه قريبتان من فمه؟ # وإذا جمعك سوء البخت بشيخ مهدم تعلم أنه لا يضحك إلا للفلس حراما كان أو حلالا، ثم ~~قعد يصف لك تكالب الناس واقتتالهم على جيف المادة، وأنت تعلم أنه أكلب خلق الله؛ فما عساك ~~تفعل؟ أتنتظره حتى يسد بوزه؟ ما أراك إلا هاما بصفعه لتهشم أنفه وتذهب بما بقي في ~~فمه من أسنان، ومع ذلك أقول لك: اصبر عليه، فلو أردت أن تكنس المجتمع لوجب عليك أن تزرع ~~العامر والغامر من الأرض بما يصلح مكانس لتكسح المدن والقرى. ولكن بحياتك قل لي بكم من آلاف ~~الكيلومترات تقدر مسافة البعد ما بين أذني هذا الوقح وفمه؟! # ما لنا نترك ما يعنينا؟ فلنعد إلى مهنتنا، إذا سمعت معلما يحث تلاميذه على الجد ~~والكد وسهر الليالي والإقبال على الدرس بثغور باسمة ووجوه تقطر نشاطا وأعين وأيد تكاد ~~تلتهم الكتب والأوراق، ثم رأيته في الغد يقبل على عمله كالبغل الكئيب؛ أفتقول إن أذنيه ~~حد فمه؟ # وإذا رأيت من انتدب نفسه مختارا لا مكرها ولا مجبرا ليكون للناس معلما ومشيرا، ~~ثم سمعته يحضهم على فضائل تنكر هو لها، ولم يستح ممن ينكرون عليه ما تنكر لأنهم ~~يعرفونه حلة ونسبا؛ أفلا تهم بالدنو منه لتقر في أذنيه هذا المثل: اقعد أعوج ~~واحك مقوما؟ # وبعد، فقد تكون سئمت القعود ومجيء الناس إلينا، فقم نتمش، سوف نمشي على المقربة - ~~القادومية - فنقد السوق قدا، انظر هذا الذي كان يوصي الناس بالراكضين خلف الرغيف ~~والإحسان إليهم، فها هو يساور حمالا من أجل نصف قرش سقط من كيسه فوقع ms058 في عب ~~العتال. # تبصر تر هناك الذي كان يحدثنا أمس عن المساواة والتواضع، تأمل كيف يهش بعصاه ~~على البؤساء ويطردهم من أمامه كأنهم الذبان الأزرق! # وهذاك اسمعه كيف يساوم رجلا مضطرا في حاجة دفعته إلى بيعها الحاجة القصوى، يريد أن ~~يستغل خصاصته ويغبنه في متاعه كأنه لا يذكر شيئا مما رواه لنا أمس من أحاديث وآيات، نسي ~~الرجل أنه روى لنا البارحة حديثا شريفا، وهو «ارحموا غني قوم افتقر، وعزيز قوم ~~ذل.» # أما هو الذي كان يحضنا أمس على المعروف حتى خلنا أنه يتقاضى عن وعظه أجرا أو أنه من ~~حزب الله؟ # وأخيرا ألتفت إلى صاحبي أسأله: ما تقول في هؤلاء؟ فامتعض وأجاب: أتطلب من الناس صمت ~~الأبد؟ # قلت: ومن قال ذلك؟ ولكن الكلام يا صاحبي كالنقد الدارج اليوم، إذا لم يدعم بما يقابله من ~~العين فأية قيمة له؟ فمن يرجو أن يتبعه الناس فليؤمن هو أولا بما يقول. # سئل النبي الكريم عن علامات المنافق فقال: «ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ~~اؤتمن خان.» فالله نسأل أن يقرب ما بين أفواهنا وآذاننا لكيلا ننطق إلا بالحق ولا ~~نتكلم إلا صادقين! # | مشاهدات # أقبلت يوما على عملي وكأني منصب عليه انصبابا، فما أفقت من غفلتي هذه حتى أحسست أن ~~الأضلاع تكاد تهبط على الأحشاء، وشعرت بأن نبضات القلب كخيل الطراد لا أستطيع لها عدا، ~~واعتراني سأم لم أجد وسيلة تنقذني منه غير ترك القلم وإطباق الكتاب، فنهضت أتفرج ولم ~~أدر أنني أطبقت الكتاب الصغير لأفتح الكتاب الأعظم، رأيت زهرة حنت رأسها لتسلم الروح، ~~فقدت نضارتها بعدما كانت تسحر النواظر وتنعش العقول، فقادني تداعي الأفكار إلى طور الشباب ~~زهرة الحياة. # لا يفتر ثغر هذه الزهرة في الصباح ليستقبل قطرات الندى حتى تكويه حرارة شمس الواقع ~~القاسية، فيلفح الحر نضارة تلك الزهرة الحالمة فتذوي وتذبل، عراك مستمر وتنازع دائم، ~~الليالي تطارد الأيام والأعوام تدوس الإنسان بقدم لا تبقي عليه ولا تذر. # ومن الزهرة تحول نظري إلى شجرة كانت الناس تقيل في ظلها ms059 الوارف وتأكل من ثمارها ~~الدانية ، وهي بثوبها النضير الأوراق والعيون عالقة بها ترجو أن تظفر الأيدي بما تسد به ~~الأفواه والبطون، فتذكرت كيف يلتف الناس حول من يبتسم له الدهر سيدا كان أو مسودا، ~~حتى إذا هبط من القمة إلى الوادي ارفض الناس عنه لا يذكرون ماضيه، ولا ما أغدق عليهم ~~من أياديه. # ثم رأيت قصبة تميل مع الهواء كيفما مال لا تهاب الزوابع ولا يهلع فؤادها من هياج الإعصار، ~~فرأيتها تمثل حياة الناس الذين يتقلبون مع كل ريح ويلبسون لكل ساعة لبوسها، فلا يضيقون ~~ذرعا بحال من الأحوال، يمشون مع التيار مؤثرين السلامة والعافية، وينحنون إلى الأرض حتى ~~تعود العاصفة إلى خدر أمها، لا يعنيهم إلا أن يعيشوا آكلين شاربين ومن الهم ~~خالين. # ومن القصبة تحول نظري إلى السنديانة العنيدة الرابضة على جبين الرابية تهزأ بالرياح ~~وتعبس في وجه الزوابع الهائجة، تلوح بأغصانها كأنها تشير بعناد قائلة: لا أنحني فافعلي ~~ما شئت، تتماسك كلما زمجرت الزوبعة فلا تلين لها ولا تتراخى، وظلت تجاهد حتى سقطت بعض ~~أغصانها، وعاد إليها سكونها وطمأنينتها، ولا تبالي بما فقدت لأنها ثبتت في النضال وخرجت ~~ظافرة، فذكرتني بنضال النفوس الكبيرة من أجل القضايا الخالدة. # ولاحت لي بقعة صغيرة من الأرض لبست ثوبا أرجوانيا من شقائق النعمان، فما دنوت منها ~~حتى كرهتها، وما أكره القلوب السوداء في هذا المجتمع! تلك القلوب التي فيها الحقد والبغض، ~~والتي لا تعرف إلا الانتقام، ولا تنسى سيئة، ودها خب ونفاق، وابتسامها دمل مفتوح ~~ينهار منه القيح والصديد، حناجرها قبور مفتحة وسم الأفاعي تحت شفاهها. # ورأيت كلبا على مزبلة ينهش كل ما وصل إليه فلا يعف عن شيء مهما كان قذرا، ~~فتمثلت ذلك البخيل الذي يفني حياته بجمع الأموال يأكل ولا يطعم، لا يفتح يده لنجدة، ولا ~~يهتز لإسعاف، ولا يحسن إلى فقير، درهمه عفريت في قمقم سليماني، وديناره في حبس الدم، ~~همه أن ينال ولو الخسيس لأن ذلك من طبعه. # ورأيت طائرة تخترق الفضاء مروعة النسور، وما غابت عن ms060 نظري وراء الغيوم حتى رأيتها ~~تنقض كالكوكب الذري وتتحطم على صخرة الوادي، فتمثلت الجبابرة الذين يرتفعون ~~ويرتفعون حتى إذا ما انطفأت النار أو نفد البنزين أو طرأ خلل على المحركات هبطوا إلى ~~الحضيض إما أمواتا وإما مهشمين. # ورأيت الأسهم النارية تشق كبد الظلام محلقة صعدا في الجو، ثم لم تلبث أن عادت حيث ~~كانت، فتمثلت ذاك المتكبر الذي يرفع رأسه ويصعد على أجنحه الوهم ويحسب نفسه أنه ارتقى ~~أعلى ذروات المجد، ولكنه مهما شمخ بأنفه فلا بد من أن يسقط ويعفر جبينه بالتراب، ويلوي ~~رأسه كالسهم عند هبوطه. # ورأيت ظلمة الليل الموحشة بعدما كنت مبتهجا بنور القمر، كان يسكب علي نوره الحالم ~~فلما فقدته شعرت شعورا كاملا بقول أبي فراس في بيته المشهور، وعرفت أنه لا بد من هذا ~~وتلك، وأن الحياة لا تطيب على نمط واحد. # وسمعت الجداجد تصر في سنديانة الكنيسة، فتذكرت الثرثارين الذين يتكلمون دائما ~~وأبدا ولكنهم لا يقولون شيئا، وحسبهم أن يقال إنهم جداجد. # وعدت إلى غرفتي فرأيت الفراش يحوم حول السراج، فتمثلت أمامي أولئك الذين يطوفون ~~حول الثروة، يجمعون الأموال ملطخة بدماء القلوب والأكباد، يتحينون كل مورد ويلغون ~~فيه ولكنهم لا يروى لهم غليل، فيموتون وقلوبهم محترقة بنار مطامعهم كما احترق ذاك الفراش ~~الطائش. # ولا أدري كيف تذكرت أخيرا ذلك الطائر الأسطوري عائدا إلى وكره، بعدما جاب الفضاء ولم ~~يقع على قوت لأفراخه، فطعن صدره بمنقاره فغذاهم بدمه، فبدت لي صورة الشهيد الذي يجود ~~بنفسه دفاعا عن أمته حين لا يستطيع أن يفتديها بغير مهجته. # وعدت إلى عملي أهمس في آذان الصحيفة المصغية إلى ما يمدني به ذهني، وإذا بمصباحي ~~ينطفئ، قطعت عاصفة مجنونة مجرى النور فرأيتني في ظلمة دامسة فتذكرت كيف يطفئ القدر ~~سرج الأزمنة من مفكرين ومصلحين فلا ينطفئ مصباح حتى يضاء سراج، ولكن الحيوان الكامن ~~في الإنسان لا يفهم إلا لغة غرائزه فهي التي تصمه وتعميه. # وأخيرا أومأ إلي النوم، فعلمت أننا أخيرا كلنا نائمون، وما أحسن العمل بقول شاعرنا ~~الفحل: # تمتع ms061 من سهاد أو رقاد # ولا تأمل كرى تحت الرجام # فإن لثالث الحالين معنى # سوى معنى انتباهك والمنام # | نماذج شتى # في الدنيا أجناس وأنواع وأصناف من المخلوقات، فكأنما الطبيعة فبركة عظمى تقذف ~~منتوجاتها إلى الأسواق بالمئات والألوف، والفرق بينها وبين الفبارك البشرية هو أن هذه تطبع ~~مصنوعاتها على غرار واحد فلا تستطيع أن تميز الواحد من الآخر، أما الطبيعة فلا ~~تتقيد بغير الجنس والنوع، فقلما يتفق الأفراد في الشكل كل الاتفاق ولو كانوا توائم، ~~لا بد من علامة تميز كل فرد من مصنوعاتها، سواء أكان ذلك في الشكل الجسدي أم كان في ~~الشكل العقلي، حتى جاء في الكلام المأثور: «عقول البشر مثل نبات الأرض.» # قد تحرم الطبيعة أحد أفرادها من الهبات العقلية الكبرى، ولكنها في الوقت نفسه تجود عليه ~~بما يغنيه عما يسمونه عبقرية ونبوغا، فكم من عالم كبير وأديب عبقري لا يفهم أساليب ~~الحياة حق الفهم، فيتعثر بأذيال الخيبة عمليا كيفما وأينما توجه، ومن هنا جاء ~~تشكي العبقريين والنوابغ الذين يقصرون في ميدان الواقع، بينما نراهم يحلقون في آفاق ~~النظريات إلى أعلى عليين. # فمن الخير لنا ألا نبني رجاءنا على الكتب، ففائدة الكتب تطلب خارج دفاتها، إن ~~الإفراط في التأدب والتعلم يضعف الرجل ويجعله غير أهل للحياة العملية إذا لم تهبه ~~الطبيعة حنكة وتجاريب، فالتهذيب بالكتب يجعل المرء مبالغا في الانتقاد، جبانا غير واثق ~~بقدرته، رقيق المشاعر لا يتحمل مشاق الحياة ومشاكلها الآلية، وهكذا تحول رقته ~~المتناهية دون الجزم، ويفصل أدبه العالي بينه وبين العمل اليومي. # إن تربية المدارس والكتب تلطف وتدمث، وهي ليست أحيانا إلا تربية أخلاقية يفني ~~المرء في سبيلها طاقة نشاطه وعزيمته، فهذه التربية المثلى إذا اعتمد عليها وحدها تشل ~~القوى العملية؛ لأن المفرط في الدرس بلا تجربة يفقد ذاتيته ويمتلئ دماغه بالنظريات ~~ويبتعد عن الواقع حتى إنه يفقد النشاط العقلي الذي رافقه قبل دخول المدرسة ثم ما لبث أن ~~تلاشى فيها، إن حفظ البرامج التعليمية عن ظهر قلب لا يخلق شخصية صالحة للحياة، ومن ينشأ ~~هكذا ms062 يدهش؛ إذ يخرج إلى مدرسة العالم ويجد أنه فقد المقدرة على تفهم الناس والأشياء، ~~يتعجب إذ يرى غلاما فقيرا محروما من تحصيل العلوم يسبقه في ميادين العمل. # إن خريج المدارس العليا يعيش في عالم خيالي ويخال تخاذله قوة، بينما يرى العالم يضحك ~~من نظرياته المثلى التي لا يستطاع تطبيقها، إن تلك النظريات كمسرحية لم تمثل مشاهدها ~~وأدوارها ليرى الناس قيمتها الفنية، نحن في زمان يتطلب رجالا عمليين، وليست معارف غير ~~العمليين من ذوي العقول الكبيرة إلا مواد يستخدمها وينتفع منها أنصاف المتعلمين الذين ~~وهبوا مقدرة الدخول والخروج من أبواب معضلات الدنيا ومشاغلها، إن هؤلاء الذين لا ~~يفهمون إلا المحسوسات يعرفون ماذا تفيدهم النار في أعمالهم، ثم لا يعنيهم بعد ذلك أن يعرفوا ~~كيف ومم تتولد الحرارة، فمن الخير لنا أن نعلم بنينا كيف يستفيدون من طاقة الماء قبل ~~أن نعلمهم أنه مركب من الأكسيجين والهيدروجين. # فإنسان الكهوف حين حك العود على جدار كهفه واكتشف النار واستخدمها في منافعه لم يبحث عن ~~أصلها وفصلها، ولكنه شوى عليها صيده وأكل هنيئا مريئا، ثم قعد يتدفأ عليها بعدما ملأ ~~بطنه واستنار بها حين فقد البدر. إن في الطبيعة نماذج عديدة من البشر تضحكك إذا تأملتها ~~ورأيت كيف تجتمع فيها الأضداد؛ فمن ذكاء حاد إلى جانبه غفلة كأنها البلاهة، فإسحاق نيوتن ~~استطاع أن يدرك سر الخليقة، ولكنه كان يضيق ذرعا بالنهوض عن كرسيه ليفتح الباب ~~لهرته، فقور لها طاقة في أسفل الباب لتدخل منه متى شاءت ثم عمل طاقة أصغر لجروها، ولم ~~يدرك أن الطاقة الواحدة تكفي البسة وجروها. # وبتهوفن الموسيقي العظيم كان لا يعرف أن يقطع كوبونا من سند لديه ليقبض فائدته حين ~~يحتاج إلى المال، فكان يبيع ذاك السند بل ربما باعه بثمن بخس من تويجر يضحك من ~~عبقريته وإن أعجب بما يبدعه من أنغام. # ويحكى عن أحد الكتاب الكبار الألمان أنه عاد مرة إلى بيته وقرع الباب فأطل عليه ~~خادمه من النافذة، ولما لم يقدر أن يعرفه بسبب الظلام الحالك قال ms063 له: إن مولاي الأستاذ ~~غائب الآن عن البيت. # فأجابه الكاتب العبقري وهو ذاهل: حسن! قل له سأعود لزيارته في فرصة أخرى! وهكذا نام ~~عبقرينا لا نعرف أين ليلته تلك. # وأحد أساتذتنا البلديين وكان من المتفوقين في علم الرياضيات، رافق مرة زائريه إلى ~~الشارع مودعا، وبعد أن سار معهم مسافة غير قصيرة وقف يترجاهم ألا يزعجوا أنفسهم أكثر ~~بوداعه وسألهم بإلحاح أن يعودوا، ولم يشعر أنه هو الذي يجب أن يعود إلا عندما أفهموه ذلك ~~بالقلم العريض. # وأعرف أيضا أستاذا خرج من صفه وما زال عقله مشغولا بحل معضلة، فرأى في طريقه إلى ~~غرفته كاهنا عريض الأكتاف واقفا يصلي أمام تمثال في ساحة المدرسة، فشرع يخربش أرقاما ~~على ظهره ظانا أنه أمام لوح أسود. # قل منا من لم يسمع بإديسون العظيم، فهذا الرجل الذي أدرك كثيرا من أسرار الطبيعة ~~واستخدمها لرفاهية الإنسان لم يعلم أن البريد ينقل بسرعة كل ما يعوزنا من القارات ~~الأخرى، فلما قيل له ظهر في ألمانيا كتاب جليل عن الكهرباء، قال: «ابعثوا رسولا إلى ~~ألمانيا يجيئني به.» # وصاحبنا الجاحظ النابغة العظيم حصر مثل هذه الغفلة في المعلمين، فكتب دفتر المعلمين ~~المشهور فأضحك الناس ولا يزال يضحكهم منهم، وقد نسي مولانا الجاحظ أن العلماء العظام ~~مثله أغفل من المعلمين أحيانا، وإني لأعجب من الجاحظ العظيم الذي لم يترك شاردة ولا ~~واردة عن غفلة المعلمين إلا دونها في ذلك الدفتر، كيف نسي غفلته هو حين حدثنا أنه ~~نسي اسمه ثلاثة أيام! # إن هذه الغفلة قد تنفع في العلم فينصرف صاحبها النابغة بكليته إلى قضية ما فيحلل ما ~~اعتاص منها، ليأتي رجل وسط ويستغل تلك الموهبة الخارقة. # إن علم هؤلاء لا ينفعهم بنافعة في الحياة، ولكن غيرهم يستفيد من ذكائهم ويستغل علمهم ~~ومعرفتهم، فهم أشبه بالأرض التي تطعم ولا تأكل من ثمارها الشهية، كثيرا ما ترى رجلا ~~يندب أمامك حظه ويرى نفسه فوق رؤسائه، بل يرى أنه أهل لأن يدير أمته ويدير شئونها، ~~ولكن الناس حساد يكرهون أن يسودهم عبقري ms064 مثله؛ ولذلك ظل هو حيث هو بينما فلان الذي ~~كان رفيقه في المدرسة وكان دونه في الصف يتمتع اليوم بمركز مرموق، فإلى صاحبنا هذا قل: ~~لقد ظلمتك مدرستك التي عظمت ذكاءك لأنها نظرت إليك من جهة واحدة ونمت فيك موهبة لا ~~تطعمك خبزا ولا تسقيك كأس ماء بارد، نظرت إلى نخروب عامر من دماغك وعميت عما في ~~نخاريبه الأخر من خراب، فجاء حكمها العام فاسدا. # إن كتاب الحياة يقرأ بغير الطريقة التي تقرأ بها الكتب العلمية والفلسفية والأدبية، ~~فلا تتعجبوا إذا رأيتم من لا يعرف الخمس من الطمس يتفوق في ميادين شتى على الشباب ~~الجامعيين الذين قتلوا العلوم الحديثة درسا، تعلموا - مثلا - الاقتصاد السياسي ثم ما ~~عرفوا اقتصدوا ولا ساسوا، وحذقوا مواقع النجوم في قبة الفلك بينما لا يدرون موقعهم على ~~الأرض، وتعلموا سرعة النور وانتشار الضوء ولا يزالون أيضا كالسلحفاة قابعين في مدارجهم ~~لا يعرفون أن العمل غير العلم. # إن الرجل العملي المحنك هو الذي خلق لاستغلال العقول الغنية الرفيعة التي لا تعرف ~~أن تفكر إلا بالقضايا التي تستبد بذكائها، فكم حال انصباب بتهوفن على رائعاته ~~الموسيقية دون تفكيره بخبزه اليومي، فلم يكن لديه أحيانا غير قطعة بسكوت وكأس ماء ~~لغدائه! # حقا إن العبقرية نعمة وكارثة في وقت معا، وما أجمل وأصدق قول أم الإسكندر ~~لابنها: «إني أتمنى لك أصحاب عقول تخدمك، ولا أتمنى لك عقلا تخدم به غيرك.» # | أكلة لحوم البشر # فكرت أياما في موضوع أكتبه فما اهتديت إلى واحد يعجبني، ولكن المصادفة كما يقولون ~~خير من الميعاد، فجاءني الموضوع إلى البيت، ففي ليلة جيبها مزرور ونجمها مغموم، وقد أعددت ~~لها كافات الحريري السبعة إلا واحدا، دخل علي رجل ليسهر عندي، فتعجبت كيف قطع مسافة ~~ميلين وأكثر في هاتيك الليلة السوداء، ولكني عظمت أجره وشكرت سعيه. هذا الرجل يطلقون عليه ~~في جوارنا لقب منشار الصقالة، له لسان كمدقة الطبل يضرب به دائما على قفا كل غائب ~~من جيرانه وإخوانه، وبينما كنت أتأهل كل به قلت في نفسي: هذا ms065 هو موضوعي. # وقعد قبالتي على موقد يطحر ويزحر مصارعا البرد فتعدل الحمل، وبعد أن فتل شاربيه ورفع ~~بأصبعيه أرنبة أنفه افتتح الحديث بالمقبلات: أخبار خارجية وأخبار محلية وأخبار أطول منها ~~نفسا، ثم عاد إلى الداخل فبدأ على خيرة الله، بعدما ألح صوبي ومد عنقا كعنق ~~السلحفاة، وقال: عندك للسر مطرح؟ # قلت كما يقولون: بئر عميق، هات ما عندك. # فقال: منذ أيام كان فلان جارك عندنا فقال عنكم كيت وكيت، فقلت: من كان مثلك يا رجل لا ~~يتطاول إلى من هم أكبر منه، وأنا أعرف أن من تسبه عندنا محسن إليك، فقال: محسن إلي! ~~من قال؟ أنا صاحب الفضل لا هو. # فقلت: يا بو عزيز، الكلام صفة المتكلم. # فصاح: معلوم معلوم معلوم، ولكن أنا يقهرني نكران الجميل. # فقلت: هذا مرضنا يا عمي بو عزيز، كلنا في الهوى سوا. # فقال: الحق معك، هذا مرضنا، والبرهان على ذلك أن فلانا الذي هو من عظام الرقبة ظل ~~يحكي طول النهار ولكن عمك عم، سد بوزه بأجلك الله، فلف ذنبه وراح. وتصديقا لقولك إننا ~~كلنا في الهوى سوا، أمس كان فلان يروي أخبارا وحكايات عن شخص محترم جدا فما احتملت ~~سفاهته، ولو لم يقفوا بيني وبينه كنت خطفت روحه. # فقلت: نشكر الله على أنها انتهت عند هذا الحد ولم ترتكب جناية. # فأجاب وهو مصدق نفسه: وأنا شكرت ربي، ولكن طبعي لا يحتمل. # وحاولت أن أقلب الأسطوانة، ولكن صاحبنا يلذ له هذا النغم فعاد إليه، وأراد أن يوقع ~~بيني وبين صديق حميم أعرف حق المعرفة أنه لي غائبا وحاضرا، فقال: صديقك فلان، آه! الله ~~لا يغرك منه، هذا قال كذا وكذا، فقلت له: عيب علينا أن نشرب من البئر ونرمي فيه ~~حجرا! # وبينا هو في الحديث إذا بصاحبنا الذي وضعه على طاولة التشريح يقرع الباب ويدخل، فقال في ~~سره: يا مسا القرد! ثم نهض أبو عزيز يعانقه حتى كاد يخنقه، وبعد أن جلس أطرق أبو عزيز هنيهة ~~ثم رفع رأسه وحدق إلي بعينيه البيضاوين وقال مشيرا ms066 إلى صاحبي: هذا صديق لا يثمن، ~~وهنيئا لمن عنده صاحب مثله، ليت لنا في جيراننا وأهلنا واحدا مثله! الأقارب عقارب كلهم ~~يشتهون لنا الضرر، ويفرحون في قلوبهم حين تصيبنا مصيبة، هل سمعت في عمرك ودهرك أن من ~~نقاسمه اللقمة إذا اعتاز يتمنى أن تكون فقيرا مثله؟! هؤلاء أقاربنا وجيراننا. # فقلت له: ولكن ابن عمك بطرس رجل طيب يا بو عزيز. # فقال: «بلا طيب بلا بلوط، ليس في الحيات صالحات، خبيث قلبه أسود مثل الزفت!» # وهكذا قضى صاحبنا السهرة الطويلة ولم يقف لسانه لحظة، كان ينتقل بسرعة من ظهر إلى ظهر ~~ومن قفا إلى قفا، لا يهدأ كأن محركا يديره. ولما طالت الجلسة نهض صاحبنا الذي أرسله الله ~~لإنقاذي وقال: «تفضل نم عندنا يا بو عزيز.» # فضرب براحته الأرض وقال: «نومتي هنا.» # وما ذكر كلمة النوم حتى نهضت وقلت: «دله على الغرفة يا ...» # وفي الصباح أراد أن يجرش عظام من بقي ممن يعرفهم ونعرفهم فما أفسحت له مجالا، ونويت إذا ~~ما عاد إلى مثلها أن أعمل كما عمل عبد الملك بن مروان؛ قال له رجل: «إني أريد أن أسر ~~إليك شيئا.» # فقال عبد الملك لجلسائه: «إذا شئتم.» # فنهضوا، وأراد الرجل الكلام فقال له عبد الملك: «لا تمدحني فأنا أعلم بنفسي منك، ولا ~~تكذبني فإنه لا رأي لمكذوب، ولا تغتب عندي أحدا.» # فقال الرجل: «يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي بالانصراف؟» # قال له: «إذا شئت.» # لقد أحسن ذلك الخليفة الجبار، فهذه ثلاث خصال قلما يفلح من يتصف بها، وما أكثر ~~انتشارها عندنا! فلا يدير أحدنا ظهره حتى تتناوشه سهام وسنان الألسنة التي لا التئام ~~لجراحها. # فلا تسلوا خناجر الاغتياب لتمزقوا بها أعراض إخوانكم وبني عمكم وجيرانكم، فليس ~~العرض ثوبا يرتق بعد الخزق، ولا غصنا يزداد نموا إذا شذب، إن انتقاصكم من قدر ~~إخوانكم غائبين لا يجعلكم أسياد الحضرة، ليس بالكلام يبلغ المقام، جاء في المثل: «من غربل ~~الناس نخلوه»، فحذار حذار! وتذكروا قول الشاعر: # إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى # وحظك موفور ms067 وعرضك صين # لسانك لا تذكر به عورة امرئ # فكلك عورات وللناس ألسن # وعينك إن أبدت إليك مساوئا # بقوم فقل يا عين للناس أعين # فعاشر بمعروف وسامح من اعتدى # وفارق ولكن بالتي هي أحسن # قد استفحل أمر الاغتياب عندنا حتى صار رواية تمثل في كل محضر، إنها لمأساة فاجعة ~~أبطالها نحن رجالا ونساء، وللنساء الباع الطويل على هذا المسرح، وهن الحائزات قصب السبق ~~في هذا الميدان، فلا تسمع بتهمة أو اغتياب تقوم لهما الناس وتقعد إلا كان أبطالها نساء أو ~~أشباه النساء، فمتى اجتمعن - ولا أعني الراقيات المهذبات منهن - فلا تسل عن موضوع ~~حديثهن، فهو أنا وأنت وهو. وأغلب جلوسهن يكون قبالة النوافذ لينظرن الجائي والرائح، ~~استمدادا للوحي والإلهام، فيفصلن لكل رجل ثوبا، ولكل أنثى إذا كانت أجمل منهن فساطين ~~مختلفة الأزياء والألوان ... ثم لا يقفن عند حد من الكلام، ولا تفرغ جعبتهن من السهام، ~~فلو وهب الله خطيبا سرعة خاطرهن وفصاحتهن في مثل هذه المواضيع، لكان يقتل الناس بكلامه ~~ولا ينتهي. # ومن تقصى في البحث عن غايتهن من الاغتياب علم أنها بسيطة، فهن لا يقصدن - غالبا - ~~غير التسلية، وتلك سجية طبعن عليها. أما الرجال فهم أصحاب الغايات، وهم الذين يغتابون ~~تشفيا وانتقاما. وإذا أمعنا النظر عرفنا أن المتاجرين بهذه البضاعة هم الجبناء ~~الذين يطعنون في الظهور لا في الصدور، يكبرون العيوب بنظارة لومهم فيظهر القذى جذعا ~~عريضا، ناهيك بما يخلقون منها، وما أقدرهم على الخلق والإبداع! إنهم يتوسلون بذلك إلى ~~مدح أنفسهم، ولو فطنوا لعرفوا أن طول لسانهم لا يزيد في علو قدرهم شعرة. ولو كانت هذه ~~الآفة في غصن من الأغصان لقطعناه واعتضنا عنه بغيره، ولكنها سوس مندس في قلب الجذع، فلا ~~يفيق الولد ويفهم معنى الكلام حتى يسمع أمه في اجتماعاتها مع الجارات تطلق للسانها العنان ~~في ميدان الطعن بفلان وفلانة، فتنطبع إذ ذاك هذه الصورة على لوح فؤاده، ثم تكبر وتتجسم ~~كلما كبر وشب إلى أن تصبح عادة يصعب استئصالها. # فلنصن ألسنتنا نأمن شرها، وما أصدق المثل ms068 العامي القائل: «لسانك حصانك، إن صنته ~~صانك، وإن خنته خانك.» # | الصبر مفتاح الفرج # لا شك في أنك تقول حين تقرأ هذا العنوان: عنوان مبتذل. # نعم يا سيدي هذا صحيح، ولكن هذا المفتاح العتيق الذي أكله الصدأ يجب أن يكون في يدك ~~أو في عبك ليلا نهارا، فأنت محتاج إليه في كل ساعة: في السوق، في المنزل، وفي السيارة ~~وعلى الطريق وحيثما تنتقل، وإذا مت - بعد ألف عمر طويل - فأوص الورثة أن لا يستأثروا به ~~بعد، بل فليضعوه تحت مخدتك في التابوت، فلربما احتجت إليه في المطهر أو عند الحوض، وعسى ~~ألا يكون حوضك محلقا كحوض الفرزدق. # الصبر يا أخي سلاح العباقرة في معارك الإبداع والاختراع، فلولا صبرهم وثباتهم ما حق لهم ~~علينا هذا الاحترام، ولا فازوا بهذا التعظيم والإكرام. # هذا في الأمور الجسام، أما في توافه الأمور فيجب أن يكون مفتاح الفرج في زنارك، فحين ~~تصطدم بلئيم فمن يفتح لك الباب لتفر من المأزق غير الصبر؟ إن في الحياة مزالق لا ~~ينجينا من شر عواقبها شيء غير الصبر، فلا تهزأ به إذا شئت أن تحيا سليما من ~~الأذى. # أما في عظائم الأمور فالصبر أمضى سلاح، قال نابليون: إنما يدرك النصر من هو أشد صبرا ~~وثباتا، أما رأينا دودة القز تقضي أياما لتنسج شرنقتها المحكمة التي تصير فيما بعد ~~زينة للحسان وحلة لصاحب التاج والصولجان؟ أما الدودة الخائرة القوى التي لا تستطيع ~~الثبات حتى تحكم عملها فلا تترك إلا فيلجة رخوة قذرة لا تقبض عليها إلا وفي يدك من ~~نتنها عود. # قال أحد الفلاسفة: «إن النجاح في معظم الأمور يتوقف على أن يعرف الإنسان إلى متى يجب ~~أن يصبر حتى يفوز، فالأعصاب التي لا ترتخي، والعين التي لا تكل، والفكر الذي لا يتشتت ~~هي التي تحرز الغلبة دائما، فلا بد لنا من الصبر حتى ندرك أمانينا. وإذا كنت تنتقل في ~~أعمالك كالشمس من برج الجدي إلى برج الثور، مرددا قول الطغرائي «إن العز في ~~النقل»، فاعلم أنك لن تبرع وتمتاز.» # قال ms069 كارليل: «اعرف عملك وثابر عليه ، واعمل فيه كجبار.» # فيا ليت شعري كيف ينجح طالب أي عمل وفن إذا كان يريد التفوق وهو ملول سريع السأم ~~قريب الضجر، لا يثبت في عمله ولا يصبر عليه؟! إن العبقرية تشب بين ليلة وضحاها وتستعجل ~~الأمور قبل أوانها ثم تكل، أما الثبات فإنه يعمل رويدا رويدا ويدرك أخيرا ما يسعى ~~إليه. # كثيرا ما يهولك ما ينتظرك من أعمال فتجبن وتخاف أمام هذه الكثرة فتتردد، وإذا لم ينجدك ~~الصبر خسرت المعركة، وتتراجع وتظل تحوم حول مكتبك حتى يضيع يومك، أما إذا ابتدأت حين تفتكر ~~فإنك ترى نفسك أكبر من عملك، إنك تظل أصغر منه حتى تشرع به؛ ولذلك قالت العوام: ~~«العتبة نصف الطريق.» # قال أحد الكتاب: «إن من يتردد دائما بين عملين لا يدري أيهما يفعل أولا، ومن ~~يعزم ثم يرضى أن يتغير عزمه لأول معارضة يلقاها من صديق له وينتقل من رأي إلى رأي ومن ~~خطة إلى أخرى؛ لا يعمل شيئا عظيما أو مفيدا، فالثبات هو الذي بنى الأهرام وقلعتي ~~بعلبك وتدمر التي زعم النابغة أنها من عمل الجن، وأي جني أعظم من الإنسان إذا صمم ~~وثبت وصبر؟ وهل بغير الصبر والثبات وصل الإنسان إلى القطب الشمالي وتسلق أعلى ~~الجبال؟» # وهؤلاء العلماء الذين يحاولون اليوم فتح السماء فما قولتك فيهم؟ إنهم صابرون ومصرون ~~وسيصلون، فكل ما في هذا الكون من اختراعات وعجائب لم يكن لولا الصبر والثبات، إن ~~المصادفات لم توجد شيئا عظيما كما يخبرنا إديسون، فهو لم يخترع اتفاقا إلا الفونغراف ~~كما قال، أما جميع اختراعاته الأخرى فهي بنت الثبات والصبر والجهاد المستمر. # كتب تيتان حين قدم صورة العشاء السري إلى شارل الخامس: # إنني أقدم إلى جلالتكم صورة العشاء السري بعد أن واصلت العمل فيها كل ~~يوم تقريبا مدة سبع سنوات. # وأبو الفرج الأصبهاني الذي خلده كتابه الأغاني قد صرف في تصنيفه معظم عمره. # ربما قلت لي: «كيف أثبت وأنا بائس؟» فأقول لك: إن الأحوال المعاكسة تولد القوة، ~~والمعاكسة تصيرنا أقدر على المدافعة، ms070 والتغلب على عقبة واحدة يزيدنا قوة للتغلب ~~على عقبات عديدة، فكم صبر كولومب وكم صبر غيره من الرجال العظام حتى بلغوا الأماني! ~~أفتريد - وأنت الناشئ - أن تدرك فورا ما أدركه من شابت نواصيهم في طلبه؟! لا تكن رخوا، ~~قل: لا بد لي من أن أصل، ثم واصل سيرك تبلغ المدى، أما إذا قعدت حسيرا تنتظر مركبة ~~إيليا النارية وبساط الريح، فإنك تظل حيث أنت؛ لأنك طلبت المدد من غير نفسك فقصرت ~~كحمار الشيخ في العقبة. # إن الفضل الأكبر في نجاح الرجال العظام يعود إلى صبرهم وثباتهم أولا وإلى مواهبهم ~~الطبيعية ثانيا. # فالعبقرية ترتعش أمام الصبر والكد، والمواهب السامية تلقي سلاحها عند أقدام الاجتهاد ~~العظيم؛ ولذلك قالوا: «العبقرية صبر وثبات ونبوغ.» # ألا يعجبك تلميذ يقصر مثل أناتول فرانس ثم لا ينثني عن دخول الامتحان مرات، ويظل ~~مصرا على ذلك سنوات حتى ينال درجته العلمية؟ # لا شك في أن زهير بن أبي سلمى هو الذي جعل الشعر العربي فنا بثباته وصبره على ~~تنقيح قصيدته عاما كاملا، ومثل هذا روي عن ديكنز، سئل مرة أن يقرأ على جمهرة قطعة من ~~روائعه فأجاب إنه لا يتلو قطعة على الناس قبل أن يكرر تلاوتها لنفسه يوميا ستة ~~أشهر. # قال شاعر إيطالي: «إن الصبر هو الشجاعة العظمى التي يمتاز بها المنتصر، وهو الفضيلة ~~الكبرى التي يتسلح بها الرجل المجاهد ضد الحظ.» وقد قال المتنبي: # وإن أمرض فما مرض اصطباري # وإن أحمم فما حم اعتزامي # إن هذا الرجل العظيم يعلمنا دروسا كثيرة مفيدة أهمها الثبات، فهو كالسنديانة ~~الجبارة المنتصبة في وجه العواصف لا تنحني ولا تلين، ألم يقل ويا نعم ما قال: # أطاعن خيلا من فوارسها الدهر # وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر # فأي مخترع لم تكن عدته الصبر؟ وأي فنان مبدع يستطيع أن يخرج للناس رائعة إذا ~~لم يستعن بالصبر؟ وهل أعظم من اصطبار الأم على أولادها لتقوم ما اعوج من سلوكهم وتخلق ~~منهم رجالا؟ وهل من صبر أعظم من صبر المثال على الحجر ليدب إليه ms071 جدولا من ينابيع ~~الحياة؟ # والمؤلف المبدع ألا يظل سنوات يكتب ويمزق ويكتب وينقح ليخرج للناس كتابا يقرءونه ~~في بضع ساعات؟ أما بقي مونتسكيو يكتب ويفكر عشرين عاما حتى أخرج كتابه الخالد «روح ~~الشرائع»؟ # وكم بات دوستوفسكي وغوركي على مضض! وكم قاسيا من شقاء وآلام! وكم صبرا على الفاقة والمرض ~~حتى أخرجا كتبهما الخالدة! # اسمع يا صاحبي إذا كنت من الفاشلين، أراك كأنك تقول لي: «الحكي هين، والصبر ما ~~الصبر؟ الدنيا حظ.» لا يا عزيزي، لا تعز فشلك إلى سوء بختك، بل انسبه دائما إلى قلة ~~جلدك وانصرافك عن عملك، فعدم ثباتنا هو الذي يحول دون التقائنا بالحظ، فنقصر عن إدراك ~~العظائم، وقد يطرحنا في أبعد مهاوي البؤس واليأس، فلنثبت بوجه المصاعب تندحر هي أمامنا، كما ~~قال شاعرنا: # قد هون الصبر عندي كل نازلة # ولين العزم حد المركب الخشن # | مختصر مفيد # يقول العوام: «مختصر مفيد» وهم يعنون بذلك أن يكون كلامهم ضمن حدود البلاغة القائمة ~~على قول الفصحاء: «خير الكلام ما قل ولم يمل.» # إن أكثر الناس يعرفون هذا، ومع ذلك تجد بعضنا إذا صادفك في الشارع يمد من ذراعيه ~~سياجا في طريقك ليوقفك بين زحمة من السيارات وهدير الترام واصطدام المارة بالمناكب ~~والتفاف الساق على الساق، ثم لا يعنيه إلى أين يكون المساق ... يستوقفك ليبدي على قارعة ~~الطريق أشواقه القلبية، ويظهر لك في ذلك المحشر عواطفه الأخوية، ولا يعنيه إن كانت الشمس ~~تكوي العصفور، يبتدرك أولا بالسؤال عن صحتك الغالية: كيف صحة الجناب؟ كيف حال العائلة ~~الكريمة؟ فتجيب، ثم يعيد الكرة: الهمة مليحة إن شاء الله؟ # ثم يرجع إلى الصحة يستفسر عنها باهتمام زائد، حتى إذا ما اطمأن إليها توغل في أدغال ~~العيال وشئون البيت وشجونه ليطمئن قلبه المحروق ... ومن أهل البيت لا بد من الانتقال إلى ~~أولاد العم وأولاد الخال، وإذا كان يعرف أحدا من الجيران فلا بد من أن يستطلع أخبار ~~الجميع واحدا واحدا، أليس الكريم من يسأل عن جيرانه؟ # وتحاول أن تهرب فلا يدعك، يستمهلك ليفرغ جرابه، ms072 وجرابه هاوية هيهات أن يدرك آخرها، ~~وإذا ضاق الحرف معه عاد إلى صحتك الغالية فيسأل عنها، وقد لا ينسى في ذاك المضيق أن يسأل عن ~~كل ما عندك من مال ناطق وصامت، وعليك أن تجيبه على كل سؤال، وإلا فأنت متكبر لا تكلم ~~الناس إلا من فوق. كل هذا وهو ممسك بيدك الكريمة لا يفلتها، بل يظل يعصرها حتى لا ~~يبقي في عنقودها غير العماشيش. # وقد تكون على موعد فتحاول أن تتفلت منه، ولكن من أين لك ذلك وقد علقت في شراكه علوق ~~الذبابة في عش الرتيلاء؟ # هذه ضروب العناء التي تصادفها مشيا. أما إذا رمتك الأقدار بزائر يرى من الضرورة أن ~~يقص عليك تاريخ حياته منذ دب وشب واكتهل وشاخ، وما صادف من أهوال وما فعل من فعلات ~~كبار في حياته، فهناك الويل والبلاء فإنه يصل بعض أقاصيصه ببعض لا يقسمها كشهر زاد؛ لأنه ~~يعتقد أن زيارته لك يجب أن تكون حافلة بالأعاجيب السندبادية، فينتقل بك من حكاية إلى ~~حكاية يصلها ببراعة عجيبة، بينما تكون أنت ساهيا صامتا تنتظر النهاية ولا نهاية. # وماذا تقدر أن تعمل؟ هل تتركه في مكتبك أو في بيتك وتودعه على أمل اللقاء؟ أما هو فلا ~~يدعك حتى يشبع، وإذا تحلحل للذهاب وقلت له: اقعد، أناخ عليك بكلكل ليل امرئ القيس. # عدت مرة سيدة ثرثارة، وكنت آنذاك مقيدا بمواقيت معينة لا تستقدم ولا تستأخر، فغاصت ~~حضرتها في بحر الحديث وراحت تصارع غماره، فلا تذهب موجة حتى تجيء واحدة أكبر منها. وظللت ~~أنتظر النهاية وأنظر إلى عقارب الساعة ولا أدري ماذا أصنع، وبماذا أحتال لأخرج من هذا البحر ~~الهائج، فمن قلة الذوق والكياسة أن تودع محدثك وتنصرف وهو في منتصف حديثه. وبينما كنت ~~أنا في التفكير كان الله في التدبير، جاءتها نوبة حادة من السعال فتعذر عليها الكلام، ~~واغتنمت الفرصة وودعت معتذرا: «صار الوقت ...» وخرجت أهرول، كنت لا أزال شابا فقطعت في ~~خمس دقائق مسافة يقتضى لها ربع ساعة، وهكذا لم يفتني قطار المدرسة ونجوت من ms073 لوم ~~مديري. # وإذا دخلت دكانا لتشتري حاجة - ولو صغيرة - اضطررت إلى الوقوف ساعة تقضيها في ~~المساومة، ويدق قلبك تسعين دقة، وتروح وتجيء حتى ينزل السعر نصف قيمته إن لم يكن ثلاثة ~~أرباعه، فكأن صاحب ذلك الدكان لا شغل له، وهو ينتظر رجلا يباحثه ويجادله فلا يبيعه ~~شيئا إلا بعد كر وفر في الجدال والنضال، فلو قال صاحبنا هذه الكلمة الفصل أما أراح ~~واستراح؟ # وكما في البائعين كذلك في الشارين أناس يعتقدون أن كلمة «السعر محدود» خلطة، أو أنها ~~أحبولة تصطاد بها الزبائن؛ ولذلك يقبل بعضنا على المخازن التي تساوم فيكر فيها ويفر، ~~ويفتح ميدان الكذب من الجانبين والله ينصر من يشاء. # تلك حالات من أحوالنا وعادات من عاداتنا، نحب تكرار الكلام، ونعتقد أنه ضرب من الوفاء ~~والإخلاص والفصاحة واللسن، ولو عدلنا لأقللنا من هذه العبارات المملولة التي هي على حد ~~قول جميل بثينة: «لكل خطاب يا بثين جواب.» فما أجمل الحديث متى كان أخذا وردا، وليس ~~فيه من التكرار الذي يفلق السامع وقائله يظن أنه السحر والدر! # يقول شيشرون أمير المنابر: «الاختصار هو خير الكلام لمن كان عضوا في مجلس الأعيان أو ~~خطيبا في المحافل.» أما أنا فأقول: «الإيجاز أوجب ما يكون في السوق، وفي الطريق إلى ~~مراكز الأعمال، وفي الزيارات في مكاتب الأشغال، فقد يكون الرجل الذي تفجر على رأسه هذه ~~القنابل الشفوية قد جاء متأخرا عن موعده لسبب من الأسباب، فكيف نزيد في طينة تهاونه ~~بلة؟!» # قال أحدهم: «الكلمات كأوراق الأشجار، فحيثما تتلبد يندر أن يكون تحتها ثمر.» إن لوثر ~~المصلح الديني المشهور يرى أن الصلاة الأكثر اختصارا هي الأشد وقعا لديه تعالى. # فلنعتمد الإيجاز في جميع أغراضنا، فإذا كتبنا فلنسر توا إلى غرضنا، فلا نقتل من نكتب ~~إليه بالمقدمات والخاتمات التي كثيرا ما تجيء أشبه بالأذناب. وإذا خطبنا فلنقصر مسافة ~~الكلام، إن الكلام المختصر أفعل في النفوس من الكلام المبسط الممدد، أما جاء في ~~المثل: «شبر من الملي ولا ذراع من المرقوق؟» فلماذا لا نصوب كلامنا كالسهام ms074 أو نجعله ~~مندفعا كالشلال ليفعل في النفوس ويؤثر بها؟ # كان أحد المشاهير يقول لزائريه: «اختصروا فالوقت ثمين.» إن المحافظة على المواقيت ~~والنشاط في العمل وتعمد الإيجاز، هي كلمات السر في هذه الحياة. # وقد كتب أحد كبار الرجال رقعة وضعها في مكتبه على أعين الناس: «على من يطيل الإقامة عندي ~~أن يساعدني على إتمام عملي.» # أما نحن فنحسب مراكز الأعمال ناديا للتسلية، ونعيب على صاحبه إذا قصر بواجبات ~~الترحيب وجر الحديث إلى أقاصي المسكونة، فليت أصحاب الأعمال يكتبون «الوقت محدود» كما ~~يكتب بعض التجار «السعر محدود»، شرط أن يكون هذا السعر بلا حسم، كما يفعل بعضهم إرضاء ~~للزبائن ... # فإذا كتبت إلى رجل عمل فاختصر ما استطعت إذا كنت تربأ بكتابك ألا يطرح في سلة ~~المهملات، وفي كل حال الإيجاز موهبة نادرة، تأمل الناس تجد أن القليل منهم من يسلم ~~حديثه من عبارة تردد، أو كلمة يقفون عليها فيشجون رأسك بها، فبعد كل جملة - مثلا - ~~يقول لك واحد: فهمت؟ وآخر: فاهم يا سيدي؟ وثالث: نعم، فتسمع منه ألف نعم في حديثه، وما تكون ~~هذه النعم إلا نقم. # قال فنلون: «إن حسن الذوق الخالص يقتضي أن نقول كثيرا في كلمات قليلة.» وحكماء ~~اليونان السبعة كان السبب الأهم في ما حصلوا عليه من شهرة هو إيراد كل منهم جملة واحدة ~~في كلمتين أو ثلاث؛ ولذلك نرى حكمة الشعوب مدرجة في أمثالها المختصرة. # ولساننا العربي يؤثر الإيجاز دائما، وقد أطلق السلف الصالح على الكلمات المختصرة المفيدة ~~اسم «جوامع الكلم» ولذلك قالوا: «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.» حتى بالغوا في ~~هذا فقال شاعرهم إن اللبيب من الإشارة يفهم، «وإذا نطقت فلا تكن مكثارا.» # فما بالنا نحن نحمل من نخاطبه أثقالا باهظة في حديثنا ورسائلنا وخطبنا، فإذا وقفنا ~~على منبر لا نتحول عنه حتى تنوء بنا أعواده، وتتثاءب الجدران من حولنا؟ يضج سامعونا ~~متململين، ونحن لا نرى تلك الأفواه تفتح وتغلق أمامنا، فكأن لنا عيونا ولا تبصر وحواس ~~ولا تشعر! ومن هؤلاء الخطباء المصاقع ms075 من يهمهم له سامعوه ولا يهم هو بقضب حبله الطويل، ~~فكأنه جراح لا يدع ضحيته مهما تألمت وتوجعت! فالله نسأل أن ينجي المسامع من ~~كلام يقع عليها كالمقارع! # | المطالعة غذاء الموهبة # كما يحتاج جسدك إلى مواد مختلفة ليتغذى وينمو، كذلك يحتاج عقلك إلى غذاء ينميه، وما ~~المناهج المدرسية إلا خطوط ومعالم للطريق التي يجب أن تسير عليها لتحسن المطالعة وتستفيد ~~منها فائدة كاملة غير منقوصة، وكما تتعرف إلى أشخاص كثيرين في حياتك العملية فإنك في ~~قراءتك الكتب القيمة تتعرف بأصحابها، فمنهم من يصير لك صديقا حميما يمضك الابتعاد ~~عنه، ومنهم من لا ترغب فيما بعد أن ترى له صورة وجه. فالكتب، وقد كفانا وصفها أبو الأدب ~~العربي أستاذنا الجاحظ، هي الأصدقاء الذين يخلصون لنا النصح، ويعطوننا كنوز المعرفة بسخاء ~~لا نظير له. # وقد اختلف كبار الأدباء في وصف القراءة، فمنهم من عدها الرذيلة التي لا عقاب عليها، ~~وأكثرهم قالوا إنها التحدث إلى أشرف أهل القرون الخالية. إن الرأيين لعلى صواب، ~~فالقراءة ككل الأشياء ذات وجهين مختلفين، فالقنبلة الذرية تستعمل للإبادة فتفني بالجملة، ~~وهي لو سيرت في سبيل النفع لأتت بأجزل الخيرات وأهمها. # فمتى استعملت القراءة للهو والتخدير والتواري من وجه العمل فهي رذيلة دون شك، فمن يقرأ ~~لأنه يحب أن يقرأ ليتناسى الأعمال وهموم الحياة فهذا لا تفيده قراءته، ومثل هذا إذا فاته ~~الكتاب المفيد تناول جريدة صدرت منذ أشهر وأخذ يقطع أنهارها، تارة يأتي النهر من قبل ~~وحينا من دبر فهو لا يعنيه إلا أن يقرأ. # وهناك قارئ آخر هو من شغف بالمطالعة ووجد فيها متعة عظمى، وهذا خير من الذي تقدم ~~وصفه؛ لأنه يتوخى الاستفادة جهده، فيقابل ويعلل ويحلل ويستخرج العبر. # وهناك قارئ ثالث وهو الممتهن - وأعني به الطالب - فهذا يبتغي من قراءته معلومات معينة ~~لا بد له منها لإتمام تكوينه العقلي، فهو كحصان العربة يسير توا على طريقه المعبدة - ~~أي المنهاج - ولا يستطيع التحول عنها، وإن خرج عنها يمينا أو شمالا تدهورت عجلته، ولم ~~تصل سالمة إلى ms076 ساحة الامتحان حيث تلقي أثقالها . فإن كنت أيها القارئ طالبا فعليك أن تقرأ ~~والقلم بيدك والدفتر عن يمينك، وتلخص للمراجعة حين تأتي ساعة الامتحان الرهيبة. # أما إذا كنت مؤلفا فإنك لا تحتاج إلى إرشاد؛ لأن لكل مؤلف طريقته. وعلى كل فلا ~~غنى لأحد عن القلم والورق مهما كانت ذاكرته حادة جبارة. إن للقراءة كغيرها من الأعمال ~~الأخرى قواعد لا بد من اتباعها، فعلينا أولا أن نقرأ الكتاب أكثر من مرة، وقراءة غير ~~سطحية؛ لأن محاسن الأدب كالجمال تبدو لك وتزداد كلما ازددت تأملا، كما قال أبو نواس ~~في وجه أحبه: # يزيدك وجهه حسنا # إذا ما زدته نظرا # وعلينا أن نؤثر الفصول أو الكتب أو الأبحاث الجيدة على غيرها، سواء أكانت لكتاب ~~معاصرين أو قدماء. # ليس في الأدب قديم وجديد، بل فيه ممتع وطريف، فكم من قديم ينبض بالحياة! وكم من جديد ~~مات ساعة خلق! # واعلم يا صاحبي أنك لا تستطيع أن تقرأ كل كتاب، فاختر - وخصوصا في الكهولة - أنفع ~~الكتب وأمتعها. إن مشاهير الأدباء والعلماء والفلاسفة معروفون، ومع ذلك ترى من يفضل ~~هذا على ذاك، والأذواق والمشارب مختلفة فاختر لنفسك ما يحلو. # قد يقول لك واحد: أعظم الكتاب فلان فلا تطيب لي غير مطالعته، فترجع أنت إليه فتجد أن ~~كاتبك المحبوب هو غيره، اتبع إذن هواك إن كنت عارفا وصاحب ذوق سليم، وحذار أن تنخدع ~~كغيرك! فأكثر الناس يظنون أنهم يقرءون حيث اتفق لهم ذلك، لا تصدق هؤلاء، القراءة ~~المنتجة تحتاج إلى خلوة هادئة كالتآليف، أما إذا قرأت في كل مكان ففائدتك من قراءتك ضئيلة ~~جدا. # أهب نفسك لتستطيع قراءة أسمى الكتب وأفضلها، وهذا لا يكون إلا بالتدرج، حتى إذا ~~تعودت مجالسة هذه الفئة من البشر تصبح في قابل مستطيعا أن تفهم حديث الكبار منهم؛ لأن ~~الفكرة الإنسانية تمر عندهم جميعا، وكل يعبر عنها بما أوتي من بلاغة. # وهناك مطالعة ضارة وكتبها معروفة، فهذه أحذرك منها أولا، وإذا كنت أحذرك أنت منها ~~فكيف بأولادك ذكورا وإناثا؟ # اسهر على أولادك واعرف ms077 بطريق غير مباشرة ما يقرءون ، فإن كانوا يؤثرون هذه الكتب فجرب ~~بدهائك أن تنفرهم منها، إياك والعنف! فإنه يزيدهم رغبة فيها وإقبالا عليها، إن هذه ~~الكتب التي تؤجج العواطف تلقي الشباب في مهاوي الرذيلة، فاسهر على أولادك. # لا تقل إن ابني راغب جدا في القراءة لا يفلت الكتاب من يده، إلا بعد أن تعرف ما ~~يقرأ، قد يكون يقرأ ما حذرتك منه، وليس هذا مما يفرح قلوبنا نحن الآباء. # وبالاختصار إن القراءة باب المعرفة، وعلينا أن نحسن الدخول من هذا الباب لنستفيد، وما ~~دور الكتب إلا مطاعم كبرى تقدم لك الغذاء المري النافع بالمجان، فلا تحرمها من ~~زياراتك ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وإذا كنت من الذين لا يطالعون فاعلم أنك كما قال أبو ~~نواس: «أخو الحب لا يموت ولا يحيا.» # | حارب على جبهة واحدة # الرائج اليوم في الحياة المعاشية هو أن ينصرف الإنسان إلى شيء واحد دون سواه فيختص به ~~ويسعى إلى التفرد به، تقرأ هنا وهناك وهنالك لافتات كتب عليها: فلان الفلاني إخصائي ~~بكذا، وتقرأ فوق أبواب المخازن: نبيع كذا. وفي الغرب رجال علم اختصوا بفرع من العلوم لم ~~يتعاطوا سواه، وكذلك في الأدب فإن بعض مشاهير الأدباء العالميين يصرفون العمر كله في درس ~~موضوع ما. # ما هي النملة؟ وأية فائدة جلى يرجوها الباحثون من درس طبائعها ومراقبة حركاتها؟ ومع ~~ذلك نجد علماء كبارا وقفوا عمرهم عليها وكتبوا المجلدات الضخمة عن هذا الكائن الحقير. ~~وما أظن هذه الاختراعات الجليلة التي دفعت الإنسانية خطوات كبرى في سبيل التمدن والحضارة ~~إلا بنت الاختصاص، فعنه وحده أتت هذه العظائم التي حكمت الإنسان في رقاب العناصر، ~~فقيدها بسلاسل العلم وسيرها في ركابه. # فالحكمة كل الحكمة في الحياة هي أن نحصر قوانا في منطقة صغيرة؛ لأننا لا نستطيع أن نبحث ~~في كل فن ومطلب، ولا أن نتاجر في جميع السلع، إن الضرر كل الضرر هو في تفريق قوانا ~~حتى نضعف فنموت ولا نؤدي عملا على حقه. # فمن يتطلب في حياته شيئا واحدا لا ms078 يتعداه إلى سواه يقدر أن ينجزه قبل أن ينقطع حبل ~~حياته، وأما من يطلب كل شيء فلا يحصد من الآمال التي يزرعها هنا وهناك إلا حسرات ~~عميقة. # فالذي يقضي به الوقت الحاضر هو أن يعمل الإنسان عملا واحدا بملء قواه، لا أن يتحول ~~إلى أعمال عديدة فيعملها كيفما اتفق له عملها أي بدون إتقان. # كنا فيما مضى نجد في حانوت ما أو مخزن واحد جميع ما نحتاج إليه ... أما في هذا العصر فقد ~~اختص كل مخزن ببضاعة، وكل سوق بأصناف دون سواها، لا يعني من يتاجر بها إلا التجويد ~~وانتقاء الأفضل. # كان الطبيب فيما مضى يعالج المرضى بالجملة، يكتفي بجس النبض والإنصات إلى دقات ~~القلب، ثم يصف الدواء والله الشافي من كل داء ... أما في هذا الزمن فأصبح لكل عضو طبيب وإلى ~~جانبه من يفحص له كل مادة؛ ولهذا قل الموت وطالت الأعمار وتدارك الناس الخطر قبل ~~استفحاله. # كل هذا بفضل الاختصاص الذي عم كل شيء في هذا الكون حتى لم يبق سبيل إلى النجاح ~~بدونه، فإذا أردت أن تفوز في معركة فهيئ لها سلاحا ماضيا من الاختصاص. # أما من يتبع الخطط القديمة كأن يكون نجارا وحدادا وخياطا وطيانا وبناء، ~~فهو لا يجيد عملا من هذه الأعمال. # أعرف كاهنا كان ثاقب العقل وقد اشتهر بحدة الذهن وسرعة الفهم، كان خطاطا ومصورا ~~ودهانا وعالما وكاتبا وشاعرا يتكلم ستة ألسن وما أكل بواحد منها خبزا، لم يتقن ~~عملا من أعماله، ولا لغة من اللغات التي ألم بها، فكان من المصورين الدون يرسم ~~أشباحا، وقد قال له أحدهم مرة: هذه ليست صورة والدي، فأجابه بروحه الخفيفة: تتعود عليه، ~~ومع مرور الزمن يصير ...! # وكان دهانا أقل من وسط، وخطاطا عاديا، وشاعرا رديئا، وكاتبا مبتذلا، ~~وعارفا باللغات معرفة أقل من سطحية، وأخيرا مات وما على جلده قميص؛ لأنه أراد أن يكون ~~كل شيء فكان لا شيء. # قال الإمام علي: «من أومأ إلى متفاوت خذلته الحيل.» أي من أراد إدراك كل شيء لا يدرك ~~شيئا. # وقال ms079 كارليل: «إن أضعف مخلوق يستطيع أن يعمل عملا إذا جمع قواه حول موضوع واحد، في حين ~~أن أقوى الناس إذا وزع قواه على مواضيع متعددة لا يكون نصيبه إلا الفشل والخيبة، ~~فالقطرة بتكرار سقوطها على الصوان تبقي عليه أثرا، وأما السيل السريع فإنه يكر على ~~الصخور بضجيج وصخب ويذهب كأنه لم يمر فوقها.» # فما جبابرة الإنسانية ونوابغها إلا رجال جمعوا قواهم وضربوا ضربات شديدة حول نقطة واحدة ~~فأفلحوا وفازوا. إن الناجحين هم الذين يصوبون عزيمتهم نحو هدف واحد. فالطريقة ~~المفيدة في القراءة - مثلا - هي أن تنصرف بكل قواك حتى تنتقل مع الكاتب إلى المكان الذي ~~يصفه لك فتراه كأنك فيه حقا. # وقد سئل بيكنس - الأديب العظيم - عن سر نجاحه، فأجاب: «إنني ما مددت مرة يدي إلى أمر ~~لا أقدر أن أنصرف إليه بكليتي»، ومار توما الإكويني الذي صار من أئمة الفلسفة العالميين ~~كان طالبا لا يرجى منه خير سماه رفاقه الثور ولم يبال بهزئهم به وظل منكبا على ~~درسه، وأخيرا فهم ما استعصى عليه ونطق بعد ذلك الصمت، ولاحت بشائر عبقريته في الفلسفة ~~اللاهوتية فما استطاع أستاذه أن يكتم إعجابه به وقال لرفاقه: سيعج هذا الثور ويملأ خواره ~~أقطار المسكونة، وهكذا كان. إن حصر القوى العقلية يفعل العجائب، أما رجل الأحلام الذي ~~يتنقل كالعصفور على الأغصان فلا يكون نصيبه إلا حبة يلتقطها أو برغشة يتصيدها. # إن من يفعل هكذا وشعاره «إن العز في النقل» فهو يشبهنا يوم كنا صغارا ننقل قضيب ~~الدبق إلى حيث نرى عصفورا قد سقط، ثم ننتظر عودته فلا يعود، ولكننا نعود نحن إلى البيت ~~غير فائزين إلا بتمزيق ثيابنا. # فأكثر فشل الناس متأت عن تجزئتهم عنايتهم بمواضيع شتى، يريدون أن يكونوا على حد ~~قولنا: «عنده من كل فن خبر.» فإذا بهم يعرفون شيئا من كل شيء، ولكنهم لا يعرفون شيئا ~~كما يجب أن يعرف. # قد يقرع الشاب أبوابا كثيرة ولا تفتحها له شهاداته الضخمة ولا أصله وفصله، وهب أن ~~الشهادة فتحت الباب فهي لا تمكنه من ms080 الرسوخ على الكرسي الذي قدم له إذا كان لا يحسن ~~عملا، أما إذا كان من ذوي الاختصاص انفتحت بوجهه الأبواب على مصراعيها ومشى في ميادين ~~العمل قدما، وأغلب الناجحين ليسوا من حملة الألقاب العلمية بل من العاملين الذين صعدوا ~~في السلم درجة درجة ... # قد نضيع الوقت في اختيار الأعمال ثم لا نقع على عمل، وما ذلك إلا لأننا صالحون لكل ~~الأعمال ولا نصلح لعمل ما بعينه، فلو كان لنا مدارس توجيهية تقوم بدرس مواهب كل شخص ~~وتوجهه في الطريق السوي، لما كان شبابنا حائرا أو لما أضاع السنين من عمره ~~مفتشا عن الموضع الذي يجب أن يستقر فيه. # إن تعيين القصد والغرض والسعي هو طريق التفوق والنجاح، فعليك أن تنصرف بكليتك إلى ~~عملك لتبرز فيه. وليس يعني كلامنا هنا أننا إذا سعينا سعيا حثيثا في طلب المستحيل ~~أدركناه، ولكننا ندرك ما يستطيع الإنسان أن يدركه إذا حصرنا قوانا في نقطة ما، فالعدسة ~~البلورية لا تحرق ما لم تنحصر أشعة الشمس في بؤرتها، فلنحصر قوانا لكي ندرك ما ~~نبتغي. # إن الحك - البوصلة - لا يتجه إلى جميع أجرام السماء باحثا عن أيها أفضل ليومئ ~~إليه، فجميعها تحاول أن تجذبه، ولكنه لا يتجه إلا نحو هدفه، إن خاصيته توجهه دائما ~~إلى الغرض، إلى القطب فيومئ إليها ولو برقعتها الغيوم بسدولها الكثيفة أو ألقت الشمس عليها ~~رداءها. # فالإنسان الواحد لا يستطيع أن يقوم بكل الأعمال، بل لا يصلح لها جميعا، فعلينا أن نختار ~~منها ما يلائم ميلنا وذوقنا ومعارفنا لنقوم حق القيام بواجبنا الإنساني. قد وجدنا لنعمل، ~~فلنختر من الأعمال ما تحتمله طاقتنا، ولنضع كل جهودنا ومقدرتنا فيه ولو كان تافها، ~~فالأمر التافه المتقن الصنع أفضل كثيرا من أمر سام رفيع غير متقن، فكم من طبيب أو ~~محام أو صاحب مهنة حرة سامية لم يبلغ ما بلغه من اختص وعرف بإتقان عمل ما مهما كان ~~تافها حقيرا! فكم من دهان مجيد أثرى! وكم من رسام بين بين لم يأكل من فنه رغيفا ~~أسود! وما ms081 ذلك إلا لأنه لم يجعل كل وكده فيه. # فإذا رأيت ابنك يدرس ويتحدث مع الساهرين، فاعلم أنه لا في العير ولا في النفير، لم يذق ~~لذة السمر وفاتته فائدة الدرس، لم يحصر قواه فيما يعمل ليفوز وتقر به عينك. # إن النهر الجاري على الحصباء مترنما ومزغردا لا يدير محركا مهما غزرت مياهه، ~~أما الشلال المحصور فمهما قل ماؤه فهو الذي يولد ويحرك. # وإني لأوثر أن تكون شلالا صغيرا محصورا يدير، ولا تكون نهرا تخوضه الأرجل ولا ~~تهابه. # | إلى كل امرأة # إن موقفي منك يا سيدتي في هذه الكلمة سيكون كموقف الطبيب الصادق من مريضه، لا يقول ~~له: قلبك مثل الحديد وأعصابك فولاذ وصدرك كير حداد، فينام على صوف ثم لا يستيقظ إلا على ~~صوت جرس القطار فيسافر بلا حقيبة وبدون جواز سفر. # حفظك الله ومتعني بربع رضاك! كنت بالأمس يا سيدتي أمنا وأختنا، كنت قعيدة البيت ~~وصرت اليوم قائدا يحمل البند والعلم في ساحة الدفاع عن الوطن، قال عمرو بن كلثوم: # على آثارنا بيض حسان # نحاذر أن تقسم أو تهونا # أما اليوم فقد أمسينا نقول: # تسير أمامنا بيض حسان # نحاذر أن تقسم أو تهونا # ويقول بعد بيته ذاك: # يقتن جيادنا ويقلن لستم # بعولتنا إذا لم تمنعونا # أما اليوم فصرنا شركاء في النضال والدفاع، وليس هذا بشيء جديد. كذلك كنت يا سيدتي في ~~الزمن الأبعد، كذلك كنت يوم خلقت جدتك حواء وجدنا آدم، أما تنعما معا في الفردوس ~~ثم عصيا وطردا من جنة ربهما؟ إذن هذه المساواة بيننا قديمة العهد؛ ولذلك سموك شريكة ~~الحياة. # حسبك يا سيدتي أن ينتصر لك السيد المسيح، فيقول لمضطهديك: «من منكم بلا خطيئة فليرجمها ~~بحجر.» أما جاء رسول الله محمد - عليه الصلاة والسلام - ففرض لك وأعطاك ما أنت جديرة به ~~من حقوق؟ وقد سماك قارورة فلا تجعلي نفسك خابية لاذقانية ... # فلو اعتبرتك التوراة أقل عقلا من الرجل، ما حملتك مسئولية المعصية حين أكلت تلك ~~التفاحة فوقع القصاص عليكما معا. # منذ البدء يا سيدتي ويدك في يد ms082 ابن عمك الرجل، كنت إلى جانبه في ظلمة الكهف تحتملين ~~المشاق وتناضلين، وحين بنيتما القصور اتكأت على الخز والديباج وجعلت بيتك جنة ذات ~~حور وولدان، فلله أنت صالحة! فلولاك كان الوجود حملا ثقيلا، وكانت الأرض جهنم ~~حمراء. # تقول التوراة إن يهوه رأى الوجود ناقصا فخلق المرأة، وهكذا تكون المرأة الوتر الذي ~~تمت به آلة التكوين الشجية الألحان، ولولا هذا الوتر لظلت شوهاء جوهاء جوفاء. # فإن صحت رواية أنها ضلع من أضلاع الرجل، فيكون الله - جلت قدرته - قد شرفها منذ ~~البدء بهذا الخلق، وشتان ما بين التراب واللحم ...! # وإذا كانت لم تخلق على هذه الصورة، فيكون القالبان قد صبا في وقت معا، ولا مجال إذن ~~لهذا التفريق بين المخلوقين. # إن حكاية الفردوس الأرضي تؤكد لنا المساواة بين الرجل والأنثى، فلو اعتبرها المشترع ~~أقل عقلا من أخيها الرجل لما عوقبت مثله، فنهضة المرأة للمطالبة بحقوقها ليست بدعة جديدة ~~وجدت يوم استبد الرجل بالأمر، وما أشد استبداد الرجال ما دام شعارهم «إنما العاجز من ~~لا يستبد!» # كان الرجل والمرأة قبل الشرائع والقوانين متساويين، لم تحبس في قفصها الذهبي إلا عندما ~~مدت المدنية البشرية أسلاكها الشائكة حول البيوت ... فأنانية الرجل حملته على حبك ما ~~حبك من قيود القوانين، فالشرائع كلها من صنع الذكور، ومن يكون الدفتر في يده ويكتب نفسه ~~من الأشقياء؟! # يظن الناس أن المدنية والرقي قاما على أكتاف الرجال، أما الواقع فيكذب هذا ~~الزعم، فإذا عدنا إلى فجر التاريخ رأينا المرأة والرجل، آدم وحواء، راحيل ورفقا، ويعقوب ~~وإسحاق يضربان معا في مجاهل الأرض عرضا وطولا، وكم رأينا الرجل عاجزا في بعض الميادين ~~فتجاهد المرأة وتحفظ الأمة والوطن! # ولكن الرجال يقولون بلا روية ولا تفكير: «الرجل أفضل من المرأة.» أما التاريخ فينتصب ~~على قدميه ويقف ليقول لنا: إن أسمى الدرجات الإنسانية هي النبوءة، وكان من النساء ~~نبيات، كانت حنة نبية وبذلك تعترف توراة موسى، ودبورة أيضا كانت نبية شهيرة وقاضية، ~~وفيها يقول سفر القضاة (ف4، ص5): «وكانت دبورة تحت نخلة بين الرامة وبيت ms083 إيل في جبل ~~إفرائيم، وكان بنو إسرائيل يصعدون إليها لتقضي لهم، وهي التي دفعت باراق لقتال سيسرا فظفر ~~به.» # بدأت بالأمر دبورة النبية القاضية وأتمته ياعيل بنة حابر القيني، فقتلت سيسرا حين دخل ~~خيمتها فارا، وأذلت الكنعانيين أمام شعبها إسرائيل. # وإذا توغلنا في استقراء التوراة رأينا خلوة النبية محترمة من الرجال جميعهم، يخضعون لها ~~ويعملون بما تقول. # قالت التوراة: «جاء حلقيا مرسلا من يوشيا ملك أورشليم يستشيرها فيما يفعل، فقالت ~~للرسول: قولوا للرجل - أي الملك - الذي أرسلكم إلي: كذا قال الرب إله إسرائيل: هذا جالب ~~شرا على هذا المكان وعلى سكانه، فأهب غضبي عليه ولا ينطفئ. أما ملك يهوذا الذي بعثكم ~~لتسألوا فكذا تقولون له: إن الله يضمك إلى آبائك فتنضوي إلى قبرك بسلام، ولا ترى عيناك ~~هذه البلايا؛ لأن قلبك لان للرب إلهك.» # هؤلاء هن النساء النبيات، أما المنقذات فحسبي أن أذكر منهن يهوديت التي قتلت أليفانا ~~الأشوري وأنقذت شعبها، وأستير صالبة هامان، ودليلة مذلة شمشون. # هذه هي المرأة، وسوف لا أتعدى حدود التوراة إلا قليلا، فالحديث شجون والزمان طويل. ~~ولكنني أقابل قليلا بين التوراة وبين قوانين نابليون الحديثة العهد: # ترى قوانين نابليون أنه لا يسوغ أن يتولى الوصاية والعضوية في المجالس العائلية ~~القصر والمحجور عليهم والنساء، وكل من اشتهر بسوء السيرة، ويقول أيضا: «لا تستطيع ~~المرأة الحضور في المرافعات أمام هيئة القضاة بلا تفويض من زوجها.» وفي المادة 217 يقول: «لا تستطيع المرأة أن تهب ولا تبيع ولا تقتني من غير إذن زوجها ومشاركته.» # بينا نرى في التوراة أن إحدى نساء إسرائيل بعد أن رفض زوجها أن يرسل زادا إلى داود ~~عندما كان فارا من وجه شاول، جاءت هي إليه تحمل الزاد والخمر. # وفي المادة 222 يقول: «إذا كان الزوج محجورا عليه أو غائبا، فإن في استطاعة القاضي أن يفوض ~~المرأة في المثول أمام القضاء.» # ويقول في المادة 224: «إذا كان الزوج قاصرا فلا بد للمرأة من الحصول على تفويض من القاضي، للحضور ~~أمام هيئة القضاء لإبرام عقد.» # وهذا ms084 ما حمل رينان الفيلسوف الفرنسي على الإعجاب بشرائع موسى بشأن المرأة ففضلها على ~~شرائع أمته؛ إذ قال: «إن هذه الشريعة أكثر إنسانية وعدالة من كل ما كتب في ذلك ~~العهد.» # ولشعراء العهد العتيق - أي شعراء التوراة - أقوال طيبة في المرأة المنشودة، وإني لأكتفي ~~ببعض كلمات مراعاة للمقام: # من يجد المرأة الفاضلة؟ إن قيمتها أغلى من اللآلئ. # تبسط كفيها إلى البائس، وتمد يديها إلى المسكين. # لا تخشى على بيتها من الثلج، لأن أهل بيتها جميعا لابسون الحلل. # تلقي يديها على المكب وأناملها تمسك المغزل. # تفتح فاها بالحكمة، وفي لسانها سنة الرأفة. # رجلها معروف في الأبواب حيث يجلس بين شيوخ الأرض. # تلاحظ طرق بيتها، ولا تأكل خبز الكسل. # المرأة الحكيمة تبني بيتها، إنها إكليل لبعلها. # لطف المرأة ينعم رجلها، وأدبها يسمن عظامه. # الشمس تشرق من على الرب، وجمال المرأة في عالم بيتها. # لقد أطريتكن نعتا فلا يغركن ثنائي، أما طلب بعضكن أن تخاطبن بالواو والميم ~~بدلا من التاء والنون فهذا شطط، إنه لطمع تأباه موسيقى لغتنا، فنعومة التاء وليونة النون ~~أليق بكن من خشونة الميم والواو؛ ولهذا خصكن سلفاؤنا الأذكياء بهذين الحرفين؛ ~~ليتلاءما مع أنوثتكن، ولم يقصر لغويونا الألباء عن نحاتنا فقالوا: صفقت الرجال ~~وصفحت النساء. فلا تطلبن الزيادة لئلا تقعن في النقصان. # ها هو باب الحياة قد فتح بوجوهكن، فإلى العمل المجدي، لقد أعطاكن لبنان جميع الحقوق ~~فأرونا أنكن جديرات ولا تخيبن الآمال. # | طيش الأمهات # الله - جل جلاله - بدأ بالرجل فخلقه، هكذا تقول التوراة، أما أنا يا سيدتي فأريد أن ~~أبدأ بك؛ لأن تقاليد العصر وآداب سلوكه قد تغيرت، أما صرت تقدمين علينا في المجالس ~~وتسلمين علينا قاعدة، تمدين نحونا يدك كما يمدها إقطاعي عتيق إلى فلاحيه ~~وشركائه؟ # سيدتي # لا أسمع من الإذاعات ولا أقرأ في الصحف إلا هذه العناوين: حقوق المرأة، يجب أن تعطى ~~حقوقها، لا رقي ما لم ينل شطرنا الآخر حقوقه، وما سمعت أحدا وجه إليك ملاحظة ~~يا مولاتي، ترى هل صارت كل أنثى كاملة ولا تقصير عندها؟ ms085 ترى ألا ينقص البيت شيء، أما أنت ~~ربته لا الرجل؟ # أنا يا مولاتي، وإن كنت شيخت، فلي لسان حال يردد ما قاله البهاء زهير منذ بضعة ~~قرون: # ونعم كبرت وإنما # تلك الشمائل باقية # ويميل بي نحو الصبا # قلب رقيق الحاشية # فيه من الحب القديم # بقية في الزاوية # إذن أرجوك وأتضرع إليك أن تحملي كلماتي على محمل الصدق والإخلاص، إن ثقتي بمجموعكن ~~كبيرة، ولست أعني ولا أصف أو أصور في حديثي هذا إلا نموذجا واحدا الآن، وما أكثر نماذج ~~الحياة وصورها! # فإلى تلك المعتكفة في غرفة الزينة تائهة بين مرآتين، تتأمل قوامها من الجهات الست ~~وكأنها مصور ينظر في إحدى روائعه التي يريد أن يتقدم بها إلى معرض عتيد، إلى تلك ~~المنكبة بيديها الثنتين على دلك خديها وتزجيج حاجبيها وتكحيل عينيها؛ أسوق هذا الحديث ~~وإن ثقل عليها. # سيدتي، أنت أم أفلا تسمعين ضجيج أولادك المكومين حواليك؟ ألا ترينهم يتنازعون ~~أذيالك من هنا وهناك، ويتجاذبونك كأنهم يحاولون إبعادك عن حبيبة قلبك المرآة؟ # ألا تسمعين لسان حالهم يناديك: كفى يا أماه! تكفيك ساعة، نراك تخلقين شخصا جديدا! لقد ~~تنكرت حتى كدنا نحن أولادك لا نعرفك! ألا تعلمين يا أماه أن لنا حصة من وقتك؟ فهذه ~~شمس العمر قد مال ميزانها ورجحت كفة المشيب، فما لك اليوم وهذا الإلحاح؟! خمس دقائق تكفي، ~~أنت ربة بيت عليك مسئولية إدارته فما بالك تغمضين عينيك عن كل غرف البيت ولا ~~تنفتحان إلا في غرفة الزينة، حيث المرآة والملاقط والمقاريض والمشدات ... والمساحيق والعطور ~~... # يا أمي، ما لتلك الأواني مبعثرة على الأرض وقد ارتدت ثوبا سميكا من الغبار حتى أوشك أن ~~يأكلها الصدأ والزنجار؟ أفلا تستحق بعضا من بعض عنايتك بوجهك وأظافرك؟! ما لدارنا غير ~~منظمة كبيت جارتنا مع أنه حقير إذا قيس ببيتنا الرفيع؟! # الجواب عندي يا بني، اسكت حتى أخبرك: جارتكم يا بني لا تعتني بطرتها وتجعيد ~~شعرها، وإن فعلت فهي لا تقدم ذلك على تنظيم بيتها وترتيب منزلها، تلك الجارة يا بني إن ~~وقفت أمام المرآة ms086 لمحة أقامت في المطبخ حينا لترتبه وتنظفه، وفي المنزل زمنا طويلا ~~لتدبره، تلك ما زالت على البركة ولهذا تحتضن أولادها وتناغيهم، وتحرص على تربيتهم ~~وترشدهم إلى واجباتهم. # ولكن الولد ككل ولد يريد أن يثرثر فقاطعني وراح يناجي والدته قائلا: ما بالك يا أماه ~~تقصينا عنك؟ لماذا لا تطبعين على أوجهنا قبلات الأم كما تفعل جارتنا؟ أليس في قلبك ما في ~~قلبها؟ تلك تقابل زوجها والابتسامة ملء فمها، فما بالك أنت لا تقابلين الوالد إلا حامضة ~~الوجه؟! وقصارى الحديث أن بيتنا وبيت جارتنا لا يتفقان بشيء، فمرأى ذلك ينشرح له الصدر ~~وينفتح له القلب، أما منظر بيتنا فكئيب محزن، فهل لك أن تخبريني السبب؟ # خلصت يا بني، أمك مشغولة لا يسمح لها الوقت بالجواب فخذه مني، أمك مع السينما على موعد ~~فما عندها وقت لترد عليك، فأعرني أنا أذنا مصغية فأخبرك: أمك أسكرتها خمرة التشبه، ~~وانطبعت في مخيلتها صور السيدات الغربيات، فقلدت أزياءهن وحركاتهن حتى فقدت لذة ~~الأمومة، فلا تطلب منها أن تحملك متى قصرت عن مماشاتها، إنها تنتقك نتقا لتمشي معها ~~مشية الغزال الشارد، إن المشد يمنعها أن تنحني للأخذ بيدك أو لم شعث الأمتعة ~~المتفرقة في زوايا البيت، ورائحة العطور والطيوب لا تتفق ورائحة المطبخ! أمك تبغي حمل ~~الحقيبة في يد والمظلة في يد أخرى، ومن أين لها يد ثالثة لتداعبك بها؟ أمك ألهاها اللهو ~~والطرب والرقص واللعب، أمك أشغلها التقليد عن واجبات ربة البيت والتشبه أعمى بصيرتها، ~~ألهاها إصلاح هندامها عن ترتيب منزلها وتدبيره، لقد صارت تعد ذلك عارا فعهدت إلى الخدم ~~والحشم بكل شئون البيت حتى تربيتك، ومتى كانت الخدم تربي أسيادا؟! ... # وأبوك وا أسفاه عليه! يحتمل المشقات ويريق ماء وجهه، ليحصل المال ويعد لكم مستقبلا ~~سعيدا، ولكنه مغلوب على أمره مكثور عليه؛ لأن أمك تبدد ما يجمع على الكماليات، فكلما رأت ~~زيا جديدا تجتهد أن تكون سباقة إليه، وقلما تدوم الأزياء من الصباح إلى المساء، ويا ~~ويل أبيك إذا لم يماش الموضة! إن غاظها تجرعه المر، ms087 تلبس وجهها بالمقلوب، ولا تكلمه ~~إلا نبرا، وإذا كبر رأسه فهي تعلم بما تصغره ... # المرأة يا عزيزي عمود البيت وأساسه، وبها - إن كانت صالحة - تصلح أحواله وإدارته ~~وتتوطد دعائمه، إنها تربي له من يسنده إذا هبت عليه رياح العسر، وهي تلك المنارة التي ~~تهدي إلى ميناء البر والفضل عقول أولادها التائهة، وباقتصادها يمكنها أن تدخر لمنزلها ما ~~يقيه وطأة الأزمات الطارئة، وبتعقلها ترفع رأس زوجها، فهي بما تدخر للأيام السود تعمر ~~بيتها وتكفي زوجها ذل السؤال، وبإسرافها وتبذيرها تضع على كتفيه أحمالا ثقيلة، وهكذا ~~ينعق البوم في زوايا البيت. وإذا رزقها الله ابنة فهناك الطامة الكبرى، فإنها تتلقى ~~عليها علوم التبرج والتزين عن صغر استعدادا لدك البيت العتيد الذي تدخله! # وبعد، فقد كان الزواج منذ عشرات السنين من أسباب الغنى، أما اليوم فقد أمسى مخوفا ~~كثغر ترابط فيه الأعداء، الشاب اليوم يدق قلبه حين يقدم على الزواج؛ خوفا من فقر يجر ~~إليه التشبه، إنه يهرب منه هربه من القيد، لا يخفف رهبة هذا القيد إلا حكمتك يا سيدتي ~~وقناعتك بما تيسر من الكماليات، أما سموك شريكة الحياة؟ أليس على الشريك أن ينمي ~~هذه الشركة؟ وإلا ففسخ هذه الشركة المغفلة أمر واقع ويا للدمار! # هذي هي الحلقة الأولى من هذه السلسلة، وكأني أسمع بعض سيداتي يقلن: ما أثقل دمه! هذا كلام ~~مثل وجهه، ماذا تطلب من رجل يابس العود؟ # كل هذا منتظر يا سيدتي، فأنتن تعودتن التقريظ والثناء، أما أنا فعددت العشرة قبل أن ~~أكتب هذا الحديث، الحمد لله على أني أرمل دهر وليس عندي امرأة! وإلا لكان استقبالي في البيت ~~صارخا، وكانت النومة عند الجيران إن لم تكن في الشارع ...! # وإلى اللقاء. # | أشبعوه على الأقل # يؤلمني أن أرى خراف الثقافة بلا حظيرة، ويجرح قلبي أن أرى المثقفين - وخصوصا المعلمين ~~- لا يربئون بأنفسهم أن يرعوا مع الهمل، كما قال أخونا الطغرائي حين فجع بوزارته، لكأنهم ~~لا شيء في هذا البلد، يقول لهم أولياء الأمر لنفخهم وجبرا لخاطرهم المكسور وقمعا لوساوسهم ~~الجامحة: ms088 «أنتم مربو رجال الغد، أنتم الخالدون ...» وإذا رجعوا إلى أنفسهم سمعوا بآذانهم ~~رنة السهم في قلوبهم، رأوا أن كل حصتهم من غزوات حرب المعاش تنحصر بالكلمة المأثورة: ~~القناعة كنز لا يفنى. # نعم إن القناعة كنز أي كنز! وحسب القناعة رفعة شأن بين الفضائل المعزية منكسري القلوب ~~قول الطغرائي فيها: # ملك القناعة لا يخشى عليه ولا # تحتاج فيه إلى الأنصار والخول # هذا ملك محترم عزيز الجانب أيها الإخوان ... ومن باب الشيء بالشيء يذكر، أو تداعي الأفكار، ~~وهو من علم النفس الذي يدعيه اليوم أكثر الناس جهلا به، ومع ذلك يناقشون بلا استحياء ~~إسبينوزا ودركايم كأنهم وإياهما رفقاء الصف! # أقول: إنني تذكرت قول أحد أساتذتنا الذي ناقش هذه الكلمة «القناعة كنز لا يفنى»، فقال: ~~«هذا الكلام ناقص ولا يصح السكوت عليه إلا إذا قلنا: القناعة كنز لا يفنى بعد تأمين المأكل ~~والملبس والسكنى، فالجائع والعريان ومن لا بيت له كيف يقنعون؟» # صدق المعلم، فاليد لا تغل إلا إذا كان صاحبها مكفيا هموم المعاش، أما المعلم في ~~أرضنا فهو كأبي الطيب عند كافور لا هو في العليق ولا اللجام ... يعللونه بالذكر الخالد ~~ويصدق ذلك؛ لأنه مسير بناموس أزلي نجهل سره، ناموس الحياة الذي يسوق المخلوقات جمعاء ~~بعصاه اللينة، ومن يبالي منا بالمعلمين ليحيي ذكراهم؟ الناس لاهون عنهم بسفاسفهم، ولا ~~يذكرونهم إلا بمعرض فخر يريدون أن يظهروا فيه عراقة الأمة وأن منها نوابغ، أما في الحياة ~~فينظرون إلى المثقفين والأساتذة والمعلمين هازين أكتافهم غامزين بعيونهم كأنهم يقولون: ~~«ما أخف عقول هؤلاء، يصدقون ما نقوله لهم ...! # نحن شعب يرى الفخر كله والمجد بشحمه ولحمه وعظمه ودمه وجلده في المناصب، كأنما ~~الدنيا كلها محصورة في الكرسي، وكأنه هو الذي وسع السماء والأرض ... إذا قلت لذي مال أو ~~موظف: هذا أديب أو شاعر، يعيرك نظرة بلهاء. أما إذا قلت له: هذا أستاذ أو معلم، فقد ~~يقابل هذا التعريف بهمهمة ودمدمة. # وإذا قلت له: هذا الأمي يملك مليونا فلم يستطع دون السجود له صبرا، كما قال أبو نواس ms089 في ~~خمرته ... # وما زال هذا هو تقديرنا لمربي أكبادنا التي تمشي على الأرض، فكيف نرجو أن يكون لنا ~~معلمون مخلصون؟ إن معلما غير مخلص لشر على الأمة من أفعى ضيق صدرها آب اللهاب، ~~وأقرب إلى أذى وطنه من العقرب، ومن ير كرامته ممتهنة في وطن فهيهات أن يخلص لهذا الوطن، ~~إلا إذا كان أديبا مثاليا يظن أنه يعمل لخلق إنسانية كاملة، أو جبرانيا يزعم أن ~~امرأة أخرى ستلده، فيرى في إحدى دوراته الآتية عالمه المنشود. # إن ذوي العقول الثاقبة من وطننا لا يقبلون وظيفة مرب إذا وفقوا إلى أحقر وظيفة في ~~إحدى دوائر الدولة، وما سبب هذا إلا تغاضي الدولة عن شئون المربين، فكأنهم في أعين السادة ~~من سقط المتاع، ومع كل هذا يطلبون من المدارس تهذيبا رفيعا وتعليما دقيقا وتربية ~~وطنية ... # يقولون إن مستوى التعليم ينحدر، ويطلبون من المدارس رفعه، وهل يرتفع المستوى بلا أيد ~~تنهض به؟ فأين هي الأيدي؟ ومن يغذيها؟ # يقول المثل اللبناني: «لا ينهض بالركب غير البطن»، وهل ينهض البطن وهو فارغ؟ وماذا ~~يشجع النبهاء ليكونوا معلمين صادقين؟ # إني لا أقول ولا أحابي أحدا، إن أكثر من يتقدمون إلى ممارسة التعليم هم من الذين لم ~~يوفقوا إلى عمل آخر، فكأن المدارس أصبحت ملطى للهاربين من وجه قافلة الحياة، فلكي ~~يكون لنا معلمون يجب أن نزيل من العقول هذا الاعتقاد القديم، وهو أن المعلم كائن ~~بليد. وعلى حبي لصديقي، نديمي وسميري، الجاحظ الأديب، أقول: يجب أن نحذف من الوجود ~~كتابه «دفتر المعلمين»، وإن كان أبو عثمان لا يعني إلا معلمي الصبية الذين عرفهم ~~ولابسهم في زمانه. # نريد أن نبني وطنا ثم لا نعنى إلا بقرميده وشرفاته ورفارفه ثم نهمل الزوايا والأسس، ~~إن الوطن لا يبنيه غير المدرسة، والمدرسة بمديرها وأساتذتها، فإذا لم يكونوا للوطن ~~يعلمون أبناءه حبه، فلا يثبت ذلك الوطن، وإذا ازدرينا المعلم دار الدولاب بالمقلوب ~~وحاك لنا ما لا نريد أن نلبس. # إن ابتسامة حائرة من معلم ماكر تزعزع إيمان النشء بالوطن، والطالب يقلد اثنين ms090 لا ~~ثالث لهما: أباه ومعلمه. إن الوطن يحتاج إلى مؤمنين ككل رسالة من الرسالات العليا، ولا ~~يبشر بهذه الرسالة ولا يغرسها في النفوس إلا المعلم، فلنعن بالمعلمين إذا شئنا توطيد ~~الوطن حتى لا تكون هذه المهنة - وهي أسمى المهن - ملجأ للمقصرين ... فالمعلم الذي لا يرى ~~في التعليم عمله الدائم لا يثمر عمله، وهو والمدرسة والتلامذة خاسرون. # إن الساعة التي يتقدم فيها منا رجال لهم منزلتهم العلمية والأدبية والسياسية لإدارة ~~المدرسة والتعليم فيها، هي الساعة التي نستطيع فيها أن نسمي أنفسنا مواطنين. # فليسمع من يعنيهم الأمر ويعوا ففي المدرسة تكون الأمة، لا في التهاليل والتسابيح ~~والزغاريد والأناشيد. # | مأوى عجزة # فكر وزير الصحة والإسعاف العام ببناء مستشفيات في جهات عديدة، وشكل وزير الشئون ~~الاجتماعية لجنة تعيد النظر بقانون العمل بشكل يؤمن للعامل - في أطواره كافة - جميع ~~الحقوق التي تطبق على العمال في البلدان الأخرى. # ورصدت وزارة التربية الوطنية نصف مليون ليرة لبناء دار للمعلمين، وحسنا صنعت فالمعلم حجر ~~الزاوية في بنيان الأوطان. # إننا في أمس الحاجات إلى المعلمين، وبنيان معمل لهؤلاء ضروري جدا، ولكن الحكومة - ~~حفظها الله - نسيت أمرا مهما جدا جدا، وهو أن تبني دار عجزة للمعلمين القدماء الذين ~~قدموا لهذه الجمهورية العزيزة الرؤساء والوزراء والنواب والقضاة وكبار ~~الموظفين. # فممن نطلب نحن بعدما قرأنا - وإن كان حبرا على ورق - نبأ استعداد جميع الوزارات، كل ~~واحدة في نطاقها، لإنشاء ما يرفه عن جماعتها؟ # فهذه وزارة العمال تعنى في سن قانون لهم أعدل وأحسن، بينا نرى قانون معلمي المدارس ~~الخاصة مدفونا وليس من يضع على قبره زهرة، ولا من يسأل عنه في مقره الأخير. # فبأي عدالة اجتماعية يشتغل الرجل أربعين وخمسين سنة ولا يعطى تعويضا إلا عن عشرين ~~عاما فقط؟! وهذه العشرون عاما يحاول قيم صندوق التعويضات باجتهاداته القانونية أن ~~يصيرها مثل «صبيرة طمسون». # إننا نراكم تفتكرون بكل شيء إلا بمعلم المدارس الخاصة، ولولا المدارس الخاصة لم يكن عندكم ~~حاجب ولا بواب. # قال المسيح: «من منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر.» وأنا أقول: دلوني ms091 على أحدكم يا كبار ~~موظفي لبنان لأرى إذا لم يكن من طلابنا، اذكروا أن السيد قال: «ليس بالخبز وحده يحيا ~~الإنسان.» فبحياتكم انظروا في قانون من قدموا خبز المعرفة وأبرزوه للوجود؛ لنراه ونهتف مع ~~سمعان الشيخ: «أطلق يا رب عبدك بسلام؛ لأن عيني أبصرتا خلاصك.» # لا تعللونا بالآمال، ولا تقولوا رويدا ينضج الطعام، بل كونوا كالخليفة ابن الخطاب ~~الذي حمل على ظهره كيس الدقيق لتلك الأرملة. # قلت فيما مضى: «أشبعوا المعلم على الأقل»، والآن أقول: «إن الكثيرين من المعلمين ~~المحتاجين، الضعاف الوجدان، يتمثلون بقول المثل القائل: على قدر زوادتكم نرعى لكم ~~دابتكم»، وإذا كان هذا هو الشعار فمصير الوطن إلى أين؟» # فإذا أردنا أن يكون لنا معلمون مخلصون محترمون بناءون لا هدامون، فعلينا أولا أن ~~نكفيهم مئونة التفتيش عن الرغيف والكساء، علينا أن نحوط المعلم بالوقار والإجلال، وهذا لا ~~يدرك إلا بالاستغناء عن السعي وراء اللقمة والكسوة. أحسن جدا وزير الشئون الاجتماعية ~~حين فكر بمساواة العمال بإخوانهم في البلدان الأخرى، فهل من يفكر بمساواة المعلم ~~بالعامل؟! ... # يلذ لي في هذا المقام أن أنشر نبأ أذيع عام 1947، وهذا هو نصه: # واشنطن، 25 حزيران # أعلن اليوم أن الجنرال دوايت أيزنهاور القائد العام الأكبر ~~لقوات الحلفاء في حرب أوروبا، والذي قاد أعظم جيش عرفه التاريخ بعدده وعدده، ~~واحتل ألمانيا بعد كفاح سنة كاملة؛ قد قبل أخيرا أن يكون مديرا وعميدا لجامعة ~~كولومبيا في نيويورك، وسوف يضطلع بمهام منصبه العلمي الجديد في مطلع السنة ~~الجديدة. # وقالت وزارة الحربية: إن الجنرال أيزنهاور - رئيس أركان حرب الجيش الأمريكي - قبل أن ~~يكون مديرا للجامعة بعد موافقة رئيس الولايات المتحدة ووزير الحربية. # أظن أن الجنرال أيزنهاور رأى أنه يعمل في أساس مهنته الحربية بإدارة أقدم جامعة في ~~الولايات المتحدة، فمن هناك تخرج الرجال الذين يقودون الأمة إلى جميع الساحات، أما ~~نحن فنرى أن منصبا كهذا لا يعادل كرسيا صغيرا في زاوية، يقبع عليه موظف كبير ~~كالخنفساء. # نحن لا نلوم وزارة بعينها على هذا الإبطاء وعدم الافتكار بالمعلمين وقانونهم ms092 المضمر، ~~ولكننا نلوم الوزراء جميعا والنواب جميعا والموظفين ذوي الصلاحية ، فمن منهم لم يتعلم ~~عند معلم؟ ألا يقضي الواجب على كل من تعلم أن ينصر قضية معلمه؟ ولو فكر بعضهم قليلا ~~لانحلت المشكلة في أقرب وقت. # والوزارة التي تفكر بالإنشاءات الضخمة أما عليها أن تفكر بالترميم؟ إن المعلم جسر ~~عبروا عليه حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، أيجوز ألا يفكروا بترميمه كيلا يسقط؟ # والأنكى في القضية أن ذاك القانون الممسوخ يريد أن يمسخه من كلفوا في تنفيذه حتى ~~تكون حكاية المعلم كحكاية الجبنة التي تولى قسمتها القرد، فظل يأكل منها حتى يعدل بين ~~الاثنين، وأخيرا أكلها هو ولم يذق منها صاحباها شيئا. # وإذا سألناهم قالوا لنا: حتى يطلع القانون الجديد فهو أحسن لكم. # لقد صح أن نقول لهم أسطورة البقر: قالوا للبقر: متى متم نكفنكم بحرير، فأجابت: ~~نرضى أن تبقى جلودنا علينا. # فإذا كانت الحكومة تحسب معلمي المدارس الخاصة عاجزين عن مطالبتها، فلا أقل من أن تبني ~~للقدماء منهم «مأوى عجزة» إلى جانب هذه الدور الفخمة التي تبنيها لإداراتها. # فإلى المسئولة الأولى، إلى وزارة التربية أوجه هذه الكلمة راجيا أن تبعث القانون ~~الدفين، وإذا لم تشأ أن تساوينا بمعلمي الدنيا فلتحسبنا عمالا، وما نحن في الحق إلا ~~عمال في حقل آخر. # إن من يعمل خمسين عاما يحق له أن يطالب بمساواته بغيره من خدام الأمة. # إن الشيخوخة رهيبة ولو كان الإنسان نائما حد صندوق مشحون، فكيف بها إذا كان ينام ولم ~~يدخر القرش الأبيض لليوم الأسود؟ # ومن أين له ذاك القرش؟ أمن راتبه الضخم؟ أمن تعويضه الذي يحاولون مسخه أكثر مما هو ~~ممسوخ؟ # لم يبق أمام المجاهدين القدماء إلا التأسف على زمن أضاعوه، ووقت في خدمة بني أمهم ~~صرفوه، لا ينقذهم من هذه الورطة التي هم فيها ما دام «قانونهم» يعطيهم الخمسين عشرين إلا ~~المأوى الذي اقترحناه على الوزارة. # فما رأي معالي الوزير؟ # | محل الامتحانات الرسمية # كان موسم امتحانات عام 1954 ماحلا، خاب فيه ظن أولياء الطلاب والمدارس والشباب، فصح ms093 ~~فيهم جميعا قول المثل: «حساب الحقل لم يقوم على البيدر»، أجفل هؤلاء كأنما أحلت بهم ~~أم المنايا بناتها، وشاركتهم في هذا الارتياع بعض الصحف حتى خلنا أن الكارثة الكبرى ~~نزلت بلبنان الأشم ... ولذلك نقول للجميع كلمة تعود أن يعزي بها الفلاحون أنفسهم: ~~«إذا فاتك عام استبشر بغيره ... الموعد قريب، والسنة خلف الباب.» # إنا لفي زمن عشق فيه التلميذ وذووه الشهادات عشقا، تم فيه قول ذلك العاشق المفتون: ~~«جننا بليلى وهي جنت بغيرنا.» الشهادة عندنا أعذب الأماني وأحلاها طعما، وحسب ~~الوالد فخرا أن يجيب على سؤالك عن ولده: أخذ السرتيفيكا، ما رأيت صورته في الجريدة؟ معه ~~بريفيه، معه بكالوريا ...! فبعد أن كان يدعى عندنا للفتى بفرحة العرس أصبحوا يدعون له بفرحة ~~الشهادة عروس الأحلام والأماني. وهكذا أصبح التلاميذ هواة لا محترفين، حسبهم الشهادة ولا ~~بأس عليهم إن كانت كالبندقية الفارغة التي فزعت اثنين. ومن أغرب ظواهر جونا الثقافي ~~تهافت الطلبة على جمع ما هب ودب من هذه الشهادات، فكأنها طوابع بريد يتبعها الغاوون ~~ويهيم وراءها فتياننا في أودية الدنيا وأنهارها ... فالطالب الواحد يتقدم إلى البكالوريا ~~اللبنانية والفرنسية والسورية والمتريك، ولو وجد بكالوريا يابانية أو صينية ما ارتد عن ~~اقتحامها ولو سيجت دربه بالعليق والقندول ... # الشهادة أكبر هموم الفتى وأسرته، أما المدارس فحسبها أن تذيع في الجرائد: تقدم باسم ~~المدرسة الفلانية إلى الامتحانات الرسمية خمسة عشر طالبا فنجح عشرون، وإن استغربت شرحوا لك ~~هذه الفلسفة الإكوينية التي تشغل اليوم بال شاعرنا سعيد عقل، ثم تغدق الصحيفة مذيعة هذه ~~البشرى الطريفة على تلك المدرسة عبارات الثناء والإطراء، فلا تدع واحدا ممن لهم أصبع في ~~تلك المؤسسة حتى تخصه بكلمة شكر. وهكذا يغمر طوفان نوح جديد جدران تلك المدرسة حتى يكاد ~~يجرف أسوارها ويخرج من بوابتها عارما كأنه مياه مغارة «أفقا» إبان الربيع. # لفتت نظري كلمة في جريدة، هذه هي: كانت نتائج البكالوريا هذا العام من السوء والانحطاط ~~بمكان ... فمن هو المسئول عن هذا التقهقر، الطالب أم المدرس أم المدرسة أم الوزارة التي ~~تجري ms094 الامتحانات؟ # السؤال وجيه، وليس أجدر بالجواب عليه ممن خبر الطالب والمعلم والمدرسة والوزارة. ولكن ~~طارح هذا السؤال نسي مسئولا آخر، وهو ولي الطالب، وبهذا أبدأ أنا: # فهؤلاء الأولياء من آباء وأمهات وأوصياء مزعجون، لا يؤاخذني أحد إذا قلت إنهم ثقلاء ~~مبرمون أكثر من الذي قال فيه الشاعر: # يا مبرما أهدى حمل # خذ وانصرف ألفي جمل # قال وما أحمالها # قلت زبيب وعسل # إلى آخر القصيدة التي حفظتها صغيرا. # إن هؤلاء الأولياء يحبون الجمز، فإن قرر مدير المدرسة أن يعيد ابنهم صفه قامت قيامتهم ~~وعلت ضجتهم وملئوا الأرض احتجاجا، فإن رأوا تصلبا لجئوا إلى أصدقاء المدير وعادوا ~~حاملين إليه رسائل توصية من مراجع مختلفة السمو والمقام، كأن «المحروس» محكوم عليه بسجن ~~القلعة ... وإذا جابهت صخرة المدير معاولهم نقلوا ابنهم إلى مدرسة أخرى، فتفتح هذه له ذراعيها ~~غير مهتمة لازدياد عدد طلابها واحدا، هذا إذا كان الولد أعمى البصيرة أطرش الذهن، أما ~~إذا كان يتمتع بذكاء عادي طمع وليه بترقيته صفا أو صفين، وإن لم ترضخ أنت لإرادته ~~أطاع غيرك، فاختر لنفسك ما يحلو. # هذه مسئولية الأولياء، أما مسئولية التلميذ فتنحصر في هذا المثل: «هاتيك الغبرة ورثت ~~هذه الوحلة»، إن الفوز الباهر في امتحانات البكالوريا الماضية قلل من اهتمام الطلاب حتى ~~حسبوا البكالوريا أكلة بطيخ، ما عليك إلا أن تكسر الرأس، وما أهون شجه! ثم تأكل هنيئا ~~مريئا. إذا كان الطالب ابن وجيه فما أغناه عن عبوسة وجه الكتاب! لينشغل بالوجوه المبودرة ~~المحمرة، والحواجب المزججة، والعيون المكحلة، ليتحدث عن أفلام السينما بدلا من أقلام ~~تاريخ الأدب، وما له وللمتنبي والجاحظ فحديث جياد السبق أشهى وألذ؛ لينشغل بالتحدث عن ~~سياسة فلان وفلان وتأييد «جناب حضرة» والده المحترم لهذا أو ذاك، فهي أجدى له في معركة ~~الامتحان من درس سياسة الدولة الأموية والعباسية. إن الممتحنين ينتظرون إشارة أبيه ~~لينقذوا الموقف، فهو لا يعنيه إلا الشهادة و«يوم الله يعين الله»، المركز محفوظ، والأسرة ~~جمعاء في انتظار الساعة ليقبع الولد في كرسي الوظيفة، الخطبة عقدت من زمان ms095 فأهلا بعروس ~~الأماني والأحلام. # أما إذا كان الطالب من الأذكياء النبهاء ولا عضد له ولا سند، فيخدعه نجاح طالب مقصر ~~سبقه إلى إكليل الغار، وظفر به بإحدى الرسائل المكتومة، فيتراخى ويتهاون ظانا أن ~~البكالوريا لا تقتضيه الدرس العنيف، يقول في قلبه: إن كان فلان - وهو لا يعرف الخمس من ~~الطمس - أخذ البكالوريا، فأنا آخذها من درجة جيد إذا لم أفتح كتابا، فلماذا كل هذا التعب ~~والسهر؟ # كثيرا ما كنت أسمع من أبطال البكالوريا: الوزير الفلاني أو النائب الفلاني صديق الوالد، ~~قتلنا حالنا حتى نجحناه في الانتخابات، إنه ينتظر الساعة حتى يقوم بالواجب، إذا أمر صارت ~~الخمسة خمسة عشر ... الشهادة إذن في العب، وهكذا ينام صاحبنا على صوف ومهما حاولنا إيقاظه يظل ~~يشخر وينخر ولا يستفيق إلا يوم تسود وجوه وتبيض وجوه. # أما زملاؤنا المعلمون فلا يعني بعضهم أو أكثرهم إلا أن يلموا مما كتب هنا وهناك من ~~قديم الأقوال وحديثها، يخيطون من كل هذه الرقاع ثوبا فضفاضا يسمونه دروس البكالوريا، ~~حتى إذا احتضر العام المدرسي زودوا تلاميذهم حين خروجهم إلى ساحة الامتحان بهنات هينات ~~يسمونها «بلان»، فيبرز الطالب فيها بروز أبي دلامة، وسلاحه تلك الدجاجة التي سد بها بوز ~~قرنه، وأمن شر يوم كان يعده الأول من الآخرة والآخر من الدنيا. # لا يعني هذا الأستاذ الذي «يعمدونه» أستاذا للأدب العربي، أن يصلح ما فسد من لغة ~~تلاميذه، لا تهمه سلامة التركيب وخطأ الإنشاء من الخطأ النحوي والصرفي، فيدخل تلميذه معترك ~~البكالوريا كالحصان الأعرج يصك في كل سطر صكات، يرفع المفعول ويجر الحال، ينصب المبتدأ ~~ويجر التمييز، يفتح فم التاء ذراعين ويرسم الهمزة قاقا، ويكتب الدال ضادا، ثم يتألب ~~الساعون بالخير على أعضاء اللجنة الفاحصة طالبين منها «السبعة عشر» علامة لهذا الأخفش ~~المعاصر ... وحجتهم أنه كتب سبع صفحات عن المتنبي، كأن مسافة الكلام تقاس بالباع والذراع! ~~يقول لك أبو هذا الطالب: ابني - يخزي العين عنه - ما نسي كلمة سمعها من المعلم، ذاكرة ~~عجيبة غريبة، كيف لا ينال علامة فوق الريح؟ ... # الحق ms096 معك يا صاحبي حفظ ابنك - حفظه الله - كما قلت، ولكن المرشح للبكالوريا يجب أن ~~يكتب صحيحا، إن تلميذ الصف السابع أصح عبارة من «المحروس» أقر الله عينك به! # إذن على من يتولون تثقيف النشء أن يضربوا نطاقا من الأسلاك الشائكة حول صف ~~البكالوريا. # فلنكهرب إذا اقتضى الأمر هذه الأشواك، فلنحاول تهذيب عبارة الطالب قبل أن نحشو مخه ~~بروايات أساتيذ الأدب العربي وقولهم: امرؤ القيس أول من بكى واستبكى، وزهير أو النابغة أول ~~من أكل بشعره في صحون من الفضة، وشعر ابن أبي ربيعة الفستق المقشر! وما علينا إذا قلنا ~~جريا على قياسهم: شعر ابن الرومي رز مغبر، وشعر أبي نواس سمن مكرر! فيحشو تلميذنا بهذا كرش ~~دراسته المطلوبة. وهكذا تنضج طبخة البكالوريا وتقام الولائم والأفراح إعلانا لهذا النبوغ ~~وإجلالا لهذا الفوز. # إننا في حاجة إلى من يعبر عن فكره بلغة إن لم تكن فصيحة فلتكن على الأقل صحيحة، أما ~~أن يحمل البكالوريا اللبنانية من يهز كلما كتب حرفا عظام الخليل وسيبويه، فهذا لا نرضاه ~~للبنان الذي يسمونه منارة. لقد شح الزيت فأدركوا هذا السراج بنقطة تبل لسان الفتيلة ~~... # أما المشرفون على الامتحانات فنشكر لهم ما واجهوا به الطلاب من شدة وتدقيق، فالشهادات ~~العليا لا تنثر كورق تشرين ... إذا كانت المعامل المحترمة لا ترضى أن تسجل «ماركتها» على ~~بضاعة مشكوك في جودتها، فهل يليق بأمة ما أن تطبع بطابعها الثقافي شبابا لا يقرءون ولا ~~يكتبون صحيحا؟ # إن مستوى التعليم قد تدهور، إنه عندنا بين يدين: واحدة غافلة عن واجباتها لأنها تجهلها، ~~وأخرى تستفز التلاميذ ساعة الحاجة قضاء لمآربها، فعسى أن تكون قلة الناجحين إنذارا ~~للشباب يصرفهم عن شئون السياسة وشجونها فلا يسوسون غير الدفاتر والكتب. # لا ينكر أن هناك حيفا يلحق ببعض التلاميذ، وسببه اختيار مميزين لا يستطيعون التمييز ~~والحكم فيما ليس من اختصاصهم، أقول هذا مع اعترافي بكفاءة بعضهم وإنكاري على فريق منهم هذه ~~القدرة. # وهناك قضية أخرى لا تعيرها الوزارة اهتماما، وهي اختلاف أذواق ومشارب هؤلاء المميزين، ~~فإذا وقع ms097 طالب بين براثن متنطس متحذلق حطمه تحطيما لأنه لم يكتب كما يريد ذاك المميز، ~~بينا رفيقه الذي هو دونه معرفة ينفذ في المضيق لأنه وقع بين يدين ناعمتين أو غير متمكنتين! ~~إن الخير كله في الرجوع إلى تأليف لجان ثلاثية أو رباعية أو خماسية من عارفي المنهاج حق ~~المعرفة لتميز الغث من السمين وتطبع على غرار واحد، فلا يظلم طالب ويرحم آخر، ~~والظلم في السوية عدل في الرعية، ناهيك أن «وسطاء الخير» يعجزون عن الوصول إلى الخمسة ~~واستجدائهم. # إن الشاعر والكاتب والصحفي والموظف غير الأستاذ في الأدب، فلا تغر الوزارة كفاءات ~~لا معنى لها، إن لهذه الكفاءات سماء تشع فيها غير امتحانات البكالوريا. # أما الأسئلة - وعسى أن تحقق الوزارة ما نطلب - فأرى أن تكون أدق وأضيق نطاقا، إن ~~أكثرها واسع فضفاض يضل فيها الممتحن والممتحن، فيقع كلاهما في محنة لا مرجع «رسمي» ~~يحلها، إننا محتاجون إلى اختصاصيين فاهمين العربية، أقول هذا وأنا واثق بأني تعرضت لغضب ~~سيبويههم و«حرد» ابن أثيرهم ...! # ولكنها حقيقة مؤلمة لا بد من الجهر بها، ولتقع السماء على الأرض ... # ما دام العارفون والمختصون غرباء عن أورشليم فلا أمل ولا رجاء، وهيهات أن تثمر المؤتمرات ~~الثقافية ثمارها المرجوة. # أما الأهلون - أولياء التلاميذ - فأنصح لهم ألا يهبطوا العاصمة إبان الامتحانات، وأن ~~يدعوا الطواف واللف والدوران وقرع أبواب أصحاب النفوذ ليعينوهم على المميزين، ليدعوا ~~التفتيش عن هؤلاء بالفتيلة والسراج ليستجدوهم علامة تنول أولادهم شهادة كاذبة. # إن هذه الفوضى التي أراها في كل موسم امتحاني لا تشرف وطنا يردد صباح مساء: «ملء ~~عين الزمن سيفنا والقلم.» # إذا كانت البكالوريا تعطى وتوهب إكراما لسواد عيون هذا وذاك، وإذا كان النفوذ يزج في ~~الثقافة والعلم، نصبح لا سيف ولا قلم ونسقط من عين الزمن. # إن الزمن لا يرحم ولا يحابي. # | بواريد فاضية # حملت شهاداتي ورحت أعرضها هنا وهناك حتى كادت تتمزق، وأخيرا نصحني زميل لي قائلا: ~~«سائل المجرب ولا تسأل الحكيم، أنا كنت قبلك، اسمع مني واعمل مثلما عملت، صورها، الرسوم ~~الفوتوغرافية أخف ms098 حملا وأيسر تداولا.» فحملتها ثاني يوم ورحت إلى المصور ، وما كان أشد ~~دهشته حين رآها! ~~- حقا إنك نابغة! أنت حاصل على كل هذه الأوراق؟! حقيقة إنها «أوراق اعتماد»، قطيعة! ~~بحياة أبيك قل لي أسماءها؟ # فرحت أعد باعتزاز واعتداد: بكالوريا لبنانية، بكالوريا فرنسية، بكالوريا سورية، هاي ~~سكول، سوفومور ... ~~- يا بارك الله! تريد صورا عنها كلها؟ صورة واحدة أو ثنتين. ~~- لا، أريد أن أفتش عن عمل. # فافتكر قليلا وقال: ولماذا التعب؟ العمل موجود، أريد كاتبا يمسك الدفاتر، ويكاتب ~~الفبارك، ويحسن الضرب على الآلة الكاتبة، ما رأيك؟ ~~- لا أحسن مسك الدفاتر ولا الضرب على الآلة. ~~- وماذا تحسن؟ # فأطرقت ورحت أحك ذقني وأفكر، ثم لم أقل شيئا. # فحول المصور عني وجهه، ورفعت رأسي أنظر إلى قفاه فإذا بي أرى كل جسده يهتز، حتى نضح ~~منه الضحك وكدت أراه، ثم سمعته يقول ويغص: تعال غدا خذ صور شهاداتك، بعد الظهر تكون ~~حاضرة. # آلمني جدا ذلك الاستخفاف، ولكني سكت. # وكتبت بعد يومين عدة رسائل طويتها على صور شهاداتي وبعثت بها في البريد مسجلة إلى دوائر ~~عديدة، وقعدت أنتظر الجواب فلم يرد علي أحد، وأخيرا تذكرت مثلا قرأته: «من سعى على ~~رجله رعى»، فقمت أبرز نفسي وأصلح من هندامي، ثم حملت صور شهاداتي ورحت إلى إدارة إحدى ~~الشركات الكبرى فقابلني مديرها باسما فاستبشرت وتجرأت عليه وعرضت مطلبي، فقال: نحن ~~نفتش عن شاب من مثلك أنيق لطيف حسن السمت. # فأجبت على حديثه بحياء وخفر، فقال: أتعرف شيئا عن الميكانيك المركز؟! محتاج إلى من ~~يعرف شيئا يسيرا من هذا، عليك أن تفهم المشترين شيئا عن أسرار الماكينات والمحركات ~~وغيرها. # فقلت: لا يا سيدي، ما علمونا هذا. # فسكت هنيهة ثم قال: إني آسف يا عزيزي. # فودعت وانصرفت لأدخل باب شركة زراعية إذا بمديرها يباحثني في الأسمدة الكيماوية والتربة ~~والغرس والمكافحة والحرث، فوجدتني كالأطرش في الزفة ... وخرجت من مكتبه يائسا. # ونمت تلك الليلة قانطا، وما أصبحت حتى تشددت فقصدت شركة تسفير فطفق مديرها يسألني عن ~~الموانئ والمسافات بين القارات والأقطار فإذا ms099 بي لا أعي شيئا، بل نسيت كل ما أعددته من ~~الجغرافيا لاجتياز الامتحان، مع أنه لم يمض على ذلك أكثر من ثلاثة أشهر. # وسمعت أن أوتيلا كبيرا أجنبيا يحتاج إلى كاتب فأبرزت لمديره شهاداتي فقبلني بلا ~~بحث، واشتغلت هناك أياما، ولما استأنست صرت أشارك بعض الزبائن في الحديث عن الأدب ~~والأدباء الكبار الذين درسناهم، وذات يوم بينما كنا نتحدث عن المتنبي إذا بالخواجا ~~يتبرم، ولكنه انتظر انتهاء المؤتمر ليقول لي في مكتبي: ما هكذا يا عزيزي تساس الفنادق، ~~نحن هنا في أوتيل سان فنسان لا في شارع المتنبي ... وحاولت أن أقنعه أني أتحدث عن المتنبي ~~لا عن شارعه المعروف ولكنه لم يفهم عني. # فأنفت أن أعمل في محل لا يفهم مديره الأدب ولا يعنيه منه شيء، أردت أن أظهر ثقافتي ~~التي أحرزت بها شهاداتي فإذا بي أخسر مركزي، فلا حول ولا ... # وقصدت بعد أسبوع إدارة جريدة كبرى فأكبروا ما في يدي من صور شهادات، فكلفوني الكتابة، ~~ثم الترجمة فرأوني ضعيفا جدا، واستكتبوني في المواضيع المحلية والاجتماعية فما أعجبهم ~~إنشائي لضعفه وركاكته وأخطائه الإملائية والنحوية. ولا تسل عن جرح قلبي البليغ حين سمعت ~~رئيس التحرير يقول: عجيب! كيف نلت هذه الشهادات؟ أنا ليس في يدي شيء منها، وهذا إنشائي، ~~اقرأ يا أستاذ. # فقلت له: كنا نكتب مقالات عن الشعراء والكتاب وغيرهم، فتضاحك وقال: والإملاء يا ~~عزيزي؟! لا تعتذر. # فوجعت وأطرقت، أما هو فقال: لا تيأسن، تتعلم في الحياة إن شاء الله، نصيحتي لك أن ~~تعلم في إحدى المدارس ما تعلمته فيها فبضاعتك تنفق هناك. # وأخيرا وجدت عملا في مدرسة ما، ولكنني وقعت في شباك التلاميذ لأني غير متمكن من ~~الأصول واللغة، فشكرت لي المدرسة جهودي بعد شهر ... # وأخيرا توسط لي نائب كنا معه في الانتخابات، فعينت معلما في مدرسة رسمية، فنفقت ~~شهاداتي حيث لا يسأل أحد عما يعلم ولا عما يعلم ... ولكن ما النتيجة؟! إذا اكتسيت جعت ~~وإذا شبعت عريت! # وقعدت ذات ليلة أحاسب نفسي فوجدت أن عاملا في كاراج وخادما ms100 في مطعم أيسر مني حالا، ~~فقلت لوالدي: لو أعطيتني ما أنفقته على تعليمي ما لا ينفعني لكنت صرت غنيا مثل فلان الذي ~~لا يعرف الخمس من الطمس. # فامتعض الوالد وكأنه اشتم رائحة نكران الجميل، ثم قال: ما الحق علي ولا على العلم، ~~كل الحق على من علموك ما لا ينفعك في الحياة حتى كنت كذلك الشيء، لا مع اللحم ولا مع ~~العظم ... # | المستقبل لا يرتجل # سموها وزارة المعارف يوم مولدها، ثم طاب لهم أن يسموها وزارة التربية الوطنية والشباب، ~~ولكن كلمة «الشباب» ماتت مع فجر حياتها فصارت وزارة تربية وطنية بلا شباب، واليوم يقولون ~~إنها ستصير وزارة «الجامعة اللبنانية» ... قالوا: إذا غضب الله على قوم جعل صيفهم شتاء، ~~ونحن نقول: جعل وزارتهم مدرسة ... # ما أعظم حيرتنا في هذا البلد! وما أتعس حظ التربية عندنا! ما زلنا نبدل المناهج ~~كأننا ننقل حجارة دومينو ولا نضع منهاجا. وضع المنهاج أول مرة فضم تاريخ أدبنا العربي ~~كله، وظل كذلك أعواما، ثم اجتمعنا لتشذيبه فأبقينا على تسعة وعشرين أديبا وشاعرا، ~~فتنفس الطلاب والأساتذة الصعداء، وخف من لا يفكرون إلا بجيوبهم فجمعوا النصوص، فما ~~كان في «الروائع» نقل عنه وما لم يكن فتش عنه، فصار لنا كتاب يتدارسه المعلمون ~~وطلابهم. # وقالوا بعد حين: هذا منهاج ضخم يجب أن نقل من شحمه لأن السمنة بشير الشيخوخة، ~~فقعدوا يطبخونه في الخفاء، وأخيرا طبعوه وقالوا: هذا هو المنهاج الجديد. ونظرنا فيه فإذا ~~التسعة والعشرون عادوا كما كانوا أولا - أي مائة وأكثر - واليوم يقولون: إنهم يعملون على ~~تنظيمه وتعديله، ولكن ظني - وظني لا يخيب - أنهم لا يتعدون الخطة التي عرفنا، وإلا كسدت ~~الكراريس المعلومة ... # إن ما نسميه وزارة التربية عندنا ليس إلا وزارة قراءة وكتابة في لغتنا القومية واللغات ~~الأجنبية الأخرى، أما خلق رجال يوافقون مقتضى الحال فهذا لا تحققه مناهجنا، ما زالت ~~تسيرها أيد غريبة من وراء الستار، تنفخ في بوقها وبوقها يقيم القيامة وهو صامت. # إن أهدافنا عتيقة جدا من عهد كانت وبستالوزي وغيرهما، وهذه لا تتفق ms101 أبدا مع التربية ~~التي يتطلبها زمننا الحاضر، فالتربية الوطنية لها هدف خاص - أي خلق رجال مختصين ببقعة من ~~الأرض - فهل نعمل لهذا؟ # أتستطيع الوزارة التي سميناها وزارة التربية الوطنية أن تقول لجميع مدارس الجمهورية ~~اللبنانية: «افعلي هذا ودعي ذاك؟» وإذا كانت الوزارة وهي مستمدة قوتها من شكلها الرسمي ~~ومهابة الكرسي لا تستطيع ذلك، فكيف إذا صار الأمر إلى مدرسة عليا سميناها جامعة ~~لبنانية ...؟ # هل تستطيع هذه أن تفرض إرادتها على الجامعتين الكبيرتين؟! أما إذا كان القصد أن نبسط ~~سلطاننا على المدارس الأخرى التي لا شأن لها وننتفش كديوك الحبش؛ فهذا شيء آخر. # يقول علماء التربية إن التربية التي تصلح لأمة أو فرد قد تضر بأفراد آخرين وبأمة ~~أخرى، ومع ذلك نظل نحن ننسخ برامجنا نسخا ونسير على منهج لا يتصل بحياتنا، فإلى أين يا ~~ترى نحن واصلون؟ # التربية الحق هي التي توحد عواطف الأمة وأفكارها فتصير الشعور واحدا، فهل فكرنا ~~في شيء من هذا إذا كنا نريد أن نبني وطنا لا دولة؟ فالإنسان الذي تتطلبه تربية اليوم ليس ~~ذاك الآدمي الذي أوجدته الطبيعة، بل الإنسان الذي تتطلبه الأمة، إنها تريده كما تقتضي ~~ظروفها وأحوالها الطارئة فلكل عصر رجال. # وإذا كان التعليم وسيلة تربوية فماذا تربي لنا هذه المناهج المنسوخة الممسوخة؟ ألا يرى ~~القارئ معي أن من نربيهم بل قل نعلمهم يصلحون لكل مكان ولا يصلحون لمكان بعينه؟ فإذا ~~كان هدفنا التربوي تربية رجال دوليين فلنسم وزارتنا «وزارة التربية الدولية»، فهو أعم ~~وأفخم. # للطيور التي تعيش مجتمعة نظام اجتماعي موحد، فكيف بنا نحن البشر؟ أيظل لبنان ~~حائرا؟ # يقول دركايم: «إن مجتمعا يعلم بدون عقيدة تربوية هو جسم بلا روح.» فما هي عقيدتنا ~~التربوية يا ترى؟ # الجواب عند الجنسية والطائفية، فلكل مدرسة عندنا هدف، ولا يرتقي إنسان ما إلا إذا استهدف ~~غرضا ساميا. # وإذا سألنا أستاذا منا: ما هو هدفك يا صاحب من تعليمك؟ أجاب: أصطبغ باللون المحلي؛ ~~فأنا لاتيني عند اللاتين، وأمريكي عند الأمريكان، وسكسوني عند السكسون، ولبنان العروبة على ~~الله ms102 ...! # الاستيطان يمنح الحجل لون تربة البقعة وصخورها، وهكذا مدارسنا الرسمية؛ فهي مسيحية إذا ~~كان المحيط مسيحيا، وإسلامية إن كان إسلاميا، وهكذا قل: أرمنية ويهودية ... # إننا نتشبث بلقب التربية لا لشيء سوى أنها هكذا سميت عند غيرنا، كما لم أسم مارون ~~إلا لأني ولدت يوم عيد ذلك القديس. # إن مهمة التوحيد عندنا شاقة، ونحن لسنا نطلبه كاملا؛ لأن دولا كثيرة لم تحققه بعد، ~~فخير لنا أن نسمي هذه الوزارة جمعية خيرية أو أخويات متحدة، تصلي لله لأجل الوطن ~~الحائر وبألسنة عديدة كتلاميذ المسيح حين حل عليهم البارقليط في علية صهيون ... # لقد أصبحت الوظائف والمعاهد عندنا «سيامة وعمادا»! فمتى مسحناه بزيت «الواسطة» المقدس ~~أمسى مكرسا، أما سميناها جامعة لبنانية وهي دار معلمين؟ أما كان يجب أن يكون المشرف ~~عليها من ذوي الكفاءات النادرة والشهادات الرفيعة؟ ومع ذلك سميناه وصار، واليوم ها هو يسعى ~~ويحاول أن يسيطر على مقدرات البلاد الروحية والقومية علنا؛ لأننا سكتنا امتثالا ~~ومجاملة ... # كانت غاية مدارسنا العتيقة أن تخلق منا أناسا تقرأ وتكتب - واللغة كما يقرر علماء النفس ~~أخطر عناصر التربية القومية - فخرجنا قارئين كاتبين، أما اليوم فالقراءة معدومة، وأساتذتنا ~~يضيقون صدرا بتعليم لغتنا العربية؛ فمن قائل بترك الأصول وعدم الاكتراث بها، ومن قائل ~~باللغة العامية، ومن داع إلى الكتابة بالحرف اللاتيني، وسبب ذلك هذه المناهج الموضوعة لنيل ~~الشهادات لا أكثر، فالفرق بيننا وبين طلاب اليوم أننا تعلمنا لنعرف، واليوم يتعلمون ~~ليطبقوا المنهاج. # كانوا يقولون فيما مضى: «فلان يطبق المفصل.» واليوم يقولون: «طبق المنهاج وأخذ ~~بكالوريا.» فهي مفتاح الأعمال وإن كانت بارودة فاضية! # شعر العرب أن لكل إقليم خاصة، فقالوا في شعر ابن أبي ربيعة حين كان يقرزم الشعر: شعر ~~حجازي تحس فيه البرد في تموز. أما لبنان فيدرس بنيه ما هب ودب! ولا عجب في ذلك ~~فالمخلوطة أكلة لبنانية ... # عندما اجتمعنا لترميم منهاج البكالوريا عام 1932 كان مستشار المعارف المسيو كوانته يتجه ~~دائما في اختيار من كتبوا عن الشرق من أدباء الفرنجة، أما أعضاء «مجلس المعارف الأعلى» ~~البلديون ms103 فكان لا يعنيهم في اختيار أدبائنا إلا نعراتهم الطائفية. # لست أتوقع حدوث العجائب إذا عدل المنهاج، فمثل هذه المناهج - وخصوصا منهاجنا - يقتل ~~قوة الاستنباط والاستقلال العقلي، فلا يهم شبابنا إلا اجتياز المحنة بسلام ... إن التفكير ~~يصير التقليد والممارسة صالحين للزمان والمكان، فمن تراه يفكر في إبداع ما يتفق وميول ~~أبنائنا وطموحهم؟ الدنيا تتغير وتتحول ونحن ثابتون كالشمس، صامتون كالأرض، مع أن هدف ~~التربية خلق إنسان جديد لحياة جديدة. # نعم إن الطفرة محال، وليس المستقبل قصيدة ترتجل، بل هو الماضي تصلح حجارته وتنقح ~~لتلائم الطراز الحديث. # قال هانيكين: «ما من حادثة في الطبيعة كلها إلا تتولد من الماضي، وتكون في الوقت نفسه ~~عاملا مقوما وعلة مفيدة للمستقبل.» # أما نحن وا أسفاه! فكل تجديدنا واهتمامنا في هذه التسمية، كانت تسمى وزارة معارف ~~فسموها وزارة تربية وطنية، ثم كانت للشباب فأمست بلا شباب، واليوم يجب أن يسموها وزارة ~~الجامعة اللبنانية إذا وقعت الكارثة. # إن فكرة الاحتكار والاستغلال متمكنة منا، يفكر كل واحد منا أن يسيطر على العنابر ~~وحقول الاختبار، وهكذا ينقضي العمر ونظل نحن كما نحن، فبدلا من أن نفكر بالإصلاح الجذري ~~نفكر بنقل الأعمال من يد إلى يد، فكأن ميزانية الدولة تركة ميت توزع على بنيه وبناته ~~والأقربين الذين هم أولى بالمعروف ... المخلصون يذكرون المرحوم وفي العين دمعة، ولكن ذوي ~~قرباه متلهون بالجمع والقسمة، وليس فيهم من يقرأ الفاتحة على قبره، ولا من يصلي عن ~~نفسه الأبانا والسلام، شعارنا «إذا هبت رياحك فاغتنمها» ... نفرح بمرسوم ويحزننا مرسوم، وما ~~كانت المراسيم قط تبني وطنا. # مسكين لبنان! فما فيه حد وسط، فهناك إما لبناني يظن نفسه جزءا من أوروبا، وإما ~~لبناني يظن أنه من السكوت وحضرموت، وقد نسيا كلاهما أن اللبناني تمغرب وظل لبنانيا، ~~كما أن العربي أولع بوطن ثان كلبنان هو الأندلس. # يقول المثل: «من يأكل خبز السلطان يضرب بسيفه»، أما لبنان فلا يوضع موضع الحزم فيه إلا ~~التفتيش عن المنافع، فبدلا من أن ننتقي المعلمين ونشبع من اخترناه نحاول أن ننقل صلاحية ms104 ~~الوزارة إلى دار معلمين ... # المسيحي يقول «النومن» والمسلم يقول كلمة الشهادتين، والمعلم اللبناني يجب أن يؤمن أولا ~~أنه يبني وطنا، ولكن من أين له ذلك وباله ببطنه الخاوي، وبال الأستاذ الجامعة اللبنانية في ~~كيف يبسط نفوذه على هؤلاء البؤساء؟! # وبعد تفكير عميق أقول كما قال زياد ابن أبيه: «إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما ~~صلح به أوله»؛ ولهذا أقول كما قال الحجاج: يا أهل لبنان، إنني لم أجد لكم دواء أدوأ ~~لدائكم من الجندية، فالجندية هي وزارة تربية حقا، هي البوتقة التي تصهرنا جميعا وتطبعنا ~~على غرار واحد فنحس أن لنا وطنا، فكل تربية وطنية تظل عقيمة حتى ينام المواطن ~~شهورا في الثكنة العسكرية يحيي علمه بالسيف والبندقية، المدارس تخرج مخنثين أما ~~الثكنة العسكرية فتطهرهم وتخرجهم رجالا صالحين لحرب بغير النظارات. # ويح للبنان! فشعبه بخلاف الشعوب، للشعوب قلب وليس لها أعين تنظر بها، فهي تحس ولا ترى، ~~والحكومات بالضد فهي تنظر ولا تشعر، ويا ويل أمة شعبها ينظر وحكومتها تشعر! إن الهوة ~~بينهما عميقة. # واعجبا، كيف صارت المدارس التي أوجدها النوابغ الثائرون تخلق للأمة عجزا وقاصرين ~~ومشلولين ومسلولين؟! # عندما كان هدف التربية يصلح لكل زمان ومكان، قال أجدادنا: «لولا المربي ما عرفت ربي.» ~~فالرب كان هدف التربية في زمن الروح، أما في عصرنا هذا - عصر المادة - فهدف الرجل وطنه، ~~والتربية التي تصلح له هي تطعيم وتلقيح، فالميول المكتسبة تطعم وتلقح بالميول ~~الغريزية، والمربي الصحيح لا يخلق ميولا جديدة، بل ينمي الميول الغريزية أو يقاومها، ~~فقصارى المربي أن يروض الشخص ليصلح للجري في الشوط المنتظر، إن الأخلاق الفاضلة ~~تكتسب بممارستها وتعودها فتصير خلقا وسجية. # ولنستنر أخيرا بشيء من علم النفس: إن لمسنا جسدنا يختلف عن لمسنا للأجساد الأخرى، إذا ~~لمسنا جسدنا أحدث هذا اللمس إحساسا مزدوجا؛ لأن اليد اللامسة تكون لامسة وملموسة، أو ~~فاعلة ومنفعلة كما يعبر الاختصاصيون. فالمربي الوطني يكون إحساسه مزدوجا إن كانت ~~عقيدته صادقة لا زندقة فيها، أما المفلوج فيفقد هذا الإحساس المزدوج، ويخال عضوه ms105 المريض ~~ليس أحد أعضائه، فإذا شئنا أن نربي للوطن رجالا صالحين فلنقص المفلوجين ... # | الدواء في الثكنة # عندما دخل علي المقدم زين الدين ومعه طبيب مصلحة التدريب الدكتور فؤاد أبو حمزة، ~~تهللت لما عرفت أنهما قادمان بمهمة تربوية علمية، وهي التدريب العسكري في المدارس ~~الثانوية، إن ما كان حبرا على ورق جاء من يصيره عملا نافعا مفيدا. # وعادت بي الذكرى إلى ما كتبت في نقاش حول التربية الوطنية، فقلت حينذاك: إن دواء الداء ~~الذي نحن فيه ليس في المدرسة إنه في الثكنة العسكرية، فهي البوتقة التي تطبع أبناء الوطن ~~على غرار واحد، فينسون نعراتهم وعنعناتهم. # ثم مرت الأيام، وأخيرا أقر التدريب العسكري في المدارس، فشكرنا وانتظرنا ساعة ~~التنفيذ لنرى طلائع التجنيد الذي يرعب اسمه الكثيرين منا كأنه الغول الذي خوفونا به ~~صغارا. # كان عهدا ومضى، كان ذلك يوم كان سيف اللبناني مخدته، يوم كان يقول ككل عربي: «أيقتلني ~~والمشرفي مضاجعي؟» ولا ينكرون القول حين يقول. # كان عهدا ومضى، عهد الرجال القشمريين والأبطال المشمرين، وجاء دور بنطلون الشرلستون، عرض ~~ساقه أربعون سنتيمترا، يلف سيقان الفتيان المرهرهة فوق مرمر المقاصف، كانت الشراويل الخشنة ~~تمر بالقندول المعجرم مر الكرام، وصارت بذلات السموكن تترحم على طيلسان ابن حرب ...! # رحم الله عهد اللبادة والكوبران، والصدرية المزررة كأنها الدرع، وزنار الكشمير ~~والعباءة المخططة! # ليس فيما أقول حطة من قدر النفوس والهمم، فالبلاد لا تزال تنجب الغطاريف، ولكن تربيتنا ~~وأنظمتنا تخمد الهمم وتميت الإباء والشمم. # شاءت دول أوروبا السبع أن تسبغ ثوب حمايتها على لبنان، فوضعت له ذلك النظام المخنث ~~المشلول، النظام الذي خنق الرجولة في صدور اللبنانيين فأصبحوا يرتعدون إذا ضجت الخيل ~~والبارود. كان اللبناني يستقبل المنايا كالحات ولا يلاقي الهوان، فصار يؤثر العافية، اتكل ~~على «الدول السبع» فعاش يأتيه رزقه رغدا، ولم يرحل لبغية المكارم، ولماذا لا يقعد ~~الزبرقان وهو الطاعم الكاسي؟! # كثيرا ما سمعت: «هنيئا لمن له مرقد عنزة في لبنان»، إن هذا المرقد الذي تغنى به ~~الشعراء قد صير اللبنانيين أعنزا ونعاجا، قتل الإباء ms106 وأخمد المروءات، فأصبحنا نغلق ~~الباب ونعيا عن رد الجواب، وهل يعز وطن بلا جنود؟ # أمنا شر العدو الطارق فتعادينا مللا ونحلا وأسرا وبيوتا، وتقسمت مدننا ~~وقصباتنا حارات وأحياء، فصح فينا اليوم ما قاله شاعرنا في الأمس: # وأحيانا على بكر أخينا # إذا ما لم نجد إلا أخانا # رحم الله عهدا كان فيه اللبناني فلاحا ومحاربا في وقت معا، ينحت صخور جبله ~~مسالما، ويهب للذود عن حوزته مهاجما! # كان يسوق ثيرانه إلى الحقل ليحرث أرض آبائه وأجداده، يعاونه بنوه وزوجه، كلهم عمال يدهم ~~واحدة، حتى إذا داع دعا وسمع الصوت في الحقل لم يرجع إلى بيته، يلقي عن بقراته النير، ~~ويسوقها إلى مراحها ابنه الصغير، وتمضي الأم لإعداد الزاد. # ها هو يستبدل المساس بالطبنجة والسيف والغدارة والقرابينة، وجراب البذار يصبح كنانة ~~الفلاح البطل، وإلى أين؟ هو يلبي صوت الداعي ولا يدري، يمضي مسرعا ووجهته الصوب الذي ~~طرح منه الصوت، لا يعنيه ماذا، كذا نشأ وتعود، وهكذا عاش كريما ومات عزيزا. ~~«اطرح الصوت يا صبي.» هكذا يخاطب ابنه ورفيقه إلى المعمعة، لعل أحدا لم يسمع الصوت فيعتب ~~علينا، ناد فيسمعوا ويجيئوا معنا، ناد يا ابني ناد، لا يبقى في بيته إلا الجبان والعاجز، ~~أسرع يا ابني، عجل قبلما يفوت الفوت. # في ذلك الزمان كان لبنان أشم، وذلك العهد يعود إن عادت إليه الجندية ماحقة النعرات ~~الطائفية، فلا يمحي تبلبلنا القومي ما لم تصهر نفوس أبنائنا في بوتقة واحدة هي بوتقة ~~الجندية، وإلا بقينا نماذج وأشكالا تزدريها الأمم وتحتقرها الشعوب. # لا يرجى من المدارس أن تخلق للوطن رجالا، فمدارسنا كما هي حالها لا تخرج إلا كل ~~مخنث رخو، إنها مضطربة الميول متعددة النزعات والأنظمة، في مناهجها سم ودسم. إن ~~«ولدنا» عرضة لعوامل شتى مفسدة، أهمها البيت المستضعف والمدرسة المسترخية. # أصبحت المدارس لتخاذلها ولتنافسها ولسقوط سلطة الآباء عن بنيهم تراعي طلابها، فانفرج ~~بركار الحرية المدرسية عن دائرة واسعة خطرة، بات النظام مهددا وخرج الشبان أقرب إلى ~~الفوضى منهم إلى النظام، ولم يتأصل فيهم شيء من ms107 العادات القومية؛ لأنهم مسوقون بسياط ~~التقليد. # العادة تكون الأخلاق التي يحتاج إليها المواطن، والمدرسة عاجزة عن توطيد هذه الأخلاق ~~في معظم الدول العريقة في القدم، فكيف تطلبها من مدارسنا البابلية؟ # بالتكرار تستقر فينا الأخلاق التي تحتاج إليها الأمة، ومدارسنا تريد ذلك ولا تقدر عليه ~~لتباين أهدافها وتنوع أغراضها ومراميها، إنها تعلم ولكنها لا تربي الخلق القومي الذي ~~لا وطن بدونه. هذا الخلق لا يستقر في أبنائنا إن لم يصبح من عاداتهم الراسخة، والعادة لا ~~ترسخ وتصبح خلقا إلا بالتكرار؛ ولذلك قالوا: «من شب على شيء شاب عليه.» العادة تكون ~~الرجل تكوينا يقتضيه الزمان والمكان، ومدارسنا جميعها عاجزة عنه؛ لأن لكل مدرسة منها ~~نزعة وغرضا. # فلا رجاء لنا ولا أمل إلا بالجندية الواجب فرضها على كل مواطن؛ ليخلق فينا بالتكرار ~~والعادة ما يسميه علماء الأخلاق ب «الوازع الباطني»، إن الوازع الباطني مفقود عندنا، ولا ~~أثر له في أكثر شخصياتنا المنحلة، كلنا يرجو الثواب، كلنا يأبى الدنية - إن أباها - ~~لا لأنها دنية بل لمآرب أخرى، فالمأمور لا يتم عمله إلا خوفا من أن يتقلقل تحته كرسيه أو ~~خوفا من الفضيحة، أما إباء العار لأنه عار فلا بد له من وازع باطني نام في ~~الصدور. ~~«نظام عسكري»، كلمة كثيرا ما سمعتها من إخواني القرويين إذا وصفوا رجلا دقيقا مثابرا ~~على عمله، لا يتوانى ولا يتكاسل، ولا يتأخر ولا يبطئ؛ أثنوا على عمله وهمته قائلين: نظام ~~عسكري. # أجل، إن المدرب العسكري هو المربي الأكبر لا نحن، والثكنة العسكرية هي مدرسة الوطن، ~~عند عتبتها ينسى الطالب ملته، وتحت سقفها يصافح ابن بلده غير ناظر إلى ملته ودينه. # لا وطن بلا حدود، وحدود الوطن وتخومه الصحيحة مخيم جنوده. # وهنا يطيب لي أن أوجه إلى الجندي اللبناني الذي له في نفسي أسمى الاحترام: # إن يدك الكلة يا أخي الجندي لنقية شريفة طاهرة، فلا تمدها إلى مواطنيك إلا ~~مضطرا. # إن ثوبك الخشن لأرخم من البرفير والأرجوان، فاحفظه من الوسخ والتلطيخ، لست أعني لطخات ~~الزيت والدهن، بل الذي لا ms108 يمحوه الغسل فافهم عني. # إن سيفك مغمد إلى حين، فلا تدعه يصدأ. # إن بندقيتك مجن الوطن، فتفقدها كل يوم. # إن الجندي محترم ونبيل ومسئول، فليرع احترامك صدق طويتك، وصن نبلك بجمال خلقك، ~~وعزز المسئولية بالحق والعدل. # احفظ القانون يحفظك ويحفظنا. # كن شجاعا، فالشجاعة أس الفضائل - حتى عند الرهبان - فكيف بها عند الجندي؟ # لا تظن عملك يدويا وسيرك آليا، أنت مسئول عن علمين: علم عام وعلم عسكري، فازدد منهما ~~ما استطعت كل يوم، بل كل ساعة. # لا ترج المهابة عن يد التهويل والتنكيل والعدوان، فالوعورة والخشونة تذهب الهيبة ~~والوقار. # إن يد القانون طويلة فلا تقصرها بمدها. إن خير شعار لك يا أخي الجندي، كلمة زميلك ~~زياد ابن أبيه: شدة في غير عنف، ولين في غير ضعف. # اعرف القانون وطبقه، تعرف قدرك وتحفظ هيبتك. # | كنيسة العلم والثقافة # إلى أولادنا بالعلم والتربية: سلام. # أيها الأبناء الأعزاء # سوف يدهشكم هذا العنوان الغريب «كنيسة العلم والثقافة»، ويشدهكم أسلوبي «الرعائي»، فكأني ~~أصدر منشورا إلى أبنائي بالرب! نعم أيها الإخوة: إن كنيستنا، كنيسة الثقافة والعلم، محتاجة ~~إلى رعاة ومرسلين ومبشرين، فالإخوة المؤمنون كثيرون وهم أنتم أيها الأحباء. فمن على ~~قمم المنابر الحقيرة المنصوبة في زوايا الغرف الصغيرة، طارت رسالتنا في الآفاق البعيدة، ~~فإذا أصدرنا لكم منشورا فهذا من حقوقنا، وإن كنا رعية بلا راع. لا تخافوا فليس أمرنا ~~إلا رغبة، وما نهينا غير استحسان وحض، وقصارى الحديث أن نيرنا طيب وحملنا خفيف. أما ~~أنا فأطمئنكم إلى شبابي الذي أراه يتجدد كل ساعة، وإنني لأشعر كأنني أولد كل يوم فأنسى ~~ما ورائي وأنبسط إلى ما قدامي، كما قال بولس الرسول. # يؤلمني أيها الإخوان أن تكون خراف الثقافة مشتتة أسرابا وقطعانا، وأن تكون الموارد ~~والمراعي بلا نواطير، وأن: ~~«يهدم» بعضنا بعضا ويمشي # أواخرنا على هام الأوالي # يقولون لنا - نحن المعلمين - متى شاءوا نفشنا ونفخنا: أنتم مربو رجال الغد، ومكونو ~~الأمة. يرددون على مسامعنا قول أخينا بسمرك: «غلبنا فرنسا بمعلم المدرسة.» # هذا فخر جزيل لنا، وبه نرضى وإن جرح اتضاعنا ms109 العميق، فنحن الأساتذة متواضعون جدا ... ~~فحسبنا فخرا يرفع رءوسنا أنكم أنتم رعيتنا، ومن كنتم رعيته كان المستقبل له، وإن قال ~~أخونا هيغو: «المستقبل لله»، وحسبنا تعزية في ضيقتنا أنكم ميراثنا الخالد، كما قال داود ~~النبي: «وأعطيك الأمم ميراثك» ... # إننا راضون، ولنا إذن ملء السلطة بمخاطبتكم هكذا؛ لأن رسالتنا إنسانية بحت، ورعيتنا ~~النسل البشري كله، على اختلاف الملل والنحل، وإن لم يكن لنا لباس معلوم كرجال الرسالات ~~الدينية ولا أوقاف عندنا ... ألم يكن المعلم يسوع بلا مكان يسند إليه رأسه؟ هكذا نحن ولا ~~ينقصنا إلا الصلب، ويا ليتنا أهل له! وبعد، فلماذا الشكوى؟ أليس كل ناد هو نادينا، ~~وكل مجتمع يحمل مصباحنا؟ فالحمد للروح القوية التي هي فينا، فتدفعنا في سبيل الواجب ~~المقدس. # أيها الأبناء، إنكم ترون فينا أشكالا وألوانا وهذه سنة الطبيعة، أما منبع هذه الفوضى ~~فإهمالنا «التأصيل»، فالبصل يؤصل أليس كذلك؟ ولكن الثقافة والعلم كالدين لا يعدمون أفاضل ~~يخدمونهم نزهاء مخلصين يرضون بالكساء والرغيف، فإن كان يابسا بلوه، وإن اتسخ نظفوه، ~~وكفاهم الذكر الخالد ... # أيها الأعزاء # لا تنسوا أنكم ورثة مدنيتين: إحداهما اندثرت وذهب ذكرها مع الدوي، والأخرى احتضرت ~~زمنا، ولكنها لبطت عزرائيل وقعدت في فراشها، والحمد لباريها! فهلا تمدون إليها يدكم ~~فتقف وتمشي! لا تنسوا أنكم أحفاد أول من ركبوا البحر وأخضعوا لمجذافهم، وغرسوا على شواطئه ~~فسائل المدنية، فأورقت وأزهرت وأثمرت ثم سلموا رسه إلى الإنسانية. # لا تتفرقوا حول كلمتين: فينيقية وعروبة، فهما واحدة. ومن يتقعر في البحث عن الجذور ~~فهو كالخلد لا يعيش إلا في الأنفاق. # اللسان يوحدكم فاحفظوا ذكر أنبيائكم ورسلكم في قلوبكم، وهم لو عادوا اليوم لما قالوا ~~لكم غير هذا، لا بل قالوه يوم جاءوا، كل المعابد تعلم الخير وتنهى عن الشر، أما البلوى ~~فمن أكثر رعيان القطيع، متى تقاتلت الغنم على المراعي؟ أليس الرعاة يتقاتلون؟ فاسمعوا وعوا ~~كما قال ابن ساعدة. # يا أولادي، الناس يتقاتلون اليوم على «المنفعة» فلا دين لهم ولا مذهب، فلا تتصارعوا أنتم ~~عند باب السماء، السماء مشاع. كانوا فيما ms110 مضى يستعمرون باسم الدين، أما اليوم فيحاربون ~~الشعوب ليمدنوها كما يزعمون. # أجل، لقد صار التمدن دكتورا في الأدب يلقي دروسه غازات خانقة، والعلم من حملة الليسانس ~~في الحقوق يلقي بألسنة المدافع مرافعات طويلة ... لم يعد للمذاهب تلك الصولة كأيام الصليبيين، ~~فانسوا ذلك، إن الدول التي تتناحر كلها على دين المسيح، وأحبار وكهنة المسيح يحاربون في ~~المعسكرين! فمن يتعظ منكم؟ # ما لكم وللأديان فلها معابد، لكم دينكم ولي ديني، ومتى رأيتني ملتهبا في جهنم - لا سمح ~~الله - فلا تستغث بالإطفائية. # الحياة لعبات يا أولادي، ولكنها خطيرة ولذيذة، فنظموا صفوفكم جيدا لتلعبوا وتفوزوا، ~~تعلموا الرمي وإلا كنتم الكرة، وسيان أن تدفع بالرأس أو ترفس بالأقدام فأخيرا ~~مستقرها الأرض ... أفهمتم؟ # ليس العلم وحده بالعدة الواقية في معترك الحياة، فكم من معلم مغفل تهزءون منه وتتماجنون ~~عليه ولا يحس، بل يضحك معكم على نفسه! إن هذا يجني عسلا، ولكنه يضل كالنحلة، فلا تحولوا ~~فم الخلية ... أما الفتى الذكي الفؤاد فقد يكون القائد لأمة لا قائد لها، وما رأيت أمة نهضت ~~إلا بفرد، لست أعني «الديكتاتور» فأنا أمقت المستبد ولو دفق الخير على الأمة ~~دفقا. # وأنا - وقد تستغربون - لست ممن يثقون بالرأي العام، ففكروا ولا تسيروا خلفنا لعل الله ~~يفتح عليكم، كونوا شجعانا واشغلوا عقولكم بالتأمل وأعينكم بالمراقبة، فكروا بمحيطكم، ~~ولكن بمقدار، وقووا أجسادكم وعقولكم فالوطن بحاجة إلى أدمغتكم وسواعدكم. # اطلبوا التجديد دائما، ولا تتغنوا بالماضي فيلهيكم عن الحاضر، تذكروه للعظة لتعلموا ~~أين كنتم وأين صرتم، فلا يكون أجدادكم خيرا منكم، فيقال لكم: نعم الجدود ولكن ... إن ~~المدارس تسلح العقول وتجهزها لمعترك الحياة، فاحسبوا كل يوم كم رمية تعلمتم، لا ~~تناموا قبل أن تفحصوا ضمائركم، ومن رأى أنه غير كفء للكتاب فليأخذ الفأس ... ليذهب إلى الحقل، ~~فكتاب الحقل أرحب من هوامش المدن. تعودوا النقض والإبرام وحدكم، ما لكم ولنا؟ فما نحن ~~أوصياء عليكم إن نحن إلا مرشدون لكم، نصارحكم بهذا لأننا لا نريد أن نربي عبيدا، فمن ~~نستعبده نحن عاش عبدا لغيرنا. # حذار أن تبصقوا ms111 في وجه الهواء! وأحسنوا السباحة لئلا تأخذكم «الحامولة»، فنهر الحياة ~~هادئ ماكر. # أيها الأبناء # في الكنيسة المسيحية أربع فضائل يسمونها «أصلية»، أوصيكم بثلاث منها وهي: الفطنة، ~~والعدل، والشجاعة، أما الرابعة وهي القناعة فلا أوصيكم بها، فإياكم والقناعة! فلا قناعة ~~في الثقافة. # وفي الكنيسة أيضا سبع خطايا رئيسية قبالتها سبع فضائل أدبية: ~~(1) # الكبرياء، ويقابلها التواضع، فأنا أوصيكم بالاثنتين معا. # تواضعوا لمن يحسب تواضعكم أدبا وكياسة، وتكبروا على من يخاله ذلا ~~وجبنا. ~~(2) # البخل، ويقابله التجرد عن حب المال، وهذه ننسخها فتعمل عمل كان وأختها صار، ~~أأشرح لكم كيف؟ أعني كان بخلا فصار اقتصادا، فماذا نفعنا كرمنا وسخاؤنا غير ~~ضحك الناس على ذقوننا؟! ~~(3) # الدعارة، وتقابلها العفة، فاحذروا الدعارة ألف مرة! الشباك والفخاخ ~~منصوبة في طرقكم فاجتنبوها تعيشوا أباة، فالأدعر قليل الهيبة، لا مروءة له، ~~يقبل حتى النعال، ولا ترتفع عينه إلى فوق. ~~(4) # الحسد، وهذه نسميها المنافسة أو الغيرة، ونعمل عمل اللاهوتيين حين يتفلسفون ~~على ربهم - في زعمهم - ليبرروا عبيده مأجورين ... ~~(5) # الشراهة، ولا أخاف عليكم منها، لقد أتيتم في أسوأ الأزمنة، فأتمنى لكم ~~الشبع. ~~(6) # الغضب، ويقابلها الحلم، فاحلموا متى قدرتم، واغضبوا لكرامتكم، وإياكم أن ~~تحولوا خدكم الأيسر لأحد فتشبعوا ضربا ولطما! ~~(7) # الكسل، تأملوا النحل والنمل وتعلموا منها، اهتموا للغد، فالغد لا يهتم ~~لشأنه، وليس قصد المعلم يسوع الشاب أن تناموا على ظهوركم فيأتيكم رزقكم في ~~أنابيب، لا وألف لا، إني أسأل المفسرين الأتقياء أن يتكلوا عليه ليلة واحدة ~~ويوزعوا مئونتهم على الفقراء. أما أخذ المعلم الوزنة الواحدة من العبد ~~البطال الكسلان وأعطاها صاحب الوزنات الخمس لأنه تاجر وربح؟ ألم يخرج ذلك ~~العبد البطال إلى الظلمة البرانية حيث البكاء وصريف الأسنان؟ # أيها الأبناء # إنكم لقائلون: حدثنا هذا المعلم عما نعلم ونعمل، ولم يحدثنا عن مهمته. # يا أولادي أوصيكم، بل أوصي النابهين منكم بالآداب خيرا، إنها عصارة كرم الأمة، استنبطوا ~~فيها وأبدعوا لتخلقوا مثلا عليا، وإن لم نطعمكم خبزا فليس بالخبز وحده يحيا ~~الإنسان. # بركة الثقافة تشملكم جميعا! # صدر عن كرسينا في عين كفاع. # | فتش عن ms112 ذاتك # الطبيعة أم تقاسي مشقات كثيرة حتى تكون أبناءها، وهي تأبى أن يتوجه - من تعبت حتى ~~أنتجته - في غير الطريق التي خلقته لها، فإذا رأيت رفيقا لا يسير على الدرب الذي خطها له ~~ذووه، فاعلم أن فيه منبها داخليا يهتف به: ليست هذي طريقك، دربك من هنا. # إن صاحب الموهبة لا يستقر إلا في مكانه، قد لا يهتدي منذ أول خطوة، ولكن الطبيعة تعمل ~~دائما حتى توجه ابنها، تقاوم أبويه ومعلميه وكل من يعنيهم أمره حتى تضعه في صحنه ويعمل ~~عمله. # فالموظف عندنا يريد أن يكون ابنه مثله ويرث عرشه، والكاهن يريد أن يكون في بيته من يرث ~~جبته وقاووقه، والمحامي يتمنى لو يخرج ابنه من البطن لابسا الروب ويكلم الناس في ~~المهد صبيا. # لاحظوا العائلات تجدوا أن أسماء المهن تخوض بيوتنا خوضا، قد يكون ذاك الحداد أو ~~النجار أو النحاس أو الصائغ أو الشدياق عبقريا في عمله حتى نسبت عائلته إليه وحملت ~~اسمه قرونا، بينما أحفاده لم يخلقوا لمهنته. # إن هذا التقليد يجعل الناس عاديين يعيشون من قلة الموت، لا يبتدعون ولا يخلقون، يسيرون ~~على الطريق المعبدة كحصان العربة، فكم من رجل خلق ليكون من رجال الشريعة تراه يفلح ~~وينكش ويقطع الحطب، ويحل محله من كان يجب أن يكون هناك! وكم من فتاة خلقت لتكون خادمة ~~تجلس على كرسي التعليم! وكم من فتى خلق ليكون معلما تراه في مخزن يكيل الحبوب أو ~~يذرع الخام والمقصور! وكم من فتيان يعملون بأيديهم في المصانع كان أولى لهم أن يتعلموا ~~الرياضيات والعلوم ويحلوا محل الذين في الكليات والجامعات! وكم من سياسيين قعدوا في غير ~~مقاعدهم، بينا نرى الجدير بمحلهم يعمل في مخزن ما! وكم من رجل خلق ليكون أمهر جراح ~~نراه جزارا في يده الساطور! وكم من جراح هو جزار يقطع أعضاء بشرية! # كل هذا لأن الناس لا يحسنون توجيه بنيهم، أو لأن الأولاد خاملون لا يتطاولون إلى ~~الأسمى. المواهب كالبراعم منها ما يتفتق باكرا، ومنها ما يبقى كامنا إلى حين ينتظر ms113 ~~الساعة التي يهب فيها الهواء السخن، فعلينا أن نصبر ولا نيأس، علينا أن نسير في الطريق ~~التي تنفتح أمامنا، وإذا اصطدمنا بعقبة علينا أن نذللها بالصبر والعمل المتواصل، فإننا لا ~~بد أخيرا واصلون. إن المقاومة الطائشة لا تجدي، وفي كل مخلوق ميزان يستطيع أن يزن به ~~قدرته. إذا كانت الحيوانات لا تقدم على ما لا تستطيع، فهل نكون نحن دونها تمييزا؟ هذا هو ~~سبب الإخفاق في الأعمال، والسر كله هو في أن ننتقي ما يلائم غرائزنا، وألا نغتر بأنفسنا ~~فنماشي التيار الذي فينا، إن الحوت الذي يجري في الغمار لا يخطو خطوة على الرمال، ~~والقطار إذا حاد عن خطه فقد قوته وسرعته، فرب نابغة يعجز عن القيام بأبسط الأعمال ~~ولكنه يستطيع أن يتفوق في العظائم! # فكرامويل بقي في مزرعته يعالج الخس والفجل والثمار حتى شارف الأربعين، وأخيرا انفتحت ~~أمامه الطريق التي وجد ليقطعها. # وفولتير حاول أن يعد نفسه ليكون من رجال الحق والقانون ففشل هناك، وانصرف إلى الفلسفة ~~والأدب فكان الأديب الفيلسوف الخالد. # وموليير المسرحي الفرنسي العظيم لم تجد عبقريته مرعى لها في المحاماة، فانصرف إلى الأدب ~~وكان الرجل الذي أضحك زمانه في كل وقت ولم يضحك هو مرة. # وكانت الفنون الجميلة عنوان الفقر، ولا تعد إلا ألهية من لا عمل لهم، وكثيرا ما ~~خاطب والد «ميكال أنج» ابنه بلسان القضيب ليحول دونه ودون حيطان البيت التي يرسم عليها ~~شخوصه، ولكن الميل والعبقرية انتصرا أخيرا، وكان الخلود حظ هذا الولد الذي شقي صبيا حتى ~~انتصر. # وإذا اختار أحدنا ما لا يلائمه، فإن الطبيعة لا يهدأ لها بال حتى تضعه في مركزه الخاص ~~به، فما علينا إلا أن نسير ولا نقف لأننا واصلون لا محالة، علينا إذا كنا في غير مستقرنا ~~أن نعمل بأمانة وإخلاص لنبلغ أخيرا المحطة المعدة لنا، فلنعمل الواجب بأمانة وإخلاص، ~~وعملنا هذا يؤدي بنا إلى ما نرجو، أو إلى ما أعدته لنا الطبيعة منذ البدء، إن العبقرية ~~كالماء الجاري تحت الأرض ينتظر الساعة التي يشق فيها طريقه ms114 إلى النور، فيروي وينمي ويخلق ~~أثمارا وأزهارا. # أما وقد ذكرنا نفرا من نوابغ غيرنا فأين نحن من نوابغنا؟ فهذا أمين الريحاني أراده ~~أبوه معاونا له في المتجر، وأراد هو أن يتعلم الحقوق والتمثيل فالتحق بجوقة وأخفق، ~~وأخيرا سار في طريقه، وكان الأديب اللبناني الذي احتل مقاما عاليا بين أدباء ~~الأرض. # وجبران هاجر كسواه ثم عاد إلى الشرق ليكون أديبا فأفلح، وكان الإمام المتبوع. # والجاحظ أحب أن يكون إماما صاحب طريقة، ولكن الطبيعة سدت الطريق لتوجهه إلى ~~الأدب، فكان أديب العرب الأول. # والمتنبي شقي في طلب السعادة فأخفق وأسلس لطبعه قياده، فكان الشاعر الخالد. # وفي سيرة أحمد فارس الشدياق عبرة العبر، فمن فتى ينسخ الكتب إلى معاون للمير حيدر ~~يدون له تاريخه، إلى عطار يكاري على حمار يطوف القرى ليبيع بضاعته من هذا وذاك، إلى ~~صاحب خان على طريق صيدا، إلى فار إلى مصر حيث حرر الوقائع المصرية، إلى مهاجر إلى مالطة ~~ولندن وباريس، ليترجم التوراة ويكتب «الفارياق»، إلى راحل إلى تونس، ليتولى إدارة ~~المعارف فيها، إلى نازل في الآستانة حيث استقر وصار نجي السلطنة ولسان حالها في ~~الجوائب. # هكذا تسيرنا الحياة حتى نؤدي الخدمة التي انتدبتنا لها، فما علينا أن نيأس إذا لم نكن ~~من أول رحلة من الغانمين. # عندما عين فرنكو باشا متصرفا للبنان، زار المدرسة الداودية في عبيه التي أسسها ~~سلفه داود باشا ولا تزال تحمل اسمه، وشاء فرنكو أن يخطب في التلاميذ، فما وجد موضوعا ~~أفيد لهم من مجمل سيرة حياته، قص عليهم كيف ذهب من حلب إلى إسطمبول فتى لا عتاد له، ~~واستخدم عند تاجر يوجهه إلى هنا وهناك في قضاء حاجاته، حتى إذا ما قضاها عاد إلى مساعدة ~~خالد رفيقه في الخدمة، تارة ينظفان الواجهات وحينا ينظمان البضائع ويكنسان ~~المحل. # وشاء فرنكو أن يتعلم مبادئ القراءة والكتابة، فكان يذهب إلى مدرسة ليلية، وبعد حين خرج ~~كاتب من المحل فطلب صاحب المحل من فرنكو أن يحمل رسالة إلى واحد يدعوه التاجر ليكون كاتبا ~~عنده، فقال فرنكو ms115 لمعلمه: أنا يا معلمي أكون محله. ~~- أنت يا فرنكو؟! وأين تعلمت؟ من الكناسة إلى مسك الدفاتر! هذا كثير يا فرنكو! # فقال فرنكو: جربني يا سيدي. # فجربه ونجح، وكان كاتبا فاهما غيورا. # أما خالد زميل فرنكو في الكناسة فظل حيث هو، ومات مدير المحل فقدم فرنكو نفسه وحل ~~محله بنجاح. # وظل فرنكو يتعلم، وترقى حتى صار سكرتيرا في وزارة الخارجية، ولما انتهت مدة داود ~~باشا متصرف لبنان الأول أجمعت الدولة والدول السبع على تعيين فرنكو باشا متصرفا ~~للبنان. ~~«وصرت باشا.» هكذا قال فرنكو لتلاميذ المدرسة الداودية في عبيه، «وذهبت لأزور معلمي ~~الأول، وأقترض منه 500 ليرة عثمانية أنفقها على إعداد طقم الوزارة وسيفها وسفري إلى لبنان، ~~فاستقبلني معلمي بالاحترام والمحبة، وجاء رفيقي في الكناسة يظهر لي أشواقه وهو لا يعلم عن ~~مصيري شيئا. # وأعطاني الخواجة المبلغ المطلوب فتهيأت للسفر بعد أن قطعت الثياب الرسمية اللازمة، وفي ~~موعد الذهاب مررت في عربتي على محل معلمي وأنا لابس طقم الوزارة ومعي الياور، فما أبصرني ~~خالد حتى هجم علي بالمكنسة صائحا: ولاه يا فرنكو عامل كراكوز في البلد! ولو لم يتدخل ~~معلمي كان كسر رأسي ومزق طقمي المقصب.» # وختم فرنكو قصته هذه بقوله: «هذا هو العلم يا أولادي، ومن يدرينا أنه ليس بينكم من هو مثل ~~فرنكو؟ لا أحد يعلم ما يصير، وما علينا إلا أن نعمل، فتعلموا لتعملوا.» # يتحير الواحد منا في سيرورة هذا الكون إذ يرى الناهضين من الحضيض، ولكن ليس هناك ما ~~يحير، فمن يسع ليجد ذاته ينجح متى وجدها، وهنا سر الفلاح كله، فلنفتش عنها. # | الأدب الحق # لا يعني الأديب محترف الإنشاء، فالعرب حين قالوا: «أدركته حرفة الأدب» لم يفهموا الحرفة ~~بالمعنى السوقي، يقصدون ب «أدركته حرفة الأدب» أن الأديب هو العاجز عن النضال في حرب ~~المعاش، انحصر فكره في بؤرة واحدة فأصبح من أدبه كذوي الفكرة الثابتة؛ ولهذا يقول شكسبير: ~~«حبر الكاتب كدم الشهيد.» # يناضل الأديب، ولكن في غير سبيل الرغيف، ولا بد لكل قضية كبرى مهما سمت وتنزهت ms116 من ~~أدباء يناصرونها لتتوطد دعائمها، أما رأوا محمدا رسول الله كان يدعو لشاعر الرسالة ~~حسان بن ثابت بقوله: «اللهم أيده بروح القدس؟» ثم يقول له: «شن الغارة على عبد ~~مناف، فوالله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في حلك الظلام!» # وإذا فتشنا عن العنصر الأدبي في جميع ما أسعد الإنسان من تعاليم، رأينا سحر البيان - ~~وهو أقوى عناصر الأدب - من دعائم الرسالات الكبرى، إن الله - تقدس اسمه - لم يكلف ~~برسالته في كل دور إلا أفصح خلقه، فالسيف والمدفع لا يؤديان رسالة السلام والاطمئنان، فما ~~لهذه الرسالة غير الأديب يحملها على أجنحة خياله، ويطير بالنفوس معها، فهل أراني مخطئا إذا ~~حددت الإنسان تحديدا جديدا وقلت: «الإنسان فصيح فنان؟» فالإنسان لا يقاد طائعا راضيا ~~إلا بسحر البيان والفن. # وحب الوطن من يعلمه غير الأديب؟ تنقشه أقلام الأدباء في الصدور كما يدق الوشم في ~~اليد فلا يمحي إلا باندثار الجسد، إنه يستحيل نفوسا تسيل على حد السيوف، وقوى غريبة ~~عجيبة تقاوم الدبابات ولا تخشى قنابل الطائرات. إن حب الوطن الذي يصور جماله الأديب ~~يمسي حقيقة ثابتة في ذهن كل مواطن، حتى يستحيل هذا المواطن جنديا مدربا في ثكنة ~~الأديب يلبس درعه وسيفه، وما هما غير الإيمان ببقعة من الأرض خلع عليها قلم الأديب رائع ~~السحر والجمال. # فالوطنية من عمل الأديب يغرسها كالنخلة ليجني رطبها وثمرها غيره، زرعوا وأكلنا ونزرع ~~ويأكلون، هذا هو نهج الأديب، يعلم أنه لا يجني ثمرة ما يزرع، ولكنه يزرع ولا يبالي بشقائه؛ ~~لأنه خلق للإنشاء والإبداع، ومن يستطيع أن يمحو ما خط في لوح القدر؟ # إن مخيلة الأديب في حلم دائم، والعالم يعبر تلك الأحلام ويحققها، فمخيلة ~~الأديب تحبل وتلد، ورجال العلم يلتقطون المولود، يحلم الأديب الملهم بتجميل الحياة وإسعاد ~~الناس، والجبابرة يصيرون تلك الأحلام يقظة قاسية. # إذا حاق الظلم بالإنسانية فالأديب أول من يتألم، يرفع صوته تحت بريق السيوف، لا يكتم كلمة ~~ولو أعطي بها ملء الأرض ذهبا، فهو لا يبتغي إلا العدالة، ويؤثر الموت على الخزي ~~والعار. ms117 # وصف كنفوشيوس الأديب منذ أربعة وعشرين قرنا فقال: ~~«الأديب يكرم نفسه ويحترم الناس، يخاف الموت وينتظره، يغذي نفسه ليعيش ويعمل، ليس ~~الذهب بكنز الأديب، بل الصدق والأمانة هما كنزه، فهو لا يبتغي من الدنيا إلا العدالة، لا ~~يطلب الغنى المفرط، وفي الأخلاق السامية سعادته، لا يأسف على الماضي، ولا يتأهب ~~للمستقبل، يصادقك الأديب طائعا مختارا لا مكرها، ويؤثر الموت على الخزي ~~والعار. # الأمانة درع الأديب، فعلى رأسه يحمل الإنسانية ويمشي، والعدالة تتكئ على صدره في البيت، ~~ومهما طغى الاضطهاد، فهيهات أن يزحزح عقيدته الراسخة. # يعيش الأديب بين معاصريه ويفكر بالمتقدمين، يساير عصره ويعمل بما يوحي به إليه الغد، ~~وعلى الأجيال الآتية أن تقتدي به. # ليغضب معاصروه، ليحتقره من هم دونه، ليتألب عليه النمامون والممالقون، ففي مقدورهم أن ~~يهلكوه، أما إرادته فلا تلين ولا تنهزم أمام المخاطر والاضطهاد، وفي ضيقته وبلواه يتذكر ~~أبدا شقاء الشعب. # الأديب يسعى وراء المعرفة بلا ملل ولا راحة، يعمل لذلك أبدا تحت سقف بيته. # يعز الخيرين ويتحمل الأشرار، يساعد الغرباء والأعداء، ولا يقدر إلا الجدارة ~~والأعمال، وهدفه الأسمى خير أمته وبلاده. # لا يفتش عن الثروة والمكانة، يزرع الأديب معرفته بين أصدقائه ليفيدهم وينير أذهانهم، ~~ينشر من طوتهم حجب النسيان ويذيع فضلهم. # الأديب يطهر جسده ويهذب فضيلته وينقيها، وينصح أولياء الأمر ويصلحهم ~~بهدوء. # في السلم لا يزدرى ولا يحتقر، وفي زمن الاضطراب لا يشرى ولا يباع. # في عزلته يثقف نفسه ويهذبها، وينمي شفقته. # يقسو على نفسه ليخفف من غطرستها ويهذب اتصالها بالناس. يحب الأساليب الحسنة ~~ويبتهج بالذين يسيرون على نهجه. # سلوكه قائم على أسس الفضيلة، ودعامته الإنصاف، يتقرب من زملائه ويبتعد عن سواهم. # الدماثة والصلاح هما جذع الإنساني. # احترام الناس واللطف هما تربة الإنساني. # الكرم والإحسان هما آثار الإنساني. # التواضع والأدب هما وسائل الإنساني. # اللياقة والحفاوة هما وجه الإنساني. # الكلام والحديث هما زينة الإنساني. # الغناء والموسيقى هما تآخي الألحان عند الإنساني. # التقسيم والتوزيع هما تصرف الإنساني. # والأديب يجمع هذه المواهب كلها، فهو إذن الإنسانية كاملة. # في الفقر ms118 والضعة لا يسقط الأديب كالحصاد. # وفي الغنى والوجاهة لا يتنفش فرحا وكبرياء. # لا السن ولا المكانة يستطيعان قلقلته؛ ولذلك يسمونه الأديب المثقف. # أما الذين يسميهم الجمهور اليوم بالمثقفين والأدباء فليسوا كذلك؛ ولذلك صارت الثقافة ~~وصمة.» # انتهى كلام كنفوشيوس. # ومع احترامي لآراء المعلم الصيني الأكبر أرى أن الشقاء عنصر مقوم للأديب؛ إذ ~~لا بد للأديب من العبور في معصرة الألم لتبقى خمرته على الدهور والأجيال؛ ولهذا أرى ~~بالاستقراء أن الأديب إذا لم يجد شقاء شقي بعقله كالمتنبي مثلا. # قرأت مسرحية طريفة تدل على طمع الأمم بالأدباء، فأحببت أن ألخصها خاتما كلمتي ~~بها: # كان في إحدى مدن فرنسا أديب تاعس الجد، تحييه زوجته المهذبة بما نصافح به العقرب متى ~~شرفتنا بزيارة صيفية، ويزدريه من عرفوه في المجالس والمجامع، فعاش المسكين في حربين: داخلية ~~وخارجية، وكانت الحرب العظمى الأولى فاختفى أثره، واشتهت بلدته أن تشتهر بأديب تفتخر به ~~كغيرها من المدن، فرأت أن تشيد أثرا فخما لأديبها هذا، فاضطلع رئيس البلدية بالأمر ورفع ~~الأثر عاليا، ثم كانت حفلة إزاحة الستار عن التمثال فتصدرها الوزير وزوجة الشاعر، وكان ~~السواد يجللها من فوق عينيها إلى رجليها. # وفي تلك الساعة الخطيرة من تاريخ المدينة وفد الشاعر بعد غيبته الطويلة على الطائر ~~المنحوس، ولشد ما دهش إذ رأى نفسه استحال تمثالا من رخام ورفع على خازوق ~~المجد! # أظهر نفسه للحفل الكريم فأنكروه جميعا حتى زوجته المتباكية، وخاف سعادة رئيس البلدية أن ~~تفسد الطبخة ويحرم الحلوان - الوسام الذي في جيب الوزير - فسار بالشاعر ناحية وقال له ~~جادا: أنت مت يا صاحبي، وقد صرفنا مبالغ طائلة من الفرنكات لتمجيد ذكراك، فليس من ~~الكياسة أن تكذبنا، ولا من الحكمة أن تخسر هذا المجد! # وكان الأديب نبيها فتذكر زوجته ورفقها به ... فصدق أنه مات، ولكنه عاش طويلا يتفيأ ~~ظل تمثاله، وينظم الشعر في تمجيد صاحب التمثال أديب البلد وشاعره الكبير! # أكثر الله من أدبائنا المنتخبين، وأقل من المحترفين الدجالين ...! # | التدقيق # إذا رأيت الرجل، موظفا كان أو معلما، عاملا أو تاجرا، يأتي ms119 متأخرا عن موعده فلا ~~تلمه، لا تلم إلا الذين ربوه ناشئا ، لم البيت لأنه لم يرب، ولم المدرسة لأنها ~~لم تهذب. فلو علم الأبوان أن ابنهما سيكون يوما ما حزمة عادات تمشي على الأرض، لأرضعته ~~أمه في مواعيد مضبوطة، وأنامته في أوقات معينة، ولقيدته بنظام صارم صغيرا لترى منه ~~رجلا دقيقا في سلوكه مستقيما في أعماله. # تفتح المدرسة بابها الساعة الثامنة والولد لا يزال منسلا تحت لحافه ينعم بالدفء، ويسمع ~~الأب الساعة تدق السابعة والنصف فيرفع عقيرته مؤنبا وموبخا، فإذا بالأم تنتصر ~~لولدها متغضبة على العلم والمدرسة: «الصحة قبل كل شيء»، ويسمع الصبي النائم نومة الهر ~~فيطمع. ثم ترتفع الكلفة بينه وبين النظام المدرسي، فيصبح ولدا غير مكترث ويشب على ~~الميوعة والإهمال، ويصير آخر من يروح إلى المدرسة وأول من يرجع إلى البيت، ويشب على هذه ~~الخصلة فيدخل دور الأعمال من بابها الغربي ليخرج من بابها الشرقي، ويعود إلى أمه شاكيا ~~قلة العمل وانسداد باب الرزق. # ما سد باب الرزق بوجهه إلا اليدان الأبويتان، فلو كانتا حازمتين دقيقتين لما انتهى ~~ابنهما إلى حيث انتهى من سوء المصير. # من يحمل منا ساعة تقدم أو تؤخر ولا يلعنها عشرين مرة في اليوم؟ وإذا كانت هذه حالنا ~~مع ساعاتنا فكيف تكون حال أرباب الأعمال مع معاونيهم الذين لا يدققون في ~~مواعيدهم؟ # حكي عن أحد رؤساء الولايات أنه انتظر كاتبه الخاص دقيقة، ثم تكرر هذا التأخر فضاق صدر ~~الرئيس فدعا كاتبه ولامه على عدم تدقيقه، فنظر الكاتب إلى ساعته وأجاب معتذرا: ساعتي ~~تؤخر. # فأراه الرئيس وجها كالقفل وقال له: إما أن تغير ساعتك أو أنني أغير كاتبي. # قد استغرب الرئيس العظيم تأخر كاتبه دقيقة واحدة واستفظع عمله حتى أنذره بالصرف، فما ~~قولنا نحن بمن يتأخر ساعة وساعتين، والناس في انتظاره وفي أيديهم أوراقهم، حتى إذا سمع وقع ~~خطاه في الرواق دقت القلوب وتنفست الصدور وزال الكابوس، ولكنه لا يلج الباب حتى يرده ~~في وجوههم؟! # ها هو يستريح منتظرا فنجان القهوة، فالفطور يتناوله على مهل ms120 وبتأن ورزانة ووقار عملا ~~بنصائح الأطباء مجيدا المضغ، والناس قيام عند بابه يضجون وهو هادئ البال بارد القلب ... ~~حتى إذا حانت الساعة الحادية عشرة قلب بعض وريقات على مكتبه ببطء يتخلله مط شفتين ~~وهز رأس، ثم يأمر بدخول عبيده الواقفين بالباب واحدا واحدا، فينظر إليهم مرة وإلى ~~أوراقه أخرى لاعنا الحياة ساخطا متبرما سابا! # لا أحد غيره خليق بالسب؛ لأنه أضاع ثلاث ساعات بين تأخير وسوء تدبير، وإذا ضمك وإياه ~~مجلس تشكى إليك أنه لم يقفز على سلم الترقي درجات! # وإذا انتقلت إلى أصحاب المهن الحرة، رأيت أكثر رجالها يسلكون هذا المسلك، يضرب لك أحدهم ~~موعدا الساعة الرابعة ثم لا يأتي إلا الساعة السادسة، هذا إذا صدق وجاء، فكيف تتعاطى فيما ~~بعد مع من يقتلك صبرا في غرفة الانتظار قبل أن يقتلك بألاعيبه وأكاذيبه؟! وشر من هذا ~~وذاك ما يقوله لك المستخدمون عنده حين تسألهم عنه: يأتي بعد خمس دقائق، فتنتظر ساعة أو ~~ساعتين ولا يطل القمر ... إنني أؤكد لك أن رب عمل هذه صفاته لا يفلح أبدا، وإن أفلح ~~أولا فهو مخفق أخيرا، ما رأيت شيئا يخلق الرجال ويكبرهم في عيني مثل التدقيق في أقوالهم ~~وأفعالهم. # إن نفسك يا أخي تركب رأسها إذا لم تحاسبها حسابا دقيقا، إن ضميرك يموت ويهجرك ~~هجرانا لا لقاء بعده إذا كنت لا تدقق في الإصغاء إليه، وتجري الحساب بينك وبينه ~~يوميا. الدقة قوام الحياة، ومن يثق منا برجل يعرف أنه غير دقيق في أقواله وأعماله؟ علينا ~~أن نتعلم الدقة من الطبيعة، فالتفاحة لا تفرق بين جنينة القصر المنيف وبين أطراف الحقل ~~وظل الكوخ الحقير، إن عملها واحد في المكانين: صبر ودقة وإتقان، والوردة في البرية ~~تدقق في صنع زهرتها كما لو كانت في بستان ملك الملوك. # والأجرام في نظامنا الشمسي لا تتأخر قط عن مواعيدها، ولو تأخرت ثانية لاضطرب الكون، ~~فلماذا لا نتعلم من هؤلاء الأساتذة: التفاحة والوردة والأجرام؟ فحفظ النظام مطلوب من ~~الكبير والصغير. # التدقيق أخو الاستقامة؛ ولهذا نفضل «ماركات مسجلة» على ms121 غيرها، فنشتري هذه البضاعة ~~مطمئنين مبتهجين، إن أصحابها لم ينالوا ثقتنا بما ينتجون ويصدرون إلا لأنهم ثابروا ~~ويثابرون على الدقة في العمل. يخال البعض أن الإعلانات تجر الرواج فالربح الطائل، نعم، ~~إن الإعلان المشوق المغري ينفع مؤقتا، أما الأنفع فهو إتقان الصنعة والتدقيق، فلا ~~يفتخر أحدنا أنه عمل كثيرا، بل فليفتخر بالعمل المتقن الدقيق، وليس في العمل عار مهما ~~سفل، بل العار كل العار في عدم الدقة والإتقان. # قال أحد أعضاء مجلس العموم الإنكليزي لعضو آخر أثناء اشتباكهما في مناقشة: اذكر يوم كنت ~~تمسح حذاء أبي، فأجابه على الفور: هذا صحيح، ولكن ألم أكن أمسحه بدقة؟! # وعير أحدهم المسيو فاليير عندما كان وزيرا، وقبل أن صار رئيس جمهورية فرنسا، بأن اسمه ~~مطبوع على النعل، فأجاب: نعم، ولكنه نعل دقيق الصنعة لا غش فيه. # إن عبقرية بلا تدقيق وعمل متواصل لا تخلق إلا التافه، ليست الألماسة بنت ساعة ولكنها ~~بنت عمل دقيق مستمر، وأروع الآثار الأدبية عمل في سنين تعد بالعشرات. # روي عن مونتسكيو أنه قال لصديق له عن أحد مؤلفاته ولعله «روح الشرائع»: إنك ستطالع ~~هذا الكتاب في ساعات، ولكني أحلف لك أنه كلفني من التعب ما شاب له شعري. # أما أمثلة التدقيق الكثيرة فنجدها في سيرة الجندي العظيم نابليون، كان يدقق في ~~الكبائر والصغائر، ويسهر على تنفيذ أوامره سهرا كليا، عهد مرة إلى أحد جنوده بخفارة ~~مخرم خطير يخشى أن يعبر جيش الأعداء منه، ولكنه لم ينم قبل أن استوثق من سهر ذلك الخفير، ~~فرآه غافيا على كرسيه يشخر وينخر، فتناول الإمبراطور العظيم البندقية وانتصب خفيرا حتى ~~أفاق ذلك الجندي التعب من غفوته، وهكذا علم جيشه الدقة وإتمام الواجب على ~~حقه. # إن التدقيق واجب في كبار الحاجات وصغارها، فالأم التي لا تدقق تركب الزر عشر ~~مرات لقميص ابنها، بينا الأم الدقيقة لا يقع الزر الذي تركبه إلا عندما تلفظ تلك القميص ~~روحها، وبين العملين فرق زهيد جدا لو تأملنا وتبصرنا. # إن حياتنا تذهب هدرا إن لم نستعملها بتدقيق، فالذين ms122 أحسنوا استعمال وقتهم على اختلاف ~~طبقاتهم جاءوا بأعمال ذكرت بالاحترام والتقدير ، فكم من عامل أمين مدقق صار رب العمل! ~~وكم من رب عمل أمسى فقيرا لأنه لم يصن متجره أو مصنعه بدقة! ولكن أكثر الناس لا ~~يعتبرون. # إن سلاحنا - نحن الشرقيين - هو: غدا نعمل كذا وكذا، وبعد غد نعمل كذا وكذا، و«غدا» ~~و«بعد غد» لا يأتيان أبدا، فنظل حيث كنا، ولو كنا ممن يدققون لجعلنا لكل يوم عملا ~~وأفلحنا كغيرنا. وهب أننا عملنا، فأكثر ما نعمل يكون إما ناقصا وإما فجا غير ناضج، ~~وهذا شر من عدم العمل. # الذهب والألماس أثمن المعادن، فإذا صنعت منهما عقدا غير دقيق الشكل والصنع، كان عقد ~~الخرز الدقيق النظام أجمل منه وأبهى. # قد تقول لي: أراك شخصت المرض وجئت بالأمثلة لتحثنا على التشبه بالكرام، ولكننا نطلب ~~منك أن تصف لنا دواء نستعمله فنشفى من دائنا. # هاكم يا أحبائي الدواء: # خمسة غرامات من الإرادة. # خمسة غرامات من العادة. # وعشرة غرامات من المثابرة. # وثلاثة غرامات من حب عملك الذي تعمله. # امزجها جيدا واشرب كل صباح جرعة، ولا تنس أن تخض القنينة جيدا عند ~~الاستعمال. # يجب أن نريد أولا، ثم نعود أنفسنا يوميا القيام بواجباتنا وإن كنا لا نحبها ونميل ~~إليها، فإذا أردنا وثابرنا تعودنا، ومتى تعودنا أن نقوم بأعمالنا بدقة، وجدنا أنفسنا ~~أقوياء في الشدائد نستطيع الصبر والمقاومة، والصبر والمقاومة ضمانة الحياة. # | الأخلاق ضمان جماعي # دار بيت شوقي في الأخلاق على كل لسان حتى استفز الشاعر - رحمه الله - إلى ترديد هذا ~~المعنى في قصائد عديدة من شعره الرائع، حقا إن الفقير خاصة لا رأس مال له إلا أخلاقه، ~~فالرجل الفاضل - كما قال ابن سيراخ في سفر الأمثال - يتاجر بماله ومال غيره. # وأنا أعرف رجلا كان عندنا لا يملك شبر أرض وهو أخو عيلة وليس عنده عشا ليلة، ومع ذلك عاش ~~ميسورا لائتمان الناس له على الكثير والقليل، عاش عمرا طويلا ولم يأكل قرش أحد من ~~الناس، ولم تكن الدنيا تنسد بوجهه، بينا كان غيره من أصحاب ms123 العقارات الواسعة يعيشون في ~~ضيق وضنك متى أصيبت حاصلاتهم بمحل أو ألمت بهم نكبة؛ لأنهم لم يكونوا يعطون رطل طحين ما ~~لم يدفعوا ثمنه نقدا. # وأعرف عن هذا الفقير أيضا أنه كان هو دائما أحد المزكين، فالشرع العثماني كان يقضي في ~~الدعاوى الحقوقية أن ترسل المحكمة إلى قرية الشاهد استعلاما يسمى «مستورة»، تطلب فيه ~~تزكية الشاهد من رجلين لا يطعن في أمانتهما، حتى إذا لم يزكيا ذاك الشاهد تسقط شهادته، ~~وكانت هذه التزكية سرية لا يعرف بها أحد، وكثيرا ما كان هذا الرجل الفقير الصادق لا ~~يزكي أوجه القرية، حتى إنه لم يزك ابنه مرة لاعتقاده أنه لم يشهد بالحق. # إن الأخلاق الفاضلة هي ملاك حياتنا، وعليها ترسخ أساسات المجتمع؛ ولهذا شهد الله العظيم ~~لرسوله الكريم في كتابه العزيز بقوله: # وإنك لعلى خلق ~~عظيم ~~. # والأخلاق - كما قال إمرسون - معروفة دائما، فما كانت السرقات لتجلب الغنى ولا الصفقات ~~لتجلب الفقر، فلماذا لا تكون فاضلا متين الأخلاق؟ ولما تعجب لويس الرابع عشر - وهو سيد ~~مملكة عظمى كفرنسا - كيف لا يقهر مملكة صغيرة كهولندا! أجابه وزيره كلوبرت: «يا مولاي، إن ~~عظمة بلد من البلدان لا تقوم بسعة مساحته، بل بأخلاق سكانه.» # فإذا كان في العالم قوة تجعل الناس يشعرون بتأثيرها فإنما هي الأخلاق الفاضلة، قد تكون ~~غير متعلم وغير غني ولا مركز لك يخشاه الناس أو يرجون منه خيرا، ومع ذلك تتمتع بنفوذ ~~يضمن لك الوقار والاحترام لأنك ذو أخلاق سامية، فالأخلاق قوة ونفوذ، وهي تكسبك الأصدقاء ~~وتوجد لك رأس مال، وتجلب لك الحماية والوقاية وتفتح أمامك طريق المعاش. يجب أن تقف أخلاقنا ~~وراءنا لتعضدنا في كل موقف كما قال أحدهم: في القصيدة، والصورة، والقصة، حتى في الشارع حيث ~~نسير، لنكون قدوة لأولادنا وأصحابنا والناس أجمعين. # جاء في بعض الأساطير أن الملك ميداس طلب من ربه أن يتحول كل شيء يلمسه إلى ذهب، ~~فاستجيبت طلبته، فإذا بملابسه التي مسها، وابنته التي قبلها، وأزهاره التي داعبها، ~~والكأس والماء، والأرض التي داسها قد تحولت كلها ms124 إلى ذهب، فتضرع أخيرا إلى الآلهة أن ~~تسترد ما منحت، وعلم إذ ذاك أن في الكون أشياء كثيرة هي أثمن من الذهب الذي يستطاع ~~استخراجه من الأرض في كل حين. # إن الأخلاق هي أثمن وأغلى من الجواهر التي في عنقك يا سيدتي، أنت تتحلين بالألماس ~~وإنني لأؤكد لك أن الأخلاق هي الألماسة التي تخدش كل حجر آخر. # وأنت يا سيدي الغني العزيز صاحب الصناديق المصفحة، المحشوة حشو الموز والرمان ~~بالذهب والأوراق النقدية والسندات المضمونة، ثق أنها لا توليك ذرة احترام إذا لم تكن متين ~~الأخلاق. # قال فولتير: «إنني لا أعرف رجالا عظاما إلا الذين قدموا خدمات عظيمة للجنس البشري، ~~فالناس يقاسون بأعمالهم لا بما تحتوي عليه صناديقهم من جواهر وكنوز.» وهل تعد من تدلك ~~ملامحه على البهيمية الشرسة رجلا مفلحا لأنه جمع ثروته بالأخذ دون العطاء؟ فكم أجاد ~~الجاحظ حين سمى هؤلاء التماثيل «أصحاب الجمع والمنع!» من منا لا يلمح على وجوههم ~~المقطبة آلام الأرامل واليتامى؟ وهل من أمات آخرين واستنزف قواهم ليحيي نفسه، وهل من هدم ~~بيوت غيره ليبني بيته يعد رجلا ذا أخلاق؟! وهل يكون هذا عصاميا داهية كما يسميه الناس؟ ~~وهل يكون رجلا كريما يحق له أن يرفع رأسه بين البشر من تظهر على وجهه علامات الفقر بأجلى ~~معانيها كما يظهر الجوع على وجه الذئب؟ # إن العالم يقابل هؤلاء بالازدراء فيقتص من نقائصهم ووهن أخلاقهم، فقلما تسمع كلمتهم ~~وتسمع كلمة رجل ذي أخلاق فاضلة دون أن يلجأ إلى فصاحة وبلاغة، فقد يشتبك الناس في شجار ولا ~~تستطيع حراب الشرطة والجند أن تفصل بينهم، ثم لا يسمعون كلمة رجل فاضل حتى يلقوا سلاحهم ~~عند قدميه! فلا تتعجب إذن متى عرفت أن الأخلاق قوة لا تضارعها القوى المادية. # يقول صاحب الأخلاق السامية كلمته فيتبع وتطيعه الناس، بينا نرى من لا أخلاق له يطيل ~~الكلام حتى يتعب حنكه ويخدر لسانه ولا يقنعك، يحلف لك ألف يمين فلا تصدق من كلامه حرفا ~~لأنك تعرف أنه غير ذي خلق. # كان إبراهيم لنكلن ms125 مهزأة لأعيان أوروبا لأنه غير كيس، وكانت صحفها تصوره صورا مضحكة ~~لتدل على سماجته، أما هو فلم ييأس بل ظل معتصما بأخلاقه السامية فكانت درعه الحصين في ~~محكمة الزمن الذي يدين العظماء بعد حين. # ولما كان محاميا أعاد إلى سيدة أوراق دعواها بعد أن درسها ورأى أنها ليست على حق، ~~أعادها مع المئتي الدولار التي كان قبضها منها، فقالت له: ولكنك قد استحققت هذا المبلغ أجرة ~~تعبك، فأجابها: كلا، إنك غير مصيبة في هذا، فأنا لا أقبض أجرة إتمامي واجباتي. # أرأيت كيف تكون الأخلاق؟ إن في حياة الإنسان شيئا أعظم من مهنته وأكبر من الكسب والثراء، ~~وأسمى وأعلى من العبقرية؛ وهو الأخلاق. # قال شكسبير في مسرحيته «كليوبطره»: «إنه لشيء ضئيل أن يكون الإنسان إمبراطورا؛ إذ ما هو ~~إلا خادم الحظ والمنفذ لإرادته. وإنه لأمر عظيم أن يقوم المرء بعمل حاسم في تاريخ ~~أمته.» ولكي نقوم بما عناه شكسبير في كلامه يجب أن نكون من الأخلاق في حصن حصين، لتنهار عند ~~أقدامنا معاقل الباطل والبهتان. إن الزمان هو القاضي القديم الذي يحاكم جميع المذنبين، ~~ويفسد جميع الخطط التي لا يكون قوامها الأخلاق الفاضلة. # ولو لم يكن الخلفاء الراشدون والرسل والحواريون ذوي أخلاق عظيمة لما ثبت الإسلام ~~والمسيحية، فكل مبدأ جديد يحتاج إلى الأخلاق لترسخ دعائمه وتستقر، فلنمتن أخلاقنا ~~لتمتن أخلاق بنينا وأحفادنا، وبذلك تتكون الأمة العظمى. # إن الأخلاق هي الضمان الجماعي الأوحد ولا خوف على صاحبها ولا هو يحزن، فهي درع في ~~الشباب والكهولة، وإكليل مجد في الشيخوخة، وأمامها تصغر عظمة الموت. # | الرجل ابن البيت والبيئة # لكل امرئ من دهره ما تعود؛ بهذه الكلمة البسيطة المركبة استهل شاعرنا الأعظم إحدى ~~قصائده الخالدة. خص المتنبي العادة بالناس، أما الشاعر العربي الأسبق النابغة الذبياني ~~فألصقها حتى بالطيور الكواسر، فقال في الغساسنة والطيور المحلقة فوقهم: «لهن عليهم عادة ~~قد عرفتها.» # ويقول أصحاب علم النفس، الصغير السن: ليست أخلاق الأمم إلا كومة عادات جمعها كر الغداة ~~ومر العشي، وبقدر سمو هذه العادات ونبلها يعلو قدر ms126 الأمم والشعوب التي اكتسبتها. أما ~~اكتساب العادات فقوامه مقاومة ميول النفس وقهرها وتطويعها، ومتى أذعنت تعودت. # تصف للرجل أمرا فيه صلاحه، فيهوله الرأي ويشق عليه ويقول: ما تعودت أن أعمل هذا، أو ~~ما عملت هكذا في عمري ودهري. فتجيبه أنت بتلك السذاجة الناعمة: وما عليك يا أخي لو جربت، ~~حاول، تعود. وقد يعمل بنصيحتك مرة فيعتاد، وتقولان معا قول المتنبي أيضا: # كل ما لم يكن من الصعب في # الأنفس سهل فيها إذا هو كانا # إذن نحن مدينون للعادة بما فينا من صلاح وطلاح. # يقول الأبوان إذا أنكرا من ولدهما عادة أو خطة: غدا المدرسة تربيه! يا ويل المدرسة، ما ~~أقصر يدها! إن العادات الأصيلة هي من بنيات البيت، لاحظي يا سيدتي بنيك في مهده، ~~وراقبيه حتى يدب، وحين يحبو، وحين يمشي. تأملي جيدا تري أنه يكتسب في كل يوم عادة، ~~فهل تقفين مكتوفة اليدين تنتظرين المدرسة لتقوم اعوجاج ولدك؟! # ألا تعلمين أن عملك التربوي ابتدأ يوم وضعته، فالعادات تغرس في حقلك الصغير منذ ~~ميلاده، فاستعدي لمكافحة الحشرات التي أخذت تنتشر في الجذع والفروع، طاردي المكشوفة منها ~~بالمستورة، وأعدي العدة لاستئصالها لتسلم غرستك الطرية التي نبتت حديثا في حقل ~~الإنسانية. إن عهد الطفولة هو عهد الزرع والقلع، أي زرع الفضائل واقتلاع الرذائل، يكبر ~~الطفل عاما فتكبر العادة أعواما، ولا يبلغ العاشرة حتى تصبح عاداته من عمر نسر لقمان، ~~إن البيت يؤسس والمدرسة تبني، فحري بالآباء والأمهات أن يوطدوا ذلك للمدرسة لئلا ~~تبنى على جرف هار. # قد يقول قائل: وما عمل المدرسة إذن؟ ونحن نجيبه: إن عمل المدرسة هو أن تهذب، ~~والتهذيب غير التأديب، تحاول المدرسة أن تغرس عادات حسنة ترجح بها كفة الميزان، عملا ~~بقول الشاعر: «ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟» هذا هو عمل المدرسة قبل التعليم. إن ما ~~نعلم قد ينسى، أما العادات التي تصبح ما نسميه أخلاقا فيما بعد، فهي العدة التي ~~تسلح بها المدرسة تلاميذها. # إن شيخ معلمي المدرسة هو ذلك الأستاذ الطمطماني، أي الجرس، فلنعلم تلاميذنا ms127 أن يطيعوه ~~أدق طاعة، ففي طاعته الغنم وعلى من لا يلبي نداءه الغرم، فاتباع النظام الدقيق ~~نجاح وفلاح. أما التلميذ الشارد الناد فيستحيل عليك مهما طغى جبروتك أن تعلمه ~~غصبا عنه، عليك أولا أن توطد النظام لتسترعي انتباه تلاميذك وتشوقهم، فإن فعلت تكن قد ~~عودتهم خير العادات، وإذ ذاك تستطيع أن تغرس في عقولهم ما شئت، لا تقل لي هذه مادة مملة ~~فأين شخصيتك ...؟ إذا كان صفك ميتا فهذا يعني أنك ميت لا حياة فيك، أو أنك فونوغراف لا ~~أكثر ولا أقل، وفي إمكان المدرسة أن تستعيض به عنك. فعليك بما فيك من موهبة أن تضع تلاميذك ~~في الجو المطلوب، وأن تطهر ذلك الجو من كل ما يضيق الصدور، عليك أن تدخل إليه ~~مجاري جديدة، وهذا لا يكون إلا كما قال ريبو: «اجعل الشيء جذابا بصورة اصطناعية إذا كان ~~غير جذاب بطبيعته، فالانتباه الإرادي يكون في أوله اصطناعيا ثم يصبح بالتكرار عادة أو ~~طبيعة ثانية.» # إن المعلم - ولنقل المربي - أشبه شيء بالطبيب، فكما يصنع الطبيب عندما يضيق الصدر ما ~~يسمونه تنفسا اصطناعيا، هكذا يعمل المعلم إذا كان موضوعه مما تنكمش له الصدور وتتقلص ~~الوجوه، فيخلق انتباها اصطناعيا. ومتى وجدت طلائع الرغبة وجد الانتباه؛ لأن الإنسان ~~كالحيوان لا ينتبه عفوا إلا لما يهتم له ويميل إليه، وإذا جردناه من الشعور باللذة ~~والألم عجز عن الانتباه. # نعلم جيدا أن الإنسان لا يولد كامل العقل، وهذا النقص في الكمال العقلي يتبعه النقص ~~في التدريب أو التعويد على العمل المثمر، والتعويد يقتضي دهاء وحنكة وعناء، وهذا هو عمل ~~المدرسة، على المدرسة أن تدرب طلابها وتمرنهم على اتباع خطوات ثابتة في ميادين ~~الأعمال؛ ليصيروا من أبطال الحياة الذين يربحون معارك فاصلة في تاريخ حياة الأمة، وأول ما ~~يقتضينا من عتاد لهذه الميادين هو روح النظام، روح الجد والمثابرة، حتى يصبح كل ذلك فينا ~~عادة فنكمل طريقنا بلا تعب ولا عناء. # إن الإرادة القوية الواجب خلقها في أبنائنا يعوزها تعزيز النظام، وكلما اقتربت ~~المدارس من النظام ms128 العسكري القاسي تخلق رجالا شديدي المراس، فمن أطاع استطاع . إن في ~~الطاعة قهرا للنفس وتعويدا على تنظيم الأعمال وإتيان الأمور في مواقيتها، فتخلف طالب ~~دقيقة واحدة عن ميعاده قد يورطه في الغد، فيترك المدرسة نهارا كاملا، وترك اليوم يؤدي ~~إلى غياب أسبوع، وكثيرا ما ينتهي ذلك بهجر مقاعد المدرسة إلى الأبد. # إن آباء كثيرين هم شركاء بنيهم في هذه الجريمة، يدفعهم حنوهم الأبوي فيكتبون تلك ~~الوريقات الكاذبة ليحولوا بين بنيهم وبين قانون المدرسة، لا يدري الأب أي جريمة ارتكب حين ~~استهل الكتابة على تلك الورقة: «نرجو أن تعذروا ولدنا عن تأخره؛ لأن أسبابا عائلية قضت ~~علينا بذلك!» # لقد ارتكب هذا الأب الكريم جريمتين: الأولى وهي هدم ما بنته المدرسة من تعويد ولده على ~~الدقة وضبط الوقت، والثانية هي تعليم ابنه الكذب بالمثل، ويا له مثلا صالحا يرفعه إلى ~~أسفل! والغريب هو أن يكلف ذاك الأب الصادق نفسه ويسعى إلينا ليشكرنا؛ لأننا صدقنا أن ~~هناك أسبابا عائلية حالت دون حضور المحروس إلى المدرسة في الوقت المعين. # وإذا رأى الأب شدة، فقد يستعين بطبيب البيت فيخربش له ورقة، وهنا نلبس الكذبة ثوبا ~~رسميا، فلا بد من تأدية التحية لها فضلا عن قبولها! وكأن أبا الطالب في هذا العمل ~~يقول لابنه: تعلم يا صبي، هكذا يجب أن تعمل إذا ضاقت بك الحيل. # فيا ليت شعري، كيف تكافح المدارس عادات مثل هؤلاء الفتيان؟! كيف تعودهم على الدقة ~~والضبط؟ وكيف تقوي إرادتهم؟ # وكأني بمثل هذا الأب حين يرمي ولده في أحضان المدرسة يحس أنه ألقى عن ظهره حملا ثقيلا، ~~وانتظر أن يعود ابنه إليه كاملا مكملا، إنه لا يعلم أنه يفسد ما تصلحه المدرسة بشطحة ~~قلم، ويا ليت الضرر لا يتعدى ابنه! فهذا درس يتعلمه ضعفاء الإرادة من الطلاب فيلجئون ~~حين تراودهم التجربة إلى مثل ما لجأ إليه رفيقهم. # وهذا الأب الضعيف الرأي، الخائر الهمة، لا يستحي أن يسألك بعد حين عن محافظة ابنه على ~~النظام، فإذا ذكرته بتلك الرسالة حلف على مسمع ولده بالغالي ms129 والرخيص - وأولهما حياتك - ~~أن ذلك هو الواقع، وهنا ينتقل بابنه من درس إلى درس. # فيا أيها الأولياء، ساعدوا المدارس تساعدكم على تهذيب أولادكم، إن الحنان الوالدي له حد ~~يجب أن يقف عنده، فليس الخلاف هنا على قضية درس فات ليعوضه ذكاء المحروس، إن القضية لأهم ~~من ذلك، فاعلموا إن كنتم تعلمون أن عمل المدرسة عمل تكوين قبل كل شيء، فإذا لم يتعود ~~ولدكم أن يأتي الأمور في أوقاتها لا يأمن شر فواتها ... إن عمل المدرسة غرس عادات لا ~~بد منها للنضال في حرب الحياة، فساعدوها على تقويم أبنائكم، وإن عجزتم عن المعونة فميلوا ~~على الأقل من طريق المدرسة ولا تعرقلوا السير. # | بلا عنوان # «الوقت من ذهب»، كلمة تدور على ألسنة الناس، وكثيرون منهم يضحكون حين تقال، فتراهم ~~يثرثرون ما طابت لهم الثرثرة، فيضيعون وقتهم ووقت غيرهم من خلق الله، إن الذهب لا ~~يعادل الوقت ثمنا؛ لأن ضربة محكمة - لا تقتضي إلا قليلا من الوقت - تساوي أحيانا ~~منجما من ذهب، ولهذا قال شاعر عتيق جدا: إن الخسارة التي تقع في دقيقة ما قد لا يعوضها ~~الدهر الأزلي الأبدي. رب دقيقة أضاعها فاتح خسرته بلادا جديدة، وضعضعت جيوشه، وخطت ~~له في التاريخ أسطر الخيبة والانكسار. # قال هوراس مان: «بين شروق الشمس وغروبها أضيع في مكان ما ساعتين من ذهب مرصعتين بستين ~~دقيقة من الألماس، ولم توضع جائزة للبحث عنهما؛ لأنهما لا ترجعان.» # وقال شاعرنا العربي: # إذا مر بي يوم ولم أكتسب يدا # ولم أستفد علما فما ذاك من عمري # وإن العمل الدائم المستمر المنتج هو علامتنا الفارقة في بطاقة الهوية التي حازتها ~~المخلوقات منذ البدء، فالحيوان لا يعنيه غير القوت، حتى إذا ما ملأ بطنه طابت نفسه وقعد ~~يجتر. أما الإنسان المجدد الباحث المكتشف المعمر والمدمر في وقت معا، فهو الذي ~~يعرف قيمة الوقت، وإذا أضاع يوما من عمره يحسب أنه أضاع كنزا. # كثيرا ما تزورنا الأيام بصفة أصدقاء متنكرين، حاملة إلينا أسنى الهدايا، فإذا نحن لم ~~نقبل تلك الهبات تذهب بها ms130 سريعا وهي صامتة ولا تعيدها إلينا أبدا. # ما إخال أساطير «الرصد» التي كانت تقصها علينا جداتنا في أيام حداثتنا إلا رمزا للوقت ~~الذي يجب أن نحرص عليه حرصنا على الحياة نفسها، ولأنه يتوارى ومعه كنوزه كما يختفي ~~«الرصد». # قالت الحكماء: الثروة المفقودة يستطاع استرجاعها بالكد والاقتصاد، والمعرفة تسترجع ~~بالدرس، والصحة بالحمية والدواء، أما الوقت المفقود فلن يسترجع أبدا. # كان الرئيس الثاني للولايات المتحدة جون أدمس يشكو ممن يضايقونه بزياراتهم الطويلة ~~المملة فيسلبون وقته، وقد تدارك أحد علماء إيطالية أمر هؤلاء الثقلاء فكتب فوق بابه هذه ~~العبارة: «يجب على كل من يتأخر عندي أن يساعدني في أعمالي.» # أما أحمد فارس الشدياق فكتب فعلا في الجوائب منددا بهؤلاء الزائرين الصباحيين الذين ~~يقتلون وقتهم باللف والدوران، ولا شغل لهم غير التنقل من ناد إلى ناد حيث يرتعون في ~~انتقاد الآخرين واغتيابهم. # إن الرجال العظام يملئون أوقات الفراغ بأعمال من لون غير لون أعمالهم اليومية؛ لتقوى ~~قابليتهم للعمل فلا تمر دقيقة بلا إنتاج. # قال قيصر: «في أهول معامع الحروب كنت حين أجلس في فسطاطي، لا أحرم الوقت الكافي للتفكير ~~في أمور أخرى عديدة.» # ويروى عن أحد الأطباء العظام أنه ترجم كتابا نفيسا أثناء ركوبه جواده لعيادة مرضاه، ~~فالكثيرون من أعاظم الرجال قد أحرزوا مقامهم الرفيع باستفادتهم من أوقات الفراغ القليلة ~~التي يبددها غيرهم من الناس، فحياة رافائيل القصيرة وروائعه الكثيرة الخالدة هي خير ~~أستاذ يعلمنا فوائد الوقت. # ولا ننس نابليون العظيم فإنه نموذج العمل الأعظم، حتى إنه لم يكن ينام أكثر من أربع ~~ساعات. ولم يكن دانتي مكرسا كل وقته لنظم الشعر كبعض شعراء اليوم، بل كان يتاجر ليكسب ~~معاشه نهارا وينظم الشعر في أوقات فراغه، وهكذا خلق منه الوقت الضائع شاعرا خالدا من ~~أعاظم شعراء المسكونة. # ومع ذلك ترانا نتذمر دائما وأبدا من ضيق الوقت، نجلس جلسة واحدة للمسامرة أو المنادمة ~~والثرثرة ساعات متوالية، ونقول لجلسائنا بلا خجل ولا حياء: «الوقت قصير.» فإذا كان الوقت ~~قصيرا ونجلس هذه الجلسات الطويلة حتى تملنا الكراسي ms131 وتضيق بنا ذرعا صدور الجدران، فماذا ~~كنا نفعل لو كان الوقت غير قصير؟! # إنها العادة يا أصحابي، العادة هي التي ألقتنا في هذا الجب، فلنغالب أنفسنا لننقذها من ~~هذه النقيصة، لا تترددوا ولا تقولوا: بعد ساعة، بعد ربع ساعة نشرع في عملنا، باشروا حالا ~~وإلا ضاعت الساعتان الذهبيتان المرصعتان بستين دقيقة من الألماس. # لا تدع التراخي يستولي عليك فتضيع نهارك، ابدأ بعملك فور نهوضك من فراشك، ومتى استيقظت ~~اطرح اللحاف عنك وانتصب على قدميك، انهض حالا لا تتوان، الله معك. # وأنت يا عزيزي العامل - وكلنا عمال في هذه الحياة - إن الدقيقة التي لا تستعملها على ~~حقها قد تطيح بك إلى حيث لا تدري، كما أن الدقائق التي تنقض فيها على عملك كجلمود صخر ~~حطه السيل من عل، قد تكون رأس مال لك. اعلم أن أولياء الأمر يضعون مستخدميهم دائما في ~~كفة الميزان، فإذا كنت ممن يحرصون على الدقائق والثواني رجحت كفتك وشال سواك في ~~ميزانهم. # زن نفسك كل يوم قبل أن تشكو من الجور وعدم التقدير والإنصاف، فإذا ارتقى سواك في ~~السلم درجات وبقيت أنت حيث كنت، فاعلم أنك كسلان متوان تضيع الوقت، واشكر أولياءك لأنهم ~~لم يعزلوك. # إن الثروة والترقي وراحة البال تنتظر من يضن بالدقائق والثواني، فكن أيها العزيز ~~ذلك الرجل. # | البكالوريا بين المعلم والطالب # اسلم، وحييت أبا الملد # مفتاح باب الحدث المنسد # هذا ما قاله بشار بن برد في ممدوحه، وهذا ما يصح أن يقال في شهادة البكالوريا، إنها ~~والحق يقال مفتاح باب الثقافة والعمل، وبدونها يظل الطالب واقفا على العتبة يقرع الباب ~~ولا يسمع الجواب، ومتى كانت كذلك فلماذا لا يلح الطالب على نيلها إلحاح الذبان في ~~اليوم القائظ؟ # كنا في ذلك الزمان نتعلم لنعرف، أما اليوم فيتعلمون ليأخذوا علما وخبرا بأنهم ~~تعلموا ... أو ليحملوا لقبا علميا لا يدرى علام يدل، ولكن هذه البندقية الفاضية لم تعد ~~تخوف اثنين كما يقول المثل، فحرب الحياة قاسية عوان لا يظفر فيها إلا المدجج بالسلاح ~~الحديث، فنصيحتي الأولى للطالب ms132 هي أن يتعلم ليأخذ الشهادة بحقها، فيكون كالجواد الأصيل ~~تؤيد قوائمه الأربع حجته التي في رقبته، فالميدان أصدق حجة وأكبر برهان. # الامتحان مشتق من المحنة، فعلى الطالب أن يتهيأ ويعد العدة لواقعة آخر حزيران، فهي ~~أحمى من وقعة عمورية التي نضجت فيها جلود تسعين ألفا قبل نضج التين والعنب ...! من تأمل ~~الطلاب وآباءهم وأولياءهم ومن يعنيهم أمرهم، رآهم في تلك الساعة يملئون فنادق بيروت ~~يفلتون هذا ويمسكون ذاك يسألون عن الممتحنين ... يقرعون باب الأستاذ مصطفى، وينتقلون إلى ~~باب الأستاذ بولس حاملين في أيديهم وجيوبهم «أبسطة الرحمة»، يستجدون هذا وهذاك العلامات ~~التي يعدونها حجر الزاوية في بناء مستقبل بنيهم، سلمهم الله للعلم والوطن ...! # سمعنا بشحاذة الخبز والمال وغيرهما، أما أن تشحذ المعرفة فهذا كثير، فالذي عندي هو ألا ~~يتكل المرشح إلا على باعه وذراعه، فلا يلجأ إلى التماس المعونة من أحد؛ لأنهم يكذبون ~~عليه، إنه لا يفوز من هؤلاء إلا بكلمة «تكرم» فينام ابنه على صوف، ولا يستيقظ إلا ساعة تعلن ~~النتيجة فإذا بظهره معقور ... # أما سبب السقوط والانهيار الذي يسمونه الرسوب تلطفا فله علل: توسط الآباء في ~~ترقية بنيهم من صف إلى صف من دون أهلية ولا استحقاق، وهذه الجريمة تشترك فيها المدرسة ~~التي تنزل عن قرارها، هذه واحدة. وواحدة أخرى وهي إصرار الآباء على إتمام دروس طالب لا يصلح ~~للعلوم العالية لأن عقله سميك، فلو تضافر الأهل وأولياء المدرسة لما رأينا الممتحنين ~~يتساقطون كأوراق الخريف بعد عاصفة الامتحان. أليس من الخير أن يعطى الطالب غير الكفء ~~المبلغ الذي ينفقه أبوه على تعليمه، فيكون له رأس مال ينصرف به إلى الكفاح في ميادين الحياة ~~المختلفة؟ # أليس ذلك أجدى للأب والابن والمدرسة؟ نعم، أجدى أيضا للمدرسة؛ لأنها ترتاح من أمثال ~~هؤلاء الضعفاء الذين يضرون بسواهم، فالتنقية ضرورية جدا بعد الشهادة الابتدائية، فعلى ~~المعلم أن يصدق إدارة المدرسة، وعلى المدرسة أن تخلص النصح للآباء، والرزق على الله ... ~~ولكن هب أننا أقنعنا المدارس، فمن يستطيع أن يقنع أبا أن ابنه لم يوهب ما ms133 يؤهله ~~لتحصيل العلوم العالية؟ بل من يجرؤ على التلفظ بهذه الحقيقة أمام أب ولا يصيح: ابني شعلة ~~ذكاء، ما رأيت في حياتي ودهري ولدا أذكى منه. طول بالك يا أستاذ، الولد يسر خاطرك. ويبدأ ~~بالدفاع عن ذلك المحروس وعبقريته، مؤيدا زعمه بحكايات ونوادر عن ابنه منذ أبصر النور حتى ~~الساعة، وكلها بشائر نبوغ وعبقرية ... # والمعلم الذي يزرب في قاعته أربعين خمسين طالبا، فماذا تطلب منه أن يعمل بهؤلاء؟ كيف ~~يستطيع أن يعدهم إعدادا صالحا لتلك الساعة ساعة الامتحان؟ # كلما خرجت من المدرسة في تشرين ورأيت كبشا رازحا وأمامه امرأة تحشوه حشو الموز، ~~تلقمه النخالة غصبا عنه لتزيد شحمه ولحمه؛ أتذكر معلم البكالوريا، إنه يفعل مثل هذا ~~بتلاميذه، يريد أن يحشوهم معلومات ونظريات وآراء في الشاعر وعصره وبيئته، لا يغفل عن كلمة ~~قالها صاحب الأغاني وغيره إلا دونها في دفتره وأملاها على تلاميذه، تلك هي الذخيرة التي ~~يزودهم بها لمعمعة حزيران، وما عليهم إلا أن يحفظوها كالماء الجاري ليقابلوا بها الامتحان ~~ويخرجوا من المعركة ظافرين، فما تحين الساعة وتلقى عليهم الأسئلة حتى يستعجلوا الموضوع ~~خابطين به خبط عشواء، يدونون في ورقتهم ما حفظوا عن المتنبي أو البحتري أو الجاحظ مثلا ~~دون أن يصيبوا الغرض، ويا ليتهم يكتبون كتابة لا لحن فيها ولا خطأ، فقلما يخلو سطر من ~~غلط بل قل غلطات! فيتعجب المصحح ويقول في نفسه: أيجوز أن يحمل مثل هذا الطالب شهادة ~~البكالوريا اللبنانية؟! بل قل الشهادة الابتدائية ولا تخف. # فمن أين حصل هذا الضعف الإنشائي؟ سببه أن أستاذ الأدب العربي - حمى الله عصمته - يعتقد ~~أنه غير مسئول عن النحو والصرف، والنحو والصرف ينساهما الطالب إذا لم يذكر، وهنا تضيع ~~الطاسة كما يقولون، يظن المعلم وتلميذه أن بحث الموضوع هو الأهم، وهذا ضلال، فلو نظر ~~الممتحن موضوعا واحدا كتبه تلميذان: طالب أبدع الإبداع كله في بحث الموضوع، ولكنه بتعابير ~~شاع فيها الخطأ، وطغت عليها الركاكة، وطالب آخر يكتب كتابة صحيحة التركيب والتعبير، ولكنه ~~دون ذاك عمقا في البحث، فمن تظنون ms134 أنه يقدم، بل من يجب أن يقدم؟ لا شك في أنه ~~يقدم هذا الأخير؛ لأنه ينشئ كلاما صحيحا فلا خوف عليه في الغد، أما هذاك فببغاء ~~يردد ما أملاه عليه أستاذه حافلا بالأخطاء الصرفية والنحوية. # إن موضوعنا يدور حول المعلم والطالب، فإلى المعلم أقول بكل تواضع واحترام: إن التلميذ ~~تنور يحمى لا وعاء يملأ، فعلينا أن نحمي هذا التنور ليعطينا أرغفة كالتي وصفها ابن ~~الرومي. وعلى ذكر الوعاء نقول: لا بد من الحفظ لتؤدى الدراسة على حقها، فعلى التلميذ أن ~~يحفظ ما يشير عليه معلمه بحفظه، فرب قصيدة يحفظها الطالب من أولها إلى آخرها وهو لا ~~يحتاج منها إلا بضعة أبيات متفرقة، فليختر المعلم للطالب مجموعة قليلة من شعر الشاعر ~~تنفعه عند محاولته درسه، فهذه المختارات المنتقاة يجد فيها الطالب جميع الألوان والخطوط ~~التي تتألف منها صورة الشاعر أو الكاتب. # وخير درس لشعراء وأدباء المنهج هو أن ندخل بيوتهم ونبحث في الزوايا دالين الطلاب على ~~الخبايا، لا أن نخبرهم عنها خبرا، فما راء كمن سمعا كما قيل. # فمعرفة بيروت سماعا ليست كمعرفتها عيانا، ولولا الحاجة الملحة إلى المشاهدة لما ذهب ~~القصصي وجاب البلاد التي جعلها مسرحا لأبطال قصته. وهناك أمر آخر هو علة كل هذا الضعف، ~~وهو أن الطالب يظن أن ما يمليه عليه أستاذه هو كل شيء، فلماذا يكلف نفسه البحث ~~والقراءة؟ # لا يا ولدي، إن ما يملى عليك ما هو إلا «صندويش» تسند به قلبك، أما طعامك المغذي حقا ~~فهو ما تطالعه أنت وتحاول أن تفهمه، فعلى أستاذك أن يدربك لتستطيع وحدك حين تنفرد في غرفتك ~~أن تقرأ وتدرك مواطن الجمال. فالمنهاج وضع ليربي ملكة الذوق فيك، ويحملك على التمييز ~~والاستنتاج، ولأجل هذا قالوا: وزارة التربية بدلا من وزارة المعارف. فإذا ظللنا نحشوك ~~بالمعلومات حشوا فنحن لا نربيك بل نعلمك، بل يا ليتنا نعلمك! فالعلم الذي لا يربي هو ~~علم خير منه الجهل. # والخطر كل الخطر عليك أيها الطالب العزيز - إذا كنت تكتب صحيحا - هو في عدم فهمك ms135 ~~الموضوع، إن في الموضوع الذي يعرض عليك سرا مخبأ ؛ فاجتهد دائما أن تكتشف ذلك السر، ~~وإلا فتعبك يذهب عبثا. # إياك أن تأتي على جميع ما تعرف عن الشاعر إذا كلفت بحث إحدى نواحيه! ثم احذر التحويم ~~حول الموضوع! قع عليه بدون مداورة ومقدمات لا طائل تحتها. # حاول أن تحسن الابتداء دون أن تلجأ إلى الزوائد، واحذر التطويل الذي لا طائل تحته، واكتب ~~بخط واضح، فقد يكون الممتحن قد ثقل واسترخى بعد الغداء وتناول مسودتك فهو لا يوسع ~~صدره، فتدبر أمرك ... ثم لا تكتب ما تؤاخذ عليه. # الشاعر أو الكاتب دنيا واسعة، ومن يصف دنيا بكاملها في ساعات معدودات؟! فاحصر نفسك حيث ~~وضعك السؤال الذي طرح عليك، ولا تحاول الاستطراد لتسرد كل ما تعرف، فتطلب الزيادة فتقع ~~في النقصان. # إن نصائحي لك كثيرة، وهي من بنات التجربة لا من بنيات الكتب، ولو شئت أن أسردها كلها ~~لكتبت مجلدا، ولكنني لا أعتقد بفائدة النصح للطالب، فالطالب يسهر عليه ويسير، وإذا ~~ترك أمره للنصيحة يركب رأسه ويسقط. فلا دواء لداء الطلاب في هذا الزمان أفضل من نظام ~~حريف ورقابة لاذعة كاوية، وإلا فمصير الثقافة الانهيار ... # | متى تستوي الطبخة؟ # وما أعني غير طبخة المنهاج، فقد زيد ماؤها مرات ولم تستو بعد، ومثلنا يقول في ~~التفاهة: الطبخ المزاد والكلام المعاد ... إن التعليم وسيلة إلى التربية، وغاية التربية ~~صقل الغرائز الموروثة لا خلق غرائز جديدة ... إننا لا نريد دهانا بل صقلا يبرز لنا عرق ~~الأصل كما يفعل النجار بالخشب الشريف، فأي هدف يرمي من يقول لتلميذ عصر الكهرباء: عندي ~~رطل زيتا؟! هذا مثل وضعه نحاة العراق بعد الهجرة حين كانوا يكتبون على ضوء مصباح راهب ~~امرئ القيس، فلماذا نردده نحن على مسمع من في بيته قناطير زيت؟! # السيارات احتلت مملكة الدواب واستعمرتها، فقبعت الجحاش في الأرض مبتئسة واجمة، ~~والمعلم ما فتئ يصيح بحبساء صفه: قام القوم إلا حمارا! # لقد بعد عهد الحمير بالشعير فكيف تقوم يا مولاي؟! # ألم يطرق مسمعك يا حضرة المعلم قول جون ديوي ms136 فيلسوف التربية الأمريكي: العلم وسيلة لا ~~غاية؟ فبماذا تتوسل أنت يا زميلي؟ وإلى أية غاية تسعى؟ أنظل نتلهى بعقول أبنائنا ~~وننقرها ونحشوها كأنها القرع أو الكوسى؟ # تدخل الصفوف فترى الطلاب كأنهم الشجر المغروس، أو سردين مكبوس، وعلى المنبر «هبل» يقال ~~له الأستاذ، منتصب كأنه شيء اللوف، أو نطار في مقثاة يخاف عليها عدوان الثعالب. # عفوا يا أخي الأستاذ، فأنا وأنت رصيفان، ومن ساواك بنفسه فما ظلمك، هذه حالنا ومن ينكر ~~أننا مسيرون ولا مخيرون؟ يذلل رقابنا نير منهاج أخرس أطرش، لا يحول ولا يزول كأنه ~~شرائع «مادي» وفارس، أو لوحة الوصايا العشر التي كتبها الرب لموسى، لا يدخل مدارسنا شيء ~~من الخارج، فما فيها إلا وجوه كالحة على أجسام جامدة، وإن تنشط يحل بها العقاب، فيا ويل ~~الأمة من مدارسها البالية! # مدارس خالية من كل شيء إلا من الألواح السوداء والمقاعد والمناضد الصفراء، فارغة كتابوت ~~العهد ومن يمسها يصعق، على كل منبر من منابرها جبار لا تبين له سن ولو جعلت مخل أرخميدوس ~~بين فكيه، أمجنون هو حتى يضحك؟! ومن يضمن له هيبته ووقاره إذا ابتسم؟! كان في الأمس ~~رفيقا ومرشدا فصار ناطور ورشة وخفير أسرى حكم عليهم بالأشغال الشاقة ... ليس لهم أن ~~يقفوا! وجد ليكون صديقا مشيرا فأمسى حاكما بأمره، إن عطس تلميذ عطسة رنانة طار صوابه، ~~وعد ذلك تحديا لهيبته وأبهته، وإن تنحنح أو أح امتعض على كرسي مجده! فما هذه ~~الطباع، ومن أي الطرق خلصت إليه؟! # مسكين المعلم! إن حمله ثقيل، لا بد من بلوغ المحج، وتأدية الحساب على البيدر ... على ~~التلميذ أن يحفظ من روائع الأدب كذا وكذا، وكذا وكذا من علم أصول اللغة ومفرداتها، وعليه أن ~~يحفظ التاريخ ووقائعه، وفي أي عام وشهر ويوم حدث كيت وكيت، وأن يعد الأنهار والبحيرات ~~في قارة أوروبا، وأن يستظهر كتب العلوم من حساب وفرضيات ومعادلات وكيمياء وطبيعيات، وأن ~~يعرف علم النبات والحيوان جملة وتفصيلا، وعليه ألا يخرم من تلك «الخطط» التي دبرها ~~الأستاذ لينفذ تلاميذه في مضيق أواخر ms137 حزيران، وعليه أولا ألا يفكر وحده، ولأمه الهبل إن ~~كان ذا شخصية. # أما التربية والرجولة والتفكير فليست في الحساب، إنها أمور تافهة، ليكن رأس الطالب ~~رمانة معارف لا وردة تتطال للنور والهواء، إن هذه المعلومات التي يخبئها الطالب ليوم ~~الفحص الأسود لا تبقى في الذاكرة وتنسى بعد ستة أشهر - كما يقول تين - وهي مع ذلك جل ما ~~يعرفه بنونا من شئون الحياة، فهذا الطالب النجيب الحائز قصب السبق في الرهان لو كلف ~~القيام بعمل أدبي آخر غير الذي حفظ ودرس لتخاذل وتلكأ وتلعثم ووأوأ، وإذ ذاك نخجل ~~نحن ونعلم أن مناهجنا لا رجالا خلقت ولا علماء أوجدت. علمناهم ما لا ينفع، علمناهم ~~ما لا يحتاجون إليه في دنياهم، وسلمناهم للحرب العوان بندقية الفتيل والصوان في عهد ~~القذائف والقنابل الذرية والهيدروجينية، رحم الله عظام غوستاف لوبون القائل: «إن انتخاب ~~طرائق التربية أولى باهتمام الأمة من انتخاب شكل الحكومة.» # كم سمعت تلميذي يتذمر! وكم سمعت ابني يتأفف! فرثيت لهما، فأكثر من يتغذون بمواد ~~البرنامج كمن يشرب زيت الخروع وهم عليه صابرون وله كارهون. # شكا إلي جملي طول السرى # صبر جميل فكلانا مبتلى # أجل، كلانا نمشيها خطى كتبت علينا، ولا نلتقي إلا على منهج كما قال العرجي. ولا أقول ~~إن كل الشر في المنهاج، ففي عقول الأساتيذ شيء كثير، فالاستنباط عندهم قليل، والأساليب ~~قياسية مطردة، وما أقل الخارجين من حظيرة القدماء! # بحياتك يا سيدي المعلم، قل لي: ما يعني ابن هذا الزمان من عراك شب بين سيبويه ~~والكسائي؟ سيان عنده لسعة العقرب والزنبور، فلا صفا قلب الفراء وليخرفش الأخفش ما شاء، ~~وليظل ثعلب في كرم أبي الأسود حتى تفنى العناقيد، أما أنت فعلم تلميذك أن يكتب صحيحا ~~ويفكر تفكيرا مستقيما، وإياك أن تجعله أسطوانة فونوغراف! # أما الأدب فأصبح صورا معدة تمليها الأساتذة ليحفظها التلاميذ، كأنها صلاة يلقنها ~~المؤمن الساذج ليتحدث بها إلى ربه حين يخلو بنفسه، إن هذا المنهاج كان طويلا ~~معلولا وعدلناه فزدناه أربعة أضعاف، فيه وجوه متماثلة لا يدري الأستاذ ما ms138 يقول فيها ~~فيملها الطالب ويكره لأجلها وجه المعلم، فجل صور الأدباء المفروضين بلهاء حائرة لا ~~تحدث الولد إلا عن غرائز فطرية متماثلة، والولد يتطلب الجديد، حريص كالنملة على الجمع ~~والادخار، فما أمر خيبته إذ يمد يده ولا يرى شيئا! # أما في الفلسفة فيمر طلابنا في رواق أرسطو مرور النسر في الجو، ويحصى في جمهورية أفلاطون ~~من أبناء السبيل، ويعلم من مذاهب علم النفس ما يكسر العطش ولا يروي الغليل، فحسبه أن ~~يتبجح بما قال جيمس وريبو ليصير فيلسوفا فحلا، ومتى حان الامتحان جثم المميز كأنه النمر ~~الحردان، لا يرق ولا يرحم، لا يريد أن يعلم أن هذا الفتى الرطب العود قد استظهر في عام ~~آلاف الصفحات ليقف بين يديه بضع دقائق يقول له في نهايتها إما اذهب عني يا ملعون ... أو ادخل ~~فرح سيدك. # من راقب أعمال التلاميذ في السنة المدرسية وخصوصا قبل الامتحان بأسابيع يرثي لهم، حياة ~~كأنها الأعمال الشاقة، فمنهم من لا يلم بالنوم إلا بطرف ليجني من العوسج تينا، وهيهات! ~~العمال تقلل ساعات عملهم، أما تلاميذ المدارس فتزداد، مساكين هؤلاء! يهرقون شبابهم ثمن ~~نظريات لا تطعم أكثرهم خبزا. # إن أكثرها بعيد عن الحياة التي تنتظرهم، وفي كل برهة تزداد المناهج شحما وورما، ~~وتنحط الثقافة انحطاطا مخزيا، وعدد العارفين والرجال يقل قلة مخجلة. فهل من يضع حدا ~~لهذا التكالب على جمع معلومات لا قيمة لها في الحياة العملية؟ المنهاج لا يسعف على طلب ~~العلم للعلم، وهدف التلامذة والمدارس فيه الشهادة لا المعرفة ولا التكوين الشخصي، فمتى ~~تلائم بين النقيضين؟! متى تدق الساعة التي تمشي فيها المدرسة والحياة يدا في يد؟ فهذه ~~المعلومات التي تحشى بها الذاكرة ليست عدة للكفاح الحيوي، وقد يخرج التلميذ من المدرسة كما ~~يفر عصفور من ظلمة البيت ليقع على نافذة زجاج، فإما أن يكسر الزجاج وينطلق، وإما أن ~~يسقط دائخا فينشب به الهر مخالبه. # الولد - كما يعلم ديوي - هدف المدرسة، وعلى المواد التدريسية أن تخضع له وتجعل أداة ~~لتطوره ونموه وارتقائه، فمن زعم أن ms139 المدرسة وجدت لتكديس المعلومات في رأس الولد فقد ~~ضل ، إن غاية المدرسة هي تكوين الشخصية، فطبقا لنفسية الولد ترسم المدرسة لا بناء على ~~كتب بعينها لمؤلف بعينه رافق وسيرافق المنهاج - بعد عمر طويل - من المهد إلى اللحد، ومن أين ~~يفر المنهاج من بين يديه ومن دائرة كتبه؟ كان عدد المؤلفين تسعة وعشرين فأعادوه إلى مائة ~~وما فوق، ولا نعلم ما يفعل القائمون على تعديله، وكم يفرضون علينا من روائع ... # فليكن قائدنا العقل، فإخضاع حياة الولد لمنهاجنا الحاضر يقود إلى هزال نفسي، فلنهذبها ~~لتكون وسيلة لحياة مثلى أفيد وأنفع، فلنجعل الحياة المدرسية طبيعية كما تتطلبها الحياة ~~التي تصخب وتضج في جسوم أبنائنا، فوظيفة المدرسة الاندغام في الحياة لا الابتعاد عن ~~العالم، والمناهج وسائل لخلق جو ملائم يحيا فيه المتعلم حياة نشاط وعمل لا حياة ملل ~~وضجر. # إن المكتبة خير ينبوع يستقي منه الطالب فينتعش ويذهب يأسه، ولكن من أين لأسير هذه ~~المناهج الوارمة أن ينعتق ولو ساعة في النهار ليخلو بكاتب يحبه، أو شاعر يستملحه، أو علم ~~تدفعه إليه عاطفة ملحة، أو فن دفنت بزوره في أعماق كيانه؟ فخير العلم الذي يجب أن نوجه ~~إليه همنا هو ما ينفع أبناءنا ويلذ لهم، فلا يجهدهم ولا يضنيهم ثم ينفعهم بنافعة في ~~العالم. # | إذا هبت رياحك فاغتنمها # إذا زرته عند انتشار النهار رأيته في فراشه متمطيا بصلبه كأنه ليل امرئ القيس، يتقلب ~~يمينا وشمالا كالمريض في دور إبلاله، وإذا تحدثتما وسألته عما كسبه أمس تأوه وتألم ~~وقال لك: «حظنا قليل.» # تفرس فيه قليلا تر أنامل الكسل تداعب وجهه الناعم، وهو مسترخي الأهداب، منكسر العينين ~~يحلم بالعظائم، يتنهد كأنه يشكو سوء حظه، وأشعة الشمس تمد إليه حبالها من خلال ~~السجف لتنشله من لجة الأحلام، فيفتح عينيه نصف فتحة ليحاور نفسه قائلا: أقوم الآن؟ كم ~~الساعة؟ # ويلتفت إلى المنبه فيرى أنه قريب من الميعاد، ولكن الوقت لم يحن بعد فيخاطب نفسه ~~قائلا: بعد ربع ساعة. وينقلب على جنبه الآخر ويستدير في فراشه إن كان الزمن ms140 شتاء ليستأنف ~~نومة هانئة لذيذة، ثم لا يستيقظ إلا على صفير القطار أو عزيف جن زمارات السيارات، فيهب ~~إلى الانزلاج في بنطلونه، وهيهات! ... الوقت قد فات، وها هو قد وصل، ولكن ليسمع التبكيت إن ~~كان مأمورا، أو ليبكت نفسه إن كان من ذوي الأعمال الحرة. # ينتظر صاحبنا وهو متهدل في فراشه أن يأتي إليه الرغيف سعيا على الوجه أو مشيا على ~~الرأس، فلا يدري حضرته أن الأرض وما عليها وما فيها والسماء وأجرامها لا تقف قط عن العمل، ~~ولا تضيع ثانية واحدة من الوقت. # كم من فرصة مرت بباب هذا الذي يشكو قلة الحظ ورأته محكم الإقفال فلم تستطع الدخول، ~~فراحت في طريقها تفتش عمن هو في انتظارها ليقبض عليها بيديه الثنتين ويضمها إلى صدره ضمة ~~عاشق منتظر! كثيرون منا ينتظرون أن يأتيهم رزقهم رغدا، وأن ينزل عليهم الرغيف في قفة ~~من فوق، وقد فاتهم ما قاله أحد رجال الفكر: «إن خير الرجال هم من لا ينتظرون أن يجيئهم ~~الحظ إلى البيت، ولكنهم يهاجمونه ويحاصرونه ليتغلبوا عليه ويجعلوه خادما لهم.» # فالقول بالحظ وعدم سنوح الفرص واقتناصها حجة لاجئ إليها خائرو الهمم، هؤلاء الذين وصلوا ~~متأخرين جدا حين وزع الله الحزم على عباده، فليتهم يتذكرون قول شاعرنا العظيم: «على ~~قدر أهل العزم تأتي العزائم.» فيفيقوا من ثبات كسلهم، فلا يدعون الفرص تدخل بيوتهم من ~~الباب وتخرج من الشباك. # يزعم مصنفو الأساطير أن الفرصة صلعاء من خلف ولها شعر طويل من قدام، فإذا جاءتك ~~وتشبثت بناصيتها فذاك، وإلا فلا. # وبعد، فما هي الفرصة؟ إنها كل عمل نتقنه، وكل أمانة نؤديها، فكل سعي صادق نسعاه هو فرصة ~~تفتح لنا باب الفلاح، فأي رجل منا إذا حاسب نفسه وفكر تفكير رجل يريد أن يكون شيئا في ~~الحياة، لا يتذكر أنه أضاع فرصة ما لو كان أحسن الاستفادة منها لغيرت تاريخ حياته، بل ~~ربما غيرت مجرى حياة كثيرين غيره ممن يعملون معه. إننا نتذكر تلك الفرصة التي تفلت ~~منا بالحزن والأسف ونهتف قائلين: آه! لو ms141 كنا عملنا كذا لصرنا كذا وكذا، لو لم نتأخر خمس ~~دقائق ما فاتتنا الغنيمة الفلانية، قد أدركها فلان فأصبح اليوم من الأغنياء العظام وقبر ~~الفقر. # افحص ضميرك يا صاحبي تتذكر جيدا أنك كثيرا ما سمعت شيخا أو كهلا أو شابا - ولعله ~~أبوك أو عمك أو أخوك - كان يردد أمامك: «فاتتني الفرصة الفلانية.» فليتك تتعظ ولا تدع ~~الدقيقة الخصبة تفوتك. إنني أراك تتململ في فراشك وأسمعك تقول: هيهات! ذاك شيء مضى وراح، ~~أما أنا فأقول لك: ما راح شيء غير حزمك وعزمك، وإن ظللت تقول هكذا فإنك ستظل حيث ~~أنت. # كثيرا ما نسمع الكثيرين يقولون: الزمن الذي واتى فلانا حتى حكم أو اغتنى أو أنشأ ما ~~أنشأ قد ذهب ولن يعود. بيد أن الأيام ترينا في كل فترة أنهم مخطئون، أما نسمع كل يوم ~~بأشخاص اغتنموا الفرص ولم يضيعوا الوقت فنالوا ما تمنوا، ولم يقصروا عمن كنا نظن أن ~~الزمان لن يأتي بمثلهم؟ فالذي يسمونه اليوم «انقلابا» ما هو إلا فرصة يكتسبها عصامي ~~استولى على المبادرة، أما من ينام على صوف منتظرا ورقة يانصيب فهو لا يصيب خيرا، إنه أبله ~~يؤمن بالفرص البلهاء، ولن يفلح ولو ربح. # ليتك تعرف كيف أثرى روكفلر، كان هذا المثري العظيم في بادئ عهده أحد ثلاثة ألفوا شركة ~~لتصفية النفط، فأخذ أحد الشركاء الثلاثة واسمه أندروز يتذمر ولم يصبر حتى يفيض الخير، ~~فسأله روكفلر: «بكم تبيع حصتك؟» # فأجابه أندروز: «بمليون دولار.» فقال روكفلر: «اشتريت.» وما مضت أربع وعشرون ساعة حتى دفع ~~روكفلر المبلغ المرقوم إلى شريكه أندروز قائلا له: «أفضل جدا أن أشتريها منك اليوم ~~بمليون ولا آخذها فيما بعد بعشرة ملايين.» # إن تلك الفرصة هي التي عملت روكفلر وصيرت منه ذلك المحسن الذي نسمع كل يوم بفضله ~~ومعروفه، وهي التي محت اسم شريكه أندروز من سفر أصحاب الثروات الضخمة والمحسنين. والفرص ~~التي تفوتنا - نحن الشرقيين - هي التي جعلت منا قوما اتكاليين ينفقون ما يملكون، ~~وينتظرون فتح باب الفرج القريب. # يقول المتكاسل المتواني: «تفرج إن شاء ms142 الله.» وينسى حضرته أنه هو أيضا له مشيئة. إن ~~تربيتنا الأولى هي التي تقف عقبة في سبيلنا، تربية ترهل واسترخاء تنشأ في البيت، وتشب ~~في المدرسة، وتكتهل وتشيخ في معترك الحياة. # فإذا رأيت فتى بطيء الحركة، قليل الاحترام للنظام، بارد الدم، لا يغامر في اقتناص الفرص ~~السانحة، بل يدعها تمر بسلام؛ لأن صيدها عنده حرام؛ فقل: إن الحق على والديه؛ لأنهما لم ~~يجبراه على السعي والتدقيق في صباه. # لم تبق له تربيته الناقصة إلا التفكر بالغد، فالعمل المطلوب منه إنجازه اليوم يرجأ ~~إلى الغد أو ما بعد الغد، وهكذا يقتل الوقت مترددا، وهو لا يدري أنه يقتل الفرصة التي ~~يشكو عدم سنوحها. # إن المتيقظ يفلح ولو متأخرا، أما الساهي اللاهي فالفلاح منه بعيد. # | موسم الرحمة # أرادوا أن يحددوا الإنسان فقالوا: إنه حيوان ناطق ضاحك مستوي القامة، ولعلي أرى أن ~~أحدده غير تحديدهم فأقول: إنه حيوان محسن رحيم. ما رأيت حيوانا يجود على حيوان بما عنده، ~~أو يدعوه إلى مأدبة يعدها له، ما رأينا غير الإنسان من المخلوقات يفعل هذا، فلنكن إذن ~~إنسانيين. # إن الذكريات الراقدة في أعماق النفس تستيقظ في هذه الأيام وتوقظ معها الغضب والسخط، ~~فماذا نفعل لنرقد تلك المشاعر في مكامنها فلا تجيش ولا تثور؟ إن إنسانيتنا تدعونا إلى ~~قضاء ثلاثة حقوق لها قبلنا، ففي مجتمعنا اليوم ثلاث فئات يجب علينا أن نفكر بها تفكيرا ~~جديا: الأولى فئة الطارئين الذي أخرجوا من ديارهم، والثانية فئة البؤساء البلديين، ~~والثالثة فئة العائلات المستورة. فماذا نعمل لنرفه عنهم كما يقولون؟ فالرفاه لا يخطر ببال ~~هؤلاء ولا ببال الكثيرين منا، بل لنقدم للفئتين الأوليين خبزا يسندون به قلوبهم، ~~وثيابا تدفي جلودهم وتستر عوراتهم. إن رؤية أمثال هؤلاء لشاهد صارخ على قساوة القلب ~~وحب الذات وبغض الغير، والمجتمع الذي هذه هي صفاته لا يستحق التهنئة والشكر. # كم رأيت وسمعت أناسا يشكون موجة البرد القارس وقد حصنوا أطرافهم بكلسات الصوف ~~وقفازات الجلد المبطنة، وصدورهم بقمصان الفانلا السميكة، ثم لبسوا فوقها ما لبسوا، ~~وأخيرا تدرعوا ms143 بالبردويسهات السوابغ، ومتى عادوا إلى دورهم وقصورهم فهناك التدفئة ~~الكهربائية والشاي الساخن والكونياك والويسكي وحرامات الصوف وأكياس المياه المغلية التي ~~تسبقهم إلى الفراش ليصير أهلا لاستقبال أجسادهم الناعمة. # نومة الهناء يا سيدي، ولكن أرجوك عندما تندس في ذلك الفراش الوثير وتسترخي ليلتك على ~~فرد جنب، أن تعيد النظر في أحلامك حين تستيقظ، أما أبصرت في نومك أشباح البائسين الذين ~~مروا بك في النهار فحولت عينيك عنهم؟ أما جاءوك حين لا تستطيع أن تشيح بوجهك وقالوا لك: ~~تذكر أنك كنت مثلنا أو نحن كنا مثلك وقد تصير مثلنا، فماذا أعددت لنا في هذه الأعياد ~~لنسأل الله أن يعيدها عليك؟ # وذاك المهاجر، أو اللاجئ كما يسمونه، العريان المقرور، أو المريض المصدور، الجوعان الذي ~~يدور على المخازن والقهاوي والدور، ألم يرعبك منظره؟ ألم يفسد مشهده أحلامك ~~الذهبية؟! # وإذا سمعت أولادك يقولون: أح، برد! وهم حول مدفأة تهمهم، هل تذكرت ذاك المنكوب وأولاده ~~العراة، وذاك البائس البلدي الذي له مكان يسند إليه رأسه، ولكنه في حالة اللهيف، وأحوج ~~الناس إلى الرغيف؟ هل تذكرته وأنت تفطر على القهوة والحليب والبيض والبسكوت والكاتو ~~والشوكولا والكنافة والتفاح والليمون؟ إنه محتاج أيضا إلى ما يلف به جلده المقشعر، فقم ~~حالا وفتش في زوايا خزانتك أو في مستودع سقط المتاع، وابعث إليه ببالطو أو بنطلون أو ~~بوط أو مشاية، ومهما كانت عتيقة فهي خير من لاش. # إن في بيتك خبزا عتيقا لا تطعمه الست إلى كلبها الأثير خوفا عليه من تلبك المعدة، ~~فابعث به أنت إلى من حولك من المساكين. # اليوم، تماما، بدء فصل الشتاء، والبرد مقبل علينا بطبل وزمر، فقابله أنت بشيء من ~~فضلاتك، فحولك جيران بائسون، وفي المضارب والخيام إخوان لنا يكاد الخوف يميتهم، فهب أيها ~~الكريم إلى نجدتهم بما عندك مما ينفعهم ويخفف بلواهم، وليس على الكريم شرط. # ستذكرهم الأعياد كيف كانوا ينعمون في بيوتهم في مثل هذه الأيام، فتكبر مصيبتهم ولا ~~يخفف من حدتها غير مؤاساتنا لهم، فماذا تريد أن تفعل؟ لا بد من أن ms144 تفعل شيئا، فالمثل ~~يقول: «قللها ولا تقطعها.» وهناك أيضا عائلات مستورة بلدية وطارئة، كانت هذه العائلات ~~قبل أن زالت عنها النعمة - لا تنس هذه الكلمة - تحسن وتتصدق وتتبرع، ولكنها اليوم ~~محتاجة، فضع اسمها في قائمة من تريد أن تحسن إليهم، من ينكر أن معظم هذه العائلات ~~المستورة لم تكن إلا دعامة راسخة، وقد تركت بسقوطها فراغا عظيما لا يملؤه أي كان من ~~الناس؟ فطالما كانت عضدا للفقير، وساعدا للبائس، وعونا للضعيف المسكين، بل وكم انتشلت ~~بحسناتها من التعساء الذين أنشب بهم الفقر مخالبه. ولكن الدهر جار وأبى أن تظل هذه ~~البيوتات الكريمة غارقة في النعيم فهوت إلى الحضيض، وليس لها بسطة كف تستعين بها لتقوم ~~من سقطتها. # إنها صابرة على نوب الزمان، وتأبى عليها عزتها الأصيلة أن تموت صغيرة. لم يطرأ على هذا ~~العنصر الكريم ما يفسده عند فقد المال، فكان كالذهب الذي لا يأكله الصدأ وإن طرح بين ~~الأقذار، وما أمر حياة من سقط من عرش النعمة إلى حضيض الشقاء! وقد صور هذا شاعرنا ~~العربي حين قال: # إن الكريم ليخفي عنك عسرته # حتى تراه غنيا وهو مجهود # ففي هاتيك البيوت حاجة صامتة، وبين تلك الجدران فقر لا يرفع صوته، فلا يد تبسط على ~~قارعة الطريق، ولكن العيون تتكلم فكن ممن يفهمون لغة العيون. # اعتبر أيها السيد وأشفق على هذه الطبقة من الناس، فربما وصل الموسى لذقنك، من يدري ~~يا سيدي؟ # فالليالي من الزمان حبالى # مثقلات يلدن كل عجيبة # فليت كل سامع يبحث في محيطه عن هؤلاء؛ ليبذل ما يستطيع لهذه الأسر المسكينة، ولا ~~يتركها كما ترك خزيمة بن بشر أصدقاؤه بعدما أنفق عليهم ماله، وأبى أن يخرج من بيته فقيرا ~~حتى يقرع الموت بابه ويخرج درة تلك النفس الأبية من صدفها، فلنكن كعكرمة الفياض الذي ~~حمل إليه تحت جنح من الليل كيسا من الدنانير ولم يشعر بذلك أحدا. # إن في صدر تلك الفئة تختلج نفوس لم تتعود الصغارة، إنها تكتم داءها والكتمان يزيده ~~هياجا، وتخفي آلامها المبرحة والخفاء يضنيها، ms145 فإلى أمثال هؤلاء نلفت أنظار الجمعيات ~~الخيرية ونسألها التفتيش والبحث عنها. # إنني إخال بعض القراء يقولون: «الذي يفصل من جلد غيره يوسع.» لا يا سادتي، عندي حل ~~وسط، فإذا كنتم لا تسمحون بزيادة ميزانية النفقات فاعملوا بما يلي، واسمحوا لي أن أتبع ~~طريقة الوصايا العشر: ~~(1) # بعض التقنين لكلابكم. ~~(2) # استغنوا عن لون من ألوان ولائمكم، وليكن ديك الحبش رطلين بدلا من ~~أربعة. ~~(3) # استبدال مشروب بمشروب. ~~(4) # أعطوا من فضلاتكم وعتيقكم، ولا تتذرعوا بقول المثل: «احفظ عتيقك جديدك لا ~~يبقى لك.» ~~(5) # بدلا من اللوج اقعدوا على كراسي في السينما والمسرح. ~~(6) # بدلا من مصارفات التزحلق البعيدة، اقصدوا إلى أماكن قريبة وزحلقوا الكربة عن ~~صدور البائسين. ~~(7) # بدلا من أن تهدوا أولادكم أعطوهم ليهدوا ويتعلموا الإحسان. ~~(8) # بدلا من دعوة الوجوه والأعيان ادعوا الفقراء ولو مرة، ليخف سخطهم، ولا ~~يدعون عليكم. ~~(9) # بدلا من أن تبيع عتيقك بثمن لا يزيد ولا ينقص ثروتك، بعه إلى الله إن كنت ~~تؤمن بأنه يجازيك خيرا. ~~(10) # إذا كنت لا تخاف الله فخف دورات الزمان، واحسب حسابا لدعوات البائسين، ~~واجتهد أن تكون معك لا عليك، واسمح لي أن أقول لك سرا: بلا ليلة قمار يا ~~سيدي، وبلا ... وبلا ... إلخ. # واعلم أخيرا أن ثروة لا ينفق منها في سبيل البر والإحسان لهي شوكة في عين الإنسانية، ~~وبصمة عار على جبينها. # إن بيتا تخرج من أبوابه الأرغفة، تدخل من شبابيكه وطاقاته النعمة، فلا تغلقوا أبوابكم ~~لئلا يغلق الله باب نعمته عليكم. # الزكاة في الإسلام والعشر في المسيحية فرضا للإنماء والتخمير، ولو روعيا ما كان في ~~الدنيا فقير، وما كانت هذه الثورات الفكرية. # لحكمة أزلية خلقت حبة الحنطة مقسومة، لك نصفها والنصف الآخر لأخيك المحتاج. هكذا قال ~~فيلسوف المعرة. # كن محبا، فالمحبة الخالد فينا تغذي روح الخليقة جمعاء، وبإرادتها تحول كل عشبة ~~عروقها الخضراء نحو الشمس. # | كن لطيفا # الأدب عدة وبه يستغنى عن العدد، فلا خوف على الأديب في حرب المعاش، فأدبه يغنيه عن كل ~~شيء حتى رأس المال، لسنا نعني هنا إلا أدب السلوك، فالأدب ms146 الذي في الكتب قتلناه بحثا، ~~ناهيك أنه لا خوف علينا من عنترة إن لم نفهمه كما يتطلب منهاج البكالوريا، وإنما الخوف ~~كل الخوف من المتعنترين الذي لسانهم مسدس وساعدهم عصا وأصابعهم سكاكين وخناجر، فنحن ~~أحوج ما نكون إلى الأدب لتسلم رءوسنا. # لا يهمني أن أفلسف للناس كما يهمني أن أضع أصابعهم على الدمامل التي نحملها على رقعة من ~~جلدنا الاجتماعي، فتحت ثيابنا الحديثة لا يزال يكمن إنسان الكهوف، إذا ارتكب أحدنا جرما ~~فكثيرا ما يقول في معرض الدفاع عن نفسه: فلان استفزني. ومعنى قوله «استفزني» أنه سمع ~~منه كلمة لم تعجبه، وكيف لا يصيح ويثور ويضرب ويجرح؟! والشاعر الحكيم يقول: # جراحات السنان لها التئام # ولا يلتام ما جرح اللسان # فإذا تتبعنا آثار الجنح والجنايات، رأينا أن سبب أكثرها كلمة جارحة يرسلها من يعوزه ~~مثقال ذرة من اللطف، وما أصدق من قال: من وطأ كلمة وطأ جبلا. لاحظت وألاحظ أن الكلمة ~~في الشر أفعل منها في الخير، تقضي سنوات عديدة لتكتسب صديقا، وفي دقيقة واحدة تجعل جميع ~~الناس أعداءك إذا شئت، ارخ للسانك العنان فلا يبقى لك صديق وتغنم لقب السفيه. # جاء في إحدى الأساطير ما يأتي: «قالت العاصفة للنسيم: ألا تتمنى أن تكون لك قوتي، فأنا ~~أحطم الأشجار وأهدم البيوت وأغرق المراكب، وأجعل عالي الأشياء سافلها، فتتوارى الناس ~~عند مروري لئلا أقتلعهم ...» # فاحمر وجه النسيم اتضاعا وتنفس، فتهلل كل شيء في الكون؛ تفتقت أكمام الأزهار، ~~واشرأبت أعناق البراعم، وامتلأت الأرض عطرا فتزحزح الكابوس عن صدور الناس وصاحوا جميعا: ~~ما ألطف هذا النسيم وأحلاه! وما كان أبشع تلك العاصفة! # ألا ترى أن الرجل الشرس أردأ من العاصفة؟ تتقيها بالمداراة فتتوارى حتى تمر، أما الفظ ~~الغليظ القلب والكبد فيتبعك كظلك، وقد يترصدك ... للعاصفة مهب، وإن شئت فقل ممر، أما ~~الرجل الشرس فيهب عليك من الجهات الأربع فأين تهرب؟ # وأنت يا صاحبي، لم لا تكون نسيما؟ إنك تحصل على هذه الثروة الاجتماعية بلا رأس مال إذا ~~أردت. ثلاثة أشياء تجعل منك رجلا لطيفا ms147 مهذبا ولا تكلفك إلا الإرادة الحسنة: إبريق ~~ماء يجعل منك رجلا نظيفا، وتحية أو ابتسامة تجعل منك رجلا محبوبا، وكلمة اعتذار ناعمة ~~تجعلك رجلا مهذبا لطيفا، فابتسم واعتذر لمن تؤذيه خطأ، أأنت دافع حقها؟ # قال حكيم قديم: «اللطف رشوة من لا رشوة له.» إن الجواب اللطيف يا صديقي يطفئ ~~أتونا من الغضب، فاكسر الشر بكلمة لينة، أليس استعمال لسانك أهون عليك من استعمال باعك ~~وذراعك؟ أن تصرمني بابتسامة خير من أن تقضي لي حاجتي بوجه حامض، الابتسامة سمة الرجل ~~المهذب، وهي المفتاح الصغير لجميع الأقفال فاجعلها عدتك، والكلمة اللينة تقيك شر ~~الحديد والنار فلتكن ترسك، أرأيت في حياتك حيوانا يبتسم؟ فكن إنسانا، ماذا تكسب لو ~~قطبت وجهك دهرا، وورم أنفك شهرا، وانتفخت أوداجك عمرا؟! لك الله ما أصغر عقلك إن كنت ~~ذاك الرجل! فأقل نعت تغنمه هو: رجل فج، ناشف، حامض الوجه، مقطوع من حرش، يقول المثل ~~الإنكليزي: «تحية اللورد فطور المجنون»، فافترض الناس مجانين وأنت لورد، وامح إساءتك إليهم ~~بكلمة لطيفة. # كانت سيدة نبيلة تمشي في منعطف شارع معوج فصدمت شحاذا صغيرا، فوقفت في الحال تعينه ~~على النهوض من سقطته وتعتذر إليه بحنو: عفوا يا عزيزي الصغير، إني حزينة جدا لأنني ~~اصطدمت بك. # فحدق إليها الفتى بدهش وعلت ثغره ابتسامة لطيفة، وبعد أن مرت قال لرفيقه: هذي أول مرة ~~أسمع فيها واحدا يعتذر لي، إن ذلك حنو منها ولو كسرت رجلي. # وبعكس هذا ما رأيته أنا مرة، صدم رجل في الشارع رجلا من الذين يتكلمون بأيديهم لا ~~بألسنتهم، فتهيأ هذا للصراع فقال له الرجل: غصبا عني يا أخي أرجوك ... عفوا! فوضع هذا ~~أصابعه العشرة في وجهه وصاح: اقتلني، وقل لي عفوا ...! ثم طفق يكيل له الشتائم بالمد! ~~وقفت أتأمل الرجلين: واحدا يتفانى في الاعتذار ليكسر الشر، وآخر يتنمر ولا يشفي نفسه ~~إلا أن يبل يده ... وأخيرا فازت الكلمة اللطيفة، وكان القول الفصل لها لا للسكين ~~والعصا. # إن الكلام الغليظ يزيد مشقات الحياة ومتاعبها، وكثيرا ما يحول دون أمانينا من ms148 حيث لا ~~ندري، طرقت مرة أحد الأبواب فأطلت الخادمة ، فقلت لها: معلمك بالبيت يا بنت؟ فغمغمت كلمات ~~لم أتبينها، ثم قالت بجفاء: لأ. وردت الباب. # لقد علمتني تلك الفتاة درسا بليغا، فسرت غير سيرتي الأولى مع زميلة لها ابتدرتها ~~بقولي: صباح النور ما مدموازل، فنكزني رفيقي ليقول لي: هذي خادمة. # فقلت له: أعرف، ولكنني قلت لمثلها مرة «يا بنت» فدفعت ثمنا غاليا وصرفتني، أما هذه ~~المرة - وقد كان سيدها غائبا حقا - فانفتح الباب واسترحنا من عناء صعود السلالم وشربنا ~~قهوة. # فحيثما يكن اللسان الدافئ يعش الناس في سلام واطمئنان؛ ولذلك قال المثل: «لسانك حصانك، إن ~~صنته صانك وإن خنته خانك»، فكن لطيفا تسترح وترح. # | أتكون آلة تدار؟ # كانوا إذا امتدحوا رجلا بالذكاء وأصالة الرأي قالوا: «فلان داهية.» و«فلان من دهاة ~~العرب.» ومتى قالوا هذا أرادوا أنه يدبر أموره ويفصل شئونه بعقله لا بيده، وهل كان معاوية ~~بن أبي سفيان معتمدا على السيف والرمح والعدد والعدد حين قال: «لو أمسك العرب بطرف ~~الشعرة وأمسكت أنا بطرف ما تركتها تنقطع بيننا، فإن أرخوا شددت وإن شدوا أرخيت.» # إنه لم يقل كابن كلثوم: # إذا بلغ الفطام لنا صبي # تخر له الجبابر ساجدينا # ولكنه اعتد برأيه وحصافته، وبهما وطد أسس المملكة الأموية وسكتت دنيا العرب بين ~~يديه. # إنه لا يطلب منك يا أخي أن تكون كنوابغ العالم علما ومعرفة لتمسي داهية، فقد تكون صاحب ~~عقل عادي وتكون داهية، بينا يكون جارك الثاقب العقل الواسع العلم مقصرا عن مجاراتك في ~~الحياة، لعلك تبيعه وتشتريه كما نعبر اليوم، وتأخذه منه وترده عليه كما عبر القدماء، ثم ~~لا يحس ولا يشعر! فالدهاء هو حسن تصريف الشئون وإتيان الأمور من أبوابها، فرب تلميذ ~~كان متفوقا على جميع رفاقه في المدرسة ثم قصر عنهم في مضمار الحياة، فقضى عمره شقيا ~~بائسا يجري والرغيف في المضمار فيقطع الجري أنفاسه، ويبيت على الطوى كصاحبنا ابن ~~الرومي. # فالأسد، مع ما اتصف به من قوة وبطش، قد تصطاده بسهولة؛ لأنه لا يحسن تدبير ms149 أمره، أما ~~الثعلب فقد يعييك في التواءاته ولفه ودورانه. # قال فيكتور هيجو: «سأل برهما القوة: أي شيء أقدر منك؟ فأجابت: الدهاء.» نعم، إن ~~الدهاء يخلق الفرص، أما فقدانه فيضيعها، فمن لا يعرف أن يطبق سلوكه على مقتضيات زمنه ~~فهيهات أن يبلغ أصغر أمانيه. # إنني أراك يا عزيزي تغضب لأقل بادرة تعترض طريقك، فما أراك تتغاضى عن أتفه الأمور، بل قد ~~تخوض عدة معارك قبل أن تبلغ مركز عملك، إن هذا يا صاحبي ليس من الدهاء والحنكة في شيء، ~~فهناك إساءات تداوى بالإعراض أو بالابتسامة أو بكلمة باردة، أما أنت فتحشد لمنازلتها ~~جميع قواك وحواسك فتخسر المعركة تاركا فيها وقارك وكبرياءك أشلاء مبعثرة، ولو كنت داهية ~~لداويتها بغير هذا الدواء. # قال مونتسكيو: «إن الله لما رزق الناس عقولا لم يقصد أن يكفلهم، فالدهاء هو أن تلجأ ~~إلى عقلك في كل موقف، فتعالج به أمورك معالجة الحكيم.» # قال المتنبي في مدح صاحبه سيف الدولة الذي حاز إعجابه: # الرأي قبل شجاعة الشجعان # هو أول وهي المحل الثاني # ألا ترى معي أن المتنبي وبرهما متفقان على أن الرأي الحصيف السديد خير من القوة في ~~المواطن التي تعرض لك كل يوم؟ فاسمع من عبدك الفقير ولا تلجأ إلى باعك وذراعك إلا عندما ~~تضطر إلى ذلك اضطرارا كليا، أي عندما تجدك في مضيق لا يخرجك منه إلا سلاح الحجاج بن ~~يوسف: «وتر مثل ذراع البكر أو أشد» ... # أما عندك لسانك وعيناك وفمك؟ فرب كلمة حلوة أو نظرة استخفاف تروي ما بك من ظمأ إلى ~~البطش، وتغنيك عن المصارعة والملاكمة! # وإذا اضطررت إلى اكتساب ميل الناس، فانح نحو إبراهيم لنكلن معهم، روي عنه أنه لما ~~رشح نفسه لعضوية المجلس الاشتراعي كان لا بد له من الدعوة لنفسه، فذهب إلى مزرعة فيها ~~ثلاثون رجلا فوجدهم جميعا في الحقل يحصدون، فتوجه إليهم وهو لا يدري عن أية ناحية من ~~نواحي برنامجه الإصلاحي يحدثهم ليربحهم، أما هم فلم يسألوه عما يرمي إليه من تنظيم ~~الشئون الداخلية، ولكنهم رغبوا في أن ms150 يعرفوا قوة عضلاته ليتيقنوا من أنه سيمثلهم في ~~المجلس أحسن تمثيل، فما كان منه إلا أن أخذ المنجل من يد أحدهم وهاجم الزرع فلم تبق سنبلة ~~قائمة على ساقها، وهكذا منحه الثلاثون فلاحا أصواتهم وفاز. # ترى لو لم يكن لنكلن داهية وقعد يحدث هؤلاء الفلاحين عن القوانين والمثل العليا، ~~فأي نجاح كان قد أصاب عندهم؟ # إن البراعة في العلوم والنظريات قد يخفق صاحبها كثيرا، وأما الدهاء إذا اقترن بالموهبة ~~الفطرية فقلما يخفق، البراعة قوة والدهاء فطنة وحيلة، ومهما كانت قوتك فإنك لا تستطيع ~~اقتلاع صخر كبير، أما التجاؤك إلى «المخل» فيهون عليك اقتلاع ما هو أضخم منه ~~وأكبر. # أريد أن أقول إن الدهاء في تصرفاتنا الاجتماعية يشبه هذا النوع من علوم الفيزياء، فرأي ~~جيد يحط عن منكبيك جميع الأثقال التي لا تستطيع قوتك وعملك النهوض بها مهما كانت. # إن البراعة والذكاء شيء معين، أما الفطنة وجودة الرأي فكل شيء، وليس الدهاء بحاسة ~~سادسة كما يقولون، ولكنه الحواس كلها مجتمعة، بل هو ملاك هذه الحواس جميعا. # لا تعتمد على ما قرأت وتقرأ من نظريات وعلوم في الكتب، واعلم أن الكثيرين من العلماء ~~والفلاسفة العظام لا يحسنون التصرف في الحياة، فاعتمد أنت على الرأي والفطنة فهما مصباحا ~~الحياة، وإذا سرت على ضوئهما أمنت العثار، وحزت ثقة من تعاونهم إن كنت تعمل عند غيرك. ~~إن رب العمل يتطلع دائما بالنظارة المكبرة إلى عماله، فهو يغربلهم وينخلهم في كل ~~آونة، ويفتش دائما لتقع عينه على من يستطيع أن يحمل عنه أعباء التدبير التي تثقل ~~ظهره. # ليتك تريه دهاءك وحصافتك لتكون العضادة التي يعتمد عليها بنيانه، أما إذا لم تكن مع ~~ما منحت من طول وعرض غير آلة تدار، فاعلم أن مصيرك كمصيرها! هل سمعت أن آلة ~~ارتقت؟ # إذن أنت يا صديقي تجاه أمرين لا ثالث لهما: فإما أن تكون داهية فتدير، أو بليدا ~~فتدار، فتدبر أمرك واختر لنفسك ما يحلو. # | إن المجد مبتدر # هذا ما قاله جرير حين نقض رائية قرنه الأخطل، وكثيرا ما ms151 كنا نسمع في الحرب الأخيرة قول ~~الفئتين المتحاربتين : «قد استولينا على المبادرة.» فما هي المبادرة؟ وأية فائدة تجتنى ~~منها؟ # إن من يقتل الوقت بين إحجام وإقدام يقدم رجلا ويؤخر أخرى، يظل حيث هو في غمرة طريق ~~الحياة؛ إذ ليس في ساعة الزمان الكبرى إلا دقيقة واحدة اسمها «الآن»، أما «غدا» فقد حدده ~~الشاعر العربي بقوله: # ترجو غدا وغدا كحاملة # في الحي لا يدرون ما تلد # وأنا أشهد أني في أثناء سبعين عاما مرت على رأسي، ما رأيت هذه الحامل تلد إلا مسوخ خيبة ~~ويأس. قال قدماؤنا: «في التأني السلامة.» وقالوا أيضا: «العجلة من الشيطان.» ولكني رأيت ~~الإبطاء يضيع الأماني الكبيرة ولا يخلف غير الأسف والحسرات. # قال أحد أعلام العالم إن من يسير في شارع «رويدا رويدا» يصل حتما إلى منزل «أبدا»! ~~أما روي عن امرئ القيس أنه قال عندما بلغه نعي أبيه: اليوم خمر وغدا أمر؟ فما أصاب، ~~وماذا أدرك؟ فلو كان هب من فوره لأدرك ذلك المجد المؤثل والملك الذي حاوله فمات ولم ~~يعذر. # إن ما كان يقتضينا سفر شهر أصبحنا ندركه في ساعات، فهل يليق بنا أن نتراخى؟ قال أحد ~~المشاهير العاملين: «إن السؤال الوحيد الذي أوجهه إلى نفسي هو: ماذا أعمل؟ ومتى تلقيت ~~جوابا عليه سألت: وما الذي علي أن أعمله بعد ذلك؟» # قالت العرب: «اضرب ما دام الحديد حاميا.» وهذا سر من أسرار الفلاح. قال كوتون: «تقول ~~غدا، وهذا لا أريد سماعه، فما الغد إلا محتال يرهن فقره عندك، ويأخذ ما لديك من المال ولا ~~يدفع لك إلا آمالا ووعودا، وهذه نقود الحمقى.» # ما أصدق المثل العامي الذي لم يدع شأنا من شئون الحياة إلا عالجه ببساطة رائعة، قال: ~~«حقل غدا بور ولو كان المحراث فيه.» # فالغد مدة لا أثر لها في شيء من سجلات الزمان إلا في تقاويم المجانين. أما الحكمة فإنها ~~تنكر هذه الكلمة، والمجتمع لا يتعامل مع الذين يتخذونها رأس مال لهم، هي ابنة المخيلة، ~~والجنون أبوها، منسوجة من المواد التي تنسج منها ms152 الأحلام، فكم من رجل عاش على رجاء الغد ~~فلم يظفر بغير الحرمان! # قال أحد الكتاب المشهورين: «السرير مجموعة ألغاز، فنحن نذهب إليه محجمين، ولكننا ~~نتركه آسفين، وفي كل مساء نعقد العزم على أن ننهض باكرا، ولكننا نبقى فيه كل صباح ~~متأخرين.» وفي حديث شريف: «باكروا في طلب الرزق والحوائج، فإن الغدو بركة ~~ونجاح.» # يرينا تاريخ نابليون أنه كان يعمل دائما، ويحاول أبدا أن يكون مستوليا على المبادرة، ~~كما نعبر اليوم. كان يعلم أن الضربة لمن سبق فاستغل هذه المعرفة إلى أقصى حد ممكن، روي ~~عنه أنه دعا مرة أركان حربه لتناول الغداء على مائدته فأبطئوا عليه، فجلس وحده إلى المائدة ~~وأكل، وما انتهى من تناول طعامه حتى جاءوا فقال لهم: «أيها السادة، مضى وقت الغداء، فهيوا ~~بنا إلى العمل.» # إن البطء والتراخي دليل على نقص في الطاقة، ومن لا يتحمس لعمله فهيهات أن ينجزه ~~بالسرعة المطلوبة. إن الإمبراطورية العربية التي استولت على الشرق والغرب لم تكن إلا بنت ~~المبادرة والعجلة والحماسة، فالتأني فيه الندامة لا السلامة متى كان في غير ~~إبانه. # فإلى الشباب أوجه هذا الحديث ليفيقوا من سبات تراخيهم. # قال رسكن: «إن أبدع الآثار الفنية إنما عملت في سن الشباب.» وقال آخر: «إن مصالح ~~العالم هي - بعد الله - في أيدي الشبان، فحماسة الشباب هي التي تذلل الصعاب وقلما حازت ~~أمة انتصارا بغير سواعد شبابها المتحمسين، الذين يندفعون كالتيار وتومض عزائمهم كالبرق ~~في الليالي المدلهمة فتشق الطريق للصواعق.» وحسبنا قول طرفة عن نفسه: # إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني # عنيت فلم أكسل ولم أتبلد # قد يقول لي بعضهم: وأي رأس مال عندي لأعمل ما تطلبه مني؟ # أما أنا فأجيبه: عندك يا حبيب القلب إرادتك وحماستك، أما سمعت قول المتنبي: # عجبت لمن له حد وقد # وينبو نبوة القصم الكهام # ألا ترى قامتك الممشوقة وساعدك المفتول؟ وإذا لم تصدقني فعليك بالمرآة. وبعد، فأي رأس ~~مال كان لإديسون الذي أنار الدنيا، ووضع الزاوية العظمى في بناية أمريكا الصناعية؟ أما كان ~~بائع صحف ms153 كهؤلاء الذين تراهم يطوفون الشوارع ويزعجون الناس بصراخهم ، ويسيحون في الطرقات ~~منادين على جرائدهم ليبيعوها ويكسبوا قوتهم اليومي. # كان إديسون يبيع الجرائد في السكك الحديدية ويعمل في مختبره الكيماوي حين يفرغ من بيع ~~المسافرين صحفه. وبينما كان يختبر مرة تعوج القطار، انكسرت قنينة حامض كبريتي وانبعثت ~~منها رائحة كريهة، فلم يطق ذلك صاحب القطار فقذف بإديسون إلى الخارج بعد أن لكمه لكمة على ~~أذنه، فأصمت من أسمع الناس الأغاني حيث شاءوا. ولكن ذلك الجبار لم ييأس وظل يكد ~~ويجد حتى وصل إلى ما وصل، ولما سئل عن سر نجاحه أجاب: «إن سر نجاحي ينحصر في مبالغتي ~~اجتناب المسكر والاعتدال في كل شيء ما عدا العمل.» أما أنت يا صاحبي فتريد أن تكون مثله ~~وأنت تعاقر الخمرة وتقضي وقتك في اللهو. # قال دزرائيلي الوزير العظيم: «إن ما حدث في الماضي من العظائم يمكن عمله في المستقبل، ~~فما أنا بعبد ولا أسير، وفي وسعي أن أتغلب بالعزم والثبات على مصاعب أعظم من التي أنا ~~فيها.» # وفيلسوفنا الفارابي لم يكن له رأس مال إلا عزمه وثباته، فكان يسهر الليل للمطالعة ~~والتصنيف مستضيئا بقنديل الحراس. # فكم من رجال بدءوا جهادهم في معترك الحياة ورأس مالهم لا شيء! وكم من مهاجر جاب مجاهل ~~أمريكا على رجليه ليكسب القرش! فكم لاقى من مشقات! وكم استقبل من صدمات! ومع ذلك لم يفتر ~~عزمه، وظل يجاهد حتى استقر أخيرا على كرسيه فصار مخدوما بعد أن كان خادما. فأي ~~رساميل أو رءوس أموال حمل مهاجرونا إلى دار غربتهم، حيث زاحموا أهل الوطن في أرضهم؟ إنهم لم ~~يحملوا في حقيبتهم شيئا؛ لأنهم ذهبوا بلا حقائب ... ذهبوا وما عليهم غير ما يلبسون، ولكنهم ~~بكدهم واجتهادهم شادوا المعامل والمصانع التي كست العراة وأطعمت الجياع، ورفعوا اسم أبناء ~~جنسهم عاليا. # إذن لا تقل لي ليس لدي رأس مال لأبادر، فرأس مالك عقلك، ورأس مالك حزمك وعزمك ~~وجرأتك. # إن الحياة فريسة المجتهد النشيط، فتسلح بهذه المزايا تربح المعركة، معركة النضال في ~~حرب المعاش. # نحن ms154 الشرقيين نحيا غالبا اتكاليين، وأصحاب الثروة منا يبددونها معتقدين أنها خالدة ~~لا تزول؛ ولهذا يسابقنا الغريب في أراضينا على الثروة فنقعد حسيرين ملومين، فلو تنبه أبناء ~~البيوتات منا لما صاروا إلى ما صاروا إليه. # إن العمل الدائم هو رأس مال لا يفنى، أما المال المخزون فمصيره إلى النفاد، فبادر إلى ~~العمل، ولا تصم أذنيك عمن يناديك كل يوم خمس مرات: «حي على الفلاح.» # | شعرة من شواربك # كانت الكلمة في ذلك الزمان تغني عن السند المسجل وصك الطابو، إذا قال لك أحدهم: ~~بعتك، خرج المبيع من يده مع تلك الكلمة وصار ملكا لك. # ولهذا نقرأ في تلك الوريقات الموروثة عن جدودنا: «حضر فلان مجلس عقده وباع من فلان قطعة ~~الأرض المعلومة الحدود ... إلخ»، كان ختم محكمتهم ضرب الكف بالكف، ومتى ارفض المجلس ثبت كل ~~ما قيل فيه وكأنه كتب بأصبع الرب! وكم من رجل من أولئك الأفاضل ذهبت بعقاره كلمة ~~قالها. # كنت إذا ثنيت الكلمة على رجل وعدك اشمأز وقال لك بغضب: الرجال تربط بألسنتها لا ~~بقرونها. # كانوا يدينون في خلوة ويحذرون الدائن من البوح بالسر، حتى إذا ما حان الأجل المضروب عاد ~~إلى صاحبه سرا؛ ولذلك لم يعرفوا الأزمات، وعاشوا مكفيين مستورين يتداولون المال الحلال ~~الزلال، من معه يعطي من ليس معه. # ودارت الأيام دورتها وذهب الذين كانوا يفزعون من حمل الأمانة، فكثر المرابون وكثرت إلى ~~جانبهم عصب المحتالين، فلجأ الناس إلى السندات، ثم إلى الرهن بجميع ضروبه، وغلا سعر ~~الفائدة حين قل الصدق بين البشر، فصار ولا بد للمضطر إلى مبلغ ما من تأمين موجع الثمن ~~وإلا فلا تصل يده إلى ما يرفه به عن عياله وحاله. # وضاقت بأحد الفلاحين المستورين الحال فلم يجد ما يرهن، ركبته العيلة فباع كل ما يملك ~~إلا البيت، والبيت كما يقولون في لبنان: «أول المقتنى وآخر المبيع»، كان هذا الرجل من ~~أصحاب القول، كما يسمون الصادق عندنا، فذهب إلى أحد الميسورين وقال له بعين مكسورة ولسان ~~يتعثر بالكلمات: «يا بو مجيد، أنا محتاج ms155 إلى مائة ليرة عسملية، وليس عندي ما أرهنه لك، ~~لا عقار ولا عفش ولا مصاغ، نفقنا يا عمي والجبر على الله.» # فقال له أبو مجيد: «الغالي يرخصلك، وإذا طارت الأرزاق فالنفس ما زالت في موضعها، ثقتي بك ~~كبيرة، المائة عسملية حاضرة، لا ترهن عندي غير شيء بسيط جدا شعرة من شواربك!» # فتنهد أبو يوسف وقال: «شعرة من شواربي يا بو مجيد؟! الشعرة من شوارب بو يوسف شيء بسيط ~~جدا.» # فقال له أبو مجيد: «ماذا تريد؟ فلان لم يدفع لي إلا بعد دعوى دامت سنين، وفلان رهن لي ~~عقارا كان باعه من قبل، وفلان الشريف النظيف أنكر إمضاءه وما استحى، ألا يعجبك أنت أن ترهن ~~عندي شعرة بمائة ليرة ذهبا؟!» ~~- ولكنها شعرة من شواربي، فلو تأخرت أو عجزت عن الدفع ماذا تفعل بها، ألا تهينها وتسبها، ~~ألا تبزق عليها؟ صعب هذا الرهن يا عمي. قال هذا وودع وانصرف ترافقه همومه. # كانوا في ذلك الزمان - وقبل حلق الشوارب طبعا - لا يحلفون الرجل بدينه بل بشواربه، ~~فإذا وعد قالوا له: «أمسك شواربك.» وإذا توعد هو يمسك شواربه، ومتى فعل لا يعود عن وعده ~~ولا وعيده، ومهما حاولت أن تزحزحه عما قال يقول لك: «غير ممكن، أمسكت شواربي.» # وإذا كانت هذه قيمة الشوارب، فكيف يرهن أبو يوسف شعرة منها لقاء مال العالم كله؟! وانتفض ~~أبو يوسف وقال: «لا لا لا، هذا لا يكون.» والتفت يمينا وشمالا، وفوق وتحت، وخلف ~~وقدام، فما وجد منفذا، الحاجة قصوى والعيال لا ترحم والبيت المفتوح يقول: «المعجن فارغ» ~~إذن لا بد من هذا الرهن. # وما كاد يعول على ذلك حتى تمثلت كرامته أمام عينيه وصرخت به: «حيف على راعي الشوارب ~~أن يرهن شعرة من شواربه، كل شيء ولا هذا.» # وأخيرا نام أبو يوسف، ولكن فكره لم ينم، قلب أمر الرهن على جميع وجوهه، وفي الغد ~~الباكر كان عند أبي مجيد، فدفع له المائة الذهبية نقدا وعدا، وأخذ منه تلك الشعرة الكريمة ~~ولفها بورقة ووضعها في الصندوق موضع الذهبات وهو ms156 يقول: «قدرك الله على الوفاء!» # ولما دنا الأجل ساعدت الأحوال أبا يوسف ورجعت الشعرة إلى قواعدها سالمة من ~~الأذى. # وسمع أحد أغنياء البلد - وكان معسورا - أن فلانا رهن شعرة برشاء وأخذ بها مائة صفراء، ~~فذهب إلى أبي مجيد يستدين، فقال له أبو مجيد: «أنت تعرف أني لا أدين إلا برهن.» # فأجابه الرجل: «فلان رهن عندك شعرة من شواربه، وأنا مستعد أن أرهن لك شعرات» فما ~~قولتك؟ # فقال له المرابي: «هذي غير هاتيك، اعذرني يا سيدي.» ~~- ولماذا؟ إذا لم أدفع فأملاكي نصف الضيعة. # فأجابه: «هذاك لا يملك غير الشرف، وأنت تملك الشرف والعقارات وتكون حرا إذ ذاك بتضحية ~~أحدهما، وأنا لا أريد أن يكون مالي من الأضاحي.» # تلك كانت عقليتهم في معاملاتهم، أما اليوم فالتكالب على المادة يحملنا على رهن كل ما ~~نملك وكل ما في حوزتنا من شعر، شرط أن نحصل على المال. # كان الصدق في الأقوال والأعمال مجدا وشرفا، وأمسى الكذب والاحتيال والنصب دهاء، والكذب ~~ملح الرجال، وعدتك وما قدرت، أو قلت وبطلت، هكذا يقول الناس اليوم، وألف قلبة ولا ~~غلبة. # | أزمة التربية والتعليم # لا تنفرج هذه الأزمة عندما نحبر مقالات تظل حبرا على ورق، ومثل الحبر والورق مشهور ~~عندنا فنحن محتاجون إلى ما قاله ذلك الأعرابي: «أنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير ~~قوال.» # وكذلك البحث في التربية بصورة عامة، فهو لا يطعم من جوع ولا يؤمن من خوف، فالتربية تختلف ~~باختلاف الناس وبيئاتهم، لا يستفيد الناس من قوانين التربية العامة إلا إذا رجعوا إلى عصر ~~المغاور والكهوف فصارت أهدافهم ومثلهم العليا واحدة، ومن يعتمد على هذه المبادئ العامة ~~المدونة في الكتب فهو كمن يعتمد على كتب الزراعة الأوروبية، يترجمها بدقة ليعمل بها في ~~بلاده ناسيا أن لكل تربة خواص، ولكل مناخ تجارب خاصة، فلا يصلح في هذا ما ينجح في ~~ذاك. # وماذا تنفع الكتب التربوية بل ماذا تفيدنا هذه الألقاب العلمية الضخمة عند بعضنا ما دامت ~~الأستاذية لم تبلغ عندنا بعد درجة يثنى عليها؟ فهي أولى ms157 وسائل المرتزقة، إذا ضاقت مسالك ~~العيش على حملة البكالوريا والليسانس ولوا وجوههم شطر المدارس ودخلوها لاجئين ... فتوليهم ~~تعليم الفتيان بعد إلقاء نظرة عابرة على شهادتهم، ومنهم من يقبلون بلا شهادة ... كانوا أول من ~~أمس تلاميذ تفرك آذانهم عند كل شذوذ، وصاروا اليوم أساتذة، والويل لك إذا خاطبت أحدهم ب ~~«يا معلم»، فهو لا يرضيه على حداثة عهده إلا لقب أستاذ. # وإذا كان المعلم - كما هي الحال - جاهلا الطبيعة الإنسانية، ولا عدة له إلا ما قرأه ~~من نظريات، هذا إذا كان قرأ، وما جمعه وكدسه من معلومات، هذا إذا كان جمع؛ فأنى له ~~تدريب فتيان يجهل هو الدرب مثلهم؟ بل من أين له الوصول إلى مطاوي نفس تلميذه إذا لم يعد ~~إعدادا فنيا لمهمته؟ فالتعليم فن قبل أن يكون علما، والجمهور عندنا يعبر عن هذا ~~بقوله: المعلم الفلاني أسلوبه ممتاز يفيد تلاميذه. # إن علم التربية والتعليم لا يكلف المعلم إلا تنبيه غرائز تلاميذه وإثارتها، فما عليه ~~إلا أن يفتح لهم الأبواب دون أن يلجها هو قبلهم، فالمعلم الحديث مرشد ومعين لا يجديه علمه ~~الغزير في مهمته الصعبة إن لم تطغ عليه خصلة التعاون مع تلميذه ليأخذ بيده إلى الهدف، ~~فالمعلم المستبد برأيه، المعلم الذي يملي مذاهبه إملاء على تلاميذه لا ينفع أمته، إن ~~تلك المذاهب تدخل من أذن وتخرج من أذن، فعلى التلميذ أن يبحث ويجد بمعونة أستاذ وإرشاده؛ ~~لأن الذي يجده التلميذ بنفسه يبقى، أما الذي يسمعه من معلمه فيذهب. # ليس على المدرسة إخراج بيانيين ورياضيين ومؤرخين، ولكن مهمتها تكوين رجال للوطن بواسطة ~~هذه العلوم. والمعلم لا يعطي صفات وطرقا يتبعها الطالب، بل يخلق فيه ضميرا حيا يرشده ~~في مهنته، فكل شخص يعلم بلا إيمان تربوي هو شخص بلا روح، كما يقول دركايم. فهدف المعلم ~~الأول أن يخلق نفسا في الجسد الذي يعلمه، ولا يقدر على دخول هذا الجسد أحد سواه. إن ~~عملا كهذا يستغرق حياة بكاملها، فكيف يقوم به من لم يكن معلما لو لم تضق به الدنيا، وهو ms158 ~~لاط الآن في إحدى المدارس ينتظر أن تمر العاصفة ويفتح الله عليه ... # المعلم جندي، والجندي الجوعان لا يضرب بسيف السلطان؛ لأنه لا يأكل خبزه. فإذا أردنا ~~أن ننشئ وطنا فما علينا إلا أن نشبع المعلم ونشعره أنه عيال على الوطن. # أما كيف تعلمنا نحن؟ وكيف صرنا رجالا، إذا كنا صرنا؟ فهذا ما يحيرني، لا بل يشككني ~~بعلم التربية الحديث الذي أتكلم عنه. # أذكر ولا أنسى واحدا من معلمي الأفاضل، كان كاهنا في جبته رائحة أعزب الدهر، كث ~~اللحية، متجهم الوجه كأنه المعري كما رسمه جبران، له كف مثل المدرى، أصابعه مصفرة ~~وسبابته مثل ململمة الفيل، يدخن بلا انقطاع، كأن سيكارته نار المجوس التي لم تنطفئ إلا ~~ليلة المولد الشريف، يتغلغل الدخان في لحيته ثم ينبعث منها رويدا رويدا كأنها حطب الموقد ~~قبل اشتعاله، ولكنها ما اشتعلت كما كنا نتوقع، نعم بلغت النار أقصى عقب سيكارته فأخذت بعض ~~شيء من شاربه الذي أكله داء الثعلب، فكح وعرفنا إذ ذاك أن له أسنانا ... # كان مولعا بأكل الليمون ملتوتا بالسكر، والليمون في نهر الجوز رخيص، وفي مدرسة مار ~~يوحنا مارون سكر كثير، والرئيس راض عن حضرة الأستاذ يثق بعلمه الغزير، فهو يعرف الصبان ~~والخضري والأشموني بشعره وبعره، ما دخل الصف يوما إلا سبقته إليه سلة الليمون وصحن السكر ~~وحزمة من السكاير، دخان بلدي كوراني يشرقط مثل البارود، والأستاذ - أيده الله - يؤثر ~~إشعال سيكارته من القداحة والصوانة فتملأ غرفة الصف رائحة الصوفان. # كانوا في ذلك الزمان يفتتحون كل درس بصلاة «الأبانا» ويختمونه ب «السلام»، فنصلي عند كل ~~أستاذ وفي كل صف، وأذكر أن أستاذنا كان يصلب باليمنى محتفظا ببقية سيكارته باليسرى، ~~وما تنتهي الصلاة حتى يولجها في ذلك الثقب الذي يذكر بأصبع الربيع بن زياد فنترحم على ~~لبيد. # أما طرق الأستاذ التعليمية فدونك نموذجا منها، وقد يكون هذا هو الذي حببه إلى سيادة ~~المنسنيور: ~~- أتعرفون يا أولادي لماذا نصبت «إن» الاسم ورفعت الخبر بعكس الأفعال ~~الناقصة؟ # فتطاولت أعناقنا إليه فتنحنح وقال: «هذي إن أشبهت ms159 الأفعال في الوضع وقصرت عنها في الفعل، ~~فأعطاها النحاة عمل الفعل مقلوبا!» # فضحكت وقلت: «قصاصا لها.» فقال: «وقصاصا لك تكتب مائة سطر من باب «إن وأخواتها» في ~~ابن عقيل، ما أطول لسانك!» # هذا ما كان أقصى هم معلمينا في التعليم، ولولا ضيق المقام لسردت كثيرا من ~~نوادرهم. # فعسى أن يكون لنا مدارس تعلم لتربي وتخلق للوطن رجالا، وعسى أن توطد أسس المدارس ~~على صخرة منهاج موحد، تسهر على تنفيذه الدولة التي تريد أن تبني بيتها طبقا لخريطة عصرية ~~حديثة. # | وجوه بلا ماوية # شقاء هي الحياة وعراك مستمر، العواصف في حرب عوان، والشهوات في اضطراب وهياج. # الحياة ألغاز لا تحل، ومعميات قصرت عن إدراكها الحكماء، آمال تذبل وتموت، فلا ~~يبتسم لنا فجر الرجاء حتى يعبس مساء اليأس، ولا نصافح الأمنية حتى تنفض الخيبة المرة من ~~يدها، وأحيانا المنية. # مضى عصر المضارب والخيام التي تقتلعها العواصف، كانوا ينحتون الجبال بيوتا فصاروا يرفعون ~~من الحديد والأسمنت ناطحات سحاب مفروشة أرضها بالمرمر مزينة حيطانها بأروع التصاوير ~~الفنية، ومع ذلك ما زال الإنسان يتأوه ويتوجع ويتطلب المزيد من المال، ولا يجد سعادته ~~إلا فيه كما قال بخيل الجاحظ: «سلم إلي المال وادعني بأي اسم شئت، المال زاهر نافع، ~~مكرم لأهله معز، والحمد ريح وسخرية.» # كان الإنسان في طور بداوته ندي الوجه تؤذيه ألطف نسمة تهب على أنانيته واحترامه ~~لذاته، يأبى كل ما يؤذي ويشين شرفه ومروءته، فيبتعد كل البعد عن كل ما ينكره الشرف، ~~وكانوا في ذلك الزمان يقولون: «الصيت الجيد خير من المال المجموع.» أما في عصرنا هذا ~~فأمسى الدرهم هو الدستور المكرم، و«المشير المفخم» على حد تعبير فرمانات سلاطين بني عثمان. # وكان الرجال يرون الحياء أشرف خلال النساء والرجال، وفي هذا يقول أبو تمام: # يعيش المرء ما استحيا بخير # ويبقى العود ما بقي اللحاء # فلا والله ما في العيش خير # ولا الدنيا إذا ذهب الحياء # إذا لم تخش عاقبة الليالي # ولم تستحي فافعل ما تشاء # أما اليوم فالوقح صاحب العين البلقاء هو الظافر ms160 بحاجته كما قال بشار بن برد؛ لأنه ~~لا يفرق بين حلال وحرام، تستحي الأرض التي يمشي عليها مما يلطخ به وجهها من مخازيه، ~~أما هو فلا يندى له وجه ...! ومن أين للوجه اليابس أن يندى؟! ألم تسم العوام مثل هذا ~~الوجه الناشف وجها من عظم؟! # الوجه زهرة لطيفة تأخذ نضارتها من ماء الحياء، والحياء في المحيا كالجوهر في صفحة ~~السيف والدرة في التاج، تكتسب منه جمالا، وكالورق والثمر للغصن الأملود، فالغصن إذا عري ~~من كليهما بدا كريها في العين بعيدا عن القلب، وقد قال الشاعر: «ولا خير في وجه إذا قل ~~ماؤه.» # إنا لفي زمن قد خلع فيه الكثيرون العذار، فاستباحوا الحرمات وعبثوا بالأمانات التي ~~طالما اعتد الشرق بالحفاظ عليها، فإذا نظرت رأيت شبابا يربضون على أبواب المعابد كالهررة ~~يترصدون هذه وتلك، فيبسمون للجميلة ويعبسون بوجه القبيحة، ويلقون في طرق المخدرات ~~المحصنات شباك نظرات مريبة وقحة، حتى صرت تحسب المعبد معرضا للنساء، أو «سوق حرج». # وإذا ركبت الترام فإنك ترى فتيانا يتسابقون إلى الحافلات الحافلة بالحسان، حتى إذا بدت ~~لهم جميلة أكلوها بعيونهم، والسعيد السعيد من سبق إلى القعود حدها أو كاد، حتى إذا ما أذنت ~~بالذهاب راح كل منهم يبتهر بوقاحته ويفاخر بقلة هيبته ممثلا دور كازانوفا، فتخرج من ~~بينهم وصفرة الخجل تكسو وجهها الأرجواني ثوبا زعفرانيا، هذا ما كان في الأمس، أما ~~اليوم فإنا نراها تدعوهم إلى جوارها، إن لم يكن بلسانها ويدها فبعينيها ... # فعلينا أن نهذب بنينا صغارا ليحسنوا السلوك كبارا، علينا أن نقبح في عيونهم هذه ~~الصور السمجة ونذكر أصحابها بالتنديد واللوم، ولكن من أين لتلك المبادئ أن ترسخ في الأذهان ~~ما دام الصغار يقتدون بالكبار، يسمعونهم يعتدون برذائلهم بلا خجل ولا حياء ذاكرين على ~~مسامعهم ما تجاوزوا به حدود الأدب، كأنهم نسوا الكلمة المأثورة: وإذا ابتليتم بالمعاصي ~~فاستتروا؟ # لقد أصاب من إذا أراد ذم أحد ذما يجرده عن المروءة قال في نعته: «فلان بلا حياء.» ~~فلنقن حياءنا فهو التخم الفاصل بين مملكة الإنسان ومملكة الحيوان. ms161 # أما قليلو الحياء فأنواع: منهم الأدعر المنحط الأخلاق، ومع ذلك تراه يغشى نوادي ~~المهذبين ويعد نفسه في طليعتهم، وينسى أنهم غير ناسين أنه كان وما يزال يتمرغ في ~~أوحال المعرة، ومن حق من كان مثله أن يرمى في مزابل البشرية؛ لأن للبشرية مزابل ~~دونها المزابل الحقيقية نتانة، تلك يتقى شرها بالمطهرات، أما هذا فهو مزبلة ~~نقالة لا يقي من بعوضه وبرغشه فونيك ولا مازوت ولا د. د. ت ...! # ومنهم ذاك المتبجح بالشرف والأمانة وسامعه يعلم أنه أحط خلق الله وأقلهم شرفا؛ لأنه ~~لا يرأف بعرض ولا يعف عن عرض، فهو لا يكف يده عن طعام ولو وقع عليه ألف ذباب. # ومنهم ذاك اللص الذي يمشي على الأرض مرحا ويبتهر على مسمع الملأ أنه يجيد الاختلاس، ~~وأنه في هذا الفن أمهر من مشى عليها، ينزع الدبس عن الطحينة كما يقولون، وما عليك إلا ~~أن تعد أصابعك إذا فرغت من مصافحته فربما يكون قد اختلس إحداها أو بعضها ولم تدر، وإذا ~~ذكرت أمامه رجلا فاضلا مط شفته وغمز بإحدى عينيه وافترت أسنانه عن ابتسامة رقطاء، ~~وقال لك بلا حياء: مسكين! حمار بأربع أذنين، هل تطعمه أمانته خبزا إذا جاع؟ وهل يلبسه صدقه ~~ثوبا إذا عري؟ # إن هذا الضفدع الهرم لا يهجس إلا بلجج مستنقعات الدناءة، ولا يعيش إلا فيها، يزعم أن ~~أيدي جميع الناس ممدودة مثل يده، وأنهم لا يهمهم إلا أن تكون لهم ثروات طائلة. # ومنهم من يقول لك ولا يستحي: إن وظيفتي محدودة المعاش وليس فيها «براني» ولا ضرب كم؛ ~~ولذلك لا أزال كما دخلت ليس في كيسي قرش، بل لا كيس لي ... فما قصرني عن طلوع الجرد إلا ~~الحفا، فمتى يرزقني الله مداسا لأجاري زملائي في هذا المجال، فليس فيهم من يعف عما تصل ~~إليه يده؟ # على هذا كان موظفو دويلات العصر العباسي، وقد عجز الخلفاء عن تقويم اعوجاجهم فلا تصفية ~~الأموال أجدت ولا حبسهم ردع، فاللصوصية مرض نفساني لا يحد من نشاطه القصاص. حكي أن ~~لصا شهيرا عجزت ms162 محكمة لندن عن إيقافه عند حده، فكان يسجن سنوات، ولا يطلق سراحه حتى ~~يغير على بيوت المال، وأخيرا أصدر القاضي بحقه حكما غريبا، كانت جريمته خلع باب وكسر ~~صندوق واختلاس ألوف الليرات، وكان العمل يوم الأحد ممنوعا في إنكلترة، وبما أن هذا اللص ~~اقترف جريمته هذه في ذلك النهار قضى عليه القاضي برد ما سلب والحبس أربعا وعشرين ساعة ~~عقاب من يتعاطى مهنته في ذلك النهار. # يقال إن هذا الحكم كان رادعا للص لم يمت ضميره كل الموت، أما الذين شيعوا ~~الحياء إلى غير لقاء فإنهم يضحكون في عبهم إذا حكموا مثل هذا الحكم اللاذع. # والنساء وما قولتك فيهن؟ فقد صارت أخدارهن المنيعة حمامات البحر، يعرضن بعد الغوص ~~فيها أجسامهن البضة على عيني وعينك يا تاجر، ينبطحن على الرمال عاريات وكأنهن في خلوة ~~ولا عين تنظر. # كنا فيما مضى نشتاق سماع امرأة ذات صوت رخيم تبوح بسر الهوى، وصرنا اليوم نستحي من ~~بنينا وبناتنا أن نسمع وإياهم تأوهات المغنيات التي تبثها الإذاعات بلا حياء. # كنا فيما مضى إذا مالت بنا العربة في منقلب نحمر ونخضر ونصفر إذا احتككنا بأنثى، ~~وكانت الأنثى تحاول أن تخترق جدار المركبة لتنجو من لمسة غير مقصودة ولا تعني شيئا، أما ~~اليوم ففي هذه الترامات المزروكة المحشوكة لا ندري كيف نهرب من الجنيات اللواتي ينهضن من ~~كل محطة ويملأن الحافلات المحشورة فيها الناس كالسردين وكبس الجبن. # كنت مرة واقفا في مقدمة حافلة فإذا بفتاتين انسلتا ووقفتا أمامي منتصبتين كالهدف، ~~فوجدتني في موقف حرج، الترام يتراوح ذات اليمين وذات الشمال وأنا أتماسك خوف الإهواء ~~عليهما، فما كان منهما إلا أن قهقهن ضاحكات من حشمة في غير محلها، فضقت بهما صدرا وقلت ~~لهما: يا بناتي، جئتماني متأخرتين، وكم تمنيت لو كنت خلقت في زمانكما زمن المتعة بلا ~~حياء. # بهذه اللهجة الوقحة نطقت لأرد عني كيد فتاتين هزئتا بشيبتي، أما الخبيثتان فقالتا: ~~قد عرفناك، وما فعلنا ما فعلنا إلا لإحراجك وسماع نكتة منك. # عفوا إذا استطردنا إلى ما كنا ms163 ننهى عنه! فنحن لم نذكر ما ذكرنا إلا لندل على أن ~~الرجل كان في الزمان الماضي طالبا وصار اليوم مطلوبا. # شبب عمر بن أبي ربيعة بنساء عصره، وذكر ما كان يقع له معهن ففسقوه، كما عدوا قبله ~~امرأ القيس متهتكا لأنه اقتحم بركة دارة جلجل وقعد على ثياب العذارى المستحمات فيها، ~~وأبى إلا أن يخرجن إليه عاريات ففعلن مكرهات، ترى ماذا كان يقول اليوم معاصرو امرئ القيس ~~لو قاموا من قبورهم ورأوا عذارى هذا الوقت ونساءه منبطحات على الرمال عارضات جمالهن ~~كاملا غير منقوص على كل عابر سبيل؟ ولسن في حاجة إلى من يقعد على ثيابهن ليخرجن إليه في ~~بذلة حواء قبل ورقة التين. # إني لأمسك القلم عن عد ما عندنا من قلة حياء تجمعها كلمة قالها الإمام علي: «صار ~~العفاف عجبا، والفسق نسبا، ولبس الإسلام الفرو مقلوبا.» # فالسراق لا يخجلون، والنصابون المحتالون لا يستحون؛ لأن من هم فوقهم شر منهم، ~~وتقصير الحكام والأحكام يحمل على الإجرام. # الكلب الذي تطعمه لقمة يبوس يدك مرات، أما الهر اللئيم الناكر الجميل القليل الحياء، ~~فإنه يهرب بها ويتوارى عنك ثم يعود إليك طالبا غيرها، وإذا لوحت له بلقمة كريمة جمع نفسه ~~في زوره وقفز كأنه يتصيد ولا يستعطي، وهذا منتهى الخساسة والغدر. # نجنا اللهم من هؤلاء، من وجوه بلا ماوية. # | ما أحلى أيام المدرسة! # كلمة تسمعها أيها الفتى من أبيك وجدك وجدتك العجوز، وإن لم تكن هذه الأخيرة قد عرفت ~~المدرسة إلا عن طريق أذنيها المصفرتين كورقة خريف نصف يابسة. وهذه الكلمة ستقولها أنت يا ~~عزيزي، حين تتكوم حول الموقد ويرقص من حولك أحفادك رقص جراء الهررة حول أمهن ~~النائمة. # ليس التحسر على أيام المدرسة تحسرا على أيام كنت فيها محبوسا بين أربعة جدران، ~~فالمدرسة حبس موقت يقبله طالب العلم طائعا مختارا، ولكنه تحسر على فتوة خسرتها ولم ~~تعرف قيمتها، وأنت تتمنى لو تعود تلك الأيام أدراجها فتحسن التصرف بها. إنك تتحسر ~~عليها تحسر المبذر على ثروة أنفقها بغير حساب، وها هو يذكرها ms164 والدمعة السرية في العين ~~والحسرة في القلب . وإذا لم تكن من الذين خرجوا منها بخير فستذكر حين تحاسب ذاتك أنك كنت ~~تسرق نفسك، كنت تسرق مالك وعمرك. # كنت ترى اليوم كالشهر في الطول، والساعة كالنهار، وأنت الذي طولت مدة كان في استطاعتك ~~تقصيرها، لم يكن يقع نظرك على صفحات كتابك حتى كنت ترفعه نحو الساعة المعلقة في قاعة ~~الدرس تماشي عقاربها، وتتعجب من بطئها، تسب أباها وأمها، وتتغضب عليها لأنها لا تسرع ~~حسب مشيئتك! # ما أطول ساعة هذا الدرس! كثيرا ما كنت تقول ذلك، أما الحق فهو أن ساعة الدرس كغيرها ~~من الساعات الأخرى، ولكن إساءتك استعمالها أطالتها ومططتها فصارت أطول من ليل امرئ القيس ~~والنابغة. اعمل يا عزيزي تجد الوقت قد مر، وبهذا العمل تقتل السأم والضجر وتستفيد علما، ~~ولكن الكسلان عدو نفسه. # قد تقعد مع رفيق على شاكلتك وتنصبان ميزان الدينونة، فتزنان هذا الأستاذ وذاك، ثم تنتقدان ~~المدرسة من مديرها إلى بوابها، ومن معلمها إلى طباخها، فتبدو لكما مسودة الجدران ~~ضيقة المساحة على رحبها. ولو فطنتما لأدركتما أن هذا الاسوداد هو في نفسيكما، وأن ذاك ~~الضيق الذي تنعتان به المدرسة هو في صدركما، فأنت يا عزيزي حاضر غائب، أنت مع معلمك تشخص ~~إليه وتسمع درسه، ومعلمك القصير النظر السطحي الاختبار يخالك مصغيا إليه تكاد تأكله ~~بعينيك لاتساع حدقتيهما، في حين أنك تسبح في عالم غير عالم الصف، تسمع دروسه ولا تسمعها ~~وترى شخوصه ولا تراهم، إنك في دنيا غير دنياهم، وأستاذك الجليل لا يدري أنك لست ~~معه. # إنه ينقصك شيئان لتفلح في المدرسة، عفوا وفي العالم أيضا، وهذان الشيئان هما: الرغبة ~~والانتباه، فإذا كنت راغبا فيما يلقى عليك من دروس فأنت مفلح فيها، والانتباه يذلل ~~جميع مصاعب الدروس، العويص منها يصبح مفهوما، فتنحل أمامك جميع العقد التي كنت تخشاها، ~~ويدق قلبك دقات فرح حين تجيء ساعة هذا الدرس الذي كنت تقول إنه لا يدخل عقلك ... وكيف ~~يدخل وأنت عقلك ساد الباب بوجهه؟! من أين يدخل والنوافذ مقفولة؟! إن ms165 أذنيك وعينيك نوافذ ~~تخلص الحقائق منها إلى مخدع دماغك لتستريح فيه، ومتى كانت هذه الطاقات والنوافذ مسدودة ~~فعبثا تلتمس العلم، لم يستطع العلم حتى الآن أن يخترع أنابيب تحقن بها العقول وتلقح ~~الأدمغة؛ ولهذا تظل فاشلا إذا لم تنتبه. # كثيرا ما نقول: هذا المعلم لا يحسن تفهيم المادة التي يعلمنا إياها، قد يكون ذلك، ~~أما غالبا فأنت العلة لا المعلم. فإذا كنت لا تعيره أذنا صاغية فمن أين يبلغ عقلك ~~ليفهمك؟ إن أكثر سقوط التلاميذ في دروسهم ناتج عن قلة رغبتهم فيما يتعلمون؛ لأن ~~الزهد في الدرس يجر إلى عدم الانتباه وهنا علة العلل، هنا المعركة التي يجب أن يجاهد في ~~سبيلها المعلم المربي، فإذا تغلب عليها أدرك النصر المبين وبلغ غايته التربوية ~~والتعليمية. # يبلغ الغاية التربوية إذ يخلق في تلميذه خاصة الانتباه، وهي سلاح العاملين في الحياة، ~~ويبلغ الغاية التعليمية إذ يسلحه بأعتدة علمية تسهل له الكفاح في ساحات شتى من ميدان ~~النضال. # إن الذي عبرت لك عنه بلغة الجدود وسميته «رغبة» هو ما يسميه اليوم علماء النفس ~~«ميلا»، ومن هذا الميل يتولد الانتباه، إن الانتباه أنواع في كتب علماء النفس، ولا ~~يعنينا منها الآن إلا العفوي، فالانتباه العفوي يتولد فينا من اهتمامنا بالشيء وميلنا ~~إليه، وهذا يكون في أشخاص ولا يكون في آخرين، فإذا حصلت عليه بالطبع غنيت عن التطبع، ~~ولكنه إن لم يكن فيك طبعا فباستطاعتك تقويته إذا أردت، فعليك أن تغالب نفسك لتخضعها إلى ~~إرادتك فتجمع فاعليتها حول مركز لا تميل إليه بالفطرة، ولكنك مضطر إليه اضطرار المريض إلى ~~قبول علاج تتقزز منه نفسه، ولولا هذا الانتباه الإرادي ما كنت حيوانا أسمى وأفضل من جميع ~~مخلوقات الله كما ادعينا وندعي. مارس هذا الانتباه مرارا فترى أنه استحال انتباها ~~عفويا أو كالعفوي، وهكذا تدركه بدون مشقة. استعن بالعادة فهي التي تنفعك هنا، فإذا ~~تجلدت وثابرت على اقتبال ما تكره استحال ما كنت تكره إلى شيء تميل إليه. # إن الرياضي يحتاج في أول أمره إلى إرادة وجهد، ولكنه ms166 متى استغرق في تفكيره ينسى نفسه، ~~ويميل كل الميل إلى مسائله فتذلل جميع العقبات أمامه ويصبح منصرفا بكليته إلى شئون ~~مشكلاته وكل معضلاته، أي إن انتباهه يصبح عفويا، كل ذلك بحكم العادة التي تهون علينا ~~تحمل كل شقاء، وتخلق فينا طبيعة ثانية. # لا أنكر أن فينا - نحن الأساتذة - وجوها كالحة لا تحسن استرعاء الانتباه؛ لأن ~~الانتباه ينتج عن أسباب انفعالية، وإذا كان الأستاذ جامدا عاجزا عن التفاعل فمن أين له أن ~~يوقظ في طلابه العوامل الانفعالية؟! # إن معلما كهذا يا ولدي كشربة زيت الخروع، إنها كريهة الطعم ولكنها مفيدة فأجبر نفسك ~~على قبولها، ولعلك بعد قليل تنتقل إلى حضرة أستاذ آخر ينسيك طعم هذه الشربة، والإنسان ~~معرض دائما لاقتبال مرارة الحياة وحلاوتها. # يقول المعلم النفساني ريبو: «اجعل الشيء جذابا بصورة اصطناعية إذا كان غير جذاب ~~بطبيعته، وهذا ما يقدر عليه أساتذة ويعجز عنه آخرون، فلا بد للأستاذ من خفة روح، فكلمة ~~ظريفة تنعش الصف وتولد فيه حياة وانتباها، وهذا ما يجب أن يعنى المعلم بتوليده في ~~جو الصف، فبدون الانتباه كل الأعمال ضائعة، إن الانتباه يزيد سرعة الإدراك فتتضح ~~التصورات للمنتبه وتبين وتزداد ترتيبا، والانتباه يثبت الذكريات ويحفظها، ومن هذا يتضح ~~لك أن نجاحك العظيم الذي تصبو إليه لا يتحقق إلا بانتباهك الأولي في المدرسة، حتى إذا ~~خضت عباب بحر الحياة استفدت من الانتباه الذي بلغ البشرية ما بلغت إليه من عجائب ~~الاختراعات والآثار الفنية.» # قال جيمس: «يجب على الإنسان أن يحسن ملكة الجهد فيه دائما بالتمرن عليها كل ~~يوم.» فإذا كنت تريد أن تكون رجلا فعليك أن ترغم نفسك كل يوم أو يومين على القيام بأمور لا ~~تميل إليها، حتى إذا دقت ساعة الشدائد وجدت نفسك قادرا على الصبر والمقاومة، وهذه ضمانة ~~الحياة، فلا تقل لي إذن أنا لا أفهم هذا الدرس، إنه لا يدخل عقلي. # إن كلامك هذا لا يدخل عقلي أنا، إنك لم ترد، ولو أردت أن تنتبه لفهمت وأدركت، أما ~~إذا كنت تنتبه وتريد ثم لا ms167 تفهم فالأحرى بك أن تتخلى عن مقعدك المدرسي لمواطن آخر. # إن هذا الكلام يؤلمك، ولكنه يؤلمني أيضا أن أرى تلاميذ لا يستحقون نعمة العلم، إن ~~لهم عملا آخر في الحياة فلينصرفوا إليه، فإذا لم يخدموا وطنهم في هذه الناحية فقد يبرزون ~~في ناحية أخرى على ما لا يقدر عليه العلماء. # ما أحلى أيام المدرسة! إنها كلمة تدور على كل شفة ولسان، وما أجملها خارجة من فم رجل ~~انتبه واستفاد وهو يتأسف لأنه لم يغترف من العلم والمعرفة أكثر مما اغترف. # أما من يقولها من المقصرين في مضمار الحياة من الكسالى الذين لم يفلحوا، فإنه ~~يقولها متذكرا راحته واتكاله على ذويه، حين كان ينفق من مال جناه غيره وهو لا يدري أنه ~~يسرق نفسه، إن هذا البائس يعثر لسانه بالخيبة المرة حين يقول: ما أحلى أيام ~~المدرسة! # فرجائي إليك يا عزيزي أن تعمل بما قلته لك لتستطيع أن تقول في غد على مسمع بنيك وأحفادك: ~~ما أحلى أيام المدرسة! فلا يتغامزون عليك ولا يقولون: ماذا أفاد أبونا أو جدنا من المدرسة ~~ليستحلي أيامها؟! # ليتهم ادخروا لنا ما أنفقوه عليه، إنه كان رأس مال لنا، أما أيام مدرسته فساقطة من ~~الحساب، ولا محل لها في التاريخ. # | عمودا البيت # لا يقوم البيت على حيط واحد، فالله - وحده - بنى السماء بلا عمد، إن للبيت عمودين هما ~~المرأة والرجل. كانت كلمتنا الأولى موجهة إلى المرأة لأنها المسئولة الأولى؛ ولهذا أطلقت ~~عليها كلمة ربة البيت حتى في عهد وأد البنات، أما الآن فالكلام عن الرجل. # قيل لي إن بعض الرجال كانوا راضين عن كلمتي السابقة فكانوا يتغامزون فيما بينهم، كانت ~~المرأة تخضر وتحمر وتحرق على أسنانها متمنية لي قصف العمر غير آسفة على شبابي الغض ...! ~~مهلا يا سيدتي فها قد جاء دور رجلك. # الغرض من الزواج يا سيدتي هو حفظ النوع وترقيته بتكوين الأسرة المثلى، كان لله سفر ~~تكوين واحد أما نحن بني البشر فلنا دائما سفر تكوين، العائلة هي الخلية ومن الخلايا ~~تتألف الأجسام، ومتى ms168 كانت الخلايا صالحة كانت الأجساد قوية منيعة ، فماذا نعمل يا سيدتي ~~ويا سيدي حتى نوطد أركان الوطن بما نعد من رجال؟ قد تظنان كلاكما أن هذا من عمل ~~المدرسة، وأنا كرجل ممارس أقول لكما: لا، البيت يربي والمدرسة تهذب، فإذا أعطيتماني ~~المحروس بلا مرب عاد إليكما بلا تهذيب؛ لأن الحطب لا يقوم. # قرأت كتابا فرنسيا في التربية صور على جلده والد يتأهب لمغادرة البيت، وأم كل ~~بالها في زينتها، والولد حيران لا يبالي به أحد. # وكأن شاعر هذا الجيل المرحوم شوقي قد رأى هذه الصورة، وقرأ ذلك الكتاب فأوحى إليه بهذين ~~البيتين: # ليس اليتيم من انتهى أبواه من # هم الحياة وخلفاه ذليلا # إن اليتيم هو الذي تلقى له # أما تخلت أو أبا مشغولا # تلك هي حالة الكثيرين من الآباء والأمهات، وإذا قلت لأب ما: ساعدنا على تربية أولادك، قال ~~لي: هذا شغل أمهم يا أستاذ، أنا مشغول في أعمالي من الفجر إلى النجر. ~~- والليل يا سيدي؟ ~~- الليل للسهرة والتفريج عن النفس. ~~- والبيت يا مولاي ألا يفرج عنك فيه وجه زوج من ملكات الرحمة، ووجوه فتيان وفتيات كأنهم ~~ولدان وحور الجنان؟ قلت لي إنك تتعب وتشقى طول النهار، فاسمح لي أن أسألك: أين تذهب جنابك؟ ~~ألست تهدره في تلك القهوة، وذاك المرقص، وهذا النادي؟ ألست تضيعه على الموائد الخضراء؟ ~~ألست تطرب لليل طرب الصيام إلى أذان المغرب؟ # تدخل بيتك من باب غربي لتخرج من باب شرقي، وتترك قعيدة بيتك في جهنم أولادها، فهم لا ~~يهابونها لأنك تزدريها، ولا يخافونها لأنك تحتقرها. # وإذا سهرت ليلة في البيت لبست وجهك بالمقلوب، ورحت تتغضب على امرأتك وبنيك وبناتك، لا ~~يعجبك العجب، تحتج على كل شيء، وتخلق الأسباب لتغادر البيت بسلام إلى القمار، إلى تصيد ~~الغواني، إلى السكر؛ لتعود في آخر الليل منطفئا تقبل ذا الجدار وذا الجدار، والويل ~~لبنت الحلال إن لم تبق ساهرة حتى تجيء! أنت تلهو بالطقش والفقش، وهي ساهرة واجمة تنتظر ~~تشريفك يا صاحب الوفاء، ثم تستلقي على فراشك بثيابك وحذائك، ms169 وإذا استيقظ بنوك على زعاقك ~~وبعاقك فهناك البلوى، إنهم يتلقون عنك أنفع الدروس يا خواجة! وإذا استيقظت في الغد رحت ~~تتمطى عشرات المرات، وبعد تردد تزج جسمك في ثيابك، لتنصرف إلى القهوة وتقعد حد ~~الشباك تسرح نظرك لعله يقع على طريدة أيها الصياد الماهر. أما زوجتك المسكينة فلها ~~الله، تسافر خلفك عيناها حتى تختفي عنها في جيوب الشوارع، وإذ ذاك تتنهد وتهتف من غير قصد ~~وبدون شعور: يا خالتي، ملي الجرة ... # صبرا جميلا يا سيدتي، جاءني زوجك أمس إلى المدرسة قبل أن يتوجه إلى الخمارة ~~ويستفتح ... وقبل أن يقع على زبون يلعب معه الطاولة أو يقامره، نعم، مر على المدرسة وقال ~~لي: الأولاد لا يشتغلون في السهرة، لا يدرسون ولا يكتبون، نبه الأساتذة لكي يعطوهم ~~فروضا. # فقلت له: أشكر لك هذه الملاحظة، هذا واجبنا، اليوم أرى أولادك وأسألهم، وسأسأل أساتذتهم ~~عنهم. وفي الوقت المناسب يا سيدتي دعوت بنيك الثلاثة وسألت كبيرهم: لماذا لا تدرس ولا تكتب ~~في البيت؟ # فأجابني: اسأل المعلمين عني. # فملت عنه إلى الثاني وأنا أقول في نفسي: لعله هذا الذي يعنيه أبوه، فتململ الفتى وفتح ~~فمه ليقول شيئا، ثم أطبقه وأطرق إطراقة مكظوم وفرت دمعة من عينه. # فقلت للصغير: يظهر أنك أنت الذي يشكو منك أبوك. # فحدق إلي وقال: ومن أين يعرف والدي إذا كنت أكتب فرضي أو لا أكتبه؟ وما يدريه إن كنت ~~أفتح كتابي أو لا أفتحه؟ # فقلت له: أبوك أعمى يا ابني؟! # فقال: لا سمح الله! ولكنه لا يرانا ولا نراه فيجيء إلى البيت وأنا نائم، وأجيء أنا إلى ~~المدرسة وهو نائم. # قلت: إذن لا تلتقيان. # قال: بلى، إذا بكر في المجيء، ولكن بدون نتيجة. # قلت: وكيف بدون نتيجة؟ # وسكت الصبي فألححت عليه، وهم بالكلام فسد أخوه بوزه بيده. # وأخيرا قلت له: خبرني يا فريد فلعلي أنفعكم بشيء. # فقال الصبي: أستحي أن أخبرك عن والدي، ولكن أهجي لك. # قلت: هج، منك حرف ومني حرف. # فضحك الفتى وضحك أخواه، فتجرأ وقال: س، فقلت: ك؟ فقال: ms170 نعم. ر، فقلت: ألف، وقال: ~~ن. # فقلت : ما شاء الله! هذا هو رب البيت الذي يطلب منا تهذيب أولاده، يريد منا أولادا ~~مهذبين وهو كما وصفه ابنه، ومع ذلك إذا رأى بنيه لا يتعلمون يأتي المدرسة بكل وقاحة ~~ويتساءل أمامنا: لا أدري على من طلع هذا الصبي؟! # خرج عليك يا سيدي، الديك الفصيح من البيضة يصيح، إن من يتخرج من مدرستك هيهات أن ~~يستفيد عندنا، فإذا شئت أن يكون لك أولاد صالحون فأصلح نفسك، الأم وحدها لا تربي، واعلم ~~أنك لا تستطيع أن تحمل بطيختين بفرد يد. فأما ملذاتك وشهواتك، وأما تربية بنيك ~~وبناتك، التربية تكون بالمثل، فالزم بيتك واسهر على تربية أسرتك، ومتى رأوك تفتش خزانتها ~~قبل أن تتوجه إلى السبق وغيره، تعلموا منك هذه الفضيلة، وإذا رأوك تزدري أمهم أمامهم ~~ازدروك وازدروها واحتقروكما معا. # رشادك يا سيدي، خذ حذرك يا صاحبي، أما بلغك بعد أن المرأة أعطيت حقوقها، فقد مضى ~~الزمن الذي كنت تتعنفص فيه لأنك رجل، ستمشيان معا بعد غد، رجلها ورجلك إلى صندوقة ~~الاقتراع فتنتخب هي كما تنتخب أنت، وقد تصير هي نائبة ولا تصير أنت، وهناك النائبة العظمى، ~~فدارها ما دمت في دارها. # قالت لي إنك أنفقت ثروتها على ملذاتك، ثم زهدت بها حين أفلس وجهها وجيبها، فحاسب ذمتك ~~يا صاحب، أما وقد أكلت المال فلا أقل أن تترفق بالحال ... إن الأبوة حمل ثقيل حتى ~~على الحيوان الأعجم، فكن على الأقل كذكر النعام إذا كنت لا تريد أن تكون إنسانا ... ~~وإلا فلا تطمع بالبنين الصالحين، فالابن سر أبيه. # العوسج يا أفندي لا يطعم تينا ولا القطرب عنبا، ما لك علي يمين ومع ذلك أحلف لك ~~أنني أحكم على الآباء والأمهات من مراقبتي أبناءهم، إني أعرف البيت من مسلك ~~الأولاد. # قد تتساءل وتقول: ما لهذا الواعظ، أهو خال من العيوب؟! لا يا أخي، ولكني لا أطلب من ~~أولادي إلا ما أكلف به نفسي، لا أغرق بالأوحال حتى ركبتي وأقول لهم: توقوا الوحل يا ~~أولاد. # أنا لا ms171 أطلب منك أن تكون حبيسا في صومعة ، ولكن أمن العدل أن تحبس زوجتك في قفص وتفرفر ~~أنت؟ # إني أطالبك بما ألزمت نفسك به حين قيدت نفسك، فلو كنت أعزب لنجوت من هذا التوبيخ، ~~وأما أن تتزوج وتخلف وتصير أبا وجدا وتظل راكبا على رأسك فهذا كثير، فالله أسأل ~~أن يهديك أو أن يقصر مدى غوايتك، فبطن الأرض خير لك من ظهرها. # | الشباب التائه # صح النوم أيها الساهي في ليالي المقاهي والمراسح، أمامك الكأس وإلى جانبك حسناء (سكوند ~~هند) تغريك وتغويك، ألهذا اللهو وحده خلقت؟! ومن قال لك إن الحياة لهو فقط؟ أتجهل أن ~~للإنسانية عليك ديونا مستحقة، وللوطن فروضا لا بد لها من وفاء؟ # هب أنك أعلنت إفلاسك لتأكل هذا الدين العام، فكيف تهرب من الدين الخاص؛ دين أم ~~سهرت عليك ودين أب جاهد وكد ليصير ابنه رجلا؟ ولنفرض أنه لا يهمك أمر غيرك أفلا تعلم ~~- هداك الله - أن من يكلل شبيبته بالورد يكلل شيبته بالشوك، ومن يزرع الكسل والطيش ~~يحصد الخيبة والذل؟ فاستفق - يا رعاك الله - من سكرة الجهل، فمستقبلك يظل مظلما إذا لم ~~ينبثق نجم اجتهادك، اخلع عنك ثوب التواني واعمل، وإذا لم تنفع ذويك فلا أقل من أن لا ~~تظل عيلا عليهم. # المستقبل طريدة لا يقتنصها إلا الجاد الكادح، فهل نلام إذا أيقظناك من رقدتك؟ فلو أننا ~~بقينا في جنة عدن متنعمين بأطايب تفاحها ورمانها وعنبها وتينها، لضربنا على غير هذا ~~الوتر من أوتار عود الحياة، ألسنا في عصر الجوخ لا ورق التين؟ # ولو كنا لا نزال نعيش في عصر البداوة، لما حذرنا أحدا من الشبان وحثثناه على ترك ~~العبث والمجون. # ولو كنا في أرض تدر علينا لبنا وعسلا، وكان لنا موسى ثان له رب يمطر المن ~~والسلوى، لكان لنا سلوى عن العمل، ولكن هذاك عصر مضى وراح، وعقبه هذا العصر الذي تفنن به ~~الإنسان في أعماله، فكثرت مطالب الناس واقتضتهم المدنية الحديثة ما لم تطالب به جدودهم، ~~فلماذا لا يكون وقتك مقسما على حد قول المثل: ms172 «ساعة لك وساعة لربك»؟ # كان للهو حظ كبير في الزمن الخالي، كانت الجارية تعزف على العود وتنفخ في المزمار من خلف ~~ستار، وكان الناس يقولون ما هذا؟ أما اليوم فنراهن على الملاعب أسرابا وقد نضب ماء ~~الحياء من وجوههن، يأتين على أعين الناس أشياء تصبي وتغوي، فصارت المسارح والسينماءات ~~فخاخا تصطاد بها الناس، وشباكا تطرح في طرق الشباب، فالشاب الذي يستطعم مرة هذه المشاهد ~~لا يحجم عن أن يثني ويثلث حتى يعتادها وتمسي شغله الشاغل، يضيق صدرا بالنهار ولو ~~قصيرا، ويتمنى أن يدوم له الليل ولو جاءه منه ألف ويل ... وكم سمعناهم يرددون معتزين ~~مبتهرين: الليل لنا. # نعم، الليل لكم، والله أسأل أن يدرككم الصبح وفيكم بقية مما حبتكم به الحياة من نشاط ~~وعزم ...! # ولو كنا نقنع بحضور ساعة لكانت المصيبة أخف، ولكن بين شبابنا فريق يسهر الليل وينام ~~النهار، ومتى استيقظ يبرز بأبهى زينة ويسير توا إلى القهوة، وهناك يصرف بقية نهاره ~~لاعبا مقامرا ينتظر المساء. # وطالب العلم ينيم كتبه نومة أهل الكهف، ويسرع إلى تلك الدور حيث يسبح في جو الخيال، ~~ويطير قلبه مع كل نغم، أقلامه في غرفته تحن إلى مصافحة الطرس، وجنابه تائه النظر شارد ~~الفكر وراء ظبية الأنس. # أما الشاب المعروف باسم «شمام هوا قطاف ورد»، فإنه يشرف الملاهي كل ليلة. ما سمعت ~~الطلاب يشكون غلاء الكتب، ولكنهم يشكون غلاء سعر السينما، ليس لأن الكتب رخيصة بل لأنهم ~~أمسوا لا يسألون عنها. والأمر الذي يبكي هو أن بعض فتياننا يشتركون في هذه النوادي ~~اشتراكا شهريا كما يشترك الأدباء منهم بالجمعيات والمكتبات، وهل تتعجب إذا قلت لك إنني ~~سمعت أحدهم مرة يتبجح زاعما أنه اقتصد بهذا الاشتراك فربح كذا وكذا ...؟ إنه يتباهى ~~بحنكته هذه، فيا له ذكاء يرفع صاحبه إلى أسفل! # هذه بعض جراثيم الأمراض التي فشت في بلادنا، وتلك حال الكثيرين من أولادنا، وستأتي ساعة ~~يندمون فيها كما ندم غيرهم على بيع زهرة العمر بيع السماح في أسواق اللهو، إنهم سوف ~~يتذكرون أيام الشباب حين ms173 يلم برأسهم ذلك الضيف غير المحتشم، وتثقل عاتقهم وطأة ~~السنين. # وإذا وقفت بوجه أحد هؤلاء السادرين الجامحين، ورخصت لنفسك زجره وردعه، صاح بك: أنا حر ~~يا سيدي، أنا بالغ رشيد وغني عن وعظك، فأتحف سواي بآيات نصحك الذهبية. # نعم يا عزيزي أنت حر، أنت بالغ كما قلت، ولكنك والله غير رشيد؛ ولهذا ترفض النصيحة التي ~~كانت في الزمن الغابر بجمل، ثم تملأ فمك بكلمة «أنا حر» لأنه لم يبلغك قول الشاعر: # يا رقيقا لذات خصر رقيق # برئت منك ذمة الحرية # أنت حر إذا كنت تتنعم وتنفق مما جنيت، وأما إن تبدد ما جمعه أبوك وجدك فأنت عبد ~~أي عبد، عبد لشهواتك وميولك، عبد لنزوات الشباب التي جرك إلى حمأتها حنو أمك وعطف ~~أبيك، ولو أنصفا لتركاك تقلع شوكك بيدك، فتقلع إذ ذاك عن هذا الجنون. # فلولا هذه البطالة التي أنت فيها، واليسر الذي متعك به أبواك لما اجتمعت فيك هذه ~~المعايب: القمار والسكر والمجون ... # وما بلغت إلى هنا حتى دخلت علي آنسة عانس، أنثى جنت عليها كبرياؤها وعويناتها السوداء ~~التي نظرت من خلالها إلى الشباب الطامعين بمالها وجمالها وعلمها، الآنسة بعد أن كانت «برسم ~~الزواج» مدة انتزعت تلك الفكرة من رأسها وحل محلها حب الأدب، وقديما قالوا: أدركته حرفة ~~الأدب. # قالت الآنسة حين شقت الباب دون أن تحيي أو تسلم: في ساحة من أنت نازل ~~اليوم؟ # فقلت على الفور: في ساحة الشباب يا آنستي. # فابتسمت ابتسامة كالإجهاشة، فعلمت أنها أدركت مجاملتي لها، ثم قالت: ليس الحق على البنات ~~كما توهمت هذه المرة، لقد ضعف الإيمان بالزواج، فشباب اليوم كالعابور الذي يظهر في أيام ~~الربيع ضعيفا هزيلا لأنه قطع البحر، فلا يصدق حين يبلغ الشط أنه رأى عودا قائما ~~ليقع عليه، تلك حالة شباب هذا الزمن، فهم لا يفكرون بالزواج إلا بعدما يقطعون مسافات من ~~الحياة ينهك قواهم قطعها ... وأما البنات فهن في غرفة الانتظار والرازق الله؛ هذا قصير، ~~وهذا طويل، وهذا غني لكنه جاهل، وهذا ابن بيت ولكنه قبيح الشكل، ms174 وهذا ملائم جمالا ~~وشبابا وعلما ولكنه ليس من أصهارنا ... وذاك شاب غني ولكن عينه شاردة، وهذاك يكد ~~ويعمل ولكنه يبدد في سهرة ما يجمعه في شهر، ناهيك أنهم جميعا يريدون العصفور وخيطه: ~~المال والعلم والجمال. # وهناك حجارة جديدة توضع في طريق الزواج وهي خفة رأس البنات، فلو اعتصمن في بيوتهن، ~~وضربن حولهن أسلاكا شائكة مكهربة فلا يدخلها إلا طالب زواج حقيقي، لما حصل ما نراه ~~ونسمعه كل يوم من عقد خطبة ثم حلها بعد أيام. # ينسب إعراض الشباب عن الزواج إلى كبريائنا، فأي زواج ترتجي بعد مساواة المرأة والرجل في ~~الحقوق السياسية؟! أفلا تظن أننا واصلون إلى وقت تخطب فيه البنت الشاب بعدما كان يخطبها ~~هو؟! # فنصيحتي لك ألا تحاول حل هذه المعضلة الشائكة، فالأنثى أقبلت على الزواج حين كانت أبواب ~~الرزق مقفولة بوجهها، أما اليوم وقد صارت في مأمن من ضيق العيش، فهي تؤثر العمل على حجز ~~حريتها. # قلت: ولكن أنسيت يا آنستي أن في الدنيا شيخوخة؟ وأن للأبوة والأمومة لذة تفوق ~~لذة الفرفرة والثرثرة، أما خلقنا الله لنتعاون؟ # قالت: نعم، ولكن هذا التعاون الذي كان قد قضت عليه المساواة في الحقوق، والمخلوق الذي له ~~رأسان هو مسخ عجيب، انتظر المشاكل الكبرى عند كل انتخابات، من المختار إلى عضو البلدية ~~إلى النائب، سوف ترى إذ ذاك كل بيت مقسوما على نفسه. # فقلت: وهل عندك حل لما تنذرين المجتمع به؟ # قالت: نعم، فإما السياسة وإما العائلة، فعلى من تطمح إلى السياسة أن تنصرف عن شئون ~~البيت. # فقلت: ولماذا تتشاءمين؟ فهذا الرجل ألا يعالج الشئون الأخرى وشئون بيته في وقت ~~واحد؟ # فأجابت: لأنه كان متكلا على الأم، ولا أم بعد الآن. # فقلت: وهل تظنين أن جميع النساء ينصرفن إلى السياسة؟ # فقالت: ولا كل الرجال، ولكن لكل جديد حلاوة. ثم نهضت لتودع. # فقلت لها: ألف شكر لك، لقد كملت موضوعي وإن انحرف قليلا عن السمت الذي كان فيه، قال ~~المثل العربي: «في بيته يؤتى الحكم»، وأنت حكم جاء إلينا وأفتانا غير مأجور. ms175 # كنت ألوم الرجل، وها أنت تلومين المرأة ، ولكل شيء آفة من جنسه. # | ارع الجار ولو جار # رعي الذمم وحفظ الجار سجية عربية أصيلة، كانت أولى مفاخر الجاهلية وعنوان السيادة ~~وشعار النبل، بها يعتدون في مجالسهم، وحكاياتها تدور على ألسنتهم، فهذا كليب يجير ~~قبرة عششت في حماه، ويناديها مهدئا من روعها حين طارت من أمامه: # يا لك من قبرة بمعمري # قد ذهب الصياد عنك فأبشري # خلا لك الجو فبيضي واصفري # ونقري ما شئت أن تنقري # فأنت جاري من صروف الحذر # إلى بلوغ يومك المقدر # رعى جوار تلك العصفورة فقتل الناقة المشئومة التي دعست بيضها، ثم قتل هو بتلك الناقة ~~فذهب شهيد كلمة خرجت من فمه، وأشعلت الأنفة العربية حربا دامت أربعين عاما حتى قيل في ~~أمثالهم: أشأم من ناقة البسوس! # وإذا تقدم بنا الزمن قليلا سمعنا السموءل الشاعر المشهور في تاريخ العرب يصيح بملء ~~فمه: # تعيرنا أنا قليل عديدنا # فقلت لها إن الكرام قليل # وما ضرنا أنا قليل وجارنا # عزيز وجار الأكثرين ذليل # وبعد فترة من الزمن قال الأعشى في وفاء السموءل - الذي ضرب به المثل - قصيدة رائعة، ~~خيروا السموءل بين سلامة ابنه وبين تسليم أدراع امرئ القيس فقال بلسان الأعشى: اقتل أسيرك ~~إني مانع جاري. # وجاء الإسلام فأوصى بالجار، وقال الله في كتابه العزيز: # وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره # كما قال السيد المسيح من ~~قبل: «أحبب قريبك كنفسك.» # وأبو تمام حين وقف يبرر إحراق الأفشين في الأشهر الحرام استعان بالجوار فقال في ~~الخليفة: # ملك غدا جار الخلافة فيكم # والله قد أوصى بحفظ الجار # ما كان لولا فحش غدرة حيدر # ليكون في الإسلام عام فجار # وهذاك امرؤ القيس أما رووا أنه قال: # أجارتنا إنا غريبان ها هنا # وكل غريب للغريب نسيب # والفحول الثلاثة الذين تناطحوا حول حوض المثالب لم يجدوا عارا يصم به بعضهم بعضا أعظم ~~من الغدر بالجار، فقال جرير يعير الفرزدق: # قتل الأجارب يا فرزدق جاركم # فكلوا مزاود جاركم وتمتعوا # لو حل جاركم إلي منعته # بالخيل تنحط والقنا ms176 يتزعزع # فرد الفرزدق عليه صارخا: # ترى جارنا فينا يجير وإن جنى # فلا هو مما ينطف الجار ينطف # ويمنع مولانا وإن كان نائيا # بنا جاره مما يخاف ويأنف # كما قال مفتخرا في قصيدته الثانية المسماة ب «الفيصل»: # جار إذا غدر اللئام وفى به # حسب ودعوة ماجد لا يخذل # وشاركهما الأخطل في هذا الميدان فقال يسب قوم جرير: # قبح الإله بني كليب إنهم # لا يحفظون محارم الجيران # وإذا تركنا الشعر ورحنا نروي الكلام المأثور سمعنا معاوية يقول: «المروءات أربع: العفاف ~~وإصلاح المال وحفظ الإخوان وإعانة الجيران.» # وفي العصر العباسي يقدس الرشيد الجوار ويبالغ في تعظيمه حتى يقول: الجوار ~~نسب. # وإذا عدنا إلى الشرع رأيناه يولي الجار حقا عظيما ويعنى به، فيجعل الأولية للجار في ~~المبيع، وهذا ما يعرف حتى اليوم ب «الشفعة»، وبناء على حرمة الجوار العظمى جعل النحو ~~للجوار حقا، فالعامل أحق بالمعمول المجاور له، فهو الذي يأخذه لأن الجار أحق ~~بجاره. # وإذا تركنا الكتب وتقصينا ما يدور على ألسنة العوام من أمثال، سمعنا هؤلاء يقولون ~~ممتدحين الجار: «جارك القريب خير من أخيك البعيد.» و«جار الرضا.» و«الجار ركن الدار.» ~~«هيئ الجار قبل الدار.» كما يقولون أيضا: «البغض بين الأقارب، والحسد بين ~~الجيران.» # كذلك كانوا يوم كانت البيوت نقالة، أما اليوم وقد أصبحت البيوت مسمرة في أماكنها لا ~~تحول ولا تزول، فما علينا إذا أردنا أن نعيش مطمئنين هانئين إلا أن ننسجم مع من نجاور ~~لنقاوم بهم ما يعترض سبيلنا من عقبات. ولكن ذلك التآلف قضت عليه مشاغل الأعمال، وحال الركض ~~وراء المادة بيننا وبين الائتلاف مع جيراننا، فرب جارين - حيث تتراكم الأعمال - لا يعرف ~~بعضهم بعضا! # زرت مرة صديقا لي، وفي بحر الحديث قلت له: فلان جارك؟ # قال: نعم، جاري. # فقلت: أحب أن أزوره، فهل ترافقني؟ # فأجاب: لا تزاور بيننا. # قلت: عجيب، ومن تزور إذا كنت لا تزور جارك؟! # فقال: ثقال الدم، زيارتهم مزعجة. # فقلت: أهم أثقل وأزعج من المصيبة، فمن يشاركك في حملها غير جارك؟ ومن يكون أول راكض إلى ms177 ~~بيتك متى حلت؟ # وهب أن زيارته زبار يا سيدي، فهي أخف من النكبة في كل حال. # وكانت زوجته تصغي إلينا وأبت إلا أن تدس أنفها، ومضت تكيل لجيرانها القدح والذم ~~بالمد، كأنها لا تعرف إلا المكاييل القديمة. # لقد تغيرت أساليب الحياة، كان الإنسان فيما مضى يرحل متى شاء، ففي ساعة زمان يهدم بيته ~~ويبنيه حيث يشاء، أما قال طرفة يخاطب ابن عمه: # فدعني وشأني والذي أنا فاعل # ولو حل بيتي نائيا عند ضرغد # أما اليوم فكيف نستطيع أن ننأى؟ إننا مسمرون كما قلنا، فما علينا إلا أن نتآلف ~~ونتعاضد ونتكاتف لنعيش في هناء وسلام ولا تهيج صدورنا أتفه التوافه، قال مثلنا: «جارك الذي ~~تصبحه وتمسيه، كيف تقدر تعاديه؟» # لقد أصبحت العمارة الواحدة تضم أسرا عديدة، أفما على هذه الأسر أن تتسالم وتحافظ على ~~راحة بعضها؟ أليس على الذي في الطابق الفوقاني أن يتئد في سيره فلا يزعج من هم تحته؟ الجار ~~أمسى اليوم قعيد البيت، فكم علينا من واجبات نحوه؟ # أما علينا أن نلجم الراديو ولا ندعه ينهق كالحمار المربوط في الساحة يغني بأعلى ~~صوته نشيد الغرام لكل أتان تلوح له؟ # أما علينا أن نحافظ أشد المحافظة على آداب اللياقة فلا يشمئز من هم فوقنا وتحتنا من ~~تصرفاتنا؟ ليت شعري علام يختلف الجيران ويتنافرون، أليس على مثل هذه الأمور التافهة؟ فلولا ~~تحاشيناها لجنبنا أنفسنا شرورا كثيرة. # نام أمير - لا أذكر اسمه - عند المأمون، فكان الخليفة العظيم يكم فمه بلحافه إذا أخذه ~~السعال لئلا يزعج ضيفه، ثم عطش المأمون فقام يمشي على رءوس أصابعه لئلا يوقظ جاره. # فمن منا اليوم يفعل مثل هذا؟ «ارع الجار ولو جار.» هكذا قال من نفتخر عليهم اليوم ~~بمدنيتنا، مع أنهم كانوا أرعى منا لجيرانهم؛ لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، فأين كنا وأين ~~صرنا؟ # اقتتل في قريتنا جاران، فهاجر أحدهما إلى أمريكا تاركا أمه المريضة في البيت، وفي إحدى ~~ليلات كانون الممطرة سقط جذع من سقف بيتها، فكان أول من أسرع إلى نجدتها خصمه، واحتمل ms178 ~~البرد القارس والمطر الغزير، وما انفك حتى وقاها من خطر محتم، أما أقرب الناس إليها ~~فما دروا بما حل بها إلا ثاني يوم. # هذا ما قلته في الجوار، وقس على ما قيل ما لم يقل، واللبيب من اتعظ. # | العفو حبيب الله # لولا استسلام الناس لغيظهم وغضبهم لما كان في الدنيا شر، ولو اتسعت صدورنا ما خربت ~~دورنا، فرب غضبة يليها من الشرور ما لم يكن في الحسبان، أما تقول لجليسك إذا احتد أو ~~احتدم: خذنا بحلمك؟ فترى أن هذه الكلمة أطفأت نار صدره المتأججة، وأغنت عن تكاليف ~~كثيرة. # تدوس خطأ رجل إنسان في الطريق، فيقف ليرد لك الكيل كيلين، حتى إذا ما قلت له بلطف ~~عفوا يا أخي أو يا سيدي، أجابك: لا بأس، ويمضي كل منكما في طريقه وينتهي كل شيء، فهذه هي ~~الكلمة التي يجب أن نعلمها أبناءنا حين يشبون عن الطوق، فهي أمضى سلاح في معترك ~~الحياة. # فالكتاب العزيز يعلمنا، بل يأمرنا بقوله: # خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~. # يظهر أن العفو سجية من سجايا العرب الأولى؛ ولذلك مدح بها الشعراء كل ذي فضل. كنت ~~فيما مضى أستشهد بأعاظم من كل الشعوب، أما هنا فسأتكلم عن هذه المكرمة العربية مؤيدا ~~ما أزعم بما أثر عن العرب من أحاديث تدل على محبتهم للعفو وتنافسهم فيه، وكم في القديم ~~من عبر ودروس للمعاصرين! وربما كان الميت أوعظ لنا من الحي، فالدرس الذي نعلمه بصورة ~~إيجابية لا يؤدي الفائدة التي تؤديها الدروس الإخبارية، فمن طبيعة الإنسان التشبه بمن ~~سبقوه، وهكذا تتأصل أخلاق الشعوب. # وأشهر من اشتهر بالعفو في الخلفاء كان المأمون، الذي قال عن نفسه: لقد حبب إلي ~~العفو حتى إني أخاف ألا أثاب عليه، وقال أيضا: لو علم أهل الجرائم لذتي في العفو ~~لارتكبوها وتقربوا إلي بالجنايات. # وعمرو بن العاص - وهو المشهور بصلابة العود مع دهاء - روي أنه ركب بغلة له شهباء ومر ~~على قوم، فقال بعضهم: من يقوم للأمير فيسأله عن أمه وله عشرة آلاف؟ فقال واحد ms179 منهم: أنا، ~~وقام وأخذ بعنان بغلته وقال: أصلح الله الأمير! أنت أكرم الناس خيلا، فلماذا ركبت دابة ~~اشهاب وجهها؟! # فقال ابن العاص: إني لا أمل دابتي حتى تملني. فقال الرجل: أصلح الله الأمير! أما ~~العاص فقد عرفناه وعلمنا شرفه، فمن الأم؟ # فكظم ابن العاص غيظه وقال: على الخبير سقطت، أمي النابغة بنت حرملة بن عزة سبتها رماح ~~العرب فبيعت، فاشتراها عبد الله بن جدعان وزوجها للعاص بن وائل فولدت وأنجبت، فإن كان قد ~~جعل لك جعل فارجع وخذه. # أما معاوية فأشهر من عرف بالعفو حتى ضرب به المثل وقالوا: حلم معاوية. وحوادث عفوه ~~وحلمه تكاد لا تحصى، وما نذكر هنا إلا كبيرة تدل على سعة صدره وبعد نظره وكيفية حله ~~للمشاكل الخطيرة. # قالوا: كان لعبد الله بن الزبير أرض، وكان له عبيد يعملون فيها، وكان إلى جانبها أرض ~~لمعاوية وفيها أيضا عبيد يعملون فيها، فدخل عبيد معاوية في أرض ابن الزبير، فكتب هذا إلى ~~معاوية يقول: أما بعد، يا معاوية، إن عبيدك قد دخلوا في أرضي فانههم عن ذلك وإلا ~~كان لي ولك شأن. والسلام. # أسمعت هذه الرسالة الجافة؟ إنها تهديد للخليفة وإنذار بقتال! ولكن ابن حرب الذي حمل ~~أثقال الدولة قبل وبعد لم تهجه هذه الرسالة، بل قرأها ودفعها إلى ابنه يزيد، حتى إذا ما ~~قرأها قال له معاوية: يا بني، ما ترى؟ # قال يزيد: أرى أن تبعث إليه جيشا يكون أوله عنده وآخره عندك، يأتونك برأسه، فأجاب ~~معاوية: بل غير ذلك خير منه، ثم أخذ ورقة وكتب فيها جواب كتاب عبد الله بن الزبير يقول فيه: # أما بعد، فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وساءني ما ساءه، ~~والدنيا بأسرها عندي هينة في جنب رضاه، نزلت عن أرضي لك فأضفها إلى أرضك بما فيها ~~من العبيد والأموال. والسلام. # فلما قرأ ابن الزبير هذا الكتاب كتب إليه: # قد وقفت على كتاب أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، ولا أعدمه الله الرأي الذي ~~أحله من قريش ms180 هذا المحل! والسلام. # وقرأ معاوية هذا الكتاب ودفعه إلى ابنه يزيد، فلما قرأه تهلل وجهه، فقال أبوه: ~~يا بني، من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب، فإذا ابتليت بشيء من هذه ~~الأدواء فداوه بمثل هذا الدواء. # فكم من دماء تسفك من أجل شبر أرض! ولو عقل المعتدي والمعتدى عليه لقابلا هذا التعدي ~~بصدر رحب واقتدوا بمعاوية ولم يقتتلوا على حطام الدنيا التي لا تساوي كلها نقطة دم، ~~فالعفو يجب أن يكون سلاحنا في حرب المعاش. # وأمر زياد ابن أبيه بضرب عنق رجل، فقال الرجل: يا أيها الأمير، إن لي بك حرمة، فقال ~~زياد: وما هي؟ # فأجاب الرجل: إن أبي جارك في البصرة. # فقال زياد: ومن أبوك؟ فقال الرجل: يا مولاي، إني نسيت في هذه الساعة اسم نفسي، فكيف لا ~~أنسى اسم أبي؟! # قيل: فرد زياد كمه على فمه وضحك وعفا عنه. # وأمر مصعب بن الزبير بقتل رجل، فقال له ذلك الرجل: ما أقبح بي أن أقوم يوم القيامة إلى ~~صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطواقك وأقول: أي ربي، سل مصعبا ~~لماذا قتلني. # فقال: أطلقوه، فلما أطلقوه قال: اجعل أيها الأمير ما وهب لي عفوك من حياتي في خفض ~~عيش، قال مصعب: قد أمرت لك بمائة ألف درهم. # وكان الخلفاء يتنافسون في العفو، وكانت بطانتهم من أهل الخير، فكانوا يمهدون أمامهم ~~السبيل، ومن ذلك ما جرى لعبد الملك بن مروان: غضب عبد الملك على رجل فقال: والله لئن أمكنني ~~الله منه لأفعلن به كذا وكذا. فلما صار بين يديه قال له رجاء بن حيوة: يا أمير ~~المؤمنين، قد صنع الله ما أحببت، فاصنع ما أحب الله، فعفا عنه وأمر له بصلة. # وقال أبو ذر الغفاري الصحابي الصالح لغلام له: لم أرسلت الشاة على علف الفرس؟ فقال ~~الغلام: أردت أن أغيظك، فأجابه أبو ذر: لأجمعن مع الغيظ أجرا، أنت حر لوجه الله ~~تعالى. # وروي أن رجلا شتم رجلا فقال: يا هذا لا تتماد في ms181 سبنا ودع للصلح موضعا، فإني ~~أبيت مشاتمة الرجال صغيرا فلن أجيئها كبيرا، وإني لا أكافئ من عصى الله في بأكثر من ~~أن أطيع الله فيه. # وسب رجل الأحنف وهو يماشيه في الطريق، فلما قرب من المنزل وقف الأحنف وقال له: إن كان ~~قد بقي معك شيء فهات وقله ها هنا، فإني أخاف أن يسمعك فتيان الحي فيؤذوك ونحن لا نحب ~~الانتصار لأنفسنا. # والأحنف هو الذي يقول: إياكم ورأي الأوغاد! قالوا: وما رأي الأوغاد؟ قال: الذين يرون ~~الصفح والعفو عارا. # وقال الرشيد لأعرابي: بم بلغ فيكم هشام بن عروة هذه المنزلة؟ # قال: بحلمه عن سفيهنا، وعفوه عن مسيئنا، وحمله عن ضعيفنا، لا منان إذا وهب، ولا حقود ~~إذا غضب، رحب الجنان، سمح البنان، ماضي اللسان. # قيل: فأومأ الرشيد إلى كلب صيد كان بين يديه وقال: لو كانت هذه الصفات في هذا الكلب ~~لاستحق بها السؤدد. # وروي عن جعفر الصادق أن غلاما له وقف يصب الماء على يديه، فوقع الإبريق من يد الغلام ~~في الطست، فطار الرشاش في وجهه، فنظر إليه جعفر نظر مغضب، فقال الغلام: والكاظمين الغيظ، ~~قال: قد كظمت غيظي، قال: والعافين عن الناس، قال: قد عفوت عنك، قال: والله يحب المحسنين، ~~قال: اذهب، فأنت حر لوجه الله تعالى. # هذا ما نرجو أن يكون لنا منه شيء، فإذا عفونا وغفرنا الإساءة ولم نقابلها بمثلها قضينا ~~العمر هانئين، ولأجل مثل هؤلاء قال الشاعر: # وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم # إن التشبه بالكرام فلاح # | كتم السر فلاح # السر كالزهرة، فإذا قطفت ذهبت معها الثمرة المرجوة، والسر قطب تدور حوله دواليب ~~الحياة فلا تقف، فإذا بحت بسرك إلى غير محب كتوم عوقت أمانيك عن الدوران، وأمسى سرك ~~عقارب تلسع وأفاعي تلدغ، فمن حبس سره في غيابات صدره بحيث لا يطل عليه أحد كفى نفسه شر ~~الخيبة والخذلان وحبوط المسعى؛ ولهذا جاء في الحديث الشريف: «واستعينوا على قضاء حوائجكم ~~بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود.» # فأخو الحزم هو من امتلك قياد سره، فلم يدعه يشرد، ms182 ولم يطول له فيرعى حول بيوت ~~الجيران، ومن يفتح على أعين الحساد سجل أفكاره ليطالعوه وينشروه على الملأ، فهيهات أن ~~يبلغ مأربا أو ينال غاية، فأمناء الأسرار أندر من أمناء الأموال، والسر حمل ثقيل لا ~~ينهض به غير الحازم من البشر، وليس بحكيم من يفضي به إلى كل إنسان، فكم جر البوح ~~بالأسرار من ويلات على الأفراد والجماعات! فالذين يجرون الأسرار إلى غاياتها، مسلمين ~~أعنتها إلى من لا يستطيع ضبطها؛ يسقطون في ميدان الكفاح، وهيهات أن ينهضوا من تلك ~~الكبوة. # فكم من دول طويت أعلامها وتحطمت سيوفها ودارت الدائرة عليها حين خانها أحد رجالها ~~وأطلع أعداءها على أسرار خططها! وكم من ملوك تناثرت تيجانهم وهدت عروشهم، إذ أذاع رجال ~~حاشيتهم أسرارهم! كل هذا يعلمنا أن للسر شأنا عظيما، وأنه من دعائم الحياة الكبرى، فإذا ~~تزعزعت الدعائم سقط البيت على من فيه وكانت العثرة التي لا تستقال، قال عمر بن عبد العزيز: ~~القلوب أوعية والشفاه أقفالها والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل إنسان مفتاح سره. # وما حكاية شمشون الجبار وصاحبته دليلة إلا أسطورة، ولكن الأساطير على ما فيها من غرابة ~~تعلم الناس ألا يبوحوا بأسرارهم فينخذلوا، وكم من أسطورة يجد فيها من يقرأ بين السطور ~~دروسا بليغة تغنيه عن الحقائق! بل كم من لعبة نتسلى بها في سهراتنا دون أن نعلم أنها ~~درس لنا! لست أنسى لعبة «اعمل مخزنك عبك» التي هزئت بها صغيرا، إلى أن علمتني الحوادث ~~كبيرا أن أجعل صدري مخزن أسراري. # وإذا سألنا شمشون الجبار: أما أنت الذي قتل ألف رجل بلحي حمار طري، فأين قوتك؟ أفلا ~~تستطيع أن تقطع هذه القيود الواهية؟ ألا تقدر أن تفلت من قبضة أعدائك وتعيد سيرتك الأولى ~~في البطش والنكاية؟ # إنه يجيبنا ولا شك: بحت لزوجتي دليلة بسر قوتي فجزت شعري من حيث لا أدري، فهنت على ~~أعدائي وصرت ألعوبة لهم. # من يجهل منا أهمية الجاسوسية في الحروب؟ فشمشون وصاحبته يمثلان الدول وجاسوساتها، فكم ~~هتكت الجاسوسات الحسان من أسرار شمشونية، فكانت الوسيلة العظمى لتغلب ms183 من يتجسسن لهم على ~~أعدائهم ! # نسمع كل يوم الأحاديث عن القنبلة الذرية وأسرارها، فهنا دولة تسدل على مصانعها ستورا ~~كثيفة، وترخي عليها سدولا أين منها سدول امرئ القيس التي شبهها بموج البحر، وهناك دولة ~~أخرى تحاول اكتشاف تلك الأسرار للتوفق إلى قوة جامحة تفني الأعداء جملة وتفاريق. # فلنحذر إذن أولئك الرواد الذين يطوفون حول بيوتنا ويدخلون مخادعنا ليكشفوا عوراتنا ~~ويطلعوا عليها أعداءنا، بل فلنتق ذاك الذي يرينا إخلاصا لا تشوبه شائبة، وفي قدر ~~صدره يغلي الحقد والحسد، فإذا قلت له: أريد يا جار أن أستودعك سرا فهل تقدر أن تكتمه؟ ~~فيجيبك بقول العجائز: عندي للسر بئر عميقة، حتى إذا ما فاز بأمنيته حمل سرك إلى أعدائك ~~وأحبط مساعيك، عبثا تحذره من الإفشاء، وإياك أن تصدقه ولو حلف ألف يمين، إن قولتك له: ~~هذا سر بيني وبينك، قد تكون دافعا له على إذاعته. فالسر على خفة محمله قلما ينهض به ~~أحد، إنه كالأمانة بل هو أعظم أمانة لا يحملها إلا المجمل بمكارم الأخلاق؛ ولذلك حضنا ~~الأولون على الكتمان بقولهم: «كل سر جاوز الاثنين شاع.» # فعلى من يبتلون بأصدقاء يذرون كلما طابت لهم الريح، أن يتكتموا، وأن يجعلوا على ~~أفواههم أقفالا، فمن الغلط بل من الشطط أن تبوح لمثل هؤلاء بسرك، فخير نصيحة لنا في مثل ~~هذه الحال هي أن نعمل بقول الشاعر: # احذر عدوك مرة # واحذر صديقك ألف مرة # فلربما انقلب الصد # يق وكان أعلم بالمضرة # وكأني بمن يسلم سره إلى غيره يقول له في تلك الساعة: ها قد صرت أسيرا لك، فارفق ~~بعبدك يا سيدي. # وبعد، فمن طبيعة الناس وفضولهم تسقط الأخبار ومعرفة الأسرار؛ ولذلك علموا بعضهم طرق ~~الحصول عليها من أقرب سبيل فقالوا: خذوا أسرارهم من صغارهم. # وإذا قلبنا الأسفار رأيناها ملأى بالنصائح الكثيرة التي تحض على كتم السر، وتعد من ~~يحفظه مثلا للذين وللواتي. # فهذا جرير يصف أم حزرة بحفظ السر واللسان فيقول: # ولا تمشي اللئام لها بسر # ولا تهدي لجارتها السبابا # وقال الأعشى قبله في هريرة: «ولا ms184 تراها لسر الغير تختتل.» # وقال بشار بن برد ينصح: «ولا تشهد الشورى امرأ غير كاتم.» أما ابن المقفع فله في ~~هذا أقوال تصلح دساتير يجب أن تعمل بها الناس لتتقي شرورا كثيرة. # وقالت العرب: «من أقبح الغدر إضاعة السر، فلا تستبطن إلا الثقات الأمناء.» وعندهم ~~أن إفشاء السر وإظهار الغدر وغيبة الأحرار وإساءة الجوار هي أربع من علامات ~~اللؤم. # كما أن هناك أربع خصال تدل على الجهل؛ وهي: صحبة الجهول وكثرة الفضول وإذاعة السر ~~واحتقار البر. # والعوام إذا أرادوا أن يمدحوا رجلا بكتمان السر والترفع عن الاغتياب قالوا: «لسانه ~~دافئ.» وليس من يشيع الدفء بين الناس كمن يرميهم بالعواصف والقر والزمهرير، إن من ~~يذري أسراره في مهب الرياح لهو كمن يطلق من قفصه طيرا يعز عليه أن يفارقه. # قال الجاحظ في وصف الكتاب: «هو أكتم للسر من صاحب السر.» وما ذاك إلا برهان على أن ~~كتمان السر ليس بالأمر السهل، فإذا طلبت بين الناس من لا يبوحون به فقد لا تجد في الألف ~~واحدا؛ لأن البشر مطبوعون على الثرثرة. # يتهمون المرأة بإذاعة الأسرار، وقد عرفت رجالا لا يتحدثون إلا بقال فلان وقالت فلانة، ~~وإذا فرغت جعبتهم من أسرار الجيران ينشرون ما في بيوتهم لأن ذلك من طبعهم ودليل على ~~ضعفهم. # فلنتق شر هؤلاء، وخصوصا إذا كانوا ممن لا يكتفون بالمتن، بل يعلقون عليه الحواشي ~~والذيول ... وقد صدق الشاعر الذي قال فيهم: # لي حيلة فيمن ينم # وليس بالكذاب حيلة # من كان يخلق ما يقول # فحيلتي فيه قليلة # وأخيرا فنحن لا نعني بالأسرار ذلك الكلام الذي يقال في جلسات يعقدها من لا مروءة لهم ~~للوقيعة بالناس، فتلك أصحابها جبناء ضعاف يطعنون في الظهور لا في الصدور، وعلينا أن نشهر ~~بهم ليتأباهم الناس، فليس ما يستودعونه صدور الآخرين إلا اغتيابا، وإنما نعني بالسر ذلك ~~الأمر الذي ينفعنا ولا يضر غيرنا، فهذا ما يجب أن ندفنه في قاع الأرض. # فلا تفتح يا أخي بابا تعجز عن إغلاقه، ولا ترم سهما لا تستطيع رده، وإن ms185 عاد فإلى ~~صدرك، وإذ ذاك يصح فيك قول الشاعر: «وإذا رميت أصابني سهمي.» # | إلى جندي # بان لي أنك متبرم بما صرت إليه كأنما كنت ترجو غير ما وقعت عليه، وكأنما الجندية في ~~نظرك - كما اشتممت من رسالتك - أحط منزلة مما كنت إليه تصبو وتطمح، ربما دار في خلدك أن ~~تهرق شبابك على حفافي كرسي ... فلا تقوم عنه حتى تترهل مثلي وتفتقد ماء شبابك فتجده قد ساح ~~تحت أرجلها، وتفتش عن نشاطك فتراه قد تسرب من ثقوب غربالها. # الله الله يا بني! لا لوم على المخضرمين مثلنا إن صغرت الجندية في أعينهم، قد نكون ~~غير مخطئين مثلك؛ لأن الجندية في عهدنا كانت رزقة من لا رزق لهم، كنا في لبنان مرقد ~~العنزة، لبنان البروتوكول، ولم نكن مثلكم في عصر الكفاح والجهاد، في العصر الذي تتجند فيه ~~المرأة والملائكة. # تقول لي: وأخيرا صرت جنديا ... كأنك تعني أنك بعدما تبحرت في دراسة آداب العرب والعجم ~~ونلت ما يسمونه البكالوريا، تأسف أن تكون العقبى ما كانت. # أما أنا فرأيي غير رأيك، ووجهة نظري تختلف جدا عن وجهة نظرك، أتوقع أن أراك مروضا ~~خشنا مطيعا، تسمع كلمة الآمر فتدور كخذروف وليد امرئ القيس، وتقبل وتدبر وتنحط من عل ~~كجواده، إن صوت جرس المدرسة رخيم، أما بوق الثكنة فنعار. سوف تشكو في بادئ الأمر، وقد ~~تسيل دمعا من خلائقه الكبر متى أضواك الليل، ولكنك ستكون رجلا إن صبرت، تصور الساعة ~~التي يزين بها هندامك بالشرائط الفضية والذهبية، وتلمع على صدرك نجوم المجد وبدور الشرف ~~فتصبح فلكا دوارا ... أحلم بمجد الجندية الذي يسير مع مجد الوطن جنبا لجنب تستمرئ فظاظة ~~المدرب وخشونة الآمر، فالوطن كله يتجسم فيك، في قلبه وعلى حدوده، فأنت الوطن والوطن أنت، ~~إن الجندية يا عزيزي هي المدرسة العملية تدخلها الآن بعد مدرستنا النظرية، ولك فيها دروس ~~قاسية كل واحد منها يروض بمقدار ألف درس من دروسنا. # شتان ما بين بيتكم والثكنة، فقد كنت لا تنهض إلا متى شئت، تستسلم للفجر فتدغدغك أصابعه ~~السمراء ms186 وتغرق وتعوم في بهجة الصباح ملقيا همك على أبيك، ولكن للفجر لذة أخرى لا يذوقها ~~إلا المستيقظ النشيط، وللصباح محيا وثابا لا يستقبله إلا المبكر، سيعلمك الواجب ~~العسكري كل هذا فاصبر تتعود، إن المرء مجموعة عادات ولا مكان يثبت العادة ويمكنها مثل ~~الثكنة العسكرية. # إن أول رب واحد عرفناه كان رب جنود، رب إبراهيم ويعقوب، أما اليوم فجميع ~~الأرباب يا عزيزي أرباب جنود، فهل نبقى وحدنا في هذا العالم نهرب من الجندية هربنا من ~~الطاعون؟ افتح مزامير داود واقرأ المزمور الرابع والثمانين، ففيه يصيح: «ما أحلى مساكنك يا ~~رب الجنود! طوبى للساكنين في بيتك! يا رب الجنود، طوبى للمتكلين عليك!» # أجل إن الوطن يتكل على جنوده الأيقاظ ... إنهم السور المحيط بالقصر، والسور يظل ~~منتصبا حارسا. لا تحسبن الجندية أمرا حقيرا، إنها فضيلة عظمى، فضيلة عملية، إنها ~~فضيلة في ذاتها وفضيلة في مفعولها، هي الحارس الأمين للفضائل التي تواضع المجتمع على ~~تقديسها، ففي يدك أنت الذي تستحقر عملك، حياتي وحياة آمرك وآمري، فلا تستصغر مهمتك، فالمهمة ~~تكبر بمن يتولاها، فإذا عرفت منزلتك وعظم شأنها أدركت الاحترام الذي تصبو إليه نفوس ~~الشباب. # إن الجندي هو أحد الحروف التي يكتب بها تاريخ الوطن، فجد لتكون حرفا مشددا فلا ~~تخرج رخوا ولا مائعا فيمجك الذوق وتنبو الآذان عن سماعك، كن حرفا يتم المعنى ~~ويقويه ويخلع على التعبير حلة سحرية، إن الوطن في أقصى الحاجات إلى الجندية، ولا ~~يتحد بنوه إلا تحت سقف بيت رب الجنود الذي هو الوطن. # لو علمت يا عزيزي كم حبة من القمح تتحد لتؤلف غذاءك اليومي، الغذاء الذي تلح صباح مساء ~~على ربك في طلبه؛ لهان عليك الأمر. هلم نتأمل معا أطوار الحبة فتهون عليك أطوار الجندية، ~~فالحبة تموت أولا وأنت بحمد الله لا تموت، ثم تخرج عشبة تقاسي ألف ويلة قبل أن تصير ~~سنبلة تتلع عنقها بغنج وحياء، حتى إذا استوت ونضجت بين يدي الحر والقر حصدت وحملت إلى ~~البيدر لتحتمل محنة النورج، وبعد آلام الدياس يأتي ضغط الرحى ms187 ويا للهول! ثم العجن وكم في ~~العجن من آلام! ناهيك بما ينتظرها من حر متقد في التنور، ومن نار حمراء تحت سقف ~~الفرن، حتى إذا أصبحت رغيفا قدمت لك فأكلتها هنيئا مريئا. # إن الحبة لا تتذمر إذ تقطع هذه المراحل الشاقة، وهل تظنن أننا جميعا غير حب ~~يطحن ليغذي ويبقي النوع؟ إن قول أبي العتاهية يؤيد ما أقول: # الناس في غفلاتهم # ورحى المنية تطحن # تأمل يا عزيزي كأس الخمر التي فتنت الأخطل وأبا نواس، وتذكر كم تحدثنا عنها في ~~الصف، تارة مجدين وطورا ضاحكين وأحيانا مستهزئين ومقبحين، إنها مؤلفة من آلاف ~~حبوب مرت في أطوار أقلها هولا وألما يفوق أشد أطوارك، فكما تتحد ملايين الحبات ~~لتؤلف غذاءنا وشرابنا، كذلك يجب أن تتحدوا أنتم الشباب لتؤلفوا الوطن، ولا وطن بدون ~~جنود. # أرجو أن أراك رغيفا شهيا في مأدبة الوطن، رغيفا تفترسه العيون قبل الأيدي، أرجو أن ~~أراك كأسا مثل عين الديك صرفا. أتخيلك كولونيلا أو جنرالا بعد أن تمر في محنة القمح ~~والعنب، إن الوطن يحتاج إلى مثل هذا الاتحاد؛ اتحاد الحنطة والعنب، ولا يكون ذلك إلا في ~~صفوف الجنود. إن للخبز والخمر في المسيحية معنى كهذا الذي بسطته لك، وما أسماه معنى! ~~فلسنا نجد قوتنا القومي إلا في مساكن رب الجنود وما أحلاها يا عزيزي! # عرفت الجندي لعينا ونظارا، ورأيته جلادا، وعشت حتى رأيته اليوم في هذا العصر ~~صديقا ومرشدا، ولا شك في أنك ستكون من عصابة المرشدين الحكماء؛ لأنني لمحت فيك - إذ عرفتك ~~واختبرتك - الفضائل الأدبية الأربع: الفطنة والعدل والقوة والقناعة. # ففطنتك تنير طريقك فلا تعثر بحجر رجلك، والعدل ينظم إهمال إرادتك ويرتبها فلا تظلم ~~ولا تحابي، والقوة تجعلك تتمثل بقول القائل: «لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى.» والقناعة ~~تحفظك بريئا من كل ما يتسخ به ثوب من يخدمون الجماعات. # وقصارى القول يا أخي: إن الجندي الأمين يجعل الناس فضلاء غصبا عنهم، فهو حافظ الحقوق ~~من الامتهان متى كان عادلا، وحارس على الأخلاق الفاضلة متى كان فطنا، وصائن الضعيف ~~وحاميه ms188 متى كان قويا، وقاتل الطمع - علة المجتمع الكبرى - إن كان قنوعا، ومن كان عادلا ~~قويا قانعا فطنا كان رجل التضحية، ونحن أفقر الناس إلى التضحية. # وإن قلت: ما هذه المواعظ الجافة يا معلم، فما هكذا عودتنا؟! فاسمع الجواب: إنني ~~أخاطبك جنديا، والجندية لا تعرف الهزل لأنها جد كلها، ومتى خالطها الهزل تشوش ~~نظامها وسقطت الفائدة المرجوة منها. # تصور فرقة تتمرن وتضحك، فما تراه ينطبع في نفوس أفرادها؟ إنهم يخطئون أهدافهم وتنقب ~~نعالهم ويضيع تعبهم، إن مهمتك جدية كلها، ولا متسع فيها للنوادر والفكاهات. ومتى استقام ~~لك نظامها وتمكن من نفسك وكتبت إلي كتابا عامرا بالإيمان حافلا بالرجاء منتعشا ~~بالمحبة لرفاقك ولمدربيك الذين قلت فيهم إنهم وجوه من خشب فارقتها الماوية منذ قرن ونيف ... ~~أجل متى حدثتني عن الجندية حديث أخ بطل لا مكره؛ أكتب إليك باللهجة التي تعهدها بي ساعة ~~النشاط والجمام. أما الآن يا حبيب القلب فأقول لك المثل المعروف: «من دق الباب سمع ~~الجواب» ... # أودعك الآن وأترقب بصبر تباشير الساعة التي أرى فيها الحجل مزوقا، أي ساعة تظهر على ~~جناحيك الألوان، فأنت الآن يا حبيبي كأفراخ الحطيئة بذي مرخ لا ريش ولا وبر، فاجتهد تصر ~~طاووسا، نجاك الله من خيلائه وزهوه! # نسيت أن أحييك وأقبلك فاعذرني، ولك أن تسمي كتابي هذا «الأبتر» كما سموا خطبة زياد ~~«البتراء»، وإلى اللقاء. # | الميلاد # أجراس تطن ونواقيس ترن في أربعة أقطار المسكونة، تمجيدا لذكرى ميلاد من أرسله الله ~~آية للناس ورحمة منه، إنه يوم تجديد أمل الإنسانية بعام أحسن وعالم أفضل، فمنذ ألف وتسعمائة ~~وخمس وخمسين سنة رأى المجوس نجمه في المشرق فجاءوا ليسجدوا له مقدمين القرابين مرا ~~ولبانا. وفي مثل هذه الليلة سمع الرعاة أصواتا ترتل في الأعالي: المجد لله في العلا، ~~وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة أو الرجاء الصالح لبني البشر. # هذا ما اعتاد ترديده الناس يوم هذا العيد السعيد. أما أنا فلست ممن يعومون في غمر ~~الصوفية ما دام هناك قنبلة ذرية، وكيف أقول: وعلى الأرض السلام وفي ms189 الناس المسرة ... إن ~~صح أن دولة ما تستطيع - لو شاءت - أن تبقي على الجنس البشري أو أن تمحوه من ~~الوجود؟! # المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام، تخرج اليوم من أفواه مئات الملايين مرتلة ~~ترتيلا شجيا، موقعة توقيعا رخيما على أصوات الأجراس والنواقيس والصنوج والأرغن ~~والبيانو، ولكنها، ويا للأسف، لا تتجاوز طرف اللسان ولا يحس بها الجنان! # ما أحوج البشر إلى الغوص على كنه كلمات يسوع وتعاليمه! وما أفقر العالم إلى درهم من ~~علاجه الروحي! جاء يسوع ليشيد مملكة الروح فأين هي تلك المملكة الروحية؟ أتتجاوز مبادئه ~~السامية حدود التغني بها؟ # أترى الميلاد هو في أن نهدي إلى أولادنا لعبا طريفة، والناس حولنا وحوالينا لا يجدون ~~رغيفا؟ ... وهل الميلاد في تبادلنا أكياس الملبس وعلب الشوكولا، بينا غيرنا يعد لنا ~~القنابل صغيرة وكبيرة؟! # وهل الميلاد في التنافس بعمل شجرة اصطناعية، بينا جناتنا الحقيقية مجتاحة يابسة تحن إلى ~~المحراث وتبكي على المعول؟ # وهل الميلاد في إنفاق الملايين على اصطناع «مغارة» لا تنقع غلة عطشان ولا تشبع كبدا ~~جائعة؟ # والمسيح الذي نعيد لميلاده قال لنا: «من سقى هؤلاء المساكين كأس ماء بارد باسمي، فأجره ~~لا يضيع.» فوالله لو مر المسيح مرة واحدة على بيوتنا لعادت إليه نخوته يوم دخل الهيكل، ~~وأعمل في ظهورنا السوط الذي طرد به باعة اليمام والحمام! # وهل عيد الميلاد في أن نحمل شجرته مئات الشموع ونضيء مغارته بمئات أخرى، وبيوت جيراننا ~~في ظلمة دامسة وقلوبنا في ظلمات أدجى؟ # وهل العيد في أن نذبح الديوك حبشية وهندية وبلدية، ونأكل ونشرب هنيئا مريئا، والبؤساء ~~حولنا مشتهون العضة بالرغيف؟ # وهل الميلاد في أن نقطع لأولادنا ثيابا نسيج وحدها - كوبون - والفقراء، إخوة المسيح، ~~عراة حفاة ليس لهم أطمار يسترون بها عوراتهم؟ # اللهم سترك وعفوك عمن يعيدون هكذا! # الهياكل والكنائس والمعابد تمتلئ ليلة الميلاد بالمرتلين: هاليلويا كيرياليسون، ~~آمين! # ستردد هذه الكلمات مئات ملايين المرات من أفواه الملايين المعتقدين أن العيد بدونها ~~لا يكون كبيرا وعظيما، مع أن صاحب العيد هو القائل في إنجيله: «ليس ms190 من يقول يا رب يا رب ~~يدخل ملكوت السموات، بل من يعمل إرادة أبي الذي في السموات.» # لقد جاء المسيح ليبلغ الناس إرادة أبيه الذي في السماء، وقد شعر بذلك تلاميذه فأطلقوا ~~عليه لقب «المعلم»، وما دمنا نعيد لذكرى ميلاد معلم إلهي فحسنا نصنع إذا ذكرنا ~~الناس بما علم. # إن السيد المسيح هو رسول تحرير ورحمة، ظهر في زمن كان فيه البؤس عظيما، فألقى محياه ~~الإلهي رجاء وأملا في نفوس الساقطين تحت الأحمال الثقيلة، فقال في خطبته على الجبل: «طوبى ~~للحزانى! لأنهم يتعزون» وكأنه أراد أن يدخل الرأفة إلى قلوب الملوك الذين إذا ما دخلوا ~~قرية أفسدوها، فقال أيضا: «طوبى للرحماء فإنهم يرحمون!» # ثم التفت إلى تلاميذه الملتفين حول منبره الجبلي وقال لهم: «أنتم ملح الأرض»، وإن فسد ~~الملح فبماذا يملح؟ «أنتم نور العالم»، وهل يوقد سراج ويوضع تحت مكيال؟ # وأدرك السيد أن السلطة تحصي عليه أنفاسه، وأن جواسيسها حوله وحواليه، فقال أولا: ~~«ما جئت لأنقض الناموس، بل لأكمل.» ثم مضى في النقض والإبرام، فقال: «قيل للقدماء: لا تقتل، ~~أما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلا يشجب، ومن قال له: يا أحمق، يستحق ~~عذاب جهنم.» # وهنا تصطدم في رأس السيد فكرة كانت سائدة في ذلك الزمان، وهي اعتقاد الناس أن بالصلاة ~~وحدها تمحى الذنوب، فأمر بترك القرابين على مذابحها، والذهاب إلى مصالحة من تذكرنا أننا ~~أخطأنا إليهم. # وأراد أن يخفف من حدة شريعة ذلك الزمان فقال: «سمعتم أنه قيل: العين بالعين والسن ~~بالسن، أما أنا فأقول: لا تقاوموا الشر بالشر، من طلب ثوبك اترك له رداءك، ومن سخرك ~~ميلا امش معه ميلين، ومن سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده.» # ورأى تباغض الناس وتطاحنهم حول حطام الدنيا، فقال: «قيل لكم: حب قريبك وأبغض عدوك، ~~أما أنا فأقول: حبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين ~~يسيئون إليكم، لتكونوا أبناء الله الذي يشرق شمسه على الأشرار والأخيار، ويمطر على ~~الأبرار والظالمين. فإذا أحببتم ms191 من يحبكم فأي أجر لكم ؟ أليس العشارون يفعلون ذلك؟ وإن ~~سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل تصنعون؟» # وكأن السيد أراد ألا تكون الأعمال خبثا ورياء، بل أرادها صادرة من القلب منبع المحبة ~~والرحمة، فقال - يحث على الإحسان لتخفيف ويلات البشر: «لا تتصدقوا قدام الناس فيضيع ~~أجركم، فمتى صنعت صدقة فلا تصوت قدامك بالبوق كما يفعل المراءون ليمجدهم الناس، بل لا ~~تدع شمالك تعرف بما صنعت يمينك.» # ثم ينهى عن الغش والخداع والكذب، ويريد ممن يريد أن يكون مسيحيا أن يكون شجاعا ~~صريحا لا يداجي ولا يداهن ولا يماحك فيقول: «ليكن كلامكم نعم نعم، أو لا لا. أنتم تعرفون ~~الحق والحق يحرركم فلا تخافوا. إن حبة الحنطة إن لم تمت لم تعش.» # وقد يقول قائل: قل لنا كيف نعيد؟ الجواب عندي يا أخي هو أن تخلع ثوب أنانيتك، فإن كنت ~~حاكما فوزع العدل بالقسطاس والميزان، وبهذا تعيد الميلاد على حقه. وإن كنت محكوما ~~فابتعد عن الإساءة ولا تضر بالناس، وهذا ما يسألك إياه صاحب العيد. # وإذا كنت معلما فحاول أن تبث الأخلاق الفاضلة في نفس من تعلم، واقترب جهدك من ~~المثل الأعلى، لا تنس أن يسوع هو المعلم. # وإذا كنت سيد شعب فلا تجر أمتك إلى المجازر البشرية، فالمسيح جاء رسول سلام، وهو ~~الذي علم: «من ضربك على خدك الأيمن فحول له الأيسر.» # وإذا كنت صاحب مصنع فتذكر مثل من بنى بيته على الرمل، وأتقن صناعتك جيدا. # كلنا يعلم أسطورة «البابا نويل»، يزعمون أن هذا الشيخ يأتي ليلا ويمنح هداياه ~~وجوائزه الجميلة للأولاد الصغار الهادئين الذين لا يقلقون سكينة البيت وراحته، ترى ألا ~~يتجاوز هذا البابا نويل صلاحيته الصغرى فيمنح قادة العالم جوائزه العظمى لعلهم يتركون ~~عباد الله المساكين مستريحين في مزارعهم فلا يغرقونهم في بحار الدم؟! ... # وقصارى الكلام أن عيد الميلاد يكون عيد ميلاد على حقه إذا ولد فينا قلب جديد، قلب ~~يرافق تعاليم صاحب العيد ويماشيها. # ويكون الميلاد ميلادا حقيقيا متى حولت الاختراعات الهدامة لخدمة البشرية التي ~~أحبها يسوع، ms192 وإذ ذاك تنتصر مملكة الروح التي أرادها المعلم حين قال: «ليس ملكوت الله ~~أكلا وشربا، بل برا وسلاما.» # | إلى رجل الغد # يا حبيب القلب # لأجلك اليوم أضع الحبر على الورق، وهما سميراك ونديماك، أنتم - جماعة الطلبة - غاية كل ~~أمة، أنتم الحجارة التي نشيد بها صروح الأوطان، يسمونكم اليوم رجال الغد، وقد سماكم ~~الشاعر من قبل أكبادنا التي تمشي على الأرض، فأنتم - كيفما دارت بكم الحال - رأس مال البيت ~~الأصغر والبيت الأكبر، أي الأسرة والوطن، ومن لا تهمه صيانة رأس ماله وتنميته فاقرأ إذن غير ~~مأمور كلمتي الموجهة إليك أيها العزيز في تشرين الأسود لا الأغر. # أرجو يا بني ألا تكون ضيعت اللبن في الصيف، فأمانيك الصيفية قد تناثرت أمنية أمنية، ~~كما بدأ يتناثر ورق الشجر ورقة ورقة، فعسى أن تتعلم من الخيبة كما تتعلم من الفوز ~~والنجاح. # غدا أو بعد غد، وإن امتد الأجل فبعد أسبوع، ستفتح بوابة المدرسة ذراعيها الكالحتين ~~وتنطبق عليك كماشتها السوداء، فلا سراح ولا براح ... غدا سترانا، ولا إخالك مت شوقا ~~إلينا، ولكن أخوك مكره لا بطل، كما قال المثل القديم، ومن يدري فلعلك قائل مع الذي استبشع ~~وجه الحريري: وجه الحريري وجه قرد، والضرورات أحوجتنا إليه، فليكن، أما أنا الذي لا أكتم ~~شيئا عنك فأقول لك ما قاله البدوي: # شكا إلي جملي طول السرى # صبر جميل فكلانا مبتلى # فهلم إذن يا عزيزي إلى مدرستك طيب النفس، مرتاحا إلى لقاء أساتذتك المتساوين معك ~~بالعظمة والكرامة، فكلاكما تقولان معا: الله مع الصابرين ... # رويدك يا ولدي ولا تكن لجوجا ولا حرونا ولا شموسا، فالعلم لا يدرك إلا بالصبر، ~~والصبر الطويل الجزيل، فاصبر على كل ما لا يرضيك ... فمنذ زمان لم أخصك بشيء، مع أنك يا عزيزي ~~موضوعي المنشود، وعليك أبني الرجاء، فعسى ألا يكون بنياني على شفير هار، سوف لا أنقطع عنك ~~بعد اليوم. وأما خير ما أزودك به الآن من نصائح الموسم، فهو رسالة أخ خرج من المدرسة ~~كتبها إلى أخيه الصغير الداخل إليها حديثا. # إن عهد ms193 هذه الرسالة يرجع إلى ربع قرن تقريبا، وها أنا ذا أسردها لك بحروفها لترى ~~أسلوبها، وتعلم أن الكتابة تسير سير الأزياء في موكب الزمان، فاسمع إلى المعاني المقصودة ~~وأعر طرفك الصور، إن جدك لبس مثلك حريرا وصوفا وكتانا وقطنا، ولكن الهندازة ~~تغيرت والتفصيل تنوع، فأصغ - حفظك الله - إلى ما كتبه ذاك الأخ، قال: # أخي الحبيب # أمس كان عقد شملنا منظوما، وملائكة الاتحاد ترفرف فوق رءوسنا. أما اليوم فقد ~~انفرطت منه حبة صغيرة عزيزة على قلبنا وهي أنت. قد بت سجينا، والمدرسة سجن ~~يدخله الولد طائعا مختارا. إن قفص المدرسة حلو، فكما يسجن الطائر الذي ترجى ~~فصاحته ليطرب ويشجي، كذلك يسجن الفتى الذي مثلك ليسمع الوطن صوته في غد، فاجتهد ~~لكي تبرع، فما نحن إلا طيور عابرة في فضاء التاريخ الهازئ. # ليست آلام أمي وأمك بأخف من آلام أم الطائر الذي انتزعته أنت في أول الصيف من ~~عشه، أتتذكر صراخها؟ هذي حال أمي وأمك. أتذكر العصفورة المفجوعة بولدها كيف ~~كانت تحوم حول بيتنا؟ كانت تقع بحذر على عيدان القفص الذي أعددته أنت لابنها، هذه ~~حال أمك اليوم، لا يزال قلبها يرافقك وعيونها ترف حول أسوار المدرسة، ودموعها ~~جارية في وادي الوجنات، فبالله عليك لا تتوان، ادرس ليل نهار لتحول دمعتها ~~الريانة إلى ضحكة رنانة. # لا بد من أن تبكي عندما ترى نفسك صغيرا بين أفراخ الإنسانية، ولا سيما عندما ~~تحملك الذكرى على أجنحتها إلى عالم الأحلام، فتبدأ لأول مرة تتذكر أيام صبوتك ~~الحلوة، ستتذكر أيام كنت تلعب مع عشرائك تحت سنديانة الضيعة، أيام كنتم تطوفون ~~قاطفين الأزهار، قابضين على الفراشات اللطيفة المنكبة على الزهرة تصافحها ~~وتناجيها، وتسر إليها ما لا يعلمه إلا المبدع الحكيم، قد كنت قاسيا أيها ~~الصغير. # أنا عارف أنني أهيج شجونك ولا أعزيك في بليتك الجديدة، لا بد من الألم يا عزيزي فهو ~~مهماز يحثنا على السير لنبلغ الواحات المرجوة، هكذا تألمت قبلك حين تذكرت ففاضت شئوني ~~واتقدت شجوني. الذكرى مرة يا أخي الصغير، ولكنها لا تخلو من ms194 حلاوة، ولولا المر ما ~~عرفنا قدر الحلو. # سوف لا يروقك هذا الطور الجديد، ولكن تصبر لتذوق طعم الحياة المدرسية، إن لها حلاوة ~~خاصة لا تنساها طول عمرك فتمتع من شميم عرار نجد ... # لا تخش بأس المعلم فهو ليس غولا كما صوروه لك، إنه أخ وأب وصديق إذا أحسنت سياسته، ~~فكن لبقا ولا تزعجه، فهذا المسكين يخشاك كما تخشاه، فاعرف أنت من أين تؤكل الكتف. إن ~~«فلق» الخوري إبراهيم و«طبشته» لا وجود لهما في دنياك الجديدة، فبالكلام اللين يروضون ~~اليوم أشبال الإنسانية، الضرب ممنوع، ولا يحظى بلقائه إلا صاحب المخ اليابس، فكن مطيعا ~~تنجح وتسلم، لا تهتم بغير تقليب صفحات كتابك إذا شئت ألا يقلب لك المحيط صفحته، احفظ ~~النظام يحفظك. لا تكن ثرثارا، واذكر قول والدتنا: لسانك حصانك إن صنته صانك. # النهار الصافي يعرف من صباحه، فلتزهر صبوتك ليثمر شبابك، الطريق الطويل، أما سمعت حكاية ~~المرحومة ستي عن النعجة التي شردت من الصيرة فأكلها الذئب؟ # إن في المدرسة طغمة هم غير رفاقك صغار الضيعة، فلا تعاشر إلا خيرهم لتعود إلينا كما ~~خرجت من عندنا، لا تبال بقول من يزعم أنه يقوم اعوجاج رفيقه، فالخل لن يعود خمرا مهما ~~حاولنا وتعبنا. الدرس الدرس! أنسيت كلمة والدنا: الدارس غلب الفارس؟ فاجتهد ترجع إلينا ~~فائزا منصورا. # كان أبي يسأل عني بعض معلمي فيمتدحون عبقريتي حتى سموني فيلسوف المدرسة، أما حين ~~دخلت العالم فوجدتني أجهل أبسط الأمور، قد كنت أضحك ما استطعت حين أسمع شهادة الزور في ... ~~عفوا شهادة المبالغة التي تعودناها في أحاديثنا كلها، كنت أضحك من مديح معلمي ومغالاته ~~وأقول في قلبي: مسكين والدي! إنه يجهل العلوم التي أتلقاها، فلو ألقى علي بعض أسئلة ~~لأضحكه جهلي بالواقع، وعرف أن ابنه يتعلم ما لا يمس حياته ولو عن مسافة أميال. أما أنا ~~والشكر لوالدي الذي باع «كرم الجورة» حتى علمني، فصرت لا أسأل عنك المعلم، بل أتولى ~~فحصك بنفسي. # إن الطحان لا يغبر على الكلاس، فاجتهد لتحسن الإجابة على أسئلتي، وأدق لك على ms195 ظهرك ~~أمام الأهل والجيران فتطول قامتك شبرين ... # نصيحة يا أخي، إن المدارس أمست تعلم الإسراف، وليس الذنب ذنبها، فالولد مطبوع على ~~التشبه فلا تتشبه بسواك. كن مقتصدا لا مبذرا ولا بخيلا، فالمبذرون إخوان الشياطين، ~~والإسراف وخيمة عواقبه. لا تتشبه بابن من هو أوفر ثروة منا، بل اجتهد لتفوقه أدبا وعلما، ~~فالعلم سيكون رأس مالك الكافي لتعيش مثله في العالم. إن المدرسة التي أنت فيها توطئة ~~لمدرسة أعلى منها، فتعلم جيدا ليسهل عليك دخول بوابتها، إنها بوابة العالم التي شبه ~~بها طرفة فخذي ناقته بقوله: «كأنهما بابا منيف ممرد.» # تذكر حكاية ابن حنا مرقص الذي قضى خمسة عشر عاما في المدرسة، ثم خرج منها مثل الشعرة ~~من العجين، أظنك ما نسيت سهراتنا وضحكنا عليه، وكم كانت خيبته مرة حين قرأ على الناس في ~~السهرة خبرا محليا في إحدى الجرائد، تذكر أسف شيوخ القرية على مال ضيعه أبوه وما أكل ~~من العوسج تينا، فإذا أردت أن تكون مثله فالمسألة هينة، اسمع أعلمك: اضرب بالكتاب عرض ~~الحائط وقل مثلما قال: حمار طيب خير من فيلسوف ميت. # فبالمحبة الأخوية أستحلفك وأسألك ألا تدع نسيم الكسل يطفي شمعة ذكائك، اجتهد ليكون ~~هذا القبس نارا مضيئة تحرق وتنير. ثق أننا وضعناك في مدرسة معظم رجالها من أهل الخير ~~والصلاح، فإذا خاب ظنك في واحد منهم فالكمال لله وحده. لا تنتقد ولا تذم، وبالعربي ~~الفصيح: لا تطول لسانك، ففي كل أسرة أخيار وأشرار، فكيف بالمدرسة التي تلم من هنا ~~وهناك؟ # وأخيرا، وكأني أراك تبكي وتنوح وتكتم ذلك لأن وجه تشرين الأصفر حالك السواد في أعين ~~التلاميذ؛ اصبر عليهم حتى ينسوا صفاء ليالي الصيف، ويشرعوا بالعمل بعد أن تمحي في عقولهم ~~صور الغابة والنهر والوادي والبحر. لا تحسب أنك تاعس الجد، فأنا اليوم أتذكر مقعد المدرسة ~~القاسي وأفضله على كرسيي الناعم الذي أجلس عليه بفضل العلم. # طمني دائما عنك، واطلب مني ما تشاء من حاجات لا بد لك منها، فأنت أمانة في رقبتي، ~~قدرني الله على وفاء دين ms196 المرحوم والدي بتعليمك كما علمني! # وختاما أقبلك. وإلى اللقاء. # | أفقره عقله # في ليلة ارتدت ثوب النسك والزهد، قرع بابي قرعا مزعجا فعرتني هزة وقلت: من ~~يدق الباب؟ # فأجابني صوت عريض أجش يتمطق بالكلام، قال: فقير ضربه الدهر كفا أطارت صوابه، ومسكين ~~ضيع حظه فراح يفتش عنه في بيوت المحسنين الكرام، ضعيف يستجير بالأقوياء، وبائس ولا ~~كالبؤساء. # فقلت في نفسي: أفي عصر بديع الزمان نحن؟! إن شحاذنا أستاذ محنك. ثم صحت مقاطعا: ~~أشحاذ أنت أم خطيب؟! متى كان المتسول يلقي خطاب عرش؟! ومتى صارت الفصاحة من آلات ~~الشحاذة؟! مضى يا رجل عصر الهمذاني والحريري، فلله أنت من فارس بيان! تفضل ادخل. # فدخل وهو يشخر وينخر، وبعدما مسح جبينه عرض علي رأسا كأنه بطيخة صفراء فيها عينان ~~تبصان لم يطفئ البؤس لمعانهما، وقال: تنظر البشر إلى الفقير الضعيف نظرة هزء واحتقار، ~~ويدوسون على جسمه ليصعدوا إلى عرش الغنى والرفعة، قرعت أبوابهم فكان رد الجواب: الله ~~يعطيك، وعلى الله، دعاء جميل، ولكنه لم يشتر لي رغيفا أسد به ما في بطني من فراغ، ولا ~~كساء عتيقا ألف به أعضاء لم يبق منها إلا ما يدل عليها دلالة غامضة ... وها هي ريح ~~الشمال تهمهم وتزمجر، تدق الأبواب دقات أعنف من قرعي بابك. # فقلت: عدنا إلى الخطابة، قل ماذا تريد مني؟ # فراح يهمهم ويردد: أريد منك، أريد منك، وكأنه أمسك خيط الخطاب الذي أفلت منه فقال: ~~دخلت تلك البيوت فلم أر غير نظرات احتقار ووجوها عابسة يابسة، التمست برهم فتجهموا ~~لي، وما جادوا علي بالكسر المتساقطة من موائدهم، قال لي خدمهم: لقد أعييتنا يا هذا، كيف ~~قدرت على صعود هذا السلم العالي وأنت على ما أنت من الهزال؟ فمعلمنا وهو كالجاموس ثخانة ~~وسمنا لا يرتقي فيه بضع درجات حتى يكاد يلفظ آخر نفس. # تلك كلمات خاطبني بها بواب البيت، وأما أصحابه فكانوا ملتفين حول مائدة القمار ~~كالحلقة المفرغة، ساكتين لا يسمع لهم حس كأنهم في صلاة عقلية، فنزلت من ذلك البيت كاسف ~~البال أقول لربي: ms197 إذا كان الأغنياء لا يغيثون البائس فمن يغيثه؟ أأترابه سكان الأكواخ؟! ~~إن الغني وصي على الفقير، فلماذا لا يرفق به؟ ثم أنت يا الله، يا عارفا بخفايا ~~القلوب، كيف أنعمت على هؤلاء الذين لا يقرون بفضلك؟ # فقلت: ومتى تنتهي؟ # فقال: وعرجت على بيت توسمت فيه الخير، فسمعت فيه أنينا وبكاء، رأيت هناك صبية ~~صغارا قد تعلقوا بأذيال أمهم وهم يصرخون: جعنا هاتي أطعمينا، فقلت في نفسي: كالمستجير ~~من الرمضاء بالنار! في ذلك القصر سعة وفرح وفي هذا الكوخ ضيق وشدة، وفي ذاك القصر تأكل ~~جراء الكلاب حتى تنبشم، وفي هذا الكوخ يشقى أطفال بني الإنسان! ولكن هؤلاء كانوا أرحم من ~~أولئك فأنزلوني بينهم باشين هاشين، فقضيت عندهم عشية تشاكينا فيها، لاعنين الدهر على ~~رنين الأقداح المتصاعدة من القصر، كانت تقع في آذاننا فتجرحها وتزيد آلامنا المبرحة ~~هياجا. # وحاولت أن أقاطعه، ولكن صاحبنا استولى على المبادرة وقذف بهذه الكلمات: وفي الغد، وكان ~~يوم أحد، بكرت إلى المعبد لأشكر من لا يشكر على مكروه سواه، وأسأله خبزي اليومي؛ لأنه قال: ~~«اطلبوا تجدوا» ... فجلست على كرسي كان ملقى في زاوية المعبد. فما استرحت عليه قليلا حتى ~~أقبل خادم غليظ الكبد والقلب وحذفني عنه بعنف وقال إنه لا يليق بك، قم عنه، هناك محلك، ~~وأشار إلى البلاط، ثم طار بالكرسي ليقدمه إلى أحد الأغنياء، فتركت مكاني وانتقلت إلى ~~إحدى الزوايا وقبعت فيها مستندا إلى الجدار، فكر علي ثانية ليبعدني عن الحائط ~~المزوق وعن صندوق الفقراء الذي كان بالقرب مني، فتأثرت إذ ذاك منه وصحت به قائلا: كما ~~يسهر الغني على صندوقه ويقيم بالقرب منه، كذلك أنا أقيم بقرب خزانتي لأحفظها. # ولما رأى جرأتي عليه تركني حيث أنا فتكومت في تلك الزاوية، ولما انقضت الصلاة ~~خرجت وبسطت يدي للخارجين من الهيكل، فأدركت بعض الصدقات من الطبقة الوسطى، أما أصحاب ~~الجيوب الوارمة فلم يكترثوا لي، بل كانوا يسيرون ومن حولهم جماهير المدلين. # وذهبت إلى الملاهي فرأيت فتية كأنهم من بقايا أبي نواس، خمرة في العيون والخدود، ms198 يلوكون ~~ألسنتهم من الخمار ويتساقطون تساقطا على الخوان وإلى جانبهم الغواني الخالعات العذار، فما ~~رأوا ما علي من أطمار حتى استعاذوا بالله، وأومئوا إلي بأطراف البنان مزورين ~~لاعنين شاتمين؛ لأن منظري عكر صفو مجلسهم، وكأنهم أنفوا أن يلوثوا أيديهم بي ~~فاستعانوا علي بالساقي، وكانت صدقتهم لعنات وشتائم. # وانتصبت في الشارع حينا أمد اليد تارة وأرفع الصوت جهرة، ولكن خرير الدواليب ~~وعواء المزامير وصراخ الباعة كان يبتلع ذلك الصوت المغبون. وفي الشارع أبصرت الزاهد يسير ~~مطرق الرأس، والسكير يتعرج على الجانبين، والغني يجر ذيول الغطرسة منتفخا، وقل من ~~يعير البائسين التفاتة! يتحدثون بألسنتهم عن البر والإحسان وتزكية المال، ولكنهم ~~يقولون ما لا يفعلون! # وذهبت إلى إحدى المدارس، وهناك اللياقة وحسن الاستقبال. يا ويلي على أولاد هذا الزمان، ~~وألف ويلي منهم! ضحكوا مني، كنت كيفما جلت في المدرسة لا أسمع غير قهقهة وصفير، سخر ~~واستهزاء، وتنادر وتهكم؛ واحد يدفعني وآخر يتلقاني، فخلتني كرة يتلهون بها في ~~الملعب. كانت هذه الإهانة أشد وقعا في نفسي المتألمة من كل ما قاسيت من خيبة، فقلت في ~~قلبي: أما كفاهم أنهم لم ينفعوني بنافعة حتى يضحكوا علي؟! # فناديت المعلم بأعلى صوتي: إذا كنت تعلمهم الضحك من الفقير البائس والاستهزاء به فما ~~نفع تعليمك؟ ما فائدة العلم الذي لا يعرف الإنسانية؟ علم تلاميذك أن يكونوا بشرا قبل ~~كل شيء، علمهم الإحسان وإن لم تكن أنت محسنا، فكثيرون هم الذين يعلمون بما لا ~~يعملون به، وإن لم تقدروا على الإحسان فلا أقل أن ترثوا الفقير وترحموه. # فبهت الأولاد من حديثي، وأخذوا جميعا ينظرون إلي معجبين، فاسترسلت في الكلام وقلت: ~~سمعت أن أكثر مدارس هذا الزمان تعلم الرفق بالحيوان، فما قولكم يا شباب بأخيكم ~~الإنسان، أليس هو الأجدر بأن ترثوا له؟ يقول المثل: زاد واحد يكفي اثنين، وأنتم جمهور - ~~بارك الله فيكم - أتعجزون عن أن تغدوا رجلا لم يمتع نظره اليوم برؤية وجه الرغيف؟! ~~... # وجاء الرئيس على صراخي فأمر بإخراجي؛ لئلا أضيع وقت طلاب مدرسته، فأجابه كبير منهم: ~~دعه ms199 يتم خطبته فهو يلقي علينا درسا لا تأتي المدرسة على ذكره. # وأراد زائري الكريم أن ينثر ما بقي لديه من الدرر، فقاطعته قائلا له: كيف تجهل وأنت ~~الحصيف الفصيح قول القدماء: السائل ذليل ولو ابن السبيل؟! # فقال: إننا نسأل لنعيش ولا نطلب إلا قوت من لا يموت، ولو كان السؤال حراما ما قال الله: # وأما السائل فلا تنهر ~~، وإني رأيت ذل ~~السؤال أعز من خدمة الأنذال، فما قولك دام فضلك؟ # فقلت: أراني أحدث فقيرا ولا كالفقراء، فمن أنت يا رجل؟ # فزفر زفرة ملأت الغرفة وأجاب: أنا فلان رفيقك في المدرسة، نسيتني يا مارون؟! # فقلت: الله! أنت فلان؟! # فأجاب: نعم، أنا هو، وما أفقرني إلا عقلي! # | ضلال الآباء والأبناء # كثيرا ما أسمع من الأب أو القائم مقام الأب هذه الكلمة: أنا والله متحير بأمر هذا ~~الصبي، أنهى دروسه وحاز الشهادات ولا أدري ما أختار له من الأعمال! # حقا إن الحيرة لا تستولي علينا إلا عند مفارق الطرق، هناك نقف ولا ندري من أية ~~بنيات الطريق نتوجه، قد ينفق بعضنا كل ما يملك راجيا أن تتفجر الثروة من بين يدي ولده، ~~ولكنه متى بلغ المحجة وقف في ظلمة الحيرة يترقب بزوغ فجر الألم فيرى احمرارا واشقرارا ~~وأما الصبح فيظل منه بعيدا. # يريد الأب أن يوجه ولده كما يشاء هو ليرضي كبرياءه، مع أن هذا لا يعنيه، فصاحب الحق ~~الأول هو «المحروس» أقر الله عينه به! إن آفتنا نحن الشرقيين، بل آفة جميع العالمين هي ~~أن الأب يريد أن يورث ابنه مهنته كما يورثه العقار والسجاد والخرثي من متاع ~~البيت، فصرنا نرى ابن القسيس قسيسا، وابن الإمام إماما، وابن الحداد حدادا، ~~وهكذا دواليك حتى سميت الأسر بأسماء المهن فصارت لهم نسبا وحسبا. # أما أنت يا قارئي الحبيب فلا تفعل ذلك إذا شئت أن يفلح ابنك، دعه وما يميل إليه لأنه ~~سيعود أخيرا إلى العمل الذي انتدبته إليه ميوله وطبيعته، فخير لك ولابنك أن يكون ~~بناء ماهرا من أن يكون أستاذا يهزأ به تلاميذه، ms200 وسياسيا يضحك ذوو الدهاء على ذقنه، ~~وحاسبا لا يعرف الخمس من الطمس، وعالما لا يعرف الكوع من البوع، ومحاميا يضيع حقوق ~~الناس، وطبيبا يفني ويعمي، فتتذكر كلما رأيته قول ابن الرومي: # فإذا مررت رأيت من عميانه # أمما على أمواته قراء # لست أستطيع أن أستعرض لك الجيوش الجرارة من أعاظم الرجال الذين اختاروا مهنا لا تلائم ~~فطرتهم فأخفقوا، ولم يفلحوا إلا حين لبوا نداء ميلهم فكانوا من عباقرة الدنيا. # فمن هؤلاء موليير المسرحي العظيم، شاء حين غادر المعهد أن يكون محاميا ولكنه أخفق في ~~تمثيل دور المحامي على مرسح القضاء، ولما انصرف إلى العمل الذي يحسنه لمع نجمه وما زال ~~ساطعا في نظام المسرح. # وفولتير هجر كتب اللاهوت والقانون ليكون فيلسوفا وكاتبا وشاعرا فقوضت كتاباته عرش ~~الملكية، وشبت نار الثورة الفرنسية، وخلقت عالما جديدا يكون فيه الفرد كما يجب أن يكون ~~الإنسان. # ولعلك ممن يسمعون بكرامويل قائد الثورة الإنكليزية، فهذا الجبار الطائر الصيت ظل ~~فلاحا مزارعا حتى اكتهل، ولما دنت ساعة دعوته غير وجه إنكلترا ودعي حاميا ~~للجمهورية. # وبسكال أوجب عليه والده أن يتعلم اللغات الميتة، ولكن ميله إلى العلوم الرياضية تغلب ~~على الغراماطيق، فكان منه ذلك المفكر الحر. # وميكالنج احتمل العقوبات المرة من والديه لأجل ما كان يخربشه على جدران البيت وأمتعته، ~~ولكن العبقرية أبت إلا أن تنتصر، فخلد ذكره بآثاره الباقية على جدران كنيسة القديس بطرس ~~وفيها. # وأمين الريحاني كم دق بابا من أبواب الحياة ولم يفتح له إلا باب الأدب! فكتب «ملوك ~~العرب» وغيره من التآليف الباقية. # فالمصيبة يا صاحبي هي أن أكثر البشر يحترفون ما لم يخلقوا له، فكم من فتى خلق ليكون ~~معلما نراه خادما في مخزن! وكم من أناس خلقوا مزارعين ونراهم أطباء ومحامين! وكم من ~~غلمان يعملون في المعامل وكان الأجدر بهم أن يكونوا علماء! وكم من طلاب في الجامعات كان ~~أحرى بهم أن يكونوا حراثين! وكم من رسامين كان أولى بهم أن يكونوا طيانين ودهانين! ~~وكم من رجال خلقوا ليكونوا سياسيين فإذا هم ms201 أساكفة أو باعة جوالون ! وكم من سياسيين يجب ~~أن يكونوا في الإصطبلات لا في الندوات! وكم من جراحين حقيقيين نراهم بين المدية ~~والساطور، بينا نرى غيرهم جراحين وما هم غير جزارين يبقرون البطون ويساعدون عزرائيل على ~~تأدية واجبه! ... # إن حب الجاه والمجد هو الذي يحولنا عما خلقنا له، فصرنا نرى السواد الأعظم من الناس ~~يختارون لأولادهم المهن الحرة، أو يعدونهم للجلوس على الكراسي، وقد فاتهم ما قاله ذلك ~~الحكيم: «إن الحراث الواقف على قدميه في العراء تحت عين الشمس لهو أرفع شأنا من سيد ~~جاث على ركبتيه.» # فانظر يا صاحبي، أو دع ابنك ينظر إلى أين تنتهي يده، فأنت وهو تعرفان ما عنده من مواهب، ~~فليتكما تعرفان أن حدادا ماهرا خير من صانع يضيع بين يديه لمعان الذهب وبريق ~~الألماس! # الحيوان لا يحاول القفز فوق حفرة لا يستطيع تجاوزها، أما الإنسان والإنسان وحده من دون ~~جميع المخلوقات فيحاول أن يقاوم الطبيعة؛ يريد الألثغ أن يكون خطيبا، والأعرج راقصا، ~~والثقيل السمع موسيقيا، والأبهر مصورا! فإذا رأيت ابنك يعمل ما تظنه أنت عبثا فلا ~~تهزأ به، دعه وشأنه، إنها بشائر خير لا يحق لك أن تتذمر منها. # فالنابغ يفتش عن ذاته، ومتى وجدها عثر على الكنز الذي كتب له أن يقع عليه ~~ويسعد. # لا تسأل أحدا ماذا تعمل لابنك حتى تحالفه السعادة، فهذا سر لا أعرفه أنا وتجهله أنت، ~~لا يعرفه إلا واحد فقط، أتعرف من هو؟ إنه ابنك، فدعه وشأنه، ولا توصه إلا بشيء واحد: ~~الإخلاص لعمله مهما كان نوعه. # | هذا أوان الشد # إذا شئت أن تنجح أيها الطالب، فانظر إلى الزارع كيف يغدو إلى الحقل وتشبه به، إن ما تزرعه ~~اليوم تحصده غدا، فاعمل ليكون بيدرك كبيرا وغلتك كثيرة، فأبوك أعد العدل وأمك هيأت ~~الكوارة، وقدر ما تحط بالقدر تشيل في المغرفة. إن خلاصك بيدك، بحياة كل عزيز على قلبك قل ~~لي: ما هي المدرسة؟ أليست المدرسة سجنا اخترناه أنا وأنت؟ فاعمل بكل ما عندك من قوى لتبارح ~~هذا السجن ms202 الجميل، هذا القفص المذهب أيها البلبل الطري العود. # أنا وأنت لا تعنينا السياسة الجوفاء، إن السياسة كالنار تدفئك مجالسا وتحرقك ملابسا، ~~فتمتع بمنظر ألسنتها المندلقة من فم موقدها الشبق. إن ثرثرتها ناعمة مغرية، ولكنها ~~كالحب تكوي وتحرق، فحذار أن تمد يدك إليها، فإنها ألسن تلحس ومداعبتها التهام ~~وهضم. # أنت سامع ضوضاء الانقلابات وأنباءها تنقلها إلى أذنيك محطات الإذاعات، فتتراءى لك على ~~شاشة مخيلتك أشباحا لا تعلم من يتجسد منها أرواحا، لا بأس، تسل هنيهة يا عزيزي، ~~ولكنني أرجو ألا تسد الطاقة التي بيننا. إصغاء هنيهة ونعود إلى عملنا، أعود أنا إلى مكتبي ~~حيث أكتب قصة لبنانية عتيقة تحبل بها مخيلتي وذاكرتي، وألدها غصبا عني، أو مقال نقد ~~وكيسي لا يعرف النقد، وتعود أنت إلى درسك لتتأهب للغد الذي ينتظرك. # أنت غدي أيها الفتى، أنت الفسيلة النابتة على أرومتي، وجنة الشرق تنتظرك، أجل لم يبق لي ~~غد سواك، وهذا هو الخلود الملموس، خلود الآباء بالأبناء والأمة بالذرية. أتعلم كم قطعت أنا ~~من الأشواط؟ اسمع فأخبرك، هذا سر بيني وبينك، لا تبح به لأحد يا عزيزي، ففي النفس آمال ~~وفيك فطانة ... شيخك دعس في السابعة والستين بحسب الهوية، وفي التاسعة والستين كما في دفتر ~~المعمودية. لا ترع يا ابني فالعقل ما زال في الرأس، والنفس طرية، وبكلمة ألذ وأطيب: ~~النفس خضرا، وما نفع الحياة إذا يبست النفس؟ إنها لا تصلح إلا وقودا، وفي تلك الساعة نعوذ ~~برب الفلق من شر ما خلق. # هذي مقدمة أحببت أن أسترعي بها انتباهك، بل قل إنها أحبولة أو طعم، فنحن المعلمين أشبه ~~بالصيادين نضع ذبابة في الصنارة لنصطاد حفشا. ثق وتأكد أنني أحب أن أتحدث إليك؛ لأنني ~~عاشرتك أربعين عاما وأكثر، والمثل يقول: «عاشر القوم أربعين يوما، فإما أن تصير منهم أو ~~ترحل عنهم»، فما قولك بعشرة خمسين عاما إلا قليلا؟ لا تقل إنني صرت مثلك كما يتهم الجاحظ ~~معلمي الصبية، فهذاك ماجن، وأنا ممن يكيفون وقلما يتكيفون. إن في نفسين: واحدة خصصتك ~~بها، وأخرى أبقيتها ms203 للحياة، والحمل - والحمد لله - معدل، عدلان متوازيان، فسر معي حتى لا ~~تقصر في العقبة. لا تقل ما أفضى باله! الحديدة حامية وهو يلهو ويلغو! لا يا أخا الكتاب، ~~إنني أقول لك ما قاله المعلم الأكبر لذلك الرجل: «دع الموتى تدفن موتاها واحمل صليبك ~~واتبعني!» # صليبك كتابك، ووطنك يترقب صعودك إلى الجلجلة ليرى أي رسالة تعلم، فهيئ لتلك الساعة ~~عدتها. # أنت عمود الوطن، وللعمود صفتان أوليتان: المتانة والجمال الفني، فالمتانة هي الأخلاق ~~الموروثة من دم سليم جرى في عروق الأجيال والدهور حتى انتهى إليك نقيا، فهل يليق بك وأنت ~~أمل الأمة ورجاؤها ألا تحفظ الأمانة وتؤديها إلى الذرية كما تسلمتها نقية سليمة لا ~~تشوبها شائبة؟ أما الجمال الفني فيك أيها العمود الحقيقي فهو الثقافة التي جئت المدرسة في ~~طلبها، فهل تخرج منها مثل الشعرة من العجين؟ إن فعلت هذا فأنت يا عزيزي حرامي! وإن كنت لم ~~تسرق غير نفسك، وسارق نفسه أجدر بالقصاص من غيره، أليس الأفضل أو الأجدى لك أن يبقى هذا ~~المال في عبك فتعمل به عملا مثمرا؟ # وبعد، فما المدرسة يا عزيزي؟ قل إنها حبس كما قلنا ولا تستح من ذقني، وأنت طرحت نفسك في ~~ذلك الحبس بملء إرادتك، فاعمل إذن مريدا تكتسب علما، وإن كنت لا تريد فمن يعلمك. إن ~~الوحي انقطع كما تعلم وتؤمن، والعلم لم يوفق حتى الساعة إلى اكتشاف مصل مدرسي، لم تخترع ~~بعد أنابيب للغة العربية واللغات الأجنبية، وأنابيب للرياضيات والطبيعيات، وأنابيب للأدب ~~والفلسفة، فتحقن بها شرايين دماغك لتأخذ العلم من أقرب طريق، العلم يتطلب كدا ~~واجتهادا، ومهما قل ذكاؤك فأنت واصل إلى ما تبغي إن اجتهدت، فلا تقل هذا العلم لا يدخل ~~عقلي، وذاك لا يلذ لي، يجب أن تعرف كل شيء لتتفوق فيما تميل إليه. # لا تحلم بالشهادة ولا تسع إلى إحرازها سعي جاهل، إنها ورقة ليس غير إذا لم يكن في صدرك ~~علم، الشهادة تحيا بعلم صاحبها كما يحيا الكتاب وينطق بفهم صاحبه، إنها تظل حبرا على ورق ~~ولا تدب ms204 الحياة فيها إلا منك ، فمنك تستمد حياتها، وبقدر معرفتك يرتفع قدر شهادتك، هب ~~شهادتك سيفا يمنيا، فالسيف محتاج إلى زند ولا يقطع نائما في غمده. وبعد، فلو حزت ~~الشهادة عن جدارة واستحقاق وزينت بها صدر القاعة ثم لم تعمل، تظل تلك الشهادة ورقة ~~مزوقة، كقطع السلاح القديمة المزينة بها حيطان بيتك. # أية شهادة حازها الإمام علي والجاحظ وبديع الزمان والشدياق؟ وأي دكتوراه نالها أفرام ~~السرياني وتوما الإكويني وابن رشد وابن سينا والمعري والمتنبي والسمعاني ~~والأوزاعي؟ # لا أشبه لك الشهادة إلا بمفتاح تعطاه لتدخل متحف الفكر الإنساني، فعليك المعول لا ~~عليها حين تلج كهف الدهور، هناك ترى أناسا استحالوا حبرا وورقا، ونضدوا كتبا فيها كل ما ~~في الأحياء من ميول وأهواء، إنهم يرحبون بك، وكل منهم يجذبك صوبه بعنف ويريد أن يستأثر ~~بك، ويا خيبتك حين تجلس إليه إن كنت لا تفهم عنه! إنك تزدري شهادتك حينئذ وتلعن من أولاكها ~~لعنة قايينية. فلا تسع لإدراكها عن طريق الغش والخداع، فما تخدع إلا نفسك، لا تحصلها إلا ~~بباعك وذراعك. إن إرادتك ورغبتك تسهلان مهمتك، وإذا كنت لا راغبا ولا مريدا فانصرف ~~إلى الحقل، فراع حاذق خير من متعلم جاهل. رحم الله إسكندر العازار الذي نسيناه! فقد ~~قال: «دخلت المدرسة حمارا بلا شهادة، وخرجت منها حمارا بشهادة!» # يقولون: القناعة غنى، والطمع ضر ما نفع. إن القناعة في العلم لا يرضى بها إلا صديقنا ~~الطويل الأذنين. كثيرا ما أسمع أولياء الطلاب يؤاخذون المعلمين ويشجبون المدارس إذا قصر ~~أبناؤهم، يسألونك عن أبنائهم ولا يسرهم إلا أن تكذب عليهم بإفاضة الثناء، فإذا قلت لأحدهم: ~~ابنك مليح، ولم تشد على كلمة مليح حتى تسحق سنا من أسنانك، قال لك: رخوة يا أستاذ ... وإن ~~صارحت أحدهم بقولك: ابنك لا يقبل العلم، معدته لا تقطع، عبس وتولى حانقا وأنحى على ~~المدرسة ومعلميها، ومهما تفه قدر المعلم يظل خيرا من تلميذ ضيع ذكاءه بين البيت ~~والمدرسة. # نعم، قليل جدا عدد الأساتذة الذين يحاسبون أنفسهم عندما يأوون إلى فراشهم متسائلين: ~~ماذا ms205 طبعنا اليوم في نفوس تلاميذنا من أخلاق فاضلة؟ وماذا علمناهم؟ إنه لا يسأل كيف أدى ~~درسه، وهل هناك نمط أمثل يلتجئ إليه، إنه لا يتحدث إلا عن التلميذ الذي حفظ درسه كالماء ~~الجاري. والذي عرفته أنا بالاختبار هو أن الأستاذ مهما حذق مهنته وأخلص لها، لهو عاجز عن ~~أن يعلم من لا يريد أن يتعلم. # المعلم في قاعة الدرس أشبه ببائع على الرصيف ينادي على الكعك السخن، على الترمس أحلى من ~~اللوز، ولكنه لا يكون غريما فيركب كتفيك ويتمسك بأذيالك فلا تفلت منه حتى تشتري، فعليك ~~أنت أيها الطالب أن تغتنم رياحك متى هبت، وإلا فالدائرة تدور عليك أنت لا على معلمك. ~~إن الوطن ينتظر فيك رجلا فلا تنتظر أنت ورقة، ليست الشهادة بحد ذاتها سلاحا، فما ~~أشر من الحبر إلا الورق، فلا تكن في يدك كما كانت تلك الورقة في جيب ذاك المغفل مشتري ~~المعلاق، نتشه الكلب من يده فصاح به: خذه، إنك لا تعرف أن تطبخه، فالورقة معي! # ألستما سواء بسواء إذا كانت «شهادتك» لا تشهد لك إلا زورا؟ ... ms206